######OpenITI# #META# URI: 1450MustafaMuhammadFuad.TocquevilleMuqaddimaQasira.Hindawi52463627 #META# Tags: social.sciences #META# ID: 52463627 #META# Title: توكفيل: مقدمة قصيرة جدًّا #META# AuthorID: 53929269 #META# Author: هارفي سي مانسفيلد #META# EditorID: 29797462 #META# Editor: هاني فتحي سليمان #META# TranslatorID: 73586958 #META# Translator: مصطفى محمد فؤاد #META# Related_books: 1450HarveyMansfield.TocquevilleShortIntro (TRANSL) #META#Header#End# # شكر وتقدير‏ # مقدمة: ليبرالي من نوع جديد‏ # 1 - نظرة على حياة توكفيل‏ # 2 - ثناء توكفيل على الديمقراطية‏ # 3 - الديمقراطية غير الرسمية‏ # 4 - استبداد الديمقراطية‏ # 5 - الإدارة العقلانية‏ # 6 - فخر توكفيل‏ # المراجع‏ # مصادر الصور‏ # شكر وتقدير‏ # مقدمة: ليبرالي من نوع جديد‏ # 1 - نظرة على حياة توكفيل‏ # 2 - ثناء توكفيل على الديمقراطية‏ # 3 - الديمقراطية غير الرسمية‏ # 4 - استبداد الديمقراطية‏ # 5 - الإدارة العقلانية‏ # 6 - فخر توكفيل‏ # المراجع‏ # مصادر الصور‏ # | توكفيل # | توكفيل # | مقدمة قصيرة جدا # تأليف # هارفي سي مانسفيلد # ترجمة # مصطفى محمد فؤاد # مراجعة # هاني فتحي سليمان # | شكر وتقدير # أنتج هذا الكتاب تحت رعاية مجموعة «قيم المجتمع الحر» التابعة لمعهد هوفر بجامعة ~~ستانفورد؛ حيث أعمل زميلا أول بكرسي كارول جي سايمون. وقد ساعد في ظهوره أيضا زمالة ~~بحثية في مؤسسة كارل فريدريش فون سيمنز في ميونيخ بألمانيا، امتدت طوال الأشهر الستة الأولى ~~من عام 2009 بدعوة من صديق عمري د. هاينريش ماير. ويجب ألا أنسى في هذا المقام توجيه الشكر ~~لجامعة هارفرد على كرمها الذي تبديه لي دائما؛ فهي المكان الذي قضيت فيه معظم حياتي في ~~واقع الأمر. وأنا ممتن أيضا لكاثرين سينسن لنقدها القيم والموضوعي للكتاب، الذي ~~قدمته لي باحترام شديد. وقد كانت زوجتي الراحلة ديلبا وينثروب، التي كان من المفترض أن ~~تشاركني تأليف هذا الكتاب، في خاطري طوال الوقت وأنا أخط هذا الكتاب. # | مقدمة: ليبرالي من نوع جديد # من هو ألكسي دي توكفيل؟ هو، بالتأكيد، كاتب صاحب أسلوب بارع، لكنه كاتب أعمال غير قصصية ~~يتحدث عن الحقيقة والواقع بعبارات آسرة وصياغات جذابة. هو أيضا عالم اجتماع، لكنه لم ~~يستخدم المنهجية المعقدة والحياد غير التدخلي والموضوعية المصطنعة التي يستخدمها علماء ~~الاجتماع اليوم. وقد كان مدافعا عن السياسة ومصلحا فيها في نفس الوقت، متبعا ~~المنهج العلمي في بعض الأحيان، لكن دون أن يسمح لهذا المنهج العلمي بأن يتعارض مع هدفيه ~~السابقين. هل كان مؤرخا؟ نعم؛ لأنه كتب عن الديمقراطية في أمريكا، التي كانت حينها ~~وما زالت حتى الآن مهدها الأساسي، وكتب كذلك عن النظام ms001 القديم في فرنسا، الذي كان - ~~بحسب قوله - يرى أن الديمقراطية بدأت فيه؛ والمدهش أن هذا كان في شكل حكم رشيد من قبل ~~نظام ملكي. لم يكن يكتب مثل المنظرين المنفصلين عن الزمان والمكان، غير أنه كان يسعى ~~دائما وراء الأسباب ولم يكن مجرد سارد للأحداث، وقد اختار كذلك أن يكتب عن أهم الأحداث، ~~أو «الأسباب الأولى»، على حد زعمه. هل كان فيلسوفا؟ هذا سؤال صعب، على الرغم من أن ~~الكثيرين ممن يربطون بين الفلسفة والنظام السياسي سيجيبون على هذا السؤال بالنفي، أما أنا ~~فأرى أنه يحمل من سمات الفلاسفة أكثر مما يبدو. يمكننا الاتفاق على أنه «مفكر»، على الرغم ~~من أنها كلمة غير معبرة إلى حد كبير عن شخص كانت لديه شكوك تجاه الفلسفة. # هل كان رجلا عظيما؟ هذا مؤكد؛ هو رجل عظيم لنفاذ بصيرته، وأيضا لأنه أخذ على عاتقه ~~تفسير العظمة في عصر ديمقراطي في الوقت الذي كانت فيه محل هجوم أو ببساطة مغفلة ~~تماما. إنه رجل عظيم ربط بين الديمقراطية والحرية من جهة، والعظمة من جهة أخرى. # شكل 1: ألكسي دي توكفيل في عام 1850. عندما ولد توكفيل، نظر أبوه إلى ~~وجهه المعبر على نحو مدهش، وقال إنه متأكد أنه سيكون رجلا ~~عظيما. # لقد وصف توكفيل نفسه بأنه «ليبرالي من نوع ~~جديد». أما اليوم، فهو غير معروف باعتباره ليبراليا، كما هو الحال بالنسبة إلى صديقه جون ~~ستيوارت ميل، الذي ألف كتابا عنوانه «عن الحرية» لتفسير المبادئ الليبرالية وتأييدها. ~~يبدو أن توكفيل كان يميل أكثر للوصف والتحليل بصفته عالم اجتماع، غير أن أسلوبه كان بارعا. ~~وعلى الرغم من أن أعماله كانت تزخر بالرؤى الكاشفة، فإن أفكاره نبعت من رصد الحقائق ~~بدلا من أن تظهر مرتبة على نحو منهجي في تسلسل الحجج. لكنني سأحاول أن أحافظ له على ~~الوصف الذي أطلقه على نفسه، وأوضح أنه يستحق المرتبة الأعلى بين الليبراليين؛ فقط لأنه ~~لم يكن منظرا كما يريد عادة الليبراليون أن يكونوا. # إذا كان توكفيل ليبراليا من نوع جديد، فهذا يعني أن الليبرالية ms002 نفسها ليست شيئا ~~جديدا. صحيح أن كلمة «ليبرالي» قد بدأ استخدامها فقط في عصر توكفيل، لكن كان أساس تلك ~~الليبرالية قبل ظهورها موجودا في معتقدات المنظرين السياسيين المحدثين في القرن السابع ~~عشر، وبالأخص توماس هوبز وباروخ سبينوزا وجون لوك، الذين جعلوا الأساس الذي انطلقوا منه هو ~~أن الإنسان حر بطبيعته. لقد كانوا يقصدون أنه قبل أن يصبح الإنسان جزءا من مجتمع أو نظام ~~سياسي ما، لا بد أنه كان في حالة مجردة (أي «الحالة الطبيعية»)؛ حيث كان حرا في اختيار ~~المجتمع الذي قد يرغب في الانضمام إليه ونظامه السياسي. لا يعتقد توكفيل أن الإنسان بدأ في ~~تلك الحالة التي كان فيها «كامل الحرية»، بحسب قول لوك، ولا يعتقد أن الحرية سبقت السياسة. ~~يبدو أن توكفيل كان يتفق بدلا من ذلك مع أرسطو، وهو الفيلسوف القديم الذي عارضه ~~المنظرون المحدثون هؤلاء، والذي قال إن «الإنسان بطبيعته حيوان سياسي»، قاصدا أن الحرية ~~الإنسانية تضرب بجذورها في السياسة، وليس في حالة طبيعية أصلية سابقة على السياسة. # لم يقل توكفيل إنه يتفق مع أرسطو؛ فهو لم يتفق معه في أن الفلسفة هي أسمى سبل فهم ~~الحياة، ولم يدخل في جدل مع الفلاسفة، ونادرا ما كان يشير إليهم، وعندما كان يفعل، كان ~~عادة ما يهاجمهم؛ ففي كتابه «الديمقراطية في أمريكا»، قال عن الأمريكيين الذين كان يمدحهم ~~لممارساتهم الحرة إنهم كانوا «أقل اهتماما بالفلسفة» من أي شعب متحضر آخر. وفي كتابه ~~«النظام القديم والثورة»، هاجم فلاسفة أو «أدباء» عصر التنوير في القرن الثامن عشر ~~لقيامهم بالتنظير في مجال السياسة دون أن تكون لديهم خبرة في مجال الممارسة السياسية. ولم ~~يذكر في كلا العملين الحالة الطبيعية الليبرالية. وفي كتابه عن أمريكا، لم يناقش قط ~~المبادئ الليبرالية الأمريكية المنصوص عليها في إعلان الاستقلال الأمريكي. من الواضح أن ~~توكفيل كان مدركا لليبرالية القديمة، لكنه كان يتعامل معها بتجاهلها. # بدلا من ذلك، انتقل توكفيل إلى ليبراليته الجديدة التي فيها تكون الحرية متصالحة مع ~~الدين وملهمة للإحساس بالفخر وموجهة بالمصلحة الشخصية. ms003 تحتاج الليبرالية الجديدة إلى ~~«علم سياسة جديد ... لعالم مختلف تماما»، لم يحدد توكفيل أبعاده في منظومة من المبادئ، ~~شبيهة بمنظومة المبادئ الخاصة بليبرالية القرن السابع عشر. وهي ليست علم السياسة الخاص ~~بمونتسكيو؛ عالم السياسة الأكثر حداثة في القرن الثامن عشر، الذي كان بمنزلة المرجعية ~~لليبراليين في عصر توكفيل من أمثال بنجامين كونستان وفرانسوا جيزو، وكان سابقا على ~~الأمريكيين الذين صاغوا «الوثيقة الفيدرالية». إن علم السياسة الجديد الخاص بمونتسكيو صيغ ~~للعالم الذي سبق ظهور الديمقراطية الحديثة التي غيرت هذا العالم لآخر «مختلف ~~تماما»، وذلك قبل أن تخرج الولايات المتحدة الأمريكية للنور. # يتناول علم السياسة الخاص بتوكفيل الحرية كما مورست في مجتمع موجود بالفعل، هو المجتمع ~~الأمريكي، وليس من الناحية النظرية التي تسبق الممارسة الفعلية. هذا ما جعل كتاباته تبهر ~~قراءه وتقنعهم؛ لأنها كانت حافلة بالأدلة والملاحظات والأمثلة. غير أن تحليله - الذي كان ~~يبدو في الغالب تلقائيا، بل حتى غير منظم أيضا - كان لا ينتقل من نقطة لأخرى دون هدف؛ ~~فكل نقاش كان له دوره في كيان كلي تتضح ملامحه تدريجيا. سأتناول في كتابي هذا عن ~~توكفيل خمسة جوانب عن ليبراليته الجديدة، وكلها على نحو ما متعلقة بالديمقراطية؛ لأن ~~الديمقراطية هي العالم الجديد الذي يجب أن تعيش فيه الحرية وتزدهر. # سأعرض أولا نبذة عن حياة توكفيل وعلاقتها بالديمقراطية؛ حيث كان سياسيا إلى جانب كونه ~~كاتبا، وليبراليا إلى جانب كونه أرستقراطيا. ثم سأتناول أفكاره عن الحكم الذاتي ~~الديمقراطي في أمريكا التي كانت في عصره - وما زالت حتى الآن - نموذجا للديمقراطية. وبعد ~~ذلك، سأسرد مخاوفه بشأن الديمقراطية، التي نجدها على وجه الخصوص في الجزء الثاني من كتابه ~~«الديمقراطية في أمريكا»؛ حيث عرض المخاطر الناشئة عن النظريات الديمقراطية التي تضعف ~~الأغلبيات الديمقراطية وتقويها في الوقت ذاته. ثم بالانتقال لكتاب توكفيل «النظام القديم ~~والثورة»، سأعرض تصويره قوة الإدارة العقلانية التي جرد بها النظام الملكي الفرنسي ~~الطبقة الأرستقراطية الإقطاعية من سطوتها، وأعرض كشفه عن العلاقة بين شيئين يبدو أن هناك ~~مسافة شاسعة تفصل بينهما، وهما: الديمقراطية (حكم ms004 الشعب)، والإدارة العقلانية (حكم ~~البيروقراطية). وأخيرا، سأتناول العظمة التي كان يسعى إليها توكفيل من خلال الديمقراطية، ~~على الرغم من أنها نادرا ما تؤدي إليها؛ فالديمقراطية تؤدي في الغالب إلى إنجازات عادية ~~جامدة ومضطربة وسلبية، ويجب على توكفيل أن يخبرنا كيف نستطيع أن ننقذها من سلبياتها. أما ~~بالنسبة إليه، فإن «الأصدقاء الحقيقيين» للحرية هم أيضا أصدقاء «العظمة الإنسانية». # ما أهمية توكفيل بالنسبة إلينا اليوم؟ بداية، هناك اتفاق عام على أهميته؛ فمن الصعب ~~التفكير في محلل للسياسة والمجتمع الأمريكيين له سمعة أعلى أو أوسع نطاقا منه ~~اليوم. في أثناء حياته، ثم خلال القرن التاسع عشر ومعظم القرن العشرين، بدت ليبراليته ~~رتيبة وعقيمة، وقد فاقه شهرة نقاده الراديكاليون من اليسار واليمين، لكن بعد هزيمة ~~اليمين الراديكالي في الحرب العالمية الثانية، وفقد اليسار الراديكالي لبريقه بسبب ~~الاستبداد الشيوعي، برز الليبراليون المعتدلون، وفي مقدمتهم توكفيل. في فرنسا، قاد هذا ~~الاتجاه الفيلسوف ريمون آرون والمؤرخ فرانسوا فيوريه. وفي الولايات المتحدة، ومع كون ~~توكفيل محتفى به دائما هناك بسبب كتابه عنها، فإنه عاد ليلفت الانتباه هناك بعد أن أعاد ~~الأمريكيون النظر في اعتمادهم الفكري على أفكار ماركس ونيتشه، وبدءوا في مناقشة طبيعة ~~«التفرد الأمريكي»، الذي يمكن على أساسه أن تكون أمريكا نموذجا لكل الإنسانية. وترتب ~~على ذلك أنه تم اقتباس كلماته من قبل كل الرؤساء الأمريكيين؛ بدءا من أيزنهاور وحتى ~~الآن (على الرغم من عدم دقة اقتباساتهم في معظم الأحيان!) حدث هذا أيضا على نطاق واسع في ~~الدوائر الأكاديمية من قبل علماء الاجتماع والمؤرخين، كما أن أفكاره تستخدم لإضفاء ~~الحيوية والموثوقية على العديد من الكتب التي يؤلفها مشاهير المؤرخين والصحفيين. كما أن ~~كتابه «الديمقراطية في أمريكا» يستهوي على نطاق واسع كلا من اليمين واليسار، وكل منهما ~~له فقراته المفضلة منه، وكل منهما مستعد للاعتراف بمرجعية توكفيل. # لكن توكفيل لم ينل المكانة التي يستحقها بسبب نوعية فكره؛ من أسباب ذلك براعته ~~الشديدة، التي جعلته يبدو مجرد شخص بليغ، ورؤيته للمستقبل التي جعلته يبدو ثاقب البصيرة؛ ~~وكأن من يكون ms005 بليغا جدا في أسلوب كتابته يجب أن تكون أفكاره سطحية، ومن تكون لديه ~~قدرة على التنبؤ الجيد يجب أن يكون عرافا. إن رغبة توكفيل في أن يكون أسلوبه جميلا يمكن ~~أن تكون قد شغلته بعض الشيء عن التحليل الدقيق لما يقوله، ومثال ذلك تشبيهه الانتخابات ~~الرئاسية في أمريكا بمرور عاصفة. سبب آخر لعدم التقدير الكافي لحكمته هو قوة التجريد في ~~المجتمعات الديمقراطية، وهي قوة حاول توكفيل معارضتها؛ فالديمقراطيون الأمريكيون يحبون ~~تعميم أو عولمة أو توحيد الأشياء حتى تكون رؤاهم عامة ومتسامحة ومقدرة لكل الاعتبارات، ~~والمفكرون الأمريكيون الذين يعملون مع الديمقراطيين يحبون التنظير حتى يكونوا عموميين ~~ودقيقين ومتحررين من سطوة الماضي، وحتى مؤرخونا يرغبون في كتابة التاريخ من منظور جديد؛ ~~فليبرالية توكفيل تجبرنا على إعادة التفكير في ممارستنا الفعلية للحكم الذاتي، بدلا من ~~المجادلة اللانهائية على نحو مجرد فيما يتعلق بماهيتنا وحقوقنا وواجباتنا. وبالرغم من ~~شهرة توكفيل، فإننا لم نتعلم منه بالقدر الكافي. # الفصل الأول # | نظرة على حياة توكفيل # ولد ألكسي دي توكفيل بعد فترة قصيرة من قيام الثورة الفرنسية في أسرة أرستقراطية أصيلة ~~من نورماندي، وعاش من 29 يوليو 1805 وحتى 16 أبريل 1859. وكان مرتبطا بالنظام القديم في ~~فرنسا بسبب أسرته، وبالنظام الجديد من خلال رؤيته للحرية. وقد شهد دخول الديمقراطية إلى ~~فرنسا، وتنبأ بأنها ستنتشر في النهاية في جميع أنحاء العالم. كان اسم أسرته في الأصل هو ~~كليرل، وقد حارب أحد أفراد تلك الأسرة مع ويليام الفاتح في معركة هاستنجز في عام 1066. ~~وبالتدريج، حازت الأسرة على إقطاعية توكفيل في نورماندي، وفي عام 1661 أصبح اسم الأسرة ~~توكفيل، ولا يزال قصر الأسرة موجودا ويسكنه أحفاد شقيق ألكسي. # شكل 1-1: قصر توكفيل في نورماندي. عاش ألكسي في قصر الأسرة ولم يترك وريثا ~~يرثه. # حافظ ألكسي على لقبه وعاش في قصره المحبوب إلى قلبه، لكن بالرغم من أنه قضى وقتا ~~كبيرا وأنفق مالا كثيرا للمحافظة على القصر، لم يترك وريثا يرثه. من العجيب أنه لم يندم ~~على ذلك، وقد قال ذات مرة ms006 إنه لم تكن لديه «أي رغبة حقيقية في المشاركة في يانصيب الأبوة ~~الكبير.» إن تلك النظرة للأبوة تشي بمزيج من الازدراء الأرستقراطي للإنسان العادي وعدم ~~الاكتراث الديمقراطي بمستقبل الأسرة، هذا إلى جانب الرصانة الفلسفية، لكن زواجه كان ببساطة ~~أكثر ديمقراطية؛ فقد تزوج - كما اعترف هو بنفسه - من امرأة إنجليزية من طبقة أقل من ~~طبقته الاجتماعية، ليست من طبقة النبلاء (أصر على الارتباط بها، بالرغم من اعتراضات بعض ~~أفراد أسرته). # شكل 1-2: ماري موتلي، زوجة توكفيل المولودة نحو عام 1830. وهي إنجليزية، ~~بروتستانتية، تنتمي إلى الطبقة الوسطى، وهي تعد اختيارا غير اعتيادي ~~كزوجة بالنسبة إلى رجل أرستقراطي فرنسي، لكن توكفيل كتب يقول لها: «إنك ~~بلا مبالغة الإنسانة الوحيدة في العالم التي تعرف خبايا روحي.» # توكفيل السياسي # رفض توكفيل أن يحمل لقب «كونت»، لكنه لم يرفض كل المزايا التي منح إياها بسبب ~~انتسابه إلى أسرة أرستقراطية، ولقد استغلها لخدمة غاية ديمقراطية فيما أطلق عليه ~~«العالم الجديد» القائم على الديمقراطية. وبالرغم من أنه عاش حياته باعتباره ~~أرستقراطيا، فقد اتخذ جانب الديمقراطية، وحتى يقوم بهذا، دخل في المعترك السياسي. في ~~النظام الأرستقراطي الذي كان قائما في النظام القديم في فرنسا، كان السبيل لشغل أي ~~منصب سياسي هو من خلال التوارث الإقطاعي؛ فدخول السياسة - في اعتقاد توكفيل - كان ~~بطبيعته أرستقراطيا لسبب بسيط، وهو أن الحكم يستوجب تحمل مسئولية الآخرين، وهكذا ~~يكون السياسي في مرتبة أعلى من الناس. كانت أول تجربة لتوكفيل في السياسة في ظل ~~الملكية البوربونية يرجع الفضل فيها لمكانة والده إيرفيه، الذي كان مسئولا بالحكومة ~~المحلية؛ ومن خلال نصحه ونفوذه، أصبح ألكسي في عام 1827 قاضيا تحت الاختبار لا يتقاضى ~~راتبا. بعد ذلك، كان عليه الترشح لمنصب رسمي في انتخابات كانت ديمقراطية بعض الشيء. ~~نرى هنا تطبيقا لمبدأين من مبادئه: إضفاء الصبغة الديمقراطية على نظام سياسي هو ~~بالأساس وفي الأصل أرستقراطي، وتعلم السياسة بممارستها، وهي الفضيلة التي وجدها في ~~الديمقراطية الأمريكية وكانت تتفرد بها. تلاقى المبدآن لأن النظام السياسي يمكن ~~تحويله إلى النظام الديمقراطي، ms007 فقط إذا تنافس الديمقراطيون من خلال الانتخابات على ~~المناصب التي كانت ستئول دون ذلك إلى نبلاء الطبقة الأرستقراطية دون أي مجهود. ومن أعظم ~~رؤى توكفيل أن تلك الفضيلة الضرورية للديمقراطية لا يمكن أن تعتبر أمرا مسلما به ~~في أي ديمقراطية، وأنها يمكن أن تكون مهددة بالفعل فيها. # كان دخول الحياة السياسية في عصر توكفيل مهمة صعبة؛ فبعد الثورة الفرنسية، عانى ~~نظام الحكم في فرنسا من سلسلة من التقلبات الشديدة؛ بدءا من الملكية البوربونية ~~قبل عام 1789، أو ما يسمى ب «النظام القديم»، إلى نظام جمهوري دستوري، ثم لنظام ~~جمهوري يعقوبي في عهد سمي بعهد الإرهاب، ثم لأحداث ثيرميدور التي كانت ضد ~~اليعقوبيين، ثم للإمبراطورية النابليونية، ثم لملكية بوربونية ثانية، ثم للنظام الملكي ~~البرجوازي للويس-فيليب، ثم للجمهورية الثانية التي انقلب عليها وأطاح بها لويس نابليون ~~الذي أسس إمبراطورية ثانية. إن تلك الاضطرابات جعلت رغبة أي شخص يطمح إلى الدخول ~~في مجال السياسة مخاطرة، كما كانت مصدر قلق لأي مراقب للشأن الفرنسي. وبالنسبة إلى ~~كاتب ومفكر مثل توكفيل، كانت تلك الأوضاع كفيلة بابتعاده عن السياسة من أجل الحصول ~~على الراحة والسكينة في حياته الخاصة، لتتوافر له فرصة للتفكير وإطلاق العنان لموهبته ~~الكبيرة في الكتابة. لكن توكفيل، الذي شعر بالقلق على حال فرنسا طوال حياته، شارك بكل ~~قوة في العمل السياسي، حتى عندما كان يتعارض هذا مع رغبته في الكتابة. على سبيل المثال، ~~في عام 1837 ترك توكفيل العمل في الجزء الثاني من كتابه «الديمقراطية في أمريكا» ~~ورشح نفسه في مجلس النواب في نظام لويس-فيليب، ورغم خسارته في المرة الأولى، مع أنه ~~كان نبيلا يترشح في منطقته، فقد أعاد الكرة في عام 1839 بشجاعة كبيرة وإصرار ~~ديمقراطي، ونجح ثم أعيد انتخابه مرتين أخريين. وبعد سقوط نظام لويس-فيليب في عام ~~1848، انتخب توكفيل في المجلس التأسيسي الذي كان منوطا به التأسيس للجمهورية الثانية ~~والمعاونة في وضع دستورها. ثم انتخب في المجلس الجديد بمقتضى هذا الدستور، وعمل ~~وزيرا للشئون الخارجية لمدة خمسة أشهر، حتى أقال الرئيس الجديد ms008 لويس نابليون ~~الوزارة التي كان توكفيل عضوا فيها. وفي ديسمبر من عام 1851، ألغى لويس نابليون ~~النظام الجمهوري من خلال انقلاب، وحينها ترك توكفيل السياسة للأبد، بعد أن استمر ~~في ممارستها بقدر ما سمحت له مبادئه وتطلبت ذلك. وكانت آخر تجربة سياسية له هي ~~سجنه لمدة يومين على يد لويس نابليون لكونه نائبا معارضا. # ما الذي جعل توكفيل الكاتب بالفطرة يدخل معترك الحياة السياسية الديمقراطية التي كان ~~يشك في أنه يمكن أن ينجح فيها؟ بالنسبة إلى توكفيل، حرية الكتابة والنشر لا تكتمل دون ~~حرية سياسية، وقد أراد أن يشعر بنفسه بتلك الحرية، وذلك بأن يتولى مناصب سياسية ~~بدلا من أن يراقب الأمور من الخارج فحسب. فلم يكن كافيا لفهم حقيقة الأمور تأملها ~~من معتزل هادئ، كما يفعل المنظرون؛ فقد كان يرى أن رضا الروح وسكينتها، اللذين يقال ~~في التقليد الفلسفي إنهما بمنزلة مكافأة للتأمل، لا يمكن الوصول إليهما، واعتقد أن ~~الروح الإنسانية، وخاصة روحه، «مضطربة ونهمة». كان يحتقر «كل متع هذا العالم»، لكن ~~حتى يتجنب «البلادة الخطيرة» التي تصيب الروح عندما تحاول تأمل ذاتها، كان يسعى ~~وراء تلك المتع. إن المتعة الأساسية كانت بالطبع هي الإحساس بالفخر، ذلك «الميل ~~الطبيعي» الذي لديه ل «القيام بأفعال عظيمة والتحلي بفضائل عظيمة»، وكل المتع الأخرى ~~ثانوية؛ أي إنها مجرد وسائل للوصول لهذا الإحساس بالفخر. تطلع توكفيل وسعى على نحو ~~واع ومقصود وموجه إلى تمييز نفسه في الحياة؛ فهو يزدري الإحساس بالفخر ويسعى إليه في ~~الوقت نفسه. # يبدو أن توكفيل فهم الرغبة في التميز بالمعنى السياسي فقط - أي ممارسة النشاط ~~السياسي - بدلا من المعنى العام المتمثل في إبراز الموهبة والذكاء من أجل تقدير ~~الناس له. غير أنه كان يعتقد أن «فكره أهم من فعله»، ولقد كان محقا بالتأكيد في ذلك؛ ~~فباعتباره سياسيا، كانت تعوزه القدرة على التواصل الفعال مع الناس العاديين، وقد ~~كان مدركا لذلك؛ إذ اعترف (على نحو غير معلن، وذلك في عمله «ذكريات») أنه بالكاد ~~يستطيع تذكر أسماء ووجوه زملائه العاديين في المجلس ms009 الوطني الذي كان عليه التعامل ~~معهم، قائلا: «إنهم يشعرونني بملل شديد.» وقال أيضا إن الكتابة نوع من الفعل، ووسيلة ~~مهمة للانخراط في السياسة. ويبدو أن الحرية السياسية بالنسبة إليه لها جانبان - النشاط ~~السياسي والكتابة - وأنهما يلتقيان في العظمة. # في نظر أي فيلسوف، أو معظم الفلاسفة، العظمة الإنسانية شيء ضئيل؛ تضخيم ذاتي ~~للإنسان من المفترض أن يفقد حجمه وقيمته مقارنة بالخلود، لكن توكفيل يرى عكس ذلك؛ فقد ~~قال في أحد الخطابات: «خيالي يقفز بسهولة لقمة العظمة الإنسانية.» لم يكن الأمر ~~أنه كان يظن نفسه إسكندرا آخر، لكنه لم يكن راضيا عن مصادر الفخر الدنيوية التي كان ~~يسعى إليها في نفس الوقت، غير أنه كان يشك في أن الرب ضمن عظمة الإنسان. إن ~~الاضطراب في روحه له جانبان: تكبر أرستقراطي في ازدرائه، وفي نفس الوقت مسئولية ~~ديمقراطية للاضطلاع بالمهام السياسية التي لم يعد النظام الأرستقراطي الطبقي الآن - ~~في ظل الديمقراطية - قادرا على القيام بها. # توكفيل الكاتب # إن الفشل النبيل كان أقصى ما كان يمكن أن يصل إليه توكفيل باعتباره سياسيا، وبقية ~~حياته يجب النظر إليها باعتبارها أحداثا في مسيرة كاتب. في واقع الأمر، كانت تجربته ~~السياسية الأكثر إثارة هي رصد وتسجيل الثورتين اللتين حدثتا في فرنسا في أعقاب ~~الثورة الفرنسية، وذلك في عامي 1830 و1848. وبصفته قاضيا في عام 1830، كان عليه أن ~~يقرر ما إن كان سيدين بالولاء للملك الأورلياني الجديد، متخليا عن الوريث الشرعي ~~للملك من آل بوربون؛ وهو ما فعله بالفعل. وفي يناير من عام 1848، ألقى خطبة حذر فيها ~~الحكومة من حدوث ثورة، لكن بالرغم من كونه عضوا في مجلس النواب، فإنه لم يكن بوسعه ~~شيء غير هذا التحذير، وكان مرغما على مراقبة الجمهورية الثانية وهي تولد دون أن ~~يستطيع إيقافها، وهو ما فعله بالرغم مما كان لديه من هواجس كثيرة حول مستقبلها ~~الاجتماعي. في عام 1850، وبينما كان يعاني من مرض السل الذي كان السبب في موته في ~~النهاية، ألف كتابه «ذكريات»، الذي كان محوره هو تلك الثورة، وكان نوعا ms010 من «أحلام ~~اليقظة» - بحسب قوله - وكان موجها بالأساس لأصدقائه وربما للنشر اللاحق (وهو الأمر ~~الذي لم يحدث حتى عام 1893 في واقع الأمر). هنا جاءت اللحظة التي اقترب فيها من مركز ~~قيادة الثورة الديمقراطية التي طالما انشغل بدراستها، لكن كل ما كان يستطيع فعله هو ~~المراقبة والكتابة، وقد فعل هذا بنجاح كبير. # تلقى توكفيل تعليمه المبكر على يد الأب ليسيور الذي كان معلم والده، وقد علمه ~~ليسيور تعليما دينيا تقليديا، لكنه دلله وأصبح الاثنان صديقين مقربين. وعندما ~~بلغ توكفيل السادسة عشرة، أرسله والده - الذي كان حينها حاكما على ميتز - إلى الجامعة ~~لدراسة البلاغة والفلسفة. في ذلك الوقت، وكما حكى لاحقا توكفيل، ذهب إلى مكتبة والده ~~ووجد هناك كتبا عن الفلسفة أحدثت «زلزالا» داخله، مما سمح ل «موجة شك عام» بأن ~~تجتاح روحه التي كانت قبل ذلك عامرة بالإيمان، وهذا الشك الذي استمر معه وعانى منه ~~لبقية حياته، لم يضعف إيمانه بالرب فحسب، وإنما أضعف أيضا إيمانه ب «العالم الفكري» ~~الخاص ب «كل الحقائق» التي حددها لتكون أساسا لمعتقداته وأفعاله. # شكل 1-3: توكفيل، في سن السادسة عشرة أو السابعة عشرة، وهو يجلس إلى مكتب ~~بجانب والده، إيرفيه دي توكفيل، في عام 1822. # تجاهل والد توكفيل الزلزال الذي حدث في روح ابنه وأرسله لدراسة القانون في باريس، ~~وهو ما حدث من عام 1823 وحتى عام 1826. بعد ذلك بعامين، حضر محاضرات كان يلقيها ~~فرانسوا جيزو، الذي أصبح بعد ذلك رئيس وزراء فرنسا، وكان يدون ملاحظات توضح أنه ~~كان معجبا بأفكار جيزو عن تاريخ الإنسانية أو «الحضارة». وفي خطاب في ذلك الوقت، وصف ~~أعمال جيزو بأنها غنية بالأفكار والألفاظ المدهشة؛ وكان جيزو وبنجامين كونستان أهم ~~مفكرين ليبراليين فرنسيين في أوائل القرن التاسع عشر، وكان توكفيل عادة ما ~~يقارن بهما، لكنهما كانا يعتقدان، بخلاف توكفيل تماما، أن الليبرالية يمكن أن ~~تقيد الديمقراطية دون أن يتعين عليها التوافق معها. وأيا كان ما تعلمه توكفيل ~~من هذين المفكرين، فإنه لم يقترب من تلك النقطة الجوهرية. لكن كانت تلك ms011 المحاضرات ~~فرصة لأن يتقابل على نحو مباشر مع أشهر أقطاب الفكر الليبرالي في عصره. # لكن كان تعليم توكفيل يعتمد إلى حد كبير على قراءاته الشخصية لأعمال مؤرخي عصره ~~وكلاسيكيات الفلسفة السياسية، والكتاب المفضلون لديه كانوا فرنسيين، وهم: باسكال، ~~ومونتسكيو، وروسو، الذين قال عنهم في عام 1836 إنهم هم: «الرجال الثلاثة الذين أقضي ~~معهم بعض الوقت كل يوم.» لكن بالإضافة إلى الكتاب الذين كان يقرأ لهم، كان لديه ~~أصدقاء يراسلهم كثيرا، وكان يعلم نفسه بتعليمهم، ومن بين هؤلاء الباحث الأدبي جيه ~~جيه أمبير، والمنظر الاجتماعي آرثر دي جوبينو، والاقتصادي الإنجليزي ناسو سنيور، ~~والسياسي بيير-بول روييه-كولار، وأصدقاؤه المقربون: فرانسيسك دي كورسيل، ومدام صوفي ~~سويتشين، وأدولف دي سيركور، وأوجين ستوفل، وصديقه منذ الطفولة لوي دي كيرجورلي. # من أهم صداقاته كانت صداقته مع جوستاف دي بومون؛ فقد أرسل توكفيل لجوستاف ثلاثة ~~مجلدات من الخطابات، واصطحبه في رحلته لأمريكا التي استمرت لمدة تسعة أشهر فيما بين ~~عامي 1831 و1832، قبل تأليفه لكتاب «الديمقراطية في أمريكا». وقد درس توكفيل ~~وبومون معا القانون وعملا قاضيين في نفس المحكمة، وحضرا المحاضرات التي كان ~~يلقيها جيزو قبل رحلتهما الشهيرة، وسافرا لأمريكا ليتعرفا على «سمات الجمهورية ~~العظيمة» - وذلك على حد قول توكفيل في أحد خطاباته - وهما يحملان فكرة غير واضحة ~~المعالم عن القيام بمشروع مشترك. إن خطتهما الأكثر تحديدا كانت تأليف كتاب عن إصلاح ~~نظام السجون في أمريكا، وبالرغم من أن هذا لم يكن سوى «ذريعة» للسفر إلى هناك (كما ~~أسر توكفيل لكيرجورلي)، فإنهما ألفا كتابا عن هذا الموضوع بعنوان «عن نظام ~~العقوبات في الولايات المتحدة وتطبيقه في فرنسا» بعد عام من عودتهما من أمريكا، ~~أكدا فيه على ضرورة الإصلاح، لكنهما - وعلى نحو مميز لليبرالية توكفيل - هاجما ~~الآمال المبالغ فيها لدعاة الإصلاح. # طاف توكفيل وبومون معظم أنحاء أمريكا بحدودها المعروفة حينذاك، وبدأ الاثنان جولتهما ~~من نيويورك، ثم سافرا باتجاه الشمال عبر بافلو، مرورا بالبحيرات العظمى، وصولا إلى ~~ميشيجان وويسكونسن حيث توجد الحدود التي تفصل بين الطبيعة والحضارة، وبينما كان توكفيل ms012 ~~هناك يكتب «على ظهر سفينة بخارية»، كتب تأملات موجزة ولكن رائعة، عن هدوء الطبيعة ~~وحديث الحضارة المختلف، مقارنا بين الأمريكيين من جهة والإنجليز والفرنسيين من جهة ~~أخرى، ومعتبرا الهنود بشرا غير متحضرين ومعادين للحضارة. وقد كان نتاج تلك ~~التأملات كتابا بعنوان «أسبوعان في البرية» (ألفه في عام 1831 حين كان في السادسة ~~والعشرين من عمره)، وكان يسعى لنشره، لكنه لم ينشر حتى وفاته. # كتب توكفيل وبومون يومياتهما أثناء الرحلة، وبالرغم من أن يوميات توكفيل نشرت في ~~كتاب بعنوان «رحلة إلى أمريكا»، فقد حوى الكتاب ملاحظات غير ذات صلة، مخصصة ~~لأعماله اللاحقة، ولم يكن منظما مثل كتاب «أسبوعان في البرية». وفي مرحلة ما أثناء ~~الرحلة، أصبح المشروع المشترك بين توكفيل وبومون لإنتاج كتاب عن الجمهورية العظيمة في ~~أمريكا مشروعا خاصا بتوكفيل وحده، وهو ما لنا أن نخمن أنه كان قصده طوال الوقت. وبعد ~~أن تجاوز توكفيل وبوبون الحدود الأمريكية التي كانا يعتبرانها مؤقتة فقط، وأنها لن ~~تستقر حتى تصل إلى ساحل المحيط الهادئ؛ ذهبا إلى كندا، ثم جنوبا إلى بوسطن وفيلادلفيا ~~وبلاتيمور، ثم غربا إلى بيتسبرج، ثم جنوبا إلى ناشفيل وممفيس ونيو أورليانز، ثم ~~سافرا عبر ولاية جورجيا وولايتي نورث وساوث كارولينا إلى واشنطن، وأخيرا إلى ~~نيويورك، التي عادا منها إلى فرنسا. كانا يتنقلان باستخدام السفن البخارية، ويمكثان ~~في أكواخ خشبية، وقد أجريا مقابلة قصيرة مع الرئيس الأمريكي أندرو جاكسون، كما ~~تحدثا باستفاضة مع العديد من الأمريكيين، سواء أكانوا شخصيات بارزة أم أشخاصا ~~عاديين. وتمثل منهج توكفيل في البحث المسحي في طرح أسئلة تتناسب مع الشخص الذي يتم ~~سؤاله، ثم الاستماع لما يقوله ومحاورته بحثا عن حقائق وآراء، بدلا من تصنيف ردود ~~الفعل على المجموعة ذاتها من الأسئلة، كما يفعل أي عالم اجتماع معاصر. # نشر كتاب توكفيل «الديمقراطية في أمريكا» في جزأين، يفصل بين نشر كل منهما خمس ~~سنوات، وذلك في عامي 1835 و1840. حقق الجزء الأول الذي تحدث في معظمه عن أمريكا ~~ومميزاتها وعيوبها، نجاحا باهرا، لكن الجزء الثاني، بتضمنه ms013 تحليلا منظما ~~وهواجسه بشأن مستقبل الديمقراطية، لم يقابل بالقدر المناسب من الترحيب. جلب الجزء ~~الأول الشهرة والصيت لتوكفيل؛ حيث أثنى عليه كبار الكتاب في فرنسا مثل شاتوبريان ~~وسانت -بوف. وفي عام 1838، عين عضوا في أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية، وفي ~~عام 1841، وهو في سن السادسة والثلاثين، انتخب عضوا في الأكاديمية الفرنسية حيث ~~مارس حياته الاجتماعية، خاصة في سنوات حكم لويس نابليون بعد أن خرج توكفيل من الحياة ~~السياسية. ألقى توكفيل محاضرة عن علم السياسة في أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية ~~في عام 1852، مميزا هذا العلم عن «فن الحكم»؛ لأنه يركز على منطق الأفكار بدلا من ~~الجوانب المعتادة الأساسية الضرورية للحكم. لكن علم السياسة الخاص بتوكفيل اعتمد في ~~منطقه على تلك الجوانب المعتادة بعد تنقيحها، بدلا من معارضتها وتفنيدها كما كان يفعل ~~منظرو الليبرالية. # لم تكن أمريكا هي الوجهة الوحيدة التي قصدها توكفيل؛ فقد سافر إلى صقلية في عام 1827، ~~وهي الرحلة التي نتج عنها كتابه الأول. وبعد رحلته لأمريكا، سافر إلى إنجلترا في عام ~~1833، ثم إلى إنجلترا وأيرلندا في عام 1835؛ متلهفا إلى رصد تطور الديمقراطية في ~~أكثر الدول ليبرالية في أوروبا، ومهتما بالإدارة الحكومية اللامركزية التي وجدها في ~~أمريكا، وراغبا في دراسة الفارق بين الأرستقراطية الإنجليزية والأرستقراطية الفرنسية. ~~وقد سافر أيضا إلى سويسرا في عام 1836، وإلى الجزائر في عامي 1841 و1846، وقد كتب ~~تقارير عن الفقر («تقرير عن الإملاق»، 1835) والعبودية والمستعمرات. وفي عام 1850، بعد ~~أن ترك السياسة، انكب على تأليف كتاب عن الثورة الفرنسية التي طالما تأملها، وهو ~~المشروع الذي مات قبل أن يكمله، غير أنه نشر الجزء الأول منه، الذي كان بعنوان ~~«النظام القديم والثورة»، وذلك في عام 1856. كان توكفيل، بحسب قوله في خطاب لكيرجورلي، ~~يسعى لأن يكون هذا الكتاب «عملا عظيما» يعد «مزيجا، إن أردنا الدقة، بين التاريخ ~~والتاريخ الفلسفي»، مما يقدم تقييما عاما ل «مجتمعاتنا الحديثة» ومستقبلها ~~المحتمل. وقد أعلن أن «قضيته الأساسية هي قضية الحرية والكرامة الإنسانية»، وبالرغم من ~~أنه ترك السياسة، فقد بقي فيها بكتاباته، ومن خلال دراسته ms014 للتاريخ، درس للآخرين ~~الفلسفة. # الفصل الثاني # | ثناء توكفيل على الديمقراطية # لم يبدأ توكفيل بالثناء على الديمقراطية، ولم يبالغ في الثناء عليها مطلقا؛ بل أثنى ~~عليها فقط وهو يصفها وهي قيد التطبيق. بدأ توكفيل كتابه «الديمقراطية في أمريكا» بقوله إن ~~الديمقراطية حقيقة، «حقيقة إلهية»، وهكذا أبعد نفسه عن مواقف المروجين والمعارضين لها ~~(حيث كان لا يزال في عصره معارضون لها). ثم ذكر أن الديمقراطية كانت أسهمها في تصاعد في كل ~~مكان، وقد وصلت لقمة نضجها في أمريكا، ولم تكن بحاجة إلى من يروج لها، ولا يمكن ~~كذلك معارضتها. كان توكفيل يعتقد أن المروجين والمعارضين للديمقراطية ليسوا على صواب، ~~وخاصة المروجين لأنهم أكثر انسجاما مع العهود الديمقراطية؛ ومن ثم يكون رأيهم أكثر ~~جاذبية من رأي الرجعيين؛ فالديمقراطية يجب أولا أن تحلل وتقيم نقاط القوة والضعف ~~فيها، ثم يمكن بعد ذلك مدحها على نحو مفيد بهدف التأكيد على رؤية المروجين لها ومواجهة ~~أفكار المعترضين عليها. قيم توكفيل الديمقراطية بدلا من أن يفترض أنها أسلوب حكم جيد، ~~أو نظام الحكم الوحيد المتكامل. # صورة الديمقراطية # ما هي الديمقراطية؟ يعرفها توكفيل في البداية على أنها المساواة في الأوضاع، وأنها ~~أسلوب حياة. فقط عندما أتى على ذكر البيوريتانيين، بدأ يصفها بأنها شكل من أشكال ~~الحكم؛ فالديمقراطية باعتبارها أسلوب حياة لا تستحق ثناء كالذي تستحقه عندما تعني ~~الحكم الذاتي. بالنسبة إلى تعريف الديمقراطية بأنها المساواة في الأوضاع، ربما نعترض ~~قائلين إن هناك جوانب عدم مساواة واضحة في الديمقراطية اليوم - فضلا عنها في عصره ~~- لكنه كان سيجيب بأن المساواة في الأوضاع كانت تتزايد، وأنه من طبيعة الديمقراطية أن ~~نصبح أكثر ديمقراطية، كما لو كانت المساواة هي الهدف الدائم الوحيد حتى لو كان دائما ~~هدفا غير متحقق. كان في ذهنه الفارق بين الديمقراطية والأرستقراطية، بين الأفراد ~~صعودا وهبوطا على سلم السياسة من جهة والتسلسل الهرمي الثابت المعتمد على الفروق ~~الطبقية من جهة أخرى. وعندما عرف الديمقراطية، ذكر أنها نهج عمره 700 سنة، ترجع ~~بداياته إلى إتاحة الكنيسة الرتب الكهنوتية للجميع، ms015 وليس فقط للنبلاء؛ وهو اتجاه ~~خفي بدأ يبرز الآن و«يتجلى بوضوح» في نظام الحكم في أمريكا، وهي الدولة التي ذهب إليها ~~توكفيل لمعرفة «صورة الديمقراطية نفسها». # غير أنه بخلاف المنظرين الليبراليين لم يحدد منطق الصورة، مع أنه قال إنه سيستكشف ~~«تبعاتها النظرية». لقد تناول الممارسة الفعلية للديمقراطية من «نقطة انطلاقها»، وهي ~~قدوم البيوريتانيين (المتطهرين) إلى أمريكا، وقد اعتبر هؤلاء أنفسهم حجاجا؛ لأنهم ~~جاءوا إلى أمريكا سعيا وراء فكرة وليس من أجل المال أو المغامرة. وتلك الفكرة، ~~بالرغم من أنها كانت دينية بالأساس، كانت أيضا نظرية سياسية خاصة بالديمقراطية، يصبح ~~الشعب في ظلها السيد، وتلك النظرية هي التي تحكم كل المجتمع، وتحدد الأعراف ~~وتقيم نظام التعليم العام. ظهر أن الديمقراطية ليست فقط متعلقة بالمساواة، وإنما ~~أيضا بالحكم الذاتي الذي يسود ويوجه مجتمعا ديمقراطيا أو «حالة اجتماعية». ولا ~~تتمثل نقطة الانطلاق في الحالة الطبيعية التي تنص عليها النظرية الليبرالية، التي ~~ليس فيها سوى الأفراد - ولم يكن فيها للمجتمع وجود بعد - وإنما تتمثل في وجود مجتمع ~~من نوع ما، يكون ديمقراطيا وليس أرستقراطيا. # إن الديمقراطية حالة اجتماعية معينة لا تؤدي إلى الترابط الاجتماعي الشديد، ~~والمثال على ذلك في أمريكا التغيير الذي حدث في قانون الميراث، من البكورة (أي حق ~~الابن البكر في إرث التركة كاملة) إلى المساواة بين الأبناء في الميراث أو توريث ~~الآباء باختيارهم بعض الأبناء. لقد كان الهدف من نظام البكورة في الميراث هو عدم ~~المساس بالملكيات العقارية الأرستقراطية وغرس الافتخار بأسلافنا، في حين أن نظام ~~المساواة في الميراث حرر الأفراد من القيود الأسرية وجعلهم يفكرون في المستقبل ~~بدلا من الماضي. لقد انتشرت المساواة في جميع أنحاء المجتمع، في بعض الأحيان في شكل ~~شغف من أجل التميز القائم على التنافس الذي يرفع الأشخاص البسطاء لمنزلة العظماء، ~~وقد وصف توكفيل هذا الشغف بأنه «شغف إنساني ومشروع»، وفي أحيان أخرى بأنه ميل منحرف ~~للتحاسد يشجع الضعفاء على النزول بالأقوياء لمستواهم. وبدلا من إنتاج الحالة ~~الطبيعية للديمقراطية، كما يرى هوبز ولوك، تنتج الديمقراطية شيئا ms016 يشبه الحالة ~~الطبيعية، لا يكون فيها الأفراد بالضرورة في صراع، وإنما ليسوا في حالة ارتباط قوية ~~بعضهم مع بعض وحسب. # كيف يكون الأفراد الديمقراطيون أقوياء وليسوا ضعفاء؟ لم يقل توكفيل إنهم بالضرورة ~~أقوياء أو ضعفاء؛ إن مفهومه الخاص ب «الحالة الاجتماعية» إذا فصلناه عن السياسة، يبدو ~~وكأنه يندرج ضمن علم الاجتماع، وهو علم كان لا يزال في بداياته في عصره. لكنه بخلاف ~~علماء الاجتماع وعلماء العلوم الاجتماعية الأخرى المعاصرة، لم يكن يعتقد أن السمات ~~الاجتماعية هي التي تحدد الأمور السياسية؛ لأن الاعتقاد بذلك يتجاهل تأثير السياسة ~~على المجتمع الذي أوضحه توكفيل من خلال قانون الميراث. فهل هذا القانون نتج عن الحالة ~~الاجتماعية أم حددها؟ راوغ توكفيل هنا حيث قال إن الحالة الاجتماعية هي في الوقت ~~نفسه نتاج حقيقة أو قانون، كما أنها السبب الأول لمعظم السلوكيات الاجتماعية. ويبدو أن ~~أهمية الحرية السياسية محل نظر؛ فما أهمية الحرية السياسية إذا كانت السياسة نتاجا ~~لحالة اجتماعية معينة ولا يمكنها إقرار المسائل المهمة؟ لذا، وبالرغم من قوله بأن ~~الحالة الاجتماعية يمكن اعتبارها السبب الأول لمعظم السلوكيات الاجتماعية، انتقل ~~للحديث عن سيادة الشعب، ملمحا لأهمية من يحكم، لكنه ترك الانطباع بأن الديمقراطية ~~تحكمها حالتها الاجتماعية بقدر حكمها لذاتها. # ذهب توكفيل بعيدا لحد أنه قال: «الشعب يهيمن على العالم السياسي الأمريكي كما يهيمن ~~الرب على الكون»، فالشعب هو «سبب وغاية كل شيء.» لكن إذا كان الشعب الأمريكي مثل الرب، ~~فيبدو أنه سيحل محل الرب باعتباره السيد؛ فالإنسان وليس الرب هو السيد، وهذا تحول ~~واضح في الفكرة البيوريتانية التي قال عنها إنها كانت «نقطة الانطلاق». كانت ~~الديمقراطية البيوريتانية ثيوقراطية، ولن يكون توكفيل ليبراليا إذا كان هذا هو شكل ~~الديمقراطية الذي يريده. تضع الحرية السياسية حدودا للسياسات الديمقراطية؛ مما يمنع ~~الدولة من الفرض الصارم للأعراف التي نصفها اليوم بالمتشددة لأنها ترغب في أن ~~يكون الأفراد الديمقراطيون أحرارا. كان توكفيل من أبرز دعاة مبدأ الفصل بين الكنيسة ~~والدولة، لكنه أثنى على السياسات الديمقراطية التي جلبها البيوريتانيون لأمريكا؛ لأن ms017 ~~الشخص لا يكون حرا إلا إذا حكم بنفسه، وفي ظل تلك العلاقة المحيرة بين الإنسان ~~والرب، أوضح أن الحرية تدين للدين، لكنها في نفس الوقت في خصومة معه. # نظام البلدات # إن الأفراد الأحرار في حد ذاتهم ضعفاء، ويجب أن يفسر توكفيل كيف يمكن أن يصبحوا ~~أقوياء بحيث تؤدي المساواة الديمقراطية إلى زيادة قوتهم بدلا من التشجيع على التحاسد ~~فيما بينهم. إن ما يقوي الأفراد هو الارتباط أو الاجتماع، وهو موضوع رئيسي بالنسبة إلى ~~توكفيل، ناقشه عند تناوله للبلدات في نيو إنجلاند. في النظام الأرستقراطي، يكون ~~الأفراد ثابتين في تسلسل هرمي بين من هم أعلى منهم ومن هم أدنى منهم، وهكذا تكون ~~علاقات الارتباط محددة مسبقا بالنسبة إليهم؛ لكن في النظام الديمقراطي، يكون الناس ~~متحررين - أو محرومين - من تلك القيود، ويكون عليهم أن يصنعوا تلك الارتباطات ~~بأنفسهم. وللقيام بهذا، فإن لديهم نزعة طبيعية للارتباط مع الآخرين برغبتهم، وتأتي تلك ~~النزعة في المرتبة التالية فقط لحبهم لذواتهم. مرة أخرى، يعد هذا تعارضا آخر مع ~~مفهوم «الحالة الطبيعية» الذي يرى أن الأفراد في صراع بعضهم مع بعض. # تتكون البلدة على نحو تلقائي وتكون عرضة للتدخل في شئونها؛ إنه «أمر شائع في ~~الطبيعة أنه مع اجتماع الناس في مكان ما، يتحول هذا المكان لبلدة من تلقاء نفسه»، غير ~~أن هذا الأمر موجود فقط في أمريكا، من بين كل الأمم المتحضرة؛ والسبب في ذلك هو أن ~~حكومة البلدة تشبه «مدرسة ابتدائية» للحرية؛ أي إنها غير ناضجة وغير ذات خبرة؛ ولذا ~~تكون السلطات الأعلى مستعدة دائما للتدخل في شئونها وتصحيح أوضاعها. إن أمريكا وحدها ~~هي التي لديها الحكمة، أو الحظ السعيد الذي كان توكفيل من الحكمة بحيث يشير إليه، لعدم ~~التدخل في شئون حكومات البلدات. وصف توكفيل هذا بأنه «شكل» من أشكال الحكومات لأنه ~~منظم وواضح المعالم وعام؛ فهو ليس خفيا ولا معزولا بل يتجلى بوضوح شديد. ~~وتتبع حكومة البلدة بالتأكيد حكومة الولاية، التي انتقل توكفيل لتناولها بعد ذلك، ~~لكنه بدأ تحليله للديمقراطية باعتبارها شكلا من ms018 أشكال الحكم من أسفل لأعلى، من حكومة ~~البلدات الأكثر تلقائية. # ينص مبدأ سيادة الشعب على أن الجميع متساوون في «الفهم والخيرية والقوة»، غير أنه ~~إذا أراد الفرد أن يقوم بأي شيء خارج عن قدراته الفردية، يجب أن يرتبط مع الآخرين، وإذا ~~ارتبط معهم، يجب أن يطيع من يتولى أمرهم. استخدم توكفيل الكلمة الإنجليزية # selectmen ~~(مسيري الأمور المحلية) للإشارة إلى ~~المسئولين عن أي بلدة، ولو كان استخدم كلمة فرنسية بدلا منها، لاختار كلمة # elite ~~(النخبة أو الصفوة). والآن حيث إن الجميع ~~متساوون في الأهلية، فلماذا يجب على بعضهم طاعة البعض الآخر؟ إن الفرد يطيع من هم ~~مسئولون عنه، ليس لأنه أقل منهم، ولكن لأن تلك الطاعة مفيدة؛ فهو يتخلى عن كبريائه من ~~أجل إنجاز شيء ما، مثل إنشاء طريق لا يمكنه إنجازه بنفسه. وفي النهاية، لا تزال لديه ~~كبرياء الإنجاز إلى جانب متعة المخالطة الاجتماعية؛ فلقد تعلم، كما لو كان في مدرسة ~~ابتدائية، أنه يمكن أن يطيع غيره وهو لا يزال حرا. في مقدمة توكفيل لكتابه ~~«الديمقراطية في أمريكا»، ذكر أن الديمقراطية في أوروبا «تركت لأهوائها الهمجية»؛ أما ~~هنا في البلدة الأمريكية، فهي تزدهر بينما تتمتع بالمشروعية التي لا تتمتع بها ~~هناك. # تعلم أمريكا نفسها من خلال البلدات كيف يمكن العيش في حرية، وتوكفيل - من خلال ~~تحليله - كان يعلم أمريكا ماذا تفعل. اعترف توكفيل أن حكومة البلدة غير موجودة في ~~كافة أنحاء أمريكا، وقد بالغ بلا شك في تقدير فضائلها والحث على تقليدها من خلال مدحه ~~لها. فإذا كان مبدأ سيادة الشعب يعمل من أعلى لأسفل بدلا من أسفل لأعلى، كما في فرنسا، ~~فسيكون مفروضا ولن يكون محسوسا؛ فحكومة البلدة، التي يكون فيها العديد من المناصب ~~بالانتخاب، ترضي الكثير من الطموحات البسيطة وتربط المواطنين بحكومتهم التي يعتبرونها ~~ملكهم، وهي تجعلهم يعتادون على أشكال الحكومات؛ «الأشكال التي دونها تنشأ الحرية فقط من ~~خلال الثورات.» قال توكفيل إن الديمقراطية تزدهر من خلال الانتخابات، وأمريكا مزدهرة ~~لأن لديها انتخابات، وليس الأمر أن لديها انتخابات ms019 بسبب أنها مزدهرة. # هناك شكل آخر يعلم الحكم الذاتي للأمريكيين، وهو نظام المحلفين؛ فهو بمنزلة «مدرسة ~~مجانية ومفتوحة دائما يصبح كل عضو فيها مدركا على نحو جيد لحقوقه.» في إنجلترا، كانت ~~هيئات المحلفين المكونة من النبلاء عبارة عن نظام أرستقراطي، لكنها في أمريكا نظام ~~ديمقراطي يعلم المواطنين كيف يصدرون أحكاما قضائية؛ أي كيف ينفذون القوانين ~~العامة، التي من نوعية القوانين التي تكون السلطات التشريعية الديمقراطية راغبة في ~~إقرارها، في بعض الظروف التي قد تحتاج فيها العدالة لبعض التعديل. وهو يعلم «كل شخص ~~ألا يتنصل من تحمل مسئولية أفعاله الشخصية»، وهي فضيلة سياسية إنسانية، بحسب ~~تعبيره. أثنى توكفيل على هذا النظام ثناء كبيرا؛ فهو «أكثر الوسائل حيوية في جعل ~~الناس يحكمون»؛ ربما تكون تلك مبالغة مقصودة تتناسب مع استراتيجيته الخاصة بالتوجيه أو ~~الحث التي تتخفى وراء الثناء. وأضاف أن ما يجعل الناس يحكمون «هو أيضا أكثر السبل ~~فاعلية في تعليمهم كيف يحكمون.» ففي أمريكا، يتعلم الشعب الحر بالفعل وليس بالرجوع ~~لنظرية ما قبل الفعل. # بوجه عام، الحكم على الآخرين من خلال نظام المحلفين يحد من سيادة الشعب، معلما ~~إياه أن سيادته لها حدود، وأنه يجب أن يكون لها إطار قانوني، حتى إن القوانين الجيدة، ~~عند تنفيذها، ربما تكون قاسية جدا. وفي نفس الوقت، يكشف انتخاب القضاة في الولايات ~~الأمريكية أنه في الانتخابات تكون للشعب بوجه عام سلطة تعسفية للاستبعاد لا يمكن ~~تبريرها أو مواجهتها على نحو كامل؛ فمهما تم تقييد سيادة الشعب وتحديدها، فهي لا تزال ~~محتفظة بعنصر ما من اللاعقلانية؛ ففي نهاية الأمر قد لا تصبح تلك السيادة أكثر ~~عقلانية من تلك الخاصة بأي نظام ملكي؛ فكل منهما له أهواؤه. فلا يمكن أن تكون هناك ~~عقلانية كاملة في الحرية، ويجب على المواطنين الأحرار الذين يرون أن حزبهم ومرشحيهم قد ~~خسروا، أن يتعلموا كيف يتقبلون قرار الشعب بهدوء شديد. # وفيما يتعلق بالفضائل السياسية لحكومات البلدات ونظام المحلفين، سلط توكفيل الضوء ~~على خصيصة مهمة من خصائص مركزية الحكم، كثيرا ما يستشهد بها ms020 حتى الآن؛ فمركزية الحكم ~~أمر جيد إذا كان الهدف منها توحيد القوى من أجل خدمة مصالح الناس، لكن مركزية الإدارة ~~تضعف من سيادة من يخضع لها؛ لأنها، بمطالبتها بالتوافق، تميل لإضعاف «روح المدينة» ~~فيهم، وهي ممارسة الحكم الذاتي إلى جانب مقاومة الغرباء المنعكسة في الحرية المحلية ~~المتمثلة في حكومة البلدة ونظام المحلفين. اعترف توكفيل أن الإدارة المركزية يمكن أن ~~تكون أكثر فاعلية، لكنها تصبح أكثر نهما للسلطات والمزايا، وتتسع دائرة تأثيرها، ~~وتصبح غير مدركة للأضرار الكبيرة التي تحدثها عندما تنتزع الإدارة من يد الشعب، ~~رافضة تعاونه المجاني ومعطية الإدارة لمسئولين بيروقراطيين يوجهونها من المركز. ~~فرنسا نموذج مجسد لهذا الخطأ؛ حيث كانت إدارة النظام الملكي من قبل رؤساء وزراء مثل ~~الكاردينالين مازاران وريشليو مثالا سيئا حذت حذوه الثورة الفرنسية؛ لكن الولايات ~~المتحدة بفيدراليتها حافظت على نظام الإدارة المحلية، وضربت مثالا جيدا للامركزية ~~الإدارية في إنجلترا، وهو شكل آخر للإدارة مأخوذ من النظام الأرستقراطي لكن تحول ~~للنهج الديمقراطي. # إن نظام الفيدرالية في أمريكا هو الاتحاد المنشأ بموجب الدستور، وانتقل توكفيل من ~~الحديث عن حكومة البلدات التي وصفها بأنها شكل حكم طبيعي وتلقائي، وعن حكومة الولايات ~~الفردية التي وصفها أيضا بأنها شكل حكم طبيعي يشبه السلطة الأبوية، إلى الحديث عن ~~الاتحاد الذي سماه «إنجازا مبدعا». ثم أثنى على تأسيس الأمريكيين دستورهم فيما بين ~~عامي 1787 و1789، مادحا إياهم بأنهم «شعب عظيم حذره مشرعوه» من حدوث أزمة، ~~فتدبر الأمر لمدة عامين وحدد عمق المشكلة، ثم وجد الحل دون عجلة وخضع له «دون أن ~~يكلف الإنسانية قطرة دمع أو دم واحدة.» كان هذا الإنجاز «جديدا في تاريخ ~~المجتمعات»، وتماشيا مع مبدأ سيادة الشعب، أرجع الفضل في وضعه وتطبيقه للشعب الأمريكي، ~~ثم أثنى بعد ذلك على مؤسسي أمريكا والحزب الفيدرالي لقيادتهم الحكيمة للأمر، الذين ~~وصفهم بأنهم: «أفضل العقول وأنبل الشخصيات التي ظهرت في العالم الجديد.» ويبدو أنه كان ~~يشير إلى أن السيادة تتجلى أحيانا في الصبر والإذعان لمن لديهم فضيلة أعلى، وليس في ~~الحسم. # الجمعيات والمصلحة ms021 الشخصية # إن ما يمكن أن يطلق عليه عالم الاجتماع اليوم جماعة يسميه توكفيل جمعية. توحي ~~الكلمة بأن المجتمع يتكون من ارتباط الشخص بآخرين. إن عملية الارتباط هذه طبيعية ~~بالنسبة إلى البشر، وإن كانت أقل طبيعية من رغبة الشخص في العيش بمفرده. لكن في ~~الديمقراطية الكل متساوون؛ ومن ثم غير معتمدين بعضهم على بعض؛ ولذلك فإن الرغبة في ~~المساواة تميل لإضفاء الفردية على المواطنين، ويجب على الأفراد القيام بعمليات الارتباط ~~هذه بأنفسهم، ولا يمكن اعتبارها أمرا مسلما به. ويطلق توكفيل تقريبا على أي مجموعة ~~مكونة من أكثر من شخصين جمعية؛ مثل: الزواج، والنادي الخاص، والشركة المشتركة، والحزب ~~السياسي، والبلدة، والأمة، وحتى الجنس البشري. هنا تظهر سمة متفردة أخرى لليبراليته؛ ~~ففي حين أن جون ستيوارت ميل، وهو ليبرالي أكثر نمطية، حاول جاهدا الدفاع عن قيمة ~~الفردية فيما يتعلق بعدم الامتثال لرأي الأغلبية، فإن توكفيل توسع في استعراض مزايا ~~الارتباط بالنسبة إلى المجتمع الليبرالي؛ فقد كان أقل وثوقا من ميل في أن الأفراد يمكن ~~أن يتعلموا التصدي للأغلبية، وأراد أيضا إقناع الأغلبية بأنها لا تحتاج إلى طلب ~~التوافق. # إن الجمعيات السياسية هي النوع الأول الذي تناوله توكفيل، وفي الجزء الثاني أضاف ~~تمييزا بين الجمعيات السياسية والمدنية، وهذان النوعان من الجمعيات يندرجان تحت ~~الجمعيات غير الرسمية لما أطلق عليه «المجتمع المدني»، وهو مصطلح مستخدم على نطاق ~~واسع اليوم للإشارة إلى الحيز بين الدولة والفرد، لكن توكفيل استخدمه أيضا للإشارة ~~إلى البلدة، وكذلك الأشكال الأخرى من الحكومة. إن الارتباط عملية سياسية، أو يميل لأن ~~يكون كذلك؛ فهو فعل نابع من الحرية السياسية. قال توكفيل إن أي جمعية مدنية تكون بين ~~أشخاص لهم مصالح متشابهة، وأي جمعية سياسية تكون بين أشخاص مختلفين، لكن يبدو أنه لم ~~يكن مهتما بالتشديد على مثل هذا التمييز؛ لأنه في واقع الأمر وصف مثاله الرئيسي - ~~الذي كان الجمعيات الداعية للاعتدال في معاقرة الخمور في أمريكا في القرن التاسع عشر ~~- بأنه مدني في بعض المواضع، وسياسي في مواضع أخرى. في الولايات المتحدة ms022 اليوم، تتألف ~~جمعيات مثل رابطة السلاح الوطنية أو الرابطة الأمريكية للمتقاعدين، من أشخاص لديهم ~~مصالح متشابهة، ولكنها ذات طابع سياسي واضح جدا. # إن السبب وراء عدم وجود تمييز واضح بين الجمعيات السياسية والمدنية، هو أن الأمريكيين ~~تعلموا كيفية الارتباط من الارتباط في السياسة؛ فالشعب يعلم نفسه، بحسب قول ~~توكفيل، أولا من خلال نظامي البلدات والمحلفين، ثم يأتي دور الجمعيات بوجه عام التي ~~تعد بحسب تعبيره «مدارس عظيمة مجانية يذهب إليها كل المواطنين ليتعلموا ~~النظرية العامة للارتباط.» ربما تسأل: ما هي تلك النظرية العامة؟ لم يجب توكفيل على ~~هذا السؤال، لكنه تحدث عن فن وعلم الارتباط، جامعا على نحو ما بين الفعل الإنساني ~~والفهم الإنساني؛ بحيث تنبع النظرية من الممارسة الفعلية لعملية الارتباط. # إن تلك النظرية يمكن للشعب تعلمها. والارتباط نوع من التعليم المجاني؛ لأنه غير ~~معقد نسبيا، ولا يفرض توقعات غير معقولة على المواطنين الديمقراطيين، الذين هم - في ~~النهاية - بشر؛ فالأمريكيون يتوقعون أن تكون مصلحتهم في المقدمة، ولا يعتقدون أنه ~~مطلوب منهم ألا يهتموا بمصلحتهم الشخصية؛ فالرؤية الأمريكية (أو الأنجلو أمريكية) في ~~هذا الصدد واضحة في المصطلح الشهير الذي صاغه توكفيل، وهو: «المصلحة الشخصية المفهومة ~~على نحو جيد»، التي هي في المقام الأول المصلحة الشخصية التي يجب أن يضعها الفرد في ~~اعتباره. لم يقل توكفيل إنه يتفق مع تلك الرؤية، لكنه ذكر أن الأمريكيين كانوا ~~يؤمنون بها. # عند إشارة توكفيل لاعتبار الأمريكيين المصلحة الشخصية هي الأساس، اختلف عن معظم ~~النقاش الدائر حاليا حول المشاركة الديمقراطية التي تسمى أحيانا ب «التوجه ~~الجماعاني»، والتوجه الجماعاني هو المقابل للتوجه القائم على المصلحة الشخصية؛ فهو ~~يركز على الغيرية والإيثار من أجل الصالح العام، في مقابل الأنانية والرغبة في الربح. ~~في نظر توكفيل، تنبع الغيرية من أجل الصالح العام من المصلحة الشخصية، وهي مفيدة لها ~~وليست متعارضة معها أو تلغيها. اليوم أيضا من المفترض أن المجتمع الوحيد هو المجتمع ~~الديمقراطي، وهو مجتمع يقوم على المساواة بين أفراده، وذلك كما يتضح من خلال عبارة ~~«المشاركة الديمقراطية»، ms023 لكن بالنسبة إليه، هناك أيضا المجتمع الأرستقراطي الذي يرتبط ~~الأفراد فيه من خلال نظام طبقي. والمجتمع الديمقراطي، كما لاحظنا من خلال حكومات ~~البلدات، يستفيد من مواهب وطموحات أفراد غير متساوين ويعطي فرصا لهم، بينما يتكون ~~هو في حد ذاته من أفراد متساوين. # بالطبع، يعتمد الكثير على ما هو متضمن في جزء «المفهومة على نحو جيد» من مصطلح توكفيل ~~الشهير، الذي أحيانا ما يترجم: «المفهومة على نحو صحيح»، كما لو أن الفائدة التي لا ~~تكون في صالح الفرد على نحو مباشر يمكن اعتبارها على نحو صحيح ضمن المصلحة الذاتية ~~للفرد، أم هل من الأفضل افتراض أن المصلحة الشخصية «المفهومة على نحو جيد» يجب أن ~~تصاحبها أشياء يبدو أنها ليست في صالح الشخص، مثل الإحساس بالفخر والفضيلة؟ # أثيرت تلك النقطة في نقاش توكفيل حول «ضرورة وجود نظم» داخل الديمقراطية، وهو موضوع ~~تكرر كثيرا عبر كتابه؛ ففي موجزه في نهاية الكتاب، ألمح توكفيل إلى أن الديمقراطيين ~~«لا يدركون بسهولة فائدة النظم؛ فهم لديهم نفور فطري منها.» إن النظم أو الرسميات هي ~~المؤسسات (التي لها قواعد ومسئولون)، أو الأعراف (المراسم والطقوس والمجاملات و«ارتداء ~~ملابس رسمية»)، أو التشريعات القانونية (مثل مراعاة القواعد القانونية) التي تجعل الفرد ~~يحترم الآخرين، وتساعده على التعاون المشترك مع أشخاص ليسوا بأصحابه أو من عائلته. ~~بالنسبة إلى الديمقراطيين، عادة ما تبدو تلك الأشياء مجرد أشياء فرعية أو أمور مزعجة ~~تعطل التحقيق السريع لرغباتهم أو تحول دونه. إن تلك الأشياء تبدو مزعجة وغير ~~منطقية في أي ديمقراطية، مثل «التصرف على نحو رسمي» كما لو أنك ترغب في أن تظهر على ~~نحو أو آخر في هيئة مختلفة عن هيئتك؛ لكن هذا - بالنسبة إلى توكفيل - هو بالضبط ~~ميزتها. # إن النظم تضع حواجز بين الناس، مثلما يكون الحال عندما توجد الهيئات الرسمية ~~عدم مساواة بين الحكومة والشعب؛ فهي تضع عقبات أمام تحقيق الناس رغباتهم، عندما ~~تتطلب الرسميات مراسم وآدابا معينة. والنظم تتطلب احترام القواعد القانونية عندما ~~تجبر الحكومة على تمرير قانون بدلا من إصدار مرسوم ms024 أو التصرف بحسب أهوائها. إنها ~~تحافظ على المسافات بين الناس عندما تفرض ضرورة احترام الخصوصية أو الكرامة ~~الإنسانية. إن الشعوب الديمقراطية تكره النظم لأنها تريد أن تحقق رغباتها على نحو ~~مباشر، مفضلة الفعل على الكرامة، والوضوح على الأدب، والنتيجة على الإتقان؛ ~~وإجمالا، الموضوع عن الشكل. إن مثل تلك الشعوب تكون نافدة الصبر بطبيعتها، بسبب ~~المساواة بين أفرادها التي تجعلهم غير مضطرين للتأدب مع الآخرين الأكثر أهمية منهم، ~~ومحاولة إرضائهم. إن المصلحة الشخصية بمعناها الأساسي تناسب هذا الميل؛ حيث إنها ~~تتطلب النظر إلى كل الأشياء من منظور صالح الفرد - كما نقول اليوم على نحو ~~براجماتي - بدلا من منظور ملاءمتها للأصول والنظم. غير أن الشعوب الديمقراطية التي لا ~~تحترم كثيرا النظم في واقع الأمر تحتاج إليها أكثر؛ فميزتها الرئيسية - بحسب قول ~~توكفيل - هي أن تكون بمنزلة حاجز بين القوي والضعيف، خاصة بين الحكومة والمحكومين؛ ~~مما يجبر الحكومة على التمهل ويمكن المحكومين من أن يكون لديهم وقت للتفكير ~~وتأمل الأمر. إذن فالمصلحة الشخصية المفهومة على نحو جيد، كما يراها توكفيل وبخلاف ~~الرؤية الأمريكية، هي العيش في مجتمع يكون فيه الفرد ممنوعا من التحقيق المباشر ~~لمصلحته الشخصية، ولكنه مجبر على فعل هذا قانونيا، أو دستوريا، أو عرفا، أو من ~~قبيل الاحترام، أو رسميا. # إذن، المصلحة الشخصية تدعم أشكال الارتباط لفائدتها، وفي نفس الوقت تقوضها إذا أصبحت ~~غير ملائمة. إن الاستعداد لتكوينها يقابله الميل لتجاهلها أو حلها؛ لذا يؤكد توكفيل على ~~الاضطراب والتشوش اللذين ينتجان دائما في النشاط السياسي في الولايات المتحدة ~~الأمريكية، وهو أمر قال إنه لا يمكن إدراكه دون مشاهدته هناك. إن نشاط الارتباط يكون ~~على نحو خاص ارتباطا من أجل فكرة جديدة أو غرض أخلاقي، وفي أمريكا عادة الحرية أقوى ~~حتى من عشق الحرية؛ وفي النشاط المضطرب لأشكال الارتباط، يمكن اكتشاف التميز الحقيقي ~~للديمقراطية على الاستبداد. # شكل 2-1: أسفار توكفيل وبومون في أمريكا فيما بين عامي 1831 و1832. كان ~~توكفيل في الخامسة والعشرين من عمره فقط عندما ذهب هو وبومون في ~~رحلتهما ms025 التي استمرت لمدة تسعة أشهر. # هناك جانب آخر للمصلحة الشخصية يحتاج أن «يفهم على نحو جيد»، وهو الأعراف ~~الديمقراطية للأمريكيين. يعتبر توكفيل اهتمام الأمريكي بمصلحته الشخصية في النشاط ~~الاقتصادي أمرا مسلما به، لكنه أضاف إلى هذا الخبرة العملية والعادات والآراء - ~~أي الأعراف - التي يقوم عليها المجتمع، وأضاف أن أي قارئ لا يدرك الأهمية التي ~~يوليها الأمريكي للأعراف قد فاته «الهدف الأساسي» الذي وضعه نصب عينيه وهو يؤلف هذا ~~الكتاب. لقد ظهرت الأعراف في النظريات الفلسفية السياسية لاثنين من كبار مفكري القرن ~~الثامن عشر ومعلمي توكفيل، وهما مونتسكيو وروسو، وقد لعبت دورا مهما في ظهور علم ~~الاجتماع في القرن التاسع عشر. لو كان الفلاسفة السياسيون الكلاسيكيون تناولوا هذا ~~الموضوع، لتحدثوا عن القانون بمفهومه الواسع، بما في ذلك القوانين المكتوبة وغير ~~المكتوبة، لكن توكفيل قبل التفرقة الليبرالية بين هذين النوعين من القوانين؛ ففي ~~النظرية الليبرالية لهوبز ولوك، كان الغرض من تلك التفرقة هو إعلاء شأن القوانين التي ~~تضعها السلطة الحاكمة، والتي يوافق عليها الناس، فوق الأعراف التي قد تعيق تنفيذ ~~القوانين التي تتخذها تلك السلطة. لكن من أجل الحرية السياسية، أراد توكفيل ألا تتم ~~إعاقة تلك القوانين على نحو كبير عند نشرها على نطاق واسع في المجتمع الديمقراطي. وفي ~~اختلاف آخر مع النظرية الليبرالية الكلاسيكية، رفع توكفيل من شأن الأعراف على ~~القوانين؛ حيث إن الأعراف تدعم القوانين. صحيح أن القوانين يمكنها أحيانا تغيير ~~الأعراف، كما فعل قانون الميراث الجديد الذي ساعد على إدخال النظام الديمقراطي إلى ~~الأسرة الأمريكية، لكن الأعراف - التي هي «عادات القلب» إلى جانب عادات العقل أيضا - ~~تمثل «الحالة الأخلاقية والفكرية لأي شعب.» # إذن فإن الأعراف تضم الدين أيضا. السؤال الآن: هل الدين أحد العوامل في الرؤية ~~الأمريكية المتمثلة في «المصلحة الشخصية المفهومة على نحو جيد»؟ الإجابة هي نعم، ولكن ~~على نحو معقد. تناول توكفيل الدين في جزأي كتابه «الديمقراطية في أمريكا»، لكن ~~على نحو مختلف بعض الشيء في كل منهما؛ ففي الجزء الأول، أشار إلى أن الدين هو أساس ms026 ~~الأعراف التي ساعدت على إقامة جمهورية ديمقراطية في أمريكا، وقد تناوله بسبب هذا الدور ~~الذي يقوم به، وليس بسبب حقيقته؛ فقد قال توكفيل إن الأهم هو أن المواطنين لديهم دين ~~معين، وليس أن كل المواطنين يدينون بالدين الحق. فمن وجهة نظره السياسية، الدين يخدم ~~السياسة وليس العكس، كما يرى البيوريتانيون؛ فالدين يخلق «تناغما بين الأرض والسماء» ~~بإلزام الناس باحترام قيود لا يمكن الفكاك منها؛ أي «بعض المفروضات الأساسية» التي ~~تقيد إرادتهم، فهو يضع حدودا لسيادة البشر، ومن ثم لسيادة الشعب في أي ديمقراطية، ~~وهو يقوم بذلك غالبا عبر النساء وليس الرجال؛ لأن الرجال الديمقراطيين نادرا ما ~~تتقيد رغبتهم في الثراء، لكن النساء هن من يصنعن الأعراف، والدين «يحكم باعتباره ~~سيدا على روح المرأة.» # إن الأهمية التي أعطاها توكفيل للأعراف في السياسة، أعطاها أيضا للنساء. وللمفارقة، ~~نرى في حديثه عن النساء في الجزء الثاني من الكتاب أنه يقول إن تأثير النساء ينبع من ~~بقائهن بعيدا عن السياسة. وينطبق الأمر نفسه على رجال الدين؛ فهو يدعم على نحو كبير ~~الفصل بين الكنيسة والدولة؛ والسبب الأساسي في ذلك هو أن الدين يفقد تركيزه على العالم ~~الآخر عندما يتدخل في السياسة في هذا العالم. ولكي يحافظ الدين على مكانته، يجب أن ~~يحافظ على نقائه؛ وحينها - عندما يبتعد عن السياسة - يمكن أن يكون له التأثير الأكبر ~~على السياسة باعتباره وسيلة لتقييد الناس. إن كلا من النساء ورجال الدين يمارس سلطته ~~على نحو غير مباشر، وذلك من خلال الابتعاد عن ممارسة السياسة على نحو مباشر. يمثل ~~الدين والأسرة معا جزءا تكميليا للسياسة، وهو ضروري وغير سياسي بطبيعته، والهدف ~~منه تقييد السياسة عن طريق تذكير الناس بأن هناك حياة أسمى وأكثر حميمية من الحياة ~~السياسية، لكن الدين والأسرة على نحو ما سياسيان؛ لأنهما ضروريان للحكم ~~الذاتي. # لم يتوان توماس جيفرسون في آخر خطاب كتبه في حياته (في 4 يونيو من عام 1826) - الذي ~~كان يتحدث فيه عن إعلان الاستقلال الذي صاغه - عن توجيه انتقاد عنيف إلى «جهل الرهبان ms027 ~~وأباطيلهم»، معتبرا إياهم أعداء للتنوير. بالنسبة إلى توكفيل، الاستبداد يمكن أن ~~يحدث دون وجود معتقد ديني، لكن الحرية لا يمكنها هذا. وقال إنه على الرغم من ~~الأمريكيين لم يسمحوا للدين بالتدخل على نحو مباشر في الحكم، فإنه يجب اعتبار الدين ~~«أولى مؤسساتهم السياسية»، فهو لم يجعلهم يذوقون طعم الحرية بقدر ما سهل عليهم ~~التمتع به؛ ففي عقولهم، كان لديهم «خلط كامل بين المسيحية والحرية»، وهو استنتاج أتاح ~~له تجنب الحكم على مدى إخلاص الأمريكيين المسيحيين في إيمانهم؛ فالأمريكيون يؤمنون ~~بأن الدين مفيد، لكنه سيبدو مفيدا فقط إذا آمنوا به باعتباره الدين الحق، وليس ~~باعتباره مؤسسة سياسية؛ فالدين لا يمكن «فهمه على نحو جيد» بنفس طريقة فهم المصلحة ~~الشخصية، كما لو كان الأمريكيون ينظرون لدينهم دون ورع من الخارج، حتى يخلصوا إلى ~~أن إيمانهم شيء جيد. # في هذا الإطار، وجه توكفيل انتقادا عنيفا، دون أن يشير إلى انتقاد جيفرسون، ~~لمن يدينون في فرنسا الأمريكيين لأنهم لا يؤمنون مع الفيلسوف الملحد سبينوزا بأزلية ~~العالم. وفي مقدمة كتابه «الديمقراطية في أمريكا»، وضع ضمن «المآسي الفكرية» في أوروبا ~~الفرق التي ترى أن هناك تعارضا شديدا بين الدين والحرية، وأشار بوضوح أن وجود ~~انسجام بينهما هو المبدأ الأول لعلم السياسة الجديد خاصته ومن السمات المميزة ~~لليبراليته الجديدة. # على الرغم من أن الدين الذي جلبه معهم البيوريتانيون من إنجلترا كان ديمقراطيا ~~وجمهوريا، فهو بوجه عام «الإرث الأغلى للعهود الأرستقراطية.» وهناك عدد من السمات ~~الأرستقراطية للديمقراطية في أمريكا، التي لفت توكفيل وحده انتباهنا إليها. وعلى ~~الرغم من أنه ذكر كلا منها، فهو لم يحسب عددها الإجمالي قط؛ ربما لأن هذا سيجعل ~~الأرستقراطية تبدو مهمة جدا؛ فبالنسبة إليه، الأرستقراطية والديمقراطية حقبتان ~~متتاليتان في التاريخ، والأرستقراطية ككل وكمفهوم، قد تركت الساحة وغادرت للأبد. لكن ~~إذا كانت الأرستقراطية قد غادرت للأبد، فهي من ثم لم تعد خطرا على الديمقراطية. ~~ويمكن أن يساعدنا توكفيل في تقدير فضائل ومحاسن الأرستقراطية دون أن يبدو أنه يسعى ~~للدفاع عنها، وهو لم يحاول المزج بينها ms028 وبين الديمقراطية، وأعلن على نحو واضح أن النظام ~~الذي يخلط بينهما «وهم»؛ لأنه في كل مجتمع دائما ما يجد المرء أن هناك «منهجا ~~واحدا يهيمن على كل المناهج الأخرى.» وبرفضه لهذا النظام المختلط، يتخلى عن ~~الاستراتيجية الأساسية لعلم السياسة الكلاسيكي، ويلقي بظلال الشك على فكرة التعددية ~~الليبرالية. لكنه احتفظ بفكرة استمرار بعض سمات الأرستقراطية في الديمقراطية، ما دامت ~~المبادئ التي تقوم عليها الأخيرة لم تمس. # إن الديمقراطية والأرستقراطية كيانان كليان، كل منهما أسلوب حياة يسعى لجعل نفسه ~~مطلقا؛ مما ينشئ، «إن جاز التعبير، إنسانيتين متمايزتين.» هكذا أعلن توكفيل في نهاية ~~كتابه «الديمقراطية في أمريكا»، غير أنه أراد أن يخفف من الطابع المطلق والمتحزب ~~للإنسانية الديمقراطية دون الإخلال بالمبدأ الديمقراطي الخاص بسيادة الشعب، وترك ~~لقرائه مسألة تحديد الأعراف والمؤسسات الديمقراطية التي من المفترض أنها أرستقراطية ~~الأصل أو الطابع. وإلى جانب الدين، ذكر نظام المحلفين، الذي كان قبل ذلك ~~أرستقراطيا يضم النبلاء فقط، وأصبح الآن ديمقراطيا. كذلك، فإن نظام الحكم الذاتي ~~المحلي وحرية التعبير وحرية الصحافة في أمريكا كلها أمور تعود جذورها لإنجلترا ~~الأرستقراطية. إن الجمعيات الديمقراطية تعد بدائل اصطناعية لتأثير «الأشخاص ~~الأرستقراطيين»، كما أن المحامين بحبهم للقانون والنظم القانونية يمثلون طبقة ~~أرستقراطية محافظة داخل أمريكا الديمقراطية. كما أن «السلطات الثانوية» التي كثيرا ~~ما أوصى بها باعتبارها علاجا للمركزية الديمقراطية أمر معتاد في الأرستقراطية، وهكذا ~~الحال بالنسبة إلى النظم الديمقراطية التي أثنى عليها؛ ففي واقع الأمر، وضع الدستور ~~الأمريكي من قبل الحزب الفيدرالي، وألهم من قبل «نزعاته الأرستقراطية». # الأكثر إدهاشا في هذه القائمة هو إرجاع توكفيل الفضل فيما يتعلق بالحقوق ~~للأرستقراطية الإنجليزية المالكة للأراضي؛ فقد ذكر أن فكرة الحقوق لم تنتقل من إنجلترا ~~من خلال الفلسفة السياسية لجون لوك (فاسمه لم يرد ذكره في كتابه)، وإنما أخذت من ~~ممارسة النبلاء الإنجليز الذين وقفوا في وجه الملك وحافظوا على الحقوق الفردية والحريات ~~المحلية؛ ففي أمريكا، «الحرية قديمة والمساواة جديدة نسبيا.» لذا، عند حديثه عن ~~الممارسة والأعراف والمؤسسات الخاصة بالحرية، لم يقدم الحقوق باعتبارها ms029 «أساس» ~~الممارسة، كما في إعلان الاستقلال حيث الناس قد «حباهم خالقهم» بحقوق قبل وجود ~~الحكومات، وإنما باعتبارها ممارسة للحكم الذاتي نفسه. # يجب أن تمارس الحقوق ب «روح سياسية توحي لكل مواطن ببعض المصالح التي تدفع النبلاء ~~في النظم الأرستقراطية للعمل.» يمكن أن تذكرنا تلك الروح بروح الحياة التي وصفها ~~أفلاطون وأرسطو بأنها متأهبة كحيوان دفاعا عن مصالح الفرد الشخصية، لكنها مختلفة ~~تماما عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي تضمنها الحكومة وتصونها، والمعروفة ~~اليوم ب «الحقوق المكفولة» التي من المفترض أن توفر الأمن للأفراد. بالنسبة إلى ~~توكفيل، الحقوق مشتقة من الفضيلة؛ «الفضيلة الموجودة في العالم السياسي.» ستشجع تلك ~~الفضيلة الفرد على المخاطرة بأمنه للدفاع عن الحرية - مثل الموقعين على إعلان ~~الاستقلال، الذين تعهدوا بأن يبذل كل منهم في سبيلها «شرفه المقدس» - أو في الممارسة ~~اليومية؛ ستشجعه على أن يتخلى عن مشاعر الراحة والرضا المرتبطة باللامبالاة السياسية، ~~وأن ينضم لجمعية ما أو يترشح لمنصب معين. # في استخدام توكفيل لكلمة «أرستقراطية»، كان يشير إلى شكل مميز من الإنسانية بديل ~~للديمقراطية، لكن ليس إلى المعنى الحرفي للكلمة وهو: «حكم الأفضل». لقد كان يعني ~~الأرستقراطية المالكة للأراضي الخاصة بأسر النبلاء، لكن السمات الأرستقراطية لأمريكا ~~مصدرها إنجلترا، وهو من ثم لا يتحدث عن الأمريكيين فقط، وإنما يتحدث كثيرا عن ~~«الأنجلو أمريكيين» عندما يريد لفت الانتباه للاستمرارية - في بعض الجوانب - بين ~~الأرستقراطية الإنجليزية والديمقراطية الأمريكية. يمكن القول أيضا إن ليبراليته اعتمدت ~~على الأمة والحالة الاجتماعية، وليس على العقد الاجتماعي، لوصف المجتمع الليبرالي. وعند ~~تحدثه باستفاضة عن الأنجلو أمريكيين، قال بوضوح شديد إنه لن يقر أبدا بأن البشر ~~يكونون مجتمعا فقط عن طريق طاعة نفس الحاكم والخضوع لنفس القوانين؛ أي فكرة العقد ~~الاجتماعي. بدلا من تلك الفكرة، عرض العهد الفعلي الذي تبناه البيوريتانيون باسم ~~الرب وليس من أجل حفظ الذات، كما هو الحال بالنسبة إلى النظرية الليبرالية. إن اكتساب ~~أمريكا لهويتها جزئيا من إنجلترا جعل طابعها مختلفا إلى حد كبير عما لو كانت قد ~~أخذت سماتها من أمة مختلفة، ms030 وليس فقط فيما نطلق عليه اليوم العرقية؛ فالسياسة والدين ~~وحتى الفلسفة والأخلاق - على سبيل المثال، مفهوم المصلحة الشخصية المفهومة على نحو جيد ~~- كلها جاءت لأمريكا من إنجلترا، وأضحت سمة من سمات أمة الأنجلو أمريكيين ~~المزدوجة. # ما ميز الأنجلو أمريكيين على وجه ~~الخصوص من بين كل الشعوب الأخرى هو شعورهم بالفخر، وهذا على وجه الخصوص ينطبق على ~~الأمريكيين الذين لديهم «اعتزاز كبير» بذاتهم. وحتى حماستهم الدينية «تغذيها الوطنية ~~باستمرار»، كما أنهم يرسلون وعاظا إلى الحدود لهداية الناس وتطوير بلدهم في ذات ~~الوقت. تختلف الوطنية الأمريكية عن الوطنية الإنجليزية؛ لأن مصدرها هو الديمقراطية وليس ~~الوطن، ولأنها ناتجة عن ممارسة الحكم الذاتي. إنها مصنوعة وليست موروثة، وعقلانية ~~وتأملية ومستنيرة وليست فطرية؛ فعندما يقوم المواطنون بدور فعال في الحكم كما في ~~أمريكا، ينسب لهم الفضل عند تحقيق نتائج جيدة؛ إذ يرون أن هناك ارتباطا بين مصلحتهم ~~الشخصية والرخاء العام، وعندما يعملون من أجل الاثنين معا، يصبح الشعور بالفخر لديهم ~~ممزوجا بالرغبة في الثراء؛ لذا فإن توكفيل أقر بما نطلق عليه اليوم «الحلم الأمريكي» ~~الذي يشير لإمكانية تحقيق النجاح والازدهار من خلال العمل الجاد، لكن مع تركيز على ~~أساسه في السياسة. إن الوطنية الأمريكية مصدر «تضجر» وإزعاج للأجانب الزائرين لأمريكا ~~مثل توكفيل؛ لأن الفخر الوطني يزيد من اعتزاز كل أمريكي بنفسه وببلده، ويعطي تبريرا ~~لهذا الاعتزاز بحيث لا يكون مسموحا بالانتقاد وإنما فقط بالثناء. إن هذا نتاج تطبيق ~~الحرية الديمقراطية، ولكن مع اقتباس جوانب كثيرة من الأرستقراطية الإنجليزية. # إن الإحساس بالفخر هو سمة مهمة من الليبرالية الجديدة لتوكفيل؛ إذ قال في هذا الشأن: ~~«سأستعيض طوعا بهذه الرذيلة عن العديد من فضائلنا الصغيرة.» لقد قال هذا في مواجهة ~~«الأخلاقيين» الذين كانوا يهاجمون الإحساس بالفخر، وهو موجه أيضا للمذهب الليبرالي ~~التقليدي لهوبز، الذي يدعو الحكومة لإخماد الإحساس بالفخر أو الزهو لدى الناس، ولمذهب ~~لوك الذي قلل من أهميته بأن جعله شعورا بعدم الأمان أو عدم الارتياح. كلا المفكرين ~~وضع حق حفظ الذات في المقدمة، معلنين أن خوف ms031 الفرد على حياته، وليس إحساسه بالفخر ~~للفضائل التي يمتلكها، هو أقوى شعور فطري في البشر. بالنسبة إليهما، وفي الليبرالية ~~بوجه عام، الإحساس بالفخر هو عدو الحرية؛ لأنه يثير الرغبة في الهيمنة على الآخرين، ~~وهو يتعارض مع المصلحة الشخصية؛ لأن الشخص الفخور بنفسه يمكن أن ينفعل ويفقد أعصابه ~~بسهولة، ويتخلى عن مراعاته لمصلحته الشخصية ويتصرف بتهور. اختلف توكفيل مع هذا لكنه - ~~من قبيل المفارقة - قال إن الإحساس بالفخر رذيلة، وأضافه لقائمة الأشياء التي يبدو في ~~الظاهر أنها متعارضة مع مصلحة الفرد الشخصية، لكن يمكن فهمها في إطار المصلحة الشخصية ~~المفهومة على نحو جيد. # اعتقد توكفيل أن الرغبة في الهيمنة على الآخرين ليست هي أهم الرغبات التي ينبغي الخوف ~~منها في الديمقراطية، وأن عادة اهتمام الفرد بمصلحته الشخصية متعارضة مع الحرية أكثر ~~من كونها داعمة لها. وفيما يتعلق بالإحساس بالفخر، أوضح الجوانب التي يخشاها، وتلك ~~التي يراها إيجابية في الديمقراطية الأمريكية؛ فأثنى على نظام الحكم الذاتي وإحساس ~~المواطنين الأحرار بالفخر، مقدما أدلة على رقيهم لمستوى يعلو عن باقي كائنات ~~الطبيعة التي تطيع فقط ولا يمكنها حكم نفسها، لكنه أشار أيضا إلى أن الديمقراطية ~~تتعارض مع الإحساس بالفخر وتميل لكبته، كما هو الحال عندما يترشح رجل ثري في ~~الانتخابات. لقد تحقق هدف الأخلاقيين الديمقراطيين والنظرية الليبرالية في هذا ~~الاتجاه إلى حد كبير، من قبل مجتمع ديمقراطي يتصرف من تلقاء نفسه ودون توجيه منهم، غير ~~أن الديمقراطية بكبتها هذا الإحساس بالفخر تخلق إحساسا آخر بالفخر خاصا بها يكون ~~على نفس القدر من الضرورة، كفخر الأرستقراطيين في النظام الأرستقراطي. # ولأن الإحساس بالفخر مهم جدا للحرية، رجع توكفيل للحديث عن الروح. إن هذا الإحساس ~~يعني أنك مدرك لذاتك؛ ومن ثم تعلوها، وهذا هو أحد المعاني الأساسية للروح؛ فالروح ~~يمكن أن تراقب الذات، بحيث توافق على الإحساس بالفخر وتعارض الإحساس بالخزي. إن مثل ~~تلك الروح تضفي تعقيدا على تصوره بشأن الطبيعة الإنسانية. لقد تحدث كثيرا عن ~~الروح، وليبراليته الجديدة ليبرالية لها روح؛ حيث إنها تدين بالفضل للمفهوم ms032 القديم ~~للروح الذي حاولت الليبرالية الاستعاضة عنه بالذات؛ فالذات الليبرالية مهتمة بتحقيق ~~المكاسب على نحو لا تعقده الرؤية الناقدة لوجود روح فوق الذات، وهذه الذات ليست قادرة ~~على الإحساس بالفخر أو الخزي، ومن غير المحتمل أن تشعر بالرضا؛ فهي فقط تريد المزيد. لم ~~يعد توكفيل ببساطة إلى المفهوم التقليدي للروح المنظمة، لكنه استدعى المفهوم ~~الكلاسيكي والمسيحي لسمو الروح. # من ثم، فإن الخوف الأساسي الذي أبداه توكفيل في مقدمة كتابه «الديمقراطية في ~~أمريكا»، يتمثل في أن الديمقراطية كما هي مطبقة في أوروبا، تحط من شأن الروح. وقال ~~إن الأرستقراطية كانت معتمدة على اعتقاد يقوم على أن امتيازات النبلاء كانت أمرا ~~طبيعيا غير قابل للتغيير، وهو وهم بالتأكيد، لكنه أمر يعد مقبولا من قبل ~~الأشخاص الذين عليهم الإذعان له. لكن الديمقراطية لم تؤسس مؤسسات شرعية في أمريكا كي ~~تحل محل الامتيازات الأرستقراطية التي أسقطتها، وعلى الرغم من أن الناس لم يعودوا ~~تابعين للنبلاء، فإنهم يذعنون للسلطات الحالية بسبب الخوف وليس بسبب الحب والاحترام. إن ~~الطاعة بدافع الخوف تجعل الفرد يتصرف بسبب الضرورة القصوى؛ الأمر الذي يحط من قدر ~~الروح لأنه يشعر بالخزي بسبب خضوعه الشديد للسلطة، حتى السلطة الديمقراطية، ولا يمكنه ~~احترام نفسه أو الاعتقاد بأنه حر. # إن السبب في تلك الحالة المحزنة ليس هو الأخطاء الأخلاقية بقدر ما هو بعض «المآسي ~~الفكرية» الموجودة في أوروبا في ذلك الوقت؛ فنفس تلك الأخطاء كانت موجودة في النظام ~~الديمقراطي المطبق في أمريكا؛ التي فيها يشعر المواطنون بالفخر ويعتقدون أن حكومتهم ~~شرعية، وخضوعهم لها أمر مقبول. # الفصل الثالث # | الديمقراطية غير الرسمية # أثنى توكفيل على الديمقراطية الرسمية في أمريكا التي تفعل مبدأ سيادة الشعب؛ فقد مدح ~~النظم الدستورية، كما تصورها واضعوها بكل ما فيها من تعقيد مقصود، كما مدح النظام ~~البسيط والطبيعي للبلدات الذي نقل لأمريكا على يد البيوريتانيين، وفن الارتباط الذي هو ~~أساس كل هذا. أتاحت تلك النظم للشعب حكم أنفسهم على نحو فعال؛ ومن ثم العيش على نحو ~~متزن والانتعاش اقتصاديا، وجعلت الحرية السياسية ms033 ممكنة لأنها هي الحرية السياسية، وهي ~~حرية تمارس وليست حرية نظرية. وبحكم الشعب الأمريكي لنفسه، شعر بالفخر الذي يتلاءم مع ~~الشعور بالحرية، وفي نفس الوقت أنجح الديمقراطية. # سلطة الأغلبية # أشار توكفيل إلى أن هناك ديمقراطية غير رسمية أقوى من الديمقراطية الرسمية؛ فنظم ~~الارتباط توفر بنية - تسلسل هرمي وإجراءات - تمكن أفراد الشعب من العمل معا، لكن ~~تلك القنوات أو أدوات التمكين تعد أيضا حواجز تؤخر - أو عقبات تمنع - إرادة الشعب ~~من تحقيق ما تريد على الفور؛ فقد تؤدي لإحساس محبط بالفخر بدلا من الإحساس بالفخر حال ~~الإنجاز. في القسم الثاني من الجزء الأول من كتاب «الديمقراطية في أمريكا»، أعلن توكفيل ~~عن تحول في عرضه من مبدأ أو معتقد ~~سيادة الشعب (الذي عرض له في الفصل الرابع من القسم الأول) إلى حكمه الفعلي. بدأ ~~القسم الثاني بفصل عنوانه «كيف يمكن للفرد أن يقول بحسم إن الشعب في الولايات المتحدة ~~هو الذي يحكم؟» ذكر أن «آراء الشعب الأمريكي وتحيزاته واهتماماته وحتى رغباته» لا ~~توجد أمامها أي «عقبات دائمة» من أجل الوصول لغايتها؛ فالشعب يحكم من خلال حكومة ~~تمثيلية، لكنه يختار ممثليه على نحو دوري ويوجههم ويبقي على اعتمادهم عليه. ~~بالإضافة إلى ذلك، يرجع «الشعب» لأغلبية تحكم باسمه، لا لكيان رسمي لا يتحرك ~~أبدا. # الديمقراطية غير الرسمية هي تماما ما حاولت الليبرالية التقليدية الكلاسيكية أن ~~تستبقها من خلال فكرتي التمثيل والفصل بين السلطات. تصور هوبز ولوك وجود ~~ديمقراطية رسمية في الحالة الطبيعية، لكنها تستمر لفترة قصيرة - إن وجدت - والغرض ~~منها هو إضفاء الشرعية على الحاكم الذي سيحكم باسم الشعب؛ أي بدلا منه. عندما وجد لوك ~~ومونتسكيو أن ممثلي الشعب من الممكن أن يكونوا غير أمناء، صاغا مفهوم الفصل الرسمي ~~بين السلطات الذي سيجبر الحكومة على الحذر في اتخاذ القرار. كما أن الوثيقة الفيدرالية ~~قد أحكمت صياغة هذين الشكلين الرئيسيين من الحكومة الحرة، بحيث يكون الدستور الأمريكي ~~بالكامل ذا طابع تمثيلي في كل فرع من فروعه، كما يوجد توازن جديد ومحسن بين السلطات ~~التي تم ms034 الفصل بينها، إلى جانب نظام الفيدرالية الجديد. صيغت تلك الإجراءات بعناية من ~~أجل «تنقيح وتوسيع نطاق» إرادة الشعب عبر الانتخابات، وإن لم يحدث هذا، فمن أجل توفير ~~«إجراءات احترازية إضافية» للتعامل مع الحكومة التي تخرج عن جادة الطريق أو الشعب الذي ~~ينفلت، بما يوجه عقول أفراده للتحكم في رغباته. # اعترض توكفيل على هذا، وليبراليته التي «من نوع جديد» تخلت عن أمل الليبرالية ~~التقليدية الذي يرى أن البداية الديمقراطية، في ظل الحالة الطبيعية، يمكن أن تتجنب ~~النهاية الديمقراطية في الحكومة الناتجة؛ فالنظم الليبرالية المصممة للتحكم في ~~سيادة الشعب سيتم ببساطة إسقاطها. ويوحي قول توكفيل إنه لن تكون هناك عقبة «دائمة» أمام ~~تحقيق الشعب إرادته، بأنه ربما يمكن كبح النزعات الفورية، وربما لا. إنها فكرة أقرب ~~لفكر روسو (الذي يعد أحد معلمي توكفيل باعترافه) من فكر الليبراليين الذين انتقدهم ~~أيضا روسو لاستراتيجيتهم المعقدة، التي تقوم على تمثيل الشعب بدلا من قيامه بالحكم. ~~لكن توكفيل لم يقبل ولم يلمح إلى اقتراح روسو بالاستعاضة عن الحكومة التمثيلية ~~الليبرالية بشكل جديد من أشكال العقد الاجتماعي؛ فأيا كانت النظم التي يقدمها ~~المنظرون، فإن الشعب الديمقراطي سيفعل ما يريده في النهاية. # بعد تأكيد توكفيل على أن الشعب الأمريكي يحكم بالمعنى الدقيق للكلمة، انتقل إلى ~~الأدوات غير الرسمية لهذا الحكم، وأولها الأحزاب السياسية. والأحزاب في واقع الأمر غير ~~معنية بالهوية العرقية (كما سنوضح)، وإنما بالاختلافات حول المصالح المشتركة التي ~~تؤثر على كل المجموعات على نحو متساو. إنها شر كامن في الحكومات الحرة، بحسب قوله، ~~متفق في ذلك مع الازدراء التقليدي لها، وهي ربما تنقسم إلى أحزاب كبيرة، أحزاب لها ~~مبادئ مثل الحزب الفيدرالي والحزب الجمهوري الجيفرسوني، وأحزاب صغيرة ليست لها أفكار ~~همها فقط شغل المناصب. غير أنه حتى الأحزاب الصغيرة مثل الحزب الديمقراطي الجاكسوني في ~~وقت زيارة توكفيل لأمريكا، كانت لها «رغبتان سريتان» ترجعان لأعظم حزبين ظهرا في كل ~~المجتمعات الحرة، وهاتان الرغبتان تتمثلان في الرغبة الديمقراطية في توسيع نطاق سلطة ~~الشعب والرغبة الأرستقراطية في تقييد الشعب. على ms035 نحو غير رسمي، وحتى في الديمقراطية؛ ~~حيث يكون الشعب هو من يحكم، يكون هناك حزب يرغب في تقييد سلطات الشعب، كما لو كان ~~الطابع الأرستقراطي - حتى عندما تغيب الأرستقراطية عن المشهد - يستحيل كبح جماحه في ~~الطبيعة الإنسانية . # تعد الصحافة الحرة في أمريكا سلاحا في يد أحزابها، وأيضا عاملا غير رسمي من ~~عوامل سيادة الشعب؛ فتولي الشعب الحكم معناه أن يمارس الحكم بآراء اختارها، ودور ~~الصحافة يكمن في تشكيل الآراء التي يختارها الشعب؛ هذا هو دور المثقفين، لكن في ~~الولايات المتحدة الأمريكية لم يكن هناك رصيد فكري مكافئ لذلك الموجود في باريس، وكان ~~المثقفون متفرقين بحيث لا يمكنهم بسهولة مخاطبة الأمة بأكملها. إن طابع الصحافة في ~~أمريكا على عكس فرنسا - التي تلعب فيها دورا أكبر - كان يقوم على الهجوم الشديد على ~~الآخرين، واللعب على وتر المشاعر، وعدم مراعاة المبادئ، ونشر الفضائح. الخلاصة أن ~~الصحافة الحرة لها محاسن ومساوئ ويجب قبولها كما هي؛ حيث لا يوجد طريق وسط مقبول بين ~~الصحافة التي تتمتع بحرية كاملة، وتلك المقيدة والخاضعة. # تعد الجمعيات السياسية جانبا آخر من جوانب الديمقراطية غير الرسمية، يجمع أيضا ~~بين ما هو جيد وما هو سيئ. يتمتع الأمريكيون بحرية مطلقة فيما يتعلق بإنشاء الجمعيات ~~السياسية التي تعد خطيرة حتى من وجهة نظر الليبراليين في أوروبا؛ غير أنه في بعض ~~الأحيان يحدث، بحسب قول توكفيل، أن الحرية المطلقة يمكن أن تصحح حالات إساءة ~~استخدام الحرية. حدث هذا في أمريكا حيث كان هناك تسامح كبير مع المعارضة، كما كان ~~الحال في الأزمة الدستورية التي ألمح إليها توكفيل، والتي حدثت في عام 1832 (بسبب إعلان ~~ولاية ساوث كارولينا بطلان التعريفتين الجمركيتين الفيدراليتين اللتين أقرهما الكونجرس ~~في عامي 1828 و1832)، لكن مثل هذا الفعل يأتي عادة على حساب التضحية باستقلالية ~~الفكر داخل الجمعية عندما تسعى لتشكيل جبهة موحدة. إن مثل تلك الجمعيات تحسن صنعا ~~بفعلها هذا؛ لأنها بسعيها للتغيير «تضعف الإمبراطورية الأخلاقية للأغلبية»، غير أنها ~~بسعيها للحصول على استحسان الأغلبية، فإنها أيضا تدعم قوتها الأخلاقية. ms036 إن سيادة الشعب ~~تعني تساوي الجميع في الأهلية والقوة الأخلاقية، لكنها في واقع الأمر تعني حكم ~~الأغلبية على الأفراد باسم الكل. # استبداد الأغلبية # تناول توكفيل هذا القسم من كتابه «الديمقراطية في أمريكا» بروية، كما لو أنه قد ~~أراد نقل الأخبار السيئة بالتدريج؛ فقد تحدث عن الاستبداد في النصف الأول من الجزء ~~الأول حيث أثنى على نظم الحكم في أمريكا، لكنه لم يثن قط على الأغلبية. ظهر مصطلح ~~«استبداد الأغلبية» في الفصل الخاص بالجمعيات السياسية، ثم برز من خلال عنوان الفصل ~~السابع الذي تناول «السلطة المطلقة» للأغلبية، التي قال عنها ضمن هذا الفصل إنها ~~«استبداد» الأغلبية، ثم قال في النهاية إنها شكل جديد من أشكال الاستبداد والطغيان. هذا ~~هو الشبح الذي يتوارى وراء مبدأ سيادة الشعب، والذي كان، وصولا إلى تلك النقطة، قد ~~استفاض في عرضه والثناء عليه. # إن السلطة المطلقة، بحسب قول توكفيل، آمنة وهي في يد الرب؛ لأن حكمته وعدله مساويان ~~لقدرته، لكنها عندما تكون في يد البشر الذين يعتريهم النقصان، يصبح الأمر مختلفا؛ ~~فالسلطة المطلقة التي تكون في يد حاكم بشري تؤدي إلى الاستبداد، وهذا لا يحدث بالضرورة ~~ولكن يحتمل أن يحدث، ما لم يكن هناك ضمان لمنع حدوثه. لم يرد توكفيل للشعب الحاكم ~~أن تكون له السيادة غير المنقوصة التي للرب كما تشير المبادئ الليبرالية لهوبز وسبينوزا ~~ولوك. # لكن ما الضمان الذي يحول دون استبداد الأغلبية في الولايات المتحدة؟ يشكل الرأي ~~العام الأغلبية؛ فالسلطة التشريعية تمثل وتطيع الأغلبية، وهكذا الحال بالنسبة إلى ~~السلطة التنفيذية، كما أن الجيش يمثل الأغلبية في قالب عسكري، ويمثل نظام ~~المحلفين الأغلبية التي تصدر أحكاما قضائية. وسيادة القانون ليست ضمانا يحول دون ~~استبداد الأغلبية، كما أوضح توكفيل صراحة في عبارته «استبداد القوانين». لقد عرف ~~الاستبداد بأنه الحكم على نحو يتعارض مع صالح المحكومين، وهذا يختلف عن التعسف في ظل ~~عدم وجود قوانين؛ لذا يمكن للقانون أن يكون أداة لاستبداد الأغلبية، والحكم المتعسف ~~يمكن استخدامه في صالح المحكومين، بالرغم من أنه إذا كان مطلقا، ms037 فمن غير المحتمل أن ~~يكون في صالحهم. الاستبداد يعني حكم الفرد، إلا عندما تتصرف الأغلبية على نحو استبدادي؛ ~~أي إنها تفكر وتتحرك كما لو كانت رجلا واحدا. في أمريكا، الأغلبية تداهنها حاشيتها، ~~وهي «تعيش في حالة دائمة من الإعجاب بذاتها »، تماما كما كان الحال بالنسبة إلى لويس ~~الرابع عشر. # إن استبداد الأغلبية يتسم بطابع جديد في الديمقراطية؛ ففي ظل النظام الملكي (أو ~~«الحكم المطلق لشخص واحد»)، سيضرب الاستبداد جسم الضحية من أجل أن يصل لروحه، أما ~~استبداد الديمقراطية، فإنه «يترك الجسم ويتجه مباشرة للروح.» إن استبداد ~~الديمقراطية - وذلك بحسب تعبير توكفيل في ~~الجزء الثاني من كتابه «الديمقراطية في أمريكا» - عبارة عن «استبداد هادئ»، لا يقوم ~~بالتعذيب والإعدام، وإنما يسعى للهيمنة الأخلاقية والفكرية، وهو استبداد ليس خشنا بل ~~ناعم، غير أنه ليس ناعما جدا. في حاشية، أعطى توكفيل مثالين لاستبداد الأغلبية: في ~~بلاتيمور، قتل صحفيان عارضا حرب عام 1812 على يد حشد من مؤيدي الحرب، وفي ~~فيلادلفيا، تعرض العبيد المحررون من السود لحالة من التخويف الشديد؛ الأمر الذي ~~أدى إلى إحجامهم عن ممارسة حقهم الانتخابي. والمثال الثاني الذي يدور حول التمييز ~~العنصري تناوله توكفيل باستفاضة في فصل مهم عن الأجناس الثلاثة الموجودة في أمريكا في ~~تلك الفترة، وهم: البيض، والسود، والهنود. # ذلك الفصل - وهو الأخير في الجزء الأول من كتاب «الديمقراطية في أمريكا»، والذي ~~يعد خاتمة تناوله مبدأ سيادة الشعب - هو الأطول إلى حد كبير. والموضوعات المغطاة ~~فيه تتعلق بأمريكا على وجه الخصوص، بحسب قول توكفيل، وهي تتناول الأجناس الثلاثة ~~ومستقبل أمريكا. لكن الهدف الأعمق لتوكفيل من هذا الفصل هو الكشف عن طبيعة استبداد ~~الأغلبية وما يمكن فعله لمنع هذا الاستبداد، وذلك عن طريق تحليله للإحساس بالفخر ~~والحرية. # كانت الإبادة شبه التامة للهنود واستعباد السود - ولا يزالان - المثالين الأكثر ~~بشاعة على استبداد الأغلبية في أمريكا، وقد درس توكفيل الأجناس الثلاثة، وليس فقط ~~جنسي المحكومين؛ لأنه أراد أن يوضح آثار الاستبداد على المستبد وعلى الضحايا على ~~نحو سواء؛ فالاستبداد الذي وصفه بأنه ms038 الحكم «على نحو يتعارض مع صالح المحكومين» ظهر ~~في الشعوب الحديثة خصوصا لأنهم ربوا على الإيمان بالسلطة المطلقة للحاكم وليس للرب؛ ~~أي «الحق والقدرة على فعل أي شيء.» # لم يقل توكفيل شيئا عن الأفضلية الفطرية أو الطبيعية لجنس معين، بدلا من ذلك، ~~فرق بين الأجناس الثلاثة فيما يتعلق بإبدائهم الإحساس بالفخر من عدمه. وصف ~~توكفيل الرجل الأبيض أو الأنجلو أمريكي في العالم الجديد بأنه «السيد»؛ لأنه يعامل ~~الجنسين الآخرين كما يعامل الإنسان الحيوان، تماما كما يسود الطبيعة. فهو يمارس ~~الاستبداد على الجنسين الآخرين اللذين يحكمهما، واللذين يمثلان طرفي النقيض؛ ~~فالرجل الهندي في استقلاليته البربرية يمثل الطرف المتطرف في الفخر والحرية، في ~~حين يمثل الرجل الأسود الطرف الآخر في العبودية وتقليد سادته. إن سلوك هذين الجنسين ~~مختلف تماما؛ فالسود يقبلون حضارة البيض ويحاولون الانضمام لمجتمع البيض الذي ~~يرفضهم ويلفظهم، في حين أن الهنود الفخورين بأجدادهم والواثقين بكرم الطبيعة، يرفضون ~~حضارة البيض ويسعون للانعزال عنهم. يعرف الهنود معنى الحرية، لكنهم نظرا لأنهم ~~يعيشون في وهم نبل أصلهم، فهم لا يستطيعون التحكم في أنفسهم، ولا يستطيعون الحفاظ ~~على حياتهم. يعرف السود كيف يحافظون على حياتهم، لكنهم يشعرون بأن كرامتهم منقوصة لأنهم ~~مملوكون لأشخاص آخرين؛ ولذلك لا يحاولون تطوير أنفسهم حتى يصبحوا أحرارا. إن كلا ~~الموقفين المتطرفين يظهران النتيجة المترتبة على استبداد الأغلبية في صورة إحساس ~~متطرف بالفخر؛ فالفخر الشديد يؤدي إلى عدم مرونة مواقف الهنود، والفخر شبه المنعدم ~~يؤدي إلى خضوع السود، ودون وضع الفخر في إطاره الصحيح، يمكن أن تعاني الأغلبية ~~البيضاء من نفس حالة البؤس الشديدة التي تفرضها على ضحاياها. يجب أن يصاحب الفخر ~~التعقل حتى تتحقق الحرية؛ حيث إنه في الديمقراطية يمكن أن يبدو دائما أنه من ~~المعقول التضحية بالحرية من أجل الكفاءة الإدارية، لكن الفخر يحتاج إلى التعقل ~~للتحكم في أوهامه، ولجعله خاضعا للحضارة؛ للحضارة، هكذا أوضح توكفيل، وليس فقط ~~للخبرة. # في تأييد توكفيل للإحساس بالفخر، اختلف ثانية عن الليبرالية الكلاسيكية كما وضعها ~~توماس هوبز، التي تدعي أن الإنسان ms039 يجب ألا يكتفي فقط بكبح جماح فخره، وإنما عليه أن ~~يتخلى عنه حتى تتحقق الحضارة؛ ففي الحالة الطبيعية، يعيش الإنسان في حالة حرب - حرب ~~الكل مع الكل - وفي تلك الحالة يجب أن يمحو خوفه، من أجل الحفاظ على نفسه، أوهام ~~غروره . وبعد تلك التجربة، سواء في الواقع أم الخيال، يكون الإنسان مستعدا لأن يكون ~~معاونا ومراعيا، وربما خاضعا، لأقرانه في المجتمع المتحضر. بالنسبة إلى هوبز وعدد ~~كبير من أتباعه، الحرية والإحساس بالفخر يكونان في صراع كل منهما مع الآخر، ~~والخلاصة أنه على الأفراد المتحضرين أن يتعلموا كيفية مراعاة شعور الآخرين والانسجام ~~معهم. # شكل 3-1: لوحة رسمها جوستاف دي بومون - صديق توكفيل ورفيقه في رحلته ~~لأمريكا - لنفسه ولتوكفيل (الذي يستند في الصورة إلى شجرة ساقطة)، ~~وللمرشد الهندي الذي كان يقودهما عبر البرية في ميشيجان. # أخذ توكفيل مسارا مختلفا عن المسار السابق الذي أوضحه في نفس هذا الفصل؛ فبدلا ~~من وجود عقد اجتماعي يفرض المقايضة بين الإحساس بالفخر والحضارة، لم يرد أن يفصل ~~إحساس المرء بالفخر عن إحساسه بالحرية؛ فيجب دمج الحرية البدائية التي لدى الهنود، في ~~الرغبة في التحضر التي لدى السود، لتكون النتيجة شخصا أبيض يحافظ على حريته لأنه يحافظ ~~على كبريائه وحياته؛ لأن كرامته ليست قائمة على الوهم. بالطبع، إن مثل هذا الشخص لا يجب ~~أن يكون أبيض بالمعنى العنصري، وإنما بمعنى أنه يجب أن يتخلى عن تحيزه ضد الجنسين ~~الآخرين الخاضعين له؛ وهو أمر يظنه توكفيل مستبعدا. # عندما تجتمع العبودية مع العرق، كما في أمريكا وفي نظام العبودية الحديث بوجه عام، ~~يوسم العبد للأبد بلونه؛ فالرجل الأبيض بتحيزه ضده يقلل من مكانته في الإنسانية، ~~واضعا إياه في مرتبة بين الإنسان والحيوان. ربما يدعي الليبراليون - وربما يؤكد ~~إعلان الاستقلال - أن كل البشر خلقوا متساوين، لكن هذا الادعاء جعل إلغاء العبودية ~~أكثر صعوبة؛ لأن البيض لا يرون أن السود بشر كاملون. يمكن لمستبد أن يلغي العبودية ~~في أمريكا، كما ألغتها السلطات الأوروبية في مستعمراتها. # لكن الأمريكيين الديمقراطيين يفخرون بالمساواة بين ms040 البيض فقط، بينما في الوقت نفسه ~~(وحتى في الشمال) يخافون من تمرد العبيد عليهم. إن الفخر العنصري الذي يبدونه غير ~~مفهوم من قبل النظرية الليبرالية التي تتجنب الحديث عن مسألة العرق، والخوف الذي ~~يبدونه يتناقض مع المساواة العنصرية بدلا من أن يعمل لصالحها، وذلك كما تفترض النظرية ~~الليبرالية. يوضح سلوك الفخر لدى الهنود، والذي يرفض أسلوب حياة البيض وحكمهم، أن ~~النظرية الليبرالية تعتبر انجذاب المرء للحضارة أمرا مسلما به، ولا تفهم أن عليه ~~أن يخضع للحضارة. إن تحيز البيض ضد السود برفضهم إياهم يوضح أن الإحساس بالفخر لا ~~يختفي على الرغم من تعارض الديمقراطية معه، وأنه يجب التعامل معه ومع كل الأشياء ~~المفيدة المرتبطة به. إن الإحساس بالفخر الذي يبديه الكثير من الأمريكيين في تحيزهم ~~يجب أن يتحول لصالح الإحساس بالفخر بحرية الحكم الذاتي؛ فلا يمكن للمرء أن يساوي بين ~~كل أشكال الإحساس بالفخر لديه في الحالة الطبيعية، ويتجه نحو عقد اجتماعي، كما يفترض ~~الليبراليون عادة في نظرياتهم. # اتفق توكفيل مع النظرية الليبرالية في زعمها الذي يقول إن العبودية أمر غير طبيعي، ~~لكن ليس بسبب أننا نولد جميعا أحرارا ومتساوين في حالتنا الطبيعية. وتعجب على ~~نحو ساخط قائلا إننا نرى في العبودية «النظام الطبيعي وقد أصبح معكوسا.» غير أنه في ~~إطار معنى آخر للمقصود بما هو طبيعي، كان من الطبيعي جدا بالنسبة إلى الأوروبيين أن ~~يستعبدوا جنسا آخر اعتبروه أقل منهم منزلة؛ الأمر كان مفهوما. إن النظام الطبيعي ~~يسعى من أجل الأفضل، لكن الأفضل لا يتحقق على نحو تلقائي؛ في واقع الأمر، هو يواجه ~~عقبات بسبب الإحساس بالفخر الذي هو إحساس طبيعي لدى البشر. تعتقد النظرية الليبرالية ~~أنها قهرت الإحساس بالفخر في الحالة الطبيعية، وأنها ربطت النظام الطبيعي (القانون ~~الطبيعي) بأقوى شعور إنساني؛ ألا وهو الخوف من أجل حفظ الذات. بالنسبة إلى توكفيل، هذا ~~حل ذكي لكنه مبسط للغاية؛ فرؤيته للديمقراطية لا تحاول استبعاد الفخر، وهو لا يركز ~~فقط على مقاومة التحيز وضرورة التخلي عن الإحساس الزائف بالفخر، كما نفعل ms041 اليوم ~~بسهولة، وإنما على المهمة الأكثر صعوبة المتمثلة في إيجاد حل ل «نقص» الإحساس ~~بالفخر؛ فالديمقراطية ليست على وفاق مع ادعاءات الفخر التي دائما ما تنطوي على نوع من ~~عدم المساواة، لكنها بحاجة إلى أن يكون هناك فخر يستند إلى الشعور بالأهمية والإنجاز ~~كما يتجلى في السياسة على وجه الخصوص. # مباشرة بعد أن عرض توكفيل لمفهوم استبداد الأغلبية، تحدث عن «السلطة التي ~~تمارسها الأغلبية على الفكر»، وقال على نحو مباشر وحاسم: «لا أعرف أي دولة تسود فيها ~~بوجه عام استقلالية فكر وحرية تعبير أصيلة أقل من أمريكا.» ليست القضية أن المعارض ~~يخشى التعرض للاضطهاد أو الإعدام حرقا على خازوق، وإنما القضية أنه «لن يستمع أحد لما ~~يقوله» وسيصبح منبوذا، وفي النهاية سيتوقف عن المعارضة. إن هذا عنف «فكري» يؤدي إلى ~~توقف العقول عن التفكير، بل حتى إلى توقف الكتاب عن التفكير في نشر آراء معارضة ~~لرأي الأغلبية، وهو أمر أكثر سوءا مما كان يجري في محاكم التفتيش التي كانت مهمتها قمع ~~المهرطقين. ذكر توكفيل دليلا على تلك الحقيقة مفاده أن «أمريكا حتى الآن ليس لديها ~~كتاب عظام.» # بالطبع، ترجم كتاب توكفيل ونشر في أمريكا بعد فترة قصيرة جدا من ظهوره في ~~فرنسا، ويبدو أن هذا تم بغض النظر عن رأي الأغلبية، لكنه في مواضع كثيرة من الكتاب ~~أظهر نفسه وكأنه يخشى أن ينظر إليه باعتباره معاديا لأمريكا أو للديمقراطية، وخاصة ~~في بداية الجزء الثاني؛ حيث أعلن عن عدم استعداده لمداهنة الأحزاب الكبيرة أو الفصائل ~~الصغيرة التي كانت موجودة في عصره. بالإضافة إلى ذلك، قد يرد أي قارئ معاصر ~~قائلا إن كتاب أمريكا الكبار، بالرغم من عدم عظم مكانتهم، سرعان ما ظهروا، ومن ~~بينهم ناثانيال هوثورن بعمله المعروف «الحرف القرمزي» الذي ظهر في عام 1850، وهرمان ~~ملفيل بعمله المعروف «موبي ديك» الذي ظهر في عام 1851، كما أن عمل جيمس فينيمور كوبر ~~«آخر الموهيكان» (1826) ظهر في وقت مناسب بحيث يستطيع توكفيل أخذه في الاعتبار وهو ~~يصدر حكمه؛ ومع ذلك، لن يرغب أحد في ms042 معارضة نقده الشديد للأمريكيين الذين - بحسب قوله ~~- لا يمكنهم تحمل أقل نقد يوجه لبلدهم. # في الفصل الذي تناول فيه توكفيل حرية الصحافة، أشار إلى أن هناك ثلاثة أنواع من ~~الرأي؛ وهي: الإيمان، والشك، والاعتقاد العقلاني. إن النوع الأخير لا يصل إليه سوى عدد ~~قليل جدا من الناس؛ فمعظم الناس يعيشون في حالة إيمان وذلك في العصور التي يسود فيها ~~الدين، أو في شك وذلك في عصر الديمقراطية. هنا تكمن إحدى مفارقاته البارعة؛ قال إنه ~~في أوقات الإيمان، يغير الناس آراءهم عندما يتدينون، لكنهم في أوقات الشك يتمسكون ~~بآرائهم. لماذا هذا الموقف الأخير؟ عندما يشك الناس، يرون أنه لا يوجد رأي أفضل من ~~رأيهم، ويشعرون بأنه لا توجد مصلحة غير مصلحة واحدة، من المرجح أن تكون مصلحة مادية، ~~تتوافق بسهولة مع العناد والتحيز والثبات على الرأي. # لذا، فإن الصحافة الحرة لا تحث الناس على الوصول للاعتقاد العقلاني أو الحقيقة. ثمة ~~ادعاءات تزعم اليوم - فيما يتعلق بالصحافة - أن الناس من حقها أن تعرف كل ما يمكن ~~معرفته. لكن معظم الناس لا يعيشون على أساس المعرفة، وإنما على أساس الرأي القانع. إنهم ~~متشككون؛ وكأن لسان حالهم يقول: «لا يمكن أن تصدق ما تقرؤه!» ونحن نقول اليوم إن ~~وسائل الإعلام دائما ما تسيء فهم الأمور. بناء على ذلك، نحن نؤمن بأننا على حق، ~~وأنه لا توجد سلطة أعلى منا تقول لنا إننا مخطئون. يحب الديمقراطيون الفخر ~~باستقلالية فكرهم، وهو بالضبط أقل أنواع الاستقلالية التي يتمتعون بها. أشار توكفيل ~~لميزتين خفيتين للصحافة الحرة؛ وهما استغلال طموح الكتاب الموهوبين في هجوم ~~بعضهم على بعض، واستقرار الرأي الناتج عن البلبلة التي تجعل الناس لا يثقون فيما يقال ~~لهم أو يستبعدونه. # في الجزء الثاني، ناقش توكفيل سلطة العلم التي تحاول خلق اعتقاد عقلاني من نوع ~~ما لدى الناس؛ اعتقاد وسط بين المعرفة الكاملة والرأي غير المطلع. لكنه في هذا النقاش ~~ركز على «الأهمية العظيمة» للصحافة الحرة، وفي نفس الوقت على الاستبداد اللاعقلاني ~~لدى الأغلبية التي تعززه باسم التنوير. ms043 وبتميزها بالاعتدال، قيمها مقارنة ~~بالصحافة التي توجد رقابة عليها، وهو مقابل معتاد بالنسبة إلى الليبراليين، وأيضا ~~مقارنة بالعقل في أسمى معانيه، وهو مقابل غير معتاد. وكانت النتيجة صورة مختلفة ~~تماما عن الثناء الشديد على «حرية الفكر والتعبير» الموجود في كتاب جون ستيوارت ميل ~~«عن الحرية» المنشور في عام 1859، وهو العام الذي توفي فيه توكفيل. # كان ميل صديقا لتوكفيل وأحد أتباعه الأوائل بمراجعته لكتابه «الديمقراطية في ~~أمريكا»، لكنهما اختلفا اختلافا بينا في رأيهما بشأن العلاقة بين العقل والإحساس ~~بالفخر؛ اعتقد ميل أن تحيز الناس العاديين يمكن التغلب عليه بواسطة أشخاص نسميهم الآن ~~«المفكرين»، الذين يمكنهم توجيه المجتمع دون أن يحكموه على نحو فعلي. وقد اعتبر الإحساس ~~الإنساني بالفخر عائقا أمام تقدم المعرفة، والحرية السياسية وسيلة لإحداث هذا ~~التقدم. على الجانب الآخر، كان توكفيل يعتقد أن الإحساس بالفخر يفيد الديمقراطية ~~ويضرها في نفس الوقت؛ فهو يضرها عندما يمجد تحيز الأغلبية الديمقراطية، ويفيدها ~~عندما يساعدها على تصحيح هذا التحيز في «المدرسة المجانية» التي تقدمها الحرية ~~السياسية؛ فبالنسبة إليه، يمثل العقل في أسمى معانيه «الملاذ الأخير» للإحساس ~~الإنساني بالفخر، وبالرغم من أن الاكتشافات النظرية قد تؤدي إلى تطوير المجتمع، فإنه ~~يجب أن تكون هي نفسها هدفا في حد ذاتها. يتميز الإنسان عن الحيوان بعقله؛ هذا هو ~~الأساس المنطقي للإحساس بالفخر، ويجب أن يحترم هذا الأساس لدى الأشخاص القادرين على ~~استخدام عقولهم بفاعلية كبيرة، لكن معظم الناس يستخدمون عقولهم معظم الوقت للفخر ~~بدفاعهم عن تحيزاتهم. إن نشر التحيز هدف ومهمة أي صحافة حرة. # المساواة والتشابه # تقوم المؤسسات غير الرسمية على السيادة غير الرسمية للرأي العام. وفي هذا، اتفق ~~توكفيل مع ميل، لكنه كان أقل تفاؤلا بكثير منه. اعتقد ميل أن الرأي العام يمكن قيادته ~~من خلال مفكرين مثله هو شخصيا؛ مما يؤدي إلى مزيد من التنوير، لكن توكفيل - بالرغم ~~من أنه اتفق مع ميل على أن قلة من الناس يكونون أكثر استنارة من غالبية الناس - اعتقد ~~أن هناك احتمالا أكبر لأن يقود الرأي العام المفكرين ms044 وليس العكس، وأنهم لن يصغى ~~إليهم إذا حاولوا أن يعظوا وينصحوا الناس متبعين أسلوب ميل؛ أي إنهم سيكونون مجبرين ~~على خدمة الرأي العام. يميل المفكرون الديمقراطيون من أمثال ميل لأن يكونوا أكثر ~~ديمقراطية من الأفراد الديمقراطيين، مع الاحتفاظ باستثناء لأنفسهم باعتبارهم معلمين ~~للناس. هذا صحيح؛ فتوكفيل نفسه كان يسعى ل «تعليم الديمقراطية»، كما قال في مقدمة كتابه ~~«الديمقراطية في أمريكا»، لكنه كان يفعل هذا من خلال تحليل صريح لمزاياها وعيوبها، ~~ممزوجا بثناء مكبوت، بدلا من الدفاع عن الديمقراطية واللوم على معارضيها. ومن دون ~~ضجر، قارن بهدوء بين النظامين الديمقراطي والأرستقراطي. # للرأي العام سلطة أعلى في النظام الديمقراطي مقارنة بسلطته في النظام الأرستقراطي؛ ~~لأن الكل في ظل النظام الديمقراطي متساوون أو من المفترض أنهم كذلك. فلا يوجد فرد - أو ~~جماعة - له سلطة أعلى من الشعب؛ ومن ثم لا يمكن لأحد أن يتحداه على نحو صريح، وهو ~~الأمر الذي يحدث بسهولة في أي نظام أرستقراطي. إن سيادة الرأي العام تتفق مع الحالة ~~الاجتماعية الديمقراطية، وهو المفهوم الذي وضعه توكفيل الذي يرى أنه سابق للسياسة ~~ويتحدد من خلالها. وعلى الرغم من أن الرأي العام في واقع الأمر يسود في النظام ~~الديمقراطي، فلا يبدو أنه يسود لأنه ليس له ممثل محدد يرجع إليه؛ فهو بالتأكيد ~~يتشكل على يد مفكرين وسياسيين وصحفيين، لكن حيث إن كل هؤلاء يزعمون أنهم يتبعونه، ~~فلا أحد يتحمل مسئوليته. وعندما يتغير الرأي العام، معتبرا حسن الصنيع سوء صنيع ~~أو العكس، فإنه يفعل هذا دون تفسير؛ حيث إنه لا يوجد أحد مسئول عنه يمكن محاسبته. ربما ~~يحاول البعض تأويل الرأي العام، لكن الرأي العام لن يحدد إن كان هذا التأويل صحيحا أم ~~لا؛ فقراراته السيادية ليست خاضعة للعقل، ولا يمكن لأحد الاعتراض عليها نظرا لكونها ~~متضاربة أو قصيرة النظر. سيتم الاستماع والالتزام بما يقوله الرأي العام، لكنه لن ~~يستمع لأحد عندما لا تكون لديه الرغبة في ذلك. # يقوم الرأي العام الديمقراطي على المساواة، لكن طبيعة هذه المساواة تحتاج لأن يتم ~~النظر ms045 فيها. كيف تتعامل الديمقراطية مع جوانب عدم المساواة الطبيعية الواضحة؟ ففي أي ~~ديمقراطية، يعتقد كل شخص أنه ينعم بالمساواة مع غيره؛ ففكرة المساواة أقوى من حقيقة ~~اللامساواة؛ لأنها يمكن أن تخلق مساواة في حالة عدم وجودها. فربما يكون جارك أكثر ~~ثراء منك ، لكن إذا اعتقدت أنه مساو لك، فإنه سيصبح على هذا النحو. استخدم توكفيل ~~مفهوم الشبيه أو النظير للإشارة إلى القوة الإبداعية للرأي العام الديمقراطي؛ فجارك ~~ليس مساويا لك تماما، لكنه شخص يشبهك، على الرغم من أنه أكثر أو أقل ثراء أو جمالا ~~أو ذكاء منك؛ لذا يمكنك التعامل معه على أنه مساو لك؛ مما يعني أن جوانب عدم المساواة ~~بينك وبينه لا تمنح أيا منكما سلطة على الآخر. # يجب أن نطبق مفهوم الشبيه على عبارة توكفيل التي تقول إن الثورة الديمقراطية تؤدي ~~إلى مساواة أكبر في الأوضاع، وهي عبارة يعترض عليها بعض القراء؛ لأنها تغفل على ما ~~يبدو جوانب عدم المساواة الواضحة التي تستمر فيما نسميه «الديمقراطية». لكن ما «نطلق» ~~عليه ديمقراطية «يكون» ديمقراطية؛ فالديمقراطية هي سيادة الكل المتساوين منهم وغير ~~المتساوين؛ حيث إن جميعهم يعتبرون أنفسهم متشابهين. فالناس الذين ينظر إليهم على ~~أنهم متساوون يكونون متساوين في الواقع، على عكس تساويهم من الناحية النظرية، وهي ~~مساواة نادرا ما تلاحظ، هذا إن حدثت، ويعتبرها المنظرون الليبراليون الحالة ~~الطبيعية. استبدل توكفيل بالمساواة الطبيعية المزعومة للبشر المساواة العرفية التي يرى ~~فيها الناس أن الآخرين مشابهون لهم. غير أن المساواة العرفية بين المتشابهين ليست ~~اعتباطية تماما؛ فهي تقوم على أساس الفخر بالطبيعة الإنسانية التي بموجبها يعتقد الفرد ~~أنه مهم؛ حيث يمكن للفرد أن يشعر بالفخر بأنه لا يوجد من هو أعلى مكانة منه (كما في ~~الديمقراطية)، كما يشعر بالفخر بأنه أعلى مكانة من الآخرين (كما في ~~الأرستقراطية). # عندما تذعن للرأي العام، فإنك لا تذعن لشخص أو جماعة قد يبدو أن لها سلطة عليك؛ فغموض ~~الرأي العام لا يحميه فقط من الاتهام أو تحمل المسئولية، وإنما يسمح له أيضا بأن ~~يصبح بمنزلة ms046 سلطة؛ فالتشابه داخل شعب ديمقراطي يجعل الديمقراطية تبدو طبيعية، بالرغم من ~~أنها إلى حد كبير عرفية. وعلى الرغم من إقرار توكفيل بوجود فارق بين الطبيعة البشرية ~~والعرف البشري، فإنه لم يحاول توسيع هذا الفارق كما فعلت النظرية الليبرالية، التي ~~عارضت الاثنين كما لو كان كل منهما معاديا للآخر، لكنه بدلا من ذلك مزج بين ما هو ~~معطى وما هو مصطنع. # إن الإحساس بالفخر يتم الثناء والهجوم عليه في نفس الوقت في ظل الرأي العام ~~الديمقراطي؛ فعندما يقارن فرد نفسه بآخر، يشعر بالفخر لأنه متساو مع الآخرين، ~~لكنه عندما يقارن نفسه مع «مجموع كل المشابهين له»؛ أي جمع كبير من الناس، يغلبه شعور ~~بالضآلة وعدم الأهمية؛ لذا فإن الرأي العام «يضغط على نحو كبير على عقل كل فرد»، ~~فيحاصره ويوجهه ويقهره. وكلما زاد تشابه الأفراد بعضهم لبعض، زاد شعور كل منهم ~~بالضعف في مقابل الآخرين كلهم، ويبدأ في عدم الثقة والتشكك في نفسه عندما يجد نفسه ~~مختلفا مع الأغلبية؛ وهكذا فإن الأغلبية «ليست في حاجة إلى قهره، وإنما هي فقط تقنعه.» ~~وهذا هو سبب ندرة الثورات الكبيرة في الديمقراطية، بحسب اعتقاد توكفيل؛ فالشعوب ~~الديمقراطية ليس لديها الوقت ولا الميل للبحث عن آراء جديدة، فهي لا تحيد عن الآراء ~~الشائعة بالرغم من الأخطاء الموجودة بها دون النظر لشعورها بالخضوع لأنها تذعن لرأي ~~الأغلبية. # الرفاهية المادية # يقوم الرأي العام على الرغبة في «الرفاهية المادية»، بحسب تعبير توكفيل. في المرة ~~الأولى التي استخدم فيها توكفيل هذا المفهوم، كان يتحدث عن تأثيره على الآراء ~~السياسية؛ هذا التأثير الذي يتجلى على نحو خاص لدى الأجانب الذين يأتون إلى أمريكا ~~وتزدهر حياتهم. هناك صديق فرنسي لتوكفيل قابله في رحلته لأمريكا كان داعيا معروفا ~~لمفهوم التوزيع العادل للثروة في فرنسا، لكنه تعلم من خلال نجاحه في أمريكا - مع ~~تغير آرائه بسبب زيادة ثروته، ومع تخليه عن الدعوة للعدالة في توزيع الثروة - أن ~~يتحدث عن حق الملكية تماما كما يفعل الاقتصاديون أو الماديون، ومن هنا، بدأ توكفيل ~~الربط - الذي ms047 قد يبدو توسعا - بين المذهب الفلسفي للمادية والرغبة العامة في ~~الرفاهية المادية. إن كلا من المذهب والرغبة له سلطة غير رسمية في أمريكا؛ مما يؤدي ~~إلى أداء عادي لا بريق له، غير مفسد للأخلاق في مراحل عديدة من الحياة الديمقراطية. ~~خصص توكفيل سبعة فصول متتالية في الجزء الثاني من كتابه لتناول تلك الرغبة، لكنه ~~أدان المذهب بعنف قبل ذلك في مقدمته للجزء الأول، ووصف من يحاولون «تحويل ~~الإنسان إلى مادة»، بأنهم سفهاء ومغتصبون للسلطة ولا قيمة لهم. # سيبدو من مثال الصديق الفرنسي الذي لم يحدد توكفيل اسمه أن الرغبة في الرفاهية ~~المادية في أمريكا تسببت في ظهور المذهب بشكله السائد هناك؛ بحيث يتحدد الرأي ~~الاقتصادي من خلال الطبقة أو المصلحة الاقتصادية، كما في الماركسية. لكن توكفيل لم يتبع ~~هذا المسار؛ فقد أكد على أن الرغبة في الرفاهية المادية (التي أطلق عليها أيضا في ~~الجزء الثاني «المتع المادية») نابعة من الديمقراطية؛ فهي لها سبب سياسي لا اقتصادي، ~~وهي ليست ناتجة عن الرأسمالية أو روح الرأسمالية كما اعتقد ماكس فيبر، فما هي إذن تلك ~~الرغبة؟ تحدث توكفيل عن طابع تلك الرغبة وربطها بمقابلها الواضح؛ ألا وهو الروح؛ ~~حيث للرفاهية المادية جانب غير مادي في الديمقراطية الأمريكية؛ فالروح الديمقراطية لها ~~طبيعتها المضطربة المستمدة من الرغبة في هذا الشيء على الخصوص. # إن الأمريكيين في واقع الأمر لديهم رغبة في الحصول على الأشياء المادية النابعة من ~~وضعهم الاستثنائي غير الموجود في كل الأمم الديمقراطية، وقد استغل توكفيل هذه الفرصة ~~لينفي أن أمريكا ستكون هي المثال الذي يجب أن تحذو تلك الأمم حذوه في هذا الشأن؛ ~~فأمريكا متطرفة جدا في تلك الرغبة، لدرجة أن المرء يجب أن يذهب إلى هناك حتى ~~يتعرف على مدى تأثير تلك الرغبة، وهو الأمر الثاني - بعد البراعة في إنشاء الجمعيات - ~~الذي قال عنه توكفيل إن على المرء أن يشهده بنفسه حتى يقدر أهميته. وفي تناوله ~~للأجناس الثلاثة، قال إن البيض في الشمال يعتبرون الرفاهية المادية الهدف الأساسي ~~لوجودهم، وهذا يدل على ms048 أن تلك الرغبة ليست واحدة في كل أمريكا، غير أنه بالرغم من تلك ~~الصفات، أكد على أن المساواة، من خلال «قوة خفية» ما، تجعل الشغف بالمتع المادية ~~(وليس فقط الرغبة فيها) و«التفضيل الحصري للحاضر» الذي يصاحب تلك الرغبة؛ يسيطران على ~~قلب الإنسان. # ما هي تلك القوة الخفية؟ في الفصل الذي تناول فيه توكفيل الرغبة في الرفاهية المادية ~~في الجزء الثاني، قارن ثانية بين الديمقراطية والأرستقراطية؛ فالرجل الأرستقراطي ~~يحتقر الرفاهية المادية، ويمكن أن يستغني عن الأساسيات، في حين أن الرجل الديمقراطي لا ~~يمكن أن يعيش دون تلك الرفاهية. في عصرنا الحالي، يعتبر نظام السباكة الحديث ضرورة ~~في كل الدول الديمقراطية؛ فالرفاهية المادية توجد في المنتصف بين الفقراء والأغنياء؛ ~~فالفقراء يريدونها والأغنياء لا يبالغون في التفاخر بها؛ فهي تنتشر مع نمو الطبقة ~~الوسطى. إنها تحتاج لمجهود في الوصول إليها، ودائما ما يحيط بها القلق. فهي رغبة عنيدة ~~وحصرية وعامة، لكن لها أهدافا بسيطة تتشبث بها الروح. وعلى الرغم من أنها تشجع ~~الشعوب الديمقراطية على الإفراط، فإنها مقيدة، وقال توكفيل إن لومه للمساواة لا ينبع ~~من أنها تجعل الناس يسعون من أجل الحصول على متع محظورة، وإنما في أنها تجعلهم ~~ينشغلون بالكامل في البحث عن متع غير محظورة؛ فبحسب قوله: «هم يقعون فريسة للدعة لا ~~للإغواء.» فالرغبة في الرفاهية المادية صادقة ومقبولة، فقط لأنها تفتقد الطموح الكبير: ~~«من الصعب الخروج عن المسار العام، سواء من خلال الرذائل أم الفضائل.» # إن وجود رغبة مقبولة لحيازة متع هذا العالم هو الشغف السائد في أمريكا، لكنه ليس ~~الشغف الوحيد. عرض توكفيل فجأة نقاشا حول الروح في هذا السياق، موضحا الشغف الآخر ~~المضاد للشغف السائد ومبينا قوته الخفية. بالنظر إلى الصورة التي رسمها توكفيل ~~للواعظين المتجولين، الذين وجدوا جماهيرهم في البرية في الغرب ونقلوا إليهم «روحانيات ~~سامية» غير موجودة في أوروبا، نجد أنه كشف عن إحدى حقائق الطبيعة الإنسانية؛ فالإنسان، ~~بحسب قوله، لديه رغبة في اللانهاية وحب للخلود. إن هاتين الغريزتين الساميتين ليستا ~~من ابتكار عقله، لكنهما ms049 من الأسس الثابتة في طبيعته، بحيث يمكن إعاقتهما أو تشويههما ~~لكن لا يمكن أن يختفيا؛ فالروح لا ترضى بالمتع التي تأتي من الحواس؛ فهي لها احتياجات ~~خاصة بها يجب أن يتم إشباعها، ولا يمكن شغلها عن ذلك لفترة طويلة قبل أن تشعر بالملل ~~والاضطراب والقلق. إن الأمريكيين يشعرون بالاضطراب والحيرة على نحو يذكرنا بفلسفة ~~باسكال، أحد الكتاب المفضلين لدى توكفيل. # ما الذي يعنيه هذا بالنسبة إلى الرؤية الأمريكية الخاصة بالمصلحة الشخصية المفهومة ~~على نحو جيد؟ عند الحديث عن حب الخلود في الطبيعة الإنسانية، ألمح توكفيل إلى أن الفرد ~~لا يمكن أن يرى أن كل شيء مصدره الذات؛ فالطبيعة هي مصدر هذا الحب، والطبيعة وليس ~~الإنسان هي التي صنعت تلك الذات. علاوة على ذلك، يبدو أن حب الخلود بمنزلة امتداد للشغف ~~السائد؛ لأن الرغبة في التملك تصبح حبا للخلود عندما تكسر «الأغلال المقيدة التي ~~يرغب الجسد في فرضها» بسبب عدم الرضا عن الجانب المادي. وهكذا، تتحرك المصالح المادية ~~من خلال القوة الكبرى لما يرغب في أن يطلق عليه «المصالح غير المادية للإنسان»، التي هي ~~امتداد مهم لجزء «المفهومة على نحو جيد» من المصلحة الشخصية. والمصلحة الشخصية بهذا ~~المعنى الواسع ترتبط بالذات من خلال «روابط مادية»؛ أي السياق الإنساني، لكن حقيقتها ~~غير المادية تكون متجاوزة للذات. بل إن الأمريكيين أنفسهم يدركون على نحو ضمني أن ~~شغفهم بالأشياء المادية لا يمكن أن يؤدي بهم إلى الشعور بالرضا، على الرغم من أن ~~تجربة السمو فوق المادية يمكن أن تكون مقتصرة على القليل من الأشخاص. والروح لها ~~احتياجات لا يفهمها الأمريكيون؛ ولذا عندما تنفصل الروح عن المصالح المادية، لن تستطيع ~~أن توقفها أي حدود، وستتجاوز الفطرة السليمة إلى اللانهاية. # تحول المساواة البشر إلى سلع مادية؛ لأنها تطيح بأي سلطة أرستقراطية تهيمن عليهم ~~أو تجبرهم على تحويل انتباههم للمستقبل، أو التضحية بمصالحهم المادية من أجل هدف طويل ~~الأجل. يركز الديمقراطيون على الأجل القصير؛ فهم يوجهون انتباههم للحاضر. وما الشيء ~~الموجود في الحاضر الواضح للجميع دون حاجة ms050 إلى تعليم أو تضحية؟ إنه السلع المادية. تكمن ~~المشكلة في أن السلع المادية التي يمتلكها الفرد تزيد التطلع لديه من أجل المزيد؛ مما ~~يؤدي إلى عدم الرضا بدلا من الرضا. في أي ديمقراطية، يكون لدى الفرد الحرية في تغيير ~~مكانه ووظيفته ومنزله، وحيث إن الأمريكيين يوجهون انتباههم باتجاه الأشياء الجيدة في ~~هذا العالم، ويسعون دائما من أجل المزيد، فيجب أن يكونوا دائما في حركة دءوبة؛ فلا ~~قانون ولا عرف يجعلهم يقفون في مكانهم؛ لذا فإن الأمريكيين يشعرون بالحزن والكأبة، ~~ولا يمكنهم الحصول على ما يريدونه؛ فالحياة قصيرة جدا، وهناك عدد كبير جدا من ~~الاختيارات. # على الرغم من أن الأمريكيين يجمعون بين رغبتهم في الرفاهية المادية وحب الحرية ~~والاهتمام بالشأن العام، لا يوجد ارتباط لازم بين هذه الأشياء؛ فمن غير الملائم عادة ~~أن تمارس حقوقك السياسية بحيث يمكن أن تؤدي مصلحتك الشخصية إلى تجاهل اهتمامك ~~الأساسي في هذه الحياة، وهو أن تبقى سيد نفسك في ظل سيادة الشعب. إن السعي من أجل ~~الرخاء مشروع، لكنه عندما يؤدي بالإنسان إلى عدم «استخدام أكثر ملكاته سموا»، ~~فهو برغبته في تحسين كل شيء من حوله يحط من شأن نفسه؛ فبحسب تعبير توكفيل، «اللؤلؤة ~~هناك وليست في مكان آخر.» # صاحب عرض توكفيل لهذا الموضوع نقاش للمادية؛ فالمادية، بحسب قوله، «داء خطير ~~للعقل الإنساني في كل الأمم»، لكن على نحو خاص في أي أمة ديمقراطية؛ لأنها تجتمع مع ~~«أكثر الرذائل المألوفة للقلب». إن المادية في حد ذاتها ليست ديمقراطية، وبالطبع هناك ~~ماديون في العصور الأرستقراطية. هاجم توكفيل كل الماديين؛ لأنه وجد أن المادية ضارة، ~~وأن الماديين أنفسهم مثيرون للاشمئزاز في فخرهم. يعلم المذهب الناس ألا يهتموا ~~بالسياسة أو الأخلاق، حتى على الرغم من أن المادية الحديثة تصاحب الديمقراطية. ربما ~~نحاول أن نستخلص من المادية درسا مستفادا مقبولا ظاهريا نخبر الناس من خلاله ~~أنه لا يوجد ما يميز المادة التي خلق منها الإنسان عن أي مادة أخرى؛ ومن ثم يجب ~~ألا يغتر الإنسان كثيرا بنفسه. لكن بدلا ms051 من ذلك، يفتخر الماديون على نحو مبالغ ~~فيه بالإعلان أن البشر ما هم إلا همج، يتصرفون «بفخر مبالغ فيه كما لو كانوا تأكدوا ~~أنهم آلهة.» # إن أساس مهارة أي مشرع، بحسب قول توكفيل، يكمن في تقدير النزعة الأساسية للمجتمعات ~~الإنسانية بحيث يحدد الجوانب التي يدعم فيها جهود المواطنين وتلك التي يكبحها فيها. ~~وفي أي نظام ديمقراطي، يجب على المشرعين وكل الرجال الأمناء والمستنيرين أن يسموا ~~بأرواح إخوانهم المواطنين، وأن يحولوا انتباههم للآخرة، تماما كما يفعلون في أمريكا، ~~وذلك بحسب اعتقاد توكفيل. ويجب أن يفعلوا ما في وسعهم من أجل سيادة الأفكار الروحية، ~~لكن هذا ليس بالمهمة السهلة؛ لقد انتصر سقراط وأفلاطون على الماديين القدماء، وترجع ~~شهرتهما - وحتى بقاء كتاباتهما مقارنة بالمقتطفات القصيرة التي وصلت إلينا من أعمال ~~الماديين القدماء - إلى التقدير الذي يبديه الناس للجانب غير المادي من الإنسان. إن ~~هذا ليس دليلا على صحة المذهب الروحاني، ويبدو من خلال تناول توكفيل أن هذا المذهب ~~سيثبت صحته على أفضل نحو من خلال حقيقة أن الناس يؤمنون بصحته؛ أي من خلال سرد ~~للطبيعة الإنسانية وتطلعها للحياة أو هدف العيش، فيما يتجاوز الجانب المادي إلى ~~الجانب الروحاني. # والآن الوسيلة البسيطة والعامة والعملية الوحيدة لتعليم الإنسان أن له قيمة خاصة ~~ومسئولية خاصة، هي تعليمه أن له روحا، وعلى وجه الخصوص أن تلك الروح خالدة؛ يعني هذا ~~تعليمه الدين. لكن باعتبار توكفيل ليبراليا، أراد فقط أن يرفع من مكانة الدين وأن ~~يعلي من شأن الجوانب الروحية فيه، وألا يؤسس لنظرية فلسفية أو كنيسة رسمية؛ فعندما ~~تصبح الكنيسة ذات طابع سياسي، تصبح لها مصالح دنيوية وتفقد سلطتها الأخلاقية، ومعها ~~أيضا سلطتها السياسية. وللحفاظ على المسيحية، قال توكفيل قولته المشهودة: «أفضل ~~تقييد القساوسة بسلاسل في معتزلهم، عن السماح لهم بتركه.» تكون النتيجة في الديمقراطية ~~هي الخلاف أو الصراع بين الرغبة في المتع المادية والدين. يريد توكفيل لهذا الخلاف أن ~~يبقى موجودا؛ لأنه نابع من قلب الإنسان الذي به مساحة لكل من «الرغبة في متع الدنيا ~~وحب ms052 متع الآخرة.» يجتاز قلب الإنسان الفرق بين الديمقراطية والأرستقراطية، ويوفر المبرر ~~لعداء توكفيل للمادية الموجودة في الديمقراطية. # الفصل الرابع # | استبداد الديمقراطية # يأتي الخطر الأكبر على الديمقراطية من الديمقراطية نفسها، ولمعرفة هذا، يجب الرجوع ~~للاختلاف الواضح بين جزأي كتاب توكفيل «الديمقراطية في أمريكا»؛ فبعد مناقشة مبدأ سيادة ~~الشعب في الجزء الأول، غير توكفيل توجهه على نحو ملحوظ في الجزء الثاني؛ فبدلا من ~~الحديث عن سيادة الشعب، تكلم عن «فردية» جديدة تنقلب على إحساس الشعب الواعي بأنه يحكم ~~نفسه، وتنصب «الكائن العملاق» المتمثل في الحكومة الكبيرة في السلطة؛ فبدلا من ~~استبداد الأغلبية، وصف «استبدادا هادئا» جديدا ينتج عن تلك الحكومة. وللتدليل على هذا ~~التغيير، لم يستخدم عبارة «استبداد هادئ» في الجزء الأول، ولم يشر إلى «استبداد ~~الأغلبية» في الجزء الثاني. فعليا، يبدأ التغيير من اعتبار الخطر الأساسي في الديمقراطية ~~هو استبداد الأغلبية القائم على الاضطهاد العلني، والمتضح في استعباد السود، وصولا إلى ~~استبداد هادئ تخضع فيه الأغلبية على نحو سلبي للطبيعة المتكبرة والعنيدة والمضطربة ~~المميزة لأي مستبد، وتصبح «قطيعا من الحيوانات الجبانة الكادحة.» # وبأخذ هذا التغيير في الكلمات والمعنى في الاعتبار، ذهب بعض الباحثين بعيدا إلى حد ~~الزعم بأن الجزأين يتحدثان عن «ديمقراطيتين» تختلف كل منهما عن الأخرى، وأصبح من الشائع ~~الإشارة إلى الديمقراطية الأولى بأنها «ديمقراطية 1835»، والثانية ~~على أنها «ديمقراطية 1840»؛ ربما تعد هذه ~~مبالغة كبيرة. بالتأكيد، كانت لدى توكفيل فرصة لمراجعة أفكاره في السنوات الخمس التي بين ~~نشر الجزأين. اعترف توكفيل بوجود بعض الاختلاف قائلا في خطاب إن الجزء الأول يتحدث أكثر ~~عن أمريكا، مهد الديمقراطية، في حين يركز الجزء الثاني على الديمقراطية نفسها، لكن هذا يصف ~~تغيرا في التركيز وليس تغيرا في الرؤية. وعلى نحو أكثر جزما، قال في مقدمته للجزء ~~الثاني إن «الجزأين يكمل كل منهما الآخر، ويشكلان عملا واحدا.» # مع هذا الإنكار الصريح، لا لوجود اختلاف بين الجزأين وإنما لوجود انفصال بينهما، ترك ~~توكفيل لقرائه ملاحظة التغيير وفهمه من تلقاء أنفسهم. وعندما وصف استبداد الأغلبية في الجزء ~~الأول، ms053 كان قد قال بالفعل إن أسوأ ما فيه هو ممارسة الاستبداد على العقول، وليس الأجساد. ~~ربما يكون الاستبداد الديمقراطي الجديد تطورا مقصودا في حجته بسبب الديمقراطية غير ~~الرسمية، وليس تغيرا كاملا في الرؤية. # قال توكفيل أيضا في مقدمته للجزء الثاني إنه تحدث في الجزء الأول عن القوانين والأعراف ~~السياسية، وإنه سيناقش في الجزء الثاني «المجتمع المدني» الذي يتضمن المشاعر والآراء ~~والعلاقات التي ليست سياسية على نحو مباشر. غير أنها في نهاية الأمر سياسية أيضا؛ ولذلك ~~عاد - في القسم الرابع من الجزء الثاني من الكتاب - لوصف تأثيرها على السياسة الديمقراطية. ~~إن الديمقراطية ليست فقط أشكال الحكم والحالة الاجتماعية للشعب الأمريكي المتناولتين ~~في الجزء الأول، وإنما أيضا أسلوب حياة وغاية مجتمع. يعرض الجزء الثاني كيف تنظر ~~الديمقراطية بعين الاحترام لغايتها أو هدفها. قال توكفيل شيئا لم يسبق له أن قاله، وهو أنه ~~ليس معارضا للديمقراطية ولا مؤيدا شديدا لها؛ ومن ثم فهو سيتحدث عنها بأمانة؛ فجمهوره ~~المستهدف ليس أعداءها من الأرستقراطيين الذين قال عنهم إنهم إلى زوال، وإنما مؤيدوها غير ~~الحكماء الذين تناولهم على وجه الخصوص في القسم الأول من الجزء الثاني الذي تعرض للعقل ~~الديمقراطي. # العقل الديمقراطي # من الواضح أن توكفيل تناول الممارسة الديمقراطية في أمريكا، مؤكدا على أن الممارسة، ~~وليس الأفكار الفلسفية، كانت هي السبيل لتعلم الأمريكيين للديمقراطية. لكنه في القسم ~~الأول من الجزء الثاني، تحول للفلسفة لا ليتناول تأثير الفلسفة على الديمقراطية، ~~وإنما ليتناول تأثير الديمقراطية على الفلسفة وعلى «الحركة الفكرية في الولايات ~~المتحدة». كانت هذه هي إحدى المرات المبكرة التي يذكر فيها مفهوم «حركة فكرية»، وربما ~~تكون هي الأولى، ولقد استخدم هذا المفهوم بالصيغة المفردة، وليس «حركات فكرية» بصيغة ~~الجمع كما نفعل اليوم، للإشارة إلى أنه أراد أن يعرف كيف يعمل العقل الديمقراطي، وما ~~إذا كان يعمل أم لا. قال إن الديمقراطية «لا تقاوم»؛ أي لا يمكن مقاومتها، لكن اتضح ~~أن هناك «أنصارا» مزعومين للديمقراطية يستخدمون الكلمة بطريقة مختلفة؛ فهم يعتقدون أن ~~البشر لا يوجد أمامهم خيار سوى ms054 الإذعان لقوى كبيرة غير محددة تحدد حياتهم وتسلبهم ~~إمكانية التحرك («الفكري») الطوعي الواعي باتجاه الحرية الديمقراطية باعتبارها ~~الهدف. # من هؤلاء الأشخاص؟ وصف توكفيل نوعين من المفكرين كان يرى أنهما يضران بالديمقراطية؛ ~~وهما أنصار الواحدية (مذهب وحدة الوجود) والمؤرخون الديمقراطيون. لكنه في بداية نقاشه، ~~خص شخصا واحدا بتناول منفرد - وهو الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت الذي ظهر في القرن ~~السابع عشر - قال إن الأمريكيين يعطون اهتماما أقل للفلسفة مقارنة بأي مكان آخر في ~~العالم المتحضر، غير أنهم جميعا يستخدمون منهجا واحدا في التعامل مع المسائل الفكرية ~~يقوم على الجهد والحكم الشخصيين، وهو نفس المنهج الذي دعا إليه ديكارت؛ فأفكاره «هي ~~الأقل دراسة ولكن الأكثر اتباعا» في أمريكا. كما أن الحالة الاجتماعية الديمقراطية ~~للأمريكيين تبعدهم عن الفلسفة وتجعلهم يميلون لتبني أفكار ديكارت؛ ففي تلك الحالة، لا ~~يلتزم الناس بالعرف ولا يتقبلون رأي طبقة معينة؛ فحيث إنهم لا يرون أن هناك من هم ~~أعلى مكانة منهم، فإنهم لا يثقون إلا بأنفسهم. # يعرض كتاب توكفيل وجهة نظر غريبة بشأن ديكارت - الذي لا يعد عادة فيلسوفا ~~سياسيا، وهو بالتأكيد ليس من دعاة الديمقراطية - حيث يعلن توكفيل من خلالها أن ديكارت ~~هو من وضع، دون أن يقصد، «المنهج» (وهو مصطلح خاص بديكارت) الديمقراطي. وهو يعرض هنا ~~وجهة نظر غريبة أخرى عن الأمريكيين، وهي أنهم متأثرون بشدة بفيلسوف فرنسي لم يقرأ أي ~~منهم شيئا من أعماله، أو أنهم يتفقون مع أفكاره على نحو غير واع. إن ديكارت، الذي ~~يعد أشهر جهوده هو تحدي السلطة، أصبح هو نفسه سلطة ومرجعية في أمريكا في كل شيء ما ~~عدا اسمه؛ فهجومه على السلطة أصبح مرجعية تبرر سيادة الفرد. من الصعب تحديد ما إذا ~~كان توكفيل قد جعل ديكارت أو المفكرين الأمريكيين الجهلاء به يبدون أكثر سخافة أم لا؛ ~~ففلسفة ديكارت القائمة على «أفكار واضحة ومميزة» تستخلص منها السيادة الخرقاء لكل ~~الأمريكيين غير المهتمين أصلا بالفلسفة، الذين يعرفون على نحو أساسي ما يعرفه دون ~~الحاجة إلى قراءة أعماله. غير أن الأمريكيين يخلعون ms055 - بشكل عبثي - سلطة على أشخاص ~~معينين، في الوقت الذي كان يجب أن يتعاملوا معهم فيه بارتياب، إذا كانوا يتبعون بحق ~~منهج ديكارت. وفي ظل الابتذال والتناقض، ما هو إذن نوع الحركة الفكرية التي يتحدث ~~عنها؟ # لتفسير العقل الديمقراطي، تأمل توكفيل طبيعة الوضع الإنساني؛ فكل الحركات الفكرية ~~في مقابل الحركات الفطرية أو التلقائية تحتاج لاستخدام الفرد عقله، واستخدام الفرد ~~عقله يعني الشك في صحة ما يقال له. لكن إذا كان التفكير يتضمن إنتاج فعل، فيجب أن يكبت ~~الفرد شكوكه؛ فلا يوجد فرد لديه الوقت للتفكير في كل شيء بنفسه أو القدرة على ذلك، ولا ~~يمكن لمجتمع أن يستمر دون وجود أفعال وأفكار مشتركة، وحتى الفيلسوف يجب أن يضع ~~افتراضات؛ لأنه لا يستطيع التفكير في كل الجوانب المتعلقة بكل أمر. # قام توكفيل بعد ذلك بتحول سهل من الحاجة إلى سلطة، إلى الحاجة إلى إيمان؛ حيث إن ~~كلا من المجتمع والفرد يجب أن يقبلا وجود «أساس أولي» قائم على الإيمان، الذي هو ~~في حقيقة الأمر نوع من العبودية، لكنها «عبودية محمودة» وضرورية. بالغ كل من ديكارت ~~والحالة الاجتماعية الديمقراطية التي تردد صدى فلسفته في تقدير سلطة العقل البشري؛ ~~فلا يمكن للعقل أن يحل محل السلطة ويؤسس لاستقلالية الفرد؛ فبحسب رأيه، كل ما يمكن ~~للعقل الإنساني أن يفعله هو تغيير السلطة الأرستقراطية إلى السلطة الديمقراطية، وهو ~~يستطيع أن يفعل ذلك؛ فالإنسان ليس بطبيعته «حرا على نحو كامل»، بداية من الوضع الذي ~~لم تكن توجد فيه أي سلطة، كما افترض كل من هوبز ولوك؛ فالديمقراطية لا تنشأ من ~~الحالة الطبيعية التي لا يوجد في ظلها أي سلطة، وإنما تنشأ على يد ديمقراطيين ~~ينكرون سلطة أي شخص أو طبقة عليهم؛ وبقيامهم بهذا، يشعر كل منهم بالفخر ~~بالمساواة بينه وبين الآخرين. غير أن كلا منهم في الوقت نفسه يغلبه شعور بالضعف ~~والضآلة مقارنة ب «الكيان العظيم» المتمثل في مجموع الآخرين؛ لذا فإن السلطة ~~الديمقراطية لها تأثيران متناقضان على العقل: جلب أفكار جديدة إليه متعلقة بإنكار ~~الأعراف والتقاليد، ms056 وفي الوقت نفسه حثه على التخلي عن التفكير في مواجهة الرأي ~~العام. # استنادا إلى الحاجة إلى الإيمان، أشار توكفيل إلى أن العقل الديمقراطي يحب التعميم، ~~وهذه نقطة ضعف في اعتقاده؛ فالرب، الذي يعرف كل الأمور المتشابهة والمختلفة، ليس ~~بحاجة إلى أفكار عامة، لكن الإنسان يحتاج إلى الاستفادة من جمع الأشياء المتشابهة معا ~~في فئة واحدة. والأمريكيون يبدون اهتماما بالأفكار العامة أكبر من اهتمام «أسلافهم ~~الإنجليز»، الذين يمثلون الماضي الأرستقراطي الإنجليزي لأمريكا، وذلك في مقابل من ~~كانوا يمثلون نقطة انطلاقها نحو الديمقراطية، وهم البيوريتانيون الذين كانوا يعارضون ~~النظام الأرستقراطي الإنجليزي. إن الأرستقراطيين لديهم كره غريزي للتعميمات؛ حيث إنهم ~~يفضلون التفكير في شخص واحد أو مجموعة قليلة من الأشخاص في المرة الواحدة، لكن ~~الديمقراطيين لديهم شغف مندفع وكسول لعمل تلك التعميمات؛ لأنهم ينطلقون من الحقيقة ~~الواضحة بأن الجميع من حولهم يتماثلون معهم تماثلا شبه تام؛ أي إنهم جميعا ~~«متشابهون» معهم. ومن خلال المساواة الديمقراطية، تأتي عادة التفكير اعتمادا على ~~التعميم المتسرع والخوف من التعمق في التفكير، ونقطة الضعف هذه التي تتسبب فيها ~~الديمقراطية شجعت توكفيل على تقديم تناول جديد للدين؛ ففي الجزء الأول من كتابه، ~~تعرض لفائدة الدين بالنسبة إلى الديمقراطية، وأوضح كيف أنه «يعلم الأمريكيين فن ~~الحرية.» أما في الجزء الثاني، فقد تحول لتناول حقيقة الدين. # يساعد الدين الأمريكيين على التفكير من خلال إنقاذهم من الشك؛ ففي حين تفرض فلسفة ~~ديكارت متطلب الشك، خاصة في الدين، فإن الدين من وجهة نظر توكفيل ينقذ أي شعب ديمقراطي ~~من حالة التخاذل والعجز التي تنتج عن الشك؛ فالبشر بحاجة إلى «أفكار راسخة جدا ~~لأنفسهم عن الرب وعن أرواحهم وواجباتهم العامة تجاه خالقهم ومن يشبهونهم»؛ لأنهم دون ~~تلك الأفكار سيصبحون تحت رحمة الصدفة، ويكونون معرضين للفوضى والعجز. يفرض الدين ~~«قيودا محمودة على العقل»، وإذا لم ينقذ الإنسان في الحياة الأخرى، فهو مهم لسعادته ~~وعظمته في هذه الحياة؛ فهو يقدم إجابات على الأسئلة الكبرى التي من دونها سيتخاذل ~~الإنسان ويتوقف عن التفكير كلية؛ نظرا لأنه تعوزه ms057 القدرة على التفكير بمفرده. # قد يرد ديكارت، أو أي فيلسوف آخر، بأن الشك يؤدي إلى وعي وحرية أكبر من الإيمان. ~~وعند قراءة أعمال أفلاطون، سيجد المرء نظرة أقل إطراء ل «القيود المحمودة» كما يراها ~~توكفيل في صورة الكهف الذي يقول سقراط إن معظم الناس مسجونون فيه. لكن توكفيل عارض ~~هذا وأشار إلى أن الشك بالنسبة إلى معظم الناس يؤدي بهم إلى الاستسلام للصدفة؛ لأن ~~الشك يتساءل عما إذا كان الشيء يحدث بانتظام أو على نحو متوقع؛ فإذا اعتقد الفرد أن ~~الصدفة تحكم الأحداث الإنسانية، فإنه سيدع الأشياء تحدث دون أن يحاول التدخل في ~~الأمر، ولن يحاول القيام بفعل حر ومتعقل. يؤكد لنا الدين أن الصدفة لا تحكم أحداثنا، ~~ويشير إلى أن المساعي الإنسانية يمكن أن تنجح، وأن الأفعال الإنسانية لها معنى. # يمكن أن يعترض أحد قائلا إن الدين في جانبه الفكري ما زال يتم الحكم عليه استنادا ~~إلى فائدته؛ لكن الآن، يمكن أن يجيب أحد بأنه يحكم عليه استنادا إلى فائدة العقل في ~~توجيه الفعل؛ فالدين مفيد للديمقراطية لأنه يحرك فينا غرائز تعمل على نحو معاكس لحب ~~المتع المادية، ولأنه بفعله هذا يعلمنا واجباتنا تجاه الآخرين، وفي كلا الأمرين، ~~يعد الدين ضروريا للحرية. قال توكفيل إنه يعتقد أنه «إذا لم يكن لدى الإنسان ~~إيمان، فإنه يجب أن يكون عبدا، وإذا كان حرا، فيجب أن يكون لديه إيمان.» عندما يفكر ~~أحد في مدى العداء الذي توليه النظرية الليبرالية الكلاسيكية للإيمان، فإن ما يقوله ~~توكفيل هنا يمثل في واقع الأمر «ليبرالية من نوع جديد.» فقد قدم توكفيل الدين على ~~أنه الوجه العام للفلسفة، وهو صديق لها أكثر من كونه عدوا لها؛ مما يحمي الفلسفة من ~~إحداث ضرر غير مقصود، وهو ما ستحدثه إذا تركت وشأنها. # الواحدية فلسفة دينية أو «نظام فلسفي»، يضم - كما في مذهب سبينوزا - الرب والكون، ~~الخالق والخلق، في كل واحد؛ وهذا يعني أن الرب كان عليه أن يخلق كما فعل، وأن الرب هو ~~أثر لخلقه مثلما كان السبب فيه؛ ms058 وهذا يعني أيضا أن الإنسان لا يمكن أن يوجهه عقله، ~~ولا يمكن أن يكون السبب الأول كما هو الحال بالنسبة إلى البيوريتانيين، وأنه لم يعد ~~حرا أكثر من عناصر الطبيعة الأخرى. إن هذا المذهب ليس فقط تعبيرا عن العقل ~~الديمقراطي، بل هو فكرة عامة تلغي كل الفروق في الطبيعة ولا تعطي أي مكانة متميزة في ~~الطبيعة للبشر. كما أنه يعد هجوما على العقل الديمقراطي أو أي مفهوم للعقل؛ لأنه ~~ينكر قدرة البشر على أن تكون لهم أفضلية على باقي عناصر الطبيعة عن طريق التفكير ~~والتأثير فيها، كما أنه يعد الذروة المنطقية للموضوعية العلمية؛ حيث لا يعطي أي ~~أفضلية للبشر وأيضا، وعلى نحو غريب، للمساواة الديمقراطية؛ فالكون بأكمله ~~ديمقراطي. # غير أن توكفيل بعد أن أورد مباشرة نقاشه الموجز والمهم في ذات الوقت لمذهب ~~الواحدية، تناول فكرة التقدم التي أطلق عليها «القابلية اللامحدودة لبلوغ الكمال». ~~السؤال الآن: ما علاقة هذا بمذهب الواحدية؟ التقدم هو الاعتقاد الإيجابي الأساسي ~~للعقل الديمقراطي، على الرغم مما يحيط به من شك وميله للحتمية العمياء؛ فالتقدم سيبدو ~~كتحسن معقول للوضع القائم بحيث يصبح أفضل حالا، وسيبدو أنه المثال الأساسي على «حركة ~~فكرية» مثل تلك التي يتحدث عنها. والآن، يبدو أن التقدم قدرة إنسانية تميز الإنسان عن ~~غيره من الحيوانات وباقي الخلق؛ فالخلق إذن ليس «كلا واحدا» كما يدعي مذهب ~~الواحدية، وإنما كل معقد يتضمن كيانا قادرا على التغيير والتجديد - وهذا هو ~~التقدم - بخلاف باقي الكون. إن فكرة التقدم لا تتلاءم مع مذهب الواحدية، غير أنهما ~~تعبير عن العقل الديمقراطي. يرغب مذهب الواحدية في التعميم بالرغم من كل الفروق ~~والاختلافات، لكن تصر فكرة التقدم على وجود استثناء واحد؛ وهو الإنسان الديمقراطي، ~~حتى تبدي احتراما للعقل الديمقراطي الذي صاغ التعميم الذي يقوم عليه مذهب الواحدية. ~~يقول الديمقراطيون إن جميع الأشياء في واقع الأمر متكافئة على نحو أساسي، باستثناء ~~الديمقراطيين الذين يؤكدون على تلك النقطة. # يمكن تبين عدم الاتساق داخل فكرة التقدم؛ فالمساواة، بحسب قول توكفيل، «توحي» ~~للأمريكيين بفكرة قابلية الإنسان ms059 «اللامحدودة» لبلوغ الكمال، وهي توحي بذلك ولكن لا ~~تجبر الديمقراطيين على الإيمان بالتقدم؛ لأن الإجبار سينتقص من مكانة الابتكار ~~الإنساني ومن تصور طريقة أفضل للوجود أو للفعل والترويج لتلك الطريقة. السؤال: لماذا ~~التقدم الديمقراطي غير محدود؟ يمكن أن يحدث التقدم في النظم الأرستقراطية، لكنه ~~سيكون محددا في ظلها؛ فهو عبارة عن تطوير باتجاه الكمال أو تقدم «في حدود معينة لا ~~يمكن تجاوزها»؛ فلا يمكن للتقدم أن يتجاوز حد الكمال، ولا يستطيع سوى الاقتراب من ~~الكمال، باعتبار أن البشر ناقصون. # لا تسعى النظم الديمقراطية وراء الكمال وإنما وراء شيء مختلف؛ وهو: «صورة كمال ~~مثالي صعب الوصول إليها دائما»؛ «عظمة كبيرة» دائما ما تتوارى لكن يمكن لمحها فقط على ~~نحو مشوش. إنها لا تعرف المقصود بالكمال، لكنها في الوقت نفسه لا تنكر وجوده؛ إنها غير ~~فلسفية لأنها تنكر وجود أي منطق أو حقيقة خارج ذواتها، غير أنها في الوقت ذاته تتبع ~~«نظرية فلسفية» تقوم على القابلية اللامحدودة لبلوغ الكمال التي تؤيد سيادة العقل على ~~المادة، لكنها تقر بأن بإمكان كل البشر والدول تحقيق التقدم. ذكر توكفيل طرفة ~~بطلها بحار أمريكي قال إن سفن بلاده لم تبن حتى تبقى للأبد؛ لأن التقدم سريع الخطى ~~جدا بحيث سرعان ما تصبح السفن القديمة عديمة الجدوى. بالنسبة إلى الأمريكيين، لا ~~يوجد ما يسمى بالسفينة الكاملة المثالية، لكننا - على نحو ما ودون أن نعرف ما ~~المقصود بالكمال - نعرف على نحو غامض وغير محدد أن الجديد دائما يكون أفضل. # وهكذا، فإن للعقل الديمقراطي نظرية خاصة بالتقدم، لكنها تتجاهل النظرية المجردة ~~الخاصة بالكمال، وتفضل تطبيق النظرية على الممارسة. قال توكفيل: «المساواة تثير في ~~كل شخص الرغبة في الحكم على الأشياء بنفسه؛ فهي تعطيه فيما يتعلق بكل الأشياء رغبة ~~في الأشياء الملموسة والواقعية، وازدراء للتقاليد والنظم.» فالناس في ظل حركة النشاط ~~الدءوبة للديمقراطية ليس لديهم الوقت للتأمل الهادئ المطلوب ~~للوصول ل «معظم المبادئ النظرية»، كما تنقصهم الآراء ~~المعبرة عن «كرامة الإنسان وقوته وعظمته» التي لها قيمتها في النظم الأرستقراطية، ~~ويستغنون ms060 عن العقل لصالح حب الحقيقة. حذر توكفيل من أن التقدم يعتمد على الاكتشافات ~~التي تقوم على النظريات المجردة، والتي يكون احتمال الوصول إليها ضئيلا - وإن لم يكن ~~مستحيلا - في المجتمعات الساعية للتقدم؛ فالتقدم يحدث على يد الشعوب التي لديها «شغف ~~كبير بالحقيقة»، ولا يحدث نتيجة لحب التقدم. فالعلم، كما يبدو، ليس متعلقا بالمنهج ~~العلمي - الذي هو منهج الأمريكيين - بقدر تعلقه بحب الحقيقة؛ ففي الحركة الفكرية ~~للأمريكيين، لا يعرف الأمريكيون وجهتهم، وهم لا يبدون اهتماما كبيرا ل «تأمل ~~الأسباب الأولى» الضرورية للعلم المجرد. قال توكفيل: «في وقتنا هذا، يجب على المرء أن ~~يحتجز العقل الإنساني في النظرية»؛ حيث إن العقل الديمقراطي يفضل الجانب العملي ولا ~~يهتم بالتفكير على نحو عميق ومستقل. وفي هذا القسم من كتاب «الديمقراطية في أمريكا»، ~~كشف توكفيل عن تقدير للنظرية لم يكن على هذا النحو من الوضوح في أي موضع آخر في ~~كتابه، لكنه لم يكن غائبا؛ ففي معظم الكتاب، كان يصف الأمر ثم يثني أو يعيب عليه، لكنه ~~هنا، بصفته معلما للديمقراطية، شرع في تقديم النصح. # أشار توكفيل بعد ذلك فيما يتعلق بالفنون في أمريكا إلى أن الأمريكيين، بالرغم من ~~قدرتهم على تقدير الجمال، يفضلون الشيء النافع على الشيء الجميل، ويريدون أن يكون ~~الشيء الجميل نافعا. لكنه بعد ذلك عرض نقطة أقل وضوحا فيما يتعلق بروح التصنيع لدى ~~الأمريكيين؛ فبخلاف العصور الأرستقراطية، حيث كان الهدف من الفنون الإنتاجية هو تصنيع ~~أفضل منتج ممكن، نادرا ما يصنع الأمريكيون منتجات عالية الجودة؛ فهي تكون في الغالب ~~متوسطة الجودة، بالرغم من أن الجميع يحصلون عليها. وباتباعهم هذا الأسلوب على نحو ~~واع ومتعقل، فإن المهم بالنسبة إليهم أن يكون المنتج «جيدا على نحو كاف»، وقد ~~اكتشفوا أن بإمكانهم أن يصبحوا أغنياء بأن يبيعوا منتجات رخيصة الثمن للجميع. لكن - كما ~~قد يتساءل المرء - كيف سيسعى الأمريكيون للكمال في منتجاتهم إذا كانوا لا يدركون أن فعل ~~الشيء يعني فعله على نحو متقن؟ وحتى المنتج المتوسط الجودة يحتاج إلى وجود نموذج مثالي، ~~إذا ms061 أراد منتجه أن يطوره. أثنى توكفيل على الأعمال الفنية لرافائيل، وهو رسام من ~~عصر النهضة يبدو أن توكفيل كان يعتبره أرستقراطيا؛ لأنه جعلنا «نلمح الألوهية في ~~أعماله.» وألوهية كهذه تسمو فوق الكمال البشري، لكنها مصدر إلهام للكمال البشري الضروري ~~للتقدم الديمقراطي ، غير أنه من المستبعد أن تتواجد في العصور الديمقراطية. # عند تلك النقطة، أثار توكفيل النقطة الخاصة بمكان العظمة في الديمقراطية؛ ففي ظل ~~الديمقراطية، الأفراد ضعفاء، لكن الدولة أو الأمة قوية وعظيمة. ربما يعيش الأفراد ~~في مساكن صغيرة، لكنهم في مبانيهم العامة العملاقة يتصورون رغبتهم في العظمة ويبدونها؛ ~~فقد بنى الأمريكيون لأنفسهم مدينة ضخمة واصطناعية (وهي واشنطن العاصمة)، التي قلما ~~وجدت بلدة فرنسية أقل سكانا منها في عصر توكفيل؛ ذلك لأن الديمقراطية في المجمل تنتج ~~عددا كبيرا من المباني الصغيرة، وعددا قليلا جدا من المباني العظيمة، دون وجود ~~وسط بين الأمرين. إن العظمة في الديمقراطية تقوم على الخيال الرحب، وقد ناقش في ~~الفصول التالية من كتابه الأشكال المختلفة للتعبير الديمقراطي عن الرأي، التي يعبر ~~من خلالها العقل الديمقراطي عن نفسه، مركزا على اتسامها بالمبالغة والغرور. # في الأدب، يحتقر الكتاب الديمقراطيون سمات الأسلوب الشكلية التي يتم تقديرها ~~في النظم الأرستقراطية، كما أنهم أقل إبداعا وأكثر جرأة وحدة، وأقل علما وعمقا، ~~وأكثر خيالا وإقناعا؛ فهم يسعون لإبهار الآخرين لا لإسعادهم، ولإثارة الانفعالات ~~بدلا من رفع الذوق؛ فيمكن للمرء أن يلاحظ وجود عدد قليل من الكتاب العظام ~~والآلاف من مروجي الأفكار. ولا تتم كثيرا دراسة الكتاب القدماء - باهتمامهم ~~بالتفاصيل وجاذبيتهم بالنسبة إلى الخبراء - في النظم الديمقراطية حيث يكون التعليم ~~علميا وتجاريا وصناعيا أكثر منه أدبيا؛ بالرغم من أنهم، بحسب اعتقاد توكفيل، ~~«وجبة دسمة» بالنسبة إلى الديمقراطيين الذين يريدون التميز في مجال الأدب. وتعكس لغات ~~الشعوب الديمقراطية رغبتهم في الحركة والابتكار وكرههم لأي شيء تقليدي أو تعسفي وحبهم ~~للتجريد؛ فالشعر الديمقراطي لديه كره فطري لأي شيء قديم ولأي حديث عن أي شيء مثالي. ~~بدلا من ذلك، هو منفتح على المستقبل ويسعى وراء أشياء رحبة ms062 مثل مصير كل الإنسانية، كما ~~أن فن الخطابة الديمقراطي عادة ما يعتمد على التحذلق والمبالغة في الأسلوب، في حين أن ~~المسرح الديمقراطي «يصبح أكثر إبهارا وأكثر فجاجة وأكثر صدقا» دائما مقارنة ~~بالمسرح الأرستقراطي. # غير أن آخر فصلين في الفصول التي تتناول أشكال التعبير الديمقراطي عن الرأي يكشفان ~~عن الغرور الحزين الموجود في قلب العقل الديمقراطي: ما مدى أهمية الإنسان في حالة ~~المساواة بين كل الناس؟ للإجابة عن هذا السؤال، قارن توكفيل على نحو درامي بوجه خاص ~~بين الديمقراطية والأرستقراطية، وقال إن المؤرخين في العصور الأرستقراطية يجعلون كل ~~الأحداث تعتمد على الإرادات والأهواء الخاصة بأشخاص بعينهم، لكن في العصور الديمقراطية، ~~هم لا ينسبون أي تأثير تقريبا في التاريخ لأي شخص، بل يحددون أسبابا عامة كبرى ~~لحقائق معينة. صحيح أن تلك الأسباب، بحسب اعتقاده، تفسر الكثير في العصور ~~الديمقراطية عندما يكون الأشخاص في واقع الأمر أقل تأثيرا، لكن تلك التفسيرات تكون ~~خطيرة لأنها تخضع الأشخاص لعناية إلهية غير مرنة أو حتمية عمياء؛ فهي تشير ضمنا ~~إلى أنه بما أن الإنسان ليس سيد نفسه، فهو لا يتحكم في الأحداث؛ ومن ثم ليس حرا. ~~يبدو أن المؤرخين الديمقراطيين مصممون على إثبات أن التقدم ليس هدفا يتحقق على نحو ~~واع وطوعي على يد البشر؛ فبحسب قوله: «يعلم المؤرخون القدماء الناس كيف يحكمون، ~~أما مؤرخو اليوم، فنادرا ما يعلمونهم شيئا بخلاف كيف يطيعون.» # غير أن المؤرخين يبدون عظماء، ويتخلون على ما يبدو عن الأسباب الكبرى التي يصفونها ~~ويزدرون بلا مبالاة باقي البشر الذين يجهلون القوى التي تحركهم. يبدو أن الفصل التالي ~~المخصص لفصاحة أعضاء البرلمان في الولايات المتحدة غير متعلق بالتاريخ، لكنه في واقع ~~الأمر يصب في نفس الاتجاه. في البرلمانات الأرستقراطية، لا يكون لدى الأعضاء، الذين ~~هم في واقع الأمر أرستقراطيون، أي شيء يريدون إثباته ويقنعون بالسكوت إذا لم يكن ~~لديهم أي شيء يقولونه. على العكس من ذلك، في أمريكا، يكون النائب شخصا عاديا، وهو ~~يشعر دائما بالحاجة إلى أن تكون له ولمن انتخبوه أهمية ms063 ومكانة يبرزها؛ لذا فهو ~~كثيرا ما ينزع لإلقاء خطب رنانة عديمة الجدوى. تتناقض روح النائب الديمقراطي الذي ~~يقول إنه مهم مع روح المؤرخين الديمقراطيين الذين يفترضون أن الإنسان ليس له أهمية. من ~~الواضح أن الإنسان الديمقراطي لديه رغبة في أن يكرم ، وهي رغبة غير معروفة لمن يعيش ~~في ظل نظام أرستقراطي؛ حيث سيكرم باعتباره شخصا مهما؛ فعقله المحب للتعميم والمشغول ~~بتبرير الديمقراطية متعارض مع عقله الشخصي الذي يحاول تبرير نفسه. # الفردية الديمقراطية # انتقل توكفيل من تناول أفكار العقل الديمقراطي إلى تناول «المشاعر» التي تميز القلب ~~الديمقراطي، وأهم تلك المشاعر هو الإحساس بالضعف الذي أطلق عليه «الفردية». إن الفردية ~~مصطلح نسمعه الآن كل يوم وبمعان مختلفة، وعادة بمعنى إيجابي كما في «الفردية ~~الصارمة». لم يكن توكفيل هو أول من استخدم هذا المصطلح، لكنه كان أول من ركز عليه ~~واعتبره أساسيا؛ فهو لم يعرفه بأنه نوع من الأنانية أو الأثرة؛ أي حب شديد ~~للذات يعد بوجه عام رذيلة أخلاقية، وإنما على أنه شعور ديمقراطي، تأملي ~~ومسالم، يجعل كل مواطن يميل لأن يعزل نفسه عن جموع المواطنين الآخرين وأن يتقوقع ~~داخل أسرته وأصدقائه ونفسه. ويصاحب هذا الشعور شغف بالمساواة يكون دائما أقوى في أي ~~نظام ديمقراطي من الرغبة في الحرية، لكنه في ذاته حكم خاطئ أكثر منه شغف أو رذيلة؛ ~~وهذا الحكم، الناتج عن الحالة الاجتماعية الديمقراطية، هو نفسه الذي يقول به الواحديون ~~والمؤرخون الديمقراطيون الذين يرون أن الفرد لا حول له ولا قوة، وأنه خاضع لقوى هائلة ~~خارج الذات، وأن الفضائل العامة عديمة الجدوى. وعلى عكس النظام الأرستقراطي حيث يربط ~~النظام الطبقي الأفراد بعضهم ببعض وبالماضي، يساوي النظام الديمقراطي بينهم بحيث ~~يهتمون في واقع الأمر فقط بمن هم أقرب إليهم، وذلك على الرغم من أن إحسانهم وعطفهم ~~يمتدان على نحو مجرد وضعيف لكل الإنسانية. # حيث إن الأمريكيين لم يمروا بثورة ديمقراطية، فإنهم لديهم فردية أقل من الشعوب ~~الديمقراطية في أوروبا؛ فوفقا لتوكفيل، هم لديهم الميزة الكبرى المتمثلة في «أنهم ~~ولدوا متساوين بدلا ms064 من أن يصبحوا كذلك.» وحيث إنهم مدركون لفرديتهم، فإنهم ~~«يحاربونها» من خلال الجمعيات الحرة، ومن خلال الاعتقاد الأخلاقي الغريب المتمثل في ~~المصلحة الشخصية المفهومة على نحو جيد، وهما أمران تناولهما توكفيل في الجزء الأول من ~~كتابه. تأخذ الجمعيات المواطنين من الشعور بالارتياح الخاص بالفردية إلى النشاط العام، ~~مما يرضي طموحهم ويحقق مصالحهم الشخصية، وفي نفس الوقت يعزز الصالح العام. # إن الاعتقاد الذي وصفه توكفيل هو من جديد «المصلحة الشخصية المفهومة على نحو جيد.» ~~وقد ذكر أن مصدره الأخلاقيون الأمريكيون الذين قدموه للأمريكيين، وأنه «من بين كل ~~النظريات الفلسفية الأكثر ملائمة لاحتياجات الناس في عصرنا الحالي.» فهو يستوعب الضعف ~~الإنساني بأن يجعل المصلحة الشخصية تنقلب على نفسها: «فحتى توجه المشاعر، هي تستفيد ~~من المثير الذي يحفزها.» لكن بالرغم من براعة هذا الاعتقاد، ترك توكفيل شكوكه تظهر من ~~خلال المقارنة بين النظام الديمقراطي والأرستقراطي؛ ففي ظل النظام الأرستقراطي، يتحدث ~~الناس عن الجانب المعنوي للفضيلة ويدرسون سرا فائدتها، لكن الآن في ظل النظام ~~الديمقراطي، العلاقة معكوسة؛ فالأخلاقيون الأمريكيون يخشون الحديث عن الجانب المعنوي ~~للفضيلة؛ فالجانب المعنوي للفضيلة ربما يستدعي التضحية، ويبحث الأخلاقيون الديمقراطيون ~~- الذين لا يجرءون على النصح بذلك - عن حالات تكون فيها الفضيلة في مصلحة الشخص، ~~ويستفيضون فيها محولين إياها إلى معتقد عام. لم يسم توكفيل أحدا من الأخلاقيين ~~الأمريكيين، ولم يستشهد إلا بمونتين، لكن أبرز معلم أمريكي للمصلحة الشخصية المفهومة ~~على نحو جيد سيكون بنجامين فرانكلين، الذي أوضح في سيرته الذاتية كيف يمكن للمرء شق ~~طريقه في الحياة، وفي نفس الوقت يسعى لمساعدة الآخرين دون أن يحاول تحقيق كل ~~طموحه. # لفت توكفيل في تحليله الانتباه إلى نقطة دقيقة كان فرانكلين قد أشار إليها أيضا ~~ولكن ليس بهذا الوضوح؛ إذ أوضح توكفيل أنه في أمريكا لا تحتاج المصلحة الشخصية أن ~~تخفي نفسها في شكل فضيلة - وهو نوع من النفاق العادي الذي تتم ممارسته في كل ~~المجتمعات الإنسانية - وإنما الفضيلة هي التي تحتاج للتخفي في شكل مصلحة شخصية. ~~وادعاء الفضيلة في أي ديمقراطية ms065 يعني أن تظهر نفسك بأنك أفضل من «المتشابهين» ~~معك، وهذا يجعلك محل حسد من جانب الآخرين. ذكر توكفيل أن الأمريكيين «يفضلون احترام ~~فلسفتهم أكثر من احترام أنفسهم»؛ هذا يعني أنهم يفضلون الاعتراف بحرصهم على مصلحتهم ~~الذاتية على إنكارها. ويعني تفضيلهم احترام فلسفتهم أنهم يحترمون الحقيقة، لكن من أين ~~تأتي تلك الحقيقة؟ ليس من ذات الشخص؛ فمعتقد المصلحة الشخصية لا يأتي من المصلحة ~~الشخصية نفسها، وإنما من السعي المخلص وراء الحقيقة؛ بهذا يناقض الأمريكيون أنفسهم؛ فهم ~~يثنون على أنفسهم بأنهم يتصرفون وفقا للمبادئ وليس المصالح، على الرغم من إنكارهم ~~لهذا. وبثناء توكفيل على الأمريكيين لممارستهم الحرية السياسية، فقد فعل عكس ما قال ~~الأمريكيون إنهم يفعلونه؛ فهو يثني على الأمريكيين وليس على فلسفتهم. # إن اعتقاد المصلحة الشخصية المفهومة على نحو جيد ليس فقط متناقضا، وإنما أيضا ~~مبالغ في تجريده؛ فهو يعني ضمنا أن هناك «ذاتا» إنسانية عمومية تفعل أو تستجيب ~~دائما بالطريقة نفسها. مع ذلك، أكد توكفيل على أن تلك الذات العمومية المفترضة هي ~~بالفعل الروح الديمقراطية. وفي الفصول التي تلت الفصل الذي تحدث فيه عن المصلحة ~~الشخصية المفهومة على نحو جيد، تناول مرة ثانية الرفاهية المادية المميزة للروح ~~الديمقراطية، وخلص إلى أن الديمقراطية تنتج مادية معتدلة ومقبولة لا تفسد الأرواح بقدر ~~ما تهذبها؛ فالأمريكيون يشعرون بالاضطراب (وهو لفظ شائع في كتاب توكفيل) ولا يشعرون ~~بالرضا بالرغم من رخائهم؛ إن إيمانهم باعتقاد «المصلحة الشخصية» لا تبرره الطبيعة ~~الإنسانية، وإنما تحدده الديمقراطية التي يعيشون في ظلها، كما أنها ليست في الحقيقة ~~«مفهومة على نحو جيد» من جانبهم. # في ضوء الطبيعة الأساسية للأمريكيين التي تتميز بالاضطراب والقلق، من المهم معرفة أن ~~لديهم شيئا طويل الأجل يعملون من أجله، وهذا هو الموضوع التالي الذي سيتناوله توكفيل. ~~إن مهمة الدين هي تحرير الديمقراطيين، بقدر الإمكان، من التكالب على الإشباع الفوري ~~لرغباتهم، وجعلهم يكتسبون عادة العمل من أجل هدف مستقبلي. وعندما تكون الديمقراطية ~~منفصلة عن الدين بسبب حبها للرفاهية المادية، فإن المهمة السابقة تكون أيضا مهمة ~~«الفلاسفة ms066 ومن في السلطة.» من الضروري «استبعاد الصدفة قدر الإمكان من العالم ~~السياسي»، ليس باستخدام العلم للتنبؤ بما سيحدث بغض النظر عن رغباتنا، وإنما لإعطاء ~~الانطباع بأن الجهد الصادق ستتم مكافأته. إن الاعتقاد بأن الصدفة هي التي تحكم العالم ~~يجعل الشعوب تتسم بالسلبية والبلادة؛ إما لأن هذا الاعتقاد يجعل التضحية من أجل الفضيلة ~~شديدة الخطورة إذا كنت تعتقد أنك غير محظوظ، وإما لأنه يجعل النجاح يبدو بالغ ~~السهولة إذا كنت تعتقد أنك محظوظ. وعلى الرغم من أن الصدفة لا يمكن - ولا يجب - ~~استبعادها تماما من الحياة البشرية، فإنه يجب التقليل من حجمها إلى الحد الذي يمكن ~~للناس عنده أن يعتقدوا على نحو معقول أنهم هم من يتحكمون في شئونهم ويسيطرون على ~~حياتهم. حدد توكفيل تلك الوظيفة الوحيدة الموجهة للدين والفلسفة والسياسة على حد ~~سواء؛ فيجب على الحكومات أن تعلم المواطنين أن «النجاحات العظيمة تأتي بعد تحقيق ~~الرغبات الطويلة الأمد.» فتفكيرهم في مستقبلهم في هذا العالم سيردهم ثانية - دون ~~وعي منهم بذلك - إلى الإيمان بالعالم الآخر. والفضيلة ذات الطابع الأمريكي، مهما ~~تخفت في شكل مصلحة شخصية، ما دام أنها دائمة، يمكن إثبات أنها ليست حلما أو هبة ~~تحققت بالصدفة، بل يمكن أيضا إثبات أنها متأصلة في النظام الطبيعي للأمور. ومع تحقيق ~~«نجاحات عظيمة» مستحقة، فإن الإيمان الأمريكي بالقابلية اللامحدودة لبلوغ الكمال ~~سيتحرر من القلق المضطرب المصاحب له، وسيكتسب بعض الصحة من خلال الثقة المعقولة ~~بالنفس. # لكن توكفيل الذي ليس من نوعية الأشخاص الذين يبالغون في تفاؤلهم حذر من أن أمريكا ~~في المستقبل قد تشهد نظاما أرستقراطيا جديدا تخلقه الصناعة؛ فقد توقع - كما فعل ~~كارل ماركس تماما - أن العامل الديمقراطي سيستسلم للخضوع والتبعية؛ حيث إن التوسع ~~في تقسيم العمل سيضيق من رؤيته وأهليته بحيث يترك كل عمليات التخطيط والتفكير لرئيسه في ~~المؤسسة الصناعية. إن مثل هذا النظام الأرستقراطي سيكون قاسيا؛ لأنه سيعامل العمال ~~باعتبارهم أشياء، لكنه ليس خطيرا؛ لأنه لن يتحول إلى طبقة حاكمة. ومن طبيعة ~~الديمقراطية - لم يتحدث توكفيل عن الرأسمالية - أن ms067 تؤدي إلى الشعور بعدم الاستقرار ~~وحب الصدفة؛ وهذا ما يجعل النظم الديمقراطية تتحول للتجارة، وهي لا تفعل هذا من ~~أجل المكسب المادي فقط، وإنما من أجل المتعة أيضا؛ فالأزمات الصناعية جزء من المزاج ~~الديمقراطي؛ ومن ثم فهي متأصلة في الديمقراطية ومن المستحيل التنبؤ بها. إن الحلم ~~الأمريكي القائم على المكافأة على ممارسة الفضيلة يتهدده تعقد التجارة، وهو عرضة ~~للمفاجآت المباغتة. # كشف توكفيل في نقاشه أن هناك شعورين ديمقراطيين دائمين غير عقلانيين على نحو جوهري؛ ~~وهما: الرغبة في الرفاهية المادية، والشغف للمساواة؛ فالأول لا يتوقف أبدا، في حين ~~أن الثاني يفرض متطلبات لا تنتهي، ولا يمكن إشباع أي منهما. وكلاهما يميل لجعل ~~الأشخاص الديمقراطيين ضعفاء؛ الأول عن طريق إضعاف الأرواح، والثاني عن طريق حرمان كل ~~أشكال السلطة والطاعة من الشرعية. غير أن الأمريكيين، بممارستهم للحرية السياسية وعملهم ~~من أجل الصالح العام إلى جانب مصلحتهم الشخصية، يثبتون أنهم جادون بشأن نظرتهم التي ~~تعتبر أن هناك كلا هم أجزاء منه، وليس أنهم مجرد كل في حد ذاتهم. وهم يفندون ~~«الفردية» من خلال أفعالهم دون أن يدركوا قيمتها، أو دون معرفة أنه من الأفضل لهم أن ~~يقروا بقيمتها. وتوكفيل، بتوجيهه الأمريكيين على نحو يتعارض مع رؤى الأخلاقيين ~~الخاصين بهم، سيساعدهم على فهم مصلحتهم الشخصية على نحو أفضل. # أعراف المساواة # تحول توكفيل من الحديث عن الأفكار ثم عن المشاعر، إلى الحديث عن الأعراف؛ فكل ~~منها يؤدي إلى الآخر، مع اعتبار أن الأعراف هي السلوك الذي يقترحه الفكر ويحفزه ~~الشعور. في هذا القسم من كتابه الرائع، تأمل توكفيل كيف تتعامل الديمقراطية مع جوانب ~~عدم المساواة المستعصية التي يبدو أن الطبيعة (وهي كلمة تكررت كثيرا في كتابه) ~~تعارضها، وحاول الإجابة على الأسئلة التالية: ما العلاقة بين السيد والتابع في ظل ~~الديمقراطية؟ وماذا عن الأفضلية الواضحة للرجل على المرأة؟ وما الرغبة في الشرف التي ~~تسعى لتمييز النفس على الآخرين؟ في كل حالة من تلك الحالات، تبذل الديمقراطية كل ما في ~~وسعها لإنهاء جوانب عدم المساواة، محاولة تجميل الوضع ms068 وجعله أقل قسوة واستبدادا ~~وقبحا. صحيح أنها لم تنجح في القضاء على عدم المساواة لكنها صبغتها بصبغة تذكر ~~الجميع بالحقيقة الجوهرية المتمثلة في المساواة بين البشر، التي هي أساس التوافق مع عدم ~~المساواة. وفي نفس الوقت، تقدم الديمقراطية - حتى مع توفيرها سبل المساواة - ~~تبريرها لجوانب عدم المساواة تلك؛ ومن ثم يبدو أنها تعترف بأن هناك حدا معينا ~~للمساواة لا يمكن تجاوزه، وأن عدم المساواة البشرية هي أيضا حقيقة جوهرية. # بدأ توكفيل بمقارنته المعتادة، معلنا أنه حيث أصبحت هناك مساواة أكبر في الأوضاع ~~الاجتماعية، فقد أصبحت الأعراف أكثر اعتدالا ورفقا مما كانت عليه في ظل النظم ~~الأرستقراطية. وأوضح رأيه بإحدى أكثر الفقرات تميزا في كتابه، مقتبسا جزءا من إحدى ~~الرسائل التي كانت بين السيدة دي سيفينيه - وهي سيدة أرستقراطية كانت تعيش في القرن ~~السابع عشر - وابنتها. كانت تلك السيدة تحكي بسعادة، وسط حديثها عن أحداث اليوم، حادثة ~~تتعلق بتمرد دافعي الضرائب الذي تم القضاء عليه من خلال تعذيب المحرضين عليه ~~وإعدامهم، في حين تم طرد الباقين، «كل هؤلاء البؤساء»، من بيوتهم. كان تعليق توكفيل كما ~~يلي: «لا تستطيع السيدة دي سيفينيه أن تدرك بوضوح معنى المعاناة التي يلاقيها الشخص إذا ~~لم يكن من النبلاء.» يجب أن يقرأ تلك الفقرة كل من يعتقد أن توكفيل كان متعاطفا ~~جدا مع الأرستقراطية؛ فالعطف الديمقراطي يقلل من تأثير المصلحة الشخصية ~~الديمقراطية، وهو بالطبع جزء من المصلحة الشخصية المفهومة على نحو جيد. لكن ~~الديمقراطيين أيضا لا يدركون بوضوح معنى المعاناة، ويتضح هذا من سلوكهم تجاه العبيد ~~والأعداء في الحرب، عندما لا يمرون بنفس تلك المعاناة، وعندما لا يرون أن الآخرين ~~«مشابهون» لهم. # لا توجد دائما مساواة بين السيد والتابع في ظل الأرستقراطية، لكن في الديمقراطية، ~~يكون هذا الوضع مؤقتا؛ لأن السبب فقط هو العقد الاجتماعي وليس الطبقة أو الأصل. ~~والتابع الأرستقراطي من ثم يتطبع بطباع شخصية سيده، وتكون كرامته مستمدة من كرامة ~~سيده، وممارساته متعجرفة مثل سيده أو حتى أكثر. أما التابع الديمقراطي، فليس لديه هذا ms069 ~~الميل للفخر بخضوعه؛ فكرامته تكمن في المساواة بينه وبين سيده خارج حدود العقد ~~الاجتماعي، حيث السيد والعبد «مواطنان وفردان»، لكن هل هما متساويان كمواطنين أو ~~كفردين؟ # قال توكفيل إن الرأي العام يقرب بين الأمرين بالرغم من المسافة الظاهرية الموجودة ~~بينهما؛ فهو «يوجد نوعا من المساواة المتخيلة فيما بينهما.» فيبدو أن الديمقراطية ~~ليست متفقة تماما مع الطبيعة؛ فالمساواة الطبيعية التي يزعم الديمقراطيون وجودها تحتاج ~~إلى دفعة من الرأي العام الذي يزعم أن البشر متساوون بغض النظر عن وضعهم؛ فالسيد ~~والتابع مواطنان لا يريدان أكثر من أن يكونا فردين؛ حيث إن المساواة الطبيعية ليست ~~كافية بنفسها، لكنها بحاجة إلى عقد المواطنة الذي يهدف إلى المساواة الطبيعية. إن ~~المساواة الديمقراطية ممكنة لأن الرأي العام الديمقراطي يرى هذا. إننا نرى حقيقة سياسية ~~تظهر من خلال الحديث عن علاقة في المجتمع المدني، وهي أن العقد الاجتماعي الخاص ~~بالنظرية الليبرالية التقليدية، الذي يميز بين الحاكم والمحكومين، ليس ناتجا عن ~~موافقة أشخاص متساوين في الحالة الطبيعية، وإنما عن مواطنين يزعم الرأي العام أنهم ~~أفراد متساوون. أما رؤية توكفيل لهذا العقد، فتتمثل في أنه لا ينشئ مجتمعا، لكنه ~~يبدأ منه، ولا يفترض وجود المساواة الطبيعية، ولكنه يحاول أن يحافظ عليها، وإلى حد ~~ما إقامتها. # يمكن تتبع نفس الرؤية السياسية للعقد الاجتماعي لتوكفيل، ونفس التعديل للنسخة ~~الليبرالية التقليدية منه في حديثه الرائع عن المرأة الأمريكية. تحدثت النظرية ~~الليبرالية قبل توكفيل عن «حقوق الإنسان»، قاصدة حقوق البشر بغض النظر عن نوعهم. في ~~عصرنا هذا، تتعرض تلك النظرية للهجوم نظرا لتجريدها الشديد ولتجاهلها عدم المساواة ~~التقليدية - التي من المفترض أنها طبيعية - بين الرجل والمرأة. لم يتحدث الليبراليون ~~السابقون على توكفيل كثيرا عن هذا النوع من عدم المساواة، الذي عادة ما يعتبرونه على ~~ما يبدو أمرا مسلما به. صحح توكفيل هذا التجاهل بتقديمه خمسة فصول عن المرأة ~~الأمريكية، مثنيا عليها بشدة نظرا لفضيلتها وأعمالها الطيبة؛ فبحسب رأيه، لا يوجد ~~مجتمع حر دون أعراف، والنساء هن من يصنعن تلك الأعراف. يضع الرجل القوانين، ms070 لكن ~~الأعراف أهم من القوانين. وهو يرى أن هناك «فائدة سياسية عظيمة» في كل شيء متعلق ~~بالمرأة الأمريكية. # تكمن المشكلة في أن توكفيل أثنى على المرأة الأمريكية لابتعادها عن السياسة وتخليها ~~عن العمل؛ وهو ما يثير سخط معظم النساء الأمريكيات اليوم . لكن لا يجب أن نتجاهل رؤيته ~~لمجرد أن النتيجة التي خلص إليها مستهجنة، كما أن هناك الكثير لنعرفه عن ليبرالية ~~توكفيل الجديدة من خلال حديثه عن المرأة الأمريكية. # يتمثل تأثير الديمقراطية على الأسرة في القضاء على السلطة الأبوية بالمعنى ~~الأرستقراطي، التي تتمثل بحق في «نظام أبوي» يتجاوز معناه بمراحل المعنى الحالي لهذا ~~المصطلح. تساوي الديمقراطية بين الآباء والأبناء، متجاهلة الاختلافات الطبيعية في ~~السن والنوع، غير أنها تؤدي إلى توثيق الروابط الطبيعية داخل الأسرة حتى مع اختفاء ~~السلطة المطلقة. تتعلم البنات الصغار، المتحررات من سيطرة آبائهن الساعين لحمايتهن، ~~كيفية إدارة شئون حياتهن، مع تحكمهن في مشاعرهن وتطويرهن لقدرتهن على الحكم؛ حيث ~~سرعان ما يفقدن بساطتهن (التي نصيبهن منها أقل من نصيب الفيلسوف)، ويكتسبن «معرفة ~~مبكرة بكل الأشياء.» فهن، بحسب قول توكفيل، لديهن «أعراف نقية أكثر من عقل عفيف.» ~~ويكتسبن معرفتهن بالأعراف من خلال مراقبة العالم؛ عالم الرجال؛ مما يجعلهن يحصلن على ~~تربية رجولية تعوضهن عن السلطة الأبوية التي يفتقدنها؛ فالرجولة ليست سمة خاصة ~~بالرجال فقط، بحسب اعتقاد توكفيل. # غير أن المرأة الأمريكية عندما تتزوج تدخل إلى الحياة الزوجية ب «قيودها» الأخلاقية ~~والأسرية، التي ركز توكفيل عليها على نحو خاص؛ فقال إن المرأة في أمريكا كان لها ~~مسار حياة مختلف تماما عن ذلك الخاص بالرجل، من أجله يجب أن تترك الروح الحرة ~~الخفيفة التي كانت تتمتع بها وهي فتاة، وتجد السعادة في بيت الزوجية بواجباته وقيوده، ~~لكنها كانت تعاني من قيود الزوجية بشجاعة لأنها اختارت طوعا قبولها. ركز توكفيل ~~على موضوع الاختيار هذا؛ فكلمة «اختيار» هي نفس الكلمة المستخدمة اليوم لوصف حياة ~~مختلفة تماما للمرأة لا يسمح لها فيها بترك المنزل والعمل في حرفة أو مهنة ما ~~فحسب، بل تكون مدعوة ms071 لذلك ويتم تشجيعها عليه. في رأيه، الاختيار لا يعني محاولة ~~الهروب من المسار المرسوم للنساء، وإنما اختيار الزوج الذي ستعيش في كنفه؛ فبالرغم من ~~أن المرأة في معظم الأحوال ليس أمامها إلا طريق الزواج، فهي لديها حق اختيار زوجها، ~~وليس عليها قبول الشخص الذي اختاره لها أبوها. إن توكفيل هنا من خلال وصفه اختيارا ~~نعتبره أمرا مسلما به، يجعلنا ندرك أن الاختيار الحر يجب أن يتم على نحو حكيم، وحيث ~~إن الطلاق كان نادرا في تلك الأيام، لم تكن المرأة لديها رفاهية الوقوع في الخطأ ثم ~~تصحيحه؛ فقد كان يجب عليها أن تكون حذرة ومسئولة. والزواج بالنسبة إلى الرجل لم يكن ~~مسألة اختيار زوجة مناسبة بقدر ما كان اختيارا لامرأة ينجذب إليها جسديا؛ ربما ~~ما زال هذا الاختلاف في طرق تعامل الرجال والنساء مع الزواج ملحوظا حتى الآن. # من أجل اختيار المرأة زوجها المستقبلي واستقرارها في زواجها، كانت تعمل عقلها ~~بحرية كاملة، وكان يعاونها في ذلك تعاليم دينها، ونجد أن توكفيل في كل المواضع التي ~~ذكر فيها المرأة في كتابه، يقول إنها كانت تستعين بعقلها ودينها. وعلى الرغم من أنه قد ~~ذكر في الجزء الأول من كتابه أن الدين هو ما يهيمن على روح المرأة، فإنه الآن يوضح ~~أن تلك الهيمنة يشاركه إياها العقل؛ فالدين في أمريكا لا يجعل المرأة في حالة من ~~الاعتماد الشديد على أبيها وزوجها ورجال الدين؛ ويرجع ذلك جزئيا لتأثير البروتستانتية ~~هناك، وجزئيا أيضا للتربية الدنيوية الخاصة بها؛ فهي مستقلة بالرغم من عيشها في ظل ~~«نير» الزواج، وهي تمارس ما يسميه توكفيل «الفضيلة» وما نسميه نحن اليوم «القيم ~~الأسرية» باختيارها وباستخدامها لعقلها بدلا من خضوعها لسلطة دينية. # شكل 4-1: صفحة من المخطوطة الأصلية لكتاب توكفيل «الديمقراطية في ~~أمريكا». يتحدث توكفيل عن المرأة الأمريكية في فصل من الجزء الثاني ~~يسمى «الفتاة كزوجة». # في أمريكا، تعتقد المرأة أن أي زواج يحتاج إلى قائد، وأن «القائد الأكثر طبيعية ~~لرباط الزوجية هو الرجل.» تتباهى «النساء الأكثر فضيلة» ب «تنازلهن الطوعي ms072 عن رغباتهن» ~~(هن «يقلن» ذلك)؛ ولهذا ينظر إليهن باحترام كبير، في حين ينظر إلى النساء في ~~أوروبا، بالرغم من أن لهن مكانة أكبر (حتى إن بعضهن حكمن «إمبراطورية استبدادية»)، ~~على أنهن كائنات ضعيفة يسعين لغواية الرجال حتى يحصلن على ما يردن. إن «عدم ~~المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة» ما زال حتى اليوم له على ما يبدو «أصوله الدائمة ~~في الطبيعة»، وهو أمر لم يتحداه توكفيل؛ فقد قبله بالشكل الذي اتخذه في أمريكا - أو ~~بالشكل الذي قال إنه وجده في أمريكا - معبرا عن ذلك بالكلمات الرائعة التالية: «إذا ~~سألني أحد عن العامل الذي أعتقد أنه يعزى إليه على نحو أساسي الرخاء الفريد ~~والقوة المتزايدة لهذا الشعب، فسأجيب بأنه يتمثل في المكانة العالية للنساء فيه.» يا ~~له من ثناء! لكنه لم يذكر إن كانت النساء الأمريكيات أعلى شأنا من النساء الأخريات أم ~~من الرجال الأمريكيين؛ ربما هن أعلى شأنا من الاثنين. # لا شك أن المرأة الأمريكية اليوم، بسبب تلهفها على العمل وحرصها على مكانتها في ~~المجتمع، ستكون مستعدة للتخلي عن ثناء توكفيل على فضيلتها بالمعنى الذي أصبح ~~مهجورا تماما الآن. لكن علينا عدم إغفال مضمونه الفلسفي. صحيح أن الديمقراطية تدعم ~~سيادة الشعب، التي تتطلب كما رأينا سيادة البشر، لكن البشر لا يمكنهم تجنب الضرورة أو ~~الهروب من مصيرهم، وتتطلب سيادة البشر توافق اختياراتهم مع القوى الخارجية التي ~~ربما يبدو أنها تخضعهم وتستعبدهم. وتوكفيل، في تصويره الرائع وربما المبالغ فيه، ~~والمقدم على هيئة حقيقة لكنه في الواقع أمر مفترض أكثر من كونه حقيقة، أعطى للمرأة ~~الأمريكية مهمة اختيار قبولها الضرورة بكرامة؛ فقد عارض العقد الاجتماعي الخاص ~~بالنظرية الليبرالية الذي تجاهل الضرورة الإنسانية الخاصة بعيش الأفراد بعضهم مع بعض، ~~وحاول أن يجعلها تبدو اختيارا، كما لو أن الفرد لديه حرية الاختيار في كل شيء. ~~وبدلا من هذا العقد، قدم عقد الزواج وأوضح طبيعة هذا العقد من خلال التركيز على ~~نموذج المرأة الأمريكية وحديثها. # العظمة الإنسانية واستبداد الديمقراطية # في نهاية عمل توكفيل الرائع عن الديمقراطية، ms073 كشف النقاب عن الشر السياسي الذي تميل ~~الديمقراطية على نحو طبيعي باتجاهه، ويمثل قمة مخاوفه فيما يتعلق بالديمقراطية، وقد ~~عبر عنه أكثر من مرة. يتمثل هذا الشر السياسي في تسلط المساواة الديمقراطية على ~~الحرية الديمقراطية. هنا، يطلق على هذا الشر «الاستبداد الهادئ »؛ وفي مواضع أخرى، أطلق ~~عليه استبداد الديمقراطية أو استبداد الإدارة؛ إنه شر جذاب وليس مزعجا، ناعم وسلبي، ~~بل ويبدو حتى في الظاهر مفيدا، وقد أصبح بالنسبة إلى توكفيل مصدر خوفه الأساسي وليس ~~استبداد الأغلبية (المذكور في الجزء الأول من الكتاب)، الذي كان يتسم بالخشونة ~~والتعسف كما تمثل في استعباد السود في أمريكا. وقد رأينا بذرة هذا الاستبداد ~~الهادئ في الجزء الأول من كتابه في وصفه السلطة الغامضة للرأي العام، لكننا رأيناه في ~~الجزء الثاني متجسدا في الدولة الديمقراطية المركزية. # الاستبداد الهادئ هذا ليس حتميا ويمكن معارضته في أي نظام ديمقراطي، وهناك قوة ~~مضادة له في الطبيعة الإنسانية، وقد بدأ توكفيل في القسم الأخير من الكتاب نقاشا مفاده ~~أن المساواة تعطي الإنسان «على نحو طبيعي» ~~رغبة في وجود مؤسسات حرة، وليس في الاستبداد؛ فهي بحسب قوله تجعله مستقلا عن ~~الآخرين؛ ومن ثم متشككا من السلطة وميالا لاتباع إرادته وليس إرادة أحد ~~غيره. وهي تؤدي إلى نوع من العناد، وهو رغبة واعية في التحرر تذكرنا بالجزء ~~النشط من الروح عند أفلاطون (روح الحياة)، وهذا مفيد للإصرار الديمقراطي على الحرية. ~~ربما يبدو هذا العناد متناقضا مع ولع الأمريكيين بتكوين الجمعيات، وربما يكون كذلك ~~بالفعل، لكن رفضهم السلبي للتعاون مع الآخرين يمكن جعله مسئولا عندما يجد الناس ~~منفعة ومكانة في تنفيذ مهمة ما. ربما يقول أحد اليوم إن الأمريكيين بوجه عام ~~معادون للسلطة؛ ومن ثم من الصعب حكمهم، غير أن لهم أيضا روحا مقابلة تجعلهم ~~يستسلمون للسلطة في مواقف معينة. # بالرغم من العناد الموجود في الطبيعة الإنسانية الذي يجعل أي نظام حكم يبدو صعبا، ~~فإن الديمقراطية تتحرك على نحو طبيعي في الاتجاه المقابل الذي يجعل نظام الحكم أكثر ~~سهولة وقبولا. ويمثل قلق ms074 توكفيل النابع من فقدان الناس الرغبة في وجود مؤسسات ~~حرة، موضوع القسم الأخير من كتابه «الديمقراطية في أمريكا»؛ فالإنسان الديمقراطي، كما ~~عرفنا، يصبح بسهولة ضحية للفردية، وهو ذلك الشعور بالضعف الباعث على التراخي الذي ~~يحول المواطنين إلى أفراد منعزلين مهتمين فقط بحياتهم الخاصة، وعندما يفعلون هذا، ~~تكون الدولة هي الممثل المرئي والدائم الوحيد للمجتمع، ويتركون جمعياتهم لأنهم قد أصبح ~~لديهم ميل طبيعي لجعل الدولة تهتم بكل الشئون العامة. وعندما ينظر الأفراد للمساواة ~~فيما بينهم، يكون لديهم ميل غريزي تجاه الإحساس بالفخر والاستقلالية، لكنهم يشعرون في ~~داخلهم بنوع من الضعف والعزلة الناتجين عن هذه الاستقلالية؛ ومن ثم يهجرون النشاط ~~المحلي في السياسة والمجتمع، ويطيعون على نحو لا مبال «الكيان العظيم» المتمثل في ~~الدولة (كان توكفيل قد استخدم هذا المصطلح قبل ذلك لوصف رب مذهب الواحدية). # وبينما تميل كل الشعوب الديمقراطية نحو الاعتماد على الدولة، فإن الدولة من جانبها ~~تحب المساواة وتحاول التوسع فيها قدر إمكانها. تعود جذور الدولة الحديثة إلى ~~النظم الملكية في أوروبا التي اتبعت سياسة التحالف مع الشعب ضد الطبقة ~~الأرستقراطية؛ حيث تخلصت تدريجيا من أفرادها الموجودين في حكومات البارونات ~~والنبلاء، وتحولت للإدارة المركزية للدولة. وعندما حلت الديمقراطية محل الملكية ~~أثناء الثورة الفرنسية، ظلت الدولة كما هي واستمرت في الاستحواذ على كل السلطات لنفسها، ~~وحل عداؤها الجديد لتكوين الجمعيات محل الغيرة الملكية من الطبقة الأرستقراطية؛ ومن ثم ~~فإن الدولة المركزية تحب المساواة التي يحبها المواطنون الديمقراطيون وتكره تلك التي ~~يكرهونها؛ فالطرفان يقوي كل منهما الآخر على نحو متبادل. الدولة تقوي باستمرار من ~~سلطتها، في حين يفقد الشعب سلطاته باستمرار. # من ثم فإن الاستبداد الذي يجب أن تخشاه الأمم الديمقراطية هادئ في طبيعته؛ فعلى ~~الرغم من أنه لا يحبط رغباتهم، فهو يرضي أسوأ ما فيهم. وأسوأ رغبة في الديمقراطية هي ~~التخلي عن الإحساس بالفخر الذي يدعم استقلالية الفرد وضياع الحرية؛ مما يحط من شأن ~~الشعب دون أن يعرضهم للتعذيب، ودون أن يثير معارضتهم أو حتى يشعرهم بما فقدوه. ~~وهكذا يصبح ms075 الشعب «حشدا من الأفراد المتشابهين والمتساوين ... الذين يحصلون على المتع ~~الصغيرة والعادية التي يملئون بها أرواحهم.» فكل منهم «منعزل ومنزو» ويقتصر وجوده ~~«على نفسه ويعيش فقط لنفسه.» وتسيطر على الأفراد «سلطة وصائية كبيرة» ترعاهم بأسلوب ~~ناظر المدرسة أو الوصي، وتوفر عليهم - بحسب تعبير توكفيل بسخرية شديدة - «عناء التفكير ~~وألم العيش». وقد سبق توكفيل نيتشه في وصفهم بأنهم «قطيع من الحيوانات المستأنسة ~~والكادحة التي تقوم الحكومة على رعايتها.» # في هذا الوضع، يشعر الشعب الديمقراطي بالحاجة إلى الحرية والحاجة إلى أن تتم قيادته، ~~ويعزي نفسه لقيادة الآخرين له بفكرة أنه قد اختار قادته. وعند مشاركته في ~~الانتخابات، يترك تبعيته لبعض الوقت، فقط ليعود إليها بعد ذلك. قال توكفيل على نحو ~~فخور متحدثا عن نفسه: «هذا ليس كافيا بالنسبة إلي.» # هناك حقائق عرضية معينة، بحسب اعتراف توكفيل، يمكن أن تزيد أو تقلل من الاتجاه نحو ~~مركزية الإدارة؛ على سبيل المثال، عدم حدوث ثورة ديمقراطية في أمريكا. ولأن أمريكا لم ~~تكن مرغمة على القيام بثورة ديمقراطية ضد نظام أرستقراطي - نظرا لأن الأمريكيين ~~ولدوا متساوين، ولم يتعين عليهم أن يسعوا كي يصبحوا كذلك - فقد كانت لديها حرية أكبر ~~في استعارة بعض الأمور من النظام الأرستقراطي حتى تدعم حريتها. وقرب نهاية كتابه، ذكر ~~توكفيل أن هناك ثلاث سمات للمساواة تحتاج الشعوب الديمقراطية أن تحترس منها؛ تتمثل ~~الأولى في فائدة النظم التي نوقشت بالفعل، والتي لا تعيها بسهولة الشعوب ~~الديمقراطية وتشعر بازدراء تجاهها. هناك غريزة ديمقراطية ثانية، وهي أيضا طبيعية ~~جدا، ويعتقد بوجه عام أنها خطيرة جدا، وتتمثل في احتقار الحقوق الفردية والتضحية ~~بها من أجل مصالح وقوة المجتمع. قال توكفيل متحدثا بلسان الليبرالي إن «الأصدقاء ~~الحقيقيين للحرية والعظمة الإنسانية» يجب أن يكونوا منتبهين دائما حتى يضمنوا عدم ~~التضحية السهلة بالحقوق الفردية من أجل الأهداف العامة للمجتمع؛ فحدوث هذا يضر بالفعل ~~بالمجتمع لأنه يتعارض مع دور المجتمع باعتباره داعما للحقوق. # أضاف توكفيل للأمرين السابقين قلقه من حدوث ثورات في المجتمعات الديمقراطية، وهو ~~قلق ربما يكون أكثر حدة ms076 فيما يتعلق بأوروبا مقارنة بأمريكا؛ فحيث إن ~~الديمقراطيين يحبون التغيير، يمكن أن تصبح الثورة عادة بل قد يتم أيضا تقنينها في ~~سياسة الحكم. لم ينكر توكفيل أن الثورة أحيانا تكون أمينة ومشروعة، لكنه اعتقد أنها ~~علاج خطير على نحو خاص في العهود الديمقراطية. تحدث قبل ذلك عن سبب ندرة الثورات ~~العظيمة مثل الثورة ضد الديمقراطية، قائلا إنه كان يخاف جمود الطبقة الوسطى أكثر من ~~تمردها العنيف الذي يحدث غالبا في النظم الديمقراطية. لكن الجمود في الديمقراطية ~~يتوافق مع الاضطراب العام المتدني الناتج عن الطموح العادي والتنافس على المتع ~~المادية. # ما علاج الفردية الديمقراطية والأداء العادي للديمقراطية واللامبالاة الديمقراطية؟ ~~تبرز الإجابة في العبارة المقتبسة أعلاه التي تصف المخاطبين بكلام توكفيل بأنهم: ~~«الأصدقاء الحقيقيون للحرية والعظمة الإنسانية.» يكمن الحل في تضافر الحرية والعظمة ~~الإنسانية. في البداية، سيفكر البعض في مزج حرية الديمقراطية مع عظمة الأرستقراطية في ~~نظام مختلط من النوع التقليدي، لكن كما هو الحال دائما في كتاب «الديمقراطية في ~~أمريكا» وخاصة في نهايته، أصر توكفيل على أن الديمقراطية وجدت لتبقى، وأنه لا ~~يوجد احتمال «لإعادة إنشاء مجتمع أرستقراطي»، وأن علينا أن نكون داعمين للمساواة ~~ونتبنى نظاما ديمقراطيا غير مختلط معتبرين إياه «مبدأنا وعقيدتنا الأساسيين»؛ لذا ~~فإنه لا يخاطب هنا الرجال العظماء، «عظمة القلة»، باعتبارهم مصدر إلهام الديمقراطية. ~~فهو لم يذكر مؤسسي أمريكا الذين أثنى عليهم من قبل، أعضاء الحزب الفيدرالي الذي قال ~~عنه إنه حزب أرستقراطي، بدلا من ذلك، قال إنه على الرغم من أنه لا يمكن إعادة إنتاج ~~نظام أرستقراطي، فإنه يعتقد «أنه عندما يترابط المواطنون العاديون معا، يمكنهم أن ~~يصبحوا أفرادا غاية في الثراء والنفوذ والقوة؛ بعبارة أخرى، يصبحون أشخاصا ~~أرستقراطيين.» # يؤدي الارتباط الحر فيما بين المواطنين العاديين إلى نشوء أرستقراطية الديمقراطية، ~~وهؤلاء المواطنون هم نبلاؤها؛ فهم يمارسون حريتهم، وبقيامهم بهذا يدافعون عنها ويحمونها ~~وينشرونها، وهذا الارتباط يجعلهم يقدمون تضحيات ويقدمون على مخاطر في طموح عام لا ~~يظهر لدى من يكونون مؤسسات هدفها تجاري بحت. وعلى الرغم من أن ms077 المواطنين العاديين ~~لديهم ما يكسبونه من السياسة، فإن المقابل الذي سيحصلون عليه سيكون إحساسهم بالفخر أكثر ~~منه مكاسب مادية. صحيح أن الأمريكيين برجوازيون، وقلقون ولديهم نهم لتحقيق المكاسب ~~بحسب وصف توكفيل لهم، لكنهم عندما يتجمعون معا في جمعيات حرة، يكون لديهم قدر من ~~النبل في أرواحهم. هذا هو رد الديمقراطية - الرائع وإن لم يكن الملائم على نحو كامل - ~~على الاتهامات الموجهة إليها بأنها تؤدي إلى اللامبالاة والأداء العادي. # إذن فالخطر الذي يجب أن يكون الأصدقاء الحقيقيون للحرية والعظمة الإنسانية على ~~استعداد لمنعه هو أن تضحي «السلطة الاجتماعية» بسهولة بحقوق الأفراد من أجل تحقيق هدف ~~اجتماعي ما. قال توكفيل: «ليس هناك مبرر لظلم أي مواطن مهما بلغت درجة تهميشه.» غير ~~أن الضمانين الأساسيين بالنسبة إلى المواطن المهمش، اللذين ذكرهما توكفيل هنا هما: ~~حرية الصحافة، والسلطة القضائية. قال هنا عن الصحافة الحرة، متجاوزا الثناء المتوازن ~~الذي أبداه قبل ذلك في كتابه، إنها «مهمة أكثر بكثير في الأمم الديمقراطية منها في ~~الأمم الأخرى.» فهي تتيح للمواطنين التواصل بعضهم مع بعض؛ ومن ثم الخروج من دائرة ~~التهميش. أما السلطة القضائية، فمهمتها الاستماع للمواطنين المهمشين عندما يشعرون ~~بالظلم؛ هنا نرى جانبا أرستقراطيا غير محدد وغير معروف، يمارس تأثيره في ظل ~~الديمقراطية لدعم حقوق الأفراد، ربما في مواجهة الجزأين الأكثر ديمقراطية من الحكومة، ~~وهما: السلطتان التشريعية والتنفيذية، اللتان تمثلان «السلطة الاجتماعية». # تتمثل «المهمة الأساسية للمشرع» في العصر الديمقراطي في وضع حدود للسلطة ~~الاجتماعية تكون «واسعة النطاق، وفي ذات الوقت واضحة وثابتة.» سيبدو «المشرع» شخصا فوق ~~السلطة التشريعية، ربما يكون عالم سياسة مثل توكفيل نفسه. بالنسبة إلى هذا الشخص، وضع ~~حدود للسلطة الاجتماعية يتضمن وضع دستور ويتضمن أيضا، على ما يبدو، الدفاع عن ~~الديمقراطية ضد الأفكار التي تروج للسلطة الاجتماعية في مقابل التخلي عن حقوق ~~الفرد. وعلى الرغم من كل إصرار توكفيل السابق على كون الحالة الاجتماعية هي السبب الأول ~~للديمقراطية، فقد أشار في هذا المقام إلى «فكرتين متناقضتين، ومتساويتين في الخطورة في ~~ذات الوقت»، ربما تنبعان ms078 من الحالة الاجتماعية الديمقراطية، ولكن قد تمثلان تهديدا ~~لها. تتمثل الأولى في أن أهم ما في الديمقراطية هو ميولها اللاسلطوية؛ فمن ~~يتبنونها يخافون من إرادتهم الحرة، «يخافون من أنفسهم». في حين تتمثل الأخرى في أن ~~الديمقراطية تؤدي بالضرورة إلى العبودية والخضوع؛ مما يجعل المدافعين عنها ييأسون ~~من البقاء أحرارا، ويعجبون على نحو غير معلن بالاستبداد الذي يعتقدون أنه ~~حتمي. # في ضوء هذا الوصف المباشر للفكرتين، لم يذكر توكفيل أسماء، ولم يقدم المادة التي ~~يمكن للقراء من خلالها تخمين تلك الأسماء. كالمعتاد، اهتم توكفيل بتبعات هاتين الفكرتين ~~أكثر من مضمونهما. ومع ذلك، ختم كتابه العظيم بشجب هذين «الاعتقادين الخاطئين ~~والجبانين» اللذين يعصفان بالديمقراطية التي وجدها في أمريكا. وقد أعلن، مستخدما ~~أسلوبا يماثل أكثر أسلوب أرسطو منه أسلوب الليبراليين السابقين عليه، أن الرب لم ~~يخلق الجنس البشري «حرا على نحو كامل، ولا عبدا على نحو تام.» # الفصل الخامس # | الإدارة العقلانية # نشر العمل الرائع الثاني لتوكفيل تحت عنوان «النظام القديم والثورة» في عام 1856. في ~~هذا العمل، تناول توكفيل النظام الملكي القديم في فرنسا، لكنه لم يصل لمرحلة الثورة ~~الفرنسية، وبقي الكتاب غير مكتمل عندما توفي توكفيل في عام 1859. درس توكفيل النظام القديم ~~تطلعا للثورة الفرنسية لأنه هو الذي أدى إلى قيامها. لقد تسبب هذا النظام القديم في ~~إسقاط نفسه عبر عشرين جيلا بتأسيسه لنظام الإدارة العقلانية، الذي ربما نطلق عليه الحكم ~~بالجدارة. الإدارة العقلانية من وجهة نظر توكفيل هي المقابل للديمقراطية، وقد رأيناها في ~~شكل إدارة مركزية في كتابه «الديمقراطية في أمريكا». # في عمله اللاحق الذي بعنوان «النظام القديم والثورة»، أسهب توكفيل في عرض معنى وأساليب ~~الحكومة الكبيرة البيروقراطية، وأشار إلى أنها ليست فقط صورة مخيفة للمستقبل، رسمها أعداء ~~الديمقراطية، لكنها أيضا حقيقة تاريخية فعلية في فرنسا؛ فالنظام الملكي الفرنسي لم يكن ~~ينوي إقامة نظام ديمقراطي، لكنه مع ذلك قام بما تفعله الديمقراطية؛ فمن خلال القضاء ~~التدريجي على النظام الإقطاعي الذي حكم فيه النبلاء المناطق التي كانت تحت سيطرتهم، ساوى ~~الملوك الفرنسيون ورؤساء ms079 وزرائهم - من أمثال الكاردينالين مازاران وريشليو - أولا بين كل ~~المواطنين، ثم أعادوا تنظيمهم في تسلسل هرمي ~~جديد غير إقطاعي خاص بالدولة المركزية الحديثة، التي يعيش في ظلها اليوم الفرنسيون، ~~وبدرجات متفاوتة كل الشعوب الديمقراطية. # كانت الثورة الديمقراطية التي حدثت في فرنسا في عام 1789 نتاجا مهما غير مقصود للسياسة ~~التي اتبعها الملوك الفرنسيون وتراخي طبقة النبلاء الفرنسية، وهما الأمران اللذان ساهما ~~معا في تحديث فرنسا دون قصد. كانت الديمقراطية في فرنسا ممثلة في نظام ملكي سقط نتيجة ثورة ~~مفاجئة وعنيفة، بسبب منطق استراتيجيته الأساسية القائمة على التحالف مع الشعب ضد النبلاء. ~~اندمجت الاستراتيجية السياسية لهذا النظام مع خطط المفكرين الخاصة بالإصلاح في نظام ~~الإدارة العقلانية. لم يكن لدى هؤلاء المصلحين التجريديين اهتمام بالسياسة بالأساس، لكنهم ~~فضلوا النظام الملكي باعتباره أداة للإصلاح، واستبعدوا الديمقراطية لأنها فجة وجاهلة ~~ومعارضة للإصلاح؛ ومن ثم فإن الديمقراطية كانت نتاجا لقوتين متحالفتين - النظام الملكي ~~والمصلحين - كانتا معارضتين للديمقراطية وتوحدتا فقط بسبب عداوتهما المشتركة للطبقة ~~الأرستقراطية. حدث التحرك الكبير للعقل الإنساني ضد النظام الإقطاعي القائم على الامتيازات ~~والتحيزات - الذي فسره الفيلسوف هيجل بأنه التأكيد الحاسم لسيادة فكر الإنسان - بالصدفة ~~أو باعتباره نتيجة، لم تتوقعها كل الأطراف. تلك هي الفكرة الرائعة والمدهشة التي يقوم ~~عليها كتاب توكفيل «النظام القديم والثورة». # كشف توكفيل لأول مرة عن فكرة كتابه في أواخر عام 1850 في خطاب إلى صديقه لوي دي كيرجورلي، ~~وذكر أنها تتمثل في دراسة «الدراما الطويلة للثورة الفرنسية». وبعد ذلك بعامين، أشار ~~إلى خطبته التي ألقاها في عام 1842 في الأكاديمية الفرنسية التي هاجم فيها حكم نابليون، ~~معتبرا إياه «نموذجا مثاليا للاستبداد» في تاريخ العالم وشجب الأفكار المجردة التي قامت ~~عليها الثورة. كانت هاتان النقطتان معا تشيران إلى ما نتج عن تلك الثورة وأصلها، وكان ~~يعتزم البدء في بحثهما. وحتى قبل ذلك - في عام 1836 - وبينما كان يتمتع بالنجاح الذي حققه ~~الجزء الأول من كتابه «الديمقراطية في أمريكا»، كتب مقالة عن فرنسا قبل عام 1789 وبعده، ~~وكان قد كلفه ms080 بكتابتها جون ستيوارت ميل، ونشرت في دورية «لندن آند وستمنستر ريفيو» التي ~~كان ميل رئيس تحريرها. وانطلاقا من تصوره للكتاب الذي وضعه في عام 1850، تحول تركيزه ~~زمنيا على نحو عكسي من نابليون إلى أول حكومة تكونت بعد قيام الثورة إلى النظام ~~القديم، مستقرا على تناول النظام القديم في أغسطس من عام 1853. # بدأ توكفيل العمل في كتابه في يناير من عام 1852، وأخذ يقرأ السجلات التاريخية ويدون ~~ملاحظات عنها، وفي يونيو من عام 1853، وجد أن هناك حاجة للرجوع إلى السجلات الخاصة بالنظام ~~القديم، وقضى عاما كاملا في مدينة تور منكبا على السجلات الخاصة بكبار المسئولين في ~~إدارتها. وقد أخفت العبارات الجذابة والبارعة والمنمقة الواردة في الكتاب وراءها عملية ~~قراءة كتب وكتيبات وبحث في أرشيفات يعلوها التراب. كشف روبرت جانيت في كتابه الرائع «كشف ~~النقاب عن توكفيل» عن الأدلة التي اعتمد عليها الكتاب، وأشار إلى «الأسلوب المتكتم» لمؤلفه. ~~لقد كان غرض توكفيل من ملاحظاته واقتباساته المتعددة هو على نحو أساسي التوضيح، كما أنه لم ~~يكن يذكر في الغالب المصادر التي اقتبسها منها. في نفس الوقت، كثيرا ما ذكر قراءه ~~بالجهد الذي قام به، ويمكن أن نقول إنه كان يفتخر به، كما لو أنه كان يتحداهم أن يقوموا ~~بالبحث عن حقيقة الأمور بأنفسهم دون توجيه من أحد. # بدأ توكفيل بوصف عمله بأنه «دراسة»، لكن ما نوع تلك الدراسة؟ إنها تاريخية على نحو مباشر ~~أكثر من كتابه «الديمقراطية في أمريكا»، الذي انطلق من «حقيقة إلهية»، متمثلة في الاتجاه ~~المتعاظم نحو مزيد من الديمقراطية، ثم من افتراض يقضي بأن صورة الديمقراطية موجودة في ~~أمريكا. وفي نهاية هذا الكتاب، أشار لشبح الاستبداد الهادئ، لكنه عرضه من منظور الشعب، ~~مفسرا سبب ترحيب الشعب بالسلطة الخانقة للحكومة الكبيرة، ووصف الحلول التي طبقها ~~الأمريكيون لمواجهة هذا الاستبداد. ثم أعلن أنه يقبل الديمقراطية على نحو مسئول، بالرغم من ~~الأخطاء الموجودة بها، مدعيا أنه لا بديل لها في أي عصر ديمقراطي، وأنها إلى جانب ذلك ~~أكثر عدالة من النظام الأرستقراطي. تناول كتاب ms081 «النظام القديم والثورة» نفس هذا الاستبداد ~~الذي سماه هنا «استبداد الديمقراطية»، لكن من منظور الملك والنبلاء؛ فقد أنتجا ديمقراطية ~~لم يكن أي منهما يسعى إليها، وجلبت عليهما ثورة صاحبها عنف شديد لم يكن أحد ~~يتوقعها. يتحسر هذا الكتاب بشدة على ضياع النظام الأرستقراطي الذي نتج عنه «أمة » مكونة من ~~حشد غير متماسك من المواطنين الخائفين أو الغاضبين. وهو يفصل الطمع الاستراتيجي للملوك ~~ولامبالاة النبلاء، بينما يثني فقط على جوانب المجتمع الفرنسي التي تجاهل هذان الطرفان ~~الاقتراب منها بتدخلهما الفاسد وغطرستهما. # كان كلا العملين سياسيين على اعتبار أنهما كانا يقدمان النصح لفرنسا ولكل الأمم ~~الأخرى، لكن توكفيل في كتابه «النظام القديم والثورة» عبر عن سخطه بوضوح ولم يبد سوى ~~القليل من الحياد الهادئ الذي كان يميز كتابه «الديمقراطية في أمريكا». لم يكن مستاء من ~~الثورة بقدر ما كان مستاء من النظام الملكي القديم الذي حلت محله، ولم يكن غاضبا من ~~هذا النظام بقدر ما كان غاضبا مما نتج عنه وعن الثورة من استبداد على يد نابليون. وحتى ~~تتضح تلك النقطة، يجب أن نلاحظ أن السبب في استبداد حكم نابليون كان الضحالة البرجوازية ~~لإمبراطورية ابن عمه لويس نابليون. # لقد تم تصنيف كتاب «النظام القديم والثورة» على نحو صحيح باعتباره أحد كتب «التاريخ ~~السياسي»؛ لأنه جمع بين الحكم السياسي والتاريخ، مع تجنب استخدام أسلوب الجدل وعدم ~~التزام الموضوعية العلمية. غير أن الاختلافات بين هذا الكتاب وكتاب توكفيل السابق تتعلق ~~بالشكل لا بالمضمون؛ فهذا الكتاب يجب النظر إليه باعتباره عرضا لنفس القلق الأصيل بشأن ~~توافر المتطلبات الخاصة بالحرية السياسية التي يمكن ملاحظتها في الكتاب الآخر ولكن فيما ~~يتعلق بفرنسا؛ ففي حين أن كتاب «الديمقراطية في أمريكا» انطلق من اتجاه إلهي نحو ~~الديمقراطية، ربما يكون أو لا يكون مؤيدا للحرية، لكن في تصدير الكتاب الثاني أعرب ~~توكفيل أنه انطلق في تأليفه من شغفه بالدفاع عن الحرية ودعم الرغبات الأسمى المفعمة بالنشاط ~~التي تطلقها الحرية أثناء الدفاع عنها. في باقي الكتاب، كان شغفه بالحرية مبررا باكتشافه ms082 ~~أن فقدان الحرية في فرنسا نتج على نحو حتمي عن فقدان الحرية السياسية في ظل النظام الملكي؛ ~~حيث إن السياسة والحرية لا يمكن الفصل بينهما. هناك نقطتان متعلقتان بعلم السياسة لم يتم ~~التعرض إليهما بشكل واف في كتاب «الديمقراطية في أمريكا»، وقد تم تناولهما في كتاب ~~«النظام القديم والثورة»؛ وهما: الجذور الأرستقراطية للحرية السياسية، والخطر على تلك ~~الحرية الناشئ من الإدارة العقلانية. لكن من الأفضل بدء تناول الكتاب باستعراض طرحه ~~التاريخي الأساسي. # استمرارية الثورة # ظن الثوار الفرنسيون أنهم انفصلوا تماما عن الماضي وأنه ذهب بغير رجعة، وسعوا ~~لتقسيم تاريخ بلدهم إلى قسمين مختلفين تماما، الأول قبل عام 1789 والثاني بعده، ~~واعتقدوا أنهم نجحوا في ذلك. وحتى معارضو الثورة اعتقدوا ذلك أيضا؛ فقد أعلن إدموند ~~بيرك، السياسي والفيلسوف البريطاني الشهير، الذي اختاره توكفيل ليكون غريمه ونقيضه طوال ~~كتاب «النظام القديم والثورة»، أن الثورة الفرنسية كانت «أول ثورة مكتملة الأركان» في ~~التاريخ؛ فقد كانت ثورة في المشاعر والسلوك والآراء الأخلاقية التي وصلت «حتى لبنية ~~العقل البشري». عارض توكفيل نقطة الاتفاق هذه من قبل الجانبين، ورأى أن الثورة كانت ~~ناتجة عن المجتمع الذي قامت بتدميره، وأن السبب فيها كان النظام الملكي القديم في فرنسا ~~الذي انخرط في مهمة تدمير نفسه عن عمد، ولكن دون أن يعي ما كان يفعل تماما. لم تبدأ ~~الثورة فقط في عام 1789 مع سقوط سجن الباستيل؛ فقد بدأت في عام 1439 (أو 1444) من اليوم ~~الذي استطاع فيه الملك شارل السابع فرض ضريبة جديدة دون موافقة النبلاء. # غير أن توكفيل لم ينكر حدوث تغيير كبير؛ فقد أنكر فقط أنه حدث بسبب الإرادة البشرية، ~~سواء من جانب الثوار أم ضد رغبة معارضيهم؛ فقد كان المؤرخون الديمقراطيون الذين ~~هاجمهم توكفيل في كتابه «الديمقراطية في أمريكا» لإنكارهم دور الإرادة البشرية في ~~التاريخ، على حق في توقعهم قدوم الديمقراطية. يشير عنوان كتاب توكفيل «النظام القديم ~~والثورة» إلى حجم هذا التغيير، غير أنه لم يصف تلك ~~الثورة ب «الفرنسية» (كان توكفيل قلقا بشأن عنوان ms083 ~~كتابه، ويبدو أنه قبل نشره مباشرة قد حذف صفة الثورة أو وافق على حذفها). وافق توكفيل ~~على أن الثورة كانت مكتملة الأركان، كما قال بيرك، وأنها كانت بمنزلة نموذج لكل الأمم ~~الأخرى وللإنسانية جمعاء، التي حذت حذوها الثورة الأمريكية. إنها لن تتكرر أو تمحى من ~~جانب ثورات مستقبلية، وفي واقع الأمر كان مقدرا لها أن تكمل كل الثورات السابقة ~~التي لم تكن مكتملة، وكانت من ثم بحاجة إلى ثورات أخرى لاستعادة الماضي. ما أصر ~~عليه هو أن هذا التغيير الكبير كان قد بدأ قبل ذلك بقرون عديدة، فهو لم يكن حديثا؛ كان ~~يجب ألا ينظر إليه باعتباره أمرا مفاجئا. أشار توكفيل في كتابه إلى الإجراءات ~~التي أدت إلى إحداث هذا التغيير، والتي في ذات الوقت لم يلحظ معناها الكلي وهي ~~تحدث. بعد عام 1789، اتضح معناها من خلال افتخار الثوار بما فعلوه وهجوم أعدائهم ~~عليهم. # شكل 5-1: إدموند بيرك، السياسي والفيلسوف البريطاني. في كتاب «النظام ~~القديم والثورة»، كان توكفيل يقارن دائما بين تحليل بيرك للثورة ~~الفرنسية وتحليله لها. # بوجه عام، اعتقد مراقبو الثورة الفرنسية الذين استطاعوا الاستفاقة من صدمتهم، أنه كان ~~من المفترض أن تدمر الدين، وأن تؤدي إلى الفوضى واللاسلطوية، أو على الأقل تضعف ~~السلطة السياسية. وجه بيرك، الذي كان من أهم من تبنوا وجهة النظر هذه، سهام ~~غضبه إلى إلحاد مدبريها، الذين قال عنهم إنهم كانوا يبدلون وجه البشرية بقضائهم على ~~الاعتقاد بأنه توجد سلطة فوق البشر؛ مما يضعف السلطة الحاكمة بإنكار الرضا الإلهي عنها. ~~بالنسبة إلى توكفيل، هذا خطأ في تقدير الأمور؛ فقد اعتبر خلطا بين ما هو عارض وما هو ~~جوهري. ربما كانت الكنيسة أهم جزء في النظام القديم؛ فقد كانت تقاوم الإصلاح، وكان يجب ~~الهجوم عليها، فيما يتعلق بتنظيمها واعتقادها، حتى يمكن إنتاج نظام جديد يحل محل النظام ~~القديم. لقد كان هذا النظام الجديد - وليس تدمير الكنيسة - هو الشيء الأساسي الذي سيكون ~~أقوى من النظام القديم وليس أضعف منه. لم تكن لدى فرنسا النية لتمزيق نفسها، ms084 وفي واقع ~~الأمر أنشأت لاحقا جيشا أقوى من أي جيش كان لديها من قبل، وابتدعت دينا ثوريا ~~جديدا يقوم على مفهوم «الكائن الأعلى» الذي تمنت أن يكون أكثر سلطوية من المسيحية؛ ~~فقد كانت الثورة الفرنسية، بحسب قول توكفيل لاحقا في كتابه، تشبه حركة الإصلاح ~~البروتستانتية أكثر من أي حدث آخر سابق عليها، وتوقعت أن تحصل من ذلك الدين الجديد على ~~الدعم الذي حصل عليه النظام القديم من المسيحية وبحماس أكبر أيضا. وكما هو الحال أيضا ~~في كتاب «الديمقراطية في أمريكا»، أراد توكفيل التأكيد على أنه لا يوجد عداء حتمي بين ~~الدين والحرية، ولا حتى بين الدين المبتدع والحرية الزائفة للثورة الفرنسية. # لم يذكر توكفيل على نحو مباشر السبب وراء كون الثورة الفرنسية أول ثورة تقوم بهذا ~~الهجوم على الدين وتبتدع دينا جديدا وتتبعه. يبدو أن الأفكار التي اعتمدت عليها ~~أصبحت أكثر قبولا لعدد أكبر من الناس، بحيث بدت النظرية في مرحلة معينة قابلة ~~للتطبيق؛ فالثورة الفرنسية، باعتبارها ثورة كاملة تتجاوز كل الثورات السابقة، لم تكن ~~معتمدة على فكرة أكثر صحة من أي فكرة كانت موجودة من قبل، وإنما بدت تلك الفكرة ~~فجأة صالحة للتطبيق بخلاف النظام القديم. كان النظام القديم يعتمد على النظام ~~الإقطاعي الذي بعد تطور معين سيصفه توكفيل بأنه لم يعد نظاما مستقرا ~~ومتماسكا قادرا على البقاء. عند هذه المرحلة، وكما قد يقول الأمريكيون اليوم، لم ~~يعد هذا النظام عمليا على ما يبدو. وفي كتاب توكفيل الذي يعد دراسة تاريخية ~~سياسية، رفض محاولة المفكرين الثوريين اعتبار أن النظرية سبقت التطبيق؛ فلم يحاول ~~الحكم على الأفكار المتعارضة التي تدعم وتهاجم النظام الإقطاعي، لكنه بدلا من ذلك درس ~~ما إذا كان هذا النظام مثل كيانا كاملا يمكن أن يكون موضوع فكرة معينة أو نظرية ~~معقولة. مرة أخرى، وكما في كتابه الأول عندما درس ممارسات الأمريكيين لاكتشاف صورة ~~الديمقراطية، درس في هذا الكتاب ممارسات النظام القديم ليحدد إن كانت متماسكة ~~ومترابطة أم لا. # في البداية، بدأ النظام الإقطاعي بمجموعة من القبائل ms085 الهمجية التي كانت تعيش منعزلة ~~بعضها عن بعض، ومن هذا ظهر تشريع جيرماني، كان تشريعا أصيلا غير مستند إلى القانون ~~الروماني، وقد شكل «جسدا مكونا من أجزاء» مترابطة جدا مثل القوانين الحديثة، ~~منتجا قوانين حكيمة لمجتمع نصف همجي. لم يذكر توكفيل كيف نشأ النظام الإقطاعي ذو ~~التسلسل الهرمي المعقد القائم على الامتيازات والواجبات؛ فقد قال فقط إن كلا من ~~الجانب التشريعي والتسلسل الهرمي لم يختلف عما كان موجودا تقريبا في كل أنحاء ~~أوروبا، ولم يكن لهما سبب يمكن تحديده، كما لو كانا يمثلان تطورا طبيعيا ~~وتلقائيا. كان هذا النظام هو ما يمثل النظام القديم الحقيقي، وليس النظام الحاكم في ~~فرنسا في القرن الثامن عشر، وهو ما أسقطته الثورة الحقيقية في واقع الأمر؛ فالثورة ~~الحقيقية كانت هي مركزية الإدارة للنظام الملكي الفرنسي، الكيان الأساسي للنظام القديم ~~والثورة الفرنسية. # ما المقصود بمركزية الإدارة؟ إذا ألقينا نظرة على الخطوة الأولى التي قام بها الملك ~~شارل السابع، والتي ذكرناها من قبل، فسندرك أن الملك قد اكتسب سلطة فرض الضرائب دون ~~موافقة النبلاء، في مقابل إعفائهم من تلك الضرائب. باع النبلاء - بحسب قول توكفيل - ~~سلطتهم السياسية واشتراها الملك بسبب طمعه، لكن بالإضافة إلى ذلك، كانت لدى الملك ~~«الغريزة التي تجعل كل نظام حكم يرغب في إدارة كل شئونه بمفرده، وهي غريزة لا تختلف ~~أبدا على الرغم من اختلاف من يمتلكونها.» تجاوز هذا الدافع عامل الطمع والجشع؛ لأنه ~~يغري أي نظام حكم على سحب السلطة من أي جهة ليست تابعة له. وبمرور الوقت، استمر ~~النبلاء في فقدان سلطاتهم المتعلقة بأن تتم استشارتهم وأن يديروا شئون المناطق التابعة ~~لهم، لصالح الملك الذي تعلم أن يحكم من خلال المحافظين، وهم المسئولون الإداريون ~~الذين كانوا مندوبين للملك في مختلف المناطق، والذين كان يتم توجيههم من الإدارة ~~المركزية بواسطة وزرائه. # أصبح المحافظون هم المسئولين الأساسيين في النظام القديم، وكان يتم اختيارهم بناء ~~على جدارتهم، وتطورت لديهم مهارة «ابتكار عدد كبير من الوسائل للسيطرة.» لقد كان ~~هؤلاء ينتمون للطبقة الوسطى؛ لأن ms086 النبلاء كانوا يكرهون وضع أنفسهم في وضع خاضع وتابع ~~كهذا، مفضلين التنافس بعضهم مع بعض في البلاط على كسب تأييد الملك. كان المحافظون ~~يحتفظون بسجلات دقيقة بكل ما كانوا يفعلونه وما كانوا يحاولون فعله، وقد درسها توكفيل ~~بعناية في إدارات المحفوظات في باريس. لقد مثل هؤلاء المحافظون «الطبقة الأرستقراطية ~~للمجتمع الجديد »، ولقد سماهم توكفيل «المسئولين المدنيين». وكما هو الحال بالنسبة إلى ~~البيروقراطيين المعاصرين (وقد كتب تعليقا في ملاحظاته يشجب استخدام «رطانة المصطلحات ~~الحديثة» هذه)، كان لديهم ميل لعمل الإحصائيات وإدارة الحسابات. ولإظهار الجانب ~~الإنساني لديهم، تحول اهتمامهم من متابعة أرقامهم، إلى الشكوى من سوء أخلاق الفلاحين ~~الكسالى الذين كانوا عادة لا يستمعون لنصحهم أو يقبلون توجيهاتهم. في القرن الثامن ~~عشر، أبدوا بعضا من «التعاطف الزائف» الخاص بروسو وديدرو، في محاولة للتخفيف من حدة ~~المعالجة الجافة للحسابات، وهي محاولات تشبه الوسائل العلاجية في علم نفس الإدارة ~~اليوم. حكى توكفيل قصة مراقب عام مسئول عن برنامج حكومي خيري يقدم إعانات ~~للأبرشيات، وكان يجب على سكان تلك الأبرشيات أن يدفعوا تبرعات مقابلة لجزء من تلك ~~الإعانات. عندما يكون المبلغ المجمع كافيا، كان المراقب يكتب في الهامش: «جيد ومرض»؛ ~~وعندما يكون كبيرا على نحو غير معتاد، كان يكتب: «جيد، ومرض للغاية.» # يتضح من القصة السابقة أن مركزية الإدارة في النظام القديم لم تكن قاسية أو ~~استبدادية، وكلما توسعت أكثر وزاد تأثيرها عمقا، أصبحت أكثر تجاوبا وإحاطة ~~واعتدالا، وأصبحت بحسب قول توكفيل «تظلم أقل وتقود أكثر.» هذا هو الاستبداد الهادئ ~~الذي حذر منه توكفيل في كتابه «الديمقراطية في أمريكا»؛ إنه استبداد غير خطير ونافع، ~~وتتصف سلطته بالوصائية لا بالخبث، وهي تتظاهر بأنها تعلم الفلاحين «فن الثراء»، ~~وتوزع بعض الكتيبات الخاصة بفن الزراعة. لقد وجد توكفيل في هذا أصل ما سماه ~~لاحقا في فرنسا «الإدارة الوصائية»، مشيرا إلى أنها تشبه رعاية الوصي أو توجيه ~~المعلم. عندما يقرأ الأمريكيون كتاب توكفيل اليوم، فسيرد على خاطرهم وزارة الزراعة ~~الأمريكية. كانت (وقد لا تزال) المشكلة تتمثل في أن الحكومة ms087 تعد بتحسن في ~~الأوضاع أكثر مما يمكن أن تقدمه، فيصبح الناس متشككين فيما تقوله، وتبدو ~~العقلانية المفترضة للطرق الجديدة التي تستخدمها مثيرة للسخرية، ويبقى كل الفرنسيين ~~تحت الوصاية، محرومين من مزايا الحكم الذاتي. في هذا الوضع، عادة ما تكون الحكومة ~~مترددة وخائفة من اتخاذ القرار؛ ولذلك كان النظام القديم يعتمد على قوانين حازمة مع ~~تفعيل ضعيف لها يزداد ترهلا بسبب الامتيازات والإعفاءات. # كانت باريس مركز الدولة الإداري ورمز المركزية نظرا لهيمنتها على باقي فرنسا، وقد ~~زاد حجم تلك المدينة بمرور السنين بالرغم من محاولات الملوك الحد من ذلك. ومع اختفاء ~~النشاط السياسي والحريات المحلية في الأقاليم، أصبحت باريس المركز الوحيد للسلطة وكذلك ~~للحكم على الذوق، وقد أصبحت مركزا متزايدا للصناعة أيضا؛ حيث إن الرقابة هناك كانت ~~أقل منها في الأقاليم. وعندما قامت الثورة، حدثت في باريس، المدينة العاصمة التي كانت ~~تقرر كل شيء لفرنسا؛ إلى حد أن هيمنة تلك المدينة كانت ضمن الأسباب الرئيسية ~~للانهيار المفاجئ والعنيف للنظام الملكي القديم. # كانت تلك هي السمات الأساسية لمركزية الإدارة. والناتج ~~النهائي - الذي أصبح بمرور الوقت هدف ~~الحكومة، وذلك بحسب اعتقاد توكفيل - كان في واقع الأمر الابتعاد عن السياسة والاستعاضة ~~عنها بالإدارة. بدا أسلوب إدارة النظام الملكي الفرنسي - الذي بدأ باعتباره ناتجا ~~عن طمع الملوك والنبلاء، ثم تطور بفعل غريزة موجودة لدى كل نظم الحكم، وأخيرا ~~باعتباره تغييرا كبيرا - ثورة في التاريخ السياسي، حتى إن لم يكن مخططا له. حل ~~هذا النوع الجديد من نظم الحكم محل العناية الإلهية؛ حيث إنه أسس علاقة مع كل شخص ~~باعتباره فردا لم يعد عضوا في طبقة، كما كان الحال في النظام الإقطاعي. يشبه هذا ~~نظام الحكم الذي ظهر في العصر الحديث الذي يطبق نظام الرعاية الاجتماعية الذي يقدم ~~إعانات على نحو مباشر للأفراد، متجاوزا كل الجماعات الوسيطة. هذا يعني أن الفرد يعتمد ~~فقط على الحكومة في تلبية احتياجاته، كما لو أنها هي الرب، وليس أسرته أو وضعه في ~~التسلسل الهرمي الإقطاعي؛ فلا توجد «سلطات فرعية» بين ms088 الحكومة والفرد يمكن أن تقف أمام ~~السلطة المركزية للدفاع عن الحقوق والامتيازات الخاصة بالفرد باعتباره عضوا في جماعة، ~~مثل النبيل أو التابع الذي يتبع أحد النبلاء. فلا توجد «جمعيات» مثل تلك التي صادفها ~~توكفيل في أمريكا، تقوم بوظيفة النبلاء في أي نظام أرستقراطي، عن طريق مراقبة عمل ~~السلطة التي تشبه على نحو غريب تلك الخاصة بالنظام الإقطاعي في العصور الوسطى، والتي ~~بمقتضاها تم تقييد سلطات الملوك ومنع استبدادهم. # مع تطور النظام الملكي، تراجع النبلاء الفرنسيون، وكانوا جشعين مثل الملوك، ولكنهم ~~كانوا أقل تبصرا. في البداية، استغنى النبلاء عن حقهم في الموافقة على فرض ضريبة ~~ما في مقابل إعفائهم من تلك الضريبة بمجرد فرضها؛ لاحقا، تم فرض بعض الضرائب على ~~الجميع، لكن مع بعض التساهل في الدفع بالنسبة إلى النبلاء. أدى هذا إلى وضع لم يكن ~~الأغنياء يدفعون فيه أي ضرائب، وفقدوا إحساسهم بالمسئولية عمن توقفوا عن ~~مساعدتهم، وقد فقدوا قدرا كبيرا من ثروتهم أيضا لأن الملك بدأ في بيع المناصب في ~~البلاط لهم؛ فقد فضلوا على نحو أحمق امتيازات الانتماء للبلاط الملكي على امتيازات ~~وواجبات حكم من يتبعون الأقاليم التي تحت سيطرتهم. ومع احتياجهم إلى مزيد من المال، ~~أخذوا بعد ذلك يبيعون أرضهم للفلاحين التابعين لهم، الذين أصبحوا ملاكا للأراضي؛ ومن ~~ثم أصبحوا خاضعين للضرائب التي كان النبلاء معفين من دفعها. وحيث إن النظام ~~الملكي جعل نفسه مسئولا عن كل شيء، فقد كان دائما يعاني عجزا ماليا، وأخذ يجرب ~~الوسائل المالية، الواحدة تلو الأخرى. لم يكن هدفه إضعاف النبلاء عن قصد بفرض ضرائب ~~عليهم، وقال توكفيل إن السياسة المتبعة لم تكن خاصة بملك معين ولكن بمؤسسة الحكم؛ لكن ~~كان من غير المنطقي أن يتم إضعاف النبلاء لدرجة أن تصبح امتيازاتهم لا مبرر لها؛ لأن ~~الثورة عندما قامت، لم يستطع النبلاء الدفاع عن أنفسهم فحسب، وإنما أيضا عن النظام ~~الملكي. إن سياسة النظام الملكي لم تكن بحق استراتيجية جيدة الإعداد، لكن الطموح ~~والجشع خرجا عن السيطرة وأصبحا معتادين في مركزية عنيدة ms089 جعلت الحكومة تبدو أكثر ~~عقلانية، ولكنها جعلتها في واقع الأمر أقل عقلانية. لم يدرك النظام الملكي أن ~~سياسته المعادية للطبقة الأرستقراطية ستحول النبلاء إلى طبقة لها امتيازات وليس ~~إلى طبقة أرستقراطية عاملة؛ وهو تمييز كان توكفيل مصرا عليه؛ فذلك النظام لم يدرك ~~أن سياسته كانت في واقع الأمر ديمقراطية، وقد تؤدي فعليا إلى نظام ديمقراطي. # وعلى الرغم من أن تناول توكفيل كان مركزا على طبقة النبلاء، فقد دعم وصفه للنظام ~~القديم بتعليقات عن الطبقة الوسطى التي كانت تحاكي طبقة النبلاء، وعن الفلاحين الذين ~~كانوا يكرهون النبلاء، وعن رجال الدين الذين لم يكونوا على وفاق مع النبلاء. وأقر ~~توكفيل أن النبلاء الفرنسيين، بالرغم من كل فسادهم، كانوا يحافظون على كبريائهم، وبسبب ~~«الفضائل الرجولية» التي كانوا يتمتعون بها لم يكونوا خاضعين ولا ميالين للشغف الشديد ~~للرفاهية المادية، الذي كان سائدا في عصره. لقد استطاع النبلاء، بالرغم من ولائهم ~~القديم للملك، أن يصفوا أرواحهم بأنها حرة؛ وهي حقيقة قال إنها غير مفهومة تماما للعقل ~~الحديث؛ فقد كان لديهم نوع معين من العظمة، لكن لم تكن لديهم حرية سياسية. لم يكن ~~الملوك الذين يتبعونهم قساة، ولكنهم كانوا يفعلون ما في وسعهم من أجل مصلحة فرنسا، ~~وكانت تجاوزاتهم تحدث دون قصد منهم، وبعدائهم للحرية السياسية حرموا أنفسهم من الوسيلة ~~التي يعرفون من خلالها ما كانوا يفعلونه. # أراد توكفيل من خلال هذا التحول في تناوله للموضوع أن يترك نموذج النبلاء، حتى بعد ~~انتقادهم، باعتباره شيئا إيجابيا لعصره، بإمكانه إلهام أو إلقاء اللوم على الناخبين ~~الذين وضعوا لويس نابليون في السلطة، لكنه هاجم بيرك لافتراضه أن النبلاء الفرنسيين ما ~~زالوا قابلين للاستمرار، إذا تم إصلاحهم، في وقت الثورة. يمكن القول إن بيرك في دفاعه ~~عن النبلاء كان لديه نفس دافع توكفيل للثناء عليهم، ولكن بدرجة أكبر؛ افترض بيرك أن ~~النبلاء الإنجليز ما زالوا قابلين للاستمرار في عصره، ولم يرد الطعن في قابلية ~~النبلاء للاستمرار في حد ذاتها؛ فقد ألف كتابه «تأملات حول الثورة في فرنسا» ~~لوأد أي ms090 تعاطف مع الثورة الفرنسية في بريطانيا، ولإحباط رغبة الراديكاليين ~~البريطانيين في نقلها عبر القنال الإنجليزي إلى بريطانيا. إن بيرك بالتأكيد لم يكن يريد ~~الموافقة على وجهة نظر توكفيل القائلة بأن عالم الديمقراطية الجديد لا يمكن مقاومته، ~~ولم يفعل ذلك، غير أنه أيضا كان يرى، في عبارة شهيرة له، أن «عصر الفروسية قد انتهى»، ~~وهو العصر الذي كان النبلاء فيه يهبون للدفاع عن ماري أنطوانيت. ربما أفضل خيار له، ~~في كتابه عن التاريخ السياسي المقابل لكتاب توكفيل، أن يبالغ في الحديث عن مدى استقامة ~~النبلاء وقابليتهم للاستمرار، تماما كما كان على توكفيل المبالغة في الحديث عن فسادهم، ~~وأنهم في طريقهم للزوال، وإنكار أنه كان بالإمكان إصلاحهم. إن وجود إعجاب محدود ~~بالنبلاء دون وجود حنين لوجودهم على الساحة السياسية يمكن أن يلخص وجهة نظر ~~توكفيل. # ختم توكفيل تناوله للنظام القديم بأن قرر أنه لم يكن كيانا كليا، وأنه لم يكن ~~يمثل «أمة». كان النظام الإقطاعي في أوج ازدهاره بمنزلة أمة لأنه كان يمثل كيانا ~~كليا؛ فقد كانت له وحدة عبر أجزائه، لكن النظام القديم كانت له وحدة من نوع مختلف، ~~دون أجزاء متنوعة ولكنه كان مكونا من أفراد متشابهين. مرة أخرى، ربما لم يكن هذا هو ~~قصد النظام الملكي وإنما كان النتيجة؛ فسياسته جعلت فرنسا تتحول إلى «جسد متجمد»، «حشد ~~منظم» من «المتشابهين»، كل مجموعة منهم منفصلة ومنعزلة عن المجموعات الأخرى. أطلق على ~~هذا الوضع «الفردية»، وهو المفهوم الذي استخدمه بهذا المعنى في كتابه عن الديمقراطية، ~~وأضاف قائلا إن النظام القديم كان «شكلا من أشكال الفردية الجماعية، التي جهزت الأنفس ~~للفردية الحقيقية التي نعرفها.» # إن الفردية الحقيقية ديمقراطية، بينما الشكل الجماعي منها يعدها بتوجيه الأفراد ~~في المجموعات الصغيرة العديدة في النظام القديم للتفكير في أنفسهم فقط. ربما نفترض أن ~~كلا النوعين من الفردية يقعان تحت نطاق «حكم الفرد المطلق»، سواء أكان ملكا أم المفهوم ~~المجرد للدولة المتمثل في الحكومة الكبيرة. يذكرنا هذا المفهوم بمفاهيم مماثلة ~~لمونتسكيو ومكيافيلي، تشير للحاكم المستبد أو الأمير ms091 الذي يفرض النظام بالقوة في بلده. ~~بالنسبة إلى توكفيل، الاستبداد أمر خاطئ، نظام مفروض بالقوة على نحو غير مترابط. لكي ~~تكون أي أمة كيانا كليا على النحو الصحيح، يجب أن يكون لدى شعبها الحرية السياسية ~~للتعبير عن أجزائها المختلفة وتشكيلها. إن الحرية السياسية ليست عدوة للوحدة والنظام؛ ~~بل هي على العكس بمنزلة شرطها الضروري؛ فهي تقاوم الحكم لكنها في نفس الوقت تدعي ~~أنها تحكم. إن الوحدة الزائفة المفروضة من قبل كيان موجود في قمة السلطة، وهي السمة ~~الأساسية للحكومة الكبيرة الديمقراطية وكذلك للنظام الملكي المطلق، معرضة لاندلاع ~~ثورات تطيح بها، وهي تستحق ذلك بالفعل. بالنسبة إلى توكفيل، الثورة الفرنسية كانت علامة ~~على التعافي وبلوغ المرض ذروته؛ بحيث تمثل التعافي في محاولة إنشاء كيان كلي ~~وتمثل المرض في الفشل المحتم لتلك المحاولة. لقد كانت بالتأكيد تتعلق بإنشاء سلطة ~~أكثر من إسقاطها، لكن السلطة التي تم إنشاؤها من قبل الثورة لم تكن شرعية؛ لأنها لم ~~تنجح في إنشاء كيان كلي. # المفكرون # يتحدث الجزء الثالث والأخير من كتاب توكفيل «النظام القديم والثورة» عن الحقائق ~~الأكثر خصوصية وحداثة، التي حددت مكان وميلاد وطابع «الثورة العظيمة»، كما أصبح ~~يطلق عليها توكفيل آنئذ. يمكن أن تكون تلك الحقائق السبب المباشر وليس السبب الأساسي، ~~الذي كان يتمثل في السياسة الإدارية للنظام الملكي الفرنسي. إن تلك الحقائق اتضح أنها ~~حقيقة واحدة، وهي المفكرون الذين هيمنوا على السياسة الفرنسية من منتصف القرن الثامن ~~عشر، إلى جانب تأثيرهم على النبلاء ورجال الدين والملك. إن دورهم المهم يثير ثانية ~~مسألة دور الأفكار في السياسة بالنسبة إلى توكفيل، وهي المسألة التي بدت أساسية في ~~كتابه «الديمقراطية في أمريكا»، لكنها تركت دون أن تحسم في الكتاب. إن مسألة «الفعل ~~أم الكتابة» هي أهم مسائل الحياة الشخصية لتوكفيل، والسبيل لحسمها يتمثل في إقرار ما ~~إذا كانت الكتابة شكلا من أشكال الفعل، وما إذا كانت الأفكار المكتوبة من قبل كاتب ~~يمكن أن يكون لها تأثير سياسي أم لا. وقد تناول تلك النقطة في عمله «النظام ms092 القديم ~~والثورة». # كانت فرنسا على الدوام أكثر الأمم في أوروبا إنتاجا للمفكرين والأدباء، لكن قبل ~~الثورة كان مفكروها لديهم اهتمام من نوع جديد بالسياسة. صحيح أنهم لم ينخرطوا في ~~السياسة، كما فعل نظراؤهم في إنجلترا؛ فهم لم تكن لديهم سلطة أو وظيفة عامة، لكنهم ~~شغلوا أنفسهم باستمرار بالأمور السياسية؛ فقد كانوا دائما يفكرون على نحو مجرد ~~ويناقشون مسائل مثل: أصل المجتمعات، والحقوق الأصلية للمواطنين في مقابل السلطة، ~~والعلاقات الطبيعية في مقابل العلاقات المصطنعة بين البشر، ومشروعية العادات، ومبادئ ~~القوانين. لقد اعتقد جميعهم أنه سيكون من المناسب استبدال قواعد بسيطة وأساسية مأخوذة ~~من العقل والقانون الطبيعي بالعادات التقليدية المعقدة السائدة في المجتمع في عصرهم. ~~ولا توضح تلك الموضوعات المجردة والنتيجة المبسطة للغاية نقص الخبرة السياسية وحسب، ~~وإنما أيضا ازدراء لها؛ وهو الأمر الذي كان يبغضه توكفيل. # لم يسع توكفيل لتفسير هذا السبب الحديث بالنظر إلى تاريخ الفلسفة السياسية الحديثة؛ ~~حيث يمكن - كما كان يعرف جيدا - أن يجد أن البحث عن البساطة في السياسة كان قد بدأه ~~هوبز ولوك، إلى جانب ديكارت الذي ذكره في كتابه «الديمقراطية في أمريكا». بدلا من ذلك، ~~سأل عن السبب في ظهور تلك الفكرة، التي قال إنها لم تكن جديدة، وإنها ظهرت منذ ثلاثة ~~آلاف عام، على وجه الخصوص في عصره. للإجابة عن هذا، ذكر رأي المفكرين في المجتمع الذي ~~به امتيازات غير عادلة «أدت بطبيعة الحال» إلى الرغبة في إعادة بناء المجتمع، بناء على ~~خطة جديدة بالكامل يتبعها كل فرد فيه مستخدما عقله. اعتقد توكفيل أنه كانت تنقصهم ~~تجربة السياسة الحرة التي قد تكون حذرتهم من قدرة الحقائق الحالية على إعاقة أكثر النظم ~~المرغوبة؛ حيث إن الغياب الكامل لكل أشكال الحرية السياسية كان خافيا عنهم، ولم يكن ~~بإمكانهم معرفة ما كانوا يجهلونه. وبدا توكفيل مهتما بجعل السلطة السياسية مسئولة ~~عن الصعود الفكري لمثل هذه الحماقة، بدلا من إلقاء اللوم على المفكرين لأنهم أصبحوا ~~حمقى بهذا الشكل. # من المفكرون الذين كان توكفيل يتحدث عنهم؟ ذكر توكفيل بالطبع ms093 فولتير، مشيرا إلى ~~أنه كان يقدر إنجلترا على حرية التعبير التي كانت سائدة فيها، وليس لتمتع مواطنيها ~~بالحرية السياسية. ولم يذكر روسو هنا، بالرغم من أن روسو كان مشهورا مثل فولتير، وكانت ~~تقتبس كلماته أكثر من فولتير من قبل الثوار أنفسهم، كما أنه كان من الكتاب ~~المفضلين لدى توكفيل. لقد ركز على الدور الأساسي الذي لعبه «الاقتصاديون» أو ~~الفيزوقراطيون، الذين قدموا على نحو غير مسئول علاجات سياسية ساذجة، مبدين شغفا ~~بالمساواة ورغبة غير متحمسة للحرية. كان أبرزهم تيرجو، الذي لم يقدم مثل تلك ~~العلاجات، لكنه كان رجلا لديه «روح عظيمة» و«سمات عبقرية نادرة» ميزته عن كل ~~الآخرين، غير أنه كان هو الذي بحماقة نصح لويس السادس عشر في عام 1775، بأنه يمكن ~~بأمان أن يعطي الأمة لمحة من الحرية في شكل مجلس منتخب دون أن يعطي لهذا المجلس أي ~~سلطات. لقد روج الاقتصاديون لحدوث «استبداد ديمقراطي» وألهموا الاشتراكية التي عرفها ~~توكفيل في عصره، وبجعل الحرية وسيلة لتحقيق غرض آخر مثل المساواة أو الثروة، ساعدوا ~~الفرنسيين على فقدان رغبتهم فيها. قال توكفيل في الفصل المخصص للاقتصاديين إن «تلك ~~الرغبة السامية» هي الميزة التي تتميز بها «القلوب العظيمة» بخلاف «الأرواح العادية» ~~التي لم تحس بها قط. # لقد سبق هؤلاء الاقتصاديين اقتصاديون آخرون في القرن السابع عشر، وهوبز هو أبرزهم على ~~الإطلاق، لكن توكفيل تعامل معهم على أنهم اقتصاديون جدد؛ ربما تكون أفكارهم غير ~~جديدة، ولكنها أصبحت مناسبة لعصره. ذكر توكفيل أن المفكرين أصبحوا مؤثرين جدا، ~~لدرجة أنهم شكلوا نظرة الفرنسيين للحياة، معطين إياهم «تعليما فريدا». لقد أصبحت ~~الأمة الفرنسية مغتربة جدا عن شئونها، ومحرومة بشدة من التجربة السياسية بحيث ~~استسلمت بسهولة لتأثير هؤلاء. وحتى النبلاء أفسحوا المجال للكتاب الذين أصبحوا القوة ~~السياسية الأساسية، آخذين المكان الذي عادة ما يشغله رؤساء الأحزاب في الدول الحرة. ~~وعندما ظهر الثوار على الساحة، رددوا صدى نفس النظريات المجردة التي علق عليها ~~توكفيل قائلا إن «ما يعد فضيلة في الكاتب يكون عادة رذيلة في رجل ~~السياسة.» # تنطبق تلك ms094 الملحوظة على نحو خاص على الهجوم الذي شنه هؤلاء المفكرون على الكنيسة، ~~وهو أبرز سمة للتعليم الذي كانوا يقدمونه. لقد كانت الكنيسة تمثل التقليد والسلطة ~~والتسلسل الهرمي؛ كل شيء كان يعارضه المفكرون في السياسة. فهم لم يروا الكنيسة على ~~أنها حليف محتمل للحرية، كما فعل توكفيل، وإنما باعتبارها العقبة الأساسية أمام الثورة ~~والإصلاح السياسيين، لكن الكنيسة كانت بحلول القرن الثامن عشر قد فقدت كثيرا من ~~قوتها؛ فلم تكن تقمع الكتاب وإنما كانت تضيق عليهم فقط من خلال الرقابة التي لم ~~تكن فعالة، ومن خلال الاضطهادات البسيطة التي كانت تخيفهم فقط ولا تسكتهم. في واقع ~~الأمر، في ذلك الوقت كان المؤمنون، بحسب قول توكفيل، هم من يتم إسكاتهم؛ فالمفكرون ~~كانوا يريدون صحافة حرة من أجلهم هم فقط، حتى يعرضوا من خلالها أفكارهم الإصلاحية ~~المبسطة للغاية، وليس من أجل توفير الحرية للجميع؛ الحرية السياسية التي قد تعيق أو ~~تؤدي إلى معارضة خططهم. لقد كان هؤلاء ثوريين فقط في فكرهم ولم يؤمن أحدهم بالعنف، ولم ~~يكن لديهم مؤشر على أنه قد يحدث في المستقبل، ولم يكن يجول بخاطرهم أنهم قد يكونون ~~مسئولين عنه. لكن توكفيل اعتبرهم مسئولين عن الطابع الذي تميزت به الثورة التي حدثت، ~~ليس باعتبارهم أشخاصا أصحاب فكر، ولكن باعتبارهم سياسيين غير بارعين وجدوا أنفسهم في ~~فراغ سياسي وكان سمتهم الاندفاع غير عابئين، في الوقت الذي كان يتعين عليهم القلق ~~وتوخي الحذر. # عند الحديث عن المفكرين ونظرياتهم المجردة، اتفق توكفيل مع إدموند بيرك في الهجوم ~~عليهم، لكن موقفه تجاه الفلسفة كان مختلفا على نحو كبير، وغامضا في نفس الوقت، ~~مقارنة بموقف بيرك تجاهها؛ ففي حين أن بيرك هاجم الفلسفة في حد ذاتها في ذلك الوقت ~~حتى يعارض هؤلاء الذين كانوا يسمون أنفسهم مفكرين، ويستبدل بها بعد ذلك إيمانا مجددا ~~بالحكمة العملية، لزم توكفيل الصمت تجاه الفلسفة والأفكار الفلسفية في حد ذاتها، وكان ~~من آن لآخر يهاجمها نظرا لعدم جدواها العملية، مع تقديم إضافة جيدة للحكمة العملية. ~~كانت هذه الإضافة تتمثل في ms095 «العلم العظيم الخاص بالحكم»، الذي يعلمنا كيف نفهم ~~الحركات العامة التي تحدث في المجتمع، ونحكم على عقل الحشود ونتنبأ بما قد يحدث. وقد ~~قال إن أي أمريكي يمكن أن يقابله في الشارع سيعرف أن الدين مهم لأي مجتمع حر؛ لأن هؤلاء ~~الأقل معرفة ب «علم الحكم» يعرفون هذا جيدا، غير أنه لم يشرح مطلقا تلك الإشارات ~~المدهشة لعلم السياسة، تماما كما فعل في كتابه «الديمقراطية في أمريكا»، عندما لم يسهب ~~في الحديث عن «علم سياسة جديد ... لعالم مختلف تماما»، بدا أنه سيبشر به في البداية. إن ~~الإسهاب في عرض علم السياسة الجديد سيقلل من قدر ممارسة السياسة أو يسرق المشهد منها، ~~وقد يتعدى على حرية القارئ في التفكير بنفسه في الأمر. إن «الممارسة الخاصة بالمؤسسات ~~الحرة» هي التي تعلم بحق السياسيين فن السياسة. إن علم السياسية الخاص بتوكفيل ~~أبى بتواضع أن يكشف عن نفسه أو يبرزها بأي حال من الأحوال باعتبارها معلما ~~للسياسة. # في الجزء الثالث من كتاب «النظام القديم والثورة»، أعطى توكفيل لمحة عن علم السياسة ~~الخاص به، حينما عرض فرضيته الشهيرة التي تقول إن «أخطر لحظة بالنسبة إلى أي حكومة ~~سيئة، تأتي عادة عندما تبدأ في إصلاح نفسها.» فأي شعب سيتحمل الظلم دون اعتراض عندما ~~يبدو أنه لا مهرب منه، لكن عندما يرى فرصة للتحرر، سيصبح عديم الصبر ويتحول ~~للعنف. فقط في عام 1780، عندما كان هناك إصلاح يلوح في الأفق، ظهرت للنور «نظرية قابلية ~~الإنسان المستمرة وغير المحدودة لبلوغ الكمال.» جعلت تلك النظرية الشعب غير مبال ~~بالمتع الحالية، ودفعته باتجاه «أشياء جديدة». تبرز هنا نفس النظرية اللاعقلانية ~~الخاصة بالتقدم التي تم تناولها في كتاب «الديمقراطية في أمريكا»، والتي اعتبرت الآن ~~سببا للثورة في فرنسا. أثنى توكفيل على الثوار لإيمانهم «المدهش» بقوة الإنسان ~~وقابليته لبلوغ الكمال؛ فهم لديهم شغف بعظمة الإنسانية وإيمان بفضيلتها. لكن على ~~الرغم من أن قلوبهم كانت مخلصة، فإن عقولهم كانت مرتبكة بسبب إسقاط القوانين الإلهية ~~والانقلاب على القوانين المدنية. إن التقدم باتجاه القابلية لبلوغ الكمال ms096 يمكن أن يكون ~~ملهما، لكنه لا ينتهي أبدا؛ فالبشر بحاجة إلى علم سياسة ينظر للمجتمع باعتباره ~~كيانا كليا يكون للإنسان فيه مكان إذا أرادوا أن يستمتعوا بالحرية. # الفصل السادس # | فخر توكفيل # في ضوء انتقادات توكفيل للفلسفة، ربما يبدو وصفه بالفيلسوف أمرا ينطوي على نوع من ~~التناقض والتجاوز، لكنه وصف نفسه بأنه «ليبرالي من نوع جديد»، وأوضح معالم الليبرالية ~~الجديدة التي توصل إليها؛ ففي كتاب «الديمقراطية في أمريكا»، انتقد الفلسفة المادية ~~لتشجيعها على عادة الديمقراطية المتمثلة في عدم السعي وراء أي شيء سوى المتعة المادية، كما ~~انتقدها لحرمانها الديمقراطية من الإحساس بالفخر الذي يثيره الدين. في كتاب «النظام القديم ~~والثورة»، انتقد الفلسفة العقلانية لسعيها وراء نظم الإصلاح دون الاهتمام بالحرية. ليس من ~~الصعب النظر لهاتين الفلسفتين باعتبارهما جانبين من الفلسفة السياسية الحديثة التي تعد ~~أصل الليبرالية: المادية من أجل الإصلاح وليس الاستسلام لما هو حتمي، والعقلانية من أجل ~~التطور المادي للحياة بدلا من التأمل. استعرض توكفيل في كتابه «ذكريات» الإحساس بالفخر ~~الذي أراد أن يضيفه لليبرالية، إحساسه هو بالفخر الحزين بعض الشيء، أثناء تناوله للثورة ~~التي اندلعت عام 1848 في فرنسا، والتي شهدها وشارك فيها. إنه تناول لفشل الثورة، وليس ~~انتصارا للفخر. لكنه أيضا عرض تعليمي للفلاسفة الذين يظنون أنفسهم سياسيين، وللمواطنين ~~الذين سمحوا لهؤلاء الفلاسفة أن يكونوا مصدر إلهام بالنسبة إليهم. # هل كتب توكفيل كتابه «ذكريات» لنفسه فقط؟ # اختلف عمل توكفيل «ذكريات» عن عمليه الكبيرين السابقين اختلافا بينا، وقد تم ~~تأليفه فيما بين هذين العملين في عامي 1850 و1851. في البداية، قال إنه «أبعد ~~مؤقتا عن مسرح الشئون السياسية»، وإنه لم يعد قادرا على الاستمرار في أي دراسة ~~بسبب متاعب صحية. في أكتوبر من عام 1849، أجبر على الاستقالة من منصبه باعتباره ~~وزيرا للشئون الخارجية، وهو أعلى وآخر منصب تقلده في مجال السياسة؛ استمر فيه لمدة ~~خمسة أشهر فقط، ثم في مارس من عام 1850، تقيأ دما للمرة الأولى، وكانت هذه علامة ~~على المرض الذي أودى بحياته بعد ذلك بتسعة أعوام. لقد ms097 أصبح وحيدا في تلك الفترة «وسط ~~حالة من العزلة»، وذلك بحسب تعبيره الدرامي مستخدما أسلوب روسو، وقد قرر استعراض ~~أحداث ثورة عام 1848 وتصوير الأشخاص الذين رآهم يشاركون فيها. لم يكن من المفترض أن ~~يكون هذا العمل «عملا أدبيا» مثل عمليه الآخرين اللذين كانا مكتوبين للجمهور؛ فقد ~~كان عملا بحسب قوله مخصصا لنفسه فقط . لم يعرض توكفيل في واقع الأمر عمله هذا إلا ~~على بعض الأصدقاء، ولم ينشر في حياته، لكنه نشر فقط في عام 1893 من خلال الإذن بذلك ~~الذي نص عليه في وصيته. # قال توكفيل إن هذا العمل سيكون بمنزلة «مرآة» يرى من خلالها معاصريه ونفسه، ليس ~~باعتباره «لوحة» مقدمة للناس يمكنهم الاطلاع عليها؛ فقد كان هدفه الوحيد هو الحصول ~~على «متعة فردية» لنفسه، و«التأمل المنفرد» للوحة حقيقية للمجتمع، ورؤية «الإنسان من ~~خلال حقيقة فضائله ورذائله من أجل فهم طبيعته والحكم عليها.» وحتى تكون كلماته صادقة، ~~يجب أن يجعلها «خفية بالكامل». هذا تمييز واضح بين نظره في المرآة، وهو الأمر الذي ~~سيفعله، وبين تصوير الآخرين، وهو الأمر الذي لن يفعله. وعلى الرغم من ذلك، قال بالفعل ~~إنه سوف يصور الرجال الذين رآهم، وفي الفقرة التالية تحدث ثانية عن الأحداث التي ~~أراد تسليط الضوء عليها. علاوة على ذلك، في باقي الكتاب، أخذ «يصور الرجال والأحداث ~~مستخدما أسلوبه الشديد البراعة، ولم يكن يكتب على الإطلاق لمتعته الشخصية فقط.» وعلى ~~الرغم من أنه في أحد الخطابات وصف عمله بأنه نوع من «أحلام اليقظة»، فقد تحدث بالفعل ~~مع آخرين شاركوا في الثورة، وراجع الوثائق حتى يتأكد من صحة عمله. السؤال: لماذا ~~تلك المراوغة في الحديث عن الجمهور المستهدف من عمله؟ # يعد عمل توكفيل «ذكريات» في واقع الأمر لوحة، لكن للجيل التالي؛ فسمته المميزة ~~تتمثل في تصويره الرائع للعديد من الشخصيات، بخلاف عمليه الآخرين، اللذين درسا ~~الأسباب وذكرا الشخصيات فقط لتوضيح التعميمات. هنا، وبدءا من التحليل اللاذع للملك ~~لويس-فيليب، يستعرض القارئ لوحات بارزة وساخرة، واحدة بعد الأخرى للشخصيات ليس ~~باعتبارهم متحكمين في سير ms098 الأحداث، وإنما باعتبارهم ضحية لأخطائهم، وفي بعض الأحيان ~~لفضائلهم؛ ولم يسلم من العرض أسرته (أخت زوجته)، ولا صديقه (جيه جيه أمبير)، وقرب نهاية ~~الكتاب انتقد بشدة الرئيس لويس نابليون (الذي سرعان ما أصبح الإمبراطور)، معتبرا ~~إياه متآمرا قديما ومحبا شديدا للمتع السهلة. إن نشر تلك الأشياء أثناء حياته ~~يعد نوعا من الطيش الذي ربما كلفه حريته، لكنه بتسجيله لها للأجيال التالية ~~استطاع أن يوضح كيف تكون طبيعة السياسة العملية. في عمليه «الديمقراطية في أمريكا» ~~و«النظام القديم والثورة»، أثنى على ممارسة الحرية السياسية؛ إنه يوضحها هنا وهي محل ~~التطبيق، أو بالأحرى يشير إلى عدم تحققها في فرنسا. # الأكثر من ذلك أن توكفيل أظهر نفسه وهو يعمل، أو بالأحرى وهو يفشل؛ فهو نفسه كان ~~مفكرا في مجال السياسة، تماما مثل المفكرين الذين هاجمهم في كتابه «النظام القديم ~~والثورة». إنه يوضح الآن إلى أي مدى يمكن أن يذهب المفكر في محاولته توجيه ~~السياسة، ومقدار اعتماده على الصدفة، ومدى اعتماده الكبير على التعاون مع الأشخاص ~~العاديين الذين يجب أن يعمل معهم. هذا هو جانب «المرآة» في العمل الذي يعمل في تناغم، ~~لكن أيضا في تعارض، مع جانب تصويره للشخصيات والأحداث؛ فهو عندما ينظر لنفسه، يرى ~~رساما منخرطا في السياسة ويعلوها باعتباره معلما. في نهاية كتاب «الديمقراطية في ~~أمريكا»، قال إنه سعى للنفاذ إلى وجهة نظر الرب حتى يوازن بين النظامين الديمقراطي ~~والأرستقراطي. لكنه قال أيضا إن الرب، بخلاف البشر، يرى الأحداث الفردية والتعميمات ~~أيضا. إن توكفيل ينظر هنا إلى الإنسانية من منظور الفردية؛ حيث إن الأحداث فردية لأن ~~الأفراد مختلفون؛ فالفيلسوف السياسي، شأنه شأن المفكرين في فرنسا في القرن الثامن عشر، ~~يميل للاعتقاد بأن الحقائق العامة يمكن تطبيقها على نحو منهجي لإحداث تطور دائم في شئون ~~البشر؛ لذا فإن حقيقة عامة يمكن أن توجب الطاعة من ظروف معينة، وتجبر هذه الظروف على ~~تنفيذ ما تريد. # شكل 6-1: لوحة رسمها توكفيل لنفسه عندما كان وزيرا للشئون الخارجية، ~~وزميله لونجوينيه عندما كان وزيرا للتجارة، وهما مقيدان ms099 بنير ~~الوزارة. # أشار توكفيل في كتابه «ذكريات» إلى أن تلك الطاعة لن تحدث، وقد ضرب مثالا على هذا من ~~واقع ثورة عام 1848 في فرنسا؛ حيث أراد باعتباره مفكرا أو فيلسوفا أن يسيطر على ~~الأحداث، لكنه لم يكن قادرا على ذلك. بالطبع، عارض توكفيل المنظرين، وفي مقدمتهم ~~الاشتراكيون، الذين كانوا يريدون تلك الثورة، ولم يزعم أنه كان يمثل «الفلسفة» أو أي ~~شيء آخر في واقع الأمر غير نفسه، لكنه بمعارضته للثورة، اضطلع بدور المعارض للفيلسوف، ~~الذي يكشف عن ضلال الفلاسفة المتغطرسين. أسقطت ثورة عام 1848 النظام الملكي ~~للويس-فيليب، وهي نتيجة عارضها توكفيل عبثا، ثم تم إنشاء جمهورية أضعفها التحزب، ~~وقد انضم لحكومتها بدافع المسئولية ولكن دون حماس. بعد ذلك، تم إسقاط تلك الجمهورية ~~على يد لويس نابليون في عام 1851، الذي أعاد تأسيس إمبراطورية نابليون، التي أصبحت ~~حينها استبدادا ديمقراطيا هادئا يجمع بين مركزية الإدارة والغطرسة البرجوازية. لم ~~يحقق ثوار ثورة عام 1848 ما كانوا يريدونه، وهكذا الحال بالنسبة إلى توكفيل؛ فقد رأى ~~أسوأ المخاوف التي توقعها وقد تحققت أمام عينيه، وكان قريبا على نحو كاف من ~~الأحداث الحاسمة، بحيث لم يستطع تقديم النموذج الخاص به المتعلق بعجز المفكرين. ~~وبعدم نشر توكفيل ذكرياته هذه عن تلك الأحداث إلا بعد فترة طويلة، سمح لنا بالنظر داخل ~~عقله وبإصدار حكم مثله؛ حيث تتكشف أمامنا تلك الأحداث من خلال تعليقات بديهية هدفها ~~إرضاء جمهور من المعاصرين. # أعطى توكفيل مثالا جوهريا على فشل نصحه، وعلى الرغم من أنه كان بالكاد مناصرا ~~للنظام الملكي، فإنه كان يعتقد أنه من الأفضل لفرنسا أن تبقي على نظام ملكي دستوري ~~بمجلس تشريعي منتخب، من أن تخاطر بإنشاء جمهورية برئيس منتخب؛ الأمر الذي سيمهد ~~الطريق لوجود خليفة لنابليون، وهو الشيء الذي حدث بالفعل، وقد تم إسقاط النظام الملكي ~~من خلال هجوم عنيف على المجلس التشريعي (مجلس النواب) من قبل حشد مسلح من الغوغاء ~~في 24 فبراير من عام 1848. أعطى هذا الحدث شرعية لحق أي حشد في باريس في القيام ~~بأعمال ms100 عنف باسم الشعب الفرنسي، واستخدام العنف الثوري ضد الدستور، وهذا ما دفع لاحقا ~~الطبقة الوسطى والفلاحين - كرد فعل لهذا - لدعم لويس نابليون من أجل حماية أملاكهم ~~من هذا التهديد. # شكل 6-2: حشد من الناس يقتحمون حصنا أثناء ثورة عام 1848 في فرنسا. ~~تنبأ توكفيل بتلك الثورة وعارضها أيضا، لكنه لم ينجح في ~~منعها. # كان توكفيل، الذي كان عضوا في مجلس النواب، هناك في ذلك اليوم، وحكى القصة في كتابه ~~«ذكريات»؛ قائلا إنه مع احتشاد جمع من الناس، بحث حوله عن شخص يمكن أن يحاول تهدئة ~~هذا الجمع، ووقع اختياره على ألفونس دي لامارتين، الشاعر والمؤرخ، الذي كان في تلك ~~اللحظة أشهر سياسي في المجلس. ذهب توكفيل إليه وهمس في أذنه، وقال له إنهم سيهلكون إذا ~~لم يخطب في الناس، لكن لامارتين رفض؛ فلم يكن ليفعل شيئا يمكن أن ينقذ النظام الملكي ~~أو يضر بشعبيته، لكنه تحدث لاحقا لكن بعد فوات الأوان، وكانت فرصة إنهاء الأزمة قد ~~ضاعت؛ فقد وصلت مجموعة صغيرة من أفراد الحرس الوطني، وذلك بحسب قول توكفيل، متأخرة ~~أيضا نصف ساعة. كان توكفيل في المكان الذي كان يجب أن يكون فيه، لكن لم يؤخذ ~~بنصيحته، والنتيجة التي ترتبت على ما حدث «غيرت مصير فرنسا». ربما تكون هذه القصة ~~مختلقة على نحو ما، لكن لغرض معين؛ فهي تكشف القيود على النصائح الخاصة بعلماء ~~السياسة، ومحاولات الإصلاح الممكنة وفضائل الحرية السياسية. في كتابي توكفيل الآخرين ~~المنشورين، أثنى على إنجازات السياسة في أمريكا واستنكر عدم حدوثها في فرنسا، لكن ~~العمل الذي لم ينشر في حياته انتهى بعبارة ساخرة تقول إنه بعد تحقيق نجاحين صعبين في ~~مجال الشئون الخارجية، سقطت الوزارة التي كان وزيرا بها. في هذا العمل، كشف توكفيل ~~عن القيود المفروضة على السياسة وأهمية الحرية السياسة، لكن بعد فترة طويلة. # الاشتراكية # لم يترك توكفيل الحديث عن الديمقراطية في كتابه «ذكريات»، وذكر أنه بكتابته هذا ~~العمل كان يريد أن «يحتفظ بحرية التصوير (الرسم) دون تملق»، وحيث إنه لم يثن على ~~عدالة ms101 الديمقراطية في هذا العمل كما فعل في كتابه «الديمقراطية في أمريكا»، فربما ~~نستنتج أنه كان يتملق الديمقراطية في هذا العمل. وعندما كشف عن الأسلوب المنمق ~~التافه للحوار السياسي في أمريكا، قارنه بقوة «خطيب عظيم يناقش أمورا عظيمة في مجلس ~~ديمقراطي»، لكنه اعترف في هذا العمل قائلا: # أعرف دائما أن الأشخاص العاديين، وكذلك الأشخاص ذوو المكانة، لهم أنف وفم ~~وعينان، لكنني لم أستطع قط أن أثبت في ذاكرتي الشكل المحدد لتلك الملامح ~~لكل واحد منهم؛ فأنا أسأل باستمرار عن أسماء هؤلاء الأشخاص غير المعروفين لي، ~~الذين أراهم كل يوم وأنساهم باستمرار ... أنا أحترمهم لأنهم يقودون العالم، ~~لكنهم يشعرونني بملل شديد. # هذا ليس موقف سياسي راغب في إرضاء الآخرين أو قادر على ذلك؛ فوراء هذا الازدراء ~~غير المقصود يكمن حكم توكفيل المتمثل في أن «الاشتراكية ستظل الطابع الأساسي وأكثر ~~الذكريات المخيفة» لثورة عام 1848؛ فلفترة طويلة، كان الناس يكتسبون قوة، وكان من ~~المحتم، إن عاجلا أو آجلا، أنهم سيدخلون في مواجهة مع امتياز الملكية باعتباره ~~العائق الأساسي أمام المساواة. سيبدو أن الاشتراكية تمثل المرحلة التالية للثورة ~~الديمقراطية التي جعلها توكفيل الموضوع الأساسي في كتابه «الديمقراطية في أمريكا»؛ ~~فتقييمه لثورة عام 1848 على أنها اشتراكية، يتعارض على نحو ملحوظ مع حكم كارل ماركس في ~~كتيبه «الانقلاب الثامن عشر من برومير للويس نابليون» (1852)؛ حيث أدان ماركس ~~الثورة باعتبارها مهزلة برجوازية رخيصة. كان ماركس مجبرا على تضمين خيبة أمله في ~~نظريته عن التاريخ، وهو الأمر الذي فعله بملاحظة أن التاريخ عندما يكرر نفسه (كما قال ~~مرجعيته هيجل)، يكون الأمر بمنزلة مهزلة بعد مأساة. لقد كانت المأساة هي الثورة ~~الفرنسية التي قامت في عام 1789، ولم يقصد ماركس بالمأساة عهد الإرهاب في عام 1793، ~~وإنما أحداث ثيرميدور التي كانت رد فعل لها. أتبع توكفيل تقييمه بتأمل معاكس عن ~~الازدراء العام للاشتراكية في عام 1848، قائلا إنها قد تعود ثانية لأن المستقبل ~~منفتح أكثر مما يتخيل الناس الذين يعيشون في كل مجتمع. لقد كان بالطبع يعتبر ~~الملكية، خاصة الملكية البرجوازية العادية، ms102 ضرورية للحرية السياسية، في حين كان ماركس ~~ضدها، فقط لأنها كانت تدعم وهم الحرية السياسية. # إن الاشتراكية بالنسبة إلى توكفيل مزيج من شغف لدى الناس وأوهام لدى مفكرين، لديهم ~~«معتقدات بارعة وخاطئة»، وسيهاجم توكفيل جيلا لاحقا منهم في كتابه «النظام القديم ~~والثورة». تتمثل الروح الأدبية في السياسة في تحديد ما هو بارع وجديد أكثر مما هو ~~حقيقي، وتفضيل الشيء الجذاب على الشيء المفيد، وإبداء التأثر بالأشخاص الذين ~~يتصرفون ويتحدثون على نحو جيد، بغض النظر عن عواقب تصرفاتهم، واتخاذ القرار على ~~أساس الانطباعات وليس الأسباب؛ كل الأمور التي وجدها في صديقه عالم الأدب أمبير، وربما ~~كان سيراها في شخصية ماركس الأكثر فظاظة. # إن أوهام المعتقدات، السخيفة في حد ذاتها، ضارة في الواقع العملي، غير أن توكفيل كان ~~لديه إعجاب كبير بهؤلاء الذين قد يثورون أكثر من منظري الثورة غير المكترثين؛ فبجانب ~~الشخصيات العديدة التي «رسمها» في كتابه «ذكريات»، قدم لوحة من بيته رسم فيها ~~حارس بيته (لم يذكر اسمه) وخادمه أوجين. كان حارس بيته جنديا سابقا ذا سمعة سيئة ~~في المنطقة، وكان شخصا مخبولا صغير الحجم، لا فائدة منه، وكان الوقت الذي لا يضرب فيه ~~زوجته يقضيه في الحانة؛ باختصار، كان اشتراكي المولد أو الطبع. وفي أثناء ثورة يونيو ~~1848، أخذ هذا الرجل ذات يوم يتجول في المنطقة وبيده سكين مهددا أن يقتل بها توكفيل ~~عندما يراه، لكن عندما عاد توكفيل في المساء، لم يفعل الحارس أي شيء، وأوضح أنه لم ~~يكن ينوي أي شيء مطلقا. أشار توكفيل إلى أن الناس في أوقات الثورات يفتخرون بجرائمهم ~~المتخيلة تماما كما يفتخرون في الأوقات العادية بأفعالهم الخيرة المتخيلة. على ~~الجانب الآخر، كان أوجين جنديا في الحرس الوطني، وقد استمر بهدوء شديد في أداء مهام ~~عمله باعتباره خادما أثناء الخدمة في الجيش الذي قام بقمع الثورة؛ لم يكن أوجين ~~فيلسوفا، لكن كانت لديه رصانة الفلاسفة؛ ولم يكن كذلك اشتراكيا، لكن لو كانت ~~الاشتراكية انتصرت، لكان سيصبح واحدا من أتباعها بسبب اتزانه وسهولة تكيفه. إن ~~تحقيق ms103 الاشتراكية يحتاج إلى جرأة ستختفي في كنف هذه الاشتراكية. # إن قيام ثورة عام 1848 لم يكن مقصودا من قبل المنظرين الذين دعت نظرياتهم ~~لإصلاح لم يكن من الممكن تحقيقه إلا من خلال الثورة، ولم يتوقعها حتى أحد سوى توكفيل ~~في بيان في أكتوبر من عام 1847، وفي خطاب تحذيري في مجلس النواب في 27 يناير من عام ~~1848، قبل شهر من وقوع الثورة . تعجب توكفيل قائلا: «ألا تشعرون - لنقل - بنسيم ~~الثورة في الهواء؟» ميز توكفيل - متناولا في هذا الكتاب أحد الموضوعات التي ~~استعرضها في كتابيه الآخرين - بين الأسباب العامة والحوادث العارضة الخاصة، ووجد ستة ~~من كل منهما فيما يتعلق بتلك الثورة. ركز المفكرون على الأسباب العامة، خاصة ~~تلك «المعتقدات المطلقة» التي قال إنه يبغضها، والتي وصفها بأنها «محدودة في عظمتها ~~المزعومة، وخاطئة فيما يتعلق بحقيقتها الرياضية.» وعلى النقيض، أرجع السياسيون ~~الذين كانوا يعيشون وسط الأحداث اليومية، كل شيء للحوادث العارضة التي كانوا جزءا ~~منها؛ ذكر توكفيل أن العديد من الحقائق التاريخية حدث بالصدفة أو بمزيج من الأسباب ~~الثانوية التي ترقى للصدفة، لكنه أكد أن الصدفة لا تصنع أي شيء لم يتم إعداده ~~مسبقا. ربما يمكن توقع هذا الإعداد فيما يتعلق بالأسباب العامة، فقط من قبل ~~عبقري مثل توكفيل، ليس بسبب تبصره الخارق، ولكن بسبب أن بصيرته المدهشة لم يشوش ~~عليها وهم أي معتقد يختصر كل الأسباب والصدفة في نظرية خاصة به، كما لو كان هو ~~مسئولا عن الكون. إن الروح الأدبية في السياسة هي روح مستبد، وأفضل شيء لمواجهتها هو ~~عناد الحقيقة مدعوما بعدم قابلية الصدفة للتنبؤ. # الصدفة والعظمة # يمكن للفضيلة البشرية أن يكون لها دخل في أفعال الإنسان بقدر ما تسمح به الصدفة، حيث ~~إن الصدفة تكون السبب في كل الأفعال فيما عدا تلك التي تكون نتاج الفضيلة البشرية، ~~والتي تتطلب نطاقا للفعل؛ فعندما يقوم الشخص الفاضل بفعل، فإنه يستبدل ما قام به بما ~~كان سيحدث بالصدفة أو بالأفعال العادية للأشخاص غير الفضلاء؛ لذا، فإن الفضيلة لديها ~~هدف «إبعاد» عامل الصدفة، ms104 وذلك كما قال توكفيل في كتابه «الديمقراطية في أمريكا». لكن ~~الفضيلة تقتضي ضمنا وجود الصدفة حتى يمكن أن تحل محلها؛ في النظريات العلمية الحتمية ~~التي رفضها توكفيل، لا يوجد مجال للفضيلة ولا للصدفة؛ فالفضيلة لا تصبح فضيلة إذا كان ~~الشخص مجبرا على القيام بها، بل يجب أن يقوم بها طوعا؛ فالشخص الفاضل يجب أن يكون ~~حرا؛ فالفضيلة أفضل مؤشر على الحرية لأن الاستخدام السيئ للحرية - على سبيل المثال: ~~فساد الحكومة الفرنسية تحت حكم لويس-فيليب - من المرجح أنه كان مفروضا ولم يتم طوعا، ~~كما هو الحال في نفس هذا المثال فيما يتعلق بالشغف بالمتع المادية الذي اتسم به هذا ~~النظام. # غير أن توكفيل لم يكن أحد دعاة الفضيلة، الذين يروجون لها باعتبارها الحرية ~~الحقيقية الوحيدة؛ فليبراليته الجديدة لم تتبع الاعتقاد الذي اعتنقه كانط، والمتمثل في ~~وجود قانون أخلاقي عام ومطلق يوفر الحرية ويضمنها. فعندما تأمل توكفيل أشخاصا ~~فعليين في عمله «ذكريات»، انبهر بحدود الفضيلة البشرية؛ فهي في المقام الأول فريدة ~~ومنقسمة إلى فضائل عامة وخاصة بحيث قد يتحلى الفرد بمجموعة منهما دون أخرى، حتى لو ~~تعارضت إحداهما مع الأخرى. تعد الأمانة أكثر الفضائل توافرا، لكن عندما تكون ~~هناك حاجة إلى الفعل، قد يصبح «وغد جريء» أفضل من شخص أمين. إن الديمقراطيين كثيرا ما ~~يمزجون بين «الهراء» وأمانتهم. اكتشف توكفيل أن السيدة دي لامارتين امرأة ذات «فضيلة ~~حقيقية»، لكنها إلى جانب فضيلتها «أضافت تقريبا كل النقائص التي يمكن أن تكون ~~متضمنة فيها، والتي إن لم تتغير فإنها ستجعلها أقل قبولا.» في كتابه «الديمقراطية في ~~أمريكا»، قال إن «فكرة الحقوق ليست سوى فكرة الفضيلة» في السياسة، لكنه لم يتناول ~~مسألة الحقوق في عمله «ذكريات». # بدلا من ذلك، تناول توكفيل التمييز بين ما هو عادي وما هو عظيم؛ فقد كان النظام ~~الملكي البرجوازي الذي تمت الإطاحة به، والجمهورية الاشتراكية التي كانت بمنزلة مصدر ~~تهديد ولم تتحقق قط، والإمبراطورية النابليونية الثانية كلها أمثلة على انتصار ما هو ~~عادي على ما هو عظيم. تعد العظمة عبر ms105 كل أعمال توكفيل مصدر إلهام للحرية، ويمكن ~~القول إنها هي السمة الأساسية لليبراليته التي «من نوع جديد». إن الرغبة في العظمة هي ~~الدافع الذي يبرر ويعلي من شأن الوطنية الديمقراطية، وحتى النظم الإمبريالية ~~والاستعمارية الديمقراطية. # لقد زاد الاهتمام مؤخرا بكتابات توكفيل عن الجزائر التي تؤيد الإمبريالية الفرنسية، ~~وهو موقف يعتقد أنه أساء لسمعته باعتباره صديقا للديمقراطية؛ لكنه أيد الاستعمار ~~الفرنسي للجزائر (بالطبع دون استخدام أسلوب الرق)، باعتباره تعبيرا عن رغبة في العظمة ~~تعد ضرورية للإعلاء من شأن الديمقراطية فوق ادعاء المساواة العالمية العادية. ~~اتفق توكفيل مع صديقه جون ستيوارت ميل على أن «الحضارة» أفضل من «الهمجية»، على الرغم ~~من أنهما ربما قد يختلفان حول ما إذا كانت تلك الأفضلية يمكن أن تذهب إلى حد تبرير ~~الاستبداد، كما قال ميل في كتابه «عن الحرية». غير أن علو مكانة الأمم الديمقراطية ~~والعظمة الناتجة الخاصة بالوطنية الديمقراطية يشيران لاحتمال حدوث الاستعمار، إذا كان ~~أي من تلك الأمم تسعى ل «نشر التحضر» (وهي عبارة ليست خاصة بتوكفيل). يتمثل الحل ~~اليوم في إسقاط الفارق بين الحضارة والهمجية؛ ومن ثم تحويل الحضارة إلى «ثقافة»؛ ~~فالثقافات كلها متساوية؛ ومن ثم فإن فكرة التعددية الثقافية اليوم ليست لديها ما ~~تقوله عن العظمة. وهي بذلك تصبح قريبة من العولمة، وهما مفهومان غير سياسيين في سعيهما ~~لتجاوز التقسيمات السياسية؛ ومن ثم معارضان لإصرار توكفيل على الحرية السياسية؛ حيث ~~إنهما يتطلبان كيانات سياسية مختلفة. وبقدر ما تكون الرغبة في العظمة هي مصدر إلهام ~~للحرية السياسية، فإنها تخاطر ببدء مشروعات هدفها صالح الآخرين في الوقت الذي قد يفضل ~~فيه المنتفعون منها السعي من أجل صالحهم هم فقط. # إذا كان توكفيل ليبراليا من نوع جديد لأن عينه كانت تركز دائما على العظمة ~~الإنسانية، فما الداعي لاعتباره ليبراليا من أي نوع من الأساس؟ أليست العظمة ~~أرستقراطية الطابع على نحو حتمي بحيث لم يكن هو بالفعل ليبراليا على الإطلاق مع ~~وضع العظمة دائما في اعتباره، فضلا عن مدى كونه ديمقراطيا من عدمه؟ للإجابة على هذا ms106 ~~السؤال، يمكن أن نقارنه بأرسطو الذي لا يمكن أن نتهمه بأنه كان ليبراليا؛ فتوكفيل ~~اتفق مع أرسطو على أن الإنسان بطبيعته حيوان سياسي. إنه لم يكرر قط تعريف أرسطو، ~~لكنه على نحو واضح لم يشر للبديل الليبرالي له، الذي ذكر أولا في أفكار هوبز الذي ~~قال إن الإنسان بطبيعته حر، ويدخل السياسة بموافقته فقط على الخضوع لحاكم مصطنع. كيف ~~اختلف إذن عن أرسطو؟ # يمكن رؤية اختلافه على وجه الدقة في فكرة العظمة الإنسانية التي طورها باعتبارها ~~مختلفة عن الفضيلة والخيرية الإنسانية عند أرسطو. يرى أرسطو أن الفضيلة هي السائدة؛ ~~لأن أي شيء نسعى إليه نحن البشر «نعتقد» أنه فضيلة، ووسع أرسطو تلك النظرة الإنسانية ~~لتشمل كل الطبيعة. لكن سيادة الفضيلة هي الأمر الذي أنكره هوبز، أول المفكرين ~~الليبراليين؛ فهو يفترض أننا جميعا نرغب في الحفاظ على الذات، وهي الفضيلة التي نشترك ~~فيها جميعا، لكننا نستخدم تلك الفضيلة بطرق مختلفة لنسعى وراء فضائل نختلف في ~~اعتقادنا بفضيلتها؛ فلا توجد فضيلة تعد أسمى الفضائل، ولكن هناك تمييزا فقط بين ~~الفضيلة الأدنى العامة - وهي الحفاظ على الذات - والفضائل المختلفة التي نسعى وراءها ~~بحسب اعتقادنا. في السياسة، يؤدي هذا إلى التمييز الليبرالي الجوهري بين الدولة من ~~جهة، التي تضمن فضيلة حفظ الذات، وبين المجتمع من جهة أخرى حيث نختلف ونعيش في وضع ~~نطلق عليه اليوم التعددية. # اتبع توكفيل هذا المسار الليبرالي، مقتديا بهوبز ومختلفا عن أرسطو والفكر السياسي ~~التقليدي بوجه عام، لكنه اتفق مع أرسطو فيما يتعلق بالروح، وتحدث عن «الأرواح ~~المنحطة»؛ فالليبرالية تهاجم الروح لأنها تجمع بين الفضيلة الأدنى المتمثلة في حفظ ~~الذات، والهدف الأسمى المتمثل في عيش حياة خيرة. إن الروح المنحطة ستكون تلك التي على ~~مسافة كبيرة من الحياة الخيرة، وتلك رؤية مختلفة تماما عن الرؤية الليبرالية التي ترى ~~أن النفس قد اتخذت فحسب اختيارها بالعيش بحسب ما ترغب، وأن قيمتها لا يمكن قياسها من ~~خلال تصور واحد يزعم أنه صحيح ويتمثل في الحياة الخيرة. لكن بدلا من الحديث عن ~~«الحياة ms107 الخيرة»، تحدث توكفيل عن «العظمة». ما الفارق الذي يحدثه هذا؟ # لا توجد العظمة في الطبيعة لكنها تنسب خصوصا للبشر من جانب البشر أنفسهم؛ فهي تشير ~~للعظمة من وجهة نظر البشر، أو كما سماها توكفيل «العظمة الإنسانية». إنها جزئيا ~~متغيرة واختيارية، لكن التطلع للعظمة وحبها متأصلان في الطبيعة الإنسانية؛ فالبشر ~~فقط هم الذين يصدرون أحكاما تتعلق بما أو من هو مهم ، والعظمة تمثل ما يعتقد البشر ~~أنه مهم. وهي تختلف عن العديد من الأشياء التي هي مفيدة فقط، وتعد خيرة؛ ومن ثم ~~تمثل جزءا من «الفضيلة»، لكن ربما تكون غير مهمة. إن العظمة ممكنة دون فضيلة، كما ~~قال توكفيل عن نابليون إنه «كان عظيما بالرغم من أنه كانت تنقصه الفضيلة.» لكن مع ~~امتلاك المرء الفضيلة، يمكن أن يصبح أكثر عظمة، لكن الفضيلة نادرة، والعظمة كذلك ~~نادرة جدا، ولكن نظرا لكونها تمثل ما يعتقد البشر أنه مهم، وهو الأمر الذي يفعلونه ~~بطرق متعددة وأحيانا متعارضة، فهي أكثر تنوعا من الفضيلة؛ ومن ثم هي تتناسب أكثر ~~مع الحرية السياسية؛ فكل البشر لديهم تصور عما هو عظيم، وهو الشيء الذي يطمحون ~~إليه. لكن لا يوجد توحد أو اتفاق ضروري فيما يتعلق بما هو «عظيم»، كما هو الحال فيما ~~يتعلق بما هو «فضيلة»؛ وهذا هو السبب في رفض سيادتها من قبل المفكرين الكلاسيكيين. ~~والعظمة هي أيضا نتاج التطبيق وليس النظرية؛ فعندما وصف أرسطو الرجل ذا الروح العظيمة، ~~كان يتحدث عن مجال الفضيلة الأخلاقية في الجانب التطبيقي منه، في مقابل الفضيلة ~~الفكرية الخاصة بالفلاسفة؛ فالفلاسفة ربما يكون لديهم تصور متعلق بالعظمة الخاصة بكل ~~الطبيعة، لكنهم قد يستخدمونه في التقليل من شأن الأشياء التي يعتبرها معظم الناس ~~عظيمة. لم يختلف توكفيل مع رأي معظم الناس فيما يتعلق بتلك النقطة؛ فعدم ثقته في ~~الفلسفة تظهر في إصراره على العظمة؛ فربما كانت لديه فلسفة خفية قريبة على نحو ما ~~من فلسفة أرسطو لتبرير تجاهله الفلسفة، وربما يكون هدف هذه الفلسفة الدفاع عن ~~السياسة، لكنه في الغالب كان يعتقد أنه ms108 من الضروري الدفاع عن السياسة من خلال الهجوم ~~على الفلسفة؛ حيث إن الفلسفة الليبرالية التي كان يعرفها كانت تعد في ذلك الوقت ~~الخطر الأكبر على الحرية والليبرالية. # | المراجع # المقدمة # For the phrase “new kind of liberal,” see AT’s letter to Eugène ~~Stoeffels, July 24, 1836, and for analysis of it, see Roger Boesche, # The Strange Liberalism of Alexis de Tocqueville ~~(Ithaca, NY: Cornell University Press, 1987). On AT’s influence, see Raymond ~~Aron, # Main Currents in Sociological Thought, # vol. 1 (New Brunswick, NJ: Transaction Publishers, 1998, orig. 1967), François ~~Furet, # In the Workshop of History, # chap. 10 ~~(Chicago: University of Chicago Press, 1984). Translations of AT’s # Democracy in America ~~, (hereafter # DA ~~): Harvey C. Mansfield and Delba Winthrop, trans. ~~and eds. (Chicago: University of Chicago Press, 2000), and Arthur Goldhammer, ~~trans. (New York: Library of America, 2004). Many of his letters can be found ~~translated in Roger Boesche, ed., # Alexis de Tocqueville: ~~Selected Letters on Politics and Society ~~(Berkeley: University of ~~California Press, 1985). A sampling of current scholarship on AT is in # The Cambridge Companion to Tocqueville ~~, ~~Cheryl B. Welch, ed. (New York: ~~Cambridge University Press, 2006). # الفصل الأول # The soundest biography of AT is André Jardin, # Tocqueville, A Biography ~~(New York: Farrar, Straus ~~and Giroux, 1988); more recent is Hugh Brogan, # Alexis de ~~Tocqueville, A Life ~~(New Haven, CT: Yale University Press, 2007). ~~On the “great lottery of paternity,” see AT’s letter to his brother Edouard, ~~September 2, 1840, and the somewhat different view in his letter to Louis de ~~Kergorlay, November 11, 1833. On his own ambition, see AT’s letter to Mme. ~~Swetchine, February 26, 1857. On AT’s trip to America, see his notes in # Journey to America ~~, ed. J. P. Mayer ~~(London: Faber & Faber, 1959), and the classic study of George W. Pierson, # Tocqueville and Beaumont in America ~~(New York: Oxford University Press, 1938). On mixing history and philosophy, see ~~AT’s letter to Kergorlay, December 15, 1850. # الفصل الثاني # Quotations ms109 follow the text in # Democracy in America # from the introduction through pt. 1 of vol. ~~1, then into pt. 2. The quotation on trading small virtues for the vice of pride ~~is at # DA # vol. 2, pt. 3, chap. 19, and the one ~~on the “two distinct humanities” is at # DA # vol. 2, pt. 4, chap. 8. On the writing of # Democracy in ~~America ~~, see James T. Schleifer, # The ~~Making of Democracy in America, # 2nd ed. (Indianapolis, IN: ~~Liberty Fund, 2000). Pierre Manent, # Tocqueville and the ~~Nature of Democracy ~~(Lanham, MD: Rowman & Littlefield, ~~1996), is the best overall study of the book, and Sheldon S. Wolin, # Tocqueville between Two Worlds ~~(Princeton, NJ: Princeton University Press, 2001) is an indispensable critique of AT. Careful ~~readers will want to verify in the original texts the generalizations offered in ~~this chapter about the liberalism of Hobbes and Locke, and in particular to ~~explore the function of mores as argued in two of AT’s favorite predecessors, ~~Montesquieu (in the # Spirit of the Laws ~~, bk. ~~3, chap. 19) and Rousseau (in the # Social Contract ~~, bk. 2, chap. ~~12). # الفصل الثالث # Quotations are from pt. 2 of vol. 1. On AT’s liberalism, see Pierre ~~Manent, # An Intellectual History of ~~Liberalism, # chap. 10 (Princeton, NJ: Princeton University Press, ~~1996). On AT’s discussion of restlessness and its connection to Pascal, see Peter A. Lawler, # The Restless Mind: Alexis de ~~Tocqueville on the Origin and Perpetuation of Human Liberty ~~(Lanham, MD: Rowman & Littlefield, 1993). # الفصل الرابع # Quotations follow the four parts of vol. 2 of # DA ~~. The phrase “immense being” can be found at # DA # vol. 2, bk. 1, chap. 7 and vol. 2, bk. ~~4, chap. 3. The argument for “two Democracies” can be found in Seymour Drescher, ~~“Tocqueville’s Two # Democracies ~~,” # Journal of the History of Ideas # 25 (1964): 201-16, ~~and Jean-Claude Lamberti, # Tocqueville and the Two ~~Democracies ~~(Cambridge, MA: Harvard University Press, 1989); the ~~argument against, in Schleifer, # The Making of ~~Tocqueville’s ms110 Democracy, # 2nd ed. On religion, see ~~Sanford Kessler, # Tocqueville’s Civil Religion ~~(Albany: State ~~University of New York Press, 1994), and Joshua Mitchell, # The Fragility of Freedom; Tocqueville on Religion, Democracy ~~and the American Future ~~(Chicago: University of Chicago Press, ~~1995). On women, see Delba Winthrop, “Tocqueville’s American Woman and 'the True ~~Conception of Democratic Progress,’ ” Political ~~Theory # 14, no. 2 (1986): 239-61, and Cheryl Welch, # De Tocqueville ~~(Oxford: Oxford University Press, ~~2001). # الفصل الخامس # Quotations follow # The Old Regime ~~and the Revolution ~~(hereafter # OR ~~) through its three parts. For the sources and analysis of # OR ~~, see especially Robert T. Gannett Jr., # Tocqueville Unveiled ~~(Chicago: University ~~of Chicago Press, 2003). For analysis, see François Furet, # Interpreting the French Revolution ~~(Cambridge: ~~Cambridge University Press, 1981), also Ralph Lerner, # Revolutions Revisited ~~(Chapel Hill: University of North Carolina Press, 1994). On “political history,” see Delba Winthrop, “Tocqueville’s Political History,” # Review of Politics # 43 ~~(1981): 88-111. Burke’s most powerful attack on the French Revolution is his ~~first analysis of it, # Reflections on the Revolution in ~~France ~~(1790). # الفصل السادس # Quotations from the # Recollections # again proceed from beginning to end of AT’s text. ~~For analysis, see Lawler, # The Restless Mind. # On Algeria, see Jennifer Pitts, ed., # Alexis de ~~Tocqueville: Writings on Empire and Slavery ~~(Baltimore, MD: Johns ~~Hopkins University Press, 2001), and Michael Hereth, # Alexis de Tocqueville: Threats to Freedom in Democracy ~~(Durham, ~~NC: Duke University Press, 1986). # | مصادر الصور # (1) Versailles, Châteaux de Versailles et de Trianon/photo ~~Réunion des Musées Nationaux/Art Resource, NY. ~~(1-1) Comte d’Hérouville. ~~(1-2) Mrs. George W. Pierson/photo Profile ~~Books. ~~(1-3) Comte d’Hérouville/photo Archives départementales de la ~~Manche. ~~(2-1) George W. Pierson, # Tocqueville ~~and Beaumont in America ~~(Oxford University Press, 1938)/photo ~~Beinecke Rare Book and Manuscript Library, Yale ~~University. ~~(3-1) Beinecke Rare Book and Manuscript Library, Yale ~~University. ~~(4-1) Beinecke Rare Book and Manuscript Library, Yale ~~University. ~~(5-1) Hunterian Museum and Art Gallery, University of ms111 ~~Glasgow. ~~(6-1) Comte d’Hérouville/photo Archives départementales de la ~~Manche. ~~(6-2) © Musée Carnavalet/Roger-Viollet/The Image ~~Works. ms112