######OpenITI# #META# URI: 1450MuznaRiyadKamal.Nasij.Hindawi91631920 #META# Tags: novels #META# ID: 91631920 #META# Title: نسيج #META# AuthorID: 30284751 #META# Author: مُزنة رياض كمال #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تصدير وإهداء‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # خاتمة‏ # تصدير وإهداء‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # خاتمة‏ # | نسيج # | نسيج # تأليف # مزنة رياض كمال # أول ما خلق الله القلم، ثم قال له: اكتب، قال: وما ~~أكتب؟ قال: القدر. قال: فكتب ما يكون، وما هو كائن ~~إلى أن تقوم الساعة. # حديث شريف # | تصدير وإهداء # الكتابة ورطة! هكذا شعرت بعد ولوجي هذا العالم، وخاصة العالم ~~الروائي، تتورط بالأحداث وبالشخصيات والزمان والمكان، فتفرض نفسها ~~عليك، وتسوقك من حيث لا تدري، تتورط بها لحد الهوس، فتنام وتصحو عليها، ~~تختلط الأعوام والأحداث والشخوص في رأسك فتتورط أكثر وليس لك من مخرج ~~سوى الوصول إلى النهاية. الكاتب حلال عقد، والخيوط المتشابكة ~~المعقدة إذا لم تحلها، بقيت الشخصيات عالقة تنظر إليك ~~باستعطاف أو بلؤم، ولن يهنأ لك بال حتى تعيد كل الخيوط إلى مسارها، ~~فيكتمل النسيج. # أذكر جيدا ورطتي الأولى بالكتابة، فراق لي أن أورط بها غيري، ~~فما وجدت أفضل من صديقي وزوجي صبحي، فحكيت له الحكاية الأولى، وبعد ~~ثلاثة أعوام أو يزيد كان هو قارئي الأول، فألهمني وساعدني كثيرا، ~~وحل لي بعض العقد! # المتورطة الثانية هي أختي سدرة، والثالثة صديقتي ضياء، أوجه لهما ~~كل المودة والاحترام لقراءتهما المحفزة، وآرائهما القيمة، ~~وإضافاتهما الجميلة في روايتي هذه. # ولهم أهدي هذا العمل: # محمد صبحي شرف # سدرة كمال # ضياء حمزة # | الفصل الأول # 1 # 2010م # أكان يتوجب عليك أن تكون بهذا القدر من الوسامة؟ ومن السحر ~~الغامض؟ بشعر داكن، وجبهة عريضة، وشفتين رقيقتين، وندبة واضحة ~~في راحة يدك اليمنى، أراها بوضوح وأنا أسلمك كتابا أو مالا؟ ~~أكان يجب أن تكون بهذا الكمال؟ وعبارة يتيمة تظل ترددها أمامي ~~كلما حاولت أن أعبث بغرورك لأسمع منك المزيد، لكن لا تقول ~~سواها: «كل قارئ له عشقه الخاص!» تلقيها أمامي بسخرية المنتصر، ~~وعبث الشامت، وكأنك تقول: «كلا، لم تنفع محاولتك أيضا هذه ~~المرة!» لكن أنى ms001 لي بغيرها ، وأنا بعد في السابعة عشرة من ~~عمري؟ # كانت مكتبتك التي تعمل فيها ذلك الوقت هي نافذتي الوحيدة إليك ~~وإلى عالمك الساحر، لا أذكر مرة أن التقت أعيننا، لكم تمنيت ~~أن يحدث ذلك ولو لمرة واحدة؛ فنظرة واحدة فقط كانت ستعلمك كم ~~في القلب من معان! وفي كل زيارة كنت أطرح عليك السؤال ذاته: ~~«بم تنصحني هذه المرة؟» وكنت تجيبني الإجابة ذاتها: «كل قارئ ~~له عشقه الخاص.» كم كنت صغيرة وساذجة! لم أتعلم بعد حيل ~~النساء وأساليبهن. ومر العام سريعا، كنت فيه جاري ومؤنسي ~~وأملي وبابي إلى سعادة مسروقة أتنسمها بداية كل شهر، وانتهى ~~العام في لحظة واحدة، شهق بعدها الزمن ليتركني في هوة كبيرة ~~من الفراغ والوحشة. هكذا رحلت بكل البساطة والبرود الممكنين، ~~ولم لا؟ أكنت أعني لك شيئا؟ وما الغريب في القصة؟ افتتحت ~~مكتبة، وأغلقت بعد عامين، فلم يكن مشروعا رابحا على أية حال. ~~وهكذا انتهت قصتك الوسيمة وملامحك السعيدة التي لا أعرف لها وصفا ~~غير ذلك؛ فأنت السعادة وكفى. رحلت لكنك وهبتني عشق الكتاب، ~~«شكرا» الآن أقولها، «شكرا» فقد منحتني عشقا جديدا. # لاحظ أبي أنني أقرأ كثيرا، فاقترح علي، على الرغم من تشدده، ~~أن ألتقي أحد جيراننا الذي يسكن عند المنعطف، وهو رجل كبير في ~~العمر يمتلك مكتبة ضخمة، يمكنني أن أستعير منه ما أشاء من الكتب، ~~لكن بشرط ألا أذهب وحدي؛ إذ علي أن أصطحب معي أختي الصغيرة. هكذا ~~أبي، كلما أحسست أنه أغلق علي أبواب الحياة، أجده يترك لي إحدى ~~نوافذها لتتسلل إلي نسائمها الشائقة. # لم يكن أبي متعلما، كان حرفيا يعمل في دباغة الجلد، المهنة ~~التي ورثها عن أبيه وجده، وكان يعمل فيها هو وأعمامي كلهم ما ~~عدا عمي الكبير الذي قرر ترك هذا العمل، فقرر الجميع تركه لأنه ~~تخلى عن العائلة وتمرد عليها، أو هكذا قالوا. لم نعد نسمع عنه ~~شيئا، أنا شخصيا لم أره في حياتي، وصدقوني لم يكن أحد ~~يتحدث عنه إلا بالسوء. أما أبي فكان على عكسه تماما، كان ms002 الولد ~~الطائع المرضي الوالدين، كما كانت تقول جدتي دوما. على كل ~~حال كان أبي متدينا جدا، وكذلك أمي، وهل لها أن تكون غير ذلك؟ ~~أذكر أنني منذ أن وعيت على الدنيا وأمي تضع نظاراتها وتقرأ ~~القرآن، وأبي لا تفوته صلاة في المسجد، أما أنا فكنت أرتدي ~~الحجاب منذ أن أصبحت في العاشرة من عمري، أو قبل ذلك بقليل، وكنت ~~أصلي مع أمي، ولا أتأخر أبدا عن الصلاة. أتذكر أن المعلمة ~~قالت لنا مرة: «إن الصلاة هي صلة بين الإنسان والله، فإذا أراد ~~الإنسان أن يحدث ربه فعليه أن يصلي.» لكنني كنت أعجب من ~~نفسي، لطالما خاطبت الله في صلاتي لكنه لم يكن يجيبني، كنت ~~دائما أشعر بالإحباط، وكدت أقتنع حقا أن الله لا يسمعني، أو ~~أنه لا يكترث بي! فقررت أن أخاطبه بطريقتي الخاصة، فقد كنت ~~أدفن رأسي في الوسادة، وأتذكر كل شيء جميل حصل معي في ذلك ~~اليوم، وأعلم أن الله هو من ساقه لي، كنت أقول له: «شكرا.» وكان ~~يقول لي: «عفوا.» وهكذا أحببت صلاتي أكثر، وابتعدت عن تلك ~~الصلاة أكثر، فإذا كانت الصلاة لا تصلني بالله، فلماذا أصلي؟ ~~كانت هذه الفكرة تراودني كثيرا، وكبرت معي حتى قررت أخيرا ~~ترك الصلاة إلى أن أتمكن يوما من سماع صوت الله فيها. # كانت أمي تصطحبني إلى دروس الدين التي تلقيها «الآنسة»، # 1 # وكنت أعجب من أمي ومن جميع النسوة اللاتي كن يبقين ~~الحجاب على رءوسهن على الرغم من ~~عدم وجود رجال في البيت! كانت «الآنسة» تتحدث بنبرة شجية فيها ~~الكثير من الحزن، ويحدث كثيرا أن تبكي النساء من حديثها، في ~~الوقت الذي كنت فيه أتابع نقوش السجادة التي تتوسط الغرفة، ~~كانت رائعة الجمال، فيها الكثير من الزخارف والنقوش والألوان ~~المتداخلة التي كانت تجعلني أديم تأملها. لست وحدي؛ فكذلك ~~كنت أرى أعين جميع النسوة على الأرض فقد أسرهن جمال ~~السجادة، أو هكذا كنت أظن! # ما زلت أذكر مرة حين كنت ساهمة في تأمل السجادة، وإذا ~~بالآنسة تصرخ بأعلى صوتها: «أنت!» كاد ms003 قلبي ينخلع من مكانه، ~~حسبت أنها تخاطبني، وإذا بها تسمر نظرها على فتاة عشرينية ~~نحيلة كانت تجلس بجواري، وقالت: «أنت، قومي معي إلى الغرفة ~~المجاورة.» ارتجفت الفتاة، وحملقت بها والدتها بنظرات اتهام ~~واستفسار، ومشت الفتاة ذليلة خلف الآنسة خارج الغرفة. علمت فيما ~~بعد أن الآنسة طالبتها بالاعتراف بذنبها الذي عرفت به الآنسة ~~عن طريق كشف الحجب عنها، وأمرتها بالتوبة والتطهر حتى يرتفع ~~غضب الله عنها لتكون أهلا لحضور جلساتنا. # حين عادت الفتاة كانت آثار البكاء واضحة على وجهها، لست أدري ~~أكان من الخوف، أم من الندم، أم من الشعور بالخزي؛ فقد كانت نظرات ~~جميع النسوة تلتهمها، أما أنا فكنت أنظر إلى أعينهن وقرأت فيها ~~التشفي والسخرية. قالت «الآنسة» بعد أن استوت على أريكتها ~~الوثيرة: «الشهوة يا بناتي من رجز الشيطان، وعليكن كبحها حتى ~~تصرفنها في الحلال مع أزواجكن، استغفرن الله، عل الله أن يغفر ~~لكن.» ثم تابعت «الآنسة» مواعظها، وفي قلبي نما كرهي ونفوري ~~منها، ومن يومها لم أعد أذهب مع أمي إلى هذه الدروس متحججة ~~مرة بمرضي ومرة بدروسي. وصحيح أننا لم نكن نعرف بالضبط ذنب ~~الفتاة ذلك اليوم، لكن كيف لك أن تخفي سرا كهذا في مجتمع ~~نسائي قائم على النميمة؟ فقد قيل إنها تصاحب شابا، وقيل إنها ~~تواعده في الحدائق، وإنهما يقيمان علاقة محرمة، كما قيل لي إنها ~~تلتقي بأكثر من شاب. لكن من يقدر على التقاط الحقيقة من بين ~~أفواه النساء وحكاياتهن الممزوجة بخيالاتهن، والمنسوجة بالكثير من ~~التشفي أو الغيرة أو الحقد أو على الأقل بشهوة الحكي ونقل ~~الأخبار، والشعور بالنشوة لرؤية السامعين ينشدهون ~~استغرابا؟ # هل يعقل أن يكون الله الذي يسمع صلاتي ويجيبني هو نفسه من ~~يحل العقوبة واللعنة والغضب على تلك الفتاة البائسة؟ أم أن إلههم ~~غير إلهي؟ أليس هو الرحمن الرحيم؟ لم أعد أريد أن أعبد الإله الذي ~~في دروسهم ومواعظهم، عاهدت الله بيني وبين نفسي أن أبحث عنه يوما ~~ما عندما أتمكن من الخروج وحدي، عندما أكبر، سأسافر وأبحث عنه؛ ~~فهو بالتأكيد ms004 لا يقبع في سياط الواعظات والواعظين. # 2 # في الزيارة الأولى ذهبت مع والدي وقد كان ذلك في بداية العطلة ~~الصيفية قبل عام بعد أن نلت شهادة الثانوية العامة. كنت أرغب في ~~الالتحاق بالجامعة، لكن أبي لم يوافق، بحجة أنه لا فائدة من دراسة ~~البنت، وأمام ما رآه مني من كآبة وحزن اقترح علي أن أرافقه إلى ~~بيت جارنا الذي تفصله عنا ثلاث عمارات. كانت تنبعث من بيته رائحة ~~تبغ قوية، ولا يكاد ضياء الشمس يتسلل عبر ستائره السمكية ~~القاتمة. انقبض قلبي في البداية، إلى حين دخولنا غرفة المكتبة فقد ~~كانت واسعة فسيحة تتوسطها طاولة خشبية مستديرة لماعة، وحولها ~~كرسيان خشبيان، وعلى جدران الغرفة الثلاثة تنتصب أرفف الكتب التي ~~تمتد من الأرض حتى قبيل السقف بقليل، وعند الجدار الرابع مكتب ~~خشبي عليه مذياع خشبي، ومنفضة خشبية، وعلبة تبغ، والعديد من ~~الغليونات، وبعض الجرائد، وبجوار المكتب كرسي خشبي هزاز ~~عليه وسادة قديمة باهتة اللون. بدا كل شيء هنا مصنوعا من الخشب، ~~وخلافا لتوقعاتي فقد كان كل شيء نظيفا ولامعا. # كانت رائحة التبغ هنا أقوى من الردهة فسعلت قليلا، انتبه ~~إلي صاحب البيت وسارع إلى فتح الستائر والنوافذ وهو يعتذر. وما ~~إن دخل نور النهار إلى الغرفة حتى اكتست الغرفة سحرا جديدا، أخذ ~~الخشب المصقول يلتمع حولي، وازدادت ضخامة الكتب. ولاحظت أيضا أن ~~أرضية الغرفة كانت من الخشب، كان الخشب يضفي على المكان دفئا ~~خاصا، وحميمية محببة. وعندها فقط تبينت عن قرب ملامح ~~جارنا، كان رجلا في أواخر الخمسين من عمره، قد غزت التجاعيد وجهه ~~الأبيض الشاحب، لكنه مع ذلك كان مريحا وهادئا، بشعر فضي ~~وعينين زرقاوين ضيقتين، وكان نحيلا يرتدي قميصا سماويا ~~وسروالا داكن اللون، وفي يده اليمنى يرتدي خاتما بحجرة ~~سوداء. # ابتسم عندما رآني أحدق في الخاتم، وقال: «أعجبك؟ إنه من ~~حجر العقيق، هدية قديمة من شخص قديم.» ارتبكت لملاحظته، ~~ووخزني أبي على كتفي، فأطرقت في الأرض خجلا. سارع إلى القول: ~~«تفضلا بالجلوس.» وجلس هو وأبي حول الطاولة الخشبية، وأخذت ~~أحدق ms005 في الكتب الكثيرة بينما كانا يتحدثان، ونظرت إلى الأعلى ~~فرأيت ثريا تتدلى من السقف تشبه بتصميمها تلك التي في بيوت ~~الأشباح. انتبهت على قوله موجها حديثه إلي: «حدثيني، أي ~~نوع من الكتب تفضلين؟» أجبته مستحضرة عبارة ذلك الشاب ذي ~~الجبهة العريضة: «لكل قارئ عشقه الخاص.» رفع حاجبيه إعجابا كما ~~أظن، بينما قطب أبي جبينه استياء، ثم قال: «أفترض إذن أنني ~~سأتركك هنا لتختاري من الكتب ما تشائين.» ابتسمت لهذه الفكرة، ~~وخرج مع والدي. # 3 # بقيت وحدي في غرفة المكتبة، كانت من أكثر اللحظات إثارة في ~~حياتي، أخذت أقلب نظري بين أرفف المكتبة. كان ثمة جدار ~~بكامله لا يحوي تقريبا إلا كتبا أجنبية، بلغة عرفت فيما بعد ~~أنها اللغة الألمانية. اتجهت إلى قسم آخر فوجدت الكثير من ~~الكتب التي تتحدث عن المعادن والآلات والميكانيك وغيرها من ~~المصطلحات التي لم أفهم معظمها، بدأ حماسي يخبو. مشيت باتجاه ~~النافذة فثمة كتب مكدسة تحتها على الأرض، أخذت أقلبها ~~فإذا هي في مواضيع دينية تتحدث عن الله، ودواوين كثيرة ~~لشعراء لم أسمع بهم من قبل، ولأني لم أكن أحب الشعر وقفت وقد ~~ازدادت خيبة أملي. في الحقيقة لم أكن أدري عن أي شيء أبحث، اتجهت ~~إلى قسم آخر ووجدت الكثير من القصص والروايات، فتحمست ~~قليلا، أخذت أبحث عن واحدة تلفت انتباهي، لكن عناوين ~~الروايات والقصص كانت تبدو لي مملة، حينها سمعت أبي يناديني: ~~«هيا سنعود إلى البيت.» ودخل الجار إلى المكتبة وسألني: «هل ~~اخترت كتابا؟» ولما وجد يدي فارغة قال: «ليس بعد؟» أجبته: «لم ~~أجد ما أعرفه بعد.» فقال: «إذا كنت تبحثين عما تعرفين، ~~فستكررين قراءة الكتب ذاتها، كيف ستكتشفين حبك لأمر ما إذا ~~كنت لا تجربينه أولا؟» لم أجب، فنظر إلى الكتب حيث كنت ~~واقفة، وقال: «القصص والروايات ممتعة جدا.» ثم مد يده وأخرج ~~كتابا أعطاني إياه وقال: «ما رأيك أن تبدئي بهذه الرواية؟» نظرت ~~إلى العنوان: «الدوامة»، ولأني لم أشأ إحراجه أمسكت بالرواية ~~مبتسمة وقلت: «شكرا لك، سأقرؤها.» # عدنا إلى البيت على أقدامنا؛ ms006 فلم يكن بعيدا، وقد اشتد الحر، ~~فلم أكد أصل إلى البيت حتى رميت بنفسي على السرير مجهدة، وقد ~~أخذ النعاس يتملكني وخيل إلي أنني أطير بين بناءين عاليين ~~وكنت في غاية السعادة. انتبهت على صوت أمي تنادينا على طعام ~~الغداء، تحلقنا حول الطاولة، التفت أبي إلي وقال: «متى ما ~~انتهيت من الكتاب أعيديه للدكتور نور، لا نريد أن يقول عنا ~~إننا لا نعيد الأمانة، وها قد عرفت البيت، لكن لا تذهبي وحدك، ~~خذي فاطمة معك.» «نور» هذا هو اسمه إذن، أخذت أفكر لم هذا هو ~~اسمه بالتحديد؟ كنت أومن أن للأسماء طاقة خفية تسري في صاحبها، ~~وعبثا يحاول الآباء والأمهات انتقاء أسماء أولادهم، ويعتقدون أنهم ~~هم الذين يهبونهم الأسماء، لكن الحقيقة أن لكل إنسان اسمه ~~الخاص المرتبط بوجوده وبذاته، ولا يمكن أن يسمى بغير هذا ~~الاسم على الإطلاق، «نور» اسم جميل يحمل الكثير من التفاؤل ~~والحياة. كانت الأفكار تتدفق إلى رأسي بينما كنت أتناول ~~الطعام، ثم تذكرت أن أبي قال «الدكتور نور»، فسألته: «هل جارنا ~~يدرس في الجامعة؟» أجاب: «نعم، يحمل شهادة الدكتوراه في الهندسة ~~الميكانيكية.» التمعت عيناي وقلت بعفوية: «ما أروع هذا!» ~~أجاب أبي: «وما الرائع فيه؟ أتعلمين كم راتبه؟ إن أعلى راتب ~~يحصلونه لا يتجاوز نصف ما أجنيه شهريا، ويقولون إنهم في أعلى ~~السلم الوظيفي!» ثم ضحك ساخرا وأكمل طعامه في حين توقفت أنا ~~وقد شعرت باستياء كبير. # اتجهت إلى غرفتي وأمسكت الرواية: «الدوامة» لجان بول سارتر، ~~أهو إنجليزي أم أمريكي أم غير ذلك؟ لم أكن قد سمعت عنه من قبل، ~~ولم أكن قد قرأت أعمالا أو كتبا مترجمة أصلا. وما إن بدأت في ~~القراءة حتى اختفى كل شيء بالنسبة إلي، وانحصر عالمي كله في هذه ~~الرواية، ولم أتوقف حتى انتهيت من قراءتها. كانت ممتعة حقا، ~~وأكثر ما شدني إليها فكرة أنه لا يوجد خير أو شر محض في ~~هذا الوجود، وما نعتقده شرا مطلقا، فإنه يحمل فيه بذرة الخير، ~~والعكس صحيح. أخذت نفسا عميقا ورحت أبحث في ms007 حياتي عن الأمور ~~التي أمقتها وأعتقد أنها سيئة، فتذكرت الدروس التي كنت ~~أحضرها مع أمي، عندها عقدت العزم على أن أعود إليها بروح جديدة ~~حتى لو كنت أعتقد أنها سيئة جدا، أن أبحث فيها عن خير ما، عن ~~شيء يجعلني أعتقد حقا بهذه الفكرة، فإن لم أجد سلمت ببطلانها. ~~أعجبتني الفكرة، وقبل أن تشغلني الحياة عنها، فتحت صفحتي على ~~الفيسبوك وكتبت فيها: # لا شر مطلق؛ ففي شدة الظلام ثمة بصيص ~~نور. # وحدث ما كنت أخشاه؛ فما إن عدت إلى الدروس مع أمي بعد ~~انقطاعي عنها مدة سنة تقريبا حتى انهالت النسوة علي وعلى ~~أمي بالأسئلة عن سبب اختفائي، وهل ذلك بسبب خطبة أو زواج أو مرض ~~ما، وكن يحدقن في يدي بحثا عن خاتم خطوبة، وأخذت بعضهن ~~تغمز أمي وتهمس لها، بينما راحت أخرى تحدق في حاجبي ~~وتسألني: «كأنك أزلت شيئا من حاجبيك؟ ما تعرفين أن من تفعل ~~ذلك ملعونة؟» كنت أبتسم مجاملة لهن حتى حضرت «الآنسة» وكان كل ~~شيء يجري بشكل اعتيادي حتى وقعت عيناها علي، فحملقت في ~~وحدقت وقالت بلهجة حانية: «أهلا أهلا، أخيرا قررت العودة ~~إلى الله، لا تيأسي يا ابنتي فالله يغفر للمعرضين عنه.» ومع أنها ~~قالت ذلك بأسلوب ودود، فإنني لست أدري بعد أن سمعت منها هذه ~~الكلمات ما الذي جرى لي، شعرت بحرارة مباغتة تسري في جسمي، ~~وأخذت الكلمات تتدفق من لساني كنبع ماء متفجر، وكان مما قلته؛ ~~فقد نسيت معظمه: «ومن قال لك إنني قد أعرضت عنه للحظة؟ هل ~~تجرئين على القول إنني لا أحب الله؟ وهل كشفت عن قلبي؟ أم أن ~~الوحي نزل إليك؟ لم لا تنظرين إلى قلبك وتطلبين المغفرة أنت؟ ~~أم أنك معصومة عن الخطأ؟ أخبريني لم تكشف الحجب عنك أنت ~~بالتحديد دونا عنا جميعا؟ ما هي هذه الحجب؟ حدثينا، وكيف ~~يحدث ذلك؟ اشرحي لنا، من حقنا أن نعرف، وأنت ألا ترتكبين الذنوب ~~أبدا؟» # خيم صمت مطبق كصمت القبور وشعرت أنه سيدوم إلى الأبد، كانت ~~عيناي مسمرتين في عينيها، ولم ms008 أرمش للحظة، ولم أدر عن بقية ~~النسوة أين وماذا كن يفعلن. كانت تغمرني نشوة الانتصار، استمر ~~الصمت طويلا حتى شعرت بألم حاد في فخذي فقد كانت أمي تقرصني ~~وتقول: «دخيلك يا آنسة لا تؤاخذيها؛ فهي طفلة لا تدري ما تقول.» ~~ظلت الآنسة صامتة وقد احمرت وتلونت من فرط غضبها ولكنها ~~أخيرا رفعت نظرها إلى الأعلى وقالت: «ربنا لا تؤاخذنا بما فعل ~~السفهاء منا، قوموا إلى بيوتكم. انتهى الدرس!» # لن أحدثكم بعدها ما حدث من النسوة ومن أمي تحديدا التي ~~أصابها العار مني لأني تطاولت على «الآنسة»، لكنني بقيت ~~صامتة طوال الوقت؛ فاللذة التي حصلت عليها تكفيني، فلما عدنا ~~إلى البيت انهالت علي أمي بغضبها، وأظهرت حسرتها على أنني ~~ضيعت تعبها وتربيتها، ومنعتني هذه المرة من الحضور معها في ~~الأسبوع القادم. دخلت إلى غرفتي مجهدة؛ فقد خضت للتو أول ~~معركة لي وانتصرت فيها، لكن عن أي نصر أتحدث؟ وأي معركة؟ وهل ~~فعلا حصلت على ما كنت أبحث عنه؟ هل وجدت الخير؟ وجدتني أتضاءل ~~من جديد، وأنكفئ على نفسي ندما. وفي تلك الليلة حين وضعت رأسي ~~على الوسادة واستحضرت نعم ربي علي، لم أسمع رده المعتاد حين ~~قلت له: «شكرا!» # 4 # ثمة شيء ما لم ~~أتمكن من فهمه بعد، فقررت أن أعرف أكثر عن مؤلف الرواية ~~التي أنهيتها مؤخرا «الدوامة»، فكتبت في محرك البحث: ~~«سارتر»، وعلى خلاف ما كنت أظن فقد ظهرت نتائج كثيرة جدا ~~للبحث، وإذ ب «سارتر» ليس كاتب روايات فحسب، وإنما صاحب الفلسفة ~~«الوجودية»، وهي فلسفة تركز على الإنسان وتعلي من قيمته، وأنه ~~أقدم شيء في الوجود، وما قبله عدم، وأن عليه أن يثبت نفسه ~~أمام كل العوائق والحدود، أما القيم فهي غير ثابتة، وليس لأحد أن ~~يفرض قيما أو أخلاقا معينة على الآخرين. «الجحيم هو الآخر» ~~هذا عنوان أحد أعمال الكاتب نفسه، هذا صحيح تماما؛ فلو كنت وحدي ~~لأصبحت أكثر سعادة. أعجبني الجزء الأخير المتعلق بالحرية، وسرحت ~~قليلا بخيالي، أخذت أفكر ماذا لو كنت حرة بالمطلق فلا ~~سلطة ms009 لأحد علي؟ ماذا كنت سأفعل؟ وابتسمت للفكرة، كنت سأرتاد ~~الجامعة بلا شك، كنت سأسافر، وأعمل، سأسكن وحدي، لا، لا أريد أن ~~أكون وحدي. وفي هذه اللحظة تذكرت وجه الشاب ذي الشعر الداكن ~~الذي كان يعيرني الكتب، «أريد أن أكون معه!» وعند هذه الفكرة ~~احمرت وجنتاي فحركت رأسي أحاول طرده من خيالي، وعدت إلى ~~«الدوامة». # كنت أشعر بضيق، فلم أصل بعد إلى ما كنت أبحث عنه، عن ذلك ~~الشيء الذي حجب عني الحقيقة وأبعدني عنها، فاتصلت بجارنا ~~الدكتور نور واتفقت معه على الحضور. أخذت معي أختي فاطمة ~~وذهبت إليه مساء. عندما فتح لي الباب، بدا لي مبتهجا، فسألته: ~~«كيف حالك اليوم دكتور؟» قطب جبينه ثم ابتسم وقال: «أما عن ~~حالي فأنا على خير ما يرام، وأما عن ندائك لي بدكتور فلم يرق ~~لي، هذه كلمة لا أحب سماعها إلا في الجامعة، وأنت جارتي، وهذا ~~بيتي.» فقلت له: «أناديك عمي إذن.» ضحك وقال: «بالنظر إلى ~~عمرينا فأنا بعمر جدك.» فقلت بعفوية: «أنت إذن جدو نور.» ~~فقال مبتسما: «جدو نور»، ستكونين أنت أول من يناديني ~~بذلك». وقادنا إلى غرفة المكتبة، جلسنا على الطاولة المستديرة، ~~وقال: «أرى أنك أنهيت الرواية بسرعة كبيرة.» قلت: «نعم، كانت ~~ممتعة جدا، ومحتواها يختلف كثيرا عن أي شيء قرأته سابقا.» ~~ابتسم جدو وقال: «وكيف وجدتها؟» أجبته: «رائعة، أقصد أنها ~~أعطتني فكرة عن فلسفة سارتر الوجودية، وقمت بالبحث عنها على ~~الإنترنت، وتوصلت إلى فكرة أنه لا يوجد خير أو شر محض، وبما ~~أنني لا أعتقد بشيء حتى أجربه، فإنني إلى الآن لم أتبن هذه ~~الفكرة.» رفع جدو نور حاجبيه مستحسنا كلامي وقال: «أنت فتاة ~~ذكية، لكن هل لي أن أسألك كيف ستجربين هذه الفكرة؟» قلت: «لقد ~~فعلت ذلك بالفعل.» قال: «حقا، كيف؟» فحكيت له قصة الدروس ~~الدينية وكيف تركتها ثم عدت إليها وما حدث في الدرس الأخير من ~~مواجهة بيني وبين «الآنسة»، فلم يقل شيئا، بل ظل صامتا، فقلت ~~وقد نفد صبري: «ما رأيك؟ ماذا أفعل؟» أجاب: «طالما أنك بدأت ms010 ~~بالتجربة فأكمليها إلى النهاية، وأخبريني بالنتائج لاحقا. هل ~~أعطيك كتابا آخر؟» ولم ينتظر ردي بل قام إلى المكتبة واستل ~~كتابا وناولني إياه وقال: «خذي، هذه رواية جديدة، وكاتبها ~~برازيلي معاصر، أظنك ستحبينها، اقرئيها ولا تعودي حتى ~~الأسبوع المقبل.» أمسكت بالرواية: «الخيميائي»، قطبت جبيني فلم ~~أفهم العنوان، لكنني لم أكترث كثيرا فوضعتها في حقيبتي؛ فقد كنت ~~ما زلت أفكر فيما سأفعله مع تجربتي في الدروس الدينية، وكم ~~كنت أود الحديث معه أكثر عن الموضوع، لكنني فوجئت به ينادي ~~أختي فاطمة: «هيا يا حلوة، ستعودان إلى المنزل.» وناولها قلما ~~ذهبيا وقال: «أتعرفين أن هذا قلم سحري؟» قالت أختي وقد شدتها ~~نبرته: «حقا؟ ماذا يفعل؟» أجاب: «إنه يجلب السعادة لكل من ~~يستعمله، ولا يفارقه حتى يمكنه من القراءة والكتابة بأجمل ~~الخطوط.» أمسكت فاطمة القلم بيديها الصغيرتين وأخذت تنظر إليه ~~بسعادة. غمزني جدو وربت على كتفي وقال: «هيا، هيا حان وقت ~~الرحيل.» أمسكت بيد أختي وعدنا إلى البيت. # وفي ليلة ذلك اليوم لم أتمكن من النوم؛ فغدا هو موعد الدرس ~~الديني. كان علي أن أقرر هل أذهب أم لا؟ وإذا ذهبت فماذا ~~علي أن أفعل؟ هل أكمل المواجهة؟ أم أعود أدراجي؟ أخذت أفكر ~~كيف ستنظر إلي النسوة والآنسة تحديدا؟ وبعدها رحت أغط في ~~النوم. # في الصباح فتحت عيني على صوت فاطمة تهزني من كتفي وتقول: ~~«لقد نجح القلم الذهبي، تمكنت أخيرا من كتابة الهمزة!» أختي ~~فاطمة عمرها ست سنوات، كانت تعاني من مشكلة في كتابة المنحنيات ~~في الأحرف والأرقام، ولذلك فقد كانت تكتب الهمزة على شكل خط ~~أفقي صغير فوق الألف. لم أكترث لما قالته، وأبعدت دفترها عني، ~~وقمت وأمر واحد يشغلني: ماذا سأفعل اليوم في الدرس؟ # بعد الغداء ركضت إلي فاطمة ومعها دفترها، قالت: «هل أخبرتك ~~عن القلم السحري؟» أجبتها بشرود: «نعم فعلت، مبارك عليك.» ~~وأبعدتها عني، ثم نظرت إلى عينيها اللتين كانتا تفيضان ~~إثارة، فرأيتهما انكسرتا من ردة فعلي الباردة. فجأة تبدى لي ~~شيء كنت غافلة عنه تماما، أمر تمكنت أختي الصغيرة ms011 من الوصول ~~إليه بينما عجزت أنا عنه. أمسكتها من يدها وقلت: «أريني دفترك ~~مرة أخرى، أنا آسفة، لم أنتبه في المرة السابقة.» تهلل وجهها ~~وعاد البريق إلى عينيها، وسارعت إلى القول: «هذا هو القلم الذي ~~تمكن من كتابة الهمزة، إنه حقا قلم سحري!» أجبتها: «أتعلمين ~~ماذا قال لي جدو نور عندما ذهبت؟» نظرت إلي متعجبة، أكملت: ~~«قال إن القوة السحرية التي في القلم تنتقل إلى اليد التي تكتب ~~به، فتغدو قادرة على فعل العجائب.» «صحيح؟» أجابت أختي وهي تنظر ~~إلى يدها، قلت: «بالتأكيد.» وأخذت القلم من يدها وأعطيتها قلم ~~رصاص، وقلت: «والآن، جربي بنفسك، سترين كيف أن يدك أصبحت يدا ~~سحرية.» أمسكت فاطمة القلم بتردد وأخذت تخط على الورقة حرف ~~الألف وفوقه الهمزة، وإذا بها تكتبه بسلاسة ووضوح، ويا لفرحتها حين ~~فعلت ذلك! أخذت تقفز وتصرخ، وشاركتها الأمر ذاته وتعانقنا ~~لنجاحنا الكبير، ولربما علت أصواتنا قليلا، فاندفعت أمي للحضور ~~متسائلة عن سبب صياحنا، أجبتها وأنا أغمز أختي: «لا شيء، سوى أن ~~فاطمة أصبحت تمتلك قوى سحرية!» وضحكنا. # كيف غفلت عن ذلك؟ عن أن الخير الذي كنت أبحث عنه في الآخر ~~السيئ هو انعكاس لما في ذاتي، ولولا النور الذي في، لما رأيت ~~النور الذي في الآخر؛ فما هو إلا صورة عني، وعندما أتلمس خيري ~~سأجد بالتأكيد خير غيري، والعكس بالعكس صحيح؛ فحين لا نرى إلا الشر ~~والسوء عند غيرنا فهذا لأننا لا نراهم إلا من ناحية النقص الذي ~~فينا، وكذلك فعلت أختي بطبيعتها الحساسة لكن بصورة منعكسة، حين ~~آمنت بقوة القلم السحرية انتقل إليها إيمانها بذاتها، أعجبتني ~~الفكرة وتحمست لها كثيرا، فكتبت في صفحتي على الفيسبوك: # لتجد الخير في غيرك، عليك أن تجد خيرك. # سارعت إلى أمي التي كانت مستلقية وبادرتها: «متى نذهب إلى ~~الدرس؟» حملقت في وقالت: «نذهب؟ وهل ستأتين معي لتحرجيني ~~مجددا بكلامك الغريب الذي لا أعرف من أين تأتين به؟ لن أصحبك ~~معي اليوم.» أجبتها: «كلا، كلا، أرجوك خذيني معك، أعدك أن أكون ~~طيعة كما تريدين.» أجابتني ms012 وهي ترمقني بنظرة ريبة: «حسنا، ~~لكن لا تفتحي فمك بحرف.» لم أكن أدري ماذا سأفعل، كنت أريد ~~الذهاب وحسب. # وفي الوقت المحدد ذهبت مع أمي وجلست بجوارها وسط النسوة ~~اللاتي أخذن يتهامسن وهن يرمينني بسهام نظراتهن الحادة. كنت ~~أبتسم لكل واحدة منهن وأترقب حضور الآنسة، ولم يطل انتظاري ~~كثيرا؛ فقد أطلت وسط ترحيبات النسوة وسلاماتهن الحارة، اتخذت ~~مكانها في صدر الغرفة، وسلمت علينا، وأخذ قلبي يخفق، ماذا ستفعل ~~حين تراني؟ هل ستطردني؟ أم تتجاهلني؟ هل ستعنفني؟ كنت مرتابة ~~في كل شيء، ولم أكن مطمئنة إلا لأمر واحد وهو أن قلبي اليوم مليء ~~بالحب، أخذت نبضات قلبي تتسارع أكثر فأكثر، وشعرت ببرودة في ~~أطرافي على الرغم من حرارة الجو، وأخيرا في لحظة واحدة التقت ~~أعيننا، ومثل شحنتين متماثلتين تباعدت نظراتنا. ابتدأت الآنسة ~~الدرس، وأحسست برجفة خفيفة في صوتها، وبعد المقدمات والدعاء ~~قالت: «اليوم ستتفضل الآنسة الصغيرة لتلقي الدرس؛ فهي، كما ~~تعلمن، شابة متعلمة وتحب أن تتطاول على من هن أكبر منها.» وأشارت ~~إلي، والتفتت جميع النسوة ما بين متشككة وساخرة. نظرت ~~إليها؛ فقد بدا واضحا أنها كانت تتحداني، وحين هممت بالكلام، ~~قرصتني أمي وقالت وهي تفتعل ابتسامة على وجهها: «أنت بالتأكيد ~~تمازحين ابنتي؛ فهي لم تتلق تعليما دينيا لائقا لكي تلقي ~~درسا، وعن أي شيء ستتحدث؟ إنها لا تعرف، كما أنه لا يجوز لأحد أن ~~يتكلم بحضورك.» # آلمتني كلمات أمي أكثر من أي شيء آخر، لكنها جعلتني أنتصر ~~على ترددي، فسارعت بالوقوف بينما جميع النسوة جالسات، وقلت ~~موجهة الكلام إلى أمي: «ولم لا يا أمي؟ لم لا يمكنني أن ~~أتحدث؟ فقد جادل بعض الصغار الرسول عليه الصلاة والسلام في ~~حضوره.» ثم التفت إليهن، ونظرت في أعينهن واحدة واحدة، ~~وأكملت وأنا أشعر بطاقة جميلة: «لست أدعي العلم ولا ~~الفهم ولا الفقه، ولم أتلق تعليما دينيا، ولم أحصل على ~~شهادات، ولا أحفظ القرآن الكريم كاملا، لكنني أوقن أن لدي ~~قلبا يحب خالقه. لا أطلب منكن تصديقي؛ فيكفيني أن الله يعلم، ~~وأنني أعلم أن ms013 في قلب كل واحدة منكن حبا مماثلا. لست هنا ~~لأخطئ واحدة منكن، بما فيكن أنت أيتها الآنسة، ولو كان ~~الموقف الذي حصل في الدرس السابق قد أساء إليك أو إلى أي واحدة ~~منكن فأنا أعتذر. أما وقد سنحت لي هذه الفرصة لأنال شرف الحديث ~~إليكن فأود القول إننا جميعا متساوون، وليس لأحد الحق في ~~تفضيل نفسه أو غيره على الآخرين، الله وحده يفعل ذلك لأنه وحده ~~المطلع على القلوب، وا... والسلام عليكم.» # ألقيت بنفسي على الأريكة، وكأن حملا كبيرا انزاح عن صدري، ~~كنت مرتاحة وخفيفة، ولم يعد يهمني شيء، ولم أعد أنظر إلى ~~أعينهن، ولا أذكر تماما ماذا حدث أو ماذا قيل، كنت راضية عن ~~نفسي وعما قلته، وكان ذلك يكفيني. قبل الرحيل أخذت النسوة ~~تسلمن على «الآنسة» وحين حان دوري، صافحتها فابتسمت، ~~فابتسمت بدوري. وقبيل أن نرحل جاءت إلي الفتاة العشرينية ~~النحيلة التي كانت قد وبختها «الآنسة» في درس سابق، وكنت قد ~~نسيتها تماما، احتضنتني بشدة، وقالت: «أتعلمين، أنت أول ~~واحدة أشعر أن كلامها يقرأ ما في قلبي بدقة، أنت لطيفة حقا، ~~أتمنى أن نظل معا.» ورحلت سريعا تاركة إياي في حالة غريبة ~~تملكتني حتى عودتي إلى البيت، وأمي لم تعنفني هذه المرة ولم ~~تقل شيئا. # وقبيل النوم فتحت الفيسبوك وكتبت: # أحيانا، قد تكون غير مهيأ بعد للإصلاح، لا تنزعج، ~~تنح جانبا؛ فالوقت لم يحن بعد. # ثم خطرت لي تلك الفتاة النحيلة، وما فعلته وما قالته، ~~تذكرت أنني لا أعرف اسمها أيضا، فكتبت: # قد يفاجئك الخير في طريق مغاير تماما للطريق الذي ~~تسلكه، ما عليك سوى أن تتفتح وحسب. # نظرت إلى ما دونته، كنت أشعر بالرضى، واستسلمت لنوم ~~عميق. # 5 # نظر إلى نفسه مليا في المرآة، ارتسمت ابتسامة عريضة على ~~محياه، شعر بالرضى والثقة. ارتدى ساعته الفضية، تناول ~~مفاتيحه وهاتفه النوكيا من على الطاولة وخرج. كان ممتلئا بالفخر ~~كصباح كل يوم؛ فوسامته خدمته كثيرا في السنوات القليلة ~~الماضية، وها هي تؤمن له عملا محترما. وصحيح أنه كثيرا ما ~~يسلخ ms014 ساعات الصباح في وحدة مقيتة بين الكتب من غير أن يدخل ~~زبون واحد، لكن المساء مختلف كثيرا؛ فبالنسبة إليه تكفي صبية ~~واحدة جميلة يقنعها بشراء كتاب في أن تفتح شهيته للعمل طوال ~~اليوم، فكيف وهو يرى بوضوح آثار وسامته متبدية في عيون ~~السيدات والآنسات، الصغيرات منهن والكبيرات على حد سواء؟ لكنه لم ~~يكتف بهذا، بل أضاف إلى ذلك لباقته في الكلام، وحسن محاورته، ~~مع لمسة ساحرة من ابتسامة ماكرة تجعل أي شخص لا يخرج إلا وقد ~~ابتاع كتابين أو ثلاثة على أقل تقدير. # كما أن سياسته الجديدة في المكتبة حسنت من عمله كثيرا؛ فقد ~~ابتدع لأول مرة نظاما جديدا في إمكانية استعارة الكتب بدلا من ~~شرائها لمن لا يملك الثمن، مقابل مبلغ مالي بسيط، وقد زاد هذا ~~من أرباحه، وإن كان قد سرع في تلف الكتب وضياعها؛ الأمر الذي ~~لم يعجب صاحب المكتبة، خاصة أنه لم يدر بذلك إلا بعد ما ~~يقارب العام. # وصحيح أنه لا يحب القراءة، وليست الكتب بالنسبة إليه سوى رأس ~~مال عليه أن يستثمره جيدا، لكنه حين وجد نفسه مضطرا للعمل بها، ~~فإنه تمكن ببداهته من امتلاك أسرار هذه «الصنعة» كما يحلو له أن ~~يسميها؛ فقد حفظ أسماء الكتب ومؤلفيها، واطلع على أكثر ~~الكتب طلبا، وأجبر نفسه على قراءة أشهرها. عرف كيف يعرض بضاعته ~~بحيث تكون مغرية للزبون، وتعلم مداخل كل زبون ومفاتيحه، وكيف ~~يقنعه بالشراء، وخاصة الفتيات منهم. # صدحت الموسيقى معلنة إقلاع جهاز الكمبيوتر، جلس أمامه وراح ~~يتفقد، كما يفعل كل صباح، سجلاته الخاصة بالاستعارة، ليعرف أسماء ~~الزبائن الذين عليهم إعادة الكتب اليوم. ظهر أمامه اسمها وحيدا، ~~تذكرها تماما فهي من ذلك النوع الذي يطلق عليه «زبونة ~~مستدامة»، إنها لا تسبب المتاعب أبدا، ولا يمكنها أن تدفع ~~كثيرا، لكنها بالتأكيد ستفيده على المدى البعيد ولن تذهب إلى ~~غيره؛ فقد عرف بالضبط نوعية الكتب التي تفضلها، وفهم نفسيتها ~~جيدا؛ فبخلاف بعض الصبايا الحسناوات اللاتي يتخذن من الكتب ذريعة ~~لهن لرؤيته واستمالته بمحاولاتهن المكشوفة، فإن هذه مختلفة، ms015 إنها ~~تأتي إلى المكتبة لسببين اثنين: إنها تقرأ حقا، لكنها بقدر ~~ما تنجذب إلى الكتب فهي منجذبة إلى سحر عباراته الغامضة التي يعرف ~~كيف يلقيها أمامها مع لمسة خفيفة من ابتسامة حلوة. # لم ينتظر طويلا؛ فقد اقترب موعد حضورها، إنها دقيقة جدا ~~ومنظمة؛ فهي تعيد كل الكتب في موعدها المحدد، التاسعة والنصف ~~صباحا، كما أن الكتب تعود وكأنها لم تمس، وهذا نادرا ما يحدث ~~مع الزبائن الآخرين. # تسلم الكتب منها، شكرها بلباقته المعتادة، تصفح الكتب ~~متظاهرا أنه يتفقدها، أخفى رأسه خلف شاشة الكمبيوتر، انتظر ~~دقيقتين وهو يمثل تقليب نظره فيها، ثم نظر إليها أخيرا وقال ~~وهو يعلم تماما من هي: «سما صايغ؟» أومأت رأسها بالإيجاب، أخذت ~~تعصر يديها، وتنشغل بالنظر يمينا وشمالا، راقبها مستحليا ~~ارتباكها، ضغط بضعة أزرار على الكمبيوتر، ماطل قدر ما يستطيع، ~~فتح درج مكتبه، أخرج هويتها وأعادها إليها. # أخذتها وهي تشكره، التفتت تنظر إلى الكتب، خطت إلى الداخل ~~بضع خطوات، لم يلاحقها كعادته مع الصبايا الأخريات، كلا إنها ليست ~~من هذا النوع. انتظرها دقائق، فعادت بكتابين، قالت وهي تعرضهما ~~له: «بأيهما تنصحني؟» رفع كتفيه مبتسما وقال: «لا يمكنني ~~المزاودة على ذوقك الجميل في اختيار الكتب، ثم إن لكل قارئ عشقه ~~الخاص.» # 6 # في صباح أحد الأيام كنت متحمسة جدا لألتقي جدو نور حتى ~~أخبره بما حدث معي في الدرس الديني، وما توصلت إليه، لكنني ~~تذكرت أنني لم أقرأ بعد الرواية التي أعارني إياها، استللتها ~~من الدرج وأخذت أقرأ: «الخيميائي»، تذكرت أن جدو نور قال ~~إنني سأحب هذه الرواية، وإن كاتبها برازيلي. أغمضت عيني وأخذت ~~أتخيل كتابا يخرج من البرازيل ويطير عاليا ويعبر المحيطات ~~والقارات ليصل إلي، ابتسمت وفتحت عيني وبدأت القراءة. كانت ~~الرواية ساحرة بكل جزء منها، وكلما توغلت فيها أكثر ازداد ~~تعلقي بها وشوقي إلى إنهائها على الرغم من أعمال المنزل واضطراري ~~إلى تركها مرات كثيرة؛ فقد زارتنا عمتي وأولادها في ذلك اليوم، ~~كنت أحضر لهم القهوة والكتاب بيدي، أريد أن أعرف ماذا حدث؟ ~~وكيف؟ ولماذا؟ ms016 شدتني أجواء الرواية السحرية، وأسفار الشاب ~~«سانتياغو» ومغامراته وخساراته، والعلامات، والأسطورة الشخصية، كان ~~كل شيء يبدو لي رائعا مثاليا. كنت أحسد الشاب على حريته في ~~حياته، على أسفاره ومغامراته، وأنه امتلك الشجاعة ليلاحق حلما ~~رآه في النوم. # لم أتمكن يومها من الذهاب إلى جدو نور فعمتي لم تغادرنا حتى ~~وقت متأخر. وأنا لم أكن أريد الذهاب إليه حتى أكمل الرواية التي ~~لم يتسن لي إنهاء قراءتها حتى أوى الجميع إلى النوم. أعجبتني ~~كثيرا، وأخذتني إلى عالم جديد رائع، ورغم إعجابي الشديد بها، ~~فإنني في الوقت نفسه شعرت بالظلم وبالأسف على نفسي، ماذا لو أنني ~~تمكنت من السفر يوما ما وحدي؟! لو كنت شابا لفعلت ما يحلو ~~لي، كنت سأجوب العالم سعيا وراء حلمي، لكن أي حلم؟ ما هي ~~«أسطورتي الشخصية»؟ فكرت كثيرا وعزمت على أن أسأل جدو نور ~~غدا عندما أذهب إليه. # وحين حل مساء اليوم التالي، أخبرت أمي أنني سأزور جارنا، ~~قالت: «كلا، لن تذهبي؛ فعمتك ستأتي اليوم.» أجبت باستياء: ~~«مجددا؟ لكنها كانت عندنا البارحة.» قالت أمي مبتسمة: «نعم، ~~وسيأتي ابن عمتك أيضا، تعرفينه، إنه هنا في إجازة من عمله وبعد ~~أسبوع سيسافر، هو مستعجل جدا وجاهز تماما.» قطبت جبيني ~~أحاول استيعاب ما قالت ثم سألتها: «مستعجل على ماذا؟ وجاهز ~~لماذا؟» أمسكتني أمي من يدي وجلسنا، وقالت: «ألم تعرفي بعد يا ~~حبيبتي لماذا زارتنا عمتك البارحة واليوم أيضا؟» ولما لم أجب ~~أكملت: «ابن عمتك يعمل منذ أشهر في قطر، وأحواله من حسن إلى ~~أحسن، وهو هنا الآن في إجازة ليتزوج واختارك أنت عروسا له، وهذه ~~أفضل فرصة لذلك؛ فأخوك سعيد هنا أيضا، وفرحتنا ستكتمل ونحن ~~معا.» صدمتني كلماتها وفاجأتني كثيرا، وأول ما خطر لي حين ~~تذكرت سامر ابن عمتي نفوري منه، قلت لأمي: «ذلك المتعجرف ~~البغيض؟» عضت أمي على شفتيها محاولة إسكاتي، وتلفتت حولها ~~خوفا من أن يسمعني أبي. وقفت غاضبة وقلت: «ومن قال إني أريد ~~الزواج؟» أمسكتني أمي من يدي وأرغمتني على الجلوس وتفحصتني ~~بعينيها وقالت: «وهل هناك ms017 فتاة شابة جميلة مثلك لا تريد الزواج؟ ~~أتنوين أن تعيشي حياتك كلها من غير زوج وبيت وأولاد؟» أجبتها: «لم ~~أقصد هذا، وإنما لا أفكر الآن بالموضوع، ثم إن سامرا بالتحديد ~~لا يروق لي، بل على العكس أجده ثقيل الدم ومتعجرفا جدا.» ~~أجابتني أمي: «إنه لطيف صدقيني، ثم إنك ستحبينه بعد الزواج، ~~أؤكد لك ذلك.» قلت: «آه، نعم صحيح!» ثم وقفت قائلة: «أريدك أن ~~تخبري عمتي أن تبحث لابنها عن عروس غيري.» وتوجهت إلى غرفتي ~~وأخذت الأفكار تجتاح رأسي من كل جانب. تذكرت ذلك الشاب ذا ~~الشعر الداكن الذي كان يعيرني الكتب، لم أكن قبل هذه اللحظة ~~أفكر في الزواج منه، كنت أتشوق لرؤيته فحسب، كان يمثل لي ~~الكمال والجمال والسعادة، لكنني الآن تمنيت لو أنه يأتي ليخطبني ~~من أبي، حتى أذهب معه بعيدا عن الجميع، لكن كيف لهذا أن يحصل وقد ~~مضى أكثر من عام على رحيله عن حارة بيتنا؟ كان الشعور بالقهر ~~يخنقني ويخلف مرارة في حلقي، فعزمت بيني وبين نفسي أن أبحث ~~عنه مهما كلف الأمر. # وما هي إلا دقائق حتى انفتح الباب ودخل أبي مسرعا وقرأت في ~~عينيه الغضب، عدلت من جلستي، وأخفيت دمعتي، فقال: «صحيح ما ~~سمعته؟ ما تريدين ابن عمتك يا بنت؟» لم أعرف بم أجيب؛ فقد كان ~~موضوع الزواج يحرجني، وخاصة بحضور أبي. صمت برهة، كان صوته ~~يترك صدى رهيبا في الغرفة. أخذت نفسا عميقا وقلت: «ليس عندي ~~شك في محبتكم لي وتعرفون مصلحتي، لكن أبي، أيرضيك أن تجبرني على ~~الزواج؟ وهل هذا عمل يرضي الله؟» تفاجأ أبي وظل صامتا لحظات، ~~وكأنما هدأ قليلا فتركني وخرج وهو يتمتم، وبقيت وحدي أحاول أن ~~أتنبأ بما سيحدث. # في المساء جاءت عمتي ومعها زوجها وابنها، وفي غرفة الضيوف جلسنا ~~معا كلنا، أبي وأمي وسعيد ونادر وأنا، شاهدت على الطاولة باقة ~~من الأزهار الجميلة. استرقت النظر إلى سامر، كان يرتدي بزة ~~رسمية بربطة عنق حمراء، وكان يضرب على الأرض بكعب حذائه اللامع. ~~كانت أمي تحدث عمتي، وأبي يحدث ms018 زوجها وابنها، وكنت أنا جالسة ~~بجوار أمي، لم أكن أسمع حديث الرجال فقد كانوا بعيدين عني قليلا. ~~حاولت التركيز في حديث أمي وعمتي التي لم تتوقف عن الكلام، وكانت ~~أمي تهز رأسها فحسب، سمعتها تتحدث بلا توقف عن الحياة في قطر، ~~وعن الرفاهية في السيارات والقطارات والأسواق والمهرجانات، وعن ~~الهدايا التي يجلبها لهم ابنها من هناك. شعرت بملل شديد، قمت ~~إلى المطبخ فلحق بي سعيد، سألني: «ما بك؟ هل تشعرين بما أشعر ~~به؟» قلت: «وبم تشعر؟» قال: «بالملل الشديد، من عمتك التي لا ~~يهدأ لسانها، ومن ابنها المتحاذق، ومن أبيه الأحمق.» ضحكت من ~~وصفه لهم، وسررت لوجوده إلى جانبي وإحساسه بي، وشعرت في داخلي ~~بالامتنان الكبير له، حينها دخلت أمي وقالت: «القهوة، أسرعي بها.» ~~شرعت بإعداد القهوة، وظل سعيد معي يدعمني وجوده، وحين حملت ~~الصينية لأخرج، حملها عني وقال: «أنا سأقدمها لهم، وأنت عليك ~~أن تكوني قوية وسأكون إلى جانبك، تأكدي من ذلك.» أخذت نفسا ~~عميقا وشعرت بالراحة والقوة ومشيت خلفه ودخلنا الغرفة. # باشر أخي بتقديم القهوة لزوج عمتي فقال: «أما وقد جاءت القهوة، ~~فدعونا نتحدث في المهم.» وما إن جلست حتى انبرت عمتي تحاول أن ~~تخلق جوا من المرح فقالت: «لا تتعجل يا أبا سامر؛ فالبنت هنا، ~~والبنات يخجلن، صحيح؟» ووكزتني في معدتي محدثة ضحكة عالية ~~مصطنعة، همست لي أمي: «اذهبي إلى أختك وأطعميها.» وحين هممت ~~بالنهوض، أسرع أبي بالقول: «اجلسي يا بنتي؛ فالكلام يخصك أنت.» ~~عدلت من جلستي، وأسندت ظهري وأنا أشعر بإحراج شديد، قالت ~~عمتي: «كما تعلم يا أخي فابني سامر، الله يخلي لك أولادك، يعمل في ~~أضخم الفنادق في قطر، ويتقاضى راتبا ممتازا، وقد استأجر بيتا ~~رائعا في بناء فخم وإطلالة جميلة، وقد ...» قاطعها أبي قائلا: ~~«سبق أن حدثتنا بهذا يا أم سامر.» فقال زوج عمتي متداركا ~~الموقف: «نعم، نعم، ونحن هنا لنطلب يد ابنتكم المصون لابننا على ~~سنة الله ورسوله، وقد سبق أن وعدتنا خيرا، واليوم أتينا لقراءة ~~الفاتحة، والاتفاق على باقي الأمور.» تمتمت في ms019 سري وقلبي يرتجف: ~~«أي خير؟ وأية فاتحة؟» نظرت إلى أخي سعيد مستنجدة، فوجدته بدوره ~~ينظر إلي أيضا، أشرت له بعيني أن قل شيئا، فقال أبي على ~~الفور: «أهلا بكم في بيتكم وبين أهلكم، أما السؤال الذي سألتموه ~~فاسمعوا جوابه من صاحبة العلاقة، ها هي أمامكم فاسألوها.» حملقت ~~عمتي عينيها وقالت: «منذ متى يكون للصغار كلام في حضرة الكبار؟ ما ~~هكذا ربانا والدنا يا أخي، أم أنك نسيت الأصول؟» قال زوج عمتي: ~~«بل عين الصواب والأصول، دعينا نسمع منها رأيها؛ فهي العروس ~~والقرار قرارها.» # صمت الجميع وتحولت أنظارهم إلي، شعرت بحرارة في وجنتي، ~~قالت عمتي مقرة: «ها، السكوت علامة الرضى.» قال زوجها بنزق: ~~«اسكتي يا امرأة، دعيها تتحدث.» أخذت نفسا ونظرت إلى عمتي ~~وقلت: «عمتي، لن أنسى أبدا كم كنت وما زلت كريمة معنا، وكم ~~كنت أحب اللعب في فناء بيتكم مع بناتك اللاتي هن أخواتي، ~~وستظلين كذلك، إلا أنني في الحقيقة لا رغبة لدي بالزواج في ~~الوقت الحالي؛ فما زلت صغيرة.» ضربت عمتي على فخذها انزعاجا، ~~بينما أشاحت أمي وجهها، وظل أبي بلا انفعال، وساد السكون لحظات، ثم ~~قالت عمتي: «جيل آخر زمن، وما العيب فينا وفي ابني؟ ألف بنت ~~تتمناه.» فقال أخي سعيد: «لا عيب فيكم عمتي، أنتم خيرة الناس، وها ~~قد سمعت جوابها: ما في نصيب.» قال أبي قبيل أن تنطق عمتي التي ~~قامت واقفة تستعد لإكمال الحرب: «إلى أين يا أختي؟ وأنت يا ولد ~~الزم أدبك.» قالت: «أيرضيك ما سمعته منهما؟» حرك أبي يديه ~~وذراعيه أن ما باليد حيلة. قام زوج عمتي ممسكا بيد ابنه وقال: ~~«هيا بنا، بيتكم عامر، السلام عليكم.» خرجت عمتي وانتشلت باقة ~~الورد معها وأخذت تردد: «ستندمون، لن تجدوا أفضل من ابني، ~~دعوها عندكم حتى تعنس.» وزوجها يسحبها ويقول: «اسكتي يا امرأة، ~~اسكتي.» # أما إن سألتموني عن ابن عمتي العريس سامر وماذا فعل في كل هذه ~~الأحداث؟ فسأجيبكم بلا شيء، نعم، لم ينطق بكلمة، ولم يغضب، أو ~~ينفعل، فقط عندما مر من جانبي ms020 نظر إلي باحتقار. # وهكذا انتهى كابوس عمتي وابنها والزواج على خير، تنفست ~~الصعداء، وشكرت سعيدا على دعمه لي. وهنا عاد أبي إلى الغرفة بعد ~~أن شيع عائلة عمتي، وقال وهو يرفع إصبعه متوعدا: «ها نحن نخسر ~~بيت أختي بسببك، هذه المرة تركتك على راحتك، لكنها الأولى ~~والأخيرة، ما تريدين الزواج يا بنت؟» وخرج. # 7 # سعيد، أخي الكبير، يكبرني بأحد عشر عاما، يشبه جدي لأمي ~~كثيرا، مربوع القامة، شعره أسود مموج، ووجهه مدور وكذلك ~~أنفه، عيناه بنيتان صغيرتان ورثهما عن جدي، وبشرته حنطية، كان ~~شكله يتغير كثيرا من عام إلى عام، ويزداد وسامة كلما تقدم في ~~العمر، وكأنه ينضج على مهل فتظهر حلاوته شيئا فشيئا. هو أخي ~~وصديقي وأبي، صاحبني أيام طفولتي، وعلمني كثيرا، وعوضني عن ~~حنان أبي الذي كان حاضرا غائبا. أذكر مرة أنني دخلت إلى البيت ~~عائدة من المدرسة، فوجدت أبي في البيت على غير العادة، نظر إلي ~~باستغراب كبير وقال: «لماذا يا بنت غيرت لباسك المدرسي؟» ظننته ~~مازحا فضحكت، لكن ملامح وجهه الجامدة جعلتني أوقن أنه كان ~~جادا، كانت أمي هي من أجابته: «البنت صارت في الثانوية، ما ~~تريد لها أن تكبر؟» رمش بعينيه وظل صامتا، كيف يعلم في أي مرحلة ~~أنا، وجل وقته انصب على تجارته التي هي إرث العائلة الثمين؟ ~~ابتعد عنا كثيرا، وأنا نأيت بنفسي عنه أكثر، والتصقت بأخي سعيد ~~الذي رحل قبل عام، ففقدت برحيله جدار الأمان الرجولي الذي كنت ~~أستند عليه، أكان عليه أن يتركني؟ وأنا إلى من ألتجئ؟ اليوم أشعر ~~بحاجتي إليه أكثر من أي وقت مضى. صحيح أنه يتصل بي ويراسلني ~~بشكل شبه يومي، لكن ما عدنا كما كنا، حلت اللهفة لسماع صوته ~~محل السكينة للحديث إليه، ونازعني فيه والداي وإخوتي، بعد أن كنت ~~أستأثر به وحدي، أصحيح كما يقولون إن البعيد عن العين بعيد عن ~~القلب؟ # كنت أختلف عن سعيد في كثير من الأمور، هو يبسط، وأنا ~~أركب، هو يحزم، وأنا أتردد، ومع ذلك كنت أطمئن للحديث إليه، ~~وأعلم أنه ms021 سيفهمني جيدا كما أنا، لا كما يريد أن يتصور هو. بعد ~~الثانوية التحق سعيد بمعهد تجاري هربا من الخدمة الإلزامية لا ~~حبا في التعليم، وللسبب ذاته رحل عنا. كان يمثل لي الجانب ~~المتزن الصارم من الحياة، لا أذكر أنه خرج للعب مع أصدقائه، أو في ~~سهرة شبابية، ولم تكن لديه هواية يمارسها، ولم ينتسب لأي ناد ~~رياضي ولا يتابع مباريات كرة القدم المهووس بها أخي نادر. كان ~~يستجيب لمطالب أبي بلا جدال، وكان أبي يحبه ويفضله على نادر. ~~لم يرسب في أية مادة في المعهد، بل كان ينال أعالي الدرجات على ~~الرغم من نفوره من التعليم؛ الأمر الذي طالما حيرني. # ذات ليلة وجدت غرفته مضاءة إضاءة خافتة، اقتربت من الباب، ~~أصغيت، وسمعت نحيبا يخترق القلب، هممت بالدخول لكنني امتنعت ~~حفاظا على خصوصيته وعلى نفسي؛ فما كنت أقدر على تحمل رؤيته في ~~هذه الحالة. في الصباح عاد سعيد إلى طبيعته، رباه! إنه يضحك ~~ويثرثر كما لو أن ما حدث البارحة من نسج خيالي! أيعقل أن يكون ~~وراء هذا الجلد والحزم قلب رقيق يبكي بحرقة؟ ولماذا؟ سافر ~~سعيد، وسافر سره معه بعيدا. # أما أخي نادر فهو يكبرني بأربعة أعوام، وهو على عكس سعيد؛ فمنذ ~~ولادته كان جماله يخطف الأبصار، هكذا حدثتني جدتي، شعره ~~أشقر ناعم، وعيناه واسعتان عسليتان وبشرته بيضاء متوردة. ~~ظهرت معالم رجولته باكرا فكبر دفعة واحدة، وازداد طولا حتى ~~إنه يضطر لثني رقبته في غرفة الضيوف ليتجنب كريستال الثريات ~~المدلاة من السقف، وهو الوحيد الذي نعتمد عليه كلنا في جلب غرض ~~علق في الأعلى، أو لإحضار ماكينة «الكبة» التي تحفظها أمي فوق ~~خزائن المطبخ. # كان نادر حبيب جدتي لأبي فهو يشبه كثيرا زوجها المتوفى الذي ~~رحل عنها وهي لا تزال صبية في الثلاثينيات وكانت قد أنجبت أبي ~~وأعمامي الثلاثة، من يومها عزفت جدتي عن الزواج ونذرت نفسها ~~لتربيتهم. كانت سيدة قوية، ولا تزال كذلك إلى اليوم؛ فعلى الرغم ~~من أنها تجاوزت الثمانين عاما فهي لا تزال تقضي كل احتياجاتها ~~بنفسها، ms022 حتى فنجان القهوة الصباحية لا يمكن أن تشربه إلا إذا ~~أعدته هي شخصيا؛ فلا أحد يعرف كيف تغلى القهوة «على الأصول» ~~بحسب رأيها. # ولأن نادرا يشبه جدي فقد أحبته جدتي وفضلته علينا، ~~كانت تميزه بقبلاتها وإطرائها وتشتري له أجمل الثياب والهدايا، ~~حتى إنها لم تسمح لوالدي بأخذه معه إلى العمل، وكان أبي يقول لها ~~دوما: «لا تفسدي الولد يا حاجة.» لكن تنبيهاته لم تكن تجدي ~~نفعا، فنشأ نادر مدللا متواكلا، لكنه كان متوقد الذكاء ~~نبيها، إلى جانب وسامته وطوله مع كتفين عريضين وشعر أشقر ~~ناعم. # كنت أتشارك مع نادر في الشغف بتربية الحيوانات وجلب مختلف ~~أنواعها إلى البيت؛ قطط ضالة، وسلاحف صغيرة، وعصافير ملونة، ~~وأرانب، وصيصان. وكان سعيد يوبخنا بقوله: «حرام عليكم، دعوها ~~تعيش بحرية.» وكان يرد عليه نادر: «لو تركناها لماتت فورا، على ~~العكس نحن نطيل أعمارها ونعتني بها.» وكنت كلما نفق أحدها وجدت ~~نفسي أدخل في حالة من الحزن والكآبة الشديدة، وخاصة تلك السمكة ~~الذهبية التي ما زلت إلى اليوم أذكر كيف وجدتها طافية على سطح ~~الماء وقد فارقت الحياة. أصبت يومها بغثيان تبعه إعياء ~~وإقياء حتى إن أمي حلفت على نادر بعدم إحضار أي نوع من ~~الحيوانات بعدها، لكنها كفرت عن يمينها بعد أيام ~~بالطبع. # وعلى خلاف توقعاتنا جميعا فقد أحب نادر الدراسة، وكان ذكيا ~~ينال أعلى الدرجات بأقل مجهود، وبعد الثانوية العامة اختار نادر ~~قسم الكيمياء الحيوية. كان رأسه مزروعا بأفكار جدتي التي طالما ~~ذكرتنا وتظل تذكرنا أن لنادر مستقبلا علميا مرموقا، وأن ~~العمل والتجارة لا تناسبان وجهه الجميل. وهكذا نشأ نادر طفلا ~~مدللا وشابا مجتهدا، لا أدري كيف اجتمعا، لكنني أعلم أنه طالما ~~أغاظني، وكنت الوحيدة التي تعانده وتتشاكل معه. # أما فاطمة أختي الصغرى، التي جاءت إلى الدنيا خطأ، بحسب رأي ~~جدتي حين علمت بحمل أمي بها، فهي بمثابة ابنتي؛ فقد شهدت ~~ولادتها وساهمت كثيرا في تربيتها، وكانت ولا تزال مثل فلقة ~~القمر تفوق بجمالها أخي نادرا، وجهها مدور، وبشرتها ناصعة ~~البياض بعينين زرقاوين وشعر ms023 أشقر مجدل. وكثيرا ما كنت أسمع ~~جدتي تحدث عماتي بأن فاطمة سينطلق نصيبها قبلي نظرا لجمالها، ~~ربما؛ فما كنت أملك بشرتها الناصعة، ولا شعرها الأشقر ~~اللامع. # 8 # ذات مساء عدت إلى رواية «الخيميائي» أحاول أن أستعيد توازني ~~الذاتي، استحضرت بعض عباراتها التي أثرت في أكثر من غيرها: ~~«كل كائن على هذه الأرض يؤدي دورا أساسيا في كتابة تاريخ هذا ~~الكون، لكنه لا يدرك شيئا من هذا الواقع.» فكرت قليلا، ربما ~~هذا غير صحيح تماما بالنسبة إلى الناس كلهم، أما عن نفسي فأريد أن ~~أصنع شيئا مميزا؛ فقد مللت من كل الأمور العادية التي تحدث معي ~~ومع الآلاف غيري في هذا الزمن وفي الماضي، وستتكرر هي نفسها في ~~المستقبل. شعرت أننا نسخ متكررة لنمط واحد، تخيلت مئات ~~الفتيات يتزوجن بأبناء عماتهن أو أعمامهن، ينجبن، ويربين، ~~وينجبن المزيد ويربين ويكبرن ويشخن ويمتن. كنت سأكون واحدة ~~منهن لولا أن الشجاعة كانت حليفي في المرة الماضية، وكم أخشى أن ~~تخونني في المرة القادمة. حسنا، وماذا بعد؟ ماذا عن أحلامي؟ عن ~~حريتي؟ عن حبي؟ ماذا عن أسطورتي الشخصية؟ لكن ألا أريد أن أتزوج ~~وأنجب ويكون لي بيت خاص وأسرة سعيدة؟ فتحت الفيسبوك وكتبت: # العقبات في الطريق كثيرة، واحدة تزيحها لتكمل، والأخرى ~~تبقيها لتصعد. # شعرت برغبة كبيرة في لقاء جدو نور، لم أفكر كثيرا، هاتفته ~~على الفور، فوافق على حضوري، جهزت نفسي وأختي، حملت الكتاب ~~وخرجت. # كان في انتظاري خارج منزله، سلمت عليه، فناولني مفتاح بيته، ~~وقال: «خذي، سأغيب قليلا، لن أتأخر، ادخلي المكتبة وتصرفي كأنك ~~في بيتك، إلى اللقاء.» وقبل أن أنطق وجدته قد رحل، شيعته ~~بنظراتي، كان يمشي بخطوات عريضة وسريعة، عجبت له بالنظر إلى كبر ~~عمره. توجهت إلى العمارة، فتحت الباب بحذر شديد، فأصدر ~~أزيزا مزعجا، دخلت وأغلقته خلفنا، وكأنما تملكني شعور ~~بالحذر الشديد فأخذت أمشي بخفة على الأرض وأومئ إلى فاطمة ~~بالسكوت. لم أسأل مرة جدو نور عن عائلته، هل زوجته نائمة الآن؟ ~~ماذا عن أولاده؟ تذكرت أنني لا أعرف شيئا عنه، ms024 وفي المرات التي ~~زرته فيها، لم أر يوما أحدا آخر في بيته. أخذت أتخيل كيف ~~سيكون موقفي لو دخل علي الآن أحد أفراد عائلته، ليتني لم أقبل ~~الدخول إلى بيته بعدم وجوده، لكن هذا لا ينفع الآن. # دخلت إلى المكتبة، كانت معتمة كالعادة، فتحت الستائر فالتمع ~~الخشب تحت ضياء النهار. وضعت أغراضي على الطاولة المستديرة، ~~وأعطيت أختي أوراقا وأقلام تلوين، وتوجهت ناحية المكتبة حيث ~~قسم الروايات. كانت الأرفف نظيفة تماما، نظرت إلى الأعلى ووقفت ~~على رءوس أصابعي، لكنني لم أستطع الوصول إلى الرفوف العليا. سحبت ~~كرسيا ووقفت لألقي نظرة، المزيد والمزيد من الروايات لكنها ~~قديمة وشبه مهترئة. توقف نظري عند رواية ضخمة «البؤساء» ~~تذكرت أنها رواية مشهورة من الأدب العالمي، علي إذن أن ~~أقرأها. سحبتها ونزلت ووضعتها على الطاولة، بدأت في قراءتها، ~~وحين وصلت حتى الصفحة الثلاثين فكرت في أن لدي الوقت الكافي ~~في البيت لإكمال القراءة، أما الآن فعلي أن أكتشف المزيد. ~~استثارني الفضول لأعرف أكثر عن جدو نور، كان هناك مكتب صغير يقبع ~~في إحدى الزوايا، عليه صدفة كبيرة، ومصباح ومنفضة والكثير من ~~الأوراق. نظرت إلى الأسفل وإذا بثلاثة أدراج، هل أفتحها؟ سيكون ~~ذلك تصرفا سيئا، لكن سألقي نظرة واحدة فقط، لن ألمس شيئا، ~~وهكذا أقنعت نفسي بفتحها، فتحت الدرج الأول وإذا به المزيد من ~~الأوراق وكتاب بلغة أجنبية، أغلقته وفتحت الثاني، وجدت علبة ~~مخملية خضراء باهتة اللون، ومن غير تردد فتحتها، يا إلهي! ما ~~هذا؟ لم تقع عيناي على أجمل مما أرى! كانت قلادة فضية يتوسطها ~~حجر أزرق بلون السماء رائع الجمال، أمسكتها بيدي فأخذت تلتمع ~~تحت أشعة الشمس، وتتوهج بأنوار مختلفة الألوان. # في هذه اللحظة، سمعت طرقا على الباب، ارتجفت للصوت، فوقعت ~~القلادة من يدي، وبسرعة أعدتها إلى مكانها، وأغلقت الدرج، وركضت ~~نحو الباب وأنا أرتجف خوفا. فتحت الباب، واصطنعت ابتسامة لأخفي ~~توتري الشديد، سلم علي جدو نور ودخل متجهما، جلس على الكرسي ~~الهزاز وظل واجما. # أتراه اكتشف فعلتي؟ هل كان يختلس النظر من النافذة، ظل ms025 صامتا ~~ساهما دقائق حتى كأنه انتبه لوجودنا فرفع رأسه وتكلم مع فاطمة ~~وناداها فأتت إليه فأجلسها على حضنه ومازحها، أخبرته عن القلم ~~الذهبي وكيف أن سحره انتقل إلى يدها فتمكنت من الكتابة، أظهر ~~القليل من الحماسة، ثم التفت إلي وقال: «ما أخبار قراءاتك؟» ~~«جيدة» أجبته بسرعة، فتمتم: «جيد.» ولم يقل بعدها أي شيء. كنت ~~في حيرة منه ومن نفسي، لم يكن على عادته، ولم أكن أنا أيضا على ~~طبيعتي؛ فقد كان الخطأ الذي ارتكبته مكتوبا على جبيني، أحسسته ~~يرشح مني، فقررت الهروب قبل أن يسألني أي شيء. أخرجت رواية ~~«الخيميائي» من حقيبتي، أعدتها إليه وقلت: «شكرا لك لقد ~~أنهيتها.» قال: «حقا؟ أعجبتك؟» أجبته: «كثيرا، أود الحديث ~~عنها معك لكن ذاهبتان الآن.» رفع يده مودعا، وهكذا خرجنا، ولم ~~أكد أرى السماء حتى تنفست ارتياحا، أعادها إلي وقال: «قراءة ~~ممتعة.» فلملمت أغراضي وأمسكت بيد فاطمة وقلت: «شكرا لك، نحن ~~في وقت لاحق ربما.» فقال: «ربما.» نظر إلى يدي الأخرى، كنت أحمل ~~رواية «البؤساء»، بادرته بالقول: «سأستعير هذه من بعد إذنك.» ~~أمسكها وراح يتأملها لحظات وهو يبتسم بشرود، ثم وكأنني نجوت ~~من عقاب محتم، مشيت إلى البيت وشيء واحد يشغل بالي «القلادة ~~ذات الحجر السماوي». # 9 # الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، كان نادر يسير مع أصدقائه في ~~أحد شوارع حي الشهباء الراقي، كانوا يتناولون المثلجات، ~~ويحتفلون على طريقتهم، فقد أنهوا صباح اليوم امتحانات الثانوية ~~العامة. صحيح أن النتائج لم تظهر بعد، ولا يدري نادر ولا أصدقاؤه ~~ما إذا كانوا قد نجحوا أم لا، لكنهم مع ذلك يحتفلون تفاؤلا ~~بنجاح غير مؤكد، أو خلاصا من شبح الامتحانات الذي جثم طويلا ~~على صدورهم، وعلى صدر كل بيت فيه طالب ثانوية «بكالوريا». # كان الليل حلوا كحلاوة المثلجات وكحلاوة مشاعر شباب استقبلوا ~~للتو أول عطلة صيفية لهم بعد انتهاء رحلة المدرسة الطويلة التي ~~استهلكت طفولتهم وشيئا من شبابهم. كانوا يتحدثون عن الحياة ~~الجامعية، عن الصبايا الجميلات اللاتي سيتسنى لهم لأول مرة ~~الاجتماع بهن، عن الرحلات والمغامرات الموعودين ms026 بها في الجامعة أو ~~في المعهد على أقل تقدير. كان نادر الوحيد من بينهم صاحب الخبرة ~~الأكبر في هذا المجال؛ فكثيرا ما كان أخوه الذي سبقه إلى المعهد ~~يحكي له الحكايا، وكان بدوره ينقلها لأصدقائه مازجا الكثير من ~~الخيال مع القليل من الحقيقة. أخذ نادر يلتقط لنفسه ولأصدقائه ~~صورا بالكاميرا الرقمية الجديدة التي حصل عليها مؤخرا من خاله ~~المقيم في أمريكا، كانت كاميرا حديثة بتقنيات متطورة. اتخذ نادر ~~مع أصدقائه وضعيات كثيرة لالتقاط الصور؛ استلقوا على الشارع، ~~حملوا واحدا منهم على الأكتاف، تسلقوا جدران إحدى الفلل ~~الفاخرة، وراحوا يراجعون الصور ويضحكون. # كان الشارع خاليا إلا من نسمات صيفية باردة وأصوات ضحكاتهم، ~~وكأنما احتجت أرواح الأرصفة والأشجار والأبنية على فرحهم الطاغي، ~~فاستجاب لها حظهم العاثر، وكان أن عبروا أحد الشوارع الخالية، ~~ومثل حب يأتي على غفلة ظهرت سيارة فارهة تشق الطريق، وفي ~~لحظة واحدة شهقت فراملها مصطدمة بنادر فأوقعته أرضا، ~~وتوقفت. # التم الأصدقاء بصراخهم وصيحاتهم حول نادر، لكن إصابته لم تكن ~~خطيرة؛ فلم تكن السيارة مسرعة على أية حال. استشاط أحد الشباب ~~غضبا، فاتجه إلى السيارة سبا وشتما، في هذه اللحظة فتح بابا ~~السيارة دفعة واحدة وظهر رجلان، فابتلع الجميع ألسنتهم من مظهرهما ~~المميز، وتراجع الشاب الغاضب محتميا بأصدقائه المجتمعين حول نادر ~~الذي ابتلع بدوره ألمه وصمت. ~~«من تفكر نفسك يا ولد؟» قال أحدهما من خلف نظارته السوداء ~~بصوت أجش بينما اكتفى الآخر بوضع يديه خلف ظهره وهو ينظر يمنة ~~ويسرة، وقبل أن ينطق نادر بكلمة عاجله الرجل بقوله: «هات ما ~~بيدك.» ولم ينتظر أيضا، إنما أشار إلى صاحبه بإيماءة من رأسه، ~~فانقض الآخر عليه على مرأى من أصدقائه الذين انشلت حركتهم ~~وألسنتهم تماما لهذا المشهد الذي ما كانوا يتوقعون رؤيته إلا ~~في مسلسلات الكوميدية. وفي أقل من دقيقة كانت كاميرا نادر في ~~يده. ~~- ما هذه؟ ~~- كاميرا. ~~- ماذا تصورون؟ ~~- آنا، أنا وأصدقائي نلتقط صورا لنا. ~~- هات هويتك. ~~- نعم؟ ~~- هويتك يا ولد. # مذهولا أخرج نادر محفظته وناوله هويته، فانتشلها من يده، ~~تفحصها ms027 جيدا، واتجه وصاحبه إلى السيارة، مد نادر يده وصرخ: ~~«لكن يا سيدي، الهوية الله يوفقك.» لم يجب الرجل بل التفت مع ~~صاحبه عائدين إلى السيارة، وزمجر المحرك بصوته، وانطلقت ~~السيارة بمحاذاة نادر الذي ما يزال غارقا في الدهشة. # دخلت العائلة بعدها في دوامة لمدة أشهر طويلة لاستعادة ~~الهوية، في خلالها انتهت مدة التسجيل في الجامعة، وتأخر نادر ~~بسبب ذلك سنة دراسية كاملة. وفي خلالها أيضا جند والد نادر ~~لهذه المهمة كل الوسائل التي يطولها من وساطات ومعارف لاسترجاع ~~الهوية. # وبعد كثير من الجهد عادت الهوية؛ فبعد أن سلك والد نادر كل الطرق ~~التي يطولها تبين له أن الطريق الوحيد الذي لم يسلكه هو ~~الأصلح؛ فقد تمكن من لقاء ضابط ذي رتبة عالية، وأخلاق طيبة ~~على خلاف الذين التقى بهم سابقا، وقد تفهم الموقف جيدا وفي ~~الأسبوع نفسه عادت الهوية. وحين علم الضابط بالقصة وعد بمعاقبة ~~الشخصين اللذين قاما بإيذاء نادر واحتجاز هويته. # وصحيح أن نادر عاد إلى الجامعة، وانتهى كابوس المعاملات ~~والأوراق والطوابع والرشاوى، وعاش نادر سنواته الجامعية بشكل ~~اعتيادي، لكنه ما كان يدري أن شيئا ما كان ينتظره في أكثر لحظات ~~حياته حسما، وأن النار التي اعتقد أنه أخمدها كانت لا تزال مختفية ~~تحت الرماد تنتظر الشرارة الأخيرة لتشتعل وتحرق كل شيء. # 10 # في الأسابيع التالية ذهبت مع أمي إلى الدرس الديني، كان على ~~عادته، النسوة والآنسة والمواعظ. قررت أن أواظب على الحضور، ~~لكنني هذه المرة لا أريد أن أهزم أحدا، أو أن يهزمني أحد، أريد أن ~~أعرف أكثر وحسب. رأيت تلك الفتاة النحيلة، كانت تبتسم كلما نظرت ~~إليها، وكنت أبادلها الابتسام. # ثم عدت إلى قراءتي لرواية «البؤساء»، التي كانت طويلة، ~~فاستغرقت أياما لإنهائها. كانت تتحدث عن الظلم الاجتماعي في فرنسا ~~في القرن التاسع عشر، أحببتها، شعرت باختلافها عن كل ما قرأت، ~~وعرفت كيف استحقت أن تكون من الأدب العالمي. من أجمل عباراتها: ~~«أنت تنظر إلى النجم لسببين؛ لأنه متلألئ، ولأنه غامض لا يرقى ~~إليه الإدراك.» هكذا هي الأحلام، ms028 تشدنا بروعتها وسحرها، ثم تغيب ~~مع ضوء النهار لتعود إلى البريق ليلا حين ينام كل شيء، ولا يبقى ~~سوانا، تجابهنا بحقيقتها، وتذكرنا بروعتها، وتتحدانا ~~لبلوغها. # حين وصلت إلى الصفحات الأخيرة من الكتاب وجدت ورقة مطوية ~~بإحكام، كانت رقيقة ومخبأة جيدا بين طيات الكتاب، انتزعتها ~~برفق حتى لا تتمزق؛ إذ يبدو أنها ملتصقة بالصفحات بفعل الرطوبة. ~~عاودني الفضول مجددا، لكنني الآن أكثر شعورا بالأمان، وأبعد عن ~~التردد، فتحتها بحذر، كان الكلام واضحا مكتوبا بخط دقيق ~~بقلم أزرق جاف وقد كتب في الأعلى: «كتاب الوداع»، وهذا نص الكتاب: # أكتب إليك كتابي هذا، والدمع يمنع عني الرؤية، فأجد ~~صعوبة في تمييز الأحرف والكلمات، أعرف تماما ما أود قوله ~~لك، في جعبتي الكثير، وفي قلبي ألم كبير. سأختصر لأقول: ~~اشتقت إليك، وشوقي يقتلني. لو كنت بعيدا عني لهان ذلك، ~~لكنك بجانبي، تنظر إلي، تسمعني، تحدثني، وأظل أشتاقك ~~وأنا أقرب ما أكون إليك. ليس شوقا عاديا، إنه شوق ~~ممزوج بيأس، وحب ممزوج بكره، لست أدري كيف اتفق هذا، ~~لكن هذا ما يجول في نفسي ويأكل روحي. الألم ينخر كل زاوية ~~في، في جسدي وروحي وعقلي. أشعر أن الكون ينهار على رأسي ~~وأنني في عتمة تامة، إنه ألم محض يكويني لكنه للأسف لا ~~يزهق روحي. أكرهك لأنني مجنونة بحبك، أكره حبي لك، ~~وددت لو أن لي القدرة على إلغاء ذاكرتي، لو حصل هذا لكان ~~من أكبر النعم علي. أعترف أني خطر ببالي مرة أن ألقي ~~بنفسي أمام إحدى السيارات المسرعة حتى أتخلص من الشعور ~~بك! # أواه أواه! كيف يبلى القلب ممن يهواه؟ # أيتها السماء اسمعيني، أيتها الأشجار والجبال والعصافير ~~ارفقي بحالي وواسيني. يا قلعة حلب، يا جامعها الأموي، يا ~~شوارعها المرصوفة، وأسواقها المسقوفة، ارفقوا بحالي، ~~احملوا جزءا من آلامي، خذوني إليكم، ضموني بحنانكم؛ ~~فأنا متعبة. ما لي أجد الكلمات تنثال على الورقة بلا ~~توقف؟ وكأنما يتوالد الشعر حين يحتضر الحب وتكثر ~~خيباته؟ وداعا، أقولها لك لأن الشوق يأكلني. وداعا ~~حفاظا على روحي، علني ألقاك يوما أو ms029 لا ألقاك لست ~~أدري، سأترك الأقدار تفعل ما تشاء. # حلب، 13 آب، 1994م # تأملت الورقة طويلا، وأعدت قراءتها مرات عديدة، شعرت ~~بالأسف تجاه كاتبتها، من تراها تكون؟ ماذا فعل جدو نور بعد أن قرأ ~~هذه الرسالة؟ أي ألم يفيض من الكلمات! كم كانت جريحة؟! هل عادت ~~إليه أم لا؟ أتراه ظلمها؟ أم ماذا؟ ثم شعرت بشيء غريب، أحسست ~~بمسئوليتي تجاهه، أن علي أن أفهم أكثر وأعرف أكثر، لكن الرسالة ~~مضى عليها ستة عشر عاما تقريبا، إنها فترة طويلة جدا، ماذا ~~علي أن أفعل؟ هل أتجاهل الموضوع وأعيد الورقة إلى مكانها وكأن ~~شيئا لم يكن؟ أم أسأله عنها؟ نظرت في التاريخ مرة أخرى، الثالث ~~عشر من شهر آب، نظرت إلى التقويم، قلبت الأوراق الماضية، ~~الثالث عشر من آب! إنه اليوم الذي ذهبت إليه المرة الماضية، هل ~~هذه مصادفة حقا؟ وهل لهذا علاقة بمزاج جدو نور السيئ ذلك اليوم؟ ~~تذكرت القلادة ذات الحجر الأزرق السماوي، وعاد إلي الفضول، كتبت ~~في الفيسبوك: # أن تكون فضوليا يعني أن تقع في المتاعب، وفي المعرفة ~~أيضا. # | الفصل الثاني # 1 # 1986م # وكم أعجب من قرطها اللؤلؤي، حبتان من اللؤلؤ لا تفارقان ~~أذنيها، أتراهما تهمسان لها من الغزل والدلال بالقدر الذي ~~يرضي غرورها فلا تخلعهما؟ أيعجز الإنسان أن يبتكر من معاني ~~الحب والجمال ما يضاهي به حبتي لؤلؤ؟ أم أن البريق الذي ~~تمنحانه لها آثر عندها من حبي البائس؟ # ويا لحظ ذلك الخاتم الذي يلف إصبعها ويتوسط كفها ~~اليمنى! أتراني أبتذل الكلمات حين أغبطه وهو يلامس حلاوة ~~شفتيها، ويستريح على حرير وجنتيها؟ ويرقبها وهي تسبح في بحر ~~النوم متنقلا بين خصلات شعرها؟ ما لي ولهذا الخاتم؟ ولم ~~يثيرني؟ وأنا من يشغل حيزا من تفكيرها، لا هو، أحقا أكون ~~كذلك؟ أتراني أخطر على بالها؟ # أنهى القراءة وأخذ يرمق أثر كلماته عليها، لكنها ~~كعادتها ظلت تبتسم، رفعت يدها إلى أذنها تداعب قرطها اللؤلؤي في ~~حركة ساهمة، وانحنت برأسها خجلا إلى الأمام أكثر، فانثالت خصلة ~~من شعرها المموج على وجهها حاجبة ms030 عنه رؤيته، يا للروعة! كيف ~~يمكن للجمال أن يختصر في انحناءة، وطيف ابتسامة، وخصلة شعر ~~تعبث في قلب ولهان؟! وكيف للحب أن يسري في يده التي تزيح خصلة ~~الشعر عن وجهها فتعاود الانسدال، وتعاود اليد حركتها، والحب ~~يتردد ما بين رفع وانسدال؟! # وها إن اليد قد قاربت الوجنة الوردية كثيرا فما ضرها لو ~~لامستها؟ لتحس بالنور الساحر المنبثق عنها، لتغوص في العذوبة ~~وتذوق حلاوتها الطاغية؟ وبظاهر أصابعه حاول الملامسة لكنها أشاحت ~~بوجهها هامسة بنبرة عتب حلوة: «نوار!» من الجيد أنه لم يفعل، كان ~~يفكر وهو يرقب وجنتيها اللتين هما من الرقة والعذوبة بحيث لو ~~لامسها النسيم لتسبب في جرحها، فكيف بيده؟ وها قد ازداد ورد ~~الوجنتين حمرة وألقا، وزاد في قلبه ولها وإكبارا وعشقا، ~~فابتعد عنها إلى الوراء خطوة، واقترب منها في روحها رتبة، وقال: ~~«ها، ما رأيك؟» فقالت بدلال: «بماذا؟» فتجاهل سؤالها وأجاب على ~~دلالها: «بحبي؟» فارتمت أروع الألحان وأجمل النغمات في صوتها ~~فضحكت فرحا، وضحك هو طربا. # شهران مرا، والسعادة تتهادى على مهل بين قلبيهما، يلتقيان ~~في الزمان؛ فكل الزمان لهما، ولم العجلة؟ قلب أنثوي رقيق كرفة ~~فراشة تناغم مع روح رجولية شغوفة كدهشة طفل. ويتواعدان في أي ~~مكان؛ فكل مكان لهما، والحب خلاق، يتوجهما ملكين فيتلاشى ~~كل شيء؛ ما كان وما سيكون، الأسباب والعلل والنتائج، الحركة ~~والسكون، ويمحو في عينيهما كل شيء سواهما، يصبحان ويمسيان ولا ~~أحد أسعد منهما؛ فحبهما نادر لا مثيل له، وكذا شأن المحبين. # 2 # في اليوم التالي قررت الذهاب إلى جدو نور؛ فقد مضى على زيارتي ~~الأخيرة له عشرة أيام، هاتفته فلم يرد، لكنه عاود الاتصال بي. كان ~~مرحا هذه المرة ورحب بحضوري، وفي المساء خرجت مع فاطمة وذهبت ~~إليه. # استقبلنا بوجهه المبتسم الذي يبعث على الارتياح، وقادني إلى ~~المكتبة، فوجدت فيها شابين وفتاة. تفاجأت وشعرت بالإحراج، ~~ترددت في مشيتي، فأحس بذلك فقال: «تعالي، لا بأس، هؤلاء بعض ~~طلابي، من أفضلهم في الحقيقة، تفضلي أعرفك عليهم؛ أنس، وعبد ~~الله، وإنجي.» ونظر إلي وقال: ms031 «وهذه سماء وأختها فاطمة، أيضا ~~هما من أفضل الجيران، أسماء تحب القراءة وتأتي لتستعير من عندي بعض ~~الكتب.» لست أدري لم شعرت بخجل كبير، ابتسموا لي وأطروا ~~علي، وبادلتهم الابتسامة لكن لم أكد أنظر إليهم. وإنجي لم تكن ~~ترتدي الحجاب، لكن ثيابها كانت جميلة جدا، كانت ترتدي تنورة ~~طويلة بيضاء، وسترة ملونة مزهرة، وكانت تضع وشاحا ~~سماويا، آه! السماوي مجددا؟ كان شعرها أسود منسدلا على ~~كتفيها، كم كانت جميلة! شعرت تجاهها بشيء من الإعجاب والنفور في ~~آن معا، صافحتني وقالت: «في أي صف أنت؟» قلت: «نجحت من ~~الثانوية العامة أدبي.» قالت: «رائع، وأي اختصاص اخترت؟» فأحسست ~~بغصة، وأخذت الحرارة تنبعث من وجهي، فسارع جدو إلى القول: ~~«الحقيقة أنها لم تسجل بعد ولم تقرر. سعدت بوجودكم، ~~أتمنى أن تطلعوني على ما تنجزونه مستقبلا، أراكم غدا في ~~الجامعة.» وهكذا ودعهم ورحلوا. # كم كان لطيفا! قلت له بعد رحيلهم: «أشكرك.» قال: «على ماذا؟» ~~أجبته: «على إنقاذك لي.» حرك يده وقال: «آه، لا داعي، هل أنهيت ~~الرواية؟» أخرجتها من حقيبتي وقلت: «بالتأكيد، تفضل.» وأعدتها ~~إليه، والرسالة في مكانها الذي كانت فيه. أخذها من يدي ووضعها على ~~الطاولة، وقال: ها، هل من جديد تحبين أن تطلعيني عليه؟ كنت ~~المرة الماضية تودين الحديث عن الخيميائي، صحيح؟ ~~- نعم، في الحقيقة أعجبتني كثيرا، لكنني لست أدري كيف لي أن ~~أعرف ما هي أسطورتي الشخصية. أنت قرأت الرواية، صحيح؟ ~~- ليس بعد في الحقيقة. ~~- حقا؟ ~~- نعم، ويسعدني أنك قرأتها، بإمكانك أن تحكيها لي ~~الآن. # فكرت قليلا أحاول استرجاع تفاصيلها وبدأت أحكيها له وهو ~~يصغي مبتسما، وحين انتهيت سألته: «والآن كيف لي أن أعرف ما هي ~~أسطورتي الشخصية؟» أجابني: «وهل تعتقدين أن بوسعي معرفة ذلك؟ إنها ~~أسطورتك أنت، وعليك أنت اكتشافها.» شعرت بخيبة أمل من إجابته ~~لكنها استفزتني في الوقت نفسه فقلت: «وهل تعرفها أنت؟» التفت ~~إلي مبتسما وقال: «بكل تأكيد.» سألته: «وما هي؟» قال: «هذا ~~أمر يخصني.» أحسست بالقهر والغضب؛ فمن المفترض أن يعلمني لا ~~أن يتعالى علي، ثم تذكرت ms032 أنني أملك شيئا من أسراره، العقد ~~ذا الحجر السماوي، والرسالة، وهذان سلاحان لا بأس بهما. # تركته ومشيت نحو المكتبة لأفكر كيف أبدأ هجومي؛ فإجابته ~~الأخيرة لي أزالت كل تردد عندي في أن أخبره بأمر الرسالة على ~~الأقل، فلم أعد أشعر نحوه بأي أسى. ثم التفت إليه وقلت: «أريد ~~أن أخبرك بأمر.» فنظر إلي: «تفضلي»، أكملت: «لقد قرأت ~~الرسالة التي كانت مخبأة في الرواية: «كتاب الوداع»، وما إن ~~نطقت بالكلمتين الأخيرتين حتى عم السكون طويلا، وطويلا ~~جدا. عندها شعرت بندم كبير، كنت أنظر إليه، وكان ينظر إلى ~~الأسفل، وشفتاه ترتجفان رجفة خفيفة. لم أدر ما أفعل، لقد ~~أخطأت حتما، لكني أدركت ذلك متأخرا، ثم مشيت على الأرض ~~الخشبية بخطوات سريعة إليه وقلت: «أعتذر منك، لكنها كانت ~~مخبأة في الرواية فقرأتها رغما عني، سامحني أرجوك، سأرحل ولن ~~أعود إذا كان هذا يرضيك.» ولم أنتظر رده، أمسكت بيد فاطمة ~~وقلت: «هيا، نحن ذاهبتان.» امتنعت فاطمة وانتزعت يدها وقالت: ~~«لا، لقد وصلنا للتو.» نهرتها وقلت: «كلا، سنرحل.» هنا نطق ~~أخيرا وقال: «دعيها، لا بأس، بإمكانكما البقاء، لا تعتذري؛ فما ~~حدث حدث، تعالي اجلسي، سأحكي لك قصة الرسالة.» استجبت له بخجل، ~~وجلست في الكرسي الذي كان أمامه، وبدأ حديثه. ~~••• ~~«اسمها رندة، كنت في بعثة لإكمال دراستي إلى ألمانيا، ~~التقيتها في إحدى حدائق الجامعة، كانت جاثية على ركبتيها لتلتقط ~~كتابها من الأرض.» # وسكت قليلا، وسرح في خياله، وكأنما يغوص في ذاكرته بعيدا، ثم ~~أكمل: «خمنت من هيئتها أنها عربية، فتجرأت وقلت: «السلام ~~عليكم.» رفعت رأسها وكانت لا تزال جاثية، نظرت إلي بحاجبين ~~مرفوعين دهشة، وزهرة حمراء كانت تزين شعرها الكستنائي، ~~وسألتني على الفور «أنت عربي؟» كان هذا أول ما سمعته منها، ثم ~~عرفتها عن نفسي، وتحدثنا قليلا، كانت من تونس تدرس الفلسفة، ~~تقيم مع عائلتها في برلين منذ سنوات. في اليوم التالي رأيتها في ~~الحديقة نفسها، فجلسنا معا. وهكذا صرنا نلتقي كل أسبوع يومين أو ~~ثلاثة نتحدث لساعات في الحديقة، كنا نتكلم عن الواقع العربي، عن ms033 ~~وضع المرأة وعلاقتها بالرجل، عن بعض العادات الاجتماعية التي كانت ~~تنتقدها. أخبرتني أنها تحب سورية وتتمنى لو تزورها، أعجبت ~~بطريقة تفكيرها، بأسلوبها السريع في الحديث، وكأنما تزدحم الكلمات ~~والأفكار في رأسها فتلقيها كلها دفعة واحدة حتى لا تنسى شيئا. ~~وكثيرا ما كانت الأفكار تتداخل وتتوالد وتتشظى، وكنت أصغي لها ~~في أغلب الوقت؛ فهي من كانت تتحدث أكثر. كانت مغرمة بكل شيء ~~يتعلق بفرنسا، بثقافتها وأدبها ولغتها وطعامها، ووعدتني أن نزور ~~باريس معا يوما ما. وفي أحد الأيام أهدتني رواية «البؤساء» هذه ~~التي قرأتها أنت، كانت الهدية الوحيدة التي أهدتني إياها، وقد ~~كانت نسختها الشخصية. # كانت رندة مفعمة بالحياة، تحب أن تناديني «نوار»، أنستني ~~الغربة ووحشتها، وملأت حياتي بالحب والأمل والتفاؤل. وكان أن ~~أحببتها، هكذا بكل البساطة الممكنة، وكلما تحدثنا أكثر أحببتها ~~أكثر، ورحت أغوص في عقلها وأفكارها أعمق وأعمق، كانت شديدة ~~الحساسية لكل ما يحيط بها. أحيانا كنت أعتقد أنها تمتلك حاسة ~~غير عادية ونظرا فائقا، فترى ما لا يراه غيرها. كانت تبهرني ~~بكلامها على الناس، وعلى الكائنات والأشياء، كانت «تروحن» كل ~~شيء، وهذا ما زاد من تعلقي وإعجابي بها. ما زلت أذكر كيف كانت ~~تضع يدها الصغيرة على صدري وتقول: «يوما ما سيشع نورك يا نوار.» ~~كانت دائما تذهب للصلاة وحدها، على الرغم من أنها غير محجبة وهو ~~ما كان يثير استغرابي كثيرا في ذلك الوقت، وكنت أنتظرها. لم أكن ~~أصلي، ومن كان يصلي في برلين؟ فقد كنت مثل أي طالب عربي انتقل ~~إلى أوروبا، أما هي فقد كانت متفردة لا تشبه إلا ذاتها. # بقينا سبعة أشهر وأسبوعا معا، كانت هي أجمل أيام حياتي، كل شيء ~~فيها كان مثاليا، تراسلنا، وتحدثنا، لعبنا ومشينا كثيرا ~~وركضنا، أكلنا وشربنا وتنزهنا، ثم رحلت.» # عندها رن جرس الهاتف، كان أبي يسأل عني، نظرت إلى ساعة يدي ~~فوجدتها الثامنة والربع مساء، لم أشعر بمرور الوقت هنا، قال جدو: ~~«عليكما الرحيل، والدك قلق عليك.» أجبته بأسى: «لكنك لم تكمل ~~لي ما حدث معك.» قال: «لاحقا، ms034 ربما لاحقا.» وأردف: «خذي هذا ~~الكتاب حتى لا تعودي خالية اليدين.» وناولني كتابا دسسته في ~~حقيبتي وخرجنا عائدتين إلى البيت. # استقبلني أبي بغضب كبير، وأخذ يعنفني على تأخري وندمه في ~~أن سمح لي بالذهاب، وتوعدني بألا أعود إليه مجددا، واختتم كلامه ~~بقوله: «عار عليك، ماذا سيتحدث عنا الجيران الآن؟» وما دخل ~~الجيران فينا؟ وعن أي عار يتحدث؟ وماذا فعلت لأستحق هذا؟ دلفت ~~إلى غرفتي والقهر يخنقني، بكيت قليلا، كنت أظن أن أبي على حق؛ فقد ~~تأخرت فعلا، ثم تذكرت قصة جدو نور، كان الفضول لمعرفة ما حدث ~~معه الشاغل الأكبر لتفكيري. لم أتمكن ليلتها من النوم سريعا، ~~أخذت أتخيل رندة وجدو عندما كان شابا، شعرت أنني أحسدها على ~~تحررها وجرأتها، على حبها له وحبه لها، كيف لي أن أحب أحدا؟ ~~وأنا لا أرى ولا يراني أحد؟ وها قد حرمت رؤية جدو نور أيضا! ثم ~~أخذت أتخيل رندة بتنورتها الطويلة المزركشة، بشعرها الكستنائي ~~المجعد، وتضع وشاحا سماويا طويلا، أين رحلت؟ ولماذا؟ كانت ~~جميلة وممتلئة بحب صادق، لكن ما أدراني؟ وهل أعرف الحب أنا؟ ~~كتبت في صفحتي على الفيسبوك: # ليس الحب حظا أو قطعة حلوى، لكي تعرف الحب عليك أن ~~تحيا، ولكي تحيا عليك أن تحب. # الحياة شلال متدفق، وجود صخرة في وجه الشلال لا يعني ~~توقفه أبدا. # 3 # في الأيام والأسابيع التالية تجنبت الحديث مع والدي عن جدو ~~نور، مع أن قلبي كان يذوب شوقا لمعرفة المزيد. كنت أعلم أن الوقت ~~لم يحن بعد، وأنني لو طلبت الذهاب فسأقابل بالرفض. كانت ~~الأيام تسير كعادتها، أصحو من النوم لأساعد أمي في تنظيف البيت ~~التنظيف النصف سنوي وهو ما نسميه «تعزيل». كنا ننظف كل شيء ~~وأي شيء، الوسائد والشراشف والأثاث والجدران والأسقف والأبواب ~~والأرضيات والنوافذ. كنا لا نتوقف إلا لتناول الطعام، وحين يكون ~~أبي وإخوتي في البيت بالطبع، كان لا يحل الليل إلا وأنا في قمة ~~الإنهاك، فأنام سريعا. كانت أمي تحثني على العمل بقولها: «الشغل ~~«يجوهر» الصبية.» تعني أن أعمال المنزل تجعلني ms035 جوهرة! حسنا، لم ~~لا؟ أما عني فكنت أعمل لسببين آخرين؛ إذ ما من أحد سيساعد ~~أمي أولا، وثانيا لأنني قرأت أن أعمال المنزل أفضل رياضة، وكنت ~~أحب أن أظل رشيقة وجميلة! # في أحد الأيام دخل أبي صامتا على غير عادته ورمى بظرف أبيض ~~على الطاولة، تناولته أمي وفتحته، قطبت جبينها وناولتني ~~إياه. قرأت وإذا به دعوة لحضور حفل زفاف ابن عمتي سامر غدا، ~~يا إلهي! بهذه السرعة؟ علقت أمي: «أرأيت أي حظ أفلته من ~~يديك، هل قرأت في أي صالة؟ ومع عشاء أيضا، سعيدة الآن؟ فلنر ~~إلى أين ستأخذك أفكارك.» لم أعلق بشيء سوى أن قلت: «هنيئا ~~لهما.» في الحقيقة أحب حضور الأعراس، أحب الموسيقى الصاخبة وأن ~~أحدا لا يمكنه سماع أحد، وأن أرقص حد الإعياء، سألتني أمي: ~~«وهل ستذهبين؟» أجبتها على الفور: «ولم لا؟ بالتأكيد ~~سأذهب.» # في مساء اليوم التالي جهزت نفسي، وضعت القليل من مساحيق ~~التجميل؛ فلم تكن أمي لتسمح لي بالمبالغة فيها. لبست حذائي ذا ~~الكعب العالي ورافقت أمي إلى الصالة «الفخمة»، دخلنا فوجدنا ~~القاعة شبه خالية، أين الحضور؟ لقد قارب الوقت منتصف الليل ولم ~~تأت النسوة. هذا أفضل؛ فهو يتيح لنا الجلوس في أفضل مكان لنرى كل ~~شيء؛ المسرح حيث يجلس العروسان، وقوالب الكعك المزينة، والساحة ~~حيث ترقص النساء. جلست مع أمي وتحدثنا وبالكاد أسمعها وتسمعني، ومع ~~مرور الوقت علت الأصوات أكثر فأكثر، وتوالى حضور النسوة، ولم ~~تمتلئ الصالة حتى الواحدة صباحا؛ إذ كلما تأخرت أكثر يعني أنك ~~أرقى و«أكابر» أكثر! لا يهم، أخذت أراقب النسوة والفتيات اللاتي ~~يدخلن الصالة، كانت الواحدة منهن تمشي أسرع من السلحفاة بقليل، ولا ~~تلتفت يمينا ولا شمالا، ولا حتى ترى موقع قدميها، تتبختر في ~~مشيتها وهي تعلم أن كل الجالسات ينظرن إليها، إلى فستانها، وتسريحة ~~شعرها، وحذائها البراق، تجلس وتنتظر أي فرصة لتتحدث عن فستانها ~~من أين ابتاعته وكم دفعت ثمنا له، وعن الصالون الراقي الذي عملت ~~فيه شعرها وزينت وجهها، وعن حذائها الغالي الثمن، وهي بالطبع تصرخ ~~وتلصق فمها ms036 في أذن صاحبتها حتى تتمكن الأخرى من سماعها. كنت ~~أراقب وأضحك في داخلي، لا سيما وهي تقف وتدور حول نفسها ليراها ~~الجميع جيدا، وتظل جالسة تراقب حلبة الرقص بفارغ الصبر، تنتظر ~~من تشدها من يدها وتدعوها للرقص، فتتظاهر بالتمنع والخجل، ثم ~~تقوم أخيرا فترقص وترقص ولا تعود للجلوس إلا والعرق يتصبب ~~منها! # هكذا كان حال معظم النسوة إن لم يكن كلهن، أما أنا فلم أكن أنتظر ~~أن أدعى إلى الرقص، أقوم وحدي، وأتوسط الحلبة وأرقص مع من أعرف ~~ومن لا أعرف. كان الرقص يسعدني كثيرا، خاصة أن الموسيقى كانت ~~صاخبة جدا، فلا تترك لي مجالا لأفكر في أي شيء سوى في ~~الدخول في الإيقاع. كنت أبتسم لكل واحدة ألقاها وأرقص معها ~~لنشكل ثنائيا فنتبادل الأدوار والانحناءات، وحين أسمع أغنية ~~لا أحبها أستغل الفرصة لأعود إلى أمي وأرتاح قليلا. كانت أمي ~~فخورة بي، هكذا تريدني؛ فالرقص برأيها يجلب الخاطبات فيسرع حظي ~~و«ينطلق نصيبي». # وبينما كنت جالسة أراقب الحضور شاهدت عمتي تتحدث مع مجموعة من ~~النسوة وكن يحدقن في، وكانت هي تشير إلي بحاجبيها. عرفت ~~على الفور أنني محور حديثهن، وأنني في نظرهن الغبية التي رفضت ~~ابنها الساحر. عندها أمسكت بيد ابنة عمي التي تكبرني بعامين ~~والتي كانت حزينة لأن عمتي لم تتقدم لخطبتها بحجة أنها كبيرة عليه. ~~سحبتها من يدها وتوسطنا حلبة الرقص وأخذنا نرقص بجنون، وحاولت ~~الاقتراب أكثر فأكثر من عمتي، فأخذت ترقص بوجه عبوس، وأنا وابنة ~~عمي ضحكنا ورقصنا حتى الإعياء. # ثم حلت الساعة المرتقبة من الجميع، دخول العروسين، خفتت ~~الأضواء ودخل العروسان بخطى بطيئة، وموسيقى هادئة فيما أخذت ~~النسوة تتهامسن. أخذني الفضول لأعرف عن أي شيء، فتقدمت وجلست ~~بجوار إحداهن، ولم أبذل كثير جهد لأسمع؛ فقد كانت ترفع صوتها بكل ~~ما أوتيت من قوة، قالت: «واه! العريس أجمل بكثير من العروس، ما ~~وجدوا أجمل منها؟ ثم انظري إليها إنها أطول منه، كما أن فستانها من ~~موضة العام الماضي، وكذلك تسريحة شعرها، ألا تخجل من نفسها؟ أم أن ~~العريس ms037 بخل عليها ولم يأخذها إلى صالون محترم؟ سمعت أنه من ~~الأثرياء؛ فهو كما تعلمين يشتغل في قطر ويأخذ راتبه بالدولار.» ~~أجابت جارتها: «انظري، انظري إليه إنه كالمخبول يمشي ولا يزيح ~~نظره عنها، واضح أنها ستحكمه، مسكينة أمه، إنه نسيها من اللحظة ~~هذه، وهي تصفق وتضحك كالبلهاء.» وتمايلتا من فرط الضحك. هنا ~~وصل العروسان إلى المنصة، فوقفت أشاهدهما، وأخذت المصورة تأخذ ~~لهما الصور بوضعيات مختلفة، وكانت عمتي كلما أرادت أن تقف بينهما ~~أزاحتها المصورة، فتعود إلى الوراء، ثم تتقدم، والمصورة ~~تزيحها مجددا، والعروس تتمايل على عريسها، والعرق يتصبب منهما. ~~شعرت بالملل وبألم في قدمي من الوقوف، فعدت وجلست على أحد ~~الكراسي، فسمعت اثنتين من النسوة العجائز تتحدثان، ودار بينهما ~~هذا الحوار: العروس جميلة جدا، ومسكينة جدا أيضا؛ فجمالها ~~كله سيذهب مع هذا العريس القصير الدميم. إنها أجمل منه بكثير، ~~وكذلك فستانها وشعرها وزينتها جميلة ورائعة. لست أدري كيف فرط ~~بها أهلها وهي لا تزال في السادسة عشرة؟ ~~- حبيبتي، كل شيء يحل بالمال، انظري إنه الآن يلبسها عقود ~~الذهب واللؤلؤ، يظهر أنه كريم ومن عائلة كريمة، لكن لم تبدو أمه ~~غاضبة وتبتسم رغما عنها؟ ~~- ما سمعت ما حدث؟ ~~- ماذا؟ ~~- حقا لا تعرفين؟ كل الناس يتحدثون في هذه السيرة، يقولون في ~~يوم حفلة الخطبة لما دخلت العروس إلى الغرفة صافحت حماتها فقط ~~ولم تقبل يدها. ~~- حقا؟ يا للعار! ما تعرف الأصول؟ أم أن أهلها لم يعلموها؟ ~~لا عجب في ذلك فهي من عائلة وضيعة. # وأمنت صديقتها على كلامها، وتابعتا مشاهدة العروسين. # يا إلهي! أي سخف وأي ظلم تمارسه هؤلاء النسوة على الناس؟ وما هذه ~~الأفكار والآراء المتناقضة؟ أيقنت حقا أن رضا الناس غاية لا ~~تدرك! # بعد ذلك جاء العشاء ~~توزعه المضيفات على الحاضرات، في هذه الأثناء كانت الأصوات قد ~~خفتت، وكل من كانت واقفة جلست خشية أن يفوتها عشاؤها. وقفت ~~أنظر إليهن، وذلك بعد أن استلمت طبقي بالطبع فقد كنت جائعة ~~جدا، انهمكن جميعا في الطعام وفي الحديث الذي لا ينتهي. بدأت ~~بتناول ms038 الطعام، كان شكله شهيا لكنه كان باردا ولا روح فيه، ومع ~~ذلك التهمته كله، نظرت إلى أمي فإذا بها تنتهرني بعينيها، ~~واقتربت من أذني وهمست: «كم مرة علي أن أقول لك عليك أن تتركي ~~شيئا في الطبق؛ فمن العيب التهامه كله.» «لكنني جائعة» أجبتها ~~رافعة صوتي، فتغير لون أمي، وأخذت تتلفت يمينا وشمالا، ~~وشعرت أنني أصبتها بسكتة قلبية، خاصة أن النسوة حولنا التفتن ~~ليرين من هذا الكائن النهم الذي التهم كل ما في الطبق؟! عندها ~~سمعت امرأة كانت تجلس خلفنا: «وهل يسمون هذا عشاء؟ أفقر ~~العائلات تقدم أفضل من هذا، يا لبخلهم!» التفت لأرى صاحبة ~~الصوت، فوجدتها مثلي قد التهمت الطبق كله إلا أنها تزن أضعاف ما ~~أزن فلا يكاد الكرسي يحملها، ضحكت وكتمت ضحكتي، وعدت أراقب ~~العروس. كانت جميلة وصغيرة وسعيدة لا تكاد الضحكة تفارق فمها، ~~أحببتها ورثيت لحالها؛ فبعد يومين ستترك أهلها وإخوتها وبيتها ~~وغرفتها وذكرياتها لتسافر بعيدا حيث كل شيء جديد عليها. لكنني في ~~الوقت نفسه تمنيت أن أسافر أنا أيضا لأكتشف الجديد، لأرى وجها ~~آخر للعالم، ولأبحث عن الله كما كنت قد عاهدته يوما. # عدنا إلى البيت وقد أذن الفجر، وأنا أترنح من ألم قدمي من ~~الحذاء ذي الكعب العالي، وقبل أن يسطو علي النوم كتبت في صفحتي: # في بلادي، تأتي النسوة إلى الأعراس لغرضين لا ثالث ~~لهما؛ أما الأول فلكي تتباهى كل واحدة منهن بثيابها ~~ومجوهراتها وبأنها تملك أكثر فهي إذن أرقى وأفضل. وأما ~~الثاني فلمراقبة العروسين، والحكم على شكليهما، والتدقيق ~~فيما جلبه العريس لعروسه من ذهب وهدايا، وما أنفقه أهله ~~على الحفل من عشاء وسواه. تيقنت أنه لا يمكن إرضاء ~~الناس مهما فعلت، وأن النسوة فوتن على أنفسهن متعة ~~الأعراس الحقيقية، الرقص. # وكتبت أيضا: # انتقاد الآخرين وإطلاق الأحكام عليهم يعطيك شعورا ~~بالنشوة التي توقعك في وهم الصواب المطلق، وأن ما سواك ~~خطأ مطلق، فتعمى عن رؤية معايبك. # ورحت أغط في نوم عميق. # 4 # استيقظت ظهر اليوم التالي منهكة؛ فالسهر لا يناسبني. وجدت أمي ~~مهمومة ms039 وحين سألتها عن السبب أجابت: «تعرفين أم رمزي التي تحضر ~~الدروس معنا؟» قلت: «نعم، ما بها؟» قالت : «لقد كانت حاضرة ليلة ~~البارحة في العرس، ورأتني ولم تسلم علي»، أجبتها: «نعم، ~~وماذا في ذلك؟» قالت: «لا تعرفين؟ نحن نحضر دروس الدين، من المفترض ~~إذن ألا نحضر حفلا فيه غناء وموسيقى، أنا متأكدة أنها ستخبر ~~الآنسة والجميع، لكنني كما تعلمين لم أحضر إلا صلة للرحم، وتلبية ~~لخاطر أبيك في حضور زفاف ابن أخته.» قلت وقد صدمني جوابها: ~~«أتعنين ذلك حقا، وهل هذا بالأمر الذي تهتمين له؟ إذا كان هذا ~~صحيحا فلم حضرت أم رمزي إذن؟ إنها شريكتك في الجريمة!» جمدت ~~أمي وكأنما أسمعتها شيئا جديدا، ثم تهلل وجهها وقالت: «صحيح، ~~أنت على حق، هي أيضا كانت حاضرة، فلو تكلمت علي فإنها في ~~الوقت نفسه تؤكد على حضورها؛ لذا فإن من مصلحتها ألا تنطق بشيء.» ~~ثم أمسكت بكتفي وأكملت: «لقد أرحتني فعلا، هيا قومي إلى ~~المطبخ!» # وها هي التصنيفات تدخل بيتنا أيضا، ومع أمي تحديدا؛ فهذه تحضر ~~دروس دين إذن عليها ألا تكون هنا، يجب أن تكون هناك، وتلك لا تحضر ~~إذن يمكن أن تكون هنا لا هناك. تذكرت فتاة جاءت مرة مع أمها ~~إلى الدرس، ولم تكن محجبة، عندها أخبرتها الآنسة أمام الجميع ~~أن عليها أن تلتزم بكل الشروط والتي منها الحجاب في الخارج والداخل ~~لكي تنال امتياز الحضور، وإلا فلا يحق لها، لقد كان ذلك اليوم أول ~~وآخر يوم لها معنا. # في المساء خطر جدو نور على ~~بالي كثيرا، واشتقت لسماع بقية قصته، تذكرت أنني استعرت كتابا ~~منه لكنني لم أفتح حقيبتي منذ أن كنت عنده آخر مرة. مددت يدي ~~وأخرجت الكتاب كان عنوانه «هكذا غنى طاغور»، من طاغور هذا؟ ~~قلبت الأوراق وإذا به ديوان شعر وليس رواية، لكنني لا أحب ~~الشعر، فهو يشعرني بالملل. ومع ذلك فتحت الديوان وأخذت أقرأ، ~~كان شعرا مترجما عن لغته الأصلية لذلك هو بلا وزن ولا قافية، ومع ~~ذلك فقد أحببته، كان بسيطا سهلا لم ms040 تكن فيه مفردات صعبة كما في ~~الأشعار التي كنا ندرسها. وطاغور شاعر هندي ذو شهرة واسعة كما ~~قرأت عنه في الإنترنت ونال جائزة نوبل للأدب. كانت حياته غنية ~~مليئة بالأشياء العجيبة؛ فهو أولا لم يكن مسلما، كما كنت أظن في ~~بادئ الأمر، وتزوج باكرا جدا من فتاة صغيرة جدا وقد ~~أحبها وألف لها الكثير من القصائد الرائعة، لكنه عاش ألما ~~كبيرا بوفاتها ووفاة ابنه وابنته. لكن ما أدهشني حقا في سيرته ~~أنه بدأ يرسم في الستين من العمر، بل إنه أقام عدة معارض! إنه ~~حقا رجل متميز؛ فليس للعمر قيمة بالنسبة إليه، والوقت عنده لا ~~يفوت أبدا. الأهم من كل ذلك هو الشغف، فعلى الرغم من أنه سافر إلى ~~إنكلترا لاستكمال دراسته في الحقوق إلا أنه عاد إلى موطنه بلا ~~شهادة؛ لأنه لم يكن شغوفا بها! كيف يفعل ذلك؟ كيف واجه عائلته ~~ومجتمعه حين عاد إليهم؟ كيف يترك إنكلترا بعظمتها ويعود إلى ~~البنغال في الهند ببساطته؟ كيف يفوت فرصة السفر والاكتشاف؟ ما ~~كنت لأفعل ذلك لو كنت مكانه! لكن لعله وجد في موطنه ما لم يجده ~~في لندن. تذكرت قصة الفتى في «الخيميائي» الذي سافر بحثا عن ~~كنز عند الأهرامات، لكنه اكتشف أخيرا أنه مخبأ تحت شجرة ~~الجميز بقرب بيته! وأنا، أين علي أن أبحث؟ وعن أي شيء؟ # كتبت في صفحتي: # بقدر أهمية الكنز تكون أهمية الطريق الموصلة ~~إليه. # ثم قرأت شيئا من ديوان طاغور، وكان مما أعجبني: # بسيطة كلماتك أيها المعلم، # بساطة لا يملكها أولئك الذين يتحدثون عنك. # إنني أفهم صوت نجومك، # وصمت أشجارك، # وأعرف أن قلبي سيتفتح كالزهرة، # وأن حياتي قد أفعمها نبع خفي، # وإني لسعيد، # بانتظار الموسم الجميل. # أحببت هذه ~~الكلمات لأنها تعبر تماما عما في قلبي، عما كنت أحسه ~~وأبحث عنه لكنني لا أجده، كم أشعر برغبة في أن ألتقي برفيق ~~يشاركني بحثي، ويماثلني في أفكاري، فيساعدني وأساعده! أتراني ~~ألتقي ذلك الشاب ذا الجبهة العريضة مجددا؟ أشعر أن لديه شيئا ~~ما، سأكون أكثر جرأة حين ألقاه، ms041 ما كنت أدري أنني فوت علي ~~فرصا كثيرة في الحديث معه، والتعرف إليه، من يدري؟ لعل الحياة ~~كانت ستأخذ مجرى آخر معي؟ لكن الوقت لم يفت بعد؟ في هذه اللحظة ~~بالذات نظرت إلى ديوان طاغور وتذكرت أن الوقت لا يزال قائما، ~~عندها عقدت العزم على البحث عنه، لكنني لا أعرف سوى اسمه الأول ~~فحسب «رائد»، هكذا سمعتهم مرة ينادونه في المكتبة، يا له من اسم! ~~سأبحث عنه، وسأجده، وسأتحدث إليه، صحيح أنني لا أعرف تماما كيف ~~وأين، لكن الأمر الوحيد الذي أعرفه جيدا أنني لن أتوقف حتى ~~أجده. # أين أنت؟ ففي جعبتي حكايا لم أحكها لأحد، وفي عيني رؤى لم ~~أروها لأحد، وفي صدري أحلام تكاد تنفلت من عقال المستحيل، لا ~~تتباطأ في الوصول، فخيل آمالي مسرجة تترقب الرحيل. # وقبيل أن أنام فتحت بريدي الإلكتروني كعادتي، وإذا برسالة ~~تصلني من عنوان لا أعرفه، عجبا! لا أتلقى عادة رسائل من مجهولين، ~~فتحت الرسالة وقرأت التالي: # الصديقة العزيزة # أشكرك على ثقتك الغالية بأن أعطيتني عنوان بريدك ~~الإلكتروني، وهي وسيلة التواصل الأفضل حاليا بسبب ~~اضطراري للسفر. أتمنى أن تفكري مليا فيما اقترحته ~~عليك، ولك خالص الشكر. # شادي # 5 # 1997م # إنها الساعة الثانية صباحا، الحرارة تحت الصفر بثلاث درجات، ~~مطر خفيف تلسع حباته كإبر مسمومة، هواء مثلج يلفح الوجوه، ~~الأبواب كلها مغلقة، المحال والأكشاك مقفلة، والتيار الكهربائي ~~مقطوع، والقمر مختبئ خلف الغمام متواطئا مع كل شيء ليظهر وجه ~~الشتاء الكالح. حافلة تتحرك بتثاقل يشق هدير محركها الصاخب صمت ~~الليل والشتاء، تقف جاثمة عند ساحة «سعد الله الجابري»، تفتح ~~بابيها دفعة واحدة ليخرج منها اثنان وأربعون رجلا قد نالهم ~~العفو العام، وها هي أقدامهم تطأ الأرض للمرة الأولى بعد عشرة ~~أعوام على الأقل. تبادلوا نظرات الوداع بعيون تفيض فرحا وألما ~~وشوقا، إنها كومة من مشاعر تتفجر في قلوبهم دفعة واحدة. # تفرق الجميع واختفوا في السواد، كل إلى وجهته المحتملة، نظر ~~سليمان إلى «الحاج صالح» الذي كان أكبرهم سنا وعزم على اللحاق ~~به؛ فلم يعد يعلم ms042 أين يسكن أهله في حلب، توغل خلفه في الحارات ~~المظلمة، كل شيء يبدو غريبا وجديدا حتى الهواء بدا له خارجا ~~للتو من رئة الطبيعة البكر. وعلى الرغم من الوحشة والعتمة ~~تملكته دهشة الاكتشاف الأول وهو يراقب مدخل الحديقة العامة ~~بأدراجها العريضة الممتدة نحو الأسفل، وأشجارها الكثيفة، وتمثال ~~أبي فراس الحمداني القابع في المنتصف. كانت رؤيتها بعد كل هذه ~~السنين بمثابة النقرة الأولى في جليد ذاكرته المتجمدة منذ خمسة عشر ~~عاما. إنها هي كما هي، لكنه لم يعد هو، ها هو ينزل درجاتها ركضا ~~ليلحق بوالدته وأخيه الذي يحمل المثلجات حتى يتناولها قبل أن تذوب. ~~هنا كان يجلس بائع الألعاب «صطيف»، وبجانبه «بسطة أبو عبدو» ~~للموالح والمكسرات، وهناك عربات البوشار وبائع اليانصيب. خطا إلى ~~الأمام خطوتين فانزلقت قدمه في حفرة تجمع فيها ماء المطر وسقط ~~أرضا ليستفيق من طوفان الذكريات على ألم في كاحله أعاد إليه ~~الإحساس بالزمان والمكان. بحث عن «حاج صالح» لكنه لم يجده، قطب ~~جبينه فقد صار وحيدا الآن بلا مكان يأوي إليه، ولا أحد يلحق ~~به. # قادته خطواته في الحارات المظلمة مستهديا بحدسه وبخريطة ~~انطبعت منذ زمان في ذاكرته المجمدة حين كان يخرج من الحديقة كل ~~مرة إلى دكان جارهم في «الجميلية» بائع الألبان والأجبان ليشتري ~~لترين من الحليب كما كانت توصيه أمه دوما، ويا للعجب! وجد ~~المحل كما هو، وقف قبالة «درابيته» الحديد المغلقة، واستسلم لفيض ~~الذكريات، راح يبتسم وعيناه تجودان بالدموع كمن عاد أخيرا إلى حضن ~~أمه بعد فراق طويل. تذكر الحاج بكري وهو يلوح له بالعصا حين ~~يراه يختلس قطعة من الجبن الشهي الساخن الذي خرج توا من الماء ~~المغلي، وداعبت رائحته الممتزجة بالمحلب وحبة البركة حواسه ~~المتلهفة ومعدته الخاوية، ابتلع ريقه وهو يتذكر طعمها الذائب ~~في فمه، تذكر أنه لم يتذوقها كل تلك السنين «لا بأس؛ فالحياة ~~تنتظرني الآن بكل ما فيها من متع مؤجلة!» تلفت يمينا ~~وشمالا، لاحظ على بعد دكانين بصيصا من نور ينبعث من أسفل أحد ~~الأبواب المغلقة، يبدو أن ms043 أحدهم في الداخل، اتجه إليه وطرق طرقا ~~خفيفا. بعد دقيقة فتح الباب وخرج رجل خمسيني قصير أصلع الرأس، ~~يضع نظارة على أرنبة أنفه، ويرتدي معطفا سميكا من الجوخ يصل ~~إلى تحت ركبتيه. # نظر إليه متفحصا مرتابا من الأعلى إلى الأسفل، فبادره سليمان ~~بقوله: السلام عليكم. ~~- وعليكم السلام. ~~- أعرف أن الوقت متأخر لكن ليس لي مكان أذهب إليه، وا... ~~- طيب؟ ~~- أتساءل إن كنت تسمح لي بالمبيت عندك حتى الصباح فقط، البرد هنا ~~لا يحتمل. # أخذ الرجل يتفحصه مليا، ثم تنحى عن الباب وأشار إليه ~~بالدخول، شكره سليمان كثيرا ودخل. كان المحل صغير المساحة، ~~تتوسطه ماكينة خياطة قديمة، وقطع من القماش المتراكم على ~~الأرفف والأرض، وبعض الثياب المعلقة، وعلى الجدار خلف الماكينة ~~علقت صورة بالأبيض والأسود لرجل يرتدي طربوشا، وفي الزاوية ~~مدفأة مازوت صغيرة تضطرم فيها النار وتملأ المحل دفئا. قال الرجل: ~~«تشرب شاي؟» رد سليمان بارتياح: «نعم شكرا.» فغاب الرجل خلف ~~ستار وعاد بعد دقائق حاملا كوبين من الشاي الساخن، وفطيرة جبن، ~~قال: تفضل، ستشعر بالدفء الآن. ~~- أشكرك وأعتذر لإزعاجك. ~~- بالعكس، أتيت في وقتك المناسب؛ فقد بدأت أشعر بالنعاس ~~والضجر، وعلي عمل كثير لأنهيه الليلة؛ فغدا هو العيد كما تعلم، ~~والناس لا تفطن لإصلاح ثيابها أو تقصيرها إلا ليلة العيد. ~~- آه، صحيح، غدا العيد! الله يعطيك العافية، وكل عام وأنت ~~بخير. ~~- حظك حلو، لولا العيد ما وجدتني هنا في المحل. # ابتسم سليمان وارتشف رشفة من الشاي. ~~- أنا أبو أنس الخياط، وجنابك؟ ~~- سليمان. ~~- احك لي يا ابني سليمان، كم سنة بقيت؟ ~~- بقيت في ماذا؟ ~~- في الحبس! # فتح سليمان عينيه دهشة، هل هو مكتوب على جبيني أم ماذا؟ ضحك أبو ~~أنس وقال: نعم، هذا واضح، لا أحتاج إلى ذكاء كبير لأعرف. # اكتفى سليمان برشف الشاي فقد شعر بالاستياء، فعاجله أبو أنس ~~بقوله: عليك ألا تنزعج، أنا لا أحاكمك. # ابتسم سليمان بشرود، وأكمل كوبه وفطيرة الجبن الباردة، ودلف ~~خلف الستار، واستلقى على إسفنجة كانت هناك نصف استلقاء؛ فالمساحة ~~لم تكن لتسمح له بالتمدد الكامل، ms044 لكن من يأبه؟ لقد اعتاد سليمان ~~على النوم في ظروف وأمكنة أسوأ من هذه بكثير. # 6 # من شادي هذا؟ لا بد أنه أخطأ العنوان، وهممت أن أرسل له رسالة ~~توضيحية وأخبره أنه أخطأ، لكن شيئا ما منعني من ذلك، فأقنعت ~~نفسي بأن أؤجل ذلك ليوم غد، وخلدت إلى النوم. # استيقظت صباح اليوم التالي باكرا، وشيء واحد يشغل تفكيري: ~~سأبحث عن رائد اليوم حتما، وأعرف تماما أين أبحث. ارتديت حجابي ~~وخرجت متوجهة صوب طريق الجامعات، هناك الكثير من المكتبات لا بد ~~أنه انتقل إلى إحداها حين ترك حارة بيتنا، كانت هناك مكتبتان فقط ~~تبيعان الكتب أما البقية فهي للأدوات القرطاسية. اتجهت نحو أول ~~مكتبة وقلبي يرتعد، هل يعقل أن أجده هنا؟ في أول مكتبة أدخل ~~إليها؟ ماذا سأفعل إذا رأيته؟ ماذا سأقول له؟ ربما لن يتذكرني وقد ~~مضى أكثر من عام على آخر مرة رأيته فيها. على أية حال، فلأجده ~~أولا ثم سأرى ما سيحدث بعدها. فتحت الباب ودخلت، كانت المكتبة ~~مكيفة من الداخل فسرت رعشة خفيفة من البرد في جسدي، وتقدمت ~~إلى الأمام أفحص وجوه البائعين أبحث عنه، لكنه لم يكن هنا! ~~«تفضلي يا آنسة»، التفت إلى مصدر الصوت وإذا به أحد الباعة ~~يعرض خدماته، ارتبكت قليلا واعتذرت وخرجت. يا لحماقتي! ماذا ~~أفعل؟ كم أنا واهمة! هل يعقل أنني أبحث عن شخص لا أعرف عنه شيئا ~~في هذه المدينة الكبيرة؟ ولا دليل يقودني إليه سوى عمله في مجال ~~الكتب؟ حسنا، علي ألا أفقد الأمل سريعا. # ذهبت إلى المكتبة الثانية واكتفيت بالنظر من خلف الزجاج لكنه ~~لم يكن هناك أيضا! يا للخيبة! توجهت فورا إلى الحافلة ~~المتوجهة إلى المدينة القديمة؛ فهناك الكثير من المكتبات التي تبيع ~~الكتب. استغرقت في التفكير وأنا أراقب الأبنية كيف تتبدل من ~~الحارات الجديدة إلى الحارات الأكثر قدما. أصبحت المباني أقصر ~~وشبابيكها أضيق، لكنها أكثر دفئا وحميمية، أشعر بها ترمقني ~~بنظرات حانية فأنا ابنتها التي ولدت في أحضانها، ولعبت على ~~شوارعها المرصوفة التي كانت تقودنا إلى بيت ms045 جدي في حارة «باب ~~قنسرين» العتيقة التي تعبق برائحة صابون الغار الشهير. جميلة هي ~~مدينتي القديمة! على الرغم من سواد الأدخنة الذي علق بجدرانها على ~~مر السنين، كم شهدت هذه الجدران أناسا وقصصا وحكايا؟ بالتأكيد ~~مر شاب أحلامي من جوارها يوما ما، ليتها تخبرني أين أجده! كانت ~~الحافلة تتوقف مرات عند كل محطة ويصعد أناس وينزل آخرون، وبقيت ~~أنا حتى نهاية الخط تقريبا. # نزلت وواصلت رحلتي سيرا على الأقدام حتى وصلت حارة باب ~~النصر. كانت الشمس قد توسطت كبد السماء، والحياة تضج في كل ~~ركن وزاوية، والحارات تنبض أناسا وباعة وبضائع وخليطا من مختلف ~~الروائح؛ خبز طازج، وكباب مشوي، وأدخنة الحافلات، وعطور نسائية ~~وأخرى رجالية. وصلت حي باب النصر وهناك وجدت المكتبات، كان ~~علي، لأرفع الحرج عن نفسي، أن أختلق شيئا لأسأل عنه، دخلت ~~مكتبتين أو ثلاثة وكلما سألت أحدا كان يدلني على «شيخ الكار»، ~~كما يقولون، وهو «الحاج إبراهيم» الذي يعمل في هذه المصلحة منذ ~~زمن؛ فهو يعرف كل شيء عنها وعن أصحابها. توجهت إليه ودخلت ~~مكتبته، كانت بالفعل أكبر مكتبة كتب رأيتها، بطابقين واسعين ~~وكتب تملأ الأرفف حتى السقف. لم يكن هناك من حاجة إلى السؤال عن ~~«الحاج إبراهيم»؛ فبمجرد دخولي وجدت رجلا كبيرا في العمر يجلس ~~وراء مكتب خشبي في زاوية المكتبة، ويرتدي نظارة طبية تدلت حتى ~~أرنبة أنفه. توجهت إليه مباشرة، كان يتحدث على الهاتف، رمقني ~~بنظرة من خلف عدسات نظارته، وأكمل حديثه وحين وضع السماعة قال ~~لي: ها يا بنتي، ما طلبك؟ ~~- في الحقيقة أود أن أسأل عن شخص لا عن كتاب. ~~- ما اسمه؟ # فقلت له مستحضرة الحبكة التي اختلقتها: اسمه رائد، لكنني لا ~~أعرف كنيته، القصة أنه كان يعمل في مكتبة بجوار بيتنا، وكنت ~~أستعير منه الكتب، وقد استعرت كتابا وتأخرت في إعادته، ولما ~~ذهبت إلى المكتبة وجدتها مغلقة، ولم تفتح من يومها، وأريد أن ~~أعيد الكتاب إلى صاحبه، فهل تعرفه؟ # ابتسم الحاج إبراهيم وأخذ ينظر إلي رافعا حاجبيه وكأنه اكتشف ~~كذبتي، ثم قال: ms046 عندي فكرة لك أيتها الشابة الأمينة، أقترح عليك أن ~~تضعي الكتاب في إحدى المكتبات العامة ليستفيد منه الجميع، وبهذا ~~تكونين قد برأت ذمتك منه، ما رأيك؟ ~~- لكن الكتاب ليس لي حتى أهبه للمكتبة العامة، إنه ملك لصاحبه ~~وعلي أن أبحث عنه، فضلا أتمنى أن تساعدني. ~~- حسنا، صفيه لي. # وأخذ يراقبني متفحصا، فأحسست بحرارة في وجهي وقلت: إنه ~~شاب طويل بشعر داكن، وجبهة عريضة، وشفتين رقيقتين، وحاجبين ~~كثيفين، وندبة واضحة في يده اليمنى، وثيابه في العادة غير رسمية، ~~و... # قاطعني الحاج بضحكة عالية لفتت الأنظار إلينا، عندها تمنيت ~~أن أذوب في ثيابي لأختفي عن الجميع، أو تنشق الأرض لتبتلعني. وبعد ~~موجة الضحك قال الحاج: طيب، طيب، انظري إلي جيدا يا بنتي، أنا ~~خبرت الحياة طويلا، ولدي شيء من فراسة، ولما أنظر إليك أرى ~~فيك فتاة طيبة ذكية متمردة، سأسألك سؤالا أجيبيني عليه بصدق: هل ~~يعجبك هذا الشاب؟ # لست أدري ماذا أصابني حين سمعت كلماته؛ فقد زال عني الحرج ~~دفعة واحدة، نظرت مباشرة في عينيه وقلت: وما دخل هذا ~~بالموضوع؟ # وكأنما نزل جوابي كالصاعقة على رأسه، فأخذ يضحك مرة أخرى بصوت ~~أعلى حتى سالت دموعه، وقال: تماما كما وصفتك، ذكية ومتمردة، ~~معك حق، معك حق، لا دخل لهذا بالموضوع. ~~- وهل ستساعدني أم ماذا؟ ~~- لا! # ثار الدم في عروقي ونقمت عليه، وقمت على الفور، والتفت خارجة ~~من المكتبة، فأخذ يناديني: «انتظري، أنا أمازحك تعالي.» التفت ~~إليه فوجدته واقفا فقال: «ألا تريدين أن تسأليني لماذا لا أريد ~~أن أساعدك؟» لم أنطق بشيء ولم أتحرك خطوة، فقال: «هيا تعالي، ~~أعرفه تماما، تعالي.» هدأت لجوابه قليلا، فعدت إليه، ووقفت ~~أمامه ملتزمة الصمت فقال: «رائد، إنه في الحقيقة ابن ~~صديقي!» # وا خجلي! أيعقل أن تقودني الأقدار في البحث عنه لأقف وجها لوجه ~~أمام صديق والده؟! حاولت أن أقول شيئا لكن ما من شيء يقال، ~~فابتلعت ارتباكي وبقيت صامتة، فقال: «إنني لا أريد أن أساعدك ~~لأنني أرى أنه لا يستحق أدنى اهتمام منك.» وسكت قليلا وقطب ~~جبينه وما ms047 عاد ينظر إلي، وأكمل: «شاب فاسد، ماذا أحكي لك عنه؟ ~~مع أنني عاملته كولد من أولادي، لا تريدين أن تعرفي ، أنت تستحقين ~~الأفضل.» فكرت في نفسي: أنا من يقرر ذلك وليس أنت، لكنني ~~آثرت الصمت وقلت: «هل لي أن أعرف أين هو الآن؟» قال: «ذهب إلى ~~بيروت، يريد أن يصبح مغنيا، سيشارك في مسابقات الغناء السخيفة.» ~~ثم نظر إلي ينتظر ردة فعلي، عندها شكرته وقلت: «على الأقل هو ~~يعرف ماذا يريد.» وتركت المكتبة وخرجت. # وهكذا انتهت قصة مطاردتي الفاشلة لشاب أعجبني يوما، ولم يكن ~~بيننا سوى بضع كلمات وبعض نقود والكثير من الكتب، كلمات ونقود ~~وكتب، أكانت كافية لتجعلني أتعلق بوهم؟ بشاب ما كنت لأجرؤ ~~على التحدث إليه أو النظر في عينيه؟ ولماذا رحت أبحث عنه؟ ماذا ~~يشكل بالنسبة إلي؟ وهل حقا أحبه؟ أم أنني أحب أن أعيش ~~الحب؟ على أية حال فقد عرفت أن القصة انتهت. # كان الوقت ظهرا، وقد أتعبني المشي وشعرت بالجوع، فخطرت ببالي ~~فكرة مجنونة، لم أفكر بها كثيرا؛ فالأفكار الجميلة تموت حين ~~نحللها ونعيد التفكير فيها، نظرت في محفظتي فوجدت أن المال ~~الذي معي يكفي لتنفيذها. ركبت الحافلة العائدة وتوجهت فورا ~~إلى مطعم وردة الشهباء الشهير ب «شهبا روز». دخلت واخترت طاولة ~~ذات إطلالة على السماء، فبادر أحد العاملين يسألني: «طاولة ~~لشخصين؟ أم أكثر؟» أجبته مبتسمة: «لا، أنا وحدي.» وجلست. # شعرت بشعور غريب؛ فهذه هي المرة الأولى التي أجلس فيها وحدي في ~~مطعم، ليس جميلا أن أتناول الطعام وحدي وخاصة في مطعم؛ فالطعام ~~ليس لسد الجوع فحسب، إنه طقس اجتماعي وأجمل شيء فيه المشاركة، وكل ~~ما يصاحبه من أحاديث وذكريات وضحكات لا يقل أهمية ومتعة عن الطعام ~~نفسه. أخذت أرقب الجالسين وأنتظر أن يفاجئني القدر بالحب هنا، ~~كما في الروايات، أجلس وحدي، أستمتع بطعامي، وبالموسيقى الكلاسيكية ~~التي تلف الأجواء، وإذا بشاب وسيم يقترب مني ويستأذن بالجلوس، ~~ويكون بيننا حديث جميل ومن ثم قصة حب! سلمت نفسي تماما هذه ~~المرة، سأقوم بدور المشاهد، وسأدع الأقدار تأخذ ms048 مجراها لتقرر ~~عني المشهد التالي. # اقترب مني النادل بقائمة الطعام، تصفحتها وطلبت فورا أحد ~~الأطباق، لم أفكر كثيرا كعادتي، وبقيت أنتظر، وأراقب الناس ~~حولي. كان في الصالة عائلة من أبوين وثلاثة أطفال يتناولون طعامهم ~~بكثير من الصخب فأصغرهم يرفض تناول أي شيء، وهناك رجلان بلباس ~~رسمي يأكلان، بوجهين جامدين وصمت مطبق. وفي الزاوية الأبعد ~~والأظلم كان هناك شاب وفتاة يتناولان المثلجات، يظهر من ~~نظراتهما وحركاتهما أنهما حبيبان، يا للسعادة التي ترشح عن ~~وجهيهما! ومن مكاني استطعت رؤية يده تتسلل تحت غطاء الطاولة ~~لتلامس ركبتها، شعرت بالنفور ولم أعد أنظر إليهما. # في الطاولة المجاورة لي كانت هناك مجموعة من الفتيات اللاتي خرجن ~~من الجامعة، عرفت ذلك من الكتب والملازم التي يحملنها، كم ~~أحسدهن! تمنيت أن أقترب منهن وأتعرف إليهن، لكن لا، إذا فعلت ~~ذلك فسأفوت علي فرصة اللقاء بالشاب المنتظر. # حضر الطعام وأخذت أتناوله ببطء وأراقب مدخل الصالة عله يأتي ~~في أية لحظة، ثم بدأت تتبدل الموسيقى الكلاسيكية إلى بعض ~~الأغاني العربية القديمة، وتحديدا لعبد الحليم، هذا هو الوقت ~~المثالي تماما لظهور الحب. ولم يطل انتظاري كثيرا؛ فقد حضر ~~سريعا مستجيبا لنداء القدر، عرفته على الفور! دخل وتلفت ~~يمينا وشمالا، مشى مباشرة إلى الجهة التي أجلس فيها، واستكمالا ~~لدهشتي فقد اختار الطاولة التي تواجهني تماما. كان رجلا في ~~الثلاثين من عمره، ببشرة فاتحة وشعر أسود خفيف، وكان يرتدي ~~قميصا أبيض وسروالا داكنا، وحذاء عسليا من الشامواه. كان ~~أنيقا ببساطة تليق بقوامه الجميل، يحمل حقيبة سوداء جلدية وضعها ~~على الطاولة وأخرج منها حاسوبا محمولا فتحه على الفور وأخذ يعمل، ~~بقيت أنظر إليه وهو بقي ينظر إلى شاشته، طلب قهوة ثم عصيرا. كنت ~~قد أنهيت طعامي فطلبت كوبا من الشاي، وأخرجت بعض الأوراق ~~وتظاهرت بالكتابة وأنا أختلس النظر إليه، كان بمفرده، وكنت ~~بمفردي، ما ضر لو جلسنا معا؟ # وطال انتظاري، وأنهيت كوبي لكن لم تبد منه أية بادرة، ومرة ~~أخرى شعرت بتفاهة ما أفعل. عزمت أخيرا على طلب الحساب ~~والمغادرة على الفور، خاصة ms049 أنني تأخرت كثيرا، وها هي رحلتي تنتهي ~~بفشل مركب. حضر النادل، دفعت الحساب وقمت أمشي باتجاه الباب، ~~ولما وصلت بمحاذاته قمت بالحركة الوحيدة المتبقية لي، أوقعت ~~حقيبتي عليه! جفل أولا فقد كان منهمكا في العمل على حاسوبه، ~~سارعت بالاعتذار وقلت وأنا أرفعها: «أنا آسفة حقا، أتمنى ألا ~~أكون قد آذيتك.» قال: «على الإطلاق، تفضلي.» ناولني الحقيبة، ~~فأخذتها وشكرته فعاد إلى حاسوبه، وانصرفت أنا إلى خيبتي. ضحكت ~~من نفسي في سري؛ فما يحدث في الروايات والقصص لا يحدث بالضرورة في ~~الحياة الحقيقية. وحين وصلت إلى الباب أوقفني أحد العاملين ~~قائلا: «يا آنسة، أحد الحضور يشير إليك.» التفت فوجدته ~~واقفا يلوح لي بيده، كاد قلبي يقع، وشعرت بألم في معدتي من ~~هول المفاجأة. عدت أدراجي مسرعة، أخيرا؟ هل يعقل أن ما ببالي ~~سيحدث الآن؟ لكن الوقت تأخر، لكن ربما لا، علي ألا أتعجل ~~كثيرا. # وصلت إليه فوجدته ممسكا بمحفظتي فقال مبتسما: «محفظتك، لقد ~~أوقعتها.» أخذتها وابتسمت وقلت: «أشكرك، أنت حقا رجل ~~أمين.» فقال: «لا، هذا واجبي تجاهك؛ فأنت جارتي.» «جارتك؟ أين؟» ~~سألته على الفور باستغراب، فابتسم وأجاب: «نعم، جارتي المؤطرة ~~بهذا الزمان وهذا المكان، ألم نأكل معا؟ صحيح أنك في طاولة، وأنا ~~في أخرى، لكننا متجاوران، فحقك علي هو حق الجيرة، صحيح؟» ~~ضحكت لكلماته وأعجبتني فقلت: «صحيح، أشكرك مرة أخرى أيها ~~الجار الطيب.» ثم لم أدر ما أقول بعدها فمشيت خطوة إلى الوراء، ~~وقلت: «إلى اللقاء إذن، علي أن أرحل.» فقال: «كما قلت: إلى ~~اللقاء، نعم، وليس وداعا.» قطبت جبيني وبقيت واقفة فلم أفهم ~~تماما، وظل هو مبتسما، فخرجت من المطعم وأنا في حيرة ~~وفرح. # وصلت إلى موقف الحافلة أنتظر قدومها، وأنا لا أزال أفكر في ~~كلماته الأخيرة، فسمعت صوتا من خلفي يقول: «ألا تريدين على ~~الأقل أن تتعرفي على اسمي يا سماء؟» أجفلني الصوت، فالتفت ~~ورائي فرأيته هو بذاته مبتسما، فشعرت بخوف مفاجئ، ثم قلت: ~~«كيف عرفت اسمي؟» فضحك وقال: «لا تخافي، لست عرافا، محفظتك ~~كانت مفتوحة وفيها اسمك مخططا بشكل ms050 جميل.» قلت وقد تذكرت ~~تلك الورقة: «آه، صحيح.» فقال: «اسمي خالد.» ومد يده مبتسما ~~ليصافحني، لست أدري ما الذي جعلني في هذه اللحظة أتراجع خطوة إلى ~~الوراء؛ فقد لمحت في ابتسامته شيئا أخافني، شيئا ما كان يمنعني ~~من الاستمرار في هذه اللعبة الخطرة، لكن الخوف سيطر علي وشل ~~حركتي فلم أنطق بحرف، ولم أفعل شيئا سوى التحديق في كفه الممدودة ~~لمصافحتي. بعد لحظات وصلت الحافلة، نظرت إليها بفرح، فقد كانت ~~وسيلة خلاصي، عندها فقط تمكنت من الحركة والكلام، انطلقت إلى ~~الباب المفتوح وقلت: «علي أن أرحل.» وقفزت إلى الداخل وقلبي ~~يخفق هلعا. جلست وأنا أتلفت خلفي خشية أن يلحق بي، تحركت ~~الحافلة فرأيته من النافذة لا يزال واقفا وهو يبتسم ~~بغرابة! # وصلت إلى البيت متأخرة، فتلقيت جام غضب أبي، منعت من ~~الخروج مجددا، لم أقل شيئا، كان على حق، رميت بنفسي على السرير ~~وشعرت أخيرا بالأمان، فتحت الفيسبوك وكتبت: # ثق بغريزتك؛ فقد تقرع ناقوس الخطر محذرة إياك في أية ~~لحظة، لا تتجاهلها، قم بما تمليه عليك فقط. # 7 # في غرفته جلس وحيدا؛ فالليلة هي الأولى التي يتمكن فيها من ~~الانفراد بنفسه ليطلق ما كان محتبسا في صدره لأشهر طويلة، وقبل ~~فعل أي شيء أفرغ حقيبته مما فيها حتى وصل إلى الصندوق، فأخرجه ~~بعناية وعاد ليجلس على الأرض مسندا ظهره على الخزانة. كانت مشاعر ~~الرهبة والترقب تسيطر عليه وهو يرمق الصندوق وخفقات قلبه ~~تتسارع على نحو مؤلم، أزاحه جانبا، ربما لم يحن الوقت بعد. وقف ~~واتجه نحو النافذة، كانت تغطيها طبقة سميكة من الغبار ~~المتراكم، لعل أحدا لم يفتحها منذ زمن، وهل أحد يفتح النوافذ ~~هنا؟ لكن الغرفة تحتاج فعلا إلى هواء نظيف؛ فالرائحة هنا لا ~~تطيقها رئتاه؛ مزيج من توابل غريبة، وغبار، وعفونة. # فتح النافذة ليجدد الهواء، وليرى كيف يبدو العالم الخارجي من ~~غرفته الجديدة، تذكر المشهد الذي كان يراه من نافذة بيته في ~~موطنه؛ أشجار الزيتون تزين الرصيف ذا اللونين الأصفر والأحمر ~~أمام بيته، وكذلك رصيف الشارع المقابل الذي ms051 يقبع في آخره دكان عم ~~حسن (السمان). # 1 # أخذ نفسا عميقا وأطل برأسه من النافذة، فرأى على بعد مترين ~~أو ثلاثة على أبعد تقدير جدرانا عالية ونوافذ متراصة مغلقة ~~تقابل نافذته، وهدير المكيفات يخترق الأجواء، وبالكاد كان يرى ~~السماء، «سماء! ماذا ستفعل بعد غيابي؟» أخذ يفكر ووجهها الجميل ~~يتراقص أمام عينيه. عاد وأغلق النافذة فقد بدأت حبات من العرق ~~تغزو جبينه، أخذ نفسا عميقا من هواء المكيف البارد، حمدا لله؛ ~~ففي مثل هذا الجو يعد التكييف من ضروريات الحياة. # عاد إلى صندوقه وتذكر وجوه عائلته وأصدقائه وهم يودعونه، ~~كان الجميع يدعو له، تذكر كلمات والده جيدا: «انتبه إلى نفسك، ~~ولا تسرف في أموالك؛ فما بعثناك إلى الغربة إلا لتفك نفسك من ~~الخدمة، وترجع إلى بلدك وناسك، ومكانك في الشغل محفوظ حتى ترجع، ~~الله معك يا ولدي.» كان الجميع يعتقد أنه سافر لهذا السبب، والله ~~وحده يعلم الحقيقة المخبأة في صدره وفي هذا الصندوق الذي لا يزال ~~مغلقا في يده، تسارع نبض قلبه مجددا، شيء ما كان يمنعه من فتحه، ~~ربما الخوف من ألم مؤجل، أو لعله الخوف من الفراغ من ألم ~~محبب، كان يريد أن يظل مسكونا فيها ومسكونة فيه حبا أو شوقا ~~أو ألما، لا يهم. # فتحه أخيرا في لحظة واحدة، وتأمل ما فيه دهرا، وعادت إليه ~~الذكريات صورا وأصوات وشذى وكلمات. # التقى بها في أسبوعه الأول في المعهد التجاري، ووحده من بين ~~الجميع تعلق قلبه بها، لم تكن فائقة الجمال، أو شديدة الأناقة، ~~كانت نحيلة ببشرة بيضاء وعينين داكنتين. كانت ترتدي غطاء رأس ~~قطنيا من قطعتين، ومعطفا أسود يصل إلى الركبتين مع بنطال من ~~الجينز الفاتح وحذاء رياضي صيفا، وجزمة جلدية عالية الساقين ~~شتاء. لم يكن مظهرها ليلفت انتباه أحد خاصة في وجود حسناوات ~~الجامعة الكثيرات، لكنه وحده كان هناك مستسلما لقدر نسج لهما ~~معا خيوطا تتشابك وتتعقد وتتباعد لتلتقي أخيرا هنا، في هذه ~~اللحظة بالذات، وفي هذا المكان بالتحديد. # التقط عذوبتها وحده من بين الجميع، واحتفظ بإعجابه ms052 بها، كانت ~~رقيقة صادقة بسيطة حزينة، وهذا كل ما كان يرغب فيه، أن يسبر أغوار ~~هاتين العينين الحزينتين، ويكتشف سر روحها. وببراعته المعتادة ~~تمكن من كتم مشاعره عن أصحابه وأهله، ظل عاما ونصف العام ~~يراقبها عن بعد وعن قرب، والأيام تمضي وحبها في قلبه ينمو برفق، ~~وهو يداريه كبذرة صغيرة لن تنبت إلا بصبر وطول نفس وكثير ~~عناية؛ فالحبيبة مثل الوردة، مغلقة على سر روحها بأوراقها اللطيفة ~~الرقيقة، فإذا أحبها قلب سكب من ماء عاطفته على جذورها فترتوي، ~~وأشرق من نور ذاته على أوراقها فتشرع بالتفتح، إلا أنها تحتاج ~~صبرا ودراية وطول عناية، فإن استعجلت كشف سرها، وحاولت فتح ~~أوراقها، ذبلت وماتت وغاب سرها إلى الأبد، ولن يبقى منها إلا خيال ~~كان يوما ما. وإن لامستها بحبك، وغمرتها بعنايتك شرعت تتفتح ~~على يديك ورقة ورقة، وتبدى لك منها في كل يوم جمال خاص، ~~وفتنة مختلفة، وزادك انشراح كل ورقة منها لوعة وشغفا للغوص أكثر ~~في أعماقها واقتناص سرها، لكن ذلك لا يتأتى لك إلا بعد أن تذيب ~~حشاشة قلبك في قلبها باللطف الذي هو سر الحب الإنساني الرفيع، ~~حتى إذا ما استتمت أوراقها، وأكملت تفتحها، واستوت على ~~عروشها، حارت ملكاتك الذهنية والنفسية والروحية في استيعاب ما يرشح ~~عنها من حسن هيئتها، وروعة عبيرها، وكمال جمالها، فتذهل فيها، ~~وتعشقها، وتشقى بها، وتشتاق إليها، وكذا شأن المحبين؛ ذهول وعشق ~~وشقاء واشتياق. # لم يكن يتحدث إليها، كان يكتفي بالجلوس قريبا منها في ~~المحاضرات من غير كلام، ويظل يختلس النظر إلى يديها الصغيرتين ~~وحبة خال تزين طرف يدها اليمنى، ورائحة زهر البرتقال الخفيفة ~~تتهادى إليه كلما حركت يديها لتعدل حجابها، أو لتخرج شيئا من ~~حقيبتها الجينز الكبيرة. كم كان يطيب له أن يراقب يديها، ويعجب ~~من هذا التناغم في أطوال أصابعها، وانسجام حركاتها وهي تحتضن ~~القلم بأظافرها الزهرية المقلمة بعناية، والتي لم يرها يوما ~~مصطبغة بأي لون سوى سحر لونها الطبيعي الخالص، ثلاثة أصابع تحتضن ~~القلم، واثنتان ترقدان أسفله في وداعة وسكون، والخال يتيه ms053 مختالا ~~بهذا الجمال الأخاذ. # كانت سارحة مرة في شيء ما، شيء ما حرك أصابعها على ~~الورقة البيضاء فخربشت خطوطا ودوائر، أتراها ترسم قدريهما ~~مفترقين وملتقيين؟ وفي زاوية الورقة الأقرب إليه رسمت قلبا ~~صغيرا ممتلئا، أتراها لاحظته؟ هل التقطت إيقاعات قلبه؟ لكن ~~عينيها سارحتان ساهمتان، وقلمها استقر عند القلب ساكنا. وهكذا ~~كانت تنتهي كل محاضرة؛ عيناه تتأملان يديها الصغيرتين، وقلبها ~~المرسوم في زاوية الورقة، ولا تزال الكلمات حائرة لا تجد لها ~~طريقا إليهما؛ فقد احتفظ بصمته وبلذة القرب والمراقبة، واكتفت هي ~~بخربشات على الورق. # عام ونصف العام، درس خلاله تفاصيل حياتها اليومية، مواعيد حضورها ~~وانصرافها، كيف تمشي، وكيف تضحك، وماذا تحب أن تأكل؛ عصير التفاح ~~أو البرتقال مع فطيرة محضرة في البيت. حفظ كم معطفا وبنطالا ~~وحذاء لديها، تعرف على حقيبتيها الجينز الكبيرة والبيضاء ~~الجلدية، راقب صديقتها الوحيدة التي تشبهها كثيرا، اختزل حركاتها ~~وملامح وجهها وابتساماتها القليلة النادرة، وإذا حدث والتقت ~~نظراتهما، كان يهرب سريعا إلى الساحة الخارجية وقلبه يطرق ~~انفعالا، ويظل يسأل نفسه كل مرة: ماذا أصابني؟ لم هذا الذهول ~~والخوف؟ كيف يمكن أن أكون ضعيفا إلى هذا الحد؟ ما تلك المشاعر ~~التي تضطرب لها نفسي وتشقى بها روحي، وفي الوقت نفسه أجد فيها لذة ~~عجيبة وطعما حلوا في قلبي لا طاقة لي في دفعها، ولا مهرب لي ~~منها؟ النفور والجذب، اللذة والألم، كيف اتفق أن اجتمعت في قلبي؟ ~~أكون عاشقا؟ # 8 # في مساء اليوم التالي كنت في حاجة إلى رؤية جدو نور كثيرا، ~~خاصة أنه قد مضت ثلاثة أسابيع على غيابي عنه، فجهزت نفسي وأختي، ~~وهممت بالخروج. شاهدتني أمي فقالت: «يعني نسيت كيف غضب أبوك ~~منك في آخر مرة ومنعك من الذهاب؟» أجبتها: «أرجوك أمي، لن ~~أتأخر مجددا، أعدك بذلك، كما أن كتابه لا يزال معي، ولا نريد أن ~~يقال عنا إننا لا نعيد الأمانة، لن يحب أبي ذلك أبدا.» امتعضت ~~والدتي وأشارت إلي بيدها لأذهب ثم قالت: «لكن عليك أن تعودي قبل ~~عودة والدك، لا أريد أية مشاكل، ms054 أسمعت؟» وعدتها بذلك ~~وخرجت. # فتح لي الباب جدو نور، وجدت عنده في المكتبة «إنجي» تلك الفتاة ~~التي رأيتها من قبل، وكانا وحدهما! شعرت باستياء وعدائية ~~تجاهها، كانت جميلة كما رأيتها أول مرة، أنيقة في ثيابها، لطيفة ~~في ابتسامتها، لكنني اليوم لم أعد معجبة بها، ماذا تفعل وحدها مع ~~جدو نور؟ يا لوقاحتها! قال قاطعا الصمت: «تفضلا بالدخول، لماذا ~~تقفين هكذا يا سماء؟ لقد قابلت إنجي من قبل، صحيح؟» أومأت ~~بالإيجاب، وابتسمت لي، أخرجت الديوان من حقيبتي وأعدته إليه، ~~فقال: «لقد تأخرت كثيرا، بدأت أقلق عليك، أين كنت طوال هذه ~~المدة؟» أجبته وأنا أشعر بعدم الارتياح من وجود إنجي معنا وسماعها ~~لكل ما يقال: «لا تكترث، ظروف البيت لم تسمح لي بالمجيء، أعتذر ~~عن تأخري في إعادة الكتاب.» ~~قال على الفور: «لا تقولي هذا، ما كنت مهتما به بقدر اهتمامي ~~بغيابك، والآن أخبريني كيف وجدت الديوان؟» أجبته: «أعجبني ~~كثيرا، شعرت أنه في معظمه ينطق بلساني، يعبر عن أمور كنت ~~أعجز عن التعبير عنها، وزاد من عجبي أنه غير مسلم وغير عربي ~~أيضا، ومع ذلك فإن شعره أعجبني كثيرا.» وبعد أن قلت ذلك شعرت ~~بحرج شديد، قد تكون إنجي غير مسلمة، قد تعتبر كلامي إهانة لها، ~~قلت بارتباك: «أعتذر، لم أقصد أن أنتقص من قيمة أحد غير مسلم أو ~~أي شيء، لم أكن أعني أنني ...» قاطعني جدو نور ضاحكا: «ومن قال إن ~~أحدا ما شعر بالإهانة؟ لم يفهمك أحد بخلاف ما تقصدين، أنت تعنين ~~أنه على الرغم من اختلاف المعتقد الديني والثقافي واللغوي فإنه نال ~~إعجابك، وهكذا يكون الإنسان العظيم يا سماء، مهما اختلف عنا فإنه ~~يتمكن دوما من ملامسة روحنا لأننا نشترك معا في الإنسانية ~~يا عزيزتي، أليس كذلك؟» كانت إنجي تبتسم، وكذلك فعلت وقد زال عني ~~الحرج. # بعد قليل رحلت إنجي، فسررت لرحيلها، ولم يكن يشغل تفكيري ~~سوى معرفة ما حدث مع جدو نور ومع رندة، ولما هممت بسؤاله قال: ~~«هل أتيت لإعادة الكتاب أم لتسمعي بقية القصة؟» ابتسمت وبقيت ms055 ~~صامتة، فقال: «أتعلمين أنك أنت وشخص آخر الوحيدان اللذان تعرفان ~~القصة هذه؟ الشخص الآخر هو صديق طفولتي وجاري في حارتنا القديمة ~~الذي التقيته العام الماضي، ولا مانع عندي على الإطلاق من أن ~~أطلعك عليها؛ فالموت لم يعد بعيدا عني كثيرا، فإذا مت أحب ~~أن يبقى أحد ليذكرني وإياها بخير.» فكرت: أليس لديه أبناء ~~إذن؟ لكنني لم أشأ أن أسأله فقلت: «بعد عمر طويل إن شاء الله.» ~~ضحك وقال: «شكرا لك، لكن العمر الطويل بالنسبة إلي سنوات ~~معدودة على أبعد تقدير.» ثم قال: «على أية حال، إلى أين وصلنا؟» ~~قلت على الفور: «حين رحلت رندة ولم تقل لي أين.» قال: «نعم، لقد ~~عادت مع أهلها إلى تونس، وهناك لم تتمكن من التواصل معي بسبب ~~مشاكل عائلية واصطدامها مع أهلها الذين قرروا الاستقرار في ~~تونس. وهكذا غابت عاما كاملا، لم أستطع خلالها منع نفسي من البحث ~~عنها، من رؤية خيالها في كل حسناء عربية، صرت أتخيل كل شال ~~أزرق سماوي هو شالها، وكل حقيبة بنية حقيبتها، كنت أفتش في ~~عيني كل أنثى عنها. في أثناء ذلك أنهيت دراستي، ونلت شهادتي؛ ~~فقد عاهدت نفسي أن أكمل طريقي حتى أصل إلى هدفي. لعلها لم تكن ~~حب حياتي، لعلها كانت مقدرة لغيري، لعل أنثى غيرها تنتظرني في ~~مكان ما. وهكذا طويت صفحتها، ونويت أن أعود إلى الوطن لأبدأ ~~حياة جديدة حتى عادت.» # وسكت، وطال صمته وهو سارح في الكتب أمامه، حتى فقدت صبري ~~فسألته: «ثم ماذا؟ ماذا قالت لك؟» أجاب: «بررت لي غيابها، ~~واعتذرت مني وكان أن سامحتها.» صرخت وقد ثرت غضبا: «كيف؟ ~~هكذا؟ بهذه البساطة؟» ابتسم وقال: «نعم بهذه البساطة.» كان يتحدث ~~ببرود شديد أثارني وأغضبني فقلت: «كيف ذلك؟ وهل سامحتها؟ أقصد ~~هل صدقتها؟» ضحك وقال: «ماذا ستقولين إذن إذا أخبرتك أنني فوق ~~ذلك عرضت عليها الزواج؟» وظل ينظر إلي مبتمسا ينتظر ما سأفعل، ~~فوقفت من هول الصدمة وضربت رأسي وقلت: «يا إلهي! هذا جنون! لا ~~بد أنك تمزح، أرجوك أخبرني أنك غير جاد.» ms056 أجاب وهو لا يزال ~~مبتسما: «اجلسي، اجلسي، يوما ما ستفهمين، الغضب لا يفعل أي شيء ~~أمام الحب، أتعلمين؟ كانت رؤيتها مجددا بمثابة الحلم الذي لا ~~أريد أن أستفيق منه؛ لذلك قررت إبقاءها إلى جانبي مدى الحياة، ~~فعرضت عليها الزواج فوافقت على الفور، كنا أسعد اثنين، وعدنا ~~إلى ما كنا عليه. # أصبحت تحكي لي كل يوم عن أفكارها وبحثها في مختلف الديانات ~~والمعتقدات عن الحقيقة، وكنت أجاريها وأشاركها حتى غدوت أهتم ~~لما تهتم به. صرت أقابل الناس وأتحدث إليهم عن تجاربهم الروحية، ~~دخلت إلى الكنائس وحاورت الرهبان، ودخلت إلى المساجد لأول مرة ~~وتحدثت إلى المشايخ والمصلين، زرت مختلف الأديرة والمعابد، وكنت ~~سعيدا بكل معلومة أحصل عليها لأنني سأنقلها لها. كنت كالطفل ~~الذي يتعلم بشغف وسعادة كبيرين، وكانت تزداد يوما بعد يوم ~~إشراقا وجمالا.» # سكت قليلا فقد كنت أنظر إلى الساعة، فقال: «أعتقد أن عليك ~~الذهاب.» تنهدت استياء وقلت: «آه، نعم، الوقت يمر بسرعة هنا، ~~أريد أن أحدثك عما حدث معي البارحة.» فوقف وقال: «في المرة ~~المقبلة، هيا إلى اللقاء، لا تتأخري عن البيت.» # عدنا إلى البيت قبيل عودة أبي فاستقبلتني أمي وهي تحمد ~~الله على وصولي باكرا. أخذت أفكر في «رندة»، كنت أحسدها على ~~حريتها وعلى جرأتها وقدرتها على السعي وراء هدفها. ليتني ألتقي ~~بها، أشعر أنها تشبهني، ترى أين هي وماذا حدث لها؟ # كتبت في صفحتي على الفيسبوك: # لا تكمن العظمة في أهدافنا فحسب، بل في أنفسنا أيضا ~~حين نرفض التخلي عنها لأي سبب. # ثم فتحت بريدي الإلكتروني فوجدت الرسالة التالية: # الصديقة العزيزة # أتمنى أن تكوني بخير، أتساءل ما سبب عدم إجابتك لي ~~على رسالتي الأولى، وتركي يومين بلا رد، إذا كنت ~~أزعجك برسائلي فإنني أعتذر وأعدك بإيقافها. ولك خالص ~~الشكر. # شادي # آه! يا إلهي! كنت قد نسيت أمره تماما، يا لفظاظتي! علي أن ~~أجيبه، كتبت له على الفور: # السيد شادي # تحية طيبة، أعتذر منك إذ يظهر أنك أخطأت العنوان، ~~أنا لست من تظن. تحياتي. # وأرسلتها، وبعد دقائق تلقيت الرد ms057 التالي: # آسف على إزعاجك برسائلي. # نظرت إلى كلماته المقتضبة، كنت أريد المزيد، فكتبت: # لا تعتذر، الأخطاء تحدث دائما، أشكرك على ~~لباقتك. # وانتظرت، لكنه لم يرسل أي شيء. أغلقت الجهاز وخلدت إلى ~~النوم. # 9 # 1997م # كان أذان الفجر يصدح من جامع الصديق الذي لم يكن يبعد ~~كثيرا عن دكان أبو أنس الخياط. انتبه سليمان وأخذ يجول ببصره في ~~أرجاء المكان محاولا إدراك كيف وصل، ثم تذكر كل شيء في لحظات. ~~أخذ يسعل على عادة أهل حلب للتنبيه على وجوده، أزاح أبو أنس ~~الخياط الستار، وقال: «يسعد صباحك، عيدك مبارك، ها قد أذن الفجر، ~~أنا ذاهب إلى الصلاة وسأبقى حتى صلاة العيد، تحب ترافقني؟» ظل ~~سليمان واجما، أتكون أول صلاة لي بعد خروجي هي صلاة العيد؟! هل ~~تحتفل بي الأرض على طريقتها؟ أم أنها مجرد مصادفة بحتة؟ # كان أبو أنس ينظر إليه متفحصا ثيابه، ثم قال: «اليوم عيد، ~~ولا أعتقد يا ابني أنك ستذهب بهذه الملابس، قم معي.» ثم اتجه إلى ~~هاتف أخضر كان موضوعا على المكتب وأدار قرص الأرقام، وتحدث: آلو ~~مرحبا. ~~- ... ~~- الحمد لله. ~~- ... ~~- نعم تقريبا، اسمعي، أنا قادم إلى البيت ومعي ضيف، سخني ~~الحمام وحضري لقمة. ~~- ... ~~- بعدين بعدين، مع السلامة. # نظر إليه سليمان مستفسرا، فأومأ له أبو أنس بالتزام الهدوء، ~~فاستجاب سليمان وساعده في إغلاق درابية المحل، وتمشيا معا في ~~الشارع المظلم عدة دقائق حتى صعدا بناية عتيقة إلى الطابق ~~الثاني. طرق أبو أنس باب الشقة اليمنى، ولم ينتظر بل أخرج مفتاحه ~~وفتح الباب «يا الله، يا الله، خذوا طريق.» # 2 # وأشار إلى سليمان بالدخول إلى الغرفة على اليسار، ~~وقال: «تفضل يا ابني ارتح قليلا، وسأعود إليك.» دخل سليمان إلى ~~الغرفة، كانت غرفة باردة مفروشة بالسجاد المزخرف ويلتمع دهان ~~جدرانها ذو اللون السكري تحت ضوء الثريا الضخمة ذات الشموع ~~والكريستال. كان أثاث الغرفة من الخشب الذهبي اللون المحفور ~~باليد، والمنجد بالمخمل الأحمر القاتم، وفي وسط الغرفة انتصبت ~~طاولة ذات سطح مرمري أبيض، يتوسطها مفرش سكري اللون وتحفة ~~زجاجية ونفاضتان من ms058 الكريستال. دار سليمان حول الغرفة، أزاح ستارة ~~النافذة، فارتد إلى الوراء قليلا، لقد رأى انعكاس صورته على ~~الزجاج العاكس، فراح يمرر يده على وجهه، على التغضنات التي ~~علت جبهته، على شعره الآخذ في التساقط، تأمل ثيابه الرثة، ~~وعظمتي صدره البارزتين، والعرق الأزرق الناتئ في يسار رقبته، ثم ~~راح يمرر يده على ذقنه التي استطال شعرها قليلا، بدا شكله ~~أشبه بمدمني الكحول، لقد كان أبو أنس محقا! راح يتأمل هاتين ~~العينين البنيتين، لهما اللون نفسه والأهداب نفسها لكنهما ~~غريبتان عنه، متى كانت آخر مرة رأيت فيها نفسي في مرآة؟ من أنا؟ ~~ما عدت أعرفني! وهذا الشيب، منذ متى بدأ يشتعل في رأسي؟ كان ~~سارحا في صورته حين فتح عليه الباب أبو أنس حاملا معه ثيابا ~~ومنشفة، ابتسم وهو يراه يحدق في شباك مغلق، ثم قال: «تفضل ~~يا ابني، الحمام جاهز، أتمنى أن تناسبك، هذه من ملابس ابني.» ~~أسدل سليمان الستارة وقال: «لا تؤاخذني، مضى لي أعوام ما رأيت ~~وجهي في مرآة!» # 10 # أخبرتني أمي في صباح أحد الأيام أننا سنذهب إلى أحد الجوامع ~~للاحتفال ببعض الفتيات اللاتي أتممن حفظ القرآن أو أجزاء منه، ~~وستكون «آنستنا» هناك. وصلنا متأخرات فاضطررنا للجلوس في آخر ~~الصفوف. كانت النسوة جالسات على الأرض، ما عدا بعضهن اللاتي جلسن ~~على الكراسي، ميزت «الآنسة» من بينهن فقد كانت تجلس في ~~المنتصف. # بدأت الفتيات بتلاوة القرآن، ثم أخذن بإنشاد الأناشيد، ورقصت ~~الفتيات الصغيرات بحجابهن، ثم حان موعد التكريم، فوقفت ~~«الآنسات» وبدأن بتكريم الحافظات وسط هتافات النسوة وتصفيقهن. كانت ~~الواحدة منهن تستلم شهادتها وجائزتها وتسلم على «الآنسات» وحين ~~تصل إلى «آنستنا» فإنها تنحني لتقبل يدها، مرة ومرتين وثلاثا. ~~كلهن فعلن ذلك حتى إن إحداهن حين وصلت إلى «الآنسة» ارتمت عند ~~قدميها لتقبلهما! فأوقفنها النسوة فعادت لترمي بنفسها مجددا، ~~فسالت أعين النسوة بالدموع، ونكزتني أمي وقالت متأثرة: «أرأيت ~~كم نحن محظوظات ببركة هذه الآنسة؟ انظري إلى محبة كل النسوة ~~والفتيات لها، لو أنك استمعت لي فحفظت القرآن لكنت اليوم من ~~بينهن ms059 ولرآك الجميع.» حملقت في أمي وقلت لها: «هل أنت جادة ~~حقا؟ وهل الهدف من حفظ القرآن أن تتباهي بي أمام النسوة؟» ~~والتفت قبل أن تجيب، وخرجت من الجامع إلى الساحة ~~الخارجية. # شعرت بالغضب يخنقني، وبالغربة عنهن، وصرت أتحدث بصوت عال ~~من فرط غضبي: «نعم، صحيح، إن علي أن أحفظ القرآن لأرضي غرور ~~أمي، وعلي أن أقبل يدي الآنسة وقدميها أيضا، وإلا فلن ~~تحل بركتها علي ...» وعندها انتبهت إلى سيدة كانت تجلس في ظل ~~إحدى الأشجار فشعرت بالحرج وسكت على الفور، والتفت معطية ~~ظهري لها. بعد لحظات شعرت بيد باردة على كتفي وصوت يقول: «لم ~~أنت غاضبة يا سماء؟» التفت فوجدتها، الفتاة النحيلة التي كانت ~~تحضر الدروس معي، تفاجأت من وجودها وتذكرت أنني لا أعرف ~~اسمها، لكن رؤيتها أعادت إلي الهدوء قليلا، قلت: «ماذا تفعلين ~~هنا؟ لم لست في الحفل؟» ضحكت بسخرية وقالت: «وهل لمثلي حضور ~~هذه الاحتفالات؟» استغربت من ردها وسألتها: «ماذا تقصدين؟» ~~قالت: «لقد أصبحت منبوذة منذ ذلك اليوم الذي افتضحت فيه أمام ~~الجميع، لم تعد أمي تعاملني كما كانت؛ فلم أعد بالمستوى الذي ~~يليق بها وبصديقاتها ومجتمعها الديني؛ فأنا خاطئة! كنت شديدة ~~الأسف لما حصل، فبذلت جهدي، وأتممت حفظ القرآن وأحاديث الأربعين ~~النووية منذ أسبوع، كنت أجهز نفسي للتكريم اليوم لكن لم يحدث ~~هذا.» فقلت لها: «قد تكون الآنسة لا تدري بذلك، قومي معي ~~لنخبرها.» وقفت على الفور وأمسكتها من يدها، فسحبتها وقالت: ~~«بلى، أخبرتها بذلك بنفسي، لكن كما تعلمين فإن خطيئتي وصمة عار ~~لا تمحى أبدا. لقد تجاهلتني تماما، ولهذا أنا هنا؛ إذ لم يعد ~~لي مكان هناك.» كانت ترتجف بردا أو ألما وقد أصابتني كلماتها ~~بالعجز فلم أدر ما أقول. عدت وجلست بجوارها وأحطتها من كتفها ~~وبقينا تحت شجرة الكينا الكبيرة التي كانت سخية معنا بظلها. كنا ~~هادئتين نتأمل انعكاس ظلال أوراق الشجرة على الأرض التي ~~تحركها نسمات أيلول. بقينا صامتتين وأصوات الاحتفال في ~~الداخل تتنامى إلى مسامعنا وكأنها من عالم غريب، شعرت بشيء من ~~الحنين ms060 وبكثير من السكينة والفرح الرفيع. كان ثمة نور أحسسته ~~بقربي منها، وكنت سعيدة بذلك حد الاكتفاء. لم يكن بي رغبة ~~بالحديث، كأنني ولجت إلى روحها وفهمت كل شيء. كنت أمسك ~~بيدها وكانت باردة، وكنت دافئة. كنت على استعداد لأن أمضي العمر ~~وأنا بجوارها، تمنيت أن يستمر هذا إلى الأبد. كانت دمعة حلوة ~~تستعد لتهطل من عيني وإذا بي أسمع صوت أمي فأعادني إلى وعيي ~~بالزمان والمكان: «سماء، سماء، أنت هنا، بالله عليك ماذا تفعلين ~~عندك؟ بحثت عنك في كل مكان، لقد فاتك الكثير، تعالي.» واقتربت ~~مني أكثر فوقفت على الفور مخفية صاحبتي عنها خلفي، فجذبتني ~~أمي من يدي ومشينا ثم التفتت إلى الوراء وتمتمت: «ماذا تفعلين ~~معها؟» # في تلك الليلة كتبت في الفيسبوك: # هناك الكثير من التجارب التي لا يمكن تفسيرها إلا بالحب ~~الخالص. # لا تستهن بشيء في طريقك إلى النور مهما كان؛ فالذنب ~~الكبير قد يهبك من الجمال مثله مثل الطاعة ~~العظيمة. # استيقظت قرابة الثالثة فجرا، جلست على سريري لدقائق، كان ~~الصمت مطبقا، والظلام كثيفا؛ فقد كان التيار الكهربائي مقطوعا. ~~وقفت وأخذت أتلمس طريقي، وبصعوبة بالغة وصلت إلى هاتفي ~~النقال، فتحته ليهبني شيئا من نور، ورحت أقلب الصور فيه. ~~لم تكن بي رغبة في النوم، قمت إلى الحاسوب وفتحت بريدي ~~الإلكتروني فوجدت رسالتين من «شادي»، كانتا من الرسائل ~~الممررة لمعلومات عامة، حذفتهما وعدت إلى سريري أحاول النوم ~~مجددا لكنني لم أفلح. استعنت بضوء الهاتف الضئيل واتجهت إلى ~~الشرفة وخرجت، كان الهواء باردا خفيفا صافيا. نظرت إلى السماء ~~فإذا هي متلألئة بالنجوم التي ما كنت لأراها لولا انقطاع ~~الكهرباء، كان ذلك رائعا! سحبت أحد الكراسي وجلست، ورحت ~~أتأمل السماء، وسبحت فيها طويلا، وكنت سعيدة، بإمكاني قول ~~ذلك بكل ثقة. اجتمع سكون الليل مع الظلمة والنسمات العليلة ~~ليهبوا لي جميعا هذا الشعور اللذيذ الذي سكن قلبي، وملأ كياني ~~راحة جميلة، ثم تناهى إلي «تسميع» # 3 # أحد الجوامع البعيدة، كان يقول: # يا من هواه أعزه وأذلني # كيف السبيل إلى وصالك؟ دلني # ووصلتني ms061 حتى ملكت حشاشتي # ورجعت من بعد الوصال هجرتني # الهجر من بعد الوصال قطيعة # يا ليت قبل الوصل قد آنستني. # ياه! ما أعذب صوته! وأجمل كلماته! كأنه يحكي عن ~~حالي. بعد قليل أخذت الجوامع القريبة بالتسميع فاختلطت الأصوات ~~وما عدت أميز كلماتها، ثم أذن الفجر، كنت أسمعه بإصغاء ~~شديد، وسكينة تامة. قررت أن أصلي هنا بالذات، رحت ~~وتوضأت وعدت إلى الشرفة وبدأت أصلي بعد طول انقطاع. ~~أحسست بكل كلمة، وبكل حركة وبكل تسبيحة وتكبيرة، كان كل شيء يفتح ~~لي معاني جديدة ومشاعر جميلة لم أشعر بها من قبل. أحسست ~~بضياء حان يحيط بي، يلفني ويخترقني، لم أدر كم مضى علي ~~من الوقت لكنني أحببت الصلاة من جديد. كنت جالسة على السجادة ~~سعيدة بما قمت به، وإذا بأمي تدخل وشمعة في يدها، قالت: «ماذا ~~تفعلين؟ الجو بارد، ادخلي.» دخلت ودسست نفسي في سريري. كانت ~~اللذة تغمر جوارحي وتهبط على جفني نوما هنيئا، بينما راحت ~~خيوط الصباح تتسلل عبر النافذة لتنير لي غرفتي وعالمي ~~الصغير. # استيقظت نشطة في اليوم التالي، فهاتفت جدو نور وطلبت منه ~~موعدا فاعتذر لملاقاتي صباحا وأجل الموعد إلى المساء، كانت ~~فرصة لي لأنهي كتابي الذي استعرته مؤخرا. في المساء ارتديت ~~ثيابا سميكة قليلا، وكذلك ألبست أختي فاطمة؛ فنحن في أواخر ~~أيلول، وقد بدأ البرد باكرا هذا العام. توجهنا إلى بيت جارنا ~~ورحب بنا كعادته، وولجنا إلى صومعته. سألني: «أنهيت الكتاب؟» ~~شعرت بالإحراج وقلت: «كلا، لكنني أعدك أن أعيده لك قريبا. ~~لقد شغلتني عدة أمور.» أجاب: «لا بأس، ما أخباركم؟» قلت: «بخير ~~حال، عاد الجميع إلى مدارسهم أما أنا فلا مدرسة ولا جامعة!» قال: ~~«الحياة بأكملها تنتظرك وهي ليست محدودة في أروقة الجامعة فحسب يا ~~سماء.» لم أجب؛ فلم أقتنع بكلامه، وكنت لا أزال واقفة، قال: ~~«اجلسي، أنت تنتظرين إكمال القصة صحيح؟» هززت رأسي بالإيجاب ~~فقال: «تزوجنا أنا ورندة وعدت بها إلى الوطن.» وسكت قليلا، ~~فقلت: «هذا رائع، كأنه حلم حقيقي.» ابتسم جدو نور بدوره وقال: ~~«نعم، كان حلما عشناه ms062 حقيقة، وكانت سعادة انتشينا بها دفعة ~~واحدة حتى ما بقي لنا منها شيء.» قطبت جبيني وسألته: «ماذا ~~تقصد؟ ماذا حدث؟» # | الفصل الثالث # 1 # 1988م # رائحة تحميص الملوخية مع الثوم والكزبرة تملأ الدرج حتى مدخل ~~العمارة، وقع خطوات سريعة تقترب نحو الباب، كان ممسكا بيدها ~~محاولا طمأنتها وهما ينتظران الباب ليفتح، شعرت به يرتجف وقد ~~بلل العرق يدها بالكامل، ابتسمت له، «إنه متوتر أكثر مني!» ~~يتحرك مقبض الباب وينفتح إلى الداخل مصدرا أزيزا عاليا، يطل ~~وجه سيدة خمسينية بثياب البيت الصوفية وقد جمعت شعرها المصبوغ ~~بالأشقر بربطة حمراء تتناسب مع ثيابها المزهرة، منتعلة خفين ~~أسودين وجوربين سميكين. ما إن وقعت عيناها على ابنها الذي لم ~~تره منذ سنتين تقريبا حتى صرخت: «نووووور.» وضربت على فخذيها ~~من هول المفاجأة، ضمته إلى صدرها بكثير من العناق والقبلات ~~والدموع، وسرعان ما أقبلت نورة وعانقت أخاها. # وبعد موجة الاستقبال الحار الذي دام طويلا عند العتبة ولا يزال ~~الباب مفتوحا انتبهت نورة إلى وجود سيدة في الخارج بجانب ~~الحقائب، نظرت إلى أخيها مستفهمة، يبدو أنه نسيها لبرهة، أمسك ~~بيدها وأدخلها إلى البيت قائلا: «ماما، نورة، هذه رندة ...» وسكت. ~~قطبت الأم جبينها ونظرة فزع واستفهام قفزت إلى عينيها، وهي ~~تستحثه على إكمال حديثه. ابتسم مرتبكا وأكمل: «رندة زوجتي!» ~~وساد الصمت لحظات واختفت ملامح السعادة التي كانت ترفرف على ~~الوجوه، لتحل محلها نظرات الصدمة والتأنيب. # كانت نورة أول من تحدث فقالت: «تفضلا بالدخول، لا بد أنكما ~~متعبان من السفر، سأدخل الحقائب إلى غرفتك نور، إنها على حالها ~~منذ تركتها، هيا، هيا.» دخل الجميع وأغلق الباب أخيرا، ~~جلست رندة على إحدى الكراسي في الصالة، وحين هم نور بالجلوس ~~جذبته والدته من يده إلى المطبخ وأغلقت الباب وقالت: «كنت ~~أتوقع منك كل شيء، كل شيء إلا هذا، كيف طاوعك قلبك لتفعل بي ~~ذلك؟ ما عدت تهتم لرأي أمك، كل هذه السنين وأنا أنتظر أن أفرح ~~فيك، وأنت تحرمني من فرحة عمري؟ بهذه البساطة تفرضها علينا، حرام ~~عليك ...» قاطعها نور ممسكا ms063 بيدها: «ماما، ماما.» انتزعتها منه ~~وقالت والدموع تطفر من عينيها: «دعني أكمل، لا تقاطعني، أبوك ليس ~~هنا، لكن جد حلا قبل عودته، لا تتوقع منه أن يرحب بشخص ~~غريب معنا .» وأشاحت بوجهها ناحية الفرن وهي تدافع دموعها. # خرج نور والهم يركبه والغصة تخنقه، وجدها واقفة تنظر إليه ~~بعين كسيرة، «لقد سمعت كل شيء.» أمسك بيديها معتذرا متوسلا، ~~لم يقل شيئا؛ فلا شيء يمكن أن يقال، سحبت يديها بهدوء، تناولت ~~حقيبتها وهمت بالرحيل، عندها جاءت نورة حاملة كوبا من الماء، ~~صاحت: «رندة بالله عليك إلى أين تذهبين، تعالي، كلي شيئا على ~~الأقل، لا يمكن أن أسمح لك بالرحيل. نور، قل شيئا، الآن يأتي بابا ~~ونحل كل شيء.» نور بقي جامدا، الأم في المطبخ، رندة تنتظر نور، ~~نور لا يقول شيئا، ونورة تتوسل. ابتسمت رندة وقالت: «بل سيتعقد ~~كل شيء»، استدارت واتجهت ناحية الباب، «لا تذهبي.» قال نور ~~أخيرا، لكن رندة فتحت الباب وإذ بها أمام عمها مباشرة. # قفزت نورة باتجاه رندة ومن غير أن تتفوه بكلمة سحبتها من ~~يديها إلى غرفتها. دخل الأب في دوامة المفاجأة والصدمة، وجد نور ~~أمامه منكبا على يديه يعانقه ويبكي، قال: «متى وصلت؟ لم لم ~~تخبرنا؟ كنا أحضرناك من المطار، هكذا تفاجئنا؟» ابتسم نور ~~مجاملة، «ما لك يا ولد، أنت مريض؟ تعالي أم نور أين أنت؟ نورة ~~تعالي هذا أخوك رجع دكتورا قد الدنيا.» وضرب على صدر ولده بفرح. ~~أقبلت أم نور، وحين رآها قال: «ما لك أنت أيضا؟ حصل شيء؟ ~~أخبروني.» وأخذ ينقل نظره بينها وبينه، قالت: «قل له أنت يا نور.» ~~أمسك نور بكتفي أمه وقال: «أمي أرجوك تمالكي أعصابك، لم يحدث شيء، ~~لا تخيفي أبي.» صرخ الوالد على الفور: «ماذا؟ تكلم يا ولد الآن، ~~ماذا حصل؟» التفت نور ليتحدث، فقالت أمه: «ابنك تزوج، تزوج يا ~~أبو نور، تزوج.» وشددت على حرف الواو. ضرب نور على جبهته، ~~حملق والده فيه، قال نور: «بابا، بابا، دعني أشرح لك كل شيء، أنت ~~تريد أن تفرح بي، ms064 وأنا أنهيت دراستي وسأعمل، وهي طيبة جدا ~~ولطيفة. إنها ...» ولم يعرف ما يقول فقد أخرسته ملامح وجه أبيه ~~الذي تهاوى على أحد المقاعد وأشار إليه بيده أن اذهب، وجلس الجميع ~~صامتين. # بعد عشر دقائق أو يزيد من الصمت قام والد نور إلى غرفته ثم خرج ~~منها وهو يحمل مبلغا من المال، اتجه ناحية نور فوقف من فوره، قال: ~~«يا ولد، ما درسناك وصرفنا عليك حتى آخر شيء تعمل فينا الذي ~~عملته، تحب أن ترجع لبيتك أهلا وسهلا، لكن وحدك، وإذا ما رفضت ~~فتفضل هذا المبلغ لتدبرا أموركما، لكن لا ترني وجهك مرة أخرى.» ~~حملق نور في أبيه وانفجر قائلا: هل تطردني من البيت؟ ~~- تحمل نتيجة أفعالك، أما بيتك فهو مفتوح لك في أي ~~وقت. ~~- يعني أترك زوجتي؟ هل هذا ما تريد؟ ~~- ... ~~- تعرف عليها على الأقل، قابلها. ~~- ... ~~- ليتني لم أعد ولم أركم أبدا، ونقودك هذه لا ~~أحتاجها. # ثم صرخ بأعلى صوته: «رندة، رندة.» خرجت مسرعة، سحبها من يدها ~~بقوة وأخرج الحقائب، وصفق الباب وغادر. # على قارعة الطريق وقفا مع حقائبهما في برد شباط الشديد، وقد ~~سيطر الغضب على نور ومنع عنه التفكير، كان يلتفت يمينا وشمالا ~~وهو يضرب بيديه مرة على رأسه ومرة على فخذيه في حالة ذهول، ثم ~~تهاوى جالسا على الرصيف وقد غابت عنه تماما أية قدرة على ~~التفكير. تقدمت رندة ووقفت عند مقدمة الشارع، وبحركات واثقة ~~أوقفت سيارة أجرة، تحدثت مع السائق، فتح لها الباب الخلفي ~~وقاما بإدخال الحقائب. كان نور يراقبها بذهول: ماذا تفعل؟ وهل تعرف ~~أين تذهب؟ اقتربت منه بابتسامة حانية، مدت يدها له، ومثل طفل ~~تاه عن أمه طويلا سلمها يده ونفسه فقادته إلى السيارة ~~وانطلقوا. # انطلقت السيارة من حي السبيل باتجاه أحياء حلب القديمة وصولا ~~إلى الجامع الكبير حيث توقفت. حاسبته رندة، وأنزلا الحقائب واتجها ~~إلى ساحات الجامع. # جلس نور بجانب الحقائب، وظلت رندة واقفة شابكة يديها إلى ~~صدرها، ودمعة إجلال التمعت في عينيها وهي ترى الجامع الأموي ~~للمرة الأولى. كانت مثل عاشق يرى ms065 معشوقه بعد طول غياب، يمتع ~~نظره بكل جزء منه، يتفحصه بحب وإجلال وشوق، ساق الحب خطواتها نحو ~~معشوقها للتوغل فيه وسبر أركان جماله ركنا ركنا، كانت مأخوذة ~~تماما بأرضيته المرصوفة بالبلاط الرخامي ذي اللونين الأصفر ~~والأسود والذي يتوزع بأشكال هندسية جميلة. مشت حتى قبتي ~~الوضوء اللتين التف حولهما بعض الرجال، والكثير من الأطفال ~~يدورون ويلعبون، وطيور الحمام تشرب ما تطاير من مائها المتلألئ تحت ~~أشعة الشمس الخجولة. اقتربت أكثر، جثت على ركبتيها، خلعت معطفها ~~الجلدي، ورفعت كمي بلوزتها الصوفية حتى مرفقيها وشرعت ~~بالوضوء، نزلت المياه شديدة البرودة على يديها، ارتعش جسدها ~~لحظة، فملأت كفيها وارتشفت رشفات منه، غسلت وجهها ومرفقيها ~~ومسحت على شعرها بعناية، كانت تؤمن أن كل قطرة منه مباركة طاهرة ~~ومطهرة. أنهت وضوءها وشربت مجددا من هذا الماء المبارك، هذا ~~العنصر العجيب الذي تجود به الطبيعة، ليهب لنا الحياة. وفي هذه ~~الساحات الطاهرة رأت الحياة في أسمى مظاهرها، امتزج الماء الطاهر ~~بلحمها ودمها، فالتذت روحها، واطمأن قلبها، وسكنت نفسها، ~~وشعرت بالقوة التي ستعينها على ما سيأتي من أحداث، ثم استوت واقفة ~~واستدارت وإذا ببعض الأعين ترمقها وكأنما ارتكبت جرما، من هذه ~~المرأة الحاسرة الرأس التي تجرأت على الوضوء في مكان مخصص ~~للرجال؟! ابتسمت لهم، ارتدت معطفها وسارت باتجاه الأروقة. كانت ~~الفوانيس النحاسية المدلاة من السقف قد أضيئت؛ فقد شارفت ~~الشمس على المغيب. كم شخصا عمل على إنشاء هذه الأقواس والزخارف ~~والفوانيس؟ وكم مر ناس من هنا من غابر الأزمان؟ يموت الإنسان ~~ويبقى الحجر، ويظل شاهدا على كل من حمله ونقله ورفعه، وعلى كل ~~من مر بقربه. كانت تؤمن أن للأماكن ذاكرتها الخاصة، ولا يزيدها ~~القدم إلا عراقة وحكمة؛ فهي تختزل كل الناس والأحداث وكل ما ~~كان يقال من صلوات وأدعية ومناجاة، ولو استطاع الإنسان الوصول إلى ~~ذاكرة الحجر لرأى عجبا! دارت الأفكار هذه في رأسها وهي تمرر ~~يدها على الجدران، توقفت عند لوحة خط كتب عليها: «إذ نادى ~~ربه نداء خفيا.» مكتوبة بخط الثلث الذي تعرفه جيدا، لماذا ms066 ~~يكون النداء خفيا؟ ولماذا إذن يرفع كثير من الأئمة أصواتهم ~~بالدعاء حتى كأن بعضهم يصرخ صراخا؟ # أحست بيد تربت على كتفها، استدارت فوجدت سيدة قد غزت ~~التجاعيد وجهها المغطى نصفه وهي تحمل بيدها رداء ترابي اللون، ~~قالت: «ألا تريدين أن تدخلي الجامع وتزوري مقام سيدنا زكريا؟» ~~ابتسمت رندة وقالت: «بالطبع أريد.» قالت السيدة: «استديري يا بنتي ~~أساعدك على لبسه.» انصاعت رندة للطيبة في وجه العجوز واستدارت لها، ~~فوضعت السيدة الرداء على كتفيها، وقامت رندة بإدخال يديها في ~~الأكمام، فوصل الرداء إلى ما قبل كاحلها بقليل، وقامت السيدة برفع ~~القلنسوة المثبتة بالرداء على رأس رندة التي أدخلت شعرها فيه ~~جيدا ثم قالت للسيدة بفرح: «ها! كيف أبدو؟» أجابت: «مثل حوريات ~~الجنة!» التمعت عينا رندة، فلم تتوقع جوابها. شكرتها، واتجهت ~~نحو الجامع. # كان نور ما يزال تحت تأثير الصدمة جالسا في ساحة الجامع بجوار ~~حقائبه يستعيد ما مر معه في بيت والده، كيف يمكن أن يكونوا بهذه ~~القسوة؟ أين نذهب الآن؟ أنعود إلى ألمانيا؟ وهل بقي معنا نقود ~~أصلا للسفر؟ ماذا ستفكر رندة بي الآن؟ لكن لحظة، أين رندة؟ ~~بالله عليها ماذا تفعل؟ وقف باحثا عنها في ساحات الجامع فلم ~~يجدها، زاد غضبه وأخذ يذرع المكان جيئة وذهابا، عليها أن تكون ~~أكثر شعورا بالمسئولية، كيف تتركني وتمضي وحدها؟ بعد دقائق ~~أحسها نور دهرا عادت رندة، كانت ترتدي رداء عجيبا يغطي ~~رأسها فلم يعرفها، ولما اقتربت كانت مبتسمة، وكان نور غاضبا، كيف ~~يمكن لها أن تتركني وتنسى مصيبتنا لتمارس هواياتها السياحية؟ وما ~~إن اقتربت أكثر ومن غير أن يسمح لها بكلمة انفجر في وجهها تعنيفا ~~وصراخا. وفي محاولة منها لتهدئته قالت: «أنت تبالغ.» لكن ما ~~زادته هذه الكلمة إلا غضبا وحنقا فما كان منه إلا أن انفجر بغضبه ~~وإحباطه وخيباته كلها عليها وصفعها على وجهها صفعة أوقعتها ~~أرضا! ~~••• # شهقت فزعا وأغلقت وجهي بيدي، هل يعقل هذا؟ جدو نور باتزانه ~~وطيبته فعل ذلك؟ حين سمع شهقتي قال: «نعم أعلم كم كنت قاسيا، ~~كانت المرة ms067 الأولى والأخيرة التي أضرب فيها إنسانا، فضلا عن ~~الإنسانة الأجمل التي أحببتها واخترتها. عندها أخذت رندة تبكي، ~~رندة الجميلة كانت تبكي على الأرض، وقد آلمتها بنفسي، بيدي هذه، ~~كان إحساسي بالندم لا يوصف، عندها توجه إلينا بعض المصلين ممن ~~شاهد ما فعلت وأخذوا يدفعونني بعيدا عنها، ولم يتركوني إلا بعد ~~توسلاتها لهم. من يومها انكسر شيء ما في قلب رندة، ولم تجد ~~جميع محاولاتي نفعا في إصلاحه.» # وسكت قليلا والحزن باد على وجهه المجهد، أحسست أنه كبر ~~فجأة عشرة أعوام. كان مستغرقا في التفكير وهو يعبث بفنجان ~~القهوة الفارغ، فلم أشأ أن ألح عليه بإكمال ما حدث، فالتزمت ~~الصمت، ومرت دقائق قبل أن يتنهد أخيرا ثم يقول: «لقد مر ~~على ذلك وقت طويل يا سماء، وقت طويل.» قلت: «أعتذر منك جدو، فإن ~~كان تذكر الماضي يؤلمك فلست مضطرا للإكمال وسأنصرف في ~~الحال.» ابتسم وقال: «كلا كلا؛ فالزمن يعالج أصعب الجروح، ~~تذكري ذلك جيدا. كنت فقط أفكر كيف أن قناعات الإنسان وقيمه ~~ومشاعره تتبدل مع تقدم الإنسان في العمر، هذا مذهل حقا! إن ~~على الإنسان ألا يتشبث بأفكاره كثيرا، عليه ألا يخسر ما هو ~~أهم من أجلها، ألا يرتكب حماقات لإثباتها؛ لأنه سيدرك آجلا ~~تفاهة طريقته في التعلق بها. إنها الحكمة يا عزيزتي ولكنها للأسف ~~تأتي متأخرة.» قطبت جبيني فلم أجد رابطا بين كلامه وبين ما ~~حدثني عنه، هل يقصد أنه وجد أن حبه لرندة كان سخيفا؟ يبدو هذا ~~قاسيا جدا! سألته على الفور: «هل تعني أنك لم تعد تؤمن بقيمة ~~الحب؟» فضحك جدو نور وقال: «تعجبني فيك ثورة الحماسة في قلبك، ~~أنا لم أقصد على الإطلاق ما قلته، إنما أعني غضبي في ذلك الوقت ~~ونقمتي على أهلي وشعوري الكبير بالمصيبة التي أوقعوني فيها حين ~~تركونا بلا مأوى أنا وزوجتي، هذا الغضب الذي أعماني وجعلني أخسر ~~كثيرا، لكنني الآن لا ألومهم، بل ألوم نفسي، كان علي أن أتوقع ~~الأسوأ. أما الحب يا سماء فلم ولن أندم عليه يوما.» # ثم حدثني كيف ms068 تدبر أمره مع زوجته في مسألة السكن فقد ~~اضطرا للبقاء في بيت ابن خالته أسبوعا، ثم انتقلا إلى السكن مع ~~أصدقائه الشباب، وأخبرني عن مدى صعوبة ذلك خاصة مع وجود رندة، ثم ~~تمكن بصعوبة من تدبير غرفة لها في السكن الجامعي مع طالبتين، ~~فيما بقي هو مع رفاقه. وهكذا افترقا، وطال ذلك أشهرا حتى وجد ~~عملا في تدريس دروس خصوصية لبعض الطلاب، فتمكن من استئجار غرفة ~~في بيت عربي قديم مع سيدة تعيش مع حفيدتها، وقد مكثا عندها سنتين ~~ونصفا تقريبا، ثم قال: «في الحقيقة لم أكن مستعدا للحياة ~~الحقيقية في ذلك الوقت، كنت شابا مدللا مرفها من قبل ~~أهلي، كنت آخذ لقمتي من مال والدي، ثم وجدت نفسي فجأة أتحمل ~~مسئولية كاملة لتأمين أبسط متطلبات الحياة لي ولزوجتي، المسألة ~~كلها تقع علي وحدي فلم أكن مستعدا بعد. بدأت أصارع الحياة ~~متأخرا جدا، لم أكن أحمل هم نفسي حتى أحمل هم غيري، الأشياء ~~التي تعلمتها في تلك السنوات الأولى بعد عودتي تفوق كل ما ~~تعلمته في حياتي. إن على المرء أن يخوض غمار الحياة مبكرا، لا ~~أن ينتظر حتى تغمره أمواجها وتغرقه، عليه أن يكون مستعدا ~~وسباحا ماهرا ليواجه الحياة بشجاعة، لكنني للأسف لم أفعل. كنت ~~دائم التذمر والشكوى، وكانت رندة هادئة وادعة لم تصرخ في وجهي ~~مطلقا. لقد تحملت تقلبات مزاجي كثيرا، لكنني لم أدرك ذلك ~~إلا متأخرا جدا.» وسكت قليلا وقال: «أعتقد أن عليك العودة إلى ~~بيتك، كما أنه لدي موعد بعد قليل.» # قلت وقد عجبت من مضي الوقت سريعا: «حسنا جدو، لكن عليك ~~أن تكمل لي القصة غدا.» أجاب: «بالتأكيد، سأكملها لك لكن ~~دعي الغد للغد، لا أحد يعلم ماذا يحمل الغد لنا.» # ما الذي قصده جدو نور من أنه لم يدرك ذلك إلا متأخرا؟ ماذا ~~حدث لها؟ هل يعقل أن تكون قد ماتت؟ ارتعبت للفكرة وأبعدتها ~~فورا من خيالي، ثم تذكرت العقد السماوي اللون، ما علاقته ~~بما حدث؟ علي أن أعرف المزيد! # كتبت على صفحتي في ms069 الفيسبوك: # الحياة مليئة بالمفاجآت، علي أن أكون مستعدة لها ~~كلها. # 2 # عدت إلى البيت وأذان المغرب يصدح في المآذن فلم أجد أحدا فيه، ~~وجدت رسالة على الطاولة بخط أمي كتبت: «نحن في بيت خالك محمد ~~فقد توفيت زوجته، تعالي فورا.» يا إلهي! زوجة خالي هند ~~العزيزة، كيف؟ قبل أيام كنا معا! كانت صدمة كبيرة. بدلنا ~~ثيابنا وانطلقنا إلى بيت خالي، كان باب البيت مفتوحا والأنوار ~~مضاءة، وجدت الكثير من النسوة اللاتي لا أعرف معظمهن، كان السواد ~~سيد كل شيء؛ الثياب والدموع والوجوه. مشيت أتفحص الوجوه أبحث عن ~~وجه أمي، وأنا أشد بإحكام على يد فاطمة. لم أشعر يوما بالوحشة ~~في بيت خالي كما اليوم، وإذا بيد تشدني من كتفي، التفت فإذا ~~هي أمي لكنها كانت في حالة أخرى جعلتني أرتمي بين يديها ~~وأعانقها. في تلك اللحظة أخذت أبكي فجذبتني أمي إلى الداخل، ~~وكذلك بكت فاطمة وارتفع صوتها عاليا مما رد إلي قليلا من ~~وعيي بنفسي، تمالكت دموعي وأخذت أهدئ من بكاء أختي الصغيرة، ~~وحين هدأنا قليلا سألت أمي: «ماذا حدث؟ كيف ماتت؟» قالت: «لا أحد ~~يعلم، كانوا عند بيت جيرانهم قبل ذلك بيوم، وسهروا جميعا ثم عادوا ~~إلى بيتهم، وحين طلع الصباح استيقظ الجميع إلا هي.» حملقت في أمي ~~وقلت: «غير معقول، ماذا حدث في الحقيقة؟ هل تسممت؟ هل مرضت؟ ~~كيف؟ هكذا فجأة؟ لا يمكن أن أصدق.» # ثم اندفعت خارجة من الغرفة فاصطدمت بابنة خالي الكبيرة، ~~عانقتها وعدت إلى البكاء مجددا وكذلك فعلت هي، ثم سألتها: ~~«أخبريني ماذا حدث بالضبط؟ هل كانت مريضة؟» قالت: «كلا، لم تكن ~~تشكو من شيء سوى من أعراض كبر العمر الاعتيادية، لكنها البارحة ~~كانت تعرف.» سألتها: «ماذا تقصدين؟ ماذا تعرف؟» قالت: «كانت تعرف ~~أنها ... أنها ...» وأخذت تبكي مجددا وأنا أحدق فيها، ثم قالت: ~~«يوم أمس طلبت مني أن آتي إلى زيارتها، فاعتذرت بانشغالي بتدريس ~~أولادي، فألحت علي، فأتيت، وجلسنا هنا، على هذه الأريكة ~~بالذات. وضعت ولدي في حضنها وأخذت تلاعبهما وتقبلهما وتدعو ~~لهما، وقالت: «من ms070 يعلم ما الذي يخبئه الغد لنا؟»» وسكتت قليلا، ~~وراحت عبارتها الأخيرة تتردد ~~في عقلي فقبل أقل من ساعة سمعتها بالذات من جدو نور! انتشلتني ~~مجددا من ذهولي حين قالت: «وأخذت أمي تطلعني على المكان الذي ~~خبأت فيه بعض الذهب والمال، وتوصيني أن أنفق شيئا منه على ~~الفقراء والأيتام، كنت أضحك يا سماء، هل تصدقين ذلك؟ لقد كانت ~~تعرف، حتى إنها أوصتني بأبي.» وأخذت تبكي مجددا، كان الذهول ~~مسيطرا علي، لم أعد أبكي بل استغرقت في التفكير، هل يمكن للمرء ~~أن يملك حدسا بما سيحدث؟ وخاصة بقرب وفاته؟ يبدو هذا غريبا ~~حقا! # كانت أمي منشغلة بفاطمة، فتسللت إلى حيث كانت جثة زوجة خالي، ~~كانت موضوعة على طاولة الطعام مغطاة بقماش أبيض، ورائحة طيبة ~~تملأ المكان، اقتربت خطوة إلى الأمام، فمنعتني سيدة، فأومأت ~~لها أخرى بالسماح لي، اقتربت أكثر ورفعت القماش عن وجهها، يا ~~إلهي! أمسكت بيدها فإذا بها باردة كالثلج، هذا هو الموت! من أنت؟ ~~ما هذا الشيء الذي يرقد أمامي؟ شعرت بغربة ووحشة، إنها هي وليست ~~هي، لكن في الحقيقة أين هي؟ لا أرى أمامي إلا الموت مجسدا بهيئة ~~زوجة خالي، لكن أين هي الآن؟ أتراها ترقبنا في هذه اللحظة من ~~مكان ما؟ سرت رعشة في جسدي وأخذت أنظر إلى الأعلى، أين أنت ~~يا هند؟ هل أنت في الأعلى؟ أم هنا؟ وجعلت أقلب نظري إلى الأعلى ~~وإلى الأسفل حيث جسدها يرقد أمامي، فشعرت بغربة عنه وكأنني لا ~~أعرف هذه السيدة، أو بالأحرى هذه الجثة! # أومأت لي المرأة التي معنا بشيء من التوبيخ بأن أتلو لها ~~الفاتحة، رفعت يدي ~~... اهدنا الصراط المستقيم ... # آمين، الصراط ~~المستقيم، ما هو؟ أتراها عرفته الآن؟ يقولون إن الروح حالما تخرج ~~من البدن تعرف كل شيء، عندها ربتت المرأة على كتفي وأومأت لي ~~برأسها لأخرج. # بعد دقائق سمعنا ضربا عنيفا على الباب، وحين فتح الباب ارتطم ~~بالحائط محدثا صوتا عاليا. دخلت سيدة كبيرة ممتلئة وخلفها ~~سيدتان وأخذت تلطم وتصرخ وتبكي، واتجهت فورا إلى ابنة خالي ~~وأخذت تسبها ms071 وتدفعها وتدعو عليها، وارتفعت الأصوات، وتجمهرت ~~النسوة ولم أكن أدري حقا ماذا يحدث. اتجهت إلى أمي أستفسر عن ~~هذه السيدة، فأخبرتني أنها أخت المتوفاة وأنها غاضبة لأنها أرادت ~~أن تغسل أختها ويقام العزاء في بيت العائلة، ولما لم يحدث ~~ذلك غضبت. كما أنها تتهم ابنة خالي بأنها سرقت أموالها ~~وألبت أمها المتوفاة عليها فقاطعتها. كانت تحدثني أمي ~~وبالكاد أسمع صوتها من كثرة الضجيج الذي حدث؛ فقد ارتفعت أصوات ~~النساء وتدخل الجميع لحل النزاع الذي بدأ بالكلام وتطور إلى ~~الصفع واللكم، ولم ينته الموقف حتى سمعنا صوت تحطم زجاج إحدى ~~النوافذ على إثر رمي مزهرية زجاجية عليه، هنا صمت الجميع فجأة ~~لثوان ثم صرخت السيدة الممتلئة وهي ترفع سبابتها «يا ويلكم من ~~الله.» وغادرت أخيرا. # جذبتني أمي من يدي ووبختني لمراقبتي لكل ما يحدث، وطلبت ~~مني أن أعود بفاطمة إلى البيت فهي لم تتوقف عن البكاء. # خرجت ممسكة بيدها نحث الخطى نحو البيت، كنت أشعر بضيق ~~شديد وكانت فاطمة لا تتوقف عن طرح الأسئلة، فنهرتها فعادت إلى ~~البكاء فما كان مني إلا أن حملتها وعدت بها إلى البيت فسرعان ما ~~نامت، وكان الوقت متأخرا فعلا، وضعتها في سريرها واستلقيت في ~~سريري مجهدة متعبة، لكنني لم أحظ بالنوم، كنت في حالة من ~~الذهول، كيف رحلت زوجة خالي في غفلة عن الجميع؟ كل من حولها كان ~~يجهل تماما ما سيحدث، لكنها وحدها من كانت تعلم، أتراها ~~علمت يقينا أم حدسا؟ لم لم تخبر عائلتها بذلك صراحة؟ لا، ~~إنها فعلت ذلك، لكن الناس دائما يميلون إلى عدم التصديق، وكأن ~~الموت لا يمكن أن يزورهم؛ فنحن نبكي على أموات غيرنا، ونزور ~~قبورهم، ونعزي ذويهم، لكننا دائما ما نستبعد فكرة أن يحدث ذلك ~~معنا أو مع شخص مقرب جدا منا، ثم تذكرت حادثة السيدة ~~الممتلئة، عجبت لها ولما فعلته اليوم، ألم تشعر أن روح أختها لا ~~تزال تحوم حولنا؟ لم لا تؤجل ذلك لوقت لاحق حتى تنعم المتوفاة ~~بالسلام؟ كيف يقودها الحقد لتحرم روح أختها منه؟ ms072 ثم عادت إلي ~~صورة الميتة بجسدها البارد المغطى بالبياض، لم اللون الأبيض؟ ~~أهي إشارة إلى رغبة الإنسان إلى أن يعود إلى خالقه صافيا خالصا ~~من كل شائبة؟ أم هو رمز للسلام الذي تحظى به الروح بعد مغادرة ~~البدن؟ وما هذه المفارقة العجيبة؟ الأبيض للميت والأسود لذويه ~~الأحياء، وكأن الميت عاد إلى النور والسلام، والأحياء لا يزالون في ~~سواد الدنيا وتعكيرها ودنسها. # كنت منفعلة جدا، ففتحت الفيسبوك وكتبت: # مهما بلغ الإنسان في قوته فإنه يهرب دائما من فكرة ~~الموت لأنه يخافه. # حين يمتلئ القلب بالحقد فإنه يفقد أبسط ملامح إنسانيته، ~~الاحترام. # جسد الإنسان لا يشكل سوى القشرة الخارجية لماهيته ~~الحقيقية، وبالموت يسقط كل شيء. # أصبحت في اليوم التالي مريضة، كان جسدي يرتعش بشدة، والعرق ~~البارد يتصبب مني على الرغم من حرارتي المرتفعة، مما اضطر ~~والدتي للبقاء بجانبي وترك واجب العزاء. لا أذكر الكثير في تلك ~~الساعات التي قضيتها وأنا تحت وطأة الحمى سوى بعض الومضات التي ~~اختلطت فيها الحقيقة بالأحلام أو بالكوابيس، تارة كنت أشاهد ~~أمي وهي تلطم، وأرى نفسي أحوم حول الغرفة ثم أحلق إلى البعيد، ~~وتارة كنت أرى نفسي أبكي على قبر ما، ومرة كنت أسمع صياح أبي ~~وإخوتي، لم أعد أذكر أني وعيت إلا على المخدة وقد بللها العرق، ~~كان الظلام يسود الغرفة، نظرت حولي فوجدت أمي نائمة على سرير ~~أختي بجواري. تحسست الطاولة أبحث عن هاتفي لأعرف الوقت لكني لم ~~أجده، حينها جفلت أمي مستيقظة على صوت قدح الماء الذي أسقطته ~~لتوي، هرعت إلي تتلمس حرارتي، وسألتني عن حالي. كنت أشعر ~~بتحسن، وقد بدأت أستعيد قوتي ووعيي لما جرى معي اليوم ~~الماضي، كنت شاردة الذهن، فقلت على نحو مباغت: «أمي، إن كان ~~الموت محتما علينا فما جدوى هذه الحياة؟ هل نعيش لنموت؟ لماذا ~~نعيش إذن؟ لم خلقنا في الأصل؟» وبقيت أنتظر الجواب أحدق في ~~وجه أمي التي أخذت بدورها تحملق في واقتربت مني ووضعت يدها ~~مجددا على جبيني وقالت: «نامي يا عزيزتي، ستتعافين حين تستيقظين، ~~أعدك بذلك.» ms073 قلت وقد استفزني كلامها: «لا أمي، أنا لا أهذي، ~~أريد حقا أن أعرف، هل تعرفين؟ أرجوك.» جلست بجانبي وقالت: «لو ~~افترضنا أن الموت نهاية كل شيء، ألا تشعرين بالامتنان أنك وهبت ~~الفرصة للتمتع بالحياة؟ لو سألتني عن رأيي فأنا لا أمانع ~~مطلقا أن تنتهي حياتي إلى الأبد، فقد عشت تجارب جميلة وجربت ~~مشاعر عديدة. هذا إذا افترضنا أن الموت النهاية الأبدية للإنسان، ~~وأنت تعلمين جيدا أن الموت ما هو إلا بداية لحياة جديدة لا نهاية ~~لها في الجنة. الموت ليس سيئا بالنسبة إلى الميت، لكنه كذلك ~~لذويه ولأهله ولكل من أحبه.» كان جوابها مقنعا ومريحا في الوقت ~~ذاته. أسندت رأسي إلى الوسادة مجددا، وعدت إلى النوم. # بقيت يومين أو ثلاثة ملازمة البيت بطلب من أمي لأتحسن ~~تماما، حتى إنني لم أذهب إلى ثالث أيام العزاء الذي هو أهمها. ~~أخذت أبكي أسبوعا كاملا كل ليلة، لكنني لاحظت أنني كل ليلة ~~صرت أبكي أقل وأنام أسرع من الليلة التي سبقتها، حتى إنني في ~~نهاية الأمر لم أعد أبكي؛ الأمر الذي أثار دهشتي، عندها أيقنت أن ~~الألم مهما كبر فإنه سيصغر ويتحول إلى ذكرى. # ابتسمت وكتبت في الفيسبوك: # في لحظة المصيبة نكون مغمورين بالألم بحيث يعمينا عن ~~رؤية الفرص الجديدة المفتوحة أمامنا. # كل شيء مهما بلغت قوته يضعف أمام سطوة ~~الزمن. # 3 # بعد أسبوع تقريبا ذهبت إلى جدو نور لأعيد له الكتاب. دخلنا ~~إلى مكتبته وبقيت أتأمل انعكاس ضوء النهار على الأرض الخشبية ~~اللامعة، عندها قال جدو: «اجلسي فلا يجب أن تظلي واقفة.» ثم ~~سألته: «والآن، هل نكمل؟ أتحرق شوقا لمعرفة ما حدث؛ فأنا لا ~~أتوقف عن التفكير.» ابتسم بحزن وقال: «وإلى أين وصلنا يا سماء؟» ~~أجبته: «بعد انتقالكما إلى هنا والمشاكل التي حدثت لكما.» قال: ~~«نعم، لم يحدث الكثير بعدها، بقينا على حالنا من هم إلى هم؛ ~~فقد كنت إذا انتهيت من تأمين إيجار الغرفة، انتقلت إلى هم ~~تأمين لقمة العيش، ثم إلى هم الدواء والعلاج الذي أخذته رندة ~~فقد كانت تمرض ms074 كثيرا خاصة في الشتاء مع التدفئة الشحيحة التي ~~بالكاد كنا نحظى بها. لا أجد وصفا لتلك الفترة إلا بالمعاناة ~~الكاملة، ولا أتذكر من نفسي إلا حدة مزاجي واستعدادي للمشاكل ~~على أبسط سبب ، وخاصة فيما يتعلق برغبة رندة في الإنجاب؛ فقد ~~تشاجرنا بسبب ذلك مرات عديدة، كانت متمسكة برغبتها، وأنا لم أكن ~~أريد ذلك إطلاقا، كنت بالكاد أعيل نفسي وزوجي، فمن البلاهة أن ~~أزيد عبئا آخر علي. # أما رندة فكانت تلقي بكل شيء وراء ظهرها وتتجه إلى الجامع ~~الكبير كل يوم تقريبا، لا أدري كيف تذهب ومتى، لكنني كنت أعلم ~~أنها كانت تذهب هناك؛ الأمر الذي أثار غضبي مرارا، لكنني لم أعد ~~أسألها. كنت أشعر بالغيرة الكبيرة، كيف لها أن تنحي جميع ~~مشاكلنا جانبا وتنصرف إلى حياتها، لم لا تشاركني همومي وتتحمل ~~معي أعباء الحياة؟ هذا ما كنت أشعر به، لكنني ما كنت مهتما ~~حقا ماذا تفعل؟ وكيف تقضي نهارها.» # وسكت وأخذ رشفة من فنجان قهوته، ثم قال: «بقينا هكذا قرابة ~~الأربع سنوات، تمكنا بعدها من الانتقال إلى شقة صغيرة في حي ~~بستان القصر. تحسنت أحوالنا قليلا، لكن روحي لم تتحسن، بقيت ~~كما أنا، خاصة أن أهلي استمروا في مقاطعتي، على الرغم من ~~محاولاتي الكثيرة لإرضائهم، ثم حدث ما كنت أخشاه، توفي والدي ~~فجأة!» # كتمت شهقتي وبقيت ساكتة، يا للمصيبة! أردف قائلا وهو يضرب على ~~صدره بقبضة يده: «هل لك أن تتخيلي شعوري تلك الأيام؟ حرمني أبي ~~من نفسه وقرر أن يعاقبني مدى الحياة. لقد كان الخبر بمثابة ~~الصاعقة على رأسي؛ فقد حملني الجميع مسئولية موته، وخاصة أعمامي ~~الذين انقلبوا علي، حتى إن أحدهم قام ليضربني حين أتيت إلى ~~العزاء.» تأثرت كثيرا بكلامه وكأنني أراه وأشعر بحزنه وغضبه ~~حتى إنني جاهدت نفسي كي لا أبكي أمامه. # ثم قال: «كان موت والدي محورا فاصلا في حياتي، أصبحت أكثر ~~عدوانية، صرت أمضي الليل بطوله في إحدى الحانات، أدمنت الشرب، ~~وقطعت عهدا على نفسي أن أقطع صلتي تماما بكل أفراد عائلتي. في ~~تلك الأيام ms075 التي أسميها أيام الحضيض، لم أكن أجد من أصب جام ~~غضبي عليه سوى رندة، وكانت تتحملني كثيرا وتغضب أحيانا. كنت ~~في سري أحملها مسئولية كل ما حدث معي، لكن ما ذنبها تلك ~~المسكينة لتهان في بلد غريب عنها؟ واستمر الحال حتى مضت سبع ~~سنوات أخرى، تجاوزت ألمي وغضبي من والدي، لكنني تحولت إلى ~~شخص آخر، لم أعد أبالي بشيء، وفقد كل شيء قيمته بالنسبة ~~إلي، كرهت الناس وانعدمت ثقتي فيهم. أما رندة فبعد أن تحملت ~~تقلبات مزاجي كثيرا انصرفت تماما إلى حياتها، التحقت ~~بالجامعة، شاركت في ندوات ثقافية، تطوعت في بعض الجمعيات ~~الخيرية، ويوما بعد يوم ازدادت علاقتنا سوءا، فقلما كنت أراها ~~أو أتحدث إليها. # وفي أحد الأيام عدت إلى البيت فلم أجدها، في البداية لم أكترث، ~~ظننت أنها ستعود قريبا، لكن مضى اليوم ولم تعد أو تتصل كعادتها ~~إذا تأخرت، غضبت منها، كيف تترك البيت من غير إذني؟ أخذت أبحث ~~عنها وأسأل صديقاتها اللاتي أعرفهن لكن بلا جدوى، أقسمت أني ~~سأعاقبها حين تعود، لكن مضت الأيام والأسابيع ولم تعد. بدأت أقلق ~~عليها، هل حدث لها مكروه؟ سألت المشافي ومراكز الشرطة لكن ما من ~~جواب. وفي أحد الأيام كنت جالسا إلى مكتبي فانتبهت إلى وجود ~~رواية البؤساء، تلك الرواية التي أهدتني إياها أيام الجامعة في ~~ألمانيا، حملتها بيدي وكأنني أراها للمرة الأولى وقد أعادت إلي ~~الذكريات الجميلة، وأجهشت بالبكاء وأخذت أقلب صفحاتها أحاول ~~أن ألتقط شيئا من بقايا عطرها، فوجدت ورقة فتحتها وإذا بها ~~رسالة الوداع تلك التي قرأتها أنت يا سماء.» وناولني الورقة: # أكتب إليك كتابي هذا، والدمع يمنع عني الرؤية، فأجد ~~صعوبة في تمييز الأحرف والكلمات. أعرف تماما ما أود قوله ~~لك، في جعبتي الكثير، وفي قلبي ألم كبير، سأختصر لأقول: ~~اشتقت إليك، وشوقي يقلتني. لو كنت بعيدا عني لهان ذلك، ~~لكنك بجانبي، تنظر إلي، تسمعني، تلمسني، وأظل أشتاقك ~~وأنا أقرب ما أكون إليك، ليس شوقا عاديا، إنه شوق ~~ممزوج بيأس، وحب ممزوج بكره، لست أدري كيف اتفق ms076 ~~هذا؟ # الألم ينخر كل زاوية في، في جسدي وروحي وعقلي، أشعر أن ~~الكون ينهار على رأسي وأنني في عتمة تامة، إنه ألم محض ~~يكويني، لكنه للأسف لا يزهق روحي. أكرهك لأنني أحبك ، ~~أكره حبي لك، وددت لو أن لي القدرة على إلغاء ذاكرتي، لو ~~حصل هذا لكان من أكبر النعم علي في هذه اللحظة! # أواه أواه! كيف يبلى القلب ممن يهواه؟! # أيتها السماء اسمعيني، أيتها الأشجار والجبال والعصافير ~~ارفقي بحالي وواسيني، يا قلعة حلب، يا جامعها الكبير، يا ~~شوارعها المرصوفة، وأسواقها المسقوفة، ارفقوا بحالي، ~~احملوا جزءا من آلامي، خذوني إليكم، ضموني بحنانكم، ~~عانقوني فأنا متعبة. ما لي أجد الكلمات تنثال على الورقة ~~بلا توقف؟ وكأنما يتوالد الشعر حين يحتضر الحب وتكثر ~~خيباته؟ وداعا، أقولها لك لأن الشوق يأكلني؛ وداعا ~~حفاظا على روحي، علني ألقاك يوما، لست أدري، سأترك ~~الأقدار تفعل ما تشاء. # حلب، 13 آب، 1994م # أعدت قراءة الكلمات بروح ~~جديدة بعد أن فهمت تفاصيل القصة، بعد أن تعرفت ولو قليلا إلى ~~ذلك القلب الذي عانى وتألم وبكى كثيرا. بقيت صامتة أتأمل ~~الكلمات حتى نبهني جدو وقال: «وهكذا فعلت أنا، مثلك تماما، ~~بقيت أتأمل الرسالة غير مصدق، أحاول أن أفهم ماذا جرى ولماذا. ~~بدأت تنثال علي الذكريات وتغمرني، وأخذت كل التفاصيل التي ~~عشناها معا في ألمانيا وبعد زواجنا تتقافز إلى ذهني سريعا، ماذا ~~حدث لنا؟ أين ذلك الحب النقي والمشاعر الجميلة؟ كيف تبدلت ~~السعادة إلى نزق وبؤس؟ بقيت تحت وطأة الذكريات حتى اختلطت ~~بالأحلام ولم أعد إلى رشدي إلا صباح اليوم التالي. استيقظت وكأنني ~~ولدت من جديد، كانت رسالتها بمثابة الصفعة القوية التي أعادت ~~تشكيل حياتي. قمت وأخذت حماما دافئا، وشعرت لأول مرة كيف أن ~~الماء يطهر الروح كما الجسد، تركت الماء يغسل بنقائه عكر ~~الأيام، وما خلفه الحقد في روحي وقلبي من أسقام. لست أدري كم ~~بقيت تحت الماء، لكنني بعدها خرجت بأمل جديد، سأستعيد رندة. أول ~~شيء فعلته أنني ابتعت عقدا فضيا بحجر سماوي اللون، وهو ~~الحجر الذي ms077 تفضله رندة وطالما أخبرتني عنه القصص ~~والأساطير.» # وسكت قليلا وقد قفزت ~~صورة العقد إلى ذهني «آه نعم، إنه هو ذلك الذي في درج مكتبه ~~الثاني هناك.» لم أنطق بحرف، شعرت بكثير من الإثارة فأنا أعرفه ~~جيدا، خفضت نظري خشية أن يكتشف ذلك في عيني. ثم قال: «قررت أن ~~أهديه لها حينما تعود لأنها ذكرت في رسالتها أنها ستعود يوما، ~~وأخذت أنتظرها كل صباح عند مفترق الطرق المؤدية إلى بيتنا. كل ~~صباح كنت أتأنق وأجلب معي العقد السماوي لأزين به رقبتها ~~الجميلة وتعود هي لتزين حياتي من جديد، لكنها لم تأت. بقيت ~~شهرا كاملا أنتظرها كل صباح، بعدها بدأ الخوف من اليأس يتسلل ~~إلي، فأخذت أنتظرها في الثالث عشر من كل شهر، حتى مضت سنة ~~كاملة، لكنها لم تظهر. كان الخوف من فقدها مجددا يفقدني صوابي، ~~إنها تركتني مرة وعادت، فهل يعقل ألا تعود هذه المرة؟ لقد ~~عانينا كثيرا، وآلمتها أكثر، لعلها قررت تركي إلى ~~الأبد! # بعد سنة أخرى أخذت أنتظرها في الثالث عشر من آب كل عام أمام ~~بيتنا القديم. كانت مشاعر الندم والألم والخوف تسيطر علي، ومع ~~ذلك بقيت متشبثا بأمل عودتها، وهذا الأمل منحني قوة كبيرة ~~لأكون أفضل في كل أمور حياتي، فقدمت على مسابقة للهيئة ~~التدريسية في جامعة حلب وتم قبولي، تحسنت أموري كثيرا بعدها.» ~~وسكت وطيف من خيال يسرح به بعيدا، وماذا بعد؟ ماذا حل بها؟ ~~لا أعتقد أنها عادت؛ فلا يزال الحزن جاثما عليه. طال سكوته ~~واستحيت أن أستحثه على متابعة الحديث، فالتزمت الصبر دقائق حتى ~~تنهد عميقا وعدل من جلسته وقال: «وحده الأمل برؤيتها مجددا ~~هو ما كان يمنحني القوة لمتابعة الحياة. نصحني الكثير برفع دعوى ~~طلاق، وبالزواج مجددا، ولا أخفيك يا سماء سرا فقد كنت ~~أفكر في ذلك مرارا، وحين كنت أهم بفعله يراودني السؤال ~~ذاته: ماذا إن فعلت ذلك ثم عادت؟ حينها سأفقدها إلى الأبد.» ثم ~~نظر مباشرة في عيني وقال: «ألا تعتقدين ذلك؟ ما رأيك؟» تفاجأت ~~لحظة من سؤاله، ثم قلت: ms078 «معك حق، لكن هذا يعتمد على الشخص نفسه.» ~~قال: «ماذا تقصدين؟» أجبته: «لو فكر أحد ما في ذلك لأشار عليك ~~بالانتظار عاما على أبعد تقدير؛ فلو أرادت رندة العودة لعادت خلال ~~هذا العام، لكن ... لكن يا جدو هذا يعتمد عليك وعلى ما تؤمن به، أقصد ~~أي الطريقين ستختار؟ انتظار عودتها، أم نسيانها وإكمال حياتك من ~~غيرها حتى لو عادت، لكن هذا الكلام لم يعد مجديا الآن، فقد قمت ~~باختيارك وانتهى الأمر.» أطرق قليلا وتمتم: «صحيح، صحيح.» # ثم سألته: «وماذا بعد؟ هل انتهى كل شيء؟ ماذا حدث لها؟» التفت ~~إلي وضحك بسخرية وقال: «ماذا بعد؟ لا شيء، لم تعد، وها قد انقضى ~~على رحيلها ثمانية أعوام وأنا لا أتوقف عن الذهاب مرة كل عام في ~~ذكرى رحيلها، الثالث عشر من آب، لأنتظرها في المكان نفسه عند مفترق ~~الطرق المؤدية إلى بيتنا القديم.» قفزت إلى ذهني ذكريات ذلك اليوم ~~فجأة، إنه ذلك اليوم الذي خرج فيه مسرعا وتركنا أنا وأختي وحدنا، ~~اليوم الذي اكتشفت فيه القلادة ذات الحجر السماوي، الآن فهمت كل ~~شيء، يا إلهي! إنه لم يفقد الأمل أبدا حتى بعد مرور كل هذا الوقت! ~~كنت في حالة من الذهول فلم أنطق بكلمة، ثمانية أعوام! إنها فترة ~~طويلة جدا. وبشكل غريب انتقلت شرارة الأمل منه إلي، أحسست ~~بدفق كبير من الحماسة، بأنني سأسعى إلى استعادتها، وسأنجح في ذلك. ~~عدنا إلى البيت وشيء واحد بدأ يشغل تفكيري، كيف سأفعل ذلك؟ # في صباح اليوم التالي وجدت رسالة على بريدي الإلكتروني من شادي ~~يعلن فيه عن معرض لفن الخط العربي في صالة مديرية الثقافة، معرض ~~للخط العربي! لم يسبق لي حضور شيء مماثل، لكنه يبدو جميلا، إنه ~~بعد يومين وعلي أن أحضره؛ فهو تجربة جديدة بالنسبة ~~إلي. # في المساء كنا مع عائلتي نتناول طعام العشاء أمام التلفاز، أخذ ~~نادر يقلب قنواته حتى توقف عند إحدى المحطات، وصدح صوت ~~الغناء. رفعت رأسي لأرى، وكان أن غصت اللقمة في حلقي، أخذت ~~أسعل محاولة أخذ نفسي، وهرع ms079 الجميع لجلب الماء أو لضربي على ~~ظهري ضربات آلمتني أكثر من أن تساعدني. ولأن الله شاء لي أن أستمر ~~في الحياة فقد تمكنت أخيرا من ابتلاع اللقمة وأخذ نفس عميق. ~~كانت الدموع تطفر من عيني والجميع يحملق في، الحمد لله، قال ~~والدي: «كلي على مهل، لقد أفزعتينا.» # عدت لأنظر مجددا إلى التلفاز، لأتأكد أن ما رأيته حقيقي. ~~إنه هو بلا شك، الشاب الوسيم ذو الجبهة العريضة «رائد»! # 4 # كان يوما ربيعيا بامتياز، الجو نيساني صحو بعد أمسية ~~ماطرة، وقد قاربت أيام المعهد على الانتهاء. كان عليه أن يبادر ~~بشيء ما، أن يضع نهاية أو بداية للعذابات الحلوة التي عالجها ~~قلبه طوال العام الماضي، واليوم عقد عزمه على الحديث إليها. كانت ~~جالسة كعادتها كل يوم أربعاء بين المحاضرتين في حديقة الجامعة تحت ~~شجرة الكينا الكبيرة. نسمات الربيع شهية، وعبق الأرض الندية ~~بسخاء السماء منعش وعليل، ساعة واحدة تجلسها كل يوم أربعاء وحيدة ~~مع كتاب أو عصير أو مع أحلام فتية تلاحقها مع الغادي والرائح ~~منتظرة شيئا أو قدرا أو أملا. # اقترب سعيد حتى صار على بعد خطوات منها، تظاهرت بالنظر إلى ~~الطرف الآخر، كان على يقين أنها تعلم بوجوده، كانت تعبث بقطعة ~~شوكولا بين يديها. التقط زهرة بيضاء وعاد إلى الوراء واختبأ خلف ~~الشجرة محتميا بها ومستعيدا للمرة الأخيرة كلماته التي أعادها ~~مرارا وتكرارا. استنشق الجرأة من عبير الزهرة وانطلق بخطوات ~~واسعة وسريعة وثابتة وجلس بجوارها، التفتت وابتسمت، وعلى الفور ~~احتواه عبير زهر البرتقال، فملأ منه ما استطاعت رئتاه إلى ذلك ~~سبيلا، وسرى تيار نوراني لطيف، كان يعرف طريقه تماما في جداول ~~قلبيهما، وكأنما كان هناك منذ ملايين السنين. تحدثا طويلا ~~والساعة صارت ساعات، ثم افترقا على وعد قلبي بمستقبل ~~جميل. # بعد أسابيع بدأت الامتحانات النهائية، واستمر سعيد ينتظرها يوم ~~الأربعاء من كل أسبوع، ولكنها لم تظهر، وظل مقعد الأربعاء خاليا، ~~وشجرة الكينا تظلل خيباته المكتومة، كيف اختفت؟ أي ظلم؟ وأي ~~قهر؟ طوال عام ونصف ظل بعيدا عنها، يكتفي بمتعة المراقبة، ms080 وحين ~~وضعا قدميهما على أول عتبات السعادة دار الدهر دوراته المعهودة ~~واختطفها! كان حياؤه يمنعه من السؤال عنها؛ فهو لا يحب كثرة ~~الأقاويل، ولا يريد أن يجلب لها أي أذى. # لا أحد يعلم سواه كيف أمضى أيامه ولياليه، كيف أنهى امتحاناته، ~~كيف حمل الليل إليه ذكرى لقائهما الوحيد ورائحة زهر البرتقال ~~تطرق باب ذاكرته فتملؤه بالوجع والحنين وغصة السؤال. # وبعد شهرين وفي صباح أحد الأيام اتجه سعيد خارجا من محل والده ~~في «سوق الزرب»، إلى «سوق النسوان» لاستلام بعض الوثائق التجارية ~~من أحد أصدقاء والده. كان يسير كعادته بخطى سريعة على أرض السوق ~~الحجرية، حتى لمح عن بعد ملامحها، راح يحث الخطى، وحين تحقق ~~من أنها هي، أخذ يلاحقها وكانت تسير مع شاب طويل. تجاوز جمهور ~~الناس هناك بصعوبة، وظل مركزا عليها حتى لا تضيع عنه في الزحام، ~~ثم انعطف يسارا وهو يركض ودخل في إحدى العبارات # 1 # المسقوفة التي يعرفها شبرا شبرا، ثم انعطف يمينا، ~~ويمينا مرة أخرى، وقفز هذه المرة قفزا، حتى التقى بها أمامه ~~مباشرة تسير متأخرة عن الشاب بخطوتين، وبرشاقة كبيرة قبض على ~~معصمها وسحبها إلى الداخل، إلى مدخل أحد المحال المقفلة. كانت ~~المفاجأة قد شلت دفاعاتها كلها فلم تقاوم، أوقفها أخيرا، كانا ~~يلهثان، تأملها مليا، يا الله! كم اشتقت إليك! كانت تتلفت ~~يمنة ويسرة في فزع وتصيح: «يا مجنون يا مجنون، سيقتلك أخي.» فأغلق ~~فمها براحة يده وقال: «هشششش، اهدئي، اهدئي، أخوك لن يجدنا هنا، ~~لحظات وأعيدك إليه، أريدك أن تسمعيني فقط، اسمعيني.» واقترب منها ~~قيد قبلة، حتى اختلطت أنفاسهما اللاهثة، فأصابها شيء من الدوار ~~فاستسلمت متهاوية بين ذراعيه. # أجلسها على الدرجات الحجرية، وسألها: «لماذا اختفيت؟ إذا شئت ~~الآن أحدث أخاك لأخطبك.» تطلعت إليه بذعر وقالت: «لا، لا، ~~أنت لا تعرف شيئا.» «أخبريني إذن.» صاح بعصبية، قالت: «لقد رأونا ~~ذلك اليوم في الجامعة نتحدث، وعلمت أمي وإخوتي، كلهم ~~عادوني، حاربوني وا وا ...» هزها من كتفها: «وماذا؟» دفعته ~~بعيدا عنها وهمت بالوقوف وقالت بانفعال كبير: «أنت ms081 لا تعرف ~~شيئا، لقد ضربوني، هل تسمع؟ ضربوني كل يوم وحبسوني، انظر.» وأخذت ~~تفكك أزرار قميصها وهي تبكي فبانت رقبتها وشيء من كتفها. ضاقت ~~عينا سعيد وهو يرى آثار الكدمات المزرقة على جلدها، تمتم: «من؟ ~~قولي لي من؟» ومد يده ليلامس آلامها، فأبعدته عنها وقالت: ~~«علي أن أذهب.» واستدارت وهي تزرر قميصها، فأمسك بيدها وأخرج ~~جهازه الخلوي وقال: «انتظري، خذي هذا، سأكلمك.» ودسه في جيب ~~معطفها، وأسرعت الخطى ساحبة يدها من يده. صرخ سعيد وهي تبتعد ~~عنه: «تعالي نهرب معا ونتزوج.» توقفت برهة، لم تلتفت، ثم اختفت ~~وسط الزحام. # 5 ~~«رائد» لقد كان هو بلا شك، لكن باختلاف كبير، لست أدري ما هو ~~بالتحديد، لكنه فعلا تغير كثيرا. كان يغني بطلاقة أمام ~~اللجنة والجمهور، يبدو أنه وصل إلى مراحل متقدمة في البرنامج، يا ~~للمفاجأة، لا أكاد أصدق! بقيت أحدق في الشاشة أراقب ~~حركاته وتعبيرات وجهه وتفاعل الجمهور معه. كانت تعليقات الحكام ~~عليه محفزة وإيجابية. # عدت إلى غرفتي بمشاعر مختلطة، شعرت بالفرح؛ فأنا أعرف ذلك ~~الشاب والتقينا كثيرا وتكلمنا قليلا ذات سعادة! وكأن ظهوره في ~~شاشة التلفاز أعطاه سحرا خاصا، جعله يتفوق بخطوة علينا، نحن ~~الذين نشاهده من منازلنا ونتوق لنكون مكانه. شعرت بشيء من القهر ~~والغصة، بحسد بغيض، كيف له أن يترك عالمه ويعيش عالما جديدا ~~حرا بعيدا عن كل شيء؟ هل تراه يعود إلى الوطن؟ هل يذكرني؟ ~~لم لا أتمكن أنا من تحقيق ما أحلم به؟ لكن عن أي حلم أتحدث؟ ~~أخذت أتابع البرنامج أسبوعيا، حتى إنني قمت بالتصويت له. كان ~~الأمل يحدوني لأن أراه يكسب المركز الأول وينال اللقب، وكنت إذا ~~بدأ بالغناء اختفيت تماما عن عالمي واخترقت قلبه. # كنت أشعر أنه يغني لي وحدي، غريبة كل تلك الأحاسيس التي ~~أراها تطفح على محياه وحركات يده وتغضنات جبهته، وكأنه يقاسي ~~حبا حقيقيا ما، أتراه يقصدني؟ كان قلبي يخفق بسرعة كلما ~~خطرت ببالي هذه الفكرة، فأهز رأسي، وأسخر من نفسي؛ فهذا ضرب ~~من الخيال! # وأسبوعا بعد أسبوع تألق نجم ms082 رائد أكثر، وتعلقي به صار أكبر. ~~أكسبته الشهرة سحرا خاصا، كانت تليق به فعلا، بثيابه الأنيقة ~~وتسريحة شعره الجديدة وساعة يده الباهظة الثمن. يده هذه أعرفها ~~جيدا، كل الناس تراها الآن من خلف الشاشات، لكن وحدي أنا التي ~~أعرف الندبة في راحة يده، وأعرف الكلمات التي كان يرددها، أعرف ~~قمصانه الصيفية التي كان يرتديها، وسرواليه الوحيدين، الجينز ~~الفاتح والقماش الأسود، كنت أشعر بالتميز عن جميع ~~معجبيه. # وها قد حلت اللحظة الحاسمة والأسبوع الأخير من البرنامج، كان ~~مع مشتركتين اثنتين قد وصلتا إلى التصفيات النهائية، كم كنت ~~أحسدهما! يبدو أنهما لا تفارقانه في التدريبات والرحلات وصالونات ~~التجميل وأفخر محلات الثياب ذات الماركات العالمية الشهيرة، هل مال ~~قلبه إلى إحداهما؟ أم أنه يفضل العودة إلى حب قديم لا يزال ~~في الوطن؟ # كل شيء يعرض على الشاشة يبدو ساحرا ومبهرا، والمشتركون ~~سعداء وظريفون دائما والضحكة لا تفارق وجوههم. كانوا يعيشون أسعد ~~أيام حياتهم، وكل من يشاهدهم يحسدهم ويتمنى أن يكون ~~مكانهم. # غنى رائد تلك الليلة أغنية «هل عندك شك»، خرجت الكلمات من فمه ~~كالعسل حلوة ولاذعة. كان بارعا حقا، يحرك يديه بعفوية ~~محببة، وملامح وجهه تذوب حنانا وإحساسا. كان يرتدي بزة رسمية ~~سوداء، بقميص أبيض وربطة عنق خمرية اللون، ويضع في جيب السترة ~~العلوي منديلا من الساتان باللون ذاته، كان مفرط الأناقة ~~والجاذبية، وكذلك علق أحد أعضاء اللجنة، قال: «أخاف عليك من ~~المعجبات أكثر من خوفي عليك أن تربح في البرنامج، ما هذا الإحساس ~~العالي؟ اعترف فورا، هل توجد حبيبة؟» صفق الجمهور وتعالت ~~هتافاتهم. أخذ قلبي يضرب بشدة، ضحك رائد وقال: «يمكن!» كلمة واحدة ~~تركت قلبي معلقا في أرجوحة من التساؤلات؛ فلا أنا أهبط إلى أرض ~~اليقين، ولا أنا أعلو فأطول النجوم. # وخلافا لكل توقعات الناس واستجابة لصلواتي ربما فقد ربح ~~رائد، ربح اللقب والسيارة الفارهة والمبلغ المالي الكبير. كانت ~~فرحتي يومها «لا أعطيها لأحد» كما يقولون. حتما سيعود رائد إلى ~~الوطن، فهل سأراه مجددا؟ # بعد يومين حان موعد حضور معرض الخط، كنت ms083 متحمسة جدا؛ إذ لم ~~يسبق لي حضور معرض مماثل، وكالعادة، لم يسمح لي أبي بالذهاب إلا ~~بصحبة أخي نادر. كانت القاعة مضاءة بشكل مفرط، ولوحات الخط ~~تزين الجدران، والقليل من الناس يقفون هنا وهناك يتأملون ~~ويتحدثون. وبينما راح أخي يتناول بعض الأطعمة المعروضة، فقد أخذت ~~أتنقل بين اللوحات مبهورة بما أرى. لم تكن اللوحات كلها ~~اقتباسات للآيات القرآنية؛ فقد حوت كثيرا من الحكم والأمثال ~~والأشعار العربية، ومع ذلك فقد شعرت بشيء من القداسة في أشكال ~~الحروف وطريقة تكرارها وكتابتها وانحناءاتها وألوانها، كان الجمال ~~يتبدى في صورة نورانية روحية سعيدة. # شعرت أنني أصبت بعدوى الجمال فاتجهت صوب أحد الخطاطين ~~لأحاوره، لست أدري عن أي شيء، كنت أريد الحديث معه وحسب. رأيت ~~رجلين يقفان عند لوحة مكتوب عليها «لا غالب إلا الله» أحدهما ~~شاب والآخر رجل في الخمسين من عمره، فخمنت أن هذا الأخير هو ~~الخطاط. بدأت حديثي معه قائلة: «السلام عليكم، بصراحة وجدت ~~صعوبة كبيرة في منع نفسي من التحدث إليك عن أعمالك الرائعة؛ ~~فهذه هي تجربتي الأولى في حضور معرض للخط العربي. لقد كان شرفا ~~لي بحق أن أقف أمام كل هذا الجمال و...» وأخذ الرجل يبتسم مما جعلني ~~أتوقف عن الكلام، هل قلت شيئا أساء إليه؟ أم أنه يسخر مني؟ ~~توقفت عن الكلام دفعة واحدة، قال بعدها بصوت هادئ وهو يومئ ~~إلى الشاب الذي بجواره: «ربما عليك التوجه بالكلام للفنان صاحب ~~اللوحات، السيد شادي!» # 6 # كان الهاتف يضيء في يدها بصمت، لقد استمر بالرنين منذ ابتعادها ~~عنه حتى هذه اللحظة في غرفتها، وكذلك كانت كلماته تومض في ~~مخيلتها بصوته الحنون: «نهرب ونتزوج.» استدارت نحو المرآة، ~~أسدلت شعرها الأسود على كتفيها، أخذت تسرحه ببطء، مررت ~~يدها على وجنتيها وذقنها ثم على رقبتها وكتفها العارية، تأملت ~~الكدمات التي صارت زرقاء وبنفسجية، ضغطت برفق عليها فشعرت ~~بالألم. عادت لتتأمل وجهها، وجنتان غائرتان، وذقن رفيع، وعينان ~~عسليتان ذابلتان، ما الذي جعله يحبني؟ هل يحبني؟ أيراني جميلة؟ ~~ابتسمت، وعادت لتسرح شعرها. توقفت برهة وأخذت ms084 نفسا عميقا ~~تحاول أن تجمع بقايا رائحته التي علقت على وجهها الذي حرصت على ~~ألا تغسله. وضعت يدها على فمها تماما كما فعل، أغمضت عينيها، ~~وراحت تتذكر تفاصيل تلك اللمسة. كانت كفه قوية وحانية في الوقت ~~نفسه، ورائحة مميزة تسللت إلى أنفاسها، رائحة لم تعرفها من ~~قبل، هي مزيج من عطر وبهارات وورد، نعم كانت رائحة الورد، وخاصة ~~حين اقترب منها وحرارة أنفاسه تلفح روحها العارية. # أزاحت يدها عن فمها، لا تزال كتفها تؤلمها، لكن ألما آخر كان ~~ينخر في قلبها، كانت ذكرى ذلك اليوم لا تغيب عن بالها، لكمات ~~أخيها، لعابه المتطاير من سبابه ولعناته: «يا فلتانة، يا فاجرة، ~~وضعت راسنا في التراب، حتى لو كان أبوك ميتا فأنا موجود ~~أربيك.» أمها التي وقفت تبكي وتولول، ثم انقلابها عليها، ~~نظرات الاتهام من الجميع ... الهاتف يومض مجددا، حملته بعصبية ~~ورمته بعيدا. # جلست على الأرض تنتحب، من أنا؟ أنا نكرة، أنا لا شيء، لا أستحق ~~شيئا، أنا جبانة، عاصية، مسكينة، كل هذا بسببي، كل اللوم يقع ~~علي، وهل لمثلي أن تحب وأن تحب؟ أستغفر الله العظيم، يا رب ~~سامحني. هدها الألم والبكاء حتى نامت مكانها. # كانت لا تزال على الأرض حين استيقظت فجأة، التيار الكهربائي ~~مقطوع، تلمست طريقها وفتحت درج مكتبها حيث تضع ضوء الشاحن، ~~أشعلته ونظرت إلى الساعة، الثالثة إلا ربعا، جلست على السرير ~~ورأسها بين يديها، تشعر بالصداع. أطفأت الشاحن، وتمددت على ~~السرير، بقيت وقتا حتى كادت تستسلم للنوم مجددا حين رأت ضوءا ~~خافتا يومض وينطفئ، هل استيقظ أحد؟ عادت وأغلقت عينيها، ثم ~~قعدت فجأة وقد تذكرت شيئا، نظرت تحت السرير، كان الهاتف يرن، ~~إنه هو! أمسكته بيدها المرتعشة، اتجهت إلى خزانتها واختبأت ~~فيها، شعرت بانقباض في معدتها، وبأن قلبها ينبض في حنجرتها، ~~سمعت نبض عروقها، لهاثها المتسارع، أحست بحبات من العرق ~~البارد تنسل من رقبتها وتسيل على ظهرها، كان الخوف يأكلها، ~~وكذلك شعور لذيذ بالإثارة. # وبعد تردد ضغطت على زر الإجابة، قربت الهاتف من أذنها: ~~«سلمى، سلمى، هل ms085 هذه أنت؟» لم تجب، كان الخوف يشل صوتها، شعرت ~~أن أي همسة تصدرها ستصل إلى جميع أهل البيت، «سلمى، أرجوك، ~~أتوسل إليك، لم أنم كل الليل، أنا قلق عليك، سلمى، لا أريد أن ~~أوذيك، قولي أي شيء لأعلم أنك بخير.» ارتجفت شفتاها وقالت ~~همسا: «نعم، أنا معك.» ومن مكانها سمعته جيدا وهو يضحك ويبكي ~~معا ثم قال: «الحمد لله، الحمد لله، لو تعلمين كم هلعت عليك، ~~لم لم تجيبي؟ لا بأس، لا عليك، الآن لا تجيبي على أي رقم سوى ~~هذا الرقم، كيف حالك؟ هل علموا بأي شيء؟ هل آذاك أحد؟» ~~- لا سعيد لا، لكن ... هل نقوم بالصواب؟ أقصد أليس ذنبا ما نفعله؟ ~~هذا حرام، هل تفهمني؟ ~~- سلمى سلمى لا تفكري بهذه الطريقة أرجوك. ~~- كيف علي أن أفكر إذن؟ بأي صفة تحدثني؟ ~~- سلمى افهميني، أنا أريدك زوجة لي، امنحيني فرصة فقط، الله ~~وحده يعلم كيف كانت أيامي من دونك. سلمى يا سلمى، لا أعرف كثيرا ~~أن أصوغ الكلمات، لكني تعلقت بك، أنت لا تفارقين تفكيري، ~~أنت معي في كل نفس من أنفاس حياتي. ~~- ... ~~- ما بك لا تجيبين؟ ~~- خائفة. ~~- كلنا خائفون، لكن الهرب ليس حلا، وأنا معك وسأقف إلى جانبك ~~دائما. ~~- علي أن أغلق الآن، إلى اللقاء. # 7 ~~«شادي؟» وهبط قلبي في الدهشة، تقافزت إلى ذهني رسائل الإنترنت ~~ولوحات الخط، ولم أقل شيئا. وبعد دهر، أو هكذا شعرت، سمعت صوت ~~نادر يناديني: «سما، سما.» ثم ألقى التحية على الرجلين وقال: ~~«أتمنى ألا تكون أختي قد أشغلتكما عن أمر مهم؛ فهي متحمسة ~~دائما.» عندها نطق شادي: «لا، على الإطلاق، كانت الآنسة تتحدث ~~عن الخط بكثير من الشغف، وكنت سعيدا لأسئلتها ورؤيتها الناقدة.» ~~قلت مبتسمة لسرعة بديهته: «بالفعل سيد شادي، أود أن أعرف سر ~~اختيارك للونين السماوي والذهبي في أغلب لوحاتك؟» قال: «هذا ~~أمر يطول شرحه، لم لا ترافقانني إلى الجلسة الصحفية التي ستعقد ~~غدا حول المعرض في التوقيت نفسه؟» قال أخي: «يسرنا ذلك.» ~~وسحبني من يدي وودع السيد شادي وخرجنا. # كان في ms086 جعبتي الكثير ذلك المساء، سارعت إلى تفقد بريدي ~~الإلكتروني لكنني ما وجدت شيئا. كانت الدهشة لا تزال تسيطر على ~~كياني؛ فلم ألحظ تسمر العائلة كلها أمام شاشة التلفاز إلا حينما ~~سمعت صراخ أمي. أسرعت نحو الغرفة مستفسرة، فأومأ لي أبي بالتزام ~~الصمت، كانت الأخبار تبث مشاهد من تجمعات للناس، ثم صوت إطلاق ~~النار، وبعض الجرحى المطروحين على الأرض، مشاهد أخرى لحي وقد ~~تحول إلى دمار. وقفت غاضبة وقلت: «ماما أتصدقين أن هذه ~~المشاهد في سورية؟ مستحيل، ماما، هذه مصورة في دول أخرى ويقولون ~~إنها في سورية، لا لا مستحيل.» نظرت إلى أبي منتظرة تأييده لكنه ~~ظل ساكتا وقد أطفأ التلفاز، سكوته أفزعني، وأوقع في قلبي الشك. ~~كان نادر هو من تكلم فقال: «طيب طيب، ابقي أنت نائمة في كتبك ~~وأوهامك أحسن لك.» وغادر الغرفة. # سكوت أبي ودموع أمي وكلمات نادر رافقتني طوال تلك الليلة ~~فلم أنعم بنوم جيد، بالإضافة إلى الأحلام المزعجة. ويوما بعد ~~يوم أخذت الأخبار تكثر، ونار الحرب تحرق مدنا أكثر، أصابتني ~~حيرة شديدة، لم أكن متثبتة من أي شيء. ما كان مؤكدا حقا ~~هو أحاديث الناس التي يتهامسون بها، ونظرات الذهول التي تطفو على ~~الوجوه، وحالة الترقب الحذر الذي سكن الجميع. # كنت كلما حاولت أن أسأل أبي تجاهل أسئلتي ولاذ بالصمت، وماما ~~لم تعد تشاهد الأخبار معنا أبدا. أما نادر فكان يخيفني؛ فهو ~~يحدثني بأمور تدخل الرعب في قلبي لكنه بالتأكيد كان يبالغ ~~كثيرا. هكذا نادر دائما، لم أعد أود أن أسأله عن شيء، كما ~~أنه أصبح سريع الغضب ولا يجلس معنا إلا قليلا، أين أنت يا سعيد؟ ~~كم أشعر بحاجتي إليك، إلى أن تكون هنا بجانبي أحدثك وجها لوجه، من ~~غير أن تغير الموضوع كلما حاولت التحدث معك على الهاتف أو في ~~«الفيسبوك». # مرة سألت جدو نور عن الموضوع قال: أخبريني برأيك أنت يا ~~سماء؟ ~~- لو لم أكن واقعة في حيرة شديدة لما أتيت إليك لأسألك عن ~~رأيك. ~~- طيب، ما شعورك تجاه ما تسمعين؟ ~~- أشعر بخوف ms087 وحرقة في قلبي لكنني لا أصدق. ~~- لا تصدقين؟ أم أنك لا تريدين أن تصدقي؟ ~~- ماذا تقصد؟ ~~- أحيانا يقف الخوف حاجزا بيننا وبين الحقيقة. ~~- هل تعني أن ما يقال صحيح وواقع؟ ~~- لم أقل هذا. ~~- إذن كذب وافتراء؟ ~~- لم أقل هذا أيضا. ~~- طيب أخبرني! ~~- إياك أن تصدقي يوما أي شيء تسمعينه أو ترينه ما لم ~~تتثبتي به بنفسك؛ فليس كل ما يعرض هو الحقيقة، وما قنوات التلفزة ~~إلا أدوات موجهة بسياسات مالكيها. ~~- ألا وجود للحقيقة إذن؟ ~~- بلى، هناك حقيقة ثابتة وراسخة فيما يتعلق بما يجري اليوم، ~~ويمكنك أن تثقي بها، وهي أن الشر الذي يكمن في النفس الإنسانية لا ~~حدود له. # أخذت أفكر في كلماته مليا، وانتابني الخوف مجددا، ثم ~~قلت: وكذلك الخير، ألا يمكننا أن نثق به؟ ~~- بلى بالتأكيد، لكن الفوضى هي ما تخيفني؛ لأنها ملعب خصب ~~للشر، ومتى ما حدث ذلك انتفت كل معالم الإنسانية من البشر، وتحول ~~الناس إلى كائنات أسوأ من الوحوش والسباع يأكل بعضهم بعضا، والله ~~يستر مما سيحدث مستقبلا. ~~- أنت تخيفني جدو! ماذا علي أن أفعل؟ ~~- أمران اثنان؛ الحذر والمراقبة، ولنر ما ستئول إليه ~~الأمور. # لكن ممن علي أن أحذر؟ ومن أي شيء؟ لم أشأ أن أسأله فقد أصابني ~~الحديث بغم في قلبي. صمتنا قليلا ثم تذكرت رندة فقلت وأنا ~~أبتسم: «حدثني عن رندة.» نظر إلي متفاجئا واكتفى بالابتسام، ~~ثم قلت: «صحيح جدو لم لم تبحث عنها على الإنترنت؟» أجاب: «هذه ~~أمور لا أفقه فيها مطلقا، ثم إنني أحب أن تعود هي طواعية من ~~تلقاء نفسها، لا أن ...» وهنا رن هاتف جدو فأجاب وتحدث مع صديق ~~له يدعى سليمان، وختم المحادثة بقوله: «نعم في البيت، أهلا ~~وسهلا، بانتظارك.» قلت: «جدو، أتسمح لي بالبحث عنها؟» ابتسم ~~وقال: «وهل يمكن ذلك؟» ضربت على صدري بيدي وأجبت بحماس: «اترك ~~هذا علي.» # بعد دقائق دق الباب، فذهب جدو ليفتح وسمعته يسلم على ~~صديق له بحرارة وحفاوة كبيرتين، لا بد أنه صديق عزيز جدا، ~~بعد لحظات السلام دخل جدو مع صديقه ms088 إلى المكتبة. كان أطول من جدو ~~بشبر على الأقل، بشعر رمادي كثيف، وعينين رماديتين أيضا، ~~وبشرة أقرب إلى السمرة منها إلى البياض، «دري اللون» كما يقول ~~أهل حلب. كانت عظام وجنتيه الواضحة تضفي على ملامحه نكهة ~~رجولية طاغية، مع غمازتين غائرتين، وذقن مربعة تغطيها ~~لحية خفيفة. كان يرتدي بزة رسمية سوداء مع قميص من الساتان ~~الأبيض، وحذاء أسود لامعا، وكان يحمل حقيبة سوداء ~~جلدية. # ابتسم وسلم علي حين رآنا، قال جدو: «هذه سماء جارتنا في ~~الحي، وهي قارئة ممتازة، وتلك هي أختها فاطمة.» ابتسمت وقد شعرت ~~بحرارة في وجنتي، ثم قال مشيرا إلى صديقه: «وهذا سليمان، جاري ~~أيضا لكن في حارتنا القديمة في «الجبيلة»، وصديقي الذي استعدته ~~مؤخرا، وشاعر سورية العظيم.» ضحكا معا وشعرت أنه يجب علي ~~الرحيل، فاستأذنت ولم يستبقني جدو فرحلنا. رحت أمشي إلى البيت ~~وصورة سليمان بغمازتيه الغائرتين وقامته المنتصبة ظلت ترافقني، ~~إنه ملك! مثل الملك سليمان. # بعد يومين ذهبت مع أمي إلى الدرس الديني الذي كان قد توقف ~~عدة أسابيع لأسباب نجهلها. كنت متحمسة له فقد افتقدته كل تلك ~~المدة، كان كل شيء كعادته، الآنسة التي تعرف كل شيء بإشاربها ~~الأبيض المطرز، والنسوة الباكيات، والسجادة المزركشة الجميلة، ~~لكن ثمة شيء ناقص، شيء ما سبب لي غيابه غصة واختناقا ~~غريبا، ولولا إثارة الأقاويل لاستأذنت خارجة، لكن بكثير من ~~الجهد ألصقت نفسي بجانب أمي. كانت الآنسة تتحدث عن موضوع الزهد في ~~الدنيا، وتروي القصص عن صحابة الرسول عليه الصلاة والسلام، وكيف ~~كانت بيوتهم تخلو من متع الدنيا وزينتها، وكيف كانت بيوت النبي ~~ليس فيها إلا ما يسد الحاجة، وكانت الآنسة تتحدث بأسلوب يفطر ~~القلوب، وتلون صوتها ببراعة تذرف لها العيون وتأخذ بالألباب. ~~نظرت حولي فوجدت أننا نجلس على طقم من الأرائك من أفخم أنواع ~~الخشب المحفور يدويا، وكذلك الستائر وطاولات المرمر، والمزهريات ~~الكريستال، والثريات المذهبة، والسجاد وفناجين القهوة والصواني ~~كلها من أرقى وأجمل ما يمكن أن تقع عليه العين، فضلا عن أن البيت ~~نفسه في حي تجميل الفرقان ms089 وهو أحد أغلى الأحياء في حلب. هممت أن ~~أقول لها: وماذا عن زهدك أنت؟ لكنني آثرت الصمت. # وبعد انقضاء بعض الوقت أقبلت إحدى السيدات متأخرة، وفور وقوع ~~نظري عليها وعيت تماما ما كان ناقصا، إنها ابنتها الفتاة ~~العشرينية النحيلة ، لم تأت معها اليوم. وفور انتهاء الدرس انتهزت ~~الفرصة لأقترب من السيدة وأسألها عن ابنتها، وكأنما استفزها ~~سؤالي أو أحرجها أو أرعبها، لكنها بالتأكيد لم تكن مسرورة برؤيتي ~~ولا بسؤالي فتجاهلتني تماما وكأنني ذبابة طنت بقرب وجهها، ~~فأزاحتني بظاهر يدها وأكملت حديثها. عدت لأمي وسألتها عنها، ~~فرفعت حاجبيها وكتفيها وقالت: «ماذا تريدين منها؟ إنها لم تعد ~~تحضر من زمان، تعرفين، صار وجودها محرجا لأمها التي هي النائبة ~~المنتظرة لاستلام الدرس بعد انتقال الآنسة؛ فهي تحفظ القرآن ~~كاملا، وتتابع دروس الشيخ عبد الحي.» شعرت بغضب شديد، طبعا ~~فالفتاة المغضوب عليها صارت عارا على مركز أمها الديني. كتمت ~~غيظي وسألت أمي عن مكان سكنها، وعرفت أنها لا تبعد كثيرا عن ~~بيت الآنسة. # لم أنتظر كثيرا؛ فقد ذهبت وحدي في اليوم التالي ظهرا إلى بيت ~~السيدة والدة الفتاة النحيلة. طرقت الباب وانتظرت، «مين؟» سمعت ~~صوتا أنثويا من خلف الباب، قلت: «أنا سما بنت أم سعيد.» فتح ~~الباب وأطل وجهها، إنها هي بالتأكيد وبالكاد تمكنت من تمييزها. ~~قلت: «أنا سما، كيف حالك؟ افتقدناك في الدرس يوم أمس.» فابتسمت ~~بفرح وفتحت الباب على مصراعيه، وضحكت بفرح طفولي وهي تلفظ ~~اسمي وتجرني إلى الداخل، وأخذتني في حضنها، وكأنها كادت تبكي ~~لكنها تمالكت نفسها حين سمعنا صوتا من بعيد ينادي: «من يا بنت؟» ~~وسرعان ما أقبلت والدتها ترتدي ثياب الصلاة. خطوت إليها مادة ~~يدي وقلت: «تقبل الله يا خالة، أنا سما، البارحة كنا معا.» وبوجه ~~أشبه بحساء محترق قالت لي: «أهلا أهلا، أمك ليست معك؟» قلت: ~~«كلا يا خالة، إنها في البيت، وتسلم عليك، وتسألك أن تشرفينا ~~بزيارتكم يوما ما.» أخذت تتفحصني وتتفرس في وجهي الذي رسمت ~~عليه ابتسامة مصطنعة، وقفنا صامتات هكذا ثواني. شعرت بحرج ~~كبير، ثم ms090 أمسكت الفتاة بيدي قائلة: «تفضلي سما لا يمكنك الرحيل ~~هكذا بلا قهوة.» ولم أنتظر، بل تبعت الفتاة إلى الداخل وجلسنا في ~~الصالة. تبعتنا الأم وقالت لنا: «أكمل صلاتي وأعود.» وحدجتني ~~بطرف عينها وذهبت، وفور اختفائها أمسكت الفتاة بيدي وقالت : لا ~~تعرفين كم أنا سعيدة برؤيتك، كيف عرفت أين أسكن؟ ~~- لا يهم، المهم أنت، لقد أقلقني اختفاؤك. ~~- آه لو تعرفين! ~~- ماذا؟ # التفتت واقتربت مني وقالت همسا: أهلي منعوني من الخروج من ~~البيت، حتى إلى المعهد والدرس والسوق إلا برفقة أمي أو أخي. ~~- ولكن لماذا؟ ~~- تعرفين، القصة نفسها، يوم فضحتني الآنسة، وا... وأمور أخرى ما ~~أحب الحديث عنها، تعالي عندي كل يوم. ~~- ليتني أستطيع لكن لا أظن أن والدتك أحبتني. # علت موجة من الحزن على وجهها، وصارت أكثر شحوبا ثم قالت: ~~اتصلي بي، لا، أنا سأتصل بك، حين أجد الوقت مناسبا. # واستلت قلما من المنضدة ورفعت كم ثوبها لأكتب رقم بيتنا، ~~وقالت: عجلي عجلي. وما كدت أنتهي من كتابة الرقم حتى أقبلت ~~والدتها مع القهوة، فشربتها على عجل وخرجت. # في مساء ذلك اليوم اتصلت بي وتحدثنا قرابة الساعة، عرفت ~~منها أنها ممنوعة من أي شيء يمكن لفتاة في مثل عمرها أن تحظى به، ~~كم أنا محظوظة إذن! أحسست بالأسى تجاهها. تحدثنا بعد ذلك ~~مرارا، كانت تحدثني خفية بعد نوم أهل بيتها، أو في غيابهم. ~~لست أفهم لم هذه السرية، وكأنها تغوي شبابا لا قدر الله. ~~عرفت عنها أشياء جميلة، وعرفت عني أنني أستعير الكتب وأقرأ، ~~ورجتني أن أحكي لها عن كل الكتب والروايات التي أقرؤها، وبالفعل ~~كنت كلما أنهيت جزءا أحدثها عنه، وكنت أقرأ لها بعض ~~المقاطع، وكانت تستمع بانتباه شديد ونظل نتحدث عن الأحداث أو ~~الأفكار، كانت أوقاتا جميلة جدا. # 8 # تواقيع كثيرة وطوابع أكثر، معاملات وأذونات وبراءات ذمة، ~~ويوما تلو الآخر كان على نادر أن يستيقظ باكرا، باكرا جدا قبل ~~«الشحاذة وبنتها»، ويصطف في الدور على أبواب الموظفين حتى يبدأ ~~الدوام ويبدأ رحلته في الركض من مكان إلى آخر من ms091 أجل استكمال ~~معاملة استخراج مصدقته الجامعية. كان غير مبال لمتاعبه، لكل ~~تذمرات الموظفين وتقلبات مزاجهم، فحلاوة تخرجه كانت طاغية. ~~وأخيرا سيحصد ثمرة جهوده، ثمرة سهره ودراسته طوال خمس سنوات ~~خلت. كانت الأبواب مفتوحة أمامه اليوم مرة أخرى، وكان عليه أن ~~يختار. # يقف نادر الآن عند الشباك الخارجي لشئون الطلاب في كليته، ~~«دقيقة» هكذا قال له الموظف ليجلب له مصدقة تخرجه. ابتسم وهو ~~ينظر إلى صورته المنعكسة على الزجاج، تذكر جدته تقول له: ~~«وجهك الحلو يا ابني ما يناسب التجارة، الله خلقك لتكون عالما أو ~~أستاذا جامعيا تتهافت عليك البنات.» أخذ نفسا عميقا ومسح ~~حبات العرق التي نفرت من جبينه في حر آب «اللهاب»، # 2 # وصل الموظف أخيرا وفي يده أوراق، جلس على مقعده، ~~وضع نظارته، وأخذ ينادي على أسماء الطلاب لاستلام مصدقاتهم، ~~تلهف وترقب وانتظار ثم خيبة أمل. نفدت الأوراق واستلم الطلاب ~~مصدقاتهم وانصرفوا فرحين، وبقي نادر مع واحد آخر، بادره نادر ~~بالسؤال: «أستاذ، الله يخليك، أعطيتك أوراقي كاملة.» وكذلك قال ~~الطالب الآخر. سألهما الموظف عن اسميهما، نظر إلى مكتبه، أخذ ~~ملفا وناوله للطالب الآخر وقال: «تنقصك ورقة التبرع بالدم.» ~~«وأنا، وأنا يا أستاذ.» قال نادر بيأس، فنظر الموظف إلى ملفه مرة ~~أخرى وناوله إياه وقال: تفضل، ما عندي لك أي مصدقة. ~~- كيف يا أستاذ؟ أوراقي كلها كاملة. ~~- أعرف أعرف، لكن يا ابني ما وصلتني مصدقتك. ~~- طيب وما الحل الآن؟ ~~- راجع الامتحانات، ربما لم تنجح في إحدى المواد. ~~- نعم! لم أنجح! ~~- يا ابني لا ترفع صوتك الله يرضى عليك، أنا ما لي علاقة، قد ~~يكون هناك خطأ ما، الأخطاء تحدث دائما. # ومنذ هذه اللحظة دخل نادر في دوامة من المراجعات والواسطات ~~والالتماسات لمعرفة سبب عدم حصوله على مصدقته. كان عليه أن يحصل ~~عليها قبل أن تنقضي مدة التسجيل على الماجستير، لكن لم يكن الوقت ~~لصالحه. انقضت أشهر الصيف وانتهى وقت التقديم على الماجستير وعلى ~~غيره من الفرص ونادر لا يزال يتنقل من مكتب إلى مكتب لمعرفة ~~السبب، وظل السبب معلقا ms092 في المجهول وكذلك حلمه بالتخرج. # 9 # لماذا نحتفظ بصورنا القديمة وذكرياتنا؟ إننا ننظر إلى بقايا ~~ذكرياتنا وكأنها أدلة على حياة كنا نعيشها، نبرهن لأنفسنا أننا ~~مررنا بفرح ما، أو نثبت مدى قوتنا لأننا تجاوزنا حزنا ما، نحب ~~الذكريات لأنها جزء مكون لشخصيتنا كما هي الآن، ولأن الذكرى مثل ~~قطعة أثرية ثمينة، لا تحمل قيمتها في ذاتها وحسب بل من تقادم ~~الزمن عليها، وهكذا هي ذكرياتنا كلما تقادمت زاد سحرها ~~وتعلقنا بها. والصور جزء من الذكريات، من الماضي الخاص بنا أو ~~بأحد عزيز علينا. الصورة كانت لحظة خاطفة انتقلت إلى العدم لكن ~~عدسة الكاميرا قامت بتخليدها إلى الأبد. # أنظر إلى هذه الصورة بين يدي؛ فقد كنت أقسمت على سعيد أن ~~يرسل لي مع كل رسالة صورة فوتوغرافية له، ومع ذلك فإنه غالبا ما ~~كان يركن إلى الوسائل الأحدث والأيسر في تراسلنا. واليوم وصلتني ~~منه رسالة مكتوبة، فرحت لها ككنز ثمين؛ فأنا أفضل حميمية ~~الرسائل المكتوبة بخط اليد، والصور المطبوعة على تلك الرسائل الفجة ~~الباهتة والصور الباردة المنبثقة على الشاشات عبر البريد ~~الإلكتروني. أتذكر كيف كنا نتحلق حول أمي وهي تقرأ علينا رسائل ~~خالي محجوب المقيم في أمريكا من سنوات، كنت في الثامنة أو التاسعة ~~من عمري، كان يرسل لنا طردا مملوءا بألعاب وهدايا لي ولسعيد ~~ونادر؛ فلم تكن فاطمة قد ولدت بعد. كانت هداياه هي الأثيرة على ~~قلبي؛ فقد عبرت القارات والبحار والمحيطات لتصل إلي من مكان ~~بعيد، ومن أمريكا تحديدا. # أتلمس الورقة المكتوبة بخطه فأجد روحه منبثة في ثنايا ~~الأحرف، أشتم حنيني إليه في عبير الكلمات والنقاط والسطور. أنظر ~~إلى صورته فأجد رجلا مبتسما سعيدا، الشفاه تكذب، لكن العينين ~~لا تعرفان الكذب، أرى فيهما حزنا أصيلا يأبى الإخفاء والتورية، ~~أسأله ما بك؟ فلا يجيبني إلا ب «الحمد لله، أموري تمام.» وأنا أعلم ~~أنه يخفي شيئا، تذكرت تلك الليلة التي سمعته فيها يبكي ~~بكاء مخنوقا قبيل سفره بأيام، هل لذلك علاقة بحزنه اليوم؟ رن ~~هاتفي، أجبت فإذا هي مريم صديقتي، قالت ms093 لي: ماذا لديك مساء ~~الغد؟ ~~- لا شيء، لماذا؟ ~~- ألا تعرفين؟ ~~- ماذا علي أن أعرف؟ ~~- بالله عليك أين تعيشين؟ ما عرفت أن رائد «السوبر ستار» عائد ~~غدا إلى حلب، والعالم كله ذاهب إلى استقباله في المطار؟ ~~- حقا؟ ~~- نذهب معا إذا أردت، لكن علينا أن ننطلق قبل ساعتين على ~~الأقل، تعرفين الزحام. ~~- لا أعرف، ربما لن أرافقك. ~~- لماذا؟ ~~- لا أعتقد أن أبي سيسمح لي. ~~- كما تشائين، اتصلي بي إذا غيرت رأيك. # أغلقت الهاتف وأنا أبتسم عجبا، تخيلت رائدا في المطار وسط ~~المعجبين والمعجبات والكاميرات والصحفيين، يا لهذه البلاهة! لن ~~أكون من بينهم بالتأكيد. فتحت كمبيوتري المحمول، لكن لحظة! لم ~~لا؟ أمشي بين الزحام ويراني فجأة، فينادي علي «سما، سما.» ~~يسحبني من يدي، يطوقني بذراعه ونهرب من الصحفيين والناس كلهم. ~~صدح صوت الكمبيوتر عاليا بموسيقى إقلاعه، ففزعت وابتسمت ~~لسخافة خيالاتي! # كنت أنوي البحث عن رندة، لكنني آثرت تفقد بريدي الإلكتروني، ~~فوجدت رسالة جديدة من شادي. كنت قد نسيت أمره تماما، نظرت إلى ~~تاريخ اليوم، إنه الثاني عشر من أيار، لقد مر أسبوعان على ~~زيارتي لمعرض الخطر. كنت قد نويت الذهاب في اليوم التالي إلى ~~الجلسة الصحفية، لكنني لم أذهب. فتحت الرسالة، كان فيها صورة ~~واحدة للوحة كتب فيها «فإنك بأعيننا.» كانت مزخرفة بعناية ~~وباللونين السماوي والذهبي وتدرجاتهما، كانت الأحرف متداخلة ~~بشكل جميل ومبهر، التقاطع والتشابك في الانحناءات والخطوط، ~~والتباين بين الزوايا والمنحنيات لكن بانسجام تام بهرني حقا. ~~نظرت إلى عنوان المرسل إليهم، لم يرسلها لأحد غيري! أعرف رسائله ~~الممررة السابقة جيدا، إنه لا يستخدم أبدا خاصية إخفاء عناوين ~~المرسل إليهم، وكنت دائما أجد اسمي محشورا بين أسماء العشرات ~~من عناوين البريد الإلكتروني. أما هذه الرسالة فهي مرسلة لي ~~وحدي، هل يحاول أن يقول لي شيئا؟ حاولت أن أتذكر وجهه، لم أفلح ~~كثيرا، بل أعتقد أنه كان عاديا جدا. في الحقيقة أنا لا أذكر ~~منه سوى ربطة عنقه الصفراء. عدت لأنظر في اللوحة ووضعتها خلفية ~~لشاشة كمبيوتري. # ثم دخلت على صفحتي في الفيسبوك، قرأت ms094 أول منشور كان يتحدث عن ~~إنجازات الخليفة سليمان بن عبد الملك. تذكرت سليمان الملك صديق ~~جدو، ومن باب العبث المحض كتبت في شريط البحث اسمه كاملا، ~~وظهرت لي صفحته الوحيدة، فتحتها، وأخذت أقرأ منشوراته وأتصفح ~~صوره. لقد كان كنزا بحق، ملكا كما أحسست بذلك أول مرة، ملكا ~~لنواصي اللغة التي يكتب بها، وملكا للكاميرا التي يلتقط بها ~~صوره الفنية الرائعة باللونين الأبيض والأسود دائما لوجوه ~~وأشجار وحشرات أيضا. لقد كان مصورا محترفا، وأديبا ~~مفكرا، وشاعرا مرهفا، زاد إعجابي به وشعرت أنني أريد أن أعرف ~~عنه أكثر. # وبعد وقت سمعت أذان العشاء، فانتبهت أنني سلخت الوقت ما بين ~~المغرب والعشاء في قراءة منشوراته. تذكرت أنني أريد البحث عن ~~رندة، فكتبت على شريط البحث، رندة عبد الحفيظ، بالعربية مرة ~~وبالأحرف اللاتينية أخرى، ورحت أبحث في الأسماء الكثيرة التي ~~ظهرت، لكنني لم أجد من بينها «رندة جدو»، «رندة جدو»؟ سألت ~~نفسي، فكرة! كتبت: «رندة نور»، ظهرت لي أربع حسابات بهذا الاسم، ~~تسارعت نبضات قلبي، شعرت أنني اقتربت منها. كان الحساب الأول ~~متروكا، والثاني لواحدة ذات مزاج عال على ما يبدو فجميع صورها ~~بلا ثياب تقريبا، أما الحساب الثالث فهو لفتاة في العشرين من ~~عمرها، والرابع لسيدة عجوز! ليست رندة واحدة منهن بالتأكيد، أخذ ~~اليأس يتسلل إلي، ربما ليس لديها حساب على الفيسبوك أصلا، ~~نحيت الجهاز جانبا، أغمضت عيني بحثا عن حل، لكن مهلا لحظة، ~~«جدو نور» بالنسبة إلى رندة هو «نوار» وليس «نور»! فتحت عيني وقد ~~اشتعلت حماستي من جديد، وعلى الفور كتبت في شريط البحث بالعربية: ~~«رندة نوار»، وظهرت لي صفحة وحيدة لا ثاني لها! تفاجأت لحظة، ~~وحبست أنفاسي، هل سألتقي بها حقا هنا في الفضاء الأزرق في ~~الفيسبوك؟! # 10 ~~«الحياة مثل قطعة شوكولاتة بالحليب، أول قضمة منها تملؤك لذة، ~~فتغريك بالمزيد، وبينما أنت في لذة منتهية واشتهاء مستمر تنفد ~~الحلوى، ولا ينوبك في الآخر إلا ذكرى لحلاوة ماضية، وتكدس السكر ~~في دمك! والحكيم من يلتذ بالحلوى على مهل.» كان هذا أول ms095 منشور ~~للسيدة رندة، رندة نوار، لقد وجدتها! يا لروعة اللقاء! لكنه لقاء ~~من طرف واحد؛ فأنا أعرفها، أما هي فلا. ترى كم يبلغ عمرها الآن؟ ~~ربما هي في أوائل الخمسين. وجدت أنها تقيم في مدينة «قونية» ~~التركية، كانت هناك عدة صور لها، وكمن وجد كنزا بعد طول بحث ~~رحت أفتح الصور باللهفة التي زاد من وقودها بطء الإنترنت وتأخر ~~تحميل الصور. كانت جميلة القوام، ليس كما تخيلتها تماما؛ فهي ~~تميل إلى القصر قليلا، شعرها الكستنائي المجعد كما في خيالي، لكن ~~تنورتها لم تكن مزركشة. كانت في معظم الصور ترتدي إما سراويل عريضة ~~داكنة، أو فساتين من الكتان المزهر، ورغم سنوات عمرها فإنها كانت ~~امرأة جميلة، سيدة بحق، تعرف تماما ما يناسبها ويبرز مواطن ~~جمالها لكن بكبرياء وتعفف، وبالتأكيد لم يكن الشال السماوي ليغيب ~~عن معظم صورها. كم كانت فرحتي شديدة! أمسكت الهاتف لأزف البشرى ~~لجدو نور، لكنني تراجعت أخيرا، أريد أن أصنع له مفاجأة، وعلي ~~أن أعرف رندة أكثر، أن أقترب منها، وأحاورها، ربما أتمكن من ~~استمالتها للمجيء إلى هنا؟ من يدري؟ يا للحماسة التي تسري في كل ~~خلية في! أخذت أضع سيناريوهات مختلفة لكيفية لقائهما، كم سيكون ~~رائعا! # وبينما أنا مسترسلة في خيالاتي سمعت صفقا عنيفا لباب بيتنا، ~~إنه نادر عاد من صلاة الجمعة وهو يصرخ وكذلك أبي وأمي. خرجت ~~لأستطلع الأمر، فوجدت الجميع في حالة هياج كبير، نادر يصيح بغضب، ~~وأبي بوجه عابس، وأمي بعينين دامعتين خوفا. لقد كان نادر في ~~«مظاهرة» بعد الصلاة، يا للمصيبة! لماذا يفعل شيئا غبيا كهذا؟ ~~هل قصد الخروج؟ أم وجد نفسه متورطا؟ لم أكن أدري، لكن أبي وبخه ~~كثيرا. # وأسبوعا بعد أسبوع زادت الأمور سوءا في حلب، صار التيار ~~الكهربائي ينقطع باستمرار أكثر، ولساعات أطول، وكذلك الماء، ~~وأخذت الأسعار ترتفع بصورة جنونية. لم أعد أتمكن من الذهاب ~~كثيرا لجدو نور، وخيمت على حياتنا سحب كثيفة من النزق ~~والكآبة. # كنت أتسمر أغلب اليوم أمام شاشة التلفاز لمعرفة الأخبار أو ~~أقرؤها على الإنترنت، بحسب ms096 وجود التيار الكهربائي أو انقطاعه. في ~~البداية كنت أعد الأيام السوداء ثم تطاولت الحرب واستطالت ~~أذرعها لتنهش كل مدينة وقرية في سورية، وانبثقت لها أذرع وأرجل ~~متفرعة جديدة تنشب أظفارها في قلوب الأطفال والأبرياء، وتلون ~~الخبز بالدم، وتصبغ المدارس والبيوت والجوامع بشيطان الموت ~~الرجيم. عندها فقد كل شيء معناه، واختلطت الأرقام وتوقف العد ~~سامحا لليأس المعجون بالعجز ليتسلل إلى حياتنا كسرطان خبيث يذيب ~~روح الحياة في قلوبنا. # لم يعد لي من متنفس وسط هذه الكآبة سوى صديقتي الجديدة نتحدث ~~معا على الهاتف يوميا تقريبا. ومع أن ظروفها في البيت كانت ~~أكثر بؤسا مني لأنها محبوسة تماما، إلا أنني شعرت أن حاجتي ~~إليها أكبر من حاجتها إلي. تقاربنا في أفكارنا كثيرا، ~~تحدثنا عن مختلف الأشياء، وضحكنا وثرثرنا. كتبت في صفحتي ~~على الفيسبوك: # مهما كانت الظروف فليس لك من ملجأ سوى الحب ~~الخالص. # | الفصل الرابع # 1 # في غرفته بقي وحيدا غريبا جاثيا على ركبتيه، غارقا في بحر ~~من دموع وذكريات، وبقايا قصة حب، فقرر أن يستمر في صمته ~~ووحدته؛ فحبهما لم يعلم به أحد، وكذلك ألمه وفجيعته لن يعلم بهما ~~أحد، وغيابها من حياته أضاف إليها قدسية خاصة، فعاهد روحها على ~~الصمت، وقرر الرحيل فما عاد يطيق أن يرى مملكة يعبق كل ركن ~~فيها بشذاها لكن بلا ملكة، فجمع ما تبقى من ذكرياتها وخبأها ~~في صندوق وسافر بعيدا. وها قد حان الوقت لينتحب، ليعالج ألما ~~مؤجلا، ويبكي دموعا مخبأة كانت طي الكتمان زمنا طويلا، ليعيد ~~نكت جرح رم على فساد فظل ينز وجعا وكآبة ونحولا. # تذكر كيف هاتفها ليلا أول مرة، وكيف أخبرها بحبه، تذكر ~~صمتها وخوفها، ورعشة صوتها وعذوبة أنفاسها، كانت المرة الأولى ~~والأخيرة التي يسمع فيها صوتها عبر الهاتف، ثم تذكر الاتصال الثاني ~~وكيف كان متلهفا لسماع صوتها لكنه بدلا من ذلك سمع صوت سيدة ~~قالت له موبخة: «يا ابني هذا الرقم لا تتصل به، حرام عليك ~~أعراض بنات الناس، البنت عرسها بعد أسبوع، اذهب الله يهديك.» ~~لحظتها انتهى كل ms097 شيء بالنسبة إليه، كم عاود الاتصال بعدها لكن ~~الرقم كان خارج الخدمة كل مرة، ما الفائدة ولم يبق للأمل مطرح؛ ~~فحبيبة الروح ستزف لرجل غيري؟ تلك اليدان الصغيرتان، كم أشتاق ~~إليهما! كان يشتعل نارا كلما تخيلها في أحضان الغريب، نار ما ~~عاد يطيق تحمل حريقها فترك كل شيء وغادر بعيدا. # على الأرض بقي زمنا، يقلب في صفحات ذاكرة ممزقة، يقرأ ~~كلمات، ويتأمل صورة، ويشتم بقايا زهرة يابسة وعلبة عطر فارغة، ~~ويقلب ورقة شوكولاتة ذابلة، ولكل منها سجل في الذاكرة، ~~ومشهد من الحب لا يزال حيا ينبض في عالمه. جلس محاطا بجدران ~~إسمنتية سميكة، الشبابيك مغلقة، والستائر مسدلة، في ذهنه ~~عتمة تامة، وفي قلبه شعلة متوهجة، وفي عينيه حزن عميق ~~عميق. شعر أنه محبوس في قمقم، مخبوء في غياهب ظلماته، مثل مارد ~~جبار ينتظر اللمسة السحرية ليتحرر من أسره. جلس محاطا بجدران ~~إسمنتية سميكة، والأحلام تطوف به بعيدا جدا، تطير به في أعالي ~~السماوات، وتغوص في أغوار نفسه والحبيبة، ثم فتح عينيه ليرى يديه ~~مكبلتين بمختلف الأصفاد. # يرن الهاتف، إنها سماء، ماذا تريد الآن؟ لن أجيب، ليس الوقت ~~مناسبا أبدا، يرن الهاتف مجددا ولا يتوقف، لعله أمر طارئ، ~~وبتثاقل يمسك بهاتفه المحمول ويرد، يصغي، يسمع ضجيجا، ~~صراخا عاليا، بكاء متقطعا، يصيح: «آلو، سما، آلو، آلو ... سما.» ~~مزيد من الضجيج والصراخ، وأخيرا يسمع صوتها المتهدج بالبكاء: ~~«قتلوه، يا سعيد قتلوه ...» بكاء شديد، «من؟» يصيح وقد ارتجف قلبه ~~هلعا، يصيح مجددا، «من يا سما من؟» ويأتي صوتها مزلزلا كقيام ~~الساعة: «قتلوه، قتلوه.» # 2 # كانت تجربة فريدة من نوعها، علمتني الكثير، بدأت بها غيرة ~~من صديقاتي اللاتي أصبحن كلهن تقريبا يتعلمنها، وقتلا للأوقات ~~المملة الطويلة بلا كهرباء؛ فلم نعد نرى الكهرباء إلا مرة كل شهر ~~أو شهرين؛ فقد تحولت حياتنا بالكامل، نصبح ونمسي ولم يعد لنا ~~من هم سوى ترقب عودة التيار، أو انتظار الماء، وسكن الترقب ~~والحذر الشوارع، وصرنا نتنفسه في الأجواء، ونراه جاثيا على ~~ملامح الناس، والموت مثل مهرج يمط لسانه عابثا ms098 هازئا، ~~ويبتلع بضحكاته الهستيرية المزيد من البشر. # نهارات صيفية طويلة وحارة، ما الذي يمكن عمله؟ ابتعت إبرا ~~بمقاسات مختلفة وكرات من الخيوط الصوفية والقطنية المتعددة ~~الألوان، بدأت بتعلم أول الغرز. كان كل شيء يبدو مستحيلا ~~بالنسبة إلي؛ مسك الإبرة والخيط، إدخال الخيط وإخراجه من الفتحة ~~التالية. فكرت كثيرا في الاستسلام، وفعلا تركت الموضوع لمدة ~~طويلة، لكن لست أدري كيف كان يأتي إلي ويصطدم بشغفي، فأتجاهله ~~مجددا، لكنه يعود ليتحداني ويواجهني، فاستسلمت إلى خيوطي ~~وإبرتي. وبعد كثير من الجهد بدأت بإتقان الغرز الأولى، ثم ~~انتقلت إلى عمل نسيج متكامل، عملت مربعا من غرزتين فقط، ~~حقيقة لم أصدق يوما أنني سأنجز شيئا ما بشغل الإبرة (الكروشيه)، ~~كان ذلك يمنحني شعورا رائعا. بدأت بالغرز الأولى، وشيئا ~~فشيئا أخذ يظهر الشكل وتتضح ملامحه، وكأنني أزخرف لوحة من ~~المنمنمات، وأخذت الأشكال تتبدى؛ مثلثات ودوائر ومربعات. وما ~~كان يفاجئني حقا هو أنه في أثناء عملي لغرز معينة تتشكل زخارف ~~جديدة لم أحسب حسابها، وتظل تكبر وتنمو، ويظل الجمال يولد ~~الجمال حتى لو لم أحسب له حسابا. # أنهيت المربع، وأخذت أتأمله بحب أمومي، وبفخر كبير، كيف ~~ابتدأ هذا العمل المنجز والكامل بغرزة واحدة بسيطة لتأخذ مكانها ~~الصحيح وتتكرر مرارا وتكرارا ليتكون هذا العمل الرائع! لكن كل ~~شيء بحسبة معينة وميزان دقيق؛ إذ كان علي أن أعمل بعدد معين، ~~فإذا أخطأت في الحسبة ظهرت نتائج مختلفة في نهاية ~~العمل. # أخذت أفكر في هذا المربع الذي بين يدي، شعرت بشبه كبير ~~بيني وبين إحدى غرزه، فما النفس إلا غرزة بسيطة في نسيج هذا ~~الكون الهائل، تشكل معه لوحة متناسقة متناغمة جميلة، صحيح أنها ~~غرزة صغيرة واحدة، لكن جمال الكون كله مختصر فيها، وما جماله إلا ~~انعكاس وتكرار لجمالها لأن يد المصمم التي صممتها واحدة. فتحت ~~الفيسبوك وكتبت في صفحتي: # احذر أن تخرج عن نظام اللوحة العظيمة، إن ذلك لن يؤثر ~~على وجودك فحسب، بل على جمال اللوحة كلها، فإذا نظر إليها ~~الناظر فسيميز على الفور أنك وحدك مصدر القبح ms099 ~~والنفور. # 3 ~~- ما قصة جارتك الصغيرة؟ ~~- من تقصد؟ ~~- تلك الفتاة التي صادفتها عندك. ~~- آها، تقصد سما؟ سما صايغ؟ ~~- نعم، إذا كان هذا هو اسمها. ~~- يا رجل، ما لك ولها؟ ~~- لا شيء، مجرد فضول. ~~- قلت فضول؟ ~~- لماذا تنظر إلي هذه النظرة؟ ~~(يضحك.) ~~- اسكت وإلا خرجت من فوري . ~~- لماذا الغضب يا صاحبي؟ ~~- أنا لست غاضبا. ~~- أعتقد أنك قررت تركي وحيدا في عالم العزوبية ~~الرائع. ~~- ماذا تعني؟ ~~- أنت تعلم تماما ما أعنيه، من الواضح أن البنت ~~أعجبتك. ~~- هراء. ~~- إنها متميزة، وجميلة، وذكية. ~~- ... ~~- هيا هيا لا تنكر، أنا صديقك يا رجل ولست أمك. ~~- أنت تهذي، ثم إنها صغيرة جدا. ~~- وأنت معجب بها جدا. # 4 # النوم مثل الحب، عليك ألا تتكلف البحث عنه؛ إذ كلما بالغت في ~~الحصول عليه، أوغل هو في الهرب منك؛ لأن له موعدا يأتيك طواعية، ~~فإذا تسلل إليك فلا تقاوم، عليك أن تستسلم وحسب، فإن قاومت فقد لا ~~يعود أبدا. كنت أتقلب في فراشي مستجدية النوم لكنه تدلل ~~طويلا، كلمات صديقتي لا تزال تتردد في أذني: «لماذا لم تأت يا ~~هبلة! كل أهل حلب كانوا في المطار. كان الزحام شديدا وكأنه يوم ~~المحشر، ومع ذلك تمكنت من الاقتراب منه. لقد صافحته، هل تصدقين؟ ~~تلامست يدانا! كم كان ذلك رائعا! تعالي اليوم وستشمين رائحة ~~عطره على يدي.» تضحك طويلا، وأنا أغص بقلبي كثيرا. # مضى على كلماتها هذه شهران أو ثلاثة ربما، لكنني لم أتمكن بعد ~~من نسيانها على الرغم من كل الأحداث الحزينة التي عشناها، أين هو ~~الآن؟ لقد غادر البلد بكل تأكيد؛ فمن سيبقى فيها سوى أمثالنا من ~~الناس العاديين؟ وبينما أنا في ~~سريري إذا بالمصباح يضيء معلنا عودة التيار الكهربائي، يا ~~للمفاجأة! الساعة الثانية صباحا! فزعت من سريري، وركضت خارج ~~الغرفة، كانت أمي قد استيقظت، رحت أقفز وأصفق بيدي: «جاءت ~~الكهربا، جاءت الكهربا.» هتفت أمي: «ماذا سنفعل أولا؟ ا... امم ... ~~ماذا سنفعل؟ الغسيل؟ كي الملابس؟ لا لا، كنس الغرف؟ الشواحن، بسرعة ~~سما ضعي كل الشواحن في الكهرباء.» هرعت لتنفيذ ذلك ms100 ووضعت جهازي ~~الكمبيوتر أيضا في الشحن فقد فرغت بطاريته منذ أكثر من عشرة ~~أيام. لقد أصابتنا عودة التيار الكهربائي بلوثة من فرح وجنون. ~~نظرت إلى النافذة كانت كل شبابيك جيراننا مضاءة أيضا، وتعلو ~~أصوات المكانس الكهربائية منها. قمت بتكنيس الغرف بدوري، بينما ~~كانت أمي تضع ثيابنا في الغسالة الكهربائية لأول مرة بعد شهرين ~~من غسلها لكل شيء بيديها. مرت ساعة ونصف والتيار لا يزال ~~يشرفنا بحضوره، جلست أمي لترتاح قليلا وذهنها يعمل: «ماذا ~~نفعل؟» قلت لها متعبة: «ننام أمي، ننام، هذا ما سنفعل، أرجوك.» ثم ~~قامت باتجاهي وقالت: «قومي انقعي البرغل، سندير الكبة!» «ماما! ~~كبة في الفجر؟» صحت بذهول، لم تجبني واتجهت إلى المطبخ. ~~العجيب أن أصوات «ماكينات الكبة» بدأت تتهادى إلى سمعي من بعض ~~الجيران! ضحكت في سري، واتجهت إلى المطبخ. استنفار جماعي، ~~هذا ما أصاب حينا على الأقل في هذه الساعة المتأخرة من الليل ~~التي أحالتها الكهرباء نهارا. # وجدت أمي جالسة على الكرسي تبكي بحرقة، وأبي واجم بجوارها، ~~عرفت السبب على الفور، لقد تذكرا نادرا فهو وحده من كان يجلب لنا ~~«ماكينة الكبة» من فوق الخزانة من غير أن يستعين بشي. حاولت ~~التخفيف عنهما وسحبت كرسيا، صعدت على الفور وأنزلتها قائلة: ~~«هيا، هيا، فلنباشر، فمن يعلم متى تنقطع الكهرباء؟» لكنها هذه ~~المرة كانت كريمة معنا؛ إذ بقيت أربع ساعات متواصلة، أنهينا ~~في أثنائها عمل «دراويش الكبة» والكبة بالصينية، ولم ننته ~~إلا وضوء النهار يملأ البيت، عندها فقط نمت ك «القتيل» كما ~~يقولون. # كنت محظوظة في اليوم التالي بتصفح الإنترنت من جهازي المشحون ~~جيدا، فتحت صفحة رندة وكنت قد تركتها زمنا. كانت منشوراتها في ~~الغالب صورا لبعض المعالم الأثرية والزخارف الإسلامية المعمارية ~~في تركيا. أما كتاباتها فهي في الأغلب تحمل طابعا صوفيا ~~إلهيا، ذكرتني بكتابات طاغور الذي قرأته منذ عام تقريبا، ~~وكانت قد قبلت صداقتي فأرسلت إليها رسالة خاصة أبدي فيها إعجابي ~~بكتاباتها، ورغبتي في التواصل ~~معها. أرسلت الرسالة فإذا بمربع ينبثق من أسفل الشاشة معلنا ~~وصول رسالة جديدة، ms101 من صديق جديد، لقد كانت من سليمان «الملك»! # الآنسة سماء، يسعدني قبولك صداقتي، ومع أنني لم أرك ~~سوى مرتين فإنني رأيت روحك منثورة على صفحتك، وقرأتك ~~في منشوراتك الجميلة، كل المودة لك. سليمان. # وتراءت لي ابتسامته المزينة بغمازتين جميلتين وهو ينظر إلي، ~~أعدت قراءة الكلمات مرات كثيرة ، والغرور يملأ ساحاتي، وينفث في ~~بسحره. # بماذا أجيبه؟ كتبت مرات ومرات، وكنت أمحو كل مرة. فكرت ألا ~~أجيب، لكنه سيكون تصرفا غير لائق، خاصة أنه ظهر متصلا في هذه ~~اللحظة. إنه يجلس الآن أمام الشاشة ينتظر ردي، وطالما ابتدأ هو ~~حوارا فليس أمامي إلا أن أكمله، أليس كذلك؟ لكن علي أن ~~أتقمص جيدا الغرور الذي ملأ به رأسي. كتبت أخيرا: «أشكرك ~~أستاذ» وأضفت الكلمة الأخيرة عمدا، وضغطت # enter # ووصلت الرسالة. ~~انتظرت، وانتظرت ولم يرسل شيئا، ثم خرج، يا للخيبة! طيب، هذا ~~أفضل. عدت إلى صفحة رندة لكنها لم تقرأ بعد رسالتي. كانت بطارية ~~جهازي الكمبيوتر توشك على النفاد، كتبت على صفحتي: # كثير من الأحداث توحد الشعور الجمعي لدى الناس، ~~أعقدها وأبسطها، ومنها مثلا عودة التيار الكهربائي والماء ~~معا في الثانية فجرا! # وقبيل أن تنفد البطارية فتحت بريدي الإلكتروني وإذا برسالة ~~تصلني من شادي، وهذه المرة أيضا لي وحدي، ومجددا لوحة بخط الثلث ~~كتب فيها «اقرأ باسم ربك الذي خلق.» وبينما كنت أتأملها أعطاني ~~الجهاز تنبيها بقرب نفاد البطارية. ارتبكت وقررت على الفور ~~إرسال رد له كتبت فيه: «لوحة رائعة! هل من مزيد؟» وأغلقت ~~الجهاز، هل كان ما أرسلته صائبا؟ # 5 # كنت متحمسة للقاء جدو نور ذلك المساء فقد مضى أكثر من شهر على ~~آخر زيارة له. حرصت على أن أحضر جهازي الكمبيوتر لأشحنه عنده؛ ~~فقد ركب مؤخرا مولدة كهربائية يستعين بها في أيام انقطاع ~~الكهرباء الطويلة. وبصعوبة بالغة قاومت رغبتي في الحديث عن رندة ~~وعن اكتشافي لصفحتها على الفيسبوك؛ فلم يستو بعد السيناريو الذي ~~كنت أطبخه في رأسي. جلست أحدثه عن رواية كنت قد حملتها من ~~الإنترنت «كالماء للشوكولاته» للاورا اسكيبيل، قرأت عليه ms102 بعض ~~النصوص المقتبسة منها، وبينما نحن نتحاور إذا بي أشعر بدوار ~~خفيف، أو ربما رعشة قصيرة، وخلال ثانية أو أقل شعرت بضغط كبير ~~على رأسي. وفي اللحظة التالية سمعنا دويا رهيبا راح يتردد في ~~أذني كصرخة موت، صاحت فاطمة والتصقت بي، عانقتها وخبأت رأسي ~~بين يدي بطريقة آلية. لم أدر كيف حدث ما حدث بعد ذلك بسرعة ~~كحلم، سمعنا أصواتا مختلفة في الشدة متقاربة في السرعة. سحبنا ~~جدو من يدينا، أو ربما حملنا لست أدري، وجدت نفسي في قبو البيت ~~وأصوات طلق ناري تسكت ولا تلبث أن تعود. كانت الدموع تنهمر من ~~عيني من غير أن أبكي. لست أذكر إلا أنني كنت أعصر فاطمة بين ~~يدي، وجدو واقف قبالتنا يتمتم بالقرآن أو الدعاء، دخل بعد قليل ~~بعض الجيران، وجلسنا. وما إن هدأت الأصوات حتى التفت إلي جدو ~~وناولني جهازي الجوال الذي لست أدري كيف وصل إلى يده، وطلب مني ~~أن أطمئن أهلي عنا وأطمئن عليهم، وكذلك فعلت. # بقينا هناك زمنا حتى أظلم المكان، وانطفأ ضوء النهار. ومثلما ~~يقوم شخص مدرب جيدا حال الأزمات، قام جدو بإخراج شمعات ~~وكبريت وفوانيس زيتية صغيرة من خزانة كانت هناك، أضاء بها ~~الغرفة، ومن مكان ما أخرج زجاجات من الماء والعصير وزعها على ~~الجميع، يبدو أنه كان مستعدا لظروف كهذه جيدا. # كان الهدوء يلفنا، والتزم كل واحد منا بالصمت نؤازر به بعضنا، ~~حينها فقط استرددت شيئا من رباطة جأشي، وهدأت الرعشة التي ~~شلت حركتي، ورحت أتفحص المكان. كانت غرفة القبو المخصصة لبيت ~~جدو نور، ربما خمسة أمتار في أربعة، في أعلاها شباك ضيق مغطى ~~بقضبان حديدية يطل على الخارج، كانت باردة ورطبة قليلا، فيها ~~سرير حديدي قديم، ومقاعد خشبية وطاولة، وصناديق من الكرتون، ~~وعدة أدراج، ومكتبة صغيرة مملوءة بالكتب! «هنا أيضا!» قلت ~~لنفسي، وبعض فرش الإسفنج ووسادات. كانت الأرضية مغطاة بحصر ~~ملونة، وكان هناك رجل وزوجته وابنتاه اللتان توقفتا أخيرا ~~عن البكاء، وامرأة في الخمسين من عمرها، وفتاة في عمري تقريبا مع ~~أخيها. أسندت فاطمة ms103 على الوسادة، وقمت باتجاه جدو، أخبرته أني ~~أريد العودة فلم يسمح لي، وأضاف: «قد نبات الليلة هنا.» # 6 # 17 تموز، 2012م # التاريخ الذي قصم ظهورنا جميعا. # عجيب أمر هذا الإنسان، كل ما كان يجلب له مسرات الحياة يتحول ~~في طرفة عين إلى منغصات لها، إلى سكاكين حادة تحز ببطء ~~ساخر أوتار قلوبنا المجهدة، فنتمنى ضربة قاصمة أو موتا رحيما ~~لكنه لا يأتي، يظل يتفرج علينا متشفيا ربما، أو مستريحا من ~~جولة صيد دسمة، مستجمعا قواه لقنص جديد. هنيئا للأموات، ويا ~~حسرة على الأحياء! # السابع عشر من تموز، التاريخ الأسود الذي قلب حياتنا وحفر عميقا ~~في قلب بيتنا الذي كان سعيدا، مزلزلا كل ركن وكل حجر وزاوية. ~~كنت جالسة في الصالة أعمل بالكروشيه على حياكة مفرش لمكتبتي، ~~وأمي كانت في اضطراب مبهم؛ فلا تلبث أن تجلس حتى تقوم وتنظر من ~~الشباك، ثم تعود وتجلس، وكأن قلقا رحيما كان يجهزها للفاجعة، ~~وفاطمة تلهو بعرائسها. وكالعادة تهادى إلى سمعنا دوي مدافع أو ~~قذائف فلا فرق، أصوات صرنا نسمعها كل يوم ليلا أو نهارا، فندعو ~~لمن سقطت فوق رأسه، ثم نكمل مشوار يومنا أو نغفو مجددا؛ فتكرار ~~المصائب واختلاطها بتفاصيل حياتنا اليومية جعل من الفاجعة مثل نار ~~التنور كلما حميت أكثر قست لها قلوبنا أكثر. # لكن أمي فزعت لذلك الصوت فزعا مختلفا، فراحت تتفقد قنوات ~~الأخبار، لم أكن أجد مبررا لقلقها، ثم انقطع التيار الكهربائي، ~~وأذن المغرب، وبعد أقل من ساعة أظلمت الشوارع إلا من وميض بعض ~~السيارات المارة التي تلقي بشيء من أنوارها داخل البيت فيضاء ~~للحظات ويغرق مجددا في العتمة. عندها طرق الباب طرقا خفيفا، ~~حسبت أني واهمة، تكرر الطرق بصوت أعلى، ركضت أمي وكانت ~~تصلي المغرب، مرتدية ثياب الصلاة قالت من خلف الباب: «من؟» ~~رد الصوت: «خالة أم سعيد هذا أنا، رامي.» فتحت أمي طرف الباب ~~مستجيبة لصوت صديق نادر الذي تعرفه جيدا، قمت واقتربت لأسمع ~~بوضوح أكبر. أكمل رامي: «دخيلك يا خالة أنت أم مؤمنة، دخيلك ~~احتسبي واصبري، والله سبحانه ms104 يجازيك الجنة.» كلمات قليلة يبدو أنه ~~تدرب عليها مرارا قبل أن يقذفها في وجوهنا، لم أجد أمي في حالة ~~كتلك الحالة، وضعت يدها على فمها مخفية شهقة مجروحة، وتهاوت ~~على الأرض. أسندتها وصفقت الباب، وأجلستها على أقرب أريكة، ~~جلبت لها الماء، ورحت أصيح من وراء الباب: «اذهب من هنا ولا ~~تعد، هيا اذهب.» أشارت أمي إلي بيدها وتمتمت: افتحي له ~~وأدخليه. ~~- ماما! هذا واحد كذاب. ~~- أدخليه. # ارتديت ثياب الصلاة وفتحت الباب، كان لا يزال واقفا وخلفه ~~شبح رجل، دخل رامي وجثا على ركبتيه أمام أمي، وقال: «يا خالة، ~~هو والله شهيد، ارفعي راسك، كان طاهرا ومصليا!» صحت فيه: «شهيد ~~ماذا؟ أحذرك، هذا موضوع لا مزح فيه، اخرج من هنا حالا.» لكنه ~~حتى لم يلتفت إلي، كان ينظر إلى أمي بثبات، فرفعت يدها، ~~وحسبتها ستصفعه، لكنها حطت بها على كتفه برقة، ووجهها ~~يحمل أغرب ملامح كان لي أن أراها على وجهها يوما؛ الخوف ممتزجا ~~بحنان، وقالت: «كنت أعرف منذ زمن، لكن لم أكن أدري أن وقته قد حان ~~بهذه السرعة، أحضروه إلى هنا!» حملقت في أمي وقد بدأ الذعر ينال ~~مني، ضعفت ساقاي عن الوقوف فجلست محاولة استيعاب المصيبة التي ~~سقطت على رءوسنا، قال رامي: «متأكدة يا خالة أنك قادرة على ~~رؤيته؟» فوقفت أمي على الفور وقالت: «هيا، أدخلاه حالا.» ثم ~~التفتت إلي وقالت بحزم: «اتصلي بوالدك، أخبريه أن يأتي، واذهبي ~~إلى فاطمة ولا تخرجا حتى أسمح لكما، أسمعت؟ لا تخرجا حتى أسمح ~~لكما.» وبالقوة المتبقية في ساقي سحبت نفسي لتنفيذ ما طلبت، ~~ودخلت غرفة فاطمة أرتجف، وبالرغم من حر تموز، فقد أحسست بالبرد ~~ينبع من قلبي، يصيبني بخدر مؤلم، ووخز في أطرافي، لففت الغطاء ~~حولي وأخذت أتخيل ما يجري في الخارج، رجلان يحملان جثة! جثة من؟ ~~جثة من؟ رباه! تساءلت فاطمة عما يجري، وهمت بالخروج فسحبتها، ~~وقفلت الباب، وقبضت على المفتاح بكل قوة. حاولت أن أبكي، أن أصرخ ~~لكن المشاعر جفت في حلقي، كانت فاطمة مذعورة وبدأت تتذمر. ~~تذكرت أن ms105 علي مكالمة والدي، ماذا أقول له؟ كيف؟ ورغم كل اضطرابي ~~شعرت أن علي أن أهدأ بأي طريقة فقد راح تذمر فاطمة يتحول إلى ~~صراخ، وأنا علي أن أستدعي والدي، وأساند أمي. # في تلك اللحظة تذكرت زوجة خالي التي ماتت منذ عام تقريبا. ~~أهكذا يكون الإحساس بالفقد؟ أي وحشة؟ وأي فراغ يسمم العقل ~~والفكر، ويضرب ظلما منابع الدمع الرحيمة فلا نقدر على البكاء؟ ~~اتصلت بوالدي وتحايلت عليه ليحضر، وهدأت من روع فاطمة ~~وأعطيتها جهازي الكمبيوتر لتلعب، ورغم كل الخوف الذي كنت على ~~يقين أنه ينتظرني حزمت أمري وخرجت، وليتني لم أفعل! # 7 # كان معطفه «الباردسون» يضفي على قامته الطويلة ومنكبيه ~~العريضين جاذبية خاصة، بالإضافة بالطبع إلى سنوات عمره التي ~~ترشحه لأن يكون أستاذا جامعيا، وليس طالبا على مقاعد ~~الدراسة؛ فقد التحق بالكلية نفسها التي كان يدرس فيها قبل أن ~~تغيبه ظلمات الاعتقال أربعة عشر عاما. وكأن ذلك لم يكن كافيا ~~لجذب الطلاب إليه، وخاصة الصبايا اللاتي سحرتهن الخصلات الفضية ~~أكثر من صرعات الشباب وتسريحاتهم الغريبة؛ فقد أضاف إلى هيئته ~~مسحة من الرزانة والرسمية أكسبتاه شيئا من المظهر الودود ~~والغامض في الوقت نفسه. ومنذ يومه الأول، اكتسب صداقات عديدة من ~~باب المساعدة، أو من دافع الفضول لا أكثر، ولكن أصدقاءه وجدوا ~~مشكلة فيما عليهم أن ينادوه به؛ فكلمة «عمو» التي يطلقونها عادة ~~على غيره ممن هم في مثل عمره لا تليق بزميل لهم في الدراسة، كما ~~أن نطق اسمه بلا ألقاب ينقص من قدره ويقلل من ذوقهم، مع أنه ~~ألح عليهم ألا بأس في ذلك لكنهم لم يجدوها لائقة. وأخيرا مازحه ~~أحدهم قائلا: «ما رأيك ب «حجي»؟» ضحك زملاؤه، أما هو فقد ~~أعجبته الكلمة وقال: «لم لا؟ فأل حسن.» ومن يومها التصق به ~~اللقب «حاج سليمان». # وبعد سنوات من التجاور على مقاعد الدراسة اكتسب شعبية أكبر، ~~وصار أكثر انفتاحا مع زملائه، فارتاحوا له وغدا بمثابة الحكيم ~~الذي يلجأ إليه الشبان خصوصا؛ فقد كسب مودتهم بعد أن كان منافسا ~~قويا لهم في الاستحواذ ms106 على إعجاب الحسناوات وقلوبهن. # كان مستندا في ذلك اليوم على أحد المقاعد الحجرية في ساحة ~~الكلية متخذا من أوراق الأشجار العملاقة ملاذا له من شمس آب ~~الحارقة. ارتشف رشفة من علبة الكولا الباردة ووضعها بجانبه، وأعاد ~~قراءة الصفحات التي بيده؛ فبعد ساعة سيدخل الامتحان التكميلي ~~للمادة التي رسب فيها. كان يراقب من بعيد ذلك الشاب الأشقر وقد ~~مضى عليه أكثر من ساعة وهو ينتقل من شباك إلى شباك في نزق ظاهر. ~~إنه يعرفه جيدا فهو طالب يتقدمه بعام دراسي، ساعده هو ~~وأصدقاؤه مرات عديدة في شرح شيء، أو وهبوه كتبهم وملخصاتهم التي ~~انتهوا منها. إنه شديد الانفعال، «كل الشباب كذلك» حدث نفسه ~~مبتسما، أو لعله يحب أن «يطالع شقاره» # 1 # بين الحين والآخر. # أكمل حاج سليمان قراءة ما بيده وعينه على الشاب، بعد دقائق، جلس ~~الشاب على أقرب مقعد واضعا رأسه بين يديه. هز حاج سليمان ~~كتفيه وأكمل دراسته فلم يتبق سوى نصف ساعة على موعد ~~الامتحان. # وصحيح أن الحاج سليمان لم يجده حين خرج، لكنهما تحدثا على ~~الهاتف مساء، ومن يومها تقاربا أكثر، وصارا يلتقيان صباحا في ~~الكلية، أو مساء في بيته مع صديقيه الآخرين يتسامرون ويأكلون ~~ويتحدثون عن همومهم. كان الحاج سليمان حريصا في اختيار زملاء ~~الدراسة ممن يسمح لهم بدخول بيته في حي الأعظمية؛ فهو لا يريد ~~تطفلا من أي نوع على حياته الخاصة، وخاصة فيما يتعلق ~~بذكرياته الأليمة. وصحيح أنهم في مثل عمر أولاده، إلا أنه انسجم ~~معهم وبادلهم الود والثقة ومشاق الدراسة، وهم بدورهم عوضوه ~~شيئا من حنان الأبوة الذي لم يذقه يوما؛ فقد عملت سنوات ~~الاعتقال الطويلة على تشويه مشاعره، وسلبته كثيرا من الحنين. ~~ولما لم يجد من ينتظره من أهله بعد خروجه، فلم يعد يعبأ ~~بالعلاقات الإنسانية الحميمة التي يتقارب فيها الناس بقلوبهم. ~~وهكذا نأى بنفسه عنهم، وأبعدهم عنه، معتبرا أي تقرب من أحدهم ~~إما تجسسا عليه، أو تطفلا أخرق في أحسن الأحوال، وللسبب نفسه ~~لم يتورط بارتباط مع أي امرأة بخطبة أو ms107 زواج. كما أنه ظل متخوفا ~~من أي انفتاح إنساني إلا مع أصدقائه القدامى الذين لم يبق منهم ~~سوى واحد أو اثنين، أو مع زملاء الدراسة الجدد الذين ظل يقنع ~~نفسه أنهم حالما يتخرج سيخرجون من حياته كما دخلوها. لكنه مع كل ~~اجتماع بهم في بيته يجد نفسه يتعلق بضحكاتهم، بدعاباتهم الخفيفة ~~منها والسمجة، يستغرب من لهفتهم واندفاعهم إلى الحياة، ويجد نفسه ~~كلما غادروه في وحدة قاتلة ما كان يشعر بها من قبل. لقد تمكن ~~هؤلاء الشباب من أن يبثوا روح الحياة فيه، أعادوا إلى قلبه جذوة ~~الحنين، هذه القوة الرحيمة التي تسم القلب الإنساني بسمتها ~~العذبة، لكنها تمزجه بألم الفقد والشعور بالاحتياج إلى الآخر، ~~وهذا ما كان يزعجه ويؤرقه. # الحنين إلى أي شيء؟ ما كان يعرف تحديدا، أحيانا كان يلعن ~~الجامعة والشباب وكل من عرفه، ثم لا يسلو عن همه إلا بالقراءة أو ~~تصفح «الفيسبوك» والكتابة على صفحته التي أنشأها له أحد زملائه ~~الشباب؛ ف «هذا زمن الفيس» كما ألحوا عليه. وفي مدة قصيرة وجد ~~نفسه منخرطا فيه بشكل أكبر، خاصة أنه أعاد اتصاله بمن بقي له من ~~أقاربه الذين يقطنون خارج البلد. كما أنه جعل من هذا الفضاء الأزرق ~~مستوعبا لا ينتهي ولا يتململ لكل ما كان يجول في خاطره من أبيات ~~شعرية، أو نتف نثرية، يستعيد بذلك أيام صباه الأدبية، ويسكب ~~فيها ما حنكه الزمان به من دراية وحكمة. # كان جالسا إلى مكتبه ذلك المساء كعادته يتصفح الفيسبوك، لكنه ~~كان يمرر إلى الأسفل في شرود واضح ولا يقرأ منشورا، ثم خطرت ~~تلك الفتاة على باله. إنها ماثلة أمامه الآن حين رآها عند صديقه، ~~صبية جميلة متوسطة الطول، بوجه مستدير كقرص القمر يحيط به إشارب ~~من الساتان السماوي وترتدي معطفا كحليا طويلا. كان في عينيها ~~السوداوين سر جاذب، مزيج من العناد والخفر، من الحيوية ~~والكبرياء. مرر المؤشر إلى خانة البحث، كتب متذكرا كلمات صديقه ~~جيدا، وتلك الحمرة الخفيفة التي اصطبغت بها خداها: «سماء ~~صايغ»، وعلى الفور ظهرت له صفحتها. ms108 تأكد من أنها هي، ثم أخذ يقرأ ~~منشوراتها، قرأ بعناية فائقة، كلمة كلمة. ظل يقرأ ويمرر إلى ~~الأسفل والساعة تدور تك تك تك، وهو يقرأ والزمن يمضي، ووجهه يتلون ~~بما يقرأ، يرفع حاجبيه إعجابا، يبتسم مرحا، يقطب جبينه ~~مستفهما، حتى انتبه على صوت تسميع مسجد الحي. عندها فقط نظر إلى ~~الساعة وهاله مرور الزمن بهذه السرعة، لكنه عاد إلى الفيسبوك يقرأ، ~~وأذن الفجر، وأقيمت الصلاة، وهو يقرأ، حتى انتهى إلى آخر منشور ~~كتبته، وهو أول منشور لها في الفيسبوك منذ أنشأت صفحتها عام ~~2009م: «مرحبا، أنا جديدة في الفيسبوك، شكرا لكل من قبل صداقتي، ~~من أهلي وأقاربي وصديقاتي، وأرحب دائما بصداقات جديدة، أنا ~~سما صايغ ~~» ومن غير تردد ضغط على زر طلب الصداقة. ~~أغلق جهازه، واندس تحت لحافه جالبا معه ولأول مرة شعورا بالرضى ~~المعطر بالحنين. # 8 # كان صوتها يرتجف بشدة، بكاء وشهقات، حتى إنه سمع صوت والده من ~~الخلف يصرخ بكلام غير مفهوم، عليه أن يفهم ماذا حصل لكنه لم يعد ~~يسمع سوى البكاء، وانقطع الاتصال، ما هذه الاتصالات البائسة؟ أهكذا ~~تفعل في هذا الوقت الحرج؟ لعلها ليست سماء، نظر إلى الرقم المتصل ~~مجددا، لكنها هي بلا شك، تبا! أيكون الأمر صحيحا فعلا؟ شعر ~~بظلمة تلفه وتتركه وحيدا مرتجفا غريبا. عاود الاتصال، عليه ~~أن يتأكد، كان لا يزال يتشبث بوهم أن ما سمعه مجرد دعابة سمجة، ~~أو تشابك خطوط هاتفية عتيقة. ابتهل إلى الله في سره، وحاول طرد ~~الأسوأ من ذهنه. رنين، ورنين ولا رد، عاود الاتصال مرات كثيرة، ~~لكن بلا فائدة، انهار أخيرا على أرضية الغرفة المغطاة بالموكيت ~~الكحلي المهترئ وقد بدأ الغضب يتسلل إلى عقله. قام وأخذ يرمي كل ~~ما يراه، الوسائد والأوراق والكتب، كاسات الزجاج والقدور، راح يلعن ~~بصوت عال. وأخيرا سقط على وجهه يعاود الاتصال، مرة ومرة ومرة، ~~كاد الرنين يصيبه بالجنون، لعن الغربة والناس والعمل وكل ~~شيء. # أخذ يذرع الغرفة جيئة وذهابا في خطوات محمومة فوق أكداس الخراب ~~الذي أحدثه للتو، غير عابئ للزجاج ms109 المكسر الذي بدأ يدمي قدميه ~~الحافيتين، وإذا به يلمح من بين الركام، ورقة قصدير ملونة، ~~يعرفها جيدا. إنها غلاف حبة الشوكولاتة، التي كانت الشيء الوحيد ~~الذي تلقاه منها، انتشلها فحملته بعيدا إلى ذلك اليوم ~~الهني معها تحت شجرة الزيزفون. ومن غير تفكير، حمل هاتفه وراح ~~يكتب الرقم، إنه لا يزال يذكره جيدا فقد كان رقم هاتفه قبل أن ~~يعطيه لها. انتظر قليلا منتظرا أن يسمع صوت المجيب الآلي بأنه ~~خارج الخدمة، ولكن يا للمفاجأة! سمع رنينا منتظما، تسارعت ~~دقات قلبه، وراح الأمل الأليم يتسلل مجددا إلى قلبه ~~المكلوم. # انقطع الرنين ولم يجب أحد. اتصل مجددا ومع الرنة الأولى فتح ~~الخط، حبس أنفاسه منتظرا، لحظة، لحظتان، لا صوت، شعر بالحرج ~~والارتباك، فقال: «آلووو، آلو.» وأخيرا أتاه صوت من الطرف الآخر: ~~«نعم؟» كيف يمكن لثلاثة أحرف أن تفجر في قلبه بركانا، مزيجا ~~عجيبا من حنان وشوق وفرح وخوف؟ أخذت ضربات قلبه تتسارع بجنون؛ ~~فقد مضى أكثر من عامين على آخر مرة سمعها، شكر الله في قلبه أن ~~منحه نعمة سماعها مجددا. كان هذا وحده كافيا؛ فكأنما سكب صوتها ~~على قلبه المشتعل ماء الحياة، «آلووو، نعم، من هناك؟» ألح الصوت ~~مجددا، مسح عينيه بطرف كمه وقال: «كيف حالك سلمى؟ ما عرفتيني؟ أنا ~~سعيد، كيفك سلمى هل أنت بخير؟ آه يا إلهي! لم أكن أظن أنني سأسمع ~~صوتك يوما.» توقف ملتقطا أنفاسه ومخففا من وطأة اللهفة على ~~قلبه، لكنه لم يتلق سوى الصمت، الصمت مجددا؟ انتظر لحظات سقط ~~فيها في ظلمة حارقة، «لقد تركتني وانتهى الأمر، ما الذي تريده ~~الآن؟» هكذا أجابت بكلمات حولت الماء إلى نار في طرفة عين ~~فاشتعل القلب مجددا. ~~- أنا لم أتركك أبدا ولن أفعل. ~~- ... ~~- سلمى، لم لا تجيبين؟ ~~- أين أنت؟ كأنك خارج البلد! ~~- من زمان يا سلمى، من زمان خرجت، تركت البلد بعد فقدك، ما ~~عادت مكانا يصلح لي، أردت الهرب وحسب، كيف لي أن أستمر في حب ~~سيدة متزوجة؟ ~~- متزوجة؟! ما هذا الذي تقوله؟ ~~- نعم سلمى، أمك أخبرتني ms110 أنك ستتزوجين، ولما حاولت ~~الاتصال مجددا كان الرقم مغلقا، يشهد الله كم حاولت وكم سهرت ~~واحترقت، ثم تركت كل شيء وسافرت. ~~- ... ~~- سلمى. ~~(صوت بكاء متقطع.) ~~- ماذا سلمى؟ ماذا؟ ~~- كيف يمكن أن تفكر أنني قد أتزوج غيرك؟ أما الآن فلا ~~فائدة من كل هذا. اعذرني، علي أن أغلق؛ فصديقتي في مأزق، علي ~~أن أقف إلى جانبها، وداعا سعيد ... # 9 # مات نادر، استشهد، أو قتل، لا أعرف؛ فأنا أساسا لم أعد أعرف ~~عنه شيئا منذ عام تقريبا. قال لنا رامي صديقه إنه أصيب بطلقة ~~رصاص طائشة استقرت في صدره مباشرة، من قتله؟ لا أحد يدري! لم ~~أعد أتذكر التفاصيل الأخرى التي قالها؛ فقد ظلت أمي تصغي ~~باهتمام، أما أنا فانتابتني نوبة غضب كبيرة، شعرت بها لأول مرة ~~في حياتي، كان غضبا صرفا تنامى إلى حقد ممزوج بقهر، أحسست ~~بغشاوة سوداء على عقلي وقلبي، وصارت الكلمات والحركات تصدر عني ~~بمحض إرادتها لا إرادتي، وكأني فقدت السيطرة على جسدي. كانت لحظة ~~لا تنسى، تلك التي رأيته فيها مغطى بدمائه، محمولا على ~~الأكتاف، فقدت نفسي لحظة أن رأيته، شعرت بالجنون، عرفت كيف ~~يولد الشر في النفوس، وأحسست بعاصفة من غضب، ثم بكثير من الندم؛ ~~فلم أعرفه جيدا، لم أجلس معه ما يكفي، لماذا قتل نادر؟ ولمصلحة ~~من؟ أحسست أن تلك السنوات التي قضيتها معه لم تكن كافية، والآن غاب ~~إلى الأبد، وفات الأوان. # كنت أصرخ، وألعن وأسب وأشتم، حتى إني ضربت أصدقاءه الذين ~~حملوه، ولطمت وجهي، كم كانت أمي حكيمة حين طلبت مني ألا أخرج! ~~ذلك المشهد الذي رأيته سلبني كل شيء، كل رغبة لي في الحياة، كل ~~أمل وكل متعة، صرت أعيش كل يوم بقرف كبير، وصورة وجهه بخصلات ~~شعره الذهبية المغطاة بالدماء والتراب لا تفارق مخيلتي. # بعدها غص بيتنا بالمعزين، وجوه تأتي وأخرى ترحل، نهار ~~وليل، وليل ونهار، أياد تصافحني، تربت على كتفي، تعانقني، ~~كلمات جوفاء أسمعها: «البقية في حياتك، عظم الله أجركم، عليك ~~أن تصبري، بل أن تفرحي وتفخري.» أبتسم مجاملة وأدعو ms111 عليهم في ~~سري، ألمح التعاطف والأسى في عيونهم، لكن ما إن يشيحوا بوجوههم ~~عني حتى يتهامسوا في شئونهم الخاصة، في زوج فلانة الذي طلقها، ~~وتلك التي اشترت سيارة جديدة، وفي سجادة الجيران الباهظة وابنهم ~~الأرعن. تصلني أصواتهم، فأنظر إليهم من بين دموعي، فيعاودون ~~تمرير أصابعهم على السبحات التي بين أيديهم ويتمتمون بشفاههم، أو ~~يعودون لينظروا نظرات جوفاء في المصاحف المفتوحة أمامهم، فألعنهم ~~مجددا! ~~«شهيد الوطن، الخائن، الإرهابي، شهيد الحرية، العميل، البطل» ~~كلها كلمات قيلت في شخص واحد وغيرها كثير، لكنهم لم يقولوا أهم ~~توصيف له: إنه أخي! لم يتحدثوا عن الشامات التي تزين وجهه ~~وعنقه، لم يذكروا القطط والسلاحف التي ربيناها معا، أو ملصقات ~~سيارات البورش واللامبورغيني على جدران غرفته. لم يقولوا شيئا عن ~~حساء الدجاج الذي يفضله، أو مسقعة الكوسا التي لا يمكن أن ~~يأكلها، ولا السلة المعلقة فوق باب الصالون والتي لم يكن أحد ~~يحرز فيها الأهداف غيره. إنهم لا يعرفون شيئا، ومن لا يعرف شيئا ~~لا يحق له أن يعزيني فيه، ولا أن يترحم عليه، ولا حتى أن ~~يلعنه. # دفناه في مقبرة جبل العظام وحدنا تماما، بعد أن صلينا عليه ~~في البيت بحضور إمام مسجد عمار بن ياسر. هكذا كانت إرادة والدي، أو ~~هي تنفيذ لإرادة أخرى، لا أعرف، ثم انتهى وجود نادر إلى الأبد، ~~وابتدأ وجود جديد خبيث يتسلل سرا إلى بيتنا ويسمم حياتنا؛ ~~فعلى الرغم من رباطة الجأش والصلابة الكبيرة التي أظهرتها أمي يوم ~~تلقينا الخبر وأيام العزاء، إلا أنها بعد ذلك انهارت تماما، لم ~~تعد تقوى على عمل شيء؛ فهي إما تصلي أو تبكي أو مستلقية في ~~غرفة نادر، ولا تتحدث إلا قليلا، وأبي قلما نراه؛ فقد صار ~~يتعمد البقاء في العمل لساعات أطول، وفاطمة صارت تأتيها نوبات ~~من الهلع ليلا فتستيقظ باكية إثر كابوس مخيف. وفجأة وجدت نفسي ~~أتحمل مسئولية البيت كله، ومسئولية مساندة أمي وأختي، كان علي ~~أن أتحايل على ألمي؛ فلم يكن هناك أحد غيري. استلمت أعمال البيت ~~كلها، وشعرت لأول ms112 مرة بالعبء الكبير الذي كانت تحمله أمي. ومما ~~زاد الأمر سوءا استمرار معاناتنا مع الماء والكهرباء، بلا أمل ~~لنا لحل قريب. كما انشغلت تماما عن أشغالي الكروشيه، وعن ~~القراءة أيضا، مع انقطاع شبه متصل للهواتف الأرضية ~~والإنترنت. # تغيرت حياتنا، وتبدلت معها ملامح حلب؛ فشارع النيل الذي ~~كنا نقطنه وكذلك الأحياء المجاورة صارت أرصفتها مفترشا للباعة ~~لمختلف البضائع ، بائع الحلوى بجوار بائع الخضار والفواكه، بجانبه ~~بسطة ملابس داخلية، وأخرى لأوان منزلية وكهربائية وجوالات ~~مستعملة أو مسروقة، ويرافق كل هذا روائح الفلافل المقلية ~~بزيوت رديئة، أو كباب مشوي مع الكبدة أو العجة. لقد ~~«تبهدلت» الأحياء الراقية بحسب وصف عمتي. ومما زاد من سوء الوضع ~~ارتفاع الأسعار الجنوني؛ فما كنا نشتريه بمائة ليرة تضاعف مرتين ~~أو ثلاثا أول الحرب، ثم وصل إلى عشرة أضعاف. وإذا ناقشت أحدهم ~~عن الغلاء صاح في وجهك: «يعني ما تعرف عن هبوط الليرة أمام ~~الدولار وغلاء المازوت؟» وما دخل الدولار أو المازوت في سروال ~~الجينز أو كيلو البندورة؟ حاولت مع أبي مرارا لأقنعه بالسفر ~~فنخرج من البلد كما يفعل كثيرون، وكذلك ألح عليه سعيد، لكنه كان ~~متشبثا برأيه كثيرا؛ فإلى أين سنذهب وليس لنا من عمل ولا دار؟ ~~أحيانا كنت أفهمه وأعذره، وغالبا ما شعرت بالقهر والظلم من ~~قراره؛ فأي مال وأي عمل هو أهم عنده من أرواحنا؟ ألا يكفي فقدنا ~~لنادر؟ # كتبت على صفحتي في الفيسبوك: # الحرب ورم خبيث، قلما دخل بيتا فخرج منه بسلام. # 10 # على حافة سريرها جلست، تتجاذبها مشاعر شتى، وتخبط بها أمواج ~~متصارعة من غضب وحنين وانتشاء، لا يزال يتذكرني بعد عامين ~~تقريبا! راحت تدندن في سرها: «خطرنا على باله، خطرنا يا هوى ~~...» ابتسمت، اتجهت إلى المرآة تلمح التماع السعادة في عينيها، ثم ~~ذرفت دمعات سخية من القهر والظلم الذي لحق بها من أقرب الناس ~~إليها. أسرعت إلى هاتفها النقال، ضغطت على زر الذاكرة، فظهر ~~رقم آخر اتصال وارد. كتبته على ورقة خبأتها بعناية تحت ~~ثيابها، وسارعت بمسح الرقم من الذاكرة، ثم أعادت ms113 الجهاز إلى ~~مخبئه. لم تكن تستخدمه أبدا؛ فلم يكن فيه رصيد على أية حال. كانت ~~فيما مضى تقوم فقط بالرد على الاتصالات القليلة الواردة التي كانت ~~تطلب صاحب الرقم الأصلي «سعيد»، لكنها تغلق الخط فورا بمجرد ~~سماع الصوت وتتأكد أنه ليس هو. ويوما بعد يوم قلت الاتصالات ~~الواردة، حتى اختفت تماما؛ فبعد آخر مرة تحدثا فيها اكتشف أخوها ~~الجهاز، لكنها بعد أيام ولحسن الحظ وجدت الشريحة سليمة في سلة ~~المهملات بعد أن صادر أخوها الهاتف النقال، فوضعت الشريحة ذاتها ~~في جهاز قديم لم يفتقده أحدهم. ومرت الأسابيع والأشهر وأملها ~~باتصاله يذوي كشمعة بائسة، كان اليأس يقتلها والقلق أيضا. لم تكن ~~تعلم سببا لغيابه المفاجئ رغم وعوده ومشاعره التي بدت لها صادقة ~~جدا. سؤال واحد ظل ينهش صدرها كصرخة مكتومة، كطلقة نارية ~~تغرس في قلبها وتحدث فيه ألما متجددا يوما بعد يوم: لماذا؟ ~~هل حدث له مكروه؟ هل ندم؟ هل تراجع وفقد الثقة بي؟ وعلى الرغم من ~~مشاعر الغضب والمقت وليالي البكاء الطويلة فإنها أبقت بطارية ~~الجهاز ممتلئة على أمل أن يتصل يوما ما. # وها قد اتصل الليلة في هذه الساعة القدسية، لكنه الآن بعيد ~~جدا! لا يهم، المهم أنه لم يتوقف يوما عن حبي! لقد كانت لعبة ~~خبيثة أبعدته عني. كانت ترغب بشدة أن تندفع إلى أمها وتكشف لها ~~كذبتها، أن تصرخ وتنفس عن غضبها، لكن ليالي البكاء الطويلة ~~علمتها الصبر والتأني. أيقنت أنها بذلك ستكون الخاسرة ~~الوحيدة مجددا، فالتزمت الصبر والانتظار؛ فأيام قليلة من ~~الانتظار مع أمل كبير، لا تساوي شيئا أمام عامين مع يأس ~~بائس. # | الفصل الخامس # 1 # حل الخريف أخيرا، كنت متلهفة لقدومه، فأجواؤه الحالمة ~~تأخذني كل مرة إلى عوالمه الجميلة، غيوم حانية تحجب قسوة الشمس، ~~ونسائم باردة تلطف ليالينا الصيفية الحارة بلا كهرباء، وأمطار ~~خفيفة، وبرودة لطيفة، كم أحب الخريف! لطالما حملته الكثير ~~من آمالي، بتحسن حالتي، وانتشالي من الاكتئاب الذي بدأ ينخر في ~~زوايا الروح. وها قد جاء تشرين، لكنه لم يقدر إلا على جر ms114 أذيال ~~الصيف الحزين، جاء تشرين متعريا من سحره، متخليا عن بهائه، ~~نازلا من عليائه؛ فلا غيومه ساحرة، ولا أنسامه عاطرة، ولا أمطاره ~~إلا كأياد وقحة تطرق أبواب قلوبنا فتجرحها وتنكأ ~~الذكريات. # دخل الشتاء دفعة واحدة، وغشي بيوتنا، وتسلل إلى عظامنا، ~~كان قاسيا أكثر من المعتاد، أم أننا شعرنا بذلك نتيجة شح ~~مواد التدفئة وغلائها؟ أم بسبب تواطؤ برده مع زمهرير آلامنا ~~وفجائعنا؟ أم مما نشهده كل يوم من تكاثر ذلك السرطان المخيف الذي ~~يتجلى في وجوه تجار الحرب وما يمارسونه علينا من ظلم لا نملك له ~~دفعا؟ لا فرق؛ فعلى كل حال، وحيثما تقلبت بنا الدنيا كنا نلاقي ~~القسوة. # وتحت وطأة هذه الظروف أحس بي أبي أخيرا، نظر إلي ذات صباح ~~وألح النظر وقال: «ما لك مصفرة هكذا؟» وكأنه لا يعلم! ثم ~~جذبني من يدي وأحاط كتفي بذراعه وقبلني على جبيني، وقال: ~~«الله يرضى عليك، انتبهي على نفسك.» ومثل بركان خمد طويلا، راحت ~~الدموع تنفجر من عيني وأخذ قلبي يرتعد، حتى عجب لي والدي وراح ~~يتفحصني ويسألني: «ما بك يا بنت؟ مريضة؟» كنت عاجزة عن ~~الكلام، والعبرات تخنقني، وقد سمحت لنفسي بالبكاء لأول مرة على ~~صدره بعد وفاة نادر بهذا القدر من الحدة. ساقني أبي من يدي ~~وأجلسني بجواره وظل صامتا، وأنا أتنهد مغالبة موجة جديدة من ~~البكاء، ثم أمسك هاتفه المحمول وطلب رقما، وراح يتحدث مع جارنا ~~«جدو نور». ابتسمت في سري فكم كنت مشتاقة للجلوس إليه في ~~مكتبته الحانية! أنهى أبي المكالمة وقال: «أخذت لك موعدا غدا ~~لتذهبي إليه، واستعيري منه ما شئت من الكتب. هيا هيا، قومي ~~واغسلي وجهك، وأعدي لي القهوة.» قفزت فرحا وصفقت بيدي، ~~وعانقته مبتهجة، فقد سمح لي بالعودة إليه بعد آخر مرة اضطررت ~~لقضاء الليل بطوله عنده. من يومها منعني أبي من الذهاب إليه خوفا ~~علينا أنا وفاطمة من مواقف مشابهة؛ ففي آخر الأمر، أن يصيبنا شيء ~~ونحن في بيتنا مع والدينا وتحت نظرهما، خير من أن نكون بعيدتين ~~عنهما. # لقد كان لموقف ms115 والدي ذلك اليوم فعل السحر في قلبي، استعدت في ~~لحظة الكثير من الجمال، أخذ قلبي يمتلئ بالمعاني. شعرت أن ~~علي أن أكتب، لم أنتظر، بل ذهبت على الفور وفتحت جهازي ~~الكمبيوتر. دخلت إلى صفحتي على الفيسبوك، وجدت كثيرا من ~~الإشعارات وطلبات الصداقة وعدة رسائل؛ فأنا لم أتصفح الإنترنت ~~منذ خمسة أشهر تقريبا، وقبل أي شيء كتبت على صفحتي: # الإنسان هش كقشة، قد تميته الأحداث، لكن فعلا ~~واحدا من الحب الخالص كفيل ببث روح الحياة فيه. # لا تستهن بالكلمة الطيبة، قد تحيي بها روحا. # وعلى الفور أتاني إعجابان لكل منشور؛ أحدهما من صديقتي مريم، ~~والآخر من الملك «سليمان». إنه متصل الآن! يجلس إلى جهازه ويقرأ ~~منشوراتي! ابتسمت، وفتحت طلبات الصداقة، أغلبها من أقاربي، وبعض ~~صديقاتي في الثانوية، وكان منها حسابات لا أعرف أصحابها فقمت ~~بحذفهم، ثم عدت إلى صفحتي. لكن لحظة! كأنني قرأت اسم «شادي أشتر» ~~من بين الحسابات التي حذفتها؟ فتحت صفحة طلبات الصداقة مجددا، ~~لكن يا للأسف لقد ذهب الاسم، لا بأس، كتبت في محرك البحث اسمه، ~~وظهرت لي ثلاثة حسابات تحمل الاسم ذاته، فتحتها كلها وعرفته ~~على الفور، كان هذا سهلا جدا؛ فصفحته مليئة بصور الخط العربي ~~مما كان يرسمه ويزخرفه، كما ظهرت صورته على «البروفايل» إنه هو ~~بلا شك، تذكرت شكل وجهه أخيرا. كانت الصورة في مطعم «نيو مول» ~~تحديدا، عرفت ذلك من مقاعده الجلدية الحمراء، وأمامه طبق من ~~المثلجات المزينة بالبسكويت ~~والشوكلاتة بطريقة فنية جميلة، وشمسية خضراء صغيرة تكمل جمالية ~~الطبق. ضغطت على زر قبول الصداقة، ورحت أفتح صوره، فلم أجد أي ~~صورة له سوى واحدة، ملامحه تتسم بالبساطة والطيبة، بعينين ~~بنيتين واسعتين وشعر أسود ولحية خفيفة، كان يرتدي قميصا ~~أبيض وسترة سوداء من الشامواه. وبينما كنت أتأمل صورته، ظهر لي ~~إشعار جديد بتعليق على منشوري، إنه من الملك! كتب: «الحياة ~~تتدفق فينا بلا انقطاع، يكفي أن نفتح عيون قلبنا عليها لنشعر ~~بالحب.» ضغطت على زر الإعجاب بتعليقه، فوصل تعليقه الثاني على ~~منشوري الثاني: «الكلمة الطيبة ms116 صدقة.» وأيضا وهبت تعليقه ~~إعجابي! # عدت إلى شادي، جمعت بعض المعلومات عنه من خلال صفحته؛ فهو ~~متحفظ كثيرا، عرفت ذلك من قلة أصدقائه، وعدم وجود صور له سوى ~~اثنتين، ومن خلال منشوراته؛ فمنشوراته تنحصر في شيئين اثنين؛ ~~لوحاته الخاصة بالخط العربي، ولوحات مختلفة لفنانين عالميين. كما ~~أن تعليقاته وردوده لأصدقائه مختصرة وقصيرة ورسمية جدا؛ فغالبا ~~ما يجيب على إطراء أصدقائه وأقاربه ب: «شكرا لك، أشكر مرورك ~~وكلماتك، هذا من لطفك وذوقك.» عرفت أيضا أنه درس الآثار وهو يعمل ~~في المتحف الوطني في حلب، كم هذا ممل! لا بد أنه محبط جدا ~~ليعمل في متحف. ومن يدرس الآثار أصلا سوى من لم تؤهله ~~علاماته في الثانوية لدراسة اختصاص أفضل؟ ما علينا، يبدو أنه لم ~~يكن «شاطرا» في المدرسة. # ثم تذكرت «رندة»، ياه! كم من الأحداث مرت! لقد نسيتها ~~تقريبا، ونسيت شغفي بها وبقصتها مع «جدو»، كنت قد راسلتها ~~يوما. عدت إلى الرسائل القديمة المرسلة، فتحت رسالتي لها، ~~لكنها لم تصلها، يبدو أنها لا تستقبل رسائل أبدا من الفيسبوك، ~~مشكلة! كيف سأتواصل معها الآن؟ لم أرغب أن أكتب علنا على صفحتها، ~~سيكون هذا مزعجا. فتحت صفحة معلوماتها مجددا، أبحث عن أي ~~عنوان يوصلني إليها. وجدت عنوانا بريديا، نسخته ورجوت أن ~~يصلني بها. والآن، ماذا سأكتب لها؟ # كتبت ومحوت كثيرا، لم يسعفني خيالي في اختلاق سبب لتواصلي ~~معها. ما الذي يمكن أن يصلني بسيدة خمسينية؟ سوى معرفتي بقصتها مع ~~جدو نور؟ وبالطبع فإن هذا آخر ما كنت أنوي أن أقوله لها. كتبت أخيرا: # سيدة رندة، تحية طيبة # من خلال المصادفة الجميلة تعرفت على صفحتك، ~~وأعجبتني منشوراتك، أحسست أنني أشبهك، وأريد فعلا أن ~~أستفيد منك أكثر. لقد قبلت صداقتي على صفحتك في الفيسبوك، ~~وأرجو من لطفك قبولي للحديث معك على الماسنجر أو أي وسيلة ~~أخرى. # ممتنة لك أنا كثيرا. # سما صايغ # وأرسلتها. # 2 ~~«كيف حالك؟» ظهرت لي نافذة محادثة صغيرة من أسفل شاشة صفحتي ~~في «الفيسبوك». إنها من شادي «الحمد لله» أجبته، ماذا أكتب ms117 بعد؟ ~~هل أسأله عن حاله؟ هل أبدي إعجابي بصور لوحات الخط التي يرسلها ~~لي كل يوم على بريدي؟ ماذا أكتب؟ إنه لا يعرف شيئا عني، بأي صفة ~~يسألني؟ وأنا كذلك! لا أعرف عنه شيئا. شعرت باضطراب خفيف، ~~فخرجت من «الفيسبوك» وأطفأت جهازي، واستلقيت على سريري ~~أفكر. # ماذا يريد مني؟ وماذا أريد منه؟ إنه مثل شباب هذه الأيام يرغب ~~باللهو مع الفتيات والتسلية؛ فهو لا يعرفني ولم يرني إلا مرة ~~واحدة، ما هذا العبث؟ لماذا لا يتوقف عن مفاجأتي كل يوم بلوحة خط ~~على بريدي؟ لكنني أنا من طلبت منه ذلك حين أرسلت له: «هل من ~~مزيد؟» ماذا أفعل؟ كيف أوقعت نفسي في هذه اللعبة الخطرة؟ لكن عن ~~أي خطر أتحدث؟ وهل سيخرج من الشاشة ليؤذيني أو يخطفني مثلا؟ كم ~~هذا سخيف! أنا أحببت أعماله وجذبتني لوحاته، وكانت فرصة لي ~~لأتعرف على هذا الفن الجميل، ما المشكلة في ذلك؟ # عدت إلى جهازي وفتحت «الفيسبوك» قبل أن ينفد شحنه، كان شادي قد ~~خرج ولم يعد متصلا، لكنني وجدت رسالة من رندة، يا لفرحتي! # العزيزة سما # سرني اهتمامك بمنشوراتي، أهلا بك، يسعدني ~~التواصل معك، ستجدين مرفقا برقمي على «الواتساب» ~~للتواصل. # رندة # رائع! الآن أستطيع أن أتعرف عليها عن قرب أكثر، حفظت رقمها في ~~جهازي، وأرسلت إليها على الفور، ومن يومها وأنا أراسلها بشكل ~~شبه منتظم، أسألها عن بعض منشوراتها ونتطرق لأحاديث كثيرة ~~متشعبة، كانت كريمة معي بحسب ما يسمح وقتها بذلك. راحت فرحتي ~~بها تزداد، وشعرت أنني أقترب أكثر في تحقيق حلمي بجمعها مع جدو ~~نور. # 3 ~~- كيف حالك؟ ~~- الحمد لله بخير، وأنتم؟ ~~- لا أدري لماذا تصرين على مخاطبتي بصيغة الجمع؟ ~~- هكذا أفضل، صدقني. ~~- كما تشائين، لم تخبريني عن رأيك في لوحتي الأخيرة. ~~- نعم إنها جيدة، لكن الخط الفارسي لا يعجبني كثيرا، إنه ليس ~~بفخامة الثلث، ولا بجمالية الديواني ولا بهندسة الكوفي، أشعر أنه ~~خط كسول وخامل. ~~- هههههه، تحليل دقيق، وتسمية رائعة للخط الفارسي، إنه من الآن ~~الخط الخامل. ~~- لا تهزأ بي. ~~- أنا ms118 لا أهزأ، على العكس يهمني رأي المتلقين في لوحاتي، وخاصة ~~الأذكياء منهم! ~~- هل تجاملني؟ ~~- وهل يجب علي ذلك؟ ~~- أنت مراوغ، تجيب عن سؤال بسؤال. ~~- هذا أنا ~~. ~~- والألوان كذلك أجدها غريبة عنك ولا تناسب أبدا ما ~~كتبته. ~~- تقصدين الأحمر أم الأصفر؟ ~~- الاثنين معا. صحيح، كنت قد سألتك مرة عن اللونين الذهبي ~~والسماوي اللذين يطغيان على أغلب لوحاتك؟ كنا في مديرية الثقافة ~~في معرضك، أتذكر؟ ~~- وكيف أنسى؟ كان يوما مفصليا في حياتي. ~~- بالتأكيد، أخمن شعور من ينجح في إنشاء أول معرض له. ~~- نعم، ولسبب آخر أكثر أهمية بالنسبة لي، لن يخفى على ذكية ~~مثلك. ~~- لم تجبني عن الذهبي والسماوي! ~~- أحسنت، تجيدين دائما التهرب من الموضوع، «يا ستي» الذهبي ~~يرمز لكل مقدس وثمين، والسماوي رمز للتسامي والصفاء، وهذه سمات ~~أصيلة في حضارتنا العربية وخاصة الدينية منها. ~~- حضارتنا العربية لا يمكن فصلها عن الدينية. ~~- نعم ممكن، ثم إن اللون السماوي صار أثيرا لدي أكثر منذ ذلك ~~اليوم يا سماوي، أقصد يا سما! ~~- هههههه. # 4 # من يدري ماذا يخبئ لنا القدر؟ من منا قبل أشهر قليلة يمكن أن ~~يتوقع ما حدث في سورية؟ لو قال لي أحدهم إن هذا ما ستئول إليه ~~الأمور في حلب لرميته بحجر ودللته إلى مشفى ابن خلدون للأمراض ~~العقلية. واليوم كل المستحيل صار ممكنا، وما كنا نعيشه كل يوم من ~~أيام حياتنا العادية صار نعيما، صار ذكرى جميلة نتحسر عليها؛ ~~الغاز الذي نغلي به قهوة كل صباح، الخبز الطازج الذي تمتلئ به ~~المخابز، الخضار الرخيصة اللذيذة، الماء عصب الحياة الذي كان يخرج ~~من صنابيرنا صالحا للشرب، نزهاتنا المتأخرة حتى الثالثة فجرا بلا ~~خوف، عطلاتنا الصيفية الجميلة في اللاذقية أو صلنفة أو رأس البسيط، ~~وغير هذا الكثير، أليس من الحكمة لو أحسسنا بجمالها لحظتها؟ بروعة ~~امتلاكنا لها قبل فقدها؟ ألا ينطبق هذا على كل شيء من حولنا الآن ~~وفي هذه اللحظة؟ لقد سافر سعيد، ومات نادر، وقبلهما رحل رائد، ~~الشاب الذي كنت قد أعجبت به. توقفت عن القراءة واستعارة ~~الكتب، وغرقت ms119 مدينتنا في أوحال الحرب القذرة، ما الذي يمكن أن ~~يعيد إلينا الفرح؟ سألت نفسي كثيرا هذا السؤال، لكن أبعد شيء في ~~الممكن أو في المستحيل يمكن أن يطرق بابك صباحا. # ركضت لفتح الباب وجدت فاطمة قد سبقتني، وكما علمناها فهي ~~لم تفتح الباب، بل راحت تسأل: «من؟ من بالباب؟» وصلت ونحيتها ~~جانبا لأنظر من «العين الساحرة» وكان أن وقع قلبي في رهبة ~~المفاجأة، نظرت إلى فاطمة التي راحت تهمس: «من؟ من؟ ما بك؟» وأنا ~~لا تكاد الرجفة في ساقي تسكن من الصدمة. عدت لأنظر مجددا من ~~«العين الساحرة»، لأتأكد أني لا أحلم، أن عقلي لا يتوهم، آه يا ~~قلبي، إنه هو! وبدل أن أفتح الباب، صحت بأعلى صوتي: «ماما ماما، ~~سعيد!» وفتحت فاطمة الباب، إنه سعيد، نعم بلحمه وشحمه. # عاد سعيد ليعيد السعادة المسروقة إلى بيتنا، ليحول أيامنا إلى ~~عيد، رأيت ضحكة أمي تعود إلى وجهها بعد غياب طويل. ومع أن أبي ~~وبخه كثيرا على عودته في مثل هذه الظروف، ومن غير أن يخبر ~~أحدا، فإني لمحت دموع الفرح تلتمع في عينيه حين عانقه. لقد ~~تغير قليلا، صار أنحف وبدأت شعرات من الشيب تلتمع في شعره ~~الفاحم، مع أنه في الثلاثين من عمره فقط. # قالت أمي وهي تحضر لنا «المحشي ببرغل» احتفالا بسعيد والذي ~~لم نتناوله منذ وفاة نادر: «قدومك خير وبركة يا سعيد، إن شاء ~~الله نفرح فيك ونخطب لك، تكفيك عامان من الغربة وحيدا.» صفقت ~~فاطمة وابتسم سعيد. # بعد يومين من قدوم سعيد خرجنا معا لتناول العشاء، كان ذلك من ~~أسعد أيام حياتي، تأبطت ذراعه تماما كما تفعل السيدات في ~~الأفلام. وصحيح أن العشاء كان في السادسة مساء؛ إذ لا يمكن لنا ~~البقاء خارج البيت لوقت متأخر، إلا أنه يبقى عشاء على كل حال. ~~توجهنا إلى مطعم القيصر في حي المهندسين، وأعطاني سعيد الحرية ~~في اختيار طبقه وطبقي. طلبت السلطة اليونانية التي يفضلها، ~~وطبق «كوردن بلو» لي، وطبقا من المشاوي له، وبطاطا مقلية بالطبع، ~~كان الجو رائقا، والموسيقى ms120 شرقية هادئة. تناولنا طعامنا وأنا ~~أفرغ كل ما في جعبتي له، كل الحكايات والأحداث التي لم أتمكن من ~~أن أحكيها، حكيت له عن جدو نور، وعن تطور علاقتي برندة. وحين ~~هممت لأخبره عن شادي، توقفت ولم أفعل، كان هناك خشية في قلبي ~~وقلق طفيف. أخبرته عن صديقتي الجديدة التي صارت أنيستي في ليالي ~~الحزن الطويلة، أخبرته كم ساندتني في وفاة نادر، لكنني تجنبت ~~تماما الكلام على نادر، تلونا لروحه الفاتحة، وتابعت حديثي؛ فلا ~~أريد أن أفسد أمسيتنا باجترار الماضي وإعادة الأحزان، خاصة أنه ~~لم يكن موجودا لحظة وفاته. حدثته عن الكتب التي قرأتها والتي ~~أود قراءتها، كنت أتكلم بلا انقطاع وكان الوقت معه مليئا ~~وممتعا وجميلا. # بعد العشاء طلب سعيد الشاي الأخضر بالنعناع، أحضروه لنا ~~بإبريق زجاجي رائع وفناجين جميلة، مع شمعتين ووردة. أخذت أضحك، ~~وهمس لي سعيد: «يظنان أننا عاشقان!» عندها فتح لي سعيد للمرة ~~الأولى كوامن قلبه، سمح لي بإلقاء نظرة على عالمه الداخلي وحكى ~~لي عن سبب مجيئه المفاجئ إلى حلب. # 5 ~~«أحبك، أنت أحييتني وقتلتني ثم أحييتني من جديد» ~~ابتسمت وهي تتذكر كلماته، أخفت وجهها بين يديها، راح الفرح ~~يتراقص في قلبها، عاد إليها بعد ليالي الحزن السوداء، من يومها ~~تحاشت النظر إلى أمها وإخوتها وكل الناس، كانت تخشى أن يكتشفوا ~~شيئا من سعادتها المفاجئة، من فرحها الذي كان يساقط من ~~كلماتها، من عينيها وحركاتها، ويتناثر عطرا أثيريا من روحها ~~المغمورة بالحب. جلست إلى مرآتها تنظر إلى وجهها الذي أشرق ~~بأمل جديد يرافقه خوف كبير، لماذا كتب على الحب ألا ينضج إلا ~~على نار الخوف؟ لكن المرة هذه مختلفة، لقد عاد إلى حلب من أجلي! ~~ترك أمان الغربة وعاد إلى الحرب لأنه يحبني، وأنا أحبه. قالت ~~هذا وانتصبت واقفة تذرع الغرفة جيئة وذهابا، عليها أن تراه، أن ~~تجد طريقة لتقابله. صحيح أن أهلها فكوا عنها حظر ملازمة البيت، ~~لكنها لم تعد تخرج وحيدة، كان عليها أن ترافق أحد إخوتها. # اهتز الهاتف في يدها، إنه هو! أقفلت ms121 باب الغرفة واتجهت إلى ~~خزانتها كعادتها إذا حدثته، وقالت همسا: آلو. ~~- اشتقت إليك. ~~- ... ~~- كيف حالك؟ ~~- الحمد لله، وأنت؟ ~~- لن أكون بخير حتى أراك. ~~- لا أعرف، لن أستطيع أن أكون وحدي. ~~- أحضريه معك، إنه صغير ويمكننا أن نتدبر أمره. ~~- كيف؟ ~~- سنجد حلا ما. ~~- ماذا سنفعل إذا التقينا؟ ~~- سأخطفك. ~~- أنت مجنون. ~~- بحبك! # 6 # إنها سيدة بالفعل، امرأة مليئة وغنية بعالمها الداخلي، لقد ~~تحدثنا كثيرا، لا عجب أن أغرم بها جدو نور. سألتها مرة: ~~أحيانا لا أفهمني، لا أعرف كيف تختلط الأمور في قلبي. ورأسي، يا ~~له من ملعب خصب للأفكار! أجزم أنني أرى الأفكار تتقافز في رأسي، ~~والذكريات والصور حتى الروائح، كل تفصيل يحمل معه طاقة شعورية ~~مختلفة، لم لا أفهمني؟ ~~- أنت لا تفهمين ذاتك؟ ~~- صحيح. ~~- ابدئي بذلك إذن! # قطبت جبيني، لم أشأ أن أسألها كيف؟ فهي لا تزيد الأمر إلا ~~تعقيدا، ولما لم أرسل شيئا، أرسلت: ما عليك سوى أن تنصتي إلى ~~ذاتك وانظري في أعماقك جيدا، واقرئي مشاعرك في كل لحظة. الآن ~~مثلا بماذا تشعرين؟ ~~- لا شيء. ~~- هذا غير ممكن، حاولي مجددا، نحن بشر يا عزيزتي، ونمتلك ~~قلوبا حية، ما يعني أننا نتقلب بين المشاعر في كل لحظة. # أعدت السكوت والتفكير بم أشعر حقا، لكن وجدت أنني فارغة ~~شعوريا؛ فلست حزينة أو سعيدة أو غاضبة أو متفائلة، لم أكن ~~أشعر بشيء. أرسلت إليها: أنا حقا لا أشعر بشيء في هذه ~~اللحظة. ~~- حالما تحددين شعورك أهلا بك مرة أخرى، أما الآن فإلى ~~اللقاء. # من يومها بدأت أتعلم كيف أحدد شعوري في كل لحظة، حتى وأنا ~~أركب الحافلة في طريقي إلى المنزل، أو حين أتناول طعامي. تعلمت أن ~~هناك مشاعر أخرى غير التي نعرفها من الفرح والحزن، أو الرضا ~~والغضب؛ هناك الاضطراب، والقرف، والأمل، والقلق، والترقب، والملل، ~~والضجر، والأمان، والسخرية. حتى عندما لا أشعر بشيء، كما كنت أظن، ~~فهذا يعني الارتياح أو الاطمئنان، وهي مشاعر مختلطة تتعاقب على ~~نفوسنا بين لحظة وأخرى. # أخذت أفكر في كل شعور ما مصدره، وكيف وصل إلي، ms122 وهذا ما ~~سهل علي قراءة نفسي وفهمها أكثر، وعلمني أيضا قوة رائعة ~~هي قوة التركيز؛ فعندما أقوم بشيء أنصرف له بكليتي وأعطيه كل ~~اهتمامي، وأحاول ألا تنصرف أفكاري عنه أو مشاعري إلى أمور ~~أخرى. # لقد ساعدني ذلك في حياتي عامة، وفي الصلاة تحديدا. لاحظت أن ~~سبب بعد الصلاة عني، هو بعدي أنا عنها؛ فأنا أفتقد التركيز فيها. ~~تعلمت أن أقف لحظات قبل الصلاة، قد تطول أو تقصر، لكنها لحظات ~~جوهرية بالنسبة إلي. إنها تساعدني في الدخول في «جو الصلاة»، ~~فأراقب مشاعري وأفكاري، أبعد جانبا الأفكار والأحداث والمشاعر ~~التي خالطت روحي خلال اليوم، لأتمكن من الوقوف صافية خالصة بين ~~يدي الله، لأصبح أكثر استعدادا للصلاة. لا أجزم أنني تمكنت من ~~فعل ذلك دائما، كما أنني لم أصل في صلاتي إلى المستوى الذي ~~أنشده في استشعار الحضور الإلهي وسماع الخطاب الرباني في كل كلمة؛ ~~لذلك فإنني كثيرا ما أترك الصلاة لأسابيع، لأعود إليها بشوق، ~~وتجلدني ذاتي بسياط التأنيب، وب «ثعبان الشجاع الأقرع» الذي ~~قالوا لنا إنه ينتظرني بعد الموت، وبالخوف من عقاب الله. وبدلا من ~~أن يحثني ذلك على الالتزام بالصلاة في وقتها، فإنه يبعدني مرة ~~أخرى عنها أكثر، فأتشاغل عن خوفي ولوم الذات بأمور حياتي ~~المختلفة. # مساء أحد الأيام اتصلت بي صديقتي، أخبرتني أنها تحتاجني في ~~موضوع مهم جدا، وأن علي أن أقدم لها خدمة. وافقت على ~~الفور؛ فهي أختي وصديقتي ولا أنسى وقوفها إلى جانبي، ومحبتها ~~الصادقة لي. التقيتها في اليوم التالي، كانت مختلفة، ربما مضطربة ~~أو مريضة، لا أعرف تحديدا، في عينيها شيء من حماسة وخوف. # ذهبنا إلى «مقصف العمارة» التابع لكلية الهندسة المعمارية، أنا ~~وهي وأخوها الصغير سائر. لم ندخل المقصف بل بقينا في الخارج، ~~وطلبت من أخيها ذي الثلاثة عشر عاما أن يجلب لنا العصير من ~~الداخل، وفور ابتعاده قالت لي: اليوم سألتقيه. ~~- مستحيل! كيف؟ ولماذا تركك؟ ماذا قال لك؟ لكن ... لكن أنت ~~مجنونة! سيعرف أهلك وستوقعين نفسك في المشاكل مرة أخرى. ~~- سأحكي لك كل شيء فيما ms123 بعد، لكن الآن قد يأتي في أية لحظة، ~~وسائر قد يرانا ماذا علينا أن نفعل؟ ~~- الآن تقولين ذلك؟ ~~- لا أعرف، أرجوك سما ساعديني. ~~- طيب ابقي هنا، سأتصرف. # ودخلت إلى المقصف مباشرة باتجاه سائر، كان مهذبا جدا ~~وخجولا، قلت له: «ما رأيك أن نتناول فطورنا حتى تعود أختك؟ ~~علينا أن ننتظرها هنا، فقد اضطرت للذهاب إلى دورة المياه، ولا ~~توجد واحدة قريبة، عليها الذهاب بعيدا ، ربما ستبحث في إحدى ~~الكليات، وقد تتأخر. بالله عليكم ماذا أكلتم البارحة؟» اضطرب ~~الولد وراح يتذكر ثم قال: «لا بد أنها العجة، لقد كانت سيئة، ~~أنا لا أحبها أيضا.» # طلبت فطورا، وحرصت على المماطلة في الحديث معه والتأخر في ~~الطلب، جلسنا نأكل ونتحدث وأنا لا أكف عن طرح الأسئلة، كنت ~~سعيدة بما عملته، الآن أخيرا بعد كل هذا الوقت يلتقيان؟ إنهما ~~يشبهان جدو نور ورندة، كيف سيكون لقاؤهما يا ترى؟ لا أعتقد أنهما ~~سيتعانقان! كلا فهذا لا يليق بها، إنها لن تفعل ذلك، ثم إن هذا لا ~~يجوز، كما أن عليها أن تعاتبه، لا أن ترتمي فورا بين يديه. ~~إنهما الآن معا، كم هذا رائع! ترى كيف يبدو؟ هل هو وسيم؟ طويل أم ~~لا؟ استبد بي الفضول لألقي نظرة، لكن كيف؟ # قلت لسائر: «أعتقد أني أوقعت أوراقا لي في الخارج، سأعود بعد ~~لحظات، إياك أن تتحرك، لا أريد أن أضيع عنك.» لم أنتظره ليجيب، ~~قمت على الفور وخرجت، ذهبت حيث كنا واقفتين، لم أجدها، أين ~~ذهبت؟ استدرت حول المقصف، وعلى بعد مسافة وجدتهما جالسين على ~~مقعد تحت شجرة، كانت تحجبه عني بظهرها، فلم أر سوى رجليه، إنه ~~أنيق يرتدي سروالا فاتحا وحذاء بنيا. آه لو تتحركين قليلا ~~لأرى وجهه! وكأنها سمعت ما يجول في خاطري، فانحنت إلى الأمام، ~~ورأيته. # يا إلهي! شهقت وكتمت شهقتي، لا، مستحيل! هذا غير معقول! يا ~~لهذه المفاجأة العجيبة! أنا لا أصدق، طوال هذه المدة كان هو؟ ~~خطوت لأفاجئهما بحضوري أنا أيضا، لكنني لم أفعل. تركتهما تحت ~~الشجرة ينعمان بالسكينة والحب وعدت ms124 بدهشتي إلى أخيها سائر. # 7 # أقبل رمضان هذا العام بكثير من الحزن والكآبة، وكأنما سرقت ~~منه البهجة، في بيتنا على أقل تقدير، ومع ذلك فقد اكتست حلب حلة ~~بهية من روح رمضان الكريمة. ومع أن المساجد خفت كثيرا من ~~المصلين، خاصة وقت صلاة التروايح الذي يأتي متأخرا، فإن الأمر ~~ليلة السابع والعشرين كان مختلفا تماما؛ فقد جهزت أمي لي ~~ولها سجادات الصلاة والشراشف قبيل العشاء ، ثم ذهبنا إلى جامع ~~«أسيد بن حضير» البعيد عن بيتنا قليلا. ولما سألت أمي لم لا ~~نصلي في جامع «عمار بن ياسر»، فقد اعتدنا عليه، ويمكننا الذهاب ~~إليه مشيا؟ أجابتني: «إحياء ليلة القدر أجمل مع شيخ هذا ~~المسجد.» وافقتها وذهبنا كلنا أنا وفاطمة وأمي وأبي، هذا هو ~~الرمضان الأول الذي نقضيه بلا نادر! يا للتعاسة! بدا لي أننا وصلنا ~~متأخرين مع أننا انطلقنا مع أذان العشاء؛ فقد امتلأت صفوف ~~المسجد بالمصلين، وكذلك الساحات الخارجية حتى الشوارع، وبصعوبة ~~تدبرنا مكانا لنا أنا وفاطمة وأمي. # وبدأنا الصلاة، كان صوت الإمام عذبا وتلاوته جميلة لولا أنه ~~يسرع بطريقة غريبة، ولا يتلو سوى آية أو آيتين في كل ركعة، حتى ~~إنه ضيع علي قدرتي على التركيز، وأنا أخمن متى سيركع. مرة ~~قرأ: # والطور * وكتاب ~~مسطور # وركع، وفي الركعة التالية قرأ: # في رق منشور # وركع! بالله عليك! ~~هل تسمي هذه صلاة؟ وكذلك الركوع والسجود، صرت أقرأ التسبيحات ~~والأدعية بشكل سريع حتى ألاحق الإمام، ولا تفوتني ركعة أو ~~سجدة، شعرت أنني في رياضة «آيروبيك» وليس صلاة! أقسمت ألا أعود ~~إلى هذا المسجد ثانية. # وأخيرا وصلنا لصلاة الوتر، وفي الركعة الأخيرة بدأ الإمام ~~بالدعاء بطريقة هادئة، وشيئا فشيئا أخذت موجة الدعاء وكذلك ~~صوته بالارتفاع مثل رياح عاتية سرعان ما تحولت إلى عاصفة ~~هوجاء، وتعالت أصوات المصلين بالتأمين على الدعاء. الإمام يقول ~~«يا الله.» رافعا بها صوته ومكبر الصوت يساعده في صم ~~آذاننا، والمصلون يرددون «يا الله.» والدموع تتقاطر، والوجوه ~~تبتل، والأيادي تمتد، والشهيق يعلو. الإمام يدعو بأعلى صوته ~~والمصلون يقولون «آمين.» ثم ms125 شعرت بجلبة بجانبي وإذا بسيدة تسقط ~~أرضا وهي تبكي وتضرب وجهها وصدرها! يا إلهي! ماذا دهاهم جميعا؟ ~~جاهدت نفسي على الخشوع، على التركيز في الدعاء، على استشعار معاني ~~أسماء الله القريب المجيب العفو الرحمن، لكنني لم أستطع، وعيناي ~~متحجرتان تماما، لم لا أبكي مثل الجميع؟ هل هي ذنوبي التي ~~حرمتني لذة المناجاة، كما أخبرتنا بذلك الآنسة مرة؟ أم ماذا؟ ~~ثم لاحظت فاطمة جالسة على الأرض وهي تغلق أذنيها بيديها، لقد ~~قطعت صلاتها، وأنهت الأمر. # انتهت الصلاة، فالتفت إلى أمي ووجدت وجهها مخضبا بالدموع، ~~وكذلك جميع الحاضرات، وأنا في عالم غريب تماما عنهن. سحبتني ~~أمي من يدي لتعرفني على زوجة أحد الدعاة المعروفين هنا في حلب، ~~كانت النسوة متجمعات حولها، وبصعوبة تمكنا من الاقتراب منها. ~~صافحتها وكذلك أمي التي طلبت منها أن تدعو لها بزيارة بيت الله ~~الحرام، ثم تحدثت النسوة عن بركة زوجها الشيخ الذي يذهب كل عام ~~إلى الحج. سألت السيدة زوجته: «وكم مرة ذهبت أنت؟» لا أدري لم ~~تلون وجهها وابتسمت بارتباك وقالت: «لم يكتب الله لي الحج ~~بعد.» فسألتها وقد عجبت لها: «ولماذا لا تذهبين مع زوجك؟ ألا ~~يذهب كل عام؟» وإذا بأمي تدوس على قدمي، وتسحبني من يدي، أما ~~السيدة فلم تجبني، بل استدارت من فورها وتركتنا! # في طريق خروجنا من المسجد، مررت بفتاة تحدث صديقاتها وهي ~~تريهن صورا في جوالها: «... وهذا مفتوح من الظهر، وهذا مع ذيل، ~~وهذا لونه رائع وقماشه فخم لولا أن تصميمه رديء ...» سيدة أخرى ~~كانت تقول لجارتها: «متى ذهبتم؟ لم لم تعزمني أم محمود؟» وترد ~~عليها جارتها: «ما عليك منها إنها قليلة أصل، ولم ننبسط عندها ~~أبدا.» أما تلك العجوز فسمعتها تتكلم عن «أولاد الكلب» الذين ~~باعوها الزيت مغشوشا و«دبس البندورة» بائتا. أخذت أضحك في سري، ~~منذ دقائق فقط، دقائق يا مؤمنات كنتن تذرفن الدموع وتنادين: يا ~~الله. ماذا حصل الآن؟ أين إيمانكن؟ ودموعكن؟ هل جفت مع التسليمة ~~الأخيرة؟ # عدت إلى البيت وأنا نادمة على الذهاب إلى المسجد، ليتني ~~صليت في ms126 البيت! قضيت ما بقي لي من هذه الليلة المباركة أصلي في ~~غرفتي، كما أني أعدت صلاة الوتر والدعاء. بعدها جلست لقراءة ~~القرآن، فمررت بالآية: # قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ~~أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولا ~~تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ~~ذلك سبيلا ~~(الإسراء، 110)، توقفت أتأملها وقد اقشعر جسدي، شعرت أنها ~~نزلت الآن إلي أنا وحدي، وكأنها أتت لتطمئنني، لتربت على ~~كتفي، وتقول لي: لا بأس، أنت في الطريق الصحيح؛ فالآية صريحة: لا ~~تجهر بصلاتك ولا تخافت بها، سبحان الله! # الآن فقط وقفت أقرأ القرآن بصوت هادئ، وأناجي الله بما أجده ~~مريحا لقلبي. شكرت الله الذي هداني ووهبني هذه الآية؛ فالله ~~قريب، ولست أدري لم نرفع أصواتنا بدعائه وكأننا ننادي ~~أصم! # وهكذا انتهى رمضان، ثلاثون يوما وليلة، أنهى الناس صيامه ~~وقيامه، ختموا القرآن مرتين أو خمس مرات أو أكثر، صلوا القيام، ~~وأحيوا ليلة القدر، دعوا مع الإمام، بكوا ورفعوا أيديهم عاليا ~~قائلين «آمين.» رافعين بها أصواتهم. هكذا أصبح رمضان، وقت ~~مستقطع من العام، نسير فيه مع الموجة السائدة من عبادة وقرآن. ~~هكذا يفعل كل الناس، وكذلك نفعل نحن، نتحمس للصلاة، ربما نقف ~~ساعات ونتعب ونجتهد، حتى إننا قد نفوت صلاة الظهر والعصر من ~~اليوم التالي ونحن نائمون متعبون، نؤمن على دعاء الإمام، ~~نبكي، نقرأ الختمات، ونخرج من رمضان بنشوة المنتصر، بخدر لذيذ ~~من العاطفة الإيمانية الواهمة، وتكبر الأنا وتتضخم إلى درجة ~~القداسة فلا تكاد تسعنا الدروب؛ فقد أدينا ما علينا، ونحمل ~~الله المنة، لم لا؟ فقد صمنا وتعبنا في عز الحر، وقمنا كل ~~الليالي عشرين ركعة، فعلنا ما علينا، وعلى الله أن يقبلنا ويغفر ~~لنا، ثم ننصرف متملصين من رمضاننا لنعود إلى دوامة عيشنا، إلى ~~عاداتنا اليومية التي تهزأ بنا، إلى تفاصيل حياتنا التي تسحقنا، ~~من كذب، وتباه، وتكاثر، وسرقة، وتحاسد، وبغض. نولي ظهورنا ~~رمضان الذي يدعو علينا، ونغلق القرآن على آياته التي تلعننا، ثم ~~نهنئ بعضنا: طاعتكم مباركة! # كتبت على صفحتي في «الفيسبوك»: # انتهى رمضان، لكن ms127 رب رمضان هنا لا يرحل. انتهى رمضان، ~~والآن فقط ابتدأ العمل. # 8 ~~- كيف حالك؟ ~~- الحمد لله بخير، وأنتم؟ ~~- «نحن» كلنا بخير. ~~- هههههه. ~~- أشعر أني أسمع ضحكتك وكأنك هنا أمامي، وأنا فخور بنفسي لأني ~~رسمت ابتسامة على وجهك الذي لا أراه. ~~- شكرا. ~~- على الرحب والسعة آنستي. ~~- ~~. ~~- كيف هم أهلك؟ ~~- الحمد لله، لقد فاجأنا سعيد منذ يومين بقدومه من ~~قطر. ~~- جميل، أحب المفاجآت السعيدة. ~~- نعم، لقد كان هذا أروع شيء حدث لنا منذ زمن. ~~- حمدا لله على سلامته. ~~- الله يسلمك، وأنتم؟ كيف عملكم؟ ~~- جيد، نغلق كثيرا ونفتح قليلا. ~~- بسبب الحرب. ~~- تماما، تعرفين، كل ما في المتحف محط أنظار اللصوص الذين ~~يتكاثرون هذه الأيام، وعلينا أن نكون حذرين. ~~- وهل يشكل هذا خطرا عليكم أنتم أيضا. ~~- طبعا. ~~- طيب هل أنتم مستعدون لحماية أنفسكم؟ بأسلحة؟ بأي شيء؟ ~~- تخافين علي؟ ~~- ... ~~- لم تجيبي. ~~- هل لي أن أسألك كيف تقضي على الملل في عملك؟ ~~- تهرب آخر! لكن مع ذلك سأجاريك، ومن قال لك إن عملي ~~ممل؟ ~~- هذا معروف؛ فماذا تفعلون طوال النهار؟ غير الجلوس مع تاريخ ~~منته، وركام بائد، ومنحوتات خرساء؟ ~~- يؤسفني سماع ذلك منك. ~~- هل زعلت؟ ~~- نعم. ~~- حقا؟ ~~- بالتأكيد. ~~- آسفة. ~~- ... ~~- قلت آسفة، أعتذر منك، أسحب كلامي. ~~- ... ~~- هيا، قل شيئا، كيف ترضى؟ ~~- أنا أعرف. ~~- كيف؟ ~~- هل زرت المتحف يوما؟ ~~- لا. ~~- إذن عليك أن تزوريه وتشاهدي ما فيه، ثم احكمي بنفسك، وبغير ~~ذلك لن أرضى، وبإمكاني التطوع لأرافقك في زيارته! ~~- هذا اسمه ابتزاز. ~~- سمه كما تشائين، عليك أن تدفعي الثمن، أم أن من طبعك أن ~~تجرحي الناس وتمضي بلا اعتذار؟ ~~- لقد اعتذرت بالفعل. ~~- لم أقبله. ~~- أنت مراوغ. ~~- أنا شادي. ~~- حسنا، سأفعل، وغدا صباحا. ~~- سأكون بانتظارك في التاسعة، لا تتأخري. ~~- لكن انتظر، ربما نؤجلها قليلا، بعد أسبوع ما رأيك؟ هل تعتقد ~~أنه من الصائب فعل ذلك؟ أقصد أن نلتقي؟ دعنا نتحدث هنا فقط. ~~- ... ~~- ماذا؟ أنا أفكر وحسب. ~~- سما، هل ستحضرين غدا أم لا؟ أنا حازم. ~~- ظننت أنك شادي! # 9 ~~«سلمى حبيبتك تكون صديقتي التي طالما حدثتك عنها يا سعيد!» ضرب ms128 ~~على جبهته مصدرا صفيرا طويلا. أشرت له بيدي حتى لا يصل صوته ~~إلى أمي خارج الغرفة، قام وأمسكني من كتفي وقال: كيف ~~عرفت؟ ~~- رأيتكما يوم أمس معا. # أمسك رأسه بيديه وقال: كيف حدث ذلك؟ ~~- سعيد، سلمى صديقتي منذ زمن، تعرفت إليها في دروس الدين التي ~~كنا نحضرها، وتقاربنا كثيرا، ويوم أمس طلبت مني أن أذهب معها ~~وذهبت. لم أكن أعلم أنها على موعد معك أنت بالتحديد أخي الكبير ~~سعيد. لقد كانت مفاجأة، لطالما حدثتني عنك. ~~- حقا؟ ماذا كانت تقول عني؟ ~~- كانت متعلقة بك كثيرا فأنت في رأيها أول من أشعرها أنها ~~متميزة وذات قيمة. ~~- طيب، جميل أكملي. ~~- لكنك تركتها وتخليت عنها بحسب رأيها في أصعب ~~الأوقات. # غطى وجهه بيديه وهز كتفي بقوة وقال: لم أفعل ذلك بإرادتي، ~~صدقيني. ~~- أعرف أعرف. ~~- لا، لا تعرفين شيئا، ما الذي أتى بي إلى هنا في رأيك هكذا من ~~غير تخطيط؟ # أنزلت يده من كتفي وقلت: اسمع سعيد، لا أعرف ما تنوي فعله هذه ~~المرة، لكن إياك أن تحطم قلبها مجددا، سلمى أختي وهي أرق ~~وأجمل وأطهر إنسانة وجدتها، لو تركتها فستموت حرفيا، أو ~~سيقتلها أهلها، هل تسمع؟ ~~- أنت مجنونة؟ الآن بإمكاني أن أتزوجها فقط لو يسمحون ~~لنا. # وخرج من فوره ونادى على أمي، تبعته إلى المطبخ، ماذا سيفعل ~~الآن؟ أمسك الملعقة من يد أمي، وضعها جانبا، وأجلس أمي على ~~الكرسي وقال: «أمي، أريد أن أتزوج سلمى بنت الحاج طه.» فتحت أمي ~~عينيها دهشة ثم قالت: «سلمى؟ كيف تعرفها؟ تريد تتزوج على عيني ~~وراسي، لكن لم سلمى تحديدا؟ ألم تسمع ما قيل عنها منذ مدة؟» أجاب ~~سعيد في حدة: لا يهمني ما قيل، أريد أن أتزوجها. ~~- بلى يهمك، ويهمك كثيرا. لقد كانت ترافق شابا غريبا ~~عنها في إحدى زوايا الجامعة بعيدا عن أنظار الجميع، وكانت تضحك ~~بصوت عال وقلة أدب، حدث ذلك منذ سنوات ... ~~- كفى أمي كفى، هل تصدقين حقا هذا الكلام؟ هل تعرفين أن هذا ~~الشاب هو أنا؟ لكن ... # شهقت أمي وقامت واقفة وهي ms129 تضرب على فخذيها، أمسكها سعيد من ~~كتفيها وأجلسها مرة أخرى وقال: أمي، اهدئي أرجوك، سلمى كانت معي ~~في المعهد وقد حدث ذلك منذ أكثر من عامين. أحببتها ولم أكلمها مرة ~~واحدة، اكتفيت بمراقبتها ويشهد الله أنها لم تكلم أو تقف مع أي ~~شاب غيري. # أمنت على كلامه فقلت: إنها خجولة جدا. # نظرت إلي أمي معاتبة، وكأنها تقول: وأنت أيضا؟ # ذلك المساء بعد حضور أبي فاتحه سعيد بالموضوع، لم يعارض أبي ~~أبدا فهو لا يهتم لكلام «النسوان». كما أنه يعرف أخاها الكبير عبد ~~الحي من السوق، وسيطلبها منه بما أن سلمى بلا أب. في اليوم التالي ~~ذهب أبي وسعيد إلى الدكان الذي يعمل فيه عبد الحي، وضعا أمامه فور ~~دخولهما طقما من الذهب قبل أن يتحدثا بكلمة. كان هذا تصرف أبي ~~حسبما حكى لي سعيد، عندها طلب منه يد سلمى أخته هكذا من غير ~~مقدمات. التمعت عينا الأخ على الفور بالذهب، لكنه أظهر طبعا ~~تردده في مشاورة أهل البيت أولا. # في اليوم الذي يليه تمت قراءة الفاتحة والخطبة، واتفقوا على ~~يوم العرس الخميس القادم بعد أسبوع؛ فعلى سعيد أن يسافر. وهكذا تم ~~كل شيء بسهولة وسلاسة وتيسير. # كتبت: # الآن أفهم معنى أن يكون الأب سندا. # 10 # ما هذا الذي أفعله؟ هل أدرك أي خطأ أقترف؟ أي خطر ينتظرني؟ أي ~~عالم مبهم أقحمت نفسي فيه؟ أين قواعدي وقوانيني الصارمة؟ أين ~~حذري ومخاوفي؟ أين عهودي ومواثيقي؟ كيف سأواجه والدي؟ ما هذا ~~الذي أفعله؟ لقد مضت خمسة أشهر منذ أول يوم بدأت فيه الحديث مع ~~شادي على «الفيسبوك»، ما الذي أعرفه عنه؟ رأيته مرة واحدة منذ ~~عام تقريبا، شاهدت لوحاته، قرأت منشوراته، ثم ماذا؟ كلما ~~عاهدت نفسي أن أحظره، وجدتني أؤجل ذلك إلى اليوم التالي، وكلما ~~انقطع التيار الكهربائي، وفرغ شحن جهازي الكمبيوتر أدخل في حالة ~~من الشوق العجيب إلى تصفح «الفيسبوك»، وكلما فتحت «الفيسبوك» ~~سارعت إلى النظر في قائمة الأسماء لأرى إن كان متصلا أم لا، ويا ~~لفرحة الروح إن وجدت اسمه مضاء ms130 بالأخضر! لماذا حكيت له قصة جدو ~~نور ورندة؟ ماذا يشكل لي؟ حتى أشاركه مسئولية علقتها على ~~عاتقي، وعهدا قطعته على نفسي؟ وفوق كل هذا ما الذي فعلته اليوم ~~تحديدا؟ كيف أورط نفسي بموعد؟ يا للكارثة! # استلقيت على سريري ونظرت إلى الثريا المعلقة فوقي، وسألت ~~ذاتي مجددا: ما هذا الذي تفعلين؟ لكن ذاتي لا تجيب، تكتفي بالنظر ~~والابتسام! بالله عليك، أنا في حيرة شديدة وفزع كبير، أشعر ~~برهبة كرهبة امتحان «البكالوريا»، وأنت تبتسمين؟ هل تعرفين أي ~~ورطة تتورطين؟ لكنها لا تكف عن الابتسام! هل تسخرين مني أو ~~تؤازريني أو تعبثين؟ # تقلبت على جنبي فلا فائدة من الحديث مع ذاتي، قررت أن أنام، ~~عل النوم يمنحني حلما يرشدني بما علي أن أفعله غدا، هل ~~سألتقي به حقا غدا؟ كلمات على الشاشة شكلت عالمي الوردي ~~الحالم، أريده أن يبقى هكذا، عالما حالما جميلا. لكن لقائي به ~~غدا سينقلنا إلى عتبة الواقع الحقيقي، وهذا ما أخشاه؛ فأنا أحب ~~الكلمات، لعل هذا سبب تعلقي بشادي، هل تعلقت به؟ ماذا تراه ~~يفعل الآن؟ # الساعة الواحدة وخمس وثلاثون دقيقة فجرا، النوم لا يمن علي ~~بجناحيه الحانيين، قمت إلى جهازي الكمبيوتر أتفقد بطاريته، ~~لا بأس، فيها 30٪، الإنترنت موجود أيضا، لم لا أفتح «الفيسبوك»؟ ~~كانت ذاتي ترفع حاجبيها مبتسمة، لم أنتظر أي اعتراض منها، فتحته ~~على الفور، 13 صديقا متصلا الآن! هل يكون من بينهم؟ ظهر لي ~~منشور جديد له كتب فيه: # حين تتخذ الحياة ألوانا قاتمة، راهن القدر وابتدئ ~~تلوين لوحتك الخاصة. # وكتب منشورا أيضا: # إياك و«كسل الخطوط الخاملة»، ابحث دوما عن منحنيات ~~الجمال في خطوطك المفعمة بالحيوية. # ابتسمت، وداخ رأسي بالغرور، إنه يستعير كلماتي! ضغطت زر ~~الإعجاب، وحين هممت أن أكتب له تعليقا، انبثقت من أسفل الشاشة ~~نافذة الحوار: أنت مستيقظة؟ ~~- تقريبا. ~~- يعني نعم أو لا؟ ~~- سأنام بعد قليل، أشعر بنعاس شديد. ~~- نامي الآن إذن! ~~- حسنا، إلى اللقاء. ~~- تعالي، تعالي، أنا أمازحك فقط. ~~- ... ~~- زعلت؟ ~~- لا. ~~- كيف حالك؟ «نحن» بخير بالمناسبة. ~~- # ههههه، وأنا كذلك، الحمد لله. ~~- تعرفين يا ms131 سماء، أنت مثل القهوة، تضيفين نكهة رائعة إلى ~~الحياة. ~~- لكني لا أحب القهوة. ~~- القهوة لا تدرك قيمة ذاتها وما تفعله في القلوب. ~~- لا أعرف ماذا علي أن أقول! ~~- لا شيء على الإطلاق، غدا تقولين لي. ~~- إلى اللقاء. ~~- مع السلامة. # | الفصل السادس # 1 # الساعة التاسعة من مساء يوم الجمعة، الغرفة مضاءة بأنوار خافتة ~~من «الكلوبات» الموضوعة في الزوايا وعلى طرفي السرير المرتب ~~بعناية فائقة، الأبيض كان سيد الألوان هنا ؛ الشراشف والمخدات ~~وسيراميك الأرض، الستائر بيضاء مسدلة، وخشب الغرفة أبيض ناصع، ~~ولهذا السبب بالذات اختار الغرفة هذه. وتأكيدا للفضاء الأبيض، فقد ~~حرص على ملء الغرفة بأنواع الورود والزهور البيضاء، رائحة زهر ~~الياسمين تحديدا كانت تنشر على الغرفة جوا سحريا من الألفة ~~المحببة، وإيحاءات بمساءات صيفية باردة. # كانت جالسة بكامل زينتها على أحد المقعدين الأبيضين الموضوعين ~~قرب النافذة، وعلى الطاولة فنجانان وركوة مملوءة بالقهوة الساخنة، ~~وباقة جوري بيضاء، وأطباق من الشوكولاتة الفاخرة والفواكه والموالح ~~المشكلة. أصوات بعيدة ومتقطعة لدوي مدافع واشتباكات، القلب ~~يخفق وجلا، اليدان المزدانتان بالخواتم ترتجفان وتعصران الطرحة ~~البيضاء بين الأصابع، العينان تنظران إلى انعكاس بريق الأنوار ~~الخافتة على الخرز والماس المطرز على فستانها الأبيض، الأنفاس ~~سريعة متتابعة كأنفاس طريدة هاربة من فهد صياد، لم الخوف؟ ~~تكرر لنفسها مرارا وتكرارا، أليس هذا ما أردته دوما، أحلم؟ ~~هذا فوق الحلم وأجمل من الخيال، تنظر إلى الساعة مجددا، هل تأخر؟ ~~ربما قليلا أو كثيرا، لقد تاه الوقت لديها منذ اللحظة التي جلست ~~قبالته بجانب مقصف العمارة وهو يقول لها: «اشتقت إليك.» وتوقف ~~العالم بعد ذلك بزمانه ومكانه، بعلله ومعلولاته، وتاهت في منعطفات ~~السعادة الحلوة، لكنه تأخر، قال لها «سأوافيك بعد دقائق يا ~~عروسة.» فأين ذهب؟ ماذا سيحضر أيضا؟ كل شيء هنا؛ الورود والشموع ~~والطعام، ماذا أيضا؟ # وقفت واتجهت إلى الخزانة، ثيابها القليلة مرتبة بعناية، وكذلك ~~ثيابه، الحمام أيضا يتلألأ بأنوار الشموع البيضاء، لن يبقيا هنا ~~طويلا؛ فأجرة الفندق غالية. أخذت تحدث نفسها: لا بد أنه تكلف ~~كثيرا! نظرت إلى المرآة، وأعجبها جمال وجهها ms132 المزين بمهارة ~~عالية، أنا جميلة، وهو يحبني «يموت في»، كما قال لي، ابتسمت ~~وخرجت. # طرق خفيف على الباب، «من؟» سألت وهي ملتصقة بالباب، «افتحي ~~سلمى، أنا سعيد.» وهبط قلبها في الرهبة مجددا، أخذت نفسا ~~عميقا، أدارت قفل الباب وفتحته حاشرة نفسها خلف الباب، دخل سعيد ~~بكامل أناقته. سارعت لتجلس في مكانها، محدثة جلبة بارتطام أطراف ~~فستانها الواسع بالخزانة وأرجل المقاعد. أغلق سعيد الباب وراءه، ~~كان يحمل شيئا، لم تتبين سلمى ما هو، كانت منشغلة بتهدئة نفسها ~~من الرعشة التي سكنت قلبها، وامتدت إلى جسدها حتى آخر ~~أطرافها. ~~«آمل ألا أكون قد تأخرت عليك.» قال ذلك ووضع ما بيده، ثم قال ~~لها: «تعالي سلمى أريد أن أريك شيئا.» جلست على طرف السرير، ورأت ~~ما بجانبه، إنه صندوق خشبي متوسط الحجم، قال لها: «افتحيه.» ~~حملته بيديها وفتحته، أخذت تقلب ما فيه وهو يراقب بفرح ~~طفولي انفعالاتها الحلوة على وجهها، ابتساماتها، نظراتها، يداها، ~~دهشتها. وأخيرا قال: «هل تذكرين؟ هذا كنزي! ما بقي لي منك بعد أن ~~فقدتك قبل عامين، ذكرياتي معك، هذه ورقة الشوكولاتة التي ~~أكلناها معا في اليوم الوحيد الذي حدثتك فيه أيام المعهد، ~~الزهرة الصفراء التي قطفناها من شجرة كانت تظللنا، وهذه الأوراق ~~هل تذكرين؟ حين كنت تخربشين على دفترك، وهنا في طرف الورقة ~~الأقرب إلي رسمت قلبك الصغير، لقد انتزعتها خلسة من دفترك، ~~وهذا هو القلم الأزرق الذي كنت تكتبين به، أيضا خطفته منك ~~وبقيت أتنشق شذاه دهرا، من يومها علمت أنك لي، وأني معك ~~سأقضي عمري.» كانت تبتسم وعيناها تلتمعان بالدموع؛ فالسعادة التي ~~يقدمها لها أكبر من أن يحملها قلبها الصغير، قالت أخيرا: ~~«شكرا.» أمسك يديها وقال: «بل شكرا لك لأنك ملكة حياتي، ~~أحبك سلمى.» لم تجب، كانت مطرقة، مد يده إلى ذقنها ورفع وجهها ~~تجاهه وقال: «انظري في عيني سلمى.» وببطء وبكثير من المجاهدة ~~رفعت عينيها إلى يديه اللتين تحتضنان يديها، إلى قميصه الأبيض ~~الذي يزيده وسامة، إلى سترته الرسمية السوداء، وربطة عنقه الساتان، ~~إلى ذقنه، شاربيه، وأخيرا ms133 إلى عينيه، لكن أنى لها أن تقوى على ~~النظر طويلا في هذا السحر الطاغي، في هذا الحب المتدفق من تلك ~~العينين البنيتين، أخفت وجهها بين يديها وراحت تبكي! # كيف يفهم رجل ما يمر به قلب أنثى؟ كيف لمنطقه الثنائي الصارم ~~أن يدرك ثنايا ومتاهات عالمها الأنثوي الخصب؟ سارع إلى القول: «ما ~~بك؟ هل آذيتك سلمى؟» ظلت تبكي وهي تتخيل كيف صار وجهها مع كل ~~المساحيق التي كانت عليه ؟ وقف سعيد حائرا فعلا؛ فالبكاء يعني له ~~الحزن أو الألم، وهما أمران لا يدري كيف سببهما لها! ماذا سيفعل؟ ~~ارتبك، ثم أحضر علبة المناديل ووضعها بجانبها، مشى خطوات باتجاه ~~الحمام، عاد إليها، رفع يده ليضعها على كتفها، تراجع إلى الخلف ~~وخرج من الغرفة، اتصل بأخته، حكى لها ما حصل فقالت: «لا تقلق، إنها ~~زحمة مشاعر لا أكثر!» # 2 # أنا كاذبة! لم أذهب إلى بيت صديقتي كما أخبرت بذلك والدتي، ~~لكنني أمشي الآن في ساحة سعد الله الجابري باتجاه المتحف، شعرت ~~أنه أخطر شيء أقوم به في حياتي! كانت الرعشة تربكني، تزيد من ~~سرعة خطواتي، تملكني خوف وترقب وإثارة، ووجيب قلبي المجنون ~~يصم أذني، أكاد أجزم أنه وصل إلى الناس حولي، أشعر بنظراتهم ~~تخترقني، تفضح كذبتي، تسجل خطواتي. ليتني جلبت صديقتي معي، ~~لكنها لا تستطيع الحضور، أعلم ذلك لكن كم أتمنى وجودها معي الآن. ~~فكرت أن أعود، لكن الأوان قد فات، لقد تلبست بالجرم وانتهى ~~الأمر. دعوت الله أن أصل قبله، لأجمع شتات نفسي، وأستجلب الشجاعة ~~من وهم اعتدادي بذاتي، ولأنفض عني ما علق بي من غبار الخوف ~~والارتباك. # رأيت بوابة المتحف فسارعت خطواتي، يا للجنون! تجاوزت السور ~~ووقفت في الحديقة أمام بوابته الكبيرة. مشيت ببطء هذه المرة بين ~~الأشجار والآثار، القطط تتجول في المكان بكثرة، والجو لطيف مع ~~نسمات باردة. التماثيل الموضوعة أمام البوابة كبيرة جدا، هذه ~~أول مرة أراها من هذا القرب، إنها ضخمة حقا! ~~«أهلا بك في القصر الملكي.» التفت خلفي، فرأيته مبتسما، ~~وابتدأ الحلم، إنه هو بلا شك، قلت ms134 من فوري: «لقد أفزعتني.» أجاب: ~~«آسف، لم أقصد ذلك.» نظرت إليه مليا هل حقا أنا معه؟ سيراني ~~أحد ما قريبا، كل العيون تنظر نحوي، سارعت إلى القول: «هل ~~ندخل؟» قال: «بالطبع لا، ساحة المتحف جزء منه، تعالي سأعرفك ~~على ما فيها، هذه التماثيل الكبيرة الرمادية هي نسخة من الواجهة ~~الأصلية للقصر الملكي التي تعود إلى القرن التاسع قبل الميلاد، ~~وذلك تمثال لسيد روماني جالس.» قطبت جبيني وسألته: ~~«أين رأسه ؟» ضحك وقال: «أضاعه هناك، ربما عند تلك السيدة؛ فالنساء ~~كما تعلمين ساحرات.» ضحكنا، ونظرت حيث أشار، كان هناك قرب السور ~~تمثال من الحجر لسيدة واقفة، قال: «الحمد لله رأسها على ~~كتفيها.» ضحكت، وأكملنا المشوار. # الشغف، كان يحدثني بكثير من الشغف، رأيت في عينيه فخرا ~~وولعا كبيرين، حدثني أنه كان يتردد إلى المتحف منذ طفولته مع ~~عمه الذي كان يعمل محاسبا فيه. حكى لي عن المرات العديدة التي ~~امتطى فيها ظهر تمثال الأسد، وعن الأماسي الصيفية التي قضاها يسبح ~~في بركة المتحف مع أبناء عمه. حكى لي عن تماثيل الآلهة التي تسير ~~ليلا وترعب الحراس، وخاصة تمثال الإله تيشوب. أراني تمثال ربة ~~الينبوع والماء الذي ينبع من يديها، وحكى لي عن «المدامع» التي ~~هي آنية زجاجية كان يحتفظ فيها الناس بدموعهم التي ذرفوها على ~~موتاهم كنوع من الذكرى. # كان المتحف مليئا غنيا، لم أكن أتصور أنه بمثل هذا الغنى ~~والجمال. رأيت تمثال الأسد العجيب الذي يوحي أنه واقف ويمشي في ~~الوقت نفسه، ثم قادني إلى تمثال مضحك لرجل يعقد يديه على صدره ~~في هيئة الصلاة، تحداني أن أشبك يدي كما يفعل، فلم أستطع. ~~أراني قوالب لصنع الخبز، أخبرني كيف كانوا يصنعون رغيف الخبز ~~مزينا برسومات لحيوانات وأشكال مختلفة. حدثني عن ميل ~~الإنسان للجمال منذ القدم، وكيف أن هذا المكان يجمع خلاصة ~~الأسلاف وحكاياتهم وأحلامهم وفنونهم أيضا، ربما ما كانوا يتخيلون ~~في يوم من الأيام أن هذه الآنية مثلا التي يستخدمونها في حياتهم ~~اليومية ستشكل لنا كنزا تراثيا، من يدري ماذا يفعل الزمن؟ ms135 حكى ~~لي عن طاقة الإنسان الكبيرة في تطويع كل المواد المحيطة به مهما ~~هانت أو قست لخدمة غاياته وحاجاته؛ الطين والحجر، الذهب والفضة، ~~البرونز والبازلت، وغير ذلك كثير. كانت تحركاته كملك في قصره، ~~وكلماته كعاشق عن معشوقه، ونظراته كفنان لعمله. كان يحكي بلا ~~توقف عن ذكرياته في كل ركن وزاوية، أمام كل قطعة وحجر، كل واحد ~~منها له في ذاكرته قصص وحكايا. حدثني أنه حين صار يافعا تمكن ~~من الحصول على عمل في هذا المتحف مما زاد من تعلقه به ووقته ~~الذي يقضيه فيه. # شعرت معه أنني في عالم منفصل تماما عن الواقع، خاصة أن ~~المتحف خال تقريبا من الزوار. وحين انتهينا من القسم الأخير من ~~المتحف وهو قسم الفن الحديث، قال: «تعالي سأريك شيئا.» مشيت ~~خلفه طواعية، وهل أملك غير ذلك؟ نزلنا درجات السلم إلى الطابق ~~الأول، فالطابق الأرضي، وأكملنا نزولا إلى القبو، وقد بدأنا ~~ننغمس في البرودة والظلام درجة درجة. توقفت وقلت: إلى أين ~~تأخذني؟ فلنصعد، لا أحب الأماكن المظلمة. ~~- لا تخافي أنا معك، ثم إن الظلام هنا فقط، صدقيني، المستودعات ~~في الأسفل مضاءة بالكامل من النوافذ، فالنهار في أوله. ~~- هل يسمح لنا بالدخول إلى المستودعات؟ # عندها أخرج مجموعة من المفاتيح ورفعها في وجهي وقال: هل نسيت ~~أنني موظف هنا؟ # تابعنا النزول والظلام يزداد ورائحة الرطوبة تتسلل إلى أنفي ~~فعطست مرارا، وقد بدأ قلبي ينقبض، مشينا في ممر طويل، انعطفنا ~~يسارا ثم يسارا مرة أخرى، توقفنا عند باب حديدي مقفل. أخرج ~~المفاتيح وطلب مني تشغيل جوالي لأضيء له المكان قليلا، فتح ~~الباب فأصدر أزيزا عاليا، سرى تيار هوائي بارد فارتعدت، ~~ودارت ببالي أسوأ الاحتمالات، ماذا أفعل هنا؟ كيف أضع نفسي في ~~موقف كهذا؟ ماذا لو آذاني؟ لن يسمعني أحد، هل أعرف عنه شيئا؟ ~~عدت خطوتين إلى الوراء وقلت: «أنا صاعدة.» لم أنتظر رده، ~~عدت أدراجي في الظلام، انعطفت يمينا، ويسارا ثم يمينا، ~~سمعته يناديني، وقع خطواته تبتعد ثم تقترب مني، فأبتعد عنه ~~مجددا، ولا أجد السلم، تبا، ما ms136 هذه المتاهة؟ قبل لحظات كان ~~هنا، تعاظم الخوف في قلبي، شعرت برغبة في البكاء، وبألم في ~~معدتي، أخرجت جهازي لأنير الطريق أمامي أكثر، لاحظت أن التغطية ~~ضعيفة جدا، يا للكارثة! مشيت مرة أخرى بهدوء أكبر، وخطوات ~~أوسع، أخذت أتلفت يمينا ويسارا، ولا يزال صوته يتردد في ~~الممرات يناديني. # وفجأة تذكرت المكان، هناك يمينا السلم المؤدي إلى ~~الأعلى، ركضت باتجاهه، وقلبي يطالب بالنجاة، ولشدة ارتباكي ~~وانعدام حذري انعطفت سريعا فارتطمت بشيء ووقعت أرضا، وجاءني ~~صوته: «سلامتك سما سلامتك، ما بك؟ ماذا حدث لك فجأة؟ لماذا ~~هربت؟ تعالي أساعدك، هل تريدين الصعود؟ لم لم تقولي، الله ~~يسامحك، كنت دللتك على الطريق.» كان في عينيه الكثير من القلق، ~~يا إلهي! ماذا أصابني؟ الحنان في صوته، اللهفة في كلماته سكبت على ~~قلبي برد الاطمئنان، وفي الوقت نفسه أشعلت فيه طوفانا من العجز، ~~لم أدر بعدها لم أخذت أبكي، كم كبير من المشاعر تفجر دفعة ~~واحدة، غطيت وجهي وبكيت وأنا لا أزال على الأرض. وحين هدأت ~~رفعت رأسي فوجدته جالسا أيضا بعيدا عني قليلا وهو يبتسم. وقف ~~وأخذ ينفض الغبار عن سرواله، وقال: «هيا إلى الأعلى، من هنا، هل ~~نسيت كيف جئنا؟» ودلني على الطريق وأنا أمشي خلفه مستسلمة ~~تماما، غمرني إحساس بالخجل. # وصلنا إلى الطابق الأرضي فقادني إلى الساحة الداخلية المكشوفة، ~~أشار إلى كرسي حجري وقال: «اجلسي، سأعود بعد لحظات.» كان الهواء ~~منعشا فعلا، أخذت نفسا عميقا واستعدت ما جرى. كان كل شيء ~~يبدو جميلا وخياليا حتى أصابني الخوف فجأة. عاد بعد لحظات ~~جالبا لي ماء، شربت وظل واقفا، قلت: لا أعرف كيف أشكرك، أو ~~أعتذر، لا أدري. ~~- العفو. ~~- لم لا تجلس؟ ~~- أخاف. ~~- من أي شيء؟ ~~- أن تبكي مجددا. # ضحكت وقلت: «إن لم تجلس أنت، فسأقف أنا.» حرك يديه ثم جلس ~~في المقعد نفسه مبتعدا قدر إمكانه عني. وسكتنا، وطال صمتنا، ~~كنت مليئة بالامتنان له والحرج منه في الوقت نفسه. قطعت الصمت ~~بقولي: أعتذر منك مجددا، لا أدري ماذا أصابني هناك في الأسفل، ~~ربما ms137 الظلام أو الوحشة، أو لا أعلم. شعرت فجأة أن علي أن أرى ~~النور. ~~- لذلك هربت مني؟ ~~- لم أهرب منك (سامحني على كذبي!) قلت في نفسي. ~~- لا بأس، كنت أود أن أريك شيئا من ذكريات طفولتي في ~~المستودعات. ~~- ما هو؟ ~~- لا يهم. # واصطدمنا بجدار الصمت مجددا، شعرت بالخطأ الكبير الذي ~~اقترفته، لقد جرحته في الصميم، وسلبت منه الثقة. قمت لأستعيد ~~شيئا منها وقلت: هيا تعال ننزل الآن، لم يفت الأوان ~~بعد. ~~- لا أعتقد أنها فكرة جيدة. ~~- لماذا؟ هيا لا تحمل الموضوع أكثر مما يحتمل. ~~- صحيح، أنا أحمل الموضوع أكثر مما يحتمل. ~~- كلا أبدا، لم أقصد هذا، أنت على حق، أنا فعلت ذلك، لكنني ~~اعتذرت منك، دعنا لا نختم يومنا الرائع هذا بالزعل. ~~- أنا لست زعلانا. ~~- بل أنت كذلك، هيا قم، أرجوك، ماذا علي أن أفعل كي ~~ترضى؟ # لم يقل شيئا، مشى صامتا إلى الداخل وباتجاه القبو مجددا، ~~ومرة أخرى غطسنا في الظلام والرطوبة، فتح الباب الحديدي نفسه، ~~وانتشر النور. كانت المستودعات عبارة عن صالات تشغل مساحات ~~كبيرة، لا شيء فيها تقريبا سوى بعض الكراكيب المحشورة في الزوايا. ~~دخلنا حتى وقفنا وسط المستودع، قال لي: «أحببت أن أشاركك شيئا ~~من ذاكرتي التي مضى عليها ربما عشرون عاما، هنا بيت أسراري؛ فلا ~~يعرف هذا المكان إلا القليل من الموظفين الذين رحل أغلبهم؛ فلا ~~أحد يحب النزول إلى هنا؛ فقد أشيع أن بعض الأرواح تتنقل ليلا.» ~~ابتسمت وتلفت حولي متخيلة الأرواح، فأكمل: «أترين هذه العلامات ~~السوداء على الجدران؟ إنها آثار أيضا، أليس هذا متحفا للآثار؟» ~~عجبت لقوله فابتسمت وقلت: «ماذا تقصد؟ آثار ماذا؟» أجاب: «آثار ~~لعبي بالكرة عندما كنت صغيرا، كنت آتي إلى هنا ألعب وحدي أو مع ~~أبناء عمي، وخلف لعبنا هذه الآثار.» كانت الجدران مليئة بالبقع ~~السوداء، ثم أشار بيده إلى الأعلى وقال: «أترين تلك البقعة ~~السوداء قرب السقف؟ إنها رميتي التي تفوقت بها على أولاد عمي ~~في تحد لمن يرمي الكرة أعلى لكن بشرط ألا تلامس السقف.» # نظرت إليه، كان ينظر ms138 إلى الأعلى، إلى الماضي الجميل الذي انعكس ~~في بريق عينيه، هاتان العينان الحانيتان، كيف لي أن أكافئهما ~~وأعتذر منهما؟ شعرت بألفة عجيبة تجاهه، مشى إلى الأمام باتجاه ~~الزاوية، وجثى على ركبتيه، وقال: «تعالي.» استجبت له وجثوت حيث ~~كان، رأيت نقوشا أسفل الجدار للحروف اللاتينية: # S.H.K ~~، وعدة خطوط ودوائر، ~~سألته: «وإلى أي قرن تعود هذه النقوش؟» ضحك وقال: «لعام 1994م، ~~ربما، نقشناها أنا وأولاد عمي سامر وكامل.» اقتربت من النقش ~~أتأمله، ثم التفت إليه وأنا لا أزال جاثية على ركبتي، كان ~~راكعا فوقي تقريبا مستندا بذراعه على الجدار فوق رأسي، ولأول ~~مرة أراه قريبا مني هكذا. شعرت بوخز لذيذ في قلبي، وغمرني ~~إحساس بالاحتواء والأمان، ودخلت في لحظة سرمدية من الهناء. ~~شعرت بثقل غريب في جفني وكأن النعاس هبط هكذا فجأة علي، ~~وراودني خوف يهزأ بي، فاستجبت آسفة لهذا الأخير ووقفت. وفي ~~لحظة واحدة خرجت من سموات الجنة إلى أرض الواقع، وعدت إلى ~~البيت. # 3 # تزوج سعيد في أجواء احتفالية بسيطة، تم كل شيء في سلاسة ~~تامة، على الرغم من اعتراضات أمي الكثيرة على العروس؛ فهي كبيرة ~~وعليها كلام كثير، كما أنها ليست من مستوانا، أما ما أثار عجبي ~~حقا فهو موقف أهلها الذين انقلبوا من المعارضة التامة إلى القبول ~~المطلق، هل كان هذا من فعل بريق الذهب وسحره في النفوس؟ لا يهم؛ ~~فقد اجتمع الحبيبان، ورقص قلبي فرحا. # اجتمع من بقي من أهلنا وأهل العروس في بيتنا، وانتهى العرس مع ~~أذان العشاء، هكذا صارت الاحتفالات في حلب بعد الحرب تبدأ وتنتهي ~~باكرا، تذكرت أيام زمان حين كان يبدأ الحفل بعد منتصف الليل. ~~اختلطت أصوات الاحتفال بأصوات قذائف بعيدة، وامتزجت الضحكات ~~بدموع أمي، وتناوشت في قلبي المشاعر؛ الفرح بسعيد والغصة لغياب ~~نادر. بعدها أخذ العريس عروسه ليباتا في فندق الميريديان، ثم سافر ~~سعيد عائدا إلى قطر لينهي معاملات استقدام العروس ~~الجميلة. # في اليوم التالي كتبت على صفحتي: # هل يكون الإنسان خائنا إذا نسي أحبابه الراحلين وسمح ~~لروحه بالفرح؟ ~~«سلامة روحك» جاءني ms139 تعليق مباشرة من الملك على منشوري الأول، ~~تأملته مليا، حسنا، ضغطت زر الإعجاب بتعليقه، وحين هممت ~~بكتابة رد ظهر منشور جديد له كتب فيه: # بعض الأرواح لا يليق بها إلا الفرح. # خفق قلبي وابتسمت في سري، إنه يستعير كلماتي، هل حقا يقصدني ~~أنا؟ كان علي أن أضغط زر الإعجاب بمنشوره الجديد لكنني لم أفعل، ~~وأشغلت نفسي بتصفح منشورات الأصدقاء، بعد دقائق كتبت على صفحتي: # الحرب لعنة سوداء تغرس أنيابها في كل قلب سعيد. # وما هي إلا لحظات حتى كتب منشورا ثانيا: # صحيح أن الحرب لعنة سوداء، لكنها مثل التنور تظهر ~~بريق المعادن الخالصة. # يا إلهي! هل حقا يفعل ذلك؟ أم هي محض صدفة؟ مستحيل، إنه ~~يفعلها، يرد على منشوري بمنشور! بدأ قلبي يخفق هذه المرة أسرع، هل ~~أجاريه في اللعبة؟ ماذا أكتب الآن؟ فكرت قليلا ثم غيرت ~~رأيي، ضغطت على زر الإعجاب على منشوره الأخير، وأطفأت ~~الجهاز. # اتصلت بجدو نور وطلبت منه أن ألتقي به مساء فوافق، وبقيت ~~أفكر طوال اليوم كيف سأجمعه برندة؟ إنها بعيدة في تركيا، وجدو ~~هنا وسط الحرب في حلب، كيف سيلتقيان؟ # في المساء ذهبنا أنا وفاطمة إليه فاستقبلنا بمودة كبيرة في ~~مكتبته المحببة، سألته: جدو، ألا تفكر بالسفر؟ ~~- لأهرب من وطني؟ ~~- بالطبع لا، ليس هذا ما قصدته جدو، إنما لتبتعد قليلا من ~~أجواء الحرب وما تفعله في نفوسنا. ~~- لا أستطيع، ثم إلى أين سأذهب؟ ومع من؟ ~~- إلى تركيا مثلا. # نظر إلي متفاجئا وقال: تركيا؟ ولماذا تركيا تحديدا؟ ~~- لأنها ... لأنها ... لأنها قريبة منا كثيرا، كما أنها جميلة ~~جدا ومناسبة لتغيير الجو. ~~- لا أستطيع ولا أريد الآن، ربما لاحقا. ~~- متى جدو؟ ~~- حتى تتعافى سورية! ~~- سننتظر طويلا إذن. ~~- أخبريني الآن، هل أنهيت الكتاب؟ ~~- بالطبع، لكنني في الحقيقة استغرقت في قراءته زمنا طويلا، ~~كما أنني لم أفهم كثيرا من مقاطعه. # بعدها أخذت في الاستفسار عن بعض الأمور وجدو يجيبني، ثم سمعنا ~~طرقا على الباب، قام جدو ليفتح، وسمعته يرحب به، إنه سليمان ~~«الملك»! # 4 # رمضان، 1434ه / 2013م، حلب # فتحت ms140 أم سعيد الثلاجة وأخذت تتأمل داخلها، ومع أنها تعرف ~~تماما الأغراض القليلة التي فيها ومكانها تحديدا، إلا أنها جثت ~~على ركبتيها محاولة استيعاب كل زاوية في الثلاجة بنظرها علها ~~تكون قد وضعت شيئا ما ونسيته. لكنها مثل كل مرة انتصبت واقفة ~~فلم تجد شيئا جديدا؛ فالمعجزات لا تحدث، والثلاجة ستظل على ~~حالها، «على حطة يدها» كما يقولون. تنهدت وسحبت طبقا فيه نصف ~~حبة طماطم «بندورة» مغلفة بعناية يضرب لونها إلى ~~الاصفرار. # أزالت الغلاف البلاستيكي بحركة متثاقلة من يدها، وقامت بتقطيعها ~~شرائح رفيعة ما أمكنها ذلك وأعانتها عليه السكينة. استدارت إلى ~~الغاز، وحملت قدرا كانت عليه، سكبت القليل من المجدرة بالبرغل ~~فملأت بها طبقا متوسط الحجم كان يأكله زوجها وحده، والآن ~~عليهم أن يتشاركوها أربعتهم. رتبت هذين الطبقين اليتيمين على ~~الطاولة، وضعت إبريق ماء شبه بارد وثلاثة أكواب، سحبت ملاعق من ~~الدرج ونادت على أسرتها: «هيا، تفضلوا، اقترب أذان ~~المغرب.» ~~- أيش هذا؟ # أول كلمة نطق بها أبو سعيد وهو يرى الطعام ونظر إلى زوجته ~~مستفسرا، أجابت: ماذا تريديني أن أعمل؟ البرغل نفد تماما، ~~وكذلك الخضار، ماذا كنت تظن؟ وما طبخته اليوم سيكفينا اليوم ~~وغدا وإلا بقينا يوم غد بلا طعام. # تمتم أبو سعيد: «لا حول ولا قوة إلا بالله.» سحب الكرسي مصدرا ~~أزيزا مزعجا، ثم أذن المغرب. أمسك كوب الماء وراح ينادي بأعلى ~~صوته: «سما، فاطمة أين أنتما؟ ألا تسمعان الأذان؟» هرولت الفتاتان ~~على صوت والدهما الغاضب وأخذتا مكانيهما على الطاولة. صاحت ~~فاطمة: مجدرة أيضا؟ البارحة أكلناها، ثم أين البصل المقلي؟ ماما ~~لن آكل. # عضت أمها على شفتيها ونظرت بطرف عينها إلى أبيها نظرة فهمتها ~~فاطمة جيدا فلاذت بالصمت، ولاذ به الجميع فلم يعد يسمع إلا صوت ~~طرق الملاعق على حواف الطبق الوحيد. كانت أم سعيد في أثناء ذلك ~~تملأ طرف ملعقتها وتأكل ببطء شديد حتى يتسنى لأفراد أسرتها أن ~~يأكلوا أكثر ليشعروا بشيء من الشبع الذي ما كانت تأبه له كثيرا ~~هذه الأيام. # في اليوم التالي استغرق أبو سعيد في ms141 نومه أكثر من المعتاد، راحت ~~زوجه توقظه، لكنه أجابها بأن تتركه. لم يكن نائما، كان يتقلب ~~على فراشه بهم كبير؛ فإفطار البارحة أوحى له بشبح الجوع يلوح له ~~قريبا جدا؛ فقد نفد الطعام من حلب، ~~من أحيائها الغربية تحديدا، من ~~كان يصدق ذلك؟ حلب المليئة أسواقها بأجود الخضار والفواكه ~~وأرخصها وألذها طوال العام باتت اليوم خاوية على عروشها، خلت ~~أسواقها من الباعة إلا من بضعة منهم ممن حالفهم الحظ بتجاوز ~~المعبر بسلام محملين ببضائع مختلفة من أحياء حلب الشرقية ~~ليبيعوها هنا بعشرة أضعاف سعرها. ما كان يحز في نفسه حقا دموع ~~الصغيرة فاطمة التي تلتمع في عينيها كل يوم وهو عائد من عمله ~~فتنظر في يديه، وتسأله: «لا يوجد لبن اليوم أيضا يا بابا؟» إنه ~~يعرف تماما كم تحب هذه الصغيرة اللبن، لكن ماذا يفعل إذا كانت كل ~~مشتقات الألبان نفدت تماما؟ قطب جبينه ولعن كل شيء. عليه أن ~~يفعل شيئا وسيفعله اليوم. # 5 # كنت عجلة مساء ذلك اليوم، عملت أي شيء بشرود تام، طغى ~~التوتر على حركاتي، وأويت إلى فراشي باكرا جدا. دسست نفسي ~~في السرير، وشددت اللحاف حتى غطيت رأسي، أريد أن أخلو بنفسي، ~~يا إلهي ماذا فعلت! أعدت أحداث ما مررت به صباح اليوم، حاولت ~~تذكر كل شيء، أخاف أن تهرب مني إحدى التفاصيل، أرغب في الاحتفاظ ~~بها عميقا في حنايا ذاكرتي فلا يفلت منها شيء، حاولت استحضار ~~كلماتنا، نظراتنا، خطواتنا، ضربت رأسي وأنا أتذكر ما قمت به من ~~غباء في القبو، ثم أغمضت عيني والشذى عاد ليغمرني حين كان راكعا ~~فوقي، تذكرت المشاعر التي انتابتني، الرعشة الخفيفة في قلبي، ~~والرجفة الكبيرة في أطرافي، والخوف المقيت الذي تسلل زاحفا ~~إلي، أخذت أتخيل سيناريوهات أخرى جميلة كانت لتحدث لو ~~تصرفت بطريقة أخرى في تلك اللحظة، ثم أزحت اللحاف عن رأسي ~~بعد أن شعرت بحاجتي الشديدة للهواء، لكن لحظة، ماذا كان يرتدي؟ ~~يبدو أن حضوره الحلو طغى علي فنسيت أن ألاحظ ثيابه. هل كان ~~لقائي به صائبا؟ بالتأكيد لا، ms142 لكنني فعلته وانتهى الأمر، علي ~~ألا أفكر في ذلك، بل ألا أكرر أي حماقة جديدة. # سحبت جهازي الكمبيوتر لأرى إن كان متصلا الآن على الفيسبوك، ~~لكن بطارية الجهاز كانت فارغة تماما، يا للخيبة! لكن ربما هذا ~~أفضل، علي أن «أثقل حالي» قليلا. النوم يجافيني، قمت وتشاغلت ~~بغزل الصوف، كنت أصنع شالا لسلمى أهديه لها قبل رحيلها، سلمى ~~زوجة أخي سعيد، كم هذا رائع! أريد أن أصبح عمة عما قريب. # بعد ساعة حضر والدي وقام بتوصيل «الأمبيرات » وهي خطوط تمديد ~~للكهرباء موصولة بمولدة كبيرة يملكها أشخاص يقومون بتأجير ~~الكهرباء لمن يشترك بأمبير أو اثنين أو أكثر، أضاء البيت أخيرا ~~فقمت لأجلس مع أهلي، تجاهلت جهازي الكمبيوتر تماما، فإذا وصلته ~~بالشحن فإنني سأفتحه بالتأكيد. كلا لن أفعل، وأمضيت الوقت وأنا ~~أختلس النظر إليه حتى انتهى وقت الأمبير وغرقنا في الظلام مجددا، ~~وارتحت أنا أخيرا. # صباح اليوم التالي استيقظت باكرا جدا، قبل السابعة، سارعت ~~إلى جهازي الكمبيوتر لأضعه في الشحن فقد كان التيار الكهربائي ~~موصولا. ها قد مضى يوم الأمس بطوله، ما المشكلة إذا فتحت ~~«الفيسبوك» الآن؟ وهكذا فعلت، لكن لا رسائل جديدة منه، بل منشور ~~واحد كتب فيه: # قد تعادل ساعات قليلة تقضيها برفقة مميزة أعواما ~~بأكملها؛ لأنها تصنع ذاكرتك. # إنه يتحدث عن لقائنا بالتأكيد، يا للرومانسية! أتمنى أن يعني ~~ذلك أنه غفر لي تصرفي الغبي، هل أضغط على زر الإعجاب أو أعلق؟ ~~بماذا أعلق؟ فكرت طويلا، ثم اخترت أن أضغط زر الإعجاب ~~وحسب، وكذلك فعلت، فوجدته متصلا وبدأ حواره معي: صباح ~~الخير. ~~- صباح النور. ~~- ما شاء الله، ما هذا النشاط؟ دائما تستيقظين باكرا؟ ~~- تقريبا. ~~- هل أنت دائما هكذا؟ ~~- ماذا تقصد؟ ~~- لا تجيبين بوضوح، لا أسمع في إجاباتك: نعم أو لا، تكررين فقط: ~~ربما، أحيانا، لكن ... ~~- هل يزعجك هذا؟ ~~- أحب أن أعرفك أكثر، أكثر وأكثر. ~~- طيب، لا بأس. ~~- عفوا. ~~- على أي شيء؟ ~~- ألن تشكريني على الجولة السياحية صباح أمس في المتحف؟ ~~- ههههه، طيب يا سيدي، شكرا. ~~- عفوا يا سيدتي. كيف وجدت المتحف؟ ms143 ~~- رائعا جدا، لم أكن أتصور أن العمل فيه مثير للاهتمام، وأنه ~~بهذا الغنى والجمال حتى يوم أمس، لقد تمكنت من تغيير نظرتي ~~تماما. ~~- ممتاز، هل لي أن أعرف ماذا كنت تعتقدين؟ ~~- حسنا، كنت أظن أنه ممل جدا، وأن اليأس وحده هو ما يقود ~~الإنسان للعمل فيه؛ لهذا فقد كنت أشفق عليكم. ~~- ههههه. ~~- لم تضحك؟ ~~- على كلماتك. ~~- لقد تعلمت درسا. ~~- وما هو يا شاطرة؟ ~~- هل تهزأ بي؟ ~~- أبدا والله، قولي ماذا تعلمت؟ ~~- ألا أحكم على شيء قبل معرفتي به. ~~- جميل. ~~- شيء أو شخص ~~. ~~- طيب، جميل أيضا. ~~- وأنت؟ ~~- ماذا؟ ~~- كيف كانت جولتك يوم أمس؟ ~~- كنت سعيدا بأني شاركت شيئا من أسرار طفولتي لشخص مميز ~~جدا وحساس جدا. ~~- ... ~~- سما. ~~- ...؟ ~~- أريد أن نلتقي مجددا، لدي شيء مهم لأخبرك إياه، اليوم ما ~~رأيك؟ # أخذ قلبي يخفق بشدة، وعضضت على إصبعي، وأخذت أتأمل كلماته ~~على الشاشة. رأيت وجهه مبتسما ينظر إلي بعينيه الحانيتين، ~~غمرتني مشاعر غريبة أختبرها للمرة الأولى من خوف ورهبة وإثارة. ~~لم أعرف بم أجيبه، إنه ينتظر، علي أن أفعل شيئا! وبسرعة، ومن ~~غير تفكير كثير، قمت بتسجيل خروجي وأطفأت الجهاز. # 6 ~~«ليست مصادفة أبدا» قال لنفسه مبتسما لصديقه، مظهرا ملامح ~~المفاجأة وكأنها حقا مصادفة؛ فهو يعرف تماما لم تسوقه قدماه ~~ليجلس مساء كل يوم في مقهى مطل على بيت صديقه، وعلى شباك مكتبته ~~تحديدا؛ فهو يعلم أنه لا يفتح النوافذ أبدا إذا كان وحده، فإذا ~~وجدها مفتوحة فهذا يعني أنه يستضيف زائرا. وهذا المساء وجد ~~النوافذ مفتوحة فاتجه من غير تردد إلى بيت صديقه وطرق الباب، إنه ~~يعلم أنها هنا، وها قد حان الوقت المناسب ليراها مرة ~~ثانية. # وبما أن بيت صديقه الذي يعرفه جيدا ليس فيه غرفة أخرى لاستقبال ~~الضيوف، فإنه حتما سيدخله إلى المكتبة، إلا إذا قرر صديقه فجأة ~~أن يكون فظا ويطرده من بيته، وهذا أمر لن يفعله مطلقا. كان ~~واثقا جدا، لكنه انزعج قليلا من ابتسامة ماكرة انطوت عليها ~~ملامح صديقه وهو يصافحه هامسا له: «إنها هنا، ما هذه ms144 المصادفة؟» ~~لكنه لن يعبأ بذلك؛ فالوقت غير مناسب أبدا للانزعاج. # وكما خطط تماما، قاده صديقه إلى المكتبة، وفور دخوله وقعت ~~عيناه عليها، كانت جالسة على الكرسي أمام المكتب الخشبي، حتى إنه ~~لم يلحظ وجود أختها فاطمة الصغيرة جالسة على السجادة. وقفت فور ~~دخوله، ابتسم بثقة واتجه إليها، مد يده ليصافحها، لكنها ابتسمت ~~وأطرقت، آه صحيح، إنها لا تصافح! يا للجمال المتحدر عن ~~إطراقها! # سارع نور بالقول منقذا الموقف: «تفضل سليمان بالجلوس، البيت ~~بيتك.» جلس قبالتها مباشرة، وهو لا يرفع عينيه عنها، «كيف حالك؟ ~~سما على ما أظن؟» قال ذلك مصطنعا البراءة. لم تجب، بل اكتفت ~~بهز رأسها وابتسامة خفرة ترتسم على محياها، وساد الصمت. ~~كان يراقبها، تعبث بصفحات كتاب بين يديها، والارتباك يرشح عنها، ~~اصطنعت السعال مرة، وراحت تنقل نظرها إلى الأعلى مرة وإلى ~~الأسفل أخرى. كان مبتهجا حد الطرب بهذه الصغيرة الملائكية ~~أمامه، وفي قلبه إيقاعات راقصة من الفرح الغامر، وفي نظراته فخر ~~المنتصر بقرب وقوع الفريسة. # وقفت فجأة وقد أحاط بها الحرج من كل جانب، وحين فتحت فمها ~~للكلام سارع إلى القول: «الإنسان ذلك المجهول، كتاب رائع، هل ~~أنهيت قراءته؟» تفاجأت ونظرت إلى الكتاب بين يديها وقالت: «آه، ~~الكتاب، نعم، أقصد ليس تماما، بعض المقاطع تحتاج وقتا لأفهمها ~~جيدا، لكن أعتقد أنه يجب أن أنصرف، لقد تأخرنا.» «إنها ذكية ~~ولبقة» فكر سليمان، وقال: «يعني إذا حضر الشياطين غادرت ~~الملائكة؟» ارتبكت مجددا وابتسمت وقالت: «لا، بالطبع لم أقصد، ~~إنما ...» قاطعها نور هذه المرة وقال: «اجلسي يا سماء، لم تشربي ~~شيئا بعد.» كان للهدوء الذي نطق به نور كلماته قدرة كبيرة في بث ~~الاطمئنان في قلبها فعادت لتجلس، وخرج نور ليجلب شيئا. ~~«سأكافئك على هذا يا صديقي» فكر سليمان في نفسه وهو يشعر ~~بالامتنان لمغادرة نور المكتبة. قال فورا مركزا نظره عليها ~~يراقب ردة فعلها على كلماته: «اسمك متميز يا سماء مثلك، إنه ~~يشبهك.» ابتسمت وأطرقت مجددا، أخذت نفسا عميقا، أو هكذا ~~تخيل، ثم نظرت إليه مباشرة في عينيه، الأمر ms145 الذي فاجأه حقا ~~وقالت: أشكرك، لكنك لا تعرفني. ~~- بلى، قرأت منشوراتك كلها على «الفيسبوك»، وتعليقاتك أيضا ~~على أصدقائك. ~~- حسنا، ربما. ~~- ماذا؟ ~~- هل تعتقد أنك بكلمات قليلة ستعرف إنسانا على ~~الحقيقة؟ ~~- أنت على حق، لكن كما يقولون: المكتوب باين من عنوانه. ~~- كلنا على الفيسبوك صالحون ومثاليون وحكماء أيضا. ~~- أنت لست كذلك؟ ~~- لم أقل هذا. ~~- ماذا إذن؟ ~~- ماذا تريد؟ ~~- أنت ذكية. # قال ذلك وكان نور قد حضر ومعه صينية عليها بعض المشروبات ~~الغازية وزجاجات العصير، اكتفت هي بالابتسام. قال نور وهو يرمق ~~صديقه: «تفضلوا العصير، لا شيء من واجبكم.» بعدها أمسك نور بزمام ~~الجلسة وراح يتحدث عن بعض أفكار الكتاب، وقاطعه سليمان مرات في ~~محاولة منه لاستعراض مواهبه ومهاراته. أما سماء فكانت صامتة معظم ~~الوقت، وقبيل غروب الشمس استأذنت بالانصراف وغادرت مع ~~أختها. # وحين غادرت التفت سليمان إلى صديقه فرآه شابكا يديه على ~~صدره وهو يرفع حاجبيه مبتسما وكأنه يقول: ها قد فعلتها! # 7 # أعترف أنني في الأسابيع القليلة الماضية أربكني كل شيء، عرس ~~سعيد وسفره، رحلتي إلى المتحف مع شادي، وتقرب سليمان المفاجئ ~~والسريع مني، واستمرار انقطاع الكهرباء والماء، وكأن المصائب لا ~~تشتفي من آلامنا أبدا، وكلما ظننا أن البلاء الذي نحن فيه هو أسوأ ~~شيء يمكن أن يحصل، نجد أنفسنا في بلاء جديد نفتح له أفواهنا دهشة ~~ولسان حالنا يتساءل: هل يمكن أن يحدث هذا؟ لكن الحرب لا تكتفي، ~~والموت كذلك؛ فحلب نفسها قد انقسمت إلى شرقية وغربية بحاجز في حي ~~بستان القصر، وكل شخص من الأحياء الشرقية عليه أن يحصل على إذن ~~لدخول الأحياء الغربية، والعكس صحيح. هذا مع نشاط القناصين من ~~الطرفين الذين يتسلون بقنص طفل متعلق بصدر أمه، أو شيخ ~~يحمل خبزا لعياله. وهذا ما أدى إلى انقطاع الكثير من المواد ~~الغذائية عن المناطق الغربية من حلب مع غلاء الأسعار ~~الفاحش. # لقد ازدادت مشاغلنا كثيرا؛ فمثلا تضاعف الوقت الذي نقضيه في ~~غسيل الصحون إلى ضعفين أو ثلاثة بسبب تراكم الصحون أياما، وبسبب ~~اضطرارنا إلى صب الماء من ms146 الأوعية التي كنا نخزن فيها الماء ~~وقت توفره، وهذا أمر ليس بسهولة استخدام الماء من الحنفيات، ~~وينطبق الأمر كذلك على غسيل الملابس، وسقي أحواض الزرع، وشطف ~~الشرفات، وتنظيف البيت، الماء حياة، لم نكن ندرك قيمة ذلك حتى ~~فقدناه. هذا بالطبع ما عدا الأخبار السيئة التي كنا نسمعها كل يوم ~~من موت عزيز، أو خراب بيت، أو اختفاء شخص، أو سرقة بيت؛ فقد ~~نشطت العصابات وكثر النشالون، وتطورت أسالبيهم وعلا سقف ~~مطالبهم في بيئة الحرب الملعونة؛ ولذلك فقد قاطعت رؤية الأخبار ~~نهائيا، لكن ماذا أفعل إذا كانت الأخبار السيئة تدخل بيوتنا ~~عنوة وتقتحم حياتنا فتكدرها غصبا؟ البارحة تحديدا علمت ~~بخبر وفاة رضيعين توءمين لجارتنا غادة التي رزقها الله بهما بعد ~~سبع سنوات من العلاج، لكنهما ماتا البارحة بسبب انقطاع الكهرباء في ~~المستشفى! وقبلها صديق والدي مريض السكري الذي توفي إثر احتياجه ~~لإبرة أنسولين لم يتمكن من إيجادها، يا للظلم والقهر! ولا أحد ~~يجد حلا سوى أن ترمي بنفسك وبعائلتك وأطفالك في البحر لتقامر ~~بحياتك وحياتهم من أجل عيشة تليق بإنسانيتك! # أمام هذه الضغوطات وجدت أني بحاجة إلى فسحة للتفكير، إلى ~~وقت أستقطعه لنفسي. لا أنكر أن الغرور أخذ يلعب برأسي وأن قلبي ~~ممتلئ فرحا بالمشاعر التي تتوارى في كلمات شادي ونظراته الحانية ~~يوم لقائنا في المتحف، وبتصرفات سليمان الملك الجريئة آخر مرة ~~التقيته فيها عند جدو نور، ورسائله الواضحة التي يكتبها في ~~منشوراته على «الفيسبوك» بعباراته الأنيقة وكلماته الشعرية. لكنني ~~اليوم أدركت أنني لا أعرف بالضبط ماذا أريد، وأن ما أقوم به لا ~~يعدو أن يكون لعبة خطرة لا أعرف عاقبتها؛ ولذلك فقد قررت ~~الابتعاد قليلا، وبما أن «الفيسبوك» هو المنفذ الوحيد لاتصالي ~~بهما فقد قمت بتسجيل خروجي وإخفاء جهازي الكمبيوتر في خزانتي، حتى ~~لا يقع تحت عيني وتراودني نفسي لفتحه، كما أني لم أعد أذهب إلى ~~جدو نور مطلقا. # لقد مر على ذلك ثلاثة أسابيع، كم مرة شعرت بالحنين، برغبة ~~شديدة بمعرفة ما يكتب سليمان، كم مرة شعرت بتأنيب الضمير ms147 تجاه ~~شادي، والطريقة التي عاملته بها، كم تساءلت عن الأمر المهم الذي ~~كان ينوي أن يخبرني إياه! هل يريد الارتباط بي مثلا؟ أعلم أنه ~~يهتم بي، أرى ذلك في كلماته، في لهفته بالإسراع إلى الحديث معي، في ~~بريق عينيه يوم التقينا، لكنني مع ذلك لا أعرف إن كنت أحبه حقا ~~أم أحب تعلقه بي، ولا أدري إن كنت حقا مستعدة للارتباط به. ~~يا للضياع الذي يحيط بي كدوامات من الرياح العاتية لا أنجو من ~~إحداها حتى تخطفني الأخرى ! # انتظرت أسابيع ثم حاولت التواصل مع شادي فلم أفلح، لقد قالها ~~لي مرة: «أنا حازم.» يومها ضحكنا، لم أكن أعلم أنه بهذه الحدة، ~~أحيانا يراودني شعور أنه على حق، وأنني السبب في ذلك، وأحيانا ~~أمقت تعلقي به، وأضع اللوم كله عليه؛ فهو لا يعرف كيف يتعامل مع ~~قلب الأنثى، إن عليه أن يناضل، أن ينتظر دهرا إذا اقتضى الأمر، ~~ثم أعود لأفكر: وهل كل الناس مثل جدو نور؟ أحاول أن أقف مكانه، ~~وأتلقى ما تلقاه مني، لقد آلمته حقا، هل يعاقبني، أو يهرب ~~مني؟ لست أدري. # مضت الأيام والأسابيع والشهور وحسابه مغلق على «الفيسبوك»، وهو ~~بالطبع لا يرى رسائلي. لقد كانت رسائله كلها مخزنة في صفحتي بعد ~~عودتي إليها، كان يرسل كل يوم رسالة أو اثنتين، كتب لي في آخر ~~رسالة: «خسارة، ظننت أني وجدت شريكة حياتي.» لقد كان ينوي ~~الارتباط بي! لم أدر بعدها ماذا حدث معه. ذهبت إلى المتحف أسأل ~~عنه، لكن لم يعرف أحد مكانه، أحدهم قال لي إنه سافر، لكنه لم ~~يقدم استقالته، ثم أغلق المتحف بعدها نهائيا بسبب الحرب، ~~وامتلأت البوابة المزينة بالتماثيل الحجرية بسواتر رملية، وغرق ~~المتحف في الظلام، ثم إنني لم أعد أستطيع الذهاب هناك مجددا؛ ~~فالمنطقة كلها صارت خطرة. # في مساء أحد الأيام تحلقنا حول العشاء نشاهد التلفاز من ~~كهرباء «الأمبير»، ظهر فاصل إعلاني عن إقامة حفلة في دمشق يحييها ~~الفنان «السوبر ستار» رائد! يا للمفاجأة! إنه هنا في سورية وفي ~~دمشق تحديدا؟ هذا ms148 ما كان ينقصني. شعرت بغصة في صدري وبصعوبة ~~كبيرة تمكنت من بلع اللقمة، وقمت إلى غرفتي. لا أدري بعدها ~~ماذا أصابني، اجتاحتني رغبة ملحة بالبكاء، لم أقاومها ~~كثيرا، خرجت إلى الشرفة وبكيت حتى لا أثير استغراب أهلي، ماذا ~~بي؟ هل هو الشوق للأيام الماضية؟ أيام الهناء قبل الحرب حين كان ~~بيتنا عامرا بنادر وسعيد وجدتي وكلنا معا لا نعرف سوى المرح ~~وهموم الدراسة البسيطة؟ أم هو فيض ذكريات لمشاعر حملتها يوما ~~لذلك الشاب الذي كنت قد تناسيته تماما ؟ أم هو القهر لما آل ~~إليه حاله وما آلت إليه حالنا؟ لست أدري. # 8 # توضأ أبو سعيد وصلى العصر، وبعد التسليمة الثانية تأمل ~~قليلا، ثم صلى مجددا، لم يعرف ماذا عليه أن ينوي لهذه الصلاة، ~~لكنه صلى وهذا هو المهم. جلس دقائق يستغفر ويسبح على غير عادته ~~ثم ارتدى ثيابه وخرج. لم يخبر أحدا أين ينوي الذهاب؛ فلم يكن ~~يريد أن يشغل بال أحد عليه، فيلحوا عليه بالاتصال كل دقيقة، ~~الأمر الذي يزعجه كثيرا، ثم إنهم لو عرفوا فلن يتركوه يذهب ~~بسلام. # ركب سيارته وانطلق مسرعا، تجاوز بضعة حواجز، ثم أكمل ~~متوغلا أكثر باتجاه حي بستان القصر، وشيئا فشيئا بدأ المشهد ~~يتغير، عمارات بأكملها مهدمة، وأخرى مسودة من آثار ~~الاحتراق، ركام يملأ الشوارع وكأنك عبرت حافة الموت إلى الجحيم. ~~ركن سيارته بعيدا وأكمل رحلته سيرا على الأقدام متناسيا حاجة ~~جسده للماء فقد كان صائما وكذلك الجميع. بدأت الطرقات تزدحم ~~بالمارة، أناس قادمون، وآخرون مثله ذاهبون. كان يتفحص الوجوه ~~بحثا عن أجوبة لتساؤلات كثيرة، لكنه ما كان يلتقط شيئا؛ فجميع ~~المارة القادمون منهم والذاهبون لهم الملامح الجامدة نفسها؛ لا ~~غضب، ولا خوف، ولا حزن، ولا فرح. وجوه مطرقة متأملة، ونظرات ~~عابثة، وخطوات مسرعة. حاول إيقاف أحدهم، شيخ يحمل عدة أكياس ~~ثقيلة يمشي ببطء شديد، سأله: كيف الوضع؟ أجابه: «منيح منيح.» ~~وتركه مسرعا. لم يعد يريد أن يسأل أحدا، فليعبر وليكن ما ~~يكون. # أمتار قليلة تفصله عن «معبر كراج الحجز»، وقد ازداد الازدحام، ~~وأخذ ms149 يسمع من بعيد أصوات إطلاق رصاص، أكمل سيره وانحشر بين الجموع. ~~لاحت له الحافلتان الصفراء والحمراء المتوضعتان فوق بعضهما ~~بطريقة لطالما أعجزته عن معرفة كيفية حدوثها، كان يرى هذا ~~المشهد في الصور، والآن هو يعاينه وجها لوجه. ركام كثير، ~~وسواتر رملية متراكمة، سيارات الأجرة الصفراء أيضا هنا في صف ~~طويل في انتظار دورها للدخول من أجل تعبئة الوقود، وكذلك الحافلات ~~الصغيرة البيضاء. الجو حار مع شمس تتجه غربا فتفقأ أشعتها ~~العيون. الناس هنا متجمعون على اختلافهم؛ رجال ونساء وأطفال ، ~~رأى طفلا يجر شيخا مقطوع الرجل على عربة نقل حديدية، ~~وامرأة تحمل رضيعا وتجر اثنين بيدها، رأى الكثير والكثير، ~~وكلهم يتدثرون بالصمت ويحترفون الانتظار. # اقترب أكثر فمد عنقه متطاولا ليرى، لكن الزحام حجب عنه ~~الرؤية، لاذ بالصبر حتى اقترب من المكان الضيق الذي من خلاله يعبر ~~الناس، خمسة أو ستة أشخاص يحملون البنادق على ظهورهم، والمسدسات ~~على خواصرهم يتحكمون وحدهم في مصائر هؤلاء البشر! أي ظلم؟ ~~ولماذا؟ لا يوجد أي سبب، أي ذريعة يمكن أن تقبل ليمنع ثلة من ~~المجرمين الغذاء عنا، واللبن عن الصغيرة فاطمة، تذكرها فاختنقت ~~العبرة في حلقه، قاومها وأكمل سيره. وصل أمامهم مباشرة، سأله ~~أحدهم: «إلى أين؟ ماذا لديك؟» ارتبك لحظة فلم يكن جاهزا لهذا ~~السؤال، وانعدمت لديه القدرة على اختلاق جواب، أيكون السعي لشراء ~~الخضار واللبن جريمة يجهد المرء في إخفائها، ويسقط في رهبة الخوف ~~لأنه ما من سبب آخر أخرجه غيرها؟ ربما ضاق ذاك المسلح من سكوته ~~الطويل، فأومأ له برأسه فدخل. # مشى مع الناس أمتارا ثم لاحت له من بعيد لوحة كتب عليها بخط ~~اليد: انتبه قناص! كان قد سمع كثيرا عن القنص الذي يحدث في هذه ~~المنطقة، لكن هل يعقل أن أموت هنا؟ ارتعد وابتسم سخرية في اللحظة ~~نفسها وأكمل سيره. بدأ الناس حوله يسرعون خطاهم، وأخذ آخرون ~~يركضون، هكذا يتحايلون على الموت، ويقللون الفرصة على ~~القناصين في إصابتهم. راح أبو سعيد يفعل كما يفعلون: رجل قارب ~~الستين من عمره يركض متوغلا في ms150 المجهول. كان يلهث بشكل متصل فهو ~~لم يعتد على السير مسرعا فكيف بالركض؟ سبقه كثيرون، وسبق ~~كثيرا ممن آثر المشي متجاهلا كل التحذيرات والمخاوف، مراهنا ~~بحياته اليقينية في سبيل حياة محتملة. تناهى له صوت صبية يبكون، ~~وامرأة تطمئنهم: «لا تخف حبيبي الآن نصل، الآن نصل.» وهي تجرهم ~~جرا، تساءل أبو سعيد في نفسه: أيهم أشد خوفا هم أم هي؟ أم تراه ~~هو؟ # تجاوز طريق الخطر أخيرا ~~وقد مالت الشمس أكثر نحو المغيب، هاتفه يرن في جيبه، لقد بدأت ~~حملة التفقد! لم يعبأ به فالوقت لم يكن لصالحه. انفتح الحي ~~أمامه على الباعة من مختلف البضائع، تجمعت الغصص في حلقه وهو ~~يرى كل شيء هنا بعد أن فقدوا كل شيء أكثر من شهر هناك، احتار من ~~أين يبدأ، ثم عرف على الفور، فاتجه إلى بائع اللبن فابتاع سطلا ~~كبيرا ناسيا أن عليه أن يخفف حمله ما أمكن لأنه سيحمل غيره ~~الكثير، ثم أخذ ما قدر على حمله من الخضار والفاكهة واللحم؛ فكل ~~شيء متوفر هنا وبأسعار جيدة جدا. # أجاب على هاتفه، وطمأن أسرته على قرب عودته من غير أن يخبرهم ~~عن مكانه، واتجه مسرعا صوب المعبر. طريق العودة كان كطريق الذهاب، ~~لكن مع كثير من التعب المتراكم بفعل الصيام واشتداد العطش والحمل ~~الثقيل. العرق يبلل ياقة قميصه، واليدان تقبضان بقوة على أمل ~~محشور في أكياس. كلما خارت قواه تذكر وجه الصغيرة حين سيتهلل ~~ويشرق لدى رؤيتها اللبن فيسرع مجددا. # قبيل الحاجز سأله شاب بجواره: ماذا تحمل يا عمي؟ ~~- أشياء للبيت. ~~- أعرف، أقصد ما هي بالتحديد؟ ~~- خضار ولبن وكيلو لحمة. ~~- اللحم ممنوع، ألا تعرف؟ وكذلك السجائر وحليب الأطفال. ~~- نعم؟ ولماذا إن شاء الله؟ ~~- لا أعرف، لكنه ممنوع، سيأخذونه إن رأوه، صدقني. ~~- وما الحل إذن؟ ~~- خبئه يا عمي. دعني أساعدك ... # ركن أبو سعيد الأكياس أرضا، والتقط كيس اللحم، فقام الشاب ~~بطريقة، يبدو أنه استعملها كثيرا، بشق أحد الأكياس طوليا، ثم ~~قام بالضغط على كيس اللحم ليبدو مبسطا أكثر ما يمكن، وطلب من ~~أبي ms151 سعيد أن يفكك أزرار قميصه، فاستجاب الأخير له، وقام الشاب ~~بمهارة كبيرة بلف كيس اللحم حول جسد أبي سعيد، ثم أعاد تزرير ~~قميصه. نظر إليه الشاب مبتسما وقال: «اللحم بأمان الآن بإذن ~~الله.» # شكره أبو سعيد وقفل عائدا إلى بيته. # 9 # طوفان النجاحات المتتالية غمره نشوة، الكاميرات التي تلاحقه، ~~والأيادي التي تمتد لمصافحته أو للمسه على الأقل، الفتيات الجميلات ~~اللاتي ترتمين عليه مجازا ~~وحقيقة، الأموال التي بدأت تتراكم في أرصدته، السيارات الفاخرة ~~والثياب الباهظة؛ كلها أمور ما كان يجرؤ أن يحلم بها، ها هي الآن ~~تتحقق، وهو لا يزال تحت تأثير تخديرها. # لكنه اليوم بعد حفلة الأمس كان في مزاج سيئ؛ فأخبار بلده تصله ~~سرقة من بعض معارفه الذين حول أسماءهم في هاتفه المحمول ~~لضرورات تخصه وحده، حتى إنه لم يستقبل مدير أعماله (مسيو جوني) ~~مع أنه أخبره أنه يحمل له عروضا حصرية من كبرى شركات التسجيل ~~والتوزيع الغنائي في العالم العربي. كان جالسا على الشرفة يسحب ~~نفسا من سيكارته والأفكار تأخذه بعيدا. تذكر أيامه الأولى في ~~البرنامج، خوفه الشديد وخجله أمام اللجنة وارتباكه في حضورهم. ~~تذكر الأغنية الأولى التي غناها، والتي أهلته للوقوف على ~~عتبة تحقيق حلمه. تذكر فرحته في كل مرة يصعد سلم النجومية ~~الباهر، وسلم القلق أيضا، هل هذا ما أريده فعلا؟ لقد حصلت على ~~اللقب، فلماذا لا تزال تسكنني الغصة؟ لا لا، كان يريد أن يذهب ~~بذاكرته أبعد من ذلك، إلى ما قبل البرنامج كله، قبل عامين ~~تقريبا، إلى حياته البسيطة في منزل جدته لأبيه التي تكفلت ~~برعايته بعد وفاة أمه وسفر أبيه، إلى نزقه من المدرسة، والأعمال ~~الكثيرة التي زاولها وهو لا يزال في الثالثة عشرة، حتى انخراطه في ~~العمل مع صديق والده الذي أكرمه ووضع عليه آمالا كبيرة في ازدهار ~~أعمال المكتبة؛ فهو متحدث لبق وذو وجه وسيم وذوق رفيع، فلا يخرج ~~أحد من عنده إلا وقد اشترى كتابا على الأقل. تذكر الخيبة التي ~~علت وجه «معلمه» حين صارحه برغبته في السفر ودخول البرنامج، ms152 الآن ~~فقط بدأ يشعر بشيء من الأسف عليه، كيف تركته بعد أن عملت معه ~~ثمانية أعوام؟ وبعد أن وثق بي وافتتح مكتبة وسلمها لي بالكامل ~~لكنني خذلته؟ كم كانت أياما جميلة! # عاد إلى الداخل، أطفأ عقب سيكارته، وتناول هاتفه المحمول ليجد ~~أكواما من الرسائل، أغلقه ورماه جانبا، فتح جهازه اللوحي (الآي ~~باد) ودخل إلى ملف الصور، وإلى ملف «صور قديمة» تحديدا، وبدأ يبحث ~~عن صور المكتبة التي عمل فيها (مكتبة النيل الجديد). شعر بحنين ~~مفاجئ إليها، راح يقلب صورها ويتأمل تفاصيلها مبتسما، لماذا ~~هذه الصور بالتحديد؟ أخذ يتأملها مليا، وبدأت الذكريات تنسكب ~~عليه كشلال من المطر العذب اللطيف، ثم تذكر وجهها المستدير ~~جيدا، معطفها الكحلي وحجابها السماوي، وحدها تميزت عن الجميع، ~~تذكر خفرها في حضوره، وارتباكها من ابتسامته، تذكر نبرة صوتها ~~الناعمة، ونظراتها المختلسة إليه وهو يتظاهر عنها بالانشغال بأي ~~شيء، ثم أغلق كل شيء، وفي عينيه عزم جديد. # 10 # أنا في فراغ كبير، أبكي لأي شيء، السقوط في العدم، هذه كانت ~~حالتي، الخوف يلفني والشوق كذلك. كانت المشاعر تتأرجح بي بين ألم ~~وقهر وندم ومحاولة للتجاهل، شعرت كأني أسقط في هوة سحيقة بلا ~~نوافذ أو أنوار. أغرقت نفسي بالعمل، اشتغلت بالكروشيه كثيرا، لم ~~أتوقف أبدا، حتى إن أمي عجبت من نشاطي وهوسي به، كنت أردد ~~في العمل الواحد ذكرا معينا «الحمد لله، أو سبحان الله، أو لا ~~إله إلا الله ...» وأظل أكرره مع كل غرزة أعملها، فقد سألتني ~~مرة سيدة عجوز وأنا أريها أحد أشغالي: «بأي ذكر اشتغلت هذا ~~العمل؟» لم أفهم قصدها، فشرحت لي أن علي أن أغزل نسيجي بالذكر ~~حتى يظل مباركا، وأن لكل ذكر قوة، فهذا مشغول بالتسبيح، وذلك ~~بالحمد أو التهليل أو التكبير، وأن علي أن أختار بذكائي الذكر ~~المناسب للشخص الذي أحيك له، وحين يرتدي ما اشتغلته له، فإن ~~الذكر يلائمه تماما ويحرره من همومه وأحزانه. أعجبتني فكرتها ~~كثيرا، ومن يومها وأنا لا أعمل أي غرزة من غير أن أذكر الله ~~فيها. # عملت سترات ms153 وشالات بمختلف الألوان، اشتغلت جوارب وفساتين ~~لأطفال لا أعرفهم، وبطانيات للمواليد، وربطات شعر وميداليات ~~وقبعات، ثم جمعت كل شيء ووهبته لعائلات النازحين، وكأنما سكب ~~ذلك علي طاقة عالية من الفرح الرفيع، رأيت وجوههم تتلألأ ~~بالامتنان والسعادة. # ومضت أيام وأسابيع وشهور، في تلك الفترة أدمنت على قراءة نصوص ~~سليمان الملك التي كان ينشرها يوميا على صفحته، كنت أول ~~المعجبين بها والمعلقين عليها. وطالما أن اتصالي به لا يتجاوز ~~تعليقات على «الفيسبوك» فلا بأس إذن، هكذا رحت أبرر لنفسي. ~~كانت نظرته للأمور مختلفة ، عميقة وواقعية جدا، أعجبني أسلوبه ~~الساخر من بعض المواقف الاجتماعية، أسرتني قدرته الهائلة على ~~تطويع اللغة ومهارته العالية في صوغ الكلمات، وكأنها لغة خاصة به ~~وحده، والكلمات التي نستخدمها كلنا تنحاز له طواعية، وكأنه أخرجها ~~للتو من رحم اللغة الخصب، إنه ملك مثلما وصفته ~~تماما. # إنه يحبني لم يعد هنالك من شك، لم يبق سوى أن يقولها صراحة، ~~لكنه لا يفعل، يهرب، هذا ما يتقنه، الجميع يهربون مني، رائد وشادي، ~~والآن سليمان، هل أرعبهم؟ لماذا إذن دخلوا عالمي، وعكروا صفوه؟ ~~كنت سعيدة بحياتي، والآن ماذا؟ إنهم فعلوا ذلك طوع إرادتهم، ~~شادي، أكاد أنسى ملامحه، ما تزال صفحته مغلقة. والآن يفاجئني ~~حضور سليمان في تفاصيل حياتي، يصاحب لحظاتي اليومية، أرى ~~غمازتيه في خيالي فيشرق كوني أملا، وأمتلئ غبطة وخوفا، عليه ~~أن يفعل شيئا، لكنه لا يفعل، هل هو خائف مثلي؟ من أي شيء يخاف؟ ~~لكن هل حقا أريد الارتباط به؟ ليت ذلك يحدث! هل سيوافق أبي؟ ~~إنه في عمره تقريبا، لا يهم، سأسعى جاهدة لإقناعه؛ فأنا أحبه، ~~لكن الأسوأ لم يحدث بعد. # أصوات وجلبة في الخارج، أنظر من النافذة فأرى تجمعا، جرس ~~الباب يرن، تسرع فاطمة كعادتها لفتح الباب، تناديها أمي: «لا ~~تفتحي حتى تسألي من.» أسمع صوتها: «من؟ ... نعم؟ من تريد؟ ... من؟» ~~أقوم مسرعة إليها، أنظر من «العين الساحرة» فأرى رجلا يرتدي ~~نظارات شمسية لا أعرفه، «من؟ من تريد؟» أضع أذني على الباب ~~لأسمعه يقول: «هل هذا بيت سما ms154 صايغ؟» هل نطق اسمي للتو؟ الدهشة ~~أربكتني، هرعت إلى أمي وأخبرتها، جاءت أمي لتقول: نعم يا ~~ابني. ~~- هل هذا بيت الصايغ؟ ~~- نعم، من تريد؟ ~~- خالتي، أنا رائد بدران أرغب في طلب يد سما صايغ للزواج! # | الفصل السابع # 1 # 13 آب، حلب # أمامه كومة من دفاتر الامتحان، راح يرتبها بعناية فوق مكتبه ~~الخشبي، ضغط على زر بدء التشغيل وانطلقت موسيقى «ياني» في ~~الأجواء، ارتشف رشفة من القهوة السوداء، وسحب الدفتر الأول. هكذا ~~يدس نفسه في طقوس خاصة حين يشرع بتصحيح دفاتر الامتحان؛ فهو ~~عمل يحتاج كثيرا من الصبر والمهارة، خاصة مع ازدياد عدد الطلاب ~~في السنوات الأخيرة الماضية. # الوقت لا يزال باكرا جدا، بإمكانه إنجاز مغلفين من الدفاتر ~~قبل موعده، ثم تقافزت إلى ذهنه صورة تلك الفتاة الصغيرة. وضع ~~القلم الأحمر جانبا، وراح يتأمل دقيقة، كيف تمكنت تلك النجيبة ~~من إعادة الأمل بلقائي برندة من جديد بعد أن كدت أفقده؟ إنها ~~شعلة من حماس، لقد مضى على غيابها زمان طويل، إنه لا يعرف ~~بالضبط؛ فالزمان عنده لا يقاس بالوحدات المعروفة من أيام وشهور ~~وسنوات. إنه زمان طويل أو قصير، وغير ذلك لا يهمه. إنه مثلا لا ~~يمتلك أي ساعة، لا على جدران بيته ولا يرتديها في يده، لا جدوى ~~منها، كما يصر دائما؛ فهو يحضر في مواعيده ومحاضراته في الوقت ~~المناسب تماما أو قبله بقليل، ونادرا ما يتأخر، الوقت عنده مادة ~~هضمها منذ زمن حتى عافها. وهو للسبب نفسه لا يهمه أن يعرف عمره ~~بالتحديد، لكنه يعلم يقينا أنه كبير بما يكفي ليكون حكيما فينأى ~~بنفسه عن التهور والحماقة، وهو في الوقت ذاته صغير بما يكفي ~~ليتمسك بالحياة على الرغم من إجحافها وسوء تعاملها، ألا يحظى كل ~~يوم بامتنانات صادقة من طلابه؟ وكلمات خالصة من محبيه؟ إن هذا ~~كاف بالنسبة إليه. # أطرق مليا وارتشف رشفة من القهوة، وفكر: إنها فتاة ذكية، ~~وسليمان صديق أثير، لكنهما في خطر، نعم إنهما في خطر كبير ينتظر ~~قلب الصغيرة على أقل تقدير؛ فسليمان كبير بما ms155 يكفي، لكن ما العمل؟ ~~شعر بحنان دافق تجاهها، رفع حاجبية، تنهد طويلا وأكمل ~~العمل. # اقترب موعده، لكنه حدسا يعرف أنه بعيد بما يكفي لينهي شطرا ~~من عمله قبل الموعد. بعد مدة أغلق الدفتر الذي أمامه، أكمل فنجانه ~~الثاني، خلع نظارته، وأعاد الدفاتر إلى مكانها، لقد حان ~~الموعد. # 2 ~~«لم لا؟ فهو مشهور وغني وله مستقبل باهر، وعلاقاته واسعة ~~وستعيشين ملكة معززة مكرمة في بيت فخم.» هكذا راحت أم رمزي صديقة ~~والدتي تقنعني برائد النجم المتألق الحاصل على اللقب. سألتها: ~~«خالة، لكن رائد يكسب رزقه من الغناء، والغناء كما تعلمين حرام، أم ~~أنك نسيت كلام الآنسة في الدروس التي كنا نحضرها؟ وبناء على ~~ذلك فإن ثروته التي تتحدثين عنها حرام أيضا.» راقبت وجهها وهو ~~يتلون ويتغير، أحسست كما لو أن الأمر كان بيدها لقطعت ~~لساني. # ومن يوم وقوف رائد بباب بيتنا صرت أتلقى الرسائل والاتصالات ~~من صديقات أعرفهن ولا أعرفهن، فهذه تريد لقاءه، وتلك تريد ~~صورة معه، وأخرى قالت لي بكل صراحة: «إذا ما تريدينه أنا آخذه!» ~~وظلت الأسئلة تتردد حولي: «كيف دبرتيه؟ هل عملت له عملا؟ ~~سحرا عن بعد؟ إنه يتسلى وحسب، مستحيل أن يفكر أمثاله في ~~الزواج، سيتركك من الشهر الأول ...» بعدها لم أرد على أي اتصال ~~يردني مطلقا. # كانت أمي موافقة؛ فزواجي به فرصة لن تتكرر، وسعيد لم يعلق ~~كثيرا على الموضوع، ترك حرية الاختيار لي، أما أبي فهو من كان ~~يحيرني، لا يقول شيئا، يكتفي بالمراقبة وحسب ونظرة تأنيب ~~أقرؤها في عينيه. # لا أنكر أنني في بادئ الأمر طرت فرحا، عادت إلى ذهني ذكريات ~~المكتبة القديمة، والكلمات التي كان يقولها، الندبة في يده اليسرى، ~~رحلتي ذات يوم للبحث عنه في المكتبات، ها هو الآن أتى إلي، ولكنه ~~تغير كثيرا، صار أوسم شاب رأيته على الإطلاق، وراح يجلب لي ~~الهدايا ويضعها على باب بيتنا ويغادر كل يومين أو ثلاثة، الأمر ~~الذي أحرجني أمام الجيران كثيرا. كنت مترددة حائرة، لم يدخل ~~بيتنا إلا مرة واحدة جلس فيها مع أبي، ms156 ولم يتصل بي أو يكلمني، ~~بل أعطاني رقمه الخاص لأرسل له موافقتي، قال لي: «يكفي أن ترني ~~رنة واحدة وستجدينني فورا أمامك مع أهلي وجيراني وأقاربي وأهل ~~حلب كلهم لأطلب يدك للزواج!» لكنني لم أفعل. كما لم أعد أخرج من ~~البيت خوفا من أن أصادفه أمامي، وهربا من بعض الفضوليين الذين ~~يتطفلون بكاميراتهم لالتقاط صور للفتاة التي عاد من أجلها ~~الفنان المشهور إلى الحرب. # أسبوعان مرا وأنا في حيرة شديدة، وبكاء متجدد، هذا هو ~~الحلم الجميل للشاب الوسيم ذي الجبهة العريضة يقف أمامي بشحمه ~~ولحمه، فلماذا أتردد؟ لماذا لا أقول له «نعم.» وانتهى الأمر ~~وينتهي عذابي؟ لم أشعر بغصة في صدري؟ ولما وجدني أبي على ~~هذه الحالة قال لي: «سأطلبه ليأتي عندنا وحده، ونجلس نتكلم معه، ثم ~~نرى ما ستجري عليه الأمور.» # في اليوم التالي حضر رائد مع باقة ورد كبيرة آسرة الجمال، كان ~~يرتدي ثيابا رسمية، سروالا رماديا وقميصا كحليا، وكنت ~~أرتدي ثيابي التي أخرج بها إلى الشارع، معطفي العسلي، وغطاء ~~بنيا على رأسي. جلس أمامي مع والدي وتحدثا معا دقائق، ثم ذهب ~~أبي إلى غرفة أخرى، وبقينا وحدنا. ~~- كيف حالك سما؟ ~~- الحمد لله. ~~- تأخرت بردك كثيرا. ~~- يعني ... امم ... تعرف ... ~~- نعم أعرف من حقك أن تتدللي. ~~- أنا لا أتدلل، أنا أفكر. ~~- وأنا في انتظارك دائما. ~~- هل لي أن أسألك لم اخترتني أنا بالذات؟ ~~- سؤالك جميل؛ لأنني أعتقد أنك الفتاة المناسبة لي، ولنا معا ~~ذكريات جميلة. لا أريد أن أتورط بعلاقة من الوسط الفني؛ فكلهم ~~كاذبون، أما أنت فمختلفة عن الجميع، أنت صادقة، ثم إن النجاح ~~الذي حققته لن يكمل إلا بوجودك معي، سأتألق أكثر وأنت معي، ~~تعرفين الصحافة والإعلام وظيفتها أن تتسقط هذه الأخبار، ألا ~~ترين الكاميرات لا تتركني لحظة واحدة؟ أراهن أنهم الآن خلف ~~الشباك يحاولون التقاط صورة أو سماع كلمة مما أقوله ~~الآن. # فكرت في نفسي: نجاحك أنت؟ وهل هذا هو المهم؟ أن يتحدث عنك ~~الإعلام؟ لم أقل شيئا، فقال: سأجلب لك مكتبة بأكملها وأشتري لك ~~كتب ms157 العالم، هل تذكرين سما؟ كم كنت أعمى في ذلك الوقت، قبل ~~أعوام، هل تذكرين في مكتبة النيل الجديد؟ ~~- سأحضر لك القهوة. # وقمت من فوري إلى المطبخ، قلبي يتقاطر خوفا، وأصابعي تهتز ~~رعشة، كلماته هزتني من الأعماق، أرعبتني وأسعدتني في الوقت ~~نفسه، يا للحيرة التي تملكتني؟ وزادت علي! ذهبت إلى المطبخ، ~~وبمساعدة والدتي حضرت فنجانا من القهوة له، وكوبا من الشاي ~~بالنعناع لي. أخذت نفسا عميقا حتى أتمكن من حمل الصينية ~~بثبات، مشيت باتجاهه وأنزلت الصينية ليتناول فنجانه. أشعر ~~بنظراته تخترقني وهو ينظر إلي من مكانه، استدرت وأخذت كوبي، ~~مسكته بيدي الاثنتين أتلمس منه حرارة أدفئ بها برودة ~~أطرافي وأسكن رعشة قلبي. قال: شاي يا سما؟ ألا تشربين ~~القهوة؟ ~~- لا؛ فأنا لا أحبها. ~~- خسارة، علي إذن أن أبذل جهدا في جعلك تحبينها؛ فأنا ~~أعشقها، كيف سنشربها معا كل صباح؟ # ثم ارتشف رشفة من فنجانه وأخذ يتحدث عن نفسه، وأنا ما عدت ~~أصغي إليه، كلماته كانت كمصباح وضعني على الطريق الصحيح، ~~وتراقصت أمامي ذكريات كلمات أخرى صادقة ... ~~- تعرفين يا سما، أنت مثل القهوة، تضيفين نكهة رائعة إلى ~~الحياة. ~~- لكني لا أحب القهوة. ~~- القهوة لا تدرك قيمة ذاتها، وما تفعله في القلوب. ~~- لا أعرف ماذا علي أن أقول! ~~- لا شيء على الإطلاق، غدا تقولين لي. # 3 ~~- في داخلك جرح، روحك مضطربة، أشعر بذلك. ~~- وما أدراك أنت؟ ~~- دلائل كثيرة، ثم ألا تثقين بذكائي؟ ~~- لم أعد أعرف شيئا. ~~- أنا لا أدعوك لتثقي بشخصي، بل بذكائي وخبرتي. ~~- ماذا تريد مني؟ ~~- يسرني الحديث إليك ويأخذني إلى عوالم جديدة من الخير الأول، ~~أنت مختلفة، ثم إني متورط بك، والهرب أمر غير وارد بالنسبة ~~إلي. ~~- لقد سئمت وتعبت. ~~- من أي شيء؟ ~~- من كل شيء، ألا تعيش هنا؟ ~~- الحرب! ~~- وهل غيرها؟ ~~- لم تفعل الحرب شيئا سوى أنها وضعتنا على شفرة الحقيقة، ~~عرتنا أمام أنفسنا، عليك تجاهلها وحسب. ~~- كيف وهي تزكم أنوفنا، وتحشر نفسها تحت ألحفتنا؟ ~~- صدقيني، هناك أسوأ من الحرب. ~~- ماذا؟ ~~- الخوف. ~~- الحرب تجلب الخوف. ~~- العكس هو الصحيح. ~~- أحيانا لا ms158 أفهمك! ~~- أما أنا، فأفهمك دائما. ~~- مادح نفسه يسلم عليك سيد سليمان! ~~- ههههه، أنت جميلة، وكم أنا سعيد بالحديث معك! هل سنبقى هكذا ~~نتحدث عبر كلمات على الشاشة، أنا كما تعلمين لا أحب تكنولوجيا ~~الشباب، ولولا أنني مضطر إليها لأحدثك لما لجأت ~~إليها. ~~- وما العيب في تكنولوجيا الشباب؟ ~~- لا شيء سوى أنني لا أجيد التعامل مع حرف جامد أظل أفتش عنه ~~في لوحة المفاتيح لأكتب كلمة تستهلك جزءا كبيرا من وقتي. ~~- بإمكانك أن ترسل لي رسالة صوتية إذا أردت، أنا أكتب وأنت ~~تسجل. ~~- هذا أسوأ، أتخيل نفسي أحدث كومة من حديد وأنا وحدي في ~~الغرفة! يا للجنون! ~~- ماذا تريد إذن؟ ~~- أن أراك، وجها لوجه، أحدث كائنا حيا. ~~- تعرف أن هذا صعب جدا علي. ~~- تعالي إلى بيت نور، هناك على الأقل يمكنني أن أراك مصادفة ولو ~~كذبا. ~~- أو بإمكانك أن تأتي هنا إلى البيت. ~~- هل أنت جادة؟ بأي صفة أدخل بيتكم هكذا من الباب؟ ~~- لا أدري، أنت قل لي. ~~- أنتم الشباب عجيبون! هل كل من في عمرك هكذا؟ ~~- هكذا كيف؟ وما خطبنا نحن «الشباب»؟ ~~- كانوا معي في الجامعة، بعضهم لا يزال يتواصل معي إلى الآن، ~~أشعر بالأسف عليهم. ~~- لماذا؟ ~~- تلك ذكرى لا أحب استرجاعها. ~~- هل أساءوا لك؟ ~~- على العكس تماما، بعد أن بادلتهم الود، وفتحت لهم قلبي، كما ~~أفعل معك الآن، وصارت علاقتنا أكثر متانة، تساقطوا من ~~حولي. ~~- كيف؟ ~~- أنت مصرة على إعادة الماضي الحزين. ~~- لكل منا ذكريات حزينة. ~~- حسنا، لقد مات أحدهم. ~~- حقا؟ يا للأسف! رحمه الله. ~~- قتل، إن صح التعبير. ~~- يا إلهي! ~~- نعم، كان الخبر فاجعة كبيرة لي، أحببت ذلك الشاب تحديدا، ~~وبعدها انفرط عقد أصدقائه عني ولم أعد أعرف من أخبارهم ~~شيئا. ~~- هذا مؤسف. ~~- نعم، الألم يموت لكن الجرح يبقى، أحيانا ألوم نفسي على ~~موته. ~~- لماذا؟ وما دخلك أنت؟ ~~- يعني كما تعلمين كنا نتحدث كثيرا، عن الماضي الذي يخصني ~~أحيانا، وكانوا يتأثرون، ربما ثارت النقمة في قلوبهم، خاصة ذلك ~~الشاب، لست أدري، فحمله ذلك على التصرف بتهور. ~~- لا تحمل ms159 نفسك فوق طاقتها. ~~- هكذا أقول لنفسي أيضا، لكن مضى على ذلك عام أو يزيد، ومع ذلك ~~فتاريخ استشهاد ذلك الشاب الأشقر محفور في قلبي، «السابع عشر من ~~تموز!» # 4 # اجتماع مغلق، شعرت بذلك ووالدي يغلق الباب، ويدعوني للجلوس، ~~هذه أول مرة يقوم بذلك، أخذت التوقعات تدور في رأسي عن أي شيء ~~سنتحدث. جلست على طرف الكرسي متوثبة أنتظره أن ينطق، وجلس هو ~~أمامي على الأريكة يحدق في الأرض. الساعة تدور بتثاقل، تك تك ~~تك، تهزأ بي ربما، أو تطرق على رأسي لتذكرني بوجودها الفج في ~~هذه اللحظة. # نطق أبي أخيرا وقال: «بنتي، هناك شاب تحدث معي بخصوصك، ~~تعرفين، يريد أن يطلبك للزواج.» من يكون؟ سليمان؟ لكنه ليس شابا! ~~أو ربما رائد؟ أو لعله شاب لا أعرفه أبدا! أكمل أبي: «لكن لن ~~أقول لك رأيي فيه حتى أسمع رأيك، لا أريد أن أؤثر عليك؛ فأنت ~~صاحبة القرار.» يا للحنان والحكمة التي تغلف كلماته! تسارع نبض ~~قلبي وحبست أنفاسي أنتظره أن ينطق باسمه، الساعة تصر على إثبات ~~وجودها، تك تك تك، أسند أبي ظهره على الوسائد ونظر إلي وقال: ~~«شادي أشتر.» # أكاد أجزم أن فمي ظل مفتوحا دهرا من وقع المفاجأة، شادي ~~تحدث مع أبي؟! كيف؟ ومتى؟ وأين هو الآن؟ تقافزت الأسئلة إلى ~~ذهني مثل مفرقعات اشتعلت دفعة واحدة، هل أخبره شادي بكل شيء؟ هل ~~يعرف محادثات الفيسبوك؟ يا إلهي، هل أخبره عن لقائنا في المتحف؟ ~~تك تك تك تك، الساعة مجددا أخذت تسلخ بدقاتها قلبي، إنه لم ~~ينسني! إنه جاد في الارتباط بي! «حازم جدا» كما قال ~~لي. # أضاف أبي: «لقد جاء إلي هو ووالده قبل أشهر، وتقدما رسميا ~~بطلب يدك، أخبرني أنه مسافر إلى اليمن.» اليمن؟! ما الذي يفعله ~~هناك؟ أكمل أبي: «وقمت بالطبع بالسؤال عنه، لكنني لم أقل لك ~~لأسباب كثيرة، التي من أهمها ظهور رائد، أما الآن فعليك اتخاذ ~~قرارك، ما رأيك؟» وسكت ينتظر جوابي، لكن المفاجأة عقدت لساني. ~~كنت أنظر إلى يدي المتعرقتين، وكثير من علامات الاستفهام ms160 ~~تتقافز أمام عيني. قام أبي وقال: «طيب، أظن أنك تحتاجين وقتا.» ~~وخرج تاركا إياي غارقة في بحر من حيرة وذكريات. # 5 # لم تكن الرحلة سهلة على الإطلاق، بقينا أياما ننتظر الوقت ~~المناسب للانطلاق ونحن نتواصل يوميا مع «أبو أمجد» سائق سيارة ~~الأجرة الذي سيوصلنا إلى الحافلة التي من المفترض أن تسير بنا في ~~طريق خناصر ومنها سننطلق برا إلى بيروت. وبعد أيام انطلقنا، ~~مشينا في طريق شبه معبد لكنه غير مزفت. الحواجز كثيرة جدا ~~على طول الطريق، جاوزت الخمسين حاجزا، إجراءات وتفتيش واتصالات ~~وتدقيق ومحسوبيات ورشاو على المكشوف، فما نكاد ننطلق ساعة حتى ~~نقف مجددا مع حاجز جديد ويتكرر السيناريو مع وجوه مختلفة، ~~ومفاوضات مغايرة وأرقام تهبط أو ترتفع بحسب المعرفة و«الموانة» ~~السابقة وبحسب أمور أخرى لا نعرفها. والسعر الذي اتفقنا عليه مع ~~«أبو أمجد» ومع سائق الحافلة «زكوان» تضخم كثيرا وترهل أضعاف ~~حجمه الأصلي؛ فمن الضروري أن يسعى كل سائق إلى إرضاء كل حاجز ~~عبر علب السكائر أو المال أو ما شابه، ومن يمتنع عن ذلك يتعرض ~~لتفتيش دقيق مهين، وتأخير قد يمتد لساعات بلا أي مبرر حقيقي ~~سوى رغبة عناصر الحاجز بالحصول على الرشوة التي يجمعها السائق ~~أخيرا من محافظنا. # أسافر مع «خالتي نوال» وزوجها إلى بيروت؛ فلم يتمكن والداي من ~~مرافقتي، أبي مرتبط بعمله، وأمي مرتبطة به وبأختي فاطمة، أودعتني ~~أمي مع أختها نوال للسفر إلى بيروت. كنت قد سمعت كثيرا عن ~~مشاق الرحلة لكن سماع الشيء يختلف كثيرا عن الخوض فيه، وكأنها ~~رحلة الانتقال من الموت إلى الحياة؛ فالطريق الذي كان يستغرق سبع ~~ساعات بين حلب وبيروت تطاول حتى وصل معنا إلى سبع عشرة ساعة، مع ~~الأخذ في الحسبان الساعات التي قضيناها في ضيافة «أشقائنا» في ~~الحدود اللبنانية، وما واجهناه هناك من تأخير وتفتيش وخوف من ~~منعنا من الدخول من قبل الأمن اللبناني، ونظرات بعضهم لنا وكأننا ~~حشرات. # في اليوم الذي تبدأ الحرب في بلدك تصير منبوذا ومشبوها، ~~ومتهما عالميا حتى لو كنت بريئا، الآن فقط ms161 بدأنا نشعر بمعاناة ~~الفلسطينيين قبل عشرات السنين. وفي زمن الحرب تختلف كثير من ~~الأمور، أنا مثلا عشت عامين في الحرب، هل أقول إنهما عامان ~~مرا من عمري؟ أم أقول دهرا؟ الحرب آلة حصد هائلة، تحصد كل ~~شيء، الأماني والأحلام، الأرواح والأحباب، والزمان أيضا، لا يبقى ~~إلا الأرض المحروقة من نفوسنا المتعبة. كل شيء في الحرب يتغير، من ~~أكبر شيء إلى أصغره، أساليب الناس في حياتهم، عاداتهم اليومية، ~~أحاديثهم، أمنياتهم، لعب أطفالهم، مشاعرهم، حتى أفراحهم؛ فبعد أن ~~فرح الكون كله بارتباط أخي سعيد بمحبوبته الجميلة سلمى، افترقا ~~فعاد أخي إلى قطر على أمل أن يطلبها فتلحق به، لكن مضى على ذلك ~~تسعة أشهر وهو لا يتمكن من ذلك، تعقدت الأمور أمام السوريين ~~كثيرا. المشكلة أنه لم يعد بإمكانه العودة إلى حلب، فهل يلتقيان ~~مجددا؟ لا أحد يعرف! # وأنا مثلا لا يتمكن أهلي من الجلوس مع شادي إلا عن طريق صورة ~~متقطعة على برنامج السكايب أو الفايبر، يسألون عنه، يقابلون ~~والديه، وتتم الموافقة، نقرأ الفاتحة عبر تسجيل صوتي، تلبسني ~~والدته خاتم الخطوبة، نحتفل أربعتنا أنا وهي وأمي وخالتي مع كئوس ~~من العصير وقطع الكيك، وينتهي الأمر وأذهب وحدي لألاقيه في بيروت. ~~هكذا جرى الاتفاق، ثم يشرف زوج خالتي على كتب الكتاب فهو محام، ~~ويتولى بقية الأمور القانونية من استصدار صك الزواج، ودفتر العائلة ~~وغيرها من الإجراءات. نجلس أسبوعين أو ثلاثة في بيروت، ثم أسافر ~~معه إلى اليمن. أنا كنت فرحة بكل ذلك ومشدوهة، هل حقا سألتقي به ~~بعد غياب ما يقرب من عام؟ وهل سأتزوج أخيرا من غير عرس أو ~~فستان أبيض أو زفة وزغاريد ورقص؟ # 6 # بيروت أخيرا! أرى البحر للمرة الأولى بعد أعوام، في سورية قمنا ~~بتأجيل ذهابنا إليه عاما بعد عام، فأبعدتنا الحرب عنه أعواما ~~أخرى. للبحر جمال مبهج يعج بالحياة نهارا، أما ليلا فله سحر ~~خاص؛ ذلك لأني لا أتلقاه بنظري كالعادة، لا أرى زرقته الصافية، ~~ولا امتداده الفسيح، ولا تراقص ضوء الشمس على أمواجه الرائقة. ~~البحر في ms162 الليل يثير حواسي المختلفة الأخرى، أمامي ظلمة حالكة، ~~أغمضت عيني فلا شيء لأراه، وسمحت لحواسي الأخرى بتلقي البحر. ~~شعرت بأمواجه تغمرني، تلامس قدمي بإيقاع منتظم، وصوتها ~~الرتيب يتكسر على شاطئ قلبي. ملأت رئتي من هوائه المشبع ~~بالرطوبة، وخباياه المحتملة، وأسراره المخفية، تخيلت أعماقه ~~السحيقة، مخلوقاته العجيبة، ورحت أتقدم أكثر وأكثر. بدأت ~~برودة الماء تلامس ساقي حتى ركبتي، فأعلى وأعلى، أصابتني ~~رعدة من برد ورهبة. فردت ذراعي وأخذت الرياح والأمواج ~~والظلمة تلعب برأسي فأصبت بالدوار، كادت ساقاي تخذلانني، ~~واشتغلت غريزة البقاء بتحذيري من خطر محتمل. فتحت عيني، ~~وتلفت حولي، كنت في بحر من ظلام، ولولا أنوار تسبح بعيدا ~~كغرقى متشبثين بالحياة لما عرفت اتجاه الشاطئ، مشيت ~~باتجاهها عائدة إلى الشاطئ، ومستسلمة للحياة. ~~«في بيروت» هكذا عنونت صورة لها على «الواتساب» وهي واقفة أمام ~~صخرة الروشة، يا للمفاجأة! رندة هنا؟ علي أن أفعل شيئا. ~~تذكرت حماسي الأول في جمعها بجدو نور، وأن الفرصة هذه ربما لن ~~تتكرر، لكني أواجه مشكلة كبيرة، كيف سأفعل ذلك؟ ما الذي يمكن أن ~~يجعل سيدة تعيش حياتها مطمئنة في تركيا، وتقيم أياما في بيروت ~~تسافر إلى حلب أخطر مدينة في العالم؟ لا يوجد دافع سوى الحب، ~~وأن أسافر معها، وهذا ما علي أن أفعله. كتبت لها: كيف حالك ~~سيدة رندة؟ أرى أنك في بيروت، حمدا لله على سلامتك. # وبعد ساعات جاءني ردها: الله يسلمك. شكرا، كيف حالك أنت؟ ~~- بخير. أريد أن أسألك سؤالا. ~~- تفضلي. ~~- ما الذي يجعل شخصا يترك بيته الآمن ويسافر إلى الحرب؟ ~~- سؤالك غريب، لكن لا أعتقد أن أحدا يفعل ذلك إلا إذا كان ~~مضطرا. ~~- هل تقع الضرورة الروحية أو العاطفية ضمن هذه الضرورات؟ ~~- بالتأكيد، إذا كانت قوية بما يكفي ليضع الشخص حياته على كف ~~الخطر. ~~- طيب سيدة رندة، هل يعني لك الثالث عشر من آب عام 1995م ~~شيئا؟ # بقيت بعدها دقائق أنتظر ردها لكنها لم ترسل شيئا، هل أخطأت ~~في تدخلي بخصوصياتها؟ هل كان أسلوبي سيئا؟ يظهر عندي أنها ~~متصلة لكنها لا تجيب، ماذا ms163 فعلت بكلماتي؟ هل أثرت غضبها؟ أم ~~ذكرياتها؟ أم أحزانها؟ كتبت أخيرا: آسفة سيدة رندة، ما قصدت ~~أبدا إزعاجك. لكنها أيضا لم ترد حتى اليوم التالي، جاءتني رسالة ~~منها كتبت فيها: لست أدري ماذا تعرفين وكيف، أنت صديقة عزيزة، ~~لكنك ما زلت صغيرة، هناك الكثير مما لا تعرفينه. # فأرسلت لها على الفور: آسفة، أعتذر منك مجددا على تطفلي، ~~لكنني أحبك حقا وأحترمك جدا. ~~- وهل محبتك لي تبرر لك النبش في ماض يخصني؟ ~~- أنا لم أنبش، لقد وجدت نفسي متورطة بكما من غير إرادة ~~مني. ~~- ماذا تقصدين؟ من حكى لك ؟ # بدأ قلبي يخفق بشدة، لقد اقتربت جدا من قول الحقيقة لها، ~~علي أن أختار كلماتي بعناية، كتبت: إنه الشخص نفسه الذي ظل ~~ينتظرك كل يوم أمام مفترق الطرق المؤدي إلى بيتكم في حي بستان ~~القصر، ثم أخذ ينتظرك كل شهر، ثم كل عام في الثالث عشر من آب. ~~إنه الشخص نفسه الذي يعيش وحيدا إلى الآن على أمل اللقاء بك، إنه ~~«نوار» سيدة رندة «نوار». # نظرت جيدا إلى الرسالة، تعمدت أن أكتب اسمه «نوار» وليس ~~«نور»، عدلتها قليلا ثم ضغطت زر الإرسال، وانتظرت، وطال ~~انتظاري، إنها لا تزال متصلة لكنها لا تكتب، ثم ظهر لي أنها تكتب، ~~حبست أنفاسي، وجاءت رسالتها: احكي لي كل شيء. # 7 ~~- هل أنت جاد يا سعيد؟ ماذا تعني بقولك هذا؟ ~~- أنا متفاجئ مثلك تماما، لكن صدقيني ما باليد حيلة. ~~- كيف؟ ألم ترهم عقد الزواج ودفتر العائلة؟ ~~- بلى، فعلت، لكن الأمور باتت معقدة جدا. ~~- ماذا تقصد؟ ~~- لا أدري، ربما قبل عام كانت أمور الاستقدام أفضل. ~~- وما الجديد؟ ~~- لم يعد منح الإقامات أمرا سهلا كما كان سابقا. ~~- لكنني زوجتك. ~~- أعرف، حتى لم الشمل توقف منذ مدة، ابن خالتي هنا أيضا لقد ~~مضى له عام تقريبا وزوجته وأولاده في حلب، لا هو يتمكن من ~~العودة إليهم، ولا هم قادرون على اللحاق به. تصوري لقد ولد له ~~بنت لم يتمكن حتى الآن من رؤيتها. ~~- وما الحل إذن؟ ~~- ما علينا سوى الانتظار. ms164 ~~- الانتظار مجددا؟ وانتظار ماذا؟ وهل سيتغير شيء؟ ~~- لست أدري. ~~- لكنني ... ~~- ماذا سلمى؟ ~~- اشتقت إليك ...! # 8 # المفاجأة صارت مفاجأتين، والفرحة فرحتين، هذه هي المرة الأولى ~~التي أراها فيها، كانت تنتظرني في ساحة النجمة. ارتبكت أول الأمر، ~~لم أدر إن كانت هي على الحقيقة؛ فالسيدة تلك الواقفة على بعد ~~أمتار مني محجبة، ورندة التي أعرفها ليست كذلك. اقتربت أكثر أتفحص ~~ملامحها، قالت: «سما؟» ضحكت ومددت يدي أصافحها، نعم، إنها هي، ~~قلت: أنا فرحة جدا برؤيتك، أشعر أن حلمي يتحقق، هل أنت رندة ~~الجميلة حقا؟ ~~- هههه، راح الجمال، وبقيت رندة، وأنا ممتنة لك ~~جدا. ~~- أنت جميلة على الدوام. # جلسنا في أحد المقاهي هناك، وتحدثنا طويلا، أخبرتني عن قرارها ~~بالحجاب، ومحبتها الكبيرة له، قالت: «في اللحظة التي ارتديته ~~شعرت أنه جزء مني، وأنه كان ينتظرني منذ زمن، أحمد الله الذي ~~أهداني إياه.» كان وجهها مشرقا بالفرح، وهي بين فترة وأخرى تمسك ~~بيدي وتضغط عليها، شعرت بارتباكها، فقلت لها: متى تنوين ~~السفر؟ ~~- لا أعرف سما، أشعر بقلق العودة. ~~- هل ذلك بسبب الحرب؟ أم بسبب جدو نور؟ ~~- ليس هذا وحسب، إنما أخاف من صدمتي لرؤية حلب التي أحبها قد ~~تغيرت، لقد عشت فيها تسع سنوات. ~~- معك حق فحلب لم تعد كما كانت، كل شيء تغير، قلوب الناس ~~ووجوههم، في عيونهم مزيج رهيب من خوف وقلق ووجع، الأطفال أكثر من ~~يحيرني، لم أعد أرى أطفالا، إنما أرواحا هرمة في أجساد ~~صغيرة! ~~- مؤسف جدا، أنت أيضا تتكلمين كشخص في الستين من ~~عمره. ~~- هههه، أرجو ألا يشمل ذلك شكلي أيضا! آه ليتني أتمكن من ~~السفر معك! كيف سأفوت على نفسي فرصة لقائكما؟ ~~- لا تقلقي، لقد قمت بواجبك وزيادة، لا أعرف كيف أشكرك. ~~- هل تمزحين؟ تشكرينني؟ أنا الآن أعيش حلمي، تعرفت أخيرا ~~إليك وأرجو أن يكتمل الحلم بجمعكما معا. دعيني أسافر معك غدا ~~وهكذا أرحل قبل وصول شادي، سأخبره لاحقا وسيفهمني ~~بالتأكيد. ~~- أنت فتاة مجنونة، لا يمكنني أن أقبل إطلاقا. ~~- أرجوك سيدة رندة. ~~- هذا موضوع غير قابل للنقاش، ثم إنني ms165 لست صغيرة لأحتاج ~~مرافقا، فلا تقلقي. # ثم نظرت إلى ساعتها وقالت: هل لك أن تعذريني سما، علي أن ~~أقوم حتى لا تفوتني صلاة العصر. ~~- نعم بالتأكيد، لكن هل لي أن أسألك سؤالا؟ ~~- بالطبع، تفضلي. ~~- هل تحافظين هكذا على الصلاة في كل الأوقات؟ وفي أي ~~مكان؟ ~~- نعم أحاول دائما. ~~- أنا لا أصلي إلا نادرا، ليس تهاونا أو نسيانا. ~~- وإنما؟ ~~- وإنما لأنني أشعر أن صلاتي نفاق وكذب ولا فائدة منها. ~~- كيف ذلك؟ ~~- دائما يقولون لنا إن الصلاة صلة العبد بربه، أنا لا أشعر بهذه ~~الصلة؛ ففي لحظة دخولي في الصلاة تأخذني الأفكار من كل جانب، البيت ~~والأحداث والأصدقاء وكل شيء عدا الصلاة، ما هذا الكذب؟ ~~- أنت لديك أخت صغيرة. صحيح؟ ~~- نعم، فاطمة. ~~- طيب، ماذا تفعل فاطمة إذا طلبت منك شيئا ولم تحصل ~~عليه؟ ~~- يا إلهي! إنها لا تمل أبدا، تكرر الطلب وتحاول بمختلف ~~طرق الاستعطاف والترجي والوساطات والمفاوضات حتى أنفذ لها ما ~~تريده. ~~- هكذا افعلي أمام بابه! يكفي أنك تحاولين. # التقيت برندة مرات عدة في بيروت، كانت أحاديثنا مزيجا من ~~ذكريات ودموع وضحك، لم أخبرها بالطبع عن العقد السماوي، سأترك ~~ذلك لجدو. ومثلما تخيلتها تماما، فهي سيدة قوية واضحة ~~مهذبة، وعلى الرغم من التجاعيد الرفيعة التي تظهر حول فمها حين ~~تضحك، فإنها جميلة وأنيقة بحجابها الجديد الذي قالت لي عنه إنه ~~نعمة. # سألتها مرة عن بحثها عن الحقيقة الذي كانت قد بدأته أيام ~~برلين، أريد أن أستعين بها، وأستوحي منها في علاقتي بالله، وأن ~~أكتشف أسطورتي الشخصية كما قرأت في «الخيميائي»، قالت: لقد ~~استهلك مني ذلك عمرا بأكمله. ~~- وإلى ماذا توصلت؟ ~~- لم أصل إلى الآن. ~~- حقا؟! ~~- لقد حاورت كثيرين من مختلف الاعتقادات الدينية واللادينية، ~~وأجريت أبحاثا كثيرة، وتوصلت إلى حقيقة أن كل واحد منهم ينسب ~~الحقيقة إلى نفسه، ويحارب من يخالفه. ~~- وأيهم كان يملكها؟ ~~- هذا هو السؤال الذي كان يشغلني طوال تلك المدة. ~~- طيب؟ ~~- ثم اكتشفت أن هذا السؤال بالتحديد هو أكبر مغالطة، وأنه ~~يضيعني بدل أن يرشدني. ~~- كيف ذلك؟ ~~- أي طريق ms166 سلكت للوصول إلى بيروت؟ الطريق المعتاد نفسه قبل ~~الحرب؟ ~~- بالطبع لا، سلكنا طريقا أطول وأصعب. ~~- وهل وصلت إلى بيروت؟ ~~- ... ~~- أرأيت؟ الطرق كثيرة، يطول بعضها ويقصر بعضها الآخر، يسهل أو ~~يصعب، وتتقاطع كثير منها في بعض النقاط، وتفترق في أخرى، والمهم ~~هو الوصول. ~~- لكن بعضهم لا يصل. ~~- صدقت؛ فبعض الطرق تتوه بسالكيها، إما بسبب كثرة تعرجات ~~الطريق، أو فقدان البوصلة، أو ضياع المرشد، أو تطرف السالك ~~واعتداده بنفسه. ~~- والمهم الوصول. ~~- تماما، والأجمل أن تحملي دائما خارطتك في قلبك، فلا يكون ~~اعتمادك إلا عليها. # 9 # حان الموعد، وضع نظارته جانبا، أخذ صينية القهوة إلى المطبخ، ~~غسل فنجانه بعناية، وضعه على المشبك، وراح يتأمل تساقط قطرات ~~الماء عنه، كم مضى عليه من الزمن وهو يشرب بهذا الفنجان تحديدا؟ ~~فنجان أبيض مذهب الحواف! لم يكونا يملكان غير هذه الفناجين، ~~لطالما شربا القهوة فيها، كانت مولعة بالقهوة. لقد تكسر من طقم ~~الفناجين هذا حتى اليوم ثلاثة فناجين وطبقان، في كل مرة ينكسر فيها ~~فنجان كان يدخل في حالة حداد وكأنه فقد أحد أبنائه، ومنذ تلك ~~الأيام لم يستبدل فناجينه بأخرى، كان يعد ذلك نوعا من الوفاء، أو ~~التشبث بقشة أمل، أو هو مجرد تحايل على النفس لإرضاء رغبتها ~~بأن يبقى كل شيء على حاله حتى عودتها. ضحك سخرية في سره، ~~ابتلع حرقته واتجه إلى غرفته، بدل ملابسه، ارتدى سرواله الكحلي ~~الأثير لديه، وقميصه الأبيض. ألقى نظرة إلى نفسه في المرآة، نظرة ~~خاطفة واحدة استغرق فيها من الوقت ما يسمح له أن يطمئن على مظهره ~~بشكل عام، وانتظام الشعرات الفضية على رأسه، ثم استدار هاربا من ~~عينيه اللتين ستسألانه السؤال نفسه: ماذا تفعل كل هذه الأعوام؟ ~~ألم تمل بعد؟ كفاك جنونا فلن تعود. هرب من الأسئلة كلها إلى ~~جرح يتيم في صدره: وهل هناك شيء آخر لأفعله؟ # عاد إلى مكتبته مجددا، استل علبة شامواه من درج مكتبه ~~الثاني، لقد اهترأت العلبة كثيرا، وانمحى لونها الأخضر، مسح ~~الغبار عنها، وفتحها متأملا العقد ذا الحجر السماوي. أغلق ~~العلبة ms167 ووضعها في كيس من الكرتون وخرج إلى موعده. # لم يكن الطريق سهلا، وخاصة في السنوات الأخيرة التي اشتعلت ~~فيها الحرب في حلب وأحيائها الشرقية خاصة. إن عليه أن يذهب هناك ~~إلى حي الشعار تحديدا، صحيح أن البيت الذي سكناه معا كان ~~بالأجرة، لكنها لا تعرف غيره، قد تعتقد أنه لا يزال هناك. تطاول ~~الوقت معه كثيرا فلم يصل إلى الحي حتى انتصفت الشمس في كبد ~~السماء. # لقد تغيرت الحارة كثيرا، وتبدلت ملامحها منذ عام إلى ~~الآن. أبنية مهدمة وأخرى مسودة من آثار الاحتراق، أصوات ~~إطلاق رصاص من بعيد يتخللها صفير صاروخ أو دوي انفجار. في كل ~~مرة يسمع فيها صوتا قويا كان ينحني إلى الأرض ليحمي بحركة لا ~~إرادية رأسه ويشد الكيس الورقي إلى صدره، ثم يعود فينتصب واقفا ~~ويكمل طريقه، وكذلك يفعل الناس من حوله، ويستمر بعدها كل إلى ~~وجهته. وبصعوبة كبيرة اقترب من بلوغ المكان، إلى مفترق الطرق ~~المؤدي إلى بيتهما القديم. # كان يلهث تعبا من طول المدة التي قضاها ماشيا، أو خوفا من ~~يأس ينتظره، أو رهبة من أمل قد يتحقق. تسارعت نبضات قلبه مع ~~كل خطوة يخطوها، وتسارعت معها خطواته وصارت أقرب إلى الهرولة. ~~راحت حبات العرق تنسكب من جبهته ورقبته وتبلل ياقة قميصه؛ فشمس ~~آب كانت كعادتها سخية بحرارتها مع سماء مقفرة تماما من الغيوم. ~~وشيئا فشيئا خلت الشوارع في مثل هذا الوقت من المشاة، على بعد ~~أمتار منه هناك رجل يمشي أمامه حاملا سطلا من اللبن وأكياسا ~~سوداء، وعلى الرصيف المقابل كانت هناك سيدة بدينة تمشي ببطء ~~وتتمايل على الجانبين وتشد بيدها طفلا بالكاد يمشي. # تقدم أكثر وخلا المكان تماما من الناس؛ فالحارة التالية ~~مهدمة بالكامل، من بعيد رأى الشجرة التي يعرفها جيدا، أسرع ~~باتجاهها هربا من الشمس الحارقة، وطلبا للظل. اقترب أكثر ولاح له ~~لأول مرة سواد على الأرض، اضطرب قلبه، ارتعشت شفتاه، أخرج ~~منديلا ومسح العرق من جبينه، توقف لحظة وراح يحدق خلف ~~الشجرة. مشى بضع خطوات وتبين له بما لا شك ms168 فيه أن هناك شخصا ~~يجلس تحت الشجرة. أتكون هي؟ وعند هذه اللحظة انشل كل شيء فيه، ~~وتسمرت قدماه، وكأنهما صخرتان مثبتتان في الأرض، ليته يمشي ~~خطوتين أيضا ليتأكد أكانت هي أم لا، ليته يعرف؛ فأن يفقد الأمل ~~هذا العام أيضا خير له من هذه الحالة التي تملكته الآن! ~~تجمد مكانه دقائق كانت بالنسبة إليه خرقا للزمان وسقوطا في ~~العدم. # وفجأة تحرك ذلك الشخص الجالس تحت الشجرة، وقف، لا، بل وقفت، ~~إنها سيدة بتنورة بنية طويلة وسترة مزهرة وحجاب سكري ~~اللون. التوى على نفسه فقد آلمه قلبه وكأنما سرى فيه سيخ من نار. ~~قامت السيدة ونفضت ثيابها، انحنت إلى الأرض وحملت سجادة وقامت ~~بنفضها أيضا، إنه لا يرى وجهها إلى الآن، فتحت حقيبتها، أخرجت ~~نظارة شمسية وارتدتها، رفعت يدها اليسرى ونظرت إلى ساعتها، ~~تقدمت إلى الأمام قليلا، استدارت فالتقت أعينهما. # خلعت نظارتها على الفور، وقطبت جبينها محاولة تركيز نظرها ~~على هذا العجوز الواقف أمامها على مسافة عشرة أمتار تقريبا. رقص ~~قلبها بخفة، وعلمت على الفور أنه هو، ابتسمت، وشيئا فشيئا ~~تحولت ابتسامتها إلى ضحكة عالية وصاحت: نوار. ركضت إليه، ~~تأملته عن قرب، أما هو فقد غاب عن العالم، وطار إلى الجنة، إنها ~~هي ...! # توقفا دقيقة، ظل صامتا تاركا روحه تقول كل شيء، يتأملها ~~مركزا على عينيها الدامعتين، وكانت هي تتحدث وتبكي بلا ~~انقطاع. لم يكن يصغي ولم يعرف ماذا تقول، كان مكتفيا بلذة ~~قربها، بفرحها الطاغي، ببكاء كان يغالبه. وثار أخيرا إثر لمسة ~~حانية من كفيها على وجهه، واضعة إبهاميها على حاجبيه كعادتها ~~دائما حين كانت تتدلل بحب. # بيوت مهدمة وأخرى محروقة، ركام هنا، وأوساخ هناك، أصوات الحرب ~~تقطع الأجواء، رائحة احتراق ممزوجة بروائح الطبخ الحلبي ~~الخارجة من البيوت، شمس حارقة، وقرب الشجرة وقف اثنان ~~متعانقين. # 10 # كانت شديدة الارتفاع، إنها «كوكبان» يخيل إليك وأنت تسير في ~~شوارعها أنك عدت إلى ما قبل الحضارة والمدنية؛ فشوارعها ترابية، ~~وكل أبنيتها من الحجارة والطين، لا لون هنا سوى لون التراب، ولن ~~تلحظ أي ms169 اختلاف أو تباين بين الشوارع والأبنية، حتى الناس ملامح ~~وجوههم كلها متشابهة، هل يعيش الناس هنا حقا؟ ووسط هذا التشابه ~~والتماهي اللوني، كان وحده بريق الجواهر يلتمع في عيني ويجذب ~~اهتمامي، قلادات قديمة، وأساور فضية، ومصابيح مذهبة، ومسابح ~~فضية مزينة بالأحجار الكريمة من مختلف الألوان، وبالطبع فإن ~~العقيق له النصيب الأكبر من هذه الأحجار. # تجمع أصحاب العربات حولنا؛ فقد لاحظوا بالتأكيد أننا غرباء ما ~~يعني أن جيوبنا مليئة وأننا نرغب حقا في الشراء، وهذا ما جعل ~~الباعة يطلبون أضعاف السعر الحقيقي، لكن من يعرف السعر الحقيقي لأي ~~شيء هنا؟ حمدا لله؛ فقد كانت معي سيدة عاشت هنا لفترة طويلة ~~فماطلت معه بالأسعار حتى نزلت إلى النصف أو أقل، فابتعت عقدا ~~من حجر الجزع، كان لونه أسود بخطوط بيضاء وفضية ويشبه شكل ~~العين. # وهناك على ارتفاع آلاف الأمتار صليت الظهر والعصر، عجبا! هل ~~كنت أتخيل ولو للحظة واحدة في حياتي أنني هنا في أقصى الجنوب ~~وعلى ارتفاع 2800 متر، وعلى هذه البقعة الصغيرة من الأرض بالتحديد ~~سأصلي واضعة جبهتي على الأرض؟ من يدري فيما بعد أين ستكون ~~صلاتي؟ # السيدة سمر من دمشق العريقة، احتضنتني هي وعائلتها الجميلة، ~~كانت كريمة معي إلى أبعد درجة، خصصت لي غرفة عندها لأقيم ~~ريثما أتدبر أموري. في بيتها لم أشعر إلا وأني في سورية مع أهلي ~~وبيتي وحارتي، معاملتها الراقية معي، نظرتها الجميلة للحياة، ~~محاولتها الدائمة لرؤية الجانب المشرق حتى في أعقد الأمور ~~وأكثرها سوءا؛ كلها أمور ميزتها عن غيرها. بيتها يتحدث عن ~~رقيها وذوقها الدمشقي الأصيل، وكأنه جوهرة منتزعة من قلب ~~دمشق ومزروعة هنا وسط صنعاء اليمن. أوصتها بي السيدة رندة فهما ~~صديقتان قديمتان جمعتهما الدراسة في برلين وفرقتهما دروب ~~الحياة. وضعتني السيدة سمر في عينيها كما يقولون، وعرفتني ~~على البلد والناس الطيبين هنا، مع عاداتهم وأكلاتهم الشعبية ~~ومطاعمهم البسيطة منها والفاخرة. أخذتني إلى الآثار القديمة ~~للمكان، إلى الأسواق التقليدية المرصوفة بالحجر، والمسقوفة ~~بالأقواس، والمحلات التي تفوح منها روائح الهال والحناء والتوابل ~~الأخرى. كم تذكرني ms170 هذه المحال الصغيرة المتقاربة بأسواق حلب ~~القديمة في «المدينة وسوق العتمة والسويقة». # 1 # غدا هو يوم الجمعة، وعلى الرغم من إصرار السيدة سمر علي ~~بالبقاء عندها فترة أطول، فإن علي أن أغادر؛ فأسبوع واحد من ~~استضافتها السخية لي يكفي، كما أن هناك عملا مهما علي أن ~~أنجزه. # | الفصل الثامن # 1 # في غرفته جلس وحيدا غريبا جاثيا على ركبتيه، غارقا في بحر ~~من دموع وذكريات، وبين يديه طرحتها البيضاء المزينة باللؤلؤ ~~والخرز الأبيض، كان قد تفاجأ بها مخبأة بين ثيابه المطوية ~~بعناية. مضى على وصوله سبعة أشهر ولم يقم بعد بإفراغ حقائبه، ~~يطيب له أن يتركها كما تركتها هي، مرتبة منظمة محتفظة ~~بلمساتها عليها، وبقايا ما علق فيها من عطرها. لم يشأ أن يشوه ~~هذا الجمال، راح يتأمل الحقيبة المفتوحة أمامه، هكذا فعلت في ~~حياتي، هكذا دخلت إلى عالمي فأكسبته الترتيب والأناقة ولمسة ~~خاصة من سحر أنوثتها. لكن «يا فرحة ما تمت!» اعتصر الطرحة بين ~~يديه، قربها من وجهه، راح يستنشق بقايا روحها المسكوبة هنا ~~وهناك وفي كل مكان. # بكى قلبه؛ فما عاد لعينيه وسع لبكاء أو دموع. تذكر الليلة ~~الأولى، خوفها وحياءها، ارتجاف يديها، رعشة شفتيها المصبوغتين ~~بالأحمر الداكن، عينيها المسبلتين وصوتها الناعم، يا لهذا الصوت ~~الملائكي! تذكر نزهتهما الأولى مشيا حول الفندق، وتسللهما ~~بين الأشجار ليلا، رن في أذنيه صوت ضحكتها حين حملها وهي ~~تشد قبضتها على قميصه خشية أن تقع، كيف أوقعك يا حبيبة القلب ~~كيف؟ # خمسة أيام هي كل رصيده منها، امتلأت جمالا وحبا وسعادة ~~موقوتة بالفقد والفراق، غادرها والشوق يسبقه، سافر وترك روحه ~~معلقة في الوطن بين يديها، ويلي من يديها الصغيرتين وحبة ~~الخال المختالة! كانتا في حضن يديه في آخر لحظة، همس لها: «سأراك ~~قريبا، أعدك بذلك يا جميلتي.» غالبت دموعها وابتسمت. ما ~~أتعسني! لماذا لا أتمكن من تحقيق وعدي لها؟ هذه هي المرة ~~الثانية التي أخذلها! يا للظلم والقهر! متى أراك سلمى متى؟ لماذا ~~كتب على الحب أن يكوى بالخوف؟ وكأنهما ولدا معا؛ الحب ms171 والخوف. ~~الحب خوف نصفه، ونصفه اشتياق. # قام بطي الطرحة بحذر، وأعادها إلى الحقيبة، وأغلقها على خوف ~~وأمنيات وصرخة مكتومة ويأس مقيت. وفي غرفته جلس وحيدا غريبا ~~جاثيا على ركبتيه، غارقا في بحر من دموع وذكريات. # 2 ~~- ستعطيك أمي بعض الأوراق لتجلبيها لي معك. ~~- على عيني، لكن أريد أجرتي سلفا. ~~- أنا جاهز، أقصد «نحن» جاهزون. ~~- ههههه، هل ما زلت تذكر؟ ~~- طبعا وما زلت إلى الآن لا أعرف لماذا كنت تخاطبيني بضمير ~~الجمع؟ أظن أن ضمير الجمع يتوافق مع مكانتي العالية وقدري ~~الرفيع! ~~- لا تشطح كثيرا بخيالك، إنما كنت أفعل ذلك استجابة لرغبة ~~داخلية عندي في إبقاء العلاقة بيننا أكثر رسمية. ~~- آها، يا للرسمية التي غدونا عليها الآن! ~~- سبحان الله! من كان يدري؟ ~~- حسنا، المهم اطلبي وتمني. ~~- هل أنت واثق؟ أطلب ما أشاء؟ علي إذن أن أتريث و«أتدلل» ~~قدر ما أستطيع. ~~- أكيد، لك ذلك. ~~- هل توافق هكذا «على بياض» من غير أن تعرف طلبي؟ ~~- وماذا أستطيع غير الرضى والموافقة؟ ~~- ألا تخشى أن تصيبني كلماتك بالغرور؟ ~~- «ته دلالا فأنت أهل لذاكا ...» ~~- ههههه غلبتني. أراهن أنك تبتسم الآن، هل أنا محقة؟ أراك ~~مبتسما مسترخيا. ~~- نعم، والذهن يذهب شرقا وغربا يحاول تصور ما تريدين. ~~- ماذا تريدني أن أريد؟ فلا أريد إلا ما تريد! ~~- وماذا تريدين أن أريد؟ ~~- ههههه. لا تسرق كلماتي. ~~- بل أفكارك، أفكر بطريقتك. ~~- عليك حد السارق إذن، عليك أن تمثل أمام العدالة. ~~- «يا أعدل الناس إلا في معاملتي، فيك الخصام وأنت الخصم ~~والحكم!» ~~- ههههه. عليك حد وسداد أجرة. أعانك الله. ~~- ولا بأس أمام الرضى. ~~- البارحة ليلا حدثتك ساعة. ~~- وكيف كان ذلك؟ ~~- أمام شباكي، هل سمعت الكلمات أم طارت بها الرياح؟ ~~- وكيف كانت كلماتك؟ ~~- إيه، كثيرة، لطالما فعلت ذلك، أنظر باتجاه الجنوب، وأرقب ~~القمر، وأتحدث بقلبي بلا صوت، أتحدث وأتحدث ثم أختم ب «تصبح ~~على خير.» ~~- يا له من موقف روحاني عظيم، وكم أنت عميقة الروح ~~والوجدان! ~~- شكرا. ~~- سأخلد إلى النوم الآن، سأضع رأسي على ركبتيك وأغفو. ~~- نم مطمئنا في روحي وفي أمان الله. ms172 # 3 ~~«الحي السياسي»، قالت لسائق سيارة الأجرة فانطلق بها، راحت ~~تفكر: كم مر علي من الوقت منذ آخر مرة رأيته؟ عام؟ أو أقل؟ ~~ماذا سأقول له حين يراني؟ هل ستجري الأمور على خير؟ ماذا سيحدث في ~~الدقائق القليلة القادمة؟ اضطربت السيارة وهي تمر على بعض ~~المطبات والحفر، فانشغلت بذلك قليلا عن قلقها. نظرت من ~~النافذة، شوارع وأبنية باتت تألفها قليلا، الناس في الشوارع ~~بخدود منتفخة بالقات، # 1 # وعيون ساهمة، الأطفال يركضون وبعضهم بأرجل حافية، ~~على الأرصفة رجال يأكلون، ونساء تبيع أو تشحذ. ~~«من هنا يبدأ الحي السياسي، أين تريدين؟» جاءها صوت السائق، لكن ~~الحي كبير، تتذكر أنه أخبرها مرة بوجود فرن للخبز بجوار بيته، ~~قالت: خذني إلى فرن الخبز. ~~- يوجد ستة أو سبعة أفران في هذا الحي، أي واحد تبغين؟ ~~- خذني إلى أقربها. # نزلت مع تباشير يأس بدأت تتسلل إلى روحها، ذهبت إلى أول ~~فرن صادفته، وراحت تسأل عنه لكن لا أحد يعرفه، انتقلت إلى ~~الآخر مشيا، فالثالث والرابع، سلخت ساعات تمشي تحت الشمس، ~~دخلت حارات ومشت في أزقة، راقبتها بعض الأعين المتطفلة، ~~ولحق بها أطفال وجدوها غريبة. وأخيرا تملكها اليأس من كل ~~جانب، وعبثت بها خيبة الأمل، استدارت ومشت إلى الشارع الرئيسي ~~لتوقف سيارة أجرة وتعود. # قبل أن تركب شعرت بأحد يشدها من كمها، استدارت فرأت ~~طفلا متسولا قال لها: «أنا أعرف الدكتور السوري فهو دائما ~~يعطيني مالا.» ابتسمت لطيبة هذا الولد، ناولته ما وجدته في ~~محفظتها من نقود معدنية، ربتت على كتفه وقالت: إنه ليس ~~دكتورا، لكن شكرا لك. ~~- هو دكتور، كل الناس تقول له دكتور، هو الدكتور السوري. ~~- طيب، كيف هو شكله؟ ~~- «حليوة» هذا الدكتور، أنتم السوريون حلوين. ~~- شكرا لك. ~~- تعالي أدلك أين يسكن. # وبدافع التعلق بقشة انطلقت خلفه، لعله يكون محقا! ~~فأخذها إلى شارع فرعي فيه أشجار كبيرة وعمارات من طابقين مكسوة ~~بحجر أحمر وترابي على طريقتهم التقليدية في تزيين واجهات ~~العمارات، قال لها الصبي: هذه حارته. لكنه لا يعرف أين يسكن ~~تحديدا، وتركها وركض. هناك ms173 ثلاث عمارات من الطرف الأيمن على ~~امتداد الشارع، وعلى الطرف الأيسر أرض خالية، وفي كل طابق شقتان ~~أو أكثر. هكذا أخذت تحدث نفسها من خلال ملاحظتها للنوافذ على ~~كل جهة، نوافذ عريضة مقسمة تعلوها القمريات ذات الزخارف ~~والزجاج الملون. وقفت تحاول أن تتذكر ما قاله لها عن إطلالة ~~البيت؛ فقد أخبرها مرة أنه يرى الجبال من شباك المطبخ، نظرت ~~حولها، لا تكاد ترى الجبال فالعمارات تسد عليها الرؤية. دارت حول ~~العمارات تبحث عن عمارة تقع مطابخها على إطلالة مفتوحة، فوقع ~~حدسها على العمارة الثالثة الأبعد، لكنها من طابقين، ومع إلغاء ~~الطابق الأرضي لأنه لا يمكن رؤية الجبال من نوافذه، تكون قد حصرت ~~بحثها في طابقين. # هبت نسمة هواء باردة، فملأت رئتيها، واتقد أملها، اتجهت ~~صوب باب العمارة لتدخل، فوجدته مغلقا، يوجد «إنترفون» بجانب ~~الباب، ضغطت على الأزرار العليا، لا أحد يجيب؛ فالوقت قبيل صلاة ~~الجمعة. دقت الأزرار كلها مرة أخرى، فأتاها صوت امرأة تصرخ ~~وتسب، ثم أجابها صوت طفل لم تفهم كلامه. ضحكت في سرها، ~~وتذكرت رحلتها الفاشلة في البحث عن رائد، كان ذلك منذ زمان ~~مضى! # التفتت عائدة، نزلت درجة، فدرجتين، «مين؟» أتاها صوت يسأل، ~~تسارع نبض قلبها، هل يكون هو؟ «مين؟» بإلحاح أكثر هذه المرة: ~~«آلو ... مين؟» عادت إلى الإنترفون، تعلقت بصوت وكلمات؛ فهي طاقة ~~نجاتها الوحيدة من فشل مركب في هذه اللحظة، ابتلعت ريقها ~~وقالت: «نعم.» أتاها الصوت نفسه: «من تبغين؟» وزال الشك دفعة ~~واحدة، ورقصت حبات القلب طربا، وزغردت الروح بفرحة النجاح، ~~هذا صوته! أم هكذا خيل إليها أملها؟ كلا، لن تقول له من تكون، ~~افتعلت لهجة يمنية وقالت: «إحنا البقالة، جبنا لك الغاز، ممكن ~~تفتح لنا الباب؟» فأجاب: «لكن أنا ما طلبت الغاز.» قالت مستجيبة ~~لغريزتها العفوية: «افتح لنا يا أستاذ، يمكن هذا جارك. الغاز ~~ثقيل الله يرحم والديك.» # وانفتح الباب، وتنفست الصعداء أخيرا، درجات فقط تفصلها ~~عنه، شكرت الله أنه لم ينزل بعد إلى الصلاة، قادتها الفرحة ~~بخطوات عجلة ومضطربة، كادت توقعها أرضا، وشيء ms174 من قلق يشتعل ~~ببطء في قلبها، هل يكون الوهم قد خيل لي صوته؟ وهل أراه حقا؟ ~~صعدت إلى الطابق الأول، فوجدت شقتين، شقة أمام بابها ~~كومة من أحذية وصنادل، ليست هذه بالتأكيد، والأخرى بابها مفتوح ~~إلى الداخل ولا أحد فيها. صعدت إلى الطابق الثاني، حيث وجدت ~~شقتين أيضا، إحداهما لا شيء أمام بابها، والأخرى أمامها ~~قارورة ماء كبيرة، أيهما تكون؟ وقفت تفكر لثوان وهي تلتقط ~~أنفاسها، وصدرها يعلو ويهبط في سرعة كبيرة مستجيبا لخفقات قلب ~~لاهثة ورئتين تطلبان الأكسجين. نظرت إلى البابين مرة أخرى، ~~يبدو أن الباب الثاني قد نظف في وقت قريب، لعله يكون هنا! ~~رفعت يدها إلى زر الجرس، لا لا، ليس الجرس، إنه مزعج، حسنا، ~~وضعت قبضة يدها على الباب لتطرقه، ثم أرختها، ماذا لو فتح لي ~~شخص غيره؟ لكن لا بد أن يكون هنا؛ فهذا هو الطابق الأخير، وفوقنا ~~السطح فقط. عادت إليها الشجاعة، مدت يدها مرة أخرى، طرقت ~~طرقات خفيفة، كل طرقة كانت تنزل على قلبها رهبة وولعا وترقبا، ~~لا أحد يجيب، حسنا، لم لا أنتظره حتى يخرج؟ اقتنعت بالفكرة، ~~وبدأت تنزل الدرج، وحين وصلت إلى الطابق الأرضي توقفت فجأة، ~~استدارت، صعدت الدرج ركضا، ومن غير تردد ضغطت زر الجرس ~~مرتين، وقفت تلهث، ثوان وسمعت صوت خطوات قرب الباب، أنفاسها ~~تتسارع، صوت مفاتيح، أحدها يدخل القفل، طق، طق، وانفتح ~~الباب. # يا إلهي إنه هو! هو نفسه شادي، شادي العزيز، فتح فمه دهشة، ~~وجدها تلهث مبتسمة متأثرة ووجهها محمر. وقفا يتأمل أحدهما ~~الآخر، فتح فمه ليقول شيئا، أغلقه، أعاد تثبيت النظارة على ~~عينيه، شعر بقطرات من العرق البارد تغزو جبهته، يده الأخرى على ~~مقبض الباب، ماذا؟ وكيف؟ غطت وجهها بيديها، وبدأت بالبكاء، ~~وكادت تقع أرضا، أسندها وأدخلها البيت: «مجنونة، ~~مجنونة.» # | خاتمة # مضى على زواجي بشادي عشرة أشهر، أما كيف حدث ذلك فقد تعذر لشادي ~~اللحاق بي إلى بيروت؛ فبعد أن فرضت لبنان التأشيرة على السوريين لدخول ~~أراضيها لم يتمكن شادي من الحصول على واحدة. طلب مني ms175 والداي العودة ~~إلى حلب، لم أقبل طبعا؛ فقد قطعت نصف الطريق الأصعب لأصل إليه، ألا ~~أملك القوة لأكمل نصفه الآخر؟ قام زوج خالتي بعقد قراني على شادي ~~غيابيا، ثم تمكنت من إقناع عائلتي بالسفر إليه وحدي من غير علمه. ~~لم يوافق والدي في أول الأمر، لكنه حين علم بوجود السيدة سمر التي ~~تعهدت بالاعتناء بي، واستقبالي من المطار اطمأن ووافق على ~~مضض. # سافرت إلى شادي وحدي، لم أكن أتخيل أنني سأتمكن من فعل ذلك ~~يوما ما، لكن الظروف تتغير ويتغير معها كل شيء. أيقنت أن شادي هو ~~الرجل الوحيد الذي أستطيع الاعتماد عليه طوال حياتي، وأنه لن ~~يخذلني، وقد وهبني ذلك قوة كبيرة. ساعدتني السيدة سمر صديقة رندة ~~كثيرا، واستضافتني في بيتها. لم أكن أعرف رقم شادي أو أين يسكن ~~تحديدا. لن أنسى ذلك اليوم حين رأيته أول مرة بعد انقطاع طويل، كان ~~أنحف كثيرا، مع نظارة طبية يرتديها. كنت في حلم حقيقي، فرحت ~~وحزنت وبكيت وضحكت، أما هو فقد ظل يردد: «مجنونة، ~~مجنونة.» # أخي سعيد وسلمى العزيزة ينتظران فرجا ما يجمعهما مجددا بعد عذابات ~~وأشواق كثيرة، كم أحزن لهما! فبعد معجزة زواجهما افترقا ولم يلتقيا ~~إلى الآن، يا لسلمى المسكينة! ويا لسعيد البائس! # فاطمة الآن في الصف السادس وهي من بقيت عند أهلي في حلب، وأبي ~~وأمي لا يزالان هناك، أحدثهما كلما تحسنت الاتصالات ~~لديهم. # رائد أصدر ألبومه الخاص، وهو يتنقل بين بيروت ومصر والخليج، يحيي ~~حفلات بين الحين والآخر، لم يتزوج إلى الآن، وهو يزداد شهرة وغنى ~~بالتأكيد. أما الملك سليمان فبعد أن علمت أنه كان صديق نادر رحمه ~~الله، وأنه أثر في تزايد الحقد والغضب في قلبه، وهذا ما أدى بطريقة ~~أو بأخرى إلى موته، فإنني انهرت تماما وقطعت علاقتي به. وصحيح أن ~~ذلك كان صعبا جدا علي وأوصلني إلى الحضيض، لكنني لم أكن أستطيع ~~إكمال طريقي معه، هذا كان أفضل. أحمد الله أن وهبني القوة على المضي ~~في قراري وعدم العودة عنه. سمعت أنه لم يرتبط ms176 بامرأة إلى الآن، وسمعت ~~أيضا أنه ينوي الذهاب إلى الحج. كلما تذكرته أدعو له ~~بالخير. # جدو نور ورندة الجميلان يقيمان في حلب وقد أرسلا لي صورة لهما ورندة ~~ترتدي العقد ذا الحجر السماوي، وأنا أرجوهما في كل رسالة أن يزوراني ~~هنا في صنعاء. رندة الآن تعمل أستاذة في جامعة حلب، لقد صارت زميلة جدو ~~في عمله! يا للروعة! # أما شادي فمن كان يدري أن رسالة عبر الإنترنت وصلت إلي بالخطأ ~~قادتني إليه؟ هو الآن يعمل في شركة للآثار، وغدا يفتتح معرضه الأول ~~للوحاته في فن الخط العربي في كلية الفنون الجميلة في صنعاء، أما أنا ~~فأدرس إدارة الأعمال في الجامعة اللبنانية هنا، أخيرا تحقق حلمي في ~~الالتحاق بالجامعة! أعمل مساء في إحدى الجمعيات الخيرية بتدريس ~~الفتيات القراءة والكتابة، وهو عمل ساعدني كثيرا وألهمني ووهبني ~~سعادة غامرة، ومن يدري، لعلني به قد وصلت إلى تحقيق مكانتي في هذا ~~العالم! # لا يوجد خطأ أبدا، ولا مصادفة، حين ترتمي في أمواج الأقدار ~~الإلهية لن ترى إلا خيوطا معقدة متشابكة، ستغضب وتشعر بالظلم. ~~أما حين تنتهي اللوحة، فابتعد قليلا وستجد أن هذه الأقدار صنعت ~~لك خصيصا أجمل لوحة، وأن خيوطها غزلت لروحك أروع نسيج! ~~(النهاية) # مزنة كمال # المدينة المنورة، 6 / 8 / 2018م ms177