######OpenITI# #META# URI: 1450NahidHindi.MinShuquqZalam.Hindawi53539741 #META# Tags: literature :: biographies #META# ID: 53539741 #META# Title: من شقوق الظلام: قصة سجين أكثر ما يؤرق فيها أنها لم تنته بعد #META# AuthorID: 26138528 #META# Author: ناهض الهندي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء‏ # نفثة‏ # مقدمة لا بد منها‏ # 1 - المعتقل‏ # 2 - السجن‏ # إهداء‏ # نفثة‏ # مقدمة لا بد منها‏ # 1 - المعتقل‏ # 2 - السجن‏ # | من شقوق الظلام # | من شقوق الظلام # | قصة سجين أكثر ما يؤرق فيها أنها لم تنته بعد # تأليف # ناهض الهندي # ليس مستحيلا أن تقضي في السجن عشرا من السنين، خمس عشرة، ~~وأكثر، ذلك ممكن شريطة ألا تسود الجوهرة النائمة تحت ثديك ~~الأيسر. # ناظم حكمت # | إهداء # إلى من وقف في الظلام منتصبا وخرج إلى النور ممتدا. # إلى من استطال به الكثير ولم تستطل به الدنيا. # إلى جلادي الذي كشف لي معنى الحرية والحياة. # إلى أصحاب الزنزانة الذين خلدوا شهد المعاناة. # وأيضا للذين لم يخلدوها. # إلى زوجتي، أولادي وأهلي، بالأخص والداي، الذين عانوا أكثر من غيرهم من جراء مغامراتي وتطلعاتي التي لم تصل ~~المرفأ الأخير، بل حتى لم يلح لها إلى اليوم. # لكل هؤلاء، ولكم أبسط مائدتي. # وبكل صدق، # أدعوكم لعشائي الذي أرجو ألا يكون الأخير. # | نفثة # في عتمة داكنة مثل ظلمة ليل شتاء شمالي. # حيث تغور النجوم بعيدا ولا نور. # في وحدة قاسية مثل غربة ذرة غبار في بحر متلاطم. # من زمن يكاد المنادي يعلن فيه بخيلاء المنتصر انكفاء كل الوعود ~~الإلهية مبشرا بهزيمة الطين أمام النار. # من وسط كل هذا ألمح في داخلي، بقعة مضيئة يكاد ينشق منها نور سيضيء ~~كل هذا الليل ويرسم فجرا سرمديا. # منها سيخرج طائر عشقي للشمس، ولن تخيفني كثرة لسعات حبها التي ~~تحيلني رمادا، ينفجر نافورة في تيه صحراء قومي؛ ليعيد خلقي من ~~جديد. # سأجري مثل خيول برية في بيداء لا أمد لها ولا حد. # وسأنزف حبرا يروي حكاية بعيدة كل البعد عن الأنا. # لكنها ستروي حكاية ذاتين، لا وحدة بينهما إلا ذاك الأب ~~الدارويني. # ما بعد هذه الأسطر ليست حكاية شخصية، بل سيرة زمن كاد أن يهرس شعبا، ~~بين سندان صمت ضمير أشك في صحوته ولو بعد حين ومطرقة غريزة منفلتة ~~من عنانها، فغدت بحال أقل ما قيل فيها، وحشية. # | مقدمة لا بد منها # على ms001 الكتاب أن يكون الفأس التي تكسر البحر المتجمد فينا. # كافكا # هذه الأسطر ليست رواية من ~~الخيال، بل إنها حقيقية بكل تفاصيلها، مثلها مثل كل الحقائق، ليس هناك ~~من أحد قادر على جمعها كلها؛ لذلك ضاع الكثير جدا مما كان يجب ~~ذكره، وكان في نيتي أيضا سرده. إنما يلزمني القول مشددا: إن كل ~~السرد الآتي ليس لأجل السرد فقط، ولا هو مثل حكايات العجائز التي تخرج ~~مقترنة مع دفء المواقد في ليالي الشتاء الطويلة الباردة، ولا هو حديث ~~عن بطولات لأفراد قضوا، ولا أبحث فيه عن إدانة لأحد. # ما مضى قد مضى لا سبيل لعودته، ~~وما انفرط عقده لا يمكن جمعه، وما سكب امتصته الأرض إلى عالمها ~~السفلي. إنه ببساطة ليس حديثا يروى، بل ألما يتلوى شديدا في ~~داخلي لا أقوى على السيطرة عليه حتى بعد مرور ما يزيد على أكثر من ~~عقدين على مغادرتي زنزانتي لآخر مرة، رغم محاولاتي الكثيرة للفرار منه، ~~والتي باءت جميعها بالفشل لسوء الحظ. # لم أجهد نفسي في اختيار عنوان لتجربتي هذه التي قد يحلو للبعض أن ~~يسميها رواية، وربما آخر ينعتها بالمذكرات. وإن كانت في حقيقتها ~~ليست كذلك بالنسبة لي، وأنا أعرف من غيري بما كتبت وبما يعتمل في ~~نفسي. هي بضعة مني لا أقدر على الفكاك عنها ولا الخلاص منها. لم ~~أفكر باختراع عنوان لمجموعة السطور هذه، بل جاء العنوان هكذا ~~تلقائيا مثلما جاءت التجربة نفسها بلا تحضير لازم، رغم أني كنت أتوقع ~~حصول الاثنين. انبثق العنوان مثل دافع غريزي جبلت عليه الفطرة ~~الإنسانية، ومثل أمامي مغلقا كل المنافذ على أي خيار ~~آخر. # السجن، كان مكانا مظلما شديد العتمة مغلقا بإحكام شديد، إلى درجة ~~لم تسنح لي ولا حتى فرصة واحدة لمغادرة الزنزانة العفنة برطوبتها، ~~المظلمة بجدرانها، الرمادية الغامقة، والمزدحمة دائما بأجساد بشرية ~~وكائنات أخرى من حشرات وهوام. لم يحدث لي ولسنوات طويلة حتى ولا لساعة ~~واحدة أن تنفست هواء نقيا، ولا أن سطعت شمس علي طيلة سبع ~~سنوات تقريبا، مع أني في الواقع ms002 مكثت في السجن أكثر من ذلك؛ لذا كان ~~السجن بالفعل صندوقا مظلما لا يقوى أي كائن من الخارج على رؤية ما ~~في داخله. وإذا كان كذلك فكيف يتسنى لي أن آخذ القارئ إليه وأطلعه ~~عما يجري فيه، إلا عبر وسيلة بدائية وحيدة، هي استراق النظر من ~~شقوق صغيرة في جدره الصماء. أدرك - كما تدركون - أن أشق النظر ~~وأصعب الرؤية هو أن تشخص بصرك في صندوق مظلم تبحث فيه عما يدلك ~~لما يحدث داخله. # إنها محاولة أشبه بعبث مجنون، لكن كان لزاما علي فعلها، ليس ~~لأجل أحد، إنما لأجل خاطري المبرح ألما من جلد ذكريات تولد معي كل ~~صباح. ألم يضطجع معي في الفراش ويسير إلى جنبي في الطرقات. وعندما ~~يختفي ظلي في الفيء يبقى هو متسمرا إلى جنبي، ويعلو على كتفي ~~وهامتي. لعلي بمحاولتي هذه أنفذ إلى سبيل للخلاص من أنينه المستدام ~~ومن نشيجه الصامت في عويله وبكائه الصاخب بلسان أخرس. ذاكرتي المثقوبة ~~هي الشقوق الوحيدة التي أملكها، وبوسع من هو خارج الصندوق أن يطلع ~~من خلالها على ما في داخله. ومع ذلك أجزم أن لن يستشعر أحد أبدا برد ~~الظلام ولا وحشته كما شعرت بهما. سوف تغيب عنه أشياء كثيرة جدا من ~~السهل علي أن أقول: إن عددها لا يحصى، وأعجز حتى أنا الخبير بها - ~~لأني عاصرتها - أن أسترجعها جميعا. أشياء تخفيها حلكة ظلام داكنة ~~لا تزال تخيم على وقائع تلك الأيام في ذاك المكان المنسي. # كل ما سوف أرويه حقيقي تماما لا زيادة فيه ولا مبالغة، بل العكس ~~هو الصحيح تماما. من الإنصاف أيضا أن أقدم اعترافا مسبقا بأني ~~فشلت في وصف الصورة الحقيقية، بل عجزت عن ذلك تماما. هذه الصورة ~~حاولت أن أقدمها مرارا لمستمعين أجبرتهم على الإنصات إلي، ولسوء ~~الحظ رأيت فشلي على ملامح وجوههم في كل هذه المرات. لم تسعفني براعتي ~~في الأحاديث المسهبة أن أجعلهم يعيشون الألم والمرارة التي عشتها، ~~ليس فقط ما عانيته من ألم حين وقعت الوقائع، بل حتى آثارها التي ~~تتفجر ms003 وأنا أنكأ الجروح حين أحدثهم بها لم أقو على إيصالها لهم. ~~فكيف لي بعد هذا أن أتخيل أنهم سوف يتحسسوا ما عشته يومئذ أو أن ~~القارئ سيفعل؟ # من العسير جدا علي أن أثبت صحة قولي هذا، لكنه صحيح رغم ذلك. كل ~~ما سوف يقرأ هنا، هو صورة بالغة في البهاتة لما جرى في عالم الحقيقة. ~~وعزائي الوحيد أن هذا الكون لا يخلو من بعض الأذكياء ذوي النباهة ~~العالية الذين سيدققون النظر جيدا في ثرثرتي هذه، وسوف يبذلون غاية ~~جهدهم ليعيدوا رسم الصورة بأفضل مما فعلت. وإني على يقين أيضا أن ~~بعضهم ممن لا أراه هذه الأيام لنكد دنياي التي أعيشها سوف يجعلها ~~صورة ماثلة أمام عينيه أبدا حتى لا يعود أحد غيري يرسم عذاباته من ~~جديد على الورق ويخدش به جمال الحياة. لهؤلاء أكتب، وأرجو أن يصل ~~إليهم صوتي المبحوح من صراخ أستصرخ به غيرهم بلا جدوى؛ لأنهم وحدهم ~~من سيحاول أن يمنع إعادة طبع قصتي هذه ثانية. # في أحد الأيام وبمناسبة عامة، التقيت صديقا كان سجينا مثلي، ~~ولأننا نحسن الحديث عن أيام السجون أكثر من أي شيء آخر فقد ~~أدلقنا في بئر الذكريات، وقال لي عبارة بليغة لامست شغاف قلبي، ~~كانت تجول في داخلي خاطرة ولم أجد لها منفذا عبر الحروف والكلمات ~~إلا حين أطلقها بعفوية وبراءة لا أتوفر عليها كما يحوزها هو. # قال صديقي ونحن نجلس على رصيف تظللنا الشمس: لشدة المعاناة التي ~~مررت بها، تمنيت من يومها ألا يتذوق هذا العذاب أحد غيري بعدي، ولو ~~كان جلادي نفسه. ونحن بالطبع نعرف جلادينا بأسمائهم وذواتهم، ومع ذلك ~~لم يخطر ببالنا أن ننزل بهم العذاب الذي أنزلوه بنا. # هذه المقولة الرائعة لصديقي هي عصارة ما أريده أن يحدث للقارئ، بل هي ~~كل ما أريد من هذا الكلام. أملي وغايتي ألا يسمح القارئ بتكرار ما ~~حصل لي على أي إنسان آخر، حتى لو كان جلادي نفسه الذي أذاقني كل ~~هذا العذاب، ولم يزل يفعل بأقنعة جديدة. أكرر هذا المعنى كثيرا ms004 في ~~مدونتي؛ لأنه ليس لي من شيء يستحق القول أفضل منه. # لن أكتب أسماء الأشخاص الذين التقيتهم أو سمعت بهم، ولن أتحدث عن ~~عناوين الأماكن التي مررت بها على الأغلب إلا قليلا؛ لأني أريد أن ~~أؤرخ لفعل (متواصل الوقوع بدرجة متفاوتة)، لا لفاعل معين لعله أصبح ~~غبارا أو رمادا. وأجهد ألا يبدو الأمر صراعا سياسيا بين ~~متنافسين على سلطة، لأن ذلك لم يكن هدفي ولا غايتي أبدا - لا اليوم ~~ولا من قبل - بل هو عرض لمعاناة إنسان أراد أن يعيش كما ينبغي له أن ~~يعيش، وهذا هو لب المشكلة وجوهر المأزق. # الجلادون، ذكر أشخاصهم وأسمائهم بالتأكيد يسبب مزيدا من الحقد ~~والكراهية، وهذا ما أتجنبه في كل حين. أما الضحايا، فمن المؤكد أن ~~كلماتي ليس بمقدورها أن تمنحهم الخلود، ولا تقوى على إسعاد أرواحهم ~~مهما بالغت في كلمات الإطراء. ما ينفع حقا هو ألا تعاد هذه ~~المشاهد المرعبة على أي أحد بعدهم مرة أخرى. # أمر أخير قد يلحظه القارئ أثناء مطالعته - ولن يمر عليه مرور ~~الكرام - هو سرعة تبدل المشاعر بين الأسطر والصفحات؛ ولأني قررت أن ~~أكتب مشاعري الحقيقية، لم أحفل بأي تناقض قد يؤثر على بنية النص ~~وجماليته؛ لأني أصلا لم أفكر بكتابة رواية أطمع في نيل الثناء عليها. ~~هذا التناقض في المشاعر وتبدلها السريع يجدر بالأطباء النفسيين ~~والعلماء منهم أن يبحثوا فيه؛ لأنه واحد من آثار كثيرة خلفتها ~~ظروف السجن والاعتقال الرهيبة، لا يجد السجين حتى بعد أن ينال حريته ~~سببا للخلاص منها أو السيطرة عليها. ختاما أقتبس أبياتا لناظم حكمت ~~أهديها لوطني من محل الغربة الذي نفيت إليه بإرادتي مكرها. # يا وطني يا وطني. # اهترأت قبعتي التي اشتريتها من دكاكينك. # تقطع حذائي الذي حمل تراب شوارعك. # آخر قميص اشتريته في «بغداد» # 1 # صار مقطع الأوصال منذ زمن يا وطني. # لم يبق لدي منك سوى الشيب في شعري. # ما عندي منك غير خطوط من الهموم تعلو جبهتي. # يا وطني يا وطني يا وطني. # الشق الأول # | المعتقل # 1 # في ظهيرة ms005 قائظة، عند عطلة نهاية أسبوع من صيف لاهب، وتحديدا ~~الأسبوع الأخير من شهر آب، ومن على مقعد خلفي لسيارة إيطالية ~~سرقت لون السماء، ولدت حكايتي. # كان شهرا ساخنا بكل ما فيه؛ طقس جهنمي وحرب مستعرة اشتد ~~أوارها، حيث تزداد ضراوة المعارك على الحدود الشرقية بين جيش ~~الدولتين الجارتين. وقع الهزائم العسكرية في الأسابيع الأخيرة، ~~وفقدان مساحات واسعة من أراضي الخصم - كانت إلى وقت قريب تسيطر ~~عليها وحدات من الجيش العراقي - قد أخذ مأخذه الكبير من معنويات ~~النظام، وبدأ إثر ذلك حملة واسعة لتصفية كل من له أي علاقة مع ~~المعارضة السياسية، ولو كانت هذه العلاقة المفترضة مستندة إلى ~~شبهات وشكوك، بل حتى وإن كانت أوهاما. أي شخص يجهر برأي معارض ~~للحرب أو يبدي قلقا لانتهاكات حقوق الإنسان التي كانت قد أصبحت ~~أمرا شائعا حينها، بل كل فرد عراقي بات يخشى من الوقوع تحت عجلة ~~القمع والاضطهاد الجبارة التي لو قدر لها السير فوق أي أحد، ~~لكان أشبه بسير حادلة فوق طريق عبد بالقير للتو، لا تخلف ~~بعدها غير صفحة سوداء لا أثر فيها ولا ندوب كما لو أن شيئا لم ~~يكن. # عصبت عيناي بحشر كومة قطن بينها وبين زجاج نظارتي الطبية، ~~وأنزل رأسي إلى الأسفل، وسارت بي العربة مسرعة إلى حيث لا أدري ~~من الأمكنة، سوى عنوان طالما اخترعته مخيلتي. إنه بيت قابيل قاتل ~~جدي الشهيد بجرم براءته، بيت سلخت فيه ما يقارب العشر سنوات من ~~عمري، وكابدت فيه من العناء الشديد والحرمان من كل شيء، والأهم من ~~ذلك هو الحرمان من أي عاطفة إنسانية، وقاسيت فيه من الأهوال ~~والعذابات ما لا يمكن لي أنا شخصيا أن أتصورها، فكيف بمن سيقرأ ~~هذه الأسطر! # إنه بيت، بل عالم مظلم مزدحم بالحوادث والانفعالات وكذلك ~~بالناس، إلى حد أني لم أحظ ولا حتى بفرصة واحدة لأكون بمفردي ~~مختليا بنفسي، إلا عندما كنت أكون في بيت الخلاء، وحتى هذا ~~الموضع الفريد كنت أضطر لمشاركته في بعض الأحيان. إنه لأمر فيه ~~من الصعوبة الكثيرة كي ms006 يتصوره أحد أو يصدق وقوعه. إنه أشبه ~~بأسطورة اخترعتها مخيلة كاتب أفلام رعب من زخم فوضى كوابيس مرعبة ~~تسكن رأسه ليل نهار. # آخر مشهد لمحته عيناي قبل أن أحشر بين جثتي رجلي أمن ~~قويين في تلك العربة، هو وجه شقيقي العائد للتو من نزهة قصيرة ~~بسيارته البولندية البيضاء. رأيت علامات فزع ودهشة ارتسمت على ~~محياه وهو يشهد السرعة الفائقة التي تم اختطافي بها. كانت ~~تعابير وجهه تحكي إحساسه بأي معضلة وقعت فيها، ونظراته ترسل ~~كلمات وداع ألجم الموقف لسانه عن النطق بها، كلمات وداع ~~لمغادر لن يعود، وإن عاد فسوف يرجع بحمولة ثقيلة من الحزن والهموم ~~لكل من يعرفه، وسيكون ذلك بعد انتظار صعب لزمن طويل وثقيل مشبع ~~بالليالي الحزينة الطويلة. # قلدوني أساور هي مهر عرس الحرية الذي سوف أزف له، ~~وقبلها أرجعوا المعصمين إلى ما وراء ظهري، ثم طلبوا مني أن أسير ~~على هدى كلماتهم حين أنزلت من العربة بعد فترة وجيزة: «سر ~~يمينا ... اذهب إلى اليسار ... اخفض رأسك.» # لا أعلم حتى اليوم هل كانت كلماتهم فعلا فيها أي موضع لنية ~~صادقة لإرشادي إلى الطريق؟ طريق متعرج ملتو ما زلت أجهل ~~أبعاده وتضاريسه ولم يتسن لي التعرف عليها أبدا، أم كانت ~~بداية سخرية سأتجرع مرارتها كل السنوات المقبلة؟ نعم، كانت هي ~~فعلا كذلك على الأرجح، كما كان هناك من بعدها ما يقارب العقد ~~الكامل من السخرية اللاذعة. انتهى المسار بي إلى حجرة ما زلت أذكر ~~- بل أعرف - كل تفاصيلها، وأستطيع وصفها بمنتهى الدقة، كما أني ~~أيضا في المقابل ما زلت أجهلها بالمطلق؛ لأنها لم تكن سوى ظلام ~~دامس ومقعد خشبي لعله كان مصطبة طويلة تتسع لآخرين، لم أجرؤ على ~~التحقق منه فقد كنت مرعوبا ومرتبكا إلى حد كبير. لم ينقض ~~الكثير من زمن ثقيل كانت كل لحظة فيه تسحقني بحمولتها من الخوف ~~الشديد والقلق الكبير، حتى غطس وجهي في سيل صفعات، ثم توالت ~~علي شلالا غزيرا. غرقت في وحلها وعلقت بي مخاوف شتى ~~وهواجس. كان يخترق سمعي صراخ من ms007 بدأت حكايته قبلي، صوت ألم ~~مبرح وعذاب شديد يخرج منه ليستقر في جسدي العشريني الغض. شرطي ~~أمن يجلس بالقرب مني كان يضحك متشفيا وهو يستمع لتلك الصرخات، ~~ويدس في روحي رعبا جديدا وهو يقول ساخرا: من ذاك المسكين ~~الذي لم ألتق إلا صوته المعذب: «هل حان زمن الولادة أم أنها ~~لا زالت متعسرة؟» # كان صدى صراخه وسخرية الحارس ينبعثان خوفا وارتجافا في ثيابي ~~التي ابتلت بعرق فزع المواجهة الأولى، وما كان يعوزني لمزيد من ~~التعرق مع قيظ آب اللاهب وطبيعة جسدي الخاصة الذي يتعرق حتى ~~في أيام الشتاء الباردة سوى هذا الرعب. # سحبت بعد هنيئة إلى غرفة ~~باردة بكل ما فيها، أجلست على كرسي حديدي ورفعت العصابة عن عيني ~~لأرى قابيل منتصبا أمامي لأول مرة بزي عسكري، وقد رسمت على ~~كتفيه نجمة يتيمة. هذه المرة هكذا رأيته وسوف أراه كل مرة بهيئة ~~وصورة جديدة، وفي كل المرات ومهما تعددت الصور فإن له حقيقة ~~واحدة لا تتغير، حقيقة شيطان. صور سوف تتكاثر مثل قنبلة انشطارية ~~تأبى أن تتوقف عن التزايد والتكاثر حتى هذا اليوم. ويبدو أن لن ~~يصرع الشيطان إلا في وقت معلوم حين نرحل عن داره إلى أرض ليس ~~فيها غريزة. # ضحك الضابط الصغير برتبته وسنه وكل شيء فيه، ساخرا وهو ~~يشير إلى هيئتي التي بعثرتها كفوف غليظة، ولمح بكلمات مقتضبة ~~إلى تهمة تنتظرني. تهمة ترحل بصاحبها سريعا إلى موت شاع ~~انتشاره بين الهامسين بحلم الحرية مثل طاعون أسود. لحظات قليلة ~~مرت بعد بدء هذه المقابلة الأولى لأجد نفسي تحت الكرسي الذي كنت ~~أجلس عليه، تمسك به يدا هذا الضابط الصغير، وبدأ يوزعه على جسمي ~~النحيل بضربات متنوعة بكل ما أوتي من قوة لا يعبأ أين ~~تقع. # في تلك اللحظة بالذات ~~بدأت أجمع أجزائي التي فرقتها مفاجأة الوهلة الأولى وأستعيد ~~وعيي الغائب. نفيت كل تهمة ألقاها علي، إلا أنه لم يكن ~~معنيا بالأمر كثيرا؛ إذ ما كان كل هذا سوى ممر قصير إلى أماكن ~~أخرى أشد رعبا وأكثر ظلاما، سوف ms008 أتنقل بينها قسرا. سوف تتغير ~~مثل تغيير أحذية قديمة مهترئة بالية لا تصلح للانتعال، لكن أرغم ~~على استعمالها مع اهترائها المفضوح وعدم جدواها السافر على الخوض ~~بها في مستنقع شديد الوحولة. # قبل أن يكمل عقرب الساعة دورة واحدة كاملة لينهي الساعة ~~الأولى على ما قدرته حينها، اقتادتني زنود شديدة جديدة، وهذه ~~المرة غلفت عيني عصابة جلدية سوداء في طرفيها قطعة بلاستيكية ~~لتكتم الرؤية عني بالكامل، إلى أن وصلنا إلى بناية عالية متعددة ~~الطوابق تسلقنا أدوارها الكثيرة بمصعد كهربائي. العصابة التي ~~كانت تحجب بصري ظلت متسمرة في مكانها هذه المرة كما هو الحديد ~~الذي يجمع ذراعي وقيدت به إلى عمود أو شيء يشبهه، لا أدري ما ~~هو، ولم يتسن لي أن أراه أو أن أتحسسه أبدا ولا حتى لوهلة ~~واحدة، فقد حذرني أحدهم من الحركة أو أن أنبس ببنت شفة، وكنت ~~فتى مطيعا، على أن حجب بصري لم يمنعني من تحديد الوقت بدقة، إنه ~~ما بعد الساعة الرابعة عصرا. دلني على ذلك صوت مغن مشهور لا ~~يجهله أحد، كان يلقب بالعندليب الأسمر، وكنت معجبا بصوته. كان ~~يشدو مغنيا في فيلم الأسبوع الذي يعرض من بعد ظهر كل جمعة ~~كالعادة الجارية حينها. كان يشدو بألم رقيق بفلسفة إيليا أبو ~~ماضي، ويفوح عطر الوجع من تلفاز قريب، مرددا: # أين ضحكي وبكائي وأنا طفل صغير. # أين جهلي ومراحي وأنا غض غرير. # أين أحلامي وكانت كيفما سرت تسير. # كلها ضاعت ولكن كيف ضاعت. # لست أدري. # انتابني وقتها شعور عميق وإحساس غريب بأن ما ~~أسمعه هو نبوءة وليس أغنية أو شعرا. إنها نبوءة لعاصفة مدارية ~~من ليال حزينة طويلة، سوف تلفني بعمودها الفارع في طوله كأنه ~~يتحدى السماء، وتأخذني بعيدا إلى قلبها المظلم تائها حائرا لا ~~أجد فيه سوى الفراغ لأتشبث به. لا، إنها ليست موجة من تشاؤم ولا ~~هي نوبة تطير تمر على مسكين بائس قد بلغ به اليأس الزبى، ~~ولا إنها نبات طفيلي لا جذر له نبت للتو على بركة الحزن. ~~إنها نبوءة. هذا ms009 الشعور الغامض مثل شبح يرتدي قناعا ، آمن وصدق ~~بالنبوءة واستقر راسخا في داخلي، وما زلت أتلمسه حتى اليوم ~~في حناياي. # كان تصديقا مثل مكاشفة صوفي، بأن سنوات من ضياع طويل في غيبوبة ~~جب عميق تنتظرني، بانتظار دلو ينزل علي من سيارة يسحبني ثانية ~~إلى أرض الأخوة التي استحت من أفعالها الذئاب. لن تكون هذه ~~النبوءة وحيدة، ولن تبقى مصادفة فريدة، بل ستظهر أكثر من واحدة ~~تمد برأسها في عالم سريالي. عالم سريالي إنما ليس وهما ولا ~~خيالا، بل هو الحقيقة الوحيدة التي سوف أعيشها وإن كنت لا أفهم ~~مجراها ولا منطقها، وسيأتي الكلام عنها كل في حينه. قد لا أكون ~~علميا أو واقعيا بنظر كثير، وحتى على خلاف طبعي في تفسير ~~الأشياء وتعقلها، لكن لا يمكن لي أن أتجاوز هذه الوقائع الغريبة ~~والمشاعر العجيبة فقط، لأني لا أريد أن أومن بالغيبيات أو بأحداث ~~منتزعة من عالم الباراسايكولوجي. وجودها هو أدل دليل على حدوثها، ~~ولأكن أكثر دقة وأقول: إنها قد حصلت مع هذه التفسيرات غير ~~المنطقية مني وبهذه الأحاسيس الغريبة، لربما كل شيء وقع في صدفة ~~محيرة، ومع ذلك فإنه قد وقع بالفعل، وحينما وقع آمنت به كما كنت ~~أراه، وليس كما يجب أن أراه، ولأني عاهدت نفسي أن أكون صادقا ~~فيما أروي وأقول، لا بد لي من الاعتراف وبغاية الصراحة: أني لا ~~أقوى على تكذيب هذه الوقائع والمشاعر، وأعجز عن رميها بالصدفة ~~والخرافة حتى هذا اليوم، رغم أن عقلي الرياضي يجحد التلازم بينها ~~وبين ما جرى. الأمر بحاجة إلى ما هو أكثر من نفسي المضطربة الحائرة ~~حينها لتفسيرها ولإصابة علتها الحقيقية، وأكثر من برودة ~~المعادلات الرياضية التي لا تدرك سر العشوائية التي أنتجت بديع ~~النظام. # جلست طويلا هناك إلى جوار العمود المفترض بسكون وهدوء تامين، ~~ثم بعد تحقيق شكلي من تسجيل اسم ومعلومات أولية عن السن والوضع ~~الاجتماعي والدراسي، قام باستجوابي عنها شخص لم أتعرف عليه. ~~يبدو أنه لم يكن معنيا بنوع التهمة المزمع توجيهها إلي؛ لأنه ~~كان يعمل بشكل ms010 إداري روتيني ليس إلا. أتى بعد ذلك شخص آخر ~~اقتادني إلى أسفل البناية في المصعد الكهربائي نفسه. دخلت إلى ~~معتقل يتكون من قاعة كبيرة وغرفتين وفسحة بين كل ذلك. بالطبع لم ~~أر هذه الحجر حين دخولي لأول مرة؛ لأني كنت معصوب العينين، ~~إلا أني رأيتها لاحقا. أركنت إلى حائط واتكأت عليه وصار ~~موضع صغير مقابل باب إحدى الزنزانات محلا ليقظتي ومهجعي. # يداي سوف تستمر مقيدة للخلف ويحول بين النور وعيني تلك العصابة ~~ذاتها، التي التصقت بها من هذا اليوم، ولأحد عشر يوما كاملة ~~قادمة بلياليها. حتى عندما كان يقدم لي الطعام كنت أسحبه من ~~الصحن في مشهد مدهش. كفاي مقيدتان إلى الخلف ترفعان ملعقة من ~~حديد رخيص، وبالكاد تلامس شفتي أو تغرف شيئا من صحن الطعام، في ~~عملية معقدة جدا لا يمكن تصورها وفق قوانين مرونة عضلات الجسم، ~~إلا أن الحظ لم يكن سيئا تماما فقد كانت الوجبات مشبعة وجيدة ~~الطبخ؛ طعمها ومذاقها لا بأس بهما، ولا يمكن لي أن أشكو منها، لم ~~أقرف منها أبدا كما سأفعل بعد ذلك لدهر طويل مع الوجبات التي سوف ~~أكره نفسي التي تعافها على تناولها مع أني في قادم الأيام سوف ~~أتضور جوعا. # أي وجبة ستكون لذيذة المذاق تسكر الطاوي بريحها العطر، لكن ~~رغم ذلك القحط والجوع لن أستسيغها، بينما وجبات هذا المعتقل الأول ~~ومع أني كنت في أوائل أيامي من رحلة الخوف، ولا يخفى ما للأيام ~~الأولى من خصائص أولها فقدان الشهية، بيد أني كنت أرى الطعام ~~بحق لذيذا. المرة الوحيدة التي كنت أتحرر فيها من هذا المشهد ~~الغريب، وأعني به ضم الأذرع إلى الوراء والعينين المعصوبتين كانت ~~فقط حين يسمح لي بمراجعة الخلاء، أما ما عدا ذلك فلا. القيد ~~والعصابة أصبحتا مفردتين ثابتتين في حياتي الجديدة. # الاستحمام كان ممنوعا، أو لنقل الحقيقة بوضوح أكثر أني لم أجرؤ ~~على التفكير فيه فضلا عن طلبه، لم يكن معلوما عندي ما الذي يغضب ~~الحراس الحانقين بلا سبب طيلة الوقت عما يرضيهم؛ لذا صار السكوت ms011 ~~عندي وقتها معدنا غاليا للغاية، بل أنفس من كل المعادن والفلزات. ~~صراعاتهم وشجاراتهم المستمرة فيما بينهم منعتني من التفكير في طلب ~~أي شيء منهم، وحتى يفهم ترددي أكثر أذكر واحدا من أسباب ~~شجاراتهم السخيفة التي كانت تصل إلى تبادل أقذع السباب وأفحش ~~الشتائم. في أحد الأيام سحل أحدهم كيسا للخبز، واعترض عليه آخر ~~رافضا أسلوب السحل؛ لأنه يريد أن يرفعه. اندلع بينهما شجار لم ~~ينته إلا بوساطات من زملاء لهم وجهود تهدئة من آخرين، بعد أن وصل ~~الأمر بينهم إلى حد الاشتباك بالأيدي، وامتلأ المعتقل صخبا بكل ~~أنواع سب الآلهة والأديان. بالطبع في تلك اللحظات من الأفضل ~~لأي معتقل أن يتحول إلى حجر صامت بلا حراك؛ لأن أي تأوه منه ~~قد يجعله هدفا في مرمى النيران، ويتحول إلى كيس ملاكمة ينفسوا به ~~عن غضبهم ويفضوا به اشتباكهم. # في يوم ما - وبلا سابق إنذار وبدون أي مقدمات - أغدق علي ~~أحدهم إبريق ماء لأزيح عرقا تراكم علي من الخوف وحر الصيف ~~وخنقة المكان المغلق الرطب لأكثر من أسبوع. لربما أزعجته عفونة ~~ملابسي برائحة العرق المشبعة فيها في ذاك الصيف القائظ الذي ابتدأت ~~به رحلتي. لا أدري ما الذي دفعه لهذا السخاء لربما تكون نفحة ~~إنسانية منه، أو واجبا روتينيا عليه أن يقوم به. لم يستغرق ~~الاستحمام سوى دقائق معدودة، لا تتجاوز حتى أصابع الكف الواحدة، ~~كانت تكفي لإراقة الإبريق الصغير بعناية واقتصاد على كل زوايا جسمي ~~وفي جميع الاتجاهات، بيد أني استغرقت بعدها وقتا أطول حين وقفت ~~عاريا، حائرا بسؤال عسير الجواب، كشفته اللحظة ولم يرد ~~بخاطري قبلها: كيف سوف أجفف قطرات الماء الملتصقة بجسدي الآن؟ ~~طلبت منشفا من الحارس لفعل ذلك متشجعا بتسامحه وبكرمه المفترض، ~~غير أنه رد علي بالضحك مقهقها باقتضاب، ضحكة اختلطت فيها ~~الشفقة مع السخرية: هنا لا يوجد شيء اسمه منشفة. # كان يدرك جهلي المدقع للأبجدية الجديدة، التي ما علمتني إياها ~~أعوام المواظبة على الدروس، ولا الاستغراق في مطالعة أي حرف ~~مسطور على قرطاس يقع بين يدي أو ms012 أمام ناظري. بعد الآن سوف ~~تحتويني مدرسة أخرى تعلمني دروسا مقررة في منهج الصراع من ~~أجل البقاء، دروسا سيفهمها كل بما يشاء، ستنتج مرة عريا ~~فاجرا وتارة أخرى دثارا للأنبياء. دروس تسحق الكسالى البلداء ~~وتسمو بغيرهم من أضدادهم فوق بعيدا إلى حيث تتوحد الأشياء ~~بالأحلام. # كنت أسمع أصواتا عديدة لمعتقلين آخرين لا أرى أحدا منهم، وأجهل ~~الذي يجري بينهم وعليهم. لم أكن أدري حتى أين أنا تحديدا (عرفت ~~بعدئذ أنها مديرية أمن بغداد)، ولا أعرف شيئا عن تهمتي التي ~~اعتقلت بسببها. وفي ضحى يوم سمعت جلبة وصخبا، أقدام حافية ~~كثيرة تمر مسرعة مهرولة بالقرب مني، أبواب تفتح وأخرى ~~توصد، وفحيح سلاسل يقرقع صوتها وهي ترمى على الأرض تارة وتارة ~~أخرى تزمجر غاضبة حين تصك أسنانها على المعاصم. أعقب ذلك صمت ~~مطبق وسكون قاتل طويل، بددهما زعيق حارس أمني بلهجة نهر وحنق ~~وبطريقة فظة تنم عن خشونة صاحبها وقسوته: قم! # وقفت ممتثلا وشعرت بصوت مفتاح من ورائي يدور في القيد لتطلق ~~يداي لأول مرة منذ اعتقالي، طلب مني أن أرفع العصابة عن عيني لأجد ~~أمامي بابا مفتوحا يؤدي إلى زنزانة صغيرة خالية تماما، إلا من ~~مجموعة بطانيات ركنت في زاوية وأخريات مفروشات على الأرضية ~~الإسمنتية: ادخل! # أغلق الباب خلفي ورحل. شرعت أتلمس المكان مستمتعا بيدي ~~الطليقتين مثل طفل ينتشي برؤية لعبة جديدة لأول مرة، عيوني ساهية ~~تسرح في فضاء صغير، لكنه بعد أيام سيكون من أرحب ما سوف تراه عيناي ~~لسنوات عديدة. كان الوقت طويلا ثقيلا مملا جدا؛ إذ كان علي ~~أن أنتظر فقط، وماذا أنتظر؟ لا شيء. الأمر يبدو مثل حبل سائب لا ~~نهاية له أبدا، وأصبح رأسي خاويا من الأفكار تماما، إنهم لا ~~يتحدثون معي بأي شيء أبدا، ولا حتى يتهموني بشيء، صار الأمر ~~كأنه لعبة عبثية قاسية. صرت أذرع الغرفة في كل الاتجاهات، أجول ~~بنظري على الجدران، أتفحص أي شيء فيها، وأحدق طويلا في ~~الأرض والسقف. قرأت كل أبيات الشعر والأسماء المحفورة على ~~الجدران؛ ومنها عرفت أفكار بعضهم ms013 وتهمة آخرين ممن سكن هذه الزنزانة ~~قبلي. # كنت أشم رائحة الموت الذي ابتلعهم، كانت كلماتهم تنم عن تحد ~~لمستقبل مجهول تشاءموا من ملاقاته ولم يجدوا بدا من مواجهته ~~بشجاعة بدلا من الهزيمة والانكسار. لربما هناك آخرون أحبطوا ~~وانكسروا أو عجزوا أن يتركوا أثرا، وهذا هو حال الدنيا هي وكل ما ~~فيها يفنى. إنما يخلد الشجعان، والمهزومون لن يتبقى منهم شيء، بل ~~يصيرون عدما لأنهم خواء. # 2 # بعد أحد عشر يوما بالتمام والكمال وبدون أن أعرف منهم لماذا ~~اعتقلوني، ولماذا لم يتحدث معي أحد طيلة هذه المدة، بدأ فصل جديد. ~~هذا الفصل سبقته رؤيا غريبة رأيتها. فزعت من نومي هلعا في إحدى ~~الليالي بعد أن رأيت إحدى شقيقاتي تبكي وهي تودعني؛ لأنه قد حكم ~~علي بالسجن المؤبد لمدة عشرين عاما. عندها انتابني شعور ملأ ~~تمام روحي بأن ما رأيته لم يكن أضغاث أحلام، بل نبوءة مستقبلية ~~قوضت كل أحلامي باستعادة الحرية. لست أدري هل هي نوع من ~~المصادفات أو أنها تدخل في علم الباراسيكولوجي، لست متأكدا من ~~أي شيء، إلا من أمر واحد، إحساسي بصدقها كان تاما في ~~شعور غريب لم أجد له تفسيرا أبدا. # بعد انقضاء هذه المدة، أعني الأحد عشر يوما، اقتادوني في نهار ~~معصبا مكبلا إلى الخلف كالعادة إلى مركبة حديثة ذات دفع ~~رباعي، طلبوا منا أن نخفض رءوسنا وأن نجلس راكعين، ومن أصوات ~~الزجر الفاحش وبذيء القول المستدام على ألسن من يقتادنا، علمت ~~أن هناك من يقاسمني الرحلة هذه المرة، وأننا نتجه للمرور بمخاض ~~صعب جديد. # المسير في هذه العربة كان بعيدا هذه المرة، وما إن تجاوزنا ~~بوابة كبيرة عالية بنيت حديثا شمال العاصمة العريقة التي طالما ~~تغنى بها الشعراء وامتدحوا سحرها، إلا أنهم لم يذكروا يوما ~~في قصائدهم هذا العالم السفلي الذي ابتدأت أخوض في بحر ظلماته؛ ~~بحر لجي كنت أعمل بالضد منه خشية الطوفان القادم منذ وقت مبكر ~~في مقتبل عمري، منذ أن كنت تلميذا حاولت جاهدا أن أكشف الغطاء عن ~~خطره الداهم في كل ms014 فرصة تسنح لي سواء مع زملائي في الدراسة أو مع ~~من كنت أتعرف إليهم. كان التحذير من كارثة أمواج خطره العالية ~~القادمة لا محالة، يشكل هاجسا رئيسيا في كل أحاديثي الشخصية. ~~لم أكن معنيا كثيرا بنشر فكر معين رغم انتمائي له بقدر ما ~~كان محور عملي واهتمامي الأساسي هو رفض سياسة القمع وتكميم الأفواه ~~وحساب الأنفاس التي كان يتبعها النظام بأسلوب قمع فاشي. # كنت أرى - وما أزال - في ذلك التيار السياسي فكرا يحمل صرخة ~~تعبر عن ضمير الإنسانية المعذب، ويسعى لحل مشاكل هذا العالم ~~بما يحقق من إنسانية الإنسان، إنما لسوء الحظ لم ولن يخلو أي ~~تيار إصلاحي يرفع راية الإنسانية من جموع الانتهازيين وطلاب ~~السلطة ومن الضعفاء وقليلي الإدراك والوعي لقيمة ما يحملونه ~~وينتسبون إليه. وجود هؤلاء بالتأكيد يشوه جمال الأفكار في كل مرة ~~عبر التاريخ، ويحبط نوايا الثوار ويصادر أحلامهم بعالم حر ~~تتساوى الفرص أمام جميع أفراده. أحلام يناضل لأجلها الثوار ~~ويقدمون في سبيلها التضحيات بلا تردد، ويسترخصون دماءهم لها ~~ويجعلون من رقابهم جسورا تعبر الإنسانية عليها إلى شاطئ أكثر ~~أمنا ورفاها. # لم يكن انضمامي للعمل السياسي الحزبي تأثرا بالآراء السياسية أو ~~الفلسفية إلا هامشيا، الدافع الحقيقي كان توفري على خاصية ~~لعلها تميزني عن بعض ليس بالقليل من أقراني، وهي الحساسية الشديدة ~~من غياب الحرية؛ حساسية لم تزل تؤرقني وهي سبب رئيس لكل مواقفي ~~تجاه الأحداث والجهات والذوات والأفكار. # أريد أن أعيش كإنسان حر وأرفض بقوة كل ما ومن يمنعني من ذلك، ~~ولربما أصدق ما ينطبق على سلوكي وتصرفاتي هو ما قاله مكسيم غوركي: ~~«جئت لهذا العالم كي أحتج.» وبالفعل هذا كان سببا مزمنا ~~لانخراطي في كل النشاطات السياسية، وأيضا كان سببا حاسما في ~~مروري بهذه التجربة المريرة. لم أزل غير آسف على مروري بها ولا ~~أشعر بالندم عليها بالمطلق، ولن أبالغ لو قلت: لو قدر لي أن ~~أعود بالزمن ثانية أو صادفني موقف مماثل مستقبلا لوقفت الموقف ~~نفسه بلا أي تردد. الفارق الوحيد سوف يكون في زيادة ms015 الخبرة التي ~~منحتني إياها الأيام الطويلة التي عشتها لحد الآن ومع ذلك لم ~~تقو على قطع رأسي رغم فداحة آلام التجربة الكبيرة والمريرة. خبرة ~~بلا شك يمكنها أن تجنبني كثيرا من فخاخ رجال الأمن السياسي ~~وأيضا سوف تعفيني من مصاحبة الخونة والضعفاء. # ما إن تجاوزنا بوابة بغداد الكبيرة حتى سمح لنا بأن نرفع رءوسنا ~~وأزيحت كاتمات النور عن بواصرنا. تبادلنا نظرات في دهشة وحيرة ~~معا؛ إذ لم يكن هذا اللقاء الأول بين هؤلاء المكبلين بالقيود ~~المحشورين في هذه العربة، ولا هو القاسم المشترك الأول بين بعض ~~منا، بل سبقه في ذلك عدة لقاءات؛ لقاءات إما كانت جلسات فكر ~~واحد يجمع بعضنا، أو لقاءات أخرى خاصة كان يسودها جو التمرد على ~~الأعراف والمألوف من التقاليد والعادات، جو الثورة على الأوضاع ~~السائدة. # انطلقت أسئلة كثيرة في سرنا مثل حمم بركان هائج: لماذا نحن ~~هنا؟! وما الذي يجري؟ كيف تمكنوا من جمعنا هكذا بدون أن يتنبه ~~أحد لمخططهم؟ كنا نتوقع الاعتقال في يوم ما، وأعددنا لذلك خطة ~~سهلة تحسبا لذلك اليوم الموعود، إذا ما تعرض أحد رفاقنا ~~للاعتقال. ولتجنيب الآخرين المصير نفسه، يمنح المعتقل فرصة ثلاثة ~~أيام بلياليها للصمود أمام المحققين الأمنيين، ريثما يجد ~~رفاقه ملاذا آمنا للاختباء فيه أو الهروب. لكن ما يحصل الآن هو ~~أننا وقعنا في شرك جماعي بلا أي تنبيه أو جرس إنذار. # السؤال ظل حائرا يتنقل بيننا في نظرات مشتتة نختلسها بعضنا من ~~البعض الآخر لمئات الكيلومترات، على طوال تلك المسافة بين مدينتي ~~المدورة عاصمة وطني التي ترعرعت فيها أنا وآبائي؛ مدينة تحتضن ~~ألما أزليا منذ يوم نشوئها، وبين مدينة أخرى قضيت فيها بعضا ~~من سنوات طفولتي ودراستي الجامعية، مدينة حدباء لعلها احدودبت ~~حزنا على العاصمة المعجونة بالألم طوال الدهر. # لم يوقف تشتت الأفكار ولحاقها العبثي بسراب الإجابة، حتى تلك ~~الوقفة القصيرة عند مطعم شعبي على قارعة طريق عام في مدينة الملوية ~~الشهيرة سامراء. وقفة كانت تكفي لتناول وجبة غداء أتى بها نادل ~~شاب. ما زلت حتى هذا ms016 اليوم أحفظ الدهشة التي ارتسمت على وجهه ، ~~وكيف جمدت كل عروق وجهه في وجل وانبهار، وهو يرى ملاعق تمسكها ~~معاصم مقيدة من خلف الظهور ترفع الرز المخلوط بالفاصوليا العراقية ~~(يابسة)، ثم تنحني إلى هذه الملاعق أفواه تسحب ما فيها في مشهد ~~من كوميديا سوداء. # عندما وصلنا إلى حيث كانوا يريدون لنا أن نصل من المعتقلات - وهو ~~مديرية أمن نينوى - كان طرف الليل قد امتد وغطى كل أحياء ~~المدينة التي تجولنا كثيرا في شوارعها وأزقتها الصغيرة، ~~وارتدنا مقاهيها وملاهيها ومسارحها ومكتباتها يملؤنا صخب الشباب ~~وحيوية الثوار. عندما اقتربنا من مشارف المدينة كانت عتمة الليل ~~قد نزلت بثقلها على الشوارع، ومع عودة الخرق من جديد تضاعفت ظلمة ~~الدنيا حلكة وزادتها اسودادا، لتغطي العيون الهائمة والنظرات ~~التائهة التي كانت تواصل إبحارها في يم المجهول والتيه بحثا ~~عن تفسير لما يجري. # ارتقينا سلالم كثيرة بحث كثير ونهر لا يتوقف من رجال الأمن ~~إلى أن بلغنا فسحة في طابق علوي، رأيتها فيما بعد وكانت شاهدا ~~للحظة كان يمكن لها أن تكون نقطة تاريخية وعلامة فارقة سوف يأتي ~~الكلام عنها لاحقا. الردهة كانت تتوسط غرفا ضيقة كما رأيتها ~~فيما بعد وتعرفت على جغرافيتها، أما الآن فلم أكن أدرك أبعادها ~~ولا أين نحن بالتحديد؟ باعدوا المسافات بيننا قليلا على خلاف ~~مشينا السابق، حيث كان يمسك أحدنا بالآخر ونحن نسير صعودا على ~~السلم. أمرنا بالبقاء وقوفا، وفي أي حال لم يكن لنا أن ~~نختار هيئة سواء من وقوف أو جلوس ولا حتى النوم، ليس في هذه اللحظة ~~فقط، بل لسنوات طويلة متوالية، سيكون ذلك بمشيئة غيرنا في أغلب ~~الأحيان وتبعا لتعليمات جائرة لا يحكمها قانون ولا نظام تتغير ~~بحسب تغير مزاج شرطي يعاني مللا من علاقة عاطفية أو فشلا بها ~~أو مصاعب في العمل لا يعرف حيلة لتيسيرها. # وقفنا بصمت في الردهة لدقيقة أو دقيقتين أو أكثر بقليل من وقت ~~لا أذكر مقداره الآن، لكنه كان قصيرا جدا لم يستغرق سوى ~~انتظامنا في الوقوف لا أكثر من ذلك. ms017 ثم فجأة تحولت أجسادنا إلى ~~كيس ملاكمة يتلقى مهارات رجال الأمن المدربين جيدا على فنون ~~القتال. لم يكن بإمكان أحد منا توقع الضربات القادمة إليه ~~بقصد أو التائهة منها، ولا رؤيتها. ولم تكن أمامي من وسيلة للدفاع ~~سوى تكوير جسمي، إلا أن ذلك لم يساعدني كثيرا ولا أوقف ~~ترنحي بسبب زخم الضربات وقوتها. الأرض بدأت تدور بي وصارت هشة ~~لا يمكن الوقوف عليها وتحول الترنح إلى نوبات سقوط متكرر. # كنت أحاول في كل مرة أن أعاود النهوض لكن ببطء لعل ذلك يؤخر من ~~اندفاعهم نحوي، قبل أن أهوي تماما في مرة أخيرة منزوعا من أي ~~قدرة أو قابلية على القيام مجددا؛ سقطت على بلاط بارد لتبدأ ~~بتقليبي عليه أحذية صلبة رفسا برءوسها المدببة. لا أظن أن أيا ~~من أصحابي كان وضعه أفضل مما كنت عليه، لكن لم يكن لي شغل بهم ~~ولا كنت حتى أشعر حينها بوجودهم، اللهم إلا حين تند منهم ~~صرخات فزع وألم. كان الأمر باختصار كل في شغل عن غيره وكل ~~يصارع لوحده وحوشا ضارية كاسرة انفلتت من عقالها فجأة. أحسست أن ~~الكون خلا من كل شيء حتى من صانعه، ولم يتبق فيه إلا أنا ~~وهؤلاء القتلة، لم يكن هناك من شيء يمكن التقاطه والتشبث به، ~~رأسي أصبح خاويا تماما كأنه قطعة فضاء خارجي لا يمكن له حتى أن ~~يرجع الصدى. # التصق جسدي تماما بالبلاط ولم أعد أملك شيئا من قوة أو ~~قابلية، سوى التقلب عليه حين يضطرني الأمر تفاديا للركلات ~~المتلاحقة، مضافا إلى انهيار قواي بالكامل. كان القيد الجامع قد ~~شل يدي بالكامل؛ فقد انزلقت السلسلة إلى الآخر أثناء العراك ~~من طرف واحد، واستحكم التصاقها بالمعصمين حتى صار ذراعاي كأنهما ~~جزء من ظهري. لم تتوقف الحفلة السادية هنا، بل وثبت فوقي أجساد ~~بعضها كان ثقيلا جدا وأخرى ليست كذلك مع أنها جميعا كانت تتميز ~~برشاقة الحركة وخفتها. كانوا يقفزون بشكل متناوب فوق أي موطأ ~~تجده أقدامهم على جسدي، لا يميزون بين وجه لي أو قفا. أكاد ms018 أجزم، ~~رغم كل ما سوف يقرأ من هذه الأسطر ويستعظم حصوله علي، وقد لا ~~يصدقه البعض أو يظنه مبالغة أو أمرا لا يمكن لبشر أن يتحمله. أجزم ~~بأني كنت محظوظا جدا فكثير ممن عرفتهم في تلك الزنزانات ورأيتهم ~~فيما بعد قد نالوا أضعاف ما نلت من الأذى والعذاب، إنما للأسف لم ~~يرووا حكايتهم بعد. # تمر ساعات طويلة ولا تكف الأحذية عن الاصطدام بجسدي ركلا ~~وتقليبا بين الحين والآخر. أوشكت تماما على الانهيار وبلوغ ~~مرحلة الإغماء لولا بعض استراحات قصيرة بين فينة وأخرى. بالتأكيد ~~لم تكن هذه الاستراحات لخاطرنا، بل لخاطر أصحاب الأحذية المدببة ~~ليشربوا شايا ويأكلوا معه كعكا أو بسكويتا. كنت أسمع صوت جرشه ~~تصكه أسنانهم وهو يختلط بسباب وشتائم لم تتوقف أبدا، كأنها جزء ~~من زادهم اليومي أو هي الأوكسجين الذي يستنشقونه ليبقوا على قيد ~~الحياة. هوسهم السادي لم يفتر حتى في هذه الفواصل القصيرة من ~~الاستراحة كما كنت آمل وقتها بتوقفه؛ مثلا لم يعجب أحدهم أن ~~يستمر في شرب الشاي وإكمال القدح الذي يمسكه بيده فسألني: «هل ~~تريد شايا؟» # لم أرد عليه لأني كنت أعلم يقينا أنه لا يسألني، بل يدبر ~~أمرا ما استهزاء بي. لم يخب حدسي ولا كذب ظني؛ فقد سكب بكل ~~هدوء ما تبقى من شاي ساخن في قدحه على فروة رأسي. ولسوء الحظ كنت ~~قد زرت الحلاق قريبا جدا قبل حفلة العبث هذه، ومن عادتي - كما ~~هي حتى اليوم - أن أخفف شعر رأسي كثيرا. الشاي يقدم عادة في ~~بلدي في قدح والسكر يكاد يملأ نصفه، لم تكن هذه العادة تعجبني ~~أبدا من قبل ولا الآن وهو ينزل على رأسي. الشاي سوف يبرد بعد ذلك ~~مهما كان ساخنا، لكن ماذا سوف أفعل بكمية السكر الكبيرة التي ~~تغلغلت في فروة رأسي. بقيت أشعر بالدبق واللزوجة منها لوقت طويل ~~جدا ثم صارت موئلا مثاليا لكثير من الهوام والحشرات التي ~~يزخر بها المعتقل، خصوصا أن الاستحمام غدا واحدا من الأمنيات ~~المستحيلة لزمن طويل، بل لدهور. # بعد انتظار طويل، ms019 وكم كان من انتظار مقرف؛ لأني كنت أنتظر أن ~~يأتي اللاشيء أو الأسوأ. أنتظر مجهولا إن أتى لن يحل مشكلة، بل ~~سوف يفاقمها ويزيدها تعقيدا وسوءا. ومع ذلك كنت أوهم نفسي أنه ~~من المحتم علي ترقب المجهول وانتظاره؛ لأن قدومه سيضع نهاية ~~لهذا الإرزاء والازدراء الذي غمرت به وغطست فيه عميقا نحو قاع ~~بلا قرار. وهم شبيه بانتظار من لا يأتي أبدا رغم كل أوهام ~~المنتظرين له، انتظار ابتدع صورته العجز حين يتملك صاحبه، ويقرف ~~منه فيتذاكى على نفسه ويشحن ذهنه بخيالات وإبداعات من صنع أوهامه، ~~ويبحر فيها بعيدا بلا شراع ولا دليل يتبع خطاه مصدقا واثقا أنه ~~بها يمسك حبل نجاة ينتهي طرفه الآخر عند بر النجاة والأمان، ~~ولا يدري أنه طرف حبل سائب يسحبه إلى عرض يم لا متناهي الأطراف ~~من العجز والشلل والانغماس في فضاء أحلام وهمية. أبواب النجاة لن ~~تفتح لوحدها، ولن تسير إلى أي أحد، من يرد بلوغها فعليه أن ~~يسعى إليها ويطرقها ويفتحها عنوة إن أبت، وبالتأكيد لن يصل إلى ~~باب الخلاص عاجز مشلول، بل يبلغها الساعون إليها ويطرق بابها ~~السائرون نحوها وهم فقط من يفتحها. # وصل ضابط كبير (ع. ع.)، وبدأ يطلب الموجودين بالأسماء واحدا تلو ~~الآخر. رأيته كتلة لحم ضخمة تشوبها حمرة مختلطة ببياض ترشح عنفا ~~وتقطر قوة وتفيض قسوة. سألني بضعة أسئلة تقليدية: اسمك، عمرك، ~~تحصيلك الدراسي، ومن أي محافظة أنت، وأسئلة أخرى لا قيمة لها ~~نسيتها الآن، وبادرني بسؤال يستدعي الضحك والخوف معا: «هل آذاك ~~أحد؟» # لم أعرف بماذا أجيب عن هذا السؤال، هل يجهل جوابه فعلا وهو يرى ~~حالي المبعثر بعد معركة خاسرة آثارها ترتسم على كل شيء في ~~وعلي؟ أم أنه يبالغ في السخرية، أم أنه يستفزني لخوض نزال جديد؟ ~~أم هو سؤال عبثي هكذا درج على لسانه بلا تفكير؟ وأيا كان الجواب ~~فقد كان من الأجدى، بل من اللازم والواجب علي تجاهل مثل هذه ~~الأسئلة؛ لأن الإجابة عليها قد تحول المسار إلى سكة جديدة لا ~~تحمد خواتيمها ms020 ولا تحسن عقباها، وأي عقبى تؤمل بعد هذا ~~الاستقبال الحار؟! # ويبدو أنه بالفعل لم يكن معنيا بالإجابة؛ لذا لم يعلق على ~~وجومي وإطراقي، بل أمرني هادرا بالانصراف بلهجة وعيد ببطش وتهديد ~~بأزرى مما لقيت حتى الآن. ~~- اذهب ارتح اليوم وغدا سنبدأ معك الكلام. # لم أفهم أي شيء من كل ما حصل رغم نشوتي الداخلية بأمر ~~الانصراف، والتي ربما ارتسمت على محياي المبعزق. وفي طريق ~~الانصراف ألححت على نفسي بسؤال ساذج كنت أحسبه جوهريا، أين هو ~~الاتهام الموجه لي؟ ولماذا إذن كان تسونامي الرفس واللكم ~~والهراوات؟ هل حقا ستكون التهمة الموجهة لي كما كنا نقول ويقال ~~لنا كثيرا: أن النزوة المجنونة في أن تكون إنسانا هي من أكبر ~~الجرائم وأخطر التهم في جمهوريات الخوف؟ # إنهم لا يبحثون عن شيء، بل يريدون وأد الفطرة الإنسانية التي ~~إن طلت على صخب هذا العالم ونما برعمها قليلا، استفز ~~تجبرهم وتيقظ استكبارهم وارتجف الطغاة وعبيدهم جنونا، وطفقوا ~~يغرفون من ظلمة بئر الموت أنواع القسوة لمحوها. لو أصاب العث ~~الشجر وفسد الثمر فإن الزاد والقوت لا يؤخذ إلا من السليم، وبهذا ~~النزر القليل من الثمر تواصل قافلة الوجود سيرها السرمدي، ~~وسيذهب العث مهما كثر إلى المزابل هو وجميع الثمر الفاسد. # 3 # على سلالم كثيرة أنزلت إلى سرداب تحت الطابق الأرضي في زنزانة ~~انفرادية، عرضها أقل من ثلاثة أرباع المتر، وطولها يكاد يضاهي ~~طولي ذا الأقدام الستة، كنت وأنا أفترشها متمددا تصل أطراف أصابعي ~~إلى الباب، ورأسي يلتصق بآخر الجدار، ارتفاعها لم يكن يجدي المرور ~~من تحته إلا بانحناءة قصيرة مني لأدخل مسكني الجديد، انخفاضها ~~الشديد دون غيرها سببه سوء طالعي؛ إذ إنها واحدة من زنزانتين ~~تقعان تحت سلم. # زنزانتي هذه كانت نزل الحرية الوحيد في هذا العالم المستعبد ~~من أباطرة القوة والجشع؛ إذ كنت أختلي فيها بعيدا عنهم وأعتكف ~~معيدا ترتيب أفكاري. فضاؤها كان مملوءا حد التخمة المفرطة ~~بالظلمة ومعه صار الليل كسوتي وردائي. ليل لم يعد ينجلي ويهبط ~~كما كان، بل صار مكتنفا هناك معي ms021 يأبى المغادرة، لكنه جاء لا قمر ~~معه ولا نجوم. عيوني تتنقل في الظلمة وتأخذ من خيوطها شعاعا ~~أبصر به الأشياء. باب الزنزانة الحديدي السميك يقيده أكثر من ~~مزلاج وتغلقه أقفال ثقيلة من الخارج. في الجزء العلوي من الباب ~~توجد كوة صغيرة موصدة هي الأخرى دائما إلا حين يدلف منها صحن ~~عميق أو بالأصح إنه طشت بلاستيكي صغير مخصص للأكل رسميا، وسوف ~~أكتشف له استعمالات أخرى لم تكن لتخطر على بالي بالمرة، ولن يمكن ~~لأحد توقعها أبدا لأنها مفاجأة عجيبة في زمن الثورة الجميل. ~~الزمن الجميل! كما يسميه فاقدو الذاكرة، يتبعون في ذلك مرضى القلوب ~~ومروجي الجريمة. # صرير صرصور لا يفتر كان يمزق سكون الظلام الذي يغطيني، ~~وبسذاجة بالغة فتشت كثيرا عن هذا الصرصور المزعج بالغ الثرثرة، ~~متحسسا في الظلام كل زوايا الزنزانة لعلي أحظى بساعة نوم بعد ~~هذه الرحلة الشاقة الطويلة، ومن سخونة الاستقبال العنيف الذي ~~لقيته. في النهاية لم أجد الصرصار ولكن اكتشفت أني أبله كبير ~~كما ظهر لي خبث الجلاد؛ إذ لم يكن هناك أصلا من صرصار. لم يكن ~~سوى صوت لا أعرف من أين كان يطلق ولا كيف. كل ما خمنته - وصحيح ~~كان حدسي هذه المرة - أنه موكل رسميا بأن يقض مضجعي ويسلب ~~راحتي. # إيه، إني لأبله حقا إلى حد الضحك فعلا! كيف لي أن أتحدث ~~عن شيء اسمه الراحة في هذا الثقب الأسود. لو قلت كلف بأن يجعلني ~~في توتر لا يسكن لأنصفته؛ لأنه قد فعل. # التقيت فيما بعد ذلك أشخاصا آخرين صادفوا أساليب أخرى تجعلهم ~~مستيقظين دائما مفتوحي الأعين، لا تجرؤ أجفانهم أن تسدل على ~~بواصرهم وإن لهنيهة واحدة. روى لي أحدهم أنهم كانوا يدخلون معه ~~في الزنزانة عقربا صغيرا، ويهددونه بالويل والثبور وأنه سيرى ~~نجوم الظهيرة إن مسه بأذى أو قتله. فسخر كل اهتمامه ~~لتجنب الاحتكاك به. وكان يدور حوله مثل ثور في ساقية طوال الوقت ~~في الزنزانة، إلى أن اكتشف فيما بعد حين لم تعد قيمة لاكتشافه ~~أنه عقرب لا يلدغ، وإن فعل ms022 فإن لدغته غير ضارة ويستعمل لإرهاق ~~المعتقلين وتدمير أعصابهم. هذا الاكتشاف المتأخر من قبلي كان مثل ~~اكتشاف صاحبي غير ذي نفع، بل كان مضرا؛ لأنه لم يقلل من توتري، ~~بل أعطاه زخما أشد ودفعا أقوى، لأني صرت أراهم بعين اليقين ~~يتلاعبون بي، وأن كل الأشياء مسخرة لهم مثل سليمان، حتى الشياطين ~~تجثوا عند قدميه وتتملقه للفتك بأعدائه، وصرت أرى ملكهم عظيما ~~كبيرا كأنه بحر ظلمات، لست فيه سوى ورقة ذابلة أصابها ~~البلل. # افترشت الأرض الإسمنتية بعد أن أنهكني التعب تماما والتحفت ~~الظلام متوسدا حذاء رياضيا كنت انتعلته. جفناي عجزا عن ~~الإغماض قلقا، وحين كانا يسهوان عن هذا القلق لوهلة أنزلق بغفوة ~~قصيرة، سرعان ما يذبحها طنين الصرصور ويوقظها تدارك الغفلة عن ~~القلق. # اقتحم النهار الزنزانة من فتحة الباب العلوية وهي تنفرج ليلج ~~منها صحن يضم حساء عدس. دقائق قليلة بعيدها فتح الباب ~~وهذه المرة سبقت فتحه أصوات قرع رهيب لسلسلة مفاتيح ضخمة، ~~وانتصب أمامي رجل أمن (أبو أ.) بزي عسكري وسمرة لافحة من صنع ~~شمس صحراوية خلفت على وجهه قسوة وغلظة وجفاء. أمرني - بزجر ~~وبقليل من كلمات فاحشة - بالخروج لقضاء حاجتي وغسل طشت الطعام، حتى ~~تلك اللحظة لم أكن قد توصلت إلى إدراك المدى الذي بلغته ~~القسوة، ولهذا واصلت بلاهتي وسرت الهوينى كعادتي المألوفة ~~وعادة البشر بالمشي. إلا أن هراوة متصلبة في كفوف وحشية ترعد ~~مزمجرة هوت علي بقسوة. بهت حينها مثل تلميذ بليد حتى صرخة ~~الوجع لم تكن منها كلها، بل منبعها الحقيقي كان الفزع من ~~المفاجأة، وهو أكثر بكثير من الألم من قساوتها. مفاجأة لقنتني ~~درسا جديدا في كيفية السير الحثيث في معتقلات دولتنا ~~الثورية. # عدت إلى زنزانتي - وطني الجديد - خائبا، فلا أنا الذي غسلت ~~الطشت ولا أنا فعلت ما كان علي فعله من قضاء حاجتي، إلا بتساؤل ~~أحمق جديد، هل حقا أنهم يظنون هذا الوقت القصير يكفي لأداء كل ~~هذه الوظائف؟ علي أن أعترف الآن أني كنت حتى تلك اللحظة أحمق ~~شديد البلاهة ومثلا قياسيا في الغباوة. ms023 كنت أسأل نفسي أسئلة ~~تثير الضحك والشفقة لسخافتها وسذاجتها. كل شيء كان معدا ~~ليذيقوا المعتقل السياسي به الذل ويحاولوا تحطيم شخصيته، ~~سحقها، وإشعاره بأنه لا شيء. لم يكن الحرس يفعلون ذلك لفطنة عندهم ~~أو لأنهم يتوفرون على قدرة في ممارسة الحرب النفسية. كانوا أغبياء ~~جدا لا مواربة في ذلك ولا شك، إنما الطريقة التي رسمت لهم لأداء ~~أدوارهم كانت تحقق ذلك، حتى هم أنفسهم لم يكونوا يدرون ماذا ~~يفعلون. مثلا سلسلة المفاتيح كانت تصدر أصواتا مزعجة مهما جهد ~~حاملها في التكتم عليها، لكن صوتها عندما يقترب كان يشبه فحيح ~~أفعى سامة تنتصب أمامك وتحملق فيك بعيون جامدة استعدادا ~~لافتراسك، وأنت تقف أمامها تنتظر أن تبتلعك في أحشائها مشلولا من ~~نظراتها حتى قبل أن تلدغك ويسري سمها في جسدك. # دقيقتان ليس غير، هو الحد الأقصى لقضاء الحاجة حين يسمح بخروج ~~المعتقل لممارستها، ويقف على منحنيات الطريق المؤدي إلى المرحاض ~~رجال أمن بعصي غليظة يضربون بها أي سجين يمر؛ زعيقهم ~~متواصل عليه، إن ركض في الممر أو صعد السلم القصير الموصل ~~إلى خلاء ضيق بلا باب. وحتى إن كان داخل المرحاض يقضي حاجته لا ~~يتوقف الزعيق والسباب، مما جعلني ويجعل أي معتقل في توتر دائم ~~وإحساس كامل بالضياع، أضحيت مثل تائه يدور ويدور ليسقط دائخا ~~وينهض ثانية ليعاود الدوران حول عمود التلاشي، وهكذا إلى حد ~~لانهاية له كأنه سيزيف يدفع صخرة زيوس. # والداي كانا يفخران بي دوما بأني ذكي سريع التعلم ولم ~~أخيب ظنهم هذه المرة أيضا، فقد هضمت الدرس حتى الثمالة، ~~وانفجرت البراغماتية والانتهازية عندي بأبشع صورها داخلي لاستثمار ~~الفرصة الزمنية الخاطفة لاحقا. كان قراري سريعا وجريئا أيضا؛ ~~قرار طويت معه كل ترف العالم الخارجي في كون ميتافيزيقي لا يشبه ~~ذاك الذي كنت أسكنه قبل أسبوعين بأي وجه. عالم ولجت فيه بغتة ~~كالموت الذي يرحل بالأرواح إلى عالم آخر لا يمت لعالم الدنيا ~~بشيء إلا في مسألة واحدة، إن الروح سكنت فيهما معا. أبحرت ~~سريعا في هذا العالم السريالي الجديد وصارت ms024 خطتي بعد الأكل في ~~الوجبات اللاحقة أن أقضي حاجتي في الصحن ذاته إن كنت مضطرا ~~لذلك، ثم أغسله منها ومن بقايا الطعام حين يطلب مني الخروج لقضاء ~~الحاجة في تلك الدقيقتين، وبذلك أهزم جلادي وأستغفله. كانت خطة ~~ناجحة بالفعل وكافية لأن أغسل الطشت حين فعلت ذلك فيما بعد، بل حتى ~~إني كنت أغسله وأنا أترنم بأغنية قديمة حفظتها من أيام المراهقة. ~~شعرت بالزهو لقراري وقلت لهم في ضميري: سأنتصر عليكم أيها الأوباش، ~~ولن أخيب صديقي ناظم حكمت. # إنهم لا يدعوننا نغني، يا روبسون. # يا كناري، الذي له أجنحة النسر. # يا أخي الأسود ذو الأسنان اللؤلئية. # إنهم لا يدعوننا نجلجل أغانينا. # إنهم في خوف يا روبسون. # إنهم يخافون الفجر، يخافون أن يبصروا. # يخافون أن يسمعوا، يخافون أن يلمسوا. # إنهم يخافون أن يحبوا. # 4 # في الليل عندما تكف ~~الشمس عن ملاحقة الوقائع وأشخاصها، تدخل العتمة بكل ثقل ظلمتها ~~لتفتح أبوابا لأحداث رهيبة تجري في غرفة معزولة في الطبقة ~~الثانية، لمبنى كان يدير قفاه لقاعة جميلة يجتمع فيها الكثير من ~~الحالمين. قاعة «ابن الأثير» عند الساحل الأيمن من الموصل، كنت ~~أرتادها مع صحبي كثيرا، نحضر فيها عروضا مسرحية وحفلات موسيقية ~~أو غنائية، ولم يدر بخلدي يوما أني سأقابلها في بناية جياشة ~~بكل هذا العبث المجنون. # لم يتسن لي أن أتفحص ~~ملامح هذه الحجرة الرهيبة أبدا؛ إذ حال عني ذلك عوازل غلفت ~~عيناي كالمعتاد، لكني لمست كل ركن وزاوية فيها بآلامي وصرخاتي، ~~وبدمائي التي صادفت جدرانها تروي لها شيئا من مشاعر متلاطمة كانت ~~تتوزع بين ألم من عذابات تجرعتها، ومن شفقة على جلاد كان ~~يرهق من إيقاع العقوبة بي لجرم ارتكبته بإدمان، وما زلت أفعل ~~حتى اليوم بالزخم عينه؛ جرم شبق الحرية والإصرار على بلوغ قيم ~~الإنسانية إن لم يكن في حدود العالم الذي أقطن فيه، فعلى الأقل في ~~حدود نفسي. لم ولن أتنازل عن ذلك أبدا، وإن قدر لي التنازل ~~يوما ما عنه، فالموت حينها خير لي من الحياة؛ لأني أكون قد مت ms025 ~~فعلا. # في الليل اقتادوا أحد الرفاق إلى حيث لا أدري (وقتها لم أكن قد ~~تعرفت بعد عليها ولا هي عرفتني)، وتبين فيما بعد أنها الغرفة ~~العلوية المقصودة التي سوف أكون ضيفا مدمنا عليها. بعد ساعات ~~عادوا به ثانية، كان صدى ألمه يشق كثبان الظلام، ويحفر أخدودا ~~في صخر الضمير الإنساني المعطل. انتابتني رعشة خوف غريزي من ~~مواجهة الألم وتزايد خوفي وهلعي، وأنا أنصت إليه وهو يطلب من ~~السجان أن يرفع عن عينيه الخرقة التي تعصب عينيه؛ لأنه بات ~~عاجزا عن رفعها. يا للهول! ماذا فعلوا به فأضحى لا يقوى على ~~إزاحة عصابة يمكن حتى للطفل الرضيع أن يرفعها؟ سؤال وجهته ~~لنفسي، لخص كل الخوف الذي انتابني وقتئذ، حينها سرت في ~~قشعريرة أرجفتني وصرت مثل سعفة صغيرة وقعت في مجرى ريح ~~مدارية. # ازدحمت مخيلتي بصور لم أشاهدها بعد، يكسوها ثوب واحد هو ~~القسوة المفرطة؛ قسوة استحكم الفشل في إيجاد أي عذر لها أو ~~تبريرها، وإن وجد أصحاب السفسطة والجدل الفارغ ذريعة في كل مرة ~~لهذا العنف البهيمي الذي يتمثل على أيدي من يعدونه بشرا، أو ~~ينسبونه ظلما زيفا وزورا للبشر، وهو فعل لا يليق إلا بوحوش ~~أسطورية من صنع ساحرة شمطاء تسكن خربة مهجورة مأوى للخفافيش ~~طيور الظلام. # جاء دوري أخيرا، صعدت سلالم متعددة، وطلب مني مرافقي من ~~الحرس أن أحصي ثلاث عشرة درجة في كل مرة حين أرتقيها، كنت أظنه ~~يسخر بي كالعادة، لكن عندما تعثرت في آخر درجة بعد أن أخطأت ~~الحساب وهوت قدمي في الفراغ تبحث عن الرقم المفقود في عدد درجات ~~السلم وبخني على ذلك بوكزة في خاصرتي. # أدخلت على الضابط «ع. ع.» وهو رجل كما به بدانة واضحة فكذلك به ~~قسوة مثلها وأكثر. عرفت أوصافه من اللقاء الأول. هذه المرة تعرفت ~~عليه من صوته المميز، بت أنظر إلى العالم من أذني. # بادرني بسؤال قصير وبلا مقدمات: «من مسئولك في التنظيم؟» ~~- «مستقل ...» بلا تردد وبحسم سريع رددت له الجواب. # وقبل أن تصل كلمات جوابي إلى أذنه الصماء ms026 عن سماع هذه ~~الأجوبة، كانت قبضة كأنها من الفولاذ ترتطم بمعدتي بعنف شمشوني، ~~سحبني الوجع إلى الأرض وهويت سريعا مثل حجر يصدم الأرض نازلا من ~~برج عال بسقوط حر، وتكومت عليها مثل كيس رمل بهيئة إنسان، ~~لترفعني في الحال ذراعان كانتا تمسكان بي من الجانبين. # صاح بهم آمرا بغضب: «خذوه!» # أصعدوني سلما صغيرا، وارتكب الحديد معي خطيئة أخرى؛ إذ لم ~~يكفه قيد المعاصم كما فعل من قبل، بل علقني هذه المرة إلى سقف ~~غرفة متشبثا بجامعة القيد التي حبست ذراعي من الخلف، واتكأت ~~قدماي على الفضاء وفوقها كان يقف جسدي تؤرجحه فنون التعذيب. # حلت لحظة مواجهة مع الذات عادت بي إلى بواكير قصة الإنسانية ~~الأولى، عندما جردوني من الثياب تماما. لم يعترني الخجل كما ~~أرادوا لي ذلك من فعلهم وقلت لنفسي مشجعا: الملابس هي ورق جنة ~~آدم المزيفة، وأولئك الملتحفون بالكثير منها إنما يفعلون ذلك ~~ليخفوا قبح سوءة الخطيئة التي تغمرهم، ومن كان بريئا لم ~~تدنسه الخطايا فلا تعوزه وليس بحاجة لها. # أرادوا اقتحام عفتي وحيائي وما عرفوا أنهم فجروا في براءة ~~الإنسان قبل أن يفقد عذريته حينما نالت منه ثمار شجرة الخطيئة ~~والرذيلة. هذه أسمال الفضيحة، لن يعيبني التجرد منها، وهل يعيب ~~المرآة أن ترتد إلى فطرتها الأولى وأن تزاح منها الشوائب ~~والأكدار؟ خذوها كلها لا حاجة لي بها، إنما يحتاج إلى الستر من به ~~عيب، ومن عيوبكم كلها أنا بريء. # رشوا علي سائلا سريع الاشتعال غمرني باللهب مرات عديدة، ~~وبين لهب حريق وآخر كانوا لا يجدون منفضة لجمر سجائرهم إلا في ~~جسدي الأسمر السابح ألما في الفضاء، مختنقا بدخان سجائرهم وفحش ~~أقوالهم. هراوات خشبية وأخرى حديدية كانت تترك بصماتها على أعضائي ~~بتناوب مجنون، استحال تدريجا ثوب الألم المزمن إلى درع واق ~~يصد موجات عنفهم. كثرة الألم أفقدتني الإحساس به. # دم حار حد اللسع كان يجري على غير ما أعتاد عليه بين أنسجة ~~ممزقة عند الكتفين المخلوعتين بفعل التعليق. بدأت أستجمع كل ~~قواي الكامنة في مجهول عقلي حتى ألاحق ms027 سمو الروح. الندوب ~~والجروح بعضها سيلتئم يوما ما، وأخرى ستبقى نياشين لذكرى ~~المواجهة محفورة أبدا في جسدي، ليفوح منها في كل حين عطر الدم ~~الذي يصرع السيف في كل منازلة له معهن ومتى ما التقيا. # سرى خدر في كل أنحاء جسدي، قتل الألم فيه وبدأ يعطل ~~الحواس شيئا فشيئا، كلما تصاعد زمن المواجهة سائبة النهاية، ~~لكنها في ذاك اليوم انتهت وكانت جولة أولى سوف تتبعها جولات ~~عديدة. # قال لي أحدهم بعد حفلة السمر هذه التي تجرعت فيها كثيرا من ~~ساديتهم، إنه قد أرهق وعلي أن أعترف وكفى صمودا ومقاومة ~~لأنها بلا جدوى، صدمته برد لم يتوقعه حين قلت له بكل بداهة وبلا ~~أدنى تردد: «إني لم أنو ولا أريد أن أسبب لك تعبا.» # أشفقت عليه كثيرا لكنه قهقه ساخرا ولربما مستغربا، ظل ~~يردد مقولتي لوهلة وهو يضحك، إنما بدا لي وهو يستعيدها أنه ~~صدق نيتي بعمق، لكن للأسف بدا أيضا أنه لم يفهمها جيدا كما ~~كنت أريد. كنت أتمنى له أن يفقه ما أقول، لكن أنى لمن خاض في وحل ~~حظيرة خنازير أن يشم شذى طيبا أو عبيرا فواحا. ليس باليد ~~من حيلة الآن، لكن ما علي إلا فعل ذلك، ولن أتوقف عن فعله لا ~~الآن ولا من بعد، وسوف يفهم هو ونظراؤه أغنيتي في يوم ما. # 5 # توالت ليالي التعذيب متواصلة لأربعة أسابيع، تقطعها استراحات ~~اضطرارية كانوا يحرصون على تمتعي بها، لمنح جسدي فرصة للتهيؤ ~~والاستعداد لتلقي مزيد من التعذيب عندما يصبح هزيلا جدا لا ~~يقوى على تحمله، وبالأخص ذراعي اللتين كانتا تصابان ~~بخدر تام جراء التعليق إلى السقف. # بعد أن تهدأ قليلا بعض جراحاتي تتكرر الحكاية من جديد، ليس ~~لمرة واحدة، بل لمرات كثيرة، وفي كل مرة كانوا يسقونني غضب ~~غرائزهم من جوارح هائجة تنفلت تماما من عقالها كما هو حال ~~الضواري المسعورة، كنت أسقيهم بالمقابل خمرة الصمت التي تطيح ~~برءوسهم، وتجعلهم أكثر جنونا يتقيئون الشر المتجمد في صدورهم. ~~أرجع إلى زنزانتي متوجعا لا تتحمل أعضائي أن يحتك ms028 أحدها ~~بالآخر وجلدي صبغ بحمرة قانية إما من دم أو من أثر السياط ~~بعد كل حفلة تعذيب، وهم يعودون سكارى حيارى لا يجدون حلا ~~لمعضلتي ولا فكا لأحجيتي. # كنت أودعهم هادئا في قرارتي رغم ألم الجراح، وهم في انكسار ~~وخيبة يزبدون ويعربدون. صخب الصمت الذي أذيقه لهم كان يقتلع ~~الأصابع الغبية التي يدسونها في آذانهم كي يصموها عن سماع رعد ~~الحقيقة، وهو يمزق الأسمال البالية التي يدفن بها البلهاء ~~رءوسهم. طرق شتى حاولوها لإرغامي على البوح بأشياء لم ولن يعرفوها ~~أبدا، حتى يومنا هذا بقيت سرا مخبوءا ما زلت أحتفظ به للساعة ~~في صدري. صدري قبر لأسرار كثيرة حتى لمن شاركني السجن ولمن كان ~~أقرب الناس إلي من قبل أو حتى من بعد، ولليوم لم يزل يجهل ما ~~كنت أقوم به فعلا من مناهضة سلطة القمع البوليسية وتكميم الأفواه ~~ومصادرة الحريات قبل دخولي للسجن. القليل جدا - وربما هو شخص ~~واحد فقط - كان يعرف مهمتي الحقيقية والدور الأساس الذي كلفت ~~به. ومع أن كل هذا أضحى الآن بلا أهمية حقيقية إلا أني لا أجد ~~مسوغا للبوح به، إنها خصوصية أعتز بها؛ لأن كل مهارتي وبراعتي ~~كانت في هذا التكتم البالغ وحفظ سرية العمل. ليس من السهل أن ~~تكشف سر التفوق بالمهنة خصوصا لمن لا يعرف قيمة ما تخبئ ~~وتواري. العمل الثوري درة غالية وجوهرة ثمينة لا ثمن لها، ~~وأربأ بنفسي أن أعرضه في السوق، فكيف به إذا كان سوقا للأشياء ~~الرخيصة؟ # في وسيلة جديدة لإرغامي على الاعتراف هددوني بأن يجلبوا عائلتي ~~للمعتقل، لم أبد أي اكتراث، حتى إن «م. ع.» عندما لاحظ رد ~~فعلي وكمية اللامبالاة التي يحتويها، قال: «يا قواد، يبدو أنك لا ~~تصدق أننا سنفعل ذلك.» # وبالفعل لم يكن ذلك مزاحا منهم ولا تهديدا فارغا، بل كانوا ~~قولا وفعلا في هذه الأمور بلا أدنى تردد يخامرهم أو شك ~~يساورهم. في أحد الأيام جلبوا والد أحد المعتقلين السياسيين وهو ~~صديق شخصي لي وأيضا زميل جامعي. والده كان فلاحا بسيطا ~~ثمانينيا ms029 في أواخر العمر، أذاقوه من الإهانة والأذى ما أجبر ~~صاحبي على إعطائهم دليلا مزيفا، كان هذا سببا كافيا لأن يقوده ~~هذا الدليل فيما بعد إلى حبل المشنقة ليفتدي والده المنهك من ~~عذابات جديدة تضاف إلى آلام السنين، وعناء فلاحة أرض ضمته ~~إليها سريعا بعد ابنه لتجفف دمعه وتمنحه أمنا وحنانا افتقدهما ~~فوقها. # أصبحت مواجهة قسوتهم عملا روتينيا شبه يومي فيه الكثير من ~~الملل والرتابة، وأصعب ما فيه كان الانتظار الذي طالما كرهته في ~~كل الأحوال، أنتظرهم في حفرتي المعتمة مضمخا بالدم والجراح، ~~محاولا أن أتصلب وأفرغ رأسي من الماضي القريب وأبعد كل صوره ~~عني، لكن كنت أترقب بقلق وخوف تضطرب له كل أعضائي موعد ~~زيارتهم الليلية، وعندما تضعف الأقفال أمام المفاتيح وترخي ~~صلابتها ويتحرك الباب المصفح بصريره المفزع، كان القلق يستبد ~~بي ويبلغ ذروته وتصير الأولوية عندي أن أخرج من دائرة الخوف هذه، ~~ولم يكن أمامي من بد إلا استفزازهم حتى يكسروا حلقة الانتظار ~~ويبدءوا بممارسة القسوة التي لا بد منها، تجنبا لهذا الانتظار ~~المزعج ولما هو قادم بلا محالة، فعلام الهروب منه، ولماذا ~~التأخير؟ # سألني «ع. ع.» يوما: «هل صفيت عقلك؟» # دفعت الجواب إليه سريعا بتحد ممزوج بالسخرية: «ذهني صاف ~~أساسا.» # رد، لم يكن يتحسبه ولا ~~ينتظره، إنما أنا الذي كنت أنتظر رده المتوقع وأتلهف إليه للخلاص ~~من دائرة السؤال والجواب التي كانت تستنزف قواي في الصمود أكثر من ~~التعذيب نفسه بكثير جدا. ولو قلت إني كنت أوشك أن أسقط في لحظات ~~الانتظار كثيرا، لكني لم أكن معرضا لهذا الاحتمال خلال حفلات ~~التعذيب أبدا لما أوردت أحدا إلا إلى عين الحقيقة. # رده كان غضبا بهيميا، فجره كالعادة بنصب أرجوحة لجسدي من ~~السقف وتركه يسبح في الفضاء يتكئ على الفراغ. أشياء كثيرة كانت ~~تزور جسدي بعضها يحفر ثقوبا فيه لتعدم كثيرا من خلايا شاء حظها ~~النحس أن تكون في جسدي على خط المواجهة الأولى خط التماس، تماس حتى ~~مع أسلاك الكهرباء. # طالما سمعت جدلا في أيام الدراسة الثانوية بين تقليديين ms030 ~~ومتنورين يسألون سؤالا، هل يعقل أن توماس إديسون يذهب إلى ~~الجحيم وهو الذي خدم البشرية كلها ونفعها باكتشاف الكهرباء؟ ~~كنت دوما إلى جانب الفريق المدافع عن إديسون في كل مرة جرى فيها ~~هذا النقاش؛ لأن خلود الإنسان بما يقدم من خدمة للإنسانية ~~وينفعها، لا بما يثرثره من كلام أو يرسمه من بورتريهات مزيفة ~~للإله. بيد أني في تلك الليالي صرت أرى إديسون رجلا شريرا ~~ارتكب خطيئة لا تغتفر بفعلته الشنعاء هذه. أي إثم قد اجترح ~~عندما اكتشف الكهرباء؟ هل يرى الآن من جنته أو من جحيمه ما عاد ~~يهمني أين استقر به المقام، هل يرى ما يفعل بي اكتشافه الرهيب؟ ألا ~~يرى كيف أرتجف مصعوقا؟ وهل هو نفسه الذي علمهم أيضا أن ~~الكهرباء يزداد شرها عندما تعلق الأسلاك في أطراف الأصابع ~~وعند الحلمتين وأماكن حساسة أخرى لا أخدش الحياء بها كما فعل ~~إديسون باكتشافه المقرف؟ ماذا عليك لو كتمت ذلك عنهم يا إديسون؟ ~~وماذا كان سيحصل لو أن لي جلد سلحفاة فلا آبه لغلاظة العصي؟ ~~أو لو أني كنت طويلا مثل عوج بن عنق؟ أو نبت لي عنق زرافة؟ كيف ~~كانوا سيجدون سقفا ليعلقوني منه؟ # أمنيات مستحيلة كثيرة أخرى، لم تكن هراء. كانت جدية للغاية ~~آنذاك والأمر لم يكن مضحكا ولا عبثيا، بل كان بحثا عن مخرج ~~خرافي من أزمة لا مخرج منها. كنت تماما مثل غريق تتقاذفه أمواج ~~متلاطمة في بحر هائج ينتظر معجزة تخرجه من البحر اللجي، وأين هي ~~هذه المعجزات؟ لقد ولى زمن المعجزات؛ لأنها صنع الجهل ~~والأوهام، أما في الواقع فلا توجد إلا قوانين الفيزياء. إنها ~~أحلام ولا عيب في الأحلام وإن لم تحدث لأنها ليست أوهاما، وإن ~~بدت كذلك أحيانا. الحلم هو النهاية السعيدة لحاجة واقعية ولو لم ~~تكن حقيقة موجودة لما اندفع إليها تفكيرنا وتاقت إليها ~~نفوسنا. # ألسنا ما زلنا نحلم بالسعادة والحرية منذ فجر ظهور البشرية ولم ~~يتحقق شيء منها حتى الآن؟ الأحلام منفذ الخلاص الوحيد حين توصد ~~كل الأبواب، وإذا لم تؤد ms031 إلى الخلاص فإنها على الأقل سوف تمنع ~~اليأس والقنوط من التمدد إذا لم تقتله بالفعل. # بكل صدق يمكن أن يحتويه قلب القديسين، تمنيت حينها ألا ~~يجلس في محلي ذاك أحد من بعدي. # 6 # في ليلة طال صبرهم كثيرا شعرت بقرارهم المسبق أنها سوف تكون ~~ليلة للتأريخ، توسلت فيها بشدة للشمس أن تشرق لكنها أضاعت ~~الاتجاهات فظلت تدور في صحراء الظلمة تائهة كتيه بني ~~إسرائيل. تركتني معلقا في الهواء لأكثر من أربع ساعات كما ~~خمنت ذلك فيما بعد، ينزلون بي صنوف العذاب بلا كلل ولا ملل، لم ~~يهدءوا ولا فتروا ولا لهنيهة واحدة. صرت واثقا من إرادتهم ~~وتصميمهم على وضع خاتمة لقضيتي هذه الليلة بأي طريقة تصل ~~إليها أيديهم، ولو كلفهم ذلك القضاء علي وإزهاق روحي. لن أرجع ~~وأكرر شرح وسائل التعذيب التي استعملوها معي، لكن أقول ليلتئذ ~~أعلنت التحالف بينها واتفقت في تلك الأمسية الطويلة أن تزورني ~~جميعها. أصبحت عاجزا حتى عن الصراخ من الألم، وفقدت الشعور ~~بالكثير من أجزاء جسدي بما أصابها من خدر، إلا رأسي كان نشطا ~~فعالا لأقصى ما يمكن له كما لو أنه كان يستمد طاقته من العذاب ~~الذي عطل كل شيء غيره. واصلت الاستمرار بالتركيز الشديد ~~والتفكير بعمق، كيف لي أن أتخلص من عصفهم القاتل في هذه الليلة ~~التي لا فجر في آخرها؟ # وأنا على هذا الحال تذكرت كراس لينين «ما العمل؟» # سألت نفسي: «ما العمل الآن؟» الأمر لا يحتاج إلى الصمود فقط، ~~ولا الأحلام هي منقذي الأسطوري؛ لأني اقتنعت حينها أن لا أحد ~~معني بي حتى السماء هربت من وظيفتها، لا بد من حل سحري للخروج ~~من هذه الحفرة التي وضعت فيها، وأي حفرة هي؟ كأنها جراب محكم ~~الشد مملوء حد الطفح بضحكات سخريتهم المدوية وثورات غضبهم ~~العارمة. # لا أعرف بالتحديد من الذي قال: «أعطني مسرحا أعطيك شعبا ~~مثقفا.» إنما هذا هو أوانها بالضبط، لماذا لا يكون المسرح هو ~~المفر من هذا الكابوس المتسلسل بلا نهاية؟ هكذا كنت أحدث نفسي ~~وأقول لجسدي: تماسك وتحمل ms032 مزيدا من العذاب، ولنجرب لعبة ~~الفرار من الموت بادعاء الموت. سوف يكلف ذلك مزيدا من الألم، ~~لا تخف منه، ولم الخوف؟ أولسنا غارقين فيه؟ فما الضير من ~~سحابة أخرى تمطر على البحر، هل ستزيده بللا؟ ما عدت أصدق أن ~~هناك جسدا يقوى على ما قويت عليه حتى الساعة من تحمل كل هذه ~~الآلام، وإذا كان بمقدوري تجرع كل هذا، فلماذا لا أحاول تجرع ~~المزيد منه لعل في ثمالة الكأس الخلاص؟ بدأت بتركيز كل قواي ~~العقلية استعدادا لأداء دور المحتضر عسى أن تنجح المسرحية ويتوقف ~~هذا العبث، وأنتهي من نزيف الوحشية. استجمعت تركيزي، رفعت ~~الستارة وبدأ العرض. # المشهد الأول: لم أعد أستجيب للأذى الذي كانوا يلحقونه بي؛ ~~كل همجيتهم وقسوتهم المنصبة التي كنت أواجهها بالصراخ ~~استبدلت الرد عليها بكتمان الألم، عندما أقول كتمان الألم فإني ~~أعنيه حرفيا؛ إذ ابتلعت الألم تماما وحفرت في داخلي أخدودا ~~عميقا لابتلاعه كاملا بلا مضغ، كما يفتح الحوت فاهه ويبتلع ~~أسرابا من السمك، وهناك في أحشائه تدور معركة الطحن ويسحق ~~فريسته، يكتم هذا عن كل العالم، وهكذا فعلت. لم أعد أستجيب ~~لأي ضربة هراوة تجلدني، ولم تعد تلسعني أي سيجارة تطفأ في ~~أليتي وكأني فقدت الإحساس. # المشهد الثاني: أطلق أنينا خافتا، وأتوجه بآهات بنسق ~~واحد لا يتغير، سواء شنوا غزوة على جسدي أو تركوه ينعم بسلام ~~هدنة هم من يحدد وقتها. لم يصدقوا في البدء ما كنت أؤديه من ~~تمثيل استنادا لخبرتهم الواسعة في التعذيب، حاولوا كثيرا ~~استفزازي للخروج من هذا العرض المسرحي بوسائل شتى، حتى إنهم جاءوا ~~بآلة كأنها خازوق كهربائي، لكن لم أستجب لكل إغراءات الصراخ بصوت ~~عال. أشحت بأعصابي، بل بكل عقلي عنها خشية أن أعيش جوها ~~وأسقط في الكمين، رحت أحاول التفكير في أشياء أخرى بعيدة جدا ~~عما كنت فيه، أشياء أخجل الآن أن أكتبها حتى لا أتهم بالسفاهة ~~أو الجنون، لكن هذا ما حصل، بل إني انغمست في تأملها لدرجة أنا ~~لحد الآن لا أصدق نفسي كيف جرى كل ذلك! # تململ ms033 البعض منهم من الوضع الجديد الذي بت فيه، وارتعش آخرون ~~خوفا من أن أكون فعلا على وشك الفراق الأبدي لهذه الدنيا، وأن ~~أكون صرت ضحية لعصيهم بدون أمر من جهة مخولة بتصفيتي. هنا ~~فهمت أن قرار الموت تحت التعذيب لم يكن مسموحا به بشكل جزافي، ~~واستنتجت أنه لا يحصل إلا بأمر من الضابط الكبير المسئول عن ملف ~~القضية. دار نقاش بينهم كنت أصغي له بتركيز شديد، حتى قال ~~أحدهم: «أنا غير مسئول بعد الآن عما يحصل، لنبلغ السيد الضابط وهو ~~يتخذ القرار.» # زادني هذا الحوار تصميما وعزما، وقلت في سري: هيا امض ~~قدما في اللعبة أكثر وأكثر؛ إنها تؤتي أكلها. إذن ها هو ~~المسرح ينتج فكرة تخرج واقعا جديدا. الهمس الدائر بينهم صار ~~حوارا مرتفعا، ثم غدا أشبه ما يكون بالشجار، عاد علي ذلك ~~بالراحة، ليس النفسية فقط وارتفاع المعنويات، بل براحة جسدية ~~أيضا؛ حيث توقف الركل والضرب بالكامل. لم يستمر الخصام ~~بينهم طويلا؛ إذ كان لا بد من مرجع يفصل فيما تنازعوا به، وجاء ~~من يفض النزاع بكلمة فيصل منه بعد أن وصله الخبر عن طريق ~~أحدهم. # هزني بعنف عدة مرات ثم كلمني برفق، كان يناديني باسمي ~~طالبا مني أن أكلمه بأي شيء، وأقسم لي مغلظا أنه لن ~~يؤذيني أحد بعد الآن، فقط إن رددت عليه. إلا أني كنت موقنا ~~على الدوام أن للمسرح دورا كبيرا وخطيرا، ولا ينبغي التنازل عن ~~هذا العرض الكبير الذي أقوم به لأجل شخص تافه من النظارة لا يفهم ~~ما يدور حوله. ذهبت كل محاولات استدراجي عبثا، وانتهى الأمر به ~~إلى يأس تام من استجابتي، وأن ما يراه ليس تمثيلا، بل واقع ~~وحقيقة ليصدر فرمانه قاطعا النزاع: «نزلوه! هذا قد ~~انتهى.» # لم أعن جسدي على النزول من الحلقة المعقوفة المفتوحة المثبتة ~~بسقف الغرفة رغم محاولاتهم إقناعي بذلك، أحدهم كان يطلب ذلك مني ~~بما يشبه لهجة المتوسل. رفضي التعاون اضطرهم إلى التعاون ~~الجماعي على رفعي إلى الأعلى وتخليص القيد الجامع من الحلقة ~~المعقوفة في السقف. ms034 كنت أواصل الحديث مع نفسي: علي أن أستمر في ~~أداء الدور إلى النهاية. ~~«أنت ممثل بامتياز.» سرى في داخلي شعور نرجسي بالتباهي ~~والإعجاب وكذلك بالفخر. بدأت ألوم نفسي كثيرا، وأسلب منها شعور ~~الانتصار، وأقول لها لماذا لم تفعلي ذلك مبكرا؟ # حتى إنه وردت حينها في بالي خاطرة؛ عندما كنت أذهب إلى المسرح، ~~وكنت أذهب إلى هناك مرارا لم أكن أختار الجلوس إلا في مقاعد ~~الحضور، مع أنه ثبت الآن أنه كان بالإمكان جدا أن أصعد على ~~المنصة وأحدق في النظارة ببرود وأؤدي أفضل الأدوار. إيه قد ~~فاتتني هذه الفرصة أيضا، واكتشافي لمواهبي جاء متأخرا. قلت ~~لنفسي: لا تهتم كثيرا، لم يفتك الشيء الكثير؛ فالعالم كله ~~مسرح كما يقول شكسبير. # أهبطت على الأرض ثانية بعد التحليق الطويل. أمسك بي من كل ~~ذراع واحد من الجلادين، ويبدو أنهم قرروا إجراء اختبار سريع لكشف ~~الكذب لم يكن في حساباتي أبدا؛ لذا لم أكن مستعدا للتملص منه ~~بأي حيلة أو وسيلة. فجأة تركوا ذراعي وحرروني من قبضاتهم ~~القوية التي كنت أتكئ عليها. بغت بتصرفهم الذي لم يرد ~~على خاطري، ولكن ما صعقني أكثر من هذه المفاجأة، أني هويت إلى ~~الأرض مثل حجر يسقط من علو، ولم أستطع النهوض ولا حتى ~~الجلوس. ~~«ما هذا؟ هل فعلا قدماي عاجزتان أن تحملا جسدي ~~النحيل؟!» # تكومت بلا انتظام على البلاط البارد عاريا، أمسحه بعرقي، ~~وألامسه بالحروق وآثار أعقاب السكائر والكدمات والجروح الموزعة ~~بعشوائية في كل مكان من جسدي المتعب المنهك. # أية أكذوبة تلك التي كنت أحدث بها نفسي، وأي هراء هذا ~~الذي كنت سأصدقه حينما ظننت أني نجم مسرحي، ذاك الأداء التمثيلي ~~الرائع لم يكن إلا وهما جديدا وخيالا سخيفا، وسوف يتبين ~~بعد قليل أن كذبتي على نفسي كانت كبيرة جدا وأكبر مما يتصوره ~~أي أحد، علي أن أضع كل هذا الهراء الفارغ في خانة مقفلة ~~وأنتزعه من تفكيري. استبد بي الضحك سخرية، بل عصبية، وعلت ~~قهقهة في أرجائي وأنا أتأمل حالي وما صرت إليه. انفضت كل ~~الأفكار ms035 عني كأن مغناطيسا هائلا سحبها، وأصبحت أجوف فارغا ~~تماما مثل قطعة من فضاء خارجي لا يسكنه إلا أثير لا حقيقة له ~~ولا واقع. # رفعوني مثل كومة لحم من الأرض وجرجروني في ممر قصير يقع إلى ~~جوار غرفة التعذيب «غرفة العمليات بحسب اصطلاحهم.» بدا لي حينها ~~أنه ممر طويل لا نهاية له، يسيرون بي فيه بسرعة لم تكن تناسب ~~كومة اللحم المتهالكة التي صرت إليها. قفزت حينها في بالي ~~خاطرة سخيفة فعلا، لكنها لا تناقض ميلي الدائم للمزاح حتى في ~~أعسر المواقف وأكثرها جدية. # كم هو مضحك منظري الآن وأنا أمشي عاريا! ترى كيف سيكون رد ~~فعل زملائي في الجامعة وبالأخص الطالبات منهم لو رأينني هكذا؟ هل ~~هذا وقته؟! لماذا لا تتوقف عن المزاح؟ ماذا بك؟ هل جننت؟ # كنت أحدث نفسي بهكذا حوارات فوضوية لا رابط بينها ولا نظام ~~في لحظات خاطفة أسرع من الضوء. لكن بصراحة كنت أضحك في داخلي لهذا ~~الحوار، وبدا لي أنه شيء قريب لحد الملامسة من همس الجنون أو ~~اكتشاف متأخر لعبثية الحياة التي لم أعد أحفل بقيمتها في تلك ~~اللحظة بالكامل. حتى إن الابتسامة غلبتني وأنا أحدث نفسي. ~~ولحسن الحظ لم ينتبهوا إليها، وحتى لو انتبهوا لها لم يكن بإمكانهم ~~تمييزها؛ لأن وجهي بل كياني كله بالتأكيد كان مريعا لا يساعد ~~أحدا على تصور وجود ابتسامة فوقه، وكيف لها أن تعلو هذا الخراب ~~العارم. الأمر الأكيد أني أصبحت فوضى شاملة تتوارد علي الأفكار ~~وتتضارب في المشاعر وتمر فوقي الخواطر كأنها أمواج بحر هائج. ~~سارعت لإيقاف خواطري أو لجمها قليلا؛ لأني كنت سأنفجر ~~ضاحكا، وكان يمكن أن أضحك بهستيرية لو فلتت ضحكة واحدة مني. ~~أقولها مرة ثانية أصبحت فوضى عارمة شاملة في المظهر ~~والجوهر. # في هذه الأثناء واصل اثنان من رجال الأمن السير بي رواحا ~~ومجيئا في الممر البارد، يرفعانني بين الحين والآخر عن الأرض حين ~~أعجز عن مجاراتهم في المشي. كنت في تلك اللحظة قد قطعت علاقتي بكل ~~محتويات العالم ولا أفكر إلا بهذه النزهة ms036 الإجبارية التي لم ~~أفهم سرها ولا المغزى منها. بدوت بينهم وهم يسيرون مسرعين مثل ~~طفل صغير يلهو مرحا برفع قدميه من على الأرض حين يمسك والداه ~~ذراعيه. # كنت أشعر أن الممر بارد جدا، كأنه مفروش بالصقيع مع أنه لم ~~يكن باردا كما عرفته فيما بعد. صارت برودته زمهريرا؛ لأني كنت ~~عاريا مجردا من أي قطعة على الإطلاق، غارقا في عرق تصبب ~~مني بغزارة أثناء التعذيب، وأيضا لأني بلغت من الضعف منتهاه، ~~وخارت قواي للآخر، فصار كل شيء باردا عندي وإن لم يكن في واقعه ~~ونفس أمره كذلك، وهكذا هو العالم، ليس هناك من حقيقة واحدة فيه ~~ثابتة. كل الأشياء فيه لها صور متعددة لا عد لها ولا حد، كل ~~واحدة منها تناسب من يراها، صور بعدد أنفاس الخلائق. # 7 # لم أعرف بالضبط لماذا كانوا يسيرون بي هكذا مسرعين في الممر ~~البارد ولفترة لم تكن قصيرة؟ هل كان جزءا من علاج طبيعي لإعادة ~~الوعي خوفا من سقوطي في غيبوبة، وتحفيزا للجسد المتهالك للعودة ~~إلى وضعه الطبيعي؟ لا أدري، ثم ألقوا بي إلى حائط أستند إليه ~~وأنا معصوب العينين مشلول اليدين تماما لا أقدر حتى على تحريك ~~إصبع واحد مع أنهما كانتا طليقتين من القيود لأول مرة في تلك ~~الليلة الدامية. عاريا من أي خرقة ملابس تغطيني، يحيط بي ~~صمت بارد، بعد أن تلاشت كل الأصوات التي كانت تتنافس على ~~إصدار الصخب وإنزال العذاب. ثم تناهى لسمعي بعد برهة وقع أقدام ~~تتقدم بخفة ولكن بسرعة لا تحدث صوتا إلا بما يشبه الهمس، جلس ~~صاحبها أمامي مباشرة وأغلق فمي برقة وطلب مني ألا أنبس ببنت ~~شفة وهو يطبق سبابته على شفتي. بدأ بتحريك يدي المشلولتين ~~يثنيهما بقوة أوجعتني جدا، كدت أصرخ من شدة الألم. وبدلا ~~من الصراخ أعلنت احتجاجي على هذا الوجع بتأوه ضعيف احتراما ~~لطلبه الرقيق مني بالصمت، وأسكتني هذه المرة بحنان أكثر. صدقه ~~كان يشع علي وينفذ بلا حواجز إلى كياني وأنا ألمس رحمة ~~تنساب منه مثل النسيم تنعش روحي، وشفقة ms037 تفيض علي تسكن ألمي. ~~قال لي: «إذا لم تتحمل هذا الألم الآن فسوف تفقد قابلية تحريك ~~ذراعيك لما تبقى من عمرك، إني أفعل ذلك لصالحك.» # استسلمت له مصدقا ولم يكن بالإمكان إلا أن أفعل ذلك؛ فقد ~~جاء متطوعا ليساعدني في تجاوز لحظة كانت ستغير وظيفة ~~بعض أعضائي إلى الأبد. حينها لاح لي حنا مينا في إحدى رواياته ~~وهو يقص علي كيف أن والده السكير الذي كان يظنه حنا مينا ~~شرا محضا تحول إلى كتلة مشاعر إنسانية صادقة تحمل حنا الطفل ~~المريض، وهو يركض به حافيا في البيداء هائما على وجهه باكيا ~~يبحث عن علاج يخلص ابنه الصغير من حمى شديدة أصابته. يقول حنا ~~مينا معقبا على تلك الحادثة: «في كل إنسان بقعة مضيئة.» # مثل وحي ظهر لي حنا مينا في هذا الغار، وقال لي: هذه هي ~~البقعة المضيئة التي حدثتك عنها تشع عليك الآن من هذا الرجل ~~قبالك. قم بشر بها كل من آمن بالإنسان. # مع أني لم أر وجه هذا الرجل أبدا، ولم أستطع التعرف عليه ~~بعدها رغم بعض شكوك ساورتني في تشخيصه من صوته من بين أشخاص ~~واجهتهم لاحقا من رجال الأمن، إلا أني لم أستطع أن أحدده ~~بدقة ويقين حتى الآن. لكن هذا الجميل لم أنسه يوما ولن أنساه. ~~حادثة أكدت لي ما أومن به دوما، إنه حتى عدوك يمكن أن يكون ~~صديقك، وفي كل إنسان هناك منفذ للخير يمكن للنور أن ينفذ منه ~~ويطرد الظلام كله ويملأ كل أرجاء النفس بالخير ويمسح الشر ~~كله. # يوما ما سألتقي هذا الرجل، إما على هذه الأرض - ربما بعد أن ~~يقرأ شهادتي هذه - أو بعد أن نعبر حاجز الدنيا إلى عالم الحقيقة ~~والتجرد من الأشياء. وفي كل الأحوال سوف أشكره كثيرا وأكثر ~~بكثير من كل الكلمات التي سطرتها الآن. سوف أشهد له الآن ~~وبعدئذ أنه علمني أن ما أحفظه من قيم عليا كنت أقرؤها في ~~الكتب لم تكن كذبة أبدا؛ علمني أن الإنسان يمكن له أن يكون ~~إنسانا لو أراد ms038 ذلك، قد تكون هناك صعوبة في إنجاز الأمر لكن لا ~~استحالة فيه أبدا، علمني هذا الرجل أن أحب عدوي أو ألا ~~أبغضه على الأقل، وتيقنت أن الحب قيمة واقعية وليست ~~مثالية كما يصورها الشعراء، ولا يحتاج أن يكون المرء نبيا أو ~~قديسا ليفعل هذا. كل ما عليه فعله أن يعود لفطرته وسوف يرجع ~~إنسانا ليس أكثر من هذا. أصلي لصديقي المجهول باستمرار، وأرجو ~~أن تكون هذه البقعة المضيئة التي سطعت أمامي يومئذ قد ملأت ~~روحه الآن وطردت كل الظلام. أتمنى هذا له كما أتمناه لنفسي، ~~وآمل أن أطرد كل ظلام في حشاشتي من كره وغل لأخي الإنسان ~~مهما كان موقفه مني. # بعد استراحة الحائط هذه التي لا أذكر كم من الوقت قد أخذت، ~~تشوش ذهني كثيرا ولم أعد حينها بقادر على تخمين الأوقات ولا ~~أي شيء آخر، أخذوني إلى الضابط المحقق. كنت قد استعدت قليلا من ~~قواي، عيناي بدأت تتنفس بعضا من نور شاحب من خلال العصابة ~~المتهدلة قليلا عنها، ثم أزاحوها تماما بأمر منه لأتلقى ~~مفاجأة جديدة أخرى. ما الذي يحدث بحق آلهة الغضب والجحيم؟ أين هو ~~النور الذي ينعكس من الأشياء كما يقول علماء الفيزياء؟ ما له لا ~~يصل إلى عيني، هل أصابه الكساح؟ أم هل مات الضوء وصار الكون ~~رماديا غائما؟ أم أن عيني تحتضران؟ # مشهد رمادي معتم بدأ يستحيل تدريجيا إلى أشباح بلا معالم هنا ~~وهناك. وقفت وسط الغرفة كما خمنته، في الحقيقة لم أكن أعرف أين ~~أقف في هذا الكون كله، ضاعت كل الاتجاهات مني وصرت بوصلة ~~بلا مؤشر. بقيت واقفا لمدة ليست بالقصيرة ويقف إلى جنبي رجل ~~أمن واحد على الأقل أستند إليه يمسكني من زندي لئلا أقع. لم ~~أعرف وقتئذ كم كان عدد الموجودين بالغرفة، كنت أسمع أصواتا لا ~~أرى أصحابها، وشوش عقلي الخبر السيئ الذي تلقيته للتو ~~بأني أضحيت لا أجيد النظر؛ ولهذا السبب لم أتمكن من حصر العدد ~~ولا حتى محاولة تخمينه؛ لأني أصبحت في شغل عن هذه الأشياء. # قال الضابط ms039 موجها كلامه لي: «اجلس.» # تلمست المكان ببصري المشوش ولمحت شيئا ما يشبه مقعدا ~~دائريا، تقدمت لأجلس عليه، وما إن وطئته أليتي حتى ~~صرخت من سخونة المقعد الذي لم يكن سوى مدفأة نفطية. قفزت فزعا ~~متوجعا وسباب من الضابط المسئول عن التحقيق ينهمر علي: ~~«غبي، هل هناك أحد يجلس على مدفأة؟» # امتلأ المكان برائحة ألم، غضب وسخرية، وقليل من رائحة جلد بشري ~~لسعته نار. والأهم من ذلك كله ولدت قناعة راسخة عند المحقق ~~بأني أصبحت في وضع مثالي لعدم جدوى أي استجواب معي، وفعلا ~~انتهى التحقيق رسميا في تلك اللحظة. وباشروا بإلقاء ما تبقى من ~~ملابسي علي، وقبل أن يدفعوني في حجرة المصعد وليس نزولا على ~~السلالم كما هي كل مرة في الطريق الطويل إلى الزنزانة الانفرادية، ~~شعرت أكثر ببرودة الأرض وتذكرت حذائي، فطلبته، لم يعبأ أحد ~~بسؤالي، طلبته ثانية، وهذه المرة بإلحاح استفز أحدهم، فقال ~~بغضب: «عجيب أمرك! أنت تموت وما زلت تبحث عن حذائك؟!» # عند تلك اللحظة رجع التحدي إلي بعد أن شعرت بنوع من الأمان ~~من انتهاء حفلة الليلة، حاولت السخرية منهم كما سخروا مني بسؤالي ~~هذا. كنت مصرا على ألا أعيش شعور الهزيمة وأظل متمسكا ~~بيقيني بأن الفجر سيطلع يوما ما، وسوف يطرد كل هذا الظلام ~~المخيم علي وعلى وطني. # ليال دامت على ما يزيد عن أربعة أسابيع بقليل يمكن لي أن ~~ألخصها بعبارة واحدة، نفي قاطع لكل أنواع التهم التي ~~وجهت لي، مصحوب بألم رهيب. وبدا لي أني في طريق الانتصار ~~على تلك المعاناة، وسرى في شعور من الزهو. بدأت أنتظر ذاك ~~اليوم الذي تفتح الأبواب فيه مغاليقها لأعانق الحرية من جديد، ~~وأعود لما كنت عليه وأدلع بلساني إليهم ساخرا. أول تباشير النصر ~~جاءت حين أخلوني من الزنزانة الانفرادية في القبو إلى زنزانة فوقية ~~جماعية يدخلها نور من فتحة صغيرة. # التقيت في هذه الزنزانة لأول مرة بمعتقلين سياسيين من طلبة ~~جامعيين عرفت بعضا منهم، كنت أراهم في أروقة الجامعة وآخرين ~~التقيتهم لأول مرة. التحقيق قد انتهى ms040 تقريبا إلا من بعض ~~الحالات التي لا تقارن بما عشته في الزنزانة الانفرادية، ~~وأصبحت أنام مسترخيا بعض الشيء ليلا لا أنتظر فيه زائرا ~~يدعوني إلى حفلة تعذيب تنتهي عند بزوغ الفجر. # كنت حذرا كما يتطلب الموقف من شركاء الزنزانة، ولم أرد على ~~أسئلتهم الفضولية عن تهمتي، بل نفيت أن تكون سياسية أصلا. ~~اخترعت تهمة أخرى بعيدة كل البعد لأقطع الأسئلة، وادعيت ~~فيما بعد أني كنت أعاكس فتيات لهن وضع خاص، وجيء بي إلى ~~المعتقل لتأديبي. لكن جو الزنزانة وشعوري بالألفة والثقة ~~والتعاطف مع سكان الزنزانة وما خيل لي من انتهاء التحقيق، ~~حثني كل ذلك إلى أداء الدور الذي أهوى القيام به دوما بكل ~~شغف، وهو الحديث في الممنوع من الكلام. صرت أتحدث معهم بكثير ~~من الأمور التي بالعادة من يخوض فيها ينتهي به المطاف إلى السجن، ~~لكن أليس نحن الآن في سجن؟ فلا ضير إذن من الكلام. وصرت في بعض ~~الأحيان أستعرض ثقافتي على بعض منهم ممن لم يخض في هذا المضمار ~~وتورط بالصدفة في هذا المأزق الذي نحن جميعا فيه. بدأنا نخوض ~~النقاشات وكنت أسيرها أحيانا، أكمل معلومة ناقصة هنا ~~وأصحح أخرى هناك، تسرب اطمئنان إلى داخلي وصرت أستعد ~~لأنسى هذا الشهر الاستثنائي وأرجع ثانية إلى دوري الذي اختطته ~~لنفسي وأشرع بالدعوة لما أومن به ولو كان ذلك في زنزانة الآن، ~~وغدا سأفعل ذلك في كل أرجاء البلد، وسوف أعود محملا بخبرة ~~عظيمة في مواجهة الخصوم بعد هذه التجربة المثيرة والمريرة. # كنا نتكاثر رويدا رويدا في الزنزانة وأصبحنا نضايق الجدران ~~بزحمة أنفاسنا وأجسادنا، ومع ذلك لم يكن ذلك مدعاة للإزعاج ~~بالنسبة لنا، ولم أسمع أحدا تأفف من ذلك. تنوعنا المتعدد ~~الاتجاهات في الانحدارات الطبقية والاجتماعية والفكرية والعرقية ~~لم يسبب أي تنافر أو فرقة بيننا، وحدتنا المحنة والهدف ~~الواحد، كما هو حال كل الحالمين بالحرية، الحلم المشترك يلغي كل ~~الفروقات بينهم. مرة أخرى، أثبتت وقائع الأمور أن الإنسانية ~~والحرية ليست حلما أمميا وحسب، بل إنها الحقيقة الخالصة التي ~~تتجلى براقة ms041 حين تزال كل الشوائب. كل دين أو فكر أو ~~عرق يلغي أممية الإنسانية فهو كذبة وزيف مهما قيل عنه ومهما ~~بلغ عدد المصدقين به، وكثرة الكذابين ليس بمقدورها أن تجعل من ~~الكذب حقيقة. # 8 # في ليلة من كل عام تضيع ساعة فيها بين توقيت صيفي وآخر شتوي، ~~جاء من يوقظني من أحلامي ويهد قوس النصر الذي كنت بنيته فوق ~~رأسي. أزيحت ستارة كانت تغطي القضبان القصيرة في باب الزنزانة، ~~وإذا بأحدهم ينادي باسمي وصوت المفاتيح يصلصل في يد حارس آخر يقف ~~إلى جنبه، أصابتني الدهشة كما الآخرين في الزنزانة؛ إذ كان زائرا ~~لم يعهد أن جاء في مثل هذا الوقت المتأخر. كل الموجودين في ~~الزنزانة حسم أمرهم ولا يتوقع أحد منهم أن يستدعى للتحقيق من ~~جديد؛ لذا لم يفهم أحد سبب هذا الاستدعاء في هذا الوقت المتأخر، ~~الدهشة والوجوم ارتسما على وجوه الكل. صعدت ثانية إلى مسرح ~~الجريمة ووقفت في غرفة ما مقيدا من الخلف لكن مفتوح العينين ~~وأطنان من سباب وشتائم وتهديد ووعيد تلقى علي من كل حدب وصوب. ~~ألف سؤال واستفهام مر في رأسي في ثوان قليلة، وظلت كلها تدور ~~حائرة بلا جواب. ماذا حصل وما الذي اكتشفوه لينهال علي كل ~~هذا الغضب من جديد؟ دخل معتقل معصوب العينين حافي القدمين يرتدي ~~بيجاما صيفية، لم أتعرف عليه في البدء؛ لأن منظره كان مبعثرا ~~جدا، إلا حين أزاحوا العصابة عن عينيه ليبدأ المشهد ~~المثير. # سأله شرطي أمن برتبة مفوض (م. س): «من هذا؟» ~~- «فلان بن فلان.» ذكر اسمي كاملا. ~~- «وماذا تعرف عنه؟» # سرد كل ما يمكن له أن يلقيني في غيابة الجب العميق وأنا ~~أنظر إليه فاغرا فمي وكل شيء في أصابه الجمود، تلاشى كل شيء ~~في ومن أمامي، واستحال أمري إلى خواء، بل إلى عدم. اختفى هذا ~~المعتقل كما جاء بسرعة خاطفة لكنه لم يغادر هذه الغرفة وحسب، بل ~~خرج من كل حياتي وطويته إلى الأبد في خانة المهملات. # بم سأحدثك الآن يا صاحبي؟ هل أقول لك إن ms042 جرح الخيانة لا يمكن ~~له أن يندمل ولو جئته بكل عقاقير الأرض والسماء ؟ لن تنفع يا صاحبي ~~مع الخيانة القرابين والنذور التي سوف تقدمها للآلهة، ومهما زين ~~لك رضاها فلن أرضى والأمر يعنيني أنا وحدي ولا يعنيها، إلا ~~بمقدار ما انتهكت من سر وخنت عهدا وخرقت موثقا كانت ~~السماء شاهدة عليه. هل أقول لك: إن الخيانة ذنب غير قابل ~~للتكرار؛ لأن صاحبه به يموت ولن يقوم بعدها أبدا ولو لمسه يسوع ~~الناصري بكل سلطانه. ألم يقل لك أحد من قبل: إن عشبة أتونابشتم ~~الحكيم وسر الخلود فيها لا تمنح الحياة لأحد، إلا للأفاعي؟ ألم ~~يقولوا لك إن بناء أوروك وحده هو الذي يمنح البشر الخلود؟ لماذا ~~معولك يهدم أوروك يا صديقي؟ هل تفعل كل ذلك حقا لأجل عشبة ~~ستفقدها في أول استراحة وتسرق منك مع أول إغماضة جفن وغفلة عين؟ ~~كم أشفق عليك! لن أحقد عليك أبدا، ولا أحاول أن أكرهك ولو للحظة ~~واحدة، فتلك مشاعر تليق بالأنداد، أما أنت فقد حزمت حقائبك ~~ورحلت عنهم اليوم إلى أرض لا إياب منها أبدا. الذي كان يجمعنا ~~انفرط، وطرف الحبل الذي ما يزال معقودا في فؤادي يمده بالدم أنت ~~فككته، كيف أوهمت نفسك أم أوهمك آخرون أن الفؤاد يمكنه العيش بلا ~~دماء؟ # قد مات قلبك يا عزيزي، ومن مات قلبه ما عاد إنسانا وإن عمر ~~ألف سنة أو يزيد. وداعا يا من كنت صاحبي، لن يصل إليك صوتي، ولن ~~تحمل الكلمات أيا من مشاعري إليك، لا حبا ولا بغضا ولا أي ~~شيء، تهاوت كل القناطر والجسور بيننا وصرنا على ضفتين ~~متباعدتين ما بينهما هوة سحيقة بحجم لا نهائية الكون المتباعد ~~والمتوسع في كل حين. # بعد أن خرج صاحبي الذي أدلى باعتراف كشف فيه المستور وأزاح ~~الحجاب عن المخبوء، التفت إلي مفوض الأمن، وقال بنبرة تهديد ~~مرعبة: «الآن ماذا تقول؟» # جمدت الدماء في عروقي من هول المفاجأة وحجم الخيانة التي لم ~~أجد لها مبررا حتى اليوم؛ فكل شيء كان بالإمكان تجنبه، بل ~~أصلا ms043 لم يكن هناك شيء موجود حتى يتجنبه. تطوع مجانا لإلحاق ~~الهزيمة، وهكذا تخسر المعارك، عندما يملأ الرعب قلوبا خاوية ~~تشم الوحوش رعب ضحاياها وتنقض عليها تنهش لحمها وعظمها ~~وتتركها جيفة في العراء. # حفلات التعذيب التي راقصت فيها بمهارة كل براعة الجلادين ~~انتهت الآن بجلسة صغيرة، وأضحيت عاجزا حتى عن مراوغة سلحفاة ~~ميتة. خارت قواي دون أن يمسني أحد، مادت بي الأرض ولم تعد ~~قدماي تحملاني وهن اللاتي حملاني وأنا معلق في الفضاء. بلغ بي ~~الوهن مداه والضعف غايته فانحنيت خاضعا ذليلا منكسرا، ولأول ~~مرة سألت جلادي شربة ماء بعد أن جف حلقي وتيبست حنجرتي. ~~اختنق صوتي ولم يسمح لي حتى برشفة ماء واحدة؛ فقدت توازني ~~بالكامل، ولم أعد أسيطر على عقلي. طلبت منه هذه المرة أن يسمح ~~لي بالجلوس، فأبى مستنكرا ذلك علي. عرف أنها فرصته المثالية ~~لتوجيه الضربة القاضية فاستغلها حتى الثمالة. ~~- «اعترف أنك منهم وسوف أعطيك ما تريد وإلا ...» (كلمات ~~نابية). ~~- «نعم، عملت معهم.» # بالغ في إذلالي وأنا أضحيت ذليلا بذاتي بلا حاجة لمن يذلني، ~~أصبحت خاويا تماما من الأفكار والمشاعر، وصار القبر أحلى أمنية ~~لي في تلك اللحظة، ليت الأرض تفعل ذلك فتبتلعني أو السماء تستعجل ~~أمري. ما الحياة إلا الحرية والعزة وخلا ذلك موت، واليوم تجردت ~~منهما. تلك اللحظة التي لا يمكن لي نسيانها؛ لأنها كانت أشد ~~اللحظات وقعا علي وأكثرها إيلاما في كل سنوات السجن العشر. كنت ~~أرى نفسي قبل سويعات مثل أخيل لا تنال منه السيوف ولا الرماح، ~~والآن سهم واحد يقتلني وهكتور الذي صرعته بصمودي يضحك ساخرا ~~مني، فقد بان كعبي ونال سهم باريس المبتغى. ها قد نفذ السم فما ~~عادت تحملني قدماي، طلبت ماء أروي به عطشا لا يروى فأعطوني ~~قلما وورقة تقيأت عليها إمضاء مرتبكا يمحو نفيا وإصرارا ~~عمره خمسة أسابيع. # كتب المفوض كلمات لم أقرأها وطلب مني التوقيع، لا أدري ماذا ~~كتب، ولم أكن بحاجة لذلك؛ لأنها كيفما كانت فهي لن تكون سوى صك ~~إعدام مؤكد. فكيف لك أن تبقى ms044 على سطح الأرض وأنت تعترف أنك في خلية ~~حزب معارض في بلد لا يؤمن حكامه إلا بحزب واحد وفكر واحد ~~وقائد واحد؟ وما خلا ذلك فهو حثالة لا يؤمن بها إلا متآمر أو ~~خائن. # دخلت على أصحابي متلاشيا، لكن أيضا على وجهي ضحكة تشبه ضحك ~~أبله مجنون. وقف أمامي واحد من الذين كان يشاركونني الزنزانة، ~~وبعد أن استفهم عما جرى وفهم الذي حصل سألني باستغراب وحيرة: ~~«كيف تضحك وقد أعطيتهم صك الإعدام؟» # لم يفهم ضحكتي الحنظل وشعرت بالأسى مرتين، مرة عليه لأنه كان ~~ضحية لا ناقة له ولا جمل فيما أنا وصحبي فيه، ومن العسير جدا ~~علي أن أعطيه درسا عن الشعور بالهزيمة التي تحل بثائر ~~رومانسي حالم في لحظة نشوة بخمرة الانتصار، ومرة أخرى على نفسي ~~فكيف سوف أزدرد كل هذا الحنظل وحدي؟ إن مرارته أقسى من كل ما ~~قرأت وسمعت وحتى أكثر مرارة من لحظة فراق الروح للجسد والعبور إلى ~~ضفة المجهول على كل ما يتحدثون عن مرارتها ويقولون. لعل الموت كان ~~شهدا لو قورن بما حصل لي للتو. # كانت ساعة غريبة بكل ما فيها؛ حصل كل هذا في ساعة تغيير الوقت ~~الصيفي إلى شتوي، كنت أسمع ذلك من صوت تلفاز قريب. ما كان له أن ~~يحصل في زمن حقيقي، لا بد أن يقع في نقطة خارج الزمن حيث اللاشيء، ~~وكأن التاريخ يقول: إنك لا تصلحين أن يكون لك مكان في خط الزمن، ~~أنت لحظة تائهة لا تنتمي لتاريخ الإنسان ولا يحق لها أن تتكرر من ~~جديد ولا يجوز. # 9 # الآن بدأت مرحلة انتظار النهاية، ولا يدرى متى تأتي الساعة ~~بغتة، تملكني رعب هائل من النهاية المتوقعة. إبان الأيام ~~الأولى لاعتقالي، استيقظت يوما على رؤيا أشكو فيها لإحدى شقيقاتي ~~وهي تودعني بحزن وقد حكم علي بالسجن المؤبد عشرين عاما. ~~الآن يبدو أن الرؤيا أصبحت حقيقة واقعة، بل إن الأمور عادت توحي ~~بأكثر من تلك الرؤيا التي استرجعتها في تلك اللحظة، كانت هاجسا ~~فأصبحت نقشا محفورا في الذاكرة لا ms045 تنفك عنها ولا أستطيع ~~التخلص من ذكراها. المؤشرات جميعا تتجه نحو نهاية واحدة، ~~الإعدام شنقا، وعزز ذلك الشعور المتعاظم حادث صغير حصل في أحد ~~الأيام عند بداية حلول فصل الشتاء. ففي أحد الأيام اقتادونا إلى ~~مخزن في البناية نفسها ليعطونا قطعة شتوية (بلوز)، بعد أن ~~تهرأت جميع ملابسنا تقريبا، وهي ثياب صيفية - بالأصل كنا ~~نرتديها ساعة اعتقالنا - شديدة القيظ، ولم تعد الآن قادرة على ~~مقاومة برد الشتاء، حتى إن البعض كان يرتدي ملابس نوم واقتيد من ~~حجرة نومه بها. لم يكن رجال الأمن يسمحون لأحد أثناء الاعتقال ~~بارتداء أي قطعة إضافية أو تغيير ما يرتديه، يأخذون من يريدونه ~~بما هو عليه وبأي زي كان عليه ولا يراعون أي وضع هو ~~فيه. # أحد المعتقلين ممن كان معنا في الزنزانة كان نائما مثل عادة ~~العوائل العراقية آنذاك في موسم الصيف على سطح الدار، وداهم رجال ~~الأمن الدار ليلا وصعدوا إلى السطح يصوبون أسلحتهم إليه وهو في ~~فراشه سحبوه منه بملابس نوم خفيفة جدا أقرب ما تكون لملابس ~~داخلية، وهكذا كان حال المعتقلين الآخرين وهم يرتدون ثياب راحة ~~وما شابه ذلك. المهم أثناء تسلمنا لتلك البلوزات قال ضابط أسمر ~~قبيح متجهم الوجه عابس الهيئة ذو خلق سيئ فوق العادة (ح. ب.): ~~«أعطهم بلوزات سودا حتى يعرفوا إلى أين هم ذاهبون.» # الأمر صار واضحا جدا وما علينا إذن الآن إلا أن نتسلى بما ~~تبقى لنا من أيام في هذه الدنيا، وبات حالنا مثل نبتة تذوي في ~~نسيان تام. هنا علي أن أعترف بأن شعورا جارفا من اليأس ~~تملكني في هذه المرحلة وأصبحت عبثيا في تفكيري وأحاسيسي ~~الداخلية، رحت أتساءل عن جدوى العقل في مدفن كهذا الذي نحن فيه. ~~كنت ألوم نفسي بشدة متناهية، أحس بالعار يلبسني ويشي بكل سوءاتي، ~~ولا يفتأ سؤال يقرعني ليل نهار: لماذا لم أقاوم وأرفض الاعتراف حتى ~~مع حصول الخيانة؟ ماذا كان سيحصل لو قاومت؟ هل كنت سأموت تحت ~~التعذيب؟ كما مات زميلي الطالب في كلية الهندسة الكهربائية الذي ~~شاركنا ms046 المعتقل إلا أني لم أره فيه. وسمعت عن موته تحت التعذيب ~~من آخرين. # كان قد سبقني إلى الزنزانات الفردية، وروى لي أحدهم آخر أيامه: ~~أنه رآه أثناء التحقيق وهو على الأرض يرتدي دشداشة، عاجزا تماما ~~عن الحركة شلت ذراعاه وألقي على الأرض بإهمال لتتكشف عورته بعد ~~تهرؤ ما كان يكتسي به وتمزقها جراء التعذيب المتواصل. كان ~~رجال الأمن قد عروه من ملابسه الداخلية كما فعلوا بنا جميعا. ~~يقول الشاهد: إنه رآه ضعيفا منهكا لا يقوى على الكلام إلا ~~بصوت واه خافت ضعيف كأنه همس مبحوح، وطلب منه أن يعدل له وضع ~~دشداشته كي يستر نفسه؛ لأنه عجز عن فعل ذلك. # في صباح يوم عندما كان الحرس يوزعون شوربة الصباح طلبوا منه ~~النهوض لاستلامها لم يرد، صاحوا به عدة مرات ولا يرجع لهم سوى ~~صدى صراخهم. اضطروا لفتح باب الزنزانة الانفرادية، ليجدوه جثة ~~هامدة، سحبوه في بطانية وأخذوه إلى مكان مجهول. لم يعثر أحد على ~~جثته ولا رفاته إلى هذا اليوم، مثله مثل عشرات الآلاف من أمثاله، ~~ولم يكن تغييب جثث القتلى والمعدومين حالة استثنائية، بل إجراء ~~نمطي تقوم به السلطة، أعرف كثيرا ممن مات في السجن أو أعدم ولم ~~تسلم جثته. سألنا عنهم عوائلهم لاحقا عقب خروجنا من السجن أو ~~بعد سقوط النظام الفاشي كانوا يجهلون كل شيء ولا يعرفون مصير ~~أبنائهم المغيبين. # كنت أقرع نفسي لماذا لم تصمد وتقاوم؟ ما الذي دهاك، ومم خفت؟ ~~وماذا ستكون النتيجة، أليس الموت في أسوأ احتمالاتها؟ الآن سوف ~~تموت أيضا، ولكن أي موت؟ الموت محبطا كمن يجلس في ساعة رمل ~~محبوسا في زجاجة يعجزه الخروج من عنقها الضيق ويستمر تساقط ~~ذرات الرمل عليه ليدفن تحته بلا أي مقاومة. كنت سأبلغ مرتعي ~~المظلم نفسه في المقبرة لكن في خلو من هذا الشعور المزري، وربما ~~كنت سوف أرد نهايتي بإحساس من البطولة والتحدي وأترك المرارة في ~~نفوس الجناة وليس كما الحال الآن، فهم الذين انتصروا وأنا الذي ~~أشعر بالخيبة ومرارة الهزيمة. مواقع كان لنا أن ms047 نتبادلها لو واصلت ~~الصمود؟ الشجاع يموت مرة والجبان في كل يوم مرة، لا بل ألف ~~مرة. # وعلى عكس طبعي السابق المتفائل المحب للحياة والأشياء الجميلة ~~التي أتابعها من أدب وموسيقى ورياضة، واهتمامي بها يصل حد ~~الهوس أحيانا، وهو طبع لم أتخل عنه حتى اليوم، صرت في تلك ~~الأيام شخصا محبطا يائسا من الحياة وصار العيش فيها بنظري عبثا ~~لا طائل منه، وإن هي إلا جرعات قليلة من هواء أتنفسه وبعدها سوف ~~أتوارى في الغور العميق حيث أرض لا إياب منها ولا رجوع. # مع كل هذا الضعف والمقت الشديد لذاتي حينئذ، غير أني رمقت ~~السماء في ديجور إحدى الليالي من دجنة زنزانة انفرادية تحت الأرض ~~بقلبي؛ إذ لم يكن هناك من سبيل حقيقي لرؤيتها، وأطلقت أمنية مخلصة، ~~أمنية خرجت من قرارة نفسي من أعمق ما فيها: «لا أريد أن أغادر ~~الحياة الآن، سأقنع بأي الحلول إلا هجر هذه الدنيا عبر ~~المقصلة.» # أكملت حديثي مع من كانت تخاطبه روحي: «إن حصل ذلك فسوف أستبدل ~~ذاتي المهزومة المأزومة بأخرى تستعيد البصر حتى في كل هذا الظلام ~~الدامس وأحيله نورا ساطعا.» # لا أدري لماذا حدثت نفسي هكذا، ولا كيف اتخذت هذا القرار؟! ~~كان طلبا مخلصا وقرارا صادقا أتى من منطقة لم أتعامل معها من ~~قبل وأجهل انتماءها، هل كانت من الوعي أو من اللاوعي؟ لا أدري، مع ~~ذلك يبدو أن القدر صنع قراره وفقا لهذه اللحظة، ورأى من غير ~~المناسب أن أشد الرحيل إلى العالم الآخر حينها. لعله رأى أنه ما ~~زالت تعوزني أشياء كثيرة ولربما وجد القدر أيضا أني لا أصلح إلا ~~أن أكون شاهدا على الجريمة فقط، لأني لا أحسن فعل شيء إلا قص ~~الحكايا وحسب. أما الرحيل مع الأنقياء الذين يكتبون التاريخ ~~ويروون شجرة الحياة بدمائهم؛ فهذا ثوب قد لا أستحقه مثلهم. ومهما ~~كان السبب سواء ما ذكرت أو غيره فالنتيجة التي وقعت أن أمنيتي ~~الصوفية قد تحققت وبقيت إلى هذا اليوم لأروي حكايتي التي لم تنته ~~بعد كل فصولها. # إذن، ms048 صار علي الآن أن أنتظر مع الآخرين موعد المحاكمة التي ~~تقرر مصيرنا، في زنزانة لم تكن تزيد على اثني عشر مترا مربعا. ~~عددنا في أقل الأحوال ثلاثة عشر شخصا ونزيد عن ذلك أحيانا، يأتي ~~البعض ويروح لكن نحن كنا سكانا دائمين قد استوطنا الزنزانة ~~وألفناها جيدا وحفظنا كل أركانها وزواياها. باب حديدي ثلثه ~~العلوي قضبان حديدية تغطيها ستارة من قماش بشكل دائم من الخارج لا ~~يرفعها إلا رجل أمن ساعة يريد الحديث معنا. # في الغرفة شباكان؛ أحدهما شباك طويل وضيق جدا لعل عرضه نصف ~~قدم تقريبا، وآخر على شكل مربع صغير جدا لا يتجاوز ثلاثة أرباع ~~القدم المربع، لكنهما كانا جيدين لمرور الهواء والشمس بمقدار ~~كاف بالنسبة لمعتقل كالذي نحن فيه؛ الأرض إسمنتية خشنة والجدران ~~صفراء لا تسر الناظرين، والحقيقة أني لم أفهم أبدا كيف أن ~~الأصفر لون يسر الناظرين سواء كان فاقعا أو باهتا، حتى قبل أن ~~أرى هذه الجدران. كنت لا أستسيغ اللون الأصفر بخلاف الأزرق أو ~~الرمادي اللذين كانا يشكلان لونين رئيسيين في أغلب ما ~~أرتديه. بعد أن رأيت هذه الجدر الصفراء القبيحة ازدادت ثقتي ~~بذائقتي في الألوان، ونأى أكثر وأكثر عني هذا اللون البشع ~~الذميم. # أثاث الغرفة كان بطانيتين خضراوين رقيقتين لكنهما واسعتان، ~~تكفي كل واحدة منهما لنفرين فرشتا على الأرض، وثلاث مثلها ~~كانت تستعمل كغطاء، يدخل تحت كل واحدة منها أربعة إلى خمسة ~~أنفار اعتمادا على العدد الموجود. أما الوسائد فكانت تتراوح ما ~~بين نعل أو حذاء لم يصادر، أو أشياء أخرى لها ارتفاع لا بأس به ~~يصلح أن يكون متكأ للرءوس. عند الباب وضع جردل ماء يطفو دائما ~~على سطحه قدح لبن فارغ ليكون بمثابة الكأس الذي به نغرف ونشرب. ~~ولحسن الحظ كان اللبن يصلنا بصورة دورية فكان خزيننا من هذه ~~الكئوس جيدا وتوفره مضمونا بصورة مريحة. في حالات طارئة جدا ~~استعمل هذا الجردل كمبولة حين كانت تطول الفترة كثيرا بين فرصة ~~وأخرى لمراجعة دورة المياه، وعلى أي حال لم يحدث الأمر كثيرا، ~~ولم ms049 يعترض أحد من المعتقلين في الزنزانة على هذا الانتفاع المقزز ~~من الجردل؛ إدراكا من الجميع أن الحلول البديلة الأخرى غير متوفرة ~~وأن التذمر لا ينفع في كل الأحوال. التذمر والشكوى لم يكونا ~~مخرجا من أي أزمة على طوال التاريخ ولن يكونا كذلك اليوم؛ لذا ~~الأمور كانت تعتبر جيدة وربما مثالية قياسا لغيرنا ممن كان يعيش ~~في زنزانات أخرى وفي معتقلات بالغة السوء. قد تشمئز النفس من هذا ~~الوصف للزنزانة، ولها كل الحق في ذلك كما أن لنا الحق كله في أن ~~نعتبر هذا الوضع الغريب ظرفا مثاليا. الأمور نسبية وليس هناك من ~~مطلق، وكل يرى الأشياء بهيئة تناسب موقعه، لا توجد حقيقة واحدة ~~ولا صورة ثابتة ولا وصف مطلق لأي شيء في الوجود إن كان ذاتا أو ~~معنى. # كنا نحظى بثلاث فرص للخروج من الزنزانة لقضاء حاجتنا بعد كل ~~وجبة طعام، لكن هذا كان سببا للإزعاج المستمر؛ لأن مع كل وجبة من ~~المحتمل جدا أن ننال حصتنا من الهراوة. وفي الحقيقة هو كيبل ~~كهربائي صلب وليس هراوة، لكن نسميها هكذا مراعاة لما يظنه الناس ~~عنها أو ما يسمونه باللهجة العراقية «صوندة». وفي الحقيقة إني لم ~~أر صوندة تستعمل للتعذيب في أي من المعتقلات التي زرتها، بل ~~كانت دائما إما كيبلا كهربائيا أو مواسير معدنية، وفي حالات ~~خاصة كانوا يستخدمون «حديد زاوية» كما يسميه العراقيون، وهو الحديد ~~المستخدم عادة في صنع الأبواب والشبابيك. # ربما كان الأمر حتى أكثر من ضربة واحدة، هذا بخلاف السباب والشتم ~~والزعيق والصراخ غير المبرر، ومنغصات أخرى بعضها يأتي بلا أوامر من ~~مرءوسيهم، بل هو مجرد مزاج حارس أمني قد يكون منع من التمتع ~~بإجازته العادية فيصب تعكر مزاجه وتكدر نفسه علينا ~~بأنواع الإهانة والإذلال. # بدأنا فصلا جديدا نشكل فيه عالما آخر جديدا خاصا بنا، ~~نصنعه بطريقة بدائية لكنها كانت تحكي قصة إنسان يحاول أن يباعد ~~جدرانا متدانية، وإن استمرت بالوقوف في محلها. امتد إلينا ~~الشتاء حاملا معه ليالي طويلة في وقت كنا نعجز فيه عن العبور ms050 ~~بين ضفتي النهار بلا ملل. # كيف لنا أن نغتال كل هذا الزمن الثقيل؟ لا كتاب نقرؤه ولا ~~مذياع نسمعه ولا تلفاز نشاهده، كلها أضحت محظورات، بل من ~~المستحيلات. هذه الأشياء تقع هناك بعيدا في ذاك العالم العجيب حيث ~~الضوء والحرية والألوان، عالم صار حلما، خيالا وأوهاما. واظبنا ~~لبرهة من الزمن على ازدراد ما حصل لنا في التحقيق وظروفه في أحاديث ~~طويلة عريضة بتكرار كنا لا نخفي تأففنا منه؛ لذلك بدأ ~~يتسرب ضجر وسأم منها، وصرنا نمقت هذه القصص؛ لأنها أحاديث غير ~~ذات بال ولا أهمية لها، لا نجني منها شيئا سوى تكريس الهم الذي ~~نحن نتوفر على قدر كبير جدا منه. إلى أن قدحت شرارة فكرة ~~للتسلية، فكرة كانت جيدة وجديدة، لا أعرف برأس من لمعت ولا كيف ~~قدحت في ذهنه أو من أين اقتبسها. # لم لا نحاول صنع شيء ما من بقايا الخبز يكون لنا تصبيرا ~~وتلهية ولربما أيضا يواسينا؟ على الفور ازداد اكتراثنا بلب ~~الصمون وغدا محط اهتمامنا وبتنا نولي له عناية فائقة حينما ~~نتناول أيا من وجباتنا الثلاث، كنا نعزله في حرص حتى لا يضيع ~~منه شيء ثم نرجعه عجينا، ومن بعد ذلك نعيد تشكيل هيئته بصنع ~~خرزات نحاول أن تكون كروية الشكل قدر الإمكان، ومن ثم نتركها في ~~مكان آمن بعيدا عن قدم تطؤها بالخطأ، وفي العادة كانت حافة ~~الشباك الرفيعة الموضع المفضل لحفظها بعيدا عن هذا الدهس غير ~~المتعمد. نتركها تجف هناك؛ لأنه المكان الوحيد الذي يمكن لها أن ~~تتعرض فيه لأشعة الشمس في الزنزانة، ثم ننظمها بعد ذلك في خيط ~~نستله من البطانيات الخضراوات التي نفترشها، وبذلك ننتهي من ~~صنع مسبحة عجينية. إلا أنه - وبصراحة - لم يكن أحد يستخدم ~~هذه المسبحة لأغراض دينية أو ترفيهية إلا القليل وفي أوقات ~~نادرة؛ لأنها كانت صناعة رديئة سريعة التلف، وبالرغم من ذلك فإنها ~~كانت مفيدة وتمثل انعطافا وتحولا مهما في حياتنا؛ لأن ~~صنعها كان يبتلع الزمن بشراهة، وهو أمر رائع كنا نبحث عنه ~~ووجدنا ضالتنا فيه. تقضية ms051 الوقت في اللاشيء كان يشكل عامل ~~ضجر مزعج لنا، وظهور شيء يبدد هذا الملل لا بد أن يكون موضع ~~ترحيب حقيقي من الجميع. كما تطلب صنعها منا أيضا الصبر؛ كان ~~يولد فينا صبرا عجيبا في وقت نحن بأمس الحاجة لمزيد من ~~الصبر، صبر يقوينا على ما نحن فيه. # انهماكنا في إنتاج شيء ما ~~خلق فينا إحساسا رائعا بأننا لا زلنا على قيد الحياة، ولم نزل ~~نملك القدرة على الإبداع والإنتاج والخلق. قد يكون المنتج أمرا ~~تافها ليس بذي قيمة لكن مع ملاحظة الظرف الذي نعيشه، كانت عملية ~~إنتاجه وإبداعه أمرا حيويا بالنسبة لمعتقل جهد جلادوه على ~~تحطيمه نفسيا، ونزع كل رغبة عنده في الحياة. قد لا يدرك أهمية ~~ذلك إلا من عاش الاعتقال في هذه الظروف المزرية. إن محاولة ~~تجاوز المحنة بالتأقلم معها يشكل منعطفا نفسيا استراتيجيا ~~مهما، بدلا من العيش في الواقع المر والاستسلام له والخضوع لظله ~~الثقيل، وهو حال يؤدي حتما إلى الكآبة التي تعد انتحارا ~~مؤجلا. تجاوز ذلك والتعامل مع المحنة كأنها أمر عادي سوف ~~يقلل من آثار السجن كثيرا. وهذا ما حصل بوضوح بعدئذ عند كثير من ~~السجناء غيروا حال السجن إلى واقع آخر سوف يأتي وقت للحديث ~~عنه، وسوف تنكشف وقتها القيمة المعنوية الكبيرة لعملية صنع ~~المسبحة العجينية. كم من حدث غير مجرى التاريخ يعد تافها ~~بمقاييسنا الآن؛ لذلك لا يصح الحكم على الأشياء والأحداث بقيمة ~~مطلقة، قيمة الأشياء تأتي من قراءة السياق الذي ولدت فيه. # استهوتنا فكرة عمل المسابح وانتقلنا من العجين الذي كانت ~~صناعته رديئة في أغلب الأحيان لهشاشته وتكسره السريع، ولأنه ~~أيضا لم يكن ينجو من سحق إما بالأقدام أو بالأجساد في تقلباتها ~~أو احتكاكها أثناء النوم في مكان ضيق يزدحم بساكنيه. فكان قرارنا ~~التحول إلى صناعة أخرى أكثر تطورا وأجود نوعية، هذه المرة من ~~نوى التمر الذي كان يصلنا بين الحين والآخر. كان جمع النوى ~~يحتاج وقتا طويلا؛ لأن التمر لم يكن يصلنا بشكل دوري كما هو ~~الخبز قوتنا اليومي. كنا ms052 نستهل مرحلة جديدة من التطور ~~الصناعي، مرحلة صعبة أحياها العجين ونفخ فيها الروح لمواصلة ~~الحياة. # تشذيب النوى على الأرض ~~الإسمنتية التي نفترشها كان يستغرق ذلك منا أحيانا شهرا كاملا ~~وربما أكثر من ذلك، هذا الوقت كله لأجل صنع مسبحة واحدة ليس ~~غير. لم يكن الأمر بالنسبة لي عملا يسيرا؛ فقد كنت دوما ~~متلكئا في سائر الحرف اليدوية، وما أزال لسوء الحظ مواظبا ~~على هذه الخصلة السيئة حتى اليوم؛ إذ لم أشهد أي تحسن فيها ولم ~~تنفعني سنوات السجن في تطوير مهاراتي اليدوية، بل يمكن اعتباري ~~بلا تردد مزمن الفشل فيها. أما كيف نثقب تلك النوى ونمرر منها ~~الخيط الذي تنتظم بها فذاك وحده حكاية أخرى. # 10 # ما علينا من ملابس بدأ يتهرأ أكثر مما هو عليه فعلا، وباتت ~~أرديتنا ممزقة يكاد نسيجها يتفتت لوحده، وغدت أسمالا بالية ~~بالمعنى الحرفي للكلمة. كان لا بد من خيط وإبرة لعلاج بعض ~~التشققات، فما عادت ثيابنا تستر أماكن لا يصح التغاضي عنها ~~لحساسيتها الشديدة. وكان السؤال الكبير: ما هو السبيل إلى الإبرة ~~والخيط في زمن الممنوعات الكثيرة؟ كنت كلما صادفني ممنوع تذكرت ~~قصيدة أحمد فؤاد نجم، وأرددها بلحن شيخ إمام: # ممنوع من السفر. # ممنوع من الغنا. # ممنوع من الكلام. # ممنوع من الاشتياق. # ممنوع من الاستياء. # ممنوع من الابتسام. # وكل يوم في حبك. # تزيد الممنوعات. # وكل يوم بحبك. # أكثر من اللي فات. # كنت أردد المقطع الأخير كثيرا: «وكل يوم في ~~حبك تزيد الممنوعات، وكل يوم بحبك أكثر من اللي فات.» صوت الضمير ~~والفطرة كان يقاوم داخلي ويرفض الاستسلام رغم كل ما كنت أعيشه ~~من اضطراب وتراجع نفسي هائل. # لم نكن نعدم حيلة للوصول إلى ضالتنا من الإبر فيما كان يقدم ~~إلينا في فترات متباعدة من عظام الدجاج. كنا نفتش بين العظام عن ~~أدقه ونصنع منه إبرة بعد معالجة دقيقة بالأرض الإسمنتية أحيانا. ~~أما الخيط فكان أمره هينا جدا؛ إذ لم يكن علينا إلا سحبه ~~من واحدة من البطانيات سواء التي نفترشها أو نلتحف بها. إنما ms053 كانت ~~عملية انتزاع الخيوط المتواصلة بالتأكيد لها عامل كبير وتأثير ~~مباشر في تقليل عمر هذه البطانيات، بصراحة لم نكن نبالي بهذا ~~كثيرا؛ لأنه مهما حصل وسوف يحصل وحتى لو تكرر انتهاكنا ~~لتماسك نسيجها مرات ومرات، فإن عمرها في كل الأحوال سوف يكون ~~أطول من أعمارنا، بهذا كنا نحدث أنفسنا ولربما أحيانا يهمس ~~بعضنا للبعض الآخر به؛ إذ كنا نتحاشى التصريح بالنهاية المروعة ~~التي تنتظرنا كما يتحاشى أهل بلدي في تسمية السرطان عندما يصيب ~~أحدهم، فيقولون أصيب بذاك المرض. كأنهم يخافون من بطشه السريع أو ~~أنهم يعترفون بأنه جبار لا قبل لهم به، وأنه ملك عظيم وصاحب ~~جلالة مقدسة. ولا يصح للعامة من الناس أن تذكر أسماء الآلهة ~~والملوك إلا بالألقاب الكبيرة وبالصفات العليا والتبجيل ~~العظيم. # نجحت تلك الإبر الدقيقة في رتق ثيابنا لكن بطريقة هزلية، ~~إلا أنها بالرغم من ذلك كانت نافعة جدا وتفي كثيرا بالغرض ~~المطلوب، بل ونفعتنا أيضا في خرم النوى الذي صنعنا منه مسابح ولو ~~بصعوبة ومشقة أكثر؛ إذ كان علينا أن ننقع النوى في الماء لعدة أيام ~~ليغدو لينا، بينما نحاول في هذا الوقت تجفيف عظام الدجاج ~~المقترح ليكون إبرة ويصير أكثر صلابة. # الزمن كان طويلا ثقيلا؛ ولذا كنا نحاول اختراع ممارسات شتى ~~للخلاص من ظله السمج، بانتظار موعد ينهي هذه الحقبة والخروج من ~~هذه الزنزانة إلى مكان ما. من جملة ما فعلناه خلقنا من العجين ~~أحجار شطرنج وقطعا للعبة الداما وحتى صنعنا منه نرد طاولة. ~~وصارت أغطية علب اللبن بعد تنظيفها بالطبع مما علق فيها من ~~اللبن قطع دومينو، كنا نتسلى بها أثناء ذلك، غير آبهين ~~بالموت الذي ينتظرنا. أما في الأمسيات فكنا نتحدث كثيرا في ~~السياسة والثقافة؛ لأن تردد الحرس فيها يصبح نادرا، ومع وجود ~~بوابة حديدية كبيرة تفصل الزنزانة عن غرفة الحرس، كان اقتراب أي ~~واحد منهم سوف يتزامن مع صلصلة المفاتيح الثقيلة التي يحملها، وكان ~~ذلك يشكل صفارة إنذار وجرس تنبيه لنا خصوصا مع هدوء الليل ~~وسكونه. لا يمكن لأي حرس أن ms054 يتسلل في غفلة إلينا أبدا مهما بالغ ~~في تحفظه وكتم خطواته، فلا بد من إصدار جلبة وضوضاء مسموعة ~~بشكل كاف لنا مع حذرنا المستمر منهم؛ لهذا السبب صار النهار ~~وقتا لممارسة الألعاب واللهو الذي لن يحاسبنا كثيرا عليها لو ~~رصدنا بالجرم المشهود، أما الليل فهو وقت الأحاديث الجادة. غير أن ~~هذا ليس بمسوغ لأن يخامر أحدا ما إحساس خاطئ بأن الألعاب كانت ~~مسموحة، أو أن صنع كل هذه الأشياء من مسابح وغيرها كان ~~أمرا متغاضيا عنه. أبدا لم يكن الأمر كذلك، كلها كانت تندرج ~~في خانة المحظورات. إنما هناك أمور تكون العقوبة عليها يسيرة لا ~~تتعدى صياحا وزعيقا وكومة من شتائم أو ضربات خفيفة مفردة من ~~كيبل أو هراوة، وهذه أمور عادت روتينا يوميا لا نأبه له ~~بالعادة؛ لأنها صارت جزءا من القوت اليومي. # شكلنا حلقة دورية نتناوب فيها ليلقي بعضنا محاضرات؛ كأن ~~تكون المحاضرة استذكارا لكتاب كان قد قرأه المحاضر من قبل، أو ~~مادة له اطلاع عليها بصورة جيدة، أو خبرة في أمر يجيده أحسن ~~من الآخرين. وساعد في نجاح تلك الأمسيات وإثرائها هو وجود أكثر من ~~واحد بيننا ممن كان يهوى المطالعة. وأغلب من تواجد في الزنزانة ~~في أكثر الأوقات كانوا من المتعلمين الجامعيين. البعض كان ~~يتبارى الشعر ويجعلها بين فريقين. ومن المصادفات الحسنة كان ~~بيننا أشخاص بارعون في هذا المجال من الأدب، بل حتى كان بيننا ~~شاعر مثقف مهتم بمطالعة الفلسفة وحتى دراستها. كان يعمل ~~مصرفيا قبل اعتقاله إلا أن كل ثقافته ونجاحه الباهر في ~~عمله الذي تمكن فيه لبراعته أن يصير مديرا لأحد المصارف ~~الكبيرة رغم صغر سنه (لم يكن يتجاوز الثماني والعشرين سنة) لم ~~يشفع له فيما بعد. لم تقدر مواهبه، بل العكس هو الذي جرى، هذه ~~المواهب الرائعة نفسها هي التي أودت به إلى مقصلة الإعدام مع ~~زميلين آخرين من زملاء الزنزانة وآخرين كانوا في زنازين مجاورة ~~لم أتعرف عليهم، بل لم ألتقهم أصلا سوى أني كنت أسمع أصواتهم ~~أحيانا حين يناديهم حرس أو ms055 يتحدث إليهم آخر عند توزيع الطعام، ~~أو عند السماح لهم بمراجعة دورة المياه. # حاولت حفظ بعض الأبيات الشعرية بلغات محلية غير العربية التي ~~أتحدث بها؛ لأننا كنا مزيجا مختلفا من قوميات مختلفة وخليطا ~~غير متجانس من توجهات وأفكار متباينة بشدة أحيانا، إلا أن ما ~~كان يوحدنا قضية واحدة. همنا في مواجهة الظلم والسعي إلى وطن ~~حر خال من الفاشية والدكتاتورية، وطن نعيش به بهناء وسعادة ~~نتحدث فيه ولا نخشى من حائط يسترق السمع فيه إلينا، وطن نفكر على ~~أرضه وفي سمائه بصوت عال لا نخشى أن تقطع رءوسنا فيه؛ لأنها ~~فقط مارست التفكير بلا قيود، وطن لا يخوض مغامرات دون كيشوتية ~~تسفك فيها دماء أبنائه من أجل إرضاء نزوة حاكم بقرار اتخذه ولم ~~يراع فيه مصلحة لشعبه ولا استمع لرأيه فيه. همنا كان الحرية، ~~أن نعيش أحرارا نحن ووطننا كما جئنا لهذه الدنيا قبل أن يمارس ~~طغاة مستكبرون جهلة يمقتون العلم والحياة مهمة الحكم فيه يحاولون ~~استعباد الناس وتجهيلهم. # الشاعر المصرفي كانت له قصة خاصة؛ إذ اعتقل بوشاية خائن، ولم ~~يكن اعتقاله علنيا، بل جرى اختطافه بكمين بشكل سري للغاية. ~~ولم يكن يعرف أحد بأمره، لا من أهله ولا من رفاقه. كانوا يجهلون ~~أنه يقبع في إحدى الزنزانات المظلمة الانفرادية في القبو الذي ~~سكنت فيه طوال فترة التحقيق بظروفه الرهيبة. كان رجال الأمن ~~يوهمون أهله ومتعلقيه بطرق شتى أنه هارب من السلطة خارج ~~البلد، وهي تبحث عنه وتفتش أيضا عن أخباره. كانوا يشيعون عنه ~~أخبارا عبر مندس خائن يعمل لصالح السلطة القمعية: بأنه ~~استقر في دولة عربية مجاورة، ويتسلل بين حين وآخر عبر الحدود ~~ويرسل رسائل من هناك. كان الأمن يصنعون هذه الرسائل بطرق ~~احتيالية بالطلب منه كتابة مقاطع بحجة مطابقة الخطوط، أو اعترافات ~~عليه أن يدونها بنفسه، وطرق أخرى، إيهاما منهم لرفاقه بأنها ~~فعلا منه للإيقاع بأفراد التنظيم. وبعد ما يقارب السنة الكاملة ~~أو يزيد من الإخفاء في زنزانة انفرادية في هذا القبو المرعب، تم ~~إلقاء القبض على كامل ms056 المجموعة تقريبا، واكتشف رفاقه حقيقة ~~اختفائه عندما التقوه للمرة الأولى أثناء التحقيق معهم. كان لون ~~وجهه قد غدا أصفر شاحبا بعد أن حجبت الشمس عنه تماما طوال هذه ~~السنة، وصار نحيلا جدا يتقيأ دما من جراء مرض التدرن الذي ~~أصيب به جراء عتمة وعفونة الزنزانة التي كان يقطنها، كان سيموت ~~حتما حتى لو تركوه لحاله لكنهم أبوا إلا أن يضعوا بصمتهم ~~المقرفة على خاتمته، فقتلوه شنقا هو وبعض رفاقه. # كان يحدثني هو ورفيق له في المجموعة التي اعتقلت لاحقا له، ~~عن العيش المر لأشهر عديدة في تلك الزنازين المظلمة، وكيف أن ~~أجسادهم تتقرح من جروح تملؤها بسبب التعذيب المتواصل. هذه الجروح ~~لم تكن تجد من يداويها ولا من سبيل لأن تبرأ، للظروف بالغة ~~السوء في تلك الزنازين التي استعرضتها سابقا والتي سكنتها لفترة ~~وجيزة. ظروف لا يتخيل أحد أنها تحصل لإنسان وربما حتى الذي يعرف ~~وحشية النظام الدكتاتوري أيضا لم يكن ليصدق أنها تحصل. كانت ~~أحداثها أشبه بلوحة سريالية سوداء، وهذه قصة واحدة من تلك ~~اللوحات السريالية. # أسراب من الديدان تستوطن الزنزانات الانفرادية تعيش على جروح ~~وقروح المعتقلين فيها تمتص دماءهم، ولا من حيلة لهم للخلاص ~~منها لغزارتها أولا، ولحال الجسد المنهك ثانيا. إذ لا يمكن ~~الاهتمام بنظافة الجسد بالمطلق كما شرحت من قبل عن ظروف هذه ~~الزنزانات. كان في إحدى الزنزانات رفيق له يملك محلا لبيع ~~المجوهرات والحلى الذهبية ولا يشكو عوزا ماديا، وهو من أوضح ~~الأمثلة. إن من كان يعارض النظام الدكتاتوري لم يكن يفعل ذلك ~~بسبب عوز مادي أو حاجة تنقصه أو فقر يدفعه للثورة، بل كانت ~~معارضة طلبا للحرية ورفضا للدكتاتورية وتحديا للقمع ~~والتسلط. # تلك الديدان كانت تعيش على قروح وجروح صاحب محل المجوهرات، ~~وكان معها كما هو مع كل الناس والدنيا رقيقا لدرجة أقرب من الخيال ~~وصبورا بطريقة عجائبية. كان يشفق على تلك الديدان عندما تسقط من ~~بعض جروحه ويعود ليلتقطها ثانية من الأرض ويرجعها إلى جرحه، ~~قائلا لها: كلي من رزقك. الحياة عنده انتهت، ms057 والخاتمة باتت ~~معروفة، فلماذا لا يساعد هذه الديدان على الحياة. لم يكن هذا يأسا ~~منه ولا إحباطا كما قد يظنه البعض، بل كان على خلاف ذلك بالتمام، ~~كان قويا جدا، ويتحمل صنوف التعذيب بطريقة عجيبة وصبر لا ~~يوصف. صبره واستعداده للموت كان حافزا له لأن يهب الحياة لمن ~~بعده حتى لو كان من هوام الأرض وديدانها. لا أستطيع أبدا - حتى ~~هذه اللحظة - أن أصف مقدار رقتهما وإنسانيتهما هو وصاحبه ~~المصرفي، وصدقا لو رويت لي شخصيا هذه القصة من ألف ناقل ثقة ما ~~كنت أصدقها لولا أني رأيت بعيني جروح الرجل وندوبه، وإني نفسي ~~عشت في المكان نفسه ولو لفترة وجيزة ورأيت فيه ما يشبه الخيال ~~مما أعجز الآن عن سرده أو وصفه. كان أحدنا يقول: لو روينا ما ~~يحصل هنا لقال الناس عنا كلمتين ليس غير: إنكم إما كذبة أو ~~أنتم مجانين. # لكن هذا الذي لا يصدق قد حصل فعلا، وحصل مضافا لهذا كله ~~أنهم قطعوا رأس صاحبي؛ المصرفي البارع والصائغ الرقيق مطعم ~~الديدان. # 11 # في زنزانتنا كان الوضع أفضل من وضع الزنزانة الانفرادية؛ ~~لأننا كنا نقوم بزيارات سريعة للاستحمام وإن كان لا يعدو عن جردل ~~ماء يسكب على أجسادنا، ويحصل ذلك بطريقة كوميدية؛ حيث كنا نخرج ~~كل اثنين سوية إلى دورة المياه، يجلس أحدنا لقضاء حاجته بعد أن ~~يزوي كل ثيابه عنه متجردا منها، فيما يقوم الآخر في هذه ~~الأثناء بملء جردل ماء ويسكبه على صاحبه، خلال ذلك توضع ~~الملابس التي ينوى غسلها في حوض مغسلة الأيدي، ونمنع تسرب ~~الماء منها إلى المجرى بحشر أي شيء في فتحتها؛ لكي تأخذ ~~ملابسنا فرصة كافية لتغمر تماما في الماء، وبالطبع كنا ننقعها ~~دون أي مسحوق غسيل، بيد أنه في بعض المرات قد يصدف هناك وجود ~~بقايا لقطعة صابون نسارع لاستخدامها بحكها بالثياب. لكن هذا لم ~~يحسن الوضع كثيرا؛ إذ سرعان ما اكتشفنا أي مأزق نحن الذي ~~فيه، خصوصا مع حكة كانت تهرشنا في أماكن شتى من جسمنا، ولنكتشف ~~بعد ذلك أن ms058 خلف هذه الحكة أسرابا بأعداد هائلة من قمل يزاحمنا ~~العيش في هذه الزنزانة الضيقة بل يعتاش علينا. # كنا نخوض مع جمهورية القمل معركة لم ننتصر فيها أبدا، رغم حجم ~~الخسائر الكبيرة التي نوقعها فيه. ولم تكن هذه المعارك خيارا ~~تطوعيا، بل واجبا إلزاميا لا بد من خوضه بشكل شبه يومي. ~~كانت تتجمع أسراب سوداء في حواشي ملابسنا بصورة كثيفة تتغذى على ~~ما تبقى لدينا من دماء. # كان للصراع مع القمل طقوس خاصة لا بد أن يتحصل منها بالنتيجة ~~خلع ما نكتسي به كلية. في البدء ننزع الملابس الخارجية ونبقي ~~الداخلية منها علينا، ثم نعود لنستبدل الخارجية بالداخلية بعد ~~الانتهاء من المرحلة الأولى أو العكس بالعكس، كل بحسب مزاجه ~~إلا أن تقديم نزع الخارجية على الداخلية هو التقليد السائد ~~والأكثر عملية، ثم نملأ أكوابا من ماء، هذه الأكواب كنا نحظى ~~بها من لبن خاثر يعطى إلينا في مناسبات متفرقة كثيرة. تبدأ عملية ~~الاصطياد التي نسميها «قصع» في جلسات طويلة نسحق القمل فيها بين ~~أظافرنا بما سرقه من دمائنا وادخره في أحشائه. أظافرنا تتسخ ~~بدمائنا ونحن نحسب أننا قتلنا عدونا، وهكذا هي المعارك ~~الفاشلة. # كنت أردد في داخلي وأحيانا بصوت عال وأنا أرى المشهد: «دم ~~مسفوح اليوم من رقاب القمل، وغدا يسفح من رقابنا.» # كان هذا المشهد يزيد من درجة الاضطراب عندي ويفاقم الحزن والأسى ~~في داخلي على هزيمتي التي لم أستطع تجرعها لتسعة شهور كاملة. لم ~~تفلح كثرة المواساة التي كنت أسمعها من بعض رفاقي، ولا مقولة بات ~~يكررها بعضهم: إن جسدي النحيف يزداد اضمحلالا ويتوغل فيه ~~المرض. من إيقاف سيل مشاعر التشاؤم وحزني الداخلي الذي ضجت به ~~روحي وطفح منها. بات البعض منهم لا يخفي شعوره حتى بالتصريح ~~العلني ومواجهتي بأن خطر الموت قادم إلي أسرع حتى من أوان ~~ورودي المقصلة. # كنت أتأمل القمل صريعا سابحا في الدماء، وأسأل نفسي: من ذا ~~الذي يمنحني الحق في سلب حياة كائن آخر وتحت أي عذر فوضت ~~بذلك؟ أم هي رغبة في اللهو ms059 لأني أمتلك قوة باطشة لا تملكها الضحية؟ ~~هل هذا يعطي لكل ذي قوة الحق والمشروعية لإرداء منافسيه وأن ~~يسحق كل من يتحرك بغريزته نحو ما يعتاش عليه ليبقى على قيد ~~الحياة ولا يطمع بغير ذلك؟ هل يملك القمل من خيار آخر لقوته ~~اليومي حتى أعده معتديا؟ معركتي مع القمل تماما هي المعركة ~~نفسها التي يخوضها البشر فيما بينهم فقط، تتغير الأسماء ~~والعناوين. كل يبحث عن سبب يبرر بها فعله، طرف يملك ~~القوة ويزعجه وجود كائن آخر بجواره أضعف منه يطالب فقط بالعيش ~~كما جاء لهذه الدنيا، فيقود القوي حملة دعائية ضده ويسميه ~~كائنا معتديا ضارا، ويقول بعدها وفقا لدعايته وتنظيراته ~~الفكرية الخاصة: إن هذا كائن مضر يجب سحقه وإنهاء حياته، ~~وينبغي أن يباد هو ونسله ويشتت جمعه ليعيش العالم بسلام، ~~وهل يبنى السلام بالقتل والدماء؟! # كنت أردد في حوار داخلي: إن قوتي التي أسحق بها أسراب القمل ~~سوف تزول قريبا؛ لأن ما أحسبه وحشا ينتظر قطع رقبتي هو عين ما ~~ينظره القمل لي الآن، وسوف يمارس ذاك الوحش معي فعلي ذاته الذي ~~أفعله مع القمل. حوار داخلي كان يذهب عميقا وينتهي بي إلى سلوك ~~غريب، ربما بلا معنى حقيقي، لكنه كان يعكس حيرتي وتيهاني آنذاك. ~~كنت إثر ذلك أتجنب - وبحرص شديد - قتل القمل بالقدر الذي ~~أخشاه وأمقته، مصيري الماثل أمام عيني ليل نهار جعلني أتعايش معه ~~وأقبل حقه بالبقاء؛ لذا كنت بدلا من قتله سحقا صرت أنقله ~~حيا إلى داخل كوب ماء مملوء ليموت غرقا. طريقة كانت أكثر سخفا ~~لأنها أقسى تعذيبا له، إنما بها كنت في الحقيقة أحاول التشبث ~~بالحياة وليس إنقاذا له، كما كنت أحاول أن أخدع نفسي وأبرر عملي ~~هذا. # تصرفات غريبة تعكس الفوضى والتشتت الداخلي الذي كنت أعيشه؛ ~~فمحاولة الخلاص من تأنيب الضمير من جريرة قتل القمل بفلسفة كانت ~~تبدو أشبه بأحاديث جنون مبكر. فلسفة قد تكون أقرب إلى العبث ~~والسفسطة وبسببها ما عدت قادرا حتى على اعتراض نملة صغيرة تسير ~~إلى جوار حائط هي وسرب ms060 من رفيقاتها. أضحيت أنظر بأسى مبالغ فيه ~~إلى خنفساء سوداء تعبر الزنزانة وتتقلب على ظهرها فجأة ، ولا تقوى ~~على الاعتدال، فأهب لمساعدتها على النهوض ثانية بعناية وحنان. ~~كنت أتشبث بالحياة بحياة غيري، وأكثر ما كان يضايقني هو تلك ~~الرغبة الغريزية في قتل الهوام عندما تسري على جسدي، كان يراودني ~~شعور تصحبه كآبة شديدة أحس معه أني جلاد متنكر، شعور لم ~~أتخلص منه. # 12 # في أحد الأيام حشر عدد كبير من المعتقلين في زنزانتنا بعد أن ~~تم نقل مجموعة كاملة من زنزانة مجاورة ولم نفهم سبب هذا ~~الإفراغ المفاجئ وبصورة كاملة للزنزانة المجاورة. توقعنا كالعادة ~~وصول وجبة جديدة من المعتقلين السياسيين لا يراد لهم أن ~~يختلطوا مع من أكمل التحقيق من مثلنا لدواع أمنية؛ إذ قد تنقل ~~إليهم خبرتهم في التعامل مع المحققين. لم يحدث أي شيء وطال ~~ترقبنا لتفسير هذا التصرف المفاجئ، إلى أن سمعنا فحيح مفاتيح ~~الزنزانات الثقيل يصلصل بحقد من بعيد وبات قريبا جدا ليفتح ~~حرس المعتقل باب الزنزانة المجاورة التي ابتلعت ضحية جديدة، لم ~~نكن بحاجة إلى عناء كبير لنكتشف جنسها. صوتها الأنثوي هو الهوية ~~الواضحة والعلامة الفارقة. # هذه هي المرة الأولى واليتيمة التي عاصرت فيها شخصيا اعتقالا ~~سياسيا لأنثى في المعتقل نفسه. ماجدات وحرائر، وحفظ شرفهن من ~~الأعداء والغزاة ترنيمة روتينية تتردد صباح مساء في وسائل ~~الإعلام الحكومي، ولا يفتر الحزب ومناضلوه على تذكيرنا بها. ها قد ~~جاء اليوم كي نختبرها في معمل إنتاج الأمن الثوري. في المساء جاء ~~الرفاق حماة الحرائر وصائنو أعراضهن من المتآمرين والخونة ومن ~~الأعداء الغزاة، جاءوا بكل قيافتهم وهمتهم وذهبوا بها هناك إلى ~~الطابق العلوي إلى حيث ذهبنا من قبل لتبدأ فصول حكايتها. # على الرغم من كل الذي حصل لنا، ومع كل مرارة تجربتنا إلا أننا ~~كنا نأمل بأنها ستحظى بمعاملة أحسن من التي أذاقونا إياها. إنها ~~أنثى وامرأة شابة ورجال الأمن في الأول والآخر شرقيون مثلنا ~~وسيمنعهم الحياء وشيمتهم القبلية العربية من اجتراح أفعال مخزية ~~وسوف يعاملونها بالتأكيد بما أنها ms061 امرأة على أنها كائن ضعيف الجسد ~~وإن كانت معتقلة سياسية، ولو اضطروا لمعاقبتها فسوف يكون من جنس ~~التعذيب العادي المتوقع إنزاله بكل معتقل سياسي. # لم نكن نطمع بأكثر من هذا لها، لم يكن هذا توقعا بقدر ما كانت ~~أمنية ساذجة من نفوس لم تتعرف بعد جيدا إلى أي مدى يمكن أن ~~تصل إليه البهيمية في المخلوق البشري عندما يواصل ركوب عربة ~~الانحطاط. تمنينا لها ليلة لا تسبح فيها عارية في الفضاء معلقة ~~بأحد السقوف كما فعلوا بنا. لم نكن نجرؤ حتى في أحلامنا الوردية لا ~~في يقظة أو في منام أن نبعد الهراوات عنها؛ لأننا كنا على يقين أن ~~الركل والصفع والكيبلات زاد يومي لكل معتقل، ولن يدخرها رجال ~~الأمن لأي أحد مهما كان عمره أو جنسه. لم نتخيل أبدا أيضا ~~أنا كنا نختزن حلما سخيفا آخر ستبعثر أشلاؤه حين تند ~~صرخات سيدة شابة بموته. سيدة ما عرفنا لها اسما ولا عنوانا إلا ~~كونها كائنا اختار الحياة، وقررت أن تفكر بحرية ممنوعة في بلد ~~تزدحم فيه الممنوعات أكثر من ازدحام القمل على ياقة سجين. # بقامة متوسطة ووجه يتراوح بين استدارة قليلة واستطالة تعلوه ~~سمرة حنطية مشوبة بخوف ووجوم كثير، يلتف عليه شعر أسود ~~فاحم ينسدل بنعومة إلى حد الكتفين تقريبا أو يتجاوزه قليلا، هو ~~كل ما بقي في الذاكرة من نظرة متلصصة طويلة سرقتها من كوة ~~الزنزانة وهم يقتادونها إلى غرفة التعذيب. عرفنا فيما بعد من كلام ~~بعض الحراس الأمنيين الذين عقدنا معهم صداقات دردشة بسبب طول ~~الإقامة كيف أنها عذبت مثلنا تماما. رواياتهم كانت تؤيدها ~~الصرخات المرعبة وهي تشق سكون الليل من على بعد عدة طوابق، ~~تصدع أركان قلوبنا، وننصت لها خاشعين لا ننبس ببنت شفة حين ~~تنزل علينا كالصاعقة. نغيب في الصمت كأنما الطير يقف على رءوسنا ~~وتتجمد مآقينا حتى عن ذرف الدموع، كل شيء يصبح باردا كالموت لا ~~نجسر على النظر إلا إلى أسفل، إلى ما تحت أقدامنا حيث يسكن الذل ~~والهوان. # تتوسل صرخاتها رحمة ورأفة من ms062 قلوبهم الأقسى في صلابتها من كل ~~الجدران التي حبست فيها، ومرة أخرى كانت تنادي السماء أن تغيثها ~~وتفك كربتها، الصمم أصاب الكون كله حتى نحن كنا نحاول أن ~~نحشو آذاننا بالصمت بإغماض عيوننا وإخراس ألسنتنا. العجز والعار ~~كان يطوف فوق رءوسنا يظللنا بكومة من سحابه الثقيل من الدهشة ~~لما يجري بإحساس هائل من ضياع وعدم وخواء كامل، خواء لو قرعت ~~فيه كل طبول الاحتجاج لن يسمع لها صوت فيه ولا صدى. مشاعر ~~غطسنا فيها وانتحرت على عتبتها خرافة أخرى من الخرافات التي ~~كنا نأمل أن يكون لبعضها - وليس لكلها - أي نصيب من الصحة أو ~~حظ من الحقيقة. لو كان لذرة رمل تطيح بها رياح خمسينية أي ~~أمل في الثبات بين الكثبان، لكان لخرافة القبيلة التي تصون أعراض ~~النساء حينئذ فرصة للنجاة بعد هذه الحادثة المروعة. # حرائر وأعراض ماجدات وقبيلة تفخر بسكانها ولو كانوا يملئون ~~المقابر، وحضارة سبعة آلاف عام، ودين سماحة وعفة وشيمة وغض ~~الأبصار، وعروبة وسخافات كثيرة أخرى كلها انتحرت؛ لأني لست جريئا ~~بما فيه الكفاية للقول إنها لم تكن حية في يوم من الأيام لتموت ~~الآن، إنها أساطير لا أصل لها سوى أوهام كبرياء أجوف. وطن يعشق ~~وأد الحرية ويقتل كل من قرر أن يختار إنسانيته باسم أشياء ~~كثيرة؛ دين، شرف ومبادئ الحزب والثورة. # صديقتي التي لم أتعرف عليك ولم ألمح من صورتك ولا قوامك إلا ~~النزر اليسير، لكنه كان كافيا لأن ينقش في ذاكرتي أبدا كما ~~ينقش على الحجر. صديقتي التي لم أرك تسيرين على أرض بلدي إلا ~~وأنت مكبلة بالقيود تحيط بك ذئاب مفترسة جائعة شرهة لشرب دم ~~الضحايا، أقول لك ولكل صديقاتك اللواتي سمعنا بقصصهن كثيرا: إن ~~شرفك وعفتك هي عشقك للحرية الذي صارعت به الوحوش الكاسرة، وبه ~~انتصرت عليهم، أنت ما زلت خالدة في قلب وعقل كل من مررت به ~~ويفخر بمعرفتك حين يذكرك أو ساعة يروي قصتك، أما هم فيكفيهم من ~~العار أنهم لا يجرءون على ذكر أفعالهم معك ويشعرون بالحرج من ~~قصتك، ms063 أراهن على ذلك، إنهم يخشون ذكرك ولو كانوا يضطجعون في ~~مخادعهم مع زوجاتهم، فهل هناك عار يلصق بهم أكثر من هذا ~~العار؟! # 13 # دلف إلينا في نهار شتوي بجسم ضئيل وذقن كث وسذاجة مفرطة ~~تغذيها براءته، وبلغة غريبة عن مسامعنا كما هو دينه مجهول ~~التفاصيل من قبل كثير من الناس ونحن منهم إلا بعنوانه العام. ~~ما إن أخذ وقته حتى راح يحدثنا بحماسة عن أجداده العظام وعن ~~حدة سيوفهم ورهافة نصالها التي حصدوا بها الأعداء، كما يحصد هو ~~سنابل القمح في أرض الجزيرة. كان يحفظ أسماء سبعة أجداد بالترتيب ~~لأحد أبطال حكاياته، وعندما كنا نسأله عن أسماء أجداده، لم يكن ~~بوسعه تجاوز ما هو أبعد من جده الثاني إلا بمشقة وعناء، ~~ويبقى مترددا كثيرا في تأكيد صحة جوابه إن تعدى جده الثالث، ~~بل يعتذر عن الوصول إليه ويقر بجهله. # كان الرجل يعيش في ماض موهوم، يجهل حاضره ويتمسك بأساطير ~~وخيالات ينسبها للدين. يظن بل يجزم أنها حقيقة لا ريب فيها ويحسب ~~أنها محض خير وومضة جمال لن يجود الزمان بمثلها، أما الذي سوف ~~يجري بالغد له ولأطفاله ولأجيال لاحقة لهم، فكانت عنده قصة مفككة ~~تشظت أجزاؤها، لا تماسك فيها ولا تكامل ألبتة. كان الرجل بما ~~يختزنه من بساطة ووضوح في مشاعره وأحاسيسه نموذجا لنوع ليس بغريب ~~عن بيئتنا من قبل ولا من بعد، بل هو النوع الأكثر شيوعا ويمثل ~~في طريقة تفكيره ومعيشته ومعتقداته نوعا يتجسد بمظاهر شتى ولكن ~~بجوهر واحد. جوهر لمشكلة حقيقية وعقبة كأداء لا يقوى الكثير على ~~ارتقائها. نموذج يخال الأوهام التي يحملها بظلمتها والتي يعيش ~~فيها سقف العالم والمعرفة، وما من شيء بعده إلا الهلاك والخراب ~~والضياع وغضب الآلهة والسماء التي تحتويها. والواقع أن البقاء فيها ~~هو الهلاك الحقيقي لا في مغادرتها. أما متى سوف يجرؤ على اقتحام ~~ممنوعاته فلا أحد يدري، لكنه إن عاجلا أو آجلا فسوف يدرك أي ~~ذنب ارتكب بحق نفسه وسيكون على الأغلب قد فات الأوان لإصلاح ما ~~أفسده الزمان. # إلا أن ms064 حكايات الرجل القصيرة في سردها، الغريبة في أحداثها ~~والمعجزات الخيالية التي تجترحها شخصياتها الأسطورية، كسرت بعضا ~~من جمود الحياة التي نعيشها وأحدثت خللا في الروتين المهيمن ~~علينا لطرافتها. كان الرجل طيبا جدا إلى حد الإفراط، لم يلامس ~~جسده ماء؛ لا بارد ولا دافئ منذ دهر بعيد لأمر من وحي دينه ~~الغريب. كان يحمل مع طيبته المبالغ بها رائحة أيضا بالغ فيها ~~جدا وأضحت بمنسوب يبعث على الغثيان. وهكذا يفعل إرث العقيدة ~~الفاسدة بالإنسان إن أخذها بلا تعقل وسار بها وراء القطيع واتبع ~~بها من اتبع بلا نظر ولا تدبر، أو أسلم نفسه لأصنام ادعى ~~زيفا أنها ظلال لإله يحتجب وراءها. # ومع أنا كنا نستحم بطريقة مضحكة وتفوح من أجسادنا هي ~~الأخرى رائحة ثقيلة، إلا أنا لم نستطع - رغم ذلك - تحمل ~~رائحته التي كانت عفونة حقيقية، وكان علينا أن نفكر بطريقة للتخلص ~~من هذا المأزق. الأغطية القليلة نتقاسمها بحرج في المنام وإن كنا ~~حصلنا على بطانيات إضافية قبل فترة قصيرة، إلا أن ذلك لم يغير ~~من حقيقة أن يكون شخصان تحت بطانية واحدة هو ذروة في الرفاهية التي ~~ننعم بها عندما يتقلص عددنا في الزنزانة، أما الوضع الطبيعي أن ~~يكون العدد أكثر من ذلك مع أن حجم بعضها مخصص لشخص واحد فقط، ~~فسؤال ملح صار يتردد الآن: من ذا الذي يقدر على مشاركته بلحاف ~~واحد؟ بسبب رائحته، وعذر إضافي تعلل آخرون به لمعتقد ديني ~~خاص بهم، انتهى بنا النقاش إلى قرار عدم محاولة تجربة مساكنة ~~الرجل ولا حتى لليلة واحدة. # كان قرارا صعبا أن يعطى لوحده مستقلا بطانية مع قلة عددها ~~وكثرتنا. وكان علينا أن نتحمل جرعة إضافية من البرد وضيقا في ~~المنام. وهذه هي ضريبة قرار التعالي أو الاشمئزاز. هكذا يكون مجرى ~~الأمور كلما رفض خيار تزداد الحياة مع هذا الاستثناء مشقة ~~وصعوبة؛ فالانتقاء والانتخاب له محصلة تتبعه وليس من العدل ~~للتذمر وإلقاء اللوم على غيره. # انتدبت وشخصا آخر معنا في الزنزانة كان يتكلم لغة قريبة منه ~~لإبلاغه القرار بطريقة ms065 سمحة لا تؤذيه متجنبين الإشارة ~~والتلميح إلى الدوافع الحقيقية لهذا القرار؛ لأن الجميع بالفعل ~~أحبه منذ اليوم الأول بالمقدار نفسه، بل أكثر من مقتنا لرائحة ~~جسده. جلست إلى جواره مع زميلي نحدثه عن أهمية الصبر في هذا ~~الموقف الصعب الذي يمر به، وأن الفرج قريب ولن يطول به الوقت ~~كثيرا حتى يعود ثانية إلى مرعاه ومزرعته، وسوف يعيش حياته ~~الوادعة المسالمة من جديد بعيدا عن هذه الحال التعسة. سار بنا ~~الحديث رويدا من الحديث عن الواقع الجديد الذي دخل فيه إلى تجربة ~~التكيف معه، وبأن لا طائل من التذمر والضجر، وأنهما لن يحلا ~~معضلة ولا يفكا عقدة. ثم قلنا له: إننا مع ذلك ننظر بعين ~~الاعتبار والتقدير لانتقاله المفاجئ لهذا العالم الصعب، وتهوينا ~~منا لهذا الوضع حتى يألفه، واحتراما لكبر سنه (كان أكبر ~~من أسننا بما يقارب عشر سنوات وربما أكثر)، نقترح أن ينفرد هو ~~لوحده بالمنام في بطانية واحدة. # ارتسم الامتنان على غضنات وجنته وعلى تجاعيد مبكرة صنعتها ~~شمس لافحة في وجهه الأسمر، ولمع بريق شكر في عينيه لعثم ~~خطى كلماته وأربكها كثيرا. فقد الإحساس بالغربة، وانقشع ~~الحزن، واندثرت غيوم الأسى من عينيه وبالأخص بعد أن قدمنا له ~~ماء وبقايا طعام كنا نحتفظ به للطوارئ. كان تقديمنا له هذه ~~الوجبة الاستثنائية وبعناية خاصة فعلا أبهجه جدا. # حرصنا في الأيام التالية أن نقدم له الطعام بإناء خاص له، ~~ونجنبه أيضا المشاركة في بعض الأعمال اليومية التي كنا نقوم ~~بها من تغيير سطل الماء أو غسل الأواني، وعلى الرغم من سهولة هذه ~~الواجبات إلا أن عدم مشاركته فيها أشعره بمقدار كبير من الاحترام ~~الذي نكنه له وحجم مشاعر العطف والمواساة التي نوليها ~~له. # التهمة الرئيسية التي وجهت له أنه يعرف بعض من كان يحرك ~~جمر الحرية في قريته الصغيرة، لم يكن يفهم معنى ذلك، ولا تهمه ~~هذه الأفعال - لا من بعيد ولا قريب - سوى أن بعض المطلوبين كانوا ~~من أقاربه أو من سكان قريته. على الرغم من أن هؤلاء الثوار لا ms066 ~~يرتبطون بعلاقة مباشرة معه، مع أن القرية التي كان يسكنها تكاد ~~تكون كلها عشيرة واحدة إذا لم تكن هي كذلك بالفعل؛ ولذا تهمة ~~كونه من العشيرة أو العائلة نفسها تهمة سخيفة جدا ومضحكة ولا ~~معنى لها، إلا أنهم كما يبدو كانوا يريدون استئصال هذا المكون ~~من الخارطة؛ لأنه أعلن التمرد عليهم، وما عجزوا عن فعله حينئذ ~~فعلوه لاحقا يوم اجتاحوا الموصل بجيوش الهمجية، وكادوا أن يبيدوا ~~شعبا بأكمله، وارتكبوا فضائح وجرائم سوف تذكرها الإنسانية ~~كثيرا ويدونها التاريخ بحبره الذي لا يمحى. # كانت أفكار الرجل ما بين فوضى وسراب لا تتعدى محاولة للعيش ~~بسلام وأمان هو وأغنامه، دون أن يعكر صفوها عواء الذئاب. حاول ~~ضباط الأمن ومساعدوهم أن يستدرجوه بوسائل شتى لينتزعوا منه ~~معلومات لا يملكها، ولا حتى كان بمقدوره أن يفقه شيئا من ~~أسئلتهم الأمنية والسياسية. يمكن القول إن قرار اعتقاله غبي ~~بامتياز لو كان الهدف منه فعلا الحصول على معلومات أمنية، ولكن ~~يبدو أن الهدف الحقيقي منه كان إثارة الرعب في القرية أكثر من ~~الحصول على إخبارات حقيقية عن المتمردين على النظام من سكنة هذه ~~القرية، وما هذا التحقيق إلا محاولة عبثية قد ينالون بها شيئا ~~لم يكن في الحسبان. حاول الأمن مغازلة الرجل حينا، وحينا آخر ~~كانوا ينقلبون عليه ليبصقوا كل أنواع همجيتهم والغضب الوحشي ~~المستوطن فيهم، وفي كلا الحالين لم يقدم لهم سوى صمت محشو ~~بأنين وآهات، وإجابات هي أسئلة أخرى تبحث عن جواب. # لم يكن يدرك الرجل أبجديات المعارضة، بل لم يسمع بها أصلا ولا ~~يعرف عن ماذا يتحدثون. إنه راعي أغنام يزرع الحنطة أحيانا لا أكثر ~~من هذا ولا أقل، مهما حاول المتحذلقون أن يغيروا من ~~هويته. # بعد أن أيقنوا أن ما يبحثون عنه ما هو إلا مطاردة للسراب، وأن ~~الرجل أخذ من العقوبة ما يكفيه، وسوف يحدث بها كل أبناء ~~القرية، فلا يجسر أحد بعدها على تقديم أي عون لثائر، ولو كان ~~ذلك العون وجبة عشاء ليس أكثر. حسمت دائرة التحقيق أمرها ~~ونبذته في ms067 الزنزانة لا أحد يسأل عنه ولا يدري ما المطلوب منه ولا ~~يعرف مصيره. كنا نلاطفه كثيرا ونستخرج منه ألوان البراءة وكان ~~يقهقه بملء شدقيه كثيرا، ويخرج ضحكاته من أبعد نقطة في ~~قلبه الأبيض، وكنا بالمقابل نبعث فيه الأمل بكلمات الحماسة، ~~عندما كان يتألم من سياطهم ومن إهاناتهم التي يوجهونها لمعتقده ~~وديانته العنصر الأهم عنده. كان بعض الحرس يحاول إذلاله بتصرف ~~فردي على ما يبدو؛ لأنهم يريدون أن يتسلوا بعذابات غيرهم، أو ~~لأنهم يريدون صب جام غضبهم على أي أحد بعد يوم نكد عليهم ~~لم ينالوا فيه ما يبتغون ويريدون. ~~«أنت لست وحدك، إن أجدادك الأبطال ينظرون إليك من جناتهم ~~العالية ويراقبونك فلا تخيبهم.» # بهكذا كلمات كنا نواسيه ونؤازره ونقدم له الدعم؛ لأنه لم ~~يكن هناك شيء أكثر من ذلك في حياتنا لنقدمه له. كنا ~~نبشره بأن الفرج بات قريبا جدا منه فليبتسم لمقدمه ~~وليزح الانكشار من وجهه الذي خلفه هؤلاء التافهون السخفاء. ~~وبعد تطمينات كثيرة له عن فرجه القريب سألنا يوما عن موعد ~~فرجنا متى يحل بعد أن صلى لأجلنا في صلوات خاصة. ~~«إننا سنغادر هذا الباب ونترك الألم والأحزان وراءنا في هذه ~~الدنيا، ونذهب هناك إلى حيث الراحة الأبدية.» # رددنا على سؤاله ضاحكين مبتسمين. # اغتم كثيرا لهذا النبأ غير المتوقع، لكنه ازداد قربا منا ~~وتعاظم وده لنا، وصار الذي بيننا أكثر من محبة علاقة طارئة، ~~إنها محبة إخوة لا تندرس مهما تعاقب الزمان عليها، توثقها عرى ~~صداقة لا تضمحل وآصرة أخوة لا تفنى. # وفي مساء قرروا أن يرجعوه إلى مرعاه الذي أخذوه منه، وكعادتهم ~~عندما يصير في نيتهم إطلاق سراح أحد ما، فإنهم يحاولون ~~استرضاءه بإبداء مرونة في التعامل معه، ولم يشذوا عن ذلك معه ~~فأعطوه علبة دخان. ~~- «إنها لا تكفي.» (قال لهم). ~~- «لا تكن طماعا، ستغادر بعد يوم واحد فقط.» (هكذا قال له ~~ضابط التحقيق). ~~- «أنا لا أتحدث عن نفسي، إنها لا تكفي أصحابي الذين معي في ~~الزنزانة.» ~~- «خذها واتركهم أنت لا علاقة لك بهم.» ~~- «لا أريدها، إما ms068 أن تعطيهم مثل ما تعطيني أو لا أريد أي ~~شيء منك.» # كلمة لطم بها الجلاد، لكنها حركت الإنسان في قلب هذا ~~الجلاد، وانتفضت الفطرة فيه، وأزاحت القسوة عنه بشكل مطلق في تلك ~~اللحظة. # نزل إلينا الضابط ووقف أمام الزنزانة مذهولا يحدثنا: «ماذا ~~فعلتم بالرجل؟» # جاءنا الجلاد هذه المرة إنسانا قد هده التعب ونبتت في قلبه ~~من جديد زهرة الإنسانية النائمة، كان يحمل إلينا بيديه ~~المجردتين كثيرا من علب الدخان، وأكثر منها قهقهة صادقة ~~واعتراف لاحب أبلج بالهزيمة. أصر ضابط التحقيق على أن يأتي ~~بنفسه ليقدم لنا علب السجائر بيديه مثنيا على تعاملنا ~~الإنساني مع الرجل ومبديا إعجابه بنا، ذليلا منكسرا أمام موعظة ~~قروي ساذج لقنته درسا بليغا في الشهامة والمروءة. موعظة جعلته ~~يعترف بأن أواصر الإنسانية أقوى من كل الأسلحة التي يملكها هو ومن ~~معه من الجلادين. # 14 # في مساء شتوي بارد طلب منا الاستعداد لمقابلة مهمة مع مدير ~~المعتقل (مديرية أمن نينوى) الذي كنا نحتجز فيه، وهو شقيق ~~جنرال عسكري كبير معروف، اسمه «ه. ص. ف». تمت إزالة الروائح ~~الكريهة من أجسادنا بالسماح لنا بالاستحمام بشكل جيد، وترتيب ما ~~يمكن ترتيبه من هندامنا المضحك الذي عاد في شأن لا يمكن أن ~~يصلحه أشطر دراز في المدينة. البعض منا كان يعول كثيرا ~~على هذه المقابلة واستعد للانتفاض أمام مدير المعتقل بإنكار كل ~~التهم المنسوبة إلينا، وشرح السبب الحقيقي وراء هذه الإفادات ~~المزيفة بأنها منتزعة تحت التعذيب الجسدي والنفسي القاسي. كنت ~~أشعر بعدم اكتراث شديد من هذا الحدث المرتقب من غيري، ولم ~~أعول عليه تماما، ولم يشكل عندي أي أهمية بالمرة. كنت ~~أتعامل مع الحدث بحالة من لا أبالية منقطعة النظير؛ لأني وبكل ~~صدق وصراحة كنت أعيش حالة يأس تام من تغيير ما يجري، ~~ويتملكني في الوقت عينه شعور مرير بالهزيمة وإحساس بأنه لم ~~يتبق إلا النزر اليسير في مساحة هذه الدنيا التي ضاقت جدا ~~وأصبحت بحجم حبة رمل. # كنت مؤمنا بأنهم يريدون قتلنا عن ترصد وسبق إصرار، ~~ولا يخفى على ms069 أي واحد منهم حجم الظلم الذي تعرضنا له أو مقدار ~~الهمجية والوحشية التي عوملنا بها؛ لأنهم كانوا مستمرين عليها ~~بشكل نمطي وكلما سنحت لهم فرصة أو لاحت لهم قناة، يضعون فيها ~~مركب حقدهم على الإنسانية. كيف لي أن آمل بعد ذلك من مجرم كبير، ~~بل من كبيرهم أن يكون منصفا وعادلا ويصير محلا لشكوى مظلوم؟ ~~منطق خلاف العقل كمن يستعين بالشيطان لدفع شره. # إنها سذاجة مفرطة وحماقة كبيرة وغباوة منقطعة النظير أن تهرب من ~~الظلم إلى الظالم، هكذا قدرتها وحسبتها، وفي الوقت عينه كنت ~~أختلق لأصحابي عذرا في داخلي، إنهم غرقى والغريق يبحث عن قشة، ~~وهل نسيت أحلامي يوم كنت أتلقى التعذيب؟ إنها كانت سخيفة هي ~~الأخرى ومضحكة بالقدر نفسه أو أكثر. # كان يراودني شعور من نوع آخر - ولو بدرجة أقل - وهو شعور ~~الكبرياء والتعالي؛ لأني كنت أستنكف أن أطلب من هؤلاء المجرمين ~~أي طلب. إحساسي بالفخر والعزة أخذته بالوراثة أو بالتربية. كنت ~~أرى والدي لا يذل نفسه ولا يطلب من أي أحد شيئا حتى إنه ~~امتنع عن التدخين؛ لأنه طلب يوما سيجارة من صديق له، فكيف لي أن ~~أنزل نفسي موضع الذلة ومنزلة الإهانة أمام هؤلاء الذين لا ~~يليق بي أن أتحدث إليهم، فكيف بالتفكير بالطلب منهم أو التوسل! ~~موضعي الصحيح الاصطدام بهم وليس مهادنتهم، فكيف لي أن أترجاهم ~~بشيء حتى لو كان ذلك الشيء حريتي وكان به خلاصي من سجونهم ~~ومعتقلاتهم. # الحرية وكل الحقوق تنال بالنضال والصراع، ولا تأخذ منحة من ~~أحد، أيا كان محله وموضعه ومنصبه في كل هذا الكون. الكسالى ~~العجزة والأغبياء ينتظرون السماء تمطر رزقا لهم، أما الحاملون ~~لمسيح الطهر حتى في يوم ضعف الولادة يهزون جذع النخل ليستمطروا ~~قوتهم، وهل يهز النخل إلا الأقوياء؟ # قابلنا الضابط الكبير على انفراد، وسألنا أسئلة عادية لا تنم ~~عن أي اهتمام بنا، بل كانت الزيارة تبدو وكأنها الإمضاء الأخير ~~على مكافأة ينالها فريق التحقيق ثمنا لجهوده في قطع رقابنا ~~المنتظر. إلا أنه مع ذلك ورغم هذه الأجواء المزيفة ms070 المخادعة ~~بالتعامل الدبلوماسي الهادئ الناعم الذي يطرح به المدير أسئلته ~~الباردة الخالية من كل روح، إلا أن النوايا الخبيثة كانت سافرة ~~جدا في الوقت نفسه تفضحها نظراته الماكرة هو وفريقه. وكما كان ~~مقررا فقد شكا البعض منا للمدير الظروف القاسية التي دفعته ~~كمعتقل لتقديم إفادات مزيفة، ومع كل الشفافية المدعاة إلا أنه ~~حتى هذه الشكوى لم تنل رضاه ولا رضا ضابط التحقيق (ع. ع.)، ~~وتحولت المقابلات من لقاءات منفردة مع المدير إلى لقاء جماعي ~~بحضور ضابط التحقيق لكبح هذه الجرأة على الإنكار من تكرارها ثانية. ~~وبالطبع لم يتغير أي شيء بعدها كما كنت واثقا متيقنا، ومع كل ~~ذلك لم يغير ما حصل من عرض مسرحي سخيف قناعة معتقلين آخرين ~~كانوا مصرين على أن هذه فرصة يجب استثمارها، واختلفنا في ذلك ~~بحوارات ونقاشات لم تخل من عتب وربما في بعض النوبات كانت تحمل ~~تلميحا لي بالجبن والضعف، مع أنهم كانوا يعرفون إلى أي حد ~~تحملت التعذيب، بل إني كنت واحدا من أكثر الموجودين ممن صمد بوجه ~~التعذيب والتحقيق إلى آخر المطاف، إذا لم أكن فعلا الأكثر صبرا ~~على التعذيب بينهم. لم أش بأي أحد على الإطلاق ولم أقدم ~~للمحققين شيئا ذا نفع في كل مراحل التحقيق، وظلت أسرار عملي ~~الحقيقي حبيسة صدري، بالمقابل غيري ممن كان يعاتبني ويتهكم على ~~تصرفي مع مدير الأمن قد فعل الكثير جدا مما يجب أن يخجل منه ~~أمام نفسه أولا قبل أن يستحيي من الآخرين. # لم أك بحاجة لأثبت لأحد ما أنا عليه ولربما غيري وجد في هذه ~~المقابلة فرصة سانحة ليكفر فيها عن انهياره الشامل أثناء ~~التحقيق، وصار الآن متحمسا يملك جرأة كبيرة ليقنع نفسه أولا ~~بأنه لم يكن ضعيفا. كانت ريادة الاحتجاج أمام زعيم ضباط التعذيب ~~فرصة وهمية منه لجبر ما كسر أو محاولة ترضية داخلية وإصلاح ذاتي ~~نفسي هو في حاجة إليه وليس أحد غيره. للأسف كانت صحوة متأخرة ~~جدا فات وقتها وجاء القطار ليس متأخرا، بل حين كانت السكة قد ~~رفعت وما ms071 عاد له أن يسير ولا حتى نصف خطوة. هذا الموقف وهذه ~~الحادثة قدمت لي درسا لما تبقى من عمري تعلمت منه أن ~~الصراخ بصوت عال لا يكشف إلا عن ضعف مثله أو لربما أكبر في ~~خبيئة صاحبه. # انتابني حينئذ شعور مرير؛ لأني كنت أعيا في الإقناع، فاشلا ~~في التبرير، عاجزا عن مواجهة هذا الهجوم برد قوي. لم أكن أريد ~~أن أعكر العلاقات بيننا، إلا أنه علي الاعتراف بأني كنت ~~ضعيفا حتى في هذه ولم أتضامن مع موقفهم الجماعي كما تقتضي المصلحة ~~العامة، لربما حالتي النفسية وعدم اكتراثي كانا وراء ضعفي هذا، ~~بيد أني على أي حال لم أقدر على تغيير رأيي ولا بوارد انتقاده ~~رغم كل الضغوط النفسية الكبيرة آنذاك. كنت واثقا من عدم جدوى ~~الشكوى لأي من هؤلاء الجلادين الوحوش؛ لأنها لم تكن لتغير ~~شيئا أبدا حتى بحسابات المصلحة النفعية. # كنت متيقنا أن قرار الحكم علينا بالموت قد صدر من لحظة انتهاء ~~التحقيق، والتوقيع أمام قاضي التحقيق صادق عليه بالختم الرسمي ~~بشكل نهائي. وهذه المقابلة ما كانت إلا بمثابة نظرة أخيرة على ~~جثمان مسجى ينتظر الدفن بعد برهة قصيرة. وستثبت الأيام ذلك ~~قريبا، وقريبا جدا. وحسنا فعلت حين لم أستجد من قلوب ختم ~~عليها بصنعها القبيح وفي أسماعها حشر حجر صمها، وأسدلت على ~~أبصارها ستائر غشاوة لا يتسرب منها نور الحقيقة فأضحوا يعيشون في ~~ظلمات قاع بحر لجي، فأنى لهم مع كل هذا النظر إلى شمس ~~الحقيقة ولو كانت تسطع مشرقة فوق يم الحياة والإنسانية. # 15 # على ذكر قاضي التحقيق، هناك قصة لو تمت لاختلفت الأمور كلها ~~ولسارت في مسار آخر. قلت في بواكير هذه الحكاية: «إننا بلغنا ~~فسحة في طابق علوي، رأيتها فيما بعد وكانت شاهدا للحظة كان يمكن ~~أن تكون تاريخية.» جاء الآن دور هذه الحكاية لأرويها. كانت أجهزة ~~الأمن رغم كل أعمالها التعسفية وممارساتها الخارجة عن القانون، ~~الشبيهة بعمل العصابات الإجرامية، بل هي كذلك فعلا، إلا أنها ~~كانت تحرص جدا على منح كل إجراءاتها شكلا قانونيا ms072 صوريا، ~~حتى وإن لم يطبق بالمرة. فمثلا الإعدامات تنفذ بحضور ممثلين عن ~~التنفيذ من جهات معنية به، وإذا قتل شخص أثناء التعذيب تصدر له ~~ورقة يدعى فيها أنه قد حكم عليه بالإعدام من محكمة الثورة ونفذ ~~به الحكم. قريب لي قتل في التعذيب وتسلمت عائلته جثته ~~ودفنته. وبعد سقوط النظام الفاشي وجدنا ورقة رسمية تتحدث عن تنفيذ ~~حكم الإعدام به لكن بعد أربع سنوات من يوم مواراته التراب. إذا ~~أرادوا إعدام صبي لم يبلغ سن البلوغ يأخذونه إلى مستشفى لمقابلة ~~لجنة طبية خاصة تقرر أن عمره الحقيقي غير عمره المثبت رسميا، ~~ثم يقدم إلى محكمة الثورة على أنه رجل بالغ تجاوز السن ~~القانونية ويصدر عليه حكم الإعدام أو المؤبد وفقا ~~للقانون. # التقيت كثيرا ممن قابلوا هذه اللجنة ممن رفعت سنهم ~~القانونية وحكم عليهم كبالغين راشدين وأخذوا أحكاما بالمؤبد، ~~ورأيت بعيني وسكنت مع آخرين في الزنزانة ذاتها مع مجموعة سجناء ~~أعمارهم تحت السن القانونية، حتى إن بعضهم لم يك يتجاوز الثلاثة ~~عشر عاما، وقضوا مددا طويلة في السجن بالظروف نفسها التي ~~كنا نعيشها، كانوا مثل الصبية والأطفال، بل هم كذلك وكنا ~~نرعاهم رعاية خاصة. # ومن ضمن هذه الإجراءات الشكلية بحسب القانون: تحقيقان؛ تحقيق ~~أولي وآخر قضائي. الأول كانت تنتزع الاعترافات فيه تحت التعذيب، ~~أما التحقيق القضائي فيعرض المتهم مع إفادته أمام قاضي تحقيق، ~~ويسأله القاضي بعد أن يقرأ إفادته عليه: هل توافق على هذه الإفادة؟ ~~وإذا أقر المتهم بها يوقع عليها وتصبح رسمية. وطبعا هذا ~~إجراء صوري أما الحقيقة فشيء آخر. إذ كانوا يعرضون المتهم على ~~القاضي. فإن قال نعم، مرت الأمور كما هي، وأما إن أنكر ~~الاعترافات فإنهم يعرضونه لجولة جديدة من التعذيب القاسي المرير ~~ويعاد عرضه ثانية أمام قاضي التحقيق ولا سبيل له لإنكار الإفادة ~~مطلقا شاء أم أبى. في بعض الأحيان يتجاوزون حتى هذا الشكل الصوري ~~ويعتبرون التحقيق الأولي تحقيقا قضائيا، وكانوا يلجئون لهذا ~~الإجراء مع المتهمين الذين حسم أمرهم بمجرد اعتقالهم؛ لأنهم ~~مطلوبون بشدة من قبل الأجهزة ms073 الأمنية. السلطة القمعية كانت قد ~~قررت قتلهم مسبقا حتى قبل إلقاء القبض عليهم؛ لذا كل ما كان يحصل ~~هو جولة قاسية من التعذيب لانتزاع المعلومات منهم فقط، ثم يقسر على ~~التوقيع على إفادة تعتبر تحقيقا قضائيا ويرسل إلى الإعدام بأسرع ~~ما يمكن، حتى لو لم يعترف أو رفض التوقيع على الإفادة المفبركة، ~~تعد أوراق تحقيق مزيفة في غرفة خاصة بهذا ويعدم على أي ~~حال. # في نهار يوم شتائي استدعيت إلى قاضي التحقيق كالعادة، ~~وصعدت مع حارس أمني واحد عبر المصعد. وعندما وصلنا الردهة ~~العلوية تركت هناك واقفا بانتظار وصول قاضي التحقيق، تأملت ~~الردهة وعرفت أنها المكان الأول الذي شهد بداية جولات التعذيب. ~~كانت ردهة واسعة بين مجموعة غرف، إلى اليمين هناك غرفة التقيت ~~فيها ضابط التحقيق (ع. ع.) لأول مرة وإلى اليسار يوجد ممر فيه ~~أكثر من غرفة، إلا أن ما لفت انتباهي أن لهذه الردهة الواسعة ~~شباكا كبيرا جدا تماما بحجم الجدار، تنسدل عليه ستائر من ~~قماش سميك رصاصية اللون متراصة بكثافة. لعل الشباك كان عرضه ~~يوازي الخمسة أمتار تقريبا، وكان منظرا غريبا فعلا أن تكون ~~ردهة في طابق ثالث تحتوي على شباك واسع بهذا الحجم، وبدا لي كما ~~لو أنه كان جدارا من زجاج. # كنت أقف في منتصف الردهة وحدي طليق اليدين مفتوح العينين، لا ~~يوجد بالقرب مني سوى شرطي أمن واحد ضخم الجثة، يقف تماما ~~بملاصقة الحائط الزجاجي، وهنا خطرت لي فكرة: ماذا يحصل لو أني ~~ركضت بغتة بسرعة كبيرة باتجاه هذا الشرطي وداهمته بكل قوتي؟ ~~إنه بالتأكيد لن يستطيع تدارك الموقف. سآخذه على حين غرة ~~وسوف نحطم الزجاج باندفاعتي نحوه وبثقل جسدينا، وننزل معا من ~~الطابق الثالث إلى الأرض تهشم عظامنا وتكسر جمجمتانا، ونقتل ~~سوية، وأكون بذلك عاقبتهم على قتلي المقرر لاحقا بقتل واحد ~~منهم. # أنا ميت - لا محال - في كلا الحالتين، في هذا اليوم أو بعد ~~صدور الحكم بالإعدام شنقا، وهو ليس ببعيد. لم يخطر على بالي ~~بالمطلق أنه قد يكون زجاجا مدرعا، ولا أنه ms074 من الممكن أن يكون ~~سميكا جدا؛ إذ لم يكن في وقتها هذا النوع من الزجاج شائعا ولا ~~أنا أعرف بوجوده ؛ لذا لم أفكر بهذا الاحتمال. بدأت أستعد ~~لتنفيذ الفكرة التي وصلت عندي لمرحلة القرار النهائي، وتجاوزت ~~كل المراجعات النفسية الداخلية، كنت أنتظر فقط لحظة لا ينتبه ~~فيها الشرطي لحركتي، لمباغتته وتحقيق نجاح مثالي كامل للخطة. إلا ~~أنه في هذه اللحظة بالذات اقترب الرجل كثيرا من الحائط الزجاجي، ~~وكنت قد سمرت نظري عليه استعدادا للوثبة الأخيرة نحو الخاتمة ~~التاريخية، وإذا به وهو يزيح الستارة بتأن لينظر من خلال الشباك ~~إلى أمر ما في الخارج، أرى أن هذا الشباك الزجاجي الكبير محمي ~~بشبكة حديدية ق«ية نطلق عليها في العراق تسمية «الكتيبة». صعقت ~~وتخيلت كم كان للمشهد أن يكون داميا لكن من جانبي فقط. إذ لو ~~نفذت خاطرتي لكنت أوقعته أرضا وربما تكسر الزجاج ليس غير، أما ~~أنا فسوف تكسر عظامي بعدها تحت هراوات رجال الأمن، ومن الممكن أن ~~أموت تحتها حتى قبل صدور حكم الإعدام. وئدت الخطة قبل تنفيذها، ~~لكن قرارا كهذا مني - وإن لم ينفذ - يشي بأي درجة يأس كنت ~~أحمله من تلك الحياة التي أعيش فيها حينئذ، وإلى أي حد كنت ~~أخاطر بمواجهة هذا اليأس. # اليائسون حينما يرتكبون أفعالا انتحارية إنما يفعلون ذلك لأن ~~كل سبل النجاة أوصدت أمامهم، وحينها يرون أن لا قيمة ~~لاستمرارهم في مواصلة كفاح محتوم الخسارة، والخطورة الأشد والأعظم ~~أنهم لن يجدوا من ثمن مهم أو قيمة ذي بال لحياة أي من خصومهم. ~~المنتحرون لا يفعلون شيئا سوى أنهم ينتقلون من موت إلى موت ~~آخر. # بعد أن انتهى التحقيق تماما وتمت كل الإجراءات الشكلية، ~~توجهت قضيتنا إلى صالة الانتظار الأخير تمهيدا ليوم المرافعة ~~النهائية في محكمة الثورة. إنما فوجئنا بحدث غريب جدا لم نك ~~نتخيل وقوعه أبدا نظرا لتلك الظروف المريعة التي مررنا بها ~~وكنا لم نزل نعيشها. وقع حادث خارج سياق الأحداث وعكس منطقها ~~بالكامل، فلم يكن بحساب أي منا أنه سوف يظفر بفرصة للقاء ms075 أسرته ~~بينما هو ما يزال معتقلا في هذا المحبس، لكن بلا أي سبب منطقي ~~أو مقدمات ممهدة فوجئنا يوما بخبر غريب من ضباط التحقيق بأننا ~~سوف نحظى بفرصة للقاء عوائلنا في القريب العاجل. # وجاء دوري في مواجهة أهلي لأول مرة منذ اعتقالي، وصعدت إلى ~~غرفة ضابط التحقيق طليق اليدين مفتوح العينين، يرافقني في صعود ~~السلالم رجل أمن واحد أعرفه بالاسم، وكان الرجل متساهلا جدا ~~معي ليس الآن فقط، بل في كل الأحوال التي أكون فيها معه على ~~انفراد. وللإنصاف إنه كان من العناصر التي تبدي تعاطفا مع ~~المعتقلين، ويبدو من تصرفاته أنه كان يشعر في قرارة نفسه بظلامتنا، ~~لكن طبيعة عمله تجعله حذرا للغاية، لم يكن هذا رأيا شخصيا ~~مني فيه، بل سمعته من أكثر من واحد من المعتقلين الذين كانوا ~~يكنون له محبة واحتراما. وهذه المشاعر الصادقة الودية تجاه ~~عنصر أمني يظهر معدن المعارضين السياسيين آنذاك، فإنهم كانوا ~~يتخذون مواقفهم ليس ضد أحد لشخصه وعنصره وفكره، بل بناء على ~~سلوكه ومواقفه؛ لذا وعلى الرغم من أن الرجل يعمل في أحقر جهاز أمني ~~إلا أنه كان موضع ترحيب ومحبة من المعتقلين لمواقفه وأفعاله مع ~~أنها لم تغير من نتيجة المعادلة بشيء. # المعارضة السياسية تكون ضد المواقف المناهضة للإنسانية ~~والحرية، وليست ضد الأفكار والانحدارات العرقية كما رأينا فيما ~~بعد من جهات تفعل ذلك، وبأفعالها شوهت معنى المعارضة وأصبحت في ~~نزاعاتها ليست سوى جزء من قطيع ذئاب يتقاتل على فريسة. # في الحقيقة هناك أشخاص كنا نراهم في ورطة حقيقية في هذا العمل ~~التافه، لم يكونوا من قساة القلوب أو خبثاء السريرة ولا هم ~~بمندفعين لإيقاع الأذى بالمعتقلين حتى وإن فعلوا ذلك، ويبدو أن ~~اختيارهم لهذه المهنة الحقيرة كان سببه الحقيقي هو التهرب من ~~الخدمة العسكرية الإلزامية والفرار من الذهاب إلى جبهات الحرب التي ~~اشتعل أوارها حينئذ، وبدأت بحصاد أرواح الشباب بشكل جماعي لافت ~~مع وقوع عشرات الآلاف منهم أسرى في أيدي القوات الإيرانية. الخوف ~~من هذين الاحتمالين السيئين كان أمرا شائعا جدا ms076 بعد موجة ~~معارك خاسرة ابتدأ تواليها سريعا ربيع ذاك العام. لكن على كل حال، ~~هذا النوع من رجال الأمن لم يكن كثيرا للأسف الشديد، بل كان ~~نادرا جدا، والغلبة بشكل ساحق كانت للعناصر السيئة التي تحمل ~~خصائص أقرب للبهيمية المتوحشة من أي شيء آخر. # لأول مرة كنت أرى المكان بتفاصيله الدقيقة، تطلعت إلى جدران ~~المبنى بنظرات فاحصة، حتى إنه وأنا أرتقي درجات السلالم مسرعا ~~محاولا اللحاق بمرافقي منتشيا باللقاء المرتقب، لمحت على حائط ~~لوحة معلقة فيها توقيع لصديق لي كان رساما بارعا. تملكني ~~شعور بمقت شديد له، وغضب عارم انفجر في حشاشتي، حين رأيت ~~توقيعه على لوحته. # بدأت أصرخ بغضب في داخلي: كيف يسمح هذا المعتوه أن تعلق ~~لوحته في هذا المبنى القذر وهو الذي كنا نعتبره من طليعة ~~الثوريين ومن المثقفين الداعين إلى النزعة الإنسانية في الفكر ~~والتعامل مع الآخر؟! إلا أني سرعان ما استرجعت وعيي موبخا ~~نفسي: ما الذي دهاك؟ هل جننت؟ وما يدري الرجل بما يفعل برسومه حين ~~تباع؟ هل عليه أن يتابعها واحدة تلو الأخرى؟ ثم كيف له أن يعرف ~~أنها أخذت إلى مديرية أمن؟ إذا كانت الناس عندما تدخل إليها تختفي ~~آثارها مثل ملح يذوب في ماء، فهل تبقى من آثار للوحة فنية حتى يمكن ~~له أن يقتفيها؟ # وأنا أصعد تكاثرت أمام ناظري صور صعودي الوئيد حين كانوا ~~يقتادونني على هذه السلالم نفسها، وكيف كنت أحصي ثلاث عشرة درجة، ~~وإن أخطأت في حسابها تثور حفيظتهم علي لينزلوا بي قصاصا ~~عاجلا من صفع أو شتم. لا أذكر كم من خاطرة مرت علي حينها، ~~إنما بكل يقين لو حاولت عدها لعجزت عن إحصائها، لا حين مرقت ~~بسرعة البرق وقتئذ ولا الآن عندما أحاول استرجاع شريطها. # كانت أوصالي ساكنة ورأسي ترتعد فرائصه خشية اللحظة المرتقبة؛ ~~أمواج هائجة من خواطر متضاربة وأفكار متناقضة وأسئلة حائرة وردود ~~عليها كانت تنهمر، فتصيب لبها وتطفئ ظمأها بشكل عجيب. كل ~~هذا كان يحصل في تلك الدقيقتين أو حتى الثلاث دقائق؛ المدة ~~الكافية لاستغراق ms077 طي كل السلالم وصولا إلى غرفة اللقاء ~~المنتظر. انبثقت وسط هذه الثورة العارمة خاطرة غريبة مرقت بسرعة ~~البرق، كأنها صاعقة نزلت لتميت كل شيء وأذهبت كل فورة ~~خواطري في سكون عميق. خاطرة كانت خارج نسق الأفكار وأثارت ذهولي ~~وقتها، ولا أصدق حتى وأنا أكتبها الآن كيف أخرجت عنقها من بين ~~هذا الركام الهائل من تلاطم بحر المشاعر واضطرابها؟ ومضة كانت ~~مثل سنا البرق قالت لي: كيف يمكن لعقل الإنسان أن يحتوي كل هذه ~~الأفكار ويجري هذا الكم العجيب من الحوارات الداخلية في لحظات ~~معدودة؟ تملكني انبهار غريب بقدرة العقل وصرت أتأمل المسألة ~~بروية وهدوء مثلما يفعل أي فيلسوف يفكر سارحا متأملا ~~فيها، وهو يمشي على ساحل بحر هادئ، وتطير من فوقه نوارس بيضاء في ~~نهار تظلل فيه الأرصفة سحب بيضاء تحجب عنه حرقة الشمس لا ~~نورها، سرحت بعيدا في عالم آخر بعيد يقع في الصفحة الثانية من ~~الكون. ومثل وحي الشعراء اندلق علي فجأة فيض من ثقة بما حبوت ~~به كإنسان من قدرات عجيبة تدعو للفخر والإعجاب كما تستدعي التقدير ~~والتأمل، أصابتني حينها رعدة من فخر وتواضع في آن ~~واحد. # دخلت غرفة جوها ثقيل بدخان السجائر والأحاديث السابقة، ~~مشبعة بالدفء، وفي قعرها حيث النافذة الوحيدة منضدة صغيرة نسبيا ~~يجلس خلفها ضابط بزي مدنية، في حين كان هناك رجال آخرون واقفين ~~طوال الوقت تحسبا لأي حدث طارئ على ما يبدو؛ لأن عيونهم كانت ~~تتابع كل حركاتي وأنا أدخل عليهم بلا قيود. على اليمين كانت ~~هناك أريكة صغيرة يجلس عليها والداي في انتظاري. # مشاعر الأسى والحزن تظلل وجهيهما، وعيونهما الشاحبة أمطرت ~~نهر دموع لا يمكن وصف شدة جريانه ولا حرارته، نظرا إلي ~~مشدوهين مبهوتين إلى أقصى الحدود؛ والدي يحدق في بنظرة تشي ~~باضطراب شديد، بينما أمي يغزو محياها الوجوم وظلت طائشة ~~اللب طوال المقابلة، ولم تقو على التفوه إلا بنزر يسير ~~جدا من كلمات يمكن إحصاؤها بسهولة. استجمعت كل قواي وأضمرت ~~ضعفي وإحباطي أمامهم. كان همي الشديد أن أفهم ما الذي يجري ms078 في ~~الخارج، واستفهمت بطريقة مشفرة بعض الشيء عن شخص يهمني ~~اعتقل بسببي، وتأكد لي عبرهما خروجه من المعتقل، وكان خبرا ~~مفاجئا وسارا في الوقت نفسه. كانت مواجهة قصيرة سريعة لم ~~تغير شيئا من الواقع الذي نعيشه، ولم تكن أيضا محل تفاؤل ~~كبير كما يتوقع لها أن تكون، برغم أن حصولها كان أمرا غير مطروق ~~في معسكرات الاعتقال السياسي. # حصلت من هذه المواجهة على بطانية وفيرة منحتني ورفاقي دفئا ~~بصورة مثالية وعلى ثياب جديدة حسنت قليلا من هيئتي، وإن علمت ~~بعدها أن رجال الأمن سرقوا الجزء الأفضل والأجمل منها، وحصلت كذلك ~~على سجائر ووجبة طعام منزلي صنعت خصيصا لي والأكثر من ذلك قليل ~~من سكينة وطمأنينة هدأت من روعي. # إلا أن هذه الزيارة لم تشع جوا للتفاؤل، بل على العكس من ~~ذلك سادنا تشاؤم كبير بعدها. كانت زيارة غريبة في حصولها وأغرب ~~في نتائجها؛ فقد علمنا أن مديرية الأمن هذه تعطي لأهل المعتقلين ~~السياسيين فيها فرصة لإلقاء نظرة أخيرة عليهم قبل إيقاع حكم ~~الموت بهم. عزز هذا التشاؤم استذكار حادثة وقعت من قبل لطلبة ~~زملاء من جامعتنا (جامعة الموصل) سبقونا في زمن الاعتقال. لا أدري ~~كم واحد مثلي من قاطني الزنزانة ازداد يقينه بأننا ننزلق سريعا ~~إلى الهاوية التي سوف تبتلع الكل. أحد المعتقلين كان متيقنا من ~~هذه النتيجة المنتظرة من هذه الزيارة، وهو نفسه كان رائدا في ~~سبر غور تاريخ هذه الحادثة بهذه النظرة التشاؤمية، بل إنه هو من ~~نقل أحداثها لنا بالتفصيل وكانت بالفعل مطابقة لحالتنا. توقعه ~~لهذه النهاية طابق خاتمته المفجعة بالفعل فيما بعد مع آخرين ~~التقوا أهاليهم وكانوا معنا في الزنزانة ذاتها أو في المعتقل ~~نفسه. # راودني إحساس بأن الأرض ستنشق يوما بغتة وتبتلعنا إلى حيث لا ~~رجعة، وشعور الاطمئنان الذي بدا على محيانا بعيد الزيارة بدأ ~~بالانحدار سريعا وانتهى إلى وجوم. نعم، كانت الأمور تسير فعلا ~~نحو هذه النهاية التراجيدية؛ إذ بعد زيارة الأهل المفاجئة والغريبة ~~تم نقل مجموعة من سكنة الزنزانة إلى معتقل آخر يحتجز ms079 فيه بالعادة ~~من حان وقت محاكمته. واستبدل شعور الارتياح والاطمئنان بشعور ~~آخر من عدم وتلاش حين جاء فجر يوم أربعاء بضعة حرس لم نرهم ~~من قبل بمزاج قاتم وطبع غليظ، ساقوا نفرا منا إلى معتقل آخر ~~تمهيدا لنطق الحكم عليهم في محكمة صورية، تستلم قراراتها من ضباط ~~التحقيق في دوائر الأمن. ها إذن قد أزفت الآزفة وقربت ساعة إسدال ~~الستار على المشهد الأخير من فصول هذه الملهاة المأساوية. # خرجوا فجرا وغابوا ما يناهز الأسبوعين أو أكثر، لا أذكر ذلك ~~تحديدا الآن؛ فقد مضى زمن طويل، ولم يعد الوقت مهما حينها ~~لأنشغل بحسابه، ولم أعبأ وقتها ولا بعدها بعملية إحصاء الأيام ~~التي سوف أقضيها في السجن فهي كلها متشابهة. كنا نترقب فجر ~~أربعاء جديد وهو الموعد الدوري لنقل المعتقلين من مديرية الأمن إلى ~~محكمة الثورة، غير أنا دخلنا في نفق من انتظار مقلق، وما كنا ~~نخاله أمرا دوريا تحول إلى ترقب عشوائي ولد في كوامن ~~نفوسنا مدا عاليا من القلق والحيرة. # غرقنا في تحليلات الموقف بفرضيات تخرج من بحر حيرة نخوض فيها ~~ونخرج منها بعدم، ثم نضع هذا العدم على شاطئ حواراتنا بعناية فائقة ~~كأنه صيد ثمين، كما لو كنا غواصين ماهرين استخرجنا للتو ~~لؤلؤا نادرا من بطن حوت. وهذا حال من يعدم كل حيلة لكنه يأبى ~~البلادة والكسل فيبني ولو من أوهامه عملا ربما يعاجله الحظ ~~بضربة لم تكن في الحسبان ويخلق من الخيال حقيقة. وفي غفلة من إحدى ~~الأماسي اندفع إلى الزنزانة عين من افترضنا أنهم قد حوكموا. ~~اعترتنا الدهشة! ومثل مطر غيمة استوائية هطلت عليهم أسئلتنا ولم ~~نجن منها إلا حيرة وخيبة أمل؛ لأنها كانت ترجع بلا أجوبة. ~~أسئلتنا كانت مثل غيث ينهمر على نهر فلا نبت يستتبع هطوله ولا ~~يزيد النهر إلا بما هو كائن فيه. كنا وإياهم في محل واحد وفي ~~الموضع ذاته لكن بصفين متقابلين فكما نحن كانوا هم أيضا، لا ~~يعرفون حقيقة ما جرى، سوى حكاية موجزة يكررونها بلا أي معنى. ~~أخذوا إلى معتقل ms080 خاص تمهيدا للمحاكمة كالعادة المتبعة، وفي ~~يومها ظلوا حبيسي شاحنة مغلقة أمام مبنى المحكمة ثم عادت الشاحنة ~~بهم بعد سويعات إلى المعتقل الخاص نفسه، وظلوا طوال الفترة ~~المنصرمة هناك في ظروف عجيبة سأرويها لاحقا. وها هم عادوا وانتهت ~~الحكاية بلا نهاية مفهومة أو حتى بلا نهاية ولا تفسر أي شيء ~~مما جرى أو سوف يجري. # رحنا نتخبط بفوضى؛ حينا تثري فينا آمالا كبارا وتارة ~~أخرى تخنقنا بقسوتها. نتأرجح بين صور مزدحمة مشوشة توارينا ~~ساعة في طمر النسيان وأخرى تطوف فوقنا مثل شبح تعيد إلينا ~~الحياة. كان ليلا شتويا خيم علينا ببرده القارس يذكرنا ~~بهشاشتنا ويزيد مصيرنا المجهول غموضا، كان علينا بعد عناء التفكير ~~ومشقة الأسئلة السائبة أن نجبه هذه الحلكة المضاعفة إما بالقبول ~~بأننا على وشك أن نفقد كل شيء أو نظل نتشبث بسراب الواحة ~~النائمة خلف التل. لم يكن واردا أبدا زجر كلتا الصورتين عن ~~أعيننا الشاحبة المنهكة فقد علقنا بينهما بلا فكاك، وفقدنا ~~غريزة النسيان واستقرت شهوة القلق في قعر ذاكرتنا اليقظة ~~أبدا. # إلى أن أيقظنا من نومتنا وحيرتنا صوت ضابط في ساعة متأخرة، قال ~~بضع كلمات باستعجال ورحل سريعا، كلمات تحمل نبرة جديدة تخمد ~~الحيرة وتحيي أملا في مواصلة الحياة ولو في زنزانة. كلمات ما ~~زلت أحفظها حرفيا قذفها في داخلي عميقا صخب تنازع الصور ~~وتجاذب أطراف القلق: «خفيفة إن شاء الله، السيد الرئيس أمر بإيقاف ~~الإعدامات.» # تغير كل شيء، وقرار الحكم علينا بالإعدام اندلف إلى زاوية ~~بعيدة منكفئا وصار يحدونا أمل حقيقي بمواصلة البقاء، على الأقل ~~أنا شخصيا صرت متيقنا من هذا في قرارة نفسي، ووثبت أمامي ~~تلك الرؤيا الغريبة التي رأيتها أول اعتقالي بأني سوف أحكم ~~لعشرين سنة، لاحت لنواظري صور تجرجرني للأمام، وبت أتهيأ ~~لأخمد رغبة اليأس والعبث التي استوطنتني لأشهر. # لم أقف على تبرير واحد أفسر به هذا التحول في الحكم علينا ~~وظل عصيا على الفهم أبدا؛ لأن كل شيء في البلد كان يجري ~~بقرارات مزاجية لفرد واحد وليس من اليسير فهم دواعي ms081 صنعها، بل ~~كانت كأنها أحجية ولغز في أكثر الأحيان، ولا يوجد وصف ملائم لها ~~إلا أنها نوبات انفعال وهلع تصيب هذا الفرد المتسلط على كل شيء ~~في البلد هو وجهازه الخاص. هذا التحول في مصيرنا تزامن مع أمر ~~أستطيع جازما القطع بحصوله. سأرويه بأمانة كما وقع ولن أعلق ~~عليه حتى لا أوحي بشيء لا يمكنني نفيه ولا يمكنني أيضا أن أجعله ~~حقيقة فولاذية لا تخرق. ومع هذا لا يمكن أن أغفل حقيقة أخرى وهي ~~أنه قد حفر أخدودا عميقا في لا أملك نفسي عن الانجراف فيه ~~مهما استجمعت كل غرائزي وأيقظت سائر شهواتي وكلما ركنت إلى ~~سبل الفرار منه كنت أعود إليه آيبا وأقع فيه ثانية. # أجواء من جزع وإحباط كانت تسيطر علينا في ترقب المجهول ~~تزامنا مع موعد المحاكمة الملغاة، هواجس كانت تهشم كل صور ~~العالم الخارجي التي بدأت بدورها تتلاشى وتغرق في يم النسيان. ~~تورم رأسي حينها لفرط ما كان يحمل من الوجع في ملاحقة القادم ~~وأصبح فارغا خاويا إلا منها. صارت الزنزانة لجة تبتلع ~~جسدي الذي بدأ يذوي متسارعا يسابق الموت القادم تطرقه فظاعات ~~ذهنية في كل آن. # اصطناع الرزانة والتجلد لم يقو بالمرة على أن يواري القلق ~~ولا الرعب من المصير المتوقع قدومه عاجلا؛ لذا صرت كما الآخرين ~~- على الأرجح - تنهش في كوابيس يقظة موحشة. وإذا تملك أحدا ~~يقين من أن سيفا قادما إليه قريبا سينحر أوداجه فإن حرارة ~~حزه لأهون بكثير من لهب انتظاره. لشدة لوعتي في تلك الأيام ~~تمنيت من صميم قلبي ألا ينزل بأحد وإن كان جلادي نفسه، ما ~~كنت أعيشه من محنة قاسية. إني لأعجز الآن عن بيان ما كابدت من ~~الألم النفسي ومضاضة كل لحظة كانت تمر علي، كنت أكتم هذه ~~المضاضة حبيسة في أحشائي فتبالغ في إيلامي أكثر مما هي موجعة ~~بنفسها ولوحدها. وعلى الأغلب هذا كان يحصل للجميع، لا أدري قد يكون ~~حتى أكثر مما كنت أقاسيه وأكابده. لم نتشارك إبداء الوجع، بل ~~حاولنا مواراته عن بعضنا حتى لا ms082 يؤذي أحدنا الآخر أو كنا ~~نخشى أن ننكأ الجرح فيتضاعف الألم علينا. # صورة قاتمة لخروجنا من عنبر بارد في صناديق خشبية يحيط بها ~~حرس قساة يحظرون البكاء ويمنعون العزاء، أمام نواظر أمهات ثكلى ~~تغطيهن جلابيب سود ما أذن لهن من البقاء في هذه الدنيا. هيئة ~~تدفع بقتامتها إلى كل الأشياء اللاتي تحيط بهن وتحيل أيامهن ~~ليالي، وآباء لن يفارقهم عبوس أزلي، ويستعيضون بوجوم مقيم ~~بدلا عن دموع لن يذرفوها علنا، وحين يفعلون فسوف تكون دموع ~~كمد في الخلوات فقط، هربا من ملاحقة شماتة الآخرين ومن عيون ~~رجال الأمن. شقيقات سوف يوصدن كل النوافذ والشبابيك؛ لأن دروب ~~العشاق ستحول مسارها بعيدا عنهن خشية من مصير مشابه لمصير ~~أشقائهن، وفرسان أحلام سوف يستنكفون المرور تحت نوافذهن، فقد صرن ~~منتميات لطبقة الداليت الهندية المنبوذة ولا يجوز للأشراف ~~مصاهرتها. سيخرج أشقاؤنا كل يوم إلى أعمال جديدة، على الأرجح سوف ~~تكون حقيرة بعد أن يطردوا من وظائفهم الحكومية، يتحاشون نظرات ~~الاتهام والريبة من الجيران وتتضاعف قتامة وحلكة الأيام بنهاراتها ~~الدامسة قبل لياليها أمامهم حين يتحاشاهم صديق أو قريب كان يرتاد ~~المقاهي والملاهي معهم. لا يمكن أن أصف جميع الصور الوخيمة؛ لأن ~~حتى مجرد كتابتها الآن يقطعني بشفرات نصلها الحاد، وإني لأرأف ~~بكل أحد أن يتخيلها. المهم أنها مرت علي وليتها لا تعاود ~~المرور على أي إنسان. ~~- هل تعرفون أني سمعت ~~قولا دينيا مأثورا عن النبي محمد أنه قال: «لو قرئت الفاتحة ~~سبعين مرة على ميت ونهض بعدها فلن أعجب لذلك؟» سألنا أحد الذين ~~كان معنا في الزنزانة ممن كان يحفظ من أمور الدين ويمارس طقوسه ~~أكثر من الآخرين، وحثنا على فعلها. # لا أخفي القول، عقلي لم يصدق أبدا ما كان يقوله صاحبنا، ~~ولا كنت أدري من قبل ولا الآن هل فعلا هناك نقل موثوق معتمد ~~بمثل هذا القول عن النبي محمد أم لا؟! رغم ذلك فإني لم أنبس ~~ببنت شفة اعتراضا عليه، ولا حتى جربت إبداء أي نوع من ~~أنواع التلميح للرفض أو التعجب ولو ms083 بتقطيب وجه أو رفع حاجب أو ~~نظرة شزراء. بدا ما يقوله غريبا جدا وأقرب إلى الأسطورة ~~المبالغ فيها من أي شيء آخر، لكني لم أنكر عليه قوله ولربما ~~لو قيل لي هذا القول في غير تلك الساعة لكنت تفحصته وقلبته ألف ~~مرة ومرة ومن كل الوجوه كعادتي المألوفة في النظر والتدقيق وما كنت ~~لأصدقه في النهاية. غير أن قوله نزل كقارب نجاة لا مناص من ~~التشبث به والعبور به للنجاة من خطر الغرق المحدق، وحل قوله ~~علي مثل غيث يطمر ببرده لسعة نيران تكتوي بها حشاشتي. جلسنا ~~مجتمعين هادئين بانكسار، كنت أسمع نشيجا خفيا من بعض رفاق ~~الزنزانة ونحن نقرأ سورة الفاتحة لسبعين مرة بإخبات وفي صمت ~~محكم خبت معه الآهات؛ كل الآهات. حين انتهينا تنفست عبق عطر ~~ملأ رئتي بهواء نقي جاء من عالم آخر أشبعني بفيض من شيء أجهله، ~~مثله مثل نسيم ربيعي يهب في ظهيرة يوم تموزي. انزوينا بعدها كل ~~إلى محله في مخدعنا المشترك المزدحم وقد هدأت طباعنا كأننا ~~قفلنا للتو من حلقة ذكر صوفي أنهكنا فيها الرقص عشقا. # هذا الحادث الغريب حصل في عشية اليوم الذي اقتادوا فيه بعضا من ~~رفاقنا إلى المحاكمة الملغاة والتي تغير فيها الحكم بالإعدام ~~إلى حكم آخر. عندما سمعت الضابط يقول: «خفيفة إن شاء الله، السيد ~~الرئيس أمر بإيقاف الإعدامات.» # اندفعت تلك الليلة الصوفية بكل ما فيها إلى كياني ولم تخرج منه ~~أبدا. # 16 # عدنا إلى الحياة من جديد بعد هذه الحادثة الغريبة أو المصادفة ~~العجيبة وبدأت بعدها أحاول أن أرتب دواخلي لحياة طويلة في ~~السجن، غير أنه صادفتنا أمور كثيرة كانت تثير الغثيان ~~والاشمئوهي ترى لهفتي وإعجابي بها زاز والقرف منها ومن سلوك رجال ~~الأمن والحرس الحافل بالتناقض. فجوة شاسعة جدا بين بريق الشعارات ~~وبهرجة الادعاءات التي يتظاهر بها الحزب الفاشي هو والمروجون له، ~~وبين واقع حاله وهذا ليس حكرا عليه، بل إنه عين ما يفعله جل ~~أصحاب الجمعيات والأحزاب وحال مناصريهم الذين يقاتلون بشراسة لأجل ~~السلطة، ولا يناضلون ms084 للفكرة كما يزعمون؛ لذا يستفرغون كل ما في ~~وسعهم ويبذلون أقصى جهدهم لبلوغ مآربهم الخبيثة، فيرى لأجل هذا ~~قادة تلك الجهات يزوون جانبا النظر في أخلاق أتباعهم الرذيلة ~~وأصولهم المنحطة ما بلغوا بهم مآربهم في الجاه والسلطة والزعامة ~~والثراء، بل إنهم يستعملون تلك الزمر من الأوباش والأراذل عن ~~علم ودراية ولا يوفرون جهدا من حثهم وتشجيعهم على ارتكاب كل ~~الموبقات ليرهبوا بهم خصومهم ويختصروا المسالك لأمانيهم الخاطئة. ~~في بعض الأحيان تبلغ تناقضاتهم من السخف حدا يثير الشفقة على ~~أصحابها ويبعث على الضحك ويدعو للسخرية من عفن عقولهم. وهذا كان ~~حال العاملين في هذه الأجهزة القمعية فقد كانوا سيئي الطباع ~~والأخلاق، لا ينطقون إلا سبابا وشتائم كأنهم لم يعرفوا لغة ~~غيرها من ساعة ولادتهم؛ لذا كنت أراهم متعجبا يجيدون ألفاظها ~~بطريقة فريدة لا تخطر على بال أحد ولم أسمع بها من قبل. # كنت أتساءل ونفسي عندما أصغي لهذا السباب المقذع المتبادل ~~بينهم، هل هؤلاء بعد العمل يعودون لبيوت يسكن فيها أطفال وترعاها ~~زوجات فترق قلوبهم لها وتحنوا عليهم، أم أنهم يسكنون صحراء قفر ~~من كل شيء، جردتهم من مشاعر وأخلاق البشر؟ كانوا فاسدين لدرجة ~~فظيعة، وإني لواثق من أنهم كانوا فاسدين بالأصل، قضوا أعمارهم ~~سعيا في البحث عن مهنة يمارسون فيها رذائلهم فبلغوا مرامهم ~~المطلق في هذه الحرفة الفظيعة بقبحها. كانت الدسائس والوشايات ~~والنميمة زادهم اليومي، يتشاتمون على كل شيء، بل ولأجل لا شيء ~~أيضا. من اليسير جدا أن تنشب المهاترات بينهم، ويكفي لحصولها ~~مجرد ريح باردة تمر من فتحة باب موارب لينهمكوا في شجار لا ~~يوفرون لفظا قبيحا إلا واستخرجوه من جعبتهم التي لا ~~تنفد. # وأنا أسمعهم وأراهم على هذه الحال أحسب أنهم خلقوا لأجل هذا ~~وحسب؛ قساة غلاظ لحد مرعب، غير أني لاحظت عليهم سلوكا غريبا ~~حين كان يسمح لنا بمراجعة دورة المياه بعد كل وجبة طعام. كان ~~يتناوب علينا حرس مخصصون لهذا العمل، ومن يأتي اليوم لا يأتي ~~بالغد، ولم تكن تتغير مجموعة الحرس وحسب، بل تتغير الأخلاق ms085 معها ~~أيضا، يأتي الحرس اليوم بأسلوب جاف غليظ يشبعوننا سبا ~~ومهانة ويثيرون حنقنا وغضبنا، ويحل محلهم في اليوم التالي ~~آخرون على النقيض من أصحابهم متساهلون، ويسردون علينا أحاديث ~~وقصصا وقعت لهم كأنهم يسلوننا ويروحون عنا، يخال المرء ~~بعدها أنهم لا ينتمون لهذا المكان، لولا زيهم العسكري والهراوات ~~التي لا تفارق أياديهم والسلاح المركون دائما إلى جنوبهم. ولولا ~~أني كنت أعرف هذا الحارس الوديع نفسه عندما كنت في الزنزانات ~~الانفرادية، وكيف كان يظهر أنواع الفنون في إلحاق الأذى ~~بالمعتقلين لصدقت أنه جاء بالخطأ لهذه المهنة لو رأيته لمرة ~~واحدة فقط بهذه السماحة. هذان الوجهان المتضادان كان ترتيبا ~~معدا من رؤسائهم لترهيب المعتقلين من جهة واحتواء غيظهم من جهة ~~أخرى، وكانوا لا يعيرون بالا لتخالف صورهم ولا لتباين ~~سلوكهم، فهذا الحمل الوديع نفسه بعد حين يصبح ذئبا مفترسا ~~والعكس بالعكس، ويعرف كل من كان بالمعتقل أنها حرب نفسية ~~معدة بإحكام للتلاعب بالسجناء السياسيين. لا يوجد أي سبيل ~~لتغيير النظرة المستقرة عليهم بالعموم إنهم وحوش بمظاهر آدمية، ~~إلا أن الحق لا بد أن يقال، واحد منهم كان يبدو فعلا أنه قد ~~جاء لهذه الوظيفة لسوء حظه، وعلى الأرجح بفعل نصيحة حمقاء من صديق ~~أو قريب دفعته إلى هذه المهنة الساقطة هربا من الحرب المشتعل ~~أوارها حينها والتي كانت تلتهم أجساد الشباب ما إن يبلغوا السنة ~~الثامنة عشرة من أعمارهم. يقينا إن أمثال هذا الرجل نكد الحظ ~~الذي جاء بالخطأ لهذه المهنة الساقطة ليس مستحيلا تواجده، لكن في ~~الغبراء من ذا الذي يمكنه أن يرى الأشياء الجميلة؟ # رغم ذلك الاصطناع إلا أن طبائع الأشخاص وأمزجتهم الشتى ~~وأفكارهم الخاصة كانت تنضح من تصرف كل واحد منهم؛ بعضهم كان ~~يظهر خلاعة ومجونا ولا يكف عن الحديث عنها، وآخر كان يحمل ~~مسبحة طويلة ويبدي تدينا كأنه درويش يقيم في صومعة على قمة جبل. ~~هذا الحارس بالذات كان يختص ببلادة حيوانية وفظاظة مفرطة بشكل ~~متفرد. كانت البداوة والقساوة تشع من محياه لكل من يراه ولو ~~لبرهة واحدة ومن ms086 لهجته حتى لو سمعه شخص يتلفظ بضع كلمات لا ~~معنى لها. عيناه زائغتان بالخلقة، قبيح المنظر بلا حاجة لهذا ~~القبح الإضافي وبمرافقة هذه العيون المتشاكسة فيما بينها ازداد ~~قبحا وبشاعة. قوي، قصير، ذو جثة مملوءة، لا يتوقف لسانه عن ~~التسبيح والتهليل بينما كنا نخرج لقضاء حاجتنا. وفي يوم ما ولسبب ~~مفرط في السخافة إلى الحد الذي لم أوفق لاسترجاعه من ذاكرتي رغم ~~محاولاتي الكثيرة اليائسة للعثور عليه انفجر غاضبا مثل برميل ~~بارود. لهذا السبب المفرط في التفاهة والمجتمع مع تلك البلادة، ~~فهم هذا الحارس الغبي شيئا لا يمكن فهمه بهذه الطريقة المعوجة ~~إلا من معتوه مثله فائق الغباوة وانفجر لأجل ذلك غضبه الهستيري ~~على أحد المعتقلين وأشبعه ضربا وشتما بطريقة تشبه فتك وحش ~~ضار منفلت من عقاله. بالمقابل كان صاحبنا المعتقل على عكسه تماما ~~من النوع الفاشل جدا في إقناع أي أحد في أي أمر حتى ولو ~~كان يملك كامل حريته، فكيف به الآن وتقلبه على البلاط ركلات من ~~أقدام وحش أصم. # لم نملك خيارا ساعتئذ لنصرته في هذه المواجهة غير المتكافئة ~~ولو جربنا ذلك تهورا لانقلب الحال بلا ريب إلى مجزرة حقيقية. ~~ومع ذلك لم نقدر على التقوقع بالسكوت فانبرى أحدنا بطريقة رقيقة ~~بعد أن لمس فتورا في ثورة هذا الدرويش الوحش فأقنعه بكلمات ~~مختصرة لكنها كانت متماسكة وبليغة بأن الأمر لا يعدو سوء فهم، وأن ~~هذا المعتقل لم يكن يقصد شيئا سيئا. حينها بدت على الحارس ~~البدوي علامات تراجع وندم انعكست علينا فرحا وبشرى بإنقاذ ~~المعتقل المسكين من عقاب مجاني ظفر به لا يمكن لأي أحد أن ~~يبرره ولا بأي معيار أو مقياس. ولم تكتمل فرحتنا لنواجه معضلة ~~أشد بعد ذلك؛ إذ قال لنا هذا الحارس الأمني الورع: «ادخلوا ~~الزنزانة، لا أقدر على السماح لكم بدخول المرحاض الآن.» # بهتنا لذلك ولم نفهم، بعد أن ظننا أن كل شيء قد عاد لمجراه، ~~إلا أنه أردف بثقة وبيقين رجل متدين غاية في الورع موضحا ~~قراره الغريب. ~~- لأني بينما كنت غاضبا ms087 أضرب صاحبكم، أقسمت يمينا ألا تخرجوا ~~لقضاء حاجتكم اليوم؛ ولذلك لا أستطيع كسر يميني الآن لأن ذلك ~~حرام. # تبادلنا نظرات دهشة وكتمنا قهقهة استغراب، ومن حينها ازدادت ~~سخريتي ممن ينصتون خاشعين لتلاوة بورع بعد نهار طويل حرموا أنفسهم ~~فيه من لذائذ الشراب والطعام ليهبوا بعدها لفعل أشد الموبقات. هذا ~~الأمر تكرر حصوله من أولئك الحرس ورجال الآمن حيث كنا نراهم من ~~كوة الزنزانة يتحلقون على مائدة إفطار رمضاني ثم ينهضون بعدها ~~مسرعين تملؤهم الحماسة لجلد امرئ لا يعرفونه وينزلون به أشد ~~العذاب ولو قيض لهم افتراسه لفعلوا. من يومها سخرت ولم أندم على ~~ذلك أبدا من دين قوم يجيز كل هذه الفواحش والقبائح ولا يجيز ~~كسر يمين على دخول مرحاض. # 17 # علي الآن أن أرجع قليلا للحديث عن أصحابنا الذين عادوا من ~~المحكمة الملغاة والتكلم عن الظروف الخارقة في غرابتها وندرة ~~حصولها التي عاشوها في المعتقل وهي أقرب للخيال من الواقع، ولا ~~أفهم كيف يمكن لأحد أن يبررها أو يتغاضى عنها وعمن وقف ~~وراءها أو يتهاون مع مرتكبيها. سوف أسرد بعضا من هذه الحكايات ~~العجيبة التي لم أشهدها بنفسي لكنها كانت متواترة، إلى حد أنه ~~يكاد لا يوجد سجين سياسي إلا ومر بها إلا القليل جدا، ونحن ~~لحسن الحظ - أقصد المجموعة التي كانت تعيش معي في الزنزانة - كنا ~~من هذه القلة القليلة. # مديرية الأمن العامة أكبر معتقل سياسي وتضم الشعبة الخامسة ~~الرهيبة المتكفلة بالشأن السياسي أو بالأحرى الشعبة المختصة بتصفية ~~المعارضة السياسية؛ ولذا يحتجز فيها أكبر عدد من السياسيين ~~تمهيدا لمحاكمتهم الصورية في محكمة الثورة. محكمة سأروي في حينه ~~تجربتي معها، وهو على كل حال مع أنه كان مشهدا زمنيا قصيرا ~~جدا لكنه كان ثقيلا للغاية ينوء بعبء حمل، خلاصته تمثل ~~واقع حقبة مظلمة امتدت لثلاثة عقود متوالية. سأترك هذا لوقته، ~~أما الآن فلأقفل عائدا إلى رواية مشهد آخر وإن كنت أنقله لا عن ~~عيان إنما عن سماع من مئات الأشخاص ممن التقيتهم أو عشت معهم، ~~ولفرط ما يروى ويسمع ms088 من أغلب المعتقلين السياسيين صار كأنه ~~أغنية شعبية يحفظها جميع الأطفال. # ما إن ولج رفاقنا في الزنزانة قادمين من رحلتهم إلى جلسة ~~المحاكمة الملغاة، وإذا بأبصارنا تشخص مباشرة إلى أقدامهم العارية ~~وسيقانهم المتورمة المنتفخة الغليظة جدا كأنها ساق شجرة معمرة ~~بلا أغصان، لا ورق فيها ولا ثمر. هل رأيتم جذع سنديانة كم هو ضخم؟ ~~كانت كذلك كما لو أنها مخصصة لتحمل عملاقا وليس أجسادا نحيفة ~~شاحبة. كان منظرا يحمل تنافرا مقززا بين قاعدة عريضة متينة ~~وبناء رفيع مثل خيط أوشك على الانقطاع؛ لهذا اختلطت المشاعر ~~بعشوائية عندما صاروا في مرمى أبصارنا وتوزعت بين فرحة برؤيتهم ~~أحياء من جديد، بين تعجب لعودتهم واستفهام عن سببها؛ لأن من ~~يغادر للمحكمة كان لا يعود، وبين مظهر الأرجل العملاقة والخوف من ~~السبب الكامن وراءها. لأن ما نراه الآن في الغالب هو أعراض عقوبة ~~جديدة لم نألفها وستطالنا عن قريب كما وصلت إليهم. منظرهم الغريب ~~أضاف هاجسا جديدا لسلة قلقنا التي تزداد ازدحاما بالهموم ~~والمخاوف. اختلطت الأمور علينا كثيرا وصار الغموض والإبهام ~~سمتها وباتت أرواحنا لا تعرف أين تقف وإلى من تلجأ وتسكن في ~~تلك اللحظات. # منحنا أنفسنا جميعا فرصة لإيقاف ثورة الهلع هذه ولكبح ~~الأسئلة التي أمطرنا بها النزلاء الجدد القدامى، وبعد أن انفرجت ~~الأسارير بمجيء الضابط وهو يحمل بشرى إيقاف الإعدامات، بدأ ~~أصحابنا يقصون علينا الرواية الغريبة بروية وهدوء عن رحلتهم ~~إلى أرض العجائب: «كنا في مديرية الأمن العامة.» (هكذا استهلوا ~~الحديث). # وبدأ الوصف المسهب وبيان التفسير لعلة هذه الأقدام الضخمة في ~~حديث طويل استمر أياما، إلا أني سوف أوجز كل ذلك كما أفعل مع ~~سائر ما حصل وإلا لو فصلت كل شيء فلن أنتهي أبدا. # رفاقنا الأربعة احتجزوا هناك بعد إلغاء المحاكمة، في زنزانة ~~طولها ثلاثة أمتار وعرضها متران، وفيها دورة مياه بدون باب ~~مساحتها متر مربع واحد؛ ولهذا المرحاض ثلاثة جدر يصل علوها ~~لأكثر من متر واحد بقليل. للزنزانة باب حديدي محصن ضخم وموصد ~~بأقفال كبيرة من الخارج، مغلق على الدوام ms089 وفيه فتحة صغيرة في ~~الأعلى يمرر منها الطعام إلى القاطنين في الزنزانة. ولهذه ~~الزنزانة فتحة واحدة للتهوية بحجم خمسة وعشرين سنتمترا طولا ~~وعرضا تقريبا، توجد فيها مفرغة هواء صغيرة تناسب حجمها الصغير، ~~وخلف تلك المفرغة وضعت صفيحة معدنية سميكة بها ثقوب صغيرة كثيرة ~~كي تسمح للهواء بالمرور منها وتحجب أيضا الرؤية كاملة عن أي ~~مشهد في الخارج وتمنع أي شعاع للشمس من الدخول إلى الزنزانة. ~~يتدلى من السقف مصباح باهت فيما الأرضية إسمنتية خشنة كما هي كل ~~أرضيات المعتقلات والسجون التي مررنا بها. إلا أن كل هذا لم يكن ~~هو الأمر الاستثنائي ولا حتى المثير للاشمئزاز في القصة بالنسبة ~~لنا كما يبدو لغيرنا حتى الآن. هذا الوصف المقرف لهذه الزنازين ~~سوف يزعج وربما يسبب بعض الآلام النفسية كما لا بد له أن يفعل ~~بالعادة لكل إنسان ألف العيش في الفضاءات المفتوحة ويمارس حرية ~~التنقل فيها، عندما يسمع قصصا كئيبة كهذه. رأيت بنفسي بعضا من ~~آثار هذه الحكايات عندما كنت أرويها شفاها لبعض من أراد أن يسمع ~~بعض الذي كان يجري. وعندما أقول: إنها تسبب آلاما نفسية، فإني ~~أعني ما أقول لأني تعرفت على طبيب نفسي فرنسي متطوع حاول ~~مساعدتي بمعالجتي من آثار السجن النفسية، إلا أن المسكين أصيب ~~بكآبة شديدة عندما سمع بهذه القصص وقرر أن يترك علاجي ويأخذ ~~بعدها إجازة طويلة من العمل لمعالجة وضعه النفسي وحالة كآبة ~~أصيب بها جراء هذه القصص. في الحقيقة لم أحدثه إلا عن نزر ~~يسير جدا وتأسفت كثيرا لما حصل له، وهذا هو ما جعلني لاحقا ~~أحترس بشدة عندما أحدث غرباء عما حصل لي. # الأمر الخارق للعادة كان العدد الذي يسكن في هذه الزنزانة، ففي ~~أحسن الأحوال يصل إلى سبعة وعشرين معتقلا وفي مناسبات كثيرة يكون ~~أكثر من هذا وقد يصل إلى ثمانية وثلاثين معتقلا. أمر لا يصدق ~~فعلا، فكيف يمكن أن يعيش كل هؤلاء في هذه الستة أمتار المربعة؟ ~~ويجوز لي أن أقول: إنها خمسة فقط. إذا اقتطعنا منها متر دورة ~~المياه. ms090 لكن الحقيقة لا ينبغي أن تخفى، فإن أفضل الأماكن كانت ~~دورة المياه. طبعا ليس القصد عندما يختلي السجين فيها؛ لأنه ~~بالأصل لا توجد هكذا خلوة إلا في الأحلام، بل لأنها أرحب ~~الأماكن للجلوس والوصول إلى هذه البقعة الأثيرة يسير بالتناوب وفق ~~نظام يشمل الجميع، وكم كان يسعد المرء حينما يصير من نصيبه السكن ~~في مربع دورة المياه. # تغطى فتحة المرحاض الشرقي بأي شيء متوفر يمكن أن يخفي ~~الفتحة فقط، لتصبح أرضا مستوية، ليس استنكافا من محتوياتها؛ فإن ~~هذه المحتويات تعاصر سكان الزنزانات ليل نهار في كل مكان ~~زرناه لاحقا، ولم يعد أي سجين بحاجة إلى الاستعلاء عن روائح ~~هذه الأماكن. كل المطلوب من هذا الغطاء أن يجعل الفتحة مترا ~~مربعا حقيقيا بلا تجاويف ويغدو بعدها نزلا يتسع لأربعة ~~أشخاص محظوظين. لعله الآن قد بانت علة تضخم أقدام رفاقنا الذين ~~عادوا إلينا من تلك الزنازين في رحلة المحكمة الملغاة، وإذا لم ~~ينكشف ذلك لحد الآن، فلنذهب إلى حكاية اللقلق وهي كفيلة بتفسير ~~كل شيء. # طائر اللقلق الذي عشعش في رأسي منذ ما يزيد عن ثلاثين عاما، ~~ليست حكاية عذبة بريئة، كقصة اللقلق الذي يعرفه الأطفال ~~الأوروبيون حين يسألون أهليهم كيف يأتي الأطفال إلى هذه الدنيا ~~فيشبعوا فضول سؤالهم بأن لقلقا قد جاء بهم. قصة ظريفة رأيتها ~~فيلما سينمائيا اسمه: «وداعا أيها اللقلق». على كل حال هذه قصة ~~عندما كانت الحشمة لها محل في العوائل الأوروبية، أما وقد مات ~~اللقلق الأوروبي مع مصرع الحشمة في أوروبا وربما في العالم كله. ~~فإن لقلقي لم يرحل بعيدا، بل ما يزال يعشعش في رأسي مثلما يستوطن ~~برج كنيسة بغدادية، يبيض ويفرخ فيه وكلما رحل عنه يعود. # أراد العتاة بهذه الزنزانات الرهيبة أن يحطموا نفوس المعارضين ~~ويسحقوا عزيمتهم قبل أن ينزلوا العقاب الأخير بهم. كانت هذه ~~الزنزانات ممرا إلى موت محتوم، في السنتين الأوليين من حرب ~~الخليج الأولى، وكانت هذه الزنزانات - وعددها اثنتان وثلاثون ~~زنزانة - تودع يوميا عشرات الشباب إلى محكمة الثورة حيث ~~يتلقون أحكام الإعدام. ms091 وهو الحكم الوحيد الذي يناله المعتقلون ~~السياسيون أيا كانت تهمتهم أو السن الذي بلغوه ولو كانوا دون ~~الثامنة عشرة إلا قليلا جدا منهم ممن كان يأخذ الحكم بالسجن ~~المؤبد إما بضربة حظ أو مشيئة قدر لا يعرف أحد مغزاها والحكمة ~~منها. # بمعدل ثلاثين فردا في ستة أمتار مربعة لا يرتدون إلا ملابس ~~داخلية كان يتشكل المشهد الثابت؛ ولأن الجو خانق يكتم الأنفاس ~~والحر شديد إلى حد أن السقف كان يمطر على مدار الساعة ما كان ~~لهم أن يرتدوا غير هذه الملابس. المطر ينزل بفعل أنفاس المعتقلين ~~التي لا تجد سبيلا للخروج من هذه الزنزانة لا هي ولا العرق ~~المتصبب من الأجساد المنهكة التعبى، وحتى أكثر الأيام قساوة في ~~برد الشتاء القارس لم تكن تعني شيئا بالمرة لدى سكان الزنزانة؛ ~~لأنهم لم يكونوا يشعرون به أبدا جراء اكتظاظهم المتواصل. أكثر ~~السجناء كانوا يفقدون ما عليهم من ثياب في التعذيب وعندما ينتهي ~~التحقيق معهم يعطون أي شيء يستر عورتهم وعلى كل حال لم يكونوا ~~بحاجة لأكثر من هذا فالمكان لم يكن يلائمه ارتداء أردية ~~كثيرة. # لن أقول كم هو خانق ذلك المكان، بل أروي حادثة واحدة فقط حصلت ~~في هذه الزنزانات تفسر كل شيء. ففي أحد الأيام انقطعت ~~الكهرباء أو قطعت وتوقفت مفرغة الهواء عن عملها، ولأن القصة ~~مفرطة في القسوة تكاد نفسي تخرج من بدني حين أتذكرها؛ لأني أعرف ~~بعض أبطالها فسوف أختصرها بكلمات موجزة جدا. نفد الهواء ومات ~~بعض من سكان الزنزانة اختناقا؛ لأنه لم يعد هناك هواء كاف ~~يستنشقونه. لقد نفد الهواء في الزنزانة، نعم نفد الهواء، وأعدموا ~~شنقا بلا حاجة لحبل مشنقة يفعل ذلك بهم، ومن كان محظوظا منهم ~~دخل في غيبوبة وبعضهم أصبح لسانه ثقيلا من جراء هذه الغيبوبة، ~~وأصابت آخرين علل استدعى الشفاء منها وقتا طويلا. أحد الضحايا ~~كان زميلا لي في المدرسة الثانوية وما يزال وجهه يطل علي ~~بالخال الذي يزين خده كلما تذكرت هذه الزنزانات الفظيعة. ~~هناك أفل نجمه وغاب للأبد وما زال أهله ms092 ومحبوه يتشوقون للمعة ~~خاله ويترقبون ظهوره. # توزيع المكان كان من أشد المعضلات التي واجهت بواكير طلائع ~~المعتقلين السياسيين، إلا أنهم اكتسبوا خبرة كبيرة بمرور ~~الأيام أورثوها للأجيال اللاحقة منهم، وكان التقسيم المثالي ~~كالتالي: بما أن عرض الزنزانة متران، إذن فهو يكفي ليمتد به أي ~~شخص فيصار إلى أن ينام أربعة عشر شخصا بطريقة متعاكسة قدم ~~أحدهم عند رأس الآخر، ينامون على جنوبهم بالطبع اقتصادا للمسافة؛ ~~لأنه من المستحيل أن يستلقي أحدهم على ظهره، ويذهب أربعة إلى ~~خمسة أشخاص على الأكثر إلى دورة المياه ليجلسوا فيها، فيما يقف ~~متكئين على الحائط عشرة آخرون، ويبقى لدينا خمسة أشخاص أو عشرة حسب ~~العدد الموجود؛ إذ قد يصل بعض المرات إلى ثمانية وثلاثين شخصا كما ~~قلت آنفا، وهؤلاء البقية هم اللقالق؛ إذ يستحيل أن يجدوا مكانا ~~يقفون فيه، فمن يقف على الحائط يجد فيه سندا وداعما له بينما ~~يحاول أن يجد لإحدى قدميه موضعا يستبدلها مع الأخرى بين الحين ~~والآخر. أما من يقف في الوسط فعليه أن يظل واقفا هناك لمدة ~~أربع ساعات كاللقلق على ساق واحدة، يستبدلها بالساق الأخرى عند ~~التعب، ويظل مواظبا على وقفته اللقلقية بلا أي عون يسنده أو ~~يتكئ عليه. # هذا الوضع كان يستمر لأربع ساعات كاملة وتحدث مناوبة بين ~~الواقفين مع النائمين، وهكذا دواليك. بعض المعتقلين كان يسقط ~~مغشيا أحيانا لشدة إرهاقه أو لحمى عارضة تصيبه أو مرض يعتل ~~بجسده المنهك من جراء التعذيب، وبعض منهم فارق الحياة لهول ما ~~تعرض له من تعذيب أو لتردي حاله جراء سوء التغذية؛ لأن الطعام ~~المقدم للسجناء لم يكن يكفي لمقاومة هذه الظروف؛ إذ كانت تقدم ~~ثلاث وجبات في اليوم الواحد، في كل واحدة منها قطعة خبز واحدة من ~~صمون هش مصنوع من طحين الذرة يذوب سريعا في الفم لا يسد جوع ~~أحد، ودجاجتين في العشاء يتقاسمها الجميع، وبضعة أكواب من الرز في ~~منتصف النهار، وقطعة من جبن على شكل مثلثات في أول النهار مع ~~ثمانية أقداح شاي توزع على الكل لمن ms093 أراد أن يشرب منها. # هذا المقدار الضئيل لم يساعد الأبدان على المقاومة، في وقت كانت ~~تتورم الأقدام من جراء الوقوف المستمر . المعاناة الأشد كانت دخول ~~الخلاء؛ إذ ينبغي خروج الأشخاص الخمسة منه وعليهم أن يجدوا مكانا ~~مؤقتا لأنفسهم وسط هذه الكتلة البشرية المتراصة، وكان هذا مصدر ~~إزعاج كبير جدا ومحنة حقيقية؛ إذ كيف تجد مكانا لخمسة أشخاص ~~مقابل واحد فقط دخل دورة المياه، وبسبب هذه المعاناة كان البعض لا ~~يحبذ الجلوس في دورة المياه؛ لأنه عرضة لتهديد مستمر بإخلاء ~~المكان، بينما يفضله آخرون رغم ذلك لأنه المكان الوحيد الذي يمكن ~~الجلوس فيه والاستراحة من عناء الوقوف اللقلقي المستمر. وكم هو ~~مقرف أن يكون خيار المرء بين الوقوف لقلقا أو الجلوس في مرحاض لا ~~أمر ثالث بينهما. الحسنة الوحيدة في الزنزانة هو توفر ماء جار ~~كثير؛ لأن هذه الوفرة لن يطول بقاؤها خصوصا في السجن. # وبرغم هذا الضيق والأغلال التي تقيد حركة المعتقلين؛ فإنهم ~~كانوا يحملون في قلوبهم عزيمة هائلة وإرادة جبارة. لم يمنعهم هذا ~~العذاب كله من الجلوس في هذه الزنزانات نفسها، ويعقدون فيها ~~ندوات يتحدثون فيها عن أمور ثقافية، ويتبادلون المعلومات، ويجرون ~~النقاشات والحوارات في أمور شتى حتى السياسية منها، وجعلوا من هذه ~~الزنزانات مدارس ثقافية. لم يتوقف حس المعارضة للظلم، بل كان ~~يزداد ويترسخ في صدورهم كلما ازداد عذابهم وعرى التضامن تتوثق ~~فيما بينهم ولا يحسبن أحد أن خفة الدم قد غادرتهم أو أنهم فقدوا ~~حس الفكاهة والتندر، أبدا بل كانت المزحة حاضرة دائمة حتى إن ~~أحدهم أطلق كلمة تندر خالدة، حين قال لو قيض لي يوما الخروج من ~~هذا المعتقل فسوف أصنف كتابا يحكي يومياتي أسميه: «الوقفة ~~اللقلقية في السجون العفلقية». وأنا أنقل مقولته هذه عسى أن يفي ~~بوعده ويكتب كتابه المنتظر. # قبل أن يحين موعد محاكمتنا، انتثرت كثير من القصص القصيرة لم ~~أعد أتذكر الكثير منها؛ لأنه لم يكن هناك من قرطاس أدونها ~~فيه سوى ذاكرة مشحونة بكثير من وقائع ثقيلة تحتل مساحة كبيرة منها، ~~ولم ms094 يبق مع لطمات الدهر ما يسعني الاحتفاظ بكل هذه القصص القصيرة. ~~إلا أن بعضها تمكن من النجاة ومنها ما سوف أسرده . # مثل سائر المعتقلات هناك أصناف متنوعة من المعتقلين لأسباب ~~أمنية، ولا يمكن أن يصنفوا جميعا بالمعتقلين لأسباب سياسية، أو ~~لأنهم ذوو نشاط معارض، بل حتى إن بعضهم كان من أتباع السلطة ~~وأجهزتها القمعية. جاء إلى الزنزانة يوما أحد المعتقلين ممن يسكن ~~المنطقة القريبة من الحدود السورية وقص علينا نشاطه التخريبي ~~لصالح المخابرات العراقية في سوريا من تفجير بعض الأهداف المدنية ~~هناك وبعض الأعمال الإجرامية الأخرى. اعتقل بعد عودته من السجن في ~~سوريا تحسبا من كونه عميلا مزدوجا للمخابرات على طرفي ~~الحدود. # حدثنا عن السجون السورية وطرق التعذيب فيها، مثل وضع المعتقل ~~في عجلة ودحرجتها من علو بالسجين وهي طريقة لم نتعرف عليها في ~~المعتقلات الأمنية العراقية، ربما لم تكن تعجبهم؛ لأنها قد تكون ~~متخلفة قياسا لما عندهم من وسائل أكثر تطورا أو لأنها أقل فعالية ~~قياسا بما يملكونه. وعلى ذكر وسائل التعذيب فإنها على - ما يبدو ~~- كانت وفق مواصفات عالمية، فكما قيودنا كانت تحمل عبارة «صنع ~~في رومانيا»؛ فطرق التعذيب يبدو أنها حصيلة نصيحة من خبراء ~~أجانب، فقد رأينا في أحد الأيام وفدا يتجول في مديرية الأمن ويبدو ~~من سحنهم أنهم من شرق آسيا، توقعنا أنهم قد يكونون من الصين لعلاقة ~~النظام الجيدة مع الحكم الصيني آنذاك. # وبالعودة لهذا العميل المخابراتي الذي كان يبدو مرتاحا مطمئنا ~~غير قلق من وجوده معنا في الزنزانة، وفعلا لم يتعرض لأي ~~أذى جسدي، وعلى الأرجح أطلق سراحه عندما أخذوه بعد أيام من ~~الزنزانة بطريقة فيها احترام؛ لأن اعتقاله كان يبدو إجراء ~~احترازيا ليس إلا. تبادلنا الحديث معه كان من باب الفضول ~~وحسب، ولم نشركه في أي نشاط خلال وجوده، وتحوطنا كثيرا منه ~~لسبب لا يخفى. وكما جاء غادر بلا أثر ولا مشاعر خلفها عقبه. ~~مر علينا فلاحون ورعاة وطلبة لأسباب كثيرة لكنها لم ترق لمستوى ~~يعرض أصحابها لخطر حقيقي مثل الذي كنا فيه. ms095 # زنزانة كبيرة بعيدة عن زنزانات المعتقلين السياسيين ضمت ~~عددا كبيرا من المعتقلين لأسباب أغلبها غير سياسية بالصميم، وإن ~~تعلقت بها بنحو أو آخر في زمن كان كل شيء ممكن أن يصير تهمة ~~سياسية. كثير من هؤلاء المعتقلين كانوا قرويين بسطاء اعتقلوا في ~~حملة تأديبية جماعية في مسعى من السلطة لإنزال العقاب والقصاص ~~بسكان القرى حتى وإن خرج منها رجل معارض واحد. هذه الحملة ~~التأديبية القاسية كانت بسبب نشاط معارض مسلح كانت تقوم به ~~جهات أيزيدية في مناطق شمال العراق متاخمة لسوريا. كان الحرس ~~يعاملونهم بازدراء واحتقار وتكبر بغيض، ويسخرونهم بالقوة للقيام ~~بأعمال التنظيف في مديرية الأمن رغم أن أغلبهم كانوا من كبار السن. ~~كان مشهدا مفجعا أن ترى حارسا طائشا قد بلغ العشرين من عمره ~~للتو وهو يذيق العذاب المر لرجل أربعيني ويسخر منه ويحثه ~~للعمل بالركل على مؤخرته والصراخ عليه. ولأن القرويين يكونون أشد ~~الناس تعلقا بالدين ويحظى بقدسية كبيرة في نفوسهم أكثر من أي ~~أحد غيرهم من طبقات الشعب، خصوصا مع الجهل السائد بينهم والسذاجة ~~التي هم عليها، فقد وجد رجال الأمن ذلك فرصة سانحة لأن يستغلوا ~~هذه السمة الخاصة المتجذرة فيهم لإيذائهم بسب معتقداتهم ولعن ~~مقدساتهم. # كنا نتطلع إليهم وهم في وجوم صادم يسمعون تلك الألفاظ البذيئة ~~عاجزين عن إظهار أي من مشاعر الاعتراض حتى على قسمات وجوههم ~~خشية العقاب الجسدي الذي لا يوفره رجال الأمن لهم في أي مناسبة. ~~كان منظرا يفطر القلب حقا ويجلي بوضوح مستنقع الحقارة ~~والنذالة الذي خرج منه رجال الأمن، وحجم الغل الكامن في صدورهم لكل ~~ما يمت بصلة للمشاعر الإنسانية. # لم تتوفر أمامنا حلول كثيرة لتغيير هذا الواقع الصعب الذي ~~يعيشونه، وبالمقابل لم نقو على البقاء ساكتين عليه. قدمنا ~~اقتراحا للحرس بأن الجزء الخاص بنا من ممشى صغير يؤدي إلى دورة ~~المياه، نتطوع نحن لتنظيفه يوميا وإعفاء هؤلاء القرويين منه. لم ~~يكن هذا الاقتراح يغير من الواقع كثيرا؛ فإنهم سوف يبقون هم ~~ونساؤهم مسخرين لأداء هذه الأعمال الحقيرة في قلعة الخوف، ms096 ولن ~~يوقف فعلنا عوضا عنهم في تنظيف هذا الموضع الصغير سبل ~~الازدراء والاستكبار ولا فحش الألفاظ والإهانات وربما أفعال أخرى ~~أكثر قبحا لم نرها ولا نستبعد حصولها من هذه الضواري البشرية. ~~كل ما سعينا إليه هو إبعاد المشهد المؤلم عن نواظرنا رحمة ~~بأنفسنا وليس شفقة عليهم؛ لأننا لم نكن في حاجة لمزيد من الألم ~~والضيم أكثر مما هو متوزع في أرجاء نفوسنا ويسكن جوانحنا. # كان من المتوقع أن نكبح مشاهد السخرية والإهانة وتسير الأمور ~~سلسة، وهذا ما جرى فعلا في الأيام الأولى؛ لأننا نقوم بعمل تطوعي ~~ولا نتوقع مضايقة من الحرس. غير أنه في أحد الأيام جاء شاب ~~نزق، وبينما كنت أحمل قطعة مبللة من قماش خرق أمسح بها البلاط ~~دفعني هذا الحارس النزق بعنف مصحوب بلفظ سخيف يريد أن يكرر ~~معي ما كان يفعله مع القرويين البسطاء، إلا أنه فوجئ بردة ~~الفعل الغاضبة مني. إذ استدرت إليه مباشرة ملقيا قطعة القماش ~~المبلل على الأرض في غضب واضح تظهر علامات الحدة علي ومزمجرا ~~ببضع كلمات حادة متوعدا ومتقدما نحوه بانفعال شديد. ولحسن الحظ ~~كان باب الزنزانة مفتوحا ويمكن لرفاقي التحرك بسهولة لنجدتي وهذا ~~ما حصل، علا صراخ بيننا وحاول يائسا أن يردعهم بالقوة فجرب ~~رفع ساقه كي يركل أحدهم لكن رفيقي كان أسرع منه فأمسك بطرف قدمه ~~وأطاح به على الأرض وسحق كل تجبره بمنظره المضحك وهو يتزحلق على ~~الأرض المبللة. # عمت الفوضى المكان وملأ الرعب قلب الحارس من حجم الغضب ~~والإصرار الذي انفجر عليه من زملائي مما اضطره للهروب بعجل ~~مستعينا بغيره من الحرس الذين هرعوا إليه والصدمة تعلو محياهم ~~وجلين محاولين احتواء الموقف خشية تطوره إلى ما قد يعرضهم ~~لمساءلة كبيرة من رؤسائهم. وبين لين من الكلام وزعيق أعادوننا إلى ~~الزنزانة التي لم نكن أصلا في وارد الخروج منها؛ لأننا لم نفكر ~~بذلك بالمرة، بل كان حادثا عرضيا ورد فعل صنعته اللحظة وليس ~~خطة معدة للتمرد أو العصيان. سارعوا لإبلاغ دائرة التحقيق كما هي ~~عادتهم في الوشاية والسعي ms097 في كل صغيرة وكبيرة، وجاء موفد منها ~~مستفهما، فقلنا له نحن معتقلون سياسيون نقبل بالتحقيق الأمني على ~~ما فيه، لكن لن نقبل أن يعاملنا أحد كعبيد لأننا لسنا كذلك. مر ~~الأمر بسلام ويبدو أن تخفيف حكم الإعدام كان له أثر أيضا في ردة ~~الفعل المتعقلة والهادئة من دائرة التحقيق، وتفهم مفوض التحقيق (م. ~~ع.) الأمر، بل إنه قال لنا كلمة كانت تحكي إقرارا منه بخطأ الحارس ~~الذي لم نره ثانية وكانت تحمل رجاء منه لنا بالهدوء والتعاون على ~~تمرير القضية بهدوء: «مهلا، مهلا بالحرس إنهم إخوانكم.» # كلمته زادتنا قوة إلى صلابة عزيمتنا وإصرارا على ألا ~~تثنينا أقسى المصاعب عن الفخر والاعتزاز بحريتنا وكبريائنا في ~~كل آن وفي أي مكان نكون فيه. # 18 # مثقلا بملل، أضحيت به كأني لفافة محشوة بسأم سمج قبيح، قضيت ~~أشهرا تسعة منتظرا الخروج من هذه الحفرة التي صار الوقت فيها ~~جامدا بلا حراك. سأم رسم بريشة بشاعته تجاعيد على جسدي، وغرز ~~في أحشائي كائنا يتلوى في عروقي مقرضا جفني في اليقظة ~~والمنام ويتقلب معي في كل سكون وحركة. حركة! عذرا، أي حركة ~~هذه التي أتحدث عنها؟ حتى مشاعر الألم أصابها الجمود وبدأت ذكريات ~~العالم الآخر تغادرني مع أوجه الذين التقيتهم من الغرباء، بل حتى ~~الذين أعرفهم. نسيان مثل طمي سيل جارف بدأ يطمر الأشياء كلها، ~~وكان علي أن أكف عن التفكير بما وراء الجدران؛ لأنه كان ~~كابوسا يقض مضجعي ويجرفني إلى سعير. # فقط من عاش في هذه الصناديق المغلقة - لا أحد سواه - يعلم ماذا ~~يعني هبوب رياح الماضي العاتية. لن يرى أحد غيره في هبوبها كيف ~~تتطاير الأشياء في كل الأرجاء لا تجد مأوى لها تلوذ به إلا ~~أبوابا مؤصدة وطرقا مسدودة، فترجع تدور وتدور حتى تفنى رهقا ~~ولا تسكن بسكون الريح، بل تخر إلى القاع تتلوى ألما وتشكو ~~داء لا دواء له. # عند غبش طرقنا زوار الفجر مندفعين بصخب لا يوائم إشراقة ~~الفجر، وأجبرونا أن نرتقي سلالم كثيرة صعودا ونزولا، ثم حشرنا ~~في عربة مغلقة ms098 ضمتنا إلى عتمتها، بعيون سملت بخرق قاتمة ~~وأكف شبكت بالحديد واحدة إلى الأخرى، ومن ثم إلى عمود أفقي ~~يمتد على طول العربة الصندوق. أجلسنا على صفيح معدني يشع ببرودة ~~الموت في لهيب أواخر حزيران، وزحفت بنا - الزنزانة - السيارة في ~~رحلة طويلة نحو مدينة متخمة بأسماء سلام لم تنعم بها أبدا، ولم ~~تخذل عادة العرب في تسمية الأشياء بضد حقيقتها. وصلنا إليها والشمس ~~معلقة في كبد السماء تطرق الحديد بعنف كأنها تبحث عن الخبيئة ~~التي يواريها، وهو يصرخ من لفعها سخونة. بينما كانت الشمس تواصل ~~طرقها المجنون كنا نأمل أن يفتح الباب لكنه ظل موصدا. يزداد ~~الطرق منا هذه المرة بأقدامنا على أرضية العربة المصفحة مع ~~تزايد ارتفاع حماوة الحديد ونحن نرنو بعيون مغمضة إلى أي فرد ~~منهم يولج مفتاحا في الأقفال لنغادر صخب الشمس وصرخات ~~الحديد. # كان هناك بابان في هذه الزنزانة الجديدة المتحركة؛ باب مغلق ~~علينا وباب آخر يجلس عنده الحرس. فتحوا كوة صغيرة من أعلى ~~الباب تسرب منها ضوء سطع بشدة من وراء العصابة التي غلفت ~~عيوننا، وصاحوا بنا: «ضاع المفتاح، انتظروا إلى أن نجده.» # عادوا وصفقوا الباب الخارجي بقوة وهم يرعدون ويزمجرون غضبا ~~علينا. ضاع الضوء وتلاشى الهواء مع اختفاء المفتاح، وبدأت أنوفنا ~~تفتش عن بقاياه المندثرة بلا جدوى. فار العرق من أجسادنا بينما ~~كان الحديد يستعر غضبا من لسعات الشمس. ارتعشت أصواتنا موقنة ~~أننا قطعنا نصف تذكرة إلى الغربة الأخيرة. رحيل لم يكن يخطر على ~~بالنا أنه سيكون بهذه الطريقة الفظيعة. # لن أبالغ أبدا لو قلت: إن أجسادنا تصببت كل السوائل التي ~~فيها عرق، وما زلت أذكر كيف أن العرق كان ينهمر من أرنبة أنفي، ~~كأنها صنبور ماء مفتوح على آخره. حينها تمنينا كلنا أمنية ~~واحدة وبصوت عال، الموت إعداما لا ضير فيه، لكن لنشم جرعة ~~هواء واحدة ولتقطع بعدها الرقاب. اقتربنا من الإغماء وتلاشى كل ~~شيء ولم نعد نقوى على الحركة، تمايلت أجسادنا إلى الأمام ~~تترنح من الضعف، بل أوشكت على كامل الانهيار. # فجأة هب ms099 علينا نسيم ثلجي، أو هكذا حسبنا الهواء اللافح وهو ~~يلامس العرق الذي غطسنا به. نفخت هذه النسمة الروح فينا من ~~جديد، وأنهت لذة قطيع وحوش ثملة برغبة سادية، لم ينته تعارفنا ~~بها بعد؛ فقد كان علينا أن نلتقيها في قادم الأيام والسنوات لمرات ~~ومرات في سلسلة طويلة، حلقاتها وجع وألم شبعى بالنكد والأسى ~~والأنين. # أوقفنا بمواجهة حائط آخر من حيطان كثيرة تأملتنا بصمت وانكسار ~~ونحن ندير قفانا لهراوات في هذه المرة وفي غيرها وهي تنزل على ~~أجسادنا بقسوة تتكسر ولا يرحمها حاملها، يدفعها مهشمة ويسحب أخرى، ~~ومع ذلك كنا لم نزل نملك الجرأة لنسأل أنفسنا والعجب يتملكنا ~~لماذا يحملون كل هذا الكم من الحقد والضغينة لأناس لا يعرفون حتى ~~أسماءهم. أكثر ما في الحروب مدعاة للقرف أن ترى عدوا يحاربك ~~ويفتك بك بأقصى ما عنده من همة ونشاط فقط لكي يستمر هو في الرزح ~~تحت العبودية ليس غير. # زججنا في زنزانة لا تكفي لأن يمتد فيها أحد، وفي آخرها كان ~~يوجد مرحاض ومثل طفل يحظى بلعبة جديدة انتشينا فرحا به. فهذه أول ~~مرة يصبح في قبضتنا مرحاض بعد أن حجزتنا عنه طويلا سلاسل ~~وأقفال وأبواب مصفحة. وسط هذه الدهشة والفرح اغتسلنا بماء وفير ~~نراه لأول مرة أزاح عنا رهق الرحلة المرة. فتحت الأرض ~~ذراعيها، صارت هي الوسادة والغطاء والفراش واستقبلت غفوتنا عليها، ~~تنتظر مخاضا جديدا بالشجى ولن يكون الأخير. # طرقتنا شمس أربعاء حزيراني ولأول مرة على خلاف عادتها معنا ~~بالاحتجاب وراء أسوار المعتقلات، أطلت علينا هذه المرة من نافذة ~~سيارة الدورية التي راحت تشق الزحام وتاهت نظراتنا في الشوارع ~~لتنشر الملح على الجروح وتسقينا مذاق ألم الفراق ممزوجا ~~بدموع تسربت من المآقي بلا استئذان لتروي ظمأ النفوس. # أيتها المدينة التي طالما نثرنا عشقنا لك على أوراق سرية نرسم ~~لوحة جميلة فوق أسوارك التي كانت تخنق أنفاس ساكنيها. في طرقاتك ~~سحنا ولهين نبوح بهوى تيم قلوبنا، همسنا به في آذان من أوشك ~~أن يبلغ سن الرشد ويقع في غرام أحلام الحرية ms100 والعيش الرغيد لكل ~~الناس. كنا نخلط كل هذا بخلاصات الكتب وعصارة الأفكار نتبادلها في ~~غرف مزوية صغيرة نرسم مستقبلا جميلا لا نعرف متى يحل ~~أوانه. # إيه أيتها المدينة، ما لك نسيت كل هؤلاء العشاق وأشحت ~~بوجهك عنهم بعيدا، لم لا تقولين للمتسكعين على أرصفتك، إن ~~قيسا المفتون عشقا بك ما عاد يراك إلا من خلف قضبان؟ وأنت ~~أيتها العربة ما لك تندفعين بهذه الخطوات مستعجلة، لا تلتفتين ~~يمينا ولا شمالا، تخوضين في بركة حزن يتطاير منها وحل الأسى ~~فيغطي الوجوه الشاحبة؟ تأني تمهلي تريثي فما بعد هذا الخلاء ~~الواسع هوة من نسيان مجنون. شبحت نظراتنا بعيدا تلتهم كل ~~ما تراه ولم نكن بحاجة إلى نصيحة من ناصح لفعل هذا ومع ذلك لم أقدر ~~على منع نفسي من القول لصحبي: «تمعنوا جيدا وأطيلوا النظر فإنها ~~آخر النظرات، نبوءة عن دهر عصيب قادم أتى بها وحي العذابات ~~المتواصلة.» # بلغنا مبنى قذرا في ثكنة عسكرية لننزل إلى صالة مملوءة بكراس ~~خشبية على شكل أريكة طويلة لا مساند لها، لونها أخضر كأنه مقتبس ~~من لون مخافر الشرطة. المصطبات موزعة في اتجاهات شتى كأعمار ~~الجالسين عليها بلا جامع واحد ولا قاسم مشترك. شيبا وشبانا ~~بملابس مدنية متهرئة وبعضها عسكرية، يجلسون طويلا ينتظرون محكمة ~~لن تدوم سوى دقائق يسيرة. اضمحل الخوف وانمحى الارتياب تماما من ~~قلوبنا وأفعمنا بهمة زائدة تتنفس ثمن الحرية وتهزأ بالظلام. نعم ~~طمأنينة كاملة وسكون شامل حل علينا ولم نعد نبالي بما ~~ينتظرنا. # نزعنا ألبسة التوجس ونحن نتبادل الكلام مع حرس انتشر في كل ~~مكان من القاعة أو مع صحبة من معتقلين آخرين لم نقابلهم من قبل ولا ~~أذكر أني رأيت أحدا منهم بعدها أبدا. ساعات من ترقب ونحن نرى ~~أفواجا تصعد وعندما تنزل تغيب منها وجوه سيقت من باب جانبي إلى ~~قسم الإعدام. # لأول مرة نسمع بمواد في قانون العقوبات ونسأل بعض الحاضرين عنها ~~وعن الأحكام المتوقعة وفقها. فكان واحدا من أغرب الأجوبة التي ~~سمعتها طوال حياتي، إنها مادة قانونية تشمل أحكاما ms101 من الإفراج إلى ~~الإعدام! # جواب كان يلخص حقيقة الإجراءات القضائية التي تتم في هذه ~~المحكمة، لا منطق فيها تماما ولا تدري ماذا سيفعل بك لأنك باختصار ~~لا تعرف عن تهمتك شيئا سوى أنك عدو للحزب، للثورة، ولا يوجد أي ~~دليل ضدك على هذا الاتهام سوى الاتهام نفسه. # لحسن حظنا أننا قدمنا للمحاكمة في حقبة جديدة قللت فيها أحكام ~~الإعدام بشكل كبير. في الحقبة الأولى التي امتدت إلى نهاية السنة ~~الثانية من الحرب. كان الإعدام يشمل كل متهم بغض النظر عن ~~السن أو الفعل الذي ارتكبه، أو في الحقيقة بغض النظر عن التهمة ~~التي وجهت له سواء كانت عن وشاية أو نميمة أو اعتراف منتزع تحت ~~التعذيب أراد صاحبه الخلاص منه فأوقعه على غيره ولم ينج منه لا هو ~~ولا صاحبه الذي وشى به. في تلك الفترة الدموية كان من ينجو من ~~الإعدام ثلة قليلة أغلبهم بأعمار دون الثامنة عشرة، بل إن بعض ~~اليافعين كانوا ينقلون إلى قسم طبي في أحد المستشفيات ليعاد ~~تقدير أعمارهم ويرفع سنهم إلى الثامنة عشرة بتوصية من لجنة ~~خاصة ليقدموا بعدها إلى المحاكمة وينفذ بهم حكم الإعدام. لن ~~أقدر أن أقدم عددا دقيقا للذين حكموا بالإعدام في تلك الفترة ~~إنما أقدر أن أقدم صورة يمكن أن تقرب المشهد لمن لا يعرف خبايا ~~محكمة الثورة. # المحكمة تنعقد ستة أيام في الأسبوع من الصباح وحتى منتصف الليل، ~~وأطول مرافعة لم تكن تتجاوز الربع إلى نصف ساعة، هذا إذا كان عدد ~~المتهمين كبيرا، ومن ثم تتم تلاوة الأحكام في غضون دقائق، مثال ~~واحد على نوع الأحكام التي كانت تصدر، أذكر واحدة من القضايا تشبه ~~العشرات أو المئات من الدعاوى. صعد في هذه القضية لمواجهة الحاكم ~~العسكري أربعة وسبعون متهما عاد منهم خمسة فقط بحكم السجن ~~المؤبد والآخرون جميعا خرجوا من الباب الجانبي إلى قاطع ~~الإعدام. # صعدنا سلما قصيرا لنقف حفاة بمواجهة ثلاثة قضاة ~~عسكريين، إلى اليسار جلس ضابط أشقر بوجه متجهم طويل، كان انطباعنا ~~عنه واحدا، إنه يشبه عنصر ms102 غيستابو نازي كما كنا نراهم في ~~السينما. بدأ يلقي خطاب الادعاء يصفنا بالخونة العملاء المتعاونين ~~مع الأعداء ضد القائد العظيم ومسيرة الثورة وقيادتها الحكيمة، ~~والحق أننا لم نصغ إليه لأنه منذ أول الكلام أفصح عن مراده وطالب ~~بإنزال أقصى العقوبات وأشد القصاص بنا، وباختصار طلب من الحاكم ~~إصدار حكم الموت علينا. # سألنا الحاكم العسكري عن أسمائنا؛ ومن ثم سؤال آخر: «هل أنت ~~متهم أم بريء؟» # وعندما كنا نحاول توضيح شيء ما، كان يرد علينا مقاطعا حازما ~~بكلمة واحدة: «اخرس!» # هذا الحاكم تعرفت إليه للمرة الأولى هنا بزي عسكري ونحن نقف ~~أمامه بملابس رثة حفاة الأقدام ممنوعين من توكيل محام ~~وممنوعين من الدفاع عن أنفسنا، وأنزل علينا هو ومعاونوه حفنة من ~~سباب، فقط لأننا قلنا له: إن هذه اعترافات تحت التعذيب. رأيته مرة ~~ثانية عندما وقف ذليلا يدعي أن العقال العربي هويته ويطالب ~~بحقوقه المدنية. لا أدري ما الذي كان يخطر بباله وهو يقف في هذا ~~القفص، هل تذكر نهر الدماء الذي فجره من أعناق الشباب نساء ~~ورجالا بأحكامه الجائرة الظالمة؟ وهل تذكر الجبروت والاستعلاء ~~الذي كان عليه هو وزمرته؟ وهل مر عليه طيف الأمهات الثكلى؟ وهل ~~عبرت من أمام ناظريه جموع أطفال قصر ذاقوا عذاب السجن بأحكام ~~هزلية أصدرتها محكمته السخيفة؟ كم تمنيت لو كنت أقدر أن أرى عقله ~~في تلك اللحظات وكيف كان يدور وهو يجلس في القفص ويواجه القاضي. ~~أريد أن أعرف كيف يفكر هؤلاء عند مواجهة الموت في نهاية مسيرتهم ~~الدامية، هل يرددون مقولة فرعون الخائبة وهو يغرق في يم موسى، ~~وهل يداخلهم ندم وهم يرون الهاربين الخائفين منهم الذين كان ~~يستعبدونهم ويقتلونهم لأنهم مستضعفون فقط وليس لهم ذنب آخر. اليوم ~~ضحاياهم يمشون على البر بأمان، أما هو وأسياده القتلة فإنهم ~~يدورون مثل جيفة نتنة لا تجد لها موئلا تستريح فيه لا في بر ولا ~~في بحر. # ومن باب على اليسار خرج علينا رجل أعرج يلبس جبة محامي دفاع ~~سمعت فيما بعد عبارة كان يكررها في المرافعات ms103 وهي كالآتي كما ~~جاءت على لسانه: «إني فتشت طويلا في قوانين الأرض والسماء فلم ~~أجد مادة قانونية ترحم هذه الحفنة من العملاء ، وأطالب بإنزال أقصى ~~العقوبات بهم.» # للتاريخ والحقيقة، فإنه في قضيتنا طالب بملاحظة أعمار بعضنا ممن ~~كان دون العشرين عاما، والرأفة بهم، أما الآخرون - وطبعا أنا ~~منهم - فقد تبرع بنا مجانا لأقسى قصاص. # لم تدم كل المرافعة أكثر من عشر دقائق على الأكثر، ونزلنا ~~ثانية إلى القاعة بحسب ادعاء الحاكم للمداولة، ثم نودي علينا ~~ثانية لننتقل إلى رحلة عذاب جديدة، ونذهب هناك بعيدين عن الحياة ~~منسيين تحت الأرض تحت عنوان السجن المؤبد وراء أسوار عالية تحجب ~~عنا كل شيء. # في ذلك المبنى القذر بكل ما فيه، جرت أحداث كثيرة في دقائق ~~قليلة لا يمكن لي مغادرتها سريعا، فكل واحد منها يصلح أن يكون ~~نافذة كبيرة تشرف على تلك الحقبة المظلمة، ولا يحتاج أحد إلى تأمل ~~أو فلسفة ليستبين الذي جرى. فقط عليه أن ينظر من هذه النوافذ ~~المشرعة وسيفهم بسهولة ما جرى، بل وحتى ما يجري الآن فالأمر لم ~~يتغير كثيرا بعد. # وجوه شاحبة يكتظ بها المكان، متوزعة على مقاعد خشبية، ~~تحمل تنوعا بشكل غريب في كل الملامح والأعمار، وقطعا في ~~الأفكار والانتماءات، لم يكن يوحدها شيء سوى الظلم الواقع ~~عليها. عيونها شاخصة إلى اللاشيء، حائرة تنتظر مستقبلا مجهولا، ~~بل ولا تدري لماذا هي هنا بالأصل؟! وهذا ما لفت انتباهي بشدة في ~~ذاك اليوم الرمضاني القائظ، فلم أكن أتوقع أن جمعا بهذا الحجم - ~~ممن لا دخل له بأي شأن سياسي - سوف يكون حاضرا بهذا الكم في ~~هذه المحكمة المختصة بمحاربة أصحاب الرأي. # نعم، كنت أعرف أن الظلم فاحش لكن المشهد كان أكثر مما يستوعبه ~~خيالي، وسوف يكون واحدا من معاناة الأيام القادمة، بل السنين ~~القادمة بكلمة أدق. ورغم الأحاديث القصيرة التي أجريتها أو ~~سمعتها في فناء تلك القاعة المنخفضة عن مستوى أرض المعسكر الذي ~~كانت فيه، إلا أني أدركت أننا سوف نقف أمام قاض لا يفرق بين ~~أعمى وبصير، ms104 وليس له من الأمر شيء سوى النطق بجمل كتبها غيره ~~وتبرع هو للتلفظ بها سعيا للوقوع يوما تحت واحدة منها من حيث ~~لا يشعر وقد حصل له ذلك بالفعل. # ومع أن رائحة الظلم كانت في كل زاوية تخنق فضاء القاعة الجرداء ~~من الأثاث إلا من مروحتين معلقتين على علو شاهق، إلا أن ~~الأنانية وعدم الإحساس كان يمكن أن يرى ماثلا في كثير من حركات ~~وإيقاعات بعض الحمقى والضعفاء ممن كان يحسب على المعارضة ~~السياسية، وهو لا يفقه حرفا واحدا من أبجديتها. فبينما كانت ~~الأحكام تصدر تباعا وترسل إلى الموت المعتقلين زرافات ~~ووحدانا، وفرقا أخرى إلى السجن بلا ذنب مقترف. كانت هناك ~~مجموعة من المعتقلين تقفز مهللة بمجد القائد، وهي تهبط طائرة من ~~باب المحكمة الداخلي المطل على الفناء الداخلي وهي تصرخ يحيا ~~العدل. أي عدل هذا الذي رأيتموه وأنتم ترون إخوة معكم يساقون ~~للموت أو السجن؟! # هل ينتصب ميزان العدل مستويا فقط لأنكم ظللتم أحياء، ولو غرق ~~الكون كله في بحر الظلام. لم يخف أحد رفاقي استنكاره الشديد ~~وانزعاجه المفرط من تلك الصرخة الحمقاء وعلق بصوت عال ~~مستهجنا هذا الذل المقرف. كان أمرا مريعا فعلا أن تسمع هذه ~~الصيحة من شخص صعد للتو حافي القدمين مجردا من كل حق مدني ~~وإنساني، بل ومن كل شيء يملكه، حتى ملابسه الداخلية سلبوها منه ~~ويرجع إليك من عين المكان الذي اغتصب فيه يترنم ويتغنى ~~بعدله. إن هذا المنادي بهذا التملق الغبي ليس بأحمق وحسب، بل إنه ~~وأمثاله هم من مكن العتاة المجرمين؛ لأنهم كانوا جيوش الذل ~~التي يحارب الطغاة بها الأحرار. # أذكر أن الحاكم العسكري كان يحاول أن يضفي على جلسته الصورية ~~شكليات قانونية ليظهرها وفق المقاييس؛ فسألنا، وبالتأكيد سأل ~~كل المتهمين الذين مروا عليه قبلنا وبعدنا هذا السؤال نفسه: ~~«هل عندك محام؟» # والإجابة المعتادة تكون بالنفي! فمن أين يتأتى لمتهم محروم ~~حتى من رؤية الشمس أن يوكل محاميا. لكن عندما سأل الحاكم ~~أحدنا رد عليه بغير المعتاد، بل بجواب ساخر: «سيدي، هو ms105 آني ~~نعال ما عندي، من أين آتي بمحام؟» # وطبعا امتلأت بعدها أذنا صاحبنا - كما آذاننا - بحفنة ألفاظ ~~كلها زجر وسباب. # الثياب الرثة والإعياء والشحوب وآثار التعذيب البادية على كل ~~أحد لم تكن تحتاج إلى نباهة كثيرة للتعرف عليها، بل حتى أغفل ~~مغفلي الدنيا كان له أن يعرفها من أول لمحة. ولا يحتاج لإدراك ~~ذلك ولا حتى إلى نظرة واحدة، ليعرف أي قسوة بالغة تعرض لها ~~السجناء، ومع ذلك كان الحاكم العسكري يبدي استغرابه عندما يرفض ~~السجناء التهم الموجهة لهم، ويزدري إنكارهم الاعترافات ~~المدونة بقولهم إنها انتزعت تحت التعذيب. وقد بالغ في إبداء ~~سخريته عندما أنكر أحدهم الإفادة الموجودة أمام الحاكم، فقال له ~~صاحبي: «هل تعرف يا سيدي (هكذا كنا نجبر على مخاطبة الضباط ~~والمسئولين الكبار) لو أنك أنت بنفسك تعرضت للتعذيب الذي تعرضت ~~إليه، لاعترفت بأي تهمة توجه إليك حتى لو كانت الانتماء إلى ~~البوليساريو.» # لم أجد وصفا لتلك المحكمة يليق بها ويحاكيها سوى أنها تشبه ~~لعبة الروليت الروسي ولكن بالمقلوب. أسطوانة كلها محشوة بالرصاص ~~وواحدة فارغة فقط، ويقال جرب حظك فقد تنجو من الموت. # بدأ الحاكم يلقي الأحكام علينا وتبدأ كالعادة - أو هكذا حصل ~~أمامي - من أقل الأحكام، يذكر هذه العقوبات مشفوعة بمواد قانونية ~~وبدلالة مواد أخرى لا أعرفها ولم أسمع بها ولم يصغ إليه أحد وهو ~~يتلوها؛ لأننا كنا ندرك أنها مهزلة وكوميديا قاتمة السواد لا ~~علاقة لها بأي قانون سوى شريعة الوحوش، وصدقا أني لم أتعرف على ~~هذه المواد إلا بعد سنوات طويلة حين بدأ الفرز الأمني بحسبها في ~~ظرف خاص. وهذا لم يكن حالي منفردا به، بل كان أغلب السجناء هكذا، ~~المضحك في هذه القوانين أن المادة التي كانت تعتبر مخففة في الزمن ~~الذي حوكمنا فيها هي عينها التي حكم بها آخرون بعقوبة الإعدام قبل ~~سنتين فقط. القانون لم يكن سوى جرة قلم ومطاط جدا، والأمر على ~~الأرجح سوف يظل هكذا في هذا البلد، إن لم يصبح للقانون سطوة على ~~القائمين به. # عندما بدأ بتلاوة الحكم ms106 الأخف لثلاثة رفاق كانوا معنا، انتقل ~~بعدها إلى الحكم بالمؤبد على شخص آخر، ولم يتبق إذن بعد المؤبد ~~سوى الإعدام؛ فتسمرنا بذهول ننتظر حكم الموت، لكن المفاجأة كانت ~~أن حصتي مع اثنين آخرين هي السجن المؤبد أيضا، تنفسنا الصعداء ~~وتبادلنا التهاني جميعا؛ لأن المقصلة أخطأت أعناقنا. # أحدهم كنا نشعر منه بغضاضة لضعفه المشين أمام المحققين ~~الأمنيين، وعندما سمعنا نتبادل التهاني حاول أن يفعل ذلك معنا ~~أيضا ويجارينا، لكني نهرته بقسوة وبانفعال مصطنع؛ لأني لم أكن ~~في الواقع منزعجا من الحكم بالسجن المؤبد أبدا، بل كنت أتوقعه، ~~وربما أتمناه كأحسن الحلول المتاحة، ولم يحدث ردة سلبية عندي ~~عندما سمعته. إنما فعلت ذلك لأني كنت أريد أن أوبخه على ضعفه، ~~ومع ذلك اعتذرت له لاحقا لهذه القسوة بعد سنوات، مع أني حتى اليوم ~~ما زلت أرى أفعاله مزيجا من جبن وتهور، ومع ذلك غفرت له وسامحته ~~تماما لأني أدركت بمرور الأيام أنه ضعيف التكوين نفسيا وحشر ~~نفسه في موضع حرج جدا لا يناسبه بالمرة. # العمل الثوري ليس هواية أو لعبة يمارسها أي كان، ولا هو نزوة ~~أو طيش مغامرين، بل هو منهج وسبيل برؤية مسبقة وبصيرة واضحة. سبب ~~فشل كثير من الأعمال التي تبدو في الظاهر ثورية أنها لم تكن كذلك ~~في حقيقتها، بل كانت مجرد ردود أفعال وطيش ومغامرة. الثورة فعل ~~إنساني وليس رد فعل على ممارسة خاطئة لأحد ما، هي منهج لتحرير ~~الإنسان من عوالق الغريزية ولا تتوقف في أي زمن وتستمر أبدا مع ~~رحلة الإنسان في هذا الوجود؛ لذا الثوار يواصلون الثورة، أما ~~الطائشون والمتظاهرون بها فينتهي غضبهم الهائج الذي يشبه الثورة ~~عندما ينالون ما يتوق إليه ظمأ غرائزهم وليس لأنهم تحرروا ~~منها. # حملت كل ما تبقى من ممتلكاتي بعد مصادرة المنقول منها وغير ~~المنقول، ودسستها في قميص جاءني بعد زيارة لتركيا قبل الاعتقال ~~بعام واحد. كان قميصا مميزا وكنت أشعر أنه جزء مني منذ أول يوم ~~حصلت عليه، كنت أسميه مراد - ليس بلا سبب - فقد كانت له نضارة ms107 ~~الشباب بمربعاته الحمراء السوداء وباسم صانعه «مراد» المكتوب ~~تطريزا على ياقته الداخلية، وعلى الأكثر إنه كان اسم صاحب المصنع؛ ~~ولذلك أطلقت عليه هذا الاسم. قميص ظل مصاحبا لي لمدة طويلة وكان ~~شاهدا على وجودي في لحظة سيأتي وقت للحديث عنها في حكاية مثل ~~حكاية قميص يوسف. ويبدو أن كل سجين رأي مرشح لأن يكون يوسف؛ ~~جميل في فكره، مثير في تقلب أحواله، وشاهد أزلي على قيم ~~الخير والجمال مهما حاول إخوته الأشقياء أن يطمسوها. لا غرابة إن ~~صاروا بعدئذ نقباء قومهم أو خالهم آخرون أنبياء، لكنهم سوف ~~يظلون مبرقعين بخطيئتهم أبدا، وعندما يمر ذكر يوسف أمامهم فسوف ~~يبوحون بسر خبيئتهم النتنة ويتشكلون ثانية وثالثة وإلى ما لا ~~يعد ولا يحصى من المرات، حسادا قتلة مجرمين حائرين في ~~طمس جنايتهم التي عافها الذئب واستنكف منها. لن يتوبوا عنها أبدا ~~فسوف يقض مضجعهم ذكره، وينفجر غضبهم بوجه محبيه فيهبون مثل ~~مخبول فزع من كابوس، ليرتلوا بسخف ممل كلمات نشيد مقرف ~~بال يحكي فشلهم وعجزهم وجبنهم وغريزيتهم الحيوانية: # تالله إنك لفي ضلالك ~~القديم ~~. # وأنا أوظب مراد بعناية زائدة كي لا يفقد شيئا من محتوياته، ~~سرحت بنظراتي في وداع لرفيق شجاع، لم ألق نظرة الوداع الأخيرة ~~عليه؛ فقد سبقني مع آخرين بيوم إلى تلك المحكمة المهزلة، وهناك ~~اختفت آثاره للأبد من دون الثلاثة الآخرين الذين كانوا معه. تلاشت ~~آثاره كلها من هذه الدنيا ولم أعد بعدها أراه متوثبا متحفزا ~~ولم يصر بمقدوري أن أسمع أذني كلماته المنبثقة من بحر ~~التحدي ولا أنتشي بضحكاته الساخرة من الأدعياء. وأنا أرمق جدران ~~المحكمة بأسى وجزع، عاتبتها وهي التي احتضنت آلام وتأوهات ~~عذاب غمد نصله عميقا فينا جميعا. # عاتبت هذه الجدر وجدر زنازين كثر مررنا بها برفقته، كيف ~~له أن ينفرط منكن وأنتن اللاتي احتضنتن نغمات الدفء وكل الآثار ~~التي نحتت شعارات الثورة، وأبيات الشعر التي كان كل ما فيها يفيض ~~حبا وجمالا وثورة. حيطان دونت وصايا من غادر الدنيا سريعا ~~وتاه جسده في كثبان رمل تطيح بها ms108 الرياح وتسافر بها إلى جهات ~~الدنيا الأربعة، ولم تزل تضمهم إلى حناياها تخبئهم في قلبها ~~بعيدا عن أعين كل الناس حتى عن بواصر ذويه ومحبيه تخشى عليهم أن ~~يضيعوا في المدافن مع الآخرين؛ لأن المقابر لا تليق إلا بالموتى ~~فكيف لها أن تحويهم وهم الأحياء، بل هم وحدهم الأحياء في هذا ~~الكون الفسيح الوسيع وخلاهم موتى ما لم يلحقوا بركبهم. # أرواحهم لم تزل سائحة في براري وصحاري الوطن تلاحق حلمها في ~~خلاصه من سوءة ابن العاص المقيمة في مضامير الفروسية والنزال. ~~ولم تزل أرواحهم ترنو إلى يوم يخلو من حشود المهرجين كقردة وهي ~~تنزو على منصة رئاسة خلقت للحكماء بنقاء فطرتهم لا للدهاة الثمل ~~برجسهم. يوم لا ترى فيه صنما يطوف حوله همج رعاع ينعقون مع ~~كل ناعق. # عند غبش لا أعرف مطلعه، امتلأ رفيقي وآخرون بالحياة استعدادا ~~للرحلة الأخيرة، رحلة إلى نافذة تشرع فيها للريح أجنحة تنقل رغبة ~~المتمردين عشاق الحياة في رفض الموت. نافذة تنقل إلى عالم ~~الحقيقة عشاقا سلكنا معهم كل الدروب؛ الجد والهزل، الضحك والبكاء ~~والمرح والشقاء. سافرت بهم الريح بعيدا عن الأوهام واقتربوا من ~~ملامسة حقيقة الأشياء، لينعموا هناك بالسكون الخالد والراحة ~~الأبدية وينثروا من علياهم على عالمنا بذور الحياة على الأرض، عسى ~~أن يتلقفها زراع جدد مثابرون لتستمر الحياة على هذا ~~الكوكب الضاج بالخطايا، لعل يوما يأتي تتحقق فيها نبوءة ~~السماء ويصدق الكل - حتى وإن كان شيطانا مريدا - أن السماء تعلم ~~ما لا يعلمه أي أحد وأنهم وحدهم العالمون بالأشياء، وغيرهم ~~الجاهل والمستكبر عليه أن يسجد للإنسان الكامل دوما أبدا ~~وسرمدا. # رحلة غادر فيها صحبة لنا كل هذه الأحلاف الخبيثة المتواطئة ~~ضد غريزة التمرد فيهم؛ لأنهم كانوا حقيقة الإنسان التي عجز عن ~~بلوغها الموغلون في شهوات الجسد. رفاق كانوا هم الماء الذي أعطى ~~الحياة لكل شيء وما يزال يفعل. من رمادهم يصنع الشعراء قصائد، ~~وبدمهم يكتب الأدباء روايات، ومن أجسادهم ينحت المثالون ~~نصبا. ولولاهم لحار المصممون الأذكياء في متاهة البحث عن أسماء ~~المباني والشوارع ms109 والساحات وقاعات المثقفين، ولولاهم لتوقف ~~المؤرخون عن تدوين تتابع الأشياء. لولاهم لكان الكون سكونا ~~محضا، بل عدما. هم إكسير الحياة، وهم كانوا الكلمة في البدء، وهم ~~أيضا مسك الختام، هم قطر الغيث العذب الذي يسقي الجمر في ~~قلوب الأحرار الولهين المتبعين آثار الحياة. هم ليسوا كغيرهم محض ~~سراب يتوسل الصخر متملقا بعبارات فجة: افتح يا سمسم، عسى أن ~~يحظوا بكنوز الخرافة من سندباد الوهم والخيال، بل هم حقيقة الوجود ~~نثروا على الصخر القاسي دمهم فشقوا الأنهار وانكفأت كل الأوثان ~~خاضعة ذليلة لهم في كل آن ترتعد خشية من ذكرهم. # هل سمعتم يوما أن الطغاة يحاربون أحدا غير الشهداء؟! وهل ~~رأيتموهم يسعون لمحو ذكر أحد غيرهم مهما كان؟ ليس بحمق هذا ~~ولا خطل رأي من العتاة، بل لأن الشهداء وحدهم هم حقيقة الخطر؛ ~~لأنهم أحياء لا يمسهم سوى الخلود وما خلاهم أموات لن يعرفوا ~~الحياة إن لم يلتمسوا سبيل الخالدين. وداعا صديقي، كنت غفورا ~~واغفر لنا لو أصابتنا سنة أو نوم؛ فقد تعبنا من ممارسة ~~الانتظار للحاق بك، وداعا وإلى لقاء. # الشق الثاني # | السجن # 1 # ساروا بنا من جديد في العربة عينها التي أقلتنا من المعتقل ~~إلى ضفة أخرى، سيسفح فيها العمر دمه على رصيف الانتظار. وأنا ~~أغادر المبنى اتسعت حدقتاي إلى حد ابتلعت فيه كامل الأفق ~~البعيد حيث تسكن المدينة التي تبني أرصفتها على جماجم الغائبين، ~~وواريت الصورة في جوفي لأتزود بها في قابل الأيام. وما هي إلا ~~دقائق معدودة حتى وصلنا إلى مبنى لا يبدو من واجهته الأمامية سوى ~~طابق واحد علقت على واجهته لوحة خشبية بيضاء كتب عليها بخط ~~أسود: «وزارة الشئون الاجتماعية»، وفي السطر التحتاني: «دائرة ~~إصلاح الكبار قسم الأحكام الخاصة». استفزتني كلمة إصلاح رأيتها ~~مثل لسان يندلع من وجه شيطان يسخر شامتا بنا. أن نقبر هنا أحياء ~~في نزل موتى يسمى عندهم إصلاحا! # لا ضير ولا عجب في ذلك؛ فهذه ليست المرة الأولى في التاريخ. فكل ~~الأفعال القبيحة كانت تخفي قبحها وتضمر زيفها وراء مظاهر ~~خادعة، ms110 فأعتى الطغاة كانوا يحكمون باسم الإله مدعين أنهم ~~معينون منه، بينما الأنبياء كانوا مطاردين غرباء تلاحقهم ~~تهمة الجنون يتسكعون مع الصعاليك والمشردين يحملون صلبانهم ~~سلما إلى الحقيقة. إصلاح يعني أننا منحرفون يجب أن نعاقب ~~ونؤدب لنمشي على صراطهم الأعوج ونكون عبيدا للأقوى الأخرق. ~~كلمة إصلاح أزعجتني كثيرا وتخيلت - وأنا أمر من تحتها - صورا ~~لأيام سوداء قادمة وكانت فعلا كذلك في سوادها وأقبح مما ~~تخيلت. # تقيأت أحلامي الكبيرة وأنا أمر من تحت اللوحة الخشبية ~~الساخرة، ودلفنا إلى ممر، كان الظلام فيه واسعا لا تقوى على ~~طرده زمرة مصابيح صفراء شاحبة فرادى، تتدلى من سقف أسود كما ~~في كل الأماكن الأخرى التي سأزورها لسنوات تسع قادمة. # عند أول خطوات أدخلنا إلى غرفة صغيرة، استقبلنا رجل قصير سمين ~~يتدلى كرشه أمامه يلبس زيا خاصا بالحرس وفتح سجلا ~~ليدون أسماءنا فيه. كان له صوت مميز رفيع عال مزعج، وبدأ ~~يدون الأسماء، ويسألنا عن تخصصاتنا العلمية، وعندما عرف أننا ~~طلبة جامعيون بدأ بتوبيخنا: «ماذا تريدون أن تصبحوا وتحصلوا ~~عليه، ألا يكفيكم هذا المستوى؟» # ويجيب نفسه بأننا أصحاب نوايا خبيثة ولم نتلق تربية صالحة ~~وكلمات أخرى بإمكاني الآن أن أنمقها؛ لأني لا أريد أن أعيد ~~سماع قرفها ثانية وأترك الخيال أن يتصور منها من يريد وهي تخرج ~~من لسان جلاد فاشل لم يكمل سوى تعليم متواضع، كما هو واضح من ~~خطه وسؤاله كيف نتهجى أسماءنا وهو يكتبها وظن أنه قد حانت ~~له اليوم فرصة جيدة للانتقام لذاته الفاشلة. # صوته العالي وصداه المزعج يتكرر في الممر الطويل ذكرني تلك ~~اللحظة بأبيات السياب: # ليعو سربروس في الدروب. # في بابل الحزينة المهدمة. # ويملأ الفضاء زمزمه. # كان يدون أسماءنا في سجل سري وهو يرمي ~~علينا شتائم ترحيب خاصة وعبارات تأنيب، حتى ضقنا ذرعا بثرثرته، ~~فقال له أحدنا زاجرا: وماذا تعرف أنت عنا حتى تعرف ماذا ~~نريد؟ # فغر فاهه ولم يصدق الجواب الجريء فكأنما لطم على فمه ~~فسكت. # عندما كنت صغيرا وعمري لا يتعدى سبع سنوات كان لي صديق بعمري ~~من ms111 الجوار ألعب معه دائما، وكنت كما هو يذهب أحدنا إلى بيت ~~الآخر. وفي إحدى المرات رأيت على جدار في غرفة المعيشة خاصتهم ~~أشياء كثيرة معلقة مصنوعة من حبات صغيرة ملونة لماعة تسمى ~~«نمنم»، أعجبتني جدا لجمالها وألوانها البراقة واستهوتني كثيرا ~~بمظهرها اللماع، ولذا سألت صديقي عنها، قالت لي أمه - لتشفي ~~فضولي وهي ترى لهفتي وإعجابي بها - إن لها أخا في السجن هو الذي ~~يصنعها ويرسلها إليها كهدايا في كل مرة يزوره أحد. # بينما كان يسير بنا الحارس في بداية الممر رأيت على اليمين ~~صندوقا زجاجيا كبيرا من طابقين ولربما أكثر من ذلك، فيه ~~معروضات تشبه تلك الأشياء الحلوة الملونة المعلقة في بيت صديق ~~الطفولة. صورة الجمال انهارت من عيني وأنا أرنو ببصري إليها وكأني ~~كنت أرى فيها ساحرة شمطاء تخفي بشاعتها بمظهر مخادع. كم هو ~~مقيت إضفاء الجمال على القبح، والأكثر مقتا أن تصدق أنه بات ~~جميلا فعلا؛ لأنك لا ترى سوى مظهره الخادع وتعمى عن لبه ~~الماكر. # تابعنا المسير، وطلب حرس جدد - بزي مدني انضموا لجوقة ~~الترحيب - منا الجلوس قرفصاء، فيما استقبلت وجوهنا حائطا، ~~سألته في سري كم عدد الذين طالعت وجوههم، وهل حفظتها جميعا ~~لتخبر الأمهات اللاتي سيقفن أمامك حائرات يدرن في هذا ~~الممر على غير هدى يبحثن عن مغيبين ولا أحد ينزع ~~قلقهن؟ # ثم كان علينا أن نسير مهرولين إلى باب مصنوع من حديد ثقيل ~~وفوقه قطعة صغيرة مكتوب عليها: «مخزن بطانيات». فتح الباب وكنا ~~نظن أننا سوف نزود ببطانيات، لكن ما إن فتح الباب حتى ~~دفعنا إلى داخل مبنى كبير وأصابتنا دهشة كبيرة لمنظره؛ إذ ~~كان من طابقين؛ خمس زنزانات إلى اليمين وأخرى مثلها على اليسار في ~~كل طابق. الواجهة الأمامية لكل زنزانة عبارة عن قضبان حديدية من ~~أعلى السقف إلى الأرض، بينما كانت الزنزانة مكتظة بعيون تعبى ~~تحملها رءوس حليقة فوق أجساد هزيلة. # استقبلنا بالهراوات من أشخاص ظنناهم رجال أمن، لكن تبين ~~فيما بعد أنهم زمرة خونة لهم قصة سوف يحين وقتها فيما بعد، ~~راحوا ms112 يضربوننا بدون سبب، ثم سحب كل واحد منا إلى زنزانة ~~وحشر فيها، لأجد نفسي مع أربعة وأربعين شخصا في زنزانة مربعة ~~ضلعها خمسة أمتار وفي إحدى الزوايا مرحاض صغير. # بالقرب من هذا المرحاض كان محل نومي إلى جنب سجين أتم للتو ~~غسل أكواب بلاستيكية وصحون معدنية، وراح يمسح عن الأرض آثار ~~الماء بأجزاء من نعال إسفنجي خارج عن الخدمة، وعندما انتهى من ~~التجفيف أخذ النعال باحترام وعلقه في سلك يتدلى من سقيفة ~~ثبتت على الحائط، وبدا لي جليا أن كل الأشياء لها قيمة هنا وإن ~~كانت على وشك الانقراض. # صار مكان نومي الجديد تحت برميل ماء مشدود بإحكام، تطفو على ~~سطحه ما لا يحصى من حشرات سوداء دقيقة الحجم لا أعرف اسمها، يبدو ~~أنها تسللت من فتحات صغيرة للتهوية، في الحقيقة هي فراغات بين ~~قطع بلوك إسمنتي ولم تغلق عمدا لتسمح بمرور الهواء. هذه ~~الفتحات تطل على ساحة ترابية صغيرة تفصل القسم الذي نحن فيه عن ~~قسم مجاور وصارت مكبا هائلا للنفايات؛ إذ كان السجناء ~~يتخلصون من النفايات برميها فيها حين يفضل شيء منهم، وحين ~~كانت المجاري تغلق تصرف فيها، إنه لا توجد سلة مهملات ولا أحد يجمع ~~الفضلات إن وجدت. كذلك كان يفعل أي أحد يمر بالقرب من هذه ~~الساحة من حرس السجن أو أي شخص آخر، ولا يهتم أحد برفع ما فيها ~~أبدا. # إلى جواري امتد رجل طيب راح يسدي لي نصائح مهمة، أهمها أن ~~أحذر من فلان وفلان. سأكذب لو قلت إني فهمت ما يقول. فكيف يمكن ~~لمظلوم مسحوق تحت كل هذه العذابات والكراهية أن يكون ظالما وهو ~~مظلوم؟! لكن عرفت مصطلحا جديدا اسمه المراقب وهو بمثابة العين ~~لرجال الأمن في الزنزانة، وهذا حديث آخر طويل. # أشرعت نافذة بصري على الجدران الإسمنتية السوداء والأكياس ~~الكثيرة المعلقة عليها التي تضم الأموال المهربة من الحكم ~~القضائي بمصادرة المنقول منها وغير المنقول. أكياس كانت تحوي ~~أسمالا وخردة ليس لها قيمة إلا في هذا المكان. حكم مصادرة ~~الأموال كان يوزع على ms113 كل الدوائر الحكومية حتى لا يفلت شيء من ~~مقصلة إفناء كل آثار المعارضين، وكان هذا أثرا جيدا صلح فيما ~~بعد لتتبع عدد الذين سجنوا وقتلوا بطريقة رسمية ودليل إدانة ~~لمحاكمة من ارتكب تلك الجرائم، محاكمة لم تعقد بعد رغم كل ~~ما يقال عنها. # تاه بصري في هذه الصحراء الممتدة حيث يضيع الزمن فيها وأنا أتأمل ~~رجلا ريفيا طويلا وقف وسط الجمع ضجرا من أشياء أجهلها وهو ~~يردد عبارة ما زلت حتى اليوم أضحك من كيفية إلقائها بطريقته ~~الكوميدية السوداء وبلهجته الشعبية: هاي شيگضيها العشرين سنة ~~هنا! # ضحكتي الصادقة الصادرة بعيدا من قاع قلبي، كانت بداية كبيرة ~~لموجة عظيمة من التفاؤل سرت في وجعلتني أحيل الصحراء التائهة ~~بلا زمن إلى أرض خصبة حبلى بالعطاء، فهي ليست كالشوارع والأرصفة ~~التي لفظتنا وصرن علينا سيوفا بتارة تحز الرقاب. بل هي أرض ~~تجمع كثيرا من الطيبين ومنهم طالب جامعي يدرس القانون ككثيرين ~~مثله كانوا هناك لم يكملوا دراستهم؛ لأن السلطة استبقت ثمرة ~~نبوغهم فأجهضت أحلامهم. وقف يظللني مثل نخلة مريم تساقط علي ~~نسمات هواء من منشفة باهتة الألوان كان يحركها فوقي بلا كلل ~~ولا ملل، وهو يرى إجهادي وصعوبة تنفسي وأنا أضطجع تعبا من مرض ~~السل الرئوي الذي وفدت إلى الزنزانة الجديدة أحمله معي من ~~المعتقل. لمحني أبحث عن الهواء في جو الزنزانة المظلمة الرطبة ~~فراح يحركه كما لو أنه كان يهدهد طفلا حتى ابتلعتني غفوة ~~عميقة توائم بدني الذي كان يتجه نحو نقطة حرجة بسرعة كبيرة في ~~الأسابيع الأخيرة. # أي فيض من البهاء هذا وأي خضرة داكنة نبتت على جدران ~~الإسمنت يفوح منها عطرا. ابتسمت روحي لهذا الأريج واتقدت ~~منتشية به، قد عدت إذن إلى عالمي الذي أحلم به حيث تضوع ريح ~~الأنبياء وهي تلامس الأموات لتحييها وتبرئ الأكمه والأبرص ~~وترش الماء على طين رخيص تسحقه الأقدام ليطير محلقا بأمان ~~عظام، ويذرق على الذين أخلدوا إلى الأرض منسلخين من إنسانيتهم ~~فباتوا يلهثون في كل أحوالهم ولا يصدر عنهم إلا أنكر ~~الأصوات. # وبين تحذيرات ms114 صاحبي من الخونة وبين هذين الموقفين تشتتت ~~مشاعري وتاه فكري وصرت بين حذر واطمئنان في الوقت عينه. عرفت ~~أن الكلام أو الإشارة إلى أي شخص في زنزانة أخرى جريمة يعاقب ~~عليها السجين بقسوة؛ ولذلك حتى عندما لمحت أحد رفاقي في زنزانة ~~أخرى كما لمحني هو، لم أتبادل الإشارة معه كما حاول أن يفعل، بل ~~هربت من أمامه؛ لأن ذلك سيؤدي إلى عقوبة مشتركة نتقاسمها. تأملت ~~الحاضرين من سكان الزنزانة جميعا وبدا مشهدا غريبا بالنسبة لي، ~~كانوا يتفاوتون بالمستوى الثقافي والتعليمي ولا يبدو أنهم جميعا ~~ممن مارس عملا سياسيا أو فكريا معارضا. كنت قد تعرفت على ~~قسوة التعذيب ومخرجاته لكن بصراحة لم أكن أتوقع أن يكون كثير من ~~السجناء أناسا لا علاقة لهم بما كنا نفعله قبل الاعتقال من ~~مقارعة السلطة. # أي ظلم هذا الذي يزج بأبرياء - لا علاقة لهم لا من بعيد ~~ولا من قريب - في سجون مخصصة للسياسيين. كانت هذه صدمة كبيرة ~~بالنسبة لي؛ لأني بدأت أكتشف وحشية لم أكن قد أدركتها حتى تلك ~~اللحظة. أصبحت في ارتباك كبير لأني كنت أظن السجن مكانا لطبقة ~~واحدة عشت معها في مراحل حياتي السابقة وتقاسمت معها الهموم ~~والنشاطات والتفكير والتطلعات. غير أن الأمر ليس كذلك الآن، وعلي ~~أن أحسن التصرف مع هذه التضاريس المعقدة؛ التضاريس لا أعني بها ~~التنوع الطبقي الاقتصادي، ولا التفاوت التعليمي، فقد ألفت هذه ~~التناقضات؛ إذ إن المنهمكين بالعمل السياسي لهم مشارب متعددة لكن ~~أن تجد نفسك في سجن سياسي وحولك مجموعة تتعرف على العمل السياسي ~~لأول مرة شيء آخر تماما. # الصعوبة ليس في هؤلاء فقط، ~~بل أن يكون بعضهم غير مؤمن بهذا العمل، والأشد صعوبة أن يكون ~~مقتنعا بالضد منه، بل ويزيد على ذلك حماسه العلني ضد المعارضين ~~السياسيين ويحملهم كل ما حصل له. هذه التنوعات كانت واضحة ~~جدا في أول زنزانة دخلتها في السجن، وكان الأمر بمثابة صدمة ~~أولى لها تداعيات سوف تظهر لاحقا، وسوف يأتي الحديث عنها في وقت ~~مناسب، ورغم ذلك كان في الزنزانة ms115 نفسها أشخاص متميزون. # قبل منتصف الليل يطفأ المصباح الشاحب الوحيد في الزنزانة وكان ~~على الجميع بأمر من إدارة السجن أن يذهب إلى النوم الإجباري. كانت ~~الزنزانة ضيقة خانقة إلى حد كبير بالعدد الذي فيها (خمسة وأربعين ~~سجينا)، وفي جوها تشيع رائحة تبعث على الغثيان وعلى بلاطها ~~الإسمنتي فرشت بطانيات سوداء رقيقة. كان النوم مهمة عسيرة؛ إذ لا ~~يمكن الرقاد إلا على الجنب ويستحيل النوم على الظهر في أي ~~لحظة، وكان لا بد من ترتيب نوم السجناء بطريقة التخالف، أي قدما ~~سجين إلى جنب رأس سجين آخر. لا يوجد مجال على الإطلاق لرأسين ~~متجاورين، ولو اضطر أحدهم إلى النهوض لسبب ما خارج عن إرادته - ~~مع أن النهوض وقت النوم كان ممنوعا ويعاقب مرتكبه عليه - فإنه ~~لو أفلت من مراقبة عيون الخونة، فسوف يقع في مشكلة أكبر؛ لأنه لن ~~يجد فراغا يضطجع فيه حين يعود، ويصبح لزاما عليه مدافعة الأجساد ~~المتلاصقة كي يحشر نفسه ثانية بينها. # في الليلة الأولى كانت إلى جانب وجهي قدما شاب برأس حليق مع ~~صلع خفيف وتبدو على وجهه آثار واضحة من عصبية وتوتر دائمين ~~يعكسها جبينه المتغضن، وكالآخرين كان يرتدي ثيابا خلقة. ~~ذهبت في غفوة عميقة من إرهاق المرض ويوم المحاكمة الطويل وعلى ~~حين غرة شعرت برفسة قدم بشرية تركلني على فكي، فتحت عيني ~~لأجد الدم يملأ فمي. فتحت عيني مرهوبا خائفا مصدوما متوقعا ~~الأسوأ قبل أن أتبين أن صاحبي الممتد إلى جنبي ممن يحلم كثيرا ~~أثناء نومه، ويتحرك منفعلا مع كوابيسه المزعجة، وشاركني كابوسه ~~هذه الليلة برفسة قوية. عدت لأرقد على وسادتي التي صنعتها من ~~حذاء متهرئ كنت أنتعله بانتظار طلوع النهار من جديد ليسمح لنا ~~بالحركة المحدودة من جديد في الزنزانة. # 2 # عند الصباح دخل رجال الأمن إلى قاعة السجن مع توزيع وجبة الطعام ~~الأولى وبأيديهم هراوات، وقف أحدهم أمام الزنزانة بصحبة سجين مسئول ~~عن توزيع الأكل (يسمى خدمات) فتح الزنزانة، ليطلبوا من شاب نحيف ~~بجسد ضئيل لا يتجاوز عمره السابعة عشر عاما أن يخرج ms116 إلى الممر ~~العريض واقتادوه إليه بعنف، عاد إلينا بعد ربع ساعة تقريبا بعد أن ~~تم تعليقه من أطرافه العليا في حالة تشابه التعذيب الذي كنا ~~نتلقاه في مديريات الأمن لإجبارنا على تقديم الاعترافات. لا ~~أخفي شعوري حينها بخوف شديد اقترب من الرعب؛ فقد استذكرت مراحل ~~التعذيب في التحقيق والعذابات التي تحملتها يومئذ وكنت أظن أن ~~السجن لا يوجد فيه تعذيب ممنهج. من الممكن أن أعاني في السجن من ~~ضيق في مكان أو نقص في طعام وشراب - كما كان يحصل في المعتقل بعد ~~انتهاء التحقيق وربما قد أنال ضربة من هذا وهراوة من ذاك - لكن ~~تعذيب منهجي لم أخاله موجودا. يبدو الأمر الآن كما لو كان عودة ~~إلى مربع أول يأبى أن يكون له حدود ينتهي فيها بما يحمله من عذاب ~~وآلام ولا يمكن لأي أحد أن يغادره؛ لأنه لا يوجد مربع ~~ثان. # حاولت أن أستفهم عن سبب هذا التعذيب الصباحي غير المبرر، ~~لأصدم بأنه لا يوجد سبب، ومع غياب السبب صار واضحا أن لا شيء ~~يمنع من نزول العقاب بأي سجين، مهما حرص على أن يبعد الأذى عن ~~نفسه. كان خوفي مبررا جدا؛ لأن السبب الحقيقي لتعذيب هذا الشاب ~~اليافع لم يكن سوى أنه لا يروق لأحد رجال الأمن. ففي يوم ما دخل ~~رجل أمن إلى قاطع السجن ووقف أمام الزنزانة ولسبب ما أشاح هذا ~~الشاب بوجهه عنه بلا قصد، لم تعجب هذه الحركة رجل الأمن ولم ~~يقبل عذره بعدم التعمد، فاشتدت العداوة من رجل الأمن لهذا ~~السجين وكان عليه أن يدفع ثمن هذه العداوة بين الحين والآخر، هذه ~~الغلطة التي لم تغتفر، لم أعرف شرعة أو قانونا تعدها ذنبا ~~أو خطيئة إلا في ذاك اليوم. # جسدي محطم من المرض وقواي خائرة بالكامل وصرت لا أقوى على ~~الحركة العادية، وكان هذا سببا حقيقيا آخر لتخوفي مما رأيته ~~للتو؛ لأني لم أعد بقادر على تحمل التعذيب ثانية. فزعت ~~كثيرا من هذه القصة وكان الخوف والفزع واضحا على وجهي لأنها ~~مفاجأة مرعبة ms117 ونموذج مخيف لما ستكون عليه قادم الأيام. # الزنزانة التي وضعت فيها كانت واحدة من أسوأ الزنزانات، لوجود ~~مراقب فيها بأخلاق وضيعة للغاية، جبان رعديد لحد لا يوصف، ~~يقدم معلومات أمنية عن السجناء الآخرين إلى الأمن بطريقة طوعية ~~من أجل لقيمات وشربة ماء زائدة. المراقبون على الزنزانات كان ~~تعيينهم يتم من قبل الخدمات بموافقة الأمن، وكان تقريبا ~~جميع الخدمات والمراقبين في الفترة التي دخلت فيها إلى السجن من ~~المتعاونين مع الأمن تقريبا، البعض منهم - خصوصا الخدمات - كانوا ~~يقومون بكل الأفعال الخسيسة حتى تصل بهم الخسة والنذالة إلى ~~تعذيب السجناء بأيديهم، وباعوا أنفسهم وضمائرهم للأمن بشكل كامل، ~~بل كانوا أشد قسوة منهم في بعض الأحيان. كل ذلك كان مقابل ~~أجر زهيد، وهو أن يناموا خارج الزنزانات المكتظة في مكان أكثر ~~راحة بقليل مما نحن فيه، ويأكلوا من الأكل البائس نفسه الذي ~~يقدم لنا لكن بحصة أكبر. مقابل هذه المنح الوضيعة كان عليهم ~~أن يراقبوا السجناء ليل نهار على كل صغيرة وكبيرة، ويتولوا ~~بأنفسهم تقديم المعلومات عن أي مخالفة ولو كانت صغيرة لإنزال ~~العقاب المر بالسجناء. الغريب في الأمر - والذي صدمني كثيرا - ~~أن عدد المنافقين لم يكن قليلا؛ إذ في زنزانة يسكنها خمسة وأربعون ~~شخصا كان هناك متعاونان بصورة علنية واضحة لا شك فيها ولا لبس، ~~ينضم إليهما آخران مذبذبان كانا محل خشية سجناء الزنزانة، ~~ولربما هناك شخص خامس لم تسنح له الفرصة لفعل ذلك لا يساعده وضعه ~~الجسماني لأداء هذه المهمة الحقيرة. وبحساب الرياضيات كانت نسبة ~~الخونة المؤكدة تقارب الخمسة بالمائة، وهذا الحال يسري تقريبا ~~على كل الزنزانات الأخرى، وأقدر أن أقول: إن نسبة الخمسة بالمائة ~~كانت فعلا هي نسبة الخونة من المتعاونين ممن جاهروا بخيانتهم ~~العلنية وصاروا بمواجهة كل السجناء في عداء علني له قصص كثيرة ~~لاحقة. إلا أن المفارقة تكمن فيما حصل لاحقا، فرغم تبدل ~~الأحوال بعد عقود من الزمان وانقلابها رأسا على عقب، فإن أيا ~~من السجناء لم يقم بأي عمل عدائي انتقامي ضدهم، كما كانوا هم ~~يفعلون مع ms118 السجناء في تلك الزنزانات. # كنت متوجسا جدا في أيامي الأولى في الزنزانة ومع أني خبرت ~~سكانها جيدا، إلا أن الحذر كان سمة لازمة في جميع أحاديثي، ~~وحرصت أن تكون سطحية جدا لتبعد أي شبهة عني. فوجئت بشيء كنت ~~أملكه ولم أكن أحسب أنه سينفعني كثيرا، بل ويمنحني حصانة وعصمة ~~من وشاية المخبرين؛ إذ عندما دخلت السجن كان معي قليل من النقود ~~حصلت عليها من مواجهة أهلي في المعتقل، ولم أك أخال أنها ستنفعني ~~بشيء أبدا في هذا المكان المقفل. ولذا فوجئت عندما علمت أن رجال ~~الأمن يأتون بين الحين والآخر ويسمحون للسجناء باستخدام ما عندهم ~~من أموال قليلة لشراء علب الدخان والحليب المجفف ومعجون الأسنان ~~وأشياء أخرى يسيرة. كانت السجائر هي المادة الأغلى والأنفس عند ~~السجناء وإليها تشرئب الرقاب وتلوى الأعناق، ومطمع دائم ~~للمراقب وأتباعه ولا سبيل للوصول إليها إلا عبر أموالي؛ ولذا ~~صارت استراتيجية المراقب المحافظة على علاقة طبيعية معي؛ لأن خلاف ~~ذلك يعني حرمانا منها. وكان حريصا على إبعادي عن أنظار رجال ~~الأمن وأذاهم خشية أن أنقل إلى زنزانة أخرى فيضيع الكنز ~~البورجوازي من بين يديه. # رغم ذلك لم تشجعني هذه الحصانة على التهور ولا على التفريط ~~بسلوكية توخي الحذر الشديد والاقتصاد في العلاقات والأحاديث مع ~~رفاق الزنزانة بشكل عام. بالطبع كنت أتجنب المراقب تماما ~~وأتحاشى أي تطور للعلاقة معه. أحد السجناء كان يتقرب إلي ~~بتملق شديد ووضع نفسه في منصب أمين صندوق السجائر التي أشتريها، ~~كان يتوفر على قدرة هائلة على الكذب واختلاق الأحداث والوقائع ~~والأشخاص ولا يكاد يفتح أي موضوع للحديث، مهما كان الموضوع ~~غريبا وبعيدا عن عالمنا إلا وأظهر لنا أن له صلة عميقة به، ~~وأنه مشارك بهذا الحدث بطريقة أو أخرى. في يوم ما طرح حديث ~~عام، وذكر أحدهم لسبب - لا أذكره الآن - دولة إريتريا التي كانت ~~حينها ترزح تحت السيطرة الإثيوبية، فانبرى هذا الرجل وقال: هل ~~تعرفون من فجر الثورة الإريترية ضد الاحتلال الإثيوبي؟ لم يرد ~~عليه أحد لأنه موضوع لا يستأثر باهتمام ms119 أحد، وبصراحة لا أعرف من ~~فجر هذه الثورة حتى هذه اللحظة، انتظرنا جوابه الموسوعي ليقول ~~لنا: إن ابن خالته جاسم قد فعل ذلك! لا تنقطع بطولاته وبطولات ~~عائلته إلا حين يدخل رجل الأمن إلى القسم، وحتى قبل أن يقف رجل ~~الأمن قبال زنزانتنا كان صاحبنا هذا يتحول إلى دجاجة مسكينة فقدت ~~صوتها من الرعب كأنها سمعت وطء نعال من يحبسها في القفص جاء ~~ليذبحها ولا أدري كيف كان سيكون حاله لو رأى عصا الجلاد. # تقريبا بعد عشرة أيام من دخولي السجن وعند غياب الشفق تماما، ~~دخل ضابط أمن معروف بقساوته ليرتكب مجزرة بشعة. هذا الضابط الوحش ~~يقال إنه ابن شقيقة نائب الدكتاتور ولم يكن سهلا بالنسبة لي ~~التأكد من دقة المعلومة، إلا أنه كان يحمل شبها غريبا به، ~~إضافة إلى انحداره من المدينة نفسها؛ ولذا لا أستبعد صحة المقولة. ~~عرف هذا الضابط ببشاعة ظلمه وبارتكابه لجرائم تعذيب كثيرة بحق ~~السجناء، كنت شاهد عيان على بعضها. إلا أن أبشع جرائمه كانت في ~~استبدال السجناء السياسيين ممن قضوا محكوميتهم من صغار السن ~~بمجرمين عتاة محكومين بالإعدام مقابل رشا مالية. ولم يتفطن ~~أحد لهذه الحيلة التي كان يقوم بها هذا الوحش؛ لأن المحكومين من ~~أمثالنا كانوا محرومين من مواجهة الأهل ومن كل حقوقهم، وأخبارهم ~~مقطوعة تماما ولا يعرف عنهم شيء وكانوا يعدون من ~~الأموات. # لذا أضحى من المستحيل أن يفكر أحد بالسؤال لمعرفة مصير ابنه؛ ~~لأن المعتقلين والسجناء السياسيين خط أحمر لا يصل إليه أحد ~~إلا وعرض نفسه لعقاب صارم. لهذا السبب استسهل هذا الضابط ~~استبدال السجناء السياسيين بمجرمين محكومين بالإعدام لارتكابهم ~~جرائم جنائية. كان متأكدا من أن لا أحد سيجرؤ على السؤال عما ~~يجري ومستعينا على ما يبدو بصلة القرابة بشخصية قوية في الحكم في ~~إرهاب الآخرين. # كان يتفق مع المجرم المحكوم بالإعدام على مغادرة البلد فور ~~إخراجه من السجن؛ وبذلك تختفي آثار الجريمة، غير أنه في إحدى ~~المرات استسهل أحد المجرمين المحكومين بالإعدام الأمر ولم يغادر ~~البلد على الفور حسب الاتفاق، ms120 ولحسن الحظ بينما كان يمشي في أحد ~~الشوارع المهمة في العاصمة، لمحه ضابط شرطة جنائي كان قد أجرى ~~التحقيق معه بنفسه، فاستوقفه وسأله عن كيفية خروجه من السجن وهو ~~محكوم بالإعدام؟! أثارت أجوبته الهزيلة المرتبكة ريبة ضابط ~~الشرطة فألقى القبض عليه في الحال لارتيابه بأنه قد فر من السجن. ~~وعند التحقيق معه اكتشف المحققون الأمر الأدهى حين علموا بأمر ~~استبداله بشخص آخر من السجناء السياسيين بالتعاون مع ضابط الأمن ~~المسئول عن السجن الذي كنت فيه. وتبين فيما بعد أن هذه ليست ~~الجريمة الوحيدة، بل واحدة من سلسلة جرائم وقعت لأشخاص ~~كثر. # أصابنا العجب بعد سبع سنوات حين واجهنا العالم الخارجي لأول ~~مرة، ونحن نسأل عن سجناء كانوا معنا؛ لأن الإجابة الصادمة كانت ~~تأتي بأن جثثهم قد سلمت لأهاليهم بعد تنفيذ حكم الإعدام بهم، ~~وآخرون أصلا لم تصل جثثهم إليهم. فقط صودرت شهادة الجنسية ~~وهويات الأحوال المدنية من عوائلهم وأبلغوا بإعدامهم شفهيا ~~وظلوا مجهولي المصير حتى يومنا هذا. إثر هذه الفضيحة الإجرامية ~~أبعد هذا المجرم من وظيفته كمشرف على السجن الذي كنا نحتجز ~~فيه، مما خفف علينا بعد إبعاده كثيرا من جرائمه الوحشية التي ~~كان يرتكبها بشكل متواصل. ومع ذلك لم يتلق عقابا كبيرا؛ لأن ~~أرواح السجناء السياسيين لم تكن ذات أهمية بالنسبة للسلطة ~~القمعية، وربما أيضا لقرابته من رأس السلطة. سمعنا فيما بعد أنه ~~أبعد إلى السلك الجنائي كعقوبة له كما كان يفعل بالعادة مع ضباط ~~الأمن المغضوب عليهم من السلطات الأمنية العليا. # في تلك الليلة دخل هذا الضابط إلى السجن وكانت ليلة عيد، طلب من ~~الخدمات والمراقبين أن يقدموا أسماء السجناء الذين كانوا قد ~~امتنعوا عن الأكل والشرب في هذا اليوم لأسباب دينية. ولم يكن طلبه ~~سؤالا، بل كان يريد أشخاصا ليعذبهم حتى وإن لم يصوموا وبعضهم كان ~~بالفعل كذلك. إلا أن الخدمات والمراقبين كانوا يحملون من الجبن ~~والخوف من العقاب ما لا يستطيعون معه أن يردوا على طلب هذا ~~الضابط المتهور المجنون المهووس بالتعذيب، خصوصا أنهم قد علموا ms121 ~~بنيته الأكيدة بإنزال عقاب شديد بالسجناء، حين جاء مع مجموعة من ~~رجال الأمن مجهزة بهراوات خاصة لإقامة حفل تعذيب في تلك الليلة. ~~وبدأت المجزرة ، كل من يرد اسمه فهو مذنب وإن أثبت بألف بينة ~~ودليل أن لا ذنب له، وهو الأسلوب ذاته الذي كان يجري في التحقيق، ~~التهمة هي الذنب. # خلال دقائق جلس في الفناء العريض عدد كبير من السجناء، من ~~زنزانتا فقط اثنا عشر شخصا. بدأت حفلة تعذيب لمدة ساعة تقريبا، ~~يمر أربعة من رجال الأمن ويضاف إليهم أربعة آخرون من الخدمات ~~ينزلون أقصى ما يملكون من قوة عندهم على السجناء، بعصيهم ~~وبالهراوات والكيبلات الكهربائية ضج المكان بصرخات الألم وسط ~~صمت وخوف ملأ المكان كله. لم يتوقفوا عن الضرب حتى بعد أن ~~أغمي على عدد من السجناء، انتهت الحفلة في فصلها الأول عندما ~~شعر الجلادون بالتعب والإرهاق لتبدأ فصلا جديدا. حيث أفرغت ~~زنزانة كانت مخصصة للمصابين بمرض التدرن الرئوي، تم نقلهم إلى ~~قسم خاص سوف أحل عليه قريبا، ليوضع في هذه الزنزانة كل ~~هؤلاء المتهمين بالعصيان، بزحام رهيب وإن كنت لا أدري كم كان ~~عددهم بالضبط أو تقريبا. لم يكتف هذا الضابط بهذا العقاب، بل ~~أمر بوضع بطانيات على القضبان الحديدية ليسد عليهم كل نور، ~~وخفضت حصتهم من الطعام والماء إلى النصف، وهي حصة بالأصل لم تكن ~~تكفي لسد الرمق، وظلوا على هذا الحال عدة أسابيع. الغريب في ~~الأمر أنه بعد أن أخرجوا من هذه الزنزانة لم يكونوا فرحين جدا ~~كما هو المتوقع، بل بدا على بعضهم الأسف حيال ذلك. وعندما سألت ~~أحدهم عن سبب هذا الشعور الغريب، قال لي: «كان مكانا آمنا لا ~~يوجد فيه مراقب متعاون مع الأمن، والبطانيات تحجب الرؤية عن رجال ~~الأمن والخدمات؛ لذلك كنا نتصرف بحرية كبيرة، نتكلم بما يحلو ~~لنا ونفعل ما نشاء. أما نقص الضوء والأكل والشرب فهو أهون بكثير من ~~هذا الرعب اليومي جراء ملاحقة عيون الخدمات ورجال الأمن لنا ليل ~~نهار.» # بصراحة كان كلامه على غرابته مقنعا للغاية. هذا الإحساس ms122 بفقدان ~~الأمن صار دافعا لكثير من السجناء للمخاطرة والقيام ببعض التصرفات ~~للحصول على فرصة كهذه. # 3 # بعد هذه الليلة المرعبة تناقص عددنا في الزنزانة إلى ثلاثة ~~وثلاثين سجينا، كانت انفراجة كبيرة في المنام لليلتين ~~تقريبا، وبسبب هذا النقص الكبير في العدد حشر معنا سجناء جدد ~~ممن وصلوا حديثا من المحكمة، وعاد العدد إلى طبيعته تدريجيا ~~خلال أيام قليلة، إلى أن رفعت العقوبة عن المعاقبين الذين طلب ~~منهم العودة، كل إلى زنزانته التي خرج منها، وفي لحظة واحدة قفز ~~عددنا إلى سبعة وخمسين سجينا وأصبحت الزنزانة مكتظة بشكل مثير ~~للاشمئزاز؛ لأنه لم يعد هناك من مكان للنوم ولا حتى للجلوس، ~~وضاعف من تقززنا حصول حادث غريب تلقينا بسببه عقوبة ~~جماعية قاسية. # كان رجال الأمن يغيرون الزنزانات لسبب أجهله، يأتون ويطلبون ~~منا أن نخرج كلنا ونذهب إلى زنزانة أخرى فيما يأتي سجناء آخرون ~~إلى زنزانتنا، وهكذا كل الزنزانات الأخرى. انتقلنا إلى زنزانة ~~جديدة تقع في ظهر قسم آخر يوجد فيه سجناء سياسيون يعيشون بمثل ~~ظروفنا، يسمى «ق2»، اختصارا لاسم «القاطع المغلق الثاني»، ونحن ~~في «ق1». عندما ننتقل إلى زنزانة جديدة نبدأ بالبحث عن ثقب صغير ~~بين الجدران لنحشر فيه مسمارا أو ما يشبهه لنعلق به «عليجة» ~~تحوي كل أملاكنا من ثياب أو أشياء أخرى. # لم يكن من السهل إيجاد الثقوب لحشر الشناق الحديدي المستخدم ~~عادة لتعليق أكياس صغيرة نضع فيها أغراضنا، وكان لا بد من ~~الاستعانة بشيء ما للطرق والحفر قليلا بين قطعتي البلوك حتى ~~يحصل على موقع ثابت نوعا ما. كان أحد السجناء يملك حذاء قديما، ~~لا يصلح للانتعال أبدا، إلا أنه يحتفظ بكعب صلد ينفع كمطرقة. ~~بعد أن انتهينا من استعماله؛ ولأن عددنا كان كثيرا جدا ~~وامتلأت كل أنحاء الزنزانة بالبشر والأغراض، اخترع صاحبه ~~طريقة مبتكرة للاحتفاظ به؛ إذ ربطه بحبل صنعه من أسمال بالية ~~وأخرجه من فتحة التهوية الوحيدة في الزنزانة ليتدلى في الخارج، ~~وليتمكن من سحبه ثانية عند الحاجة. # في المساء جاء رجل أمن مع أحد الخونة المتعاونين ms123 من «ق2» ليلقي ~~علينا تهمة الاتصال مع السجناء في «ق 2»، وادعى أنه رأى يدا ~~تمتد من فتحة التهوية في زنزانتنا تلوح إلى شخص ما في قسمه، ~~صار علينا وفق هذا الاتهام تحديد اسم الشخص المتهم بالتخابر من ~~زنزانتنا وعليه أن يعرف باسم الشخص الآخر في الزنزانة المقابلة. ~~أصبنا بالذهول من هذا الموقف الغريب وكيف سنخرج منه، ولم تفد ~~كل محاولاتنا بإقناع رجل الأمن بأن أحدنا أخرج الحذاء من فتحة ~~الشباك ليس إلا ورفض هذا التبرير ولم يلتفت إليه. # مراقبنا كان جبانا رعديدا ووضيعا إلى حد بعيد ولا يجرؤ ~~على رد الاتهام، بل بذل كل جهده ليرمي التهمة على أحدنا ~~ويتخلص من هذه الورطة ويتملق بذلك إلى رجال الأمن والخدمات، ~~بالمقابل كان لا يأمن إزاحته من منصبه ومعاقبته لو فشل في تقديم ~~اسم متهم بهذا الذنب المخترع. ولما لم يعترف أحد بالتهمة عاقبنا ~~على الفور رجل الأمن بإخراج عشرة منا بشكل عشوائي وأوسعوهم ~~ضربا، وهدد بأنه سوف يعود مع كل وجبة طعام ويختار عشرة أخرى ~~وعلينا أن نقدم المذنب وإلا فإنه سيعاقبنا جميعا، وصرنا في ~~حيص وبيص ولا نعرف سبيلا للخروج من هذا المأزق. # الخونة بيننا يبحثون عن قربان ونحن بالمقابل على يقين من بطلان ~~ادعاء المخبر؛ لأنه أصلا لا يمكن لأحد أن يرى أحدا من ذاك البعد ~~بين القسمين ومن خلال هذه الثقوب الصغيرة. إضافة لذلك كنا ~~نزلاء جدد على هذه الزنزانة في يومنا الأول ولا يمكن أبدا أن ~~نعرف من يسكن قبالنا أو من خلفنا. # استمر الحال على ما هو عليه في الصباح وأخرج عشرة آخرين ~~ليتلقوا عقابا جماعيا، وأصبحنا مع كل وجبة طعام يأتي إلينا ~~رجل الأمن ونقدم له عشرة قرابين ليعاقبهم، وزاد الأمر على ذلك؛ ~~إذ إن المسئول الأمني أصدر أمرا بمنعنا من الوقوف في الزنزانة ~~مطلقا، حتى عندما كنا نريد الذهاب إلى الخلاء أو التحرك في داخل ~~الزنزانة علينا أن نقفز إما مثل الأرانب أو نزحف كالسلاحف. كان ~~وضعا قاسيا تكبدنا فيه محنة إضافية لكل ما ms124 نحن فيه من ظروف ~~شاقة وأليمة. # مرت ثلاثة أيام بلياليها ونحن على هذا الحال إلى أن اقتنع رجل ~~الأمن بأن المخبر متوهم فيما يقوله، بعد أن تصدى لإقناعه ~~شاب شجاع ذلق اللسان استخدم خزينه من الكلمات المنمقة التي ~~بالغت في مدح رجل الأمن ووصفه بأوصاف لم يكن يحلم أن يسمعها ~~لترتفع نسبة الزهو والغرور عنده إلى مديات عليا سهلت إصدار ~~عفوه علينا امتنانا لكلمات صاحبنا الذي تلاعب به بشجاعة؛ لأنه لو ~~لم يقنع رجل الأمن بما قدمه من حجج لوضع نفسه في فوهة ~~المدفع ولتجرع عقوبة قاسية. # في هذه الأثناء واصلت صحتي الانحدار السريع وهزلت إلى درجة ~~قياسية؛ الحمى لا تفارقني وكنت أتعرق بشدة خصوصا في الليل، ~~وتنفسي بات شاقا وأقضي ليلي ونهاري مستلقيا. وفي أحد الأيام ~~عند الصباح وأنا أغسل وجهي سعلت في إناء كنا نغسل فيه وجوهنا ~~وأيدينا جميعا، وإذا بدم أحمر قان يخرج مع السعال ليدق جرس ~~الإنذار في الزنزانة؛ إذ كان هذا بمثابة إعلان رسمي على إصابتي ~~بمرض السل الرئوي. # فزع المراقب وبعض أنصاره خشية العدوى وبدءوا يفكرون الآن بطريقة ~~للتخلص مني ونقلي خارج الزنزانة. بالمقابل كان هناك آخرون يبالغون ~~في تقديم الرعاية والعناية لي ويضيقون على أنفسهم كثيرا في ~~المأكل والمشرب والمنام لأجل توفير الراحة لي التي لا تتوفر لأحد. ~~تدهورت صحتي جدا وأصبحت على مشارف الموت الفعلي بحيث لم يخف ~~بعض السجناء قلقهم من ذلك، بل إيمانهم الكامل بأنه لم يتبق لي ~~إلا القليل جدا في هذه الدنيا، وما زلت أذكر أحدهم الذي كان ~~يكبرني بسنوات قليلة وهو يجلس إلى رأسي يحدثني عن الدنيا الفانية ~~ويقول لي: إن الموت حق، ويواسيني بكلمات صبر وتشجيع. # لا أعرف لماذا لم أشعر بأي شيء في تلك الوضعية المزرية التي ~~وصل إليها جسدي. لا أقدر أن أقول إني كنت صبورا على الأوجاع ~~والألم وانحطاط قواي البدنية؛ لأني بصراحة كنت لا أشعر بأي شيء. ~~الأمر بالنسبة لي كان يبدو عاديا جدا، وحتى عندما كنت أسمع ~~كلمات المواساة والصبر لم ms125 أكن ألقي لها بالا على الإطلاق أو ~~أعيرها أي اهتمام، بل كنت أرى أنه لا يستحق كل هذا العناء ~~والتفكير منهم، وأراهم مهووسين بأمر ليس بذي بال. ولأبرهن على ذلك ~~أني لم أتوقف عن التدخين حتى في هذه الظروف البائسة، إلا في ~~مرحلة متقدمة عندما وصل بي العجز درجة تضاءلت فيها قدرتي على ~~سحب الأنفاس للبقاء على الحياة ولم يعد هناك من مجال بعد ~~للتمتع بلذة الدخان. # طبعا قد يظن البعض أننا كنا ندخن بشراهة من الضجر والملل ~~الذي يملؤنا، وحتى نحن كنا نحسب أنفسنا من المدخنين المدمنين ولم ~~أصح من هذه الفرضية الخاطئة إلا بعد سنوات، حين قابلنا طبيب ~~في مستوصف المستشفى وسأل سجينا كان يشاطرني الزنزانة هل ~~تدخن؟ ~~- «نعم.» ~~«أجابه رفيقي». وكانت «نعم» كبيرة استرعت انتباه الطبيب، فسأله ~~ثانية: «كم سيجارة تدخن في اليوم؟» # فقال له صاحبي: «ثلاث سجائر باليوم، تمر كل سيجارة على عشرين ~~مدخنا تقريبا في الزنزانة ليأخذ كل واحد منهم نفسا واحدا ~~فقط.» # ضحك الطبيب مبتسما ساخرا. وانتبهت إلى العالم الغريب الذي ~~نعيشه، وإلى كم المعتقدات التي نؤمن بها بشدة وهي وهم ~~ظاهر. # أن نركب حقائق عالم على عالم آخر لا يمت له بصلة ونسقط ~~تداعياته عليه بلا وعي فواصل الزمان والمكان والظروف الموضوعية، ~~سوف يدفعنا إلى متاهة لا نهاية لها ويضعنا وسط لغز بلا ~~حل. # كنا أحيانا ندخن بطريقة فكاهية بحق، وأكثر هزلية مما ذكرت؛ ~~إذ عندما تنقطع السجائر عنا نروح نبحث عن بدائل لها. جربت ~~واحدة من تلك البدائل مرة، وبعدها استسخفت الفكرة كثيرا لأمتنع ~~بعدها نهائيا عن التدخين في السجن ولسنوات طويلة. كنا نجمع ~~بقايا الشاي الذي يقدم لنا في الصباح ونجففه تماما، وكان ~~لدينا صنبور ماء عاطل تم نزعه من أحد الحمامات؛ لأنه بالأصل لا ~~يوجد ماء في الحمام، ولسنا بحاجة لهذا الصنبور العاطل ولا لغيره ~~وإن كان صالحا. كنا نضع فضلات الشاي في هذا الصنبور ونحرقه ~~ونسحب دخانه من الجهة الأخرى للصنبور وكأننا كنا ندخن غليونا. ~~كان طعم الدخان لا ms126 يمت لدخان السجائر بشيء بل كان مرا لاذعا، ~~ومع ذلك كنا نشعر معه براحة أكثر من تدخين السجائر؛ لأن مخلفات ~~الشاي كثيرة، وكنا نحظى بأكثر من نفس واحد عند محاولة التدخين ~~بهذا الغليون ولا يوجد تزاحم عليه بين السجناء كما كان يحصل في ~~تدخين السجائر. # 4 # كان الجوع شديدا، يقدم لنا في الصباح حساء عدس وشاي وقطعة ~~خبز صباحية (نسميها صمون باللهجة العراقية). كل صحن كان ~~مخصصا لأن يأكل منه خمسة أشخاص أو أكثر؛ وهو بالكاد يكفي ~~لإشباع شخص واحد. وفي الغداء يقدم لنا رز بمقدار قدح صغير، ومع ~~ذلك لم يكن يصلنا هذا النزر الضئيل والمقدار البخس كل يوم، ~~بل تقريبا مرتان أو ثلاث مرات في الأسبوع الواحد في أحسن الأحوال. ~~عدا ذلك، كانت الوجبة الرئيسية في العشاء أو الغداء، عبارة عن حساء ~~من شيء لا أعرف كنهه بالتحديد، يبدو حين يصلنا في قدر كبير ~~(يسمى قزان بمصطلح السجناء) كأنه ماء ساخن تطفو عليه بضعة رءوس ~~بصل وتسبح معه أشياء دقيقة سوداء، لا يدرى هل هي ديدان أم أشياء ~~تؤكل. منظر القدر بما فيه يبعث على التقزز، ومع ذلك كنا نأكله ~~بنهم شديد؛ لأننا كنا طاويين لحد المسغبة. # في مناسبات قليلة كان يصلنا لحم أو دجاج مرة في الشهر أو أكثر ~~من ذلك، وفي مرات نادرة جدا حظينا بسمك، وكل ذلك لم يكف لسد ~~الجوع أبدا. # الأواني التي نستلم بها الطعام مضحكة، مثلما هي الطريقة التي ~~يسلم بها. كان القزان الكبير يصل إلى باب الزنزانة يدفعه واحد ~~من عناصر الخدمات على صناديق بلاستيكية تسهيلا للحركة، ويبدأ ~~بإعطاء كل زنزانة نصيبها. يقدم المراقب صحنا كبيرا من تحت ~~القضبان لتسلم الرز، وبالطبع هذا الصحن الكبير ليس كما تشي به ~~الكلمة؛ لأنه لم يكن في الحقيقة سوى غطاء لبرميل الماء ~~البلاستيكي. # يبدأ المراقب بعدها بتوزيع الحصص التموينية بواسطة قنينة زيت ~~بلاستيكية (تشبه قناني الماء والكولا حجم لترين) شقت إلى ~~نصفين لتصبح أداة غرف، ويقدم الطعام لكل مجموعة سجناء في ~~صحون معدنية مسطحة. ms127 وهكذا الأقداح التي نشرب بها، لها أشكال غريبة ~~عجائبية منوعة مثل أدوات الأكل، ومن الممكن أن تكون عدلت طريقة ~~استعمالها من أي شيء، كأن يكون علبة معدنية أو قعر قنينة زيت، ~~وعلى كل حال لم يكن هناك الكثير من الماء لنشربه. # الماء يصل إلينا عبر خرطوم طويل، الذي يمر نصف ساعة على كل ~~زنزانة لتتزود به بملء برميل بلاستيكي يشد بإحكام إلى الحائط ~~الذي تتواجد فيه فتحات التهوية. ولأن الساحة الخلفية كانت مكبا ~~ضخما للنفايات فكانت تتوافد إلى هذا البرميل حشرات لا عد لها ~~ولا حصر وتموت فيه، ولم يكن هذا سببا رادعا للامتناع عن شرب ~~الماء. كل ما كان يجري هو إزاحتها قليلا قبل الشرب وينتهي الموضوع ~~وكأن شيئا لم يكن مع أنه كان يحصل في كل لحظة. # كان الماء شحيحا إلى درجة لا تصدق، وصل في بعض المرات إلى أن ~~يكون حصة كل سجين نصف لتر تقريبا، وفي أحسن المرات ثلاثة ~~أرباع اللتر في اليوم والليلة الواحدة، يستعملها السجين لكل ~~الأغراض من شرب واستحمام وللشطف بعد قضاء حاجته ولغسل ملابسه ~~وأواني طعامه. ولولا أن المكان كان مظلما لا تزوره الشمس بالمطلق ~~لما أمكن لأي أحد العيش في هذا العطش المتواصل. # يحصل أحيانا أن يصل إلينا الخبز أكثر من المعتاد؛ لذلك لجأ ~~السجناء إلى جمع كل الفتات المتبقي منه وتجفيفه في أكياس ~~(جنفاص) بيضاء تشبه الخيش إلا أنها مصنوعة من خيوط نايلون ~~صناعية، تعلق في أعلى الزنزانة قريبة إلى السقف، توفر لأيام ~~المجاعة، وما أكثرها. # تمر علينا أيام صعبة من نقص شديد في الطعام؛ إذ يصبح ضئيلا ~~في مقداره متأخرا في وصوله. عندئذ، كنا ننقع الخبز اليابس ~~بالماء لتصيبه طراوة تيسر على الأضراس طحنه، وبعضهم كان ~~يستلذ بأكله يابسا كل بحسب ما يروم ويشتهي، وبالأحرى كل بحسب ~~درجة الجوع التي انتهى إليها. كنت وأنا آكله أحس بطعم الغبار في ~~حلقي، ولكنه لم يحجزني عن جرشه ولا صدني عنه أبدا؛ لأن الجوع ~~صاحب قلب كبير يتسع لكل أنواع الطعام، لا ms128 يحجز أحدا منه؛ لا ~~جيدا ولا رديئا، ويشكر بعدها بامتنان مهارة صانعيه ولو كانوا ~~أسوأ الطباخين. لا أقدر أن أصور الجوع الذي كنا نتلوى منه، ~~هل تكفي كلمة مخمصة ؟ لا أدري. # بعض السجناء - خصوصا من حديثي السن المراهقين وبعضهم لم يتجاوز ~~الثلاثة عشر ربيعا - كانوا - زائدا عن ألم فراق آبائهم ~~وأمهاتهم بعد أن اختطفوا من أحضان أهليهم - يأنون من لهيب جوع ~~يستعر ولا يجدون ما يخمدونه به، وحين يجتمع برد صرد وجوع جارف ~~كان حتى الكبار يتأوهون من فعلهما القبيح. في إحدى الليالي ~~شوهد أحد السجناء وهو يجلس منزويا تحت جنح الظلام يبكي، وراحت ~~الظنون أن به أمرا جللا كان يتكتم عليه وها قد طفح الكيل به، فلم ~~يعد قادرا على مواراته أو لربما دهمه شوق وحنين ما تملك من ~~زجره كما كنا نفعل جميعا؛ إذ كنا جميعا نمارس لعبة فقد ~~الذكريات ونفرغ أذهاننا من الماضي ونوصد الأبواب عليها حتى لا ~~يصيبنا الجنون، لكن حين الاستفهام منه عن سبب هذا البكاء المباغت ~~بلا مقدمات جاء الجواب المريع: «البرد والجوع يقتلني». (هكذا ~~قال)، وعاد منخرطا في بكائه المرير. # إلا أن معاناة الصغار كانت أشد من ذلك، وصل الجوع ببعضهم إلى ~~أن يصنع فطيرة لم يوص بها أمهر الطباخين. كانوا يأخذون قطعا ~~من رغيف متيبس ويمسحونه بمعجون الأسنان كما لو أنه يدهن الخبز ~~بزبدة أو قشدة، ويتلذذ أحدهم فرحا منتشيا وهو يقضمها مع ~~مجموعة من رفاقه في حفلة أكل جماعية والبسمة تعلو محياهم، ~~كأنهم يحتفلون بعيد ميلاد صديق لهم. لم يكن يسيرا تجربة هذا النوع ~~من الشطائر؛ لذلك لا أعرف طعمها، لكن أعرف من تذوقها، بل ~~ازدردها وأسكت عويل أمعائه الخاوية بها ولم يندم على ذلك. # مما يزيد الوجع والألم قسوة هو الانتظار، وما يضاعفه أكثر حين ~~يكون الهدف المنشود والأمر المبتغى بمرأى العين تتحسسه الجوارح ~~وتهفو إليه الجوانح لشدة قربه، لكنه ينأى بعيدا في غور عميق ~~ولا يحول عنه ويحجز الإمساك به ويمنع الوصول إليه إلا وهم خادع. ~~هذا ما كان ms129 يحصل في مرات كثيرة ونحن نتلوى جوعا ننتظر وجبة ~~مقرفة من حساء لا طعم له، ونجبر ذائقتنا على التلذذ به برضا ~~وقناعة مع أن الأولى بنا مجه وقيئه، لكن لا حيلة لذلك؛ لأن خيار ~~الموت جوعا هو البديل لو امتنعنا عن قبوله. # كنت آكل ليس حبا في الأكل ولا رغبة في البقاء على قيد الحياة ~~لأجل البقاء، إنما كنت أفعل ذلك لأواصل المقاومة وأتحدى بمواصلة ~~الحياة عدوي الذي يريد أن يرغمني على الظن أن لا مكان لي في ~~هذه الدنيا بهذه الأفكار وبهذا النفس المتمرد، ويجب علي إما ~~الخضوع له أو مغادرتها إلى عالم آخر. # نافذة خيالاتي كانت تسرح بي بعيدا خارج الزنزانة، إلى كتب ~~أدمنت مطالعتها، وقيم ومبادئ التزمت بها، أشربت بها وتجري في ~~عروقي، منها نبت لحمي وعظمي وكل كياني. أسرح مثل خيول برية، ~~أمرح في سهوب روايات أبحرت فيها من قبل، وقصائد عشقتها، أعلو ~~هضاب كتابات جادة وألتقط من عشبها. الذاكرة كانت حية ولم تزل فيها ~~بعد طرية كلمات ناظم حكمت وهو يقول في بعض أبيات قصيدة إلى مرشحي ~~السجون كنت متيما بها قبل اعتقالي: # احرص على تناول حصتك من الخبز حتى اللقمة الأخيرة. # واحذر من نسيان الضحك ملء الفم. # الشاعر التركي يبرر ذلك بأنهم يريدون قتلك، فلا تمنحهم الفرصة ~~لفعل ذلك. منطق سليم تلقفته وعملت به بإخلاص شديد، كنت أواصل ~~الحياة لأنكد عليهم مسعاهم وأحبط مشروعهم ولأقول لهم: إننا باقون ~~في هذه الدنيا وسوف يبقى صوتنا يطوف في الدنيا وصورنا سوف تظلل ~~الأرض أعلى من السحاب، أما أنتم فسوف ترحلون ولن يبقى صوت لكم ولا ~~صدى، وسوف تختفي عينكم هي والأثر. # كان أمرا يبعث على السأم والملل أن تجلس ساعات طوالا ترنو ~~بعينيك إلى طعام ملقى أمامك، وأمعاؤك أودى بها الخواء إلى ~~العجز حتى عن التلوي ألما. وتجد يدك مغلولة لا تجرؤ على كسر ~~رغيف خبز أو خطف رشفة من حساء حسنته الوحيدة التي تشجع على ~~الأكل أنه ساخن، وتراه يبرد ويفقد كل ما فيه، وسبب ms130 ذلك كله ~~أن التلفاز يذيع خطابا للقائد الهمام، أو يعرض برنامجا يزور فيه ~~قطعة عسكرية أو يقلد أوسمة لضباط. يستغرق عرض البرنامج أحيانا ~~أكثر من أربع ساعات ونحن مسمرون إلى أماكننا. لا يسمح لنا ~~بالحديث ولا بالحركة ولا الأكل والشرب ولا حتى الذهاب إلى المرحاض ~~لقضاء الحاجة، ولو اضطر إلى ذلك. نظل ملتصقين إلى أماكننا، نجلس ~~كأننا تماثيل شمع. ومن يرتكب أيا من هذه المحظورات، يعرض نفسه ~~إلى عقاب كبير؛ لأن التجاوز على ذات القائد يعني الموت بحسب ~~القانون، فكيف تفعل ذلك وأنت أصلا متهم بالخيانة ومعاداة الوطن ~~والحزب القائد والثورة. # 5 # استطاع شاب شجاع أن ~~يدبر لي بعض المضادات الحيوية، ساعدت على كبح تدهور صحتي ~~ولو قليلا. وقام بفعل جريء آخر؛ فحين يوضع أمام الزنزانة كيس ~~كبير فيه خبز لتؤخذ الحصة بحسب عدد السجناء، كان يستغفل عناصر ~~الخدمات ووكلاء الأمن ويأخذ أكثر من الحصة المقررة بضع قطع ~~إضافية ويدخرها لي ليمنحني فرصة أكبر لمقاومة المرض الذي يواصل ~~تقدمه ويحرز انتصارات واضحة في جسدي. هذا الشاب كان ~~طالبا في الكلية العسكرية حين اعتقاله؛ لذا كان شجاعا وجريئا ~~وفعل أشياء كثيرة لإبقائي حيا وإعانتي على تجاوز الأزمة، ~~وسوف أبقى أحتفظ له بهذا الجميل رغم تواضعه وخجله عندما أذكره ~~بها شاكرا. مرة وبعد سنوات طويلة التقيته في ظروف مثالية وشكرت ~~له موقفه الخالد، رأيت على سحنات وجهه حياء كأنه خفر ~~العذارى مما دفعه للطلب مني متوسلا ألا أعيد ذكر ذلك. لم ~~أعد أذكر ذلك أمامه، لكن هل بوسعي ألا أذكر ذلك في كل مرة ~~تخطر على بالي تلك الأيام؟ كلا، ليس بإمكاني تجاوز صنعه لي؛ ~~لأني أعرف أي مخاطرة كان يخاطر بها لأجل دافع إنساني في قلبه ~~الطيب، وأي تضحية كان مستعدا أن يقدمها لإنقاذ حياة إنسان ~~مثله. مثل هذا الشاب كان يلقى في غياهب السجون؛ لأنه يحمل قلبا ~~طاهرا وأخلاقا رفيعة ويتصدى بنبله وعلو أخلاقه لنظام ~~يحمل كل الرذائل والمفاسد. # مع كل هذه الجهود التي بذلها صديقي، إلا أن ذلك لم ms131 يحل من ~~تراجع صحتي، مما أشعل مخاوف جدية من انتقال العدوى إلى الآخرين. ~~الخوف كان واضحا على وجوه بعض السجناء ممن لا علاقة لهم لا ~~بالسياسة ولا المعارضة ولا الثقافة ولا أي شيء يمنحهم لقب سجين ~~سياسي من خصال التضحية. دب الرعب بين هؤلاء وانضموا لجوقة ~~المراقب الذي بذل جهودا كبيرا عند الخدمات لإقناع الأمن بضرورة ~~إخراجي من الزنزانة ونقلي إلى زنزانة مخصصة للحجر الصحي يودع ~~فيها كل المصابين بمرض التدرن الرئوي، وقد نجحت مساعيهم ~~لاحقا. # قبيل نقلي إلى زنزانة الحجر الصحي ورغم شدة مرضي، إلا أني ~~لم أتوقف عن روح التمرد والاحتجاج. في كل زنزانة هناك شخص ~~يسمى مسئول الماء، له من الأهمية والمقام الكثير؛ لأنه يمسك ~~بالماء عصب الحياة، وبالعادة في زنزانة مثل التي كنت فيها حيث ~~يوجد مراقب يعد واحدا من أكثر المتعاونين مع الأمن خسة ~~وجبنا ونذالة، فلا بد أن يكون مسئول الماء متناغما معه. وكان ~~كذلك وإن لم يش بأحد إلى الأمن يوما، إلا أنه كان انتهازيا ~~رخيصا. ولأن الماء شحيح، فمن المفترض أن نحظى بحصص متساوية، ~~إلا أنه كان يسرق لنفسه ويرشو المراقب بحصة زائدة. واجهت سرقته ~~وأحرجته باعتراض علني. كان يحاول سرقة الماء حين يطلب عناصر ~~الخدمات سحب خرطوم الماء من زنزانتا إلى زنزانة أخرى بعد انتهاء ~~الوقت المخصص لنا، يقوم هو في هذا الوقت ~~بوضع الخرطوم في إناء خاص ~~مستغلا الوقت القليل الذي يستغرقه سحب الخرطوم، وبدلا من أن ~~يضع الماء في البرميل المخصص له يقوم بإخفائه لصالحه. لم تكن ~~الكمية أكثر من قدحين إلى ثلاثة أقداح، لكن كانت بالنسبة لي ~~مهمة جدا، والأهم أنه فاسد يستغل منصبه للتلاعب بثروة عامة ~~لصالحه الخاص؛ لذا كنت أراه أمرا لا يحتمل السكوت عليه. # الغريب أني اكتشفت خواءه وجبنه بحركة معارضة صغيرة، كان ~~رعديدا تهزه كلمة، ويفزعه موقف تصد واحد. مثله مثل كل ~~المتظاهرين بالجبروت من الطغاة يفزعون من كلمة حق يلقيها امرؤ ~~أعزل. إن ما يجعلهم كبارا مرهوبين هو وهم الخوف الذي يملأ نفوس ms132 ~~الناس وليس أي شيء آخر؛ ولذلك سعى هو الآخر للتخلص من وجودي في ~~الزنزانة. تواجدي في محل واحد معه أرقه كثيرا إلى حد أنه ~~بعد عدة سنوات حين جمعتنا الصدف مرة أخرى في زنزانة جديدة، ~~وجدته أيضا مسئول الماء، وبمجرد دخولي إليها، أول شيء فعله أن ~~جاء إلي مباشرة، هامسا، طالبا مني بود واستعطاف ألا أثير ~~عليه المشاكل من جديد وأزيحه من منصبه، وحاول إرضائي بمبالغة ~~زائدة في الاحترام. # ازدادت قناعتي من هذا الموقف بأن المتجبرين ما هم إلا جبناء ~~ألبسهم خوف الناس لباس القوة والجبروت. وصرت أتمسك أكثر ~~بمنهجي بألا أهاب أحدا منهم ولا أتردد في مواجهتهم، ويزداد ~~عجبي من الخشية التي تعتمر قلوب كثيرين من وهم القوة التي يصنعها ~~الطغاة والمستكبرون لأنفسهم، ويخضعون لكذبتها ويظنونها حقيقة ~~راسخة لا يمكن الفكاك من سطوتها. # قد يقال إن الحديث عن هذين الكوبين من الماء به مبالغة كبيرة، ~~وإني جعلت من الحبة قبة، وصيرت أمرا هينا معضلة عويصة، ~~وأعطيتها عناوين ضخمة من استغلال منصب وتلاعب بالثروة العامة ~~إلى آخره من الشعارات الكبيرة. أستطيع أن أؤكد أن الأمر يستحق وكان ~~فعلي بالتصدي مبررا جدا. أما حديثي عن العناوين الضخمة ~~فمرده أن من يظهر فحشه في الجرائم الكبرى فهو ليس بحادث ~~جديد، بل هو تاريخ طويل من حوادث صغيرة تراكمت، غفلت أو تغافلت ~~عنها عيون الناس، ولما تعاظم عددها كبر خطرها وانفجرت. كان ~~من السهل جدا وأدها أو إصلاحها من قبل وهي لم تزل صغيرة. لا ~~معلول بلا علة، وتراكم الكم يحدث تغييرا في الكيف، وإن ~~المبادئ لا تتجزأ والقيم لا تتغير، ومن كان هنا فسوف يكون ~~هناك؛ إن صالحا أو طالحا، شينا أو زينا. أما هذان القدحان ~~فقد تشترى بهما حياة إنسان في ذاك المكان المنسي؛ لأن الماء كان ~~معدنا نفيسا أغلى من الياقوت والزمرد، وكان كل سجين يحرص أن ~~يتصرف به بعناية شديدة واقتصاد مبالغ به. # في ليلة من الليالي نهض شاب من رقدته، وقد مر به طائف ~~ذكره بفحولته، وبعيد مغادرته ms133 اكتشف أن ما خرج منه من مني قد ~~أدخله في ورطة وأصاب ملابسه وبطانية ينام عليها؛ ولأن الماء شحيح ~~جدا فلا يمكن له أن يغسل كامل ثيابه أو سائر البطانية مما اتسخت ~~به، فكان عليه أن يحدد أي موضع أصيب بالقذارة ويحاول أن ~~ينظفه، لذا خاطر بالنهوض من مكانه ليلا وجاء بقطعة صابون، ورسم ~~على المواضع التي يريد غسلها دوائر صغيرة حتى لا يهدر الماء ~~ويبذره؛ لأن الحصة محدودة شحيحة. النهوض في الليل أمر محظور ~~وجريمة كبرى، وصادف لسوء حظه أن لمحه أحد عناصر الخدمات وهو ~~يخط بالصابون حدود ما يريد غسله فوشى به إلى الأمن. # مساء اليوم التالي دخل ضابط الأمن وزبانيته وأخرجوه من ~~الزنزانة، ليعذبوه تعذيبا أسطوريا لانتهاكه قواعد السجن في ~~النوم ولرسمه هذه الدوائر الصغيرة، متهما إياه بممارسة ~~السحر والشعوذة، وأنه دجال إلى آخره من التهم السخيفة التي لا ~~أصل لها ولا أساس. جرى تعذيبه لأجل أقداح ماء أراد أن يوفرها، ~~ونتيجة هذا التعذيب كانت أن فقد هذا الشاب عقله. بعد تسع سنين ~~حينما رأيته آخر مرة، وجدته كما هو ما يزال يعاني من آثار ذلك ~~التعذيب الذي أفقده عقله، ولم يطرأ عليه تغيير ولا تحسنت ~~حالته. إذن، ثورتي على مسئول الماء كانت تستحق الاندلاع. القصص ~~كثيرة ولكني أوردت لها قصة واحدة، كمن يكتفي بنعيب غراب واحد من ~~كل خربة. # كل يوم يحمل قصة ألم جديدة، ترى شخصا يتعرض للضرب والأذى ~~لسبب لا تصدق أنه يعد ذنبا حتى في أخس الشرائع. في إحدى ~~الأماسي دخل أحد رجال الأمن إلى القسم ورأى سجناء يشبكون أكفهم ~~من بين القضبان متكئين على حديدها، اعتبر ذلك سوء أدب لا يغتفر. ~~ولقنوا درسا في عدم تكرار هذه المعصية الكبيرة بالضرب المبرح ~~بالهراوات على أكفهم حتى تورمت وانتفخت محمرة من جراء ~~السياط التي تلقوها. كنت أنظر من آخر الزنزانة إلى منظرهم وهم ~~يعاقبون ولا أكاد أصدق أني سوف أنجو من الضرب مهما حاولت أن ~~أكون بعيدا متواريا عن الأنظار. إنه أمر لا بد ms134 أن يحصل، لأنه ~~- وبكل بساطة - لا يوجد منطق لتجنبه. # في يوم آخر - وكان يوم عيد الأضحى - جاء رجال الأمن صباحا ~~وأخرجوا سجينا وانهالوا عليه بالضرب، كان يركض نصف عار في الممر ~~أمام مرأى كل من كان في الزنزانات، تنهال عليه الهراوات من كل ~~صوب وحدب، لا يعرف أين يختبئ ولا إلى من يلجأ، صار جسده ~~الأسمر أحمر قانيا، واختلطت دماؤه باحمرار جلده ~~من أثر الصفعات والركلات ~~والهراوات التي انهالت عليه. لم نكن نعرف - ولا حتى هو يعرف - ما ~~ارتكب من ذنب ليتلقى كل هذا العذاب صبيحة يوم العيد. وبعد ~~نصف ساعة تقريبا من جولات التعذيب المتواصل وأمام إلحاح منه ~~بسؤاله للجلادين: «ماذا فعلت؟» # جاءه الجواب: «إنك حاقد.» # كان شجاعا وظريفا أيضا ولم تختف روح الطرفة لديه حتى بعد ~~كل هذا العذاب، فقال للضابط: «سيدي، أنا كنت خائفا من أن أكون قد ~~ارتكبت فعلا محظورا، لكن الحمد لله القضية سهلة؛ لأن كل ~~السجناء حاقدون.» # رغم دموية المشهد وشفقتنا عليه مما لقي من الأذى، إلا أنه ~~أضحكنا جميعا وأخرس الجلاد إلى حد أنه توقف عن ضربه وانسحب ~~مستشعرا الموقف السخيف الذي وضع فيه. # لأسباب لا يجدر بي أن أسميها أسبابا؛ لأنها لم تكن سوى ~~ذرائع واهية للانتقام منا، وقعت مشاهد كثيرة من التعذيب ~~وبعضها كان فيه من حجم الوحشية وكمية السادية التي تحتويها بحيث لا ~~يمكن لأحد أن يصدق أن بشرا قادر على فعلها. بعضها أفضى إلى موت ~~الضحايا، إما مباشرة بعد الضرب أو بسبب عطل أصاب أحد الأعضاء ~~الحيوية وتوفي إثر ذلك لاحقا. # أحدهم كبل ومدد على منضدة ما عدا رأسه، كان يخرج عنها، ~~وعلقت قنينتا غاز موصولتان بسلسلة حديدية إلى طرفي عنقه ~~كأنه مصلوب على لوح خشب وانهالوا عليه بالضرب. لم يكن يقوى على ~~الحركة فيما الضربات تنزل عليه تسحق عظامه وتفتت جلده الطري ~~لينزف من كل موضع، وعنقه كاد يكسر من ثقل ما تدلى منه، حمل ~~شبه مغشي عليه إلى زنزانته وكانت هذه آخر مرة يرى فيها سليما ~~ليناله ms135 مرض شديد، وتضاءل حجمه حتى صار شبحا ثم اختفى من السجن ~~والدنيا إلى الأبد. # آخرون كانوا يعاقبون بأن يطلب منهم ارتقاء قضبان الزنزانة ~~إلى الأعلى ثم تقيد أيديهم وأرجلهم إلى القضبان، ويبقون ~~معلقين وقوفا أياما على ذلك الحال. أما ما كان يعرف بالفلقة ~~فكان أمرا شائعا كثير الاستعمال. وفي مرات كثيرة كانوا يبالغون ~~في إذلال السجناء فيطلب منهم التقلب على ظهورهم ورءوسهم في الممر ~~بين الزنزانات، ومن يتردد أو يمتنع أو حتى يتوقف من التعب يلهبوه ~~بالسياط. # كان الموت يدور بين الزنزانات، يبحث عمن يستعجل الرحيل. وفي ~~زنزانة مجاورة لزنزانتنا بلغ المرض أشده بسجين، وبعد تفسيرات وشرح ~~مطول لرجال الأمن أن الزنزانة لا تكفي أن ينام فيها أحد على ~~ظهره وأن هذا السجين أضحى من الضعف بحال أنه لم يعد قادرا أن ~~يقلب جسده ولا بد من نومه مضطجعا طيلة الوقت ~~على ظهره، حينذاك سمح الأمن ~~بإخراجه من الزنزانة وأن يسجى إلى جانب قضبانها في الممر كي ~~يقدم له رفاقه في الزنزانة العناية اللازمة من أكل وشرب، ~~إلا أنه لم يرهق رفاقه. ففي صباح اليوم التالي غادرنا ~~ليسحب ببطانية كان ينام عليها ويتلاشى نجم آخر من سمائنا. ~~وعقب ذلك عدنا إلى حياتنا اليومية بروتينها ننتظر حدثا جديدا ~~مفجعا آخر. # لم يتوقف أي شيء، كل الأمور سارت كما هي؛ لأن الموت كان زائرا ~~مقيما لا يثير فينا استغرابا إذا ما خطف أحدنا إلى عالمه ~~الفسيح. الأحداث المفجعة والمحزنة كانت لا شيء بنظر رجال الأمن. ~~وأذكر فيما كان صاحبنا تلفه بطانية ويخرج من الباب عينه الذي ~~دخل منه، حصلت بعض الهمهمة أثناء توزيع وجبة الطعام الصباحية، ~~فقال بصوت عال أحد أفراد الخدمات مؤنبا السجناء: «شبيكم ~~اليوم؟ سامعين شي؟ صاير شي؟» # همس أحدهم في أذني: «لا ما صاير شي، بس واحد مات.» # 6 # أخيرا وبعد مناشدات كثيرة من مراقب الزنزانة للخلاص مني خشية ~~العدوى من مرض السل الذي أنهكني ونصائح لي من مخلصين بأنه من ~~الأفضل أن أذهب إلى زنزانة أخرى خاصة حصريا ms136 بمرضى التدرن ~~لإمكانية حصولي على علاج، جاء أفراد من الأمن في إحدى الليالي ~~وأخرجوني وآخرين من زنزانات أخرى لينقلونا إلى زنزانة الحجر ~~الصحي. وضعوا على رءوسنا منشفة ليمنع أي أحد من التعرف علينا ~~ونحن نسير في ممر طويل فارغ نحو زنزانة الحجر الصحي. # كان الممر ذاته الذي دخلنا منه أول يوم عند وصولنا السجن، ~~على جنبيه توجد أقسام لسجناء آخرين ذوي قضايا لها علاقة ~~بالسياسة أو الأمن الخارجي إلا أنهم غير متهمين بقضايا ~~الانضمام إلى تنظيم معارض. كانوا يحظون بفرصة مواجهة أهاليهم في ~~كل شهر مرة واحدة، ولديهم حرية أوسع بكثير منا؛ بإمكانهم ~~التمشي في الممرات وفي ساحة كبيرة بحجم ملعب كرة قدم، يتعرضون ~~للشمس يوميا ويطبخون أكلهم بأنفسهم، وكل واحد منهم له سرير ~~خاص أو مكان خاص، أحيانا تكون الأسرة متعددة الطوابق إلا ~~أنه مع ذلك يبقى لكل واحد منهم مكانه الخاص، وربما في فترات ~~اكتظاظ السجن لا يجد بعضهم مكانا ينام فيه، لكن ليس بالطريقة ~~التي كنا نعاني منها، فهم في حال بالنسبة لنا كان يعد ~~فردوسا ونعيما. لا يتوهمن أحد أنهم كانوا مرفهين فعلا، ~~إنما من ضرب بالموت يرضى بالعمى. # كان التواصل معهم مستحيلا إلا أنهم كانوا يعرفون بوجودنا ~~الإجمالي، وكانت تحاك حول أوضاعنا قصص مرعبة تزيد من خشيتهم من ~~الالتحاق بنا؛ لذا لم يجرؤ أحد منهم على ذكرنا ولو همسا. ومع ~~كل هذا فإن رجال الأمن عندما يريدون أن يدخلوا إلى أقسامنا ~~يغلقون كل الزنزانات التي يعيش فيها هؤلاء السجناء الذين كنا ~~نسميهم سجناء الأقسام المفتوحة قبال تسميتنا؛ حيث كنا ~~نسمى بسجناء السجون المغلقة والتعبير المختصر الشائع المفتوحة ~~والمغلقة. # إذا أراد رجال الأمن إدخال شيء إلى أقسامنا يغلق السجن ~~كله وتمنع الحركة في الممر بالتمام بعد إخلائه بالكامل من أي ~~فرد حتى لو كان من حرس السجن؛ إذ لم يكن يسمح لأحد بدخول ~~أقسامنا إلا أربعة أشخاص من الأمن مصرح لهم بصفة شخصية ~~يستبدلون في فترات متباعدة. وفي أيام مواجهة سجناء الأقسام ~~المفتوحة كان تمنع علينا ms137 الحركة ويحظر علينا الوقوف ونجبر ~~إما على النوم أو الجلوس، ونؤمر أثناء ذلك بلزم الصمت المطلق ~~لمدة تتراوح بين أربع إلى ست ساعات حتى لا تظهر أي علامة تدل ~~على وجودنا للزوار القادمين من خارج السجن. بعض الأمهات المنكوبات ~~بفقد أبنائهن كن يأتين يبحثن عنهم ويسألن سجناء الأقسام ~~المفتوحة لعل أحدهم يعرف مصيرهم، لكن لا يحظين بجواب؛ لأن الخوف ~~من عقاب الأمن كان رهيبا كما هو العقاب نفسه. # عرفت فيما بعد أن والدتي فعلت ذلك أيضا وحاولت معرفة مصيري؛ ~~ولأننا كنا مثل شجرة آدم، أي شخص يلمسها يحظى بالشقاء الأبدي. ~~كان سجناء المفتوحة يتهربون من الإجابة في أكثر الأحيان، إلا أن ~~صديقا لي قال لوالدتي: إني أقبع خلف هذه الأبواب بطريقة الغمز ~~والإشارة. وفهمت هي تلك الإشارة ورجعت مستبشرة ببقائي حيا ~~وانتظرت سنوات بعدها لتراني لأول مرة. # لكن والدة أخرى بلغت من الجرأة والتحدي الكثير حين قال لها ~~سرا أحد السجناء: ابنك يخفى وراء هذا الباب. وانسل بعيدا ~~عنها. وقفت أمام الباب تصيح باسم ابنها، وكان صوتها عاليا يصل ~~لكل السجناء، وابنها فيهم عاجز عن الإجابة. وعندما سمع رجال ~~الأمن بصراخها حاولوا إفهامها أنها متوهمة ولا يوجد أحد خلف ~~الباب، أبت تصديقهم وعرفت مكرهم وخداعهم وأصرت على طرق الباب ~~المصفح والنداء على ابنها السجين السياسي المخفي، وعندما أجبرها ~~الأمن بالقوة على مغادرة السجن صاحت منادية ابنها: «عفية ابني ~~السبع، حكومة دبابات وطيارات وجيش وشرطة كلها خايفة منك وضامتك ~~علي، عفية ابني السبع.» # في هذا الممر الذي شهد حكايات كثيرة من قتل سجناء من ~~التعذيب الوحشي أو سحب جثث آخرين بعد أن قضوا مرضا وجوعا، سرت ~~تلك الليلة وأنا مغطى الرأس بمنشفة، أمشي وئيدا وصاحبي. ~~نهرنا أحد رجال الأمن يستعجلنا المشي إلا أننا كنا نبذل ~~قصارى ما عندنا للبقاء واقفين وألا نهوي إلى الأرض، وكان المشي ~~بالنسبة لنا مهمة عسيرة للغاية، فقال له صاحبه ردا عليه: ~~«اتركهم، كلها أسبوعان ثلاثة ونخلص منهم للأبد.» # كان جليا أننا في الرمق الأخير، ولم يبق ms138 لنا من رحلة هذه ~~الدنيا إلا صبابة كأس بلغ حد الثمالة. وصلنا إلى آخر الممر ~~حيث فتحت منه باب جانبية على غرفة واسعة خاوية من كل شيء، ومنها ~~فتحت باب أخرى قادتنا إلى ممر صغير مظلم على جنبه الأيسر ~~ثلاث زنزانات تكاد تكون مربعة بطول ضلع يقارب الأربعة أمتار. وعلى ~~الجهة اليمنى خمس زنزانات صغيرة؛ ثلاث منها بعرض متر ونصف تقريبا ~~وأكثر من مترين بقليل طولا تسمى بالمحاجر، وزنزانة أخرى كأنها ~~مخبأ على شكل حرف «L» بالإنجليزية لا يوجد فيها أي فتحة للتهوية ~~أو الضوء، وزنزانة أخرى بأبعاد مترين في ثلاثة أمتار. صار نصيبي أن ~~أودع في واحدة من تلك الزنزانات الكبيرة بسبب وضعي الصحي ~~المتدهور. # كان المكان مشبعا برائحة مرض ثقيلة ونتانة ورطوبة، ومظلما أكثر ~~من الأقسام الأخرى التي عشت فيها، إلا أن أبواب الزنزانات مفتوحة ~~دائما وهذا تطور كبير غير مألوف؛ إذ يمكن هنا أن يتحرك المرء بين ~~الزنزانات ويتزاور مع الآخرين. والأكثر أهمية أن الوشاة والخونة لا ~~وصاية لهم في هذا المكان. كان المكان يعد آمنا منهم ومن مكرهم، ~~وهذا الجو يسمح بتداول الأحاديث السرية بحرية أكبر من الأقسام ~~الأخرى. # كان لكل زنزانة اسم خاص حصلت عليه من السجناء على سبيل المزاح ~~والطرفة التي لم تعدم عندهم أبدا في أي لحظة حتى في أشد ~~الظروف قساوة. # زنزانتي الأولى التي سكنت فيها في المحجر تسمى «عباد ~~الرحمن»، وليس لهذه التسمية من سبب ديني كما يبدو للوهلة الأولى، ~~إنما سكان هذه الزنزانة كانوا مرضى جدا ويمشون بتؤدة بالغة بسبب ~~وضعهم الصحي الحرج، وبعضهم قد فارق الحياة لشدة مرضه. اقتبس أحد ~~الظرفاء من آية قرآنية تقول: # وعباد ~~الرحمن الذين يمشون على الأرض ~~هونا # وصفا لطريقة سيرهم. وتلقف الآخرون الفكرة ~~المضحكة وأصبحت تسمية شائعة تطلق على هذه الزنزانة. # الزنزانة الوسطى تسمى «بوليفيا»، ليس لأن فيها أحراشا ولا لأن ~~سكنتها من أمريكا اللاتينية، بل لأنها كانت تشهد تغييرا في موقع ~~المراقب بصورة سريعة، بحيث كانت تنام على اسم مراقب وتصحو على آخر ms139 ~~بحركة مفاجئة غير مفهومة، في وقتها كانت بوليفيا تشهد موجة ~~انقلابات كثيرة فأطلق على هذه الزنزانة هذا الاسم لتشابه الأحوال ~~بينهما. # الزنزانة الثالثة تسمى ~~«لبنان»، السجن في الصيف حار جدا لانعدامه من فتحات التهوية ~~وخلوه من أي وسيلة للتبريد، إلا هذه الزنزانة بالذات تقع ~~قرب ممر به مبردة هواء كبيرة مما أتاح لها التمتع بنسيم بارد ~~يتسلل إليها من تلك المبردة، فيما الزنزانات الأخرى محرومة منه. ~~السجناء اعتبروها منتجعا باردا ذا جو معتدل يصلح أن يكون ~~مصيفا كما كان يفعل من يريد السياحة بزيارة ربوع لبنان ومصائفها ~~في موسم العطلة الصيفية. # الزنزانات الصغيرة كانت محاجر انفرادية ليس لها تميز؛ لذا لم ~~تحظ بأسماء خاصة، إلا الزنزانة المخبأ، الخالية من الضوء وفتحة ~~التهوية، سميت «الكهف» لأنها تختلف في كل شيء حتى إنها بلا قضبان، ~~مقدمتها باب حديدي يشبه باب مخزن أو هو كذلك بالفعل. # المكان كله يسمى «المحجر» اشتقاقا من كلمة زنزانة الحجر ~~الصحي، وكان متميزا جدا في السجن، ليس لأن سكانه مرضى بالسل ~~وحسب، بل لأنه كان آمنا من مراقبة رجال الأمن؛ لأنهم يخشون ~~العدوى ويتجنبون الدخول إليه أو التقرب من نزلائه السجناء. وهذه ~~نقطة ضعف حرص السجناء على تعزيزها عند كل رجل أمن يشرف على ~~القسم ويحاول الدخول إليه. في الحقيقة كان المكان مقرفا برائحته ~~لكننا تشبعنا بها ولم نعد نميزها. أذكر مرة حاول رجل أمن أن ~~يبدي أمام رفاقه شجاعة وجسارة محاولا اقتحام المكان، لكنه ما ~~إن دخل مترين أو ثلاثة، حتى خرج راكضا، وما إن وصل الباب تقيأ ~~كل ما في معدته مستفرغا ما فيها. لم يصبر على عفونة المكان ولو ~~لثوان قليلة. الحادث كان مبعث سرور لنا؛ إذ إننا نلنا به ~~مزيدا من الحصانة والأمان، خصوصا أن الحادثة جرت على مرأى ~~ومسمع من رفاقه الذين رأينا بعضهم بالكاد يمسك نفسه عن ~~التقيؤ، وهم يقفلون باب القسم بسرعة ويهرولون هاربين من ~~جحيمه. # هذا الأمان النسبي جعل سجناء عديدين يخاطرون بالوصول إليه ~~مدعين الإصابة بمرض التدرن، تخلصا من ms140 وشاية الخونة ومراقبة ~~رجال الأمن ومن التعذيب شبه اليومي النمطي الذي كان مستمرا في ~~الأقسام الأخرى. وبالفعل نجح أكثر من واحد منهم بالوصول إلى ~~المحجر بهذه الحيلة. # وجود ممر مفتوح على مدار الساعة سمح للبعض أن ينام فيه مما ~~خفف شدة الزحام في الزنزانات، كما أن الأبواب المفتوحة تعني ~~حرية لا بأس بها من الحركة مما ~~سمح للبعض بالمشي نهارا في هذا الممر القصير. أما عدد السجناء فيه ~~فكان يعتبر جيدا قياسا إلى أعداد السجناء في الأقسام الأخرى، على ~~الرغم من أن عددنا بلغ مائة وثمانية وستين شخصا، في حقيقة الأمر ~~كان مكانا مكتظا جدا خصوصا مع وجود كثير من المرضى فيه ~~إلا أنه - ورغم كل ذلك - يعد مكانا أفضل من الأقسام ~~الأخرى. # 7 # مرض التدرن مستوطن بشكل مزمن ولم يصب الرئة فقط كما في ~~حالتي، إنما الإصابات توزعت على أجزاء أخرى من أجساد السجناء، ~~ولا أعرف ماذا تسمى حالتهم من الناحية الطبية، إنما بحسب الشائع ~~وقتها أن جميع هذه الحالات تندرج تحت اسم ال # TB # وهو مختصر للفظ الإنجليزي # Tuberculosis ~~. رأيت البعض ~~يشكو من إصابة في الرقبة وآخر في العظام وإصابات أخرى كثيرة مخيفة ~~ومرعبة في مظهرها الخارجي. البعض كان طريح فراشه لفترة طويلة لا ~~يقوى على مغادرته، وبعض آخر لقي حتفه جراء تدهور صحته وقلة ~~الدواء. # الدواء قليل جدا ولا يمكن أن يكون علاجا حقيقيا لمثل هذا ~~المرض؛ إذ لا يعدو عن كبسولات من مضاد حيوي وحبة فيتامين وقرص ~~كأنه قطعة طباشير كنت أتجرعه مكرها. كمية الدواء لم تكن تكفي ~~كل المرضى، وكان من اللازم أن يقسم على المرضى بطريقة عادلة ~~وليس بالتساوي، وكما في كل الزنزانات والأقسام الأخرى، كان لدينا ~~مراقبون وخدمات؛ لأنه عمل تنظيمي لتسيير الأمور وليس إجراء ~~أمنيا بالأصل، وفي حالتنا هنا في زنزانة الحجر الصحي كان ~~المراقبون والخدمات لا يقدمون معلومات للأمن كما في الأقسام ~~الأخرى، بل كانوا بالعكس تماما يعملون لصالح إخوانهم السجناء ونظم ~~أمورهم بما ييسر عليهم مصاعب السجن الجمة. # وضع شباب ms141 الخدمات نظاما عادلا حكيما لتوزيع الأدوية بمنح ~~المريض الأشد ضررا دواء منتظما حتى يتجاوز مرحلة الخطر، وعند ~~تحسن صحته تقلص الحصة تدريجا حتى يتجاوز مرحلة المرض ويصبح ~~وضعه مماثلا لحالة السجناء الآخرين فتقطع عنه حينذاك . عندها ~~يكتفى بمنحه إياها في فترات متفاوتة بحسب تطورات وضعه الصحي. ~~هذا النظام لم يكن صالحا أو مقبولا من الناحية العلمية، لكن كان ~~بيننا طبيب - وهو سجين مثلنا - ومريض هو الآخر بالمرض نفسه، هو من ~~اقترح هذه الطريقة لتنظيم توزيع العلاج وللحفاظ على حياة أكبر عدد ~~ممكن من السجناء المصابين بمرض السل. # هذا الطبيب نفسه كان يوصينا بشدة على تناول الحصة الغذائية ~~كاملة؛ لأنها الطريقة الوحيدة التي يسري معها مفعول الدواء في ~~البدن بحسب قوله. هذه الوصية جاءت لأن فقدان الشهية كان العرض ~~الرئيسي لدى كل المصابين، وبما أني واحد منهم فلم أكن أستسيغ ~~تناول الطعام وأجد نفسي مكرها على تناوله، مع أن الطعام كان ~~أفضل نسبيا من الأقسام الأخرى حتى إنه كانت تصلنا فواكه بين ~~الحين والآخر. وكان السجناء رغم شدة المرض الذي يضربهم وقسوة الظرف ~~الذي يعيشونه، إلا أنهم متعاونون فيما بينهم، ويعطون الحصة ~~الأكبر من هذه الفواكه لشديدي المرض؛ لأنه بإمكانهم تقبلها دون ~~باقي الطعام الذي كان تناوله أمرا شاقا. ومن العسير بمكان ~~صد رغبة الامتناع عن الطعام لدى مريض التدرن، لكن كان لا بد من ~~المحاولة، ويجب مقاومة هذا العرض المميت وهكذا بذلت كل جهدي على ~~ما في الأمر من صعوبة بالغة. # استنهضت كل طاقتي في الممانعة، وبدأ يظهر تحسن طفيف في صحتي ~~وتلك علامة مشجعة على فعل العقار في بدني وعلى سلامة طريقة العلاج ~~المقترحة من الطبيب. ولحسن الحظ كان بيننا رجل نذر نفسه لمعاونة ~~المرضى يتابع أحوالنا ويبذل جهودا عظيمة ويقدم خدمات لا يمكن ~~إلا لمتدرب في معهد تمريض عال فعلها، مع أنه في حقيقة الأمر ~~كان عسكريا من أصول ريفية ولم يتلق تعليما كافيا. كان يواصل ~~حنوه علي ومساعدتي كما مع الآخرين على تجاوز الأزمة ويحثني ~~كثيرا على ms142 الأكل قائلا لي: «حتى لو أكلت الأكل وتقيأته فعليك ~~أن تواصل الأكل؛ لأن لا بديل عنه وهو العلاج الأمثل ~~والوحيد.» # هذا الرجل وأمثاله وشباب الخدمات كانوا يقدمون جهدا عظيما ~~ويعملون بإخلاص كبير لمساعدة السجناء المرضى والآخرين المحتاجين ~~للرعاية والعناية. أعمال لا ينبغي إلا أن تذكر باحترام عظيم. ~~كانوا يعينون بعض المرضى حتى على إخراج الفضلات من أبدانهم؛ لأن ~~عضلاتهم أصيبت بالضمور الشديد ولم يعودوا قادرين على أداء أي ~~من هذه الأفعال. أما تنظيف المرضى وغسل أرديتهم وفرشهم وتخليصها ~~وإياهم مما كان يخرج منهم من بول وغائط فكان عملا يوميا ~~روتينيا، يصاب بالدهشة كل من يراه لروح العطاء العظيمة التي ~~يمتلكها هؤلاء الشباب، وقدرتهم الهائلة على التضحية والإيثار بلا ~~أي مردود يأملونه أو فرض يدفعهم لذلك سوى مثل إنسانية تتوهج في ~~قلوبهم البيضاء. # كان يصل إلينا في بعض المرات - لعلها مرة واحدة أو مرتان بالشهر ~~- لحم أحمر مستورد على ما يبدو من دول بعيدة مثل أستراليا أو ~~نيوزيلندا؛ لذا كان يقدم لنا صلبا متخشبا كأنه جثة في ~~كفن، ولا يلينه سوى ماء ساخن يأتي معه في قدر كبير. بعض ~~السجناء ولأسباب دينية امتنع عن أكله، لكني لم أفعل ذلك؛ لأني كنت ~~بحاجة إلى أي شيء يعيد لي قوتي، ومع استعادة الشهية تناولت ~~كثيرا منه إلى الحد الذي تجاوزت به مرحلة الخطر تماما، بما يمكن ~~اعتباره تعافيا بمقاييس زنزانة الحجر الصحي التي هي معايير لا ~~علاقة لها بتشخيص الأطباء ولا موازينهم في العالم الخارجي. لم ~~أتوقف عن أكل هذا اللحم حتى بعد ذلك بكل صراحة، لأني لم أكن ~~مقتنعا بالامتناع عنه لأي سبب، والمرض كان حجة جيدة لإيقاف ~~أي نقاش حوله أو جدل يمكن أن يقترحه أحدهم. ولحسن الحظ لم ~~يحصل ذلك النقاش في زنزانة الحجر الصحي؛ لأنه كان أمرا في غاية ~~الحمق أن تقول لمريض أوشك على الموت: هيا امتنع عن الأكل لنستعجل ~~موتك. في أقسام أخرى جرت مثل هذه النقاشات وانتهت عند الكل ~~بعدئذ إلى نتيجة واحدة وهي ضرورة أكله ms143 بتوجيه من متخصصين في أمور ~~الدين وعلومه، ولا من داع للوقوف عند أسباب وهمية تحول دون ~~تناوله. # تغلب المنطق والعقل كما ~~ينبغي له ذلك في تسيير أمور الحياة؛ لأن الحياة خلقت بالعقل وبه ~~وحده تسير ، وخلا ذلك ما هو إلا قصص تسلية وخرافات وأوهام لا ~~تليق بعاقل أن يعتنقها، فهي تليق بالجهلة وأنصاف المجانين وتجدر ~~بهم وحدهم دون غيرهم. # 8 # التعارف بين السجناء أخذ في المحجر مدى واسعا لغياب المراقبة ~~الأمنية؛ ولذلك نزعت حذري من الاختلاط مع الآخرين بعد أن استعدت ~~بعضا من عافيتي، وبدأت أتعرف إلى السجناء الموجودين في القسم ~~وأقيم علاقات مع بعضهم. وأكثر ما أثار استغرابي حين دخولي السجن، ~~أن نسبة كبيرة جدا من السجناء ليس لها شغل بالمعارضة السياسية، ~~كانت ضحية اعتقالات عشوائية وتصفية انتقامية لمناطق جغرافية معينة ~~أو بسبب عداوات وخلافات شخصية أو أسباب أخرى لا علاقة لها ~~بالتنظيمات السياسية. هناك بعض من السجناء مما يمكن لي أن ~~أسميهم أطفالا لصغر سنهم عند اعتقالهم لم يتجاوزوا حتى ~~الثالثة عشرة من أعمارهم. بينما آخرون كانوا كبارا في السن، وبعض ~~قليل منهم طاعن فيه إنما لا شغل لهم بالسياسة لا من قريب ولا ~~بعيد، وهم أبعد ما يكونون عن أي نشاط سياسي أو ثقافي معارض أو ~~حتى موال، فهم منخرطون بحياة تقليدية لا شغل لهم بغيرها. راعني ~~سماع قصصهم المضحكة المبكية التي لا يفهم منها إلا شيء واحد هو ~~وحشية النظام وانعدام القانون بالمطلق. # أحدهم كان سائق شاحنة بالكاد يفك الخط وسيق إلى الحرب ~~العبثية المندلعة آنذاك، وجاء تقرير أمني يخبر عن نشاط مشبوه ~~لجندي يعمل مع حزب معارض يحمل نفس اسم سائق الشاحنة هذا. ما إن ~~وصل التقرير الأمني إلى الفرع الأمني في الوحدة العسكرية حتى ~~سارعوا إلى اعتقال سائق الشاحنة وأذاقوه العذاب باعتباره خائنا ~~عميلا، والرجل غير مصدق لما يحدث فهو لا يفقه حرفا واحدا مما ~~يقولون، بينما هم يطالبونه بكشف أسماء التنظيم السري الذي لم يسمع ~~به أصلا. بعد أشهر من الاعتقال انتبه المحققون ms144 الأمنيون إلى ~~الخطأ واعتقلوا الشخص الحقيقي المقصود وتمت محاكمته، ومن ثم ~~نفذ حكم الإعدام به. وبطبيعة الحال استبشر صاحبنا سائق الشاحنة ~~خيرا، وصار يرجو الإفراج عنه في القريب العاجل بعد هذا الاكتشاف ~~المتأخر لتشابه الأسماء، لكن الأمور جرت بطريقة أخرى، فبما أنه ~~اعتقل بتهمة سياسية وقد رأى السجون السرية؛ لذا لا بد من محاكمته ~~وحكم عليه بالفعل بالسجن المؤبد وظل معنا في السجن نفسه يقضي مدة ~~محكوميته. وبعد كل هذه السنوات في سجن مخصص للمعارضة، والسياسة ~~هي الموضوع الرئيسي بين السجناء، إلا أنه حين خرج من السجن عاد ~~لوضعه الطبيعي ولم ينشغل بالسياسة ولا همه أمرها يوما كما لم ~~تهمه من قبل. # كنت أحب الجلوس مع رجل كبير بالسن مطلع لا بأس بثقافته ~~العامة، سياسي حقيقي، عرفت بعد فترة أن له في السجن ابن عم - وهو ~~رجل كبير مثله - وبدافع من الفضول تعرفت عليه هو الآخر ظنا ~~مني أنه شخص مثقف كابن عمه، إلا أني دهشت لسذاجته وأن لا صلة ~~له بالسياسة ولا بالثقافة ولا المعارضة بأي نحو من الأنحاء، بل ~~إنه كان يحسب المعارضة السياسية أناسا سيئين يسببون المشاكل ~~والمتاعب للناس ولا ينبغي التعاطي معهم. ولم يمكن بوسعي مناقشته ~~لكبر سنه؛ ولأنه بسيط وساذج جدا، والحوار معه قطعا سيكون ~~مضيعة للوقت. والسبب الأقوى لتعذر نقاشه أن الرجل نفسه لم يكن ~~مستعدا للنقاش في أي شيء، ولا يشغله شيء سوى تدبر حاله ~~اليومي. أثار أمره استغرابي وصرت أتساءل بفضول كيف وصل هذا ~~الرجل إلى هذا المعتقل الرهيب؟! وعلى أي أساس اتهم بهذه التهمة ~~الخطيرة؟ ظل الفضول يدفعني لمعرفة ذلك والحياء يمنعني من سؤاله؛ ~~لأنه قد يعتبر تدخلا في أمر شخصي أو يعد استهانة واستخفافا ~~به. مرة وأنا في حديث ودي كالعادة مع ابن عمه المثقف تدرجنا ~~بالكلام إلى أن وصلنا إلى منعرج في الحديث كان من المناسب جدا ~~فيه أن أطرح سؤالا يفض لغز هذا الرجل وأحجيته بلا تحرج، فقلت ~~له: «فلان ابن عمك رجل طيب مسكين، وإني لأعجب لوصوله ms145 إلى هذا ~~السجن. من هذا الذي اعترف عليه أنه منخرط في تنظيم سياسي؟» # فصعقني برده الفوري قائلا وبلا مقدمات: «أنا اعترفت ~~عليه!» ~~- «لكن لماذا؟ أليس الرجل بعيدا عن توجهاتك؟» ~~- «نعم، هو كذلك.» # واستطرد ساردا لي قصته بالقول: «اعتقلت في مرة سابقة قبل اندلاع ~~الحرب لعدة أشهر بتهمة الاشتباه بالتعاون مع تنظيم سياسي، ولما لم ~~يجد المحققون أي دليل معتبر لإدانتي أفرج عني. في وقتها كانت ~~التحقيقات ليست بهذه الوحشية وكان من الممكن الإفراج عن كثير من ~~المعتقلين؛ لأن كثيرا من الاعتقالات وقتها كانت تأديبية والقليل ~~منها يودي بأصحابها لعقوبة الموت أو السجن. المهم بعد خروجي من ~~الاعتقال وكعادة العراقيين في الأفراح والأحزان بالاجتماع جاء جمع ~~غفير من الأصدقاء والأقرباء لزيارتي وتهنئتي بالخروج من المعتقل، ~~وفي جلسة عامة سألني أحدهم بدافع الفضول العراقي المعروف: لماذا ~~اعتقلوك؟ هل فعلت شيئا ضد الحكومة؟ أجبته جوابا طبيعيا ~~متوقعا من أي شخص يخرج من المعتقل، نافيا التهمة عن نفسه؛ لأنه ~~ليس من المعقول أن تفرج عني الأجهزة الأمنية لعدم امتلاكها لدليل ~~ضدي وأنا أتبرع بإدانة نفسي. فقلت له: كلا، لم أفعل أي شيء ضد ~~القانون.» # فانبرى ابن عمي هذا - وبصوت عال سمعه كل الحاضرين - قائلا: ~~«الحكومة لا تعتقل أحدا بلا سبب.» # بهتني بهذا التعليق السخيف، لم أرد عليه كي لا تتطور المسألة ~~وأصبح في موقف من يهاجم الحكومة ويتهمها أمام تبرئة ابن عمي لها ~~واتهامه لي بالعمل ضدها، لكني أسررتها في نفسي وقلت في داخلي: «يا ~~ابن العم، أنا متأكد أنهم سوف يعتقلونني ثانية وحينها سوف أقدم ~~لك الدليل القاطع على أن الحكومة التي تدافع عنها تعتقل حتى من لم ~~يكن عنده شيء ضدها.» # وبالفعل بعد سنين اعتقلوني ثانية وبدأ التعذيب الذي تعرفه، ~~طالبوني بأسماء الخلية الحزبية، حينها تذكرت ابن عمي على الفور ~~وقلت لنفسي: ها قد جاء وقتها الآن، ولأدعو ابن عمي ليتنعم بضيافة ~~الحكومة ورفاهية عدالتها، فقلت للمحققين على الفور: «إن ابن عمي ~~فلانا معي في التنظيم.» وكما ترى هو معنا الآن ومحكوم ms146 بالسجن ~~المؤبد، ليس هو فقط، بل اعتقلوا معه ابنه بعد ذلك وصار يحسب الآن ~~من العوائل المعارضة الحاقدة على الحزب والثورة. ضحكت كثيرا ~~وشعرت بالأسف عليه في الوقت عينه، وأيضا بالغضب على هذه الطريقة ~~العشوائية في تصفية المعارضة وعلى وحشية التحقيق وإصدار الأحكام ضد ~~المعتقلين. # كان قسم الحجر الصحي (المحجر) مثل كل الأقسام الأخرى يضم ~~كثيرا من السجناء ممن لا شغل له بالمعارضة أو السياسة. وظل هذا ~~الجمع على حاله نفسها حتى بعد كل سنوات السجن؛ لأنه لم يكن يفكر ~~بالشأن العام بالمطلق ولا هو من أولوياته. # هناك أناس كثر يعيشون لذاتهم فقط وهمومهم ذاتية، لا يفكرون ~~إلا بما يتعلق بها، قد يرى طيبا وديعا مسالما، إنما ليس ~~مستعدا للدفاع عن مظلوم ينتهك حقه أمام عينيه، ويصنف ~~الدفاع عن المظلومين في خانة الأشياء التي لا تعنيه ولا يشغل نفسه ~~بها، إلا من باب التأسف فقط. وحين تزداد قوة الظالم وشراسته ~~يستشعر هؤلاء المسالمون أن خطره بات قريبا منهم بسبب قسوة ~~واستخفاف السلطة القمعية بكل القوانين، هذا الصنف من الناس يبدأ ~~حينئذ - وخلاف المنطق - بلوم معارضي السلطة والمحتجين على ~~إجراءاتها، وينسبون لهم تهمة إنتاج هذا الوضع الخطر بدعوى إثارتهم ~~المشاكل ومشاكسة القانون، ويبدأ هذا الصنف من الناس حتى بتبرير هذه ~~القسوة المفرطة من النظام. وكان معنا في السجن كثير من هؤلاء ~~الناس، فهم رغم طيبتهم ووداعتهم الظاهرة إلا أنهم ليسوا بذي ~~اهتمامات عامة ولا يملكون وعيا رغم ادعاء البعض ذلك لنفسه. # في السجن كان هؤلاء أحيانا يشكلون عقبة حقيقية أمام أفعال ~~تحدي الجلادين التي يتصدى لها بعض السجناء الشجعان. وبعد كل ~~معاناة السجن الرهيبة ورغم اختلاطهم بشخصيات سياسية مؤثرة فيه، ~~إلا أن هؤلاء لم ينخرطوا في أي نشاط عام، وما إن خرجوا حتى ~~ذابوا في المجتمع دون أي تأثير وما استطاعوا أن يحولوا ~~مظلوميتهم إلى قضية، بل تحولت إلى مجرد ذكريات مريرة لا يتمنوا ~~أن تعاد عليهم مرة أخرى. # بالمقابل كان هناك أشخاص كثر منخرطون جدا بالشأن العام وهم ~~من أعطى ms147 للسجن طابعا خاصا، وهم من حوله إلى مدرسة فكرية سياسية ~~وفي هذا كلام كثير سوف يأتي وقته. # هناك قسم ثالث ليس بالقليل ممن دخل السجن بلا قضية حقيقية لكنه ~~كان كمن تلقى في السجن تدريبا وتعليما من خلال مخالطته سجناء ~~آخرين، وانتفع من ذلك ليصبح شخصية رائدة في مجتمعه ويعمل بوعي ~~وإخلاص لتغيير واقعه. # أما القسم الرابع: فكان ممن خرج من السجن مبغوضا مذموما ~~لأفعاله الخسيسة التي قام بها في السجن من سعي ووشاية لرجال ~~الأمن، أو قام بأفعال قبيحة يندى لها الجبين، ومن حسن الحظ أن ~~هؤلاء كانوا نسبة قليلة جدا معروفين بالأسماء على نطاق واسع ~~جدا بين كل السجناء. الكل كما كان يعرفهم، كان يحتقرهم ويتحين ~~الفرصة للحد من تأثيرهم. # المحجر كان يعيش بحبوحة أمنية، لتخوف رجال الأمن من عدوى المرض ~~وانتقاله إليهم، وتولى الإشراف عليه مراقبون وخدمات صالحون ~~أغلقوا كل المنافذ أمام السعاة والوشاة. وفي أحد الأيام دلف ~~إلينا واحد من هؤلاء السعاة، فأطلقت صفارة الإنذار بين السجناء ~~بالإشارات والغمز، وكان لا بد من توخي الحذر إلى أقصى حد. ~~بالمقابل كان لا بد من معالجة سريعة للموقف؛ إذ هكذا نوع من البشر ~~يعيش على إثارة الخوف عند الآخرين ويبرز وجوده من خلاله، وعلاج ~~ذلك يكون بنقل الخوف إليه لإيقاف عدوانيته وخطره. ومن العسير جدا ~~تصديق الفكرة الساذجة التي تروج أحيانا بأن هذا النوع الخبيث يتوب ~~عن جرائمه ويتحول إلى جزء صالح في المجتمع لو عومل جيدا. هكذا نوع ~~أفضل ما يمكن فعله له هو نزع أنيابه لا تغيير طباعه التي جبل ~~عليها، كما يروج بعض السذج وقليلو الخبرة. الانتقام صحيح إنه لا ~~يحل المشاكل معه، لكن العقوبة القاسية تجعل خبيئته الخبيثة تتحجر ~~في داخله ولا تجد منفذا للخروج. إن هؤلاء الناس بلا قيم أخلاقية ~~وهمومهم مادية نفعية كلها؛ ولذا فإنهم ينتهزون أي فرصة لتحقيقها ~~بغض النظر عن طبيعة أو مشروعية هذه الوسيلة. ولما كانت همومهم ~~مادية نفعية فإن السلوك الأجدى بالتعامل معهم هو تهديد هذه ~~الطموحات وحرمانهم ms148 منها، وسوف تجدهم حينئذ سلسين مطيعين، لكن ~~الحذر كل الحذر منهم فإن طبعهم الرديء سوف يطل برأسه القبيح ~~إلى عالم الخبث والجريمة في أول مرة يرى العيون قد غفلت عن طبعه ~~الماكر. # وهكذا كان، إذ حوصر هذا الخائن بأعين تنظر إليه شزرا، توجس ~~شرا كبيرا وأيقن أنه بات بين فكي مجرشة صماء سوف تطحنه ~~وتحيله دقيقا ناعما تطؤه كل الأقدام وتذروه بعدها الرياح. ~~ومما زاد من مخاوفه أن الحلقة الملتهبة كانت تتسع ولا يجد منفذا ~~منها، ورغم اقترابها الشديد منه فإنها لا تطبق على رقبته، مما ~~أدخل على قلبه رعبا مضاعفا، وصار الهلع فراشه والفزع لحافه. وصار ~~متيقنا من انتهاء أسطورته وصار جل حلمه ألا يهلك تحت أقدام ~~ضحاياه. # أصدر مراقب الزنزانة له أمرا بأن يتخذ من جوار المرحاض مضجعا ~~له في أسوأ مكان يمكن أن ينام فيه السجين، وأدرك عندها وهو يرى ~~مكانه أن أيامه السوداء قد ابتدأ عهدها الطويل. قاطعه الكل، لا ~~يكلمه أحد ولا يتعامل معه أحد أبدا، إلا المراقب الذي كان ~~يوجه إليه أوامر أكثر مما هي تبادل حديث معه. # في أحد الأيام اندلع شجار صغير بين سجينين وحاول أن يزج نفسه ~~فيه قليلا بصورة ودية لفض النزاع، إلا أنه وجد أن المتشاجرين ~~أنهوا خصامهم بسرعة قياسية والتفتوا إليه، وضربه أحدهم بكلتا ~~قبضتي يديه على ظهره. من ضربه كان شابا ريفيا طويلا ~~قويا جدا لو دفع أحدا مزاحا لأوجعه فكيف به وقد ضربه في أوج ~~غضبه وبمنتهى قوته. ضربة لفرط قوتها وشدتها أجبرته على إفراغ ما في ~~معدته بالحال، ومن حينها سكت هذا المنافق (كما كان يطلق على ~~الوشاة) للأبد، ولم يحشر نفسه في أي أمر بعدها حتى خروجه من ~~السجن. # لم تكن قصة هذا الساعي بالوشاية فريدة من نوعها، ونسبة الخونة ~~لم تكن قليلة، وكان هناك عدد آخر مرشح للانضمام إليهم تحت قسوة ~~الظروف الحياتية التي يعيشها السجناء. بالمقابل كان هناك سعي حثيث ~~من نسبة ليست بالقليلة هي الأخرى للقضاء على هذه الجماعة الضعيفة ~~الخائنة. ms149 وكان يجري التخطيط بهدوء وترقب لفرصة مواتية للإطاحة ~~بتسيدهم على مناصب المراقبين والخدمات، وهما المنفذ الوحيد للتعامل ~~المباشر مع رجال الأمن. # في فترة لاحقة ومع تراجع الوضع المتأزم على جبهات الحرب الذي كان ~~يهدد وجود النظام نفسه قبل سنوات، وبعد أن استعاد النظام توازنه ~~من ضربات عسكرية كبيرة أفقدته كل انتصاراته، بل ألحقت به ~~هزائم نكراء، عاد من جديد ليوقف زحفا عسكريا معاديا، وبعد أن ~~اطمأن إلى بقائه في سدة الحكم واستقرار الوضع العسكري، شهد السجن ~~انفراجة أمنية نسبية. إذ خفت حالات الانتقام والتعذيب العشوائي - ~~وإن لم تتوقف بالكامل - وساهم في ذلك بشكل واضح تزامن الوضع مع ~~نقل الضابط المتهم بإعدام معارضين سياسيين مقابل الإفراج عن قتلة ~~محكومين بالإعدام، القصة التي تقدمت روايتها. # هذا التخفيف الأمني النسبي كان فرصة مثالية للوثوب على الخونة، ~~بدأ من تسلل شاب شجاع سريع البديهة إلى صفوف الخدمات، وصار ~~يحتال عليهم بتقديم بلاغات إلى الأمن تكشف بعضا من أفعالهم التي ~~يستقبحها رجال الأمن. وصار تدريجيا يتم التخلص منهم الواحد تلو ~~الآخر ويستبدل بعنصر جيد. كانت عملية معقدة محفوفة جدا ~~بالمخاطر، تنطوي على قدرة كبيرة ليس من الشجاعة وحسب، بل على سرعة ~~البديهة والقدرة الكبيرة على التظاهر وادعاء الولاء للأمن، بينما ~~كان في الواقع يخفي عكس ذلك تماما. # لم تنته المشكلة بإزاحة الخونة المنافقين من الخدمات وحسب، بل ~~معاقبتهم في الزنزانات التي كانوا يدخلون إليها ومقاطعتهم بالطريقة ~~نفسها التي قوطع بها ذاك الخائن في المحجر. تحول السجن بعدها إلى ~~جحيم حقيقي على هؤلاء الخونة؛ إذ لم يسلموا حتى من الضرب على ~~أيدي السجناء، وفقدوا كل حظوة عندهم لدى رجال الأمن، بل أصبحوا ~~أعداء لهم وعاقبوهم بشكل مبالغ به أحيانا من الإذلال والإهانة. ~~وهكذا حد من خطرهم إلى حد كبير، وإن لم يسلم السجناء من شرور ~~بعضهم متسببين فيما بعد بمقتل عدد مهم من السجناء في أحداث ~~مؤسفة. كما سوف يحل عهد من إذلال كبير وخزي عظيم عاشه الخونة ~~في أحداث غير عادية شهدها السجن جسدت قوة ms150 السجناء السياسيين ~~وقدرتهم على مناطحة النظام الفاشي حتى وهم في الأغلال وخلف ~~القضبان. # 9 # فيما كانت تتحسن صحتي كانت صحة آخرين تسوء بسبب انتشار مرض السل ~~الذي أصبح وباء كارثيا يهدد الجميع. أصاب المرض ثلث عدد ~~السجناء تقريبا وانتشرت أمراض غريبة وحالات مرضية متنوعة كلها ~~بسبب نقص التغذية والرطوبة والظلام وغياب الظروف الصحية. وفي أحد ~~الأيام توقفت المجاري عن سحب المياه والقاذورات من المرحاض، ~~وعندما أقول في أحد الأيام ليس حصرا به؛ لأن مثل هذا اليوم تكرر ~~وقوعه لمرات عديدة. حاول السجناء بأساليب متعددة فتح المجرى ~~الوحيد لها في المرحاض، أدخلوا أيديهم وكل آلة عندهم لإخراج ما ~~علق فيه وسبب هذا الانسداد لكن بلا جدوى، بدأت تطفح المياه ~~الآسنة إلى أرضية الزنزانة ورجال الأمن لا يلقون بالا إلى طلبات ~~السجناء ولا يعيرونها اهتماما. ولأن أرض الزنزانة كانت مائلة ~~قليلا نحو المرافق بطريقة هندسية لتصريف المياه فإن وصول المياه ~~الآجنة لمقدمة الزنزانة حيث الباب والقضبان كان يتأخر قليلا عن ~~الوصول لها بخلاف غيرها من زوايا الزنزانة؛ لذا تجمع السجناء في ~~مقدمة الزنزانة، لكن الماء الآسن يواصل زحفه ويدفع بعضا من ~~السجناء إلى تسلق القضبان والتعلق بها هربا من هذا الماء الآسن ~~ومما يحمله من بقايا فضلات بشرية. أدرك آخرون أن لا مناص من هذه ~~الفوضى واستسلموا لواقعهم، وصاروا يأكلون ويشربون وقوفا، بل حتى ~~يناموا هكذا وأرجلهم تخوط مياها قاءتها المجاري بكل ما ~~فيها. # في الليل والنهار يجمع السجناء المياه الثقيلة بآنية الطعام ~~المتوفرة عندهم ويرمون بحمولتها من خلال الفتحات التي تسمى ~~شباكا إلى ساحة الفناء الخارجي للتخفيف من منظر عدد الأشياء ~~العالقة في الماء، ولتخفيف مستواه الذي يشهد مدا متزايدا. بهذا ~~يفهم لماذا كنت أنعت الساحة بين الأقسام بأنها مكب هائل للنفايات ~~ومصدر أساسي لكل الحشرات. يبقى الحال هكذا لنهارين متعاقبين ~~بلياليها وأحيانا أكثر من ذلك، والسجناء إبان ذلك يأكلون في ~~الآنية عينها التي يستعملونها للتخلص من الفضلات. وهذه لن تكون ~~المرة الوحيدة التي نقسر فيها على الأكل في آنية ملوثة ms151 أو تناول ~~طعام ملوث. # فضاء الزنزانة كان ضيقا ومزدحما للغاية بالسجناء وحاجياتهم. ~~وأي شيء يراد خزنه أو استعماله لاحقا يوضع في آخر الزنزانة ~~قريبا من المرحاض، مثل فردة النعال المستهلك الذي يستعمل بتجفيف ~~الماء، وكذلك حساء الصباح (الشوربة) الذي يحفظ أحيانا قسم منه ~~لآخر النهار في جردل صغير؛ لأن بعض السجناء كان يمتنع نهارا عن ~~الأكل والشرب لأسباب دينية خاصة بهم. # فردة النعال المستخدم للتجفيف - تكرارا في اليوم الواحد - لم ~~تكن تربط بذاك الإحكام؛ ولذا كان يتكرر سقوط النعل وأحيانا يكون ~~سقوطه في جردل الحساء. وحين يكتشف الحادث يستخرج النعال وينظف من ~~الطعام العالق به فيما يتجمع الصائمون بعدها لتناول إفطارهم من ~~الحساء ذاته؛ لأنهم لا يملكون شيئا غيره يأكلونه. كنت أمزح مع ~~أحدهم يوما عندما تحدث عن الجراثيم التي تتكاثر في هذه البيئة ~~القذرة، فقلت له: اطمئن يا عزيزي، هنا لا توجد ميكروبات ولا جراثيم ~~ولن يأتي المزيد منها؛ لأنها باتت تخشى على صحتها. # أمام هذه الفوضى الشاملة في انعدام الرعاية الصحية بالمطلق، كان ~~فريق من أطباء أو متدربين في التمريض أو حتى طلبة في كلية الطب ~~اعتقلوا قبل إكمالهم الدراسة يعملون ما في وسعهم لتقديم المعونة ~~بوسائل هي بنفسها تخلو من الظروف الصحية، إلا أنه ليس باليد من ~~حيلة كما يقال. # انتشرت بكثرة حالة مرضية تدعى الجيوب المائية تصيب الرئة ~~والصدر، وكان لا بد من سحب التقيحات والسوائل من تلك الجيوب، إلا ~~أن الطريقة التي كان يتم فعل ذلك بها أشبه بحكاية رسوم متحركة ~~تلائم خيال الأطفال، أو واحدة من بطولات جندي أمريكي لا ينتصر ~~إلا في خيال مخرجي الأفلام السينمائية الهوليودية. # يأتي الطبيب السجين بخرطوم دقيق يستعمل فيما يعرف بالمغذي، ~~ويثقب جسم المريض بأي أداة حادة متوفرة عنده لإدخال الخرطوم من ~~خلالها، ليبدأ بعدها بسحب القيح من تلك الجيوب وسط صرخات الألم من ~~المريض، وعندما ينتهي الطبيب من تلك العملية الجراحية يطحن قرص « ~~بارسيتول أو أسبين» على موضع الجرح لتعقيمه، والأنكى من هذا كله ~~أن الطبيب كان ms152 يقف في الممر والمريض داخل الزنزانة تفصل بينهما ~~القضبان لتجري العملية من خلف القضبان. لم يكن هذا حادثا عرضيا ~~أو عابرا يحصل لمرة واحدة، بل لمرات متعددة جدا. عمليات جراحية ~~أخرى كانت تجرى باستعمال موس حلاقة لشق غدد وأكياس لا أعرف ~~ماهيتها، لكنها كانت تنمو في أماكن متفرقة من أجساد السجناء. كل ~~هذه العمليات الجراحية، رغم الآلام التي فيها، كانت تتم بلا تخدير؛ ~~لأنه ترف غاية في الزيادة ولاستحالة توفره. # زرق الإبر كان هو الآخر من القصص الغريبة والحكايات العجيبة، ليس ~~لأن عدم توفر الدواء الكافي وحده معضلة كبيرة، بل ندرة الإبر ~~الصالحة كانت مأزقا أكبر. الإبرة برأسها الدقيق يمكن أن تستعمل ~~لمرة واحدة فقط، وربما أكثر من مرة في بعض الحالات، أما الحاجة إلى ~~الاستعمال المتكرر ولعشرات المرات فكان خيالا فرضه واقع الوضع ~~الصحي المتدهور بكثرة الإصابات بشتى الحالات يرافقه نقص دواء هائل ~~أجبر الأطباء على تقسيم دواء الإبرة الواحدة على أكثر من ~~مريض. # قطعا إن رأس الإبرة الدقيق يغدو غليظا بعد الاستعمال المتعدد ~~ولا يمكن له أن ينفذ في الجلد، مما يعني عمليا عدم صلاحية الإبرة ~~للاستعمال. ولأن الأشياء كلها في السجن ذات قيمة كبيرة ولو كانت ~~تعد نفاية غير قابلة للاستعمال بنظر من يعيش خارجه، كان لا بد ~~أن تبرد الإبر ليعاد استعمالها، إنما هذا حل صعب للغاية ~~فمن أين تحصل آلة برد؟ ومع العجز عن إيجاد واحدة منها فقد ~~اهتدى المشرفون على الأمور الطبية إلى حل لا يرد على بال ولا ~~يمر على خاطر؛ إذ وجدوا أن بحوزتهم أكبر آلة برد ومتوفرة في كل ~~زاويا السجن وأركانه. إنها الأرض الإسمنتية الخشنة، وهكذا جاء الحل ~~السحري الناجع وبه انتهت المشكلة، ونفخت الروح في الإبر العاطلة ~~ودخلت الخدمة من جديد. صار بالإمكان استخدام الإبرة مرات ومرات مع ~~زيادة في الألم يتحملها السجين وهي تنفذ إلى الجسد، وهذا أمر لم ~~يكن صعبا عليه تكبده، وهو الذي عانى أكثر بكثير من هذا من الألم ~~وتحمل أنواع الصعاب والمشقة. # قصة الإبر ms153 لا تنتهي هنا؛ إذ إن تعقيمها هو الآخر أمر لا مناص ~~منه، وللقيام بذلك لا بد من توفر ماء مغلي. في المحجر زود رجال ~~الأمن السجناء بعلبة معدنية صغيرة لتعقيم الإبر، أما الأقسام ~~الأخرى فقد حرموا منها ؛ لذا جرى تدبير الوضع بتوصيل سلك كهربائي ~~من المصدر الوحيد للكهرباء في المصباح المعلق بالسقف، وفي نهاية ~~السلك توضع ملاعق وتدخل في الماء لتعمل على تسخين الماء بطريقة ~~الدائرة الكهربائية، الماء الزائد عن حاجة التعقيم كان يستخدم في ~~تحميم المرضى. وفي قسم الحجر الصحي وبسبب انعدام الرقابة الأمنية ~~كانت عملية غلي الماء تجري بشكل مريح وبصورة واسعة؛ لأن أغلب ~~سكانه من المرضى، بينما كان الاستحمام بالماء البارد عملا ~~روتينيا يفعله باقي السجناء ولا يتغير ذلك صيفا ولا شتاء. ظلت ~~طريقة تسخين الماء تستخدم بنجاح في المحجر إلى أن وقع حادث كبير ~~في أحد الأيام كاد أن يؤدي إلى كارثة كبرى. # فبعد أن استسهلت عملية تسخين الماء، أصبح الماء الحار مطمعا في ~~أيام الشتاء حتى لغير المرضى مع ضعف الأجساد وقسوة البرد. وبدلا ~~من الإناء الصغير لتعقيم الإبر صار برميل ماء بلاستيكي هو ~~المستضيف لهذه العملية المحظورة، وجرت الأمور كما كان يشتهي ~~السجناء ويرغبون إلى أن جاء اليوم الموعود. ففي يوم شتائي محشو ~~بالبرودة ضاعف قرسه وهن الأبدان ورثاثة اللباس وتهالك الفرش ~~وقلة الأغطية التي ما فتئنا نستعين بها في اليقظة والمنام لرد ~~غائلة البرد عنا. وبينما كان الماء يغلي بأقصى ما يمكن له ذلك ~~ويشتد فوران الماء في غفلة من العيون، تحلق قربه بعض السجناء ~~يستلذون بدفء يبعثه البخار المتصاعد وهو ينفذ بسخونته إلى عظامهم ~~المنخورة من المرض والبرد. وبينما هم يتسامرون ضاحكين وإذا بصرخة ~~فزع تملأ كل جوانب زنزانة الحجر الصحي تتبعها صرخات. الممر ~~الضيق يزدحم بحشد يعدو على غير هدى وعلى وجه أفراده سيماء فزع ~~ورعب تغطيهم سحابة ضخمة من بخار كثيف كأنها دخان أبيض. سحابة ~~استوعبت كل شيء، وكأنها غبرة معركة خلفتها ثورة خيول جامحة ~~لا تتوقف عن الخب، وسيطر ms154 الذهول على الجميع وظن البعض من السجناء ~~أن رجال الأمن شنوا هجوما لقتل السجناء، وما هي إلا دقائق حتى ~~تبينت الكارثة ولاح جزء من تداعياتها الحقيقية. # كان الماء يواصل فورانه بعد أن بلغ درجة الغليان وقارب حدا لم ~~يعد البرميل البلاستيكي بقادر على تحمله ليذوب من شدة الحرارة ~~منصهرا، وينهار البرميل بحمولته الكاملة ساكبا الماء الحار بغتة ~~وبسرعة خاطفة على كل من كان يجاور البرميل في غفلة منهم. حاولوا ~~الفرار، لكن لم يقدروا على الإفلات؛ لأن الكهرباء كانت لم تزل تسري ~~في الماء فأوقفتهم في مواضعهم وأسقطتهم أرضا، كل من وثب ~~هاربا غطس بغير أهبة ولا استعداد في بركة ماء يغلي لتسلخ جلده ~~كاملا، إلى أن بادر أحد السجناء بمهارة وخفة إلى نزع السلك ~~الكهربائي، لكن حينها الماء الساخن كان قد فعل فعلته بالوجوه ~~والأجساد بشكل رهيب. # كان الموقف أكبر من أن تتلافاه إسعافاتنا الأولية البائسة؛ لذا ~~تم الاتصال بالأمن لنقل المصابين بالحروق ونقلوا بالفعل لمستشفى ~~مدني خارج السجن في جانب الكرخ من مدينة بغداد. جرت هناك ~~معالجتهم بشكل أولي، إلا أنه كاف لإنقاذ حياتهم من موت محقق ~~حرقا وأعيدوا للسجن ثانية بعد ثلاثة أيام وظلوا قرابة الشهر ~~عراة لا يستطيعون ارتداء ولا حتى قطعة ملابس واحدة لشدة الحروق ~~التي ألمت بهم. # تدبر السجناء أمرهم بصنع ما يشبه القفص غلف بالبطانيات ~~لتدفئتهم ورفع الحرج عنهم بحجز الأنظار والعيون عن أجسادهم ~~المجردة من كل شيء حتى من الجلد. نجوا من الموت وظلت أجسادهم طوال ~~حياتهم تحمل ذكرى الحادث المروع، وفقد السجناء فرصة الاستحمام ~~بالماء الحار من جديد خشية انكشاف أمرهم بعد أن مرت هذه الحادثة ~~بسلام. لم يجر تحقيق في الحادث لسبب لم نفهمه، لعله كان حسن الحظ ~~أو لأن القسم كان مخصصا للمرضى، ولم يشأ المسئول الأمني الذهاب ~~بعيدا في التحقيق خشية اضطراره لإنزال العقاب ببعض السجناء ومع ~~تردي وضعهم الصحي العام كان أي عقاب سيتحول إلى مذبحة حقيقية، ~~وإلا في الواقع لم يكن أي أحد ليصدق ولو كان أبلها ms155 كبيرا أن ~~علبة معدنية صغيرة مخصصة لتعقيم الإبر هي التي سببت كل هذه ~~الحروق. # الأفعال المحظورة كانت تنطوي على مخاطرة كبيرة بنفسها وبعواقبها، ~~ولبعضها قصص طريفة ومنها هذه القصة؛ ففي إحدى المرات وصل خبر إلى ~~رجال الأمن بحدوث عملية تسخين للماء في إحدى الزنزانات ودخل رجل ~~أمن إلى أحد الأقسام بغتة وتوجه بسرعة ومباشرة إلى الزنزانة ~~المقصودة. سرعة الحدث لم يكن بالإمكان معها التخلص من الماء الذي ~~بدءوا بتسخينه للتو، إلا أن السلك الكهربائي وعدة التسخين تم ~~إخفاؤها وسط حشد السجناء بسرعة. توجه رجل الأمن إلى البرميل ~~صارخا بوجه السجناء مستفهما: كيف حصلتم على هذا الماء ~~الساخن؟ # فأجابه أحدهم ببرود شديد: «سيدي لا يوجد عندنا ماء ساخن إنه ماء ~~بارد.» # ارتسم الاستغراب على محيا رجل الأمن وسأله باستنكار: «وهذا ~~الماء ماذا تسميه؟» (مشيرا إلى برميل الماء الساخن). # فتقدم السجين بثقة كاملة وهدوء تام، ووضع كفه مغترفا بيده ~~الماء وقال له: «سيدي، هل تقصد هذا؟ إنه ماء بارد.» # أصاب الذهول رجل الأمن فدعا سجناء آخرين وقال لهم: «ما ~~هذا؟» # كان الجواب جماعيا: «سيدي إنه ماء بارد.» # طلب منهم جميعا أن يضعوا أيديهم واحدا تلو الآخر في الماء، ~~وكانوا يفعلون ذلك بلا أدنى تردد وبعضهم يرسم على وجهه ابتسامة ~~عريضة. رجل الأمن ينظر إلى المشهد وهو لا يصدق ما يرى وأصبح في شك ~~حتى من نفسه، يعاود مد يده يشعر بسخونة الماء، بينما السجناء ~~كلهم يقسمون له وهم يدخلون أيديهم مرارا وتكرارا بأن الماء بارد ~~ولا يبدو عليهم مظهر ألم أو حرقة ولا أدنى تردد وهم يفعلون ذلك. ~~حتى رجل الخدمات لما علم إصرار السجناء والمكيدة التي نصبها ~~السجناء بسرعة البديهة لرجل الأمن اضطر إلى أن يؤكد على صحة ~~أقوالهم وقال: «سيدي، نعم إنه بالفعل ماء بارد.» # خرج رجل الأمن غير مصدق نفسه، ولا يعلم أهو في حلم أم علم، ~~بينما انبطح السجناء بعدها على ظهورهم من الضحك في واحدة من أطرف ~~الوقائع. # 10 # هناك أشياء لا يمكن التخلص منها مع انعدام ms156 النظافة؛ لأنها كانت ~~مستوطنة في الأجساد وفي شعر الرءوس، والحل الوحيد لإبعادها كان ~~بالتخلص من كامل الشعر. لذا كانت تجري عملية حلاقة الرأس بحفلة ~~جماعية في فترات متباعدة وكانت أقرب إلى جز الشعر منها إلى ~~الحلاقة. البعض من السجناء كان يفضل استخدام شفرة حلاقة لإزالة ~~شعر الرأس تماما تخلصا من عملية تنظيفه؛ إذ إن الاستحمام كان ~~أمرا عسيرا حصوله، وكان هو الآخر يحصل بطريقة جماعية نظرا لشحة ~~الماء؛ لذا كان يتم تحديد يوم مخصص للاستحمام الجماعي فترفع كل ~~البطانيات السوداء الرقيقة العسكرية المخصصة للنوم من على الأرض، ~~وتصبح الزنزانة بعدها حماما عاما يقف السجناء فيه مجردين من ~~كل ثوب إلا سراويل قصيرة لستر العورة، ويبدءون بوضع رغوة الصابون ~~على كامل أجسادهم بعد أن ينالوا رشقة ماء خفيفة. خلال دقائق يجب أن ~~ينتهي الجميع؛ إذ إن خرطوم الماء لا يسمح ببقائه في الزنزانة ~~لأكثر من نصف ساعة وخلال هذه الفترة ينبغي ملء برميل الماء ~~المخصص لكل الاستعمالات الأخرى من شرب وشطف أوان ولقضاء الحاجة. ~~العملية كانت مضحكة بكل ما فيها لأنها بالواقع لا تحقق من النظافة ~~إلا الشيء اليسير، إلا أن السجناء كانوا يعيشون فيها لحظات ~~سعادة خاصة ويخلقون لأنفسهم جوا استثنائيا من المرح بتبادل ~~الطرائف والمزاح. إنها فرصة استثنائية فعلا فمن أين يمكن لهم أن ~~يتوفروا على لحظة كهذه يحظوا بها مع كل هذه الكمية الوفيرة من ~~الماء. # كان القمل مقيما دائميا بأنواعه الثلاثة؛ قمل الرأس، قمل ~~الجسم، وقمل العانة، والعثور عليه غاية في اليسر بأقل جهد وفي أول ~~حملة تفتيش عنه. تنطلق حملات التفتيش بشكل مستمر؛ لأنه يقف وراء ~~ظاهرة الحك المزعجة المزمنة التي تصل في بعض المرات مدى لا يطاق، ~~يهرش السجين معها كل مكان في جلده الخارجي، من قمة رأسه إلى تحت ~~إبطيه وعند المواضع الحساسة التي يحار كيف ينبشها بحثا عن هذا ~~الكائن المزعج. # في إحدى المرات حلت علي لعنة الحكة بشكل جنوني، وصرت لا ~~أحتملها فأصررت وقتها على حز كل شعرة نبتت على جسمي في ms157 ~~الحال. بالطبع لا أقدر على القيام بهذا إلا بمساعدة من سجين آخر ~~طلبت منه ذلك فآثر الانتظار قليلا لبعد تناول وجبة العشاء التي ~~أوشكت بعد أن صب الحساء في الأواني المعدنية، إلا أن هستيريا ~~أصابتني من ذاك الهرش وصرت أصرخ بوجهه أن يترك كل شيء ويقوم ~~من فوره ويخلصني من الشعر خصوصا تحت إبطي بالحال. الموقف ~~هزلي مبك مضحك، أنا أشعر بنار حرقة مستعرة جراء الحك والقمل ~~يواصل قرصاته متلذذا، والسجناء وهم يتهيئون لتناول العشاء ~~يضحكون على إصراري على الحلاقة الفورية وعلى غضبي وأنا أدور كمن ~~يرقص من الألم، حتى أنا استغرقت في ضحك طويل على نفسي لكن بعد أن ~~خلصني صاحبي من شعري ومن الأقزام الساكنة فيه. # نوع القمل الذي يعيش في فروة الرأس كان السجناء يسمونه كالبتوس، ~~وفيما يبدو أنها تحريف لاسمه الإنجليزي ~~« Pediculus ~~» وربما سمعت ~~اللفظة من طبيب ما بطريقة خاطئة وأنتجت هذا المصطلح الغريب. ولم ~~يكن من السهل أبدا التعرف على مصدر بعض المصطلحات الخاصة في السجن ~~وتشعر كأنها لغة خاصة ولدت هناك في زمن سحيق عندما بلبلت الآلهة ~~الألسن في بابل القديمة. # السجن عالم آخر خلف هذا الكون، والعيش فيه يبرز الجوهر الحقيقي ~~لهذا العالم. ليس من قوام لهذا الوجود إلا بالحياة ولا قيمة ~~للحياة إلا بالحرية ولا يمكن إدراك الشيء إلا بإدراك ضده. ~~وحيثما يوجد الضد يوجد الوعي بحقيقة المعنى وعند غياب الضد لن تعرف ~~إلا مظاهر الأشياء دون كنهها وحقيقة جوهرها. # الحياة، ليس أن تجري دماء في العروق، ولا أن ينبض قلب بضربات ~~تلقائية بفعل لا إرادي، ولا هي هواء يملأ رئتين ويزفرهما، لأنه حتى ~~الأجساد الميتة يمكنها أن تفعل ذلك. الحياة أن تشعر بالسعادة وتلمس ~~بحواسك جمالا أحاطت هالته بك، ويصيبك غم عظيم ويعتريك حزن ~~كبير عندما يزاحم الجمال قبح البهيمية ساعة يظلم الإنسان نفسه ~~بظلمه أخاه. ليس هناك من مكان أكثر مناسبة لرؤية كل هذا بأفضل ~~صوره وأدق معانيه أفضل من السجن، هناك يولد الوعي بمعنى الحياة ~~وهناك تتكشف جمالات الحرية. ms158 # في عالم ينأى عن الأسوار الإسمنتية العالية وعن أبراج الحراسة ~~يمكن تصور معنى الجمال والحرية، لكن الوعي بأدق معانيه يولد فقط في ~~تلك الدائرة التي تغلقها أسلاك شائكة وخنادق محفورة بعمق قامة ~~بشرية مغمورة بمياه راكدة وفي رقعة مظلمة تقع تحت مرمى بنادق قنص ~~لجنود قاطنين في أبراج محصنة. نعم هناك يولد الوعي، وهل يولد ~~الإنسان إلا من المعاناة؟ # مصطلحات لم أعرف أبدا كيف اشتقت وبدت غريبة جدا على كل ~~اللغات. أسمع تارة عنها حكايات تبدو مثل الأساطير تحاول تفسيرها ~~وفك شفرتها وفض لغزها لكنها تختفي بسرعة مثل طيف عابر، ليبقى ~~السجن أحجية عصية لا يمكن لأحد أن يدرك تماما كل تفاصيله ولا ~~الأشياء التي تجري فيه، وإن سكنه وعاش فيه دهرا. # مصطلح مثل «الكانة» لم أجد له تفسيرا أبدا، حاولت أن أشتق ~~له علاقات مع المسمى وأنسج له قرابات مع لغات شتى بلا جدوى. إنما ~~لا بد من التعامل معه؛ لأنه الأمل الوحيد في ستر الجسم العاري ~~ووقايته من برد لا يرحل في مكان حظر على الشمس الوصول إليه. نسيج ~~سميك بني غامق في الغالب وأحيانا رصاصي يوزع في فترات ~~متباعدة وبطريقة غير كافية كما هي كل الأشياء التي توزع ليس ~~للاكتفاء إنما للإبقاء على الأنفاس تصعد شهيقا وزفيرا ليس أكثر ~~من هذا. منظر الكانة الكريه يبعث على القرف والاشمئزاز ويثير ~~مشاعر كآبة سوداوية تدفع للزهد بها والإعراض عنها رغم الحاجة ~~الشديدة، حتى إني لم أسمع أو أر يوما تنافسا عليها من السجناء ~~أبدا. # في أيام الشتاء مع ندرة الأغطية وبرودة الأرض الإسمنتية وتهلهل ~~الملابس، يصير البرد جهنميا. ولم أشعر بالدفء أبدا طيلة السنوات ~~العشر التي قضيتها هناك ولا حتى للحظة واحدة، وفي الليلة الأولى ~~التي خرجت فيها من السجن وجدت فراشا أعدته لي والدتي فوجئت ~~وأنا أدخل تحت أغطيته بكمية الدفء العظيمة التي يحتويها. # إيه، كأني اضطجعت في موقد، أحسست وأنا أغفو فيه بالبرد ~~يتسلل خارجا من عظامي يصحب معه تعب السنين العشر. وقتئذ أدركت ~~أني كنت واقفا ms159 مجردا من أي دثار في عراء تلفحني فيه رياح ~~باردة طيلة عقد كامل. # في كيس من الخيش كان يصل إلينا الخبز أحيانا، وبعد أن يتم ~~توزيع الخبز من الممكن أحيانا الاحتفاظ به بعيدا عن عيون الأمن. ~~لم يكونوا في حقيقة الأمر يهتمون له؛ لأنه لا فائدة منه، لكن كانت ~~لهم سياسة ثابتة باسترداد كل شيء يدخل إلينا ليسلبوا منا ~~الشعور بتجدد الحياة. كانوا حريصين على أن نعيش مع الأشياء القديمة ~~المستهلكة المندثرة ليشعرونا أننا صفحة من ماض انطوى ونوشك على ~~الانقراض معه ولا يوجد أي أمل بتجدد الحياة أبدا. # كيس الخيش هذا صار سببا من أسباب الدفء مع وجود بعض خياطين ~~مهرة قاسمونا العيش في الزنازين. كانوا يفصلونه ليكون على شكل ~~كنزة أو معطف قصير ومن ثم يبطن بقطعة من الكانة ويصبح قطعة ~~رائعة مميزة تحفظ حرارة الجسم. لحسن الحظ حظيت بواحدة منها من خيش ~~أسمر؛ الأكمام والياقة مزينة بالكانة فصارت كنزة ملونة. حين ~~ألبسها والآخرون عليهم ثياب لا تقيهم من شيء أبدو بينهم كأني أرتدي ~~بدلة سموكن وأتمشى في سوق شعبي؛ رجل أربعيني صنع هو الآخر واحدة ~~له على شكل معطف طويل يتجاوز ركبتيه بجيوب واسعة. وحين يمشي في ~~الممر مسرعا كعادته في المشي ويضع يديه في جيوب المعطف العميقة ~~كان يبعث الضحك فينا، كأنه عائد من صفقة عقدها للتو في مقهى ~~المصبغة حيث يجلس كبار التجار قديما في بغداد. # وبرغم وجود صنعة ماهرين، لم يتمكن أحد من صنع ملابس داخلية؛ ~~لأن النسيج القطني المناسب لصنعها استعصى عليهم، ولم تفد كل ~~خبرتهم ولا نفعت مهارتهم في إيجاد بديل لها، لذا كانت الأغلبية ~~الساحقة من السجناء لا يرتدونها إلا من احتفظ بواحدة منها من ~~أيام خوال انقضت وأنى العودة إليها. كان غياب الملابس الداخلية ~~سببا مهما في عدم الإحساس بالدفء؛ لأن الثياب كانت على الدوم ~~فضفاضة ولم تكن يوما على المقاس. الهواء البارد يجد فيها ملعبا ~~كبيرا وساحة رحبة يلهو فيها ويمرح، يقرص العظام ويوخز العضلات ~~الضامرة ويجعد الجلود المتيبسة. ms160 # 11 # أين ذهبت قوتي وعضلاتي، عبارة كان يرددها سجين شغوف بممارسة ~~رياضة الألعاب القتالية، وهو يقوم بحركات رياضية صباحا وفي بعض ~~الأحيان مساء وسط حشد مزدحم من أجساد مستلقية في الممر الضيق. كنت ~~أسمعه وأراه كما الآخرون ونسخر جميعا مما يقوم به؛ لأنه واحد من ~~مجموعة لم تدرك بعد أن الماضي قد انقضى ولم تبق منه سوى عبر ~~وذكريات. # مجموعة تظل تعيش الحاضر بعقلية أحداث مضت وتواصل رفض حقيقة ~~راسخة منذ الأزل. إن العالم يتغير ولا يوجد نهر يستحم فيه مرتين. ~~عقلية تمسكت بأشياء بلاها الزمن وهي تعطيها الخلود، معتقداتهم ~~تشبه حلم مصري قديم بعودة مومياء ملك محنطة مع كنوزه ليعاود ~~الجلوس على عرش تنازعه الورثة والأعداء من بعده ولم يفضل منه ~~شيء. ملك أفضل ما فيه أنه قد يصلح لأن يكون قطعة أثرية يتفرج ~~عليها فضوليون في متحف للأشياء العريقة. # هذا وآخرون مثله كانوا يترنحون من صدمات الواقع الذي يعيشونه، ~~وهو يرطم أحلاما بعثرها الزمان في أدارج عاصفته الهوجاء التي ~~ابتلعتنا إلى هذا النزل المظلم في العالم السفلي. وكلما كانت ~~الأيام تواصل سيرها، كان توازنهم يختل أكثر وأكثر كما هو ~~عنادهم في مواصلة البقاء خارج الواقع. تصلب لم يجد عقلهم معه من ~~حل لهذه المعضلة المزمنة بالألم، إلا بأن يعلن استراحته ~~وتقاعده عن العمل ويتركهم لفوضى من خيالات تسرح بهم وأفكار مبعثرة ~~تشظي أفعالهم بلا عقد جامع. # بعضهم بلغ به الحال أن يؤذي نفسه وآخر يقوم بأفعال غريبة مضحكة، ~~فيما آخرون يتكورون على أنفسهم يحيطونها بهالة كبيرة من كآبة ~~سوداء لا يخترقها شيء، ويسير رويدا رويدا لكن حثيثا نحو جنون ~~تام سوف يضم إلى حضيرته آخرين. لم ألم أحدا منهم؛ لأن ما جرى ~~لبعضهم كان أفضل حل يجده ليتخلص من وقع ذكريات متعبة تسحقه ~~بألمها الفظيع. # منذ بواكير دخولي السجن عرفت أنه علي أن أتعلم ألا ~~أتذكر وأن أفرغ ذهني من الماضي، الشاعر التركي التقدمي ~~والإنسان الرائع ناظم حكمت كان أثيرا عندي، وكنت متعلقا بقصيدة ~~له اسمها «إلى مرشحي ms161 السجون» بما فيها من نصائح غالية ومعان ~~نفيسة مثل الدرر الكامنة في أعماق البحار الواسعة، يوصي فيها ~~المرشحين للسجون مثلي حين تبدأ رحلتنا، ألا نفكر بالنساء ولا ~~بالأشياء الرقيقة، وأن نفكر بالصخور ومثلها من الأشياء القاسية حتى ~~لا يصيبنا وهن ولا يعترينا ضعف. أوصدت كل الأبواب على ~~ذكرياتي وبنيت بينها وبين العالم الخارجي حاجزا لا تقوى على ~~اختراقه. # فيما بعد، حتى عندما أتيحت الفرصة لي للاتصال بهذا العالم الآخر ~~كنت مستمرا على ألا أفكر به وأحسب السجن هو الكون الوحيد ~~المأهول بالبشر، وما خلاه نجم بعيد مأهول يسبح في الفضاءات ~~البعيدة لا تطؤه إلا روايات الخيال العلمي. # في أول الأمر، كانت إذا حامت صور منه حولي في يقظة أو منام، ~~كنت أزجرها بعيدا عني وأنصحها بعدم التكرار، فلست أنا الشخص ~~المعني بها كمن كان ينكر علاقته بتهمة، حتى أحلامي اختفت منها ~~هذه الذكريات وخمدت شعلة التعلق بالماضي والحنين إليه. السجن ~~علمني أن أعيش الواقع وأدع الماضي يتلاشى ويغرق؛ لأنه اختفى من ~~صفحة الزمان ويجدر به أن يغرق في طم النسيان. من يعش فيه فسوف ~~يورم رأسه ويأتي يوم يهشم رأسه بنفسه بطرق الجدران والصخور به ~~ويدع المعاول تهدمه حتى يتخلص من هذا الورم، ولن يقدر على الخلاص ~~منه إلا أن يذهبا سوية إلى اضمحلال وتلاش حيث تسمق منازل ~~الفناء في هوة العدم. # الزنزانة علبة صغيرة، وما خلف جدرانها كون شاسع لا حد ~~لأبعاده، قلت لنفسي ذلك في يوم اقتادنا رجال الأمن فيه إلى باحة ~~واسعة في السجن حيث وقفت سيارة فحص الأشعة السينية للتأكد من ~~حالات الإصابة بمرض السل الرئوي المنتشر بين السجناء مثل نزلات ~~البرد الشتوية. # كان طقسا ربيعيا مشمسا راح بصري يبحر بسحره في السماء ~~الواسعة بمنظر غريب لم تألفه عيناي منذ سنوات. ~~«يا للهول، أحقا هذا العالم واسع جدا لهذا الحد؟ أوكل هذا ~~الوسع وترامي الأطراف لم يقنع الناس ليتقاسموه ويعيشوا فيه بسلام؟ ~~أحقا لا يكفي كل هذا الرحب والسعة ليعيش كل واحد منا في ~~زاوية فيه ms162 يفعل ما يشاء فعله دون أن يزعج الآخرين؟» # أي تبلد بهيمي هذا الذي يغزو النفوس لتجعلها ترتكب كل ~~هذه الفظائع، وأي شيطان فيها هذا الذي يظهر بعدها بمظهر الرصانة ~~والوقار يبرر آثام فعلها، بل ويصنفها في خانة وصايا الرب ~~العشرة . إنها آفة نفسية عميقة أو تشوه وراثي وخلل في الخلقة ~~تدفع المرء لصنع كل هذه الجرائم الرهيبة ويظهر صاحبها بعدها ~~بلا مبالاة، بل ويفخر بها ويوهم نفسه وغيره بأنه أحسن صنعا. لا ~~يمكن أن يكون من يفعل كل هذا سوي الخلقة أبدا. لو كان كذلك ~~فأي كوابيس تقض مضجعه الآن، وتجعله يتقلب في فراشه أرقا سهدا ~~في كل ليلة؟ لكنه ليس كذلك. إنه حين ينهض من سريره مطلع كل نهار ~~يعاود جرائمه كأنها قوته اليومي، كفافه الذي يعيش به وينبذ ضحاياه ~~في قعر جب عميق مظلم أو تحت ثرى في صحراء لا أحد يعرف موقعها، ~~تسأل ولا مجيب ما الدافع وما هو المغزى لإحداث كل هذا الألم ~~بها. # هل صناعة الألم ترياق بمقدوره أن يشفي صدرا أوغر في كراهية ~~كل ما يمت لنوع الإنسان من صلة، بل لكل ما في الحياة من جمال؟ ~~كلا، إنه لن يفعل ذلك ولن يقوى كل الغل والبغض للإنسان أن ~~يطفئ جمال الإنسان الرائع. ليس من شيء في هذا الوجود أجمل من ~~الإنسان، سجد الكون كله له وخضعت له حتى الملائكة عنوان الجمال ~~ومن يأبى سيبقى طريدا ملعونا شيطانا ترجمه بكل حجر ومدر ~~حشود الحب الساعية إلى كعبة الكمال. # الحياة لن تتوقف، فما صنع الخريف بأوراق الشجر وظنونه الخاسرة ~~بأنه قد بلغ عتبة النصر حين يحيلها جرداء من الورق، إلا آمال ~~خائبة وأماني عاطلة. حين يأتي الربيع سوف تزداد قوة وترتفع أكثر ~~ويواصل علوها ارتفاعا معانقا السحب والسماء تزين أغصانها بأوراق ~~أشد خضرة تدخل الفرح والحبور في قلب من يرنو ببصره نحوها، ~~وتظل العابر والمقيم بأفيائها وتمنح الجميع بلا تمييز ثمرا ~~يانعا يجري فيهم الحياة. هكذا هي دماء الشهداء وآلام المعذبين مثل ~~عذابات سنديانة عصية ms163 تحطم كل فئوس الأشقياء التي تريد النيل من ~~بقائها السرمدي. # يا ألله! ما أجمل الإنسان حين يكون إنسانا. # عجز الطغاة رغم كل هذه العذابات والآلام وبما امتلكوا من ماكنة ~~القمع الهائلة أن يجعلوا من السجن مقبرة للأحرار، كما كانوا يحلمون ~~ويمنون أنفسهم. لم يقدروا على فعل ذلك، السجن صار مصنعا يخرج منه ~~ثوار جدد ومدرسة لأشياء كثيرة لم يستطع الظفر بها جمع غفير من ~~الناس، وإن ظن بنفسه أنه يعيش حرا خارج القضبان. # بمجرد أن تم التخلص من الخونة الوشاة، انشغل الجميع بعملية ~~تثقيف واسعة، تصدى لها سجناء يملكون الوعي والفهم والتفكير ~~الصحيح وسعة الأفق، بغض النظر عن الدرجات العلمية التي بالأصل لا ~~تتوفر عند أغلب السجناء حيث حرموا من إتمام تعليمهم جراء ~~اعتقالهم. صارت لهؤلاء السجناء مكانة اجتماعية لهذه السمات التي ~~يتحلون بها خصوصا أن هذه المؤهلات كانت تنعكس على سلوكهم الشخصي ~~وحركتهم. # لقب المثقف والوجاهة الاجتماعية التي ينالها بواسطته كان يعطى ~~في السجن ليس لكل من حفظ معلومة، بل لمن يقوم بدوره الرسالي، فليس ~~مثقفا من لم يك يعرف مشكلات بيئته ولا يقدم لها حلولا، ولا ~~يعد منهم وإن قرأ الكثير أو كان ذلق اللسان. المثقف من يشعر ~~بالمسئولية تجاه مجتمعه وهو على أهبة الاستعداد للتضحية في سبيل ~~ذلك. المثقفون هم صناع الرأي العام يتبنون كشف الحقائق وهم ~~شجعان في كشفها وفي الدفاع عنها حين ينكص الآخرون؛ لأنهم أصحاب ~~رسالة، إنهم كالأنبياء بين قومهم. # كانت تعقد حلقات صغيرة وأحيانا بشكل فردي للتثقيف في مواضيع ~~شتى. وفي أوقات محددة ومناسبات معينة كان يجتمع كل سكان الزنزانة ~~لسماع محاضرة عامة أو المشاركة في برنامج احتفالي. المناخ الثوري ~~كان هو السائد في عملية التثقيف والاحتفالات وتصدح الحناجر بأناشيد ~~تحرض على الصبر والثبات وعلى مواصلة الثورة والتحدي وتبشر ~~بالنصر. بوارق الأمل بنهاية حكم الظلم وسلطة القمع لم تتوقف ولم ~~تخل الإشارة إليها في أي برنامج خاص أو احتفال عام. # كثير ممن لم يكن له شغل بالمعارضة والسياسة بدأ يتعلم مفرداتها ~~وينخرط في ms164 أجوائها، وبالطبع لا يمكن القول إن الكل كان مهتما ~~بذلك؛ فبعض ممن وصل بقطار الصدفة لم تغيره الأحداث، وبعض آخر ~~أصابه إرهاق وملل وتعب من المقاومة الصعبة والسباحة ضد تيار جارف ~~واستسلم، فصار سطحيا في مطالبه، تلاطم به أمواج الحيرة والتوجس، ~~وتنشب مخالب الموت بجذوة الحياة لتنتزعه إلى اتجاه معاكس يحسبها ~~تستبقيه على الحياة وهي تغرس الخنجر تلو الآخر فيه ليغدو كأنه جثة ~~تأكل وتمشي في زقاق مدفنها الأخير. # وبرغم ذلك فإن تلك الفئتين لم تشكلا عائقا أمام عملية ~~التثقيف، وأصبح السجن مدرسة حقيقية. تبادل المعلومات يجري بشكل ~~متواصل وبطريقة عمل الأواني المستطرقة، فكل يقدم ما عنده من ~~خلاصة مطالعاته وخبرته إلى الآخرين. وبوجود عدد لا بأس به ممن يحمل ~~ثروة معرفية وخبرة سياسية، تحول تبادل المخزون الثقافي إلى صناعة ~~فكرية؛ إذ صار هناك الكثير ممن بات يستثمر وقته في التحليل ~~والتفكير العميق ليخرج برؤى فكرية جديدة. # انهمك الشعراء - وما أكثرهم - في نظم القصائد في مواضيع شتى ~~أغلبها يشع ثورية وتحديا، يشجعهم على نظم المزيد منها شباب ~~يحول تلك القصائد إلى أناشيد تلهب الحماس وتشد أزر الجمع في ~~مواجهة المحنة القاسية وظرفها الرهيب. # الاعتقال السياسي كانت له حسنة كبيرة على السجن؛ إذ بين هذا ~~الجمع الكبير من السجناء لم يكن بينهم إلا قليل جدا من سيئي ~~الأخلاق رديئي الطباع مستعدين لارتكاب أفعال رذيلة؛ لأن الأغلبية ~~وإن لم تكن غير منخرطة بتنظيمات سياسية فإنها أيضا لم تعتقل ~~بسبب ارتكاب فعل سيئ كما هو الحال في باقي السجون، بل جرى ~~اعتقال كثير منهم لشبهات تحوم حولهم أو لأنهم مرتبطون بعلاقات ~~خاصة مع شباب ثوري. وإلى جانب هذا هناك عدد كبير من السجناء ممن ~~يلتزم بالفعل وليس بالقول فقط بأخلاقيات الثوار الرومانسية، من ~~صدق ووفاء، أمانة ونبل، والتزام شديد بالسلوك القويم، بل ~~مضافا لذلك، يحملون صفة غاية في الأهمية وهي الريادة والقدرة على ~~توجيه أي جمع يحلون فيه. صفة رائعة وخصلة مدهشة مكنتهم من فرض ~~نهج أخلاقي جميل في السجن. أحب كل السجناء ms165 ذلك والتزموا بتلك ~~الأخلاق في تعاملاتهم وتأكدت بذلك مقولة آمنت بها مبكرا: «عندما ~~يصلح القائد تصلح الجموع.» التي تتبعه في حركتها، وتختفي كل ~~عيوبها الداخلية الصغيرة. # هذه العيوب بغياب قائد صالح مصلح تبدو مشكلة اجتماعية عميقة لا ~~سبيل لحلها ولا للخلاص منها، أما إن ظهر رائد بخصال حميدة ~~وأخلاق رفيعة يقود حركة المجتمع فإنه يجذبهم إلى شاطئ فطرة ~~الإنسان الجميل، وحينها يتحدون في الأشياء الجميلة وتضيع كل ~~العيوب الأخرى والعكس صحيح أيضا. المجتمعات بحاجة إلى من ينظمها ~~في مسار مستقيم بقدرات فنية يملكها هذا القائد وأهمها حكمته ~~وإخلاصه لشعبه ولمبادئه. ولحسن الحظ كان السجن يعج بالمخلصين ولا ~~يخلو من الحكماء في الأقوال والأفعال؛ لذلك ارتقت الأمانة والصدق ~~إلى درجة مثالية بين السجناء. # بسبب الزحام الشديد ~~وتشابه الأشياء المستعملة كان يحصل في كثير من المرات أن يتوهم ~~سجين في ملكية حاجة ما، ويعتريه شك بعائديتها، فيتركها زهدا ~~وتعافها نفسه مع حاجته الماسة لها. تتحول القضية أحيانا إلى شبه ~~معضلة؛ إذ تصبح هذه الأشياء كدسا متراكما في وسط الزنزانة لا أحد ~~يعرف مالكه وتأخذ حيزا في الزنزانة الضيقة ولا يتقدم أحد ~~لاستعمالها، وغالبا ما كانت تحل المشكلة بطلب إذن جماعي بحق ~~التصرف يمنح إلى مراقب الغرفة أو شخص آخر محل اعتماد في الأمور ~~الإدارية ليتولى توزيعها بما يقدر ويرى. # وفي فترة لاحقة عندما أصبح بإمكاننا مواجهة أهالينا، لجأ بعض ~~السجناء - خصوصا من كانت أسرهم تعاني ضائقة مادية ويشكون من ~~قلة اليد - إلى بيع بضائع كانت تصلهم من عوائلهم مثل السجائر ~~وأشياء بسيطة أخرى لتمشية أموره المالية ولرفع الحرج عن عوائلهم ~~وتخفيف العبء الذي ينوءون به. في أيام المواجهة كان ينشغل عن ~~بضاعته بملاقاة أهله، لكنه لا يتوقف عن بيعها؛ إذ يضعها مفروشة على ~~الأرض ويذهب لقضاء وقته مع عائلته، فيما يأتي السجناء الآخرون ~~وبعض من زوارهم يتبضعون منها، يأخذون ما يرغبون ويضعون مقابلها ~~عوضا ماديا بلا كاميرات مراقبة ولا أمن يقفون عند بوابات ~~المحال ولا هناك من محاسب ولا رقيب إلا أخلاق ms166 آمن الجميع ~~بجدواها وتواصوا عليها وصارت خيمة يستظل الجميع بأمانها ~~وسلمها. # الأمر بدا غريبا جدا ~~لمن لم يعش بيننا في سجون الاعتقال السياسي؛ إذ في مرة بينما ~~أحد رجال الأمن يتجول في الأقسام أثناء المواجهة رأى عمليات البيع ~~والشراء تسير بهذه الطريقة ولم يفهم ماذا يحدث بالضبط. ولما شرح ~~له الموقف لم يصدق أذنه ولا عينيه، خرج مذهولا يردد ~~كلمات استوحيت منها عبارة كتبتها في هذا الكتاب حين قلت: «عالمي ~~الذي أحلم به حيث تضوع ريح الأنبياء وهي تلامس الأموات ~~لتحييها.» وقف رجل الأمن يقارن بين هذا العالم الغريب المخفي عن ~~العيون وبين عالم وحشي يعيشه. عيناه حكت ألما وهو يرى، بل كان ~~يردد ويقول: «هل هذه هي الجنة أم هذا هو الفردوس يتجسد ~~أمامي؟» # 12 # تطور الأمر إلى أكثر من التثقيف الجماعي أو الفردي إلى درجة أن ~~البعض اندفع إلى محاولة بناء تنظيم سري داخل السجن. كانت ~~عملية يشوبها حماس زائد وتفتقر إلى الحكمة رغم سلامة النوايا. ~~خطوة قام بها متحمسون وانضم إليهم شباب حديثو السن ولم يحسبوا ~~جميعا أضرارها ونتائجها بخلاف خطورتها الأمنية الشديدة وعدم ~~جدواها المطلق في تحقيق أي فائدة في زعزعة النظام كما هو هدف ~~العمل التنظيمي لإحلال بديل عنه؛ لأنها كانت تتحرك بمزاج أشخاص ~~صنعوا هذا التنظيم الخاص ولا علاقة لهم بأي تنظيم سياسي حقيقي ~~خارج القضبان، مما يعني بكل بساطة أنه مزاج أشخاص ورغبات ذاتية في ~~بناء جسم تنظيمي يتولون هم شخصيا قيادته، وهذه آفة التنظيمات ~~السياسية. # التنظيم السياسي حركة جماعية لتحقيق أهداف يسعى إلى بلوغها الفكر ~~الذي تلتف حوله الجماعة، وليس هناك من تابع ومتبوع في الحركة ~~إلا بمقدار تنظيم الحركة فيه. القطب الذي ينبغي أن يدور حوله ~~الكل هو الفكر والهدف، لا الأشخاص مهما كانوا، وعندما يصبح بعض ~~الأشخاص في التنظيم بمنزلة القيم على الفكر وتحديد غاياته ~~ويصبحون هم من يحدد المسارات برؤيتهم الخاصة، حينها يفقد التنظيم ~~السياسي جدواه ويتحول إلى ما يشبه دينا وثنيا يتحكم به كاهن ~~يسكن معبدا، وما على ms167 أتباعه سوى تقديم القرابين والنذور على ~~مذبحه. النخبة التي تسيطر على التنظيم وتسعى إلى التفرد تجهض ~~التحرك الثوري بدلا من قيادته فيما لو تعارضت مصالحها مع مصالح ~~الحركة الثورية. ولن يستطيع تنظيم تأسس على هذه الطريقة والمنهج ~~أن يكون ذا جدوى ونفع أبدا. # بدأت هذه الخطوة الانفعالية المزاجية تقسم المجتمع المتماسك في ~~جميع الزنزانات؛ إذ إنه في زنزانة محشوة بعدد كبير من السجناء لم ~~يكن من العسير اكتشاف وجود علاقة خاصة بين مجموعة معينة منهم، وهم ~~يتكتمون في أحاديثهم على أمر خفي، خصوصا أن كثيرا من السجناء كان ~~مدربا على العمل السري ويلتقط بسهولة هذا النوع من ~~العلاقات. # الثورية الزائدة مرض يتوفر دائما عند قليلي الحكمة. المتهورون ~~والمتزمتون والمندفعون هم مشاريع تطرف سياسي ومرض طفيلي في ~~أي فكر تغييري، والأفعال التي تصدر منهم غالبا تتسم بانفعالية ~~كينونتها رد الفعل؛ سلوكهم يتسم بالانغلاق، وكل هذا جعل انكشاف ~~أمرهم أكثر سهولة ويسرا في مجتمع السجن الخاص. # هذا الشرخ الاجتماعي متزامنا مع الرفض من قبل أغلب السجناء، ~~خصوصا ممن كانت له ريادة اجتماعية، جعل هذا المشروع التنظيمي في ~~وضع لا يحسد عليه، وأصبح عرضة لانتقاد شديد خلف عددا من ~~المتاعب والمشاكل لأصحابه، وخلق جوا من التوتر العام في أكثر ~~من مكان. # عدم الاستجابة لرأي الأكثرية والإصرار على أمر خاص لا يختلف ~~كثيرا عن الجهود التثقيفية التي كانت تتم في الجو العام أجهض ~~المشروع نهائيا، إلا أنه لحسن الحظ تم احتواء هذا التحرك في ~~النهاية بشكل تام. لكن لم يكن ذلك بلا خسائر، بل أخذ وقتا ليس ~~بالقليل وجهدا غير متواضع من الحوارات المطولة، وبنفس المقدار ~~أحدث انقسامات وشجارات تطور بعضها للأسف إلى اعتداءات لفظية ~~وجسدية. # لكن هذه الشجارات كانت ستحصل أيضا حتى بدون هذه الخطوة السقيمة؛ ~~إذ إن هناك كثيرا مما يمكن له أن يسبب شجارا وخصومة بين ~~السجناء، فأجواء الحرمان القاسية والضغط النفسي كانت تنتظر شرارة ~~لتندلع فيها حرائق صغيرة سرعان ما تخمد؛ لأنها لم تكن سوى محاولة ~~للتنفيس عن توتر وغضب ms168 يعتمل داخل النفوس. وكانت دوافعها في جميع ~~المرات أسبابا تافهة جدا لكن يمكن تفهمها. # مثلا: أي شخص بعد تناوله الفطور كان مضطرا لقضاء حاجته أن ~~يجلس أمام المرحاض في طابور طويل مكون من أربعين شخصا أو يزيد. ~~لنتخيل كيف ستكون أعصابه حين يحاول جاهدا ألا يصدر منه ما ~~يعيبه بعد أكثر من ساعة من انتظار ممل، ثم يأتي أحدهم ويحاول ~~بحذلقة ماكرة أن يتخلص من طول الانتظار مدعيا أن لديه مغصا ~~شديدا أو حاجة مستعجلة. سيحدث رد فعل غاضب خصوصا إن كان ~~متأكدا أن هذا التفاف ماكر، وسوف ينفجر غضبا ويحدث شجار بينهم ~~بالتأكيد. # يمكن لأي أحد أن يعيش في هذه الظروف أن تفسد طباعه وينقلب ~~وحشا كاسرا، وهذا ما يحصل في السجون الجنائية حيث تتحول الخصومات ~~الصغيرة إلى معارك دائمية، لكن في هذا السجن كان كل شيء ينتهي ~~سريعا ويتم التصالح بين السجناء، مما جعل السجن رغم كل ما فيه ~~قابلا للاحتمال. # كان السجناء يتحينون الفرص للتصالح والتغاضي أحدهم عن الآخر من ~~هذه الخصومات الهامشية، ويستغلون المناسبات والأعياد للتصالح؛ ~~لأنهم كانوا يرون في أنفسهم أنهم أصحاب قضية أكبر بكثير من سفاسف ~~الأمور. حتى أنا - وبرغم الطبع الهادئ الذي أوصف به من أغلب من ~~يتعرف علي - دخلت في هذه النوع من الخصومات لأكثر من مرة. مثلا ~~في إحدى المرات، كنت أنام عند جدار به ثقب صغير يمكن من خلاله ~~الاتصال بزنزانة مجاورة، هذا الثقب أصبح محجا لكثير من السجناء ~~يتوافدون عليه للحديث مع سجناء آخرين في زنزانات أخرى. كان أمرا ~~مضجرا فعلا وكم كان مزعجا ألا أحظى بالراحة حتى في الشبر ~~الواحد المخصص لي. نعم إنه شبر واحد تضطجع به، حتى إنه في يوم صرخ ~~أحدهم: «يا إلهي! حتى في القبر يعطون شبرا وأربعة ~~أصابع!» # نعم، إنه مضجع أضيق من القبر ومع ذلك لا أحظى به؛ لأنه قرب ثقب ~~صار برجا للاتصالات، بحق كان أمرا لا يحتمل، وفي مرة صار وقت ~~النوم وظل أحدهم يواصل ثرثرته، رجوته أن يترك المكان ms169 ويدعني ~~أرتاح، لكن في كل مرة كنت أرجوه المغادرة يطلب بضع دقائق إضافية. ~~كنت متعبا ضجرا، ونفسي متكدرة مما فاقم تعبي. وبعد أن صار ~~يقينا عندي أنه لا يعيرني اهتماما نفد صبري الذي - بصراحة - لم ~~يكن كبيرا ساعتئذ. صرخت به وتبادلنا الشجار بكلمات غضب واستغرق ~~الأمر عدة أيام فقط من إشاحة الوجه فيما بيننا لنستعيد العلاقة ~~الودية من جديد، وكأن شيئا لم يكن. # الاتصال من خلال ثقب الحائط كان أبسط الطرق وأكثرها بدائية في ~~منظومة الاتصالات التي تعامل بها السجناء، ولربما اخترعوا بعضا ~~منها؛ لأنها لم تكن سوى كلام مسموع ينتقل من فم إلى أذن. كل ~~ما في الأمر أن تضع فمك مرة على الثقب وتارة أخرى أذنك عليه ~~لتسمع رد صاحبك. الثقب لم يكن طبيعيا في أغلب الأحيان، بل كانت ~~تصنعه يد سجين تجد مكانا رخوا في حائط فاصل بين زنزانتين، ~~وحينها يبدأ حفر دقيق للإسمنت عند نقطة التقاء أكثر من بلوكة، ~~لإحداث ممر صغير يمكن أن يمر منه خيط ضوء رفيع جدا. هذا ~~المقدار الضئيل يكفي لمرور الصوت وتبادل الأخبار والنميمة أحيانا، ~~إلا أنه لم يكن الطريقة الوحيدة للتواصل. # كان هناك أشخاص يبرعون في التعامل بلغة المورس المعروفة عند ~~العسكريين، يتبادلون الحديث والأخبار بواسطة هذه اللغة وبسرعة ~~فائقة، ومع أني كنت أحفظ شفرتها جيدا، إلا أني لم أكن سريعا ~~بما فيه الكفاية في استعمالها. كنت أفضل طريقة أخرى في التواصل، ~~وهي الكتابة في الهواء وهي طريقة شائعة بين السجناء ومن إبداعاتهم ~~الخاصة لأني لم أر لها مثيلا في أي مكان آخر. تعتمد أصول هذه ~~الطريقة على رسم الكلمة في الفضاء بطريقة تقطيع الحروف، وعلى الشخص ~~المقابل جمع هذه الحروف التي تشكل أجزاء الكلمة وإدراك معناها ~~ودلالتها. كنت أجيدها وأستخدمها كثيرا للتواصل مع سجناء في ~~زنزانات أخرى. لم تكن وسائل التواصل هذه مخصصة لتبادل التحايا ~~والسلام أو الثرثرة وحسب، بل كانت أيضا قناة للتزود الفكري ~~والتعلم والتدريس، وإن كانت تسرق وقتا مديدا وجهدا ضخما، لكن ~~لم يكن هذا عائقا ms170 مهما؛ لأنه لا شيء عندنا أكثر من الزمن الذي ~~لم يكن ينقضي أبدا. # ولأجل التواصل الثقافي والفكري كان السجناء يلجئون إلى طريقة ~~أخرى في تبادل الدروس عبر الزنزانات؛ فقد كانوا يتبادلون المخطوطات ~~فيما بينهم. ولما كان القرطاس والدواة من المحظورات، كان من اللازم ~~إيجاد بديل عنهما. في السنوات الأربعة الأخيرة من سني سجني بدأ ~~الوضع الغذائي بالتحسن قليلا، وصار يصل إلينا بين حين وآخر كأس ~~صغيرة من اللبن، يتقاسمه أربعة أو خمسة أشخاص، لكن غطاءه العلوي ~~- وهو من ورق السيلفون - كان حصرا من نصيب المهتمين بالأمور ~~الثقافية إن كانت فكرا أو أدبا. وبالاستعانة بعظام دقيقة من ~~الدجاج الذي يستعمل كدواة تحول السلوفان إلى قرطاس يجري الخط ~~عليه بطريقة الحفر الدقيق الناعم، كل ما يراد تسطيره في أي موضوع ~~سياسيا كان أو دينيا أو ثقافيا بشكل عام من شعر وأدب وغيره ~~صار يدون على هذا القرطاس. ولم يكن هذا النوع الوحيد من ~~القرطاس؛ ففي كل شهر تقريبا كانت تصل إلينا في زنزانة الحجر الصحي ~~علب حليب توزع على المرضى، وبالعادة تمنح أولا للحالات ~~المتدهورة جدا على الأغلب. كان الحليب يجلب إلينا معلبا في ~~كارتون مغلف من الداخل بسلوفان سميك؛ ولأن كل علبة كانت تحوي ~~لترا من الحليب السائل، فكانت القطعة كبيرة جدا تكفي لتدوين ~~مقالة طويلة، وباستخدام عظام الدجاج كانت الكتابة عليه أسهل وأسرع ~~ولا يعاني من تشققات كما هو حال سلوفان اللبن. # استخدمت هذا الورق كثيرا في الإعداد لمحاضرات كنت ألقيها في ~~مناسبات عديدة، أو لتدوين أفكار كنت أظفر بها، خصوصا عندما يهجع ~~الكل إلى النوم. كنت أحرص على استغلال فرصة الهدوء وأسرح بعيدا في ~~تأملات عميقة أوصلني بعضها إلى اكتشافات فكرية جوهرية، أسست عندي ~~لمبان فكرية جديدة طورت من فهمي لأشياء كثيرة، وربما أيضا ~~سببت لي مشاكل ليست قليلة في حينها، لنقص في خبرتي ولبعض الحماس ~~غير المبرر مني للجهر بآراء صريحة مقابل بعض محدودي الفهم ~~والمتعصبين، وأشخاص منزعجين جدا من تسيد المشهد الثقافي من ~~قبل مجموعة معينة كنت ms171 أحد أفرادها. # هذا الوضع المميز جعلنا في مركز اجتماعي حسن، بعض قليل من ~~السجناء كان لا يروق له ذلك، واشتعلت الغيرة في صدره، واضطرم ~~الحسد في نفسه المضطربة أصلا، فبدأ يختلق الأعذار وينتحل الحجج ~~للتوهين من آخرين. الغريب أنه حتى في هذه الأوضاع المزرية حيث ~~الحرمان من كل شيء، كان التنافس على المواقع والحسد متوفرا ~~بصورة ملحوظة مع أنه لا يوجد شيء يستحق الاهتمام فضلا عن القتال ~~عليه. # في إحدى المرات كنت أجلس متكئا على حائط، بينما تجتمع في إحدى ~~زوايا الزنزانة مجموعة من الأشخاص لحل خلاف نشب بينهم، ولسبب ~~ما أجهله الآن حجب بصري شيء ما عن رؤيتهم، لم أقدر على ملاحظة ~~المشهد إلا من خلال النصف السفلي لأجسادهم، سقط نظري على أقدامهم ~~وهم وقوف يهمون بالجلوس ورأيت أرجلهم حافية مجردة من أي نعل؛ ~~مشهد غريب أحدث أثرا عميقا في. إنهم لا يملكون حتى نعالا ولو ~~خلعوا أسمالهم البالية لكشفت عوراتهم في الحال؛ لأنهم لا يملكون ~~سروالا داخليا ليرتدوه. هل هناك من شيء فعلا يستحق كل هذا ~~التنافس والخصومات؟! وهل يوجد شيء ليس هنا في هذا المكان المقفر ~~من كل ما يمت للدنيا وحسب، بل في كل هذه الدنيا يستوجب التنازع ~~لأجله إلى حد تصل الأمور فيه إلى سفك الدماء وقتل ~~الأبرياء؟! # ما أغرب نفس المرء حين توهمه بمغريات زائفة وهي في حقيقتها ~~أوهام وعدم، أو كادت أن تكون كذلك في أكثر المرات. النوازع ~~البشرية لا تتغير بتغير الظروف سواء كانت خشنة أو ناعمة، قاسية ~~أو رقيقة. غرائز تبقى كما هي في كل الأحوال وكل ما تفعله تبدلات ~~الظروف في منعطفاتها حين تدهم المرء على حين غرة، إنها تعطي ~~دروسا مجانية لمن يريد أن يهتدي بنورها. # في هذه المنعطفات الحادة تتعرى الأشياء من تراكمات الزيف ~~وتتبدى ماهية الحياة مجردة من أي زخرف وزينة، وتسقط الهالة ~~الساحرة الغامضة التي طالما خدعت الأبصار وشوشت الأفكار وهي ~~تتلوى مائجة. من أخذ الدرس يركلها هي وكل الأوهام التي تذهب ~~بلب كل تواق نهم ms172 يشتهي متعا زائلة بلا تدبر ولا ~~حسبان لعواقب وبيلة، ويقي نفسه عواقب تنزل به الضرر عاجلا أو ~~آجلا. # كان تبادل المخطوطات يجري بسرية بالغة حتى بعد التخلص من ~~الخونة، وهناك تحفظ كبير في تداولها؛ لأن السجن معرض لحملة ~~تفتيشية في أي لحظة. كان أفراد الخدمات الصالحون يقومون بهذه ~~المهمة، وإن بحذر شديد، وفي مرات أخرى كثيرة كانت تنقل داخل ~~حاجيات أخرى وقد دست في مكان سري، إلا أن نقلها من قسم ~~إلى آخر كانت مهمة عسيرة جدا وتتطلب مهارة فائقة. # يصنع حبل وفي آخره ما يشبه صنارة صيد ويرمى بأقصى ما يمكن ~~من فتحة البلوك الوحيدة المسماة شباكا تسامحا. ما يراد نقله ~~يكون بالعادة بعضا من الحاجات المهمة التي تجمع لمدة طويلة من ~~الزمن، وتنقل إلى قسم آخر لحاجة ماسة إليه، وطبعا لا تخلو ~~البضاعة من أوراق ومواد ثقافية في أغلب المرات. كانت العملية ~~تستغرق ساعات أحيانا؛ لأنها تتم تحت جنح الظلام، كان الطرف الآخر ~~يرمي بصنارته أيضا لمرات ومرات عسى أن تلتقط الحبل الذي رماه ~~صاحبه في الجهة المقابلة، وعندما تعلق الصنارتان، يبدأ سحب ~~الحبل بحذر بعد أن يربط به كيس البضاعة المهربة؛ لأن عرض الساحة ~~بين القسمين كان يزيد على العشرين مترا، والأنكى من هذا أنها كانت ~~مكبا كبيرا للنفايات وكل شيء فيها يشكل عقبة أمام انسيابية ~~النقل سحبا. # في مرات كثيرة كانت الصنارة تفلت؛ لأن البضاعة تعلق في كومة ~~نفاية كبيرة يصعب تجاوزها، ويضطر الطرفان إلى سحب حبليهما ~~ومعاودة رميهما من جديد حتى تعلق مرة أخرى ويبدأ سحب آخر. يظل ~~الطرفان في توتر وترقب طوال الوقت خشية أن يدهمهم حرس أو رجل ~~أمن يسير في دورية ليلية، وكانوا بالفعل يمرون كثيرا لتفقد ~~السجن من الخارج مما كان يوقف عملية التهريب في فترات استراحات ~~إجبارية. إلا أنهما يستمران في محاولة تهريب البضاعة ويظلان ~~واقفين طوال الليل حتى تتم العملية قبل طلوع الفجر مكللة ~~بالنجاح في كل المرات. # 13 # رغم تخلصنا من الخونة، وفتح قسم جديد قلل نسبيا الزحام ms173 ~~وصار عددنا في كل زنزانة بحدود خمسة وثلاثين شخصا، إلا أن ~~الظروف الصحية استمرت في حالها السيئ وتواصل انحدارها. معاملة ~~رجال الأمن لم تتوقف عن إذلال واحتقار السجناء وإنزال عقوبات قاسية ~~بهم لأسباب بالغة في التفاهة. وكلما كانت أيام السجن يتزايد ~~عددها ، كلما كانت الأمور تسوء أكثر، ويحتد الغضب والحنق أكثر ~~عند السجناء ويتضاعف وجدهم وتستفحل الضغينة ويتفاقم ~~كربهم. # بين فترة وأخرى - ليست متباعدة - يموت سجين بسبب هذه الظروف ~~المريعة، وكثير منهم يصاب بنوبات من إغماء، أو يضحون بهيئة وحال ~~يشعر معها بقلق حقيقي، إنهم في سبيل التلاشي وهجر الدنيا كلية، ~~وبالفعل فارقنا أكثر من واحد منهم وحصل ذلك أمام ناظري مباشرة ~~وأنا أشهد ترجلهم من الدنيا وعروجهم إلى سماء طالما انتظرنا ~~عدلها. # شابان شهدت فقد حياتيهما جراء المرض الشديد على مقربة ~~جدا مني، وسمعت كيف تخمد الأنفاس في مشهد مرعب. يجاهد صبي في ~~صراع مع مجهول لسحب أنفاسه وذاك الغريب من عالم الميتافيزيقيا يطبق ~~عليها. يرفع ساقيه محاولا أن يرفسه بهما، وهو يشدد عليه ~~الخناق حتى ازرقت قدماه وهوتا وأحلامه بالبقاء، لتخمد ضراوة ~~المعركة مع انقطاع آخر أنفاسه الأخيرة، وتسدل ستارة من حزن ووجوم ~~على زنزانة تحوي جسدا غضا يسحبه رجال الأمن في بطانية سوداء ~~بعد ذلك إلى غرفة مجاورة. # كنا نتلصص من خلال ثقب الباب على جسده المطروح منبوذا مهجورا ~~بلا احترام، فيما يحاول قط سمين الاقتراب منه يدور حوله ثم ~~يتراجع ويقعد بعيدا عنه في زاوية، كأنه يقول: لا تخف يا عزيزي، ~~أنا لست وحشا كأبناء جنسك، ولا أحمل غلا في قلبي لإخوتك الصغار ~~وهم يلاحقونني في الأزقة الضيقة، ولو كنت تركض معهم حافيا ~~تقذفني بالحجارة من السطوح فلن أرد عليك الإساءة، أنا لا أملك ~~كل هذا الحقد لفعل شيء كهذا كما فعله بك من كنت تحسبهم بشرا ~~وتحسبني حين كنت تراني وحشا. # الغضب يتزايد ككرة ثلج تواصل الانحدار، وغدا معه أغلب السجناء ~~غير مبالين بالحياة، كثير منهم كان جسورا شجاعا ومستعدا ~~للمواجهة بلا أدنى تردد وبلا ms174 حاجة لأن يغضب أصلا من سوء المعاملة، ~~فكيف به معها؟ يحاول السجناء في كل مناسبة أن يتكتموا على آلامهم ~~أمام رجال الأمن ويبدوا جلدا ومقاومة. وما زلت أحتفظ في ~~ذاكرتي بصورة شاب تلقى صنوف العذاب مع آخرين، وحين انتهى التعذيب ~~طلب منهم رجل أمن أن يهرولوا مسرعين إلى زنزانتهم. قام ورجع يمشي ~~بكل هدوء ووقار، فعاجله رجل الأمن بضربات على ظهره لاستعجاله، لم ~~يأبه لها وظل يمشي وكأن سياطهم ذباب يطنطن عند أذنيه لا ~~يستحق منه الاهتمام سوى أن يهشه بيديه. وصل الزنزانة دون أن ~~يغير من نسق خطواته ولم يرتبك في أي واحدة منها ولم يستعجلها ~~ولا حتى بنصف خطوة. # كنا نمارس لعبة السعادة في رفع المعنويات، نشد أزر بعضنا ~~بالتكاتف والتواصي، ونقول حالنا أفضل من حال غيرنا، حتى إننا في ~~الزنزانة التي نقلت إليها بعد انتهاء فترة الحجر الصحي اخترعنا ~~يوما كنا نسميه يوم الصبر. موعده السنوي في اليوم التالي ليوم ~~وطني (عيد الجيش العراقي) تتردد قبله إشاعات كثيرة عن صدور عفو ~~حكومي على السجناء ابتهاجا بذاك اليوم، وتتكرر فيه كل سنة ~~الأخبار الكاذبة نفسها وكنا نعلم أنها إشاعات ليس إلا، ومع ~~ذلك كان البعض يشتد به الشوق والحنين لزوجة تركها أو أطفال ~~خلفهم كاليتامى، أو آخر يتوق للعودة إلى عالم بلا أسوار ولا ~~قضبان، ويصيبه وهن وتراخ، ويحل به ضعف يزحزح قدميه ويرجرج ~~موقفه. ضعف طبيعي، فما كنا سوى بشر يعترينا ما يعتري غيرنا من ~~لحظات انتكاسة وقوة إلا أنا كنا نبغي مطاولة البغي وهزيمة ~~السيف بالصبر. صار رأينا أن نقيم احتفالا عاما جماعيا في ~~هذه المناسبة كل سنة في الموعد ذاته نترنم فيه بأناشيد حماسية، ~~ونلقي قصائد وكلمات تشيع بيننا روح المقاومة والاستخفاف بممارسات ~~الأمن وحربه النفسية، ونتجاوز لحظة الانكسار والضعف بالوثوب خطوة ~~إلى الأمام في استجماع ولملمة كل قوانا. # من الأشياء الغريبة في السجن هو كثرة الشائعات والأخبار عن عفو ~~رئاسي لإطلاق سراح وشيك. وكانت الإشاعات تروج بفكاهة؛ لأنها ~~تبنى على معطيات وهمية هي للتهريج ms175 والمزح أقرب من أي شيء آخر. ~~في إحدى الأمسيات، وقف أحدهم وسط الزنزانة وطلب منا الهدوء وبسمة ~~عريضة على وجهه والبشرى ترتسم على محياه، وهو يقول: «عندي خبر ~~مهم!» # أنصت له الجميع بخشوع واهتمام كما لو أنه كان يتلو قداسا: ~~«صدر عفو سري جدا من مجلس قيادة الثورة على جميع السجناء ~~السياسيين، وقريبا سوف تبدأ إجراءات إطلاق سراحنا، أرجو ~~التكتم على الخبر؛ لأنه وصل عن طريق ثقة وأخشى من الأمن لو سمعوا ~~بانتشار الخبر يتعرفون على المصدر.» # بادره على الفور شاب صغير لم يكن حينها قد أكمل خمس عشرة سنة ~~من عمره بنبرة سخرية واستهزاء: «واضح جدا أن هذا العفو سري ~~للغاية، والدليل أنت معنا في هذه الزنزانة المظلمة ووصلك ~~الخبر.» # انفجر الحضور ضحكا، وتذكرت قصة «ملابس الإمبراطور الجديدة» ~~والطفل الذي كشف عري الإمبراطور وزيف المنافقين. مثل هذه ~~الأخبار كانت تشابه وتماثل الأحلام والرؤى التي كان يتحدث بها ~~بعضهم. كان أحدهم مستودعا لا ينضب خزينه من أحلام ورؤى لا تنقطع ~~عنه لصالحين وأولياء وأئمة وأنبياء ليس لهم من هم ولا شغل ولا ~~عمل إلا المرور عليه لينقلوا له نبوءات تبشر بالفرج القريب، ~~لم تتحقق ولا واحدة منها بالطبع لكنه لم ينقطع عن رؤيتهم ولا عن ~~نقلها. آخرون كانوا يتحدثون عن نبوءات الأقدمين ويوافقونها مع ~~واقعنا مبشرين بسقوط النظام وخروجنا منتصرين وأكثرها مبعثا ~~للسخرية والازدراء لسخافتها كانت تقول إنه ورد في الأخبار الصحيحة ~~عن السلف الصالح أن نهاية فلان (بتأويله صدام) تكون عندما يبلغ ~~العراق نهائيات كأس العالم، وكانت النتيجة أن خرج العراق من هذه ~~الكأس بثلاث هزائم متوالية وهزيمة رابعة حلت بصاحب النبوءة عندما ~~لم نخرج من السجن نحن أيضا. # خلطة من عجز ويأس وجهل في جماعة لا تعايش واقعها، لا تريد ~~الاعتراف به، ولا تحاول تغييره بنفسها لتلجأ إلى الخرافة والأساطير ~~وتنعم برفاهيتها الزائفة وتخدع نفسها بسعادة وهمية. # تمر على جميع الأمم وأغلب المجتمعات ظروف طاحنة في ضراوتها، ~~قاسية في وقائعها، مريرة في أحداثها، الجهلة والعاجزون فيها ~~يركضون وراء ms176 الأحلام والخرافات والأساطير ليناموا تحت أفيائها، ~~ليتفاقم قبح الواقع عليهم ويغرس مزيدا من حرابه في خواصرهم ~~ونباله في صدورهم، ويجثو بثقل بشاعته، ويكلفهم سخفهم ثمنا ~~باهظا وهم لا يفتئون يرددون وقائع أحلام لن تتحقق أبدا، ولن ~~يقف على بابهم «غودو»، ولو ناموا الدهر كله في انتظاره. # 14 # الموت هو الحقيقة الوحيدة التي يؤمن بحتميتها كل البشر، وعلى ~~الرغم من هذا إلا أن وقوعه يتحول دائما إلى حدث مزلزل ثقيل ~~الوطأة على كل النفوس، وهذا ما جرى في ذاك اليوم المشهود. # شاب بغدادي في ريعان شبابه يحتضر من مرض عضال أصابه في السجن ~~جراء نقص التغذية وانعدام الرعاية الصحية بالمطلق. جهد أفراد ~~زنزانته - ومعهم شباب الخدمات - على الطلب من الضابط المسئول عن ~~الأقسام المغلقة بتقديم بعض المساعدة له في محنته، واستنفدوا كل ~~الحجج والسبل في سبيل إقناعه بأن هذا الشاب في وضع صحي مزر ~~للغاية، وينبغي تقديم العلاج له وإسعافه، إلا أن رجال الأمن ~~بالغوا في تجاهل الطلبات إذلالا وإهانة للسجناء. أصروا على عدم ~~تقديم أي عون له، حتى لو كان يسيرا لجبر الخواطر وليس لإسعافه، ~~فقد وصلت حالته إلى نقطة حرجة جدا، وأشك أن أحدا كان بوسعه ~~إنقاذه، لم يقبلوا حتى أن يعاين طبيب السجن حاله، ولا أن ~~ينقل لمستوصف السجن ليموت هناك. كان هذا خيارا سهلا وبإمكانهم ~~أن يفعلوه بلا أي تكلفة؛ لأنه في الأول والآخر سيرقد هناك قبل ~~دفنه. # مستوصف السجن هذا عبارة عن غرفة واحدة بسريرين، ويخلو من أي ~~تجهيزات طبية إلا البدائي جدا منها؛ وهي ليست أكثر من حقيبة ~~إسعافات أولية وبضع قناني مغذ، وبعض العقاقير الشائعة من ~~أسبرين وبارسيتمول، ومضادات حيوية، ولم يكن صالحا لإجراء أي ~~فحص متقدم أو إجراء أي عملية جراحية، وتقديم أي مساعدة طبية. ~~نقلت إليه عند إصابتي بمغص كلوي حاد وفي ظرف كانت أوضاع ~~السجن فيه جيدة، وقد تحسنت المعاملة كثيرا، ومع ذلك لم يستطيعوا ~~تقديم أي مساعدة حقيقية لي سوى مسكنات ألم ليس غير. # بالعودة لقصة الشاب المحتضر، بعد تفاقم ms177 وضعه بدأت المخاوف ~~الحقيقية من هبوط طائر الموت علينا من جديد تأخذ بعدا حقيقيا، ~~حينئذ اتصل أحد أفراد الخدمات بالأمن من خلال جهاز اتصال داخلي ~~قائلا له: «إنه يحتضر ويكاد يموت.» # رد عليه أحد رجال الأمن عليهم بوقاحة وصلافة واستهتار: «إذا ~~مات لفه في بطانية وارمه خارج الزنزانة.» # كلمات رجل الأمن المتهتكة سمعها عدد كبير جدا من السجناء ~~مباشرة؛ لأنه كان يتكلم عبر سماعة جهاز محاكاة داخلي. كانت مؤلمة ~~ولها وقع قاس في نفس كل من سمعها، لما فيها من استهانة ~~بالغة وازدراء شعر بها السجناء، صداها تردد في كل الزنزانات بعد ~~أن تناقلتها الألسن. # نهاية هذا الشاب صارت عند كل واحد منهم نموذجا مثاليا ~~لنهايتهم، وإنهم سيموتون جميعا بهذه الطريقة ويرمون مثل جيفة ~~على قارعة الطريق لا يعبأ أحد لهم، ولن يحظوا حتى بمدفن لائق ~~يستريحون فيه بسلام بعد رحلة الحياة المضنية بعذاباتها وآلامها. ~~وقبل أن يمر وقت لتجرع هذه الإهانة وإذا بالخبر الصاعق ينزل ~~ويدخل القسم في صمت رهيب وحزن عميق وغضب عظيم يغلي في ~~الصدور. ~~«لقد مات!» # الموت بوقعه المزلزل حادث مج لا تستسيغه النفوس، فكيف به ~~وقد تزامن مع هذه الإهانة والاستخفاف. أصاب الذهول عقول السجناء ~~والغضب بلغ أوجها وبدأ يفور في الصدور ينشد منفذا يخرج منه، ~~ويزيد من غليانه الجسد المسجى أمامهم بلا حراك، كل شيء كان ~~ينذر بانفجار عظيم. وعند الغلس دخل رجال من الأمن لإخراجه ~~ملفوفا ببطانية كما وعدوا من قبل، السجناء كانوا كلهم مستيقظين ~~مترقبين، وهمهمة احتجاج خافتة تسري مثل ريح ناعمة تسبق ~~إعصارا. # ما إن فتح باب الزنزانة - يريدون سحب جثمانه - وإذا بصرخة ~~احتجاج هادرة تنطلق من زنزانة ما مثل بركان يقذف أول حممه، وإذا ~~بالسجن كله ينفجر معها بهتافات احتجاج مدوية مثل سيل جارف لا ~~يتوقف ولا يخبو، بل يزداد مضيا في جريانه وتدفقا كلما سار إلى ~~الأمام. ذهل رجال الأمن من هول الموقف وأسرعوا راكضين مع ~~الجثمان مغلقين باب الزنزانة على عجل ومثله كذلك باب القسم ~~الخارجي وهم يرتجفون ms178 من شدة الفزع. تظاهرة احتجاجية في جمهورية ~~الخوف والقمع الرهيب، من يصدق هذا؟! # حدث وقع عجيب لهذا الاحتجاج؛ إذ إنها وقعت في آخر الليل مع ~~إشراقة الفجر الأولى حيث يخيم الهدوء، صرخات مئات السجناء بأعلى ~~أصواتهم مزقت ليل السجن والخوف وطلعت مع الفجر في روح كل ~~نزلاء سجن «أبو غريب». تظاهرة تحد، كشفت عن ثائر أشوس قابع ~~وراء القضبان ومقدام جسور لا تحجزه القيود ولا السلاسل. حدث قال ~~بصريح العبارة: هنا يسكن الذين لم ترهبهم سنوات الإخفاء القسري، ~~والذين لم تنل المعاملة الوحشية من عزيمتهم الجبارة، بل يواصلون ~~تحدي أعتى نظام. صيحة وصلت إلى كل أرجاء السجن، وحار الأمن كيف ~~يتعاملون مع الموقف؛ لأن إدارة السجن صارت تخشى انتقال عدوى ~~الاحتجاج إلى أقسام أخرى. وحينها يصبح السجن في طريق الخروج عن ~~سيطرة الأجهزة الأمنية بالكامل. # في أول النهار حاول رجال الأمن تجاوز الموقف رغم خطورته بتجاهل ~~الحدث وإدخال الفطور الصباحي، إلا إنهم جوبهوا برفض شديد من ~~السجناء وبمواصلة الاحتجاج، صار الموقف أكثر تعقيدا مع بدء ~~الإضراب عن الطعام واستمراره طيلة النهار، مما استدعى تدخلا ~~خارجيا من إدارة أمنية عليا بعد عجز إدارة السجن عن احتواء ~~الموقف، وانتهى الإضراب إلى وعود نفذت على الفور بتحسين جزئي ~~للأوضاع وإجراء أول مواجهة لعدد محدود من السجناء مع أهاليهم. ~~تبعه تخفيف الضغط قليلا بفتح أبواب الزنزانات في ساعات محددة ~~من النهار ليحظى السجناء - ولأول مرة - بحرية الحركة بين الزنزانات ~~ولو كانت لثلاث ساعات فقط في اليوم، إلا أنها كانت انفراجة ~~كبيرة. # بهذه الإجراءات الجزئية اليسيرة حاول الأمن احتواء الموقف ~~المتفجر، ومن ثم يعاودون إجراءات القمع والتعذيب بعد امتصاص ~~الغضب وتهدئة الثورة مستعينين بواحد من الخونة الذين فقدوا قوتهم ~~فيما سبق للحصول على أسماء المحرضين على الاحتجاج. وبالفعل قام ~~هذا الخائن وهو الشخص الوضيع نفسه الذي كان مراقبا في أول زنزانة ~~دخلت فيها في السجن، بمحاولة إيصال معلومات خطيرة إلى رجال الأمن ~~بصورة خفية، إلا أن أمره كشف وتعرض بعدها لمحاصرة ومضايقة ~~من كل السجناء ms179 وتحولت حياته إلى جحيم في حكاية سوف يأتي ~~وقتها. # خطط الأمن لبدء الثورة المضادة وإجهاض مكاسب الاحتجاج، بافتعال ~~حادثة صغيرة يجري تطويرها إلى قضية كبيرة، وإنزال عقوبات قاسية ~~بالسجناء ومن ثم تعود سلطة الخوف من جديد للتحكم بالمشهد. بعد ~~التطورات ونتيجة للاحتجاج منح السجناء حق البقاء خارج الزنزانات ~~إلى منتصف النهار ليعاد إقفالها عليهم من جديد حتى صباح اليوم ~~التالي. كانت هذه السويعات القليلة فرصة للحركة وتبادل الزيارات ~~بين السجناء، وساهمت في تخفيف الضغط النفسي وتخفيف التوتر وفتحت ~~ممرا ضيقا للتمتع بالحرية. إلا أن رجال الأمن لم يرق لهم ~~هذا التحول في حياة السجناء وخططوا لإعادة حقبة التضييق والتعذيب ~~المنهجي. وفي نهار دخلوا فجأة بهراوات يصرخون ويضربون السجناء ~~لإجبارهم على الدخول المبكر إلى الزنزانات بلا أي مبرر، إلا أن ~~حساباتهم كانت غاية في الخطأ في التوقيت ولم يقدروا الموقف ~~جيدا، ولا أخذوا بنظر الاعتبار أنهم في مواجهة مع سجناء سياسيين، ~~عدد ليس بالقليل منهم امتهن المعارضة، ويبرع في حشد الأنصار ~~وإثارة العواطف والحماس، وكثير أصابه يأس من الظروف المزرية ~~ويتشوق للمواجهة مع رجال الأمن خلاصا من حياة لم تعد لها قيمة ~~عنده ولا يكترث لها. # رفض السجناء الدخول إلا أن رجال الأمن كان يبدو جليا عليهم ~~أنهم يتحركون بتعليمات محددة، ملخصها إجبار السجناء على الدخول ~~القسري وإيقاع أذى شديد بهم إن بدا منهم أدنى احتجاج، في ~~مسعى واضح لاستعادة زمام المبادرة التي فقدت منهم منذ الاحتجاج ~~الكبير. تحول الرفض إلى شجار بالألسن ومن ثم تطور سريعا إلى ~~اشتباك بالأيدي، ليندفع السجناء بشكل جماعي لنصرة أصحابهم نحو ~~رجال الأمن الذين هربوا مذعورين من الثورة الجماعية. المقذوفات ~~نزلت على رءوس رجال الأمن من كل حدب وصوب بأي شيء كانت تطاله ~~أيدي السجناء، وتحول السجن إلى فوضى حقيقية لا يعرف رجال الأمن ~~أين يختبئون ولا بمن يستنجدون، تشتت شملهم حتى إنهم باندفاعتهم ~~السريعة إلى باب القسم الرئيسي نسوا صاحبا لهم وخلفوه بين أيدي ~~السجناء الذين وضعوا سطلا في رأسه ليمنعوه من رؤية الوجوه ms180 وأشبعوه ~~رفسا ولكما وركلا، وهو يركض باتجاه الباب الرئيسي، وهناك علق ~~بين الطرفين؛ رجال الأمن يحاولون إغلاق الباب الخارجي خوفا من ~~اندفاعة السجناء إلى الخارج، وهو يقاتل لأجل فتحه والإفلات من ~~قبضة السجناء، وصار يتلقى الضربات من السجناء تأديبا له ومن ~~رجال الأمن الذي خالوه سجينا يحاول اقتحام الباب والهرب، فصاروا ~~يضربونه بعصيهم وهو يصرخ بهم طالبا النجدة، إلى أن تعرف عليه ~~أحدهم من صوته وأنقذه بعد أن نال عقابا لا ينسى. دب الفزع بين ~~رجال الأمن ولم يكتفوا بإغلاق الباب المحصن بالأقفال الثقيلة، بل ~~استدعوا حدادا على وجه السرعة؛ ليغلق الباب المحصنة بواسطة ~~اللحام وصار اقتلاعه أو فتحه أمرا مستحيلا. # استدعيت كل قوات حرس السجن وقوات إضافية على الفور، ودخلوا في ~~أقصى حالات التأهب لبدء معركة حقيقية؛ لأن السجناء في هذه المرة ~~سيطروا فعلا على القسم. كان العدد في كل قسم يربو على الألف سجين ~~وجميعهم أحرار في الحركة داخل القسم بلا أي حواجز بعد أن تركت ~~أبواب الزنزانات مفتوحة. بدأ رجال الأمن بإطلاق الرصاص الحي على ~~جدران القسم من الخارج، إلا إنه لحسن الحظ؛ ولأنهم من قبل لم ~~يتركوا أي فجوة في تلك الجدران المبنية بصورة محكمة لا يخترقها ~~شيء، خاب رميهم وفشل مسعاهم في إصابة أي شخص. أما السجناء فقد ~~انبطحوا جميعا إلى الأرض يتقون الرمي الأعمى بدرع الجدران ~~الكونكريتية المسلحة القوية. # لم يتوقف رجال الأمن عن محاولاتهم؛ إذ صعد رجال مكافحة الشغب ~~إلى نقطة عالية في سطح السجن ومن خلال فتحات تهوية على علو شاهق ~~تطل على الممر بين الزنزانات، ألقوا قنابل مسيلة للدموع، لكن ~~لم يفت هذا في عضد السجناء وواصلوا الهتاف عاليا بصرخات ~~الاحتجاج، واستعان السجناء بالماء والبصل وبطرق بدائية أخرى ~~لمكافحة تأثير الغازات المسيلة للدموع. # سيطر الرعب تماما على رجال الأمن؛ لأن السجن كله صار الآن ~~يسمع الفوضى وسرت عدوى الانتفاضة إلى أقسام أخرى من السجناء ~~السياسيين في الأقسام المفتوحة، وأصبح السجن برميل بارود ~~حقيقي يوشك على الانفجار في أي لحظة. ولم يستقر ms181 الموقف الهائج ~~إلى أن جاء وفد حكومي عالي المستوى لمعاينة السجن بإيفاد خاص ~~من جهات عالية في الدولة مفوضا بصلاحيات واسعة على ما ~~يبدو. # طلب الوفد من السجناء الأمان للدخول إلى القسم وإجراء مفاوضات ~~معهم، وهنا كانت براعة السجناء ومهارتهم العالية في التفاوض ؛ إذ ~~إنهم ردوا عليه ردا كان خطوة واسعة بإقناع الوفد الرسمي، ~~وأجابوه بأنهم هم من يطلب الأمان، وإن الوفد له كامل الحرية ~~باعتباره هو المسئول عن تحقيق النظام بالدخول إلى السجن واتخاذ ~~الإجراء المناسب. كان ردا فاجأ الوفد؛ إذ إن ما نقل إليه على ما ~~يبدو، أنه تمرد ومحاولة للسيطرة على السجن. # عندما دخل الوفد إلى القسم زاد استغرابه من الهدوء الكبير وأن لا ~~وجود لأي آثار معركة؛ إذ قام السجناء بتنظيف القسم بسرعة بمبادرة ~~ذكية اقترحها أحدهم لإبطال دعوى سوف يدعيها رجال الأمن بأنهم ~~هوجموا من قبل السجناء. ولما لم يجد الوفد شيئا ظلوا يتبادلون ~~النظرات فيما بينهم في شعور واضح بأنهم قد ضللوا من قبل رجال ~~الأمن. ظل الوفد يجول على الزنزانات التي دخل إليها السجناء طوعا ~~ويستفهم منهم عن سبب الصياح والمشكلة؛ فشرحوا له بنفس واحد أنهم ~~يعيشون ظروفا معاشية قاسية، وأنهم يطالبون بتحسينها من تغذية وصحة ~~والسماح لهم بمواجهة أهاليهم ورؤية الشمس بعد كل هذه ~~السنوات. # أصر الوفد على التعرف على المطالب السياسية وحاول استدراجهم ~~لذكر أي منها، أنكر السجناء أي مطلب لهم، بل قالوا له: نحن ~~سجناء محكومون وفق القانون، ونطالب بحقوقنا كسجناء فقط لا أكثر من ~~ذلك. ولما اطمأن الوفد أن لا مطالب سياسية تقف وراء الاحتجاج وأن ~~لا وجود لحركة معارضة للحكومة - رغم محاولة الضابط المسئول عن ~~السجن تدبير تهمة التظاهر السياسي، لكنه أحبط تماما أمام براعة ~~السجناء في إدارة الأزمة الذين عاملوا الوفد باحترام كبير وأدب ~~جم مما أعطى الوفد انطباعا مغايرا، بأن المطالب الحقيقية هي ~~مطالب معيشية فقط؛ لذا قال في الحال: إن هذه حقوق لكم وليست ~~مطالب، وسوف تنفذ على الفور. # توافق حصول هذه الأحداث مع قرب ms182 انتهاء حرب الخليج الأولى وبروز ~~توجه حكومي نحو تخفيف القبضة الحديدية، وبدأت إدارة السجن بالفعل ~~بتنفيذ الوعود الحكومية بسرعة وسمح لأول مرة للسجناء بمواجهة ~~الأهل والحصول على الفرصة من جديد لرؤية شمس غابت علينا آخر مرة ~~قبل سبع سنين عجاف. إلا أن الإذن بالمواجهة كان يسير بإجراءات ~~روتينية مملة ومضحكة أحيانا. كان رجال الأمن يروحون ويجيئون ~~ويسألون عن عناوين سكنى كل واحد منا، ثم يقولون: لم نستطع ~~العثور على العنوان الصحيح لربما تغير سكنهم، سوف نجري بحثا ~~جديدا عن أهاليكم، وحالما نجدهم سوف يتم تبليغهم للحضور إلى ~~المواجهة. تكرر هذا الادعاء منهم وكنا نقابله بمزحة: لكنكم ~~حين اعتقلتمونا أخرجتمونا من تحت الأرض في خمس دقائق. # هنا تدخل قميصي التركي «مراد» الذي جاء معي من المعتقل ~~وأرسلته مع عائلة أحد السجناء ليبشر أهلي بأني ما أزال حيا، ~~وصل قميصي إلى متجر والدي الذي تمكن من التعرف عليه، وتأكد أني ~~ما زلت على سطح هذا الكوكب أتنفس الهواء مثله، وإن كنت أقطن مكانا ~~قصيا، واستبشر به بعد أن بلغ اليأس فيهم منهاه، حتى إن والدتي لم ~~تلبس غير اللون الأسود طيلة سبع سنين حدادا علي، وعلى العادة ~~البغدادية بالنذور، كانت تذهب والدتي ماشية حافية كل سبت إلى ~~المشهد المقدس في الكاظمية، تسأل يوما تشرق الشمس فيه علي من ~~جديد. # 15 # في مستهل الأسبوع الثاني من بداية الخريف، وبعد مرور عام كامل ~~من انتهاء حرب الخليج الأولى، استقبلنا أهالينا - لأول مرة - في ~~مواجهة جماعية عامة، كانت حدثا غريبا عاد منه كل سجين بقصة ~~غريبة ومشاهد عجيبة ومشاعر مختلفة. وجوه الآخرين مسحت من الذاكرة ~~واستعادتها كانت تشبه رحلة النواخذة في استخراج اللؤلؤ، تحتاج ~~إلى غوص عميق بعدة بدائية. # كنا كشجرة أصابها جفاف شديد، احتواه زمن ممتد بسكونه ~~وظله الكئيب ما جعله دهرا لا ينقضي، ونست معه طعم الماء. كنا ~~كذلك بحرماننا من مشاعر العاطفة والرحمة حتى ظننا أن ليس للبشر ~~شيء منها، وأنها مثل خرافات الأقدمين. فجأة نزل علينا غيث غزير ~~يكفي لأن تبحر ms183 به حتى سفينة نوح؛ التعرف على الأهل مهمة ليست ~~بيسيرة وتتطلب إعادة ترتيب السجين لعالمه الداخلي وتعديل ذكريات ~~طغى عليها الألم والغضب والحزن والأسى، تعديل أفكار المرء عن نفسه ~~مع مستقبل يقترب منه مهمة لا يوجد أكثر منها مشقة ولا أزيد ~~صعوبة. # كنت واقفا أنتظر قدوم أحد ما لمواجهتي في ذلك اليوم، عندما ~~أذاعوا اسمي في سماعة داخلية، لم نكن نعرف من يأتي لمواجهتنا، فقط ~~نعرف أنه مسموح لنا بالخروج إلى ساحة المواجهة بعد أن يذاع اسم ~~السجين لنقف هناك منتظرين قدوم الزوار. دخلت امرأة لم أتعرف ~~عليها، رأيتها تتلفت يمينا وشمالا تبحث عن الشخص الذي تقصده مما ~~لفت انتباهي، وبينما هي تدور حائرة بين الوجوه مثلي، وصلت قريبا ~~جدا مني بحيث كان بإمكاننا فقط لو - فقط - تستدير باتجاهي؛ ~~لوضعنا عيوننا أحدنا بعين الآخر مباشرة، وأن يسمع كل منا ~~أنفاس الآخر في صعودها ونزولها. سمعتها تسأل أحد السجناء عني، ~~أشار إلي وأنا أواصل النظر إليها مدققا - ولم أزل غير قادر ~~على التعرف عليها - ثم سمعتها وهي تفتح عينيها بدهشة لتناديني ~~باسمي، حينها فقط اكتشفت أنها تشبه خالتي، بل هي خالتي. # لم أتعرف على شقيقي الأصغر هو الآخر؛ لأنه كبر وصار شابا ~~جامعيا، وبدا لي والدي مسنا جدا، قضى معظم الوقت يومها في ~~نوبات بكاء ينخرط فيها فجأة، يسبب لي معها اضطرابا شديدا يطيش ~~بلبي، وأنا أنظر إليه مشدوها مبهوتا لا أعرف ما الذي علي ~~فعله لمواجهة هكذا موقف. كان أهلي يجلسون قبالي يمعنون النظر ~~في، ويرقبون كل حركة تصدر مني، ولم يخفت توترهم إلا بعد ~~أن تكررت مواجهتي، واطمأنوا لتكرارها؛ فهدأ روعهم بعد أن أصبحت ~~أمرا عاديا، يتكرر كل شهر مرة ثم صار كل أسبوعين. كثيرون ~~جدا من أقاربي تجنبوا الحضور لمواجهتي خوفا على سمعتهم لدى ~~الدولة، خشية أن يلحقهم أذى محتمل في مستقبل وظائفهم إن أعلنوا ~~قرابتي منهم، ولم أعر ذلك اهتماما. # كان معنا في زنزانة المعتقل ضابط برتبة كبيرة، كان يعلم أنه ~~محكوم عليه بالإعدام حتما ولن ينجو ms184 من الموت شنقا، كان يقول ~~لشقيقه الخائف الذي لم يكن له من الأمر شيء واعتقل بسبب قرابته ~~منه فقط: لا تخف يا أخي الصغير، سوف تخرج من المعتقل وبعد سنوات ~~سوف تمشي في الأسواق وتقول للناس أنا أخو الشهيد فلان وسوف تبحث عن ~~امتيازات باسمي. ~~«بطرس سوف ينكرنا ثلاث مرات؛ مرة في السجن، وأخرى في المواجهة، ~~وثالثة حين نخرج من السجن، طالما حرس القيصر وكهنة المعبد ما ~~يزالون يحكمون أورشليم، وبعدما يصيح الديك معلنا فجر الأمان؛ سوف ~~يخرج حينئذ في الشوارع والطرقات ويقول أنا تلميذه المقرب ~~وحواريه، ويجول في كل مكان ليكرز باسمه ويقول خذوا دينكم مني أنا ~~الباب المؤدي إليه، ويبدأ في توزيع صكوك الغفران ويعطيهم شهادة ~~نعيم يحوزها بعيدا عني.» # صور مأساوية كانت تحملها كل مواجهة، إحدى العوائل أبلغت بأن ~~تأتي إلى السجن لتستلم جثة ابنها إلا أنها فوجئت بابنها يدخل ~~عليهم، فأغمي على رب الأسرة في الحال وسقط مغشيا عليه، وحار ~~الأهل بين الترحيب بابنهم المغيب منذ سنوات وبين إسعاف الأب المغمى ~~عليه. إلا أن أشدها مأساوية كانت يوم رفضت أم تصديق ابنها ~~حين واجهته؛ لأنه كان طفلا قاصرا حين الاعتقال بعمر ثلاث عشرة ~~سنة تقريبا وتقدم إليها في المواجهة - وهو شاب عشريني - بشنب ~~خطته عليه سنوات الألم، وذقن مرسل من حزن الفراق وهو يناديها ~~باسمها: «أماه يا أماه، أنا وليدك الصغير.» # محاولا الارتماء في حضنها عائدا لطفولته التي أريقت في هذا ~~القبو المظلم. الأم المفجوعة بصغيرها كانت تبعده عنها، وتقول له: ~~«أنت ماكر محتال، ابني طفل صغير، وأنت مزيف عميل للأمن، يريدون أن ~~يستبدلوك بابني ليقتلوه.» جلسا على التراب أحدهما قبال الآخر في ~~حالة انهيار شامل، هي تبكي شوقا لأمومتها التي عجزت لسنوات أن ~~تمنحها لصغيرها وهو يبكي حنانا مفقودا. السجناء وبعض من الزوار ~~متحلقون حولهما في مشهد مفجع. كانوا مثل بندول يتأرجح بين بكاء ~~على حالهما وبين محاولة لإقناع الأم بأن صغيرها قد عاد إليها، ~~لكنه لم يعد يجري وراء الكرة مع الصبيان في الأزقة، ms185 ولا يلعب ~~بالكرات الزجاجية الملونة (الدعبل) في الحواري؛ غدا شابا مثقلا ~~بالهموم يحمل عذابات لم يقو على تحملها كهلة وشيوخ. # لا أنسى يوما كنت أنتظر دخول أهلي وإذا بامرأة تبكي تقترب مني ~~وتسألني عن فلان وفلان وفلان وفلان وفلان، نعم خمسة لا أعرفهم ولا ~~سمعت بأسمائهم من قبل، سألتها: «من هؤلاء يا أماه؟» # قالت - وهي تولول - والدموع تغسل وجها من غبار الزمن: «أبنائي ~~الخمسة؛ لما سمعت أنكم في مواجهة، قلت: لا بد أن يكونوا معك، فهل ~~تعرفهم يا ولدي؟» # افترشت التراب تبكي وأنا أقف على رأسها أنقل لها أسوأ خبر ~~يمكن أن تسمعه، أن لا أحد منهم هنا. نحرت آخر آمالها على التراب ~~بين قدميها وهي تهيله على رأسها وتولول: إلى أين أذهب حتى أعثر ~~عليهم يا أماه. # كان خليقا بي أن أهدئ من روعها وألا أوصد الأبواب ~~أمامها، لكني فعلت عكس ذلك بحماقة، أو كأنما الموت صار خبرا ~~عاديا عندي، ولم أدرك أي جحيم صببته بكلماتي على رأسها ~~المتشح بالسواد، كما هي سائر ثيابها حتى نعلها والجوارب. # كنت - ولست وحدي في ذلك - أعود متعبا من المواجهة يصيبني ~~إرهاق شديد كأنما كنت أحتطب في غابة جبلية منذ الغبش حتى الغسق ~~ولم أفتر ولا لهنيهة واحدة. وما إن أعود إلى الزنزانة أستلقي ~~مسترخيا لأنزلق في غفوة عميقة. قبل المواجهة كنا ننشغل كثيرا ~~في الاستعداد لها، وساعة اقتراب اللقاء تضطرب أعضائي بشدة ويتزايد ~~وجيب قلبي ويرتج رأسي وتخفق حواسي كلها، فات وقت طويل جدا ~~حتى صارت المواجهة شيئا قريبا من المألوف. # الأمر بالنسبة لي استغرق أكثر مما استغرق من أهلي، الذين كانوا ~~يرجعون إلى حياتهم وينشغلون بأمورهم اليومية، بينما كنت أعود ~~لأنشغل بمحاولة التوافق مع هذا العالم الغريب الذي أطل برأسه ~~علي. مسافة شاسعة ظلت تفصلني عن العالم الذي بدا غريبا ~~جدا، فقد توقف الزمن عندنا منذ ساعة اعتقالنا ولم تتحرك عقارب ~~الساعة إلا حين ولج من الباب أولئك الأقرباء الغرباء من ذاك ~~الكون البعيد، كان مقدمهم زلزالا أصاب أرضا ساكنة تداعى ms186 كل ~~بناء فوقها منهارا، وخرج من باطنها ما قد دفن لسنوات. # حدث انفراج واضح في وضعنا العام بحيث قل عدد السجناء في كل ~~زنزانة، وفتحت أبواب الزنزانات بشكل دائم وصار التزاور بين ~~السجناء والاتصال متاحا للجميع. تحسنت كمية المياه الواصلة بشكل ~~كبير، ولم نعد نعاني من شحتها؛ لا في مشرب ولا في استحمام، ~~المواد الغذائية تصل إلينا من الخارج، وكذلك الأدوية والثياب ~~الجديدة، واستغنينا عن زي السجن وعن طعامه إلا بحدود الخبز ~~اليومي وبعض الوجبات اليومية التي لم يكن سهلا إعدادها. # أتيحت لنا الفرصة الكاملة لإعداد الطعام واستخدام معدات الطبخ ~~كاملة من مواقد بسيطة لكنها تفي بالغرض المطلوب. صار صوت ~~السجناء قويا عاليا حتى إنهم فرضوا على الأمن إخراج خائن من ~~الأقسام بعد انكشاف وشاية قام بها للإيقاع بمجموعة من السجناء، ~~رضخ الأمن لمطلب السجناء خشية تجدد المواجهة معهم من ~~جديد. # كان يوما مشهودا؛ إذ وقف الخائن ذليلا يحتمي برجال الأمن وسط ~~صيحات غضب وهياج عارم من السجناء، فيما كان أكبر ضابط مسئول عن ~~السجن يدور بين الأقسام باذلا أقصى جهد عنده؛ يقفز بين المكر ~~حينا وممارسة المرونة واللين حينا آخر لمفاوضة السجناء وإقناعهم ~~بقبول هذا الخائن في أحد الأقسام. إلا أنه لم يفلح وفشل فشلا ~~ذريعا في الحصول على الموافقة من أي قسم على قبول هذا الخائن ~~المنبوذ، مما اضطره إلى أخذه إلى مكان منعزل. الرفض الجماعي ~~والإصرار الشديد على لفظ الخونة الوشاة بعيدا عنهم صار درسا ~~قاسيا وعبرة كبيرة لم يجرؤ أحد بعدها من الخونة والضعفاء على ~~اللجوء إلى الوشاية أو للتعامل العلني، بل ولا حتى السري مع ~~الأمن. # صارت الفرصة مواتية لكل شيء حتى لممارسة أنشطة رياضية وإقامة ~~مباريات دورية في كرة القدم المصغرة؛ إذ لم يكن هناك من ملعب حقيقي ~~يصلح للعب فيه، بل ولا توجد حتى قطعة أرض تصلح لذلك. الحصول على ~~الكتب من خلال المواجهات صار ممكنا، بل تمكن كثير من الأهالي ~~إدخال المذياع لأبنائهم السجناء، وبعض - قليل جدا - تمكن من ~~تهريب كاميرات فوتوغرافية ms187 بطرق سرية بوضعها في قدور الرز المطبوخ ~~الذي كان يحمله الأهالي معهم بشكل عادي. باختصار شديد تغيرت ~~الأحوال بشكل كبير وانقلب الحال رأسا على عقب في آخر ~~سنتين. # تقلصت الأعداد في الزنزانات بشكل كبير جدا بفعل السياسة ~~الجديدة بفتح أقسام جديدة لاحتواء أعداد السجناء ، ونقلت لأحد ~~هذه الأقسام الجديدة ويطلق عليه «ق3»، وهو قسم غريب في تصميمه، ~~مع أنه كان يحتوي - أيضا - على طابقين، إلا أن زنزاناته كانت ~~تصل إلى الأربعين زنزانة، وصغيرة جدا بطول مترين وربع تقريبا ~~وعرض يزيد عن المتر الواحد بقليل، وكل زنزانة لها باب مصنوع من ~~قضبان حديدية قوية. هيئة الزنزانات كانت توحي - بلا أي لبس - ~~أنها سجن انفرادي، إلا أننا كنا ننام تقريبا في كل زنزانة ~~أربعة أشخاص، وكانت أبواب الزنزانات مفتوحة بشكل دائم مما سمح لنا ~~بالحركة في أرجاء القسم بحرية طوال الوقت. في النهار تفتح بوابة ~~خارجية مطلة على ساحة صغيرة ملحقة بالقسم لنمارس فيها ألعابا ~~رياضية خفيفة، وأيضا كان بالإمكان أن نعد وجبات الطعام في ~~غرفة صغيرة ملحقة بهذه الساحة. كانت انعطافة كبيرة في تحسن ~~الأوضاع عندما انتقلنا إلى هذا القسم وشعرنا براحة كبيرة فيه مع ~~سعته الظاهرة وقلة أعداد السجناء فيه. # 16 # استيقظنا صباح يوم من صيف لاهب بأحداثه على خبر مفاجئ تنقله ~~محطات الإذاعات الأجنبية والمحلية وهي تتحدث عن اقتحام الكويت ~~وغزوها الشهير من قبل القوات العراقية. وبينا كنا نستمع طوال ~~الوقت بلهفة إلى نشرات الأنباء وتطورات الأحداث المتسارعة عبر ~~الراديو؛ وإذا بأوامر طارئة تصدر إلينا على عجل تطلب منا إخلاء ~~القسم «ق3» بالحال والتوجه فورا إلى الأقسام التي كنا فيها ~~سابقا. وفي أقل من ساعة واحدة تم إخلاء القسم ليحل محلنا فيه ~~سجناء جدد من طراز خاص، لم تتبين لنا هويتهم في بادئ الأمر ~~وأصابنا فضول كبير لمعرفة القادمين الجدد لتزامنه مع غزو الكويت؛ ~~مما ولد فينا رغبة كبيرة لاكتشاف هذا التلازم بين ~~الحدثين. ~~«ق3» بالأصل عائد لجهاز المخابرات المختص بالقضايا الخارجية، ~~وسكانه من المحتجزين على حساب قضايا تهم ms188 جهاز المخابرات وليس ~~مديريات الأمن الداخلي، ونحن إنما وضعنا فيه سابقا لشغوره وعدم ~~حاجة قسم المخابرات له، الذي كان يدير قسما مجاورا له ويشبهه في ~~التصميم بالضبط. لم نكن نملك أي فكرة عن المعتقلين في هذين ~~القسمين؛ لأنهما كانا تحت رعاية حصرية من المخابرات، ولا يسمح ~~لأي أحد بالتدخل فيه حتى لو كان من الأمن أو إدارة السجن وفي ~~حالات خاصة يستعينون بسجناء محددين للقيام ببعض التصليحات الفنية ~~الطارئة وسط إجراءات أمنية مشددة. لذلك اتجهت توقعاتنا إلى سجناء ~~من طراز خاص وكان حدسنا في محله عززه سماعنا لأصوات متباينة ~~تكشف عن تنوع في الأجناس والأعمار، ولم نك متأكدين مما نسمعه ~~بشكل قاطع، إلا أنه ولد عندنا شكوكا قوية استنادا إلى خبرتنا ~~التي صارت كبيرة الآن، بعد هذه المدة الطويلة في السجن، وتعاملنا ~~مع ظروف وأحداث مختلفة. أن يكون هؤلاء السجناء من العوائل أمرا ~~ليس بغريب؛ فقد حصل هذا في السابق حين اعتقل النظام عوائل بأكملها ~~من مدن وقرى في العراق، مثل بلد والدجيل وقرى كردية كثيرة. غير أن ~~ملف اعتقال العوائل تم تصفيته بإطلاق سراح المتبقين منهم بعد أن ~~نفذ الإعدام بأعداد غفيرة منهم وعثر على رفاتهم بعد عقود في ~~مقابر جماعية، فيما ظل قسم آخر في عداد المجهول. ووصلت أخبار هذه ~~العوائل إلينا من شيبة وشباب، بل وحتى أطفال نقلوا إلى أقسامنا ~~كسجناء بعد أن صدرت بحقهم أحكام بالسجن لمنع عودتهم إلى مدنهم ~~وقراهم. ومن خلال المواجهات تأكد لنا نبأ إغلاق هذا الملف ~~كاملا. # إذا لم يكونوا من هؤلاء فمن يكونون إذن هؤلاء السجناء الجدد؟ ~~صرنا نتلصص ونجمع الأخبار عنهم بأي وسيلة، وبعد عدة أسابيع ~~استدعى جهاز المخابرات سجينا من الأقسام المغلقة اسمه «ح. گ.» من ~~سكنة محافظة البصرة، وطلب منه القيام بتصليحات فنية طارئة، وحذره ~~رجال المخابرات من الكلام أو إجراء أي حديث مع السجناء الجدد ~~لأي سبب كان، وبحسب شهادته التي سمعتها شخصيا منه، وتأكدت ~~منها حتى بعد خروجنا من السجن، أنه حين دخل هذا القسم رآه ms189 يشبه ~~«ق3» إلا أن الزنزانات بدل أن تكون واجهتها من القضبان - كما هي ~~العادة - وجد أن هذه القضبان قد أغلقت بصفيحة حديدية تمنع رؤية ~~من في داخل الزنزانة، ولكن لأن عمله كان داخل الزنزانات فقد ~~استطاع رؤية السجناء وهم يخرجون منها ويوضعون في الممر الوسطي، ~~بينما يقوم هو بأعماله من تصليحات. يقول: رأيتهم جميعا من الشباب ~~وكلهم يرتدون زي السجن الكانة باللونين الرصاصي والأحمر وأن ~~الأغلب فيه الرصاصي، ومن لهجتهم عرفت أنهم كويتيون، وسمعتهم ~~يتحدثون بينهم، وكان بعضهم قد بلغ به اليأس والإحباط حدا كبيرا ~~بسبب المعاملة السيئة، ويتحدث عن بقائه إلى آخر عمره في هذا ~~السجن. # لم يستطع «ح. گ.» تبادل أي حديث معهم ولكن استرق السمع لكل ~~حديث كان يجري بالقرب منه باهتمام وعلم أنهم أسرى كويتيون وإن ~~لم يستطع تحديد وظائفهم. وأغرب ما لفت انتباهه هو غرفة صغيرة أوسع ~~من باقي الزنزانات كان فيها أسرى لم يسمح له برؤيتهم، ويبدو أن ~~لهم خصوصية ما، إما لوظائف عالية أو وجاهة اجتماعية كبيرة، ولكن ~~تبقى هذه تخمينات فقط. عدد الأسرى في هذا القسم - بحسب التقديرات ~~غير الدقيقة بالطبع - لا يقل عن مائة شخص وربما يكون العدد ضعف ~~ذلك إذ لم يتسن له معرفة العدد الحقيقي في كل زنزانة، ولكن لو ~~طبقنا ظروفنا نفسها في «ق3» لربما يصل العدد إلى مائة وستين شخصا ~~أو حتى مائتي شخص. # أما «ق3» الذي أخلينا منه فقد جاء إليه أسرى كويتيون ولكن من ~~نوع آخر، وأيضا عن طريق العمال الفنيين حصلت على شهادة مباشرة؛ ~~إذ دخل إليهم سجينان من القومية التركمانية «أ. ف.» و«أ. ص.» ~~للقيام بإصلاح أعطال كهربائية، وحين دخلا أغلقت أعينهم ولكنهم ~~قالوا للعنصر المخابراتي إنه لا بد من السماح لهم بالرؤية وإلا ~~فإنهما لا يستطيعان أداء عملهما، فحذرهما من إجراء أي حديث مع ~~السجناء. قالا بحسب شهادتهما إن الموجودين كانوا من الأسرى ~~الكويتيين وتبين ذلك من زيهم الخليجي، وقد شاهدا نساء ~~خليجيات بزي محتشم بأردية طويلة وغطاء رأس وبينهن أطفال بعمر ms190 ~~يتراوح بين العشر سنوات والأربع عشرة سنة تقريبا، وربما أقل بقليل ~~أو أكثر؛ ولأنها مشاهدات سريعة فلم يمكن التحقق من تفاصيلها جيدا ~~خصوصا مع التحذيرات الأمنية. كان بين الأسرى شباب في العشرينات ~~من العمر، ورجال بأعمار متوسطة. تقديرات الأعداد تكاد تكون مقاربة ~~لما تم توقعه عن أعداد الأسرى في القسم الآخر الذي تحدثت عنه ~~للتو. وبذا يمكن الحديث عن أربعمائة أسير كويتي كحد أعلى تم ~~احتجازه في هذين القسمين، وتبقى هذه تخمينات وليست أرقاما ~~تقريبية. # بعد عدة أسابيع - ومع بدء العمليات الحربية وتراجع القوات ~~العراقية أمام الضربات العسكرية - سمح للأسرى الموجودين في «ق3» ~~بالخروج إلى ساحة جانبية في القسم للتمشي أو لممارسة ألعاب ~~رياضية، وطبعا من الممكن أن يكون قد حصل الأمر نفسه للأسرى في ~~القسم الآخر إلا أنه لم تتوفر لنا فرصة للتأكد من ذلك. # صارت أصواتهم واضحة لكل أحد، وقطعت كل شك، وصار الأمر جليا ~~للجميع؛ إنهم عوائل كويتية محتجزة. استرقنا النظر من خلال فتحات ~~صغيرة في ممر السجن الكبير الملاصق للساحة الصغيرة حيث كان يسمح ~~لهم بالتمشي، وكنا نقف هناك بحجة الاتكاء على الحائط، ونتظاهر ~~بالانهماك في حديث طويل بينما في حقيقة الأمر كنا نواري زميلا ~~لنا يجلس إلى جوار فتحة صغيرة تقع أسفل الجدار الفاصل بينه وبين ~~ساحة القسم يمر من خلالها أنبوب ماء، وكنا نحفظ مكانها جيدا؛ ~~لأننا سبق وأن سكنا في هذا القسم قبل فترة وجيزة. التواصل كان ~~صعبا جدا؛ أولا: خشية المراقبة الأمنية، وخصوصا من المخابرات ~~المعروفة قسوتهم. وثانيا: لأنه من الصعب جدا أن يثق أحد أفراد ~~هذه العوائل بشخص مجهول يكلمهم من وراء جدار. وكان من الطبيعي أن ~~يظنوا به الظنون، ومع ذلك خاطر شاب منهم للحديث معنا فيما كان ~~رفاق له يلعبون كرة الطائرة مستغلا - على ما يبدو - عدم تواجد ~~عناصر المخابرات بالقرب منهم، وبعد أن اطمأن لطريقة سلامنا عليه ~~ونبرة حديثنا معه، عرفنا أنهم أسرى كويتيون محتجزون وبينهم نساء ~~وأطفال. # لم يكن الوضع مريحا - للأسف - لتبادل أحاديث مفصلة، بل كل ms191 ما ~~يجري هو أسئلة وأجوبة سريعة. علمنا بأنه سمح لهم بمغادرة ~~الزنزانات مؤخرا، وتحسنت شيئا ما معاملتهم، وأتيحت لهم فرصة ~~الخروج إلى هذه الساحة الصغيرة لرؤية الشمس وممارسة بعض الألعاب ~~الرياضية. وبدا من خلال كلماته أنهم تعرضوا في أول أمرهم لتعذيب ~~جسدي لم نعرف مداه، إنما المعاملة السيئة كانت حاضرة بلا شك. ~~معاودة الاتصال ثانية كانت صعبة؛ لأن رجال المخابرات كانوا يتميزون ~~بسمعة سيئة للغاية في التعذيب، حتى إن رجال الأمن أنفسهم كانوا ~~يخشون الاصطدام بهم أو المخاطرة بانتهاك حدودهم الأمنية. بيد أن ~~أحد رفاقي في السجن (س. ع. ش.) تمكن من التواصل عبر هذه الفتحة ~~مع شاب كويتي آخر استبشر خيرا بعد أن نقل له أخبار تراجع الغزو ~~وتقدم عملية تحرير الكويت، وفي خطوة جريئة جدا - بل مغامرة كبيرة ~~- أوصل له صديقي راديو صغيرا بحجم الكف؛ مما أدخل عليه بهجة ~~وامتنانا كبيرا. هذه البشرى بانتهاء محنتهم كنا أيضا قد ~~نقلناها لذلك الشاب، وكنا مقتنعين بالتلازم بين تحسن معاملتهم ~~وأخبار تقدم عملية تحرير الكويت، ويبدو أن الشاب الكويتي هو الآخر ~~استنتج الأمر نفسه. أوصي صديقي هذا الشاب الكويتي أن ينقل قضيتنا ~~إلى العالم الخارجي حين يعود إلى وطنه سالما وأن يعري هذا ~~النظام الذي يذبح أبناء وطنه، بينما يدعي الدفاع عنه فيما هو ينكل ~~ويخفي معارضيه في سجون سرية بظروف بشعة. # كنا نتوقع أن يعودوا سالمين مع انكسار الجيش في حرب الخليج ~~الثانية، خصوصا حين وضعت حرب الخليج أوزارها، وبالفعل أفرغ ~~القسم بعد فترة قصيرة من وقف إطلاق النار من جميع هؤلاء الأسرى، ~~ونقلوا جميعا إلى جهة مجهولة كما جاءوا - وبعملية سريعة - دون أن ~~يخلفوا أية آثار وراءهم. ظلوا لغزا لا يعرفه أحد من السجناء - ~~كما هو مصيرهم - وبقيت الأسئلة عنهم حائرة تبحث عن جواب شاف. من ~~كان هؤلاء الأسرى؟ وكيف جمعوا بهذه السرعة؟ ومن أين جيء بهم؟ والى ~~أين أخذوا؟ وما قصة هؤلاء الذين منع كل أحد من رؤيتهم بالمطلق؟ ~~أسئلة ظلت حبيسة في صندوق أسرار السجن الذي يخفي ms192 عجائب كثيرة. ~~أملنا الكبير بعودتهم سالمين كان تقلقه دوما خبرتنا الطويلة ~~والمريرة مع نظام وحشي لم يتوان عن ارتكاب أبشع المجازر المروعة ~~بحق أبرياء مسالمين لا ذنب لهم. # 17 # أمر إخلائنا كان من الأحداث الغريبة جدا؛ إذ إننا لم نجد ~~مكانا نأوي إليه حتى في السجن، سكان الزنزانات لم يعودوا يتقبلون ~~فكرة زيادة الأعداد من جديد بعد فترة الازدهار التي شهدها السجن ~~مؤخرا ... كنت أقول ونفسي، ها نحن صرنا تائهين في أول تبعة لهذا ~~الغزو، ولم نعد نعرف أين نأكل ولا أين ننام، حياتنا انقلبت إلى ~~فوضى في نصف ساعة، وانتهى الازدهار الذي تنعمنا به لعام واحد ~~فقط، وكنا نأمل بأن عهده قد بدأ ليستمر طويلا، لننحدر سريعا في ~~حالة عكسية من التشرد والضياع، فكيف أصبح حال الكويتيين الآن، ~~وأحسست حينها بمعاناة الغزو الذي تعرضوا له. # لا أريد ولا أحب أن أكتب عن كل أمر حصل في السجن، ولا أن أصف ~~كل زاوية وحجر فيه، وإن كان التأريخ يلزمني بذلك؛ لأن استرجاع ~~الأحداث يرهقني، ليس في تذكرها وحسب لكن في مرارتها؛ ولأني ~~أيضا لست بمؤرخ وغايتي التنبيه لتلك الوقائع لا سردها بالكامل، ~~وإلا لو كان الأمر غير ما ذكرت ولو كتبت عن كل شاردة وواردة - ~~وكلها تستحق ذلك - لاحتاج الأمر مني إلى أكثر من مجلد ضخم بمئات ~~الصفحات ولربما أكثر من ذلك. كل ما في السجن كان قصة لوحده، وكل ~~يوم فيه يصلح أن تؤلف عنه رواية، بل لو قلت: إن بعض المواقف ~~وحدها التي لم تدم سوى دقائق يستحق أن يكون رواية كبيرة أو ~~فيلما سينمائيا مشوقا لما جاوزت الواقع قدر أنملة. أترك هذا ~~لخيال لمؤلفي الدراما ومبدعيها ولكتاب السينما والمسرح ~~الجاد. # سوف أقدم وصفا مختصرا لحالة الازدهار التي عشناها لسنة ~~تقريبا؛ من خلال هذه الزنزانة التي أصبح لكل واحد منا فيها له ~~بطانيته الخاصة، وصار من الممكن أن يستحم أحدنا في كل يوم تقريبا، ~~وحتى حصلنا على مبردة هواء صغيرة جلبها أهلي لي؛ لأننا لم نكن ~~نملك مروحة ms193 هوائية في هذه الزنزانات الصغيرة كما كان في الزنزانات ~~الكبيرة. وصار عندي مكتبة خاصة صغيرة مؤلفة من عدة كتب، ورجعت ~~إلى مطالعة الروايات وكتب أخرى كانت تقع بيدي من سجناء آخرين كنت ~~أتبادل الكتب معهم أو أستعيرها منهم. أحتفظ بأوراقي الخاصة في كراس ~~وأدون عليه أفكاري، وحصلت على مذياع صغير خاص بي حرصت على ~~الاستماع عبره بشكل منفرد وباهتمام كبير لكثير من البرامج السياسية ~~والثقافية ونشرات الأخبار. إلا أن هذا كله انهار في ساعة الغزو ~~وأصبحت أجرجر أغراضي وأدور بها مثل متشرد هائم على وجهه ليس له ~~من مأوى يركن إليه ولا مضجع يستلقي فيه، وكان من الغريب أن تظهر ~~نوازع أنانية عند عدد من السجناء الذين رفضوا التخلي عن وضعهم ~~المريح نسبيا بسبب التحسن الأخير الذي طال الجميع، لم يرضوا ~~باستقبالنا أو السكن معهم من جديد في الزنزانات وتقاسم المحنة ~~المؤقتة، صرنا ندور تائهين حيارى يبحث كل واحد منا عن مأوى ~~يبات فيه ليلته أو يجد موضعا يركن إليه مع عفشه المتواضع. لم نجد ~~من بد بعد أن وصلنا إلى آخر النهار إلا أن نتجمع في ساحة شبه ~~مفتوحة في أحد الأقسام، ونقضي ليلتنا هناك، بل ليلتين وثلاثة ~~نهارات كاملة إلى أن فتح قسم جديد احتوانا واحتوى درسا جديدا عن ~~عيوب نفس أزاحت الستار عنها ريح خفيفة للغاية. # 18 # مع اندلاع حرب الخليج الثانية، تزعزع الأمن وغابت الخدمات ~~العامة بشكل شبه تام عن سائر البلد بسبب ضربات جوية عنيفة ~~وقاسية تعرض لها البلد، وفي هذا الوضع بدأت أفكار الهروب تراود ~~السجناء وصار بعض منهم يخطط لذلك بشكل متكتم عليه بشدة بالغة. ~~وتمكن بعضهم من اختراق الأسوار العالية وعبور خنادق تحيط بالسجن ~~مملوءة بمياه آسنة وتجاوز أسلاك شائكة مكهربة فقدت كثيرا من ~~مناعتها وحصانتها مع ضياع الطاقة الكهربائية بسبب استهداف محطات ~~الطاقة من قبل قوات التحالف الأمريكي-العربي الذي شن هجوما ~~مدمرا على كل المرافق الحيوية المدنية في البلد في خطوة لم نفهمها ~~وقتها، وكانت موضع تساؤل كبير؛ إذ لم يكن ms194 الربط بينها وبين تحرير ~~الكويت ممكنا أبدا ولا مفهوما. # أول حوادث الهروب من السجن الرهيب والمحصن جيدا كانت من الأقسام ~~المغلقة، في عملية جريئة هرب شخصان كان لهما خصوصية ومحسوبان على ~~الأقسام المغلقة، وإن كانا بالحقيقية ليسا من السجناء، بل من ~~المحتجزين دون توجيه تهمة لهما. مثل هؤلاء المحتجزين كان يوجد ~~الآلاف منهم، بل عشرات الآلاف في أماكن شتى من البلد، سمعت قصصا ~~رهيبة عن مواقع الاحتجاز هذه التي تقع في الصحراء في جنوب العراق، ~~وعن المعاملة القاسية للعوائل من نساء وأطفال، وكيف كان يتم كل ~~فترة بشكل دوري اختطاف مجموعة منهم بلا تمييز ليساقوا إلى مقابر ~~جماعية سوف يتم اكتشافها كل حين في سنوات طويلة لاحقة وسط صمت ولا ~~مبالاة يلف الحكومة والشعب وأوساط دعاة الثقافة والدولة المدنية ~~وحقوق الإنسان ورجال الدين والأحزاب السياسية، ربما يمكنني الحديث ~~عنها في كتاب آخر غير هذا مستقبلا رغم كل الألم الذي يسكن ~~فيها. # كان الهروب الأول هروبا ذكيا جرى التخطيط له مع سجينين آخرين ~~من الأقسام المفتوحة، وأحدث الهروب مفاجأة مدوية في السجن، ~~وأذهل السجناء والإدارة معا، ولولا ظروف الحرب وارتباك سلطات ~~الحكم آنذاك لكان رد الفعل قاسيا جدا ولوقعت بسببه عقوبات ~~كبيرة يمكن لها أن تتحول إلى مجزرة، وبالمقابل لولا ظروف الحرب ~~أيضا لما كان بإمكان أحد الفرار ولا حتى محاولته، بل ولا التفكير ~~به أبدا. # عند كل شفق كان يجري تعداد للسجناء بإجراء روتيني يومي لا ~~تتخلف عنه إدارة السجن أبدا للتأكد من وجودهم بإحصاء كامل عددهم، ~~ومن ثم تقفل جميع أبواب الأقسام وفي الضحى تفتح الأبواب ثانية ~~ليخرج السجناء في ساحات صغيرة متجاورة أحدها ينفذ على الأخرى ~~وينهمك كل منهم بأمر ما يستهويه. بعض منهم كان حيويا مرحا ~~نشطا قوي الإرادة، لم تقدر كل سنوات السجن الطويلة ولا ~~العقوبات الصارمة أن تفت من عضده أو أن تسلبه إرادته، ولا أن ~~تخلي قلبه من الشجاعة ولا عقله من البصيرة والحكمة، فيما آخر ~~غدا ذا مزاج قاتم مظلم يسير منعزلا منفردا ms195 بمنأى عن الآخرين ~~وبمنجى من الحوار وأسئلة متطفلة قد تجره إلى بث مكنوناته، ~~يجترها وحده لتنعكس على وجهه حزنا وأسارير عابسة وصمتا على ~~مدار ليله وطوال نهاره، لتفعل به أحزانه أضعاف ما تفعله ظروف ~~السجن القاسية نفسها. هذا وذاك، كل واحد منهما ينهمك في عالمه ~~فبعض يمارس الرياضة، وآخر يجلس تحت شمس الصباح الباردة يقرأ ~~كتابا، ويتجمع آخرون في حلقات حوار ودردشة، وآخرون ينهمكون في ~~صناعة أشياء يدوية، وآخرون يقفون وحدهم كأنهم جثث هامدة تنتظر ~~الدفن. # في ذاك الصباح، وبينما الكل منشغل بعالمه الخاص، وإذا بصوت ~~الحرس ينادي لتعداد على عجل وإخلاء الساحات والدخول إلى الأقسام ~~فورا. شهد السجن حركة غير عادية وضوضاء وجلبة من الحرس حتى بعد ~~أن تم التعداد الاستثنائي غير مفهوم الأسباب، أقفلت الأبواب في ~~خطوة غير مفهومة إلى أن انجلت الغبرة بعدها لنكتشف أن مجموعة من ~~السجناء قد هربت؛ اثنان من الأقسام المغلقة وآخران من الأقسام ~~المفتوحة. تم اكتشاف ذلك بعد أن أبلغ نزلاء الزنزانة إدارة السجن ~~عن اختفائهما من ليل البارحة، وكانوا يظنون أنهما يبيتان في زنزانة ~~أخرى مع أصدقاء لهم؛ لأن أبواب الزنزانات كانت مفتوحة طوال النهار ~~والمبيت يحصل أحيانا رغم أنه لم يكن مسموحا به. # هذا الهروب الجريء فتح بوابة الهروب أمام آخرين وكسر حاجزا ~~نفسيا مهما، وكشف عن ضعف الدولة وقتئذ، وبالفعل نجح أكثر من ~~شخص بالهروب بعدها. بعض محاولات الهروب كانت مغامرة شيقة تصلح لأن ~~تكون فيلم حركة مثير على الطريقة الهوليودية. ومنها حادثة مثيرة ~~حصلت بعد تزايد حالات الهروب من خلال إحداث فتحات في السور الداخلي ~~للسجن، والعبور بعدئذ من فوق السجن الخارجي بتسلقه بواسطة حبال ~~تصنع داخليا بطريقة محترفة؛ لذلك قامت الإدارة بتعزيز الحراسة ~~على أبراج المراقبة وعلى الأسوار الخارجية بعناية كبيرة، وأصبح ~~العبور على السور صعبا جدا إن لم يكن مستحيلا؛ لأن كل نقاطه ~~أصبحت تحت الأنوار الكاشفة وتحت مراقبة مشددة في الليل، الوقت ~~المثالي لعمليات الهروب. # إلا أن أحد السجناء استطاع الهرب بمفرده وبدون مساعدة من أي ms196 ~~أحد، ونفذ عملية فراره بخطة جريئة أبهرت الكل. وجد هذا السجين - ~~المنحدر من عائلة كردية تسكن منطقة جبلية بعد مراقبة طويلة ودقيقة ~~- أن النقطة الوحيدة التي لا تسلط عليها الأنوار الكاشفة تقع ~~تحت برج المراقبة تماما، وتبقى منطقة مظلمة دائما وتشكل زاوية ~~عمياء على الحرس القاطنين فوقها، ويستحيل أن يصدق أحد أن من يحاول ~~الهروب فسوف يجازف بالصعود إلى أكثر النقاط تحصينا ويجعل من برج ~~الحراسة نفسه ممرا لعبوره إلى الضفة الأخرى من سور السجن ~~الخارجي. وبالفعل ألقى بحباله المتينة إلى هناك، وبدأ التسلق من ~~تحت هذه النقطة تماما من تحت برج المراقبة، ليرتقي السور بخفة ~~ورشاقة وهبط إلى الجهة الأخرى، فيما كان الحرس متيقظين طوال الوقت ~~ينظرون إلى كل الزوايا، ولم يدركوا أن هروبه كان من بينهم إلا ~~بعد أن عثر على الحبل في نهار اليوم التالي، وهو ما يزال ~~متدليا من الدعامات الحديدية التي يستند إليها برج المراقبة ~~تلوح به الرياح، كأنه يسخر من غباوتهم ومن خططهم الفاشلة. اختفى ~~السجين الهارب تماما عن الأنظار من يومها ولم يعثر عليه أبدا لا ~~من قبل قوات الأمن ولا من حرس السجن ولا أي جهة أمنية ~~أخرى. # بسبب هذا الضعف الأمني السافر بدأ السجناء يفكرون بمحاولة هروب ~~جماعي، وجرى الاستعداد لهذه المحاولة والتخطيط للسيطرة على السجن ~~ليلا، بافتعال حادثة شجار واستدراج الحرس لها ومن ثم اعتقالهم ~~والوصول إلى مفاتيح السجن وفتح الأبواب أمام جميع السجناء، إلا ~~أن الفكرة ألغيت بعد ذلك لتسرب نية الهروب إلى إدارة السجن ~~فأحبطت العملية. تراجع منظمو هذه المحاولة عنها في اللحظة الأخيرة ~~لحسن الحظ؛ لأنها كانت تحمل كثيرا من العشوائية والارتجال، وكان ~~يمكن أن تؤدي إلى مجزرة حقيقية إلا أني - وبصراحة - كنت متحمسا ~~لها في ساعتها. # إحباط هذه العملية لم يوقف مزيدا من عمليات هروب فردية، ~~وأحيانا لمجموعات صغيرة. بعض منها تم في أيام المواجهة حيث ~~استطاع بعض السجناء الهرب باستنساخ أثر ختم كان يوضع على ذراع كل ~~زائر، يقوم السجين الهارب بوضع ذراعه على أثر ms197 الختم وينقله إلى ~~ذراعه بعد معالجة فنية، ويخرج مع أول طلائع المغادرين من العوائل ~~الزائرة لأبنائها، موهما الحرس أنه زائر، ويقدم نفسه باسم زائر ~~دخل إلى السجن فعلا بعد ترتيب بطاقة تعريفية له، ثم يخرج الزائر ~~الحقيقي في وقت لاحق مع بطاقة تعريف شخصية يحملها مضافا إلى الختم ~~الحقيقي الموشوم على ذراعه . لم تكن تساور حراس السجن الشكوك ~~بعبور سجين باسم زائر حتى إن اكتشف خروج الاسم نفسه مسبقا بالرجوع ~~إلى قوائم الزوار ويتم التغاضي عن هذا التكرار على أنه خطأ إداري، ~~ويمر الموضوع وسط الفوضى التي كانت تعم البلد والسجن حينها بسبب ~~ظروف حرب الخليج الثانية والانفلات الإداري والأمني. لم تكشف هذه ~~الطريقة إلا بعد تكررها وإلقاء القبض على أحدهم بعد أن شك أحد ~~الحرس بهوية السجين المتخفي المرتبك وهو يرتدي زيا غريبا ~~محاولا إخفاء ملامحه، وحاول الفرار من الحارس الذي استوقفه في ~~محاولة يائسة، ليلقي القبض عليه وتتوقف سلسلة الهروب في أيام ~~المواجهة. # أما أغرب عمليات الهروب فكانت هروب شاب عرف بصلابته وجرأته، ~~الغريب في العملية، أن هذا الشاب كان على وشك أن يطلق سراحه خلال ~~أشهر قليلة لانقضاء مدة محكوميته إلا أنه قرر المخاطرة والهروب ~~ولو تم إلقاء القبض عليه لدفع ثمن ذلك غاليا بسنوات طويلة إضافية ~~يقضيها في السجن وعقوبة شديدة. # واحدة من عمليات الهروب المشوقة في جميع أحداثها حصلت حين ادعى ~~سجين المرض الشديد في إحدى الليالي وأقنع الكل - بما فيها إدارة ~~السجن - بإصابته بالتهاب الزائدة الدودية. تحسن معاملة إدارة ~~السجن للسجناء في حينها وفرت فرصة لنقل السجناء المرضى ذي ~~الحالات الخطرة والطارئة إلى مستشفيات خارجية للعلاج. وبالفعل تم ~~نقل هذا السجين إلى مستشفى خارجي في منطقة الكرخ في منطقة سكنية ~~كبيرة، وهناك ظل مصرا على ادعاء المرض، وأجريت له عملية الزائدة ~~الدودية بالفعل، ليحظى بفرصة البقاء في المستشفى ريثما يتعافى من ~~آثار العملية، ولكنه استطاع الهرب بعد ليلة واحدة قضاها في هذه ~~المستشفى وهو ما يزال يئن من جراح العملية وآثارها. حمل أوجاعه ~~معه ms198 في قصة مثيرة واستطاع الهرب إلى مدينته وتجاوز مفاوز تفتيش ~~كثيرة رغم أن اسمه وزع عليها في أحداث مثيرة، ومن ثم أكمل ~~رحلته إلى خارج العراق ليستقر هناك ولم يستطع أي جهاز أمني ~~الوصول إليه أبدا. # 19 # ساد التفاؤل كثيرا وبدا أننا نعيش العام الأخير في السجن وعمر ~~النظام، خصوصا مع اندلاع انتفاضة شعبية كبيرة شملت معظم أرجاء ~~البلد، عززها فقدان السيطرة الحكومية على أربع عشرة محافظة من ~~أصل ثماني عشرة بعد هزيمة قاسية مذلة للجيش في حرب الخليج ~~الثانية كلفت البلد آلاف الضحايا من الجنود والمدنيين وخسائر ~~مادية هائلة. توج كل هذا التهاوي لسلطة وهيبة النظام ~~باستسلام مخز لقيادة طالما تبجحت بقدراتها الحربية الفارغة ~~وبكبرياء أجوف، وجلست في الآخر راضخة مستسلمة لكل شروط الغزاة في ~~خيمة صفوان الشهيرة. كانت تصلنا الأخبار عبر أجهزة الراديو التي ~~شاع وجودها بين السجناء حتى بعلم سلطات السجن وإن بغير رضاها، ~~وبدا أن عملية غزو الكويت قوضت النظام تماما ولم تعد المسألة ~~سوى مسألة وقت قصير لسقوط حتمي لهذا النظام الهمجي ~~العبثي. # تغير سلوك إدارة السجن تجاه السجناء بشكل كامل، وصار وديا ~~جدا لكنه مرتبك أيضا، فمع أنهم ظلوا يمارسون دورهم الرسمي ~~بإدارة السجن وتنظيم أموره وفق التعليمات العامة، إلا أنهم بدءوا ~~يهابون السجناء بشكل جدي ويتجنبون إبداء أي مظاهر عدائية حتى ~~مع صدور مخالفات جدية حقيقية. هذه المخالفات لو صدرت في وقت سابق - ~~ولو بمقدار عشر معشارها - لكانت العواقب لا تحتمل، أما الآن ~~فتمر بسلام وكأنه لم يحدث شيء. صار الحرس يتوددون للسجناء وسط ~~إيمان من الكل من سجين وسجان أن هذه الحرب هي نهاية النظام ~~الفعلية، وأنها دقت آخر مسمار في نعشه، وسوف يحمل إلى مزبلة ~~التاريخ مقبرته ومقامه اللائق به في وقت قريب جدا، وما على الكل ~~سوى قليل من الصبر لحضور مراسم الدفن الرسمية. # خلال أيام الحرب كنا نسمع صوت الانفجارات المرعب من الطائرات ~~والصواريخ الأمريكية وهي تدك العاصمة عبر فتحات شبابيك علوية في ~~أحد الأقسام الجديدة، كنا نرى لهب ms199 نيران الانفجارات الهائلة ~~تضيء السماء وتزيدنا قلقا لما يحصل بالبلد، مع مخاوف جدية من ~~احتمال تعرض السجن هو الآخر لضربة جوية مماثلة لهذه الضربات ~~لكونه يقع في منطقة عسكرية (معسكر أبو غريب). وبالفعل سمعنا في ~~إحدى الأمسيات أصوات انفجارات قريبة جدا أرعبتنا لشدتها ولهول ~~قوتها، بل رأينا صواريخ كروز أمريكية تتجه إلى أهدافها ولا أحد ~~يقدر على اعتراضها من الدفاعات الجوية وتعبر بسلام من فوق السجن ~~وعلى ارتفاعات منخفضة جدا، بحيث كان بالإمكان أن نرى كل ~~تفاصيلها بسهولة وكأنها من شدة انخفاضها طائرة تستعد للهبوط في ~~مدرج مطار قريب. # في أحد النهارات - وبينما كنا في ساحة السجن الخارجية - مرت ~~من فوقنا ثلاثة من هذه الصواريخ، وحاول حارس في أحد أبراج ~~المراقبة أن يطلق الرصاص عليها ظنا منه أنه قادر على إسقاطها، ~~فهب عليه السجناء بصراخ جماعي يوبخونه خشية أن يغير الصاروخ ~~اتجاهه وينفجر فوق السجن. بالطبع هذا الاحتجاج لم يكن عن دراية ولا ~~عن علم بهذه الصواريخ ولا بالشئون العسكرية؛ لأنه لا يوجد أحد من ~~السجناء يملك معلومات عسكرية حقيقية بمستوى محترف إلا أشخاص قلة ~~لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة وهناك شكوك جدية في اطلاعهم ~~على معلومات تخص أسلحة متطورة كالتي نتحدث عنها. هذا الاحتجاج كان ~~يعبر عن حالة الضعف المتردي التي بلغها النظام والأمن في السجن ~~بحيث صار السجناء لا يهابون أحدا من رجاله، وبالأحرى صار الحرس هم ~~من يهابون السجناء. لم تكن هذه الحادثة هي المرة الوحيدة التي ~~عرت وكشفت هذا التردي الأمني في حراسة السجن والسيطرة عليه، ففي ~~يوم - وفي عز الظهيرة - هرب أحد سجناء الأقسام المفتوحة من فتحة ~~صنعها في السور الخارجي للسجن، واكتشف حركته أو بالأحرى اشتبه ~~أحد حراس أبراج المراقبة بوجود حركة مريبة بين الأحراش والأدغال ~~المحيطة بالسجن فبدأ يطلق النار عليها، فما كان من السجناء إلا ~~أن بدءوا بالصراخ عليه، وهو يحاول أن يفسر لهم ما يحدث، وهم يردون ~~عليه بكلمات هي أقرب للتهديد من النصح، كانوا يقولون له: «أخي، لا ~~تورط ms200 نفسك! قد يكون هذا السجين الذي تدعي هروبه في مرمى طلقاتك ~~وينال إصابة قاتلة منك.» ~~- «إذا تعرض للموت ماذا سيكون ردك؟» ~~- «هذا السجين حتما وراءه من سوف يطالبك بدمه لو حصل مكروه ~~له.» # لم تكن هذه الحالة المنفلتة في السجن فقط، بل في عموم البلد، ~~وكنا نراها ونسمعها في أحاديث الزوار وعلى وجوه أهالينا الذين ~~نلتقيهم أيام المواجهة حينئذ. موجة التفاؤل الكبيرة بانهيار ~~النظام في العاجل القريب كانت طاغية على كل شيء. مع أني كنت ضمن ~~قلائل ينظرون بسلبية لدور القوات الأمريكية وهجماتها على البلد ولم ~~أكن أرجو خيرا منهم، وما زلت مواظبا على عدم الثقة بسياسة ~~أمريكا وأعدها أس البلاء في العالم كله وليس في منطقة الشرق ~~الأوسط وحسب، وعندما أقول: من ضمن قلائل؛ لأن الجو السائد كان ~~خلاف ذلك، وكان يتمنى سقوط النظام بأي طريقة، حتى إنه في أحد ~~الأيام - وبعد نقاش عن هذه الحرب - وجه أحدهم لي كلمة فيها ~~تشكيك بأصل معارضتي للحكم الفاشي. كانت لحظة عابرة لم تؤثر على ~~علاقتي الشخصية مع هذا الصديق أبدا، وما زلت أحتفظ بصداقته حتى ~~هذه اللحظة ولا أظن سوف يصيبها شيء في المستقبل سوى مزيد من ~~عرى الوثاقة، لكنها كانت مؤشرا مهما على أن المعارضة السياسية ~~ينبغي عليها أن توسع أفقها وتتخلى عن خصوماتها الشخصية، ~~وأن تجعل غايتها إرساء المبادئ الحقة، وأهدافها في خدمة شعبها ~~بوسائل صحيحة أخلاقيا، وأن تكون هذه الأخلاقيات هي المرشد ~~والدليل القائد في جميع مواقفها السياسية ولا تسير وراء دوافع ~~ذاتية ولا خلف مشاعر الانتقام الشخصي. # سبيل الانتقام الشخصي الأناني - رغم كل الأعذار التي تساق ~~لتبريره - سوف يبقي الشعوب في تيه لا تجد منه مخرجا، وتظل ~~تدور في حلقة معبأة بالكوارث والفتن وفي النهاية يضيع الشعب كله ~~وإن كان معه بطل عبوره موسى النبي نفسه ولن يجد لهما أحد من أثر ~~سوى حكايا قديمة تصلح للتسلية وللغارقين في أحلام لن يتحقق منها ~~شيء لتغدو بطول أمدها كابوسا سرمديا مزعجا. # بيد أن الأمور جرت خلاف كل التوقعات ms201 واستعاد النظام سيطرته ~~على أجزاء كبيرة من البلد، وبدأ بحملة قمع شديدة مماثلة تقريبا في ~~قسوتها لحملة مشابهة جرت في السنوات الأولى للحرب، لكن هذه المرة ~~لم تستغرق هذه الحملة سوى أشهر قليلة، ومع ذلك خلفت آلاما عظيمة ~~وضحايا بأرقام مرعبة. وبعد أن أخذ النظام تفويضا غير علني من ~~القوات الأمريكية بقمع الانتفاضة الشعبية بالسماح له باستخدام ~~الطيران العمودي واطمأن إلى أن هذه الحملة العسكرية الجبارة التي ~~دمرت كل شيء في البلد لن تستهدف السلطة القمعية ورأسها، بدأ ~~عملية استرجاع النظام لسيطرته الكاملة على معظم المدن التي انشقت ~~عنه في عمليات عسكرية وحشية خلفت رعبا عظيما وفزعا كبيرا ~~بين الشعب، وموتا انتشر في صحاري وسهوب ووديان وجبال الوطن الذي ~~تحول إلى محرقة ومقبرة هائلة. حينئذ انقلب التفاؤل الكبير الذي ~~كان يظهر على وجوه السجناء وفي كلماتهم إلى تشاؤم أكبر منه. # في صباح يوم - وبينما كان السجناء في الأقسام المفتوحة يتجولون ~~في ساحة كبيرة مخصصة لهم بحجم مساحة ملعب كرة القدم - صعد على ~~سطح السجن رجال مسلحون ببنادق قنص، وصدر أمر لجميع السجناء ~~بواسطة مكبرات صوت يدعوهم إلى الدخول فورا إلى الأقسام، وحذر ~~بأن من يتخلف عن الاستجابة الفورية يعرض نفسه لخطر الموت. كان ~~طلبا يستحيل تنفيذه بالسرعة التي طلب بها وفوجئ السجناء برصاص ~~حي يوجه لهم من قناصة متهيئين لعملية قتل عشوائي مما أردى ~~بعضهم في الحال، وهام السجناء يجرون في كل الاتجاهات لا يعرفون ~~أين يختبئون ولا بمن يستجيرون. ثم بدأ هجوم كبير عليهم من قوات ~~أخرى كانت على أهبة الاستعداد ومتهيئة للقيام بعملية انتقام كبيرة، ~~وعاد الرعب من جديد يخيم بمشاهد التعذيب الانتقامي والقسوة ~~المفرطة. # استمر الحال هكذا لعدة أسابيع، رعب وخوف يطبق على الأنفاس، وفي ~~الليل تشن غارات أمنية على السجن من قبل قوات أمنية لا يعرف ~~لصالح أي جهة أمنية تعمل، وفي كل مرة كان يتم اختطاف مجموعة من ~~السجناء المعروفين بنشاطهم العام، مجموعة تلو الأخرى واقتيدوا إلى ~~معسكر الرضوانية حيث جرت فيه تصفية المعارضة المنتفضة ms202 وهناك ~~اختفوا إلى الأبد، ولم يعثر على أي أثر لهم بعد ذلك إلى يومنا ~~هذا. # كان تنفيذ الاعتقال يتم بطريقة تدخل الهلع والفزع في قلوب ~~السجناء، ويطبق صمت كامل حين تدخل مجموعة من الجلادين ليبدأ ~~أحدهم بقراءة مجموعة من أسماء سجناء مطلوبين ثم يقتادونهم مكبلين ~~معصوبي الأعين في اعتقال جديد. وسمعنا - فيما بعد وقت ليس بالقصير ~~- قصصا مرعبة عن تصفية المتهمين بالمشاركة في الانتفاضة الشعبية، ~~وآخرين كانوا في معسكر الموت هذا، بعد أن عاد بعض السجناء أحياء من ~~هذا المعسكر الرهيب. كما سمعنا تفاصيل عن حوادث قتل عشوائي كانت ~~تجري بإشراف أكبر الشخصيات المتحكمة بزمام الحكم في البلد، ومنها ~~هذه القصة التي أنقلها بإيجاز مخل لقسوتها: ~~«أحد أركان النظام (ح. ك) كان يشرف شخصيا على عمليات التعذيب، ~~وهو شخص مشهور بقسوته، وشغل مناصب حكومية رفيعة، وقف على رأس ~~مجموعة معتقلين في هذا المعسكر وبعد أن تعرضوا لحملة تعذيب في ~~تحقيق وحشي أمام عينه، طلب منهم بأن يديروا ظهورهم له ويسيروا ~~قائلا لهم: «سوف أطلق الرصاص، ومن تصيبه الرصاصة ويموت فهو ~~مجرم خائن.» # وبدأ يصطادهم واحدا تلو الآخر بمسدسه الشخصي، ولم ينج منهم ~~إلا قليل حالفه الحظ وقتها، لكن القاتل لم ينج، فبعد أعوام ~~قليلة - فقط - ذبح هو وشقيقه ووالده وهدم داره من قبل نفس ~~النظام وبأمر مباشر من سيده الذي اتبعه كالكلب الوفي طوال ~~عمره.» # سمعنا بهذه القصص المرعبة بعد وقت طويل؛ لأن من كان يعود من هذا ~~المعسكر يعود صامتا لا ينبس ببنت شفة عن سبب اختطافه واحتجازه في ~~هذا المعسكر الرهيب ولا يتحدث عما جرى هناك، بل يرجع مقلا إلى ~~حد كبير في أحاديثه الخاصة والعامة، ولا يتكلم إلا بحدود ~~الحاجة. كان يبدو واضحا أن العائدين من هذا المعسكر الرهيب ~~تعرضوا لصدمة نفسية هائلة، أفقدتهم القدرة على النطق وأزاحت ~~الثقة منهم بكل أحد، لذلك لم يجدوا من يبثون إليه حزن تلك ~~الصور الرهيبة التي شهدوها، واختاروا الانطواء والانعزال والتقوقع ~~في مشهد كان يثير الرعب فينا، وربما حتى أكثر ms203 مما كان في تلك ~~الصور نفسها من قسوة، وهكذا يفعل الرعب والخوف بصاحبه. # 20 # بعد مرور عدة أسابيع، وبعد أن أخمدت الانتفاضة تماما، توقفت ~~هذه الإجراءات القاسية، وبدا أيضا أن النظام أضحى واقعا تحت ضغط ~~دولي كبير للإفراج عن السجناء السياسيين في جملة ضغوط واسعة ~~مورست لتجريده من قوته، بل تجريد البلد من كل شيء في مخطط كبير ~~وعميق لهدم الدولة العراقية بالكامل، والسير بها وئيدا نحو مرحلة ~~الدولة الفاشلة في عملية طويلة استغرقت عقودا. حاول النظام تفادي ~~الضغط، وفي خطوة ترضية وتهدئة ~~شعبية ودولية في الوقت عينه، أصدر عفوا عاما عن السجناء ~~السياسيين بمناسبة يوم ميلاد الطاغية، الذي كان يحتفل به رغم كل ~~الهزائم والجراح والجوع والموت المنتشر في أرجاء البلاد. إلا أنه ~~- وبرغم كل هذه الضغوط - لم يطلق سراحنا - كما هي العادة في كل ~~عفو كان يعلن عنه طوال عقد الثمانينات - واكتفى بإطلاق سراح ~~السجناء السياسيين من الأقسام المفتوحة فقط. ورغم مرور عدة أشهر ~~على وعوده بإطلاق سراح كل السجناء السياسيين لم تظهر أي بوادر ~~على ذلك، وصرنا نظن أننا سوف نواصل حياة السجن كالمرات السابقة ~~حتى مع هذه التطورات الدراماتيكية في البلد. # في هذه المرة كما في مرات سابقة تعرفنا على أسماء وأرقام ~~المواد التي حكم بها علينا، وكانت أول مرة نتعرف بها على أرقام ~~المواد القانونية التي حكمنا بها عندما صدر أول عفو رئاسي. أي ~~من المعتقلين لم يلق بالا لما كان يثرثر به القاضي في المحكمة ~~الصورية في قرار الحكم؛ لأن جو السخرية والاستهزاء واللامبالاة ~~من هذه التمثيلية السخيفة والمحاكمة الصورية كان يسيطر على ~~الأجواء. كان القاضي يحاول أن يظهر نفسه مع المحامي والمدعي ~~العام كأنهم في محكمة حقيقية، وكأن التهم حقيقية تسندها أدلة ~~قاطعة وبراهين ثابتة، وأن ما جرى هو تحقيق قانوني عادل وأن الدفاع ~~قد بذل جهده واطلع على الملفات وفحصها بعناية وإخلاص، وليس أن ~~الأمر كله كان عبارة عن تهم جزاف تلقى بلا أدنى دليل ولا ~~برهان، وأن التعذيب الوحشي كان الوسيلة ms204 الوحيدة لانتزاع ~~الاعترافات، وكثير من التهم كانت غير حقيقية كما هي ~~الاعترافات، ولا أن القاضي والمدعي العام ومحامي الدفاع كلهم ~~طالبوا بالموت للمتهمين، وكانوا يقفون في خندق واحد بالعداء السافر ~~أمام معتقلين لا دليل عليهم سوى تهمة ألقيت عليهم بناء على شبهة، ~~واستنادا إلى شكوك وظنون وتقارير وشاة ومخبرين. # وهل كانت المحاكمات أصولية حتى نقيم لها وزنا أو تلفت ~~انتباهنا؟ ولماذا نعير انتباهنا لما يتفوه به حاكم عسكري تلقى ~~الأوامر عليه بإصدار أحكام لا رأي له فيها ولا قرار؟ ألم يكن مجرد ~~بوق ينقل صوت طاغية يحكم بالحديد والنار؟ جل السجناء كانوا لا ~~يميزون بين مادة وأخرى، بل ولا يعرفونها أساسا للأسباب التي ~~ذكرتها، حتى جاء أول عفو رئاسي في منتصف الثمانينات تقريبا، ~~وبدأت وقتها حملة لإخراج بعض السجناء من الأقسام المغلقة إلى ~~الأقسام المفتوحة، تمهيدا للإفراج عنهم. وجاء وقتها رجال الأمن ~~يسألون عن أسماء السجناء وأرقام المواد التي حكموا بها لإعداد ~~قوائم إدارية تنظم عملية إطلاق سراح المشمولين بالعفو. # استغربت ذلك وقتها؛ إذ لم أكن أميز مادة عن أخرى وكنت لا أظن ~~أن بين سجين وآخر من فرق لا بشكل التحقيق ولا بنوع الاتهام، وكنت ~~أظن أن الجميع في مركب واحد، لكن ساعتئذ تبين أننا لسنا كذلك ~~وأن التهم تختلف ولم أتفطن إلى السبب الحقيقي لهذا التمايز ~~إلا بعد فترة، حيث كان واضحا أن المحكومين في فترات التوتر ~~الشديد على جبهات القتال، كانوا ينالون أشد الأحكام وأقساها ~~ويحكمون بأسوأ المواد القانونية، أما من حكم عليه في فترة سابقة ~~لاندلاع الحرب، أو في أولها حين كان الجيش العراقي يحقق فيها ~~انتصارات كانت المواد القانونية أقل وطأة في عقوباتها وكذلك هي ~~الأحكام. أضحيت أدرك من حينها أن التهمة التي حكمت بسببها لن ~~ينالها أي تخفيف؛ لأنها أشد المواد قسوة، بل وصار البعض يخشى أن ~~يمتد الحكم المؤبد أكثر مما هو عليه، خصوصا بعد أن تم تغيير ~~قانون مدة السجن المؤبد من عشرين سنة إلى خمس وعشرين سنة في بلد ~~كان يمكن ms205 أن يكون للقانون أثر رجعي بلا نقاش ولا اعتراض من أي ~~أحد. ومن ينسى صدور قانون شرع حكم الموت لكل منتم لتنظيم معارض ~~ولو كان قد انسحب منه بالفعل حتى قبل صدور ذلك القانون. قطعت بهذا ~~القانون الغريب عشرات آلاف الرقاب من الشباب وبتهم ملفقة في ~~كثير من الحالات. فإذا كان القانون يحكم بالموت على فعل لم يكن ~~جريمة قبل صدوره، فهل كان يجد حرجا لو مدد الحكم على من هو ~~أصلا الآن مدان بجريمة؟! # المناخ السائد كان يشير إلى ما هو معتاد من عدم شمولنا بأي ~~عفو، وأصبحنا نكيف أنفسنا لذلك، وفي وقتها ظهر زعيم النظام، ~~وقال: «لا يوجد لدينا سجناء سياسيون.» وسألنا أحد رجال الأمن عن ~~ذلك وقلنا له: «إذن ماذا نعتبر نحن؟» فأجابنا برد يعكس الاستخفاف ~~بالقانون والتلاعب بالألفاظ الذي تمارسه السلطة القمعية آنذاك: ~~«أنتم نزلاء ولستم سجناء.» # لكن يبدو أن بعض الهاربين من السجن استطاعوا أن يسربوا ~~أسماءنا - نحن سجناء الأقسام المغلقة تحديدا - إلى جهة دولية ~~محايدة وسلموها قوائم مفصلة بشكل واضح جدا عن عدد وأسماء ~~السجناء السياسيين في الأقسام المغلقة، مما اضطر النظام إلى ~~الاعتراف - أخيرا - بوجودنا في السجن، وأجبر على إطلاق سراحنا في ~~إجراءات سريعة مستعجلة، وخلال أقل من أسبوع واحد، قبل موعد زيارة ~~مبعوث دولي كبير كان يحمل القائمة الطويلة بأسمائنا معه. وبالرغم ~~من كل ذلك فقد استثني عدد قليل من السجناء وظلوا لفترات أطول، بل ~~إن بعضهم أكمل عشرين عاما بالتمام والكمال في تلك الزنزانات ~~المريعة. # في يوم شتائي قصير - تحديدا ليلة واحدة قبل عشية أعياد الميلاد ~~- استدعيت لالتقاط صورة لي ولأخذ بصماتي. جلست مع مجموعة من ~~السجناء في ساحة كبيرة جدا تفصل بين باب قسم الأحكام الخاصة ~~والباب الخارجي للسجن، حيث قضيت خلفه تسع سنوات وأربعة أشهر وخمسة ~~أيام. # جاء رجل أمن بدين معروف بغبائه وقسوته يطلب منا المسامحة ~~وبراءة الذمة عما بدر منه تجاهنا، ويرجو ألا يحقد أحد عليه ~~ويبرر ذلك بأنه كان يؤدي واجبه فقط، ثم يطلب من السجناء ms206 أن يتفهموا ~~ذلك وألا تؤخذ الأمور على محمل شخصي. ثم قال: عليكم الآن وأنتم ~~تخرجون من السجن أن تهتفوا بحياة السيد الرئيس القائد، وأن تشكروه ~~على عفوه وكرمه ومسامحته لكم، ونحن صامتون لا نرد على أي من ~~كلماته الغبية، بل إني همست في أذن صاحبي بشتيمة مقذعة ذكرت ~~فيها اسم القائد نفسه صريحا. # هبط الغسق ونحن لا نزال في إجراءات الإفراج، أتطلع إلى الجدران ~~الإسمنتية العالية ومن خلالها تنبعث أمامي صور فتية من خيرة ~~شعبنا قضوا خلفها، وضاعت قدراتهم الخلاقة ومواهبهم الرائعة تحت ~~سنابك خيل مسعورة، وطئتهم بحوافرها الحديدية وخلفت في صدورهم ~~ندوبا عميقة سيحملها أمثالي من بقية السيف طوال عمره ~~المتبقي. # خيم الليل على السجن ونحن نهم بالخروج عبر البوابة الكبيرة، ~~وحينها سألني سجين كان إلى جواري: «ما هو شعورك الآن وأنت تخرج من ~~السجن؟» # فأجبته بما كان يجول في ضميري. ~~- بلا شعور. # لندن # 07 / 09 / 2019 ms207