######OpenITI# #META# URI: 1450NahlaDarbi.HayatiCaziza.Hindawi80841409 #META# Tags: literature #META# ID: 80841409 #META# Title: حياتي العزيزة #META# AuthorID: 20803159 #META# Author: أليس مونرو #META# EditorID: 73586958 #META# Editor: مصطفى محمد فؤاد #META# TranslatorID: 58072962 #META# Translator: نهلة الدربي #META# Related_books: 1450AliceMunro.DearLife (TRANSL) #META#Header#End# # من أجل الوصول إلى اليابان‏ # أمندسون‏ # الرحيل عن مافرلي‏ # حفرة الحصى‏ # الملاذ‏ # الكبرياء‏ # كوري‏ # القطار‏ # على مرأى من البحيرة‏ # دوللي‏ # خاتمة‏ # العين‏ # الليل‏ # الأصوات‏ # حياتي العزيزة‏ # من أجل الوصول إلى اليابان‏ # أمندسون‏ # الرحيل عن مافرلي‏ # حفرة الحصى‏ # الملاذ‏ # الكبرياء‏ # كوري‏ # القطار‏ # على مرأى من البحيرة‏ # دوللي‏ # خاتمة‏ # العين‏ # الليل‏ # الأصوات‏ # حياتي العزيزة‏ # | حياتي العزيزة # | حياتي العزيزة # تأليف # أليس مونرو # ترجمة # نهلة الدربي # مراجعة # مصطفى محمد فؤاد # | من أجل الوصول إلى اليابان # بمجرد أن وضع بيتر حقيبتها على متن القطار، بدا حريصا على أن يبتعد ليفسح الطريق فقط، ~~لا أن يغادر، وأوضح لها أنه فقط يشعر بالضيق لأن القطار كان سيبدأ في التحرك. وبالخارج وقف ~~على رصيف المحطة وهو يتطلع إلى نافذتهم وراح يلوح ويبتسم. كانت ابتسامته لكاتي ~~ابتسامة عريضة مشرقة، دون أدني شك في العالم، كما لو كان يعتقد أنها ستظل شيئا رائعا ~~عنده، وسيظل هو كذلك عندها، للأبد. بدت ابتسامته لزوجته مليئة بالتفاؤل والثقة، وتنم عن ~~شيء من العزم والإصرار؛ وهو شيء لا يمكن التعبير عنه بسهولة من خلال الكلمات، وحقا قد لا ~~يمكن التعبير عنه على الإطلاق. فلو حدث أن ذكرت جريتا شيئا كهذا لقال لها: لا تكوني ~~سخيفة. وكانت ستوافقه في هذا، معتقدة أنه ليس من الطبيعي بالنسبة إلى أناس كان يرى بعضهم ~~بعضا يوميا وباستمرار أن يكون عليهم تقديم تفسيرات من أي نوع لما يجول بداخلهم. # عندما كان بيتر لا يزال رضيعا، اصطحبته أمه ومرت به عبر مجموعة من الجبال التي دائما ما ~~تنسى جريتا اسمها، وذلك لكي تهرب به من تشيكوسلوفاكيا التي كانت تابعة للاتحاد السوفييتي ~~للوصول إلى أوروبا الغربية. كان هناك بالطبع كثيرون غيرها يفعلون الشيء نفسه، وقد عزم والد ~~بيتر على مصاحبتهما، لكن تم إرساله إلى إحدى المصحات العلاجية قبل رحيلهم السري مباشرة. ~~وكان من المفترض أن يلحق بهم حالما يستطيع، بيد أنه مات. # قالت جريتا عندما أخبرها بيتر بذلك أول مرة: «لقد قرأت قصصا كثيرة مثل هذه.» وراحت توضح ~~له كيف أنهم ms001 في تلك القصص كانوا يغطون الرضيع بشدة أو يقومون بخنقه إذا ما شرع في البكاء؛ ~~خشية أن تمثل الضوضاء التي يحدثها تهديدا للمجموعة الهاربة بأسرها. # قال بيتر إنه لم يسمع بمثل هذه القصص من قبل، ولا يعرف ماذا كانت أمه ستفعل في مثل هذه ~~الظروف. # ما فعلته هو أنها ذهبت إلى كولومبيا البريطانية؛ حيث أتقنت اللغة الإنجليزية وحصلت على ~~وظيفة لتدريس المادة التي كان يطلق عليها «أساليب الأعمال التجارية» لطلاب المدرسة ~~الثانوية. وقد ربت بيتر بمفردها، وأرسلته إلى الجامعة وقد أصبح الآن مهندسا. كانت عادة ~~ما تجلس في الغرفة الأمامية عندما كانت تأتي إلى شقتهما، وإلى منزلهما فيما بعد، ولا تطأ ~~المطبخ مطلقا، اللهم إلا إذا دعتها جريتا. تلك كانت طريقتها، فقد اعتادت ألا تبدي ~~ملاحظاتها بصورة مبالغ فيها؛ فلا تعلق ولا تتطفل ولا تحاول اقتراح أي شيء بالرغم من أنها ~~كانت تتفوق على زوجة ابنها في كل الفنون والمهارات المنزلية. # لقد تخلصت أيضا من الشقة التي ربت فيها بيتر، وانتقلت إلى واحدة أخرى أصغر لم تكن ~~تحتوي على غرفة نوم منفصلة، بل مجرد غرفة تسع أريكة قابلة للطي؛ لذا لا يستطيع بيتر ~~الذهاب إلى بيت أمه. هكذا كانت تعمد جريتا إلى إغاظتها، وكانت تجفل من ذلك؛ فالمزاح كان ~~يؤلمها بحق. ربما كانت مشكلة اختلاف اللغة هي السبب في ذلك، لكن الإنجليزية أصبحت هي لغتها ~~المعتادة الآن، وهي بالفعل اللغة الوحيدة التي كان يعرفها بيتر. لقد تعلم فن «أساليب ~~الأعمال التجارية» عندما كانت جريتا تدرس ملحمة «الفردوس المفقود»، وليس على يد أمه. كانت ~~تتجنب أي شيء مفيد وكأنه الطاعون، أما هو فكان يفعل العكس. # ومن خلال زجاج النافذة الذي يفصل بينهما - وحماسة كاتي التي لم تفتر وهي تلوح مودعة ~~- أخذا يتبادلان نظرات ود هزلية أو بالأحرى غريبة. كانت تفكر بمدى جاذبيته وجمال ~~مظهره، وكيف بدا عليه أنه لا يدرك تماما تلك الحقيقة؛ فقد كان يقص شعره حتى يجعله ~~قصيرا مثل البحارة، كما هي الصيحة في ذلك الوقت، وخاصة إن كان ms002 المرء يعمل في مهنة مثل ~~الهندسة، أما بشرته الفاتحة فلم تكن تتورد بالحمرة كبشرتها، أو تصيبها البقع إثر ~~التعرض للشمس، لكنها كانت تكتسب بعض السمرة، أيا كان الموسم. # أما آراؤه، فكانت مشابهة لبشرته؛ فعندما كانا يذهبان لمشاهدة أحد الأفلام لم يكن يرغب ~~مطلقا في التحدث عنه فيما بعد؛ فقد كان يكتفي بقول إنه جيد، أو جيد جدا، أو لا بأس ~~به؛ فهو لا يرى طائلا من الذهاب إلى ما هو أبعد من ذلك في عرض آرائه. كان يشاهد ~~التليفزيون، ويقرأ أي كتاب بالطريقة ذاتها تقريبا؛ كان لديه من الصبر ما يكفي لأن يتعامل ~~مع مثل هذه الأشياء؛ فالأشخاص الذين أنجزوا هذه الأشياء في الغالب قد بذلوا قصارى جهدهم من ~~أجل إنجازها. اعتادت جريتا أن تجادله وتسأله باندفاع إن كان سيقول نفس الرأي بشأن أحد ~~الجسور؛ فالأشخاص الذين شيدوه قد بذلوا قصارى جهدهم، لكن جهدهم لم يكن كافيا، فسقط ~~منهارا. # وبدلا من أن يناقشها، كان يكتفي بالضحك. # ويقول: «إنه ليس نفس الشيء.» ~~«أحقا هو ليس كذلك؟» ~~«نعم.» # لا بد أن جريتا قد أدركت أن موقفه هذا - أي عدم التدخل وتقبل الآراء الأخرى - بمنزلة ~~نعمة بالنسبة إليها؛ لأنها كانت شاعرة، وكانت قصائدها تحوي أشياء ليست مبهجة على ~~الإطلاق أو ليس من السهل إيضاحها. ~~(كانت لا تزال والدة بيتر والأشخاص الذين كانوا يعملون معه - من الذين يعرفون ذلك - ~~يلقبونها بالشاعرة. لقد عودت بيتر على ألا ينعتها بهذا، وإلا فما الفائدة إذن من ~~التعويد؟ أما أقاربها والأشخاص الذين تعرفهم الآن وهي تمارس دورها كزوجة وأم، فليسوا ~~بحاجة إلى التعويد على ذلك؛ لأنهم لا يعرفون شيئا عن تلك السمة.) # سيكون من الصعب أن توضح، فيما بعد في حياتها، ما الشيء الجيد والمقبول في ذلك الوقت وما ~~هو غير ذلك. قد تقول امرأة: حسنا، لم تكن الحركة النسوية بالشيء الجيد، لكن سيكون عليها ~~فيما بعد أن توضح أن الحركة النسوية لم تكن حتى كلمة كان الناس يستخدمونها حينها، ثم ~~تضيف أنه كان من الممكن أن ينظر ms003 إلى أي فكرة جادة، فضلا عن بعض الطموح، أو ينظر حتى ~~إلى قراءة كتاب مفيد على أنها شيء باعث على الريبة، وقد يكون له علاقة بإصابة طفلك ~~بالالتهاب الرئوي، وإلى أن أي تعليق سياسي في أي من حفلات العمل قد يعرقل ترقي زوجك في ~~العمل. وقد لا يهم حينها أي حزب قمت بانتقاده؛ كل ما في الأمر أن التعليق انطلق من فم ~~امرأة. # سيضحك الناس ويقولون إنها تمزح، وستجيب هي حينها: إن الأمر هكذا، لكن ليس إلى هذا الحد. ~~وحينها ستقول جريتا لها إن نظم الشعر في ذلك الوقت يكون أكثر أمانا بعض الشيء بالنسبة ~~إلى المرأة مقارنة بالرجل؛ ومن هنا جاءت كلمة شاعرة وأصبحت متداولة، تماما كحلوى غزل ~~البنات. قالت إن بيتر لم يكن لينظر للأمر هكذا، حيث إنه قد نشأ في أوروبا. ولكنه كان ~~سيتفهم جيدا كيف من المفترض أن ينظر الرجال الذين يعمل معهم إلى مثل تلك ~~الأفكار. ~~••• # هذا الصيف كان سيمضي بيتر شهرا أو ربما أكثر في تنفيذ أحد المشروعات بقرية لوند، التي ~~تبعد كثيرا بقدر توغلك شمالا في البر الرئيسي. ولم يكن ثمة مكان لإقامة جريتا ~~وكاتي. # لكن جريتا كانت على اتصال بصديقة كانت تعمل معها في مكتبة فانكوفر، وقد تزوجت ~~الآن وباتت تعيش في تورونتو. كانت تلك الصديقة ستمضي شهرا في أوروبا هذا الصيف بصحبة ~~زوجها، الذي يعمل مدرسا، وقد كتبت لجريتا تطلب منها أن تسدي لها معروفا - فقد كانت ~~دمثة الخلق جدا - بأن تقيم في منزلها في تورونتو لجزء من تلك الفترة حتى لا يظل ~~مغلقا، وقد ردت جريتا تخبرها بشأن عمل بيتر وأنها تقبل العرض المقدم هي ~~وكاتي. # ولهذا السبب هم الآن يلوحون بعضهم لبعض عبر رصيف المحطة والقطار. ~~••• # كانت تصدر في ذلك الوقت في تورونتو بصورة غير منتظمة إحدى المجلات التي تحمل اسم «ذي ~~إكو أنسارز»، وكانت جريتا قد عثرت عليها في المكتبة، فبعثت إليها ببعض من قصائدها، وقد ~~نشرت لها المجلة قصيدتين، فكانت النتيجة أن تمت دعوتها لحضور إحدى الحفلات ms004 بصحبة مجموعة ~~من الكتاب لمقابلة رئيس التحرير الذي قدم في زيارة لفانكوفر في الخريف الماضي. وكانت ~~الحفلة قد أقيمت في منزل أحد الكتاب الذي كان اسمه مألوفا لها، فيما يبدو، طوال ~~حياتها. أقيمت الحفلة في وقت متأخر من فترة ما بعد الظهيرة عندما كان بيتر لا يزال في ~~عمله؛ لذا استعانت بإحدى جليسات الأطفال، واستقلت الحافلة المتجهة لنورث فانكوفر، التي ~~عبرت جسر ليونز جيت ومرت بمتنزه ستانلي بارك. كان عليها أن تنتظر أمام خليج هدسون من أجل ~~رحلة طويلة للحرم الجامعي حيث يقطن الكاتب. عندما هبطت عند آخر محطة للحافلة، عثرت على ~~الشارع المطلوب وسارت عبره وهي تنظر إلى أرقام المنازل. كانت ترتدي حذاء ذا كعب عال؛ ~~مما أبطأ من حركة سيرها كثيرا. وكذلك فعل ثوبها الأسود الشديد الأناقة، المغلق ~~بسوستة من الظهر، الذي كان شفافا عند منطقة الوسط، وضيقا بشدة عند منطقة الأرداف. ~~حدثت نفسها قائلة إنه يجعل شكلها يبدو سخيفا بعض الشيء؛ حيث إنها تتعثر قليلا في ~~خطواتها عبر الطرقات المتعرجة التي لا تحوي أي أرصفة. وكانت هي تقريبا الشخص الوحيد ~~الذي يمشي في فترة ما بعد الظهيرة التي أوشكت على الانقضاء. رأت بيوتا عصرية ذات نوافذ ~~عريضة كما هو الحال في أي ضاحية متحضرة، ولم تكن على الإطلاق بالضاحية التي توقعت أن ~~تراها. وراحت تتساءل إن كانت أخطأت في الشارع المطلوب، وقد سعدت بتلك الفكرة؛ فبمقدورها ~~العودة مرة أخرى لمحطة انتظار الحافلات حيث ستجد مقعدا، وعندئذ يمكنها خلع حذائها ~~والحصول على بعض الراحة قبل بدء رحلة عودتها الطويلة التي ستقطعها وحيدة إلى ~~المنزل. # لكن عندما شاهدت الكثير من السيارات المصطفة، ووقع بصرها على رقم المنزل، كان قد فات ~~أوان العودة. تسلل صوت الضجيج عبر الباب المغلق، وكان عليها أن تقرع الجرس ~~مرتين. # رحبت بها امرأة بدا واضحا أنها كانت تتوقع قدوم شخص آخر. لم يكن الترحيب هو ~~الكلمة الصحيحة؛ فقد فتحت المرأة الباب، وقالت لها جريتا إن هذا المنزل لا بد أنه المكان ~~الذي أقيمت فيه الحفلة ms005 . # قالت المرأة وهي تتكئ على إطار الباب: «كيف يبدو لك الأمر؟» لم تفسح لها المرأة ~~الطريق إلى أن قالت جريتا: «أتسمحين لي بالدخول؟» ثم كانت هناك حركة ما يبدو أنها ~~سببت ألما كبيرا لجريتا. لم تطلب هذه السيدة من جريتا أن تتبعها، لكن جريتا فعلت ~~ذلك على أية حال. # لم يتحدث إليها أو يلاحظ وجودها أي أحد، لكن سرعان ما ظهرت فتاة مراهقة وهي تحمل ~~صينية عليها بعض الأكواب التي بدا أنها تحوي ما يشبه عصير الليمون الوردي. أخذت جريتا ~~كوبا وازدردت ما فيه دفعة واحدة حيث كانت تشعر بعطش شديد، ثم مدت يدها وأخذت كوبا ~~آخر. شكرت الفتاة وحاولت أن تفتح حوارا معها وتحدثها عن الطريق الطويل الذي قطعته ~~مشيا في ذلك الطقس الحار، بيد أن الفتاة لم تعرها اهتماما واستدارت مبتعدة ~~لتؤدي عملها. # راحت جريتا تتجول في المكان والابتسامة تعلو وجهها، ولم ينظر إليها أحد بطريقة ~~تنم عن معرفتها أو السعادة بتواجدها، ولم عساهم يفعلون ذلك؟ كانت تقع عليها عيون ~~الحاضرين للحظات ثم لا يلبثون أن يستأنفوا حواراتهم، ويضحكون. كان الجميع فيما عدا جريتا ~~محاطين بالأصدقاء، منهمكين في تبادل النكات وأشباه الأسرار، وبدا الأمر وكأن كل شخص قد ~~عثر على من يرحب بتواجده، فيما عدا الفتيات المراهقات اللاتي كن يقدمن المشروبات ~~الوردية وهن عابسات متجهمات الوجه. # ومع ذلك، فلم تستسلم؛ لقد أنعشها المشروب وعزمت على أن تتناول كوبا آخر بمجرد أن ~~تمر من أمامها إحدى هؤلاء الفتيات. راحت تبحث عن أي مجموعة تتجاذب الحديث وبها مساحة ~~كافية تستطيع أن تزج بنفسها خلالها لتقف وسط أفرادها. بدا أنها وجدت واحدة عندما ~~ترامت إلى مسامعها أسماء بعض الأفلام؛ كانت أفلاما أوروبية مثل تلك التي بدأت تعرض ~~في فانكوفر في ذلك الوقت. سمعت اسم أحد الأفلام التي كانت قد ذهبت لمشاهدته هي وبيتر، ~~وكان يحمل اسم «الأربعمائة ضربة». قالت بصوت عال وبحماسة شديدة: «أوه، لقد شاهدت ذلك ~~الفيلم.» فالتفت إليها الجميع، وقال أحدهم، والذي يبدو بوضوح أنه المتحدث باسمهم: ~~«أحقا فعلت ms006 ؟» # كانت جريتا ثملة بالطبع، فقد تجرعت مزيجا من مشروب الفاكهة الكحولي بيمز نامبر ~~وان وعصير الجريب فروت الوردي دفعة واحدة، ولم تشعر بالاستياء حيال تلك الإهانة كما كان ~~يمكن أن تفعل في الأحوال العادية. لكنها واصلت تجولها في المكان وقد أصابها بعض ~~التشويش، وأصبحت لا تعرف ما يدور حولها، لكن انتابها شعور بأنه يوجد جو من التسامح ~~في المكان، وأنه لا يهم أن تكون صداقات فيه؛ فبإمكانها فقط التجول وإصدار أحكامها على ~~ما حولها. # كان هناك رهط من الناس ذوي الأهمية يقفون عند ممر بالمنزل، وقد لمحت من بينهم مضيف ~~الحفلة؛ وهو الكاتب الذي كانت تألف اسمه ووجهه لفترة طويلة. كان يتحدث بصوت عال، ~~وتخرج كلماته سريعة ومتلاحقة وبدا وكأن هناك خطرا يحدق به، وكان بجواره اثنان من ~~الرجال كانت نظراتهما بمنزلة إهانة موجهة نحوك. وكانت زوجاتهم - في اعتقادها - هن ~~اللاتي يصنعن تلك الدائرة التي كانت تحاول اقتحامها. # لم تكن المرأة التي فتحت لها الباب تقف وسط أي من المجموعتين؛ حيث كانت هي الأخرى ~~كاتبة، ورأتها جريتا تلتفت مستديرة عندما نادى أحدهم اسمها؛ كان اسم أحد المساهمين في ~~المجلة التي نشرت فيها أعمالها هي الأخرى. ومن هذا المنطلق، أليس من الممكن أن تتجه ~~نحوها وتقدم نفسها إليها، كند مساو لها على الرغم من المقابلة الفاترة التي كانت عند ~~الباب؟ # لكن المرأة الآن كانت تضع رأسها على كتف الرجل الذي نادى اسمها، وما كانا ليرحبا بأية ~~مقاطعة لحديثهما. # جعلها ذلك تقرر الجلوس، وحيث إنه لم توجد أية مقاعد خالية فقد جلست على الأرض، وراحت ~~تفكر وتتذكر حينما ذهبت بصحبة بيتر لإحدى الحفلات الخاصة بالمهندسين؛ حيث كان الجو ~~العام مبهجا بالرغم من الأحاديث المملة؛ وذلك لأن الجميع كانوا يشعرون بأهميتهم على ~~الأقل في وقت الحفل. أما هنا فلا يأمن أحد من الأحكام التي قد تصدر والانتقادات التي ~~توجه من خلف الظهور، حتى إن كانوا من الأشخاص المعروفين ومشاهير الكتاب. لقد كان ~~جوا غير مريح من المكر والتوتر، بغض النظر عمن تكون. # وها ms007 هي قد يئست من أن يجاذبها أحد أطراف الحديث بأي نحو. # شعرت بالراحة عندما اقتنعت بنظريتها بأن الجو العام لا ينم عن البهجة والسرور، ولم ~~تهتم كثيرا بما إذا كان سيتحدث معها أحد أم لا. خلعت حذاءها وانتابها شعور غامر ~~بالراحة. اتكأت بظهرها على حائط ومدت ساقيها في أحد الأماكن التي لا يمر بها ~~كثيرون. لم ترد المخاطرة بسكب مشروبها على البساط؛ لذا انتهت من احتسائه ~~سريعا. # وقف أمامها رجل وقال: «كيف وصلت إلى هنا؟» # أشفقت على قدميه المتعبتين المتثاقلتين، بل إنها كانت تشفق على أي فرد كان مضطرا ~~للوقوف. # قالت إنها من المدعوين لحضور الحفلة. ~~«حسنا، ولكن هل أتيت بسيارتك؟» ~~«لقد جئت سيرا على الأقدام.» لكن ذلك لم يكن كافيا، وخلال فترة قصيرة أخذت تقص عليه ~~بقية القصة. ~~«استقللت إحدى الحافلات، ثم بعدها استكملت الطريق سيرا على الأقدام.» # وقف الآن أحد الرجال الذين كانوا وسط دائرة الأشخاص المهمين خاصة خلف الرجل الذي أشفقت ~~عليه من حذائه. وقال: «فكرة ممتازة.» بدا واضحا أنه لم يكن يمانع في الحديث معها. # لم يهتم الرجل الأول بهذا الرجل كثيرا، وأحضر لجريتا حذاءها ومد يده ليعطيها إياه، ~~لكنها رفضت موضحة أنه يؤلمها كثيرا. ~~«احمليه وإلا فعلت أنا ذلك. هل بمقدورك النهوض؟» # بحثت بنظرها عن الرجل الأهم ليساعدها لكنه لم يكن موجودا. لقد تذكرت الآن ما كتبه؛ ~~لقد ألف مسرحية عن الدوكهوبورس، الطائفة المسيحية الروسية، التي أحدثت ضجة كبيرة ~~وجذبت انتباه الكثيرين لأنه من المفترض أن يظهر الدوكهوبورس عرايا. بالطبع ليس أفراد ~~الطائفة هم من سيظهرون عرايا، بل مجموعة من الممثلين. وعلى أية حال، لم يسمح لهم أن ~~يظهروا عرايا في نهاية الأمر. # حاولت أن تشرح ذلك للرجل الذي عاونها على النهوض، لكن كان من الواضح أنه لم يكن ~~مهتما بسماع هذا. قال إنه ليس من هذا النوع من الكتاب، وإنه صحفي، وقد أتى في زيارة ~~إلى هنا مع ابنه وابنته، اللذين هما في الوقت نفسه حفيدا أصحاب الحفلة، وكانا يساعدان في ~~تقديم المشروبات. # قال ms008 وهو يشير إلى المشروبات المقدمة: «إنها فظيعة وقاتلة.» # أصبحا الآن بالخارج، وسارت عبر الحشائش وهي لا ترتدي في قدميها سوى الجورب، وحاولت ~~جاهدة أن تتفادى الأوحال. # قالت لرفيقها: «لقد تقيأ أحدهم هناك.» # قال وهو يضعها في سيارة: «هذا صحيح.» أدى الهواء الطلق إلى تغيير حالتها المزاجية، ~~من الشعور بالإثارة الذي يشوبه بعض التوتر، إلى الشعور الذي وصل إلى حد الإحراج، بل ~~الخزي. # قال: «نورث فانكوفر.» لا بد أنها قالت له ذلك. ~~«أهذا صحيح؟ وسنستكمل بعد ذلك حتى نصل إلى جسر ليونز جيت.» # تمنت ألا يسألها عن سبب حضورها الحفلة؛ فإن كان عليها أن تقول له إنها شاعرة، كان ~~سينظر إلى موقفها الحالي وإلى تجاوزها على أنه نموذج لتصرفات الشعراء. لم يكن الظلام قد ~~حل بعد، لكن كان وقت المساء قد حل. بدا أنهما كانا يسيران في الاتجاه الصحيح، ~~مارين بجوار مسطح مائي قبل أن يصعدا عبر جسر؛ جسر بوراد ستريت. ثم استكملا ~~السير وسط زحام مروري أكبر، وكانت تفتح عينيها لتحدق في الأشجار التي يمران ~~بها في طريقهما، ثم تعود لتغلقهما ثانية دون هدف. أدركت حينما توقفت السيارة أنهما ~~قد وصلا إلى المنزل؛ منزلها. # كانت تظللهما الأشجار ذات الأوراق الضخمة التي تحجب رؤية النجوم، لكن بعضها كان يلمع ~~فوق صفحة الماء ممتزجا بأضواء المدينة. # قال: «اهدئي وفكري بالأمر.» # تعجبت للكلمة. ~~«فكري بالأمر.» ~~«كيف ستسيرين حتى تصلي إلى المنزل، على سبيل المثال؟ هل تستطيعين القيام بذلك بهدوء ~~ورزانة؟ لا تبالغي في فعلك. يجب أن تكترثي لذلك. أعتقد أنك متزوجة.» ~~«علي أن أشكرك أولا لاصطحابي إلى المنزل؛ لذا عليك أن تخبرني باسمك.» # قال لها إنه قد أخبرها بالفعل باسمه، وربما فعل هذا مرتين، وإنه لا بأس من إعادته ~~ثانية. هاريس بينت، بينت. إنه زوج ابنة أصحاب الحفلة، وابناه كانا من بين القائمين على ~~تقديم المشروبات، ولقد أتى هو وابناه للزيارة من تورونتو. هل كان ذلك كافيا ~~لإرضائها؟ ~~«هل أمهما موجودة؟» ~~«بالطبع، لكنها في المستشفى.» ~~«أنا آسفة.» ~~«لا داعي للأسف. إنه مستشفى رائع ms009 لعلاج الاضطرابات العقلية، أو يمكنك القول إنه لعلاج ~~المشكلات العاطفية.» # أسرعت وأخبرته أن زوجها يدعى بيتر، وأنه يعمل مهندسا، وأن لديهما ابنة تدعى ~~كاتي. # قال: «حسنا، هذا شيء لطيف للغاية.» ثم بدأ يتراجع للخلف. # قال لها عند جسر ليونز جيت: «أرجو أن تعذريني فيما كنت سأفعله. كنت أفكر فيما إذا ~~كنت سأقبلك أم لا، ثم قررت ألا أفعل.» # اعتقدت أنه كان يريد أن يقول إن هناك شيئا بشأنها جعلها لا ترقى لأن يقبلها؛ ~~فلقد كبح جماح رغبته فجأة، وانقلبت إلى نوع من الرصانة والتعقل. # وأردف قائلا: «والآن بينما نعبر الجسر، هل نتجه يمينا إلى طريق مارين دريف؟ سأعتمد ~~عليك لإخباري.» ~~••• # لم يمر يوم من فصول الخريف والشتاء والربيع التالية دون أن تفكر به. لقد بدا الأمر ~~أشبه بالحلم المتكرر الذي يحلم به المرء بمجرد أن يغط في النوم. كانت تتكئ برأسها على ~~وسادة الأريكة الخلفية، وتتخيل أنها تستلقي بين ذراعيه. قد لا يتخيل المرء أنها لم ~~تكن لتتذكر وجهه، لكن صورته كانت تقفز أمامها وتتذكر كل تفاصيلها؛ إنه وجه رجل من ذلك ~~النوع من الرجال الذين يتسمون بالانطوائية والروح الساخرة، به بعض التجاعيد ويحمل تلك ~~النظرة المتعبة. ولم تنس جسده؛ فلقد تذكرت صورته أيضا؛ حيث بدا نحيلا بعض ~~الشيء، لكن به من التناسق ما يجعله مثيرا ومرغوبا فيه بشدة. # كانت على وشك البكاء من فرط الحنين. لكن كل تلك التخيلات كانت تختفي وتدخل في ~~سبات عميق عندما يأتي بيتر إلى المنزل، وكانت تظهر على السطح مشاعر الود اليومية ~~الصادقة كعهدها دائما. # لقد كان ذلك الحلم في الواقع أشبه بطقس فانكوفر؛ يحوي ذلك الحنين الموحش، والحزن ~~الحالم الجياش، وهو ثقل يرزح تحته القلب. # لكن ماذا عن رفضه تقبيلها؟ والذي بدا أشبه بضربة قاسمة. # لقد تناسته ببساطة، وأغفلته تماما من ذاكرتها. # وماذا عن شعرها؟ لم تكتب بيتا، أو تدون كلمة؛ ليست ثمة إشارة توحي بأنها كانت تهتم ~~به من قبل على الإطلاق. # وبالطبع كانت تنتابها نوبات اللهفة تلك في الغالب عندما تكون ms010 كاتي نائمة؛ فكانت تنطق ~~اسمه بصوت عال في بعض الأحيان، كانت تعتريها حالة من الحماقة، ثم يعقبها شعور شديد ~~بالخزي والخجل حيث تشعر بالازدراء حيال ما تفعله. حالة من البلاهة والغباء. إنها تشعر حقا ~~بأنها بلهاء. # ثم جاءت المفاجأة الشديدة؛ احتمالية العمل بمشروع في لوند، ثم التأكيد على ذلك، ثم عرض ~~الإقامة في منزل الصديقة بتورونتو. هناك تغير واضح في الطقس، فرصة للتحلي ببعض ~~الجرأة. ~~••• # وجدت نفسها تكتب خطابا. لم تبدأه على أي نحو معتاد؛ فلم تكتب «عزيزي هاريس» أو «هل ~~تتذكرني؟» # إن كتابة هذا الخطاب أشبه بوضع رسالة في زجاجة # وتمني # أن تصل إلى اليابان. # كان أقرب إلى قصيدة. # لم تكن لديها أدنى فكرة عن العنوان، كان لديها من الجرأة والحماقة ما يكفي لجعلها تهاتف ~~أصحاب الحفل، لكن عندما أجابتها المرأة على الطرف الآخر، شعرت بجفاف في حلقها ~~وبخواء داخلي يشبه خواء سهول التندرا، وأغلقت الخط. وحملت كاتي في عربتها وذهبت بها ~~إلى المكتبة العامة، وعثرت على دليل الهاتف الخاص بتورونتو؛ وجدت الكثير ممن يحملون ~~اسم بينت، لكن ليس من بينهم من اسمه الأول هاريس، أو اسمه إتش بينت. # واتتها فكرة مزعجة، وهي أن تنظر في صفحة الوفيات بجريدة تورونتو، ولم تستطع أن تمنع ~~نفسها من تنفيذها. انتظرت حتى انتهى الرجل الذي كان يقرأ نسخة الجريدة المتواجدة ~~بالمكتبة. إنها عادة لا تقرأ تلك الجريدة لأنه ينبغي عبور الجسر للحصول عليها، وعادة ما ~~يحضر بيتر معه جريدة «فانكوفر صن». راحت تقلب صفحات الجريدة بسرعة حتى عثرت على ~~اسمه أعلى أحد الأعمدة. إذن فهو لم يمت؛ إنه صاحب عمود بالجريدة، وهو لا يرغب بطبيعة ~~الحال في أن يزعجه الآخرون ويحادثوه هاتفيا في منزله بالحصول على رقم هاتفه من دليل ~~الهاتف. # كان يكتب عن السياسة، بدا أن أسلوبه جذاب وتتسم كتابته بالبراعة، لكنها لم تهتم بأي ~~من ذلك. # وأرسلت خطابها إليه هناك، إلى عنوان الجريدة. لم تكن واثقة من أنه يفتح بريده الخاص، ~~واعتقدت أن وضع كلمة «خاص» على الظرف من شأنه ms011 أن يثير المشاكل؛ لذا كتبت فقط تاريخ ~~وصولها وموعد القطار بعد العبارة الخاصة بالزجاجة. لم تذكر اسمها؛ فقد اعتقدت أن من ~~يفتح الظرف قد يظن أنها قريبة متقدمة في العمر معتادة على الكتابة بطريقة غريبة؛ فليس ثمة ~~شيء يمكن أن يسبب له أي نوع من الإزعاج أو المشكلات، حتى بافتراض إرسال ذلك الخطاب ~~إلى منزله وفتحه من قبل زوجته، التي لا بد أنها قد غادرت المستشفى الآن. ~~••• # كان من الواضح أن كاتي لا تعي أن وجود بيتر على رصيف المحطة يعني أنه لن يسافر ~~بصحبتهما. وعندما شرعا في التحرك بينما لم يفعل هو، وعندما تركاه خلفهما حينما زاد القطار ~~من سرعته؛ تأثرت بشدة إزاء تركه إياهما. لكنها هدأت بعد فترة، مخبرة جريتا أنه ~~سيكون معهما بحلول الصباح. # وعندما قدم ذلك الصباح كانت جريتا تشعر بالحزن والقلق، لكن كاتي لم تذكر شيئا عن غياب ~~أبيها على الإطلاق. سألتها جريتا إن كانت تشعر بالجوع وردت كاتي بالإيجاب، ثم راحت ~~توضح لأمها - كما فعلت قبل أن يطآ القطار - أن عليهما خلع ملابس النوم وتناول ~~إفطارهما في مكان آخر بالقطار. ~~«ما الذي ترغبين في تناوله على الإفطار؟» ~~«بازلاء مقرمشة.» كانت تعني رقائق الإفطار رايس كريسبيز. ~~«سنرى إن كان لديهم منها هنا أم لا.» # وقد وجدا ما تريدانه وأكلتا منه. ~~«والآن هل سنذهب ونجد أبي؟» ~~••• # كانت توجد مساحة مخصصة للعب الأطفال لكنها كانت صغيرة للغاية، وقد شغلها ولد وبنت، ~~بدا واضحا من خلال ملابسهما المتماثلة المطبوعة عليها صورة أرنب أنهما شقيقان، وكانت ~~لعبتهما عبارة عن تحريك عربتين صغيرتين إحداهما في اتجاه الأخرى، ثم الانحراف بهما في آخر ~~لحظة. لكن العربتين ارتطمتا محدثتين ضجيجا عاليا. # قالت جريتا: «هذه كاتي وأنا والدتها. ما اسمكما؟» # علا الضجيج الناتج عن اصطدام العربتين، ولم يرفع الطفلان بصرهما لأعلى. # قالت كاتي: «أبي ليس معنا.» # رأت جريتا أنه من الأفضل أن يرجعا إلى مقصورتهما ويحضرا كتاب كريستوفر روبين الخاص ~~بكاتي، ويأخذاه إلى عربة المشاهدة المقببة لكي تقرأه لها. وليس ثمة احتمال أن ms012 يسببا ~~إزعاجا لأحد؛ لأن الإفطار لم ينته بعد، ولم يمر القطار بعد على المناظر الجبلية ~~الهامة. # وكانت المشكلة أنه بمجرد انتهاء جريتا من قراءة الكتاب، أرادت كاتي أن تعيد عليها ~~قراءته مرة ثانية على الفور. كانت هادئة خلال المرة الأولى، لكنها راحت الآن تردد معها ~~ما تقول في نهاية السطور، وفي المرة التي تلتها أخذت تردد خلفها كل كلمة، بالرغم ~~من أنها لم تصل لمرحلة قراءته بنفسها. تخيلت جريتا أن ذلك يمكن أن يكون مصدر إزعاج ~~للآخرين في حال امتلاء عربة المشاهدة؛ فالأطفال في عمر كاتي ليست لديهم أي مشكلة في ~~التكرار، بل على العكس هم يحبون ذلك الأسلوب بشدة، ويغرقون فيه ويلوكون الكلمات المألوفة ~~مرارا كما لو أنها قطعة من الحلوى التي لن تفنى أبدا. # صعد الدرج صبي وفتاة، وجلسا قبالة جريتا وكاتي، وألقيا تحية الصباح في بهجة شديدة ~~وردت جريتا تحيتهما، ولم يرق لكاتي ترحيبها وتقبلها لوجودهما، وواصلت إلقاء ~~الكلمات بصوت خفيض وهي تنظر إلى الكتاب. # وعبر المقعد الواقع ناحية الممر انبعث صوت الصبي هادئا كصوتها وهو يردد: # إنهم يغيرون الحراس عند بوابة قصر باكينجهام # لقد ذهب كريستوفر روبين بصحبة أليس. # بعد أن انتهى من تلك العبارة، بدأ عبارة أخرى: «إنني لا أحبها؛ أنا سام.» # ضحكت جريتا لكن كاتي لم تفعل. لاحظت جريتا أن كاتي شعرت ببعض الغضب والضيق؛ إنها تعي ~~أن بعض الكلمات السخيفة قد تخرج من كتاب ما، ولكن ليس من فم شخص لا يحمل كتابا. # قال الصبي لجريتا: «معذرة، فنحن في مرحلة ما قبل المدرسة، وهذا هو الأدب الذي ندرسه.» ~~ثم انحنى نحو كاتي وتحدث إليها في جدية وهدوء، قائلا: ~~«هذا كتاب لطيف، أليس كذلك؟» # قالت الفتاة موجهة حديثها لجربتا: «إنه يعني أننا نعمل مع الأطفال في مرحلة ما قبل ~~المدرسة. مع هذا قد يختلط علينا الأمر في بعض الأحيان.» # استمر الصبي في حديثه مع كاتي. ~~«أعتقد أنه بمقدوري تخمين اسمك الآن. ما هو؟ أهو روفس، أم روفر؟» # عضت كاتي شفتيها ولم تستطع أن تكبح ms013 رغبتها في أن ترد ردا عنيفا. # فقالت: «أنا لست بكلبة.» ~~«أوه، من المفترض ألا أتسم بهذا الغباء. أنا صبي واسمي جريج، وهذه الفتاة تدعى ~~لوري.» # قالت لوري: «لقد كان يعمد إلى إغاظتك، هل تودين أن أضربه؟» # فكرت كاتي في الأمر ثم قالت: «لا.» # استمر جريج في حديثه قائلا: «أليس تتزوج واحدا من الحراس. تقول أليس: «إن حياة ~~الجندي شاقة حقا».» # راحت كاتي تردد الكلمات في هدوء عند ذكر اسم أليس في المرة الثانية. # أخبرت لوري جريتا بأنهما يجوبان الحضانات لأداء بعض المقاطع الكوميدية، وهذا ما يطلق ~~عليه أعمال إعداد الأطفال لمرحلة القراءة. كانا ممثلين في الواقع. وأضافت أنها ستنزل في ~~جاسبر حيث ستعمل نادلة في فترة الصيف بجانب تقديم بعض المقاطع الكوميدية؛ وهذا لا يتعلق ~~بإعداد الأطفال لمرحلة القراءة في الواقع، لكن ما يطلق عليه ترفيه البالغين. # قالت: «يا إلهي.» ثم ضحكت قائلة: «استفيدي من الأمر قدر ما تستطيعين.» # أما جريج، فلا يرتبط بأي عمل، وكان في طريقه لمدينة ساسكاتون حيث تقطن عائلته. # حدثت جريتا نفسها بأن كليهما يتسم بالجاذبية والجمال. كانا طويلي القامة، ذوي قد ~~رشيق جدا. كان له شعر داكن مجعد، أما شعرها فكان أسود يسترسل في نعومة كشعر مريم ~~العذراء. وعندما ذكرت وجه الشبه بينهما فيما بعد بفترة، قالا إنهما يستفيدان من ذلك ~~في بعض الأحيان، وذلك عندما يتعلق الأمر بالترتيبات الخاصة بالمعيشة؛ فذلك يجعل الأمور ~~أيسر بكثير، لكن كان عليهما أن يتذكرا طلب سريرين، والتأكد من جعل السريرين يبدوان ~~في حالة فوضى إثر نومهما عليهما بالليل. ~~••• # وقد أخبراها الآن أن ليس ثمة ما يدعو للقلق، فلا شيء يبعث على الضيق والغضب. لقد انتهت ~~علاقتهما، وذلك بعد ثلاث سنوات أمضياها معا. ولم يقيما أي علاقات حميمة منذ أشهر، ~~على الأقل كل منهما مع الآخر. # قال جريج لكاتي: «والآن يكفي الحديث عن قصر باكينجهام. علي أن أقوم ببعض ~~التمرينات.» # اعتقدت جريتا أن ذلك يعني أنه سيهبط ~~لأسفل، أو على الأقل سيتجه إلى الممر من أجل أداء بعض التمرينات ms014 ، لكن بدلا من ذلك قام هو ~~ولوري بإلقاء رأسيهما للخلف، ومدا صوتيهما، وراحا يصيحان ويصدران أصواتا عالية، ~~ويصدحان ببعض الأغاني الغريبة. شعرت كاتي بالسعادة، واعتبرته إهداء لها؛ عرضا لكي تستمتع ~~به. وقد تصرفت على نحو لائق حيث أدت دور الجمهور؛ فظلت ساكنة حتى انتهى العرض، ثم ~~انفجرت بعدها في الضحك. # توقف بأسفل الدرج بعض الأشخاص الذين كانوا يبغون صعوده، ولم يشعروا بنفس درجة ~~الإبهار التي كانت تشعر بها كاتي، ولم يدروا بما يعقبون. # قال جريج: «معذرة.» دون أي توضيح، لكن على نحو ينم عن نوع من الود وطلب ~~الصداقة، ثم مد يده نحو كاتي ليصطحبها، وقال: ~~«لنر إن كان هناك مكان للعب.» # تبعتهما جريتا ولوري. وتمنت جريتا ألا يكون جريج واحدا من هؤلاء البالغين الذين ~~يقيمون صداقات مع الأطفال للتيقن من مدى جاذبيتهم لديهم، ثم يغلب عليهم بعد ذلك ~~الشعور بالملل والغضب عندما يدركون أن الأطفال لا يملون من التعلق بهم وإظهار مشاعرهم ~~نحوهم. # وأثناء وقت الغداء أو بعده بقليل، أدركت أنها ليست بحاجة إلى القلق؛ فلم يحدث أن ~~شعر جريج بالإنهاك والملل حيال اهتمام كاتي وتعلقها، بل انضم العديد من الأطفال ~~الآخرين إلى ساحة المنافسة، ولم يبد على جريج مطلقا أي شيء ينم على شعوره ~~بالملل. # لم يقم بالترتيب لأي نوع من المنافسة؛ لقد نجح في جذب الانتباه إليه أولا، ثم جعل ~~الأطفال ينتبه كل منهم للآخر، ثم جعلهم يمارسون بعض الألعاب الممتعة، أو حتى المثيرة ~~التي تستنزف طاقتهم، وليس تلك العنيفة التي تسبب ضيقهم. لم يظهر أحدهم أي شعور ~~بالغضب، واختفت سلوكيات الأطفال المعهودة التي تعكس تدللهم. لم يكن هناك ببساطة وقت ~~لذلك؛ فقد كانت هناك ألعاب مثيرة تجذب اهتمامهم. لقد كان ذلك بمنزلة معجزة؛ كيف استطاع ~~بمنتهى السهولة أن يسيطر عليهم في تلك المساحة الصغيرة. أما طاقتهم التي استنزفوها، ~~فستجعلهم يغفون سريعا في المساء. # قالت جريتا للوري: «إنه رائع.» # قالت لوري: «هو هكذا في أغلب الأحيان، إنه لا يدخر طاقته. كثير من الممثلين يفعلون ~~ذلك؛ الممثلين بوجه ms015 خاص، وقد يموتون عندما لا يمثلون.» # حدثت جريتا نفسها قائلة: هذا ما أفعله؛ إنني أدخر طاقتي معظم الوقت. لكني أهتم ~~بكاتي، وأهتم ببيتر. # في خلال العقد الذي دخلوا فيه بالفعل، وهو الشيء الذي لم تلاحظه هي على الأقل، سيكون هناك ~~الكثير من الاهتمام الذي سيولى لصفة التواجد التي وصفت بها لوري جريج، والتي سيتغير ~~معناها لمعنى لم يعتد عليه من قبل؛ الاتفاق مع ما هو سائد. العطاء. يوجد أشخاص معطاءون ~~وآخرون ليسوا كذلك. وكان من المفترض أن تتلاشى الحواجز بين ما يدور داخل عقلك وما يدور ~~خارجه؛ فالمصداقية تتطلب ذلك. كانت أشياء مثل قصائد جريتا التي لا تتفق مع ما هو سائد ~~مصدر ريبة، بل مصدر احتقار أيضا في بعض الأحيان. بالطبع، استمرت على نحو صحيح في فعل ما ~~كانت تفعله؛ فقد كانت تعارض الثقافة المضادة وتسبر غورها سرا بعزم. ولكن في اللحظة ~~الحاضرة، استسلمت طفلتها تماما لجريج، وأيا ما كان يفعله؛ فقد كانت تشعر حياله ~~بالامتنان الكامل. # وكما توقعت جريتا فقد خلد الأطفال ~~للنوم في فترة ما بعد الظهيرة، وكذلك فعل بعض الأمهات، بينما راح بعضهن يلعب الورق. أخذ ~~جريج وجريتا يلوحان للوري عندما نزلت في جاسبر، بينما راحت هي تبعث لهم بالقبلات وهي تقف ~~على رصيف المحطة. ظهر رجل متقدم في العمر وحمل عنها حقيبتها، وقبلها بحنان ثم ~~لوح لجريج الذي أشار إليه بدوره هو الآخر. # قال جريج: «إن حاضرها يعانقها.» # راحوا يلوحون بشدة عندما شرع القطار في التحرك، ثم اصطحب هو وجريتا كاتي مرة أخرى ~~إلى مقصورتها حيث غطت الطفلة في النوم بينهما؛ فقد تبعت من اللعب والقفز، فراحت في ~~النوم. فتحا ستارة المقصورة لإدخال بعض الهواء، ولم تعد هناك خطورة الآن من أن تسقط ~~الطفلة من النافذة. # قال جريج: «إنه لشيء رائع أن يكون لدى المرء طفل.» كانت تلك كلمة جديدة أخرى في ذلك ~~الوقت، أو على الأقل جديدة بالنسبة إلى جريتا. # قالت: «هذا شيء معتاد.» ~~«إنك هادئة جدا. الشيء التالي الذي ستقولينه: «إن هذا شأن ms016 الحياة».» # قالت: «لا، لن أفعل.» وظلت تحدق في عينيه حتى هز رأسه وضحك. # أخبرها بأنه دخل مجال التمثيل بسبب ديانته، فعائلته كانت تنتمي لإحدى الطوائف المسيحية ~~التي لم تسمع بها جريتا من قبل. ولم تكن تلك الطائفة وافرة العدد لكنها كانت ثرية جدا، ~~أو على الأقل بعض أفرادها كذلك؛ فبنوا كنيسة وألحقوا بها مسرحا، وذلك في إحدى البلدات ~~الواقعة في منطقة البراري؛ ومن هنا بدأ التمثيل قبل أن يبلغ العاشرة من العمر. كانوا يعرضون ~~قصصا ومواعظ من الكتاب المقدس، ومن الحاضر أيضا، بشأن الأشياء المروعة التي تقع للأشخاص ~~الذين لا يؤمنون بتعاليم الطائفة. كانت عائلته فخورة جدا به، وكذا كان هو الآخر فخورا ~~بنفسه؛ فلم يكن يحلم بأن يقص عليهم كل ما يجري عندما يأتي المؤمنون من الطائفة من ~~الأثرياء لتجديد إيمانهم، ويحصلون على عزم جديد في حضرتهم. على أية حال، كان يروق له كل ~~ذلك الاستحسان، وقد أحب التمثيل. # استمر الأمر على هذا الوضع حتى أتى اليوم الذي واتته فكرة التمثيل خارج نطاق الكنيسة ~~وتعاليمها، وحاول أن يعرض فكرته بهدوء وأدب، لكنهم قالوا له بأن الشيطان قد سيطر على ~~عقله؛ فقال ساخرا إنه يعلم من الذي تمكن منه الشيطان. # ثم رحل مودعا. # قال: «لا أريدك أن تعتقدي أن كل ما في هذا الدين سيئ، فأنا ما زلت أومن بالصلاة وبكل ~~شيء، لكني لا أستطيع أن أخبر عائلتي بما أفعله؛ فأي شيء يعلمونه بشأني قد يقضي عليهم. هل ~~تعرفين أناسا كهؤلاء؟» # أخبرته أنها حينما انتقلت هي وبيتر لأول مرة إلى فانكوفر، اتصلت جدتها التي كانت تعيش ~~في أونتاريو بكاهن في إحدى الكنائس هناك كانت تعرفه، وطلبت منه الذهاب لمنزل جريتا، ~~فلبى دعوة جدتها، لكن جريتا قابلته بنوع من التكبر والغطرسة. قال إنه سيصلي من ~~أجلها، فأوضحت له دون أن تنطق بأي كلمة بأن عليه ألا يهتم بشأنها. كانت جدتها تحتضر ~~في ذلك الوقت. شعرت جريتا بالخزي، وكانت تشعر بالغضب حيال هذا الشعور بالخزي كلما فكرت ~~في هذا الأمر. # لم يتفهم ms017 بيتر مثل هذه الأمور؛ فلم تذهب أمه مطلقا إلى أية كنيسة، على الرغم من أن ~~أحد أسباب هروبها به وهو صغير عبر الجبال ربما يكون أن يصبحا كاثوليكيين. كان يقول إن ~~الكاثوليك ربما يتمتعون ببعض المزايا؛ فبمقدورك تقليل المخاطر، حتى الموت. # كانت تلك المرة الأولى التي يطرأ بيتر على ذهنها منذ فترة. # الحقيقة أن جريج وجريتا كانا يحتسيان الشراب بينما يتبادلان ذلك الحوار الكئيب والباعث ~~على الراحة بعض الشيء في نفس الوقت. كان قد أحضر زجاجة من خمر الأوزو. كانت حذرة إلى ~~حد ما بشأن تناوله، تماما كما كانت مع أي نوع من الكحوليات منذ ذلك اليوم الذي ثملت فيه ~~في حفلة الكتاب، لكن بدأ يظهر بعض أثر تناولهما لهذا النوع من الخمر، الذي جعل ~~كلا منهما يعبث بيد الآخر، ثم شرعا في تبادل القبلات والملاطفة. كل ذلك كان يجري ~~بجوار الطفلة التي كانت تغط في النوم. # قالت جريتا: «علينا ألا نكف عن ذلك، وإلا أصبح المشهد مؤسفا.» # قال: «لسنا من يفعل ذلك، وإنما اثنان غيرنا.» ~~«أخبرهما أن يكفا إذن. ألا تعرف اسميهما؟» ~~«انتظري. إنهما رج. رج ودوروثي.» ~~«إذن كف عن ذلك يا رج. وماذا عن طفلتي البريئة؟» ~~«بمقدورنا الذهاب إلى مقصورتي، إنها ليست ببعيدة.» ~~«ليس لدي أي ...» ~~«أنا لدي.» ~~«يبدو أنك معتاد على هذا الأمر.» ~~«بالطبع لا. أي نوع من الوحوش تظنينني؟» # رتبا الأغطية التي تبعثرت، ثم انسلا من المقصورة، وراحا يغلقان جيدا أزرار فراش ~~كاتي الذي تنام عليه. ثم شقا طريقهما من مقصورتها إلى مقصورة جريج وهما يتمايلان في نشوة ~~واسترخاء. لم يكن ثمة داع لأن يغادرا مقصورتها؛ فلم يصادفا أحدا في طريقهما؛ فالأشخاص ~~الذين لم يكونوا موجودين في عربة المشاهدة المقببة لالتقاط صور للجبال الممتدة، كانوا إما ~~في عربة الحانة، وإما نائمين. # وفي مقصورة جريج غير المرتبة استكملا ما كانا قد بدآه. لم تكن هناك مساحة تكفي لكي ~~يستلقي شخصان بصورة مريحة، فالتصق كل منهما بالآخر. في البداية لم تنقطع ضحكاتهما ~~المكتومة، وتبعتها لحظات من المتعة العارمة ms018 ، ولم يكن ثمة مكان يقع عليه بصرهما سوى عيني ~~كل منهما. كانا يعض كل منهما الآخر كيلا تصدر عن أي منهما أي أصوات عالية. # قال جريج: «رائع، جميل.» # قالت: «علي أن أعود أدراجي.» ~~«سريعا هكذا؟» ~~«قد تستيقظ كاتي ولا تجدني.» ~~«حسنا، حسنا. على أية حال، علي أن أستعد للنزول في ساسكاتون. ماذا لو كنا ~~بلغناها وسط ما كنا نفعله؟ كنت سأقول: مرحبا أمي، مرحبا أبي. معذرة، انتظراني دقيقة ~~بينما ...!» # استجمعت شتات نفسها وأصلحت هندامها، وتركته. في الواقع لم تهتم بمن يمكن أن تقابله في ~~طريقها. كانت واهنة، مشدوهة، لكن يغمرها الإحساس بالنشوة والبهجة كالمصارع بعد جولة عنيفة ~~في حلبة المصارعة؛ هكذا فكرت في الأمر والابتسامة تعلو وجهها. # على أية حال لم تلتق بأحد. # لم تجد المشبك السفلي للستارة مغلقا، لكنها كانت تتذكر جيدا أنها أغلقته قبل أن تذهب. ~~ومع ذلك، فحتى إن كان مفتوحا فسيكون من الصعب أن تنسل كاتي من بينها، وبالقطع لن تحاول. ~~عندما تركتها جريتا ذات مرة لتذهب إلى الحمام أوضحت لها جيدا أنه لا ينبغي على كاتي أن ~~تتبعها، وأجابتها كاتي حينها قائلة: «لن أفعل.» كما لو أنها تقول لأمها أنها لا تزال ~~تعاملها كطفل رضيع. # أمسكت جريتا بالستارة كي تفتحها على آخرها، وعندما فعلت لم تجد كاتي. # جن جنونها ورفعت الوسادة كما لو أن طفلة بحجم كاتي يمكن أن تخفي نفسها تحتها. أخذت ~~تمرر يدها على الغطاء؛ فربما تختفي كاتي تحتها. استطاعت السيطرة على أعصابها وحاولت أن ~~تسترجع الأماكن التي توقف بها القطار، وتفكر إن كان قد توقف بالفعل أم لا، وذلك خلال ~~الوقت الذي أمضته مع جريج. ولكن هل من الممكن أن يكون قد تسلل أحد الخاطفين أثناء ~~توقف القطار - إن كان قد توقف بالأساس - وحمل كاتي وفر هاربا بها؟ # وقفت في الممر تحاول أن تفكر بما يمكن فعله لكي توقف سير القطار. # ثم فكرت - أو هكذا أجبرت نفسها على الاعتقاد - بأن شيئا من هذا القبيل لا يمكن أن يحدث، ~~وقالت في نفسها: لا ms019 تكوني سخيفة، لا بد أن كاتي قد استيقظت ولم تجدني وذهبت لتبحث عني، ~~بمفردها. # لا بد أن تكون في مكان ما بالقرب من هنا. لا بد أن تكون في مكان قريب. إن البابين ~~المتواجدين عند طرفي المقصورة صعبا الفتح جدا عليها. # استطاعت بالكاد أن تتحرك من مكانها، شعرت بأن عقلها وجسدها قد أضحيا فارغين. لا يمكن أن ~~يكون قد حدث ذلك واختفت الطفلة. يا ليت الوقت يعود قبل أن تذهب مع جريج. ليته توقف ~~هناك. # كان هناك مقعد شاغر بجوار الممر، وقد وضع أحدهم فوقه سترة نسائية ومجلة لحجزه، وعلى ~~مسافة أبعد منه كان هناك مقعد مشابك أحزمته كلها مربوطة، تماما مثل تلك الخاصة بها هي ~~وابنتها، فقامت بفكها بيد واحدة. تحرك الرجل العجوز الذي كان مستلقيا على المقعد ويغط ~~في نوم عميق، ليستلقي على ظهره لكنه لم يستيقظ، ولم يكن ثمة احتمال أنه يخفي ~~أحدا. # يا لبلاهتها! # ساورها خوف جديد. لنفترض أن كاتي شقت طريقها إلى إحدى نهايتي العربة ونجحت بالفعل ~~في فتح أحد بابيها، أو أنها قد تتبعت شخصا فتحه أمامها. هناك ممر قصير بين العربات ~~حيث تجد نفسك في الواقع تسير فوق المكان الذي يربط بين العربات بعضها ببعض؛ يمكنك هناك أن ~~تستشعر حركة القطار بطريقة مفاجئة ومزعجة، ويوجد أمامك باب ثقيل ومن خلفك آخر مثله، وعلى ~~جانبي الممر ترى ألواحا معدنية تصدر ضجيجا عاليا، وهي تغطي الدرج الذي يتم إنزاله ~~عندما يتوقف القطار. # وغالبا ما يسرع المرء من خطاه عبر تلك الممرات؛ حيث يذكره ذلك الضجيج والتمايل ~~بكيفية ترتيب الأشياء معا وتنظيمها بطريقة يبدو أنه من الممكن في النهاية تغييرها؛ ~~فالتمايل والضجيج هذان يحدثان بصورة متقطعة غير منتظمة ولكنها سريعة. # كان الباب المتواجد في نهاية العربة ثقيلا ويصعب فتحه حتى بالنسبة إلى جريتا، أو يبدو ~~أن الخوف استنفد طاقتها فراحت تدفعه بكتفها بكل قوتها. # وهناك، بين العربات وعلى واحد من تلك الألواح المعدنية التي تصدر ضجيجا باستمرار ~~وجدت كاتي جالسة. كانت عيناها مشدوهتين، وفمها مفتوحا بعض ms020 الشيء تشعر بالدهشة والوحدة. ~~لم تكن تبكي على الإطلاق، لكن بمجرد أن رأت أمها شرعت في البكاء. # جذبتها جريتا ورفعتها لتضعها على وركها، واستدارت بصعوبة مواجهة الباب الذي كانت قد ~~فتحته لتوها. # كانت جميع عربات القطار تحمل أسماء لإحياء ذكرى بعض المعارك أو الاستكشافات أو المشاهير ~~الكنديين، وكانت عربتهما تحمل اسم كونوت. إنها لم تكن لتنسى هذا الاسم مطلقا. # لم تصب كاتي بأي أذى على الإطلاق، ولم تشتبك ملابسها كما هو متوقع بالأطراف ~~الحادة المتغيرة للألواح المعدنية. # قالت: «لقد ذهبت لأبحث عنك.» # متى؟ منذ دقيقة فقط؟ أم بعد أن تركتها جريتا مباشرة؟ # بالقطع لا، لا بد أن أحدهم كان سيلمحها هناك ويحملها، ثم يذهب ليبلغ عن العثور على ~~طفلة. # كان اليوم مشمسا لكنه ليس دافئا في واقع الأمر، وكانت يدها ووجهها باردين ~~للغاية. # قالت: «ظننتك على الدرج.» # دثرتها جريتا بالغطاء الموضوع على فراشهما، وحينها بدأت تشعر هي الأخرى برعشة تسري ~~في أوصالها كما لو أن حمى قد أصابتها. شعرت بغثيان، واستشعرت بالفعل آثار بعض القيء في ~~حلقها. قالت كاتي: «لا تدفعي بي هكذا.» ثم تلوت وأزاحت نفسها بعيدة عنها. # وقالت: «تفوح منك رائحة كريهة.» # أزاحت جريتا ذراعيها بعيدا ثم استلقت على ظهرها. # كان ما حدث أمرا فظيعا، تصوراتها عما كان من الممكن أن يحدث كانت مفزعة. كانت ~~الطفلة لا تزال ثائرة وتنأى بنفسها بعيدا عنها. # لا بد أن أحدهم كان سيعثر على كاتي؛ فكان سيلمحها هناك شخص محترم، وليس شريرا، ويحملها ~~إلى حيث تكون في مأمن. كانت جريتا ستسمع الإعلان المفزع، أخبار العثور على طفلة بمفردها ~~في القطار، طفلة تقول إن اسمها هو كاتي. كانت جريتا ستهرع إليهم من المكان الذي كانت تتواجد ~~فيه في تلك اللحظة، محاولة أن تهندم نفسها قدر الإمكان، لتخبرهم بأن الطفلة هي ابنتها ~~وكانت ستكذب حين تقول إنها كانت في الحمام حينما وجدوا طفلتها. كانت ستكون خائفة جدا، ~~لكنها في نفس الوقت لم تكن لترى الوضع الذي كانت عليه طفلتها الآن؛ لم تكن لترى طفلتها ms021 وهي ~~تجلس في ذلك المكان المزعج، عاجزة لاحول لها ولا قوة بين عربات القطار، لا تبكي أو ~~تتذمر كما لو أنه كان عليها أن تبقى في هذا المكان للأبد دون أن يقدم لها أحد أية ~~تفسيرات لذلك، ودون وجود أي بادرة أمل تلوح في الأفق لإخراجها مما هي فيه. كانت عيناها ~~على نحو غريب خاليتين من أي تعبير، وكان فمها مفتوحا بعض الشيء، وذلك في اللحظة التي ~~سبقت تفاجئها بحقيقة إنقاذها، وحينها شرعت في البكاء؛ حينها فقط، استعادت عالمها، ~~وحقها في البكاء والشكوى. # قالت الآن إنها لم تكن ترغب في النوم، وأنها تريد أن تظل مستيقظة. وسألت عن مكان جريج، ~~فأخبرتها جريتا أنه يأخذ غفوة لأنه متعب. # ذهبت بصحبة جريتا إلى عربة المشاهدة المقببة لقضاء بقية فترة ما بعد الظهيرة بها، ولم ~~يكن بها أحد سواهما تقريبا؛ فلا بد أن الأشخاص الذين كانوا يلتقطون الصور قد شعروا بالتعب ~~وقت التقاطهم صورا لجبال روكي. وبحسب تعليق جريج من قبل، إن أرض البراري التي يمرون بها ~~قد ألقت بعض الكآبة والملل في نفوسهم. # توقف القطار لوقت قصير في ساسكاتون وهبط منه عدة أشخاص، وكان جريج من بينهم، ورأت ~~جريتا شخصين يحييانه بدا واضحا أنهما والداه، وحيته أيضا امرأة تجلس على مقعد ~~متحرك، ربما تكون جدته، ثم التف حوله مجموعة من الشباب الذين كانوا بانتظاره وقد ~~ارتسمت على وجوههم أمارات البهجة والحياء. لم يبد على أي منهم أنه ينتمي إلى طائفة ~~دينية، أو أنهم أناس تغلب عليهم الشدة والصرامة بأي حال من الأحوال. # لكن كيف يكون بمقدورك أن تلمح ذلك وتتأكد من أنه موجود في أي شخص من الأشخاص؟ # حولت جريتا نظرها عنهم وراحت تبحث عنه عبر نوافذ القطار، ولوحت له من خلال عربة ~~المشاهدة المقببة، ولمحها هو وراح يلوح بدوره لها هو الآخر. # قالت لكاتي: «ها هو جريج، انظري لأسفل هناك. إنه يلوح لك، ألن تلوحي له؟» # لكن كاتي وجدت صعوبة كبيرة في أن تلمحه وتنظر صوبه، أو أنها على الأقل لم ms022 تحاول. ~~استدارت مبتعدة على نحو ملائم وبشيء من الضجر، واستدار جريج مبتعدا هو الآخر بعد أن ~~لوح للمرة الأخيرة والتي كانت على نحو هزلي. وتساءلت جريتا إن كانت الطفلة تعاقبه ~~لتركه لها، ومن ثم رفضت أن تلقي نظرة سريعة نحوه أو حتى تقر بوجوده. # حسنا، إن كان هذا هو الوضع، فلننس الأمر. # قالت جريتا وقد بدأ القطار يتحرك: «لقد لوح لك جريج.» ~~«أعلم.» ~~••• # بينما كانت كاتي تنام بجوار جريتا في فراشها تلك الليلة، أخذت جريتا تكتب خطابا لبيتر. ~~كان خطابا طويلا قصت له فيه ما دار مع كل الأشخاص الذين صادفتهم في القطار، وأرادته أن ~~يكون لطيفا ومرحا. أخبرته أن معظمهم كانوا يفضلون رؤية الأشياء من خلال كاميراتهم عن ~~مشاهدتها على الطبيعة، إلى آخره، وحكت له أيضا عن كاتي وسلوكها الهادئ اللطيف بوجه عام ~~أثناء الرحلة. لم تذكر له شيئا عن ضياعها بالطبع، أو عن الفزع الذي انتابها بسبب ذلك. ثم ~~أرسلته عندما كانت أرض البراري قد توارت عن الأنظار تماما، ولم يكن أمامهم سوى منظر ~~أشجار التنوب المارياني الممتدة بلا نهاية، وتوقفوا لسبب ما في هورنيباين، تلك البلدة ~~الصغيرة المجهولة. # كرست كل الوقت الذي ظلت مستيقظة خلاله للعناية بكاتي، وكانت تعلم جيدا أنها لم ~~تفعل ذلك من قبل على الإطلاق. لقد كانت حقا تهتم بالطفلة، وتلبسها، وتطعمها، وتتحدث ~~معها، خلال كل تلك الساعات التي يكونان فيها معا، ويكون فيها بيتر في عمله، لكن كانت توجد ~~أيضا لدى جريتا أشياء أخرى تفعلها في المنزل؛ لذا كان اهتمامها مجرد اهتمام سريع ومتقطع، ~~وحنوها عليها شيئا تلقائيا وآليا في الغالب. # ولم تكن أعمال المنزل فقط هي السبب في ذلك؛ فقد كانت هناك أفكار أخرى تسيطر على ذهنها ~~وتزيح الطفلة بعيدا عن بؤرة اهتمامها. حتى قبل انشغالها الساذج والمنهك بذلك الرجل الذي ~~في تورونتو، والذي لم يكن هناك طائل من ورائه، كان هناك أيضا مجال الشعر الذي بدا أنه كان ~~يشغل عقلها معظم حياتها، وقد بدا لها الآن أن ذلك كان بمنزلة نوع ms023 آخر من الخيانة؛ لكاتي، ~~ولبيتر، ولحياتها كلها. والآن وبسبب تلك الصورة المرتسمة في مخيلتها لكاتي وهي تجلس وحيدة؛ ~~كاتي بمفردها وسط ضجيج الألواح المعدنية بين عربات القطار، فهناك شيء آخر ستقلع ~~عنه. # خطيئة. لقد كانت تحول انتباهها إلى مكان آخر، وصبت جم انتباهها بشدة على شيء ~~آخر بخلاف طفلتها. إن هذا خطيئة. ~~••• # بلغوا تورونتو في منتصف الصباح. كانت السماء ملبدة بالغيوم، وبرق ورعد الصيف ~~يشقان السماء. لم تكن كاتي قد رأت مثل هذه الاضطرابات في الطقس في الساحل الغربي، لكن ~~جريتا قالت لها إنه ليس ثمة ما تخشاه، وبدا أنها لم تكن خائفة. ولم تشعر بالخوف أيضا من ~~تلك الظلمة التي واجهوها في ذلك النفق المضاء بالكهرباء وتوقف فيه القطار. # قالت: «لقد حل المساء.» # قالت جريتا إن المساء لم يحل بعد، وإن عليهم أن يسيروا حتى نهاية النفق حيث إنهم قد ~~نزلوا الآن من القطار. وأضافت أن عليهم بعد ذلك صعود أحد الدروج، أو ربما استخدام سلم ~~متحرك لينفذوا إلى أحد المباني الكبيرة، ومنه إلى الخارج حيث سيستقلون إحدى سيارات الأجرة، ~~التي كانت ستقلهم إلى منزلهم. كانوا سيذهبون إلى منزلهم الجديد حيث سيعيشون فيه لفترة من ~~الوقت، وبعدها يعودون إلى منزلهم الحقيقي. # صعدوا ممرا منحدرا، ومنه إلى سلم متحرك. انتظرت كاتي ولم تصعد السلم المتحرك وكذلك ~~فعلت جريتا حتى لحق بهم آخرون. صعدت جريتا السلم المتحرك حاملة كاتي فوق إحدى ~~وركيها، وممسكة حقيبتها باليد الأخرى، التي أخذت تتمايل وتهتز فوق خطوات السلم ~~المتحركة. وعندما وصلا إلى أعلى السلم، أنزلت جريتا كاتي على الأرض وأمسكت بيدها مرة أخرى، ~~وذلك في الضوء الساطع الفخم لمحطة تورونتو الرئيسية. # راح الركاب الذين يتقدمونهم يغادرون المحطة أو يتلفتون حولهم بحثا عمن ينتظرونهم، أو ~~من ينادون أسماءهم، أو ببساطة من يقترب منهم ليحمل عنهم حقائبهم. # اقترب منهما شخص وحمل حقيبتهما؛ حملها وطوق جريتا بذراعيه وقبلها للمرة الأولى ~~بلهفة واحتفاء شديدين. # كان هاريس. # انتابتها صدمة في بادئ الأمر، ثم ارتباك شديد واهتياج عاطفي قوي. # حاولت أن تقبض ms024 على يد كاتي، لكن في تلك اللحظة ابتعدت الطفلة وتحررت من ~~قبضتها. # لم تحاول الهرب؛ وقفت تنتظر فحسب ما سيحدث بعد ذلك. # | أمندسون # جلست على المقعد المتواجد خارج المحطة ورحت أنتظر. كانت أبواب المحطة مفتوحة عندما وصل ~~القطار، لكنها أغلقت الآن. جلست إحدى السيدات على الطرف الآخر من المقعد، ووضعت بين ~~ركبتيها حقيبة شبكية مليئة ببعض الأشياء المغلفة بالورق المزيت. كانت قطعا من اللحم؛ ~~اللحم النيئ. فبمقدورك شم رائحتها جيدا. # وفوق القضبان وقف القطار الكهربائي خاليا، منتظرا ركابه. # لم يظهر أحد من الركاب الآخرين، وبعد فترة قصيرة أخرج ناظر المحطة رأسه ونادى قائلا: ~~«سان.» ظننته في البداية ينادي على اسم شخص يدعى سام. (لكنه كان يقصد المصحة العلاجية ~~الخاصة بالأطفال المصابين بالسل.) وقد ظهر عند نهاية المبنى رجل آخر يرتدي نوعا من ~~الملابس الرسمية، عبر القضبان وصعد إلى القطار. نهضت المرأة التي تحمل الحقيبة ~~المليئة بقطع اللحم وتبعته، وفعلت أنا نفس الشيء. تعالت بعض الصيحات الآتية من ناحية ~~الشارع، وفتحت أبواب مبنى مظلم مغطى سقفه المستوي بألواح الخشب، ودخل منه عدد من ~~الرجال الذين يضعون قبعات على رءوسهم، ويحملون أوعية طعام الغداء التي كانت ترتطم ~~بأفخاذهم أثناء سيرهم. وقد يهيأ إليك من الضوضاء التي يحدثونها أن القطار سينطلق ~~بسرعة في أية لحظة دون أن يركبوا فيه، لكن عندما صعدوا إليه، لم يحدث شيء. ظل القطار ~~ثابتا في مكانه بينما كانوا يعدون أنفسهم، وقالوا إن هناك فردا ناقصا، وأخبروا السائق ~~بأنه ليس بإمكانه التحرك الآن. ثم تذكر أحدهم أنه يوم عطلة الشخص غير الموجود؛ ~~حينها شرع القطار في التحرك بالرغم من أنك لا تستطيع أن تعرف إن كان السائق قد سمع أيا ~~مما حدث أو أعاره أي اهتمام. # نزل جميع الرجال عند مصنع نشر الأخشاب في الغابة - ولم تكن المسافة لتستغرق أكثر من عشر ~~دقائق سيرا على الأقدام للوصول إليه - وبعد فترة قصيرة ظهرت البحيرة أمامنا وكانت ~~مغطاة بالثلوج، وكان يوجد قبالتها مبنى خشبي عال أبيض اللون. عدلت المرأة من وضع ms025 لفافات ~~اللحم التي كانت تمسك بها، ونهضت من مكانها وهكذا فعلت. نادى السائق مرة أخرى قائلا: ~~«سان.» وفتحت أبواب القطار. وقفت امرأتان تنتظران الصعود، وحيتا المرأة التي تمسك ~~باللحم فردت التحية وقالت لهما إن اليوم شديد البرودة. # تحاشى الجميع النظر إلي بينما كنت أهبط من القطار خلف المرأة التي تحمل اللحم. # كان من الواضح أنه لم يكن هناك أحد آخر ينتظر عند نهاية ذلك الخط، وأغلقت الأبواب ~~بقوة محدثة ضجيجا عاليا، واستعد القطار للرجوع مرة أخرى. # كان الصمت يلف المكان، والهواء في برودة الثلوج، وكان يوجد بعض أشجار البتولا الضعيفة ~~التي تحمل بعض العلامات السوداء على لحائها الأبيض، بجانب بعض الأشجار الصغيرة الدائمة ~~الخضرة المهملة التي تتجمع كأنها دببة نائمة. لم يكن سطح البحيرة المتجمدة مستويا، ~~لكنه بدا في شكل كومة بطول الشاطئ، كما لو أن الأمواج قد تحولت إلى ثلوج أثناء اندفاعها ~~وهبوطها. والمبنى الواقف قبالة البحيرة يضم صفوفا منتظمة من النوافذ وشرفة زجاجية في كلا ~~جانبيه. كان كل شيء يبدو قاتما، كما هي سمة ذلك الجزء الشمالي حيث يغلب اللونان الأبيض ~~والأسود على كل شيء يتواجد أسفل السماء الممتلئة بالسحب. # لكنك لا ترى لحاء أشجار البتولا أبيض اللون كلما دنوت منه أكثر، بل تراه باللون الأصفر ~~المائل للرمادي، ثم الأزرق المائل للرمادي، ثم اللون الرمادي. # كان كل شيء ساكنا، ورائعا، وشديد السحر. # قالت لي المرأة التي تحمل حقيبة اللحم: «إلى أين أنت ذاهبة؟ فأوقات الزيارة تنتهي في ~~الثالثة.» # قلت لها: «لست بزائرة. فأنا المعلمة.» # قالت المرأة ببعض الارتياح: «حسنا، إنهم لن يدعوك تدخلين من الباب الأمامي على أية ~~حال؛ لذا من الأفضل أن تأتي معي. ألم تحضري معك أية حقائب؟» ~~«قال ناظر المحطة إنه سيحضرها فيما بعد.» ~~«إن الطريقة التي كنت تقفين بها هناك توحي بأنك قد ضللت الطريق.» # قلت لها إني توقفت لأن المنظر كان شديد الجمال. ~~«قد يرى البعض أن الأمر كذلك، إلا إن كانوا يشعرون بإعياء شديد أو كانوا منشغلين ~~بشدة.» # لم نزد شيئا في ms026 حوارنا عن ذلك حتى دلفنا إلى المطبخ في أحد جوانب المبنى، لقد كنت في ~~حاجة ماسة بالفعل للدفء الموجود بداخله. لم تتح لي فرصة التجول بنظري بين أرجائه؛ فقد ~~كانت المرأة تنظر نحو حذائي العالي الرقبة. # قالت: «من الأفضل أن تخلعي هذا الحذاء قبل أن يخلف أثرا على الأرض.» # خلعت الحذاء بصعوبة شديدة، ولم يكن هناك أي مقعد للجلوس، وقد وضعته فوق البساط حيث تركت ~~المرأة حذاءها. ~~«أمسكي به وأحضريه معك؛ فلست أدري أين سيجعلونك تقيمين. ومن الأفضل أيضا أن تظلي مرتدية ~~معطفك؛ فليس هناك أي نوع من التدفئة في غرفة إيداع الملابس.» # لم يكن هناك أي نوع من التدفئة أو الإضاءة، فيما عدا ما يأتي من خلال نافذة صغيرة لم يكن ~~بإمكاني الوصول إليها. كان الأمر يبدو وكأنني أتلقى عقابا في المدرسة؛ فقد تم إرسالي إلى ~~غرفة إيداع المعاطف والملابس. نعم. إنها نفس رائحة ملابس الشتاء التي لا تجف مطلقا، ~~والأحذية العالية الرقبة التي تفوح منها رائحة الجوارب القذرة والأرجل التي لا يتم غسلها ~~وتنظيفها. # صعدت على أحد المقاعد لكني ما زلت لا أتبين ما بالخارج. وعلى الرف الملقى فوقه بعض ~~الأوشحة والقبعات وجدت حقيبة بها بعض التين والبلح. لا بد أن أحدهم سرقها وأخفاها هنا ~~ليأخذها معه حينما يرحل. وفجأة، انتابني شعور بالجوع. لم أتناول شيئا منذ الصباح، فيما ~~عدا سندوتش جبن جافة أكلته في إحدى محطات خط أونتاريو نورثلاند. رحت أفكر في الجانب ~~الأخلاقي لفكرة السرقة من سارق، لكن التين كان سيعلق بأسناني، موشيا بأمري. # نزلت من فوق المقعد في الوقت المناسب؛ فقد كان هناك أحد يدلف إلى الغرفة، لم يكن شخصا من ~~العاملين في المطبخ، بل فتاة من المدرسة ترتدي معطفا شتويا ثقيلا، وتضع وشاحا فوق ~~شعرها. دلفت في سرعة شديدة، وألقت الكتب فوق المقعد فسقطت وتناثرت على الأرض، وجذبت ~~الوشاح فبرز شعرها أشعث، وفي نفس الوقت دفعت بفردتي حذائها الواحدة تلو الأخرى فتطايرتا ~~فوق أرضية الغرفة. من الواضح أنه لم يرها أحد ليمسك بها ويجعلها ms027 تقوم بخلعهما عند باب ~~المطبخ. # قالت الفتاة: «مرحبا، لم أقصد أن أوذيك، لكن الغرفة هنا شديدة الظلام خاصة بعد الإضاءة ~~المتواجدة بالخارج؛ فالمرء لا يرى ما يفعله. ألا تتجمدين من شدة البرودة؟ هل تنتظرين حتى ~~ينتهي أحدهم من عمله؟» ~~«أنا بانتظار الطبيب فوكس.» ~~«إذن فليس عليك أن تنتظري طويلا، لقد جئت لتوي من البلدة في رفقته. إنك لست بمريضة، ~~أليس كذلك؟ إن كنت مريضة، فيجب ألا تأتي إلى هنا، بل يجب أن تذهبي إليه في ~~البلدة.» ~~«أنا المعلمة.» ~~«حقا؟ هل أتيت من تورونتو؟» ~~«نعم.» # سادت فترة من الصمت ربما كانت نابعة من الاحترام. # لكنها لم تكن كذلك، بل كانت من أجل إلقاء نظرة متفحصة على معطفي. ~~«إنه حقا معطف رائع. ما نوع هذا الفراء الذي يغطي ياقته؟» ~~«فراء حمل فارسي. إنه تقليد في واقع الأمر.» ~~«كدت أخدع وأظنه أصليا. لا أدري لم أحضروك إلى هنا، فالطقس شديد البرودة هنا. ~~معذرة، هل تودين رؤية الطبيب؟ فبإمكاني اصطحابك إليه، أنا أعرف مكان كل شيء هنا؛ فلقد ~~عشت في هذا المكان منذ مولدي، وأمي تدير المطبخ. اسمي ماري، وأنت ما اسمك؟» ~~«فيفي. فيفيان.» ~~«إن كنت معلمة، ألا ينبغي أن أدعوك بالآنسة؟ الآنسة ماذا؟» ~~«الآنسة هايد.» # قالت مازحة لاعبة على معنى لقبها هايد بالإنجليزية الذي يعني «جلد»: «ادبغي جلدك. ~~آسفة لأن هذا قد خطر على ذهني. كنت أود أن تكوني معلمتي لكن ينبغي علي الذهاب إلى ~~المدرسة في البلدة. إنها تلك القوانين الغبية؛ فعلي الذهاب إلى هناك لأنني لم أصب بمرض ~~السل.» # بينما نتحدث معا قادتني حتى الباب الموجود في نهاية الغرفة، ثم عبر ردهة مستشفى نظامي ~~حيث الأرضيات المغطاة بالمشمع، والطلاء الأخضر الباهت، ورائحة المطهر التي تفوح من ~~المكان. ~~«والآن بما أنك قد وصلت إلى هنا، يمكنني أن أجعل ريدي يحل محلي في قيادتك.» ~~«من هو ريدي؟» ~~«ريدي فوكس. إنه يبدو وكأنه آت من داخل كتاب. لقد بدأت أنا وأنابل لتونا نطلق عليه ~~ذلك.» ~~«من هي أنابل؟» ~~«إنها لا تعد موجودة الآن، لقد ms028 ماتت.» ~~«أوه، أنا آسفة.» ~~«لا عليك، إنه ليس خطأك، فهذا الأمر يحدث هنا دوما. لقد التحقت بالمدرسة الثانوية هذا ~~العام. لم تذهب أنابل للمدرسة مطلقا، وحينما كنت أنا في المدرسة الإعدادية كان ريدي يجعل ~~معلمة البلدة تتركني لأمكث فترات طويلة في البيت، وذلك حتى أكون في رفقتها.» # توقفت أمام أحد الأبواب الذي كان مواربا، وأطلقت صفيرا. ~~«مرحبا، لقد أحضرت المعلمة.» # قال صوت رجل: «حسنا ماري. تكفي صحبتك ليوم واحد.» ~~«حسنا. لقد سمعت ما تقول.» # انصرفت وأخذت تسير بخطى بطيئة، وتركتني في مواجهة رجل نحيف متوسط الطول، شعره ~~الأصفر المائل للحمرة مقصوص على نحو جعله قصيرا للغاية، وكان يلمع في الضوء الصناعي الآتي ~~من الردهة. # قال: «لقد التقيت بماري. إن لديها الكثير الذي يمكن أن تقوله عن نفسها، لكنها على أية ~~حال لن تكون في الفصل الذي ستدرسين له؛ لذا لن يكون عليك تحمل ذلك كل يوم، فالناس إما ~~يحبون طريقتها وإما لا تستهويهم على الإطلاق.» # بدا لي أنه يكبرني بنحو يقرب من عشرة أعوام إلى خمسة عشر عاما، وكان يتحدث إلي في ~~البداية بطريقة الرجل الأكبر سنا؛ كصاحب العمل المستقبلي المشغول الذهن دائما. سألني عن ~~رحلتي، والترتيبات الخاصة بشأن إحضار حقيبتي. كان يريد أن يعرف شعوري بصدد العيش هنا في ~~الغابة، وخاصة أنني كنت أقيم في تورونتو، وسألني إن كنت سأشعر بالملل نتيجة لذلك أم ~~لا. # قلت له إنني لن أشعر بذلك على الإطلاق، وأضفت أن المكان جميل. ~~«يبدو الأمر ... يبدو الأمر وكأنني داخل رواية روسية.» # نظر إلي باهتمام للمرة الأولى. ~~«أحقا هو كذلك؟ فأي رواية روسية إذن؟» # كانت عيناه باللون الأزرق الفاتح اللامع المائل للون الرمادي، وقد رفع أحد حاجبيه ~~الذي بدا وكأنه قبعة عسكرية صغيرة. # لم يكن الأمر أنني لم أقرأ روايات روسية على الإطلاق؛ بل إنني في الواقع قد قرأت بعضها ~~بالكامل، في حين أنني قرأت أجزاء من البعض الآخر. لكن بسبب ذلك الحاجب الذي رفعه، وتعبير ~~وجهه الذي شابه بعض اللطف والتحدي أيضا، لم أستطع أن ms029 أتذكر أيا من عناوين تلك ~~الروايات سوى رواية «الحرب والسلام»، ولم أكن أرغب في أن أذكر اسم تلك الرواية التي كان ~~سيذكرها أي شخص آخر كان في موقفي. ~~«الحرب والسلام.» ~~«حسنا ما لدينا فقط هنا هو السلام، لكن إن كنت متلهفة للحرب، فأعتقد أنه من الأحرى ~~أن تنضمي لواحدة من تلك الوحدات النسائية وتسافري عبر البحار.» # شعرت بالغضب والإهانة لأنني لم أكن في الواقع أتباهى بذلك أو أتعمد ذلك؛ كل ما هنالك أنني ~~أردت أن أعبر عن مدى تأثير ذلك المنظر الجميل في نفسي. # كان من الواضح أنه من أولئك الأشخاص الذين يعمدون طرح أسئلة شبيهة بالفخاخ للإيقاع ~~بك. # قال فيما يشبه الاعتذار: «كنت أتوقع أن تأتي إلى هنا معلمة عجوز. يبدو الأمر كما لو ~~أنه من حق أي فرد مؤهل بعض الشيء، وفي سن معقول، أن يعود إلى النظام هذه الأيام. إنك ~~لم تدرسي كي تصبحي معلمة، أليس كذلك؟ ما الذي تخططين لعمله عند حصولك على ~~البكالوريوس؟» # قلت في اقتضاب: «أعكف على تحضير رسالة ماجستير.» ~~«إذن، ما الذي جعلك تغيرين رأيك؟» ~~«أعتقد أنني بحاجة لبعض المال.» ~~«تفكير سليم، بالرغم من أنني أخشى أنك لن تجني الكثير من المال هنا. آسف لتطفلي، لكنني ~~فقط أردت أن أتأكد من أنك لن تغادري المكان فجأة. هل تعتزمين الزواج قريبا؟» ~~«لا.» ~~«حسنا، حسنا. إذن أنت ليس عليك أي التزامات الآن، هل أثبطت من عزمك؟» # أشحت بوجهي. ~~«لا.» ~~«عليك الذهاب لمكتب رئيسة الممرضات في الردهة بالأسفل، وستخبرك بكل ما تحتاجين لمعرفته. ~~ستتناولين طعامك مع الممرضات، وستخبرك أيضا بالمكان الذي ستنامين فيه. حاولي فقط ألا ~~تصابي بالبرد. لا أعتقد أن لك أي تجربة مع مرض السل؟» ~~«حسنا، لقد قرأت ...» ~~«أعلم، أعلم. لقد قرأت رواية «الجبل السحري».» # إنه شرك آخر، لكن بدا أنه قد تراجع، وقال: «لقد تغيرت الأمور وتقدمت بعض الشيء عن ~~ذلك، آمل في ذلك. لدي أشياء قد كتبتها بشأن الأطفال هنا ورأيي فيما يمكن أن تقومي به من ~~دور معهم. إنني في بعض ms030 الأحيان أفضل التعبير عن نفسي من خلال الكتابة. ستعطيك رئيسة ~~الممرضات كافة المعلومات الأساسية.» ~~••• # لم يمر أسبوع على تواجدي بالمكان حتى بدت كل أحداث اليوم الأول متفردة ولا يحتمل ~~تكرارها مرة أخرى؛ فالمطبخ وغرفة إيداع الملابس التابعة له حيث يحتفظ العمال بملابسهم ~~ويخفون سرقاتهم؛ أضحيا مكانين لم أرهما ثانية، وكان من المحتمل ألا أطأهما فيما بعد. ~~وبالمثل لم يكن من المسموح دخول حجرة الطبيب، وكانت حجرة رئيسة الممرضات هي المكان المناسب ~~لتلقي كل الاستفسارات والشكاوى وإعادة تنظيم الأمور العادية. كانت رئيسة الممرضات قصيرة ~~القامة ذات قوام ممتلئ، وبشرة وردية، وترتدي نظارة بلا إطار، وتتنفس بشيء من الصعوبة. وكان ~~أي شيء يطلبه المرء يثير دهشتها، ويسبب بعض الصعوبات من وجهة نظرها، لكنها في آخر ~~الأمر تقوم بالبت فيه أو توفره. كانت في بعض الأحيان تتناول طعامها في غرفة الطعام ~~الخاصة بالممرضات حيث كان يعد لها نوع من الحلوى، وكانت عادة ما تخلق جوا غير مريح ~~في المكان، ولكنها كانت تبقى معظم الوقت في غرفتها الخاصة. # كان يوجد إلى جانب رئيسة الممرضات ثلاث ممرضات أخريات معتمدات، ولم تكن أي واحدة منهن في ~~الثلاثينيات من العمر مثلي. عدن للعمل بعدما تجاوزن سن التقاعد حتى يؤدين واجبهن ~~أثناء فترة الحرب. وكان يوجد أيضا ثلاث ممرضات مساعدات كن يقاربنني في العمر أو كن ~~حتى أصغر سنا، ومعظمهن متزوجات أو مخطوبات أو يسعين للخطبة بوجه عام من رجال مجندين في ~~الجيش. كن يتحدثن طوال الوقت الذي لا توجد خلاله رئيسة الممرضات والممرضات، ولم ~~يبدين أدنى اهتمام بي؛ فلم تكن لديهن الرغبة في معرفة أي شيء عن تورونتو، بالرغم من أن ~~بعضهن يعرفن أشخاصا ذهبوا إلى هناك لقضاء شهر العسل، ولم يهتممن بمعرفة أي شيء يتعلق ~~بطريقة تدريسي أو عملي قبل أن آتي إلى هذا المكان. لكن هذا لا يعني أنهن كن يتسمن ~~بالوقاحة؛ فقد كن يمررن الزبد إلي أثناء الطعام (كن يطلقن عليها زبدا بينما ~~هي في الواقع بعض من السمن النباتي المختلط بالبرتقال، وتلون في ms031 المطبخ وذلك بحسب ~~الطريقة الوحيدة المتعارف عليها في تلك الأيام)، وقد حذرنني من تناول فطيرة الراعي حيث ~~قالوا إنها تحوي لحم مرموط خنزير الأرض. كل ما في الأمر أنهن كن لا يهتممن بكل ما يحدث في ~~أماكن لا يعرفنها، أو لأشخاص لا تربطهم بهن أي صلة، أو في أوقات لا يعرفنها؛ فهي ~~أشياء قد تسبب ضيقهن أو تعترض طريقهن. كن يغلقن الراديو وقت إذاعة الأخبار كلما سنحت ~~لهن الفرصة، ويحاولن سماع الموسيقى. ~~«أرقص مع فتاة جميلة ذات جورب مثقوب ...» # كان الممرضات والممرضات المساعدات يبغضن سماع إذاعة سي بي سي، التي نشأت على الاعتقاد ~~بأنها تنقل الثقافة والمعرفة للأماكن النائية. ومع ذلك فقد كن يشعرن بالإعجاب ~~والتبجيل تجاه الطبيب فوكس، ويرجع ذلك جزئيا إلى أنه قد قرأ العديد من الكتب. # كما قلن إنه ليس هناك أحد مثله يمكنه توجيه النقد بنحو لاذع إن أراد ذلك. # ولم أستطع أن أتبين إن كن يشعرن أن هناك علاقة تربط ما بين قراءته العديد من ~~الكتب وتوجيه النقد والتعنيف للآخرين. ~~••• ~~«مفاهيم علم أصول التدريس الأساسية مفتقدة هنا. البعض من أولئك الأطفال سيعاود دخوله ~~للعالم أو النظام من جديد، بينما لن يدخل البعض الآخر؛ لذا، من الأفضل ألا يوضعوا ~~تحت ضغط عصبي شديد؛ بمعنى لا مزيد من الاختبارات والحفظ وتصنيف الأشياء وكل هذا ~~الهراء. # لا يولي أي اعتبار تماما لموضوع الصفوف والتقييم. فمن كان بحاجة إلى التقييم فمن ~~الممكن أن يتم ذلك له فيما بعد أو يغفل ذلك تماما بالنسبة له؛ فكل ما يحتاج إليه ~~الأطفال في الواقع هو تعلم بعض المهارات البسيطة للغاية، ومجموعة من الحقائق، وما شابه ~~ذلك، تلك الأمور اللازمة للدخول في هذا العالم. وماذا عن الأطفال الذين يطلق عليهم ~~«الأطفال المتفوقون»؟ ذلك المصطلح الباعث على الاشمئزاز. إن كانوا يتمتعون ببعض الذكاء من ~~الناحية الأكاديمية، فيمكنهم اللحاق بالطلاب الآخرين بسهولة. # عليك أن تنسي تماما أمر أنهار أمريكا الجنوبية، وبالمثل الميثاق العظيم للحريات. # لا بأس من تعليم الرسم والموسيقى، وقص بعض الحكايات. # وممارسة الألعاب ms032 مسموح بها، لكن حذار من شدة الانفعال أو المنافسة. # يكمن التحدي في الابتعاد عن الشعور بالملل، وفي نفس الوقت تلافي الوقوع تحت ضغط عصبي؛ ~~فالملل هو لعنة المستشفيات. # إن لم توفر لك رئيسة الممرضات الأشياء التي تحتاجينها، فستجدين في بعض الأحيان أن ~~الحارس سيحضرها ويخفيها لك في مكان ما. # رحلة سعيدة.» ~~••• # تفاوتت أعداد الأطفال الذين يأتون الفصل؛ فتارة كان يأتي خمسة عشر طفلا، وتارة أجد ~~أن عددهم انخفض ليصل إلى ستة. وكانوا يأتون في أوقات الصباح فقط؛ أي من التاسعة صباحا حتى ~~وقت الظهيرة، بما في ذلك أوقات الراحة. وكان الأطفال يمنعون من الحضور إن ارتفعت درجة ~~حرارتهم، أو إن كانوا يجرون بعض التحاليل الطبية. كان يغلب عليهم الهدوء أثناء تواجدهم ~~في الفصل، وكان من السهل التعامل معهم والسيطرة عليهم، بيد أنهم لم يظهروا أي ~~اهتمام ملحوظ بما أقدمه لهم. لقد أيقنوا على الفور أنها مجرد مدرسة شكلية، وأنهم غير ~~ملتزمين فيها بتعلم أي شيء، تماما كما لم يكن مطلوبا منهم تعلم كيفية أداء ~~العمليات الحسابية أو القيام بالمهام التي تعتمد على الحفظ والاستظهار. لكن تلك الحرية لم ~~تصعب السيطرة عليهم، كما أنها لم تترك داخلهم أي إحساس بالملل بصورة مزعجة؛ إنما جعلت ~~منهم أشخاصا حالمين منصاعين للأوامر. كانوا يرددون الأغاني بصوت هادئ، ويمارسون لعبة ~~«إكس أو»، وكان هناك شبه شعور بالانكسار والإحباط داخل هذا الفصل الارتجالي الخالي من أشكال ~~الدراسة الفعلية. # عزمت على تنفيذ نصائح الطبيب، أو على الأقل تنفيذ بعضها، وخاصة فيما يتعلق بأن الشعور ~~بالملل هو العدو الأكبر. # كنت قد لمحت شكلا مجسما للكرة الأرضية في حجرة الحارس الضيقة، وطلبت إحضارها إلى ~~الفصل. وبدأت تدريس بعض المعلومات الجغرافية البسيطة؛ أسماء المحيطات والقارات وأشكال ~~المناخ. وسألت نفسي: لم لا أعرض معلومات عن الرياح والتيارات الهوائية، والدول والمدن، ~~ومدار السرطان ومدار الجدي؟ ولم لا أذكر أنهار أمريكا الجنوبية؟ وعرضت لهم بالفعل تلك ~~المعلومات. # كان يوجد بعض الأطفال الذين تعلموا تلك الأشياء من قبل، لكنهم بالكاد كانوا يتذكرونها؛ ~~فلقد تلاشى ms033 من أذهانهم ذلك العالم الذي يكمن خلف البحيرة والغابة. خيل إلي أنهم ~~شعروا بالبهجة، كما لو أنهم كانوا يقيمون علاقات صداقة مرة أخرى مع الأشياء التي كانوا ~~يعرفونها من قبل. لم أغرقهم بتلك المعلومات مرة واحدة بالطبع، وكان علي أن أتمهل ~~وأبسط الأشياء للأطفال الذين لم يتعلموا تلك الأشياء من قبل بسبب إصابتهم بالمرض في ~~عمر مبكر. # لقد نجحت في هذه المهمة واستطعت توصيل المعلومات في شكل لعبة يمارسونها؛ فقد ~~قسمتهم إلى فرق، وكنت أجعلهم يقولون أسماء الأشياء وأنا أحرك المؤشر هنا وهناك ~~سريعا على الشكل المجسم للكرة الأرضية. كنت أحرص على ألا يمتد شعورهم بالإثارة لفترة ~~طويلة. لكن في أحد الأيام مر الطبيب بجوار الفصل، وكان خارجا لتوه من عملية جراحية كان ~~يجريها في الصباح، وقد لمحني وأنا ألعب معهم هذه اللعبة. لم أستطع أن أتوقف مرة واحدة ~~وأوقف هذا الحماس، لكنني حاولت أن أهدئ من حدة المنافسة بين الأطفال. دخل وجلس بيننا، ~~وكانت تبدو عليه أمارات التعب والاستسلام؛ فلم يبد أي اعتراض، وبعد عدة دقائق انضم ~~إلينا، فراح يردد إجابات مضحكة، ولم تكن الإجابات خاطئة، بل خيالية. ثم راح شيئا ~~فشيئا يخفض من صوته؛ فأخذ يتمتم في البداية، ثم تحدث بصوت هامس، ثم لم يعد هناك ~~شيء يمكن أن يسمع منه على الإطلاق. ومن خلال هذه الطريقة، وهذا الأسلوب العبثي المثير ~~للضحك، تمكن من إحكام السيطرة على الفصل؛ وراح الأطفال جميعهم يقلدونه ويتحدثون بصوت ~~خافت، وكانت أعينهم مثبتة على شفتيه. # وفجأة أطلق زمجرة خفيفة جعلتهم جميعا ينفجرون في الضحك. ~~«لماذا تحملقون في هكذا بحق الجحيم. أهذا ما علمتكم إياه معلمتكم؟ أن تحدقوا ~~هكذا في الأشخاص الذين لا يسببون لأحد أي ضيق أو إزعاج؟» # ضحك معظم الأطفال، بينما لم يستطع البعض الآخر منع أنفسهم من النظر إليه وهو يقول ذلك. ~~لقد كانوا متعطشين لمثل هذ الأشياء المثيرة للضحك. ~~«هيا، توقفوا عن هذا، وتصرفوا على هذا النحو السيئ في مكان آخر.» # راح يعتذر لي فيما بعد عن اقتحامه الفصل بهذا ms034 الشكل، بينما شرحت أنا له الأسباب في جعل ~~هذا الدرس يبدو وكأنه يعرض في فصل حقيقي. # قلت في حماس: «بالرغم من أنني أتفق معك في شأن ضرورة تجنب الأشياء المسببة للضغط ~~العصبي ... أنا أتفق تماما مع ما أمليته علي من تعليمات، إلا أنني اعتقدت أنه ...» ~~«أية تعليمات؟ أوه، إنها مجرد أفكار جالت بذهني، ولم أكن أقصد قط أن تنفذ كما هي ~~حرفيا دون تغيير.» ~~«كنت أعني أنهم ما داموا لا يعانون من مرض شديد ...» ~~«أنا واثق من أنك على حق، ولا أعتقد أن في ذلك ضررا.» ~~«نعم وإلا بدا عليهم الفتور واللامبالاة.» # قال: «ليس ثمة داع لكل تلك التفسيرات.» ثم استدار مبتعدا. # ثم استدار نحوي مرة أخرى فيما يشبه الاعتذار الفاتر. # وقال: «يمكننا التحدث بشأن هذا في وقت لاحق.» # كنت أعتقد أن هذا الوقت لن يأتي مطلقا، وكان من الواضح أنه يراني شخصا أحمق يثير ~~الإزعاج. # ثم علمت فيما بعد من الممرضات المساعدات ~~أثناء وقت الغداء أن هناك طفلا توفي أثناء إجراء جراحة له هذا الصباح؛ لذا اتضح لي أنه ~~لم يكن لغضبي أي مبرر؛ ولهذا السبب شعرت أني كنت أتسم حقا بالحماقة ~~والغباء. ~~••• # لم أكن أؤدي أي عمل في فترة ما بعد الظهيرة كل يوم، وكان تلاميذي يذهبون للنوم في تلك ~~الفترة، وكنت أنا أميل لفعل نفس الشيء في بعض الأحيان. كانت حجرتي باردة، بل بدا كل جزء ~~في المبنى باردا، أكثر برودة من شقتي التي في طريق أفنيو، بالرغم من أن جدي وجدتي كانا ~~يشغلان جهاز التدفئة على درجة أقل، بدافع التوفير من أجل إعلان المصلحة الوطنية. كانت ~~الأغطية خفيفة؛ وبالقطع يحتاج من يعاني من مرض السل غطاء ثقيلا أكثر. # لكني لم أكن أعاني بالقطع من السل، ومن ثم كانوا يبخلون في تقديم الكثير من الأشياء ~~لأناس مثلي. # كان النعاس يغالبني لكني لم أستطع النوم؛ ففي الطابق الأعلى كنت أسمع الأصوات المزعجة ~~للأسرة المتحركة وهم ينقلونها إلى الشرفات المفتوحة حتى يتعرض الأطفال لهواء فترة ~~ما بعد الظهيرة البارد ms035 . # أما المبنى والأشجار والبحيرة فلم تبد لي ثانية كما رأيتها في أول يوم لي في هذا ~~المكان، حينما أسرني غموضها وخلفت أثرا بالغا في نفسي حينها؛ ففي ذلك اليوم شعرت ~~بأنني غير مرئية، أما الآن فبدا لي أن الأمر لم يكن حقيقيا قط. ~~«ها هي المعلمة. ما الذي تتطلع إليه؟» ~~«إنها تنظر صوب البحيرة.» ~~«لم؟» ~~«لا يوجد شيء أفضل لتفعله.» ~~«بعض الأشخاص محظوظون.» ~~••• # ذات مرة أغفلت وجبة الغداء، بالرغم من أنها جزء مما أتقاضاه من راتبي. ذهبت إلى ~~أمندسون، حيث تناولت الطعام في مقهى هناك. كانت القهوة المقدمة بديل القهوة بوستم، وأفضل ~~ما لديهم من سندوتشات هو السلمون المعلب، إن تواجد بالأساس، أما سلطة الدجاج فكان ~~ينبغي تفحصها جيدا خشية أن يكون بها شيء من الجلد والعظام، ومع هذا فقد شعرت براحة ~~أكبر في هذا المكان حيث لا يمكن لأحد أن يعرف من أنا. # وربما كنت مخطئة في هذا. # لم يكن بالمقهى حمام للسيدات؛ لذا كان علي الذهاب إلى الفندق المجاور والمرور أمام ~~باب الحانة المفتوح، تلك الحانة التي عادة ما تكون مظلمة، وصاخبة، وتنبعث منها رائحة ~~الجعة والويسكي، والدخان الكثيف للسجائر والسيجار الذي يغمرك ويخنقك. ومع هذا شعرت ~~بالراحة هناك أيضا؛ فلن تجد الحطابين - أولئك الرجال الذين يعملون في مصنع نشر الأخشاب - ~~يصرخون في وجهك كما يفعل الجنود والطيارون في تورونتو؛ لقد كانوا غارقين في عالم الرجال، ~~يقصون روايتهم بصوت عال، منهمكين لا يبالون بالبحث عن امرأة. ربما كانوا في الواقع أكثر ~~حرصا على الابتعاد عن صحبة النساء الآن أو إلى الأبد. # كانت لدى الطبيب عيادة في الشارع الرئيسي، وهي مبنى من طابق واحد؛ لذا فلا بد أنه كان ~~يقيم في مكان آخر، وقد سمعت عن طريق الممرضات المساعدات أنه لم يكن متزوجا. وفي الشارع ~~الجانبي الوحيد وجدت المنزل الذي كان يحتمل أنه منزله؛ كان مغطى بزخارف الجص، ذا نافذة ~~ناتئة تعلو الباب الأمامي، وكانت هناك مجموعة من الكتب المكدسة على حافة تلك النافذة. ~~كانت بالمكان مسحة من الكآبة ms036 ، إلا أنه كان يبدو منظما، مما يوفر قدرا من الراحة قد ~~يهفو إليه رجل وحيد، بل رجل وحيد يتسم بالتنظيم الشديد. # كانت المدرسة التي تقع في نهاية ذلك الشارع السكني مكونة من طابقين، ويدرس بالطابق ~~السفلي الطلاب حتى الصف الثامن، وبالطابق العلوي الطلاب حتى الصف الثاني عشر. لمحت ماري ~~هناك فيما بعد ظهيرة أحد الأيام، وكانت تشارك في اللعب مع أقرانها بإلقاء كرات من الثلج ~~بعضهم على بعض. كان من الواضح أنه فريق من الصبية ضد فريق من الفتيات. وحينما وقع بصرها ~~علي، صاحت قائلة: «مرحى، أيها المعلمة.» ثم قذفت بكرتي الثلج اللتين كانتا في يديها ~~بنحو عشوائي، وهرولت تعبر الطريق. قالت في إثارة وهي تلتفت وراءها: «أراكم في الغد.» ~~بدا كلامها بنحو أو بآخر وكأنه نوع من التحذير حتى لا يتبعها أحد. # قالت: «أنت في طريقك للعودة إلى المدرسة، أليس كذلك؟ وأنا كذلك. إنني عادة ما أذهب في ~~صحبة ريدي، لكنه يرجع في وقت متأخر جدا. وأنت؟ ماذا ستفعلين؟ هل ستستقلين ~~الترام؟» # رددت عليها بالإيجاب، فقالت ماري: «أوه، يمكن أن أريك الطريق الآخر، وهكذا توفرين ~~نقودك. إنه طريق الغابة.» # قادتني عبر طريق يمكن المرور به بالرغم من ضيقه، يعلو عن البلدة ثم يقطع الغابة ويمر ~~بمصنع نشر الأخشاب. # قالت: «هذا هو الطريق الذي يسلكه ريدي. قد يكون عاليا لكنه يصير قصيرا عندما تتجهين إلى ~~الأسفل نحو المصحة.» # مررنا في طريقنا بمصنع نشر الأخشاب، وكان يوجد بأسفلنا بعض الأشجار المقطوعة على نحو ~~عشوائي في الغابة، وعدد من الأكواخ الصغيرة التي بدا أنها مأهولة بالسكان، ويتضح ذلك من ~~خلال أكوام الحطب، وأحبال الغسيل، والدخان المنبعث منها. وفجأة، انطلق من أحدها كلب كبير ~~يشبه الذئب، وأخذ ينبح ويزمجر بصوت عال. # صاحت به ماري: «اسكت.» وصنعت على الفور كرة من الثلج وألقتها نحوه، فأصابت ما بين ~~عينيه؛ فاستدار سريعا متقهقرا للخلف، وأمسكت بكرة أخرى من الثلج استعدادا لإلقائها ~~نحو ردفيه. ظهرت امرأة ترتدي مئزرا من داخل الكوخ وراحت تصيح قائلة: «لقد كان من ms037 ~~الممكن أن تقتليه.» ~~«يا ليته مات!» ~~«سأجعل زوجي الضخم يمسك بك.» ~~«هذا لن يحدث مطلقا؛ فزوجك هذا لا يستطيع أن يضرب بعوضة.» # تبعهم الكلب لمسافة ما، في شبه تهديد لهم. # قالت ماري: «لا تقلقي أستطيع التعامل مع أي كلب، بل أراهن أنني أستطيع مواجهة دب ~~إن صادفنا واحدا ونحن في طريقنا.» ~~«ألا تكون الدببة في بيات شتوي في هذا الوقت من العام؟» # كنت أشعر بفزع شديد من ذلك الكلب، لكني تظاهرت باللامبالاة. ~~«بلى، لكن من يدري ماذا سيحدث. لقد ظهر أحدهم ذات مرة في الصباح الباكر، واختبأ وسط ~~القمامة في المصحة. استدارت أمي ووجدته أمامها؛ فأحضر ريدي بندقيته وقتله.» ~~«كان ريدي يأخذني أنا وأنابل لنتنزه باستخدام المزلجة، وكان يأخذ في بعض الأحيان أطفالا ~~آخرين. إن له صفيرا خاصا كان يطلقه فتفزع منه الدببة وتفر هاربة. لقد كان صفيره ~~عاليا بدرجة لا تحتملها الأذن البشرية.» ~~«حقا؟ أرأيت ذلك؟» ~~«لا، لم يكن من هذا النوع. أعني ذلك الصوت الذي يمكن أن يصدره من فمه.» # كنت أفكر في الأداء في الفصل. ~~«لا أدري، لربما كان ذلك حتى لا تفزع أنابل، لقد قال ذلك حينها. فلم تكن تستطيع التزلج، ~~فكانت تجلس على المزلجة ويجرها هو. كنت أجلس عادة خلفها، وأحيانا كنت أقفز على ~~المزلجة، وكان يقول: ما الذي أصاب ذلك الشيء، إنه يزن طنا؟ ثم كان يحاول أن يستدير للخلف ~~سريعا ليمسك بي، لكنه لم يستطع قط أن يفعل ذلك. ثم كان يسأل أنابل ما الذي جعل المزلجة ~~ثقيلة الوزن هكذا، ويسألها عما تناولته في وجبة الإفطار، لكنها لم تكن تخبره أبدا. وكنت ~~لا أفعل ذلك عندما يصطحب أطفالا آخرين؛ فالأمر لا يكون لطيفا إلا حينما نتواجد أنا وأنابل ~~فقط. لقد كانت أفضل صديقة يمكن أن أعرفها في حياتي.» ~~«وماذا عن الفتيات الأخريات في المدرسة؟ ألسن صديقاتك؟» ~~«إنني فقط ألهو معهن حينما لا يكون هناك أحد أتحدث إليه. إنهن لا يعنين أي شيء ~~لي.» ~~«كان عيد ميلادي أنا وأنابل في نفس الشهر؛ شهر يونيو ms038 . وفي عيد ميلادنا الحادي عشر ~~اصطحبنا ريدي إلى البحيرة في أحد القوارب، وعلمنا السباحة، أو بالأحرى كنت أنا من ~~يتعلم؛ فقد كان عليه دائما أن يمسك بأنابل وهو يعلمها السباحة؛ حيث لم يكن بمقدورها ~~السباحة بمفردها. وحين ذهب للسباحة بمفرده، ملأنا حذاءه بالرمال. وفي عيد ميلادنا الثاني ~~عشر لم نستطع أن نذهب لأي مكان كهذا، لكننا ذهبنا إلى منزله وصنع لنا كعكة بهذه المناسبة. ~~لم تستطع هي أن تتناول ولو قطعة صغيرة منها؛ لذا أخذنا في سيارته وأخذنا نلقي ~~ببعض قطع الكعك من نوافذ السيارة لإطعام طيور النورس التي أخذت تتصارع وتصرخ بجنون. ~~انفجرنا في نوبة من الضحك الشديد، وكان عليه التوقف بالسيارة وحمل أنابل خشية أن تصاب ~~بنوبة نزف.» # وأضافت: «بعد ذلك، لم يعد من المسموح لي رؤيتها؛ فلم تكن أمي تريد أن أخالط ثانية ~~أطفالا مصابين بالسل، لكن ريدي تحدث معها في هذا الأمر وأخبرها أنه سيمنعني عندما ~~تستدعي الحالة ذلك. وقد حدث هذا بالفعل فيما بعد وكدت أجن، ولكن لم يكن باستطاعة ~~أنابل أن تلهو ثانية حيث اشتد بها المرض. سأجعلك ترين قبرها، لكن ليس ثمة علامات فوقه ~~تميزه. سنضع أنا وريدي علامات عليه فيما بعد حينما يتسع وقته لذلك. لو كنا قد سرنا ~~مباشرة في خط مستقيم عبر الطريق بدلا من الانحراف للأسفل كما فعلنا، لكنا قد ذهبنا ~~للجبانة التي دفنت فيها، المخصصة لمن ليس لديهم من يأتون ليأخذوهم ويدفنوهم حيث ~~ينتمون.» # وفي تلك الأثناء هبطنا وسرنا على الأرض الممهدة مقتربين من المصحة. # قالت: «أوه، كدت أنسى.» وأخرجت حفنة من التذاكر. ~~«إنها من أجل عيد الحب. إننا سنمثل مسرحية بالمدرسة تحمل اسم «بينافور». علي بيع كل ~~تلك التذاكر التي بحوزتي، ويمكن أن تكوني أنت أول من يشتري مني. أنا سأمثل ~~فيها.» ~~••• # كنت محقة بشأن المنزل الذي رأيته في أمندسون؛ فقد كان منزل الطبيب بالفعل. لقد ~~دعاني إلى هناك لتناول العشاء. لقد كانت الدعوة وليدة اللحظة، وذلك عندما التقى بي في ~~الردهة. فربما لم يتذكر على نحو ms039 غير مريح قوله بأنه علينا أن نلتقي للحديث بشأن بعض أفكار ~~التدريس. # كان مساء اليوم الذي حدده للقاء هو نفس يوم عرض مسرحية «بينافور» التي اشتريت ~~تذكرتها من ماري، وأخبرته بذلك فقال: «في واقع الأمر، لقد ابتعت واحدة أنا الآخر. لكن ~~هذا لا يعني أنه علينا الحضور.» ~~«لكني تقريبا وعدتها أنني سأذهب.» ~~«حسنا، والآن يمكنك أن ترجعي في وعدك غير المؤكد هذا؛ فأنت لن تحتملي مشاهدتها، ~~صدقيني.» # فعلت كما قال بالرغم من أنني لم أر ماري لأخبرها. انتظرت حيث طلب مني، في الشرفة ~~المفتوحة خارج الباب الأمامي. كنت أرتدي أفضل ثيابي، الذي كان لونه أخضر داكنا، ومحاكا من ~~قماش الكريب، وأزراره تشبه حبات اللؤلؤ الصغيرة، وياقته مزينة بالدانتيل. وحشرت قدمي ~~في حذاء ذي كعب عال من جلد سويدي داخل حذاء الثلج العالي الرقبة. انتظرت لفترة بعد ~~الوقت المحدد وأنا أشعر بالقلق؛ أولا: كنت أخشى أن تخرج رئيسة الممرضات من حجرتها ~~وتلمحني، وثانيا: كنت أخشى أن يكون هو قد نسي موعدنا. # لكني لمحته يأتي من بعيد وهو يزرر معطفه، وحين اقترب، اعتذر عن التأخير. # قال: «دائما يجب علي الانتهاء من بعض الأشياء القليلة قبل ذهابي للمنزل.» ثم قادني تحت ~~ضوء النجوم الساطع، وسرنا حول المبنى حتى وصلنا إلى سيارته. # قال: «هل تستطيعين السير على نحو جيد؟» وعندما رددت بالإيجاب، لم يمد ذراعه نحوي ~~لمساعدتي، بالرغم من أني كنت أجد بعض الصعوبة في السير بهذا الحذاء ذي الجلد ~~السويدي. # كانت سيارته قديمة وفي حالة سيئة، كما هو حال بالنسبة إلى معظم السيارات في تلك الأيام، ~~ولم تكن بها وحدة للتدفئة. وعندما أخبرني أننا سنذهب لمنزله شعرت بالارتياح؛ فلا أدري كيف ~~كنا سنجلس وسط هذا الحشد من الناس الموجود في الفندق، وكنت قد تمنيت ألا أتناول ~~تلك السندوتشات التي تناولتها من قبل في المقهى. # وعندما وصلنا إلى منزله طلب مني ألا أخلع معطفي حتى يدفأ المكان بعض الشيء، وانهمك على ~~الفور في إشعال النيران في المدفأة التي تعمل بالخشب. # قال: «أنا اليوم الحارس ms040 والطاهي والخادم لك.» # ثم أردف قائلا: «سرعان ما ستجدين المكان باعثا على الراحة، ولن يستغرق مني إعداد ~~الطعام وقتا طويلا. لا داعي لعرض المساعدة؛ فأنا أفضل العمل بمفردي. أين تفضلين ~~الانتظار؟ بإمكانك إلقاء نظرة على الكتب الموجودة في الغرفة الأمامية، إن كنت ترغبين في ~~ذلك. سيكون المكان محتملا هناك وأنت ترتدين معطفك. إنني أضع مدفأة في كل مكان بالمنزل، ~~لكني لا أدفئ أي غرفة لا أستخدمها. ستجدين زر الإضاءة بمجرد دخولك من الباب. أعتقد أنك ~~لن تمانعي إن استمعت إلى الأخبار؟ إنها عادة قديمة لدي.» # اتجهت نحو الغرفة الأمامية، وشعرت أنني أنفذ الأوامر التي تقال لي بطريقة أو بأخرى، ~~وتركت باب المطبخ مفتوحا، فجاء من خلفي وأغلقه وهو يقول: «سأغلقه حتى يسري بعض ~~الدفء في المطبخ.» ثم عاد يستمع إلى صوت المذيع بإذاعة سي بي سي الدرامي على نحو متجهم، ~~والذي يحمل الكثير من الوقار وهو يعرض أخبار هذه السنة الفائتة من الحرب. لم أتمكن من ~~سماع ذلك الصوت منذ غادرت شقة جدي وجدتي، وكنت أفضل المكوث في المطبخ. لكن كانت هناك ~~أعداد كبيرة من الكتب التي يمكن الاطلاع عليها، ولم تكن الكتب مرصوصة فقط فوق الأرفف، ~~لكنها كانت أيضا فوق المقاعد والمناضد وعلى حافة النافذة، بل كانت مكدسة فوق الأرض ~~أيضا. وبعد أن ألقيت نظرة على العديد منها، توصلت إلى أنه يفضل شراء كميات كبيرة ~~من الكتب دفعة واحدة، وأنه ربما يكون منضما للعديد من نوادي الكتب. وجدت كلاسيكيات ~~هارفرد، والأعمال التاريخية لويل ديورانت وزوجته آريل؛ لقد كانت مشابهة لمجموعة الكتب التي ~~يمكن أن تجدها في مكتبة جدي. لم يكن هناك الكثير من كتب الشعر والأدب، بالرغم من تواجد بعض ~~الكلاسيكيات المبهرة الخاصة بالأطفال. # وقد وجدت كتبا عن الحرب الأهلية الأمريكية، وحرب البوير الثانية، والحروب النابليونية، ~~والحروب البيلوبونيزية، والحملات العسكرية ليوليوس قيصر، وكتب «استكشافات منطقة الأمازون ~~والقطب الشمالي»، و«شاكلتون علق في الجليد»، و«مصير فرانكلين»، و«جماعة دونر»، و«القبائل ~~المفقودة: المدن المدفونة في أفريقيا الوسطى»، و«نيوتن والخيمياء»، و«أسرار جبال ~~الهندوكوش». كانت ms041 نوعية الكتب تعكس شخصية تسعى وراء المعرفة وجمع الكثير من المعلومات ~~في مختلف المجالات؛ ربما ليس شخصا له أذواق محددة وثابتة لا تتغير في القراءة. # لذا عندما سألني: «أية رواية روسية؟» كان من المحتمل أنه ليست لديه ثقافة كبيرة كما ~~توقعت. # وعندما نادى قائلا: «الطعام جاهز.» وفتحت الباب، كنت قد تسلحت حينها بتلك الشكوك ~~الجديدة عن مدى معرفته ومعلوماته. # قلت له: «مع من تتفق نابهتا أم ستمبريني؟» ~~«ماذا تقولين؟» ~~«أعني في رواية «الجبل السحري» من كنت تهوى أكثر؛ شخصية نابهتا أم ستمبريني؟» ~~«لكي أكون أمينا، أنا أعتقد أنهما اثنان من الثرثارين، وأنت؟» ~~«شخصية ستمبريني أكثر إنسانية، لكن شخصية نابهتا أكثر إمتاعا وتشويقا.» ~~«هل أخبروك بذلك في المدرسة؟» # قلت بثبات: «لم أقرأها مطلقا حين كنت في المدرسة.» # رمقني بنظرة سريعة ثم رفع حاجبه. ~~«اسمحي لي أن أقول لك إنه إن كان هناك ما يجذب اهتمامك في تلك الكتب، فلك مطلق الحرية ~~في أن تأتي إلى هنا وقتما تشائين، وتقرئي ما يحلو لك وقت فراغك. وهناك مدفأة كهربائية يمكن ~~أن أديرها لك؛ حيث إنني أعتقد أنه لا دراية لك بالمدفأة التي تعمل بالخشب. ما رأيك في ~~هذا العرض؟ يمكن أن أصنع لك نسخة إضافية من المفتاح.» ~~«شكرا لك.» # كان طعام العشاء شرائح من لحم الخنزير، والبطاطس المهروسة، والبازلاء المعلبة. أما ~~التحلية ففطيرة تفاح جلبها من عند الخباز، كانت ستصبح أشهى إن فكر في تسخينها. # راح يسألني عن حياتي في تورونتو، ودراستي الجامعية، وعن جدي وجدتي، وقال إنه يعتقد أنني ~~نشأت على بعض القيم والأخلاقيات الصارمة. ~~«كان جدي رجل دين متحررا، وكان متأثرا بأفكار الفيلسوف الألماني بول ~~تيليتش.» ~~«وماذا عنك؟ هل أنت الحفيدة الصغيرة المسيحية المتحررة أيضا؟» ~~«لا.» ~~«حسنا، هل تعتقدين أنني وقح؟» ~~«هذا يعتمد على الصورة التي تحادثني بها؛ إن كنت تحادثني على أنك صاحب العمل، فأنت لست ~~كذلك على الإطلاق.» ~~«إذن، سأستمر في طرح بعض الأسئلة. هل لديك رفيق؟» ~~«نعم.» ~~«إنه في الجيش بحسب ما أعتقد، أليس كذلك؟» # قلت له إنه ms042 في سلاح البحرية. أدهشني اختياري الجيد هذا؛ حيث إنني لم أعرف يوما مكانه، ~~كما أنني لم أكن أتلقى منه خطابات بصورة منتظمة، لكني أعتقد أنه لم يستطع الحصول على ~~إجازة ليراني. # ذهب الطبيب وأحضر الشاي. ~~«على أي نوع من المراكب يوجد هو؟» ~~«الكورفيت.» كان هذا اختيارا جيدا أيضا؛ فبعد قليل، كان من الممكن أن أقول له إن ~~سفينته تعرضت للقذف ونسفت، وذلك كما يحدث دوما لهذا النوع من السفن. ~~«إنه لفتى شجاع. هل تريدين بعضا من السكر أو اللبن؟» ~~«شكرا، لا أريد أيا منهما.» ~~«هذا جيد لأنه ليس لدي أي منهما. أتدرين أن وجهك يفضحك تماما حينما تكذبين؛ حيث ~~يتورد بشدة ويشع حرارة؟» # إن لم يكن قد حدث ما يقوله من قبل في أثناء حوارنا، فقد حدث الآن؛ فقد شعرت بفورة ~~وحرارة تنبعثان من قدمي وتسريان عبر جسمي، وتدفق العرق بشدة أسفل الإبطين ~~وتمنيت ألا يتلف الثوب الذي ألبسه. ~~«إنني عادة ما أشعر بتلك الحرارة والفورة عندما أحتسي الشاي.» ~~«أوه، لاحظت ذلك.» # عزمت على مواجهته؛ فالأمور لن تزداد سوءا عما هي عليه. غيرت دفة الحوار وسألته ~~عن إجرائه للعمليات؛ فهل استأصل حقا رئتين، كما سمعت؟ # كان بمقدوره أن يجيب بسخرية واستعلاء أكثر، وهما ربما يمثلان مفهومه عن المشاكسة، ولكني ~~أظن أنه لو حدث ذلك بالفعل لارتديت معطفي وغادرت المنزل في ذلك البرد القارس. وربما فطن هو ~~إلى ذلك؛ لذا راح يتحدث عن عمليات رأب الصدر، وكيف أنها ليست سهلة على المريض مثل انكماش ~~الرئة أو انخماصها وغير ذلك من الأمور المعروفة جميعها حتى لدى أبقراط. كما أن استئصال أحد ~~فصوص الرئة أصبح أيضا أمرا معروفا وشائعا في الآونة الأخيرة. # قلت: «لكن ألا تفقد بعضا منهم؟» # لا بد أنه اعتقد أن الوقت مناسب للمزاح ثانية. # قال: «بالطبع، إنهم يهربون ويختبئون وسط أشجار الغابة، ونحن لا ندري إلى أين يذهبون، أو ~~إن كانوا يقفزون في البحيرة. أم أنك تقصدين أن منهم من يتوفى؟ هناك حالات لا تنجح. ~~نعم.» # لكنه أضاف أننا في ms043 طريقنا لاكتشافات كبيرة؛ فالطريقة التي تجرى بها العمليات ستصبح ~~قديمة كطريقة الفصد؛ فهناك عقار جديد في طريقه للظهور، وهو عقار الستربتوميسين، الذي كان ~~في مرحلة التجربة. وكانت هناك بعض المشكلات التي يسببها وهذا أمر طبيعي؛ فهو يؤدي إلى ~~تسمم الجهاز العصبي. لكن بالقطع ستكون هناك طريقة لتلافي ذلك. ~~«سيفقد بعض الجراحين أمثالي وظائفهم بسبب تلك الاكتشافات.» # غسل الأطباق وجففتها أنا، وقد وضع مئزرا حول خصري حتى لا يتسخ ثوبي، وعندما عقد ~~طرفي رباط المئزر جيدا، وضع يده أعلى ظهري. شعرت بضغطة يده وملمس أصابعه المتفرقة؛ ربما ~~كان يتفحص جسدي بطريقة ماهرة. وعندما أويت إلى الفراش في تلك الليلة، كنت لا أزال أستشعر ~~ضغطة يده هذه، وشعرت كيف أن قوتها قد زادت بدءا من إصبع الخنصر وحتى إصبع الإبهام. لقد ~~استمتعت بذلك؛ كان ذلك بالنسبة إلي في واقع الأمر شيئا أهم من تلك القبلة التي طبعها على ~~جبيني فيما بعد، في اللحظة التي سبقت مغادرتي لسيارته. كانت قبلة جافة سريعة ورسمية، ~~أعطاني إياها على عجل. ~~••• # رأيت مفتاح منزله ملقى على أرض غرفتي؛ فقد دسه من أسفل الباب عندما كنت خارج الغرفة، ~~لكني لم أستطع استخدامه على أية حال. لو أن أحدا آخر قدم لي ذلك العرض، لكنت قبلت ~~تلك الفرصة على الفور، خاصة إن كانت هناك مدفأة؛ لكن في تلك الحالة، فإن تعامله ~~السابق والمستقبلي سينزع كل الشعور العادي بالارتياح من الموقف، ويستبدل به نوعا من ~~المتعة المحدودة والمجهدة للأعصاب بدلا من أن تكون كبيرة؛ فلن أتوقف عن الارتعاد حتى ~~عندما لا تكون هناك برودة، ولا أدرى إن كنت سأستطيع قراءة ولو كلمة واحدة من تلك ~~الكتب. ~~••• # ظننت أن ماري قد تظهر كي توبخني بسبب عدم حضوري لمسرحية «بينافور»، وفكرت أن أقول ~~لها إنني لم أكن على ما يرام، وإنني قد أصبت بنزلة برد، لكني سرعان ما تذكرت أن نزلات ~~البرد كانت بالأمر الخطير في هذا المكان؛ حيث يستوجب ذلك ارتداء الأقنعة واستخدام المطهرات ~~والإقصاء . وسرعان ما أيقنت أنه لا فائدة ms044 من إخفاء زيارتي لمنزل الطبيب بأي حال من ~~الأحوال؛ فلم تخف الزيارة على أحد، حتى بالطبع عن الممرضات اللائي لم يتفوهن بكلمة ~~بشأنها، وذلك إما بسبب الغطرسة والتحفظ الشديدين من جانبهن، وإما لأن مثل هذه الأشياء لم ~~تعد تثير اهتمامهن، لكن الممرضات المساعدات تعمدن إغاظتي. ~~«هل استمتعت بطعام العشاء الليلة السابقة؟» # لكن كانت نبرة صوتهن ودودة، وبدا أن الأمر يروق لهن، وكأنما اتحد أسلوبي الغريب ~~مع طريقة الطبيب الغريبة التي يألفونها، بل يكنون لها أيضا كل احترام، وكان هذا شيئا ~~جيدا ويصب في مصلحتي. وارتفعت أسهمي في المكان؛ فقد أصبحت الآن - بغض النظر عما ~~كنت قبل ذلك - امرأة لها رجل يهتم بها. # لم تظهر ماري طوال الأسبوع. ~~••• ~~«موعدنا السبت القادم.» كانت تلك هي الكلمات التي قالها حتى قبل أن يشرع في تقبيلي، وهكذا ~~انتظرت ثانية عند الشرفة الأمامية، لكنه لم يتأخر عن موعده هذه المرة. استقللنا ~~السيارة حتى منزله، واتجهت أنا صوب الغرفة الأمامية بينما كان يشعل النيران في المدفأة، ~~ولمحت هناك المدفأة الكهربائية التي علاها الغبار. # قال: «إنك لم تقبلي عرضي. هل جال بخاطرك أنني لم أكن أعني ما أقول؟ إنني دائما أعني ~~ما أقول.» # قلت له إنني لم أرغب في الذهاب إلى البلدة خشية أن أقابل ماري. ~~«لأنني لم أحضر العرض المسرحي الذي قدمته.» # قال: «هذا إذا كنت سترتبين حياتك وفقا لما يناسب ماري.» # كانت قائمة الطعام هي تقريبا نفس القائمة السابقة؛ قطع لحم خنزير، وبطاطس مهروسة، وذرة ~~معلبة بدلا من البازلاء المعلبة. وقد سمح لي هذه المرة أن أساعده في المطبخ، بل طلب ~~مني أيضا أن أعد المائدة. # قال: «بمقدورك أن تعرفي أماكن الأشياء أيضا، وأعتقد أن كل الأشياء تقريبا في أماكنها ~~المنطقية.» # كان هذا يعني أنني يمكنني أن أراه وهو يعد الطعام أمام الموقد. تولد بداخلي تتابع ~~من الحرارة والبرودة وأنا أشاهده وهو يعمل في سلاسة وتركيز ويتحرك بخطوات قليلة ~~ومحددة. # لم نكد نبدأ في تناول الطعام حتى سمعنا قرعا على الباب. نهض من مكانه وجذب ms045 مزلاج ~~الباب، فوجدنا ماري تندفع إلى الداخل. # كانت تحمل صندوقا من الكرتون وضعته على المائدة، ثم خلعت معطفها وظهرت في رداء يمزج ~~بين اللونين الأحمر والأصفر. # قالت: «عيد حب سعيد، وإن كان متأخرا. بما أنك لم تأت لحضور العرض، فقد أحضرت أنا ~~العرض إليك. كما أحضرت لك هدية في هذا الصندوق.» # ساعدها توازنها الرائع على أن تقف على قدم واحدة، بينما ركلت إحدى فردتي حذائها ~~العالي الرقبة بالقدم الأخرى، وهكذا فعلت بالفردة الثانية؛ حيث غيرت الوضع ووقفت على ~~القدم الأخرى. ثم أزاحتهما بعيدا عن طريقها وراحت تثب وتدور برشاقة حول المائدة، وتشدو في ~~نفس الوقت بصوت يافع شجي، لكنه مليء بالحيوية، قائلة: # يدعونني باتركاب الصغيرة، # باتركاب الصغيرة المسكينة، # بالرغم من أني لا أدري لم يدعونني هكذا. # لكنهم لا يزالون يدعونني باتركاب # باتركاب الصغيرة المسكينة # عزيزتي باتركاب الصغيرة إنني ... # نهض الطبيب من مكانه حتى قبل أن تشرع ماري في الغناء. كان يقف أمام ~~الموقد منهمكا في تقليب شرائح اللحم الموضوعة داخل المقلاة. # صفقت لها قائلة: «يا له من ثوب رائع!» # وكان حقا هكذا؛ فقد كانت ترتدي تنورة حمراء وتنورة تحتية ذات لون أصفر زاه، ومئزرا ~~أبيض يهتز مع حركته، وصدرية مطرزة. ~~«لقد صنعته لي أمي.» ~~«وهل هي التي قامت بالتطريز أيضا؟» ~~«بالطبع، لقد ظلت مستيقظة حتى الرابعة صباحا حتى تستطيع الانتهاء منه في الليلة ~~السابقة على العرض.» # وراحت تقوم ثانية بحركات دائرية وتسير ببطء كي تعرضه أمامي. سمعت رنين صوت الأطباق وهو ~~يجذبها من فوق الأرفف، وصفقت ثانية بحماس. ولم تكن كلتانا تريد سوى شيء واحد فقط؛ وهو أن ~~يستدير الطبيب نحونا ويتوقف عن تجاهلنا. كنا نبغي أن يتفوه بكلمة واحدة لطيفة وإن كانت ~~على مضض. # قالت ماري: «انظري ماذا هناك أيضا من أجل عيد الحب.» ثم فتحت الصندوق الذي كان بداخله ~~بعض كوكيز عيد الحب، التي كانت كلها على شكل قلوب صغيرة ومغطاة بطبقة سكرية كثيفة ذات لون ~~أحمر. # قلت: «يا لروعتها!» وواصلت ماري رقصاتها وهي تغني قائلة: # أنا قبطان ms046 بينافور. # قبطان طيب حقا! # ولتعلموا أنكم طيبون بشدة، # فأنا أقود طاقما رائعا جدا. # استدار الطبيب نحونا أخيرا فحيته ماري. # قال: «حسنا، هذا يكفي.» # لكنها تجاهلته وواصلت قائلة: # ثم فلتهللوا ثلاثا، ثم مرة أخرى # من أجل قبطان بينافور الجسور ... ~~«قلت كفى.» ~~«من أجل قبطان بينافور الباسل ...» ~~«ماري نحن نتناول عشاءنا، وأنت لست بمدعوة، هل تفهمين ذلك؟ لست بمدعوة.» # هدأت أخيرا، بيد أن ذلك الهدوء لم يستمر إلا للحظة واحدة. ~~«ما هذا السخف؟ أنت لست بشخص لطيف على الإطلاق.» ~~«كما يمكنك أن تتخلي عن هذه الكوكيز؛ بل عليك أن تمتنعي عن تناول الكوكيز كلية؛ فأنت ~~في طريقك لأن تصبحي بدينة مثل الخنزير الصغير.» # امتعض وجه ماري بشدة وكانت على وشك البكاء، لكنها قالت بدلا من ذلك: «انظروا من الذي ~~يتحدث؛ فكل عين من عينيك تنظر في اتجاه مختلف.» ~~«يكفي هذا.» ~~«هما هكذا بالفعل.» # التقط الطبيب حذاءها العالي الرقبة ووضعه أمامها. ~~«ارتد هذا.» # فعلت ما قاله لها وكانت الدموع تملأ عينيها وراح أنفها يسيل، وأخذت تتنشق بقوة. ~~أحضر لها معطفها، لكنه لم يعاونها على ارتدائه بينما مدت هي يدها ووجدت طريقها إلى ~~أزراره. ~~«لقد نجحت في ارتدائه. والآن، كيف أتيت إلى هنا؟» # رفضت الإجابة. ~~«لقد جئت سيرا على الأقدام، أليس كذلك؟ أين أمك؟» ~~«تلعب اليوكر.» ~~«حسنا، يمكن أن أصطحبك إلى المنزل بسيارتي، حتى لا يكون هناك احتمال أن تندفعي باتجاه ~~كومة ثلجية وتسقطي وتتجمدي حتى الموت وأنت تشعرين بأنك ضحية.» # لم أتفوه بكلمة، ولم تنظر ماري نحوي ولو مرة واحدة؛ فقد كانت اللحظة صادمة ولا تحتمل ~~أي عبارات وداع. # وعندما ترامى إلى مسامعي صوت السيارة وهي تدور، شرعت في رفع الأطباق عن المائدة. لم ~~نتناول التحلية التي كانت فطيرة تفاح أيضا. ربما لم يكن يعرف نوعا آخر من التحلية، أو ~~ربما لم يكن لدى الخباز سوى ذلك الصنف فقط. # أخذت واحدة من الكوكيز التي على شكل قلب وتناولتها، كانت الطبقة السكرية شديدة ~~الحلاوة، ولم تكن لها نكهة الكريز أو التوت؛ مجرد سكر ولون ms047 أحمر صناعي. تناولت واحدة تلو ~~الأخرى. # كنت أعرف أنه كان يجب علي أن أودعها على الأقل، كان ينبغي أن أشكرها، لكن لم يكن ذلك ~~يمثل أهمية. حدثت نفسي قائلة إن ذلك لم يكن ليمثل أهمية في شيء، فالعرض الذي ~~أدته لم يكن من أجلي على أية حال، أو بالأحرى، جزء صغير منه فقط كان من أجلي. # لقد كان قاسيا معها. لقد صدمتني قسوته الشديدة تلك، وخاصة تجاه شخص في شدة الاحتياج ~~لمعاملة طيبة، لكنه فعل ذلك لأجلي، حسبما أرى؛ وذلك حتى لا يقتطع أحد جزءا من الوقت ~~الذي يمضيه معي. لقد أشبعت تلك الفكرة غروري، وشعرت بالخجل إزاء شعوري هذا، ولم أكن ~~أدري ماذا كنت سأقول له عند عودته. # لم يكن يريدني أن أتفوه بشيء، بل قادني نحو الفراش. هل كان هذا أمرا أعد له مسبقا، ~~أم أنه وليد اللحظة وقد كان مفاجئا له مثلما كان بالنسبة إلي؟ لم تبد عذريتي على الأقل ~~مثارا لدهشته على الإطلاق؛ فقد أحضر منشفة وواقيا ذكريا، وعزم على أن تسير الأمور ~~بسلاسة قدر المستطاع. ربما كانت رغبتي المحمومة بمنزلة مفاجأة لكلينا؛ فقد اتضح أن ~~الخيال قد يكون جيدا ومهما كاستعداد، مثله مثل التجربة تماما. # قال: «إنني أنوي الزواج منك.» # قبل أن يصطحبني إلى المنزل ألقى كل الكوكيز؛ ألقى كل تلك القلوب الحمراء وسط الثلوج من ~~أجل إطعام الطيور في ذلك الشتاء القارس. ~~••• # وهكذا تم الاتفاق بيننا على الأمر؛ فأصبحت خطوبتنا المفاجئة، بالرغم من تحفظه بعض ~~الشيء على تلك الكلمة، حقيقة واقعة يعرفها كلانا فقط، فلم يكن علي أن أكتب لجدي وجدتي ~~لأخبرهما بذلك. وكان الزفاف سيتم حالما يستطيع هو أن يأخذ راحة لمدة يومين متتاليين، وقال ~~إن حفل الزفاف سيكون بسيطا خاليا من أية بهرجة. وكان علي أن أتفهم أن فكرة إقامة حفل ~~زفاف هي فكرة لا تروق له وليس على استعداد لقبولها؛ ذلك لأن الحفل كان سيقام في حضور بعض ~~الأشخاص الذين لا تحظى أفكارهم باحترامه، والذين كانوا سيتغامزون علينا ويتصنعون الضحك ~~أمامنا. ms048 # ولم يكن يفضل أيضا الخواتم الماسية، وأخبرته أنني لم أكن لأرغب في واحد منها على ~~الإطلاق، وكنت كذلك بالفعل، لأنني لم أفكر فيه قط من قبل. أخبرني أن هذا شيء جيد؛ فقد ~~كان يعلم أنني لست من ذلك النوع من الفتيات التقليديات الحمقاوات. # وقال إن من الأفضل أن نتوقف عن تناول العشاء معا؛ ليس فقط بسبب الأحاديث التي ستدور ~~حولنا، لكن لأنه من الصعب الحصول على لحم يكفي فردين من خلال بطاقة طعام واحدة. ولم تكن ~~البطاقة الخاصة بي متاحة؛ حيث سلمتها للمسئولين عن المطبخ - أي لوالدة ماري - بمجرد ~~أن شرعت في تناول الطعام في المصحة. # فمن الأحرى ألا نجذب أنظار الآخرين إلينا. ~~••• # بالطبع ارتاب الجميع في وجود علاقة بيننا؛ فلقد أصبحت الممرضات الأكبر سنا ~~يعاملنني بود، حتى رئيسة الممرضات كانت تبتسم في وجهي ابتسامة واهنة تعبر عن ~~الامتعاض. وكنت أتأنق على نحو بسيط دون أن أقصد شيئا من وراء ذلك. وكنت أحيط نفسي ~~بإطار من السكينة والهدوء، وأتحدث دوما وأنا أخفض بصري. ولم يجل بخاطري مطلقا أن أولئك ~~الممرضات كن ينتظرن ليرين أي منعطف يمكن أن تأخذه تلك العلاقة، وأنهن كن على استعداد ~~أن يعدن إلى سابق عهدهن من التظاهر بالورع إن قرر الطبيب أن يهجرني. # أما الممرضات المساعدات، فقد كن في صفي بكل ما أوتين من قوة، وكن يمزحن بأنهن كن ~~يرين أجراس زفاف وهن يتطلعن إلى أوراق الشاي في قدحي؛ وذلك تيمنا بزفافي. # كان شهر مارس شهرا كئيبا ومزدحما بكثير من العمل في المستشفى. كانت الممرضات المساعدات ~~يقلن إنه دوما أسوأ الشهور وتحدث خلاله المشاكل والمتاعب. ولأسباب عدة، كان الناس يعتقدون ~~أنهم سيموتون فيه، وذلك على الرغم من أنهم استطاعوا تجاوز أزماتهم الصحية في فصل الشتاء. ~~ولو حدث أن تغيب أحد الأطفال في الفصل الدراسي، فلم أكن أدري حينها إن كان هذا معناه أن ~~حالته قد ازدادت سوءا على نحو مفاجئ، أم أنهم جعلوه يرتاح في سريره لأن هناك شكا في ~~إصابته بنوبة برد. كانت لدي سبورة ms049 متنقلة أدون على جوانبها أسماء الأطفال، ولم أعد ~~الآن أضطر لمحو أسماء الأطفال الذين كان يطول غيابهم؛ إذ كان يقوم بذلك بعض الأطفال ~~الآخرين دون أن يخبروني؛ فقد كانوا يتفهمون جيدا القواعد التي كان لا يزال علي ~~تعلمها. # وأخيرا سنح الوقت للطبيب بأن يقوم ببعض ترتيبات الزفاف؛ فقد دس رسالة قصيرة أسفل باب ~~حجرتي يخبرني فيها بأنه علي أن أستعد للزواج بحلول الأسبوع الأول من شهر أبريل؛ فقد ~~كان بمقدوره أخذ يومين راحة، ما لم تطرأ أي أزمات ومشاكل حقيقية في المستشفى. ~~••• # سنتجه إلى هنتسفيل. # سنذهب إلى هنتسفيل، وهي المدينة التي ستشهد زفافنا. # بدأنا ذلك اليوم الذي أثق تماما أنني سأظل أذكره طوال حياتي. أرسلت ثوبي الأخضر المصنوع ~~من قماش الكريب لكي ينظف تنظيفا جافا، ولففته بعناية ووضعته في حقيبة الرحلات ~~القصيرة؛ فقد علمتني جدتي ذات يوم حيلة للف الثياب بعناية، وهي أفضل من طيها ~~تلافيا لتجعدها. وهكذا اعتقدت أنه كان علي أن أغير ملابسي في أي حمام في مكان ما. ~~رحت أرقب الطريق لأرى إن كانت هناك بعض الزهور البرية التي ربما ظهرت قبل أوانها، وذلك ~~حتى أتمكن من قطف بعضها لأصنع منه باقة. هل كان سيوافق هو على أن أحمل باقة من الزهور؟ ~~لكن على أية حال كان الوقت مبكرا جدا حتى لنمو زهور أذريون الماء، ولم يكن المرء ليرى ~~شيئا على ذلك الطريق الخالي المتعرج سوى أشجار التنوب المارياني الرفيعة، ومساحات ممتدة من ~~نبات العرعر وبعض المستنقعات. وتناثرت بصورة عشوائية عبر الطريق بعض الكتل الصخرية التي ~~ألفت رؤيتها هنا، والتي كانت أرصفة صخرية مائلة من الجرانيت ملطخة باللون الأحمر. # كان الراديو يذيع موسيقى حماسية؛ حيث كانت قوات الحلفاء تتقدم أكثر فأكثر نحو برلين. ~~وقال الطبيب، الذي كان اسمه الأول أليستر، إنهم يتأخرون في تقدمهم حتى يسمحوا للروس أن ~~يدخلوا أولا. وأضاف أنهم سيندمون على ذلك. # والآن وبعد أن ابتعدنا كثيرا عن أمندسون، كان بإمكاني أن أناديه بأليستر. كانت هذه هي ~~أطول رحلة قطعناها معا بالسيارة، وقد أثارني ms050 تجاهله الذكوري لوجودي - الذي كنت أدري ~~تماما بأنه سرعان ما كان سينقلب إلى النقيض - وراقت لي مهارته الطارئة في القيادة. ~~وأثارتني أيضا حقيقة كونه جراحا بالرغم من أنني لم أكن لأعترف بذلك، ولكني كنت أعتقد في ~~تلك اللحظة أنني على استعداد لأن أسلم نفسي له في أي مستنقع، أو حتى في حفرة موحلة، أو ~~أن أشعر باحتكاك عمودي الفقري بأي من الصخور المترامية على جانبي الطريق، إن أراد هو ~~مضاجعتي. كنت أدرك أيضا أنه كان يجب علي أن أحتفظ بتلك المشاعر لنفسي. # تحولت للتفكير في المستقبل. توقعت بمجرد وصولنا إلى هنتسفيل أننا سنذهب إلى أحد ~~القساوسة، ونقف حينها جنبا إلى جنب في إحدى غرف المعيشة التي ستشبه في روعتها شقة جدي ~~وجدتي، وأجمل غرف المعيشة التي عرفتها طوال حياتي. إنني أتذكر تلك الأوقات التي كان ~~يستدعى فيها جدي ليقوم بطقوس الزفاف حتى بعد تقاعده، وكيف كانت جدتي تضع بعضا من البودرة ~~الحمراء على وجنتيها، وترتدي سترتها المزينة بالدانتيل ذات اللون الأزرق الداكن التي ~~تدخرها لمثل هذه المناسبات. # لكنني اكتشفت أن هناك طرقا أخرى للزواج، واكتشفت إحساسا بالنفور تجاه عريسي لم ~~أتبين كنهه؛ فهو لم يكن يريد أن يتم الزواج على يد أحد القساوسة، بل من المفترض أننا ~~كنا سنملأ في مبنى بلدية هنتسفيل نموذجين نتعهد فيهما أننا لسنا متزوجين، ونأخذ ~~موعدا للزواج على يد قاضي صلح في وقت لاحق من نفس اليوم. # حل موعد الغداء، وتوقف أليستر خارج مطعم يشبه تماما ذلك المقهى المتواجد في ~~أمندسون. ~~«هذا سيفي بالغرض.» # لكن نظرة واحدة إلى وجهي جعلته يغير رأيه على الفور. # قال: «أنت لا تريدين هذا، أليس كذلك؟ حسنا.» # وانتهى بنا الأمر إلى تناول الغداء في الشرفة الأمامية الباردة لأحد المطاعم الأنيقة التي ~~تعلن عن تقديم وجبات دجاج للعشاء. كان الطعام باردا جدا، ولم يكن ثمة أحد آخر يتناول ~~عشاءه سوانا، ولم يكن بالمكان أي صوت موسيقى آت من الراديو؛ فلم يوجد سوى رنين أدوات ~~المائدة وهي تصطك بعضها ببعض ونحن نحاول ms051 أن نقطع أجزاء الدجاج الجامدة العصية على المضغ. ~~كنت أثق تماما بأنه كان يحدث نفسه بأن المطعم الأول الذي اقترحه كان أفضل حالا بكثير ~~من ذلك المكان. # ومع هذا كان لدي من الشجاعة ما جعلني أسأله عن مكان حمام السيدات، وهناك أخرجت ثوبي ~~الأخضر وارتديته وسط ذلك الهواء البارد الذي كان يفوق في برودته هواء الشرفة الأمامية مما ~~يثبط من عزم المرء، ووضعت طلاء شفاه مرة أخرى، وأصلحت من هيئة شعري. # عندما عدت إلى الشرفة مرة أخرى نهض أليستر من مكانه لتحيتي وهو يبتسم ويمسك يدي بقوة ~~ويخبرني بمدى جمالي. # اتجهنا بخطى هادئة نحو السيارة مرة أخرى، وكان كل منا يمسك بيد الآخر. فتح لي ~~باب السيارة وأدخلني وذهب نحو الباب الآخر، ودلف للداخل واستقر خلف عجلة القيادة ووضع ~~المفتاح وأدار محرك السيارة، ثم ما لبث أن أوقفه ثانية. # كانت السيارة تقف أمام متجر الأدوات المعدنية. كانت هناك تخفيضات على مجارف إزالة الثلوج ~~حيث كانت تباع بنصف الثمن، وكانت لا تزال هناك لافتة تقول إنه يمكن شحذ المزالج بداخل ~~المتجر. # على الجانب الآخر من الطريق كان يوجد منزل خشبي مطلي بطلاء أصفر زيتي، كانت درجات سلمه ~~الأمامي متهالكة وغير آمنة للصعود، وقد ثبتت في مكانها باستخدام لوحين من الخشب ~~موضوعين على شكل حرف إكس. # كانت الشاحنة التي تقف أمام سيارة أليستر من طراز السيارات التي صنعت في فترة ما قبل ~~الحرب، وكانت ذات دواسة جانبية، وقد علت رفارفها طبقة من الصدأ. غادر المتجر رجل كان ~~يرتدي رداء عمل ودلف إلى الشاحنة، وبعد عدة محاولات ومقاومة من جانب المحرك أعقبتها ~~بعض الأصوات والاهتزازات، انطلق بها بعيدا. ظهرت الآن إحدى شاحنات التوصيل التي تحمل اسم ~~المتجر، وحاولت أن تقف في المكان الذي أصبح شاغرا الآن. لم تكن هناك مساحة كافية تتسع ~~لوقوفها، فغادر السائق الشاحنة واتجه نحونا وأخذ يطرق زجاج سيارة أليستر. تفاجأ ~~أليستر؛ ولو لم يكن يتحدث معي بجدية، لكان قد لاحظ المشكلة من قبل . فتح زجاج السيارة ~~وقال له الرجل ms052 إننا إذا كنا نركن في هذا المكان بغية شراء شيء من المتجر، فلا مانع، وإن لم ~~يكن الأمر كذلك، فهو يرجونا أن نترك المكان. # قال أليستر، ذلك الرجل الذي كان يجلس بجواري والذي كان يعتزم الزواج مني، أما الآن فلم ~~يكن ينوي الإقدام على ذلك: «لقد كنا على وشك الرحيل.» ~~«كنا!» لقد قال «كنا.» وللحظة توقفت عند تلك الكلمة، ثم دار بخلدي أنها قد تكون المرة ~~الأخيرة؛ المرة الأخيرة التي ستحتويني صيغة الجمع التي يتفوه بها. # لكن لم تكن كلمة «كنا» هي ما يهم، ولم تكن هي التي خبرتني بالحقيقة، لكنها النبرة ~~الذكورية التي كان يتحدث بها إلى السائق، بجانب اعتذاره الهادئ والمنطقي. كنت أتمنى الآن لو ~~نعود إلى ما كان يقوله قبل ذلك، عندما لم يلاحظ حتى تلك الشاحنة وهي تحاول أن تركن؛ فما ~~قاله حينها كان فظيعا، لكن إمساكه المحكم بعجلة القيادة وشروده وصوته كانت جميعها ~~أشياء تشي بما داخله من ألم. لم يكن يهمني ما قاله وما كان يعنيه؛ فقد كان حديثه نابعا ~~حينها من نفس المكان السحيق الذي تحدث منه عندما كان معي في الفراش، لكنه لم يكن هكذا ~~الآن بعدما تحدث إلى رجل آخر. أغلق زجاج السيارة وأولى اهتمامه للسيارة كي يخرجها ~~من تلك المساحة الضيقة وينقلها إلى مكان لا تحتك فيه بالشاحنة. # وبعد لحظة شعرت أنني كنت سأسعد حتى بالعودة إلى ذلك الوقت الذي أدار خلاله عنقه للخلف ~~كي يرى ما وراءه؛ فذاك أفضل من القيادة، حيث إنه كان يقود الآن، عبر شارع هنتسفيل الرئيسي ~~كما لو أنه لم يكن هناك المزيد ليقوله أو يقدمه. # قال حينها إنه لا يستطيع القيام بذلك. # أخبرني أنه لا يستطيع إتمام الأمر. # وليس بمقدوره شرح الأسباب. # إنه مجرد خطأ. # اعتقدت أنني لن أتمكن مطلقا من النظر إلى أي أحرف متعرجة تشبه تلك الموجودة في اللافتة ~~التي تشير إلى إمكانية شحذ المزالج بالمتجر، أو النظر إلى الألواح الخشبية القوية التي ~~تثبت على شكل حرف إكس كتلك المثبتة على درجات ms053 المنزل الأصفر المواجه للمتجر؛ دون أن أسمع ~~صوته. ~~«سأصطحبك بالسيارة إلى المحطة الآن، وسأشتري لك تذكرة إلى تورونتو، وإنني واثق من أن ~~هناك قطارا متجها إلى تورونتو في وقت متأخر من بعد ظهيرة اليوم. وسأختلق قصة مقبولة ~~جدا لأجعل أحدهم يحزم أشياءك، ولتعطيني عنوانك في تورونتو؛ فأنا لا أعتقد أنني قد ~~احتفظت به. أوه، وسأكتب توصية عنك؛ فقد أديت عملا جيدا. صحيح أنك لم تنهي الفصل ~~الدراسي على أية حال، لكني لم أخبرك بعد بأن الأطفال سينقلون؛ فكل أنواع التغييرات ~~الكبرى تتم في وقت واحد.» # تغيرت نبرة صوته لنبرة جديدة تعبر عن ثقة في النفس؛ نبرة قاسية من الارتياح. ~~كان يحاول أن يكبح جماح ذلك ولا يعبر عن ارتياحه حتى أنصرف. # أخذت أتطلع إلى الشوارع، وكان الأمر أشبه بمن يساق إلى مكان إعدامه. لا ليس بعد، بعد ~~فترة قليلة. ولم تكن هذه هي المرة الأخيرة التي أسمع صوته فيها. ليس بعد. # لم يكن بحاجة لأن يسأل عن الطريق، وتساءلت بصوت عال إن كان قد اصطحب العديد من ~~الفتيات إلى محطة القطار من قبل. # قال: «لا تنظري للأمور على هذا النحو.» # بدا لي كل منعطف نمر به وكأنه يحطم ما تبقى من حياتي. # كان هناك قطار متجه إلى تورونتو في الخامسة مساء. طلب مني أن أنتظر في السيارة بينما ذهب ~~هو كي يتحقق من الموعد. عاد وهو يحمل التذكرة في يده وخيل إلي أنه كان يخطو بخطوات ~~أكثر خفة، ولا بد أنه لاحظ ذلك؛ حيث أصبحت خطواته أكثر رصانة حين أخذ يقترب من ~~السيارة. ~~«إن الطقس لطيف ودافئ في المحطة، وهناك غرفة انتظار خاصة للسيدات.» # وفتح لي بعدها باب السيارة. ~~«أم تفضلين أن أنتظر وأودعك؟ ربما يكون هناك مكان يمكننا أن نتناول فيه فطيرة تفاح ~~شهية؛ فقد كان العشاء الذي تناولناه فظيعا.» # أثارني حديثه هذا بعض الشيء، فغادرت السيارة وتقدمته في السير نحو المحطة، وأشار إلى ~~غرفة انتظار السيدات. تفاجأ بما فعلت وحاول أن يمزح معي للمرة الأخيرة. ~~«ربما في يوم ms054 من الأيام تعتبرين أن هذا اليوم هو واحد من أكثر أيام حياتك ~~حظا.» ~~••• # وقع اختياري في غرفة الانتظار على مقعد كان يواجه أبواب المحطة الأمامية؛ حتى يمكنني ~~رؤيته إن عاد مرة أخرى؛ فربما يعود ليخبرني أن ما فعله كان مجرد مزحة، أو هو نوع من ~~الاختبار لي تماما كما يحدث في بعض المسرحيات التي تعود للقرون الوسطى. # أو ربما غير رأيه بعدما قاد سيارته عبر الطريق السريع، ورأى ضوء شمس الربيع وهي تلقي ~~بضوئها الخافت على الصخور التي كنا نشاهدها معا منذ وقت قريب، وبمجرد أن أدرك مدى حماقته ~~تراجع في منتصف الطريق وعاد إلي مسرعا. # مرت ساعة على الأقل قبل دخول قطار تورونتو إلى المحطة، لكنني بالكاد شعرت بما مر من وقت، ~~وما زالت الخيالات تجتاح عقلي إلى الآن. صعدت على متن القطار كما لو أن هناك قيودا تكبل ~~كاحلي. ألصقت وجهي بالنافذة وأخذت أتطلع إلى رصيف المحطة حيث كانت الصافرة تعلن عن ~~رحيل القطار. حتى في تلك اللحظة، قد لا يكون الأوان قد فات كي أقفز من القطار؛ أقفز بحرية ~~وأهرول عبر المحطة إلى الشارع حيث ركن سيارته لتوه وراح يصعد الدرج معتقدا هو الآخر ~~أن الوقت لم يفت، ويبتهل بألا يكون قد فات الأوان بالفعل. # وأركض كي ألتقي به، فلم يفت الأوان بعد. # ما كل هذا الهرج والصياح والصراخ الذي لم يكن صادرا عن شخص واحد بل مجموعة من الأشخاص ~~المتأخرين وهم يتخبطون بين المقاعد. كانوا مجموعة من فتيات المدرسة الثانوية في زيهن ~~الرياضي، ولم يأبهن بما يسببنه من إزعاج. شعر المحصل بالاستياء وحثهن على الإسراع ~~بالجلوس بينما كن يندفعن نحو مقاعدهن. # كانت ماري واحدة منهن، وأغلب الظن أنها كانت أعلاهن صوتا. # أدرت رأسي ولم أنظر نحوهن ثانية. # لكن ها هي تناديني باسمي وتريد أن تعرف أين كنت. # أخبرتها بأنني كنت في زيارة لإحدى صديقاتي. # ألقت بنفسها بجواري وأخبرتني بأنهن كن يلعبن مباراة في كرة السلة ضد فريق هنتسفيل، ~~وكانت المباراة ممتعة وقد خسرنها. # صاحت في سرور ms055 واضح: «لقد هزمنا، أليس كذلك؟» وهمهمت الفتيات في حزن وبعدها انفجرن في ~~الضحك. ثم ذكرت النتيجة التي كانت مخزية جدا بالفعل. # قالت: «إنك في كامل هيئتك.» لكنها لم تكترث كثيرا بما قلته، وبدا أنها لم تظهر ~~اهتماما حقيقيا بما قدمته من أسباب. # وبالكاد لاحظت أنني قلت إني ذاهبة إلى تورونتو كي أزور جدي وجدتي، فقط لتشير إلى أنهما ~~بالقطع طاعنان في السن. لم تتفوه بكلمة عن أليستر، حتى ولو كلمة سيئة. إنها لم تكن لتنسى ~~ما حدث، لكنها فقط طوت ذلك المشهد ووضعته في خزانة مع ما صادفته في حياتها من قبل، أو ~~ربما كانت من ذلك النوع من الأشخاص الذين بمقدورهم التعامل بعدم اكتراث مع أي ~~مهانة. # إنني ممتنة لها الآن حتى لو لم يكن بمقدوري أن أشعر بذلك حينها. إذا كنت قد سافرت ~~بمفردي، فماذا كان يمكن أن أفعل عندما نصل إلى أمندسون؟ ماذا لو قفزت وغادرت القطار ~~وهرعت إلى منزله وطلبت أن أعرف لم فعل ذلك، لم! كان سيصير عارا علي إلى الأبد. ~~أمهلت المحطة الفتيات بالكاد وقتا كافيا كي يلملمن أنفسهن وينقرن على النوافذ كي ~~ينبهن من جاءوا لتوصيلهن لأماكن وجودهن، بينما حذرهن المحصل من أنه إذا لم ~~يسرعن فسيحملهن القطار نحو تورونتو. ~~••• # ظللت لسنوات أعتقد أنه ربما ألتقي به مصادفة. لقد عشت وما زلت أعيش في تورونتو. كان ~~يخيل إلي أن كل شخص ينتهي به المطاف في تورونتو حتى ولو لفترة قصيرة، لكن ذلك كان ~~يعني أنك سترى ذلك الشخص لو أنك ترغب في هذا بأي حال من الأحوال. # وها هو قد حدث أخيرا. كنت أعبر طريقا مزدحما حيث لا يمكنك حتى أن تبطئ من خطاك، كنا ~~نسير في اتجاهين معاكسين. وقد كانت النتيجة، في نفس اللحظة، صدمة قوية ارتسمت على وجهينا ~~اللذين حفر الزمان آثاره عليهما بشدة. # رفع صوته قائلا: «كيف حالك؟» فأجبته: «بخير.» ثم أضفت قائلة: «وسعادة.» # في تلك اللحظة كان ذلك صحيحا بوجه عام فقط؛ فقد أنهيت لتوي شجارا مع زوجي بسبب ms056 سدادنا ~~دينا تراكم على واحد من أبنائه، وقد ذهبت فيما بعد ظهيرة ذلك اليوم إلى عرض في أحد ~~المعارض الفنية حتى أكون في حالة مزاجية أفضل. # رفع صوته مرة أخرى قائلا: «عظيم.» # ما زال يبدو وكأن بمقدورنا أن نشق طريقنا خارج ذلك الزحام ونكون معا في غضون لحظة، لكن ~~من المؤكد أن كلا منا كان سيستأنف السير في الطريق الذي كان ذاهبا إليه، وهكذا فعلنا. ~~ليس ثمة بكاء لاهث، ولا يد أشعر بها على كتفي عندما وصلت إلى الرصيف؛ لم يكن هناك سوى ~~ذلك البريق الذي رأيته للحظة عندما اتسعت حدقة إحدى عينيه، وقد كانت عينه اليسرى، ~~دائما هي العين اليسرى، حسبما أتذكر. كانت تبدو دائما غريبة جدا، يقظة وتشي ~~بالتساؤل، كما لو أن شيئا مستحيلا خطر بباله؛ شيئا جعله على وشك الضحك. # أما أنا، فقد كنت أحمل شعورا يماثل شعوري عندما غادرت أمندسون والقطار يحملني، وهو ~~الشعور بالذهول وعدم التصديق التام. # حقا لم يتغير شيء بشأن الحب. # | الرحيل عن مافرلي # في الأيام التي كانت فيها دار لعرض الأفلام في كل بلدة، كانت واحدة في تلك البلدة أيضا، ~~بلدة مافرلي، وقد أطلق عليها «كابيتل»، كما هو المعتاد في تسمية هذه الدور في تلك الفترة. ~~وكان مورجان هولي هو المالك والمسئول عن عرض الأفلام، وكان لا يحب التعامل مع الجمهور - فقد ~~كان يفضل الجلوس في مكتبه الصغير بالأعلى حيث يتولى عملية عرض الأفلام على الشاشة - ~~لذا فمن الطبيعي أن يصيبه الضيق عندما أخبرته الفتاة عاملة التذاكر أنها مضطرة إلى ترك ~~العمل لأنها تنتظر مولودا. ربما توقع ذلك - ~~فالفتاة متزوجة منذ ستة أشهر، وكان من المفترض في هذه الأيام أن تختفي المرأة عن أعين ~~الناس قبل أن يبدأ بطنها في الظهور - لكنه كان يبغض بشدة التغيير وفكرة أن تكون للأفراد ~~حياة خاصة، لدرجة جعلته يتفاجأ بشدة بالأمر. # لكن لحسن الحظ أنها أتت بفتاة يمكن أن تحل محلها، وكانت تلك الفتاة تقطن في ~~شارعها، وقد أخبرتها أنها ترغب في أن تحصل على وظيفة ms057 مسائية؛ إذ لم يكن باستطاعتها العمل في ~~الصباح لأنه يجب عليها أن تساعد أمها في العناية بإخوتها الصغار. كانت تتسم بالذكاء بدرجة ~~تجعلها تنجح في ذلك بالرغم من خجلها. # قال لها مورجان إن ذلك شيء جيد؛ فهو لا يعين عاملة تذاكر كي تثرثر مع رواد ~~المكان. # وهكذا عينت الفتاة، وكان اسمها ليا، والسؤال الأول والأخير الذي طرحه عليها مورجان كان ~~عن المصدر الذي اشتق منه اسمها، فأخبرته أنه مستوحى من الإنجيل. ثم لاحظ أنها لا تضع ~~أي مساحيق تجميل على وجهها، وأن شعرها ينساب بطريقة غير جذابة فوق رأسها، وأنها تثبته ~~ببعض دبابيس الشعر. انتابه القلق للحظات مما إذا كانت في السادسة عشرة من عمرها بالفعل، ~~وإن كان التحاقها بالوظيفة صحيحا من الناحية القانونية أم لا؛ لكن عندما نظر إليها عن ~~قرب رأى أنه من المرجح أن تكون هذه هي الحقيقة. أخبرها أنها ستعمل فترة عرض واحدة بدءا ~~من الثامنة مساء في كل أيام الأسبوع، ما عدا السبت الذي ستعمل فيه فترتي عرض بدءا من ~~السابعة مساء، وستكون مسئولة بعد غلق دار العرض عن عد الحصيلة وحفظها في مكان ~~آمن. # لم تكن هناك سوى مشكلة واحدة، فقد قالت إنه يمكنها أن ترجع إلى منزلها بمفردها كل أيام ~~الأسبوع ما عدا يوم السبت؛ إذ لن يسمح لها بذلك، ولن يكون بمقدور والدها أن يأتي ليصطحبها ~~لأنه هو نفسه يعمل في وظيفة مسائية في الطاحونة. # قال لها مورجان إنه ليس هناك ما يستدعي الخوف في مكان كهذا، وكان على وشك أن يلغي ~~تعيينها لولا أنه تذكر الشرطي الليلي الذي عادة ما كان يقطع دورياته كي يشاهد جزءا ~~صغيرا من الفيلم المعروض، والذي من الممكن أن يحمل على عاتقه مسئولية اصطحاب ليا إلى ~~منزلها. # قالت إنها ستخبر والدها بذلك. # وافق والدها، ولكن هناك اعتبارات أخرى يريد أن يطمئن بشأنها؛ فيجب ألا تشاهد ليا ما ~~يعرض على الشاشة من أفلام أو تستمع لأي من حواراتها؛ فالدين الذي تعتنقه العائلة لا ~~يسمح بذلك. رد مورجان ms058 على ذلك قائلا إنه لا يعين عمال التذاكر كي يشاهدوا ما يعرض ~~مجانا، أما الحوارات المدارة، فقد كذب بشأنها وقال إن قاعة العرض عازلة للصوت. ~~••• # التحق راي إليوت شرطي الدوريات الليلية بوظيفته تلك كي يعين زوجته في أعمالها، على ~~الأقل في جزء من النهار؛ فكانت تكفيه خمس ساعات نوم فقط في الصباح، ثم من الممكن أن يغفو ~~قليلا في وقت متأخر من فترة ما بعد الظهيرة، لكنه لم يكن يغفو عادة في ذلك الوقت إما بسبب ~~بعض المهام التي يجب عليه إنجازها، وإما لأنه يتجاذب أطراف الحديث مع زوجته التي كانت ~~تدعى إيزابيل. لم يرزقا بأطفال؛ لذا كانا من الممكن أن يتحدثا في أي وقت عن أي شيء. ~~كان يأتيها بأخبار البلدة التي عادة ما كانت تثير ضحكاتها، وكانت هي تخبره عن الكتب التي ~~تقرؤها. # شارك راي في الحرب بمجرد أن بلغ الثامنة عشرة من عمره، وقد اختار أن ينضم للقوات ~~الجوية التي تعد المرء، كما يقال، بأسرع وسائل الموت وأكثرها إثارة. كان يشغل موقع ~~مدفعي البرج الأوسط العلوي للطائرة المقاتلة - وهو موقع لم تستطع إيزابيل استيعابه بسهولة ~~- ولكنه نجا من الموت. وقبل أن تضع الحرب أوزارها، نقل إلى طاقم عمل جديد، وفي غضون ~~أسبوعين أسقط العدو طائرة طاقمه القديم الذي حلق بصحبته مرات عديدة وفقد جميع ~~أفراده. عاد إلى وطنه وهو يحمل في ذهنه فكرة مبهمة عن أنه يجب عليه أن يفعل شيئا ذا ~~قيمة بالحياة التي منحت له دون سبب معلوم، لكنه لم يدر ما هو هذا الشيء الذي عليه ~~فعله. # بداية، كان عليه أن ينهي دراسته الثانوية، وكانت قد تأسست في بلدته التي نشأ بها ~~مدرسة خاصة من أجل المحاربين العائدين من الحرب الذين كانوا يرغبون في إكمال دراستهم ~~الثانوية ويأملون في الالتحاق بالجامعة، وذلك بمنزلة تعبير من المواطنين عن امتنانهم لهم. ~~كانت إيزابيل مدرسة الأدب واللغة الإنجليزية، وكانت تبلغ من العمر ثلاثين عاما ~~ومتزوجة، وكان زوجها من المحاربين العائدين من الحرب أيضا، لكنه كان يفوق كثيرا ms059 في رتبته ~~كل الطلاب المتواجدين في فصلها. وكانت تنوي التدريس ذلك العام بدافع من الوطنية، ثم ~~تتقاعد بعد ذلك من أجل إنجاب طفل. وقد ناقشت هذا الأمر على الملأ مع طلابها الذين قالوا، ~~بعيدا عن مسامعها، بأن بعض الرجال يحالفهم الحظ عندما يتزوجون امرأة مثلها. # كان راي يكره أن يسمع ذلك النوع من الأحاديث، والسبب في هذا هو أنه وقع في حبها، وقد ~~وقعت هي الأخرى في حبه، وهو الأمر الذي بدا مفاجئا أكثر بدرجة كبيرة؛ لقد كان أمرا ~~منافيا للعقل بالنسبة إلى الجميع فيما عداهما. ووقع الطلاق بينها وبين زوجها، الذي كان ~~بمثابة فضيحة لعائلتها المرموقة وصدمة قوية لزوجها الذي رغب في الزواج منها منذ أن كانا ~~طفلين. لم يمر راي بوقت عصيب مثلها لأن عائلته لم تكن كبيرة، ومن أخبرهم بما حدث قالوا ~~له إنهم لا يرقوا لمستواه الآن حيث إنه سيصاهر عائلة كبيرة، وإنهم سيبتعدون عن طريقه في ~~المستقبل ولن يسببوا له أي مشاكل. وبالرغم من أنهم كانوا يتوقعون من جانبه أي نوع من ~~الإنكار أو الاطمئنان بسبب ذلك، فلم يحدث ذلك. يكفي ما قاله بنحو أو بآخر؛ الزمن كفيل بأن ~~يوجد بداية جديدة. قالت إيزابيل إنها يمكن أن تستمر في التدريس حتى ينتهي راي من دراسته ~~الجامعية ويحقق نجاحا في أي مجال يريد أن يعمل فيه. # لكن كان يجب أن يتغير ما خططا له؛ فلم تكن تشعر بأنها على ما يرام. في البداية ~~اعتقدا أنه قد يكون مجرد شعور بالتوتر. الاضطراب الداخلي. الانفعال الشديد. # ثم بدأ الشعور بالألم. كانت تشعر بالألم كلما تنفست بعمق؛ ألم أسفل عظام الصدر وفي ~~كتفها الأيسر. لكنها تجاهلته، وكانت تمزح قائلة إن الرب يعاقبها بسبب تلك المغامرة ~~الغرامية، وقالت إنه كان يهدر وقته لأنها حتى لم تكن تؤمن به. # كانت مصابة بمرض يسمى التهاب غشاء القلب. كان الأمر خطيرا، لكنها تجاهلته بالرغم من ~~تحذيرات الأطباء؛ فهو مرض لا شفاء منه، لكن بمقدورها أن تتعايش معه ببعض الصعوبة. ولم ~~يعد بمقدورها التدريس ms060 مطلقا مرة أخرى؛ فأي عدوى تصاب بها ستكون لها عواقب خطيرة، وأي ~~مكان تكون العدوى فيه أكثر انتشارا من الفصل الدراسي؟ ولم يكن هناك أحد الآن لمساندتها سوى ~~راي، وقد حصل على وظيفة شرطي في تلك البلدة الصغيرة التي تسمى مافرلي التي تقع على ~~الحدود بين مقاطعتي جراي وبروس، ولم يمانع في شغل تلك الوظيفة، وبعد فترة لم تعد ~~تبالي هي الأخرى بشبه العزلة التي كانت تحيا فيها. # كان هناك شيء واحد لم يتحدثا بشأنه؛ فطالما تساءل كل منهما إذا ما كان الآخر يبالي ~~بعدم مقدرته على إنجاب الأطفال. وقد خطر ببال راي أن خيبة الأمل هذه قد تكون لها علاقة ~~برغبة إيزابيل في سماع كل شيء عن الفتاة التي كان يجب عليه اصطحابها إلى منزلها في ليالي ~~السبت. ~~«هذا شيء يبعث على الأسى.» قالت ذلك عندما علمت بأنه محظور على الفتاة أن تشاهد ~~الأفلام، بل شعرت أيضا بمزيد من الاستياء عندما أخبرها بأن الفتاة أجبرت على ترك ~~مدرستها الثانوية كي تساعد في أعمال المنزل. ~~«وتقول إنها تتسم بالذكاء؟» # لم يتذكر راي أنه قال ذلك؛ فكل ما قاله إنها خجولة بدرجة غريبة؛ لذا كان عليه خلال سيرهما ~~معا أن يقدح زناد فكره حتى يعثر على موضوع يصلح للحوار، ووجد أن بعض الأسئلة التي ~~فكر فيها لن تكون مجدية؛ أسئلة مثل: ما المادة المفضلة لديك في المدرسة؟ فقد رأى أن ~~الإجابة على مثل هذا السؤال كان سيعود بهما إلى الماضي، وأنه لم يعد يجدي الآن إن ~~كانت تفضل أيها أم لا. أو ما المهنة التي تريدين أن تعملي بها حين تكبرين؟ إنها عمليا ~~الآن كبيرة بدرجة كافية، وعليها الآن أن تقوم بأعمال شاقة، سواء أرادت ذلك أم لم ترد. ~~أما سؤالها عما إذا كانت تروق لها تلك البلدة، وما إذا كانت تفتقد المكان الذي كانت تعيش ~~فيه، فكان سؤالا بلا جدوى. وتطرقا في حديثهما بالفعل، دون إسهاب، إلى أسماء الأطفال ~~الأصغر سنا في عائلتها وأعمارهم ، وعندما تساءل إن كان لديها كلب ms061 أو قطة، أخبرته بأنها لا ~~تربي أيا منهما. # وأخيرا طرحت هي سؤالا على مسامعه، فسألته عما كان يثير ضحك الحاضرين في الفيلم الذي ~~كانوا يشاهدونه في تلك الليلة. # لم يكن يعتقد أنه يجب أن يذكرها بأنها ليس من المفترض أن تسمع شيئا، لكنه لم يستطع ~~تذكر ما هو ذلك الشيء الطريف الذي من الممكن أن يكون قد أثار الضحكات؛ لذا قال لها لا بد ~~أنها لقطة سخيفة؛ فالمرء لا يمكنه معرفة السبب الذي يثير ضحك الجمهور. وقال إنه لا يولي ~~كامل تركيزه للأفلام المعروضة؛ فهو لا يرى سوى لقطات متفرقة فقط منها، ونادرا ما يتابع ~~حبكاتها. # قالت: «الحبكات.» # اضطر أن يخبرها بمعنى تلك الكلمة؛ وهو أن كل الأفلام لها قصص تحاول سردها. ومنذ ذلك الوقت ~~لم تكن ثمة مشكلة في فتح باب الحوار بينهما، ولم يكن بحاجة أيضا إلى أن يحذرها من أنه ~~قد لا يكون من الحكمة أن تردد في المنزل أيا مما يقصه على مسامعها. وقد أدركت ذلك. ~~لم يكن لزاما عليه أن يقص على مسامعها أي قصة بعينها، وهو أمر يستطيع بالكاد أن يفعله ~~على أية حال، بل مجرد أن يشرح لها أن القصص كانت تدور في العادة حول مجموعة من المحتالين ~~والأبرياء، وأن هؤلاء المحتالين ينجحون بوجه عام في البداية في ارتكاب جرائمهم ويخدعون ~~بمظهرهم الكاذب الأشخاص الذين يغنون في الملاهي الليلية (والتي تشبه صالات الرقص)، أو ~~يخدعون أحيانا - لسبب لا يعلمه إلا الرب - الذين يغنون فوق قمم الجبال، أو في أي أماكن ~~خارجية أخرى بعيدة الاحتمال، ويحتالون عليهم. أحيانا، تكون الأفلام بالألوان. ويرتدي ~~الممثلون ملابس فاخرة إن كانت القصة تدور في الماضي، ويبالغ هؤلاء الممثلون في أداء ~~المشاهد التي يقتل فيها كل منهم الآخر، وتنسال الدموع على وجنات السيدات، التي هي في ~~حقيقة الأمر قطرات جليسرين. وربما يحضر القائمون على الأفلام حيوانات من حدائق الحيوان ~~لتكون بمنزلة حيوانات الغابة، ويثيرون غضبها في أغلب الأحوال حتى تكون ردود أفعالها أكثر ~~ضراوة. وينهض الأشخاص الذين قتلوا بأساليب ms062 متنوعة في اللحظة التي تبتعد عنهم فيها ~~الكاميرات، ويكونون أحياء وبصحة جيدة بالرغم من رؤيتهم لتوهم وهم يتلقون طلقات رصاص، ~~أو فوق مقصلة الإعدام حيث تتدحرج رءوسهم بعدها إلى إحدى السلال. # قالت إيزابيل: «كان عليك ألا تعقد لها الأمور هكذا؛ فأنت هكذا قد تجعل الكوابيس ~~تهاجمها.» # قال راي إن هناك ما أثار اندهاشه في تلك الفتاة؛ فقد كانت لديها قدرة كبيرة على تفهم ~~الأمور واستيعابها بدلا من أن تنزعج أو تشعر بالارتباك؛ فهي على سبيل المثال لم تسأل قط ~~عن شكل مقصلة الإعدام أو تبد مندهشة من فكرة وضع الرءوس بها. وأخبر إيزابيل بأن هناك ~~شيئا ما في تلك الفتاة؛ شيئا يجعلها ترغب في استيعاب كل ما يقصه المرء على مسامعها بدلا ~~من مجرد الشعور بالدهشة أو الإثارة حياله. وقد اعتقد بنحو ما أنها كانت تنأى بنفسها عن ~~عائلتها، ولكن هذا لا يعني أنها كانت تزدريهم أو تقسو عليهم، لكن كل ما في الأمر أنها لم ~~تكن تمنحهم سوى الحد الأدنى من الاهتمام. # لكنه قال بعد ذلك ما جعله أكثر أسفا مما لو عرف السبب. ~~«ليس لديها الكثير لتتطلع إليه على أي صعيد.» # قالت إيزابيل: «حسنا، يمكننا أن نختطفها إذن.» # فحذرها هو من الحديث على هذا النحو، وطلب منها أن تكون جادة. ~~«لا تحاولي حتى التفكير في هذا.» ~~••• # قبل حلول عيد الميلاد بوقت قصير (وعلى الرغم من أن برد الشتاء قد هجم بضراوة حينئذ)، جاء ~~مورجان إلى قسم الشرطة في نحو منتصف الليل ذات ليلة في وسط الأسبوع ليقول إن ليا قد ~~اختفت. # فقد باعت التذاكر كالمعتاد، وأغلقت نافذة التذاكر، ووضعت النقود في مكانها المعتاد، ~~واتجهت صوب منزلها وذلك على حد علمه. وقد أغلق المكان بعد انتهاء العرض، لكنه عندما خرج ~~ظهرت له امرأة لا يعرفها وسألته عما حدث لليا. كانت هذه المرأة هي الأم؛ والدة ليا. كان ~~الأب لا يزال في عمله بالطاحونة، وخمن مرجان أنه قد يكون قد طرأ على ذهن الفتاة أن تذهب ~~إليه في عمله. بدا ms063 أن الأم لا تعي ما يتحدث عنه؛ لذا قال لها إنه يمكنهما أن يذهبا إلى ~~الطاحونة ليعرفا إن كانت الفتاة قد ذهبت إلى هناك أم لا، ولكنها بكت وتوسلت إليه ألا ~~يفعلا ذلك؛ لذا اصطحبها مورجان بالسيارة إلى منزلها معتقدا أنه يمكن أن تكون الفتاة قد ~~عادت للمنزل الآن، لكن لسوء الحظ لم يحدث ذلك؛ لذا اعتقد أنه من الأحرى أن يذهب ويخبر راي ~~بما حدث. # ولم ترق له فكرة أن ينقل خبر اختفاء الفتاة إلى الأب. # قال راي إن عليهما أن يذهبا إلى الطاحونة على الفور؛ فهناك احتمال ضئيل أن تكون هناك، لكن ~~عندما وصلا إلى مكان عمل الأب، لم يكن يعرف عنها شيئا، وقد استشاط غضبا لخروج زوجته على ~~هذا النحو بينما لم يأذن لها أن تغادر المنزل. # سأل راي عن صديقاتها ولم يندهش عندما علم أنها ليس لديها أي صديقات، ثم طلب من مورجان أن ~~يعود إلى منزله، وذهب هو بنفسه إلى منزل الفتاة حيث وجد الأم في حالة كبيرة من الذهول ~~تماما كما وصفها مورجان. كان الأطفال لا يزالون مستيقظين، أو بعض منهم، واتضح أيضا أنهم ~~كانوا عاجزين عن الكلام، وكانوا يرتجفون إما من الخوف وريبهم من وجود شخص غريب بالبيت، وإما ~~من البرد الذي لاحظ راي أنه كان يتزايد حتى في داخل المنزل. قد يكون الأب قد وضع قواعد ~~صارمة بشأن التدفئة أيضا. # كانت ليا ترتدي معطفها الشتوي، وكان ذلك أقصى ما علمه منهم. كان يعرف ذلك المعطف البني ~~الفضفاض ذا المربعات، وخمن أنه كان سيمنحها الدفء لفترة على الأقل. في الفترة ما بين ~~ذهاب مورجان إلى قسم الشرطة وحتى الآن، كانت الثلوج قد بدأت تتساقط بغزارة نوعا ~~ما. # عاد راي إلى المنزل عندما انتهت ورديته الليلية، وقص على إيزابيل ما حدث، ثم خرج مرة ~~أخرى ولم تحاول أن تمنعه. ~~••• # وبعد ساعة، عاد دونما أي نتائج، وذاعت الأخبار بأنه من المحتمل غلق الطرق بسبب هبوب ~~أول عاصفة ثلجية كبيرة في هذا الشتاء. # وبحلول الصباح، كان ms064 هذا ما حدث بالفعل؛ فقد أغلقت شوارع البلدة لأول مرة في ذلك العام، ~~وكان الشارع الرئيسي هو الوحيد الذي حاولت جرافات الثلوج أن تبقيه مفتوحا. كانت كل ~~المتاجر تقريبا مغلقة، وقد انقطعت الكهرباء في ذلك الجزء من البلدة الذي تعيش فيه عائلة ~~ليا، ولم يكن ثمة شيء يمكن فعله حيال ذلك مع تحريك الريح الأشجار لأسفل بقوة، حتى بدا ~~الأمر وكأنها كانت تحاول كنس الأرض. # خطرت لشرطي دورية الصباح فكرة لم تدر بخلد راي؛ لقد كان أحد رعايا الكنيسة المتحدة، ~~وكان يعلم، أو زوجته على الأحرى هي التي كانت تعلم، أن ليا تقوم بكي الملابس كل أسبوع ~~لزوجة القس، وقد ذهب هو وراي إلى منزل القس ليريا إن كان هناك أحد يعلم شيئا يمكن أن ~~يفسر اختفاء الفتاة، لكن لم تكن هناك أية معلومات عن ذلك، وبعد أن كان هناك بصيص من أمل، ~~بدا أن عملية البحث أضحت حتى أكثر صعوبة من ذي قبل. # أصاب راي بعض الدهشة من أن الفتاة كانت تمارس عملا آخر ولم تذكر شيئا عنه. وعلى الرغم ~~من ذلك، ومقارنة بعملها في دار عرض الأفلام، فإنه ليس بالعمل الذي يمكنها من التعرف ~~أكثر على العالم الخارجي. # حاول أن ينام في وقت ما بعد الظهيرة، وبالفعل غفا لمدة ساعة أو نحو ذلك. حاولت إيزابيل ~~أن تفتح مجالا للحديث على العشاء، لكن الحوار لم يستمر؛ فكان حديث راي يعود ليدور مرة ~~أخرى حول زيارة القس، وكيف أن زوجته أظهرت تعاونا واهتماما بقدر المستطاع، بيد أن ~~القس لم يتصرف بالطريقة التي قد يتوقعها المرء من رجل في مكانته؛ لقد فتح لهما الباب ~~وأجابهما بنفاد صبر كما لو أنهما قاطعاه وهو يكتب موعظته أو شيئا ما. نادى زوجته وعندما ~~حضرت كان عليها أن تذكره بمن تكون الفتاة، فقالت له: هل تذكر الفتاة التي تأتي لتساعد في ~~أعمال الكي؟ ليا؟ ثم قال إنه يأمل بأن تكون هناك أخبار عنها في القريب العاجل، بينما كان ~~يحاول أن يغلق الباب في وجه الريح. ms065 # قالت إيزابيل: «حسنا، ما الذي كان بإمكانه فعله أكثر من ذلك؟ أن يصلي من أجلها؟» # اعتقد راي أن هذا لن يضر في شيء. # قالت إيزابيل: «كان سيسبب هذا الحرج للجميع، ويظهر عدم جدوى ما يقوم به.» ثم أضافت ~~أنه ربما يكون قسا مسايرا للعصر ويميل أكثر للأشياء الرمزية. # كان لا بد من إجراء بعض عمليات البحث، بغض النظر عن حالة الطقس؛ فكان هناك عدد من ~~الأكواخ الخلفية وكذلك إسطبل قديم للخيل لم يستخدم منذ سنوات، يجب اقتحامها وتفتيشها ~~بدقة حيث يحتمل أن تكون قد أوت إلى أي منها. ولكن لم يعلن عن أي نتائج، وأخطرت ~~الإذاعة المحلية بأمر الاختفاء، وقد أذاعت وصفا دقيقا لها. # واعتقد راي أنه إذا كانت ليا قد أوقفت إحدى السيارات المارة على الطريق لتسافر فيها، ~~فإنها بذلك تكون قد ركبتها قبل هبوب العاصفة، وهو أمر يمكن أن يكون جيدا أو سيئا. # قالت الإذاعة إنها كانت أقل من الطول المعتاد بقليل، في حين أن راي كان يرى أنها ~~تجاوزت الطول المعتاد بقليل؛ وإنها ذات شعر مسترسل يتوسط لونه بين البني الفاتح والبني ~~الداكن، بينما كان يرى راي أن شعرها بني داكن جدا يكاد يقترب من اللون الأسود. # لم يشارك والدها في عمليات البحث؛ ولا أي من إخوتها. بالطبع لن يشاركوا؛ فالأولاد كانوا ~~يصغرونها ولا يغادرون المنزل مطلقا دون موافقة والدهم على أية حال. وعندما ذهب راي إلى ~~منزلها سيرا على الأقدام واتجه ليقرع الباب، فتح بالكاد، ولم يتوان والدها عن أن يقول ~~له إن ابنته أغلب الظن قد هربت، وأن عقابها ليس في يده الآن بل هو بيد الرب. ولم يدع راي ~~للدخول إلى المنزل ويستشعر بعض الدفء؛ فربما ما زال المنزل خاليا من أي نوع من أنواع ~~التدفئة. # سكنت العاصفة بالفعل في منتصف اليوم التالي تقريبا، وظهرت جرافات الثلوج وجرفت الثلج من ~~شوارع البلدة، وقد فعلت جرافات المقاطعة نفس الشيء في الطريق السريع، وأخطر السائقون ~~بأن ينتبهوا؛ فقد يكون هناك شخص متجمد وسط أكوام الثلوج. # وفي ms066 اليوم التالي، وصلت سيارة البريد وكانت تحمل خطابا، ولم يكن الخطاب موجها لأي ~~فرد من عائلة ليا، بل كان من أجل القس وزوجته. كان الخطاب مرسلا من ليا تخبرهم فيه أنها ~~قد تزوجت، والعريس هو ابن القس الذي كان عازفا لآلة الساكسفون في فرقة من فرق موسيقى ~~الجاز. كان هو من أضاف كلمتي «مفاجأة، مفاجأة» في أسفل الخطاب، أو هكذا قال البعض، ~~بالرغم من أن إيزابيل تساءلت كيف يمكن لأي شخص أن يعرف هذا، إلا إن كان العاملون في مكتب ~~البريد لديهم عادة فتح مظاريف الخطابات بالبخار. # لم يكن عازف الساكسفون يعيش في هذه البلدة عندما كان طفلا؛ فقد كان والده يعمل قسا في ~~مكان آخر حينها، وكان هو لا يزور البلدة إلا نادرا جدا، ومعظم الناس لم يكن يمكنهم حتى ~~أن يصفوا لك شكله؛ فهو لم يكن يذهب إلى الكنيسة مطلقا، وقد أحضر معه امرأة إلى المنزل ~~منذ عامين، وكانت شديدة الأناقة والتبرج. وقيل إنها زوجته، لكن من الواضح أنها لم تكن ~~كذلك. # كم مرة ذهبت فيها الفتاة إلى بيت القس للقيام بأعمال الكي وكان لاعب الساكسفون موجودا ~~هناك حينها؟ حاول البعض استنباط ذلك. لم تكن سوى مرة واحدة فقط؛ كان هذا ما ترامى إلى ~~مسامع راي في قسم الشرطة حيث يمكن أن تنتشر النميمة هناك تماما مثلما تنتشر بين ~~السيدات. # رأت إيزابيل أنها قصة رائعة. ولم يكن ما حدث نتيجة خطأ من هربا؛ فهما لم يستدعيا ~~العاصفة الثلجية، على أية حال. # واتضح أنها هي نفسها كانت تعرف بعض المعلومات القليلة عن عازف الساكسفون؛ فقد رأته ذات ~~مرة في مكتب البريد عندما تصادف أن كان في إحدى زيارته لمنزله، وكانت هي وقتها في حالة ~~صحية جيدة مكنتها من الخروج من المنزل. كانت قد أرسلت في طلب إحدى الأسطوانات الموسيقية ~~لكنها لم تأت. سألها عن محتوى الأسطوانة وأجابته حينها، وهو شيء لا تستطيع تذكره الآن، ~~وقد أخبرها آنذاك عن معرفته بنوع آخر من الموسيقى . هناك شيء جعلها واثقة من أنه ms067 ليس من ~~أهل البلدة؛ الطريقة التي كان ينحني بها نحوها، ورائحة لبان جوسي فروت القوية التي كانت ~~تفوح منه. لم يذكر لها شيئا عن القس، لكن أخبرها أحدهم عن صلته به، وذلك بعدما ودعها ~~وتمنى لها حظا سعيدا. # كانت كلماته أقرب إلى المغازلة، أو تعبيرا عن ثقته من أنها لن تصده. أو بعض الهراء ~~كدعوته للاستماع إلى الأسطوانة حال وصولها. وتمنت أن يكون قصده من كل ذلك مجرد ~~المزاح. # عمدت إلى إغاظة راي، وتساءلت إن كان وصفه للعالم الخارجي كما تصوره الأفلام هو الذي ~~جعل فكرة الهروب تخطر على بالها. # لم يفصح راي عن مدى الحزن الذي شعر به عندما فقدت الفتاة، وهو نفسه كان بالكاد يصدق ~~مشاعره تلك؛ لكنه بالطبع شعر بالارتياح عندما علم بما حدث. # لكنها في كل الأحوال قد رحلت؛ رحلت على نحو غير مألوف ولا يحمل في طياته أي أمل ~~للرجوع على الإطلاق. والشيء السخيف هو أنه شعر بالإهانة؛ كما لو أنها كان بمقدورها أن ~~تقدم على الأقل ولو تلميحا إلى أن هناك جانبا آخر في حياتها. # وسرعان ما رحل أيضا والداها وكل إخوتها، وبدا أن ليس هناك من كان يعرف إلى أين ~~ذهبوا. ~~••• # لم يغادر القس ولا زوجته البلدة عندما بلغ سن التقاعد. # لقد استطاعا أن يحتفظا بنفس المنزل وما زال أهل البلدة يشيرون إليه ببيت القس، بالرغم من ~~أنه لم يعد هكذا الآن. فقد اشتكت زوجة القس الجديد الشابة من بعض جوانب المنزل التي لم ~~ترق لها، وبدلا من أن يصلح مسئولو الكنيسة المنزل، قرروا أن يشيدوا منزلا جديدا ~~حتى لا يمكنها أن تشتكي مرة أخرى. وبيع المنزل القديم إلى القس السابق بثمن منخفض، فخصص ~~حجرة به لابنه الموسيقي وزوجته ليقيما بها حينما يأتيان للزيارة هما وأطفالهما. # كان قد أنجب طفلين، وقد ظهر اسمهما في الجريدة عندما ولدا. جاء الولد أولا ثم البنت، ~~وكانا يأتيان للزيارة بين الحين والآخر بصحبة ليا فقط؛ فالأب كان دائما مشغولا برقصاته أو ~~لأي أسباب أخرى. ولم يلتق بهم ms068 راي أو إيزابيل خلال تلك المرات. # تحسنت حالة إيزابيل، بل كادت تكون طبيعية. وكانت تطهو وجبات شهية، حتى إنها هي وزوجها ~~قد زاد وزنهما، وكان عليها أن تتوقف عن ذلك، أو على الأقل تطهو تلك الأطعمة الدسمة على نحو ~~أقل. كانت تلتقي بنساء أخريات في البلدة من أجل قراءة ومناقشة ما يسمى بالكتب العظيمة، ~~التي تعد أهم كتب الأدب الغربي. لم يفهم بعضهن كيف سيتم هذا، وتركن المشاركة في ذلك، ~~ولكن بعيدا عنهن حققت تلك اللقاءات نجاحا مدهشا. وكانت إيزابيل تضحك بسبب الغضب التي ~~سيعم السماء وهن يتناولن ملحمة دانتي المسكين. # ثم تعرضت لبعض حالات الإغماء أو ما يشبه الإغماء، لكنها لم تذهب للطبيب حتى غضب منها راي، ~~فزعمت أن حدته هي السبب وراء مرضها. ثم اعتذرت له وتصالحا، بيد أن قلبها لم يرتض ذلك ~~وقررا أن يتم إحضار ممرضة ممارسة لتمكث معها حينما لا يكون راي موجودا بالمنزل. ولحسن ~~الحظ، كان لديهما بعض النقود تحصلا عليها - هي من إرث لها، وهو نتيجة لزيادة بسيطة في ~~راتبه - بالرغم من استمراره في العمل في وردية الليل فقط. # وفي صباح أحد أيام الصيف، وهو في طريقه إلى منزله، مر بمكتب البريد ليرى إن كان قد تم ~~فرز البريد أم لا؛ ففي بعض الأحيان كانت ينتهي الفرز بحلول ذلك الوقت، وفي أحيان أخرى لم ~~يكن يحدث هذا؛ وفي ذلك الصباح لم يحدث هذا. # والآن بينما كان يسير على الرصيف، رأى ليا وهي تتجه نحوه في نور الصباح المبكر الوضاء. ~~كانت تدفع عربة أطفال تجلس بداخلها طفلة صغيرة يقارب عمرها العامين، وكانت تضرب بقدميها ~~مسند القدمين المعدني. وكان هناك طفل آخر أكثر إدراكا وكان يتشبث بتنورة أمه، أو بالأحرى ~~بما كان بنطالا طويلا برتقاليا، ترتدي معه بلوزة بيضاء فضفاضة أشبه بالقميص التحتي. كان ~~شعرها لامعا بصورة أكبر عن ذي قبل، وبدت ابتسامتها التي لم يرها مطلقا من قبل ~~وكأنها تغمره بالسعادة. # ربما كانت واحدة من صديقات إيزابيل الجدد اللواتي كن في معظم الأحيان يصغرنها ms069 أو وصلن ~~مؤخرا إلى البلدة، بالرغم من أنه كان هناك القليل ممن كن أكبر سنا منها، وكن من ~~السكان المتحفظين الذين اعتنقوا معتقدات تلك الحقبة الجديدة البراقة؛ فطرحن جانبا ~~وجهات نظرهن السابقة، وتغيرت لغتهن ومالت إلى أن تكون سطحية وبها شيء من الفظاظة. # شعر بخيبة أمل عندما لم يعثر على أية مجلات جديدة في مكتب البريد، ولم يكن الأمر أن تلك ~~المجلات كانت تعني الكثير بالنسبة إلى إيزابيل الآن؛ فقد كانت في السابق تهتم بالمجلات التي ~~تتناول جميعها موضوعات جادة تحث على التفكير ولكنها تحتوي أيضا على رسوم كاريكاتورية ~~بارعة كانت تثير ضحكها. وحتى إعلانات المجوهرات والفراء كانت تجعلها تضحك أيضا، وكان يتمنى ~~- ولا يزال - أن ترفع تلك الأشياء من معنوياتها، وها قد أصبح لديه الآن شيء ليخبرها به، ~~ألا وهو ليا. # حيته ليا بصوت جديد وتظاهرت بالدهشة من أنه قد عرفها، حيث إنها - بحسب قولها - قد كبرت ~~وقاربت أن تكون امرأة عجوزا. قدمت له الطفلة الصغيرة التي لم ترفع بصرها نحوه واستمرت ~~تدق بقدميها على مسند القدمين بصورة إيقاعية منتظمة، وقدمت له الصبي الذي شاح بوجهه ~~وراح يتمتم بكلمات غير مفهومة. راحت توبخ الصبي الصغير لأنه لم يكن يريد التوقف عن التشبث ~~بملابسها. ~~«نحن على جانب الطريق الآن، يا صغيري العزيز.» # كان اسمه ديفيد، والصغيرة تدعى شيلي. لم يكن راي يتذكر هذين الاسمين من الجريدة، وكان ~~يعتقد أنهما اسمان عصريان للغاية. # قالت إنهم كانوا يقيمون مع والدي زوجها. # إنهم ليسوا في زيارة لهما؛ بل هم مقيمون معهما. لم يفكر في ذلك إلا لاحقا، وربما لم ~~يكن يعني شيئا. ~~«لقد كنا في طريقنا إلى مكتب البريد.» # أخبرها بأنه كان عائدا من هناك لتوه، ولم يكونوا قد انتهوا من عملية الفرز ~~بعد. ~~«أوه، هذا سيئ. اعتقدنا أنه يمكن أن يكون قد وصل خطاب من أبيهما، أليس كذلك يا ~~ديفيد؟» # تعلق الصبي الصغير بملابسها مرة أخرى. ~~«سننتظر حتى ينتهوا من عملية الفرز؛ فربما يكون هناك خطاب منه.» # كان هناك شعور بأنها لا ms070 تريد أن تفارق راي بعد، ولم يكن هو يريد ذلك أيضا، لكن كان من ~~الصعب التفكير في شيء آخر ليفتح مجالا للحوار. # قال: «إنني في طريقي إلى الصيدلية.» ~~«أوه، حقا؟» ~~«علي شراء بعض الأشياء من هناك من أجل زوجتي.» ~~«أوه، أتمنى ألا تكون مريضة.» # شعر بعدها كما لو أنه قد أفشى سرا، وقال في اقتضاب: «لا، ليس شيئا خطيرا.» # نظرت خلف راي، وحيت شخصا آخر بنفس الصوت الذي تملؤه البهجة، والذي حيت به راي منذ ~~لحظات. # لقد كان القس الجديد للكنيسة المتحدة، أو الذي تم تعيينه مؤخرا نسبيا، والذي كانت ~~زوجته قد طلبت منزلا عصريا. # سألت الرجلين إن كانا يعرف كل منهما الآخر، وردا بالإيجاب، لكنهما تحدثا بنبرة تبين ~~أن علاقتهما لم تكن وثيقة، وربما أظهر ذلك بعض الاقتناع من جانبهما بأنه ينبغي أن يكون ~~الأمر كذلك. لاحظ راي أن القس لم يكن يرتدي ياقته الإكليريكية. # قال القس؛ ربما ظنا منه بأنه عليه أن يكون أكثر مرحا: «أنتما بالطبع لا تريدان أن ~~تزجا بي في أي شيء يخالف القانون، أليس كذلك؟» وصافح راي. # قالت ليا: «إنني محظوظة؛ فقد كنت أرغب في أن أطرح عليك بعض الأسئلة، وها أنت هنا.» # قال القس: «ماذا تريدين؟» # قالت ليا: «أنا أقصد إنني كنت أتساءل بشأن مدرسة الأحد؛ فلدي طفلان صغيران يشبان الآن ~~وكنت أتساءل عن متى يمكنهما الالتحاق بها، وعن الإجراءات وكل شيء متعلق بذلك.» # قال القس: «أوه، فهمت.» # استطاع راي أن يلاحظ أن القس أحد أولئك الذين لا يفضلون القيام بمهامهم الكنسية على ~~الملأ، ولا يرغبون أن يطرح عليهم مثل هذه الأمور في كل مرة يسيرون بها في الطريق. لكن ~~القس أخفى عدم ارتياحه قدر استطاعته، ولا بد أن قد وجد بعض العزاء في التحدث إلى فتاة مثل ~~ليا. # قال: «علينا أن نناقش ذلك الأمر. فلنحدد موعدا في أي وقت يناسبك.» # قال راي إنه يجب عليه أن يذهب الآن. # وقال لليا: «جميل أن أصادفك.» ثم أومأ برأسه إلى القس. # وذهب في طريقه وهو ms071 يحمل معلومتين جديدتين؛ فهي كانت ستمكث هنا لبعض الوقت، وقد اتضح ذلك ~~من سعيها لإنهاء الترتيبات الخاصة بانضمام طفليها لمدرسة الأحد، كما أنها كانت لا تزال ~~متمسكة بدينها الذي نشأت عليه. # تطلع لمقابلتها مرة أخرى لكن ذلك لم يحدث. # عندما عاد إلى منزله أخبر إيزابيل عن كيف أن الفتاة قد تغيرت، وقالت: «يبدو كل هذا ~~مألوفا على أية حال.» # بدت عصبية بعض الشيء، ربما لأنها كانت تنتظره كي يعد لها قهوتها، والفتاة التي كانت ~~تعاونها لم تصل حتى التاسعة، وكان محظورا عليها - بعد تعرضها لحادث سقوط ماء ساخن عليها ~~- أن تحاول إعداد القهوة بنفسها. ~~••• # حدث تدهور في صحتها، وانتابهما الفزع عدة مرات نتيجة لذلك حتى حلول وقت عيد الميلاد، ثم ~~حصل راي على إجازة من عمله، وهرعا إلى المدينة حيث يمكنهما إيجاد بعض الأطباء المتخصصين ~~هناك. ودخلت إيزابيل المستشفى على الفور، واستطاع راي أن يحصل على إحدى الغرف المخصصة ~~لاستخدام الأقارب ممن هم من خارج المدينة. وفجأة، لم يصبح لديه أي مسئوليات سوى زيارة ~~إيزابيل لساعات طويلة كل يوم ومتابعة كيفية استجابتها للعلاجات المختلفة. في البداية، ~~حاول أن يصرف انتباهها عن مرضها من خلال أحاديثه المرحة عن الماضي، أو بإبداء ملاحظات ~~عن المستشفى أو بعض المرضى الذين شاهدهم. كان يقوم بجولات سيرا على الأقدام تقريبا كل ~~يوم بالرغم من سوء الطقس، وكان يخبرها أيضا بكل تلك الجولات. وكان يحضر الصحيفة معه ~~ويقرأ الأخبار على مسامعها، وأخيرا قالت: «هذا لطف منك يا عزيزي، لكن يبدو أنني قد تجاوزت ~~كل هذا.» # رد قائلا: «ماذا تجاوزت؟» لكنها قالت: «أوه، أرجوك.» وبعد ذلك وجد نفسه يقرأ بصمت ~~أحد كتب مكتبة المستشفى. قالت: «لا تقلق إن أغمضت عيني؛ فأنا أعلم أنك موجود ~~هنا.» # كانت قد انتقلت منذ فترة وجيزة من وحدة الرعاية الوجيزة الخاصة بالحالات الحرجة، إلى ~~حجرة تضم أربع سيدات كن بنحو أو بآخر في نفس حالتها، بالرغم من أن هناك واحدة منهن ~~كانت تنهض بين الحين والآخر وتصيح قائلة لراي: «امنحنا قبلة.» # ثم ms072 حدث أن جاء في اليوم التالي ووجد امرأة أخرى في فراش إيزابيل. اعتقد للحظات أنها قد ~~توفيت ولم يخبره أحد بذلك، لكن المريضة الثرثارة الممددة على الفراش المائل بنحو قطري قالت ~~له: «إنها بالأعلى.» وذلك بشيء من البهجة أو الانتصار. # وكان هذا هو ما حدث؛ فلم تستطع إيزابيل أن تستيقظ في ذلك الصباح، ونقلت إلى طابق آخر ~~يبدو أنهم يحجبون فيه الأشخاص الذين ليس لديهم أي فرصة في التحسن - أو فرصتهم أقل ممن ~~يوضعون في الحجرة السابقة - ولكنهم كانوا يرفضون الموت. # قالوا له: «من الأفضل أن تعود إلى منزلك.» وأخبروه أنهم سيخطرونه حال حدوث أي ~~تغيير. # كان هذا منطقيا؛ فمن جهة، هو قد استنفد كل وقته في مكان إقامة الأقارب، ومن جهة ~~أخرى، قد استنفد أكثر من الوقت المسموح به بعيدا عن قوات الشرطة في مافرلي. كل الدلائل ~~كانت تشير إلى أن الشيء الصحيح الذي كان عليه فعله هو العودة إلى البلدة مرة أخرى. # لكنه بدلا من ذلك مكث في المدينة، وحصل على وظيفة ضمن طاقم الصيانة بالمستشفى حيث كان ~~يقوم بأعمال التنظيف، وإزالة الفضلات، وأعمال المسح. وقد عثر على شقة مفروشة، تحتوي على ~~الأشياء الضرورية فقط، والتي لم تكن تبعد كثيرا عن المستشفى. # عاد إلى منزله ولكن لفترة قصيرة فقط، وبمجرد أن وصل إلى هناك، شرع في إجراء بعض الترتيبات ~~لبيع المنزل ومحتوياته، وعهد بذلك الأمر إلى أحد الوكلاء العقاريين، وكان يريد أن ينتهي من ~~ذلك بأسرع ما يستطيع؛ فلم يكن يود أن يشرح أي شيء لأحد؛ فلم يعد يهتم بأي شيء حدث في هذا ~~المكان، وبدا أن كل تلك السنوات التي أمضاها في البلدة، وكل ما يعرفه عنها، قد اختفى تماما ~~من ذهنه. # لقد سمع شيئا بينما كان هناك، فضيحة قد تورط فيها قس الكنيسة المتحدة الذي كان يريد ~~من زوجته أن تطلقه بسبب ارتكابه جريمة الزنا؛ فارتكاب جريمة الزنا مع أحد رعايا الأبرشية ~~لهو شيء سيئ بنحو كاف، لكن القس، بدلا من أن يتكتم الأمر ويختفي لتطهير ms073 ذاته مما اقترفه، ~~أو للخدمة في أبرشية في منطقة نائية، اختار أن يتلقى العقاب من منبر الوعظ. وكان لديه ~~الكثير ليعترف به؛ قال إن كل شيء كان زائفا، وأضاف أنه لم يكن يؤمن تماما بكل ما كان ~~يرتله من الأناجيل أو من الوصايا العشر، وأن كل خطبه الواعظة عن الحب والجنس، وتوصياته ~~التقليدية التي تحمل طابع الخجل والمراوغة كلها زيف. إنه رجل حر طليق الآن، حر كي ~~يخبرهم بمدى الراحة التي يشعر بها المرء عندما يمجد حياة الروح وحياة الجسد معا. وبدا أن ~~المرأة التي فعلت به هذا كانت ليا، وقد علم راي من البعض أن زوجها الموسيقي قد عاد ~~ليصطحبها معه منذ فترة، لكنها لم ترد الذهاب معه. وألقى هو باللوم على القس، لكنه كان ~~ثملا ولم يدر من حوله هل يصدقونه فيما قال أم لا. لكن لا بد أن أمه قد صدقته ~~بالرغم من ذلك؛ لأنها طردت ليا واحتفظت بالطفلين. # وعلى حد اعتقاد راي، كان كل ذلك مجرد ثرثرة باعثة على الاشمئزاز. جرائم الزنا، وحالات ~~السكر، والفضائح؛ لا أحد يعرف من المصيب، ومن المخطئ. من الذي يمكن أن يهتم؟ لقد ~~شبت هذه الفتاة كي تتجمل وتساوم، مثلها مثل الباقين. إنه إهدار للوقت، ومضيعة ~~للحياة من أشخاص يسعون فقط وراء الإثارة دون الانتباه لأي شيء آخر قد يهم. # وبالطبع عندما كان بمقدوره التحدث إلى إيزابيل، كانت تغير رؤيته للأشياء؛ فلم تكن ~~إيزابيل تبحث عن إجابات، لكنها كانت بالأحرى تجعله يشعر كما لو أن هناك جوانب أخرى لم يضعها ~~في الحسبان. وفي النهاية كانت تضحك. # كان يحرز تقدما جيدا في عمله، وطلبوا منه أن ينضم لفريق البولينج، لكنه شكرهم ~~وأخبرهم أنه ليس لديه وقت كاف. لكن في الحقيقة كان لديه متسع من الوقت، لكنه أراد أن ~~يمضيه مع إيزابيل، بانتظار حدوث أي تغيرات في حالتها، أي تفسير لما هي عليه؛ فلم يكن ~~يرغب أن يفوته شيء. # اعتاد أن يذكر الممرضات باسمها ويقول: «اسمها إيزابيل .» وذلك إذا ما نادينها ~~قائلات: «والآن، ms074 سيدتي.» أو «حسنا، أيها السيدة، لنذهب لأعلى.» # ثم اعتاد سماعهن وهن يتحدثن إليها بتلك الطريقة. وهكذا طرأت بعض التغيرات، على أية ~~حال، لكنها لم تكن تغيرات في حالة إيزابيل، بل إنها حدثت بداخله. # ولفترة طويلة، ظل يراها مرة يوميا، ثم جعلها مرة كل يومين، ثم مرتين في ~~الأسبوع. ~~••• # مرت أربع سنوات، اعتقد خلالها أنها تقترب من تحقيق رقم قياسي، وسأل المسئولين عن رعايتها ~~إن كان الأمر كذلك، وأجابوه قائلين: «حسنا، إنها على وشك ذلك.» تلك هي عادتهم دائما ~~المتمثلة في عدم الوضوح فيما يتعلق بأي شيء. # يغلب على الفكرة التي كانت تسيطر عليه أنها تعي وتفكر، ولم يعد ينتظر أن تفتح ~~عينيها؛ كل ما في الأمر أنه لم يكن يستطيع أن يمضي ويتركها بالمستشفى بمفردها. # لقد تغيرت من امرأة نحيفة جدا، ليس إلى ما يشبه الطفلة بل إلى مجموعة من العظام غير ~~المتجانسة القبيحة المنظر، التي يعلوها بعض الشعر الذي يشبه ريش الطائر، والتي كانت معرضة ~~للموت في كل لحظة مع أنفاسها غير المنتظمة. # كانت هناك بعض الحجرات الكبيرة الملحقة بالمستشفى والمخصصة لإعادة التأهيل وممارسة ~~التمرينات الرياضية، وكان يراها في العادة وهي خالية فقط؛ حيث كل الأجهزة موضوعة جانبا ~~والأضواء مغلقة. ولكنه ذات ليلة، بينما كان يغادر المستشفى، سلك طريقا مختلفا عبر المبنى ~~لسبب ما ورأى إحدى الحجرات وقد تركت الأضواء مضاءة بها. # وعندما اتجه إليها ليتبين الأمر، رأى أن ثمة شخصا لا يزال بالداخل. كانت امرأة، كانت ~~تجلس منفرجة الساقين على إحدى كرات التمرين المنفوخة؛ لقد كانت تستريح فوقها فقط، أو ربما ~~تحاول أن تفكر أين كان يفترض بها أن تتجه فيما بعد. # كانت تلك المرأة هي ليا. لم يتعرف عليها في أول الأمر، لكنه نظر ثانية وتأكد أنها ليا. ~~ربما لم يكن ليدلف إن كان عرف من هي من البداية، لكنه الآن كان في منتصف الطريق لأداء ~~إحدى مهام عمله المتمثلة في إغلاق الأضواء. ورأته. # انزلقت من مكانها العالي. كانت ترتدي نوعا من الملابس الرياضية المخصصة للتمرين، وقد ms075 ~~اكتسبت بعض الزيادة في الوزن. # قالت: «كنت أعتقد أني سألتقي بك مصادفة يوما ما. كيف حال إيزابيل؟» # انتابته بعض الدهشة عندما سمعها تنادي إيزابيل باسمها الأول مجردا، أو عندما تحدثت ~~عنها كما لو أنها كانت تعرفها. # أخبرها بإيجاز عن حالة إيزابيل؛ فلم تكن ثمة وسيلة أخرى الآن سوى أن يشرح لها الأمر ~~بإيجاز. # قالت: «هل تتحدث إليها؟» ~~«ليس بالكثير الآن.» ~~«أوه، بل عليك أن تفعل. يجب ألا تتوقف عن الحديث إليها.» # كيف لها أن تعتقد أنها أضحت تعرف الكثير عن كل شيء؟ # قالت: «أنت لم تتفاجأ من رؤيتي هنا، ولا بد أنك سمعت بكل شيء، أليس كذلك؟» # لم يعرف كيف يجيبها على ذلك. # قال: «نعم.» ~~«لقد عرفت منذ فترة أنك موجود هنا، وعرفت كل ما حدث لك؛ لذا أعتقد أنك تعلم بأمر ~~تواجدي هنا أيضا.» # أجابها بأنه لم يكن يعلم. # قالت له: «إنني أساعد المرضى - أعني مرضى السرطان - على القيام ببعض التمرينات ليروحوا ~~عن أنفسهم، وذلك إن كانت حالتهم تسمح بذلك.» # قال إنه يعتقد أنها فكرة جيدة. ~~«إنها رائعة، أعني بالنسبة إلي أيضا. إنني أفضل الآن على نحو كبير، لكن الأمور ~~تتقافز إلى ذهني في بعض الأحيان؛ أعني خاصة وقت تناول العشاء، فهذا هو الوقت الذي يمكن أن ~~تنتاب فيه المرء مشاعر غريبة.» # لاحظت أنه لم يفهم ما كانت تتحدث عنه، وكانت على ~~استعداد - وربما متلهفة - لأن تشرح ~~له. ~~«أعني دون وجود الطفلين وكل شيء. ألم تعلم أن أباهما قد انتزعهما مني؟» # قال: «نعم.» ~~«أوه، حسنا، لأنهم في واقع الأمر اعتقدوا أن أمه يمكن أن تعتني بهما. إنه في مصحة لعلاج ~~مدمني الكحوليات، لكن لم يكن الحكم ليكون كذلك لولا أمه.» # أخذت تتنشق وانهمرت الدموع من عينيها بغير اكتراث تقريبا. ~~«لا داعي للشعور بالحرج؛ فالأمر ليس سيئا كما يبدو، فأنا أبكي بصورة تلقائية. إن ~~البكاء ليس سيئا بالنسبة إليك أيضا ما دمت لا تفعله على نحو منتظم بحيث يعرف عنك ~~ذلك.» # إن الرجل الذي في المصحة كان هو عازف الساكسفون. ms076 لكن ماذا عن القس، وماذا كان يجري ~~هناك؟ # قالت كما لو كان قد سألها بصوت عال عن ذلك: «أوه، كارل. كان ما حدث بيننا وكل ما هو ~~متعلق به غريبا. لا بد وأني قد جننت حينها.» # وأكملت حديثها قائلة: «تزوج كارل ثانية، وهذا جعله في حالة أفضل. أعني أن ذلك ~~ساعده على أن يتجاوز كل ما فعله معي. إنه لشيء مثير للضحك. لقد ذهب وتزوج من قسيسة. ~~لا بد أنك تعلم أنهم يسمحون الآن بأن تكون السيدات قسيسات، أليس كذلك؟ حسنا، إنها واحدة ~~منهن. إذن فهو في وضع يشبه وضع زوجة القس. أعتقد أن هذا أمر سخيف.» # جفت دموعها الآن وابتسمت. كان يعلم أن هناك أشياء كثيرة أخرى ستحدث، لكنه لم يستطع أن ~~يخمن ما يمكن أن تكون. ~~«لا بد أنك متواجد هنا منذ فترة طويلة. هل لديك مكان خاص بك تقيم فيه؟» ~~«نعم.» ~~«هل تعد العشاء بنفسك وتقوم بكل الأمور الأخرى المشابهة؟» # أجابها بأن هذا هو الحال. ~~«إنني أستطيع القيام بذلك بدلا منك بين الحين والآخر. هل تبدو هذه فكرة جيدة؟» # لمعت عيناها وهي تحتضن عينيه. # قال إنها ربما تكون فكرة جيدة، لكن في الواقع ليس هناك في شقته سوى مساحة تكفي لأن ~~يتحرك فيها شخص واحد فقط في المرة الواحدة. # ثم قال إنه لم يلق نظرة على إيزابيل منذ يومين، وعليه أن يذهب ويقوم بذلك ~~الآن. # أومأت برأسها قليلا كمن توافقه، ولم يبد عليها أنها استاءت أو أنه خذلها. ~~«أراك لاحقا هنا.» ~~«أراك لاحقا.» ~~••• # كانوا يبحثون عنه في كل مكان؛ فقد رحلت إيزابيل أخيرا. لقد قالوا «رحلت» كما لو أنها ~~نهضت من فراشها وغادرت. عندما ذهب أحدهم ليلقي نظرة على حالتها منذ ساعة، وجدها كما هي ~~بنفس حالتها دائما، لكنها رحلت الآن. # وكان كثيرا ما يتساءل ما الفرق الذي كان سيحدثه هذا. # لكن الفراغ الذي خلفته وراءها كان فظيعا. # نظر إلى الممرضة في تعجب، فاعتقدت أنه كان يريد أن يسألها عما كان عليه أن يفعله بعد ~~ذلك، وبدأت ms077 هي بالفعل تشرح له، وراحت تعطيه بعض المعلومات. كان يعي ما تقوله جيدا، لكن ~~ذهنه كان مشتتا. # كان يعتقد دائما أن ذلك قد حدث لإيزابيل منذ فترة طويلة، لكنه لم يحدث، حتى الآن. # لقد كانت موجودة، لكنها لم تعد هكذا الآن. إنها ليست موجودة على الإطلاق كما لو أنها ~~لم تكن موجودة على الإطلاق من قبل. وراح الناس يهرولون من حوله كما لو أنه يمكن التغلب ~~على تلك الحقيقة الفظيعة بإجراء بعض الترتيبات المنطقية. هو أيضا قام بما هو متعارف عليه ~~في مثل هذه الأحوال، ووقع أينما طلب منه وأخذ يرتب، كما أخبروه، لاستلام ~~بقاياها. # يا لها من كلمة مذهلة! «بقاياها»! كما لو أنها تماثل شيئا ترك ليجف ويتلف في رف ~~خزانة ملطخ بالسخام. # وسرعان ما وجد نفسه بالخارج متظاهرا بأن لديه سببا مقبولا وعاديا كأي شخص آخر كي ~~يستمر في حياته. # وما كان يحمله معه الآن، كل ما كان يحمله معه، هو ضيق، شيء يقترب من ضيق في التنفس؛ ~~أي إن رئتيه لم تكونا تقومان بمهامهما الطبيعية على النحو الأكمل، وهي مشكلة افترض ~~أنها ستستمر معه إلى الأبد. # إن الفتاة التي كان يتحدث إليها، والتي كان على معرفة بها من قبل، كانت تتحدث عن ~~أطفالها؛ عن فقد أطفالها، وعن محاولة الاعتياد على ذلك. إنها تواجه مشكلة في وقت ~~العشاء. # يمكن أن يطلق عليها أنها خبيرة في الفقد، أما هو فيعد مبتدئا الآن مقارنة بها، ~~وهو الآن لم يكن باستطاعته تذكر اسمها؛ لقد ضاع اسمها من باله، بالرغم من أنه كان يعرفه ~~جيدا. الفقد، الضياع. لقد انقلبت المزحة عليه. # كان يصعد الدرج المؤدي لمنزله عندما خطرت على باله. # ليا. # شعر بارتياح لا مثيل له عندما تذكر اسمها. # | حفرة الحصى # كنا نعيش في ذلك الوقت بجوار حفرة من حصى. لم تكن حفرة عميقة خلفتها إحدى الآلات ~~الضخمة، وإنما مجرد حفرة صغيرة لا بد أن أحد الفلاحين قد جنى من ورائها بعض المال منذ ~~سنوات مضت ؛ إنها في الواقع كانت ضحلة بدرجة ms078 تجعلك تعتقد أنه ربما كان هناك غرض آخر من ~~ورائها؛ كأساسات لمنزل، ربما، لم يستكمل قط. # كانت أمي هي من تصر على جذب الانتباه إليها؛ فكانت تقول للناس: «نحن نعيش بالقرب من ~~حفرة الحصى القديمة، بعيدا عن الطريق الذي توجد به محطة الوقود.» وتضحك من فرط السعادة ~~لأنها خلفت وراءها كل شيء يتعلق بالبيت، والشارع، والزوج، والحياة التي كانت تعيشها من ~~قبل. # أما أنا فبالكاد أتذكر تلك الحياة؛ أي إنني أتذكر جوانب منها بوضوح، لكن دون ~~الروابط التي يحتاجها المرء لكي يكون عنها صورة متكاملة؛ فكل ما أتذكره عن منزل البلدة ~~كان ورق الحائط الموجود في غرفتي القديمة، الذي كانت عليه صور الدب تيدي. أما في ذلك ~~المنزل الجديد، الذي كان منزلا متنقلا في حقيقة الأمر، فلم يكن لدي أنا وكارو أختي، سوى ~~سريرين صغيرين كل منهما موضوع فوق الآخر. عندما انتقلنا إلى هناك لأول مرة، كانت كارو ~~تحدثني كثيرا عن منزلنا القديم في محاولة منها لتذكيري ببعض الأشياء. كانت تتحدث عن ~~ذلك الأمر عندما كنا نأوي إلى الفراش، وبوجه عام كان ينتهي الحديث بعدم مقدرتي على ~~التذكر وشعورها هي بالغضب نتيجة لذلك. وفي بعض الأحيان كنت أعتقد أنني تذكرت ~~بالفعل، ولكني بدافع من معارضتها فحسب أو خوفي من عدم فهمي الصحيح للأشياء، كنت أتظاهر ~~بخلاف ذلك. # كان الصيف قد حل عندما انتقلنا إلى المنزل المتنقل، واصطحبنا كلبتنا معنا، وكان اسمها ~~بليتزي. كانت أمي تقول: «إن بليتزي تحب المكان هنا.» وكان ذلك صحيحا؛ فأي كلبة تلك التي لا ~~تريد أن تستبدل بشارع في بلدة، حتى إن كان يضم مروجا واسعة ومنازل ضخمة، ذلك الريف ~~الرحب؟ راحت تنبح عند مرور أي سيارة كما لو أنها ملكت الشارع، وكانت تحضر إلى المنزل بين ~~الحين والآخر سنجابا أو مرموط خنزير أرض قتلته. في البداية، كانت كارو تتضايق جدا من ~~ذلك الأمر، وكان نيل يتحدث إليها شارحا لها طبيعة الكلب ودورة الحياة التي يضطر فيها ~~بعض الأشياء أن يأكل أشياء أخرى. # جادلته كارو قائلة: ms079 «ولكنها تحصل على طعامها.»، لكن نيل قال لها: «ولكن افترضي أنها ~~لم تحصل عليه. تخيلي أننا تركناها جميعا في أحد الأيام وكان عليها أن تعتمد على ~~نفسها.» # قالت كارو: «لن أفعل ذلك. فأنا لن أتركها، وسأظل أعتني بها دائما.» # قال نيل: «هل تعتقدين ذلك؟» وتدخلت أمي كي تجعله يغير مجرى الحوار. كان نيل على ~~استعداد دائما كي يتحدث عن موضوع الأمريكيين والقنبلة الذرية، وكانت أمي تعتقد أننا غير ~~مؤهلتين لسماع ذلك بعد، ولم تكن تعلم أنه حينما كان يثير ذلك الموضوع كنت أظنه يتحدث عن ~~نوع من الكعك. كنت أدري أن هناك خطأ ما في ذلك التفسير، لكني لم أكن على استعداد لأن ~~أطرح أي أسئلة فيسخروا مني بعدها. # كان نيل ممثلا، وكان يوجد في البلدة مسرح صيفي احترافي، وهو شيء كان جديدا في ذلك ~~الوقت، وقد تحمس له البعض، وشعر آخرون بالقلق حياله خشية أن يجذب إليه الدهماء. ولكن ~~أبي وأمي كانا من بين من أيدوا فكرة وجوده، وكانت أمي أكثر انخراطا في هذا الشأن؛ ~~لأنها كانت تملك متسعا من الوقت؛ فقد كان أبي وكيل تأمين، وكان يسافر كثيرا. سعت أمي ~~بشتى الطرق لجمع تبرعات من أجل المسرح، وتبرعت هي بخدماتها وعملت داخله بوظيفة مرشد ~~للمقاعد. كانت حسنة المظهر وصغيرة السن بدرجة تجعل البعض يظن خطأ أنها إحدى الممثلات. ~~وقد بدأت ترتدي كالممثلات أيضا، فقد كانت تضع الأوشحة، وترتدى التنانير الطويلة والقلادات ~~المتدلية، وكانت تترك شعرها مسترسلا، وتوقفت عن وضع مساحيق التجميل. بالطبع لم أفهم أو ~~حتى ألاحظ تلك التغييرات بوجه خاص في ذلك الوقت؛ فأمي بالنسبة إلي هي أمي لم يتغير ~~بها شيء، لكن كارو لاحظ ذلك بلا شك، وبالقطع فعل أبي. ومع ذلك، ومن خلال فهمي لطبيعته ~~ومشاعره حيال أمي، فإني أعتقد أنه ربما كان فخورا وهو يرى كم كانت أمي جميلة في أنماط ~~اللبس المتحررة تلك، وكيف أنها كانت تماثل من يعملن في المسرح. وعندما تحدث عن ذلك ~~الوقت، فيما بعد، قال إنه كان دائما يشجع ms080 الفنون. يمكن أن أتخيل الآن كيف كانت سترتبك ~~أمي وهي تتوارى وتضحك كي تخفي إحساسها بالحرج، إن كان قد قال هذا أمام أصدقائها ~~بالمسرح. # لكن حدث تطور لم يكن ممكنا لأي أحد أن يتوقعه، وربما قد توقعه البعض فيما ~~عدا أبي، ولا أدري إن كان قد حدث لأي من المتطوعين الآخرين غير أمي. إنني أعلم - بيد ~~أنني لا أتذكر - أن أبي كان يبكي وظل طوال يوم كامل يتتبع أمي في المنزل ولا ~~يجعلها تغيب عن عينه، ورفض أن يصدقها فيما تقول، وبدلا من أن تخبره بشيء يجعله في حالة ~~أفضل، أخبرته بما زاد حالته سوءا. # فقد قالت له إن الطفل هو ابن نيل. # هل كانت واثقة؟ # بالقطع؛ فقد كانت تتابع الأمر جيدا. # وماذا حدث بعد ذلك؟ # توقف أبي عن البكاء، وكان عليه أن يعود لعمله، وحزمت أمي أمتعتنا واصطحبتنا معها ~~للعيش مع نيل في المنزل المتنقل الذي عثر عليه، وذلك بعيدا في الريف، وقد أخبرتنا فيما ~~بعد أنها قد بكت هي الأخرى لما حدث. لكنها قالت إنها شعرت أيضا بأنها على قيد الحياة، ~~وربما لأول مرة في حياتها وجدت نفسها تحيا بحق. شعرت كما لو أنها قد منحت فرصة ~~أخرى؛ لقد بدأت حياتها من جديد، وتخلت عن أشيائها الفضية وتلك المصنوعة من الخزف، ~~وديكورات منزلها، وحديقتها المزدانة بالزهور، وحتى الكتب الموجودة في الخزانة الخاصة بها؛ ~~فهي كانت ستحيا الآن ولن تقرأ. لقد تركت ملابسها معلقة في الخزانة، وأحذيتها ذات الكعب ~~العالي في قوالبها، وتركت أيضا خاتمها الماسي وخاتم الزفاف فوق التسريحة، وكذلك ملابس ~~نومها الحريرية في الدرج الخاص بها. كانت تبغي التجول عارية على الأقل لبعض الوقت في ~~الريف، ما دام الجو دافئا. # لكن ذلك لم يفلح؛ لأنها حينما حاولت أن تجرب ذلك، ذهبت كارو واختبأت في فراشها، وحتى ~~نيل قال إنه لا يتحمس لتلك الفكرة. ~~••• # لكن ماذا كان رأي نيل في كل ذلك؟ كانت فلسفته، كما أوضحها لاحقا، هي الترحاب بأي شيء ~~يحدث ؛ فكل شيء هو بمنزلة عطية، ونحن ms081 نأخذ ونعطي في المقابل. # أرتاب من الأشخاص الذين يتحدثون على هذا النحو، لكني لا أستطيع الجزم بأني على حق في ~~ذلك. # لم يكن نيل ممثلا بالأساس، ولكنه - كما قال - دخل مجال التمثيل بدافع التجربة، ليرى ما ~~الذي يمكن أن يكتشفه في نفسه من قدرات؛ ففي الجامعة، وقبل أن يترك الدراسة فيها، اشترك ~~في مسرحية «أوديب ملكا» كواحد من الجوقة، وقد راق له ذلك؛ فجميل أن يندمج المرء تماما في ~~العمل الذي يؤديه، وأن يذوب كلية مع الآخرين. ثم حدث في يوم من الأيام، بينما كان ~~يسير في أحد شوارع تورونتو، أن التقى بصديق له كان في طريقه إلى الاختبار من أجل الالتحاق ~~بوظيفة صيفية مع فرقة مسرحية جديدة في بلدة صغيرة، فذهب معه؛ إذ لم يكن لديه عمل أفضل من ~~هذا يمكن أن يؤديه، والتحق بالوظيفة بينما أخفق صديقه في ذلك. كان سيؤدي شخصية بانكو، ~~وفي بعض الأحيان كانوا يجعلون شبح بانكو مرئيا، وفي أحايين أخرى ما كانوا يفعلون ذلك، ~~لكنهم في تلك المرة كانوا يريدونه مرئيا في المسرحية، وكان حجم جسم نيل هو المناسب. حجم ~~رائع، شبح قوي البنية. # كان يفكر في أن يمضي الشتاء في بلدتنا على أية حال، وذلك قبل أن تفجر أمي مفاجأتها. ~~كان قد عثر على المنزل المتنقل بالفعل، وكانت لديه خبرة كافية في أعمال النجارة تساعده ~~في إعادة تجديد المسرح، وهو العمل الذي سيمكنه من سداد تكاليف معيشته حتى فترة الربيع. ~~وكان هذا الحد هو ما كان يتطلع إليه في المستقبل كما اعتاد أن يفكر دائما. # لم تكن كارو بحاجة لأن تغير مدرستها؛ فقد كانت تستقل حافلة المدرسة عند نهاية الطريق ~~القصير الذي يمر بمحاذاة حفرة الحصى، وكان عليها أن تكون صداقات جديدة مع أطفال الريف، ~~وربما توضح بعض الأمور لأطفال البلدة الذين كانوا أصدقاءها في العام الماضي، ولكن إن ~~كانت قد واجهت صعوبات في ذلك، فهذا شيء لم أسمع به قط. # كانت بليتزي دائما تنتظر قدومها إلى المنزل على قارعة الطريق. # لم أذهب ms082 إلى الحضانة لأن أمي لم تكن تقتني سيارة، لكني لم أشعر بالضيق لعدم وجود أطفال ~~آخرين ألعب معهم؛ إذ كانت كارو كافية بالنسبة إلي عندما تعود إلى المنزل. وفي أغلب ~~الوقت، كانت أمي على استعداد للهو معي؛ فبمجرد أن بدأت الثلوج تتساقط في هذا الشتاء، صنعت ~~أنا وهي رجل ثلج وسألتني قائلة: «هل ندعوه نيل؟» ووافقتها في ذلك، وألصقنا به بعض ~~الأشياء كي نجعله مضحكا. ثم قررنا أنني سأندفع خارج المنزل حينما تأتي سيارة نيل ~~وأقول: ها هو نيل، ها هو نيل! مشيرة حينها إلى رجل الثلج، وهذا ما قمت به بالفعل، لكن ~~نيل نزل من سيارته غاضبا، وراح يصيح بأنه كان من الممكن أن يصدمني بالسيارة. # كانت هذه واحدة من المرات القلائل التي رأيته يتصرف فيها كأب. # لا بد أن أيام الشتاء القصيرة هذه كانت تبدو غريبة بالنسبة إلي؛ ففي البلدة، كانت ~~الأضواء تنار وقت الغسق. لكن الأطفال يعتادون التغيير سريعا. كنت أتساءل في بعض الأحيان ~~عن منزلنا الآخر، لكني لم أكن أفتقده في الواقع، أو أود العيش هناك مرة أخرى، ولكني ~~تساءلت فقط أين ذهب. # كانت أوقات أمي السعيدة مع نيل تبدأ في الليل؛ فإذا حدث أن استيقظت وكنت أريد أن ~~أذهب إلى الحمام، كنت أنادي عليها. كانت تأتيني بسعادة وليس على عجل، وكانت تلف جسدها ~~بقطعة من القماش أو بأحد الأوشحة، وتنبعث منها رائحة كانت ترتبط في ذهني بضوء الشموع، ~~والموسيقى، بل الحب أيضا. ~~••• # وقع شيء غير مريح بالمرة، لكني لم أحاول أن أفهمه جيدا في ذلك الوقت. لم تكن كلبتنا ~~بليتزي ضخمة الحجم، لكنها أيضا لم تكن صغيرة بدرجة يمكن معها إخفاؤها أسفل معطف كارو، ~~ولا أدري كيف نجحت كارو في هذا، ليس لمرة واحدة بل لمرتين. لقد أخفت الكلبة تحت معطفها في ~~حافلة المدرسة، وبدلا من أن تذهب إلى المدرسة، ذهبت ببليتزي إلى منزلنا القديم في البلدة ~~الذي كان يبعد بأقل من مربع سكني واحد. كان هذا هو المكان الذي وجد فيه أبي الكلبة، في ms083 ~~الشرفة المغطاة، التي لم تكن محكمة الغلق، وذلك عندما عاد إلى المنزل لتناول غدائه ~~وحيدا. كانت مفاجأة كبيرة أن تصل إلى هناك، وأن تجد سبيلها إلى المنزل مثل الكلاب في ~~القصص. أحدثت كارو ضجة كبيرة، وادعت أنها لم تر الكلبة طوال فترة الصباح، لكنها ~~ارتكبت خطأ عند محاولتها الإقدام على ذلك مرة أخرى، ربما بعد مرور أسبوع، ولكن هذه المرة، ~~وبالرغم من أنها لم تثر شكوك أحد في الحافلة أو في المدرسة، أثارت شكوك أمي. # لا أستطيع أن أتذكر إن كان أبونا قد أعاد بليتزي إلينا أم لا؛ فلا أستطيع تخيله في ~~المنزل المتنقل أو عند بابه، أو حتى في الطريق المؤدي إليه. ربما ذهب نيل إلى منزلنا في ~~البلدة وأخذها، ولم يكن تخيل هذا أيضا أسهل على أي نحو. # إذا ما جعلت الأمر يبدو كما لو أن كارو كانت حزينة أو تصنع المكائد طوال الوقت، فليست ~~هذه هي الحقيقة على الإطلاق. وكما ذكرت من قبل، كانت تدفعني للحديث عن بعض الأشياء عندما ~~نأوي إلى فراشنا بالليل، لكنها لم تكن تعبر عن شكواها باستمرار؛ فليست من طبيعتها أن ~~تبدو متجهمة؛ فقد كانت حريصة كل الحرص على أن تعطي للناس انطباعا جيدا عنها. فقد ~~كانت تحب أن يحبها الآخرون، وتبغي دوما أن تبعث في أي مكان جوا أشبه بالبهجة والمرح؛ فقد ~~كانت تفكر في ذلك الأمر أكثر مما أفعل أنا. # وأعتقد الآن أنها كانت أكثر شبها بأمي مني. # ومن المؤكد أنه حدث نوع من الاستجواب حول ما فعلته بالكلبة، وأعتقد أنني يمكنني تذكر ~~بعضه: ~~«لقد فعلت ذلك على سبيل المزاح.» ~~«هل تودين الذهاب والعيش مع والدك؟» # أعتقد أن هذا السؤال قد طرح، وأظن أنها أجابت بالنفي. # أما أنا، فلم أسألها عن شيء؛ فما فعلته لم يبد غريبا بالنسبة إلي. وهذا عادة هو ~~حال الأطفال الأصغر سنا؛ فما يفعله الطفل الأكبر الذي يتمتع بقوة غريبة لا يبدو ~~استثنائيا لمن هو أصغر منه. # كان بريدنا يوضع في صندوق من الصفيح مثبت فوق أحد ms084 الأعمدة على جانب الطريق، وكنت ~~أسير أنا وأمي إلى هناك كل يوم، إلا في الأيام التي يكون فيها الجو عاصفا بشدة، لنرى ما ~~وصل إلينا من خطابات. وكنا نفعل ذلك بعدما أستيقظ من قيلولتي، وفي بعض الأحيان تكون هذه هي ~~المرة الوحيدة التي نغادر خلالها المنزل طوال اليوم. ففي الصباح، كنا نشاهد برامج الأطفال ~~بالتليفزيون، أو كانت هي تقرأ بينما أشاهد أنا تلك البرامج. (فلم تتوقف أمي عن القراءة ~~لفترة طويلة.) وكنا نسخن بعضا من الحساء المعلب من أجل الغداء، ثم أخذت أنا قيلولتي، ~~بينما كانت تشرع أمي في قراءة المزيد. لقد زاد حجمها على نحو كبير الآن بسبب حملها، وكان ~~الجنين يتحرك بالفعل في أحشائها، حتى إنني كنت أشعر بحركته، وكانا سيطلقان عليه اسم براندي ~~- لقد أطلقا عليه بالفعل اسم براندي - سواء أكان ذكرا أم أنثى. # وفي أحد الأيام وبينما كنا نسير عبر الطريق القصير كي نحضر البريد، ولم نكن في الواقع ~~نبعد كثيرا عن صندوق البريد، توقفت أمي وظلت ساكنة في مكانها بلا حراك. # ثم قالت لي: «التزمي الهدوء.» بالرغم من أني لم أنبس بكلمة، ولم أكن أجر قدمي في ~~الثلج بحذائي العالي الرقبة. # قلت: «أنا هادئة.» ~~«اصمتي، ودعينا نرجع.» ~~«لكننا لم نأت بالبريد.» ~~«لا يهم، سيري فقط.» # ثم لاحظت أنه لا أثر لبليتزي التي كانت تسير دوما معنا سواء خلفنا أم أمامنا، بل كان ~~هناك كلب آخر على الجانب المقابل من الطريق على بعد أقدام قليلة من صندوق البريد. # هاتفت أمي المسرح بمجرد عودتنا إلى المنزل وسمحت لبليتزي، التي كانت تنتظرنا، بالدخول ~~إلى المنزل. لكن لم يجبها أحد. هاتفت المدرسة وطلبت ممن رد عليها أن يطلب من سائق ~~الحافلة إحضار كارو حتى باب المنزل، واتضح أن السائق لم يكن بإمكانه ذلك لأن الثلوج هطلت ~~عقب آخر مرة قام فيها نيل بجرف الثلوج عن الطريق القصير، لكن السائق راقبها حتى ~~وصلت إلى باب المنزل، ولم ير أحد أثرا لأي ذئب بحلول ذلك الوقت. # وكان نيل يرى أنه لم ms085 يوجد من قبل أي ذئب في هذه المنطقة، وقال إنه إذا تصادف أن ~~كان هناك واحد بالفعل، فإنه لن يمثل أية خطورة بالنسبة إلينا لأنه سيكون ضعيفا، ربما ~~بسبب البيات الشتوي. # قالت كارو إن الذئاب لا تدخل في حالة بيات شتوي، وأضافت: «هذا ما تعلمناه عنها في ~~المدرسة.» # وأرادت أمي أن يشتري نيل بندقية. # لكنه قال بهدوء: «هل تعتقدين أنني سأشتري بندقية وأذهب لأصوب النار على ذئبة أم ~~مسكينة ربما لديها مجموعة من الصغار بالخلف في الدغل، وكل ما تفعله هو محاولة حمايتها، ~~تماما مثلما تفعلين أنت مع صغارك.» # قالت كارو: «هما اثنان فقط؛ فهي تنجب اثنين في كل مرة.» ~~«حسنا، حسنا. إنني أتحدث إلى أمك.» ~~«لكنك لست متأكدا من ذلك؛ فأنت لا تدري إن كان لديها صغار جائعون أو شيء من هذا ~~القبيل.» # لم أتخيل مطلقا أنها يمكنها أن تتحدث إليه على هذا النحو. # قال: «هوني عليك، هوني عليك. ولنفكر في الأمر قليلا. إن البنادق أشياء مفزعة، ~~وإذا ذهبت وحصلت على بندقية، فماذا عساي أن أقول إذن؟ أقول إن حرب فيتنام كانت خطوة ~~صحيحة؟ وإنني ربما أذهب إلى فيتنام؟» ~~«إنك لست أمريكيا.» ~~«إنك بالطبع لا تريدين أن تثيري حفيظتي.» # هذا بالتقريب ما دار بينهما من حوار، وانتهى الأمر بعدم ذهاب نيل لشراء بندقية، ولم نر ~~الذئب قط مرة أخرى، هذا إن كان ذئبا حقا، وأعتقد أن أمي توقفت عن الذهاب لإحضار ~~البريد، لكن ربما كان هذا بسبب زيادة حجمها بدرجة لا تشعرها بالراحة في القيام بذلك على ~~أية حال. # قلت الثلوج على نحو كبير، لكن الأشجار كانت لا تزال دون أوراق، وكانت أمي تأمر كارو ~~بارتداء معطفها في الصباح، لكنها كانت تعود إلى المنزل بعد انتهاء اليوم الدراسي وهي تجره ~~خلفها. # قالت أمي إنها ستضع توءما، لكن الطبيب قال إن هذا ليس صحيحا. # قال نيل مؤيدا فكرة التوءم: «إنه شيء رائع. رائع. الأطباء لا يعرفون شيئا.» # امتلأت الحفرة عن آخرها بالثلج الذائب وماء الأمطار؛ لذا كان يتعين على كارو ms086 أن تسير ~~حولها بحذر وهي في طريقها لتستقل حافلة المدرسة. لقد كانت تبدو كبحيرة صغيرة ساكنة ~~تتلألأ أسفل السماء الصافية، وتساءلت كارو - لكن دون الكثير من الأمل - إن كان يمكننا أن ~~نلهو فيها. # حذرتها أمي من أن تفقد صوابها، وقالت: «لا بد أنها على عمق عشرين قدما.» # قال نيل: «ربما عشر.» # قالت كارو: «لكنها لن تكون عميقة عند الأطراف.» # أخبرتها أمي بأنها كذلك. قالت: «إنها تتضاءل في الحجم فقط. تبا لهذا، إن الأمر لا يشبه ~~الذهاب إلى الشاطئ. ابتعدي عنها فحسب.» # لقد بدأت تتفوه بكلمة «تبا» كثيرا، ربما أكثر مما فعل نيل وبنبرة أكثر سخطا. # سألته: «هل علينا أن نبعد الكلبة عنها أيضا؟» # قال نيل إن هذا ليس بمشكلة، مضيفا: «الكلاب بمقدورها السباحة.» ~~••• # وفي أحد أيام السبت، شاهدت كارو معي برنامج الأطفال التليفزيوني «العملاق فريندلي»، ~~وصدر عنها بعض التعليقات التي أفسدت متعة المشاهدة. كان نيل مستلقيا على الأريكة التي ~~تبسط لتصبح فراشه هو وأمي. كان يدخن النوع المفضل لديه من السجائر، الذي لم يكن ~~مسموحا بتدخينه أثناء العمل؛ لذا كان يدخن أكبر قدر منه في عطلات نهاية الأسبوع. كانت ~~كارو في بعض الأحيان تزعجه وتطلب منه أن تجرب واحدة، وذات مرة تركها تفعل لكن طلب منها ~~ألا تخبر أمها. # لكن كنت أنا هناك ورأيتها وأخبرت أمي. # كان هناك تحذير لكنه لم يصل إلى حد الشجار. # قالت أمي: «أنت تعلم أنه قد يأخذ الطفلتين من هنا في أي وقت. لا تفعل هذا ثانية.» # قال نيل بلطف: «لن أفعل هذا ثانية. لكن ماذا لو أطعمهما بواقي فاسدة من رقائق رايس ~~كريسبيز.» # لم نكن نرى أبانا في بادئ الأمر على الإطلاق، وبعد انقضاء عيد الميلاد وضعنا خطة لرؤيته ~~في أيام السبت، ودائما ما كانت أمي تسألنا، بعد أن نزوره، إن كنا قد أمضينا وقتا طيبا ~~معه أم لا، وكنت أرد بالإيجاب دائما، وكنت أعني ذلك حقا؛ لأنه في اعتقادي إذا ما ذهب ~~المرء لمشاهدة أحد الأفلام، أو التطلع إلى بحيرة هورون، أو تناول ms087 طعامه في أحد المطاعم، ~~فهذا كان يعني أنه قد أمضى وقتا طيبا بالفعل. وكانت كارو ترد بالإيجاب أيضا، لكن بنبرة ~~كانت توحي بأنه ليس من شأن أمي التدخل في ذلك. ثم حدث أن أمضى أبي عطلة الشتاء في كوبا ~~(وقد علقت أمي على ذلك ببعض الدهشة، وربما بعض الاستحسان)، لكنه عاد وهو يعاني من نوع ~~من الأنفلونزا يحتاج وقتا طويلا في الشفاء منه؛ مما أدى إلى انقطاع زيارتنا له، وكان ~~من المفترض أن نستأنفها في فصل الربيع، لكن لم يحدث ذلك حتى الآن. # وبعد أن أغلق التليفزيون، أرسلتني أمي أنا وكارو إلى الخارج كي نلهو قليلا، كما تقول، ~~ونتنسم بعضا من الهواء العليل. وأخذنا معنا الكلبة. # وكان أول شيء فعلناه عندما خرجنا من المنزل هو حل تلك الأوشحة التي كانت تلفها أمي حول ~~أعناقنا وسحبها خلفنا. (في الواقع، كانت أمي كلما تقدمت في حملها، ازداد ميلها للتصرف ~~كأم تقليدية، على الأقل عندما يتعلق الأمر بالأوشحة التي لا نحتاجها، أو بتناول وجباتنا ~~بنحو منتظم، بالرغم من أننا ربما لم نكن نربط بين الأمرين؛ فلم يعد هناك ميل كبير نحو ~~التصرفات الغريبة كما كان الأمر في الخريف.) وسألتني كارو عما أريد أن أفعله، وأجبتها بأني ~~لا أدري. كان ذلك بمنزلة سؤال شكلي من جانبها، ولكنها كانت إجابة صادقة من جانبي. وعلى أية ~~حال، جعلنا الكلبة تقودنا، وكان اقتراح بليتزي هو الذهاب وإلقاء نظرة على الحفرة. كانت ~~الريح تجعل الماء تضطرب لتكون أمواجا صغيرة، وسرعان ما شعرنا بالبرد؛ لذا أعدنا ربط ~~الأوشحة حول أعناقنا. # لا أدري كم مر من الوقت ونحن نتجول حول حافة الماء، ونحن نعلم أنه لن يكون بإمكان ~~أحد أن يرانا من منزلنا المتنقل، وبعد فترة أدركت أنني تلقيت بعض الأوامر بهذا ~~الشأن. # فكان علي أنا أعود إلى المنزل المتنقل وأخبر أمي ونيل بشيء. # أخبرهما بأن الكلبة سقطت في الماء. # أن الكلبة سقطت في الماء، وأن كارو كانت تخشى أن تغرق. # بليتزي ... تغرق. # تغرق . # لكن بليتزي لم تكن في الماء. ms088 # قد تكون. وكارو يمكن أن تقفز كي تنقذها. # أعتقد أني أخذت أجادلها فيما يتعلق بأنها لم تسقط في الماء، وأنها لم تلق بها، وأنه ~~يمكن أن يحدث ذلك لكن الأمر ليس كذلك. كما تذكرت أيضا أن نيل قال إن الكلاب لا ~~تغرق. # أمرتني كارو أن أفعل ما أملته علي. # لماذا؟ # ربما أكون قد قلت هذا، أو من الجائز أني وقفت في مكاني فقط ولم أطع أوامرها؛ في ~~محاولة مني كي أجادل معها ثانية. # أستطيع أن أراها في ذهني وهي تحمل بليتزي وتقذفها في الماء، بالرغم من أن بليتزي كانت ~~تحاول أن تتشبث بمعطفها. ثم رجعت خطوات للوراء، رجعت للوراء لكي تجري مسرعة صوب ~~الماء. تجري، وتقفز، وعلى نحو مفاجئ تلقي بنفسها في الماء. لكني لا أستطيع أن أتذكر ~~صوت رذاذ الماء وهو يتناثر إثر ارتطامها بها، لم أدر إن كانت دفقات الماء قليلة أم ~~كبيرة، ربما استدرت عائدة نحو المنزل في ذلك الوقت؛ لا بد أني فعلت هذا. # عندما أحلم بذلك، أراني دائما أجري. وفي أحلامي أنا لا أجري نحو المنزل بل نحو حفرة ~~الحصى. يمكنني أن أرى بليتزي وهي تصارع الماء وكارو تسبح نحوها، تسبح بقوة، وهي في طريقها ~~لإنقاذها. أرى معطفها البني الفاتح ذا المربعات، ووشاحها المنقوش، ووجهها الذي تعلوه أمارات ~~الانتصار والفخر، وشعرها المائل للون الأحمر وقد أضحت ضفائره داكنة اللون بفعل الماء. ~~وكان كل ما علي فعله في نهاية الأمر هو أن أنظر إلى ما يحدث في سعادة، دون أن أكون ~~مطالبة بأي شيء آخر. # لكن ما قمت به حينها بالفعل هو أنني اجتزت ذلك المنحدر الصغير وهرعت نحو المنزل ~~المتنقل، وحينما وصلت إلى هناك جلست، كما لو أنه كان هناك مقعد أو شرفة، بالرغم من أن ~~المنزل المتنقل لم يكن به أي من هذا. جلست وانتظرت ما كان سيحدث بعد ذلك. # أدرك ذلك لأنه حقيقة، ومع هذا فلا أدري ماذا كانت خطتي أو فيما كنت أفكر. ربما ~~كنت أنتظر الحدث التالي في مسرحية كارو، أو ms089 بالأحرى مسرحية الكلبة. # لا أدري إن كنت قد مكثت هناك لمدة خمس دقائق، أم أكثر، أم أقل. ولم يكن الطقس باردا ~~جدا. # لقد ذهبت لأستشير إخصائية نفسية بشأن هذا وأقنعتني، لبعض الوقت، أنه لا بد أنني قد ~~حاولت فتح باب المنزل ووجدته محكم الغلق؛ محكم الغلق لأن أمي ونيل كانا يتضاجعان وقد ~~أغلقاه خشية أن يزعجهما أحد، ولو حدث أن قرعت الباب بقوة، لكانا سيغضبان. شعرت ~~الإخصائية النفسية بالارتياح لأننا توصلنا لهذه النتيجة، وشعرت أنا أيضا بهذا، لكن ~~لفترة من الوقت؛ لأنني لم أعد أعتقد أن ذلك كان صحيحا؛ فلا أظن أنهما قد أغلقا الباب ~~لأنهما لم يفعلا ذلك ذات مرة عندما كانا يتضاجعان، ودلفت كارو إلى المنزل وراحا يضحكان من ~~النظرة التي ارتسمت على وجهها. # ربما تذكرت أن نيل قد قال ذات مرة بأن الكلاب لا تغرق، وهو ما يعني أن إنقاذ كارو ~~لبلينزي لم يكن له داع؛ لذا فهي في هذه الحالة لن تتمكن من الاستمرار في لعبتها. وهناك ~~الكثير من الألعاب، مع كارو. # هل اعتقدت حينها أن بمقدورها السباحة؟ إن العديد من الأطفال يستطيعون السباحة في عمر ~~التاسعة. وقد اتضح، في الواقع، أنها تلقت درسا واحدا في السباحة في الصيف الماضي، ~~لكننا انتقلنا إلى منزلنا المتنقل فلم تتلق هي المزيد. ربما اعتقدت هي أن بمقدورها ~~السباحة بنحو جيد، وربما اعتقدت أنا بالفعل أن بمقدورها أن تفعل أي شيء تريده. # لم تشر الإخصائية النفسية إلى أنني ربما أكون قد سئمت من تنفيذ أوامر كارو، لكن ذلك ~~كان يجول بخاطري بالفعل، على الرغم من أنه ليس صحيحا تماما. ربما قد يكون هذا شعوري لو ~~كنت أكبر سنا؛ ففي ذلك الوقت كنت لا أزال أراها تملأ عالمي. # كم مر من الوقت وأنا أجلس هناك؟ من المرجح أنه لم يكن وقتا طويلا، ومن المحتمل أنني ~~قد طرقت الباب بالفعل، بعد فترة؛ ربما بعد دقيقة أو اثنتين. إن أمي تفتح الباب على أية حال ~~في بعض الأحيان دون سبب، لقد كان هذا ms090 هاجسا. # ما حدث بعد ذلك أنني دخلت المنزل، وكانت أمي تصيح في نيل وتحاول أن تجعله يفهم شيئا. نهض ~~من مكانه ووقف هناك وهو يتحدث إليها، ملامسا إياها في دعة ورقة ونوع من التعزية، ~~لكن أمي لم تكن تريد ذلك على الإطلاق، وابتعدت بنفسها عنه وجرت مسرعة خارج المنزل. هز ~~رأسه ونظر لأسفل نحو قدميه العاريتين، وأصابعهما الضخمة البائسة. # أعتقد أنه قال لي شيئا بنبرة حزن رتيبة. لقد كان غريبا. # وبخلاف ذلك ليس لدي أي تفاصيل أخرى. ~~••• # لم تلق أمي بنفسها في الماء، ولم تلد مبكرا بسبب الصدمة؛ فلم يولد أخي برينت إلا ~~بعد مرور أسبوع أو عشرة أيام بعد الجنازة، وقد ولد في ميعاده، ولا أعلم شيئا عن المكان ~~الذي مكثت به في انتظار ولادة الطفل؛ ربما أودعت أحد المستشفيات وأعطوها مهدئات بما ~~يتناسب مع حالتها. # إنني أتذكر يوم الجنازة جيدا؛ لقد اصطحبتني سيدة لطيفة ومريحة جدا لا أعرفها - ~~اسمها جوسي - في رحلة قصيرة. ذهبنا إلى مكان به بعض الأراجيح وما يشبه بيت الدمى الذي كان ~~كبيرا بما يكفي كي أدلف داخله، وتناولنا طعام الغداء الذي احتوى على أطعمتي المفضلة، ~~لكنه لم يكن بالكثير بحيث أصاب بالتخمة. وأصبحت جوسي من الأشخاص الذين توثقت صلتي بهم ~~فيما بعد. لقد أقام أبي معها علاقة صداقة عندما كان في كوبا، وبعد الطلاق أصبحت زوجة ~~أبي؛ أي زوجته الثانية. # تعافت أمي، وكان لزاما عليها ذلك؛ فقد كان هناك برينت الذي يجب عليها أن تعتني به، وكذلك ~~أنا لمعظم الوقت. أعتقد أني أقمت مع أبي وجوسي حالما تستقر هي في المنزل الذي عزمت على ~~الإقامة فيه لبقية حياتها، ولا أتذكر أني أقمت مع برينت حتى كبر بدرجة تمكن فيها من ~~الجلوس في كرسي الطعام العالي خاصته. # عادت أمي إلى ممارسة مهامها القديمة في المسرح، وربما كانت تؤدي نفس العمل الذي كانت ~~تؤديه من قبل؛ وهو مرشدة مقاعد متطوعة، لكن بحلول الوقت الذي التحقت فيه بالمدرسة كانت ~~لديها وظيفة بالفعل، بمرتب ثابت، ومسئوليات على مدار ms091 العام؛ لقد أصبحت مديرة المسرح. ~~واستمر المسرح، على الرغم من مروره بالعديد من التقلبات، ولا يزال مستمرا حتى ~~الآن. # لم يكن نيل يؤمن بالجنازات؛ لذا لم يحضر جنازة كارو، ولم ير برينت مطلقا. ولقد ترك ~~خطابا - وقد علمت ذلك فيما بعد - يقول فيه إنه ما دام لا ينوي أن يتصرف كأب، فمن ~~الأحرى أن ينسحب من البداية. ولم أذكر شيئا عنه مطلقا لبرينت؛ لأني كنت أعتقد أن ذلك ~~الأمر سيغضب أمي، وكذلك لأن برينت لم يكن يشبه كثيرا نيل، بل كان في الواقع يشبه أبي ~~بصورة أكبر، لدرجة أنني تساءلت عما حدث وقتما حملت به أمي. ولم يذكر أبي شيئا عن ~~هذا مطلقا ولن يفعل؛ إنه كان يعامل برينت مثلما يعاملني تماما، لكنه كان من ذلك النوع من ~~الرجال الذي كان سيفعل ذلك على أية حال. # لم يرزق هو وجوسي بأي أطفال، لكن في اعتقادي أن ذلك لم يسبب لهما أي ضيق. كانت جوسي ~~هي الوحيدة التي تتحدث عن كارو، لكنها لم تكن تفعل ذلك كثيرا؛ كانت تقول إن أبي لا يحمل ~~أمي مسئولية ما حدث، لكنه قال أيضا إنه لا بد أنه كان شخصا تقليديا عندما أرادت أمي ~~بعض الإثارة في حياتها، وقد كان بحاجة إلى صدمة قوية حتى يفيق، وها قد حدثت. ولا داعي ~~للشعور بالأسى حيالها، فلولا تلك الصدمة ما كان له أن يعثر على جوسي، وأن يحصل الاثنان على ~~ذلك القدر من السعادة التي يعيشان فيها الآن. # كنت أقول له: «أي اثنين؟» لمجرد أن أخفف من حدة الكلام، وكان هو يقول في غضب: «جوسي، ~~جوسي بالطبع.» # لم يكن يمكنني أن أجعل أمي تتذكر أيا من هذه الأوقات، ولم أشأ أن أزعجها بذلك. ~~أعلم أنها قد ذهبت بسيارتها عبر الطريق القصير الذي كنا نعيش فيه، ووجدته قد تغير ~~كثيرا؛ حيث شيدت المنازل العصرية التي تراها الآن فوق الأراضي غير المستغلة، وقد ~~ذكرت هذا بشيء من الاحتقار الذي بعثته تلك المنازل في داخلها. لقد ذهبت أنا بنفسي إلى ms092 ~~ذلك المكان، لكني لم أخبر أحدا بهذا؛ كنت أرى أن التقسيم الذي يحدث داخل العائلات هذه ~~الأيام من جراء ذلك لهو خطأ كبير. # حتى المكان الذي توجد به حفرة الحصى، قد شيد فوقه منزل الآن، وسويت الأرض ~~تحته. ~~••• # لدي صديقة الآن تدعى روثان، وهي تصغرني لكني أعتقد أنها أكثر حكمة مني بعض الشيء، أو ~~على الأقل أكثر قدرة على مواجهة حالتي المزاجية المتقلبة، ولولا تشجيعها لي، ما كنت ~~لأتواصل مع نيل ثانية. بالطبع، ولفترة طويلة، لم تكن لدي وسيلة للتواصل معه، كما لم ~~يكن لدي استعداد لذلك، وظل الوضع هكذا لفترة طويلة، حتى راسلني هو أخيرا؛ فقد بعث ~~برسالة قصيرة يعرب فيها عن تهانيه لي بعدما رأى صورتي في مجلة «ألوميني جازيت»، ولا أدري ~~ما الذي جعله يتصفح تلك المجلة. فقد حصلت على إحدى الدرجات العلمية مع مرتبة الشرف، وهي ~~مسألة كانت تعد هامة لكن وسط دائرة محددة، ولم تكن كذلك خارجها. # كان يقطن على بعد خمسين ميلا تقريبا من المكان الذي أعمل فيه بالتدريس، والذي تصادف ~~أيضا أنه كان مكان الجامعة التي كنت أدرس بها، وتساءلت في نفسي: هل كان هناك في ذلك الوقت؟ ~~على مقربة كبيرة مني هكذا؟ هل أصبح أستاذا؟ # لم أكن أنوي في البداية أن أرد على رسالته، لكني أخبرت روثان بالأمر، وقالت إنه علي ~~أن أفكر في الرد عليه؛ وهكذا، كانت النتيجة أنني بعثت إليه برسالة إلكترونية، وحددنا ~~موعدا للمقابلة. كان من المفترض أن أقابله في بلدته، في مكان خال من أي إزعاج بمطعم ~~الجامعة، وحدثت نفسي بأنه إذا بدا لي شخصا غير محتمل - ولم أكن أدري تماما ما كنت ~~أعنيه بذلك - فبإمكاني أن أتركه وأمضي. # وجدته أقصر قامة مما كان عليه، وهكذا يبدو لنا البالغون في العادة بعدما نكبر. كان شعره ~~خفيفا، مصففا بعناية فوق رأسه. طلب لي قدحا من الشاي، وكان هو يحتسي قدحا من الشاي ~~أيضا. # ماذا كان يعمل لكسب عيشه؟ # قال إنه كان يعطي دروسا للطلبة من أجل تأهيلهم للامتحانات، كما ms093 أنه أيضا كان يعاونهم في ~~كتابة المقالات المطلوبة منهم، وبمقدورك أن تقول إنه أحيانا كان يكتب تلك المقالات لهم، ~~وبالطبع كان يأخذ مقابل ذلك. ~~«بمقدوري أن أقول لك إن هذا العمل ليس مربحا على نحو كبير.» # أخبرني أنه كان يعيش في أحد المنازل المتواضعة، أو شبه المتواضعة، وقد كان يروق له. وكان ~~يحصل على بعض الملابس من منظمة جيش الخلاص الخيرية، ولم يكن هذا بالشيء السيئ أيضا بالنسبة ~~إليه. ~~«إن هذا يتناسب مع مبادئي.» # لم أهنئه على أي من هذا، ولكني، حقا، كنت أشك في أنه كان يتوقع مني ذلك. ~~«على أية حال، لا أعتقد أن أسلوبي في الحياة أسلوب مشوق جدا، وأعتقد أنك ربما تريدين أن ~~تعرفي كيف وقع الأمر.» # لم أدر كيف أرد. # قال: «لقد كنت حينها واقعا تحت تأثير المخدرات، وإضافة إلى ذلك لم أكن أستطيع السباحة؛ ~~فلم يكن هناك الكثير من المسابح في المكان الذي نشأت به، وكنت سأغرق أنا الآخر لو حاولت ~~إنقاذها. أهذا ما كنت تبغين معرفته؟» # قلت له إنه في الواقع لم يكن الشخص الذي كنت أتساءل بشأنه. # ثم أضحى ثالث شخص أسأله: «في اعتقادك ماذا كان يدور في ذهن كارو؟» # كانت الإخصائية النفسية قد قالت إنه ليس بمقدورنا أن نعرف ذلك، وأضافت: «من المرجح أنها ~~هي نفسها لم تكن تعرف ما الذي تريده. أهو جذب الانتباه؟ لا أعتقد أنها كانت تريد أن تغرق ~~نفسها. هل كانت محاولة لجذب انتباه الآخرين لمدى سوء حالتها النفسية؟» # وقد قالت روثان: «هل قصدت أن تدفع أمك لفعل ما كانت تريده هي، أم قصدت أن تدفعها لإعادة ~~التفكير في حياتها وأن ترى ضرورة العودة إلى والدك؟» # قال نيل: «هذا لا يهم الآن. ربما اعتقدت أنه يمكنها تحريك أطرافها بنحو أفضل مما ~~قامت به، أو ربما لم تدرك كيف أن حجم ملابس الشتاء الثقيلة التي كانت ترتديها من الممكن ~~أن يتسبب في غرقها، أو ربما لم يكن هناك أحد في وضع يسمح له بمساعدتها.» # قال لي: «لا تضيعي ms094 وقتك. إنك تفكرين فيما كان يمكن أن يحدث لو أسرعت وأخبرتنا، أليس ~~كذلك؟ هل تحاولين أن تلقي باللائمة على نفسك؟» قلت له إنني فكرت فيما كان يقوله، لكن ~~الأمر ليس كذلك. # قال: «المهم أن تكوني سعيدة، بغض النظر عن أي شيء. عليك أن تحاولي فقط. إن بمقدورك ~~ذلك، وسيصبح الأمر أخف وطأة؛ فنحن ليس بأيدينا أن نفعل شيئا حيال الظروف. قد لا تعتقدين ~~أن ما حدث خير. تقبلي كل شيء كما هو، وسيتلاشى شعورك بالمأساة، أو قد يقل، على أية ~~حال، وها أنت هنا تشقين طريقك بسلاسة في هذا العالم.» # ثم ودعني وذهب. ~~••• # فهمت ما كان يقصده، وهو حقا الشيء الصحيح الذي ينبغي علي فعله. لكني ما زلت أرى كارو ~~في ذهني وهي تجري صوب الماء وتقذف بنفسها فيه، كما لو أنها حققت انتصارا، وما زلت أنا ~~مشدوهة، بانتظار أن تفسر لي ما حدث، بانتظار دفقة الماء عند وقوعها فيها. # | الملاذ # وقع كل هذا في سبعينيات القرن الماضي، بالرغم من أنه في تلك البلدة والبلدات الصغيرة ~~الأخرى المشابهة لها، لم تكن فترة السبعينيات كما نتصورها نحن الآن، أو حتى كما عرفتها ~~أنا في فانكوفر. كان شعر الصبية أطول من المعتاد قبل ذلك، لكنه لم يكن يتدلى على ~~ظهورهم، ولم يبد أن هناك أي قدر غير معتاد من التحرر أو التحدي السافر من ~~جانبهم. # بدأ زوج خالتي في مضايقتي بسبب صلاة مباركة الطعام؛ لأني لم أكن أقوم بها. كنت وقتها ~~في الثالثة عشرة من عمري، وأعيش معه ومع خالتي، وذلك في العام الذي مكث فيه والداي في ~~أفريقيا. إنني لم أحن رأسي مطلقا من قبل أمام أي طبق طعام. # قال العم جاسبر بينما كنت ممسكة بشوكة الطعام في الهواء، وتوقفت عن مضغ البطاطس ~~واللحم اللذين كانا في فمي بالفعل: «بارك لنا يا رب طعامنا هذا ليفيد أجسادنا، ~~وباركنا لنكون في خدمتك.» # قال: «هل تشعرين بالدهشة؟» وذلك بعدما أنهى الصلاة قائلا: «بيسوع. آمين.» كان يريد أن ~~يعرف إذا ما كان والداي يرددان ms095 صلاة مختلفة، ربما بعد فروغهما من تناول الطعام. # قلت له: «إنهما لا يرددان أي شيء.» # قال: «ألا يفعلان حقا؟» تفوه بهذه الكلمات باندهاش مصطنع، وأضاف: «إنك بالقطع ~~لا تعنين هذا؟ كيف لأشخاص لا يتلون صلاة مباركة الطعام أن يذهبوا إلى أفريقيا كي يعظوا ~~الوثنيين؟ فكري في هذا.» # بدا أن والدي لم يقابلا في غانا - حيث كانا يعملان كمدرسين - أيا من الوثنيين؛ ~~فالمسيحية منتشرة بنحو باعث على الدهشة في كل مكان حولهم، ويتجلى ذلك حتى في اللافتات ~~الملصقة على ظهور الحافلات. # قلت، ولسبب ما استثنيت نفسي: «إن والدي من الموحدين.» # هز العم جاسبر رأسه وطلب مني أن أفسر له معنى الكلمة؛ أليسا مؤمنين برب موسى؟ أو ~~برب إبراهيم؟ هما بالقطع ليسا من اليهود ولا المسلمين، أليس كذلك؟ ~~«في الغالب، كل شخص له فكرته الخاصة به عن الإله.» قلت ذلك ربما بنحو أكثر حزما مما ~~توقع. كان لدي أخوان في الجامعة، لكن يبدو أنهما لن يصبحا من الموحدين؛ لذا كنت ~~معتادة على المناقشات الحادة الدينية - وكذلك تلك التي تحتوي على أفكار إلحادية - حول ~~مائدة العشاء. # وأضفت قائلة: «لكنهما يؤمنان بفعل الخير، وبأن يحيا المرء حياة صالحة.» # لقد أخطأت عندما قلت هذا؛ فلم يرتسم فقط على وجه زوج خالتي تعبير ينم عن الارتياب - ~~حيث رفع حاجبيه وأومأ برأسه في تعجب - وإنما بدت الكلمات التي خرجت من فمي غريبة حتى ~~بالنسبة إلي أنا أيضا؛ خلتها مجرد كلمات رنانة مفرغة من المضمون. # لم أكن راضية عن فكرة ذهاب والدي إلى أفريقيا؛ فقد كنت معترضة على إلقائي هكذا إلى ~~خالتي وزوجها، وذلك على حد وصفي للأمر، بل إنني ربما كنت سأخبر والدي الشديدي الصبر، أن ~~أعمالهما الصالحة ما هي إلا درب من الحماقة؛ ففي منزلنا كان لنا مطلق الحرية في أن نعبر ~~عن أنفسنا كما يحلو لنا. هذا بالرغم من أنني لا أعتقد أن والدي أنفسهما كان سيتحدثان ~~أبدا عن «الحياة الصالحة»، أو «فعل الخير». # شعر زوج خالتي بالرضا للحظة ، وقال إنه يجب علينا أن نتوقف ms096 عن الحديث في هذا الموضوع؛ ~~لأنه هو ذاته بحاجة إلى أن يعود إلى عيادته ليمارس أعماله الصالحة بحلول الساعة ~~الواحدة. # أعتقد أن خالتي أمسكت حينها بشوكتها وشرعت في الأكل. لقد كانت ستنتظر حتى تنتهي تلك ~~المشاحنة؛ قد يكون ذلك بدافع العادة، أكثر منه بدافع الانزعاج من وقاحتي. لقد كانت معتادة ~~على الانتظار حتى تتأكد من أن زوجها قد انتهى من كل ما يبغي قوله، وحتى لو تحدثت إليها ~~بطريقة مباشرة، كانت تنتظر وتنظر إليه لترى إن كان يريد أن يجيب هو نيابة عنها. وكان ~~دائما كل ما تتفوه به مبهجا، وكانت تبتسم بمجرد أن تعرف أنه لا بأس من ابتسامها؛ لذا ~~كان من الصعب أن يعتقد المرء أنها شخصية مقهورة. وكان من الصعب أيضا الاعتقاد بأنها أخت ~~أمي؛ لأنها كانت تبدو أصغر سنا، وأكثر نضارة وهنداما، إضافة إلى أنها كانت دوما ~~توزع تلك الابتسامة الوضاءة. # أما أمي فكانت تسبق أبي في الحديث إن كان لديها شيء تريد أن تفصح عنه حقا، وكان هذا ما ~~يحدث في العادة. وكان أخواي - حتى ذاك الذي كان يقول إنه يفكر في اعتناق الإسلام كي ~~يؤدب النساء - ينصتان إليها دائما معتبرين إياها مكافئة لهما. # كانت أمي تقول في محاولة منها لأن تكون محايدة: «إن حياة دون مكرسة لخدمة زوجها.» ~~أو قد تقول في غلظة: «إن حياتها تدور في فلك هذا الرجل.» # كان هذا شيئا قد قالته في ذلك الوقت، ولم يكن يقصد من ورائه دائما أي نوع من ~~الإساءة، لكني لم أر امرأة تبدو بهذا القدر من الصدق كالخالة دون. # كانت أمي تقول إن الأمر كان سيختلف تماما، بالطبع، لو رزقا بأطفال. # لنتخيل هذا؛ أطفال يعترضون سبيل العم جاسبر، ويسعون بقوة من أجل الحصول على جزء من ~~اهتمام أمهم، وتراهم يمرضون، ويتجهمون، ويشيعون الفوضى في المنزل، ويرغبون في تناول طعام ~~لا يفضله هو. # هذا درب من المستحيل؛ فالمنزل ملكه هو فقط، وقائمة الطعام هو الذي يختارها، وكذلك ~~برامج التليفزيون والراديو. وحتى لو كان في عيادته ms097 بالجوار، أو في زيارة منزلية، يجب ~~انتظار موافقته قبل القيام بأي شيء. # لكن شيئا فشيئا أدركت أن هذا النظام يمكن أن يكون نظاما مريحا للغاية؛ فها هي ~~الملاعق والشوكات الفضية الخالصة اللامعة، والأرضيات الداكنة اللون المتلألئة، والأغطية ~~الكتانية الباعثة على الراحة؛ كانت كل تلك الأشياء المنزلية الرائعة تشرف عليها خالتي، ~~وتعمل برنيس الخادمة على نظافتها والحفاظ عليها. كانت برنيس تقوم بكل أعمال الطهي وكي ~~مناشف المائدة؛ كان كل الأطباء الآخرين في البلدة يرسلون الأغطية الكتانية خاصتهم إلى ~~المغسلة الصينية، بينما كانت برنيس والخالة دون نفسها تعلقان أغطيتنا على حبل الغسيل، ~~وهكذا تصبح ذات لون أبيض زاه عند تعرضها للشمس، وعطرة من أثر الريح، وكذا تجد كل ~~الملاءات وما شابهها فائقة النظافة وذات رائحة جميلة. كان زوج خالتي يرى أن الآسيويين ~~الصفر يضعون الكثير من النشا عند غسلهم تلك الأشياء. # وكانت خالتي تقول بصوت هادئ يحمل بعض المزاح، كما لو أنه كان يجب عليها أن تعتذر لكل من ~~زوجها ومن يعملون في المغسلة: «إن اسمهم الصينيون.» # قال زوج خالتي بصوت عال: «بل الآسيويون الصفر.» # كانت برنيس هي الوحيدة التي كانت تردد تلك الكلمة بصورة تلقائية. # وبالتدريج أصبحت أقل ولاء لمنزلي، بكل ما يحويه من جدية فكرية وفوضى فعلية. بالطبع، ~~كانت المحافظة على بيت أو ملاذ كهذا تستنزف كل طاقة أي امرأة؛ فلا يمكنك أن تفعلي ~~هذا وأنت تكتبين بيانات رسمية عن الفكر التوحيدي، أو وأنت في طريقك للهروب إلى ~~أفريقيا. (كنت أقول في بادئ الأمر: «إن والدي قد ذهبا «للعمل» في أفريقيا.» وذلك في كل ~~مرة كان يتحدث فيها أي شخص في ذلك المنزل عن هروبهما، ثم سئمت بعد ذلك من تصحيح ~~الأمر.) # كانت الكلمة المهمة هنا هي الملاذ. «إن أهم وظيفة لأي امرأة هي أن تكون بمنزلة الملاذ ~~لزوجها.» # هل قالت الخالة دون هذا بالفعل؟ لا أعتقد هذا؛ فهي تتجنب التصريح بمثل هذه العبارات. ~~ربما قرأتها في واحدة من مجلات الإدارة المنزلية الموجودة في هذا المنزل، والتي كانت ستصيب ~~أمي ms098 بالغثيان. ~~••• # في البداية، أخذت أستكشف البلدة، وقد عثرت على دراجة قديمة ثقيلة الوزن في الجزء ~~الخلفي من الجراج، وأخرجتها كي أقودها دون التفكير في الحصول على إذن بذلك. وبينما كنت ~~أهبط أحد المنحدرات في طريق مفروش بالحصب حديثا فوق الميناء، اختل توازني؛ أصبت ~~بخدوش شديدة في إحدى ركبتي، وكان علي أن أذهب إلى زوج خالتي في عيادته الملحقة ~~بالمنزل. تعامل بخبرة مع الجرح، وكان مركزا بشدة في عمله وجادا مع بعض الرفق، ولكن ~~دون إظهار أي مشاعر، ولا أي نوع من المزاح. قال إنه ليس بمقدوره أن يتذكر من أين جاءت ~~تلك الدراجة؛ إنها بمنزلة وحش قديم غادر، وإنني إذا ما كنت أحب قيادة الدراجات فإنه ~~يمكنني التفكير في إحضار دراجة ملائمة لي. وعندما تعودت أكثر على مدرستي الجديدة، ~~والقواعد المتعلقة بما تفعله الفتيات بعدما يصلن إلى سن المراهقة، أدركت أنه كان ~~غير مسموح لنا بقيادة الدراجات؛ لذا لم أحصل على واحدة. لكن ما أثار دهشتي هو أن زوج ~~خالتي نفسه لم يثر أي مسألة تتعلق بقواعد اللياقة، أو ما ينبغي أو لا ينبغي أن ~~تفعله الفتيات؛ فقد بدا أنه نسي في عيادته أنني شخص بحاجة إلى من يقومني في العديد من ~~الأمور، أو لمن يحثني، وخاصة على مائدة العشاء، على أن أحذو حذو الخالة دون. ~~«هل قدت الدراجة إلى هناك هكذا بمفردك؟» هذا ما قالته عندما سمعت بالأمر، وأضافت: ~~«عم كنت تبحثين؟ لا عليك، فسرعان ما سيكون لديك بعض الأصدقاء.» # كانت محقة بشأن اكتسابي بعض الأصدقاء، وبشأن الطريقة التي يمكن أن تحد من الأشياء التي ~~كان يمكنني فعلها. # لم يكن العم جاسبر مجرد طبيب، لكنه كان طبيبا ذا مكانة كبيرة؛ فقد كان هو من وقف وراء ~~بناء مستشفى البلدة، رافضا أن يطلق اسمه عليه. لقد نشأ فقيرا، لكنه كان ذكيا، وقد درس ~~بالمدرسة حتى يتمكن من تحمل تكاليف دراسته للطب. وقد أجرى عمليات ولادة، وعمليات ~~استئصال للزائدة الدودية في مطابخ المنازل الريفية، بعدما كان يشق الطريق بسيارته عبر ~~العواصف ms099 الثلجية، وحتى في فترة الخمسينيات والستينيات، كانت تقع مثل هذه الحالات. كان ~~ينظر إليه على أنه شخص لا يستسلم أبدا، وكان يعالج حالات تسمم الدم والالتهاب الرئوي، ~~وينجح في إنقاذ المرضى في الأيام التي لم تكن قد عرفت فيها العقاقير الجديدة بعد. # ومع هذا، كان يبدو هادئا في عمله مقارنة بأسلوبه في المنزل؛ بدا الأمر كما لو أن ~~المنزل في حاجة إلى مراقبة مستمرة، أما الإشراف في العيادة فلا ضرورة له بالرغم من أن ~~المرء قد يعتقد أن العكس تماما هو المطلوب. حتى الممرضة التي تعمل هناك لم يكن يوجد في ~~تعاملها معه أي شكل من أشكال الخنوع؛ فهي لم تكن كالخالة دون. أطلت برأسها من باب الحجرة ~~حيث كان يعالج جروح ركبتي، وقالت إنها ستغادر إلى منزلها مبكرا. ~~«عليك أن تجيب على مكالمات الهاتف، دكتور كاسل. تذكر أني أخبرتك.» # قال: «حسنا.» # كانت بالطبع متقدمة في العمر، ربما تخطت الخمسين، وامرأة في مثل هذا العمر يمكن أن ~~تحظى بقدر من السلطة. # لكني لا يمكنني تخيل أن الخالة دون يمكنها أن تحصل أبدا على هذا القدر. كانت لا تتغير ~~في شبابها الزاهي الذي يحدوه الخوف. وفي أيام إقامتي الأولى معهما، عندما كنت أعتقد أن ~~لدي الحق في التجول في أي مكان، صعدت إلى غرفة نوم خالتي وزوجها كي ألقي نظرة على ~~صورة لها موضوعة على طاولة الفراش التي بجواره. # كانت لا تزال تتمتع بتلك المنحنيات الجذابة في جسدها، والشعر المموج ذي اللون الداكن، ~~اللذين كانت تظهر بهما في تلك الصورة، لكنها كانت تضع فوق رأسها قبعة حمراء غريبة الشكل ~~تخفي جزءا من ذلك الشعر، وترتدي كيبا ذا لون أرجواني. وعندما نزلت للطابق السفلي، ~~سألتها عما كانت ترتديه في تلك الصورة، فردت: «ماذا تقصدين؟ أوه! إنه لباس طالبات ~~التمريض.» ~~«هل كنت ممرضة؟» # قالت: «أوه، لا.» ثم ضحكت كما لو أن ذلك يحمل قدرا من الجرأة الشديدة. ثم أضافت: «لم ~~أكمل دراستي في هذا المجال.» ~~«هل هذا هو ما جعلك تلتقين بالعم جاسبر؟» ms100 ~~«أوه، لا. لقد كان يمارس الطب قبل ذلك بسنوات عديدة، لقد التقيت به عندما كانت زائدتي ~~الدودية على وشك الانفجار. لقد كنت أقيم عند إحدى صديقاتي - أعني عند عائلة إحدى صديقاتي ~~هنا - وشعرت بآلام شديدة لكني لم أدر كنهها، وشخص هو الحالة وأستأصل زائدتي ~~الدودية.» أحمرت وجنتاها عند هذا الجزء أكثر من المعتاد، وقالت إنه ربما علي ألا ~~أصعد إلى غرفة النوم إلا عندما أحصل على إذن بذلك، لكني فهمت أن هذا كان يعني أنه ليس من ~~حقي ذلك مطلقا. ~~«هل ما زالت صديقتك هذه تقيم هنا؟» ~~«أوه، يجب أن تعرفي أن المرء لا يحتفظ بصداقاته بمجرد أن يتزوج.» # وتقريبا في نفس الوقت الذي علمت فيه هذه الحقائق، اكتشفت أيضا أن العم جاسبر لديه ~~عائلة، وذلك بخلاف ما كنت أعتقد من قبل؛ فقد كانت له أخت تحقق هي الأخرى نجاحات ~~كبيرة، على الأقل من وجهة نظري؛ فقد كانت عازفة؛ عازفة كمان. وكان اسمها مونا، وربما هذا ~~هو اسم الشهرة، أما اسمها الحقيقي الذي عمدت به فهو مود، كان اسمها مونا كاسل. المرة ~~الأولى التي علمت فيها بوجودها كانت عندما أقمت في البلدة لنحو نصف العام الدراسي، ولمحت ~~في طريق عودتي من المدرسة إلى المنزل ذات يوم ملصقا من الملصقات الموضوعة على نافذة ~~مكتب الجريدة، يعلن عن إقامة حفل موسيقي في مبنى البلدية بعد أسبوعين، وسيحيي الحفل ثلاثة ~~عازفين من تورونتو. كانت مونا كاسل في الإعلان هي المرأة الطويلة القامة ذات الشعر الشائب، ~~وكانت تمسك بيدها آلة كمان، وعندما عدت إلى المنزل أخبرت الخالة دون بتشابه الأسماء، ~~ولكنها قالت: «أوه، نعم. إنها أخت زوجي.» # ثم أردفت قائلة: «لكن لا تذكري شيئا عن هذا ثانية.» # ثم شعرت أن عليها أن تفصح عن المزيد. ~~«أتعلمين أن زوجي لا يروق له مثل هذا النوع من الموسيقى؛ الموسيقى السيمفونية؟» # ثم أضافت المزيد. # قالت إن أخته تكبره ببضع سنوات، وقد حدث شيء ما حينما كانا صغيرين؛ فقد رأى بعض الأقارب ~~أنه لا بد من أخذ الفتاة ms101 ومنحها فرصة أفضل لأنها تتمتع بموهبة موسيقية كبيرة؛ لذا فقد ~~شبت بطريقة مختلفة، ولم تكن ثمة صفات مشتركة بينها وبين أخيها. وقد كان هذا بالفعل هو كل ~~ما تعرفه عنها، وحتى هذا القدر الضئيل الذي حكته لي خالتي من القصة، ما كان العم جاسبر ~~ليرضى بأن تقصه على مسامعي. # قلت: «هل هو لا يحب حقا هذا النوع من الموسيقى؟ إذن ما نوع الموسيقى الذي ~~يفضله؟» ~~«يمكنك القول إنه يفضل الأشكال الأكثر قدما من الموسيقى، لكن بالقطع ليس الموسيقى ~~الكلاسيكية.» ~~«هل يحب فرقة البيتلز؟» ~~«أوه يا إلهي، بالطبع لا.» ~~«ولا موسيقى لورنس ويلك؟» ~~«لا يجوز لنا أن نناقش هذا، أليس كذلك؟ لم يكن ينبغي علي الخوض في هذا.» # تجاهلت ما قالته. ~~«إذن ماذا تفضلين أنت؟» ~~«إنني أحب كل أشكال الموسيقى.» ~~«لكن يجب أن تفضلي بعض الأشكال على الأشكال الأخرى.» # لم تقل شيئا واكتفت بواحدة من ابتساماتها الصغيرة. كانت ابتسامة يشوبها بعض التوتر، ~~وكانت تشبه تلك الابتسامة التي تمنحها، على سبيل المثال، للعم جاسبر وهي تسأله عن رأيه في ~~طعام العشاء، وإن كانت هذه الابتسامة تنم عن قلق أكبر. وكان في الغالب تقريبا يعبر ~~لها عن استحسانه، لكن مع إبداء بعض الملاحظات؛ فكان يقول: جيد، لكنه حار بعض الشيء، أو ~~تنقصه بعض التوابل، وربما كان يقول إنه يحتاج إلى مزيد من النضج، أو إنها قد تركته ينضج ~~لفترة طويلة. وذات مرة قال: «إنه لا يروق لي.» ورفض أن يفصح عن السبب، وتلاشت ابتسامتها ~~ومطت شفتيها وسيطرت على أعصابها بنحو بطولي. # ماذا كان يحتوي هذا العشاء؟ أعتقد أنه كان كاري، لكن ربما اعتقدت كذلك لأن والدي لم يكن ~~يفضله، بالرغم من أنه لم تكن تصدر عنه أي شكوى عندما كان يطهى. وقد نهض زوج خالتي وصنع ~~لنفسه سندوتشا من زبدة الفول السوداني، وتأكيده على رأيه هو ما كان يرقى لمستوى الشكوى. ~~ولم تكن خالتي تهدف إلى إثارة استفزازه من خلال تقديم أي نوع من الطعام، وربما كان هناك ~~شيء غير مألوف قليلا في ms102 إحدى المجلات وبدا بمثابة وجبة جيدة. وحسبما أتذكر، تناول العم ~~جاسبر وجبته عن آخرها قبل أن يصدر حكمه؛ لذا فما كان يحركه ليس هو الشعور بالجوع، لكنها ~~الحاجة إلى التفوه بعبارة تنم بصورة تامة وقوية عن عدم استحسانه لنوع الطعام المقدم ~~له. # يخيل إلي الآن أنه ربما يكون قد حدث شيء خطأ بالمستشفى في ذلك اليوم؛ فربما توفي ~~أحدهم، ولم يكن من المفترض أن يحدث ذلك، وربما لم تكن المشكلة تكمن في الطعام على الإطلاق، ~~لكني لا أعتقد أن ذلك قد خطر على ذهن الخالة دون، وإن حدث ذلك بالفعل، فإنها لم تفصح عن ~~شكوكها؛ فقد كانت آسفة بشدة على ما حدث. ~~••• # في ذلك الوقت، كانت الخالة دون تواجه مشكلة أخرى، ولكني لم أدركها إلا فيما بعد؛ فقد ~~كانت لديها مشكلة مع الزوجين اللذين يقطنان في المنزل المجاور. لقد انتقلا إلى منزلهما ~~الجديد في نفس الوقت الذي قدمت فيه أنا تقريبا إلى منزل خالتي. كان الزوج هو المفتش على ~~مدرسة المقاطعة، وكانت الزوجة معلمة موسيقى، وقد كانا تقريبا في نفس عمر الخالة دون، وكان ~~يصغران العم جاسبر. ولم يكن لديهما أطفال أيضا، مما جعلهما يتفرغان للحياة الاجتماعية. ~~كما أنهما كانا في مرحلة التعرف على مجتمع جديد يبدو فيه كل شيء مشرقا وبسيطا؛ ومن هذا ~~المنطلق، فقد دعوا الخالة دون والعم جاسبر إلى منزلهما لتناول بعض المشروبات. كانت ~~الحياة الاجتماعية لخالتي وزوجها محدودة للغاية، ومعروف في المدينة أنها كذلك، حتى إن ~~خالتي لم تعتد أن ترد بالرفض لأي دعوة من قبل؛ وهكذا، وجدا أنفسهما يزورانهما، ~~ويتناولان المشروبات معهما ويتجاذبان أطراف الحديث، وأتخيل أن العم جاسبر قد راقت له ~~تلك المناسبة، على الرغم من أنه لم يغفر لخالتي فداحة جرمها بقبول دعوة هذه ~~الزيارة. # والآن قد أصبحت خالتي في مأزق؛ فقد أدركت أنه حينما يدعوك أحد لمنزله وتذهب بالفعل، ~~فمن المفترض أن ترد أنت أيضا له الدعوة؛ فتقدم له المشروبات وكذلك القهوة في المقابل، ~~وليس ثمة داع لإعداد طعام لهم. لكن حتى ms103 ذلك القدر الضئيل المطلوب لم تدر كيف تقدمه. ~~لم يجد زوج خالتي ما يعيب الجيران، لكنه ببساطة لا يحبذ استضافة شخص غريب في منزله، ~~تحت أي ظرف. # ثم لاحت إمكانية لحل تلك المعضلة من خلال الأخبار التي أحضرتها إليها؛ فالموسيقيون ~~الثلاثة الذين كانوا سيأتون من تورونتو - والذين من بينهم مونا بالطبع - كانوا سيقدمون ~~عرضهم في مبنى البلدية لليلة واحدة فقط، وتصادف أنها تلك الليلة التي سيكون فيها العم ~~جاسبر خارج المنزل ويضطر للبقاء خارجه لوقت متأخر بعض الشيء؛ فهي ليلة الاجتماع ~~والعشاء السنويين العامين لأطباء المقاطعة. وهي ليست بوليمة، وكانت الزوجات غير ~~مدعوات. # كان الجاران ينويان حضور الحفل الموسيقي، وكان لزاما عليهما هذا، إذا ما وضعنا في ~~الاعتبار مهنة الزوجة. لكنهما وافقا على رد الزيارة بمجرد أن ينتهي الحفل الموسيقي، ~~لتناول القهوة والأطعمة الخفيفة، وأن يلتقوا - وهو الأمر الذي جاوزت به خالتي حدودها - ~~الموسيقيين الثلاثة الذين سيأتون للزيارة أيضا ويمكثون لبضع دقائق. # لا أدري القدر الذي أفصحت عنه خالتي بشأن علاقتها بمونا كاسل. وإن كان لديها القليل ~~من حسن التقدير، فمن المفترض ألا تكون قد أفصحت عن شيء. وحسن التقدير هو شيء ~~تتمتع بالكثير منه معظم الوقت، وأنا على ثقة من أنها قد أوضحت بالفعل أن زوجها لن ~~يتمكن من الحضور في تلك الليلة، لكنها ما كانت لتتجاوز حدود المنطق وتخبرهما بأنه ينبغي ~~أن يخفى أمر ذلك اللقاء عنه. وماذا عن إخفائه عن برنيس التي تعود لمنزلها في وقت العشاء، ~~وبالقطع ستشتم رائحة تلك الترتيبات؟ لا أدري. والأهم من هذا كله كيف استطاعت خالتي توجيه ~~الدعوة للعازفين؟ هل كانت على اتصال بمونا طوال الوقت؟ لا ينبغي أن أفكر على هذا ~~النحو؛ فليس من شيمها بالقطع أن تخدع زوجها هكذا على مدى طويل. # أتخيل أنها قد تصرفت بتهور وكتبت رسالة وذهبت بها إلى الفندق الذي كان يقيم ~~فيه أفراد الفرقة؛ فلم يكن لديها عنوانهم في تورونتو. # وحتى عندما دخلت الفندق، لا بد أنها تساءلت عمن يمكن أن يكون قد لمحها، وتضرعت ms104 ~~للرب بألا تصل الرسالة إلى المدير، الذي كان يعرف زوجها، لكن الموظفة الجديدة، التي كانت ~~سيدة شابة، كانت غريبة بعض الشيء عن البلدة، وربما حتى لا تعرف أنها زوجة الطبيب. # وربما تكون قد ألمحت للعازفين أنها لا تتوقع أن يمكثوا إلا لفترة قليلة؛ حيث إن ~~الحفلات الموسيقية متعبة للغاية، ويكون على العازفين فيها أن يشقوا طريقهم إلى بلدة ~~أخرى مبكرا في صباح اليوم التالي. # لكن لماذا تحملت تلك المخاطرة؟ لماذا لم تستقبل الجارين فقط وترحب بهما بنفسها؟ من ~~الصعب التكهن بذلك. ربما شعرت بأن ليس بمقدورها إدارة الحوار بمفردها؛ ربما أرادت أن ~~تظهر لمحة من الصداقة أو القبول لأخت زوجها، التي لم تلتق بها مطلقا من قبل على حد ~~علمي. # لا بد أنها كانت تشعر بالارتباك بسبب تآمرها ذلك، فضلا عن قلقها الشديد وتضرعها بأن ~~يسير كل شيء كما تريده، وأن يحالفها الحظ خلال الأيام السابقة على اللقاء، عندما كانت ~~هناك خطورة بأن يكتشف العم جاسبر الأمر عن طريق الصدفة؛ فقد يلتقي بمعلمة الموسيقى، على ~~سبيل المثال، في الشارع، وتشرع في التعبير له بحماس عن شكرها وترقبها للقاء. ~~••• # لم يكن العازفون يشعرون بإرهاق شديد بعد انتهاء الحفلة الموسيقية، كما قد يعتقد المرء، ~~ولم تثبط همتهم بسبب صغر عدد الجمهور في مسرح مبنى البلدية، وهو الأمر الذي ربما لم ~~يمثل مفاجأة؛ فحماس الجارين، والدفء الذي كان يشع من غرفة المعيشة (حيث كان مبنى ~~البلدية شديد البرودة)، وكذلك توهج الستائر القطيفة ذات اللون الأحمر الفاتح، التي كانت ~~تبدو ذات لون كستنائي باهت أثناء النهار لكنها كانت باعثة على البهجة بعد أن يحل الظلام؛ كل ~~تلك الأشياء كانت كفيلة برفع معنوياتهم؛ فالوحشة التي لمسوها بالخارج كانت تتناقض مع ما ~~شعروا به في الداخل، وقد أدت القهوة التي قدمت إلى أن يسري الدفء في أوصال أولئك ~~الغرباء الذين أعياهم الطقس السيئ، فضلا عن خمر الشيري الذي أعقب القهوة؛ فقد قدم خمر ~~الشيري أو البورت في كئوس من الكريستال ذات أحجام وأشكال ملائمة، بجانب قطع ms105 الكعك ~~الصغيرة المزينة بشرائح جوز الهند، والبسكويت الناعم الذي على شكل معين أو هلال، ~~وبسكويت ويفر الشوكولاتة. إنني لم أر مثل هذه الأشكال من قبل؛ فأبواي كانا يقيمان ~~حفلات يتناول فيها الضيوف الفلفل الحار في أواني من الفخار. # ارتدت الخالة دون ثوبا ذا تصميم بسيط مصنوع من قماش الكريب باللون القرنفلي المائل ~~للون الأصفر، وكان من ذلك النوع من الثياب الذي يمكن أن ترتديه امرأة أكبر سنا منها ~~ويجعلها وقورة في ثوب لا يخلو من زينة، لكن خالتي كانت تبدو وكأنها تشارك في احتفال ~~فاضح بعض الشيء. وكانت جارتها متأنقة هي الأخرى، وربما بصورة أكثر مما تتطلبها ~~المناسبة. أما الرجل القصير الممتلئ الذي كان يعزف على آلة التشيلو، فقد ارتدى بذلة سوداء، ~~ورابطة عنق فراشية الشكل أنقذته من أن يظهر بمظهر متعهد دفن الموتى، وارتدت عازفة ~~البيانو، التي كانت زوجته، ثوبا أسود اللون به الكثير من الكشكشة التي لا تلائم قوامها ~~العريض. لكن مونا كاسل كانت مشرقة كالقمر بفستانها الانسيابي ذي الحلى الفضية؛ كانت ~~ذات قوام ضخم، وأنف كبير كأنف أخيها. # لا بد أن الخالة دون قد أعدت البيانو، وإلا لما التفوا حوله هكذا. (وإذا ما بدا أن ~~وجود البيانو في المنزل شيء غريب، مع الوضع في الاعتبار آراء عمي عن الموسيقى التي سرعان ما ~~سيكشف عنها، فلا يسعني إلا أن أقول إن كل المنازل التي من نفس طراز منزل خالتي، وتنتمي ~~لنفس الفترة التي كان موجودا فيها؛ كان يجب أن تضم واحدا.) # طلبت جارتنا أن تستمع إلى مقطوعة «موسيقى الليل الصغيرة» لموتسارت، وقد أيدتها في ~~طلبها كنوع من التباهي؛ والواقع أنني لم أكن أعرف شيئا عن المقطوعة الموسيقية سوى عنوانها ~~فقط، وذلك من خلال دراستي للغة الألمانية في مدرستي القديمة بالمدينة. # ثم طلب الزوج أن يستمع لمقطوعة ما، وبالفعل عزفه العازفون، وعندما انتهوا طلب الصفح ~~من الخالة دون بسبب وقاحته لأنه أسرع بطلب عزف مقطوعته المفضلة قبل أن يتسنى للمضيفة ~~أن تطلب اللحن الذي تفضل سماعه. # قالت الخالة دون ms106 إن عليه ألا ينزعج بشأنها، فإنه يروق لها سماع كل شيء، ثم غرقت في ~~موجة من الخجل الشديد. ولا أدري إذا ما كانت تهتم بالموسيقى على الإطلاق، لكن بدا الأمر ~~بالقطع كما لو أنها تشعر بالإثارة بشأن شيء ما؛ ربما لأنها مسئولة شخصيا عن هذا ~~اللحظات، عن تلك البهجة المنتشرة في المكان. # هل يمكن أن تكون قد نسيت، لكن كيف يتسنى لها هذا؟ ينتهي اجتماع أطباء المقاطعة، ~~العشاء السنوي، وكذلك انتخاب المسئولين في الغالب بحلول العاشرة والنصف، وقد أضحت الآن ~~الحادية عشرة مساء. # لقد فات الأوان، لقد فات الأوان. ولاحظ كلانا تأخر الوقت. ~~••• # إن الباب الخارجي الحاجز كان يفتح آنئذ، ثم الباب المؤدي إلى البهو الأمامي، ودون أن ~~يتوقف العم جاسبر هناك كعادته كي يخلع حذاءه العالي الرقبة، أو معطفه الثقيل أو وشاحه، ~~دلف بخطى واسعة إلى غرفة المعيشة. # لم يتوقف العازفون الذين كانوا في منتصف عزفهم لإحدى القطع الموسيقية، وحيا الجاران ~~زوج خالتي بابتهاج لكن بصوت خفيض مراعاة للموسيقى التي كانت تعزف. وقد بدا بضعف ~~حجمه الحقيقي بمعطفه الذي فك أزراره، ووشاحه الذي حله، وبحذائه العالي الرقبة الذي كان ~~لا يزال يرتديه. حدق بغضب، لكن لم تكن نظراته مصوبة نحو شخص بعينه، ولا حتى نحو ~~زوجته. # ولم تكن هي تنظر باتجاهه، وقد شرعت في رفع الأطباق من المائدة التي بجوارها واضعة كل ~~طبق فوق الآخر، ولم تلحظ حتى وجود بقايا الكعك التي تفتتت بدورها عند وضع الأطباق بعضها ~~فوق بعض. # وبخطوات ليست بسريعة أو وئيدة، سار عبر غرفة المعيشة المزدوجة، ومنها إلى غرفة الطعام، ~~ومر عبر الباب الدوار إلى المطبخ. # كانت عازفة البيانو تجلس ويدها ساكنة فوق مفاتيح البيانو، وقد توقف عازف التشيلو عن ~~عزفه، أما عازفة الكمان فقد استمرت في العزف بمفردها؛ ولا أدري حتى الآن إن كانت تلك طريقة ~~عزف المقطوعة، أم أنها كانت تهزأ به عن عمد. لم ترفع بصرها - بقدر ما أستطيع أن أتذكر - ~~لمواجهة ذلك الرجل المتجهم، واهتز رأسها الضخم، الذي كان يكسوه الشعر ms107 الأبيض الذي يشبه ~~شعره، لكنه كان أكثر جفافا وتلفا بفعل الطقس السيئ بعض الشيء، لكن ربما كانت تهتز طوال ~~الوقت من قبل. # عاد وهو يحمل في يده طبقا مليئا بقطع لحم الخنزير وحبات الفاصوليا. لا بد أنه فتح ~~لتوه إحدى عبوات الطعام المعلب وأفرغ محتوياتها باردة في الطبق. لم يأبه بخلع معطفه ~~الثقيل، وشرع في تناول الطعام كما لو كان يجلس بمفرده ويشعر بالجوع، وظل كما هو لا يتطلع ~~إلى أحد وإنما كان يحدث ضجيجا بشوكة الطعام. قد تعتقد أنهم لم يقدموا ولو القليل من ~~الطعام في الاجتماع والعشاء السنويين لأطباء المقاطعة. # لم أره يأكل على هذا النحو مطلقا من قبل؛ فسلوكياته على المائدة كانت دوما تحمل بعض ~~الغطرسة، لكنها كانت مهذبة. # انتهت المقطوعة التي كانت أخته تعزفها، ربما بعد أن عزفت بالكامل، وقد انتهت قبل إحضار ~~العم جاسبر لحم الخنزير والفاصوليا بقليل. نهض الجاران واتجها نحو البهو الأمامي وارتديا ~~ملابس الخروج وأومآ برأسيهما مرة واحدة تعبيرا عن وافر امتنانهما، وذلك بعد أن ~~تملكهما اليأس من البقاء. # والآن شرع العازفون في المغادرة لكن دون عجالة؛ فعليهم حزم الآلات الموسيقية أولا ~~بنحو مناسب، حيث لا يمكن أن تدس بنحو عشوائي فحسب في حقائبها. لقد رتب العازفون ~~أشياءهم بطريقتهم التي لا بد أنها المعتادة وبصورة منظمة، ثم رحلوا هم أيضا بعد ذلك. لا ~~يمكنني تذكر شيء آخر مما قيل بعد ذلك، وما إذا كانت الخالة دون قد استجمعت شتات نفسها ~~كي تعبر عن شكرها لهم، أو تتبعهم حتى باب المنزل؛ فلم يكن بإمكاني أن أعير ذلك ~~اهتماما لأن العم جاسبر قد شرع في الحديث بصوت عال جدا، والشخص الذي وجه إليه ~~كلامه هو أنا. أعتقد أنني أتذكر أن عازفة الكمان صوبت إليه نظرها حينما شرع في ~~الحديث، لكنه تجاهلها تماما أو ربما لم يرها من الأساس. لم تكن نظرة تنم عن الغضب ~~كما يتوقع المرء، أو حتى توحي بالدهشة؛ لقد كانت متعبة بشدة فحسب، وكان وجهها باهتا ~~بصورة ربما لا يتخيلها المرء. ms108 # قال العم جاسبر موجها حديثه نحوي كما لو أنه لا يوجد غيري بالمكان: «والآن أخبريني: ~~هل يستمتع والداك بمثل هذه الأشياء؟ أعني، هذا النوع من الموسيقى؟ الحفلات الموسيقية وما ~~شابهها؟ هل دفعا نقودا من قبل من أجل الجلوس لساعتين وهم يتململان من التعب في ~~مقعديهما من أجل الاستماع لشيء لن يتذكراه بعد انقضاء نصف يوم فقط؟ هل يدفعان النقود ~~هكذا ببساطة لكي يخدعا على هذا النحو؟ هل تعرفين إن كانا يفعلان ذلك أم لا؟» # أجبت بالنفي، وكانت هذه هي الحقيقة؛ فلم أرهما يذهبان إلى حفلة موسيقية من قبل، ~~بالرغم من أنهما كانا يحبان الحفلات الموسيقية بوجه عام. ~~«أرأيت؟ إنهما يتحليان بقدر كبير من التعقل؛ الكثير من التعقل الذي يمنعهما من ~~الانضمام إلى كل هؤلاء الأشخاص الذين يحدثون كل ذلك الهرج والتصفيق، ويستمرون في تلك ~~الحماقة كما لو أن الأمر من إحدى عجائب العالم، هل تعرفين تلك النوعية من الأشخاص التي ~~أعنيها؟ إنهم كاذبون، مجرد كومة من روث الخيول؛ إنهم يفعلون ذلك على أمل أن يبدوا من أبناء ~~الطبقة العليا، أو على الأرجح أن يجعلوا زوجاتهم يظهرن بمظهر من ينتمين للطبقة العليا. ~~تذكري ذلك عندما تخرجين إلى العالم. اتفقنا؟» # وافقته في ذلك. إنني لم أشعر بالدهشة على الإطلاق حيال ما قاله؛ إن الكثير من الأشخاص ~~كانوا يفكرون على هذا النحو، وبخاصة الرجال؛ فهناك الكثير من الأشياء التي يبغضها ~~الرجال، أو التي ليس لها أي فائدة، كما كانوا يقولون. وهذا شيء صحيح تماما؛ فهم لا يرون ~~طائلا من ورائها؛ ومن ثم فهم يكرهونها. وربما كان ذلك هو نفس شعوري تجاه علم الجبر؛ ~~فأنا أشك بشدة في أنه سيكون له أي استخدام بالنسبة إلي. # لكني لم أرغب في تجاوز الحدود بالرغبة في أن يمحى هذا العلم من الوجود تماما من أجل ~~ذلك السبب. ~~••• # عندما هبطت للأسفل في الصباح، كان العم جاسبر قد غادر المنزل بالفعل، وكانت برنيس ~~تنظف الأطباق في المطبخ، والخالة دون تضع الكئوس الكريستالية في الخزانة المخصصة ~~للأواني الخزفية. ابتسمت لي ms109 لكن لم تكن يداها ثابتتين تماما؛ لذا اصطكت الأكواب ~~بعضها ببعض قليلا محدثة صوتا تحذيريا. # قالت: «إن منزل الرجل هو قلعته الحصينة.» # قلت لها كي أروح عنها: «هذه تورية، إنك تقصدين العم كاسل (في إشارة إلى النطق ~~المتشابه لاسمه ونطق المقابل الإنجليزي لكلمة «قلعة» في العبارة السابقة).» # ابتسمت ثانية، لكني أعتقد أنها لم تكن تعرف حتى ما الذي أتحدث عنه. # قالت: «عندما تكتبين لأمك في غانا، لا أعتقد أنه ينبغي أن تذكري لها ... أعني أنني أعتقد ~~أنه لا ينبغي أن تذكري لها تلك المشكلة البسيطة التي حدثت ليلة أمس؛ أعني أنها عندما ترى ~~الكثير من المشكلات الحقيقية، والناس الذين يتضورون جوعا وكل تلك الأشياء، فسنبدو ~~أمامها أشخاصا تافهين متسمين بالأنانية.» # لقد تفهمت ما قالته، لكني لم أهتم أن أقول لها إنه حتى الآن لم ترد أنباء بأن هناك ~~مجاعة في غانا. # وعلى أية حال لم أرسل لوالدي أية خطابات إلا في الشهر الأول فقط، وكانت مليئة بالوصف ~~الساخر والشكوى؛ أما الآن فقد أصبح الوضع أكثر تعقيدا بدرجة يصعب شرحها. # بعد حوارنا عن الموسيقى، أضحى تعامل العم جاسبر معي أكثر احتراما؛ فقد كان يستمع لآرائي ~~عن الرعاية الصحية التي تقدمها الحكومة كما لو أنها آرائي وليست مستقاة من آراء والدي. ~~وقال ذات مرة إنه من دواعي سروره أن يجد شخصية ذكية مثلي يتجاذب معها الحديث أثناء تناول ~~الطعام، وقد وافقته خالتي الرأي، لمجرد أن تبدو شخصية لطيفة، لكن عندما ضحك بطريقة ~~غريبة، احمر وجهها خجلا. كانت معاملته لها قاسية في تلك الفترة، لكن بحلول عيد الحب ~~كان قد سامحها، وتلقت منه هدية وهي عقد من عقيق الهيلوتروب، مما جعلها تبتسم وتتنحى ~~جانبا لتذرف في نفس الوقت دموعا تنم عن ارتياحها. ~~••• # إن شحوب وجه مونا الشديد، وبروز عظامها التي لم ينجح ثوبها الفضي في إخفائه؛ ربما كانا ~~من علامات مرضها. لقد أعلنت الجريدة المحلية عن موتها في ذلك الربيع مع ذكر للحفل ~~الموسيقي الذي قدمته في مبنى البلدية. أعادت جريدة تورونتو نشر ms110 النعي الخاص بها بجانب ~~لمحة عن مسار حياتها بدت ملائمة لتعزيز مكانتها، إن لم تكن جيدة جدا. وعبر العم ~~جاسبر عن دهشته، لكن ليس حيال موتها، إنما لأنها كانت ستدفن في تورونتو. ستقام مراسم ~~الجنازة والدفن في كنيسة هوزاناس التي تقع على بعد أميال قليلة من شمال بلدته؛ أي في ~~الريف. لقد كانت كنيسة العائلة عندما كان العم جاسبر ومونا/مود صغيرين، وكانت كنيسة ~~أنجليكانية. كان العم جاسبر والخالة دون من رعايا الكنيسة المتحدة آنئذ، كما كان يفعل معظم ~~الموسرين في البلدة حينها، وكان رعايا تلك الكنيسة متشددين في معتقداتهم، لكنهم لم ~~يعتقدوا أنه ينبغي عليهم أن يذهبوا للكنيسة كل أحد، وكانوا لا يرون أن الرب يغضب من ~~تناول أحدهم كأسا من الخمر بين الحين والآخر. (كانت برنيس، الخادمة، تذهب إلى كنيسة ~~أخرى وتعزف على آلة الأرغن هناك، وكانت رعايا تلك الكنيسة صغار العدد وغريبي الأطوار؛ فقد ~~كانوا يتركون منشورات عند أبواب المنازل في البلدة، وكانت تضم قوائم بأسماء الأشخاص الذين ~~سيذهبون إلى الجحيم، الذين لم يكونوا من الأشخاص العاديين، إنما من الأشخاص المعروفين مثل ~~رئيس الوزراء بيير ترودو.) # قال العم جاسبر: «إن كنيسة هوزاناس لم تعد تقيم أي طقوس دينية، فما الجدوى من ~~إحضارها إلى هنا؟ فلا أعتقد حتى أن ذلك مسموح به.» # لكن اتضح أن الكنيسة قد فتحت أبوابها لممارسة كل الطقوس الدينية؛ فالأشخاص الذين كانوا ~~يترددون عليها في شبابهم كانوا يفضلون الذهاب إليها لإقامة مراسم الجنازات، وفي بعض ~~الأحيان كانوا يزوجون أولادهم فيها. كانت بحالة جيدة من الداخل، بفضل هبة بمبلغ ~~كبير أوصى بها أحد رعاياها لتطويرها، وكانت وسائل التدفئة بها عصرية. ~~••• # وصلنا أنا والخالة دون إلى هناك بسيارتها، وكان العم جاسبر مشغولا حتى آخر لحظة. # لم أحضر من قبل أي جنازات؛ فلم يكن أبواي يعتقدان أن الطفل بحاجة إلى أن يمر بتجربة ~~كهذه، حتى إن كان يشار إليها - حسبما أتذكر - في محيط معارفهم بتأبين الميت. # لم تتشح الخالة دون بالسواد ، كما كنت أتوقع، وإنما كانت ترتدي بذلة ms111 من اللون ~~الأرجواني الفاتح الهادئ، وسترة من جلد الحمل الفارسي، وقبعة صغيرة مستديرة تماثلها. كانت ~~تبدو جميلة للغاية، وبدا أن معنوياتها كانت مرتفعة بدرجة لم تستطع إخفاءها. # لقد انتهت من مشكلة كانت تؤرقها؛ الخلاف الذي كان بينها وبين العم جاسبر؛ وهذا الأمر ~~جعلها تشعر بالسعادة. # لقد تغير بعض أفكاري خلال الفترة التي قضيتها مع خالتي وزوجها؛ فعلى سبيل المثال: لم ~~أعد شخصية غير ناقدة لأشخاص مثل مونا، أو لمونا نفسها، ولموسيقاها، وحياتها المهنية. ~~فلم أعد أعتقد أنها شخصية استثنائية، أو كانت كذلك، لكني أستطيع أن أتفهم كيف أن بعض ~~الأشخاص قد يرونها كذلك. ولم تكن المسألة تتعلق ببنيتها الضخمة، وأنفها الأبيض الضخم، ~~والكمان والطريقة المضحكة التي تحمله بها؛ وإنما الأمر يتعلق بالموسيقى نفسها وحبها ~~الشديد لها. إن ولع المرأة الشديد بشيء ما قد يجعلها تبدو سخيفة. # لكن ذلك لا يعني أنني اعتنقت طريقة تفكير زوج خالتي بالكامل؛ إنما كل ما في الأمر ~~أنها لم تعد غريبة جدا بالنسبة إلي كما كانت من قبل. بينما كنت أنسل ذات مرة من ~~أمام غرفة نوم خالتي وزوجها المغلقة في الصباح الباكر في أحد أيام الآحاد، وأنا في طريقي ~~لكي أحضر واحدة من كعك القرفة الذي كانت تعده خالتي في ليلة كل سبت، ترامت إلى ~~مسامعي أصوات لم يصدر مثلها عن أبي وأمي أو عن أي شخص آخر، كانت أصوات همهمات ~~وصيحات ممزوجة بالمتعة التي توحي بالاشتراك في اقتراف شيء ما، وتوحي بحالة من التقصير ~~أربكتني وأحبطتني. # قالت الخالة دون: «لا أعتقد أنه سيأتي الكثيرون من تورونتو إلى هنا. وحتى آل جيبسون لن ~~يتمكنا من المجيء أيضا؛ فالزوج لديه اجتماع، والزوجة لن تتمكن من تغيير جدول حصص ~~طلابها.» # آل جيبسون هما من يقطنان بالمنزل المجاور لنا، وقد استمرت صداقتنا لهما لكنها كانت ~~محدودة؛ فلم تكن هناك زيارات متبادلة بيننا وبينهما. # قالت لي فتاة بالمدرسة: «انتظري حتى يجعلوك تلقين النظرة الأخيرة عليها؛ فلقد كان ~~علي أن ألقي نظرة على جثمان جدتي، وقد فقدت الوعي بعدها.» ms112 # لم أسمع من قبل عن النظرة الأخيرة هذه، لكني استطعت أن أخمن ما يجب أن تكون، ~~وقررت أن أنظر لجثمان مونا بمؤخرة عيني وأتظاهر بأنني أحدق فيه. # قالت الخالة دون: «ما دامت الكنيسة لا تحتوي على تلك الرائحة العطنة، فإنها لن تؤثر ~~على الجيوب الأنفية لزوجي.» # لم تكن هناك أية رائحة عطنة، ولا يوجد أي أثر لرطوبة شديدة تتسرب من الأرضية والجدران ~~الحجرية مما يوقع الكآبة في النفس. لا بد أن أحدهم قد استيقظ في الصباح الباكر وأدار ~~جهاز التدفئة. # امتلأت المقاعد تقريبا عن آخرها. # قالت الخالة دون بصوت هادئ: «هناك كثير من المرضى الذين يعالجهم زوجي جاءوا إلى هنا، ~~هذا شيء لطيف. ما من طبيب آخر في البلدة يفعل المرضى من أجله شيئا كهذا.» # كانت عازفة الأرغن تعزف مقطوعة أعرفها جيدا؛ فلدي صديقة، في فانكوفر، قد عزفتها في ~~إحدى الحفلات الموسيقية في عيد الفصح. إنها مقطوعة «أيها المسيح، يا فرحة رغبة ~~الإنسان.» # كانت السيدة التي تعزف على آلة الأرغن هي عازفة البيانو في الحفلة الصغيرة التي أقيمت ~~في المنزل ولم تكتمل، وكان عازف التشيلو يجلس في أحد مقاعد الجوقة بالجوار، وربما كان سيعزف ~~إحدى المقطوعات لاحقا. # بعدما جلسنا ننصت لفترة شعرنا ببعض الجلبة في خلفية الكنيسة. لم أدر رأسي كي أعرف ~~مصدرها لأنني لاحظت لتوي الصندوق الداكن اللون الخشبي اللامع الذي كان موضوعا بالعرض ~~أسفل المذبح مباشرة؛ النعش، وكان بعض الناس يطلق عليه التابوت. وقد كان مغلقا. لم يكن ~~علي أن أشعر بالقلق حيال النظرة الأخيرة على الجثمان إلا ريثما يفتحونه، ومع هذا ~~تخيلت شكل مونا بداخله؛ بأنفها الضخم البارز الذي يشير قليلا إلى أعلى، وجسمها وقد ~~نحل تماما، وعينيها المغلقتين. رحت أثبت تلك الصورة جيدا في مخيلتي حتى شعرت بدرجة ~~من القوة كفيلة بأن تمنعني من الشعور بالغثيان. # ولم تدر الخالة دون رأسها هي الأخرى مثلي كي ترى ما الذي كان يدور خلفنا. # كان مصدر ذلك الإزعاج الطفيف يأتي من الممر الجانبي، وتبين أن العم جاسبر هو المتسبب ms113 ~~فيه. لم يتوقف عند المقعد الذي كنا نجلس فيه أنا والخالة دون حيث احتفظنا بمكان له؛ ~~مر بجوارنا بخطى وقورة لكنها عملية، وكان بصحبته شخص ما. # الخادمة برنيس التي كانت في كامل زينتها، وقد ارتدت بذلة بلون أزرق داكن وقبعة بنفس ~~اللون مزركشة ببعض الورود. لم تكن تنظر نحونا أو باتجاه أي شخص، وقد احمرت وجنتاها ~~وأطبقت شفتيها. # ولم تكن الخالة دون أيضا تنظر نحو أحد؛ فقد انهمكت في تلك اللحظة في قلب صفحات كتاب ~~الترانيم الذي أخذته من جيب المقعد الذي أمامها. # لم يتوقف العم جاسبر عند النعش؛ فقد كان يقود برنيس نحو آلة الأرغن. كانت هناك دقات عالية ~~غريبة تثير الدهشة في الموسيقى التي تعزف، ثم تبعتها نغمات خافتة، ثم ما لبثت أن ~~توقفت، وبعدها ساد الصمت فيما عدا الأصوات الصادرة من بعض الأشخاص الذين كانوا يتحركون ~~ببطء ويحاولون الإصغاء لما يدور في القاعة. # اختفت الآن عازفة البيانو التي كانت تعزف على الأرغن وكذلك عازف التشيلو، لا بد أن هناك ~~بابا جانبيا قد خرجا منه. أجلس العم جاسبر برنيس مكان المرأة. # وبمجرد أن بدأت برنيس في العزف، تحرك عمي للأمام، وأشار إلى الجمع في القاعة. كانت ~~هذه الإيماءة تعني أن ينهضوا ويشرعوا في الغناء، وقد فعل عدد قليل منهم بالفعل ما أراد، ثم ~~زاد عددهم إلى أن أصبح الجميع يغني. # راحوا يهمهمون وهم يقلبون صفحات كتب الترانيم الذي بأيديهم، لكن معظمهم استطاع أن يبدأ ~~الغناء قبل حتى أن يعثر على الكلمات: «الصليب العتيق القوي.» # انتهت مهمة العم جاسبر، وكان بمقدوره الآن أن يعود ويشغل المكان الذي كنا نحتفظ له ~~به. # لكن كانت هناك مشكلة واحدة؛ شيء لم يأخذه في الحسبان. # هذه كنيسة أنجليكانية، أما في الكنيسة المتحدة التي يتردد عليها العم جاسبر، فإن أفراد ~~الجوقة كانوا يدلفون من باب خلف منبر الوعظ، ويستقرون في أماكنهم قبل أن يدخل القس، وهكذا ~~كانوا يتمكنون من التطلع نحو الجمع المتواجد ولسان حالهم يقول: نحن نشعر بالطمأنينة ~~لتواجدنا معا في هذا المكان. ms114 ثم كان يدخل القس، ودخوله كان بمنزلة إشارة لإمكانية بدأ ~~الطقوس. أما في الكنيسة الأنجليكانية فإن أفراد الجوقة يسيرون عبر الممر حيث يأتون من ~~الخلف، وهم ينشدون ويعلنون عن ظهورهم بطريقة جادة لا تكشف عن شخصية أحد منهم. يرفعون ~~أعينهم عن الكتب من أجل التطلع إلى المذبح فقط، ويبدون مختلفين قليلا وكأنهم قد انسلخوا ~~عن هوياتهم المعتادة، ولا يدرون من حولهم من أقارب أو جيران أو أي أحد آخر في الجموع ~~المتواجدة. # وها هم يأتون عبر الممر الآن ويرددون كالباقين: «الصليب العتيق القوي»، ولا بد أن العم ~~جاسبر قد تحدث إليهم قبل أن يشرعوا في الغناء، وربما قد أوضح لهم أنها الترنيمة ~~المفضلة لدى المتوفاة. # أما المشكلة فكانت تكمن في المساحة المتاحة وأعداد الأشخاص المتواجدين. فمع تواجد أفراد ~~الجوقة في الممر، لم يكن هناك سبيل كي يعود العم جاسبر إلى مقعدنا؛ فما من سبيل أمامه ~~للرجوع. # ولم يكن أمامه سوى شيء واحد يفعله، وبسرعة، وقد فعله. فلم يكن أفراد الجوقة قد بلغوا ~~المقعد الأمامي بعد؛ لذا فقد أقحم نفسه بداخله، واعترت الدهشة من يقفون بجواره لكنهم ~~أفسحوا له مكانا بينهم؛ أي أفسحوا له مكانا قدر المستطاع. وكانوا بالمصادفة ممتلئي ~~الجسم، وكان هو عريض المنكبين على الرغم من كونه شخصا نحيفا. # سأتمسك بذلك الصليب العتيق المهترئ # حتى لا أتباهى بما قمت به من أعمال صالحة. # سأتشبث بالصليب العتيق المهترئ # وسأستبدل به تاجا في يوم ما. # هذا ما كان عمي يغنيه، وبكل ما أوتي من حماسة في المساحة التي أتيحت له، ~~ولم يكن بمقدوره أن يستدير ليواجه المذبح، بل كان عليه أن ينظر جانبا نحو الخارج باتجاه ~~أفراد الجوقة الذين كانوا يتحركون. ولم يستطع أن يخفي شعوره بأنه قد حوصر في مكانه. سار ~~كل شيء على ما يرام، ولكن ليس بنفس الصورة التي تخيلها تماما. وحتى بعد أن انتهى ~~الغناء، بقي في مكانه؛ حيث جلس حاشرا نفسه قدر المستطاع في تلك المساحة الضيقة مع أولئك ~~الأشخاص. ربما ظن أنها لن تكون خاتمة ms115 مناسبة آنئذ أن ينهض ويعود أدراجه عبر الممر كي ~~ينضم إلينا. # لم تشارك الخالة دون في الغناء لأنها لم تعثر على مكان الترنيمة في كتاب الترانيم؛ يبدو ~~أنها لم تتعقبها بالطريقة التي فعلتها أنا. # أو ربما لمحت أثرا من خيبة أمل على وجه العم جاسبر حتى قبل أن يشعر هو نفسه ~~به. # أو ربما أدركت، ولأول مرة في حياتها، أنها لم تكن تهتم. لم تكن تهتم على ~~الإطلاق. ~~••• # قال القس: «دعونا نصل.» # | الكبرياء # هناك بعض الأشخاص الذين لا تسير أمورهم وفق أهوائهم. كيف لي أن أوضح ذلك؟ أعني أنهم هؤلاء ~~الذين قد يكون كل شيء ضدهم - يتعرضون لصدمة تلو الأخرى - وبعدها يسير كل شيء على ما ~~يرام. إنهم هؤلاء الذين يرتكبون الأخطاء في وقت مبكر - على سبيل المثال، يوسخون بناطيلهم في ~~الصف الثاني - وبعدها يستكملون حياتهم في بلدة كبلدتنا حيث لا ينسى بها أي شيء (أي ~~بلدة، أعني أن أي بلدة تكون هكذا)، وينجحون في ذلك، ويظهرون بمظهر الأشخاص الودودين، ~~المرحين الذين يزعمون أنهم لن يرضوا بالعيش في مكان آخر غير هذا، ويعنون ذلك ~~حقا. # أما بالنسبة إلى بعض الأشخاص الآخرين، فالأمر مختلف؛ إنهم لا ينتقلون لأي مكان آخر، ~~لكنك تتمنى لو أنهم فعلوا ذلك، وبمقدورك أن تقول إن هذا من أجل مصلحتهم هم. ومهما كانت ~~الأخطاء التي يقعون فيها حينما يكونون صغارا - والتي لا تكون واضحة بأي حال من الأحوال ~~كخطأ توسيخ بناطيلهم - فإنهم يستمرون في ارتكابها، وباقتدار، بل يبالغون أيضا في ذلك ما ~~دام ثمة احتمال بألا يلاحظها أحد. # لقد تغيرت الأمور بالطبع؛ فأضحى هناك من يقدمون الاستشارات النفسية، وهناك العطف ~~والتفهم. يقال لنا إن الحياة قاسية أكثر بالنسبة إلى البعض. إنه ليس خطأهم، حتى لو كانت ~~الصدمات التي يتعرضون لها وهمية تماما. إن هذه الصدمات يستشعرها بشدة من يتعرض لها ~~ومن لا يتعرض لها على حد سواء، وذلك وفقا للحالة. # لكن يمكن تحقيق الاستفادة الجيدة من كل شيء، وذلك إذا ما رغب المرء في هذا. ~~••• # لم تذهب ms116 أونيدا للمدرسة مع بقيتنا، على أية حال؛ أعني أنه لم يكن بها ما يؤهلها جيدا ~~للحياة. لقد ذهبت إلى مدرسة للبنات، مدرسة خاصة، لا أستطيع تذكر اسمها، هذا إن كنت ~~أعرفه بالأساس. حتى في أوقات الصيف لم تكن تتواجد هنا كثيرا. أعتقد أن عائلتها كانت تمتلك ~~منزلا آخر يطل على بحيرة سيمكو؛ كانوا يمتلكون أموالا كثيرة، بل كانت كثيرة جدا في ~~واقع الأمر بدرجة لا يمكن معها تصنيفهم مع أي شخص آخر في البلدة، حتى لو كانوا الأثرياء ~~بها. # كان أونيدا اسما غير مألوف، ولا يزال كذلك، ولم يكن متداولا حينها هنا. ولقد اكتشفت ~~فيما بعد أنه اسم هندي، ومن الأرجح أنه كان اختيار أمها التي ماتت حينما كانت أونيدا في ~~فترة المراهقة، وأعتقد أن والدها كان يناديها بإيدا. # تجمعت لدي كل الأوراق؛ أكوام من الأوراق عن تاريخ البلدة الذي كنت أعكف على دراستها. ~~لكن على الرغم من ذلك كانت هناك بعض الفجوات؛ فلم يكن ثمة تفسير مرض عن كيفية اختفاء ~~الأموال. ومع ذلك لم تكن هناك حاجة لذلك؛ فما يتناقله الأشخاص شفهيا كان كافيا لإيضاح ~~الأمر، لكن الغريب هو تلاشي ما تناقله الأشخاص بمرور الوقت. # كان والد إيدا يدير المصرف، وحتى في تلك الأيام، كان المصرفيون يغيرون باستمرار، وكان ~~يحدث ذلك في رأيي حتى لا تتوطد صلاتهم بالعملاء. لكن آل جانتزن كانوا قد أمضوا بالبلدة ~~وقتا طويلا جعلهم لا يخضعون لأي لوائح أو قواعد، أو هكذا بدا الأمر. كان هوراس جانتزن ~~بالقطع من الرجال الذين كان يبدو عليهم أنهم خلقوا ليكونوا ذوي نفوذ. كانت لديه لحية ~~بيضاء كثيفة، بالرغم من أن اللحى، طبقا للصور الفوتوغرافية، كانت تعد نمطا قديما، ~~وذلك بحلول الحرب العالمية الأولى. كان ذا قامة متوسطة، وسمينا، ويحمل وجهه تعبيرات ~~تتسم بالجدية. # في تلك الأوقات الصعبة التي اتسمت بها فترة الثلاثينيات من القرن العشرين، كان الناس لا ~~يزالون يأتون بأفكار جديدة، وكانت السجون تأوي الرجال الذين كانوا يتسكعون بخطوط السكك ~~الحديدية، ولكن حتى بعضهم، بالتأكيد، كانت لديهم ms117 فكرة كان من الممكن أن تجلب لهم الملايين ~~من الدولارات. # والمليون دولار في ذلك الوقت كان بالفعل مبلغا كبيرا جدا. # ومع ذلك لم يكن أحد متسكعي السكك الحديدية هؤلاء هو من ذهب إلى المصرف لكي يتحدث إلى ~~هوراس جانتزن، ولا أحد يدري إن كان من ذهب إليه شخصا واحدا أم مجموعة من الأشخاص؛ ربما ~~كان أحد الغرباء أو بعضا من أصدقاء الأصدقاء. ومن المؤكد أنه كان متأنقا وذا مظهر ~~مقبول؛ إذ كان هوراس يهتم بالمظاهر، ولم يكن بالشخص الأحمق، لكنه لم يستشعر سريعا - كما هو ~~المفترض منه - أنه قد تكون هناك خدعة. # كانت الفكرة تدور حول تجديد السيارات التي تعمل بالبخار، وهو نوع من السيارات كان ~~متواجدا في مطلع القرن العشرين، وربما كان هوراس جانتزن نفسه يمتلك واحدة وربما كان ~~مولعا بها كثيرا. وبالطبع سيكون هذا الطراز الجديد نسخة محسنة، من مزاياه توفير الوقود ~~وعدم إحداث جلبة كبيرة أثناء السير. # ليس لدي المزيد من التفاصيل عن هذا الأمر؛ إذ كنت في المدرسة الثانوية حينها، لكني ~~أستطيع تخيل الكلام الذي تسرب، وكم السخرية والحماسة والأخبار التي كانت تتوارد ~~عن استعداد بعض أصحاب الأعمال في تورونتو، أو وندسور، أو كتشنر للتصنيع المحلي لهذا الطراز، ~~الذين قيل إن بعضهم لديه من الأموال ما يكفي للاستثمار في هذا المشروع، في حين أن البعض ~~الآخر تساءل إن كان من الممكن أن يحصلوا على بعض الدعم من أجل القيام بذلك. # حصلوا بالفعل على هذا الدعم؛ لأن المصرف قدم قرضا لهم من أجل تنفيذ المشروع، وكان هذا ~~قرار جانتزن، وتضاربت الأقوال حول إن كان قد شارك بأمواله فيه أم لا. ربما فعل هذا، ~~لكن تبين فيما بعد أنه أخذ من أموال المصرف على نحو غير مسئول، معتقدا بالطبع أنه ~~سيرد هذه الأموال دون أن يعلم أحد بشيء. ربما لم تكن القوانين صارمة جدا حينها. كان ~~هناك بعض الرجال الذين تم تعيينهم بالفعل، وقد أخلي الإسطبل القديم الخاص بتربية الخيول ~~ليصبح مكان عملهم. وعند هذا الحد تخونني ذاكرتي ms118 لأني كنت قد تخرجت في المدرسة ~~الثانوية، وكان علي أن أفكر في كسب عيشي، إن كان هذا ممكنا؛ فإعاقتي في الكلام، حتى بعد ~~خياطة الشفاه، جعلتني أستبعد أي عمل يتضمن الكثير من الكلام؛ لذا فقد وقع اختياري ~~على مسك الدفاتر الحسابية؛ ولذلك كان علي أن أغادر البلدة كي أتدرب لدى إحدى الشركات في ~~جودريتش. وبحلول الوقت الذي عدت فيه إلى البلدة، كان يتم الحديث بازدراء عن مشروع السيارة ~~التي تعمل بالبخار من قبل أولئك الأشخاص الذين كانوا ضد الفكرة، أما من روجوا لها، فلم ~~يذكروا عنها شيئا على الإطلاق، وقد اختفى زوار البلدة ممن كانوا يساندون تلك الفكرة ~~تماما. # وخسر المصرف الكثير من الأموال. # وترددت أقاويل ليس عن الغش، بل عن سوء الإدارة. وكان لا بد من معاقبة أحد، ولو كان ~~المدير شخصا عاديا لأجبر على ترك وظيفته، لكن لأن المدير هو هوراس جانتزن، لم يتم ~~هذا. ما حدث له كان أسوأ؛ فقد نقل لوظيفة مدير مصرف في قرية هوكسبرج الصغيرة، التي تبعد ~~حوالي ستة أميال عن الطريق السريع، ولم يكن لهذا المصرف مدير قبل ذلك على الإطلاق؛ لأنه ~~لم يكن بحاجة إلى مدير؛ فلم يكن هناك سوى صراف وصراف أول، وكلاهما كان امرأة. # كان بمقدوره الرفض بالطبع، لكن كبرياءه، كما اعتقد البعض، اختار الذهاب إلى هناك؛ ~~ونتيجة لهذا الاختيار كان يصطحب بالسيارة كل صباح هذه الأميال الستة، كي يجلس خلف حاجز ~~جزئي مصنوع من ألواح خشبية مطلية رخيصة، لم يكن مكتبا لائقا على الإطلاق. وكان يجلس ~~هناك دون أن يفعل شيئا حتى يأتي موعد اصطحابه بالسيارة إلى منزله. # والشخص الذي كان يصطحبه بالسيارة هو ابنته. في وقت ما خلال سنوات القيادة هذه، جعلت ~~الناس ينادونها بأونيدا بدلا من إيدا، وها هي أخيرا قد قامت بشيء ما. ومع هذا لم ~~تقم بإدارة المنزل؛ لأنهم لم يستطيعوا الاستغناء عن السيدة بيرتش، وهذا هو أحد ~~الاحتمالات. وهناك احتمال آخر وهو أنهم لم يدفعوا مطلقا للسيدة بيرتش قدرا كافيا من ~~النقود بحيث لا ms119 تضطر للذهاب إلى ملجأ لإيواء الفقراء، هذا إن كانوا قد فكروا من قبل ~~في مسألة الاستغناء عنها. # إذا تخيلت أونيدا ووالدها في هذه الانتقالات من هوكسبرج وإليها، فإنني أراه يجلس في ~~المقعد الخلفي، وهي في المقعد الأمامي كالسائق الخاص به. ربما كان مكتنزا جدا بدرجة ~~يصعب معها الجلوس بجوارها، أو ربما كانت لحيته تحتاج إلى مساحة. لم أر أونيدا تشعر ~~بالاضطهاد أو التعاسة إزاء هذه الترتيبات، ولم تبد أمارات التعاسة على والدها أيضا؛ كل ~~ما كان يمتلكه هو الكرامة، الكثير منها في الواقع. أما هي، فكان لديها شيء مختلف؛ فحينما ~~كانت تذهب إلى أحد المتاجر أو حتى كانت تسير في الشارع، كانت تبدو وكأن حولها مساحة صغيرة ~~خالية مجهزة لتحقيق ما قد تريد، أو لتسع التحيات التي قد توزعها في طريقها. كان يبدو ~~عليها قليل من الارتباك الممزوج بالكياسة، وكانت على استعداد للسخرية قليلا من نفسها أو ~~من الموقف الذي كانت فيه. بالطبع، كانت ذات بنية قوية، ونظرات مشرقة، وبشرة بيضاء براقة، ~~وشعر أشقر لامع؛ لذا ربما كان من الغريب أن أشعر بالأسف حيالها؛ حيث كانت الطريقة التي ~~تتعامل بها مع الأشياء في الظاهر توحي بشعورها بالاطمئنان والثقة في النفس. # تخيلوا أنني كنت أشعر بالأسف حيالها. ~~••• # اشتعلت الحرب، وبدا الأمر وكأن الأشياء تغيرت بين عشية وضحاها، ولم يعد ~~المحتالون يتسكعون بخطوط السكك الحديدية؛ فقد أتيحت الوظائف، ولم يعد الشباب الصغار ~~يبحثون عن وظيفة أو يسافرون متطفلين على أصحاب السيارات، وإنما تراهم في كل مكان بزيهم ~~العسكري ذي اللون الأزرق الباهت أو الكاكي. قالت أمي إن الوضع الذي كنت عليه لهو من حسن ~~حظي، وأعتقد أنها كانت محقة، لكني أخبرتها بألا تتحدث عن هذا عندما تكون خارج المنزل. ~~فقد عدت إلى بلدتي من جودريتش بعدما أنهيت فترة تدريبي، وحصلت سريعا على عمل حيث كنت ~~مسئولة عن الدفاتر في متجر آل كريبس المتعدد الأقسام. بالطبع، ربما ردد البعض - وأعتقد ~~أن هذا قد حدث بالفعل - أنني حصلت على الوظيفة بفضل أمي التي كانت ms120 تعمل هناك في قسم ~~المنسوجات، لكن تصادف أيضا أن انضم كيني كريبس، المدير الشاب للمتجر، إلى القوات ~~الجوية وقد لقي مصرعه في أحد تدريبات الطيران. # كانت هناك صدمات من هذا القبيل، ومع هذا كانت هناك هالة من النشاط في كل مكان، وكان الناس ~~يتنقلون وبجيوبهم نقود. شعرت بالانعزال عن الرجال ممن هم في مثل عمري، لكن هذا ~~الانعزال لم يكن بالشيء الجديد بالنسبة إلي. وكان هناك آخرون في نفس وضعي؛ فقد أعفي ~~أبناء المزارعين من الخدمة العسكرية كي يعتنوا بالمحاصيل والحيوانات، وقد علمت أن البعض ~~منهم قد حصل على الإعفاء بالرغم من وجود من يستأجرونه للقيام بأعمالهم الزراعية. أعلم أنه ~~إذا حدث أن سألني أحدهم عن عدم التحاقي بالخدمة العسكرية، فإن الأمر كان سيبدو مزحة، ولكني ~~كنت جاهزا بالإجابة المناسبة، وهي أنه علي أن أهتم بالدفاتر الحسابية؛ دفاتر متجر آل ~~كريبس ودفاتر أخرى لاحقا. كان علي أن أهتم بالحسابات، ولم يكن مقبولا حينها أن تؤدي ~~المرأة هذه المهمة، واستمر ذلك الأمر حتى حلول نهاية الحرب عندما كن يقمن بجانب منها ~~لفترة من الوقت؛ فقد كان الكثيرون لا يزالون يعتقدون أن الرجل هو خير من يقوم بهذا ~~العمل. # وقد سألت نفسي في بعض الأحيان: لماذا تعد الشفة الأرنبية - ذات المظهر المقبول إن ~~لم يكن بالطبيعي تماما، والصوت الغريب بعض الشيء لكن يمكن فهمه - من الأشياء التي تجعل ~~صاحبها يبقى في المنزل ولا ينضم للخدمة العسكرية؟ لا بد أنني قد تسلمت إخطارا ~~بالالتحاق بالخدمة العسكرية، ولا بد أنني قد ذهبت للطبيب المعني كي أحصل على الإعفاء. ~~إنني ببساطة لا أتذكر ما حدث حينها تماما؛ هل ذلك لأني اعتدت الحصول على الإعفاء من ~~شيء تلو الآخر، حتى إنني نظرت إلى ذلك الأمر كشيء مسلم به، شأنه في ذلك شأن الأمور ~~الأخرى؟ # ربما أخبرت أمي ألا تتحدث بشأن بعض الأمور، لكن ما كانت تقوله لم يكن عادة يمثل ~~أهمية كبيرة بالنسبة إلي. ومن الواضح أنها كانت تنظر للجانب المشرق من الأمور. وقد ~~علمت بعض ms121 الأشياء لكن ليس عن طريقها؛ فقد علمت أنه بسبب حالتي كانت تخشى أن تنجب ~~أطفالا آخرين، وخسرت رجلا كان يحبها في إحدى المرات عندما أخبرته بذلك. لكن لم يخطر ~~ببالي أن أشعر بالأسف حيال أي منا؛ فأنا لم أفتقد أبا قد توفي حتى قبل أن أراه، أو ~~فتاة كان يمكن أن أقيم معها علاقة لو كان مظهري مختلفا، كما أنني لم أفتقد ذلك الشعور ~~الوجيز بالتيه الخاص بالذهاب للمشاركة في الحرب. # كنا أنا وأمي نفضل تناول أشياء بعينها على العشاء، وكنا نحب الاستماع إلى برامج ~~إذاعية معينة، ودائما ما كانت الأخبار العالمية من قناة بي بي سي، وذلك قبل أن نأوي إلى ~~الفراش. كانت عينا أمي تلمعان عندما يتحدث الملك أو وينستون تشرشل. وقد اصطحبتها لمشاهدة ~~فيلم «السيدة مينيفر»، وقد تأثرت به أيضا. لقد كانت الدراما تملأ حياتنا، سواء أكانت ~~الخيالية أم الواقعية. الانسحاب من دانكرك، السلوك الذي اتسم بالشجاعة من جانب العائلة ~~الملكية، انفجارات لندن المتتالية، وساعة بيج بن التي لا تزال تدق معلنة الأخبار ~~الكئيبة. سفن فقدت في البحر، والأكثر فزعا، غرق مركب مدني، زورق، ما بين كندا ~~ونيوفوندلاند، بالقرب من شواطئنا. # لم أستطع النوم في تلك الليلة، وخرجت للمشي في شوارع البلدة. أخذت أفكر في أولئك ~~الأشخاص الذين استقروا في قاع البحر؛ لا بد أنه كانت هناك سيدات عجائز، تقريبا في مثل عمر ~~أمي، وقد تشبثن بما كن يحكينه من أشياء، وطفل انزعج من ألم أسنانه التي اصطكت ~~من الخوف، وآخرون أمضوا نصف الساعة الأخيرة قبل غرقهم وهم يعانون من دوار البحر. انتابني ~~شعور غريب جدا، وحسبما أستطيع وصفه: كان شعورا يتقاسمه الفزع، والإثارة الممزوجة ~~بالتبلد. لقد تبدد كل شيء، وظهرت فجأة المساواة، علي أن أقول ذلك؛ المساواة، ~~بين أشخاص مثلي ومن هم أسوأ حالا مني وبين الآخرين. # لقد تلاشى ذلك الشعور بالطبع عندما اعتدت رؤية أشياء أخرى أثناء الحرب فيما بعد. لقد ~~رأيت أردافا عارية ممتلئة بالصحة، وأخرى هزيلة ، يساق أصحابها كالقطيع إلى غرف الإعدام ~~بالغاز. ms122 # وحتى لو لم يتلاش ذلك الشعور تماما، فقد تعلمت أن أكتمه بداخلي. ~~••• # لا بد أنني قد التقيت مصادفة أونيدا خلال هذه السنوات، وتتبعت مسار حياتها. وكان ~~علي أن أفعل هذا؛ فلقد مات والدها مباشرة قبل اليوم الذي أعلن فيه انتصار الحلفاء في ~~الحرب العالمية الثانية، وامتزجت مراسم الجنازة الحزينة باحتفالات انتهاء الحرب بطريقة ~~غريبة. وقد تكرر ذلك مع أمي التي ماتت في الصيف التالي، وذلك بعدما سمع الجميع عن ~~القنبلة الذرية. وقد ماتت بطريقة أكثر غرابة وأمام الناس، وذلك في مكان عملها، بعدما ~~قالت: «أريد أن أجلس.» # لم ير أحد والد أونيدا أو يسمع عنه شيئا خلال السنة الأخيرة من عمره. انتهت تمثيلية ~~هوكسبرج الزائفة، لكن بدت أونيدا أكثر انشغالا من ذي قبل. وربما كان سينتابك حينها ~~ذلك الشعور بأن كل من تقابله منهمك في شيء ما؛ إما في تتبع دفاتر الحصص ~~التموينية، وإما في إرسال خطابات للجبهة، وإما في الحديث عن الخطابات التي تسلموها من ~~هناك. # أما بالنسبة إلى أونيدا، فقد كانت منهمكة في العناية بالمنزل الكبير الذي كانت تعيش فيه، ~~والذي أصبح عليها الآن إدارة شئونه بمفردها. # أوقفتني ذات يوم في الشارع وقالت لي إنها تريد مشورتي بشأن بيعه؛ أي المنزل. أخبرتها ~~أنني لست الشخص المناسب الذي ينبغي أن تتحدث إليه في أمر كهذا. قالت ربما كان الأمر ~~كذلك، ولكنها تعرفني. بالقطع، هي كانت لا تعرف عني شيئا يزيد عما تعرفه عن أي شخص آخر ~~في البلدة، ولكنها صممت على رأيها، وجاءت إلى منزلي لنتحدث أكثر عن الأمر. أبدت ~~إعجابها بأعمال الطلاء التي قمت بها، وإعادة ترتيب موضع الأثاث، وأشارت إلى أن التغيير ~~لا بد أنه ساعدني على التغلب على الشعور بفقد أمي. # هذا صحيح، لكن معظم الأشخاص كانوا سيترددون كثيرا قبل أن يقولوا ذلك على نحو ~~مباشر. # لم أكن معتادا على استقبال أحد؛ لذا لم أقدم لها أي مرطبات، وكل ما فعلته أنني ~~أسديت إليها بعض النصائح التحذيرية والجادة بشأن البيع، ورحت أذكرها بأني لست بخبير ~~في ms123 هذه الأمور. # لكنها استمرت قدما في عملية البيع، وضربت بكلامي عرض الحائط، وباعته عند أول عرض ~~تلقته، وقد فعلت ذلك خاصة لأن المشتري حدثها عن مدى حبه للمكان، وأنه يتطلع أن ~~تنشأ عائلته به. وكان آخر شخص بالبلدة يمكن أن أثق به، سواء أكان لديه أطفال أم لا، وكان ~~السعر الذي اشترى به المنزل زهيدا جدا، وكان علي أن أخبرها بهذا. قلت لها إن الأطفال ~~سيشيعون الفوضى في المكان، فردت أن هذا ما يفعلونه دائما؛ فهم يحدثون جلبة شديدة ~~وإزعاجا كبيرا لكل من حولهم، وذلك على العكس تماما مما كانت عليه وهي طفلة. ولكن ~~في الواقع، لم تكن لتتاح لهم الفرصة لذلك؛ لأن المشتري شرع في هدم المنزل وأقام مكانه ~~عمارة سكنية، تتكون من أربعة طوابق، وبها مصعد كهربائي، وقد أحال الدور الأرضي إلى جراج ~~للسيارات. وقد كان أول بناء حقيقي من نوعه تشهده البلدة. جاءت إلي وهي مصدومة بشدة ~~عندما بدأ كل هذا، وكانت تريد أن تعرف إن كان بمقدورها أن تفعل شيئا حيال الأمر؛ كأن ~~تعلن أن المبنى أثري، أو أن تقاضي المشتري لأنه أخل بكلمته التي لم تسجل في ~~العقد، أو ما شابه. كانت مندهشة من أن يقدم شخص على شيء كهذا؛ شخص يتردد باستمرار ~~على الكنيسة. # قالت: «لم أكن لأفعل شيئا كهذا، بالرغم من أنني لا أذهب إلى هناك إلا في عيد ~~الميلاد.» # ثم هزت رأسها وانفجرت في الضحك. # قالت: «يا لحماقتي! كان ينبغي علي أن أنصت لنصيحتك، أليس كذلك؟» # كانت تعيش في نصف منزل مستأجر مقبول في ذلك الوقت، لكنها كانت تشتكي من أن كل ما يمكنها ~~رؤيته هو منزلها وهو يقف ممتدا عبر الشارع. # قالت هذا كما لو أن معظم الناس لا يرون هذا، لكني لم أقل لها ذلك. # وعندما تم الانتهاء من بناء جميع الشقق بالعمارة، كان كل ما فعلته أنها عادت لتقطن ~~في إحداها في الطابق العلوي، وكنت أعلم أنها لن تحصل على إيجار مخفض أو أنها لن تطلب حتى ~~ذلك. لقد ms124 تخلصت من مشاعرها السلبية نحو المالك، بل راحت أيضا تثني على المنظر ~~الخارجي للمكان وحجرة تنظيف الملابس الموجودة في البدروم، حيث كانت تدفع عملة معدنية في ~~المكان المخصص للدفع في كل مرة تنظف فيها ملابسها. # قالت: «إنني أتعلم أن أكون مدبرة، بدلا من منح أشياء دون مقابلها الحقيقي حينما ~~تحدوني الرغبة في التخلص منها.» # ثم تحدثت عن محاميها غير الشريف قائلة: «على أية حال، إن أمثال هؤلاء هم من ~~يديرون هذا العالم.» ثم دعتني للزيارة كي أرى المنظر من شقتها، لكني اعتذرت. # ومع هذا كانت تلك بداية فترة عرف فيها كل منا الكثير عن الآخر؛ فقد اعتادت أن ~~تزورني بمنزلي كي تتحدث عن مشكلات شقتها وقرارها بشأنها، واستمرت على هذا المنوال حتى بعد ~~استقرار الأمور فيها بالنسبة إليها. كنت قد اشتريت تليفزيونا، وهو شيء لم تفعله هي؛ ~~لأنها قالت إنها تخشى أن تدمن مشاهدته. # أما أنا، فلم أخش من شيء كهذا لأني أتواجد خارج المنزل معظم اليوم. وكان يوجد الكثير ~~من البرامج الجيدة في تلك الأيام، وبوجه عام، كانت ميولنا متوافقة؛ فقد كنا نهوى ~~مشاهدة قنوات التليفزيون الحكومية، وبخاصة المسلسلات الكوميدية البريطانية التي شاهدنا ~~بعضها مرارا وتكرارا، وكانت تستهوينا كوميديا الموقف وليس مجرد إطلاق النكات. وقد كنت في ~~البداية أشعر بالخجل وأنا أرى مدى جرأة المسلسلات البريطانية، التي قد تصل إلى حد الإسفاف، ~~لكن أونيدا كانت تستمتع بذلك أكثر من أي شيء آخر. وكنا نتذمر عندما تبدأ إعادة أحد ~~المسلسلات مرة أخرى، لكننا سرعان ما ننجذب لمشاهدته ومتابعته مرة أخرى؛ لقد كنا حتى نشاهد ~~هذه المسلسلات حين كانت الألوان باهتة فيها. وفي الوقت الحاضر، قد أصادف في بعض الأحيان ~~واحدا من هذه المسلسلات القديمة وقد تم تلوينه وأصبح كالحديث تماما، ولكني أغير القناة ~~لأنه يجعلني أشعر بالحزن. # كنت قد تعلمت منذ وقت مبكر أن أكون طاهيا جيدا، وحيث إن بعضا من أفضل البرامج ~~التليفزيونية كانت تعرض مباشرة بعد العشاء، فقد كنت أعد لكلينا وجبة العشاء، ~~وكانت تأتي هي ببعض الحلوى ms125 من المخبز. واشتريت طاولتين من ذلك النوع الذي يمكن طيه، وكنا ~~نتناول الطعام ونحن نشاهد الأخبار، وبعدها نتابع برامجنا المفضلة. كانت أمي تصر دوما ~~على أن نتناول طعامنا على المائدة؛ لأنها كانت تعتقد أنها الطريقة الوحيدة كي يكون المرء ~~ذا مستوى اجتماعي جيد، لكن يبدو أن أونيدا لم يكن لديها أي محظورات في هذا الشأن. # ربما تجاوزت الساعة العاشرة عندما كانت تغادر المنزل، ولم تكن تمانع في الذهاب إلى ~~منزلها سيرا على الأقدام، لكني لم أكن أحبذ الفكرة؛ لذا كنت أحضر سيارتي كي أصطحبها إلى ~~المنزل. لم تشتر هي مطلقا أي سيارة أخرى بعدما تخلصت من تلك السيارة التي اعتادت ~~أن تقل فيها أباها إلى عمله. لم تكن تخشى على الإطلاق أن يراها أحد وهي تتجول في ~~البلدة، بالرغم من أن الناس كانوا يسخرون من ذلك؛ وكان هذا قبل أن يصبح كل من المشي ~~وممارسة التمرينات الرياضية شيئا شائعا. # لم نذهب مطلقا لأي مكان معا، وكانت تمر أوقات دون أن أراها لأنها كانت تذهب خارج ~~البلدة، أو ربما تظل بها لكن تستضيف بشقتها بعض الأشخاص الذين لا أعرفهم ولم أسع ~~للقائهم. # لا، فذلك كان يشعرني بالتجاهل؛ لذا لم أفعل. إن مقابلة أناس جدد كانت تمثل مشكلة لي، ~~ولا بد أنها كانت تتفهم ذلك. أما اعتيادنا تناول الطعام معا، وقضاء الأمسيات أمام شاشة ~~التليفزيون، فذاك كان أمرا مريحا وهينا ولم تكن لدي أية صعوبة في التعامل معه. ولا ~~بد أن كثيرين كانوا يعلمون بهذا الأمر، لكن لأنها كانت تمضي الوقت معي أنا تحديدا، لم ~~يعيروا الأمر الكثير من الاهتمام. وكان معروفا أيضا أنني أنا من يقوم بحساب ضريبة الدخل ~~لها، ولم لا؟ فهو شيء أعرف كيف أفعله جيدا بينما لا يتوقع أحد منها أن تعرف كيف تقوم ~~به. # ولا أدري إن كان أحد يعلم أنها لم تسدد لي أي شيء مطلقا مقابل ذلك. كنت سأطلب منها ~~مبلغا بسيطا كي تسير الأمور بنحو طبيعي، لكنها لم تثر الموضوع، ليس لأنها بخيلة، بل ms126 ~~لأن الأمر لم يرد بخاطرها. # وإذا ما حدث أن تفوهت باسمها لأي سبب من الأسباب، فكان يصدر عني في بعض الأحيان ~~اسم إيدا بنحو عفوي. وكانت تتعمد إغاظتي قليلا إذا ما قلت ذلك أمامها، وكانت توضح لي ~~كيف أنني أفضل دائما أن أنادي الأشخاص بألقابهم القديمة التي كانوا يعرفون بها أيام ~~الدراسة، إن أتيحت لي الفرصة لذلك. ولكني لم ألحظ ذلك بنفسي. # قالت: «لا أحد يهتم بهذا، أنت فقط من يفعل هذا.» # كان ذلك يغضبني قليلا، بالرغم من أنني كنت أحاول جاهدا أن أخفي شعوري هذا؛ فأي حق ~~تمتلكه هي كي تعلق على ما يشعر به الناس حيال الأشياء التي أفعلها أو التي لا أفعلها؟ قد ~~يكون مغزى ما تقول أنني إلى حد ما أفضل الرجوع لأيام طفولتي؛ لذا كنت أرغب في البقاء ~~في تلك المرحلة، وجعل الآخرين يبقون معي فيها. # كان هذا يجعل الأمور بسيطة للغاية؛ فلقد أمضيت كل سنوات دراستي، كما تراءى لي، في ~~الاعتياد على مظهري - أي مظهر وجهي - وعلى مظهر الأشخاص الآخرين مقارنة به. كنت أعتقد ~~أنه انتصار من نوع ما أن أنجح في ذلك، وأن أعرف أنه بمقدوري التعايش هنا وكسب قوت يومي، ~~وألا يكون علي باستمرار أن أعتاد على أناس جدد. ولكن أن نعود جميعنا للصف الرابع ~~ونتوقف عند تلك المرحلة، لا، لم أكن أريد ذلك. # ومن تكون أونيدا حتى تكون لها آراء سديدة؟ لم يبد لي أنها قد استقرت بعد؛ ففي ~~الواقع، لقد ضاع منها المنزل الكبير، وضاع معه جزء كبير منها. وكانت البلدة تتغير، ~~ومكانها بها كان يتغير هو الآخر، وهي بالكاد كانت تعرف ذلك. بالطبع كانت هناك دائما ~~تغيرات تطرأ، لكن في الأوقات التي سبقت الحرب كان التغير يتمثل في ترك أهل ~~البلدة لها للبحث عن فرص أفضل في مكان آخر، أما في فترة الخمسينيات والستينيات ~~والسبعينيات من القرن الماضي، فتبدلت أحوال البلدة من خلال النوعيات الجديدة من ~~الأشخاص الذين توافدوا إليها. قد تعتقد أن أونيدا كانت ستقر بذلك عندما ذهبت ms127 للعيش في ~~العمارة السكنية، لكنها لم تدرك ذلك على الإطلاق؛ فما زال فيها ذلك التردد الغريب ~~والطيش، كما لو أنها كانت تنتظر الحياة لتبدأ. # كانت تذهب بالطبع في رحلات خارج البلدة، وربما اعتقدت أن الحياة كانت ستبدأ هناك، ~~لكن هذا لم يحدث. ~~••• # وخلال تلك الأعوام عندما شيد مركز التسوق الجديد على الأطراف الجنوبية للبلدة، وأغلق ~~متجر آل كريبس (لم يكن ذلك يمثل مشكلة لي؛ فقد كان لدي الكثير من الأعمال التي كانت ~~تمكنني من الاستغناء عن العمل به)، بدا أن هناك المزيد والمزيد من الأشخاص في البلدة ~~الذين كانوا يذهبون في رحلات في فصل الشتاء، وكان هذا يعني الذهاب إلى المكسيك أو جزر ~~الهند الغربية أو أي مكان لم نعتد السماع عنه. وتكون النتيجة، في رأيي، العودة محملين ~~بأمراض لم نعتد السماع عنها أيضا، وقد حدث ذلك لفترة ما. ربما يتم الإعلان عن انتشار ~~مرض ما في كل عام، ويكون له اسم مميز خاص به، وربما لا تزال تلك الأمراض منتشرة، لكن لم ~~يعد أحد يلاحظها كثيرا الآن، أو أن الأشخاص ممن هم في مثل عمري الآن قد تخطوا ~~مرحلة الملاحظة. يمكن أن تثق في أنك لن تموت بسبب مرض خطير؛ لأنه لو كان هناك مرض خطير، ~~لكنت قد أصبت به ومت الآن. # وفي إحدى الأمسيات نهضت في نهاية أحد البرامج التليفزيونية كي أعد لكلينا قدحين ~~من الشاي، وذلك قبل أن تغادر أونيدا إلى منزلها. واتجهت نحو المطبخ وفجأة شعرت بألم شديد، ~~ترنحت وسقطت على ركبتي ثم على الأرض. جذبتني أونيدا وعاونتني على النهوض والجلوس ~~فوق أحد المقاعد، واستعدت الوعي. أخبرتها بأن تلك النوبات كانت تنتابني في بعض الأحيان، ~~وأنه لا داعي للقلق. وتلك كانت كذبة، ولا أدري لم قلت هذا، لكنها لم تصدقني على أية ~~حال. اصطحبتني إلى غرفتي الموجودة بالطابق السفلي حيث خلدت إلى النوم، وقد خلعت عني ~~حذائي، ثم ساعدتني - بعد قليل من الاعتراض من جانبي - في خلع ملابسي وارتداء ملابس النوم. ~~كنت أدرك الأشياء من حولي ms128 بصعوبة. طلبت منها أن تستقل إحدى سيارات الأجرة وتعود إلى ~~منزلها، لكنها لم تعر كلامي أي اهتمام. # نامت في تلك الليلة على الأريكة المتواجدة في غرفة المعيشة، وبعد استكشاف بقية غرف ~~المنزل في اليوم التالي أقامت في غرفة نوم والدتي. لا بد أنها ذهبت إلى شقتها خلال ~~النهار كي تحضر بعض الأشياء التي تحتاجها، وربما ذهبت أيضا إلى المركز التجاري من أجل ~~شراء بعض البقالة كي تكمل بها ما ينقصني من أشياء. كما أنها تحدثت أيضا إلى الطبيب، ~~وأحضرت بعض الأدوية من الصيدلية، وقد كنت أتناولها عندما كانت تعطيني إياها. # انتابتني لبقية الأسبوع حالة من فقدان الوعي واستعادته والإعياء والحمى. كنت بين ~~الحين والآخر أخبرها بأنني شفيت، وأن باستطاعتي تصريف أموري بنفسي، لكن لم يكن هذا ~~صحيحا؛ فقد كنت معظم الوقت أطيع أوامرها وأعتمد عليها بنفس الأسلوب الذي يعتمد فيه ~~المرء على إحدى الممرضات في المستشفى. لكن لم تكن لديها نفس مهارة الممرضة في التعامل مع ~~الجسم المحموم، وإذا ما توافرت لدي الطاقة في بعض الأحيان، كنت أتذمر كطفل في ~~السادسة من عمره، وكانت تعتذر حينها ولا تشعر بأي استياء. وعندما كنت أخبرها بأني أصبحت ~~أفضل، وأن عليها أن تعود إلى منزلها، كنت أنانيا بدرجة تجعلني أنادي عليها بلا سبب ~~سوى أن أطمئن أنها كانت لا تزال متواجدة. # ثم أصبحت على نحو أفضل، وشعرت بالقلق من أن تلتقط المرض الذي أصابني، أيا كان ~~نوعه. ~~«ينبغي أن ترتدي كمامة طبية.» # قالت: «لا تقلق. لو كنت قد التقطت أي شيء، لظهر علي الآن بالفعل.» # وعندما شعرت لأول مرة بأني قد أصبحت أفضل بالفعل، كنت أتوانى في الاعتراف بحقيقة ~~أنني أشعر أحيانا كما لو أنني طفل صغير مرة أخرى. # لكنها ليست بالطبع أمي، وكنت سأستيقظ ذات صباح وأدرك ذلك. وكان علي أن أفكر في كل ~~الأشياء التي فعلتها من أجلي، وكان هذا يشعرني بحرج شديد؛ وهذا هو الحال بالنسبة إلى ~~أي رجل، وبخاصة أنا عندما أتذكر مظهري. كنت قد نسيت ذلك بنحو أو ms129 بآخر، وبدا لي الآن ~~أنها لم تكن تشعر بالحرج، وأنها تفعل تلك الأشياء بصورة تلقائية لأني كنت بالنسبة إليها ~~مجرد شخص ناقص أو طفل بائس. # أصبحت لطيفا الآن وامتزجت كلماتي ما بين التعبير عن الامتنان، ورغبتي الصادقة في أن ~~تعود إلى منزلها. # وفهمت الرسالة التي أردت إيصالها لها، ولم تشعر بأي ضيق. لا بد أن التعب قد ألم ~~بها من فترات النوم المتقطعة والعناية التي لم تعتدها بشخص آخر. قامت لآخر مرة ~~بالتسوق من أجل شراء الأشياء التي كنت أحتاجها، وراحت تقيس درجة حرارتي للمرة الأخيرة ثم ~~رحلت وهي تشعر، في اعتقادي، برضا شخص أدى مهمته على الوجه الأكمل، وقبل أن تفعل ذلك ~~مباشرة كانت قد انتظرت في الغرفة الأمامية لترى إن كان بمقدوري ارتداء ملابسي دونما ~~مساعدة، وشعرت بالارتياح لقدرتي على ذلك. وبالكاد خرجت من المنزل عندما أحضرت بعض ~~الحسابات وعكفت على استئناف العمل الذي كنت أؤديه في اليوم الذي أصابني فيه ~~المرض. # كان عقلي يعمل على نحو أبطأ، لكن بدقة، وهو الأمر الذي أشعرني بارتياح كبير. # تركتني بمفردي حتى ذلك اليوم - أو بالأحرى المساء - الذي اعتدنا فيه مشاهدة ~~التليفزيون معا، ثم وصلت وهي تحمل في يدها عبوة من الحساء، التي لم تكن تكفي لصنع ~~وجبة متكاملة قائمة بذاتها، ولم تكن شيئا صنعته بنفسها، ومع هذا كانت بمنزلة مساهمة ~~لا بأس بها في الطعام. وقد وصلت مبكرة كي يكون هناك وقت كاف لذلك. فتحتها أيضا دون ~~أن تسألني. كانت تعرف طريقها جيدا إلى المطبخ؛ سخنتها، وأحضرت سلطانيتي حساء ~~وتناولنا ما بهما معا. ذكرني سلوكها بأني رجل مريض يحتاج إلى تغذية عاجلة، وكان هذا ~~صحيحا بدرجة ما؛ فقد كنت في ظهيرة ذلك اليوم غير قادر - بسبب رعشة ألمت بي - على ~~استخدام فاتحة العبوات بنفسي. # كان هناك برنامجان نشاهدهما معا، الواحد تلو الآخر، لكننا في تلك الأمسية لم نشاهد ~~البرنامج الثاني مطلقا، ولم تستطع هي الانتظار حتى ينتهي البرنامج الثاني لتشرع في ~~حوار لم يكن مريحا بالنسبة إلي. # وخلاصة ذلك الحوار ms130 أنها كانت تعد نفسها للانتقال للعيش معي في منزلي. # قالت إنها من ناحية لا تشعر بالسعادة في الشقة التي تعيش فيها، والتي كان الانتقال إليها ~~بمنزلة خطأ كبير؛ حيث إنها تحب الإقامة في المنازل. لكن هذا لم يكن يعني أنها تشعر بالندم ~~لأنها تركت المنزل الذي ولدت فيه؛ فقد كانت على وشك الإصابة بالجنون وهي تعيش في ~~ذلك المنزل بمفردها. وخطؤها أنها اعتقدت أن الشقة يمكن أن تكون ببساطة هي الحل. وأضافت ~~أنها لم تكن سعيدة على الإطلاق في هذا المكان، ولن تكون كذلك أبدا. وما جعلها تدرك تلك ~~الحقيقة هو الوقت الذي أمضته في هذا المنزل، عندما كنت مريضا، وقد كان عليها أن تدرك ~~ذلك منذ فترة طويلة جدا، عندما كانت فتاة صغيرة وترى منازل بعينها وتمنت أن تعيش ~~فيها. # والشيء الآخر الذي قالته هو أننا غير قادرين بنحو كامل على الاعتناء بأنفسنا؛ فماذا ~~لو مرضت أنا وكنت بمفردي تماما؟ وماذا لو تكرر ذلك الأمر ثانية؟ أو ماذا لو حدث هذا ~~الأمر لها؟ # قالت إننا نكن بعض المشاعر أحدنا تجاه الآخر، وهي ليست بالمشاعر المعتادة. وأضافت ~~أن بمقدورنا العيش معا كأخ وأخت، وأن يعتني كل منا بالآخر على هذا النحو، وسيكون ~~ذلك من أكثر الأشياء الطبيعية في هذا العالم. وقالت إن الجميع سيتقبل ذلك الأمر، ولم ~~لا يفعلون هذا؟ # كنت أشعر بالانزعاج طوال الوقت الذي تتحدث فيه، بل أيضا بالغضب والخوف والروع، وكان ~~الأسوأ هو ما ختمت به حديثها عندما قالت إنه ما من أحد سيعتقد أن في الأمر شيئا ما. ~~وكنت أستطيع أن أستشف ما تقصده، وربما أتفق معها أن الناس سيعتادون على الأمر، وربما ~~يلقون بمزحة أو مزحتين سيئتين، وقد لا نسمع حتى بهما. # قد تكون محقة، وربما يكون حديثها منطقيا. # شعرت حينها كما لو أن أحدهم قد ألقى بي في قبو وصفق الباب فوق رأسي. # ولكنني لم أكن لأجعلها تعرف عن الأمر شيئا. # قلت لها إنها فكرة جيدة، لكن هناك شيئا يجعلها مستحيلة. # قالت: ما هو ms131 هذا الشيء؟ # قلت لها إنني نسيت أن أخبرها، مع كل ما مر بي من المرض والقلق وسائر الأشياء الأخرى، ~~بأنني عرضت المنزل للبيع، وقد اشتراه أحدهم. # قلت في نفسي: أوه، أوه! ولم لم أخبرها بذلك؟ # قلت بصدق حينها، إنه لم يكن لدي أدنى معرفة بما كانت تريده، لم أعرف أنها تخطط في ~~ذهنها لذلك. # قالت: «إن هذا الأمر لم يرد على ذهني في الوقت المناسب، شأنه شأن كثير من الأمور ~~الأخرى في حياتي. يبدو أنه شيء يتعلق بي أنا؛ فإنني لا أفكر في الأمور في وقتها الصحيح؛ ~~دائما ما أعتقد أن هناك متسعا من الوقت.» # لقد أنقذت نفسي ولكن ليس دون تكلفة؛ فقد كان علي أن أعرض المنزل، هذا المنزل، للبيع ~~وأبيعه بأسرع ما يمكن، تماما كما فعلت هي بمنزلها. # وقد بعته بالسرعة نفسها تقريبا، لكن لم أكن مجبرا أن أقبل عرضا تافها كما فعلت ~~هي. ثم كان علي أن أواجه مهمة التعامل مع كل الأشياء التي تراكمت في المنزل منذ أن ~~انتقل إليه والداي في شهر العسل، حيث لم يكن معهما نقود للقيام بأي رحلة. # واندهش الجيران مما حدث. لم يكونوا جيراني منذ وقت طويل؛ فهم لم يكونوا يعرفون أمي، ~~لكنهم قالوا بأنهم اعتادوا مجيئي وذهابي، ومواعيدي المنضبطة. # كانوا يريدون أن يعرفوا خططي بخصوص الوقت الحاضر، وأدركت أن ليس لدي أي خطط؛ فبخلاف ~~عملي لم يكن هناك ما أفعله، وقد كنت بالفعل قد أقللت من مهام عملي حيث كنت أتطلع أن ~~أمضي شيخوختي بعناية وحرص. ~~••• # بدأت أجوب البلدة بحثا عن مكان أعيش به، واتضح أنه من بين كل الأماكن التي يمكن أن ~~تناسبني لم يكن هناك سوى مكان واحد فقط شاغر، وكان هذا المكان شقة في العمارة التي شيدت ~~مكان منزل أونيدا القديم، ولم تكن الشقة بأعلى طابق، وتطل على منظر رائع كما كانت شقتها، ~~بل كانت بطابق سفلي. وعلى أية حال، لم أكن أهتم بأن تطل شقتي على منظر رائع؛ لذا أخذتها، ~~ولم أدر ما الذي يمكنني أن ms132 أفعله بعد ذلك. # بالطبع كنت أنوي أن أخبرها بالأمر، ولكنه ذاع حتى قبل أن أنتقل إلى شقتي. وعلى أية حال، ~~فقد كانت لها خططها الخاصة بها، وكان فصل الصيف قد حل، ولم تكن برامجنا تذاع في ذلك ~~الوقت. وفي تلك الأيام، لم نكن يرى كل منا الآخر بانتظام، ولم أعتقد أنه عندما يحدث ~~ذلك يجب علي أن أعتذر لها أو أطلب إذنها بالسماح لي بالإقامة في نفس عمارتها. وعندما ~~ذهبت لألقي نظرة على المكان وأوقع عقد الإيجار، لم تكن هي متواجدة هناك. # هناك شيء واحد أدركته في تلك الزيارة، أو حينما فكرت بها فيما بعد. تحدث إلي ~~رجل لم أتعرف عليه في البداية، وبعد دقيقة أدركت أنه شخص عرفته لسنوات، وظللت نصف ~~عمري أحييه في الطريق. لو كنت رأيته هناك لكنت عرفته بالرغم من آثار تقدم العمر، ~~لكني لم أتعرف عليه، وقد ضحكنا على ذلك، وأراد أن يعرف إن كنت سأنتقل بالقرب من ساحة ~~العظام (أي منطقة تخزين وتفكيك المركبات القديمة). # قلت له إنني لم أكن أدري أنهم يطلقون عليها ذلك، ولكني كنت سأفعل. # ثم أراد أن يعرف إن كنت أمارس لعبة اليوكر، وقلت إني ألعبها، ولكن ليس كثيرا. # قال: «هذا شيء جيد.» # ثم فكرت حينها أن العيش لفترة طويلة بدرجة كافية كفيل بأن يمحو كل المشكلات، ويضعك ~~ضمن مجموعة مختارة من الناس. ومهما كانت إعاقتك، فإن مجرد العيش حتى هذا العمر الذي كنت ~~فيه يمحوها إلى حد بعيد؛ فكل وجه سيعاني، وليس وجهك فقط. # وهذا جعلني أفكر في أونيدا، وكيف كان مظهرها حينما كانت تتحدث عن الانتقال إلى منزلي؛ ~~فلم تعد رشيقة، لكنها كانت هزيلة متعبة، بلا شك، من الليالي التي أمضتها مستيقظة ~~بجواري، لكن عمرها كان يكشف عما هو أبعد من ذلك. كانت تتمتع بجمال هادئ طوال الوقت؛ فقد ~~كانت امرأة شقراء تعلو وجهها حمرة، وبه ذلك المزيج الغريب الذي يكشف عن رغبة في ~~الاعتذار، وينم عن ثقة أبناء الطبقة العليا حيال ما تمتلكه وما فقدته. عندما قدمت ms133 ~~عرضها لي كانت تبدو متوترة ويعلو وجهها تعبير غريب. # بالطبع لو كان لي الحق في الاختيار، لكنت بطبيعة الحال، وبالنسبة إلى طولي، اخترت ~~فتاة أقل حجما، كالفتاة الجامعية الجميلة، ذات الشعر الداكن، التي كانت من معارف آل ~~كريبس، وعملت في متجرهم لفترة الصيف. # وفي أحد الأيام قالت لي هذه الفتاة بطريقة لطيفة إنه يمكنني الحصول على نتيجة أفضل ~~بالنسبة إلى وجهي في هذه الأيام، وقالت إنني سأندهش من النتيجة، وإن ذلك لن يكلفني كثيرا ~~خصوصا في ظل برنامج التأمين الصحي بأونتاريو. # كانت محقة، لكن كيف لي أن أوضح لها أنني لا أستطيع الذهاب إلى عيادة أحد الأطباء وأقول له ~~إنني أرغب في شيء لا أعرف كنهه؟ ~~••• # بدت أونيدا على نحو أفضل مما كانت عليه قبل ذلك، وذلك عندما ظهرت أثناء حزمي لأمتعتي ~~وأشيائي وتخلصي من بعضها. كان شعرها مصففا، وقد تغير لونه بعض الشيء، ربما أضحى ~~بنيا أكثر. # قالت: «لا يتعين عليك أن تلقي بكل شيء دفعة واحدة؛ أي كل ما جمعته عن تاريخ هذه ~~البلدة.» # قلت لها إنني كنت انتقائيا في فرز الأشياء، بالرغم من أن ذلك لم يكن صحيحا تماما. ~~بدا لي أن كلينا كان يتظاهر بالاهتمام بما حدث بدرجة أكبر مما نحن عليه بالفعل، وعندما ~~فكرت في تاريخ البلدة في ذلك الوقت، تراءى لي أن كل البلدات يجب أن تشبه بعضها بعضا في ~~النهاية. # لم نذكر أي شيء عن انتقالي إلى العمارة التي تقطن بها، كما لو أننا ناقشنا الأمر بالكامل ~~وأصبح شيئا مسلما به منذ فترة طويلة. # قالت إنها ستذهب في واحدة من رحلاتها، وفي هذه المرة ذكرت اسم المكان؛ وهو جزيرة سافاري، ~~كما لو أن هذا كان كافيا. # سألتها بأدب عن المكان الذي كانت ستقيم فيه، فأجابت قائلة: «أوه، إنه قبالة ~~الساحل.» # قالت ذلك وكأن هذه إجابة وافية لسؤالي. # وأردفت قائلة: «حيث تعيش صديقة قديمة لي.» # بالتأكيد، قد يكون ذلك صحيحا. ~~«لقد بعثت لي رسالة بالبريد الإلكتروني، وقالت إن ذلك ما يجب أن أفعله. أنا ms134 لست ~~مهتمة بالأمر إلى حد ما، لكن ربما علي أن أجرب الذهاب إلى هناك.» ~~«أعتقد أنك لن تعرفي شيئا عن المكان إلا إذا جربت الذهاب إليه.» # شعرت كما لو أنه كان علي أن أضيف شيئا آخر؛ كأن أسأل عن أحوال الطقس هناك، أو شيء ~~آخر يتعلق بالمكان الذي كانت ستذهب إليه، لكن قبل حتى أن أفكر فيما يجب أن أقوله، ~~أطلقت صيحة أو صرخة صغيرة غريبة، ثم وضعت يدها على فمها، وسارت بخطوات شديدة الحذر ~~نحو نافذتي. # قالت: «سر بهدوء، بهدوء. انظر، انظر هناك.» # كانت تضحك بلا صوت تقريبا، ضحكة قد توحي حتى بأنها كانت تتألم، وأشارت إلي بيدها من ~~خلف ظهرها بينما كنت أنهض من مكاني حتى أتحلى بالهدوء. # كان يوجد بالفناء الخلفي لمنزلي حوض للطيور، ولقد وضعته منذ سنوات حتى تتمكن أمي من ~~مشاهدة الطيور. كانت مولعة جدا بها، وكان بمقدورها التعرف عليها من خلال أصواتها ~~وأشكالها كذلك. كنت قد أهملته لفترة، لكني ملأته بالماء هذا الصباح. # والآن ماذا حدث؟ # امتلأ بالطيور، طيور ذات لونين أبيض وأسود تندفع نحوه كالعاصفة. # لم تكن طيورا؛ فقد كانت أكبر حجما من طيور أبي الحناء وأصغر من الغربان. # قالت: «إنها ظرابي، ظرابي صغيرة. إن اللون الأبيض بها يفوق اللون ~~الأسود.» # لكن يا لجمالها! كانت تتحرك برشاقة وتتمايل، ولا يعترض أحدها طريق الآخر، حتى إنك لا ~~تستطيع أن تعرف عددها، وأيها تحرك أو توقف. # وبينما كنا نشاهدها، دفع كل منها بنفسه الواحد تلو الآخر خارج المياه، وشرعت في ~~السير عبر الفناء بسرعة لكن في خط قطري مستقيم، كما لو أنها كانت تزهو بنفسها لكن في ~~هدوء. كان عددها خمسة. # قالت أونيدا: «يا إلهي! في البلدة.» # بدت علامات الانبهار على وجهها. ~~«هل رأيت مثل هذا المنظر من قبل؟» # قلت لها لا، مطلقا. # خيل إلي أنها ربما تقول شيئا آخر قد يفسد المشهد، لكنها لم تفعل، لم يفعل كلانا ~~ذلك. # كنا في أقصى قدر من السعادة يمكن أن نصل إليه. # | كوري # قال السيد كارلتون: «إنه ms135 ليس بالشيء الجيد أن تتركز الأموال كلها في عائلة واحدة، كما هو ~~الحال في مكان كهذا؛ أعني بالنسبة إلى فتاة كابنتي كوري هنا. ما أقصده على سبيل المثال أنه ~~ليس بالشيء الجيد لفتاة مثلها؛ فما من أحد في مستواها.» # كانت كوري تجلس قبالة المائدة وأخذت تنظر مباشرة في عيني الضيف، وكان يبدو لها الحوار ~~باعثا على الضحك. # وأردف والدها قائلا: «من ذا الذي يمكن أن تتزوجه؟ لقد أصبحت في الخامسة والعشرين من ~~عمرها.» # رفعت كوري حاجبيها وتظاهرت بأنها متجهمة. # ثم قالت: «لقد أسقطت عاما، إنني في السادسة والعشرين.» # قال والدها: «استمري، اضحكي كما يحلو لك.» # ضحكت بصوت عال، وحقا، ماذا عساها أن تفعل غير ذلك؟ هذا ما حدث به الضيف نفسه، الذي ~~كان اسمه هاورد ريتشي، وكان يكبرها بأعوام قليلة، لكن كانت له زوجة وعائلة صغيرة بالفعل، ~~وهذا ما اكتشفه والدها لتوه. # تغيرت تعبيرات وجهها بسرعة شديدة. كانت أسنانها بيضاء لامعة، وشعرها قصيرا ~~مجعدا يميل لونه للسواد، وكانت وجنتاها عريضتين على نحو جذاب، ولم تكن ضعيفة البنية ~~ولا ممتلئة، وهو الشيء الذي يمكن لوالدها أن يقوله لاحقا. كان هاواد ريتشي ينظر إليها على ~~أنها من ذلك النوع من الفتيات اللاتي يمضين أوقاتا طويلة في لعب الجولف والتنس، وبالرغم ~~من لسانها اللاذع، فإنه توقع أن يكون لها عقل تقليدي. # كان يعمل مهندسا معماريا، وكان في بداية حياته العملية، وأصر السيد كارلتون على أن ~~يناديه بالمعماري الكنسي؛ وذلك لأنه كان يقوم في الوقت الحالي بترميم برج الكنيسة ~~الأنجليكانية بالبلدة؛ وهو البرج الذي كان على شفا الانهيار حتى هب السيد كارلتون ~~لإنقاذه. ولم يكن السيد كارلتون أنجليكانيا، وقد أشار لهذا الأمر مرات عدة؛ فقد كان أحد ~~رعايا الكنيسة الميثودية، وكان ميثوديا حتى النخاع، ولهذا السبب لم يكن يحتفظ في منزله ~~بأي نوع من الخمور، لكن لم يكن يجوز ترك كنيسة عريقة كالكنيسة الأنجليكانية تتعرض ~~للانهيار، ولا أمل في انتظار الأنجليكانيين لكي يفعلوا شيئا؛ فهم فئة فقيرة من ~~البروتستانت الأيرلنديين الذين كان من الممكن ms136 أن يزيلوا البرج ويضعوا مكانه شيئا يؤدي ~~إلى تشويه منظر البلدة. إنهم كانوا بالقطع لا يمتلكون نقودا كافية لإصلاح البرج، وما كان ~~لهم أن يفهموا أن الأمر بحاجة إلى مهندس معماري أكثر منه إلى نجار؛ معماري كنسي. # كانت غرفة الطعام قبيحة الشكل، في رأي هاورد على الأقل. كانت هذه فترة منتصف خمسينيات ~~القرن العشرين، لكن بدا كل شيء وكأنه قبل مطلع القرن. كان الطعام مقبولا إلى حد ما، ~~ولم يتوقف الرجل الذي يجلس على رأس المائدة عن الحديث مطلقا، وقد يخيل إليك أن ~~الفتاة قد أصابها التعب من فرط حديثه، لكن كانت تبدو وكأنها على وشك الضحك معظم الوقت. ~~وقبل أن تنتهي من تناول الحلوى، أشعلت سيجارة، وعرضت على هاورد واحدة وهي تقول بصوت ~~مسموع: «لا عليك من أبي.» وتناولها لكن لم ترق له شخصيتها. # فقد رآها فتاة ثرية مدللة، ليست مهذبة. # وفجأة سألته عن رأيه في تومي دوجلاس، حاكم مقاطعة ساسكاتشوان. # قال إن زوجته تؤيده، لكنها لم تكن تعتقد في الواقع أنه يساري راديكالي بالقدر ~~الكافي، ولكنه لم يكن ليخوض في ذلك. ~~«إن أبي يحبه؛ فأبي شيوعي.» # نخر السيد كارلتون تعبيرا على اعتراضه على ما تقول، لكن لم يمنعها هذا من ~~الاستمرار. # فقالت لأبيها: «حسنا، إنك تضحك على نكاته.» # وبعد ذلك بفترة قصيرة، اصطحبت هاورد للخارج ليلقي نظرة على الأراضي المحيطة بالمنزل. ~~كان المنزل يطل مباشرة على الطريق ويقع قبالة المصنع الذي ينتج الأحذية العالية الرقبة ~~وأحذية العمل الخاصة بالرجال؛ ومع ذلك كانت توجد خلف المنزل مساحة شاسعة من المروج، وذلك ~~النهر الذي يلتف حول البلدة بنحو جزئي، وكان هناك طريق غير ممهد منحدر يصل لضفته. ~~قادت هي الطريق إلى النهر، وتمكن من رؤية شيء لم يكن واثقا من وجوده من قبل؛ فقد ~~كان لديها عرج في إحدى رجليها. # سألها قائلا: «ألن يكون الصعود عبر هذا الطريق المنحدر صعبا؟» ~~«أنا لست معاقة.» # قال: «أرى أن لديك قارب تجديف.» معتبرا هذا شبه اعتذار . ~~«سأصطحبك في نزهة به ولكن ليس الآن، ms137 أما الآن فعلينا أن نشاهد منظر الغروب.» وأشارت ~~إلى مقعد مطبخ قديم قالت إنه يستخدم من أجل مشاهدة الغروب، وطلبت منه أن يجلس هناك، أما ~~هي فقد جلست على الحشائش. وكان على وشك أن يسألها إن كان بمقدورها أن تنهض بمفردها، لكنه ~~رأى أن ليس من الصواب أن يفعل ذلك. # قالت: «إنني أعاني من شلل الأطفال، وهذا كل ما في الأمر. وكانت أمي تعاني منه أيضا وقد ~~ماتت.» ~~«يا له من أمر مؤسف!» ~~«أعتقد أنه كذلك، لكني لا أستطيع تذكرها. إنني ذاهبة إلى مصر الأسبوع المقبل. لقد ~~كنت متلهفة جدا للذهاب إلى هناك، لكني لم أعد أهتم بهذا كثيرا الآن. هل تعتقد ~~أنها ستكون رحلة ممتعة؟» ~~«أنا لا أريد أن أخسر عملي.» # دهش مما قاله، وبالطبع جعلها ذلك تنفجر في الضحك. # قالت بغرور بعد أن انتهت من الضحك: «إنني أتحدث بوجه عام.» ~~«وأنا أيضا.» # قد يتهافت عليها أحد صائدي الفرص ويوقعها في شباكه؛ ربما يكون أحد المصريين أو ~~غيرهم. كانت تتسم بالجرأة والسلوك الطفولي في نفس الوقت؛ إنها قد تأسر أي رجل في ~~البداية، لكن فيما بعد ستصبح صراحتها ورضاها عن نفسها، إن صح ذلك، مصدر إزعاج له. ~~لكن بالطبع هناك أموالها، وبالنسبة إلى بعض الرجال لن تكون حينها أي من هذه الأشياء مصدر ~~إزعاج لهم على الإطلاق. # قالت: «يجب ألا تذكر أي شيء يتعلق برجلي أمام أبي وإلا فسيغضب غضبا شديدا؛ فلقد ~~فصل ذات مرة ليس فقط طفلا تعمد إغاظتي، بل عائلته بأسرها؛ أعني حتى أقاربه.» ~~••• # أرسلت من مصر عدة بطاقات بريدية غريبة على عنوان شركته، وليس منزله. وهذا طبيعي بالقطع؛ ~~فكيف كان لها أن تعرف عنوان منزله؟ # ولم تحمل هذه الكروت صورا لهرم واحد من الأهرامات، أو حتى صورة لأبي الهول. # لكن كان أحدها يحمل بدلا من ذلك صورة لصخرة جبل طارق وبجوارها تعليق يشير إلى أنها ~~صورة لهرم منهار، وكان هناك آخر يحتوي على منظر لحقول ممتدة يغلب عليها اللون البني ~~الداكن، والرب وحده يعلم أين مكانها، ms138 وكتب عليها: «بحر الظلمات.» كانت توجد رسالة أخرى ~~مكتوبة بخط صغير تقول: «العدسة المكبرة متوافرة، أرسل النقود.» ولحسن الحظ لم يلحظ أيا ~~من تلك البطاقات أحد في المكتب. # لم يكن ينوي أن يرد على تلك الرسالة، بيد أنه فعل وقال: «العدسة المكبرة معيبة، ~~نرجو رد النقود.» # قاد سيارته إلى بلدتها من أجل القيام بعملية فحص غير ضرورية لبرج الكنيسة، وهو يعلم ~~أنها قد عادت من بلد الأهرامات، لكنه لم يدر إن كانت في منزلها أم خرجت في نزهة ~~قصيرة. # لقد كانت في المنزل، وستمكث به لبعض الوقت؛ فقد أصيب والدها بسكتة دماغية. # لكن لم يكن هناك الكثير من الأشياء لتفعلها في حقيقة الأمر؛ فهناك ممرضة تأتي إلى المنزل ~~يوما بعد يوم، وكان ثمة فتاة تدعى ليليان وولف مسئولة عن إيقاد النار التي دائما ما ~~كانت تشعل عندما يصل هاورد، وبالطبع كانت لها مهام منزلية أخرى. أما كوري نفسها فلم يكن ~~باستطاعتها إشعال النيران بصورة صحيحة، أو إعداد وجبة من الوجبات، وهي لا تستطيع كذلك ~~النسخ على الآلة الكاتبة، أو قيادة السيارة، حتى مع وجود حذاء خاص لمعاونتها في ذلك. ~~عندما وصل هاورد تولى أمور المنزل؛ فقد اعتنى بمسألة إيقاد النيران وتحمل مسئولية ~~العديد من الأشياء الأخرى في المنزل، حتى إنهم اصطحبوه لرؤية والد كوري، إن كانت حالة ~~الرجل تسمح بذلك. # لم يكن يدري كيف كان سيتعامل مع رجلها العرجاء في الفراش، لكنها كانت بنحو ما تبدو ~~أكثر جاذبية وتفردا عن باقي جسمها. # أخبرته بأنها ليست عذراء؛ لكن اتضح أن ذلك بمنزلة نصف حقيقة معقدة، نتيجة ~~لتحرش مدرس البيانو بها جنسيا حينما كانت في الخامسة عشرة من عمرها. لقد كانت تتجاوب مع ~~ما كان يريده مدرس البيانو هذا؛ لأنها كانت تتعاطف مع الأشخاص الذين كانوا في حاجة ماسة ~~لأشياء معينة. # قالت: «لا تعتبر ذلك بمنزلة إهانة.» موضحة أنها لم تعد تتعاطف مع الناس على هذا ~~النحو. # قال: «آمل ألا يحدث ذلك.» # ثم كانت لديه أشياء ليخبرها بها عن نفسه؛ فحقيقة أنه ms139 عرض استخدام واق ذكري لم تكن ~~تعني أنه اعتاد غواية النساء. ففي واقع الأمر، لم تكن هي سوى ثاني امرأة يضاجعها، والأولى ~~كانت زوجته؛ فلقد نشأ في منزل شديد التدين وكان لا يزال يؤمن، إلى حد ما، بالرب. وقد ~~احتفظ بذلك كأحد الأسرار التي لم يخبر بها زوجته، التي كانت ستتندر على ذلك، لكونها يسارية ~~راديكالية. # قالت كوري إنها كانت سعيدة لأن ما كانا يفعلانه - أو ما فعلاه معا لتوهما - لا يبدو ~~مصدر إزعاج له بالرغم من معتقداته الدينية، وقالت إنها هي ذاتها لم يكن لديها قط أي ~~وقت لعبادة الرب؛ لأن والدها كان كافيا للانشغال عن مثل ذلك الأمر. # لم يكن الأمر صعبا بالنسبة إليهما؛ فوظيفة هاورد كانت تتطلب منه السفر في فترة النهار ~~من أجل إجراء عمليات فحص للمباني أو لرؤية أحد العملاء، ولم تكن المسافة من كتشنر تستغرق ~~وقتا طويلا بالسيارة، وقد أصبحت كوري بمفردها في المنزل الآن؛ فلقد توفي والدها، أما ~~الفتاة التي كانت تعمل لديها فقد ذهبت للبحث عن وظيفة في المدينة، واستحسنت كوري تلك ~~الفكرة، بل إنها منحتها نقودا من أجل دروس الكتابة على الآلة الكاتبة، وذلك حتى تعمل على ~~تحسين مستواها. # قالت: «إنك أكثر مهارة من مجرد الخدمة في المنازل، ولتخبريني كيف ستمضي الأمور ~~معك.» # وسواء أنفقت ليليان وولف النقود على دروس الكتابة على الآلة الكاتبة أم على شيء آخر، ~~فهذا أمر لا يعلمه أحد، لكنها استمرت في الخدمة في المنازل، وقد انكشف ذلك الأمر في إحدى ~~المناسبات التي دعي فيها هاورد وزوجته لتناول العشاء، بصحبة آخرين، في منزل أحد الأشخاص ~~المهمين الذين وصلوا مؤخرا إلى كتشنر، وكانت ليليان تقف عند المائدة، والتقت وجها لوجه ~~مع الرجل الذي رأته في منزل كوري؛ الرجل الذي طالما رأته يطوق كوري بذراعيه عندما ~~كانت تدلف لرفع الأطباق أو توزيع النيران. وكشف الحوار الدائر أن الزوجة التي كانت تجلس على ~~المائدة كانت زوجته أيضا وقتذاك كما هو حالها الآن. ~~••• # قال هاورد إنه لم يخبر كوري بشأن حفل ms140 العشاء في حينه لأنه كان يأمل ألا يحمل هذا الأمر ~~الكثير من الأهمية، ولم يكن المضيف والمضيفة من الأصدقاء المقربين له أو لزوجته. ~~بالقطع لم يكونا كذلك بالنسبة إلى زوجته التي سخرت منهما فيما بعد من منطلق سياسي. لقد ~~كانت إحدى مناسبات العمل الاجتماعي، ومن المرجح أن المنزل لم يكن من ذلك النوع الذي تثرثر ~~فيه الخادمات مع ربة المنزل. # في واقع الأمر، لم يكن من ذلك النوع، وقالت ليليان إنها لم تثرثر بشأن ذلك الأمر على ~~الإطلاق. قالت هذا في خطاب، ولم تكن سيدتها هي من كانت تنوي أن تتحدث إليها عن هذا ~~الأمر، إن كان يجب عليها ذلك، بل إنها زوجته هي من تود إخبارها. ترى هل كانت ستهتم ~~زوجته بالحصول على تلك المعلومة؟ كان ذلك هو الأسلوب الذي صاغت به الخطاب. لقد أرسلت ~~الخطاب على عنوان مكتبه الذي تمكنت بذكاء من العثور عليه، ولكنها عرفت أيضا عنوان ~~منزله؛ لقد كانت تتلصص عليه. لقد ذكرت له ذلك في الخطاب، كما أشارت إلى معطف زوجته ~~الفضي اللون المصنوع من فراء الثعلب، وكان هذا المعطف يسبب ضيقا لزوجته، وكانت عادة ما ~~تشعر بأنها مضطرة لأن تخبر الناس بأنها ورثته ولم تشتره. وكانت هذه هي الحقيقة بالفعل؛ ~~ومع ذلك كانت تحب ارتداءه في مناسبات معينة، كحفل العشاء هذا، وذلك لكي تكون مساوية ~~للآخرين، كما بدا، حتى لو كانوا أناسا لا حاجة لها بهم. # وكانت ليليان قد كتبت في الخطاب: «أكره أن أكسر قلب تلك المرأة اللطيفة ذات الياقة ~~الفضية اللون المصنوعة من فراء الثعلب.» ~~••• # قالت كوري، عندما شعر أنه كان يجب عليه أن ينقل لها تلك الأخبار: «كيف لليليان أن تعلم ~~بأمر الياقة الفضية التي من فراء الثعلب؟ إنها لا تفقه شيئا، هل أنت واثق أن هذا هو ما ~~قالته؟» ~~«تمام الثقة.» # كان قد أحرق الخطاب على الفور، فقد شعر أنه قد تأذى منه. # قالت كوري: «لا بد أنها علمت بأمر الكثير من الأشياء حين كانت هنا. دائما ما كنت ~~أعتقد ms141 أنها ماكرة. أعتقد أن قتلها ليس أحد الخيارات المطروحة، أليس كذلك؟» # لم يرسم حتى ابتسامة على شفتيه؛ لذا قالت بجدية شديدة: «إنني أمزح فقط.» # كان ذلك في شهر أبريل، ولكن الطقس كان لا يزال باردا بدرجة تجعلك ترغب في إيقاد النيران ~~للتدفئة. عزمت على أن تطلب منه ذلك طوال فترة العشاء، لكن سلوكه الغريب المتسم بالكآبة ~~جعلها تحجم عن ذلك. # أخبرها أن زوجته لم تكن تريد أن تذهب إلى ذلك العشاء، قال: «إنه مجرد حظ عاثر.» # قالت: «كان عليك أن تأخذ بنصيحتها.» # قال: «إنه أسوأ شيء، أسوأ شيء يمكن أن يحدث.» # كان كلاهما يحدق في الشبكة الحديدية السوداء للمدفأة، ولم يمسسها سوى مرة واحدة فقط، ~~وذلك عندما حياها. # قالت كوري: «لا، ليس الأمر كذلك. لا.» ~~«لا؟» # قالت: «لا، بمقدورنا أن نمنحها النقود. إنه ليس بمبلغ كبير في حقيقة الأمر.» ~~«أنا لا أمتلك ...» ~~«ليس أنت، بل أنا الذي بمقدوري ذلك.» ~~«أوه، لا.» ~~«نعم.» # أخذت تتكلم برفق، لكنها كانت تتجمد من شدة البرد. ماذا لو رفض؟ لا، لا يمكن أن أسمح ~~لك بذلك. لا، إنها علامة؛ علامة على أننا ينبغي أن نتوقف عما نفعله. كانت واثقة من أن ~~هناك شيئا يدل على هذا في صوته، قسمات وجهه. كل ما يتعلق بتلك الخطيئة القديمة، هذا ~~الشر. # قالت: «إن تلك النقود لا تعني لي شيئا، وحتى إن استطعت أن تدبرها بسهولة، فإنك لن ~~تستطيع أن تدفعها لها؛ إنك ستشعر حينها بأنك تنتزع شيئا من حق عائلتك؛ فكيف سيكون ~~بمقدورك أن تفعل ذلك؟» # العائلة! ما كان ينبغي لها أن تقول ذلك مطلقا، ما كان يجب عليها أن تتفوه بتلك الكلمة ~~على الإطلاق. # لكن في الواقع تهللت أساريره، وقال: لا، لا، لكن كان يشوب صوته بعض الشك. ثم ~~أدركت أن كل شيء سيكون على ما يرام، وبعد فترة قصيرة استطاع التحدث بطريقة عملية، وقد ~~تذكر شيئا آخر من الخطاب؛ فقال إنه يجب أن يدفع لها نقدا وليس بشيكات حيث إنها لا ~~تستخدمها. # كان يتحدث دون أن ms142 يرفع بصره وكأنه يعقد إحدى صفقات العمل. كان الدفع نقدا شيئا جيدا ~~بالنسبة إلى كوري أيضا؛ فهو لم يكن ليورطها في شيء. # قالت: «حسنا، إنه ليس بمبلغ ضخم على أية حال.» # لكنه حذرها قائلا: «لكن يجب ألا تدرك أننا نرى الأمر على هذا النحو.» # كانت النقود سترسل على صندوق بريدي باسم ليليان، وتوضع النقود في مظروف موجه لها، ~~وترسل لها النقود مرتين في العام، والتواريخ كانت متروكة لها. وينبغي ألا يكون هناك ~~تأخير في إرسال النقود حتى ليوم واحد، وإلا فإنها ستبدأ في القلق، على حد قولها. # لم يلمس كوري إلا حينما حياها بتحية وداع تنم عن الامتنان وتكاد تكون شبه رسمية، ~~وكان لسان حاله يقول: إن هذا الموضوع ينبغي أن يكون بعيدا كل البعد عما بيننا. سنبدأ ~~من جديد، وسنشعر ثانية بأننا لا نجرح أحدا ولا نقترف إثما. هذا ما أفصحت عنه لغته ~~الصامتة، أما ما أفصحت عنه لغتها، فقالت فيما يشبه المزاح الذي لم يفلح في تخطي ~~الأمر. ~~«لقد ساهمنا بالفعل في تعليم ليليان؛ فهي لم تكن على هذا القدر من الذكاء من ~~قبل.» ~~«نحن لا نريدها أن تصبح أكثر ذكاء، وتطلب المزيد من النقود.» ~~«سنفكر حينها فيما يجب فعله. على أية حال يمكننا حينئذ أن نهدد بإبلاغ الشرطة، بل ~~بمقدورنا فعل ذلك من الآن.» # قال: «لكن هذا معناه نهاية علاقتنا أنا وأنت.» وكان بالفعل قد حياها بتحية الوداع ~~وأدار رأسه مبتعدا، وكانا حينها يقفان في الشرفة الخارجية. # قال: «وأنا لا أستطيع تحمل نهاية علاقتنا أنا وأنت.» # قالت كوري: «إنني سعيدة لسماع ذلك.» ~~••• # مر الوقت سريعا حتى إنهما لم يعودا يتحدثان عن هذا الأمر. كانت تعطيه النقود بالفعل في ~~مظروف حتى يرسله لليليان. في البداية، كان ينخر تعبيرا عن اشمئزازه من الأمر، لكن هذا ~~الصوت تحول فيما بعد إلى تنهد ينم عن الإذعان، كما لو أن أحدهم قد ذكره بأن ~~عليه أداء مهمة روتينية ما. ~~«كم يمر الوقت سريعا!» ~~«حقا، أليس كذلك؟» # ربما قد قالت كوري: «مال ليليان ms143 الحرام.» وبالرغم من أنه لم ينتبه إلى هذا التعبير في ~~البداية، فإنه قد اعتاد هو الآخر أن يستخدمه فيما بعد. وكانت تسأله في البداية إن كان قد ~~رأى ليليان ثانية، أو إن كانت هناك حفلات عشاء أخرى. # فكان يذكرها قائلا: «إنهما ليسا من أصدقائنا المقربين.» ويضيف أنه بالكاد يلتقي بهما ~~ولا يدري حتى إن كانت ليليان لا تزال تعمل لديهما أم لا. # ولم تكن كوري تراها هي الأخرى، وكان أهلها يعيشون في الريف، وإن حدث أن أتت ليليان ~~لزيارتهم، فإنه من غير المرجح أن يأتوا للتسوق في هذه البلدة، التي كانت تتدهور الأحوال ~~فيها على نحو سريع؛ فقد أضحى الشارع الرئيسي خاليا من المتاجر إلا من متجر صغير يشتري ~~منه الناس تذاكر اليانصيب أو البقالة التي يحتاجونها، ومتجر آخر للأثاث تعرض واجهته ~~نفس المناضد والأرائك منذ فترة طويلة، ويبدو أنه لا يفتح أبوابه مطلقا، ومن المحتمل ~~ألا يحدث هذا، وظل هكذا حتى مات مالكه في فلوريدا. # بعد وفاة والد كوري، تولى إدارة مصنع الأحذية إحدى الشركات الكبيرة التي وعدت - أو هكذا ~~اعتقدت كوري - بأن تستمر في تشغيله في نفس النشاط. ولكن خلال عام واحد أضحى المبنى ~~خاويا، ونقلت الآلات إلى بلدة أخرى، ولم يتبق فيه سوى بعض الآلات التي عفى عليها الزمن ~~والتي كانت تستخدم من قبل في صناعة كل من الأحذية العادية والأحذية العالية الرقبة. ~~وتبادرت إلى ذهن كوري فكرة أن تقيم متحفا صغيرا طريفا لعرض مثل هذه الأشياء، وشرعت ~~هي ذاتها في ترتيب الأمر، وكانت ستقوم بدور المرشدة التي ستشرح كيف كانت تصنع الأحذية ~~باستخدام تلك الآلات. كان المدهش في الأمر معرفة كيف أنها أصبحت على هذا القدر الكبير من ~~المعرفة، لكن الذي ساعدها في ذلك بعض الصور الفوتوغرافية التي كان والدها قد التقطها كي ~~تكون وسائل توضيحية في محاضرة ربما يكون قد ألقاها هو بنفسه - وكانت مكتوبة على الآلة ~~الكاتبة بنحو سيئ - على الملتحقات بمعهد السيدات، حينما كن يدرسن الصناعات المحلية ~~وقتها. وبالفعل، بحلول نهاية فصل الصيف ms144 استطاعت كوري جلب بعض الزائرين إلى المكان، وكانت ~~على ثقة من أن الأمور ستكون أفضل في العام التالي، وخاصة بعد أن وضعت لافتة دعائية عن ~~المكان على الطريق السريع، ووضعت إعلانا عنه في أحد الكتيبات الدعائية السياحية. # تطلعت من النافذة صباح يوم في بداية فصل الربيع، فرأت مجموعة من الغرباء يشرعون ~~في هدم المبنى، واتضح فيما بعد أن العقد الذي أبرمته مع الشركة واعتقدت أنه يمكنها ~~من استخدام المبنى ما دامت تسدد مبلغا من المال كإيجار؛ لا يسمح لها بعرض أي أشياء ~~موجودة داخل المبنى أو الاستيلاء عليها، مهما بدت تلك الأشياء عديمة القيمة. وليس ثمة ~~شك في أن تلك الآلات كانت تئول إليها، بل إنه في واقع الأمر من حسن حظها أنه لم يتم ~~استدعاؤها للمحكمة بعد أن علمت الشركة - التي كانت متعاونة جدا في وقت من الأوقات - ما ~~كانت مقدمة عليه. # ولولا اصطحاب هاورد عائلته إلى أوروبا الصيف الماضي، عندما بدأت هذا المشروع، لكان قد ~~استطاع الاطلاع على العقد ووفر عليها الكثير من المتاعب. # قالت عندما هدأت: لا بأس مما حدث. وسرعان ما عثرت على مصدر اهتمام جديد. # وقد بدأ الأمر عندما قررت أنها قد سئمت من ذلك المنزل الكبير الخاوي، فأرادت أن ~~تتركه، وعزمت على أن تكون وجهتها المكتبة العامة التي تقع في الطريق الرئيسي. # كان مبنى المكتبة جميل الشكل، يسهل إدارته، وكان مشيدا من الطوب الأحمر، ولكون المكتبة ~~واحدة من مكتبات كارنيجي، فلم يكن من السهل التخلص منها بالرغم من أنه لا يفد إليها ~~سوى عدد قليل من الناس، لم يكن كافيا لسداد أتعاب أمين المكتبة. # كانت كوري تذهب إلى هناك مرتين في الأسبوع، وتفتح الأبواب وتجلس أمام مكتب أمين المكتبة. ~~وكانت تزيل الغبار كلما دعت الحاجة لذلك، وتهاتف الأشخاص الذين أظهرت السجلات أنهم قد ~~استعاروا بعض الكتب منذ سنوات ولم يعيدوها للمكتبة. وفي بعض الأحيان كان الأشخاص الذين ~~يجيبون عليها يزعمون أنهم لم يسمعوا مطلقا عن هذه الكتب ؛ مدعين أنه لا بد أنه قد ~~استعارتها ms145 إحدى العمات أو الجدات في عائلاتهم التي اعتادت القراءة، والتي ماتت الآن. ثم ~~كانت تتحدث فيما بعد عن ملكية المكتبة للكتب، وكان الكتاب يظهر في بعض الأحيان بالفعل في ~~سلة المرتجعات. # أما الشيء المزعج الوحيد الذي كان يتعلق بالجلوس في المكتبة فهو الضوضاء المحيطة، وكان ~~مصدرها هو جيمي كازنس، الذي كان يجز الحشائش حول مبنى المكتبة، وكان يقوم بما يقوم به ~~عدة مرات إذ ليس ثمة شيء آخر لديه ليفعله؛ لذا استأجرته ليقلم لها الحديقة في ~~منزلها؛ وهو الشيء الذي كانت تفعله بنفسها كنوع من التمرينات البدنية، لكن بنيتها لم تكن ~~تحتاج إليه في واقع الأمر، كما أنها كانت بطيئة جدا في القيام به بسبب إعاقتها. # كان هاورد منزعجا إلى حد ما من التغيير الذي حدث في حياتها. صحيح أنه كان نادرا ما ~~يأتي في الوقت الحالي، لكنه كان بمقدوره المكوث لفترة أطول في كل مرة. يعيش الآن في ~~تورونتو، بالرغم من أنه يعمل في نفس الشركة. كان من أولاده من هم في مرحلة المراهقة أو ~~المرحلة الجامعية، وكانت الفتيات يبلين بلاء حسنا في دراستهن على عكس الصبية بخلاف ما ~~كان يأمل، لكن كان هذا هو الحال مع الصبية دائما. كانت زوجته تعمل بدوام كامل، بل ~~أحيانا ما يزيد عن دوام كامل وذلك لدى أحد الساسة المحليين، وكان راتبها ضئيلا للغاية، ~~بيد أنها كانت سعيدة، بل أكثر سعادة مما رآها من قبل. # وفي الربيع الماضي كان قد اصطحبها إلى إسبانيا، وكانت الرحلة بمنزلة مفاجأة بمناسبة عيد ~~ميلادها. وظلت كوري لا تعرف عنه شيئا لفترة في ذلك الحين؛ فليس من اللائق أن يكتب لها ~~أثناء العطلة التي يقضيها مع زوجته في عيد ميلادها. ما كان له أن يفعل شيئا كهذا مطلقا، ~~وهي ما كان ليروق لها أن يفعل ذلك أيضا. # قالت كوري بعدما عاد من رحلته: «من خلال طريقة زيارتك لي، يخيل إلي أنك ترى منزلي ~~على أنه أحد المزارات.» ورد قائلا: «هذا صحيح تماما.» لقد أصبح الآن عاشقا لكل شيء ms146 في ~~الحجرات الفسيحة، بأسقفها المزخرفة، وجدرانها الداخلية المكسوة بالألواح الخشبية الداكنة ~~الكئيبة. كان هناك شيء عبثي كبير يغلفها، لكنه استطاع أن يستشف أن الأمر مختلف بالنسبة ~~إليها، وأنها بحاجة إلى مغادرة المنزل في نزهة للخارج بين الحين والآخر. وبدآ في الذهاب ~~في رحلات قصيرة، ثم رحلات أطول بعض الشيء حيث كانا يمكثان لليلة واحدة في أحد الفنادق ~~الصغيرة الموجودة على الطرق العامة - ولم يتعد الأمر أكثر من ليلة واحدة على الإطلاق - ~~وكانا يتناولان الطعام في أحد المطاعم التي تميل للفخامة. # لم يصادفا مطلقا أحدا يعرفانه، وكانا متأكدين تماما أن هذا كان سيحدث في إحدى المرات. ~~أما الآن فقد اختلفت الأمور، بالرغم من أنهما كانا لا يعرفان سبب ذلك؛ هل لأنهما لن ~~يواجها أي خطر في حالة إن حدث هذا بالفعل؟ فالحقيقة أن الناس الذين كان من المحتمل ~~أن يلتقيا بهم، ولم يحدث هذا مطلقا، لن يشكوا في أنهما ذلك الثنائي الآثم الذي هما عليه ~~الآن؛ إذ يمكنه أن يقدمها على أنها ابنة عم له دون أن يخلف أي انطباع؛ فهي مجرد ~~قريبة عرجاء فكر أن يمر لزيارتها. وقد كان لديه بالفعل بعض الأقارب الذين لم ترغب زوجته ~~في أن تزعج نفسها بمعرفتهم على الإطلاق. ومن ذا الذي سيلاحق امرأة في منتصف العمر ذات ~~قدم عرجاء؟ لن يحتفظ أحدهم بتلك المعلومة الخطيرة كي يفصح عنها في لحظة حاسمة. # لقد التقينا بهاورد عند شاطئ بروس مع أخته، ألن يكون الأمر هكذا؟ كان يبدو على ما يرام. ~~ربما ابنة عمه هي التي كانت في صحبته. هل هي عرجاء؟ # لا يبدو أن الأمر يستحق كل هذا العناء. # وبالطبع كانا لا يزالان يتضاجعان، وفي بعض الأحيان كانا يفعلان ذلك بحذر، متجنبين ما ~~قد يؤثر على الكتفين أو الركبتين. كانا تقليديين في ذلك الأمر، وظلا هكذا وهما ~~يهنئان أنفسهما بأنهما لم يكونا في حاجة إلى أي عوامل خارجية مثيرة؛ فقد كان هذا من أجل ~~المتزوجين فقط. # وفي بعض الأحيان كانت الدموع تملأ عيني كوري، التي كانت ms147 تدفن وجهها بين ~~ذراعيه. # كانت تقول: «إننا محظوظان بشدة.» # ولم تسأله على الإطلاق إن كان سعيدا أم لا، لكنه أشار بطريقة غير مباشرة إلى أنه كان ~~كذلك بالفعل، وقال إنه قد أصبح لديه أفكار أكثر تحفظا، أو ربما أقل تفاؤلا، فيما يخص ~~مجال عمله. (وقد احتفظت لنفسها برأيها الذي يقول إنه كان دوما يميل لأن يكون محافظا.) ~~كان يتلقى دروس البيانو، مما أثار دهشة زوجته وعائلته؛ إنه لشيء جيد أن يكون للمرء ~~نوع من الاهتمامات الخاصة به، أثناء ارتباطه بعلاقة زواج. # قالت كوري: «أنا واثقة من هذا.» ~~«لم أكن أعني ...» ~~«أعلم هذا.» ~~••• # وفي أحد الأيام، وكان في شهر سبتمبر، دلف جيمي كازنس إلى المكتبة ليخبرها بأنه لن يتمكن ~~من تقليم الحشائش في حديقة منزلها اليوم لأنه يجب عليه الذهاب إلى الجبانة كي يحفر أحد ~~القبور، وقال إنه من أجل أحد الأشخاص الذين كانوا يعيشون هنا. # سألته، وهي تضع إصبعها بين صفحات رواية «جاتسبي العظيم»، عن اسم الشخص المتوفى، وقالت ~~إنه لشيء مثير أن يظهر بعض الأشخاص هنا، أو جثامينهم، ويطلبون ذلك المطلب الأخير من ~~أقربائهم، الذي قد يكون مصدر إزعاج لهم؛ فربما يكونون قد أمضوا حياتهم بأسرها في مدن ~~قريبة أو بعيدة، وبدا أنهم كانوا يشعرون بالرضا عن حياتهم في تلك الأماكن، لكن لم تكن ~~لديهم رغبة في البقاء بها بعد وفاتهم. إن كبار السن هم من لديهم تلك الأفكار ~~دوما. # قال جيمي إن المتوفاة ليست امرأة عجوزا، واسمها هو وولف، لكن اسمها الأول سقط من ~~ذاكرته. ~~«ليليان؟ ليليان وولف؟» # كان يعتقد أنه كذلك. # واتضح أن اسمها كان موجودا في النسخة التي تصل للمكتبة من الجريدة المحلية، التي لم تكن ~~تقرؤها كوري على الإطلاق. لقد توفيت ليليان في كتشنر عن عمر يناهز السادسة والأربعين، ~~ومن المفترض أن تقام مراسم دفنها في كنيسة أصفياء الرب، وستبدأ المراسم في الساعة ~~الثانية. # هذا جيد. # كان هذا أحد يومي الأسبوع الذي من المفترض أن تفتح المكتبة أبوابها خلالهما؛ ولذا، لم ~~يكن باستطاعة كوري الذهاب. ms148 # كانت كنيسة أصفياء الرب من الكنائس الجديدة في البلدة، ولم تكن تزدهر أي معتقدات أخرى ~~في تلك البلدة فيما عدا تلك التي كان يطلق عليها والدها «ديانات غريبة». كان بمقدورها ~~رؤية مبنى الكنيسة من إحدى نوافذ المكتبة. # وقفت أمام النافذة قبل الساعة الثانية تتابع عددا لا بأس به من الأشخاص وهم يدلفون إلى ~~الكنيسة. # ولم يكن ارتداء القبعات شيئا ضروريا في تلك الأيام في الجنائز، سواء بالنسبة إلى ~~الرجال أم النساء. # كيف لها أن تخبره بهذا؟ ينبغي أن ترسل خطابا له على مكتبه. كان بمقدورها أن تهاتفه، لكن ~~حينها سيتسم رده بالحذر والتحفظ الشديدين، مما كان سيضيع نصف السعادة التي كان ~~سيشعر بها لتخلصهما من تهديد ليليان. # استأنفت قراءة الرواية، لكنها كانت تقرأ الكلمات فحسب دون تركيز. لقد كانت تشعر ~~بالارتباك. أغلقت المكتبة وراحت تتجول عبر البلدة. # كان الناس يقولون دوما إن هذا البلدة كانت تبدو وكأنها في مراسم جنازة ما، لكن حينما ~~كان يكون بها جنازة بالفعل، تجدها وقد بدت في أوج حيويتها. لقد تذكرت ذلك عندما ~~رأت، على بعد بناية، الأشخاص الذين حضروا الجنازة وهم يخرجون من أبواب الكنيسة، ~~ويتجاذبون أطراف الحديث للتسرية عن أنفسهم وللحد من هيبة الموقف. ويا لدهشتها حين رأت بعد ~~ذلك العديد منهم يسيرون حول الكنيسة متجهين نحو باب جانبي بها حيث يعاودون دخولها ~~مرة أخرى. # كانت قد نسيت ذلك بالطبع. بعد انتهاء مراسم الجنازة، ووضع التابوت المغلق في مكانه على ~~عربة نقل الموتى، اتجه الجميع لتناول المرطبات المقدمة بعد القداس، فيما عدا أولئك ~~المقربين من المتوفاة الذين تبعوها حتى واروها الثرى. وكانت تلك المرطبات تنتظر من ~~يتناولها في جزء آخر من الكنيسة حيث توجد حجرة خاصة بمدرسة الأحد ومطبخ عامر. # لم تر أي سبب يمنعها من الانضمام إليهم. # لكن في آخر لحظة كانت ستقرر أن تسير مبتعدة عنهم. # لكن كان الأوان قد فات؛ فقد نادتها امرأة بصوت فيه تحد - أو على الأقل خال بنحو ~~كبير من أي نبرة حزن - وذلك من خلال الباب ms149 الذي يدخل منه الآخرون. # قالت لها تلك المرأة، مقتربة منها: «لقد افتقدناك في القداس.» # لم يكن لدى كوري أي فكرة عمن تكون هذه المرأة. قالت إنها آسفة لأنها لم تتمكن من ~~حضور القداس، لكن كان عليها أن تبقي المكتبة مفتوحة. # قالت المرأة: «نعم، بالطبع.» لكنها في نفس الوقت كانت قد استدارت بالفعل لتتحدث مع ~~امرأة أخرى تحمل في يدها قطعة من الكعك. ~~«هل توجد مساحة في الثلاجة من أجل تلك القطعة؟» ~~«لا أدري، يا عزيزتي. عليك أن تذهبي وتري بنفسك.» # خيل إلى كوري من خلال الرداء المزين بالزهور الذي كانت ترتديه تلك المرأة التي ~~حيتها؛ أن كل النساء بالداخل كن يرتدين فساتين مماثلة؛ أفضل الملابس التي يرتديها ~~المرء يوم الأحد، فضلا عن أفضل ملابس للحداد. لكن ربما تكون أفكارها عن ملابس يوم الأحد ~~قد أضحت أفكارا بالية؛ فبعض النساء هنا كن يرتدين بناطيل عادية، مثلها تماما. # أحضرت امرأة أخرى قطعة من كعكة التوابل في طبق من البلاستيك. # قالت: «لا بد أنك جائعة؛ فالجميع هنا كذلك.» # قالت امرأة كانت مصففة شعر كوري: «لقد أخبرت الجميع أنك ربما ستأتين إلى هنا، ~~وقلت لهم إنك لن تتمكني من ذلك قبل موعد غلق المكتبة. وقلت أيضا إنه لشيء سيئ أن ~~يفوتك القداس. لقد قلت ذلك.» # قالت امرأة أخرى: «لقد كان قداسا رائعا. من المؤكد أنك سترغبين في قدح من الشاي بمجرد ~~انتهائك من تناول تلك القطعة.» # وهكذا سارت الأمور على هذا المنوال؛ لم تستطع أن تتذكر اسم واحدة منهن. لم يكن يوجد ~~إلا الكنيسة المتحدة والكنيسة المشيخية، وقد أغلقت الكنيسة الأنجليكانية منذ زمن بعيد. ~~أهي المكان الذي كان يذهب إليه الجميع؟ # لم تكن هناك سوى امرأة واحدة فقط تحظى بنفس القدر من الاهتمام الذي حظيت به كوري في ~~الغرفة، وكانت ترتدي تماما ما تتوقع كوري أن ترتديه أي امرأة تذهب لحضور جنازة؛ كان ~~رداء جميلا يمزج بين اللونين الرمادي والبنفسجي الفاتح، وكانت ترتدي فوق رأسها قبعة ~~صيفية من اللون الرمادي الهادئ. # دعت النساء تلك ms150 المرأة لمقابلة كوري، كان عنقها محاطا بقلادة رقيقة من اللؤلؤ ~~الخالص. # قالت في صوت ناعم حاولت أن تجعله سعيدا بأقصى ما تسمح به المناسبة: «أوه، نعم. لا بد ~~أنك كوري. كوري التي سمعت عنها كثيرا. وبالرغم من أننا لم نلتق من قبل، فإنني أشعر ~~أني أعرفك. لكن لا بد أنك تتساءلين من أكون.» ثم ذكرت اسمها الذي لم يعن شيئا ~~لكوري، ثم هزت رأسها وأطلقت ضحكة صغيرة تنم عن الآسف. # ثم قالت: «كانت ليليان تعمل لدينا منذ أن قدمت إلى كتشنر. وكان الأطفال متيمين بها، ~~ثم الأحفاد؛ فقد كانوا يهيمون بها في واقع الأمر. أوه يا إلهي، في يوم عطلتها كنت أنا أكثر ~~البدائل غير المرضية لليليان، لقد كنا جميعا نحبها في واقع الأمر.» # قالت ذلك بأسلوب فيه ارتباك لكنه لم يكن يخلو من ابتهاج. إن مثل هذا النوع من السيدات ~~قد يظهر بعضا من الاستخفاف بالنفس ولكن على نحو جذاب. لقد نظرت إلى كوري على أنها ~~الشخص الوحيد في الحجرة الذي يمكن أن يتحدث لغتها ولا يأخذ كلامها على علاته. # قالت كوري: «لم أكن أعلم أنها كانت مريضة.» # قالت المرأة التي كانت تحمل إبريق الشاي، والتي عرضت المزيد منه على السيدة التي ترتدي ~~قلادة اللؤلؤ لكنها رفضت: «لقد ماتت بسرعة.» # قالت السيدة التي تحمل قدح الشاي: «إن من في مثل عمرها تتدهور حالتهم بصورة أسرع ~~ممن هم أكبر عمرا.» ثم سألت في صوت يشوبه بعض الحسد بسبب تلك اللآلئ: «كم مكثت في ~~المستشفى؟» ~~«إنني أحاول أن أتذكر، هل كان عشرة أيام؟» ~~«ما ترامى إلى مسامعي أنه كان وقتا أقصر من هذا، بل أقصر من هذا عندما أخطروا ذويها في ~~بلدها.» # قالت المرأة التي كانت تعمل لديها ليليان، بهدوء وثبات: «لقد كانت تحتفظ بالأمر لنفسها، ~~إنها لم تكن من ذلك النوع من الأشخاص الذين يحدثون جلبة.» # قالت كوري: «لا، لم تكن كذلك.» # وفي تلك اللحظة انضمت إليهن سيدة شابة بدينة تعلو وجهها ابتسامة ، وقدمت نفسها ~~على أنها القسيسة. # سألتهن: «هل ms151 تتحدثن عن ليليان؟» ثم هزت رأسها في تعجب، وقالت: «إن ليليان كانت ~~مباركة؛ لقد كانت من الشخصيات التي يندر وجودها.» # وافقها الجميع الرأي، بما فيهن كوري. ~~••• # كتبت كوري لهاورد في ذلك الخطاب الطويل الذي أخذت تعده في ذهنها وهي في طريقها لمنزلها: ~~«أشك في القسيسة ميلادي.» # وفيما بعد في مساء ذلك اليوم جلست وشرعت في كتابة الخطاب، بالرغم من أنها لن تتمكن ~~بعد من إرساله؛ فقد كان هاورد يمضي أسبوعين في كوخه في مسكوكا بصحبة عائلته. لكن كان ~~الجميع هناك يشعرون ببعض الاستياء، وذلك وفقا لما وصفه قبل ذلك - فزوجته كانت تجلس دون ~~ممارسة للسياسة، وهو دون عزف على البيانو خاصته - لكنهم لم يريدوا التخلي عن عادة ~~الذهاب لهذا الكوخ في هذا الوقت من العام. # كتبت تقول له: «من السخف الاعتقاد بأن مال ليليان الحرام يمكن أن يبنى به كنيسة، لكني ~~أراهن على أنها شيدت برج الكنيسة. إنه برج ذو مظهر مضحك على أية حال؛ لم أفكر مطلقا ~~فيما تنم عنه تلك الأبراج المقلوبة التي تشبه مخروط الآيس كريم. إن غياب الإيمان موجود ~~هناك، أليس كذلك؟ إنها لا تدري ذلك، لكنها تعلن عنه.» # مزقت الخطاب، وبدأت من جديد بنبرة أكثر ابتهاجا. ~~«ولت أيام الابتزاز، وقد عاد كل شيء كما كان من قبل.» # وأضافت أنها لم تدرك مطلقا من قبل كم كان هذا الأمر يثقل كاهلها، لكنها أصبحت ترى ~~ذلك بوضوح الآن. إن الأمر لم يكن يكمن في النقود؛ فكما كان يعرف هو جيدا، لم تكن تهتم هي ~~كثيرا بشأن النقود، وعلى أية حال، لقد أضحى المبلغ ضئيلا وقلت قيمته بمرور السنوات، ~~بالرغم من أنه يبدو أن ليليان لم تلحظ ذلك قط. إنه ذلك الشعور بعدم الراحة، الشعور بعدم ~~الأمان المطلق، الثقل الذي كان يرزح تحته حبهما الطويل، هو ما جعلها تشعر دوما بالتعاسة. ~~لقد كان ينتابها هذا الشعور في كل مرة ترسل فيه نقودا لليليان. # تساءلت في نفسها إن كان من الممكن أن يسمع بتلك الأخبار قبل أن يصل إليه ms152 الخطاب. لا، ليس ~~هذا ممكنا؛ إنه لم يصل لمرحلة الاطلاع على صفحة الوفيات بعد. # كان شهرا أغسطس وفبراير من كل عام هما الشهرين اللذين تضع خلالهما كوري تلك النقود ~~الخاصة في مظروف ويدسها هو في جيبه، وربما كان يعيد عد تلك العملات الورقية فيما بعد ~~ثم يكتب اسم ليليان على المظروف قبل أن يضعه في صندوقها البريدي. # والسؤال هو: هل نظر في الصندوق ليرى إن كانت قد أخذت النقود المرسلة لها في الصيف؟ ~~لقد كانت ليليان على قيد الحياة عندما حولت لها كوري النقود، لكن لم يكن باستطاعتها ~~بالتأكيد التوجه إلى الصندوق البريدي. بالقطع لم يكن باستطاعتها ذلك. # آخر مرة رأت كوري فيها هوارد كانت قبل مغادرته إلى الكوخ بوقت قصير، وقد أعطته خلالها ~~مظروف النقود. حاولت أن تعرف متى حدث ذلك على وجه التحديد، وهل كان لديه وقت ليلقي ~~نظرة ثانية على الصندوق بعد وضع مظروف النقود، أم أنه توجه مباشرة إلى الكوخ. في ~~بعض الأحيان وأثناء وجوده في الكوخ في وقت سابق، كان يجد الوقت ليكتب خطابا لكوري، لكنه ~~لم يفعل ذلك هذه المرة. ~~••• # أوت إلى فراشها ولم تكن قد انتهت بعد من خطابها الذي كانت سترسله إليه. # واستيقظت مبكرا عندما كانت السماء مضيئة، ولم تكن الشمس قد أشرقت بعد. # هناك دائما صباح لأحد الأيام تدرك فيه أن الطيور جميعها قد اختفت. # لقد أدركت شيئا، ولقد أيقنته في منامها. # ليس ثمة أخبار تقصها عليه. ليس هناك أخبار؛ لأنه لم تكن هناك أخبار مطلقا من ~~قبل. # ليس هناك أخبار بشأن ليليان؛ لأن ليليان غير مهمة ولم تكن ذات أهمية مطلقا. ولا يوجد ~~صندوق بريدي؛ لأن النقود كانت تذهب مباشرة لأحد الحسابات أو ربما تستقر في حافظة ~~نقود؛ وذلك من أجل المصروفات العامة، أو لتكن مجموعة مدخرات متواضعة، أو لتنفق في رحلة ~~لإسبانيا. من ذا الذي يهتم؟ إن الأشخاص الذين لديهم عائلات، ولديهم أكواخ يمضون فصل ~~الصيف بها، وأطفال بحاجة إلى التعليم، وفواتير ليسددوها، لا يتساءلون كيف ينفقون ذلك ~~القدر ms153 من النقود؛ إنه حتى لا يطلق عليه كسب غير متوقع. وهم ليسوا بحاجة إلى تحديد ~~تفسير له. # نهضت من فراشها وارتدت ملابسها على عجل، وسارت عبر كل حجرة من حجرات المنزل وكأنما ~~تعلم الجدران والأثاث بتلك الفكرة الجديدة. كانت تشعر وكأن هناك فجوة في كل مكان، ~~وبالأحرى في صدرها هي. صنعت قدحا من القهوة لكنها لم تتناوله، ثم انتهى بها المطاف إلى ~~حجرة نومها مرة أخرى، واكتشفت أن عرض هذا الواقع الجديد ينبغي أن يتكرر ~~ثانية. ~~••• # كان أقصر خطاب بعثت به. ~~«لقد ماتت ليليان، ودفنت بالأمس.» # لا يهم إن كانت قد أرسلته إلى مكتبه أو بعثته بالبريد السريع. # أغلقت الهاتف، حتى لا تعاني من الانتظار. إنه صمت مطبق. # لكن سرعان ما وصل خطاب كان مقتضبا مثل خطابها. ~~«كل شيء على ما يرام الآن، ابتهجي. أراك عما قريب.» # إذن ذلك هو الحد الذي سيتركان الأمر عنده؛ فالوقت قد فات لفعل شيء آخر؛ فقد كان من ~~الممكن أن يحدث ما هو أسوأ من ذلك، أسوأ من ذلك بكثير. # | القطار # إنه لقطار بطيء على أية حال، وقد ازداد بطئا عند المنعطف. كان جاكسون هو الراكب الوحيد ~~المتبقي، وكانت المحطة التالية، وهي كلوفر، تبعد نحو عشرين ميلا، وكان يعقبها ريبلي، ثم ~~كينكاردين، ثم البحيرة. إنها كانت فرصته وعليه ألا يضيعها. أخذ كعب تذكرته بالفعل من ~~المكان المخصص لها بأعلى ظهر المقعد. # ألقى بحقيبته ورآها وهي تستقر بين القضبان تماما. ليس ثمة خيار الآن؛ فالقطار لن يهدئ ~~من سرعته أكثر من ذلك. # لذا انتهز الفرصة. كان شابا ذا بنية قوية، خفيف الحركة كعهده دائما، لكن القفزة - ~~سقوطه على الأرض - أحبطته؛ لقد كانت أصلب مما تخيل، فقد جعله ثباته يندفع إلى ~~الأمام، واستقرت راحتاه بقسوة على الحصب الموجود بين العوارض، مما أدى إلى خدش جلده. ~~كان هذا بسبب شعوره بالقلق. # غاب القطار عن الأنظار الآن، وترامى إلى مسامعه صوته وقد زاد من سرعته قليلا بعدما ~~تجاوز المنعطف. بصق على يديه المخدوشتين وراح يزيل الحصب بعيدا عنهما، ms154 ثم رفع حقيبته ~~وشرع في أن يعود أدراجه في نفس الاتجاه الذي كان قد قطعه لتوه بالقطار. لو كان قد تعقب ~~القطار لوصل إلى محطة كلوفر تماما بعد حلول الظلام. لا يزال قادرا على التبرم من أنه ~~قد غط في النوم واستيقظ مشوش الذهن معتقدا أن النوم غلبه أثناء محطته، بينما لم ~~يفعل. قفز وهو مرتبك تمام الارتباك، ثم كان عليه أن يسير. # كان سيعتقد هذا لأن العودة من مسافة بعيدة جدا، العودة للوطن من الحرب، كفيلة بأن تجعل ~~الأمور مشوشة في ذهنه. لكن الوقت لم يتأخر بعد؛ فقد كان سيصل إلى المكان الذي من ~~المفترض أن يذهب إليه قبل منتصف الليل. # لكنه كان يسير في الاتجاه الخاطئ طوال الوقت الذي فكر فيه على هذا النحو. # لم يكن يعرف العديد من أسماء الأشجار؛ هناك أشجار القيقب التي يعرفها الجميع، وأشجار ~~الصنوبر، وليس هناك المزيد. اعتقد أن المكان الذي قفز به هو إحدى الغابات لكنه لم يكن ~~كذلك. كانت الأشجار تمتد بطول الطريق فحسب وتزداد كثافتها عند الجسر، لكن كان بمقدوره أن ~~يلمح وميض الحقول من ورائها، وكان لون الحقول أخضر أو أحمر مائلا للون الأصفر أو أصفر؛ ~~فقد كانت مراعي أو محاصيل، أو بقايا زرع بعد الحصاد. لم يكن يعرف سوى هذا فقط، وقد كان ~~لا يزال في شهر أغسطس. # بمجرد أن تلاشى ضجيج القطار أدرك أن المكان لا يسوده ذلك الهدوء الأمثل الذي كان يمكن ~~توقعه؛ فهناك الكثير من الإزعاج هنا وهناك؛ صوت أوراق أغسطس الجافة وهي تهتز لكن ليس ~~بفعل الرياح، وضجيج بعض الطيور التي لم يكن يراها، ذاك الضجيج الذي بدا وكأنه ~~يعاقبه. # من المفترض أن يكون القفز من القطار لحظة انفصال؛ فأنت تحرك جسدك، وتهيئ ركبتيك، ~~لكي تدخل في كتلة مختلفة من الهواء؛ إنك تتطلع إلى الخواء. لكن ماذا تحصل بدلا من ذلك؟ ~~تحصل على بعض من الأجواء المحيطة الجديدة التي تأتيك على عجل وتحاول جذب انتباهك ~~بطريقة لم تفعلها حينما كنت جالسا في القطار وتتطلع ms155 فقط خارج النافذة. ماذا تفعل هنا؟ ~~إلى أين أنت ذاهب؟ شعور بأنك مراقب من أشياء لا تعرف عنها شيئا، شعور بأنك مصدر ~~إزعاج. وتأتي الحياة من حولك ببعض الاستنتاجات عنك من خلال نقاط مراقبة ليس بمقدورك أن ~~تراها. # بدا أن الأشخاص الذين التقى بهم في السنوات القليلة الماضية كانوا يعتقدون أنه ما لم ~~يكن المرء من المدينة، فهو من الريف. وهذا ليس صحيحا؛ فهناك بعض الفروق التي يمكن أن تفوتك ~~بين الريف والمدينة إن لم تكن قد عشت في الريف؛ فجاكسون نفسه كان ابنا لسباك، ولم يخط ~~داخل إسطبل طوال حياته، أو قام برعي الأبقار، أو تجميع حزم الحبوب، أو وجد نفسه كما هو ~~الآن يمشي بخطى متثاقلة عبر قضبان السكك الحديدية التي بدت وكأنما حادت عن هدفها ~~الطبيعي المتمثل في نقل الأفراد والبضائع، لكي تصبح منطقة تغطيها أشجار التفاح البرية ~~وشجيرات التوت الشائكة وعناقيد العنب المتدلية والغربان - لقد كان يعرف اسم هذا النوع من ~~الطيور على الأقل - التي تنعق من أماكن عالية لا تستطيع رؤيتها. والآن ثمة واحدة من أفاعي ~~الغرطر التي تزحف بين القضبان، والتي كانت على ثقة تامة من أنه لن يكون بالسرعة الكافية ~~التي تمكنه من السير فوقها وقتلها. كان لديه من المعرفة ما يمكنه من إدراك أنها لا ~~تضر، لكن تلك الثقة أثارته. ~~••• # كانت البقرة الجيرزي الصغيرة، التي تدعى مارجريت روز، تأتي عادة عند باب الحظيرة لكي ~~تحلب مرتين في اليوم؛ صباحا ومساء. وفي الغالب لم تكن بيل بحاجة إلى إحضارها، لكن في ~~هذا الصباح كان هناك شيء ما يثير اهتمامها بشدة أسفل منحدر عند حقول المرعى أو في ~~الأشجار التي تخفي قضبان السكك الحديدية على الجانب الآخر من السياج. لقد سمعت صفير ~~بيل ثم نداءها وشرعت في السير نحوها مرغمة، لكنها قررت بعد ذلك أن تعود لكي ~~تلقي نظرة أخرى. # وضعت بيل الدلو والمقعد الصغير وشرعت في السير عبر حشائش الصباح المبتلة. ~~«ماذا بعد، يا صغيرتي؟ ماذا بعد؟» # قالت ذلك بنبرة يشوبها الاستمالة والتوبيخ ms156 في نفس الوقت. كان هناك شيء يتحرك وسط ~~الأشجار؛ صوت رجل يقول إن كل شيء على ما يرام. # بالطبع، كان كل شيء على ما يرام. هل دار بخلده أنها كانت تخشاه؟ من الأحرى به أن يخاف هو ~~من البقرة التي كانت لا تزال تمتلك قرنين. # عندما تسلق سياج السكك الحديدية، لوح بأسلوب ربما اعتقد أنه مطمئن. # كان هذا بالشيء الكثير بالنسبة إلى مارجريت روز؛ لذا كان لزاما عليها أن تستعرض بعضا من ~~قدراتها. قفزت للأمام، ثم للخلف، ثم راحت تهز قرنيها الصغيرين الحادين، ولا شيء أكثر ~~من هذا، لكن أبقار الجيرزي دائما ما تفاجئك بطريقة غير سارة، بسرعتها وبالتغير ~~المفاجئ في حالتها المزاجية. صاحت بيل لتنهرها ولتطمئنه. ~~«إنها لن تؤذيك. عليك فقط ألا تتحرك. إنها فقط تشعر بالقلق.» # لاحظت الآن الحقيبة التي كان يحملها، وهذا هو ما تسبب في تلك المشكلة. اعتقدت أنه ~~كان يسير بالخارج فحسب على القضبان، لكنه كان يتجه لمكان ما. ~~«إنها منزعجة من حقيبتك. هل يمكن أن تضعها على الأرض للحظات؟ على أن أعيدها إلى ~~الحظيرة لحلبها.» # نفذ ما طلبته، ووقف يرقب ما يحدث وهو لا يرغب في التحرك قيد أنملة. # أعادت مارجريت روز إلى حيث يوجد الدلو والمقعد الصغير عند ذلك الجانب من الحظيرة. # قالت له: «بإمكانك أن تحملها الآن.» وتحدثت إليه بلطف وهو يقترب منها قائلة: «ما ~~دمت لا تحركها نحوها، فستبقى هادئة. إنك جندي، أليس كذلك؟ إن انتظرت حتى أنتهي من ~~حلبها، فبمقدوري أن أعد لك بعضا من طعام الإفطار. مارجريت روز، يا له من اسم سخيف عليك ~~أن تناديها به!» # كانت امرأة قصيرة القامة، قوية البنية، ذات شعر مسترسل رمادي اللون ممتزج بما تبقى ~~من شعرها الأشقر، الذي اتخذت مقدمته مظهرا طفوليا جميلا. # قالت وهي تستوي على مقعدها: «أنا المسئولة ها هنا. أنا أؤيد الملكية أو اعتدت أن أكون ~~كذلك. أصنع بعضا من العصيدة خلف الموقد، ولن يستغرق حلب البقرة وقتا طويلا. إن لم يكن ~~لديك مانع، خذ جولة حول الحظيرة وانتظر ms157 حيث لا يمكنها رؤيتك. إنه لشيء سيئ ألا ~~أستطيع أن أقدم لك بيضة. لقد كنا نربي دجاجا، لكن الثعالب أخذت تنقض عليها وتأكلها ~~حتى مللنا تربيتها.» # اعتدنا، اعتدنا أن نربي دجاجا. كان هذا يعني أن هناك رجلا في مكان ما هنا. ~~«تكفي العصيدة. ويسرني أن أدفع مقابلها.» ~~«لا داعي لذلك. عليك فقط أن تبتعد قليلا. إنها منتبهة بدرجة تمنع نزول اللبن.» # غادر المكان ليتجول حول الحظيرة. كانت في حالة سيئة. اختلس النظر بين الألواح ~~الخشبية ليرى نوع السيارة التي كانت تقتنيها، لكن كان كل ما رآه هو عربة صغيرة قديمة ~~وبقايا لبعض الآلات الأخرى المتحطمة. # كان المكان ينم عن بعض الترتيب، وفي المنزل كان كل الطلاء الأبيض مقشرا وأخذ يحيل للون ~~الرمادي، وكانت هناك نافذة مثبت عليها ألواح خشبية لا بد أنها وضعت مكان لوح زجاج ~~محطم. وها هي حظيرة الدجاج المتهدمة التي ذكرت أن الثعالب كانت تنقض على ما فيها من ~~دجاج. وكانت هناك كومة من الألواح الخشبية الصغيرة. # إن كان هناك رجل في المكان، فلا بد أنه مقعد، أو أن ما يعجزه هو الكسل. # كان هناك طريق يمتد بطول المنزل؛ حقل صغير محاط بسياج أمام المنزل، طريق قذر. وبداخل ~~الحقل يقف حصان مرقط ذو مظهر مسالم. كان يمكنه أن يرى أسباب الاحتفاظ بالبقرة، لكن ماذا ~~عن الحصان؟ إن الناس في المزارع حتى قبل الحرب كانوا يتخلصون من الخيول؛ فالجرارات كانت ~~هي البديل. ولم تكن هي من ذلك النوع الذي يمكنه أن يتنزه فوق ظهر أحد الخيول من أجل ~~المتعة. # ثم جالت بذهنه صورة العربة الصغيرة المتواجدة في الحظيرة؛ إنها لم تكن أثرا قديما، بل ~~هي كل ما تملكه. # أخذ يترامى إلى مسامعه الآن لفترة قليلة صوت غريب. كان الطريق يرتفع عبر تل، ومن فوق ~~ذلك التل كانت هناك أصوات تشبه صوت الخيول، ويختلط بها القليل من الجلجلة أو الصفير. # وبعدها قدمت من فوق التل عربة صغيرة تسير على عجل يجرها حصانان صغيران للغاية؛ لقد ~~كانا أصغر من ذلك ms158 الموجود في الحقل لكنهما كانا يفوقانه حيوية. وكان يجلس في العربة ستة أو ~~نحو ذلك من الرجال القصار القامة؛ كانوا جميعهم يتشحون بالسواد ويرتدون فوق رءوسهم قبعات ~~سوداء تلائم ما يرتدونه. # كان هناك صوت يصدر عنهم؛ لقد كان صوت غناء، وكانت أصواتهم بسيطة وعالية ورصينة، عذبة ~~بقدر المستطاع. لم ينظروا باتجاهه مطلقا وهم يمرون من جانبه. # أصابه ذلك بالانزعاج؛ فلم تكن العربة الصغيرة في الحظيرة ولا الحصان في الحقل يمثلان ~~شيئا عند المقارنة بتلك العربة. # كان لا يزال واقفا ينظر هنا وهناك حينما سمعها تناديه قائلة: «لقد انتهيت.» كانت تقف ~~بجوار المنزل. # قالت عن الباب الخلفي: «من هنا تستطيع أن تلج وتخرج؛ فالباب الأمامي عالق منذ الشتاء ~~الماضي، ونعجز عن فتحه. يمكن أن يعتقد المرء أنه لا يزال متجمدا.» # سارا فوق بعض الألواح الخشبية الموضوعة فوق أرضية متسخة غير مستوية، وفي عتمة تسببت ~~فيها الألواح الخشبية التي تغطي النافذة. كان المكان باردا هناك مثله مثل الحفرة التي كان ~~ينام فيها؛ فقد كان يستيقظ مرات ومرات وهو يحاول أن يجعل نفسه في موضع يستشعر معه بعض ~~الدفء. لم تكن المرأة ترتجف هناك؛ بل كانت تنبعث منها رائحة النشاط الذي ينم عن الصحة وما ~~يشبه رائحة جلد البقرة. # صبت اللبن الطازج في وعاء خزفي وغطت الوعاء بقطعة من القماش الجبني كانت تحتفظ بها ~~بجانبه، ثم قادته نحو الجزء الرئيسي من المنزل. لم تكن هناك ستائر فوق النوافذ، ولذا كان ~~الضوء يتسلل منها، وكانت المدفأة التي تعمل بالحطب أيضا مشتعلة. كان هناك حوض بمضخة ~~يدوية، ومنضدة مغطاة بغطاء من المشمع كانت بعض جوانبه بالية وممزقة، وأريكة عليها ~~لحاف قديم مرقع. # وكانت هناك أيضا وسادة برز منها بعض بطانتها. # إلى الآن لا يبدو الأمر سيئا، بالرغم من أن كل شيء كان قديما وباليا. هناك فائدة لكل ~~شيء يمكن أن تقع عليه عيناك، ولكن عندما ترفع عينيك لأعلى سترى فوق الأرفف أكواما ~~متراكمة من المجلات أو الصحف، أو ربما مجرد نوع ما من الأوراق التي ms159 تكاد تصل إلى ~~السقف. # كان عليه أن يسألها إن كانت لا تخشي النيران؛ نيران الموقد الذي يعمل بالحطب، على سبيل ~~المثال. ~~«أوه، إنني أتواجد هنا دوما؛ أعني أنني أنام هنا. ليس هناك مكان آخر يمكن أن أحتفظ فيه ~~بهذه الأوراق، ولكني أتخذ حذري؛ إنني حتى لا أمتلك مدخنة. لقد حدث مرتين أن ازداد لهيب ~~النيران مما جعلني ألقي بعضا من مسحوق الخبيز عليها، وهذا أمره هين.» # وأضافت: «كان ينبغي أن تتواجد أمي هنا على أية حال. لم يكن ثمة مكان آخر يمكن أن تشعر ~~بالراحة فيه غير هذا المكان، وقد كنت أضع فراشها هنا. أنا أراقب كل شيء هنا. ولقد فكرت ~~بالفعل أن أنقل كل الأوراق إلى الغرفة الأمامية لكنها شديدة الرطوبة وستتلف ~~جميعها.» # ثم ذكرت أن عليها أن توضح الأمور، فقالت: «إن أمي متوفاة. لقد توفيت في شهر مايو ~~عندما تحسنت حالة الطقس. لقد كانت على قيد الحياة عندما انتهت الحرب وسمعت هذا الخبر في ~~الراديو. لقد كانت تعي ذلك جيدا. صحيح أنها فقدت القدرة على الكلام منذ فترة طويلة، لكن ~~كان بمقدورها أن تعي ما يجري حولها. لقد اعتدت على عدم حديثها لدرجة أنه يخيل إلي ~~في بعض الأوقات أنها موجودة هنا، لكنها بالطبع ليست كذلك.» # شعر جاكسون أنه يجب عليه أن يعبر عن أسفه. ~~«أوه، لا بأس. إنه أمر حتمي، ومن حسن الحظ أنه لم يحدث في فصل الشتاء.» # قدمت له عصيدة الشوفان، وصبت له بعضا من الشاي. ~~«هل تريده ثقيلا؟ أعني الشاي.» # هز رأسه بالموافقة وفمه ممتلئ بالطعام. ~~«إنني لا أقتصد على الإطلاق عند وضع الشاي. إن كان الاقتصاد في ذلك، فلم لا نحتسي الماء ~~المغلي إذن؟ لقد نفد أو توقف كل شيء بالفعل لدينا عندما ساءت أحوال الطقس في الشتاء ~~الماضي؛ فلقد نفد الماء وتعطل الراديو، ونضب الشاي. لقد كان لدي حبل عند الباب ~~الخلفي لكي أتشبث به عندما أخرج للحلب، وكنت سأصطحب مارجريت روز إلى المطبخ الخلفي ، ~~لكني أدركت أنها قد تشعر بالانزعاج الشديد ms160 من جراء العاصفة ولم أكن لأقوى على الإمساك ~~بها. على أية حال، لقد تخطت الأمر، وتخطيناه جميعا.» # سألها عندما وجد مساحة للحديث: هل هناك أي أقزام في الجوار؟ ~~«لم ألحظ ذلك.» ~~«الأشخاص القصار الذين كانوا يركبون عربة صغيرة؟» ~~«أوه، هل كانوا يغنون؟ لا بد أنهم أولاد المينوناتيين الصغار. إنهم يقودون عربتهم إلى ~~الكنيسة وينشدون طوال الطريق، أما الفتيات فعليهن أن يذهبن في عربات أخرى مع آبائهن الذين ~~يدعون الصبية يستقلون العربة الصغيرة.» ~~«لقد بدوا وكأنهم لم يروني مطلقا.» ~~«إنهم لم يفعلوا. لقد اعتدت أن أقول لأمي إننا نحيا على الطريق القويم لأننا كنا مثل ~~المينوناتيين تماما؛ الحصان والعربة القديمة وشرب اللبن غير مبستر. والاختلاف الوحيد ~~هو أنه لا أحد منا يمكنه الغناء.» # وأضافت: «عندما توفيت أمي أحضروا الكثير من الطعام الذي ظللت أتناوله لأسابيع. لا ~~بد أنهم اعتقدوا أنه ستكون هناك حفلة تأبين قبل الدفن أو نحو ذلك. إنني محظوظة لأنهم يعيشون ~~بجواري، لكني حدثت نفسي قائلة إنهم أيضا محظوظون لأنه من المفترض أنهم يمارسون العمل ~~الخيري، وها أنا ذا تقريبا أقطن بالقرب من عتبة دارهم وسبب للعمل الخيري.» # عرض أن يدفع لها حينما ينتهي من الأكل، ولكنها رفضت أن تأخذ نقوده. # لكنها قالت إنها تطلب منه شيئا واحدا، وهو إن كان بمقدوره أن يصلح لها حاوية علف ~~الحصان قبل أن يمضي. # كان هذا في الواقع يعني صنع حاوية جديدة، ومن أجل أن يفعل ذلك كان عليه أن يبحث عن المواد ~~أو الأدوات التي كان يحتاجها ويمكن أن يجدها. وقد استغرق ذلك اليوم بأكمله، وقدمت هي له ~~على العشاء بعض الفطائر المحلاة وشراب القيقب الذي أعده المينوناتيون. وأخبرته أنه لو ~~قدم بعد أسبوع فقط فقد تقدم له بعضا من المربى الطازجة؛ فلقد قطفت عناقيد من التوت ~~البري الذي كان ينمو على امتداد السكة الحديدية. # جلسا على كرسيي المطبخ خارج الباب الخلفي إلى ما بعد غروب الشمس. كانت تقص له شيئا ~~عن كيفية قدومها إلى المكان، وكان ينصت لها، لكنه لم ms161 يكن يعيرها كامل اهتمامه؛ لأنه كان ~~يتفحص المكان حوله، ويرى أن المكان في حالة مزرية، لكنه ليس ميئوسا منه على الإطلاق إذا ~~أراد المرء الاستقرار فيه وإصلاح الأشياء الموجودة فيه. لقد كان يحتاج إلى استثمار بعض ~~المال فيه لإصلاحه، لكن قدر الوقت والطاقة المطلوب استثماره فيه كان أكثر. قد يكون الأمر ~~نوعا من التحدي. كان على وشك الشعور بالندم لأنه كان سيرحل. # والسبب الآخر في أنه لم يعر كامل اهتمامه لما كانت تخبره به بيل - ذلك كان اسمها - هو ~~أنها كانت تتحدث عن حياتها التي لم يمكن بمقدوره تخيلها جيدا. # قالت له إن والدها - الذي كانت تناديه بأبي - قد اشترى ذلك المكان فقط من أجل قضاء الصيف ~~فيه، ثم قرر أنه من الممكن أن يقيموا أيضا فيه طوال العام. لقد كان بإمكانه العمل في ~~أي مكان؛ لأنه كان يكسب عيشه من خلال كتابة عمود في صحيفة «تورونتو إيفننج تليجرام»، وكان ~~رجل البريد يأخذ ما يكتب ثم يرسل عن طريق القطار. لقد كتب عن كل الأشياء التي وقعت ~~حولنا، بل إنه حتى ذكر بيل في مقالاته، مشيرا إليها بالقطة بوسي. وقد كان يذكر أيضا أم ~~بيل بين الحين والآخر، لكنه كان يطلق عليها الأميرة كاساماسيما، وهو اسم مستقى من كتاب ~~لم يعد اسمه يعني شيئا على الإطلاق، كما قالت أمها. ربما كانت أمها السبب في بقائهم في ~~هذا المكان طوال العام؛ فلقد أصيبت بوباء الإنفلونزا الرهيب الذي انتشر عام 1918 وتوفي ~~بسببه العديد من الأشخاص، وعندما تعافت أضحت غريبة. لكنها لم تكن بكماء تماما؛ لأنه كان ~~بإمكانها إنتاج بعض الكلمات، لكنها فقدت العديد منها، أو بالأحرى الكلمات هي التي فقدتها. ~~لقد كان عليها أن تتعلم من جديد كيف تطعم نفسها وتذهب إلى الحمام. وبجانب الكلمات كان ~~عليها أيضا أن تتعلم عدم خلع ملابسها في الطقس الحار؛ فأنت لا تريدها أن تكون مجرد شخص ~~هائم يصبح أضحوكة في شوارع المدينة. # كانت بيل تذهب في الشتاء إلى المدرسة. كان اسم المدرسة الأسقف ستراون، ms162 وقد اندهشت لأنه ~~لم يسمع بها مطلقا من قبل؛ فراحت توضح له تهجئة الاسم. لقد كانت تلك المدرسة في ~~تورونتو، وكانت مليئة بالفتيات الثريات، لكنها كانت تضم فتيات مثلها ممن كن ~~يتلقين إعانات من الأقارب أو يذكرن في وصايا من أجل الذهاب إلى هناك. قالت إنها ~~علمتها أن تكون متغطرسة بعض الشيء، ولم تساعدها في معرفة ما تفعله من أجل كسب ~~العيش. # لكن الحادث تولى أمر ذلك كله؛ فقد صدم القطار والدها وهو يسير بجانب السكة الحديدية ~~كما كان يحب أن يفعل في الغالب في أمسيات الصيف. وكانت هي وأمها قد خلدتا إلى فراشهما قبل ~~أن يحدث ذلك، وقد اعتقدت بيل أنه حيوان هارب من أحد المزارع عند السكك الحديدية، لكن أمها ~~كانت تئن بنحو فظيع، وبدت وكأنها عرفت الأمر قبل أن يعلمه أحد. # في بعض الأحيان كانت تراسلها إحدى صديقاتها بالمدرسة لتسألها عما يمكن أن تفعله في هذا ~~المكان، ولكنهن لم يعلمن إلا القليل عن الأمر؛ فهناك الحلب والطهي والعناية بأمها، ~~كما كان لديها أيضا الدجاج آنذاك. ولقد تعلمت أن تقطع البطاطس بحيث يكون لكل جزء ~~عين أو برعم، ثم تزرعها وتجمعها الصيف التالي. لم تتعلم القيادة، وعندما اندلعت ~~الحرب باعت عربة أبيها. لقد جعلها المينوناتيون تقتني حصانا لم يعد يصلح لعمل الحقل، ~~وعلمها أحدهم كيف تسوسه وتقوده. # جاءت إحدى صديقاتها القدامى - تدعى روبين - لزيارتها، وكانت تعتقد أن أسلوب الحياة الذي ~~كانت تعيشه مثير للضحك، وكانت تريدها أن تعاود إلى تورونتو، لكن ماذا عن أمها؟ لقد ~~أصبحت أمها أكثر هدوءا الآن، وكانت لا تخلع ملابسها، كما أنها كانت تستمتع أيضا ~~بالاستماع إلى الراديو؛ حفلات الأوبرا في أوقات ما بعد ظهيرة أيام السبت. يمكنها أن تفعل ~~ذلك بالطبع في تورونتو، لكن بيل لم تكن تبغي أن تقتلعها من المكان. قالت روبين إنها تتحدث ~~عن نفسها هي؛ فهي كانت تخشى أن تقتلع نفسها من المكان الذي كانت تعيش فيه، لكنها ذهبت ~~وانضمت إلى ما كانوا يطلقون عليه جيش النساء. ~~••• # كان أول ms163 شيء عليه أن يفعله هو أن يجعل بعض الغرف بخلاف المطبخ ملائمة للنوم فيها؛ فالطقس ~~البارد كان يقترب. وكان هناك بعض الفئران التي توجب عليه أن يتخلص منها، بل من بعض ~~الجرذان أيضا، التي كانت تأتي الآن هربا من الطقس البارد. سألها لماذا لم تشتر قطة من ~~قبل، وسمع جزءا من منطقها الغريب في هذا الشأن؛ إذ قالت إن القطة دائما ما ستقتل بعض ~~الأشياء ثم تجلبها إليها لكي تريها إياها، وهو شيء لا تريد أن تفعله. راح ينصت باهتمام ~~لأصوات المصايد، ثم تخلص منها قبل أن تعي ما حدث. ثم حظرها بشأن الأوراق التي تملأ ~~المطبخ، ومشكلة التعرض للحريق، ووافقت على نقلها إذا ما أصبحت الغرفة الأمامية ~~خالية من الرطوبة. وأصبحت تلك مهمته الأساسية؛ فقد اشترى مدفأة، وأصلح الجدران، وأقنعها ~~بأن تمضي القسم الأكبر من الشهر في الصعود وإحضار الأوراق، وإعادة قراءتها وترتيبها ورصها ~~في الأرفف التي صنعها. # أخبرته حينها أن الأوراق تحتوي على كتاب والدها، وكانت تطلق عليه رواية في بعض الأحيان. ~~لم يفكر في أن يسألها عن تلك الرواية، لكنها أخبرته ذات يوم أنها عن شخصين يدعيان ~~ماتيلدا وستيفن، وأنها رواية تاريخية. ~~«هل تتذكر تاريخك؟» # لقد أنهى خمس سنوات من الدراسة الثانوية بدرجات مقبولة، وأداء جيد جدا في علم حساب ~~المثلثات والجغرافيا، لكنه لم يكن يتذكر الكثير من التاريخ. وفي عامه الأخير، على أية ~~حال، كان كل ما يمكنه تذكره هو أنه ذاهب للحرب. # قال: «ليس تماما.» ~~«كنت ستتذكره تماما إن كنت قد ذهبت إلى مدرسة الأسقف ستراون؛ إذ كنت ستجبر ~~حينها على حفظه. إنه التاريخ الإنجليزي، على أية حال.» # قالت إن ستيفن كان بطلا؛ كان رجلا رفيع الأخلاق، شديد الصلاح مقارنة بمن هم في ~~عصره؛ فقد كان من الأشخاص النادرين الذين لا يكرسون حياتهم من أجل ذاتهم، ولا يخرقون ~~عهدا في الوقت الذي كان من المناسب فيه أن تفعل ذلك؛ ونتيجة لذلك لم ينجح في حياته في ~~النهاية. # ثم بعد ذلك ذكرت ماتيلدا. كانت تنحدر مباشرة ms164 من نسل ويليام الفاتح، وكانت تتسم ~~بالقسوة والغطرسة كما هو متوقع، بالرغم من أنه قد يكون هناك أشخاص أغبياء بدرجة كافية ~~بحيث يدافعون عنها لأنها امرأة. ~~«لو أمكنه الانتهاء منها، لأصبحت رواية رائعة جدا.» # كان جاكسون يعلم بالطبع أن الكتب تظهر للنور لأن هناك أشخاصا يجلسون ويكتبونها؛ فهي لا ~~تظهر من عدم. لكن السؤال هو: لم ذلك؟ كانت هناك كتب موجودة بالفعل، هناك الكثير منها، ~~ومنها اثنان كان عليه أن يقرأهما أيام المدرسة؛ «قصة مدينتين» و«مغامرات هاكلبيري فين»، ~~وكان كل منهما مكتوبا بلغة تتعبك على الرغم من اختلاف أسلوبهما في هذا الإطار. وكان ~~ذلك شيئا مفهوما؛ فلقد كتبا في الماضي. # لكن الشيء الذي أثار حيرته، بالرغم من أنه لم يكن ينوي الإفصاح عنه، هو السبب وراء رغبة ~~أي شخص في تأليف كتاب آخر في الحاضر؛ أي في وقتنا هذا. # قالت بيل في خفة: المأساة. ولم يكن جاكسون يدري إن كانت تتحدث عن والدها أم عن أحد ~~الأشخاص الموجودين في الكتاب الذي لم يكتمل. # على أية حال، والآن بعد أن أصبحت هذه الغرفة ملائمة للعيش، كان تفكيره يتجه نحو سقفها؛ ~~فليس ثمة فائدة من إصلاح غرفة وحالة سقفها تجعلها غير ملائمة للعيش ثانية في غضون سنة أو ~~اثنتين. لقد نجح في ترميمه، وهكذا سيظل صالحا لفصلي شتاء آخرين، لكنه لم يكن ليضمن لها ~~أكثر من ذلك. وكان لا يزال عازما على الرحيل بحلول عيد الميلاد. ~~••• # كانت عائلات المينوناتيين في المزرعة المجاورة تعتمد على الفتيات الأكبر سنا؛ حيث إن ~~الصبية الأصغر سنا الذين رآهم لم يكونوا على درجة كافية من القوة تمكنهم من أداء ~~المهام الأكثر صعوبة. وقد استطاع جاكسون أن يحصل على عمل لديهم خلال فترة الحصاد في فصل ~~الخريف، وقد تمت دعوته لتناول الطعام مع الآخرين، ويا لدهشته حين وجد أن الفتيات كن ~~يتصرفن بحماس وهن يقدمن له الطعام، ولاحظ أنهن لا يعانين من البكم، كما توقع. ~~لاحظ أن الأمهات كانت تعتني بهن ، وأن الآباء كانوا يراقبونه هو عن كثب، ms165 وشعر بالسعادة ~~لعلمه أنه كان بمقدوره إرضاء كلا الطرفين. ولقد لمسوا أن ليس ثمة ما يثير المشاكل بالنسبة ~~إليه؛ فكل شيء كان على ما يرام. # وبالنسبة إلى بيل، فليس بالطبع ثمة شيء يشوبها. # لقد كانت تكبره بستة عشر عاما، وهذا هو ما اكتشفه. وذكر ذلك، وحتى المزاح بشأنه، كان ~~سيفسد كل شيء؛ فهي امرأة ذات طبيعة خاصة، وهو نوع خاص من الرجال. ~~••• # كانت البلدة التي كانا يذهبان إليها للتسوق، حينما كانا يحتاجان إلى ذلك، تسمى ~~أوريول. كانت تقع في الاتجاه المعاكس من البلدة التي نشأ بها. ربط الحصان في المكان ~~المخصص لذلك والملحق بالكنيسة المتحدة، حيث لم تكن توجد بالطبع مرابط للحيوانات في الشارع ~~الرئيسي. في البداية كان يشعر بالارتياب تجاه متجر الأدوات المعدنية وصالون الحلاقة، لكنه ~~سرعان ما أدرك شيئا عن البلدات الصغيرة، وهو شيء كان ينبغي أن يدركه من خلال نشأته في ~~واحدة من تلك البلدات؛ فليس بينها أي علاقة، اللهم إن كانت هناك مباريات بين فرقها في ~~ملاعب البيسبول أو ملاعب الهوكي؛ حيث يكون ثمة نوع مصطنع ومحموم من العداء بينها. وحينما ~~كانا بحاجة إلى شراء شيء لا توفره لهما المتاجر التي يتعاملان معها، كانا يذهبان إلى ~~إحدى المدن. وكانا يفعلان ذلك بالمثل عندما يريدان استشارة طبيب بخلاف الأطباء الذين توفرهم ~~لهما بلدتهما. ولم يكن يلتقي بأي شخص يعرفه، ولم يظهر أحد فضولا نحوه، بالرغم من ~~أنهم قد ينظرون باهتمام نحو الحصان الذي كان معه. ولأن الطرق الخلفية في شهور الشتاء، أو ~~غيرها، لم تكن تجرف، فقد كان يجب على الأشخاص الذين يأخذون ألبانهم إلى متجر الألبان أو ~~بيضهم إلى متجر البقالة؛ الاستعانة بالخيول، مثلما كان يفعل هو وبيل. # كانت بيل دائما ما تتوقف لترى ما هي الأفلام المعروضة، بالرغم من أنها لم تكن تنوي ~~الذهاب لمشاهدة أي منها. كانت معلوماتها عن الأفلام ونجومها غزيرة، ولكنها كانت مستقاة ~~منذ سنوات مضت؛ مثل رواية ستيفن وماتيلدا، فيمكنها على سبيل المثال أن تخبرك عن المرأة ~~التي تزوجها كلارك جيبل ms166 في الواقع قبل أن يمثل شخصية ريت بتلر. # وسرعان ما أصبح جاكسون يحلق رأسه حينما يكون بحاجة إلى ذلك، ويشتري التبغ حينما ينفد ما ~~لديه منه. وقد أصبح الآن يدخن مثله مثل أي مزارع؛ فقد كان يلف سجائره ولا يشعلها ~~مطلقا داخل المنزل. # ظلت السيارات المستعملة غير متاحة لفترة، ولكن عندما أضحت متاحة مع ظهور الأنواع الجديدة ~~أخيرا، ومع وجود مزارعين كسبوا نقودا من خلال الحرب وكانوا على استعداد للتخلي عن ~~السيارات القديمة؛ كان عليه حينها أن يتحدث عن الأمر مع بيل؛ فالرب وحده كان يعلم كيف ~~أصبح الحصان فريكلز عجوزا وعنيدا عند صعود أي تل. # اكتشف أن تاجر السيارات كان يلاحظ وجوده، بالرغم من عدم توقعه زيارته له. # قال تاجر السيارات: «لقد كنت أعتقد دائما أنك أنت وأختك من المينوناتيين، لكنكما ~~ترتديان ملابس مختلفة.» # صدم هذا الكلام جاكسون قليلا، لكنه على الأقل كان أفضل من وصفهما بأنهما زوج وزوجة، ~~ولقد جعله ذلك يدرك أنه لا بد أن العمر قد تقدم به وشابه التغيير عبر السنوات، وكيف أن ~~الشخص الذي قفز من القطار، ذلك الجندي الهزيل المحطم الأعصاب، لم يعد ليعرفه أحد وقد ~~توارى خلف الرجل المتمثل الآن. هذا بخلاف بيل التي توقفت، بقدر ما يراها الآن، عند ~~نقطة بعينها في الحياة حيث ظلت طفلة كبيرة. وحديثها يرسخ ذلك الانطباع؛ فقد كانت ~~تقفز للأمام والخلف، تقفز نحو الماضي وتخرج منه ثانية، بحيث كان يبدو الأمر وكأنها لا ~~تفرق بين رحلتها الأخيرة للبلدة والفيلم الأخير الذي شاهدته بصحبة والدها ووالدتها، أو ~~الحادث الطريف الذي وجهت فيه مارجريت روز - التي نفقت الآن - قرنيها نحو جاكسون ~~القلق. ~~••• # كانت تلك هي السيارة الثانية التي امتلكاها، وكانت مستعملة بالطبع، وقد أقلتهم ~~لتورونتو في صيف عام 1962. لم تكن هذه الرحلة في حسبانهما، وجاءت في وقت حرج بالنسبة إلى ~~جاكسون؛ فقد كان يبني إسطبل خيول جديدا للمينوناتيين، الذين كانوا مشغولين بالمحاصيل، ~~وهناك سبب آخر وهو اقتراب موسم حصاد خضرواته التي كان يبيعها لمتجر البقالة في أوريول. ~~لكن ms167 بيل كان لديها ورم، وقد أقنعت أخيرا بأن تعيره بعض الاهتمام، وقد حجز موعد ~~لها لإجراء عملية في تورونتو. # ظلت بيل تقول: يا له من تغيير! هل أنت على يقين من أننا ما زلنا في كندا؟ # كان هذا قبل أن يمرا بكتشنر، وبمجرد أن وصلا إلى الطريق السريع الجديد، شعرت بالذعر ~~بالفعل، وأخذت تستجديه أن يبحث عن طريق جانبي، أو يلف ثانية ويعود أدراجه إلى المنزل. وجد ~~نفسه يتكلم بحدة فيما يتعلق بهذا؛ فالمرور قد أثار دهشته هو الآخر. ظلت هادئة بعد ~~ذلك طوال الطريق، ولم يكن يدري إن كانت أغلقت عينيها لأنها قد استسلمت للأمر، أم ~~أنها كانت تصلي. لم يعرف عنها قط أنها كانت تصلي. # حتى في هذا الصباح كانت تحاول أن تثنيه عن رأيه بشأن الذهاب؛ فقالت إن الورم كان يقل ~~حجمه ولا يزيد، وقالت إنه منذ أن أصبح هناك تأمين صحي لكل فرد، أضحى كل شخص لا يفعل ~~شيئا سوى أن يهرع إلى الطبيب، ويجعل من حياته دراما طويلة من المستشفيات والعمليات ~~الجراحية التي لا تعود بشيء إلا بإطالة الفترة التي يكون فيها الشخص مصدر قلق في نهاية ~~الحياة. # هدأت وابتهجت عندما وصلا إلى الطريق الفرعي الذي يقصدانه وأصبحا بالفعل في المدينة، ووجدا ~~نفسيهما في طريق أفنيو، وبالرغم من تعجبها من الكيفية التي قد تغير بها كل شيء، فقد ~~كان بمقدورها عند كل بناية أن تتعرف على شيء كانت لها به معرفة مسبقة؛ فهناك عمارة كان ~~يقطن بها أحد معلميها في مدرسة الأسقف ستراون، وأسفلها كان هناك متجر يمكنك أن تشتري منه ~~اللبن والسجائر والصحف. قالت: ألن يكون غريبا أن تدلف إليه فتجد صحيفة «تورونتو إيفننج ~~تليجرام» التي لن يكون بها اسم والدها فحسب، وإنما أيضا صورته غير الواضحة التي التقطت ~~له عندما كان بشعره كاملا. # ثم أطلقت صيحة خفيفة، وعند شارع جانبي رأت الكنيسة التي تزوج بها والداها؛ لقد كادت ~~تقسم أنها ذات الكنيسة. لقد اصطحباها إلى هناك لكي يرياها إياها، بالرغم من أن هذا ms168 ~~المكان لم يكن كنيسة على الإطلاق؛ فهما لم يرتادا أية كنيسة قط. لقد كانت مزحة؛ فقد قال ~~والدها إنهما تزوجا في الطابق الأرضي بالكنيسة، لكن أمها قالت إنهما تزوجا في غرفة ~~الاجتماعات والصفوف الملحقة بالكنيسة. # لقد كانت أمها تتكلم بسهولة وقتذاك، فكانت مثلها مثل أي شخص عادي. # ربما كان هناك قانون في ذلك الوقت يلزمك بالزواج في الكنيسة وإلا فلن يعد الزواج ~~قانونيا. # وعند محطة إيجلنتون رأت علامة مترو الأنفاق. ~~«تخيل أنني لم أستقل مترو الأنفاق مطلقا من قبل.» # قالت ذلك بمزيج من الألم والكبرياء. ~~«تخيل أن تظل بذلك الجهل.» # وفي المستشفى كانوا مستعدين لاستقبالها، واستمرت هي في حيويتها، مخبرة إياهم بفزعها من ~~المرور ومن التغيرات التي طرأت على كل شيء، متسائلة إن كان لا يزال هناك ذلك العرض الذي ~~يقام في عيد الميلاد بجوار متجر إيتون، وإن كان لا يزال أحد يقرأ صحيفة «تورونتو إيفننج ~~تليجرام». # قالت إحدى الممرضات: «كان عليك أن تزوري الحي الصيني؛ فقد أصبح الآن شيئا آخر.» # قالت: «أتطلع لرؤيته في طريق عودتي إلى المنزل.» ثم ضحكت قائلة: «هذا إن رجعت إلى ~~المنزل.» ~~«لا تكوني سخيفة.» # كانت هناك ممرضة أخرى تتحدث مع جاكسون عن المكان الذي ركن به سيارته، وأخبرته أين ~~ينقلها حتى لا يحصل على مخالفة. وتأكدت أيضا من معرفته بكل شيء يتعلق بإقامة أقارب ~~المرضى الذين يقيمون خارج المدينة، ومن أنها أقل تكلفة مما سيدفعونه إن أقاموا في أحد ~~الفنادق. # قالوا إنه يجب على بيل أن تأوي إلى الفراش حالا وسيأتي أحد الأطباء لفحصها، وبمقدور ~~جاكسون أن يأتي لاحقا لكي يودعها قبل النوم، لكنه قد يجدها شبه مخدرة في ذلك ~~الوقت. # ترامى إلى مسامعها ما يقولون، وقالت إنها لم تكن في كامل وعيها طوال الوقت، وإن كونها ~~شبه مخدرة ما كان ليدهشه، وقد ظلل المرح المكان بعض الشيء. # أخذته الممرضة لكي يوقع على شيء قبل أن يغادر. تردد عندما طلب منه أن يكتب صلة ~~القرابة، فكتب «صديق ». ~~••• # عندما عاد في المساء، رأى بالفعل تغييرا، ms169 بالرغم من أنه ما كان ليصف بيل وقتها بأنها ~~شبه مخدرة. لقد ألبسوها رداء فضفاضا أخضر اللون ترك عنقها ومعظم ذراعيها عاريين. ~~نادرا ما رآها عارية هكذا أو لاحظ تلك الحبال المشدودة الممتدة بين عظمة الترقوة ~~والذقن. # كانت غاضبة من أن فمها كان جافا. ~~«إنهم لا يسمحون لي بشيء سوى رشفة من الماء.» # كانت تريده أن يذهب ويأتي إليها بزجاجة ماء غازية، وهو شيء لم تشربه في حياتها من قبل ~~على حد علمه. ~~«هناك ماكينة في البهو بالأسفل؛ لا بد أن تكون هناك واحدة. لقد رأيت أناسا يمرون بي وهم ~~يحملون زجاجة ماء غازية في أيديهم، وقد جعلني هذا أشعر بعطش شديد.» # قال إنه لا يستطيع أن يخالف الأوامر. # رقرقت عيناها بالدموع وأشاحت وجهها في تذمر. ~~«أريد العودة إلى المنزل.» ~~«سرعان ما ستعاودين.» ~~«هل يمكنك أن تساعدني في العثور على ملابسي؟» ~~«لا يمكنني ذلك.» ~~«إن لم تفعل، فسأقوم بذلك بنفسي. وسأذهب إلى محطة القطار بمفردي.» ~~«لم يعد هناك أي قطار ركاب يذهب لبلدتنا من هنا.» # وفجأة بدا أنها تخلت عن خططها في الهرب، وفي غضون لحظات راحت تسترجع المنزل وكل ~~التحسينات التي أدخلاها، وبالأحرى التي أدخلها هو، عليه؛ الطلاء الأبيض الذي كان يتلألأ على ~~واجهة المنزل، حتى المطبخ الخلفي الذي طلي بالجير وفرش بالألواح الخشبية، والسقف الذي ~~أعيدت تغطيته بالخشب، والنوافذ التي استعادت طرازها القديم البسيط، وأعظم الأشياء كلها، ~~أنابيب الماء التي كانت تمثل متعة في أوقات الشتاء. ~~«لو لم تظهر أنت لكنت سأحيا الآن في مكان قذر للغاية.» # لم يفصح عن رأيه بأنها كانت بالفعل تعيش في مكان كهذا. # قالت: «حينما أخرج من هنا سأكتب وصية؛ سيئول المنزل كله إليك. فلن يضيع جهدك ~~هباء.» # كان قد فكر في ذلك بالطبع، ومن المتوقع أن آمال التملك كانت ستجلب له شعورا ~~رصينا بالرضا، بالرغم من أنه كان سيعبر عن رغبة صادقة وودودة بألا يحدث شيء من هذا ~~القبيل في القريب العاجل. لكن ليس الآن . بدا أن الأمر لم يكن يعنيه كثيرا؛ ms170 فقد كان من ~~المبكر التفكير في هذا. # استعادت شعورها بالغضب مرة أخرى. ~~«أوه، أتمنى لو كنت هناك وليس هنا.» ~~«ستشعرين بأنك أفضل كثيرا عندما تستفيقين بعد العملية.» # على الرغم من أن ذلك كان كذبة كبيرة، وذلك من خلال كل ما سمعه من الأطباء. # وفجأة انتابه شعور بتعب شديد. ~~••• # كان ما قاله أقرب إلى الحقيقة أكثر مما يمكن أن يتصور. وبعد مرور يومين من استئصال ~~الورم كانت بيل تجلس في حجرة منفصلة متلهفة لرؤيته، ولم يزعجها على الإطلاق التأوهات ~~الصادرة عن السيدة التي كانت تقبع خلف الستارة على الفراش المجاور. كان ذلك تقريبا هو حال ~~بيل في اليوم السابق حينما لم يجعلها تفتح عينيها مطلقا أو تلاحظ وجوده كلية. # قالت بيل: «لا تعرها اهتماما؛ فهي فاقدة للوعي تماما، ومن المحتمل أنها لا تشعر ~~بشيء. لكنها إما ستستعيد وعيها في الغد وتتحسن صحتها، وإما لن يحدث ذلك على ~~الإطلاق.» # أظهرت سيطرة قوية وراضية بعض الشيء؛ شيئا من صلابة المتمرسين. كانت تجلس على الفراش ~~ترتشف بعضا من عصير البرتقال اللامع باستخدام ماصة ملتوية بعناية. لقد بدت أصغر سنا ~~بكثير من المرأة التي أحضرها إلى المستشفى منذ وقت قصير. ~~••• # أرادت أن تعرف هل كان يحصل على قسط كاف من النوم، وهل عثر على مكان جيد يتناول فيه ~~طعامه، وهل الطقس لم يكن دافئا بدرجة منعته من المشي، وهل وجد الوقت الكافي لزيارة متحف ~~أونتاريو الملكي، كما نصحته بحسب اعتقادها. # لكنها لم تكن قادرة على التركيز في إجاباته. لقد بدا أنها في حالة من الدهشة؛ دهشة ~~بمقدورها السيطرة عليها. # قالت وهي تقاطع تبريره لعدم الذهاب إلى المتحف: «أوه، علي أن أخبرك بشيء. أوه لا تبدو ~~منزعجا هكذا، ستجعلني أضحك من تعبيرات وجهك، وذلك سوف يفسد الغرز. ترى لم علي أن ~~أفكر في الضحك على أية حال؟ إنه شيء مؤلم بشدة في الواقع. إنها لمأساة. إنك تعرف أشياء عن ~~والدي، ما أخبرتك به عن والدي ...» # الشيء الذي لاحظه هو أنها قالت «والدي» بدلا من «أبي». ~~«لقد ms171 كان والدي ووالدتي ...» # بدا أنه كان عليها أن تبحث عن الكلمات وتبدأ من جديد. ~~«لقد كان المنزل في هيئة أفضل من تلك التي رأيتها عليها أول مرة. لقد كنا نستخدم ~~تلك الغرفة الكائنة أعلى الدرج للاستحمام، وكان علينا بالطبع أن نحمل الماء النظيف ~~لأعلى ثم نحمل الماء القذر لأسفل. ولم يحدث أن استخدمت، إلا مؤخرا عندما أتيت أنت، ~~لهذا الغرض الغرفة الموجودة في الطابق السفلي؛ المكان الذي كان يحتوي على الأرفف، والذي ~~كان بمنزلة مخرن، أتتذكره؟» # كيف لم يتسن لها أن تتذكر أنه هو الذي فك الأرفف من تلك الغرفة التي حولها إلى ~~حمام؟ # قالت وكأنها تتعقب أفكاره: «أوه، حسنا، فيم يهم ذلك؟» ثم أضافت: «ذات مرة، سخنت ~~بعض الماء وحملته لأعلى كي أستحم، وخلعت ملابسي. حسنا، كنت أفعل. كانت هناك مرآة كبيرة ~~فوق الحوض، لقد رأيت كيف كان هناك حوض وكأنه حمام حقيقي، وكان كل ما على المرء فعله هو ~~أن يجذب سدادة الماء، ثم يصرف الماء في الدلو حينما ينتهي. أما المرحاض، فقد كان في ~~مكان آخر. هل تخيلت المنظر؟ وهكذا شرعت في الاستحمام وكنت عارية تماما، بطبيعة ~~الحال. لا بد أن الساعة كانت نحو التاسعة مساء، حيث كان هناك قدر من الضوء. وقد كنا في ~~الصيف، ألم أقل ذلك؟ كانت تلك الغرفة الصغيرة تواجه الغرب.» # ثم استمرت قائلة: «ثم سمعت وقع خطوات، وكانت خطوات أبي بالطبع. لا بد أنه كان قد ~~انتهى من وضع أمي في فراشها، لقد سمعت وقع خطواته وهو يصعد لأعلى، ولاحظت أنها بدت ~~ثقيلة، ليست كالمعتاد بعض الشيء؛ كانت متمهلة جدا، أو ربما كان هذا انطباعي فيما بعد؛ ~~فالمرء يميل لتهويل الأمور فيما بعد. توقفت الخطوات خارج باب الحمام تماما، وإن كان ~~قد دار بخلدي شيء وقتها، فهو أنه لا بد أنه كان يشعر بالتعب. لم يكن باب الحمام مغلقا ~~بالمزلاج؛ لأنه بالطبع لم يكن هناك مزلاج به، وكنا نفترض أن هناك أحدا بداخل الحمام إن ~~كان بابه مغلقا. # وهكذا كان هو يقف ms172 بالخارج ولم أفكر أنا في شيء، ثم فتح هو الباب ووقف في مكانه وراح ~~يتطلع إلي. علي أن أصرح بما أعنيه؛ كان يتطلع إلى كل جزء في جسدي، ليس فقط وجهي. ~~كان وجهي ينظر نحو المرآة وهو ينظر إلي في المرآة وأيضا إلى ما كان خلفي ولا أستطيع أن ~~أراه. لم تكن بنظرة طبيعية بأي حال من الأحوال. # سأخبرك بما اعتقدت وقتها؛ لقد اعتقدت أنه يسير أثناء نومه. لم أدر ما أفعله لأنه ~~ليس من المفترض أن تفزع شخصا يسير أثناء النوم. # ثم قال بعد ذلك: «معذرة.» وأدركت حينها أنه لم يكن نائما، لكنه تحدث بصوت حاول أن ~~يبدو مرحا، أعني أنه كان صوتا غريبا، غريبا للغاية كما لو أنه كان يشعر نحوي ~~بالاشمئزاز، أو أنه غاضب مني، لا أدري. ثم ترك الباب مفتوحا وغادر ونزل إلى البهو ~~بالأسفل. جففت جسدي وارتديت رداء النوم وآويت إلى الفراش وخلدت إلى النوم على ~~الفور، وحينما استيقظت في الصباح كانت لا تزال هناك المياه التي لم أصرفها، ولم أكن أريد ~~أن أقترب منها، لكني فعلت. # بدا كل شيء طبيعيا، وكان قد استيقظ هو بالفعل وكان يكتب على الآلة الكاتبة بعيدا. ألقى ~~تحية الصباح فقط وطلب مني تهجي كلمة ما؛ وهو ما كان يفعله عادة لأنني كنت أفضل في ~~هجاء الكلمات. قلت له هجاء الكلمة التي كان يريدها، وأخبرته أنه يجب عليه أن يتعلم ~~تهجئة الكلمات إن أراد أن يصير كاتبا. كان يائسا. لكن في وقت لاحق من اليوم عندما كنت ~~أنظف بعض الأطباق أتى ووقف خلفي مباشرة وتسمرت مكاني. قال: «إني آسف يا بيل.» وقلت ~~في نفسي: أوه، أتمنى لو أنه لم يقل ذلك. لقد أرعبني. أعرف أنه كان آسف بحق، لكنه ~~أعلنها صراحة بطريقة لم أستطع تجاهلها، وكل ما قلته هو: «لا عليك.» لكني لم أستطع أن ~~أجبر نفسي على قول ذلك بصوت عادي، أو كأن الأمور بالفعل على ما يرام. # لم أستطع، كان علي أن أجعله يفهم أنه قد غير كلا ms173 منا. ذهبت لكي ألقي بمياه ~~تنظيف الأطباق، وعدت ثانية للأشياء الأخرى التي كنت أفعلها ولم أتفوه بكلمة. وفيما ~~بعد، أيقظت أمي من قيلولتها وأعددت طعام العشاء وناديته، لكنه لم يأت. قلت لأمي لا بد ~~أنه ذهب لكي يمشي لبعض الوقت؛ كان يفعل ذلك غالبا عندما ينهمك في الكتابة. ساعدت أمي في ~~تقطيع طعامها، لكني لم أمنع نفسي من التفكير في أشياء مقززة، وبالأساس الضجيج الذي كنت ~~أسمعه يأتي في بعض الأحيان من حجرتهما وكنت أتدثر حتى لا أسمعه. وتساءلت الآن بشأن أمي ~~التي كانت تجلس هناك تتناول طعامها، وماذا كان اعتقادها آنذاك أو كانت تفهم من الأمر ~~برمته. # لم أكن أعرف المكان الذي من الممكن أن يكون قد ذهب إليه. لقد وضعت أمي في فراشها ~~وجهزتها للنوم على الرغم من أن هذه كانت مهمته هو. ثم سمعت صوت القطار يقترب، وفجأة ~~سمعت الهرج وذلك الصرير الذي صدر عن فرامل القطار، ولا بد أنني علمت بما حدث بالرغم من أنني ~~لا أدري متى علمت بالفعل. # لقد أخبرتك قبل ذلك أن القطار صدمه مما أدى إلى وفاته. # لكني أخبرك بهذا، وليس هدفي أن أفزعك. في البداية لم أستطع تحمل ذلك، وظللت لفترة ~~طويلة أقنع نفسي بأنه كان يسير على شريط السكك الحديدية وذهنه مشغول بعمله ولم يسمع صوت ~~القطار. تلك هي القصة التي كنت أراها ملائمة. لم أترك نفسي لتعتقد أن الأمر كان يتعلق ~~بي أو حتى أفكر في الشيء الذي كان يتعلق به في المقام الأول. # الجنس. # لقد فهمت الآن، لقد فهمت حقيقة الأمر. إنه لم يكن خطأ أحد؛ إنه خطأ الجنس البشري في وضع ~~مأساوي. نشأتي أنا هناك، وحالة أمي التي كانت عليها، وأبي والحالة التي كان من الطبيعي أن ~~يكون عليها. إنها لم تكن غلطتي أو غلطته. # يجب أن يكون هناك إقرار بذلك، هذا كل ما أعنيه، يجب أن تكون هناك أماكن يمكن للأشخاص ~~الذهاب إليها إن كانوا في وضع صعب، ويجب ألا يشعروا بالخزي أو الذنب حيال ذلك. ms174 إن كنت ~~تعتقد أنني أقصد بيوت الدعارة، فأنت على حق. وإن فكرت في العاهرات، فأنت محق أيضا. ~~هل تفهمني؟» # قال جاكسون نعم، وهو يتطلع فوق مستوى رأسها: ~~«أشعر بأني أزحت شيئا عن كاهلي. لا يعني الأمر أنني لا أستشعر المأساة، لكن ما يعنيه هو ~~أنني خرجت منها. إنها خطايا البشرية. لا تعتقد أنني لا أشعر بالشفقة لمجرد أنني أبتسم؛ ~~إنني أشعر بالشفقة الشديدة. لكن يجب أن أقول إنني استرحت، أشعر إلى حد ما بالسعادة. إنك ~~لا تشعر بالحرج لسماعك لكل هذا، أليس كذلك؟» ~~«بلى.» ~~«إنك تدرك أنني لست في حالة طبيعية. أعلم أنني كذلك بالفعل. لقد أضحى كل شيء واضحا ~~أمامي. إنني ممتنة جدا لذلك.» # لم تخفف المرأة التي تتمدد على الفراش المجاور من حدة أنينها المنتظم خلال كل ذلك. ~~شعر جاكسون بأن ذلك الصوت الرتيب كان يتردد داخل رأسه. # سمع صوت حذاء الممرضة الخفيف في البهو، وتمنى لو تدلف إلى تلك الحجرة. وقد ~~فعلت. # قالت الممرضة إنها جاءت لتعطيها قرصا منوما. خشي أن يطلب منه أن يمنحها قبلة قبل ~~أن يتركها ويخرج؛ فقد لاحظ تبادل القبلات كثيرا في المستشفى، وشعر بالسرور لأنه لم يأت ~~ذكر ذلك عندما نهض. ~~«أراك غدا.» ~~••• # استيقظ مبكرا وقرر أن يمشي لبعض الوقت قبل تناول الإفطار. لقد أخذ قسطا وافرا من ~~النوم، لكنه حدث نفسه بأنه يجب عليه أن يأخذ راحة من جو المستشفى. لم يكن يشعر بقلق ~~شديد بسبب التغيير الذي طرأ على بيل؛ فقد كان يعتقد أن من الممكن أو حتى من المحتمل أنها ~~ستعود إلى حالتها الطبيعية خلال يوم أو خلال عدة أيام. إنها ربما حتى لن تتذكر القصة التي ~~قصتها على مسامعه، وتلك نعمة في حد ذاتها. # كانت الشمس ساطعة، كما يمكن أن يتوقع المرء في ذلك الوقت من العام، وكانت الحافلات ~~وعربات الترام ممتلئة بالفعل عن آخرها. سار قليلا باتجاه الجنوب، ثم اتجه نحو الغرب إلى ~~شارع دانداس، وبعد فترة وجد نفسه في الحي الصيني الذي كان قد سمع به. ms175 كانت هناك أكوام من ~~خضراوات معروفة، وأكوام أكثر من خضراوات غير معروفة تماما يتم نقلها إلى المتاجر، كما كانت ~~هناك حيوانات صغيرة منزوعة الجلد بدت صالحة للأكل معلقة ومعروضة للبيع. كانت الشوارع ~~ممتلئة بالشاحنات التي ركنت بنحو غير قانوني، وشذرات صاخبة من اللغة الصينية بدت ~~يائسة. اللغة الصينية. كل ذلك الصخب العالي بدا وكأن هناك حرب دائرة، لكن من المحتمل أن ~~ذلك بالنسبة إليهم هو مجرد شيء اعتيادي يحدث كل يوم. ومع ذلك شعر أنه كان يرغب في الابتعاد ~~عن كل هذا، فذهب إلى مطعم يديره الصينيون لكنه كان يعلن عن إفطار عادي مكون من البيض ~~ولحم الخنزير المقدد، وعندما غادر المكان كان ينوي أن يستدير ويعود أدراجه من حيث ~~أتى. # لكنه وجد نفسه يتجه أكثر نحو الجنوب، وسار في شارع سكني تصطف فيه منازل عالية وضيقة بعض ~~الشيء مصنوعة من الطوب. لا بد أنها بنيت قبل أن يستشعر الأشخاص في هذه المنطقة حاجتهم ~~إلى ممرات خاصة بالسيارات، أو ربما حتى قبل أن يقتنوا سيارات بالأساس، أو حتى قبل أن تكون ~~هناك تلك الأشياء المعروفة بالسيارات. سار حتى وجد لافتة كتب عليها شارع كوين ستريت الذي ~~سمع عنه. استدار متجها نحو الغرب ثانية، وبعد عدة بنايات وجد أمامه عائقا؛ فأمام متجر ~~لبيع الكعك المحلى وجد جمعا صغيرا من الناس. # كانت قد أوقفتهم سيارة إسعاف ركنت مباشرة فوق رصيف المشاة بحيث لا يتمكن أحد من ~~المرور. كان بعضهم يتذمر من التأخير ويتساءل بصوت عال إن كان ركن سيارة الإسعاف فوق ~~الرصيف تصرفا قانونيا، بينما بدا البعض الآخر هادئا وهم يتحدثون عما يمكن أن ~~يكون كنه المشكلة. لقد أتى ذكر الموت، وتحدث بعض الناظرين عن الأشخاص الذين من ~~المحتمل أن ماتوا، بينما قال البعض الآخر إن الموت هو الذريعة القانونية الوحيدة لأن ~~تتواجد المركبة في هذا المكان. # لم يكن الرجل الذي خرج محمولا ومحزما إلى النقالة قد فارق الحياة، وإلا فإنهم كانوا ~~سيغطون وجهه؛ ومع هذا، كان فاقد الوعي، وكانت بشرته بلون ms176 الإسمنت الرمادي. لم يكن محمولا ~~من داخل متجر الكعك المحلى، كما توقع البعض وهم يتندرون - حيث كان هذا نوعا من ~~الانتقاد لجودة الكعك المقدم في هذا المتجر - إنما من داخل الباب الرئيسي للبناية. كانت ~~بناية سكنية ذات مظهر مقبول، مصنوعة من الطوب ومكونة من خمسة طوابق. وكان يقع في الطابق ~~الرئيسي مغسلة تعمل بالعملة ومتجر الكعك المحلى. وكان الاسم المحفور فوق الباب الرئيسي ~~يوحي بالكبرياء وببعض من حمق الماضي. # بوني داندي. # وأخيرا خرج من المبنى رجل لا يرتدي زي رجال الإسعاف، وقف ينظر في سخط نحو الجمع الذي ~~كان يفكر الآن في أن ينفض. والشيء الأخير الذي يمكن انتظاره الآن هو صوت سيارة الإسعاف ~~الهائل الذي يشبه العويل وهي تشق طريقها وتختفي بعيدا. # كان جاكسون واحدا من أولئك الذين لم يهتموا بالانصراف. لم يكن ليقل إنه كان ينتابه ~~الفضول بشأن أي من هذا، أكثر من أنه كان ينتظر المنعطف الذي لا مفر منه، والذي كان ~~ينتظر أن يمر منه لكي يعود به من حيث أتى. سار نحوه الرجل الذي خرج من المبنى وسأله إن كان ~~على عجل. ~~«لا، ليس بوجه خاص.» # كان هذا الرجل مالك المبنى، أما الرجل الذي حملته سيارة الإسعاف فهو الحارس ~~والملاحظ. ~~«يجب أن أذهب إلى المستشفى لأعرف ما المكروه الذي وقع له. لقد كان على ما يرام بالأمس، ~~ولم يشتك من شيء من قبل، وليس هناك شخص قريب الصلة به يمكن أن أتصل به، بقدر علمي. ~~والأسوأ من هذا أنني لا يمكنني إيجاد المفاتيح. لم تكن معه أو في المكان الذي يعتاد ~~الاحتفاظ بها فيه؛ لذا علي أن أعود إلى منزلي وأحضر النسخة الاحتياطية، وإنني أتساءل ~~إن كان بمقدورك أن تحرس المكان في هذه الأثناء؟ علي أن أذهب إلى المنزل والمستشفى ~~أيضا. بإمكاني أن أطلب ذلك من أحد المستأجرين، لكني أفضل ألا أفعل هذا، إن كنت تدري ~~ما أقصد؛ فأنا لا أريد أن يزعجوني بالسؤال عما حدث في حين أنني لا أعرف أكثر مما ~~يعرفون.» # وسأل ms177 ثانية إن كان جاكسون لا يمانع، وأجاب جاكسون أنه لا بأس في هذا. ~~«عليك فقط أن تراقب أي شخص يدلف أو يغادر، ويطلب رؤية مفتاحه، وأخبره أنها مجرد حالة ~~طوارئ ولن تستمر طويلا.» # غادر، ثم استدار مرة أخرى. ~~«يمكنك أيضا أن تجلس.» # كان هناك مقعد لم يره جاكسون. كان قد طواه أحدهم وأزاحه عن الطريق حتى تستطيع سيارة ~~الإسعاف أن تركن. كان أحد المقاعد المصنوعة من القماش، لكنه كان مريحا بدرجة كافية ~~ومتينا. وضعه جاكسون في مكان لا يزاحم فيه المارة أو قاطني العقار، وذلك بعد أن شكره. لم ~~يلاحظه أحد. كان على وشك أن يذكر للرجل المستشفى، وأنه هو ذاته عليه أن يعود إلى هناك بعد ~~فترة قصيرة، لكن الرجل كان في عجلة من أمره، وكان لديه بالفعل ما يكفي لينشغل به ذهنه، ~~وقد أوضح أنه سيعود سريعا بقدر ما يستطيع. # أدرك جاكسون، بمجرد أن جلس، طول الوقت الذي ظل فيه واقفا على قدميه وهو يتجول ~~هنا وهناك. # كان الرجل قد أخبره أنه إذا رغب في بعض القهوة أو أي شيء ليتناوله، فعليه أن يطلبه من محل ~~الكعك المحلى. ~~«فقط قل لهم إنك من طرفي.» لكن جاكسون لم يكن يعرف هذا الرجل. # وحينما عاد المالك، اعتذر له عن تأخيره، والسبب أن الرجل الذي حملته سيارة الإسعاف قد ~~فارق الحياة، ويجب إعداد بعض الترتيبات، وأضحى من الضروري أن تكون هناك مجموعة جديدة من ~~المفاتيح، وها هي معه. سيكون هناك شكل من أشكال الجنازة يضم الأشخاص الذين يقطنون ~~بالمبنى منذ فترة طويلة، ونشر خبر وفاته في الجريدة قد يجلب المزيد من المعزين. ستكون ~~فترة عمل مزعجة حتى يتم ترتيب كل هذا. # إن كان في مقدور جاكسون أن يقوم بالحراسة، فهذا من شأنه أن يحل المشكلة. مؤقتا؛ سيكون ~~الأمر بنحو مؤقت فقط. # سمع جاكسون نفسه وهو يعلن عن موافقته على العرض وأنه غير معترض. # وإن كان يود أن يعمل لفترة قليلة، فيمكن تدبير ذلك الأمر . لقد سمع هذا الرجل - رئيسه ~~الجديد - وهو ms178 يقول ذلك. بعد الجنازة مباشرة والتخلص من بعض الأغراض، يمكنه بعدها ~~بأيام قلائل أن يدبر أموره وينتقل إلى المكان. # قال جاكسون إن ذلك ليس ضروريا؛ فأموره مدبرة بالفعل وممتلكاته فوق ظهره. # كان من الطبيعي أن يثير ذلك بعض الشك. ولم يندهش جاكسون بعد أن علم بعد مرور يومين أن ~~رئيسه الجديد قد ذهب إلى قسم الشرطة، لكن من الواضح أنه لم يكن هناك أي شيء عليه؛ فقد بدا ~~أنه واحد من أولئك المحبين للانعزال الذين يمرون بظروف صعبة بطريقة أو بأخرى، لكنه ليس ~~متهما بخرق القانون. # وبدا كما لو أن لا أحد يبحث عنه على أية حال. ~~••• # بوجه عام، كان جاكسون يفضل أن يضم المبنى أشخاصا عجائز؛ وبوجه عام، أشخاصا عزابا. ~~لكن ليس ممن يمكن أن يوصفوا بالتقليديين، لكن ممن لديهم اهتمامات خاصة، أو يمكن أن ~~تقول في بعض الأحيان موهبة. تلك الموهبة التي يلاحظها المرء فيما مضى، ويكسب قوت عيشه من ~~ورائها، لكنها لا تكفي للاعتماد عليها خلال الحياة. ها هو مذيع كان صوته مألوفا في الراديو ~~منذ سنوات مضت خلال الحرب، لكن أحباله الصوتية قد تلفت الآن. معظم الناس اعتقدوا أنه ~~مات، لكن ها هو ذا في شقته الصغيرة يتابع الأخبار ويشترك في صحيفة «ذا جلوب أند ميل» التي ~~كان يعطيها لجاكسون في حالة ما إذا كان هناك شيء يثير اهتمامه فيها. # كان هناك ذات مرة شيء من هذا القبيل. # ماتت مارجوري إيزابيلا تريس، ابنة ويلارد تريس الذي ظل يكتب عمودا لفترة طويلة لصحيفة ~~«تورونتو إيفننج تليجرام»، وزوجته هيلينا (أبوت)، التي كانت الصديقة الطويلة لروبين ~~(شلنجهام) فورد، وذلك بعد معركة شجاعة مع السرطان. صحيفة أوريول، عدد 18 يوليو 1965. # لم يرد ذكر المكان الذي كانت تعيش فيه؛ ربما كان ذلك في تورونتو بصحبة روبين الذي ~~كان يعلم كل شيء عنها. ربما عاشت أكثر مما هو متوقع، وربما كانت حتى تحيا في راحة لا ~~بأس بها وروح معنوية عالية حتى قرب النهاية بالطبع. لقد أظهرت قدرة كبيرة على التكيف ~~مع ms179 الظروف، ربما أكثر من تلك التي كان يمتلكها هو نفسه. # لم يكن يمضي وقته في تخيل الغرف التي شاركها فيها أو العمل الذي قام به في منزلها. لم ~~يكن بحاجة إلى ذلك؛ فتلك الأشياء عادة ما كان يسترجعها في أحلامه، ويكون شعوره حينها أقرب ~~إلى الغيظ منه إلى الحنين، كما لو أنه كان عليه العودة على الفور لاستئناف شيء لم يكتمل ~~بعد. # كان المستأجرون في مبنى بوني داندي يشعرون بالقلق بوجه عام حيال أي شيء يمكن أن يطلق ~~عليه تحسينات، معتقدين أن ذلك قد يؤدي لرفع قيمة الإيجار. كان ينجح في إقناعهم بأساليب ~~لائقة وحس مالي جيد. أدخلت تحسينات على المكان وزاد الإقبال عليه لدرجة أن أصبحت ~~هناك قائمة انتظار للراغبين في الإقامة به. وكان المالك يشتكي من أنه قد يصبح مأوى ~~لغريبي الأطوار، لكن جاكسون أخبره بأنهم بوجه عام أكثر نظاما من الناس العاديين، وأنهم ~~ناضجون بدرجة كافية تمنعهم من سوء التصرف. هناك سيدة كانت تعزف في وقت من الأوقات في ~~الأوركسترا السيمفوني لتورونتو، ومخترع لم يستفد بعد من مخترعاته لكنه ما زال متفائلا، ~~ولاجئ مجري مهنته التمثيل كانت لكنته عائقا أمام نجاحه، لكن كان لا يزال هناك إعلان ~~تجاري عنه في مكان ما في العالم. كانوا جميعا يتصرفون بنحو لائق، ويوفرون بعض النقود ~~للذهاب إلى مطعم إيبكيور وقص حكايتهم طوال فترة ما بعد الظهيرة. وكان لديهم أيضا بعض ~~الأصدقاء الذين كانوا حقا من المشاهير، والذين نادرا ما كانوا يأتون لرؤيتهم، والشيء ~~المثير للاهتمام أن مبنى بوني داندي كان يسكن به كاهن متنقل كان على خلاف مع الكنيسة، أيا ~~كان طبيعته، لكنه كان دائما ما يرأس القداس حينما يتم استدعاؤه لذلك. # كان من عادة الأشخاص البقاء حتى يصبح الرحيل ضرورة، ولكن ذلك كان أفضل بكثير من ~~التسلل والهروب. # والاستثناء الوحيد كان لزوجين شابين يدعيان كانديس وكوينسي لم يصفيا حسابهما وهربا ~~في منتصف الليل، وتصادف أن المالك كان هو المسئول حينما قدما للبحث عن غرفة، والتمس ~~العذر لنفسه على اختياره ms180 السيئ بقوله إن الوجوه الشابة كان مطلوبا تواجدها في المكان. ~~بالطبع وجه كانديس وليس وجه صديقها؛ فصديقها كان أحمق. ~~••• # في يوم حار من أيام الصيف فتح جاكسون الأبواب الخلفية المزدوجة وأبواب التوصيل ليدخل ~~أكبر قدر من الهواء بينما كان منهمكا في طلاء طاولة. كانت طاولة جميلة حصل عليها دون ~~مقابل لأن طلاءها قد اختفى تماما، ورأى أنها ستبدو جميلة في المدخل عندما تستخدم لوضع ~~البريد عليها. # ابتعد عن المكان الذي كان يجلس فيه لأن المالك كان هناك يتفحص بعض الإيجارات. # كان هناك قرع خفيف على الباب الأمامي. كان جاكسون على استعداد لكي يترك مكانه، وراح ~~ينظف فرشاة الطلاء لأنه اعتقد أن المالك قد لا يرغب في المقاطعة وهو يقوم بحساب الأرقام. ~~لكن لا بأس، فقد سمع الباب وهو يفتح وترامى إلى مسامعه صوت نسائي. وبالرغم من أن الصوت ~~كان على عتبة التعب، فإنه كان لا يزال يحتفظ بشيء من سحره، وثقته المطلقة بأن أيا ما ~~يقول فهو كفيل بإقناع أي شخص يكون في محيط السمع. # ربما ورثت ذلك من أبيها الكاهن. كان جاكسون يعتقد ذلك قبل أن يصيبه ذلك التأثير. # قالت إن ذلك كان آخر عنوان لديها لابنتها. لقد كانت تبحث عن ابنتها؛ ابنتها كانديس، التي ~~ربما كانت ترتحل مع صديق لها. وأضافت أنها جاءت من كولومبيا البريطانية، وتحديدا من كيلونا ~~حيث كانت تقيم هي ووالد الفتاة. # إنها إليان؛ لقد عرف جاكسون صوتها دون شك. تلك المرأة هي إليان. # سمعها وهي تطلب الإذن بالجلوس. فسحب المالك مقعده؛ مقعد جاكسون. # كانت تورونتو أكثر حرارة مما توقعت، بالرغم من أنها كانت تعرف أونتاريو حيث إنها قد ~~نشأت هناك. # وتساءلت إن كان من الممكن أن تحصل على كوب من الماء. # لا بد أنها وضعت رأسها بين يديها لأن صوتها أخذ يخفت. خرج المالك إلى المدخل وأسقط فكة ~~في الماكينة لكي يخرج لها علبة سفن أب. ربما اعتقد أنها أنسب للسيدات من ~~الكوكاكولا. # ولمح جاكسون يقف في الركن يستمع إلى ما يدور، وأشار له ms181 بأن يتولى الأمر حيث إنه ربما ~~أكثر تعودا منه على التعامل مع المستأجرين الذين يشوبهم الاضطراب. لكن جاكسون هز رأسه ~~بالنفي بشدة. # لا. # ولم تبق مضطربة كثيرا. # استماحت المالك عذرا، فقال لها إن الحرارة قد تسبب مشاكل هذه الأيام. # والآن بالنسبة إلى كانديس، فقد غادرت هي وصديقها المكان خلال الشهر الجاري؛ ربما منذ ~~ثلاثة أسابيع، ولا يوجد عنوان للمكان الجديد يمكن مراسلتها عليه. ~~«في هذه الحالات، غالبا ما لا يكون هناك واحد.» # فهمت ما كان يرمي إليه. ~~«أوه، بالطبع، بإمكاني أن أصفي حسابها ...» # كان هناك بعض الهمهمات والأصوات الخافتة أثناء تسوية ذلك. # قالت بعدها: «أعتقد أنه لا يمكنك أن تجعلني ألقي نظرة على المكان الذي كانا يعيشان فيه ~~...» ~~«إن المستأجر غير متواجد الآن. وحتى إن كان هنا، فأنا لا أعتقد أنه سيوافق على ~~ذلك.» ~~«بالطبع؛ فهذا أمر سخيف.» ~~«هل هناك شيء بعينه تهتمين بمعرفته؟» ~~«أوه، لا. شكرا لسعة صدرك. لقد أخذت كثيرا من وقتك.» # نهضت الآن، وتحركا إلى خارج المكتب، ثم أسفل السلالم المؤدية للباب الأمامي، ثم انفتح ~~الباب وابتلعت ضوضاء الشارع كلمات الوداع إن كان هناك أي منها. # مهما كان قدر خيبة أملها، فستنجح في تخطي ذلك عن طيب نفس. # خرج جاكسون من مخبئه أثناء عودة المالك للمكتب. # كل ما قاله المالك هو: «إنها لمفاجأة. لقد استرددنا أموالنا.» # كان رجل يتسم باللامبالاة في الأساس، على الأقل فيما يخص الأمور الشخصية. وهو شيء كان ~~يكن له جاكسون التقدير. # بالطبع كان جاكسون يرغب في رؤيتها. والآن وقد رحلت، بدا نادما على ضياع الفرصة. ~~وبالطبع ما كان ليحط من قدره ويسأل المالك إن كان شعرها لا يزال داكنا؛ مائلا إلى ~~السواد، وهل يتسم جسمها بالطول والنحافة ولا يزال نهداها صغيرين. لم يتكون لديه انطباع ~~عن الشكل من خلال ابنتها؛ كانت ذات شعر أشقر لكنه على الأرجح مصبوغ. كان عمرها لا يزيد على ~~عشرين عاما بالرغم من أنه من الصعب في بعض الأحيان التكهن بذلك في هذه الأيام. كانت ~~واقعة بشدة تحت سيطرة ms182 صديقها؛ الهروب من المنزل، والتهرب من سداد الفواتير، والتسبب في ~~كسر قلب الوالدين، كل هذا من أجل أمر كئيب مثل الارتباط بصديق. # أين تقع كيلونا؟ في مكان ما بالغرب. ألبرتا، كولومبيا البريطانية. طريق طويل قطعته ~~للبحث عن ابنتها. بالطبع هذه الأم هي امرأة مثابرة، متفائلة. ربما ظل هذا منطبقا عليها. ~~لقد تزوجت، اللهم إن كانت تلك الفتاة ولدت خارج نطاق الزواج، ولكن طاف بذهنه أن ذلك ~~غير محتمل تماما. ستكون واثقة، واثقة من نفسها أنه في المرة القادمة لن تتعرض لمأساة، ~~وهكذا الحال بالنسبة إلى الفتاة التي كانت ستعود إلى المنزل حينما يضيق بها الحال. وقد تعود ~~وفي يدها طفل، لكن كان ذلك هو الحال في تلك الأيام. ~~••• # قبل عيد الميلاد بفترة قصيرة من عام 1940 كانت هناك جلبة شديدة في المدرسة الثانوية، حتى ~~إنها بلغت الطابق الثالث حيث كان ضجيج الآلات الكاتبة وآلات الجمع يحجب ضوضاء الطابق ~~الأرضي. كانت الفتيات الأكبر سنا يتواجدن بالأعلى؛ وهن الفتيات اللاتي كن يدرسن ~~في السنة الأخيرة اللغة اللاتينية والأحياء والتاريخ البريطاني، ويتعلمن الآن ~~النسخ على الآلة الكاتبة. # وكانت إليان بيشوب واحدة من تلك الفتيات، والشيء الغريب أنها كانت ابنة لأحد القساوسة، ~~بالرغم من أنه لم يكن هناك أساقفة في كنيسة والدها التابعة للكنيسة المتحدة. قدمت إليان ~~بيشوب مع أسرتها، وهي في الصف التاسع، وظلت لخمس سنوات تجلس خلف جاكسون آدامز، بسبب ~~اتباع طريقة الترتيب الأبجدي في الجلوس. وفي ذلك الوقت كان خجل جاكسون وصمته ~~الشديدان قد أصبحا أمرا يقبله الجميع غيرها في الفصل، لكنه كان أمرا جديدا بالنسبة ~~إليها، وخلال الخمس سنوات التالية، ودون الاعتراف بذلك نجحت في أن تولد بينهما نوعا ~~من الألفة. كانت تقترض منه المماحي وأسنان الأقلام الحبر والأدوات الهندسية، ولم يكن ذلك ~~لكسب صداقته بقدر ما كان سببه أنها كانت شخصية غير منظمة. وكان يتبادلان حلول بعض ~~المسائل، وكانا يصححان الاختبارات كل منهما للآخر. وحينما كانا يلتقيان في الطريق، ~~كانا يتبادلان التحية، وتحيته بالنسبة إليها كانت في الواقع همهمة ms183 غير واضحة. ولم يكن هناك ~~أي شيء آخر فيما وراء ذلك، فيما عدا أنهما كان يتبادلان بعض النكات. لم تكن إليان فتاة ~~خجولة، لكنها كانت ذكية ومتحفظة ولم يكن لها الكثير من الأصدقاء، وربما كان هذا ~~يناسبه. # ومن موقعها فوق الدرج عندما ذهب الجميع لمشاهدة مصدر الجلبة، دهشت إليان عندما علمت ~~أن أحد الولدين المتسببين فيها هو جاكسون، والآخر كان بيلي واتس. لقد تغير الآن ~~الأولاد الذين كانوا منذ عام واحد فقط يجلسون منكبين فوق كتبهم وينتقلون على نحو ~~مطيع من فصل إلى آخر؛ فبدوا في زي الجيش أكبر مرتين من حجمهم الأصلي، وكانت ~~أحذيتهم العالية الرقبة تحدث جلبة كبيرة وهم يركضون بها. وكانوا يهتفون بأن الدراسة قد ~~ألغيت في ذلك اليوم لأن الجميع يجب أن يذهب إلى الحرب. كانوا يوزعون السجائر في كل ~~مكان، ويلقون بها على الأرض حيث يمكن أن يلتقطها الأولاد الذين حتى لم يحلقوا أذقانهم من ~~قبل. # كانوا جنودا طائشين، مقاتلين متهورين. سكارى حتى الثمالة. ~~«أنا لا أهاب شيئا.» كان هذا هو ما يهتفون به. # حاول مدير المدرسة تنظيمهم، لكن لأن هذا كان في وقت مبكر من الحرب، وكان لا يزال ~~هناك بعض التقدير والاحترام الخاص للأولاد الذين انضموا للجيش، لم يستطع إظهار القسوة ~~التي أظهرها بعد ذلك بعام. # قال: «اهدءوا، اهدءوا.» # قال له بيلي واتس: «أنا لا أهاب شيئا.» # هم جاكسون بفتح فمه ربما ليقول نفس الشيء، لكن في تلك اللحظة التقت عيناه بعيني ~~إليان بيشوب وتبادلا خلالها معلومة ما. # أدركت إليان بيشوب أن جاكسون كان ثملا بالفعل، لكنه لم يكن ثملا تماما، وهكذا ~~فإن مظاهر السكر الواضحة عليه كان يمكن السيطرة عليها. (بيلي واتس كان ثملا تماما ~~بحيث لا يمكن السيطرة عليه.) ومع تفهم ذلك هبطت إليان الدرج وهي تبتسم، وقبلت ~~سيجارة قدمت إليها وأمسكت بها بين إصبعيها دون أن تشعلها. شبكت كل ذراع ~~بذراع لكل من البطلين، وسارت بهما خارج المدرسة. # وبمجرد أن أصبحوا في الخارج، أشعلوا السجائر . # كان هناك تضارب في الآراء ms184 بشأن ذلك فيما بعد، بين رعايا كنيسة والدها؛ فقال البعض إن ~~إليان لم تدخن سيجارتها، بل كانت تتظاهر فقط بذلك لكي تسترضي الولدين، بينما قال البعض ~~الآخر إنها بالتأكيد دخنت سيجارتها؛ ابنة قسهم دخنت سيجارتها. # طوق بيلي إليان بذراعيه وحاول تقبيلها، لكنه تعثر وجلس على درج المدرسة وراح ~~يصيح كالديك. # ومات خلال عامين. # في ذلك الوقت كان ينبغي أن تتم إعادته إلى منزله، فجذبه جاكسون حتى يضعا ذراعيه فوق ~~كتفيهما ويجرانه لمنزله بطول الطريق. لحسن الحظ لم يكن المنزل بعيدا عن المدرسة. تركاه ~~هناك وهو غير واع، عند الدرج، ثم دخلا في حوار. # جاكسون لم يكن يرغب في العودة إلى منزله؟ لماذا؟ قال لأن زوجة أبيه كانت تقيم هناك، وهو ~~كان يبغضها. لم؟ دون سبب. # كانت إليان تعلم أن والدته توفيت في حادث سيارة حينما كان صغيرا جدا؛ ربما كان ذلك ~~يذكر أحيانا لتفسير خجله. اعتقدت أن الشراب ربما جعله يبالغ، لكنها لم تحاول أن تجعله ~~يتحدث عن الأمر أكثر من هذا. # قالت: «لا بأس، يمكنك أن تقيم في منزلي.» # تصادف أن والدة إليان كانت بعيدة عن المنزل لأنها كانت تعتني بجدة إليان المريضة. كانت ~~إليان في ذلك الوقت تدير المنزل لوالديها وأخويها الأصغر سنا بأسلوب عشوائي، وكان هذا ~~أمرا سيئا في رأي البعض؛ ليس لأن أمها كانت ستحدث جلبة بشأنه، ولكن لأنها كانت ستريد ~~معرفة التفاصيل، ومن عساه يكون ذلك الولد. على الأقل، كانت ستجعل إليان تذهب إلى المدرسة ~~كالمعتاد. # جندي وفتاة، أصبحا فجأة قريبين جدا كل منهما من الآخر، بينما لم يكن بينهما شيء ~~طوال هذا الوقت سوى تبادل المعلومات بشأن تصريف الأسماء واللوغاريتمات. # لم يعرهم والد إليان أي اهتمام؛ لقد كان يهتم بالحرب بصورة أكبر مما يعتقد بعض ~~أفراد رعيته أن يكون عليها قس، وجعله هذا يفتخر بأن لديه جنديا في منزله. لكنه كان ~~أيضا حزينا لعدم تمكنه من إرسال ابنته إلى الجامعة، كان عليه أن يدخر لكي يرسل ~~أخويها هناك في يوم ما؛ فعليهما أن يعملا ms185 كي يكسبا عيشهما. وجعله هذا يتساهل مع إليان في ~~أي شيء تفعله. # لم يكن جاكسون وإليان يذهبان للسينما لمشاهدة الأفلام، ولا لصالة الرقص؛ كان يذهبان ~~للتمشية، وذلك في أي طقس، وعادة ما يكون هذا بعد حلول الظلام. وفي بعض الأحيان كانا ~~يذهبان إلى المطعم ويحتسيان القهوة، لكنهما لم يحاولا أن يتقربا لأي أحد. ما خطبهما؟ ~~أوقعا في الحب؟ حينما كانا يسيران جنبا إلى جنب، قد تتلامس أيديهما بالمصادفة، وقد ~~عود جاكسون نفسه على ذلك. وحينما غيرت هي هذا الأمر العرضي إلى أمر متعمد، وجد ~~أن بمقدوره الاعتياد على ذلك أيضا، متغلبا على شعوره ببعض الارتباك. # أصبح أكثر هدوءا، بل حتى أكثر استعدادا أيضا لتبادل القبلات معها. ~~••• # ذهبت إليان بنفسها إلى منزل جاكسون لكي تحزم حقيبته. كشفت زوجة أبيه عن أسنانها ~~الصناعية اللامعة، وحاولت أن تبدو وكأنها مستعدة لبعض اللهو. # سألتها عما كانا ينويان فعله. # فقالت لها: «من الأحرى الاهتمام بأشيائه.» # كانت مشهورة بسلاطة لسانها، وكانت ألفاظها قبيحة بالفعل. ~~«اسأليه إن كان لا يزال يتذكر أني كنت أنظف مؤخرته.» # قالت إليان، وهي تبلغه بما حدث، إنها كانت تتعامل معها بأدب جم وصل إلى حد ~~الغطرسة؛ إذ لم يكن بإمكانها تحمل تلك المرأة. # لكن جاكسون شعر بالإحراج والقلق واليأس، وهي نفس المشاعر التي كانت تنتابه حينما كان ~~يلقى عليه سؤال بالمدرسة. # قالت إليان: «ما كان ينبغي علي حتى أن أذكرها. ستعتاد على السخرية من الأشخاص بما أنك ~~تحيا في بيت قس.» # قال لها إنه على ما يرام. # اتضح أن ذلك الوقت هو آخر إجازة يمضيها جاكسون معها، وأخذا يتراسلان. كتبت له إليان عن ~~انتهائها من دراسة الكتابة على الآلة الكاتبة والاختزال، وحصولها على وظيفة في مكتب كاتب ~~مجلس البلدة. كانت ساخرة بشدة بشأن كل شيء بصورة أكبر مما كانت عليه في المدرسة؛ ربما كان ~~ذلك بسبب اعتقادها أن الشخص الذي يحارب بحاجة إلى المزاح، وكانت هي تصر على أن تكون ~~الشخص العالم ببواطن الأمور؛ فحينما كان يجب ترتيب زيجات على عجل في ms186 مكتب كاتب مجلس ~~البلدة، كانت تشير إلى العروس بأنها العروس العذراء. # وحينما ذكرت أن أحد القساوسة قد زار منزلهم ونام في الحجرة الإضافية، تساءلت إن ~~كانت مرتبة الفراش تثير بداخله أحلاما غريبة. # كتب لها يحدثها عن الحشود في منطقة إيل دو فرانس والتحرك بحذر لتجنب الغواصات ~~الحربية الألمانية، وأنه حينما ذهب إلى إنجلترا، اشترى دراجة وأخبرها عن الأماكن التي ~~زارها بالدراجة، إذا كان مسموحا بزيارتها. # وبالرغم من هذا كانت خطاباته أقل تشويقا من خطابتها، فإنها كانت تذيل دائما بعبارة ~~«مع خالص حبي». وحينما حلت ساعة الصفر ووقت الهجوم، ساد ما وصفته بالصمت المؤلم، ~~لكنها كانت تتفهم سبب ذلك، وحينما عاد لمراسلتها أخبرها أن كل شيء على ما يرام، بالرغم ~~من أن التفاصيل لم يكن البوح بها مسموحا. # تحدث في هذا الخطاب، مثلما كانت تفعل هي، عن الزواج. # وأخيرا جاء يوم النصر والعودة إلى الوطن. وكما قال كانت تلمع فوق رأسه مجموعات من نجوم ~~الصيف. # كانت إليان قد تعلمت الحياكة، وكانت تصنع رداء صيفيا جديدا على شرف عودته إلى ~~الوطن؛ كان رداء من الحرير الصناعي ذا لون أخضر ليموني، وذا تنورة طويلة وأكمام قصيرة ~~ويلبس مع حزام ضيق من الجلد الصناعي الذهبي اللون. وأرادت أن تضع شريطا من اللون ~~الأخضر بنفس خامة الرداء حول مفرق قبعتها الصيفية. ~~«لقد وصفت لك كل هذا حتى تلاحظني وتعرف أنه أنا التي تنتظرك، وذلك حتى لا تهرب مع ~~امرأة جميلة أخرى يتصادف وجودها في محطة القطار.» # أرسل لها خطابا من مدينة هاليفاكس يخبرها بأنه سيستقل القطار الذي سيصل في مساء يوم ~~السبت، وقال إنه يتذكرها جيدا، وليس ثمة احتمال في أن يخلط بينها وبين امرأة أخرى، حتى ~~إن كانت محطة القطار تعج بالنساء الجميلات في ذلك المساء. ~~••• # وفي مسائهما الأخير معا قبل أن يرحل، جلسا حتى وقت متأخر في مطبخ منزل القس حيث ~~علقت صورة الملك جورج السادس التي تراها في كل مكان هذا العام. وكانت الكلمات ~~المكتوبة أسفلها كالتالي : # وقلت للرجل الذي كان يقف ms187 على أعتاب العام: «امنحني ضوءا حتى أخطو في أمان نحو ~~المجهول.» # ورد قائلا: «اخرج إلى الظلام وضع يدك في يدك في يد الرب؛ هذا أفضل لك ~~من الضوء وأكثر أمانا من الخطو في طريق معلوم.» # ثم صعدا للطابق العلوي بهدوء شديد، وأوى إلى فراشه في الحجرة الإضافية. لا بد أن قدومها ~~إليه كان باتفاق مشترك بينهما، ولكن ربما لم يفهم تماما السبب وراء ذلك. # لقد كانت بمنزلة كارثة؛ لكن الطريقة التي تصرفت بها كانت تنبئ بأنها ربما لم تكن ~~تدرك هذا. وكلما ازدادت أركان الكارثة واصلت هي بطريقة محمومة. لم تكن ثمة طريقة ~~يستطيع أن يوقف بها محاولاتها أو أن يوضح لها. هل من الممكن أن فتاة يمكن أن تعرف هذا ~~القدر الضئيل عن الأمر؟ وافترقا أخيرا كما لو أن الأمور سارت على ما يرام. وودع كل ~~منهما الآخر في صباح اليوم التالي في حضور والدها وأخويها، وبدأ تبادل الخطابات ~~بينهما في غضون فترة وجيزة. # ذات مرة، ثمل وحاول مرة أخرى في ساوثهامبتون، لكن المرأة التي حاول إقامة علاقة ~~معها قالت له: «يكفي هذا، يا صغيري، إنك ضعيف.» # كان الشيء الذي لا يهواه هو تأنق السيدات والفتيات؛ القفازات، والقبعات، والتنورات التي ~~تصدر حفيفا أثناء السير، وكل تلك الأشياء التي يطلبنها ويهتممن بها. لكن كيف كان لها أن ~~تعرف هذا؟ اللون الأخضر الليموني. لم يكن واثقا من أنه يعرف هذا اللون؛ لقد بدا وكأنه ~~نوع من الأحماض. # ثم خطر على باله بسهولة بأنها من الممكن ألا تأتي لاستقباله. # هل كانت ستحدث نفسها أو تحدث أي شخص آخر بأنها لا بد أنها أخطأت في التاريخ؟ ~~يمكنه أن يقنع نفسه بأنها ستعثر على كذبة ما، بالطبع ستفعل. إنها واسعة الحيلة، على أية ~~حال. ~~••• # والآن وقد خرجت إلى الطريق، شعر جاكسون بالفعل برغبة في رؤيتها. لم يكن بإمكانه قط أن ~~يسأل المالك عن هيئتها؛ هل كان شعرها داكنا أو تسلل إليه الشيب، وهل كانت لا تزال ~~نحيفة أم أضحت بدينة. إن صوتها حتى في ms188 لحظات الكرب لم يتغير، وذلك على نحو يثير ~~الدهشة. فهو يرسم كل الأهمية لنفسه، لطبقاته الموسيقية، وفي نفس الوقت يصدر نبرات ~~الأسف الشديدة. # لقد قطعت مسافة طويلة، لكن بمقدورك أن تقول إنها امرأة مثابرة. # وستعود الابنة؛ فهي مدللة بدرجة تمنعها من الإقامة بعيدا لفترة طويلة. أي ابنة ~~لإليان ستكون حتما مدللة، ترتب العالم والحقيقة لتلائم ما تريد وكأنه ليس ثمة شيء يمكن ~~أن يهزمها طويلا. # لو كانت رأته، أكانت ستعرفه؟ اعتقد أنها كانت ستفعل، مهما كانت التغيرات التي طرأت عليه. ~~وكانت ستسامحه، نعم، على الفور؛ كي تحافظ عن فكرتها عن ذاتها، على الدوام. # وفي اليوم التالي تلاشت أي راحة كان يشعر بها حيال خروج إليان من حياته. لقد عرفت ذلك ~~المكان، وربما تعاود مرة أخرى. ربما تبقى هنا لفترة وتجوب الشوارع وهي تحاول أن تقتفي أثر ~~ابنتها. كانت تطرح الاستفسارات على الناس بتواضع، لكنه ليس تواضعا في الواقع، بذلك الصوت ~~الذي يحمل رنة التوسل ويشوبه الدلال في نفس الوقت. كان من الممكن أن يلتقي بها ~~مصادفة خارج ذلك الباب؛ وحينها لن تصيبها الدهشة إلا للحظة، كما لو أنها كانت دائما ~~تتوقع قدومه. لقد كانت تتوقع كل احتمالات الحياة، وهذا هو الأسلوب الذي كانت تعتقد أن ~~بمقدورها دائما اتباعه. # يمكن إيقاف كل الأشياء، ولا يستلزم الأمر سوى بعض التصميم. حينما كان صغيرا في السادسة ~~أو السابعة من عمره، استطاع أن يوقف حماقات زوجة أبيه، ما كانت تطلق عليه هي حماقات أو ~~مضايقات؛ فقد هرب إلى الشارع بعد حلول الظلام، واستطاعت إرجاعه، لكنها شعرت أن من الممكن أن ~~يكون هناك هروب حقيقي من جانبه إن لم تتوقف عن مضايقته، فتوقفت، وقالت إن ذلك ليس ~~مزاحا من جانبه؛ لأنها لا تستطيع أن تقول مطلقا أن شخصا ما يكرهها. ~~••• # أمضى ثلاث ليال أخرى في المبنى الذي كان يطلق عليه بوني داندي. كتب للمالك بيانا بما ~~تدفعه كل شقة وموعد استحقاق مصاريف الصيانة وما تتضمنه من بنود. قال إنه تم استدعاؤه، وذلك ~~دون الإشارة لجهة ms189 الاستدعاء والسبب. صرف كل الأموال الموجودة بحسابه المصرفي وحزم أشياءه ~~القليلة، وفي المساء، في وقت متأخر من المساء استقل القطار. # أخذ يغفو ويستيقظ أثناء الليل، وفي واحدة من تلك الغفوات القصيرة رأى أولاد المينوناتيين ~~الصغار في عربتهم الصغيرة، وسمع أصواتهم الصغيرة وهم ينشدون. # وفي الصباح هبط في كابوسكايسينج، وتسللت إلى أنفه رائحة المصانع، وقد شجعه الهواء ~~البارد. سيعمل هناك، بالطبع سيعمل في بلدة مليئة بالغابات. # | على مرأى من البحيرة # ذهبت سيدة إلى طبيبتها لتجديد تذكرتها الطبية، إلا أنها لم تجدها؛ إذ كان هذا يوم عطلتها. ~~في واقع الأمر، ذهبت السيدة في اليوم الخطأ؛ فقد اختلطت عليها الأيام ولم تفرق بين يوم ~~الإثنين ويوم الثلاثاء. # كان ذلك هو الأمر الذي أرادت أن تتحدث مع طبيبتها بشأنه، إلى جانب تجديد تذكرتها ~~الطبية. أرادت أن تعرف ما إذا كان عقلها قد بدأ ينسى قليلا. # توقعت أن تقول لها الطبيبة: «يا لها من مزحة! عقلك أصح من عقل الجميع.» ~~(ليس هذا لأن الطبيبة كانت تعرفها جيدا إلى هذه الدرجة، ولكن لأن هناك العديد من ~~الأصدقاء المشتركين فيما بينهما.) # بدلا من ذلك، تلقت السيدة - التي كانت تدعى نانسي - مكالمة هاتفية من مساعدة ~~الطبيبة لتخبرها بأن تذكرتها الطبية جاهزة، وأنه قد تم ترتيب موعد لها لفحصها من قبل ~~اختصاصي فيما يتعلق بالمشكلة العقلية تلك التي تعاني منها. # لم يتعلق الأمر بعقلها، وإنما فقط بذاكرتها. # وأيا كان الأمر، كان هذا الطبيب متخصصا في علاج المرضى المسنين. # في واقع الأمر، علاج المرضى المسنين الذين لديهم مشكلة في عقولهم. # ضحكت الفتاة. أخيرا، هناك من ضحك. # وأخبرتها أن مقر عمل الاختصاصي يبعد عن المكان الذي تقطن فيه نانسي بعشرين ميلا أو قرابة ~~ذلك، في قرية تسمى هايمن. # قالت نانسي: «أوه، يا عزيزتي، هل هو اختصاصي في الشئون الزوجية؟» (كان هجاء اسم القرية هو # Highman ~~، لكن نانسي مازحتها متظاهرة بأنها سمعته # Hymen # التي تعني غشاء البكارة.) # لم تسمع الفتاة ما قالته، وطلبت منها بأدب أن تعيده. ~~«لا عليك ، سأكون هناك في ms190 الميعاد.» # ما حدث خلال السنوات القليلة الأخيرة هو أن الاختصاصيين تقع مقار عملهم في أماكن ~~متباعدة؛ فتجد أن اختصاصي الأشعة المقطعية الذي تتعامل معه موجود في بلدة ما، واختصاصي ~~السرطان في بلدة أخرى، واختصاصي المشكلات الرئوية في بلدة ثالثة، وهكذا. وعلى الرغم من ~~أنك لن تضطر إلى الذهاب إلى المستشفى المركزي بالمدينة، فإن زيارة هؤلاء الاختصاصيين قد ~~تستغرق منك نفس الوقت الذي كنت ستستغرقه إذا ذهبت لهذا المستشفى؛ نظرا لأنه لا توجد ~~مستشفيات في كل البلدات، وسيكون عليك البحث الدءوب عن مقر عمل الاختصاصي الذي تريده بمجرد ~~وصولك إلى بلدته. # وكان هذا هو السبب وراء أن نانسي قررت الذهاب بسيارتها إلى القرية التي كان يعمل فيها ~~اختصاصي المسنين - كان ذلك هو اللقب الذي قررت أن تطلقه عليه - في عشية اليوم السابق ~~على موعدها معه. كان هذا سيمنحها متسعا من الوقت لمعرفة مكانه تحديدا، ومن ثم لن ~~تعرض نفسها للذهاب في حالة ارتباك أو التأخر قليلا عن موعدها، تاركة انطباعا ~~سيئا عنها من اللقاء الأول. # كان في إمكان زوجها الذهاب معها، إلا أنها كانت تعلم أنه يرغب في مشاهدة إحدى مباريات كرة ~~القدم على التليفزيون. كان عالم اقتصاد يشاهد المباريات الرياضية في النصف الأول من ~~الليل، ويمضي النصف الآخر في تأليف كتابه، على الرغم من أنه طلب منها أن تقول للناس إنه ~~على المعاش. # أعربت نانسي عن رغبتها في العثور على المكان بنفسها، وقد أخبرتها مساعدة الطبيبة ~~على الهاتف بكيفية الوصول إلى البلدة المرادة. # كان المساء بديعا، ولكنها عندما تركت الطريق السريع، متجهة بسيارتها إلى الغرب، ~~وجدت أن الشمس انخفضت بالدرجة الكافية بحيث سطعت في وجهها. إلا أنه كان باستطاعتها أن ~~تبقي عينيها في الظل بجلوسها مستقيمة على مقعدها ورفعها ذقنها لأعلى. كما كانت لديها ~~نظارة شمسية جيدة، وكان بمقدورها قراءة اللافتة التي تشير إلى أن أمامها ثمانية أميال ~~للوصول إلى قرية هايمن. # هايمن. كان ذلك هو اسم القرية؛ ليست هناك دعابة في الأمر. كان تعداد سكانها 1553 ~~نسمة . # لماذا هذه ms191 الدقة في كتابة التعداد؟ # لا يوجد شخص غير مهم. # كان من عادتها تفقد الأماكن الصغيرة من قبيل التسلية فقط، لترى ما إذا كان في مقدورها ~~العيش هناك أم لا. وبدا أن ذلك المكان مناسب تماما؛ فهناك سوق كبيرة، حيث يمكنك شراء ~~خضراوات طازجة إلى حد ما، بالرغم من أنها ربما لم تكن تجلب من المزارع المحيطة، وكذلك ~~كان هناك مكان جيد لتناول القهوة، وكانت هناك أيضا مغسلة تعمل بالعملة، وصيدلية حيث يمكنك ~~صرف تذاكرك الطبية، لكن لم يكن بها مجموعات المجلات الشهيرة التي قد ترغب في ~~شرائها. # هناك شواهد بالطبع على أن ذلك المكان شهد أياما كان على حال أفضل فيها؛ فهناك ساعة ~~متوقفة عن العمل تعلو نافذة عرض متجر تنم عن أنه كان يعرض بها مجوهرات، أما الآن ~~فبدت مليئة بأوان خزفية وقدور ودلاء قديمة، وأكاليل سلكية مفككة. # بدأت تتفحص بعض تلك النفايات لأنها اختارت الوقوف بسيارتها أمام المتجر الذي كان ~~يعرضها، ورأت أن في مقدورها أيضا البحث عن مقر عمل ذلك الطبيب سيرا على الأقدام. وما ~~حدث بسرعة كبيرة وجعلها تشعر بالرضا هو أنها رأت على بعد بناية ذات طابق واحد مبنية من ~~قرميد بني، وبدا من طرازها النفعي أنها تعود للقرن الماضي، وكانت مستعدة للتخمين ~~بأنها وجهتها المقصودة؛ فقد اعتاد الأطباء في البلدات الصغيرة على جعل أماكن عملهم جزءا ~~من منازلهم، موفرين مساحة كافية لانتظار سيارات مرضاهم، وكان هذا هو نوع البنايات التي ~~يقيمون فيها. ها هو القرميد البني المائل للحمرة، وبالطبع اللافتة المكتوب عليها طبيب/طبيب ~~أسنان، وساحة الانتظار التي توجد خلف البناية. # كان اسم الطبيب في قصاصة ورقية موجودة في جيبها، فأخرجت القصاصة لتقرأ ما فيها. كان ~~مكتوبا على باب البناية الذي كان من الزجاج البلوري الدكتور إتش دبليو فورثيز؛ طبيب أسنان، ~~والدكتور دونالد ماكميلن؛ طبيب. # لكن لم يكن أي من هذين الاسمين مكتوبا في القصاصة الورقية التي كانت مع نانسي، ولا ~~عجب في ذلك؛ إذ لم يكن مكتوبا على القصاصة سوى رقم وحرف؛ أ 7,5. ms192 كان الرقم يمثل مقاس ~~حذاء أخت زوجها، أوليفيا، التي توفيت. واستغرق الأمر منها برهة قبل أن تتذكر أن ~~الحرف هو أول حروف اسم أوليفيا الذي دونته بسرعة، وتمكنت بالكاد أن تتذكر أمر ~~شراء أحذية لأوليفيا عندما كانت في المستشفى. # ليس لهذا فائدة على أية حال. # ربما تمثل أحد الحلول في أن الطبيب الذي كانت تقصده قد انتقل مؤخرا إلى تلك ~~البناية، ولم يغير بعد الاسم الذي على الباب الخارجي. كان عليها أن تسأل أحدهم، وكان ~~عليها أن تدق الجرس لتعرف إن كان أحد بالداخل، يعمل لوقت متأخر. فعلت هذا، ومن حسن ~~حظها إلى حد ما أن أحدا لم يجبها؛ لأن اسم الطبيب الذي كانت تقصده قد ذهب للحظة ~~عن بالها. # فكرة أخرى راودتها؛ أوليس من الممكن جدا أن هذا الشخص - طبيب المجانين، كما ~~اختارت أن تطلق عليه في ذهنها - يدير عمله من المنزل؟ (أو أنها لم تفترض ذلك الاحتمال ~~تلقائيا، مثل معظم الناس في عمرها) فهذا منطقي وأقل تكلفة، وهو ليس بحاجة إلى العديد من ~~الأجهزة لعلاج المرضى العقليين. # ومن ثم، استأنفت سيرها بعيدا عن الشارع الرئيسي، وها هو اسم الطبيب الذي كانت قد ~~نسيته عاد إلى ذاكرتها مرة أخرى، وكان ذلك وارد الحدوث في الأوقات التي تخلو من ~~التوتر. شيدت معظم المنازل التي كانت تمر بها في القرن التاسع عشر؛ بعضها كان من الخشب ~~والبعض الآخر من القرميد. وكانت البنايات القرميدية في الغالب مكونة من طابقين كاملين، أما ~~الخشبية فكانت على نحو ما أكثر تواضعا؛ حيث كانت مكونة من طابق ونصف، مع وجود سقف ~~مائل في غرفها العلوية. كان بعض الأبواب الأمامية مفتوحا على بعد أقدام قليلة من ~~الرصيف، والبعض الآخر على شرفات واسعة، عادة ما تكون محاطة بجدران من الزجاج. منذ قرن ~~مضى، في مساء مثل هذا، كان الناس سيجلسون في شرفاتهم أو ربما على الدرجات الأولى أمام ~~منازلهم. كانت ربات المنزل ستجلس هناك بعد فراغها من غسيل الأطباق وتنظيف المطبخ، وكذلك ~~الرجال بعد تجميع الخراطيم التي استخدموها ms193 في تندية حشائش حدائقهم بالماء. حينها لم يكن ~~ثمة أثاث حدائق، ذاك الذي لم يكن ليخلو من الناس مثلما هو الحال الآن، بل مجرد درجات خشبية ~~أو بعض كراسي المطبخ. وكانت المحادثات في أغلبها ستدور حول الطقس، أو حصان هارب، أو شخص ~~أصبح طريح الفراش ولا يتوقع له التعافي. كانوا سيبدءون التخمين بشأنها بمجرد أن تبعد ~~وتصبح غير قادرة على سماعهم. # ولكن ألن تريح فضولهم حينها، وتتوقف لتسألهم مباشرة: رجاء، هل يمكن أن تخبروني ~~بمكان منزل الطبيب؟ # موضوع جديد للحديث. ما حاجتها للطبيب؟ ~~(كانوا سيتحدثون في هذا عندما لم يعد بإمكانها سماعهم.) ~~••• # الآن كان جميع الناس داخل منازلهم برفقة مراوحهم أو مكيفات الهواء خاصتهم. وظهرت ~~الأرقام على المنازل، تماما كما هو الحال في المدن. ولم تكن توجد لافتة لطبيب على أي ~~منها. # ومع انتهاء الرصيف، كان هناك مبنى قرميدي ضخم به جمالونات وبرج ساعة. ربما كان هذا ~~المبني مدرسة، قبل أن ينقل الطلاب إلى مركز للتعلم أكثر اتساعا وكآبة. توقفت ~~عقارب ساعة البرج عند الثانية عشرة، صباحا أو مساء، ولكنها حتما لم تكن تشير إلى الوقت ~~الصحيح. كما كانت هناك وفرة من أزهار الصيف التي بدت منسقة بعناية؛ بعضها ممتد من ~~عربة يدوية، والكثير منها من أحد جوانب دلو لبن. وكانت هناك لافتة لم تتمكن من قراءة ~~ما كتب عليها بسبب سطوع الشمس عليها مباشرة؛ لذا، اشرأبت على المرج حتى تتمكن من ~~رؤية المكتوب عليها من زاوية أخرى. # بيت جنازات. كان بإمكانها الآن رؤية الجراج الذي ربما كانت تقبع فيه سيارة نقل ~~الموتى. # لا مشكلة. كان عليها أن تواصل البحث. # انعطفت إلى شارع جانبي حيث كانت توجد أماكن منظمة بشدة حقا، مما يثبت أنه حتى ~~بلدة بهذا الحجم كان يمكن أن تكون لها ضاحية سكنية. اختلفت المنازل هناك قليلا بعضها عن ~~بعض، إلا أنها بصفة عامة كانت بنفس الشكل؛ دهنت جدرانها الصخرية بدهان رقيق والقرميدية ~~بلون فاتح، أما نوافذها فكانت مقببة أو مستديرة، مما يعبر عن رفض للمظهر النفعي، ~~النمط ms194 الريفي الذي كان سائدا في العقود السابقة. # كان هناك أشخاص. لم يتمكن الجميع هنا من البقاء في منازلهم برفقة مكيفاتهم؛ فهناك صبي ~~كان يقود دراجته، متخذا مسارات قطرية عبر الرصيف. كان هناك شيء غريب في قيادته للدراجة، ~~بيد أنها لم تتمكن من معرفته في البداية. # كان يقود على نحو عكسي؛ هذا هو الغريب في الأمر. امتد الجاكيت الذي يرتديه بفعل الهواء ~~على نحو يجعل المرء - أو يجعلها - غير قادر على معرفة ما يحدث. # وكانت توجد سيدة ربما تبدو أكبر سنا من أن تكون أمه - لكنها بدت في الوقت نفسه ~~مهندمة ومفعمة بالحيوية جدا - تقف هناك في الشارع تراقبه. وكانت تمسك في يدها حبل ~~نط وتتحدث إلى رجل لا يمكن أن يكون زوجها، بدا أن هناك علاقة ودية شديدة كانت تجمع ~~بينهما. # كان الشارع ينتهي بطريق مسدود منحن، ولم يكن هناك مجال للمضي قدما. # قاطعت نانسي حديث الرجل والمرأة، متأسفة لهما عن ذلك، وأخبرتهما عن أمر بحثها عن ~~الطبيب. # قالت نانسي: «كلا كلا، لا تنزعجا. أرغب فقط في معرفة عنوانه؛ اعتقدت أنكما ربما ~~تعرفانه.» # ثم ظهرت المشكلة من جديد حين أدركت أنها لا تزال غير متيقنة من الاسم. وكانا من ~~دماثة الخلق ما جعلهما لا يظهران اندهاشهما من ذلك، إلا أنهما في نهاية الأمر لم ~~يتمكنا من مساعدتها. # تقدم الصبي على دراجته متمايلا مندفعا، عابرا بجوارهم مباشرة، وبالكاد لم ~~يصدمهم. # ضحك الرجل والمرأة، ولم يوبخاه على ذلك. كان صبيا صغيرا شديد التهور، ولكن من الواضح ~~أنهما كانا يحبانه بشدة. تحدثا عن جمال ذلك المساء، في الوقت الذي استدارت فيه نانسي ~~لتعود أدراجها. # لم تعد كل الطريق الذي قطعته؛ فإنها لم ترجع حتى إلى بيت الجنازات. كان هناك شارع ~~جانبي تجاهلته قبل ذلك، ربما لأنه لم يكن مرصوفا ولم تفكر أنه من الممكن أن يعيش فيه ~~طبيب. # فلم يكن هناك رصيف، وكانت المنازل محاطة بالقمامة. وجدت رجلين مشغولين أسفل غطاء محرك ~~شاحنة، ورأت أن فكرة مقاطعتهما لن تجدي نفعا، هذا علاوة على ms195 أنها لمحت شيئا مثيرا ~~أمامها. # كان هناك سياج من الشجيرات يقترب من الشارع، كان مرتفعا بالقدر الذي لا تتوقع أن يكون ~~في مقدورها رؤية ما يحجبه من فوق، لكنها اعتقدت أنها قد يمكنها النظر فيما بين ~~الشجيرات. # لم يكن هذا ضروريا؛ فعندما تجاوزت السياج، وجدت أنه كان يخفي قطعة أرض - تبلغ ~~مساحتها نحو مساحة أربع قطع أرض زراعية مندمجة معا - مفتوحة تماما على الشارع الذي كانت ~~تسير فيه الآن. بدت قطعة الأرض هذه أشبه بمتنزه، ذي ممرات مبلطة تتقاطع قطريا عبر ~~الحشائش المقصوصة واليانعة، وفيما بين الممرات برز من الحشائش الكثير من الأزهار ~~المختلفة. تعرفت على بعض من أنواع تلك الأزهار - على سبيل المثال: أزهار الأقحوان ~~باللونين الذهبي الداكن والأصفر الفاتح، وأزهار الفلوكس القرنفلية والوردية والبيضاء ذات ~~القلب الأحمر - ولكنها على الرغم من ذلك لم تكن بستانية بارعة؛ فقد كان أمامها العديد من ~~الأزهار المتجمعة أو المتدلية من كافة الألوان التي لم تستطع تحديد أنواعها وأسمائها. كان ~~بعضها يتسلق التعريشات، والبعض الآخر يفترش الأرض بحرية. كان كل شيء رائعا ومتقنا، ~~حتى تلك النافورة التي ترتفع مياهها سبع أقدام أو نحو ذلك قبل أن تهبط ثانية على حوضها ~~المبطن بالصخور. مشت عبر هذا المكان لتترطب ببعض الرذاذ البارد للمياه الخارج من ~~النافورة، وهناك وجدت مقعدا من الحديد المطاوع حيث كان يمكنها الجلوس. # قدم رجل عبر أحد الممرات حاملا في يده مقص حشائش؛ من الواضح أن البستانيين هنا ~~يعملون لأوقات متأخرة. لكن هذا الرجل لم يكن يبدو عليه أنه عامل أجير. كان طويل القامة ~~وبالغ النحافة ويرتدي قميصا أسود اللون وبنطالا ملاصقا بشدة لجسده. # لم يخطر ببالها أن هذا المكان لا يمكن أن يكون بأي حال متنزه البلدة. ~~«هذا جميل حقا.» قالت هذا موجهة الحديث للرجل بصوت واثق ومؤيد، وأضافت: «إنك ~~تحسن الاعتناء بالمكان حقا.» # قال لها: «شكرا لك، مرحبا بك هنا.» # أخبرها ببعض الغلظة أن هذا المكان ليس متنزها عاما وإنما ملكية خاصة، وأنه صاحبه ~~وليس عاملا أجيرا فيه . ~~«كان علي ms196 أن أطلب الإذن منك أولا.» ~~«لا بأس.» # قال هذا وهو منهمك في قص أحد النباتات الزاحفة على الممر. ~~«إنه ملكك، أليس كذلك؟ هل كله ملك لك؟» # بعد دقيقة من الانشغال، رد: «كله ملك لي.» ~~«كان علي إدراك ذلك. إنه أروع من أن يكون مكانا عاما؛ فهو ليس بالمكان العادي على ~~الإطلاق.» # لم تتلق ردا. كانت على وشك أن تسأله إن كان يحب الجلوس هنا في المساء، ولكنها ~~فضلت ألا تزعجه أكثر من ذلك؛ حيث بدا أنه ليس من الأشخاص الذي يسهل التعامل معهم؛ ~~ربما كان أحد هؤلاء المفتخرين بأنفسهم فيما يتعلق بهذا الأمر. كانت ستشكره بعد دقيقة ~~وتنصرف. # ولكن ما حدث، في واقع الأمر، أن الرجل بعد مرور دقيقة ذهب وجلس إلى جوارها، وتحدث كما لو ~~كان ثمة سؤال قد طرح عليه. ~~«إنني حقا أشعر فقط بالارتياح حين أفعل شيئا يتطلب العناية والانتباه؛ فإذا جلست، ~~يجب أن أحول نظري عن كل شيء هنا، وإلا فسأكتشف المزيد من العمل الذي علي القيام ~~به.» # كان عليها أن تدرك على الفور أنه رجل لا يحب المزاح، ولكن الفضول كان لا يزال ~~يثيرها. # ماذا كان هنا قبل ذلك؟ # قبل أن تنشأ الحديقة؟ ~~«كان هناك مصنع حياكة. كل تلك الأماكن الصغيرة كان بها شيء مثل ذلك، حيث تستطيع أن تفلت ~~بالأجور الضعيفة التي تعطيها لعمالك. ولكن بمرور الوقت أفلس المصنع، وكان هناك مقاول ~~فكر في تحويل المكان إلى دار لرعاية المسنين، إلا أن مشروعه واجه بعض المشكلات؛ حيث ~~رفض المسئولون بالبلدة منحه التصريح اللازم؛ حيث اعتقدوا أن البلدة ستصبح ملتقى ~~للكثير من المسنين مما سيجعلها بلدة كئيبة؛ لذا أضرم المقاول النار في المكان أو هدمه، ~~لا أدري على وجه التحديد.» # أدركت أنه ليس من هذه المنطقة. علمت أنه لو كان كذلك، لما تحدث أبدا على هذا ~~النحو المنفتح جدا. # وأردف قائلا: «أنا لست من هذه المنطقة. لكن كان لدي صديق يعيش هنا وعندما توفي، ~~جئت فقط لأبيع أرضه وأذهب.» ~~«لكنني حصلت على تلك الأرض بثمن ms197 زهيد؛ نظرا لأن المقاول تركها مجرد بقعة مهملة، وكان ~~شكلها مقبضا.» ~~«أعتذر إذا ما بدوت فضولية.» ~~«ليس ثمة داع للاعتذار. إني لا أقدم على تفسير شيء ما لم تكن لدي الرغبة في ~~ذلك.» # قالت: «لم آت إلى هنا من قبل. بالطبع لم أفعل وإلا لوقعت عيناي على تلك البقعة. كنت ~~أتجول هنا باحثة عن أمر ما، واعتقدت أن فرص وصولي إليه ستكون أفضل لو تركت سيارتي ~~وترجلت بحثا عنه. إني أبحث في الواقع عن طبيب.» # شرحت موضحة له أنها ليست مريضة، وأن كل ما في الأمر أن لديها موعدا معه في ~~الغد، ولا ترغب في الهرع صباح الغد بحثا عن المكان. ثم أخبرته عن ركن سيارتها ودهشتها ~~حيال عدم العثور على اسم الطبيب في أي مكان. ~~«ولم يمكنني كذلك البحث في دليل الهاتف؛ لأن أدلة وأكشاك الهواتف لم تعد، كما تعلم، ~~متوافرة الآن؛ حيث اختفت جميعا، أو تجد أن محتوياتها قد اقتلعت. بدأ حديثي يتسم ~~بالسخافة الشديدة.» # أخبرته باسم الطبيب الذي كانت تبحث عنه، ولكنه قال إن الاسم لم يتبادر إلى مسامعه من ~~قبل. ~~«ولكني لا أذهب للأطباء.» ~~«ربما أنت من الذكاء بحيث لا تفعل ذلك.» ~~«أوه، لا أعني ذلك.» ~~«على أية حال، من الأفضل أن أعود إلى سيارتي.» # نهض الرجل حين نهضت هي، وقال إنه سوف يتمشى معها. ~~«هل سترافقني حتى لا أضل الطريق؟» ~~«لا، ليس لهذا السبب على الإطلاق. إنني دائما ما أحب أن أرخي رجلي في مثل هذا الوقت ~~من كل مساء؛ فأعمال البستنة يمكن أن تصيبها بالشد.» ~~«إني على يقين من أن ثمة تفسيرا ما منطقيا بشأن هذا الطبيب. هل فكرت من قبل في ~~أن ثمة تفسيرات للأمور كانت في الماضي أكثر منطقية مما هي عليه الآن؟» # لم يجبها؛ ربما تذكر صديقه الراحل، وربما عدت الحديقة بمنزلة نصب تذكاري ~~لصديقه المتوفى. # وبدلا من شعورها بالإحراج نظرا لطرحها سؤالا دون تلقي جواب عليه من جانبه، شعرت ~~بعذوبة وسلام في الحوار. # مشيا معا دون أن يصادفا أحدا. # وسرعان ms198 ما وصلا إلى الشارع الرئيسي؛ حيث كانت البناية الطبية على بعد بناية واحدة، ~~وشعرت لدى رؤية تلك البناية ببعض من عدم الارتياح، ولكنها لم تكن تعرف سبب ذلك، وبعد ~~دقيقة صار ذلك الشعور هو المسيطر عليها. كان يتملكها حينها شعور غريب بالانزعاج؛ ماذا ~~لو أن الشخص المطلوب، الشخص الذي ذكرت أنها لم تتمكن من العثور عليه، كان موجودا ~~هناك طوال ذلك الوقت؟ تحركت بسرعة أكبر، واكتشفت أنها كانت ترتجف، وبنظرها الجيد إلى ~~حد بعيد، قرأت الاسمين الموجودين على باب البناية كما حدث من قبل، واكتشفت أن اسم ~~الطبيب الذي كانت تريده لم يكن من بينهما. # تظاهرت بأنها كانت تسرع لرؤية الأشياء المعروضة بنافذة العرض الخاصة بالمتجر الذي ~~ركنت سيارتها أمامه؛ الدمى ذات الرءوس الخزفية والزلاجات القديمة والأوعية المستخدمة ~~كمباول والألحفة التي كانت جميعها بالية ورثة. # قالت: «أنا حزينة.» # لكنه لم يكن منتبها لما تقول، وقال إنه قد واتته فكرة لتوه. # قال: «هذا الطبيب.» ~~«ماذا بشأنه؟» ~~«أفكر فيما إذا كانت له صلة بدار الرعاية.» # مشيا معا مرة أخرى حيث مرا بشابين جالسين على رصيف الشارع، أحدهما كانت رجلاه ~~ممدودتين مما جعلهما يلفان من حوله ليتمكنا من مواصلة السير. لم يلق الرجل ~~المرافق لنانسي بالا للشابين، ولكنه أخفض صوته بعض الشيء. # قالت: «دار الرعاية؟» ~~«ما كان لك أن تلاحظي مكانها إذا كنت قادمة من الطريق السريع، لكنك إذا واصلت ~~السير للخروج من البلدة باتجاه البحيرة التي مررت بها، على مسافة لا تتجاوز نصف ~~ميل، فستمرين بكومة من الحصى على الجانب الجنوبي من الطريق، وهي لا تبعد كثيرا عن هناك، ~~على الجانب الآخر. لا أدري إن كان هناك طبيب مقيم أم لا، ولكن من المنطقي أنه ربما ~~يوجد واحد هناك؟» # قالت: «من المنطقي أنه ربما يوجد واحد هناك.» # كانت تأمل بألا يعتقد أنها تردد ما قاله عن قصد؛ فهذا يجعل من الأمر دعابة سخيفة. ~~والحقيقة الظاهرة أنها كانت تريد أن تطيل الحديث معه، سواء بدعابات سخيفة أم بأي شيء ~~آخر. # لكن ظهرت الآن ms199 مشكلة أخرى من مشاكلها؛ إذ كان عليها أن تتذكر مكان مفاتيح السيارة، ~~وذلك كما كانت تفعل غالبا قبل ركوبها إياها؛ فكثيرا ما كان يعتريها القلق بشأن إن كانت ~~قد تركت المفاتيح داخل السيارة أم أضاعتها في مكان ما. وها هي تشعر بأن حالة من الذعر ~~المألوفة والمزعجة تقترب من السيطرة عليها، ولكنها الآن وجدت المفاتيح في جيبها. # قال: «الأمر يستحق المحاولة.» وأبدت هي موافقتها على ذلك. ~~«لا يزال لديك وفرة من المساحة لتغيير اتجاهك والخروج عن الطريق السريع وإلقاء نظرة هناك. ~~فإذا كان يوجد طبيب مقيم بانتظام هناك، فلن يكون في حاجة إلى ترك اسمه - أو اسمها، ~~حسبما يقتضي الأمر - على لافتة في البلدة.» # بدا هو أيضا غير منشغل على الإطلاق بالانصراف. ~~«إني مدينة لك بالشكر.» ~~«لا عليك، كان هذا مجرد تخمين.» # فتح لها باب السيارة كي تدخل، وأغلقه وراءها وانتظر حتى استدارت بالسيارة لتذهب في ~~الاتجاه الصحيح، ثم لوح لها مودعا. # بينما كانت في طريقها إلى خارج البلدة، رأته مرة أخرى في مرآة الرؤية الخلفية، ووجدته ~~قد انحنى ليتحدث إلى الصبيين أو الشابين اللذين كانا يجلسان على رصيف الشارع ~~ويسندان ظهريهما إلى جدار المتجر. كان قد تجاهلهما قبل ذلك لدرجة جعلت نانسي تفاجأ ~~الآن بحديثه معهما. # ربما كان عليه أن يقول لهما ملحوظة بشأنها؛ دعابة حول غرابتها أو سخافتها، أو ربما ~~حدثهما فقط عن عمرها. ربما كانت ملحوظة ضدها من أكثر الرجال لطفا. # اعتقدت أن عليها أن تعود مرة أخرى إلى البلدة لتشكره ثانية وتخبره إن كانت قد ~~وجدت الطبيب الذي كانت تبحث عنه أم لا. كان في مقدورها حينها أن تتمهل في قيادتها وتضحك ~~وتناديه عبر النافذة. # ولكنها الآن قررت أن تسلك طريق شاطئ البحيرة وتبتعد عن طريقه تماما. # قالت في نفسها إن عليها نسيانه، وها هي ترى كومة الحصى تقترب، وكان عليها أن تنتبه إلى ~~وجهتها. # كما قال لها تماما، كانت هناك لافتة؛ إشارة إلى دار رعاية ليكفيو. ومن هناك بالفعل كان ~~يمكن رؤية البحيرة ، على هيئة ms200 خيط رفيع باللون الأزرق الفاتح بطول الأفق. # كانت هناك ساحة انتظار فسيحة للسيارات، وجناح طويل به ما يشبه مقصورات منفصلة، أو غرفا ~~بمساحات جيدة على الأقل، لكل منها حديقة صغيرة أو مكان للجلوس. وهناك سياج مشبك عال ~~جدا أمام كل واحد منها مراعاة للخصوصية أو حفاظا على السلامة. لكن لم يكن أي من ~~النزلاء جالسا هناك في ذلك الوقت بحسب ما يمكنها رؤيته. # بالطبع لا يوجد أحد هناك؛ فموعد النوم يكون مبكرا في تلك المؤسسات. # أعجبها نمط التشبيك في السياج وكيف أنه كان مبتكرا. لقد تغير شكل البنايات ~~العامة في السنوات القليلة الماضية، كما هو الحال بالنسبة إلى المنازل الخاصة؛ فاختفى الشكل ~~المعماري الرتيب الكئيب، الذي كان الخيار الوحيد المتاح في فترة شبابها. وهنا أوقفت ~~السيارة أمام قبة براقة لها مظهر مرحب معبر عن الإفراط المبهج. افترضت أن بعض ~~الناس ربما يجدون أن لتلك القبة مظهرا زائفا، ولكن ألم يكن هذا هو الشيء المطلوب؟ كل ~~هذا الزجاج يجب أن يبهج أرواح المسنين، أو ربما بعض الناس الذين ليسوا بالضرورة من كبار ~~السن ولكن يعانون من اضطراب عقلي ما. # بحثت عن زر لتضغط عليه أو جرس لتدقه، عندما وصلت إلى الباب. ولكن لم يكن هذا ~~ضروريا؛ فقد فتح الباب من تلقاء نفسه، وعندما دخلت وجدت أن المكان أكثر رحابة ~~واتساعا وفخامة، وأن هناك مسحة زرقاء على الزجاج، والأرض كلها كانت مغطاة بالبلاط ~~الفضي اللون، الذي كان من النوع الذي يحب الأطفال التزحلق عليه، وللحظة تصورت ~~المرضى وهم يتزحلقون ويسقطون من أجل المتعة، وقد جعلتها تلك الفكرة تشعر بالبهجة. ولكنها ~~قالت في نفسها إنه بالطبع لا يمكن أن يكون زلقا كما يبدو؛ فالمسئولون بالدار لا يريدون ~~لمرضاهم أن يصابوا بأذى. # قالت في صوت ساحر لشخص ما في رأسها، ربما كان زوجها: «أنا لا أجرؤ على تجربة ذلك ~~بنفسي. لا يمكنني فعل هذا، أليس كذلك؟ فقد أجد نفسي أمام الطبيب، الشخص الذي يستعد ~~لاختبار اتزاني العقلي؛ فماذا سيكون رد فعله حينها ؟» # في تلك ms201 اللحظة، لم تكن ترى أي طبيب. # قالت في نفسها: حسنا، لن يكون هناك أي منهم، أليس كذلك؟ فالأطباء لا يجلسون خلف هذه ~~المكاتب في انتظار المرضى للكشف عليهم. # كما أنها ليست هنا حتى للحصول على استشارة طبية، وستكون مضطرة لأن تشرح مجددا أنها ~~قادمة للتأكد من الوقت والمكان الخاصين بموعد في الغد. كل هذا جعلها تشعر بالتعب ~~بعض الشيء. # كان هناك مكتب مستدير، مرتفع من الوسط، تبدو ألواحه التي من الخشب الداكن كأنها مصنوعة ~~من خشب الماهوجني، على الرغم من أنها من المحتمل ألا تكون كذلك. لم يكن أحد يجلس وراءه ~~الآن؛ فقد انتهت ساعات العمل الرسمية بطبيعة الحال. راحت تبحث عن جرس ولكنها لم تجد ~~واحدا؛ فراحت تبحث إن كانت هناك قائمة بأسماء الأطباء أو اسم الطبيب المسئول عن المكان، ~~ولكنها لم تجد شيئا أيضا. يظن المرء أن هناك سبيلا لإيجاد شخص يمكن استدعاؤه في مكان ~~كهذا، بغض النظر عن الوقت. # لم تكن هناك أشياء هامة خلف المكتب أيضا؛ لا كمبيوتر ولا هاتف ولا أوراق ولا حتى أزرار ~~ملونة يمكن الضغط عليها. بالطبع، لم تكن قادرة على الوصول إلى ما وراء المكتب؛ إذ ربما ~~يوجد بعض الأقفال أو بعض المقصورات التي لا تستطيع رؤيتها، أو أزرار يمكن لموظف الاستقبال ~~أن يصل إليها ولكن لا يمكنها ذلك. # تجاهلت أمر المكتب للحظة، وأخذت تفحص أرجاء المكان الذي وجدت نفسها فيه. كان ~~سداسي الشكل، به أبواب في أماكن متباعدة، وكانت هناك أربعة أبواب: أولها كان الباب الكبير ~~الذي يدخل منه ضوء الشمس والزائرون، وثانيها كان بابا رسميا وخاصا يوجد خلف المكتب ولم ~~يكن من السهل الوصول إليه، أما البابان الآخران، فكانا متشابهين تماما ويواجه كل منهما ~~الآخر، وبدا أن كلا منهما يعد مدخلا إلى الأجنحة الطويلة، وإلى الممرات والغرف ~~التي يوجد فيها النزلاء. وكل باب من تلك الأبواب كان له جزء علوي من الزجاج الشفاف الذي ~~يمكن الرؤية بوضوح من خلاله. # ذهبت نانسي إلى أحد هذين البابين اللذين من الممكن الوصول إليهما ms202 وطرقت عليه، ثم ~~حاولت فتح المقبض ولكنها لم تستطع؛ فقد كان مغلقا تماما. كما أنها لم تستطع الرؤية من ~~خلال الجزء الزجاجي من الباب؛ فبالاقتراب منه وجدت زجاجه مموجا ومموها بشدة. # حاولت مع الباب المقابل، لكنها صادفت نفس المشكلة مع الزجاج ومع مقبض الباب. # وقع صوت حذائها على الأرض، وتموه الزجاج وعدم فتح البابين باستخدام المقابض ~~المصقولة، كلها أمور جعلتها تشعر بالإحباط بقدر أكبر مما يمكن أن تعترف به. # ومع ذلك، لم تستسلم، وظلت تحاول مرة أخرى مع البابين بنفس الطريقة، ولكن هذه المرة ~~حركت المقبضين ونادت: «هل هناك من أحد؟» بصوت بدا في البداية ضعيفا وسخيفا، ثم ~~بدا مهموما ويائسا. # حشرت نفسها وراء المكتب وطرقت على الباب الذي وراءه، في يأس كامل في واقع الأمر؛ فهذا ~~الباب كان بلا مقبض، فقط ثقب مفتاح. # قالت في نفسها إنه لم يعد أمامها سوى ترك هذا المكان والعودة إلى منزلها. # اعتقدت أن كل شيء هنا مبهج وفخم جدا، ولكن لا يوجد ما يدل على أنه مكان يقدم خدمة ~~للجمهور. بالطبع كانوا يدفعون النزلاء أو المرضى، أو أيا كانت التسمية، إلى النوم مبكرا؛ ~~إنها نفس القصة القديمة في كل مكان، بغض النظر عن روعة الأجواء المحيطة. # بينما كانت تفكر في هذا، دفعت باب الدخول، لكنه كان ثقيلا جدا. دفعته مرة ~~أخرى. # ومرة ثالثة، لكنه لم يتزحزح. # كان في مقدورها من مكانها رؤية أصص الزرع بالخارج في الخلاء، وسيارة تمر على الطريق، ~~وضوء المساء اللطيف. # والآن كان عليها أن تتوقف وتفكر. # ليست هناك أضواء صناعية هنا، وكان المكان سيصبح مظلما. الآن، وعلى الرغم من الضوء ~~المتناقص بالخارج، فقد بدأ المكان يظلم، وبدا أن لا أحد سيأتي؛ فقد أتموا مهام ~~عملهم أو على الأقل المهام الخاصة بهذا الجزء من المكان. وأيا كان المكان الذي ذهبوا إليه ~~الآن، فهو المكان الذي سيبقون فيه حتى صباح اليوم التالي. # فتحت فمها لتصرخ ولكن بدا أنه لن يخرج منه أي صوت. كان كل جسمها ينتفض، ومهما ~~حاولت ، فما كان ms203 بإمكانها أن تتنفس. بدا الأمر وكأن هناك شيئا يسد حلقها. كانت ~~تعاني من اختناق. كانت تعرف أنه يجب عليها أن تتصرف بنحو مختلف، والأكثر من ذلك، يجب ~~عليها أن تفكر بطريقة مختلفة؛ فكان عليها أن تستعيد هدوءها ثم تحاول التنفس ~~تدريجيا. # لم تدر إن كانت نوبة الهلع تلك استغرقت وقتا طويلا أم قصيرا. كان قلبها يخفق ~~بشدة، إلا أنها أصبحت الآن في أمان تقريبا. ~~••• # كانت توجد امرأة هنا تدعى ساندي؛ هذا ما كان مكتوبا على الشارة التي كانت ترتديها، ~~وكانت نانسي تعرفها على أية حال. # قالت ساندي: «ما الذي سنفعله معك؟ كل ما نريده هو أن نجعلك ترتدين ملابس النوم، وأن ~~تتصرفي كالدجاجة التي تخشى أن تذبح وتؤكل في وجبة العشاء.» # وأردفت قائلة: «لا بد أن هناك حلما قد راودك. ما الذي حلمت به لتوك؟» ~~«لا شيء. لقد عدت إلى الماضي حين كان زوجي على قيد الحياة وكنت لا أزال أقود ~~سيارتي.» ~~«هل لديك سيارة لطيفة؟» ~~«فولفو.» ~~«أترين كيف أنك تتمتعين بذاكرة قوية؟» # | دوللي # شهد ذلك الخريف بعض النقاش حول الانتحار، عن انتحارنا أنا وفرانكلين. ولما كان ~~فرانكلين في عامه الثالث والثمانين، وكنت أنا في عامي الحادي والسبعين، خططنا كما ~~اقتضت العادة لجنازتنا (حيث قررنا ألا تقام لنا جنازة)، ولدفننا (الذي رأينا أن يتم ~~مباشرة بعد موتنا)، وذلك في قطعة أرض اشتريناها بالفعل. وقررنا ألا تحرق ~~جثتانا، على الرغم من شيوع هذا بين أصدقائنا. وكانت الطريقة الفعلية للانتحار هي فقط ~~الأمر الذي لم نفكر فيه أو تركناه للصدفة. # في أحد الأيام كنا نقود السيارة متجولين في الريف في مكان ليس ببعيد عن مسكننا، ثم ~~وجدنا طريقا لم نرتده من قبل. بدا أن الأشجار هناك، أشجار القيقب والبلوط وغيرهما، قد ~~نمت من جديد، وإن كان على نحو كثيف بحيث وصلت إلى حجم كبير؛ مما يشير إلى أن ~~المنطقة أخليت قبل ذلك واقتلعت أشجارها، وأنها احتوت فيما مضى على مزارع ومروج ~~ومنازل وحظائر، ولكن لم يبق أثر لأي من هذا . أما الطريق، ms204 فكان غير مرصوف، إلا أنه ~~كان مطروقا؛ فقد بدا أنه ربما كان يشهد القليل من المركبات كل يوم، ويرجح أن تكون ~~شاحنات متخذة إياه كطريق مختصر. # قال فرانكلين إن هذا الطريق كان مثاليا؛ فلم يكن واردا أن نرغب في أن نبقى هناك لمدة ~~يوم أو يومين أو حتى أسبوع، دون أن يمر بنا أحد، ولا أن نترك السيارة خالية، ويكون على ~~الشرطة اجتياز الأشجار للبحث عما قد تبقى منا بعد هجوم ذئاب البراري علينا. # كذلك، يجب ألا يكون اليوم الذي سننتحر فيه هناك كئيبا للغاية؛ فيجب ألا تكون هناك ~~أمطار أو ثلوج. أما الأوراق، فيجب أن تكون قد انحنت ولكن لم يسقط منها الكثير، ويجب أن ~~تبدو وكأنها مكسوة بطبقة من الذهب، كما كان الحال في ذلك اليوم. لكن ربما يجب ألا ~~تكون الشمس ساطعة، حتى لا يشعرنا هذا اللون الذهبي وسحر اليوم بأننا ~~مدللان. # اختلفنا بشأن ترك خبر عن رحيلنا؛ أي إن كان واجبا علينا أن نعلم الآخرين بالأمر ~~أم لا. كنت أرى أن معارفنا يستحقون منا تفسيرا لما سنقوم به؛ حيث ينبغي أن يعلموا ~~أنها ليست مسألة مرض مميت، أو بداية إحساس بالألم منع احتمال عيشنا لحياة ~~كريمة. يجب أن يكونوا متأكدين أنه كان قرارا جاء بصفاء ذهن، ويمكن القول أيضا إنه كان ~~قرارا مبهجا. # أن نرحل حين يكون الرحيل الخيار الأفضل. # رد فرانكلين: لا. أعترض على ذلك؛ فهذه وقاحة وإهانة. # رأى فرانكلين أن تقديم أي تفسير - مهما كان - يعد إهانة، ليس للآخرين، ولكن لنا، ~~لنا نحن؛ فحياتنا ملك لنا وحدنا، وأي تفسير سنقدمه كان سيجعله ينتحب. # أدركت ما كان يقصده، ولكن كنت لا أزال أميل للاختلاف معه. # وتلك المسألة - مسألة خلافنا - بدا أنها جعلته يستبعد احتمال قيامنا بالأمر من ~~رأسه. # قال إن الأمر كله لا قيمة له، وإنه لا بأس بالنسبة إليه، ولكني ما زلت صغيرة جدا، ~~وإنه يمكننا أن نتحدث مرة أخرى عن الأمر عندما أصل إلى الخامسة والسبعين من ~~العمر. # قلت إن الشيء الوحيد الذي ms205 أزعجني، قليلا، كان الافتراض بأنه لن يحدث شيء أكثر ~~مما حدث في حياتنا، وأنه لا شيء مهم بالنسبة إلينا، ولا شيء يمكن أن ننجح فيه بعد ~~الآن. # قال إننا قد دخلنا في جدال للتو، فماذا عساي أن أرغب في أكثر من ذلك؟ # قلت له إن هذا لطف كبير منه. ~~••• # لم أشعر يوما بأنني أصغر سنا من فرانكلين، ربما باستثناء النقاش الذي كان يأتي فيه ~~ذكر الحرب - أعني هنا الحرب العالمية الثانية - وذلك قلما يحدث في الوقت الحاضر. يرجع ~~هذا لسبب واحد، وهو أنه كان يقوم بمجهود بدني أكبر كثيرا مني؛ فلبعض الوقت كان يشرف ~~على إسطبل؛ أعني أحد الإسطبلات حيث يربي الناس خيول الركوب، وليس خيول السباق. إنه لا ~~يزال يذهب هناك مرتين أو ثلاث مرات أسبوعيا، ويركب حصانه، ويتحدث مع الرجل المسئول هناك ~~الذي يطلب نصيحته من آن لآخر، هذا على الرغم من أنه في معظم الوقت يقول إنه يحاول تجنب ~~ذلك. # إنه في واقع الأمر شاعر؛ شاعر حقيقي ومدرب خيول بارع. وقد عمل لمدة فصل دراسي واحد ~~في كليات مختلفة، ولكن لم يعمل يوما في مناطق بعيدة جدا بحيث تنقطع صلته بالإسطبلات. كما ~~أنه يعترف بقراءة شعره على الناس، ولكن - كما يقول - كان هذا يحدث على نحو نادر جدا؛ فهو ~~لا يركز على العمل في مجال الشعر. وأحيانا أنزعج من هذا الموقف - أرجع هذا لشخصيته ~~الخجولة - ولكن أستطيع أن أتفهم وجهة نظره؛ فعندما تنشغل بالخيول، فإن الانشغال سيبدو ~~عليك بالفعل، ولكن عندما تنشغل بكتابة قصيدة، فستبدو كما لو كنت في حالة من الكسل، وستشعر ~~بشيء من الغرابة أو الإحراج بحيث يكون عليك تفسير ما يحدث. # هناك مشكلة أخرى قد تتمثل في أنه على الرغم من كونه شخصا متحفظا، فإن القصيدة التي ~~اشتهر بها في المنطقة هنا - أقصد المنطقة التي نشأ فيها - يمكن وصفها بأنها فجة؛ فجة ~~بعض الشيء، وقد سمعته يقول عنها ذلك بنفسه، ليس بدافع الاعتذار ولكن ربما لدفع شخص ما ~~لعدم قراءتها. إن لديه مراعاة لمشاعر ms206 الناس الذين يعرفهم والذين قد ينزعجون من أمور ~~معينة، على الرغم من أنه يدافع بشدة عن حرية التعبير بوجه عام. # لا يعني هذا أنه لم تحدث تغيرات هنا بشأن ما يمكن قوله علنا وما يمكن أن يقرأ في ~~الأعمال المطبوعة. كانت الجوائز عاملا مساعدا في هذا الشأن، بالإضافة إلى تداول الأعمال ~~في الصحف. ~~••• # خلال جميع السنوات التي قمت بالتدريس بها في مدرسة ثانوية لم أدرس مادة الأدب، كما قد ~~تتوقع، ولكن كنت أدرس الرياضيات. لكن بعد مكوثي في المنزل، بدأت أشعر بالملل وحصلت ~~على عمل جديد، تمثل في كتابة سير ذاتية جيدة ومشوقة - حسبما أتمنى - للروائيين ~~الكنديين الذين أهملوا دون أن يستحقوا هذا، أو الذين لم يلقوا قط الاهتمام ~~الملائم. أعتقد أني لم أكن لأحصل على هذا العمل لولا فرانكلين وخلفيتي الأدبية التي لم نكن ~~نتحدث عنها؛ حيث ولدت في اسكتلندا، ولم أكن أعرف في واقع الأمر أي كتاب ~~كنديين. # أنا لا أرى على الإطلاق أن فرانكلين أو أي شاعر آخر يستحق التعاطف الذي أمنحه ~~للروائيين؛ أعني بسبب ضعف إنتاجهم أو حتى اختفائهم. وأنا لا أعرف لماذا أعتقد هذا على وجه ~~التحديد؛ ربما لأني أعتقد أن نظم الشعر يميل أكثر إلى أن يكون غاية في حد ~~ذاته. # أحببت هذا العمل واعتقدت أنه مهم، وبعد سنوات قضيتها داخل الفصول الدراسية، كنت ~~مسرورة من قدرتي على التحكم في عملي والحصول على بعض الهدوء. وعلى الرغم من ذلك، ربما ~~كان هناك وقت - لنقل نحو الساعة الرابعة عصرا - تراودني فيه الرغبة في الاسترخاء ~~والحصول على بعض الصحبة. ~~••• # خلال تلك الفترة تقريبا في يوم كئيب مزدحم، جاءت امرأة تدق على بابي وهي تحمل ~~كمية كبيرة من مستحضرات التجميل. في أي وقت آخر ما كان لي أن أسعد لرؤيتها، لكني سررت ~~حينها. كان اسمها جوين، قالت إنها لم تحضر إلى هنا من قبل لأن البعض أخبرها أنني لست ~~ممن قد يهتمون بما تقدمه. # قالت: «لكني قررت أن آتي إلى منزلك أيا كان الأمر، وقلت في نفسي: ms207 لماذا أترك ~~الآخرين يتحدثون بالنيابة عنها؟ فكل ما عليها هو أن ترفض دخولي، وتجعلني أغادر ~~منزلها.» # فسألتها إن كانت ترغب في الحصول على كوب من القهوة كنت قد صنعته للتو، فلم ~~تمانع. # ثم قالت إنها كانت تستعد للرحيل على أية حال. ثم وضعت أغراضها على الأرض وهي ~~تتأوه. ~~«أعتقد أنك لا تستخدمين مستحضرات التجميل. أنا أيضا ما كنت لأستخدمها ما لم أكن في هذا ~~المجال.» # إن لم تقل ذلك، لظننت أن وجهها خال من مساحيق التجميل مثل وجهي؛ فوجهها كان خاليا من ~~مساحيق التجميل، وشاحبا، وبه مجموعة غريبة من التجاعيد حول الفم. كما كانت ترتدي نظارة ~~أعطت حجما أكبر لعينيها ذواتي اللون الأزرق الفاتح. كان الشيء الوحيد اللافت في ~~مظهرها هو الشعر الخفيف النحاسي اللون المتدلي على جبهتها. # ربما شعرت بعدم الارتياح لسماحي لها بالدخول؛ فراحت تتفحص المكان بنظرات قصيرة ~~مضطربة. # ثم قالت: «الطقس شديد البرودة اليوم.» # ثم أضافت سريعا: «أنا لا أرى أي منفضة سجائر هنا. ألا توجد واحدة؟» # وجدت واحدة في إحدى الخزانات وأحضرتها، فأخرجت علبة سجائرها واستراحت في جلستها ~~شاعرة ببعض الارتياح. ~~«ألا تدخنين؟» ~~«كنت أدخن في السابق.» ~~«ليس الجميع مثلك.» # صببت لها القهوة. # قالت: «من دون لبن.» ثم أضافت: «أوه، يبدو أنك تقومين بعمل كبير. آمل أنني لم أقاطع ~~ما كنت تفعلينه، هل كنت تكتبين رسائل؟» # وجدت نفسي أخبرها عن الكتاب المهمشين، حتى إنني ذكرت لها اسم الكاتبة التي كنت ~~أعمل على كتابة سيرتها الذاتية في ذلك الوقت؛ مارثا أوستنسو، التي ألفت كتابا بعنوان ~~«الإوز البري» وحشدا آخر من الكتب التي أصبحت كلها الآن طي النسيان. ~~«هل تقصدين أن كل هذه الأشياء ستظهر في شكل مطبوع مثل الصحف؟» # رددت قائلة إنها ستظهر في سلسلة كتب. زفرت بطريقة متوترة بعض الشيء، وأدركت أنني ~~كنت أرغب في إخبارها بشيء أكثر إثارة للاهتمام. ~~«من المفترض أن زوج هذه الكاتبة كتب أجزاء من هذا الكتاب، ولكن الشيء الغريب هو أن ~~اسمه لم يرد في أي مكان به.» # قالت : «ربما لم ms208 يرغب في أن يسخر منه الرجال.» ثم أضافت: «كما تعلمين، كيف سينظرون للرجل ~~الذي يؤلف كتبا؟» ~~«لم أفكر في ذلك.» # قالت: «لكنه لم يكن سيمانع في أخذ المال؛ أنت تعرفين كيف يفكر الرجال.» # ثم بدأت تبتسم وتهز رأسها، وقالت: «لا بد أنك شخص حاد الذكاء. انتظري حتى أخبر من ~~أسكن معهم أنني رأيت كتابا وهو في مرحلة التأليف.» # للابتعاد عن هذا الموضوع الذي بدأ في التسبب بشعوري بالإحراج، سألت عن هؤلاء الذين ~~كانت تقيم معهم. # فذكرت أناسا كثرا لم أستطع استيعابهم كلهم، أو ربما لم أهتم بذلك. ولم أكن متأكدة ~~من الترتيب الذي ذكرتهم به، باستثناء أنها ذكرت زوجها في النهاية وقالت إنه قد فارق ~~الحياة. ~~«في العام الماضي. إلا أنه لم يكن زوجي رسميا. أنت تدركين ما أعنيه.» # قلت: «إن زواجي لم يكن رسميا أيضا؛ أعني ليس كذلك.» ~~«هل هذا صحيح؟ هناك كثيرون يفعلون ذلك الآن، أليس كذلك؟ كان رد الفعل تجاه هذا الأمر هو: ~~يا إلهي! أليس هذا أمرا مفزعا؟ أما الآن، فأصبح: ولم لا؟ وهناك من يعيشون معا لفترة ~~طويلة، وفي النهاية يتزوجون رسميا. حينها تتساءل لماذا يفعلون ذلك؛ هل من أجل الهدايا؟ ~~أم من أجل فكرة تأنق العروس وارتدائها الثوب الأبيض. إن هذا يمكن أن يضحكك، لكن يمكن ~~أن يجعلني أموت.» # ثم أضافت أن لديها ابنة مرت بعملية التفاخر والاحتفال بتلك الطريقة بالكامل، ولم ~~يعد ذلك عليها بأي نفع لأنها الآن في السجن بتهمة الاتجار غير المشروع. كم هي غبية! إن ~~الرجل الذي ذهبت وتزوجته هو من ورطها في هذا الأمر. والآن يجب عليها أن تبيع ~~مستحضرات التجميل إلى جانب الاعتناء بابنتي ابنتها الصغيرتين؛ فما من أحد آخر يمكن أن ~~يعتني بهما. # طوال الوقت الذي كانت تخبرني فيه بقصة ابنتها، كانت تتمتع بروح دعابة مدهشة، ولم تصبح ~~مترددة ومنزعجة بعض الشيء إلا عندما بدأت تحدثني عن موضوع آخر يتعلق بابنة ~~أخرى لها كانت ناجحة إلى حد بعيد وتعمل ممرضة معتمدة، لكنها تقاعدت وذهبت لتعيش في ~~فانكوفر. ms209 # هذه الابنة أرادت منها أن تترك كل مسئولياتها وتذهب للعيش معها. ~~«ولكني لا أحب فانكوفر. أعلم أن الجميع يحبها، لكني لا أحبها فحسب.» # إلا أن المشكلة الحقيقية كانت تتمثل في أنها إن ذهبت للعيش مع ابنتها، فسيجب عليها ~~الإقلاع عن التدخين. فلم يكن الأمر يتعلق بهذه المدينة، بل بالتخلي عن التدخين. # دفعت ثمن أحد مستحضرات التجميل الذي قد يضفي على بشرتي بعض الحيوية، ووعدتني هي ~~بأنها ستحضره في المرة القادمة التي تأتي فيها إلى المنطقة. ~~••• # أخبرت فرانكلين بكل شيء عنها، وقلت له إن اسمها جوين. # وأضفت: «لكنها من عالم آخر مختلف استمتعت به بشدة.» ثم أحسست بأن ما قلته لم ~~يرق لي إلى حد بعيد. # فقال لي إنني ربما أكون بحاجة إلى الخروج والتنزه على نحو أكبر، وإنني يجب أن أسعى ~~للعمل كمدرسة بديلة. ~~••• # اندهشت عندما جاءت جوين بعد ذلك بفترة قصيرة جالبة معها مستحضر التجميل الذي كنت ~~أريده. كنت قد دفعت ثمنه بالفعل، ولم تحاول حتى أن تبيعني أي شيء آخر، وبدت ~~تقريبا أكثر ارتياحا لذلك، ولم يكن أمرا مخططا له من جانبها. قدمت لها قهوة مرة ~~أخرى وتحادثنا بكل أريحية واندفاع كما في المرة السابقة. أعطيتها نسخة كتاب «الإوز ~~البري» التي كنت أستخدمها للكتابة عن مارثا أوستنسو، وقلت لها إن باستطاعتها الاحتفاظ ~~بها لأنني سوف أحصل على نسخة أخرى عندما تصدر السلسلة التي كنت أؤلفها. # فقالت إنها سوف تقرؤه، أيا كانت الظروف، وأضافت أنها لا تتذكر آخر مرة قرأت فيها ~~كتابا لكونها مشغولة للغاية، ولكنها وعدتني بأن تقرأ هذا الكتاب. # ثم استطردت قائلة إنها لم تلتق قط بشخص مثلي يجمع ما بين التعليم الراقي ~~والبساطة في التعامل. شعرت حينها بقليل من الإطراء، والتحفظ في الوقت نفسه، تماما كما ~~تشعر عندما تدرك أن أحد الطلاب معجب بشدة بك. ثم شعرت بالإحراج لأنه لم يكن لدي الحق ~~في أن أشعر بأنني أعلى منزلة منها. # حل الظلام عندما خرجت من المنزل وبدأت تدير سيارتها، ولكنها لم تتمكن من ذلك . ~~حاولت مرارا ms210 وتكرارا وأصدر المحرك صوتا مزعجا، ثم توقف عن العمل تماما. عندما ~~وصل فرانكلين إلى فناء المنزل ولم يستطع تجاوزه ودخول المنزل، ذهبت لإخباره بالمشكلة؛ ~~أما هي، فنزلت من السيارة عندما رأته قادما نحوها، وشرعت في شرح الموقف قائلة إن ~~السيارة كانت تضعها في مواقف سيئة للغاية خلال الآونة الأخيرة. # حاول هو أيضا إدارتها، في حين وقفنا إلى جانب شاحنته، مفسحتين له المجال، ولكنه ~~لم يستطع إدارتها كذلك، ودخل إلى المنزل ليتصل بورشة إصلاح السيارات الخاصة بالقرية؛ أما ~~هي، فلم ترغب في الدخول إلى المنزل مرة أخرى، على الرغم من أن الجو كان باردا في الخارج. ~~بدا أن وجود رجل المنزل جعلها متحفظة؛ فانتظرت معها، ثم خرج فرانكلين إلينا لإخبارنا ~~بأن الورشة مغلقة. # لم يعد هناك ما يمكن القيام به سوى أن أطلب إليها البقاء لتناول العشاء وقضاء الليلة ~~معنا. قدمت اعتذارات كثيرة ثم أخذت تشعر براحة أكبر عندما أدخلتها وجلست وأشعلت ~~سيجارة جديدة. بدأت في إعداد الطعام، وذهب فرانكلين لتغيير ملابسه. سألتها إن كانت تريد ~~أن تهاتف أحدا في منزلها. # قالت: نعم، من الأفضل أن أفعل ذلك. # اعتقدت أنه ربما يأتي أحدهم لاصطحابها للمنزل؛ فلم أكن أتطلع إلى الحديث طوال المساء ~~مع وجود فرانكلين مستمعا لما أقوله. بالطبع كان من الممكن أن يذهب إلى غرفته الخاصة - ~~التي ما كان يسميها مكتبه - ولكن كنت سأشعر أن إقصاءه بتلك الطريقة كان خطئي. كذلك، كنا ~~نود مشاهدة نشرة الأخبار، وكانت هي سترغب في التحدث خلالها. فحتى أكثر صديقاتي ذكاء ~~كن يفعلن هذا، وكان هو يكره ذلك. # أو ربما كانت ستجلس صامتة في استغراب شديد، وكان ذلك سيكون أمرا سيئا كذلك. # بدا أن أحدا لم يرد على مكالمتها، فاتصلت بمنزل جيرانها حيث كانت الطفلتان ~~الصغيرتان، وفي أثناء تلك المكالمة قدمت قدرا كبيرا من الاعتذارات وهي تضحك، ثم ~~تحدثت إلى الطفلتين لحثهما على أن تسلكا سلوكا مهذبا، ثم عادت للحديث مع الجيران ~~مرة أخرى مقدمة لهم الشكر العميق والمزيد من التأكيدات على أن الطفلتين لن ms211 تحدثا ~~الكثير من الجلبة. كان هذا على الرغم من أنه تبين أن هؤلاء الجيران كانوا سيذهبون إلى ~~مكان ما في اليوم التالي، ومن ثم كان عليهم أخذ الطفلتين معهم، وهو الأمر الذي لم يكن ~~ممكنا في نهاية المطاف. # عاد فرانكلين إلى المطبخ تماما في الوقت الذي أنهت فيه المكالمة؛ فالتفتت هي إلي ~~وقالت إن جيرانها للأسف خططوا للخروج، وإن ذلك كان طبعهم؛ حيث كانوا ينسون كل المواقف ~~التي وقفت إلى جانبهم فيها عندما احتاجوا إليها. # وفجأة ظهرت علامات الاندهاش على وجهي فرانكلين وجوين في نفس الوقت. # صاحت جوين: «يا إلهي.» # قال فرانكلين «لا. إنه أنا.» # تسمرا في مكانهما، وتساءلا كيف أنهما لم ينتبها من قبل إلى الأمر. وأدركا، بحسب ~~افتراضي، أنه لا يمكنهما أن يفتحا ذراعيهما ليتعانقا. بدلا من ذلك، قاما ببعض الحركات ~~الغريبة غير المترابطة، كما لو كان عليهما أن ينظرا في كل ما كان حولهما من أجل التأكد ~~أنهما لا يحلمان. كما كرر كل منهما اسم الآخر بنبرة تحمل بعض السخرية والارتباك، ~~وعلى نحو لم أكن لأتوقعه تماما. ~~«فرانك.» ~~«دوللي.» # بعد لحظات، أدركت أن اسم جوين، جويندولين، يمكن في الواقع أن يختزل إلى دوللي. # وأن أي شاب كان سيفضل أن يدعى فرانك بدلا من فرانكلين. # لم ينسيا وجودي - أو لم ينس فرانكلين ذلك - إلا في تلك اللحظة. ~~«هل سمعتني أذكر اسم دوللي؟» # أصر صوته على العودة إلى الوضع الطبيعي، في حين أصر صوت دوللي أو جوين على تضخيم ~~المفارقة الكبيرة أو حتى المذهلة المتعلقة بإيجاد كل منهما الآخر. ~~«لا أستطيع أن أذكر لك آخر مرة نوديت فيها بهذا الاسم؛ فما من شخص آخر في العالم ~~أجمع يعرفني بهذا الاسم؛ دوللي.» # كان الشيء الغريب حينها أنني بدأت المشاركة في جو البهجة العام الذي كان يسود ~~المكان؛ فالدهشة كانت تتغير إلى بهجة أمام عيني، هذا ما كان يحدث. كان على هذا الاكتشاف ~~أن يجعل هذا التغير سريعا. وكم كنت حريصة، على ما يبدو، على أداء دوري في الأمر ، حتى ~~إنني ms212 أحضرت زجاجة من النبيذ. # كان فرانكلين قد أقلع حينها عن شرب الكحول. لم يكن يشرب كثيرا في الأساس وقد أقلع ~~عنه تماما في هدوء؛ فكان الأمر متروكا لي ولجوين للشرب والدردشة والإسهاب عن الاكتشاف ~~الجديد، وذلك بمعنويات مرتفعة وللحديث عن دور الصدفة في الحياة. # قالت لي إنها كانت تعمل مربية أطفال عندما عرفت فرانكلين، وإنها كانت تعمل في تورونتو ~~وترعى طفلين إنجليزيين أرسلهما والداهما إلى كندا لإبعادهما عن الحرب. كان هناك مساعدون ~~آخرون يعملون في المنزل، فكانت تقضي معظم أمسياتها بالخارج لقضاء بعض الوقت السعيد، كما ~~تفعل أي فتاة شابة. والتقت فرانكلين عندما كان في إجازته الأخيرة قبل سفره للخارج، وقضيا ~~معا وقتا صاخبا مجنونا، وربما كتب لها رسالة أو رسالتين ولكنها كانت مشغولة جدا ~~بحيث لم تستطع الرد عليها. وعندما انتهت الحرب انطلقت على متن سفينة في أقرب وقت ~~ممكن لإعادة الطفلين الإنجليزيين إلى بلدهما، والتقت رجلا على متنها وتزوجته. # لكن هذا الزواج لم يستمر طويلا؛ فإنجلترا كانت مكانا موحشا للغاية بعد الحرب، حتى إنها ~~ظنت أنها ستموت هناك، فعجلت بعودتها إلى كندا. # لم أكن أعرف شيئا عن هذا الجانب من حياتها، ولكنني لمت بشأن الأسبوعين اللذين قضتهما ~~مع فرانكلين، وهكذا - كما قلت - فعل الكثير غيري. على الأقل إن كانوا قد قرءوا ~~شعره. # كانوا يدركون كم كانت معطاءة في حبها له، لكن لم يعلم أحد، مثلما علمت أنا، كيف ~~أنها اعتقدت أنها لا تستطيع الإنجاب لأنها أحد توءمين، وترتدي دلاية حول عنقها بها ~~خصل من شعر توءمها المتوفاة. كانت تؤمن بكافة المعتقدات المماثلة، وقدمت ~~لفرانكلين سنا سحرية - لم تكن تعرف صاحبها - لحمايته عندما سافر إلى خارج البلاد، لكنه ~~فقدها بعد ذلك على الفور ولكن لم يفقد حياته. # كانت لديها قاعدة أخرى، وهي أنها إن نزلت عن الرصيف مستخدمة القدم الخطأ، أصبح ذلك ~~اليوم يوما سيئا بالنسبة إليها، ويتعين عليها وعلى فرانكلين العودة مرة أخرى لهذا ~~الرصيف والقيام بالأمر على النحو الصحيح. وكان فرانكلين معجبا بقواعدها تلك. # حقيقة ، لم أكن ms213 بنحو شخصي معجبة بتلك الأمور عندما علمت بها. # تأملت كيف أن الرجال يعجبون بالأمور الغريبة فقط إذا صدرت عن فتاة حسناء. بالطبع ~~لم يعد هذا معتادا الآن أو على الأقل آمل أن يكون كذلك؛ كل هذا الإعجاب بالعقل الأنثوي ~~الطفولي. (عندما بدأت العمل في مهنة التدريس أخبروني أنه منذ وقت غير بعيد كان النساء لا ~~يقمن بتدريس مادة الرياضيات لأن مستوى ذكائهن المحدود حال دون ذلك.) # بالطبع تلك الفتاة الفاتنة، التي ألححت على أن يخبرني عنها، يمكن أن تكون بوجه عام صنيعة ~~أحدهم. ولكنني لا أعتقد ذلك؛ فهي نتاج خياراتها الجريئة، كما أنها أحبت بشدة نفسها على ~~ما هي عليها. # بطبيعة الحال لم أخبر أحدا بما قاله لي أو ورد عنها في القصيدة. وكذلك، لم يكن فرانكلين ~~يتحدث عن ذلك معظم الوقت، إلا ليذكر بعض الأشياء عن تورونتو، وكيف كانت في أيام الحرب ~~الصاخبة هذه، وعن قوانين الخمور السخيفة أو مهزلة مواكب الجنود وهي ذاهبة للكنيسة. لو ~~اعتقدت في تلك المرحلة أنه قد يجعلها ملهمة لإحدى كتاباته، لبدا لي أنني كنت ~~مخطئة. # أحس بالتعب وذهب إلى النوم، بينما جهزت أنا وجوين أو دوللي الأريكة لتنام عليها، ثم ~~جلست هي على جانب منها وهي تدخن سيجارتها الأخيرة، طالبة مني ألا أقلق؛ حيث إنها ~~لن تتسبب في إحراق المنزل لأنها ما كان لها أن تنام حتى تنتهي من تدخين سيجارتها. # كانت غرفتنا باردة، والنوافذ مفتوحة أكثر من المعتاد. وكان فرانكلين نائما؛ كان كذلك ~~بالفعل حيث كان بإمكاني دوما تحديد ما إذا كان يتصنع النوم أم لا. # كنت أكره النوم مع علمي بوجود أطباق متسخة على الطاولة، ولكنني شعرت فجأة بتعب ~~شديد بحيث لم أستطع غسلها، مع علمي بأن جوين كانت ستساعدني في القيام بذلك. بيد أنني ~~نويت الاستيقاظ مبكرا في الصباح لغسلها وترتيب المكان. # لكنني استيقظت على ضوء الشمس وصوت جلبة آت من المطبخ، ورائحة الإفطار، وكذلك رائحة ~~السجائر؛ هذا بالإضافة إلى صوت حديث، وكان المتحدث هو فرانكلين، بينما كنت أتوقع أن ms214 ~~تكون جوين. سمعتها تضحك على كل ما يقوله؛ فنهضت على الفور وارتديت ملابسي وصففت شعري، ~~وهو شيء لم أكن أهتم بفعله عادة في وقت مبكر كهذا. # تلاشى كل ما أحسست به في المساء من بهجة وأمان، وأحدثت قدرا كبيرا من الجلبة وأنا ~~أنزل درجات السلم. # وكانت جوين تقف أمام حوض الغسيل وبجانبها صف من الأوعية الزجاجية النظيفة البراقة ~~الموضوعة على لوح التجفيف. ~~«غسلت الأطباق كلها يدويا لأنني خشيت ألا أستطيع تشغيل غسالة الأطباق بطريقة ~~صحيحة. ثم رأيت تلك الأوعية الموجودة هناك وظننت أنه يجب علي أن أغسلها أيضا بما أني ~~بجانب حوض الغسيل.» # قلت لها: «إنها لم تغسل منذ فترة طويلة للغاية.» ~~«حقا؟ لم أعتقد ذلك.» # قال فرانكلين إنه خرج وحاول إدارة السيارة مرة أخرى، لكنه فشل مجددا، لكنه نجح في ~~الاتصال بورشة إصلاح السيارات، وقالوا إن شخصا قد يأتي ويلقي نظرة على السيارة عصر ذلك ~~اليوم. لكنه ظن أنه من الأفضل بدلا من الانتظار جر السيارة إلى الورشة، بحيث يمكن ~~إصلاحها خلال هذا الصباح. # قلت: «إن هذا يعطي لجوين الفرصة لغسل ما تبقى من أشياء في المطبخ.» ولكن لم يهتم أي ~~منهما بالمزحة التي قلتها، ورفض هو ذلك وقال إنه من الأفضل لجوين أن تذهب معه لأنهم ~~سيرغبون في الورشة في التحدث معها؛ نظرا لأنها مالكة السيارة. # لاحظت أن ثمة صعوبة كانت لديه في ذكر اسم جوين، حيث كان عليه مقاومة ذكر اسم ~~دوللي. # فقلت إنني كنت أمزح. # سألني إن كنت أرغب في أن يعد إفطارا لي، ورددت عليه بالرفض. # قالت جوين: «هذا هو سر حفاظها على قوامها.» وبطريقة ما، تحولت هذه المجاملة إلى شيء ~~يمكن أن يضحكا عليه معا. # لم تظهر عليهما أي علامة تدل على معرفتهما بما كنت أشعر به، على الرغم من أنه بدا ~~لي أنني كنت أتصرف على نحو غريب، وكانت كل ملحوظة تصدر عني نوعا من السخرية ~~الهشة. اعتقدت أنهما كانا مزهوين بنفسيهما بشدة، وكان هذا تعبيرا طرأ على ذهني دون ~~أن أعلم مصدره. ms215 عندما خرج فرانكلين لتجهيز السيارة لجرها، تبعته جوين على الفور كما لو ~~أنها أرادت ألا يغيب عن نظرها ولو حتى للحظة واحدة. # وبينما كانت تغادر تذكرت أن تخبرني أنها لن تستطيع أن تفيني حقي من الشكر. # أطلق فرانكلين نفير سيارته ليودعني، وهو شيء لم يكن يفعله في العادة. # وددت أن ألحق بهما وأن أقطعهما إربا. رحت أسير في المكان في كل اتجاه مع ~~ازدياد تمكن انفعالي الموجع هذا مني، ولم يعد لدي شك على الإطلاق فيما كان يجب ~~علي أن أفعله. # وخلال وقت قصير إلى حد ما، خرجت من المنزل وركبت سيارتي، بعد أن مررت مفتاح ~~منزلي عبر الفتحة الموجودة في الباب الأمامي، ووضعت حقيبة السفر بجانبي على الرغم من أني ~~بنحو أو بآخر نسيت ماذا وضعت بداخلها. كما أنني كتبت رسالة مختصرة تقول إنني ذهبت ~~لأتحقق من بعض المعلومات عن مارثا أوستنسو، ثم بدأت في كتابة رسالة أطول كنت أنوي ~~توجيهها إلى فرانكلين دون أن تراها جوين عندما تعود معه مرة أخرى إلى المنزل، وهو الأمر ~~الذي كان سيحدث بالتأكيد. قلت في هذه الرسالة أنه حر في القيام بالشيء الذي يريده، وأن ~~الشيء الوحيد الذي كان غير محتمل بالنسبة إلي هو الخداع، أو ربما قصدت الخداع الذاتي؛ ~~فلم يكن هناك داع لما فعله، ولكن كان عليه فقط أن يعترف ويكشف عن رغبته. لقد كان شيئا ~~سخيفا وقاسيا منه أن يجعلني أرى ذلك المشهد؛ ولذلك وددت فقط أن أفسح لهما المجال. # أضفت أنه لا توجد أكاذيب، في نهاية المطاف، قوية مثل تلك التي نخبر بها أنفسنا، ~~وللأسف نستمر في إخبار أنفسنا بها، حتى تستقر بداخلنا وتبدأ في القضاء علينا، وذلك كما ~~سيكتشف في القريب العاجل. ظللت أوجه اللوم له حتى لم تعد هناك مساحة تكفي مع تكرار ~~الأفكار وتخبطها دون إبداء أي نوع من الكياسة أو الاهتمام بكرامتي. ثم أدركت أنه سوف ~~يتعين علي إعادة كتابة الرسالة قبل إعطائها إلى فرانكلين، فاضطررت لأخذها معي وإرسالها ~~بالبريد بعد ذلك . # في نهاية ms216 الممر المؤدي إلى الطريق اتخذت الاتجاه الآخر الذي لا يؤدي إلى القرية ~~وورشة إصلاح السيارات، وخلال وقت قصير، كما بدا لي، كنت أتجه شرقا على طريق سريع رئيسي. ~~سألت نفسي إلى أين أنا ذاهبة. # فإذا لم يطرأ شيء على خاطري بسرعة، فسوف أجد نفسي في تورونتو، وبدا لي أنه على الرغم ~~من أنني قد أجد هناك مكانا كي أختبئ به، فقد أصادف أناسا وأماكن تذكرني بفرانكلين ~~والأوقات السعيدة التي قضيتها معه. # ولتجنب حدوث هذا، استدرت بالسيارة وتوجهت إلى كوبورج، البلدة التي لم نذهب إليها ~~معا قط. # لم يكن وقت الظهر قد حان بعد عندما استأجرت غرفة في نزل في وسط البلدة. مررت ~~بعاملات النظافة اللواتي كن ينظفن الغرف التي كانت مشغولة في الليلة الماضية. أما ~~غرفتي، فنظرا لأنها لم تكن مشغولة في الليلة السابقة، فقد كانت باردة جدا. شغلت ~~المدفأة ثم قررت الذهاب للتمشية، وعندما حاولت فتح الباب لم أستطع حيث كنت أرتجف ~~وأرتعش؛ فأوصدت الباب وذهبت للنوم وأنا مرتدية ملابسي كاملة، وكنت لا أزال أرتجف؛ لذا ~~سحبت الغطاء حتى غطى أذني. # استيقظت من نومي قبل الغروب بفترة، وكانت ملابسي ملتصقة بجسدي من العرق؛ فأغلقت ~~المدفأة وأخرجت بعض الملابس من حقيبتي وارتديتها ثم خرجت من الغرفة. مشيت بسرعة شديدة. ~~كنت جائعة لكنني شعرت بأنه لا يمكنني أن أبطئ أبدا من خطواتي، أو حتى أن أجلس لتناول ~~الطعام. # اعتقدت أن ما حدث لي كان أمرا مألوفا، في الكتب وفي الحياة، وقد تكون - بل يجب أن تكون ~~- هناك طريقة ما مجربة يمكن التعامل بها معه. والمشي على هذا النحو يعد إحداها بكل ~~تأكيد، ولكن كان يجب عليك أن تتوقف، حتى في بلدة بهذا الحجم الصغير، للسماح بمرور ~~السيارات وحين تكون إشارات المرور حمراء. كما كان هناك أيضا أشخاص يجوبون الطرقات ~~بطريقة خرقاء، يقفون ثم يسيرون مرة أخرى، بالإضافة إلى حشود من تلاميذ المدارس مثل أولئك ~~الذين اعتدت أن أجعلهم يلتزمون بالنظام. لماذا كان يوجد العديد منهم؛ الحمقى بصراخهم ~~وصياحهم؟ ولماذا هذا التكرار ms217 في أفعالهم وعدم الضرورة الكاملة لوجودهم؟ كانت رؤيتهم في كل ~~مكان إهانة في وجهك. # كما كانت أيضا المتاجر ولافتاتها إهانة، وكذلك ضوضاء السيارات مع توقفها وسيرها؛ ~~كل مكان يعلن أن هذه هي مظاهر الحياة، كما لو كنا في حاجة إلى المزيد منها. # بعدما انتهى أخيرا صف المتاجر، كانت توجد بعض الكبائن الخالية، المغطاة نوافذها ~~بالألواح، التي كان من المنتظر هدمها. هذه الكبائن هي الأماكن التي اعتاد الناس البقاء ~~فيها في رحلات العطلات البسيطة قبل ظهور الفنادق. ثم تذكرت أنني أيضا أقمت هناك؛ نعم، في ~~واحدة من تلك الكبائن عندما كان هناك تخفيض في أسعار الإقامة بها - ربما لأنه لم يكن موسم ~~العطلات - بحيث يذهب إليها الآثمون في فترة ما بعد الظهيرة، والذين كنت واحدة منهم. كنت ~~حينها أعمل بمهنة التدريس وأنا لا أزال طالبة، وما كنت سأتذكر أن ما حدث كان في هذه ~~البلدة، لولا تلك الكبائن المغلقة بالألواح الآن. كان الرجل يعمل مدرسا وكان أكبر سنا ~~مني، وكانت زوجته ربة منزل، ومن دون شك كان لديهما أطفال، حياة أشخاص يتم العبث بها. كان ~~يجب ألا تعرف؛ لأن ذلك كان سيكسر قلبها. وكنت لا أهتم بهذا على الإطلاق؛ فلينكسر ~~قلبها. # كان من الممكن أن أتذكر أكثر من ذلك إذا حاولت، لكنه أمر لم يكن يستحق العناء. إلا ~~أن هذا التذكر جعلني أبطئ من حركتي وأعود إلى وتيرة أكثر طبيعية، وألتفت وأعود إلى ~~النزل. # وهناك على التسريحة كانت توجد الرسالة التي كتبتها، مختومة ولكن ينقصها طابع؛ فخرجت ~~مرة أخرى وذهبت لمكتب البريد واشتريت طابعا ووضعت الظرف في المكان المخصص لإرساله، ~~دون أي تفكير أو تخوف. كان من الممكن أن أتركه على الطاولة هناك، فما جدوى الأمر في ~~نهاية المطاف؟ فقد انتهى كل شيء. # وأثناء سيري كنت قد لاحظت مطعما ينزل إليه عبر بضع درجات. تمكنت من الذهاب إليه ~~مرة أخرى، ونظرت إلى قائمة الطعام المعلقة. # لم يكن فرانكلين يفضل تناول الطعام خارج المنزل، بينما كنت أفضل ذلك. مشيت بعض ~~خطوات أخرى، ms218 بوتيرة طبيعية هذه المرة، منتظرة حتى يفتح المكان أبوابه. رأيت وشاحا ~~أعجبني في واجهة متجر، وارتأيت أن أدخل وأشتريه حيث ظننت أنه سيكون ملائما لي. ~~ولكن عندما أمسكته تركته على الفور؛ فقد أصابني ملمسه الحريري بالغثيان. # وفي المطعم شربت بعض النبيذ وانتظرت وقتا طويلا حتى وصل طعامي. كان هناك عدد قليل ~~جدا من الأشخاص الذين كانوا منشغلين بإعداد المكان للفرقة الموسيقية التي كانت ستعزف هناك ~~في المساء. ذهبت إلى الحمام، واندهشت من مدى التغير الكبير الذي طرأ على مظهري، ~~وتساءلت في نفسي هل كان من الممكن أن يفكر رجل - رجل متقدم في السن - في التعرف علي ~~وإقامة علاقة معي. لكن الفكرة كانت منفرة بالنسبة إلي؛ ليس بسبب كبر سنه المحتمل، ~~ولكن لأنني لم أكن لأفكر قط في أي رجل غير فرانكلين. # بالكاد استطعت تناول بعض الطعام عندما وضع أمامي. لم يكن السبب أن الطعام كان سيئا، ~~ولكن غرابة جلوسي وتناولي للطعام بمفردي، والشعور الفظيع بالوحدة والذهول مما كان يحدث ~~لي. # فكرت في إحضار أقراص منومة على الرغم من أنني لم أستخدمها إلا نادرا. في الواقع كان ~~لدي بعضها منذ فترة طويلة جدا، حتى إنني تساءلت إن كانت لا تزال صالحة للاستخدام أم ~~لا. إلا أنها كانت فعالة؛ إذ نمت حتى حوالي الساعة السادسة صباحا، دون أن أستيقظ خلال ~~نومي ولو لمرة واحدة. # كانت بعض الشاحنات الكبيرة تخرج بالفعل من أماكن انتظارها داخل النزل. # كنت أعرف أين أنا، كما كنت أعرف أيضا ما فعلته، وأدرك أنني ارتكبت خطأ فظيعا؛ لذا، ~~ارتديت ملابسي وفي أسرع وقت ممكن وغادرت النزل. وبالكاد استطعت تحمل المحادثة ~~الودية التي أجرتها معي موظفة الفندق؛ حيث أخبرتني أن الثلوج سوف تتساقط في وقت لاحق، ~~وأن علي الاعتناء بنفسي. # كان الزحام يشتد بالفعل على الطريق السريع، كما كان هناك حادث أدى إلى بطء السير ~~بصورة أكبر. # ظننت أن فرانكلين ربما خرج ليبحث عني، وأنه قد يتعرض لحادث أيضا، وأننا حينها قد لا ~~يرى كل منا الآخر مرة أخرى. # لم ms219 أكن أفكر في جوين إلا باعتبارها الشخص الذي عطل سير حياتنا وخلق مشاكل ~~سخيفة، برجليها البدينتين القصيرتين، وشعرها المضحك، وتجاعيد وجهها المتشابكة. يمكن أن ~~تقول إنها كانت شخصية كاريكاتورية، شخصا لا يمكن إلقاء اللوم عليه ولا يجب أبدا أخذه ~~على محمل الجد. # وصلت إلى المنزل، الذي لم يتغير فيه شيء، وتوجهت إلى الممر ورأيت سيارته، وحمدت ~~الرب أنه كان موجودا هناك. # لاحظت أن السيارة لم تكن متوقفة في مكانها المعتاد. # وكان السبب أن سيارة أخرى، سيارة جوين، كانت متوقفة في مكانها. # لم أستطع استيعاب الأمر؛ فطوال تلك الرحلة، نظرت إليها - هذا إن كانت قد جالت بخاطري ~~على الإطلاق - كشخص كان سينحى جانبا، وأنها منذ الفراق الأول لا يمكن أن يكون لها دور ~~في حياتنا. كان الشعور بالراحة لا يزال يغمرني لعودتي إلى المنزل، ولكون فرانكلين أيضا في ~~المنزل سالما. سرى الاطمئنان عبر كل أوصالي، حتى إن جسدي كان على استعداد للخروج من ~~السيارة والذهاب مسرعا إلى المنزل. حتى إني أخذت أبحث عن مفتاح المنزل، ناسية ما ~~فعلته به. # لم أكن أحتاجه على أي حال؛ كان فرانكلين قد فتح باب منزلنا، ولم تبد عليه المفاجأة أو ~~الارتياح، حتى عندما نزلت من السيارة وأخذت أتجه نحوه. نزل درجات المنزل بطريقة ~~متوازنة وأوقفتني كلماته قبل أن أصل إليه. # قال: «انتظري.» # انتظري. بالطبع، كانت هي موجودة بالداخل. # ثم أضاف: «عودي إلى السيارة مرة أخرى. لا يمكننا أن نتحدث في الخارج هكذا؛ إن الجو ~~بارد جدا.» # وعندما دخلنا إلى السيارة، قال: «إن الحياة لا يمكن أبدا التنبؤ بأحداثها.» # كان صوته على غير المعتاد رقيقا وحزينا. لم يكن ينظر إلي، بل ينظر باتجاه الزجاج ~~الأمامي للسيارة، ومنزلنا. # قال لي: «أعرف أنه لا جدوى من الاعتذار لك.» # ثم تابع: «كما تعلمين، لا يتعلق الأمر حتى بالشخص؛ إنه نوع من الهالة، أو السحر ~~المرتبط به. لا شك أن الأمر يتعلق بالشخص، ولكنه يحيط بهذه الهالة والسحر ويجسدهما، أو ~~هما من يجسدانه، لا أعرف الصواب على وجه التحديد. هل ms220 تفهمين قصدي؟ إنه أمر يحدث فجأة ~~ككسوف الشمس أو ما شابه.» # هز رأسه المحني، في حيرة كاملة. # كان بإمكانك أن تشعر أنه كان يتطلع للحديث عنها، ولكن تلك الطريقة المعسولة في الحديث ~~كانت ستجعله يشعر بالغثيان في المعتاد؛ وهذا ما جعلني أفقد الأمل. # شعرت ببرودة شديدة تسري عبر جسدي. كنت سأسأله إن كان قد أخبر الطرف الآخر بهذا ~~التحول، ولكني ظننت أنه بالتأكيد فعل هذا، وأنها كانت هنا، في المطبخ مع الأشياء التي ~~كانت تلمعها. # كان افتتانه حزينا جدا، وكان مثل افتتان أي شخص آخر، حزينا. # فقلت: «توقف عن الكلام. لا تتكلم فحسب.» # التفت ونظر إلي للمرة الأولى، وتحدث دون أي من نبرات الحيرة الهادئة التي كانت ~~في صوته. # قال: «يا إلهي! لقد كنت أمزح. اعتقدت أنك ستكتشفين الأمر. حسنا، حسنا. أوه، بالله ~~عليك، اصمتي، واستمعي إلي.» # ففي أثناء ذلك، كنت أصرخ من الغضب والارتياح. ~~«حسنا، لقد كنت غاضبا منك بعض الشيء. قررت أن أجعلك تمرين ببعض الوقت العصيب ~~عقابا لك على ذلك. ماذا كان من المفترض أن أظن عندما عدت إلى المنزل وقد رحلت عنه ~~لتوك؟ حسنا، أنا أحمق. كفي عن هذا. كفي عن هذا.» # لم أرغب في التوقف عن الصراخ. أدركت أن كل شيء كان على ما يرام الآن، ولكنه كان من ~~المريح لي أن أصرخ بتلك الطريقة. ثم وجدت أمرا جديدا ألومه عليه. ~~«ما الذي تفعله سيارتها هنا إذن؟» ~~«إنهم لم يستطيعوا أن يفعلوا شيئا مع تلك السيارة؛ فهي مجرد خردة.» ~~«لكن لم هذه السيارة موجودة هنا؟» # قال إنها موجودة هنا لأن بها بعض الأجزاء الصالحة للعمل، وهي ليست كثيرة، وإنها أصبحت ~~ملكه أو ملكنا الآن. # لأنه قد اشترى لها سيارة. ~~«سيارة؟ جديدة؟» # سيارة جديدة بما يكفي لتعمل على نحو أفضل من السيارة التي كانت تمتلكها. ~~«إنها تريد أن تذهب إلى مدينة نورث باي لأن لديها هناك أقارب أو ما شابه ذلك. وتلك ~~المدينة هي المكان الذي أرادت أن تتجه إليه عندما تستطيع الحصول على سيارة تساعدها ms221 على ~~القيام بذلك.» ~~«إن لديها أقارب هنا، في المكان الذي تعيش فيه. كما أن لديها طفلتين في الثالثة من ~~عمرهما يجب أن تعتني بهما.» ~~«حسنا من الواضح أن أقاربها في نورث باي هم من يلائمونها الآن. إنها لم تخبرني عن أي ~~أطفال في الثالثة من عمرهم. ربما ستأخذهما معها.» ~~«هل طلبت منك أن تشتري لها سيارة؟» ~~«لم تطلب أي شيء.» # قلت: «إذن، أصبحت هي الآن جزءا من حياتنا.» ~~«إنها في نورث باي. لنذهب إلى داخل المنزل؛ إنني حتى لم أرتد معطفا.» # ونحن في طريقنا، سألته ما إذا كان قد أخبرها عن قصيدته، أو ربما قرأها لها. # قال: «يا إلهي، لا. ولم أفعل ذلك؟» # كان أول شيء رأيته داخل المطبخ لمعان الأوعية الزجاجية النظيفة. جذبت كرسيا ووقفت ~~عليه وبدأت في وضع تلك الأوعية بأعلى الخزانة. # قلت: «هل يمكنك مساعدتي؟» وأخذ يناولني إياها. # تساءلت في نفسي: هل من الممكن أن يكون قد كذب بشأن القصيدة؟ وهل من الممكن أن تكون قد ~~استمعت إليها منه؟ أو أعطاها لها وقرأتها هي بنفسها؟ # إذا كان الأمر كذلك، فإن رد فعلها لم يكن مرضيا، مهما كان. # فإذا افترضنا أن رأيها هو أن القصيدة جميلة، فإنه كان سيكره ذلك. # أو ربما أنها قد تساءلت كيف أنه لم يحاسب على فعلته تلك؛ على الكلام البذيء الذي ~~تحتويه. ربما كان هذا ما قالته. كان سيكون هذا أفضل، ولكن ليس للدرجة التي قد ~~تظنها. # فمن يستطيع أن يخبر شاعرا بالرأي المثالي بشأن قصائده؟ الرأي الذي لا يبالغ في الثناء ~~عليه أو الانتقاص من حقه، ولكن يوضح الحقيقة كما هي. # وضع ذراعيه حولي وأنزلني عن الكرسي. # قال: «إننا لم نعد نتحمل الشجار.» # هذا صحيح بالطبع؛ فقد نسيت تقدمنا في العمر، نسيت كل شيء، معتقدة أن هناك مزيدا ~~من الوقت للمعاناة والشكوى. # تمكنت من رؤية المفتاح، ذلك المفتاح الذي أدخلته عبر فتحة الباب الأمامي. كان داخل ~~شق بين ممسحة الأرجل البنية المزغبة وعتبة الباب. # كما كان يجب أن أكون حذرة من تلك ms222 الرسالة التي كتبتها أيضا وأمنعها من الوصول ~~إليه. # ماذا لو مت قبل وصولها؟ يمكنك أن تظن أنك في حالة صحية جيدة، ثم يأتي الموت هكذا بكل ~~بساطة؛ فهل يتعين علي أن أترك رسالة بهذا الشأن لفرانكلين من باب الاحتياط؟ # أقول له فيها: إن وصلتك رسالة مني، فمزقها. # أعتقد أنه كان سيفعل ما طلبته منه. أما أنا فلو كنت مكانه، لما كنت لأفعل هذا؛ كنت ~~سأفتحها، بغض النظر عن كل الوعود التي قطعتها له في هذا الشأن. # أما هو، فكان سيطيعني. # يا له من مزيج من الغضب والإعجاب الذي كنت أحس به لاعتقادي باستعداده للقيام بذلك؛ ~~وكان هذا ينطبق على حياتنا بأكملها التي قضيناها معا. # | خاتمة # «ليست الأعمال الأربعة الأخيرة في هذا الكتاب قصصا بالمعنى المعروف؛ إنها تمثل وحدة ~~منفصلة، وحدة تعد سيرة ذاتية في طابعها، بالرغم من أنها في بعض الأحيان لا تكون كذلك ~~تماما فيما يتعلق بالتفاصيل. أعتقد أنها أول وآخر الأشياء - وأكثرها خصوصية كذلك - ~~التي علي أن أقولها بشأن حياتي.» # | العين # حينما كنت في الخامسة من عمري، أنجب والداي فجأة ولدا، وقالت أمي عنه إنه الشيء ~~الذي لطالما كنت أريده. لا أدري من أين أتت بتلك الفكرة، وأدخلت عليها بعض التفاصيل ~~التي كانت كلها خيالية، لكن كان من الصعب مخالفتها. # وبعدها بعام أنجبا بنتا، وكانت هناك ضجة أخرى، لكنها كانت أقل من المرة ~~الأولى. # حتى مجيء الطفل الأول، لم أكن أدري بأنني يمكن أن أشعر بشيء يختلف عن ذلك الذي تقول أمي ~~إنني أشعر به. وحتى ذلك الوقت، كانت روح أمي تملأ المنزل بالكامل؛ بخطواتها وصوتها وحتى ~~رائحة بودرة التجميل التي كانت تفوح منها، المنذرة بسوء، التي كانت تملأ كل الغرف حتى ~~لو لم تكن موجودة بها. # لماذا أقول إنها كانت منذرة بسوء؟ فأنا لم أكن أشعر بالخوف من أمي. الأمر لم يكن أن ~~أمي كانت تملي علي ما يجب أن أشعر به حيال الأشياء؛ فقد كانت لها سلطة في ذلك دون أن ~~أستطيع مناقشتها، ليس فقط في ms223 مسألة أخي، وإنما أيضا في مسألة حبوب ريد ريفر التي رأت ~~أنها مفيدة لي وأن علي أن أحبها. وكذلك فيما يتعلق برؤيتي للصورة المعلقة في الجزء ~~السفلي من فراشي، التي تظهر المسيح وهو يسمح للأطفال الصغار بأن يأتوا إليه. ليست المشكلة ~~هنا في مسألة دعوة المسيح لهم، وإنما في الطفلة الصغيرة التي كانت شبه منزوية في أحد ~~الأركان؛ لأنها كانت ترغب في الذهاب إلى المسيح ولكن الخجل يعتريها. قالت أمي إنني تلك ~~الطفلة، وافترضت أنا أن الأمر كذلك، بالرغم من أنني لم أكن لأكتشف هذا إن لم تخبرني هي ~~به، وكنت آمل ألا يكون الأمر كذلك. # لكن الشيء الذي شعرت حقا بالحزن حياله هو أليس في بلاد العجائب، وكيف أنها حشرت ~~وهي كبيرة الحجم في جحر الأرنب، لكني ضحكت لأن أمي بدت سعيدة. # ولكن مع قدوم أخي للحياة ومع التأكيدات المستمرة من جانب أمي بأنه كان على نحو ما هبة ~~بالنسبة إلي، بدأت أدرك كيف أن أفكار أمي عني قد تختلف بقدر هائل عن أفكاري عن ~~نفسي. # أعتقد أن كل هذا كان يعدني للقاء سادي التي جاءت لتعمل لدينا. انشغلت أمي قليلا ~~عني لتعتني بالطفلين، ومع عدم تواجدها بقربي كثيرا، كنت أستطيع أن أحدد ما هو ~~صواب وما هو غير ذلك. وكنت واعية بما يكفي بحيث لا أتحدث عن ذلك لأي شخص. # كان الشيء غير المألوف فيما يتعلق بسادي - على الرغم من أنه لم يكن أمرا مهما في ~~منزلنا - هو أنها كانت شخصية معروفة؛ فبلدتنا كانت بها محطة إذاعة كانت سادي تعزف فيها ~~على الجيتار وتشدو بالأغنية الافتتاحية التي كانت من تأليفها. ~~«مرحبا، مرحبا، مرحبا بالجميع ...» # وبعد نصف ساعة، تصبح «وداعا، وداعا، وداعا للجميع.» وبين هذا وذاك، كانت تشدو بالأغاني ~~التي تطلب منها، وكذلك ببعض الأغاني التي تختارها هي بنفسها. وكان الناس الأكثر رقيا في ~~البلدة ينزعون إلى التندر على أغانيها وعلى المحطة بأكملها التي يقال عنها إنها أصغر ~~محطة بكندا. كان هؤلاء الأشخاص يستمعون إلى محطة بتورونتو التي كانت ms224 تذيع الأغاني الشعبية ~~الذائعة الصيت في ذلك الوقت - مثل «السمكات الثلاث الصغار والسمكة الأم أيضا» - وجيم هانتر ~~وهو يذيع الأخبار البائسة الخاصة بالحرب. لكن الأشخاص في المزارع أحبوا الإذاعة المحلية ~~وأنواع الأغاني التي كانت تشدو بها سادي؛ كان صوتها قويا وحزينا، وكانت تغني عن الوحدة ~~والحزن. # وأنا أستند إلى الحاجز العلوي القديم # في حظيرة واسعة # نظرت عبر الطريق وقت الغسق # بحثا عن صديقي الذي فقدته منذ وقت طويل. # كانت معظم المزارع في هذا الجزء من البلاد قد أزيلت منذ نحو 150 عاما، ~~وبمقدورك أن تنظر من أي بيت ريفي وسترى أن أقرب بيت ريفي آخر يقع على بعد بضعة حقول. إلا ~~أن الأغاني التي كان يريدها المزارعون كانت كلها عن رعاة البقر الذين يعانون الوحدة، وسحر ~~ووهم الأماكن البعيدة، والجرائم الشنعاء التي أدت إلى موت المجرمين وشفاههم تنطق ~~أسماء أمهاتهم أو تنطق اسم الرب. # كان هذا ما تغنيه سادي بأسى وبأخفض طبقات الصوت النسائية، لكن في عملها معنا كانت تمتلئ ~~بالحيوية والثقة، وكانت سعيدة عندما تتحدث، وبالأخص عندما تتحدث عن نفسها، لكن في ~~الأغلب لم يكن هناك أحد تتحدث إليه سواي؛ فالمهام التي كانت تقوم بها وتلك الخاصة بأمي ~~لم تكن تجمعهما معا معظم الوقت، وإلى حد بعيد، أعتقد أنهما ما كانا ليستمتعا بالحديث ~~معا على أية حال. كانت أمي شخصية جادة كما سبق أن أشرت، شخصية اعتادت التدريس في ~~المدارس قبل أن تدرس لي، وربما أرادت أن تكون سادي شخصا يمكن أن تعاونه وتعلمه كيف ~~ينطق الكلمات على نحو سليم. لكن سادي لم تعط أي إشارة على أنها كانت تحتاج إلى ~~مساعدة أحد أو أن تتحدث بطريقة تختلف عما اعتادت التحدث بها دائما. # بعد الغداء، وجبة الظهيرة، نكون أنا وسادي بمفردنا في المطبخ. وكانت أمي تقتطع بعض الوقت ~~لكي تغفو قليلا، وإن حالفها الحظ كان يغفو معها الصغيران أيضا، وعندما تستيقظ ترتدي ~~ثيابا مختلفة كما لو أنها تتوقع أن تكون فترة ما بعد الظهيرة هادئة دون متاعب، ~~بالرغم من ms225 أن ثمة المزيد من الحفاضات التي كان يجب بالتأكيد تغييرها، وأيضا بعض ذلك العمل ~~غير المألوف الذي حاولت جاهدة ألا أتطلع إليه مطلقا، حينما كانت أختي الرضيعة تلتقم ~~أحد ثدييها وتلتهم اللبن منه. # كان أبي يحصل على غفوة هو الآخر؛ ربما لخمس عشرة دقيقة في الرواق، واضعا صحيفة «ساترداي ~~إيفننج بوست» على وجهه قبل أن يعود إلى عمله في الحظائر. # كانت سادي تسخن المياه على الموقد وتغسل الأطباق بمساعدتي، وكانت تغلق الستائر حتى ~~تحتفظ بالحرارة. وحينما كنا ننتهي من ذلك كانت تمسح الأرضية وكنت أجففها بطريقتي التي ~~ابتكرتها؛ حيث كنت أتزلج في أنحاء المطبخ على خرق التنظيف. ثم كنا ننزع بعدها لفائف ~~الورق الصائد للذباب اللزج الأصفر التي وضعناها بعد الإفطار، والتي امتلأت عن آخرها ~~بالذباب الأسود الميت أو ذلك الذي يطن وعلى وشك الموت، ونعلق اللفائف الجديدة التي ستضحى ~~مليئة بذباب ميت جديد بحلول وقت العشاء. طوال هذا الوقت، كانت سادي تخبرني عن ~~حياتها. # لم أكن حينها أستطيع بسهولة أن أصدر أحكاما بشأن أعمار الناس؛ كان الناس بالنسبة ~~إلي إما أطفالا وإما كبارا، وكنت أعتقد أنها كبيرة؛ ربما كانت في السادسة عشرة من ~~عمرها، وربما في الثامنة عشرة أو العشرين. وأيا ما كان عمرها، فلطالما أعلنت أنها لم ~~تكن تتعجل الزواج. # كانت تذهب لحفلات رقص كل عطلة نهاية أسبوع، لكنها كانت تذهب بمفردها. كانت تذهب ~~بمفردها ولأجل نفسها، بحسب قولها. # كانت تحدثني عن صالات الرقص. كانت هناك واحدة في البلدة على مقربة من الشارع الرئيسي ~~حيث تقام ساحة لممارسة لعبة الكيرلنج في الشتاء؛ كانت تدفع عشرة سنتات من أجل الرقصة ~~الواحدة، ثم تصعد وترقص على المنصة والناس حولها يحدقون فيها ببلاهة، لكنها لم تكن ~~تعيرهم اهتماما. كانت تفضل دائما أن تدفع ثمن الرقصة حتى لا تكون مدينة بالفضل ~~لأحد، لكن في بعض الأحيان كان يأتي إليها أحد الأشخاص قبل أن تصعد لمنصة الرقص، ويسألها ~~إن كانت ترغب في الرقص، وأول شيء كانت تقوله له بفظاظة هو: هل تستطيع أنت ms226 الرقص؟ هل ~~تستطيع الرقص؟ فكان ينظر هو إليها بسخرية ويرد بالإيجاب، ولسان حاله يقول: هل هناك سبب ~~آخر لتواجدي هنا؟ ويتضح في الغالب بعد ذلك أن ما كان يعنيه بالرقص هو جر قدميه ~~ببطء وعشوائية مع وضع يديه البدينتين المتعرقتين حولها. وفي بعض الأحيان كانت ~~تبتعد عنه وتتركه وحيدا وترقص بمفردها؛ وهو الشيء الذي كانت تحب أن تفعله على أية حال. ثم ~~كانت تنهي الرقصة التي دفع مقابلها، وإذا ما اعترض جامع النقود وأراد أن تدفع ثمن ~~رقصتين، بينما هي رقصة واحدة فقط، كانت تقول إن ذلك يكفي بالنسبة إليه. كان من الممكن أن ~~يضحك الجميع عليها وهي ترقص بمفردها إن أرادوا ذلك. # أما صالة الرقص الأخرى، فكانت خارج البلدة على الطريق السريع، وهناك كان المرء يدفع ~~مقابل الرقص عند الباب، ولكن ليس من أجل رقصة واحدة وإنما لليلة بمجملها؛ كان اسم هذا ~~المكان هو رويال-تي، وكانت تدفع لنفسها هناك أيضا. وبنحو عام، كان مستوى الراقصين هناك ~~أفضل، لكنها كانت تحاول أن تأخذ فكرة عن طريقة رقصهم قبل أن تجعلهم يصطحبونها إلى ساحة ~~الرقص. كانوا في الغالب من سكان البلدة، بينما كان الأشخاص في المكان الآخر ريفيين. كانوا ~~يرقصون - أي سكان البلدة - على نحو جيد، لكن لم تكن طريقة الرقص ما كان يشغلها دائما، ~~وإنما المكان الذي يرغبون أن يمسكوا بها منه. كان عليها أن توبخهم بشدة في بعض الأحيان ~~وتخبرهم بما ستفعله بهم إن لم يتوقفوا عن ذلك، وكانت تجعلهم يعرفون أنها أتت لهذا المكان ~~من أجل الرقص، وأنها دفعت لنفسها من أجل هذا. إضافة إلى ذلك، كانت تعرف أين تضربهم، وكان ~~هذا كفيلا بأن يجعلهم يحسنون من سلوكهم. وفي بعض الأحيان يكون هناك راقصون جيدون، وكانت ~~تستمتع حينها بالرقص معهم. وعندما كانت تنتهي الرقصة الأخيرة، كانت تندفع بسرعة إلى ~~المنزل. # قالت إنها ليست كالبعض؛ فهي لم تكن تريد أن تقع في أسر أحد. # الأسر. عندما قالت ذلك، تخيلت شبكة ضخمة من الأسلاك وهي تهبط، وبعض الكائنات ~~الصغيرة الشريرة ms227 وهي تلفها حول شخص ما وتحكم ربطها حتى تخنقه ولا يستطيع أبدا الفكاك ~~منها. لا بد أن سادي لمحت شيئا كهذا على وجهي لأنها طلبت مني ألا أخاف. ~~«ليس ثمة شيء في هذا العالم يثير الخوف، فقط اهتمي بنفسك ولا تهتمي بشأن ~~الآخرين.» ~~••• # قالت أمي: «أنت وسادي تتحدثان كثيرا معا.» # كنت أدري أن هناك شيئا آتيا يجب علي أن أنتبه إليه، لكني لم أكن أعلم ما هو. ~~«إنك تحبينها، أليس كذلك؟» # قلت نعم. ~~«بالطبع أنت تحبينها، وأنا أيضا أحبها.» # تمنيت أن يكون هذا كل ما في الأمر، وللحظة اعتقدت أنه كذلك. # ثم قالت: «أنا وأنت لا نجد الآن الوقت الكافي لنمضيه معا بسبب الطفلين؛ إنهما لا ~~يمنحاننا الكثير من الوقت لنكون معا، أليس كذلك؟ لكننا نحبهما، أليس كذلك؟» # سريعا قلت نعم. # قالت: «حقا؟» # ولم تكن لتكف إلا إن قلت حقا إنني أحبهما، فقلت هذا. ~~••• # كانت أمي تحتاج إلى شيء ما بشدة؛ هل كان صديقات لطيفات؟ نساء يلعبن البريدج ويذهب ~~أزواجهن إلى العمل مرتدين بذلات كاملة؟ لا، ليس تماما، وليس ثمة أمل في حدوث ذلك على أية ~~حال. أم كان هذا الشيء هو أنا كما اعتدت أن أكون، بخصلات شعري التي تشبه النقانق التي لم ~~تكن تعجبني، وتلاواتي القديرة للكتاب المقدس في مدرسة الأحد؟ لم يعد لديها وقت لتهتم ~~بذلك، كما أن هناك شيئا بي كان يفقد ولاءه لها، بالرغم من أنها لم تكن تدري سبب ذلك، وأنا ~~كذلك. لم أكون أي صداقات بالبلدة في مدرسة الأحد، لكني بدلا من ذلك كنت أحب سادي ~~بشدة؛ سمعت أمي تقول ذلك لأبي: «إنها تحب سادي حبا يصل لدرجة التقديس.» # قال أبي إن سادي عطية من الرب. ماذا كان يعني بذلك؟ كان يبدو مبتهجا؛ ربما كان يعني أنه ~~ما كان ليأخذ جانب أحد. # قالت أمي: «كنت أتمنى أن تكون لدينا أرصفة ملائمة لها أمام المنزل؛ فلو كانت لدينا ~~الأرصفة الملائمة، فلربما كانت قد تعلمت التزلج بأحذية ذات عجلات وتكوين ~~صداقات.» # كنت أرغب بالفعل في ms228 الحصول على أحذية تزلج ذات عجلات، لكني الآن، ودون أدنى فكرة عن ~~السبب، أعلم أنني لم أكن لأقر بذلك قط. # ثم قالت أمي شيئا عن الأمر، وأنه سيتحسن حينما تبدأ الدراسة؛ شيئا يتعلق بي سيحسن ~~من وضعي، أو شيئا يتعلق بسادي سيكون أفضل بالنسبة إليها. لم أرغب في سماع ما كانت ~~تقوله. # كانت سادي تعلمني بعض أغانيها، وكنت أعلم أنني لا أغني جيدا، وتمنيت ألا يكون ~~ذلك هو الشيء الذي ينبغي أن يتحسن وإلا فسيتوقف. لكني لم أكن أرغب أن يتوقف في حقيقة ~~الأمر. # لم يكن لدى أبي الكثير ليقوله؛ فقد كانت أمي المسئولة عني إلا لاحقا حينما أصبحت أرد ~~بوقاحة وكان الأمر يستلزم العقاب. وكان ينتظر حتى يشب أخي ويكون من اختصاصه هو؛ فالصبي ~~لا يكون التعامل معه بمثل هذا التعقيد. # وبالقطع لم يكن أخي صعبا في التعامل معه؛ فقد شب ليصبح إنسانا رائعا. ~~••• # والآن بدأت الدراسة؛ بدأت منذ أسابيع وذلك قبل أن تصطبغ أوراق الأشجار باللونين ~~الأحمر والأصفر. والآن قد تساقط معظمها. في أحد الأيام، خرجت مع أمي، ولم أكن أرتدي ~~معطف المدرسة، وإنما ارتديت معطفي الجميل الذي أساور كمه وياقته ذوات لون مخملي ~~داكن. كانت أمي ترتدي المعطف الذي تذهب به إلى الكنيسة وغطاء للرأس يغطي معظم ~~شعرها. # كانت أمي تقود السيارة إلى المكان الذي كنا متجهين إليه. في أغلب الأحيان لم تكن تقود، ~~وقيادتها دائما كانت أكثر روية، ولكن أقل وثوقا، من قيادة أبي. وكانت تطلق النفير عند ~~كل منعطف. # قالت: «الآن.» لكنها استغرقت بعض الوقت لكي تركن السيارة. ~~«ها قد وصلنا إذن.» بدا أن نبرة صوتها كان الهدف منها تشجيعي. لمست يدي كي تعطيني ~~فرصة أن أمسك بيدها، لكني تظاهرت بأني لم ألحظ ذلك، فأبعدت هي يدها. # لم يكن للمنزل ممر خاص أو حتى رصيف. كان منزلا جميلا لكنه بسيط للغاية. رفعت أمي ~~يدها التي كان يغطيها قفاز لتطرق الباب، لكن اتضح أننا لم نكن بحاجة إلى ذلك؛ فقد ~~انفتح الباب من أجلنا . شرعت أمي ms229 في قول شيء مشجع لي - شيء من قبيل أن الأمر سيمر ~~بأسرع مما أظن - لكنها لم تكمل حديثها. كانت النبرة التي تحدثت بها تحمل بعضا من ~~الحزم، لكنها كانت أيضا باعثة على بعض الارتياح، إلا أنها تغيرت حينما فتح الباب ~~لتصبح خافتة وناعمة أكثر؛ تهيبا للموقف. # فتح الباب لكي يخرج بعض الأشخاص وليس فقط لكي نلج نحن منه، وقالت إحدى السيدات ~~المغادرات - وقد استدارت برأسها - بصوت لم تحاول أن تخفضه على الإطلاق: ~~«إنها السيدة التي كانت تعمل لديها، والطفلة الصغيرة التي كانت تعمل على رعايتها.» # ثم جاءت امرأة متأنقة بعض الشيء وتحدثت إلى أمي وساعدتها في خلع معطفها. ~~وبعد انتهاء ذلك، خلعت أمي معطفي عني وقالت للمرأة إنني كنت مغرمة بسادي بشدة، وإنها ~~تأمل بألا يكون ثمة إزعاج من إحضاري. # قالت المرأة: «أوه، أيتها الصغيرة العزيزة.» وربتت أمي علي برفق كي أحيي ~~المرأة. # قالت المرأة: «سادي تحب الأطفال. إنها كذلك بالفعل.» # لاحظت أنه كان يوجد طفلان هناك؛ صبيان. كنت أعرفهما من المدرسة، أحدهما كان معي في الصف ~~الأول، والآخر كان يكبرني. كانا يختلسان النظر إلينا من مكان الأرجح أنه كان المطبخ. ~~كان الصبي الأصغر يمتلئ فمه بقطعة كعك كاملة على نحو مضحك، وكان الآخر، الأكبر سنا، ~~ترتسم على وجهه أمارات الاشمئزاز؛ ليس تجاه الطفل الذي كان فمه ممتلئا بالطعام، وإنما ~~تجاهي أنا. كانا يبغضانني بالطبع؛ فالأولاد إما يتجاهلونك إن صادفوك في مكان آخر بخلاف ~~المدرسة (وهم يتجاهلونك هناك أيضا)، وإما يرسمون تلك التعبيرات على وجوههم ويسبونك ~~بألفاظ قبيحة. اعتقدت أنه إن حدث أن اقتربت من أحدهما، فسأشعر بالتوتر ولا أدري ماذا ~~أفعل. بالطبع يختلف الأمر إن كان هناك بعض البالغين في المكان. بقيا الولدان هادئين، لكني ~~شعرت ببعض التعاسة حتى جاء شخص وجذبهما إلى المطبخ. ثم انتبهت بعدها إلى صوت أمي ~~الشديد الرقة والتعاطف، بل إنه كان أكثر تهذيبا من تلك المرأة التي كانت تتحدث إليها، ~~وأعتقد أن تعبير وجه الصبي كانت أمي هي المقصودة به؛ ففي بعض الأحيان كان ms230 الناس يقلدون ~~صوتها حينما كانت تنادي علي في المدرسة لتصحبني إلى المنزل. # كانت المرأة التي تحادثها أمي، والتي بدا أنها الشخص المسئول في المكان، تقودنا إلى ~~جزء من الحجرة حيث كان يجلس رجل وامرأة على أريكة، وقد بدا عليهما كما لو كانا لا ~~يدريان تماما سبب تواجدهما هناك. انحنت أمي نحوهما وحدثتهما باحترام شديد ~~وعرفتهما بي. # قالت: «إنها تحب سادي بشدة.» كنت أدرك أن علي أن أتفوه بشيء حينها، لكن قبل أن ~~أفعل، أطلقت المرأة الجالسة هناك صرخة عالية. لم تكن تنظر إلى أي منا، وبدا الصوت ~~الذي صدر عنها أشبه بالصوت الذي يطلقه المرء حينما يعضه حيوان ما أو يضايقه. راحت ~~تضرب ذراعيها بيديها كما لو أنها قد أرادت التخلص من الشيء الذي كان عليها، لكنه ~~لم يتركها. نظرت إلى أمي كما لو أن أمي هي الشخص الذي ينبغي أن يفعل شيئا حيال ~~ذلك. # طلب منها الرجل أن تصمت. # قالت المرأة التي كانت تقودنا: «إنها منزعجة من الأمر بشدة. إنها لا تدري ماذا تفعل.» ثم ~~انحنت أكثر وقالت: «اهدئي. ستفزعين البنت الصغيرة.» # قال الرجل بإذعان: «ستفزعين الطفلة الصغيرة.» # بمجرد أن انتهى من قول هذا، كانت المرأة قد كفت عن صراخها، وراحت تربت على ~~ذراعيها اللذين خدشتهما بيديها كما لو أنها لم تكن تعرف ما الذي ألم بهما. # قالت أمي: «يا لها من امرأة مسكينة!» # قالت المرأة التي كانت تقودنا: «هي مجرد طفلة أيضا.» ثم قالت لي: «لا تقلقي.» # كنت أشعر بالقلق، لكن ليس حيال الصراخ. # كنت أدري أن سادي في مكان ما هنا، ولم أكن أرغب في رؤيتها. لم تقل أمي لي صراحة إنه ~~علي أن أراها، كما أنها لم تقل أيضا إنه لا يتعين علي أن أراها. # لقيت سادي مصرعها في طريق عودتها إلى المنزل مشيا من قاعة رقص رويال-تي؛ لقد ~~صدمتها سيارة في ذلك الطريق الضيق المفروش بالحصى بين ساحة انتظار السيارات التابعة ~~لصالة الرقص وبداية الرصيف الرسمي للبلدة. لا بد أن سادي كانت تسير مسرعة متبعة ms231 نفس ~~المسار الذي اعتادت دائما أن تسلكه، وهي تعتقد دون شك أن السيارات لا يمكن أن تراها، ~~أو ربما كانت تسير في المسار الصحيح كما هو الحال بالنسبة إلى السيارات، وانحرفت السيارة ~~التي كانت تسير خلفها عن طريقها وصدمتها، أو ربما كانت تسير في مسار غير المسار الذي ~~كانت تعتقد أنه المناسب. لقد صدمتها السيارة من الخلف، والسيارة التي صدمتها كانت تفسح ~~الطريق لسيارة كانت تسير خلفها، وتلك السيارة الثانية كانت تريد أن تأخذ المنعطف الأول ~~نحو أحد شوارع البلدة. كان هناك أناس يحتسون الشراب في قاعة الرقص بالرغم من أنه لم يكن ~~مسموحا بشراء الخمور هناك، ودائما ما كان هناك بعض الصراخ وإطلاق لنفير السيارات ~~وتغيير السيارات اتجاهها بسرعة كبيرة بعد انتهاء الرقص. ربما كانت سادي تنطلق مسرعة حتى ~~دون مصباح جيب وتتصرف كما لو أنه من واجب الآخرين أن يبتعدوا عن طريقها. # قالت المرأة التي كانت تحاول مصادقة أمي: «فتاة دون صديق تذهب للرقص سيرا على ~~الأقدام.» كانت تتحدث بصوت منخفض جدا وغمغمت أمي بشيء ينم عن الآسف. # أضافت هذه المرأة - وإن كان بصوت أكثر خفوتا - أن هذا كان يعني أنها كانت تسعى وراء ~~المشاكل. # كنت قد سمعت حديثا في المنزل لم أفهم كنهه. أرادت أمي فعل شيء ربما كانت له ~~علاقة بسادي والسيارة التي صدمتها، لكن أبي طلب منها أن تنسى الأمر، وقال إننا ~~ليست لدينا مصالح بالبلدة. لم أحاول حتى أن أعرف ماهية هذا الأمر لأني كنت أحاول ألا ~~أفكر في سادي على الإطلاق، فضلا عن مسألة موتها. وحينما أدركت أننا ذاهبون إلى منزل ~~سادي، تمنيت ألا نذهب، لكني لم أجد أي طريقة للهروب إلا بالتصرف بطريقة تنطوي ~~على مهانة شديدة. # والآن وبعد نوبة صراخ السيدة العجوز، بدا لي أن علينا أن نغادر ونعود إلى المنزل. ~~لم أكن لأعترف مطلقا بالحقيقة، وهي أنني في واقع الأمر أشعر برعب شديد عند رؤية أي ~~شخص ميت. # وبينما كنت أفكر في أن هذا قد يكون ممكنا ، سمعت أمي والمرأة ms232 التي بدا أنها كانت ~~تتآمر معها يتحدثان عن أمر أسوأ من أي شيء آخر. # كان هذا الأمر هو رؤية سادي. # كانت أمي تقول: نعم. بالطبع، ينبغي أن نرى سادي. # جثة سادي. # كنت قد أبقيت بصري تقريبا لأسفل، ولم أكن أرى تقريبا سوى هذين الصبيين اللذين كانا ~~يفوقانني طولا بالكاد، والرجل والمرأة العجوزين اللذين كانا يجلسان. لكن أمي الآن ~~أمسكت بيدي وسارت بي في اتجاه آخر. # اتضح أنه كان ثمة تابوت في الحجرة طوال الوقت لكني ظننته شيئا آخر. وبسبب قلة ~~خبرتي، لم أكن أعرف تحديدا كيف يكون شكل ذلك الشيء؛ كنت أعتقد أن الشيء الذي كنا نقترب ~~منه ربما يكون رفا توضع فوقه الزهور، أو بيانو مغلقا. # ربما كان الناس الملتفون حوله قد أخفوا إلى حد ما حجمه الحقيقي وشكله والغرض ~~منه، لكن هؤلاء الأشخاص الآن أخذوا يفسحون الطريق باحترام، وأخذت أمي تتحدث ~~بنبرة صوت جديدة شديدة الهدوء. # قالت لي: «اقتربي الآن.» لكن رقة صوتها بدت لي بغيضة، تعكس انتصارها. # انحنت لتنظر إلى وجهي، وكنت متأكدة أنها فعلت ذلك لكي تمنعني مما خطر في ذهني أن ~~أفعله حينها؛ وهو أن أطبق عيني بشدة. ثم أبعدت نظرها عني لكنها كانت تقبض على ~~يدي بشدة بين يدها. نجحت في أن أخفض جفني بمجرد أن أبعدت عينيها عني، لكني لم ~~أغلقهما تماما خشية أن أتعثر أو أن يدفعني شخص آخر إلى حيث لا أريد. لم أستطع أن ألمح ~~سوى طيف الزهور المتيبسة ولمعة الخشب المطلي. # ثم سمعت أمي وهي تشهق وشعرت بها تبتعد، وسمعت صوت حقيبتها وهي تفتح. كان عليها أن ~~تدس يدها في داخلها، وهكذا تراخت قبضة يدها عن يدي، واستطعت أن أحرر نفسي منها. ~~كانت تبكي، وكانت شهقاتها ودموعها هي ما حررني من قبضتها. # ونظرت مباشرة إلى التابوت ورأيت سادي. # لم يصب عنقها ولا وجهها بسوء في الحادث، لكني لم أر كل هذا على الفور؛ فقط ~~تكون لدي انطباع بأن ليس هناك أماكن متضررة بشدة بجسدها كما كنت أخشى. أغلقت ~~عيني ms233 بسرعة، لكني لم أقو على منع نفسي من النظر إليها ثانية. نظرت أولا للوسادة ~~الصفراء الصغيرة الموضوعة أسفل عنقها، التي أخفت حنجرتها وذقنها ووجنتها التي كان بمقدوري ~~أن أراها بسهولة. كانت الحيلة التي اتخذتها تتمثل في أن أرى جزءا منها سريعا، ثم ~~أعود للنظر إلى الوسادة، وفي المرة التالية أستطيع رؤية المزيد من الأجزاء التي لست ~~خائفة من النظر إليها؛ وهكذا حتى نظرت لجسد سادي، كله أو على الأقل كل ما كان يمكنني ~~رؤيته من الجانب المتاح لي. # لقد تحرك شيء. لقد رأيته، تحرك جفنها الذي كان من ناحيتي. لم يكن مفتوحا أو شبه ~~مفتوح أو أي شيء من هذا القبيل، لكنه ارتفع بمقدار ضئيل جدا بحيث يتيح لها، لو كنت ~~مكانها، لو كنت بداخلها، أن ترى ما بالخارج من خلال الرموش؛ ربما فقط للتمييز بين النور ~~والظلام بالخارج. # لم أندهش حينها أو أشعر بالخوف على الإطلاق؛ فعلى الفور، عبرت هذه النظرة عن كل ما ~~عرفته عن سادي، وبطريقة ما عبرت عن هذه التجربة الشديدة الخصوصية بالنسبة إلي. ولم ~~أسع قط للفت نظر أحد إلى ما كان هناك، لأنه لم يكن موجها لهم، وإنما كنت أنا ~~المعنية به بالكامل. # أمسكت أمي بيدي ثانية وقالت إن علينا الرحيل. كان هناك المزيد من الحوارات، لكن لم يمر ~~وقت طويل، أو هكذا خيل إلي، حتى وجدنا أنفسنا بالخارج. # قالت لي أمي: «أحسنت صنعا.» ثم أمسكت يدي بقوة وقالت: «والآن، انتهى الأمر.» كان ~~عليها أن تتوقف وتتحدث إلى شخص آخر كان في طريقه إلى داخل المنزل، ثم ولجنا بعدها في ~~السيارة وشرعنا في القيادة صوب المنزل. كنت أعتقد أنها تنتظر مني أن أقول شيئا، أو ربما ~~حتى أن أخبرها بشيء، لكني لم أفعل. # لم يرد على ذهني مطلقا أي خاطر بشأن هذا الأمر، بل في الواقع تلاشت سادي من ذهني ~~بسرعة كبيرة بسبب صدمة الذهاب إلى المدرسة؛ حيث تعلمت إلى حد ما أن أواجه الأمر ~~بمزيج غريب من الشعور بالخوف الشديد والتظاهر بالتماسك. وفي ms234 حقيقة الأمر تلاشى بعض من ~~أهميتها لدي في الأسبوع الأول من ديسمبر، حينما قالت إن عليها أن تمكث في المنزل لتعتني ~~بأبيها وأمها، وهكذا لم تعد تعمل لدينا منذ ذلك الحين. # وبعدها اكتشفت أمي أنها كانت تعمل في معمل الألبان. # ومع هذا ولفترة طويلة، حينما كنت أفكر فيها، لم أتشكك مطلقا فيما كنت أعتقد أنه ~~تكشف لي، وبعد ذلك بفترة طويلة جدا حينما كنت لا أهتم على الإطلاق بأي أشياء غير ~~طبيعية، كنت لا أزال أعتقد أن الأمر قد وقع بالفعل. كنت أومن بحدوثه ببساطة بنفس ~~الأسلوب الذي قد تؤمن به، بل في الواقع بنفس الأسلوب الذي قد تتذكر من خلاله أنه كان ~~لديك صف آخر من الأسنان، وقد تلاشى من ذاكرتك لكنه أمر حقيقي وقع على الرغم من ذلك. حتى ~~جاء ذلك اليوم، اليوم الذي ربما كنت فيه في سنوات المراهقة وأدركت مع وجود بقعة معتمة في ~~داخلي أنني لم أعد أومن بذلك بعد الآن. # | الليل # حينما كنت صغيرة، بدا لي أنه لم توجد قط عملية مخاض أو انفجار في الزائدة ~~الدودية أو أي عملية جراحية خطيرة أخرى، إلا كانت تحدث مع هبوب عاصفة ثلجية؛ فتكون ~~الشوارع مغلقة ولا مجال على الإطلاق لإنقاذ أي سيارة تغرس عجلاتها في الثلوج، وكان ينبغي ~~ربط بعض الخيول بالسيارة حتى يمكن أن تشق طريقها عبر المدينة للوصول إلى المستشفى. ~~ومن حسن الحظ أنه كان لا يزال هناك بعض الخيول؛ لأنه وفق التطور الطبيعي للأمور كان ~~سيتم التخلي عن استخدام الخيول، لكن الحرب وترشيد استهلاك البنزين غير كل ذلك، ~~على الأقل في ذلك الوقت. # لذلك، حينما داهمني ألم شديد في جانبي، كان يجب أن يحدث في الساعة الحادية عشرة ليلا ~~وأن تهب عاصفة ثلجية، وبما أننا لم نكن حينها نربي أي خيول، كان ينبغي أن نستدعي ~~مجموعة الخيول التي كان يمتلكها جيراننا لاصطحابي إلى المستشفى؛ وهي رحلة لم تكن تتجاوز ~~الميل ونصف الميل، لكنها كانت مغامرة على الرغم من ذلك. كان الطبيب في الانتظار، ms235 والغريب ~~أنه قد استعد لاستئصال زائدتي الدودية. # هل كان يستأصل الكثير من الزوائد الدودية حينها؟ أعلم أن عملية الاستئصال هذه لا تزال ~~تحدث، وأنها شيء ضروري - بل إنني أعرف شخصا مات لأنه لم يخضع لتلك العملية في الوقت ~~المناسب - لكن كما أتذكر كان ذلك نوعا من الطقوس التي يجب أن يمر بها الكثير من ~~الأشخاص ممن هم في مثل عمري، ليس بأعداد كبيرة على الإطلاق لكن ليس على نحو غير متوقع ~~جدا، وربما ليس على نحو غير سعيد جدا بهذه الطريقة؛ لأنه كان يعني الحصول على إجازة ~~من المدرسة، ووضعا خاصا بعض الشيء يميزك، ولو لفترة وجيزة، عن الآخرين باعتبارك شخصا ~~ضربك الموت بجناحه، وذلك في وقت من حياتك يتراءى لك فيه أن هذا يمكن أن يكون شيئا ~~مفرحا. # وهكذا بقيت في الفراش، دون زائدتي الدودية، لبضعة أيام في المستشفى أتطلع أثناءها عبر ~~إحدى نوافذها إلى الثلوج وهي تتساقط على نحو كئيب عبر بعض الأشجار الدائمة الخضرة. لا ~~أعتقد أنه دار بخلدي يوما أن أتساءل كيف كان سيدفع أبي مقابل هذا التميز. (أعتقد أنه ~~باع مزرعة أشجار كان يحتفظ بها عند بيعه مزرعة أبيه؛ كان يأمل في استخدامها في إنتاج ~~السكر أو صيد الحيوانات بالشراك، أو ربما كانت تمثل له نوعا من الحنين للماضي الذي لم ~~يفصح عنه.) # ثم عدت إلى المدرسة واستمتعت بإعفائي من أداء التمرينات البدنية لفترة أطول من اللازم، ~~وفي صباح أحد أيام السبت عندما كنت أنا وأمي نقف بمفردنا في المطبخ، أخبرتني أنهم ~~استأصلوا زائدتي الدودية في المستشفى، كما كنت أعتقد تماما، لكنها لم تكن الشيء الوحيد ~~الذي استأصلوه. لقد رأى الطبيب أنه من المناسب استئصالها أثناء فحصي، لكن الشيء الأهم الذي ~~أثار قلقه هو وجود ورم؛ ورم قالت عنه أمي إنه كان في حجم بيضة ديك رومي. # لكنها قالت إنه يجب علي ألا أقلق لأن الأمر قد انتهى الآن. # لم يطرأ قط على ذهني وقتها مرض السرطان، ولم تأت هي على ذكره مطلقا. لا أعتقد ms236 أنه ~~يمكن أن يكون هناك كشف كهذا اليوم دون طرح بعض الأسئلة والاستفسارات عما إذا كان ~~ورما سرطانيا أم لا؛ ورما سرطانيا أم حميدا؛ فسنبغي معرفة ذلك في الحال. والطريقة ~~الوحيدة التي يمكن أن أفسر بها عدم قدرتنا على الحديث حول هذا الأمر؛ هي أنه لا بد أن ثمة ~~ضبابية كانت تحيط بتلك الكلمة مثلما كانت هناك ضبابية عندما يأتي ذكر الجنس. بل إن ~~السرطان أسوأ حتى من الجنس؛ فالجنس شيء مقزز لكن يتخلله بعض المتعة - بالطبع، كنا ~~نعي بوجود هذه المتعة بالرغم من أن أمهاتنا لم تكن تعي ذلك - بينما كلمة سرطان كانت ~~تجعلك تتخيل كائنا داكن اللون عفنا ذا رائحة كريهة لن تنظر إليه حتى أثناء إبعادك ~~إياه عن طريقك. # لذا لم أسأل ولم يخبرني أحد بشيء، ولم يكن أمامي سوى أن أفترض أنه حميد، أو أنهم ~~تخلصوا منه ببراعة شديدة لأنني ما زلت حية حتى الآن. وهكذا، قليلا ما كنت أفكر في ~~هذا الأمر طوال حياتي، لدرجة أنه حينما يطلب مني ذكر العمليات التي خضعت لها، كنت ~~تلقائيا أقول أو أكتب فقط: «الزائدة الدودية.» # ربما دار ذلك الحوار الذي كان بيني وبين أمي في عطلات عيد الفصح عندما انتهت كل ~~العواصف الثلجية، وذابت كل الجبال الجليدية، وفاضت جداول المياه محتضنة كل ما ~~استطاعت أن تصل إليه، وكان الصيف الشديد الحرارة على الأبواب؛ فطقسنا لا يعرف المزاح ~~أو الرحمة. # وفي أوائل شهر يونيو الحار، تخرجت في المدرسة حيث حصلت على درجات جيدة تعفيني من ~~خوض الاختبارات النهائية. كانت حالتي الصحية جيدة، وكنت أؤدي بعض المهام المنزلية، ~~وكنت أقرأ كتبا كالمعتاد، ولم يكن ثمة أحد يدري أن هناك شيئا كان يؤثر علي. # علي الآن أن أصف ترتيبات النوم في الغرفة التي كنت أشغلها أنا وأختي. كانت غرفة صغيرة ~~لا تتسع لفراشين يوضعان جنبا إلى جنب؛ لذا كان الحل هو فراشا بطابقين مزودا ~~بسلم كي يساعد من ينام في الطابق العلوي على الوصول إلى فراشه، وكان هذا الشخص هو أنا. ms237 ~~وحينما كنت أصغر سنا وأميل إلى مضايقة الآخرين، كنت أرفع جانب مرتبتي الرفيعة ~~وأهدد بالبصق على وجه أختي الصغيرة التي كانت تستلقي مغلوبة على أمرها في الفراش ~~السفلي. بالطبع لم تكن أختي - التي كان اسمها كاثرين - مغلوبة على أمرها تماما؛ فقد كان ~~بمقدورها أن تختبئ أسفل أغطيتها، لكن الحيلة التي كنت أمارسها حينها أن أظل ~~أراقبها حتى تشعر بالاختناق أو يدفعها فضولها إلى أن تخرج من أسفل الأغطية، وفي تلك ~~اللحظة أبصق عليها، أو أتظاهر بأنني نجحت في البصق على وجهها، الأمر الذي يثير حنقها ~~الشديد. # كنت قد كبرت على فعل مثل هذه الحماقات، بالطبع كبرت بما يكفي في ذلك الحين. كانت ~~أختي في التاسعة من عمرها وأنا في الرابعة عشرة. كانت العلاقة بيننا دوما غير مستقرة، وإن ~~لم أكن أضايقها أو أعمد إلى إغاظتها بأسلوب أحمق، كنت أتقمص دور الناصحة الخبيرة أو ~~راوية القصص المخيفة؛ فكنت أجعلها ترتدي بعضا من الملابس القديمة التي كانت موجودة في ~~صندوق جهاز العروس الخاص بأمي، والتي كانت لا تزال بحالة جيدة بحيث لا يمكن أن تحول إلى ~~أغطية للفراش، لكن طرازها كان قديما بحيث يكون من الصعب أن يرتديها أحد. وكنت أضع ~~طلاء الشفاه وبودرة التجميل القديمين الخاصين بأمي على وجهها وأخبرها كم هي جميلة. ~~كانت جميلة دون أدنى شك، بالرغم من أن ما كنت أضعه على وجهها يجعلها تبدو كدمية ~~أجنبية غريبة الشكل. # لا أدعي أني كنت أحكم سيطرتي عليها بالكامل، أو أن حياتنا كانت متشابكة على ~~الدوام؛ فقد كان لها أصدقاؤها ولعبها الخاصان بها. وكانت تنزع في لعبها نحو تقليد الحياة ~~المنزلية وليس الإثارة؛ فقد كانت تأخذ الدمى للتمشية في العربات الخاصة بها، أو كانت في ~~بعض الأحيان تجعل القطط الصغيرة ترتدي بعض الملابس وتضعها في عربات الدمى وتتمشى بها، ~~وكانت القطط دائما ما تشعر باهتياج شديد وترغب في الفكاك منها. كانت هناك أيضا جلسات ~~للعب عندما يتقمص أحدهم دور المعلم ويكون بإمكانه ضرب الآخرين على معصمهم، وجعلهم ~~يتظاهرون بالبكاء عقابا ms238 لهم على المخالفات والحماقات التي ارتكبوها. # في شهر يونيو، كما ذكرت من قبل، كنت قد أنهيت الدراسة وأصبحت أفعل ما يحلو لي، ولا ~~أتذكر أنني كنت على هذا النحو في أي فترة أخرى من فترات نشأتي. كنت أؤدي بعض المهام ~~المنزلية، لكن لا بد أن أمي كانت بصحة جيدة وقتها بحيث تقوم بمعظم هذه المهام، أو ربما ~~كان لدينا ما يكفي من المال في ذلك الوقت كي نوظف ما كانت تطلق عليه أمي خادمة بالرغم ~~من أن الجميع كانوا يطلقون عليها أجيرة. أنا لا أتذكر على أي حال أنه كان علي تولي ~~أي من المهام التي تراكمت لأؤديها في فصول الصيف اللاحقة، حينما جاهدت طواعية كي ~~أحافظ على المظهر اللائق لمنزلنا. يبدو أن بيضة الديك الرومي الغامضة لا بد أنها قد ~~أثرت علي بشدة بحيث كان من الممكن أن أمضي بعضا من الوقت وأنا أتجول في المنزل ~~تائهة وكأنني أحد الزائرين. # لكن هذا لم تنتج عنه مشاكل كبيرة، وما كان لأي من أفراد عائلتي نسيان ذلك إن حدث. ~~كان الأمر كله داخليا؛ شعورا بعدم النفع والغرابة. لكن الشعور بعدم النفع لم يكن دائما؛ ~~فأنا أتذكر أني كنت أجلس القرفصاء لكي أهذب براعم الجزر كما ينبغي أن يفعل المرء في ~~كل فصل ربيع حتى تنمو الجذور لتصل لحجم مناسب يسمح بتناولها. # لا بد أنني لم أكن أقوم بأي مهام منزلية طوال اليوم، كما كان الأمر في فصول الصيف ~~السابقة أو اللاحقة. # لذا، ربما كان ذلك هو السبب وراء بداية معاناتي من مشاكل في النوم. في البداية، بحسب ~~اعتقادي، كان ذلك يعني أن أبقى مستيقظة ربما حتى منتصف الليل تقريبا، وأتساءل إلى أي ~~مدى ظللت مستيقظة بينما بقية أفراد المنزل غارقون في النوم. ربما كنت أقرأ وأشعر ~~بالتعب بالطريقة المعتادة وأطفئ الأضواء وأنتظر، وما كان أحد ينادي علي في وقت مبكر ~~ليطلب مني أن أطفئ الأضواء وأخلد للنوم، ولأول مرة على الإطلاق (ولا بد أن هذا كان يدل ~~أيضا على وضعي الخاص) ms239 يتركونني أتخذ قراري بشأن ذلك الأمر. # كان الأمر يستغرق فترة لكي يتحول المنزل من ضوء النهار ومن الأنوار الصناعية التي كانت ~~تضاء في وقت متأخر إلى وقت المساء. وبعد أن يتوقف الضجيج العام المصاحب للأعمال ~~المفترض القيام بها والمؤجلة والمنجزة، كان المنزل يضحى مكانا أكثر غرابة يتلاشى فيه ~~الأشخاص والأعمال التي تملي عليهم نوع حياتهم، وتتلاشى أيضا استخداماتهم لكل شيء ~~حولهم، وترى الأثاث وقد تقوقع على ذاته ولم يعد موجودا لعدم وجود من يعبأ به. # قد تعتقد أن ذلك كان نوعا من التحرر. ربما كان كذلك في البداية؛ إنها الحرية، الغرابة. ~~لكن مع ازدياد عدم قدرتي على النوم واستمرار استيقاظي حتى حلول الفجر، أصبحت أكثر انزعاجا ~~بسبب ذلك، وبدأت في ترديد كلام مسجوع، ثم أشعار حقيقية، في البداية كوسيلة لمساعدتي ~~في الغياب عن الوعي والنوم، لكن الأمر خرج عن سيطرتي بعد ذلك، وبدا أن هذا النشاط كان ~~يسخر مني. كنت أسخر من ذاتي حيث تحولت الكلمات إلى عبارات سخيفة، إلى أسخف كلام ~~عشوائي. # لقد كنت شخصا آخر. # كنت أسمع الناس يرددون هذا بين الحين والآخر، وذلك طوال حياتي ولم أفكر فيما يمكن أن ~~يعنيه هذا. # من تظنين نفسك إذن؟ # كنت أسمع ذلك أيضا، لكن دون أن أربطه بأي نوع من التهديد الحقيقي، بل كنت أعتبره ~~مجرد نوع من السخرية العادية. # وفكرت ثانية. # وبحلول ذلك الوقت لم يكن النوم هو مبتغاي؛ كنت أعلم أن مجرد النوم لم يكن ممكنا، بل ~~ربما لم يكن مرغوبا. كان هناك شيء يحاول السيطرة علي، وكان من شأني أن أمنعه - وكنت ~~آمل ذلك - كان لدي شعور بأنه يجب علي أن أفعل ذلك، لكني بالكاد كنت أقوى على ذلك، ~~وذلك كما بدا لي. وأيا ما كان كنه هذا الشيء، فقد كان يحاول أن يطلب مني القيام ببعض ~~الأفعال، ليس لسبب معلوم على وجه التحديد، بل لمعرفة إن كانت تلك الأفعال ممكنة أم لا. ~~كان يخبرني أن الدوافع ليست ضرورية. # كان الشيء الضروري فقط هو أن أستسلم له. ms240 يا له من أمر غريب! أن تفعل شيئا، ليس بدافع ~~الانتقام أو من أجل أي سبب عادي، وإنما لمجرد أنه طرأ على ذهنك. # لقد فكرت في الأمر بالفعل، وكلما أزحته عن ذهني، زادت ملاحقته لي. ليست ثمة رغبة في ~~الانتقام، أو شعور بالضغينة؛ ليس هناك سبب، كما سبق أن ذكرت، فقط هو شيء أشبه ~~بفكرة عميقة شريرة تميل لأن تكون نوعا من التأمل أكثر من كونها رغبة ملحة. كان ينبغي ~~علي ألا أفكر حتى فيها، لكني فعلت. # كانت صدى تلك الفكرة يتردد في ذهني. # فكرة أنه يمكنني أن أخنق أختي الصغيرة التي كانت تغط في النوم في الفراش الذي يوجد أسفل ~~فراشي، والتي كنت أحبها أكثر من أي شخص آخر في هذا العالم. # قد أفعل ذلك لكن ليس بدافع الغيرة، أو الشر، أو الغضب؛ بل بسبب ضرب من الجنون ربما يكون ~~مستلقيا بجانبي هنا في الظلام. لكنه ليس بجنون شديد أيضا، إنما شيء يمكن أن تصفه بأنه ~~مزعج؛ اقتراح كسول، مزعج، نصف بليد بدا أنه كان متواريا منذ وقت طويل. # ربما كان يقول: ولم لا تفعلين ذلك؟ لم لا تجربين الأسوأ؟ # الأسوأ. هنا في أكثر مكان مألوف لنا؛ في الحجرة التي عشنا فيها حياتنا كلها واعتقدنا ~~أنها أكثر مكان نشعر فيه بالأمان؛ قد أقدم على فعله بلا سبب مفهوم لي أو لغيري سوى ~~أنني لا أستطيع أن أمنع نفسي من القيام به. # الشيء الذي كان علي فعله هو النهوض، والخروج من تلك الحجرة ومن ذلك المنزل. هبطت ~~درجات السلم دون أن أنظر على الإطلاق ولو لمرة واحدة إلى المكان الذي كانت أختي تغط ~~فيه في النوم، ثم هبطت الدرج بهدوء، دون أن أزعج أحدا، ومنه اتجهت نحو المطبخ حيث ~~كان كل شيء مألوفا لي بدرجة جعلتني أتلمس طريقي دون أن أشعل الأضواء. لم يكن باب ~~المطبخ محكم الغلق في الواقع؛ لم أكن حتى واثقة أننا كنا نمتلك مفتاحا له. وضع كرسي ~~أسفل مقبض الباب كان الهدف منه أن يحدث دفعه ms241 جلبة كبيرة إن حاول أحد أن يدخل ~~المكان، لكن كان يمكن تحريكه ببطء وبحذر دون أن تصدر عنه أي ضوضاء على ~~الإطلاق. # بعد الليلة الأولى تمكنت من التجول دون توقف؛ لذا استطعت أن أكون بالخارج، كما ~~بدا لي، في غضون ثانيتين سريعتين. # بالطبع لم يكن هناك أي أضواء بالشارع؛ فقد كنا نبعد كثيرا عن المدينة. # كان كل شيء أكبر من حجمه الطبيعي، وكانت الأشجار التي تحيط بالمنزل دائما ما تسمى ~~بأسمائها؛ شجرة الزان، شجرة الدردار، شجرة البلوط، أما أشجار القيقب، فدائما ما كان ~~يتحدث عنها الناس بصيغة الجمع، ولا يميزون إحداها عن الأخرى لأنها تتشابك بعضها مع ~~بعض، والآن أضحت جميعها شديدة السواد، وهكذا كان الحال بالنسبة إلى شجرة الليلك ~~البيضاء (التي لم تعد تحتفظ بأزهارها)، وشجرة الليلك الأرجوانية، اللتين كانتا ~~تصنفان دائما ضمن الأشجار وليس الشجيرات؛ لأنهما أضحتا كبيرتي الحجم للغاية. # أما المروج الأمامية والخلفية والجانبية، فكان من السهل تجاوزها لأني كنت أقلمها ~~بنفسي بهدف منح المكان بعض المظهر اللائق الشبيه بمظهر المدينة. # وكان كل من الجانب الشرقي والجانب الغربي للمنزل يطل على عالم مختلف، أو هكذا ~~تراءى لي. كان الجانب الشرقي هو جانب المدينة، بالرغم من أن من الممكن ألا ترى أية ~~مدينة؛ فعلى بعد لا يزيد عن ميلين، كان بمقدورك أن ترى منازل مصطفة، بها أعمدة ~~إنارة ومياه جارية. وبالرغم من أنني قلت إنه من الممكن ألا ترى أيا من هذا، فإنني لست ~~واثقة من أنك لن تستطيع أن تلمح بعض البريق إذا ما مددت بصرك لمسافة أبعد. # أما ناحية الغرب، فلا يوجد ما يمكن أن يوقف المنحنى الطويل للنهر والحقول والأشجار ~~وغروب الشمس؛ وهي أشياء لا علاقة لها بالناس، في رأيي، ولا بالحياة العادية مطلقا. # رحت أقطع المكان جيئة وذهابا. في البداية سرت بالقرب من المنزل ثم غامرت بالسير هنا ~~وهناك؛ حيث اعتمدت على بصري وتلافيت بقدر المستطاع الارتطام بمقبض المضخة أو المنصة ~~المدعمة لحبل الغسيل. بدأت الطيور تتحرك ثم شرعت في الغناء ، كما لو أن ms242 كلا منها ~~فكر في ذلك على حدة، هناك أعلى الأشجار. لقد استيقظت الطيور في وقت مبكر جدا عما ~~اعتقدت أنه وقت استيقاظها، لكن سرعان ما بدأت خيوط الضوء تتسلل عقب هذا الغناء ~~المبكر للطيور، وفجأة بدأ النعاس يغلبني، فعدت إلى المنزل حيث كانت الظلمة تغمر المكان، ~~وشرعت بدقة وهدوء وحذر شديد في وضع الكرسي المائل أسفل مقبض الباب، وصعدت لأعلى دون أن ~~يصدر عني أي صوت، وفتحت الأبواب وصعدت الدرج بالحذر المطلوب بالرغم من أني كنت ~~شبه نائمة، وارتميت على فراشي، واستيقظت في وقت متأخر؛ والوقت المتأخر في منزلنا كان ~~يعني نحو الثامنة صباحا. # كنت أستطيع تذكر كل شيء حينها، لكن الأمر كان سخيفا جدا - أو بالأحرى كان الجزء ~~السيئ منه في واقع الأمر سخيفا جدا - لدرجة استطعت معها نسيانه بسهولة كبيرة. كان ~~أخي وأختي قد ذهبا لتلقي دروسهما في المدرسة الحكومية، لكن طبقيهما كانا لا يزالان على ~~المائدة، مع وجود بضع حبات من الأرز المنفوش في اللبن المتبقي. # يا له من سخف! # عندما كانت أختي تعود من المدرسة كنا نتأرجح على الأرجوحة الشبكية حيث كان يجلس كل ~~منا في أحد طرفيها. ~~••• # كنت أمضي معظم النهار على تلك الأرجوحة، وربما كان هذا ما يفسر عدم استطاعتي النوم ~~في الليل. وحيث إنني لم أفصح عن الصعوبات التي كنت أواجهها في النوم بالليل، فلم يذكر أحد ~~المعلومة البسيطة التي مفادها أنه من الأفضل بالنسبة إلي القيام ببعض النشاط أثناء ~~النهار حتى أستطيع النوم. # عادت الصعوبات التي كنت أواجهها بحلول الليل بالطبع. سيطرت علي الشياطين مرة أخرى؛ ~~كنت أدري الوضع بما يكفي بحيث أنهض وأغادر فراشي دون التظاهر بأن الأمور ستتحسن، وأنني ~~في الواقع سأغط في النوم إذا ما حاولت ذلك جاهدة. شققت طريقي بحذر إلى خارج المنزل ~~كما فعلت من قبل. كنت أستطيع تلمس طريقي بنحو أكثر يسرا؛ فحتى محتوى الحجرات أصبح ~~بالنسبة إلي أكثر وضوحا وإن كان أكثر غرابة. استطعت أن أتبين سقف المطبخ المصنوع من ~~ألواح خشبية ، الموجود منذ بناء ms243 المنزل ربما قبل مائة عام، وكذلك إطار النافذة الشمالية الذي ~~أتلف جزئيا على يد كلب كان قد حبس بالداخل لليلة كاملة، وذلك قبل أن أولد. لقد ~~تذكرت ما كنت قد نسيته تماما؛ وهو أنه كان لدي ملعب رملي موجود هناك بالخارج؛ حيث ~~كانت تستطيع أمي أن تراقبني من خلال هذه النافذة الشمالية، لكن نمت مكانه الآن ~~مجموعة كبيرة من الشجيرات المزهرة المفرطة النمو، وأضحى من الصعب أن ترى ما ~~بالخارج. # أما الجدار الشرقي للمطبخ، فلم يكن به أي نوافذ، لكن كان به باب يطل على منصة كنا ~~نقف عليها كي ننشر قطع الغسيل المبتلة الثقيلة، ونجمعها حينما تجف وتفوح منها رائحة ~~ذكية باعثة على الفخر، بدءا من الملاءات البيضاء وحتى أردية العمل الثقيلة الداكنة ~~اللون. # وكنت في بعض الأحيان أعرج على تلك المنصة أثناء جولاتي الليلية. لم أجلس عليها قط، ~~ولكنها كانت تسهل علي النظر باتجاه المدينة، ربما فقط لتلمس سكينتها؛ فكل سكانها ~~كانوا قد استيقظوا بالفعل قبل ذلك بفترة طويلة وذهبوا لمتاجرهم التي يعملون بها، وفتحوا ~~أبواب منازلهم لإدخال زجاجات اللبن بالداخل، وكانت الحركة تدب في كل مكان. # وفي إحدى الليالي - لا أدري إن كانت العشرين أم الثانية عشرة أم فقط الثامنة أو التاسعة ~~التي استيقظت خلالها وخرجت للسير - غمرني شعور بأن هناك شخصا على مقربة مني، وقد ~~انتابني هذا الشعور متأخرا بحيث كان من الصعب أن أغير من سرعتي. كان هناك شخص موجود ~~هناك ولم يكن بوسعي أن أفعل شيئا سوى أن أستأنف المسير؛ فإن استدرت، فسيمسك بي وسيكون ~~الأمر هكذا أسوأ من أن أكون بمواجهته. # من عساه يكون؟ لم يكن سوى والدي. كان هو الآخر يجلس على المنصة يتطلع نحو المدينة ~~وذلك الضوء الخافت البعيد الاحتمال. كان يرتدي ملابس كان يلبسها بالنهار؛ بنطال العمل ~~الداكن اللون القريب الشبه بذلك الخاص بأردية العمل، وقميصا داكنا من القماش الخشن وحذاء ~~عالي الرقبة. كان يدخن سيجارة، واحدة لفها هو بنفسه بالطبع. ربما نبهني دخان ~~السيجارة لوجود شخص آخر هناك، بالرغم ms244 من أنه كان من الممكن أن تشم رائحة دخان التبغ ~~في كل مكان في تلك الأيام، داخل المباني وخارجها؛ لذا فلم يكن هناك سبيل لملاحظته. # ألقى علي تحية الصباح بأسلوب ربما بدا طبيعيا بالرغم من أنه ليس هناك أي شيء ~~طبيعي بصدده على الإطلاق؛ فلم نعتد في عائلتنا إلقاء مثل هذه التحيات بعضنا على بعض. لم ~~يكن هناك أي شيء غير ودي في هذا الشأن؛ كل ما في الأمر، بحسب افتراضي، أننا كنا نعتقد أن ~~ليس ثمة شيء ضروري ما دام من الممكن رؤية ووداع بعضنا بعضا في أوقات مختلفة من ~~اليوم. # رددت عليه تحية الصباح. لا بد أن الوقت قد اقترب بالفعل من الصباح، وإلا لما كان أبي قد ~~لبس وتهيأ ليوم عمل هكذا. ربما شق الضوء السماء لكنه لا يزال يختبئ بين الأشجار ~~الكثيفة، وكانت الطيور تغرد أيضا. كنت قد اعتدت أن أظل بعيدة عن فراشي حتى وقت ~~متأخر أكثر من ذلك، ومع هذا ما عدت أشعر بالراحة كما كنت في البداية؛ فاحتمالات عدم ~~الراحة التي كنت أشعر بها فقط في غرفة النوم، وفي الفراش ذي الطابقين، كانت تحتل كل ~~أركان المكان. # والآن فكرت في الأمر، في السبب وراء عدم ارتداء أبي رداء العمل؛ إذ كان يرتدي ملابس ~~مختلفة كما لو كان ذاهبا إلى المدينة من أجل القيام بشيء ما؛ أول شيء يفعله في ~~الصباح. # لم أستطع استئناف السير؛ حيث قطع وجود أبي إيقاع الأمر كله. # قال: «هل تعانين من مشاكل في النوم؟» # كنت أود أن أجيب بالرفض، لكني فكرت في صعوبات شرح سبب تجولي بالخارج في ذلك الوقت، ~~فآثرت أن أرد بالإيجاب. # قال إن ذلك هو الحال عادة في ليالي الصيف. ~~«إنك تذهبين للفراش متعبة وعندئذ تتصورين أنك ستغطين في النوم، فإذا بك تظلين ~~مستيقظة. أليس هو الحال معك؟» # قلت بلى. # أيقنت الآن أنه لم يسمعني عندما استيقظت وتجولت في تلك الليلة فقط؛ فالشخص الذي ~~تقطن ماشيته في مكان ما بالمنزل، ويحتفظ بما يكسبه من أموال على ms245 مقربة منه، ويحتفظ بمسدس ~~في درج مكتبه، كان بالتأكيد سينتفض لسماع أقل صوت تسلل على الدرج وأقل إدارة ~~لمقبض الباب. # لست واثقة من نوع الحوار الذي أراد أن يدور حينها، فيما يتعلق بمسألة استيقاظي. ~~ويبدو أنه قال إن مسألة عدم القدرة على النوم أمر مزعج، لكن أكان هذا كل ما في الأمر؟ ~~كنت أنوي بالقطع ألا أخبره بالمزيد؛ فلو كان قد ألمح لي ولو تلميحا بسيطا بأنه يعرف ~~أن هناك المزيد في الأمر، بل لو حتى أشار إلى أنه جاء هنا بنية معرفة هذا الأمر، فلا ~~أعتقد أنه كان سيخرج مني بشيء على الإطلاق. كان علي أن أكسر حاجز الصمت بإرادتي، وذلك ~~بأن أقول إنني لم أكن أستطيع النوم، وإنه كان علي أن أغادر الفراش وأسير في ~~الأنحاء. # وما سبب ذلك؟ # لست أدري. # هل الكوابيس هي السبب؟ # لا. # قال: «يا له من سؤال أحمق! فلا يمكن أن يترك المرء فراشه بسبب الأحلام الجميلة.» # تركني لكي أكمل حديثي، ولم يطرح علي أي أسئلة. كنت أنوي التوقف عن الكلام، لكني ~~استمررت في الحديث، وأخبرته بالحقيقة ولكن مع تعديل واحد بسيط. # حينما تحدثت عن أختي الصغيرة، قلت إنني كنت أخشى أن ألحق بها أذى، واعتقدت أن ~~هذا كان يكفي، يكفي لأن يعرف ما كنت أعنيه. # قلت بعدها: «أخشى أن أخنقها.» لم أستطع أن أمنع نفسي من قول هذا في نهاية الأمر. # والآن بما أنني كنت لا أستطيع أن أرجع فيما قلت، فلم يكن بإمكاني أن أعود نفس الشخص ~~الذي كنت عليه قبل ذلك. # سمع أبي ما قلته؛ لقد سمع أنني اعتقدت أني كنت قادرة، بلا مبرر، على خنق كاثرين ~~الصغيرة أثناء نومها. # قال: «حسنا.» # ثم قال إنني يجب ألا أشعر بالقلق، وأضاف: «ينتاب الناس في بعض الأحيان مثل هذا النوع ~~من الأفكار.» # قال ذلك بجدية تامة ودون أن يظهر عليه أي نوع من الانزعاج أو الاندهاش الشديد. ~~ينتاب الأشخاص مثل هذه النوعية من الأفكار، أو المخاوف إن صح التعبير، لكن ليس هناك داع ms246 ~~للقلق حيال ذلك، فبمقدورنا القول إن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد حلم من الأحلام. # لم يقل تحديدا إنني لست معرضة لارتكاب مثل هذا الفعل؛ فقد بدا أنه كان يعتقد أن ~~مثل هذا الفعل لا يمكن أن يحدث. قال إن ذلك ربما يكون ناتجا عن تأثير مركب الإيثر، الذي ~~أعطوني إياه في المستشفى، وأن الأمر لا يتعدى مجرد حلم؛ فلا يمكن أن يقع مثل ذلك ~~الأمر مثلما لا يمكن أن يضرب نيزك منزلنا (بالطبع يمكن أن يحدث ذلك، لكن احتمالية حدوث ذلك ~~تضعه في قائمة الأشياء التي لا يمكن أن تحدث). # لكنه لم يلمني حتى لأني فكرت في الأمر؛ كل ما قاله إنه لم يتعجب من ذلك. # هناك أشياء أخرى كان من الممكن أن يقولها؛ كان يمكن أن يطرح علي المزيد من الأسئلة عن ~~موقفي من أختي الصغيرة أو عدم رضاي عن حياتي بوجه عام. لو كان ذلك قد حدث اليوم، فلربما ~~حدد لي موعدا لدى طبيب نفسي. (أعتقد أن ذلك ما يجب أن أفعله حيال أحد أطفالي، مع تطور ~~الأمور وزيادة دخل الأسرة.) # الحقيقة أن ما فعله قد نجح معي بالفعل؛ لقد أعاد لي استقراري النفسي، دون سخرية أو ~~انزعاج، في العالم الذي كنا نعيش فيه. # فقد تتكون لدى الأشخاص بعض الأفكار التي سرعان ما يتخلون عنها. يحدث هذا في ~~الحياة. # إن عشت فترة طويلة كأب، فستكتشف أنك ارتكبت أخطاء لم تهتم بمعرفتها بجانب الأخطاء ~~التي تعلمها جيدا. قد تشعر إلى حد ما ببعض المهانة في داخلك أو بعض الاشمئزاز من نفسك، ~~لكني لا أعتقد أن أبي انتابته مشاعر من هذا القبيل. أنا أعلم أنني لو كنت قد لمته ~~يوما، حينما عاقبني بضربي بالمشحذة أو بحزامه، لكان قال شيئا عن اضطراره لفعل الأمر. ~~إن حالات العقاب البدني هذه كانت ستظل باقية حينها في ذهنه - هذا إن بقيت من الأساس - ~~على أنها ليست أكثر من كونها الردع الملائم والضروري لطفلة ثرثارة تتخيل أن ~~بإمكانها إحكام السيطرة على الأمور. ~~«إنك تعتقدين ms247 أنك شديدة الذكاء.» هذا ما كان يمكن أن يقوله كمبرر لعقابه لي، وبالفعل إن ~~المرء كان يسمع ذلك كثيرا في تلك الأيام؛ حيث يتجسد هذا النوع من الذكاء في شكل طفل ~~شقي بغيض ينبغي أن يعاقب على وقاحته، وإلا فستكون هناك مخاطرة أن يشب معتقدا ~~أنه ذكي، أو ذكية، بحسب الحالة. ~~••• # ومع هذا فقد منحني في ذلك الصباح ما كنت بحاجة إلى سماعه، وما كنت حتى سأنساه ~~سريعا. # فكرت أنه ربما كان يرتدي أفضل ملابس العمل لديه؛ لأن لديه موعدا في الصباح للذهاب إلى ~~المصرف ليعلم، دون أي اندهاش من جانبه، أنه لن يستطيع مد فترة سداد القرض الذي أخذه. ~~لقد كان يعمل بكل جهده، لكن السوق ما كانت لتتغير أحوالها، وكان عليه أن يجد سبيلا آخر ~~لينفق علينا ويسدد ما علينا من ديون في آن واحد. أو ربما اكتشف أن هناك اسما آخر ~~للرجفة التي كانت تعاني منها أمي، وأن ذلك ما كان ليتوقف. أو ربما كان يحب امرأة يستحيل ~~الوصول إليها. # لم ألق بالا لذلك؛ فمنذ ذلك الحين، أصبحت أستطيع النوم. # | الأصوات # حين بدأت أمي تدخل مرحلة النضوج، كانت تذهب هي وأفراد عائلتها جميعا إلى حفلات الرقص، ~~وكانت تلك الحفلات تقام في المدرسة وأحيانا في أحد المنازل الريفية الذي كان يحوي حجرة ~~أمامية كبيرة بما يكفي للوفاء بهذا الغرض. وكان الصغار والكبار على حد سواء يذهبون لتلك ~~الحفلات، وكان أحدهم يعزف على البيانو - البيانو الخاص بالمنزل المستضيف للحفل أو الخاص ~~بالمدرسة - وكان آخر يحضر آلة كمان. وكانت أنماط أو خطوات الرقص الرباعي معقدة، ~~وكان يحددها للراقصين شخص معروف بموهبته الخاصة في الرقص، وذلك بأعلى صوته (فهو دائما ~~ما يكون رجلا) وبسرعة غريبة للغاية لن تكون ذات جدوى على الإطلاق، إلا إذا كنت تعرف ~~تفاصيل هذا الرقص بالأساس، وهو الأمر الذي كان الجميع يتعلمونه حينما كانوا يبلغون ~~العاشرة أو الثانية عشرة من العمر. # كانت أمي، المتزوجة الآن ولديها ثلاثة أطفال، لا تزال في عمر وفي مزاج يجعلانها ~~تستمتع بتلك ms248 الرقصات إن كانت تعيش في البيئة الريفية الحقيقية التي لا تزال تمارس فيها ~~تلك الرقصات. كانت ستستمتع أيضا بالرقص الدائري الذي يؤديه أزواج من الراقصين، والذي ~~حل إلى حد ما محل أسلوب الرقص القديم. لكنها كانت في موقف غريب، كنا جميعا هكذا؛ ~~كانت عائلتنا تقيم خارج المدينة، لكنها لم تكن فعليا تقطن في الريف. # أما أبي، الذي كان محبوبا أكثر من أمي، فكان يؤمن بضرورة التكيف مع كل الظروف. لم تكن ~~أمي كذلك؛ فقد نشأت في إحدى المزارع لتصبح معلمة، لكن ذلك لم يكن كافيا؛ حيث لم يمنحها ~~ذلك الوضع الذي كانت تتمناه، أو الأصدقاء الذين كانت تود أن تحظى بهم في المدينة. ~~كانت تعيش في المكان الخطأ، ولم يكن لديها ما يكفي من النقود، لكنها لم تكن مهيأة لذلك ~~على أية حال. كان بإمكانها لعب اليوكر وليس البريدج، وكانت تشعر بالضيق لمرأى امرأة تدخن. ~~أعتقد أن الناس كانوا يرونها عدوانية وتستعرض في استخدام قواعد النحو؛ كانت تقول عبارات من ~~قبيل «عن طيب خاطر» و«وهو حقا كذلك»؛ كانت تبدو وكأنها نشأت في عائلة غريبة تتحدث ~~دوما بهذا الأسلوب. لكن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة إليها، وكذا بالنسبة إلى عائلتها؛ كان ~~أخوالي وخالاتي في مزارعهم يتحدثون بنفس الأسلوب الذي كان يتحدث به أي شخص آخر، كما ~~أنهم أيضا لم يكونوا يحبون أمي كثيرا. # لا أعني أنها كانت تمضي كل وقتها وهي تتمنى لو كانت الأمور مختلفة عما هي عليه ~~الآن؛ فشأنها شأن أي امرأة أخرى كانت لديها أوعية غسيل تحملها إلى المطبخ، وليست لديها ~~مياه جارية، وكانت في حاجة إلى أن تمضي معظم أوقات الصيف وهي تعد الطعام الذي سيتم ~~تناوله في الشتاء. كانت مشغولة دوما، حتى إنه لم يكن بمقدورها أن تخصص وقتا أكثر بخلاف ~~ذلك الذي كانت تخصصه للشعور بخيبة الأمل تجاهي، متسائلة عن سبب عدم جلبي للأصدقاء ~~الملائمين، أو أي أصدقاء على الإطلاق، إلى المنزل من مدرسة المدينة؛ أو سبب تجنبي ~~المشاركة في تلاوات الكتاب المقدس في مدرسة ms249 الأحد، وهو شيء اعتدت المداومة عليه؛ أو سبب ~~عودتي إلى المنزل وقد فككت جدائل شعري، وهو خرق للنظام كنت أمارسه حتى قبل أن أذهب ~~إلى المدرسة لأنه ما من أحد كان يصفف شعره على النحو الذي كانت تصففه لي؛ أو في واقع ~~الأمر سبب تعلمي التوقف عن استخدام قدرتي الهائلة على الحفظ في حفظ الشعر، حيث إنني ~~كنت أرفض الآن أن أستخدمها من أجل التباهي بها. ~~••• # لكني لم أكن دوما في حالات غضب وخلاف. ليس بعد؛ فها أنا ذا أتذكر حين كنت في حوالي ~~العاشرة من عمري وكنت حريصة على التأنق ومرافقة أمي إلى إحدى حفلات الرقص. # كانت الحفلة مقامة في منزل ذي مظهر لائق - إن لم يكن شديد الفخامة - كان يقع في طريقنا؛ ~~كان منزلا خشبيا ضخما يقطنه أشخاص لم أكن أعرف أي شيء عنهم، فيما عدا أن صاحبه كان ~~يعمل في المسبك بالرغم من أنه كان متقدما في العمر بدرجة كافية لأن يكون في عمر جدي. ~~إن المرء لم يكن في ذلك الوقت ليترك عمله في المسبك؛ فقد كان يعمل ما دام العمل باستطاعته، ~~ويحاول أن يدخر النقود للوقت الذي لا يكون باستطاعته أن يعمل فيه؛ فقد كان من العار - ~~حتى في أثناء ما تعلمت أن أطلق عليه فيما بعد الكساد العظيم - أن تجد أنه يجب عليك ~~أن تتقدم للحصول على معاش شيخوخة، وكان من العار على أبنائك البالغين أن يسمحوا بذلك، ~~مهما كانت الضوائق المالية التي كانوا يمرون بها. # يقفز الآن إلى ذهني بعض الأسئلة التي لم تقفز إليه حينها. # هل كان الأشخاص الذين يعيشون في هذا المنزل يقيمون الحفلة لمجرد خلق مناخ من البهجة؟ ~~أم أنهم طلبوا نقودا مقابل ذلك؟ ربما وجدوا أنفسهم يمرون بمشاكل مالية، حتى لو كان الأب ~~يعمل. إنها فواتير الأطباء؛ أعلم مدى العبء الذي يمكن أن تلقيه هذه الفواتير على كاهل ~~أي عائلة. كانت صحة أختي الصغيرة ضعيفة، كما كان الناس يقولون، وقد استأصلنا لها ~~لوزتيها بالفعل. وكنت أعاني أنا وأخي من ms250 التهاب شعبي حاد كل شتاء مما ينتج عنه ~~قدوم الطبيب لعلاجنا؛ يتكلف العلاج الكثير من النقود. # السؤال الآخر الذي ربما يكون قد قفز لذهني هو: لماذا اخترت أن أصحب أمي بدلا من أبي؟ ~~لكن الأمر لم يكن لغزا كبيرا؛ فربما كان أبي لا يهوى الرقص بعكس أمي. أيضا كان هناك ~~طفلان آخران يجب الاعتناء بهما في المنزل، ولم أكن كبيرة وقتها بدرجة تكفي للقيام بذلك، ~~ولا أستطيع أن أتذكر أن والدي قد استأجرا يوما جليسة أطفال، ولست واثقة إن كان ~~هذا المصطلح حتى مألوفا في تلك الأيام أم لا؛ فحينما كنت في سنوات المراهقة وجدت وظائف ~~في هذا المجال، لكن الوقت كان قد تغير حينها. # تأنقنا للذهاب. في رقصات الريف التي تذكرتها أمي، لم يكن هناك أي ظهور على ~~الإطلاق لملابس الرقص الرباعي القديمة الطراز التي ستراها لاحقا في التليفزيون؛ فقد كان كل ~~شخص يرتدي أفضل ما لديه، ويعد عدم فعل ذلك - أي ارتداء أي شيء من قبيل الملابس ~~المكشكشة والمناديل التي كانت تلف حول الرقبة، وهي الملابس المعروفة لدى أهل الريف - ~~بمنزلة إهانة للمضيفين وللجميع. ارتديت ثوبا صنعته أمي من أجلي، من الصوف الشتوي ~~الناعم؛ كانت التنورة قرنفلية اللون والجزء العلوي من الثوب أصفر، مع وجود قلب من الصوف ~~القرنفلي محاك في المكان الذي كان سيظهر فيه نهدي الأيسر في يوم من الأيام. وكان شعري ~~مصففا ومبللا ويتخذ شكل جدائل عريضة طويلة شبيهة بالنقانق التي كنت أفكها كل ~~يوم وأنا في طريقي إلى المدرسة. وقد تذمرت من تصفيف شعري على هذا النحو في حفلة الرقص ~~بحجة أنه لا أحد يصفف شعره على هذا النحو؛ فردت أمي بأنه ليس هناك أحد محظوظ جدا ~~مثلي. كففت عن الشكوى لأني كنت أرغب في الذهاب بشدة، أو ربما لأني اعتقدت أنه لن يتواجد ~~أحد من المدرسة في الحفلة؛ لذا لم يكن يهم ذلك الأمر، كانت سخرية أقراني مني هي دوما ~~الشيء الذي كنت أخشاه. # لم يكن ثوب أمي من صنع يديها؛ كان أفضل ms251 ثوب لديها، وكان شديد الأناقة بحيث لا يمكن ~~ارتداؤه عند الذهاب إلى الكنيسة، ومبهجا جدا بحيث لا يمكن ارتداؤه في أي جنازة؛ لذا ~~نادرا ما كانت ترتديه. كان مصنوعا من القطيفة السوداء، بكمين يصلان حتى مرفقيها، ~~وتقويرة عالية، والشيء الرائع به هو انتشار حبات الخرز الصغيرة، ذات اللون الذهبي والفضي ~~ومن كل الألوان، المحاكة جميعها في كل أنحاء الجزء العلوي من الثوب، والتي كانت تمتص الضوء، ~~وتتلألأ متى تحركت أمي أو حتى تنفست. ضفرت شعرها، الذي كان لا يزال معظمه ~~باللون الأسود، ثم ثبتته بتاج صغير بأعلى رأسها. لو كانت شخصا آخر غير أمي، لكنت ~~رأيت أنها جميلة بدرجة مثيرة. أعتقد أني كنت أراها هكذا، لكن بمجرد أن ولجنا هذا ~~المنزل الغريب، لاحظت أن أفضل ثوب لديها لا يشبه ثوب أي امرأة أخرى، بالرغم من أنهن ~~كن يرتدين أفضل ما لديهن أيضا. # والنساء الأخريات التي أتحدث عنهن كن يتواجدن في المطبخ؛ حيث توقفنا ورحنا ننظر ~~إلى الأشياء المرصوصة على منضدة كبيرة؛ كان عليها كل أنواع التارت والكوكيز والفطائر ~~والكعك، وقد وضعت أمي هي الأخرى نوعا فاخرا من الحلوى كانت قد أعدته وراحت ~~ترتبه باهتمام حتى تحسن من مظهره، وعقبت بأن كل شيء كان يبدو مسيلا ~~للعاب. # هل أنا واثقة من أنها قالت ذلك؛ مسيلا للعاب؟ أيا كان ما قالته، فلم يكن يبدو ~~صحيحا تماما. تمنيت حينها أن يكون أبي موجودا لأن كلامه دائما ما يكون ملائما ~~بشدة للمناسبة، حتى لو كان يتحدث بأسلوب نحوي سليم. كان يفعل ذلك داخل المنزل ولكن ليس ~~بسهولة خارجه. كان يندمج في أي حديث بسهولة؛ كان يعي أن الشيء الذي ينبغي عمله هو عدم ~~التفوه بكل ما هو غريب؛ أما أمي، فكانت على النقيض تماما؛ فبالنسبة إليها، كان كل شيء ~~واضحا، ورنانا، ويهدف إلى جذب الانتباه. # كان ذلك يحدث الآن وسمعتها تضحك في سعادة، كما لو أنها كانت تحاول تعويض عدم حديث ~~أي شخص معها. كانت تتساءل عن المكان الذي يمكن أن نضع فيه معطفينا. ms252 # اتضح أن بإمكاننا أن نضعهما في أي مكان، وقال أحدهم إنه بمقدورنا، إن رغبنا، أن ~~نضعهما على الفراش بالطابق العلوي. إنك تستطيع الوصول إلى الطابق العلوي من خلال درج تحيط ~~به الجدران، ولم يكن هناك أي أضواء إلا بالأعلى. طلبت مني أمي أن أصعد، وقالت لي إنها ~~ستلحق بي في غضون دقيقة، وقد فعلت. # والسؤال الذي قد يطرح نفسه الآن: هل كان يدفع مقابل نقدي لحضور تلك الحفلة؟ كان من ~~الممكن ألا تحضرها أمي وتنتظر حتى ترتب أخرى في منزلها. ومن ناحية أخرى، هل كان يطلب ~~من الناس أن يدفعوا مقابل حضور الحفل، وفي نفس الوقت يحضرون كل أنواع الحلوى هذه؟ وهل ~~كانت تلك الحلوى كثيرة حسبما أتذكر؟ والحاضرين كلهم من الفقراء؟ لكنهم ربما كانوا بالفعل ~~لا يشعرون بأنهم فقراء جدا، مع وجود وظائف الحرب وما يرسله الجنود من نقود إلى منازلهم. ~~إن كنت وقتها حقا في العاشرة من عمري، وأعتقد أني كنت كذلك، فقد كانت تلك التغيرات ~~إذن قد بدأت تحدث منذ عامين. # كان الدرج الذي يبدأ عند المطبخ، وكذا الذي يبدأ عند الغرفة الأمامية، يلتقيان في شكل ~~مجموعة من الخطوات التي تؤدي إلى غرف النوم. وبعدما تحررت من المعطف ومن حذائي ~~العالي الرقبة في غرفة النوم الأمامية المرتبة، كان لا يزال بإمكاني سماع صوت أمي يرن في ~~المطبخ، لكن كان بإمكاني أيضا سماع صوت الموسيقى وهي تأتي من الحجرة الأمامية؛ لذا هبطت في ~~اتجاهها. # أخليت الحجرة من كل قطع الأثاث فيما عدا البيانو، وكانت تنسدل على النوافذ مجموعة من ~~الستائر القماشية ذات اللون الأخضر الداكن، من النوع الذي كنت أراه كئيبا. لكن لم يكن ~~هناك أي جو من الكآبة داخل الحجرة؛ فقد كان يرقص هناك الكثير من الأشخاص، ويمسك كل ~~منهم بالآخر بوقار، ويتحركون أو يتمايلون في دوائر صغيرة. كانت هناك فتاتان لا تزالان في ~~المدرسة ترقصان بطريقة أضحت شائعة حينها منذ فترة قصيرة، حيث كانتا تتحركان وكل ~~منهما تواجه الأخرى، مشبكتين أيديهما في بعض الأحيان. ابتسما بالفعل ms253 لتحيتي عندما رآني، ~~وحينها غمرني شعور بالسعادة، وهو الشعور الذي كان يعتريني عادة عندما تعيرني اهتمامها ~~أي فتاة تكبرني لديها ثقة في نفسها. # كان في الحجرة امرأة لا يمكن ألا تلفت انتباه المرء، امرأة ترتدي ثوبا يفوق ~~بالتأكيد ثوب أمي روعة وأناقة؛ لا بد أنها كانت تكبر أمي كثيرا؛ كان شعرها شائبا، ينسدل ~~في نعومة ورقي فيما كان يطلق عليه الشعر المموج الذي على طراز مصمم الشعر الفرنسي ~~مارسيل جراتو، بالقرب من فروة رأسها. كانت امرأة ضخمة ذات كتفين ممتلئتين ووركين ~~عريضتين، وكانت ترتدي ثوبا ذا لون برتقالي مائل إلى الذهبي من قماش التفتة، كان ذا رقبة ~~مربعة الشكل ومكشوف الصدر، وتنورة تغطي ركبتيها فقط. وكان كماه القصيران ملتصقين بشدة ~~بذراعيها، فبدا لحمهما مكتنزا، وناعما، وأبيض مثل شحم الخنزير. # كان مظهرها يبعث على الدهشة؛ كنت أعتقد أنه لا يمكن أن يكون الشخص متقدما في العمر ~~وفي نفس الوقت لافتا للأنظار، ضخما ولكنه جميل، جريئا لدرجة الوقاحة ومع ذلك شديد ~~الرصانة. بمقدورك أن تصفها بأنها صفيقة، وربما كان هذا ما قالته أمي عنها لاحقا؛ فتلك ~~كانت الكلمة التي تستخدمها دوما. ربما يصفها أحدهم الأقل عدائية تجاهها بأنها مهيبة. لم ~~تكن في واقع الأمر تتباهى بذاتها، فيما عدا شكل فستانها ولونه. كانت هي والرجل الذي كان ~~بصحبتها يرقصان معا بوقار وبذهن شارد بعض الشيء، تماما مثل الأزواج. # لم أكن أعرف اسمها؛ فأنا لم أرها من قبل، ولم أكن أعرف أنها كانت سيئة السمعة في ~~مدينتا، وربما في أماكن أبعد من ذلك، بحسب علمي. # أعتقد أنني لو كنت أكتب عملا أدبيا بدلا من أن أتذكر حدثا مررت بي، ما كنت ~~لأجعلها أبدا ترتدي ذلك الثوب؛ فهو نوع من الدعاية لنفسها ليست بحاجة إليه. # بالطبع لو كنت أعيش في المدينة، بدلا من أن أذهب إليها وأعود منها كل يوم عند ذهابي ~~للمدرسة، لربما كنت سأعلم أنها عاهرة معروفة، ولكنت بالطبع رأيتها يوما ما، وإن كانت ~~غير مرتدية هذا الثوب البرتقالي ، ولما كنت استخدمت كلمة ms254 عاهرة، كنت سأستخدم امرأة ~~سيئة على الأرجح، ولكنت سأعلم أن هناك شيئا باعثا على الاشمئزاز، وخطيرا، ومثيرا ~~وجريئا بشأنها، دون أن أعرف تحديدا كنه هذا الشيء. وإذا ما حاول أحدهم أن يخبرني ~~به، أعتقد أنني لم أكن لأصدقه. # كان هناك العديد من الأشخاص في المدينة الذين كانوا يبدون غير عاديين، وربما كانت هي ~~ستبدو بالنسبة إلي واحدة منهم. كان هناك ذلك الرجل الأحدب الذي كان يلمع أبواب مبنى ~~مجلس المدينة كل يوم، وعلى حد علمي لم يكن يفعل أي شيء آخر. وهناك أيضا المرأة ذات ~~المظهر الجيد التي لا تتوقف أبدا عن الحديث لنفسها بصوت مرتفع، موجهة السباب ~~لأشخاص غير موجودين حولها. # وكنت سأعلم قبلا اسمها وأكتشف في النهاية أنها كانت حقا تفعل الأشياء التي لم أكن ~~أصدق أنها يمكن أن تفعلها، وأن الرجل الذي رأيته يراقصها، والذي ربما لم أكن لأعرف اسمه ~~على الإطلاق، هو مالك صالة البلياردو. في أحد الأيام حينما كنت في المدرسة الثانوية ~~تحدتني فتاتان من المدرسة أن أستطيع الدخول إلى صالة البلياردو حينما مررنا بجوارها، ~~وقد فعلت، وكان متواجدا بها، كان هو نفس الرجل الذي كان يراقصها. هذا بالرغم من أن ~~مساحة الصلع زادت في رأسه الآن وزاد وزنه، وكان يرتدي ملابس أقل أناقة، ولا أتذكر ~~أنه قال شيئا لي حينها، بل لم يكن عليه ذلك؛ فقد عدت أدراجي إلى صديقتي، اللتين لم ~~تكونا من صديقاتي القريبات في واقع الأمر، ولم أخبرهما بشيء. # حينما رأيت مالك صالة البلياردو، استرجعت مشهد الرقص بالكامل؛ البيانو الضخم، ~~والموسيقى المعزوفة على الكمان، والثوب البرتقالي الذي كنت سأصفه حينها بالسخيف، وظهور أمي ~~المفاجئ بمعطفها الذي من المحتمل أنها لم تخلعه هناك على الإطلاق. # ها هي هناك، تناديني باسمي وسط الموسيقى المعزوفة بنبرة صوت كنت أبغضها على وجه ~~الخصوص، النبرة التي بدا أنها كانت تذكرني بنحو خاص بأن لها الفضل في وجودي على تلك ~~الأرض من الأساس. # قالت: «أين معطفك؟» قالت ذلك كما لو كنت قد فقدته في مكان ما. ~~«بالطابق ms255 العلوي.» ~~«حسنا، اذهبي وأحضريه.» # لو كانت صعدت إلى الطابق العلوي، لكانت رأته؛ لا بد أنها لم تتخط عتبة المطبخ، ~~وأنها كانت ترتب الأطعمة وهي مرتدية معطفها الذي حلت أزراره ولكنها لم تخلعه، وذلك ~~حتى نظرت باتجاه الغرفة التي كان بها الرقص وعرفت من هي الراقصة ذات الثوب ~~البرتقالي. # قالت: «لا تتأخري.» # لم أكن أنوي أن أتأخر. فتحت الباب المؤدي إلى الدرج وهرولت عبر الدرجات الأولى، ~~ووجدت أنه عند المكان الذي ينعطف عنده الدرج كان هناك أناس يجلسون ويعترضون طريقي. لم ~~يشاهدوني وأنا أقترب منهم؛ فقد بدا أنهم كانوا منشغلين بشيء مهم؛ لم يكونوا منهمكين في ~~نقاش على وجه التحديد، وإنما كان نوعا من الحوار العاجل. # كان هناك رجلان فقط من بين هؤلاء الأشخاص؛ شابان يرتديان زي القوات الجوية؛ كان أحدهما ~~يجلس على إحدى الدرجات، والآخر يميل للأمام مستندا إلى درجة أسفل من تلك التي كان الشاب ~~الآخر يقف عليها، واضعا يده على ركبته. وكانت هناك فتاة تجلس على الدرجة التي تعلوهما، ~~وكان الشاب الأقرب إليها منهما يربت على رجلها على نحو مواس. اعتقدت أنها لا بد وأن ~~سقطت على تلك الدرجات الضيقة وجرحت، لأنها كانت تبكي. # بيجي. كان اسمها بيجي. «بيجي، بيجي»، هذا ما كان يقوله الشابان بنبرة صوت متلهفة وحنونة ~~أيضا. # قالت شيئا لم أستطع تبينه؛ كانت تتحدث بنبرة صوت طفولية. كانت تشتكي بنفس ~~الأسلوب الذي يشتكي به المرء من شيء مجحف؛ فتجد نفسك تقول مرارا وتكرارا إن شيئا ما ~~غير منصف، لكن بصوت يائس، كما لو أنك تتوقع أن هذا الشيء غير المنصف لا يمكن أن ينصلح ~~أمره. «وضيع» هي كلمة أخرى يمكن أن تستخدم في ظل هذه الظروف. إنه وضيع للغاية؛ كان هناك ~~شخص وضيع للغاية. # بإنصاتي إلى حديث أمي مع أبي حينما عدنا إلى المنزل، عرفت جانبا مما حدث، لكني لم ~~أستطع أن أفهمه تماما. لقد ظهرت السيدة هتشيسون في حفلة الرقص، يصاحبها الرجل صاحب صالة ~~البلياردو، الذي لم يكن معروفا لدي وقتذاك بأنه صاحب صالة ms256 البلياردو، ولا أدري الاسم ~~الذي نادته به أمي، لكنها كانت مصدومة بشدة من سلوكه. ترددت بعض الأخبار عن حفلة ~~الرقص وقرر بعض الشباب من بورت ألبرت - أي من قاعدة القوات الجوية - المجيء لحضوره. لم ~~يكن هناك شيء يعيب هؤلاء الشباب، أما الخزي فقد تمثل في السيدة هتشيسون والفتاة. # لقد أحضرت إحدى بناتها معها. # قال أبي: «ربما اعتقدت أنها مجرد نزهة، ربما كانت ترغب فقط في الرقص.» # بدا أن أمي حتى لم تسمع ذلك، وقالت إنه من العار أن يحدث هذا. إنك تتوقع أن تمضي ~~وقتا لطيفا، رقصة هادئة رقيقة في منزل قريب منك، ثم بعدها يفسد كل شيء. # كانت لدي عادة تقييم شكل الفتيات الأكبر سنا مني. لم أعتقد أن بيجي فتاة ذات جمال ~~خاص؛ ربما فسد مكياجها بسبب بكائها، وقد تحرر شعرها الملفوف ذو اللون البني الفاتح من ~~الدبابيس التي كانت تثبته، وكانت أظافرها مطلية بطلاء أظافر، لكنها كانت لا تزال تبدو كما ~~لو أنها قضمتها. لم تبد أنضج كثيرا من أي من تلك الفتيات الأكبر سنا اللاتي كنت ~~أعرفهن، المتذمرات، والمخادعات، الدائمات الشكوى؛ ومع ذلك، عاملها الشابان كما لو كانت ~~شخصا لا يستحق مطلقا أن يواجه أي لحظة قاسية، شخصا يستحق التدليل والإسعاد، شخصا ~~تنحني أمامه الرءوس. # عرض أحدهما عليها سيجارة جاهزة بالفعل، وقد رأيت أن ذلك متعة في حد ذاته؛ حيث إن أبي ~~كان يلف سجائره بنفسه، تماما مثلما كان يفعل أي رجل كنت أعرفه. لكن بيجي هزت ~~رأسها تعبيرا عن الرفض وتذمرت بنبرة صوتها المتألمة بأنها لا تدخن. ثم عرض عليها ~~الرجل الآخر قطعة من اللبان، فقبلتها. # ماذا كان يجري؟ ليس ثمة سبيل لأن أعرف؛ فقد لاحظ وجودي الشاب الذي عرض عليها قطعة ~~اللبان، بينما كان يفتش في جيبه، ثم قال: «بيجي، بيجي، هناك فتاة صغيرة أعتقد أنها تبغي ~~الصعود لأعلى.» # أخفضت رأسها، فلم أستطع النظر نحو وجهها، وشممت رائحة عطر وأنا أمر من جانبها، ~~وشممت رائحة سجائرهما أيضا وزيهما الصوفي الرجالي ، وأحذيتهما اللامعة العالية ~~الرقبة. ms257 # حينما نزلت وأنا أحمل معطفي، كانوا لا يزالون في مكانهم، لكن في تلك المرة كانوا ~~يتوقعون مجيئي؛ لذا لاذوا جميعا بالصمت أثناء مروري، فيما عدا أن بيجي أطلقت شهقة ~~عالية، بينما راح الشاب الأقرب إليها يربت على الجزء العلوي من رجلها. لقد رفعت تنورتها ~~ورأيت الحمالة التي تثبت جوربها. # ظللت لفترة كبيرة أتذكر الأصوات، وأمعن النظر فيها. ليس صوت بيجي، وإنما صوت ~~الرجلين. أعلم الآن أن بعضا من رجال القوات الجوية الذين يتمركزون في بورت ألبرت في وقت ~~مبكر من الحرب كانوا قادمين من إنجلترا، وأنهم كانوا يتلقون التدريب هناك لمحاربة ~~الألمان؛ لذا، أتساءل إن كانت اللكنة الخاصة بجزء معين من بريطانيا هي التي وجدتها لطيفة ~~وساحرة للغاية. من المؤكد أنني لم أسمع قط في حياتي رجلا يتكلم على هذا النحو، ويعامل ~~امرأة كما لو أنها مخلوق رقيق ومقدر للغاية أيا كان، ويرى أن أيا كانت القسوة التي ~~تعرضت لها، فهي تعد على نحو ما خرقا للقانون أو إحدى الخطايا. # ما الذي اعتقدت أنه قد حدث لبيجي وجعلها تبكي؟ لم يثر هذا السؤال اهتمامي كثيرا في ~~ذلك الوقت؛ فأنا نفسي لم أكن شخصية شجاعة؛ فقد كنت أبكي حينما كان يطاردني البعض ويرمونني ~~بالحصى وأنا في طريق عودتي إلى المنزل من مدرستي الأولى، وكنت أبكي حينما كانت تشير إلي ~~المعلمة في مدرسة المدينة من بين كل طلاب الفصل لكي تجعلهم يرون عدم الترتيب الصادم ~~لمكتبي، وكذلك عندما هاتفت أمي من أجل نفس المشكلة، وبكت أمي بعدما أنهت المكالمة، ~~متحملة المعاناة لأني لم أكن مفخرة لها. بدا الأمر كما لو أن هناك أناسا بطبيعتهم ~~يتسمون بالشجاعة، بينما لا يتسم بها البعض الآخر. لا بد أن أحدهم قال شيئا لبيجي، ~~ولهذا كانت تشهق لأنها كانت مثلي؛ شخصية لا تتحمل المضايقات. # لكن لا بد أن السيدة ذات الثوب البرتقالي هي التي كانت الشخص الوضيع، على ما أعتقد، دون ~~سبب محدد. كان يجب أن يكون امرأة؛ لأنه لو كان رجلا، لعاقبه أحد هذين الشابين ~~المنتميين ms258 للقوات الجوية المواسيين لبيجي، ولطلبا منه أن ينتبه لما يقول، بل لربما ~~جذباه إلى الخارج وضرباه. # لذا لم تكن بيجي هي من أثار اهتمامي، ولا دموعها، ولا نظراتها المنهارة؛ لقد كانت ~~تذكرني كثيرا بنفسي. بل الشابان اللذان كانا يواسياها هما من أثار اهتمامي؛ أثارني ~~كيف كانا ينحنيان ويعبران عن مشاعر الود أمامها. # ماذا كانا يقولان؟ لم يقولا شيئا محددا على وجه الخصوص؛ قالا إن كل شيء على ما يرام. ~~لا تقلقي يا بيجي. الآن، كل شيء على ما يرام، يا بيجي. # إنه ذلك الحنان؛ أن يحمل الشخص كل هذا القدر من الحنان. # صحيح أن هؤلاء الشباب، الذين أتوا إلى بلادنا للتدريب على المهام الخاصة بالقصف الجوي، ~~والتي يمكن أن يروح ضحيتها الكثير منهم، ربما كانوا يتحدثون باللكنة المعتادة لكورنوال، أو ~~كنت، أو هال، أو اسكتلندا. لكنهم بدوا بالنسبة إلي غير قادرين على الحديث دون ترديد ~~بعض عبارات المباركة، المباركة في الوقت الحاضر. لم يدر بخلدي أن مستقبلهم جميعا مرتبط ~~بكارثة، أو أن حياتهم العادية ذهبت سدى ودمرت؛ كل ما فكرت فيه هو كلمات المباركة ~~ومدى روعة أن يتلقاها المرء، وكيف أن بيجي كانت محظوظة على نحو غريب ولا تستحق ~~المعاملة التي كانت تتلقاها. # لا أدري كم من الوقت ظللت أفكر فيهم؛ فقد كانوا يهدهدونني في ظلمات غرفة نومي ~~الباردة حتى أغط في النوم. كان بإمكاني استدعاؤهم، استرجاع وجوههم، وأصواتهم، لكن الأدهى ~~من ذلك، أن أصواتهم كانت موجهة نحوي وليس نحو طرف ثالث لا أهمية له. وكانت أيديهم تبارك ~~فخذي النحيلين وأصواتهم تطمئنني أنني أيضا أستحق الحب. ~~••• # وبينما كانوا لا يزالون يسكنون خيالاتي التي لم تكن جنسية بشدة حينها، إذا بهم يختفون ~~من ذهني. لقد اختفى بعضهم، بل العديد منهم، إلى الأبد. # | حياتي العزيزة # حينما كنت صغيرة، كنت أعيش في نهاية طريق طويل، أو طريق بدا لي طويلا. وكان يوجد ~~خلفي، وأنا عائدة لمنزلي سيرا على الأقدام من المدرسة الابتدائية ثم المدرسة الثانوية ~~بعد ذلك، المدينة الحقيقية بنشاطها وأرصفتها وأعمدة إنارة ms259 شوارعها التي كانت تضاء بعد حلول ~~الظلام. وكان ما يميز نهاية المدينة وجود جسرين فوق نهر ميتلاند، أحدهما كان جسرا ~~حديديا ضيقا كانت تحدث فيه أحيانا مشاجرات بين قائدي السيارات حول أي من السيارات ~~يجب أن تنتظر حتى تمر السيارات الأخرى. وكان هناك ممشى خشبي حيث تجد من آن لآخر أحد ~~ألواحه مفقودا، بحيث يكون بمقدورك أن تنظر لأسفل مباشرة نحو المياه الجارية البراقة. ~~أحببت ذلك، لكن كان دائما ما يأتي أحدهم ويضع لوحا جديدا مكان اللوح المفقود. # وكان هناك واد صغير، به منزلان آيلان للسقوط تغمرهما المياه كل ربيع، لكن دائما كان ~~هناك أناس - أناس مختلفون - يأتون ويعيشون فيهما على أية حال. وبعد ذلك، كان هناك الجسر ~~الآخر، المقام فوق قناة الساقية، التي كانت ضيقة لكنها عميقة بما يكفي بحيث يمكن أن تغرق ~~فيها. بعد ذلك كان ينقسم الطريق، جزء منه يتجه نحو الجنوب فوق أحد التلال وفوق النهر ~~ثانية حتى يصبح طريقا سريعا، والجزء الآخر يمتد حول ساحة السوق القديمة ثم ينعطف نحو ~~الغرب. # كان هذا الطريق المتجه نحو الغرب هو طريقي. # كان هناك أيضا طريق يتجه نحو الشمال، وكان به رصيف قصير لكنه حقيقي، وعدة منازل بعضها ~~قريب من بعض، كما لو كانت في المدينة. وكان أحدها عليه لافتة على الجزء العلوي الزجاجي من ~~بابه، مكتوب عليها «شاي سالادا»؛ وهو دليل على أن منتجات البقالة كانت تباع هناك في وقت ~~من الأوقات. ثم كانت هناك مدرسة درست بها لمدة عامين في حياتي وتمنيت ألا أراها ثانية، ~~وبعد هذين العامين، دفعت أمي أبي إلى شراء سقيفة قديمة في المدينة؛ حتى يكون خاضعا للضرائب ~~الخاصة بالمدينة وأستطيع أن أذهب إلى مدرسة المدينة. واتضح أنها لم تكن بحاجة إلى ذلك لأنه ~~في نفس السنة وذات الشهر الذي بدأت فيه الدراسة في مدرسة المدينة، أعلنت الحرب ضد ~~ألمانيا، وعلى نحو مفاجئ هدأ الحال في المدرسة القديمة، المدرسة التي كان ينتزع مني ~~زملائي المتنمرون علي طعام الغداء ويهددون بضربي، والتي لم يتعلم ms260 بها أحد أي ~~شيء وسط الفوضى التي كانت تعلوها. وسرعان ما أصبح بها حجرة واحدة ومعلم واحد فقط ربما لم ~~يكن حتى يغلق الأبواب في أوقات الراحة. وبدا أن نفس الصبية الذين طالما سألوني على ~~نحو مؤثر ومزعج إن كنت أريد أن أضاجعهم؛ كانوا شغوفين لأن يحصلوا على وظائف مع انضمام ~~إخوانهم الأكبر سنا للجيش. # لا أدري إن كانت حمامات المدارس قد تحسنت حالتها بحلول ذلك الوقت أم لا، لكنها ~~كانت أسوأ شيء بها على الإطلاق؛ هذا لا يعني أننا لم نكن نقضي حاجتنا في حمام خارجي داخل ~~المنزل، لكنه كان نظيفا وأرضيته من المشمع. وفي تلك المدرسة، وبدافع من الازدراء أو أيا ~~ما كانت الدوافع، بدا أنه لم يكن أحد يهتم بقضاء حاجته في الحفرة المخصصة لذلك ~~بالحمام، ولعدة أسباب لم يكن هذا الأمر سهلا علي في مدرسة المدينة أيضا؛ لأن الطلبة ~~الآخرين كانوا معا منذ الصف الأول، وكان هناك العديد من الأشياء التي لم أتعلمها بعد، ~~لكن رؤيتي لمقاعد الحمام النظيفة وسماعي لصوت المراحيض الدافقة المتحضرة كانا شيئين ~~باعثين على راحتي. # خلال وجودي في مدرستي الأولى، كانت لدي صديقة واحدة. وقد التحقت هذه الفتاة التي ~~سأناديها ديان بمدرستي بعد أن مضت فترة من عامي الثاني هناك. كانت في مثل عمري تقريبا، ~~وكانت تعيش في واحد من تلك المنازل التي كان لها رصيف. سألتني ذات يوم إن كنت أعرف ~~الرقص الشعبي الاسكتلندي، وعندما أجبت عليها بالنفي عرضت علي أن تعلمني إياه؛ ومن ~~هذا المنطلق، ذهبنا إلى منزلها بعد المدرسة. كانت والدتها قد توفيت، وذهبت هي للعيش مع ~~جدها وجدتها. أخبرتني أنه لكي أتمكن من أداء هذا النوع من الرقص، فأنا بحاجة إلى حذاء ~~يصدر صوتا، وهو ما لم أكن أملكه بالطبع وكانت تملكه هي، لكن أقدامنا كان لها نفس المقاس ~~تقريبا؛ لذا كان من الممكن أن نتبادل أحذيتنا بينما تحاول هي أن تعلمني. شعرنا بالعطش ~~في نهاية المطاف، فأحضرت لنا جدتها بعض الماء، لكنه كان ماء فظيعا آتيا من ms261 بئر محفورة ~~يدويا، تماما مثل ماء المدرسة. أخبرتهما بأمر الماء الرائع الذي كنا نحصل عليه من أحد ~~الآبار المحفورة بالآلات بالمنزل، وقالت الجدة، دون أن تشعر بأي نوع من الإهانة، إنها ~~تتمنى لو حصلت على مثل هذا الماء أيضا. # لكن سرعان ما كانت أمي بالخارج؛ فقد ذهبت إلى المدرسة وعرفت مكان تواجدي، وراحت تطلق نفير ~~السيارة لكي تستدعيني، ولم ترد حتى على تلويح الجدة الذي كان ينم عن الود. كانت ~~أمي لا تقود السيارة في العادة، وحينما كانت تفعل تكون هناك جدية يشوبها التوتر تغلف ذلك ~~الحدث، وطلبت مني ونحن في طريقنا إلى المنزل ألا أدخل ذلك المنزل مرة أخرى. (لم يكن في ~~ذلك أي صعوبة؛ لأن ديان توقفت عن المجيء إلى المدرسة بعدها بأيام قلائل؛ فلقد ~~أرسلت إلى مكان ما.) قلت لأمي إن والدة ديان متوفاة، فردت علي بأنها تعلم ذلك. ~~أخبرتها بأمر الرقص الشعبي الاسكتلندي، فقالت إنني يمكنني أن أتعلمه في وقت من الأوقات، ~~لكن ليس في ذلك المنزل. # لم أكتشف حينها - ولم أفهم الأمر حينما اكتشفت - أن أم ديان كانت عاهرة، وأنها توفيت ~~بسبب مرض ما بدا أن العاهرات قد أصبن به. أرادت أم ديان أن تدفن في منزلها، وقام ~~قس كنيستنا بمراسم الدفن. كان هناك جدل حول نص الإنجيل الذي استخدمه؛ اعتقد البعض أنه كان ~~يجب عليه ألا يذكر ذلك الجزء، لكن أمي اعتقدت أنه فعل الشيء الصواب. # إن جزاء الخطيئة هو الموت. # قالت أمي لي ذلك بعدها بفترة طويلة، أو ما بدا أنه فترة طويلة لاحقا، حينما وصلت ~~لمرحلة كنت أكره خلالها العديد من الأشياء التي كانت تقولها، وخاصة حينما كانت تستخدم ~~هذا الصوت المقنع المرتعش المبتهج. # كنت أزور الجدة بين الحين والآخر، ولطالما كانت تستقبلني بابتسامتها الصغيرة. وقالت إنه ~~من الرائع أنني لا أزال أذهب إلى المدرسة، وذكرت أن ديان استمرت هي الأخرى في الذهاب إلى ~~المدرسة لوقت لا بأس به، في المكان الذي كانت تعيش فيه، لكنه لم يكن طويلا كالوقت الذي ~~أمضيته ms262 أنا. ووفقا لما قالته جدتها، فقد حصلت ديان بعد ذلك على وظيفة في أحد المطاعم ~~في تورونتو حيث كانت ترتدي زيا مزينا بالترتر. وكنت قد كبرت بما يكفي حينها، وأصبحت ~~شريرة بما يكفي لكي أفترض أنها ربما ذهبت إلى مكان يخلع فيه المرء الزي المزين ~~بالترتر. # لم تكن جدة ديان هي الوحيدة التي كانت ترى أنني قد أمضيت وقتا طويلا بالمدرسة؛ فبطول ~~الطريق الذي كنت أقطعه، كان هناك عدد من المنازل التي يصطف بعضها مبتعدا عن بعض، بدرجة ~~أكبر من تلك المتواجدة في المدينة، لكن مع ذلك لم يكن لها الكثير من الملحقات. وكان أحد ~~هذه المنازل، الواقع فوق أحد التلال الصغيرة، يمتلكه ويتي ستريتس، وهو محارب من المحاربين ~~القدامى فقد إحدى ذراعيه أثناء مشاركته في الحرب العالمية الأولى. كان يربي بعض الخراف، ~~وكان لديه زوجة لم أرها سوى مرة واحدة فقط طوال تلك السنوات، حينما كانت تملأ دلو الشرب ~~من المضخة. كان ويتي يحب أن يمزح بشأن الوقت الطويل الذي أمضيته في المدرسة، وكم هو شيء ~~باعث على الرثاء أنني لم أستطع مطلقا أن أجتاز اختباراتي وأنتهي من دراستي. وكنت أرد ~~على مزاحه متظاهرة بأن ذلك صحيح. لم أكن واثقة مما كان يعتقد بالفعل؛ كان هذا هو ~~الأسلوب الذي تتعرف به على الأشخاص على الطريق ويتعرفون عليك من خلاله؛ فإنك تبدأ ~~بتحيتهم وهم يردون عليك التحية، ثم يقولون بعد ذلك شيئا عن أحوال الطقس، وإن كانت لدى ~~أحدهم سيارة وشاهدك تسير على قدميك فإنه يذهب بك إلى المكان الذي تريده. إن المكان لم ~~يكن يشبه الريف الحقيقي حيث كان الناس يعرف بعضهم دواخل منازل بعض، ويشترك الجميع بطريقة ~~أو بأخرى في نفس الوسيلة التي يكسبون بها قوت يومهم. # لم أستغرق وقتا في إكمال دراستي الثانوية أطول مما استغرقه أي فرد أنهى صفوفه ~~الخمسة بالكامل، لكن عدد الطلاب الذين فعلوا ذلك كان قليلا، ولم يتوقع أحد في تلك الأيام ~~أن نفس العدد الذي التحق بالمدرسة الثانوية في الصف التاسع سيخرج ms263 منها، ذاخرا بالمعرفة ~~وقواعد النحو الصحيحة، في نهاية الصف الثالث عشر؛ فقد كان هناك بعض الأشخاص الذين يحصلون ~~على وظائف بدوام جزئي وتدريجيا يحصلون على وظائف بدوام كامل. أما الفتيات، فكن ~~يتزوجن وينجبن أطفالا، بهذا الترتيب أو بعكسه. وفي الصف الثالث عشر، حيث لم يتبق ~~سوى ربع عدد طلاب الفصل الأصلي، كان هناك إحساس باتساع المعرفة، بالإنجاز الحقيقي، أو ~~ربما هو مجرد نوع خاص من الشعور بالمثالية، بغض النظر عما سيحدث لك فيما بعد. # شعرت كما لو أنني قد ابتعدت فترة طويلة جدا عن معظم الناس الذين عرفتهم في الصف ~~التاسع، فضلا عمن عرفتهم في مدرستي الأولى. ~~••• # كان هناك شيء في أحد أركان غرفة الطعام لطالما أثار دهشتي قليلا، وذلك حينما كنت أحضر ~~المكنسة الكهربائية التي من طراز إلكترولكس كي أنظف الأرضية. كنت أعرف ما هو هذا الشيء؛ ~~حقيبة جولف حديثة تحوي مضارب وكرات جولف. تساءلت فقط عما كانت تفعله في منزلنا؛ إنني ~~بالكاد أعرف القليل عن هذه اللعبة، لكن كانت لدي تصورات عن نوعية الأشخاص الذين كانوا ~~يمارسونها؛ لم يكونوا من أولئك الأشخاص الذين يرتدون أردية العمل، مثل والدي، بالرغم من أنه ~~كان يرتدي بنطال العمل الأكثر أناقة حينما كان يذهب إلى وسط المدينة. كان يمكنني، إلى حد ~~ما، تخيل أمي وهي ترتدي ذلك النوع من الملابس الرياضية التي ينبغي ارتداؤها لهذه اللعبة، ~~رابطة وشاحا حول شعرها الناعم المتطاير، لكن لم يكن يمكنني تخيلها وهي تضرب الكرة ~~لتسقط في حفرة في الملعب. إنها بالتأكيد كانت أبعد ما يكون عن فعل تفاهة كهذه. # لا بد أنها قد فكرت بطريقة مختلفة في وقت من الأوقات، لا بد أنها قد اعتقدت أنه يمكنها ~~هي وأبي أن يحولا نفسيهما لنوع مختلف من الأشخاص؛ أشخاص يستمتعون بقدر من الرفاهية؛ ~~لعب الجولف، وحفلات العشاء. ربما أقنعت نفسها بأن بعض الحدود لم تعد موجودة. لقد ~~استطاعت أن تبتعد عن مزرعة في منطقة الدرع الكندي الجرداء - مزرعة أسوأ كثيرا من تلك ~~التي قدم منها أبي - وأصبحت معلمة ms264 تتحدث بأسلوب جعل أقاربها لا يشعرون بالارتياح ~~تجاهها. ربما اعتقدت أنها، بعد كل هذا الكفاح، ستكون من المرحب بهم في أي مكان. # أما أبي، فكانت لديه رؤى أخرى. لم يكن الأمر أنه اعتقد أن الناس في المدينة أو أي مكان ~~آخر أفضل منه، لكنه ربما كان يعتقد أن ذلك هو ما كانوا يؤمنون به بالفعل؛ وعليه، فضل ~~ألا يمنحهم أبدا الفرصة لأن يظهروا ذلك. # بالنسبة إلى مسألة الجولف، بدا أن أبي هو المنتصر. # بدا وكأنه لم يكن راضيا بالعيش بالأسلوب الذي توقع أبواه أن يعيشه، بإدارة مزرعتهم ~~اللائقة؛ فحينما ترك هو وأمي أهلهما، واشتريا قطعة الأرض هذه الموجودة في نهاية طريق يقع ~~بالقرب من مدينة لم يعلما عنها شيئا، كانت كل فكرتهما تنحصر بالتأكيد في الاغتناء من ~~تربية الثعالب الفضية، ولاحقا حيوانات المنك. وكصبي، وجد أبي نفسه يشعر بسعادة وهو ~~ينصب الشراك للحيوانات أكبر من قيامه بالمساعدة في المزرعة أو الذهاب إلى المدرسة ~~الثانوية - واعتقد أنه سيصبح أغنى أيضا من أي وقت مضى - وراودته تلك الفكرة واستمر ~~في تنفيذها طوال حياته. لقد وضع كل ما يملكه من نقود لتنفيذ هذا الأمر، وساهمت أمي ~~بما كانت تدخره من وراء عملها في مجال التدريس، وبنى كل الحظائر والعشش التي كانت ~~ستعيش بها الحيوانات، وكذلك الجدران السلكية التي كانت ستحبس وراءها. كان حجم قطعة الأرض ~~الذي بلغ 12 فدانا هو الحجم المناسب لهذا الأمر، بجانب وجود حقل قش ومرعى كاف لبقرتنا ~~وللخيول العجائز التي كانت بانتظار القتل لتكون طعاما للثعالب. وكان المرعى يمتد حتى ~~النهر، ويحتوي على 12 شجرة دردار تظلله. # عندما أفكر في الأمر الآن، أجد أنه كان هناك الكثير من عمليات قتل الحيوانات في ~~المزرعة؛ فكان يجب أن تقتل الخيول العجائز لتكون طعاما للثعالب، وكذلك الحال كل خريف ~~بالنسبة إلى الحيوانات الحاملة للفراء، التي لم يكن يترك منها سوى ما كان يستخدم في ~~الاستيلاد. لكني اعتدت على ذلك، وكان من اليسير أن أتجاهله بالكامل، راسمة لنفسي مشهدا ~~نقيا يشبه شيئا نابعا ms265 من الكتب التي أحببتها مثل كتاب «آن في المرتفعات الخضراء»، أو ~~«بات التي من سيلفر بوش». كان يساعدني في ذلك أشجار الدردار التي كانت تظلل المرعى، والنهر ~~المتلألئ، والينبوع الذي كان يندفع فجأة من الضفة التي تعلو المرعى، موفرا الماء للخيول ~~المحكوم عليها بالموت، وللبقرة ولي أيضا، وذلك من خلال قدح من الصفيح كنت أضعه هناك. كان ~~السماد الحيواني الطازج موجودا دوما في كافة الأنحاء هناك، لكني كنت أتجاهله مثل آن التي ~~لا بد وأنها كانت تفعل ذلك في المرتفعات الخضراء. # كان علي في تلك الأيام أن أساعد أبي في بعض الأحيان لأن أخي لم يكن قد كبر بدرجة ~~كافية. كنت أضخ الماء النقي، وكنت أتنقل جيئة وذهابا بين الحظائر لأنظف العلب ~~الصفيح التي يشرب منها الحيوانات وأعيد ملأها؛ وكنت أستمتع بذلك. وكان ما أحبه هو ~~أهمية العمل والعزلة المتكررة فقط؛ ولاحقا كان علي أن أمكث بالبيت لأساعد أمي، وكان ~~يملؤني حينها الاستياء وأرد عليها بعدوانية؛ وكان يطلق على هذا «الرد بوقاحة». ~~حينها كانت أمي تقول إنني جرحت مشاعرها، وكانت النتيجة أنها كانت تذهب إلى الحظائر ~~لتشكوني لأبي، والذي كان عليه حينها أن يقطع عمله لكي يضربني بحزامه. (كان هذا عقابا ~~معتادا في تلك الأيام.) وبعدها كنت أرتمي على الفراش وأنا أبكي، وأضع خططا للهروب. لكني ~~تخطيت تلك المرحلة أيضا وأصبحت في مرحلة المراهقة لينة الجانب، بل أصبحت حتى ~~مرحة، ومعروفة بإعادة سردي المسلي للأشياء، سواء أكانت الأشياء التي سمعت عنها في ~~المدينة أم تلك التي وقعت في المدرسة. # كان منزلنا ذا حجم معقول، ولا ندري متي شيد، لكن لا بد أن عمره يقل عن القرن؛ لأن عام ~~1858 كان العام الذي توقف فيه أول مستوطن في مكان يطلق عليه بودمين - وهو مكان ~~اختفى الآن - وبنى لنفسه طوفا وعبر النهر لقطع الأشجار من الأرض التي أصبحت فيما بعد ~~قرية كاملة؛ وسرعان ما أصبح بتلك القرية البدائية مصنع لنشر الأخشاب، وفندق، وثلاث ~~كنائس، ومدرسة، وهي نفس المدرسة التي كانت مدرستي الأولى ms266 والتي كانت تشعرني بخوف شديد. ~~ثم شيد جسر عبر النهر، ثم بدأ الناس يدركون أنه من الأحرى العيش على الناحية الأخرى، على ~~أرض أعلى، وتقلصت المستوطنة الأصلية حتى أضحت أشبه بالقرية الحقيرة التي تحدثت ~~عنها، والتي كانت غريبة حينها فقط. # لا يمكن أن يكون منزلنا ضمن تلك المنازل الأولى التي شيدت في هذه المستوطنة البدائية؛ ~~لأنه كان مبنيا من الطوب، وكانت جميعا من الخشب، لكن من المحتمل أنه أقيم بعدها ~~بفترة ليست بالطويلة؛ فقد كان ظهره يواجه القرية، كان يطل على ناحية الغرب عبر حقول ~~تنحدر قليلا نحو المنحنى المختفي حيث صنع النهر ما كان يطلق عليه منطقة بيج بيند. ~~وفيما وراء النهر كانت هناك مجموعة من الأشجار الدائمة الخضرة الداكنة اللون، ويحتمل أنها ~~كانت أشجار أرز، لكنها كانت تقع على مسافة كبيرة يصعب معها تحديد نوعها بدقة. وهناك على ~~مسافة أبعد على منحدر تل آخر، كان يوجد منزل آخر مواجه لمنزلنا حجمه متناهي ~~الصغر من هذا البعد، لدرجة جعلتنا لم نزره مطلقا أو نعرف عنه شيئا، وكان ~~بالنسبة إلي بمنزلة منزل أحد الأقزام في إحدى القصص. لكننا كنا نعرف اسم الرجل الذي كان ~~يقطنه أو الذي كان يعيش هناك في وقت من الأوقات؛ لأنه ربما يكون قد توفي في الوقت ~~الحاضر. كان اسمه رولي جرين، وهو لا دور له فيما أكتبه الآن بالرغم من اسمه الخرافي؛ لأن ~~هذه ليست قصة، وإنما سرد لجانب من حياتي. ~~••• # تعرضت أمي للإجهاض مرتين قبل أن تلدني؛ لذا عندما ولدت في عام 1931، لا بد أنه كان ~~هناك شعور ببعض الرضا، لكن الأوضاع أخذت تسوء شيئا فشيئا بمرور الوقت. الحقيقة أن أبي ~~دخل مجال تجارة الفراء متأخرا بعض الشيء، والنجاح الذي كان يأمل في تحقيقه كان من ~~الأرجح أن يحدث في منتصف العشرينيات عندما كان الفراء شائعا وقتها منذ فترة قصيرة، وكان ~~الناس تمتلك الأموال، لكنه لم يكن قد بدأ عمله وقتها. لكننا استطعنا الاستمرار في المجال، ~~قبل اندلاع الحرب وخلالها، بل حتى بنهايتها لا ms267 بد أنه كانت هناك زيادة مشجعة في حركة ~~البيع؛ لأن هذا الأمر كان في فصل الصيف الذي أصلح أبي المنزل خلاله؛ حيث أضاف طبقة من ~~الطلاء البني فوق الطوب الأحمر القديم. لقد كانت هناك مشكلة ما في الطريقة التي وضع بها ~~الطوب والألواح؛ فهما لم يمنعا دخول البرد كما من المفترض أن يفعلا؛ لذا رأينا أن طبقة ~~الطلاء ستساعد في هذا الأمر، بالرغم من أني لا أتذكر أنها فعلت ذلك على الإطلاق. وبنينا ~~حماما، وتحول مصعد نقل الطعام غير المستخدم إلى خزانات مطبخ، وأضحت غرفة الطعام ~~الضخمة ذات السلم المفتوح غرفة عادية ذات سلم مغلق. أشعرني ذلك التغيير بالراحة ~~بصورة غير ملحوظة؛ لأن ضرب أبي لي كان يتم في تلك الغرفة القديمة مع رغبتي في الموت من ~~جراء ما كان يسببه ذلك من شعور بالبؤس والخزي. أما الآن فذلك التغيير في المكان جعل من ~~الصعب حتى تخيل حدوث شيء كهذا بالأساس. كنت في المدرسة الثانوية وكان يتحسن أدائي ~~كل عام، مع التخلي عن أنشطة مثل التطريز والكتابة بأقلام عادية، وتحول مادة الدراسات ~~الاجتماعية إلى مادة التاريخ، وكان بمقدور المرء تعلم اللغة اللاتينية. # لكن بعد التفاؤل الذي أضفاه موسم إعادة تزيين المنزل هذا، تراجع عملنا ثانية، لكن في ~~هذه المرة لم يرجع إلى سابق عهده ثانية. لقد سلخ أبي جلود كل الثعالب، ثم حيوانات المنك ~~وحصل من ورائها على قدر ضئيل من النقود أصابه بالصدمة. ثم أصبح يعمل بالنهار في هدم ~~الحظائر التي ولد فيها مشروعه ومات، قبل أن يذهب لتسلم دوام حراسة المسبك الذي يبدأ ~~في الساعة الخامسة مساء، ولم يكن يعود إلى المنزل إلا بحلول منتصف الليل. # وبمجرد عودتي من المدرسة كنت أذهب لأعد طعام الغداء لأبي؛ فكنت أقلي شريحتين من لحم ~~الخنزير وأضع الكثير من الكاتشب فوقهما، وكنت أملأ ترمسه بالشاي الأسود الثقيل، وأجهز له ~~مافنا من النخالة وأضع بعض المربى فوقه أو قطعة كبيرة من فطيرة معدة بالمنزل. في بعض ~~الأحيان في أيام السبت كنت أعد فطيرة، ms268 وفي أحيان أخرى كانت تعدها أمي بالرغم من أن ~~مهارتها في الخبز كانت تقل مع الوقت. # ثم ألم بنا شيء كان غير متوقع بشكل كبير، وكان أكثر تدميرا من فقدان مصدر دخلنا ~~الرئيسي بالرغم من أننا لم نكن قد عرفنا به بعد. كان ذلك هو بداية ظهور أعراض مرض الشلل ~~الرعاش على أمي، التي أصيبت به حينما كانت في الأربعينيات من عمرها. # لم يكن الأمر سيئا جدا في البداية؛ إذ لم يكن بإمكانها تحريك عينيها لأعلى في شرود ~~إلا نادرا، وكان اللعاب الزائد الذي يتساقط من فمها مرئيا بالكاد حول شفتيها، وكانت ~~تستطيع ارتداء ملابسها في الصباح مع بعض المساعدة، وكانت قادرة على ممارسة المهام المنزلية ~~المعتادة. كانت تستعين ببعض القوة الموجودة في داخلها لفترة طويلة على نحو مدهش. # قد يعتقد المرء أن هذا كان كثيرا؛ فقد ذهب العمل أدراج الرياح، وها هي صحة أمي آخذة ~~في التدهور. ما كان لهذا أن يحدث حتى في الأعمال الأدبية، لكن الشيء الغريب هو أنني لا ~~أتذكر أن هذه الأوقات كانت غير سعيدة؛ فلم تكن هناك حالة من اليأس على وجه الخصوص تحيط ~~بالمنزل؛ ربما لم نكن نعي حينها أن حالة أمي لن تتحسن، بل ستزداد سوءا. وبالنسبة إلى ~~أبي، كان يتمتع بصحة جيدة واحتفظ بها لفترة طويلة. كان يحب الرجال الذين يعملون معه في ~~المسبك إذ يشبهونه إلى حد بعيد، ويعانون من نوع ما من التدهور الاقتصادي أو أضيف إلى ~~أعبائهم الحياتية عبء إضافي. كان يحب العمل الشاق الذي يقوم به، إلى جانب عمله في الحراسة ~~في أول الليل. كان هذا العمل يتضمن سكب المعدن المنصهر في قوالب. كان المسبك يصنع مواقد ~~قديمة الطراز كانت تباع في جميع أرجاء العالم. كان عملا خطيرا، لكن الأمر يرجع إلى مدى ~~حذر المرء، بحسب قول أبي، وكان يحصل على مقابل معقول، وكان أمرا جديدا بالنسبة ~~إليه. # أعتقد أنه كان سعيدا بالابتعاد عن المنزل، حتى لو كان الثمن أداء عمل شاق وخطير. كان ~~سعيدا بالابتعاد والبقاء ms269 في صحبة مجموعة من الرجال لديهم مشاكلهم الخاصة لكنهم يتعايشون ~~معها. # وبمجرد أن يغادر المنزل، كنت أشرع في إعداد طعام العشاء. كنت أصنع الأشياء التي أعتقد ~~أنها غريبة مثل المكرونة السباجيتي أو البيض الأومليت، ما دامت أشياء لا تكلف الكثير. ~~وبعد الانتهاء من غسل الأطباق، كان يجب على أختي أن تجففها، وكان يجب علي التشاجر مع ~~أخي ليلقي مياه غسل الأطباق بالخارج في الحقل المظلم (كان بمقدوري أن أفعل ذلك بنفسي، ~~لكني كنت أحب إعطاء الأوامر). ثم كنت أجلس واضعة قدمي في فرن التسخين الذي انخلع ~~بابه، وأقرأ الروايات العظيمة التي كنت أستعيرها من مكتبة المدينة، مثل رواية «شعب مستقل» ~~التي كانت عن الحياة في أيسلندا، والتي كانت أصعب من حياتنا بكثير، لكن كان بها قدر من ~~العظمة اليائسة؛ أو رواية «تذكر الأشياء الماضية» التي كانت عن شيء لم أستطع فهمه على ~~الإطلاق، لكن ليس لدرجة تجعلني أقلع عن قراءتها؛ أو رواية «الجبل السحري» التي كانت عن ~~مرض الدرن، وتحوي مقابلة عظيمة بين ما بدا من ناحية كتصور مبهج وتقدمي للحياة، ~~ويأس مظلم ومثير بعض الشيء من الناحية الأخرى. كنت لا أؤدي واجبات مدرسية على الإطلاق ~~خلال ذلك الوقت الثمين، لكن حينما كان يقترب موعد الامتحانات كنت أذاكر بكد وأظل ~~مستيقظة طوال الليل تقريبا وأنا أحشو ذهني بكل ما كان يتعين علي معرفته. كانت لدي ~~ذاكرة قصيرة الأمد مذهلة، وكنت أستفيد من ذلك جيدا لأحقق ما كان مطلوبا مني. # بالرغم من وجود العديد من المشكلات، كنت أرى نفسي شخصية محظوظة. # كنت أنا وأمي نتحدث معا في بعض الأحيان، في الغالب عن أيام شبابها. حينها، كنت ~~نادرا ما أعترض على نظرتها للأشياء. # ولمرات عدة حكت لي قصة تتعلق بذلك المنزل الذي كان يمتلكه حينها المحارب القديم ~~الذي كان يدعى ويتي ستريتس، الرجل الذي اندهش من طول الوقت الذي أمضيته كي أنهي ~~دراستي. لم تكن القصة تتعلق به لكن بشخص عاش بهذا المنزل قبله بفترة طويلة، وهي امرأة ~~عجوز مجنونة تدعى السيدة ms270 نيترفيلد. كانت السيدة نيترفيلد تتسلم بقالتها، كما كنا نفعل ~~جميعا، وذلك بعد أن تطلبها من خلال الهاتف؛ وفي أحد الأيام، كما قالت أمي، نسي البقال أن ~~يرسل لها الزبد، أو نسيت هي أن تطلبه، وبينما كان صبي التوصيل يفتح باب الشاحنة الخلفي، ~~لاحظت الخطأ الذي حدث وشعرت بالاستياء، وكانت مستعدة للتعامل مع الأمر، بطريقة أو ~~بأخرى. لقد كان معها فأس رفعته كما لو أنها كانت تريد عقاب صبي التوصيل - بالرغم من أن ~~هذا الأمر لم يكن خطأه بالطبع - فهرع هو نحو مقعد القيادة وانطلق دون أن يغلق الباب الخلفي ~~للشاحنة. # كانت هناك بعض الأشياء المحيرة بشأن هذه القصة، بالرغم من أنني لم أفكر فيها حينها ~~وكذلك لم تفعل أمي؛ إذ كيف تأكدت السيدة العجوز أن الزبد لم يكن موجودا بين باقي طلبات ~~البقالة؟ ولماذا أتت ومعها الفأس قبل أن تعرف أن هناك خطأ ستجده؟ وهل كانت تحمله معها ~~طوال الوقت في حال وقوع أي شيء يثير حفيظتها بوجه عام؟ # يقال إن السيدة نيترفيلد كانت سيدة رقيقة ذات سلوك مهذب حينما كانت أصغر عمرا. # هناك قصة أخرى أكثر إثارة عن السيدة نيترفيلد لأنني كنت جزءا منها، وقد وقعت أحداثها ~~في محيط منزلنا. # كان يوما جميلا من أيام الخريف، ووضعتني أمي في عربة الأطفال لكي أنام، وذلك على ~~الرقعة الصغيرة للمرج الجديد. كان أبي بالخارج في فترة ما بعد الظهيرة - ربما لمساعدة أبيه ~~في المزرعة القديمة، كما كان يفعل في بعض الأحيان - وكانت أمي تغسل بعض الملابس في حوض ~~الغسيل. ولأنني كنت أول مولود، فقد كان هناك كم كبير من ملابس التريكو والأشرطة، وهي ~~أشياء يجب أن تغسل يدويا بحذر بالماء البارد. لم تكن هناك نافذة أمام أمي وهي تغسل ~~وتعصر الأشياء في حوض الغسيل. ولكي تلقي نظرة على الخارج، كان يتعين عليك أن تعبر ~~الغرفة لتصل إلى النافذة الشمالية؛ وذلك يجعلك ترى الطريق الخاص التابع للمنزل الممتد من ~~صندوق البريد حتى المنزل. # لماذا قررت أمي أن تترك الغسيل والعصر لإلقاء نظرة ms271 على الطريق، خاصة أنها لم تكن ~~تنتظر قدوم أي شخص؟ لم يكن أبي متأخرا؛ فربما طلبت منه أن يحضر شيئا من متجر ~~البقالة؛ شيئا احتاجته لما كانت ستعده لطعام العشاء، وكانت تتساءل إن كان سيعود ~~للمنزل في وقت مناسب لها لتعده. كانت طباخة مبذرة بعض الشيء في تلك الأيام، بل في ~~الحقيقة كان الأمر أكثر من اللازم، وذلك وفقا لما تعتقده حماتها والنساء الأخريات في عائلة ~~أبي، حيث كانوا يرون أنها تنفق كثيرا في إعداد الطعام. # أو ربما لم يكن الأمر له علاقة بالعشاء، لكن تضمن نوعية ملابس كان يريد شراءها، أو ~~إحدى الخامات اللازمة لرداء جديد كانت تريد صنعه بنفسها. # لم تذكر أبدا لاحقا سبب قيامها بذلك. # لم تكن الهواجس حول طبخ أمي هي المشكلة الوحيدة مع عائلة أبي، بل لا بد أنه كان هناك بعض ~~الجدل حول ملابسها أيضا. أتذكر كيف اعتادت ارتداء فستان لفترة ما بعد الظهيرة حتى لو ~~كانت فقط ستغسل الملابس في حوض الغسيل. كانت تغفو لنصف ساعة بعد وجبة الظهيرة، ودائما ما ~~كانت ترتدي فستانا مختلفا حينما تستيقظ، وحينما كنت أنظر إلى صورها فيما بعد، كنت أعتقد ~~أن موضات اللبس في عصرها لم تكن تناسبها أو تناسب أي شخص. كانت الفساتين دون ملامح، ولم ~~تكن قصة الشعر القصير تناسب وجه أمي الممتلئ الناعم. لكن هذا لم يكن وجه اعتراض أقارب أبي ~~من النساء اللائي كن يعشن على مقربة منا بدرجة تكفي لمراقبتها عن كثب؛ كان كل ~~خطئها يكمن في أن شكلها لم يكن يشبه الشخصية التي من المفترض أن تكون عليها؛ فلم يكن يبدو ~~عليها أنها نشأت في مزرعة، أو أنها نوت أن تظل في إحداها. ~~••• # لم تر سيارة أبي وهي تقترب من المرج، لكنها رأت بدلا منه السيدة العجوز، السيدة ~~نيترفيلد. لا بد أن السيدة نيترفيلد أتت إلينا سيرا من منزلها، وهو نفس المنزل الذي ~~كنت سأرى فيه فيما بعد الرجل ذا الذراع الواحدة الذي كان يغيظني، وامرأته ذات الشعر ~~القصير التي صادفتها ms272 مرة واحدة فقط عند المضخة. كان ذلك هو المنزل الذي طاردت فيه ~~السيدة المجنونة صبي التوصيل بفأس بسبب الزبد، وحدث ذلك قبل أن أعرف عنها أي شيء ~~بفترة طويلة. # لا بد أن أمي شاهدت السيدة نيترفيلد مرات عدة قبل أن تراها وهي تسير عبر مرجنا. ربما ~~لم يتحدثا معا من قبل مطلقا، ولكن من المحتمل أنهما قد فعلا. وربما رأت أمي أن هذا ~~الأمر مهم، حتى لو كان أبي قد أخبرها أنه لم يكن ضروريا؛ فربما قال إنه قد يؤدي إلى ~~حدوث مشكلة ما. لكن أمي كانت تبدي تعاطفا مع الأشخاص الذين هم على شاكلة السيدة ~~نيترفيلد، ما داموا لطفاء. # لكنها الآن لم تكن تفكر في الصداقة أو اللطف؛ لقد هرعت خارج باب المطبخ لكي تنتزعني من ~~عربة الأطفال، وتركت الأغطية والعربة في مكانهما وسارعت عائدة إلى المنزل، وهي تحاول ~~أن تغلق باب المطبخ خلفها. لم تكن بحاجة إلى القلق بخصوص الباب الأمامي لأنه كان دوما ~~محكم الغلق. # لكن كانت هناك مشكلة في باب المطبخ؛ على حد علمي، لم يكن به مزلاج ملائم مطلقا، ~~لكن كانت هناك عادة نمارسها في المساء، وهي وضع أحد كراسي المطبخ خلف الباب وإمالته ~~أسفل مقبض الباب بطريقة تجعل من يحاول دفعه للدخول يحدث ضجة فظيعة. في رأيي هذا أسلوب ~~عشوائي إلى حد ما في التأمين، ولا يتماشى أيضا مع حقيقة امتلاك أبي لمسدس في المنزل في ~~أحد أدراج المكتب. كما أنه كان من الطبيعي في منزل رجل كان كثيرا ما يطلق النار على ~~الخيول ليقدمها كطعام للثعالب التي يربيها؛ أن تكون هناك بندقية وبندقيتا صيد، خالية ~~من الرصاص بالطبع. # هل فكرت أمي في استخدام أي سلاح حينما انحشر مقبض الباب في مكانه؟ وهل حملت يوما ~~بندقية، أو حشت واحدة، طوال حياتها؟ # هل طاف بذهنها أن السيدة العجوز ربما قدمت فقط للزيارة كأحد الجيران؟ لا أعتقد هذا. لا ~~بد أنه كان ثمة اختلاف في طريقة مشيتها؛ تصميم واضح في طريقة مشي السيدة يشي بأنها ~~ليست ms273 بزائر قدم للزيارة عبر المرج، أو جاء بأسلوب فيه ود عبر طريقنا. # من الممكن أن تكون أمي قد ابتهلت حينها للرب ليساعدها في هذا الموقف، لكنها لم تذكر ~~ذلك قط. # كانت تعرف أنه جرى تفقد للأغطية الموجودة في عربة الأطفال؛ لأنها قبل أن تغلق ستارة ~~باب المطبخ، رأت واحدة من تلك الأغطية تتطاير لتستقر بعدها على الأرض. لم تحاول بعدها أن ~~تغلق ستارة أي نافذة أخرى، لكنها جلست في مكان لا يستطيع أحد أن يلمحها منه وهي تمسك ~~بي بين ذراعيها. # لم يكن ثمة طرق هادئ على الباب، ولا أي محاولة دفع للمقعد أيضا، ولم يكن هناك ~~أي ضجيج أو جلبة. كانت أمي تختبئ في مكانها بجوار مصعد نقل الطعام ويراودها أمل يائس ~~بأن الهدوء كان يعني أن السيدة غيرت رأيها وعادت أدراجها إلى منزلها. # لم يكن الأمر كذلك؛ فقد راحت تتجول حول المنزل في تمهل، وأخذت تتوقف عند كل ~~نافذة من نوافذ الطابق السفلي. ولم تكن النوافذ الواقية من العواصف مركبة حينها لأننا ~~كنا في الصيف؛ فكان بإمكانها أن تضغط بوجهها عبر كل لوح من الألواح الزجاجية للنوافذ. وكانت ~~الستائر كلها مفتوحة تماما؛ لأن طقس ذلك اليوم كان جميلا. لم تكن السيدة العجوز طويلة ~~جدا، لكن لم يكن عليها أن تشب لترى ما بداخل المنزل. # كيف عرفت أمي كل هذا؟ لم يكن الأمر أنها كانت تجري هنا وهناك وهي تحملني بين ذراعيها ~~وتختبئ ما بين قطع الأثاث الواحدة تلو الأخرى، وهي تختلس النظر إلى الخارج، ويغمرها الفزع ~~من أن تلتقي بالعيون المحدقة وربما بابتسامة شريرة. # كانت تجلس بالقرب من مصعد نقل الطعام؛ فماذا عساها أن تفعل غير ذلك؟ # كان هناك القبو بالطبع، لكن النوافذ كانت صغيرة بدرجة يصعب معها أن يلج أحد خلالها. لكن ~~لم يكن هناك خطاف داخلي لباب القبو، وسيكون الأمر أكثر رعبا إلى حد ما إذا حبست أمي ~~هناك في الظلام ونجحت السيدة العجوز في نهاية المطاف في دخول المنزل والهبوط على درج ~~القبو. # كان هناك ms274 أيضا بعض الغرف بالأعلى، لكن كي تصل أمي إليها، كان عليها المرور بالغرفة ~~الرئيسية الكبيرة؛ تلك الغرفة التي سيضربني فيها أبي فيما بعد، والتي فقدت وظيفتها ~~الشريرة عندما أغلق السلم. # لا أدري متى أخبرتني أمي لأول مرة بهذه القصة، لكن يبدو لي أن ذلك كان حيث توقفت ~~الروايات الأولى لها؛ بقيام السيدة نيترفيلد بالضغط بوجهها ويديها على الزجاج بينما كانت ~~أمي تختبئ. لكن في الروايات اللاحقة، كانت هناك نهاية لمجرد النظر للداخل؛ فقد نفد صبرها أو ~~تملكها الغضب، ثم أعقب ذلك الضجيج والجلبة. لم يكن هناك ذكر لأي صراخ؛ ربما لم تكن ~~لدى السيدة العجوز القوة لتفعل ذلك، أو ربما نسيت ما كانت قد قدمت من أجله، بمجرد أن خارت ~~قواها. # على أي حال، يئست السيدة نيترفيلد، وهذا هو كل ما فعلته. وبعد أن أنهت جولتها حول كل ~~الأبواب والنوافذ سارت مبتعدة. وأخيرا واتت أمي الشجاعة لكي تلقي نظرة وسط ذلك الصمت ~~وتنتهي إلى أن السيدة نيترفيلد ذهبت إلى مكان آخر. # لكنها لم تزح المقعد بعيدا عن مقبض الباب حتى جاء أبي. # يجب ألا يفهم من كلامي أن أمي كانت تتحدث عن هذا الأمر كثيرا؛ فلم يكن جزءا من ~~المخزون الذي علمته والذي كنت أجد جانبا كبيرا منه مشوقا؛ ككفاحها لتلتحق بالمدرسة ~~الثانوية، والمدرسة التي تعلمت فيها في مقاطعة ألبرتا، والتي كان الطلاب يصلون إليها ~~على ظهر الخيول، وأصدقائها في المعهد الذي درست به لكي تصبح معلمة، والحيل البريئة ~~التي كانوا يمارسونها. # كنت أستطيع دوما تبين ما كانت تقوله، بالرغم من أن الآخرين في العادة كانوا لا ~~يستطيعون ذلك بعد أن اعتل صوتها. كنت أنا مترجمتها، وفي بعض الأحيان كنت أشعر ببؤس شديد ~~حينما يجب علي أن أعيد عبارات طويلة أو ما كانت تعتقد أنه مزاح، وكنت أرى أن الناس ~~اللطفاء الذين أوقفتهم كي تتحدث إليهم يتوقون بشدة للتملص منها. # لم يكن تفقد السيدة نيترفيلد لمنزلنا - كما كانت أمي تطلق على زيارتها لنا - بشيء من ~~المفترض أن أتحدث عنه ، لكن ms275 لا بد أني علمته منذ فترة طويلة. إني أتذكر أني سألتها في ~~وقت ما إن كانت تعرف ما حدث لهذه السيدة فيما بعد. # قالت: «لقد أخذوها. أوه، أعتقد هذا. فلم يكن ليتركوها تموت وحيدة.» ~~••• # بعدما تزوجت وانتقلت إلى فانكوفر، كانت الصحيفة الأسبوعية، التي كانت تنشر ~~بالمدينة التي نشأت بها، لا تزال ترسل إلي؛ أعتقد أن شخصا ما، ربما أبي وزوجته ~~الثانية، قد عمل لي اشتراكا بها كي تصل إلي في منزلي. ونادرا ما كنت ألقي نظرة ~~عليها، وحينما فعلت ذات مرة، رأيت اسم نيترفيلد. لم يكن اسم شخص كان يعيش في المدينة في ~~الوقت الحاضر، لكن على ما يبدو أنه كان لقب عائلة سيدة في بورتلاند، بأوريجون، كتبت ~~خطابا إلى الصحيفة، وهذه السيدة كانت لا تزال مشتركة في جريدة مدينتها مثلي أنا، وقد ~~كتبت قصيدة عن طفولتها هناك تقول فيها: # أعرف منحدر تل عشبي # فوق نهر رائق # إنه مكان يسوده الهدوء والبهجة # له ذكرى عزيزة جدا علي ... # كان هناك العديد من الأبيات، وبمجرد أن شرعت في قراءتها، بدأت أدرك أنها ~~كانت تتحدث عن نفس سهول النهر التي اعتقدت أنني عشت بجوارها. # كتبت تقول: «إن أبيات الشعر المرفقة تتحدث عن ذكرياتي عند منحدر التل القديم هذا؛ ~~فإن رأيتم أنها تستحق أن تشغل مساحة صغيرة في صحيفتكم المحترمة دوما، فسأكون شاكرة ~~لذلك.» # الشمس الساطعة فوق النهر # تتمايل أشعتها دون توقف # وفوق الضفة الأخرى # زهور برية ومبهجة ... # تلك كانت ضفتنا؛ ضفتي. كان هناك بيت آخر عن مجموعة من أشجار القيقب، لكني ~~أعتقد أنها أخطأت في ذلك؛ لأني أتذكر أنها كانت أشجار دردار، ماتت جميعها الآن بسبب ~~مرض الدردار الهولندي. # أما باقي الخطاب، فقد جعل الأمور أوضح؛ إذ قالت المرأة إن أباها - الذي كان اسمه ~~نيترفيلد - قد اشترى قطعة أرض من الحكومة عام 1883 في مكان أطلق عليه فيما بعد لوور ~~تاون، وكانت تلك الأرض تنحدر نحو نهر ميتلاند. # عبر المجرى المحاط بزهور السوسن # يمتد ظل أشجار القيقب # وعلى الحقل الندي للنهر # تطعم أسراب ms276 الإوز الأبيض. # أغفلت، كما كنت سأفعل أنا تماما، كيف أن نبع المياه كان يتعكر ويتلطخ ~~بسبب حوافر الخيول. وبالطبع لم تذكر أيضا الروث الذي كانت تخلفه. # في الواقع لقد ألفت ذات مرة بعض الأبيات التي كانت ذات طبيعة مشابهة جدا لتلك ~~الأبيات، بالرغم من أنها قد فقدت كلها الآن، وربما لم أكن قد دونتها مطلقا بالأساس. ~~كانت أبياتا تثني على الطبيعة التي كان من الصعب حينها بعض الشيء أن تتمها. ربما ~~نظمتها تقريبا في الوقت الذي كنت فيه غير متسامحة مع أمي، وكان أبي يضربني بشدة لإخراج ~~القسوة مني، أو لإخراج الجانب المظلم من داخلي، كما كان يقول الناس حينها. # قالت هذه المرأة إنها قد ولدت عام 1876، وأمضت شبابها، حتى تزوجت، في بيت أبيها ~~الذي كان موجودا في آخر حدود المدينة وبداية العراء، ويمكن أن ترى من خلاله منظر الغروب ~~بوضوح. # إن هذا هو منزلنا. ~~••• # هل من الممكن أن أمي لم تكن تعرف ذلك مطلقا، لم تكن تعرف مطلقا أن منزلنا عاشت فيه ~~عائلة نيترفيلد، وأن السيدة العجوز كانت تنظر عبر نوافذ ما كان منزلها يوما ما؟ # من الممكن أن يكون الأمر كذلك؛ فحينما تقدمت في العمر، أصبح لدي شغف جعلني أبحث في ~~السجلات وأقوم بالعمل الممل المتعلق بالتنقيب عن بعض الأشياء، وقد وجدت أن هناك عدة ~~عائلات مختلفة امتلكت ذلك المنزل فيما بين الفترة التي باعته فيها عائلة نيترفيلد ~~والوقت الذي انتقل فيه والداي للعيش به. قد يتساءل المرء: لم بيع بالرغم من أن المرأة ~~كانت لا تزال على قيد الحياة، وكانت بصحة جيدة تؤهلها للعيش لعدة سنوات أخرى؟ هل لأنها ~~أصبحت أرملة ولم يكن لديها ما يكفي من النقود؟ من عساه أن يعرف ذلك؟ ومن عساه أن يكون ~~ذلك الشخص الذي جاء ليأخذها، كما قالت أمي؟ ربما كانت ابنتها؛ نفس المرأة التي كتبت ~~القصيدة والتي عاشت في أوريجون. ربما كانت تلك الابنة، التي كبرت الآن وأضحت بعيدة، هي ~~التي كانت تبحث عنها السيدة العجوز في عربة الأطفال، وذلك ms277 بعد أن انتزعتني أمي، كما قالت، ~~خوفا على حياتي العزيزة عليها. # لم تكن الابنة تعيش بعيدا عني كثيرا لفترة ما في حياتي البالغة. كان بإمكاني مراسلتها، ~~أو ربما زيارتها، لكني كنت مشغولة للغاية بعائلتي الصغيرة وكتاباتي التي كانت دوما غير ~~مرضية بالنسبة إلي. لكن الشخص الذي كنت أود التحدث إليه حقا حينها هو أمي التي ~~كانت قد ماتت حينها. ~~••• # لم أعد إلى منزلي في فترة مرض أمي الأخير أو لحضور جنازتها؛ لقد كان لدي طفلان ~~صغيران، ولم يكن هناك أحد في فانكوفر يمكن أن أتركهما عنده، وكنا بالكاد نستطيع تدبير ~~نفقات الرحلة، وكان زوجي يزدري الرسميات، لكن لماذا ألقي باللوم عليه في هذا الشأن؟ لقد ~~كان لدي نفس الشعور. نحن نقول عن أشياء إنها لا يمكن أن تغتفر، أو إننا لن نسامح ~~أنفسنا بسببها، لكننا نفعلها؛ نفعلها طوال الوقت. ms278