######OpenITI# #META# URI: 1450NahlaDarbi.Hurub.Hindawi68168028 #META# Tags: literature #META# ID: 68168028 #META# Title: الهروب #META# AuthorID: 20803159 #META# Author: أليس مونرو #META# EditorID: 18291916 #META# Editor: علا عبد الفتاح يس #META# TranslatorID: 58072962 #META# Translator: نهلة الدربي #META# Related_books: 1450AliceMunro.Runaway (TRANSL) #META#Header#End# # من أفضل ما قيل عن الكتاب‏ # الهروب‏ # صدفة‏ # في القريب العاجل‏ # الصمت‏ # عاطفة‏ # الخطايا‏ # الخدع‏ # القوى‏ # من أفضل ما قيل عن الكتاب‏ # الهروب‏ # صدفة‏ # في القريب العاجل‏ # الصمت‏ # عاطفة‏ # الخطايا‏ # الخدع‏ # القوى‏ # | الهروب # | الهروب # تأليف # أليس مونرو # ترجمة # نهلة الدربي # مراجعة # علا عبد الفتاح يس # | من أفضل ما قيل عن الكتاب # تستحق أليس مونرو عن جدارة لقب أفضل كاتبة روائية في أمريكا الشمالية الآن. ~~ومجموعة «الهروب» ما هي إلا رائعة أخرى من روائعها. # ذا نيويورك تايمز بوك ريفيو # تعتبر مونرو واحدة من أرقى كتاب الرواية المعاصرين، ويمكنك الرجوع إلى أي من ~~القصص الثمانية في المجموعة القصصية «الهروب» لتعرف سبب ذلك. # تايم # مجموعة قصصية مثالية ... تشعرك وكأنها مجموعة مصغرة من الروايات، فحياة الشخصيات ~~التي ترسمها لنا مونرو على هذه الصفحات ثرية وعميقة ومكتملة الجوانب. # شيكاجو تريبيون # أليس مونرو كاتبة تتمتع بالحس المرهف ولديها رؤية عميقة. تقدم لنا مونرو شخصيات ~~واقعية برؤية متسقة. # جائزة قراء مجلة إل # تتمتع أليس مونرو بالحكمة في ضروب العواطف البشرية، كما أن قصصها شديدة الثراء ... ~~حتى إن قصة قصيرة لا تتعدى خمسين صفحة تشعرك بأنها مكتملة الأركان وكأنها رواية ~~طويلة. # جائزة اختيار نقاد مجلة بيبول # هذه المجموعة مليئة بالروائع الصغيرة التي تنير الحياة الواقعية ... إنها عميقة في ~~كثير من النواحي المهمة. # سياتل بوست إنتيليجنسر # هذه المجموعة القصصية أروع من أن يفيها حقها اقتباس أو ملخص؛ السبيل الوحيد لذلك ~~هو قراءتها ... وهو ما يعود بي إلى الجملة التي رددتها كثيرا: اقرءوا أعمال أليس ~~مونرو. # جوناثان فرانزن، ذا نيويورك تايمز بوك ريفيو # مونرو واحدة من عظماء القرن العشرين. # نيوزداي # تنبض هذه القصص بالتألق والحكمة الموجعة، كما تتسم بالطرافة والروعة والمأساوية، ~~وتظل مسيطرة على القارئ لساعات بعد قراءتها مثلها مثل الطقس المحيط به. # هيوستن كرونيكل # مجموعة متميزة مكتوبة ببراعة. تبرع مونرو في نقل الحياة الداخلية. إن أي مجموعة ~~من قصص أليس مونرو بحكمتها ورقتها واستبصارها هي بلا شك متعة. # إنترتينمنت ويكلي # إنها ببساطة تأسر الألباب. # فورت وورث ستار تيليجرام # ليس ms001 من الشائع أن تجد قصصا موجعة مثل الجروح، قصصا تخطف الأنفاس، إلا إذا قرأت ~~قصص أليس مونرو ... إن قصصها لا تقدم لنا أفكارا متكررة ولا مجرد حكم مريحة حول ~~اكتساب القوة من خلال الصعاب، بل تقدم لنا إحدى أهم النعم التي يمنحنا إياها الأدب؛ ~~وهي أن يجعل الأشياء التي لا تحتمل محتملة إلى حد ما. # ذا بالتيمور صن # مجموعة قصصية آسرة ... إن مونرو تفعل ما يحلم معظم الكتاب بفعله وتنجح في ذلك، صفحة ~~بعد صفحة، وقصة بعد قصة، ومجموعة بعد مجموعة. # ذي أوريجونيان # هذه المجموعة تمثل مونرو تماما بكل ما تتميز به من أداء استثنائي. # كويل آند كواير # مجموعة قصصية كتبت ببراعة وتتميز بواقعية مذهلة ~~... فشخصياتها حقيقية للغاية، حتى إنك ~~تراها تنظر إليك على صفحات الكتاب. كنت أضطر إلى إغلاق الكتاب بعد أن أنتهي من ~~قراءة كل قصة حتى أترك هذه التجربة تترسخ في ذهني. # آشلي سيمبسون شايرز، روكي ماونتن نيوز # أليس مونرو كاتبة رفيعة الطراز ... إن قصصها من أثرى القصص على الإطلاق؛ فصداها ~~يتردد مثل أي رواية متميزة. # ذا بلين ديلر # رائعة ... مذهلة ... إن مونرو لم تضعفها السنون، وإنما زادها مرور الزمن ذكاء ~~وفطنة. # فرانسين بروز، مور # مجموعة قصصية تترك أثرا في النفس ولا تنسى. # ذا نيويورك أوبزرفر # ترصد أليس مونرو أسرار النفس البشرية وألغازها، ويستطيع المرء تلمس ما بها من ~~تشويق ... إن عنصر المفاجأة المشوق في الحياة الواقعية التي تصر عليه أليس مونرو ~~دائما - ولها الحق في ذلك - هو ما يشد القارئ إلى النهاية. # لوري مور، ذي أتلانتك منثلي # إن أقصر اللحظات بين يدي أليس مونرو تحوي أهم الحقائق في حياة الإنسان. # ماكلينز # استطاعت مونرو من مجموعة محدودة من المكونات الأساسية أن تغزل بيديها تباديل لا ~~نهاية لها من الرغبات ومشاعر اليأس والآمال الخائبة ووابلا من التجليات ... فكل ~~واحدة من هؤلاء النساء اللاتي ظهرن في قصصها مختلفة عن الأخرى، وهذه روعة أليس ~~مونرو. # ذا فيليدج فويس # تعد هذه المجموعة القصصية عملا إبداعيا لأحد أكثر الأدباء تعمقا في الروح ms002 ~~البشرية. # يو إس إيه توداي # تتفوق أليس مونرو على جيمس جويس وتقهر تشيكوف ... كل قصة من قصص هذه المجموعة تحوي ~~تفاصيل حياتية كاملة تكفي لأن تكون رواية بذاتها ... نساؤها يتسمن بالبطولة ... ~~فتلتصق في ذهن القارئ ولا تغادره. # ذا بوسطن جلوب # كما هو حال الكثير من قصص أليس مونرو، عندما نقرؤها نشعر بأن مواقفنا كلها تتغير ~~وتكتسب عمقا. فهل هناك ما هو أفضل من ذلك؟ ... إنه حقا عمل جديد رائع. # لوس أنجلوس تايمز # تثبت العظيمة أليس مونرو مجددا أن كتاب القصة القصيرة لا يملكون إلا الانحناء ~~لها إجلالا وتقديرا. # فانيتي فير # إلى ذكرى صديقاتي # ماري كاري # جين ليفرمور # ميلدا بيوكانن # | الهروب # سمعت كارلا صوت السيارة وهي قادمة حتى قبل أن تعتلي ذلك المرتفع الصغير في وسط الطريق، ~~والذي يطلقون عليه التل هنا في الجوار. إنها هي، هكذا قالت لنفسها. رأت السيدة جاميسون - ~~سيلفيا - في طريقها إلى منزلها بعد أن أمضت إجازتها في اليونان. ومن خلال باب الإسطبل - حيث ~~وقفت مبتعدة حتى لا يستطيع أن يلمحها أحد بسهولة - راحت ترقب الطريق الذي كان على السيدة ~~جاميسون أن تقطعه بالسيارة؛ فقد كان منزلها يبعد حوالي نصف ميل بطول الطريق عن منزل كلارك ~~وكارلا. # ولو أن أحدا على وشك الانعطاف بسيارته مقتربا من بوابة منزلهم، لكان عليه أن يهدئ من ~~سرعته الآن، ولكن لا يزال الأمل يداعب كارلا، فقالت في نفسها: «ليتها لا تكون هي.» # ولكنها كانت هي بالفعل. التفتت السيدة جاميسون مرة واحدة صوب منزل كارلا بسرعة - وقد كانت ~~تبذل أقصى ما تستطيع وهي تراوغ بسيارتها عبر الحفر الصغيرة والأوحال التي خلفها المطر على ~~الأرض المفروشة بالحصى - بيد أنها لم ترفع يدها عن عجلة القيادة لتلوح بها؛ إذ إنها لم ~~تلحظ كارلا. لمحت كارلا ذراعها المكتسبة سمرة من الشمس وقد كشفت عنها حتى كتفها، وشعرها وقد ~~أضحى فاتحا عن ذي قبل؛ فقد أصبح يميل أكثر الآن إلى اللون الأبيض منه إلى اللون الأشقر ~~الفضي، وقد لمحت أيضا تعبيرا ينم عن الإصرار والحنق، وقد ms003 كانت هي نفسها منشغلة بهذا ~~الحنق، تماما على النحو الحري بالسيدة جاميسون وهي تقطع مثل هذا الطريق. عندما أدارت ~~السيدة جاميسون رأسها كان هناك شيء أشبه بالنظرة اللامعة - التي تشي بالتساؤل والأمل - وهو ~~الأمر الذي جعل كارلا تجفل. # إذن. # ربما لم يعلم كلارك بقدومها بعد. إن كان يجلس أمام جهاز الكمبيوتر، فلا بد وأن ظهره كان ~~باتجاه النافذة والطريق. # ولكن قد تضطر السيدة جاميسون إلى أن تقطع رحلة أخرى، فربما لم تتوقف عند أي من محال ~~البقالة لابتياع احتياجاتها وهي في طريقها من المطار إلى المنزل؛ إذ إنها لن تفعل حتى تصل ~~إلى المنزل وترى ما الذي تحتاجه؛ وعندئذ قد يراها كلارك، أو قد يعرف بقدومها عندما يهبط ~~الظلام وتضاء أنوار منزلها، ولكنه شهر يوليو، ولا يحل الظلام حتى وقت متأخر، وربما يواتيها ~~الشعور بالتعب والإرهاق فلا تحفل بأمر الأضواء، وقد تأوي إلى الفراش مبكرة. # ولكنها من ناحية أخرى، قد تهاتفهم في أي وقت من الآن. ~~••• # إنه موسم الأمطار، بل الأمطار الغزيرة؛ فهي أول شيء يترامى إلى مسامعك في الصباح؛ حيث ~~تتساقط زخاتها محدثة صوتا عاليا على سطح المنزل المتنقل. وترى الطرق وقد تراكمت بها ~~الأوحال، والحشائش الطويلة غمرتها مياه المطر، وأوراق الشجر تبعث بالماء المنهمر على نحو ~~عشوائي بين الحين والآخر حتى في تلك الأوقات التي لا تنهمر خلالها الأمطار وتبدو السماء ~~وكأنها في سبيلها إلى الصفاء. وكانت كارلا كلما ذهبت للخارج في ذلك الوقت ترتدي تلك القبعة ~~العالية العريضة من اللباد ذات الطابع الأسترالي القديم، وتدس بجديلتها الكثيفة الطويلة ~~داخل القميص الذي ترتديه. # لم يأت أحد لتلقي دروس الفروسية وتعلم ركوب الخيل عبر الطرق الوعرة، بالرغم من أن ~~كلارك وكارلا جابوا حول المدينة واضعين الملصقات في كل المخيمات، والمقاهي، واللوحات ~~الإعلانية المخصصة للسائحين، وفي أي مكان آخر يرد على أذهانهم. ولم يأت للدروس سوى بضعة ~~تلاميذ، وكانوا من المجموعة التي تتردد بانتظام، وليسوا من مجموعات أطفال المدارس التي تمضي ~~عطلاتها الصيفية، أو ممن تقلهم الحافلات من المخيمات الصيفية ms004 ، وهو ما جعلهم مشغولين ~~كثيرا خلال الصيف الماضي. وحتى طلاب تلك المجموعة المنتظمة التي كانوا يعتمدون عليها، كان ~~منهم من يأخذ إجازة من الدروس من أجل القيام برحلات أيام العطلة، أو من كان يلغي ببساطة تلك ~~الدروس بسبب أحوال الطقس غير المشجعة، وإذا ما حدث واعتذر أحدهم في وقت متأخر، فإن كلارك ~~كان يطالبه بثمن الوقت المهدر على أي حال. وحدث أن تذمر اثنان منهما، وغادرا بلا ~~رجعة. # ولكن لا يزال هناك بعض الدخل يأتي إليهم من وراء العناية بثلاثة خيول. وكانت تلك الخيول ~~الثلاثة، إضافة إلى الخيول الأربعة التي يمتلكونها تتجول بالخارج الآن، وتجوب بحرية في ~~الحقول وسط الحشائش التي تظللها الأشجار. وبدا وكأنها لا تهتم بملاحظة توقف الأمطار في ~~تلك اللحظة، وهو ما اعتادت عليه لبرهة في معظم الأيام خلال فترة ما بعد الظهيرة. أضحت السحب ~~أكثر بياضا وصفاء، وسمحت بتخلل بعض الضوء خلالها بما يكفي لترتفع المعنويات، ولكنه ضوء ~~خافت لا يصل إلى درجة إشراقة الشمس، بل سرعان ما يذوي قبل موعد العشاء. # انتهت كارلا من إزالة الروث من الإسطبل. واستغرقت وقتها ~~المعتاد - فهي تهوى إيقاع أعمالها الروتينية ~~اليومية، والمسافة العالية أسفل سقف الإسطبل، والروائح المنتشرة في المكان - وها هي قد ذهبت ~~الآن لتتفقد حلقة التدريبات وترى مدى جفاف الأرض، وذلك في حال قدوم تلميذ الساعة الخامسة ~~للتدريب. # معظم الأمطار التي تهطل بانتظام ليست أمطارا غزيرة على وجه الخصوص، ولا تصاحبها أي رياح، ~~غير أنه حدث في الأسبوع الماضي أن نشطت الرياح نشاطا مفاجئا، وأعقبها هبوب عاصفة شديدة ~~راحت تهز قمم الأشجار العالية وصاحبها هطول أمطار غزيرة. وفي غضون ربع ساعة، كانت الرياح قد ~~هدأت، ولكن سقطت من جرائها بعض فروع الأشجار وتمددت بعرض الطريق، وهوت خطوط الطاقة ~~الكهربائية المائية، وتمزق جزء كبير من السقيفة البلاستيكية التي تظلل حلقة التدريب. ~~وتجمعت المياه مكونة بركة صغيرة أشبه بالبحيرة في نهاية مضمار التدريب، وعكف كلارك على ~~العمل إلى ما بعد حلول الظلام وهو يحاول حفر قناة لتصريف تلك المياه ms005 . # ولم يقم كلارك بإصلاح السقف إلى الآن، ولكنه وضع سياجا من الأسلاك حول حلقة التدريب ~~حتى لا تدلف الخيول وسط الأوحال، ووضعت كارلا علامات جديدة لتحديد مضمار أصغر ~~للتدريب. # جلس كلارك يبحث عبر مواقع الإنترنت عن مكان يبتاع منه سقيفة، كأحد منافذ بيع الأشياء ~~المستعملة، التي تعرض أسعارا في متناول أيديهما، أو عن طريق شخص ما يريد الاستغناء عن مثل ~~هذه المواد ويعرضها للبيع. فهو لن يذهب إلى متجر هاي آند روبرت باكلي لمواد البناء في ~~المدينة، والذي يطلق عليه متجر اللصوص والمنحرفين على الطريق السريع؛ فهو يدين لهم بالكثير ~~من المال، علاوة على أنه قد تشاجر معهم من قبل. # ولا يتشاجر كلارك مع الأشخاص الذين يدين لهم بالأموال فحسب؛ فأسلوبه الودود الكيس، والذي ~~يكون رائعا في البداية، قد ينقلب فجأة إلى غضب شديد؛ فهناك على سبيل المثال بعض الأماكن ~~التي لا يمكن أن يذهب إليها بسبب شجار ما، ويجعل كارلا تنوب عنه في ذلك. ومن بين هذه ~~الأماكن متجر الأدوية؛ فقد حدث ذات مرة أن دفعت سيدة عجوز نفسها في صف الانتظار وتقدمته - ~~كانت قد عادت لتأخذ شيئا نسيته ورجعت مرة أخرى ودفعت بنفسها للأمام بدلا من أن تقف في ~~نهاية الصف - وعندئذ تذمر كلارك واشتكى، فقال له الكاشير: «إنها تعاني من انتفاخ الرئة.» ~~فقال كلارك: «أحقا هو الأمر كذلك؟ وأنا عن نفسي أعاني من البواسير.» واستدعي المدير ~~المسئول وقال إن هذا ليس له داع على الإطلاق. وفي المقهى الذي يقع على الطريق السريع لم ~~يحصل على الخصم المعلن عنه على وجبة الإفطار؛ وذلك لأن الساعة كانت قد جاوزت الحادية عشرة ~~صباحا، واعترض كلارك على ذلك، ورمى قدح القهوة الذي طلبه على الأرض، والذي أوشك أن يصيب ~~طفلا في عربته كما قال القائمون على المقهى، فأجابهم بأن الطفل يبعد عن القهوة مسافة نصف ~~ميل، وأن قدح القهوة سقط من يده لأنهم لم يقدموه بالسوار الخاص به، فأجابوه بأنه لم ~~يطلبه، فرد بأنه لا ينبغي له أن يفعل. # قالت كارلا ms006 : «إنك تستشيط غضبا.» # قال: «هكذا يتصرف الرجال.» # ولم تنبس ببنت شفة عن شجاره مع جوي تاكر. وجوي تاكر هي أمينة مكتبة في المدينة تحتفظ ~~بفرسها لديهما ليوفرا لها العناية اللازمة. كانت الفرس كستنائية اللون، حادة الطباع، ~~تسمى ليزي، وتطلق عليها جوي تاكر - عندما تكون في حالة مزاجية جيدة - ليزي بوردن. ~~وبالأمس توقفت لتلقي نظرة على الفرس، ولم تكن في حالة مزاجية جيدة، وراحت تشتكي بشأن السقف ~~الذي لم يصلح بعد، ومظهر ليزي الذي يبدو مزريا، كما لو أنها مصابة بالبرد. # وفي حقيقة الأمر، لم يكن ثمة مشكلة تتعلق بليزي. وقد حاول كلارك من جانبه أن يلطف ~~الأمر حتى لا يفقد أعصابه، ولكن كانت جوي تاكر هي من انفجرت غاضبة، وقالت إن المكان ليس سوى ~~مقلب للنفايات، وإن ليزي تستحق ما هو أفضل من ذلك، فرد كلارك قائلا: «افعلي ما يتراءى ~~لك.» ولم تأخذ جوي ليزي من المكان - أو أنها لم تفعل بعد - كما توقعت كارلا. وقد رفض كلارك ~~- الذي كان يعامل الفرس كأنها حيوانه الأليف - أن يواصل اهتمامه بها. وحزنت الفرس نتيجة ~~لتغير المعاملة، فأصبحت أكثر عنادا وتشبثا أوقات التدريبات، وصارت تحدث جلبة كبيرة ~~عند تقليم حوافرها، كما يفعلان كل يوم خشية نمو الفطريات. وكان على كارلا أن تحترس من عضة ~~الفرس. # ولكن الشيء الأسوأ في اعتقاد كارلا هو غياب فلورا؛ وهي النعجة البيضاء الصغيرة التي تصاحب ~~الخيل في الإسطبل وفي الحقول. فلم تلمح لها أثرا منذ يومين، وتخشى كارلا أن يكون أحد ~~الكلاب الشرسة أو ذئاب القيوط قد افترسها، أو حتى أن يكون قد فتك بها دب. # كانت قد رأت فلورا في أحلامها الليلة الماضية والليلة قبل الماضية. في الحلم الأول رأت ~~فلورا وهي تقترب نحو الفراش وفي فمها تفاحة حمراء، ولكن في الحلم الثاني - ليلة البارحة - ~~جرت فلورا مبتعدة عندما رأت كارلا تتجه نحوها. وبدت رجلها مصابة، ورغم ذلك هرولت مبتعدة. ~~قادت فلورا كارلا إلى حاجز من الأسلاك الشائكة من ذلك النوع الذي تراه في ساحة المعارك، ثم ms007 ~~تسللت فلورا خلاله، وقد جرحت ساقها ومعظم جسدها، ولكنها انزلقت خلاله مثل ثعبان البحر ~~الأبيض وغابت عن النظر. # لمحت الخيول كارلا وهي تمر عبر حلقة التدريبات، وتحركت جميعها حتى وصلت إلى السياج لكي ~~تراها كارلا في اتجاه عودتها، وقد بدت الخيول متسخة بعض الشيء بالرغم من أغطيتها الجديدة ~~الواردة من نيوزيلاندا. تحدثت إليها كارلا بصوت خفيض، واعتذرت لأنها جاءت خالية الوفاض. ~~أخذت كارلا تربت على أعناقها وتمسح على أنوفها برفق وتسألها إن كانت تعلم شيئا عن ~~فلورا. # أصدر جريس وجونيبر صهيلا عاليا، وراحا يحركان أنفيهما لأعلى كما لو أنهما قد أدركا ~~الاسم ويشاركانها القلق، ولكن ليزي دفعت برأسها بينهما وأخذت تدق برأسها على رأس جريس حتى ~~تبعدها عن يد كارلا التي تربت عليها، بل إنها عضت يدها، وأمضت كارلا بعدها بعض الوقت ~~في توبيخها. ~~••• # حتى ثلاث سنوات مضت لم تكن كارلا تفكر في أمر المنازل المتنقلة، بل إنها لم تكن تطلق ~~عليها مثل هذا الاسم أيضا. ومثلها كمثل والديها، كانت تنظر إليها كشيء ينم عن التكلف ~~والمظهرية؛ فهناك بعض الأفراد يعيشون في عربات سكنية جاهزة، هذا كل ما في الأمر. ولم تكن ~~هناك عربة سكنية تختلف عن الأخرى؛ فكلهم سواء، ولكن عندما انتقلت كارلا للعيش هنا، واختارت ~~هذه الحياة مع كلارك، بدأت ترى الأشياء بطريقة مختلفة، فأخذت تردد تعبير المنزل المتنقل، ~~وتلاحظ كيف يجهزونه ويعدونه؛ تلاحظ مثلا أنواع الستائر التي يعلقونها، والطريقة التي ~~يتم بها طلاء الأطراف التزيينية، وكيفية إعداد الأرضيات والأفنية الداخلية، وبناء المزيد ~~من الغرف. ولم تطق صبرا حتى تدخل هي الأخرى تلك التحسينات. # وقد شاركها كلارك أفكارها لفترة؛ فقد قام بتركيب بضعة سلالم جديدة، فاستغرق بعض الوقت وهو ~~يبحث عن درابزين من الحديد المطوع. ولم يشتك بشأن النقود التي أنفقها على طلاء المطبخ، أو ~~دورة المياه، أو شراء بعض المواد اللازمة من أجل الستائر. وكانت كارلا تقوم بمهام الطلاء ~~على عجل آنذاك، فلم تكن تعرف وقتها أنه ينبغي نزع مفصلات باب الخزانة قبل طلائها، أو أنه ~~يتعين ms008 تبطين الستائر، التي بهت لونها الآن بعد مرور كل هذا الوقت. # ولكن الأمر الذي عارضه كلارك هو التخلص من الأبسطة، التي كانت متشابهة في كل غرفة، وهو ~~الشيء الذي رغبت في تغييره بشدة. لقد كان البساط مقسما إلى مربعات بنية صغيرة، وكل مربع ~~يحتوي على أنماط وخطوط مائلة وأشكال بنية اللون بلون الصدأ. وقد اعتقدت لفترة طويلة أن ~~الخطوط المائلة والأشكال منظمة بنفس الطريقة داخل كل مربع، ثم كان لديها الوقت الكافي فيما ~~بعد - بل وقتا طويلا - لكي تركز انتباهها وتتأملها جيدا، ثم فطنت إلى أن هناك أربعة ~~نماذج وأشكال مجتمعة معا لتكون مربعات كبيرة متماثلة. وكانت تستطيع في كثير من الأحيان أن ~~تلمح ذلك النسق بسهولة، وفي أحايين أخرى كانت تستغرق بعص الوقت لكي تتبينه مرة ~~أخرى. # لقد كانت تفعل ذلك وقت سقوط الأمطار، وعندما يكون مزاج كلارك معتلا بدرجة تملأ المنزل ~~بالكآبة، ولا يريد أن يعير اهتمامه لأي شيء سوى شاشة جهاز الكمبيوتر، فإنه كان من الأفضل ~~بالنسبة لها أن تختلق أو تتذكر عملا تؤديه في الإسطبل. ومن عادة الخيل ألا تلتفت إليها ~~عندما تبدو حزينة، ولكن فلورا - التي لم يكن من عادة كارلا أن تقيدها قط - هي الوحيدة ~~التي كانت تقترب منها وتتمسح بها، وتنظر إليها بعينين خضراوين لامعتين تميل إلى الصفرة ~~بتعبير هو أقرب إلى سخرية ودودة منه إلى التعاطف. # كانت فلورا لا تزال صغيرة عندما أحضرها كلارك من إحدى المزارع التي ذهب إليها لمساومة ~~أصحابها على شراء أطقم للأحصنة، كان هؤلاء الأشخاص ممن سئموا حياة الريف، أو على الأقل من ~~تربية الحيوانات، وقد أفلحوا في بيع الخيول، ولكنهم لم يستطيعوا التخلص من الماعز. كان ~~كلارك قد سمع عن قدرة الماعز على جلب الإحساس بالراحة والطمأنينة داخل الإسطبل؛ لذا أراد أن ~~يجرب ذلك، وكانا ينتويان أن يجعلا النعجة تتزاوج، ولكن لم تبد عليها أي من علامات ~~البلوغ. # كانت فلورا في أول الأمر أشبه بحيوان كلارك المدلل، تتعقبه في كل مكان، وتحدث جلبة من ~~أجل أن تلفت ms009 انتباهه، فكانت سريعة ورشيقة، ومحبة للعب كهريرة، وأشبه بفتاة ساذجة واقعة ~~في الحب، وهو ما كان يدفعهما إلى الضحك. ولكن عندما تقدمت في العمر، أضحت أكثر ارتباطا ~~بكارلا، ومن خلال ذلك الارتباط أصبحت فجأة أكثر استكانة، وأقل نشاطا ولعبا، وبدت قادرة ~~على إظهار بعض من الدعابة والسخرية غير الصاخبة. كان أسلوب كارلا في معاملة الخيول ينطوي ~~على الرفق والحزم، وأقرب إلى الأمومة، ولكن كانت رفقة فلورا مختلفة تماما، فلم تكن تسمح ~~لكارلا بأي شعور بالسيادة عليها. # قالت وهي تخلع الحذاء الخاص بالإسطبل: «أما من أخبار بشأن فلورا؟» فقد كان كلارك قد نشر ~~إعلانا على شبكة الإنترنت يحمل عنوان «نعجة مفقودة». # أجابها بلهجة تنم عن انشغاله، ولكنها تحمل بعض الود في ذات الوقت: «ليس بعد.» وكان في ~~رأيه - وليست هي المرة الأولى التي يعبر فيها عن ذلك - أن فلورا قد ذهبت لتبحث لنفسها عن ~~شريك للتزاوج. # ليس ثمة خبر عن السيدة جاميسون. أوقدت كارلا الغلاية، وكان كلارك يتمتم ببعض الكلمات ~~لنفسه كما كان يفعل عادة وهو يجلس أمام شاشة الكمبيوتر. # كان يتحدث إلى الجهاز في بعض الأحيان، وقد يتفوه بكلمة «هراء» عندما يواجه صعوبة أو ~~تحديا ما، أو قد ينفجر ضاحكا على مزحة، ولكنه لا يتذكرها عندما تسأله عنها فيما ~~بعد. # نادته كارلا قائلة: «هل تريد قدحا من الشاي؟» ولدهشتها الشديدة وجدته قد نهض من مكانه ~~واتجه صوب المطبخ. # قال: «إذن كارلا ...» ~~«ماذا؟» ~~«إذن، فقد اتصلت.» ~~«من؟» ~~«جلالة الملكة؛ الملكة سيلفيا، لقد عادت لتوها.» ~~«لم أسمع صوت سيارتها.» ~~«لم أسألك إن كنت قد سمعت.» ~~«إذن ما الشيء الذي اتصلت من أجله؟» ~~«لقد كانت تريدك أن تذهبي وتساعديها في ترتيب المنزل. هذا هو ما قالته. غدا.» ~~«وبماذا أجبتها؟» ~~«لقد قلت لها: بكل تأكيد، ولكن من الأفضل أن تحادثيها بنفسك وتؤكدي على ذلك.» # قالت كارلا وهي تصب الشاي في الأقداح: «ولم أفعل طالما أنك أخبرتها بذلك؟ لقد قمت ~~بتنظيف المنزل بالفعل قبل أن تغادره، ولا أدري ما الذي يمكن أن أفعله ثانية بهذه ms010 ~~السرعة.» ~~«لا تدرين، ربما تكون قد تسللت إلى المنزل بعض حيوانات الراكون وأحدثت بعض ~~الفوضى.» # ردت قائلة: «لست مضطرة لمحادثتها في التو واللحظة، فأنا أريد أن أحتسي الشاي، ثم آخذ ~~حماما.» ~~«لو عجلت بالأمر لكان أفضل.» # أخذت كارلا قدح الشاي معها إلى الحمام وهي ترد عليه قائلة: «علينا أن نذهب إلى المغسلة؛ ~~فالمناشف عطنة الرائحة بالرغم من أنها قد جفت.» # قال: «لا تديري دفة الحديث يا كارلا.» # وحتى بعد أن دخلت بالفعل لتأخذ حمامها وقف هو خلف الباب وقال لها: ~~«لن أسمح لك بالهروب من مسئولياتك يا كارلا.» # اعتقدت كارلا بعدما انتهت من حمامها أنه ربما لا يزال واقفا في مكانه، ولكنه عاد ليجلس ~~أمام شاشة الكمبيوتر. ارتدت ملابسها كما لو أنها ذاهبة إلى المدينة، وأملت في أنهما لو ~~تمكنا من الخروج وذهبا إلى المغسلة، وجلسا في أحد المقاهي، فمن الممكن حينها أن يتحدثا ~~بأسلوب مختلف، وأن تخف حدة التوتر ويسود بعض الهدوء. اتجهت نحو غرفة المعيشة بخطوة رشيقة ~~وطوقته بذراعيها من الخلف، ولكن بمجرد أن فعلت ذلك اعترتها موجة من الحزن - ربما كانت ~~حرارة المياه هي ما جعلتها تطلق العنان لدموعها - وانحنت أمامه وهي تبكي منهارة. # رفع يده عن لوحة المفاتيح، ولكنه لم يحرك ساكنا. # قالت: «لا تغضب مني.» # رد قائلا: «لست غاضبا، أنا فقط أكره تصرفك على هذا النحو، هذا كل ما في الأمر.» ~~«إنني أفعل هذا لأنك غاضب.» ~~«لا تملي علي الحالة التي أنا عليها، إنك تخنقينني. فلتعدي طعام العشاء.» # كان هذا هو ما قامت به بالفعل؛ إذ كان من الواضح أن متدرب الساعة الخامسة لن يأتي. ~~أحضرت حبات البطاطس وشرعت في تقشيرها، ولم تتوقف دموعها عن الانهمار، حتى إنها لم تكن تتبين ~~ما تفعله. جففت وجهها بمنديل ورقي، ثم سحبت منديلا آخر لتأخذه معها وذهبت للخارج وسط ~~الأمطار. لم تتجه نحو الإسطبل؛ لأنه كان كئيبا دون فلورا، بل سارت عبر الممر في اتجاه ~~الغابة، وكانت الخيول في الحقل الآخر، وقد اقتربت من السياج لمشاهدة كارلا. وكانت ms011 كل الخيول ~~- ما عدا ليزي التي أخذت تثب بأرجلها وتصهل - تفهم جيدا أنها تركز انتباهها في مكان ~~آخر. ~~••• # بدأ الأمر كله عند قراءة ذلك النعي؛ النعي الخاص بالسيد جاميسون. لقد كان ذلك في جريدة ~~المدينة، وعرضت صورته في أخبار المساء. قبل هذا بنحو عام لم يعرفا عن عائلة جاميسون سوى ~~أنهم بعض الجيران المنغلقين على أنفسهم. كانت السيدة جاميسون تدرس علم النباتات في ~~الجامعة التي تبعد عن مسكنهم بنحو أربعين ميلا؛ لذا كان عليها أن تمضي وقتا طويلا في ~~الطريق، أما السيد جاميسون، فقد كان شاعرا. # كان الجميع يعرفون عنهم نفس القدر من المعلومات، إلا أن السيد جاميسون بدا مشغولا بأشياء ~~أخرى؛ لقد كان قوي البنيان صارما ويتميز بالنشاط والخفة برغم كونه شاعرا ورجلا متقدما ~~في العمر، ربما يكبر السيدة جاميسون بنحو عشرين عاما. كان قد طور نظام الصرف بمنزله، ~~ونظف المجرى المائي وفرشه بالصخور، وحرث حديقة المنزل وزرعها بالخضراوات وأحاطها بسياج، ~~علاوة على أنه حفر ممرات عبر الغابة، وكان يعتني بكل ما هو بحاجة للإصلاح في منزله. # لقد كان منزلهم ثلاثي الأضلاع على نحو غريب، شيده بمعاونة بعض أصدقائه منذ سنوات عدة ~~على أطلال بيت مزرعة قديم. وقد قال عنهم البعض إنهم من الهيبيز، رغم أن السيد جاميسون كان ~~كبيرا في السن لدرجة لا تسمح له بأن ينتمي لهذه الحركة الشبابية، حتى قبل وجود السيدة ~~جاميسون. وهناك قصة أخرى يتداولها الناس عن زراعتهم لمخدرات الماريجوانا في الغابة، وقيامهم ~~ببيعها، وإخفاء النقود في برطمانات محكمة الغلق من الزجاج مدفونة حول مسكنهم. سمع كلارك ~~بهذه القصة من أشخاص تعرف عليهم في المدينة، ولكنه عقب بأن ذلك ما هو إلا هراء. # وأضاف: «وإلا لكان أحدهم قد تسلل وحفر الأرض وأخرج النقود منذ زمن طويل؛ فلا بد وأن هناك ~~من كان يستطيع أن يجد طريقة تجعله يفصح عن مكان النقود.» # عندما قرأ كل من كارلا وكلارك النعي الخاص علما لأول مرة بأن السيد ليون جاميسون كان ~~قد حصل على جائزة مالية ضخمة قبل ms012 وفاته بنحو خمس سنوات؛ نالها عن كتابة الشعر، ولم يذكر أحد ~~شيئا عن هذا مطلقا من قبل. يبدو أن الناس تصدق أن ثمة أموالا مخبأة في برطمانات زجاجية ~~مصدرها تجارة المخدرات، ولا تقتنع بأن النقود يمكن أن تأتي من كتابة الشعر. # بعد الوفاة بفترة قصيرة قال كلارك: «كان من الممكن أن نجعله يدفع لنا بعض النقود.» # أدركت كارلا على الفور ما يرمي إليه، ولكنها أخذت الحديث على محمل المزاح. # وقالت: «لقد فات أوان ذلك، لا يمكنك دفع النقود بعد الوفاة.» ~~«ربما لا يستطيع هو أن يدفع، إنما هي بمقدورها.» ~~«لقد ذهبت إلى اليونان.» ~~«إنها لن تمكث في اليونان إلى الأبد.» # ردت كارلا بهدوء أكثر: «إنها لا تعلم شيئا.» ~~«لم أقل إنها تعلم.» ~~«ليس لديها أدنى فكرة عن الأمر.» ~~«يمكننا معالجة ذلك الأمر.» # ردت كارلا: «لا، لا يمكن ذلك.» # استمر كلارك في حديثه كما لو أنه لا ينصت إليها بالمرة. # فقال: «بإمكاننا أن نقول إننا سنلجأ إلى القضاء؛ فالناس تحصل على النقود من وراء تلك ~~الأمور طوال الوقت.» ~~«كيف تفعل ذلك؟ ليس بإمكانك مقاضاة رجل ميت.» ~~«سأهدد بالذهاب للصحف. شاعر مرموق ذو مكانة، وستتهافت الصحف على هذا الخبر. كل ما علينا ~~أن نهدد بذلك وستنهار على الفور وتستسلم تحت الضغط.» # قالت كارلا: «لا بد وأنك تتخيل، أنت تمزح بالقطع.» # رد كلارك: «لا، لا أمزح في الواقع.» # أخبرته كارلا أنها لا تريد أن تتحدث بشأن هذا الأمر مرة أخرى، فوعدها كلارك بألا ~~يفعل. # ولكنهما تحدثا بالفعل بشأنه في اليوم التالي، بل وفي اليوم الذي يليه ولعدة أيام بعدها. ~~لقد كانت تراوده في بعض الأحيان أفكار وآراء غير قابلة للتطبيق، بل إنها قد تكون غير ~~قانونية على الإطلاق، وكان يعبر عنها بشغف متزايد ثم يطرحها جانبا دون أن تدري ما السبب. ~~لو كانت الأمطار توقفت، أو تحول اليوم إلى مجرد يوم صيفي طبيعي، لتخلى هو عن فكرته كغيرها ~~من الأفكار، لكن ذلك لم يحدث، وظل طوال الشهر الماضي يضرب على نفس الوتر كما ms013 لو أن الأمر ~~يتسم بالجدية ومن الممكن تنفيذه على نحو مثالي. وكان السؤال المطروح هو كم من الأموال يمكن ~~أن يطلباها؟ فلو طلبا مبلغا ضئيلا، فقد لا تأخذ السيدة حينها الموضوع مأخذ الجد، وتعتقد ~~أنهما يخدعانها، وفي الوقت نفسه لو كان المبلغ ضخما، فربما تجفل وترفض وتصبح أكثر ~~عنادا. # توقفت كارلا عن قولها بأن الأمر مجرد مزحة، وبدلا من ذلك، أخذت تخبره بأنه لن ينجح؛ لسبب ~~واحد؛ وهو أن الناس يتوقعون أن يكون سلوك الشعراء على هذا النحو؛ لذا فالأمر لن يستحق سداد ~~أي نقود للتغطية على الأمر وإخفائه. # فقال كلارك إنه من الممكن أن ينجح لو نفذ على نحو سليم؛ فكل ما على كارلا أن تفعله هو ~~أن تتصنع الانهيار وتقص على السيدة جاميسون القصة بأكملها، ثم يتحرك كلارك بعدها، كما ~~لو أنه اكتشف الأمر لتوه، ثم بعد ذلك ينفجر غاضبا، ويهدد بأن يخبر العالم كله، بل سيجعل ~~السيدة جاميسون هي التي تعرض النقود. ~~«لقد جرحت؛ إذ تحرش بك ولحق بك الخزي والعار، وتأذيت أنا بدوري وشعرت بالخزي ~~والمهانة لأنك زوجتي. إنها مسألة كرامة واحترام.» # كرر عليها هذا الحديث بهذا الأسلوب مرارا وتكرارا، وحاولت أن تثنيه عن ذلك ولكن بلا ~~جدوى، فقد كان مصرا. # قال: «اتفقنا؟» فردت: «اتفقنا.» ~~••• # كل هذا بسبب ما قد كانت تحكيه له، وهي أشياء لا تستطيع أن تتراجع عنها أو تنكرها ~~الآن. ~~«كان يظهر اهتمامه بي في بعض الأحيان.» ~~«الرجل العجوز؟» ~~«أحيانا كان يدعوني إلى غرفته عندما لا تكون زوجته هناك.» ~~«نعم.» ~~«عندما كانت تذهب للتسوق، ولا تكون الممرضة موجودة أيضا.» # لقد كان ذلك بمثابة إلهام وفكرة جديدة منها، مما أسعده على الفور. ~~«وماذا كنت تفعلين حينها؟ هل كنت تدخلين إليه؟» # تصنعت الخجل وقالت: «في بعض الأحيان.» ~~«هل كان يستدعيك لغرفته إذن يا كارلا؟ ثم ماذا؟» ~~«كنت أذهب لأرى ماذا يريد.» ~~«وماذا كان يريد؟» # كانت كل تلك الأسئلة والإجابات تدور بينهما بهمس، حتى لو لم يكن هناك أحد يسمع، حتى عندما ~~يكونان في أرض أحلامهما ms014 البعيدة ... في الفراش. كانت كقصة ما قبل النوم؛ حيث تصبح التفاصيل ~~أكثر أهمية، وبحاجة إلى إضافات في كل مرة، وكل ذلك بإحجام وممانعة يشوبهما الإقناع، وبخجل ~~وضحكات، بل وبذاءة. ولم يكن هو وحده الذي يشعر بالشغف والإثارة والامتنان، بل كانت هي أيضا ~~كذلك؛ كانت حريصة على أن تسعده وتجعله يشعر بالإثارة، وأن تشعر هي نفسها بالإثارة، وكانت ~~تشعر بالامتنان في كل مرة كان ينجح فيها هذا الأمر. # ولكن في جانب من عقلها كان ذلك حقيقيا؛ فقد كانت ترى ذلك العجوز الشهواني، وحركاته ~~المشينة أسفل الملاءة، حيث كان طريح الفراش حقا، ولا يتحدث كثيرا في الغالب، ولكنه كان ~~ماهرا في لغة الإشارة، ويعبر عن رغبته وهو يحاول أن يكزها أو يتلمسها؛ لكي يدفعها ~~أن تشاركه فيما يريده من أفعال وعلاقة حميمية. لقد كان رفضها ضرورة، ولكنه مخيب لآمال كلارك ~~إلى حد ما وبطريقة غريبة. # وبين الحين والآخر تأتي على ذهنها فكرة تحاول قمعها خشية أن تفسد كل شيء؛ فقد كانت تفكر ~~في ذلك الجسد الهزيل الملفوف بالملاءة، وهو تحت تأثير المخدر ويزداد انكماشا كل يوم في ~~فراش المستشفى المستأجر، والذي لم تلمحه سوى مرات قليلة عندما تنسى السيدة جاميسون أو ~~الممرضة إغلاق باب الغرفة، وكانت هي ذاتها لا تقترب منه بما هو أكثر من ذلك. # وفي واقع الأمر، كانت تخشى الذهاب إلى منزل عائلة جاميسون، لكنها كانت بحاجة إلى النقود، ~~وكانت تشعر بالأسف من أجل السيدة جاميسون التي كانت تبدو كما لو كانت ممسوسة أو مرتبكة، كما ~~لو كانت تسير وهي نائمة. ولمرة أو مرتين انفجرت كارلا ضاحكة وفعلت أشياء تافهة لمجرد أن ~~تلطف الأجواء، وهو الشيء الذي تفعله مع أي متدرب جديد يمتطي الحصان لأول مرة ويشعر بالإحراج ~~والخزي بسبب قلة مهاراته، وكانت تفعل نفس الشيء مع كلارك عندما لا تكون حالته المزاجية على ~~ما يرام، ولكن لم يعد الأمر يفلح معه، غير أن قصة السيد جاميسون كانت قد نجحت، بالقطع ودون ~~شك. ~~••• # ليس ثمة وسيلة لتفادي تلك الأوحال المتراكمة ms015 في الممر، أو الحشائش الطويلة المغمورة بطول ~~الطريق، أو نباتات الجزر التي أينعت حديثا، ولكن الهواء كان دافئا بدرجة لم تشعر معها بأي ~~برودة. لقد ابتلت ملابسها كما لو أنها كانت بسبب العرق المتساقط منها أو بسبب دموعها التي ~~انسابت على وجهها واختلطت برذاذ المطر. خفت دموعها الآن، ولم تجد شيئا تمسح به أنفها - ~~فلقد تشبعت المناديل الورقية بالمياه - فانحنت نحو الأرض المغطاة بالأوحال وأخرجت ما في ~~أنفها بقوة. # رفعت رأسها وراحت تطلق صفيرا طويلا كالذي اعتادت عليه لتنادي على فلورا وعلى كلارك ~~أيضا. انتظرت بضع دقائق ثم أخذت تنادي باسمها، وراحت تكرر ذلك عدة مرات؛ فتنادي على ~~الاسم وتطلق صفيرها. # ولم ترد عليها فلورا. # وبرغم هذا، كان هناك إحساس بالارتياح ~~لشعورها بأن الألم الذي تشعر به الآن ما هو إلا لفقد فلورا - ربما فقدها للأبد - وذلك ~~مقارنة بالفوضى التي اجتاحتها بشأن موضوع السيدة جاميسون وتعاستها المتأرجحة مع كلارك. على ~~الأقل لم يكن غياب فلورا بسبب غلط اقترفته كارلا. ~~••• # في المنزل، لم يكن هناك ما تفعله سيلفيا سوى أن تفتح النوافذ فحسب، وأن تفكر - بشغف أثار ~~خشيتها دون أن يكون سببا في دهشتها - في موعد مجيء كارلا. # تم التخلص من كل الأدوات التي كان يستعملها في فترة المرض، وتنظيف غرفة النوم الخاصة به ~~هو وسيلفيا - وهي الغرفة التي توفي بها - وترتيبها وكأن شيئا لم يحدث فيها. لقد ساعدت ~~كارلا في كل ذلك، وعاونت بكل طاقتها أثناء تلك الأيام العصيبة ما بين حرق الجثة والسفر إلى ~~اليونان. وقد جمعوا كل قطعة من الملابس التي ارتداها ليون وتلك التي لم يرتدها - بما في ~~ذلك بعض الهدايا التي أهدتها له أخته والتي ما زالت في تغليفها - وحزموها داخل حقيبة ~~السيارة وأعطوها «لمحل بيع الأشياء المستعملة». وحتى أقراص الدواء الخاصة به، وأدوات ~~الحلاقة، وزجاجات المقويات التي لم تفتح، والتي كانت تقيم أوده طيلة الوقت، وعلب ~~مقرمشات السمسم التي كان يتناول منها بالعشرات، وزجاجات الملطف البلاستيكية التي كانت ~~تريح ظهره، وجلد الغنم الذي كان يضطجع ms016 عليه؛ فقد جمعت في أكياس القمامة وتم التخلص منها، ~~ولم تحاول كارلا أن تقول أي شيء؛ فلم تقل قط: «ربما يمكن أن يستفيد منها شخص آخر.» أو أن ~~تشير إلى أن هناك صندوقا بأكمله من زجاجات الدواء لم يفتح بعد. وعندما قالت سيلفيا: ~~«ليتني لم آخذ الملابس إلى المدينة، ليتني قمت بإحراقها جميعا في المحرقة.» لم تعبر ~~كارلا عن دهشتها. # ثم قاموا بتنظيف الموقد، وتنظيف الخزانة، وغسلوا كل الجدران والنوافذ. وفي أحد الأيام ~~كانت سيلفيا تجلس في غرفة المعيشة تتصفح رسائل التعزية التي تلقتها (لم يكن هناك وجود ~~لأي مجموعة من الأوراق أو المفكرات، كما هو متوقع في منزل كاتب، أو حتى أعمال غير مكتملة أو ~~مسودات لأعمال مكتوبة. لقد أخبرها منذ بضعة أشهر أنه قد تخلص من كل شيء «ودون أي ~~ندم»). # لقد كان جدار المنزل المائل نحو الجنوب ~~يحوي نوافذ ضخمة. ورفعت سيلفيا بصرها، وأثار دهشتها ضوء الشمس الذي يتخلل الأمطار؛ أو ~~بالأحرى طيف كارلا، بساقيها العاريتين، وذراعيها المكشوفتين، وهي تعتلي سلما، ووجهها ~~الذي يكسوه الحزم مزين بخصلات شعرها الملون بلون الهندباء الذي لم يسمح قصره بعقد جديلة. ~~وكانت كارلا ترش زجاج النوافذ وتلمعه بكل همة ونشاط، وعندما لمحت سيلفيا وهي تنظر إليها ~~توقفت عن ذلك، وراحت تحرك ذراعيها وتمدهما للأمام وترسم تعبيرات مضحكة بوجهها، وأخذتا ~~تضحكان، وقد شعرت سيلفيا بأن موجة الضحك هذه تتدفق من أعماقها وتبعث فيهما بعض المرح. وعادت ~~مرة أخرى تنظر إلى الأوراق التي بين يديها في حين استأنفت كارلا تنظيف الزجاج. وقد قررت ~~سيلفيا أن كل تلك العبارات الرقيقة - سواء أكانت صادقة أو مصطنعة؛ للمدح أو للرثاء - ستلقى ~~نفس مصير جلد الماشية أو مقرمشات السمسم. # وعندما سمعت كارلا وهي تنزل من فوق السلم، وترامى إلى مسامعها وقع الحذاء ذي الرقبة ~~على الأرضية، شعرت فجأة بالخجل. كانت لا تزال جالسة في مكانها وتحني رأسها عندما دخلت كارلا ~~الغرفة ومرت بجانبها وهي في طريقها إلى المطبخ لكي تضع الدلو وقطع القماش بجوار المغسلة، ~~وكانت كارلا ms017 لا تتوقف لحظة أثناء عملها؛ فقد كانت سريعة كالعصفور، ولكنها توقفت لتطبع قبلة ~~على رأس سيلفيا المحني، وراحت تتمتم بشيء لنفسها. # ظلت تلك القبلة عالقة في ذهن سيلفيا منذ ذلك الحين، ولم تكن تعني شيئا بعينه، بل مجرد ~~قولها هوني عليك وابتهجي، أو أن الأمر على وشك الانتهاء. لقد كانت تعني أنهما صديقتان ~~وفيتان مرتا بالكثير من الأوقات العصيبة، أو ربما تعني أن الشمس قد أشرقت، وأن كارلا ~~تفكر في الحصول على مكان يلائم خيولها. ومع ذلك، فقد رأتها سيلفيا كبرعم زهرة مشرقة، تنتفش ~~بتلاتها بداخلها بحرارة شديدة أشبه بهبات الحرارة في سن انقطاع الطمث. # وبين الحين والآخر كانت ثمة طالبة صغيرة متميزة ممن يتلقون العلم لديها في محاضرات علم ~~النباتات، وكانت مهارة تلك الطالبة، وتفانيها، وكبرياؤها الشديد واعتزازها بذاتها، أو ربما ~~أيضا ولعها بالعالم الطبيعي يذكرها بنفسها عندما كانت في سنها. ومثل أولئك الفتيات ~~كن يتقربن من سيلفيا في ود وتبجيل؛ طلبا لمزيد من التقرب والحميمية التي لم يكن ~~يتخيلن - في معظم الأحوال - أنهن سيحصلن عليها، وسرعان ما كن يسببن لها الضيق بسبب ~~ذلك. # ولم تكن كارلا تشبه أولئك في شيء، وإن كانت تشبه أحدا في حياة سيلفيا، فسيكون بعض ~~الفتيات اللاتي عرفتهن في مدرستها الثانوية؛ هؤلاء الفتيات اللاتي يتسمن ببعض الذكاء ولسن ~~متقدات الذكاء؛ فتيات يمارسن الرياضة ببساطة ولكن لا يدخلن ساحة المنافسة الشديدة، ~~متفائلات ولسن مسببات للمشاكل مفتقدات للتهذيب. ببساطة سعيدات بطبيعتهن. ~~••• ~~«في المكان الذي كنت أعيش فيه، في تلك القرية الصغيرة، بل شديدة الصغر، مع اثنتين من ~~صديقاتي القديمات، كانت تقف حافلات السياح من آن لآخر، كما لو أنها ضلت طريقها، ويغادرها ~~السائحون ويتلفتون حولهم وقد غلبتهم الحيرة؛ لأنهم لا يجدون شيئا أو أي أماكن حولهم، ~~فليس ثمة شيء يبتاعونه.» # هكذا تحدثت سيلفيا عن اليونان. وكانت كارلا تجلس على بعد سنتيمترات. وأخيرا كانت تجلس في ~~الغرفة - تلك الغرفة التي طالما امتلأت بأفكار عنها - تلك الفتاة المبهرة، القلقة ذات ~~الأطراف الضخمة؛ وكانت تبتسم بوهن، وتومئ برأسها ببطء ms018 . # قالت سيلفيا: «وكنت أنا أيضا أشعر بالحيرة في البداية، كان الطقس شديد الحرارة، ولكن ~~الأمر كان صحيحا بشأن ضوء النهار، لقد كان رائعا بحق، ثم قررت ما يمكن أن أقوم به، ولم ~~تكن هناك سوى بعض الأشياء القليلة البسيطة، ولكنها كانت كافية لملء اليوم؛ فقد كنت أسير ~~مسافة نصف ميل عبر الطريق لشراء القليل من الزيت، ونصف ميل آخر في الطريق المعاكس لشراء ~~الخبز أو النبيذ، وهكذا ينقضي الصباح، ثم أتناول طعام الغداء تحت الأشجار، وبعد ذلك يكون ~~الطقس حارا بدرجة شديدة؛ بحيث لا يكون بمقدورك فعل أي شيء سوى إغلاق مصراع النافذة ~~والاستلقاء على الفراش، وربما القراءة. في البداية تقرئين، ثم تزداد الحرارة فتتوقفين حتى ~~عن فعل ذلك، فلم القراءة؟ وبعد أن ألاحظ أن الظلال امتدت، كنت أنهض لأمارس ~~السباحة.» # قطعت سيلفيا حديثها قائلة: «أوه، كدت أنسى.» # ثم هبت من مكانها وذهبت لكي تحضر الهدية التي جاءت بها من اليونان، والتي لم تنس أمرها ~~على الإطلاق في حقيقة الأمر؛ فلم تكن تريد أن تعطيها لكارلا على الفور، بل أرادت أن يأتي ~~الأمر بصورة طبيعية، وحين كانت تتحدث كانت تفكر مقدما في اللحظة التي يمكن أن تذكر خلالها ~~البحر، والذهاب للسباحة، وأن تقول - كما تقول الآن - لقد ذكرتني السباحة بالهدية؛ لأنها ~~نسخة طبق الأصل من الحصان الذي وجدوه في البحر، وهو مصنوع من البرونز. لقد التقطوه بعد مرور ~~كل هذا الوقت؛ إذ يعود للقرن الثاني قبل الميلاد. # عندما دخلت كارلا، وأخذت تبحث عن عمل تقوم به، قالت لها سيلفيا: «أوه، اجلسي لدقائق، ~~فإنني لم أجد أحدا أتحدث معه منذ أن عدت من اليونان، أرجوك.» جلست كارلا على حافة ~~المقعد، وساقاها منفرجتان بعض الشيء، واتكأت بيديها على ركبتيها، وبدت مكتئبة إلى حد ما. ~~قالت وهي تحاول أن تبدو دمثة: «كيف كانت اليونان؟» # والآن وقفت، ورقائق الورق الشفاف تحيط بالحصان، ولم تكن قد أزالتها عنه تماما. # قالت سيلفيا: «يقال إنه يمثل خيل السباق، وهو يقفز تلك القفزات النهائية، أقصى ما يبذل ~~من ms019 جهد في الدقائق الأخيرة من السباق. وكما ترين الصبي الفارس أيضا، يدفع الحصان ليجري ~~بأقصى ما يستطيع من قوة.» # لم تذكر لها أن ذلك الفارس الصغير قد ~~ذكرها بكارلا، ولم تستطع أن تعرف السبب حتى الآن. لقد كان الولد لا يتعدى العاشرة أو ~~الحادية عشرة. ربما قوة ورشاقة الذراع التي تقبض على الزمام، أو تلك التغضنات في جبهته ~~الطفولية، أو ذلك الانهماك والجهد الخالص الذي يشبه بشكل أو بآخر طريقة سيلفيا في تنظيف ~~النوافذ الضخمة في الربيع الماضي، وربما ساقاها القويتان داخل سروالها القصير، وكتفاها ~~العريضتان، وضرباتها القوية فوق الزجاج لتنظيفه، ثم الطريقة التي مدت بها ذراعيها وجسمها ~~على سبيل المزحة، والتي دفعت، بل أجبرت سيلفيا على الضحك. # قالت كارلا، وهي تتفحص بعناية التمثال الأخضر الصغير المصنوع من البرونز: «إنك ترين هذا، ~~أشكرك بشدة.» ~~«على الرحب والسعة، لنحتس القهوة، لقد أعددت بعضا منها. كانت القهوة في اليونان ذات ~~نكهة قوية بعض الشيء، ربما أكثر قوة مما أفضل، ولكن الخبز كان غاية في الروعة، ناهيك عن ~~التين الناضج، لقد كان مدهشا بحق. اجلسي لدقائق أخرى، أرجوك. عليك أن توقفيني عن ~~الاسترسال هكذا. ماذا عن هنا؟ كيف كانت الحياة تسير هنا؟» ~~«لقد كانت تمطر معظم الوقت.» # ردت سيلفيا من خلال المطبخ الذي يقع عند نهاية الغرفة الكبيرة: «أرى هذا، أرى أنها كانت ~~تمطر باستمرار.» قررت وهي تصب القهوة أن تخفي أمر الهدية الأخرى التي أحضرتها، إنها لم ~~تكلفها شيئا (في الواقع كلفها الحصان أكثر مما تتخيل الفتاة)، كانت مجرد صخرة صغيرة ~~جميلة ذات لون أبيض ضارب إلى الوردي التقطتها من الطريق. ~~«هذه لكارلا.» هكذا قالت حينها لصديقتها ماجي التي كانت تسير بجوارها: «أعلم أنه قد يبدو ~~الأمر ساذجا، ولكني أرغب في أن يكون لديها قطعة صغيرة من هذه الأرض.» # كانت قد أخبرت صديقتها ماجي عن كارلا، كما أخبرت أيضا صديقتها الأخرى سورايا، وكيف أن ~~وجود الفتاة قد أصبح يعني الكثير والكثير لها، وأنه ثمة رباط لا يمكن وصفه تولد ~~بينهما، وهو الشيء ms020 الذي ساعدها وواساها في الأشهر الفظيعة التي مرت بها خلال الربيع ~~الماضي. ~~«إنه لشيء جميل أن يرى المرء شخصا كهذه؛ شخصا صغير السن يمتلئ صحة وحيوية يأتي إلى ~~المنزل.» # ضحكت كل من ماجي وسورايا بود، إلا أن ضحكاتهما شابها بعض الانزعاج. # قالت سورايا وهي تمد ذراعها البنية الممتلئة في كسل: «هناك دائما مثل هذه الفتاة.» وقالت ~~ماجي: «نتعرض جميعنا لذلك في بعض الأحيان؛ إنه الافتتان بفتاة.» # شعرت سيلفيا بقليل من الغضب بسبب تلك الكلمة: افتتان. # قالت: «ربما يرجع ذلك إلى أنني وليون لم ننجب أطفالا. إنه غباء ... مشاعر أمومة موجهة في ~~غير موضعها.» # تحدثت صديقتاها في الوقت نفسه، وقالتا شيئا ما بطريقتين مختلفتين، مفاده أنه قد يكون ~~حقا من الغباء، ولكنه الحب على أي حال. ~~••• # ولكن الفتاة، بالنسبة إلى سيلفيا اليوم، لا تشبه كارلا التي كانت تتذكرها سيلفيا في أي ~~شيء؛ فلم تعد تغلب عليها تلك الروح المرحة الهادئة، ولم تعد ذلك الشخص الخالي من الهموم ~~الذي لطالما لازمها في اليونان. # لقد كانت بالكاد تهتم بأمر الهدية، وكان يغلب عليها الحزن والكآبة وهي تمد يدها لتأخذ قدح ~~القهوة. # قالت سيلفيا بحماس: «هناك شيء آخر أعتقد أنك كنت ستهوينه بشدة؛ وهو الماعز؛ فالماعز ~~هناك كانت صغيرة الحجم للغاية حتى في تمام نموها. كان بعضها أبيض اللون والبعض الآخر كان ~~مرقطا، وكانت تقفز حول الصخور كأنها ... كأنها أرواح منتشرة في المكان.» كانت تضحك بطريقة ~~مصطنعة، ولم تستطع أن تمنع نفسها من الضحك. «لم أكن لتصيبني الدهشة إن وجدت أكاليل الزهور ~~حول قرونها. كيف حال نعجتك الصغيرة؟ لقد نسيت اسمها.» # قالت كارلا: «فلورا.» ~~«فلورا.» ~~«لم يعد لها وجود.» ~~«لم يعد لها وجود؟ هل قمت ببيعها؟» ~~«لقد اختفت ولا نعلم مكانها.» ~~«أوه، إنني جد آسفة، ولكن أما من فرصة لعودتها مرة أخرى؟» # لم تجبها. نظرت سيلفيا مباشرة نحو الفتاة، وهو الشيء الذي لم تكن لتستطيع أن تفعله قبل ~~الآن. وقد رأت عينيها مغرقة بالدموع، وتكسو وجهها بعض البقع، بل إنه في الواقع كان متسخا ms021 ~~بعض الشيء، وكانت تعتريها موجة من الحزن الشديد. # لم تفعل شيئا لتتفادى نظرات سيلفيا. ضمت شفتيها، وأغلقت عينيها، وأخذت تهتز في مكانها ~~للأمام وإلى الخلف كما لو أنها تصرخ بصوت مكتوم، وفجأة، ولصدمة سيلفيا، راحت تتأوه وتصرخ ~~بالفعل. أخذت تصرخ وتبكي، وتحاول استنشاق الهواء، وسالت الدموع على خديها، وسالت أنفها، ~~وراحت تتلفت حولها بحثا عن شيء تمسح به وجهها. وهبت سيلفيا من مكانها وأحضرت حفنة من ~~المناديل الورقية. # قالت، وهي تعتقد أنه من الأفضل أن تأخذ الفتاة بين ذراعيها: «لا تقلقي، ستكونين بخير، ~~سيكون كل شيء على ما يرام. تفضلي المناديل.» إلا أنها لم يكن لديها أدنى رغبة في أن تفعل ~~ذلك، وقد يزداد الأمر سوءا إثر ذلك؛ فقد تشعر الفتاة بعدم رغبة سيلفيا في احتضانها، أو ~~أنها انزعجت في الواقع بسبب ذلك الانفعال الصاخب. # وقالت كارلا شيئا، وأخذت تقوله مرارا. # لقد قالت: «مروع، مروع بحق.» ~~«لا عليك، جميعنا نكون بحاجة للبكاء في بعض الأحيان، لا بأس، لا تقلقي.» ~~«إنه أمر مروع.» # ولم تستطع سيلفيا أن تمنع نفسها من الشعور - إبان كل لحظة من لحظات التعاسة التي عبرت ~~عنها كارلا - بأن الفتاة جعلت من نفسها واحدة من أولئك الطالبات الباكيات اللاتي يأتين ~~لمكتب سيلفيا؛ فبعضهن يبكين بسبب الدرجات التي حصلن عليها، ولكن غالبا ما يكون بكاء ~~متصنعا، ويظهرن بعض التشنجات المتكلفة غير المقنعة. أما عندما تكون الدموع حقيقية، وهو ~~نادرا ما يحدث، فيكون بسبب شيء يتعلق بقصة حب، أو بشجار مع الوالدين، أو بسبب حمل ~~إحداهن. ~~«لا يتعلق الأمر بفقدان النعجة، أليس كذلك؟» ~~«لا، لا.» # قالت سيلفيا: «من الأفضل أن أحضر لك كوبا من الماء.» # واستغرقت بعض الوقت لإحضار كوب من الماء البارد، وهي تفكر فيما ينبغي أن تقوله أو تفعله ~~بعد ذلك، وعندما عادت به كانت كارلا قد هدأت بالفعل. # قالت سيلفيا بينما تتجرع كارلا الماء: «والآن، ألست أفضل حالا؟» ~~«نعم.» ~~«الأمر لا يتعلق بالنعجة، فما الخطب إذن؟» ~~«لا أستطيع أن أتحمل أكثر من هذا.» # ما الذي لا تستطيع ms022 تحمله؟ # واتضح أن الأمر يتعلق بالزوج. # إنه يظهر غضبه منها طوال الوقت، يتصرف كما لو أنه يكرهها. لم تعد تفعل أي شيء سليم، ولم ~~تعد تقول أي شيء. إن الحياة معه ستصيبها بالجنون، بل إنها تعتقد في أحايين كثيرة أنها ~~جنت بالفعل، أو أنه هو الذي فقد عقله في أحيان أخرى. ~~«هل آذاك يا كارلا؟» # لا، إنه لم يؤذها جسديا، ولكنه يبغضها، إنه يحتقرها، إنه لا يحتمل بكاءها، وهي لا ~~تتوقف عن البكاء؛ لأنه يثور في وجهها دائما. # لم تعد تدري ما الذي يمكنها فعله. # قالت سيلفيا: «ربما تعرفين ما عليك فعله.» # شرعت كارلا في البكاء مرة أخرى وقالت: «هل أهرب؟ لو كان بمقدوري ذلك لكنت فعلته.» ~~«سأفعل أي شيء لأهرب، ولكني لا أستطيع؛ فليس معي أي نقود، وليس لدي مكان آوي ~~إليه.» # قالت سيلفيا بأسلوب ناصح قدر الإمكان: «فكري جيدا، هل هذا هو الحال بالفعل؟ أليس لديك ~~أبوان؟ ألم تخبريني أنك نشأت في كينجستون ولك عائلة هناك؟» # كان أبواها قد انتقلا للعيش في بريتيش كولومبيا، وهما يكرهان كلارك، ولا يهتمان هل ماتت ~~أم ما زالت على قيد الحياة. # وماذا عن الإخوة والأخوات؟ # هناك أخ واحد يكبرها بتسع سنوات، متزوج ويقيم في تورونتو، لا يهتم لشأنها ولا يحب كلارك، ~~وزوجته من ذلك النوع الذي يتسم بالتكبر والغرور. ~~«ألم تفكري في الذهاب إلى «مأوى السيدات»؟» ~~«لا يقبلونك هناك إلا إذا كنت قد تعرضت للضرب أو ما شابه، وسرعان ما يكتشف الجميع ~~الأمر، وهو ما سيؤثر بالسلب على عملنا.» # ابتسمت سيلفيا في رقة وهي تقول: ~~«أهذا هو الوقت الذي تفكرين فيه في أمر العمل؟» # ضحكت كارلا وقالت: «أعرف هذا، أنا مجنونة.» # قالت سيلفيا: «أنصتي، أنصتي إلي جيدا، لو كنت تملكين نقودا كافية للرحيل، هل كنت ~~سترحلين؟ وإلى أين ستذهبين؟ وماذا ستفعلين؟» # ردت كارلا سريعا: «كنت أذهب إلى تورونتو، لكني لن أذهب إلى أخي، بل سأقيم في أي نزل ~~صغير، وأبحث لنفسي عن وظيفة في أي إسطبل.» ~~«هل تعتقدين أنه بمقدورك فعل ذلك ms023 ؟» ~~«لقد كنت أعمل في أحد إسطبلات الخيول في الصيف الذي قابلت فيه كلارك، ولقد أصبحت الآن ~~أكثر تمرسا من ذلك الحين، أكثر بكثير.» ~~«تتحدثين كما لو أنك قررت ذلك بالفعل.» # قالت كارلا: «لقد قررت ذلك الآن.» ~~«إذن متى يمكنك الرحيل إن كان بوسعك هذا؟» ~~«الآن، اليوم، في التو واللحظة.» ~~«وهل كل ما يمنعك هو قلة النقود؟» # أخذت كارلا نفسا عميقا وقالت: «كل ما يمنعني هو قلة النقود.» # قالت سيلفيا: «حسنا، الآن أنصتي إلى ما سأعرضه عليك، أعتقد أنه لا ينبغي أن تذهبي إلى أي ~~نزل، بل عليك استقلال الحافلة إلى تورونتو لتقيمي عند واحدة من صديقاتي وهي تدعى روث ~~ستايلس. إنها تمتلك منزلا كبيرا تقيم فيه بمفردها، وأعتقد أنها لن تمانع في أن يشاركها ~~أحد الإقامة فيه، وبمقدورك أن تمكثي هناك حتى تجدي عملا مناسبا، وسأساعدك ببعض النقود، ~~ولا بد أن هناك الكثير والكثير من إسطبلات الخيل في تورونتو.» ~~«هناك الكثير بالفعل.» ~~«ما رأيك إذن، هل تريدين مني أن أتصل هاتفيا لأعرف موعد تحرك الحافلة؟» # وافقت كارلا، وكانت ترتعد من الخوف، وأخذت تمرر يدها على فخذيها، وتحرك رأسها ~~بعصبية من جانب إلى آخر. # قالت: «لا أصدق هذا، سأسدد لك المبلغ، أعني أشكرك بشدة، سأرد لك كل هذا. لا أدري ماذا ~~أقول في الواقع.» # وكانت سيلفيا بالفعل تدير قرص الهاتف، وتطلب محطة الحافلات. # قالت: «اهدئي، إنني أحاول معرفة المواعيد.» وأخذت تنصت، ثم أغلقت سماعة الهاتف، وأردفت: ~~«أعلم أنك ستفعلين. هل اتفقنا بشأن روث؟ سأخبرها بالأمر، ولكن ثمة مشكلة واحدة.» نظرت ~~سيلفيا لقميص كارلا وسروالها القصير على نحو انتقادي وقالت: «لا يمكنك أن تذهبي بتلك ~~الملابس.» # قالت كارلا في فزع: «لا يمكنني الذهاب إلى المنزل لإحضار أي شيء، سأكون على ما ~~يرام.» ~~«ولكن الحافلة مكيفة الهواء، وستتجمدين من البرودة، لا بد أن أعطيك شيئا من عندي ~~لترتديه، ألسنا بنفس الطول تقريبا.» ~~«إنك أنحف بنحو عشر مرات.» ~~«لم أكن كذلك.» # واستقر الأمر في نهاية المطاف على سترة بنية اللون مصنوعة من الكتان، نادرا ms024 ما كانت ~~ترتديها سيلفيا - كانت تعتبر أن شراءها كان خطأ؛ فالتصميم كان غريبا بعض الشيء - وسروال ~~بني اللون ناسبها تماما، وقميص حريري بلون القشدة. وكان لا بد أن يتناسب حذاء كارلا ~~الرياضي مع هذه الملابس؛ لأن مقاس قدميها كان أكبر بدرجتين عن مقاس سيلفيا. # ذهبت كارلا لتأخذ حماما - وهو الشيء الذي لم تهتم به عندما كانت في تلك الحالة المزاجية ~~السيئة هذا الصباح - بينما حادثت سيلفيا روث هاتفيا ووجدت أنها ستكون في اجتماع ذاك ~~المساء، ولكنها ستترك المفتاح عند بعض المستأجرين بالطابق الأعلى، وكل ما على كارلا فعله هو ~~قرع جرس منزلهم فقط. # قالت روث: «ولكن عليها أن تستقل سيارة أجرة من موقف الحافلات، فهل هي في حالة جيدة ~~تمكنها من ذلك؟» # ضحكت سيلفيا وقالت: «إنها ليست عرجاء، لا تقلقي، إنها مجرد شخص في موقف سيئ، كما يحدث في ~~الكثير من الحالات.» ~~«حسنا، هذا جيد، أعني أنه لأمر جيد أن تستطيع تخطي ذلك.» ~~«إنها قطعا ليست عرجاء.» قالت تلك العبارة وهي تفكر في كارلا التي تقيس السروال والسترة ~~المصنوعة من الكتان. كم شفيت الفتاة الصغيرة سريعا من نوبة اليأس التي كانت تعتريها، وكم ~~تبدو جميلة في تلك الملابس الجديدة. # ستتوقف الحافلة في المدينة في الساعة الثانية وعشرين دقيقة. وقررت سيلفيا أن تعد البيض ~~المقلي لطعام الغداء، وأن تفرش المائدة بالمفرش ذي اللون الأزرق الداكن، وأن تضع الأكواب ~~المصنوعة من الكريستال، وتقدم لها زجاجة من النبيذ. # قالت سيلفيا عندما أطلت كارلا وكانت تبدو نظيفة ومشرقة في ملابسها التي استعارتها: «آمل ~~أن تكوني جائعة لتتناولي قدرا من الطعام.» # توردت بشرتها المليئة بالنمش من أثر الاستحمام، وكان شعرها الداكن مبللا بالمياه، وقد ~~تحرر من ضفيرته، وانسدلت الخصلات التي لم تعد مجعدة على نحو جميل على رأسها، وقالت إنها ~~بالفعل جائعة، ولكن عندما همت لتتناول قطعة من البيض المقلي، جعلت يداها المرتعشتان ذلك ~~الأمر مستحيلا. ~~«لا أدري لم أرتعد من الخوف هكذا، فمن المفترض أن أشعر بالإثارة، فلم أتوقع أن يكون ~~الأمر بهذه السهولة ms025 .» # قالت سيلفيا: «جاء الأمر بصورة مفاجئة تماما، ربما لا يبدو وكأنه أصبح أمرا واقعا ~~الآن.» ~~«رغم كل شيء يبدو أنه بالفعل أمر حقيقي الآن، أما قبل ذلك فقد كنت في ذهول.» ~~«ربما عندما تقررين فعل شيء، عندما تقررينه حقا، يكون الأمر على هذا النحو، أو هكذا يجب ~~أن يكون.» # قالت كارلا بابتسامة واثقة، وقد احمر وجهها: «هذا إن كان للمرء صديق حقيقي بمعنى ~~الكلمة، أعني صديقا مثلك.» ثم وضعت الشوكة والسكين، ورفعت كأس النبيذ بكلتا يديها بصعوبة، ~~وقالت بصوت قلق: «نخب صديقتي الحقيقية. من المفترض ألا أتناول أي رشفة من النبيذ، ولكني ~~سأفعل.» # قالت سيلفيا وهي تتظاهر بالسعادة: «وأنا أيضا.» ولكنها سرعان ما أفسدت اللحظة حين قالت: ~~«ألن تتصلي به هاتفيا؟ أم ماذا ستفعلين؟ يجب أن يعرف، على الأقل يجب أن يعرف مكانك في ~~الوقت الذي ينتظر فيه عودتك إلى المنزل.» # قالت كارلا بانزعاج: «لا، ليس من خلال الهاتف، لا أستطيع ذلك، ربما يمكنك أنت أن ~~...» # قالت سيلفيا: «لا، لا.» ~~«لا، هذا ضرب من الغباء، ما كان ينبغي أن أقول ذلك، لكن من الصعب التفكير بصورة سليمة ~~الآن؛ فما ينبغي أن أفعله هو ترك ورقة صغيرة في صندوق البريد، لكني لا أريد أن يراها ~~سريعا. لا أريد حتى أن نمر من هناك ونحن في طريقنا للمدينة، أريد أن نسلك الطريق الخلفي، ~~فإذا ما كتبتها ... إذا ما كتبتها، فهل يمكنك أن تضعيها في صندوق البريد وأنت عائدة؟» # وافقت سيلفيا على ذلك؛ حيث إنها لم تر بديلا أفضل. # أحضرت قلما وورقة، ثم صبت قليلا من النبيذ. # جلست كارلا تفكر، ثم شرعت في كتابة بعض الكلمات القليلة. ~~••• ~~«لقد رحلت. سأكون على ما يرام.» # كانت هذه هي الكلمات التي قرأتها سيلفيا ~~عندما فضت الورقة وهي في طريق عودتها من موقف الحافلات، وكانت واثقة من أن كارلا تعرف ~~جيدا كيف تكتب؛ إذ إنها أخطأت في تهجية الكلمة، إلا أنها كانت في حالة من الارتباك الشديد، ~~ربما كانت مرتبكة بصورة أكثر مما تتخيلها سيلفيا. ولقد جعلها ms026 النبيذ تخرج ما بداخلها من ~~كلام، ولكنه كلام لا يشوبه أي نوع من الحزن أو الكآبة. راحت تتحدث عن إسطبل الخيل الذي عملت ~~به ورأت فيه كلارك لأول مرة، وكانت وقتها في الثامنة عشرة من عمرها وقد أنهت لتوها ~~دراستها في المدرسة الثانوية. رغب والداها في أن تلتحق بالجامعة، ووافقت ما دام يمكنها أن ~~تصبح طبيبة بيطرية وتعيش في الريف. لقد كانت من ذلك النوع من الفتيات الساذجات غير ~~المسايرات للتطور، من الفتيات اللاتي يتندر الآخرون عليهن في المدرسة الثانوية، لكنها لم ~~تكن تبالي بذلك. # كان كلارك من أفضل مدربي الفروسية لديهم، وكانت تلاحقه عشرات النساء؛ فقد كن يأخذن ~~دروسا في ركوب الخيل لمجرد أن يتقربن منه، وعمدت كارلا إلى أن تثير غيظه وتتندر على ~~صديقاته، وكان يروق له ذلك في بادئ الأمر، ثم أصبح الأمر يثير ضيقه، فاعتذرت له كارلا، ثم ~~حاولت أن تصلح الأمور بأن جعلته يتحدث عن حلمه - أو بالأحرى عن خطته - وكان في الواقع هو أن ~~يمتلك مدرسة للتدريب على ركوب الخيل؛ أو إسطبلا للخيل، في مكان ما في الريف. وفي يوم من ~~الأيام دخلت الإسطبل ورأته وهو ينشر سرج الخيل، فأدركت أنها قد وقعت في حبه. # وأدركت الآن أن الأمر كان مجرد جاذبية جنسية، ربما كان جاذبية جنسية فحسب. ~~••• # وعندما حل فصل الخريف، وكان عليها أن تترك العمل لتلتحق بالجامعة في جيلف، رفضت أن ~~تذهب، وقالت إنها ترغب في أن تؤجل ذلك للعام التالي. # كان كلارك يتميز بالذكاء، لكنه لم ينتظر حتى ينهي دراسته في المدرسة الثانوية، وانقطعت ~~علاقته مع عائلته. لقد كان يعتقد أن العائلات بمثابة السم الذي يسري في الدم. وعمل مساعدا ~~في إحدى المصحات النفسية، ومشغل أسطوانات في إحدى محطات الإذاعة بليثبريدج بألبرتا، وأحد ~~أفراد فرق صيانة الطرق السريعة بالقرب من ثاندر باي، وحلاقا تحت التمرين، ومندوب مبيعات ~~في متجر آرمي سيربلس؛ وكانت هذه هي الوظائف التي أخبرها بها فقط. # كانت كارلا تناديه «الجوال الغجري»، كما في إحدى الأغنيات القديمة التي كانت ms027 أمها تشدو ~~بها في بعض الأوقات، وقد راحت ترددها طوال الوقت في جميع أركان المنزل، وشعرت أمها بأن ~~هناك شيئا ما وراءها. # وكانت كلمات الأغنية تقول: # نامت بالأمس في فراشها الوثير من الريش # تلتحف غطاءها الحريري # أما اليوم فستفترش الأرض الباردة الصلبة # في أحضان حبيبها الغجري. # قالت لها أمها: «إنه سيكسر قلبك في يوم ما، وهذا أمر مؤكد.» أما زوج أمها، ~~الذي كان يعمل مهندسا، فلم ير أن لكلارك أي أهمية أو شأن، وقال عنه: «إنه فاشل، واحد من ~~أولئك الهائمين على وجوههم.» كما لو أن كلارك مجرد حشرة يستطيع أن يزيحها عن ملابسه. # ردت كارلا قائلة: «هل يستطيع الهائم على وجهه أن يدخر النقود الكافية التي تمكنه من ~~شراء مزرعة؟ وهو الأمر الذي فعله بالمناسبة.» فكان رده فقط: «لن أدخل في جدال معك.» وأضاف ~~بأنها ليست ابنته على أي حال، كما لو أن تلك هي النقطة الحاسمة. # لذا كان من الطبيعي أن تهرب كارلا مع كلارك؛ فالطريقة التي تعامل بها والداها مع الأمر ~~ضمنت ذلك بالفعل. # قالت سيلفيا: «هل ستحاولين الاتصال بوالديك عندما يستقر بك المقام في تورونتو؟» # رفعت كارلا حاجبيها، ومطت شفتيها وهي تقول: «كلا.» # لقد كانت بالقطع ثملة بعض الشيء. ~~••• # وعند عودتها إلى المنزل، وبعدما تركت الرسالة في صندوق البريد، غسلت سيلفيا الأطباق التي ~~كانت لا تزال على المائدة، وغسلت المقلاة وجففتها، وألقت غطاء المائدة والمفارش الصغيرة ~~ذات اللون الأزرق في سلة الغسيل، وفتحت النوافذ، وقد فعلت ذلك بشعور متضارب من الندم ~~والقلق. كانت قد وضعت للفتاة قطعة صابون جديدة للاستحمام برائحة التفاح فعلقت رائحته في ~~أرجاء المنزل، كما انتشرت رائحته بالسيارة أيضا. # توقفت الأمطار شيئا فشيئا، ولم تستطع أن تجلس ساكنة، فخرجت لتتريض قليلا عبر الممر ~~الذي كان ليون قد نظفه وجعله ممهدا، وقد تلاشت كميات الحصى التي فرشها في أماكن ~~المستنقعات. اعتادا أن يذهبا للتريض كل ربيع بحثا عن زهور الأوركيد البرية، وكانت ~~تعلمه اسم كل زهرة من الزهور البرية، وكان ينسى أسماءها جميعا، فيما ms028 عدا زهرة الثالوث ~~البرية. اعتاد أن ينادي سيلفيا باسم الشاعرة الشهيرة دوروثي وردزورث. # وفي الربيع الماضي، ذهبت للخارج واقتطفت من أجله مجموعة من زهور الزنبق البنفسجي، لكنه ~~نظر إلى الزهور - كما كان ينظر إليها في بعض الأحيان - بنظرات تحمل شيئا من الوهن ~~والإنكار. # أخذت تراقب كارلا وهي تصعد إلى الحافلة. لقد كان تعبيرها عن الامتنان صادقا، وغير رسمي، ~~وقد لوحت لها بمرح، كانت كارلا قد اعتادت على فكرة خلاصها. # عندما عادت سيلفيا إلى المنزل في نحو السادسة، أجرت مكالمة لتورونتو، حيث حادثت روث، وهي ~~تعلم أن كارلا لم تصل بعد، ولكن سمعت آلة الرد الآلي. # قالت سيلفيا: «روث، أنا سيلفيا. بخصوص الفتاة التي أرسلتها إليك، آمل ألا تكون مصدر إزعاج ~~لك، وأتمنى أن تسير الأمور على ما يرام. قد تجدينها معتزة بنفسها بعض الشيء، ولكنها فورة ~~الشباب كما تعرفين، فقط أخبريني عندما تصل.» # وهاتفتها مرة أخرى قبل أن تأوي إلى الفراش، وسمعت ماكينة الرد الآلي مرة أخرى، فقالت: ~~«سيلفيا مرة أخرى، أردت فقط الاطمئنان.» ثم وضعت السماعة. كان الوقت ما بين التاسعة ~~والعاشرة، ولم يكن الظلام حالكا بعد، ولا بد أن روث ما زالت بالخارج، والفتاة لن تلتقط ~~سماعة الهاتف بالقطع في منزل غريب. حاولت أن تتذكر أسماء جيران روث المستأجرين بالطابق ~~الأعلى؛ فهم بالطبع لم يأووا للفراش بعد، لكنها لم تستطع تذكر أسماء أي منهم، وكذلك فإن ~~محاولة الاتصال تعني إثارة المزيد من الجلبة، وإبداء الكثير من القلق، وتحميل الأمر أكثر ~~مما يستحق. # أوت إلى الفراش، ولكن كان من المستحيل البقاء في غرفة النوم طويلا، فأخذت غطاء خفيفا ~~واتجهت صوب غرفة المعيشة واستلقت فوق الأريكة، حيث اعتادت النوم خلال الثلاثة أشهر الأخيرة ~~من حياة ليون. ولم تكن تعتقد أنها ستخلد إلى النوم على الأريكة كذلك، ولم يكن هناك ستائر ~~على حافة النافذة فاستطاعت أن تتبين من خلال منظر السماء أن القمر يضيئها بالرغم من أنها ~~لا تراه. # كان الشيء التالي الذي رأته هو أنها في إحدى الحافلات في مكان ms029 ما - ربما تكون اليونان؟ - ~~وبصحبتها أناس كثيرون لا تعرفهم، وكان المحرك يصدر أصواتا مزعجة، فاستيقظت لتدرك أن تلك ~~الأصوات ما هي إلا قرع على باب المنزل الأمامي. ~~«كارلا؟» ~~••• # ظلت كارلا تحني رأسها حتى غابت الحافلة عن المدينة، ورغم أن زجاج النوافذ ملون ولا يستطيع ~~أحد من الخارج أن يرى ما بداخلها، إلا أنه كان عليها أن تتخذ حذرها خشية أن يلمحها أحد، أو ~~أن يظهر كلارك فجأة؛ فربما يكون خارجا لتوه من أحد المتاجر، أو يعبر الشارع، وهو لا يدري ~~تماما بأنها في طريقها للرحيل، معتقدا أنها فترة من فترات ما بعد الظهيرة التي تمر ~~كالمعتاد، بل يعتقد أنها في طريقها لوضع مخططهما - أو مخططه بالأحرى - موضع التنفيذ، ويتوق ~~لأن يعرف ما الذي آلت إليه الأمور. # بمجرد أن جاوزت الحافلة المناطق الداخلية وخرجت إلى الريف، رفعت رأسها وتنفست الصعداء، ~~ورأت الحقول التي ازدانت بزهور البنفسج من خلال النوافذ. لقد أحاطها وجود السيدة جاميسون ~~بنوع من الطمأنينة والسكينة الشديدتين، وجعل هروبها أكثر الأمور التي يمكن تخيلها تعقلا، ~~بل ربما الشيء الوحيد الذي ينم عن احترام الذات يمكن لأي شخص في موقف كارلا أن يفعله. ~~شعرت كارلا بقدرتها على أن تبدي ثقة غير معتادة في النفس، بل وحتى روح دعابة متعقلة، وهي ~~تكشف عن حياتها بأسلوب لا بد وأن يجذب التعاطف، وفي الوقت نفسه ساخر وصادق، وحاولت أن ترقى، ~~بقدر ما أمكن، إلى مستوى توقعات السيدة جاميسون. ساورها شعور بأنه ثمة احتمال بأن تخذل ~~السيدة جاميسون، التي فاجأتها بأنها شخصية تتسم بالحساسية والحزم في ذات الوقت، ولكنها ~~اعتقدت أنها بالتأكيد لن تفعل ذلك. # إن لم تكن مضطرة إلى أن تبقى بجانبها لفترة طويلة. # كانت الشمس مشرقة، كما كان الحال منذ فترة، فعندما جلستا لتناول طعام الغداء، كانت تلقي ~~بأشعتها على أكواب النبيذ فتزيدها تلألؤا، ولم تسقط أي أمطار منذ الصباح الباكر، وقد ~~هبت بعض الرياح وكانت كافية لإزاحة الأعشاب المنتشرة عبر الطريق، وتلك الحشائش الضارة ~~المزهرة بعيدا عن مجموعات الأشجار الغارقة بمياه ms030 الأمطار. وكانت سحب الصيف، وليست تلك ~~المشبعة بالأمطار، تنتشر وتتحرك بسرعة عبر السماء. كان الريف بأسره في حالة تغير، في حالة ~~تحرر، نحو إشراقة يوم من أيام يوليو، ولم تستطع أن تلمح مع ازدياد سرعة الحافلة كل ما ~~خلفه الماضي القريب من آثار، ولم يكن هناك الكثير من البرك وسط الحقول التي تظهر أماكن ~~البذور التي جرفتها الأمطار، ولم تلمح سيقان الذرة الضعيفة، أو أيا من الحبوب على ~~أرضها. # جال بخاطرها أنه يجب عليها إخبار كلارك بذلك؛ أنهما ربما قد اختارا - لسبب غريب - ذلك ~~الجانب الموحش المبتل من الريف، في حين أن هناك أماكن أخرى كان يمكن أن يحققا نجاحا ~~بها. # أو ربما لا يزال بإمكانهما تحقيق النجاح فيها. # ثم تذكرت أنها بالطبع لن تقول أي شيء من هذا القبيل لكلارك، لن تقوله ثانية مطلقا؛ فهي ~~لن تهتم بعد الآن بما يمكن أن يحدث له، أو لجريس، أو مايك، أو جونيبر، أو بلاك بيري، أو ~~ليزي بوردن. وإن حدث وعادت فلورا فلن تعرف بالأمر. # كانت تلك هي المرة الثانية التي تترك وراءها كل شيء؛ كانت المرة الأولى تشبه في أحداثها ~~أغنية فرقة «البيتلز» القديمة؛ حيث تركت رسالة فوق المنضدة، وغادرت المنزل في الخامسة ~~صباحا، وقابلت كلارك في ساحة انتظار السيارات بالكنيسة عند نهاية الشارع، وكانت تتمتم بتلك ~~الأغنية وهما يثرثران ويذهبان بعيدا: «إنها تغادر المنزل، وداعا وداعا.» وقد استرجعت ~~الآن منظر الشمس وهي تطل من خلفهما، وكيف كانت تنظر إلى يدي كلارك وهو يمسك بعجلة القيادة، ~~وتلمح الشعر الأسود الذي يكسو ساعديه القوييين، وكانت تشم رائحة الشاحنة من الداخل؛ حيث ~~رائحة الزيوت والمعادن، ورائحة الأدوات وإسطبلات الخيل. وقد كان النسيم البارد في صباح هذا ~~اليوم من أيام الخريف يتسلل داخل الفواصل المعدنية بالشاحنة التي يعلوها الصدأ، وكانت من ~~ذلك النوع من الشاحنات التي لم يحدث أن استقلها أحد من أفراد عائلتها، أو حدث وأن رأتها ~~تمر من الشارع الذي كانت تقطن به. # وقد أثارها وأسعدها في ذلك الصباح انشغال كلارك ms031 بالطريق (فقد بلغا الطريق السريع 401)، ~~واهتمامه بالشاحنة، وإجاباته المقتضبة، وعيونه الضيقة، بل وحتى بعض الضيق الذي أظهره إزاء ~~سعادتها الطائشة. وأثارها أيضا اضطراب حياته الماضية؛ شعوره بالوحدة التي أعلنها لها، ~~والأسلوب اللطيف الناعم الذي يعامل به الخيل، ويعاملها به. لقد كانت تراه مهندس حياتهما ~~القادمة، وكانت ترى نفسها أسيرة له، وتعتبر خضوعها وإذعانها شيئا منطقيا ~~ورائعا. # كتبت أمها تقول في الخطاب الوحيد الذي أرسلته لها، ولم ترد هي عليه: «إنك لا تعرفين قيمة ~~ما تركتيه.» ولكنها في تلك اللحظات الباردة المضطربة من رحلة الصباح الباكر كانت تعرف جيدا ~~ماذا تركت وراءها، حتى وإن لم يكن لديها سوى فكرة مبهمة عما ستذهب إليه. لقد كرهت والديها، ~~ومنزلها، والفناء الخلفي، ومجلدات صورهم، وعطلاتهم، ومستلزمات المطبخ ماركة كويزين آرت، ~~و«دورة المياه الخاصة بالضيوف»، وغرفة الملابس، ونظام رش المرج بالمياه المدفون تحت الأرض، ~~وفي الرسالة المختصرة التي تركتها لوالديها استخدمت كلمة «حقيقي». # لطالما كنت أشعر دوما بالحاجة إلى أن أحيا حياة حقيقية صادقة، ولا أتوقع منكم أن ~~تدركوا ما أعنيه. # توقفت الحافلة الآن عند أول بلدة على الطريق، وكانت نقطة الوقوف هي إحدى محطات الوقود. ~~كانت محطة الوقود التي اعتادت هي وكلارك أن يذهبا إليها بالسيارة، في أولى أيام حياتهما ~~معا، للتزود بوقود زهيد الثمن. وفي تلك الأيام، ضم عالمهما العديد من البلدات التي تحيط ~~بالريف، وكانا يتصرفان كالسائحين؛ يتذوقان بعضا من عينات الطعام الذي تقدمه حانات الفنادق ~~الزهيدة مثل أقدام الخنزير، أو الكرنب المخلل المخمر، أو فطائر البطاطس، أو الجعة، ثم ~~يشدوان بالأغاني في طريق عودتهما للمنزل مثل الحمقى. # ولكنهما بعد فترة اعتبرا تلك النزهات مضيعة للوقت والنقود، كانا يفعلان كما يفعل الناس ~~قبل أن يدركوا حقيقة حياتهم. # كانت تبكي الآن؛ اغرورقت عيناها بالدموع من دون أن تدري، وأخذت تفكر في تورونتو، وأولى ~~خطواتها القادمة هناك؛ سيارة الأجرة، المنزل الذي لم تره من قبل، الفراش الغريب الذي ستنام ~~عليه بمفردها، وغدا سوف تنظر في دليل الهاتف بحثا عن عناوين الإسطبلات التي تدرب من ms032 ~~يريد على ركوب الخيل، ثم تذهب إلى عناوينها بحثا عن وظيفة لها هناك. # لم تستطع تخيل نفسها هناك، وهي تركب قطار الأنفاق، أو الترام، أو وهي تعتني بخيول ~~جديدة، تتحدث إلى أشخاص جدد، تحيا على نحو يومي وسط حشود من البشر ليس من بينهم ~~كلارك. # إنها حياة ومكان اختارتهما لهذا السبب بالتحديد؛ أن تكون حياة ليس فيها كلارك. # والشيء الغريب والمفزع الذي ظهر جليا أمامها بشأن ذلك العالم المستقبلي، كما تتخيله ~~الآن، هو أنها لن تكون موجودة فيه؛ فقط ستتجول هنا وهناك، ستفتح فمها وتتحدث، ستفعل هذا ~~وذاك، ولكنها لن تكون جزءا منه في حقيقة الأمر؛ لن تنتمي إليه. والغريب والمتناقض في ذلك ~~هو أنها تفعل كل هذا، وتستقل تلك الحافلة على أمل استعادة نفسها. وكما تقول السيدة جاميسون ~~- وكما كانت تقول هي ذاتها بنوع من الرضا - «تتولى مسئولية حياتها» من دون أن يكون هناك أحد ~~يصب جام غضبه عليها، أو يسبب لها مزاجه المتقلب الكثير من التعاسة. # ولكن ما الذي ستهتم بشأنه؟ ما الذي سيشعرها أنها تحيا؟ # وبينما كانت تهرب مبتعدة عنه - الآن - لا يزال كلارك يحتفظ بمكانه في حياتها، ولكن بعد أن ~~تنجح في الهروب، وتستمر في حياتها، ما الذي ستضعه في مكانه؟ ما عساه - أو من عساه - يرقى ~~لذلك التحدي ويحل محله؟ # استطاعت أن تتوقف عن البكاء، ولكن سرت في جسدها رعدة. كانت في حالة سيئة، ولكن كان ~~عليها أن تكون أكثر قوة، كان عليها أن تتماسك. كان كلارك يقول لها في بعض الأحيان وهو يدلف ~~إلى إحدى الغرف التي انكمشت بداخلها محاولة كبت دموعها: «عليك أن تتماسكي.» وهو الشيء الذي ~~عليها أن تفعله حقا الآن. # توقفت الحافلة في بلدة أخرى. كانت البلدة الثالثة التي بلغوها منذ استقلت الحافلة، مما ~~يعني أنهم مروا ببلدة أخرى دون أن تلاحظ هي ذلك؛ فلا بد وأن الحافلة قد توقفت، وأن السائق ~~قد ردد اسم البلدة، ولكنها لم تسمع أو ترى شيئا في خضم موجة الخوف التي اعترتها. وسرعان ~~ما سيصلون ms033 إلى الطريق السريع الرئيسي، وسيهرعون مباشرة نحو تورونتو. # وستضيع هي. # ستضيع بالفعل. ما الغاية من استقلالها إحدى سيارات الأجرة وإعطاء سائقها العنوان الجديد؟ ~~وما جدوى أن تستيقظ في الصباح الباكر وتنظف أسنانها وتلتقي بالعالم من حولها؟ لم تريد أن ~~تحصل على وظيفة؟ لم تضع الطعام في فمها؟ لم تستقل المواصلات العامة من مكان لمكان؟ # انتابها شعور بأن قدميها تبعد عن جسمها بمسافة هائلة، وأن ساقيها، في ذلك السروال الجديد ~~والنظيف غير المعتاد، تثقلهما أغلال حديدية. لقد كانت تغوص في الأرض كحصان مصاب لن يقوى على ~~النهوض مرة أخرى. # امتلأت الحافلة ببعض الركاب الآخرين، وبالطرود التي كانت تنتظر في تلك البلدة. وها هي ~~سيدة وطفلها في عربته يلوحان مودعين شخصا ما، بينما يتحرك المبنى من خلفهما والمقهى ~~الذي كان بمثابة محطة انتظار الحافلة. شعرت بأن هناك موجة تسللت عبر قوالب الطوب بالبناية ~~ونوافذها، وكأنها على وشك أن تذيب كل شيء. ومع شعورها بأن حياتها في خطر، أخذت كارلا تدفع ~~بكل من جسمها الضخم، وأطرافها التي كانت كالحديد الثقيل إلى الأمام. وراحت تتعثر في ~~خطاها وهي تنادي بأعلى صوتها: «أنزلني هنا.» # جذب السائق مكابح السيارة وقال في حدة: «اعتقدت أنك ذاهبة إلى تورونتو؟» رمقها الركاب ~~بنظرات مليئة بالفضول، ولم يكن لأحد أن يدري بكم الألم الهائل بداخلها. ~~«يجب أن أنزل هنا.» ~~«هناك دورة مياه في الخلف.» ~~«لا، لا، علي أن أنزل هنا.» ~~«لن أنتظر، أتفهمين؟ هل معك أمتعة بالأسفل؟» ~~«لا، نعم. لا.» ~~«ليس لديك أمتعة؟» # قال أحد الركاب: «إنه رهاب الأماكن المغلقة. هذا كل ما في الأمر.» # قال السائق: «هل أنت مريضة؟» ~~«لا، لا، أريد أن أنزل فحسب.» ~~«حسنا، لا بأس.» # تعال خذني، تعال خذني أرجوك. # سأفعل. # كانت سيلفيا قد نسيت أن تحكم غلق الباب، وأدركت أنه ينبغي لها أن تفعل ذلك الآن، لا أن ~~تفتحه، ولكن كانت تلك الفكرة متأخرة، فقد فتحته بالفعل. # لكن ما من أحد بالباب. # لكنها كانت على يقين من أن صوت قرع الباب كان حقيقيا. # وأغلقت الباب، ms034 ولكنها أحكمت الغلق هذه المرة. # ترامى إلى مسامعها صوت غريب، نقرات عالية تصدر من جوانب النافذة. أضاءت الأنوار، لكنها لم ~~تر شيئا، فأطفأتها مرة أخرى. قد يكون صوت أحد الحيوانات - ربما يكون سنجابا - ولم تكن ~~الأبواب الفرنسية التي تفتح بين النوافذ وتؤدي إلى الفناء محكمة الغلق أيضا، فلم تكن ~~مغلقة تماما، بل كانت مفتوحة بنحو بوصة أو ما شابه للتهوية. وشرعت في غلقها عندما سمعت صوت ~~شخص يضحك بالقرب منها، وكأنه بجوارها في الغرفة. # قال الرجل: «إنه أنا، هل أفزعتك؟» # لقد كان ملاصقا للزجاج، بجوارها تماما. # قال: «إنه أنا كلارك، كلارك الذي يقطن نهاية الشارع.» # لم تكن لتطلب منه أن يدخل، لكنها لن تغلق الباب في وجهه؛ فمن الممكن أن يجذب الأبواب قبل ~~أن تفعل ذلك. ولم تكن ترغب في إضاءة الأنوار أيضا؛ فقد كانت ترتدي قميصا قصيرا، كان ~~ينبغي لها أن تجذب الغطاء من فوق الأريكة وتلفه حولها، ولكن كان الوقت قد فات لفعل ~~ذلك. # قال: «أكنت ترغبين في تغيير ملابسك؟ إن ما أحمله هنا هو ما تحتاجينه تماما ~~الآن.» # كان يحمل حقيبة تسوق في يده، دفع بها إليها ولكنه لم يحاول أن يقترب. # قالت في صوت قلق: «ما هذا؟» # قال: «انظري بنفسك لتري ما بداخلها، إنها ليست قنبلة، ها هي أمسكي بها.» # تحسست ما في داخل الحقيبة دون أن تنظر إليها، لقد كان بها شيء طري، ثم تبينت فيما بعد ~~أزرار السترة، والقماش الحريري المصنوع منه القميص، والحزام في السروال. # قال: «اعتقدت أنه من الأفضل أن تستعيديها، إنها ملكك، أليس كذلك؟» # أطبقت على فكيها حتى لا تصطك أسنانها بعضها ببعض؛ حيث انتاب فمها وحلقها حالة من الجفاف ~~المخيف. # قال بصوت هادئ: «عرفت أن تلك الأشياء تخصك.» # تحرك لسانها ككتلة من الصوف، وبالكاد استطاعت أن تقول: «أين كارلا؟» ~~«تقصدين زوجتي كارلا؟» # أصبحت ترى وجهه بوضوح أكثر الآن، واستطاعت أن تراه وهو يزهو بنفسه. ~~«زوجتي كارلا في المنزل، نائمة في فراشها، حيث يجب أن تكون.» # كان رجلا وسيما، ولكنه ذو ms035 مظهر سخيف في نفس الوقت، وكان طويلا، ونحيفا، وقوي ~~البنية، ولكن مع انحناءة تبدو مصطنعة. وقد بدا متكلفا في محاولاته للتهديد المشوب ~~بالزهو، وتدلت خصلة من خصلات شعره الأسود فوق جبهته، له شارب خفيف للغاية، عينان تمتلئان ~~بالأمل والسخرية، وله ابتسامة صبيانية، ودائما ما تكون على حافة التجهم والعبوس. # كانت دوما تكره رؤيته، وقد أخبرت ليون بمدى كرهها له، فقال لها إن الرجل لا يثق بنفسه، ~~وإنه ودود ربما على نحو زائد عن الحد. # وحقيقة أنه لا يثق بذاته لن تجعلها تشعر بالأمان الآن. # قال: «إنها منهكة بعض الشيء بعد مغامرتها الصغيرة. كان ينبغي أن تري وجهك ... أن تشاهدي ~~النظرة التي ارتسمت على وجهك عندما تعرفت على تلك الملابس. ما الذي جال بخاطرك؟ هل ~~اعتقدت أنني قتلتها؟» # قالت سيلفيا: «لقد اندهشت.» ~~«أراهن أنك فعلت، بعد مساعدتك الهائلة لها لكي تهرب.» # قالت سيلفيا بجهد كبير: «لقد ساعدتها ... ساعدتها لأنها بدت لي في ضائقة.» # قال كما لو أنه يدرس الكلمة بعناية: «ضائقة ...» ثم أردف قائلا: «أعتقد أنها كانت كذلك ~~بالفعل؛ لقد كانت في ضائقة شديدة عندما قفزت خارجة من تلك الحافلة، وهاتفتني كي أذهب وآخذها ~~إلى المنزل. لقد كانت تبكي بشدة لدرجة أنني لم أفهم ما الذي كانت تقوله.» ~~«هل كانت ترغب في العودة؟» ~~«نعم، أتشكين أنها كانت ترغب في العودة؟ لقد كانت في حالة هستيرية وترغب بشدة في ~~الرجوع. إنها فتاة ذات مشاعر متقلبة إلى أقصى حد، ولكني أعتقد أنك لا تعرفينها جيدا مثلما ~~أعرفها أنا.» ~~«ولكنها كانت شديدة السعادة برحيلها.» ~~«هل كانت كذلك حقا؟ حسنا، سأصدقك، فأنا لم آت إلى هنا لأجادلك.» # لم تتفوه سيلفيا بحرف واحد. ~~«لقد أتيت إلى هنا لكي أقول لك إنني لا أقدر تدخلك في حياتي أنا وزوجتي.» # قالت سيلفيا وهي توقن جيدا أنه من الأفضل لو صمتت: «إنها بشر بجانب كونها زوجتك.» ~~«يا إلهي، هل هي كذلك بالفعل؟ زوجتي من البشر؟ حقا؟ أشكرك على تلك المعلومة الثمينة. لا ~~تحاولي أن تستغلي ذكاءك معي يا سيلفيا.» ms036 ~~«لا أستغل ذكائي.» ~~«حسنا، أنا سعيد أنك لم تفعلي، فأنا لا أريد أن أنفجر غضبا، لكن لدي أمران أود أن ~~أقولهما لك؛ الأمر الأول هو أنني لا أريد أن تدسي أنفك في أي مكان، ولا في أي وقت في حياتي ~~أو حياة زوجتي، والأمر الثاني أنني لن أدعها تأتي إلى هنا بعد الآن، وهي نفسها لن ترغب في ~~المجيء، إنني على ثقة من ذلك، فهي تحمل فكرة سيئة عنك الآن. حان الوقت لتتعلمي كيف تنظفين ~~منزلك بنفسك.» # قال: «والآن، هل هذا مفهوم؟» ~~«تماما.» ~~«أوه، آمل ذلك، أتمنى أن يكون الأمر كذلك.» # قالت سيلفيا: «نعم.» ~~«أوتدرين ما الذي أفكر به الآن؟» ~~«ماذا؟» ~~«أعتقد أنك مدينة لي بشيء.» ~~«ما هو؟» ~~«أعتقد أنك مدينة لي - ربما - باعتذار.» # قالت سيلفيا: «حسنا، إن كنت تعتقد ذلك، أنا آسفة.» # تحرك كلارك من مكانه، ربما ليذهب، ولكن مع حركة جسمه أطلقت صرخة عالية. # فراح يضحك، ثم وضع يده على إطار الباب ليتأكد أنها لم تغلقه. # قالت: «ما هذا؟» # فرد عليها: «ماذا؟» كما لو كانت تجرب خدعة ما ولكنها لم تنجح، ولكنه لمح شيئا انعكست ~~صورته على الزجاج، فاستدار بسرعة ليرى ما الأمر. # كانت هناك على مسافة ليست ببعيدة من المنزل قطعة واسعة من الأرض الضحلة، وكانت عادة ما ~~تمتلئ بالضباب ليلا في هذا الوقت من العام، وقد كساها الضباب في تلك الليلة، وطوال تلك ~~الفترة، ولكن فجأة تغير ذلك الآن، فلقد تكاثف الضباب، واتخذ شكلا منفصلا، وحول نفسه إلى ~~شيء متوهج وله رأس حادة. في البداية اتخذ شكل كرة من الهندباء، تتقدم للأمام متعثرة، ثم ~~سرعان ما انكمشت تلك الكرة لتتخذ شكل حيوان غريب لونه أبيض ناصع، أشبه بوحيد قرن عملاق يهرع ~~في اتجاههما مندفعا. # قال كلارك بهدوء وجدية: «يا إلهي!» ثم قبض على كتف سيلفيا. ولم يفزعها ذلك على الإطلاق؛ ~~فلقد تقبلت ذلك وهي مدركة تماما أنه قد فعل هذا لكي يحميها أو ليطمئن نفسه. # ثم اتضحت الرؤية؛ فمن بين الضباب الكثيف، ومن بين ضوء عمل ms037 على تكبير الصورة - وهو ضوء ~~اتضح أنه لسيارة كانت تمر عبر الطريق الخلفي، ربما بحثا عن مكان لكي تقف فيه - من بين ذلك ~~كله ظهرت نعجة بيضاء صغيرة تتهادى لا يكاد حجمها يزيد عن حجم كلب راع. # ترك كلارك كتفها، ثم قال: «من أين أتيت بحق السماء؟» # قالت سيلفيا: «إنها نعجتكم، أليست هي؟» # قال: «فلورا، إنها فلورا.» # توقفت النعجة على بعد أقل من متر، وقد بدا عليها الخجل وهي تحني رأسها. # قال كلارك: «من أين أتيت يا فلورا؟ لقد أفزعتنا.» # اقتربت فلورا، ولكنها لم تقو على رفع رأسها، وأخذت تتمسح في أرجل كلارك. # قال كلارك مرتجفا: «يا لك من حيوان غبي، من أين أتيت؟» # قالت سيلفيا: «لقد كانت مفقودة.» ~~«نعم بالفعل، اعتقدنا في حقيقة الأمر أننا لن نراها ثانية.» # رفعت فلورا رأسها، وقد انعكس بريق ضوء القمر في عينيها. # قال لها كلارك: «لقد أفزعتنا. أذهبت للبحث عن صديق؟ أفزعتنا حقا، أليس كذلك؟ لقد ~~خيل إلينا أنك شبح.» # قالت سيلفيا: «إنه تأثير الضباب.» وقد خرجت من الباب ووقفت في الفناء الآن بعد أن شعرت ~~بالأمان. ~~«نعم.» ~~«ثم جاء ضوء تلك السيارة.» # قال وقد استعاد رباطة جأشه: «بدت مثل شبح.» وقد أسعده أنه فكر في هذا الوصف. ~~«نعم.» # قال وهو يربت على فلورا: «نعجة من الفضاء الخارجي، هكذا أنت؛ نعجة لعينة من الفضاء ~~الخارجي.» ولكن عندما مدت سيلفيا يدها الخالية لكي تفعل مثله - فقد كانت يدها الأخرى ما ~~زالت ممسكة بحقيبة الملابس التي كانت ترتديها كارلا - خفضت فلورا رأسها كما لو كانت تتأهب ~~لتنطحها. # قال كلارك: «إن ردود أفعال النعاج غير متوقعة؛ فقد يبدو أنها مستأنسة، لكنها ليست كذلك ~~بعد أن تكبر.» # قالت سيلفيا: «وهل كبرت؟ إنها تبدو صغيرة للغاية.» ~~«لقد كبرت، ولن تتجاوز ذلك.» # وقف كلاهما ينظران إلى النعجة كما لو كانا يتوقعان أنها ستوفر لهما مساحة أكبر من الحديث، ~~ولكن كان من الواضح أن ذلك لن يحدث؛ فمنذ تلك اللحظة لم يكن باستطاعتهما المضي قدما ~~واستئناف الحديث أو التراجع عما ms038 بدر منهما، اعتقدت سيلفيا أنها ربما لمحت مسحة من الندم فوق ~~وجهه بسبب ذلك. # وقد أقر هو قائلا: «لقد تأخر الوقت.» # قالت سيلفيا وكأنها زيارة عادية: «أعتقد هذا.» ~~«حسنا، هيا بنا يا فلورا، لقد حان الوقت للعودة إلى المنزل.» ~~«سأقوم ببعض الترتيبات الأخرى لطلب المساعدة إذا ما احتجتها، وعموما، فإنني لن أحتاجها ~~الآن.» ثم أضافت ضاحكة: «وسأتوقف عن إزعاجك ومضايقتك.» # قال: «بالقطع، من الأفضل أن تدخلي الآن حتى لا تصابي بالبرد.» ~~«كان الناس في الماضي يعتقدون أن تكاثف الضباب بالليل يمثل خطورة.» ~~«هذا شيء جديد بالنسبة لي.» # قالت: «إذن طابت ليلتك، طابت ليلتك يا فلورا.» # ثم دق جرس الهاتف. ~~«أستأذنك.» وقد رفع يده واستدار وهو يقول: «طابت ليلتك.» # لقد كانت روث على الهاتف. # قالت سيلفيا: «أوه، لقد تغيرت الخطة.» ~~••• # لم تنم؛ فقد كانت تفكر في تلك النعجة الصغيرة، التي بدا ظهورها من بين الضباب وكأنه شيء ~~مليء بالسحر، وتساءلت لو مر ليون بشيء كهذا كيف كان يمكن أن يتناوله؟ لو كانت شاعرة لكتبت ~~قصيدة عما مرت به، ولكنها من خلال تجربتها كانت تدرك أن الموضوعات التي اعتقدت أنه يمكن ~~للشاعر أن يعبر عنها لم تكن تروق لليون على الإطلاق. ~~••• # لم تسمع كارلا صوت كلارك وهو يغادر المنزل، ولكنها شعرت به عندما عاد. # أخبرها أنه خرج لتوه كي يتفقد الأمور حول الإسطبل. ~~«مرت سيارة عبر الطريق منذ فترة، وتساءلت عما يمكن أن يفعله أصحابها هنا، ولم أستطع النوم ~~حتى خرجت لأطمئن بأن كل شيء على ما يرام.» ~~«وهل كان الأمر كذلك؟» ~~«على قدر ما رأيت.» # قال: «وبينما كنت بالخارج، أدركت أنني لا بد أن أقوم بزيارة لأول الطريق، لقد قمت بإعادة ~~الملابس.» # اعتدلت كارلا وجلست في فراشها. ~~«هل أيقظتها؟» ~~«لقد كانت مستيقظة، لقد سارت الأمور على ما يرام، لقد تبادلنا حديثا قصيرا.» ~~«أوه.» ~~«سارت الأمور على ما يرام.» ~~«لم تذكر لها شيئا عن ذلك الأمر، أليس كذلك؟» ~~«بلى، لم أذكر لها شيئا عن ذلك.» ~~«لقد كان الأمر كله مختلقا، لقد كان ms039 كذلك بالفعل، يجب أن تصدقني، لقد كانت كذبة.» ~~«لا عليك، حسنا.» ~~«يجب أن تصدقني.» ~~«أنا أصدقك.» ~~«لقد اختلقت كل هذا.» ~~«حسنا.» # وصعد إلى الفراش. # قالت: «ساقاك باردتان كما لو أنهما قد ابتلتا.» ~~«إنه الندى الكثيف.» # قال: «اقتربي هنا، عندما قرأت رسالتك شعرت داخلي بالخواء. هذا صحيح. لو كنت تركتني، ~~لكنت شعرت بأنه لم يتبق لي شيء في حياتي.» ~~••• # استمر الجو صحوا، وراح الناس يحيي بعضهم ~~بعضا، في الشوارع، والمتاجر، وفي مكتب البريد، مشيرين إلى أن فصل الصيف قد وصل أخيرا، ~~وراحت الحشائش في المراعي، وحتى المحاصيل المنكمشة، ترفع رأسها معلنة تحيتها لقدوم الصيف. ~~وجفت البرك والمستنقعات، وتحول الطين إلى تراب، وهبت بعض الرياح الخفيفة الدافئة، ~~وشعر كل فرد بقدرته على ممارسة مهامه مرة أخرى بهمة ونشاط. ولم يتوقف رنين الهاتف، وانهالت ~~التساؤلات عن مواعيد سباقات الخيل، وعن أوقات التدريب، وأبدى القائمون على مخيمات الصيف ~~اهتمامهم الآن، بعد أن ألغوا الرحلات المتجهة إلى المتاحف. واقتربت المركبات الصغيرة محملة ~~بالأطفال الصغار دائمي الحركة، وراحت الخيول تقفز عبر السياج، وقد تحررت من أغطيتها. # نجح كلارك في العثور على تسقيفة كبيرة بما يكفي بسعر معقول، وقد أمضى طوال اليوم الأول ~~الذي أعقب «يوم الهروب» (وهو الاسم الذي أطلقوه على رحلة كارلا بالحافلة) في إصلاح سقف حلقة ~~التدريب. # وظلا طوال يومين يلوح أحدهما لآخر، وهما يؤديان أعمالهما اليومية المعتادة. وإذا ما ~~تصادف ومرت كارلا بجواره ولم يكن هناك أحد يراهما، فإنها كانت تطبع قبلة على كتفه من فوق ~~قماش قميصه الصيفي الخفيف. # قال لها: «إن حاولت مرة أخرى أن تهربي بعيدا، فسأضربك.» فردت قائلة: «أحقا ~~ستفعل؟» ~~«ماذا؟» ~~«تضربني؟» ~~«تماما، هو ذاك.» كانت روحه المعنوية مرتفعة بشدة، وكانت جاذبيته لا تقاوم مثلما رأته ~~أول مرة. # وكانت الطيور تنتشر في كل مكان، وقد امتلأت السماء بالطيور السوداء ذات الأجنحة الحمراء، ~~وبعصافير أبي الحناء، وكان هناك زوج من اليمام راح يغرد منذ أن طلع الصباح، وظهرت الكثير ~~من الغربان والنوارس التي انطلقت من فوق البحيرة في مهمات استطلاعية، ms040 بينما حطت طيور ~~البغاث الضخمة فوق أحد أشجار السنديان الذابلة التي تقع على مسافة نصف ميل عند أطراف ~~الغابة. وقد جلست في البداية لتجفف أجنحتها الكثيفة، وكانت ترفعها بين الحين والآخر في ~~محاولة للتحليق؛ فقد كانت ترفرف وتطير في دورة حول المكان، ثم تجتمع وتنظم نفسها لكي تسمح ~~للشمس والهواء الدافئ بأن يؤديا مهامهما في تجفيف أجنحتها. وفي غضون يوم أو نحو ذلك استردت ~~الطيور قوتها، وحلقت عاليا، ثم راحت تدور وتقترب من الأرض، وتختفي حينا بين الغابات ~~وتعاود مرة أخرى لتستقر فوق شجرتها الجرداء التي اعتادت عليها. # وظهرت جوي تاكر - مالكة ليزي - مرة أخرى وقد اكتسبت بشرتها بعض السمرة، ولكنها بدت ودودة ~~هذه المرة. كانت قد سئمت من الأمطار وذهبت لتمضي إجازتها في تسلق جبال روكي، وها هي قد عادت ~~الآن. # قال كلارك: «جئت في الوقت المناسب؛ أعني من حيث الطقس.» وراح هو وجوي تاكر يمزحان كما لو ~~أنه لم يحدث بينهما شيء من قبل. # قالت: «تبدو ليزي في حالة جيدة، ولكن أين هي صديقتها الصغيرة؟ ما اسمها؟ ... فلورا؟» # فقال كلارك: «رحلت، ربما ذهبت إلى جبال روكي.» ~~«ثمة الكثير من النعاج البرية هناك، نعاج ذات قرون رائعة.» ~~«لقد سمعت ذلك من قبل.» ~~••• # لنحو ثلاثة أو أربعة أيام انشغل كل من كلارك وكارلا في ممارسة أعمالهما بدرجة لم ~~تمكنهما من الخروج وإلقاء نظرة على صندوق البريد، وعندما فتحته كارلا فيما بعد، وجدت به ~~فاتورة الهاتف، وإعلانا بجائزة قدرها مليون دولار إذا ما اشتركا في إحدى المجلات، وخطابا ~~من السيدة جاميسون. # عزيزتي كارلا # كنت أفكر في الأحداث التي وقعت في الأيام القليلة الماضية (ربما أقول الدرامية ~~بعض الشيء)، وقد وجدت أنني كنت أتحدث إلى نفسي، غير أني في الواقع كنت أتحدث إليك، ~~وقد حدث ذلك كثيرا؛ لذا وجدت أنه من الأفضل أن أتحدث معك بالفعل حتى لو كان ذلك من ~~خلال رسالة - وهي أفضل وسيلة في الوقت الحالي - ولا تقلقي، فليس عليك أن ترسلي أي ~~رد. # واسترسلت السيدة جاميسون قائلة إنها ms041 كانت تخشى أن تكون قد بالغت في التدخل في حياة كارلا، ~~وإنها ربما ارتكبت خطأ حين اعتقدت بأن سعادة كارلا وحريتها شيء واحد، ولكن كل ما كان يهمها ~~هو سعادة كارلا فحسب، وأنها ترى أنه ينبغي لها - أي كارلا - أن تلتمس تلك السعادة في ~~زواجها. وكل ما تأمله الآن أن تكون رحلة كارلا وأحاسيسها المضطربة قد ساعدتها على إخراج ~~مشاعرها الحقيقية إلى السطح، وربما ساعدت زوجها أيضا على أن يدرك مشاعره هو الآخر ~~تجاهها. # وقالت إنها ستتفهم جيدا إذا ما رغبت كارلا في تجنب الذهاب إليها في المستقبل، وإنها ~~ستظل ممتنة لكارلا دوما لحضورها ووقوفها بجانبها في مثل ذلك الوقت العصيب من ~~حياتها. # ولكن كان الشيء الأغرب والأعجب بالنسبة لي في خضم كل تلك الأحداث هو ظهور فلورا ~~مرة أخرى، بل إنه قد بدا لي أمرا أشبه بالمعجزة. أين كانت طوال كل ذلك الوقت؟ ولم ~~اختارت ذلك التوقيت بالذات للظهور؟ إنني على ثقة من أن زوجك قد وصف لك ما حدث. لقد ~~كنا نتحدث عند باب الفناء، وكنت أنا أول من رأى ذلك الشيء الأبيض الذي ظهر لنا فجأة ~~من وسط الظلام حيث كنت أنا في مواجهه باب الفناء. أعلم جيدا بالطبع أن ذلك كان من ~~تأثير الضباب، لكنه كان شيئا مرعبا بحق. أعتقد أنني أطلقت صيحة عالية حينها، وأظن ~~أنني لم أمر من قبل بمثل هذا الوجل بمعناه الحقيقي، بل إنني أعتقد أنه يجب أن ~~أكون صادقة وأقول إنه إحساس بالفزع والخوف. وهكذا كنا رغم أننا شخصان راشدان إلا ~~أننا تسمرنا في مكاننا من شدة الخوف وإذا بفلورا الصغيرة المفقودة تظهر من وسط ~~الضباب. # كان هناك شيء غريب ومميز في هذا الأمر. أعلم جيدا أن فلورا ما هي إلا مجرد ~~حيوان عادي صغير، وأنها قد ذهبت بعيدا بحثا عن شريك للتزاوج لكي تنجب نعاجا ~~صغيرة. وبشكل أو بآخر فإن عودتها لا تتعلق على الإطلاق بحياتنا كبشر، إلا أنه برغم ~~ذلك، فظهورها في تلك اللحظة كان له تأثير عميق على ms042 زوجك وعلي في آن واحد؛ فعندما ~~ينتاب اثنين من البشر فرقهما العداء شعور بالحيرة - لا بالفزع - في الوقت نفسه ~~لرؤيتهما شبحا ما فإنه يتولد في تلك اللحظة رباط ما، ويجدان نفسيهما وقد اتحدا ~~بطريقة غير متوقعة. اتحدا في الإنسانية؛ فهذا هو الوصف الوحيد الذي يمكن أن أطلقه. ~~لقد تفرقنا تقريبا كأصدقاء؛ لذا فإن فلورا وجدت مكانها في حياتي كملاك جميل، ~~وأعتقد أنها كانت كذلك في حياة زوجك وحياتك. # مع خالص تحياتي: سيلفيا جاميسون # بمجرد أن انتهت كارلا من قراءة الرسالة، طوتها، ثم أحرقتها في الحوض، وقد ارتفعت ألسنة ~~اللهب ارتفاعا مزعجا، وراحت كارلا تفتح ماء الصنوبر، وتلتقط البقايا المتفحمة المثيرة ~~للاشمئزاز وألقت بها في المرحاض، وهو الأمر الذي كان ينبغي أن تفعله في بادئ الأمر. # ثم انشغلت كارلا في عملها لبقية اليوم، وفي اليوم التالي، وما تلاه. وخلال ذلك الوقت، كان ~~عليها أن تأخذ فريقين في نزهة بالخارج فوق الخيول، وأن تعطي دروسا لبعض الأطفال سواء ~~أكانوا منفردين أو في مجموعات. وفي المساء، عندما كان يطوقها كلارك بذراعيه - فرغم كونه ~~منشغلا كما هو الآن، لم يكن يشعر قط بالتعب أو بالغضب للدرجة التي تمنعه من احتضانها - ~~فإنها لم تكن تجد صعوبة في أن تكون متعاونة معه. # لقد كان الأمر يبدو كما لو أن إبرة قاتلة تخترق صدرها، وعليها أن تلتقط أنفاسها بهدوء ~~وحذر؛ حتى تتجنب الشعور بها، ولكن كان عليها بين الحين والآخر أن تأخذ نفسا عميقا فتشعر ~~أنها لا تزال موجودة في نفس المكان. ~~••• # أخذت سيلفيا شقة في المدينة الجامعية حيث تدرس، ولم تعرض منزلها للبيع، أو على الأقل لم ~~تكن هناك لافتة أمامه تشير إلى ذلك. وذكرت الصحف أن ليون جاميسون حصل على إحدى الجوائز بعد ~~وفاته، ولم يرد ذكر أي نقود هذه المرة تتعلق بالجائزة. ~~••• # وبحلول أيام الخريف الذهبية الجافة - وهو من الفصول المثمرة التي تدر عليهم الربح - ~~وجدت كارلا نفسها وقد اعتادت على التفكير الحاد الذي استقر بداخلها، ولكنه لم يعد حادا ~~الآن، بل إنه لم ms043 يعد يثير دهشتها، ولكن ما أصبح مستقرا بداخلها هو بعض الأفكار المغرية؛ ~~إغواء مستتر مستقر في ذاتها. # وكان كل ما عليها هو أن ترفع عينيها، أن تنظر فقط في اتجاه واحد، لتعرف إلى أين يمكن أن ~~تتجه. تتريض في المساء عندما تنتهي من أعمالها المنزلية المعتادة، وتذهب إلى أطراف الغابة، ~~حيث الشجرة الجرداء، وحيث تعقد الصقور الجارحة حفلاتها. # ثم ترى هناك تلك العظام الصغيرة القذرة ملقاة فوق الحشائش. والهيكل العظمي ما زال يتشبث ~~به بعض الجلد الممزق الملطخ بالدماء؛ هيكل عظمي تستطيع أن تحمله ككوب الشاي بيد واحدة. تحمل ~~المعرفة في يد واحدة. # أو ربما لا، لا يوجد شيء هناك. # ربما تكون قد حدثت أشياء أخرى، ربما يكون قد طارد فلورا حتى أبعدها، أو أوثقها في ظهر ~~الشاحنة، وذهب بها إلى مسافة بعيدة ثم أطلق سراحها، قد يكون أعادها إلى المكان الذي أحضرها ~~منه؛ لكي لا تكون موجودة أمامهما لتذكرهما دائما بما حدث. # قد تكون حرة. # مرت الأيام ولم تقترب كارلا من المكان، لقد قاومت ذلك الإغواء. # | صدفة # في منتصف شهر يونيو من عام 1965، كان الفصل الدراسي قد انتهى في تورانس هاوس، ولم تعرض ~~على جولييت وظيفة دائمة - فالمدرس الذي كانت تحل محله تماثل للشفاء - وبمقدورها الآن أن ~~تعود إلى منزلها. بيد أنها قررت قبل عودتها أن تعرج على صديقتها التي تعيش بالقرب من ~~الشاطئ. # منذ شهر تقريبا، كانت قد ذهبت مع مدرسة أخرى - تدعى خوانيتا، وهي الوحيدة من ضمن ~~فريق العمل التي تقاربها في العمر، وهي أيضا صديقتها الوحيدة - لمشاهدة معالجة جديدة لفيلم ~~قديم وهو فيلم «هيروشيما مون أمور»، وقد اعترفت خوانيتا فيما بعد أنها ~~كانت - مثلها مثل المرأة التي في الفيلم - تحب ~~رجلا متزوجا؛ وهو والد أحد الطلاب. ثم قالت جولييت إنها وجدت نفسها في مثل هذا الموقف ~~أيضا إلى حد ما، لكنها لم تسمح للأمور أن تتطور؛ وذلك بسبب داء زوجته المأساوي. لقد كانت ~~زوجته ميئوسا من شفائها وعلى شفا الموت الدماغي. فعلقت خوانيتا أنها كانت تتمنى ms044 أن تكون ~~زوجة حبيبها في مثل هذه الحالة من الموت الدماغي، ولكنها لم تكن كذلك، بل كانت مفعمة ~~بالحيوية والقوة، وكان من الممكن أن تتسبب في فصل خوانيتا من عملها. # وبعد ذلك بفترة قصيرة وصل خطاب ما، كما لو كانت استحضرته تلك الأكاذيب غير اللائقة أو ~~أنصاف الحقائق. وقد بدا الظرف متسخا بعض الشيء كما لو أنه مكث في جيب حامله فترة طويلة، ~~وكان موجها إلى «جولييت (المدرسة)، تورانس هاوس، 1482، شارع مارك، فانكوفر بريتيش ~~كولومبيا»، وأعطته مديرة المدرسة لجولييت قائلة: «أعتقد أن هذا الخطاب لك، لكن من العجيب ~~أنه لا يحمل اسم العائلة، ولكن العنوان صحيح، بمقدورهم تحري ذلك.» كان هذا هو نص الخطاب: # عزيزتي جولييت # كنت قد نسيت اسم المدرسة التي تعملين بها، لكنني، فجأة تذكرتها من دون سبب، ~~فتراءى لي الأمر وكأنه إشارة لكي أكتب لك. آمل أن تكوني ما زلت في المدرسة؛ فإنه من ~~الصعب أن تتركي الوظيفة قبل انتهاء الفصل الدراسي، وعلى أي حال لا أظن أنك شخصية ~~انهزامية. # ما رأيك في طقس الساحل الغربي لدينا؟ إن كنت تعتقدين بأن الأمطار تهطل بغزارة في ~~فانكوفر، فعليك أن تتوقعي إذن ضعف ما تتخيلين، وهذا هو الحال لدينا هنا. # دائما ما أتخيلك وأنت جالسة تتطلعين إلى التخوم، النجوم. أرأيت لقد كتبت تخوم، ~~إنه وقت متأخر من الليل، وهو الوقت الذي اعتدت فيه الدخول إلى الفراش. # ما زالت آن كما هي. عندما عدت من رحلتي اعتقدت أنها قد أخفقت إخفاقا كبيرا، ~~ولكن ذلك راجع بدرجة كبيرة لأنني رأيت التدهور الذي حدث لها في السنتين أو الثلاث ~~الأخيرة مرة واحدة. ولكني لم أكن ألحظ تدهورها عندما كنت أراها كل يوم. # أظن أنني لم أخبرك بتوقفي في ريجينا لرؤية ابني الذي أصبح يبلغ من العمر الآن أحد ~~عشر عاما. إنه يعيش مع أمه. لقد لاحظت تغيرا كبيرا طرأ عليه هو الآخر. # أنا سعيد الآن لأنني تذكرت اسم المدرسة، لكني أخشى أني ما زلت لا أذكر الاسم ~~الأخير لك، ولكني سأضع طابع ms045 البريد وأرسل الخطاب هكذا على أي حال، وآمل أن يصلني ~~الاسم. # أفكر فيك دائما. # أفكر فيك دائما. # أفكر فيك داااااااااااائما. # استقلت جولييت الحافلة من قلب مدينة فانكوفر إلى هورس شو باي، ثم استقلت إحدى ~~العبارات، ومرت بعد ذلك من شبه الجزيرة بالبر الرئيسي، ثم عبارة أخرى ثم إلى اليابسة ~~ثانية، وهكذا حتى بلغت المدينة التي يقطن بها الرجل الذي أرسل الخطاب، وهي مدينة ويل باي. ~~ويا لها من سرعة كبيرة تلك التي ينتقل بها المرء من المدينة إلى البرية، حتى قبل بلوغ هورس ~~شو باي! وكانت جولييت طوال فترة الفصل الدراسي تعيش وسط المروج والحدائق بكيريسديل بما فيها ~~من جبال الشاطئ الشمالي، التي تبدو أشبه بستارة المسرح عندما تنقشع عنها الغيوم، ويصبح ~~الطقس صافيا. لقد كانت ملاعب المدرسة محمية، وحضارية تحيط بها الأشجار والزهور اليانعة ~~طوال العام، وتحتضنها الجدران الحجرية، وكانت أراضي البيوت المحيطة تشبه ملاعب المدرسة. وقد ~~تمثلت تلك الوفرة والجمال في زهور: الوردية، البهشية، والغار والحلوة. ولكن قبل أن تتوغل ~~بعيدا لتصل هورس شو باي، تقترب الغابات من الرائي، وهي غابات حقيقية وليست حدائق الغابات، ~~وانطلاقا من هذه المنطقة وعلى امتداد البصر لا توجد سوى مناظر المياه والصخور، والأشجار ~~الداكنة، والطحالب المعلقة. وبين الحين والآخر، تجد آثار الدخان متصاعدة من بعض المنازل ~~الصغيرة المتهدمة والرطبة والتي تحيط بها أفنية مليئة بالحطب، وألواح الخشب، والسيارات، ~~وبعض أجزاء من السيارات، والدراجات المستعملة أو المكسورة، وبعض اللعب، وسائر الأشياء ~~الأخرى التي يضعها الأشخاص بالخارج عندما يفتقرون إلى وجود مرأب أو قبو بالمنزل. # ولم تكن المدن التي توقفت بها الحافلة بالمدن المنظمة على الإطلاق. وفي بعض الأماكن، ~~شيدت بعض البيوت المتجاورة المتشابهة - التابعة لشركة ما - وعلى مقربة شديدة بعضها من بعض، ~~غير أن معظم تلك البيوت كانت مشابهة للبيوت التي تقع في الغابات؛ حيث تجد كل منزل يحيط به ~~فناؤه الذي تتراكم فيه أشياء متناثرة، كما لو أن هذه البيوت بني كل منها على مرأى من ~~الآخر من قبيل المصادفة فقط . لم ms046 تكن هناك طرق ممهدة، فيما عدا الطريق السريع الذي يمتد ~~بينها، ولا أرصفة جانبية، ولم توجد مبان ضخمة متراصة لتضم «مكاتب البريد»، أو «مكاتب ~~البلدية»، ولم تحتو هذه المدن أيضا على أي أبنية بها متاجر مزينة ومنمقة، ولا يوجد بها ~~أثر لتماثيل تخلد ذكرى الحروب، أو أي نافورة للشرب، أو حتى متنزه صغير تكسوه الزهور. قد ~~ترى في ناحية ما أحد الفنادق، ولكنه عادة ما كان يشبه الحانة الصغيرة، أو تجد مدرسة حديثة ~~أو مستشفى ... قد يتسم أي منهما بالوقار والاحترام، لكنه بسيط ومتواضع كالحظيرة. # وقد شعرت في لحظة ما - وخاصة عند العبارة الثانية - ببعض الشكوك التي قلبت لها معدتها ~~حول الأمر برمته. ~~«أفكر فيك دائما.» ~~«دائما ما أفكر فيك.» # هذه هي دوما الأشياء التي يعمد بعض الناس لقولها لإراحة الآخرين، أو بدافع رغبة قوية ~~لإحكام السيطرة على شخص ما. # ولكن لا بد وأن هناك فندقا ما، أو كبائن للسائحين على الأقل، في ويل باي. ستذهب إلى ~~هناك. كانت قد تركت حقيبتها الضخمة في المدرسة، على أن تعود لإحضارها لاحقا؛ فهي لا تحمل ~~سوى حقيبة ترحال صغيرة تضعها على كتفها، حتى لا تكون لافتة للنظر. ستمضي ليلة واحدة فقط. ~~ربما تهاتفه. # وماذا تقول؟ # تصادف أنها مرت من ذلك الطريق لزيارة صديقة لها؛ وهي خوانيتا صديقتها من المدرسة؛ حيث ~~تمتلك مكانا هنا لتمضي به الصيف ... أين؟ لدى خوانيتا كوخ في الغابة؛ فهي من ذلك النوع من ~~النساء اللواتي يتسمن بالجرأة ويفضلن الانطلاق (على خلاف خوانيتا الحقيقية التي نادرا ~~ما تتخلى عن حذائها ذي الكعب العالي). واتضح أن الكوخ لا يبعد عن جنوب ويل باي. وحالما أنهت ~~زيارتها إلى الكوخ وإلى خوانيتا، أخذت جولييت تفكر ... لقد كانت تفكر - بما أنها كانت هناك ~~بالفعل - أنه ربما بمقدورها أيضا أن ... ~~••• # الصخور، والأشجار، والمياه، والثلوج؛ كانت هذه الأشياء، التي يتغير ترتيبها ومكانها ~~باستمرار، هي ما تزين المشهد منذ ستة أشهر مضت وهي تطل من نافذة أحد القطارات في صباح أحد ~~الأيام ما بين أعياد الميلاد ms047 والسنة الجديدة. كانت الصخور ضخمة، ذات بروز في بعض الأحيان، ~~وفي أحيان أخرى ناعمة مثل الجلمود، وقد يتباين لونها ما بين الرمادي الداكن، أو الأسود. أما ~~الأشجار فكانت دائمة الخضرة في أغلبها؛ سواء أشجار الصنوبر، أو الراتينج، أو الأرز. وكانت ~~أشجار الراتينج - وخاصة السوداء منها - تحتوي على ما يشبه الأشجار الصغيرة الزائدة؛ أي ~~شجيرات صغيرة منفصلة قائمة في الجزء العلوي منها. أما الأشجار التي لم تكن دائمة الخضرة ~~فكانت ضعيفة وعارية؛ مثل أشجار الحور، أو الطمراق، أو جار الماء. وكان لهذه الأشجار بعض ~~الجذوع المبقعة. وقد استقرت الثلوج بكثافة فوق قمم الصخور، والتصقت على جانبي الأشجار ~~ناحية اتجاه الرياح، أو كونت غطاء رقيقا وناعما فوق أسطح العديد من البحيرات المتجمدة ~~سواء الصغيرة أو الكبيرة. ولا تتحرر المياه من الثلوج إلا قليلا في الجداول الضيقة ~~المظلمة التي تنساب بسرعة شديدة. # وضعت جولييت كتابا مفتوحا على ركبتها، ولكنها لم تكن تقرأ، فلم ترفع عينيها عما مرت به ~~من مناظر طبيعية. جلست وحيدة على مقعد مزدوج، وفي مواجهتها مقعد آخر كان شاغرا، وكان هذا ~~هو المكان الذي يتحول فيه مقعدها لفراش في المساء. وبدا الحمال في تلك اللحظة منهمكا في ~~إعداد عربة النوم، وإجراء بعض الترتيبات من أجل المساء. وفي بعض الأماكن من العربة كانت ~~الأغطية الخضراء الداكنة ذات السحابات لا تزال تلامس الأرض، وكانت تنبعث رائحة من ~~أقمشتها، التي تشبه قماش المخيمات، وقد انبعثت أيضا بعض روائح ملابس النوم ودورات المياه. ~~وكلما فتح الباب في أي من طرفي العربة هبت لفحة من هواء الشتاء البارد. وقد ذهبت الدفعة ~~الأخيرة من الناس إلى تناول طعام الإفطار، في حين عاد آخرون. # كان هناك آثار أقدام وسط الثلوج؛ آثار أقدام حيوانات صغيرة، وكأنها أعقاد مكونة من حبات ~~صغيرة تتحلق ثم تغيب عن الأنظار. # كانت جولييت في الحادية والعشرين من عمرها، وقد حصلت بالفعل على درجة الليسانس والماجستير ~~في الكلاسيكيات، وتعكف في الوقت الحالي على تحضير رسالة الدكتوراه، ولكنها اقتطعت بعضا من ~~وقتها من أجل تدريس ms048 اللغة اللاتينية في مدرسة خاصة للبنات في فانكوفر. ولم تتلق جولييت أي ~~دورات تدريبية في التدريس، إلا أن ما جعل المدرسة تقدم على تعيينها هو خلو الوظيفة في منتصف ~~الفصل الدراسي بصورة مفاجئة، وربما بسبب عدم تقدم أحد للإعلان المنشور، وكان المرتب أقل ~~بكثير مما يتقاضاه أي مدرس مؤهل، ولكن جولييت كانت راضية بحصولها على أي نقود، بعدما أمضت ~~سنوات كثيرة في المنح الدراسية الشحيحة. # كانت فتاة طويلة القامة، ذات بشرة بيضاء، ومظهر جميل، وشعر بني فاتح اللون لا ينتفش إذا ~~ما طاله رذاذ الماء. كانت تشبه طالبات المدرسة النشيطات النابهات، رأسها دوما مرفوع ~~عاليا، ولها ذقن دقيق مستدير، وفم عريض ذو شفاه رفيعة، وأنف أفطس، وعينان لامعتان، وجبهة ~~تتوهج غالبا من فرط المجهود أو التقدير. وكان معلموها سعداء بها؛ فهم ممتنون لأي شخص يدرس ~~اللغات القديمة هذه الأيام، وبخاصة إن كان هذا الشخص يتمتع بموهبة كبيرة، لكنهم كانوا ~~يشعرون نحوها بالقلق في الوقت نفسه. وتكمن مشكلتها في كونها فتاة؛ فإذا ما حدث وتزوجت - ~~وهو شيء قد يحدث بالطبع؛ حيث إنها لم تكن ذات مظهر سيئ بالنسبة لطالبة دراسات عليا - فإن كل ~~مجهوداتها ومجهوداتهم ستضيع سدى، وإذا لم تتزوج فقد تصبح بائسة ومنعزلة ووحيدة وتفقد ~~جاذبيتها لدى الرجال (الذين هم أيضا بحاجة إليهن؛ حيث إنه عليهم الإنفاق على عائلاتهم عكس ~~النساء)، ولن تستطيع أن تدافع عن اختيارها الغريب لدراسة الكلاسيكيات، وأن تتقبل ما يراه ~~الناس شيئا عديم الفائدة وكئيبا، ولن تنجح في التخلص من تلك الآراء مثلما يفعل الرجال؛ ~~فالخيارات الغريبة تعد أسهل بالنسبة للرجال؛ حيث يجد معظمهم الكثير من النساء اللواتي يسعدن ~~بالارتباط بهم، ولكن العكس ليس صحيحا بالنسبة للنساء. # وعندما عرضت عليها فرصة التدريس، حثها الكثيرون على الإقدام عليها قائلين إنه لشيء جيد ~~بالنسبة لها أن تخرج للعالم، وتتعرف على الحياة الحقيقية. # وكانت جولييت معتادة على ذلك النوع من النصائح، ولكن الأمر المحبط بالنسبة لها هو أن تصدر ~~تلك النصيحة من أولئك الرجال الذين لا يبدو عليهم أي ms049 أثر أنهم قد جابوا العالم الخارجي بشغف ~~وإثارة. وفي المدينة التي نشأت بها، كان ذكاؤها يصنف وكأنه نوع من العرج أو كإبهام زائد ~~لديها، وعلى الفور كان الناس يشيرون إلى العيوب والنواقص المتوقعة التي قد تصاحب هذا النوع ~~من الذكاء - كعدم قدرتها على تشغيل آلة الحياكة، أو ربط طرد على نحو أنيق، أو ملاحظة أن ~~ملابسها الداخلية قد تتكشف في بعض الأحيان. كانت المسألة تتعلق بما سيحل بها ~~مستقبلا. # وقد حدث ذلك حتى لأبيها وأمها اللذين كانا يفخران بها. أرادتها أمها أن تكون شخصية ~~مشهورة، ولتحقيق ذلك شجعتها على أن تتعلم رياضة التزلج والعزف على البيانو، ولكنها لم ~~تفعل أيا منهما برغبتها ولم تتفوق فيهما. وكان كل ما يريده والدها هو أن تنسجم وتتكيف مع ~~الوسط المحيط. # وكان يقول لها دوما: يجب أن تتكيفي مع من حولك، وإلا سيجعل الناس من حياتك جحيما (وهو ~~بهذا يغفل حقيقة أنه هو ذاته ووالدة جولييت لا ينسجمان مع من حولهما تماما، ومع هذا فهما ~~ليسا بتعيسين. ربما ساوره الشك في أن جولييت قد تكون محظوظة مثلهما). # بمجرد أن التحقت بكليتها قالت جولييت إنها تشعر بالفعل بالتوافق والانسجام، وإنها تشعر ~~بالتوافق والانتماء مع من حولها في قسم الكلاسيكيات، وهي على ما يرام تماما. # ومن هذا القسم جاءتها نفس الرسالة، من أساتذتها، الذين كانوا يقدرون موهبتها، ومبهورين ~~بها؛ فسعادتهم بها لم تخف قلقهم؛ فقد نصحوها بالخروج للعالم، يقولون ذلك كما لو أنها لم ~~تكن تعيش في العالم حتى الآن، وكأنها كانت في اللامكان. # ومع هذا فقد كانت تشعر بالسعادة وهي في القطار. # إنها غابة «التايجا»، هكذا حدثت نفسها. لم تكن تعلم إن كانت هذه هي الكلمة الصحيحة التي ~~تطلق على ما تتطلع إليه الآن. ربما واتتها - على صعيد ما - فكرة تخيل نفسها سيدة شابة في ~~رواية روسية، تخرج إلى أرض غير مألوفة، مثيرة، باعثة على الرعب؛ حيث تعوي الذئاب في ظلمة ~~الليل، وحيث تتقابل وقدرها، ولا تبالي إن كان من المرجح أن ينتهي المقام بذلك ms050 القدر - في ~~الرواية الروسية - ليكون كئيبا أو مأساويا أو كليهما معا. # وعلى أي حال، فالأقدار الفردية ليست هي النقطة الأهم؛ إذ إن ما كان يجذبها - بل ويفتنها ~~في الواقع - هو تلك اللامبالاة، والتكرار، وعدم الاهتمام، والازدراء للتناغم الذي تجده في ~~أسطح صخور الدرع الكندية في حقبة ما قبل الكامبري. # وفجأة لمحت بجانب عينها خيالا لشخص ما، ثم ساقين داخل سروال تدخلان إلى ~~مكانهما. ~~«هل هذا المقعد مشغول؟» # بالطبع لا. ماذا عساها أن تقول؟ # كان يرتدي حذاء أنيقا ذا شرابة، وسروالا بني اللون، وسترة بمربعات تجمع بين اللونين ~~البني والأصفر ذات خطوط رفيعة كستنائية اللون، وقميصا أزرق داكنا، وربطة عنق كستنائية ~~مرقطة باللون الذهبي والأزرق. كان كل ما يرتديه من ملابس جديدا، وبدت جميعها - فيما عدا ~~الحذاء - واسعة كما لو أن الجسد الذي بداخلها قد تقلص وانكمش بعد شرائها. # كان رجلا في الخمسينيات من عمره على الأرجح، ذا شعر بني ذي خصلات ذهبية لامعة تملأ فروة ~~رأسه (لا يمكن أن يكون ذلك الشعر مصبوغا، أليس كذلك؟ من عساه يصبغ تلك الخصلات القليلة من ~~الشعر؟) وكان ذا حواجب داكنة، مائلة إلى الاحمرار، مستدقة الطرف وكثيفة، وكانت بشرة وجهه ~~مليئة بالنتوءات وسميكة مثل سطح اللبن الرائب. # هل كان قبيحا؟ نعم، بالقطع. لقد كان قبيحا، ولكنها كانت تعتقد أن مثله مثل العديد من ~~الرجال ممن هم في مثل عمره، لكنها لم تكن لتقول، فيما بعد، إنه كان قبيحا بصورة ~~ملحوظة. # رفع حاجبيه، واتسعت عيناه اللامعتان ذات اللون الفاتح كما لو أنه يرسم الود ~~والاجتماعية، ثم جلس في مواجهتها وقال: «ليس هناك الكثير ليشاهده المرء من هنا.» # قالت وهي تخفض عينيها لتطالع الكتاب: «لا.» # قال كما لو أن الأمور تسير بسلاسة: «آه، أرى ذلك، وإلى أين تتجهين؟» ~~«فانكوفر.» ~~«وأنا أيضا. لا بد وأن نمر بطول الطريق عبر الريف، وسوف ترين ذلك وأنت هناك، أليس ~~كذلك؟» ~~«مممم.» # ولكنه أصر على الاستمرار في الحديث. ~~«هل ذهبت إلى تورونتو من قبل؟» ~~«نعم.» ~~«إنها مدينتي، تورونتو. لقد أمضيت بها ms051 حياتي كلها، هل هي موطنك أنت أيضا؟» # قالت جولييت: «لا.» ثم نظرت مرة أخرى إلى الكتاب وهي تحاول جاهدة أن تطيل فترة الصمت، ~~ولكن كان هناك شيء قوي - ربما نشأتها، شعورها بالإحراج، ربما رقتها - هو ما دفعها لكي ~~تنطق باسم مدينتها، ثم تخبره بموقعها من خلال المسافة التي تبعدها عن بعض المدن الكبرى، ~~ومكانها بالنسبة لبحيرة هورون وجورجيان باي. ~~«لدي ابنة عم في كولينجوود، إنها مدينة جميلة هناك، لقد ذهبت لزيارتها هي وعائلتها ~~مرتين. هل تسافرين بمفردك؟ مثلي؟» # وأخذ يلوح بيديه ويضرب برفق كفا بكف. ~~«نعم.» وظنت في نفسها أنه يكفي ذلك، كفى عند هذا الحد. ~~«هذه هي المرة الأولى التي أسافر فيها في رحلة طويلة لأي مكان. إنها رحلة طويلة ~~بمفردك.» # ولم تنبس جولييت ببنت شفة. ~~«لقد رأيتك وأنت تقرئين بمفردك، وحدثت نفسي قائلا بأنها ربما تسافر بمفردها، وعليها ~~أن تقطع مسافة طويلة أيضا، فلم لا نتجاذب أطراف الحديث معا كأصدقاء؟» # سرت موجة من الاضطراب والارتباك بداخل جولييت عندما تفوه بتلك الكلمات: «التحدث ~~كأصدقاء.» # ففهمت أنه لا يحاول أن يقيم معها علاقة؛ فمن بين الأشياء اللاأخلاقية التي قد تواجهها في ~~بعض الأحيان هي التلميح الصريح من جانب بعض الرجال لإقامة علاقة معها، مشيرين إلى أنها ~~بالقطع في نفس موقفهم وتواجه نفس ظروفهم؛ حيث دائما ما يكون هؤلاء الرجال غريبي الأطوار، ~~يشعرون بالوحدة، ويفتقرون إلى أي نوع من أنواع الجاذبية. لكنه لم يفعل ذلك، لقد كان يريد ~~رفيق درب لا صديقة. # وكانت جولييت تدرك ذلك؛ فهي تعلم أنها قد تبدو بالنسبة لكثيرين شخصية غريبة الأطوار ~~ومنعزلة - وهي، إلى حد ما، كانت كذلك بالفعل - ولكنها قد مرت - في جزء كبير من حياتها - ~~بشعور أنها محاطة ببعض الأشخاص الذين كانوا يرغبون في الاستحواذ على انتباهها، ووقتها، ~~ودواخلها، وكانت عادة ما تتركهم يفعلون ذلك. # كوني منفتحة، كوني ودودة (وخاصة إذا لم تكوني مشهورة)؛ فهذا ما تتعلمه الفتاة في مدينة ~~صغيرة، أو في مدينة سكنية للفتيات. عليك أن تتعاوني مع أي شخص يرغب في ms052 أن يستنزف كل طاقتك، ~~حتى لو لم يكن يعرف عنك شيئا. # نظرت في عيني الرجل مباشرة، لكنها لم تبتسم، ورأى عزمها وتصميمها على ألا تتحدث، وارتسمت ~~بعض أمارات الانزعاج على وجهه. ~~«أهو كتاب جيد الذي تقرئينه؟ ما الموضوع الذي يتناوله؟» # لن تخبره بأنه يتحدث عن اليونان القديمة، والارتباط الهائل الذي أبداه اليونانيون ~~للامنطق. إنها لن تدرس اللغة اليونانية، ولكنها ستحاضر في مادة تسمى الفكر اليوناني؛ لذا ~~فقد كانت تقرأ كتاب دودز مرة أخرى لكي تعرف ما الذي ستختاره. قالت: «إنني أرغب حقا في ~~القراءة، سأذهب إلى عربة المشاهدة.» # ونهضت بالفعل وسارت مبتعدة وهي تفكر بأنه ما كان ينبغي لها أن تخبره بوجهتها؛ فمن الجائز ~~أن ينهض، ويتبعها، ويعتذر لها، ويواصل حججه للحديث. علاوة على ذلك، سيكون الطقس باردا في ~~عربة المشاهدة، وتمنت لو أنها تذكرت إحضار سترتها، ولكن من المستحيل أن تعود مرة أخرى ~~لإحضارها. # لم يحظ المنظر المحيط الذي أطلت عليه من عربة المشاهدة، في خلفية القطار، برضاها ~~واستمتاعها مثل المنظر الذي كانت تطل عليه من خلال نافذة عربة النوم؛ حيث يقحم هيكل القطار ~~نفسه أمامك. # وربما كانت المشكلة في شعورها بالبرد، مثلما توقعت بعد أن غادرت العربة. وأيضا كانت تشعر ~~بالانزعاج، لكنها لا تشعر بالأسف. دقيقة أخرى وكانت يده الرطبة ستمتد - واعتقدت أنها يمكن ~~أن تكون رطبة ولزجة أو جافة وخشنة - وربما كانا يتبادلان الأسماء مما سيحبسها هناك. وكان ~~هذا أول انتصار من نوعه تحققه، ولكنه كان ضد أكثر الخصوم حزنا وإثارة للشفقة. بمقدورها ~~الآن أن تسمعه وهو يلوك تلك الكلمات: «التحدث معا كأصدقاء.» الاعتذار والوقاحة. ربما ~~الاعتذار عادته، أما الوقاحة فهي نتاج أمله وتصميمه على كسر حاجز عزلته، وحالته الجائعة ~~المتشوقة. # لقد كان ما حدث ضروريا، لكنه لم يكن بالشيء الهين على الإطلاق. لقد كان أكثر من مجرد ~~انتصار، بالقطع، أن تقف متحدية شخصا في تلك الحالة. كان انتصارا أكبر من أن تتحدى شخصا ~~ماكرا أو معتدا بذاته، ولكنها للحظة من اللحظات كانت ستشعر بالتعاسة. # كان هناك ms053 شخصان فقط يجلسان في عربة المشاهدة؛ سيدتان متقدمتان في العمر، وكل واحدة تجلس ~~بمفردها. وعندما شاهدت جولييت ذئبا كبيرا يعبر السطح الثلجي الأملس للبحيرة الصغيرة ~~اعتقدت أن السيدتين رأتاه أيضا، ولكن أيا منهما لم تكسر حاجز الصمت، وكان ذلك شيئا ~~سارا بالنسبة لها. ولم يلمح الذئب القطار؛ فهو لم يقف مترددا أو يجري مهرولا. وكان ~~فراؤه طويلا بلون الفضة التي تميل للأبيض، فهل اعتقد أن ذلك اللون يجعله مختفيا عن ~~الأنظار؟ # وبينما كانت تشاهد الذئب، دلف راكب آخر، وكان رجلا، وقد اتخذ المقعد المواجه للممر ~~أمامها. # كان هو الآخر يحمل كتابا، وتبعه إلى العربة زوجان طاعنان في السن، وكانت السيدة صغيرة ~~الحجم ونشيطة، أما الرجل فكان ضخما ولا يتسم بالرشاقة، وكان يتنفس بصوت عال غير مبال بمن ~~حوله. # قال عندما استقرا بمقعديهما: «إن الطقس بارد هنا.» ~~«أتود أن أحضر لك سترتك؟» ~~«لا أريد مضايقتك.» ~~«ليس ثمة مضايقة.» ~~«سأكون على ما يرام.» # وقالت المرأة خلال دقيقة: «إنك ترى المنظر من هنا جيدا.» لكنه لم يجبها، فحاولت مرة ~~أخرى قائلة: «بإمكانك رؤية كل شيء من هنا.» ~~«وما الذي يمكن رؤيته؟» ~~«انتظر حتى نتوغل في الجبال؛ حينها سيكون هناك ما يستأهل رؤيته. هل استمتعت بطعام ~~الإفطار؟» ~~«لقد كان البيض مائعا.» # قالت المرأة بأسى: «أعلم هذا، لقد كنت أفكر أنه لو كان بإمكاني أن أهرع إلى المطبخ ~~وأقوم بإعداده بنفسي.» ~~«غرفة الطهي، يطلقون عليها غرفة الطهي.» ~~«أعتقد أن ذلك الاسم يطلقونه على مطبخ السفينة.» # رفعت جولييت عينيها عن كتابها في نفس اللحظة التي فعل فيها الرجل الجالس عبر الممر نفس ~~الشيء، وتلاقت نظراتهما بهدوء ولم يكن بها أي تعبيرات. وفي تلك اللحظة أو التي تلتها أبطأ ~~القطار من سرعته، ثم توقف، وحول كل منهما نظره إلى موضع آخر. # كانا قد وصلا إلى مستوطنة صغيرة في الغابات، وعلى أحد الجانبين ظهرت المحطة، وقد طليت ~~باللون الأحمر الداكن، وعلى الجانب الآخر، انتصبت بعض البيوت التي ظهرت باللون الأحمر نفسه. ~~كانت بيوتا أو منازل إيواء لعمال القطارات. ms054 وارتفع صوت يعلن أن هناك استراحة لمدة عشر ~~دقائق. # نظفت أرصفة المحطة من الثلوج، وأطلت جولييت برأسها ورأت بعض الأشخاص الذين غادروا ~~القطار، وراحوا يأخذون جولة حوله. لقد كانت تريد أن تفعل مثلهم، ولكن ليس دون ~~معطفها. # نهض الرجل الذي كان يجلس عبر الممر وهبط الدرج دون أن يلتفت حوله. وقد فتحت الأبواب في ~~مكان ما بالأسفل، وجلبت تيارا من الهواء البارد. وتساءل الزوج العجوز عن سبب توقفهم هنا، ~~وعن اسم المكان. على أي حال، ذهبت زوجته إلى مقدمة القطار لتحاول أن تعرف اسم المكان، لكنها ~~لم تنجح في ذلك. # كانت جولييت تقرأ عن طقوس الميناد، يقول دودز إن الطقوس كانت تمارس في المساء، في منتصف ~~فصل الشتاء، وكانت النسوة يصعدن إلى قمة جبل بارناسوس، وعندما تستوقفهن في وقت من الأوقات ~~عاصفة ثلجية، يرسل فريق إنقاذ لهن، ويتم إنزال نساء الميناد بملابسهن التي كانت تبدو صلبة ~~كألواح خشبية؛ حيث يتقبلن إنقاذهن وهن وسط طقوسهم الصاخبة. وكان ذلك بالنسبة لجولييت ~~سلوكا معاصرا، فهو يلقي الضوء على بعض جوانب تصرفات كهنة القداس. هل سيرى الطلبة الأمر ~~على هذا النحو؟ لا ليس من المرجح؛ إنهم من المحتمل أن يرفضوا أي نوع من التسلية، أو ~~الانهماك في أي نشاط، كشأن الطلبة، وأما الذين لا يرفضونه، فإنهم لن يبدوا ذلك. # انطلق نداء للعودة إلى داخل القطار، وتوقف انسياب الهواء النقي، ثم حول القطار مسار ~~القضبان ببطء. رفعت جولييت عينيها لتشاهد ما يجري، ورأت، على بعد مسافة أمامها، القاطرة ~~وهي تختفي عند أحد المنعطفات. # ثم كان هناك تمايل أو ارتجاج؛ ارتجاج عبر القطار بأسره، ثم شعور باهتزاز العربة بشدة، ~~وبعدها توقف القطار فجأة. # جلس الجميع في انتظار أن يتحرك القطار ثانية، ولم يتفوه أحد بكلمة، حتى الزوج الذي كان ~~كثير الشكوى لم يتحدث بشيء. ومرت الدقائق، والأبواب تفتح وتغلق، وتعالت أصوات الرجال، ~~وانتشر شعور بالذعر والقلق، وارتفع صوت يوحي بأنه ذو سلطة من عربة الاستراحة التي كانت ~~أسفلهم تماما، قد يكون صوت محصل القطار، ولكن كان ms055 من الصعب سماع ما يقوله. # نهضت جولييت، وذهبت إلى مقدمة العربة وهي تنظر أعلى العربات التي أمامها، وقد رأت بعض ~~الأشخاص يجرون وسط الثلوج. # نهضت إحدى السيدتين اللتين جلستا بمفردهما، ووقفت بجانبها. # قالت السيدة: «كان لدي شعور بأن شيئا ما سيحدث، لقد شعرت بذلك عندما كنا بالخلف حينما ~~توقف القطار. لم أكن أرغب في أن نستأنف هكذا ثانية، لقد شعرت بأن هناك شيئا ما ~~سيقع.» # جاءت السيدة الأخرى التي كانت تجلس بمفردها أيضا، ووقفت خلفهما. # وقالت: «لن يكون شيئا كبيرا، ربما فرع شجرة هو ما أعاق الطريق.» # ردت السيدة الأولى قائلة: «لكنهم لديهم ذلك الشيء الذي يضعونه أمام القطار، وهو يعمل على ~~أن يزيح هذه الأشياء كفروع الأشجار التي تعيق الطريق أو ما شابه.» ~~«ربما سقط لتوه.» # كانت السيدتان تتحدثان بنفس اللكنة؛ لكنة أهل شمال إنجلترا، ودون اللياقة التي تستخدم ~~عادة مع الغرباء أو المعارف الجدد. وهنا أمعنت جولييت النظر إليهما، فخمنت أنهما قد ~~تكونان أختين، رغم أن واحدة منهما كان لها وجه أعرض وأصغر. إذن فهما تسافران معا ولكنهما ~~جلستا بمعزل إحداهما عن الأخرى، أو ربما دب نزاع ما بينهما. # كان محصل التذاكر يصعد الدرج إلى عربة المشاهدة، ثم استدار في منتصف المسافة ~~ليتحدث. ~~«ليس ثمة شيء خطير يبعث على القلق، أيها السادة، يبدو أننا قد ارتطمنا بشيء أعاق ~~المسار. نحن نأسف لهذا التأخير، وسوف نستأنف المسير بأسرع ما يكون، لكننا سنمكث هنا لفترة ~~قصيرة.» وقد أخبرني النادل بأنه سيتم تقديم بعض القهوة مجانا في غضون دقائق. # تبعته جولييت وهو يهبط الدرج؛ حيث أدركت بمجرد أن نهضت من مكانها أنها هي ذاتها تواجه ~~مشكلة جعلت من الضروري أن تعود إلى مقعدها وحقيبة سفرها، سواء أكان الرجل الذي عاملته ~~بازدراء موجودا أم لا. وبينما كانت تقطع طريقها عبر العربات، رأت الكثير من الأشخاص الذين ~~يتحركون هنا وهناك؛ فقد كان منهم من يتزاحم ويتجمع عند النوافذ على أحد جانبي القطار، ~~بينما توقف آخرون بين العربات كما لو أنهم يتوقعون أن يفتح ms056 القطار أبوابه، ولم يكن هناك ~~وقت أمام جولييت لكي تطرح أي أسئلة، ولكن ترامى إلى مسامعها وهي تمر أنه قد يكون ما أعاق ~~الطريق دب أو ظبي، أو بقرة. وتساءل الناس عما يمكن أن تفعله بقرة هنا في تلك الأدغال، أو ~~عن سبب استيقاظ الدببة حتى الآن، أم تراه شخص ثمل قد غلبه النوم فوق القضبان؟ # في غرفة الطعام التف الناس حول المناضد التي أزيحت عنها الشراشف البيضاء، وقد جلسوا ~~يحتسون القهوة المجانية. # لم يكن هناك أحد يشغل مقعد جولييت، أو المقعد المقابل، فأخذت حقيبتها وهرعت إلى دورة مياه ~~السيدات. لقد كانت الدورة الشهرية مصدر أذى لها طوال حياتها، لقد كانت تضايقها، في بعض ~~الأحيان، أثناء امتحانات هامة تستغرق مدتها ثلاث ساعات، ولا تستطيع حينها مغادرة غرفة ~~الامتحان لتغيير فوطتها الصحية. # جلست على المرحاض وهي تشعر ببعض الألم، وقد احمر وجهها، وانتابها القليل من الإعياء ~~والدوار، ونزعت الفوطة الصحية الغارقة، ولفتها في ورق التواليت، ووضعتها في سلة المهملات، ~~وعندما نهضت أخرجت الفوطة الجديدة من حقيبتها. وقد رأت أن الماء والبول في المرحاض قد ~~اختلطا بالدماء. رفعت يدها لتضغط على زر صندوق طرد الفضلات، لكنها لاحظت بأن هناك تحذيرا ~~يشير إلى عدم الضغط على الزر عندما يكون القطار متوقفا؛ وهذا ينطبق بالطبع في حالة توقف ~~القطار بالقرب من المحطة، ويكون هناك عملية تفريغ، فيمكن للناس أن يروا الفضلات، وهذا شيء ~~كريه، إلا أنها هنا يمكن أن تغامر وتضغط على الزر. # غير أنها سمعت أصواتا قريبة عندما كانت على وشك الضغط على الزر، ولكنها لم تكن صادرة من ~~القطار ذاته، وإنما من خارج نافذة دورة المياه ذات الزجاج الخشن. ربما هم عمال القطار ~~يسيرون خارجه ويتفقدون الطريق. # بإمكانها أن تنتظر حتى يتحرك القطار، ولكن كم من الوقت سيستغرقه ليستأنف الرحلة؟ وماذا لو ~~كان أحد في حاجة ماسة للدخول؟ لذا قررت أن تغلق غطاء المرحاض وتغادر. # عادت إلى مقعدها، وجلس على الجانب الآخر منها طفل صغير في الرابعة أو الخامسة من عمره ، ~~وكان ms057 يلهو بأقلام التلوين في صفحات أحد كتب التلوين، وتحدثت أمه مع جولييت بشأن القهوة ~~المجانية. # قالت: «هي مجانية بالفعل، ولكن على المرء أن يحضرها بنفسه، هل تمانعين في مراقبته حتى ~~أحضر القهوة؟» # قال الطفل دون أن يرفع بصره: «لا أرغب في المكوث معها.» # قالت جولييت: «سأذهب أنا لإحضارها.» ولكن في تلك اللحظة دلف النادل وهو يدفع عربة القهوة ~~أمامه. # قالت الأم: «ها هي القهوة، ما كان ينبغي أن أتذمر بسرعة، هل سمعت بأنها كانت جثة شخص ~~ما؟» # هزت جولييت رأسها بالنفي. ~~«إنه لم يكن حتى يرتدي معطفا. لقد رآه أحدهم وهو ينزل من القطار، ويستأنف السير للأمام، ~~ولكنهم لم يدركوا ما الذي كان يفعله، ويبدو أنه دار حول المنعطف ولم يره المهندس حيث كان ~~قد قضي الأمر وفات الأوان.» # وعلى بعد عدة مقاعد أمامهم، على نفس صف الأم من الممر، انطلق أحد الأشخاص قائلا: «ها هم ~~قد عادوا.» نهض بعض الأشخاص بجانب جولييت، وأحنوا رءوسهم ليشاهدوا، ونهض الطفل الصغير أيضا ~~من مكانه، وضغط بوجهه على الزجاج، وطلبت منه أمه أن يجلس مكانه. ~~«استأنف التلوين، انظر إلى الفوضى التي صنعتها عبر السطور.» # ثم قالت لجولييت: «لا أستطيع النظر، ليس بمقدوري رؤية شيء كهذا.» # نهضت جولييت من مكانها لكي تشاهد ما يجري، ورأت مجموعة من الرجال يهرولون عائدين إلى ~~المحطة، وخلع بعضهم معاطفهم التي تكومت فوق النقالة التي حملها اثنان منهم. # قال رجل يقف خلف جولييت لإحدى السيدات التي لم تنهض لتشاهد: «لا يمكن رؤية أي شيء، لقد ~~غطوا جسده بالكامل.» # لم يكن كل الرجال الذين عادوا مطأطئي رءوسهم من موظفي السكك الحديدية؛ إذ تعرفت جولييت ~~من بينهم على الرجل الذي كان يجلس بجوارها في عربة المشاهدة. # وبعد مرور عشر أو خمس عشرة دقيقة تحرك القطار، ولم يكن هناك أي آثار للدماء يمكن رؤيتها ~~على جانبي القطار حول المنعطف، ولكن كانت هناك منطقة عليها آثار وطء أقدام تجمعت على ~~جانبها كومة من الثلوج. ونهض الرجل الذي يجلس خلفها مرة أخرى وقال : «أعتقد ms058 أن الحادثة وقعت ~~هنا.» وأخذ يتطلع برهة ليرى إن كان هناك شيء آخر، ثم التف وجلس مكانه مرة أخرى. # وبدلا من أن يسرع القطار لكي يعوض الوقت الذي ضاع، سار بمعدل أبطأ عن ذي قبل. ربما كان ~~ذلك نابعا من الاحترام، أو من تخوف مما قد يقابلهم في المنعطف التالي. ومر رئيس الندل ~~بعربات القطار لكي يعلن عن أول موعد لتناول طعام الغداء، وعلى الفور نهضت الأم وطفلها ~~وتبعاه، وبدأ الناس يصطفون، وسمعت جولييت إحدى السيدات تقول وهي تمر بجانبها: ~~«أحقا؟» # وأجابتها السيدة الأخرى التي تتحدث معها بهدوء قائلة: «هذا ما قالته. كان ملطخا بالدماء؛ ~~فلا بد وأنه قد تناثر عندما مر فوقه القطار.» ~~«لا تقولي ذلك.» ~~••• # بعد فترة وجيزة، وعندما انتهى اصطفاف الجموع المبكرة، وجلسوا لتناول الطعام، دلف رجل إلى ~~العربة؛ وهو ذلك الرجل الذي كان يجلس في عربة المشاهدة ورأته وهو يسير خارج القطار وسط ~~الثلوج. # نهضت جولييت من مكانها وتبعته على الفور. وأثناء وجوده في المساحة المظلمة الباردة التي ~~تقع بين العربات حيث كان يدفع الباب الثقيل الذي أمامه بصعوبة، قالت: «من فضلك، أود أن أطرح ~~عليك سؤالا.» # وامتلأ المكان فجأة بضوضاء شديدة؛ فقد كانت قعقعة عجلات القطار الثقيلة. ~~«ما الخطب؟» ~~«هل أنت طبيب؟ هل رأيت ذاك الرجل الذي ...» ~~«أنا لست بطبيب، ولا يوجد طبيب في القطار، كل ما في الأمر أنني لدي بعض الخبرات ~~الطبية.» ~~«كم كان عمره؟» # نظر إليها الرجل وقد حاول أن يواصل صبره وعلى وجهه بعض علامات الاستياء. ~~«من الصعب أن أعرف، لكنه لم يكن صغير السن.» ~~«هل كان يرتدي قميصا أزرق؟ هل كان شعره بنيا أشقر؟» # هز رأسه رافضا الإجابة واستنكر السؤال برمته. # قال: «هل كنت تعرفين ذلك الشخص؟ عليك بإخبار محصل التذاكر إن كان الأمر كذلك.» ~~«لم أكن أعرفه.» ~~«إذن، اسمحي لي بالذهاب.» ودفع الباب ليفتحه وتركها وذهب. # لقد اعتقد بالطبع أنه يتملكها الفضول الشديد الذي ينتاب الكثير من الناس. # ملطخ بالدماء. لقد كان ذلك شيئا مثيرا للاشمئزاز إذا جاز التعبير. ms059 # لن تستطيع أن تخبر أحدا قط عن الخطأ الذي ارتكب، والمزحة الفظيعة عما حدث. سيعتقد الناس ~~إن تكلمت عنها أنها فظة وعديمة الرحمة إلى حد كبير، وسيبدو سوء التفاهم في جانب منه - ~~وهو الجسد الذي سحق جراء الانتحار - أثناء روايتها، أكثر شرا وقذارة من دم الدورة ~~الشهرية الذي ينزف منها. # لن تخبر أحدا بذلك (في الواقع لقد فعلت وروت ما حدث، بعد مرور عدة سنوات، لسيدة تدعى ~~كريستا، وهي سيدة لم تكن جولييت تعرف اسمها بعد). # لكنها كانت ترغب بشدة في أن تقص ما حدث لشخص ما. أخرجت مفكرتها وعلى إحدى صفحاتها ~~راحت تخط رسالة لوالديها: # لم نصل بعد لحدود مانيتوبا، ومعظم الناس يشتكون من كآبة المناظر، لكنهم لا ~~يستطيعون القول بأن الرحلة ينقصها الحدث الدرامي. لقد توقفنا في هذا الصباح عند ~~إحدى المستوطنات الصغيرة البائسة والمهجورة في الغابات الشمالية، وكانت مطلية ~~بأكملها «بلون السكك الحديدية الأحمر الموحش». كنت أجلس في خلفية القطار في عربة ~~المشاهدة، وكدت أتجمد من شدة البرد؛ لأنهم يبخلون بالتدفئة هناك (ولا بد وأن السبب ~~وراء ذلك هو أن روعة المشاهد الخلابة ستنسيك أي شعور بعدم الراحة)، وكنت أشعر بكسل ~~شديد منعني من العودة إلى العربة وإحضار المعطف، لقد مكثنا هناك نحو عشر أو خمس ~~عشرة دقيقة ثم استأنفنا المسير بعدها، ورأيت أن المحرك يدور عند أحد المنعطفات ثم ~~وقع فجأة ارتطام عنيف. # لقد كان شغلها الشاغل دوما هي ووالدها وأمها جلب القصص المسلية إلى المنزل، وكان ذلك ~~الأمر يتطلب تعديلا بسيطا ليس فقط للحقائق بل ولمكانة المرء في هذا العالم، أو هذا ما ~~وجدته جولييت عندما كانت المدرسة هي كل عالمها؛ لذا فقد جعلت من نفسها مراقبا فوق العادة ~~ولا يستهان به، والآن وهي بعيدة عن منزلها كل الوقت، أصبح ذلك الأمر شيئا معتادا، بل إنه ~~أضحى واجبا. # ولكن بمجرد أن كتبت كلمة «ارتطام عنيف»، وجدت نفسها غير قادرة على الاستمرار في الكتابة، ~~غير قادرة على الاستمرار بلغتها المعتادة. # حاولت أن تتطلع خارج النافذة ، ولكن ms060 المشهد، الذي يتضمن نفس العناصر، قد تغير. وعلى ~~مسافة تقل عن مائة ميل قطعوها، بدا وكأن الطقس قد أصبح أكثر دفئا؛ فكانت الثلوج تملأ بعض ~~البحيرات بدلا من أن تغطيها تماما، وقد أضفت المياه الداكنة والصخور الداكنة، اللتان ~~تظللهما السحب الشتوية، بعض الظلمة على الجو المحيط. ثم سئمت من المشاهدة، فأمسكت بكتاب ~~دودز، وكانت تفتحه على أي صفحة؛ وذلك لأنها قد قرأته بأكمله من قبل. وكل بضع صفحات كانت تضع ~~خطوطا كثيرة تحت الأسطر؛ حيث تجذبها أفكار بعض القطع، ولكنها بعد أن قرأتهم وجدت أن ما ~~استوعبته تماما في وقت ما بدا غامضا ومشوشا الآن. ~~... ما قد يبدو من وجهة نظر الأحياء القاصرة أنه من أعمال الشيطان، يراه الأموات من ~~منظور أكبر مظهرا من مظاهر العدالة الكونية ... # سقط الكتاب من يدها، وأغمضت عينيها، ورأت نفسها الآن وهي تسير بصحبة بعض الأطفال (ربما ~~مجموعة من الطلبة) على سطح إحدى البحيرات. وفي أي مكان يخطو فيه كل منهم يظهر صدع يأخذ ~~شكلا خماسيا متساوي الأضلاع على نحو جمالي، حتى بدا الثلج وكأنه أرض مكسوة بالبلاط. ~~وسألها الأطفال عن اسم ذلك البلاط الثلجي، فأجابت بكل ثقة «الشعر خماسي التفعيلة»، فراح ~~الأطفال يضحكون، ومع ارتفاع ضحكات الأطفال ازدادت التصدعات اتساعا. عندئذ أدركت خطأها، ~~وأيقنت أن الكلمة الصحيحة هي التي ستنقذ الموقف، لكنها لم تتمكن من إدراكها ~~ومعرفتها. # استيقظت ورأت نفس الرجل، وهو الرجل الذي تتبعته بين العربات وأزعجته بسؤالها، وكان يجلس ~~مقابلا لها. ~~«لقد كنت نائمة.» وارتسمت على وجهه شبه ابتسامة على ما قاله، وتحدث قائلا: «هذا ~~واضح.» # لقد راحت في النوم وسقطت رأسها للأمام، وكأنها امرأة طاعنة في السن، وقد سال بعض اللعاب ~~على جانبي فمها. أدركت أيضا أنه عليها أن تذهب لدورة مياه السيدات على الفور، وهي تأمل ~~ألا يكون هناك شيء قد طبع على تنورتها. قالت: «معذرة، اسمح لي بالذهاب.» (تماما كما قال ~~لها)، وحملت حقيبتها وسارت مبتعدة وهي تحاول أن تخفي عجلتها التي شابها الخجل. # عندما عادت أدراجها، وقد اغتسلت ms061 وهندمت من ثيابها ووضعت بعض التعزيزات، كان الرجل لا يزال ~~جالسا في مكانه هناك. # وتحدث على الفور بمجرد أن رآها، وقال إنه أراد أن يعتذر. ~~«لقد خطر بذهني أنني كنت أجيب بوقاحة عندما سألتني عن ...» # ردت قائلة: «نعم.» # قال: «لقد أصبت عندما كنت تصفينه.» # لم يبد كلامه كعرض لتبادل الحديث من جانبه، وإنما نوع من المعاملة المباشرة والضرورية؛ ~~فلو لم تهتم بالحديث، فقد ينهض ويمضي مبتعدا دون أي شعور بخيبة الأمل بالضرورة، بما أنه قد ~~فعل ما جاء من أجله. # وعلى نحو مخز، ترقرقت الدموع في عيني جولييت، وكان أمرا غير متوقع، حتى إنه لم يكن ~~لديها الوقت لتشيح بوجهها بعيدا. # قال: «لا عليك، سيكون كل شيء على ما يرام.» # أومأت برأسها سريعا عدة مرات، وراحت تستنشق الهواء بشدة، ثم راحت تخرج ما في أنفها في ~~منديل عثرت عليه أخيرا في حقيبتها. # قالت: «لا بأس.» ثم راحت تقص عليه بصورة مباشرة كل ما حدث؛ كيف انحنى الرجل نحوها، وسألها ~~إن كان أحد يشغل المقعد، وكيف جلس أمامها، وأنها راحت تتطلع إلى النافذة، ولم يكن بمقدورها ~~أن تفعل ذلك طويلا؛ لذا حاولت أو تظاهرت بقراءة كتابها، وكيف سألها عن المكان الذي استقلت ~~منه القطار، وعرف أين تقطن، وأنه استمر في محاولته لإطالة الحديث حتى نهضت هي وغادرت ~~المكان. # ولكن الشيء الوحيد الذي لم تفصح عنه هو ما قاله بخصوص «أن نتجاذب أطراف الحديث كأصدقاء»؛ ~~فقد اعتقدت أنها لو تفوهت بذلك فستنفجر في البكاء مرة أخرى. ~~«الناس عادة ما يقطعون خلوة النساء؛ فهذا أيسر من مقاطعة الرجال.» ~~«نعم، صحيح هم يفعلون ذلك.» ~~«هم يعتقدون أن النساء يجب أن يكونوا أكثر لطفا.» # قالت وهي تغير الجهة التي تدافع عنها قليلا: «ولكنه كان يريد شخصا ليتحدث معه فقط. كان ~~يريد الحديث أكثر مما كنت أريد الصمت. لقد أدركت ذلك الآن، وأنا لا أبدو وضيعة، ولا قاسية، ~~لكني كنت كذلك بالفعل.» # سادت فترة من الصمت، إلا أنها هذه المرة لم تستنشق الهواء بشدة، واستطاعت التحكم ms062 في ~~عينيها المغرورقتين بالدموع. ~~«هل انتابتك الرغبة من قبل في أن تفعلي هذا مع أي شخص؟» ~~«نعم، ولكني لم أفعل ذلك مطلقا، لم أبالغ في ردة فعلي هكذا من قبل، ولكن لماذا فعلت ذلك ~~هذه المرة؟ ربما لأنه كان شخصا متواضعا للغاية؛ لقد كان يرتدي ملابس جديدة ربما ابتاعها ~~من أجل الرحلة، ربما كان يشعر بالاكتئاب وفكر في الذهاب في رحلة ربما يستطيع من خلالها ~~التعرف على أناس جدد وتكوين صداقات. # ربما لو كان سيقطع طريقا أقصر لكنت ... لكنه قال إنه سيذهب إلى فانكوفر، وكنت سأبقى مرتبطة ~~به لعدة أيام.» ~~«نعم.» ~~«ربما كنت سأرتبط به بالفعل.» ~~«نعم.» ~~«لذا ...» # قال وقد ارتسمت على وجهه شبه ابتسامة: «إنه لحظ سيئ، فالمرة الأولى التي تستجمعين فيها ~~شجاعتك وتعاملين شخصا بطريقة فظة يلقي بنفسه تحت عجلات القطار.» # قالت وهي تتخذ موقفا دفاعيا بعض الشيء: «قد يكون ما حدث كالقشة التي قصمت ظهر البعير، ~~قد يكون الأمر كذلك.» ~~«أعتقد بأنه عليك أن تأخذي حذرك في المستقبل.» # رفعت جولييت ذقنها ونظرت إليه بثبات: ~~«هل تعني أنني أبالغ؟» # وفجأة حدث شيء مفاجئ وغير مطلوب كدموعها، وبدأ فمها يرتعش، وارتسمت ابتسامة شريرة على ~~وجهها. ~~«أعتقد أن هناك قليلا من المبالغة.» # قال: «قليلا.» ~~«هل تعتقد أنني أضخم الأمر؟» ~~«هذا طبيعي.» # قالت وهي لا تزال تتحكم في ضحكتها: «لكنك تعتقد أنه مجرد خطأ، وأن الشعور بالذنب ما هو ~~إلا نوع من المبالغة والتضخيم.» # قال: «ما أعتقده هو ... أعتقد أن ما حدث شيء بسيط وثانوي، فستحدث أشياء في حياتك ... أعني قد ~~تحدث أشياء في حياتك، تجعلك ترين ما حدث شيئا ثانويا؛ فهناك أشياء أخرى ستشعرين نحوها ~~بالذنب عن جد.» ~~«ألا يقول الناس ذلك أيضا إلى شخص أقل في العمر؟ فهم يقولون: أوه، في يوم من الأيام ~~ستفكر بطريقة مختلفة، عليك أن تنتظر وترى. كما لو أنه ليس لديك الحق في أن تنتابك أي مشاعر ~~جادة وحقيقة، كأنك لست قادرا على هذا.» # قال: «مشاعر؟ إنني أتحدث عن الخبرة.» ~~«لكن كأنك تقول إنه ms063 لا طائل من الشعور بالذنب، والناس يقولون ذلك. هل هذا صحيح؟» ~~«فلتخبريني أنت.» # واستمرا يتناولان هذا الأمر لفترة من الوقت، وبصوت خفيض، ولكن بحدة لدرجة أصابت من كان ~~يمر بجانبهم بالدهشة، بل وحتى بالضيق، كما هو الأمر في العادة عندما يسمع الناس بعض ~~المناقشات التي تبدو مجرد أفكار نظرية مجردة ليس لها داع. أدركت جولييت بعد فترة أنه برغم ~~أنها كانت تتناقش بصورة جيدة في اعتقادها - ونظرا لضرورة وجود بعض الشعور بالذنب في الحياة ~~الخاصة والعامة - فإنها قد توقفت عن الشعور بذلك في تلك اللحظة. ويمكن القول بأنها كانت ~~تستمتع بوقتها. # اقترح عليها أن يذهبا إلى عربة الجلوس حيث يمكنهم احتساء بعض من القهوة. وبمجرد أن دلفت ~~جولييت إلى العربة شعرت بالجوع الشديد، بالرغم من أن ساعات الغذاء كانت قد انتهت منذ وقت ~~طويل، وكل ما كان يمكن تقديمه آنذاك هو المقرمشات المملحة، والفول السوداني، وراحت هي ~~تزدردها بطريقة جعلت من الصعب استرجاع المناقشة العميقة التي غلبت عليها بعض التنافسية؛ لذا ~~راحا يتحدثان عن نفسيهما بدلا من ذلك، وكان اسمه إيريك بورتيوس، ويعيش في مكان يطلق عليه ~~ويل باي، ويقع في مكان ما شمال فانوكوفر على الساحل الغربي، لكنه لن يذهب إلى هناك على ~~الفور، بل سيقطع الرحلة ليذهب إلى ريجينا ليزور بعض الأشخاص الذين لم يرهم منذ فترة طويلة. ~~كان صيادا، يصطاد القريدس. سألته عن الخبرة الطبية التي أشار إليها فقال: «أوه، إنها ليست ~~بخبرة كبيرة؛ فلقد قمت ببعض الدراسات الطبية؛ فعندما تكونين وحدك بالغابة أو على متن مركب، ~~فمن الجائز أن يقع أي شيء للأشخاص الذين يعملون معك، أو ربما لك.» # كان متزوجا، وزوجته تدعى آن. # قال إن آن أصيبت في حادث سيارة منذ ثماني سنوات مضت، وظلت في غيبوبة لعدة أسابيع، وبعدها ~~أفاقت من غيبوبتها، لكنها أصيبت بشلل، ولم تستطع السير أو حتى إطعام نفسها، وكانت تعرفه ~~بالكاد، وتعرف المرأة التي تعتني بها - وبمساعدة تلك المرأة استطاع أن يبقيها في المنزل - ~~ولكن محاولاتها الحديث، أو فهم ما ms064 يدور حولها، سرعان ما تضاءلت. # كانا قد ذهبا إلى إحدى الحفلات، ولم تكن لديها الرغبة في الذهاب ولكنه كان يريد ذلك، ثم ~~قررت أن تعود إلى المنزل بمفردها سيرا على الأقدام؛ حيث لم يكن يروقها ما يحدث في ~~الحفل. # وكان هناك مجموعة من الأشخاص الثملين العائدين من حفلة أخرى، يسيرون بسرعة كبيرة عبر ~~الطريق وصدموها. كانوا مجموعة من المراهقين. # ولحسن الحظ لم يكن لديه هو وآن أطفال. نعم، لحسن الحظ. ~~«ما إن تخبري الناس بذلك حتى تجديهم يشعرون بضرورة المواساة بأقوال من قبيل: يا لبشاعة ~~الأمر! أو إنها لمأساة! وغيرها من العبارات.» # قالت جولييت: «هل تلومهم على ذلك؟» وقد كانت هي نفسها على وشك أن تتفوه بما هو مشابه لتلك ~~العبارات. # أجاب بالرفض، ولكن الأمر برمته أكثر تعقيدا من مجرد تلك الكلمات. هل شعرت آن بأنها ~~مأساة؟ ربما لا. هل شعر هو بذلك؟ إنه شيء يعتاد المرء عليه، لقد كان كنوع جديد من الحياة. ~~هذا كل ما في الأمر. ~~••• # كانت كل تجارب جولييت الممتعة عن الرجال نابعة من الخيال؛ بطل سينمائي أو اثنان، ذوا صوت ~~رخيم - وليس البطل الذكوري القوي البنيان المتحجر القلب - كما كانت تسمعه في التسجيلات ~~القديمة لأوبرا دون جيوفاني. وهناك أيضا «هنري الخامس» كما قرأت عنه في مسرحية شكسبير، ~~وكما أدى دوره لورانس أوليفييه في الفيلم السينمائي. # كان هذا باعثا على السخرية والشفقة، ولكن من عساه أن يعرف؟ أما في الحياة الواقعية، فلم ~~يكن هناك سوى الخزي وخيبة الأمل، وهما ما حاولت بقدر المستطاع أن تطردهما من ذهنها بأسرع ما ~~يمكن. # في المدرسة، عايشت تجربة أن تكون على رأس قائمة الفتيات غير المرغوب فيهن في حفلات الرقص ~~بالمدرسة، ولكن في الكلية كانت تشعر بالملل. بيد أنها كانت تحاول باستماتة أن تكون مفعمة ~~بالمرح والحيوية عندما تواعد بعض الفتيان الذين لم يروقوا لها كثيرا، ولم ترق لهم هي ~~الأخرى. واعدت ابن أخت المشرف على رسالتها أثناء زيارته في العام الماضي، وقد حدثت بينهما ~~معاشرة كاملة على الأرض ليلا ms065 في متنزه ويليس بارك، ولا تستطيع أن تطلق على ما حدث أنه ~~اغتصاب؛ لأنها هي أيضا كانت عازمة على أن يحدث هذا. # وفي طريق عودتهما للمنزل أخذ يوضح لها ~~بأنها ليست من نوع النساء الذي يفضله. وقد شعرت بمهانة شديدة منعتها من أن ترد بحزم - أو ~~حتى من أن تدرك حينها - بأنه هو الآخر ليس من النوع الذي يروق لها. # ولم يكن لها أي تصورات عن رجال بعينهم في الواقع، وبخاصة مدرسيها؛ فقد كان الرجال ~~المتقدمون في العمر بالنسبة لها - في الواقع - كشيء كريه. # أما هذا الرجل، فيا ترى كم يبلغ عمره؟ إنه متزوج منذ ثماني سنوات على الأقل، أو ربما أكثر ~~من هذا بسنتين أو ثلاث؛ لذا فمن المحتمل أن يكون في الخامسة أو السادسة والثلاثين من العمر. ~~كان شعره أسود داكنا ومجعدا، وبه بعض الخصلات الرمادية على الجانبين، كان ذا جبهة عريضة ~~بها بعض التجاعيد، عريض الكتفين، به بعض الانحناء البسيط، يكاد يقاربها في الطول، كانت ~~عيناه واسعتين، داكنتين، تلمعان بالحماس وتعكسان بعض الحرص والحذر في الوقت نفسه، ذا ذقن ~~مستدير، مزين بطابع حسن يشي بطبع عنيف. # أخبرته عن وظيفتها، واسم المدرسة؛ وهي تورانس هاوس. أخبرته أنها ليست مدرسة بالأساس، ~~لكنهم كانوا على استعداد لقبول أي شخص تخصص في اللغة اليونانية واللاتينية بالكلية، ~~ونادرا ما يتخصص أحد في ذلك الفرع. ~~«ولم تخصصت أنت فيه؟» ~~«لكي أكون متميزة في اعتقادي.» # ثم أخبرته أنها كانت تدرك أنه عليها ألا تخبر رجلا أو صبيا بذلك؛ حتى لا يفقد اهتمامه ~~بها على الفور. ~~«ولأنني أحب ذلك الفرع، فقد أحببت كل ما يتعلق به، بالفعل.» # تناولا طعام العشاء معا، واحتسى كل منهما كأسا من النبيذ، ثم ذهبا إلى عربة المشاهدة ~~حيث جلسا في الظلام بمفردهما، وقد أحضرت جولييت معطفها هذه المرة. # قال لها: «يعتقد الناس أنه لا يوجد شيء يستحق المشاهدة في الليل، لكن تطلعي للنجوم ~~التي يمكن رؤيتها في ليلة صافية كهذه.» # لقد كانت السماء صافية بالفعل، والقمر مختفيا، أو على الأقل ms066 لم يظهر بعد، وظهرت النجوم ~~في تجمعات كثيفة، وكانت منها الخافتة واللامعة. وشأنه كشأن أي شخص عمل فوق ظهر مركب، فقد ~~كان على دراية بخريطة السماء، أما هي فلم تستطع أن تحدد سوى مجموعة الدب الأكبر. # قال: «ابدئي من هنا، تتبعي هذين النجمين على جانبي مجموعة الدب الأكبر في الجهة ~~المقابلة للمقبض. هل رأيتهما؟ هذان هما المؤشران، تتبعيهما جيدا وسترين النجم القطبي.» ~~وهكذا. # ثم عثر لها على كوكبة الجوزاء (أوريون باليونانية)، والتي قال عنها إنها من الكوكبات ~~الأساسية في نصف الكرة الشمالي في الشتاء. أما الشعرى اليمانية فهو من أكثر النجوم لمعانا ~~في السماء الشمالية بأسرها في مثل هذا الوقت من العام. # كانت جولييت سعيدة وهي تتلقى الدرس، ولكنها شعرت أيضا بسعادة عندما جاء دورها لتلقي ~~الدرس هذه المرة. كان يعرف الأسماء اليونانية، لكنه لم يكن يعرف تاريخها. # أخبرته أن إينوبيون أفقد أوريون بصره، لكنه استرده مرة أخرى عندما نظر باتجاه ~~الشمس. ~~«أصيب بالعمى لأنه كان شديد الجمال، غير أن هيفستوس أنقذه، لكنه قتل على أي حال على يد ~~أرتيميس، وتحول إلى كوكبة. غالبا ما يتحول أي أحد ذي شأن ويقع في مشكلة كبيرة إلى كوكبة. ~~أين كوكبة ذات الكرسي؟» # أشار لها إلى حرف الدبليو باللغة الإنجليزية، لكنه لم يكن واضحا. ~~«من المفترض أنها تتخذ شكل امرأة جالسة.» # قالت: «كان هذا بسبب الجمال أيضا.» ~~«هل كان الجمال شيئا خطيرا؟» ~~«بالطبع. لقد كانت متزوجة من ملك إثيوبيا، وكانت أم أندروميدا، وكانت تتفاخر بجمالها، ~~وعقابا لها على ذلك نفيت إلى السماء. أليس هنا في السماء أندروميدا أيضا؟» ~~«إنها مجرة، وبمقدورك أن تشاهديها الليلة، إنها أبعد الأشياء التي يمكن رؤيتها بالعين ~~المجردة.» # لم يمسها على الإطلاق حتى عندما كان يرشدها ويخبرها عن الوجهة التي يجب أن تتطلع إليها في ~~السماء. بالقطع لم يفعل هذا، فهو رجل متزوج. # سألها: «من هي أندروميدا؟» ~~«لقد كبلت إلى إحدى الصخور، لكن بيرسيوس أنقذها.» ~~••• # ويل باي. # رصيف ميناء ممتد، أعداد كبيرة من السفن، ومحطة وقود ومتجر موضوعة عليهما ms067 لافتة تشير إلى ~~أنهما يضمان أيضا محطة انتظار حافلات، ومكتب بريد. # وقفت سيارة بجانب المتجر حملت على النافذة لافتة فقيرة الصنع تشير إلى أنها سيارة أجرة. ~~وكانت جولييت لا تزال تقف في المكان الذي غادرت فيه الحافلة. وقد شقت الحافلة طريقها ~~مبتعدة، وانطلق صوت بوق سيارة الأجرة، وغادرها سائقها متجها نحوها. # قال: «أأنت بمفردك؟ ما وجهتك؟» # سألته إن كان هناك مكان يمكن للسائحين أن يقيموا به؛ فقد كان من الواضح أنه لا يوجد أي ~~فنادق بالبلدة. ~~«لا أدري إن كان هناك من يؤجر بعض الغرف هذا العام أم لا. بإمكاني أن أسأل داخل المتجر. ~~ألا تعرفين أحدا هنا؟» # لم يكن أمامها ما تفعله سوى أن تنطق باسم إيريك. # قال وقد بدت على وجهه علامات الارتياح: ~~«أوه، بالطبع، تفضلي بالركوب، وسأوصلك في أسرع وقت، ولكن هذا سيئ، لقد فاتتك ليلة ~~الوداع.» # في البداية اعتقدت أنها لم تسمع جيدا ولم تفهمه. # قال السائق وقد جلس وراء عجلة القيادة: «لقد كانت أوقاتا حزينة، ولكنها لم تكن تتحسن إلى ~~الأفضل.» # ليلة الوداع، وداع آن زوجة إيريك. # قال: «لا عليك، أعتقد أن هناك العديد من المعزين ممن لا يزالون في البلدة. لقد فاتتك ~~مراسم الجنازة أمس بالطبع، كانت كبيرة للغاية. ألم تتمكني من الوصول؟» # قالت: «لا.» ~~«ما كان ينبغي أن أقول إنها ليلة الوداع، أليس كذلك؟ إن ليلة الوداع تتضمن مراسم ما قبل ~~الدفن، أليس كذلك؟ لا أعرف ما الذي تطلقونه على طقوس ما بعد الدفن؟ بالطبع لن نقول عليها ~~حفلة، أليس كذلك؟ سأوصلك سريعا، وأجعلك ترين كل الزهور وما يحيط بالمكان من إجلال وتقدير. ~~هل هذا مناسب لك؟» # وفي داخل المدينة، وبعيدا عن الطريق السريع، على مسافة ربع ميل أو نحو ذلك عبر طرقات ~~وعرة مليئة بالقاذورات، كانت تقع مقابر اتحاد ويل باي. وبالقرب من السياج، كانت توجد هضبة ~~صغيرة مغطاة بأكملها بالزهور، وقد تنوعت ما بين مجموعة من الزهور الطبيعية الذابلة، ومجموعة ~~أخرى صناعية ذات ألوان براقة، ووضع فوقها صليب خشبي صغير يحمل ms068 الاسم والتاريخ. وامتدت بعض ~~الشرائط الملفوفة والمزينة لتفرش حشائش المقبرة بأسرها. ولفت السائق انتباهها إلى الخطوط ~~المتعرجة والأخاديد والفوضى التي أحدثتها إطارات العديد من السيارات بالأمس. ~~«نصف من قدموا لم يروها، لكنهم يعرفونه جيدا؛ لذا أرادوا المجيء على أي حال؛ فالجميع ~~يعرفون إيريك.» # انعطفا بالسيارة، ثم عادا أدراجهما مرة أخرى، ولكن ليس باتجاه العودة إلى الطريق السريع. ~~أرادت أن تخبر السائق أنها غيرت رأيها، وأنها لا ترغب بزيارة أحد، تريد فقط أن تنتظر عند ~~المتجر لتستقل الحافلة التي ستأخذ طريق العودة، بإمكانها أن تقول إنها حقا جاءت في اليوم ~~الخطأ، وهي الآن تشعر بالخجل لأنها لم تحضر الجنازة؛ لذا فهي لا تود أن تظهر على ~~الإطلاق. # لكنها لا تستطيع أن تشرع في قول هذا، وربما يخبر السائق الآخرين بشأنها مهما كان ~~الأمر. # سارا في طرق ضيقة، كثيرة الالتواءات، ومرا بالقليل من المنازل، وفي كل مرة يصلان لطريق ~~خاص دون الانعطاف باتجاهه، ينتابها شعور بالرغبة في تأجيل هذه الزيارة. # قال السائق وهما ينعطفان أخيرا بالسيارة: «وها هي مفاجأة، ولكن أين ذهب الجميع؟ كانت ~~ثمة نصف دستة من السيارات عندما مررت من هنا منذ ساعة، حتى شاحنته غير موجودة. انتهت ~~الحفلة. آسف ما كان ينبغي أن أقول هذا.» # قالت جولييت بشغف: «إذا لم يكن ثمة أحد هنا، فبإمكاني أن أعود أدراجي.» ~~«لا تقلقي، فهناك شخص هنا، لا تقلقي بشأن هذا، فإلو موجودة، وها هي دراجتها. هل التقيت ~~بها من قبل؟ أتدرين أنها الوحيدة التي تعتني بكل شيء؟» ثم خرج من السيارة وفتح لها ~~الباب. # بمجرد أن خطت جولييت خارج السيارة، ظهرت كلبة صفراء وراحت تثب وتنبح في اتجاههما، وراحت ~~سيدة تناديها من شرفة المنزل. # قال السائق وهو يضع الأجرة في جيبه ويعود مسرعا إلى سيارته: «أوه! اذهبي إلى الداخل يا ~~بت.» # صاحت السيدة في الكلبة: «اصمتي، اصمتي يا بت، اهدئي.» ثم وجهت كلامها إلى جولييت: «لا ~~تقلقي، لن تؤذيك، إنها مجرد جرو.» # أخذت جولييت تحدث نفسها بأن كونها مجرد جرو لا يعني ms069 أنها لن تستطيع أن تهاجمها. والآن ~~وصلت كلبة أخرى ذات لون بني مائل للاحمرار وانضمت لتشارك في حالة الفوضى والهياج. وهنا هبطت ~~السيدة الدرج وهي تصرخ قائلة: «بت، كوركي، تصرفا بأدب. إذا ما شعرتا أنك خائفة فستهاجمانك ~~بشراسة.» # كانت تنطق حرف السين كحرف الثاء. # قالت جولييت وهي تثب للوراء عندما كادت الكلبة ذات اللون الأصفر تمسح أنفها في ذراعها: ~~«لست خائفة.» ~~«إذن تفضلي بالدخول. واصمتا أنتما الاثنان وإلا قطعت رأسيكما. هل اختلط عليك الأمر بشأن ~~يوم الجنازة؟» # هزت جولييت رأسها وكأنها تعبر عن اعتذارها وأسفها، ثم قدمت نفسها. ~~«إنه لأمر سيئ، أنا إلو.» وصافحت إحداهما الأخرى. # كانت إلو امرأة طويلة القامة، عريضة الكتفين، ذات جسم مكتنز ولكنه ليس مترهلا، وشعر أشقر ~~يميل إلى الأبيض ومنسدل على كتفيها. كان صوتها قويا يوحي بالعزم والإصرار، وكانت حنجرتها ~~تصدر أصواتا كثيرة؛ أكانت لكنتها ألمانية، أم هولندية، أم تراها إسكندنافية؟ ~~«من الأفضل أن تجلسي هنا في المطبخ؛ فالفوضى تسود كل شيء بالداخل. سأعد لك بعضا من ~~القهوة.» # كان المطبخ مضيئا، وبه نافذة تتوسط سقفه العالي المنحدر، وتراكمت الصحون والأكواب، ~~والأواني في كل مكان، وتبعت بت وكوركي إلو بخنوع إلى المطبخ، وراحتا تلعقان ما تخلف من ~~بقايا الطعام في وعاء الشوي الذي وضعته على الأرضية. # وكان يوجد خلف المطبخ - على ارتفاع درجتين عاليتين - غرفة معيشة واسعة ذات إضاءة خافتة، ~~وافترشت أرضيتها بعض الوسائد الضخمة. # جذبت إلو أحد المقاعد نحو المنضدة وقالت: «والآن تفضلي بالجلوس، اجلسي هنا وتناولي بعضا ~~من الطعام والقهوة.» # قالت جولييت: «لا عليك، لست بحاجة لذلك.» ~~«لا، فها هي القهوة التي أعددتها لتوي، وسأحتسي قهوتي أثناء عملي، وقد تبقى الكثير من ~~الطعام.» # وضعت أمام جولييت - بجانب القهوة - قطعة من الفطير؛ ذات لون أخضر فاتح ومغطاة بقطع صغيرة ~~من المارينج. # قالت وهي تعبر عن عدم رضاها: «أوه، إنه جيلي الليمون، لكن قد يكون مذاقه جيدا، أم ~~تفضلين بعضا من الفطير بالرواند؟» # قالت جولييت: «لا بأس، فهذا جيد.» ~~«إن الفوضى تعم المكان، قمت بالتنظيف بعد ms070 انتهاء مراسم ليلة الوداع، ورتبت كل شيء، ثم ~~جاءت مراسم الجنازة، والآن وبعد أن انتهت الجنازة، علي ترتيب كل شيء مجددا.» # كان صوتها ينم عن التظلم الشديد، حتى إن جولييت شعرت أنه عليها أن تقول: «عندما أنتهي ~~من هذا يمكنني مساعدتك.» # قالت: «لا، لا أعتقد هذا، إنني أعرف مكان كل شيء.» كانت تتحرك في أرجاء المكان دون سرعة ~~كبيرة إنما بفاعلية وتصميم من يعرف هدفه جيدا (مثل هؤلاء السيدات لا يحتجن معاونتك، يمكنهن ~~معرفة شخصية من أمامهن). استمرت في تنظيف الزجاج والصحون، وأدوات المائدة، وكانت تضع ما ~~جففته في الخزانة أو في الأدراج، ثم أخذت تكشط بقايا الطعام من الأواني والأوعية - بما ~~فيها الوعاء الذي استردته من الكلبتين - وغمرتها في المياه المشبعة بالصابون، وراحت تنظف ~~المائدة والنضد، وتلوي قماش تجفيف الأطباق وكأنه أعناق دجاج، وكانت تتحدث إلى جولييت، ~~ويتخلل حديثها بعض فترات الصمت. ~~«هل أنت صديقة لآن، هل تعرفينها من قبل؟» ~~«لا.» ~~«كلا، لا أعتقد هذا؛ فإنك صغيرة في العمر. إذن لم أردت حضور الجنازة؟» # قالت جولييت: «لم أكن أعلم، لقد أتيت إلى هنا من أجل الزيارة.» # كانت تحاول أن تبدو كما لو أن الأمر جاء مصادفة، وأن لديها العديد من الأصدقاء، وهي فقط ~~تتجول وتقوم بزيارات عارضة. # وبمزيد من الطاقة والعزم راحت إلو تلمع أحد الأوعية وقد اختارت ألا ترد على هذا الكلام، ~~وجعلت جولييت تنتظر ولم تتحدث إلا بعد أن انتهت من تنظيف عدة أوان. ~~«لقد أتيت لزيارة إيريك. إنك عثرت على المنزل الصحيح؛ فإيريك يعيش هنا.» # قالت جولييت في محاولة لتغيير دفة الحوار: «إنك لا تقيمين هنا، أليس كذلك؟» ~~«بلى، إنني لا أقيم هنا، بل أعيش أسفل التل مع زوجي.» كان لكلمة زوجي ثقلها، وحملت بعض ~~الفخر والتوبيخ. # صبت إلو بعض القهوة في قدح جولييت دون أن يطلب منها ذلك، ثم ملأت قدحها بعد ذلك، ~~وأحضرت فطيرة لنفسها، وكانت مغطاة بطبقة وردية أسفلها، وعلتها طبقة من الكريمة ~~المخفوقة. ~~«فطيرة الراوند بالكريمة، يجب تناولها وإلا ستفسد، لا أحتاجها، ms071 ولكني أتناولها على أي ~~حال. هل أحضر لك قطعة منها؟» ~~«لا، أشكرك.» ~~«لقد رحل إيريك الآن، وهو لن يعاود الليلة، لا أعتقد هذا؛ لقد ذهب إلى منزل كريستا. هل ~~تعرفين كريستا؟» # هزت جولييت رأسها بالنفي بشدة. ~~«نحن نعيش هنا ويعرف كل منا ظروف الآخر، نعرفها جيدا. لا أدري كيف يسير الأمر حيث ~~تعيشين. في فانكوفر، أليس كذلك؟» أومأت جولييت رأسها بالإيجاب، ثم استأنفت إلو حديثها: ~~«ولكني أعتقد أن الأمر ليس على هذا النحو في المدينة. وبالنسبة لإيريك، فكان يحتاج للمساعدة ~~حتى يتمكن من العناية بزوجته جيدا. أتفهمين ذلك؟ وكنت أنا من ساعدته.» # قالت جولييت قولا خاليا من الحكمة: «لكن ألا تتقاضين مرتبا مقابل ذلك؟» ~~«بالطبع أتقاضى مرتبا، لكن الأمر أكثر من مجرد كونه وظيفة، بالإضافة إلى أن إيريك يحتاج ~~إلى نوع آخر من المساعدة ... مساعدة امرأة. هل تفهمين ما أعنيه؟ لا أقصد امرأة وزوجها، أنا لا ~~أومن بذلك، إنه ليس بالأمر اللطيف، فهو السبيل إلى وقوع خلافات. في البداية كان إيريك يصادق ~~ساندرا، ثم رحلت، بعدها تعرف إلى كريستا، وكانت هناك فترة قصيرة جمع خلالها الاثنتين، ~~ولكنهما كانتا صديقتين، ومضى الأمر على ما يرام، ولكن ساندرا لها أطفال، وكانت ترغب في ~~الرحيل لتلحق أولادها بمدارس أكبر. أما كريستا فهي فنانة؛ فهي تصنع أشياء من الخشب؛ من ~~النوع الذي تجدينه على الشاطئ. ماذا نسمي ذلك النوع من الخشب؟» # قالت جولييت على مضض، وقد شلتها مشاعر الخيبة ومشاعر الخزي والخجل: «الأخشاب ~~الطافية.» ~~«آه هي ذي. كانت تأخذ ما تصنعه إلى بعض ~~المحال حيث يمكن بيعها. تصنع أشياء كبيرة؛ حيوانات أو طيورا، ولكنها ليست واقعة، ليست ~~واقعة؟» ~~«أتعنين ليست واقعية؟» ~~«نعم، نعم. وهي ليس لديها أطفال، ولا أعتقد أنها ستفكر في الرحيل. هل أخبرك إيريك بذلك؟ ~~أترغبين في مزيد من القهوة؟ لا يزال بعض منها في القدر.» ~~«لا لا، أشكرك. إنه لم يخبرني بشيء.» ~~«إذن فها قد أخبرتك. إن كنت انتهيت من تناول القهوة فسآخذ القدح لأغسله.» # استدارت لتكز بحذائها الكلبة الصفراء التي ms072 ترقد على الجانب الآخر من الثلاجة. ~~«هيا استيقظي أيتها الكلبة الكسولة، سنعود لمنزلنا بعد قليل.» # ثم قالت وهي منهمكة في حوض الغسيل وظهرها للحجرة: «هناك حافلة عائدة إلى فانكوفر حوالي ~~الثامنة وعشر دقائق، فبإمكانك العودة معي إلى منزلي، وعندما يحين موعد قيام الحافلة، سيوصلك ~~زوجي. تفضلي بتناول طعامك معنا. إنني أستقل دراجتي، وسأقودها على مهل حتى تتمكني من السير ~~بجانبي. المنزل ليس ببعيد.» # وهكذا تحدد المستقبل القريب بالنسبة لجولييت، حتى إنها لم تستغرق وقتا في التفكير فيه، ~~وراحت تبحث عن حقيبتها، ثم جلست ثانية، لكن على مقعد آخر هذه المرة، وكأنما رؤية المطبخ من ~~زاوية جديدة قد جعلتها تتخذ قرارا آخر. # قالت: «أعتقد أنني سأبقى هنا.» ~~«هنا؟» ~~«ليس لدي أي أمتعة لحملها؛ لذا فسأسير على قدمي حتى مكان الحافلة.» ~~«وأنى لك أن تعرفي الطريق؟ إنها مسافة ميل.» # قالت جولييت: «لا ليست بمسافة بعيدة.» وقد تساءلت في نفسها إذا ما كانت تعرف الطريق، ~~ولكنها فكرت بأنه عليها أن تسير لأسفل التل فحسب. # قالت إلو: «لكنك تعرفين أنه لن يعود، لن يعود الليلة.» ~~«لا يهم.» # هزت إلو كتفيها بلامبالاة، بل ربما بازدراء شديد. # استدارت لها وقالت: «هيا يا بت انهضي. كوركي ستظل هنا، هل تريدينها هنا بالداخل، أم ~~بالخارج؟» ~~«أعتقد بالخارج.» ~~«سأقوم بتقييدها حتى لا تتبعني؛ فهي ربما لا ترغب في البقاء مع غريب على أي حال.» # لم تتفوه جولييت بكلمة. ~~«الباب يغلق عندما نغادر. أرأيت؟ فإذا خرجت وأردت الدخول مرة أخرى، فعليك بالضغط على ~~هذا، ولكن إذا ما غادرت المنزل فلا تضغطي على شيء، سيغلق من تلقاء نفسه. أفهمت؟» ~~«نعم.» ~~«لم نعتد الاهتمام بإحكام غلق الأبواب، ولكن هناك الكثير من الغرباء هذه الأيام.» ~~••• # بعدما تطلعا للنجوم، توقف القطار لفترة في وينيبيج، فهبطا منه، وسارا وسط رياح كانت ~~شديدة البرودة لدرجة تعذر معها التنفس بسهولة، ناهيك عن الحديث. وعندما صعدا إلى القطار ~~مرة أخرى، جلسا في عربة الاستراحة، وطلب لهما كأسين من البراندي. # قال: «سيشعرنا بالدفء ويساعدك على النوم.» # ولكنه لم يرد ms073 أن يخلد للنوم، فسيظل مستيقظا حتى ينزل في ريجينا التي سيبلغها قرب ~~الساعات الأولى من الصباح. # عندما سار معها حتى عربتها كانت معظم الأسرة قد أعدت للنوم، وكانت الستائر ذات اللون ~~الأخضر الداكن تضيق المسافة عبر الممر. كانت العربات تحمل أسماء، وكان اسم عربتها ~~ميراميتشي. # همست بصوت خفيض وهما يقفان في المسافة التي تفصل بين العربات: «ها هي العربة.» وكانت يده ~~تدفع الباب من أجلها. ~~«فلتودعيني هنا إذن.» ثم سحب يده وحاولا الوقوف بتوازن وسط اهتزاز القطار كي يتمكن من ~~تقبيلها. وعندما انتهى من هذا، لم يتركها، بل ضمها وأخذ يمسح على ظهرها، ويقبل وجهها ~~كله. # لكنها ابتعدت وقالت سريعا: «إنني عذراء.» # ضحك قائلا: «نعم، نعم.» وقبل عنقها، ثم أطلق سراحها ودفع الباب الذي أمامها. سارا معا ~~عبر الممر حتى وصلت إلى مكان نومها، وأسندت جسمها على الستارة المنسدلة. استدارت وهي تتوقع ~~أن يقبلها مرة أخرى أو أن يلمسها. بيد أنه انسل بهدوء كما لو أنهما قد اقترب أحدهما ~~من الآخر مصادفة. ~~••• # يا للغباء! يا للصدمة! خائفة بالطبع من أن تمتد يده لأبعد من هذا، وتبلغ العقدة التي ~~صنعتها لتأمين الفوطة الصحية وربطها بالحزام الذي ترتديه. لو كانت من هذا النوع من الفتيات ~~اللاتي يعتمدن على استخدام السدادة القطنية لما ظهرت الحاجة لذلك. # ولم قالت إنها عذراء؟ ألم تستمر فيما حدث في متنزه ويليس بارك حتى وصلت إلى تلك المرحلة ~~الكريهة وقد فعلت هذا لتضمن أن تلك الحالة لن تكون عائقا أمام فعل أي شيء؟ لا بد وأنها ~~كانت تفكر فيما ستقوله له - فهي بالقطع لن تستطيع أن تخبره بأنها في فترة حيضها - وذلك إن ~~أراد أن تتطور الأمور لأكثر من هذا. ولكن كيف له أن ينوي فعل هذا على أي حال؟ كيف؟ وأين؟ في ~~فراشها الصغير هذا؟ في هذه المساحة الضيقة ومع احتمالية أن يكون من حولهما من الركاب لا ~~يزالون مستيقظين؟ أم تراه سيكتفي بالوقوف والتحرك للأمام والخلف، والالتصاق بالباب الذي ~~يمكن لأي شخص أن يأتي ويفتحه ، في ms074 تلك المساحة غير المستقرة بين العربات؟ # والآن يمكنه أن يخبر أي شخص أنه كان ينصت طوال الليل لفتاة حمقاء تتفاخر طوال الليل ~~بمعلوماتها عن الأساطير اليونانية، وفي نهاية المطاف - وعندما أراد تقبيلها قبلة الوداع في ~~المساء ليتخلص منها - راحت تصرخ بأنها عذراء. # ولكنه لم يبد من ذلك النوع من الرجال الذين يقدمون على فعل هذا، أو يتحدثون بهذا ~~الأسلوب، لكنها لم تستطع أن تمنع نفسها على أي حال من تخيل ذلك. # ظلت مستيقظة طوال الليل، إلا أنها راحت في النوم عندما توقف القطار في ريجينا. ~~••• # عندما أصبحت بمفردها، كان باستطاعتها أن تستكشف جوانب المنزل، لكنها لم تفعل ذلك الشيء. ~~لقد استغرقت عشرين دقيقة - على الأقل - حتى تتمكن من التخلص من وجود إلو. لم تكن خائفة من ~~أن تعود إلو مرة أخرى لكي تطمئن على ما يمكن أن تفعله، أو لكي تأخذ شيئا نسيته. لم تكن إلو ~~من ذلك النوع الذي يمكن أن ينسى شيئا، حتى لو كان هذا في نهاية يوم شاق. ولو كانت اعتقدت ~~أن جولييت يمكن أن تسرق شيئا، لطردتها على الفور بكل بساطة. # ومع هذا، كانت من ذلك النوع من النساء اللواتي يفرضن سطوتهن على المكان، وخاصة هنا في ~~المطبخ. وقد نضح كل شيء رأته جولييت بحوذة إلو؛ بدءا من أصص الزرع (أهي أعشاب؟) على عتبات ~~النوافذ، مرورا بلوح تقطيع الطعام، حتى مشمع الأرضيات اللامع. # وعندما نجحت في إبعاد إلو، ليس خارج الغرفة، وإنما للوراء قليلا بجوار الثلاجة ذات ~~الطراز القديم، راحت جولييت تفكر في كريستا. إيريك لديه امرأة. بالطبع هو على علاقة بامرأة ~~... كريستا. ورأت جولييت أمامها إلو أخرى، ولكن أصغر سنا وأكثر إثارة؛ فخذان عريضتان، ~~ذراعان قويتان، شعر طويل منسدل - أشقر لا يحوي أي شعيرات بيضاء - صدر بارز للأمام بوضوح ~~أسفل قميص واسع. نفس عدوانية إلو غير أنها بصورة أكثر إثارة في كريستا، نفس أسلوب الاستمتاع ~~في لوك الكلمات قبل التلفظ بها. # طافت بذهنها صورة امرأتين أخريين؛ وهما بريسيس وكرايسيس، وهما رفيقتا آخيل وأجاممنون ، ~~وكانتا ms075 توصفان كلاهما بأنهما ذواتا «خدود جميلة». وعندما كان المدرس يقرأ هذه الكلمة (التي ~~لا تتذكرها الآن)، كانت تصطبغ جبهته باللون الوردي، ويبدو وكأنه يكتم ضحكته. ومنذ هذه ~~اللحظة، أصبحت جولييت تحتقره. # فماذا لو كانت كريستا أكثر حدة واتصافا بسمات أهل الشمال من بريسيس وكرايسيس؟ هل ستبدأ ~~جولييت في ازدراء إيريك أيضا؟ # ولكن أنى لها أن تعرف إن سارت باتجاه الطريق الرئيسي واستقلت الحافلة؟ # في الواقع إنها لم تكن تنتوي على الإطلاق أن تستقل تلك الحافلة. هذا ما يبدو. وفي ظل ~~ابتعاد إلو عن طريقها وتفكيرها كان من السهل أن تكتشف نواياها وطريقة تفكيرها. نهضت أخيرا، ~~وصنعت المزيد من القهوة، وصبتها في كوب كبير ذي يد، وليس في قدح من الأقداح التي وضعتها ~~إلو. # كانت شديدة القلق والتوتر بدرجة منعتها من الشعور بالجوع، لكنها راحت تتفحص الزجاجات ~~الموضوعة على النضد، التي لا بد وأن أحضرها الآخرون من أجل ليلة الوداع. وجدت براندي الكرز، ~~شراب الخوخ المسكر، مشروب تيا ماريا، شراب فيرموت المحلى. فتحت هذه الزجاجات لكن من ~~الواضح أنها لم تنل إعجاب الزائرين؛ فالمشروبات التي أقبل الناس عليها بحق كانت في ~~الزجاجات الفارغة التي صفتها إلو بجوار الباب؛ حيث وجدت زجاجات فارغة لمشروبات الجين، ~~والويسكي، والجعة، والنبيذ. # صبت من شراب تيا ماريا فوق القهوة، وأخذت الزجاجة معها وهي تصعد الدرج الذي يؤدي إلى ~~غرفة المعيشة الواسعة. # كان هذا واحدا من أطول أيام العام، ولكن الأشجار ~~المحيطة - أشجارا ضخمة دائمة الخضرة ذات أغصان ~~ملتفة، وشجرة القطلب ذات الأطراف الحمراء - كانت تحجب ضوء الشمس المائلة إلى المغيب، بينما ~~ألقت نافذة السقف بعض الضوء على المطبخ فجعلته ساطعا، أما النوافذ في غرفة المعيشة فلم تكن ~~سوى فتحات طولية في الحائط، وقد بدأ الظلام يحل عليها بالفعل. لم تكن أرضية الغرفة مفروشة ~~بالكامل؛ إذ غطت الأرضية ألواح الخشب الرقائقي وكستها الأبسطة الرثة، وكانت الغرفة مؤثثة ~~بطريقة عشوائية وغريبة؛ حيث ضمت في معظمها الوسائد الملقاة على الأرض، وزوجا من الوسائد ~~المغطاة بالجلد المتشقق. وثمة مقعد ضخم ms076 من الجلد؛ من ذلك النوع الذي يميل للوراء، وله مسند ~~للقدمين. بينما غطى الأريكة لحاف أصلي ذو قماش من قطع ملونة مختلفة لكنه رث، وبالحجرة ~~أيضا جهاز تليفزيون قديم، ورف للكتب مصنوع من الألواح الخشبية والطوب، بينما لا توجد ~~فوقه أي أنواع من الكتب، ما عدا كومة من مجلات ناشونال جيوجرافيك، مع أعداد قليلة من مجلات ~~عن الإبحار، وإصدارات من مجلة بوبيولر ميكانكس. # كان من الواضح أن إلو لم تأت لتنظيف هذه الغرفة؛ فالأرض ملطخة بالرماد حيث منافض السجائر ~~ملقاة على الأبسطة، وبقايا الطعام متناثرة في كل مكان. وخطر على ذهن جولييت أن تبحث عن ~~المكنسة - إن كانت هناك واحدة - لكنها عادت وفكرت أنه حتى لو أدارتها فمن المحتمل أن تقع ~~بعض الحوادث؛ فربما شفطت المكنسة الأبسطة الخفيفة؛ لذا جلست فحسب على المقعد المصنوع من ~~الجلد، وأضافت المزيد من مشروب تيا ماريا حيث انخفض منسوب القهوة في الكوب. # لم ترق لها أشياء كثيرة في هذا الساحل؛ فقد كانت الأشجار شديدة الضخامة، ومتكاثفة بعضها ~~بجانب بعض، وليس لها أي سمات متفردة بها؛ فهي ببساطة تكون غابة من الغابات، وكانت الجبال ~~ضخمة بصورة يصعب تصديقها، أما الجزر التي تطفو فوق مضيق جورجيا فكانت أشبه بصورة مصطنعة. ~~وهذا المنزل - بمساحته الكبيرة وسقفه المائل، وأخشابه غير المكتملة - قد بدا فظا وغير ~~مريح. # كانت الكلبة تنبح من آن لآخر، ولكن ليس بصورة سريعة ومتلاحقة، ربما كانت تريد أن تدلف ~~إلى المنزل من أجل بعض الرفقة. ولكن جولييت لم تقتن كلبا من قبل مطلقا؛ فالكلب في المنزل ~~يكون شاهدا، وليس رفيقا، وسيجعلها تشعر بعدم الارتياح. # ربما كانت الكلبة تنبح لاكتشافها غزالا، أو دبا، أو أسد الجبال. لقد تناولت الصحف في ~~فانكوفر خبرا عن أحد أسود الجبال الذي هاجم طفلا وأصابه، وهي تعتقد بوجوده في هذا ~~الساحل. # من ذا الذي يرغب في العيش في مكان تشاركه كل جزء خارجه الحيوانات العدوانية ~~المفترسة؟ ~~«كاليباريوس» أو ذات الخدود الجميلة. ها قد تذكرتها الآن. لقد لمعت الكلمة التي قالها ~~هوميروس ms077 وعلقت بذهنها. والأكثر من هذا، أنها تذكرت فجأة كل كلماتها اليونانية، كل شيء بدا ~~أنها وضعته في خزانة لما يقرب من ستة أشهر حتى الآن. ولأنها لم تكن تدرس اللغة اليونانية في ~~تلك الفترة، فقد وضعتها بعيدا. # هذا ما يحدث؛ إنك تضع شيئا جانبا لفترة ما، وبين كل فترة وأخرى تلقي نظرة على ما في ~~الخزانة بحثا عن شيء آخر، وتتذكره على الفور، أو هكذا تظن. ثم يتحول بعدها هذا الشيء إلى ~~مجرد شيء موجود في الخزانة فحسب وتتراكم فوقه وبجانبه بعض الأشياء الأخرى، وفي نهاية المطاف ~~تجد نفسك لا تفكر في ذلك الشيء على الإطلاق. # هذا الشيء الذي كان كنزك الثمين اللامع، لم تعد تفكر به، إنها خسارة لا تتأملها مرة ~~واحدة في حينها، وتصبح الآن شيئا تتذكره بالكاد. # هذا ما يحدث. # لكن هل يحدث هذا حتى لو لم تضعه جانبا، حتى لو كنت تكسب من ورائه قوت يومك، كل يوم؟ راحت ~~جولييت تفكر في مدرسيها الأكبر سنا بالمدرسة؛ حيث كان معظمهم لا يولي سوى القليل من ~~الاهتمام لما يدرسونه. فلنأخذ خوانيتا مثالا على هذا؛ فهي التي اختارت اللغة الإسبانية ~~لأنها تتماشى مع اسمها المسيحي (هي من أصل أيرلندي)، وأرادت أن تتقن التحدث بالإسبانية ~~جيدا لتستخدمها في رحلاتها؛ ولا يمكنك الجزم بأن الإسبانية كنزها الثمين. # القليل من الناس، بل القليل جدا، هم من يحوزون ثروة ثمينة، وإذا ما حدث وأصبحت تمتلك ~~واحدة، فعليك بالتمسك بها، يجب ألا تعرض نفسك لأي هجوم، حتى لا يسلبها منك أي أحد. # أحدث شراب تيا ماريا مع القهوة أثره بطريقة ما؛ مما جعلها تشعر باللامبالاة وعدم ~~الاهتمام، ولكن بالقوة في الوقت نفسه؛ فجعلها تعتقد أن إيريك - في نهاية الأمر - ليس على ~~هذا القدر من الأهمية. إنه شخص بمقدورها أن تتسكع معه فحسب. نعم التسكع هي الكلمة الصحيحة، ~~وذلك كما فعلت أفروديت مع أنكيسيس، وفي صباح أحد الأيام ستفلت من يده وتذهب بعيدا. # نهضت من مكانها، ووجدت طريقها إلى دورة المياه، ثم عادت واستلقت على ms078 الأريكة متدثرة ~~باللحاف، ومن شدة النعاس، لم تلحظ شعر كوركي أو رائحتها فوقه. # عندما استيقظت كان الصبح قد أشرق، برغم أنها لا تزال السادسة وعشرين دقيقة في ساعة ~~المطبخ. # كانت تشعر بصداع، ووجدت قنينة من أقراص الأسبرين في دورة المياه، فتناولت قرصين واغتسلت، ~~ومشطت شعرها، وأخرجت فرشاة الأسنان من حقيبتها وغسلت أسنانها، ثم أعدت قدرا من القهوة، ~~وتناولت شريحة من الخبز المعد في المنزل ولم تعبأ بتسخينه أو وضع الزبد فوقه. جلست قبالة ~~مائدة المطبخ، وقد تسلل ضوء الشمس من خلال الأشجار، وألقى بظلال نحاسية على جذوع شجرة ~~القطلب الملساء. شرعت كوركي في النباح، وأخذت تنبح لفترة طويلة قبل أن تنعطف إحدى الشاحنات ~~وتدخل الفناء مما جعلها تتوقف عن النباح. # سمعت جولييت صوت باب الشاحنة وهو يغلق، وسمعته يتحدث إلى الكلبة، وعندئذ تملكها الخوف، ~~وأرادت أن تختبئ في أي مكان (قالت فيما بعد: «كان بإمكاني أن أزحف تحت المائدة»، لكنها لم ~~تفكر بالقطع أن تفعل شيئا في مثل هذه السذاجة). ذكرها هذا الموقف بتلك اللحظة في المدرسة ~~قبل إعلان الفائز بالجائزة، لكن هذا الموقف كان أسوأ؛ لأنه ليس لديها أي أمل منطقي للفوز، ~~ولن تكون هناك فرصة أخرى على هذا القدر من الأهمية في حياتها. # عندما فتح الباب لم تستطع أن ترفع بصرها، وتشابكت أصابع يديها وهي تقبضهما وتضعهما على ~~ركبتيها. # قال: «إنك هنا.» كان يضحك في ابتهاج وشعور بالنصر والإعجاب كما لو أنه أمام أكثر المشاهد ~~جرأة وشجاعة. وعندما فتح ذراعيه، بدا وكأن هناك رياحا هبت في الغرفة وجعلتها ترفع ~~بصرها. # منذ ستة أشهر لم تكن تعرف أن هذا الرجل موجود على قيد الحياة. منذ ستة أشهر كان الرجل ~~الذي صرعته عجلات القطار لا يزال على قيد الحياة، وربما ينتقي بعض الملابس من أجل القيام ~~برحلته. ~~«إنك هنا.» # استطاعت أن تستشف من صوته أنه يناديها، فنهضت، وهي لا تقوى على الحراك، ولاحظت أنه ~~أكبر، وأضخم، وأكثر تهورا مما تتذكر. اقترب منها وشعرت بأنه يتفحصها من قمة رأسها حتى أخمص ms079 ~~قدميها، وغمرها ذلك الشعور بالارتياح، واجتاحتها السعادة. كم هو مدهش هذا الذي يحدث، كم هو ~~قريب إلى الحيرة والخوف. ~~••• # اتضح فيما بعد أن إيريك لم يكن مندهشا كما تظاهر بذلك؛ إذ هاتفته إلو الليلة الماضية؛ ~~لكي تحذره بشأن الفتاة الغريبة - جولييت - وعرضت عليه أن تتحقق وتعرف إن كانت الفتاة قد ~~استقلت الحافلة بالفعل أم لا. واعتقد هو أنه من الصواب أن يغتنم هذه الفرصة بأنها ستفعل ~~ذلك - ربما ليختبر القدر - ولكن عندما هاتفته ~~إلو لتخبره بأن الفتاة لم ترحل، أصابته الدهشة من شعوره بالفرح الذي اعتراه. ومع ذلك، لم ~~يرجع إلى المنزل على الفور، ولم يخبر كريستا، بالرغم من أنه يدرك أنه عليه إخبارها في ~~القريب العاجل. # استوعبت جولييت كل تلك الأحداث شيئا فشيئا في الأسابيع والأشهر التالية؛ فبعض المعلومات ~~جاءتها عن طريق الصدفة، والبعض الآخر جاء نتيجة لطريقة استقصائها التي اتسمت ~~بالتهور. # واعتبر مصارحتها عن عدم عذريتها شيئا ثانويا. # لم تكن كريستا تشبه إلو؛ فليس لديها فخذان عريضتان أو شعر أشقر؛ فهي امرأة ذات شعر داكن، ~~نحيفة، لماحة وذكية، وفي بعض الأحيان متجهمة، وهي التي ستصبح صديقة جولييت الرائعة وسندها ~~خلال السنوات التالية، بالرغم من أنها لم تتخل تماما عن عادتها في إغاظتها بمكر، وعن ~~اللمحات الساخرة للمنافسة الدفينة بينهما. # | في القريب العاجل # وجهان جانبيان يواجه أحدهما الآخر؛ أحدهما لبقرة صغيرة بيضاء اللون يحمل تعبيرا هادئا ~~ولطيفا، والآخر لرجل أخضر الوجه، ليس بصغير أو متقدم في العمر، يبدو عليه أنه موظف صغير، ~~ربما ساعي بريد أو شيء من هذا القبيل؛ فقد كان يرتدي ذلك النوع من القبعات التي يرتديها ~~سعاة البريد. كانت شفتاه باهتتين، ويطل من عينيه بريق لامع، وكانت هناك يد - تقريبا يده ~~- تمتد لتقدم - من الهامش الأسفل للوحة - شجرة صغيرة أو فرعا ضخما مثمرا بالمجوهرات ~~الثمينة. # وفي الهامش الأعلى من اللوحة، ظهرت السحب الداكنة، تظلل تحتها بعض البيوت الصغيرة ~~المائلة، وبجوارها لعبة على هيئة كنيسة تحمل صليبا صغيرا وقد استقرت على السطح المنحني ~~للأرض، وبداخل ذلك الانحناء ms080 بدا رجل ضئيل (غير أنه مرسوم بمقياس أكبر من المباني) يسير ~~بثبات وعزم حاملا منجلا فوق كتفه، وبجانبه سيدة رسمت بنفس المقياس، وكان يبدو أنها ~~تنتظره، لكنها كانت معلقة على نحو مقلوب. # كانت اللوحة تتضمن أشياء أخرى؛ فعلى سبيل المثال كانت توجد فتاة تحلب بقرة بجوار البقرة ~~الصغيرة. # قررت جولييت على الفور أن تبتاع تلك اللوحة لوالديها كهدية في عيد الميلاد. # قالت لكريستا، صديقتها التي جاءت معها من ويل باي للقيام ببعض التسوق: «إنها تذكرني ~~بوالدي.» كانا في متجر الهدايا بمعرض فانكوفر للفنون. # ضحكت كريستا قائلة: «الرجل الأخضر والبقرة؟ سيشعران بالإطراء والثناء.» # كانت كريستا لا تأخذ أي أمر من الأمور في البداية على محمل الجد؛ إذ كان لا بد وأن تسخر ~~منها بطريقة ما، ولم تشعر جولييت بالضيق من ذلك، وكانت في شهرها الثالث من الحمل وقد وضعت ~~طفلة بعد ذلك أسمتها بينيلوبي. تخلصت فجأة من الشعور بالغثيان؛ ولهذا السبب - أو لسبب آخر - ~~انتابتها نوبات من المرح الزائد. كانت تفكر في الطعام طوال الوقت، لدرجة أنها لم تكن ترغب ~~في الدخول إلى متجر الهدايا؛ لأنها لمحت أحد المطاعم. # راق لها كل شيء في اللوحة، وبخاصة الشخصيات الصغيرة والأبنية المائلة للسقوط فوقها، ~~والرجل ذي المنجل، والمرأة المتدلية بالمقلوب. # نظرت إلى عنوان اللوحة «أنا والقرية». # كان عنوانا منطقيا بامتياز. # قالت كريستا: «شاجال، إنني أهوى شاجال؛ فبيكاسو كان وغدا.» # كانت جولييت تشعر بسعادة شديدة لما وجدته جعلتها بالكاد تنتبه لما يقال. # قالت لها كريستا: «أتعرفين ما كان يفترض أنه يقول؟ شاجال من أجل بائعات المتاجر.» فردت ~~جولييت: «وما العيب في بائعات المتاجر؟ كان ينبغي لشاجال أن يقول إن لوحات بيكاسو هي من أجل ~~الأشخاص ذوي الوجوه المضحكة.» # قالت جولييت: «أعني أن اللوحة جعلتني أفكر في حياتهم، لا أدري لم، لكنها كذلك.» # كانت جولييت قد قصت لكريستا بالفعل بعض الأشياء التي تتعلق بوالديها؛ كيف أنهما يعيشان ~~في عزلة غريبة، لكنها في الوقت نفسه تفيض بالسعادة؛ عزلة برغم أن والدها كان مدرسا ~~محبوبا. كان جزء ms081 من تلك العزلة راجعا إلى مشاكل القلب التي تعاني منها سارة، ولكن كان ~~السبب أيضا يرجع إلى اشتراكهما في بعض المجلات التي لم يكن أحد بالجوار يقرؤها، أو ~~سماعهما لبرامج في الإذاعة المحلية لا ينصت إليها أحد من المحيطين بهما، أو لأن سارة كانت ~~تصنع ملابسها بنفسها - حتى وإن لم تكن ملائمة - من خلال نماذج التفصيل الخاصة بمجلة فوج، ~~بدلا من نماذج بيتريك. أو ربما بسبب احتفاظهما بطابع الشباب بدلا من الحركة بكسل وتباطؤ ~~مثل آباء زملاء جولييت في المدرسة. وصفت جولييت سام بأنه يشبهها - ذو عنق طويل، به بعض ~~النتوءات الخفيفة عند الذقن، وشعر بني خفيف مسترسل. أما سارة فكانت شقراء نحيفة وشاحبة، ~~وذات جمال ناعم غير مهندم. ~~••• # عندما بلغت بينيلوبي شهرها الثالث عشر، اصطحبتها جولييت وطارت إلى تورونتو، ثم استقلت ~~القطار بعد ذلك، وكان هذا عام 1969، ونزلت في إحدى المدن التي تبعد نحو عشرين ميلا عن ~~المدينة التي نشأت بها، وحيث لا يزال سام وسارة يعيشان. من الواضح أن القطار لم يعد يتوقف ~~هناك. # شعرت باستياء لنزولها في تلك المحطة الغريبة، ولم تتراءى لها، كما اعتادت دوما، تلك ~~الأشجار، والأرصفة، والمنازل التي ما زالت تذكرها، التي يتبعها على الفور منزلها؛ منزل سام ~~وسارة، الرحب رغم بساطته، بطلائه الأبيض المتقادم خلف شجرة القيقب اليانعة. # وها هما سام وسارة في تلك المدينة التي لم ترهما بها من قبل، تكسو وجهيهما ابتسامة ~~مشوبة بالقلق، وقد تضاءل حجمهما بعض الشيء. # أطلقت سارة صيحة غريبة قصيرة، كما لو أن شيئا قرصها، واستدار شخصان بالمحطة ينظران ~~نحوها. # كان من الواضح أنها صيحة نابعة من فرط إثارتها. # قالت: «برغم أن إحدانا قصيرة والأخرى طويلة فإنه ما زال هناك توافق وانسجام.» # لم تفهم جولييت في البداية ما تعنيه سارة، ثم سرعان ما أدركت مقصدها؛ كانت سارة ترتدي ~~تنورة من الكتان الأسود تتدلى حتى منتصف ساقيها، وسترة تلائمها. وكانت ياقة السترة وأطراف ~~أكمامها مصنوعة من قماش أخضر بلون الليمون ومرقط بالأسود. وقد اعتمرت قبعة من نفس القماش ms082 ~~الأخضر. لا بد أنها صنعت تلك الملابس بنفسها، أو جعلت إحدى الخياطات تحيكها لها. ولم تكن ~~الألوان تتماشى مع بشرتها، التي بدت وكأن هناك بعضا من غبار الطبشور الناعم قد استقر ~~عليها. # كانت جولييت ترتدي فستانا أسود قصيرا. # قالت سارة: «كنت أتساءل عما سيكون رأيك عني، وأنا متشحة بالسواد في فصل الصيف، وكأني في ~~حداد، وها أنت وقد ارتديت نفس اللون ليكون هناك توافق بيننا، تبدين أنيقة، تعجبني بشدة تلك ~~الفساتين القصيرة.» # قال سام: «ولها شعر أسود طويل وكأنها من الهيبيز.» ثم انحنى ليتطلع إلى وجه الرضيعة وقال: ~~«أهلا بينيلوبي.» # قالت سارة: «يا لها من دمية جميلة!» # ومدت يديها نحو بينيلوبي لتحملها؛ بالرغم من أن الذراعين اللتين انزلقتا من كميها بدتا ~~شديدتي الوهن بدرجة يصعب معها حمل أي شيء. ولم تكن بحاجة إلى ذلك؛ لأن بينيلوبي التي توترت ~~عند سماعها لصوت جدتها لأول مرة، راحت تصرخ وتبعد نفسها، وتدس وجهها في عنق جولييت. # ضحكت سارة قائلة: «هل أنا مخيفة إلى هذا الحد؟» مرة أخرى لا تستطيع سارة التحكم في صوتها ~~جيدا؛ فكان يعلو في نبرات حادة ثم يتهدج وينخفض، مما يلفت الأنظار إليها. لم يكن هذا ~~بالأمر الجديد تماما. كانت جولييت تدرك أن الناس ربما كانوا يتطلعون دائما إلى طريقة أمها ~~عندما تضحك أو تتحدث، ولكن قديما، كان الأمر يبدو أنه مرح فجائي، كان شيئا محببا وينطوي ~~على الأنوثة والجاذبية (بالرغم من أن ذلك لم يكن يروق للجميع؛ فبعضهم كان يقول إنها تحاول ~~أن تلفت الانتباه فحسب). # قالت جولييت: «إنها متعبة للغاية.» # قدم لها سام السيدة الشابة التي كانت تقف وراءهم، وتبعد عنهم بمسافة كما لو أنها تحرص ~~على ألا يعرفها الآخرون كجزء من مجموعتهم، وفي الواقع، لم يدر بخلد جولييت أنها يمكن ~~أن تكون كذلك بالفعل. ~~«جولييت، هذه آيرين إيفري.» # مدت جولييت يدها قدر المستطاع بينما كانت تحمل بينيلوبي، وحقيبة الحفاضات، وعندما رأت ~~أن آيرين لن تمد يدها بالمصافحة - أو ربما لم تلحظ نية جولييت على فعل ذلك - اكتفت ms083 ~~بالابتسام. ولكن آيرين لم ترد لها الابتسامة بأخرى. كانت تقف ساكنة في مكانها مخلفة ~~الانطباع بأنها تريد أن تفر هاربة. # قالت جولييت: «مرحبا.» # ردت آيرين بصوت مسموع بما يكفي، ولكنه خال من أي تعبيرات: «سعيدة لرؤيتك.» # قالت سارة: «آيرين، ملاكنا الطيب.» وتغير وجه آيرين قليلا، فقطبت جبينها وظهر عليها ~~بعض الإحراج. # لم تكن طويلة القامة كجولييت، ولكنها كانت ذات كتفين وفخذين أعرض منها، وذراعين قويتين، ~~وذقن حاد. كان شعرها أسود اللون، يتسم بالكثافة والنعومة، وقد عقصته من الخلف على هيئة ذيل ~~حصان قصير وثقيل، حواجبها سوداء اللون كثيفة تبدو عدوانية، وبشرتها من ذلك النوع الذي يكتسب ~~سمرة بسهولة. وكانت عيناها خضراوين أو زرقاوين لونهما فاتح يثير الدهشة لمخالفته لون ~~بشرتها، يصعب التطلع إليهما طويلا لفرط ما بهما من عمق شديد، ولأنها كانت تحني رأسها ~~قليلا وتدير وجهها جانبا. بدا حرصها شديدا ومتعمدا. # قال سام بابتسامته العريضة المتعمدة: «إنها تقوم بالكثير من الأعمال التي تفوق قدرة ~~الملاك، سأخبر العالم كله أنها تفعل ذلك.» # تذكرت جولييت بالطبع الآن أن الخطابات كان يرد بها ذكر امرأة كانت تأتي للمساعدة بسبب ~~التدهور الشديد في صحة سارة، لكنها اعتقدت أنها أكبر سنا، بالقطع لم تكن آيرين أكبر من ~~جولييت نفسها. # استقلا نفس السيارة البونتياك التي اشتراها سام مستعملة ربما منذ عشر سنوات، وظهرت آثار ~~لونها الأزرق الأصلي في صورة مسحات هنا وهناك، ولكن معظم اللون كان قد بهت، وتحول إلى ~~الرمادي، وكان من السهل رؤية تأثيرات الأملاح المستخدمة في الطريق أثناء الشتاء من خلال بعض ~~الصدأ الذي كسا دواخلها. # قالت سارة وقد تقطعت أنفاسها بعد المسافة القصيرة التي قطعتها سيرا من رصيف المحطة: ~~«الفرس الرمادية العجوز.» # قالت جولييت: «إنها لا تستسلم أبدا.» بدا الإعجاب من حديثها كما هو متوقع. كانت قد نسيت ~~أن هذا هو ما أطلقوه على السيارة من قبل، بالرغم من أن ذلك الاسم كانت هي من فكرت به ~~واختارته. # قالت سارة بعد أن استقرت في المقعد الخلفي بمساعدة آيرين: «أوه، إنها لا ms084 تستسلم أبدا، ~~ونحن لن نتخلى عنها أبدا.» # جلست جولييت في المقعد الأمامي - وهي تلاعب بينيلوبي - التي راحت بدورها تتذمر مرة أخرى. ~~كانت الحرارة داخل السيارة صادمة، بالرغم من أنها كانت واقفة ونوافذها مفتوحة تحت الظلال ~~المتفرقة لأشجار الحور بالمحطة. # قال سام وهو متردد بعض الشيء: «إنني أفكر حقيقة في أن أستبدلها بشاحنة.» # صاحت سارة قائلة: «لا، إنه لا يعني ذلك.» # لكن سام استطرد قائلا: «من أجل مصلحة العمل، سيكون هذا أكثر نفعا، وسنحصل على نوع من ~~الدعاية في كل مرة أقود بها الشاحنة عبر الطرقات، فقط من خلال الملصقات الموضوعة على ~~بابها.» # قالت سارة: «إنه يتعمد إغاظتي، كيف لي أن أقود سيارة مكتوبا عليها «خضراوات طازجة»؟ هل ~~من المفترض أن أكون أنا إذن ثمرة القرع أم تراني أنا الكرنب؟» # قال: «من الأفضل أن تهدئي الآن يا سيدتي، وإلا لن تتمكني حتى من التقاط أنفاسك عندما نصل ~~إلى المنزل.» # بعد قرابة نحو ثلاثين عاما من التدريس في المدارس العامة التي تنتشر في المدينة - منها ~~عشر سنوات في آخر مدرسة التحق بها - قرر سام فجأة أن يعتزل مهنة التدريس، ويتجه إلى نشاط ~~بيع الخضراوات لدوام كامل. كان دوما يزرع الكثير من الخضراوات في الحديقة، ويزرع التوت ~~البري في قطعة الأرض الخالية بجوار المنزل، وكانا يبيعان الفائض لقليل من الأشخاص بالجوار، ~~لكن تغير هذا الآن ليصبح بيع الخضراوات إحدى سبل كسب العيش وذلك من خلال البيع لمتاجر ~~البقالة، أو ربما فيما بعد ينصب كشكا صغيرا لعرض السلع قبالة البوابة الأمامية. # قالت جولييت بهدوء: «أأنت جاد بهذا الشأن؟» ~~«إنني جاد تماما.» ~~«لكن ألن تشعر أنك تفتقد التدريس؟» ~~«لا سأتركه تماما. لقد سئمت. لقد سئمت حتى النخاع.» # إنه حقا بعد كل تلك السنوات لم يعرض عليه في أي مدرسة شغل منصب المدير، كانت جولييت ~~تعتقد أن هذا هو مصدر استيائه. لقد كان مدرسا مميزا، وكل فرد يتذكر جيدا كيف كانت ~~تصرفاته مرحة ويشع طاقة؛ فالصف السادس لم يكن كشأن أي صف دراسي يمكن أن يمر ms085 به الطلبة في ~~حياتهم. وبرغم ذلك كان هناك من يتخطاه ويشغل ~~المنصب - مرات ومرات - وربما كان هذا هو السبب؛ ~~فالكثيرون ينظرون إلى طريقته على أنها تضعف من السلطات وتجعلها تبدو أقل فاعلية؛ لذا فمن ~~السهل تخيل أن رؤساءه يرون أنه ليس بالرجل الذي يمكن أن يوضع في منصب المسئولية، وربما يكون ~~ضرره في موقعه أقل بكثير من أي موقع إداري. # كان يحب العمل والأنشطة الخارجية، كان بارعا في التحدث مع الآخرين، وربما كان ماهرا في ~~بيع الخضراوات. # لكن سارة كانت تكره ذلك. # ولم تكن جولييت تحب ذلك أيضا، لكن لو كان عليها أن تختار، لاختارت الانحياز لجانبه. لم ~~تكن لتعتبر نفسها من الشخصيات المتكبرة. # والسبب الحقيقي وراء ذلك يكمن في أنها ترى نفسها - ترى نفسها هي وسام وسارة، وهي وسام ~~بوجه خاص - أسمى وأكثر تميزا في طريقتهم من أي فرد حولهم؛ لذا ماذا يضير في التجول ~~بالخضراوات؟ # تحدث سام بصوت أهدأ: «ما اسمها؟» # كان يقصد الرضيعة. ~~«بينيلوبي. لن نناديها أبدا ببيني. بينيلوبي فقط.» ~~«لا، أعني ... أعني اسمها الأخير.» ~~«أوه، إنه هندرسون بورتيوس على ما أظن، أو بورتيوس هندرسون، لكني أعتقد أنه سيكون صعبا ~~في النطق؛ وخاصة أننا قد أسميناها بينيلوبي بالفعل. نحن نعرف أن الاسم كبير، لكننا أردنا ~~اسم بينيلوبي. علينا أن نتعامل مع هذا بطريقة ما.» # قال سام: «إذن أعطاها اسمه، حسنا، هذا شيء جيد.» # اعترت جولييت الدهشة للحظة، ثم سرعان ما زالت. # قالت وهي تحاول التظاهر بالتحير والدهشة: «بالقطع أعطاها اسمه، إنها ابنته.» ~~«أوه، نعم، لكن بالنظر إلى الظروف ...» # قالت جولييت: «نسيت أمر هذه الظروف، إن كنت تعني حقيقة أننا لسنا متزوجين، فهذا شيء ~~قلما نضعه في اعتبارنا؛ ففي المكان الذي نحيا به، وبين الأشخاص الذين نعرفهم، هو أمر لا ~~يفكر به أحد على الإطلاق.» # قال سام: «لنفترض ذلك، ولكن هل كان متزوجا رسميا ممن سبقتك؟» # كانت جولييت قد حكت لهما عن زوجة إيريك التي كان يعتني بها خلال الثماني سنوات التي ~~عاشتها بعد الحادث الذي وقع لها. ms086 ~~«آن؟ لا أعرف حقيقة، لكن نعم، أعتقد أنه كان متزوجا بها.» # قالت سارة لمن يجلسان بالمقعد الأمامي: «ألن يكون من اللطيف أن نتوقف لتناول بعض من ~~المثلجات؟» # رد عليها سام قائلا: «لدينا الكثير منها في المبرد بالمنزل.» وأردف بصوت منخفض ~~موجها كلامه إلى جولييت على نحو صدمها: «اصطحبيها إلى أي مكان لتناول الحلوى وستقدم ~~استعراضا.» # كانت نوافذ السيارة لا تزال مفتوحة، وهبت الرياح الدافئة إلى داخل السيارة. كان الجو ~~صيفيا تماما؛ وهو موسم لا يأتي - حسبما رأت جولييت - إلى الساحل الغربي على الإطلاق. ~~انحنت الأشجار الصلبة بفروعها عند أطراف الحقول البعيدة، راسمة كهوفا من الظلال باللون ~~الأزرق الداكن، وظهرت المروج والمحاصيل أمامها بلونيها الأصفر والأخضر اللامعين يحتضنها ~~شعاع الشمس القوي. أما أعواد القمح والشعير والذرة والفول الفتية النشطة، فراحت تتمايل ~~بسرعة وتعكس بريقها في العيون. # قالت سارة: «ماذا يدور في المؤتمر المنعقد في المقعد الأمامي؟ ليس باستطاعتنا أن نسمع ~~بسبب الرياح.» # قال سام: «ليس ثمة ما يهم، كنت أسأل جولييت إن كان رفيقها لا يزال يمارس ~~الصيد؟» # كان إيريك يكسب قوت يومه من صيد القريدس، وكان يفعل ذلك منذ فترة طويلة. في يوم من الأيام ~~كان يدرس الطب، ولكن انتهى ذلك الأمر؛ لأنه أجرى عملية إجهاض لإحدى صديقاته (وليست ~~معشوقته). انتهت العملية بسلام، لكن كانت القصة قد عرفت. كان هذا شيئا أرادت جولييت أن ~~تفصح عنه لوالديها ذوي العقول المنفتحة. ربما أرادت بذلك أن تقدمه كرجل متعلم، وليس ~~مجرد صياد، ولكن ماذا يهم في ذلك؛ وبخاصة أن سام أصبح يبيع الخضراوات؟ بالإضافة إلى أن سعة ~~أفقهما لم تعد شيئا يعول عليه كما كانت تعتقد. ~~••• # كانت توجد أشياء أخرى للبيع أكثر من الخضراوات الطازجة والتوت البري، فتبين أن المطبخ ~~يحتوي على المربى، وزجاجات العصير، والمشهيات، وفي أول صباح أعقب زيارة جولييت كانت مربى ~~التوت تعد، وكانت آيرين هي المسئولة عن ذلك، كانت كنزتها مبتلة إما نتيجة البخار أو العرق، ~~والتصقت بجسمها ما بين لوحي الكتف. وبين الحين والآخر كانت آيرين تلقي ms087 نظرة سريعة على جهاز ~~التليفزيون الذي نقل من الحجرة الخلفية إلى مدخل المطبخ، وقد أصبح لزاما أن تقحم نفسك ~~بصعوبة وتلتف من حوله حتى تدلف إلى الحجرة. وكان يعرض على شاشة التليفزيون أحد برامج ~~الأطفال الصباحية التي تقدم حلقة «بول وينكل» الكرتونية، وكانت آيرين تطلق ضحكة عالية بين ~~الحين والآخر على حركات الشخصيات الكرتونية المضحكة، وكانت جولييت تضحك قليلا كي تبدو ~~ودودة، ولكن لم تلحظ آيرين ذلك. # كان لا بد من تنظيف سطح النضد حتى تتمكن جولييت من سلق بيضة وهرسها لتتناولها بينيلوبي في ~~الإفطار، ولكي تصنع بعض القهوة والخبز أيضا من أجلها. سألتها آيرين بصوت متردد: «هل هذه ~~المساحة الكافية؟» كما لو أن جولييت كانت دخيلة ومن الطبيعي ألا تتوقع احتياجاتها. # وبالاقتراب من آيرين يمكن رؤية بعض الشعر الأسود الناعم الذي نما على ساعديها، وهناك ~~أيضا بعض الشعر على وجنتيها أمام أذنيها مباشرة. # واستطاعت وهي تقف جانبا أن تراقب كل ما تفعله جولييت؛ فرأتها وهي تعبث بمقابض الموقد ~~(حيث لم تتذكر في البداية ما الشعلة التي يتحكم بها كل مقبض)، وراحت تتطلع لها وهي تنتشل ~~البيضة من القدر الصغيرة، وتنزع القشرة (التي التصقت هذه المرة، وخرجت على شكل فتات صغيرة، ~~بدلا من أن تخرج بسهولة على شكل قطع كبيرة)، ثم راقبتها وهي تختار أحد الأطباق كي تهرسها ~~فيه. ~~«أنت لا تريدينها أن تسقط ذلك الطبق على الأرض؟» كان هذا إشارة إلى الطبق الصيني الذي ~~اختارته جولييت. ثم استأنفت متسائلة: «ألم تحضري معك طبقا بلاستيكيا؟» # قالت جولييت: «سأراقبها.» # واتضح أن آيرين كانت أما هي الأخرى؛ فلديها صبي يبلغ من العمر ثلاث سنوات، وابنة لم ~~تبلغ عامين، وكان اسماهما تريفور وتريسي. لقي والدهما مصرعه الصيف الماضي في حادث بمزرعة ~~للدواجن حيث يعمل. وهي نفسها كانت تصغر جولييت بثلاثة أعوام؛ فكانت تبلغ الثانية والعشرين ~~من العمر. جاءت المعلومات بشأن الأطفال والزوج كإجابة على تساؤلات جولييت، واستطاعت أن تعرف ~~عمرها من خلال ما قالته لاحقا. # قالت جولييت: «إنني جد آسفة.» كانت تتحدث عن ms088 الحادثة، وشعورها بأنها كانت فظة بتطفلها، ~~وأنه نوع من الرياء أن تحاول مواساتها الآن. فقالت آيرين: «لا بأس. وقع الحادث في عيد ~~ميلادي الحادي والعشرين، كما لو أن المصائب تجتمع كما تتجمع الأحجار في القلادة.» # بعد أن تناولت بينيلوبي كل البيض الذي تقبلته، حملتها جولييت ساندة إياها على عظام ~~وركها وصعدت بها إلى الطابق العلوي. # وتنبهت في منتصف المسافة إلى أنها لم تغسل الطبق. # لم يكن هناك مكان تترك فيه الطفلة التي لم تمش بعد، لكنها كانت تزحف بسرعة كبيرة، ولم ~~يكن من الممكن بالطبع أن تتركها في المطبخ حتى ولو لمدة خمس دقائق وسط المياه التي تغلي في ~~المعقم، والمربى الساخنة، والسكاكين الحادة، وسيكون عبئا إضافيا على آيرين لو طلبت منها ~~أن تراقبها. وكان أول شيء فعلته بينيلوبي هذا الصباح هو رفض صداقة سارة؛ لذا حملتها جولييت ~~وصعدت بها السلم الذي يؤدي إلى الغرفة العلوية أسفل السقف مباشرة - وأغلقت الباب وراءها - ~~ووضعتها على الدرج لتلهو، بينما راحت هي تبحث عن بيت اللعب القديم، ولحسن الحظ كانت ~~بينيلوبي خبيرة في اللعب على الدرج. # كان المنزل على ارتفاع طابقين، وكانت الغرفه ذات سقف عال ولكنها كانت مربعة، أو هكذا ~~تبدو لجولييت الآن، وكان السقف مائلا بشدة، فيكون بإمكانك أن تتجول في منتصف الغرفة ~~العلوية. وقد اعتادت جولييت أن تفعل هذا عندما كانت طفلة صغيرة؛ فكانت تتجول بالغرفة وهي ~~تقص لنفسها بعض الحكايات التي قرأتها، مع بعض الإضافات أو التعديلات، وكانت ترقص أيضا أمام ~~جمهور خيالي. وكان الجمهور الحقيقي يتكون من قطع الأثاث المكسورة أو المهملة؛ حقائب قديمة، ~~معطف ثقيل وضخم من فراء الجاموس الأبيض، بيت خشبي لطائر السنونو الأرجواني (وكان هدية من ~~أحد طلاب سام منذ فترة طويلة، والذي فشل في اجتذاب أي من طيور السنونو)، خوذة ألمانية من ~~المفترض أن جد سام أحضرها من الحرب العالمية الأولى، لوحة كوميدية على نحو غير مقصود ~~لهاو تعبر عن غرق سفينة «إمبراطورة أيرلندا» في خليج سانت لورانس، بينما تقفز منها ~~شخصيات صغيرة الحجم ms089 في كل اتجاه. # وهناك كانت لوحة «أنا والقرية» موضوعة أمام الحائط، ووجهها للأمام؛ لم يكن هناك أي محاولة ~~لإخفائها، ولم تكن تعلوها ذرات الغبار؛ مما يعني أنها لم توضع هنا منذ فترة طويلة. # عثرت على صندوق اللعب بعد دقائق من البحث. لقد كان عبارة عن قطعة ثقيلة من الأثاث، له ~~أرضية من الخشب، وجوانبه على هيئة أعمدة ملتفة. ثم وجدت عربة الأطفال. احتفظ والداها بكل ~~شيء؛ لأنهما كانا يتطلعان لإنجاب طفل آخر، غير أن أمها عانت من إجهاض حملها لمرة أو أكثر. ~~وكانت الضحكات التي تملأ فراشهما في صباح أيام الآحاد، تشعر جولييت كما لو أن المنزل قد ~~احتله نوع من الإزعاج الخفي، بل والمخزي الذي لا يروق لها على الإطلاق. # كانت عربة الأطفال من ذلك النوع الذي يمكن طيه وفرده، كان هذا شيئا نسيته جولييت أو ~~ربما لم تكن تعرف بوجوده. وعليها الآن بعد أن تصبب منها العرق وعلاها الغبار أن تعمل لكي ~~تتمكن من فردها. لم تكن هذه المهمة هينة بالنسبة لها، ولم تكن تجيد فهم طريقة تركيب ~~الأشياء معا على نحو سريع، كان بإمكانها أن تقوم بجرها لأسفل، وتذهب إلى الحديقة، وتطلب ~~مساعدة سام، لولا أنها فكرت في آيرين؛ آيرين وعينيها الباهتتين المختلجتين، ونظراتها الحادة ~~غير المباشرة، ويديها الماهرتين، ومراقبتها التي شابها شيء لم تستطع القول بأنه قد ينطوي ~~على الازدراء. لم تعرف جولييت ما الذي يمكن أن يوصف به ذلك؛ إنه سلوك ينم عن اللامبالاة، ~~وينطوي في الوقت نفسه على التصلب والعناد كأسلوب القط تماما. # استطاعت جولييت أخيرا أن تقوم بفرد عربة الأطفال. كانت ثقيلة الوزن، وتكاد تكون أكبر من ~~حجم العربة التي اعتادت عليها بمرة ونصف، وكانت متسخة بالطبع. وبينما هي تجلس بمفردها الآن، ~~وبينيلوبي تحبو على الدرج، وإلى جوار يد الطفلة كان هناك شيء لم تلاحظه جولييت، كان هناك ~~مسمار؛ فهو من بين تلك الأشياء التي لا تلاحظها حتى يكون عندك طفل في مرحلة التقاط الأشياء ~~ووضعها في الفم، ويكون عليك أن تراقبه طوال ms090 الوقت. # لكنها لم تكن تراقبها؛ فكل شيء كان يشتت انتباهها؛ الحرارة، وآيرين، وتلك الأشياء ~~المألوفة والأخرى غير المألوفة و... ~~«أنا والقرية». ~~••• # قالت سارة: «كنت آمل ألا تلاحظي. لا تأخذي الأمر على محمل الجد.» # أصبحت الغرفة المشمسة الآن هي غرفة نوم سارة، وكانت الستائر المصنوعة من الخيزران المعلقة ~~على كل النوافذ تلقي على الغرفة الصغيرة - التي ~~كانت يوما جزءا من الشرفة - ضوءا أصفر داكنا، وحرارة معتدلة. وبرغم هذا، كانت سارة ~~ترتدي منامة من الصوف وردية اللون، وقد بدت لجولييت بالأمس في المحطة بحاجبيها الرفيعين ~~المحددين بالقلم، وأحمر شفاهها المائل إلى الحمرة، وبقبعتها وحلتها وكأنها امرأة فرنسية ~~عجوز (بالرغم من أن جولييت لم تر الكثير من النساء الفرنسيات المتقدمات في العمر)، لكنها ~~تبدو الآن بشعرها الرمادي المسترسلة خصلاته، وعينيها اللامعتين اللاهثتين تحت حواجب تكاد ~~تكون مختفية، وكأنها طفلة عجوز غريبة الشكل. كانت تسند ظهرها إلى الوسائد والألحفة تغطيها ~~حتى وسطها، وعندما صحبتها جولييت إلى دورة المياه قبلها بفترة اكتشفت أن سارة ترتدي جوارب ~~قصيرة وخفا وهي في فراشها بالرغم من أن الطقس كان حارا. # بجوار فراشها وضع مقعد مستقيم الظهر؛ حيث كان من الأيسر لها أن تصل يدها إلى قاعدته ~~بدلا من المائدة، وقد وضعت عليه أقراص وزجاجات من الدواء، وبودرة تلك، وسائل مرطب، وقدح ~~من الشاي بالحليب الذي شرب نصفه فقط، وكوب به بعض من بقايا أحد المقويات داكنة اللون، ~~ربما كان الحديد. وأعلى الفراش مجموعة من المجلات؛ نسخ قديمة من مجلة فوج، وليديز هوم ~~جورنال. # قالت جولييت: «أنا لا آخذه على محمل الجد.» ~~«لقد قمنا بتعليقها بالفعل، وكانت موضوعة في البهو الخلفي بجوار باب غرفة المعيشة، ثم ~~أنزلها أبوك.» ~~«لم؟» ~~«لم يقل لي شيئا بشأنها، لم يخبرني بأنه سيفعل ذلك، وذات يوم لم أجدها في ~~مكانها.» ~~«ولم أنزلها من على الجدار؟» ~~«أوه، ربما لديه أفكار ما بشأنها.» ~~«أي نوع من الأفكار هذه؟» ~~«أوه، أعتقد أنه شيء له علاقة بآيرين؛ فربما تسبب بعض الإزعاج لآيرين.» ~~«إنها لا تحوي أي رسومات عارية؛ ms091 فهي ليست كلوحات بوتيتشيلي.» # بالفعل كانت توجد لوحة له تحمل عنوان مولد فينوس، معلقة في غرفة المعيشة الخاصة بسام ~~وسارة، وكانت مثار التندر في المناسبات التي يدعون فيها بعض المدرسين إلى العشاء. ~~«لا، ولكنها «حديثة»، وأعتقد أنها لا تشعر أباك بالراحة، أو ربما ينظر إليها من وجهة ~~نظر آيرين، وهو الأمر الذي جعله يشعر بالانزعاج، أو لعله خشي أن تشعرها بنوع من الازدراء ~~تجاهنا؛ بمعنى أن تشعر بأننا قد نكون غريبي الأطوار، وهو لا يحب أن تعتقد آيرين ~~ذلك.» # قالت لها جولييت: «تقصدين نوع الأشخاص الذين يضعون هذا النوع من اللوحات؟ تعنين أنه يهتم ~~إلى هذه الدرجة بما تعتقده آيرين في لوحاتنا؟» ~~«أنت تعرفين أباك.» ~~«إنه لا يخشى الاختلاف مع الأشخاص. ألم تكن تلك هي المشكلة التي يواجهها دوما في ~~عمله؟» # قالت سارة: «ماذا؟ نعم بإمكانه الاختلاف مع الآخرين، لكنه يتحلى بالحرص في بعض الأحيان. ~~وبالنسبة لآيرين، فهو حريص معها؛ إنها تمثل قيمة كبيرة بالنسبة لنا.» ~~«هل دار بخلده أنه يمكن أن تترك آيرين العمل بسبب وجود لوحة غريبة لدينا.» ~~«كنت لأتركها في مكانها يا عزيزتي. إنني أقدر أي شيء تحضرينه لنا. لكن أباك ...» # لم تتفوه جولييت بشيء؛ فمنذ أن كانت في التاسعة أو العاشرة من عمرها حتى الرابعة عشرة، ~~أصبح لديها هي وسارة تفهما مشتركا بشأن سام، يتلخص في «أنت تعرفين أباك.» # كان هذا هو الوقت الذي تعاملتا فيه معا كامرأتين ناضجتين؛ فكانت سارة تضع مواد تمويج ~~الشعر على شعر جولييت الناعم العنيد، أما جلسات الحياكة فكانت تنتج عنها ملابس لا يرتدي ~~مثيلها أحد. وعن العشاء في الأمسيات التي كان سيمكث فيها سام لوقت متأخر بالخارج لحضوره أحد ~~الاجتماعات بالمدرسة، فكان عبارة عن شطائر زبدة الفول السوداني مع الطماطم والمايونيز، وقصص ~~ترويها سارة لجولييت، وتعيد روايتها عن أصدقائها وصديقاتها القدامى، والنكات التي كانوا ~~يلقونها، والأوقات الممتعة التي أمضوها في الأيام التي عملت فيها سارة كمدرسة أيضا قبل أن ~~تعاني من مشاكل في القلب، بل وقصص تحكيها عن أوقات سبقت ms092 ذلك؛ تلك الأوقات التي كانت تستلقي ~~في فراشها وهي تعاني من الحمى الروماتيزمية، وتتخيل وجود صديقين متخيلين هما رولو وماكسين ~~اللذان كان باستطاعتهما حل كل الألغاز، بل وجرائم القتل، مثلهما مثل بعض الشخصيات في كتب ~~الأطفال. لمحات سريعة عن مغازلات سام وحبه المتهور، والكوارث التي أحدثها بالسيارة ~~المستعارة، والوقت الذي كان يظهر فيه أمام منزلها وهو متنكر في زي أحد المتشردين. # كانت سارة وجولييت تصنعان الحلوى معا، ~~والشرائط المزينة لزخرفة أثوابهما الداخلية. لقد ارتبطت كل منهما بالأخرى ارتباطا ~~شديدا. وفجأة، لم تعد جولييت كسابق عهدها؛ فقد أرادت بدلا من ذلك أن تتجاذب الحديث مع سام ~~في وقت متأخر من الليل في المطبخ؛ لتسأله عن الثقوب السوداء في الفضاء، والعصر الجليدي، ~~والرب. لقد كانت تبغض أسلوب سارة في التقليل من أهمية حديثهما بتساؤلاتها الساذجة التي تتسع ~~لها عيناها، وهو الأسلوب الذي حاولت من خلاله إدارة دفة الحديث نحوها؛ ولهذا كانت الحوارات ~~تتم في وقت متأخر من الليل، وكان لا بد من وجود نوع من التفاهم لم يتحدث عنه كلاهما أمام ~~سارة. «انتظري حتى نتخلص من سارة.» وكان هذا لبعض الوقت بالطبع. # لكن كانت هناك تذكرة لها بأحد الأمور أثناء ذلك: «عليك أن تكوني أكثر لطفا مع سارة؛ ~~إنها خاطرت بحياتها لتحظى بك، هذا أولى أن تضعيه نصب عينيك.» # قالت سارة وهي تأخذ نفسا عميقا: «أبوك لا يعبأ بالخلاف مع من هم يفوقونه في المستوى، ~~لكنك تعرفين كيف يكون تعامله مع من هم أدنى منه، فإنه يفعل أي شيء ليتأكد من أنهم لا ~~ينتابهم الشعور بأنه يفوقهم بأي صورة، فهو يحاول أن يقترب من مستواهم ...» # كانت جولييت تدرك ذلك جيدا بالطبع؛ فهي تعرف كيف كان يتحدث إلى الصبي الذي يقف في محطة ~~ضخ الوقود، وأسلوب مزاحه في متجر الأدوات المنزلية، لكنها لم تقل شيئا. # قالت سارة وقد تغيرت لهجتها فجأة، وأطلقت ضحكة مكتومة تنطوي على بعض من خبث: «كان عليه في ~~بعض الأحيان أن ينافقهم لاقتناص قلوبهم.» ~~••• # نظفت جولييت عربة الأطفال ، ثم ms093 اغتسلت هي وبينيلوبي أيضا، ثم شرعت في التجول حول ~~المدينة، وكانت حجتها أنها تحتاج ماركة بعينها من الصابون المطهر الذي تغسل به حفاضات ~~ابنتها؛ لأنها إن استعملت الصابون العادي فربما تصاب الطفلة بطفح جلدي. # لكن في حقيقة الأمر كانت لديها أسباب أخرى؛ أسباب مخجلة، لكنها لا تقاوم. # كان هذا هو الطريق الذي ظلت تقطعه لسنوات عند ذهابها للمدرسة، وحتى عندما التحقت ~~بالجامعة، وكانت تأتي للمنزل في زيارات، ظلت كما هي؛ فتاة تذهب للمدرسة. سأل أحدهم سام ذات ~~مرة عند فوزها بجائزة الترجمة اللاتينية التي تجرى بين الكليات قائلا: «ألن تنهي ذهابها ~~للمدرسة؟» ورد هو قائلا: «أخشى ألا تفعل.» كان يقص تلك القصة عن نفسه، وكان لا يرغب أبدا ~~في أن يقص أمر تلك الجوائز على أحد، كان يترك سارة تفعل ذلك، بالرغم من أن سارة كانت تنسى ~~السبب الذي منحت الجائزة من أجله. # وها هي الآن قد تحررت؛ تدفع برضيعتها أمامها كأي امرأة أخرى، تهتم بأمر صابون الحفاضات؛ ~~فهي ليست رضيعتها فحسب، بل ثمرة عشقهما غير المكلل بالزواج. كانت في بعض الأحيان تتحدث بهذا ~~الأسلوب عن بينيلوبي مع إيريك فحسب. كان يأخذ كلامها على أنه مزحة، كانت هي ذاتها تقوله ~~كمزحة؛ لأنهما بالطبع يعيشان معا، وقد عاشا معا لبعض الوقت، ويعتزمان أن يظلا معا. ~~وحقيقة أنهما غير متزوجين لم تكن تعني له الكثير، على حد علمها هي، بل إنها هي ذاتها كانت ~~تغفلها في بعض الأحيان، ولكن بين الحين والآخر؛ وخاصة الآن وهي في بلدتها، فإن حقيقة عدم ~~زواجها تمنحها بعض الشعور بالاستقلالية؛ نفحة قليلة من السعادة لا تفهم كنهها. ~~••• # قال سام: «إذن، لقد خرجت إلى الشارع اليوم؟» (هل كان دوما يقول الشارع؟ جولييت وسارة ~~تقولان المدينة!) ثم تساءل: «أرأيت أحدا تعرفينه؟» # قالت جولييت: «كان علي الذهاب إلى الصيدلية؛ لذا تحدثت إلى تشارلي ليتل.» # دار هذا الحوار بينهما في المطبخ، بعد أن تجاوزت الساعة الحادية عشرة ليلا، وقد قررت ~~جولييت أن هذا هو أفضل وقت لإعداد زجاجات رضاعة بينيلوبي لليوم ms094 التالي. # قال سام: «تشارلي الصغير»، وكان لا يزال متمسكا بتلك العادة التي لم تكن تذكرها، وهي ~~مناداة الأشخاص بأسماء التدليل التي أطلقت عليهم أيام الدراسة، وأردف قائلا: «هل أعجبته ~~ابنتك؟» ~~«بالطبع.» ~~«ربما كثيرا.» # كان سام يجلس قبالة المائدة، يحتسي بعضا من الويسكي، ويدخن سيجارة، وكان تناوله للويسكي ~~شيئا جديدا. كان والد سارة مدمنا للخمر - غير ~~أنه لم يكن مدمنا بلا مصدر للرزق؛ لأنه استمر يمارس عمله كطبيب بيطري، لكنه كان يتسبب في ~~إحداث الذعر بالمنزل بصورة جعلت ابنته تفزع من تناول الخمر - لذا فإن سام لم يعتد على ~~احتساء الكثير حتى من الجعة أو على الأقل في المنزل على حد علم جولييت. # كانت جولييت قد ذهبت إلى الصيدلية؛ لأنها المكان الوحيد الذي يمكن ابتياع صابون الحفاضات ~~منه. لم تكن تتوقع أن ترى تشارلي هناك بالرغم من أنه متجر عائلته، وآخر ما سمعته عنه، هو ~~أنه سيصبح مهندسا. وذكرت له ذلك عندما رأته اليوم، ربما بأسلوب خال من الكياسة، لكنه كان ~~سلسا ولطيفا عندما أخبرها بأن الأمر لم ينجح. كان قد اكتسب بعض الوزن عند منطقة الوسط، ~~وقلت كثافة شعره، وفقد بعضا من تموجه ولمعانه. حيا جولييت بحرارة، مبديا بعض الإطراء ~~والتملق لها وللطفلة؛ مما أربكها لدرجة أنها شعرت ببعض الحرارة التي انبعثت من وجهها ~~ورقبتها، وسال منها بعض العرق طيلة الوقت الذي تحدث فيه إليها. في المدرسة الثانوية، لم ~~يكن لديه وقت من أجلها؛ فيما عدا أنه كان يحييها تحية مهذبة؛ حيث إن أسلوبه كان دوما ~~لطيفا محبوبا. كان يرافق أكثر الفتيات جاذبية في المدرسة، وهو الآن متزوج من واحدة منهن، ~~وذلك كما أخبرها؛ وهي جيني بييل، ولديهما طفلان؛ أحدهما في عمر بينيلوبي، والآخر يكبرها. ~~كان هذا هو السبب - كما قال لها بصراحة بدت أنها نابعة من موقف جولييت المشابه - الذي جعله ~~لم يستكمل دراسته ليصبح مهندسا. # والآن استطاع أن يحصل على ابتسامة، ثم ضحكة عالية من بينيلوبي، ثم تحدث مع جولييت كأب ~~مثلها؛ شخص في نفس مستواها. انتابها شعور ms095 أبله بالسرور وبإشباع غرورها، لكن ثمة أمرا ~~آخر جذب انتباهها أكثر من هذا؛ وهو نظرته الخاطفة إلى يدها اليسرى التي لا يزينها أي ~~خاتم، وتندره بشأن زواجه. وكان هناك شيء آخر، لقد أطرى عليها ومدحها، بأسلوب خفي؛ ربما ~~لأنه يراها الآن امرأة مكتملة الأنوثة ولا تخجل من ثمرة ارتباطها غير الشرعي. جولييت التي ~~كانت من بين كل الأشخاص الطالبة الخرقاء. # سأل عندما انحنى يتطلع إلى بينيلوبي: «هل تشبهك؟» # قالت جولييت بتلقائية، ولكن بفيض من الفخر والكبرياء، وقد التمعت حبات العرق على شفتها ~~العليا: «إنها تشبه أباها أكثر.» # قال تشارلي وقد انتصب واقفا، وراح يتحدث كمن يقول سرا: «أحقا؟ سأخبرك شيئا، أعتقد ~~أنه من المخجل أن ...» ~~••• # قالت جولييت لسام: «لقد قال لي إنه من المخجل ما حدث لك.» ~~«أقال هذا حقا؟ وبماذا أجبت على ذلك؟» ~~«لم أكن أعرف بماذا أجيب، لم أكن أعرف ما يقصده، لكني لم أكن أرغب في أن يفهم أني لا ~~أعرف.» ~~«بالطبع لا.» # جلست إلى الطاولة وقالت: «أرغب في بعض الشراب، لكني لا أحب الويسكي.» ~~«إذن فأنت تشربين الآن أيضا.» ~~«أحتسي النبيذ فقط، ونحن نصنع النبيذ بأنفسنا، وهكذا يفعل الجميع في ويل باي.» # ثم راح يقص عليها مزحة، وهي من النوع الذي لم يكن يخبرها به من قبل، عن اثنين ذهبا إلى ~~أحد الفنادق الصغيرة، ختمها بقوله: «لذا، الأمر مثلما أخبر دوما طالباتي في دروس تعليم ~~المسيحية يوم الأحد، ليس بتناول الشراب وتدخين السجائر يكون قضاء الأوقات الطيبة.» # ضحكت، ولكنها شعرت بحرارة في وجهها مثلما حدث مع تشارلي. # قالت: «لماذا تركت عملك، هل تركته بسببي؟» # ضحك سام وقال: «أوه، مهلا، لا تعتقدي أنك على ذلك القدر من الأهمية. لم يستغن عني، ~~ولم أفصل.» ~~«حسنا، فأنت من تركت الوظيفة.» ~~«نعم، تركت العمل.» ~~«هل لهذا علاقة بي؟» ~~«لقد تركت العمل لأنني سئمت من أن يظل ذلك الحبل الملعون ملفوفا حول عنقي دائما. ظللت ~~لسنوات على شفا ترك العمل.» ~~«ألهذا علاقة بي؟» # قال سام: «حسنا، دخلت في جدال، وهنالك أشياء ms096 قيلت.» ~~«أي أشياء هذه؟» ~~«ليس من الضروري أن تعرفي.» # ثم قال بعد لحظة توقف: «ولا تقلقي، فهم لم يفصلوني، لم يكن باستطاعتهم الإقدام على فعل ~~ذلك؛ فهناك قوانين تحكم هذه الأمور، وكما أخبرتك من قبل، لقد كنت على استعداد لترك الوظيفة ~~على أي حال.» # قالت جولييت: «لكنك لا تدرك، إنك لا تدرك كم الحماقة والغباء في ذلك، ويا له من مكان ~~مقزز ذلك الذي تعيشون فيه! حيث يتحدث الناس عن مثل تلك الأمور والموضوعات، وكيف يكون الأمر ~~إن أخبرتهم بأنني أعلم ذلك، لن يصدقوا بالطبع، سيكون الأمر حينها أشبه بالمزحة.» ~~«حسنا، لسوء الحظ أنني وأمك لا نعيش حيث تعيشين أنت. إننا نعيش هنا. هل يعتقد رفيقك أن ~~الأمر أشبه بالمزحة أيضا؟ لا أريد أن أتحدث بشأن هذا الأمر ثانية الليلة. سآوي إلى فراشي، ~~سأذهب أولا لألقي نظرة على والدتك ثم آوي إلى الفراش.» # قالت جولييت بطاقة متواصلة، وقد غلب عليها بعض الازدراء: «إن قطار المسافرين لا يزال يمر ~~من هنا، أليس كذلك؟ لم تكن تريدني أن أتوقف وأنزل هنا، أليس هذا هو الأمر؟» # لم يجبها أبوها بشيء وهو في طريقه لمغادرة الحجرة. ~~••• # تسلل آخر ضوء في المدينة من الشارع إلى فراش جولييت الآن. كانت شجرة القيقب الناعمة ~~الضخمة قد قطعت، وحل محلها بعض من أعشاب الراوند الخاصة بسام. وفي البارحة، كانت قد ~~أسدلت الستائر لتظلل الفراش، لكنها شعرت الليلة بأنها ترغب في استنشاق بعض من الهواء ~~المنعش؛ لذا كان عليها أن تغير من وضع الوسائد وتضعها على الناحية الأخرى من الفراش على ~~الطرف الآخر من الفراش، وكذا فعلت مع بينيلوبي التي كانت تغط في النوم كالملاك، وغطى وجهها ~~كله الضوء المنبعث من الخارج. # تمنت لو أنها ارتشفت بعضا من الويسكي؛ إذ كانت متصلبة في فراشها من الغضب والإحباط، ~~تسطر في ذهنها كلمات خطابها لإيريك. «لا أدري ماذا أفعل هنا. ما كان ينبغي لي أن آتي من ~~الأساس. لا أطيق انتظارا حتى أعود للمنزل.» # المنزل. ~~••• # عند بزوغ ضوء الصباح الخافت ، استيقظت ms097 جولييت على صوت المكنسة الكهربائية، ثم صوت - صوت ~~سام - ينبعث ويقطع تلك الضوضاء، ثم لا بد وأنها واصلت نومها مرة أخرى؛ حيث ظنت عندما ~~استيقظت بعد ذلك بفترة، أنه كان من المؤكد حلما، وإلا لكانت بينيلوبي استيقظت، لكنها لم ~~تفعل. # كان المطبخ أكثر برودة هذا الصباح، ولم يعد ممتلئا برائحة الفاكهة المطبوخة. كانت آيرين ~~تقوم بتثبيت بعض الأغطية الصغيرة المصنوعة من القماش القطني ذي المربعات، والملصقات على ~~برطمانات المربى. # قالت جولييت وهي تتصنع البهجة: «هيئ لي أني سمعتك تنظفين بالمكنسة، لا بد وأني كنت ~~أحلم، كان هذا في حوالي الخامسة صباحا.» # ظلت آيرين صامتة للحظة؛ حيث كانت تقوم بالكتابة على أحد الملصقات. كانت تكتب بتركيز شديد، ~~وهي تعض على شفتها بأسنانها. # قالت عندما انتهت: «لقد كانت هي، أيقظت أباك وكان عليه أن يذهب إليها ويجعلها تتوقف عن ~~ذلك.» # بدا أنه من غير المحتمل أن تفعل ذلك؛ إذ لم تغادر سارة فراشها البارحة إلا لكي تذهب إلى ~~دورة المياه. # قالت آيرين: «أخبرني بأنها تستيقظ في منتصف الليل وتعتقد أنه عليها أن تفعل شيئا، ثم ~~يضطر للاستيقاظ وجعلها تتوقف عما تفعله.» # قالت جولييت: «لا بد وأنها تنتابها دفقة من الطاقة حينها.» # قالت آيرين وهي تواصل الكتابة على ملصق آخر: «نعم.» وعندما انتهت استدارت بوجهها نحو ~~جولييت. ~~«إنها تريد أن توقظ أباك وتجذب انتباهه، هذا كل ما في الأمر، ويكون هو في شدة التعب، لكنه ~~يضطر للنهوض والذهاب إليها.» # سارت جولييت مبتعدة قليلا. لم تكن تريد أن تنزل بينيلوبي - وكأن الطفلة لن تكون بأمان ~~في المطبخ - فحملتها ساندة إياها على جنبها بيد بينما كانت تنتشل البيضة بملعقة، ثم تقوم ~~بتقشيرها وهرسها باليد الأخرى. # وبينما كانت تطعم بينيلوبي خشيت أن تتحدث حتى لا تنزعج الرضيعة من طبقة صوتها وتشرع في ~~النحيب والصراخ. ومع ذلك، ثمة شيء أرادت أن تقوله لآيرين، فقالت بصوت خافت لكنه ينطوي ~~على بعض التحدي: «هذا هو ما يئولون إليه؛ فعندما يمرضون بهذا الشكل، لا يكون باستطاعتهم كبح ~~جماح أنفسهم ، ولا ms098 يكون بإمكانهم التفكير في أحد سوى ذاتهم فقط.» ~~••• # كانت عينا سارة مغلقتين، لكنها فتحتهما على الفور وقالت وكأنها تضحك على نفسها: «أوه، ~~أحبائي الأعزاء، جولييت، بينيلوبي.» # بدا وكأن بينيلوبي قد اعتادت عليها؛ فهي على الأقل لم تشرع في البكاء هذا الصباح أو تشيح ~~بوجهها بعيدا. # قالت سارة وهي تمد يدها نحو إحدى المجلات: «أنزليها هنا، ودعيها تعبث بهذه.» # بدت بينيلوبي متشككة للحظات، ثم جذبت صفحة ومزقتها بتحمس ونشاط. # قالت سارة: «ها قد بدأت، كل الأطفال يهوون تمزيق المجلات. أتذكر هذا جيدا.» # على المقعد الموضوع بجوار الفراش وضع صحن من كريمة القمح، بالكاد مسته وتناولت منه ~~شيئا. # قالت جولييت: «إنك لم تتناولي فطورك، أليس هذا ما رغبت بتناوله؟» # نظرت سارة باتجاه الصحن كما لو أنها تستحضر شيئا هاما، لكنها لم تستطع أن ~~تتذكره. # قالت: «لا أتذكر، أعتقد أنني لم أكن أريده.» وانتابتها نوبة من الضحك واللهاث: «من يدري؟ ~~جال بذهني أنها ربما دست لي السم.» # قالت عندما استعادت هدوءها: «إنني أمزح فقط. لكن آيرين عنيفة، لا ينبغي أن نقلل من قدر ~~تلك المرأة. أرأيت الشعر الذي يملأ ذراعيها؟» # قالت جولييت: «إنه مثل شعر القطط.» ~~«مثل حيوان الظربان.» ~~«علينا أن نأمل ألا يتساقط أي منه في المربى.» ~~«لا تجعليني ... أنفجر في الضحك ثانية.» # انهمكت بينيلوبي انهماكا شديدا في تمزيق المجلات، لدرجة أنه كان بمقدور جولييت بعد فترة ~~أن تتركها في غرفة سارة لتحمل صحن كريمة القمح وتذهب به إلى المطبخ. ودون أن تقول شيئا، ~~شرعت في إعداد مخفوق البيض بالحليب المحلى. وكانت آيرين تغدو جيئة وذهابا حاملة صناديق ~~المربى من المطبخ إلى السيارة. وعند السلالم الخلفية، راح سام يروي الأرض التي تحتضن حبات ~~البطاطس المزروعة حديثا، وشرع يغني، ولكن بصوت خفيض في البداية يصعب معه تبين كلماته، ثم ~~عندما صعدت آيرين الدرج علا صوته قائلا: # ليلة سعيدة آيرين # ليلة سعيدة آيرين # طابت ليلتك آيرين، طابت ليلتك آيرين # سأراك في أحلامي آيرين. # استدارت آيرين نحوه وهي لا تزال في المطبخ وراحت تصرخ قائلة: ms099 «لا تردد ~~هذه الأغنية التي تتحدث عني.» # قال سام بدهشة مصطنعة: «أي أغنية تلك التي تتحدث عنك؟ من الذي يتغنى بأغنية عنك؟» ~~«أنت، كنت تغني لتوك أغنية عني.» ~~«أوه، تلك الأغنية عن آيرين؟ الصبية التي في الأغنية؟ أوه، يا للعجب! لقد نسيت أن هذا ~~اسمك أيضا.» # ثم شرع في الغناء ثانية، لكن بهمهمة وخلسة هذه المرة. وقفت آيرين تسترق السمع، واندفع ~~الدم في وجنتيها، وراح صدرها يعلو وينخفض، على وشك الانقضاض إن سمعت كلمة واحدة. ~~«لا تردد أغنية عني. إن ذكر اسمي بها، فإذن هي عني.» # وفجأة انفجر سام يغني بكامل قوته: # تزوجت يوم السبت الماضي، # سيستقر بي المقام أنا وزوجتي. # صرخت آيرين واتسعت حدقتا عينيها، واستشاطت غضبا وقالت: «توقف عن ذلك، إن ~~لم تتوقف سآتي إليك وأسلط خرطوم المياه عليك.» ~~••• # كان سام يسلم المربى بعد الظهيرة لمتاجر بقالة عدة، والقليل من محال الهدايا التي كانت ~~قد طلبت بعضا منها، ودعا جولييت لكي تصحبه. وكان سام قد ذهب إلى متجر الأدوات المنزلية ~~وابتاع مقعد سيارة جديدا للأطفال من أجل بينيلوبي. # قال: «هذا هو الشيء الوحيد الذي لم يكن لدينا في الغرفة العلوية؛ فعندما كنت صغيرة، لم ~~أكن أدري إن كان لديهم مقاعد سيارة للأطفال أم لا، على أي حال لم يكن ذلك يهم كثيرا، فلم ~~يكن لدينا سيارة.» # قالت جولييت: «إنه أنيق للغاية، أتمنى ألا يكون كلفك نقودا كثيرة.» # قال سام وهو يدخلها السيارة: «إنه شيء تافه.» # كانت آيرين في الحقل تلتقط بعض التوت، وقد اعتزمت أن تخصصها لصنع الفطائر. أطلق سام بوق ~~السيارة مرتين ولوح بيديه وهما ينطلقان، وقررت آيرين أن تظهر استجابتها هذه المرة، فرفعت ~~ذراعها تلوح كما لو أنها تهش ذبابة. # قال سام: «إنها شديدة الاعتداد بذاتها، لا أدري كيف كنا سنعيش بدونها، ولكني أتصور أنك ~~ترينها فظة معك.» ~~«إنني بالكاد أعرفها.» ~~«لا، إنها تخافك بشدة.» ~~«بالقطع لا.» وفي محاولة للتفكير في سبب للمديح، أو على الأقل شيء محايد تقوله عنها، راحت ~~تسأل عن الكيفية التي قتل ms100 بها زوجها في مزرعة الدواجن. ~~«لست أدري إن كان من النوع الإجرامي أم أنه كان طائشا فحسب. على أي حال فقد دخل إلى ~~المزرعة مع بعض الحمقى الذين كانوا يخططون بدورهم لسرقة بعض الدجاج، وبالطبع دق جرس ~~الإنذار وخرج المزارع وفي يده بندقيته، وسواء أكان ينوي قتله أم لا، فقد فعل ...» ~~«يا إلهي!» ~~«وهكذا، ذهبت آيرين وأصهارها إلى المحكمة، ولكن الرجل أخلي سبيله. بالطبع كان ذلك سيحدث. ~~ومن المؤكد أن الأمر كان قاسيا بالنسبة لها، حتى لو بدا أن الرجل لم يكن بالمكسب ~~الكبير.» # قالت جولييت بالطبع كان الأمر كذلك، وسألته إن كانت آيرين ممن درس لهم في ~~المدرسة. ~~«لا، لا. إنها بالكاد التحقت بالمدرسة، بقدر ما فهمت.» # قال إن عائلتها تعيش في الشمال، في مكان ما بالقرب من هانتسفيل، نعم في مكان ما بالقرب من ~~هناك. وفي يوم من الأيام ذهبوا جميعا إلى المدينة؛ الأب، والأم، والأطفال. أخبرهم الأب أن ~~لديه بعض الأشياء التي عليه أن يتمها، وسيقابلهم بعد فترة وجيزة، وحدد لهم المكان والزمان ~~الذي سيتقابلون فيه. وهكذا راحوا يتجولون وليس معهم أي نقود ينفقونها حتى حان الوقت الذي ~~سيلتقون به، وحينها لم يظهر ثانية. ~~«لم يكن ينوي الظهور. أراد أن يتخلص منهم. فاضطروا للذهاب إلى الشئون الاجتماعية للحصول ~~على المساعدات، وعاشوا في أحد الأكواخ في الريف حيث الحياة زهيدة هناك. وتوفيت أخت آيرين ~~الكبرى، إثر انفجار الزائدة الدودية على ما أذكر، وكانت لهم بمثابة الدعم والسند أكثر من ~~الأم ذاتها. لم يكن هناك من سبيل لنقلها إلى المدينة؛ حيث هبت حينها العواصف الثلجية، ولم ~~يكن لديهم هاتف بالجوار. لم ترغب آيرين في الذهاب إلى المدرسة بعد ذلك؛ لأن أختها كانت ~~تحميها من الطريقة السيئة التي كان يتعامل بها الأطفال الآخرين معها. قد تبدو الآن أنها لا ~~تتأثر بسهولة، لكني أعتقد أنها لم تكن دوما هكذا، وربما لديها المقدرة الآن على إخفاء ~~مشاعرها. # وتعتني أم آيرين الآن بالولد والبنت الصغيرين، لكن تخيلي بعد مرور كل تلك السنوات ظهور ms101 ~~الأب، وهو يحاول أن يجعل الأم تعود إليه مرة أخرى، وإذا ما حدث ذلك فآيرين لا تعرف ماذا ~~ستفعل؛ حيث إنها لا تريد لأولادها أن ينشئوا بالقرب منه. # أطفالها لطفاء أيضا، وتعاني البنت الصغيرة من مشكلة الحنك المشقوق، وقد أجرت عملية ~~بالفعل، لكنها بحاجة إلى عملية أخرى فيما بعد. ستكون على ما يرام، لكنه عبء إضافي.» # عبء إضافي! # ما الذي ألم بجولييت؟ إنها لا تشعر بأي تعاطف نحوها، إنها تشعر في أعماقها بالثورة تجاه ~~كل تلك الأحداث المملة التي لا جدوى منها. وعندما ظهر موضوع الحنك المشقوق في القصة كان كل ~~ما تريده حقا هو أن تتذمر وتشتكي. «لقد زاد الأمر عن الحد.» # كانت تعلم أنها مخطئة، لكن ليس بمقدور المرء تغيير المشاعر، كانت تخشى أن تقول شيئا ~~إضافيا؛ حتى لا تفضح كلماتها ما يكنه قلبها القاسي. كانت تخشى أن تقول لسام: «ما الرائع ~~في كل هذا الشقاء؟ هل يجعل هذا منها قديسة؟» أو ربما تقول بأسلوب لا يغتفر: «أتمنى ألا يكون ~~مقصدك هو أن تجعلنا نختلط بأناس مثل هؤلاء.» # قال سام: «في الوقت الذي قدمت فيه لمساعدتنا كنت أنا على وشك أن أفقد صوابي؛ ففي الخريف ~~الماضي كانت أمك تمثل كارثة حقيقية، وليس ذلك لأنها تركت كل شيء وأهملته، يا ليتها تركت كل ~~شيء، بل يا حبذا لو أنها لم تفعل شيئا. ولكن ما حدث أنها كانت تشرع في مهمة ما، ثم لا ~~تستطيع أن تكملها. وكان هذا يحدث مرارا وتكرارا، ولم يكن بالشيء الجديد على الإطلاق. أعني ~~أنه كان علي دوما أن أستأنف العمل وراءها، وأعتني بها وأساعدها في أداء الأعمال ~~المنزلية. كلانا - أنا وأنت - كنا نفعل ذلك، أتتذكرين؟ كانت دوما تلك الفتاة الرقيقة ~~الجميلة التي تعاني مشاكل في القلب واعتادت أن يساعدها الجميع. وخلال كل تلك السنوات كان ~~يهيأ لي بين الحين والآخر أنها ربما كان عليها أن تحاول أكثر وتبذل أقصى ما في ~~استطاعتها.» # ثم واصل حديثه قائلا: «لكن الأمر ازداد سوءا؛ ازداد سوءا لدرجة أني ms102 كنت أعود إلى ~~المنزل وأجد المغسلة في وسط المطبخ والملابس المبتلة تملأ المكان كله، أو أجد الكثير من ~~الفوضى التي خلفتها محاولة كانت بدأتها لخبز بعض الفطائر وعدلت عنها، وقد تفحم ما بداخل ~~الفرن عن آخره. كنت أخشى أن تحرق نفسها، أو تشعل النيران في المنزل. كنت أطلب منها دائما ~~أن تمكث في الفراش، ولكنها لم تكن تفعل، وكانت تقف وسط الفوضى التي تحدثها وهي تبكي. جئت ~~بفتاتين من قبل لكن لم يكن باستطاعتهما التعامل معها، ثم بعد ذلك جاءت آيرين.» # قال وهو يزفر بشدة: «آيرين، إنني أبارك ذلك اليوم، أصدقك القول إنني أبارك ذلك ~~اليوم.» # لكن شأنها شأن كل الأشياء الجميلة، لا بد لها من نهاية، فستتزوج آيرين من أرمل يبلغ ~~الأربعين أو الخمسين من العمر، يعمل مزارعا. ومن المفترض أنه يمتلك بعض النقود، وتمنى ~~سام من أجلها أن يكون هذا صحيحا؛ لأن الرجل ليس لديه شيء آخر يزكيه. ~~«بحق السماء ليس لديه شيء، وبقدر رؤيتي ليس لديه سوى سنة واحدة في فمه، وهذا في رأيي ~~مؤشر سيئ؛ فإما أن يكون فخورا بنفسه هكذا أو أنه بخيل للغاية لا يود تركيب طقم أسنان. ~~فكري في الأمر، فتاة ذات مظهر رائع مثلها.» ~~«ومتى سيكون ذلك؟» ~~«في الخريف، في وقت ما من الخريف.» ~~••• # كانت بينيلوبي نائمة طوال كل هذا الوقت؛ فقد غطت في النوم في مقعدها بمجرد أن شرعوا في ~~التحرك. كانت النوافذ الأمامية مفتوحة، واستطاعت جولييت أن تشم رائحة القش، كان قد قطع ~~لتوه وضم إلى حزم معا؛ فلم يعد هناك أحد الآن يصنع لفائف القش. وكانت لا تزال تقف هناك ~~بعض أشجار الدردار، وبدت رائعة الآن في عزلتها تلك. # توقفا عند قرية شيدت بطول الطريق في واد ضيق، وبرزت صخور القاعدة على جدار الوادي، وهو ~~المكان الوحيد بعد عدة أميال قطعوها حيث يمكن رؤية مثل هذه الصخور الضخمة. تذكرت جولييت ~~أنها كانت تأتي إلى هنا عندما كان هناك متنزه يتطلب دخوله دفع بعض الرسوم. وكان بالمتنزه ~~نافورة، ومكان لاحتساء ms103 الشاي؛ حيث تقدم فطيرة الفراولة، والآيس كريم، وبالقطع أشياء أخرى ~~لا تتذكرها. أما الكهوف الموجودة في الصخور فكانت مسماة على اسم كل واحد من الأقزام السبعة. ~~وذات مرة جلس كل من سام وسارة على الأرض بجوار النافورة يتناولان الآيس كريم، بينما كانت ~~تهرع هي لاكتشاف تلك الكهوف (التي لم تحو الكثير، ولم تكن غائرة للغاية). كانت تريدهما أن ~~يصاحباها، لكن سام كان يقول لها: «تعلمين أن أمك لا تستطيع التسلق.» # وكانت سارة تقول: «اركضي أنت، ثم عودي لتحكي لنا عنه.» كانت متأنقة، ترتدي تنورة سوداء ~~مصنوعة من قماش التفتة، وتفترش الحشائش في دائرة حولها. وكانت تلك التنورات تسمى تنورات ~~لاعبات الباليه. # لا بد وأنه كان يوما مميزا. # سألت جولييت سام عن ذلك المكان عندما خرج من المتجر، لم يستطع أن يتذكر في البداية، لكنه ~~تذكر بعد ذلك، فقال إنه كان مكانا يقدم خدمات بأسعار عالية، ولم يعرف متى اختفى. # ولم تستطع جولييت أن تلمح أي أثر للنافورة أو لمكان احتساء الشاي عبر الطريق. # قال سام: «لقد جلبت الهدوء والنظام.» استغرق منها الأمر دقيقة لكي تدرك أنه كان لا يزال ~~يتحدث عن آيرين. «إنها تعاون في أي شيء؛ قطع الحشائش، وعزق الحديقة، وتبذل قصارى جهدها في ~~أي شيء تفعله، وتتصرف كما لو أنها تحظى بشرف وامتياز من وراء عملها، وهو ما يجعلني لا أتوقف ~~عن دهشتي.» # ماذا عساها كانت تلك المناسبة المبهجة؟ عيد ميلاد؟ عيد زواج؟ # تحدث سام بإصرار، وبأسلوب جاد، وسط الضوضاء التي تحدثها السيارة وهي تصعد فوق التل ~~بصعوبة. ~~«لقد أعادت ثقتي في النساء.» ~~••• # كان سام يهرع نحو كل متجر بعد أن يخبر جولييت أنه لن يستغرق سوى دقيقة واحدة، ويعود إلى ~~السيارة بعد فترة موضحا لها أنه لم يكن باستطاعته أن يتملص منهم؛ فبعض الناس كان يريد ~~التحدث معه، والبعض الآخر كان يدخر النكات ليلقيها على مسامعه، واتبعه القليل إلى الخارج ~~لرؤية ابنته وطفلتها الرضيعة. # قالت إحدى السيدات: «إذن هذه هي الفتاة التي تتحدث اللاتينية.» # قال سام : «لقد ms104 علاها الصدأ هذه الأيام؛ فيداها مشغولتان في الوقت الحاضر.» # قالت السيدة وهي تمد رقبتها لتلقي نظرة على بينيلوبي: «أراهن على ذلك، لكن أليسا هبة من ~~الله؟ وتلك الصغيرة.» # فكرت جولييت أنه بمقدورها أن تتحدث مع سام عن الرسالة الدراسية التي تنوي استئنافها، ~~بالرغم من أنها تدرك أن هذا الأمر يعد مجرد حلم الآن. كان من المعتاد أن تثار تلك ~~الموضوعات بينهما بصورة تلقائية، ولكن الأمر ليس كذلك مع سارة؛ فسارة كانت تقول: «والآن ~~عليك أن تخبريني بما تفعلينه في دراستك.» وتشرع جولييت في إيجاز بعض الأشياء لها، وربما ~~تسألها سارة عن كيفية حفظ كل تلك الأسماء اليونانية. أما سام فكان يعي جيدا ما تتحدث عنه، ~~وكانت تذكر لهم في الجامعة كيف أن والدها شرح لها معنى الثاوماتورجي (أي صناعة المعجزات)؛ ~~وذلك عندما قابلت تلك الكلمة وهي لا تزال في الثانية أو الثالثة عشرة من عمرها، وسألها من ~~حولها إن كان والدها من المدرسين. # كانت تقول: «بالطبع، إنه يدرس للصف السادس.» # اعتراها شعور بأنه ربما يحاول بمهارة أن يقلل من مكانتها. أو ربما ليس بمهارة؛ فقد يستخدم ~~كلمة «غير عملي»، وربما يدعي أنه نسي أشياء لا تستطيع أن تصدق أنه نسيها. # لكن ربما يكون نسيها حقا؛ فحجرات عقله أغلقت، ونوافذها أظلمت؛ فما كان في الداخل كان ~~يحكم هو عليه بأنه غير ذي فائدة، وأنه مخز ومعيب بدرجة لا يستحق معها أن يخرجه إلى ~~النور. # تحدثت جولييت بصورة أكثر حدة مما أرادت. ~~«هل تريد آيرين الزواج؟» # أدهش سام هذا السؤال؛ خاصة بعد أن خرج بتلك اللهجة وبعد فترة كبيرة من الصمت. # قال: «لا أدري.» # وأردف بعد دقيقة: «لا أدري كيف يمكنها أن تفعل.» # قالت جولييت: «اسألها، من المؤكد أنك ترغب في ذلك، أرى ذلك من خلال ما تشعر به ~~حيالها.» # قطعا مسافة ميل أو ميلين تقريبا قبل أن يتحدث. كان من الواضح أنها أساءت إليه. # قال: «لا أدري ما الذي تتحدثين عنه.» ~~••• # قالت سارة: «سعيد، غاضب، متبلد، ناعس، كثير العطاس.» # قالت جولييت: ms105 «طبيب.» ~~«طبيب، طبيب، سعيد، كثير العطاس، طبيب، غاضب، خجول، كثير العطاس، لا، كثير العطاس، خجول، ~~طبيب، غاضب، ناعس، سعيد، طبيب، خجول.» # قالت سارة وهي تعد الصفات على يديها: «أليست ثمانيا؟» # قالت: «ذهبنا إلى هناك أكثر من مرة، لقد اعتدنا أن نطلق عليها مقام كعك الفراولة. أوه، كم ~~أود أن أذهب إلى هناك ثانية.» # قالت جولييت: «حسنا، لا يوجد شيء هناك، لم أستطع حتى أن أتبين أين كان مكانه.» ~~«أنا واثقة بأنه كان بإمكاني ذلك. لماذا لم أذهب معكما؟ إنها جولة صيفية بالسيارة. ما ~~القوة التي تتطلبها نزهة بالسيارة؟ يقول أبوك دائما إنني ليس لدي أي نوع من ~~القوة.» ~~«لقد أتيت لاستقبالي.» # قالت سارة: «نعم، لكنه لم يكن يرغب في أن آتي، كان علي أن أظهر له غضبي.» # مدت يدها لتجذب الوسائد الموضوعة خلف رأسها وتصحح وضعها، لكنها لم تتمكن من هذا، ~~فقامت جولييت بذلك. # قالت سارة: «يا إلهي! أي سلعة عديمة النفع صرت أنا؟! وبرغم هذا بمقدوري أن آخذ حماما ~~بنفسي. ماذا لو جاءنا زوار؟» # سألتها جولييت إن كانت تنتظر أحدا. ~~«لا، لكن ماذا لو قدم أحدهم؟» # لذا اصطحبتها جولييت إلى دورة المياه، وراحت بينيلوبي تزحف خلفهما، ثم عندما أصبح الماء ~~معدا، واستلقت فيه الجدة، رأت بينيلوبي أنه ينبغي أن يكون الحمام من أجلهما هما ~~الاثنتان. فجردتها جولييت من ملابسها، وهكذا اغتسلت الرضيعة والمرأة العجوز معا. ولم ~~تبد سارة وهي عارية كامرأة عجوز بقدر ما كانت تبدو كفتاة كبيرة؛ فتاة يمكن القول بأنها ~~تعاني من مرض غريب، أضعفها وسلبها قوتها. # تقبلت بينيلوبي وجودها دون أي إزعاج، لكنها تشبثت بصابونتها الصفراء على شكل ~~بطة. # وفي حوض الاستحمام استطاعت سارة أخيرا أن تسأل عن إيريك، وكان ذلك بحذر. # قالت: «إنني على ثقة أنه رجل لطيف.» # قالت جولييت بتلقائية: «أحيانا.» ~~«لقد كان طيبا مع زوجته الأولى.» # قالت جولييت مصححة: «إنها زوجته الوحيدة، حتى الآن.» ~~«لكني على ثقة أنك سعيدة، بما أن لديك الآن هذه الطفلة؛ أعني، أنا واثقة أنك ~~سعيدة.» # قالت وقد فاجأت ms106 أمها عندما أخذت منشفة تقطر ماء وعصرتها على رأس أمها المليء بالصابون: ~~«سعيدة بقدر ما يسمح لي شعوري بالعيش في الخطيئة.» # قالت سارة بعد أن تفادت قطرات المياه وخبأت وجهها وهي تطلق صيحة تنم عن السعادة: «هذا ما ~~أعنيه.» ثم أردفت قائلة: «جولييت.» ~~«ماذا؟» ~~«تعلمين أنني لا أقصد شيئا سيئا عندما أتفوه بأشياء كريهة عن والدك؛ فأنا أعلم أنه ~~يحبني، لكن كل ما في الأمر أنه غير سعيد.» ~~••• # حلمت جولييت بأنها عادت طفلة من جديد في ~~هذا المنزل، بالرغم من أن ترتيب الغرف كان مختلفا بعض الشيء. نظرت عبر نافذة إحدى الغرف ~~التي بدت غير مألوفة، فرأت قوسا من المياه يتلألأ في الهواء، وكانت المياه مندفعة من خرطوم ~~الري، ووقف أبوها يروي الحديقة، جاعلا ظهره في مواجهتها. تحرك شخص ما وسط حقول التوت، ~~وبعد وهلة اتضح بعد ذلك أنها آيرين، ولكنها كانت أكثر طفولة، وقد بدت أكثر رشاقة وليونة في ~~حركتها وتشع مرحا. كانت تحاول تفادي المياه المتناثرة من الخرطوم، تختبئ حينا ثم تعاود ~~الظهور حينا آخر، تنجح محاولاتها في الابتعاد، ولكن تطولها المياه ثانية للحظات قبل أن ~~تجري مبتعدة. كان من المفترض أن تكون هذه اللعبة مرحة، إلا أن جولييت كانت تراقبها ببعض ~~الازدراء والاشمئزاز من خلف النافذة. كان أبوها يدير ظهره لها دائما، لكنها اعتقدت أنها ~~«رأته» على نحو ما وكأنه يصوب الخرطوم لأسفل أمام جسمه، وأنها لم تكن سوى فوهة الخرطوم ~~التي كان يحركها للأمام والخلف. # كان الحلم يغلب عليه الرعب الكريه؛ فلم يكن ذلك الرعب الذي يترك أثره عليك من الخارج، ~~إنما من ذلك النوع الذي يمر ويتسرب عبر كل نقطة من دمائك. # عندما استيقظت كانت لا تزال تستشعر آثاره، ووجدت أن الحلم كان باعثا على الخجل، وبدا ~~وكأنه يتسم بالتفاهة والابتذال، ولم يكن سوى انعكاس للأفكار السيئة بداخلها. ~~••• # في منتصف فترة ما بعد الظهيرة، كان هناك طرق على الباب الأمامي، لم يكن هناك أحد ~~يستخدم الباب الأمامي، وقد وجدت جولييت أنه لا يفتح بسهولة . # كان ms107 الرجل الواقف هناك يرتدي قميصا أصفر مفرودا بعناية، ذا أكمام قصيرة، وسروالا بني ~~اللون، وربما كان يكبرها ببضع سنوات، كان طويلا ولكنه يبدو ضعيف البنية، صدره غائر بعض ~~الشيء، وكان يحييها بحرارة والابتسامة لا تفارق شفتيه. # قال الرجل: «جئت لمقابلة سيدة المنزل.» # تركته جولييت واقفا في مكانه وذهبت إلى الحجرة المشمسة. # فقالت: «هناك رجل بالباب، ربما كان يعرض أشياء للبيع، هل أصرفه؟» # دفعت سارة بنفسها وهي تحاول النهوض وقالت بأنفاس لاهثة: «لا، لا، هلا ساعدتني على أن ~~أهندم مظهري؟ لقد سمعت صوته، هذا دون، إنه صديقي دون.» # كان دون قد دلف بالفعل إلى المنزل وبدا صوته مسموعا من خارج الغرفة قائلا: ~~«ما من داع للقلق والضجيج يا سارة، إنه أنا فقط، هل أنت محتشمة؟» # وبنظرة ملأتها السعادة والكثير من المشاعر والانفعالات مدت سارة يدها نحو فرشاة الشعر ~~التي لم تستطع الوصول إليها، فعدلت عن ذلك ومررت أصابعها بين خصلات شعرها وقالت وقد علا ~~صوتها وامتلأ مرحا: «أخشى أنني محتشمة وأنيقة بأقصى قدر ممكن بالنسبة لي. تفضل ~~بالدخول.» # ظهر الرجل وتوجه مسرعا إليها فرفعت ذراعيها نحوه قائلة: «رائحتك مثل رائحة الصيف، ما ~~هذا؟» وتحسست قميصه قائلة: «قميصك تم كيه بعناية، إنه من القطن، إنه جميل.» # قال لها: «لقد كويته بنفسي، إن سالي بالكنيسة، تعبث ببعض الزهور، ليس سيئا، أليس ~~كذلك؟» # قالت سارة: «بل رائع، كدت ألا تتمكن من الدخول إلى المنزل، ظنتك جولييت أحد البائعين. ~~جولييت هي ابنتي، ابنتي العزيزة، لقد أخبرتك عنها، أليس كذلك؟ أخبرتك أنها قادمة. ودون كاهن ~~يا جولييت، إنه صديقي وكاهن.» # اعتدل دون في وقفته وأمسك بيد جولييت قائلا: ~~«جميل أنك هنا، سعيد بلقائك، وأنت لم تخطئي كثيرا في الواقع؛ فأنا نوع ما من ~~البائعين.» # ابتسمت جولييت برقة على دعابة الكاهن، ثم سألته قائلة: «أنت كاهن بأي كنيسة؟» # أضحك السؤال سارة، وقالت: «يا عزيزتي، هذا يفصح عن الكثير من الأسرار، أليس كذلك؟» # فأجابها دون بابتسامة غير منزعجة: «أنا من كنيسة ترينيتي، وبالنسبة للإفصاح عن الأسرار، ~~إنه ليس ms108 بجديد علي أن سام وسارة لا يذهبان لأي كنيسة من الكنائس في المجتمع المحيط، إنني ~~فقط آتي للزيارة على أي حال؛ لأن أمك امرأة شديدة الجاذبية.» # لم تتمكن جولييت من تذكر ما إذا كانت هي الكنيسة الإنجيلية أم الكنيسة المتحدة تلك التي ~~تتبعها كنيسة ترينيتي. # فقالت لها سارة: «عزيزتي، هلا تحضرين مقعدا مناسبا لدون حتى يجلس؟ فهو هنا يقف منحنيا ~~فوقي كطائر اللقلق. أتود أن تشرب شيئا منعشا يا دون؟ ما رأيك في مخفوق البيض؟ فجولييت تعد ~~لي أشهى مخفوق بيض. ولكن لا، لا، ربما يكون دسما جدا على الأغلب؛ فلقد أتيت من طقس شديد ~~الحرارة بالخارج، ما رأيك ببعض من الشاي؟ هذا أيضا شراب ساخن، أم جعة الزنجبيل؟ أو ما ~~رأيك في بعض العصير؟ ماذا لدينا من عصائر يا جولييت؟» # فقال دون: «أنا لا أحتاج أي شيء سوى كوب ماء، سيكون هذا جيدا.» # قالت سارة بأنفاس لاهثة: «ألا تريد قدحا من الشاي؟ حقا؟ ولكنني أظن أني أريد القليل ~~منه، تستطيع أن تشرب نصف قدح بالتأكيد، أتسمحين يا جولييت؟» ~~••• # وقفت جولييت بمفردها في المطبخ - وكان يمكنها رؤية آيرين وهي تعزق الأرض حول حبوب ~~الفاصوليا - وتساءلت إن كان الشاي ما هو إلا حيلة لإخراجها من الغرفة كي تتبادل معه بعض ~~الكلمات على انفراد. بعض الكلمات على انفراد، أم تراها بعض الصلوات؟ لقد أصابتها الفكرة ~~بالاشمئزاز. # لم ينتم سام وسارة لأي كنيسة طيلة حياتهما، برغم أن سام قد أخبر أحدهم في بادئ حياتهم ~~هنا أنهم ينتمون لطائفة الدرويد. وهكذا تناثرت الأقاويل بأنهم ينتمون إلى كنيسة لا توجد في ~~المدينة، وأدت هذه المعلومة إلى الاعتقاد بأنهم لا ينتمون لأي دين على الإطلاق. وظلت جولييت ~~لفترة تذهب أيام الآحاد إلى الكنيسة الإنجيلية؛ وذلك في الغالب لأنها كان لها صديقة تنتمي ~~للطائفة الإنجيلية. ولم يعترض سام قط على قراءة الكتاب المقدس في المدرسة، أو أن يتلو ~~الصلوات كل صباح، تماما مثلما لم يعترض على النشيد الوطني «فليحفظ الله الملكة». # وكان سام يقول: «هناك أوقات للمجازفة ms109 وأخرى لا تستطيع فيها ذلك؛ فأنت ترضيهم بهذه ~~الطريقة. ربما أمكنك في بعض الأحيان أن تحكي للأطفال بعض الحقائق عن نظرية التطور والإفلات ~~بذلك دون أن يلحظ أحد.» # ولفترة من الفترات، كانت سارة مهتمة بالديانة البهائية، ولكن جولييت اعتقدت أن هذا ~~الاهتمام قد تلاشى. # صنعت من الشاي ما يكفي لثلاثتهم، ووجدت بعضا من البسكويت المهضم في الخزانة، وعثرت ~~أيضا على صينية التقديم النحاسية التي كانت سارة عادة ما تخرجها في المناسبات الهامة ~~فقط. # لم يعترض دون على قدح الشاي، وتجرع الماء المثلج الذي تذكرت أن تحضره له، إلا أنه هز ~~رأسه رافضا تناول البسكويت. ~~«لا، لا أريد أيا منه.» # وبدا وكأنه يؤكد على رفضه بشدة، وكأن إيمانه بالله منعه من ذلك. # ثم سأل جولييت عن محل إقامتها، وعن طبيعة المناخ في الساحل الغربي، وعن العمل الذي يقوم ~~به زوجها. # فأجابته جولييت بعذوبة: «هو صياد جمبري، ولكنه في الحقيقة ليس بزوجي.» # أومأ دون برأسه إيجابا. آه، نعم. # ثم أضاف: «هل الأمواج عالية هناك؟» ~~«أحيانا.» ~~«ويل باي، لم أسمع بهذا المكان من قبل، ولكنني سأتذكره الآن. إلى أي كنيسة تذهبين في ويل ~~باي؟» ~~«لا نذهب، نحن لا نذهب إلى الكنيسة.» ~~«أليس هناك كنيسة قريبة تتبع طائفتكم؟» # هزت جولييت رأسها مبتسمة وقالت: ~~«ليس هناك كنيسة لطائفتنا، نحن لا نؤمن بوجود الله.» # أحدث فنجان دون بعض الجلبة وهو يعيده إلى صحنه، ثم قال إنه آسف لسماع هذا. ~~«أنا حقا آسف لسماع هذا، منذ متى وأنت على هذا الرأي؟» ~~«لا أعلم، ربما منذ أن أعملت عقلي في هذا الأمر.» ~~«أخبرتني والدتك أن لديك طفلا، لديك ابنة، أليس كذلك؟» # قالت جولييت إن لديها ابنة بالفعل. ~~«ولم تعمد حتى الآن؟ هل تريدينها أن تنشأ وثنية؟» # قالت جولييت إنها تتوقع أن تتخذ بينيلوبي قرارها في هذا الشأن يوما ما بنفسها. ~~«أجل، نحن نريدها أن تنشأ دون أن تتقيد بأي دين أو معتقدات.» # قال دون بهدوء: «هذا شيء يبعث على الحزن، إني آسف لك ~~ولرفيقك - أيا كان ما تعتبرينه ms110 - فلقد قررتما ~~أن ترفضا نعمة الله. حسنا؛ فأنتما ناضجان، ولكن أن تنكراها على ابنتكما، فهذا كحرمانها من ~~التغذية السليمة.» # شعرت جولييت بأنها تفقد رباطة جأشها، قالت: «ولكننا لسنا مؤمنين، نحن لا نؤمن بنعمة الله، ~~وهذا لا يشبه حرمانها من التغذية السليمة، إننا نرفض أن تنشأ على الأكاذيب.» ~~«أكاذيب؟ ما يؤمن به ملايين من البشر حول العالم تسمينه أكاذيب؟ ألا تعتقدين أنه من ~~الغطرسة أن تدعي بأن الله كذبة؟» # قالت جولييت وقد شاب صوتها بعض الحدة: «الملايين من الناس لا يؤمنون به، هم فقط يذهبون ~~إلى الكنيسة، هم لا يفكرون. إن كان هناك إله، فهذا الإله قد أعطاني عقلا، ألم يقصد أن ~~أستخدمه؟» ~~«وأيضا ...» استطردت في محاولة لكي تبقى ثابتة: «وأيضا، يؤمن ملايين الناس بشيء مختلف؛ ~~فهم يؤمنون ببوذا على سبيل المثال؛ فهل إيمان الملايين بشيء يجعله حقيقة؟» # قال دون بلا تردد: «المسيح حي، بوذا ليس كذلك.» ~~«هذا مجرد كلام يتردد، ماذا يعني؟ أنا لا أرى أي دليل على حياة أي منهما على حد ~~علمي.» ~~«أنت لا ترين، ولكن الآخرين يرون الحقيقة. أتعلمين أن هنري فورد، هنري فورد الثاني الذي ~~كان لديه كل شيء يمكن أن يتمناه المرء في الحياة، ومع ذلك، كان يجثو كل ليلة على ركبتيه ~~ويصلي لله؟» # صاحت جولييت: «هنري فورد؟ ... هنري فورد؟ وماذا يعنيني أي شيء بشأن هنري فورد؟» # اتخذ النقاش ذلك المسار الذي تتخذه مثل هذه النقاشات، واكتسى صوت الكاهن - الذي كان قد ~~بدأ بنبرة الأسى أكثر منه الغضب، بالرغم من أن صوته ينم دائما عن اقتناع في صلابة الحديد - ~~برنة الإدانة والاستنكار ولهجة حادة تنم عن التوبيخ، بينما شعرت جولييت الآن - التي ~~اعتقدت في البداية أنها كانت تقاوم آراءه وتتمرد على مفاهيمه بهدوء، ومهارة، وأدب جم - بقدر ~~من الغضب اللاذع، وكلاهما ينقب عن الحجج والأفكار التي تسبب الإهانة وليس تلك التي تقنع ~~الآخر. # وأثناء ذلك النقاش، كانت سارة تمد يدها لتتذوق القليل من البسكويت وهي لا ترفع بصرها ~~نحوهما، وكانت تقشعر بين الحين والآخر ، كما ms111 لو كانت تصدمها كلماتهما، ولكنهما لم يلاحظا ~~هذا. # وما أنهى ذلك العرض هو صراخ بينيلوبي العالي، التي استيقظت من نومها مبللة، وتذمرت على ~~نحو هادئ للحظة، ثم عبرت عن تذمرها بصورة أقوى وبصوت أعلى، وأخيرا أطلقت العنان لغضبها. ~~سمعتها سارة أولا وحاولت أن تلفت انتباههما. # فقالت بوهن: «بينيلوبي!» ثم بذلت جهدا أكبر: «جولييت، إنها بينيلوبي.» فنظر إليها كل ~~من جولييت والكاهن بشرود، ثم قال الكاهن وقد هدأت حدة صوته: «طفلتك.» # أسرعت جولييت خارج الحجرة. كانت ترتجف وهي ترفع بينيلوبي، وكادت أن تؤذيها بالمشبك وهي ~~تشبك حفاضها الجاف، فتوقفت بينيلوبي عن البكاء؛ ليس لأنها شعرت بالارتياح، بل لأنها انزعجت ~~من ذلك الاهتمام الحاد المفاجئ. وقد نجحت عيناها الواسعتان المبللتان بالدموع، ونظرات ~~الدهشة التي اعتلت وجهها، في أن تخرج جولييت من حالة الشرود والانشغال التي مرت بها. ~~حاولت أن تهدئ من نفسها متحدثة برفق قدر ما استطاعت ثم حملت طفلتها إلى الردهة بالطابق ~~العلوي وراحت تذرع المكان جيئة وذهابا بها. لم تطمئن بينيلوبي على الفور، ولكن زال التوتر ~~منها بعد مرور بضع دقائق. # شعرت جولييت بنفس الشيء يحدث معها، وعندما اطمأنت إلى أن كليهما قد استعادا بعضا من ~~الهدوء والسيطرة، حملت بينيلوبي وهبطت بها إلى أسفل. # خرج الكاهن من غرفة سارة وكان ينتظرها، فقال في صوت يشوبه بعض الندم وإن بدا منزعجا في ~~حقيقة الأمر: «يا لها من طفلة لطيفة!» # قالت جولييت: «أشكرك.» # ظنت أنه يمكن لكل منهما توديع الآخر على نحو مناسب الآن، ولكن كان هناك شيء يمنعه من ~~ذلك، فظل ينظر إليها دون أن يتحرك، فمد يده وكأنه سيضعها على كتفها، لكنه أنزلها. ~~«أتدرين إن كان عندك ...» قالها ثم هز رأسه برفق، فقد تلعثم في قوله كلمة «عندك.» ~~«بعض من العصير.» قال هذا ثم ربت بيده على حلقه، ثم أشار في اتجاه المطبخ. # ظنت جولييت في بادئ الأمر أنه لا بد وأن ~~يكون ثملا، كانت رأسه تهتز قليلا للأمام والخلف، وبدت عيناه وكأنهما مغطاتين بغشاء رقيق. ~~هل أتى إلى هنا ms112 وهو ثمل أم أنه أحضر معه شرابا في جيبه؟ ثم تذكرت إحدى الفتيات التي كانت ~~طالبة في المدرسة التي عملت بها لنحو نصف عام. كانت تنتاب هذه الفتاة - المصابة بداء السكري ~~- بعض النوبات المرضية، فتشعر بثقل في لسانها، وببعض الدوار لو ظلت بلا طعام لمدة ~~طويلة. # حملت بينيلوبي ساندة إياها على أحد جانبيها وأمسكت بذراعه وقادته نحو المطبخ. إنه العصير، ~~هذا ما كانوا يمنحونه للفتاة، هذا ما كان يتحدث عنه هو. # فقالت له: «دقيقة، دقيقة واحدة. ستكون على ما يرام.» حاول أن يتماسك ويستقيم في وقفته، ~~واتكأ بيديه على الطاولة وأخفض رأسه. # لم يكن هناك عصير برتقال، تذكرت أنها قد أعطت ما تبقى منه لابنتها هذا الصباح، وفكرت في ~~أنها يجب أن تبتاع منه، غير أنه كانت هناك زجاجة من المياه الغازية بنكهة العنب، الذي يحب ~~سام وآيرين تناوله عندما يدلفان بعد الانتهاء من العمل في الحديقة. ~~«تفضل.» قالتها بعد أن نجحت في أن تصب له كوبا منها بيد واحدة، كما اعتادت أن تفعل ~~دائما، وأردفت وهو يحتسي الشراب: «أنا آسفة، ليس لدينا عصير، لكن المهم هو تناول السكر، ~~أليس كذلك، ينبغي أن تتناول بعضا من السكريات في تلك الحالة.» # احتسى الشراب وهو يقول: «أجل، السكر، أشكرك.» وبدأ صوته في التعافي بالفعل. لقد تذكرت هذا ~~أيضا بشأن الفتاة التي كانت في المدرسة، وكيف أنها كانت تتعافى بسرعة وبطريقة عجيبة. لكن ~~قبل أن يتعافى أو يهدأ، عندما كان لا يزال يمسك برأسه التي كانت تتمايل، التقت عيناه ~~بعينيها، وقد بدا أنها مصادفة وليست عن عمد، ولم تكن تلك النظرة تعبر عن الامتنان، أو ~~التسامح؛ لم تكن نظرة لشخص، بل بدت لحيوان مشدوه زائغ النظرات، يريد أن يتشبث بأي شيء يراه ~~أمامه. # وفي غضون لحظات، تحولت عيناه ووجهه إلى وجه ذلك الإنسان، الكاهن، الذي وضع كوب المياه ~~الغازية على المنضدة، وبدون أن يتفوه بكلمة غادر المنزل. ~~••• # عندما ذهبت جولييت لكي تأخذ صينية الشاي كانت سارة إما تغط في النوم، أو تتظاهر بذلك، ms113 ~~وقد تحولت تماما طريقة نومها، وغفوتها، حتى حالتها عندما تستيقظ، فقد زال الفرق بين ~~الحالتين بحيث يصعب فيها تبين حالتها. وأيا كانت حالتها، فقد تحدثت بصوت يكاد يقترب من ~~الهمس وقالت: «جولييت.» # توقفت جولييت عند عتبة الباب. # قالت سارة: «لا بد وأنك اعتقدت أن دون ربما يكون أحمق، لكنه ليس على ما يرام. إنه مريض ~~بداء السكري. إن حالته جد خطيرة.» # قالت جولييت: «نعم.» ~~«إنه يحتاج إلى إيمانه.» # قالت جولييت بهدوء: «لقد كان جدالا عقيما.» لكن يبدو أن سارة لم تسمعها؛ إذ إنها استمرت ~~في حديثها. # قالت سارة بصوت مرتعش (وقد بدا لجولييت في هذه اللحظة أنه يبعث على كثير من الشفقة ~~والتعاطف): «إن ما أومن به ليس شيئا بسيطا يمكن شرحه، ولا أستطيع وصفه، لكن كل ما يمكن ~~قوله إنه شيء ما؛ شيء رائع. عندما تبدو الأمور سيئة بالنسبة لي، وعندما تزداد سوءا، أتدرين ~~ما يدور بخلدي حينها؟ أعتقد أن كل شيء سيكون على ما يرام. أعتقد ... حسنا أعتقد أنني سأرى ~~جولييت قريبا.» # عزيزي إيريك # من أين أبدأ؟ إنني بخير وكذلك بينيلوبي. إجمالا؛ فهي تسير الآن بكل ثقة حول فراش ~~سارة، ولكنها لا تزال حذرة عندما تحاول الاعتماد على نفسها والوقوف دون مساعدة. طقس ~~الصيف هنا في غاية الروعة مقارنة بالساحل الغربي، حتى عند سقوط الأمطار. وأمر جيد ~~أن تسقط الأمطار؛ لأن سام يركز جل اهتمامه الآن على مشروع تجاري لتسويق منتجات ~~الحديقة، وقد صاحبته منذ بضعة أيام في الشاحنة القديمة لتوصيل بعض طلبات التوت ~~البري ومربى التوت (التي تصنعها شخصية تشبه إلسي كوخ (مجرمة نازية) وهي تحتل مطبخنا ~~الآن)، وبعض من محصول البطاطس الجديد لهذا الموسم. ويغلب على سام الحماس الشديد. ~~أما عن سارة، فهي تمضي أغلب الوقت في فراشها إما نائمة أو تطالع بعض مجلات الموضة ~~القديمة. ولقد أتى أحد القساوسة لزيارتها، ودخلت أنا وهو في شجار أحمق بشأن وجود ~~الله، وبعض الموضوعات الساخنة التي تدور في هذا الإطار. ومع هذا فالزيارة تسير على ~~ما يرام ... # عثرت ms114 جولييت على هذا الخطاب بعد مرور سنوات. لا بد وأن إيريك احتفظ به مصادفة؛ فهو لا ~~يمثل أي أهمية في حياتهما. ~~••• # عادت إلى المنزل الذي شهد طفولتها مرة أخرى؛ وذلك لحضور جنازة سارة، بعد بضعة أشهر من ~~كتابة هذا الخطاب. ولم تجد آيرين بالمنزل، ولم تتذكر جولييت إن كانت قد سألت عن مكانها أو ~~أن أحدهم أخبرها به. من المرجح أنها تزوجت، تماما كما فعل سام، بعد مرور عامين؛ فقد تزوج ~~من إحدى زميلاته في التدريس، وكانت امرأة لطيفة، حسنة المظهر، ذات مهارات كثيرة. وعاشا ~~بمنزلها، وهدم سام المنزل الذي عاش فيه هو وسارة، وقام بتوسيع الحديقة. وعندما تقاعدت ~~زوجته، اشترى عربة مقطورة كبيرة، وكانا يذهبان في رحلات طويلة في فصل الشتاء. وزارا جولييت ~~مرتين في ويل باي، وقد اصطحبهما إيريك في نزهة بمركبه، وسارت الأمور بينه وبين سام على ما ~~يرام؛ كما قال سام: إن كل شيء سار على نحو جيد بينهما سريعا. # جفلت جولييت عندما قرأت الخطاب كما يفعل أي شخص عندما يكتشف تلك الأصوات الخفية الباعثة ~~على القلق التي تتولد من ذاته القديمة الزائفة، وتعجبت من التستر الشديد الذي يناقض ~~تماما آلام ذكرياتها، ثم اعتقدت أنه لا بد وأن حدث تحول ما، في ذلك الوقت، وهو تحول ~~لم تتذكره؛ تحول يتعلق بمكان وطنها، ليس وطنها في ويل باي حيث تعيش مع إيريك، ولكن هناك حيث ~~كانت تعيش في الماضي؛ كل حياتها السابقة بأكملها. # لأن ما يحدث في وطنك هو ما تحاول حمايته، بكل ما أوتيت من جهد، ولأطول فترة ممكنة. # لكنها لم تقم بحماية سارة؛ فعندما قالت سارة: «حسنا، أعتقد أنني سأرى جولييت قريبا.» لم ~~تعثر جولييت على إجابة مناسبة. ألم يكن من الممكن البحث على كلام مناسب؟ لم بدا الأمر ~~صعبا؟ أن تقول فقط نعم. كان سيعني هذا الكثير بالنسبة لسارة، لكنه بالطبع لن يعني لها ~~شيئا كبيرا. لكنها استدارت، وهي تحمل الصينية إلى المطبخ، وهناك راحت تغسل وتجفف الأقداح ~~والكوب الذي كان يحتوي على المياه ms115 الغازية بنكهة العنب، ووضعت كل شيء في مكانه. # | الصمت # أثناء الرحلة البحرية القصيرة بين خليج باكلي وجزيرة دينمان، نزلت جولييت من سيارتها ~~ووقفت بمقدمة القارب، بينما يداعبها نسيم الصيف. تعرفت عليها امرأة تقف هناك، وشرعتا في ~~التحدث؛ فقد اعتادت أن يحملق بها الناس قليلا ويتساءلون أين رأوها، قبل أن يتذكروا، في بعض ~~الأحيان؛ فهي تظهر دوما على قناة بروفينشال تليفيجن؛ حيث تعقد مقابلات مع هؤلاء الذين ~~حققوا إنجازات رائعة ومميزة في حياتهم، وتدير ببراعة نقاشات جماعية في برنامج يسمى قضايا ~~العصر. كان شعرها قصيرا الآن، أقصر ما يمكن أن يكون، واصطبغ بلون بني مائل إلى الحمرة، ~~يلائم لون إطار نظارتها. وهي عادة ما ترتدي سراويل ~~سوداء - مثلما تفعل اليوم - وقميصا حريريا ~~عاجيا، وفي بعض الأحيان سترة سوداء؛ فهي تطابق التشبيه الذي كانت والدتها تستخدمه: امرأة ~~خاطفة للأبصار. ~~«أستميحك عذرا. لا بد أن الناس يزعجونك دائما.» # قالت جولييت: «لا، مطلقا، إلا إذا كنت قد وصلت لتوي لعيادة طبيب الأسنان أو شيء من هذا ~~القبيل.» # كانت السيدة في نفس عمر جولييت تقريبا؛ شعرها طويل وأسود يتخلله بعض الشعر الرمادي، ولا ~~تضع مساحيق تجميل، وترتدي تنورة طويلة من قماش الدنيم القطني. كانت تعيش في دينمان؛ لذا ~~سألتها جولييت عما تعرفه عن مركز الاتزان الروحي. # قالت جولييت للمرأة: «لأن ابنتي هناك. إنها معتكفة هناك أو تأخذ دورة دراسية، لا أعرف ~~ماذا يسمون هذا. وهي هناك منذ ستة أشهر. إنها المرة الأولى التي أراها فيها منذ ستة ~~أشهر.» # قالت السيدة: «هناك مكانان مثل هذا الذي تتحدثين عنه، وهما غير ثابتين. لا أقصد أن هناك ~~أي شيء مريب بشأنهما؛ فكل ما في الأمر أنهما موجودان بالغابة، ومنفصلان عن المجتمع. حسنا، ~~فكيف كان يصبح اعتكافا لو كان المكان متصلا بالمجتمع المحيط به؟» # قالت لها السيدة إنها لا بد أن تكون متشوقة لرؤية ابنتها مرة ثانية، ووافقتها جولييت ~~الرأي بشدة. # قالت السيدة: «أنا مدللة للغاية. إن ابنتي في العشرين من عمرها - في الواقع عيد ميلادها ~~الحادي والعشرين في ms116 هذا الشهر - ونحن لا نفترق كثيرا.» # قالت السيدة إن لديها ابنا في العشرين من عمره، وابنة في الثامنة عشرة، وواحدة أخرى في ~~الخامسة عشرة، وتمر بأيام ترغب فيها أن تغريهم بالمال مقابل أن يذهبوا للاعتكاف فرادى أو ~~معا. # ضحكت جولييت قائلة: «حسنا، ليس لدي سوى ابنة واحدة. بالطبع، لن أستطيع أن أمنع نفسي من ~~بذل قصارى جهدي لإعادتها معي، في غضون بضعة أسابيع.» # كان هذا النوع من أحاديث الأمهات الحنون ~~المزعج في نفس الوقت هو ما تجد جولييت من السهل الانخراط به (فكانت جولييت خبيرة في الإدلاء ~~بالإجابات المطمئنة)، ولكن الحقيقة هي أن بينيلوبي لم تفعل شيئا تقريبا يجعلها تشكو منها، ~~وإن أرادت أن تكون صادقة للغاية في هذه اللحظة فإنها ستقول إنها لا تتحمل قضاء يوم واحد دون ~~الاتصال بابنتها، ناهيك عن ستة أشهر. كانت بينيلوبي تعمل في بانف، كإحدى فتيات خدمة الغرف ~~خلال الصيف، وذهبت في رحلات بالأتوبيس إلى المكسيك، وسافرت متطفلة إلى نيوفاوندلاند من خلال ~~استيقاف السيارات، ولكنها ظلت تعيش دوما مع جولييت، ولم يسبق أن انفصلا طيلة ستة ~~أشهر. ~~«كان بإمكان جولييت أن تقول عنها: إنها تمدني بالبهجة؛ وليس هذا لأنها من تلك الشخصيات ~~التي تنضح مرحا وطربا وتنظر دوما للجانب المشرق من الأمور. فأتمنى أن أكون قد أنشأتها ~~لتكون أفضل من هذا. إنها تتمتع باللباقة والعطف، وهي حكيمة كما لو كانت تعيش على هذا الكوكب ~~منذ ثمانين عاما. وهي شخصية تأملية وليست مشتتة مثلي. إنها كتومة بعض الشيء مثل أبيها، وهي ~~أيضا جميلة كالملائكة، إنها تشبه والدتي؛ فهي شقراء ولكنها ليست ضعيفة مثلها؛ إنها قوية ~~ونبيلة. وهي منحوتة كتمثال المرأة الذي يقوم مقام عمود في مبنى. وعلى عكس المفاهيم الشائعة، ~~أنا لا أشعر بالغيرة منها على الإطلاق؛ فطوال هذه الفترة التي قضيتها بعيدا عنها - ودون أن ~~أعرف عنها شيئا؛ لأن الاتزان الروحي لا يسمح بإرسال خطابات أو إجراء مكالمات - أشعر وكأني ~~في الصحراء، وعندما وصلتني رسالتها كنت مثل قطعة الأرض العطشى المشققة التي حصلت على ms117 جرعة ~~ماء كاملة من المطر.» ~~••• ~~«أتمنى أن أراك في عصر يوم الأحد. لقد حان الوقت.» # كانت جولييت تتمنى أن يكون معنى هذا هو أنه قد حان وقت العودة للمنزل، ولكنها بالطبع ~~ستترك هذا القرار لبينيلوبي. ~~••• # كانت بينيلوبي قد رسمت لها خريطة أولية، وسرعان ما أوقفت جولييت سيارتها أمام كنيسة ~~قديمة. وقد كانت كنيسة أنشئت منذ خمسة وسبعين أو ثمانين عاما، ومغطاة بجص الزخرفة، لم ~~تكن في قدم أو إبهار الكنائس التي كانت موجودة في هذا الجزء من كندا الذي نشأت فيه جولييت. ~~وخلفها كان يوجد مبنى أحدث، ذو سقف منحدر ونوافذ تملأ الجزء الأمامي، وكانت مرفقة به ~~أيضا منصة بسيطة ومقاعد خشبية للجلوس وما بدا أنه ملعب كرة طائرة يحتوي على شبكة متراخية. ~~كان كل شيء رثا، وهذه الرقعة من الأرض التي كانت فيما سبق بلا حشائش وأشجار استعادتها ~~أشجار الصنوبر والحور. # كان هناك شخصان - لم تستطع أن تميز ما إذا كانا رجلين أو امرأتين - يقومان ببعض أعمال ~~النجارة فوق المنصة، وجلس آخرون على المقاعد الخشبية في مجموعات صغيرة منفصلة. كانوا جميعا ~~يرتدون ملابس عادية، وليس معاطف صفراء أو أي شيء من هذا القبيل. طوال بضع دقائق لم يلحظ أحد ~~سيارة جولييت، ثم نهض شخص من الجالسين على المقاعد الخشبية وتوجه دون عجلة نحوها. كان رجلا ~~قصيرا متوسط العمر يرتدي نظارة. # خرجت من سيارتها وحيته وسألت عن بينيلوبي. لم يتحدث - ربما كانت هناك قاعدة تلزمه ~~بالصمت - ولكنه أومأ واستدار ودخل الكنيسة، وسرعان ما استطاعت أن ترى من مكانها، ليس ~~بينيلوبي، ولكن سيدة بدينة تتحرك ببطء ذات شعر أبيض، ترتدي سروالا من الجينز ومعطفا ~~فضفاضا. # قالت: «شرفت بمقابلتك. تفضلي إلى الداخل. لقد طلبت من دوني إعداد بعض الشاي لنا.» # كان لها وجه عريض نضر، وابتسامة مرحة وحانية في الوقت ذاته، وما افترضت جولييت أنها لا بد ~~وأن تكون عينين براقتين. قالت: «اسمي جوان.» كانت جولييت تتوقع اسما مستعارا مثل ~~سيرينيتي (التي تعني سكينة بالإنجليزية)، أو اسما ذا طابع شرقي، وليس اسما ms118 بسيطا ~~ومألوفا مثل جوان. ولاحقا، بالطبع، تذكرت اسم البابا جوان. # قالت بنبرة لطيفة: «لقد جئت إلى المكان الصحيح، أليس كذلك؟ أنا غريبة عن دينمان. تعلمين ~~أني جئت لمقابلة بينيلوبي؟» ~~«بالطبع، بينيلوبي.» أطالت جوان في نطق الاسم، مع تخلل صوتها نبرة احتفالية. # كان الجزء الداخلي من الكنيسة معتما بسبب القماش الأرجواني الذي غطى النوافذ العالية، ~~وقد رفعت المقاعد الخشبية الطويلة وأي أثاث آخر كان بالكنيسة، وكانت الستائر البيضاء ~~البسيطة تتدلى لتشكل حجيرات خاصة، فيما يشبه أقسام المستشفيات. لكن الحجيرة التي دلت ~~جولييت إليها لم يكن بها فراش؛ فقط طاولة صغيرة ومقعدان من البلاستيك، وبعض الأرفف المفتوحة ~~المكدس بها في غير نظام ورق مبعثر. # قالت جوان: «أخشى أننا ما زلنا نجري بعض الإصلاحات هنا يا جولييت. هل يمكنني أن أناديك ~~جولييت؟» ~~«نعم بالطبع.» ~~«أنا لست معتادة على التحدث مع شخص مشهور.» عقدت جوان يديها أسفل ذقنها في وضعية تشبه ~~وضعية الصلاة. «لا أعرف إذا ما كان ينبغي لي التعامل معك بطريقة رسمية أم لا.» ~~«لست شهيرة تماما.» ~~«بل أنت شهيرة. الآن لا تقولي أشياء كهذه. وسوف أعترف لك على الفور إلى أي مدى أنا معجبة ~~بأعمالك؛ إنها بمثابة الشعاع في الظلام. إن برنامجك هو البرنامج التليفزيوني الوحيد الذي ~~يستحق المشاهدة.» # قالت جولييت: «شكرا. وصلتني رسالة من بينيلوبي ...» ~~«أعرف، ولكني آسفة لأني مضطرة أن أخبرك يا جولييت، ولا أريد منك أن تصابي بالإحباط ... ~~بينيلوبي ليست هنا.» # قالت السيدة هذه الكلمات - بينيلوبي ليست هنا - بأكبر قدر ممكن من الاستخفاف؛ فقد تظن أن ~~غياب بينيلوبي يمكن أن يتحول إلى موضوع للتسلية؛ لإثارة بهجتهما في حوارهما ~~المتبادل. # اضطرت جولييت أن تأخذ نفسا عميقا، ولم تستطع التحدث لدقيقة. تسرب الفزع إلى نفسها، ~~إنه الحدس، ثم شرعت في جمع شتات نفسها للتفكير بطريقة عقلانية في هذه الحقيقة، وأخذت تفتش ~~في حقيبتها. ~~«قالت إنها تأمل ...» # قالت جوان: «أعرف، أعرف، كانت تنوي أن تكون هنا، ولكن الحقيقة أنها لم تتمكن ...» ~~«أين هي؟ إلى أين ذهبت؟» ~~«لا أستطيع أن أخبرك بهذا.» ms119 ~~«لا تستطيعين أم أنك لا تريدين أن تخبريني؟» ~~«لا أستطيع. لا أعرف، ولكني أستطيع أن أخبرك بشيء قد يريحك. أيا كان المكان الذي ذهبت ~~إليه، ومهما كان القرار الذي اتخذته، فإنه الشيء الصحيح بالنسبة لها؛ سيكون الشيء الصحيح ~~بالنسبة لروحانيتها ونموها.» # قررت جولييت ألا تعلق على ما سمعته. أوقفتها كلمة روحانية، والتي تبدو وكأنها تشمل - كما ~~تقول عادة - كل شيء بدءا من عجلات الصلاة (في الحضارة الصينية القديمة) إلى القداس ~~الاحتفالي. فلم تتخيل قط أن فتاة في ذكاء بينيلوبي قد تشارك في شيء كهذا. # قالت: «أعتقد أنني لا بد أن أعلم أين هي، في حال ما أرادت أن أرسل لها أيا من ~~أشيائها.» ~~«مقتنياتها؟» بدت جوان وكأنها عاجزة عن قمع ابتسامة عريضة، بالرغم من أنها عدلتها على ~~الفور برسم تعبير حان على وجهها. «بينيلوبي لا تكترث الآن كثيرا بمقتنياتها.» # في بعض الأحيان كانت جولييت تشعر، في منتصف مقابلة ما، أن الشخص الذي تحاوره لديه مخزون ~~من العدوانية لم يكن ظاهرا قبل تشغيل الكاميرا؛ شخص ما قد أبخسته جولييت حقه - بأن تعتقد ~~أنه غبي مثلا - قد يمتلك قوة من هذا النوع؛ عدائية مازحة وإن كانت قاتلة. وما كان عليها ~~فعله هو ألا تظهر أبدا أنها مندهشة أو مرتبكة، ولا تنتهج بدورها سلوكا عدائيا من أي ~~نوع. # قالت جوان: «ما أعنيه بالنمو هو نمونا الداخلي بالطبع.» # قالت جولييت وهي تنظر في عينيها: «أتفهم هذا.» ~~«لقد سنحت لبينيلوبي فرصة عظيمة في حياتها كي تقابل أشخاصا رائعين. يا إلهي، إنها لم تكن ~~بحاجة لمقابلة أناس رائعين؛ فقد نشأت مع شخص رائع؛ والدتها. ولكن كما تعلمين، هناك دوما ~~بعد مفقود؛ فالأولاد البالغون يشعرون دوما أن هناك شيئا مفقودا ...» # قالت جولييت: «آه، نعم. أعلم أن الأطفال بعد أن ينضجوا قد يشكون من كل شيء.» # قررت جوان أن تكون صريحة. ~~«علي أن أصارحك؛ إنه البعد الروحي، ألم تكن حياة بينيلوبي تفتقر تماما إلى الروحانية؟ ~~أعتقد أنها لم تنشأ في منزل يملؤه الإيمان.» ~~«لم يكن الدين من الموضوعات ms120 المحظور مناقشتها. كان يمكننا التحدث بشأنه.» # أضافت في عطف: «لكن ربما كانت المشكلة في طريقة تحدثك عنه. طريقتك العقلانية؟ هذا إن ~~كنت تدركين ما أعنيه. أنت ذكية للغاية.» ~~«حسنا، هذا هو رأيك.» # أدركت جولييت أن أي سيطرة لديها على المقابلة، وعلى نفسها، بدأت في الترنح، وربما تكون قد ~~فقدت تماما. ~~«إنه ليس رأيي يا جولييت، إنه رأي بينيلوبي؛ فهي فتاة محببة إلى النفس وتتمتع بالفراسة، ~~ولكنها أتت إلى هنا وهي تشعر بنهم بالغ؛ نهم للأشياء التي لم تكن متاحة لها في المنزل؛ ~~فأنت كنت مشغولة بحياتك الرائعة الناجحة ... ولكنني يجب أن أخبرك يا جولييت أن ابنتك كانت ~~تشعر بالوحدة. لقد عرفت طريقها إلى التعاسة.» ~~«ألا يمر معظم الناس بهذه المشاعر في مرحلة ما من عمرهم؟ الوحدة والتعاسة؟» ~~«لست الشخص الذي يمكنه معرفة ذلك. آه يا جولييت، أنت امرأة تملك بصيرة نافذة؛ فلطالما ~~شاهدتك بالتليفزيون، وكنت أتساءل كيف يمكنك الوصول لجوهر الأمور بهذه الطريقة وتعاملين ~~الناس في الوقت نفسه بكل هذا العطف والأدب؟ لم أظن قط أنني سأتحدث إليك يوما وجها لوجه. ~~والأكثر من هذا، أنني سأكون في وضع يمكنني من مساعدتك.» ~~«أعتقد أنك ربما تكونين مخطئة بهذا الشأن.» ~~«أنت تشعرين أنك مجروحة. من الطبيعي أن تشعري بالجرح.» ~~«هذا شأني وحدي أيضا.» ~~«آه حسنا. ربما ستهاتفك بالرغم من كل شيء.» ~~••• # وقد هاتفت بينيلوبي جولييت بالفعل، بعد بضعة أسابيع؛ فقد تسلمت بطاقة تهنئة في يوم ~~ميلاد بينيلوبي، التاسع عشر من يونيو، كان عيد ميلادها الحادي والعشرين، كانت من نوعية ~~البطاقات التي ترسلها لأحد معارفك ممن لا تعرف أذواقهم؛ فهي لم تكن بطاقة بسيطة مازحة، ولا ~~بطاقة تعكس فطنة وذكاء، ولا عاطفية. ففي الجهة الأمامية منها كان هناك صورة لباقة من زهور ~~الثالوث مربوطة بشريط أرجواني والذي يشكل ذيله عبارة عيد ميلاد سعيد. وكانت هذه الكلمات ~~مكررة بالداخل مسبوقة بعبارة أتمنى لك. # ولم يكن هناك توقيع. ظنت جولييت في البداية أن شخصا ما أرسل هذه البطاقة لبينيلوبي، ~~ونسي أن يوقعها، وأنها - جولييت - فتحتها ms121 على سبيل الخطأ. شخص لديه اسم بينيلوبي وتاريخ ~~ميلادها في ملف ما. ربما يكون طبيب أسنانها أو معلم القيادة. ولكنها عندما فحصت الكتابة على ~~الظرف، رأت أنه لم يكن هناك خطأ ... فاسمها كان منسوخا بخط يد بينيلوبي نفسها. # وأختام البريد لم تعد تدلك على أي شيء؛ فجميعها يقول بريد كندا. تراءى لجولييت أنه لا ~~بد وأن هناك طرقا لمعرفة من أي مقاطعة ورد الخطاب على الأقل، ولكن كي تفعل هذا، عليك سؤال ~~موظفي مكتب البريد، الذهاب إلى هناك ومعك الخطاب، وعلى الأرجح سوف يسألونك بجدية عن سبب ~~الاستفسار؛ مدى أحقيتك في معرفة هذه المعلومات، وسوف يتعرف عليها أحد لا محالة هناك. ~~••• # ذهبت لرؤية صديقتها القديمة كريستا، والتي كانت تعيش في ويل باي، عندما كانت هي الأخرى ~~تعيش هناك، حتى قبل مولد بينيلوبي. كانت كريستا في كيتسيلانو، في دار رعاية المعاقين؛ فكانت ~~تعاني من تصلب الشرايين المتعدد. كانت غرفتها بالطابق السفلي، وملحق بها فناء خاص صغير، وقد ~~جلست جولييت معها هناك، وأخذت تنظر إلى المرج الصغير المشمس، ونبات الحلوة اليانع الذي ~~يغطي السور والذي حجب صفائح القمامة. # قصت جولييت على مسامع كريستا قصة الرحلة إلى جزيرة دينمان كاملة، ولم تخبرها لأحد آخر، ~~وتمنت لو أنها لم تضطر أن تخبر بها أحدا. في كل يوم في طريق عودتها للمنزل من العمل كانت ~~تتساءل ما إذا كانت بينيلوبي تنتظرها في الشقة، أو يكون قد وردها على الأقل خطاب منها. ~~وبعد ذلك لم تجد سوى هذه البطاقة غير الحانية والتي فتحتها بسرعة بينما ترتعد يداها. # قالت كريستا: «إنه يعني شيئا ما، إنه يحيطك علما أنها على ما يرام، سوف يتبع ذلك حدوث ~~شيء ما، سوف يحدث هذا، فقط تحلي بالصبر.» # تحدثت جولييت بمرارة عن الأم شيبتون. هكذا أطلقت عليها في النهاية، بعد أن كانت تسميها ~~البابا جوان أصبحت غير راضية عن هذا الاسم بعد أن فكرت فيه جيدا. قالت، يا لها من امرأة ~~مخادعة! فهي تخفي وراء واجهة دينية معسولة عديمة القيمة قدرا كبيرا ms122 من البغض والدناءة. من ~~المستحيل تخيل أن بينيلوبي قد افتتنت بها. # اقترحت كريستا أن بينيلوبي ربما زارت المكان لأنها فكرت في كتابة شيء ما عنه؛ أحد أنواع ~~الصحافة الاستقصائية، عمل ميداني، الزاوية الشخصية - ذلك العمل الشخصي طويل النفس الذي أصبح ~~شائعا اليوم. # قالت جولييت: «تجري تحقيقات لمدة ستة أشهر؟ إن بإمكان بينيلوبي فهم شخصية الأم شيبتون في ~~عشر دقائق.» # اعترفت كريستا: «إنه أمر غريب حقا.» # قالت جولييت: «أنت لا تعلمين سوى ما تفصحين به، أليس كذلك؟ أكره حتى أن أسأل هذا السؤال. ~~أشعر بالارتباك، أشعر بالغباء. هذه المرأة قصدت أن تشعرني بالغباء، أشعر وكأنني في مسرحية ~~كشخصية أفشت شيئا ويدير الجميع لها ظهورهم لأنهم يعرفون شيئا لا تعرفه.» # قالت كريستا: «مثل هذه الأنواع من المسرحيات لم يعد له وجود الآن. الآن ليس هناك من يعرف ~~أي شيء، ولم تكن بينيلوبي لتأتمنني على شيء لم تأتمنك عليه؛ فلماذا تفعل وهي تعرف أنني ~~سأخبرك بما أعرفه؟» # ظلت جولييت صامتة للحظات، ثم تمتمت في عبوس: «كانت هناك أمور لم تخبريني بها.» # قالت كريستا ولكن بدون إبداء أي عداء: «آه، يا إلهي! لا تفتحي هذا الموضوع ~~مجددا.» # وافقتها جولييت: «حسنا، لن أفتح هذا الموضوع مجددا. أنا في حالة مزاجية سيئة، هذا هو كل ~~ما في الأمر.» ~~«فقط تماسكي. إن ذلك هو أحد اختبارات الأمومة. إنها لم تدعك تخوضين الكثير منها بالرغم من ~~كل شيء. في خلال عام واحد ستكونين قد نسيت كل هذا.» # لم تخبرها جولييت أنها في النهاية لم تستطع أن ترحل بكرامة؛ فقد استدارت وصرخت في توسل ~~وغضب. ~~«ما الذي أخبرتك به؟» # وقد وقفت الأم شيبتون ترقبها، كما لو أنها توقعت هذا، وارتسمت ابتسامة شفقة كبيرة على ~~شفتيها المغلقتين وهي تهز رأسها. ~~••• # خلال العام التالي، كانت جولييت تتلقى مكالمات هاتفية، من حين لآخر، من معارف بينيلوبي، ~~وإجابتها على استفساراتهم كانت واحدة دوما؛ وهي أن بينيلوبي قررت أن تأخذ إجازة لمدة عام، ~~لقد سافرت، وجدول سفرها كان غير محدد على الإطلاق، ولم تكن ms123 لدى جولييت وسيلة للاتصال بها، ~~وليس لديها عنوان يمكنها إعطاؤه لأحد. # ولم يتصل بها أحد من أصدقائها المقربين؛ مما قد يعني أن المقربين لبينيلوبي كانوا يعرفون ~~جيدا أين هي، أو ربما هم أيضا سافروا في رحلات لبلاد أجنبية، ووجدوا وظائف في مقاطعات ~~أخرى، وبدءوا حيوات جديدة محمومة أو محفوفة بالمخاطر للغاية في الوقت الحاضر لدرجة لا ~~تجعلهم يسألون عن الأصدقاء القدامى. ~~(والأصدقاء القدامى في هذه المرحلة من الحياة تعني شخصا لم تره منذ نصف عام.) # كلما دخلت جولييت المنزل، كان أول شيء تفعله هو تفقد الضوء الوامض على جهاز الرد الآلي ~~- نفس الشيء الذي اعتادت تجنبه، معتقدة أنه سيكون هناك من يزعجها بشأن تصريحاتها العامة. ~~كانت قد جربت العديد من الحيل السخيفة، ذات الصلة بعدد الخطوات التي سارتها نحو الهاتف، ~~وكيف رفعت السماعة، وكيف التقطت أنفاسها، وهي تقول في نفسها: «ليتها تكون هي.» # لم يجد شيء نفعا، وبعد فترة بدا العالم خاليا ممن كانت بينيلوبي تعرفهم؛ الرفقاء ~~الذين تركتهم وهؤلاء الذين تركوها، الفتيات اللاتي شاركتهن أحاديث النميمة وربما وثقت فيهن. ~~كانت قد ارتادت مدرسة داخلية خاصة للبنات فقط تدعى تورانس هاوس، ولم تذهب إلى مدرسة ثانوية ~~حكومية، مما يعني أن معظم أصدقاء عمرها - حتى هؤلاء الذين ظلوا أصدقاءها في الجامعة - أتوا ~~من خارج المدينة؛ فبعضهم من ألاسكا أو برينس جورج أو بيرو. # ولم تتلق رسالة منها في الكريسماس، ولكن في يونيو، تسلمت بطاقة أخرى، تشبه كثيرا ~~سابقتها، بدون كلمة واحدة بالداخل. ارتشفت جولييت كأسا من النبيذ قبل أن تفتحها، ثم ألقت ~~بها بعيدا على الفور. كانت تداهمها بين الحين والآخر نوبات من البكاء مع الارتجاف لا ~~تستطيع أن تتحكم بها، ولكنها كانت تخرج من هذه الحالة إلى نوبات سريعة من الغضب؛ حيث تسير ~~حول المنزل وهي تضرب بقبضة يدها على راحة اليد الأخرى. كان غضبها موجها إلى الأم شيبتون، ~~ولكن صورة هذه السيدة ذوت في مخيلتها، وكان على جولييت أن تدرك في النهاية أنها المشجب الذي ~~علقت عليه غضبها . # كل ms124 صور بينيلوبي كانت قد نقلت إلى غرفة نومها، بالإضافة إلى حزم من رسوماتها ولوحاتها ~~التي لونتها بأقلام الشمع والفحم، والتي كانت قد رسمتها قبل مغادرة ويل باي، وكتبها، ~~وجهاز إعداد القهوة الأوروبي الذي يعد فنجانا واحدا والمزود بكباس، والذي كانت قد ~~اشترته كهدية لجولييت من أول راتب تقاضته من وظيفتها الصيفية في ماكدونالدز. وهناك مثل هذه ~~الهدايا الغريبة التي وضعتها بالشقة؛ مثل المروحة البلاستيكية الصغيرة التي تلصق على ~~الثلاجة، والجرار اللعبة ذي الزنبرك، والستارة من الخرز الزجاجي والمعلقة على نافذة دورة ~~المياه. وقد ظل باب غرفة النوم مغلقا، وبمرور الوقت أمكنها المرور من أمامه دون شعور ~~بالانزعاج. ~~••• # فكرت جولييت كثيرا في مسألة الرحيل من هذه الشقة؛ بحيث يعمل المحيط الجديد على تهدئة ~~أعصابها، ولكنها قالت لكريستا إنه ليس في مقدورها القيام بهذا؛ لأنه هو العنوان الذي تعرفه ~~بينيلوبي، ولا يمكن تحويل البريد إلا لثلاثة شهور فقط؛ لذا لن تستطيع ابنتها العثور ~~عليها. # قالت كريستا: «يمكنها دوما الذهاب إليك في العمل.» # قالت جولييت: «من يدري كم من الوقت سأظل هناك؟ إنها على الأرجح تعيش مع مجموعة غير مسموح ~~لها بالتواصل مع الآخرين، وهم لديهم على الأحرى معلم روحي يمارس الجنس مع كل النساء ~~ويرسلهن إلى الشوارع كي يشحذن. لو كنت قد أرسلتها إلى فصول الآحاد الدينية وعلمتها كيف ~~تتلو صلواتها، ما كان هذا ليحدث على الأرجح. كان يجب علي القيام بهذا، كان يجب علي. ~~لربما كان هذا كاللقاح. لقد أهملت روحانيتها. الأم شيبتون هي من قالت هذا.» ~~••• # عندما كانت بينيلوبي بالكاد في الثالثة عشرة من عمرها، ذهبت إلى معسكر تخييم في جبال ~~كوتيناي في بريتيش كولومبيا، مع صديقة لها من تورانس هاوس وأسرة الصديقة. راق هذا الأمر ~~لجولييت؛ فلم تكن بينيلوبي قد أمضت سوى عام واحد في تورانس هاوس (التي قبلت بها بتسهيلات ~~مالية جيدة؛ لأن والدتها سبق لها التدريس هناك)، وقد سعدت جولييت بالرحلة؛ لأن بينيلوبي ~~أنشأت بالفعل صداقة قوية مع صديقة وتقبلتها بسرعة أسرة صديقتها. كانت سعيدة أيضا لأن ms125 ~~ابنتها كانت ذاهبة إلى معسكر - وهو الشيء الذي كان الأطفال العاديون يفعلونه، ولكنها، أي ~~جولييت، لم تتح لها الفرصة لفعله وهي طفلة. وليس معنى ذلك أنها كانت ترغب في هذا؛ حيث ~~إنها كانت مدفونة وسط كتبها - ولكنها رحبت بأمارات تحول بينيلوبي إلى فتاة طبيعية، ~~بخلاف ما كانت هي عليه. # كان إيريك قلقا من الفكرة برمتها، فظن أن بينيلوبي كانت صغيرة على مثل هذه الرحلة. لم ~~ترق له فكرة ذهاب بينيلوبي في رحلة مع أشخاص لا يعرف الكثير عنهم. وبما أنها تذهب إلى ~~مدرسة داخلية فهما لا يرونها كثيرا؛ فما الداعي لتقليص الوقت الذي يمضيانه معها؟ # كان لدى جولييت سبب آخر؛ فقد أرادت إبعاد بينيلوبي في أول أسبوعين من الإجازة الصيفية؛ ~~لأن الأمور لم تكن مستتبة بينها وبين إيريك؛ فأرادات أن تحل المشكلات بينها بين إيريك، ~~ولكن ذلك لم يحدث. لم ترغب أن تدعي أن كل شيء كان على ما يرام؛ وذلك لأجل خاطر ~~الطفلة. # أما إيريك على الجانب الآخر، فلم يكن يريد شيئا سوى التلطيف من مشكلاتهما وإخفائها من ~~الطريق. فوفقا لطريقة إيريك في التفكير، فإن التحضر بوسعه إعادة المشاعر الطيبة، وأن ~~التظاهر بالحب سيكون كافيا للمضي قدما حتى يعاد اكتشاف الحب نفسه. وإن لم يكن هناك أي ~~شيء سوى مجرد التظاهر ... حسنا، فذلك سيفي بالغرض. يمكن لإيريك التعايش مع هذا. # فكرت جولييت في قنوط؛ نعم كان باستطاعته هذا. # ووجود بينيلوبي في المنزل كان سببا يدفعهما لإحسان ~~التصرف - يدفع جولييت لإحسان التصرف بما أنها هي ~~من كانت، في رأيه، تستثير المشاحنات - كان هذا ليناسب إيريك تماما. # هكذا أخبرته جولييت، وخلقت مصدرا جديدا للمرارة واللوم؛ لأنه كان يفتقد بينيلوبي ~~بشدة. # وكان السبب وراء شجارهما قديما وعاديا؛ ففي الربيع، ومن خلال تصريح تافه - والصراحة أو ~~ربما تعمد الأذى من قبل إلو التي كانت تقطن بجوارهما منذ وقت طويل، والتي كانت تشعر ~~بولاء تجاه زوجة إيريك المتوفاة ولديها بعض التحفظات إزاء جولييت - اكتشفت جولييت أن إيريك ~~مارس علاقة مع كريستا. لطالما كانت كريستا ms126 صديقتها المقربة، ولكنها كانت قبل ذلك صديقة ~~إيريك، وعشيقته (بالرغم من أن أيا منهم لم يعد يذكر هذا الأمر الآن)، وكان قد تركها عندما ~~طلب من جولييت الانتقال لتعيش معه. كانت تعرف كل شيء عن كريستا في ذلك الحين، ولم يكن ~~بوسعها الاعتراض على ما حدث في الوقت السابق لعلاقتها بإيريك. لم تفعل، لكن ما عارضته - وما ~~ادعت أنه كسر فؤادها - هو ما حدث بعد ذلك (ولكنه حدث أيضا منذ فترة طويلة كما قال إيريك)؛ ~~فعندما كانت بينيلوبي تبلغ من العمر عاما واحدا، وكانت جولييت قد أخذتها وعادت بها إلى ~~أونتاريو لزيارة والديها؛ كي تزور - كما كانت تشير دوما الآن - والدتها التي كانت تحتضر، ~~وعندما كانت بعيدة، وتشعر بالحب وبافتقاد إيريك من كل قلبها (فهي الآن تعتقد هذا)، عاود ~~إيريك الانخراط في عاداته القديمة. # في البداية اعترف أنه فعل هذا مرة واحدة (لأنه كان ثملا)، ولكن من خلال مزيد من الضغط، ~~وبشرب الخمر والإلحاح بالمصارحة في التو واللحظة، قال إنه ربما يكون قد فعل هذا أكثر من ~~مرة. # ربما؟ ألا يستطيع التذكر؟ هل تكرر هذا الأمر كثيرا حتى إنه لا يتذكر عدد ~~المرات؟ # كان يستطيع التذكر. ~~••• # أتت كريستا لزيارة جولييت كي تطمئنها أنه ليس ثمة شيء جاد بينهما (كانت تلك هي لازمة ~~إيريك أيضا)، فطلبت منها جولييت الرحيل وعدم الحضور لزيارتها مجددا. قررت كريستا أن هذا ~~هو الوقت المناسب للذهاب لزيارة شقيقها في كاليفورنيا. # وهذا الغضب الذي سلطته جولييت على كريستا كان في الواقع نوعا من أنواع التصرفات ~~الشكلية؛ فكانت تتفهم أن بعض اللقاءات الجنسية العابرة الخالية من المشاعر مع صديقة قديمة ~~(على حد وصف إيريك الكارثي، ضمن محاولته غير الحصيفة للتقليل من شأن الأمور) لا تعد ذات ~~بال على الإطلاق، ولا تشكل تهديدا، كعناق دافئ لامرأة تعرفت عليها للتو. كذلك، كان ~~غضبها من إيريك شرسا، ولم تستطع كبته، ولم يترك مجالا كبيرا لإلقاء اللوم على أي أحد ~~آخر. # وتمثلت ذريعتها في أنه لا يحبها، ولم يحبها قط، وأنه استهزأ ms127 بها، مع كريستا، من وراء ~~ظهرها؛ فقد جعل منها أضحوكة أمام أشخاص مثل إلو (التي طالما كرهتها). لقد عاملها بازدراء، ~~ونظر لحبها له (عندما كانت تحبه) بازدراء، وعاش معها كذبة. فلم يكن الجنس يعني أي شيء له، ~~أو لم يعن بأي شكل من الأشكال ما يعنيه (أو ما كان يعنيه) لها، وأنه كان على استعداد ~~لممارسته مع أي امرأة متاحة. # فقط الزعم الأخير من هذه المزاعم هو ما كان ينطوي على ذرة من الحقيقة، وكانت هي تدرك ذلك ~~في فترات هدوئها، ولكن حتى هذه الحقيقة الصغيرة كانت كافية لتدمير كل شيء حولها. ما كان ~~ينبغي لها أن تتسبب في هذا، ولكن هذا هو ما فعلته. ولم يكن إيريك قادرا - بالفعل لم يكن ~~قادرا - على رؤية السبب في هذا. لم يكن مندهشا من اعتراضها، وإثارتها للجلبة، بل وحتى ~~بكائها (بالرغم من أن امرأة مثل كريستا لم تكن لتفعل هذا أبدا)، ولكنه اندهش من شعورها ~~بأنها قد دمرت، ومن اعتقادها أنها حرمت من كل ما كانت تستند إليه، ومن غضبها من شيء حدث ~~منذ اثني عشر عاما؛ فهذه الأمور لم يستطع فهمها. # في بعض الأحيان كان يعتقد أنها تتصنع كل هذا، أو أنها تبالغ وتستغل هذا الأمر، وفي ~~أحيان أخرى يشعر بأسف حقيقي؛ لأنه جعلها تعاني بهذا الشكل. كان حزنهما يثيرهما، فكانا ~~يستمتعان كثيرا بممارسة الجنس. وفي كل مرة يعتقد أن المشكلة انتهت، وأن تعاستهما ولت ~~لحال سبيلها. وفي كل مرة يكون مخطئا. # في الفراش، كانت جولييت تضحك وتحكي له عن السيد والسيدة بيبس، اللذين كان يشتعل الحب ~~بينهما في ظل ظروف مشابهة (منذ أن هجرت دراستها الكلاسيكية على نحو ما، كانت تقرأ بنهم، ~~وفي هذه الأيام كان كل شيء تقرؤه يبدو أن له علاقة بالزنا). قال بيبس إن ممارستهما الجنس ~~لم تكن قط بمثل هذه الكثرة وبكل هذه الحرارة، بالرغم من أنه ذكر أن زوجته فكرت في قتله ~~وهو نائم. ضحكت جولييت من هذا الأمر، ولكن بعد نصف ساعة عندما أتى ms128 إريك لتوديعها قبل أن ~~يذهب إلى قاربه ليتفقد شراك القريدس، بدت متجهمة وقبلته في خنوع، كما لو كان ذاهبا ~~لمقابلة امرأة في منتصف الخليج وتحت السماء الممطرة. ~~••• # وكان هناك أكثر من مجرد المطر. ورغم أن الأمواج لم تكن متلاطمة عندما خرج إيريك للبحر، ~~ولكن لاحقا في فترة العصر هبت عاصفة فجائية من الناحية الجنوبية الشرقية وجعلت مياه ممر ~~ديزوليشن ساوند المائي ومضيق مالاسبينا تموج. واستمرت حتى حلول الظلام تقريبا - والذي لم ~~يحل حتى حوالى الساعة الحادية عشرة في هذا الأسبوع الأخير من يونيو. في ذلك الحين ثمة ~~مركب شراعي من كامبل ريفر كان مفقودا، يحمل ثلاثة بالغين وطفلين على متنه، وقاربا صيد ~~آخران مفقودان؛ أحدهما يحمل رجلين والآخر لا يحمل سوى رجل واحد هو إيريك. # كان صباح اليوم التالي هادئا ومشمسا؛ فالجبال والمياه والشواطئ كانت جميعا لامعة ~~ومتلألئة. # وكان هناك احتمال بالطبع ألا يكون هؤلاء الأشخاص مفقودين، ربما قد وجدوا ملاذا يحتمون به ~~وأمضوا الليلة على أي من الخلجان الصغيرة التي لا حصر لها. ويمكن أن يكون هذا هو ما حدث ~~مع الصيادين، ولكن ليس مع الأسرة في المركب الشراعي؛ لأن أفرادها لم يكونوا من السكان ~~المحليين، ولكن جاءوا من سياتل لقضاء إجازة. خرجت القوارب على الفور، في ذلك الصباح، للبحث ~~في البر الرئيسي وشواطئ الجزيرة والمياه. # كان أول ما عثر عليه هما جثتي الطفلين اللذين ماتا غرقا، يرتديان سترات النجاة، وفي ~~نهاية اليوم عثر على جثتي الوالدين أيضا، ولم يعثر على جثة الجد الذي كان بصحبتهما حتى ~~اليوم التالي. ولم تظهر قط جثتا الرجلين اللذين كانا يصطادان معا، بالرغم من أن بقايا ~~قاربهما ظهرت بالقرب من ريفيودج كوف. # بينما عثر على جثة إيريك في اليوم الثالث، غير أنه لم يسمح لجولييت برؤيتها؛ فقالوا إن ~~حيوانا ما نهش جثته، بعد أن جرفتها المياه إلى الشاطئ. # وربما لهذا السبب - لأنه لم يكن بوسع أحد رؤية الجثة ولم تكن هناك حاجة لحانوتي - راودت ~~فكرة حرق جثة إيريك على الشاطئ أذهان أصدقائه القدامى ms129 وزملائه من الصيادين. لم تعترض ~~جولييت على هذا. كان لا بد من استخراج شهادة وفاة؛ لذا اتصل أحدهم بالطبيب الذي يأتي إلى ~~ويل باي مرة في الأسبوع في عيادته في باول ريفر، وهو بدوره خول إلو، مساعدته الأسبوعية ~~وممرضته المعتمدة، بفعل هذا. # ثمة الكثير من الأخشاب المجروفة إلى الشاطئ، والعديد من اللحاء المتشرب بملح البحر، ~~والذي يمكن إضرام نار ضخمة فيه. وفي خلال بضع ساعات كان كل شيء جاهزا؛ فانتشرت الأخبار على ~~نحو ما، وحتى دون أن يتاح لهن وقت كاف شرعت النساء بالقدوم وبحوزتهن الطعام. وكانت إلو هي ~~من تتولى إدارة الأمور - فدماؤها الإسكندنافية، وقامتها المنتصبة، وشعرها الأبيض المنسدل، ~~بدت جميعا وكأنها تتلاءم طبيعيا مع دور أرملة البحر. كان الأطفال يركضون على الأخشاب، ~~وكانوا يبعدون عن الخشب المعد للمحرقة، وعن الكتلة النحيلة المكفنة التي كانت في أحد ~~الأيام إيريك. قدمت النساء من إحدى الكنائس لهذا المرسم شبه الوثني القهوة، وتركت ~~صناديق البيرة وزجاجات المشروبات من كل نوع بحرص، في الوقت الحالي، في صناديق السيارات ~~وكبائن الشاحنات. # تساءل الحاضرون من سيلقي كلمة ومن سيشعل المحرقة. سألوا جولييت: هل ستقومين بهذا؟ قالت ~~جولييت - المكسورة والمشغولة في توزيع أقداح القهوة - إنهم لا يستوعبون الأمر؛ حيث إنها، ~~بوصفها الأرملة، لا بد وأن تلقي بنفسها في ألسنة اللهب. ضحكت في الواقع وهي تقول هذا، ~~وهؤلاء الذين طرحوا عليها السؤال تراجعوا؛ خوفا من أن تصاب بحالة هستيرية. وافق الرجل الذي ~~كان يصاحب إيريك في معظم رحلاته بالقارب أن يشعل النار، ولكنه قال إنه ليس خطيبا جيدا. ~~خطر للبعض أنه لم يكن اختيارا جيدا بأي حال من الأحوال، بما أن زوجته كانت أنجليكانية ~~إنجيلية، وربما شعر بضرورة قول أشياء كانت تثير استياء إيريك لو كان بإمكانه سماعها. ثم عرض ~~زوج إلو أن يلقي الكلمة - وكان رجلا قصيرا شوه وجهه حريق اندلع في قارب منذ عدة ~~سنوات، وهو اشتراكي كثير الشكوى وملحد - وفي أثناء خطبته انفلت منه خيط الحديث عن إيريك، ~~فيما عدا أنه وصفه بالأخ في ms130 المعركة. ألقى خطبة طويلة على نحو أثار الدهشة، وفسر السبب ~~وراء هذا بعد ذلك في حياة الكبت التي يعيشها في ظل تسلط إلو. ربما ظهر بعض التململ في ~~الحشد قبل توقف سرده لشكاويه، شعور ما بأن الحدث لم يكن عظيما أو مهيبا أو مفجعا كما ~~كان متوقعا، ولكن عندما أضرمت النيران، ذوى هذا الشعور، وحدق الجميع بها، حتى الأطفال - ~~أو هم على وجه التحديد - إلى تلك اللحظة التي صاح فيها أحد الرجال: «أخرجوا الأطفال من ~~هنا.» كان هذا عندما وصلت ألسنة اللهب للجثة، وأدرك الجميع، إدراكا متأخرا بعض الشيء، أن ~~احتراق الدهون والقلب والكليتين والكبد قد ينتج عنه أصوات فرقعة أو أزيز تتأذى الأذن من ~~سماعها؛ لذا أبعدت الأمهات الكثير من الأطفال، ومضى البعض بإرادته والبعض الآخر سيقوا على ~~غير رغبتهم. وهكذا أصبح الجزء الأخير من عملية الإحراق طقسا ذكوريا، ومخزيا بعض الشيء، ~~حتى إن كان في هذه الحالة قانونيا. # بقيت جولييت في مكانها وهي مذهولة من المشهد، تهتز في جلستها، بينما يواجه وجهها الحرارة. ~~لم تكن حاضرة معهم بذهنها؛ فكانت تفكر في شخصية ما، أيا ترى هي شخصية الروائي إدوارد جون ~~تريلوني الذي انتزع قلب شيلي من ألسنة اللهب؟ القلب، وما يحمله من معنى قديم. إنه لغريب ~~حقا أنه حتى في هذا الوقت، ليس منذ فترة بعيدة للغاية، كان هذا العضو من الجسم يعد ~~ثمينا للغاية، موضع الشجاعة والحب. لقد كان مجرد لحم يحترق. ليس هناك ما يربط كل ذلك ~~بإيريك. ~~••• # لم تعرف بينيلوبي شيئا مما كان يحدث. نشر فقط خبر قصير في صحيفة فانكوفر - ليس عن إحراق ~~الجثة على الشاطئ بالطبع، وإنما فقط عن الغرق - ولكن لم تكن تصلها أي صحف أو محطات إذاعية ~~في أعماق جبال كوتيناي. وعندما عادت إلى فانكوفر، اتصلت بالمنزل، من بيت صديقتها هيذر. ردت ~~عليها كريستا - التي كانت قد وصلت إلى المراسم متأخرة للغاية ولكنها بقيت مع جولييت وحاولت ~~تقديم المساعدة قدر استطاعتها. أخبرتها كريستا أن جولييت ليست بالمنزل - كانت تكذب - وطلبت ~~التحدث ms131 إلى والدة هيذر. أخبرتها بما حدث، وقالت إنها ستصطحب جولييت إلى فانكوفر، وإنهما ~~سترحلان على الفور، وسوف تحادث جولييت بينيلوبي بنفسها عندما تصلان إلى هناك. # أوصلت كريستا جولييت إلى المنزل الذي تقيم ~~فيه بينيلوبي، ودخلت جولييت وحدها. تركتها والدة هيذر في الغرفة المشمسة حيث كانت بينيلوبي ~~تنتظرها. تلقت بينيلوبي الخبر في فزع ثم شعرت - عندما طوقتها جولييت بذراعيها بطريقة ~~رسمية بعض الشيء - بالإحراج. فربما لا يمكنها استيعاب مثل هذا الخبر الرهيب في منزل هيذر، ~~في الحجرة المشمسة المطلية باللون الأبيض والأخضر والبرتقالي، أثناء ممارسة أشقاء هيذر كرة ~~السلة في الفناء الخلفي. ولم تأت على ذكر عملية الحرق - فسيكون مثل هذا الأمر غير متحضر ~~وغريب في هذا المنزل وفي هذا الحي. في هذا المنزل أيضا اتصف سلوك جولييت بالخفة والنشاط ~~دون عمد - وكاد أن يكون سلوكا مرحا. # دخلت والدة هيذر بعد أن طرقت الباب طرقة صغيرة وهي تحمل أكوابا من الشاي المثلج. ارتشفت ~~بينيلوبي مشروبها وذهبت لتنضم لهيذر التي كانت تنتظر في الردهة. # تحدثت والدة هيذر بعدها مع جولييت، اعتذرت لاضطرارها التدخل في أمور عملية، ولكنها قالت ~~إن الوقت محدود؛ فهي ووالد هيذر سيسافران في غضون أيام قليلة شرقا لرؤية بعض الأقارب، ~~وسيتغيبان لمدة شهر، وقد خططا لاصطحاب هيذر معهما (بينما سيذهب الفتيان إلى معسكر). ولكن ~~هيذر قررت الآن أنها لا تريد الذهاب، وتوسلت لهما كي يتركاها في المنزل مع بينيلوبي. ولا ~~ينبغي ترك فتاتين، إحداهما في الرابعة عشرة من عمرها والأخرى في الثالثة عشرة، وحدهما في ~~المنزل، وقد خطر لها أن جولييت ربما تود قضاء بعض الوقت بعيدا عن منزلها؛ فترة استرخاء، ~~بعد كل ما مرت به، وبعد فقدانها لزوجها وهذه المأساة التي عاشتها. # وهكذا وجدت جولييت نفسها تعيش لفترة وجيزة في عالم مختلف، في منزل ضخم لا عيب فيه، ومطلي ~~بعناية وبألوان براقة، لديها كل ما يسمى بوسائل راحة - التي كانت وسائل ترف بالنسبة لها - ~~في كل مكان. كان المنزل يقبع بشارع متعرج تصطف على جانبيه المنازل المتشابهة ، وتوجد ms132 أمامه ~~شجيرات مشذبة وأحواض كثيرة لزهور رائعة. حتى الطقس، في هذا الشهر، كان جميلا - دافئا ~~وعليلا ومشرقا. كانت هيذر وبينيلوبي تذهبان للسباحة، وتلعبان تنس الريشة في الفناء ~~الخلفي، وتذهبان للسينما، وتخبزان الكعك، وتأكلان الطعام بنهم، وتتبعان حميات غذائية، ~~وتكتسبان سمرة، وتملآن المنزل بموسيقى بدت كلماتها لجولييت حمقاء ومزعجة، وفي بعض الأحيان ~~كانتا تدعوان صديقاتهما إلى المنزل، ولم تدعوا الفتيان، ولكنهما كانتا تخوضان محادثات طويلة ~~تهكمية غير هادفة مع بعض الفتيان ممن يمرون بالمنزل أو يجتمعون في المنازل المجاورة. ومن ~~قبيل المصادفة، سمعت جولييت بينيلوبي تقول لواحدة من صديقاتها التي كانت تزورها: «حسنا، لم ~~أكن أعرفه جيدا في الواقع.» # كانت تتحدث عن أبيها. # يا له من أمر غريب! # وهي التي لم تخش قط الذهاب في رحلة بالقارب، كما كانت جولييت، عندما تكون الأمواج ~~متلاطمة. كانت تضغط عليه كي يأخذها معه، وعادة ما كانت تلاقي محاولاتها النجاح. وعندما كانت ~~تتبع إيريك، وهي ترتدي معطف النجاة البرتقالي الذي يشبه معاطف العمل، حاملة ما تستطيع حمله ~~من أدوات، كانت ترسم على وجهها دوما تعبيرا بالجدية والتفاني. كانت تلاحظ بعناية أماكن ~~الأشراك وصارت ماهرة وسريعة وجريئة في فصل رأس القريدس وتعبئته في أكياس. وفي مرحلة معينة ~~من مراحل طفولتها - من الثامنة إلى الحادية عشرة تقريبا - كانت تقول طوال الوقت إنها ستذهب ~~لصيد الأسماك عندما تكبر، وأخبرها إيريك أن هناك فتيات يفعلن هذا في أيامنا هذه. فكرت ~~جولييت أن هذا ممكن، بما أن بينيلوبي كانت ذكية وليست مولعة بالكتب، بالإضافة إلى أنها ~~تتمتع بلياقة جسدية وشجاعة. ولكن إيريك كان يقول، من وراء بينيلوبي، إنه يتمنى أن تنسى هذا ~~الأمر بمضي الوقت؛ لأنه لا يتمنى مثل هذه الحياة لأحد؛ فكان يتحدث دوما عن صعوبات ومخاطر ~~العمل الذي اختاره، ولكنه كان يفتخر، كما ظنت جولييت، بنفس هذه الأمور. # والآن نسيت بينيلوبي والدها الذي ملأ حياتها؛ فها هي قد طلت أظافر قدميها مؤخرا باللون ~~الأرجواني، ورسمت وشما غير حقيقي على بطنها. لقد أخرجته تماما من حياتها. # ولكن جولييت شعرت ms133 وكأنها تفعل الشيء نفسه. بالطبع؛ فهي مشغولة في البحث عن وظيفة ومكان ~~تسكن فيه. فقد عرضت بالفعل منزلهم في ويل باي للبيع - فلم تتخيل بقاءها هناك - وقد باعت ~~الشاحنة وتبرعت بأدوات إيريك، والشراك التي استعيدت، وزورقه. وقد أتى ابن إيريك البالغ من ~~ساسكاتشيوان وأخذ الكلب. # تقدمت لوظيفة بقسم المراجع في مكتبة الجامعة، ووظيفة في المكتبة العامة، وراودها شعور ~~أنها ستحصل على إحداهما. بحثت عن شقة في كيتسيلانو أو دنبار أو بوينت جراي. وقد ظلت نظافة ~~ونظام ومرونة المدينة تبهرها؛ ففي المدينة يعيش الناس دون أن يضطر الرجل للعمل في الأماكن ~~المفتوحة، وحيث لا يضطر أن يقوم بالمهام العديدة المتعلقة بعمله داخل منزله، وحيث يكون ~~الطقس عاملا يؤثر ربما على حالتك المزاجية ولكن ليس على حياتك بأكملها، وحيث لا تعد ~~موضوعات رهيبة مثل العادات المتغيرة للقريدس والسلمون وتوافرهما من الموضوعات المثيرة، أو ~~حتى من الموضوعات التي تثار على الإطلاق؛ فالحياة التي كانت تعيشها في ويل باي، منذ فترة ~~ليست ببعيدة، بدت عشوائية وفوضوية ومرهقة مقارنة بالحياة في المدينة. وقد تخلصت هي أيضا من ~~الحالة المزاجية التي لازمتها في الشهور الماضية؛ فكانت مفعمة بالحيوية وبدت أقوى وأكثر ~~جمالا. # لا بد أن يراها إيريك الآن. # كانت تفكر في إيريك على هذا النحو طوال الوقت؛ لم يكن الأمر أنها فشلت في أن تدرك أنه ~~مات، فهذا لم يحدث للحظة واحدة، ولكنها ظلت تشير إليه طوال الوقت في عقلها وكأنه لا يزال ~~الشخص الذي يهمه وجودها أكثر من أي شخص آخر، كما لو أنه لا يزال الشخص الذي تمنت أن تلمع ~~دوما في عينيه، وأيضا الشخص الذي تجادله وتقدم له المعلومات والمفاجآت. كانت تلك هي إحدى ~~عاداتها التي كانت تحدث تلقائيا ... فحقيقة موته لم تبد وكأنها لها دخل في الأمر. # كما أن خلافهما الأخير لم يحل على نحو كامل؛ فهي لا تزال تلومه لخيانته. وعندما كانت ~~تتباهى بنفسها الآن؛ فذلك لأنه فعل هذا بها. # العاصفة، العثور على الجثة، المحرقة على الشاطئ؛ كل هذه الأمور كانت ms134 شبيهة بالموكب الذي ~~كانت مضطرة لمشاهدته وتصديقه، والذي لا يزال لا صلة له بها أو بإيريك. ~~••• # حصلت على الوظيفة بقسم المراجع بالمكتبة، ووجدت شقة مكونة من حجرتين تستطيع دفع إيجارها، ~~وعادت بينيلوبي إلى تورانس هاوس كطالبة نهارية. جميع شئونهما في ويل باي كانت متوترة، وقد ~~انتهت حياتهما هناك. حتى كريستا كانت ستنتقل إلى مكان آخر، وسوف تأتي إلى فانكوفر في ~~الربيع. # في يوم ما قبل هذا، في أحد أيام شهر فبراير، كانت جولييت تقف تحت المظلة في محطة الحرم ~~الجامعي بعد انتهائها من عملها بعد الظهيرة. كان المطر قد توقف ذلك النهار، وكانت هناك رقعة ~~من السماء الصافية ناحية الغرب، والتي كانت حمراء حيث غربت الشمس فوق مضيق جورجيا. وقد كان ~~لهذه الإشارة على زيادة طول النهار، وأمارات تبدل الموسم، تأثير غير متوقع ومدمر ~~عليها. # لقد أدركت أن إيريك قد مات. # طيلة تلك المدة عندما كانت في فانكوفر بدا ~~الأمر كما لو أنه كان ينتظر في مكان ما؛ ينتظر ليرى ما إذا كانت ستواصل حياتها معه، كما لو ~~أن البقاء معه كان خيارا لا يزال متاحا؛ فهي تعيش حياتها منذ أن أتت إلى هنا دون أن تسدل ~~الستار على إيريك، دون أن تتفهم تماما أن إيريك لم يعد له وجود، لم يعد متبقيا منه شيء؛ ~~فقد ذوت ذكراه في العالم اليومي والعادي. # إذن هذا هو الحزن. فشعرت كما لو أن جوالا من الأسمنت قد سكب فوقها وسرعان ما تحجر. ~~استطاعت الحركة بالكاد. صعدت إلى الحافلة ثم هبطت منها، وقطعت مسافة قصيرة حتى منزلها ~~(لماذا تقطن هنا؟) تشبه تسلق جرف. والآن لا بد وأن تخفي هذه المشاعر عن بينيلوبي. # وعلى طاولة العشاء بدأت ترتعد، ولكنها لم تستطع فتح أصابعها لإسقاط السكين والشوكة. ~~استدارت بينيلوبي حول الطاولة وفتحت يديها بصعوبة. قالت: «إن لهذا علاقة بأبي، أليس ~~كذلك؟» # قالت جولييت بعد ذلك لعدد قليل من الناس - مثل كريستا - إن تلك الكلمات كانت الأكثر ~~تحريرا من شعورها بالذنب والأكثر عطفا، والتي سبق وأن سمعتها ms135 من أي شخص. # راحت بينيلوبي تدلك ذراعي جولييت من الداخل لأعلى وأسفل، واتصلت بالمكتبة في اليوم ~~التالي وأخبرتهم أن والدتها مريضة، وظلت تعتني بها لبضعة أيام؛ حيث تغيبت عن المدرسة حتى ~~تعافت جولييت، أو حتى انتهى، على الأقل، الجزء الأسوأ من الأمر. # وخلال هذه الأيام أخبرت جولييت بينيلوبي بكل شيء؛ أخبرتها عن كريستا، والشجار، والمحرقة ~~على الشاطئ (وهو الأمر الذي استطاعت أن تخفيه عنها، بما يشبه المعجزة). أخبرتها بكل ~~شيء. ~~«ما كان يجب أن أثقل كاهلك بكل هذا.» # قالت بينيلوبي: «آه، حسنا، ربما لا.» ولكنها أضافت برباطة جأش: «أسامحك. أعتقد أنني لست ~~طفلة.» # عادت جولييت إلى العالم، وتكررت ثانية هذه النوبة التي داهمتها في محطة الحافلة، ولكن ليس ~~بمثل هذه القوة. # أثناء عملها البحثي في المكتبة، قابلت بعض العاملين في قناة بروفينشال تليفيجن، وقبلت ~~بالوظيفة التي عرضوها عليها. ظلت تعمل هناك قرابة العام قبل أن تبدأ في عقد مقابلات؛ فكل ~~هذه الكتب العشوائية التي قرأتها طوال سنوات (والتي لم تكن تحظى بإعجاب إلو في الأيام التي ~~قضتها في ويل باي)، وكل هذه المعلومات التي اكتسبتها، وذوقها العشوائي واستيعابها السريع، ~~باتت أمورا أسدتها كثيرا من النفع الآن. كذلك فإنها نمت لديها شعورا بالتواضع وأسلوبا ~~استفزازيا بعض الشيء بدا أنه يساعدها في عملها. وأمام الكاميرا، لم يكن يقلقها أي شيء ~~تقريبا. بالرغم من أنها عندما تعود للمنزل، فإنها تذرعه جيئة وذهابا، منفسة عن تشنجاتها ~~أو سبابها عندما تتذكر خطأ أو ارتباكا ما أو ما هو أسوأ؛ خطأ في النطق. ~~••• # وبعد خمس سنوات، لم تعد تتلقى بطاقات التهنئة بعيد الميلاد. # قالت كريستا: «إنها لم تكن تعني شيئا؛ إذ كان الغرض من كل البطاقات السابقة هو إخبارك ~~بأنها على قيد الحياة في مكان ما، وهي تتصور الآن أنك فهمت المقصود، وتثق في أنك لن ترسلي ~~أحدا للبحث عنها. هذا هو كل ما في الأمر.» ~~«هل أثقلت كاهلها بالكثير؟» ~~«يا إلهي يا جولييت.» ~~«لا أقصد وفاة إيريك فحسب؛ أعني الرجال الآخرين الذين عرفتهم لاحقا . لقد ms136 جعلتها تشهد ~~الكثير من التعاسة. تعاستي الحمقاء.» # كانت جولييت قد دخلت في علاقتين عاطفيتين ~~خلال ست سنوات منذ أن كانت بينيلوبي في الرابعة عشرة من عمرها وحتى أصبحت في الحادية ~~والعشرين، وقد استطاعت في كل منهما أن تقع في الحب بجنون، بالرغم من أنها كانت تشعر ~~بالخزي بعد ذلك. أحد الرجلين كان يكبرها بسنوات عدة، وكان متزوجا وينعم بالاستقرار في ~~زواجه، والآخر كان يصغرها كثيرا، وأفزعته مشاعرها المتأججة. وقد أدهشتها حقا هذه المشاعر ~~التي راودتها عندما فكرت فيها لاحقا. قالت إنها لم تكن تكترث لأمره كثيرا. # قالت كريستا التي كانت متعبة: «لا أعتقد أنك اهتممت لأمره، لا أعرف في الواقع.» ~~«يا إلهي، كم كنت حمقاء! لم تعد تراودني مثل تلك المشاعر إزاء الرجال، أليس كذلك؟» # لم تشر كريستا إلى أن ذلك ربما يكون بسبب عدم تودد الكثيرين لها. ~~«بلى يا جولييت.» # قالت جولييت بعدما صارت أكثر ابتهاجا: «في الواقع لم أفعل شيئا سيئا للغاية. لماذا ~~أنتحب طوال الوقت معتقدة أنه خطئي؟ إنها فتاة غامضة ملغزة، هذا هو كل ما في الأمر. لا بد أن ~~أواجه هذه الحقيقة.» # ثم أضافت في تصميم: «غامضة وملغزة وباردة المشاعر.» # قالت كريستا: «لا.» # قالت جولييت: «لا، ليس صحيحا.» # وبعد أن مر شهر يونيو الثاني دون أن يردها شيء من ابنتها، قررت جولييت أن ترحل؛ فطوال ~~الخمس سنوات الأولى ظلت تخبر كريستا أنها تنتظر مجيء شهر يونيو، متسائلة ما الذي قد يحدث في ~~ذلك الحين؟ فكان عليها التفكير كل يوم بالنظر إلى ما آلت إليه الأمور الآن. ولا يتغير ~~شعورها بالإحباط كل يوم. # انتقلت إلى مبنى متعدد الطوابق في ويست إند. أرادت أن تتخلص من محتويات غرفة بينيلوبي، ~~ولكنها في النهاية جمعتها كلها في أكياس القمامة وأخذتها معها. لم يكن لديها سوى غرفة نوم ~~واحدة الآن، ولكن كان هناك مكان للتخزين في القبو. # بدأت تمارس الركض في متنزه ستانلي. والآن لم تعد تأتي تقريبا على ذكر بينيلوبي، حتى ~~لكريستا. وقد أصبح لديها صديق حميم - هكذا يسمونهم ms137 الآن - والذي لم يسبق له أن سمع شيئا قط ~~عن ابنتها. # صارت كريستا أكثر نحافة ومتقلبة الحالة المزاجية؛ وفجأة، في يناير، ماتت. ~~••• # لا يستمر الظهور على التليفزيون للأبد؛ فمهما راق وجهك للمشاهدين، يأتي وقت يفضلون فيه ~~شخصا مختلفا. عرضت وظائف أخرى على جولييت؛ منها إجراء أبحاث، أو كتابة التعليق الصوتي ~~للبرامج التي تهتم بالطبيعة، ولكنها رفضتها وهي مبتهجة، واصفة حالها بأنها في حاجة لتغيير ~~جذري. عادت إلى دراستها الكلاسيكية، وقد تراجع حجم القسم عما كان عليه، ورغبت في كتابة ~~رسالة الدكتوراه. ثم انتقلت من شقتها في المبنى متعدد الطوابق إلى شقة مكونة من غرفة واحدة ~~لتوفير المال. # بينما حصل صديقها على وظيفة مدرس في الصين. # كانت شقتها تقع في قبو أحد المنازل، ولكن الأبواب المنزلقة في الخلف كانت تؤدي إلى الطابق ~~الأرضي. وهناك كان لديها فناء ممهد بالحجارة، وتعريشة تضم البازلاء الحلوة وياسمين البر، ~~وأعشاب وزهور في أصص. وللمرة الأولى في حياتها، وعلى نحو محدود للغاية، اهتمت بالبستنة كما ~~فعل والدها. # في بعض الأحيان، يستوقفها الناس - في المتاجر أو في حافلة الحرم الجامعي - «عذرا ولكن ~~وجهك مألوف.» أو «أولست السيدة التي كانت تظهر في التليفزيون؟» ولكن بعد عام تقريبا لم ~~تعد تمر بهذه المواقف. أمضت كثيرا من الوقت في الجلوس والقراءة وشرب القهوة على طاولات ~~المقاهي على جوانب الطرقات، ولم يكن أحد يلاحظها. تركت شعرها ينمو؛ فخلال السنوات التي ظلت ~~تصبغه فيها باللون الأحمر فقد الحيوية التي كان يستمدها من لونه البني الطبيعي؛ كان بنيا ~~مشوبا بالفضي الآن، جميلا ومتموجا. لقد ذكرها بوالدتها سارة. شعر سارة الناعم الجميل ~~المتطاير والذي صار رماديا ثم أبيض. # لم تعد لديها مساحة كافية كي تدعو الناس للعشاء، وكذلك فقدت اهتمامها بوصفات الطبخ. كانت ~~تتناول الوجبات المغذية بالقدر الذي يكفي ولكنها مملة. ودون أن تتعمد هذا، فقدت اتصالها ~~بمعظم أصدقائها. # لم يكن هذا مستغربا؛ حيث إنها تعيش الآن حياة مختلفة تماما عن حياة المرأة الشهيرة ~~كشخصية عامة مفعمة بالحيوية وتمتلئ بالمشاغل وعلى قدر عال من ms138 المعرفة والاطلاع. أصبحت تعيش ~~بين الكتب، وتقرأ طوال معظم ساعات يقظتها، وأرغمت على تغيير أي فرضيات كانت تملكها قبل ذلك ~~أو التعمق فيها. وعادة ما كانت تفوتها أخبار العالم لمدة أسبوع في المرة. # تخلت عن فكرة كتابة رسالة الدكتوراه، ووجهت اهتمامها للروائيين الإغريق، الذين كتبوا في ~~وقت متأخر من تاريخ الأدب الإغريقي (بدءا من القرن الأول قبل الميلاد وحتى بداية العصور ~~الوسطى)؛ أريستيدس، لونجس، هليودورس، أخيل تاتيوس. وقد فقدت معظم أعمالهم أو وجدت غير ~~كاملة، وقد اتصفت بالفحش. ولكن هناك رواية رومانسية كتبها هليودورس وتسمى إثيوبيكا أو ~~(الإثيوبية) كانت توجد في الأصل في مكتبة خاصة واستعيدت في حصار بوذا، وكانت قد عرفت في ~~أوروبا منذ أن طبعت في بازل في 1534. # في هذه القصة أنجبت ملكة إثيوبيا طفلة بيضاء، وخشيت أن تتهم بالزنا؛ لذا وهبتها ليرعاها ~~طائفة الفلاسفة العراه الذين كانوا نساكا وصوفيين. أخذت الفتاة التي كانت تدعى خاريكليا ~~في النهاية إلى دلفي؛ حيث أصبحت واحدة من كاهنات أرتيمس. وهناك قابلت نبيلا من ثيساليا ~~يدعى تياجنيس، والذي وقع في حبها، وبمساعدة رجل مصري ذكي تمكن من اختطافها. واتضح أن ~~الملكة الإثيوبية لم تنس قط ابنتها، وكانت قد استعانت بهذا المصري كي يبحث عنها. وتواصلت ~~الأحداث المأساوية والمغامرات حتى التقت كل الشخصيات الرئيسية في مروي (المدينة القديمة ~~على الضفة الشرقية من نهر النيل)، وتنقذ خاريكليا - مرة ثانية - عندما كان أبوها على وشك ~~التضحية بها. # كانت القصة حافلة بالأفكار المثيرة، وقد أبهرت جولييت حقا على نحو مستمر؛ وخاصة هذا ~~الجزء الخاص بطائفة الفلاسفة العراة. حاولت أن تعرف أكبر قدر من المعلومات عن هؤلاء ~~الأشخاص، الذين عرفوا باسم فلاسفة الهندوس. هل ساد اعتقاد وقتها بأن الهند قريبة من ~~إثيوبيا؟ لا، لقد أتى هليودورس متأخرا كفاية ليعلم جغرافية عصره أفضل من هذا؛ فكان ~~الفلاسفة العراة يهيمون على وجوههم في كل مكان، وينتشرون في مناطق بعيدة، جاذبين ومنفرين ~~هؤلاء الذين كانوا يعيشون بينهم بتفانيهم الشديد لطهارة الحياة والفكر، وازدرائهم ~~للمقتنيات، بل وحتى الملابس والطعام. ونشأة فتاة ms139 جميلة بينهم قد يخلف اشتياقا ~~لاأخلاقيا إلى حياة الفجور الماجنة. # تعرفت جولييت على صديق جديد يدعى لاري. كان يدرس اليونانية، وسمح لجولييت بتخزين ~~صناديقها في قبو منزله. كان يحب أن يتخيل كيف يمكن تحويل رواية إثيوبيكا إلى مسرحية غنائية، ~~شاركته جولييت خياله هذا، لدرجة أنها ألفت الأغاني السخيفة للمسرحية ومؤثرات المسرح التي ~~تبدو مستحيلة، ولكنها كانت تنزع سرا لوضع نهاية مختلفة، نهاية تنطوي على نكران للذات، ~~وتنقيب في الماضي؛ حيث تحرص الفتاة على مقابلة بعض المحتالين والمشعوذين والدجالين ومحاكاة ~~رثة لما كانت تبحث عنه حقا. إنها النهاية التي تنطوي على تصالح، في النهاية، مع ملكة ~~إثيوبيا الآثمة والنادمة ذات القلب الكبير. ~~••• # كانت جولييت شبه واثقة أنها رأت الأم ~~شيبتون هنا في فانكوفر. كانت قد أخذت بعض الملابس التي لن ترتديها ثانية أبدا (فأصبحت ~~خزانة ملابسها مليئة فقط بالملابس العملية) إلى متجر جماعة جيش الخلاص المسيحية، وبينما ~~كانت تضع الحقيبة في غرفة الاستقبال، رأت امرأة بدينة عجوزا ترتدي ثوبا فضفاضا. كانت ~~السيدة تتحدث مع العاملين الآخرين في المتجر. بدت وكأنها مشرفة عليهم؛ إذ كانت مرحة ولكنها ~~متيقظة - أو ربما كانت تنتحل هذا الدور سواء أكانت تتقلده رسميا أم لا. # فإن كانت الأم شيبتون في الحقيقة فعلا، فقد ساءت أحوالها في الحياة، ولكن ليس كثيرا؛ ~~فإن كانت هي، ألن يكون لديها مخزون كاف من الرضا عن الذات ومما ينقذها لتجعل مثل هذا ~~الانحدار مستحيلا؟ # ومخزون من النصائح، النصائح الخبيثة، أيضا. # تذكرت قولها: «ولكنها أتت إلى هنا وهي تشعر بنهم بالغ.» ~~••• # أخبرت جولييت لاري عن بينيلوبي؛ فكان لا بد أن يكون هناك من يعرف عن الأمر في حياتها. ~~قالت: «أكان ينبغي لي التحدث معها عن الحياة النبيلة؟ التضحية؟ تكريس حياتك لاحتياجات ~~الآخرين؟ لم يسبق لي التفكير في هذا. لا بد وأنني تصرفت كما لو أنه كان ينبغي لها أن تصبح ~~مثلي. هل أثار هذا سقمها؟» ~~••• # كان لاري رجلا لا يرغب في أي شيء من جولييت سوى صداقتها وحسها المرح. كان ما اعتاد الناس ms140 ~~أن يسموه العازب عتيق الطراز، لاجنسيا بقدر معرفتها (ولكنها على الأرجح لا يمكنها التأكد ~~من هذا)، شديد الحساسية تجاه البوح بالأسرار الشخصية، ومسليا إلى أقصى حد. # ظهر في حياتها رجلان آخران كانا يريدانها رفيقة. قابلت أحدهما بينما كانت تجلس على طاولة ~~المقهى التي اعتادت الجلوس عليها. كانت زوجته قد توفيت مؤخرا. راق لها، ولكن وحدته كانت ~~فجة، وكان يطاردها في يأس حتى إنها انزعجت منه. # كان الرجل الآخر هو شقيق كريستا، الذي كانت قد قابلته عدة مرات في حياة كريستا. كانت تحب ~~صحبته - فكان يشبه كريستا في مناح عديدة. انتهى زواجه قبل فترة طويلة، ولم يكن يائسا - ~~فعلمت من كريستا أن ثمة سيدات كن يرغبن في الزواج منه، ولكنه كان يتجنبهن. بيد أنه ~~كان متعقلا للغاية، واختياره لها دنا من أن يكون متعمدا ومدروسا، فكان ينطوي على شيء ~~مخز. # ولكن لماذا يكون مخزيا؟ فهي لا تحبه أو شيء من هذا القبيل. # وفي حين كانت لا تزال تربطها علاقة بشقيق كريستا - كان اسمه جاري لامب - قابلت هيذر ~~مصادفة، في أحد شوارع وسط المدينة في فانكوفر. كانت جولييت وجاري خارجين لتوهما من السينما ~~بعد أن شاهدا فيلما عرض في حفلة المساء المبكرة، وكانا يتفقان حول المكان الذي سيذهبان ~~إليه لتناول العشاء. كانت ليلة دافئة من ليالي الصيف، ولم يكن ضوء النهار قد ذوى تماما من ~~السماء. # انفصلت سيدة عن مجموعة كانت تقف معها على الرصيف وتوجهت مباشرة صوب جولييت. كانت امرأة ~~نحيفة، في أواخر الثلاثينيات تقريبا، ترتدي ملابس مسايرة للموضة ويتخلل شعرها الداكن خصلات ~~ملونة. ~~«سيدة بورتيوس. سيدة بورتيوس.» # تعرفت جولييت على الصوت، ولكنها لم تتعرف قط على الوجه. إنها هيذر. # قالت هيذر: «لا أصدق. أنا هنا لثلاثة أيام وسوف أغادر غدا، وزوجي في مؤتمر. كنت أظن أنني ~~لم أعد أعرف أي أحد هنا ثم استدرت ورأيتك أمامي.» # سألتها جولييت أين تعيش الآن، وأخبرتها أنها تقطن في كونيتيكت. ~~«ومنذ ثلاثة أسابيع فقط كنت أزور جوش - أتذكرين أخي جوش؟ - كنت أزور أخي جوش ms141 وأسرته في ~~إدمنتون وقابلت بينيلوبي مصادفة، في الشارع تماما هكذا. لا ... في الواقع كان هذا في المركز ~~التجاري؛ ذلك المركز التجاري الضخم لديهم هناك. كان معها أطفالها، فقد أخذتهم لشراء الزي ~~الرسمي للمدرسة التي يذهبون إليها. الأولاد. كنا مذهولتين حقا. لم أعرفها على الفور ~~ولكنها عرفتني. لقد انتقلت جنوبا لتعيش هناك بالطبع، بعد أن كانت في الشمال، ولكنها قالت ~~إنه مكان راق للغاية في الواقع، وأخبرتني أنك ما زلت تعيشين هنا، ولكني بصحبة هؤلاء ~~الأشخاص - إنهم أصدقاء زوجي - ولم يسنح لي وقت للاتصال بك.» # أشارت جولييت إلى أنه بالطبع لن يكون لديها متسع من الوقت، وأنها لم تكن تتوقع منها ~~الاتصال. # سألت هيذر عن عدد أطفالها. ~~«ثلاثة. إنهم جميعا وحوش. أتمنى لو يكبروا سريعا. ولكن حياتي هي مجرد نزهة مقارنة بحياة ~~بينيلوبي؛ فلديها خمسة.» ~~«نعم.» ~~«علي الذهاب الآن، فنحن ذاهبون لمشاهدة فيلم لا أعرف شيئا عنه، ولا أحب حتى الأفلام ~~الفرنسية، ولكني سعيدة للغاية لمقابلتك بهذه الطريقة. لقد انتقل أبي وأمي ليعيشا في وايت ~~روك، وقد اعتادا مشاهدتك طوال الوقت على التليفزيون، وكانا يتفاخران أمام أصدقائهما أنك ~~عشت في منزلنا. يقولان إنك لا تظهرين بعد الآن على التليفزيون، هل مللت من هذا ~~العمل؟» ~~«شيء من هذا القبيل.» ~~«أنا آتية، أنا آتية.» عانقت جولييت وقبلتتها بالطريقة التي يتبعها الجميع الآن، وركضت ~~للحاق برفاقها. ~~••• # إذن، بينيلوبي لم تكن تعيش في إدمنتون، بل انتقلت من الشمال إلى إدمنتون. انتقلت من ~~الشمال؛ وهذا يعني أنها كانت تعيش إما في وايت هورس أو يلو نايف. فأي مكان آخر يمكن وصفه ~~بأنه راق للغاية؟ ربما كانت تستخدم أسلوبا ساخرا، قاصدة خداع هيذر قليلا بقولها ~~هذا. # كان لديها خمسة أطفال، وكان اثنان منهم على الأقل صبيانا. كانت تبتاع لهم زي المدرسة؛ ~~وهذا يعني أنهم في مدرسة خاصة، وهذا يعني أنها ميسورة الحال. # قالت هيذر إنها لم تعرفها في البداية. هل يعني هذا أن علامات التقدم في العمر ظهرت على ~~وجهها؟ وأنها فقدت رشاقتها بعد إنجابها خمسة أطفال؟ ms142 وأنها لم تعد تهتم بمظهرها كما كان حال ~~هيذر، وكما هو حال جولييت، إلى حد ما؟ أكانت واحدة من هؤلاء النساء اللاتي بدت لهن فكرة مثل ~~هذه المعاناة سخيفة وأنها بمثابة اعتراف بالشعور بعدم الأمان؟ أو أنه مجرد شيء ليس لديها ~~وقت له - بعيد كل البعد عن تفكيرها؟ # ظنت جولييت أن بينيلوبي تعتنق الفلسفة الخارقة للطبيعة، أو صارت صوفية وتقضي حياتها في ~~التأمل، أو أنها - وهو النقيض ولكنه ما زال أمرا بسيطا وشجاعا إلى حد متطرف - تكسب ~~عيشها من خلال خوض حياة صعبة ومحفوفة بالمخاطر، ربما من خلال الصيد مع زوجها، وربما أيضا ~~مع بعض الأطفال الصغار أقوياء البنية، في المياه الباردة في إنسايد باسيدج عند ساحل بريتيش ~~كولومبيا. # ربما كل هذه مجرد أوهام. يحتمل أنها تعيش حياة عملية ومزدهرة كامرأة متزوجة؛ فربما تكون ~~متزوجة من طبيب أو من أحد هؤلاء الموظفين المدنيين الذين يديرون الأجزاء الشمالية من البلاد ~~خلال الوقت الذي يتم فيه نقل سلطاتهم، تدريجيا وبحذر، لأهل البلد دون أن يخلو الأمر من ~~بعض الجلبة. إن قدر لها مقابلة بينيلوبي ثانية فسوف تضحكان من الأفكار الخاطئة التي ~~راودت جولييت. وعندما تحكيان عن مقابلتهما لهيذر، ومدى غرابة هذا، فسوف تضحكان. # لا، لا. الحقيقة أنها ضحكت بالفعل على كثير من الأمور المتعلقة ببينيلوبي؛ فالعديد من ~~الأشياء كانت مجرد مزحة، تماما كما كانت أشياء أخرى عديدة - أمور شخصية، حكايات عاطفية لا ~~تعدو كونها مجرد نزوات - مجرد مآس. لقد كانت تفتقر إلى ضوابط الأمهات والكياسة وضبط ~~النفس. # قالت بينيلوبي إنها - جولييت - ما زالت تعيش في فانكوفر. إنها لم تخبر هيذر أي شيء عن ~~انقطاع علاقتهما. بالطبع لا؛ فإن أخبرتها بهذا، لما تحدثت معها هيذر بهذه السلاسة. # كيف عرفت بينيلوبي أنها لا تزال تقيم هنا، إلا إذا كانت قد تفقدت دليل الهاتف؟ وإن كانت ~~قد فعلت، ما الذي يعنيه هذا؟ # لا شيء. لا تجعليه يعني أي شيء. # سارت وهي تكبح زمام نفسها لتنضم إلى جاري، الذي ابتعد بلباقة عن مشهد لم الشمل . # وايت ms143 هورس، يلو نايف. كان مؤلما معرفة أسماء هذه الأماكن؛ فهي أماكن يمكنها السفر إليها؛ ~~أماكن يمكنها التسكع في شوارعها، ووضع خطط لتلقي نظرات خاطفة على ابنتها. # ولكنها لم تكن معتوهة إلى هذا الحد. يجب ألا تكون معتوهة إلى هذا الحد. # وعلى العشاء، ظنت أن الخبر الذي استوعبته لتوها وضعها في موقف أفضل للزواج من جاري، أو ~~الانتقال لتعيش معه - حسبما يريد. لم يكن هناك شيء تقلق بشأنه، أو تنتظره، فيما يتعلق ~~ببينيلوبي؛ فلم تكن بينيلوبي شبحا، كانت آمنة، مثلها مثل أي شخص آخر، وسعيدة مثل أي شخص ~~آخر. لقد فصلت نفسها عن جولييت، ويحتمل أيضا عن ذكراها، ولم يكن على جولييت سوى أن تفصل ~~نفسها عنها هي الأخرى. # ولكنها أخبرت هيذر أن جولييت كانت تعيش في فانكوفر. هل قالت جولييت؟ أم أمي؟ # أخبرت جولييت جاري أن هيذر كانت ابنة أصدقاء قدامى. لم يسبق لها التحدث معه قط عن ~~بينيلوبي، ولم تكن ثمة إشارة تدل على معرفته بوجود بينيلوبي من الأساس. ربما تكون كريستا قد ~~أخبرته، وظل هو صامتا معتبرا أن هذا ليس من شأنه، أو ربما تكون كريستا قد أخبرته، ونسي ~~الأمر، أو أن كريستا لم تخبره بأي شيء عن بينيلوبي، ولا حتى اسمها. # إن انتقلت جولييت لتعيش معه، فلن تأتي على ذكر بينيلوبي أبدا، ولن يصبح لها وجود. # وبينيلوبي لم يكن لها وجود؛ فالابنة التي عرفتها جولييت رحلت، والمرأة التي رأتها هيذر في ~~إدمنتون، الأم التي اصطحبت أطفالها لتشتري لهم زي المدرسة، والتي تغير وجهها وجسدها حتى إن ~~هيذر لم تعرفها، لم تكن شخصا تعرفه جولييت. # هل تصدق جولييت هذا؟ # إن كان جاري قد لاحظ أنها غاضبة فقد تظاهر بأنه لا يلاحظ شيئا، ولكن في هذه الليلة على ~~الأرجح أدرك كلاهما أنهما لن يظلا معا؛ فلو كان هناك أمل في استمرار علاقتهما، لكانت ~~أخبرته: «رحلت ابنتي دون أن تودعني، حقيقة هي لم تكن تعلم في الغالب حينئذ أنها راحلة. لم ~~تعلم وقتها أنها كانت سترحل للأبد، وأعتقد أنها بدأت ms144 تدرك تدريجيا أنها تريد أن تظل ~~بعيدة. إنها مجرد طريقة وجدتها لتتولى أمور حياتها.» ~~«ربما لا تستطيع مواجهتي وتفسير الأمر لي، أو لم يكن لديها وقت لذلك. كما تعلم نحن عادة ~~ما نعتقد أن هناك هذا السبب أو ذاك ولا نتوقف عن محاولة إيجاد أسباب، ويمكنني أن أخبرك ~~الكثير عن الأخطاء التي ارتكبتها، ولكني أعتقد أن السبب ربما يكون شيئا من السهل معرفته. ~~شيء من قبيل طبيعتها النقية. نعم؛ فهي تتمتع بالنقاء والصرامة والطهارة والصدق الشديد. ~~اعتاد أبي أن يقول عن شخص يبغضه إنه لا يحتاجه ولا يحبه. ألا يمكن أن تعني هذه الكلمات ~~ببساطة معناها الظاهري؟ نعم، بينيلوبي لا تحتاجني ولا تحبني، وربما لا تطيقني. هذا ~~محتمل.» ~~••• # كان لدى جولييت أصدقاء، ورغم أنها ليس لديها الكثير منهم الآن، ولكنهم يظلون أصدقاء. واصل ~~لاري زيارتها والمزاح معها، وواصلت هي دراساتها. وكلمة دراسات لا تبدو أنها تصف بدقة ما ~~تفعله؛ فاستقصاءات هي الكلمة الأفضل. # ولأنها كانت بحاجة للمال؛ فقد كانت تعمل بضع ساعات كل أسبوع في المقهى الذي اعتادت الجلوس ~~على طاولته على جانب الشارع. وجدت أن هذا العمل يحقق توازنا جيدا مع انخراطها مع الإغريق ~~القدماء - إلى حد كبير - حتى إنها اعتقدت أنها لن تتركه حتى لو تحسنت أوضاعها ~~المالية. # ظلت تأمل أن تتصل بها بينيلوبي، ولكن ليس بأي جهد من جانبها؛ فهي تتمنى كما يتمنى الناس ~~الأكثر حكمة أن ينالوا نعما لا يستحقونها، وغفرانا عفويا، وأشياء من هذا القبيل. # | عاطفة # منذ فترة ليست ببعيدة، ذهبت جريس للبحث عن منزل آل ترافرس الصيفي بوادي أوتاوا. لم تأت ~~لهذا الجزء من المدينة منذ عدة سنوات، وبالطبع كان هناك العديد من التغييرات؛ فأصبح الطريق ~~السريع 7 الآن لا يمر من خلال العديد من المدن التي كان يمر من خلالها مباشرة، وأضحى يقطع ~~مباشرة الأماكن التي تذكر أنها كانت عبارة عن منعطفات. ويحتوي هذا الجزء من الدرع الكندي ~~على العديد من البحيرات الصغيرة التي لا يوجد لها مكان على الخريطة ليحددها. وحتى عندما ms145 ~~استطاعت تحديد بحيرة ليتل سابوت - أو هكذا اعتقدت - بدا أن هناك العديد من الطرق التي تؤدي ~~إليها من خلال طريق المقاطعة، ثم عندما اختارت أحد هذه الطرق، كان هناك العديد من الطرق ~~الممهدة التي تقطعه، وكلها تحمل أسماء لا تستطيع تذكرها. في الواقع لم يكن هناك أي أسماء ~~لشوارع عندما جاءت هنا منذ أربعين عاما، ولا أي طرق ممهدة أيضا. لم يكن هناك سوى طريق ~~واحد غير ممهد يمتد باتجاه البحيرة، ثم طريق آخر غير ممهد يمر على نحو عشوائي على حافة ~~البحيرة. # أما الآن فتوجد قرية، أو يمكن أن يطلق عليها ضاحية؛ لأنها لم تلمح أي مكتب للبريد بها، ~~أو حتى أي متجر من المتاجر المتواضعة. وتقع المستوطنة على بعد أربعة أو خمسة شوارع للداخل ~~بعيدا عن البحيرة؛ حيث تضم بعض المنازل الصغيرة التي يصطف بعضها بالقرب من بعض على قطع ~~أرض صغيرة. كان بعضها بلا شك عبارة عن أماكن لقضاء فصل الصيف؛ فالنوافذ مغلقة ومغطاة بألواح ~~خشبية، وهذا ما يفعله الناس في العادة قبل حلول فصل الشتاء. لكن ثمة العديد من المنازل ~~الأخرى التي دل مظهرها على أن سكانها مقيمون بها طوال العام؛ حيث كان بعض الأشخاص يملئون ~~أفنيتها بأجهزة الألعاب الرياضية البلاستيكية الملونة، وأدوات الشواء في الهواء الطلق، ~~والدراجات الثابتة، والدراجات البخارية، وطاولات الرحلات التي جلس قبالتها البعض يتناولون ~~الغداء أو يحتسون الجعة في هذا اليوم من أيام شهر سبتمبر حيث ما زال الطقس دافئا. وكان ~~يقطنها أيضا أناس آخرون لا يراهم الناس كثيرا؛ علهم كانوا طلبة أو بعض الهيبيز الذين ~~يعيشون بمفردهم، وقد وضعوا الأعلام أو رقائق القصدير لتحل محل الستائر. كانت هذه البيوت ~~صغيرة، ذات مستوى لائق في أغلبها، زهيدة الثمن، وقد عولج بعضها لتحمل فصل الشتاء، بينما ~~لم يعالج البعض الآخر. # كانت جريس ستقرر أن تعود أدراجها إن لم تجد المنزل ذا الثماني زوايا، المزين سقفه بالنقوش ~~الشبكية، والذي يحتوي على أبواب في أربعة جدران، وهذا هو منزل آل وودز. كانت دوما ما تذكر ms146 ~~أنه كان يحتوي على ثمانية أبواب، لكن يبدو أنها كانت أربعة فقط. في الواقع هي لم تدلف إلى ~~داخل المنزل قط لترى كيف كان ذلك أو ما إذا كانت مساحته مقسمة إلى حجرات. إنها لا تعتقد ~~أيضا بأن هناك أحدا من عائلة ترافرس قد دخل إلى هذا المنزل من قبل كذلك. وكان المنزل ~~محاطا بكم كبير من الشجيرات التي تشكل سياجا - كانت كذلك فيما مضى - وبشجرة الحور ~~الرائعة التي كانت تصدر حفيفا عندما تهزها الرياح وقت هبوبها بطول الشاطئ. كان السيد ~~والسيدة وودز متقدمين في العمر - كما هو حالها الآن - ويبدو أنهما لم يكن يزورهما أي من ~~الأصدقاء أو الأبناء، وقد بدا على منزلهم ذي الأصالة والطراز الغريب مظهر بائس كأنه مهجور؛ ~~فكان الجيران يراكمون حول أحد جوانب المنزل المسجلات الموسيقية الضخمة، وفي بعض الأحيان ~~أجزاء مفككة من عرباتهم وألعابهم، وغسيلهم. # أصبح هذا هو الحال الآن مع منزل ترافرس أيضا حينما عثرت عليه على مسافة ربع ميل أو نحو ~~ذلك على طول هذا الطريق. أصبح الطريق يمر بجواره الآن، بعدما كان ينتهي عنده من قبل. أما ~~المنازل التي تقع على جانبيه فتبعد أقداما قليلة عن الشرفة الواسعة الملتفة حول ~~المنزل. # كان أول منزل تراه جريس مصمما بهذه الطريقة؛ فهو يرتفع لطابق واحد، يمتد سقفه دون انفصال ~~فوق الشرفة المحيطة به على كافة الجوانب، لكنها رأت فيما بعد مثل هذا التصميم في أستراليا، ~~وهو تصميم يجعلك تفكر في شدة حرارة فصول الصيف. # وكان من الممكن في السابق الانتقال من الشرفة عبر النهاية المغبرة لطريق السيارات، ثم عبر ~~رقعة من الأرض الرملية المليئة بالأعشاب والتوت البري - وهي أيضا من ممتلكات آل ترافرس - ~~ثم القفز - بل في الواقع الخوض - في البحيرة. أما الآن فيمكنك بالكاد رؤية البحيرة بسبب ذلك ~~البيت الضخم؛ وهو واحد من بعض منازل الضواحي القليلة هنا، الذي يحوي مرأبا للسيارات يسع ~~سيارتين، وقد تم بناؤه عبر ذلك الطريق. # لكن ما الذي كانت تبحث عنه جريس عندما قررت أن تقوم بتلك ms147 الرحلة الاستكشافية؟ ربما الشيء ~~الأسوأ هو أن تحصل على ما اعتقدت أنها تبحث عنه وتريده. بيت ذو سقف جميل يظلله، ونوافذ ذات ~~ستائر، والبحيرة ممتدة أمامه، وخلفه تقف أشجار القيقب، والأرز، وبلسان جلعاد. أن تظل آثار ~~الماضي محمية جيدا، ويظل كما هو دون أن يمسه أحد بتغيير، بينما لا ينطبق ذلك عليها هي. أن ~~تجد شيئا قد تضاءل بشدة، فرغم أنه موجود فإنه استبعد - كما هو الحال مع منزل ترافرس الآن، ~~بنوافذه الإضافية الناتئة من السقف المائل، وطلائه الأزرق المفزع - أمر قد يقل إيلامه على ~~المدى الطويل. # لكن ماذا لو اكتشفت أن كل شيء زال تماما؟ قد تحدث جلبة وضجيجا. وإذا ما أتى أحد ~~وأنصت إليك، فستنوح باكيا على الخسارة، لكن ألن يجتاحك شعور بالراحة؛ لأن أسباب الارتباك ~~القديمة وبعضا من جوانب الالتزام تلاشت؟ ~~••• # كان السيد ترافرس قد شيد ذلك المنزل، أو بالأحرى أمر ببنائه كهدية زواجه من السيدة ~~ترافرس، وجعله مفاجأة لها. وعندما رأته جريس لأول مرة، كان قد مر على بنائه نحو ثلاثين ~~عاما. كان ثمة تباعد بين أبناء السيدة ترافرس في أعمارهم على نحو كبير؛ جريتشن تبلغ ~~الثامنة والعشرين أو التاسعة والعشرين من عمرها، وهي الآن متزوجة وصارت أما، أما موري ~~فيبلغ الحادية والعشرين، وهو يمضي آخر عام له بالجامعة. ثم هناك نيل وهو في منتصف ~~الثلاثينيات، لكن نيل لا ينتمي لعائلة ترافرس. إنه يدعى نيل بورو؛ إذ كانت السيدة ترافرس ~~متزوجة من قبل، وتوفي زوجها، فعملت كمدرسة للغة الإنجليزية المختصة بأغراض التجارة في أحد ~~معاهد السكرتارية؛ لتكسب عيشها وتتمكن من الإنفاق على طفلها. وكان السيد ترافرس عندما يشير ~~إلى تلك الفترة من حياتها قبل أن يلتقي بها يصفها بأنها فترة من الكد والتعب تشبه عقوبة ~~الأشغال الشاقة، وهي فترة يصعب التعويض عنها بالعيش في دعة وراحة لبقية العمر، وهي الراحة ~~التي وفرها لها عن رضا منه وسعادة. # لكن السيدة ترافرس ذاتها لم تتحدث عنها على هذا النحو على الإطلاق؛ فلقد عاشت مع نيل في ~~منزل كبير ms148 مقسم إلى شقق صغيرة لا يبعد كثيرا عن خطوط السكك الحديدية في مدينة بمبروك. أما ~~القصص التي كانت ترويها على العشاء، فكانت تتناول بعض المواقف والأحداث التي مرت بها هناك؛ ~~سواء عن جيرانها من المستأجرين، أو المالك الكندي ذي الأصول الفرنسية التي كانت تقوم بتقليد ~~لهجته الفرنسية الحادة المتداخلة مع لغته الإنجليزية. وقد تحمل هذه الأقاصيص بعض الأسماء؛ ~~مثل قصص ثيربر التي قرأتها جريس في «مختارات من الفكاهة الأمريكية»، التي كانت موجودة دون ~~سبب واضح على أحد أرفف المكتبة في نهاية فصلها بالصف العاشر (كان هناك أيضا على ذلك الرف ~~رواية «آخر البارونات»، ورواية «العامان الأخيران قبل تنكيس العلم»). ~~«الليلة التي خرجت فيها السيدة كرومارتي العجوز إلى سطح المنزل»، «كيف غازل ساعي البريد ~~الآنسة فلاورز»، «والكلب الذي التهم السردين.» # أما السيد ترافرس فلم يكن يروي أي أقاصيص، ولم يكن لديه الكثير ليقوله على العشاء، لكن إن ~~حدث وشاهدك على سبيل المثال وأنت تتطلع إلى المدفأة المصنوعة من الأحجار، فربما يقول لك: ~~«هل أنت مهتم بالصخور؟» ثم يشرع في إخبارك عن المكان الذي أتت منه كل صخرة، وكيف أضناه ~~البحث عن الجرانيت ذي اللون الوردي؛ لأن السيدة ترافرس قد تعجبت ذات مرة من صخرة تشبهها ~~كانت لمحتها على جانب الطريق، أو قد يعرض عليك بعض السمات التي لا تعد غير اعتيادية والتي ~~قام هو نفسه بإضافتها إلى تصميم المنزل؛ مثل أرفف الخزانة التي تتدلى للخارج في زاوية ~~المطبخ، ومساحة التخزين التي أضافها أسفل المقاعد الموضوعة تحت النوافذ. كان السيد ترافرس ~~رجلا طويل القامة، به بعض التحدب، ذا صوت هادئ، وشعر خفيف ينسدل بنعومة فوق فروة رأسه. ~~كان يرتدي حذاء الاستحمام عندما كان يذهب للسباحة، وبالرغم من أنه لم يكن يبدو ممتلئا في ~~ملابسه المعتادة، فكانت تظهر تراكمات من اللحم الأبيض متدلية أعلى سروال السباحة ~~القصير. ~~••• # عملت جريس هذا الصيف في النزل القابع في بيليز فولز شمال بحيرة ليتل سابوت. وكانت ~~عائلة ترافرس قد ذهبت لتناول العشاء هناك ذات مرة في بداية ms149 فصل الصيف، لكنها لم تلحظ ~~وجودهم؛ فلم يجلسوا على إحدى الطاولات التي تقع في نطاق خدمتها، وكانت تلك الليلة مزدحمة؛ ~~فكانت تقوم بإعداد إحدى الموائد من أجل مجموعة جديدة عندما أدركت أن هناك شخصا يريد التحدث ~~إليها. # وكان موري. قال: «أتساءل إن كنت تودين أن ~~نخرج معا في وقت ما؟» # كانت جريس نادرا ما ترفع بصرها وهي تقوم ~~بوضع أدوات المائدة الفضية على المائدة. قالت: «أذلك رهان؟» فقد كان صوته عاليا يشوبه بعض ~~التوتر، وكان متسمرا في مكانه دون حراك، وبدا وكأنه يجاهد ليجبر نفسه على ذلك. وكان من ~~المعروف أنه في بعض الأحيان قد تقوم مجموعة من الشباب الذين يقطنون في بعض الأكواخ المجاورة ~~بالمراهنة فيما بينهم على التجرؤ على دعوة إحدى النادلات للخروج معهم. ولا يكون الأمر مجرد ~~مزحة؛ فالشخص الذي طلب إليها الخروج يأتي عادة في الموعد إذا ما وافقت هي على ذلك، لكنه قد ~~يقصد في بعض الأحيان الجلوس معها في السيارة قليلا، ولا يدعوها لمشاهدة أحد الأفلام أو حتى ~~لتناول القهوة؛ لذا كان قبول هذه الدعوة أمرا مخزيا، بل وقاسيا، لأي فتاة. # قال بألم: «ماذا؟» توقفت جريس عما تفعله، ونظرت نحوه. بدا لها أنها كشفت شخصيته في تلك ~~اللحظة؛ شخصية موري الحقيقية؛ خائف، عنيف، ساذج، ذو عزم وتصميم. # ردت بسرعة: «حسنا.» ربما كانت تعني حسنا، اهدأ، أعلم أنه ليس رهانا، أعلم أنك لا تفعل ~~ذلك. أو ربما كانت حسنا، سأذهب معك. هي نفسها كانت بالكاد تعرف مقصدها، لكنه اعتبر الكلمة ~~موافقة على اللقاء، وعلى الفور رتب معها - دون أن يخفض من صوته، أو يلمح نظرات الجالسين ~~على الطاولات المحيطة بهما - بأنه سيمر لاصطحابها في اليوم التالي بعد انتهاء عملها. # وبالفعل، اصطحبها إلى السينما، وشاهدا فيلم «أبو العروسة». وقد كرهته جريس؛ كرهت الفتيات ~~أمثال إليزابيث تيلور في ذلك الفيلم؛ فقد كانت تكره الفتيات الغنيات المدللات، اللاتي لا ~~يطلب منهن شيء، لكنهن من يتدللن ويطلبن ما يشأن. فقال موري إنها فقط نوع من الكوميديا، ~~فأجابته جريس إن ms150 ذلك ليس هو المقصد، لكنها لم توضح مقصدها. وقد يعتقد أي شخص أنها تقول ذلك ~~لأنها تعمل نادلة، ولأنها فقيرة بدرجة منعتها من الالتحاق بالجامعة، وأنها إن أرادت أن تحظى ~~بزفاف كهذا، فعليها أن تمضي سنوات تدخر النقود حتى تتمكن من إقامة واحد مثله وتسدد هي ثمنه ~~(وقد كان هذا أيضا رأي موري، وغمره شعور بالاحترام تجاهها، بل ربما وصل شعوره إلى درجة ~~التبجيل). # لم تستطع أن تشرح، أو تفهم تماما، أنه ليس الشعور بالغيرة الذي انتابها على الإطلاق، ~~إنما هو الغضب الشديد. ولم يكن منبع ذلك الغضب عدم مقدرتها على التسوق بهذه الطريقة، أو ~~أنها لا تستطيع أن ترتدي مثل ذلك، لكن لأن هذا ما يفترض الآخرون أن تكون عليه الفتيات؛ وهو ~~ما يعتقد الرجال، والناس أجمعين، أنه ما ينبغي أن تكون عليه أي فتاة؛ جميلة، غنية، مدللة، ~~محبة لذاتها، ولا تتسم بأي نوع من الذكاء. هذا ما يجب أن تتصف به الفتاة حتى تجد من يقع ~~في حبها، ثم تصبح أما فيما بعد وتكرس كل مشاعرها لأطفالها؛ وحينها لا تتسم بالأنانية، ~~إنما بالحماقة والغباء، إلى الأبد. # كانت تستشيط غضبا بسبب ذلك بينما تجلس بجانب صبي أحبها لأنه آمن، على الفور، بتكامل ~~عقلها وروحها وتفردهما، ورأى أن فقرها أضاف لمحة من الرومانسية على ذلك (لقد أدرك أنها فتاة ~~فقيرة ليس فقط بسبب عملها كنادلة، وإنما للهجة أهل وادي أوتاوا الواضحة التي تتحدث بها، ~~والتي لم تنتبه إليها إلى الآن). # احترم مشاعرها تجاه الفيلم؛ والآن وبعد أن أصغى لمحاولاتها وهي غاضبة لتفسير وجهة نظرها، ~~جاهد هو الآخر لأن يقول لها شيئا في المقابل. قال إنه يرى الآن أن ما تشعر به ليس شيئا ~~بسيطا، شيئا أنثويا للغاية، كالغيرة. لقد رأى ذلك؛ رأى أنها ليست في موضع تنافس مع ~~الأخريات، ولا ترضى بأن تكون مثلها مثل الأخريات. إنها مميزة. # ظلت جريس تذكر دوما ما كانت ترتديه في تلك الليلة؛ تنورة مثل تنورات لاعبات الباليه ذات ~~لون أزرق داكن، كنزة بيضاء تستطيع ms151 أن تلمح الجزء العلوي من صدرها من خلال عروات الأزرار ذات ~~الكشكشة، وحزاما مطاطيا عريضا وردي اللون. كان هناك، بلا شك، تناقض شديد بين الأسلوب ~~الذي قدمت به نفسها وبين الأسلوب الذي تريد أن يحكم به الآخرون من خلاله عليها. ولم يك ~~ثمة شيء جميل، أو لافت، أو مبهر بشأن طريقة ملبسها إذا ما قارناه بأسلوب ذلك الوقت؛ ~~فكانت ملابسها المهترئة قليلا عند أطرافها في الواقع قد أصبغت عليها مظهر الغجر، وهو ما ~~أكده ذلك السوار الفضي الزهيد، وشعرها البربري الداكن الطويل المجعد، الذي كانت تعقصه ~~بمشبك عند خدمتها للطاولات أثناء عملها. # كانت مميزة. # حكى عنها لأمه التي قالت: «عليك أن تدعو هذه الفتاة جريس إلى العشاء.» ~~••• # كان هذا الأمر جديدا عليها تماما، بل إنه أشعرها بالبهجة والسرور على الفور. إنها في ~~حقيقة الأمر، قد وقعت في حب السيدة ترافرس كما وقع موري في حبها، ولم يكن من طبيعتها أن ~~تبدي دهشتها وإعجابها وحبها بسهولة كما كان الحال معه. ~~••• # تربت جريس على يد عمها وعمتها، بل في الواقع عم والدها وعمته؛ فلقد توفيت والدتها ~~عندما كانت في الثالثة من عمرها، وانتقل والدها إلى ساسكاتشيوان؛ حيث أصبح لديه عائلة ~~جديدة. كانت أسرتها البديلة تعطف عليها، بل وتفخر بها، رغم شعورهم ببعض الحيرة تجاهها، ~~لكنهم لم يكونوا معتادين على التحاور. كان العم يصنع الكراسي من الخيزران ليكسب قوت يومه، ~~وقد علم جريس كيف تقوم بذلك؛ حتى تساعده في عمله، وقد حلت محله في النهاية بعد أن ضعف ~~بصره بشدة، لكنها حصلت بعد ذلك على عمل في بيليز فولز أثناء فصل الصيف. وبالرغم من أنه كان ~~من الصعب عليه، وعلى عمتها أيضا، أن يدعاها تذهب، فإنهما اعتقدا أنها تحتاج لتذوق ~~بعض من تجارب الحياة قبل أن يستقر بها المقام. # كانت تبلغ من العمر حينها عشرين عاما، وقد أنهت لتوها مدرستها الثانوية. كان من ~~المفترض أن تنهي دراستها منذ عام مضى، لكنها اختارت شيئا غريبا؛ ففي المدينة الصغيرة ~~جدا التي كانت تعيش فيها - وهي ms152 لا تبعد كثيرا عن بمبروك حيث تعيش عائلة ترافرس - كان ~~هناك مدرسة ثانوية بها خمسة صفوف تؤهلك لاجتياز الاختبارات الحكومية وللشهادة التي كانت ~~تسمى حينها الشهادة العليا لاجتياز مرحلة القبول بالجامعة. ولم يكن من الضروري دراسة كل ~~المواد المتاحة بالمدرسة، وفي نهاية عامها الأول بالمدرسة - وهو من المفترض أنه عامها ~~الأخير، وهو الصف الثالث عشر - اجتازت جريس اختبارات في مواد التاريخ وعلم النبات وعلم ~~الحيوان، واللغات الإنجليزية واللاتينية والفرنسية، وحصلت على درجات عالية هي ليست بحاجة ~~إليها. وعادت مرة أخرى إلى المدرسة في شهر سبتمبر لكي تدرس مواد الفيزياء والكيمياء وحساب ~~المثلثات والجبر، برغم أن كل هذه المواد تعد شاقة وصعبة الفهم بالنسبة للفتيات. وعندما أنهت ~~دراستها لهذا العام كان من المفترض أنها درست كل مواد الصف الثالث عشر فيما عدا اللغات ~~اليونانية والإيطالية والإسبانية والألمانية، والتي لم يكن هناك أي مدرس في المدرسة يقوم ~~بتدريسها. أبلت بلاء حسنا في كل فروع الرياضيات وفي المواد العلمية، لكن لم تكن درجاتها ~~مبهرة مثل العام الذي قبله. وقد فكرت في أن تدرس هي بنفسها اللغات اليونانية والإسبانية ~~والإيطالية والألمانية؛ وذلك حتى تجتاز اختبارات العام المقبل، لكن حدث أن تحدث معها ~~مدير المدرسة، وأخبرها بأنها لن تجني شيئا من وراء ذلك طالما أنها لن تتمكن من الالتحاق ~~بالجامعة، وعلى كل فإن أي دراسة جامعية لا تتطلب كل هذا الكم الهائل، فلم تكلف نفسها ~~مشقة ذلك؟ هل لديها خطط معينة؟ # أجابت جريس بالنفي، وأنها فقط تريد أن تتعلم كل شيء طالما أنه متاح ومجاني. وذلك قبل أن ~~تبدأ حياتها المهنية في صنع الخيزران. # كان مدير المدرسة هو من يعرف مدير النزل، وقال إنه سيزكيها للعمل إن أرادت أن تجرب ~~عمل الضيافة في الصيف. لقد ذكر هو الآخر مسألة تذوق خبرات الحياة. # لذا حتى الرجل المسئول عن شئون التعليم في هذا المكان لا يعتقد أن التعليم له علاقة ~~بالحياة العملية، وكانت جريس عندما تخبر أي أحد عما اجتازته في المدرسة - حيث كانت تتحدث ~~عن ذلك ms153 لشرح سبب تأخرها في ترك المدرسة الثانوية - تسمع عبارات من قبيل: لا بد وأنك كنت ~~مجنونة. # كلهم قالوا ذلك فيما عدا السيدة ترافرس التي أرسلت إلى كلية الأعمال (التي تقتصر على ~~دراسات السكرتارية والإدارة) بدلا من أن تذهب لكلية حقيقية؛ لأن من حولها أخبروها أن ~~عليها أن تكون مفيدة، وهي التي تقول الآن إنها تتمنى لو كانت قد حشت ذهنها بدلا من هذا أو ~~قبله بما ليس له فائدة على حد قولهم. # قالت: «ورغم ذلك كان يجب عليك بالفعل العمل لكسب قوت يومك. على العموم، فإن صنع مقاعد ~~الخيزران يبدو أنه شيء مفيد على أي حال، وسنرى.» # نرى ماذا؟ لم تكن جريس ترغب في أن تفكر بالمستقبل على الإطلاق؛ كانت تريد أن تستمر الحياة ~~كما هي عليه الآن، وقد استطاعت من خلال تبادل مناوبات العمل مع فتاة أخرى أن تحصل على إجازة ~~أيام الآحاد بدءا من وقت الإفطار إلى نهاية اليوم، وكان هذا يعني أن عليها أن تعمل حتى وقت ~~متأخر في أيام السبت. وفي حقيقة الأمر فإن هذا معناه أن تستبدل الوقت الذي تمضيه مع موري ~~بالوقت الذي تقضيه بصحبة عائلة موري. لم يكن باستطاعتها هي وموري أن يشاهدا أي فيلم معا ~~الآن، أو أن يتواعدا ويمضيا وقتا معا، لكنه كان يمر ليصحبها عندما ينتهي عملها في نحو ~~الحادية عشرة مساء، ويتنزها بالسيارة، ويتوقفا لتناول الآيس كريم أو الهامبورجر؛ فقد كان ~~موري حريصا على ألا يأخذها إلى أي من الحانات؛ لأنها لم تبلغ الحادية والعشرين بعد، ثم ~~ينهيا رحلتهما بالتوقف بالسيارة في أي مكان. # وقد اتضح أن ذكرياتها عن الأوقات التي كانا يتوقفان فيها ~~بالسيارة - والتي كانت تستمر حتى الواحدة أو ~~الثانية صباحا - أكثر تشويشا من ذكرياتها عن الأوقات التي كانت تجلس فيها حول مائدة ~~الطعام المستديرة في منزل عائلة ترافرس، أو عندما ينهض الجميع من أمام المائدة - حاملين في ~~أيديهم أقداح القهوة أو العصائر الطازجة - ويجلسون على الأريكة المصنوعة من الجلد بلونها ~~الداكن، أو الكراسي الهزازة ومقاعد الخيزران ms154 ذات الوسائد الوثيرة في طرف الغرفة (لم يكن ~~هناك أي ضجة بشأن غسل الصحون أو تنظيف المطبخ؛ فهناك امرأة، تلقبها السيدة ترافرس ~~«بصديقتي البارعة السيدة آبل»، تأتي في الصباح لتقوم بذلك). # وكان موري يجذب عادة بعض الوسائد ويضعها على السجادة ليجلس عليها، أما جريتشن - التي لم ~~تكن ترتدي شيئا على العشاء سوى بنطالها الجينز أو سروال الجيش - فعادة ما كانت تجلس ~~القرفصاء على أحد المقاعد العريضة. كانت هي وموري ذوي أكتاف عريضة، وقد ورثا بعضا من ~~ملاحة أمهما؛ بشعرها المموج بلون الكراميل، وعينيها البنيتين اللتين يطل منهما الدفء. أما ~~موري فاختص بغمازتين في وجنتيه، جعلته «وسيما» كما أطلقت عليه بعض النادلات الأخريات، ~~وكن يطلقن صفيرا خافتا مبدين إعجابهن به. ورغم جمال السيدة ترافرس فإن طولها كان خمسة ~~أقدام بالكاد، ولم تبد سمينة أسفل ردائها الطويل الفضفاض، وإنما ممتلئة الجسم مثل الطفل ~~الصغير الذي لم يشب عن الطوق بعد. أما ذلك البريق ونظرات العزم والتصميم التي تطل من ~~عينيها فلا يستطيع أحد أن يقلدها ولا يمكن توارثها، ولا حالة التفاؤل والبهجة التي تغمرها ~~طوال الوقت. ولم يزين وجنتيها سوى ذلك الاحمرار الشديد الذي يشبه الالتهاب، والذي يحتمل ~~أن يكون ناتجا عن خروجها مهما كانت حالة الطقس دون التفكير في حماية بشرتها. وكقوامها ~~الممتلئ، وفستانها الفضفاض كانت بشرتها تعكس مدى شخصيتها المستقلة. # وفي بعض الأحيان يأتي بعض الضيوف، بجانب العائلة، في أمسيات الآحاد هذه. ربما يأتي زوجان، ~~وربما شخص واحد، وفي الغالب يقاربون السيد والسيدة ترافرس في العمر وفي الشخصية؛ حيث تجد ~~النساء تتسم بالذكاء والتحمس، بينما تجد الرجال أهدأ وأبطأ، وأكثر تسامحا. وكانوا يقصون ~~حكايات مسلية؛ حيث كانوا يتندرون في الغالب على أنفسهم (أصبحت جريس تنهمك في الحديث ~~لفترات طويلة الآن لدرجة أنها قد تسأم من ذاتها في بعض الأحيان، وأصبح من الصعب أن تتذكر ~~كيف كانت تبدو تلك الحوارات على العشاء شيئا جديدا بالنسبة لها في أول الأمر. ومن حيث أتت ~~من مدينتها الصغيرة، كانت معظم الحوارات المرحة التي تدور ms155 هناك أساسها النكات الخارجة، ~~والتي لم يكن ليشترك فيها بالطبع عمها أو عمتها. وفي مناسبات نادرة، عندما يكون لديهم صحبة، ~~كان الحوار يأخذ شكل إطراء على الطعام أو اعتذار عنه، أو مناقشة بشأن أحوال الطقس تصاحبها ~~رغبة شديدة في أن تنتهي الوجبة بأسرع وقت ممكن). # وإذا ما كان الطقس باردا بعد انتهاء ~~العشاء في منزل عائلة ترافرس، فإن السيد ترافرس يقوم بإشعال المدفأة، وكانوا يلعبون ما ~~أسمته السيدة ترافرس «لعبة الكلمات البلهاء»، وينبغي أن يكون الأشخاص الذين يلعبونها على ~~قدر من الذكاء، حتى لو كانوا يفكرون في تعريفات سخيفة. وأثناء اللعبة تجد الشخص الذي كان ~~هادئا وقت العشاء وقد بدأ يشارك ويتألق، وتتولد وتبنى المناقشات الساخرة حول بعض المزاعم ~~السخيفة اللامعقولة. كان وات زوج جريتشن يقوم بذلك، ثم أصبحت جريس تشارك أيضا، الأمر الذي ~~أسعد السيدة ترافرس وموري (فيهتف موري مثيرا بهجة الجميع فيما عدا جريس: «أرأيتم؟ ألم أقل ~~لكم إنها تتسم بالذكاء؟») وكانت السيدة ترافرس نفسها هي التي تقود اللعبة بتكوين الكلمات ~~وتدافع عنها بشدة، مؤكدة على أنه لا ينبغي أن تتحول اللعبة إلى الجد، أو أن يشعر أي لاعب ~~بالتوتر الزائد. # والمرة الوحيدة التي لم يسعد فيها أي شخص باللعبة كانت عند حضور ميفيس - زوجة نيل ابن ~~السيدة ترافرس - لتناول العشاء. وكانت ميفيس وطفلاها لا يقطنون بعيدا؛ بل كانوا يقيمون في ~~منزل والديها بالقرب من البحيرة. ولم يكن موجودا في تلك الليلة سوى العائلة وجريس، وكان من ~~المتوقع أن يصطحب كل من ميفيس ونيل طفليهما الصغيرين معهما، لكن ميفيس أتت بمفردها؛ لأن ~~نيل - الذي يعمل طبيبا - كان مشغولا في عمله في نهاية هذا الأسبوع في أوتاوا. وشعرت ~~السيدة ترافرس بخيبة أمل، لكنها استعادت بهجتها وقالت في حيرة مرحة: «لكن الطفلين ليسا في ~~أوتاوا بالتأكيد؟» ~~«لا، للأسف، ولكنهما ليسا لطيفين، وأنا على ثقة من أنهما سيصيحان طوال العشاء؛ فقد أصيب ~~الرضيع بحرارة شديدة، والله وحده يعلم ماذا ألم بمايكي.» # كانت امرأة نحيفة القوام أكسبتها الشمس لونا برونزيا، ترتدي فستانا ms156 أرجوانيا، وقد ~~عقصت شعرها الأسود الداكن للخلف بشريط أرجواني يتناغم مع ردائها. كانت جميلة، لكن تعلو ~~جوانب فمها علامات الضجر والاستياء. تركت معظم طعامها في الصحن، موضحة أنها مصابة ~~بالحساسية ضد الكاري. # قالت السيدة ترافرس: «يا للأسف! أهذا شيء جديد؟» ~~«أوه، لا، إنني مصابة به منذ سنوات، لكنني لم أكن أرفض الطعام أدبا، لكني سئمت من التقيؤ ~~طوال الليل.» ~~«لو أنك فقط أخبرتني بذلك، ماذا يمكنني أن أحضر لك؟» ~~«لا تشغلي بالك، إنني على ما يرام، وليس لدي شهية للطعام على أي حال، يكفيني حرارة ~~الأمومة ومتعتها.» # ثم أشعلت سيجارة. # وبعد فترة، وأثناء اللعبة، دخلت في نقاش مع وات بشأن أحد التعريفات التي استخدمها، وعندما ~~أثبت المعجم أنها مقبولة قالت: «أوه، إنني جد آسفة، يبدو أنكم هزمتموني في اللعب.» وعندما ~~حان الوقت لكي يقدم الجميع كلماتهم على قطعة من الورق للجولة القادمة، ابتسمت وهزت رأسها ~~قائلة: ~~«ليس لدي واحدة.» # قالت السيدة ترافرس: «أوه، ميفيس.» وقال السيد ترافرس: «هيا يا ميفيس، أي كلمة قديمة ستفي ~~بالغرض.» ~~«لكن ليس لدي أي كلمة قديمة، إنني آسفة، إنني أشعر بالغباء الليلة. يمكنكم أنتم اللعب ~~وسوف أشاهدكم.» # كان هذا هو ما قاموا به بالفعل، وتظاهر الجميع أنه ليس ثمة مشكلة، بينما راحت ميفيس ~~تنفث سيجارتها، واستمرت ترسم ابتسامتها التي تشي بإصرار عن عدم سعادتها وضيقها. وخلال فترة ~~وجيزة، نهضت وقالت إنها تشعر بتعب شديد، وإنها لا يمكن أن تترك طفليها في رعاية أبويها ~~لفترة أطول من ذلك، وإنها حظيت عن جد بزيارة هادفة ولطيفة وعليها أن تعود للمنزل ~~الآن. # قالت وهي في طريقها للخروج ولا توجه حديثها لشخص بعينه وتضحك ضحكة لها رنة مرارة: ~~«سأحضر لكم معجم أكسفورد هدية عيد الميلاد القادم.» # كان معجم عائلة ترافرس الذي استخدمه وات من المعاجم الأمريكية. # عندما غادرت المنزل، لم ينظر أي منهم إلى الآخر، وقالت السيدة ترافرس: «جريتشن، هل ~~تستطيعين إعداد قدر من القهوة لنا جميعا؟» ذهبت جريتشن إلى المطبخ وهي تتمتم قائلة: «يا ~~لها من تسلية! لقد ms157 بكى المسيح.» # قالت السيدة ترافرس: «إن حياتها مليئة بالمتاعب بسبب الصغيرين.» ~~••• # وخلال الأسبوع، حصلت جريس ليوم واحد على فترة للراحة، ما بين انتهاء الفطار، والإعداد ~~للعشاء، وعندما علمت السيدة ترافرس بذلك، استقلت سيارتها إلى بيليز فولز لكي تصحبها إلى ~~البحيرة لهذه الساعات الثلاث، وحينها سيكون موري في عمله - حيث يعمل فترة الصيف في إصلاح ~~الطريق السريع 7 مع بعض العاملين المكلفين بإصلاح الطرق - أما وات ففي مكتبه في أوتاوا، ~~وجريتشن في البحيرة تسبح أو تجدف مع أطفالها هناك. عادة ما كانت السيدة ترافرس تخبر جريس ~~بأنها ستذهب للتسوق، أو أنها ستقوم ببعض الترتيبات من أجل العشاء، أو أن عليها كتابة بعض ~~الخطابات، وعندئذ تترك جريس بمفردها في غرفة المعيشة الكبيرة الباردة الظليلة، وأريكتها ~~الجلدية المنبعجة دائما، وأرفف المكتبة المكتظة بالكتب. # قالت لها السيدة ترافرس: «يمكنك قراءة أي ~~شيء تفضلينه، أو بمقدورك أن تستريحي وتأخذي قسطا من النوم إن كان هذا ما تريدين. إنها ~~لوظيفة شاقة، ولا بد أنك متعبة، وسوف أنتبه إلى إعادتك في الوقت المناسب.» # لم تنم جريس قط، لكنها كانت تقرأ. كانت نادرا ما تتحرك، ومن أسفل سروالها القصير، كانت ~~تظهر ساقاها العاريتان وقد كساهما العرق والتصقتا بالأريكة. ربما كان هذا بسبب متعة ~~القراءة الشديدة. وكانت في العادة لا تلمح أي أثر للسيدة ترافرس حتى يحين موعد عودتها إلى ~~عملها حيث تقوم بتوصيلها مرة أخرى. # لم تكن السيدة ترافرس لتبدأ أي نوع من المحادثة حتى يمر وقت كاف تتحرر خلاله جريس من ~~أفكار الكتاب الذي كانت منهمكة في قراءته، ثم تذكر أنها هي نفسها قرأته من قبل، وتفصح عن ~~رأيها فيه، لكن بأسلوب يحترم الرأي المخالف ويتسم بالمرح في الوقت نفسه؛ فقد قالت على سبيل ~~المثال بشأن رواية «آنا كارنينا»: «لا أذكر عدد المرات التي قرأت فيها هذه الرواية، لكني في ~~البداية تعاطفت مع كيتي، ثم مع آنا. أوه لقد كان الأمر فظيعا مع آنا، والآن أتدرين لقد ~~وجدت نفسي في المرة الأخيرة أتعاطف طوال الوقت مع دوللي، ms158 عندما ذهبت إلى الريف بصحبة كل ~~هؤلاء الأطفال، وكان عليها أن تعرف كيف تقوم بالتنظيف، وكانت ثمة مشكلة في أحواض ~~الغسيل. أترين كيف تتغير درجات تعاطفك كلما تقدمت في العمر؟ فالعواطف قد تتوارى خلف أحواض ~~الغسيل. لا تنتبهي إلى كلامي على أي حال. إنك لا تنصتين إلي، أليس كذلك؟» ~~«لا أدري إن كنت أنصت لأحد على الإطلاق.» شعرت جريس بالدهشة من ردها، وتساءلت إن كانت ~~بدت متغطرسة أم ساذجة، وأردفت قائلة: «لكني أحب الإنصات لحديثك.» # ضحكت السيدة ترافرس قائلة: «إنني أحب الإنصات لنفسي.» ~~••• # في تلك الفترة بدأ موري يتحدث بطريقة ما عن زواجهما، وأنه لن يكون ذلك إلا بعد فترة؛ حتى ~~يصبح مؤهلا تماما ويعمل مهندسا، ولكنه كان يتكلم عن ذلك الأمر وكأنه يتكلم عن شيء ~~تأخذه هي أيضا - مثله - كأمر مسلم به. وعندما كان يقول «حينما نتزوج» كانت جريس تنصت إليه ~~بفضول بدلا من التشكيك في ذلك أو معارضته. # بعد الزواج سيكون لهما منزل بالقرب من بحيرة ليتل سابوت، ولن يكون شديد القرب من منزل ~~والديه، ولن يبعد عنه كثيرا في نفس الوقت، وسيكون بالطبع مكانا لقضاء فصل الصيف فقط. أما ~~أغلب الوقت فسيعيشان في المكان الذي يتطلبه عمله كمهندس. وقد يكون هذا في أي مكان؛ في بيرو، ~~أو العراق، أو الأقاليم الشمالية الغربية. وسعدت جريس بفكرة السفر هذه أكثر من سعادتها ~~بالفكرة التي يتحدث عنها بفخر وهو يتحدث عن «منزلنا الخاص معا». لم يبد أي من هذا ~~واقعيا بالنسبة لها، إلا أنها وجدت أيضا أن فكرة مساعدة عمها والعمل في صناعة كراسي من ~~الخيزران في المدينة والمنزل الذي نشأت فيه لم تكن واقعية هي الأخرى. # ألح موري في سؤالها عما أخبرت به عمها وعمتها عنه، ومتى ستصحبه لمنزلها حتى يلتقي بهما. ~~حتى استخدامه المبسط لتلك الكلمة «منزلها» بدا غريبا بعض الشيء بالنسبة لها، بالرغم من ~~أنها هي نفسها كانت تستخدمها. بدا من الأنسب أن تقول بيت عمي وعمتي. # لم تذكر لهما شيئا بخصوصه في الواقع في رسائلها الأسبوعية ms159 المقتضبة ، فيما عدا أنها ذكرت ~~أنها «تخرج مع شاب يعمل هنا في فترة الصيف.» ربما أعطتهم الانطباع بأنه يعمل في أحد ~~الفنادق. # لا تكمن المسألة في أنها لا تفكر في الزواج مطلقا؛ إذ كانت تلك الاحتمالية، شبه المؤكدة، ~~ترد إلى ذهنها دوما حينما تفكر في حياتها وهي تعمل في صناعة مقاعد الخيزران. وبالرغم من ~~أن أحدا لم يحاول أن يخطب ودها، فإنها كانت تعتقد أن ذلك قد يحدث في يوم من الأيام وبهذه ~~الطريقة تماما، ومع رجل يتخذ قراره على الفور - قد يأتي ربما لإصلاح أحد المقاعد - وبمجرد ~~رؤيتها يقع في حبها على الفور. سيكون وسيما مثل موري، متأجج العواطف مثل موري، وسيعقب ذلك ~~تلك اللقاءات الحميمية الجسدية الممتعة. # وكان هذا هو الشيء الذي لم يحدث بينهما. كانت هي راغبة في ذلك سواء في سيارة موري، أو ~~بالخارج فوق الحشائش أسفل ضوء النجوم. وكان موري مستعدا، لكنه لم يكن راغبا؛ فقد كان ~~يشعر أن من مسئوليته أن يحميها. وكذلك فإن السهولة التي عرضت بها نفسها عليه قد أفقدته ~~توازنه. وربما شعر أن العرض جاء ببرود؛ عرضا متعمدا لم يستطع أن يفهمه، ولا يتناسب تماما ~~مع أفكاره عنها. هي ذاتها لم تفهم كيف كانت تتسم بالبرود هكذا؛ فقد كانت تعتقد أن إظهار مدى ~~شغفها لا بد أن يقودها إلى المتعة التي عرفتها في عزلتها وفي خيالها، وقد شعرت أنه دور موري ~~أن يتولى زمام الأمور، لكنه لم يفعل. # وقد جعلهما هذا الحصار الفكري مشوشين، يشعران ببعض الغضب أو الخزي؛ لذا لم يتوقفا عن ~~التقبيل، والعناق، واستخدام كلمات الغزل؛ ليعوض أحدهما الآخر عند وداعهما متمنيا كل ~~منهما للآخر ليلة سعيدة. كان من المريح لجريس أن تكون وحيدة، وأن تأوي إلى فراشها في ~~المهجع، وتطرد من ذهنها أفكارها عن آخر ساعتين أمضتهما. وقد اعتقدت أنه من المريح أيضا ~~بالنسبة لموري أن يقطع الطريق السريع بمفرده، ويعيد ترتيب انطباعاته عن جريس التي يعرفها، ~~حتى يظل غارقا في حبها بكل إخلاص وصدق. ~~••• # غادرت معظم النادلات ms160 المكان بعد عيد العمال، وعدن إلى مدارسهن أو كلياتهن، إلا أن الفندق ~~ظل مفتوحا حتى عيد الشكر، ولكن بفريق عمل أقل عددا؛ كانت جريس من بينه. وقد ترددت أقاويل ~~- هذا العام - بأن الفندق سيفتح أبوابه ثانية في بداية ديسمبر من أجل موسم ~~الشتاء - أو على الأقل خلال فترة أعياد الميلاد ~~- إلا أن أحدا من عمال المطبخ أو فريق صالة الطعام لم يعرف إن كان هذا صحيحا أم لا. وقد ~~كاتبت جريس عمها وعمتها بشأن هذا كما لو أن الأخبار بشأن فترة عيد الميلاد كانت أكيدة، بل ~~في الواقع لم تذكر أي شيء عن إغلاق الفندق مطلقا، إلا أن يكون هناك احتمالية بعد بداية ~~العام الجديد؛ لذا فعليهم إذن ألا يتوقعوا مجيئها في تلك الفترة. # لماذا فعلت ذلك؟ لم يكن الأمر وكأن لديها خططا أخرى. كانت قد أخبرت موري أنها تعتقد أن ~~عليها أن تمضي هذا العام في مساعدة عمها، وربما تحاول أن تجد شخصا ليتعلم صناعة المقاعد ~~ويأخذ مكانها، بينما يجتاز هو - موري - السنة النهائية بالكلية. وقد وعدته بأن ترتب لزيارته ~~لهم أثناء فترة عيد الميلاد؛ حتى يمكنه مقابلة عائلتها. وأجابها بأن عيد الميلاد وقت مناسب ~~لإعلان خطوبتهما رسميا. لقد كان يدخر راتب عمله الصيفي كي يشتري لها خاتما من ~~الألماس. # وكانت هي الأخرى تدخر راتبها؛ وذلك حتى تتمكن من أن تستقل الحافلة إلى كنجستون لزيارته ~~أثناء الفصل الدراسي. # كانت تتحدث عن ذلك، وتقطع وعودا هكذا ببساطة، لكن هل تعتقد، أو تتمنى، أن يحدث ~~هذا؟ # قالت السيدة ترافرس: «إن موري شخصية رائعة، تستطيعين أن تلمسي ذلك بنفسك. سيكون رجلا ~~محبا لا يتسم بالتعقيد؛ فهو يشبه والده، لكنه ليس كأخيه؛ فنيل رجل متقد الذكاء. لا أعني ~~أن موري ليس كذلك؛ فإن المرء لا يمكن أن يصبح مهندسا دون أن يكون له عقل ذكي، بل ذكي ~~جدا، لكن نيل ... شخصية عميقة.» ضحكت من نفسها ... ««الكهوف المبهمة العميقة لدب المحيط»، ~~عم أتحدث؟ ظللت أنا ونيل لفترة طويلة ليس لأحدنا سوى الآخر؛ لذا أعتقد ms161 أنه مميز بعض ~~الشيء. لا أعني أنه لا يمكن أن يكون شخصا مرحا، لكن في بعض الأحيان قد يكون أكثر الناس ~~مرحا هم أكثر من يشعرون بالحزن في داخلهم. أليس كذلك؟ تتعجبين منهم، لكن ما جدوى القلق ~~بشأن أبنائك الناضجين؟ بالنسبة لنيل أنا أشعر حياله ببعض القلق، وموري لا أشعر نحوه بالكثير ~~من القلق. أما فيما يتعلق بجريتشن فأنا لست قلقة بشأنها على الإطلاق؛ وذلك لأن النساء ~~دائما ما يكون لديهن شيء يعينهن على الاستمرار، أليس كذلك؟ الرجال لا يملكون هذا ~~الشيء.» ~~••• # لم يغلق المنزل الذي يطل على البحيرة أبوابه حتى عيد الشكر، وعادت جريتشن وأطفالها إلى ~~أوتاوا بالطبع بسبب الدراسة. وكان على موري الذي أنهى عمله الصيفي أن يعود إلى كنجستون. ~~وكان السيد ترافرس لا يخرج إلا في عطلات نهاية الأسبوع. وقد أخبرت السيدة ترافرس جريس أنها ~~عادة ما كانت تمكث بصحبة بعض الضيوف أو تجلس بمفردها. # ثم تغيرت خططها؛ فقد عادت إلى أوتاوا مع السيد ترافرس في سبتمبر. حدث هذا بصورة غير ~~متوقعة، وبالتالي ألغيت دعوة العشاء في عطلة نهاية الأسبوع. # أخبرها موري أنها كانت تعاني من بعض اضطرابات الأعصاب بين الحين والآخر. قال: «ينبغي أن ~~تأخذ قسطا من الراحة، وكان عليها أن تذهب إلى المستشفى وتمكث هناك لنحو أسبوعين، وهم ~~يعملون على استقرار حالتها، وهي دائما ما تغادرها في حالة جيدة.» # قالت جريس إن أمه هي آخر شخص يمكن أن تتخيله يعاني من مثل هذه الاضطرابات. ~~«لكن ما سبب ذلك؟» # قال موري: «لا أعتقد أنهم يعرفون السبب.» # لكنه أردف بعد دقيقة: «حسنا، يمكن أن يكون السبب هو زوجها؛ أعني زوجها الأول، والد نيل، ~~وما حدث معه إلى آخره.» # وما حدث هو أن والد نيل قد انتحر. ~~«أعتقد أنه كان مضطربا.» # استمر قائلا: «لكن ربما لا يكون الأمر كذلك، ربما هي أسباب أخرى؛ فقد تكون تلك المشكلات ~~التي تعاني منها بعض السيدات ممن هن في مثل عمرها. وعلى الرغم من ذلك فالأمور على ما يرام؛ ~~فهم يستطيعون إعادتها ms162 لحالتها الطبيعية بمساعدة الأدوية الآن. لديهم بعض الأدوية الرائعة. ~~لا تقلقي.» ~~••• # وكما توقع موري؛ فبحلول عيد الشكر كانت السيدة ترافرس قد غادرت المستشفى وتحسنت حالتها. ~~وأقيم عشاء عيد الشكر على البحيرة كما هي العادة، وأقيم يوم الأحد كالمعتاد أيضا؛ وذلك ~~حتى تكون هناك فرصة لحزم الأمتعة وغلق المنزل يوم الاثنين. وكان هذا من حسن حظ جريس أيضا؛ ~~لأن إجازتها بقيت يوم الأحد. # تجتمع العائلة بأسرها هناك دون وجود أي ضيوف، إلا إذا اعتبرت جريس من بين الضيوف. وسيكون ~~نيل وميفيس وطفلاهما في منزل والدي ميفيس، وسيتناولون العشاء هناك يوم الاثنين، لكنهم ~~سيمضون يوم الأحد في منزل عائلة ترافرس. # وفي الوقت الذي أحضر فيه موري جريس إلى البحيرة في صباح يوم الأحد، كان الديك الرومي في ~~الفرن بالفعل. وسيكون العشاء مبكرا في نحو الخامسة بسبب وجود الأطفال. وكانت الفطائر ~~معدة فوق مائدة المطبخ؛ حيث أعدت فطائر القرع، والتفاح، والتوت البري. كانت جريتشن هي ~~المسئولة عن المطبخ، بوصفها طاهية كما كانت رياضية. كانت السيدة ترافرس تجلس قبالة المائدة ~~تحتسي القهوة ومنهمكة في لعبة تركيب الصور المقطعة مع ابنة جريتشن الصغرى دانا. # قالت: «أوه، جريس!» وهبت من مكانها لتعانقها - وهي المرة الأولى التي تفعل فيها ذلك - ~~وبحركة غير محسوبة بيدها نثرت قطع اللعبة. # صاحت دانا: «أوه، جدتي!» وراحت جيني، أختها الكبرى التي كانت تشاهد باهتمام، تجمع قطع ~~اللعبة. # قالت: «يمكننا أن نعيد ترتيبها ثانية، فجدتك لم تقصد ذلك.» # قالت جريتشن: «أين تضعين صلصة التوت البري؟» # قالت السيدة ترافرس وهي لا تزال ضاغطة على ذراع جريس، ومتجاهلة قطع اللعبة المتناثرة: ~~«إنها في الخزانة.» ~~«في أي مكان بالخزانة؟» # قالت السيدة ترافرس: «أوه، صلصة التوت البري، إنني أصنعها بنفسي، إنني أضع التوت البري في ~~القليل من المياه أولا، ثم أضعه فوق نار هادئة، لا، أعتقد أنني أقوم بنقعه أولا.» # قالت جريتشن: «ليس لدي وقت لكل هذا. أتعنين أنه ليس لديك زجاجة معلبة منها؟» ~~«لا أعتقد أن لدي منها، فأنا أصنعها.» ~~«علي أن أرسل أحدا ليبتاع لي ms163 بعضا منها.» ~~«بإمكانك أن تسألي السيدة وودز.» ~~«لا، بالكاد تحدثت معها من قبل. ليس لدي الجرأة لأطلب منها شيئا. يجب أن يذهب أحدهم ~~إلى المتجر.» # قالت السيدة ترافرس بهدوء: «عزيزتي، إنه عيد الشكر، ولن تجدي متجرا مفتوحا.» ~~«هناك ذاك المتجر بالقرب من الطريق السريع دائما ما يكون مفتوحا.» ثم علا صوتها وهي ~~تقول: «أين وات؟» # ردت عليها ميفيس من غرفة النوم الخلفية: «إنه في الخارج، في زورق التجديف.» وقد بدا ~~صوتها يحمل بعض التحذير؛ لأنها كانت تحاول أن تحمل رضيعها على النوم. أردفت: «لقد اصطحب ~~مايكي في الزورق.» # كانت ميفيس قد قدمت بسيارتها مع مايكي والرضيع، وسيلحق بهم نيل فيما بعد؛ فقد كان لديه ~~بعض المكالمات ليجريها. # وقد ذهب السيد ترافرس للعب الجولف. # قالت جريتشن: «كل ما أحتاجه هو شخص يذهب إلى المتجر.» وقد انتظرت ولم يأت أي عرض من ~~غرفة النوم، ثم رفعت حاجبيها وهي تنظر نحو جريس. ~~«لا تستطيعين القيادة، أليس كذلك؟» # وأجابتها جريس بالإيجاب. # نظرت السيدة ترافرس حولها لترى موضع مقعدها، وجلست وقد تنهدت تنهيدة تنم عن ~~شكر. # قالت جريتشن: «حسنا، موري يمكنه القيادة. أين موري؟» # كان موري في غرفة النوم الأمامية يبحث عن لباس البحر الخاص به، بالرغم من أن الجميع ~~أخبروه بأن المياه ستكون شديدة البرودة ويصعب السباحة فيها؛ فقال إن المتجر لن يكون ~~مفتوحا. # قالت جريتشن: «بل سيكون مفتوحا؛ فهم يبيعون البنزين، وإذا لم تجده مفتوحا، فهناك ذلك ~~المتجر الآخر قبالة بيرث؛ ذلك الذي يضع مخروط الآيس كريم.» # أراد موري أن تصحبه جريس، لكن كانت الطفلتان، جيني ودانا، تحثانها على أن تأتي معهما ~~لرؤية الأرجوحة التي وضعها جدهما أسفل شجرة القيقب النرويجي بجانب المنزل. # وأثناء هبوطها على الدرج شعرت بأن رباط فردة من حذاءيها قد قطع، فخلعت فردتي الحذاء، ~~وسارت دون صعوبة فوق الرمال الناعمة، ونبات موز الجنة الناعم، والعديد من أوراق الشجر ~~الملتوية التي سقطت بالفعل من فوق الأغصان. # قامت أولا بدفع الأطفال على الأرجوحة، ثم قاموا هم بدفعها بعد ذلك. وحدث عندما ms164 قفزت ، وهي ~~عارية القدمين، أن شعرت بإحدى ساقيها قد انقبضت، وصرخت من الألم وهي لا تدري ماذا ~~حدث. # لقد كانت قدمها، وليست ساقها، وقد نتج الألم من باطن قدمها اليسرى؛ حيث قطعتها الحواف ~~الحادة لصدفة محار. # قالت جيني: «لقد أحضرت دانا ذلك المحار؛ فقد أرادت أن تصنع منزلا للحلزون.» # قالت دانا: «لقد ذهب بعيدا.» # أسرعت كل من السيدة ترافرس وجريتشن، وحتى ميفيس، خارج المنزل، فقد اعتقدن أن الصراخ قد ~~صدر من إحدى الطفلتين. # قالت دانا: «إن قدمها ملطخة بالدماء؛ فالدم يغطي الأرض كلها.» # قالت جيني: «لقد جرح المحار قدمها. تركت دانا صدفات المحار هنا. لقد أرادت أن تصنع منزلا ~~من أجل إيفان؛ إيفان الحلزون.» # قاموا بإحضار طست للغسيل، وبعض المياه لغسل الجرح، ومنشفة، والجميع يسألها إلى أي مدى ~~يؤلمها ذلك. # قالت جريس وهي تصعد الدرج بعرج، والفتاتان تتنافسان لمعاونتها في الصعود وقد كانتا ~~تعرقلان مسيرها. # قالت جريتشن: «أوه، هذا شيء فظيع، ولكن لماذا لم ترتدي حذاءك؟» # قالت دانا وجيني معا: «لقد قطع رباطه»، بينما تدور سيارة مكشوفة بلون النبيذ تصدر صوتا ~~خافتا في المساحة المخصصة لانتظار السيارات. # قالت السيدة ترافرس: «هذا ما أطلق عليه الوقت المناسب، ها هو الرجل الذي نحتاجه تماما؛ ~~الطبيب.» # كان هذا هو نيل، وكانت تلك المرة الأولى التي تراه فيها جريس. كان طويل القامة، نحيفا، ~~وسريع الحركة. # قالت السيدة ترافرس بمرح: «أين حقيبتك؛ فلدينا حالة نريدك أن تراها.» # قالت جريتشن: «ها قد جئت بقطعة من الخردة؛ أهي جديدة؟» # قال: «إنها قطعة من الحماقة.» ~~«لقد استيقظ الرضيع.» أطلقت ميفيس تنهيدة تحمل بعض الاتهام غير الموجه لأحد بعينه، ثم ~~هرعت إلى داخل المنزل. # قالت جيني بحدة: «إنك لا تستطيع أن تفعل أي شيء في المنزل دون أن يستيقظ ذلك ~~الرضيع.» # قالت جريتشن: «من الأفضل أن تصمتي.» # قالت السيدة ترافرس: «لا تقل إنك لم تحضرها معك.» لكن نيل التقط حقيبة الطبيب من المقعد ~~الخلفي، فقالت: «أوه، إنها معك، هذا جيد، احتياطيا ... لا تدري ما قد يحدث.» # قال نيل لدانا: ms165 «هل أنت المريضة؟ ما الأمر؟ هل ابتلعت ضفدعا؟» # قالت دانا بكبرياء: «إنها هي، جريس.» ~~«أوه فهمت، إنها هي من ابتلعت الضفدع.» ~~«لقد جرحت قدمها، إنها تنزف بشدة.» # قالت جيني: «بسبب صدفة المحار.» # وهنا قال نيل لأبناء أخته: «أفسحا المكان.» ثم جلس على الدرج أسفل جريس، ثم رفع قدمها ~~بحرص وقال: «أحضروا لي قطعة من القماش أو ما شابه.» ثم مسح الدماء بحذر حتى يرى الجرح. ~~وعندما أصبح قريبا منها، لاحظت جريس رائحة عرفتها أثناء عملها هذا الصيف بالفندق؛ وهي ~~رائحة الخمر الممتزجة بالنعناع. # قال: «من المؤكد أنها تنزف بشدة. هذا شيء جيد؛ فهو يطهرها. هل تؤلمك؟» # قالت جريس: «إلى حد ما.» # نظر إلى وجهها نظرة فاحصة ولكنها سريعة. ربما تساءل إن كانت قد تعرفت على الرائحة، ~~وماذا تظن به الآن. ~~«أراهن أنها تؤلمك فعلا. أترين ذلك الجزء المقطوع، علينا أن ندلف أسفل منه ونتأكد من أنه ~~نظيف تماما، ثم أخيطه بغرزة أو غرزتين. لدي دواء يمكن دهان الجرح به حتى لا يؤلمك بشدة ~~كما تظنين.» نظر نحو جريتشن وقال: «دعونا نقوم بإبعاد جمهور المشاهدين عن الطريق ~~الآن.» # لم يوجه أي كلمة لأمه بعد؛ ومع ذلك فقد راحت تكرر أنه من حسن الحظ حضوره في ذلك ~~الوقت بالتحديد. # قال: «صبي الكشافة دائما على استعداد.» # لم تبد يده مختلة إثر الشراب، وكذا لم يتضح أثره في عينيه، كما لم يبد أنه ذلك العم ~~المرح الذي يتقمص شخصيته حينما يتحدث إلى الأطفال، أو ذلك الشخص الذي يردد الكلام المطمئن ~~كما اختار أن يكون مع جريس. كان ذا جبهة عالية شاحبة، وخصلات من الشعر الأسود المجعد المائل ~~للون الرمادي، وعينين رماديتي اللون لامعتين، وفم عريض ذي شفاه رفيعة تبدو ملتوية عند ~~نفاد الصبر، أو الشهوة، أو الألم. # عندما ضمد الجرح بالخارج فوق الدرج، كانت جريتشن قد عادت إلى المطبخ واصطحبت الأطفال ~~معها، وظلت السيدة ترافرس تشاهد باهتمام وهي تطبق على شفتيها وكأنما تتعهد بأنها لن تحدث ~~أي مقاطعة. قال نيل إنه من الأفضل أن ms166 تؤخذ جريس إلى المدينة من أجل الذهاب إلى المستشفى ~~هناك. ~~«من أجل حقنة مضادة للتيتانوس.» # قالت جريس: «إن الأمر ليس بهذا السوء.» # قال نيل: «ليس هذا هو المقصد.» # قالت السيدة ترافرس: «أوافقه الرأي، التيتانوس، هذا شيء فظيع.» # قال: «علينا ألا ننتظر طويلا. جريس، سأصحبك للسيارة.» ثم أمسكها من أسفل ذراعها. ربطت ~~فردة حذائها، ونجحت في أن تضع أصابع قدمها المصابة في الفردة الأخرى حتى تحاول جذبها وهي ~~تسير. وكانت الضمادة نظيفة ومحكمة. # قال حينما كانت تتخذ مقعدها في السيارة: «سأنطلق الآن، وبلغيهم اعتذاري.» # إلى جريتشن؟ بل إلى ميفيس. # هبطت السيدة ترافرس من الشرفة، يلفها ذلك الحماس المبهم الذي بدا طبيعيا، والذي لا ~~تستطيع كبح جماحه في ذلك اليوم. وضعت يدها على باب السيارة. # قالت: «هذا شيء جيد. جيد تماما جريس. لقد أرسلك الله اليوم. ستحاولين أن تبعديه عن ~~الشراب اليوم، أليس كذلك؟ تعرفين كيف تفعلين ذلك.» # سمعت جريس هذه الكلمات، لكنها لم تعرها أي تفكير؛ فقد كانت تشعر بالحيرة الشديدة إزاء ~~ذلك التغير الذي طرأ على السيدة ترافرس، وما بدا وكأنه زيادة في حجمها، تيبس في جميع ~~حركاتها، بل نوبة محمومة من التعاطف، سعادة غامرة تنهال من عينيها. وقد بدت على جانبي فمها ~~طبقة رقيقة كحبات السكر. ~~••• # كان المستشفى يقع في كارلتون على بعد نحو ثلاثة أميال. كان هناك طريق سريع يقطع طريق ~~السكة الحديدية، وقد قطعوا ذلك الطريق بسرعة شديدة شعرت معها كريس بأن السيارة في أعلى ~~سرعتها قد ارتفعت عن سطح الطريق الممهد، وكأنما يحلقان بها. لم يكن هناك أي إشارات ~~للمرور، ولم تكن خائفة، وعلى أي حال لم يكن في وسعها أن تفعل أي شيء حيال ذلك. ~~••• # كان نيل يعرف الممرضة المناوبة في قسم الطوارئ، وبعد أن قام بملء استمارة الدخول وجعلها ~~تلقي نظرة على قدم جريس (وقد قالت دون اهتمام: «عمل جيد»)، تمكن بعدها من أن يعطي حقنة ~~التيتانوس لجريس بنفسه: «إنها لن تؤلمك الآن، ولكن ربما فيما بعد.» وبمجرد أن انتهى، عادت ~~الممرضة إلى غرفة ms167 التغيير وقالت: «هناك شاب في غرفة الانتظار لكي يصحبها إلى ~~المنزل.» # ثم وجهت حديثها لجريس قائلة: «إنه يقول إنه خطيبك.» # قال نيل: «أخبريه أنها لم تنته بعد، بل أخبريه أننا قد ذهبنا بالفعل.» ~~«لكني أخبرته بأنكم موجودون بالفعل.» # قال نيل: «لكنك عندما رجعت اكتشفت أننا ذهبنا.» ~~«لكنه يقول إنه أخوك، ألن يشاهد سيارتك في المرأب؟» ~~«لقد أوقفت السيارة بالخلف؛ في المرأب الخاص بالأطباء.» # قالت الممرضة وهي ذاهبة: «يا لها من خدعة!» # قال نيل لجريس: «إنك لا تريدين العودة إلى المنزل بعد، أليس كذلك؟» # قالت جريس: «بلى.» قالتها وكأن الكلمة مكتوبة أمامها على الحائط، كما لو أنها تجري ~~اختبارا على بصرها. # ومرة أخرى ساعدها لكي تدلف إلى السيارة، وقد تدلت فردة الحذاء من خلال الرباط الملفوف ~~حول أصابع قدمها، واستقرت جريس فوق فرش السيارة ذي اللون الكريمي، وقطعوا طريقا خلفيا ~~عندما غادروا المرأب؛ وهو طريق غير مألوف خارج المدينة. كانت تعرف أنها لن ترى موري، ولم ~~يكن عليها أن تفكر به، أو تفكر كثيرا في ميفيس. # وإذا ما وصفت جريس تلك الفترة؛ ذلك التغير في حياتها فيما بعد، فإنها ستقول - أو قالت ~~بالفعل - إنه كان أشبه بالبوابة التي أغلقت خلفها محدثة صوتا عاليا، لكنه لم يكن صوتا ~~عاليا في وقته؛ بل هو خضوع غمرها بأكملها، وتلاشت أحقية الذين خلفتهم وراءها في أي ~~شيء. # ظلت ذكرياتها عن ذلك اليوم واضحة ومليئة بالتفاصيل، بالرغم من أنها أدخلت بعض ~~الاختلافات على أجزاء منها حينما كانت ترويها. # وحتى في بعض هذه التفاصيل، ولا بد وأنها كانت مخطئة. ~~••• # قاد أولا باتجاه الغرب على الطريق السريع 7، وحسبما تذكر جريس، فلم يكن هناك أي سيارة ~~أخرى تسير على الطريق السريع، وقد اقتربت سرعتهم من الطيران عند اجتيازهم الطريق السريع، ~~ولكن لا يمكن أن يكون ذلك حقيقيا؛ فلا بد وأنه كان هناك بعض الأشخاص على الطريق؛ أشخاص في ~~طريقهم للعودة إلى منازلهم في صباح ذلك الأحد؛ في طريقهم لكي يمضوا عيد الشكر مع عائلاتهم؛ ~~في طريقهم إلى الكنيسة، أو ms168 عودتهم إلى منازلهم من الكنيسة. ولا بد أن نيل قد أبطأ من سرعته ~~حينما كان يمر من خلال القرى، أو عند أطراف المدينة، أو عند اجتياز أي من المنعطفات على ~~الطريق السريع القديم. لم تكن معتادة على ركوب السيارات المكشوفة، والرياح تغشي عينيها، ~~وتداعب خصلات شعرها. هذا في حد ذاته منحها الشعور الزائف بالسرعة الشديدة، بل بالتحليق ~~عاليا؛ بالطمأنينة التي تشبه المعجزة وليست المحمومة. # وبالرغم من أن موري وميفيس والعائلة قد سقطوا جميعا من ذهنها، إلا أن السيدة ترافرس ظلت ~~باقية تحلق، وتوصل في همس، وبضحكة غريبة مخزية، رسالتها الأخيرة. ~~«تعرفين كيف تفعلين ذلك.» # بالطبع لم يتحدث نيل وجريس، وكما تتذكر، كان على المرء أن يصرخ لكي يسمعه الآخر. وما ~~تتذكره، في حقيقة الأمر، لا يختلف كثيرا عما كان في مخيلتها في ذلك الوقت عما عساه الجنس ~~أن يكون؛ المقابلة التي حدثت مصادفة، الإشارات الصامتة وإن كانت قوية، الرحلة الصامتة ~~تقريبا والتي كانت ترى نفسها فيها أسيرة على نحو أو آخر، الاستسلام الحالم الخيالي؛ فجسمها ~~الآن ما هو إلا تيار من الرغبة الجارفة التي تجتاحها. # توقفا أخيرا في كالادر، ودخلا إلى أحد الفنادق؛ الفندق القديم الذي لا يزال موجودا حتى ~~الآن. أمسك بيدها، وتخللت أصابعه أصابعها، وأبطأ من سرعة خطاه حتى تتماشى مع خطواتها ~~الوئيدة. قادها نيل إلى البار، ولقد أدركت أنه كذلك، بالرغم من أنها لم تطأ واحدا من قبل ~~(لم يكن فندق بيليز فولز لديه تصريح بذلك؛ فقد كان الأفراد يحتسون الخمر في غرفهم، أو في ~~أحد الملاهي الليلية المتداعية على الطريق). كان كما توقعته تماما؛ غرفة كبيرة مظلمة تكاد ~~تكون خالية من الهواء؛ حيث المقاعد والموائد تصطف في الخلف بلا اعتناء بعد عملية تنظيف ~~سريعة، ولم تستطع رائحة منظف الليسول القوية أن تغطي على رائحة الجعة، والويسكي، ~~والسيجار، والغليون، والرجال أيضا. # لم يكن ثمة أحد هناك، ربما لا يفتح أبوابه حتى فترة ما بعد الظهيرة. ولكن ألا يحتمل ~~أن يكون الوقت الآن بعد الظهيرة؟ بدا تقديرها للوقت ms169 خاطئا . # ظهر رجل الآن من غرفة أخرى، وتحدث مع نيل. قال: «مرحبا دكتور.» ثم وقف خلف ~~البار. # اعتقدت جريس أن الأمر سيسير هكذا؛ فكل مكان سيذهبان إليه سيجدان به شخصا يعرفه نيل ~~بالفعل. # قال الرجل بصوت عال تشوبه بعض الحدة، بل يكاد يصل إلى حد الصراخ، كما لو أنه أراد أن ~~يسمعه من بالمرأب: «تعلم أنه يوم الأحد، لا أستطيع أن أبيع لك شيئا هنا اليوم، ولا أستطيع ~~أن أبيع لها شيئا على الإطلاق. إنها لا ينبغي حتى أن تكون هنا. أتفهم ذلك؟» # قال نيل: «نعم سيدي، حقا سيدي، أتفق معك بشدة.» # وأثناء حديث الرجلين، قام الرجل الواقف خلف البار بجذب زجاجة من الويسكي من فوق رف خفي، ~~ثم صب بعضا منها في كأس وأعطاه لنيل عبر النضد. # قال لجريس: «هل تشعرين بالعطش؟» وكان قد فتح بالفعل زجاجة من المياه الغازية وأعطاها ~~إياها دون أن يصبها في كأس. # قام نيل بوضع ورقة نقدية على النضد؛ بيد أن الرجل أزاحها بعيدا. # قال لنيل: «لقد أخبرتك بأني لا أستطيع البيع.» # قال نيل: «وماذا عن المياه الغازية؟» ~~«لا أستطيع البيع.» # قام الرجل بإزاحة الزجاجة بعيدا، وتجرع نيل ما تبقى في الكأس سريعا، وقال: «إنك رجل ~~طيب، إنها روح القانون.» ~~«خذ معك علبة المياه الغازية، كلما غادرت سريعا ازدادت سعادتي.» # قال نيل: «بالطبع؛ إنها فتاة لطيفة، إنها زوجة أخي؛ زوجة أخي المستقبلية، كما ~~فهمت.» ~~«هل هذه هي الحقيقة؟» # لم يعودا إلى الطريق السريع رقم 7؛ إذ سلكا بدلا منه الطريق المتجه شمالا، والذي لم يكن ~~ممهدا، ولكنه كان واسعا كفاية ومتدرجا على نحو مقبول. بدا أن للشراب تأثيرا معاكسا لما ~~يفترض أن تحدثه المشروبات على قيادة نيل؛ فقد أبطأ للحد الذي يتناسب مع هذا الطريق، بل ~~إنه كان حذرا أيضا. # قال: «أتمانعين؟» # قالت جريس: «أمانع في ماذا؟» ~~«الذهاب إلى أي مكان قديم.» ~~«لا.» ~~«أحتاج إلى صحبتك. كيف حال قدمك؟» ~~«إنها بخير.» ~~«لا بد أنها تؤلمك نوعا ما.» ~~«ليس كثيرا. كل شيء على ما يرام.» # أمسك ms170 يدها التي لم تكن تحمل علبة الكولا، وألصق راحة يدها على فمه ثم تركها تسقط. ~~«هل تعتقدين أنني اختطفتك لأغراض شريرة؟» # كذبت عليه جريس حين قالت: «كلا» وهي تفكر كيف بدت هذه الكلمة «شريرة» مثل كلام ~~أمه. # قال، كما لو أنها أجابته بنعم: «ربما تكونين على صواب في أي وقت آخر، ولكن ليس اليوم. لا ~~أعتقد هذا. أنت اليوم في مأمن تماما مثل الكنيسة.» # وكان للتغير في نبرة صوته، التي غلبت عليها الحميمية والصراحة والهدوء، وتذكرها لحركة ~~شفتيه على يدها، أثر على جريس، حتى إنها صارت تسمع كلماته ولكنها لم تفهم معناها. كان ~~بوسعها أن تستشعر مائة لمسة، بل مئات اللمسات من شفتيه، رقصة من التضرع، على جسدها بالكامل، ~~ولكنها استطاعت أن تقول: «الكنائس ليست آمنة دوما.» ~~«هذا صحيح. معك حق.» ~~«وأنا لست زوجة شقيقك.» ~~«المستقبلية. ألم أقل المستقبلية؟» ~~«أنا لست هذه أيضا.» ~~«آه، حسنا. أعتقد أنني لست مندهشا. لا. لست مندهشا.» # ثم تغيرت نبرة صوته ثانية لتصبح عملية. ~~«أبحث عن طريق فرعي هنا، ناحية اليمين. هناك طريق علي التعرف عليه. هل تعرفين هذه ~~البلدة على الإطلاق؟» ~~«لا، ليس هذا المكان.» ~~«ألا تعرفين فلاور ستيشن؟ أومباه، بولاند؟ سنو رود؟» # لم يسبق لها أن سمعت بهذه الأماكن. ~~«هناك شخص أود رؤيته.» # انعطف لليمين وهو يتمتم في تشكك. لم تكن هناك أي لافتات. هذا الطريق كان أضيق وأكثر ~~وعورة، ويضم جسرا من حارة واحدة ذا أرضية من الألواح الخشبية، وظللتهما أغصان أشجار ~~الغابة ذات الخشب الصلب التي تشابكت فوقهما. وقد تأخر اصفرار الأوراق في هذا العام بسبب ~~المناخ الدافئ الغريب؛ لذا احتفظت هذه الفروع بلونها الأخضر، فيما عدا الشاذة منها، والتي ~~برزت كالرايات. عم المكان شعور بالقدسية. ظل نيل وجريس صامتين لعدة أميال، وكانت الأفرع ~~لا تزال تغطيهما وتبدو الغابة بلا نهاية، ولكن نيل قطع هذه السكينة. # قال: «هل تستطيعين القيادة؟» وعندما أجابت جريس بالنفي، قال: «أعتقد أنه لا بد لك أن ~~تتعلمي القيادة.» # وكان يعني الآن. أوقف السيارة وخرج منها واستدار ms171 إلى الجانب الذي كانت تجلس فيه، وكان ~~عليها الجلوس وراء المقود. ~~«ليس هناك مكان للتعلم أفضل من هذا.» ~~«ماذا لو اعترض طريقي شيء ما؟» ~~«لن يعترض طريقك شيء، وسوف نتولى الأمر إن حدث هذا. وهذا هو السبب الذي جعلني أختار ~~طريقا مستقيما. ولا تخافي، سوف تفعلين كل شيء بقدمك اليمنى.» # كانا في بداية نفق طويل تظلله الأشجار، بينما فرشت أشعة الشمس خيوطها على الأرض. لم يعبأ ~~بشرح أي شيء حول كيفية قيادة السيارات، بل أراها ببساطة أين تضع قدمها، وجعلها تتمرس على ~~تغيير السرعات، ثم قال: «الآن انطلقي وافعلي ما أمليه عليك.» # أفزعتها القفزة الأولى للسيارة. أمسكت بناقل الحركة وظنت أنه سينهي الدرس على الفور، ~~ولكنه ضحك. قال «تمهلي، تمهلي، استمري في القيادة.» وكان هذا هو ما فعلته. لم يعلق على ~~توجيهها للسيارة أو كيف أنساها توجيه المقود الضغط على دواسة البنزين، فكل ما قاله: «استمري ~~في القيادة للأمام، هيا، ابقي على الطريق، لا تدعي المحرك ينطفئ.» # قالت: «متى أستطيع التوقف؟» ~~«ليس قبل أن أخبرك.» # جعلها تواصل القيادة حتى خرجا من النفق، ثم أرشدها عن كيفية استخدام المكبح، وبمجرد أن ~~توقفت فتحت الباب حتى يمكنهما تبادل الأماكن، ولكنه قال: «لا، إن تلك هي مجرد استراحة ~~قصيرة. سرعان ما سيروق لك الأمر.» وعندما بدأت القيادة مجددا وجدت أنه ربما يكون محقا، ~~وكادت هذه الدفقة اللحظية من الثقة بالنفس أن تسقطهما في قناة؛ ومع ذلك، فقد ضحك عندما اضطر ~~أن يمسك بعجلة القيادة واستمر الدرس. # لم يدعها تتوقف حتى قطعا ما يقرب من عدة أميال، بل ~~وانعطفا - ببطء - مرات عديدة، ثم قال لها إنه من ~~الأفضل أن يتبادلا الأماكن؛ لأنه لا يملك الحس بالاتجاهات إلا عندما يقود. # سألها عن شعورها الآن، وبالرغم من أنها كانت ترتعد، إلا أنها قالت: «لا بأس.» # دلك ذراعها من الكتف إلى المرفق وقال: «يا لك من كاذبة!» ولكنه لم يمسسها أكثر من هذا، ~~ولم يجعل أي جزء من جسدها يستشعر شفتيه ثانية. # ولا بد أنه استعاد حس ms172 الاتجاهات بعدما قطعا عدة أميال عند بلوغهما تقاطع طرق؛ حيث إنه ~~انعطف يسارا وتضاءلت الأشجار وصعدا طريقا وعرا على تل طويل، وبعد بضعة أميال وصلا إلى ~~قرية، أو على الأقل مجموعة من المباني على جانب الطريق. كانت هناك كنيسة ومتجر، وكلاهما لم ~~يفتحا أبوابهما ليخدما الغرض الذي أسسا من أجله؛ حيث كان يوجد على الأرجح من يعيش فيهما، ~~وقد استدلت على ذلك من خلال السيارات الواقفة حولهما والستائر الرثة المعلقة على النوافذ. ~~ثمة بضعة منازل في نفس الحالة وخلف واحد منها حظيرة متداعية، مع بروز قش قديم داكن بين ~~عوارضها المتصدعة مثل الأحشاء المنتفخة. # بدت على نيل أمارات السعادة عندما رأى هذا المكان، ولكنه لم يتوقف عنده. # قال: «كم هدأ بالي الآن ... كم هدأ بالي الآن. الآن أعرف. شكرا لك.» ~~«أنا؟» ~~«لأنك سمحت لي بتعليمك القيادة. لقد أراحني هذا.» # قالت جريس: «أراحك؟ حقا؟» ~~«نعم. حقيقي تماما.» كان نيل يبتسم ولكنه لم ينظر إليها، كان منشغلا في النظر من جانب ~~لآخر عبر الحقول التي امتدت بطول الطريق بعد أن تجاوز القرية. كان يبدو وكأنه يتحدث إلى ~~نفسه. ~~«هذه هي. لا بد أن تكون كذلك. الآن نعرف.» # واستمر على هذا الحال حتى انعطف في حارة لم تمتد على نحو مستقيم، وإنما ملتو عبر حقل، ~~متجنبا الصخور ورقع الأرض المزروعة بنبات العرعر. وفي نهاية الحارة كان ثمة منزل لا يبدو ~~بحال أفضل من حال المنازل في القرية. # قال: «الآن، لن أصطحبك إلى داخل هذا المكان، لن أتأخر أكثر من خمس دقائق.» ~~••• # ولكنه تأخر أكثر من هذا. # جلست في السيارة، التي كانت تربض في ظل المنزل. كان باب المنزل مفتوحا، ولكن الباب ~~الشبكي كان مغلقا. كان السلك ينطوي على رقع تم إصلاحها؛ سلك جديد مشبوك بالقديم. لم يأت ~~أحد لإلقاء نظرة عليها، ولا أي مخلوق. والآن بعد أن توقفت السيارة، امتلأ النهار بهدوء غير ~~طبيعي. كان غير طبيعي لأنك قد تتوقع أن عصرا حارا كهذا سيكون مليئا بأزيز حشرات العشب ~~وطنينها وصريرها وسط شجيرات ms173 العرعر . حتى وإن لم تستطع رؤيتها في أي مكان، فينبغي أن يعلو ~~ضجيجها من كل شيء ينمو على الأرض، وتمتد بامتداد الأفق، ولكنه كان وقتا متأخرا من العام، ~~متأخرا للغاية بحيث لا يمكنك حتى سماع صيحات الأوز وهو يحلق صوب الجنوب. بأي حال من ~~الأحوال، هي لم تسمع شيئا. # بدوا وكأنهما على قمة العالم هنا، أو فوق واحدة من أعلى بقع العالم؛ فكان الحقل يمتد ~~أسفلهما من جميع الجوانب، والأشجار من حولهما لم تر منها سوى أجزاء صغيرة فقط؛ لأنها نمت ~~على أرض أكثر انخفاضا. # من الذي يعرفه هنا؟ من يعيش في هذا المنزل؟ سيدة؟ لم يبد ممكنا أن نوعه المفضل من ~~النساء يمكن أن يكون في مكان كهذا، ولكن لم يكن هناك حد للأمور الغريبة التي يمكن أن ~~تتعرض لها جريس في هذا اليوم. ليس لها حد. # ذات يوم كان هذا منزلا من الطوب، ولكن أحدهم قد شرع في هدم جدران الطوب، فبدت الجدران ~~الخشبية البسيطة عارية من تحتها، وقد تم تكديس الطوب الذي كان يغطيها في الفناء، ربما ~~انتظارا لبيعه. والطوب الذي ترك على هذا الجدار من المنزل شكل خطا مائلا، وكأنه ~~درجات سلم، ولأنه لم يكن هناك شيء تفعله جريس، فقد اتكأت للخلف دافعة مقعدها للوراء كي ~~تعدها. كانت تفعل هذا بغباء وجدية في نفس الوقت، بالطريقة التي تنتزع بها بتلات الزهرة، ~~ولكنها لم تكن تقول شيئا صارخا مثل: يحبني، لا يحبني. ~~«محظوظة. غير محظوظة. محظوظة. غير محظوظة.» هذا هو كل ما واتتها الجرأة لتقوله. # وجدت أنه يصعب عليها تتبع الطوب؛ لأنه جاء على نحو متعرج، وخاصة أن الخط أصبح مستويا ~~فوق الباب. # كانت تعرف. ماذا عساه يمكن أن يكون هذا غير منزل أحد مهربي الخمور؟ فكرت في شكل هذا ~~المهرب في المنزل؛ رجل عجوز نحيف متعب، نكد المزاج ومتشكك، يجلس على العتبة الأمامية لمنزله ~~بينما يمسك ببندقية في ليلة الهالوين، وقد حفر أرقاما على أعواد الخشب التي يشعل بها ~~المدفأة ورصها بجوار منزله حتى يعرف إذا ms174 ما سرق أي منها. تخيلت هذا الرجل وهو نائم ~~مستدفئ في حجرته القذرة وإن كانت مرتبة (عرفت أنها ستكون على هذا النحو من خلال الرقع التي ~~تم إصلاحها على الباب الشبكي)، وتخيلته وهو ينهض من فوق سريره الصغير أو أريكته التي ~~تصدر صريرا، والتي يغطيها لحاف مليء بالبقع صنعته له قبل وقت طويل إحدى قريباته أو سيدة ~~ليست على قيد الحياة الآن. # وليس الأمر أنه سبق لها دخول منزل أحد مهربي الخمور، ولكن الفوارق - في بلدتها - بين طرق ~~الحياة المحترمة التي غلب عليها الفقر وغير المحترمة كانت دقيقة. كانت تعرف مثل هذه ~~الأمور. # كم كان أمرا غريبا حقا أنها فكرت في الزواج من موري. كانت هذه ستكون بمثابة خيانة؛ ~~خيانة لنفسها، ولكن استقلالها السيارة مع نيل ليس خيانة؛ لأنه يعرف أنها فعلت أمورا من هذا ~~القبيل قبل ذلك، وهي عرفت الكثير والكثير عنه. # والآن، بدا لها أنها تستطيع رؤية عمها في المدخل، منحنيا ومتحيرا، وقد أخذ ينظر لها ~~وكأنها غائبة منذ سنوات وسنوات، كما لو أنها وعدت بالعودة إلى المنزل ونسيت هذا الأمر، ~~وطوال ذلك الوقت كان من المفترض أن يموت، ولكنه لم يفعل. # صارعت كي تتحدث معه، ولكنه كان تائها. استيقظت لتجد أنها تتحرك. كانت في السيارة مع نيل، ~~على الطريق مجددا، كانت نائمة وفمها مفتوح؛ لذا شعرت بالعطش. استدار ناحيتها للحظات، ~~ولاحظت، بالرغم من الرياح التي كانت تلفحهما، أن ثمة رائحة ويسكي جديدة تفوح ~~منه. # كان ما توقعته صحيحا. # قال: «أستيقظت؟ لقد كنت مستغرقة في النوم عندما عدت. آسف ... اضطررت أن أتحدث معهم ~~لفترة. ألا ترغبين في دخول الحمام؟» # في الواقع، كانت هذه مشكلة تفكر فيها أثناء توقفهما عند المنزل. كانت قد رأت دورة مياه ~~خلف المنزل، ولكنها خجلت من الترجل من السيارة والتوجه نحوها. # قال: «يبدو هذا مكانا مناسبا.» وأوقف السيارة. ترجلت من السيارة وسارت بين زهور القضبان ~~الذهبية اليانعة والخلة الشيطانية ونبات زهرة النجمة، ثم جلست القرفصاء، بينما وقف هو بين ~~هذه الزهور على الجانب الآخر ms175 من الطريق، وهو يدير وجهه للناحية الأخرى. وعندما عادت إلى ~~السيارة رأت الزجاجة على الأرض بجوار قدميها، وقد بدا أن أكثر من ثلثها قد شرب. # رآها وهي تحدق بالزجاجة. # قال: «آه، لا تقلقي؛ لقد صببت بعضا منها هنا.» كان ممسكا بقارورة صغيرة، ثم استطرد: ~~«هكذا أسهل أثناء القيادة.» # كانت هناك زجاجة كوكاكولا على الأرض أيضا. طلب منها البحث في درج تخزين القفازات أمامها ~~عن فتاحة الزجاجات. # قالت متفاجئة: «إنها باردة.» ~~«بفعل الثلج. إنهم يقتطعون الجليد من البحيرات في الشتاء ويخزنونه في نشارة الخشب، وهم ~~يحتفظون به أسفل المنزل.» # قالت: «ظننت أنني رأيت عمي في مدخل هذا المنزل، ولكني كنت أحلم.» ~~«يمكنك أن تخبريني عن عمك. أخبريني عن مكان إقامتك، وظيفتك، أي شيء. أحب فقط أن أسمعك ~~تتحدثين.» # كانت هناك قوة جديدة في صوته، وتغير في وجهه، ولكنه لم يكن توهج الثمالة الجنوني؛ ~~فيبدو الأمر كما لو أنه كان مريضا ... ليس مريضا للغاية، ولكنه متوعك بعض الشيء بسبب هذا ~~الطقس ويريد الآن طمأنتها أنه أفضل. أعاد غطاء القارورة مكانه ووضعها جانبا وأمسك يدها. ~~أمسكها بخفة، وكأنه يصافح رفيقه. # قالت جريس: «إنه عجوز للغاية، إنه عم والدي في الواقع، إنه يصنع مقاعد الخيزران. لا ~~أستطيع شرح هذا لك، ولكن يمكنني أن أريك إن كان لدينا مقعد من الخيزران.» ~~«لا يوجد واحد هنا.» # ضحكت وقالت: «إنه أمر ممل في الواقع.» ~~«أخبريني عن اهتماماتك إذن. ما الذي يثير اهتمامك؟» # قالت: «أنت.» # سحب يده من فوق يدها: «وما الذي يثير اهتمامك في؟» # قالت جريس في حسم: «ما تفعله الآن، وسببه.» ~~«أتعنين شرب الخمر؟ لماذا أشرب؟» أزاح الغطاء ثانية: «لماذا لا تسألينني؟» ~~«لأنني أعرف ما الذي ستقوله.» ~~«ماذا؟ ما الذي سأقوله؟» ~~«ستقول: وما عساني أفعل غير ذلك؟ أو شيئا من هذا القبيل.» # قال: «هذا صحيح، هذا يشبه ما كنت سأقوله. حسنا، إذن ستحاولين أن تخبريني سبب ~~خطئي.» # قالت جريس: «لا، لن أفعل هذا.» # وعندما قالت ذلك، شعرت بالبرود. ظنت أنها جادة أكثر من اللازم، ولكنها رأت ms176 الآن أنها ~~كانت تحاول إبهاره بهذه الإجابات؛ لتثبت له أنها خبيرة بالناس والحياة مثله، وفي خضم هذا ~~توصلت لهذه الحقيقة المطلقة. هذا الافتقار للأمل ... الحقيقي والعقلاني والدائم. # قال نيل: «ألن تفعلي؟ لا، لن تفعلي. كم ارتحت. أنت باعثة على الراحة حقا يا ~~جريس.» # بعد برهة قال: «أتعلمين؟ أشعر بالنعاس. بمجرد أن أجد مكانا مناسبا، سوف أوقف السيارة ~~وأنام، لفترة وجيزة. أتمانعين في ذلك؟» ~~«لا أمانع. أظن أن عليك القيام بهذا.» ~~«سوف تحرسينني؟» ~~«نعم.» ~~«حسن.» # كانت البقعة التي وجدها تقع في قرية صغيرة تدعى فورتشن، كان هناك متنزه على أطرافها إلى ~~جوار نهر، ومكان مكسو بالحصى لإيقاف السيارات. دفع المقعد للوراء وغط في النوم على الفور. ~~حل الليل كما اعتاد أن يفعل في هذا الوقت، في وقت العشاء، مما يثبت أنه لم يكن يوما من ~~أيام الصيف بأي حال. بدا أنه كان هنا أناس في نزهة يحتفلون بعيد الشكر منذ فترة قصيرة؛ فلا ~~زال هناك دخان ينبعث من أخشاب أشعلت للتدفئة في الهواء الطلق، وانتشرت رائحة هامبورجر في ~~الهواء. لم تجعل الرائحة جريس تشعر بالجوع، بل جعلتها تتذكر شعورها بالجوع في ظروف ~~أخرى. # استغرق في النوم على الفور وخرجت هي من السيارة. كان بعض الغبار قد علق بها نتيجة ~~وقفاتهما العديدة ودرس القيادة الذي خاضته. غسلت ذراعيها ويديها ووجهها جيدا بقدر ~~استطاعتها في صنبور خارجي وجدته. بعد ذلك، سارت ببطء - بسبب قدمها المصابة - حتى حافة ~~النهر، ولاحظت كم هو ضحل، مع اختراق الأعشاب لسطحه. وكانت هناك لافتة تقول إنه يحظر ممارسة ~~الفحشاء أو القيام بأفعال تخدش الحياء أو استخدام الألفاظ النابية في هذا المكان، وأنه سوف ~~يتم معاقبة من يفعل هذا. # جربت الأرجوحات، التي كانت تواجه جهة الغرب. دفعت نفسها لأعلى، ونظرت للسماء الصافية؛ ~~كان لونها أخضر باهتا ممزوجا بلون ذهبي شاحب، وكان هناك حد وردي كبير في الأفق. أصبح ~~الجو باردا بالفعل. # ظنت أنهما سيتلامسان؛ شفتاهما، لساناهما، جسداهما، احتكاك العظام بعضها ببعض؛ التأجج، ~~الشغف، ولكن لم يكن هذا هو ما ms177 يخبئه لهما القدر على الإطلاق. كان هذا أشبه بلعب الأطفال ~~مقارنة بمدى معرفتها به، مدى اكتشافها لمكنوناته، الآن. # ما رأته كان نهائيا، كما لو كانت على حافة مياه داكنة مستوية امتدت على مد البصر؛ مياه ~~باردة مستوية، وبينما تنظر إلى هذه المياه الداكنة الباردة المستوية عرفت أنها كل ما كان ~~هناك. # ولم تكن مسألة معاقرته الخمر هي التي جعلتها تفكر على هذا النحو، ولم يكن الانتظار كذلك، ~~أيا كان هذا الانتظار، وطوال الوقت. شرب الخمر، أو الحاجة إلى الشرب؛ كان هذا مجرد نوع من ~~الإلهاء، شأنه شأن أي شيء آخر. # عادت إلى السيارة وحاولت إيقاظه. تقلب ولكنه لم يستيقظ؛ لذا سارت في الأرجاء مجددا كي ~~تبقى دافئة، ولكن على مهل كي لا تؤذي قدمها. أدركت الآن أنها ستعود لعملها مجددا؛ لخدمة ~~الزبائن وتقديم الإفطار، في الصباح. # حاولت ثانية، متحدثة معه بإلحاح، فأجابها بالعديد من الوعود والتمتمات، وغط في النوم ~~ثانية. وعندما حل الظلام كانت قد استسلمت. والآن بعد مداهمة برد الليل لها اتضحت لها ~~حقائق أخرى؛ أنهما لن يظلا هنا، وأنهما ما زالا في هذا العالم، وأن عليها العودة إلى بيليز ~~فولز. # وبصعوبة نقلته إلى المقعد المجاور لقائد السيارة. وإن لم يوقظه هذا، فيبدو أنه ما من شيء ~~آخر سيفعل. استغرق منها الأمر بعض الوقت لتعرف كيف تضيء المصابيح الأمامية، ثم بدأت تحرك ~~السيارة وهي تهتز وتسير ببطء نحو الطريق. # لم يكن لديها أدنى فكرة عن الاتجاهات، ولم يكن هناك أحد على الطريق لتسأله. ظلت فقط تقود ~~حتى الجانب الآخر من البلدة، وهناك، لحسن الحظ، وجدت لافتة تشير إلى الطريق المؤدي إلى ~~بيليز فولز، من بين أماكن أخرى. إنها على بعد تسعة أميال فقط. # قادت السيارة على الطريق السريع الذي انقسم إلى حارتين بسرعة لا تزيد عن ثلاثين ميلا في ~~الساعة. لم يكن هناك ازدحام مروري. مرة أو مرتان تجاوزتها سيارة وهي تطلق البوق، والسيارات ~~القليلة التي واجهتها كانت تطلق النفير أيضا. ربما كان هذا لأنها تقود ببطء شديد، وربما ms178 في ~~المرات الأخرى لأنها لم تكن تعرف كيفية تخفيف الضوء الساطع. لا بأس، ليس بوسعها التوقف، فلن ~~تستطيع أن تستجمع شجاعتها ثانية في منتصف الطريق. لم يكن بإمكانها شيء سوى مواصلة القيادة، ~~كما قال لها: «واصلي القيادة.» # في البداية لم تتعرف على بيليز فولز؛ لأنها وصلتها بهذه الطريقة غير المعتادة. وعندما ~~وصلت، أصبحت أكثر فزعا مما كانت خلال التسعة أميال السابقة. كان السبب الأول لذلك هو ~~القيادة في مكان لا تعرفه، وكان السبب الآخر هو أنه كان عليها التوقف أمام بوابات ~~الفندق. # كان مستيقظا عندما توقفت في ساحة الانتظار. لم يبد متفاجئا لأنه استيقظ في مكان آخر، ~~ولم يفاجأ حتى مما فعلته، بل أخبرها أن أصوات النفير أيقظته في الواقع قبل عدة أميال، ولكنه ~~تظاهر بأنه لا يزال نائما؛ لأنه رأى أن المهم ألا يفزعها، ولكنه لم يكن قلقا؛ فقد عرف أن ~~بوسعها القيام بهذا. # سألته إن كان متيقظا كفاية الآن ليقود. ~~«متيقظ للغاية، وألمع مثل الدولار.» # طلب منها خلع حذائها، واستشعرها وضغط عليها هنا وهناك قبل أن يقول: «جيد، ليس بها سخونة ~~وليست متورمة. هل تؤلمك ذراعك؟ إنه لن تؤلمك في الغالب.» اصطحبها حتى الباب وشكرها على ~~صحبتها. كانت لا تزال مندهشة لأنها عادت بأمان. لم تدرك تقريبا أنه حان وقت الوداع. # في الحقيقة، إنها لا تعرف حتى يومنا هذا إن كانا رددا كلمات الوداع أم لا، أم أنه فقط ~~لف ذراعيه حولها وعانقها بقوة وبضغط متغير ومستمر حتى إنه بدا وكأنه يحتاج أكثر من ~~ذراعين، وأنه احتواها، كان جسده قويا وخفيفا، يطلبها ويتخلى عنها في نفس الوقت، كما لو ~~أنه يخبرها أنها كانت مخطئة في تركه؛ فكل شيء محتمل، ولكن مرة أخرى كأنه يقول إنها لم تكن ~~مخطئة في ذلك الحين، لقد أراد أن يترك عليها أثرا ثم يرحل. ~~••• # وفي وقت مبكر من الصباح، طرق المدير على باب المهجع مناديا على جريس. # قال: «مكالمة هاتفية لك. لا تنهضي، إنهم فقط يريدون معرفة هل أنت هنا أم لا. قلت ms179 إنني ~~سآتي وأتأكد. حسنا الآن.» # قالت في نفسها لا بد أنه موري. واحد منهم، على أي حال، ولكنه على الأحرى موري. الآن عليها ~~مواجهة موري. # وعندما هبطت الدرجات لتقديم الإفطار - مرتدية نعليها المصنوعين من القماش - سمعت عن ~~الحادث. ارتطمت سيارة بدعامة جسر في منتصف الطريق المؤدي إلى ليتل سابوت ليك، وقد تحطمت على ~~الفور واحترقت. لم تتحطم سيارات أخرى في الحادث، ولم يصب ركاب آخرون، وسيتم التعرف على ~~هوية السائق من خلال أسنانه، أو ربما تم التعرف عليه بالفعل. # قال المدير: «يا لها من طريقة للموت! الأفضل أن ينحر المرء عنقه.» # قال الطاهي ذو الطبيعة المتفائلة: «يمكن أن يكون مجرد حادث، ربما غط في النوم.» ~~«نعم، بالطبع.» # آلمتها ذراعها الآن كما لو كانت قد تلقت لطمة قوية. لم تستطع الحفاظ على توازن يدها وهي ~~تحمل صينيتها، ولكنها اضطرت أن تحملها أمامها مستخدمة كلتا يديها. ~~••• # لم تضطر أن تواجه موري وجها لوجه؛ فقد كتب لها رسالة: # فقط أخبريني أنه أرغمك على فعل هذا. فقط أخبريني أنك لم ترغبي في الذهاب. # ردت على الرسالة بثلاث كلمات: «لقد أردت الذهاب.» وكانت ستضيف عبارة «أنا آسفة»، ولكنها ~~منعت نفسها من هذا. ~~••• # جاء السيد ترافرز إلى الفندق لرؤيتها. كان مهذبا وعمليا وحاسما ولطيفا وليس قاسيا. ~~رأته الآن في ظروف جعلته يبدو مستقلا وقويا؛ رجلا يستطيع تولي المسئولية، يمكنه ترتيب ~~الأمور. قال إنه كان حزينا للغاية، إنهم جميعهم تعساء، ولكن إدمان المسكرات هو شيء بشع ~~حقا. وعندما تتحسن حالة السيدة ترافرز سوف يأخذها في رحلة؛ ربما في إجازة إلى مكان ~~دافئ. # ثم قال إن عليه الذهاب؛ فلديه الكثير من الأمور ليفعلها. وعندما كان يصافحها مودعا ~~إياها وضع ظرفا في يدها. # قال: «كلانا يتمنى أن تستفيدي من هذا.» # كان شيكا بألف دولار. فكرت على الفور أن تعيده إليه أو تمزقه، وحتى وقتنا هذا ما زالت ~~تظن أحيانا أن ذلك كان سيمثل أمرا جللا، ولكنها بالطبع لم تستطع في النهاية القيام ~~بذلك؛ ففي تلك الأيام، كان هذا مبلغا ms180 كافيا يضمن لها أن تبدأ بداية جيدة في ~~الحياة. # | الخطايا # توجهوا بالسيارة إلى خارج البلدة نحو منتصف الليل؛ وجلس هاري ودلفين في المقعد الأمامي، ~~بينما استقرت آيلين ولورن في المقعد الخلفي. كانت السماء صافية وقد انزلقت الثلوج من فوق ~~الأشجار، لكنها لم تذب تحتها أو حتى فوق تلك الصخور التي امتدت على جانب الطريق. أوقف هاري ~~السيارة بجانب أحد الجسور. ~~«هنا مناسب.» # قالت آيلين: «قد يرى أحدهم أننا توقفنا هنا، وربما يتوقف ليتبين ما نحن مقدمون على ~~عمله هنا.» # شرع في القيادة مرة أخرى، وانعطفوا عند أول طريق ضيق غير ممهد قابلوه، حيث هبطوا من ~~السيارة جميعا وساروا بحذر بجانب الضفة، لمسافة قصيرة، بين أشجار الأرز الداكنة المتشابكة. ~~صدرت بعض الأصوات الخفيفة من تحتهم نتيجة تفتت الثلوج، بالرغم من أن الأرض كانت لزجة ~~وموحلة. كانت لورن لا تزال ترتدي منامتها أسفل معطفها، ولكن آيلين جعلتها ترتدي حذاءها ~~الطويل ذا الرقبة. # قالت آيلين: «أهنا مناسب؟» # قال هاري: «لكنه لا يبعد كثيرا عن الطريق.» ~~«إنه يبعد بمسافة كافية.» ~~••• # كان هذا هو العام الذي أعقب ترك هاري ~~لعمله في إحدى مجلات الأخبار بسبب إنهاكه الشديد، وكان قد اشترى الصحيفة الأسبوعية في تلك ~~البلدة الصغيرة التي يتذكرها منذ أيام طفولته؛ فقد كانت عائلته لديها منزل صيفي يطل على ~~واحدة من تلك البحيرات الصغيرة الموجودة هنا، وتذكر أول كوب من الجعة احتساه في ذلك ~~الفندق المطل على الطريق الرئيسي، وقد ذهب بصحبة آيلين ولورن لتناول العشاء في أول ليلة أحد ~~يمضونها بالبلدة. # ولكن الحانة كانت مغلقة، واضطر هاري وآيلين لشرب المياه. # قالت آيلين: «كيف ذلك؟» # وقد رفع هاري حاجبيه وهو ينظر نحو مالك الفندق، والذي كان هو النادل أيضا في نفس ~~الوقت. # قال: «أتغلق يوم الأحد؟» ~~«ليس لدينا تصريح.» تحدث المالك بلكنة ثقيلة، بدت أنها تحمل بعضا من الازدراء. كان ~~يرتدي قميصا، وربطة عنق، وسترة من الصوف، وسروالا، بدت جميعها متشابهة؛ جل ما كان ~~يرتديه ذو ملمس ناعم، به بعض الكرمشة، والتجعيدات كبشرة الجلد الخارجية ms181 الجافة ، يميل لونها ~~إلى الشحوب كما لا بد وأن تكون بشرته الحقيقية أسفل ملابسه. # قال هاري: «لقد تغير الأمر واختلف عن الماضي.» وعندما لم يجبه الرجل استمر في حديثه ~~وطلب وجبة اللحم البقري المشوي مع كل مشتملاتها. # قالت آيلين: «يا له من شخص ودود!» ~~«إنه الطابع الأوروبي، إنها ثقافتهم؛ فهم لا يشعرون بأن عليهم أن يبتسموا طوال الوقت.» ثم ~~أشار إلى بضعة أشياء في غرفة الطعام، والتي لها نفس الطابع؛ فها هو السقف المرتفع، والمروحة ~~التي تدور ببطء، وتلك اللوحة الزيتية القاتمة التي تحتوي على منظر لأحد كلاب الصيد وفي فمه ~~طائر يكسوه الريش بلون أحمر يميل إلى الاصفرار. # دخل بعض المرتادين حيث كانت هناك حفلة عشاء عائلية؛ فتيات صغيرات بأحذيتهن البراقة ~~وملابسهن المزخرفة المنفوشة، وطفل صغير، وصبي يافع يرتدي حلته، وقد غلبه الإحراج الشديد، ~~العديد من الآباء والأجداد؛ فهناك رجل كبير في السن ونحيف يبدو شارد الذهن، وامرأة عجوز ~~تتحرك ببطء فوق مقعدها المتحرك وترتدي طوقا من الزهور على معصمها. وكانت أي امرأة في الحفل ~~بردائها المنمق تماثل وحدها أربع نسوة بحجم آيلين. # همس هاري: «إنه احتفال بعيد زواج.» # وفي طريقه للخروج توقف ليقدم نفسه وعائلته، وليخبرهم بأنه زميلهم الجديد بالجريدة، وليقدم ~~أيضا تهانيه بعيد الزواج، وتمنى ألا يمانعوا في أن يقوم بتدوين أسمائهم. كان هاري رجلا ذا ~~وجه عريض، وهيئة صبيانية بعض الشيء، وبشرة خمرية وشعر لامع بلون بني فاتح. وقد غمر شعوره ~~بالسعادة وعظيم التقدير جل المائدة - بالرغم من أنه لم يمتد ليطول ذلك الصبي المراهق أو ~~الزوجين المتقدمين في العمر. وقد سأل عن المدة التي قضياها في زواجهما، فأخبروه بأنها خمسة ~~وستون عاما. # صاح هاري وقد أصابته الفكرة بالدوار: «خمسة وستون عاما؟» تساءل إن كان بإمكانه تقبيل ~~العروس، وقد فعل، ولامست شفتاه طرف أذنها الطويلة عندما أدارت رأسها جانبا. # قال لآيلين: «والآن عليك بتقبيل العريس.» فابتسمت ابتسامة خافتة وطبعت قبلة سريعة أعلى ~~رأسه. # سأل هاري عن وصفة الزواج السعيد. # قالت واحدة من النساء اللاتي اتسمن بالضخامة: ms182 «إن أمي لا تستطيع الكلام، لكن دعوني أسأل ~~أبي.» ثم راحت تصيح في أذن والدها: «ما الذي تنصح به من أجل زواج سعيد؟» # قطب حاجبيه بطريقة شقية وقال: ~~«بكل بساطة ضع عنقها تحت قدمك طوال الوقت.» # ضحك الكبار، وقال هاري: «حسنا، سأذكر في الجريدة أنك دائما ما تحرص على أن تنال موافقة ~~زوجتك في كل شيء.» # وبالخارج قالت آيلين: «كيف لهم أن يكونوا على هذا القدر من السمنة؟ لا أفهم. ربما عليك أن ~~تأكل آناء الليل والنهار لتصل إلى هذا الحجم.» # قال هاري: «شيء غريب.» # قالت: «كان هناك بعض من الفاصوليا الخضراء المعلبة. في أغسطس. أليس هذا هو الوقت الذي ~~تنضج فيه الفاصوليا الخضراء؟ وهنا وسط الريف حيث يفترض أنهم يزرعون المحاصيل؟» # قال هاري بسعادة: «إنه لشيء أعجب من العجب.» ~~••• # سرعان ما طرأت بعض التغييرات على الفندق؛ فتم تركيب سقف معلق في غرفة الطعام السابقة؛ ~~عبارة عن مربعات من الورق المقوى مثبتة بشرائط من المعدن، واستبدلت الموائد المستديرة ~~الضخمة بأخرى مربعة صغيرة الحجم، وكذلك تم تغيير الكراسي الخشبية الثقيلة ليحل محلها كراسي ~~معدنية أخف وزنا ذات مقاعد بلاستيكية من اللون البني المائل للحمرة. وبسبب وجود الأسقف ~~المنخفضة، كان لا بد من تقليل حجم النوافذ، فأصبحت على شكل مستطيلات عريضة، وعلقت على ~~إحداها لافتة من النيون كتب عليها «مقهى مرحبا». # ولم يكن المالك - الذي يدعى السيد باليجيان - يبتسم على الإطلاق أو يتفوه بكلمة تزيد عما ~~يمكنه لأي شخص بالرغم من وجود اللافتة التي ترحب بالزائرين. # وعلى إثر التغييرات، امتلأ المقهى بالزبائن في فترة الظهيرة، أو الساعات المتأخرة في فترة ~~ما بعد الظهيرة. وكانت الزبائن من طلاب المدرسة الثانوية، وأكثرهم من طلاب السنة التاسعة ~~حتى الحادية عشرة. كذا كان يتردد عليها بعض من طلاب المرحلة المتوسطة. أما جاذبية المكان ~~الشديدة فكانت تكمن في أنه بمقدور أي شخص أن يدخن، لكن لا يمكنك شراء السجائر إن كنت تبدو ~~أقل من ستة عشر عاما. كان السيد باليجيان حازما بشأن ذلك؛ فكان يقول بصوته العميق ms183 الكئيب : ~~«لا، لا يمكنك ذلك.» # وفي ذلك الوقت قام بتعيين امرأة للعمل معه، وإن تصادف وحاول أي شخص صغير السن أن يبتاع ~~منها السجائر كانت تنفجر في الضحك وتقول: ~~«مع من تمزح يا ذا الوجه الطفولي.» # ولكن بالرغم من ذلك كان باستطاعة أي طالب في السادسة عشرة من عمره أو أكثر جمع النقود من ~~أولئك الطلاب الأصغر سنا ليبتاع دستة من علب السجائر. # قال هاري: «تنفيذا لنصوص القانون فقط.» # توقف هاري عن تناول طعام الغداء هناك؛ حيث كان هناك صخب شديد بالمكان، لكنه كان لا يزال ~~يذهب إليه ليتناول طعام الإفطار. تمنى لو أن السيد باليجيان أصبح أكثر ودا ليروي قصة ~~حياته. احتفظ هاري بملف مليء بالأفكار التي تصلح للعديد من الكتب، وكان دائما ما يتطلع ~~لمعرفة قصص حياة الآخرين؛ فكان يقول إن شخصا مثل السيد باليجيان - أو حتى تلك النادلة ~~السمينة الفظة الحديث - يمكن أن يخفيا مأساة معاصرة، أو حتى مغامرة، تصنع كتابا من أكثر ~~الكتب مبيعا. # كان هاري قد أخبر لورن بأنه من الأشياء الهامة في الحياة أن يعيش المرء في العالم باهتمام ~~وشغف؛ بمعنى أن تفتح عينيك وترى كل الإمكانيات، والجوانب الإنسانية، في كل شخص تقابله؛ أن ~~تكون على دراية بما حولك. إن كان لديه أي شيء ليعلمه إياها فقد كان هو ذاك: «أن تكون على ~~دراية بما حولك.» ~~••• # كانت لورن تعد طعام إفطارها بنفسها، ويتكون عادة من الحبوب الممزوجة بشراب القيقب ~~المحلى بدلا من اللبن، أما آيلين فتعد قهوتها وتعود إلى فراشها وتحتسيها على مهل، ~~وكانت دوما لا ترغب في الحديث في ذلك التوقيت؛ إذ كان عليها أن تعد نفسها لتبدأ عمل ~~ذلك اليوم في مكتب الجريدة. وعندما كانت تستعيد نشاطها على نحو كاف - وذلك أحيانا بعد أن ~~تغادر آيلين إلى المدرسة - كانت تنهض من الفراش، وتأخذ حماما وترتدي واحدا من أطقم ~~ملابسها المثيرة غير الرسمية. وحيث إن فصل الخريف أوشك على الانتهاء كانت عادة ما ترتدي ~~سترة ثقيلة، وتنورة قصيرة من الجلد، وجوارب ضيقة ذات ms184 ألوان زاهية. ومثلها كمثل السيد ~~باليجيان؛ فقد استطاعت آيلين أن تبدو مختلفة عن أي فرد في البلدة، لكنها على العكس منه كانت ~~جميلة بشعرها الأسود القصير، وأقراطها الذهبية الرفيعة التي تتخذ شكل علامة التعجب، وجفونها ~~المظللة باللون الأرجواني الخفيف. كان أسلوبها في مكتب الجريدة يتسم بالحزم، وكانت ~~تعبيراتها جامدة وخالية من الود بعض الشيء، لكن ابتساماتها المشرقة المدروسة كانت تنجح في ~~كسر ذلك في بعض الأحيان. # كانوا قد استأجروا أحد المنازل التي تقع عند أطراف البلدة، وكانت تقع خلف فناء المنزل ~~مباشرة أراض برية شديدة الجاذبية من التلال الصخرية، ومنحدرات الجرانيت، ومستنقعات شجر ~~الأرز، والبحيرات الصغيرة، وغابة مليئة بمختلف الأشجار؛ فهناك شجر الحور، والقيقب الناعم، ~~والأرزية الكندية، وشجر التنوب. لقد أحب هاري المكان، وقال إنه ليس ببعيد أن يستيقظوا ذات ~~يوم ليروا أيلا في الفناء الخلفي. عادت لورن إلى المنزل بعد انتهاء اليوم الدراسي بعد أن ~~انكسرت الشمس وتلاشى دفء ذلك اليوم من أيام الخريف الذي لا بأس به. كان المنزل باردا، ~~وتنبعث منه رائحة طعام عشاء الليلة الماضية، ومسحوق القهوة التي فسدت، والقمامة التي كان ~~عليها أن تلقيها بالخارج. كان هاري قد صنع كومة من السماد؛ فقد كان يعتزم أن يزرع حديقة من ~~الخضراوات في العام القادم. حملت لورن الدلو المليء بالقشور، وبقايا التفاح، ومسحوق القهوة ~~وفضلات الطعام إلى أطراف الغابة، حيث من الممكن أن يظهر أحد الدببة أو واحد من حيوانات ~~الأيل لتناولها. تحولت أوراق شجر الحور إلى اللون الأصفر، وكانت أشجار الأرزية الكندية تحمل ~~بعض النتوءات البرتقالية ذات الزغب بجانب الأشجار دائمة الخضرة. قامت بإلقاء القمامة ثم ~~هالت عليها بعضا من الطين والحشائش تماما كما علمها هاري. # اختلفت حياتها على نحو كبير الآن مقارنة بما كانت عليه منذ أسابيع قليلة فقط؛ وذلك عندما ~~كانت هي وهاري وآيلين يستقلون السيارة متجهين نحو واحدة من البحيرات الصغيرة من أجل السباحة ~~في أحد الأيام الحارة في فترة ما بعد الظهيرة. وفي المساء تذهب هي وهاري في جولات مغامرة ~~حول البلدة، ms185 بينما كانت آيلين تقوم بصنفرة جدران المنزل وطلائها ولصق أوراق الحائط زاعمة ~~أنه بمقدورها أن تقوم بذلك بنفسها بصورة أسرع وأفضل. وكان كل ما تطلب من هاري أن يفعله هو ~~أن يقوم بإزاحة صناديق أوراقه، وخزانة ملفاته ومكتبه بعيدا عن طريقها، ووضعها في حجرة ~~صغيرة متواضعة في قبو المنزل، وقد عاونته لورن في ذلك. # كان أحد صناديق الكرتون الذي حملته خفيفا بطريقة غريبة، وبدا أنه يحوي شيئا ناعما، لا ~~يشبه الورق، بل أشبه بالقماش أو خيوط الغزل. وبمجرد أن قالت: «ما هذا؟» ورآها هاري وهي ~~تحمله قال: «انتظري.» ثم أردف: «يا إلهي!» # وانتزع الصندوق من يدها ووضعه على الفور في أحد أدراج خزانة الملفات، ثم أغلقها بعنف وهو ~~يقول ثانية: «يا إلهي!» # كان نادرا ما يتحدث إليها بهذا الأسلوب الفظ الغاضب، ثم راح ينظر حوله كما لو أن هناك ~~أحدا يراقبهما، ثم خبط بيده على بنطاله. # قال: «إنني جد آسف، لم أتوقع أن تلتقطي هذا الصندوق.» اتكأ بمرفقه على خزانة الملفات ثم ~~أحنى رأسه ووضع جبهته بين كفيه. # قال: «الآن، الآن يا لورن. بإمكاني أن أخترع أي كذبة أقولها لك، لكني سأخبرك بالحقيقة؛ ~~لأنني أعتقد أنه ينبغي أن يعرف الأطفال الحقيقة، أو على الأقل ينبغي أن يعرفها من هم في مثل ~~عمرك، لكن في تلك الحالة سيكون هذا بمثابة سر، اتفقنا؟» # قالت لورن: «اتفقنا.» ولكن كان هناك شيء في قرارة نفسها جعلها تتمنى ألا يفعل ذلك. # قال هاري: «هذا الصندوق به رماد.» وخفت صوته على نحو غريب وهو يلفظ كلمة رماد، ثم أردف ~~قائلا: «إنه ليس رمادا عاديا، بل رماد ناتج عن إحراق جثة رضيع. هذا الرضيع توفي قبل ~~مولدك. حسنا، اجلسي.» # جلست فوق كومة من المفكرات ذات الغلاف المقوى، والتي تحتوي على كتابات هاري. رفع رأسه ثم ~~نظر إليها. ~~«ما أخبرتك به أمر مؤلم بالنسبة لآيلين؛ لهذا ينبغي أن يظل سرا؛ ولذا لم نخبرك به قط؛ ~~فآيلين لا تحتمل أن يذكرها به أحد ثانية. والآن، أفهمت ذلك؟» # قالت ما ms186 ينبغي لها قوله في هذا الموقف: «نعم.» ~~«حسنا، والآن ما حدث هو أننا رزقنا بذلك الطفل قبل أن نرزق بك، وكانت بنتا، وعندما ~~كانت الرضيعة لا تزال ضعيفة وضئيلة الحجم، حملت آيلين للمرة الثانية. كان ذلك صدمة كبيرة ~~لها؛ لأنها قد أيقنت لتوها كم المجهود الشاق الذي تتطلبه العناية بطفل حديث الولادة، وها ~~هي لا تحصل على أي قسط من النوم وتتقيأ بسبب شعورها بالغثيان في الصباح، بل في الواقع لم ~~يكن في الصباح فقط، بل في فترة الظهيرة والمساء، ولم تكن تدري كيف تواجه الأمر؛ فقد أصبحت ~~حاملا بالفعل. وذات ليلة فقدت السيطرة على مشاعرها، وواتتها فكرة الخروج. استقلت السيارة ~~وبصحبتها الرضيعة في مهدها، وكان الظلام قد حل، والأمطار تهطل، وكانت تقود السيارة بسرعة ~~شديدة ولم تلحظ أحد منعطفات الطريق، فاصطدمت سيارتها. هذا ما حدث. لم تكن الرضيعة مثبتة ~~على نحو جيد في مهدها، فوقعت منه وارتطمت بشدة. وأصيبت آيلين بكسر في ضلوعها وبارتجاج في ~~المخ، وبدا الأمر حينها وكأننا سنفقد الطفلين.» # أخذ نفسا عميقا ثم قال: ~~«أعني أننا فقدنا واحدا بالفعل؛ فعندما سقطت الرضيعة من مهدها ارتطمت بشدة وماتت بالطبع، ~~لكننا لم نفقد ذلك الآخر الذي كانت تحمله آيلين في أحشائها؛ لأنه كان أنت. أفهمت الآن؟ ~~أنت.» # أومأت برأسها ببطء. ~~«لذا؛ فالسبب الذي لم يجعلنا نخبرك بذلك - بجانب حالة آيلين الانفعالية - هو أن الأمر قد ~~يشعرك بأنك شخص غير مرغوب فيه، ولم نكن نريد أن يحدث هذا في بداية هذه الظروف، لكن عليك ~~أن تصدقيني بأننا كنا نرغب بوجودك بشدة. أوه يا لورن. لقد رغبنا فيك بالفعل، ونحبك ~~بشدة.» # أبعد ذراعه عن خزانة الملفات، ثم اقترب منها وطوقها بذراعيه. كانت تنبعث منه رائحة ~~العرق والنبيذ الذي احتساه هو وآيلين في العشاء، ولم تشعر لورن بالراحة على الإطلاق، وشعرت ~~بالإحراج. لم تحزنها القصة بالرغم من أن ذلك الرماد كان شيئا مفزعا ومخيفا، لكنها ~~سلمت بكلماته وأن الأمر سيزعج آيلين. # قالت بطريقة عفوية: «ألهذا السبب كنتما تتشاجران؟» فأبعد يده عنها. ms187 # قال بأسى: «نتشاجر. أعتقد أن ثمة شيئا يكمن خلف ذلك؛ يكمن خلف نوبات الهياج هذه. ~~أتدرين أنني أشعر بالأسى والحزن حيال كل ذلك. إنني كذلك حقا.» ~~••• # عندما كانا يذهبان للتريض في الخارج معا كان يسألها بين الحين والآخر إذا ما كان ~~يساورها شعور بالقلق، أو الحزن، بشأن ما قصه عليها، فكانت تجيبه بصوت حازم يدل على نفاد ~~الصبر بعض الشيء وتقول: «لا.» ويقول حينها: «حسنا.» # كان لكل شارع جاذبيته ومصدر جماله؛ فهناك القصر الفيكتوري (الذي أضحى الآن إحدى دور ~~الرعاية)، والبرج الحجري الذي كان هو كل ما تبقى من مصنع لإنتاج المكانس اليدوية، وهناك ~~أيضا المقابر التي يعود تاريخها لعام 1842. ولبضعة أيام سيقام معرض في الخريف. وشاهدا ~~الشاحنات وهي تسير الواحدة تلو الأخرى عبر الأوحال، وتزيح أحد الأرصفة المحملة بالكتل ~~الأسمنتية التي راحت تنزلق وتتزحزح للأمام؛ مما جعل مؤخرة الشاحنات ترتج وتترنح، وتوقفت ~~الشاحنات وراحت تضبط وتنظم المسافات فيما بينها. اختار كل من هاري ولورن شاحنة من ~~الشاحنات لتشجيعها والتهليل لها. # بدا للورن الآن أن كل ذلك الوقت الذي مر لم يكن يحمل إلا وهجا زائفا؛ نوعا من ~~الحماسة الساذجة المستهترة التي لا تقيم وزنا لما يحدث في الحياة اليومية، أو الواقع الذي ~~كان عليها مواجهته بمجرد أن تبدأ الدراسة وتخرج طبعات الجريدة للنور ويتغير الطقس. أيضا، ~~كان الدب أو الأيل من الحيوانات المتوحشة بالفعل التي لا تفكر إلا في احتياجاتها الضرورية، ~~ولم تكن تجلب أي نوع من الإثارة، ولم تعد تستطيع القفز والصراخ الآن كما كانت تفعل في أرض ~~المعارض وهي تهلل للعربة التي تقوم بتشجيعها؛ فقد يراها أحد من المدرسة ويعتقد أنها غريبة ~~الأطوار. # وهو أقرب إلى فكرتهم عنها على أي حال. # فعزلتها في المدرسة كانت نابعة من المعرفة والخبرة، والتي كانت تبدو وكأنها نوع من ~~السذاجة والتحفظ، ولكنها لم تكن تدري ذلك تماما؛ فالأشياء التي كانت أسرارا شريرة بالنسبة ~~للآخرين لم تكن هكذا بالنسبة لها، ولم تكن تدري كيف تتصنع وتتظاهر حيالهم بغير ذلك. وكان ~~هذا هو ms188 ما فصلها وأبعدها عن الآخرين مثلما أبعدتها أيضا معرفتها بكيفية نطق بضع كلمات ~~بالفرنسية وقراءتها لرواية «سيد الخواتم». كانت قد احتست نصف زجاجة من الجعة عندما كانت في ~~الخامسة من عمرها، ونفثت الدخان عندما كانت في السادسة، بالرغم من أنه لم يرق لها أي ~~منهما. كانت في بعض الأحيان تتناول القليل من النبيذ على العشاء، وكان ذلك يعجبها بعض ~~الشيء. كانت تعرف ما هو الجنس الفموي، وكذلك كل ما يتعلق بوسائل منع الحمل وما يفعله ~~الشواذ. وكثيرا ما كانت ترى هاري وآيلين وهما عاريين، كما رأت حفلة لأصدقائهما وهم مجردون ~~من ملابسهم وقد التفوا حول النيران المشتعلة في الغابة. وفي تلك الإجازة أيضا تسللت هي ~~ومجموعة من الأطفال الآخرين ليشاهدوا الآباء وهم يندسون سريعا إلى خيمات الأمهات وهن لسن ~~بزوجاتهم بناء على اتفاقات سرية مسبقة. وقد عرض عليها أحد الصبية ممارسة الجنس معها فوافقت، ~~لكنه لم يحرز أي تقدم، وشعر كلاهما بالغضب حيال الآخر، وفيما بعد كانت تكره مجرد ~~رؤيته. # كان كل ذلك كالحمل الثقيل بالنسبة لها هنا؛ فقد منحها شعورا بالحرج والحزن الغريب، بل ~~والحرمان. ولم يكن هناك الكثير لتفعله سوى أن تتذكر أن تنادي آيلين وهاري في المدرسة بأبي ~~وأمي. كان ذلك يجعلهما أكبر، ولكن ليس أكثر عنفا أو حدة؛ فحدود حدتهما كانت تذوب قليلا ~~عندما كانت تتحدث عنهما بهذا الأسلوب، وتتخفى سمات شخصيتهما بعض الشيء تحت غطاء خادع. أما ~~حينما تكون أمامهما وجها لوجه فلا يكون لديها أي أسلوب لتحقق نفس التأثير، بل إنها حتى ~~لا تستطيع أن تعترف أن ذلك قد يكون مصدر راحة لها. ~~••• # كان بعض الفتيات في فصل لورن يذهبن إلى الفندق ويجدن طريقهن إلى الحمام، وقد كن يجدن ~~المقهى المجاور إغراء لا يقاوم، لكنهن لم تكن لديهن الشجاعة الكافية لدخوله. وهناك في ~~الحمام كن يمضين نحو ربع الساعة أو نصف الساعة في تصفيف شعورهن وشعور الأخريات بتسريحات ~~مختلفة، ووضع أحمر الشفاه الذي كن يسرقنه من متجر ستيدمان، وتشم كل منهن عنق الأخرى ~~ومعصمها ms189 الذي كن يغرقنه بكافة أنواع العطور المتاحة للتجربة دون مقابل في الصيدلية. # عندما طلبن من لورن أن تصاحبهن ذات مرة تشككت في أن يكون وراء ذلك خدعة ما، لكنها وافقت ~~على أي حال، وكان جزء من موافقتها راجعا إلى أنها تكره العودة إلى المنزل بمفردها في فترة ~~ما بعد الظهيرة التي تقصر باستمرار وتمكث في المنزل الذي يقع على أطراف الغابة. # وبمجرد أن دخلن إلى البهو أمسكت بيدها فتاتان، وقمن بدفعها نحو النضد حيث تجلس سيدة من ~~العاملات في المطعم على أحد المقاعد العالية وتقوم ببعض العمليات الحسابية على الآلة ~~الحاسبة. # كانت هذه السيدة تدعى دلفين، كانت لورن تعرف اسمها بالفعل من هاري. كانت ذات شعر طويل ~~ناعم يميل إلى الأشقر المائل للبياض، أو ربما كان أبيض بالفعل؛ لأنها لم تكن صغيرة السن. لا ~~بد وأنها كانت تضطر إلى إعادة شعرها للوراء دوما لتزيحه عن وجهها تماما كما تفعل الآن. ~~كانت عيناها - اللتان بدتا من وراء نظارتها ذات الإطار الداكن - تغطيهما جفونها المظللة ~~باللون الأرجواني. كان وجهها عريضا، كجسدها، وشاحبا بعض الشيء وذا بشرة ناعمة، ولم يكن ~~هناك شيء بها ينم عن التكاسل أو البلادة. رفعت عينيها الآن فظهر لونهما الأزرق الفاتح ~~الصريح، وراحت تقلب نظرها بين الفتيات كما لو أنه لا يدهشها أي سلوك ذميم يصدر عنهن. # قالت الفتيات: «ها هي.» # نظرت المرأة - دلفين - الآن نحو لورن وقالت: «أنت لورن؟ أواثقة من هذا؟» # أجابت لورن في حيرة بنعم. # قالت المرأة وهي تشير إلى الفتيات وكأنهن يقفن بالفعل على مسافة بعيدة وخارج إطار حديثها ~~مع لورن تماما: «لقد سألتهن إن كانت هناك في المدرسة فتاة تدعى لورن.» وأردفت قائلة: ~~«سألتهن لأننا قد عثرنا على شيء ما هنا، ولا بد وأنه سقط من أحدهم في المقهى.» # ثم فتحت أحد الأدراج وأخرجت منه سلسة ذهبية، وكان يتدلى منها أحرف تكون اسم ~~لورن. # هزت لورن رأسها بالنفي. # قالت دلفين: «لا تخصك؟ أوه، أمر سيئ. لقد سألت الأولاد في المدرسة الثانوية بالفعل؛ لذا ~~علي ms190 أن أحتفظ بها هنا بعض الوقت؛ ربما يأتي أحدهم ليسأل عنها.» # قالت لورن: «بإمكانك أن تنشري إعلانا في جريدة أبي.» لكنها لم تدرك حينها أنه كان ينبغي ~~لها أن تقول «الجريدة» فقط؛ وذلك حتى اليوم التالي عندما كانت تمر بجوار فتاتين في مدخل ~~المدرسة وهما يلمزان ويقولان بصوت يتصنع الفخر: «جريدة أبي.» # قالت دلفين: «بإمكاني أن أفعل ذلك، لكني سأجد كل أنواع البشر يأتون إلى هنا ويدعون أنها ~~تخصهم، وربما يصل الأمر بهم إلى الكذب بشأن أسمائهم. إنها سلسة من الذهب.» # أشارت لورن لها قائلة: «لكنهم لن يستطيعوا ارتداءها إن لم تكن تحمل أسماءهم ~~الحقيقية.» ~~«ربما لا يفعلون، لكني لن أضعها نصب أعينهم ليدعوا هذا على أي حال.» # كانت الفتيات الأخريات قد توجهن نحو دورة المياه. # فنادتهن دلفين قائلة: «أنتن، ممنوع الدخول هناك.» # فاستدرن نحوها في دهشة. # وقلن: «كيف ذلك؟» ~~«لأنه ممنوع الدخول، هذا هو الأمر، والآن بإمكانكن التسكع في مكان آخر.» ~~«لكنك لم تمنعينا من الدخول فيما مضى.» ~~«ما مضى قد مضى، والآن شيء آخر.» ~~«ولكن من المفترض أنها دورة مياه عامة.» ~~«إنها ليست كذلك، أما التي تقع في مبنى شئون المدينة فهي كذلك، والآن اغربن عن ~~هنا.» # استدارت دلفين موجهة حديثها إلى لورن التي كانت على وشك أن تتبع الأخريات: «لا أقصدك ~~بهذا الكلام، إنني جد آسفة أن السلسلة لا تخصك. بإمكانك العودة مرة أخرى في غضون يوم أو ~~يومين، وإن لم يأت أحد ليسأل عنها، لنر، فهي تحمل اسمك على أي حال.» # عادت لورن مرة أخرى في اليوم التالي، ولكنها لم تكن تهتم بأمر السلسلة على الإطلاق؛ فهي ~~في الواقع لا تتخيل أنه يمكن أن يسير المرء واسمه يتدلى فوق عنقه. كل ما هنالك أنها كانت ~~تريد أن تأخذ جولة ما؛ مكانا تذهب إليه. كان بمقدورها أن تذهب إلى مكتب الجريدة، ولكن بعد ~~أن سمعتهن وهن يرددن كلمة «جريدة أبي» على هذا النحو لم تعد راغبة في الذهاب إلى ~~هناك. # قررت أنها لن تدخل إن كان السيد ms191 باليجيان هو الذي يقف خلف النضد وليست السيدة دلفين، ~~ولكنها كانت دلفين من تقف هناك بالفعل، وكانت تروي نبتة قبيحة الشكل عند النافذة ~~الأمامية. # قالت دلفين: «أوه، حسنا، لم يأت أحد ليسأل عنها، سأتريث حتى نهاية الأسبوع، لدي شعور ~~قوي أنها ستكون لك. بإمكانك أن تأتي دائما في هذا الوقت من اليوم؛ فليس لدي عمل بالمقهى ~~في فترة ما بعد الظهيرة، وإن حدث ولم تجديني في البهو فعليك فقط بدق الجرس، فسأكون في مكان ~~ما هنا.» # قالت لورن: «حسنا.» واستدارت لترحل. ~~«أتريدين أن تجلسي لبضع دقائق؟ كنت أفكر أن أتناول قدحا من الشاي. هل تشربين الشاي؟ هل ~~يسمح لك بتناول الشاي؟ أم تفضلين مشروبا باردا بدلا منه؟» # قالت لورن: «صودا الليمون لو سمحت.» ~~«في كأس زجاجي؟ أتريدين تناوله في كأس زجاجي؟ هل تفضلينه بالثلج؟» # قالت لورن: «ليس هناك داع؛ فهو مناسب تماما كما هو. أشكرك جزيل الشكر.» # أحضرت دلفين كأسا به بعض الثلج على أي حال، وقالت: «إنه لا يبدو لي مثلجا بما يكفي.» ~~ثم سألت لورن عن المكان الذي تفضل الجلوس فيه؛ هل على أحد المقاعد القديمة المكسوة بالجلد ~~القابعة بجوار النافذة أم على أحد الكراسي العالية خلف النضد؟ اختارت لورن أحد المقاعد ~~العالية وجلست دلفين على مقعد آخر قبالتها. ~~«والآن، ألا تخبرينني بما تعلمته اليوم بالمدرسة؟» # قالت لورن: «حسنا ...» # أسفر وجه دلفين العريض عن ابتسامة. ~~«لقد طرحت عليك هذا السؤال على سبيل المزاح، كنت أكره بشدة أن يسألني الآخرون عن ذلك؛ ~~أولا: لأنني كنت لا أتذكر أي شيء تعلمته في ذاك اليوم، وثانيا: لأنني لم أرغب في ~~الحديث عن المدرسة حينما أكون خارجها؛ لذا دعينا نغفل ذلك الأمر.» # لم تندهش لورن برغبة السيدة الواضحة في أن تصادقها. لقد نشأت وهي تعتقد تماما أنه يمكن ~~أن يتساوى الأطفال والبالغون في علاقاتهم بعضهم مع بعض، على الرغم من أنها لاحظت أن العديد ~~من البالغين لا يتفهمون ذلك؛ ولهذا كان من الأفضل ألا تثير هذا الأمر وتفرضه على أحد. ~~لاحظت أن ms192 دلفين كانت متوترة بعض الشيء؛ ولهذا كانت تتحدث دون أن تلتقط أنفاسها، وتضحك في ~~لحظات غريبة، وكيف أنها لجأت إلى المناورة وهي تمد يدها نحو أحد الأدراج وتخرج منه لوحا ~~من الشوكولاتة. ~~«مجرد قطعة حلوى صغيرة مع الشراب؛ ربما تجعل الأمر يستحق أن تأتي لمقابلتي مرة ~~أخرى.» # شعرت لورن بالحرج نيابة عن المرأة، بالرغم من سعادتها بقبول لوح الشوكولاتة، فلم تكن تحصل ~~على أي حلوى بالمنزل. # قالت: «لست بحاجة لرشوتي كي آتي، إنني أحب ذلك.» ~~«أوه، حسنا، لن أفعل، أهو كذلك؟ يا لك من طفلة! حسنا، أعيديها لي.» # مدت يدها لتنتزع الشوكولاتة، ولكن راوغتها لورن وتفادت يدها لتحميها، وراحت تضحك هي ~~الأخرى. ~~«لقد قصدت المرة القادمة؛ فليس عليك أن ترشيني في المرة القادمة.» ~~«ومع هذا لا بأس برشوة واحدة، أهو كذلك؟» # قالت لورن: «أحب أن أجد شيئا أفعله، بخلاف العودة فقط إلى المنزل.» ~~«ألا يمكنك زيارة بعض الأصدقاء؟» ~~«ليس لدي أصدقاء في الواقع؛ فلم أبدأ دراستي في هذه المدرسة إلا في شهر سبتمبر.» ~~«حسنا، إن كانت تلك المجموعة التي أتت هنا تعد نموذجا لمن ستنتقين منهن صديقاتك فمن ~~الأفضل أن تظلي هكذا دونهن. هل أعجبتك المدينة؟» ~~«إنها صغيرة، وهناك بعض الأشياء اللطيفة بها.» ~~«إنها مقلب نفايات؛ جميعها مثل مقالب النفايات. لقد عايشت الكثير من مقالب النفايات في ~~حياتي لدرجة أنك قد تعتقدين أن الفئران قد أكلت أنفي الآن.» وراحت تمرر أصابعها على أنفها ~~لأعلى وأسفل، وكان لون طلاء أظافرها يماثل ظلال جفونها. وأردفت بارتياب: «لا تزال ~~هناك.» ~~••• ~~«إنها مقلب نفايات.» كانت دلفين تقول أشياء من هذا القبيل، كانت تتحدث بحماسة شديدة. لم ~~تكن تحاور بل تطرح وقائع، وكانت أحكامها حادة تنم عن مزاجية شديدة. تحدثت دلفين عن نفسها؛ ~~عن ميولها وحالتها البدنية، وكأنها تتحدث عن معضلة معقدة، شيء فريد وقاطع. # كانت تعاني من الحساسية تجاه البنجر؛ فإذا ما حدث ودخلت جوفها ولو حتى قطرة واحدة من ~~عصيره، فإن أنسجتها تنتفخ ويكون لزاما أن تذهب إلى المستشفى؛ لأنها تحتاج إلى عملية ms193 طارئة ~~حتى تستطيع التنفس. ~~«كيف هو الأمر معك؟ هل تعانين من أي نوع من الحساسية؟ لا؟ عظيم.» # كانت تعتقد أنه ينبغي أن تظل أيدي المرأة نظيفة بغض النظر عن نوع العمل الذي تمارسه. كانت ~~تحب أن تضع طلاء أظافر باللون الأزرق الداكن أو بلون الخوخ، وكانت تحب أيضا أن ترتدي ~~الأقراط الضخمة التي تحدث صوتا حتى أثناء عملها؛ فلم تكن تحب ذلك النوع الصغير ~~الرقيق. # لم تكن تخشى الثعابين، لكنها تكن مشاعر غريبة نحو القطط. كانت تعتقد أن القطة كانت تأتي ~~وتستلقي فوقها وهي طفلة رضيعة؛ لأن رائحة اللبن كانت تجذبها. # قالت للورن: «وماذا عنك؟ ما الشيء الذي يخيفك؟ ما لونك المفضل؟ هل حدث ومشيت أثناء ~~نومك؟ هل تعرضت لحمام شمس أو لضربة شمس؟ هل ينمو شعرك بسرعة أم ببطء؟» # لم يكن الأمر يبدو وكأن لورن غير معتادة على أن يهتم بها أحد؛ فهاري وآيلين، وبخاصة هاري، ~~كانا بالفعل يهتمان بأفكارها وآرائها وشعورها حيال الأشياء، وكان هذا الاهتمام يسبب لها ~~الضيق في بعض الأحيان، لكنها لم تكن تدرك مطلقا أنه يمكن أن يكون هناك كل هذه الأشياء ~~الأخرى؛ تلك الحقائق العشوائية، التي تبدو مهمة على نحو ممتع. ولم يعترها مطلقا ذلك ~~الشعور، كما هو الحال في المنزل، أن هناك أي سؤال آخر يكمن خلف أسئلة دلفين، ولم تشعر ~~مطلقا أنها إن لم تأخذ حذرها فإنه يمكن أن يكون هناك تطفل وتدخل في شئونها. # علمتها دلفين بعض النكات. أخبرتها أنها تعرف المئات من النكات، لكنها لن تقص على ~~مسامعها إلا ما هو مناسب. لم يكن هاري ليرى أن النكات التي تقال على قاطني نيوفاوندلاند ~~مناسبة، لكن لورن كانت تضحك عليها من باب الكياسة. ~~••• # أخبرت آيلين وهاري أنها ستذهب لمنزل صديقتها بعد انتهاء المدرسة. لم تكن تلك كذبة في ~~الحقيقة، وبدا أنهما قد سعدا بذلك، لكنها - بسببهما - لم تأخذ السلسلة التي تحمل اسمها ~~عندما أخبرتها دلفين أن بمقدورها ذلك. لقد تظاهرت بأنها قلقة من أن يأتي مالكها الذي لا ~~يزال يبحث عنها. ms194 # كانت دلفين تعرف هاري؛ فقد كانت تحضر له طعام الإفطار في المقهى. كان من الممكن أن تذكر ~~زيارات لورن لها، لكن من الواضح أنها لم تفعل. # كانت في بعض الأحيان تضع لافتة مكتوبا عليها «دق الجرس لاستدعاء الموظف المختص»، ثم ~~تصطحب لورن معها إلى أجزاء أخرى من الفندق؛ إذ ثمة نزلاء يمكثون بالفندق من حين لآخر، ~~وكان يجب ترتيب أسرتهم، وتنظيف دورات المياه والأحواض الخاصة بهم، وكذا أرضيات الغرف. لم ~~تسمح للورن بأن تساعد في شيء، وكانت تقول لها: «اجلسي فقط وتحدثي إلي، إنه نوع من العمل ~~الباعث على الوحدة.» # لكنها كانت هي التي تتحدث فقط. تحدثت عن حياتها، ولكن دون أي نوع من التسلسل أو ~~الترتيب؛ فظهرت بعض الشخصيات واختفت، وكان من المفترض أن تعرف لورن من هم دون أن تسأل؛ ~~فالأشخاص الذين كانت تذكر أسماءهم بعد لقب السيد أو السيدة كانوا رؤساء جيدين، أما الرؤساء ~~السيئين فكانت تطلق عليهم الخنازير أو الأوغاد «لا تكرري لغتي.» وقد عملت دلفين في بعض ~~المستشفيات «ممرضة؟ أتمزحين؟» وفي حقول التبغ، ومطاعم لا بأس بها، وفي أماكن الغطس، وفي أحد ~~معسكرات تخزين الأخشاب حيث كانت تقوم بالطهو، وعملت أيضا في إحدى محطات الحافلات حيث كانت ~~تقوم بالتنظيف، ورأت أشياء فاضحة لن تستطيع التحدث عنها، وأيضا في أحد المتاجر الكبرى التي ~~تفتح أبوابها طوال الليل حيث كانت تعمل لساعات متأخرة جدا حتى استقالت. # في بعض الأحيان كانت تصادق لورن، وفي أحيان أخرى فل. كان لفل أسلوبها في استعارة ~~الأشياء دون استئذان؛ فقد استعارت كنزة دلفين وارتدتها في حفل راقص، وتعرقت كثيرا حتى ~~اتسخت منطقة ما تحت الإبط بشدة، أما لورن فقد تخرجت من المدرسة الثانوية، ولكنها ارتكبت ~~خطأ كبيرا عندما تزوجت من ذلك الشخص الغبي، ومن المؤكد أنها تشعر بالأسف الآن. # كان من الممكن أن تتزوج دلفين؛ فبعض الرجال الذين رافقتهم شقوا طريقهم في الحياة على نحو ~~لا بأس به، وبعضهم أضحوا مجموعة من المشردين، أما البعض الآخر فليس لديها أدنى فكرة عما حدث ms195 ~~لهم . لقد كانت مغرمة بفتى يدعى تومي كيلبرايد، لكنه كان ينتمي للطائفة الكاثوليكية. ~~«ربما لا تعرفين ماذا يعني هذا بالنسبة للمرأة.» # قالت لورن: «يعني أنه ليس بمقدورك أن تستخدمي موانع الحمل، لقد كانت آيلين تنتمي للطائفة ~~الكاثوليكية، لكنها تركتها لأنها لم توافق على هذا. آيلين هذه هي أمي.» ~~«لم يكن هناك داع لأن تشعر أمك بالقلق على أي حال؛ فقد انتهت الأمور إلى ما ~~تريده.» # لم تفهم لورن ما تعنيه، ثم اعتقدت أن دلفين ربما تتحدث عنها - أي عن لورن - كونها طفلة ~~وحيدة؛ فلا بد وأنها اعتقدت أن هاري وآيلين كانا يرغبان في إنجاب المزيد من الأطفال بعد أن ~~رزقا بها، لكن لم يكن باستطاعة آيلين ذلك، ولكن على حد علم لورن لم يكن الأمر هكذا. # قالت: «كان بإمكانهم إنجاب المزيد إن أرادوا هذا، بعد أن أنجباني.» # قالت دلفين مازحة: «هذا ما تعتقدينه، أليس كذلك؟ ربما لم يكن باستطاعتهم إنجاب أي طفل على ~~الإطلاق، وربما تبنوك.» ~~«لا، لم يفعلوا ذلك. أعلم هذا تماما.» كانت لورن على وشك أن تخبرها بما حدث عندما كانت ~~آيلين حاملا، لكنها أحجمت عن هذا؛ لأن هاري شدد على أن يظل الأمر سرا. وكانت هي من ~~النوع الذي يؤمن بالخرافات بشأن نكص أي عهد، بالرغم من أنها لاحظت أن البالغين لا يبالون ~~ويحنثون بعهودهم. # قالت دلفين: «لا تأخذي الأمر على محمل الجد هكذا.» ثم احتضنت وجه لورن براحتيها وراحت ~~تربت على وجنتيها بأصابعها ذات الأظافر المطلية بلون التوت البري، وأردفت قائلة: «إنني ~~أمزح فقط.» ~~••• # كان المجفف بمغسلة الفندق لا يعمل؛ ولذا كان على دلفين أن تقوم بنشر الشراشف والمناشف ~~المبتلة، ولأن السماء كانت تمطر فإن أفضل مكان للتجفيف هو إسطبل تأجير الخيول. عاونتها لورن ~~في حمل السلال المكتظة بالأقمشة القطنية البيضاء عبر الفناء الصغير المفترش بالحصى خلف ~~الفندق وحتى الإسطبل الخاوي المشيد من الحجارة. كانت الأرض أسمنتية، لكن لا تزال بعض ~~الرائحة تتسلل من الأرضية بأسفله، أو ربما كانت تنبعث من الجدران المشيدة من كسارة الحجر ms196 ~~والحصى . رائحة التراب الرطب، ورائحة بول الخيول وجلودها. كان المكان خاويا إلا من بعض ~~أحبال الغسيل وبعض المقاعد والمناضد المكسورة. وقد أصدرت خطواتهم صدى صوت بالمكان. # قالت دلفين: «جربي أن تنادي اسمك؟» # صاحت لورن: «دل-فيييي-ييين.» ~~«اسمك أنت، ماذا تفعلين؟» # قالت لورن: «إن اسمك له صدى أفضل.» وشرعت تنادي اسمها ثانية «دل- فييييييي-يين.» # قالت دلفين: «إنني لا أحب اسمي، ما من أحد يفضل اسمه.» ~~«أنا لا أكره اسمي.» ~~«لورن جميل، إنه اسم لطيف. لقد اختاروا لك اسما لطيفا.» # اختفت دلفين خلف الشراشف التي كانت تقوم بتثبيتها فوق أحد الأحبال، وراحت لورن تتجول على ~~مهل وهي تطلق صفيرا. # قالت دلفين: «إنه الغناء الذي يبدو ملائما وجميلا هنا، هلا شدوت بأغنيتك ~~المفضلة.» # لم تستطع لورن أن تفكر في أغنية مفضلة لديها، وقد استغربت دلفين الأمر تماما مثلما ~~أصابتها الدهشة عندما علمت أن لورن لا تعرف أيا من النكات على الإطلاق. # قالت: «لدي الكثير من الأغاني.» ثم شرعت في الغناء: # يا نهر القمر الجميل ... أكبر من مسافة ميل. # كانت هذه هي إحدى الأغنيات التي كان هاري يشدو بها في بعض الأحيان، ودائما ما كان ~~يتندر على الأغنية أو على نفسه. أما أسلوب دلفين في غنائها، فكان مختلفا تمام الاختلاف؛ ~~فقد شعرت لورن أن الحزن العميق الذي يكمن في صوت دلفين يجذبها نحو الشراشف البيضاء ~~المتمايلة، بل بدا وكأن الشراشف ذاتها تحتويها وتذوب من شدة التأثر، لا، بل كانت تحتوي ~~دلفين أيضا، مخلفة شعورا بالعذوبة والملاحة. كان غناء دلفين أشبه بالعناق الدافئ والحضن ~~الكبير الذي تندفع نحوه دون شعور، وفي نفس الوقت فإن تلك المشاعر الفياضة جعلتها تشعر ~~بانقباض في معدتها مما ينذر بإصابتها ببعض الإعياء. # أنتظرك بالقرب من المنعطف # يا صديقي الذي يشبه العنب البري. # قاطعتها لورن عندما جذبت أحد الكراسي التي لا تحوي مقعدا على ~~الأرض. ~~••• # على طاولة العشاء قالت لورن بحزم لهاري وآيلين: «هناك شيء أود أن أسألكما عنه، هل هناك ~~احتمال أن تكونا قد تبنيتماني؟» # قالت آيلين: «من أين أتيت بتلك الفكرة؟» ms197 # توقف هاري عن تناول الطعام، ورفع حاجبيه محذرا لورن، ثم راح يمزح ويقول: «إن أردنا ~~تبني طفل فهل تعتقدين أننا كنا سنأتي بمن يطرح كل تلك الأسئلة المتطفلة؟» # نهضت آيلين وراحت تعبث بسحاب تنورتها، فسقطت التنورة على الأرض، ثم قامت بإنزال سروالها ~~الضيق ولباسها التحتي. # قالت: «انظري هنا، من المفترض أن يخبرك هذا.» # ظهر على بطنها - الذي كان يبدو مسطحا وهي مرتدية ملابسها - بعض الامتلاء والترهل، كذا ~~كانت هناك آثار لبعض الخطوط البيضاء الباهتة على سطح بشرتها التي اكتسبت سمرة خفيفة حتى ~~حدود علامة القطعة السفلية من لباس البحر، وقد ظهرت تلك الخطوط في ضوء المطبخ. كانت لورن قد ~~رأت كل ذلك من قبل، لكنها لم تلق له بالا؛ فقد بدت الخطوط وكأنها جزء عادي من جسد ~~آيلين، تماما مثل الشامتين الموجودتين على عظمة الترقوة. # قالت آيلين: «هذا بسبب علامات تمدد الجلد بسبب الحمل، لقد حملتك أمامي هكذا.» ثم مدت ~~يدها أمام جسمها لمسافة مناسبة تشير إلى حجم بطنها آنذاك، ثم أردفت قائلة: «هل اقتنعت ~~الآن؟» # وضع هاري رأسه على بطن آيلين العاري، وراح يداعبه بأنفه، ثم تراجع ووجه كلامه إلى ~~لورن: ~~«في حال إن كنت تتساءلين عن سبب عدم إنجابنا للمزيد من الأطفال، فإن الإجابة هي أنك ~~الطفل الوحيد الذي كنا نحتاجه. إنك تتسمين بالذكاء والجمال وخفة الظل. ما الذي يضمن لنا ~~الحصول على طفل آخر بهذه السمات الجيدة؟ بالإضافة إلى أننا لسنا بعائلة عادية؛ فنحن نحب ~~التنقل، ونحب تجربة الأشياء، ونتحلى بالمرونة. لقد رزقنا بطفلة رائعة تتكيف تحت أي ظروف؛ ~~فما من داع لاختبار حظنا مرة أخرى، فليس ثمة ضمان أن يكون مثلك.» # كان وجهه، الذي لم تره آيلين، يتجه نحو لورن مصوبا نظرة تحمل قدرا من الجدية ~~والصرامة يفوق ما تحمله كلماته، وكانت تشي بالتحذير المستمر الذي يختلط بالدهشة وخيبة ~~الأمل. # لو لم تكن آيلين موجودة معهم، لطرحت عليه لورن بعض الأسئلة. ماذا لو أنهما كانا قد فقدا ~~الطفلين بدلا من طفل واحد؟ ماذا لو لم تكن ms198 هي من مكثت في بطن آيلين ولم تكن هي المسئولة ~~عن تلك الآثار البادية عليها؟ كيف لها أن تتأكد من أنهما لم يأتيا بها عوضا عما فقداه؟ ~~فإذا كان هناك شيء كبير لم تعلم به من قبل، فلم لا يكون هناك شيء آخر أيضا؟ # سببت لها هذه الفكرة بلبلة وتشويشا في ذهنها، لكنها كان لها بعض الجاذبية فيما ~~بعد. ~~••• # في المرة التالية التي ذهبت فيها لورن إلى الفندق كانت تعاني من بعض السعال. # قالت دلفين: «لتصعدي معي للطابق العلوي؛ فلدي علاج جيد لذلك.» # وأثناء وضعها اللافتة المكتوب عليها «دق الجرس لاستدعاء الموظف المختص»، كان السيد ~~باليجيان يدلف إلى بهو الفندق آتيا من المقهى. كان يرتدي في إحدى قدميه فردة حذاء، وفي ~~القدم الأخرى خفا، وكان مفتوحا ليسع قدمه التي تلتف حولها ضمادة. وكانت هناك بقعة من ~~الدماء الجافة عند موضع أصبعه الكبير. # اعتقدت لورن أن دلفين ستقوم بإنزال اللافتة عندما ترى السيد باليجيان، لكنها لم تفعل، وكل ~~ما قالته له هو: «من الأفضل أن تغير تلك الضمادة إذا ما أتيحت لك الفرصة.» # أومأ السيد باليجيان برأسه موافقا، لكنه لم ينظر إليها. # قالت له: «سأهبط سريعا.» # كانت حجرتها تقع في الطابق الثالث أسفل الإفريز. قالت لورن وهي تصعد وتسعل في نفس الوقت: ~~«ما الذي ألم بقدمه؟» # قالت دلفين: «أي قدم؟ أعتقد أن أحدهم ربما يكون قد داسها، ربما بكعب حذائه.» # كان سقف حجرتها ينحدر بشدة على جانبي النوافذ البارزة. لم يكن هناك سوى فراش واحد، وحوض ~~للغسيل، ومقعد، ومكتب. واستقر على المقعد صحن ساخن وضعت عليه غلاية المياه. أما المكتب ~~فكان مزدحما بمجموعة من مساحيق التجميل، وأمشاط الشعر وأقراص، وعبوة من أكياس الشاي وعبوة ~~أخرى من مسحوق الشوكولاتة الساخنة. أما مفرش السرير فكان مصنوعا من نسيج قطني خفيف ذي خطوط ~~رفيعة باللونين الأبيض والبيج. # قالت دلفين: «إنها ليست مرتبة، أليس كذلك؟ إنني لا أمضي الكثير من الوقت هنا.» قامت بملء ~~الغلاية من مياه الحوض وثبتتها على قاعدة التسخين ، ثم جذبت مفرش ms199 السرير لتأخذ بطانية، ثم ~~قالت: «اخلعي عنك سترتك، ودفئي نفسك بهذه.» ثم لامست جهاز التدفئة المشع بيدها وأردفت ~~قائلة: «إن الأمر يستغرق اليوم كله لكي تصل الحرارة إلى هنا.» # قامت لورن بالفعل بما طلبته منها، وأخرجت دلفين قدحين وملعقتين من الدرج العلوي، ~~وراحت تفرغ قدرا من مسحوق الشوكولاتة الساخنة من عبوتها. قالت دلفين: «إنني أتناولها ~~بالمياه الساخنة فقط، أعتقد أنك معتادة على تناولها بالحليب، لكني لا أتناول الحليب مع ~~الشاي أو مع أي مشروب آخر. عندما أحضر اللبن هنا يفسد؛ فليس لدي مبرد.» # قالت لورن: «لا بأس، سأتناولها بالمياه الساخنة.» بالرغم من أنها لم تتناول الشوكولاتة ~~الساخنة بهذه الطريقة من قبل. اجتاحتها رغبة مفاجئة بأن تكون في المنزل الآن متدثرة بالغطاء ~~على الأريكة وهي تشاهد التليفزيون. # قالت دلفين بصوت يشوبه بعض التوتر أو العصبية: «لا تقفي هكذا، اجلسي واستريحي؛ فلن تستغرق ~~الغلاية وقتا طويلا.» # جلست لورن على حافة الفراش، وفجأة استدارت دلفين وجذبتها من أسفل ذراعيها - مما جعلها ~~تسعل ثانية - وعدلت من وضع لورن بحيث جعلتها تجلس وظهرها للحائط وقدماها تتدليان ولا ~~تلامسان الأرض، ثم خلعت لها حذاءها الطويل ذا الرقبة، وأسرعت تتحسس قدميها لترى إن كانت ~~جواربها مبتلة. ~~«لا، ليست مبتلة.» ~~«حسنا، سأحضر لك شيئا ليعالج ذلك السعال، أين شراب الكحة؟» # ومن نفس الدرج العلوي قامت دلفين بإخراج زجاجة ممتلئة حتى نصفها بسائل أصفر بلون ~~الكهرمان، وصبت منها ملء ملعقة وقالت: «افتحي فمك، إن مذاقه ليس فظيعا.» # قالت لورن عندما ابتلعته: «هل يحتوي ذلك الشراب على الويسكي؟» # أمعنت دلفين النظر في الزجاجة التي لم تكن تحمل أي ملصق عليها. ~~«لا أرى أي شيء يدل على ذلك، هل لمحت أنت شيئا؟ هل سيشعر أبوك وأمك بالغضب إن أعطيتك ~~ملعقة من الويسكي كعلاج للسعال؟» ~~«في بعض الأحيان يصنع لي أبي مشروبا ساخنا محلى من عصير الليمون والويسكي والماء ~~الساخن.» ~~«أحقا يفعل؟» # كانت مياه الغلاية قد وصلت لدرجة الغليان، وصبت دلفين المياه في الأقداح، وراحت تقلب ~~المشروب بسرعة، وهي تذيب التكتلات وكأنها ms200 تتحدث إليها. # قالت وهي تحاول أن تبدو مرحة: «هيا أيها التافهون، هيا.» # كان هناك شيء غريب بشأن دلفين اليوم؛ كانت تبدو أكثر ارتباكا وهياجا، وربما تخفي غضبا ~~وراء هذا، إضافة إلى ذلك فقد كانت دلفين أكثر نشاطا وحركة وبريقا، بل وأكثر زهوا وتكلفا ~~من أن تقطن في مثل هذه الحجرة. # قالت: «إنك تجولين بنظرك في المكان، وأنا أدري تماما ما يدور بخلدك؛ لا بد وأنك ~~تحدثين نفسك بأني امرأة فقيرة، وتتساءلين قائلة: يا ترى لم لا تقتني المزيد من الأشياء؟ ~~لكني لا أهوى اكتناز الأشياء وتجميعها، والسبب في هذا هو أنني مررت بالكثير من تجارب ~~الانتقال بين الحين والآخر والرحيل من مكان لمكان؛ فبمجرد أن كان يستقر بي المقام في مكان ~~ما، يقع شيء ما، وبعدها يكون لزاما علي أن أرحل، ومع هذا فإنني أدخر النقود، وسيصاب ~~الناس بالدهشة إذا ما علموا برصيد حسابي في البنك.» # أعطت لورن قدحها ثم جلست بترو عند مقدمة الفراش واضعة الوسادة خلف ظهرها وقدمها التي ~~غطتها بالجورب مستقرة على الأغطية. كان دوما ما يعتري لورن ذلك الشعور بالاشمئزاز عندما ~~ترى الأقدام التي تغلفها الجوارب المصنوعة من النايلون. وهذا الشعور لا يعتريها حيال ~~الأقدام العارية أو تلك المغطاة بالجوارب العادية القصيرة أو بالأحذية، أو حتى الأقدام ~~المغطاة بجوارب نايلون داخل الأحذية، بل يعتريها تحديدا فقط إذا ما رأت الأقدام ذات ~~الجوارب النايلون دون أي شيء آخر؛ وبخاصة إذا ما لامست أي أقمشة أخرى. كان هذا بمثابة شعور ~~غريب يخص شخصيتها، تماما كشعورها حيال فطر عيش الغراب أو حبوب القمح التي تغرق في ~~اللبن. # قالت دلفين: «عندما أتيت إلى هنا في فترة ما بعد الظهيرة هذه كنت أشعر بالحزن؛ فقد كنت ~~أفكر في فتاة كنت أعرفها، ورأيت أنه كان من المفترض أن أبعث لها برسالة إن كنت أعرف ~~مكانها. جويس هو اسمها. لقد كنت أفكر فيما يمكن أن يكون قد حدث لها في حياتها.» # ضغطت مرتبة الفراش إلى الداخل بفعل ثقل جسد دلفين ، حتى إن لورن ms201 وجدت صعوبة في محاولة ~~تفادي الانزلاق نحوها. وقد جعلها ذلك المجهود الذي بذلته لكيلا تصطدم بجسدها تشعر بحرج ~~شديد، وحاولت أن تبدو أكثر ودا ودماثة من المعتاد. # قالت: «متى عرفتها؟ أعندما كنت صغيرة؟» # ضحكت دلفين وقالت: «نعم، حينما كنت صغيرة وكانت هي صغيرة أيضا. كانت قد اعتادت أن تخرج ~~من المنزل وتتسكع مع أحد الشباب، وكان نتيجة ذلك أن وقعت في ورطة. أتعرفين ماذا أعني ~~بذلك؟» # قالت لورن: «أصبحت حاملا.» ~~«تماما. لقد كانت تعيش وتعبث بلا هدف، واعتقدت أنه ربما يمكن أن يمر الأمر مثل ~~الأنفلونزا التي تأتي وتختفي دون ضرر. وكان لدى الرجل بالفعل طفلان من امرأة أخرى لم يكن ~~متزوجا بها، لكنها كانت في مكانة الزوجة بأي حال من الأحوال، وكان دوما ما يفكر في العودة ~~إليها، ولكن قبل أن يرحل ويعود إليها تم القبض عليه، وكذلك هي، تم القبض على جويس؛ لأنها ~~كانت تهرب له بعض الأشياء، كانت تضعها في الفوط الصحية. أتعرفين شكلها؟ أتعرفين ما ~~الأشياء التي تهربها؟» # أجابتها لورن على السؤالين قائلة: «نعم أعرف شكلها. بالطبع كانت تهرب مخدرات.» # أحدثت دلفين ما يشبه الغرغرة وهي تحتسي مشروبها وقالت: «الأمر كله سري للغاية، أتفهمين ~~ذلك؟» # لم يمتزج كل مسحوق الشوكولاتة بالمياه، ولم يذب فيها تماما، ولم ترغب لورن في أن تقوم ~~بتحريكه وإذابته بالملعقة التي لا تزال تحمل مذاق الشراب الذي من المفترض أنه مضاد ~~للسعال. ~~«أفلتت من العقاب بحكم مع إيقاف التنفيذ؛ لذا فلم تكن مسألة حملها بالشيء السيئ حينها؛ ~~فقد كانت هي السبب في أنها لم تواجه أي عقاب. وما حدث بعد ذلك هو أنها تعرفت على بعض ~~المسيحيين، وكانوا يعرفون طبيبا وزوجته يعتنيان بالفتيات بعدما يضعن حملهن، ثم يعطيان ~~الأطفال على الفور لمن يريد تبنيهم. ولم يكن ذلك من باب المروءة أو الأمانة، بل كانا يأخذان ~~نقودا مقابل هؤلاء الأطفال، ولكن على أي حال فقد جنبها ذلك من يعملون في مجال الرعاية ~~الاجتماعية. وعليه وضعت طفلها ولم تره بعد ذلك ، وكل ما علمته ms202 عنه أنه كان بنتا.» # نظرت لورن حولها بحثا عن ساعة تعرف من خلالها الوقت، ولكن يبدو أنه لم تكن هناك واحدة، ~~وكانت ساعة يد دلفين تختفي تحت أكمام سترتها السوداء. ~~«غادرت جويس المكان وواجهت حدثا تلو الآخر، ولم تفكر في شأن الطفلة إطلاقا؛ فقد اعتقدت ~~أنه بمقدورها أن تتزوج وتنجب المزيد من الأطفال، ولكن لم يحدث شيء من هذا القبيل. حسنا، ~~هذا لم يضايقها كثيرا؛ نظرا لنوعية بعض الأشخاص الذين كانت ترافقهم ولم يحدث أن حملت ~~منهم. بل إنها أجرت بضع عمليات جراحية حتى لا يكون لها أطفال. أتعرفين أي نوع من ~~العمليات؟» # قالت لورن: «عمليات إجهاض. كم الساعة الآن؟» # قالت دلفين: «إنك طفلة لديك معلومات كثيرة. نعم، صحيح، إنها عمليات إجهاض.» أزاحت كم ~~سترتها لتنظر إلى ساعة يدها، ثم أردفت قائلة: «إنها لم تصل الخامسة بعد. كنت سأقول إنها ~~بدأت تفكر في أمر تلك الطفلة الصغيرة وتتساءل عما يمكن أن يكون قد حدث لها، ومن ثم شرعت في ~~البحث والتقصي لتعرف. وحدث أن حالفها الحظ وعثرت على أولئك الأشخاص؛ المسيحيين، وكان عليها ~~أن تتعامل معهم بأسلوب بغيض، لكنها حصلت على بعض المعلومات، وقد نجحت في الحصول على اسم ~~الزوجين اللذين قاما بتبني الطفلة.» # شقت لورن طريقها بحركات ملتوية لتهبط من الفراش، وتحركت ببعض الخفة والرشاقة فوق ~~الأغطية، ووضعت القدح فوق المنضدة. # وقالت: «يجب أن أذهب الآن.» ثم نظرت من النافذة وقالت: «إنها تمطر ثلجا.» ~~«حقا؟ وما الشيء الجديد أيضا؟ ألا تودين معرفة بقية القصة؟» # كانت لورن ترتدي حذاءها الطويل ذا الرقبة وحاولت أن تفعل ذلك وهي تبدو شاردة الذهن حتى لا ~~تلاحظ دلفين ما تفعل. ~~«من المفترض أن الرجل يعمل في تلك الجريدة؛ لذا ذهبت إلى هناك وقالوا لها إنه غير موجود، ~~لكنهم أخبروها عن المكان الذي آل إليه. لم تكن تعرف بالقطع الاسم الذي أطلقوه على الفتاة، ~~لكن كان هذا شيئا آخر استطاعت أن تعرفه فيما بعد؛ فلا يعرف المرء مطلقا ما سيتكشف له من ~~معلومات حتى يشرع ms203 في المحاولة. هل تحاولين الهروب مني؟» ~~«يجب أن أذهب الآن، إنني أشعر ببعض التعب في معدتي. أنا مصابة بالبرد.» # شرعت لورن في البحث عن سترتها التي قامت دلفين بتعليقها على مشجب عال في خلفية باب ~~الحجرة، وعندما لم تستطع إنزاله سريعا اغرورقت عيناها بالدموع. # قالت بأسى: «إنني حتى لا أعرف شيئا عن هذه الشخصية التي تدعى جويس.» # أنزلت دلفين قدميها على الأرض، ونهضت من الفراش على مهل، ووضعت القدح على المكتب. ~~«إن كانت معدتك تؤلمك فينبغي أن تستريحي قليلا، يبدو أنك احتسيت المشروب على ~~عجل.» ~~«إنني فقط أريد سترتي.» # رفعت دلفين الجاكت من فوق المشجب، لكنها رفعته بيدها أعلى من متناول لورن، وعندما حاولت ~~لورن الإمساك به لم تعطه لها دلفين. # قالت: «ما الخطب؟ أتبكين؟ لم أكن أحسب أنك طفلة بكاءة سريعة التأثر. حسنا، حسنا، لقد ~~كنت أغيظك فقط. ها هي السترة.» # دست لورن أكمامها داخل السترة، لكنها كانت تعرف أنها لن تستطيع قفل السحاب الخاص بها، ~~فوضعت يديها في الجيبين فقط. # قالت دلفين: «حسنا، هل أصبحت على ما يرام الآن؟ إننا ما زلنا أصدقاء، أليس ~~كذلك؟» ~~«أشكرك على الشوكولاتة الساخنة.» ~~«لا تسرعي خطاك؛ فمعدتك بحاجة للراحة.» # انحنت دلفين نحوها، فتراجعت لورن للخلف؛ فقد فزعت من أن يدخل الشعر الأبيض - خصلات الشعر ~~الأبيض الناعمة المنسدلة - إلى فمها. # إن كنت بلغت من الكبر ما يجعل شعرك أبيض، فينبغي ألا يكون بهذا الطول. ~~«إنني أعلم أنك تحافظين على الأسرار، وأدري أنك لا تبوحين بشيء عن زياراتك لي وحديثنا ~~وتحتفظين بهما سرا. ستفهمين فيما بعد. إنك فتاة صغيرة رائعة. هيا.» # ثم طبعت قبلة على رأسها. # وقالت: «لا تقلقي من شيء.» ~~••• # تساقطت قطع ضخمة من الثلوج مخلفة طبقات رقيقة هشة على جانبي الطريق، ذابت تاركة ~~آثار أقدام سوداء، وما لبث أن امتلأ الرصيف ثانية بطبقات أخرى من الجليد. كانت العربات تشق ~~طريقها بتأن وحذر على الضوء الخافت لمصابيحها الصفراء. كانت لورن تتلفت حولها من آن ~~إلى آخر؛ خشية أن يكون هناك من يتبعها، لم ms204 تستطع أن تتبين طريقها بوضوح بسبب الثلوج الكثيفة ~~المتساقطة والأضواء المتضائلة، لكنها لم تعتقد أنه كان ثمة من يقتفي أثرها. # كانت تشعر بانتفاخات في معدتها، وبأنها خاوية في ذات الوقت، واعتقدت أنه يمكن أن تتخلص من ~~ذلك الشعور بمجرد تناولها نوعية الطعام المناسبة؛ لذا اتجهت إلى خزينة المطبخ فور دخولها ~~إلى المنزل وأعدت لنفسها صحنا من حبوب القمح التي اعتادت تناولها في الإفطار. لم يتبق ~~شيء من شراب القيقب المحلى، لكنها وجدت بعضا من شراب الذرة. وقفت في المطبخ البارد وشرعت ~~في تناول الطعام دون أن تخلع عنها حذاءها أو حتى ملابسها، وراحت تنظر صوب الفناء الخلفي ~~الذي اكتسى حديثا بالبياض. لقد أضفت الثلوج وضوحا على الأشياء بالخارج بالرغم من أن ~~مصابيح المطبخ كانت مضاءة. رأت صورتها منعكسة ووراءها الفناء الخلفي الذي تكسوه الثلوج ~~والصخور الداكنة التي يكسو قمتها اللون الأبيض، وتتدلى الفروع دائمة الخضرة للأشجار تحت ~~الثلوج البيضاء. # وما كادت تضع الملعقة الأخيرة في فمها حتى هرعت إلى الحمام وأفرغت ما في جوفها كله؛ من ~~رقائق الذرة التي تغير شكلها بالكاد، والشراب اللزج، وخيوط رفيعة لزجة من الشوكولاتة ذات ~~اللون الباهت. ~~••• # كانت مستلقية على الأريكة عندما عاد والداها إلى المنزل، وكانت لا تزال ترتدي حذاءها ~~وملابسها وتشاهد التليفزيون. # نزعت آيلين عنها ملابس الخروج وأحضرت لها غطاء، وشرعت في قياس درجة حرارتها، وكانت ~~طبيعية، ثم تحسست بطنها لترى إن كان متصلبا بعض الشيء، ثم جعلتها تثني ركبتها اليمنى حتى ~~لامست صدرها لترى إن كان ذلك سيشعرها بألم في جانبها الأيمن. كانت آيلين تشعر دوما بالقلق ~~حيال الإصابة بالتهاب بالزائدة الدودية؛ لأنه تصادف وأن كانت في حفلة ما - وكانت من ذلك ~~النوع الذي يستغرق أياما - حيث توفيت فتاة إثر انفجار الزائدة الدودية، وقد كان الجميع في ~~حالة سكر شديد، لدرجة أن أيا منهم لم يدرك أنها كانت في حالة خطيرة. وعندما تيقنت من أن ~~حالة لورن لا علاقة لها بالزائدة الدودية ذهبت لتعد العشاء، وجلس هاري بصحبة لورن . # قال: «أعتقد أن ms205 كل ما تعانين منه هو رفضك للمدرسة. لقد كنت أشعر بذلك أيضا وأنا صغير، ~~إلا أنني عندما كنت طفلا لم يكن العلاج لتلك الحالة قد تم اختراعه بعد. أتعرفين ما علاج ~~ذلك؟ الاستلقاء على الأريكة ومشاهدة التليفزيون.» # أخبرتهم لورن في صباح اليوم التالي أنها لا تزال مريضة؛ بيد أن ذلك لم يكن صحيحا. ~~رفضت تناول طعام الإفطار، ولكن بمجرد أن غادر كل من هاري وآيلين المنزل، أحضرت كعكة كبيرة ~~بالقرفة وتناولتها دون تسخينها وهي تشاهد التليفزيون. مسحت أصابعها اللزجة في الغطاء الذي ~~تتدثر به، وحاولت أن تفكر في شأن مستقبلها. كانت تريد أن تمضيه هنا، داخل المنزل، فوق هذه ~~الأريكة، ولكنها ما لم تدعي مرضا يبدو حقيقا فما من سبيل إلى تحقيق ذلك. # انتهت نشرة الأخبار بالتليفزيون وتبعتها إحدى حلقات المسلسل الدرامي اليومي. كان المسلسل ~~كعالم آخر اعتادت رؤيته عندما أصيبت بالتهاب الشعب الهوائية في الربيع الماضي، ومنذ ذاك ~~الحين نسيت أمره تماما، وبالرغم من انقطاعها عن مشاهدة المسلسل لفترة طويلة إلا أنه لم ~~يطرأ أي تغيير على الأحداث. ظهرت نفس الشخصيات، وأغلبها تقريبا، ولكن في ظروف جديدة ~~بالطبع، وكانوا يتصرفون بنفس أسلوبهم المعتاد (الذي ينطوي على النبل، أو القسوة، أو الشهوة، ~~أو الحزن)، ونفس رؤيتهم لما هو أبعد في المستقبل، وذات العبارات المبهمة غير المكتملة التي ~~تشير إلى بعض الحوادث والأسرار. استمتعت بمشاهدتهم لفترة من الوقت، لكن جال بخاطرها شيء ~~أشعرها بالقلق؛ فقد يظهر من خلال هذه القصص فيما بعد أن الأطفال والبالغين ينتمون إلى ~~عائلات أخرى تماما غير تلك التي نشئوا في كنفها وتقبلوها كعائلاتهم؛ فيحدث أن يظهر فجأة ~~وبلا مقدمات أشخاص يتسمون بالجنون والخطورة بادعاءاتهم الكارثية ومشاعرهم وانفعالاتهم ~~المختلفة، ويقلبون حياتهم رأسا على عقب. # كان هذا يبدو لها من قبل واحدا من الاحتمالات المثيرة، لكنه لم يعد هكذا الآن. # لم يكن هاري وآيلين يحكمون غلق الأبواب؛ فيقول هاري إننا نعيش في مكان تغادر فيه منزلك ~~فحسب دون أن يكون هناك داع لإحكام غلقه. ولكن لورن نهضت الآن ms206 وأحكمت غلق البابين الأمامي ~~والخلفي، ثم أسدلت الستائر على جميع النوافذ. لم تمطر السماء ثلجا اليوم، لكن الثلوج ~~الموجودة لم تذب، وكانت هناك مسحة من اللون الرمادي بها كما لو أنها ازدادت عمرا أثناء ~~الليل. # لم تكن ثمة وسيلة تستطيع من خلالها تغطية النوافذ الصغيرة عند الباب الأمامي. ثمة ~~ثلاث نوافذ على شكل قطرات الدمع متراصة في خط مائل، وكانت آيلين تكرههم بشدة. كذلك نزعت ~~آيلين ورق الحوائط، وقامت بطلاء جدران هذا المنزل المتواضع بألوان غير معتادة؛ كلون بيض ~~طائر أبي الحناء وهو الأزرق، والوردي بلون التوت البري، والأصفر الليموني، وقد تخلصت من ~~الأبسطة القديمة، وقامت بصقل الأرضيات، لكن لم يكن هناك ما تفعله حيال هذه النوافذ ~~الصغيرة. # قال هاري إن منظرها ليس بهذا السوء، وإنها بعددهم تماما، بل وبنفس الارتفاع الذي يناسب ~~كلا منهم؛ فلكل واحد نافذته التي ينظر من خلالها. وأطلق عليهم أسماء الدبة الأم، والدب ~~الأب، والدبة الصغرى. # عندما انتهت حلقة المسلسل الدرامي، وتحدث بعدها رجل وامرأة عن كيفية العناية بنباتات ~~المنزل، راحت لورن في غفوة خفيفة لم تدرك أنها نوم، لكنها أدركت أنها راحت في النوم عندما ~~استيقظت من حلم رأت خلاله أحد الحيوانات التي تذكرها بالشتاء من نوع ابن عرس رمادي اللون، ~~أو ربما كان أحد الثعالب الهزيلة، لم تكن متيقنة من نوعه، وكان يراقب المنزل في ضوء النهار ~~الوضاح من الفناء الخلفي، وقد أخبرها أحدهم في الحلم أن هذا الحيوان شرس؛ لأنه لا يخشى ~~الآدميين أو المنازل التي يسكنون بها. # كان جرس الهاتف يدق، فجذبت الغطاء فوق رأسها حتى لا تسمع صوته. كانت على ثقة من أنها ~~دلفين؛ فهي تريد أن تطمئن على حالها، وسبب اختفائها، وعن رأيها في القصة التي أخبرتها بها، ~~ومتى ستأتي إلى الفندق. ~~••• # لكنها كانت آيلين في الحقيقة، أرادت أن تطمئن على لورن وعلى حالة الزائدة الدودية. انتظرت ~~آيلين على الهاتف حتى دق لنحو عشر أو خمس عشرة مرة، ثم غادرت مكتب الجريدة بعدها مسرعة ~~إلى المنزل دون حتى أن ms207 تضع معطفها. وعندما وجدت الباب مغلقا من الداخل راحت تدق عليه بشدة ~~بقبضة يدها وتدير المقبض، ثم ألصقت وجهها بزجاج نافذة الدبة الأم وصاحت باسم لورن. وترامى ~~إليها صوت التليفزيون، فجرت نحو الباب الخلفي وراحت تدق عليه بشدة وتنادي على لورن ~~ثانية. # سمعت لورن كل ذلك بالقطع ورأسها مختفية أسفل الغطاء، لكنها استغرقت بعض الوقت لتدرك أنها ~~آيلين وليست دلفين. وعندما أيقنت ذلك تسللت بخفة نحو المطبخ والغطاء يتدلى وراءها على ~~الأرضية وهي ما زالت شبه معتقدة أن الصوت قد يكون خدعة. # قالت آيلين وهي تطوقها بذراعيها: «يا إلهي! ماذا أصابك؟ لماذا كان الباب موصدا؟ لماذا ~~لم تجيبي على الهاتف؟ ما اللعبة التي تلعبينها؟» # ظلت لورن متماسكة لنحو خمس عشرة دقيقة وآيلين تحتضنها تارة وتصرخ بها تارة أخرى، ثم ~~انهارت وراحت تقص على مسامعها كل شيء. مثل لها ذلك راحة كبيرة، وأزاح حملا ثقيلا عن ~~كاهلها، ولكن برغم ذلك فحتى عندما كانت تبكي وترتعش كانت تشعر بأن هناك شيئا شديد الخصوصية ~~والتعقيد قد تخلت عنه في مقابل الراحة والشعور بالأمان. لم يكن من الممكن الإفصاح عن ~~الحقيقة كلها؛ لأنها هي نفسها لم تصل إليها كاملة. لم تستطع أن تشرح لها ما كانت تريده، بل ~~حتى وصلت إلى أنها لم تكن تريد شيئا على الإطلاق. # هاتفت آيلين هاري وأخبرته أنه ينبغي أن يحضر إلى المنزل، وكان عليه أن يأتي سيرا على ~~الأقدام؛ فهي لا تستطيع أن تذهب إليه لتأخذه؛ إذ إنها لم تستطع ترك لورن وهي في هذه ~~الحالة. # ذهبت لتفتح الباب الأمامي، فوجدت مظروفا ألقي من فتحة البريد ودون طابع بريد، ولم يكن ~~هناك شيء مدون فوقه سوى اسم لورن. # قالت: «هل سمعت صوت هذا وهو يوضع في فتحة البريد؟ هل ترامى إلى مسامعك وقع خطوات أحدهم ~~في الشرفة؟ كيف أتى هذا إلى هنا بحق الجحيم؟» # فتحت المظروف وأخرجت منه سلسة ذهبية يتدلى منها اسم لورن. # قالت لورن: «لقد نسيت أن أحكي لك هذا الجزء.» ~~«هناك رسالة قصيرة.» # صرخت لورن: ms208 «لا تقرئيها، لا تقرئيها، لا أريد أن أسمع ما بها.» ~~«لا تكوني سخيفة، إنها لن تعضك؛ إنها فقط تقول إنها هاتفت المدرسة ولكنك لم تكوني هناك، ~~وتساءلت إن كنت مريضة، وتلك هدية لك لكي تشعرك بالبهجة. وتقول أيضا إنها اشترتها من أجلك ~~أنت ولم يفقدها أحدهم. ماذا يعني ذلك؟ كان من المفترض أن تكون هدية عيد ميلادك عندما ~~تبلغين الحادية عشرة في مارس القادم، لكنها فضلت أن تمنحها لك الآن. من أين أتت بفكرة أن ~~عيد ميلادك في مارس؟ عيد ميلادك في يونيو.» # قالت لورن وقد عاد إليها الآن صوتها الطفولي الذي يشوبه الوهن والحزن: «أعرف ذلك.» # قالت آيلين: «أرأيت؟ كل معلوماتها خاطئة، إنها مجنونة.» # قالت لورن: «لكنها رغم ذلك تعرف اسمك، وتعرف مكانك. أنى لها أن تعرف ذلك إن لم تكونا ~~تبنيتماني؟» ~~«لا أدري كيف عرفت ذلك بحق الجحيم، لكنها مخطئة؛ كل معلوماتها غير صحيحة. أنصتي إلي، ~~سأخرج لك شهادة ميلادك. لقد ولدت في مستشفى ويلسلي في تورنتو. سنصحبك إلى هناك، سأجعلك ~~ترين الحجرة التي ولدت بها ...» نظرت آيلين إلى الرسالة ثانية وأطبقت عليها قبضتها. # قالت: «تلك الحقيرة. تهاتف المدرسة، وتأتي إلى المنزل. تلك الملعونة المخبولة!» # قالت لورن وهي تعني السلسلة: «أبعدي هذا الشيء، أخفيه بعيدا. الآن.» # لم يكن هاري على نفس درجة الغضب التي كانت عليها آيلين. # قال: «كانت تبدو شخصية طبيعية تماما حينما كنت أتحدث إليها، ولم تذكر شيئا من هذا ~~القبيل أمامي على الإطلاق.» # قالت آيلين: «إنها لم تكن لتفعل؛ فقد أرادت أن تصل للورن مباشرة. يجب أن تذهب وتتحدث معها ~~وإلا فعلت أنا، وأعني ذلك، واليوم.» # قال هاري: «سأضعها عند حدها، تماما. لن يكون هناك المزيد من المشاكل. يا له من موقف ~~مخز!» # قامت آيلين بإعداد طعام الغداء مبكرا. وقد أعدت شطائر الهامبورجر مع المايونيز والخردل ~~تماما كما يفضلها هاري ولورن. وقد انتهت لورن من تناول طعامها قبل أن تدرك أنها ربما تكون ~~أخطأت عندما أظهرت تلك الشهية في تناول طعامها. # قال هاري: «أتشعرين بتحسن؟ ms209 هل ستعودين إلى المدرسة فيما بعد الظهيرة؟» # قالت: «ما زلت أعاني من البرد.» # قالت آيلين: «لا، لن تعود إلى المدرسة، وسأمكث معها في المنزل.» # قال هاري: «لا أرى أن هناك ضرورة لذلك على الإطلاق.» # قالت آيلين وهي تدفع بالمظروف داخل جيبه: «وأعطها هذه، لا تشغل بالك ولا تهتم بالنظر إلى ~~المظروف، إنها هديتها الغبية، وأخبرها أن تكف نهائيا عن فعل مثل هذه الأشياء وإلا ستزج ~~بنفسها في مشكلة كبيرة، عليها أن تكف نهائيا. يكفي هذا ولا تحاول فعل أي شيء.» ~~••• # لم تضطر لورن إلى العودة للمدرسة، ليس في تلك البلدة. # قامت آيلين خلال فترة ما بعد الظهيرة بمهاتفة أخت هاري - والتي لم يكن يحادثها بسبب بعض ~~الانتقادات التي وجهها زوجها بشأن أسلوبه؛ أسلوب هاري، في الحياة - وتحدثتا بشأن المدرسة ~~التي كانت تذهب إليها الأخت، وهي مدرسة بنات خاصة في تورنتو، وتبعت هذه المكالمة المزيد من ~~المكالمات الأخرى، وتم تحديد موعد بشأن ذلك الموضوع. # قالت آيلين: «إن المسألة لا تتعلق بالنقود؛ فهاري يمتلك ما يكفي من النقود، أو بمقدوره ~~الحصول عليها.» # قالت: «ولا يتعلق الأمر بتلك المسألة فقط، بل إنك تستحقين العيش في مكان أفضل من هذه ~~البلدة الوضيعة، ولا تستحقين أن ينتهي بك المطاف كأي ريفية خرقاء. لقد كنت أفكر في ذلك ~~طوال الوقت، لكني كنت أرجئ النقاش فيه حتى تكبرين قليلا.» # قال هاري عندما عاد إلى المنزل إن الأمر يعتمد بالتأكيد على ما تريده لورن. ~~«هل ترغبين في مغادرة المنزل يا لورن؟ أعتقد أنك أحببت المكان هنا، وأظن أن لك بعض ~~الأصدقاء.» # قالت آيلين: «أصدقاء؟ نعم لديها تلك السيدة التي تدعى دلفين. هل توصلت إليها؟ وهل ~~تلقت الرسالة؟» # قال هاري: «نعم، فعلت، وتلقت الرسالة جيدا.» ~~«هل أعدت لها رشوتها؟» ~~«إن أردت أن تطلقي عليها ذلك، نعم فعلت.» ~~«لا مزيد من المشاكل؟ أفهمت؟ لا مزيد من المشاكل.» # فتح هاري المذياع وراحوا يستمعون إلى النشرة أثناء تناولهم العشاء، وقامت آيلين بفتح ~~زجاجة من النبيذ. # قال هاري في صوت يشوبه شيء من ms210 تهديد: «ما هذا؟ أهو احتفال؟» # لقد تعلمت لورن العلامات واعتقدت أنها ترى ما عليها أن تمر به الآن، الثمن الذي سيدفع ~~من أجل عملية الإنقاذ الخارقة؛ عدم الرجوع للمدرسة ثانية أو الاقتراب من الفندق، بل ربما ~~يصل الأمر لعدم السير في الشوارع على الإطلاق، وعدم الخروج من المنزل في الأسبوعين الباقيين ~~قبل حلول إجازات عيد الميلاد. # قد يكون النبيذ أحد هذه العلامات، أحيانا، وفي أحايين أخرى لا يكون كذلك، لكن عندما أخرج ~~هاري زجاجة الجين وصب لنفسه نصف كوب ولم يضف إليه شيئا آخر سوى الثلج - ولم يضف حتى ~~الثلج بعد ذلك - أدركت أن الأمور قد استقرت وتم إعداد كل شيء. قد لا يزال كل شيء باعثا على ~~البهجة، لكنها تلك البهجة الحادة كأطراف السكين. وسيتحدث هاري إلى لورن، وستتحدث آيلين إلى ~~لورن، وذلك بصورة أكثر مما اعتادا عليه، وسيتحدثان بعضهما إلى بعض بين الحين والآخر بأسلوب ~~يبدو طبيعيا. لكن سيكون هناك بالرغم من ذلك نوع من اللامبالاة في الغرفة لم تظهره ~~الكلمات بعد، وسوف تتمنى لورن، أو ستحاول أن تتمنى - أو تحديدا اعتادت على محاولة تمني - ~~أن يكفا بأي حال عن البدء في الشجار. ودائما ما كانت تعتقد - كانت لا تزال تعتقد - أنها ~~ليست الوحيدة التي تمنت ذلك؛ فهما أيضا كانا يأملان في هذا، إلى حد ما، إلا أنهما ~~أيضا كانا يتوقان لما سيأتي، ولم يكن باستطاعتهما التغلب على ذلك الشعور. فلا توجد مرة ~~واحدة عمت فيها تلك الأجواء؛ أجواء التغير في الغرفة، ذلك البريق الصادم الذي يجعل كل ~~الأشكال والأثاث والأواني أكثر حدة وكثافة، ولم يتبعها ما هو أسوأ. # ولم تعتد لورن على أن تبقى في غرفتها، بل كانت توجد حيث يكونان، تقحم نفسها وسطهما، ~~تحتج وتبكي حتى يحدث أن يمسكها أي منهما ويحملها إلى الفراش قائلا: «حسنا حسنا، لا ~~تزعجينا، لا تزعجينا فحسب، إنها حياتنا، اتركي لنا فرصة للحديث.» و«الحديث» كان يعني التجول ~~في أرجاء المنزل وهما يتبادلان الخطب الرنانة التي تحمل الإدانة والاستنكار، والصرخات التي ~~يصرحان ms211 خلالها بالمتناقضات في حياتهما، إلى أن يبدآ في التراشق بمنافض السجائر، والزجاجات ~~والصحون. وفي مرة من المرات هرعت آيلين إلى خارج المنزل وألقت بنفسها فوق العشب، وهي تقطع ~~الحشائش وتمسك بكتل الأوحال بينما كان هاري يقول لها مستهجنا وهو على عتبة الباب: «أوه، ~~أهذا هو الأسلوب إذن؟ حسنا قدمي للناس عرضا.» وفي مرة أخرى حبس هاري نفسه في دورة ~~المياه وهو يصيح: «ليس هناك سوى طريقة واحدة للتخلص من هذا العذاب.» وقد هددتا كلتاهما ~~بابتلاع الأقراص أو استخدام الشفرات الحادة لإنهاء حياتيهما. # قالت آيلين ذات مرة: «أوه، يا إلهي! فلنكف عن ذلك، أرجوك، أرجوك علينا أن نكف عن ~~هذا.» وأجابها هاري بصوت منتحب مقلدا صوتها في قسوة: «إنك أنت من يفعل ذلك، كفي أنت ~~عن هذا.» # توقفت لورن عن محاولة اكتشاف سبب هذه المشاجرات؛ إذ وجدت أن لها في كل مرة سببا ~~مختلفا (فقد استلقت الليلة في الظلام واعتقدت أن هذه المشاجرات ربما تكون بشأن رحيلها؛ ~~بشأن اتخاذ آيلين لهذا القرار بمفردها)، ربما كان السبب هو نفس السبب في كل مرة؛ أنهما لا ~~يستسلمان أبدا. # كانت لورن أيضا قد صرفت النظر عن فكرتها بأن هناك نقطة ضعف بداخلهما - فهاري يمزح طوال ~~الوقت لأنه كان حزينا بداخله، أما آيلين فكانت تتسم بالحدة واللامبالاة لأن ثمة شيئا ~~بشأن هاري كان يجعلها تبتعد وتحجم - وأنها إذا كان بمقدورها - أي لورن - أن توضح ما بداخل ~~كل منهما للآخر لسارت الأمور على نحو أفضل. # وتراهما في اليوم التالي وقد بدت عليهما الاستكانة والانكسار والخزي وبعض من النشاط ~~والسرور بصورة غريبة. قالت آيلين للورن ذات مرة: «على الناس أن يفعلوا ذلك في بعض الأحيان؛ ~~فمن الخطأ كبت مشاعرك، بل ثمة نظرية تقول إن كبت الغضب يؤدي إلى الإصابة ~~بالسرطان.» # وقد كان هاري يشير إلى مشاجراتهما بالخلاف، فيقول: «آسف بشأن خلافنا؛ فآيلين امرأة سريعة ~~التقلب، وكل ما يمكنني قوله يا عزيزتي ... أوه، يا إلهي! كل ما أستطيع قوله إن مثل هذه الأمور ~~تحدث .» ~~••• # في تلك الليلة راحت ms212 لورن في النوم قبل أن يبدآ شجارهما المدمر، حتى قبل أن تتأكد من أنهما ~~سيقدمان على ذلك. ولم تكن حتى آثار زجاجة الجين قد ظهرت عليهما عندما تركتهما وذهبت إلى ~~فراشها. # أيقظها هاري. # قال: «آسف يا حبيبتي، هل بإمكانك أن تنهضي وتهبطي إلى الطابق السفلي؟» ~~«أهو الصباح؟» ~~«لا، لا يزال الوقت متأخرا من الليل، لكني أود أن أتحدث إليك أنا وآيلين. ثمة شيء ~~نود أن نتحدث إليك بشأنه؛ إنه يتعلق بما تعرفينه بالفعل. والآن هيا، أتودين ارتداء ~~الخف؟» # قالت لورن مذكرة إياه: «تعلم بأني أبغض ارتداءه.» وتقدمته وهي تهبط الدرج. كان لا ~~يزال يرتدي كامل ملابسه، وكذلك كانت آيلين وهي تنتظر في الردهة بالطابق السفلي، وقالت ~~للورن: «هناك شخص آخر تعرفينه هنا.» # لقد كانت دلفين. كانت تجلس على الأريكة وترتدي معطفا للتزلج فوق سروالها الأسود المعتاد ~~وسترتها. لم تكن لورن رأتها من قبل في ملابس بخلاف ملابس العمل. كان وجهها ممتقعا باهتا، ~~وبشرتها متجعدة، ويبدو جسمها واهنا بشكل كبير. # قالت لورن: «ألا يمكننا الذهاب إلى المطبخ؟» ولم تكن تعرف لماذا قالت ذلك، لكن المطبخ كان ~~يبدو المكان الأكثر أمانا؛ فهو مكان أقل خصوصية، وبه مائدة تستطيع الاتكاء عليها إذا ما ~~التفوا حولها جالسين. # قال هاري: «لورن ترغب بالجلوس بالمطبخ، فلنذهب إلى المطبخ.» # قال عندما جلسوا هناك: «لورن، لقد أوضحت لهما أنني أخبرتك بأمر الطفل؛ الطفل الذي كان ~~لدينا قبل مجيئك وما حدث له.» # انتظر حتى قالت لورن: «نعم.» # قالت آيلين: «هل بإمكاني أن أقول شيئا الآن؟ هل بإمكاني أن أقول شيئا للورن؟» # قال هاري: «بالطبع.» # قالت آيلين وهي تنظر إلى يديها اللتين تضعهما على حجرها أسفل سطح المائدة: «لم يحتمل هاري ~~فكرة وجود طفل آخر، لم يحتمل فكرة أن يكون هناك فوضى بالبيت؛ فلديه كتاباته، وكان يريد ~~إنجاز بعض الأشياء؛ لذا فلا ينبغي أن يكون هناك أي نوع من الفوضى. وكان يريدني أن أخضع ~~لعملية إجهاض، وقلت له بأني سأفعل، ثم أخبرته بأني لن أفعل، ثم عدت ثانية وأخبرته بأنني ms213 ~~سأخضع لها، لكني لم أستطع، وتشاجرنا حينها وأخذت الطفل واستقللت السيارة، فكنت ذاهبة لمنزل ~~إحدى صديقاتي. لم أكن أسير بسرعة كبيرة، وبالطبع لم أكن ثملة، كل ما في الأمر أنه لم تكن ~~هناك إضاءة كافية على الطريق وكان الطقس سيئا.» # أضاف هاري: «وكذلك لم يكن مهد الطفل مثبتا جيدا في المقعد.» # قال: «لكن دعينا من ذلك، أنا لم أكن مصرا على إجراء عملية الإجهاض. ربما أكون قد ذكرت ~~إجراء العملية، لكن لم يكن من سبيل أن أجبرك عليها. إنني لم أتحدث مع لورن بشأن ذلك؛ لأنه ~~سيكون من المؤلم أن تسمع هذا. من المؤكد أنه أمر مؤلم.» # قالت آيلين: «نعم، ولكنها الحقيقة، ولورن بإمكانها تفهم ذلك جيدا؛ فهي تعلم أنها لم ~~تكن السبب.» # قالت لورن وقد دهشت هي ذاتها من أسلوبها: ~~«لقد كنت أنا السبب، من عساه يكون غيري؟» # قالت آيلين: «لكني لم أكن أنا التي أرغب في فعل ذلك.» # قال هاري: «أحقا؟ إنك لم تكوني معترضة تماما على إجرائها.» # قالت لورن: «توقفا عن هذا.» # قال هاري: «هذا تماما هو ما اتفقنا ألا نفعله، أليس هذا ما اتفقنا ألا نفعله؟ ونحن ندين ~~بالاعتذار لدلفين.» # لم تكن دلفين تنظر إلى أحد أثناء ذلك الحديث الدائر بينهم. ولم تقرب مقعدها من المائدة، ~~بل بدا أنها لم تلحظ عندما ذكر هاري اسمها. فلم يكن شعورها بالهزيمة فقط هو ما جعلها في تلك ~~الحالة من الصمت والسكون، بل هو ثقل المكابرة والعناد، بل والاشمئزاز، الذي لم يلحظه هاري ~~أو آيلين. ~~«لقد تحدثت إلى دلفين في فترة ما بعد الظهيرة يا لورن، وأخبرتها بأمر الطفلة. كانت تلك هي ~~طفلتها، ولم أخبرك مطلقا بأننا كنا قد تبنينا تلك الطفلة؛ لأنه من شأنه أن يجعل الأمور ~~أسوأ؛ كيف أننا تبنينا تلك الطفلة ثم الطريقة التي أضعناها بها. مرت خمس سنوات ونحن نحاول ~~أن يكون لدينا طفل، واعتقدنا بأن ذلك لن يحدث، ولن نرزق بأحدهم، فتبنينا طفلة. لكن دلفين ~~كانت أم تلك الطفلة في المقام الأول، وأطلقنا على ms214 الطفلة اسم لورن، ثم أسميناك بهذا ~~الاسم؛ أعتقد لأنه كان الاسم المفضل لدينا، كما أنه كان يمنحنا شعورا بأننا نبدأ من جديد. ~~وكانت دلفين ترغب في أن تعرف أخبار ابنتها، واكتشفت أننا نحن من أخذناها، وكان من الطبيعي ~~أن تعتقد خطأ بأنك أنت طفلتها، وقدمت إلى هنا ووجدتك. كان هذا شيئا محزنا. وعندما ~~أخبرتها بالحقيقة أرادت دليلا على هذا الكلام، وأنا أتفهم ذلك تماما؛ لذا أخبرتها بأن ~~تأتي إلى هنا الليلة وأطلعتها على المستندات الخاصة بك. إنها لم تكن ترغب في سرقتك أو أي ~~شيء من هذا القبيل، إنها فقط أرادت أن تصادقك؛ فلقد كانت تشعر بالوحدة والحيرة.» # قامت دلفين بفتح سحاب معطفها كما لو أنها كانت تبغي المزيد من الهواء. # قال: «وأخبرتها بأن الصندوق لا يزال لدينا؛ إذ لم نجد قط الوقت المناسب ل ...» ثم أشار بيده ~~إلى الصندوق المصنوع من الورق المقوى الذي استقر فوق النضد وأردف قائلا: «لذا فقد جعلتها ~~ترى هذا أيضا.» # وأضاف: «لذا فنحن الليلة كعائلة، وإذ أضحى كل شيء واضحا، سنذهب إلى الخارج وننهي الأمر، ~~سنتخلص من كل الشقاء واللوم؛ دلفين وآيلين وأنا، ونريدك أن تأتي معنا؛ فهل توافقيننا الرأي ~~في هذا؟ هل توافقين؟» # قالت لورن: «لقد كنت نائمة، وأعاني من نزلة برد.» # قالت آيلين: «عليك أن ترافقينا كما قال هاري.» # كانت دلفين لا تزال تخفض بصرها ولا ترفعه نحوهم. أخذ هاري الصندوق من فوق النضد وأعطاها ~~إياه وقال: «ربما أنت الأولى بحمله. هل أنت على ما يرام؟» # قالت آيلين: «الجميع بخير، دعونا نذهب.» ~~••• # وقفت دلفين وسط الثلوج وهي تحمل الصندوق، وقالت آيلين: «هل تسمحين لي؟» وأخذته منها في ~~إجلال واحترام، وقامت بفتحه، وكانت على وشك أن تعطيه لهاري، لكنها غيرت رأيها ومدته نحو ~~دلفين ثانية. قامت دلفين بأخذ حفنة صغيرة من الرماد، لكنها لم تأخذ الصندوق ومررته إليهم. ~~أخذت آيلين حفنة هي الأخرى وأعطت الصندوق لهاري. وعندما أخذ هو حفنة من الرماد كان على وشك ~~أن يعطي الصندوق للورن ، لكن آيلين قالت له: ms215 «لا، ليس عليها أن تفعل ذلك.» # كانت لورن قد دست يديها بالفعل في جيبيها. # لم تهب أي رياح؛ لذا سقط الرماد حيث ألقاه كل من هاري وآيلين ودلفين وسط ~~الثلوج. # تحدثت آيلين كما لو كان حلقها محتقنا: «أبانا الذي في السماوات ...» # أكمل هاري بصوت واضح: «هذه لورن طفلتنا التي أحببناها، دعونا نقل ذلك جميعا.» ثم نظر ~~نحو دلفين وآيلين ورددوا جميعهم: «هذه لورن طفلتنا.» كان صوت دلفين خفيضا تماما وهي تتمتم ~~بذلك، أما صوت آيلين فكان يمتلئ بالصدق الذي يشوبه بعض التوتر، وكان هاري يقودهم بصوت رنان ~~تعلوه الجدية الشديدة. # وفي النهاية قالت آيلين مسرعة: «ونحن نودعها ونسلمها إلى الثلوج، واغفر لنا ذنوبنا ~~وخطايانا. اغفر لنا خطايانا.» # في رحلة العودة إلى البلدة جلست دلفين في المقعد الخلفي إلى جوار لورن، وقد فتح لها هاري ~~الباب الأمامي لكي تجلس بجواره، لكنها جاوزته لتجلس في المقعد الخلفي. وقد تخلت عن المقعد ~~الأهم؛ فهي الآن لم تعد حاملة للصندوق. وضعت يدها في جيب معطفها لتخرج منديلا ورقيا، ~~وبينما هي تفعل ذلك جذبت شيئا آخر سقط على أرضية السيارة. أطلقت شهقة لاإرادية، وانحنت ~~لأسفل لكي تحدد مكانه، لكن لورن كانت أسرع منها. التقطت لورن فردة واحدة من القرط الذي ~~طالما رأت دلفين وهي ترتديه؛ كان طويلا يصل إلى كتفها، وبه بعض كرات الخرز التي تعكس ألوان ~~قوس قزح وتعكس بريقا على خصلات شعرها. لا بد وأنها كانت ترتدي هذا القرط في تلك الليلة، ~~لكنها رأت أنه من الأحرى أن تضعه في جيبها. ومجرد ملمس ذلك القرط بكراته اللامعة الباردة ~~المصنوعة من الخرز جعل لورن تتمنى فجأة وهو ينزلق من بين أصابعها أن تختفي بعض الأشياء، وأن ~~تعود دلفين نفس الشخص الذي عرفته في البداية، وهي تجلس خلف النضد في الفندق حيث كانت تتسم ~~بالجرأة والمرح. # لم تنبس دلفين بكلمة. أخذت القرط دون أن تتلامس أصابعهما، لكن لأول مرة في تلك الليلة ~~يلتقي وجهاهما هي ولورن وينظران مباشرة إحداهما إلى الأخرى . اتسعت حدقتا عيني دلفين، ms216 ~~وارتسم على وجهها للحظة تعبيرا مألوفا بالتهكم والتآمر. هزت كتفيها ووضعت القرط في ~~جيبها. كان هذا كل ما حدث بينهما، ومنذ ذاك الحين وجهت نظرها للأمام نحو مؤخرة رأس ~~هاري. # أبطأ هاري من سرعته، ثم توقف لكي ينزلها عند الفندق وقال: «سيكون شيئا لطيفا أن تأتي ~~لتناول طعام العشاء معنا في أي ليلة لا تعملين خلالها.» # قالت دلفين: «إنني غالبا ما أعمل طوال الوقت.» غادرت السيارة وهي تقول: «وداعا.» ولم ~~تكن توجه حديثها لأي منهم على وجه التحديد، ثم سارت بخطى متثاقلة عبر الرصيف المغطى ~~بالثلج إلى داخل الفندق. # قالت آيلين وهم في طريقهم إلى المنزل: «كنت أعرف أنها لن تقبل الدعوة.» # قال هاري: «حسنا، ربما شعرت بالتقدير لدعوتنا هذه على أي حال.» ~~«إنها لا تهتم بأمرنا. لم يكن يهمها سوى لورن حينما كانت تعتقد أنها ابنتها، والآن لم تعد ~~تهمها هي الأخرى.» # قال هاري وقد علا صوته: «لكن نحن نفعل، إنها ابنتنا نحن.» # ثم أردف قائلا: «نحن نحبك يا لورن، كنت أريد فقط أن أعيد عليك هذا الكلام مرة ~~أخرى.» ~~«ابنتها. ابنتنا.» # ثمة شيء شعرت لورن أنه يوخز كاحليها العاريين، فانحنت لترى سبب ذلك، فوجدت بعض ~~النباتات الشائكة؛ كتلة من النباتات الشائكة، تعلق بسروال منامتها. ~~«لقد علقت بي بعض النباتات الشائكة أسفل الثلوج، علقت بي المئات منها.» # قالت آيلين: «سأقوم بنزعها عنك عندما نصل إلى المنزل؛ فليس ثمة ما أستطيع فعله ~~الآن.» # راحت لورن تزيح النباتات بغضب عن منامتها، وبمجرد أن تخلصت منها اكتشفت أنها التصقت ~~بأصابعها، فحاولت أن تتخلص منها بيدها الأخرى، ولكنها سرعان ما علقت بأصابع يدها كلها. شعرت ~~بالتقزز والاشمئزاز من تلك النباتات لدرجة أنها أرادت أن تطرق يدها بعنف لتزيحها وتصرخ ~~بأعلى صوتها، لكن كانت تدرك أنه ليس بمقدورها أن تفعل شيئا سوى الجلوس والانتظار. # | الخدع # 1 # قالت روبن ذات ليلة منذ سنوات: «سأموت، سأموت إن لم يكونوا قد انتهوا من تجهيز ذلك ~~الرداء.» # كانوا يجلسون في الشرفة المظللة للمنزل الخشبي ذي اللون الأخضر الداكن ms217 القابع في شارع ~~إيزاك. وكان ويلارد جريج - الذي يقطن في المنزل المجاور - يلعب الكونكان مع أخت روبن - ~~جوان - على طاولة اللعب. كانت روبن تجلس على الأريكة وهي تتطلع في عبوس إلى إحدى ~~المجلات. كانت رائحة التبغ تمتزج مع رائحة الكاتشاب المغلي المتصاعدة من مطبخ أحد ~~المنازل القائمة على الطريق. # لمح ويلارد شبه ابتسامة على وجه جوان قبل أن تتساءل في صوت غير مبال: «ماذا ~~قلت؟» # قالت روبن في تحد: «لقد قلت إنني سأموت، سأموت إن لم يكونوا قد انتهوا من تجهيز ذلك ~~الرداء بحلول الغد؛ أعني من يقومون بتنظيفه.» ~~«هذا ما اعتقدت أنك قلتيه. ستموتين؟» # لا يستطيع أحد توجيه اللوم لجوان على أي ملاحظة من هذا النوع. # فقد كانت نبرة صوتها شديدة الاعتدال، واحتقارها يغلفه الهدوء الشديد، ولم تكن ~~ابتسامتها - التي اختفت الآن - سوى حركة خفيفة لركن فمها. # قالت روبن بتحد: «نعم سأموت؛ فأنا أحتاجه بشدة.» # قالت جوان موجهة حديثها إلى ويلارد بلهجة من يفشي سرا: «إنها تحتاجه، ستموت ~~بدونه، إنها ستذهب إلى المسرحية.» # قال ويلارد مستنكرا: «والآن يا جوان!» كان والداه، وكذلك هو أيضا، أصدقاء لوالدي ~~الفتاتين - كان لا يزال ينظر إليهما على أنهما فتاتين صغيرتين - والآن وبعد أن رحل ~~الآباء والأمهات جميعهم فقد شعر أن من واجبه أن يمنع البنات - قدر المستطاع - من أن ~~تضايق إحداهما الأخرى. # كانت جوان تبلغ من العمر الآن ثلاثين عاما، أما روبن فكانت في السادسة والعشرين من ~~العمر. كان جسم جوان طفوليا، ذات صدر نحيل، ووجه طويل شاحب، وشعر بني منسدل بنعومة. ~~لم تحاول أن تتظاهر بأي شيء مطلقا سوى أنها شخص غير محظوظ؛ فهي تقف في المنتصف ما بين ~~مرحلة الطفولة والنضج الأنثوي. تعيقها إصابتها بمرض الربو الحاد والمستمر معها منذ ~~الطفولة. ولا يمكن التوقع من شخصية مثل هذه - شخصية لا تستطيع أن تخطو إلى الخارج في ~~الشتاء أو تترك بمفردها طوال الليل - أن يكون لديها ذلك الأسلوب المدمر المتمثل في ~~التقاط حماقات الآخرين ممن هم أكثر حظا منها والتندر عليها، أو ms218 أن تحمل كل هذا الكم ~~من الاحتقار والازدراء. طيلة حياتهم بدا لويلارد أنه ظل يشاهد روبن ودموع الغضب تملأ ~~عينيها، ويسمع جوان وهي تقول: «ما الخطب معك الآن؟» # لم تشعر روبن إلا بوخز بسيط الليلة، وغدا هو يومها الذي تذهب فيه إلى مدينة ~~ستراتفورد، وقد شعرت بالفعل أنها تعيش خارج نطاق جوان بعض الشيء. # سألها ويلارد في محاولة لتهدئة الأمور قدر ما يستطيع: «ما هي المسرحية يا روبن؟ أهي ~~إحدى مسرحيات شكسبير؟» ~~«نعم، إنها مسرحية «كما تحب».» ~~«وهل بإمكانك متابعة مسرحيات شكسبير جيدا؟» # قالت روبن إنه بإمكانها ذلك. ~~«إنك مذهلة.» ~~••• # تواظب روبن على فعل ذلك منذ خمس سنوات؛ فقد كانت تشاهد مسرحية واحدة كل موسم صيف. بدأ ~~الأمر حينما كانت تعيش في ستراتفورد وتتمرن على التمريض. كانت قد ذهبت مع صديقة لها ~~حصلت على تذكرتين مجانيتين من عمتها التي كانت تعمل في مجال الأزياء. شعرت الفتاة ~~صاحبة التذكرتين بالملل الشديد من العرض - كانت مسرحية «الملك لير» - لذا كتمت روبن ~~مشاعرها ولم تفصح عن رأيها، فلم يكن بمقدورها أن تعبر عنه على أي حال، وكانت تفضل ~~أن تغادر المسرح بمفردها، وألا تتحدث لأي شخص لأربع وعشرين ساعة على الأقل. عقدت عزمها ~~حينها على أن تعود إلى المسرح مرة أخرى وأن تأتي بمفردها. # لن يكون ذلك بالشيء الصعب؛ فالمدينة التي نشأت بها، والتي كان عليها أن تحصل على عمل ~~فيها من أجل جوان، لا تبعد سوى ثلاثين ميلا فقط، والناس هناك يعرفون أن مسرحيات شكسبير ~~تعرض في ستراتفورد. بيد أن روبن لم تسمع بأن أحدا ذهب إلى هناك ليشاهد إحداها؛ ~~فالناس ممن هم في مستوى ويلارد يخشون أن ينظر إليهم الجمهور في المسرح بشيء من الازدراء ~~وأن يشعروهم بالدونية، بجانب صعوبة فهم لغة المسرحية، وتعذر المتابعة معها. أما ~~الأشخاص من أمثال جوان فكانوا على ثقة تامة من أنه ما من أحد يمكنه أن يهوى مسرحيات ~~شكسبير؛ لذا فإن حدث وذهب أحد من مدينتها فسيكون هذا مرجعه رغبة من يذهب في الاختلاط ~~بعلية ms219 القوم، والذين بدورهم لا يستمتعون بها، بل يذهبون لمجرد أن يعلنوا أمام الآخرين ~~أنهم قد ذهبوا واستمتعوا بالعرض. أما القلائل ممن اعتادوا مشاهدة العروض المسرحية ~~فيفضلون الذهاب إلى مسرح رويال ألكس في تورونتو حين تقدم إحدى فرق برودواي الموسيقية ~~عروضها هناك. # كانت روبن تهوى الجلوس في مقعد ذي موقع جيد؛ ولذا لم يكن بمقدورها سوى دفع ثمن تذكرة ~~حفلة يوم السبت الصباحية؛ كي يمكنها الحصول على مثل هذا المقعد. اختارت مسرحية تعرض في ~~يوم من أيام إجازتها من المستشفى، ولم تكن قد قرأتها من قبل، ولم تهتم إن كانت من اللون ~~الكوميدي أم التراجيدي. ولم تر مطلقا شخصا واحدا هناك ممن تعرفهم سواء في المسرح أو ~~بالخارج في شوارع المدينة، وكان ذلك يلائمها تماما. وقد قالت لها إحدى الممرضات اللائي ~~يعملن معها ذات مرة: «ليس لدي ما يكفي من الشجاعة التي تمكنني من القيام بذلك ~~بمفردي.» وقد جعل هذا روبن تدرك أنها بالقطع تختلف عمن عداها من الأخريات. لم تشعر من ~~قبل براحة مثل تلك التي تشعر بها في مثل هذه الأوقات؛ حيث يحيط بها الغرباء فقط. وكانت ~~بعد انتهاء العرض تتجول في شوارع وسط المدينة، بجانب النهر، وتبحث عن مكان أسعاره زهيدة ~~كي تتناول فيه الطعام؛ وهو ما كان في العادة عبارة عن شطيرة تتناولها وهي جالسة على أحد ~~المقاعد المرتفعة المقابلة للنضد. وفي تمام الثامنة إلا الثلث كانت تستقل القطار عائدة ~~إلى منزلها؛ وهذا كل ما في الأمر، لكن تلك الساعات القليلة كانت تملؤها بيقين بأن تلك ~~الحياة التي تعود إليها ثانية، والتي كانت تبدو بالنسبة لها مجرد شيء بديل وغير مرض، ~~ما هي إلا شيء مؤقت بمقدورها أن تتقبله وتتكيف معه إلى حين. كذلك فإن ثمة ~~بريقا يطل خلف ذلك، خلف تلك الحياة، خلف كل شيء؛ بريق يتمثل في ضوء الشمس الذي تراه من ~~خلال نوافذ القطار؛ فقد كان ضوء الشمس والظلال الممتدة في حقول الصيف أشبه ببقايا ~~المسرحية التي لا يزال يتردد صداها في رأسها. # كانت ms220 قد شاهدت في العام الماضي مسرحية «أنطونيو وكليوباترا»، وعندما انتهى العرض ~~المسرحي، سارت بجوار النهر كالمعتاد، ولاحظت أن هناك بجعة سوداء تسبح بخفة على سطحه - ~~وكانت أول مرة ترى فيها بجعة بهذا اللون. كانت البجعة بمثابة دخيل بارع يسبح ويأكل على ~~مقربة من البجع الأبيض. ربما كان تلألؤ أجنحة البجع الأبيض هو ما جعلها تفكر في تناول ~~الطعام في أحد المطاعم الحقيقية هذه المرة وليس على النضد في مكان ما؛ فستذهب إلى أحد ~~المطاعم حيث المفارش البيضاء، وبعض الزهور الندية المتفتحة، وكوب من النبيذ، وتتناول ~~شيئا لا تتناوله في المعتاد مثل بلح البحر، أو الدجاج. وأقدمت على تفحص حقيبتها لترى ~~كم معها من النقود. # ولكن لم تكن حقيبتها موجودة؛ فالحقيبة الصغيرة المصنوعة من قماش الكشمير ذات السلسلة ~~الفضية، والتي نادرا ما تحملها، لم تكن معلقة على كتفها كالمعتاد. لقد فقدتها. سارت ~~بمفردها كل ذلك الطريق من وسط المدينة حيث يقع المسرح دون أن تلاحظ أنها اختفت. وبالطبع ~~لم تكن هناك أي جيوب في ردائها، وليست معها تذكرة عودة، أو أحمر شفاه، أو مشط، أو أي ~~نقود، ولو حتى مبلغا ضئيلا. # تذكرت أنها كانت تضع الحقيبة على حجرها طوال مدة المسرحية أسفل برنامج العرض. حتى ~~برنامج العرض ليس معها الآن هو الآخر. أيكون الاثنان قد سقطا على الأرض؟ لكن لا؛ فهي ~~تتذكر أن الحقيبة كانت معها في دورة المياه عندما ذهبت إلى دورة المياه الخاصة ~~بالسيدات؛ فلقد قامت بتعليقها من سلسلتها الفضية على المشجب الموجود خلف الباب، لكنها ~~لم تتركها هناك؛ لا لم تتركها؛ فلقد تطلعت إلى نفسها في المرآة المثبتة فوق حوض غسيل ~~الأيدي، وأخرجت منها المشط وراحت تعبث بخصلات شعرها. كان شعرها أسود ناعما، وبالرغم ~~من أنها كانت تحاول أن تجعله منتفخا كشعر جاكي كينيدي، وتقوم بلفه على بكرات الشعر ~~ليلا، فقد كان يميل للانسدال على كتفيها. أما فيما عدا ذلك فكانت سعيدة وراضية بما ترى ~~من هيئتها. كانت عيناها ذواتي لون رمادي يميل إلى الخضرة ، أما حاجباها فكانا ms221 أسودين، ~~وتميل بشرتها إلى السمرة؛ سواء حاولت أن تجعلها كذلك أم لا فهي مكتسبة لهذا اللون. وما ~~كان يظهر جمال ذلك ويضفي عليه المزيد من الجاذبية هو رداؤها القطني المنفوش بلون ~~الأفوكادو الأخضر، والذي يضيق عند الخصر وبه صف من الثنيات والطيات الصغيرة عند منطقة ~~الورك. # ذلك هو المكان الذي تركت فيه الحقيبة؛ هناك فوق النضد بجوار حوض غسيل الأيدي عندما ~~كانت تتطلع إلى نفسها في إعجاب، وتستدير وتنظر بجانبها لتتمكن من رؤية فتحة الفستان ~~المصممة على شكل رقم 7 من الخلف؛ فقد كانت تعتقد أنها تبدو جميلة من الخلف، ولتتيقن من ~~أن حمالة الصدر لا تظهر من تحت الثوب. # وفي خضم خيلائها وزهوها بذاتها، وسعادتها الزائفة بنفسها، خرجت مسرعة من دورة المياه ~~تاركة حقيبة يدها. # صعدت من حافة النهر إلى الطريق واستدارت عائدة مرة أخرى في اتجاه المسرح من خلال أقصر ~~الطرق وأكثرها استقامة، وسارت بأسرع ما يمكنها. لم يكن هناك أي جزء ظليل بطول الشارع، ~~وكان المرور مزدحما في ذلك الوقت الحار من فترة ما بعد الظهيرة. كادت تجري؛ مما جعل ~~العرق يتصبب من أسفل بطانة فستانها. سارت عبر ساحة انتظار السيارات عند محلات ~~المخبوزات، والتي أصبحت خاوية الآن، ثم صعدت التل الصغير. لم يكن ثمة منطقة ظليلة ~~هناك، ولم تر أثرا لأي شخص حول مبنى المسرح. # لكنه لم يكن مغلقا. وقفت لنحو دقيقة في ردهة المسرح الخالية؛ حتى تستطيع أن ترى ما ~~بالداخل جيدا بعدما ضعفت رؤيتها نتيجة الضوء الساطع بالخارج. كانت تسمع ضربات قلبها، ~~وقد برزت قطرات العرق من فوق شفتها العليا. كان شباك التذاكر مغلقا، وكذا ركن ~~المرطبات، وأغلقت أبواب المسرح الداخلية. هبطت الدرج الذي يؤدي إلى دورة مياه السيدات، ~~وحذاؤها يحدث جلبة على سلالم الدرج الرخامية. # ليتها تكون مفتوحة، ليتها تكون مفتوحة، ليت الحقيبة هناك. # لا، لم يكن هناك شيء على النضد الناعم ذي التعريقات، ولا في داخل سلة المهملات، أو ~~على أي مشجب مثبت في أي من الأبواب. # شاهدت رجلا يقوم بتنظيف أرضية ms222 البهو عندما صعدت لأعلى، وأخبرها أنها ربما تكون في ~~مكتب المفقودات، لكنه كان مغلقا. ترك ما يقوم بتنظيفه على مضض وقادها نحو سلم آخر ~~يؤدي إلى الأسفل حيث توجد غرفة صغيرة لا يوجد بها أي فتحات تهوية تحوي عدة مظلات، وبعض ~~الطرود، بل وحتى السترات، والقبعات، وفراء ثعلب بنيا ذا مظهر مقزز، ولكن لا أثر ~~لحقيبة من الكشمير تحمل على الكتف. # قال: «حظ سيئ.» # قالت له في توسل: «هل من الممكن أن تكون أسفل مقعدي؟» قالتها رغم أنها كانت واثقة ~~أنها ليست هناك. ~~«لقد انتهيت من تنظيف ذلك المكان بالفعل.» # لم يكن بيدها شيء آخر تفعله سوى أن تصعد الدرج وتسير عبر الردهة، وتخرج إلى ~~الشارع. # سارت في الاتجاه المعاكس لساحة السيارات؛ بحثا عن مكان ظليل تسير فيه. بمقدورها ~~تخيل جوان وهي تقول لها إن عامل النظافة أخفى حقيبتها ليأخذها معه إلى منزله ليعطيها ~~لزوجته أو ابنته؛ فهذا هو ما يفعلونه في مكان كهذا. كانت تبحث عن مقعد أو حافة جدار ~~بارزة تستريح عليها بينما تقرر ما ستفعله وتحلل الأشياء التي مرت بها، إلا أنها لم تر ~~ملمحا لشيء حولها في أي مكان. # ظهر من ورائها كلب ضخم، واصطدم بها بينما يمر من جانبها، كان كلبا ذا لون بني داكن، ~~وأرجل طويلة وتعبيرات يعلوها الزهو والعناد. # سمعت رجلا ينادي قائلا: «جونو، جونو، انتبهي إلى أين تذهبين.» # ثم وجه حديثه لروبن: «إنها كلبة صغيرة ووقحة، إنها تعتقد أنها تملك الرصيف، لكنها ~~ليست شريرة. هل انتابك الخوف منها؟» # قالت روبن: «لا.» كان فقدانها لحقيبتها قد شغل كل تفكيرها، ولم تر أن مهاجمة كلب ~~يمكن أن تطغى على ذلك. ~~«عادة ما يشعر الناس بالخوف الشديد عند رؤية كلاب الدوبرمان؛ فالشائع عن كلاب ~~الدوبرمان أنها تتسم بالشراسة، إنها مدربة على أن تظهر شراستها وعنفها عندما تقوم ~~بالحراسة، لكنها لا تفعل ذلك عندما آخذها لتتريض.» # كانت روبن بالكاد تستطيع التفرقة بين سلالة كلب عن الآخر؛ إذ إن أسرتها لم تقتن ~~يوما كلبا أو قطا بسبب ms223 مرض الربو الذي يلازم جوان. # قالت: «لا بأس.» # وبدلا من السير في اتجاه المكان الذي تنتظر فيه الكلبة جونو، ناداها مالكها لتعاود ~~أدراجها ثانية، وقام بتوثيق السلسلة التي يحملها في الطوق الذي ترتديه الكلبة، وقال: ~~«إنني أطلق سراحها على الحشائش أسفل المسرح فقط؛ فهي تهوى ذلك، لكن كان ينبغي أن أقوم ~~بتوثيقها هنا، إلا أنني تكاسلت عن فعل هذا. ماذا بك؟ هل أنت مريضة؟» # لم تشعر روبن حتى بالدهشة حيال ذلك التغيير في دفة الحوار. قالت: «فقدت حقيبتي. لقد ~~كان خطئي، تركتها بجوار حوض غسيل الأيدي في دورة المياه بالمسرح وعدت ثانية لأبحث عنها ~~لكني لم أجدها. لقد مضيت وتركتها هناك بعد انتهاء المسرحية.» ~~«ما المسرحية التي كانت معروضة اليوم؟» # قالت: «أنطونيو وكليوباترا. إن بها كل نقودي بالإضافة إلى تذكرة العودة ~~بالقطار.» ~~«هل أتيت بالقطار لتشاهدي أنطونيو وكليوباترا؟» ~~«نعم.» # تذكرت النصيحة التي كانت تسديها أمها إليها وإلى جوان بشأن السفر بالقطار، أو ~~السفر بوجه عام لأي مكان؛ وهي الاحتفاظ دائما ببعض النقود وطيها وتثبيتها في الملابس ~~الداخلية، وعدم التحدث إلى أي شخص غريب. ~~«علام تبتسمين؟» ~~«لا أدري.» # قال: «ابتسمي كيفما تشائين؛ لأنه يسعدني أن أقرضك بعض النقود من أجل تذكرة القطار؛ ~~متى سيغادر؟» # أخبرته بموعد قيام القطار، وقال: «حسنا، لكن قبل أن تغادري عليك بتناول بعض الطعام، ~~وإلا ستشعرين بالجوع ولن تستمتعي برحلة القطار. ليس معي شيء الآن؛ لأنني لا أحمل معي أي ~~نقود عندما آخذ جونو في جولتها اليومية، لكن متجري لا يبعد كثيرا عن هنا، تعالي معي ~~وسأجلب بعض النقود من الدرج.» # كان ذهنها مشغولا إلى الآن، لدرجة أنها لم تلحظ أنه يتحدث بلكنة مختلفة. ما عساها أن ~~تكون؟ إنها ليست بفرنسية أو ألمانية؛ فكلتاهما تستطيع أن تميزها؛ فهي تعرف الفرنسية من ~~دراستها لها بالمدرسة، أما الألمانية فعرفتها من خلال بعض المهاجرين ممن يترددون ~~أحيانا على المستشفى التي تعمل بها لتلقي العلاج. والشيء الآخر الذي لاحظته هو أنه ~~تحدث عن استمتاعها برحلة القطار، فما من أحد تعرفه تحدث ms224 عن شعور شخص بالغ بذلك، ~~لكنه تحدث عن ذاك الأمر باعتباره شيئا طبيعيا ولازما. # عند منعطف شارع داوني قال: «سننعطف في ذلك الاتجاه؛ فمنزلي يقع هناك.» # قال «منزلي»! ألم يقل «متجري» من قبل، ربما يقع متجره داخل المنزل. # لم تكن تشعر بالقلق، وتعجبت من ذلك الشعور فيما بعد. قبلت عرضه بالمساعدة دون لحظة ~~تردد واحدة، وسمحت له بإنقاذها، ووجدت أنه من الطبيعي تماما ألا يحمل معه أي نقود ~~أثناء تريضه، لكنه يستطيع إحضار النقود من درج النقود بالمتجر. # ربما كانت لكنته هي سبب عدم شعورها بالقلق؛ فقد كانت بعض الممرضات يتندرن على لكنة ~~المزارعين الألمان وزوجاتهم، وكان ذلك بالطبع من وراء ظهورهم؛ لذا اعتادت روبن على ~~معاملة هؤلاء الأشخاص ببعض المراعاة، كما لو أنهم يعانون من مشاكل في الكلام أو من ~~التأخر العقلي، بالرغم من أنها كانت تعلم أن ذلك محض هراء؛ ولذا فاللكنة المختلفة ~~تولد بداخلها نوعا من الدماثة واللطف. # لم تكن قد أمعنت النظر فيه جيدا؛ فقد كانت مستاءة بشدة في البداية، إلا أنه كان من ~~الصعب بعد ذلك تبين هيئته عن كثب؛ لأنهما كانا يسيران جنبا إلى جنب. كان طويل ~~القامة، وذا ساقين طويلتين أيضا، ويسير بخطوات سريعة. والشيء الوحيد الذي لاحظته ~~بالفعل هو شعاع الشمس المتلألئ فوق شعره القصير، وبدا لها أنه بلون الفضة اللامعة؛ لقد ~~كان رماديا. أما جبهته العريضة العالية فهي الأخرى تلمع في ضوء الشمس، وتولد لديها ~~انطباع بأنه من الجيل الذي يسبقها. بدا لطيفا وكيسا، ولكنه قليل الصبر بعض الشيء، من ~~ذلك النوع من الأشخاص الذين يشبهون معلمي المدارس؛ إذ بدا مسيطرا، يفرض الاحترام وليس ~~الحميمية. استطاعت فيما بعد داخل المنزل أن ترى أن خصلات شعره الرمادية تختلط ببعض ~~الخصلات الحمراء المشوبة بالاصفرار - بالرغم من أن بشرته كانت زيتونية تميل إلى السمرة، ~~وهو شيء غير اعتيادي لذوي الشعر الأحمر - وكانت حركته داخل المنزل غريبة بعض الشيء كما ~~لو أنه لم يعتد على أي نوع من الصحبة في منزله. يحتمل أنه يكبرها بنحو ms225 عشر سنوات على ~~الأكثر. # كانت قد وثقت به لأسباب غير صحيحة؛ بيد أنها لم تكن مخطئة في ثقتها تلك. # كان المتجر يقع بالفعل داخل المنزل. وكان منزلا صغيرا بني من القرميد، بدا أنه ~~يعود لسنوات طويلة ماضية، وكان يقع في شارع تصطف به المباني المصممة في الأساس لتكون ~~متاجر. كان هناك ذلك النوع من الأبواب الأمامية، ثم درجة واحدة للصعود، ونافذة من ذلك ~~النوع الذي تجده في أي منزل عادي، وكانت هناك ساعة أنيقة معلقة بها. قام بفتح الباب؛ ~~بيد أنه لم يقم بقلب اللافتة المكتوب عليها مغلق. زاحمتهما جونو وتقدمت طريقهما، ~~واعتذر هو مرة أخرى عن سلوكها. ~~«إنها تعتقد أنه من واجبها أن تتيقن من أنه لا يوجد أحد ليس من حقه الوجود هنا، ولا ~~تختلف عن ذلك كثيرا عندما تذهب إلى الخارج.» # كان المكان مزدحما بالساعات ذات اللون الخشبي الداكن والفاتح، ذات الأرقام الملونة ~~والقباب المطلية بالذهب. كانت موضوعة فوق الأرفف والأرضية، بل حتى فوق النضد الذي يتم ~~خلاله المعاملات التجارية. وبخلاف ذلك كانت هناك بعض الساعات التي استقرت فوق المقاعد ~~وأجزاؤها الداخلية مكشوفة. انسلت جونو من بينهما بمهارة وخفة، واستطاعا سماعها، وهي ~~تصعد الدرج وتدب بقوائمها. ~~«هل تهتمين بالساعات؟» # قالت روبن قبل أن تفكر بأنه كان عليها أن تكون أكثر لطفا: «لا.» # قال: «حسنا؛ فليس علي أن أسترسل في حديثي الجاذب عنها.» ثم قادها عبر الممر الذي ~~اتخذته جونو مرورا بأحد الأبواب الذي رجحت أن يكون باب دورة المياه، ثم صعدا درج ~~السلم شديد الانحدار، وأصبحا أمام المطبخ الذي رأته لامعا ومرتبا ونظيفا، وكانت جونو ~~تنتظر بجانب صحن أحمر موضوع على الأرض وهي تهز ذيلها. # فقال لها: «عليك بالانتظار، ألا ترين أننا لدينا ضيف؟» # أفسح الطريق لروبن لكي تدلف إلى الحجرة الأمامية الواسعة والتي لم تغط ألواحها ~~الأرضية العريضة الملونة أي نوع من الأبسطة، ولا توجد أي ستائر على النوافذ؛ مجرد شيش ~~نوافذ فحسب. كذلك كان يوجد نظام نقل الصوت العالي، والذي يحتل مساحة كبيرة من أحد ms226 ~~الحوائط، وأريكة تمتد بطول الحائط المقابل من ذلك النوع الذي يتم جذبه للخارج فيصير ~~فراشا، كان هناك أيضا مقعدان من القماش، وخزانة كتب موضوع على أحد رفوفها مجموعة من ~~الكتب، وعلى رف آخر مجموعة من المجلات المكدسة بعناية وترتيب، ولم تر أي لوحات أو ~~وسائد أو أي نوع من أنواع الزخارف. كانت غرفة شخص عازب؛ حيث كل شيء موضوع في مكانه عن ~~قصد، وله ضرورة، ويعبر عن رضا صاحبه وارتياحه لكل ما هو بسيط دون تكلف. كانت تختلف عن ~~مقر إقامة العازب الآخر الوحيد الذي تعرفه روبن؛ فحجرة ويلارد جريج كانت أشبه بأحد ~~المخيمات المهجورة التي تأسست مصادفة وسط أثاث والديه المتوفيين. # قال: «أين تفضلين الجلوس؟ على الأريكة؟ إنها مريحة أكثر من المقاعد، سأعد لك قدحا ~~من القهوة. فلتجلسي هنا وتحتسيه بينما أعد لك طعام العشاء. ماذا تفعلين في الأوقات ~~الأخرى ما بين انتهاء العرض المسرحي وإقلاع القطار إلى مدينتك؟» # إن الأجانب يتحدثون بطريقة مختلفة، ويتركون مساحة صمت بين الكلمات مثلما يفعل ~~الممثلون. # قالت روبن: «أتريض فحسب ثم أذهب لتناول أي طعام.» ~~«كما كنت تفعلين اليوم إذن. أتشعرين بالملل وأنت تتناولين الطعام بمفردك؟» ~~«لا، أفكر حينها في المسرحية.» # كانت القهوة ذات نكهة قوية، لكنها اعتادت على مذاقها. لم تشعر أن عليها أن تعرض عليه ~~المساعدة في المطبخ كما تفعل مع أي امرأة. نهضت من مكانها وقطعت أرض الحجرة وهي تكاد ~~تسير على أطراف أصابعها، وأحضرت مجلة لتقرأ فيها، لكن حتى عندما أمسكت المجلة أيقنت أنه ~~لا طائل من قراءتها؛ فالمجلة مطبوعة من ورق بني زهيد الثمن، ومكتوبة بلغة لم تستطع ~~قراءتها أو فهمها. # بل إنها في الحقيقة أدركت بمجرد أن فتحتها وهي تضعها على حجرها أنها حتى لا تستطيع ~~التعرف على أحرف الهجاء. # دلف إلى الحجرة حاملا معه المزيد من القهوة. # قال: «أوه، إذن هل تستطيعين قراءة لغتي؟» # كانت لهجته تبدو ساخرة، لكنه تجنب النظر إليها؛ فقد بدا الأمر كما لو أنه قد شعر ~~بالخجل في منزله. # أجابته قائلة: «إنني ms227 حتى لا أدري ما هي هذه اللغة.» # قال: «إنها اللغة الصربية. وبعض الناس يطلقون عليها الصربية الكرواتية.» ~~«وهل أتيت من تلك البلد؟» ~~«إنني من مونتينيجرو.» # شعرت بالحيرة، إنها لا تعرف أين تقع مونتينيجرو. أهي بجوار اليونان؟ لا، تلك الأخرى ~~هي مقدونيا. # قال: «مونتينيجرو في يوغسلافيا، أو هكذا يخبروننا، لكننا لا نعتقد هذا.» # قالت: «لم أكن أعتقد أن بمقدورك أن تخرج من واحدة من تلك الدول؛ أعني الدول الشيوعية. ~~لم أكن أعتقد أنه يمكنك أن تتركها مثل الأشخاص العاديين وتخرج منها إلى الغرب.» # تحدث وكأن ذلك لم يستهوه كثيرا، أو كأنما قد نسي الأمر برمته وقال: «لا، بل ~~بمقدورك هذا، بمقدورك أن تتركيها إن أردت. لقد غادرتها منذ ما يقرب من خمس سنوات، وقد ~~أصبح الأمر أيسر الآن، وقريبا ما سأعود إليها وأتوقع أن أغادرها ثانية على عجل. والآن ~~علي أن أعد طعام العشاء وإلا ستذهبين وأنت جائعة.» # قالت روبن: «هناك شيء واحد فقط أود الاستفسار عنه؛ لم لا أستطيع قراءة هذه الأحرف؟ ~~أعني ما هذه الأحرف؟ هل هذه هي الأبجدية الخاصة بموطنك؟» ~~«إنها الأبجدية السيريلية، مثل الأحرف اليونانية. والآن إنني أعد الطعام.» # جلست وصفحات المجلة المطبوعة بالأبجدية الغريبة على حجرها، واعتقدت أنها دخلت إلى ~~عالم غريب؛ قطعة صغيرة من عالم غريب في شارع داوني بستراتفورد، مونتينيجرو، الأبجدية ~~السيريلية. اعتقدت أنه من الوقاحة أن تواصل طرح الأسئلة عن الأشياء التي تخصه، كما لو ~~كان إحدى العينات التي تفحصها. كان عليها أن تتحكم في نفسها بالرغم من أن لديها الآن ~~الكثير من الأسئلة. # راحت كل الساعات الموجودة بالطابق السفلي أو معظمها تدق؛ لقد كانت السابعة ~~بالفعل. # ناداها من المطبخ: «هل هناك قطار آخر يقوم متأخرا؟» # قالت: «نعم، في العاشرة إلا خمس دقائق.» # قال: «أهذا يناسبك؟ ألن يشعر أحد بالقلق عليك؟» # قالت: «لا، جوان ستشعر بالاستياء، لكننا لا نستطيع أن نطلق على ذلك شعورا ~~بالقلق.» ~~••• # كان طعام العشاء عبارة عن اليخنة، أو نوع من الحساء الثقيل المقدم في صحون صغيرة مع ~~قطع الخبز ms228 والنبيذ الأحمر. # قال: «إنه ستروجانوف اللحم، آمل أن يعجبك مذاقه.» # قالت بصدق: «إنه لذيذ حقا.» أما النبيذ فلم تكن واثقة من رأيها بشأنه؛ فهي تحبه ~~أكثر حلاوة من ذلك. «أهذا ما تتناولونه في مونتينيجرو؟» ~~«لا، ليس تماما؛ فطعام مونتينيجرو ليس جيدا، فنحن لا نشتهر بطعامنا.» # لذا كان من المناسب بالقطع أن تقول: «بم تشتهرون؟» # سألها: «وماذا عن بلدك؟» ~~«أنا من كندا.» ~~«لا، أقصد ما تشتهرون به.» # أربكها ذلك، وشعرت بالغباء، لكنها مع ذلك ضحكت. ~~«لا أدري. أعتقد أننا لا نشتهر بشيء.» ~~«ما يشتهر به المونتينيجريون هو الصياح والصراخ والشجار؛ فهم مثل جونو بحاجة لتعلم ~~النظام.» # نهض لتشغيل بعض الموسيقى، ولم يسألها عما تفضل سماعه، وكان هذا مريحا لها؛ فلم تكن ~~تريد أن يسألها عن مؤلفي الموسيقى الذين تهواهم، بينما كل من تستطيع ذكر أسمائهم هما ~~موتسارت وبيتهوفن، ولا تثق حتى في أنه يمكنها التحدث عن مؤلفات أي منهما. إنها في ~~الواقع كانت تهوى الموسيقى الشعبية، لكنها اعتقدت أنه ربما يرى اختيارها ذلك مزعجا وبه ~~شيء من التنازل، ومن الممكن أن يربط ذلك ببعض أفكارها عن مونتينيجرو. # قام بتشغيل نوع من موسيقى الجاز. ~~••• # لم يكن لروبن قط حبيب أو حتى صديق. كيف حدث هذا، أو لم يحدث؟ لا تدري. كان ذلك بسبب ~~جوان بالقطع، لكن هناك بعض الفتيات اللاتي نجحن في إقامة علاقات على الرغم من أنهن كن ~~مثلها؛ مثقلات بالأعباء. ربما يكون سبب ذلك راجعا إلى أنها لم تعر المسألة الكثير ~~من الاهتمام في الوقت المناسب؛ ففي المدينة التي عاشت بها، كانت معظم الفتيات يرتبطن ~~بعلاقات جدية قبل أن ينهين دراستهن في المدرسة الثانوية، وبعضهن لا ينهين دراستهن ~~وينتهي بهن المطاف بالزواج. أما الفتيات اللاتي كن ينتمين لطبقات أعلى - وهن قليلات من ~~اللواتي استطاع أولياء أمورهن إرسالهن إلى الجامعة - فكان من المتوقع أن يقطعن علاقتهن ~~بأي صديق من المدرسة الثانوية قبل الذهاب للبحث عن فرص أفضل. وسرعان ما تخطف فتيات ~~أخريات الفتيان المنفصلين. أما الفتيات اللاتي لم يتحركن سريعا فيجدن ms229 أنفسهن أمام ~~اختيارات رديئة. وبعد سن معينة فإن أي رجل جديد يظهر قد يأتي ومعه زوجة ~~بالفعل. # لكن روبن قد حصلت على فرصتها بالفعل. لقد ذهبت لتتمرن على التمريض، وهو الشيء الذي ~~يفترض أنه منحها بداية جديدة؛ فالفتيات اللاتي تمرن على التمريض واتتهن فرص الارتباط ~~بالأطباء، أما هي فقد أخفقت في هذا أيضا؛ إذ لم تدرك تلك الفرصة في حينها. لقد كانت ~~تتسم بالجدية، وربما هنا كانت تكمن المشكلة. كانت جادة بشأن أشياء كمسرحية «الملك لير»، ~~ولم تكن جادة بشأن استغلال حفلات الرقص وممارسة التنس. فبعض الجدية التي تتسم بها ~~الفتاة قد تحول عنها النظرات. بيد أنه من الصعب أن تفكر في حالة واحدة حسدت فيها ~~أي فتاة أخرى على رجل ارتبطت به، بل إنها لا تستطيع أن تفكر في أي شخص تمنت الارتباط ~~به. # وهي ليست ضد فكرة الزواج كلية؛ إنها فقط تنتظر كما لو أنها فتاة في الخامسة عشرة من ~~عمرها، غير أنها بين الحين والآخر كانت تواجه وتدرك موقفها الحقيقي بأنها ليست كذلك. ~~وفي بعض الأحيان كانت واحدة من السيدات اللاتي يعملن معها ترتب مقابلة لها مع أحد ~~الأشخاص، ثم يحدث أن تتلقى صدمة من الشخص الذي يعتبره الآخرون مناسبا لها. بل وحتى ~~ويلارد أفزعها منذ وقت قريب حينما مزح قائلا إنه عليه أن ينتقل للعيش معهم في يوم من ~~الأيام ويعاونها في العناية بجوان. # كان هناك بعض الأشخاص يلتمسون لها العذر بالفعل، بل ويثنون عليها مسلمين بأنها قد ~~حسمت أمرها من البداية وخططت لتكريس حياتها لأختها جوان. ~~••• # عندما انتهيا من تناول الطعام سألها إن كانت ترغب في جولة على ضفة النهر قبل أن تستقل ~~القطار، ووافقت على الفور، لكنه أخبرها أنه لا يستطيع أن يفعل ذلك إلا إذا عرف اسمها ~~أولا. # وقال لها: «قد أحتاج إلى تقديمك إلى أحدهم.» # أخبرته باسمها. # قال: «روبن على اسم الطائر؟» # قالت: «على اسم طائر الروبن ذي الصدر الأحمر.» قالتها تماما كما قالتها قبل ذلك ~~مرارا دون تفكير، شعرت بالحرج الشديد ms230 ولم يكن في استطاعتها فعل شيء سوى التحدث بعدم ~~اكتراث. ~~«دورك الآن لكي تخبرني باسمك.» # كان اسمه دانييل، «إنه دانيلو في الواقع، لكنه هنا دانييل.» # قالت بنفس اللهجة الطائشة التي تولدت نتيجة شعورها بالحرج مما قالته عن طائر الروبن ~~ذي الصدر الأحمر: «إذن ما هنا يستخدم هنا، ولكن أين تقطن هناك؟ أي في مونتينيجرو؛ هل ~~تعيش في المدينة أم في الريف؟» ~~«لقد كنت أعيش في الجبال.» # بينما كانا يجلسان في الغرفة التي تعلو متجره كانت هناك مسافة تفصل بينهما، ولم تشعر ~~مطلقا بالخوف، ولم تتمن مطلقا أن تتبدل تلك المسافة بحركة فظة، أو جريئة، أو ماكرة ~~من جانبه. وفي المناسبات القليلة التي حدث فيها ذلك مع رجال آخرين كانت تشعر بالحرج ~~الشديد من أجلهم، ولكن للضرورة الآن كانت تسير هي وذلك الرجل جنبا إلى جنب، وإذا ما ~~حدث وصادفا شخصا في طريقهما فقد تتلامس ذراعاهما معا، أو ربما تحرك قليلا خلفها ~~ليفسح لها الطريق، وهنا قد تلامس ذراعه أو صدره ظهرها لثوان. وقد خلفت هذه ~~الاحتمالات، ونظرة الناس ممن يقابلانهم في الطريق لهما كعاشقين، بداخلها نوعا من ~~الرجفة والتوتر اللذين يسريان من كتفيها إلى تلك الذراع التي لامسته. # سألها عن «أنطونيو وكليوباترا»، وهل راقت لها المسرحية أم لا، وأجابته بالإيجاب، ~~وسألها عن أكثر جزء استهواها، فكانت مشاهد العناق الجريئة والمقنعة هي أول ما تبادر إلى ~~ذهنها، لكنها لم تستطع أن تقول ذلك بالقطع. # قالت: «ذلك الجزء في النهاية عندما أوشكت على وضع الأفعى على جسدها.» كانت على وشك أن ~~تقول: على صدرها، لكنها غيرت رأيها، لكن كلمة «جسدها» لم تبد أفضل، «ثم دخل ذلك الرجل ~~العجوز وفي يده سلة التين وبداخلها الأفعى، وراحوا يمزحون. أعتقد أن هذا المشهد أعجبني؛ ~~لأنك لا تتوقع شيئا كهذا في تلك اللحظة؛ أعني أنني أحببت مشاهد أخرى أيضا، لقد راقت ~~لي جميعها، لكن ذلك المشهد كان مختلفا.» # قال: «نعم، لقد أعجبني هذا المشهد أنا أيضا.» ~~«هل شاهدت المسرحية؟» ~~«لا، إنني أدخر نقودي الآن ، لكني قرأت ms231 العديد من أعمال شكسبير ذات مرة؛ فالطلبة ~~يقرءونها عندما يتعلمون اللغة الإنجليزية. في الصباح كنت أتعلم كل شيء عن الساعات، وفي ~~المساء كنت أتعلم اللغة الإنجليزية. وأنت ماذا تعلمت؟» # قالت: «لم أتعلم الكثير في الواقع من المدرسة، لكني بعد ذلك تعلمت ما يؤهلني لكي أصبح ~~ممرضة.» ~~«أعتقد أنك تعلمت الكثير كي تصبحي ممرضة. أعتقد هذا.» # تحدثا بعد ذلك عن طقس المساء المعتدل، وكيف كان له وقع محبب عليهما، وأن فترة الليل ~~قد امتدت بشكل ملحوظ بالرغم من أنهما لا يزال أمامهما شهر أغسطس كله. ثم تجاذبا الحديث ~~بعد ذلك عن جونو وكيف أنها كانت تريد الخروج معهما، لكنها هدأت على الفور عندما ذكرها ~~بأنها يجب أن تبقى لكي تحرس المتجر. بدا ذلك الحديث شيئا فشيئا وكأنه ذريعة متفق ~~عليها للاسترسال؛ ستار تقليدي لشيء ينمو بداخلهما وأصبح حتميا ولا مفر من حدوثه ~~بينهما. # لكن وسط أضواء محطة القطار تلاشى على الفور ذلك الشعور الذي كان غامضا وواعدا بحدوث ~~أمر ما. كان هناك الكثير من الأشخاص الذين اصطفوا أمام شباك التذاكر، ووقف هو خلفهم، ~~منتظرا دوره، ثم ابتاع لها تذكرة. ساروا على رصيف محطة القطار حيث ينتظر الركاب ~~الآخرون. # قالت: «هلا كتبت اسمك كاملا وعنوانك على قصاصة من الورق، وسوف أرسل لك النقود على ~~الفور حالما أعود.» # حدثت نفسها قائلة بأن شيئا ما سيحدث الآن، لكن لم يحدث شيء، ولم يطرأ جديد الآن. ~~وداعا، أشكرك، سأرسل النقود، لا داعي للعجلة، أشكرك، ليس ثمة إزعاج، أشكرك أنت ~~أيضا، وداعا. # قال: «دعينا نسر هناك.» ثم سارا بطول رصيف المحطة بعيدا عن أضوائها. ~~«من الأحرى ألا تقلقي بشأن النقود، ليست سوى مبلغ ضئيل، وقد لا تصل هنا على أي حال؛ ~~لأني سأرحل من هنا قريبا، وفي بعض الأحيان يصل البريد متأخرا.» ~~«لكني يجب أن أرد لك نقودك.» ~~«سأقول لك كيف تردين نقودي إذن، هل تنصتين جيدا؟» ~~«نعم.» ~~«سآتي إلى هنا الصيف القادم في نفس المكان، وذات المتجر، الصيف القادم؛ لذا ستختارين ~~المسرحية التي تفضلينها وتأتين ms232 إلى هنا بالقطار ثم إلى المتجر.» ~~«سأرد لك النقود حينها؟» ~~«أوه، نعم، وسأعد طعام العشاء ونحتسي النبيذ، وسأخبرك بما حدث طيلة العام الماضي، ~~وأنت كذلك ستقصين لي ما مر بك، وهناك شيء آخر أريده منك.» ~~«ما هو؟» ~~«سترتدين نفس الفستان؛ نفس فستانك الأخضر، ونفس تصفيفة الشعر.» # ضحكت قائلة: «حتى تعرفني.» ~~«نعم.» # وصلا إلى نهاية رصيف المحطة، وقال وهما يخطوان فوق الأرض المفروشة بالحصى: «احترسي.» ~~ثم أردف: «اتفقنا؟» # قالت روبن: «نعم.» وقد بدا بعض الارتباك في صوتها؛ إما بسبب سطح الأرض غير الثابت ~~بفعل الحصى، أو لأنه قد أمسكها من كتفيها ثم تحركت يداه لأسفل على ذراعيها ~~العاريتين. # قال: «أعتقد أن لقاءنا كان شيئا مهما، أظن هذا، هل توافقينني في ذلك؟» # قالت: «نعم.» ~~«نعم، نعم هو كذلك.» # دس يديه تحت ذراعيها ليجذبها نحوه أكثر ويطوق خصرها بذراعيه، وراحا يتبادلان ~~القبلات مرات ومرات. # كان حوار القبلات هامسا رقيقا، أخاذا، يتسم بالجرأة والتحول. وعندما انتهيا كان ~~كلاهما يرتعدان، واستطاع بصعوبة أن يستعيد رباطة جأشه ويحاول أن يتحدث بلهجة خالية من ~~المشاعر. ~~«لن نتبادل أي رسائل؛ فالرسائل ليست بالفكرة الجيدة، سيتذكر أحدنا الآخر فحسب، وليس ~~عليك أن تخبريني قبل أن تأتي، تعالي فقط. إن كنت تحملين نفس المشاعر فستأتين ~~فحسب.» # سمعا صوت القطار وهو قادم، وساعدها في الصعود إلى الرصيف ولم يلمسها ثانية، لكنه سار ~~بسرعة بجوارها وتحسس شيئا في جيبه. # وقبل أن يغادرها أعطاها قصاصة ورقة مطوية وقال: «كتبتها قبل أن نغادر ~~المتجر.» # وفي القطار قرأت اسمه؛ «دانيلو أدزيك»، والكلمات بييلويفيتشيه؛ قريتي. ~~••• # وصلت مدينتها وسارت في الظلام تعلوها الأشجار، ولم تكن جوان قد أوت إلى فراشها؛ حيث ~~كانت جالسة تلعب لعبة سوليتير. # قالت روبن: «آسفة، لقد فاتني القطار الذي يغادر مبكرا، تناولت لحم الستروجانوف على ~~العشاء.» ~~«إذن، فهذا ما أشم رائحته الآن.» ~~«وكأسا من النبيذ.» ~~«يمكنني أن أشم ذلك أيضا.» ~~«أعتقد أنني سأذهب إلى الفراش مباشرة.» ~~«أظن أن عليك ذلك.» # تذكرت روبن في نفسها وهي تصعد الدرج بيت شعر للشاعر ويليام وردزوورث. # كم ms233 كان ما حدث شيئا سخيفا، بل إنه مدنس، إن جاز القول فإنه يعد انتهاكا ~~للحرمات. ما معنى أن يقبلها رجل غريب في رصيف محطة القطار، ويطلب منها أن تقص عليه ما ~~حدث لها في فترة عام. إن علمت جوان بأمر ذلك ماذا ستقول؟ رجل أجنبي؟ إن الأجانب يلتقطون ~~الفتيات اللاتي لا يرتبط بهن أحد آخر. # ظلت الأختان بالكاد تتبادلان الحديث لمدة أسبوعين، وقد شعرت جوان بالراحة عندما لم ~~تر أي مكالمات هاتفية أو أي رسائل تأتي، وأن روبن لا تخرج في الأمسيات إلا للذهاب إلى ~~المكتبة. إنها تدرك أن هناك شيئا ما قد تغير، لكنها لم تكن تعتقد أنه بالأمر الجاد، ~~وبدأت تتندر وتلقي النكات مع ويلارد. # قالت ذات مرة على مسمع من روبن: «أوتدري أن فتاتنا هنا قد بدأت تقوم بمغامرات غامضة ~~في ستراتفورد؟ نعم. كما أخبرك. أتت إلى المنزل تفوح منها رائحة الشراب واللحم. أتعرف ~~ماذا كانت تشبه تلك الرائحة؟ رائحة القيء.» # كان في اعتقادها أن روبن ذهبت إلى أحد المطاعم الغريبة التي تقدم بعض الأطباق ~~الأوروبية وطلبت كأسا من النبيذ بجانب وجبتها؛ معتقدة أن ذلك يجعل منها فتاة ~~راقية. # كانت روبن قد ذهبت إلى المكتبة لتقرأ شيئا عن مونتينيجرو. # قرأت جزءا يقول: «لأكثر من قرنين من الزمن ظل أهل مونتينيجرو في صراع مع الأتراك ~~والألبان وهو ما كان بالنسبة لهم واجب كل إنسان (ومن هنا شاع عن أهل مونتينيجرو أنهم ~~يتسمون بالكبرياء ويميلون إلى العدائية والشجار وينفرون من العمل، وكان هذا مصدر تندر ~~ونكات اليوغسلافيين).» # لكنها لم تستطع أن تعرف أي قرنين يقصدهما الكتاب. قرأت عن الملوك، والقساوسة، ~~والحروب، والنزاعات والاغتيالات، وقرأت عن أعظم القصائد الصربية على الإطلاق، والتي ~~كانت تحمل عنوان: «جبل جارلاند»، والتي كتبها ملك مونتينيجرو. لم تستطع أن تحتفظ بكلمة ~~مما قرأت فيما عدا الاسم، الاسم الحقيقي لمونتينيجرو، والذي لم تعرف كيف تنطقه؛ وهو ~~جرنا جورا. # راحت تنظر إلى الخرائط حيث كان من الصعب أن تحدد مكان البلد ذاته، لكنها نجحت في ~~النهاية من ms234 خلال العدسة المكبرة أن تتعرف على أسماء مدن عدة - ولم يوجد بينها اسم ~~بييلويفيتشيه - واستطاعت أن تتعرف على أنهار موراكا وتارا، وترى السلاسل الجبلية ~~المظللة في الخريطة، والتي بدت في كل مكان ما عدا وادي زيتا. # كان من الصعب تفسير احتياجها للاستمرار في ذلك الاستقصاء، ولم تحاول هي حتى تبريره ~~(بالرغم من أن الجميع كانوا يلاحظون حضورها الدائم في المكتبة وانهماكها في القراءة)، ~~لكن كان كل ما تحاول فعله - وهو شبه ما نجحت في فعله على الأقل - هو أن تحدد مكان ~~دانيلو الفعلي وتاريخه الحقيقي، وأن تعتقد أنه بالقطع يعرف كل تلك الأسماء التي ~~تتعلمها، وأن ذلك التاريخ هو ما قد تعلمه بالفعل في المدرسة، وأنه زار بعضا من هذه ~~الأماكن سواء عندما كان طفلا أو شابا، وربما يزور هذه الأماكن في الوقت الحالي. ~~وعندما تلامس أصابعها اسما مطبوعا لموقع على الخريطة، تشعر أنها ربما لمست المكان ~~الذي يوجد به الآن. # حاولت أن تعرف أيضا من خلال بعض الكتب والرسوم البيانية أي شيء يتعلق بصناعة ~~الساعات، لكنها لم تنجح في ذلك. # ظل ملازما لها في أفكارها. كانت تفكر به عندما تستيقظ من النوم وفي أوقات الراحة ~~بالمستشفى. وقد جعلتها احتفالات أعياد الميلاد تفكر في طقوس الكنيسة الأرثوذكسية - التي ~~كانت قد قرأت عنها - حيث القساوسة ذوو اللحى الطويلة في زيهم الكهنوتي الذهبي، والشموع ~~المتلألئة، وعبق البخور والترانيم الحزينة التي تتردد بلغة أجنبية. وقد جعلها الطقس ~~البارد والجليد المتراكم فوق البحيرة تفكر في الشتاء في الجبال. شعرت وكأنها اختيرت لكي ~~ترتبط بذلك الجزء الغريب من العالم، اختيرت لتلقى نوعا غريبا من القدر. واعتادت أن ~~تردد على نفسها كلمات مثل «القدر» و«الحبيب» وليس «الصديق» وإنما «الحبيب». كانت تتذكر ~~في بعض الأحيان أسلوبه العفوي الذي شابه بعض التردد عندما تحدث عن الذهاب إلى بلده ~~والخروج منها، وشعرت بالخوف عليه، وتخيلت أن يكون قد وقع في مكائد شريرة، أو مؤامرات ~~تشبه مؤامرات السينما، أو أنه يواجه الأخطار والأهوال. ربما كان قراره بعدم تبادل ~~الرسائل شيئا ms235 جيدا، لربما كانت حياتها ستستنزف بالكامل في كتابتها وانتظارها؛ في ~~كتابتها وانتظار الردود ثم انتظار الردود وكتابتها؛ وبالقطع في القلق الشديد الذي كان ~~سيعتريها إن لم تصل تلك الخطابات. # لقد أصبح لديها الآن شيء تحمله معها طوال الوقت. كانت تدرك ذلك البريق الذي تولد ~~بداخلها، في جسدها، وفي صوتها، بل وفي كل أفعالها. لقد جعلها تسير بطريقة مختلفة، ~~وتبتسم دون سبب معلوم، وتعامل المرضى بحنان غريب. كانت سعادتها تكمن في التفكير مليا ~~في شيء واحد في كل مرة، وكانت تفعل ذلك بينما تقوم بواجباتها، وعندما تتناول طعام ~~العشاء مع جوان، كانت دائما ما تتذكر جدران الحجرة العارية، وخطوط الضوء المنعكسة ~~عليها من خلال شيش النوافذ ذي الأضلع، وأوراق المجلة الخشنة برسوماتها التوضيحية ~~القديمة الموضوعة بدلا من الصور، والآنية الفخارية التي يحيط بها طوق أصفر، والتي قدم ~~فيها لحم الستروجانوف. كانت تتذكر أيضا كمامة جونو بلون الشوكولاتة، وقوائمها الطويلة ~~القوية النحيلة، ثم تذكرت الهواء المنعش في الطريق، ورائحة أحواض الورد التي زرعتها ~~بلدية المدينة، وأعمدة الإضاءة الممتدة بطول النهر، والتي تدافعت والتفت حولها أعداد ~~غفيرة من الحشرات الصغيرة. # ذاك الانقباض في صدرها، وشعورها بنهاية الموقف، وحين عاد بتذكرتها، ثم بعد ذلك سيرهما ~~معا، والخطوات الوئيدة المدروسة، والهبوط من رصيف المحطة والسير على الحصى، وشعورها ~~بالألم من خلال نعل حذائها الخفيف نتيجة سيرها على الحصى الصغيرة الحادة. # لم يتلاش شيء من ذاكرتها، كلما تكرر ذلك البرنامج في ذهنها، ظلت ذكرياتها وما ~~أضفته عليها من زخارف جميلة تدب بعمق في ذهنها. ~~«أعتقد أن لقاءنا كان شيئا هاما.» ~~«نعم. نعم.» ~~••• # ومع ذلك عندما قدم شهر يونيو تأخرت في الذهاب؛ فلم تكن قد قررت بعد أي مسرحية ~~ستشاهدها، أو أرسلت في حجز تذكرتها. وقد قررت في النهاية أن تختار الذكرى السنوية لذلك ~~اليوم، فاختارت نفس اليوم الذي التقيا فيه العام الماضي، وكانت المسرحية المعروضة في ~~ذلك اليوم هي مسرحية «كما تحب». وجال بخاطرها أنه يمكنها أن تذهب فقط إلى شارع داوني، ~~وألا تهتم بأمر المسرحية؛ ms236 لأن ذهنها سيكون مشغولا جدا وتشعر بالإثارة لدرجة لن تتمكن ~~معها من متابعة معظم المسرحية، إلا أنها كانت تؤمن بالخرافات، وتخشى أن تغير من نمط ~~ذلك اليوم الذي اعتادت عليه. أحضرت تذكرتها، ثم أخذت فستانها الأخضر من أجل التنظيف. لم ~~ترتده منذ ذلك اليوم، لكنها كانت تريد أن يبدو زاهيا وأنيقا كالجديد. # لم تأت السيدة التي تقوم بالكواء في محل التنظيف لعدة أيام في ذلك الأسبوع؛ فقد كان ~~ابنها مريضا، لكنهم وعدوها بأن الفستان سيكون جاهزا عندما تعود في صباح يوم ~~السبت. ~~••• # قالت روبن: «سأموت، سأموت إن لم يكونوا قد انتهوا من تجهيز ذلك الرداء من أجل ~~الغد.» # نظرت إلى جوان وويلارد وهما يلعبان الكونكان على مائدة اللعب. اعتادت أن تراهما على ~~هذا النحو مرارا. والآن من الممكن ألا تراهما هكذا ثانية. كم هما بعيدان عن شعورها ~~بالتوتر والتحدي، إنها مغامرة حياتها. # لم يكن الفستان جاهزا بعد؛ فالطفل لا يزال مريضا. فكرت روبن في أن تأخذ الفستان إلى ~~المنزل وتقوم بكيه بنفسها، لكنها اعتقدت أنها ستكون في حالة توتر شديدة لن تمكنها ~~من القيام بالمهمة بشكل جيد؛ وخاصة أن جوان كانت تنظر إليها. فذهبت على الفور إلى وسط ~~المدينة، صوب المتجر الوحيد الذي يبيع الفساتين، وكانت محظوظة - هكذا اعتقدت - لأنها ~~وجدت فستانا أخضر آخر كان يناسب مقاسها جيدا، لكنه كان ذا خطوط مستقيمة وبلا أكمام. ~~ولم يكن بلون الأفوكادو الأخضر، بل الأخضر الليموني. أخبرتها السيدة التي تبيع في ~~المتجر بأن هذا اللون هو لون هذا العام، وأنه قد ذهبت موضة الفساتين الواسعة التي تضيق ~~عند الخصر. ~~••• # ومن خلال نافذة القطار رأت الأمطار وقد بدأت تتساقط، ولم تكن تحمل معها مظلة. في ~~المقعد المواجه لها جلس مسافر تعرفه من قبل، كانت سيدة أجرت عملية استئصال للمرارة منذ ~~أشهر قليلة في المستشفى، وكانت لتلك السيدة ابنة متزوجة في ستراتفورد، وكانت من نوع ~~الأشخاص الذين يعتقدون أنه طالما أن هناك شخصين يعرف أحدهما الآخر والتقيا في نفس ~~القطار متوجهين لنفس المكان، فعليهما إذن ms237 أن يتجاذبا أطراف الحديث دون توقف. # قالت: «إن ابنتي تنتظرني، وبإمكاننا اصطحابك إلى أي مكان ستذهبين إليه؛ وخاصة أنها ~~تمطر.» # كان المطر قد توقف حينما وصلا ستراتفورد، بل كانت الشمس ساطعة والطقس حارا تماما؛ ~~ومع هذا لم يكن في وسع روبن فعل شيء سوى أن تقبل عرض السيدة بركوب السيارة. جلست في ~~المقعد الخلفي بجوار طفلين يتناولان الآيس كريم. لقد كانت معجزة أنه لم يتساقط أي من ~~قطرات الفراولة أو البرتقال على ردائها. # لم تستطع الانتظار حتى انتهاء عرض المسرحية؛ إذ كانت تشعر برعشة في المسرح المكيف؛ ~~لأن فستانها من قماش خفيف، كما أنه بلا أكمام، أو ربما كان شعورها بالتوتر هو سبب تلك ~~الرعشة. شقت طريقها إلى نهاية الصف مقدمة اعتذارها للآخرين، ثم صعدت ذلك الممر ~~بدرجاته غير المتساوية، وخرجت إلى البهو الذي يملؤه ضوء النهار. كانت السماء قد بدأت ~~تمطر ثانية، وبشدة. وحيثما كانت بمفردها في دورة ~~المياه - نفس المكان الذي فقدت فيه حقيبة ~~نقودها - راحت تصفف شعرها الذي أفسدته الرطوبة؛ فالشعر الذي قامت بلفه كي يسترسل ~~ناعما مفرودا أصبح ينسدل في خصلات سوداء ناعمة ملتفة حول وجهها، ربما كان ينبغي لها ~~أن تحضر معها مثبت الشعر. قامت بتصفيفه بأفضل شكل ممكن، وراحت تمشطه للوراء. # كانت الأمطار قد توقفت عندما غادرت المسرح، وسطعت الشمس مرة أخرى في كبد السماء، ~~وراحت تلقي بأشعتها اللامعة فوق الرصيف المبتل. والآن انطلقت إلى وجهتها. شعرت بوهن في ~~ساقيها يماثل تماما ما كانت تشعر به في تلك الأوقات التي كان ينبغي لها فيها التوجه ~~إلى السبورة لحل مسألة رياضية، أو عندما كانت تضطر إلى الوقوف أمام الفصل لكي تلقي على ~~مسامعهم أحد الدروس التي حفظوها. وسرعان ما أصبحت عند ناصية شارع داوني، وخلال دقائق من ~~الآن ستتغير حياتها. لم تكن في أتم استعداد، لكنها لا تتحمل أي تأخير. # وعند مجموعة البنايات الثانية استطاعت أن تلمح أمامها ذلك المنزل الصغير الغريب الذي ~~لا يزال في مكانه، الواقع بين الأبنية التقليدية التي تحوي بعض المتاجر ms238 المصطفة على ~~جانبيه. # اقتربت أكثر فأكثر. كان الباب مفتوحا كما هو الحال مع معظم المتاجر الممتدة بطول ~~الطريق، ولم يكن في معظمها أجهزة تكييف هواء؛ فلم يكن هناك سوى باب به سلك لحجب الحشرات ~~الطائرة. # صعدت درجتي السلم ثم توقفت خارج المتجر، لكنها لم تدفع بابه، بل انتظرت لدقيقة حتى ~~تعتاد عيناها على المكان شبه المظلم في الداخل، وحتى لا تتعثر وهي تدخل ~~المكان. # ورأته هناك، في مكان عمله خلف النضد، مشغولا في شيء ما أسفل المصباح الوحيد الموجود. ~~كان منحنيا للأمام، ورأت جانب وجهه؛ فقد كان منهمكا في عمله الذي يؤديه في إصلاح إحدى ~~الساعات. كانت تخشى أن يكون قد تغير، بل خشيت في الواقع حقيقة أنها لا تتذكره جيدا، ~~أو أن مونتينيجرو قد أضفت بعض التغيير عليه؛ فيكون قد قص شعره بطريقة مختلفة، أو يكون ~~قد أطلق لحيته. لكن لا، فإنه كما هو لم يطرأ عليه أي اختلاف. وكان المصباح الذي يتلألأ ~~فوق رأسه يظهر نفس خصلات شعره، التي كانت تلمع كما كانت من قبل؛ تلك الخصلات الرمادية ~~التي تتخللها أخرى حمراء مشوبة باللون البني. كانت كتفاه عريضتين، بها قليل من ~~التحدب، وكانت أكمام القميص مرفوعة لأعلى لتظهر ذراعيه المفتولتين، وقد علا وجهه ~~تعبير ينم عن شدة التركيز، والاهتمام، والتقدير الشديد لما يقوم به، وللآلية التي ~~يعمل بها. نفس النظرة المحفورة في ذهنها، بالرغم من أنها لم تره من قبل وهو يعمل. لقد ~~كانت دائما تتخيل تلك النظرة وقد وجهها إليها. # لا، إنها لا تريد أن تخطو للداخل، لقد كانت تريده أن ينهض ويتجه نحوها ويفتح الباب؛ ~~لذا نادته باسمه؛ دانييل. خجلت في آخر دقيقة من أن تناديه باسم دانيلو؛ خشية أن تنطق ~~المقاطع الأجنبية بطريقة غريبة غير متقنة. # لم يسمعها، أو ربما لأنه كان منهمكا فيما يعمله تأخر في النظر إليها، ثم رفع بصره ~~لأعلى، لكن ليس باتجاهها؛ فقد بدا أنه يبحث عن شيء يحتاجه في تلك اللحظة، لكنه لمحها ~~بالفعل في اللحظة التي رفع فيها عينيه، ms239 ثم قام بحذر بإزاحة شيء ما بعيدا عن طريقه، ~~ودفع بنفسه للوراء من أمام طاولة العمل، ونهض من مكانه، وسار على مضض ~~باتجاهها. # هز رأسه قليلا وهو ينظر إليها. # كانت يدها على وشك أن تدفع الباب؛ بيد أنها لم تفعل. انتظرت أن يتحدث، لكنه لم ~~يفعل. هز رأسه مرة أخرى وظهر عليه الارتباك، ولم يحرك ساكنا، ثم أزاح وجهه عنها، وجال ~~ببصره في أنحاء المتجر؛ فقد راح ينظر إلى صف الساعات كما لو أنها ستمنحه بعض المعلومات، ~~أو ستكون عونا له. وعندما نظر مرة ثانية إلى وجهها، ارتعد، وبحركة لا إرادية، أو ربما ~~لم تكن كذلك، كشف عن أسنانه الأمامية كما لو أن مرآها بث فيه نوعا من الخوف الحقيقي، ~~وإدراكا لوجود خطر محدق. # وقفت هناك، وقد تسمرت في مكانها كما لو أن هناك احتمالية أن يكون ذلك لعبة أو ~~مزحة. # والآن اتجه نحوها ثانية كما لو أنه قد قرر ما سيقدم على فعله. ولم ينظر إليها ~~ثانية، لكنه تصرف بشيء من التصميم والنفور - وفقا لتصورها - ووضع يده على الباب الخشبي ~~- باب المتجر الذي كان لا يزال مفتوحا - وصفقه في وجهها. # كان هذا التصرف من جانبه بمثابة اختصار للوقت، وبفزع شديد فهمت ما كان يفعله؛ حيث لجأ ~~إلى هذا التصرف لأنه كان السبيل الأيسر للتخلص منها بدلا من شرح الأمور، ومواجهة ~~دهشتها وحماقتها الأنثوية، ومشاعرها المجروحة، وربما دموعها وانهيارها ~~المحتملين. ~~••• # كان كل ما شعرت به هو الخزي؛ الخزي الشديد. لو كانت امرأة أخرى مكانها أكثر ثقة وخبرة ~~لشعرت بالحنق ورحلت في غضب عارم، وليذهب للجحيم. كانت روبن قد سمعت امرأة في العمل ~~تتحدث عن رجل هجرها، فكانت تقول: «لا يستحق سوى أن أبول عليه.» «لا تثقي في أي شيء ~~يرتدي سروالا.» لقد تصرفت تلك المرأة وكأنها لم تصبها الدهشة. وبداخلها، لم تكن روبن ~~تشعر بالدهشة هي الأخرى، لكنها كانت تلوم نفسها. كان عليها أن تفهم جيدا أن كلمات ~~الصيف الماضي، والوعد والوداع عند محطة القطار، لم تكن سوى نوع من ms240 الحماقة؛ عطف غير ~~ضروري نحو أنثى وحيدة فقدت حقيبة يدها، وتأتي لمشاهدة المسرحيات بمفردها. ربما شعر هو ~~بالندم على ما حدث حتى قبل أن يصل إلى منزله، وتمنى ألا تكون قد أخذت كلماته على محمل ~~الجد. # ومن المحتمل بشدة أن يكون قد تزوج في مونتينيجرو، وزوجته بالطابق الأعلى؛ وهو ما ~~يفسر الانزعاج الذي علا وجهه وارتجافه والفزع الذي انتابه. وإن كان قد فكر في روبن، ~~فسيكون من منطلق خوفه من أن تفعل ما فعلته؛ من أن تنسج أحلامها العذرية الساذجة، وتضع ~~خططا وهمية سخيفة. فربما كانت هناك العديد من النساء اللاتي جعلن من أنفسهن حمقاوات ~~أمامه قبلها، وقد وجد سبلا كثيرة للتخلص منهن. وكان ما فعله معها أحد هذه السبل. من ~~الأفضل التعامل بقسوة بدلا من إظهار العطف؛ فلا اعتذارات، أو تفسيرات، أو أي أمل، فقط ~~تظاهر بأنك لا تعرفها، وإن لم ينجح هذا، اصفق الباب في وجهها؛ فكلما أبغضتك على نحو ~~أسرع، كان هذا أفضل. # وبالرغم من ذلك فقد كان هذا الأسلوب شاقا مع بعض النساء. # وهو ما حدث معها تماما، وها هي الآن تبكي. نجحت في أن تحبس دموعها طول الطريق، لكنها ~~انهمرت عندما وصلت إلى النهر. ورأت نفس البجعة السوداء تسبح وحيدة، نفس أسراب البط ~~الصغيرة وآباؤها تصيح حولها، والشمس المنعكسة أشعتها على صفحة المياه. كان من الأفضل ~~عدم محاولة الهروب، وعدم تجاهل تلك الضربة الموجعة؛ فإن فعلت ذلك لدقيقة، فستكون عرضة ~~لأن يعاودها الألم مرة أخرى، لكن هذه المرة سيكون كطعنة قاتلة في الصدر. ~~••• # قالت جوان: «عدت في وقت أفضل هذا العام، كيف كانت المسرحية؟» ~~«لم أكمل مشاهدتها، فبمجرد دخولي القاعة دخلت إحدى الحشرات الصغيرة الطائرة في عيني، ~~فرحت أطرف بعيني عدة مرات، لكني لم أفلح في التخلص منها، فاضطررت للنهوض، والذهاب لدورة ~~المياه كي أغسل عيني ببعض الماء لكي أخرجها، ثم أخرجت جزءا منها في المنشفة، وقد قمت ~~بفرك عيني الأخرى أيضا.» ~~«تبدين وكأنك كنت تبكين بشدة، عندما أتيت اعتقدت أنها كانت مسرحية شديدة السواد. ms241 ~~من الأحرى أن تغسلي عينك بالماء المالح.» ~~«كنت سأفعل.» # كان هناك بعض الأشياء الأخرى التي عقدت العزم على فعلها، أو بالأحرى عدم فعلها؛ ومنها ~~أنها لن تذهب مطلقا إلى ستراتفورد مجددا، ولن تسير في الشوارع بمفردها، لن تشاهد ~~مسرحيات مرة أخرى، ولا مزيد من الفساتين الخضراء؛ سواء تلك التي بلون الليمون أو ~~الأفوكادو. ستتجنب سماع أي معلومات عن مونتينيجرو، ومن المفترض ألا يكون بالأمر ~~الصعب. # 2 # والآن أتى فصل الشتاء وقد تجمدت البحيرة تماما وصولا إلى حاجز الأمواج. كان الثلج ~~كثيفا متراكما، وقد بدا في بعض الأماكن وكأن هناك أمواجا هائلة قد تجمدت في ~~طريقها. خرج العمال ليقوموا بإنزال أضواء أعياد الميلاد. انتشر مرض الأنفلونزا. عيون ~~الناس تدمع عند السير عكس اتجاه الرياح، ومعظم النسوة يرتدين أزياء الشتاء من السراويل ~~الثقيلة والمعاطف الثقيلة الخاصة بالتزلج على الجليد. # لكن روبن لم ترتد مثلهن؛ فعندما خطت خارج المصعد لتتفقد الطابق الثالث ثم الأخير من ~~المستشفى كانت ترتدي معطفا طويلا أسود، وتنورة من الصوف رمادية اللون، وكنزة حريرية ~~ذات لون بنفسجي فاتح يميل إلى الرمادي. وقد انسدل شعرها الرمادي بكثافة حتى كتفيها، وفي ~~أذنيها قرط صغير من الألماس (جدير بالذكر، أن بعض النساء ذوات المظهر الأفضل والحيثية ~~في المدينة هن اللائي لم يتزوجن)، ولم يكن عليها أن ترتدي زي الممرضات الآن؛ لأنها تعمل ~~لجزء من الوقت وفي هذا الطابق فقط. # كان يمكنها أن تستقل المصعد حتى الطابق الثالث، لكن الهبوط هو ما كان صعبا؛ فالممرضة ~~الجالسة خلف النضد عليها أن تضغط على زر خفي للسماح لك بالنزول. فهذا الطابق هو جناح ~~الأمراض النفسية، على الرغم من أنه من النادر أن يطلق عليه الآخرون هذا المسمى. ولأنه ~~يطل على الجانب الغربي من البحيرة تماما مثل شقة روبن فقد كان يطلق عليه في العادة ~~فندق صنسيت، في حين أن بعض الأشخاص الأكبر سنا يطلقون عليه رويال يورك. ومعظم المرضى ~~يمكثون هنا لفترات قصيرة، بالرغم من أن تلك الفترات القصيرة تتكرر لبعضهم باستمرار. أما ~~أولئك الذين ms242 يعانون من حالات مزمنة من الوهام أو الانعزال أو الاكتئاب، فهم ينقلون ~~إلى مكان آخر في مستشفى المقاطعة، والذي يحمل، على نحو ملائم، اسم «دار الرعاية طويلة ~~الأجل»، ويقع خارج المدينة مباشرة. # لم تتطور المدينة بشكل كبير خلال الأربعين عاما الماضية، لكنها تغيرت؛ فقد تم تشييد ~~اثنين من مراكز التسوق الضخمة، بينما كانت المتاجر الصغيرة في ذلك الميدان تصارع من أجل ~~البقاء. كانت هناك بعض المنازل الجديدة التي شيدت - مجمع مباني لكبار السن - وكانت ~~تطل على المنحدر، وتم تحويل اثنين من المنازل الضخمة التي تطل على البحيرة إلى مجموعة ~~من الشقق الصغيرة، وكان من حظ روبن أن حصلت على شقة فيها. أما المنزل الذي كانت تقطن به ~~هي وجوان، والذي يقع في شارع إيزاك، فقد تم تجميله بأرضيات الفينيل وتحول لمكتب ~~للعقارات. أما منزل ويلارد فظل كما هو إلى حد ما. وكان ويلارد قد أصيب بسكتة دماغية ~~منذ عدة أعوام، لكنه تحسن بشكل كبير بالرغم من أنه أصبح يسير على عكازين. وعندما كان ~~في المستشفى، كانت روبن تراه كثيرا، وكان يتحدث كثيرا عن علاقة الجوار الطيبة التي ~~كانت تربطه بها وبجوان، وأوقات المتعة والتسلية التي كانوا يمضونها في لعب ~~الأوراق. # مضى على وفاة جوان الآن ثمانية عشر عاما، وبعد أن قامت روبن ببيع المنزل ابتعدت عن ~~كل مجتمعاتها وعلاقاتها القديمة؛ فلم تعد تذهب للكنيسة، وكانت بالكاد ترى الأشخاص الذين ~~عرفتهم منذ الصغر ومن كانت تذهب معهم إلى المدرسة، فيما عدا من يأتون منهم مرضى ~~لتلقي العلاج في المستشفى. # لاحت فرص الزواج مرة أخرى في وقت من أوقات حياتها، لكنها كانت محدودة؛ فقد كان هناك ~~بعض الأرامل من الرجال الذين ظهروا حولها، والذين يعيشون بمفردهم. وكانوا في العادة ~~يريدون نساء لديهن خبرة في الزواج؛ رغم أن الوظيفة الجيدة ميزة لا يمكن تجاهلها هي ~~الأخرى، لكن روبن أوضحت للجميع أنها لا تهتم بموضوع الزواج. ويقول الناس الذين تعرفهم ~~منذ أن كانت صغيرة إنها لم تهتم مطلقا بهذا الأمر، حتى إن بعضا ممن ms243 تعرفهم الآن ~~يقولون عنها إنها لا بد وأن تكون مثلية، لكن ربما تمنعها نشأتها في بيئة متخلفة تعجيزية ~~من أن تصرح بذلك. # أصبحت هناك أنواع مختلفة من الناس يعيشون في المدينة في الوقت الحالي، وهؤلاء هم من ~~أقامت معهم صداقات جديدة. وبعضهم يعيشون معا دون زواج، ومنهم من ولد في الهند، ومصر، ~~وكوريا، والفلبين. استمرت أنماط الحياة القديمة، وبعض تقاليد الأيام الخوالي إلى حد ~~ما، لكن ثمة الكثير ممن لديهم أسلوبهم الخاص في حياتهم ولا يعرفون أي شيء عن هذا. ~~بإمكانك أن تشتري أي نوع من الطعام تريده، وأن تجلس في صباح يوم جميل من أيام الآحاد ~~على مائدة موضوعة على الرصيف وتحتسي القهوة اللذيذة وتستمتع بصوت أجراس الكنيسة وهي تدق ~~دون أن تفكر في ممارسة أي طقس من طقوس العبادة. ولم يعد الشاطئ محاطا بالمخازن وبمباني ~~السكك الحديدية؛ فيمكنك الآن أن تسير على الممر الخشبي لمسافة ميل بطول البحيرة. وكان ~~يوجد جمعية موسيقى الكورال، وجمعية الممثلين. وكانت روبن لا تزال عضوا نشطا في جمعية ~~الممثلين، بالرغم من أنها لم تعد تقف على خشبة المسرح كثيرا كما كانت تفعل من قبل. ~~كانت قد قامت بالتمثيل منذ عدة سنوات في مسرحية هيدا جابلر، وكان رد الفعل العام بأنها ~~مسرحية كريهة؛ بيد أنها أدت دور هيدا بمهارة واقتدار. وقال الناس إنها أدت الشخصية ~~جيدا رغم أن الشخصية تناقضها تماما في الواقع. # العديد من الناس هنا يذهبون إلى ستراتفورد هذه الأيام، لكنها كانت تذهب لمشاهدة ~~المسرحيات في نياجرا بجوار البحيرة. ~~••• # لاحظت روبن ثلاثة أسرة وقد اصطفت أمام الحائط المقابل. # قالت لكورال الممرضة التي تقف خلف النضد: «ما الخطب؟» # قالت كورال في تشكك: «إنه أمر مؤقت؛ عملية إعادة توزيع.» # راحت روبن تعلق معطفها وحقيبتها في الخزانة الموضوعة خلف النضد، وأخبرتها كورال أن ~~هذه الحالات وردت من مقاطعة بيرث، وقالت إنه نوع من التعديل نتيجة الازدحام هناك؛ فقد ~~كان هناك نوع من الارتباك الشديد، ولم يكن مستشفى المقاطعة هنا مستعدا لاستقبالهم ~~بعد؛ لذا قرر القائمون ms244 عليه نقلهم إلى هنا في الوقت الحالي. ~~«أعلي أن أذهب إليهم وألقي التحية؟» ~~«كما تشائين، لكن آخر مرة ألقيت عليهم نظرة كانوا جميعهم نائمين.» # كانت جوانب الأسرة الثلاثة حيث يتمدد المرضى مرفوعة لأعلى، وكانت كورال محقة، ~~فبدا أنهم جميعا يغطون في النوم. وكانوا امرأتين متقدمتين في العمر ورجلا عجوزا. ~~استدارت روبن مبتعدة ثم ما لبثت أن عادت ثانية في نفس اللحظة، ووقفت تنظر نحو الرجل ~~العجوز، كان فاغرا فاه، وقد نزع طاقم أسنانه إن كان لديه واحد. لم يفقد شعره بعد، بل ~~كان له شعر قصير ملأه الشيب. يبدو هزيلا، ووجنتاه غائرتان، ولكن وجهه لا يزال عريضا ~~عند منطقة الصدغ، محتفظا بلمحة من السيطرة التي شابها الاضطراب تماما كما رأته آخر ~~مرة. رأت على جلده بقعا باهتة، ذابلة فاتحة اللون تقارب اللون الفضي، ربما أزيلت ~~منها خلايا سرطانية. كان جسمه واهنا، تكاد ساقاه لا ترى أسفل الغطاء، لكنه احتفظ بعرض ~~صدره، وكتفاه عريضتان بعض الشيء، تماما كما كانت تتذكر. # قرأت البطاقة المعلقة في أرجل الفراش: ~~«ألكسندر أدزيك». # دانيلو، دانييل. # ربما كان هذا اسمه الثاني؛ ألكسندر، أو ربما كان يكذب وقد احتاط بأن اختلق كذبة أو ~~نصف كذبة من البداية حتى النهاية. # عادت إلى النضد وتحدثت إلى كورال قائلة: ~~«أما من معلومات بشأن هذا الرجل؟» ~~«لم؟ أتعرفينه؟» ~~«أعتقد هذا.» ~~«سأرى إن كانت هناك معلومات عنه، وسأرسل في طلبها.» # قالت روبن: «لا داعي للعجلة، يمكنك ذلك عندما يسمح لك الوقت، إنه من باب الفضول فقط، ~~من الأفضل أن أذهب الآن لألقي نظرة على مرضاي.» # كانت مهمة روبن هي أن تتحدث مع أولئك المرضى مرتين في الأسبوع، وأن تعد التقارير ~~بشأنهم، والتي توضح درجة تراجع حالات الوهام والاكتئاب لديهم، وكيفية تأثر حالتهم ~~المزاجية بزيارات أقاربهم أو أزواجهم. عملت في ذلك القسم لسنوات؛ وذلك منذ أن كان هناك ~~توجه نحو علاج المرضى النفسيين بالقرب من منازلهم، في السبعينيات، وكانت تعرف الكثير ~~من الأشخاص الذين يداومون على التردد على المكان، وقد تلقت العديد من الدورات ms245 التدريبية ~~الإضافية التي تؤهلها للتعامل مع الحالات النفسية، لكنه كان شيئا تميل لممارسته على أي ~~حال. فبعد فترة وجيزة من عودتها من ستراتفورد دون مشاهدة مسرحية «كما تحب»، شعرت بشيء ~~يجذبها نحو ممارسة ذلك العمل؛ فقد كان هناك شيء غير حياتها بالرغم من أنه لم يكن ~~الشيء الذي تتوقع حدوثه. # كانت تبقي السيد راي للنهاية؛ لأنه كان بوجه عام يأخذ معظم الوقت، لم يكن بإمكانها ~~أن تمنحه كل الوقت الذي يريده؛ إذ كان ذلك الأمر يعتمد على مشكلات المرضى الآخرين. وقد ~~رأت اليوم أن حالات بقية المرضى قد تحسنت بوجه عام؛ وذلك بفضل العقاقير التي ~~يتناولونها، وكان كل ما يفعلونه هو الاعتذار عن الجلبة التي أحدثوها. أما السيد راي - ~~الذي يعتقد أنه لم يتلق التقدير والعرفان الكافيين على إسهاماته في اكتشاف الحامض ~~النووي أو دي إن إيه - فقد كان في حالة غضب شديدة بسبب خطاب أرسله لجيمس واتسون، أو جيم ~~كما يطلق هو عليه. # قال: «ذلك الخطاب الذي أرسلته لجيم، لدي من الوعي والدراية ما يجعلني لا أرسل ~~خطابا كهذا دون أن أحتفظ بنسخة منه، لكني ذهبت بالأمس لأبحث بين ملفاتي وخمني ماذا ~~اكتشفت؟ خمني.» # قالت روبن: «أخبرني أنت.» ~~«إنه غير موجود، لم أجده. لقد سرق.» ~~«ربما وضع في مكان آخر بالخطأ، دعني أبحث لك عنه.» ~~«ليس أمرا مستغربا، ربما كان علي أن أستسلم منذ أمد طويل؛ فأنا أحارب ذوي السلطة ~~والنفوذ. ومن ذا الذي يغلبهم إن حاربهم؟ أخبريني، هل علي أن أستسلم؟» ~~«أنت من يقرر ذلك.» # وراح يردد على مسامعها، مرة ثانية، تفاصيل ما ألم به من سوء حظ. لم يكن عالما، ~~لكنه كان يعمل في مجال استقصاء الآراء، وكان يتابع التطورات العلمية طيلة حياته. ما من ~~شك أن ما أعطاه لها من معلومات، بل وحتى الرسومات التوضيحية التي أعدها بقلم باهت، ~~كانت كلها صحيحة، إلا أن القصة التي يرويها بشأن خداعه كانت سخيفة ومتوقعة، ومن المحتمل ~~أنها مستقاة من بعض أفلام السينما أو التليفزيون. # لكنها كانت تحب ذلك ms246 الجزء من قصته الذي يصف فيه كيف يتم فك شفرة التركيب الحلزوني ~~للحامض النووي، وكيف ينفصل الخيطان بعيدا بعضهما عن بعض، ويريها كيف يحدث ذلك بأيد ~~ماهرة ممتنة، وكيف يبدأ كل خيط رحلته ويضاعف من نفسه بناء على تعليماته الخاصة. # وكان ذلك يروق له هو الآخر، ويشعره بالدهشة، حتى إن الدموع تترقرق في عينيه. وكانت ~~هي دائما ما تشكره على أسلوب شرحه، وترغب في أن يتوقف عند هذا الحد، لكنه بالطبع لا ~~يفعل. # ومع ذلك فقد كانت تعتقد أن حالته في تحسن؛ فعندما يبدأ في التعمق في بعض جوانب ~~الظلم ويبحث في أسبابه، ويركز على بعض الأشياء الأخرى مثل الخطاب الذي سرق منه، فهذا ~~يعني أن هناك احتمالا أن تسير حالته للأفضل. # وبقليل من التشجيع، وبتحويل جزء من انتباهه عن بعض الأشياء، كان من المحتمل أن يقع في ~~غرامها. وهذا هو ما حدث مع اثنين من المرضى قبل الآن، وكلاهما كانا متزوجين، لكن ذلك ~~لم يمنعها من ممارسة العلاقة الحميمية معهما، وذلك بعد مغادرتهما المكان. ومع هذا، فمنذ ~~ذاك الوقت تغيرت مشاعرهما، وشعر كلا المريضين بالامتنان لها، وأحست هي بحسن نواياهما، ~~وشعرت كما شعرا هم أيضا بأن الأمر لم يزد عن مجرد حنين في غير مكانه. # وهي لا تشعر بالندم حيال ذلك؛ فليس هناك الآن سوى القليل الذي تشعر حياله بالندم، ليس ~~من بينه بالطبع حياتها الجنسية، والتي كانت متقطعة وسرية، لكنها بوجه عام كانت باعثة ~~على الراحة. وربما كان المجهود الذي تبذله كي تبقيها سرا ليس ضروريا بالنظر إلى ما ~~يعتقده الناس عنها؛ فمن تعرفهم الآن كونوا رأيهم على نحو خاطئ وقاطع تماما مثلما فعل ~~من كانت تعرفهم منذ فترة طويلة. ~~••• # أعطتها كورال ورقة مطبوعة. # وقالت: «إنها لا تحتوي على الكثير من المعلومات.» # شكرتها روبن وقامت بطيها، واتجهت نحو الخزانة كي تضعها في حقيبتها؛ فقد كانت تريد أن ~~تكون بمفردها عند قراءتها، لكنها لم تطق انتظارا حتى تصل إلى المنزل. ذهبت إلى حجرة ~~الاستراحة التي كانت مخصصة للصلاة، ولم ms247 يكن ثمة أحد بها في تلك اللحظة، فكان ~~يغلفها الهدوء. # ألكسندر أدزيك، من مواليد الثالث من يوليو عام 1924، بييلويفيتشيه، ~~يوغوسلافيا. هاجر إلى كندا في التاسع والعشرين من مايو عام 1962، ويقوم على ~~رعايته أخوه دانيلو أدزيك المولود في الثالث من يوليو عام 1924 في ~~بييلويفيتشيه، وهو حاصل على الجنسية الكندية. # عاش ألكسندر أدزيك مع شقيقه دانيلو حتى وفاة الأخير في السابع من سبتمبر عام ~~1995، ثم أدخل دار الرعاية طويلة الأمد بمقاطعة بيرث في الخامس والعشرين من ~~سبتمبر عام 1995، وهو نزيل بها منذ ذلك التاريخ. # وألكسندر أدزيك أبكم أصم منذ ولادته، أو ربما كان ذلك نتيجة مرض أصيب به بعد ~~الولادة بفترة وجيزة، وعندما كان طفلا لم يدخل أي مؤسسات تعليم لذوي ~~الاحتياجات الخاصة، ولم يتم تحديد مستوى ذكائه على الإطلاق، لكنه تدرب على ~~إصلاح الساعات، ولم يتلق أي تدريبات تذكر على لغة الإشارة؛ فكان يعتمد ~~اعتمادا كليا على أخيه، ويبدو للعيان أنه يتعذر معالجته نفسيا. يعاني من ~~الخمول الشديد، وليس لديه أي شهية للطعام. يظهر سلوكا عدوانيا بين الحين ~~والآخر. حالته في تدهور بشكل عام منذ دخوله. # مستحيل! # إخوة! # توأم. # كانت روبن تريد أن تضع هذه الورقة أمام شخص ما، سلطة ما. # هذا سخف، لا أقبله. # ومع ذلك. # كان ينبغي أن يؤهلها شكسبير لذلك؛ فالتوائم كانت دوما سببا للخلط ووقوع الكوارث ~~في مسرحيات شكسبير. فمن المفترض أن هذه الخدع كانت وسيلة لغاية ما، وفي النهاية يكشف ~~الستار عن كل الأشياء الغامضة، وتغفر كل الحيل والزلات، وتتأجج نيران الحب وما ~~شابهها من عواطف من جديد، أما من خدع فيتقبل ذلك بصدر رحب دون تذمر أو ~~شكوى. # لا بد وأنه قد ذهب في مهمة قصيرة، قصيرة للغاية؛ فهو لم يكن ليستطيع أن يترك مثل هذا ~~الأخ وحده لفترة طويلة. ربما كان الباب الشبكي مؤصدا؛ فهي لم تحاول أن تدفعه لفتحه. ~~ربما أخبر أخاه أن يغلق الباب وألا يفتحه ريثما يأخذ جونو في جولة حول البناية. لقد ~~تساءلت حينها عن سبب غياب جونو . # لو ms248 كانت قد قدمت متأخرة قليلا أو في وقت سابق عن ذلك بقليل، لو كانت قد انتظرت حتى ~~نهاية عرض المسرحية أو لم تذهب لتشاهدها بالأساس، لو كانت تجاهلت أمر شعرها. # ثم ماذا؟ كيف كان يمكن أن ينجحا في تخطي الصعاب؛ هو مع ألكسندر وهي مع جوان؟ إن ~~الأسلوب الذي تصرف به ألكسندر في هذا اليوم لم يكن يوحي بأنه سيتقبل أي دخيل أو أي ~~تغييرات تطرأ. وبالقطع كانت جوان ستعاني هي الأخرى، لكن كان زواج روبن من شخص أجنبي ~~سيكون أشد وطأة على جوان من وجود ألكسندر الأبكم الأصم في المنزل. # من الصعب الآن تقدير الأمور بالنظر إلى الظروف حينها. # لقد فسد كل شيء في يوم واحد، بل في دقيقتين، لكن ليس بسبب نوبات المشاعر الغاضبة، أو ~~البدايات الصعبة، أو الصراعات، أو الآمال أو الخسائر؛ أي ليس من خلال الأسلوب الطويل ~~المعتاد الذي عادة ما تفسد من خلاله الأمور. وإذا كان حقيقيا أن الأمور عادة ما تفسد، ~~أليس الطريق الأسرع هو الأيسر في تحملها؟ # لكنك لا تستطيع أن تتبنى وجهة النظر هذه لنفسك، وكذلك روبن؛ فإلى الآن ما زالت تتوق ~~لفرصتها؛ فهي لن تدخر لحظة امتنان للخدعة التي تعرضت لها، لكنها ستتحول في النهاية ~~إلى الشعور بالامتنان لاكتشافها. إنه ذلك الاكتشاف الذي يترك كل شيء كاملا حتى تحين ~~لحظة ذاك التدخل البسيط التافه، ويتركك في حالة غضب شديد، لكنك تشعر ببعض الراحة إذا ما ~~نظرت إلى الأمر عن بعد ولا يعتريك شعور بالخزي. ~~••• # لقد كان بالقطع عالما آخر ذلك الذي وجدا به هي وهو، تماما كأي عالم أعد فوق خشبة ~~المسرح؛ الترتيبات غير المحكمة، وابل القبلات، الاعتقاد الأرعن الذي طوقهما بأن كل ~~شيء سيسير كما خططا له، ولكن الواقع كان غير ذلك. تحرك قيد أنملة في هذا الطريق أو ~~ذاك وسيضيع منك كل شيء. # كان لدى روبن مرضى يؤمنون بأنه ينبغي أن يوضع المشط وفرشاة الأسنان في ترتيب سليم، ~~وكذلك الأحذية يجب أن توضع في الجهة الصحيحة، وينبغي عد الخطوات ms249 وإلا ستكون النتيجة ~~نوعا من العقاب إن حدث أي تغيير. # وإن كانت قد أخفقت في شيء، فسيكون ذلك بسبب أمر الفستان الأخضر؛ فقد ارتدت يومها ~~الفستان الخطأ بسبب السيدة التي كانت تعمل في متجر التنظيف وابنها الذي كان ~~مريضا. # تمنت لو بمقدورها أن تخبر أحدا؛ تخبره هو. # | القوى # استريحي من دانتي # الثالث عشر من مارس عام 1927. الآن يأتينا الشتاء، في الوقت الذي يفترض فيه أننا ~~نترقب قدوم الربيع. عواصف هائلة تسد الشوارع وتغلق أبواب المدارس، وهناك من يقول إن ~~رجلا طاعنا في السن خرج للسير في الطرقات ويحتمل أنه تجمد. خرجت اليوم مرتدية ~~حذاء الجليد، وسرت في منتصف الشارع تماما، ولم يكن هناك أثر فوق الجليد إلا لقدمي، ~~وحينما عدت من المتجر كان الجليد قد غطى آثار قدمي تماما. كان السبب أن البحيرة لم ~~تتجمد كما هو معتاد، وكانت الرياح القادمة من الغرب تحمل الرطوبة الكثيفة وتلقيها علينا ~~في صورة جليد. ذهبت لشراء القهوة إضافة إلى غرض أو اثنين من الأشياء المهمة. من كنت ~~سأرى في المتجر سوى تيسا نيتربي التي لم أرها منذ عام تقريبا! كنت أشعر بالضيق لأنني ~~قد لا أتمكن من الخروج لرؤيتها مطلقا؛ لأنني كنت أحاول الاستمرار في صداقتي معها بعد ~~أن تركت المدرسة. أظن أنني الوحيدة التي حاولت. كانت ترتدي وشاحا أسود كبيرا يغطيها ~~بالكامل، وكأنها خرجت لتوها من إحدى القصص. كانت ضخمة في نصفها العلوي بسبب وجهها ~~العريض وشعرها الأسود المموج الكثيف والمتشابك، وكتفيها العريضتين، على الرغم من أن ~~طولها لا يمكن أن يتجاوز خمسة أقدام. اكتفت بالابتسام فقط، إنها تيسا القديمة ذاتها. ~~سألتها عن أحوالها، وهو الشيء الذي أفعله دائما عندما أراها، حقا؛ نظرا لما كانت ~~تعانيه من مرض امتد لفترة طويلة - أيا ~~كانت - وهو الذي أخرجها من المدرسة عندما كانت تقارب الأربعة عشر عاما. وكذلك فإنني ~~أسألها عن ذلك لأنه ليس هناك الكثير الذي يمكن أن أسأل بصدده؛ فهي لا تنتمي إلى العالم ~~الذي ننتمي جميعنا إليه؛ فهي لا تذهب لأي نواد، ms250 ولا تستطيع المشاركة في أي أنشطة ~~رياضية، ولا تحيا حياة اجتماعية طبيعية. إنها بالطبع تحيا حياة تضم أناسا كثيرين، ولا ~~غبار على ذلك، لكني لا أدري كيف أتحدث عن هذا الأمر، وربما هي أيضا لا تدري كيف تتحدث ~~عنه. # كان السيد ماك ويليامز يعاون زوجته في المتجر بسبب عدم تمكن الموظفين من الحضور، ~~وكان شخصا يحب إغاظة الآخرين على نحو مستفز، وشرع في إغاظة تيسا، وراح يسألها إن ~~كانت تعلم بأمر قدوم العاصفة مسبقا، ولم لم تخبر الجميع بشأنها، إلى آخر مثل هذه ~~الأمور. طلبت منه السيدة ماك ويليامز أن يتوقف، وبدت تيسا وكأنها لم تسمع ما قاله، ~~وطلبت علبة من السردين. انتابني فجأة شعور كريه وأنا أتخيلها تتناول عشاءها المكون من ~~علبة سردين. وهو شيء يصعب تصوره، ولا أرى سببا يمنعها من طهي وجبتها كأي شخص ~~آخر. # ومن الأخبار الهامة التي سمعتها في المتجر انهيار سقف مسرح فرسان بيثياس، وكان هذا ~~هو المسرح الذي كنا سنعرض مسرحية «الجناديلي» على خشبته، والتي كان من المفترض أن يبدأ ~~عرضها في نهاية مارس. ولا يتسع مسرح مبنى البلدية لعرضها، أما دار الأوبرا القديمة فهي ~~تستخدم الآن لتخزين النعوش لصالح متجر أثاث هاي. ومن المفترض أننا لدينا بروفة الليلة، ~~لكني لا أدري من الذي سيذهب إلى هناك وما ستسفر عنه الأمور. ~~••• # السادس عشر من مارس، قرار بوقف عرض مسرحية «الجناديلي» لهذا العام، ولم يكن قد ذهب ~~إلى البروفة في مسرح مدرسة الأحد سوى ستة منا فقط؛ لذا توقفنا وذهبنا إلى منزل ويلف ~~لاحتساء بعض القهوة. وأعلن ويلف أيضا أنه كان قد قرر أن يكون هذا آخر عرض له بسبب ~~انشغاله الشديد في عمله، وأنه لم يعد لديه متسع من الوقت، وعليهم أن يجدوا مغنيا آخر. ~~ستكون تلك ضربة قاصمة؛ لأنه الأفضل على الإطلاق. # ما زلت أشعر ببعض الاستغراب وأنا أنادي ويلف الطبيب باسمه الأول، حتى وإن كان يقارب ~~الثلاثين فقط؛ فقد اعتاد الناس على أن يطلقوا على منزله منزل الطبيب كوجان، ولا يزال ms251 ~~الكثيرون يطلقون عليه ذلك إلى الآن؛ حيث شيد هذا المنزل خصوصا لكي يكون منزل طبيب؛ إذ ~~يقع جناح المكتب خارجه في أحد جوانب المنزل. لكن ويلف قام بإعادة بنائه من جديد؛ حيث ~~قام بهدم بعض الحوائط تماما، فأصبح رحبا وفسيحا وأكثر إضاءة، ومازحه سيد رالستون ~~قائلا إنه يعده من أجل زوجة المستقبل. كان ذلك موضوعا شديد الحساسية بسبب وجود ~~جيني، لكن ربما لم يكن سيد على علم بذلك الأمر (تلقت جيني ثلاثة عروض بالزواج؛ الأول من ~~ويلف ربستون، ثم أعقبه عرض تومي شتلز، ثم عرض يوان ماكاي. طبيب، ثم طبيب عيون، ثم كاهن. ~~إنها تكبرني بثمانية أشهر فقط، لكني لا أعتقد أن لدي أملا بأن أحظى بما حظيت به. أظن ~~أنها تغويهم بعض الشيء، بالرغم من أنها تقول دوما إنها لا تستطيع أن تفهم ذلك الأمر، ~~وتصيبها الدهشة الشديدة في كل مرة يطلبون فيها الزواج منها. أعتقد أن هنالك دائما ~~أساليب تستطيعين من خلالها أن تحولي كل شيء إلى مزحة، وتجعلي الآخرين يعرفون أنك لن ~~ترحبي بعرض الزواج قبل أن تدعيهم يتمادون في الأمر ويجعلون من أنفسهم أضحوكة). # إذا ما حدث وألم بي مرض خطير فآمل أن أتمكن من تمزيق تلك المذكرات، أو أن ~~أتفحصها وأمحو أي شيء وضيع بها؛ خشية أن أموت فيقرأها الناس. # شرعنا في التحدث بأسلوب تشوبه الجدية بعض الشيء، ولا أدري السبب وراء ذلك. وتطرق ~~الحوار إلى الأشياء التي تعلمناها في المدرسة، وكيف أن الكثير منها سقط من ذاكرتنا، ~~بالفعل. وذكر أحدنا نادي النقاش الذي كان موجودا في المدينة، وكيف أنه تم التخلص من كل ~~هذه الأشياء بعد الحرب عندما أضحى الجميع يقتنون السيارات التي يتجولون بها، ويذهبون ~~لمشاهدة الأفلام، وبدءوا في ممارسة لعبة الجولف. ومن بين الموضوعات الجادة التي اعتادوا ~~الحديث عنها موضوعات من أمثال: «أيهما يمثل أهمية أكثر في تشكيل الشخصية الإنسانية؛ ~~أهو العلم أم الأدب؟» هل بمقدور أي شخص تخيل إقناع الآخرين في الوقت الحالي بالتوجه ~~للاستماع إلى ذلك؟ إننا أنفسنا نشعر بسخافة ms252 الأمر ونحن نجلس بطريقة غير منظمة ونتحدث عن ~~ذلك الموضوع. ثم قالت جيني إنه علينا على الأقل أن نكون ناديا للقراءة، وجرنا ذلك ~~للحديث عن الكتب الهامة التي كنا ننوي قراءتها، لكننا لم نشرع في ذلك على نحو جاد ~~مطلقا؛ فهناك كتاب «كلاسيكيات هارفرد» الذي يقبع هناك على الرف خلف الباب الزجاجي في ~~غرفة المعيشة، ويمر عام وراء عام دون قراءته. قلت لم لا نقرأ كتاب «الحرب والسلام»؟ ~~لكن جيني ادعت أنها قرأته بالفعل؛ لذا تطرق الأمر إلى عمل تصويت بين كتابي «الفردوس ~~المفقود» و«الكوميديا الإلهية»، وفاز كتاب «الكوميديا الإلهية». وكان كل ما نعرفه عنه ~~هو أنه لا يحتوي على الكوميديا ومكتوب باللغة الإيطالية، بالرغم من أننا سنقرؤه باللغة ~~الإنجليزية بطبيعة الحال. اعتقد سيد أنه مكتوب باللغة اللاتينية، وقال إنه قرأ شقا ~~كبيرا منه في فصل السيدة هيرت، وذلك يكفيه طيلة حياته، وصحنا جميعا فيه، ثم تظاهر ~~بأنه كان يعرف كل شيء طيلة الوقت. وعلى أي حال أما وقد توقف عرض «الجناديلي» فعلينا ~~أن نخصص بعض الوقت للقراءة، وسنلتقي كل أسبوعين ليشجع كل منا الآخر. # أخذنا ويلف في جولة حول المنزل لنلقي نظرة عليه بأكمله. وكانت غرفة الطعام تقع على ~~أحد جوانب الردهة، بينما تقع غرفة المعيشة على الجانب الآخر، وكان المطبخ يحوي الخزانات ~~المدمجة في الحائط، وبه حوضان للغسيل، وأحدث موقد كهربائي. وهناك غرفة جديدة للغسيل ~~بجانب الردهة الخلفية، ودورة مياه ذات طابع عصري. وكانت الخزانات متسعة بما يكفي للدخول ~~فيها، ومثبت بأبوابها مرايا كبيرة بطول من يقف أمامها. غطت الأرضيات الخشبية ~~اللامعة كل مكان في المنزل. وعندما عدت إلى منزلي شعرت أن المكان يفتقر إلى الأناقة، ~~ويبدو رثا، وأن تلك الألواح الخشبية التي تكسو الجدران الداخلية تبدو كئيبة وذات طراز ~~قديم. تحدثت مع أبي على الإفطار أنه بمقدورنا أن نشيد غرفة مشمسة بالقرب من غرفة ~~الطعام حتى يكون لدينا غرفة واحدة على الأقل مشرقة وعصرية (نسيت أن أذكر أن ويلف لديه ~~غرفة مشمسة تمتد من الجهة المقابلة للمنزل ms253 حتى مكتبه وتضفي توازنا جميلا). وجاء رد ~~أبي متسائلا فيم نحتاج ذلك ونحن لدينا شرفتان تستقبلان أشعة الشمس في الصباح وتصلحان ~~للجلوس في المساء؟ لذا وجدت أنه من غير المرجح أن أصل لأي حلول فيما يتعلق بخطتي ~~لتحسين المنزل. ~~••• # الأول من أبريل. أول شيء فعلته عندما استيقظت هو خداع أبي بكذبة. هرعت نحو الردهة ~~وأنا أصرخ بأن هناك خفاشا هبط من المدخنة ودخل إلى غرفتي، فاندفع خارجا من دورة ~~المياه وحمالة سرواله لأسفل ورغوة الصابون تغطي وجهه، وطلب مني أن أكف عن الصراخ ~~والهستيريا، وأن أذهب لأحضر المقشة. ذهبت لأحضرها، ثم اختبأت خلف الدرج الخلفي متظاهرة ~~بالخوف والفزع، بينما راح هو يضرب بقوة وقد ارتدى نظارته في محاولة منه للعثور على ~~الخفاش. وقد أشفقت عليه في آخر الأمر، فصحت قائلة: «إنها كذبة أبريل!» # عقب ذلك هاتفتني جيني وقالت: «نانسي، ماذا أفعل؟ شعري يتساقط، إنه يغطي الوسادة، كتل ~~كبيرة من شعري الجميل تساقطت فوق الوسادة كلها، والآن لقد أصبحت شبه صلعاء، لن أغادر ~~هذا المنزل ثانية، هل بمقدورك المجيء إلى هنا لنرى إذا ما يمكننا أن نصنع منه شعرا ~~مستعارا؟» # فقلت بشيء من البرود: «امزجي فقط بعضا من الدقيق والمياه وقومي بإلصاق الشعر مجددا، ~~ولكن أليس من الغريب أن يحدث ذلك الخطب في صباح يوم كذبة أبريل؟» # والآن يأتي الجزء الذي لا أتشوق لتسجيله. # سرت حتى منزل ويلف دون أن أنتظر طعام الإفطار؛ لأنني أعلم أنه يذهب إلى المستشفى ~~مبكرا. فتح الباب الأمامي بنفسه وهو يرتدي صدرية يظهر قميصه من تحتها. لم أفكر أن أتجه ~~إلى المكتب؛ إذ اعتقدت أنه ما زال مغلقا. وكانت تلك السيدة العجوز التي أوكل إليها ~~أمر العناية بالمنزل - والتي لا أعرف حتى اسمها - تتحرك محدثة ضجة عالية في المطبخ. ~~كان من المفترض أن تفتح هي الباب، لكنه كان هناك في الردهة وعلى وشك المغادرة. قال: ~~«نانسي، ما الأمر؟» # لم أتفوه بكلمة، لكنني نظرت إليه بوجه تبدو عليه علامات التألم، وقبضت بيدي على ~~حلقي. ~~«ماذا ألم بك ms254 يا نانسي؟» # ازداد انقباض يدي على حلقي، وتحدثت بصوت متحشرج، ورحت أهز رأسي لأشير إلى أنني لا ~~أستطيع إخباره. يا له من شيء مثير للشفقة! # قال ويلف وهو يقودني خلال الردهة الجانبية ثم عبر باب المنزل حتى وصلنا إلى المكتب: ~~«تفضلي من هنا.» رأيت تلك السيدة العجوز تختلس النظر، لكني لم أبين أنني لمحتها، ~~استمررت فقط في تمثيليتي. # قال وهو يدفعني برفق نحو المقعد المخصص للمرضى ويضيء الأنوار: «والآن، ما الأمر؟» ~~كانت الستائر لا تزال مسدله، والمكان تنبعث منه رائحة المطهر القوية أو ما شابه ذلك. ~~أخرج واحدة من العصي التي تعمل على خفض اللسان، وتلك الأداة التي يستخدمها لإضاءة موضع ~~الحلق ورؤيته من الداخل. ~~«والآن افتحي فمك بأقصى ما تستطيعين.» # فعلت ذلك، لكن قبل أن يضغط على لساني بذلك الخافض صحت قائلة: «كذبة أبريل.» # لم تبد على وجهه أي ابتسامة. قام بإخراج خافض اللسان وأطفأ النور في أداة الكشف، ولم ~~يتفوه بكلمة حتى جذب الباب الخارجي للمكتب بعنف. ثم قال: «لدي مرضى يجب أن أراهم. ~~نانسي، لماذا لا تتعلمين أن تتصرفي حسبما يليق بعمرك؟» # أسرعت للخروج من المكان وأنا أشعر بخجل شديد، ولم تكن لدي الشجاعة لأسأله لماذا لم ~~يتقبل تلك المزحة بصدر رحب! وبالقطع ستقوم تلك الفضولية في مطبخه بنشر ما حدث في ~~المدينة بأكملها، وستقص على الجميع مدى الغضب الذي شعر به، وكيف أنني اضطررت إلى التسلل ~~خارج المنزل وأنا أشعر بمهانة شديدة. ظللت في حالة سيئة طوال اليوم، ومن أسوأ المصادفات ~~الغبية هي أني شعرت بالتعب، والحمى بالفعل، مع قليل من احتقان الحلق؛ لذا جلست في ~~الغرفة الأمامية ووضعت غطاء فوق ساقي، وأخذت أقرأ كتاب دانتي القديم؛ فمساء الغد هو ~~الموعد المحدد لاجتماع نادي القراءة؛ لذا ينبغي أن أتقدم على الباقين، لكن المشكلة أنه ~~لم يعلق بذهني أي شيء مما قرأته؛ لأنني ظللت طوال وقت القراءة مشغولة بالتفكير؛ أي شيء ~~تافه وغبي ذلك الذي أقدمت على فعله؟ إنني أكاد أسمعه وهو يخبرني بصوت حاد أن أتصرف ms255 ~~حسبما يليق بعمري. بيد أني وجدتني أتجادل معه في ذهني وأردد أنه ليس بالشيء البغيض ~~أن تحظى ببعض المتعة في حياتك. أعتقد أن والده كان قسيسا، فهل كان ذلك سببا رئيسيا ~~فيما هو عليه؟ إن عائلات أولئك القساوسة تتنقل كثيرا؛ لذا ربما لم يتسع له الوقت لكي ~~يتعرف على مجموعة من الأصدقاء ينشئون معا ويفهمون معنى أن يلهوا معا ويتصرفون بحماقة ~~بعضهم مع بعض. # أستطيع رؤيته الآن وهو يفتح الباب بالصدرية التي يرتديها، وبقميصه المنشى؛ طويل ~~القامة ونحيل يشبه السكين في حدته، شعره مصفف ومفروق بعناية، وله شارب مستقيم. يا لها ~~من كارثة! # رحت أتساءل إن كان بإمكاني أن أبعث له برسالة أشرح له فيها أن المزحة في رأيي لا تعد ~~نوعا من الإهانة. أم يا ترى من الأفضل أن أكتب مجرد اعتذار يتسم بالوقار ~~واللياقة؟ # لا أستطيع أن أتشاور في الأمر مع جيني؛ لأنه كان قد طلب الزواج منها؛ مما يعني أنه ~~يراها شخصا أكثر جدارة مني. كذلك فإنني في حالة مزاجية جعلتني أتساءل إن كان من الممكن ~~أن تستخدم جيني تلك المعلومات ضدي وتنشرها سرا (حتى وإن كانت قد رفضت مطلبه). ~~••• # الرابع من أبريل. لم يظهر ويلف في اجتماع نادي القراءة؛ لأن زميلا قديما له أصيب ~~بسكتة دماغية؛ لذا كتبت رسالة لأبعثها له، وحاولت أن أجعلها في صورة اعتذار، لكن دون ~~أن يشوبها الإهانة. كان ذلك الأمر يزعجني على نحو يفوق الحد، لكن لم تكن الرسالة هي ~~مصدر ضيقي، إنما ما فعلته أنا. ~~••• # الثاني عشر من أبريل. تلقيت أكثر شيء أثار دهشتي خلال حياتي القصيرة الحمقاء وأنا ~~أفتح الباب في ظهيرة ذلك اليوم. كان والدي قد وصل لتوه إلى المنزل وجلس يتناول ~~العشاء، ووجدت ويلف بالباب. لم يرد مطلقا على الرسالة التي بعثت له بها، وسلمت ~~بأنه يشعر نحوي بالاشمئزاز، وينوي تجنبي للأبد، وكان كل ما في وسعي أن أفعله في ~~المستقبل هو أن أحاول تجاهله؛ لأنني ليس لدي خيار آخر. # سألني إن كان أزعجني وقطع علي وجبة ms256 العشاء. # لم يكن ليفعل؛ لأنني كنت قد قررت الامتناع عن تناول وجبة العشاء حتى أفقد خمسة أرطال ~~من وزني. فبينما كان والدي والسيدة بوكس يتناولان عشاءهما، كنت قد ذهبت إلى غرفتي ~~وأغلقت الباب فحسب، واستأنفت قراءة دانتي. # أجبته بالنفي. # سألني إن كنت أرغب في نزهة بالسيارة؛ فبإمكاننا أن نرى الثلوج وهي تتساقط فوق النهر. ~~ثم استأنف حديثه موضحا أنه ظل مستيقظا طوال الليل، وأن عليه أن يفتح عيادته في ~~الواحدة، وهو الأمر الذي لا يسمح له بأن يأخذ غفوة قصيرة؛ لذا فإن بعضا من الهواء ~~المتجدد سيشعره بالانتعاش. لم يوضح سبب بقائه مستيقظا طوال الليل؛ لذا خمنت أن ~~يكون السبب ولادة طفل، وأنه ظن أنني قد أشعر بالحرج إن أخبرني. # أخبرته أنني كنت على وشك قراءة الجزء المخصص لهذا اليوم. # قال: «امنحي نفسك راحة من دانتي لبعض الوقت.» # لذا ذهبت لأحضر معطفي، وأخبرت أبي بأني ذاهبة للخارج، واستقللت معه السيارة. ~~توجهنا نحو الجسر الشمالي حيث تجمع العديد من الأشخاص؛ معظمهم من الرجال والأطفال ~~في ساعة راحتهم لتناول العشاء؛ وذلك لكي يشاهدوا تجمعات الثلوج. لم تكن ثمة كتل ~~هائلة منه هذا العام؛ حيث تأخر فصل الشتاء كثيرا في بدايته. ومع ذلك كانت الثلوج تصطدم ~~بدعامات الجسر فتتفتت محدثة بعض الصوت كما هو الحال دائما عندما تتخلل بعض تيارات ~~المياه الصغيرة تلك الدعامات. وليس ثمة ما تفعله سوى الوقوف والنظر إليها مشدوها ~~ومسحورا بمنظرها الأخاذ. شعرت ببرودة في قدمي. قد تكون الثلوج آخذة في الذوبان، ~~لكن يبدو أن برودة الشتاء لم تستسلم بعد، وبدا الربيع بعيدا كل البعد، وتساءلت أنى ~~لبعض الناس أن يقفوا هناك ويعتبروه شيئا مسليا بدرجة تجعلهم يقفون ويرقبونه ~~لساعات؟ # لم يستغرق الأمر طويلا ليشعر ويلف بالسأم أيضا. عدنا أدراجنا إلى السيارة، وبدا كل ~~واحد منا منتظرا أن يتحدث الآخر، ثم قررت أن أستجمع شجاعتي لأواجه الموقف، وسألته ~~مباشرة: «هل تلقيت رسالتي؟» # فقال إنه تلقاها بالفعل. # قلت له إنني شعرت بحماقة ما فعلت (كان ذلك صحيحا، لكن ربما شاب ms257 لهجتي بعض الندم على ~~نحو أكثر مما قصدت). # قال: «لا عليك، دعك من هذا.» # عاد بالسيارة للوراء ثم اتجه صوب المدينة وقال: «كنت آمل في طلب الزواج منك، غير أنني ~~لم أرد أن أقولها هكذا، كنت أريد أن أمهد للأمر بصورة أفضل، في موقف أكثر ~~ملاءمة.» # سألته قائلة: «هل تعني أنك كنت تأمل في ذلك ولكنك لا تريد ذلك الآن؟ أم تقصد أنك ترغب ~~في ذلك بالفعل الآن؟» # أقسم أنني حين تفوهت بهذا لم أكن أستحثه على شيء، بل كنت أريد منه توضيحا ~~للأمور فقط. # قال: «أعني أنني أرغب بالفعل.» # خرجت كلمة «أوافق» من فمي حتى قبل أن أتغلب على صدمتي من المفاجأة. لا أدري كيف أفسر ~~الأمر؛ لقد قلت أوافق بأسلوب هادئ مهذب دون أن يبدو علي شغف أو لهفة؛ مثلما تقول ~~أوافق على تناول قدح من الشاي. بل إنني لم أتصرف بأسلوب ينم عن شعوري بالدهشة. بدا ~~وكأنه علي أن أعمل على أن نتخطى تلك اللحظة سريعا لنشعر بعدها بالاسترخاء ونتصرف ~~بصورة طبيعية، برغم حقيقة أنني لم أشعر مطلقا بأي نوع من الراحة والاسترخاء مع ويلف؛ ~~ففي بعض الأحيان كنت أشعر بالارتباك والحيرة نحوه، وكنت أراه مخيفا ومضحكا في ذات ~~الوقت، إلا أنه منذ موقف كذبة أبريل التعيس لم يكن يعتريني سوى الشعور بالإحراج الشديد. ~~أتمنى أنني لم أوافق على طلبه حينها لمجرد التغلب على ذلك الشعور بالإحراج. أتذكر وقتها ~~أنني حدثت نفسي بأنه ربما كان علي أن أسحب موافقتي، وأن أخبره أنني أحتاج المزيد من ~~الوقت لأفكر في الأمر، لكنني بالكاد كنت أستطيع أن أفعل هذا دون أن أضع كلانا في حالة ~~من الإحراج الشديد، بالإضافة إلى أنني لا أعرف ما هو الأمر الذي سأفكر به. # تمت خطبتي لويلف. لا أستطيع أن أصدق هذا. هل يسير الأمر على هذا النحو مع ~~الجميع؟ ~~••• # الرابع عشر من أبريل. جاء ويلف إلى منزلنا وتحدث مع أبي، وذهبت أنا لأتحدث مع جيني؛ ~~فتحدثت إليها مباشرة وبصراحة، واعترفت لها أنني أشعر بالحرج ms258 وأنا أخبرها بذلك، ثم قلت ~~لها إنني أتمنى ألا تمانع في أن تكون وصيفة الشرف. قالت إنها بالطبع لا تمانع، ثم تأثر ~~كلانا بالموقف وتعانقنا، ونحن نتنفس الصعداء. # قالت: «لا يقارن الزملاء بالأصدقاء مطلقا.» # غلبت علي حالة من التهور، وأخبرتها أن الخطأ كان خطأها على أي حال. # وأخبرتها أنني لم أستطع أن أتحمل فكرة أن تخذل فتاتان هذا الرجل المسكين. ~~••• # الثلاثون من مايو. لم أدون شيئا هنا منذ فترة طويلة؛ لأني كنت غارقة في دوامة من ~~الأشياء التي يجب علي إنجازها. حددنا موعد الزفاف في العاشر من يوليو، وتعكف السيدة ~~كورنيش على حياكة فستاني، وتفقدني صوابي وأنا أقف أمامها مرتدية ملابسي الداخلية فقط ~~وقد شبكتها جميعها بالدبابيس مع القماش وهي تصيح في بأن أقف ثابتة في مكاني. كان ~~الفستان من قماش المركيزيت الأبيض، ولن يكون للفستان ذيل؛ لأنني أخشى أن أطأ فوقه ~~وأتعثر فيه. ثم اشتريت جهاز العروس المكون من نصف دستة من قمصان النوم الصيفية، ورداء ~~الكيمونو الياباني من الحرير المموج بنقوش زهرة الزنبق، وثلاث منامات شتوية، اشتريتها ~~جميعا من متجر سيمبسون في تورونتو. في الواقع ليست المنامة هي أفضل ما تبتاعه العروس ~~في جهازها، ولكن قمصان النوم لا تشعر بالدفء، وأنا أبغضها على أي حال؛ لأنها دائما ما ~~تنكمش وتعلق عند الخصر في نهاية الأمر. وقد ابتعت كميات من القمصان الداخلية الحريرية ~~وأشياء أخرى بلون الخوخ أو «بلون البشرة». قالت جيني إنه علي أن أبتاع كميات من تلك ~~الأشياء وأحتفظ بها كلما سنحت لي الفرصة؛ لأنه إن اندلعت حرب في الصين فستصبح الكثير من ~~الملابس الحريرية نادرة للغاية؛ فهي تتابع الأخبار كعادتها دوما. وكان رداؤها كوصيفة ~~شرف من اللون الأزرق الفاتح. # وشرعت السيدة بوكس بالأمس في إعداد كعكة الزفاف، ومن المفترض أنها ستستغرق ستة أسابيع ~~حتى يتم إعدادها وتنضج، وبذا سيتم إعدادها في آخر لحظة قبل الموعد. كان علي أن أساعد ~~في عملية التقليب والإعداد ليجلب لي ذلك الحظ، وكان العجين مثقلا بالفواكه لدرجة ~~اعتقدت معها أن ذراعي ms259 ستسقطان. وكان أولي موجودا، فراح يساعدني في التقليب دون أن ~~تلاحظ السيدة بوكس. ما الحظ الذي سيجلبه ذلك؟ لا أدري. # أولي هو ابن عم ويلف، وقدم في زيارة إلى المدينة ستستمر شهرين. وبما أن ويلف ليس له ~~أخ فسيكون هو - أولي - الإشبين. إنه يكبرني بسبعة أشهر فقط، فبدوت أنا وهو وكأننا لا ~~نزال أطفالا، بينما لم يكن ويلف كذلك (ولا أستطيع أن أتخيل أنه كان طفلا بالفعل في ~~يوم من الأيام). مكث أولي في مصحة لعلاج الدرن لمدة ثلاث سنوات، لكنه أصبح الآن في حال ~~أفضل. أحدث له الأطباء انخماصا جزئيا في إحدى رئتيه حينما كان هناك، كنت قد سمعت ~~بهذا واعتقدت أنه ربما كان عليه أن يعيش برئة واحدة، لكن ذلك لم يكن صحيحا؛ لقد قاموا ~~بعمل ذلك حتى تتوقف الرئة عن وظيفتها بينما يعالجونها بالعقاقير ويعملون على تكيس ~~العدوى؛ وذلك حتى لا تنشط (أترون كيف اكتسبت معرفة طبية الآن بما أنني خطبت وسأتزوج ~~من طبيب). وبينما كان ويلف يشرح ذلك، وضع أولي يده فوق أذنيه، وقال إنه لا يريد أن يفكر ~~بما حدث لرئتيه، وراح يتظاهر بأنه أجوف من الداخل كعروسة مصنوعة من مادة السيليولويد. ~~كانت شخصيته مناقضة لويلف تماما، إلا أنه كان هناك انسجام كبير بينهما. # أحمد الله أننا سنقوم بتزيين الكعك بطريقة محترفة عند صانع الحلوى؛ فلا أعتقد أن ~~السيدة بوكس ستتحمل المزيد من الضغط. ~~••• # الحادي عشر من يونيو. بقي أقل من شهر على حفل الزفاف، يجب ألا أكون جالسة هنا الآن ~~لأكتب، بل علي أن أراجع قائمة هدايا الزفاف، لا أستطيع أن أصدق أن كل تلك الأشياء ~~ستئول إلي. كان ويلف يلح علي في اختيار ورق الحائط. كنت أظن أن جميع الغرف مملطة ~~بالجص ومدهونة باللون الأبيض؛ لأن ذلك هو ما يفضله ويلف، لكن يبدو أنه كان قد تركها ~~كذلك حتى تختار زوجته المستقبلية ورق الحوائط. أخشى أنني كنت أبدو متحيرة بالمهمة، لكني ~~استجمعت شتات نفسي وأخبرته أن ذلك ينم عن كياسته ومراعاته للرأي الآخر، ms260 غير أني لا ~~أستطيع تخيل ما أريده إلا بعد أن أنتقل للعيش هناك بالفعل (لا بد وأنه كان يتمنى أن ~~يكون كل شيء قد تم الانتهاء منه حين عودتنا من شهر العسل)، لكني بذلك قد أرجأت كل ~~شيء. # ما زلت أذهب إلى الطاحونة يومين في الأسبوع، وتوقعت نوعا ما أن يستمر ذلك لما بعد ~~الزواج، لكن أبي أخبرني أنه بالقطع لن يستمر الوضع على ما هو عليه. واستمر في حديثه كما ~~لو أن تعيين امرأة متزوجة أمر غير قانوني، ولا يتم التعيين إلا إذا كانت أرملة أو ~~تعاني ظروفا قاسية، لكني أوضحت له أنه ليس بتعيين طالما أنه لا يدفع لي راتبا على أي ~~حال. ثم شرع في قول ما كان متحرجا من قوله في البداية، وهو أنه حينما أتزوج سيكون هناك ~~فترات انقطاع أتوقف فيها عن ممارسة مهامي. # قال: «هناك أوقات لن تتمكني فيها من الخروج إلى الأماكن العامة.» # احمر وجهي خجلا كالبلهاء وقلت له: «لا أعرف شيئا مما تتحدث عنه.» # لذا خطر على ذهنه (أي أبي) أنه سيكون شيئا جيدا إن حل أولي مكاني فيما أقوم به من ~~عمل، وأنه يأمل (أبي) أن يبذل أولي كل ما في وسعه في هذا النشاط التجاري، ويلم به ~~تماما ليتمكن في النهاية من تولي جميع الأعمال والمهام. ربما كان أبي يتمنى أن أتزوج ~~شخصا يمكنه القيام بذلك، برغم أنه يعتقد أن ويلف «شخص ممتاز ومن الطراز الأول». ولأن ~~أولي غير مرتبط بأي عمل في الوقت الحالي، وهو شخص متعلم يتسم بالذكاء (رغم أني لا أعلم ~~قدر التعليم الذي تلقاه وأين، إلا أنه من الواضح أن لديه قدرا من المعرفة يفوق ~~بالفعل أي شخص هنا)؛ لذا فهو الاختيار الأمثل؛ ولهذا السبب اصطحبته إلى المكتب بالأمس ~~وأطلعته على الدفاتر وغير ذلك، وأخذه أبي وقدمه إلى الرجال هناك وإلى كل من تصادف ~~وجوده في المكان، وبدا وكأن الأمور تسير على ما يرام. كان أولي شخصا نابها وأبدى ~~قدرا من الجدية في المكتب ، ثم بدا ms261 مرحا ينشر الضحكات (لكن في حدود) بين الرجال، بل ~~إنه غير من أسلوب حديثه بالقدر الصحيح، وكان أبي سعيدا بهذا، وشعر بأنه جاء عونا ~~له. عندما ألقيت عليه تحية المساء قال: «إنه لمن حسن حظي أن يظهر ذلك الرجل هنا الآن. ~~إنه شخص يبحث عن مستقبل ومكان يستقر به.» # لم أعارض ذلك، بل اعتقدت أن هناك فرصة كبيرة أمام أولي ليستقر هنا ويدير طاحونة ~~الفرم، تماما مثلما كانت لدي أنا فرصة للمشاركة في عرض زيجفيلد فوليز ~~المسرحي. # أعتقد أنه لا يسعه إلا أن يقوم بعمله على نحو متميز. # وفكرت ذات مرة بأن جيني يمكن أن تحمل عني مسئولية أولي. إنها مثقفة وتدخن، ~~وبالرغم من أنها تذهب إلى الكنيسة فإن آراءها من ذلك النوع الذي يعتبره الآخرون ~~إلحادية. وأخبرتني أنها لا تعتقد أن أولي سيئ المظهر بالرغم من أنه يعد قصير القامة ~~(أعتقد أن طوله حوالي خمسة أقدام وثماني بوصات أو تسع)، وعيناه زرقاوان كما تحب، ولديه ~~ذاك الشعر البني بلون حلوى الزبد الاسكتلندية، الذي يسقط بعضه في تموجات خفيفة فوق ~~جبهته ويوحي ببعض الجاذبية المتعمدة. كان لطيفا معها بالقطع حينما التقى بها وشجعها ~~على أن تتحدث كثيرا، وبعد أن غادرت إلى منزلها قال لي: «أعتقد أن صديقتك الصغيرة على ~~قدر من الثقافة، أليس كذلك؟» ~~«صغيرة؟» إن جيني تكاد تماثله في الطول، وكنت على وشك أن أخبره بذلك، لكنه من الوضاعة ~~أن أشير إلى شيء يتعلق بالطول وأنا أتحدث مع رجل يعاني من نقص في ذلك الجانب؛ لذا آثرت ~~الصمت. ولم أدر ماذا أقول فيما يتعلق بجانب الثقافة؛ ففي رأيي أن جيني على قدر من ~~الثقافة (فهل قرأ أولي مثلا رواية الحرب والسلام؟) لكني لم أستطع أن أخمن من أسلوب ~~كلامه إن كان يقصد أنها كذلك أم لا. وكل ما أستطيع قوله هو أنه إن كان يقصد أنها مثقفة، ~~فذلك أمر لا يهتم به، أما إن لم تكن كذلك، فقد تصرفت وكأنها على قدر من الثقافة؛ وذلك ~~شيء لا يهتم به ms262 أيضا. كان ينبغي أن أقول شيئا ثقيل الظل مثل: «إنني لا أستطيع أن ~~أفهمك.» لكني بالقطع لم أفكر في شيء كهذا إلا فيما بعد، لكن الشيء الأسوأ هو أنه بمجرد ~~أن قال ذلك تكونت بداخلي بعض الأفكار والآراء بشأن جيني، وبينما كنت أدافع عنها (في ~~أفكاري)، وجدتني بطريقة خبيثة أتفق معه تماما، ولا أدري إن كانت ستبدو - كما كانت - في ~~رأيي على هذا القدر من الذكاء في المستقبل أم لا. # كان ويلف موجودا بالقرب منا، وبالطبع سمع ذلك الحوار، لكنه لم يقل شيئا. ربما كنت ~~أستطيع أن أسأله إن لم يكن قد شعر بأنه يريد أن يدافع عن الفتاة التي تقدم للزواج ~~منها في يوم من الأيام، لكنني لن أصرح له مطلقا بأني أعرف ذلك الأمر. كان عادة ما ~~يسمعني أتحدث أنا وأولي وهو يحني رأسه قليلا للأمام (وهو الأسلوب الذي يتبعه مع معظم ~~الناس؛ فقد كان طويل القامة جدا) وعلى وجهه شبه ابتسامة. ولا أدري إن كانت ابتسامة أم ~~أن تلك حركة فمه المعتادة. كانا يأتيان كلاهما في الأمسيات إلى منزلنا، وينتهي الأمر ~~بأن يلعب كل من أبي وويلف الورق، بينما نمضي أنا وأولي الوقت في تجاذب أطراف الحديث ~~على نحو متباسط، أو نلعب ثلاثتنا - أنا وأولي وويلف - لعبة البريدج التي تحتاج ثلاثة ~~لاعبين (لم يعتد أبي على لعب البريدج؛ لأنه ~~يعتقد أنها تنم عن الغرور والتكبر)، وفي بعض الأحيان كان ويلف يتلقى مكالمة هاتفية من ~~المستشفى أو من إلسي بانتون (مديرة منزله التي لا أتذكر اسمها دوما، فكنت أصيح سائلة ~~السيدة بوكس) فيضطر للمغادرة، وفي أحيان أخرى عندما ننتهي من لعب الورق، كان يجلس قبالة ~~البيانو ويشرع في العزف بمهارة دون أن يكون أمامه نوتة موسيقية، بل وربما يستطيع العزف ~~في الظلام. كان أبي يتجول في الشرفة ثم يأتي ليجلس معي أنا وأولي، وينصت ثلاثتنا لعزفه ~~ونتمايل على أنغامه. كان يبدو وقتها أن ويلف يعزف لنفسه وكأن أداءه غير موجه لنا؛ فلم ~~يكن يهتم إن كنا ننصت له ms263 أم لا، أو إذا ما كنا قد بدأنا في الحديث ثانية، وهو ما كنا ~~نقوم به بالفعل في بعض الأحيان؛ لأن معزوفاته قد تكون كلاسيكية بعض الشيء لأبي الذي ~~كانت أغنيته المفضلة «منزلي القديم في كنتاكي». فكان ينتاب أبي حينها شعور بعدم ~~الراحة؛ فقد كان ذلك النوع من الموسيقى يشعره بالدوار وكأن العالم يلف من حوله؛ لذا ~~كنا نبدأ في الحوار ثانية من أجل أبي. ثم يكون هو - أي أبي - من يبدأ في إخبار ويلف ~~بأننا جميعا استمتعنا بعزفه، فيشكره ويلف بأسلوب مهذب، لكنه يكون شارد الذهن. ولم نكن ~~أنا وأولي نعقب بشيء؛ لأننا نعلم أنه في تلك الحالة لا يهتم برأينا بطريقة أو ~~بأخرى. # وفي مرة من المرات دهشت؛ إذ وجدت أولي يشدو بهمس مع عزف ويلف. ~~«الفجر يبزغ وبير جينت يتثاءب ...» # فهمست قائلة: «ماذا؟» # قال أولي: «لا شيء، إنها الأغنية التي يعزفها.» # جعلته يتهجى ببطء ب-ي-ر-ج-ي-ن-ت. # ينبغي أن أعرف أكثر عن الموسيقى؛ فهي ستكون شيئا مشتركا بيني وبين ويلف. # أصبح الطقس حارا فجأة. تفتحت زهور الفاوانيا بالخارج وازداد حجمها، وتساقطت زهرات ~~سبيريا من شجيراتها وكأنها ثلوج متساقطة. تجولت السيدة بوكس بالخارج وألقت نظرة على ~~الزهور وهي تقول إذا استمر الطقس هكذا فستجف الزهور كلها بحلول موعد الزفاف. # وبينما أكتب هذا كنت قد احتسيت ثلاثة أقداح من القهوة ولم أصفف شعري بعد. قالت السيدة ~~بوكس: «سيتعين عليك تغيير نمط حياتك في القريب العاجل.» # قالت ذلك لأن إلسي ثينجامابوب أخبرت ويلف أنها ستستقيل من عملها حتى أكون أنا مسئولة ~~عن تدبير شئون المنزل. # لذا فأنا الآن أغير من أسلوب حياتي، ووداعا لمذكراتي على الأقل في الوقت الحالي. ~~كان دائما ما يلازمني ذلك الشعور بأن هناك شيئا غريبا سيحدث في حياتي؛ لذا من المهم ~~أن أدون كل شيء. فهل كان ذلك مجرد شعور؟ # فتاة بلباس البحارة # قالت نانسي: «لا تعتقد أن بمقدورك أن تجلس هكذا في تراخ وتكاسل، لدي مفاجأة ~~لك.» # قال أولي : «أنت دوما محملة بالمفاجآت.» # كان هذا يوم الأحد، ms264 وتمنى أولي أن يأخذ قسطا من الراحة والاسترخاء. لقد كانت طاقة ~~نانسي الزائدة شيئا لا يكن له أولي كثيرا من التقدير. # افترض أولي أنها ستكون بحاجة إلى هذه الطاقة في القريب العاجل؛ لأنها ستساعد في شئون ~~المنزل، وهو ما سيعتمد عليه ويلف بأسلوبه الاعتيادي الذي يشوبه بعض البرود. # توجه ويلف مباشرة إلى المستشفى بعد أن غادر الكنيسة، وعاد أولي لتناول العشاء مع ~~نانسي ووالدها. كانوا عادة ما يتناولون إحدى الوجبات الخفيفة الباردة أيام الآحاد؛ ~~فالسيدة بوكس تذهب إلى كنيستها في ذلك اليوم وتقضي فترة ما بعد الظهيرة تستمتع براحة ~~طويلة في منزلها الصغير. ساعد أولي نانسي في تنظيف وترتيب المطبخ، وترامى إلى مسامعهم ~~أصوات شخير تأتي من غرفة الطعام. # قال أولي بعد أن ألقى نظرة صوب الحجرة: «إنه أبيك، لقد غلبه النوم وهو جالس في مقعده ~~الهزاز ومجلة «ساترداي إيفننج بوست» على ركبتيه.» # قالت نانسي: «إنه لا يعترف أبدا أن النوم سيغلبه بعد ظهيرة أيام الآحاد؛ فهو يعتقد ~~دوما أنه سيقرأ.» # كانت نانسي ترتدي مئزرا للمطبخ وتربطه حول خصرها؛ ولم يكن من ذلك النوع الذي يستخدم ~~في أعمال المطبخ الشاقة. قامت بخلعه وتعليقه فوق مقبض الباب، ونفشت شعرها أمام مرآة ~~صغيرة مثبتة بجوار باب المطبخ. # قالت بصوت يشوبه الشكوى، لكنه لا ينم عن الاستياء: «إن مظهري غير مهندم.» # قال: «هذا حقيقي، ولا أدري ما الذي رآه ويلف فيك.» # قالت: «انتبه لكلماتك وإلا لكمتك.» # قادته خارج باب المطبخ، ثم تجولا حول شجيرات الكشمش، وأسفل شجرة القيقب حيث كانت تضع ~~أرجوحتها كما أخبرته بالفعل مرتين أو ثلاث مرات. ثم سارا بعد ذلك عبر الممر الخلفي حتى ~~نهاية المربع السكني. لم يكن ثمة أحد يقوم بجز الحشائش؛ فهذا يوم الأحد، بل لم يكن ~~هناك أحد على الإطلاق في الأفنية الخلفية، وكانت كل المنازل مغلقة على ما بداخلها، ولها ~~تلك الهيئة الشامخة الساترة على ما فيها كما لو أن بداخل كل منزل أناسا أجلاء كوالد ~~نانسي يغيبون مؤقتا عن ذلك العالم وهم يأخذون ما ms265 يستحقونه من فترة راحة. # لكن هذا لا يعني أن الهدوء يغلف المدينة بأسرها؛ فبعد ظهيرة يوم الأحد هو الوقت الذي ~~ينزح فيه أهل الريف وبعض من أهل قرى الريف إلى الشاطئ، الذي يبعد عنهم مسافة ربع ميل ~~بالقرب من سفح الجرف. وهناك تختلط صيحات من يلعبون على الزلاقات المائية بصرخات الأطفال ~~وهم يغطسون ويرشون بعضهم بعضا بالمياه، وتسمع أصوات أبواق السيارات العالية، وعربات ~~الآيس كريم وهي تطلق صفيرها، وهتافات الشباب وهم يتباهون بأنفسهم في حماس، وكذا أصوات ~~الأمهات اللاتي يعتريهن القلق العارم. كل ذلك يمتزج في صيحة واحدة مختلطة. # وعند نهاية الممر، وعبر شارع أقل حالا وغير ممهد، ظهر مبنى مهجور قالت عنه نانسي ~~إنه مستودع الثلج القديم، وامتدت خلفه قطعة أرض خاوية، وجسر خشبي يقع فوق قناة جافة، ثم ~~وصلا بعد ذلك إلى طريق يتسع لمرور عربة واحدة؛ أو بالأدق عربة يجرها حصان واحد فقط. ~~وعلى كلا جانبي هذا الطريق اصطف جدار من الشجيرات الشائكة بأوراقها الخضراء الصغيرة ~~البراقة وقد تناثرت عليها بعض الزهور الجافة وردية اللون. ولم تكن تلك الشجيرات تسمح ~~بتخلل النسيم، أو تلقي بأي ظلال عليهما، وحاولت أغصانها أن تتشابك بكمي قميص ~~أولي. # قالت نانسي عندما سألها في ضيق عما لامسه: «إنها زهور برية.» ~~«أعتقد أن هذه هي المفاجأة، أليس كذلك؟» ~~«سترى.» # شعر بالحر الخانق في ذلك الممر الضيق، وتمنى لو أنها تبطئ من خطواتها. وكثيرا ما ~~أدهشه التفكير في طول الوقت الذي يمضيه في التجول مع تلك الفتاة، والتي لم تكن رائعة ~~ومميزة بأي حال من الأحوال فيما عدا كونها مدللة، وتتسم بالجرأة التي تقارب حد الوقاحة ~~والغرور بعض الشيء. ربما كان يحب إزعاجها. إنها فقط تتسم بذكاء يفوق سائر الفتيات، وهذا ~~هو ما يجعله يفعل ذلك. # كل ما استطاع أن يراه، من على بعد، هو سقف أحد المنازل تحفه بعض الأشجار لتلقي ~~بظلالها فوقه فتغطيه، وبما أنه لم يكن هناك أمل في الحصول على أي معلومات من نانسي، ~~راح الأمل يداعبه بالجلوس في مكان ms266 بارد ومنعش عندما يصلان إلى هناك. # قالت نانسي: «ربما لديها صحبة الآن. ربما علمت.» # رأوا عند المنعطف في نهاية الطريق سيارة قديمة شديدة الاتساخ من طراز فورد موديل ~~تي. # قالت: «على أي حال إنها سيارة واحدة فقط، لنأمل أن يكونوا قاربوا على ~~الانتهاء.» # لكنهم عندما بلغوا السيارة لم يخرج لهم أحد من المنزل الجميل ذي الطابق والنصف، ~~المشيد من الطوب والذي يطلق عليه الطوب الأبيض في هذا الجزء من المدينة، والطوب ~~«الأصفر» في المنطقة التي أتى منها أولي (وهو في حقيقة الأمر ذو لون داكن ويبدو ~~متسخا). لم يكن هناك سور حول المنزل؛ مجرد حاجز من الأسلاك المحيطة بالفناء الذي يحتوي ~~على حشائش غير مقلمة. ولم يكن هناك ممر أسمنتي من البوابة إلى باب المنزل، إنما مجرد ~~طريق تغطيه القاذورات. وهو شيء معتاد خارج البلدة؛ فليس لدى كل المزارعين أرصفة ممهدة ~~أو ماكينات لتهذيب الحشائش. # من المرجح أنه كانت توجد هنا أحواض من الزهور؛ على الأقل بعض من الزهور البيضاء ~~والصفراء المنتشرة حول المنزل أو هناك وسط الحشائش الطويلة. كان على ثقة أنه كانت هناك ~~بعض زهور الأقحوان، لكنه لم يهتم بسؤال نانسي؛ إذ يحتمل أن تسمعه بعضا من تصحيحاتها ~~الساخرة. # قادته نانسي نحو أثر أصلي بقي من الأيام الخوالي الجميلة التي اتسمت بالبطء والتمهل؛ ~~أرجوحة خشبية مكتملة غير مطلية، لها مقعدان يواجه أحدهما الآخر. ويبدو أن أحدا لم يطأ ~~الحشائش بالقرب منها في هذا المكان؛ فمن الواضح أن تلك الأرجوحة لم تستخدم كثيرا، وقد ~~استقرت أسفل ظلال شجرتين مورقتين. وبمجرد أن استقرت نانسي فوقها نهضت ثانية وراحت تدفع ~~نفسها للأمام وللخلف بعد أن ثبتت نفسها وسط المقعدين لتتحرك بذلك الشيء الغريب محدثة ~~صريرا عاليا. # قالت: «سيجعلها هذا الصوت تعرف أننا هنا.» # قال: «يجعل من؟» ~~«تيسا.» ~~«أهي صديقة لك؟» ~~«بالطبع.» # قال أولي دون حماس: «أهي صديقة لك كبيرة في السن؟» كانت قد تسنت له العديد من الفرص ~~ليرى كم كانت نانسي تضيع الكثير من وقتها وتظهر ما يسمى - في بعض ms267 كتب الفتيات التي ~~ربما تكون قد قرأتها أو التي تأثرت بها - بالجانب المشرق من شخصيتها. وقد جال بخاطره ~~مضايقتها ومداعبتها البريئة للرجال الكبار في المصنع. ~~«لقد كنا نذهب للمدرسة معا، أنا وتيسا.» # جعله ذلك يتذكر شيئا آخر طاف بذهنه؛ الطريقة التي رتبت بها لقاءه مع جيني في ~~محاولة لجذب كليهما للآخر. # قال أولي: «وما الشيء المثير للاهتمام فيها؟» # قالت له: «سترى. آه يا إلهي!» # قفزت من منتصف الأرجوحة واتجهت نحو طلمبة المياه اليدوية بالقرب من المنزل، وبدأت تضخ ~~بهمة ونشاط. كان عليها أن تضخ طويلا وبعزم شديد قبل أن يبدأ تدفق المياه. وحتى مع ~~هذا المجهود لم يبد عليها أي أمارات للتعب، بل راحت تستمر في ضخ المياه لفترة قبل أن ~~تملأ ذلك القدح المصنوع من القصدير والمعلق بجوار المضخة، ثم حملته، والمياه تفيض ~~منه، واتجهت صوب الأرجوحة. واعتقد أولي من خلال تلك النظرة المتحمسة في عينيها أنها ~~ستقدمه له على الفور، لكنها في الحقيقة رفعته نحو شفتيها وتجرعته بسعادة. # قالت وهي تعطيه إياه: «إنها ليست مياه البلدة، إنها مياه الآبار، يا لها من مياه ~~لذيذة!» # كانت فتاة من ذلك النوع الذي يمكن أن يشرب المياه غير المعالجة من أي قدح قصديري ~~قديم معلق فوق أي مورد مياه (لقد جعلته المصائب التي ألمت بجسده أكثر دراية بمثل هذه ~~المخاطر من أي شاب آخر)، وكانت هي شخصية تحب أن تتباهى بالطبع، لكنها كانت في الواقع ~~متهورة بطبيعتها ومحبة للمجازفة، ولديها قناعة تامة بأنها تحيا حياة جذابة. # لم يكن ليقول هذا عن نفسه، إلا أنه كانت لديه فكرة - لم يستطع أن يذكرها دون أن يضفي ~~عليها روح الدعابة - وهي أنه خلق لشيء غير اعتيادي، وأن حياته سيكون لها معنى وقيمة ~~مختلفة. وربما هذا هو ما جذب كليهما للآخر، لكن الفرق بينهما هو أنه سيستمر للحصول على ~~ما يريد ولن يرضى بما هو أقل مثلما كان عليها أن تفعل هي - أو مثلما هي الآن بالفعل - ~~كونها فتاة. وقد شعر بالراحة فجأة إزاء فكرة ms268 أن مجال الخيارات أمامه أوسع بكثير مما ~~يتاح لأي فتاة، وجعله هذا أيضا يشعر حيالها بالشفقة، وأن يمرح ويمزح معها. ثمة ~~أوقات مرت عليهما لم يكن هو بحاجة لأن يسأل خلالها عن سبب وجوده معها، حينما كان يشرع ~~في إغاظتها أو حينما تعمد هي إلى مضايقته وإغاظته، وهو ما جعل الوقت يمر بسرعة دون أن ~~يشعرا به. # كانت المياه لذيذة ومنعشة على نحو رائع. # قالت وهي تجلس في مواجهته: «هناك كثيرون يأتون لزيارة تيسا، ولا تعرف أبدا الوقت ~~الذي يوجد فيه أي شخص عندها.» # قال: «حقا؟» وطافت بذهنه فكرة متطرفة بعض الشيء؛ وهي أنها قد تكون على قدر من فساد ~~الأخلاق والتحرر يجعلها تصادق فتاة منحرفة، عاهرة ريفية يتردد عليها الأشخاص دون التقيد ~~برسميات، أو على الأقل لا تزال باقية على أواصر الصداقة بفتاة فسدت أخلاقها. # نجحت في قراءة أفكاره؛ فقد كانت لماحة في بعض الأوقات وعلى قدر من الذكاء. # فقالت: «أوه، لا، إنني لم أقصد أي شيء من هذا القبيل. أوه، إنها أسوأ فكرة يمكن أن ~~أسمعها على الإطلاق؛ فتيسا هي آخر فتاة على وجه الأرض يمكن أن ... أوه هذا شيء مقزز. ~~عليك أن تشعر بالخجل حيال ما فكرت به. إنها آخر فتاة ... سترى بنفسك.» اكتسى وجهها ~~بالحمرة. # فتح الباب، وظهر رجل وامرأة في منتصف العمر تبدو عليهما علامات الإرهاق، ولكن ليس ~~الإنهاك الشديد، كسيارتهما البالية، ودون إلقاء تحيات الوداع الطويلة المعتادة - أو ~~أي من تحيات الوداع المسموعة على الإطلاق - سارا عبر الممر ونظرا نحو الأرجوحة ولمحا ~~نانسي وأولي، لكنهما لم يتفوها بشيء. والغريب أن نانسي لم تقل شيئا هي الأخرى، ولم ~~تلق عليهما أي نوع من أنواع التحية الحارة. توجه الزوجان نحو جانبي السيارة ثم ~~استقلاها وسارا بها مبتعدين. # ثم ظهر شخص عند ظل مدخل الباب وصاحت نانسي قائلة: ~~«أهلا، تيسا.» # كانت المرأة تشبه طفلا قوي البنيان، لها رأس ضخم يغطيه شعر مجعد داكن اللون، ولها ~~كتفان عريضتان، وساقان قصيرتان بدينتان. كانت ساقاها عاريتين، وترتدي لباسا غريب ~~المظهر؛ ms269 يتكون من تنورة وكنزة ذات ياقة تشبه ياقات البحارة. لقد كان غريبا بالنسبة ~~لهذا اليوم الحار على الأقل، بالإضافة إلى حقيقة أنها لم تعد فتاة بالمدرسة. من المرجح ~~أنها كانت ترتدي هذه الملابس منذ أيام الدراسة، ولأنها من الأشخاص المدبرين، احتفظت بها ~~لترتديها هنا في المنزل؛ فمثل هذه الأنواع من الملابس لا تبلى، كما أنها - في رأي أولي ~~- لا تضفي جاذبية على أجسام الفتيات؛ فهي تبدو كالحمقاء فيها، لا تختلف كثيرا عن ~~غالبية فتيات المدرسة. # جاءت به نانسي وقدمته إلى تيسا، وقال هو لتيسا - بذلك الأسلوب الذي ينطوي على ~~التلميحات، والذي كان مقبولا عادة لدى معظم الفتيات - بأنه سمع عنها الكثير. # قالت نانسي: «كلا، إنه لم يسمع عنك. لا تصدقي حرفا مما يقوله، إنني أحضرته معي إلى ~~هنا لأني لم أكن أدري ماذا أفعل به في حقيقة الأمر.» # كانت عينا تيسا ناعستين، ولم تكونا شديدتي الاتساع، لكنهما كانتا بلون أزرق فاتح ~~يعكس عمقا شديدا على نحو مدهش. وعندما رفعتهما لتنظر نحو أولي زاد تألقهما دون أن ~~يحملا أي تعبيرات تنم عن المودة أو العداء أو حتى الفضول. كان بهما عمق وثقة جعلت من ~~المستحيل على أولي أن يستمر في التلفظ بمجاملات سخيفة. # قالت وهي تتقدم أمامهما لتريهما الطريق: «من الأفضل أن تتفضلا بالدخول، آمل ألا ~~تمانعا في أن أنتهي أولا من مخض اللبن، لقد كنت أقوم بذلك بالفعل عندما قدمت آخر ~~مجموعة فتوقفت حينها، لكن إن لم أستأنف ذلك العمل الآن فقد يفسد الزبد.» # قالت نانسي: «تقومين بمخض اللبن يوم الأحد؟ يا لك من فتاة شقية! أترى يا أولي هكذا ~~يصنع الزبد. أراهن أنك تعتقد أنه يأتي جاهزا مباشرة من البقرة ثم يتم لفه ليرسل إلى ~~المتجر.» ثم وجهت حديثها لتيسا: «هيا، باشري عملك، وإن شعرت بالتعب يمكنك أن تدعيني ~~أجرب هذا العمل لبرهة. إنني قدمت إلى هنا كي أدعوك إلى حفل زفافي في الواقع.» # قالت تيسا: «لقد سمعت بهذا الأمر.» ~~«كنت سأرسل لك دعوة، لكني لم أكن أدري إن ms270 كنت ستنتبهين لها أم لا، واعتقدت أنه من ~~الأفضل أن آتي إلى هنا وأضعك تحت التهديد حتى تؤكدي أنك ستأتين.» # توجهوا مباشرة نحو المطبخ، كانت ستائر النافذة مسدلة وتلامس حافتها، وثمة مروحة ~~عالية فوقهم تحرك الهواء. كانت تنبعث من المكان رائحة الطبخ، ورائحة بعض النباتات التي ~~تستخدم لقتل الحشرات الطائرة، ورائحة فحم القطران، وأقمشة تجفيف الصحون. ربما تكون كل ~~هذه الروائح عالقة في الجدران وفي الألواح الأرضية منذ عشرات السنين، لكن هناك شخصا ما ~~تكلف عناء طلاء الخزانات والأبواب باللون الأزرق المائل إلى الأخضر، بالطبع هي تلك ~~الفتاة التي تلتقط أنفاسها بصعوبة وتكاد تطلق صوتا كصوت الخنزير وهي تقوم بمخض ~~اللبن. # نثرت أوراق الصحف حول المكان الذي تعمل به الفتاة في مخض اللبن لحماية الأرضية، ~~التي حوت بعض النقر في مسارات المرور المعتادة حول المائدة وعند الموقد. كان أولي في ~~العادة مهذبا مع معظم فتيات المزارع، ويسألهن دوما إن كن يرغبن في أن يساعدهن في مخض ~~اللبن، إلا أنه في هذا الموقف لم يكن واثقا من رغبته في ذلك. إن تيسا تلك لا تبدو ~~متجهمة، بل تبدو أكبر من عمرها الحقيقي؛ فهي تتسم بالصراحة المنفرة والاستقلالية إلى حد ~~كبير. حتى نانسي، هدأت بعد فترة ولم تعد تتحدث كثيرا في وجودها. # تكون الزبد، وقفزت نانسي لتلقي نظرة عليه، ونادته لكي يفعل ذلك هو أيضا. وتعجب ~~من لونه الباهت؛ فهو بالكاد أصفر، لكنه لم يقل شيئا خشية أن توبخه نانسي على جهله، ~~ثم قامت الفتاتان بوضع الكتلة اللزجة الباهتة على قطعة من القماش على الطاولة، ثم راحا ~~يقرعانها قرعا خفيفا بملعقة التقليب الخشبية، وبعدها لفتاها في قطعة القماش ~~بالكامل. رفعت تيسا بابا في الأرض وحملتاها ونزلتا بها درجتين يوصلان إلى قبو صغير ~~لم ينتبه هو لوجوده لولا أن رآه. وأطلقت نانسي صرخة عالية؛ فقد كادت قدمها أن تزل. ~~ظن أولي أن تيسا بمقدورها أن تنجز هذا العمل بصورة أفضل لو كانت بمفردها، لكنها لم ~~تمانع أن تمنح نانسي مزية مساعدتها تماما كما ms271 يفعل المرء مع طفل لذيذ مشاكس. تركت ~~نانسي تنظف الأرضية وترفع عنها أوراق الصحف، بينما فتحت هي زجاجات من عصير الليمون ~~أحضرتها من القبو. أحضرت كتلة كبيرة من الثلج من مبرد صغير موضوع في أحد جوانب المطبخ، ~~وقامت بغسلها لإزالة بعض نشارة الخشب العالقة بها، وقرعتها بالمطرقة، في حوض الغسيل، ~~حتى تضع بعض الثلوج في أكوابهم. ومرة ثانية لم يعرض هو أي مساعدة أيضا. # قالت نانسي بعدما تجرعت رشفة من عصير الليمون: «والآن يا تيسا، فقد حان الوقت، ~~أسدي لي صنيعا. أرجوك هيا.» # شربت تيسا كأس الليمون. # قالت نانسي: «أخبري أولي بما يحمله في جيبه، هيا، ولتبدئي بالجانب الأيمن.» # قالت تيسا دون أن ترفع بصرها نحوه: «أعتقد أنه يحمل حافظة نقوده.» # قالت نانسي: «أوه، استمري، هيا.» # قال أولي: «نعم، إنها أصابت؛ ففيه حافظة نقودي بالفعل. والآن، هل بإمكانها أن تخمن ~~محتوياتها؟ فإنها لا تحوي الكثير.» # قالت نانسي: «لا عليك من ذلك، أخبريه يا تيسا بما يحتويه جيبه الأيمن أيضا.» # قال أولي: «ما هذا على أي حال؟» # قالت نانسي في عذوبة: «هيا يا تيسا، أنت تعرفينني. أتذكرين؟ نحن أصدقاء منذ زمن، نحن ~~أصدقاء منذ السنة الدراسية الأولى. هيا افعلي هذا من أجلي.» # قال أولي: «أهي لعبة؟ هل هذه لعبة اخترعتماها وحدكما وتتفقان عليها؟» # ضحكت نانسي من كلامه. # قالت: «ما الأمر؟ ماذا لديك في جيبك وتشعر بالخجل حياله؟ ألديك جورب قديم كريه ~~الرائحة مثلا؟» # قالت تيسا في هدوء: «قلم رصاص، بضع نقود، بعض العملات المعدنية، ولكني لا أستطيع أن ~~أحدد قيمتها. أهناك قطعة من الورق مكتوب عليها؟ مطبوع عليها شيء؟» # قالت نانسي: «هيا أفرغ ما في جيبك يا أولي، أفرغ ما في جيبك.» # أردفت تيسا قائلة: «أوه، وقطعة من العلك. أعتقد قطعة من العلك هذا هو كل ما ~~هناك.» # لم تكن العلكة ملفوفة بالورق، وإنما بقطعة من نسيج الكتان. # قال أولي: «لقد نسيت وجودها!» بالرغم من أنه لم يفعل. # وأفرغ ما في جيبه، فكان عبارة عن عقب قلم رصاص، بعض العملات المعدنية ms272 من النيكل ~~والنحاس، قصاصة من إحدى الصحف مهترئة ومطوية. # قال وقد انتزعتها نانسي على الفور وفتحتها: «أعطانيها أحد الأشخاص.» # قرأت نانسي بصوت عال: «نحن نهتم بشراء المخطوطات النادرة على أن تكون في حالة فوق ~~الممتازة، مخطوطات في كل من الشعر والأدب، سيتم النظر بجدية إلى ...» # انتزعها أولي من يدها. ~~«لقد أعطاني أحدهم إياها. كانوا يريدون معرفة رأيي إن كانت شيئا مجديا أم ~~لا.» ~~«أوه، أولي.» ~~«لم أكن أدري أنها ما زالت موجودة، وهكذا الأمر مع قطعة العلك.» ~~«أولم تدهشك تيسا؟» ~~«بالطبع أنا مندهش، لقد نسيت أنا شخصيا ما أحمله.» ~~«أولم تصبك الدهشة من تيسا؟ مما عرفته؟» # نجح أولي في منح تيسا ابتسامة، بالرغم من أنه كان منزعجا بشدة، غير أنه لم يكن ~~خطأها. # قال: «إن ما في جيبي يحمله الكثير من الرجال. عملات معدنية؟ بديهي. قلم رصاص ~~...» # قالت نانسي: «وعلك؟» ~~«محتمل.» ~~«وماذا عن الورقة المطبوعة؟ تيسا قالت إنها مطبوعة.» # قال: «إنها قالت قصاصة ورق. إنها لم تعرف ما المكتوب عليها.» ثم وجه كلامه إلى تيسا ~~قائلا «لم تعرفي، أليس كذلك؟» # هزت رأسها نافية علمها، ونظرت باتجاه الباب وهي تنصت. ~~«أعتقد أن هناك سيارة بالخارج تسير عبر الممر.» # وكانت محقة؛ لقد سمعوا جميعا صوتها الآن. ذهبت نانسي لتختلس نظرة من خلال الستائر، ~~وخلال تلك اللحظة رمت تيسا أولي بابتسامة غير متوقعة. ولم تكن تلك الابتسامة تنم عن ~~التواطؤ، أو الاعتذار، أو التدلل. ربما هي ابتسامة تنم عن الترحيب، لكنها خالية من أي ~~دعوة صريحة. إنها مجرد تعبير عن الدفء؛ بعض من مشاعر اللطف تجاههما. وفي نفس الوقت ~~حركت كتفيها العريضتين؛ حيث أرختهما في ارتياح، كما لو أن الابتسامة غمرتها وتغلل ~~ذلك الشعور في كيانها كله. # قالت نانسي: «أوه، رائع.» كان عليها أن تسيطر على ذلك الشعور بالإثارة، وكذلك أولي ~~كان عليه أن يسيطر على شعوره الغريب بالدهشة والانجذاب. # فتحت تيسا الباب بينما كان هناك رجل يهبط من سيارته، وانتظر بجوار البوابة حتى تسير ~~نانسي وأولي عبر الممر. كان يبدو في الستينيات ms273 من عمره، مكتنز الكتفين، تكسو وجهه ملامح ~~جادة، يرتدي حلة صيفية فاتحة اللون، وقبعة من ماركة كريستي الإنجليزية الشهيرة. كانت ~~سيارته كوبيه ذات طراز حديث. أومأ إلى نانسي وأولي برأسه سريعا في احترام خلا من ~~الفضول على نحو متعمد كما لو أنه أمسك لهما الباب الذي يخرج منه في إحدى عيادات ~~الأطباء على سبيل المثال. # ولم يكد باب تيسا يغلق خلفه حتى ظهرت سيارة أخرى في أقصى نهاية الممر. # قالت نانسي: «إنه صف من السيارات، دائما ما يكون ما بعد ظهيرة أيام الأحد مزدحما؛ ~~وبالأخص في الصيف على أي حال. يقطع الناس الأميال لكي يروها.» ~~«حتى تخبرهم بما يحملونه في جيوبهم؟» # تجاهلت نانسي تلك الملحوظة دون تعليق. ~~«إنهم يسألونها في الغالب عن أشياء فقدت منهم، أشياء ثمينة بالنسبة لهم على أي ~~حال.» ~~«هل تطلب أتعابا مقابل ذلك؟» ~~«لا أعتقد هذا.» ~~«بل يجب عليها ذلك.» ~~«ولم؟» ~~«أوليست فقيرة؟» ~~«إنها لا تموت من الجوع.» ~~«لكنها لا تصيب دائما فيما تقول.» ~~«أعتقد أنها تصيب بالفعل، وإلا لما تردد الناس عليها باستمرار، أليس كذلك؟» # تغيرت لهجة حديثهما بينما كانا يسيران جنبا إلى جنب وسط شجيرات الورد عبر ذلك الممر ~~الخانق المشرق بضوء الشمس. راحا يمسحان حبات العرق التي تساقطت على وجهيهما، ولم يعد ~~لديهما أي طاقة يمكن استخدامها في النقد والجدال. # قال أولي: «لكني لم أفهم كيف تفعل ذلك؟» # قالت نانسي: «لا أعتقد أن أحدا يفهم ذلك. إنها ليست الأشياء التي يفقدها الآخرون ~~فحسب، إنها تستطيع أن تحدد مكان الجثث أيضا.» ~~«الجثث؟» ~~«كان هناك رجل اعتقد الجميع أنه كان يعبر خطوط السكك الحديدية، وحدث أن هبت عليه ~~عاصفة ثلجية علق فيها وتجمد حتى الموت، ولم يعثروا له على أثر، فطلبت منهم أن يبحثوا ~~بجوار البحيرة عند سفح الجرف. وتأكد كلامها؛ فلم يكن موجودا عند خطوط السكك الحديدية ~~على الإطلاق. وذات مرة فقدت بقرة فأخبرتهم أنها غرقت.» # قال أولي: «حسنا، إن كان الأمر هكذا، لم لم يقم أحد بالتحقق من الأمر؟ أعني بصورة ~~علمية.» ~~«إن ms274 هذا الأمر حقيقي مائة بالمائة.» ~~«لا أعني أنني لا أثق بها، لكني أريد أن أعرف كيف تفعل هذا، ألم تحاولي مرة ~~سؤالها؟» # فاجأته نانسي بإجابتها حين قالت: «ألن يكون هذا نوعا من الوقاحة؟» # بدا الآن أنها هي التي اكتفت بهذا القدر من المحادثة. # بيد أنه أصر على مواصلة الحديث قائلا: «إذن، هل كانت ترى بعض الأشياء الغريبة ~~عندما كانت طفلة صغيرة بالمدرسة؟» ~~«لا. لا أدري، إنها لم تفصح عن شيء كهذا مطلقا.» ~~«هل كان شأنها شأن أي شخص آخر؟» ~~«إنها لم تكن كذلك تماما، لكن من منا مثل الآخر؟ أعني أنني لا أعتقد مطلقا أنني ~~كنت كأي شخص آخر، أو أن جيني تعتقد أنها مثل أي شخص. أما تيسا فكانت تعيش في المكان ~~الذي تحيا فيه الآن، وكان عليها أن تقوم بحلب البقرة قبل أن تأتي إلى المدرسة في ~~الصباح، وهو شيء لم يكن أي منا يفعله. وكنت أحاول دوما أن أكون صديقتها.» # قال أولي في هدوء: «أنا متأكد.» # استمرت في حديثها كأنها لم تسمع جملته. ~~«ومع ذلك أعتقد أن الأمر بدأ؛ أو أنه من المؤكد أنه بدأ عندما مرضت تيسا؛ فقد أصابها ~~المرض عندما كنا في السنة الثانية من المدرسة الثانوية؛ فكانت تنتابها بعض النوبات، ~~فتركت المدرسة، ولم تعد إليها مطلقا، وهذا هو الوقت الذي انقطعت فيه صلتها بكل ~~شيء.» # قال أولي: «أهي نوبات صرع؟» # ابتعدت عنه قليلا وهي تقول: «إنني لم أسمع بشيء كهذا، كم كنت سمجة.» # توقف أولي عن السير وقال: «لم؟» # توقفت نانسي هي الأخرى. ~~«لقد اصطحبتك إلى هناك عن قصد لأريك أننا لدينا شيء مميز هنا. هي. تيسا. أعني كي ~~أريك تيسا.» ~~«نعم، ثم ماذا؟» ~~«لأنك تعتقد أنه ليس لدينا شيء هنا يستحق المشاهدة؛ فأنت تظن أننا لا نستحق إلا ~~السخرية؛ جميعنا هنا؛ لذا أردت أن أريك شيئا غريب الأطوار.» ~~«لا أستطيع أن أصفها بأنها غريبة الأطوار.» ~~«كان هذا مقصدي على الرغم من ذلك، ربما أستحق ضربة على رأسي.» ~~«ليس إلى هذه الدرجة.» ~~«علي أن ms275 أذهب إليها لأعتذر.» ~~«لم أكن لأفعل ذلك.» ~~«حقا لن تفعل؟» ~~«لا.» ~~••• # في ذلك المساء، ساعد أولي نانسي في إعداد عشاء خفيف بارد. كانت السيدة بوكس قد تركت ~~دجاجة مطهوة وسلطة الجيلي في المبرد، وكانت نانسي قد أعدت كعكة الملائكة يوم السبت كي ~~تقدمها لهم مع الفراولة. قاموا بترتيب كل شيء في الشرفة التي اكتست بظلال ما بعد ~~الظهيرة. وفيما بين الوجبة الرئيسية والحلوى، قام أولي بحمل الصحون وأواني السلطة إلى ~~المطبخ. # قال فجأة: «أتساءل إن كان أحدهم قد فكر في إحضار وجبة طعام لذيذة لها أو شيء من هذا ~~القبيل؛ مثل الدجاج أو الفراولة.» # كانت نانسي تنتقي أفضل حبات التوت الطازجة لتغمسها في سكر الفاكهة، وقالت بعد لحظة: ~~«آسفة. ماذا قلت؟» ~~«أقصد تلك الفتاة؛ تيسا.» # قالت نانسي: «أوه، إن لديها الكثير من الدجاج، يمكنها أن تذبح إحداها وقتما تشاء. ولن ~~تصيبني الدهشة إن عرفت أن لديها قطعة أرض زرعتها كلها بالتوت؛ فهم عادة ما يفعلون هذا ~~في الريف.» # كان شعورها بالندم على اصطحابه لتيسا قد أراحها بعض الشيء، ولكن تلاشى هذا الإحساس ~~الآن. # قال أولي: «ليست المسألة فقط أنها ليست غريبة الأطوار، بل إنها لا ترى نفسها ~~كذلك.» ~~«أوه، بالطبع لا.» ~~«إنها راضية بما هي عليه. كذلك فإن عينيها لافتة للنظر.» # راحت نانسي تنادي على ويلف لتسأله إن كان يرغب في العزف على البيانو في حين تقوم هي ~~بإعداد الحلوى وإحضارها لهم. ~~«ما زال أمامي خفق الكريمة، وبالطبع ستستغرق وقتا طويلا للغاية في هذا ~~الطقس.» # قال ويلف إن بمقدورهم الانتظار؛ فهو يشعر ببعض التعب. # ومع ذلك، عزف ويلف قطعة موسيقية فيما بعد عندما انتهوا من تناول الحلوى وبدأ الظلام ~~يغلف المكان. ولم يذهب والد نانسي لحضور قداس المساء في الكنيسة - فقد كان يعتقد أنه ~~مطلب زائد عن الحد - لكنه لا يسمح بلعب أي نوع من أنواع لعب الورق أو الشطرنج أو النرد ~~يوم الأحد، وراح يتصفح مجلة «ساترداي إيفننج بوست» مرة ثانية ، بينما كان ويلف يعزف ~~على البيانو. جلست نانسي ms276 على درج الشرفة، بعيدة عن مستوى نظر أبيها، وراحت تنفث دخان ~~سيجارة وهي تأمل ألا يشمها والدها. # قالت لأولي الذي كان متكئا على حافة الشرفة: «عندما أتزوج سأدخن وقتما ~~أحب.» # كان أولي لا يدخن بالطبع بسبب إصابة رئتيه. # ضحك قائلا: «على رسلك ... أهذا سبب كاف لتفعلي ذلك؟» # كان ويلف يعزف مقطوعة تدعى «موسيقى ليلية صغيرة» لموتسارت من دون نوتة ~~موسيقية. # قال أولي: «إنه ماهر، له يدان ماهرتان في العزف بالرغم من أن الفتيات كن يصفنها بأنها ~~باردة.» # ومع ذلك لم يكن يفكر في تلك اللحظة في ويلف أو نانسي أو أمر زواجهما، بل كان يفكر في ~~تيسا؛ في شخصيتها غريبة الأطوار، وهدوئها، وكان يسأل نفسه عما تفعله الآن في تلك ~~الأمسية الطويلة الحارة حيث تقطن عند نهاية ذلك الطريق الضيق المليء بالورد البري. هل ~~ما زال لديها بعض الزوار والمريدين؟ هل ما زالت منشغلة بحل المشكلات التي يواجهها الناس ~~في حياتهم؟ أم أنها ذهبت للخارج وجلست على الأرجوحة وراحت تميل بها للأمام وللخلف محدثة ~~صريرا وهي تجلس وحيدة دون صحبة سوى القمر الذي ينير السماء؟ # سيعرف في غضون فترة قصيرة أنها تمضي الأمسيات وهي تحمل دلاء المياه من المضخة لتروي ~~بها أشجار الطماطم، وتقوم بتقليب التربة التي تحوي محاصيل البازلاء والبطاطس، وإن أراد ~~فرصة للحديث معها فلا بد وأن يشاركها هو الآخر في هذه الأعمال أيضا. # خلال ذلك الوقت انهمكت نانسي في ترتيبات حفل الزفاف بصورة أكبر، دون أن تولي تيسا أي ~~جزء من تفكيرها، وكذلك هو، فيما عدا أنها أشارت لمرة أو اثنتين أنها لا تجده بجوارها في ~~الوقت الذي احتاجت فيه إليه. # التاسع والعشرين من أبريل # عزيزي أولي # كنت أتوقع أن نسمع عنك منذ أن عدنا من مدينة كيبيك، وأصابتني الدهشة عندما لم ~~تفعل (حتى في احتفالات أعياد الميلاد!) إلا أني بعدها أعتقد أنني استطعت اكتشاف ~~السبب؛ كنت قد شرعت في محاولة الكتابة مرات عدة، لكني اضطررت أن أرجئ الكتابة ~~حتى أتبين مشاعري. بإمكاني القول إن المقال أو ms277 القصة أو أيا ما تطلق عليها في ~~مجلة «ساترداي نايت بوست» كانت حسنة الصياغة، وإنك حققت نجاحا كبيرا تفتخر به ~~بانضمامك إلى تلك المجلة، إلا أن أبي لم يعجبه وصفك للميناء بأنه ميناء صغير ~~على البحيرة، ويود فقط أن يذكرك بأنه أفضل ميناء على هذا الجانب من بحيرة ~~هيورون وأكثرها ازدحاما، أما بالنسبة لي فلم يرق لي وصفك للمكان بأنه ~~«اعتيادي يفتقر للخيال والإثارة»، ولا أدري إن كان هذا المكان «اعتياديا» ~~أكثر من أي مكان آخر، وماذا تتوقع أن يكون؟ مكانا شاعريا؟ # ومع هذا، فالمشكلة الأساسية الآن هي تيسا، وما سيفعله هذا بحياتها، ولا أتخيل ~~أن ذلك طاف بذهنك. لم أستطع التوصل إليها عبر الهاتف، وليس بمقدوري أن أجلس خلف ~~مقود السيارة الآن على نحو مريح (لأسباب أتركها لمخيلتك) لكي أذهب إليها. على ~~أي حال فما ترامى إلى مسامعي هو أن هناك طوفانا من الناس يذهبون إليها، حتى ~~إنه بات من الصعب تماما على السيارات أن تصل إليها حاليا؛ حيث إن عربات ~~الإنقاذ تنتشل سيارات الأشخاص حين تسقط في مصارف المياه (ولكنهم لا يلقون على ~~هذا العمل أي نوع من أنواع الثناء على جهدهم، إنما درسا أخلاقيا عن أحوالنا ~~المعيشية المتخلفة التي نحيا فيها)، والطريق في حالة من الفوضى والإهمال، ووصل ~~إلى درجة من التهالك لا تسمح بالإصلاح، أما الزهور البرية فهي بالقطع شيء من ~~الماضي لا وجود له الآن. وقد وصل مجلس البلدة بالفعل إلى حالة من السخط الشديد؛ ~~لأنهم لا يدرون كم سيتكلف إصلاح كل ذلك، وكثير من الناس في حالة غضب شديدة؛ ~~لأنهم يعتقدون أن تيسا هي من كانت وراء كل تلك الدعاية وترفل في الثراء، ~~ولا يصدقون أنها تقوم بهذا كله دون مقابل، وإن كان هناك أحد قد جمع نقودا من ~~وراء ذلك فهو أنت. إنني أستعير كلام أبي حينما أقول لك ذلك؛ فأنا أعلم تماما ~~أنك لست بالشخصية المرتزقة. لقد كنت أنت من استفدت؛ إذ حققت مجدا من وراء ~~طباعة الموضوع. سامحني إن صدمك كلامي ms278 بما فيه من سخرية؛ فلا بأس أن تكون شخصا ~~طموحا، لكن ماذا عن مصلحة الآخرين؟ # ربما كنت تتوقع خطاب تهنئة، لكن آمل أن تعذرني؛ فقد كنت أريد أن أزيح حملا ~~ثقيلا عن صدري. # ومع هذا، هناك شيء إضافي، أريد أن أسألك بشأنه، هل كنت تفكر طوال الوقت في ~~كتابة ذلك؟ لقد علمت أنك ترددت على منزل تيسا عدة مرات بمفردك. إنك لم تذكر ذلك ~~لي مطلقا، ولم تطلب مني أن أرافقك إلى هناك. لم تشر مطلقا إلى أنك تود ~~الحصول على مادة صحفية (أعتقد أن هذه هي الكلمة المناسبة للإشارة إلى الأمر)، ~~وحسبما أتذكر فقد كتبت الموضوع برمته بطريقة فظة غلبت عليها الحدة، وليس ~~ثمة كلمة واحدة في الموضوع بأكمله تذكر فيها كيف أنني اصطحبتك إلى هناك أو ~~قدمتك إلى تيسا، ليس هناك أي عرفان بذلك على الإطلاق، كما لم يكن هناك كلمة شكر ~~أو تقدير ترسلها لي على نحو خاص. وإنني أتساءل إلى أي مدى كنت أمينا مع تيسا ~~فيما يخص نواياك؟ أو إذا ما كنت طلبت موافقتها على ممارسة - وأستشهد بكلماتك ~~الآن - فضولك العلمي. هل شرحت لها ما ستفعله بها؟ أم أنك فقط ترددت عليها جيئة ~~وذهابا لاستغلال أولئك الناس «الاعتياديين» لتبدأ مستقبلك المهني بوصفك ~~«كاتبا»؟ # حسنا، حظا موفقا يا أولي، ولا أتوقع أن أتلقى منك رسالة ثانية (فإننا ~~لم نحظ بشرف اتصالك بنا ولو مرة واحدة). # زوجة ابن عمك، نانسي # عزيزتي نانسي # أود أن أقول إنك تحدثين جلبة دون داع؛ فإن عاجلا أو آجلا كان هناك من ~~سيكتشف تيسا ويكتب عنها ليعلم الجميع، فلم لا يكون ذلك الشخص هو أنا؟ لقد ~~تبلورت في ذهني فكرة كتابة الموضوع تدريجيا حينما ذهبت لأتحدث إليها، لقد كنت ~~حقا أتصرف من منطلق فضولي العلمي، وهو الشيء الذي لن أعتذر عنه؛ فهو جزء من ~~طبيعتي. يبدو أنك ترين أنه كان علي أن أطلب موافقتك على كل خططي وتحركاتي، أو ~~أن أخطرك بها في الوقت الذي كنت فيه في حالة من الانشغال الشديد ms279 والقلق بشأن ~~فستان زفافك وحفلاتك أو كم الهدايا والصحون الفضية التي ستتلقينها أو الأشياء ~~الأخرى التي يعلمها الله. # أما بالنسبة لتيسا، فإنك مخطئة تماما حينما اعتقدت أنني أغفلت أمر تيسا بعد ~~أن ظهر المقال، أو أنني لم أضع في اعتباري ما سيحدثه هذا الأمر من أثر على ~~حياتها؛ وفي حقيقة الأمر فإنني تلقيت منها رسالة قصيرة لا تشير إلى أن الأمور ~~على تلك الدرجة من الفوضى التي وصفتها. وعلى كل حال فلن يكون عليها أن تحتمل ~~حياتها هناك على هذا النحو طويلا؛ فأنا على اتصال ببعض الأشخاص ممن قرءوا ~~المقال واهتموا بمحتواه كثيرا. وهناك أبحاث تجرى على مثل تلك الأمور ذات ~~طبيعة قانونية، بعضها هنا إلا أن غالبيتها في الولايات المتحدة. أعتقد أن هناك ~~بعض الاعتمادات المالية المتاحة للإنفاق على مثل هذا النوع من الأشياء، كما أن ~~هناك اهتماما شديدا بذلك الموضوع في الخارج؛ لذا فأنا أدرس بعض الفرص حول ~~إمكانية الذهاب إلى بوسطن، أو بالتيمور أو نورث كارولينا؛ وذلك بالنسبة لتيسا ~~لتكون من أفراد عينات البحث، وبالنسبة لي بوصفي صحفيا مختصا بالموضوعات ~~العلمية من نفس النوعية. # أسفت على رأيك في بهذا الشكل القاسي. لم تذكري كيف تسير حياتك الزوجية ولم ~~تشيري إلى أي شيء عنها سوى بخبر واحد مستتر (أهو حادث سعيد؟) ولم تذكري أي شيء ~~عن ويلف، ولكني فهمت أنكما ذهبتما إلى مدينة كيبيك وأتمنى أن تكونا استمتعتما ~~بها، وآمل أن يكون ويلف بخير وازدهار كما هو دائما. # أولي # عزيزتي تيسا # من الواضح أنك نزعتي أسلاك الهاتف، وربما كان شيئا ضروريا بالقطع في خضم ~~تلك الشهرة التي تتمتعين بها الآن. لا أقصد أن أبدو حاقدة؛ فكثيرا ما تخرج ~~مني بعض الأشياء هذه الأيام بطريقة لم أكن أقصدها. إنني أنتظر مولودا - لا ~~أدري إن كنت سمعت بهذا أم لا - وهذا الأمر يجعل مني شخصية شديدة الحساسية ~~وسريعة الغضب. # أتخيل أنك أصبحت الآن شديدة الانشغال وتمرين بأوقات يشوبها الارتباك مع كل ~~ذلك الكم من الأشخاص الذين يأتون لزيارتك، وأعتقد أنه ms280 بات من الصعب أن تواصلي ~~نمط حياتك الطبيعية. وإن أتيحت لك الفرصة سيكون شيئا جميلا أن أراك. فهذه ~~دعوة مني لزيارتي إن كنت تأتين إلى المدينة (لقد علمت من المتجر أنهم يرسلون ~~لك كل مواد البقالة التي تحتاجينها). إنك لم تري منزلي الجديد من الداخل؛ ~~أعني بعد أن أضفنا إليه بعض التجديدات حديثا والجديد بالنسبة لي أنا أيضا، ~~كما أنك لم تري منزلي القديم أيضا؛ فقد خطر على ذهني الآن وأنا أكتب لك ~~أنني كنت أنا دوما من تذهب لزيارتك، وليس كثيرا أيضا كما كنت أريد؛ فالحياة ~~دوما مليئة بالكثير من المهام والمشاغل. وما بين الحصول على الأشياء وإنفاقها ~~نستنفذ الكثير من قوانا. لم نترك أنفسنا لننشغل إلى تلك الدرجة ويفوتنا فعل ~~الأشياء التي كان يجب علينا إنجازها أو التي كنا نحب أن نقوم بها؟ أتذكرين كيف ~~قمنا بقرع الزبد بالملعقة الخشبية القديمة؟ لقد استمتعت بها، كان هذا هو اليوم ~~الذي أحضرت فيه أولي لزيارتك وآمل ألا تكوني نادمة على تلك الزيارة. # والآن يا تيسا، آمل ألا تعتقدي بأني أدس أنفي أو أتدخل فيما لا يعنيني، لكن ~~أولي قد ذكر لي في خطاب أنه على اتصال ببعض الأشخاص الذين يجرون بعض الأبحاث ~~أو شيئا من هذا القبيل في الولايات المتحدة، وأفترض أنه كان على اتصال بك ~~بخصوص هذا الموضوع. لا أدري أي نوع من الأبحاث تلك التي يعنيها، لكني يجب أن ~~أقول لك إني شعرت بأن الدم يتجمد في عروقي عندما قرأت ذلك الجزء من خطابه. ~~لدي شعور دفين بأنه ليس بالشيء الجيد أن تغادري المكان هنا - إن كان هذا هو ~~ما تفكرين به - وتذهبي إلى حيث لا يعرفك أحد أو يفكر بك أحد كصديقة أو شخصية ~~طبيعية. شعرت فحسب أنه يجب علي أن أقول لك ذلك. # هناك شيء آخر أشعر أنه ينبغي لي أن أخبرك به ولا أعرف كيف. فالأمر هكذا؛ ~~فأولي بالقطع ليس بالشخص السيئ، لكنه ذو تأثير خاص - وأنا أفكر في هذا الأمر ~~الآن، فتأثيره ليس فقط ms281 على النساء إنما على الرجال أيضا - ولا يكمن الأمر في ~~عدم معرفته بذلك، إنما هو لا يتحمل مسئولية ما يفعله ولا يدرك تبعاته. ~~وبصراحة أكبر، فأنا لا أرى قدرا أسوأ من الوقوع في حبه؛ إذ يبدو أنه قد ~~تقرب منك بطريقة ما كي يكتب عنك أو عن تلك التجارب أو أي ما يحدث؛ وسيكون ~~ودودا ويتصرف بتلقائية، لكنك قد تخطئين فهم تصرفاته وتفسرينها على نحو أكثر ~~مما هي عليه في الحقيقة. أرجو ألا تغضبي من كلامي هذا، وأن تأتي ~~لزيارتي. # نانسي # عزيزتي نانسي # أرجو ألا تشعري بالقلق تجاهي؛ فأولي على اتصال بي ويخبرني بكل شيء أولا ~~بأول. وفي الوقت الذي تصلك فيه هذه الرسالة نكون قد تزوجنا بالفعل، وربما ~~وصلنا إلى الولايات المتحدة. وآسف بشدة لأني لم أتمكن من رؤية منزلك ~~الجديد. # المخلصة تيسا # ثقب في الرأس # كانت التلال في وسط ولاية ميشيجان الأمريكية مغطاة بغابات البلوط، وكانت زيارة نانسي ~~الوحيدة إلى هذا المكان في خريف 1968 بعدما اصفرت أوراق شجر البلوط، ولكنها لا تزال ~~متشبثة بفروعها. كانت معتادة على مساحات الأراضي الواسعة التي تحوي أشجار الخشب الصلد، ~~وليست الغابات التي تحوي العديد من أشجار القيقب الضخمة، التي صبغها الخريف باللون ~~الأحمر والذهبي. أما الألوان الداكنة لأوراق شجر البلوط الكبيرة - بألوانها المتدرجة من ~~الأصفر إلى البني - فلم تكن ترفع من معنوياتها كثيرا، حتى عندما ينعكس ضوء الشمس ~~فوقها. # كان التل الذي يقع عنده المستشفى الخاص عاريا من أي أشجار، ويبعد مسافة من أي مدينة ~~أو قرية أو حتى مزرعة مأهولة بالسكان. كانت بناية من ذلك النوع الذي يتم تحويله إلى ~~مستشفى في أي من المدن الصغيرة بعدما كان قبل ذلك منزلا كبيرا لإحدى العائلات ~~المهمة التي توفي جميع أفرادها أو لم يستطيعوا الاحتفاظ بالمنزل. كان بها نافذتان ~~بارزتان إلى الخارج على جانبي الباب الأمامي، أما الطابق الثالث فكان يحوي العديد من ~~النوافذ المستقيمة على السقف المائل. كان المبنى مصنوعا من الطوب القديم الذي بدا ~~متسخا، ولم يكن هناك أي شجيرات ms282 حوله، أو أي سياج من الأشجار، ولا يحيط به أي بستان من ~~بساتين التفاح، مجرد بعض الحشائش المقلمة ومرأب مفروش بالحصى. # ولم يكن ثمة مكان يمكن للمرء أن يختبئ به إن واتته فكرة الهروب من هذا ~~المكان. # لم تكن لتخطر على ذهنها مثل تلك الفكرة - أو ليس بهذه السرعة - في الأيام التي سبقت ~~مرض ويلف. # أوقفت سيارتها بجوار عدة سيارات أخرى، وتساءلت إن كانت هذه السيارات تخص فريق العمل ~~بالمستشفى أم الزائرين. أي عدد من الزائرين هذا الذي يمكنه أن يأتي إلى هذا المكان ~~المنعزل؟ # كان على المرء أن يصعد عددا من درجات السلم كي يتمكن من قراءة اللافتة الموضوعة على ~~الباب الأمامي، والتي تطلب منك الاتجاه نحو الباب الجانبي. رأت - على مسافة قصيرة جدا ~~- بعض القضبان الحديدية على بعض النوافذ؛ بيد أن النوافذ الناتئة لم تكن تحمل تلك ~~القضبان، ولا تغطيها الستائر؛ على عكس بعض النوافذ في الجزء العلوي والسفلي من المبنى ~~حيث يوجد ما يمكن أن يكون قبوا فوق الأرض. # أما الباب الذي ينصح بالاتجاه إليه فيفتح على ذلك المستوى المنخفض من المبنى. دقت ~~الجرس، ثم قرعت الباب ثم عادت فدقت الجرس ثانية. هيئ لها أنها تسمعه يدق، لكنها لم تكن ~~واثقة؛ لأن هناك جلبة كبيرة بالداخل. أمسكت بمقبض الباب في محاولة لفتحه، وومما أثار ~~دهشتها - بالنظر إلى أن هناك قضبانا حديدية ~~على النوافذ - أن انفتح الباب. وجدت نفسها تقف عند عتبة المطبخ؛ مطبخ كبير مزدحم تابع ~~لمؤسسة، ويعج بالكثير من الناس الذين يقومون بغسل الصحون وتنظيف المكان بعد ~~الغداء. # كانت نوافذ المطبخ عارية، وكان السقف عاليا مما ساعد على تضخيم الضوضاء، وقد طليت ~~كافة الجدران والخزانات باللون الأبيض. وجدت عددا من المصابيح المضاءة بالرغم من أن ~~ضوء النهار كان لا يزال في أوجه. # بالطبع لاحظ من بداخل المطبخ وجودها على الفور، لكن أحدا لم يتوجه لتحيتها أو ~~لمعرفة سبب وجودها وما تفعله في هذا المكان. # لاحظت شيئا آخر؛ فإلى جانب وطأة الجلبة والضوء، انتابها نفس الشعور الذي ms283 كان قد ~~اعتراها في منزلها الجديد، والذي لا بد وأن أدركه أولئك الذين كانوا يأتون لزيارتها على ~~نحو أكثر منها. # وهو ذلك الشعور بعدم الارتياح وأن ثمة شيئا غريبا بالمكان، وأنه ليس بمقدورك أن ~~تسيطر على ذلك الشعور أو تغيره، لكن كل ما بوسعك فعله هو مقاومته فحسب بكل ما أوتيت من ~~قوة. غير أن هناك بعض الأشخاص الذين يستسلمون على الفور لذلك الشعور؛ فهم لا يدرون ~~كيفية مقاومته، وربما يسيطر عليهم الغضب أو الخوف ويشعرون أن عليهم أن يفروا من ~~المكان. # اقترب منها رجل يرتدي مئزرا ويدفع أمامه عربة عليها صندوق من صناديق القمامة. ولم ~~تدر إن كان قدم لتحيتها أم أنه يسير في وجهته، فمر أمامها، لكنه كان يبتسم، وبدا ~~ودودا، فقدمت له نفسها وأخبرته عن الشخص الذي أتت لزيارته. أنصت إليها وأومأ برأسه عدة ~~مرات، وازدادت ابتسامته اتساعا، وشرع يهز رأسه ثانية ويربت بأصابعه على فمه لكي ~~يجعلها تدرك أنه لا يستطيع الكلام أو أنه غير مسموح له بذلك، كما يفعل الأشخاص في بعض ~~الألعاب، واستمر في طريقه دافعا العربة على نحو متخبط وقد سلك منحدرا يؤدي إلى ~~القبو بالطابق الأدنى. # إنه نزيل بالمكان وليس موظفا. لا بد وأن هذا المكان من ذلك النوع الذي يعمل فيه ~~النزلاء إن كان بمقدورهم هذا بالطبع. وتكمن الفكرة وراء ذلك في أنه من المحتمل أن ~~يفيدهم هذا العمل، وقد يكون ذلك صحيحا بالفعل. # أخيرا ظهر شخص بدا أنه المسئول، وكانت امرأة في نفس عمر نانسي تقريبا ترتدي حلة ~~داكنة - فلم تكن ترتدي ذلك المئزر الأبيض الذي يرتديه معظم الأشخاص في المكان - ~~وأخبرتها نانسي بكل شيء مجددا. أخبرتها أنها تلقت منهم خطابا، فقد قام أحد المرضى - ~~أو أحد المقيمين كما يطلقون عليهم ويريدونك أن تطلق عليهم - بإخطارهم باسمها بوصفها ~~الشخص الذي يمكن الاتصال به. # كانت محقة حينما اعتقدت أن الأشخاص الموجودين في المطبخ لم يكونوا من عمال المساعدة ~~في أعمال المطبخ. # قالت رئيسة الممرضات وهي تنظر يمينا ويسارا في ابتسامة يشوبها ms284 بعض التحذير: «لكنهم ~~يبدو عليهم أنهم يحبون العمل هنا؛ إنهم يفتخرون به.» ثم قادت نانسي نحو مكتبها الذي كان ~~عبارة عن حجرة بعيدة عن المطبخ. وأثناء حديثهما اتضح أن عليها أن تتعامل مع كافة أنواع ~~المقاطعات؛ فهي من يتخذ أي قرار يتعلق بالمطبخ والبت في أي شكوى عندما يدلف أحد من ~~الباب مرتديا مئزره الأبيض ومحدقا فيهما. كذلك كان ينبغي لها أيضا أن تنظر في بعض ~~الملفات والفواتير أو الإخطارات التي ثبتت على خطافات على الحوائط على نحو لا يبدو ~~مهنيا أو منظما. بالإضافة إلى استقبالها لبعض الزوار مثل نانسي. ~~«لقد قمنا بمراجعة السجلات القديمة لدينا، وأخذنا الأسماء المسجلة بها في خانة ~~الأقارب.» # قالت نانسي: «لكني لست من الأقارب.» ~~«أيا كانت صفتك. ثم قمنا بكتابة خطابات على النحو الذي وصلك؛ وذلك حتى نحصل على بعض ~~الإرشادات لنتمكن من معرفة الطريقة التي يرغب الأقارب التعامل بها مع مثل هذه الحالات، ~~وفي الواقع لم نتلق الكثير من الاستجابات. إنه للطف منك أن تقطعي كل تلك ~~المسافة.» # سألتها نانسي عما تعنيه بعبارة «مثل هذه الحالات». # قالت لها رئيسة الممرضات إنها تعني الأشخاص الموجودين بالمكان منذ سنوات، وهم ربما لا ~~ينتمون إليه بالأساس. # قالت: «أرجو أن تتفهمي أنني حديثة العهد بالمكان، لكني سأخبرك بما أعرفه.» # وفقا لما روته فإن المكان كان يضم الكثير من الحالات، ولكنه تحديدا للمختلين ~~عقليا، أو لمن يعانون من الشيخوخة والخرف، أو لمن لا يرجى تطورهم الذهني على نحو ~~طبيعي بطريقة أو بأخرى، أو لأولئك الأشخاص الذين لا تستطيع عائلاتهم التكيف معهم أو لا ~~تود ذلك؛ فقد كان هناك دائما، ولا يزال، نطاق واسع من تلك الحالات المتنوعة، لكن ~~المرضى الأكثر خطورة يوضعون في الجناح الشمالي تحت الحراسة. # كان هذا المكان بالأساس مستشفى خاصا يمتلكه أحد الأطباء ويقوم بإدارته. وبعد ~~وفاته، تولت العائلة - عائلة الطبيب - مسئولية المكان، واتضح فيما بعد أنه كان لهم ~~أسلوبهم الخاص في الإدارة. فقد تحول جزء منه إلى مستشفى خيري، وكانوا يقومون ببعض ~~الإجراءات غير المعتادة ms285 للحصول على نوع من الإعانات لمساعدة بعض المرضى الفقراء، غير ~~أن تلك الحالات لم تكن تستحق هذه المساعدات الخيرية على الإطلاق. # بعض تلك الحالات ما زالت أسماؤها مقيدة بالسجلات رغم أنها توفيت، والبعض الآخر ليس له ~~حق الوجود في المكان أو الأوراق اللازمة لذلك. ويعمل العديد منهم في المستشفى في مقابل ~~الإقامة فيها، وقد يكون هذا بالشيء الجيد من أجل معنوياتهم، لكنه في الوقت نفسه شيء ~~مخالف للوائح والقوانين. # ويجرى في الوقت الحالي تحقيق شامل وسيتم غلق المكان؛ فقد أصبح عتيقا على أي حال. ~~لقد كانت سعته صغيرة، ولم تكن الأمور كما هي عليه الآن. وسيتم نقل الحالات الحرجة إلى ~~مستشفى كبير في فلينت أو لانسينج، لم يتحدد هذا الأمر بعد، ويمكن لبعض المرضى الذهاب ~~إلى دور الإيواء، أو الدور الجماعية التي تأوي حالات الإعاقة الذهنية، كما هو التوجه ~~الآن، وثمة مجموعة أخرى يمكنهم تدبر أحوالهم إذا ما أقاموا مع أقاربهم. # وتدخل تيسا ضمن هذه الحالات؛ فقد كانت بحاجة لبعض جلسات العلاج بالكهرباء حينما قدمت ~~إلى هنا، لكنها تتلقى أنواعا بسيطة من العلاج منذ أمد طويل. # قالت نانسي: «معاملة بالصدمة؟» # قالت رئيسة الممرضات: «ربما معالجة بالصدمة.» قالت هذا وكأن إضافتها أحدثت فرقا ~~جوهريا. وأردفت قائلة: «أخبرتني أنك لست قريبة لها. هل هذا يعني أنك لا تنوين ~~اصطحابها معك؟» # قالت نانسي: «لدي زوج كان من المفترض أن يكون في مكان كهذا حسبما أعتقد، لكني أرعاه ~~بالمنزل.» # قالت رئيسة الممرضات وهي تتنهد على نحو لا ينم عن تكذيبها لما يقال، ولكنه لا ينم عن ~~تعاطفها كذلك: «أوه، حقا، لكن المشكلة تكمن في أنها ليست حتى مواطنة، وهي نفسها لا ~~تعتقد أنها كذلك. إذن أظن أنك لا ترغبين في رؤيتها الآن، أليس كذلك؟» # قالت نانسي: «بالقطع أرغب في ذلك، فهذا ما قدمت لأجله.» ~~«أوه، حسنا، إنها لا تبعد عن هنا كثيرا؛ فهي موجودة بالمخبز، إنها تقوم بالخبز في ~~هذا المكان منذ سنوات طويلة. أعتقد أنه كان هناك خباز يقوم بتلك المهمة في يوم ms286 من ~~الأيام، لكنه عندما ترك العمل لم يقوموا بتعيين أحد مكانه، ولم يكن هناك حاجة لذلك؛ ~~فهناك البديل وهو تيسا.» # قالت وهي تنهض من مكانها: «والآن، ربما ترغبين في أن آتي لك بعد فترة وأقول إن هناك ~~ما أود التحدث معك بشأنه، ومن ثم يمكنك الخروج دون أن تشعر؛ فتيسا شخصية ذكية وتفهم ما ~~يدور حولها، وبإمكانها توقع ما سيحدث، وقد تشعر ببعض الحزن حينما تراك وأنت تغادرين ~~بدونها؛ لذا سأساعدك على أن تغادري خلسة.» ~~••• # لم يصب الشيب تيسا تماما، وكان شعرها المموج معقوصا إلى الخلف في شبكة تمسك ~~بشعرها، مما كشف عن جبهتها الخالية من أي تجاعيد، والتي بدت لها مشرقة، بل أعرض وأعلى ~~وأكثر بياضا عن ذي قبل. وقد اكتسب جسمها زيادة في الحجم أيضا، وأضحت ذات قوام عريض. ~~كان لها نهدان كبيران مستديران مشدودان يختبئان أسفل ملابس الخباز البيضاء. وبالرغم من ~~تلك الحمولة وتلك الوضعية التي تتخذها في هذه ~~اللحظة - حيث كانت منحنية على المائدة وتقوم ~~بفرد رقاقة كبيرة من العجين - إلا أن كتفيها كانتا مفرودتين في رشاقة وإجلال. # كانت تقف بمفردها في المخبز ولا يرافقها سوى فتاة طويلة نحيفة ذات ملامح جميلة، لا بل ~~كانت سيدة، وكانت قسمات وجهها الجميل تتقلص باستمرار في حركات غريبة لاإرادية. # قالت تيسا: «أوه نانسي، إنه أنت.» كانت تتحدث بصورة طبيعية تماما بالرغم من أنها ~~كانت تحاول التقاط أنفاسها بصعوبة وهي تتحدث في حميمية وود لاإرادي يميزان من يحملون ~~الكثير من اللحم فوق عظامهم. «توقفي عما تفعلينه يا إلينور، لا تكوني سخيفة، اذهبي ~~وأحضري مقعدا لصديقتي.» # قالت في ارتباك وهي ترى نانسي تود معانقتها، كما يفعل الناس الآن: «أوه، إن الدقيق ~~يلطخ ملابسي كلها، وهناك شيء آخر، فربما عضتك إلينور؛ فهي لا تحب أن يتودد إلي ~~أحد.» # عادت إلينور سريعا وهي تحمل مقعدا، وتعمدت نانسي أن تنظر في وجهها مباشرة وتتحدث ~~معها بلطف. ~~«أشكرك جزيل الشكر يا إلينور.» # قالت تيسا: «إنها لا تتحدث، لكنها مساعدتي المخلصة، ولا أستطيع أن أفعل شيئا ms287 بدونها، ~~أليس كذلك يا إلينور؟» # قالت نانسي: «لقد دهشت عندما تعرفت علي؛ فقد تغيرت كثيرا عن الماضي وتقدمت في ~~العمر.» # قالت تيسا: «نعم، لقد كنت أتساءل هل ستأتين حقا أم لا؟» ~~«كان من المحتمل أن أكون توفيت، هل تذكرين جيني روس؟ لقد توفيت.» ~~«نعم.» # كانت تيسا تصنع فطيرة مخبوزة؛ فقد قامت بقطع جزء من العجين على شكل دائرة، ثم قامت ~~بفرده على صينية خبز معدنية، ثم رفعته وراحت تلف العجين بمهارة بيد واحدة وتقطعه ~~بالسكين التي تمسكها بيدها الأخرى. وقامت بتكرار ذلك سريعا عدة مرات. # قالت: «هل توفي ويلف؟» ~~«لا، ما زال حيا، لكنه أصيب بالجنون يا تيسا.» # أدركت نانسي متأخرا أنه ليس من اللباقة أن تتفوه بشيء كهذا، وحاولت أن تدخل على ~~الحديث بعض العبارات اللطيفة، فقالت: «وولفي المسكين؛ إنه يقوم بأشياء غريبة.» حاولت ~~منذ سنوات أن تناديه بوولفي (كاسم تدليل مشتق من كلمة وولف التي تعني ذئب بالإنجليزية) ~~معتقدة أن الاسم يتماشى وفكه الطويل وشاربه الرفيع وعينيه اللامعتين اللتين تعكسان ~~شيئا من الصرامة؛ بيد أن الاسم لم يرق له؛ فقد تشكك في أنه نوع من السخرية، ~~فتوقفت عن مناداته به. أما الآن فلم يعد يعترض على ذلك، وكان مجرد تفوهها بهذا الاسم ~~يشعرها بأنها أكثر تألقا وعطفا تجاهه، وقد كان ذلك عونا لها في ظل الظروف ~~الراهنة. ~~«أصبح يبغض الأبسطة على سبيل المثال.» ~~«الأبسطة؟» # قالت نانسي وهي ترسم مستطيلا في الهواء: «إنه يسير عبر الحجرة على هذا النحو.» ثم ~~استطردت: «ولذا، اضطررت لإزاحة الأثاث بعيدا عن الجدران؛ فهو يدور حول الحجرة بعيدا ~~عن البساط.» وانفجرت في الضحك بصورة غير متوقعة، إلا أن ضحكتها كانت تحمل نوعا من ~~الاعتذار. # قالت تيسا وهي تومئ برأسها، وقد اكتسى كلامها بنبرة تأكيد بحكم خبرتها وإقامتها ~~بالمكان ومعرفتها بمن هم فيه: «الكثير من الأشخاص هنا يفعلون ذلك؛ فهم لا يرغبون في ~~وجود حائل بينهم وبين الجدران.» ~~«إنه يعتمد علي بشدة؛ فطوال الوقت ينادي «أين نانسي؟» إنني الوحيدة التي يضع فيها ~~كامل ثقته هذه ms288 الأيام.» # مرة أخرى تحدثت تيسا بلهجة الخبير المحترف العالم ببواطن الأمور: «هل بات ~~عنيفا؟» ~~«لا، لكنه مع ذلك يتشكك في كل شيء، إنه يعتقد أن الناس تأتي وتخبئ الأشياء منه؛ ~~فيهيأ له على سبيل المثال أن هناك من يغير عقارب الساعة، بل وقد يغير الأيام في ~~الصحيفة أيضا، ثم يحدث أن يعود لطبيعته إذا ما ذكرت أي مشكلة طبية يعاني منها أحد ~~الأشخاص ويقوم بتشخيصها على نحو سليم تماما. إن العقل لشيء عجيب وغريب حقا.» # وهنا أيضا افتقر كلامها إلى الكياسة مرة أخرى. ~~«إنه مشوش، ولكنه ليس عنيفا.» ~~«هذا شيء جيد.» # وضعت تيسا الصينية ثم راحت تضع الحشو على الفطيرة من وعاء ضخم ليس له ماركة معروفة، ~~عليه ملصق مدون عليه «توت بري». وبدا أن الحشو كان ذا قوام خفيف ودبق. # قالت: «تفضلي يا إلينور، هذه البقايا لك.» # كانت إلينور تقف خلف مقعد نانسي مباشرة؛ وكانت نانسي تحرص على ألا تستدير وتنظر ~~نحوها. انسلت إلينور وجلست أمام طاولة العجين دون أن ترفع بصرها نحوهما، وراحت تشكل ~~قطع العجين التي خلفتها تيسا من تقطيعها بالسكين. # قالت تيسا: «لقد توفي ذلك الرجل، إنني أعرف هذا جيدا.» ~~«عن أي رجل تتحدثين؟» ~~«هذا الرجل صديقك.» ~~«أولي، أتقصدين أن أولي توفي؟» # قالت تيسا: «ألا تعلمين ذلك؟» ~~«لا، لا أعلم.» ~~«ظننت أنك تعرفين. ألم يكن ويلف يعلم؟» # قالت نانسي بتلقائية مدافعة عن زوجها الذي ما زال على قيد الحياة: «تقصدين هل يعلم ~~ويلف.» # قالت تيسا: «ظننت أنه يعرف، أليسا قريبين؟» # لم تجبها نانسي. بالطبع كان عليها أن تعرف أن أولي قد توفي طالما أن تيسا موجودة في ~~هذا المكان. # قالت تيسا: «أعتقد إذن أنه احتفظ بالأمر لنفسه.» # قالت نانسي: «لطالما كان ويلف بارعا في المداراة. متى حدث ذلك؟ وهل كنت ~~معه؟» # هزت تيسا رأسها لتقول لا، أو أنها لا تعرف. ~~«حسنا، متى حدث ذلك؟ بماذا أخبروك؟» ~~«لم يخبرني أحد بشيء، إنهم لا يخبرونني بشيء على الإطلاق.» ~~«أوه تيسا.» ~~«كان لدي ثقب في رأسي، ظللت هكذا لفترة ms289 طويلة.» # قالت نانسي: «أكان الأمر مثلما كنت تعرفين الأشياء؟ أتذكرين الطريقة؟» ~~«لقد أعطوني بعضا من الغاز.» # قالت نانسي في صرامة: «من؟ ماذا تعنين بأنهم أعطوك غازا؟» ~~«المسئولون هنا، أعطوني الإبر.» ~~«لقد قلت إنهم أعطوك بعضا من الغاز.» ~~«لقد أعطوني الإبر والغاز لعلاج رأسي حتى يجعلوني أنسى. هناك بعض الأشياء التي ~~أتذكرها، لكني لا أستطيع تحديد وقت حدوثها. ظل هذا الثقب في رأسي لفترة طويلة.» ~~«هل توفي أولي قبل أن تأتي إلى هنا أم بعدها؟ ألا تذكرين كيف توفي؟» ~~«أوه، لقد رأيته، كانت رأسه مغطاة برداء أسود، وكان هناك حبل ملفوف حول عنقه. لقد فعل ~~أحدهم ذلك.» أغلقت فمها وكأن شفتيها شبكت إحداهما بالاخرى للحظة قبل أن تردف ~~قائلة: «كان لا بد أن يعدم أحدهم بالكرسي الكهربائي.» ~~«ربما كان هذا مجرد حلم سيئ، ربما اختلطت أحلامك بما حدث في الواقع.» # رفعت تيسا ذقنها وكأنها تود أن تقرر أمرا ما وقالت: «لا ليس كذلك. لم تختلط أحلامي ~~بالواقع.» # حدثت نانسي نفسها قائلة: إنها الصدمات الكهربائية، هل تخلف الصدمات الكهربائية ~~ثقوبا في الذاكرة؟ لا بد وأن هناك بعض المعلومات عن ذلك في السجلات الخاصة بها. ستذهب ~~وتتحدث إلى رئيسة الممرضات ثانية. # راحت تنظر إلى ما تفعله إلينور ببقايا العجين؛ فقد كانت تشكلهم ببراعة وتصنع منها ~~رءوسا وأنوفا وذيولا وتلصقها ببعض لتكون فئرانا صغيرة من العجين. # وبحركات سريعة حادة راحت تيسا تشق فتحات على الجزء العلوي من الفطائر حتى يتخللها ~~الهواء، وقد دخلت قطع العجين الصغيرة المشكلة على هيئة فئران إلى الفرن مع الفطائر ~~أيضا. # مدت تيسا يدها كي تحضر لها إلينور منشفة صغيرة مبتلة لتمسح أي أثر للعجين الدبق أو ~~غبار الدقيق من على المائدة. # قالت تيسا في صوت خفيض: «أحضري مقعدا.» أحضرت إلينور المقعد ووضعته عند نهاية ~~الطاولة لتجلس عليه تيسا بالقرب من مقعد نانسي. # قالت تيسا: «ربما يمكنك أن تذهبي لتعدي لنا قدحين من الشاي، ولا تشغلي بالك، ~~سنراقب ما صنعته جيدا، سنراقب فئرانك الصغيرة.» # قالت لنانسي: «دعينا ننس كل ما ms290 كنا نتحدث بشأنه، ألم تكوني تنتظرين طفلا في آخر مرة ~~وصلتني منك رسالة؟ أكان ولدا أم بنتا؟» # قالت نانسي: «كان صبيا، لقد كان هذا منذ سنوات طويلة للغاية، وقد أنجبت بنتين ~~بعده. لقد كبروا جميعهم الآن.» ~~«إن المرء لا يشعر بمقدار الوقت الذي يمر هنا، قد تكون تلك نعمة أو قد لا تكون. لا ~~أدري. وماذا يعمل أولادك؟» ~~«الولد ...» ~~«ما اسمه؟» ~~«آلان، ودرس الطب هو أيضا.» ~~«إنه طبيب. هذا شيء جيد.» ~~«والفتاتان متزوجتان. وقد تزوج آلان أيضا.» ~~«وما اسمهما؟ الفتاتان؟» ~~«سوزان وباتريشيا، وكلتاهما درست التمريض.» ~~«لقد اخترت أسماء لطيفة.» # أحضرت إلينور الشاي، وصبته تيسا. كانت الغلاية موضوعة على الموقد طوال ~~الوقت. # قالت وهي تصب لنفسها في قدح به جزء مكسور: «إنه ليس بنوع فاخر من الخزف.» # قالت نانسي: «لا بأس به. هل تذكرين يا تيسا ما كنت تتمتعين به من قدرات في السابق؟ ~~لقد كنت تستطيعين ... لقد كانت لك القدرة على معرفة الأشياء والتنبؤ بها. كنت تستطيعين ~~تحديد أماكن الأشياء لمن كانوا يأتون إليك ليسألوك عن مكان وجود ما فقدوه.» # قالت تيسا: «أوه، لا، كنت أتظاهر بذلك فقط.» ~~«لا يمكن أن يكون هذا صحيحا.» ~~«أشعر بألم في رأسي حينما أتحدث عن ذلك الأمر.» ~~«آسفة لذلك.» # ظهرت رئيسة الممرضات عند عتبة الباب. # قالت لنانسي: «لم أكن أود أن أزعجكما وأنتما تحتسيان الشاي، لكن هل تمانعين في المرور ~~على مكتبي لدقيقة واحدة بعدما تنتهين من تناوله؟» # انتظرت تيسا بالكاد حتى تبتعد عن مرمى سمعهما. # وقالت: «وهكذا لن تضطري إلى وداعي.» # بدت وكأنها اعتادت قبول تلك المزحة المعتادة. # قالت: «إنها دوما تقوم بتلك الخدعة. والجميع يعرفها. أعلم أنك لم تأتي لتأخذيني، ~~وكيف لك ذلك؟» ~~«ليس ثمة مشكلة تتعلق بك يا تيسا، بل إن الأمر يتعلق برعايتي لويلف.» ~~«هذا صحيح.» ~~«إنه يستحق أن أفعل له شيئا. لقد حاول قدر استطاعته أن يكون بمثابة الزوج الصالح. ~~لقد قطعت على نفسي عهدا بألا يذهب لأي مؤسسة علاجية.» # قالت تيسا : «لا. لا تدعيه يذهب لأي مؤسسة علاجية.» ms291 ~~«يا إلهي! ما تلك الكلمات الغبية التي أتفوه بها؟» # كانت تيسا تبتسم، وقد لمحت نانسي في هذه الابتسامة نفس الشيء الذي كان يثير حيرتها ~~منذ سنوات مضت. لم يكن نوعا من الاستعلاء، إنما هي ابتسامة تحمل نوعا من العطف والحنو ~~غير العادي الذي لا مبرر له. ~~«إنه كرم منك أن تأتي لزيارتي يا نانسي، وكما ترين إني أحافظ على صحتي؛ فهذا شيء جيد ~~على الأقل. من الأفضل أن تذهبي لتمري سريعا على تلك المرأة.» ~~«ليس لدي أي نية في أن أتسلل خفية. بل أنوي أن أودعك.» # والآن ليس ثمة وسيلة تستطيع من خلالها أن تسأل رئيسة الممرضات عما أخبرتها به ~~تيسا، بل إنها لا تعرف إن كان من حقها أن تسأل بالأساس؛ على أي حال سيبدو الأمر وكأنها ~~تتسلل خلسة من وراء ظهر تيسا، وقد يؤدي ذلك إلى نوع من الانتقام، ولكن ما الذي يحمل على ~~الانتقام؟ حسنا، في مكان كهذا لا يمكن للمرء أن يعرف. ~~«حسنا، لا تودعيني قبل أن تتذوقي واحدا من فئران إلينور. فئران إلينور العمياء. ~~إنها تريدك أن تتذوقي أحدها. إنها تحبك الآن. ولا تقلقي، فأنا أتأكد بنفسي من أنها ~~تحافظ على نظافة يديها جيدا.» # أكلت نانسي فأرا من المخبوزات، وأخبرت إلينور بأنها لذيذة جدا. وافقت إلينور على ~~أن تبادلها السلام بالأيدي، وكذلك فعلت تيسا بعدها. # قالت تيسا في لهجة حادة ومنطقية: «إن لم يكن توفي، لماذا لم يأت إلى هنا ليأخذني؟ ~~قال إنه سيفعل.» # أومأت نانسي برأسها وقالت: «سأكتب لك.» ~~••• # وكانت تعني هذا حقا، ولكن عندما عادت إلى منزلها وجدت أن ويلف يحتاج الكثير من ~~الرعاية، وأصبحت زيارتها إلى ميشيجان مجرد شيء مربك في ذهنها، بل وبدت وكأنها وهما؛ ~~لذا لم تفعل. # مربع، ودائرة، ونجمة # في أحد أيام أواخر الصيف في بداية السبعينيات، كانت هناك امرأة تتجول في فانكوفر؛ وهي ~~مدينة من المدن التي لم تزرها مطلقا من قبل، وعلى حد علمها لن تأتي لزيارتها ثانية. ~~سارت من الفندق الذي كانت تنزل به في وسط ms292 المدينة حتى جسر شارع بورارد، وبعد فترة قصيرة ~~وجدت نفسها في شارع فورث أفينيو. اشتهر شارع فورث أفينيو في ذلك الوقت بأنه يضم العديد ~~من المحلات الصغيرة التي تبيع البخور، والكريستالات، والزهور الصناعية الضخمة، ~~والملصقات الدعائية لسلفادور دالي وأغنية وايت رابيت، كذلك توجد به أيضا العديد من ~~المتاجر التي تبيع الملابس زهيدة الثمن؛ سواء تلك الرديئة ذات الألوان البراقة أو ذات ~~الألوان الترابية التي تشبه الأغطية في ثقلها، وجميعها مصنوعة في مناطق فقيرة بالعالم ~~لا يسمع عنها إلا في الأساطير. وتبدو الموسيقى المنبعثة من هذه المتاجر وكأنها تهاجمك ~~- بل تصدمك - حين تمر من جانبها، وكذلك هو الحال مع الروائح الغريبة التي تشعر بنكهتها ~~الحلوة، وأولئك الصبية والفتيات أو الشباب والشابات المتكاسلين الذين يبيتون على أرصفة ~~الشوارع. كانت المرأة قد سمعت وقرأت عن الثقافة الشبابية الجديدة، كما يطلقون عليها؛ ~~فقد برزت هذه الثقافة وانتشرت منذ سنوات، ولكن يقال إنها في طريقها للتراجع والاختفاء ~~الآن. غير أنها لم تتخيل مطلقا أن تشق طريقها وسط تجمعاتها، أو أن تجد نفسها بمفردها، ~~كما يبدو، في وسط هؤلاء الشباب. # كانت امرأة في السابعة والستين من عمرها؛ هزيلة الجسم بدرجة اختفت معها أردافها وقل ~~حجم صدرها، تتسم مشيتها بالسرعة وهي مرفوعة الرأس، وتجول بنظرها من ناحية إلى أخرى ~~بأسلوب فيه نوع من التحدي والفضول. # وكل من كانت تراهم كانوا أصغر منها بثلاثين سنة على الأقل. # اقترب منها شاب وفتاة باحترام شابه بعض الحماقة. كانا يضعان حول رأسيهما أطواقا من ~~الشرائط المجدولة، وأرادا أن يبيعاها لفافة صغيرة من الورق. # سألتهما إن كان حظها مدونا بداخلها. # قالت الفتاة: «ربما.» # قال الفتى في لهجة استنكار: «إنها تحوي الحكمة.» # قالت نانسي وهي تضع دولارا في القبعة المطرزة التي مداها نحوها: «أوه، في تلك ~~الحالة سآخذها.» # قالت نانسي وهي تبتسم ابتسامة عريضة لم تستطع إخفاءها ولم يبادلها الاثنان تلك ~~الابتسامة: «والآن أخبراني باسميكما.» # قالت الفتاة وهي تأخذ ورقة النقود وتدسها في جزء من ملابسها : «آدم وحواء.» # شرعت نانسي في تذكر لعبة ms293 طفولية كان بها هذه الأغنية: «آدم وحواء وقرصة موجعة ذهبوا ~~إلى النهر مساء السبت ...» # لكن الشاب والفتاة مشيا من أمامها وقد علت وجهيهما أمارات الضجر والازدراء. # يكفي هذا. وأكملت طريقها. # هل هناك أي قانون يمنع وجودي هنا؟ # رأت مقهى صغيرا متواضعا يضع لافتة على إحدى نوافذه، لم تتناول شيئا منذ طعام ~~الإفطار الذي قدم إليها في الفندق. كانت الساعة جاوزت الرابعة. توقفت لترى ما يعلنون ~~عنه. # قرأت عبارة «ما أجمل العشب!» وخلف تلك الكلمات المكتوبة بخط رديء رأت امرأة يبدو ~~عليها الغضب تكاد تبكي وتكسوها التجاعيد؛ كان شعرها خفيفا يطير إلى الخلف من على ~~جبهتها وقرب وجنتيها، ذا لون بني يميل إلى الحمرة ومظهر جاف. تذكرت كلام مصفف الشعر وهو ~~يقول إن الأفضل دائما أن تضفي لونا أفتح من لون شعرك الطبيعي. وكان شعر نانسي بنيا ~~داكنا، يكاد يقترب من اللون الأسود. # لا، لم يكن كذلك. إن شعرها الآن أصبح رماديا. # مرات قليلة في حياتك - أو على الأقل هي مرات قليلة إن كنت امرأة - التي تفاجأ فيها ~~بنفسك على هذا النحو دونما أي استعدادات. كان الأمر بالنسبة لها أشبه بتلك الأحلام ~~المخيفة التي كانت ترى فيها نفسها تسير في الشارع مرتدية رداء النوم أو ذلك الجزء ~~العلوي من منامتها فقط دون أي مبالاة بالأمر. # خلال العشر أو الخمس عشرة سنة الماضية استطاعت أن تجد وقتا تتطلع فيه بعين فاحصة إلى ~~وجهها في الضوء الشديد حتى تستطيع أن ترى بشكل أفضل ما يمكن أن تخفيه مستحضرات التجميل، ~~أو إن كان الوقت قد حان لكي تبدأ في تلوين شعرها بالصبغات، لكنها قط لم تتلق صدمة ~~كهذه عندما مرت عليها تلك اللحظة التي لم تر خلالها فقط أماكن العيوب القديمة أو ~~الحديثة في جسدها أو حتى ذلك الانحدار الذي لا يمكن تجاهله، إنما فوجئت أمامها بشخص ~~غريب عنها تماما. # شخص لم تعرفه من قبل، ولا ترغب في معرفته. # أبدلت تعبيرات وجهها على الفور، وظهر بعض الارتياح على قسماتها. يمكن أن نقول إنها ~~تعرفت ms294 حينها على ذاتها. وسرعان ما فتشت بلهفة واشتياق عن الأمل بداخلها كما لو أنه ~~لم تتبق دقيقة واحدة لتفقدها. كانت بحاجة لوضع بعض من مثبت الشعر حتى لا يتطاير ~~شعرها هكذا حول وجهها، كما أنها تحتاج إلى أن تضع طلاء شفاه أكثر وضوحا؛ فالأحمر ~~المرجاني، والذي يصعب الحصول على درجته الآن، سيكون أفضل من ذلك البيج الكئيب المائل ~~للوردي رغم أنه يساير الموضة ولونه طبيعي. جعلها تصميمها للحصول على ما تريد تستدير ~~عائدة أدراجها مرة أخرى؛ فقد رأت متجرا كبيرا لأدوات التجميل على بعد ثلاث أو أربع ~~بنايات إلى الخلف، كذلك فإن رغبتها في ألا تمر مرة أخرى من أمام آدم وحواء دفعتها لأن ~~تعبر الطريق. # ولولا عبورها الطريق، لما كان ذلك اللقاء بينهما. # رأت شخصا متقدما في العمر يسير على الرصيف؛ رجلا ليس بالطويل، لكنه ممشوق الجسم ~~قوي البنية، أصلع عند مقدمة الرأس حيث لا يوجد سوى بعض الشعر الأبيض الخفيف والمتطاير ~~في كل اتجاه مثلها تماما. كان يرتدي قميصا من قماش الدنيم مفتوحا عند الرقبة، ~~وسروالا وسترة من طراز قديم. لم يكن به ثمة ما يجعله يشبه الشباب الصغار الموجودين ~~في الطريق؛ فشعره ليس معقوصا على هيئة ذيل حصان، ولا يضع وشاحا أو يرتدي الجينز. لم ~~تكن لتظنه خطأ من ذلك النوع من الرجال الذي اعتادت أن تراه يوميا على مدار ~~الأسبوعيين الماضيين. # عرفته على الفور؛ إنه أولي، لكنها تسمرت في مكانها؛ فقد كان لديها سبب وجيه لتعتقد أن ~~ما تراه قد لا يكون حقيقة. # إنه أولي. ما زال على قيد الحياة! أولي. # رآها وقال: «أوه، نانسي!» # لا بد وأن التعبير الذي ارتسم على وجهها (بمجرد أن تغلبت على لحظة الفزع التي ~~ألمت بها والتي بدا أنه لم يلحظها) يشبه كثيرا ما ارتسم على وجهه هو الآخر من ~~تعبيرات؛ ألا وهي الشك، والابتهاج، والاعتذار. # ولكن الاعتذار عن ماذا؟ هل لأنهما لم يفترقا كأصدقاء؟ أم لأنه لم يكن هناك أي تواصل ~~بينهما خلال كل تلك السنوات الماضية؟ أم بسبب ms295 كل تلك التغيرات التي اعترتهما، والأسلوب ~~الذي ينبغي أن يقدما به نفسيهما الآن، لا طائل من ذلك. # بالتأكيد كان لدى نانسي أسباب لشعورها بالصدمة أقوى مما كان لديه، لكنها لن تفصح عنها ~~في تلك اللحظة على الأقل حتى يلتقطا أنفاسهما من وقع المفاجأة ويجمعا شتات ~~نفسيهما. # قالت نانسي: «إنني هنا لليلة واحدة فقط؛ أعني أنني هنا منذ الليلة الماضية وسأمكث هنا ~~الليلة أيضا، لقد كنت في رحلة بحرية متجهة إلى ألاسكا بصحبة بعض الأرامل كبار السن؛ ~~فقد توفي ويلف كما تعلم، منذ عام تقريبا. أتضور جوعا، فأنا أسير منذ فترة طويلة ولا ~~أدري كيف بلغت هذا المكان.» # أضافت بشيء من الحماقة: «لم أكن أعلم أنك تعيش هنا.» لأنها لم تكن تعتقد أنه على قيد ~~الحياة أصلا؛ بيد أنها لم تكن واثقة من وفاته أيضا. على حد علمها لم يكن لدى ويلف ~~أي أخبار في هذا الشأن، بالرغم من أنها لم تحصل على الكثير من المعلومات من ويلف؛ لأنه ~~كان قد فقد صوابه، وحتى في رحلاتها القصيرة إلى ميشيجان لرؤية تيسا لم تستطع أيضا أن ~~تحصل على أي معلومات. # قال أولي إنه لا يعيش في فانكوفر أيضا، وإنه في زيارة إلى المدينة لفترة قصيرة فقط، ~~وهو هنا لأسباب طبية، نوع من الفحوصات الروتينية. وأخبرها أنه يعيش في جزيرة تكسادا، ~~وقال إن مكانها أمر معقد يطول شرحه، لكن يكفي القول إنه استقل ثلاث سفن وثلاث عبارات ~~لكي يصل من هناك إلى هذه المدينة. # قادها إلى شاحنة بيضاء قذرة ماركة فولكسفاجن تقف في أحد الشوارع الجانبية، وتوجها ~~إلى أحد المطاعم. اعتقدت أن السيارة تنبعث منها رائحة مياه المحيط، وأعشاب البحر ورائحة ~~السمك والمطاط. اتضح فيما بعد أنه لا يتناول إلا السمك الآن، ولا يأكل اللحم على ~~الإطلاق. كان المطعم - الذي لا يحوي أكثر من نصف دستة من الطاولات الصغيرة - يابانيا، ~~وكان هناك صبي ياباني يقطع السمك بسرعة مخيفة خلف النضد، وكان له ذلك الوجه الحزين ~~الجميل مثل وجه كاهن صغير. ناداه أولي قائلا: ms296 «كيف الحال يا بيت؟» رد الشاب بلهجة أهل ~~أمريكا الشمالية الساخرة ودون أن يغفل إيقاع كلماته: «رائع.» انتاب نانسي شعور بسيط ~~بالانزعاج؛ فهل مكمنه أن أولي تفوه باسم الشاب في حين أن الآخر لم يذكر اسم أولي؟ ~~أم لأنها تمنت ألا يلحظ أولي أنها انتبهت لذلك؟ هناك بعض الأشخاص - وخصوصا الرجال - ~~يولون أهمية لصداقاتهم مع العاملين في المتاجر أو المطاعم. # لم تحتمل فكرة تناول السمك النيئ، فطلبت بعضا من النودلز. كانت أعواد الأكل التي ~~أحضرها الشاب غير مألوفة بالنسبة لها - فلم تكن تشبه تلك الأعواد الصينية التي ~~استخدمتها مرة أو مرتين من قبل - ولكنهم لا يقدمون غيرها في هذا المكان. # والآن وبعد أن استقر بهما المقام آن لها أن تتحدث عن تيسا، لكن قد يكون من اللياقة أن ~~تنتظر قليلا حتى يبدأ هو في إخبارها. # لذا شرعت في التحدث عن رحلتها البحرية؛ فقالت إنها لن تذهب ثانية في مثل هذه الرحلات؛ ~~فهي تخاف على حياتها؛ وليس هذا بسبب الطقس، بالرغم من أنه كان سيئا في بعض الأوقات حيث ~~تساقطت الأمطار وحجب الضباب الرؤية أحيانا، بل إنهم حظوا برؤية كافية في الواقع حيث ~~شاهدوا الكثير من المناظر الطبيعية تكفيهم ما تبقى لهم من العمر. مروا بالكثير من ~~الجبال والجزر والصخور والمياه والأشجار. وكان كل من في الرحلة يعلق قائلا: أليس ذلك ~~بالشيء الخلاب؟ أليس هذا مذهلا؟ # مذهل، خلاب، رائع، مذهل. # رأوا الدببة والفقمات وأسود البحر، ورأوا أيضا أحد الحيتان، والتقط الجميع الصور، ~~وكانوا يتصببون عرقا وهم يلعنون كاميراتهم الجديدة خوفا من ألا تعمل على نحو جيد. ثم ~~غادروا المركب، واستقلوا القطار من المحطة الشهيرة حتى المدينة الشهيرة بتعدين الذهب، ~~والتقطوا المزيد من الصور. وكان هناك بعض الممثلين الذين ارتدوا ملابس تعود لفترة ~~تسعينيات القرن التاسع عشر، وماذا فعل معظم الناس هناك؟ اصطفوا لشراء الحلوى. # كانوا يرددون الأغاني في القطار وعلى المركب، وأسرفوا في الشراب، بل إن هناك من كانوا ~~يبدءون يومهم منذ وقت الإفطار بلعب الأوراق والقمار، ثم الرقص كل ليلة، ms297 عشر سيدات عجائز ~~مع رجل واحد متقدم في العمر. ~~«وضعت النساء جميعهن الأشرطة على رءوسهن، وتزين وصففن شعورهن كالكلاب في ~~العروض، وأصدقك القول؛ لقد كانت المنافسة شديدة.» # كان أولي يضحك عند بعض أجزاء من روايتها، بالرغم من أنها لمحته مرة وهو لا ينظر ~~إليها، بل نحو النضد بشرود وبتعبير ينم على القلق. كان قد انتهى من تناول الحساء ~~وربما كان يفكر فيما يليها من طعام. ربما شعر ببعض التجاهل والاستخفاف عندما لم يحضر ~~طعامه على الفور، شأنه في ذلك شأن بعض الرجال. # لم تفلح محاولات نانسي في إحكام سيطرتها على النودلز بتلك الأعواد. ~~«ثم رحت أتساءل، يا إلهي، ماذا أفعل هنا؟ كان الجميع يقولون لي باستمرار إن علي أن ~~أرفه عن نفسي. لقد ظل ويلف لسنوات فاقدا لصوابه، وتغيرت شخصيته، وكنت أعتني به ~~في المنزل. وبعد وفاته، كان الناس يقولون لي إنه علي أن أخرج وأشارك في الأنشطة؛ كأن ~~أنضم إلى نادي الكتاب للكبار، أو رابطة التجول في الطبيعة، أو الرسم بألوان المياه، بل ~~إنهم حتى نصحوني أن أنضم إلى رابطة الزوار المتطوعين الذين يذهبون ويتطفلون على ~~المخلوقات الفقيرة البائسة في المستشفيات، لكني لم أشعر بأي رغبة في أن أفعل ذلك، ثم ~~بدأ الجميع ينصحونني ويكررون أن علي أن أخرج وأستمتع بحياتي، وكذلك قال أولادي بأنني ~~بحاجة إلى إجازة طويلة؛ لذا أخذت أفكر وأماطل في الأمر ولم أكن أعرف حقا إلى أين ~~أذهب، ثم حدث وأن سألني أحدهم: لم لا تذهبين في رحلة بحرية؟ لذا رحت أفكر في الأمر، ~~بإمكاني أن أذهب بالفعل في رحلة بحرية.» # قال أولي: «شيء مثير للاهتمام؛ فأنا لا أعتقد أن فقدان زوجة يمكن أن يجعلني أفكر فيما ~~بعد بأن أذهب في رحلة بحرية.» # واصلت نانسي الحديث دون توقف، وقالت: «هذا ذكاء منك.» # انتظرت أن يذكر شيئا بشأن تيسا، لكن جاء الصبي بالسمك الذي سيتناوله وراح يأكل ~~محاولا إقناعها بأن تتذوق منه. # لكنها لم تفعل، بل إنها توقفت عن تناول الوجبة بالكلية، وأشعلت سيجارة. # قالت إنها ms298 كانت تترقب وتنتظر لترى ما سيكتبه بعد هذا السبق الصحفي الذي أحدث كل هذا ~~الصخب. لقد أثبت ذلك المقال أنه كاتب جيد. # بدا متحيرا لوهلة كما لو أنه لم يستطع تذكر ما تتحدث عنه، ثم هز رأسه كما لو أنه ~~دهش من كلامها وقال بأن هذا كان منذ سنوات طويلة؛ طويلة جدا. ~~«لكن ليس هذا ما كنت أريده حقا.» # قالت نانسي: «ماذا تعني بذلك؟ لقد تغيرت عما كنت عليه، أليس كذلك؟ فلست كما كنت ~~سابقا.» ~~«بالطبع لا.» ~~«أعني أن هناك شيئا مختلفا بالأساس، لقد تغيرت من الناحية البدنية؛ فبنيتك ~~مختلفة؛ كتفاك. أم أنني لا أتذكر جيدا؟» # قال: هو كذلك تماما. أدرك أنه يريد أن يحيا حياة بها نوع من النشاط البدني، فما حدث ~~بالترتيب هو أن ذلك اللعين عاوده مرة أخرى ~~(خمنت أنه يعني مرض السل)، وأدرك حينها أنه يفعل كل الأشياء الخاطئة؛ لذا قرر ~~التغيير. كان هذا منذ سنوات. تلقى تدريبا ليصبح صانع قوارب، ثم عمل مع رجل يدير ~~مراكب صيد متخصصة في الصيد على أعماق كبيرة. وكان يعتني بمراكب يمتلكها أحد كبار ~~الأثرياء. كان ذلك في ولاية أوريجون بالولايات المتحدة الأمريكية، ثم عاد إلى كندا، ~~ومكث هنا فترة في فانكوفر، وبعدها اشترى قطعة أرض في سيشلت تطل على البحر، وذلك عندما ~~كانت الأسعار لا تزال زهيدة. ثم بدأ بعد ذلك في تجارة قوارب التجديف؛ فكان يقوم ببنائها ~~وتأجيرها وبيعها وإعطاء بعض الدروس في صناعتها. ثم مر عليه وقت شعر خلاله بأن سيشلت ~~أصبحت مزدحمة للغاية؛ لذا تنازل عن قطعة الأرض لأحد أصدقائه بثمن بخس يكاد يكون بلا ~~مقابل في الواقع. لقد كان هو الشخص الوحيد الذي لم يتمكن من تحقيق ثروة من قطعة أرض في ~~سيشلت. # قال: «لكن حياتي لا تدور حول تحقيق الثروة فقط.» # كان قد سمع عن إمكانية الحصول على أرض في جزيرة تكسادا، وهو الآن لا يغادرها عادة. ~~وهناك عمل في أشياء كثيرة ليكسب قوته؛ استمر في العمل في مجال صناعة قوارب التجديف ~~إلى جانب ms299 بعض أنشطة الصيد، وقد استعان به البعض عاملا وبناء للمنازل ~~ونجارا. # قال: «أستطيع تدبير أمري.» # ثم حدثها عن المنزل الذي بناه لنفسه، كان يبدو من الخارج كوخا خشبيا، لكنه كان ~~رائعا ومريحا من الداخل، على الأقل بالنسبة له. كان به حجرة نوم علوية تحوي نافذة ~~صغيرة مستديرة. كل شيء يحتاجه يجده أمامه في متناول يديه، كل شيء بالخارج؛ إذ لم يكن ~~يوجد شيء في الخزانات. وعلى بعد خطوات قليلة من المنزل كان يوجد حوض للاستحمام غاطس تحت ~~الأرض وسط حوض من الأعشاب العطرية، وكان يحمل المياه الساخنة إليه من خلال الدلو، ويجلس ~~للاسترخاء أسفل النجوم حتى في الشتاء. # كان يزرع الخضراوات ويتشاركها مع الغزلان. # وطوال ذلك الوقت الذي كان يسرد فيه كل هذا، اعترت نانسي مشاعر حزن، ولم يكن ذلك بسبب ~~عدم تصديقها لما يقوله - برغم التضارب الكبير - وإنما كانت بسبب حيرتها المتزايدة، ثم ~~شعورها بالإحباط وخيبة الأمل. إنه يتحدث بنفس الأسلوب الذي يتحدث به الرجال الآخرون ~~(فعلى سبيل المثال، كان يتحدث مثل رجل أمضت معه بعض الوقت أثناء رحلتها البحرية، حيث لم ~~تكن شديدة التحفظ باستمرار، أو منطوية على ذاتها كما جعلت أولي يعتقد). الكثير من ~~الرجال ليس لديهم ما يقولونه عن حياتهم سوى ما يتعلق بالمكان والزمان الذي يعيشون فيه، ~~لكن هناك رجالا آخرين أكثر تطورا ومواكبة لما يجري، يتحدثون بمثل هذا الكلام الذي ~~يبدو اعتياديا على نحو ينم عن الخبرة، يظهر من حديثهم أن الحياة كالطريق الوعر، لكن ~~المصائب تمهد الطريق للنجاحات، وثمة دروس مستفادة، وبلا شك يأتي بعد الظلمة ~~نور. # لم يكن لديها اعتراض بشأن الرجال الذين يتحدثون على هذا ~~النحو - إذ كان يمكنها عادة أن تفكر في شيء ~~آخر عندما يحدث ذلك - لكن عندما فعل أولي هذا وتحدث بتلك الطريقة، وهو يميل نحو ~~المائدة الصغيرة المتهالكة ويمد يده نحو الطبق الخشبي الذي يحوي قطع السمكة المقززة، ~~غمرها الشعور بالحزن. # إنه ليس نفس الشخص الذي عرفته، إنه حقا ليس نفس الشخص. # ولكن ماذا عنها؟ أوه، تكمن ms300 المشكلة في أنها هي ذاتها؛ نفس الشخصية لم تتغير. عندما ~~كانت تتحدث عن الرحلة البحرية، كانت تشعر بالإثارة، وتستمتع وهي تتحدث هكذا وتنصت ~~لنفسها، ولعبارات الوصف التي تنهال منها. ولم يكن ذلك في الواقع لأنه هو الأسلوب الذي ~~اعتادت التحدث به إلى أولي، بل لأنه نفس الأسلوب الذي تمنت أن تتحدث به معه، بل إنها ~~كانت في بعض الأحيان تتحدث معه هكذا في عقلها؛ وذلك بعد أن رحل ولم تعد تراه (ولكنها ~~لم تكن تفعل ذلك بالطبع إلا بعد أن تغلبت على شعورها بالغضب نحوه فيما بعد). قد يحدث ~~في بعض الأحيان أمر ما يجعلها تحدث نفسها بأنها تتمنى أن تخبر أولي بشأن هذا أو ذاك، ~~وعندما كانت تتحدث للآخرين بالأسلوب الذي ترغب به، كانت تتمادى في ذلك أحيانا، وكان ~~يمكنها حينئذ أن تخمن ما يفكرون به. لعلهم يقولون عنها ساخرة أو ناقدة أو حتى لاذعة، ~~ولم يكن ويلف ليصفها بهذه الكلمات، ولكنه ربما كان يفكر مثلهم، لم تستطع قط أن تحدد. ~~أما جيني فكانت تبتسم، ولكن ليس بطريقتها المعتادة. لقد أصبحت جيني في منتصف عمرها الذي ~~لم تتزوج خلاله كتومة وديعة، ومحبة للأعمال الخيرية (لكن السر وراء ذلك التغيير انكشف ~~قبيل وفاتها عندما اعترفت أنها اعتنقت البوذية). # لذا كانت نانسي تفتقد أولي كثيرا دون ~~أن تعرف ما الذي تفتقده بالتحديد. افتقدت شيئا مزعجا يضطرم بداخله كالحمى الخفيفة؛ ~~شيئا لم تستطع أن تنتصر عليه. لقد اتضح فيما بعد أن الأشياء التي كانت تثير حنقها خلال ~~الفترة القصيرة التي عرفته خلالها هي نفسها الأشياء التي لامست ذاتها واستمرت ذكراها في ~~ذهنها وهي تستعيد ما مضى من أحداث. # والآن يتحدث إليها بشغف؛ يبتسم وهو ينظر في عينيها. لقد ذكرها بأسلوبه البسيط الذي ~~كان يتبعه، والذي كان يجعل منه شخصية جذابة، لكنها كانت تعتقد أنه لم يكن يستخدم هذا ~~الأسلوب معها. # كانت تخشى أن يقول لها: «إنني أشعرك بالملل، أليس كذلك؟» أو أن يقول: «أوليست ~~الحياة رائعة؟» # قال: «لقد كنت محظوظا للغاية، كنت ms301 محظوظا في حياتي. أوه، أعرف أن بعض الأشخاص قد لا ~~يعتقدون أني كنت كذلك؛ فقد يقولون إنني لا أستمر في أي عمل، أو إنني لم أجمع ثروة. وقد ~~يقول البعض إنني أهدرت ذلك الوقت الذي كنت فيه فقيرا بلا شيء، لكن ذلك ليس ~~صحيحا.» # أردف قائلا وهو يرفع حاجبيه وعلى وجهه شبه ابتسامة عما فعله: «لقد سمعت ذلك النداء، ~~حقا لقد سمعت ذلك النداء بأن أخرج عن إطار المألوف ... أخرج عن إطار القيام بشيء عظيم ~~ينادي به الجميع - أخرج عن إطار الذات. لقد كنت محظوظا طوال الوقت؛ محظوظا حتى ~~بإصابتي بمرض السل؛ فقد منعتني هذه الإصابة من الالتحاق بالجامعة حيث كنت سأملأ عقلي ~~بهراء، كما أنها منعت تجنيدي في الجيش في حالة نشوب الحرب.» # قالت نانسي: «لم تكن لتذهب للتجنيد على أي حال إن كنت رجلا متزوجا.» ~~(تساءلت ذات مرة بأسلوب ساخر أمام ويلف إن كان الإعفاء من التجنيد يمكن أن يكون سببا ~~للإقدام على الزواج.) # قال ويلف حينها: «إن أسباب الآخرين لا تهمني كثيرا.» وأضاف أنه لن تكون هناك حرب على ~~أي حال، ولم تنشب حرب بالفعل لعقد كامل بعد ذلك. # قال أولي: «حسنا، نعم، لكن ذلك ليس بالشيء القانوني تماما، لقد كنت سابقا لوقتي يا ~~نانسي، لكني دائما ما كنت أنسى أنني لم أكن متزوجا بمعنى الكلمة. ربما لأن تيسا كانت ~~امرأة تتسم بالجدية الشديدة والتعقيد؛ فليس ثمة نوع من المرونة أو الشعور بالراحة ~~معها.» # قالت نانسي بأسلوب هادئ قدر المستطاع: «إذن، احك لي عنك أنت وتيسا.» # قال: «لقد كان ذلك الانهيار هو الذي عرقل كل شيء.» # استكمل حديثه موضحا ما يعنيه بذلك؛ وهو أن حالتها فقدت كل الاهتمام، وكان من تبعات ~~ذلك توقف التمويل؛ أي تمويل الأبحاث حول هذه الحالات. حدث تغير في أساليب التفكير؛ ~~خاصة مع عزوف المجتمع العلمي عما اعتبروه بالتأكيد نوعا من العبث. قال إن بعض التجارب ~~استمرت لفترة، لكن على نحو غير منظم. وحتى الأشخاص الذين كانوا أكثر اهتماما، وأكثر ~~التزاما - الأشخاص الذين ms302 كانوا على اتصال به، حتى لو لم يتصل هو بهم - فقد كانوا هم ~~أول من ابتعد، ولم يردوا على الخطابات التي أرسلها إليهم، ولم يحاولوا التواصل معه ~~بأي وسيلة إلى أن قاموا في النهاية بإرسال رسائل قصيرة من خلال سكرتيراتهم يخبرونه فيها ~~بأن الاتفاق برمته ألغي. وعاملوه هو وتيسا معاملة سيئة للغاية وكأنهم كم من ~~القاذورات؛ كأشخاص انتهازيين يسببون الإزعاج؛ وذلك بمجرد أن تحول مسار الأمور وتغيرت ~~الدفة. # قال: «وبعد كل ما عانيناه ذهبنا إلى الأكاديميين ووضعنا أنفسنا تحت تصرفهم، ولم أجد ~~منهم أي استفادة.» # قالت: «ظننت أن معظم تعاملاتك كانت مع الأطباء.» ~~«الأطباء، وصانعي المستقبل المهني، والأكاديميين.» # ولكي تبعده عن ذكريات هذه الجراح الأليمة، وعن ذلك المزاج السيئ، راحت تسأله عن ~~التجارب التي أجريت بالفعل. # قال بأنها كانت تتضمن جميعها استخدام البطاقات؛ ليست بطاقات عادية إنما بطاقات ~~الإدراك الحسي الفائق وما تحتويه من رموز؛ منها الصليب، والدائرة، والنجمة، والخطوط ~~المتعرجة، والمربع؛ فقد كانوا يضعون على المنضدة بطاقة واحدة لكل رمز ووجهها لأعلى ~~بينما تخلط بقية أوراق اللعب وتقلب ليكون وجهها للأسفل. ومن المفترض أن تحدد تيسا أي ~~رمز من الرموز التي أمامها يتطابق مع رمز أول بطاقة من البطاقات الموجودة. كان ذلك ~~اختبار المطابقة المفتوحة، أما اختبار المطابقة المعماة فهو نفس الاختبار السابق ~~فيما عدا أنه يتم قلب الكروت الخمسة الرئيسية. وكانت هناك عدة اختبارات أخرى ذات ~~مستويات صعوبة متزايدة، تستخدم العملات والنرد في بعض الأحيان. وأحيانا لا يستخدم أي ~~شيء سوى صورة ذهنية؛ مجموعة من الصور الذهنية دون أن يكون هناك أي شيء مكتوب، وإما أن ~~يجلس الشخص الخاضع للاختبار والمسئول عن الاختبار كلاهما في نفس الغرفة، أو في غرف ~~منفصلة، أو يبعد أحدهما عن الآخر مسافة ربع ميل. # وقد تم مقارنة معدل نجاح تيسا بالنتائج التي يتم الحصول عليها بالصدفة البحتة أو ~~وفقا لنظرية الاحتمالات التي كان يعتقد أولي أنها تبلغ عشرين بالمائة. # لم يكن ثمة شيء في الغرفة سوى مقعد، ومائدة، ومصباح إضاءة؛ تماما مثل غرفة ms303 ~~التحقيقات، وكانت تيسا تخرج من الغرفة منهكة تماما. وقد أزعجتها الرموز لساعات أينما ~~نظرت، وبدأت نوبات الصداع تنتابها. # وكانت النتائج غير حاسمة، وظهرت كل أنواع الاعتراضات؛ ليس بشأن تيسا، وإنما بشأن ~~الاختبارات وما إذا كانت معيبة أو بها نقص، فقال البعض إن الناس لديهم أفضلية في بعض ~~الأشياء؛ إذ إنه عند إلقاء إحدى العملات على سبيل المثال فالكثيرون سيفضلون اختيار ~~الصورة عن الكتابة، سيفعلون ذلك ببساطة؛ هذا كل ما في الأمر. وإضافة إلى ذلك ما قاله ~~سابقا عن المناخ العام وقتها، المناخ الفكري الذي كان يضع كل تلك الأبحاث في نطاق ~~العبث. ~~••• # بدأ الظلام يهبط، ووضعت لافتة «مغلق» على باب المطعم. وكان أولي يجد صعوبة في قراءة ~~الفاتورة، واتضح أن السبب الذي أتى به إلى فانكوفر - ألا وهو المشكلة الطبية - له علاقة ~~بعينيه. ضحكت نانسي وأخذت الفاتورة منه وسددت الحساب. ~~«بالطبع أسدد الفاتورة؛ أولست الأرملة الثرية؟» # ولأنهم لم ينتهوا من حديثهم بعد - ولم تر نانسي مكانا آخر بالجوار - فقد سارا حتى ~~وصلا إلى مقهى دينيز لتناول القهوة. # قال أولي: «ربما كنت تريدين مكانا أفخم، هل كنت تريدين بعض الشراب؟» # قالت نانسي سريعا إنها تناولت كمية من الشراب على المركب تكفيها لفترة. # قال أولي: «لقد تناولت ما يكفيني طوال حياتي، لقد أقلعت عنه منذ خمس عشرة سنة؛ خمس ~~عشرة سنة وتسعة أشهر تحديدا. يمكنك التعرف على من كان سكيرا في الماضي عندما يعد ~~الأشهر.» # وخلال فترة إجراء التجارب، والتعامل مع المتخصصين في علم النفس الغيبي، كون هو ~~وتيسا صداقات جديدة؛ فتعرفا على بعض الأشخاص ممن كانوا يكسبون عيشهم عن طريق القدرات ~~التي يتمتعون بها، وليس عن طريق الاهتمام بالعلم المزعوم، إنما من خلال ما يطلقون عليه ~~قراءة المستقبل، أو قراءة الأفكار، أو توارد الخواطر، أو مختلف الأنشطة التي تتعلق ~~بالنفس. منهم من استقر به المقام في أماكن جيدة حيث يعملون من خلال أحد المنازل، أو ~~أمام واجهات أحد المحال التجارية وبقوا هناك لسنوات. هؤلاء هم الأشخاص الذين كانوا ~~يسدون النصائح الشخصية، ms304 ويتنبئون بالمستقبل، ويمارسون علم التنجيم، ونوعا من أنواع ~~العلاج البديل. وهناك فئة أخرى كانوا يقدمون العروض أمام العامة، وكان هذا يعني ~~الانضمام إلى عروض تشبه عروض تشوتوكوا الترفيهية، والتي كانت تتضمن إلقاء بعض ~~المحاضرات، وقراءات ومشاهد من مسرحيات شكسبير، وكان منهم من يغني غناء أوبراليا، ~~بالإضافة إلى عرض شرائح عن بعض الرحلات والأسفار (محاضرات تعليمية وليست من أجل الترفيه ~~فقط)، كل هذا ومرورا حتى بالمهرجانات ذات الأسعار الزهيدة التي تتضمن بعض الفقرات ~~المضحكة الخفيفة، وفقرات التنويم المغناطيسي، وفقرة لامرأة شبه عارية تلتحف بالثعابين. ~~وبطبيعة الحال كان أولي وتيسا يعدان نفسيهما من المنتمين إلى الفئة الأولى؛ فالتثقيف ~~وليس الترفيه هو بغيتهم في حقيقة الأمر، لكن للأسف مرة أخرى لم يكن التوقيت في صالحهم؛ ~~فلقد انتهت تقريبا مثل تلك العروض ذات المستوى الثقافي الأعلى؛ إذ أصبح بمقدور الناس ~~أن تستمع إلى الموسيقى وأن تحصل على قسط من التثقيف من خلال الراديو، وقد شاهد الناس ~~كافة المحاضرات المصورة عن الرحلات في قاعة الكنيسة. # واكتشف أولي وتيسا أن السبيل الوحيد لجني بعض المال هو الانضمام لتلك العروض المتنقلة ~~والعمل في قاعات العروض والاجتماعات في البلدة أو في عروض الخريف. تشاركوا المسرح مع من ~~يقومون بالتنويم المغناطيسي، والنساء اللاتي يلففن الثعابين حول أجسادهن، ومع من يعرضون ~~المونولجات الرديئة، وفتيات عروض التعري اللاتي غطين أجسادهن بالريش، ولكن حتى ذلك ~~النوع من العروض بدأ في الانحسار والاختفاء. إلا أن نشوب الحرب عمل على إنعاشه على نحو ~~غريب بعض الشيء؛ إذ امتد لفترة - وإن كان هذا الامتداد مفتعلا وغير طبيعي - عندما منعت ~~عملية ترشيد الغاز الناس من الذهاب إلى الملاهي الليلية في المدينة أو ارتياد دور ~~السينما الكبرى. ولم يكن التليفزيون قد وصل بعد لتسليتهم بعروض السحر والحركات ~~البهلوانية وهم جالسون على مقاعدهم الوثيرة بالمنزل. ومع بداية الخمسينيات، وظهور ~~برنامج إد سوليفان وغيره كانت نهاية العروض في الواقع. # ومع ذلك كانت هناك بعض الحشود التي لا بأس بها لفترة من الوقت ، وامتلأت القاعات عن ~~آخرها؛ وكان أولي يستمتع ms305 بما يفعله؛ إذ كان في بعض الأحيان يلقي محاضرة بسيطة وجادة إلا ~~أنها شائقة على سبيل الإحماء وتهيئة الجمهور وجذب انتباههم في الوقت نفسه. وسرعان ما ~~أصبح أولي جزءا من العرض، وكان عليهم إيجاد شيء أكثر إثارة مما يفعلونه؛ بإضافة نوع من ~~الدراما والتشويق يفوق ما تفعله تيسا بمفردها. ثم كان هناك عامل آخر ينبغي وضعه في ~~الاعتبار؛ استطاعت تيسا مواجهة الأمر على قدر ما تحتمل أعصابها وقدراتها البدنية، لكن ~~ثبت أنه لا يمكن الاعتماد على قدراتها أيا كانت؛ فبدأت تضطرب وتخطئ في تخميناتها؛ لذا ~~كان عليها التركيز بصورة لم تفعلها من قبل، ولكنها أخفقت كثيرا واستمرت نوبات ~~الصداع. # إن ما يشك به معظم الناس يكون صحيحا، وشكوكهم في محلها؛ فمثل هذه العروض مليئة ~~بالخدع والاحتيال والتضليل، وفي بعض الأحيان تكون كلها كذلك، ويكون هذا كل ما في الأمر، ~~لكن ما يأمل به الناس، معظم الناس، يكون صادقا وحقيقيا في بعض الأحيان؛ فهم يأملون ~~بألا تكون تلك العروض كلها مجرد خدع. وبسبب وجود مؤدين على قدر كبير من الأمانة ~~والصدق مثل تيسا، وهي تعرف تلك الآمال وتتفهمها ~~جيدا - ومن عساه أن يفهمها أفضل منها؟ - ~~استطاعوا أن يشرعوا في استخدام بعض الحيل والأشياء الروتينية التي كانت مضمونة النتائج؛ ~~لأنه كان علينا أن نحقق نفس النتائج في كل ليلة. # وقد تكون الوسائل المستخدمة لتحقيق ذلك بسيطة للغاية، وواضحة مثل التقسيم الزائف في ~~الصندوق الذي تدخل فيه السيدة التي يتم شقها إلى نصفين بالمنشار. فهناك ميكروفون خفي، ~~والأكثر احتمالا أن يتم استخدام شفرة بين الشخص الذي يؤدي على المسرح وشريكه الموجود ~~وراء المسرح على الأرض. يمكننا اعتبار هذه الشفرات فنا في ذاتها؛ إنها شفوية وسرية، ~~وليس ثمة شيء مكتوب. # سألته نانسي إن كانت الشفرات المستخدمة بينه وبين تيسا تعد فنا في حد ذاتها؟ # أشرق وجهه وقال: «لقد كان لها مدى، وبينها فروق بسيطة.» # ثم أردف قائلا: «كنا نبدو متصنعين أيضا في بعض الأحيان. كنت أرتدي عباءة سوداء ~~...» ~~«أوه أولي، أحقا كنت ترتدي عباءة ms306 سوداء؟» ~~«بالقطع. عباءة سوداء، وكنت أطلب أحد المتطوعين من الجمهور وأخلع العباءة عني ثم ~~ألفها حوله أو حولها، وذلك بعد أن تكون عينا تيسا معصوبتين - حيث يقوم واحد من ~~الجمهور بفعل ذلك ويتأكد من أن عينيها معصوبتان على نحو جيد - ثم أشرع أنا في مناداتها ~~وأسألها: «من الذي أخفيه تحت العباءة؟» أو «من هو الشخص الذي أخفيه تحت العباءة؟» أو ~~أقول المعطف بدلا من العباءة أو القماش الأسود، أو «ما الذي أخفيه؟» أو «من الذي ~~ترين؟» أو «ما لون الشعر؟» «هل الشخص طويل أم قصير؟» وبإمكاني أن أفعل ذلك من خلال ~~الكلمات أو عن طريق التغييرات الطفيفة في طبقة الصوت. وهناك الكثير والكثير من ~~التفاصيل. وكانت تلك فقرتنا الافتتاحية.» ~~«ينبغي أن تكتب عن تلك التجربة.» ~~«لقد كنت أنوي ذلك؛ لقد كنت أريد أن أكشف عن بعض أسرار المهنة، لكني تراجعت وأخذت ~~أفكر من ذا الذي سيهتم بهذا على أي حال؟ فالناس إما يرغبون في أن يخدعهم الآخرون، أو لا ~~يرغبون في ذلك؛ فهم لا يبحثون وراء الأدلة والحقائق. وهنالك شيء آخر فكرت به؛ وهو كتابة ~~رواية بوليسية؛ إذ إن الوسط الذي كنا نعيش فيه كان ملائما لذلك. وظننت أنني أستطيع ~~تحقيق أرباح طائلة ثم نترك البلد بعد ذلك، ثم فكرت بعدها في كتابة سيناريو أحد الأفلام. ~~هل رأيت ذلك الفيلم الذي أخرجه فيليني؟» # أجابت نانسي بأنها لم تفعل. ~~«هراء. لا أقصد فيلم فيليني، بل الأفكار التي كانت لدي في ذلك الوقت.» ~~«حدثني عن تيسا.» ~~«لا بد وأنني قد كتبت لك، ألم أراسلك؟» ~~«لا.» ~~«أعتقد بأني كتبت لويلف.» ~~«أعتقد أنه كان سيخبرني بذلك.» ~~«حسنا، ربما لم أفعل، أعتقد أني كنت في أسوأ أوقات حياتي.» ~~«في أي عام كان هذا؟» # لم يستطع أولي أن يتذكر ذلك، لكن كانت الحرب الكورية قد اندلعت، وهاري ترومان هو ~~الرئيس وقتها. بدا في أول الأمر أن تيسا أصيبت بالأنفلونزا، لكن حالتها لم تتحسن، وأضحت ~~أكثر وهنا، وكانت تغطي جسمها كدمات غريبة؛ أصيبت بسرطان الدم. # كانا قد ms307 اختبئا في إحدى المدن التي تقع بالقرب من الجبال في قيظ الصيف، وأملا في ~~الذهاب إلى كاليفورنيا قبل حلول الشتاء، لكنهما لم يتمكنا حتى من حجز تذاكر رحلتهما ~~التالية، وسافرت المجموعة التي كانا برفقتها من دونهما. وحصل أولي على عمل في إذاعة ~~المدينة؛ إذ استطاع أن يحسن من نبرة صوته وهو يقدم العرض مع تيسا، فراح يقرأ نشرة ~~الأخبار في المذياع، بجانب الكثير من الإعلانات، وكان يكتب بعض هذه الإعلانات أيضا حيث ~~غاب المسئول عن ذلك لتلقي العلاج - أو شيء من هذا القبيل - في أحد المستشفيات الخاصة ~~لعلاج إدمان الشراب. # وانتقل هو وتيسا من الفندق الذي كانا يقيمان به إلى إحدى الشقق المفروشة التي لم يكن ~~بها - بطبيعة الحال - أي أجهزة تكييف، لكن لحسن الحظ كان بها شرفة صغيرة تتدلى أمامها ~~إحدى الأشجار، وقد وضع أريكة بها حتى تستنشق تيسا الهواء المنعش؛ فلم يكن يريد أن يضطر ~~لإيداعها في أي مستشفى - وهو الأمر الذي سيستلزم الكثير من الأموال بالطبع؛ إذ لم يكن ~~لديهما أي نوع من التأمين - لكن كان في اعتقاده أيضا أنها أكثر راحة وهدوءا في ذلك ~~المكان وهي ترى أوراق الأشجار وهي تتمايل، لكنه اضطر في نهاية الأمر أن يأخذها إلى ~~المستشفى، وفي غضون أسبوعين كانت قد توفيت. # قالت نانسي: «هل دفنت هناك؟ ألم يجل بخاطرك أنه كان بإمكاننا أن نرسل لك بعض ~~النقود حينها؟» # قال: «لا؛ وأعني لا لكلا السؤالين؛ أعني أنني لم أفكر في طلب المال من أي شخص؛ إذ ~~شعرت أنها مسئوليتي. وقمت بإحراق جثتها ثم غادرت المدينة على عجل ومعي رماد جسدها، حتى ~~وصلت إلى الساحل. لقد كان هذا آخر شيء طلبته مني في الواقع؛ كانت تريد أن تحرق جثتها ~~وأن يتناثر رمادها عبر أمواج المحيط الهادئ.» # إذن كان هذا هو ما فعله، كما حكى، وقد تذكر ساحل ولاية أوريجون، والشريط الساحلي ~~الذي يقع بين المحيط والطريق السريع، وتذكر أيضا الضباب وبرودة الصباح الباكر، ~~ورائحة مياه البحر ، ومنظر تلاطم الأمواج الباعث على الشجن والحزن. ms308 قام حينها بخلع ~~حذائه، وشمر عن رجليه وراح يخوض المياه، واقتربت طيور النورس لترى إن كان يحمل شيئا ~~إليها، لكنه لم يكن يحمل سوى رماد تيسا. # قالت نانسي: «تيسا ...» ثم لم تستطع أن تكمل عبارتها. ~~«أدمنت الشراب بعد هذا، وبالكاد استطعت تدبر أمري بطريقة أو بأخرى، لكني كنت أشعر ~~أنني عديم النفع، إلى أن اضطررت إلى الإقلاع نهائيا عنه.» # لم يرفع بصره نحو نانسي وهو يتحدث. مرت لحظات ثقيلة كان يعبث خلالها بمنفضة ~~السجائر. # قالت نانسي: «أعتقد أنك اكتشفت أن الحياة لا بد أن تستمر.» # تنهد. وكان تنهده ينم عن شيء من الارتياح واللوم. ~~«كلماتك قاسية يا نانسي.» ~~••• # قام بتوصيلها إلى الفندق الذي كانت تنزل به، وسمعت أصوات قعقعة عالية من التروس ~~بالشاحنة، والتي كانت ترتج وتهتز بشدة. # لم يكن الفندق فاخرا أو غالي الثمن، ولا يوجد به أي حارس، ولم يريا حتى باقة ضخمة ~~من الزهور يمكن التطلع إليها بالداخل، ولكن عندما قال أولي: «أراهن أنه لم تقترب من هذا ~~المكان سيارة كسيارتي التي تبدو كالكومة القديمة»، ضحكت نانسي ووافقته الرأي. ~~«وماذا عن عبارتك؟» ~~«لقد فاتتني، منذ وقت طويل.» ~~«أين ستبيت الليلة إذن؟» ~~«عند أصدقاء لي في هورس شو باي، أو سآتي إلى هنا إن شعرت بعدم الرغبة في أن أوقظهم. ~~لقد قضيت هنا ليالي كثيرة من قبل.» # كانت غرفتها مجهزة بفراشين، فراشين متماثلين. قد ينظر إليها أحدهم نظرة بها ~~قدر من الاشمئزاز إن دخلت وهو معها، ولكنها بالقطع تستطيع تحمل ذلك؛ طالما أن الحقيقة ~~تختلف تماما عما يمكن أن يظنه أي شخص. # أخذت نفسا عميقا كما لو أنها تهيئ نفسها لتقول شيئا. ~~«لا يا نانسي.» # ظلت تنتظر كل هذا الوقت لكي يتفوه بكلمة واحدة صادقة. ظلت هكذا طيلة فترة ما بعد ~~الظهيرة، وربما لجزء لا بأس به من حياتها؛ كانت تنتظر وها هو الآن قد قالها. # لا. # كان يمكن اعتبارها نوعا من الرفض لعرض لم تتفوه به. كان يمكن أن تشعر بالصدمة حيال ~~ما بدا وكأنه نوع من ms309 الغرور، أو شيء لا يحتمل. # ولكن في الواقع كان ما سمعته واضحا ويتسم باللين والرقة، وبدا في تلك اللحظة وكأنه ~~يحمل الكثير من التفهم شأنه شأن أي كلمة قيلت لها على الإطلاق. لا. # كانت تعلم خطورة أي شيء قد تقوله؛ خطورة رغبتها؛ لأنها لا تدري كنه تلك الرغبة؛ ~~ورغبة تجاه ماذا؟ لقد أحجما عن أي شيء بينهما، أيا كان هذا الشيء منذ سنوات، وعليهما ~~أن يفعلا ذلك بالقطع الآن؛ لأنهما كبرا في السن، لم يكبرا بشدة، ولكنهما كبرا بدرجة ~~تمنعهما من أن يبدو مظهرهما قبيحا وسخيفا. ومن سوء الحظ أنهما أمضيا الوقت معا وهما ~~يكذبان. # فقد كانت تكذب هي الأخرى حتى أثناء صمتها، وحتى في هذه اللحظة ستستمر في ~~الكذب. # قالها ثانية: «لا.» ولكن في تواضع خال من أي شعور بالحرج؛ «فلن تسير الأمور على نحو ~~جيد.» # بالقطع لن تكون كذلك، وأحد أسباب هذا هو أن أول شيء ستفعله حينما تعود إلى منزلها هو ~~أن تبعث برسالة لذلك المكان في ميشيجان لتعرف ما الذي حدث لتيسا ولتعود بها إلى حيث ~~تنتمي. ~~••• ~~«يصبح الطريق سهلا إن كنت حصيفا بما يكفي لأن تسافر متخففا من الأحمال.» # ظلت الورقة التي باعها إياها آدم وحواء في جيب سترتها، ولم تخرجها إلا في المرة ~~التالية التي ارتدت فيها تلك السترة بعد قرابة عام من عودتها إلى منزلها، واعترتها بعض ~~مشاعر الحيرة والقلق إزاء تلك الكلمات المطبوعة عليها. # لم يكن الطريق سهلا؛ فالخطاب الذي أرسلته لميشيجان ارتد إليها مرة أخرى دون أن ~~يفتح؛ فمن الواضح أنه لم يعد ذلك المستشفى موجودا، لكن نانسي اكتشفت أن بإمكانها ~~التحقيق في الأمر، وشرعت في أن تفعل ذلك. هناك هيئات يمكن مراسلتها للاستفسار، وهناك ~~سجلات يمكن الكشف عنها إن أمكن. لم تفقد الأمل. إنها لن تعترف بأنه أصبح من الصعب أن ~~تصل إلى مبتغاها. # أما في حالة أولي فإنها ربما أوشكت أن تعترف بذلك. كانت قد بعثت بخطاب إلى جزيرة ~~تكسادا، معتقدة أن العنوان كافيا؛ فلا بد وأن من يقطنون ms310 هناك أعداد قليلة ويمكن ~~العثور على أيهم بسهولة، لكن الخطاب عاد مرة أخرى وهو يحمل كلمة واحدة فوق المظروف. ~~«انتقل.» # لم تحتمل فكرة أن تفتحه ثانية وأن تقرأ ما كتبته. كانت واثقة أنها قالت الكثير؛ أكثر ~~من اللازم. # ذباب على حافة النافذة # جلست في مقعد ويلف الريكلاينر القديم في الغرفة المشمسة بمنزلها. لم تكن تنوي الخلود ~~للنوم، كان الوقت بعد الظهيرة في يوم من أيام الخريف وما زال الضوء ساطعا؛ لقد كان في ~~الواقع يوم مسابقة كأس نهائي دوري كرة القدم الكندي، ومن المفترض أنها في حفلة يشارك ~~الجميع في إعداد طعامها ويشاهدون المباراة على التليفزيون، لكنها اعتذرت في الدقيقة ~~الأخيرة. لقد اعتاد الناس مثل هذه الأشياء منها الآن؛ وما زال البعض يقولون إنهم قلقون ~~حيالها، إلا أنها عندما تظهر ثانية في المحافل فإن بعضا من عاداتها القديمة أو ~~احتياجاتها تعيد تأكيد نفسها، وأحيانا لا تستطيع منع نفسها من العودة لحياة التجمعات ~~فيتوقف قلقهم عليها لفترة. # يقول أولادها إنهم يأملون ألا تكون قد اعتادت على العيش في الماضي والحنين ~~إليه. # لكن ما تعتقد أنها تفعله، أو ما تريد أن تفعله إن أتيح لها الوقت، هو ألا تعيش في ~~الماضي بقدر ما تريد أن تفتح ذلك الماضي وتلقي نظرة فاحصة على أحداثه. # إنها لا تعتقد أنها كانت نائمة حينما وجدت نفسها تدخل غرفة أخرى؛ فالغرفة المشمسة - ~~تلك الغرفة الوضاءة خلفها - قد انكمشت لتصبح ردهة مظلمة. وكان مفتاح الفندق معلقا في ~~باب الغرفة، كما تعتقد أن ذلك هو مكانه المعتاد، بالرغم من أنه شيء لم تواجهه في ~~حياتها. # كان مكانا متواضعا؛ حجرة متهالكة لمسافرين أنهكهم التعب. كان بها مصباح إضاءة يتدلى ~~من السقف، وقضيب تتدلى منه شماعتان للملابس مصنوعتان من السلك، وستارة من قماش عليه ~~نقوش من الزهور بألوان الأصفر والوردي يمكن جذبها لتخفي الملابس المعلقة عن النظر. ربما ~~كانت الغاية من وراء نقوش الزهور المطبوعة على الستارة هو إضفاء مناخ من التفاؤل، وربما ~~المرح والابتهاج، لكنها ولسبب مجهول كان لها تأثير ms311 عكسي. # ألقى أولي بنفسه فجأة فوق الفراش على نحو عنيف، حتى إن الزنبرك أطلق صوتا بائسا ~~وكأنه يتأوه. بدا أنه وتيسا قد وصلا بالسيارة الآن، وقاد هو السيارة طوال الوقت. وقد ~~جعله ذلك اليوم من أيام الربيع الحار والمحمل بالأتربة في حالة تعب غير عادية. وهي لا ~~تستطيع القيادة. أحدثت قدرا كبيرا من الضوضاء وهي تفتح حقيبة الملابس، والمزيد من ~~الضوضاء وهي تقف خلف ذلك الفاصل الخشبي داخل دورة المياه. تظاهر بالنوم عندما خرجت من ~~دورة المياه، ولم يكن يطبق جفنيه تماما، فرآها وهي تنظر إلى مرآة منضدة الزينة ~~المليئة بالبقع والرتوش في الأماكن التي أزيل فيها طلاء ظهر المرآة. كانت ترتدي تنورة ~~طويلة تصل لكاحلها من قماش الساتان الأصفر، وجاكيت أسود قصيرا، مع وشاح أسود مزركش ~~بالزهور، يصل طول أهدابه لنحو نصف متر. كانت ملابسها من تصميمها، ولم تكن مبتكرة أو ~~ملائمة لها. كانت بشرتها مصبوغة باللون الوردي، ولكنها لم تكن مشرقة. وضعت في شعرها ~~المشابك وبعضا من رذاذ تثبيت الشعر، وقد بدا شعرها بعد أن شدته وكأنها تعتمر خوذة ~~سوداء. كانت تضع ظلال جفون باللون الأرجواني، وقد رفعت حاجبيها إلى أعلى وعززت من ~~سوادهما كأجنحة الغراب. كانت تطبق جفنيها بشدة، وكأنه نوع من العقاب على عينيها ~~الناعستين. بدت - في الحقيقة - وكأنها ترزح تحت ثقل الملابس، ومساحيق التجميل وتصفيفة ~~الشعر. # شعرت ببعض الضجيج الذي صدر عنه دون قصد، والذي كان ينم عن شيء من نفاد الصبر أو ~~الشكوى. اقتربت من الفراش وانحنت لتخلع عنه حذاءه. # فطلب منها ألا تشغل بالها بذلك. # قال: «علي أن أخرج ثانية بعد دقائق قليلة؛ يجب أن أذهب لأراهم.» # كان يقصد الناس الموجودين بالمسرح، أو منظمي العرض الترفيهي، أيا كانوا. # لم تتفوه بكلمة، بل وقفت أمام المرآة وهي تنظر لنفسها ولا تزال تشعر بثقل الملابس ~~والزينة وشعرها الذي كان مستعارا، وروحها، وراحت تتجول في الحجرة كما لو أن هناك أشياء ~~لتفعلها، لكنها لم تجد أي شيء لتفعله. ~~••• # حتى عندما انحنت لتخلع حذاء أولي لم تنظر ms312 في وجهه. وإذا كان قد أغلق عينيه عندما ~~استلقى على الفراش فذلك - كما كانت تعتقد - لأنه ربما يتجنب النظر إلى وجهها. لقد أصبحا ~~زوجين محترفين؛ فهما ينامان، ويأكلان ويسافران معا، بل قد يكون إيقاع تنفسهما واحدا، ~~لكنه لا يحدث أبدا - فيما عدا خلال ذلك الوقت الذي يحملان فيه مسئولية أداء فقرتهما ~~أمام الجمهور - أن ينظر أحدهما في وجه الآخر خشية أن يلمحا شيئا مخيفا. # لم يكن ثمة مسافة كافية على الحائط لتستند عليها منضدة الزينة ذات المرآة المليئة ~~بالبقع، بل كان جزء منها يبرز أمام النافذة فيحجب جزءا من الضوء الذي يتسلل منها. نظرت ~~نحوها بشك للحظات، ثم حاولت أن تستجمع قوتها لكي تحرك جانبا منها لمسافة صغيرة إلى ~~داخل الحجرة. التقطت أنفاسها وأزاحت الستارة الشبكية المتسخة جانبا. وعند أقصى جانب من ~~حافة النافذة التي كانت مختفية وراء الستارة ومنضدة الزينة رأت كومة صغيرة من الذباب ~~الميت. # يبدو أن شخصا ما أقام منذ فترة قريبة في تلك الغرفة وأمضى الوقت في قتل الذباب، ثم ~~قام بجمعه في كومة وأخفاها في هذا المكان. لقد كان الذباب الميت مرتبا على هيئة كومة ~~هرمية غير متماسكة جيدا. # صاحت عند رؤيتها لهذا المنظر، ولم يكن صياحها نابعا من شعورها بالاشمئزاز أو الفزع، ~~بل من المفاجأة، بل يمكنك أن تقول من الابتهاج. «أوه، أوه، أوه.» فتلك الحشرات قد ~~أشعرتها بالسعادة كما لو أنها تشبه المجوهرات حينما تضعها أسفل الميكروسكوب. تلك ~~الومضات باللون الأزرق، والذهبي، والزمردي! تلك الأجنحة الشفافة اللامعة! صاحت، لكن لم ~~تكن صيحتها بسبب رؤيتها لبريق تلك الحشرات على حافة النافذة؛ فليس لديها ميكروسكوب، وقد ~~فقدت الحشرات بريقها بعد أن ماتت. # بل صاحت لرؤيتها في هذا المكان؛ فقد رأت كومة من أجسام رقيقة مجتمعة معا ومخبأة في ~~تلك الزاوية وغطاها الغبار. لقد رأتها هكذا في مكانها قبل أن تضع يدها على منضدة الزينة ~~أو تزيح الستائر. كانت تعرف أنها موجودة في ذلك المكان بالطريقة التي اعتادت بها معرفة ~~الأشياء. # لكنها لم تعرف شيئا منذ ms313 فترة طويلة، لم تعرف شيئا، وكانت تعتمد على الخدع والخطط ~~التي يتدربون عليها. كادت تنسى، لقد كانت تشك إن كانت هناك طرق أخرى بالأساس. # أيقظت أولي الآن، واقتحمت فترة الغفوة التي يقتنصها بصعوبة. صاح وهو يهب من مكانه: ما ~~الأمر؟ ألدغك شيء؟ # قالت: لا، ثم أشارت إلى الذباب. ~~«كنت أعرف أنها هنا.» # تفهم أولي على الفور ما كان يعنيه هذا الأمر بالنسبة لها، وقدر الارتياح الذي لا ~~بد وأن شعرت به، رغم أنه لم يكن ليستطيع أن يشاركها سعادتها؛ لأنه كاد هو الآخر أن ينسى ~~بعض الأشياء؛ كاد أن ينسى أنه آمن بقدراتها في يوم من الأيام. إنه الآن لا يشعر إلا ~~بالقلق حيالها وحيال نفسه، فيجب أن ينجح عرضهما الزائف. # قال: «متى عرفت بوجودها؟» # قالت: «عندما نظرت في المرآة، عندما نظرت إلى النافذة. لا أدري متى.» # شعرت بسعادة غامرة. لم تعتد أن تشعر بالسعادة من عدمها حيال ما يمكن أن تفعله؛ فقد ~~كانت تعتبر الأمر مسلما به. والآن لمعت عيناها كما لو أنها أزالت الغشاوة والأوساخ ~~عنهما، وبدا صوتها كما لو أن حلقها أنعشته المياه الحلوة العذبة. # قال: نعم، نعم. سارت نحوه وطوقت عنقه بذراعيها وألصقت رأسها على صدره بشدة؛ مما جعل ~~الأوراق التي في جيبه تصدر بعض الخشخشة. # كانت بعض الأوراق السرية التي حصل عليها من رجل التقى به في إحدى هذه المدن؛ وهو طبيب ~~يعرف عنه أنه يعتني بأمثالهما من الجوالين، وكان يمن عليهما في بعض الأحيان من ~~خلال تأدية بعض الخدمات التي لا تدخل ضمن المعتاد. كان أولي قد أخبر الطبيب أنه يشعر ~~بالقلق حيال زوجته، التي تستلقي في الفراش، وتحملق في السقف لساعات ويعلو وجهها علامات ~~التركيز الشديد، وتظل أياما لا تتفوه خلالها بكلمة واحدة، فيما عدا ما هو ضروري أمام ~~الجمهور فقط (كان هذا كله صحيحا بالفعل). وراح يسأل نفسه، ثم الطبيب، إن كانت قدراتها ~~غير العادية ليس لها علاقة في نهاية الأمر بنوع من الخلل الخطير في قواها العقلية ~~وطبيعتها. لقد كانت تنتابها ms314 بعض النوبات المرضية في الماضي، وتساءل إن كان يمكن أن ~~تتكرر ثانية. إنها ليست شخصا ذا طبيعة سيئة، وليس لها أي عادات سيئة، لكنها ليست شخصا ~~طبيعيا، إنها فقط شخصية متفردة، والعيش مع شخص متفرد يمكن أن يسبب نوعا من الإرهاق ~~والتوتر بقدر لا يستطيع أن يتحمله أي إنسان. تفهم الطبيب ما قاله، وأخبره بمكان يمكن ~~أن يأخذها إليه لكي تأخذ قسطا من الراحة. # كان يخشى أن تسأله عن مصدر تلك الخشخشة التي سمعتها عندما التصقت به بشدة. لم يكن ~~يريد أن يقول بعض الأوراق؛ مما سيدفعها للسؤال: أي أوراق؟ # لكن إن كانت قد استعادت هذه القوى - وهذا اعتقاده، إلى جانب استعادته هو لتقديره ~~واهتمامه الشديد بها، والذي كاد أن ينساه - إن كانت قد عادت إلى سابق عهدها، أليس من ~~المحتمل أن تعرف ما كان مدونا في تلك الأوراق دون حتى أن تكلف نفسها عناء النظر إليها ~~وقراءتها؟ # إنها بالفعل تعرف شيئا، لكنها تحاول جاهدة أن تتجاهله. # إن كانت معرفتها تعني استعادتها لما كانت تملكه ذات يوم، وهو استخدام عينيها ذات ~~النظرات المتعمقة، والوحي الذي ينطق به لسانها على الفور، أفلن تكون أفضل بدون تلك ~~القوى؟ وإن كان الأمر أنها هي من تخلت عن تلك القوى والقدرات، وليس العكس، ألن ترحب ~~بذلك التغيير؟ # كانت تعتقد أنه بمقدورهما أن يفعلا شيئا آخر؛ أن يعيشا حياة أخرى مختلفة. # حدث نفسه بأنه سيتخلص من تلك الأوراق بأسرع وقت ممكن، وسينسى الفكرة برمتها؛ فإنه ~~هو الآخر قادر على التحلي بالأمل والاحترام. # نعم نعم، كانت تيسا تشعر بكم الوعيد الذي صدر عن صوت الخشخشة الخافت أسفل ~~وجنتيها. ~~••• # كان الشعور بالراحة المؤقتة قد خفف قليلا من حدة الأمور، وبعث نوعا من الراحة. ~~كان شعورا جليا قويا بدرجة شعرت معها نانسي أن المستقبل المعلوم يتهاوى تحت سطوته ~~ويتناثر بعيدا كأوراق الأشجار القديمة القذرة. ~~••• # لكن تلك اللحظة كانت تحمل في الانتظار شعورا بعدم الاستقرار، وقد عزمت نانسي أن ~~تتجاهله، ولكن لا طائل من ذلك؛ فإنها تدرك الآن بالفعل ms315 أن هناك من يبعدها، ويجذبها ~~بعيدا عن هذين الشخصين ويعيدها إلى ذاتها ثانية. يبدو وكأن شخصا يتسم بالحسم والهدوء ~~قد أخذ على عاتقه مهمة إخراجها من تلك الغرفة ذات الشماعات المصنوعة من السلك والستارة ~~المنقوشة بالزهور؛ أيمكن أن يكون ويلف؟ شيء ما يقودها برقة وبإصرار بعيدا عما بدأ ~~ينهار وراءها، ينهار ويتحول ببطء إلى السواد الذي يشبه السخام والرماد الناعم. ms316