######OpenITI# #META# URI: 1450NajlaLutfi.IlaAbi.Hindawi84707240 #META# Tags: novels #META# ID: 84707240 #META# Title: إلى أبي #META# AuthorID: 41318319 #META# Author: نجلاء لطفي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء‏ # المقدمة‏ # الجزء الأول‏ # الحب الأول‏ # عذاب الفقد‏ # مرارة التعود‏ # وتمضي الحياة‏ # الأفراح تدق بابنا‏ # همسات الحب‏ # هدية عيد الميلاد‏ # طعم السعادة‏ # الجزء الثاني‏ # المواجهة‏ # إلى ابنتي‏ # الغفران‏ # وتتوالى الأحزان‏ # ميلاد جديد‏ # الحب الحقيقي‏ # إهداء‏ # المقدمة‏ # الجزء الأول‏ # الحب الأول‏ # عذاب الفقد‏ # مرارة التعود‏ # وتمضي الحياة‏ # الأفراح تدق بابنا‏ # همسات الحب‏ # هدية عيد الميلاد‏ # طعم السعادة‏ # الجزء الثاني‏ # المواجهة‏ # إلى ابنتي‏ # الغفران‏ # وتتوالى الأحزان‏ # ميلاد جديد‏ # الحب الحقيقي‏ # | إلى أبي # | إلى أبي # تأليف # نجلاء لطفي # | إهداء # إلى كل أب # كن لابنتك أبا وصديقا وسندا قبل أن تكون ممولا ~~لاحتياجاتها؛ فهي تحتاج لحضنك قبل مالك، وتحتاج للإحساس بالأمان ~~معك لا للخوف منك، لا تخجل من أن تظهر لها حبك؛ فذلك هو ~~أهم وأقوى حب في حياتها لتكون قوية في مواجهة الحياة. # | المقدمة # إلى كل أب قبل أن تفكر في خطوة الانفصال عن زوجتك، فكر أولا ~~في تداعيات ذلك على أولادك، ولا بد أن تفرق بين انفصالك عن زوجتك ~~وحق أولادك؛ فلا تحرمهم من عطفك وحنانك واهتمامك ووجودك في حياتهم، ~~ولا من مالك؛ فهم ليسوا مسئولين عن سوء اختيارك، لكنك مسئول عن ~~نشأتهم أسوياء. # | الجزء الأول # أبي العزيز، لا أعلم كيف أبدأ رسالتي إليك - التي ربما تكون ~~الأخيرة حيث لم يعد أمامي الكثير - ولكني أعلم لم قررت أن ~~أكتبها الآن لك؛ لأريح قلبي من عبء ثقيل يرزح تحته ويثقله، وأنا ~~أحب أن أتخلص من أعباء القلب في تلك المرحلة، كما أني أردت أن ~~أطلب منك أن تسامحني على سوء الظن بك حينا، وعلى فورات الغضب التي ~~كانت تجتاحني عندما كنت مراهقة غضوبة، فكنت أخاصمك لفترات ~~طويلة، وكنت أحملك مسئولية كل الكوارث التي تقع لي. # لكني الآن وأنا أجلس بمفردي بهدوء بعد مرور سنوات عديدة ~~على كل شيء صرت أرى الصورة بشكل أوضح؛ لذا قررت أن أرسل لك ~~رسالتي تلك؛ لأوضح لك الكثير، وأستوضح منك كل شيء. # | الحب الأول # دعنا نبدأ من البداية تماما لا أعلم متى أحببتك، هل عندما ~~تكونت كجنين في ms01 بطن أمي؟ أم قبلها عندما كنت مجرد روح؟ أم ~~بعد ميلادي؟ لا أعلم لكن كل ما أعلمه أني كنت دوما أحبك، لا بل ~~أعشقك، وكنت مدللتك التي لا ترفض لها طلبا أبدا. كنت صغيرة ~~جدا يا أبي، لكني ما زلت أتذكر عندما تعود من عملك متعبا ~~وتخلع جاكيت البدلة والحذاء فأسرع لأرتديهما، وبالطبع كان جاكيت ~~البدلة أكبر مني بعشرات المرات، وكذلك الحذاء، لكنك كنت تضحك ~~أنت وإخوتي عندما أقول: «أنا بابا أنا كبيرة»، ثم تمسكني بيدك ~~لتمنعني من السقوط بعد تعثري في هذا الحذاء الكبير، فكنت أشعر ~~أن تلك اليد الكبيرة ستحميني دوما من السقوط. # كم كنت أسعد عندما تأخذني معك عندما تخرج لملاقاة أصحابك، ~~وأجلس بجوارك في السيارة وتطلب مني أن أغني لك وتضحك على ~~غنائي، بل وتغني معي، وكنت أشعر بالأمان عندما تقبع كفي ~~الصغيرة في دفء كفك الكبيرة وأنت تمسك بيدي ونحن نسير معا في ~~الطريق، حينها كنت أشعر أني أقوى شخص في الكون، كنت قوية بك ~~يا أبي وبوجودك بجواري، كنت حينها أشعر ألا أحد في هذا الكون ~~يستطيع إيذائي؛ لأنك كنت بطلي الذي سيدافع عني ويحميني. وزاد ~~من ذلك الشعور ربما ضآلة جسدي كطفلة حينها، وضخامة جسدك؛ فقد ~~كنت طويلا وعريضا بشعر أسود مجعد وعيون عسلية وابتسامة ~~حنونة أعشقها وأخاف عندما تختفي من وجهك. # كنت تصطحبني معك كثيرا في كل مشاويرك لزيارة أصدقائك الذين ~~كانوا يحبونني ويغمرونني بالهدايا والتدليل، كما كنت أسعد ~~كثيرا عندما تصطحبنا لزيارة أقاربك في بلدتك الصغيرة؛ فقد كنت ~~دائما واصلا للرحم، وكنت تشجعني وإخوتي دائما على صلة ~~الرحم. # ولا أنسى مغامرتنا السرية التي كنا نخفيها عن أمي عندما ~~ذهبنا مرة مع أحد أصدقائك؛ لنخطب له فتاة جميلة ما زلت ~~أتذكرها حتى الآن، وقلت لي: «لا تخبري أمك.» وعندما سألتني ~~أمي «أين كنتم؟» قلت لها بمكر: «لا أعلم، اسألي أبي.» فكانت تغضب ~~وكنا نضحك معا، كما أنك مرة أتيت لمدرستي وأخرجتني من اليوم ~~الدراسي أنا وجاراتي اللاتي كن معي في نفس المدرسة ms02 ، وأخذتنا ~~لنتنزه وأحضرت لنا الأيس كريم، ثم أعدتنا للبيت دون أن تخبر ~~أحدا بما فعلت، كنت فرحة جدا بتلك المفاجآت التي تخصني بها ~~والتي تشعرني بأني حبيبتك المميزة، كما كنت أنت بطلي المميز الذي ~~لا مثيل له في الكون. # ولا أنسى رقة قلبك تجاهي؛ فلم تكن تحتمل دموعي أو غضبي، فكنت ~~تسرع لمصالحتي فورا، وفي الشتاء كنت أرتجف من البرد بسبب ضعف ~~بنيتي، فكنت تفرك بيديك قدمي حتى تدفئهما، كما كنت تضمني ~~لصدرك بقوة لتمنحني دفء جسدك، فكانت تلك أسعد لحظات حياتي؛ ~~فأنا في حضنك لن يمسني سوء أبدا. # كان تدليلك لي محل حسد صديقاتي، وربما أشعر إخوتي بقليل من ~~الغيرة، لكنك كنت تقول دائما: «أدللها لأنها صغيرة كما كنت ~~أفعل معكم.» كنت تمنحني مصروفا كبيرا أكبر من كل صديقاتي، كما ~~كنت أنال أحيانا بعض المكافآت الاستثنائية عندما أقوم لك ببعض ~~الخدمات، كأن ألمع لك حذاءك، أو أحضر لك جاكيت البدلة، كانت ~~أعمالا محببة لقلبي، لا لأني أنال المال مقابلها فقط، إنما لأني ~~أنال رضاك، وتلك الابتسامة الحنون. # كنت تحرص على الاحتفال بعيد ميلادي، وكان ذلك اليوم بمثابة ~~العيد بالنسبة لي، حيث أشتري فستانا جديدا لتلك المناسبة، وأدعو ~~كل أصحابي وأقاربنا، ونقيم احتفالا مبهجا يتحدث عنه الجميع، ~~وكان أجمل ما في ذلك اليوم صورتنا معا وأنت تقبلني وتحتضنني، ~~كانت أياما جميلة يا أبي ما زالت محفورة ذكرياتها على جدار ~~الروح والقلب. # كنت صغيرة جدا لم أتجاوز الست سنوات، لكني ما زلت أتذكر ~~كيف كنت تجمعنا أنا وإخوتي وتحدثنا عن الصدقات، وإسعاد ~~الفقراء، وكنت لا تكتفي بالحديث، بل كنت تطبق ذلك عمليا، ~~فكنت تمنح الفقراء مالا، أو تجعلنا نحن من نعطيهم المال أو بعض ~~الطعام الجيد حتى تعلمنا العطاء، كنت تحثنا دائما على صلة ~~الرحم، فكنا نزور أقرباءك وأقارب أمي، وكان بيتنا مفتوحا ~~للجميع؛ الأهل والأصدقاء والجيران، وكنت تكرم الكل. # ألم أقل لك كنت بطلي، ولم تكن ككل الأبطال يخرجون من الأساطير ~~والحكايات، لكنك كنت واقعا متجسدا أمامنا، فكلما كبرت وفهمت ms03 ~~واستوعبت ما كنت تفعله، كنت أزداد لك عشقا يا أبي. لم أكن أرى ~~بك أية عيوب، ربما بسبب صغر سني وشدة تعلقي بك، وربما ~~لأنك كنت تدللني فقط ولم تعاقبني يوما ولم تعنفني على خطأ ~~ارتكبته، وربما لأني كنت أراك - ككل المحبين - بعيون قلبي ~~فقط. # كنت تعشق عملك وتقضي معظم وقتك فيه؛ لذا في الإجازات كنت ~~تصطحبنا لزيارة أخوالي وخالاتي وتقضي معنا عدة ساعات ثم تعود ~~لعملك، وكذلك في الإسكندرية كنت تأتي معنا في اليوم الأول وتنزل ~~معنا البحر وأنت تحملني - لأني كنت خائفة من الأمواج جدا ولم ~~أشعر بالأمان إلا في وجودك معي - ثم تتناول معنا الغداء وتتركنا ~~وتعود لعملك؛ فقد اعتدنا أن نقضي الإجازات بدونك، وكنت دوما تقول ~~لنا: «أنا مشغول بعملي لأحضر لكم ما تحتاجون من مال.» ورغم ~~استمتاعي بالإجازة لكني كنت أفتقد وجودك معي. # | عذاب الفقد # لا أحب أن أتذكر تلك المرحلة؛ فقد كانت قاسية على قلبي ~~جدا وبعثرت روحي لأشلاء، وما زلت حتى اللحظة أحاول لملمتها ولم ~~أفلح. كنت في زيارة لبيت خالي أنا وأمي وإخوتي بمفردنا ~~كعادتنا، وكنت أنت في البيت وحدك كعادتك بحجة عملك، ووصلنا ذلك ~~الخطاب اللعين - فقد كانت الخطابات هي الوسيلة الوحيدة للتواصل في ~~تلك الفترة - ذلك الخطاب الذي أثار اضطرابا عظيما بين الجميع، ~~كان خطابا منك موجها لأمي فأحزنها كثيرا وأخفى الجميع فحواه ~~عني، لكني شعرت من همساتهم ومن دموع أمي أن به خطبا عظيما، ~~لكني لم أتخيل يوما أنه سيزلزل كل كياننا ويهدم سعادتنا ~~ويحولنا لأشخاص لم نكن نتخيلهم. كان ذلك الخطاب نقطة تحول ~~خطيرة في حياتنا جميعا الذي عرفت فحواه من ابنة خالي وصديقتي التي ~~قالت لي: «والدك تزوج بأخرى وطلق والدتك.» لم أستوعب كلماتها ~~في البداية، ولم أفهم ماذا تعني، لكني كنت مذهولة وأشعر أنه ~~خطب عظيم لأن أمي لم تكف عن البكاء وخالي، لم يكف عن ~~الوعيد، وأخي وأختي الأكبر مني ضائعان، فانتظرت حتى هدأ الجميع ~~وتسللت إلى جوار أمي في سريرها التي ضمتني وهي تبكي ms04 فقلت ~~لها: «أنا أعرف كل شيء وأعرف أنه تركنا وذهب لغيرنا لكنني لن ~~أسكت، سأخاصمه ولن أكلمه أبدا.» قلتها من خلال دموعي وأنا غير ~~مستوعبة لما حدث وغير مصدقة أنك بإمكانك أن تتركني وتتخلى ~~عني من أجل أخرى. # نعم يا أبي حينها لم تكن قضيتي هي قضية أمي وأخوتي، بل كانت ~~قضيتي أنا، هل هنت عليك؟ هل تستطيع حقا أن تتركني بسهولة؟ هل ~~ستقدر على بعدك عني؟ ألن نمرح سويا مرة أخرى؟ ألن نخرج معا ~~وتكون لنا أسرارنا؟ ألن أكون مدللتك وحبيبتك؟ أسئلة كادت أن ~~تطيح برأسي الصغير الذي لم يكن قادرا على استيعاب ما حدث ولا ~~يعرف لم هجرتني، هل فعلت شيئا يغضبك؟ سأعتذر لك عشرات المرات ~~وأعدك ألا أفعل إلا ما يرضيك، ولن أرهقك بطلباتي ولا شكوتي من ~~إخوتي وشدة أمي، لا أحتاج لأعياد ميلاد ولا فساتين ولا حتى دمى، ~~ولكني فقط أحتاجك معي، أرجوك إن كنت أخطأت أنا أو أمي وإخوتي ~~فسامحنا فلن نغضبك مرة أخرى، فقط لا تهجرنا وعد إلينا، فأنا لا ~~أتخيل حياتي بدونك، فأنت محورها وأساسها، أنت لست أبي فقط، بل ~~أنت حبيبي وملكي أنا وحدي، نعم قد أسمح لأمي وإخوتي بمشاركتي في ~~حبك واهتمامك لكنني لن أسمح لتلك الغريبة بأن تشاركني فيك، بل ~~إنها ستأخذك مني تماما، أرجوك يا أبي قل لي إن هذا كابوس، ~~وسأفيق منه لأجدك بجواري تمسك بكفي الصغيرة بين يديك وتقول: «لا ~~تخافي، فأنا بجوارك.» # ليته كان كابوسا وسينتهي، لكنه كان واقعا وسيستمر للأبد أقررته ~~أنت عندما جئت لزيارتنا بعد عودتنا من السفر، وجلست بيننا لتخبرنا ~~أنك لن تبتعد عنا، بل ستزورنا مرتين أو ثلاثا أسبوعيا، وأن لا ~~شيء سيتغير في حياتنا، بل سنعيش كما كنا وأنك لن تتخلى عنا ~~مهما حدث، وأنك تكن لأمي كل التقدير ولكنكما اختلفتما ولا مجال ~~لاستئناف الحياة بينكما، فكان لا بد من انفصالكما. سكت أخي وأختي ~~وبكيت أنا فضممتني إليك وقلت: «لا تخافي لن أتركك.» وقلت لأخي ~~الغارق في مشاكل مراهقته إنه صار ms05 رجلا وسيحل في البيت محلك، ~~وعليه أن يتحمل مسئوليتنا، وطلبت منا طاعته. كان قلبي يصدق ~~كل كلمة تقولها ويتمنى أن تكون حقيقة لكن عقلي الصغير ظل ~~يرددها حتى كادت أن تخنقني «لقد هجرك للأبد»، كنت أردد لنفسي ~~لأطمئنها أنك لن تقدر على فراقي ولا بعدي عنك، لكنك قدرت. # مرت الأيام التالية كأسوأ ما يكون حيث غضب أخوالي لما فعلته ~~بأمي، وقرروا أن يجلسوا معك لتحصل أمي على كل حقوقها، فكان كل ما ~~يهمهم حقوقها المالية، وأن يعاقبوك على فعلتك حتى إن أحدهم قال: ~~«فليأخذ أولاده معه، ونأخذ أختنا معنا.» ورغم ضعف أمي وانكسارها ~~الشديد إلا أنها قالت بقوة وبحسم: «بل سأبقى مع أولادي في بيتي ~~ولن أتركهم، لكن عليه أن يتعهد بأن ينفق عليهم ولا يتخلى عن ~~مسئولياته.» # جئت لتحضر تلك الجلسة العاصفة، وكنت أظنك ستعتذر عما حدث ~~وتعود إلينا، لكنك عدت لتحقق لأمي وأخوالي كل مطالبهم، فأعطيت ~~أمي حقوقها كاملة وتعهدت بالإنفاق علينا وعليها لآخر لحظة في ~~حياتك، وأنك لن تتخلى عن مسئولياتنا أبدا. انتهت الجلسة العاصفة ~~وانصرف كل فرد لحياته، وبقينا نحن نلملم شتات أنفسنا التي تحطمت ~~على صخرة الرغبات، ولم يبال أحد بالشرخ الذي حدث في ~~نفوسنا. # في أول أسبوعين نفذت وعدك والتزمت بزيارتنا، ولكن بعد ذلك ~~تباعدت زيارتك حتى صارت مرة كل أسبوع ثم مرة كل عشرة أيام، ثم ~~صارت حسب هواك، وفي كل مرة كانت أمي تدخل حجرتها وتغلقها عليها ~~كأنها ترفض أن تراك أو حتى تسمع صوتك، ورغم عشقي لك إلا أني كنت ~~متعاطفة معها بشدة حيث كانت تدعي التماسك أمامنا وتقول لنا ~~إن الحياة لا بد أن تمضي بحلوها ومرها، لكنها كانت تبوح لوسادتها ~~فقط بدموعها. أنت أيضا تغيرت أكثر فأكثر، فلم تعد تأتي ~~لزيارتنا إلا نادرا إنما كنت تطلب منا أن نأتي لزيارتك في بيتك ~~الجديد، وكنت تصر على أن نلتقي بزوجتك ونحبها، حقا لم ~~نستطع أن نحب من سلبتنا أبانا لكننا كنا نعاملها باحترام ~~خاصة بعدما أنجبت منه إخوة لنا. # تغيرت ms06 أكثر وأكثر يا أبي عندما أنجبت أطفالا وصار لك ~~أبناء غيرنا، فكأن مشاعرك تجاهنا قد جفت، بل وتجمدت، فصرنا ~~بالنسبة لك مجرد مسئولية وأعباء مادية تؤديها على أكمل ~~وجه. # تغيرنا جميعا يا أبي بعد ذلك، وكنت أنت أول من تغير، فلم ~~أعد نهلة مدللتك وحبيبتك وكاتمة أسرارك، إنما صرت أحد القيود ~~المطوقة لرقبتك، لم تعد لديك تلك اللهفة ولم أعد أرى تلك ~~الابتسامة الحنون، إنما تبدلت بنظرة باهتة فاقدة لكل المشاعر ~~التي كانت بيننا، لم تعد تسعد برؤيتي ولا تتلهف على ضمي ~~وتقبيلي كما كنت دائما، إنما صرت تكتفي بالسلام باليد، حتى يداك ~~فقدتا دفئهما، ولم أعد أشعر بهما كما كنت من قبل. # أنا أيضا تغيرت كثيرا؛ فقد عرفت الحزن ومرارة الفقد في سن ~~صغيرة ومزقت قلبي الصغير الآلام، كنت أتألم في بعدك وغيابك ~~عني، كنت أفتقد حبك واهتمامك وتدليلك لي، كنت أشعر أنك يوم ~~هجرتني نزعت السعادة من حياتي وتركت لي فقط الأحزان، سلبت روحي من ~~جسدي وتركتني جسدا يدعي أنه يحيا حتى إنني في الثامنة من عمري ~~كنت أدعو الله أن أموت، فأنا لم أعد أحب تلك الحياة، وظلت تلك ~~دعوتي، ويبدو أن الله استجاب لي أخيرا. تغيرت يا أبي وصرت ~~أتحكم في لهفتي ومشاعري؛ فلم أعد أجري تجاهك لأحتضنك وأقبلك ~~لأنك ستقابلني بصد وجفاء وتقول لي: «لقد كبرتي على ذلك.» ومن ~~قال إن الفتاة تكبر على حبها واحتياجها لأبيها؟ من قال لك يا ~~أبي إن المشاعر لها عمر؟ هل كانت تلك حجتك لتبرر جفاف مشاعرك ~~تجاهي؟ أم إنك لم تعد تحبني؟ تعلمت من يومها ألا أتسول الحب ~~وألا أبوح بمشاعري لأحد، تعلمت أن كتمان الحب والحزن صيانة ~~لكرامة المرء. تغيرت يا أبي لكني يوما لم أستطع التغلب على ~~ذلك الحنين الذي طالما أرقني وآلمني، ولم أجد يوما إجابة على ~~سؤالي لم هجرتني؟ # أمي أيضا تغيرت؛ فقد تغلبت على أحزانها وقررت أن تتأقلم ~~مع وضعها الجديد كمطلقة عليها أن تقوم بتربية ثلاثة أطفال ~~بمفردها، حقا أنك لم تقصر ms07 ماديا في طلباتنا واحتياجاتنا، بل ~~كنت تجعلنا نعيش في مستوى مادي أعلى من كل من حولنا، لكن ~~حمل أمي كان ثقيلا جدا؛ فهي تحمل عبء شاب في سن المراهقة ~~وفتاة على أعتاب المراهقة وطفلة صغيرة، فكان عليها أن تكون أما ~~وأبا في آن واحد، كان عليها أن تواجه كلام الناس وسوء ظنونهم ~~بمفردها. لقد واجهت - كما فهمت عندما كبرت - طمع الطامعين في ~~جمالها وشبابها حيث كانت في بداية الأربعينيات من عمرها، وصدمها ~~تخلي بعض الجارات والصديقات عنها خوفا على أزواجهن منها؛ لأن ~~المطلقة في نظر المجتمع امرأة تبحث عن تعويض في رجل آخر. # أكثر ما أعجبني في أمي أنها صارت أقوى ولم تبال بكلام الناس ~~وقررت أن تعيش الباقي من عمرها كما يحلو لها ما دامت لا تغضب ~~الله؛ فكنا نخرج معها للسينما أحيانا ونسافر المصيف ونذهب لزيارة ~~أقاربها، في حين انقطع عنا بعض أقاربك وكأن قرابتنا تنتهي ~~بغيابك، لم تهتم أمي بأحد، بل كان كل اهتمامها بسعادتنا ~~وسعادتها فقط. تغيرت أمي، فبعد أن كانت تدور في فلكك لعدة سنوات ~~تحررت من جاذبيتك التي استنزفت أجمل سنوات عمرها لتتركها بحجة ~~أنها كبرت ولم تعد تلبي مطالبك، تحررت منك وعاشت حياتها لا ~~تدور في فلك أحد إنما صار لها فلكها الخاص بها. # تغلبت أمي على أحزانها وصرت بالنسبة لها مجرد ذكرى حب ~~مؤلمة لا تريد أن تتوقف عندها، وعرض عليها الكثيرون الزواج، ~~لكنها لم توافق لأنها رفضت أن تكون زوجة ثانية وتذيق امرأة لا ~~ذنب لها مرارة ما ذاقته هي، وكانت تبرر رفضها ضاحكة وتقول: ~~«من تلك البلهاء التي تأتيها الحرية على طبق من فضة وتفرط ~~فيها بسهولة وتعود لتقيد نفسها بسلاسل رجل آخر؟ حريتي لن ~~أفرط فيها.» # وتغير أخي سليم أيضا يا أبي، فقد كان مجرد مراهق يعيش حياته ~~ولا يحمل لها هما، فجئت أنت في لحظة واحدة فهدمت المعبد على ~~رأسه وأمرته أن يكون أبا لأخواته البنات، وأن يكون مسئولا عنهن ~~وهو لم يكن حتى مسئولا عن نفسه، تخليت ms08 أنت عن مسئولياتك ~~المعنوية التي اخترتها بإرادتك وحملتها فوق كتفي أخي الهزيلتين ~~فكان حملا ينوء به الأقوياء فما بالك بشاب مراهق؟! في أول ~~عامين كان يتخبط ولا يعرف ماذا يفعل ولا كيف يؤدي دوره، ثم بعد ~~ذلك تحمل العبء كاملا وما زال يحمله حتى الآن، أنضجته الهموم ~~والمسئولية قبل أوانه، فكنت أرى في عينيه مسحة حزن، وكلمات ~~مكبوتة في صدره لا يبوح بها لأحد، لكني كنت أرى نظرة عطف وحب ~~لنا، وكان حقا يبذل كل جهده ليعوضنا غيابك، لكن من يعوضه هو ~~غيابك؟ لقد تركته يتخبط في هذا العالم بمفرده. # تغيرت أيضا أختي سلوى؛ فتلك الفتاة اللبقة الذكية صارت ~~متمردة على كل شيء وتفعل ما يحلو لها وهي تعرف أن أحدا لن ~~يعاقبها، وكانت تتعمد مشاكسة أمي كأنها تعاقبها لأنها سبب ~~تركك لنا، وكانت تفعل كل ما هو ممنوع ومرفوض، ربما لتجذب ~~الانتباه أو ربما لتقول للجميع أنا لم أعد أبالي بكم كما لم ~~تبالوا بي، كان تمردها مزعجا لأمي كثيرا وتسبب في العديد من ~~المشاكل والعداوة بينها وبين أخي الذي كان يرى نفسه مسئولا عنها ~~وعليه تقويمها، وكانت ترى أنه مثلها ولا يحق له أن يمارس أية ~~سلطات عليها، فكان البيت في فترة مراهقتها التي طالت مشتعلا ~~دائما والكل منشغل بها. # تغيرنا كلنا بعد هجرك لنا، ولم نعد كما كنا من قبل؛ فهناك ~~أحداث تمر في حياة الإنسان تكون بمثابة ميلاد جديد له، ~~وأحداث تكون بمثابة انقلاب فتغير كل حياتنا، وأحداث تكون ~~كالزلزال تهدم كل ما قبلها ليبنى من جديد. فكان هجرك لنا ~~مزيجا من كل هذا، فتغيرت أنت كما تغيرنا، تغيرت شخصياتنا ~~بتغير مسار حياتنا، وتغيرت مشاعرنا وأفكارنا، حتى ملامحنا ~~تغيرت، فقد صارت أقسى، فما اكتسبناه جميعا أن نضع قناعا صلبا ~~على وجوهنا حتى لا يعرف الآخرون ما نكابد من آلام، فلا نريد شماتة ~~ولا شفقة من أحد، وكذلك أحطنا قلوبنا بأسوار وحصون حتى لا يسهل ~~الدخول لها، فلن نسمح لأحد مرة أخرى أن يحطمنا كما فعلت أنت ms09 ~~بقلوبنا الخضراء التي كانت مجرد براعم تتفتح على الحياة، ~~فدهستها بقدميك ومضيت في طريقك. # تغيرنا جميعا يا أبي وتغيرت أنت معنا، فلم تعد بعد أن ~~هجرتنا سعيدا مبتهجا كما كنت معنا، فقدت روحك شيئا ما، ~~وفقدت عيناك لمعتهما، وفقدت ابتسامتك الحنون التي كانت ~~تبهجني، لكن يبدو يا أبي أن الفقد قدرنا وعلينا أن نرضى به ~~ونتعايش معه، وقد علمنا أن نكون أقوياء. # الفقد يا أبي إحساس قاتل للقلوب حقا، وخاصة فقد الأب ~~فعندما نفقده بالموت يكون قاسيا، لكننا نظل نحلم لو كان حيا ~~لفعل كذا وكذا من أجلنا، لكن الأشد قساوة فقد الأب وهو على قيد ~~الحياة، فهو يفعل الكثير من أجل الآخرين، لكنه لا يفعل إلا القليل ~~من أجل أبنائه، بل ويحرمهم من الكثير. # | مرارة التعود # تعودنا نعم يا أبي تعودنا غيابك كما يعتاد الإنسان على كل شيء ~~مؤلم أو مبهج في حياته فيفقد أثره في الوجع أو الفرح، مضت بنا ~~الحياة ولم تعد تؤلمنا تعليقات الناس السخيفة ولا ذمهم فيك ~~لهجرك إيانا، ولكن لأصدقك القول، كانت تؤلمنا ولكننا تعودنا حتى ~~أن نخفي آلامنا عن كل العيون. حل أخي محلك، فكان الأب والأخ ~~والصديق، وحاول بقدر استطاعته تعويضنا، وصارت أمي أقل حزنا ~~وأكثر بهجة عما قبل، أما أنا وأختي فكنا ككل أختين نتشاحن ~~ونتصافى ونعيش الحياة ببهجتها ونقتنص منها لحظات المرح؛ لنتزود بها ~~قبل أن تداهمنا لحظات الحزن مرة أخرى. هل تعلم ماذا فعل بنا ~~الاعتياد؟ جعل أي حزن أو مشكلة ينكسر على صخرة برودنا ولا ~~مبالاتنا، بل ونتغلب عليها بالسخرية، صرنا نحول كل مشاكلنا ~~وأحزاننا لموضوع مثير للسخرية ونظل نضحك أنا وإخوتي ولا نحمل ~~للدنيا هما، فماذا ستفعل بنا أكثر من انتزاعك منا، وسلب ~~راحتنا واستقرارنا؟ لا شيء. # تعودنا الغياب ومضينا في طريقنا، فاختار أخي طريق التجارة ~~مثلك من خلال دراسته في كلية التجارة، واخترته أنت ليعمل معك في ~~شركة المقاولات كموظف مثله مثل غيره حتى يعتمد على نفسه، فرفض ~~وفضل العمل في بنك ليستقل بنفسه بعيدا عنك ms10 . واختارت أختي دراسة ~~التاريخ لتعمل كمرشدة سياحية، حيث كانت تحلم بالسفر دائما ~~والتحليق بعيدا عن حياتنا لتخلق حياتها الخاصة بها بلا قيود ولا ~~تحكمات من أمي وأخي. # أما أنا فاخترت أن أكون متميزة في سلوكي وفي تعليمي من أجل أمي ~~حتى لا تسمع الكلمة المعتادة «المطلقة تفشل في تربية أبنائها ~~بمفردها بلا رجل»، أردت أن تفتخر بي أمي وألا يعيرها أحد ~~بتربيتنا، وفي أعماقي كانت هناك رغبتان تتصارعان؛ الأولى أن تفخر ~~بي أنت أيضا، والثانية أن تشعر بالندم على هجرك لي وأنك لم تكن ~~معي وأنا أحقق نجاحي. # حتى زوجتك اعتدنا عليها ولم نعد نكرهها كما كنا من قبل، ~~اعتدنا وجودها في حياتنا كأمر واقع لم يعد يزعجنا، خاصة بعد ~~أن أنجبت إخوتنا الصغار، كما أنك لم تعد تأتي لزيارتنا وصار ~~علينا أن نلتقي بك في بيتها، وأن نحكي كل ما يخصنا في حضورها، ~~فكنا نحكي الضروري فقط، ونحجب عنك باقي تفاصيل حياتنا التي لم ~~تعد تهمك في شيء، ولم تعد تريد سماعها. اعتدنا عليها ~~واعتدنا على الصغار الذين أحببناهم بالفطرة لأنهم دمنا وشركاؤنا ~~فيك، لأنهم لا ناقة لهم ولا جمل في كل الأحداث، لأنهم مثلنا مفعول ~~بهم، أحببنا الصغار وخاصة الطفلة الوسطى بين الولدين لأن حقها ~~كان مهضوما بين الكبير الذي تفضله لأنه يشبهك وبين الصغير الذي ~~تغدق عليه أمه بتدليلها، فكانت تلك الطفلة تشبهنا، فهي تائهة ~~مثلنا لا تدري لمن تنتمي ومن يبالي بها، فكنت أشفق عليها بل ~~وأحبها لأنها جميلة وبريئة جدا، حتى هي اعتادت على الإهمال ~~والتجاهل، ألم أقل لك يا أبي إن كل الأحزان تخف وطأتها مع ~~التعود؛ فهو قادر على التغلب على الآلام والأفراح وحتى المشاعر، ~~فكل شيء بالتعود يفقد أثره. # وأنت يا أبي اعتدت أن ترانا في أول كل شهر عندما نحضر إليك ~~لنأخذ مصروفاتنا الشهرية، فاعتدت غيابنا، واعتدت تجاهل كل شيء ~~عنا، ولم تعد تبالي سوى بنجاحنا الدراسي فقط وكأنك تدفع المال ~~مقابل النجاح، واعتدت على برود مشاعرك تجاهنا وبرود مشاعرنا أيضا ms11 ، ~~اعتدت على الغياب فلم تعد تسأل عن أحوالنا، ولم تعد تبالي من ~~حضر ومن غاب، اعتدت أيضا أننا مجرد عبء عليك تحمله فقط بلا ~~مشاعر وبلا اهتمام حقيقي، كنا فقط حاضرين في كل المناسبات العائلية ~~لتثبت للجميع أنك لا تقصر في حقنا. # كان التعود في البداية بالنسبة لي صعبا جدا ومؤلما، لكن مع ~~تكرار المواقف تعودت، لكني أيضا تعودت كتمان مشاعري ومخاوفي، بل ~~وأحلامي، كنت أحتفظ بكل ذلك لنفسي ولا أشارك به أحدا. أنا أيضا ~~اعتدت أن صحبة الكتب أفضل من صحبة البشر، لكن ليس معنى هذا أني ~~لم يكن لي صديقات، بل كان لي من الجيران ومن الأقارب، وكذلك من ~~سنوات الدراسة، وكن كلهن يحسدنني على غيابك، وأني ليس لي من ~~يتحكم في خروجي أو ملابسي أو أصدقائي مثلهن، بل ويحسدنني على ~~المال الذي تغدقنا به، فكانت إجابتي دائما: «خذوا المال والحرية ~~وأعيدوا لي أبي أو أعطوني والد إحداكن.» في البداية كانت تغضبني ~~تلك المزحات، لكني اعتدت عليها أيضا، بل كنت أضيف ساخرة ~~لصديقاتي: «سأتزوج والدك وأصبح زوجة أب وأعذبك.» فكنا نضحك ~~جميعا. كما كانت صديقاتي يحسدنني على جمالي وتميزي عنهن بالعيون ~~الزرقاء، لكني اعتدت على ذلك الجمال الذي أطالعه كل يوم في ~~المرآة ولم أجده فاتنا كما كانوا يقولون، لكن من حولي كانوا يرون ~~تميزي في جمالي وثراؤك فقط، فقررت أن أجعل تميزي في نجاحي لا ~~في شكلي، فجمال الشكل يفقد أثره بالتعود - ككل شيء - لكن النجاح ~~يدفع للمزيد من النجاح. # قررت أن أتغاضى عن كل رغبات المراهقة الجامحة في أن ألفت ~~انتباه الشباب وأن أكون محبوبة - رغم أني كنت أتوق لذلك، لكن في ~~الوقت المناسب - وأن أهتم بدراستي لأحقق نجاحا لم يحققه أحد، ~~فكنت أكرس وقتي للدراسة والقراءة، فالعلم والاطلاع هما من يخلقان ~~الإنسان الناجح ويدعمان ذلك النجاح، وكل هذا يحتاج لإرادة قوية. ~~في رحلتي نحو النجاح اعتدت على تعليقات زميلاتي وقريباتي بأني ~~معقدة أحيانا ومغرورة أحيانا، كما اعتدت على تعليقات ~~الكثيرين بأني جادة جدا في نمط ms12 حياتي، وحادة جدا في ~~التعامل مع الجنس الآخر. حقا كنت معقدة إلى حد ما، لا أستطيع ~~إنكار ذلك، فكان إحساسي بأني مهجورة يتغلب علي كثيرا، لكني ~~لم أكن يوما مغرورة إنما كنت منغلقة على ذاتي لا أبوح بمكنون ~~نفسي سوى لوريقاتي، فهي الوحيدة التي أثق أنها لن تفشي أسراري أو ~~تسخر مني، ولن تستطيع هجري كما فعلت أنت، وكما فعلت صديقة ~~الطفولة التي كنت أشاركها آمالي وأحلامي وأحزاني، وكنت أظنها ~~نصفي الآخر حتى أفقت على واقع مرير، أنها كانت تستغلني وتدعي ~~حبي والإنصات لي والاهتمام بي؛ لتنفذ إلى عالمنا وتستمتع ~~بثرائنا فتقترض ملابسي وأدوات الزينة والحلي الذهبية التي كنت ~~أملكها لتبدو في وضع اجتماعي مخالف لحقيقة وضعها، وظهرت ~~حقيقتها أمامي عندما رفض أحد جيراننا حبها مصرحا لها أنه ~~يحبني أنا ويريدها أن تقرب بيننا، فحكت له عني وعن أسرتي ~~أكاذيب لتجعله يكرهني؛ ولتشوه صورتي في نظره، ولم أعلم بذلك ~~شيئا إلا عندما حكت إحدى الجارات لأمي عن الأكاذيب التي ~~تروجها صديقتي عني وعن أسرتنا، فلم أصدق وواجهتها، فقالت ~~بمنتهى الغل: «أنت تملكين كل شيء، المال والجمال والمستوى ~~الاجتماعي، والكل يراك جديرة بالحب والاحترام، لكن لا أحد يراني، ~~ولا أحد يهتم بي، لماذا؟ لماذا تحظين بكل شيء ولا أحظى بشيء؟ ~~لماذا يحبك الجميع رغم أنك لا تتحدثين مع أحد، بينما يرفضونني ~~أنا الاجتماعية اللبقة الأكثر ذكاء منك؟ أنا من أستحق كل شيء ~~وأنت لا تستحقين شيئا؛ لذا هجرك أبوك لأنك لا تستحقين الحب.» كانت ~~كلماتها الضربة القاضية التي أتت على قلبي ومزقته إربا بعد أن ~~قضيت سنوات ألملمه، فلفظتها من حياتي للأبد، ولم أقبل اعتذاراتها ~~المتتالية ولا وساطة من وسطتهم بيننا، وبنيت حول قلبي ألف جدار ~~وأغلقت عليه بألف مفتاح لأحميه من الألم. # لقد اعتدت كل شيء في حياتي يا أبي، لكني لم أستطع التعود ~~لا على الغدر ولا على الهجر أبدا، فكلاهما كان يقتلني ألف مرة ~~ويمزق نياط قلبي. لكني اعتدت الوحدة بسهولة، بل فرضتها على قلبي ~~بسهولة، فكان لي ms13 العديد من الزميلات، لكني لم أسمح لأي شخص أن ~~يحتل مساحة خاصة في قلبي حتى لا يتمكن من جرحه بسهولة، فجراح ~~الغرباء تلتئم بسهولة، لكن جراح الأحبة لا تلتئم أبدا لأنهم ~~يعلمون كيف يقتلوننا بدم بارد. # اعتدت أيضا أن أتحمل سخافات الناس بلا مبالاة؛ فكثير من ~~الناس قد يجرحك بكلامه بدون قصد أو متعمدا، وهو لا يعلم ما ~~تفعله الكلمات في القلوب وأظل أفكر كثيرا هل أبادله جرحا بجرح ~~وألما بألم؟ في البداية كنت أفعل ذلك لكني لم أكن أشعر ~~بالارتياح؛ لذا قررت أن أسلك الطريق الأصعب وهو كظم الغيظ ~~ومقابلة سخافات الناس بابتسامة باهتة أو بتجاهل، وخاصة تلك ~~الملاحظات التي تتعلق بك وبتركك لنا وبعدك عنا، حتى ألم تلك ~~الملاحظات اعتدت عليه، لكني كنت دائما أتساءل ماذا يفيد الناس من ~~تدخلهم في حياة الآخرين؟ وهل يستمتعون بإيذائهم؟ # كما سبق أن قلت لك يا أبي إني اعتدت الوحدة، لكن هل تعلم أني لم ~~أكن أبدا وحيدة، فقد علمتني الوحدة وآلام الحياة أن أكون في ~~معية الله فاقتربت منه كثيرا بالصلاة والصيام وقراءة القرآن ~~ساعدتني أمي على ذلك بالقول والفعل، فقد استطاعت التغلب على آلامها ~~باللجوء لله، وأكملت مشوارها الثقيل وحدها وهي مستعينة به وحده، ~~تعلمت من أمي أن ألجأ في كل أحوالي لله وحده. لم تكن وحدتي سوى ~~لجوء إليه أو تعبد وتأمل في ملكوته، فكنت أعشق وحدتي لأني أبوح ~~له وحده بما في قلبي وأطلب منه وحده العون والهداية، فأحببت وحدتي ~~كثيرا. # حتى في قربي من الله لم أسلم من تدخل الناس بل وسخريتهم، ~~فأطلقوا علي لقب «ست الشيخة»، فلم أغضب من اللقب بل أحببته ~~واعتدت عليه، وكنت أدعو الله دائما أن يثبتني ويهديني. # ألم أقل لك إن للتعود تأثير السحر على كل الأشياء، وله القدرة ~~على أن يفقدها قيمتها؟! # | وتمضي الحياة # نعم يا أبي تمضي الحياة بحلوها ومرها، بإرادتنا أو رغما عنا ~~ستمضي وقد مضت حياتنا وكانت فيها لحظات فرح كثيرة، كلحظة تخرج ~~أخي الذي أصررت أن يعمل ms14 معك ثم اختلفتما بعد فترة وترك العمل معك ~~في شركتك وعمل كمحاسب في بنك. وكانت هناك لحظة فرح أخرى وهي ~~تخرج سلوى من الجامعة بعد عدة سنوات رسوب، ولكنها أخيرا تخرجت ~~ففرحت أمي بذلك كثيرا، لكن سرعان ما تبددت تلك الفرحة بسبب رغبة ~~سلوى بالعمل كمرشدة سياحية ورفض أمي الشديد لذلك ومع إصرار سلوى ~~احتدم الخلاف بينهما وتفاقمت المشكلة فلجأت أمي إليك لأول مرة، ~~فقلت لها: خليها تشتغل في المجال اللي هي عايزاه وسيبيها تشوف ~~الدنيا وتتعلم، أنا واثق في تربيتي لبنتي. # فقالت أمي بسخرية: تربيتك؟! ~~- أقصد تربيتك لها، وأنا عارف أخلاق بنتي، سيبيها ومتخافيش ~~عليها، مش البنت اللي مقفول عليها هي اللي لازم تبقى محترمة، ~~بالعكس البنت اللي متربية كويس وعندها ثقة في نفسها مهما عاشت ~~بطريقة منفتحة هي بس اللي تقدر تحافظ على نفسها أو تفرط فيها، ~~وممكن البنت المقفول عليها تعمل بلاوي ومحدش داري بيها. ~~- اتفقنا هاسيبها تشتغل مرشدة بس على مسئوليتك. ~~- موافق. # وبالطبع تحملت أمي وحدها المسئولية والقلق كعادتها، لكن ما ~~طمأنها قليلا أن سلوى أثبتت جدارتها في فترة قليلة. # كانت هناك لحظاتي الخاصة التي اعتدت غيابك عنها، لكني كنت أتمنى ~~أن تشاركني فيها بقلبك لا بمالك، مثل لحظة نجاحي بتفوق في ~~الثانوية العامة ومكافأتك المالية السخية، لكنها لم تسعدني كما ~~أسعدتني فرحة أمي واحتفال إخوتي والأقارب والجيران بي، وكلحظة ~~تخرجي من كلية الألسن في قسم اللغة الإنجليزية بتقدير جيد جدا ~~التي قابلتها بمنتهى الجمود وكأنني شخص غريب عنك. كنت غائبا ~~بقلبك عن لحظات سعادتي، لكن ذلك لم يمنعني من الشعور بالسعادة مع ~~أمي وإخوتي. # كما اختارت سلوى وسليم طريقهما اخترت أنا أيضا طريقي، فعملت في ~~إحدى الشركات الكبرى للترجمة براتب ضخم، ولكنه كان عملا ~~منهكا للغاية ولم أهتم بتعبه بقدر ما اهتممت بتحقيق النجاح ~~وإثبات كفاءتي. كان مجتمع العمل جديدا علي يختلف عن الجامعة ~~تماما؛ فالكل هنا يتعامل بلا حدود في الضحك وتبادل الأخبار ~~والأسرار الشخصية؛ لذا فقد كنت شخصية غريبة عنهم؛ فأنا دائما ~~صامتة ms15 لا أتكلم إلا في حدود العمل فقط، فلم يكن لي أصدقاء، والكل ~~يتجنبني حتى زملائي وزميلاتي في المكتب، كنت معتادة على الوحدة ~~فلم أهتم بتجنبهم لي. # حتى ظهر هو، عصام ذلك الشاب الجريء، أو كما يسمونه بالشركة ~~الدنجوان بسبب تعدد علاقته بالفتيات وسهولة وقوعهن في حبه؛ ~~لأنه يجيد التلاعب بقلوبهن كما يجيد الكلام المعسول، ولأنه أيضا ~~وسيم بقامته الطويلة وقوامه المعتدل وبشرته الخمرية وعيونه العسلية ~~الواسعة وابتسامته الساحرة. لم أكن أعلم أن عصام دخل في تحد مع ~~الجميع أني لن أصمد أمامه، ولكنه دخل المكتب وجلس على طرف مكتبي ~~يحمل وردة حمراء وقال بهمس: صباح الورد على أجمل وردة في ~~الشركة. ~~- أفندم؟ إنت إزاي تتكلم معايا بالطريقة دي؟ ومين سمحلك تقعد على ~~مكتبي؟ اتفضل قوم ماتعطلنيش. ~~- بس بالراحة أنا جاي أصبح على الزميلة الجديدة وأعرفك ~~بنفسي. ~~- مش عايزة أتعرف ولا بحب أصبح على حد، عن إذنك بقى! ~~- يا ساتر يا رب إيه دا كله؟ معقولة الجمال دا كله يطلع منه ~~العنف دا؟! ~~- اسمع يا أستاذ، واضح إنك فاضي وأنا مش فاضية لك، ممكن تبعد عن ~~مكتبي عشان أشوف شغلي؟ ~~- واضح إنك هتتعبيني معاكي. ~~- واضح إنك ما بتفهمش عربي! أنا دلوقتي باتكلم بذوق، بعد كده ~~هاروح أشتكيك للمدير! ~~- لأ على إيه، أنا ماشي بس راجع تاني. # لم أجبه أو ألتفت إليه؛ فقد قابلت أمثاله كثيرا في الجامعة، ~~ولكنهم سرعان ما يملون مني ويتركونني لحالي، فبرغم رغبتي ~~الشديدة في حب يحتويني ويعوضني غيابك إلا أنني كنت مرعوبة من ~~فكرة الهجر والغدر مرة أخرى؛ لذا فضلت أن أغلق على قلبي بألف ~~مفتاح حتى لا يتعرض لآلام لا قبل له بها، وحتى لا يتمكن أحد ~~من طعنه في الصميم، فضلت الحرمان من الحب على عذاب الغدر ~~والهجر. # لم ييأس عصام مني، إنما كان يحاول بشتى الطرق تجاذب الحديث ~~معي، ولم يفلح، فكنت أصده كل مرة، ولكني أتعجب من إصراره على ~~التعرف بي، وقلت لنفسي ربما أراد أن يثبت للجميع أنه لا توجد ~~الفتاة التي ms16 تصده، ورغم أن ملاحقته لي أرضت غروري الأنثوي إلا أني ~~لم أغير موقفي تجاهه. # ذات يوم دخل عصام فوجدني أتحدث مع أحمد زميلي بالمكتب، ذاك ~~الشاب الخجول الذي يكبرني بعامين وتحمر وجنته كلما تناقشنا في ~~موضوعات العمل بمفردنا أو كلما تلاقت نظراتنا، كانت ملامحه بريئة ~~وتحمل طيبة تريح القلب؛ فبشرته بيضاء، وشعره بني، وعيناه ~~لوزيتان، لم أكن أتجنبه كالباقين؛ لأنه كان مهذبا ولم يحاول ~~الحديث معي خارج نطاق العمل، ولم يتجاوز في الحديث أبدا؛ لذا كنت ~~مندمجة معه في حديث بخصوص العمل، وعندما رآنا عصام قال بسخرية: ~~ما الليدي نهلة أهي بتتكلم مع زمايلها بلطف! أمال معايا عاملة ~~فيها الشاويش عطية ليه؟! # لم أجبه ولم أعره اهتماما، فقال أحمد غاضبا: عيب يا عصام! ~~الآنسة نهلة محترمة ومش زي اللي إنت تعرفهم. ~~- هو أنا قلت حاجة؟ أنا بس عايز أتعرف عشان أغير نمط الناس ~~اللي أعرفهم، ولا إيه رأيك يا آنسة؟ # فقلت بغضب: هو احنا مش هنخلص من موال كل يوم دا؟ ~~- اشمعنى أحمد؟ ~~- لأنه محترم وبيتكلم في حدود الشغل وبس. ~~- قصدك إني مش محترم؟ ~~- افهمها زي ما أنت عايز! ~~- دي آخر مرة هتشوفي وشي أو هاكلمك فيها. # خرج غاضبا وظننته سيعود ككل مرة، لكنه فعلا انقطع عن المكتب، ~~لا أعلم لم شعرت بالضيق، يبدو أني اعتدت على مشاكساته واهتمامه بي ~~الذي كان يسعدني، لكني لم أفكر في تغيير موقفي أو حتى ~~الاعتذار له. وسألتني لبنى زميلتي بفضول: صحيح إنتي طردتي عصام ~~وهزأتيه؟ ~~- لبنى كبري دماغك وسيبيني أشتغل. ~~- يا بنتي دا خبر الموسم في الشركة نهلة اللي طرقعت للدنجوان، ~~عملتيها ازاي يا جبارة! دا كل البنات بتتمنى رضاه ونظرة بس ~~منه. ~~- لأنهم هايفين، أنا لا شايفاه دنجوان ولا حاجة، دا بهلوان ~~بيتنطط في كل حتة شوية وبيضحك على كل بنت بكلمتين، ودي واضحة ~~جدا، دا عمره ما حب حد غير نفسه وبس. ~~- لأ دا انتي باين عليكي مش سهلة، وأنا اللي كنت فاكراكي عبيطة، ~~دا أنا لازم أتعلم منك. ~~- يبقى هتفضلي ms17 خايبة وقاعدة جنبي. ~~- طبعا هافضل جنبك، يمكن يجي ويشوفني ويتكلم معايا وأنول ~~رضاه. ~~- هبلة. # غاب عصام وشعرت بفراغ، وأصبحت حياتي روتينية مرة أخرى، وقلت ~~لنفسي: «أفيقي من أوهامك، أنت مجرد دمية جديدة لم يلعب بمثلها من ~~قبل ويريدها بشدة، وبعد فترة سيملها.» # ذات يوم أثناء انتهاء عملي وقبل توجهي لركوب أتوبيس الشركة ~~سمعت صوتا يناديني. ~~- نهلة. # التفت فوجدته أكمل أخي الأصغر - من زوجة أبي - فدهشت لأنه لم ~~تكن بيننا صلات قوية، بل علاقة رسمية ليس أكثر، حيث ربتهم ~~أمهم على أننا أعداؤهم الذين نتربص بهم لننقض على مال أبي ~~ونحرمهم منه؛ لذا تعجبت كيف عرف مكان عملي ولم جاء، فذهبت إليه ~~ملهوفة وقلت: أكمل؟ فيه إيه؟ بابا كويس؟ ~~- أه متخافيش. ~~- أمال جاي ليه؟ ~~- عايزك في موضوع مهم. ~~- بس الأتوبيس هيفوتني والمكان هنا مقطوع. ~~- تعالي معايا عربيتي هاوصلك وندردش في السكة. ~~- أكمل طريقي غير طريقك، خليني أروح ونبقى نتكلم في التليفون، ~~هات رقمك. # فجذبني من يدي بقوة وقال: يالا يا بنتي اركبي بلاش رغي كتير، ~~دا كلام ما ينفعش في تليفونات، أمال أنا جاي ليه كل المشوار ~~دا؟ # في تلك الأثناء رآه عصام وهو يجذبني من يدي فقال بحدة: فيه إيه، ~~بتشدها كده ليه، وانت مين؟ # ذهلت من دفاع عصام عني فقلت له: مافيش حاجة يا أستاذ عصام، دا ~~أكمل أخويا وجاي ياخدني. ~~- أنا آسف يا أستاذ أكمل، افتكرتك حد بيضايقها. # فقال أكمل ببرود: وانت بقى البودي جارد بتاعها؟ # فقلت بحدة: أكمل كفاية ... أنا متشكرة لاهتمامك يا أستاذ عصام، عن ~~إذنك. # ركبت مع أكمل سيارته والذي انطلق بسرعة جنونية، فقلت له بخوف: ~~هدي السرعة شوية، هنعمل حادثة. # فنظر إلي وقال: إنتي عارفة أبوكي عايز يعمل إيه؟ ~~- لا، خير؟! ~~- عايز يوزع الورث علينا وهو عايش. ~~- وإيه اللي خلاه يفكر في كده؟ ~~- خايف حد مننا يظلم التاني، وطبعا الحد دا انتم. ~~- إحنا مين؟ ~~- إنتي واخواتك. ~~- واخواتي دول مش اخواتك؟ ~~- سيبك من كل دا، إنت إيه رأيك؟ ~~- رأيي لا هيودي ولا يجيب، أبوك بيعمل ms18 اللي في دماغه من غير ما ~~يسمع كلام حد. ~~- يبقى فعلا انتي واخواتك اللي ورا الفكرة دي، عايزين تقشطوا ~~الراجل وتاخدوا كل حاجة وتسيبوا لنا ملاليم. ~~- المفروض إن انتم اللي عايشين معاه، يعني أقرب له مننا، وانت ~~كمان دراعه اليمين في الشغل، يعني اللي عارف كل أسراره، يبقى مين ~~يخاف من مين؟ ~~- لا يا حلوة، سليم هو كاتم أسراره ومستشاره مش أنا، رغم إنه مش ~~بيشتغل معاه، وهو أكيد اللي ورا الفكرة دي. ~~- والمطلوب مني؟ ~~- تخلي سليم يكلم أبوكي يلغي الفكرة دي ويسيب الورث يتقسم ~~شرعي. # نظرت إلى ملامحه القاسية حقا هو نسخة من أبي لكنه لا يشبهه ~~في الطباع إنما هو قاسي القلب وجاف في كلامه دائما، عيونه تشع ~~بالكراهية للكل وخاصة أنا وإخوتي رغم أنه يملك ما لم نملكه يوما؛ ~~فسليم عانى حتى ادخر ثمن أول سيارة وكانت مستعملة، أما أكمل ~~فيركب سيارة حديثة فخمة، يا للبشر لا يرضون بعطاء الله مهما نالوا ~~منه، أفقت على صوت أكمل يقول بحدة: قلتي إيه؟ ~~- حاضر هاكلمه. # أوقف السيارة بشكل مفاجئ وقال بلا مبالاة: يالا انزلي. # نظرت حولي وقلت بذعر: أنزل فين؟ دي حتة مقطوعة! وصلني لأي مكان ~~فيه مواصلات. ~~- مش فاضي، انزلي أنا افتكرت مشوار وهالف وأرجع له. # فتحت الباب ودموعي تنحدر على وجنتي، وبمجرد نزولي انطلق مسرعا ~~ولم يبال بي، نظرت حولي فوجدت الطريق خاليا من البشر والسيارات، ~~والشمس تقترب من المغيب، فمسحت دموعي ومشيت وأنا أدعو الله أن ~~يسترني. بعد عدة دقائق سمعت صوت سيارة تتوقف بجواري فشعرت بالرعب ~~وأسرعت في السير حتى سمعت صوته. ~~- آنسة نهلة. # التفت فوجدته عصام، فشعرت براحة، فقال متعجبا: ماشية لوحدك ~~ليه؟ فين أخوكي؟ ~~- اتخانقت معاه وسبته ونزلت. ~~- طيب تعالي أوصلك. # ترددت قليلا ولكنه قال: ماتخافيش، بس الطريق هنا مقطوع خطر ~~عليكي، والدنيا قربت تليل. # ركبت معه وأنا خائفة فقال ضاحكا: حتى أخوكي ما رحمتيهوش؟ حد ~~ينزل في حتة مقطوعة زي دي؟ طب استحمليه لحد ما توصلي لحتة ~~أمان. # لم أستطع أن أقول ms19 له إن أخي تخلى عني ولم يهتم بما يحدث ~~لي، فلاحظ سكوتي والدموع المتجمعة في عيني فقال: على فكرة، فيه ~~رحلة تبع الشركة الجمعة الجاية للإسماعيلية، تحبي تيجي؟ أنا اللي ~~منظم الرحلة، لو فكرتي تيجي قوليلي، ولو حابة تجيبي حد معاكي مافيش ~~مشكلة. ~~- ماشي. ~~- ولا أنت ما بتحبيش الرحلات؟ ~~- لأ عادي باطلع مع إخواتي رحلات كتير. ~~- بس أكمل مش شكل رحلات خالص، دا شكل خناقات، ماتزعليش من ~~صراحتي. # ضحكت وقلت: لا، مش باطلع مع أكمل، باطلع مع إخواتي ~~الكبار. ~~- ويا ترى هم زيك ولا زي أكمل؟ ~~- لا، دول طرف تالت حاجة لوحدهم. # ضحك وقال: كده تمام، هاتيهم معاكي، دا لو قررتي تيجي. ~~- هافكر، أنا ممكن أنزل هنا وآخد المترو، متشكرة جدا على ذوقك ~~وتعبك. ~~- أنا ممكن أوصلك للبيت. ~~- متشكرة جدا ماتتعبش نفسك. ~~- مافيش تعب ولا حاجة. ~~- هنا مناسب عن إذنك. ~~- آنسة نهلة، احنا بدأنا تعارفنا بطريقة غلط، ممكن نعتبر ~~النهاردة بداية تعارف بيننا؟ ~~- ممكن، بشرط تعتبرني أخت وزميلة مش أكتر. ~~- ممكن زميلة، لكن أخت ما أوعدكيش. # ابتسمت وقلت: اتفقنا، بس لو ما التزمتش بوعدك هاقلب على الوش ~~التاني. ~~- لأ أرجوكي، أوعدك هالتزم. ~~- أشوفك على خير سلام. ~~- مش هتاخدي رقمي؟ عشان تبلغيني عن الرحلة. ~~- هابقى أقولك في الشغل، مش احنا زملا؟ # تركته وذهبت وأنا لا أعلم لم أشعر بالارتياح معه ولم أخف منه، ~~بل انطلقت معه في الكلام كما لم أفعل من قبل، طوال الطريق أتذكر ~~كلماته وابتسامته وحتى ملامحه، وفكرت هل أوافق على الذهاب معه ~~تلك الرحلة أم سيظن أنني كنت أمثل عليه حتى أجتذبه لي وأوقعه في ~~شباكي؟ شعرت بحيرة بين رغبتي في الذهاب وتغيير الجو والاندماج ~~أكثر مع الناس وبين خوفي من ظنون عصام ومن كلام الزملاء. # | الأفراح تدق بابنا # عدت للبيت فوجدت سليم يجلس مع أمي وسلوى يتحدثون، فقالت أمي: ~~اتأخرتي ليه؟ # فلم تمهلني سلوى حتى قالت بلهفتها المعتادة: سمعتي مفاجأة ~~الموسم؟ فاكرة الواد الطيار الغلس اللي كان هيخبطني بعربيته من شهر ~~لما كنا سوا وبهدلته؟ روحت ms20 أعمل اختبار عشان أشتغل مضيفة لقيته ~~في وشي، وطبعا سقطني في الامتحان عشان ينتقم مني، قوم إيه ~~ألاقيه كلم سليم عشان عايز يتقدم لي، شوفتي بجاحة أكتر من ~~كده؟ # ضحكت وقلت: دا وقع في شر أعماله. ~~- قصدك إيه؟ دا أنا قمر، هو يطول! بس فعلا هاطلع البلا على ~~جتته عشان يحرم يغلس علي. # ضحكنا كلنا وقلت لماما: ماما، أنا واقعة من الجوع عايزة ~~أكل. # فقامت أمي لتحضير الطعام وقالت سلوى: أنا هانزل أشتري فستان كان ~~عاجبني في المحل اللي على الناصية. # فقلت: واضح إن الطيار الغلس مش عاجبك. ~~- لا يا بطة، دا مش عشانه، دا عشان الفستان نزل سعره في ~~الأوكازيون، سلام. # قلت لسليم بصوت منخفض: أكمل جالي الشغل. ~~- ليه؟ ~~- حكيت له بصوت منخفض كل ما حدث، فقال غاضبا: الواطي يسيب ~~أخته في حتة مقطوعة ويمشي؟ الواد دا مش هيسترجل غير لما أضربه علقة ~~موت، ما عندوش دم دا؟ ما بيغيرش على لحمه ودمه؟ ~~- أنا مش باقولك عشان تتخانق معاه، أنا باقولك عشان موضوع ~~الورث. ~~- سيبيني أفكر بهدوء وأنا هاعرف أتصرف. ~~- وهتعمل إيه في عريس المجنونة دي؟ ~~- شكلها هترفضه. ~~- أقولك سر؟ أنا حاسة إنه عاجبها. ~~- دي مجنونة، حد عارف هي عايزة إيه؟ ولا حتى هي عارفة هي عايزة ~~إيه. ~~- ربنا يهديها ويسعدها، بس اسأل عنه أنت كويس وشوفه محترم ولا ~~لأ. ~~- طبعا. ~~- هتقول لبابا؟ ~~- لأ لما أشوفه وأتأكد إنه حد كويس، وبعدين مش يمكن يمشي زي اللي ~~قبله لما يعرف ظروفنا. # دخلت أمي أثناء ذلك فقالت بهدوء: اللي مش عاجباه ظروفنا يخبط ~~رأسه في الحيط ومايلزمناش، ناس متخلفة. # سكتنا وتناولت طعامي حتى عادت سلوى بصخبها، وعندما دخلنا غرفتنا ~~حكيت لها ما فعله بي أكمل، فظلت تكيل له الشتائم، فقلت لها: هو ~~مابيعتبرناش أخواته أصلا، عشان كده مش بيخاف علينا. ~~- عبيط ومش عارف يعني إيه أخوات يحبوه ويخافوا عليه، بس انتي ~~هبلة برضه إنك نزلتي، لو أنا كنت شتمته وبهدلته وكلمت أبويا وأخليه ~~يوصلني للبيت غصب عنه. ~~- صعبت علي نفسي أوي ms21 إن اللي المفروض يحميني هو اللي يفرط ~~في، وزميلي الغريب هو اللي يخاف علي. ~~- وإيه حكاية الشهامة المفاجأة دي؟ ~~- أبدا، واحد من زمايلي شافني ماشية في حتة مقطوعة فعرض يوصلني ~~مش أكتر. ~~- ما هي بتبدأ بالشهامة، خلي بالك يا بطة. # جاء طارق عريس سلوى في اليوم التالي فتزينت وجلست هادئة ~~وتتحدث بصوت منخفض مع أمه وأخته حتى ظنتا أنه اختار ملاكا، ~~فكانتا في قمة السعادة، وكنا جميعا نكتم ضحكاتنا حتى استأذن ~~طارق ليجلس معها بمفردهما فقال له سليم: تعالى نقعد أنا وإنت ~~لوحدنا الأول وبعد كده اقعد معاها. # خرج معه طارق وجلسا في الصالة، فحكى له سليم عن ظروفنا وقال له: ~~يا ترى ظروفنا هتناسبك؟ ~~- أه عادي، أنا والدي توفي وأنا عمري 6 سنين وأمي اللي ربتني أنا ~~وأختي ولا كان معانا لا خال ولا عم ولا أي حد، يعني ظروفنا ~~متشابهة. ~~- كده هاندهلك سلوى تتكلم معاها. # دخل سليم للصالون ونادى لسلوى لتجلس مع طارق فقالت بهمس: أنت إيه ~~اللي جابك؟ ~~- أيوه كده، أنا كنت خايف لا تكوني سخنة ولا عيانة وانتي عاملة ~~عاقلة؟ ~~- قصدك إني مجنونة؟ ~~- وهو جابني على ملا وشي غير الجنان دا؟ # احمرت وجنتا سلوى، لكنها سرعان ما تمالكت نفسها وقالت: أنا ~~لي شروط. ~~- وماله. ~~- عايزة أفضل أشتغل، وياريت لو تشغلني مضيفة معاك. ~~- طيب أنا عندي اقتراح، أنا طبعا معظم الوقت مسافر فما ينفعش ~~أنا وانتي نكون مش موجودين، مين هيربي العيال؟ أنا هاسيبك تشتغلي ~~لحد ما نخلف وتقعدي تربيهم، ولما يكبروا شوية ارجعي شغلك، لكن ~~مضيفة انسي، كدة العيال هيتربوا في ملجأ. ~~- بس أنا كان نفسي أسافر وأشوف الدنيا. ~~- بس كده! أوعدك هاخليكي تسافري وتتفسحي وتلفي العالم. ~~- إشطا. ~~- يعني اتفقنا. ~~- اتفقنا يا برنس. ~~- يا بنتي إنتي مرشدة سياحية ولا سواق توكتوك؟ ~~- تصدق بافكر أجرب مهنة سواق توكتوك دي، هاعمل مغامرات إنما ~~إيه! # دخلت لأقدم لهما العصير وقلت مبتسمة: أعتقد كفاية تعارف ~~كده. # فقالت سلوى: ليه بقى؟ # فقلت لها بهمس: عشان الجوازة تكمل. # فضحك طارق فقلت: عشان ms22 سليم عايز يتكلم معاكم. # دخلا للصالون وقال سليم: إحنا اتشرفنا بمعرفتكم يا طارق، إديني ~~مهلة لآخر الأسبوع وردي هيوصلك. ~~- أنا مسافر ومش هارجع غير يوم السبت. ~~- مافيش مشكلة، لما ترجع اتصل بي. ~~- طيب نستأذن إحنا. # فسلمنا عليهم وسمعته يقول لسلوى. ~~- أجيب لك إيه من إيطاليا؟ ~~- أيس كريم طبعا. ~~- أنا قلت دي مجنونة رسمي. # وافق سليم على طارق وحدد له موعدا لمقابلة أبي في مكتبه وذهب ~~معه سليم، فرحب أبي به وأعلن موافقته وتم تحديد الجمعة القادمة ~~لإعلان الخطبة، وأصرت سلوى على أن تقام الخطبة في أحد المراكب ~~العائمة، وحاولنا أن نعترض بأن من سيأتي متأخرا لن يحضر الخطوبة، ~~فقالت: اللي يتأخر يتفلق، أنا عايزة أتبسط بطريقتي. # وافقها طارق وشدد على الجميع بضرورة الحضور في الموعد المحدد، ~~وأقيم الحفل ولم تحضر يا أبي، وقلنا للجميع إنك تعرضت لوعكة ~~صحية؛ لذا لم تحضر أنت ولا إخوتي، كم شعرت بالألم من أجل سلوى، ~~فكل فتاة تحلم بأن يكون أبوها معها يشاركها فرحتها ويكون سندها ~~أمام الجميع، لكنك كالعادة تخليت عنا وظلت فرحتنا منقوصة. لم ~~تظهر سلوى ألمها لأحد، لكني كنت أشعر به، إنما غطته بصخبها ~~وضحكاتها، وأكثر ما عوضنا وقوف أخوالي وأبنائهم وبناتهم معنا، ~~ورقصت سلوى وطارق وسليم وكل الأصدقاء والأقارب، بينما بقيت مع ~~أمي نرحب بالضيوف من أهلنا وأهل طارق. مرت الليلة بسلام ~~وتمنيت أن يكون طارق تعويضا من الله لسلوى، تلك الصاخبة التي ~~تداري آلامها بجنونها وضحكها. # في اليوم التالي وأثناء ركوبي أتوبيس الشركة فوجئت بعصام يركب ~~معنا، فقال لي مبتسما: ماجيتيش الرحلة ليه؟ ~~- كانت خطوبة أختي إمبارح. ~~- مبروك عقبالك. ~~- أمال زوبة فين؟ ~~- زوبة مين؟ ~~- عربيتك. ~~- عيانة. ~~- ألف سلامة. # وعندها نادته بعض الزميلات ليجلس معهن، فذهب وعم الضحك والصخب ~~في الأتوبيس، لا أدري لم شعرت بالضيق، فأنا لا أهتم به وأعرف أن ~~هذا سلوكه الدائم فلم أشعر بالضيق؟ هل ظننت أنه سيتغير من أجلي؟ ~~ولم يتغير من أجلي وليس بيننا شيء؟! أفيقي من أحلامك وعيشي ~~الواقع. # وضعت سماعات الموبايل في أذني ms23 واستمعت لفيروز بينما كنت أكمل ~~قراءة إحدى الروايات، وعندما وصلنا قال عصام مشيرا للرواية: بتقري ~~إيه؟ ~~- رواية. # فأخذها من يدي وقال متعجبا: واو! ورومانسية كمان؟! ~~- وفيها إيه؟ ~~- شكلك مايديش رومانسي خالص، أنا قلت بتقري كتاب في علم النفس ~~أو التنمية البشرية، بصراحة كل يوم بتدهشيني. # ابتسمت ولم أجبه، إنما تركته ومشيت وأنا أخشى على قلبي من ~~تأثيره الطاغي؛ فقد أدركت لم يسمونه الدنجوان، ليس لوسامته ولا ~~لكلامه المعسول، إنما لقدرته الفائقة على التسلل للنفس دون أن يشعر ~~به أحد، وأن يشغل القلوب بابتسامته الساحرة. # | همسات الحب # في الأيام التالية كنت أراه على فترات متقطعة، وكانت بيننا ~~مجرد كلمات عابرة أو سلامات ليس أكثر، لكنها كانت كافية ليزداد ~~تعلقي به، وكنت أبرر ذلك لنفسي أنه مجرد تعود على زميل عمل ~~ليس أكثر، لكنه لم يكن بالنسبة لقلبي مجرد زميل، إنما كان من ~~أحب وجودي معه وأشعر أني مختلفة، سعيدة ربما، كنت معه أنسى كل ~~آلامي وأحزاني، كنت - رغم خوفي من شخصيته وسلوكه مع الأخريات - ~~أشعر أني في عينيه أختلف عن كل الأخريات وفعلا كان دائما يقول ~~لي: «ماقابلتش في حياتي حد زيك.» فسرت ذلك على أني شخصية مميزة ~~فأسعدني ذلك كثيرا، إلا أن عقلي ما زال خائفا منه ومن ألاعيبه ~~وخبرته الواسعة في عالم النساء، كان دائما يقول لي: «الحب خدعة ~~فلا تقعي فيها، ألم تكتفي من العذاب؟ هل ما زال في قلبك مكان جديد ~~للجراح؟» # بين قلبي ورغبته في الحب والاهتمام ككل البشر وبين عقلي المتخوف ~~دائما والذي يرفض الانصياع لمشاعر قلبي، بل ويحذرني من ذلك ~~الدونجوان، فالقرب منه خطر على قلبي، بل وسيضاعف جراحه. # فاجأنا سليم بأنه قرر أن يخطب زميلته في البنك ويتخلى عن ~~عزوبيته التي كان متمسكا بها، فقلت له بمشاكسة: قلبك دق ~~أخيرا. # فابتسم وقال: ولا دق ولا حاجة، كل الحكاية إنها إنسانة ~~محترمة ودماغنا زي بعض. ~~- أوعى تظلم واحدة معاك وانت مش مرتاح لها على الأقل. ~~- إنتي عارفة عني كده؟ أنا بخاف ربنا، وكمان بخاف ms24 يتعمل في ~~اخواتي اللي باعمله في بنات الناس. ~~- ربنا يسعدك يا حبيبي. ~~- يالا عقبالك، بس يكون حد يستاهلك عشان يصونك. ~~- إن شاء الله. # رفضت يا أبي أن تساعد سليم بأي مبلغ لتأثيث شقته التي يستنزف ~~قسطها كل راتبه والتي باعت أمي جزءا من مصاغها الذهبي لتكمل له ~~مقدمها وقلت له: اعتمد على نفسك، ولو عايز فلوس اشتغل بيها ~~عندي. # فوافق سليم على أن يعمل لديك في مراجعة الحسابات يومي الجمعة ~~والسبت حتى يستطيع تقليل الوقت الذي ستستغرقه الخطبة، خاصة أن ~~والد هدى أصر على أن تكون الخطبة مدتها عام واحد. # تحدد موعد الخطبة وذهبنا جميعا ومعنا سلوى ببطنها المنتفخة ~~من الحمل وزوجها، بينما لم تحضر أنت وإخوتي كعادتكم، واعتذرنا عنك ~~بأنك مسافر، فقالت والدة هدى: هو والدك مش راضي عن الجوازة، ولا ~~احنا مش أد المقام؟ # فقال سليم: أبدا، هو موافق طبعا، وأنا مش هاعمل حاجة ضد ~~إرادته، بس هو مسافر خارج مصر وأنا مارضيتش أستنى لما يرجع بعد ما ~~حددت الميعاد مع عمي. ~~- يعني سفره أهم ولا خطوبة ابنه؟ # هنا قالت أمي: هو احنا كلنا مش كفاية ولا إيه؟ وبعدين سليم ابني ~~راجل وشايل نفسه ومش محتاج حد يتكلم عنه، ولا هو مش مالي عينيكم؟ ~~والله دي ظروفنا ودي حياتنا، وانتم عارفين كل التفاصيل عننا من ~~البداية، ولو ظروفنا مش مناسبة ليكم يبقى فرصة سعيدة. # ونهضت أمي بعصبية وتوتر الجو، فقال أبو هدى بابتسامة: صلي على ~~النبي يا حاجة، دا مجرد استفسار مش أكتر، وسليم يشرف أي عيلة ~~يدخلها، وطبعا وجودكم كفاية وزيادة كمان، الفاتحة للنبي. # جلست أمي وقرأنا جميعا الفاتحة، وأخرجت أمي من حقيبتها شبكة ~~هدى، فقد اختارت هي وسليم الدبل، بينما أهدتها أمي سلسلة ~~وخاتما من الذهب وقالت لها: مبروك يا بنتي، من النهاردة إنتي ~~بقيتي زي نهلة وسلوى، واللي يحبه سليم أشيله في عيني. ~~- الله يبارك في حضرتك يا طنط، وميرسي على هديتك الجميلة. # هنأها الجميع ووزعت أمها الشربات على الجميع، وكانت لغة العيون ~~بين سليم ms25 وهدى تقول الكثير، فأدركت أن قلبيهما اشتعلت بهما شرارة ~~الحب، فسعدت من أجل سليم الذي غمرته الأحزان في سن صغير فكفر ~~بالحب والمشاعر، وربما زاد من ذلك تحمله مسئوليتنا في سن صغيرة؛ ~~فقد كان لنا الأب والأخ، لذا أراد الله أن يكافئه بفتاة رقيقة ~~مثل هدى تحبه وتعوضه سنوات عجافا بلا حب حقيقي سوى قصة حب ~~فاشلة مع ابنة عمي التي بمجرد علمها أنك لن تغمره بمالك وأنه لن ~~يعمل معك تخلت عنه، فكانت صدمة قاسية على قلبه الذي أغلقه ~~لسنوات حتى جاءت هدى بحيائها وحبها الظاهر في عيونها، فاستطاعت ~~أن تقتحم حصونه، وما أجمله من اقتحام يا أبي! # بعد الخطبة كان سليم مشغولا في عمله في البنك طوال الأسبوع وفي ~~شركتك يا أبي يومي الجمعة والسبت، فتوقعنا أن تتذمر هدى من غيابه، ~~وقلنا له لو فعلت فإنها معذورة، فكل الفتيات يردن الاستمتاع بتلك ~~الفترة في التنزه وسماع كلمات الحب، فقال إنه شرح لها ظروفه. ~~فوجئنا جميعا أنها صارت تذهب معه للشركة يوم الجمعة وتعمل معه ~~لينهي عمله سريعا حتى يتمكن من أخذ يوم السبت كراحة له، فكان ~~يخصص لها مساء السبت كله. # هكذا الحب فعلا يا أبي ليس مجرد كلمات معسولة تأسر القلب فقط، ~~إنما هو أفعال تثبت ذلك الحب. # عدت لعملي بعد يومي الإجازة بسبب استعدادنا لخطبة سليم، ففوجئت ~~بترحيب عصام وقال ضاحكا: هل هلالك، كنتي فين شغلتينا ~~عليكي؟ ~~- أبدا، أخدت أجازة عشان خطوبة أخويا. ~~- ألف مبروك وعقبالنا ... أقصد عقبال كل اللي ما اتجوزوش. # ابتسم وانصرف وتركني أتخبط في حيرتي، هل هو يعنيني معه أم ~~حقا يعني كل من لم يتزوج؟ هكذا كانت علاقتي بعصام كلاما عاما ~~يحمل بين طياته كلاما يحتمل أكثر من معنى، مما يزيد حيرتي ويدفع ~~قلبي للتعلق به ضاربا عرض الحائط بكل تحذيرات العقل، ورغم ذلك ~~كنت ألتزم في كلامي وعلاقتي بعصام حدود الزمالة، ولا أسمح له أن ~~يتخطاها. ذات يوم كنت على موعد مع هدى لنخرج معا للتسوق، فقالت ~~لي إنها ستمر علي ms26 بعد انتهاء العمل لنذهب معا للمول المجاور ~~لعملي فوافقت، وبمجرد وصولها طلبت منها أن تبقى قليلا حتى أنتهي ~~من عملي، وعندها دخل عصام المكتب بحجة واهية كعادته، فجلست هدى ~~تتحدث مع سليم هاتفيا حتى نخرج وعرفت منه أنه لم يذهب للعمل بسبب ~~مرضه، فأصرت على الذهاب لرؤيته فقلت لها: يا بنتي ماتخافيش، دول ~~شوية سخونية بسبب البرد، وتلاقي ماما قامت بالواجب وبقى زي ~~القرد. ~~- إخص عليكي يا نهلة، أنا هاتجنن عليه وانتي كده هادية؟ وكمان ~~بتقولي عليه قرد؟ ~~- ماتزعليش هو قمر، بس صدقيني بقى كويس، بس ماما أول ما حد مننا ~~يتعب لازم تعتقله يومين لحد ما تتأكد أن صحته بقت تمام. ~~- بجد يا ناني ولا بتضحكي علي؟ ~~- هأكد لك دا لما نخلص شرا حاجتنا وأخدك البيت تطمني عليه بنفسك، ~~بس عدي الجمايل، سيبيني بقى أخلص عشان ننزل. # خرجت هدى تحدثه مرة أخرى، فاقترب عصام وقال: واضح إنها بتحبه ~~أوي. ~~- طبعا سليم أخويا يتحب. ~~- وانتي؟ ~~- أنا إيه؟ ~~- جربتي الحب؟ ~~- لأ. ~~- ليه بتخافي؟ ~~- لأ، بس ما أحبش أسلم زمام حياتي لقلبي وأضيع. ~~- ما يمكن ما تضيعيش وتلاقي نفسك وسعادتك. # نظرت إليه وقلت بارتباك: عن إذنك، هدى مستنياني. # وجمعت أشيائي وهربت من عينيه اللتين كادتا تعرفان سر قلبي، فقال ~~هامسا خلفي: هتفضلي تهربي لإمتى؟ # لم ألتفت إليه ولم أجبه، إنما خرجت مسرعة وكأني أخشى مواجهته ~~حتى لا أعترف له بحبي، نعم أنا أحبه يا أبي، أحب اهتمامه بي، ~~ملاحقته لي، أحب لهفته علي ورغبته في إرضائي، أحب فيه كل ما لم ~~تمنحه أنت لي، ربما لو كنت أشبعتني من حبك واهتمامك لم أكن أبالي ~~به، لكني كنت أحتاج ما يغمرني به، فوقعت صريعة هواه وأنا أعلم أنه ~~متعدد العلاقات وصياد ماهر. # | هدية عيد الميلاد # كان يوم مولدي عندما كنت مدللتك يوما بهيجا أنتظره لتحتفي بي ~~أنت وكل الأسرة والأصدقاء، وعندما غبت حرصت أمي على أن تحتفل به ~~حتى لا أشعر بالفارق، ورغم كل جهدها كان هناك فارق بالطبع، فلم ~~تكن أنت هنا، ms27 لكن سليم وسلوى كانا ينشران البهجة في ذلك اليوم، ~~ومنذ زواج سلوى غابت البهجة عن البيت ونسي الجميع أن يحتفلوا بيوم ~~مولدي، فسليم مطحون في مسئولياته، وأنا أعذره طبعا، وأمي أنهكتها ~~سنوات المسئولية والمرض. الوحيد الذي تذكر يوم مولدي كان عصام، ~~حيث غاب اليوم كله لم أره، وفي نهاية اليوم عندما خرجت من المكتب ~~للصلاة وانصرف جميع الزملاء، عدت فوجدت علبة كبيرة مغلفة ~~وعليها بطاقة مكتوب عليها «كل عام وأنت كما أنت بكل طهرك وبراءتك» ~~ولم تحمل أي توقيع، ففتحت العلبة فلم أجد بها سوى قلب صغير أحمر ~~مكتوب عليه «أحبك»، وقفت للحظات مصعوقة من هول المفاجأة ومتعجبة ~~ولا أعرف من صاحب الهدية، أيعقل أن يكون عصام؟ بقدر سعادتي ~~بالهدية كنت أشعر بالخوف من القادم، ليتك كنت معي يا أبي لترشدني ~~وتكون سندا لي في خطوتي القادمة. # خرجت من مكتبي وأنا أحمل الهدية ووصلت لغرفتي فأخرجتها ورحت ~~أتأملها مرات عديدة، فاحتفظت بالبطاقة في أشيائي الخاصة جدا في ~~دولابي، ووضعت القلب على وسادتي، وبينما أنا في صراع رهيب بين ~~قلبي العاشق وعقلي الرافض لكل هذا الحب لذاك الصياد الماهر، وهو ~~يقول لي: «إنه ليس حبا، بل فخا محكما.» فإذا بموبايلي يعلن ~~عن وصول رسالة على الواتس أب من رقم مجهول ففتحتها، فوجدت من ~~يتساءل «عجبتك الهدية؟» # فقلت: إنت مين؟ ~~- حقيقي مش عارفاني؟ ~~- لا. ~~- خمني. ~~- لو ماقلتش إنت مين هاعملك بلوك. ~~- أكيد قلبك قالك إني ... # لحظات صمت يخفق قلبي فيها بجنون وأنا أتأمل الموبايل في ~~انتظار إجابته، حتى كتب: عصام. # سكت للحظات ثم استجمعت شجاعتي وقلت: أستاذ عصام أنت عارف إني ما ~~بحبش الهزار بالطريقة دي، ولا علاقة الزمالة بيننا تسمح بالكلام ~~دا. ~~- أمال أخدتي الهدية ليه؟ ~~- لأني ما كنتش عارفة أرجعها لمين. ~~- بس أنا مش باهزر. ~~- إنت ماتعرفش غير الهزار وصحوبية البنات وأنا ماليش في ~~الاتنين. ~~- طيب لكي في الحب؟ ~~- الحب اللي أنت تعرفه لأ. ~~- طيب إيه الحب اللي انتي تعرفيه وتقبليه؟ ~~- واضح إنك مش فتك زي ما بيقولوا عنك، وإلا ms28 كنت فهمت لوحدك، ~~الصبح هديتك هتكون على مكتبك، واعتبر اللي بيننا من زمالة ~~انتهى. # أغلقت موبايلي وأنا أرتجف من فرط اضطرابي وقلبي يلومني على ~~تفريطي في الحب الذي طالما انتظرته، وعقلي يقول لي أنني فعلت ~~الصواب. دخلت المطبخ لأصنع كوبا من الشاي لأشغل نفسي عن أفكاري ~~فوجدت أمي تصنع كعكة، وبمجرد أن رأتني قالت: كده بوظتي المفاجأة؟ ~~كنت باعملك تورتة لعيد ميلادك. # فقبلت يدها وقلت: تسلم إيدك يا ماما، بس كنتي ارتاحي؟ إنتي ~~تعبانة. ~~- أنا لي مين غيركم؟ ~~- خلاص هي حلوة كده، تعالي ناكلها مع الشاي. ~~- يا بنتي استني أزوقها. ~~- لأ كده حلوة ومناسبة للريجيم، خوديها وأنا هاعمل الشاي ~~وجاية. # تناسيت كل شيء وأنا أجلس بجوار أمي حيث الأمان والدفء، وجلسنا ~~لنأكل الكعكة حينما دخل سليم وقال ضاحكا: بتحتفلوا بعيد ميلاد أبو ~~الفصاد من غيري؟ خيااانة. # ضحكت وقلت: هو الاحتفال يحلى من غيرك يا حبيبي؟ اقعد وأعملك ~~شاي. # قمت لأصنع الشاي فسمعته يتحدث مع أمي، لكني لم أفسر كلامهما، ~~فلما خرجت قال: أنا كنت ناوي أجيب لك هدية لكن ربنا رزقك بهديتين؛ ~~الأولى الرواية اللي كنتي هاتجيبيها أول الشهر لما تقبضي ~~جبتهالك. # لم أتمالك نفسي وقفزت تجاهه وقلت: يا حبيبي يا سوسو، دايما كده ~~فاكرني؟ ~~- مش هتبطلي سوسو دي؟ طب مش هاقول الهدية التانية. # قبلته في وجنته وقلت بدلال: أهون عليك دا أنا حبيبتك؟ # فابتسم وقال: الهدية التانية عريس. # نظرت له للحظات ثم فتشت جيوبه فقال بدهشة: بتدوري على ~~إيه؟ ~~- العريس حاطه فين؟ ~~- ظريفة! أنا عارف عاجبه فيكي إيه؟ عموما اجهزي، هو جاي الساعة ~~7 النهاردة. ~~- إنت بتتكلم جد؟ ما أنت عارف إني ما بحبش الطريقة دي في الجواز، ~~باحس إني جارية وبتتعرض على الناس. ~~- بس هو حد تعرفيه. ~~- مين؟ ~~- عصام زميلك. # لم أصدق أذني، وظننت أني سمعت ما يوده قلبي لا ما قاله ~~سليم الذي تعجب من ذهولي فقال: هو مش زميلك؟ # فأومأت برأسي أن نعم، فقال: أومال مالك؟ لو مش عايزاه نقابله ~~النهاردة وبعدها نعتذر له. # فقالت أمي: ms29 يا بنتي خلينا نشوفه أنا وأخوكي ونحكم عليه، وبعد كده ~~نقولك رأينا، العمر بيجري وإخواتك كل واحد هينشغل بحاله، وأنا مش ~~هاعيشلك العمر كله، عايزة أطمن عليكي قبل ما أموت. # فقلت بلهفة: بعيد الشر عنك يا ماما، حاضر هاقابله. # وهنا دق جرس الباب فخفق قلبي ونظرت في ساعتي فوجدت أمامنا نحو ~~ساعة على موعده، وعندما فتح سليم وجدناها سلوى بصخبها وبطنها ~~المنتفخة وتحمل معها تورتة وتقول: رغم إني خلاص هافرقع من التقل، ~~لكن مش ممكن أفوت عيد ميلاد أبو الفصاد، ههههه. # فقلت لها وأنا أقبلها: يعني مافيش حاجة هتقصر لسانك دا ~~أبدا؟ ~~- ما أبقاش سلوى، يالا كل سنة وانتي طيبة، والسنة الجاية نخلص ~~منك عشان أجي أنا وطلبة نعاكس ماما؟ # فقال سليم وهو يضحك: طلبة مين؟ ~~- ابني، قررت أسميه طلبة. ~~- الله يكون في عون جوزك. # فقالت أمي وهي تقبلها: اقعدي يا حبيبتي، عاملة إيه؟ ~~- خلاص على أخري يا ماما، وتعبانة على طول، وقلت لما أنزل ~~وأهيص معاكم يمكن أنسى تعبي. ~~- كويس إنك جيتي، أختك جاي لها عريس النهاردة، خديها وخليها تهتم ~~بنفسها زي البنات. # فجذبتني من يدي وقالت: جيتي للعنوان الصح يا حلوة. # دخلنا حجرتنا، وراحت تختار لي الملابس وهي تتكلم وتضحك وتتأوه ~~في وقت واحد، وأنا مضطربة ولا أعرف ما الذي دفع عصام لتلك ~~الخطوة؟ أهو يريد الإيقاع بي في فخه من خلال الخطبة؟ أم إنه ~~يحبني حقا؟ هل يتلاعب بقلبي؟ أم إنه جاد في مشاعره؟ أفقت على ~~صوت سلوى وهي تقول بسخرية: اللي واخد عقلك، مش هتقولي اتعرفتي ~~عليه إزاي؟ واضح إن القصة كبيرة. ~~- أبدا، زميلي في الشغل وواخد الدنيا ضحك وهزار، فأنا صديته من ~~البداية، لكن عمل معايا حركة الجدعنة مع أكمل، فاكرة؟ وعجبني فبقيت ~~أتكلم معاه كلام عام، بس دي كل الحكاية. ~~- وده يخليه يتقدملك؟ الحكاية فيها إن، ولازم أعرفها. # هنا دق جرس الباب، فخفق قلبي بشدة وشحب وجهي، فضحكت سلوى ~~وقالت: على ما تخلصي لف الطرحة هاطلع أشوف عريس الغفلة. # جلست أمام المرآة وأنا أحاول ms30 أن أستجمع شجاعتي وأقول لنفسي لو ~~كنت أنت معي لواجهت الكون كله بلا خوف، حتى لو أسأت الاختيار كنت ~~أعرف دائما أنك ستساندني، لكني اليوم علي أن أختار وحدي ~~وأتحمل نتيجة اختياري وحدي، يا رب كن معي وأنر بصيرتي. # جاءت سلوى تقول: يا بنت الإيه لقيتي القمر دا فين؟ صحيح هو مش ~~أحلى من جوزي، بس حلو. ~~- بس بطلي هزار، أنا مرتبكة أوي. ~~- مش بتقولي زميلك! يعني في وشك ليل نهار، معقولة مش عارفة إنه ~~جاي. ~~- لأ، أصلي ... لسه مبهدلاه الصبح. ~~- يا خراشي عليكي! طب الحقيه قبل ما يطفش يا فوزية، وأنا هامدد ~~على سريرك شوية لأني تعبانة أوي. # خرجت وأنا أرتجف خجلا واضطرابا، واقتربت من الصالون فنادتني ~~أمي لأحمل صينية العصير فقلت لها: لو شيلتها هتدلق عليه، فبلاش ~~فضايح. # دخلت وألقيت التحية عليه دون أن أنظر إليه، وجلست على أبعد كرسي ~~عنه، وظل سليم يتحدث معه في الموضوعات التي يعلم أني لا بد أن ~~أشترك فيها وأنا صامتة، ومكتفية بمشاهدة السجادة التي تغطي ~~الأرض وكأني أراها لأول مرة، وانتبهت على صوت سليم وهو يقول: نهلة، ~~الأستاذ عصام بيسألك بتحبي تقري إيه؟ ~~- أنا؟ أه، كل أنواع الروايات والكتب التاريخية وكتب علم النفس، ~~وانت بتحب القراءة؟ ~~- مش أوي، مش دايما ألاقي الكتاب اللي بيشدني، لكن لو ساعدتيني ~~ورشحتي لي كتب ممكن نقراها ونتناقش فيها. # احمرت وجنتاي وفوجئت بانسحاب سليم ليجيب على موبايله، بينما قامت ~~أمي لعمل الشاي مع الجاتوه وفقا لبروتوكولها في استقبال العرسان، ~~فابتسم عصام وقال: اللي يشوفك في الشغل وانتي بتتكلمي ولا على ~~الموبايل وانتي بتبهدليني ما يشوفكيش حالا وانتي ما بتتكلميش ~~كلمتين على بعض. # استجمعت شجاعتي ورفعت رأسي وقلت: جاي ليه؟ ~~- أخوكي ما قالكيش؟ عاوز أخطبك. ~~- ليه أنا؟ ~~- لأنك مختلفة عن كل اللي عرفتهم قبل كده، محترمة وعاقلة وطموحة ~~ومثقفة. ~~- ويا ترى كل واحدة بتعجبك بتروح تخطبها؟ ~~- مش فاهمك. ~~- يعني كل واحدة ما بتعرفش توصل لها بتعمل موضوع الخطوبة دا ~~لعبتك عشان توصلها؟ # فغضب وقال: أنا عمري ما ms31 خطبت قبل كده، ومش أنا اللي أدخل بيوت ~~الناس عشان أستغل بناتهم، إنتي فاكراني إيه، سافل؟ ولا ما بافهمش ~~إن البيوت لها حرمة؟ ~~- برضه ما جاوبتنيش ليه أنا؟ # سكت قليلا ثم قال برقة: أعتقد الإجابة كانت على قلبي اللي ~~بعتهولك. # احمرت وجنتاي وخفق قلبي بقوة ولم أستطع النظر في عينيه، وقبل ~~أن أتكلم فوجئنا بصراخ سلوى، فجريت بسرعة تجاهها، فقالت أمي لسليم ~~بسرعة هات تاكسي أختك بتولد. # فقال عصام: أنا معايا عربيتي تحت هادورها على ماتنزلوا. # نزلنا مسرعين، ومن حسن الحظ أن سلوى كانت أعدت حقيبة الولادة ~~الخاصة بها وأحضرتها معها، فحملتها بينما أمسكها سليم ونزلنا ~~وركبنا سيارة عصام وتوجهنا للمستشفى ودخلنا بها أنا وأمي، وبقي ~~عصام مع سليم، وعندما أتى زوج سلوى انصرف عصام وترك رقمه مع سليم ~~الذي شكره كثيرا. أرسل لي بعد ساعتين على الواتس يسألني عن سلوى، ~~فأخبرته أنها أنجبت ولدا فهنأني، فاعتذرت له عن الموقف الذي ~~وضعناه فيه، فقال إنه لأول مرة يشهد ولادة لأن إخوته كلهم ذكور، ~~والآن فقط أدرك كم تعبت أمه فيهم. حصلت في اليومين التاليين على ~~إجازة لأعتني بسلوى مع أمي، فلم أر عصام، وبعد يومين قال لي سليم: ~~عصام بيسأل عن ردك. ~~- إنت رأيك فيه إيه؟ ~~- حسب اللي عرفته كويس، بس لسه مسألتش عنه. ~~- وحكيت له عن بابا؟ ~~- لأ، أنا فاكره عارف. ~~- لأ طبعا ما باحكيش لحد، يبقى تقابله لوحدكم في أي مكان وتشرح ~~له ظروفنا، واديله فرصة يفكر، وانت كمان تسأل عنه، بس ... ~~- مالك؟ ~~- خايفة منه لأنه معروف عنه في الشغل إنه دونجوان، وخايفة يفضل ~~كده. ~~- كل الشباب بيبقوا كده، ولما بيتجوزوا ويشيلوا المسئولية ~~بيعقلوا. ~~- هنشوف، بس اعمل اللي اتفقنا عليه، مش يمكن لما يعرف ظروفنا ~~يغير رأيه؟ # عرفت من سليم أنهما تقابلا، وحكى له سليم ظروفنا وعصام يستمع ~~بصمت حتى قال له سليم في النهاية: فكر براحتك، ولو ظروفنا تناسبك ~~كلمني، ولو ما تناسبكش كأنك ما سمعتش حاجة. # مر يومان وأحمد الله أنهما كانا الجمعة والسبت، فلم أذهب ms32 ~~للعمل، وفي مساء السبت جاءتني رسالة من عصام يقول فيها: خايفة ~~تواجهيني بظروفك؟ فاكرة إنها ممكن تخليني أغير رأيي؟ ~~- مش أي حد بيقبل يرتبط بواحدة ظروفها زيي. ~~- مالها ظروفك؟ أنا شايفها عادية وما يغركيش البيوت اللي شكلها ~~سعيدة وهي مقفولة على بلاوي من جوه. ~~- كل واحد مختلف في حكمه وتفكيره، فحبيت أوفر عليك ~~الإحراج. ~~- اللي يحبك مستحيل يحس بالإحراج، إنما هيحس بس بالفخر. # سكت ولم أجبه فقال: سكتي ليه؟ عموما أنا هاتصل بعصام ~~حالا. # كدت أطير فرحا، فلأول مرة يصدق قلبي، وها هو عصام يحبني حقا ~~ويتقبلني كما أنا، أخيرا يا أبي شعرت أني جديرة بالحب، وأن من ~~حقي الاستمتاع بالحياة كغيري، أخيرا شعرت أني مرغوبة وممن؟ من ~~شخص عرف العشرات وتركهن من أجلي، بل وفضلني عليهن، لكن ترى هل ~~سيحن لهن يوما؟ هل سيهجرني - كما فعلت أنت - من أجل أخرى؟ لا لن ~~أترك خوفي يقف في سبيل سعادتي، فلأغامر فربما تلك تكون فرصتي ~~للحياة، وإن ضاعت ضعت معها. # | طعم السعادة # لأول مرة يا أبي بعد غيابك أتذوق طعم السعادة، ولأني محرومة ~~منها لم أكتف بالتذوق، بل نهلت منها بشراهة لأعوض ما فاتني. ~~أبلغ عصام سليم برغبته في إتمام الخطبة، فاتفق معه على موعد ~~لمقابلتك في بيتك الآخر، تمت المقابلة والاتفاق على كل الأساسيات ~~وتحدد يوم قراءة الفاتحة، وكنت أحلق في سماوات السعادة، ولم ~~يجذبني لأعماق الأرض سوى غيابك الذي علقت عليه والدة عصام التي ~~كانت تبدو غير راضية - لرغبتها في زواجه من ابنة أختها كما عرفت ~~فيما بعد - فردت أمي بأن أبي مريض، وأن سليم يحل محله، فتمت ~~قراءة الفاتحة في حضور أبويه وأخيه الصغير وأمي وسليم وهدى وسلوى ~~وزوجها طارق الذي كان متواجدا في القاهرة في ذلك الوقت لتكتمل ~~صورة أسرتي أمامك. بعد انتهاء الحفل وانصراف الجميع بقي عصام معي ~~في الصالون وغمرني بكلمات الحب الجميلة التي لم أتخيل أني ~~سأسمعها في يوم ما وأنا خجلى لا أعرف بم أجيبه حتى سألني: حبيتي ~~قبل كده؟ # فأومأت برأسي أن ms33 لا. فقال : ولا حب مراهقة؟ ~~- لأ. ~~- يعني أنا أول حب في حياتك؟ # احمرت وجنتاي وخفق قلبي بشدة، ولكني تمالكت نفسي وقلت: طبعا ~~مش هاسألك نفس السؤال، لكن هاطلب منك إنك توعدني ما يكونش في حياتك ~~غيري. ~~- أنا عرفت كتير، لكن ما حبيتش حد قبل كده، وأوعدك إن حياتي مش ~~هايكون فيها غيرك. ~~- لو خلفت وعدك هاسيبك مهما كانت الظروف فاهم؟ أنا ما أقدرش أقبل ~~بالغدر ولا الخيانة؟ ~~- مش هاخلف وعدي، بس بشرط إنك تفضلي تحبيني العمر كله. ~~- أنت مغرور أوي، ومين قالك إني ... بحبك. ~~- عينيكي قالت اللي لسانك مش راضي يقوله، لكن بكرة مش هتخافي ~~أبدا إنك تعترفي بحبي. # نعم أعترف يا أبي أني أحبه، أحبه كل الحب الذي حرمتني منه، ~~كل الحب الذي ادخرته في قلبي لمن يستحق، وها هو جاء من يستحق، ~~حقا لم أعترف له بحبي لكن نظراتي ولهفتي وغيرتي وسعادتي بقربه ~~كانوا يقولون إني أحبه. عشت عاما من السعادة الخالصة وعرفت في ~~أيام الخطوبة معه مشاعر لم أعرفها من قبل، وشعرت أن الله عوضني ~~بعصام عن كل الآلام والأحزان التي عشتها من قبل. اكتملت سعادتي ~~عندما قرر عصام وسليم أن نقيم زفافنا في يوم واحد، ورغم رفض ~~أمي لخوفها علينا من الحسد إلا أننا نفذنا ذلك، كنا سعداء ~~جميعا. # حولني عصام بعصا حبه السحرية من فتاة حزينة منغلقة على ~~نفسها لامرأة عاشقة له محبة للحياة، عشقته وأحببت حياتي لأول ~~مرة لأنه فيها ولأني أعيشها من أجله؛ فقد تركت عملي بناء على ~~رغبته لأتفرغ له، وسكنا في منطقة بعيدة عن أمي وإخوتي ليكون ~~بالقرب من عمله ولأنها تناسب إمكانياته المتواضعة، ورضيت بشبكة ~~بسيطة وأثاث بسيط تقديرا لظروفه المالية، ولأنه وعدني عندما ~~يتحسن حاله بأن يجلب لي كل ما أريده، فقلت له: «إني لا أريد ~~سواه»؛ فقد اكتفيت به عن الدنيا كلها. # بدأنا مواجهة الواقع معا، وكنا اتفقنا على تأخير الإنجاب لعامين ~~حتى يستطيع عصام سداد الأقساط نتيجة للزواج، رجوته كثيرا أن ~~يتركني أعمل لأساعده، فيرفض رفضا قاطعا ms34 بحجة غيرته الشديدة، ~~فاكتفيت بالعمل من خلال الإنترنت، وكان يدر دخلا معقولا كنت ~~أنفقه كله على البيت. لم أبال يوما بكل ما ينقصني، فكان حب ~~عصام واهتمامه يغنيني عن العالم كله. كنت أجتمع مع إخوتي عند أمي ~~يوم الجمعة، فكان عصام يبقى معي لبعد الغداء ثم ينصرف ويعود لي ~~السبت صباحا لاصطحابي حيث يبيت عند أمه لبعد بيتنا عن والدينا. ~~دعته أمي كثيرا ليبيت معي، لكنه كان يرفض لأن سلوى أحيانا ~~كثيرة ما تبيت معي ويتحجج بأنه يريد أن يتركنا على راحتنا، وأن ~~أمه أيضا لها حق عليه، فاحترمنا رغبته، وكان يغمرني برسائل ~~حبه وشوقه كأنه غائب منذ عامين لا ساعتين، فكنت أسعد الناس بذلك ~~الحب الذي ملأ علي حياتي. ورغم عملي من خلال الإنترنت إلا أني ~~كنت أشعر بالملل والفراغ في ذلك البيت، وخاصة أن عصام لا يعود قبل ~~السادسة مساء، وإما أن يقضي باقي الوقت أمام التليفزيون حتى ينام ~~من التعب أو أن يخرج لملاقاة أصحابه، فأعاني الفراغ أكثر في غيابه، ~~وكم ألححت عليه أن ننجب طفلا؛ ليملأ علي فراغ حياته، لكنه كان ~~يرفض بحجة أن ظروفه المالية لا تحتمل مصاريف طفل، ثم يقبلني ~~ويقول لي إنه لا يريد أن يشاركني فيه أحد، فهو شديد الغيرة. # مر عامان على زواجنا وأنا أعيش مع عصام قصة حب وسعادة لا ~~مثيل لهما، مما أنساني كل أحزاني السابقة. وأردت أن أعبر لعصام ~~عن حبي بشكل مختلف، وأن يكون احتفالنا متميزا، فبعد أن تناولت ~~الغداء مع أسرتي يوم الجمعة طلبت من سليم أن يعيدني لشقتي لأرتب ~~لعصام مفاجأة تسعده وتعبر له عن حبي وامتناني، فوافق سليم ~~حيث إن لديه موعدا مع صديق له قريب من بيتي، وأمهلني ساعتين ليعود ~~ويصطحبني فوافقت. كنت نويت تغيير شكل غرفتنا كما رأيت بعض الصور ~~على الإنترنت، صعدت لشقتنا وفتحت الباب بالمفتاح فوجدت نورا يخرج ~~من غرفتي، فظننت أني نسيته كعادتي قبل نزولي، وعند دخولي الغرفة ~~فوجئت بامرأة ممددة على سريري وترتدي قميص نوم عاريا، وظهرها ~~موجه ms35 لي وهي تقول بدلال: أخدت الدوش يا صومه؟ ماتعرفش أد إيه أنا ~~مشتاقة لك. # ألجمتني الصدمة وشلت حركتي وتفكيري، وفي نفس اللحظة خرج عصام من ~~الحمام عاريا يلف نصفه الأسفل بفوطة كبيرة، ودخل الغرفة وهو ~~يجفف شعره بأخرى، وأنا ما زلت على وقفتي المصدومة، وبمجرد أن قذف ~~بالفوطة ورآني أصابه الذهول فقال هامسا: إيه اللي جابك؟ # لم أجبه، وإنما نظرت لها، فقد اعتدلت في نومها فانكشف معظم ~~جسدها وأصابها الذهول عندما رأتني، وكتمت شهقتها وغطت جسدها، ~~أمسك عصام بيدي وهو يقول: نهلة أرجوكي اتكلمي أنا ... # لم أستمع لما قاله، فقد انهار جسدي كله متهالكا تحت وطأة الصدمة ~~رافضا أن يستمع لصوته ومبرراته الواهية، وغبت عن العالم وحلقت ~~في عالم آخر كنت أراك فيه يا أبي تضمني لصدرك وتعتذر لي عن ~~غيابك وتعدني ألا تتركني، وأنا متعلقة برقبتك ومتشبثة بك وهناك ~~الكثيرون الذين يجذبونني ليبعدوني عنك، فأصرخ وأقاومهم بقوة، ~~ولكني في النهاية أفقدك، تتركني وحدي في صحراء قاحلة، كان الحلم ~~يتكرر بأشكال مختلفة حتى في النهاية وجدتك أنت تتركني بإرادتك ~~وأنا أرجوك ألا تذهب، ولكنك ذهبت. # أفقت بصعوبة لأتخلص من ذلك الحلم الموجع لأجد أمي بجواري تمسك ~~بيدي باكية، وتأملت المكان من حولي فأدركت أني في مستشفى، وبذلت ~~جهدي لأتذكر سبب وجودي هنا حتى تذكرت غدر عصام وخيانته فانهرت ~~باكية، انتبهت أمي لإفاقتي قبلت يدي ورأسي وضمتني لصدرها ~~وراحت تمسح رأسي وتتلو آيات القرآن، فازدادت دموعي التي كانت تهز ~~كل كياني، وكان جسدي ما زال ضعيفا غير قادر على المقاومة، فخافت ~~أمي علي فطلبت الطبيب الذي جاء ليفحصني، وعندما وجدني منهارة ~~أعطاني حقنة مهدئة أفقت منها بعد عدة ساعات وذهني مشوش، فوجدت ~~سليم بجواري فتشبثت بيده وأنا أبكي فطمأنني وقال: متخافيش أنا ~~معاكي ومش هاسيبك، بس قوليلي مالك. # أشحت بوجهي ورفضت الكلام، فمسح بيده على رأسي وقال: مش أنا أخوكي ~~اللي ما بتخبيش عنه حاجة؟ احكيلي مالك. # سكت ودموعي تنهمر، فقال بهدوء: وقت ما تحبي تتكلمي أنا ~~هاسمعك واعملك اللي يريحك. ms36 # فقلت بوهن : الطلاق. # عندها دخل عصام وبمجرد رؤيته صرت أصرخ بهيستيريا حتى حضر الطبيب ~~وأعطاني حقنة مهدئة ومنع الزيارة تماما. أفقت بعد عدة ساعات ~~وكنت بمفردي تلفت حولي فوجدت مشرطا خاصا بفتح أمبولات الحقن ~~على المنضدة، فأخذته وخبأته بعد أن قررت أن أتخلص من حياتي التي ~~كلها كذب وخداع وخذلان من أقرب الناس إلي، فلمن أعيش بعد الآن؟! ~~لأبي الذي خذلني وأنا ما زلت طفلة وتخلى عني وتركني أعاني ~~مرارة الفقد والحرمان وهو موجود؟ أم لزوج ظننته مكافأتي من ~~الدنيا فمنحته قلبي وروحي وحبي بلا حدود ليجزيني بخيانته لي في ~~بيتي وعلى سريري؟ زوج ضحيت من أجله بكل شيء ولم أطلب مقابلا ~~سوى حبه وإخلاصه، أما حبه فكان سرابا خادعا، ولم يكن مخلصا ~~لي، وربما تلك لم تكن أول مرة، فمن أجل من أعيش؟ # لقد قررت يا أبي أن أتخلص من حياتي ومن عذابي؛ فلم تعد لدي ~~القدرة على تحمل المزيد من جراح الروح التي لا تلتئم، ولا آلام ~~القلب التي لا تنتهي، لقد تعبت وسئمت تلك الحياة، فهي مناسبة ~~للقساة المخادعين، ولا تلائم الصادقين والمخلصين في الحب أمثالي، ~~سأغادر حياتكم لعلي أجد الراحة في الحياة الأخرى، وأنا أرجو من ~~الله أن يغفر لي، فهو وحده يعلم كم قاسيت وكم قتلتني طعنات الغدر ~~وبعثرت أشلائي، فوداعا يا أبي يا أغلى من أحببت. # من كانت يوما ابنتك ومدللتك وحبيبتك. # نهلة. # تركت نهلة دفتر أوراقها الذي أحضره لها سليم بجوارها ومدت ~~يدها أسفل الوسادة والتقطت المشرط وأمسكته بيدها للحظات، فشعرت ~~بالخوف وفكرت في التراجع لكنها تذكرت مشهد أمها وانهيارها ~~بعد زواج أبيها، وتذكرت مشهد خيانة زوجها، من وثقت به فخان ~~عهدها وذبحها ولم يهتم بآلامها، فقررت المضي فيما اعتزمت عليه ~~ووضعت المشرط فوق شريان يدها واغمضت عينيها وشعرت بالآلام والدم ~~اللزج ينساب من شريانها، فأغمضت عينيها وظلت تهمس: سامحني يا رب، ~~أنت وحدك عالم أنا تعبت أد إيه، عارفة إن اللي باعمله دا غلط، لكني ~~طمعانة في كرمك ورحمتك، سامحني يا رب. ms37 # ظلت ترددها حتى غابت عن الوعي. # | الجزء الثاني # يا لها من شخصية غريبة تحمل بداخلها عوامل الضعف والقوة في آن ~~واحد! كنت في البداية أراها إحدى النساء المدللات اللاتي يصبن ~~بالصدمة من مجرد مشكلة بسيطة في حياتهن، لكن عندما قرأت ما ~~كتبته في دفترها بعد أن أنقذت حياتها، أدركت حينها أنها تمر ~~بأزمة فقدان ثقة بنفسها وبكل من حولها، قررت التخلص من ~~حياتها في لحظة ضعف. تعاطفت معها، ولكن جزءا مني ناقم ~~عليها؛ فلقد تقابلت مع شخصيات تعرضت لآلام أكثر بكثير منها ~~وتحملت ولم يفكروا في الانتحار. أنا مثلا طبيب ممارس عام لكن ~~ظروفي كانت تدفعني بقوة لأكون منحرفا أو مدمنا للمخدرات، لكني ~~سعيت بقوة لتحقيق حلمي لأكون طبيبا وأتخصص في علاج الأورام ~~لأنقذ المرضى، فأمي ماتت بالسرطان وحرمت من حبها وأنا طفل ~~في الثامنة وتزوج أبي بامرأة لم تتحمل وجودي، فتركني لجدتي لأمي ~~لتعتني بي، وفي الحقيقة كنت أنا من اعتنى بها، فهي كبيرة في ~~السن وهدها المرض والحزن على وفاة أمي. كنت أرى أبي كل أول شهر ~~عندما يأتي ليترك لنا بضعة قروش كمصروف لي ولنفقاتي، وكنت أعاني ~~من الذل عندما أطلب منه مبلغا إضافيا بسبب الدروس. كنت في ~~أعماق نفسي أكرهه لتخليه عني ولتقتيره علي؛ لذا قررت أن أعمل ~~وأنا لم أتجاوز العشر سنوات عند أصحاب المحلات المجاورة حتى ~~يتوفر لدي مال فلا أتذلل لأبي، ورغم ظروفي تلك من عمل ~~وعناية بجدتي - الحضن الوحيد الذي يضمني بحب وحنان ليمسح ~~عني آثار قسوة الزمن - فقد كنت من المتفوقين دراسيا، فكان ~~أمامي هدف واحد هو كلية الطب ولن أحيد عنه؛ لذلك لم أسقط في ~~براثن غوايات مرحلة المراهقة وأصدقاء السوء حتى لا أضل عن طريقي ~~الذي حددته. حصلت في الثانوية على مجموع يؤهلني لدخول كلية ~~الطب، وعندها ماتت جدتي وفقدت الحضن الدافئ الذي طالما احتواني ~~وخفف عني همومي، وكأنها سلمت أمانتها بمجرد اطمئنانها أني ~~خطوت أول خطوة في طريق الحلم. كانت نفقات الكلية باهظة وتكفل ~~أبي بنصفها فقط، فكان ms38 علي أن أعمل لأسدد باقي النفقات، فعملت في ~~الصيدلية التي كان صاحبها صديقا لخالي المهاجر لأستراليا، وكثيرا ~~ما ساعدته جدتي وأمي لاستكمال دراسته، فأراد أن يرد الجميل بعملي ~~معه في الوقت الذي تسمح به ظروف دراستي، كما كان يمدني بالكتب ~~والمراجع من أصدقائه الأطباء، وحينما حاولت الرفض قال: دا دين في ~~رقبتي باسدده، كان خالك مصطفى بيخليني أذاكر معاه في كتبه، وأمك ~~الله يرحمها كانت بتصور لي الأجزاء المهمة على حسابها، وجدتك كانت ~~بتديني مصروف في السر من ورا الكل؛ لأن معاش والدي الله يرحمه كان ~~يدوب مكفينا أكل وبس، وكان حلم أمي أبقى دكتور، فساعدوني أبقى ~~دكتور صيدلي، أنا مهما عملت ما أردش جميلهم يا نادر. # وقبل تخرجي بعامين توفي والدي وانقطع عني حتى القليل الذي ~~كان يمنحه لي، وقالت لي زوجته إنها لا تريد أن تراني أو أن يكون لي ~~صلة بها أو بأولادها، وأن أبي تركهم مدينين، وممتلكاته ستخصص ~~لتسديد الديون. # ضاقت بي الدنيا، وفكرت في الانتحار مثل نهلة، لكني فوجئت ~~بخالي مصطفى يتصل بي - بعد أن عرف ما جرى لي من صديقه - ووعدني ~~أن يتكفل بكل نفقات دراستي حتى التخرج، عندها سجدت لله شكرا، ~~وأدركت أنه لن يتخلى عني. بذلت كل جهدي حتى تخرجت، وبجوار ~~عملي الحكومي فأنا أعمل في مستشفى خاص ملك لأحد أساتذتي ~~المقدر لنجاحي وتفوقي. لو كل إنسان ضعف أمام الابتلاءات ~~القوية لما بقي أحد على قيد الحياة. # | المواجهة # كنت في عالم مختلف أرى فيه أشخاصا غابوا عن حياتنا، وكل من ~~يقابلني يسألني نفس السؤال: عملتي كده ليه؟ حرام عليكي. ~~- أنا تعبت. ~~- ويا ترى ارتحتي؟ ~~- مش عارفة. # هل حقا ارتحت من التعب أم ما زالت روحي متعبة؟ ترى هل ~~سيغفر لي ربي ذنبي؟ وكيف سأواجهه؟ لماذا لم أتحمل كغيري؟ لم لم ~~أحتمل وأنتظر الثواب من الله؟ هل أنا آثمة حقا؟ يا رب ليس لي ~~سواك، فارحمني برحمتك. # شعرت بيد سليم تمتد إلي وهو يبتسم ويجذبني ويقول لي: تعالي، ~~لسه قدامك فرصة. # فأمسكت بيده ms39 وذهبت معه ، فتحت عيني لأرى أني ما زلت بنفس حجرتي ~~بالمستشفى والممرضة تبتسم لي وتقول: حمد الله على السلامة خوفتينا ~~عليكي، دا دكتور نادر كان مراهنا إنك هتقومي واحنا نقوله لأ، ~~فقال هي قوية وهتقاوم. ~~- مين دكتور نادر؟ ~~- الممارس العام اللي كان بيمر على العيانين ساعة ما أخوكي اتصل ~~وقال إنه بيكلمك ما بترديش وإنه قلقان عليكي، قام دكتور نادر دخل ~~لاقاكي ... قام أنقذك بسرعة، بس كنتي نزفتي كمية دم كبيرة، فطلب ~~أخوكي وقاله محتاجين دم، فجه بسرعة واتبرع لك بدمه لأنكم نفس ~~الفصيلة، بس كانت حالتك صعبة، لكن الحمد لله ربنا نجاكي، هابلغ ~~أهلك ودكتور نادر. # خرجت وتركتني، وبعد عدة دقائق دخل طبيب بمعطفه الأبيض المماثل ~~لبشرته، وقامته الطويلة الرشيقة، وعينيه العسليتين اللتين تفيضان ~~بغضب ناري، وبعد أن انتهى من فحصي قال بحدة: أنا هاحطك تحت ~~المراقبة اليومين الجايين؛ لأن واضح إنك بتمري بمرحلة مراهقة ~~متأخرة مخلياكي مش عارفة تفكري وبتتصرفي بجنون. ~~- إنت مين عشان تحاكمني وتحكم علي؟ إنت ما تعرفش عني ~~حاجة. ~~- كل اللي أعرفه إنك عرضتي صحة والدتك للخطر بسبب تهورك، وإن ~~أخواتك كانوا هيتجننوا عشانك، خصوصا الأستاذ سليم اللي كان بيبكي ~~زي الأطفال، اللي أعرفه إني لو عندي عيلة زي دول هاحارب الكون ~~كله عشان أفضل معاهم وأسعدهم، مش أكون أناني زيك ومع أول مشكلة ~~صعبة أفكر في الانتحار. ~~- إنت جاي تعالجني ولا تحاسبني؟ ~~- ولا أحاسبك ولا تحاسبيني، بس واضح إنك من الناس اللي بتنسى ~~النعم اللي عندها وبتفضل تبكي وتدور على اللي ناقصها، عموما أنا ~~بعت دفتر مذكراتك لوالدك مع الأستاذ سليم، ووالدك كان هنا ~~النهارده وساب لك الرسالة دي، بس قبل أي حاجة لازم تاكلي كويس ~~وتاخدي الدوا. # سكت للحظات ثم قلت وأنا أشعر بالخجل: شكرا يا دكتور على تعبك ~~معايا، تسمحلي أكلم أهلي. ~~- طبعا، الموبايل عندك، بس الانفعال ممنوع. # اتصلت بأمي وأخبرتها أني بخير، واعتذرت لها عما سببته لها، ~~ورفضت أن تأتي لرؤيتي بسبب تأخر الوقت، وطلبت منها أن تنتظر ~~للصباح، لكن سليم ms40 لم ينتظر إنما جاء لرؤيتي وقبل جبيني وقال: ~~خضتيني عليكي، ينفع كده؟ ~~- سامحني كانت لحظة ضعف، بس صحيح اتبرعت لي بدمك؟ ~~- أه، يعني من هنا ورايح دمك هيبقى خفيف. # ابتسمت وقلت له: عايزة أخرج من هنا. ~~- الدكتور قال هتتحطي يومين تحت الملاحظة وبعدين تخرجي. ~~- خرجني بكرة وأوعدك مش هاعمل في نفسي حاجة، بالعكس أنا هارجع ~~أقوى من الأول. ~~- طيب هاتكلم مع الدكتور وأشوف رأيه، نامي شوية وارتاحي وربنا ~~يسهل. # | إلى ابنتي # في البداية أعترف بتقصيري تجاهك أنت وأخوتك، لكن أقسم بالله ما ~~كففت عن حبكم يوما ولن أكف حتى آخر لحظة في حياتي، ولكن ربما ~~لأني لم أتعلم البوح بمشاعري بقوة. سأحكي لك حكايتي من البداية ~~حتى تحكمي علي بشكل صحيح؛ فقدت أمي وأنا في الرابعة من عمري ~~حيث طلقها والدي وتزوج بأخرى وعشت معها، لم تحبني ولم تكرهني ~~إنما كانت تتعامل معي كشخص يجب أن تتعامل معه، فكانت تخدمني ولكن ~~بلا مشاعر، فتقوقعت على نفسي حتى أتجنبها، وكنت في المناسبات ~~أذهب لزيارة والدتي في بيت زوجها الذي كان رجلا صالحا يعاملني ~~بحب، فكنت أسعد بوجودي معه أكثر من أبي الذي يعاملني بقسوة ~~لأصبح رجلا - كما يرى - لكن وجودي في بيت أمي كان مؤقتا لأن ~~أبي يرفض أن يربيني رجلا غريبا. مضت الحياة بحلوها ومرها حتى ~~حصلت على شهادتي من معهد تجاري - حيث كنت أكره التعليم والمذاكرة ~~- وبدأت العمل في شركة مقاولات كبرى كموظف بسيط بواسطة زوج أمي ~~الذي كان قريبا لأحد موظفي الشركة الكبار، حلمت أن تكون لي يوما ~~شركة كهذه، ورغم أني لا أملك إلا راتبي لكن ذلك لم يمنعني من ~~الحلم. تعرفت بخالك عند زوج أمي، حيث كانت بينهما أعمال تجارية، ~~وعرفت أنه موظف في بنك، ورغم ذلك يؤجر أحد محلات والده لزوج ~~أمي، وعندما توطدت بيننا الصلات عرضت عليه مشروعي، حيث أرغب في عمل ~~مقاولات خاصة بي لأني صرت بالخبرة أعرف كل أسرار المهنة، وكذلك ~~أنا على صلة جيدة بأمهر العمال، لكن ينقصني رأس المال، فوافق ms41 أن ~~يشاركني بالنصف، هو بالمال وأنا بالجهد. بدأت العمل بالإضافة ~~لوظيفتي، فكنت أتولى تشطيب بعض الشقق، ثم تطورت لتشطيب عمارات ~~بأكملها. بعد عامين تحقق لنا ربح جيد وتعرفت على أسرته، وشاهدت ~~أمك لأول مرة، فتاة جميلة من أسرة طيبة لكنها تتفوق على ~~أسرتي ماليا واجتماعيا، ورغم ذلك لم تتزوج بعد لأنها تم عقد ~~قرانها مرتين، ثم انفصلت قبل الزواج، فأصبح الخطاب ينفرون من ~~الزواج منها. # حلمت أن تكون زوجتي، لكن هل سيقبل أهلها وأنا أقل منهم في كل ~~شيء؟ نفضت الفكرة من رأسي حتى لا أخسر خالك أحمد. استأجرت شقة ~~صغيرة لتكون مقرا لشركتنا بعد أن تقدمت بطلب إجازة من عملي، بدأ ~~عملنا يحقق نجاحا بسبب سمعتي الطيبة والتزامي، عندها لمحت لي ~~جدتك أنها تحلم برجل يصون ابنتها ولا تهتم بالفروق الاجتماعية، ~~فتشجعت وطلبت يدها من أحمد، فوافقوا وتم الزواج. لا أستطيع أن ~~أنكر أني أحببت عشرتها الحلوة وطيبة قلبها وحبها لأهلي وترحيبها ~~بهم، لكن كان هناك دائما ذلك الفارق بيننا الذي تذكرني به في ~~كل مناسبة، وفضل أخيها علي الذي لولاه لكنت ما أزال موظفا ~~صغيرا، لم تتذكر جهدي وتعبي حتى كونت اسما وسمعة طيبة. كل ~~رجل يا ابنتي يحلم بأن يكون بطلا في عين زوجته لا ترى في الدنيا ~~سواه، ولكني لم أكن يوما بطلها إنما بطلها كان أخاها دائما؛ فهو ~~من تفتخر به ومن تشيد بنجاحاته، ومن تستشيره في كل شيء. لم ~~تكتف بذلك إنما جعلت دوري في البيت يقتصر على تمويلكم، فهي ~~المسئولة الوحيدة عن كل شيء، ملابسكم، مدارسكم، مصروفاتكم، حتى ~~نوع العقاب هي من تحدده، ولم يكن مسموحا لي بالتدخل بحجة أني ~~دائما خارج البيت ولا أعرف عنكم شيئا. # لم أكن أتذمر في البداية لأني كنت أجري وراء لقمة العيش ~~لأوفر لكم حياة تليق بكم ولأحقق مالا ومركزا ربما يجعلان ~~أمك تفتخر بي كأخيها، لكن ذلك لم يحدث. حتى المشاعر بيننا بدأت ~~تجف وصارت تتباعد عني بحجة أننا كبرنا في السن وأنكم كبرتم ولا ~~يصح ms42 أن تدركوا طبيعة العلاقة بيننا، تباعدت عني في أكثر فترة ~~أحتاج لها فيها، تلك الفترة التي بدأت فيها أشعر بالاستقرار وأرغب ~~في اللحاق ببقايا الشباب وتعويض ما فاتني من مشاعر. حاولت كثيرا ~~أن أفهمها احتياجاتي لكنها كانت تراها مجرد تفاهة كبرنا ~~عليها. # لم تكن تعلم أن حولي ألف امرأة ما زالت تراني صغيرا وتحلم بأن ~~أكون لها، حاولت أن أقاوم كثيرا، ولكن هل أستطيع الصوم للأبد ~~وأشهى أنواع الطعام تحيط بي من كل جهة؟ حتى جاءت نرمين السكرتيرة ~~تلك المرأة الثلاثينية التي تفيض أنوثة، لكن أكثر ما جذبني إليها ~~هو ضعفها وحاجتها الدائمة إلي، وأنها تراني فارسا لأحلامها لم ~~تقابل مثله يوما، فكنت بطلها الذي تبهرها كل تصرفاته، بعكس أمك ~~التي كانت تراني عاديا مقارنة بأخيها ذلك الرجل الخارق - كما ~~كانت تسميه - فاستطاعت نرمين أن تجذبني تجاهها وخاصة عندما ~~طلبت مني مساعدتها وهي تبكي، فهي تحتاج لمحام لا يستغلها لكي ~~تطالب طليقها بنفقة ابنها الذي لم يتجاوز الثلاث سنوات، وهي لا تثق ~~بغيري كي يساعدها. وقعت أسير ضعفها واحتياجها لي وانبهارها بي، ~~ولأني لا يمكن أن أغضب الله قررت أن أتزوجها وألا أنفصل عن ~~والدتك لأن مكانها في قلبي ما زال كبيرا، ولأني لا أستطيع ~~الاستغناء عنكم، فقررت أن أخفي الخبر عن أمك وأهلها حتى لا أجرح ~~مشاعرها، لكن الخبر لم يظل سرا لفترة طويلة فاعترفت لأمك ~~بزواجي وبرغبتي أن تكمل معي كزوجتي وأم أولادي، لكنها رفضت بشدة ~~وأصرت على الطلاق حتى لو طلقت نرمين فأنا في نظرها ونظر أهلها ~~خائن للعشرة ولا أستحق كل ما فعلوه من أجلي، بل إن أحمد قرر ~~تصفية الشركة بيننا كعقاب لي ولأنه لم يعد يأتمنني على ماله. لم ~~يؤلمني ما فعلوه، لكن آلمني أن يتهموني بالخيانة والغدر، وأن أمك ~~حتى تكبرت عن العتاب أو اللوم، وأن أحدا من أسرتها لم يحاول ~~إصلاح ما بيننا أو معرفة السبب، بل اكتفوا باتهامي حتى أن قرر ~~أحمد تصفية الشركة فورا مما تسبب لي في خسائر كبيرة، ms43 لكني لم ~~أهتم، إنما التزمت بنفقاتكم لأضمن لكم مستوى معيشيا ثابتا لا ~~يتأثر بما حدث، وعاهدت نفسي ألا أبتعد عنكم. # أعترف أني لم ألتزم بوعدي، لكني كنت دائما أقول لنفسي إنكم لا ~~تحتاجون لي، فمعكم أمكم وأهلها، أما نرمين فليس لها سواي، كما أنها ~~أنجبت لي ثلاثة أطفال في ثلاثة أعوام متتالية كأنها خائفة من ~~تركي لها وعودتي إليكم، فصارت مسئولياتي أكبر وخاصة أنها لم تكن ~~كأمكم تحمل عني بعض المسئوليات، إنما كانت تلقي على كاهلي بكل ~~صغيرة وكبيرة، ورغم أنها غمرتني بحبها ومشاعرها الفياضة إلا ~~أن غيرتها كانت تخنقني، فقد كانت تغار حتى منكم، ولأني مشغول ~~بعملي كنت أتجنب غيرتها حتى وجدت نفسي بعيدا عنكم ~~تماما. # كبرت يا ابنتي ومرضت، وكبر الأبناء وزوجتي الضعيفة المعتمدة ~~علي صارت تتدخل في كل شيء وتتحكم في كل شيء، في عملي وحياتي ~~وحتى علاقاتي بالآخرين فأفسدت معظمها حتى أكون لها وحدها ولا ~~يشاركها حبي ومالي سوى أولادها فقط، ولأني صرت أحتاجهم أكثر مما ~~يحتاجونني استسلمت لرغباتها حتى إني حرمت نفسي من أجمل لحظة ~~يحلم بها كل أب وهي لحظة زواجكم؛ فقد أصرت على ألا أحضرها بحجة ~~أنكم لا تحتاجون لي، لكنها لم تدرك أني أنا من كنت أحتاج لتلك ~~اللحظات التي تروي ظمأ الروح بعد سير طويل في صحاري الحياة ~~القاحلة. # وأفقت من أنانيتي وتقصيري على خبر مرضك، محاولة انتحارك، فكاد ~~قلبي أن يتوقف، فنوارة قلبي ومدللتي فقدت رغبتها بالحياة ~~وأنا لا أعرف لم، بل وأقف عاجزا عن فعل أي شيء لها، وزاد إحساسي ~~بالعجز والألم تلك الكلمات التي تركتها لي، لم أكن أعرف أني ~~تسببت لك ولإخوتك في كل هذا الألم، وأني بأنانيتي أفسدت حياتكم، ~~لو أملك أن تعود بي عقارب الزمن لأعدتها لأتخلى عن كل رغباتي ~~وأظل بجواركم العمر كله، لكن من منا يملك أن يغير ماضيه ~~وحاضره؟ لكن أعدك يا حبيبتي أن أبذل قصارى جهدي لأغير المستقبل ~~وأجعله أفضل. # لي عندك طلب صغير، هلا سامحتي أباك العجوز الذي أساء إليك ms44 ~~بدون قصد ويتمنى لو أن يفعل أي شيء لتغفري له؟ فأنت جزء من قلبي ~~وروحي، ومهما ابتعدت عنك بجسدي فستبقين أنت في قلب قلبي ~~وروحي. # أبوك المعذب بذنبه # | الغفران # بكيت وأنا أقرأ الرسالة؛ فقد أدركت كم كنت أنانية في حكمي، فلم ~~أكن أرى سوى آلامي أنا وجراحي أنا، ولم أدرك أن هناك حقائق ~~غائبة وراء كل موقف لا نفهمها حقا إلا بعد أن يحكي كل طرف ~~ما حدث. لقد آلمت أبي بكلامي الجارح وبتحميلي له كل مسئولية ما حدث ~~لي، كما آلمت أمي وإخوتي بتهوري ومحاولة انتحاري، لم أفكر فيمن ~~حولي، حيث كنت أتمحور حول ذاتي فقط، وحقا كما قال الطبيب، كنت ~~أبحث عما ينقصني لأغضب، ولم أحمد الله على ما لدي، وهو أكثر ~~بكثير مما فقدته. # فكرت كثيرا في كل حياتي، فقررت ألا أستطيع العودة لعصام، فما ~~فعله لم يكن هينا، وإن منحته فرصة أخرى فسأظل أراقبه وأتربص ~~به، وسأحيل حياتنا لجحيم، لقد انكسر بداخلي حبي واحترامي له ~~والأهم ثقتي به، وأية علاقة تفشل إن فقدت الثقة والاحترام. ~~سأصر على الطلاق وأبدأ حياتي من جديد، حياة لا أمنح فيها كل ~~حبي أو ثقتي لأحد، حياة أحب فيها ذاتي لأني أستحق ذلك، ~~حياة لا أفني فيها نفسي في أحد ولا أضحي تماما من أجل أحد، ~~سأكون فيها معتدلة في كل شيء حتى مشاعري، هذا إن بقيت لي مشاعر ~~تجاه أحد. # في الصباح مر علي طبيب غير نادر، فطلبت منه أن يكتب لي ~~الخروج لأن أمي مريضة ولن تحتمل غيابي أكثر من هذا، فوافق مع ~~نصيحته بالمتابعة مع طبيب نفسي، وعند حدوث أية مضاعفات الاتصال ~~به أو بدكتور نادر لأنهما المتابعان لحالتي، فوافقت وارتديت ملابسي ~~وعندما حضر سليم وأمي فوجئا بي أستعد للخروج فاحتضنتني أمي ~~وقالت: البيت كان وحش من غيرك. ~~- ماتخافيش يا حاجة، راجعة لك نناكف في بعض. # فقال سليم ضاحكا: ربنا يستر. # خرجنا معا واستقبلتني سلوى في بيتنا بكل حب وود، شعرت ~~بالدفء والأمان وأنا في بيتي بين أسرتي. ms45 بعد عودتي بيومين اتصل بي ~~أبي وبعد الاطمئنان علي وعلى صحتي سألني: عصام جالي وبيعتذر ~~وبيطلب فرصة تانية، يا ترى إيه رأيك؟ ~~- ما أقدرش أرجع له تاني من فضلك يا بابا، أنا مصممة على الطلاق، ~~وتكون طلقة بائنة عشان مايردنيش تاني لعصمته، دي صفحة من حياتي ~~محتاجة أطويها. ~~- هاعملك اللي انتي عايزاه، وهاحاول أصلح كل حاجة بيني وبينك ~~وبين أخواتك، وأرجوكي يا بنتي سامحيني، وحاولي انتي وسليم وسلوى ~~تقربوا من أخواتكم وتكونوا سندا لهم بعد موتي. ~~- بعيد الشر عنك يا بابا. ~~- الموت حقيقة، توعديني؟ ~~- أوعدك يا بابا. # بعد أسبوع حصلت على الطلاق وطويت قصة حب خادعة؛ فهو كان يبحث ~~عن فتاة خام لم تعرف غيره، وأنا كنت أبحث عن قصة حب تغير ~~حياتي، فكانت النتيجة الطبيعية الفشل لتلك القصة التي يبحث فيها كل ~~طرف عما يسعده ولا يفكر في سعادة الآخر. # كانت أول مرة أخرج فيها من البيت ذهبت فيها للمستشفى، حيث حملت ~~بعض الهدايا للممرضات اللاتي اعتنين بي وشكرتهن على تعبهن معي، ~~فقالت لي إحداهن: دكتور نادر هنا مش عايزة تسلمي عليه؟ ~~- طبعا عايزة. # طرقت باب غرفته، ولما أذن لي دخلت وأنا أتعثر في خجلي، فنظر لي ~~بلا مبالاة وقال ببرود: أهلا مدام نهلة، خير بتشتكي من ~~حاجة؟ ~~- لا، الحمد لله أنا كويسة، بس كنت جاية أشكر الممرضات، ولما ~~عرفت إنك هنا جيت أشكرك. ~~- دا واجبي وشغلي اللي باخد عليه مرتبي، أنا ما عملتش حاجة ~~مخصوص. # جفاء كلماته زاد من ارتباكي، فقلت: عموما أنا متشكرة وآسفة إن ~~كنت عطلتك، عن إذنك. ~~- استني ... فيه حاجة بتاعتك معايا. # قام وفتح حقيبته وأخرج منها بعض الأوراق التي أدركت أنها رسالة ~~والدي، فاحمرت وجنتاي وقلت بغضب: مش ملاحظ إنك متطفل زيادة عن ~~اللازم! الأول تقرأ الكلام اللي وجهته لوالدي وتعرف عني كل ~~خصوصياتي من غير إذني، وبعد كده تسمح لنفسك تحتفظ برسالة بابا، ~~وأكيد قريتها برضه من غير إذن. ~~- أولا مذكراتك كانت مرمية جنبك متلطخة بدمك، وبعدما عالجتك كان ~~لازم أفهم إيه اللي ms46 خلاكي تعملي كده عشان أقدر أساعدك، وفعلا ~~لما قريتها لقيت إن والدك لازم يقراها، والرسالة التانية لقيتها ~~واحدة من الممرضات تحت مخدتك واديتهالي لأني عارف رقم أخوكي وعلى ~~تواصل معاه، وأنا أصلا نسيتها وما افتكرتهاش غير لما شوفتك ~~ومافتحتهاش، لأني مش فضولي، ولأن خصوصياتك ما تهمنيش. # ساد الصمت بيننا للحظات، وقطعه بقوله: طمنيني، صحتك عاملة إيه ~~دلوقتي؟ ~~- كويسة. ~~- طيب ممكن تيجي أشوف النبض وأقيسلك الضغط. ~~- لأ شكرا. ~~- أنا شايف وشك أصفر، إنتي ما بتاكليش كويس ولا لسه زعلانة على ~~الجنين؟ ~~- جنين إيه؟ ~~- هو انتي ماتعرفيش إنك كنتي حامل، ولما وقعتي حصلك نزيف ~~وإجهاض؟ # شعرت بذهول ودارت بي الأرض، فاستندت على المكتب فقال لي: اقعدي ~~من فضلك، واضح إنك زعلتي، بس ما تخافيش إنتي لسه صغيرة وتقدروا ~~تخلفوا تاني. ~~- إحنا اتطلقنا. ~~- أنا آسف، في البداية كنت فاكر إن جوزك ضربك وكان السبب في نزول ~~الجنين، وبعد إنقاذك كنت مصمم أعمل له محضر، بس أخوكي رفض وقال مش ~~عايزين فضايح، ولما قريت مذكراتك عرفت إن السبب خيانته، بس كنت ~~فاكر إنك عارفة بالحمل وكنتي عايزاها مفاجأة. # سكت للحظات ثم قلت: أنا هامشي. ~~- بس إنتي شكلك تعبان، ممكن أكلم أخوكي يجي ياخدك، أو استنيني ~~ساعة أخلص شغلي وأوصلك. ~~- لا شكرا، أنا هاخد تاكسي. ~~- طيب دا رقمي هنا وفي العيادة ورقم موبايلي، من فضلك أول ما ~~توصلي طمنيني عليكي، ولو تعبتي أي وقت كلميني. ~~- حاضر عن إذنك. # خرجت وأنا أتعجب من ترتيب القدر، فلو كنت عرفت بحملي لكنت بقيت ~~من أجل طفلي مع عصام، لكني فقدت الطفل حتى لا أظل مرتبطة به لأي ~~سبب. عدت للبيت وأنا أشعر بالصداع الرهيب فاتصلت بنادر وطمأنته، ~~فطلب مني أن ألتزم بالراحة وأن أستشير طبيب نفسي وأشار علي ببعض ~~الأكفاء منهم، فوعدته أن أذهب. كنت أمضي أيامي التالية بين النوم ~~والقراءة ولا أرغب في عمل أي شيء، فأصرت أمي على زيارتي للطبيب ~~النفسي، واستجبت لها. بعد عدة جلسات مع الطبيب النفسي تحسنت ~~حالتي واستعدت رغبتي في الحياة، حتى ms47 إخوتي من أبي بدأت أتواصل معهم ~~رغم جفائهم في معاملتي، لكني لم أهتم، إنما كنت أهتم بسعادة ~~أبي بذلك التواصل. أصر الطبيب النفسي على عودتي للعمل لتأثير ذلك ~~الإيجابي على نفسيتي، لكنه طلب مني الاستعانة بطبيب متخصص لمعرفة ~~سبب الصداع المستمر الملازم لي. # اتصلت بدكتور نادر وأخبرته بطلب الطبيب فقال: عدي علي بكرة ~~في المستشفى ونشوف رأي الدكاترة الكبار إيه. # في اليوم التالي بينما أستعد لعمل الفحص تلقينا فاجعة موت ~~أبي المفاجئ، كان الخبر صدمة بالنسبة لي، فما إن تحسنت العلاقات ~~بيننا يتدخل القدر ليحرمني من أبي، وكأنني كلما أخذت خطوة في ~~طريق السعادة، تبتعد عني هي بعشر خطوات. شعرت أني طفلة صغيرة ~~تاهت عن والدها، وبمجرد أن وجدته خطفه القدر من بين يديها، فبكيت ~~يتما كتب علي عمري كله، ومشاعر أفتقدها ولن أجدها، بكيت أبا ~~لم يكن موجودا في حياتي سوى بالاسم وعندما عاد لي كاملا فقدته ~~مجددا. كنت أتخبط في مشاعري تائهة حتى ضمتني أمي لصدرها وقالت: ~~الله يرحمه، ادعيله ربنا يغفر له. ~~- إنتي اللي بتقولي كده؟ ~~- يا بنتي كلنا بشر لنا ميزاتنا وعيوبنا، وزي ما شفت مع أبوكي ~~الوحش شفت معاه الحلو، وولاد الأصول اللي ساعة الفراق بينسوا كل ~~الوحش وما يفتكروش غير العمل الطيب. ~~- الله يرحمه ويغفر له. # شعرت ببعض التعزية لأني حاولت إسعاده قبل وفاته بمسامحته ~~والتواصل مع إخوتي وأهله الذين أوصانا على وصلهم دائما. # اتصل بي نادر كثيرا ولكني لم أجبه، فظن أن مكروها أصابني ~~فاتصل بسليم، فلما عرف بوفاة والدي حضر العزاء، وبعد عدة أيام اتصل ~~بي؛ ليجدد موعدي للفحص الطبي. ذهبت في اليوم التالي وأجريت عدة ~~تحاليل وأشعة، وبعد يومين قال لي: أنا عايزك تيجيلي بكرة ~~المستشفى. ~~- ليه! نتيجة التحاليل فيها إيه؟ ~~- الغريب إن مافيهاش حاجة، فعايزين نعمل أشعة مقطعية على ~~المخ. ~~- ليه؟ ~~- ممكن الوقعة اللي وقعتيها سببت كدمة وهي اللي عاملة الصداع ~~دا. ~~- بس أنا بكرة كنت رايحة أعمل مقابلة شغل جديد. ~~- هتخلصي إمتى؟ ~~- تقريبا الساعة 3. ~~- هاستناكي بس متتأخريش. ~~- طيب ما ms48 أنا ممكن أعملها في أي مركز بره وأبقى أجيبهالك. ~~- زي ما تحبي، واضح إن متابعتي لكي مضايقاكي. ~~- لا أبدا، أنا بس مش عايزة أعطلك. ~~- لا متخافيش، مافيش أي تعطيل، أنا بكرة ماعنديش حاجة بعد ~~المستشفى. ~~- متشكرة يا دكتور. # تساءلت، هل هذا اهتمام عادي من طبيب بحالة يتابعها، أم إنه ~~اهتمام خاص بشخصي؟ لا بد ألا أقع فريسة الأوهام؛ فهو مجرد ~~طبيب مجتهد يتابع مريضة، كما أن طريقة تعامله وكلامه كلها لا ~~تدل على غير ذلك. ذهبت لإجراء المقابلة، والحمد لله تم قبولي في ~~العمل، فذهبت مسرعة للمستشفى والتقيت بنادر الذي اصطحبني لإجراء ~~الأشعة، وبعدها سألني عن المقابلة فأخبرته بقبولي فهنأني ببروده ~~المعتاد، فودعته وانصرفت. # | وتتوالى الأحزان # في الصباح وجدت على هاتفي رسالة من نادر مختصرة وجافة: «لما ~~تصحي كلميني.» فقمت وتوضأت وصليت وتناولت إفطاري، ثم اتصلت به ~~فقال: عايز أتكلم معاكي لوحدنا، ينفع نتقابل فين؟ ~~- ليه إيه السبب؟ ~~- مش هينفع في التليفون. ~~- وأنا ما أقدرش أقابلك غير في المستشفى، أنا مطلقة، وكل ~~تحركاتي محسوبة علي من الناس. ~~- خلاص تمام، هاستناكي في المستشفى. # تعجبت لطلبه، فلم يرغب في مقابلتي بعيدا عن البيت والعمل؟ هل ~~يظنني امرأة سهلة؟ هل سيحاول استغلال احتياجي العاطفي؟ أيرغب في ~~علاقة معي؟ لا أعتقد، فنادر مختلف، ولماذا هو مختلف! أليس برجل ~~كباقي الرجال وأنا مطلقة؛ أي مطمع لكل رجل؟ لا بد أنه طامع في ~~علاقة معي، لن أذهب، لا بل سأذهب لألقنه درسا لن ينساه وأقطع ~~علاقتي به. # ذهبت للمستشفى وأنا متحفزة له، وعندما دخلت المكتب فوجئت بوجود ~~دكتور إيهاب - من كان يتابع حالتي مع نادر - الذي رحب بي، ~~وعندها دخل نادر ومعه الأشعة وقال: أهلا مدام نهلة. ~~- خير يا دكتور نادر، كنت عايزني ليه؟ # فقال إيهاب: بصراحة الأشعة بتاعتك بينت إن عندك مشكلة. ~~- مشكلة إيه؟ # فقال نادر بهدوء: كتلة ضاغطة على المخ، ومش عارفين دي إيه، ~~تجمع دموي مكان الوقعة، ولا ... ~~- ولا إيه؟ مش فاهمة! # فقال إيهاب بحذر: ولا ورم، بس ماتتخضيش، مش كل ورم حاجة ms49 وحشة، ~~ممكن يكون ورم حميد. # فقال نادر: وعشان نعرف هو إيه ونعالجه صح محتاجين نفتح ~~ونستأصله. # تخيلت كل شيء لكني لم أتخيل أبدا أن يطلبني نادر من أجل هذا ~~السبب. ورم! أي أني أواجه الموت، على بعد عدة خطوات طالت أو ~~قصرت؛ فهو مرض شرس يلتهم مرضاه بضراوة. أفقت من شرودي على صوت ~~نادر يقول: متخافيش، وأهم حاجة هنعرض كل الأشعة والتحاليل على ~~دكتور كبير متخصص، وهو يوجهنا نعمل إيه. ~~- أنا اللي كنت باسعى ورا الموت، ولما اقتنعت إن الحياة حلوة ~~ولازم نعيشها ألاقي الموت هو اللي بيسعى ورايا، الدنيا دي ~~غريبة. ~~- أهم حاجة لازم تعرفيها إن اللي معنوياتهم عالية هم اللي ~~بيقاوموا ويصمدوا، واحنا لسه مش متأكدين إحنا بنواجه إيه. ~~- أنا مش خايفة من الموت، لو دا قدري إيه المطلوب مني؟ # فقال إيهاب: الأول هتعرفي أهلك بهدوء، وبعد كده ناخد خطواتنا ~~مع الدكاترة المتخصصين. # فنظرت لنادر وقلت: ممكن أطلب منك خدمة؟ ~~- طبعا. ~~- أنا ممكن أقول لسليم وهيفهم ويصدقني، لكن ماما مش هتصدق ~~غيرك. # فابتسم لأول مرة وقال: أنا موافق، بس تعزموني على فنجان ~~قهوة. ~~- متشكرة جدا يا دكتور نادر، وشكرا يا دكتور إيهاب على تعبك ~~معايا. # فقال إيهاب: لا شكر على واجب، وما تخافيش إن شاء الله ~~خير. # انصرفت والأفكار تصارعني وتزيد من وطأة الصداع وعدت للبيت، ~~واتصلت بي مسئولة التوظيف في الشركة التي قبلتني للعمل بها، ~~فاعتذرت لها عن العمل لظروف صحية، وقلت لنفسي أنا لا أعلم ماذا ~~تدخر لي الأقدار. نمت قليلا وبعد الظهر اتصلت بسليم وحكيت له كل ~~ما حدث فطمأنني، عرفت بعد ذلك أنه اتصل بنادر ليتأكد من كل ما ~~قلته، وهو مفزوع من فكرة فقدي، فطمأنه نادر وطلب منه أن يأتي ~~لمقابلة والدتي في وجوده؛ ليشرح لها حالتي حتى نبدأ رحلة ~~العلاج. # جاء نادر وجلس مع والدتي وقال لها إن هناك تجمعا دمويا في ~~رأسي بسبب وقوعي، وإنه يجب إزالته حتى لا يتحول لورم، فوافقت ~~والدتي على الفور وقالت له: اللي تشوفوه صح اعملوه، ms50 المهم بنتي ~~تعيش سليمة. # بدأنا الإجراءات والتحضير للعملية وأنا لا أشعر بالخوف، بل ~~بالطمأنينة لأني على يقين بأن الله لن يفعل لي سوى ما فيه الخير ~~لنا جميعا، كما أني لست راغبة في الحياة بقوة، بل أعيشها لأنها ~~مفروضة علي. دخلت المستشفى ومر علي الطبيب الكبير الذي ~~سيجري لي العملية وقال مازحا: ماتخافيش، إيدي خفيفة مش هتحسي ~~بيها. ~~- مش خايفة، بس أهم حاجة تسيبولي عقلي سليم وحتة واحدة. # فضحك، وبعد أن تابع كل التحاليل واطمأن على مؤشراتي الحيوية ~~انصرف، وفي الصباح جاء نادر وقال مبتسما: جاهزة؟ ~~- لما أشوف سليم هابقى جاهزة. # عندها دخل سليم واحتضنني وقال: متخافيش أنا معاكي ومش ~~هاسيبك. ~~- وده اللي مطمني. # ثم قال لنادر: حافظ على دمي اللي عندها، ولو احتجت تاني أنا ~~موجود. ~~- ماما فين؟ ~~- مارضيتش أجيبها ولا قلت لها على الميعاد، هي وسلوى فاكرين ~~العملية بكرة، وماما عمالة تدعي لك. # فقال نادر: كفاية عواطف، وسيبنا نشوف شغلنا. # دخلت غرفة العمليات وقال لي طبيب التخدير: عدي لحد 10. ~~- لا، أنا هاقرأ قرآن، ولما تلاقيني لخبطت اعرف أني ~~اتخدرت. # ذهبت في عالم آخر، ورأيت أبي يبتسم لي ويضمني بشوق وأنا ~~سعيدة بين أحضانه، ثم رأيت من بعيد طفلا صغيرا يبتسم لي ويمد ~~لي يده، لكن أبي قال لي: دا مش وقتك، ارجعي لأمك يا حبيبتي. # انتهى الحلم، وأفقت على أصوات من بعيد وخيالات تتحرك أمامي ~~وصوت ينادي اسمي أعرفه جيدا ولكني لا أتذكر صوت من هذا، حتى ~~أفقت تماما، فوجدت نادر وسليم بجواري، وابتسم لي نادر وقال: حمد ~~الله على سلامتك. ~~- الله يسلمك. # فقال سليم: إنتي كويسة؟ ~~- أه يا حبيبي ماتخافش، بس دماغي تقيلة. # فقال نادر: امشي انت النهاردة، وأنا نباطشي معاها وهاطمنك ~~عليها. # خلال عدة أيام تحسنت حالتي كثيرا، وسمحوا لي بالخروج بعد أن ~~تلقينا جميعا ومعنا نادر توبيخا من والدتي. على إخفاء موعد ~~العملية عنها، فقلت لها وأنا أقبل يدها: كلنا كنا خايفين عليكي ~~من التوتر وانتي ضغطك عالي، ماتزعليش حقك علي. ~~- مش زعلانة يا حبيبتي، ms51 الحمد لله إنك قمتي بالسلامة. # حان موعد خروجي وجاء دكتور إيهاب للاطمئنان علي وقال: هناخد ~~الأدوية بانتظام، وأي شكوى تكلميني أنا أو نادر على طول، وممنوع أي ~~مجهود أو انفعال. ~~- حاضر يا دكتور وشكرا على تعبكم، بس هاعرف نتيجة العينة ~~امتى؟ ~~- أول ماتظهر هنكلمك. # | ميلاد جديد # لم يتوقف نادر عن زيارتنا أو التحدث إلي هاتفيا بحجة ~~الاطمئنان علي، وكانت المحادثات بيننا تدور حول كل ما ~~يخصنا، هواياتنا وطفولتنا ومشاكلنا، فخلال فترة بسيطة صرنا ~~أصدقاء ونعرف عن بعضنا كل شيء. كنت أشعر معه بالراحة، ولا أخاف منه ~~ولا أتكلف وأنا أتحدث معه، استمعت منه لأحلامه وطموحاته، وعرفت ~~كم نحن متشابهون؛ فهو مثلي يخشى التعلق والفقد. جاء نادر ذات ~~ليلة مع سليم لبيتنا وقال لأمي: أنا جاي النهاردة لسببين؛ الأول ~~أبشركم إن نتيجة العينة كويسة ومافيش فيها حاجة. # قالت أمي: عينة إيه؟ ~~- التجمع الدموي، كان لازم نفحصه ونتأكد إنه ماعملش ~~ورم. ~~- الحمد لله. # فقال سليم بخبث: والسبب التاني أكيد عوز حلاوة الخبر دا عشرين ~~جنيه. # فقال نادر متلعثما: هو ... أنا ... عاوز حاجة تانية غير العشرين ~~جنيه. # فسكت، فقال سليم ضاحكا: لازم طمعان في خمسين. ~~- لا، طمعان في نهلة. ~~- نعم؟ ~~- عاوز أتجوز نهلة. # سكتنا جميعا واحمرت وجنتاي حتى قالت أمي: وماله يا حبيبي، ~~احنا هنلاقي أحسن منك، بس مش يمكن أهلك يرفضوا بسبب ظروفها؟ # حكى نادر لهم ظروفه العائلية، ثم قال: أنا عارف إن إمكانياتي ~~المالية أقل منكم، لكن أنا بابذل كل جهدي عشان دخلي ~~يتحسن. # فقال سليم بجدية: الفلوس وسيلة عشان الناس تعيش مرتاحة، لكنها مش ~~كل حاجة في الحياة، المهم إنك تحافظ عليها وتصونها. ~~- أوعدك إني هاتقي الله فيها. ~~- وأنا مش عاوز أكتر من كده، وانتي إيه رأيك يا نهلة؟ # سكت ولم أجب، فقالت أمي: أنا هاعمل لكم الشاي، تعالى يا سليم ~~عاوزاك. # خرجا وتركاني معه، فقال نادر: ما قولتيش إيه رأيك؟ ~~- ليه أنا؟ شفقة وعطف؟ ~~- لأ، إنما لأننا متشابهون في ظروفنا كتير، مش هاقولك بحبك ~~وبافكر فيكي طول الليل، لكن ms52 هاقولك عجبتيني بأخلاقك وتفكيرك ~~وشخصيتك، أنا وحيد ومحتاج واحدة مخلصة تكون جنبي في حياتي ونعمل ~~عيلة تملا علي الدنيا، وانتي الوحيدة اللي فكرت إنها تشاركني ~~حياتي. ~~- ومش هتعايرني بطلاقي، ولا هتغير إني كنت متجوزة قبلك؟ ~~- أنا عارف ظروفك كويس جدا، وعارف نفسي مش أنا الراجل اللي ~~يعاير واحدة ست بظروف مالهاش دخل بيها. ~~- أنا خايفة أفشل تاني. ~~- فشلك الأولاني لأنك جريتي ورا عواطفك بس ولغيتي عقلك، وبعدين ~~في فترة الخطوبة من حقك تقرري هتكملي ولا لأ. ~~- سيبني أفكر وأستخير ربنا. ~~- وأنا منتظر ردك. # أبدت أمي وسليم ارتياحهما له مع تخوف سليم من ظروفه المالية، ~~فقالت له أمي: بلاش نعقدها معاه، وماتنساش إنها مطلقة. ~~- إنتي يا ماما اللي بتقولي كده؟ ~~- لا، كلام الناس والمنطق اللي بيقول كده. # فقلت: أنا هافكر بعقلي وهاستخير ربنا، وبعد كدة أقرر أقبل ولا ~~أرفض. # بعد أسبوع أخبرت سليم بموافقتي المبدئية، وأريد أن أتحدث مع ~~نادر لأعرف كل ظروفه، فأخبر نادر الذي أتى إلينا وجلس معنا، فقلت ~~له بعد الترحيب: أنا عاوزة أعرف كل ظروفك. ~~- أنا مقيم في شقة جدتي القديمة، وبعد ماحوشت مبلغ حولت عقد ~~الإيجار باسمي، الشقه 3 أوض كبيرة وصالة واسعة ومكانها في المنيل، ~~باشتغل الصبح في مستشفى حكومي ولسه واخد الماجستير وهاحضر ~~للدكتوراه، كمان باشتغل في المستشفى اللي أنتم عارفينه وباحلم في ~~يوم تكون عندي مستشفى كبيرة بتاعتي، عندي عربية صغيرة مش قديمة أوي ~~ومش أحدث موديل لكن بتخلص مشاويري، الخلاصة عايش في مستوى متوسط، ~~ولو اتجوزنا هتعيشي معايا في نفس المستوى. # فقالت أمي: واللي ينقصها عندك نكمله إحنا. ~~- كتر خيركم، بس أنا ما اسمحش حد يصرف على بيتي ومراتي مليم ~~غيري، لو ظروفي تناسبها يبقى اتفقنا، ولو ماتناسبهاش يبقى مافيش ~~نصيب. # سكت الجميع فقلت: موافقة بس لي شرط، ماتمنعنيش عن شغلي. ~~- وأمنعك ليه، أنا معظم الوقت بره البيت، يبقى انتي لازم تملي ~~فراغك بحاجة تحبيها، بس في حالة وجود أطفال أتمنى تتفرغي ~~لهم. # احمرت وجنتاي خجلا، فقالت أمي: على بركة الله. # فقال ms53 سليم: وبالنسبة للعفش والشبكة. ~~- أنا محوش قرشين، وتعالوا شوفوا الشقة، وشوفوا هتعملوا إيه ~~فيها. # اتفقنا على كل التفاصيل وقرأنا الفاتحة، وحددنا الأسبوع المقبل ~~موعدا للخطبة التي ستقتصر على الأهل فقط. # لا أعرف لم هي دونا عن غيرها التي جذبتني إليها، وشعرت أني ~~أرغب أن أكمل حياتي معها، فهي ليست أجمل من قابلت ولا أكثرهم ~~ثراء، لكن بها شيئا يجعل قلبي سعيدا عندما يراها، وأستمتع ~~بالحديث معها ولا أريده أن ينتهي، كما أني أتلهف لرؤيتها بل كنت ~~أخترع الأسباب لأراها وأبدل وردياتي لأكون بجوارها أطول وقت ~~ممكن، هل هذا هو الحب الذي طالما خفت أن أقع في شباكه طالما حلمت ~~به؟ لا أعلم، لكني سعيد بأنها صارت لي وبعد خطوات ستكون معي ~~للأبد. أفقت من أفكاري على اتصال من دكتور إيهاب الذي قال: شفت ~~إيه اللي حصل؟ ~~- لو خبر حلو قول، لو وحش لأ عشان ماتبوظش مزاجي. ~~- نهلة. ~~- مالها؟ ~~- نتايج العينة بتاعتها كان فيها لخبطة وجاتلي دلوقتي النتيجة ~~السليمة. ~~- اتكلم على طول فيها إيه؟ ~~- ورم. # سكت للحظات وقد أصابتني صدمة، ثم تمالكت نفسي وقلت: وقلت ~~لها؟ ~~- لأ أنا باقولك أنت، بس ... ~~- اتكلم فيه إيه تاني. ~~- مالك عصبي ليه، هي تهمك للدرجة دي؟ ~~- أنا لسه قاري فاتحتها. ~~- يا خاين من ورايا، طب وهتعمل إيه دلوقتي؟ ~~- ولا حاجة، هاكمل الجواز، ولما تبقى مراتي أبقى أعرف أعالجها ~~وهتكون تحت رعايتي. ~~- وعليك من دا كله بإيه؟ ما تسيبها وتتجوز واحدة سليمة. ~~- إنت يا دكتور اللي بتقول كده؟ ومين فينا ضامن إنه يفضل سليم؟ ~~ومين فينا أصلا ضامن عمره؟ ~~- دا انت غرقان لشوشتك يا عم، طيب عموما أنا عرفت إنك خطبتها من ~~سليم وحبيت أباركلك وأطمنك إنه ورم حميد. ~~- تصدق إنك بارد وتستاهل اللي مراتك وحماتك بيعملوه ~~فيك. ~~- حرام عليك دا أنا غلبان، عموما ألف مبروك وربنا يسعدك. # أدركت بعد تلك المحادثة أن ما أشعر به ليس إعجابا فقط، بل هو ~~أكبر من ذلك، فخوفي عليها ورعبي من فقدها جعلاني أدرك كم هي مهمه ~~في حياتي. ms54 # | الحب الحقيقي # تمت الخطبة في حفل عائلي بسيط، وبعدها بدأنا تجهيز شقة ~~الزوجية واتفقنا من البداية على تجهيز غرفة النوم والصالة بأثاث ~~جديد، بينما سنكتفي بإعادة طلاء غرفتي المكتب والغرفة التي ~~سنخصصها للأطفال، وسيحتفظ بمكتبه القديم، بينما غرفة الأطفال ~~سنضع بها أثاث غرفته القديم حتى يرزقنا الله بأطفال، وذلك توفيرا ~~للنفقات. ورغم وجود الكثير من أثاث شقتي السابقة في شقة خالي ~~المغلقة إلا أني لم أستخدمه، بل أصررت على بيعه كله وشراء أثاث ~~جديد يناسب حياتي الجديدة. استنفد كل ذلك مدخرات نادر، فاضطررنا ~~لتأجيل الزواج خاصة بعد أن رفض أية مساعدة بأي شكل من أي أحد، ~~وخاصة أنا، وعندما عرف خاله بتأجيل موعد الزفاف - الذي أصر على ~~حضوره - بسبب نفاد مدخراته أرسل له مبلغا كبيرا وقال له إن تلك ~~هدية زواجه، فهو مثل أبنائه، فقبله نادر شاكرا. انتهينا من تجهيز ~~الشقة وحددنا موعد الزفاف، وحضر خاله وهنأنا ودعانا لزيارته لقضاء ~~شهر العسل، وأهدانا طارق زوج أختي تذكرتي سفر مجانا لأي مكان في ~~العالم في أي وقت، فقال لي نادر: تسافري؟ ~~- لو تحب. ~~- أحب، بس الشهر دا عندي شغل مهم، هتزعلي لو أجلناه ~~شوية؟ ~~- لأ، زي ما تحب. # بدأت حياتي معه وأنا أشعر بالاطمئنان والسكينة بجواره؛ فقد كان ~~إنسانا هادئا جدا ومتفاهما وعقلانيا جدا، لم يجبرني على ~~شيء ولم يمنعني من شيء، إنما كان يناقشني إما أقنعه أو يقنعني، ~~ورغم أني افتقدت المشاعر المتدفقة والرغبات المشتعلة إلا أني كنت ~~أشعر بالأمان أكثر معه. بدأت بيننا بالعشرة مشاعر هادئة تنمو ~~بالتدريج لم نتعجلها، ولم يضغط أحدنا على الآخر؛ ليعترف بحبه أو ~~ليمنحه اهتماما أكبر. اتفقنا على تأجيل الإنجاب لمدة عام حتى ~~نختبر حياتنا معا، هل سننجح في الحياة معا أم لا، وأيضا لأن ~~إمكانياتنا المالية الحالية لا تحتمل وجود طفل. كنت أعمل ورغم ذلك ~~كان يرفض أن أنفق راتبي في البيت، إنما سمح لي بإنفاقه على ما ~~أحتاجه فقط، وبالطبع لم يستطع الوفاء بوعده لي لنسافر للخارج بسبب ~~ظروفنا المالية، وكان ذلك ms55 يضايقه كثيرا، حتى عاد في يوم للبيت ~~مبكرا عن موعده، ولأول مرة يحتضنني بقوة ويغمرني بقبلاته، وقال ~~لي: عاملك مفاجأة. ~~- خير. ~~- هنسافر زي ما وعدتك. ~~- بجد؟ ~~- طبعا، والتذاكر أهي. ~~- وهنقعد أد إيه؟ ~~- سنتين. ~~- إيه؟ ~~- لما خالي عزمني أقضي شهر العسل عنده قلت له الأحسن تشوفلي شغل ~~عندك، فوعدني لكن ماردش فقلت نسي، لحد ما لقيته بعتلي عقد العمل، ~~وعملت الإجراءات وحجزت التذاكر. ~~- بس دي أول مرة تاخد قرار مهم زي دا من غير ما تاخد ~~رأيي. ~~- ودي محتاجة رأي؟ هنسافر برة وأشتغل بمرتب كبير وممكن كمان ~~أحضر الدكتوراه من هناك، عارفة دا معناه إيه؟ يعني لما نرجع ~~مكانة كبيرة والمستشفيات هي اللي هتجري ورايا، وممكن أحقق حلمي ~~ويبقى عندي مستشفى كبير للأورام، وأعمل جزء منه مجانا. ~~- يعني انت فكرت في نفسك ومصلحتك، وافترضت إن موافقتي موجودة ~~أو اعتبرتها تحصيل حاصل؟ ~~- إنتي مش عاوزة تسافري؟ ~~- عاوزة أسافر رحلة، لكن فكرة السفر لمدة دي ما اتكلمناش فيها، ~~ولا انت ناسي إننا شركاء في حياتنا، وأي قرار حد فينا ياخده هيأثر ~~على الطرف التاني؟ # جلس حزينا وقد تلاشت الفرحة من عينيه وقال: أنا مافكرتش فيها ~~كده، أنا فكرت إنها هتبقى مفاجأة حلوة لكي. ~~- عشان تبقى مفاجأة حلوة لازم نكون اتكلمنا فيها، وتعرف أنا بحلم ~~بالسفر بره ولا لأ. ~~- قصدك إنك مش عاوزة تسافري معايا؟ ولا ألغي السفر من ~~أساسه؟ ~~- مش عارفة، بس هي زي ما قلت مفاجأة فعلا، وسيبني أفكر ~~بهدوء. ~~- بس أنا حجزت التذاكر كمان 10 أيام. ~~- ما تضغطش علي من فضلك. ~~- خلاص براحتك. # لأول مرة أراه حائرا ومنكسرا وليس قويا كما اعتدته، هل حقا ~~يهتم لغضبي لتلك الدرجة؟ هل سيفتقدني إن سافر بمفرده؟ هل سأقوى على ~~الحياة بدونه أو بعيدا عن أهلي؟ ومن الواضح أنها الفرصة التي يحلم ~~بها، لكني لا أستطيع العيش بعيدا عن أهلي وخاصة أمي التي كبرت ~~وتحتاجنا بجوارها، أنا حائرة لا أدري أيهم أختار. كان اليوم ~~التالي هو يوم الجمعة حيث نجتمع على الغداء عند أمي، فذهبت ms56 مع نادر ~~الذي ظل صامتا طوال الطريق وبعد أن تناول الغداء استأذن بحجة ~~متابعة حالة في المستشفى، وبعد أن غادر قالت أمي: جوزك ماله! إنتم ~~متخانقين؟ ~~- لا يا ماما، أنا هاحكيلكم وانتم احكموا. # وبدأت في سرد ما حدث، فقالت لي أمي: يا بنتي أنا زمان غلطت لما ~~فضلت عيلتي على جوزي، وكانت النتيجة إني خسرته وعشت بطولي شايلة ~~حمل تقيل لوحدي، ما تغلطيش غلطتي وتضيعي راجل بيحبك. # وقالت هدى زوجة أخي التي نادرا ما تتدخل في الحديث: بصي يا ~~نهلة، بلدك مكان ما يكون جوزك، لكن دا ما يمنعش إنك تبري أهلك ~~وتنزلي لهم في الإجازات مثلا. # فقال سليم: سافري، ولو تعبتي هناك ابعتيلي، وساعتها أبعتلك تذكرة ~~سفر تقعدي لحد ما ترتاحي وبعدين ترجعي لجوزك. # ثم قالت سلوى: وأنا أخلي جوزي يجيبلك تخفيض على التذاكر، وبعدين ~~النت قرب الدنيا من بعضها، دا جوزي طول ما هو مسافر بافضل أكلمه ~~فيديو لحد ما يرجع. # ضحك سليم وقال: إنتي فظيعة، سيبيه يتنفس. ~~- أبدا، هافضل كاتمة على نفسه لآخر لحظة. # ضحكنا كلنا وقالت أمي: سافري مع جوزك يا حبيبتي، وماتخافيش أخوكي ~~وأختك معايا. # عدت لبيتي مبكرا لأصالح نادر وأبشره بموافقتي وأنا سعيدة ~~أني توصلت لحل سيسعدنا معا، وبمجرد أن فتحت باب الشقة وجدت نور ~~غرفة نومي مضاء، فارتجفت بشدة فقد استعدت نفس مشهد خيانة عصام، ~~مما جعلني أتسمر مكاني ولا أقوى على الحركة لمدة دقيقة، وتجمعت ~~الدموع في مقلتي، ودعوت الله ألا يتكرر ذلك المشهد مرة أخرى، ~~فأنا لن أحتمل تلك المرة مرارة الغدر، استجمعت نفسي، وأنا أشعر ~~بثقل جسمي وتحركت صوب حجرتي، ومع خفقات قلبي المجنونة صار جسدي ~~يرتجف بشدة، وفتحت الباب ففوجئت بمشهد لم أتخيله، فنادر ساجد ~~يصلي ويبكي وهو يقول بصوت مرتفع من خلال دموعه: يا رب زي ما ~~رزقتني بيها وزرعت حبها في قلبي وأسعدتني بيها، ماتحرمنيش منها، يا ~~رب لو سفري هيتعسها أو هيبعدها عني هاتخلى عنه وعن حلمي، بس ~~خليها تفضل معايا ماتسيبنيش يا رب، أنت وحدك ms57 عارف أنا اتعذبت أد ~~إيه وهي الوحيدة اللي قدرت تعوضني عن كل اللي فات، فما تحرمنيش ~~منها. يا رب واجمعنا على حبك وطاعتك. # لم أستطع منع دموعي ولا شهقاتي، فسقطت على الأرض جالسة وجسدي ~~كله يرتجف، فختم نادر صلاته وأسرع إلي وضمني لصدره وقال بلهفة: ~~نهلة مالك؟ ~~- أنا كويسة، أنا بس مش مصدقة إن ربنا عوضني بيك، وعمري ما تخيلت ~~إنك بتحبني كده. ~~- أنا ما باعرفش أقول كلام حلو، وده عيب في، لكن على استعداد ~~أعمل أي حاجة ترضيكي. ~~- أنا أكتر حاجة ترضيني إني أكون جنبك لآخر عمري. # ضمني لصدره بقوة، فتمسكت به لأني أنا من أخشى أن يتركني كما ~~تركني غيره، نظر في عيني ومسح دموعي وقال: إيه لازمتها الدموع ~~دي؟ ~~- أنا كده، أفرح أبكي، أزعل أبكي، أحب أبكي، نكد بعيد ~~عنك. # ضحكنا معا، فقلت له: عندي حاجة عايزة أطلبها منك. ~~- عيوني عشانك. ~~- تسلم عيونك، بس أنا عاوزة حاجة تانية، عاوزة بنوتة. ~~- بنوتة إيه، مش فاهم؟ ~~- عايزة أخلف منك بنوتة لما نسافر إن شاء الله. ~~- ولو ولد هنرجعه؟ ~~- أنا باتكلم جد. ~~- وأنا جد أكتر منك، أنا بقى عاوز ست عيال، باقولك إيه تعالي ~~نعمل بروفة. ~~- إنت قليل الأدب. ~~- أنا بحبك رغم إني طول عمري خايف أحب لأني باخاف من آلام الفقد ~~جدا، فحرمت الحب على قلبي عشان ما يتوجعش، جيتي انتي لخبطتي كل ~~كياني وخلتيني مش بس بحبك، لا باموت فيكي وبتمنى رضاكي، وهاموت لو ~~بعدتي عني. ~~- أنا كنت فاكرة إن قلبي نسي الحب، جيت انت وعرفتني إني ~~ماعرفتش الحب قبلك، أنا بحبك بعقلي قبل قلبي، بحب احترامك لي، ~~بحب إحساسي بالأمان معاك، بحب وجودك في حياتي، بحب كل تفاصيلك حتى ~~تكشيرتك، اوعدني إنك هتفضل تحبني طول عمرك. ~~- أوعدك إني هافضل أحبك، وحتى لو مشاعري اتغيرت هافضل أحترمك ~~وأصونك وأتقي الله فيكي. ms58