######OpenITI# #META# URI: 1450NirminSharqawi.TathirLutus.Hindawi71409391 #META# Tags: novels #META# ID: 71409391 #META# Title: تأثير اللوتس: رواية عن جزيئات النانو في أبحاث الطب الحيوي #META# AuthorID: 79463915 #META# Author: أنتونيا فيرينباخ #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 74695058 #META# Translator: نيرمين الشرقاوي #META# Related_books: 1450AntoniaFehrenbach.DerLotusEffekt (TRANSL) #META#Header#End# # شكر وتقدير‏ # مقدمة‏ # الجزء الأول‏ # 1 - بين الغيوم‏ # 2 - روابط تاريخية‏ # 3 - أكاذيب بيضاء‏ # 4 - نانوسنيف‏ # 5 - المذكرات‏ # 6 - يوم الاثنين، يوم الاثنين‏ # 7 - كلمة المرور‏ # 8 - تحريات ليلية‏ # 9 - قطة سوداء‏ # 10 - حذف البيانات‏ # 11 - بعيدا عن المدينة القديمة‏ # 12 - الانفجار‏ # 13 - في كون العالم براون‏ # 14 - ارتباك على سطح الواجهة‏ # 15 - الهدية‏ # 16 - كايبيرينها في تمام التاسعة‏ # 17 - ممرات مختبئة‏ # 18 - محاكاة بالكمبيوتر‏ # 19 - تأثير اللوتس‏ # الجزء الثاني‏ # 20 - الشاهد‏ # 21 - أخبار من وراء البحار‏ # 22 - الدردشة‏ # 23 - القائمة‏ # 24 - الزر الأحمر‏ # 25 - فلفل وبسكويت الحظ‏ # 26 - المكاشفة‏ # 27 - هواء ثلجي‏ # 28 - ندفات الثلج الأولى‏ # 29 - الطرد الهش‏ # 30 - الفرضية‏ # 31 - شوكولاتة قديمة‏ # 32 - جزيء عظيم الشأن‏ # 33 - خزف مايسن‏ # 34 - التجميع الذاتي‏ # 35 - ارقدي في سلام‏ # 36 - سهل التنظيف‏ # 37 - في غياهب السجن‏ # 38 - ذخيرة ذاتية التحلل‏ # 39 - نجمة وألعاب نارية‏ # 40 - نخب العام الجديد‏ # 41 - حمى الصيد‏ # 42 - عد القطط في زنجبار‏ # 43 - إحباط‏ # 44 - شعاب داروين المرجانية‏ # 45 - حيلة معبأة‏ # 46 - فرملة الطوارئ‏ # 47 - محللون وقارئة الفنجان‏ # 48 - وصية بلاوبارت‏ # 49 - بضاعة مهربة‏ # ثبت المصطلحات‏ # شكر وتقدير‏ # مقدمة‏ # الجزء الأول‏ # 1 - بين الغيوم‏ # 2 - روابط تاريخية‏ # 3 - أكاذيب بيضاء‏ # 4 - نانوسنيف‏ # 5 - المذكرات‏ # 6 - يوم الاثنين، يوم الاثنين‏ # 7 - كلمة المرور‏ # 8 - تحريات ليلية‏ # 9 - قطة سوداء‏ # 10 - حذف البيانات‏ # 11 - بعيدا عن المدينة القديمة‏ # 12 - الانفجار‏ # 13 - في كون العالم براون‏ # 14 - ارتباك على سطح الواجهة‏ # 15 - الهدية‏ # 16 - كايبيرينها في تمام التاسعة‏ # 17 - ممرات مختبئة‏ # 18 - محاكاة بالكمبيوتر‏ # 19 - تأثير اللوتس‏ # الجزء الثاني‏ # 20 - الشاهد‏ # 21 - أخبار من وراء البحار‏ # 22 - الدردشة‏ # 23 - القائمة‏ # 24 - الزر الأحمر‏ # 25 - فلفل وبسكويت الحظ‏ # 26 - المكاشفة‏ # 27 - هواء ثلجي‏ # 28 - ندفات الثلج الأولى‏ # 29 - الطرد الهش‏ # 30 - الفرضية‏ # 31 - شوكولاتة قديمة‏ # 32 - جزيء عظيم الشأن‏ # 33 - خزف مايسن‏ # 34 - التجميع الذاتي‏ # 35 - ارقدي في سلام‏ # 36 - سهل التنظيف‏ # 37 - في غياهب السجن‏ # 38 - ذخيرة ذاتية التحلل‏ ms001 # 39 - نجمة وألعاب نارية‏ # 40 - نخب العام الجديد‏ # 41 - حمى الصيد‏ # 42 - عد القطط في زنجبار‏ # 43 - إحباط‏ # 44 - شعاب داروين المرجانية‏ # 45 - حيلة معبأة‏ # 46 - فرملة الطوارئ‏ # 47 - محللون وقارئة الفنجان‏ # 48 - وصية بلاوبارت‏ # 49 - بضاعة مهربة‏ # ثبت المصطلحات‏ # | تأثير اللوتس # | تأثير اللوتس # | رواية عن جزيئات ~~النانو في أبحاث الطب الحيوي # تأليف # أنتونيا فيرينباخ # ترجمة # نيرمين الشرقاوي # | شكر وتقدير # أتوجه بالشكر إلى زوجي هاينز فيرينباخ وإلى كل الأصدقاء والمعارف الذين دعموني في أثناء ~~العمل على هذه الرواية. كما أخص بالشكر مراجعي وناشري أكسيل ديلمان الذي لم يتوان في بذل الجهد ~~لإخراج هذا العمل على هذا النحو الذي هو عليه الآن. وأتوجه بالشكر إلى السيدة فيه براونزدورف ~~لتدقيقها ثبت المصطلحات، وكذلك أنجيليكا جرازر ورودولف يوريز لصبرهما على قراءة مسودة العمل ~~وتقديمهما المشورة التخصصية اللازمة، وملحوظاتهما الذكية التي قوت من عزيمتي. أشكر أيضا نافينا ~~دامكيه، وماركوس أيكمان، وأولي كولر، وتيلو كوركيل، وميشائيل كراوزه، وبيتر ريكسين، وهولجر شولتس، ~~وجريجور تسيمرمان على مناقشاتهم الثرية ونصائحهم ومعلوماتهم، وكذلك فيلهلم فارن إيكه على دورة ~~الفلسفة المكثفة السريعة، وزيجفريد فيلهلم المندوب الصحفي لمصلحة البوليس الجنائي بمقاطعة هيسن، ~~لما زودني به من معلومات خاصة بعلم حركة المقذوفات، وكريستيانيه بيتيرز لأنها صاحبتني في ~~جولاتي عبر تاريخ مدينة ماربورج. # إن تأليف كتاب يشبه بناء مبنى. في البدء تكون الفكرة، ثم تتكون الخطة. والثبات - أو ~~فلنقل السكون الاستاتيكي - يعد من أهم العوامل التي تؤمن عملية العبور من المراحل ~~الحالية للمراحل التالية بمزيد من الثقة؛ لذا فقد شكلت دورة الكتابة التي حضرتها لدى راينر ~~شيلدبيرجر عام 2006، وكذلك اللقاءات العديدة مع «سيدات الرسائل في ماربورج» أهمية كبرى في مرحلة ~~التكوين الأولى، وحين حضرت في شهر يونيو من عام 2007 دورة في «أخلاقيات استخدام النانو في ~~المجالات الحيوية»، كنت قد وصلت إلى مرحلة تأثيث المبنى، وحصلت على أفكار جيدة ساعدتني في التصميم ~~الداخلي؛ ولذا أشكر كل المشاركات والمشاركين في هذه ~~الدورة. وأخيرا وليس آخرا أتوجه بالشكر لأستاذتي مارليزه بفايل وأندريا زالباخ لما ~~قدمتاه ms002 لي من نصح وإرشاد، وكذلك صاحب المرج الذي لا أعرف اسمه؛ لأنه لم يطردنا من أرضه ~~قط. # «كلما أمعن الإنسان في السير وفق الخطة المرسومة، تزايدت فرصه في ملاقاة الصدفة.» # فريدريش دورينمات، الفيزيائيون # | تقديم # بقلم مصطفى ماهر # تعود بي الذاكرة عندما أتهيأ لكتابة هذه المقدمة إلى عام 2003، حيث أرسلت إلي أخبار الأدب ~~الغراء كلمة عن نيرمين الشرقاوي، أرفقت هي بها ترجمة مختارات من شعر هاينريش هاينه. وقد ~~سعدت بإعجاب جمال الغيطاني بها؛ ربما لأنني وصفت المادة المترجمة بأنها جزء من نسيجي الثقافي، ~~وتمنيت أن تتاح لنيرمين الشرقاوي فرصة متعاظمة لإظهار موهبتها في هذه النوعية الصعبة من الترجمة ~~التي ربما حلا للبعض أن يسميها ترجمة أدبية، أو ترجمة شعرية، أو ما إلى ذلك. وكنت قد وصفت هذا ~~النوع من التعامل بين مترجم أديب شاعر ومؤلف أديب شاعر وأطلقت على هذه النوعية من العمل ~~الترجمي اسم «التفاعل الترجمي»؛ وأحببت جدا أن تظهر براعة المترجمة في مواجهة براعة هاينريش ~~هاينه، وهو من هو. وحتى لا يطول بي الاستطراد في هذه النقطة يكفيني الإحساس بأنني في الترجمة ~~التي طلب مني كتابة مقدمة لها، «تأثير اللوتس»، وجدت فيها أمورا كثيرة جديرة بالإشادة، أو ~~لنقل بكل بساطة: جديرة بأن نلقي عليها الضوء ونتحاور معها حوارا من حقه أن يطول. ~~••• # والرواية التي بين أيدينا رواية صعبة، محيرة، مستفزة، وبهذه الصفات تستحق أن نقلب ~~أوراقها عدة مرات ونضعها تحت أجهزة الفحص الحديثة التي قد يبتكرها العلماء ذات يوم، فنرى الغامض ~~كما نرى الظاهر. ومن الممكن أن ننظر بداية إلى حجم هذه الرواية، ونؤجل النظر في العنوان ~~واحتمالاته، فنجد أن الرواية تعتبر حجما من النوع الضخم. وكان أساتذة مبرزون في النقد الأدبي ~~قد طرحوا على موائد البحث أن الأدب القصصي ستنكمش أنواعه الضخمة مفسحة المجال للأنواع المقتضبة ~~أو القصيرة. وتساءل البعض بحق: من الذي يستطيع في أيامنا هذه أن يقرأ روايات كتبت في مئات ~~الصفحات؟ وربما تذكر البعض محاولة اختصار الروايات المطولة حتى يستطيع القارئ المتعجل المعاصر ~~أن يعكف ms003 عليها ويستخرج منها ما يمتعه. ولكن الذي حدث أن كتاب الرواية الأدبية لم يشغل بالهم - ~~على ما يبدو - تفضيل الاقتضاب على التوسع، وكنت قد أشرت إلى هذه القضية تفصيلا في كتابي «ألوان ~~من الأدب الألماني الحديث» الذي قدمت فيه - كما يظهر من عنوانه - باقة من الأدب الألماني ~~الحديث تمثل تياراته المختلفة منذ عام 1947 إلى مطلع السبعينيات، وأعاد المركز القومي للترجمة ~~إصداره في طبعة ثانية في سلسلة ميراث الترجمة عام 2009. # والخلاصة أن الكتاب الذين حلا لهم أن يكتبوا مطولات كتبوا مطولات ولم يخطر ببالهم أن ~~يقتضبوها، والأدباء الذين فضلوا أن يكتبوا أنماطا مقتضبة كتبوا هذه الأنماط المقتضبة. والمبدع ~~- كما هو معروف - حر في نفسه وفيما يفعل. بل إن هذه القضية تجرنا إلى قضية الأنواع الأدبية؛ ففي ~~وقت من أوقات تاريخ الأدب الإنساني - على تنوع اللغات - كان المعلمون الأفاضل يحبون تبسيط ~~الموضوعات لتلاميذهم فيتحدثون عن نوع مسرحي، ونوع قصصي، ونوع شعري، ونوع أضيف فيما بعد ينشغل ~~بنقد الأنواع الإبداعية. ثم ظهرت محاولات في مجال الرواية - بمعنى القصة الطويلة - انطبعت بطابع ~~التحديد المتعسف فتكون رواية غرامية، أو رواية سياسية ... إلخ. وربما فكر المنظمون في تمييز ~~الرواية التي تكتبها المرأة وتلك التي يكتبها الرجل. ولكن كل هذه المحاولات المقتضبة لم تؤد ~~في حقيقة الأمر إلا إلى إطالة سلسلة التنوع في القوالب الشكلية لهذا الفن القصصي، مع الأخذ في ~~الاعتبار أن بعض هذه المحاولات لا تقتضي أن تكون الرواية القصصية بالضرورة رواية قصصية، فقد تكون ~~رواية لا قصصية أو تكون لا رواية. ويظهر من هذا كله التوسع الموسوعي في الأنواع الذي من الشطط أن ~~نسميه مبالغة. فعالم الإبداع لا يمكن أن يكون عالم إبداع إلا بلا حدود. # وفي خضم التنوع المتزايد في الأنواع الأدبية التي يهمنا منها في هذا المقام أن الرواية ~~القصصية لم يكن لها وجود في بدايات الأدب الألماني - على سبيل المثال - أو الأدب الفرنسي، أو ~~الإنجليزي. والغريب أن أول كلمة استخدمت لوصفها هي # roman # التي ~~عرفت في الفرنسية، وأحبها الألمان، ولم ms004 يرتح إليها الإنجليز. لكن تظل محاولة إضفاء صفة ~~المواطنة الحقيقية على # Roman # في الأدب الألماني محاولة مهزوزة؛ ~~فالألمان ليسوا حساسين لأي تفرقة في هذا المجال، فلتكن الرواية # Roman # أو لتكن كتابا # Buch ~~. ويبدو أن الشيء ~~الهام بالنسبة للمبدعين هو ألا يفقد الإبداع إبداعيته، بمعنى ألا يسير في دروب أو مدقات مطروقة ~~إلا إذا كانت قابلة للتفرع والتقلب. # وقد حظيت بعض القوالب القصصية بإعجاب من النوع الذي يسمونه «جماهيريا»، ويلفت نظري من بينها ~~القالب المعروف باسم الرواية البوليسية. ويلفت نظري هذا القالب لأنه تلون بما لا يتصوره العقل ~~من ألوان، ودخل في التاريخ والجغرافيا والعلوم الفلسفية والإنسانية، وأصبح مجالا كبيرا من ~~مجالات الإبداع. ونقطة الانطلاق الشكلية فيه (الخميرة) هي أن هناك شيئا يحدث، وأن هذا الذي يحدث ~~يسأل عنه بعض الناس؛ يسألون بمعنى المسئولية. وتدور في خطوط الأسئلة احتمالات مختلفة. وكلما ظهر ~~بين الناس في البلاد المختلفة والأزمنة المختلفة شيء يتسم بغرابة فلا بأس من خلطه بالرواية ~~البوليسية. # ليست هذه التصورات غريبة بالنسبة للرواية التي بين أيدينا، وفي قراءتي لترجمتها لا أقول إن ~~المترجمة حملت عبئا ثقيلا، بل كثيرا من الأعباء. فأولا: الرواية تتصورها المؤلفة أنتونيا ~~فيرينباخ في صورة عمل علمي بالأساس. فالعنوان الذي اختارته الأديبة يجرنا إلى عالم اللوتس، أو إذا ~~شئنا الحقيقة: عوالم اللوتس وتقلباتها الجغرافية والثقافية والإنسانولوجية. فكلمة اللوتس نفسها ~~كلمة تظهر في سياقات كثيرة، بعضها واضح، وبعضها غامض، وبعضها يثير التساؤلات. والأديبة نفسها تصنف ~~روايتها على أنها عن النانو، وهو مصطلح من مصطلحات العلوم القائمة على القياس المتناهي للجزيئات ~~في مجالات البحث الطبية الأحيائية. # إذن هي رواية علمية؛ فالأديبة نفسها فيما ذكر من قصة حياتها ليست من خريجي أقسام الأدب، ~~وليست من المنضمات إلى المجتمعات الأدبية راضية أو ثائرة، ولكنها درست علم الأحياء في جامعات ~~مختلفة، بل إن دراستها ظلت تتقلب بها في مجالات مختلفة مثل الأحياء البحرية والإعلام والصحافة، ~~ناهيك عن التخصص في علوم الحيوان. وفي كل هذه التوجهات كان لها بصماتها التي ظهرت في مجالات ms005 ~~كثيرة. ناهيك عن حرص أنتونيا فيرينباخ على التأكيد على أنها حاصلة على الدكتوراه من أهم المراكز ~~البحثية في ألمانيا. ثم إن لديها رغبة كبيرة في تغيير المكان، وفي عرض الموضوع الروائي ~~(اللاروائي) القصصي (اللاقصصي) على مدى 49 فصلا مضافا إليها إضافات شارحة تقربها إلى عالم ~~البحوث العلمية. ~~••• # يشد الانتباه إذن أن رواية أنتونيا فيرينباخ تجمع بشكل صارم بين الأدب والعلم. الأدب بالمعنى ~~المألوف؛ أي الظاهرة الأدبية المنتمية إلى علوم الجماليات، أما العلم فالمقصود به العلوم التي ~~تختص بها المعامل والنظريات العلمية فيما يسميه الألمان # Naturwissenschaften ~~؛ أي العلوم الطبيعية. وهي ليست خاصة ~~بالطبيعة فحسب، لكنها قريبة الشبه بها مثل الرياضيات والفلك، كما تشمل الفيزياء والكيمياء وما ~~تطورت إليه هذه العلوم فيما بعد. وهذه الظاهرة - الجمع بين الصفة الأدبية والصفة العلمية - لها ~~أهمية خاصة في نظرنا؛ لأن كثيرا من النقاد حين يتحدثون عن برامج الترجمة التي توجه إلى القارئ ~~العادي يلاحظون أن هذه البرامج تركز على الروايات وما في حكمها، بحيث إن النقاد ينتهون إلى أن ~~الغلبة دائما للأدب وما في حكمه. وهذا شيء يمكن التأكد منه بمجرد النظر إلى قائمة مثل قائمة ~~الكتب المترجمة الصادرة عن المركز القومي للترجمة أو الهيئة المصرية القومية للكتاب، بما يصور أن ~~الأدب هو المقوم الأساس للثقافة. إلا أن العمل الذي بين أيدينا يمثل نموذجا مغايرا. فهو - كما ~~تذكر المؤلفة - عمل مختص بأمور علمية توضع لها برامج بحثية في معامل علمية متخصصة، وتنشر عنه ~~بحوث في المجلات العلمية المتخصصة؛ أي إن الموضوع يدور في قالب علمي بحثي. لكننا لا نريد أن نطرق ~~هذه النقطة دون أن ندخلها في مكانها من الرواية البوليسية. فما يجري في المؤسسات البحثية وما ~~يقوم به الباحثون من دراسات علمية واضح في الرواية أنه قد يكتنفه التزوير وما يعرف بالسرقات ~~العلمية. والأحكام والتقارير التي يكتبها المتخصصون لإبراز أهمية علمية لبحث ما قد تكون مفتعلة أو ~~متكلفة أو في غير موضعها، فتكاد تكون الرواية من أولها لآخرها هدفها البحث عن هذا العمل ~~«العلمي» ms006 وكيف يتم إنجازه وإخراجه في مجلات علمية مشهود لها بالدقة وما إلى ذلك؛ فإذا بنا نجد أن ~~الموضوع يكثر فيه الكذب والاختلاق والتمويه وإلباس الحقائق والوقائع لباس الأحداث الإجرامية التي ~~تهتم بها الروايات البوليسية بصفة خاصة. فيكاد يكون قارئ هذه الرواية مهتما باكتشاف من هو صاحب ~~الادعاء ومن هو صاحب الفكرة المكذوبة ومن يلعب بالألفاظ ومن يحاول استخدام تعبيرات مضللة ومن ~~يستغل لغة الكمبيوتر وما إليها بهدف واضح جدا؛ هو التضليل. ~~••• # وما دمنا نتحدث عن التضليل فهناك جانب آخر نلقاه في مواضع كثيرة من الكتاب؛ وهو اهتمام أصحاب ~~المشروعات العلمية بالمكاسب المادية والتفكير في كيفية افتعال مشروع علمي أو التشدق بإمكانية حدوث ~~تطورات علمية لا وجود لها بقصد جذب شركات الدعاية والتأمين، لتتحول العملية إلى تحقيق منافع مادية ~~تغلب على المتوقع من البحوث العلمية الرصينة. ويبدو أن الكاتبة لا تخفي نيتها؛ وهي إلقاء الضوء ~~على ما يجري من جرائم في عالم البحث العلمي بكل مكوناته. وبطبيعة الحال فإن الشخصيات الكثيرة التي ~~ترد في الرواية من الصعب تحديد هويتها من حيث الصدق والكذب. لسنا على بينة من الصورة الحقيقية ~~للرجال والنساء الذين يدور عنهم الحديث ويشاركون في العمل العلمي من مناقشات تبطن ما لا تظهر. ~~فهناك ما يمكن أن نسميه رغبة قوية في النقد العنيف لما يمكن أن نسميه سوء الخلق في هذا العالم ~~البحثي العظيم الذي يتصور الناس أنه أبعد ما يكون عن سوء الخلق. وبهذا دفعت الكاتبة هذا العمل ~~الأدبي في صورته المبتكرة التي بين أيدينا إلى مجال الأخلاقيات وتراثها، وكيف يمكن أن تتقلب ~~وتتغير وتعبر عن أشياء إيجابية وسلبية في نفس الوقت في إطار لغة الألغاز والتعبير بالرموز ~~المستغلقة أو الصعبة. ومن ذلك الحديث عن اللوتس، ومعنى اللوتس في الثقافة المصرية وثقافة الصين؛ ~~فنجد لفظة اللوتس تدور بنا دورات صعبة مليئة بالألغاز والغوامض التي تحتاج إلى جهود خاصة للخروج ~~بمعلومات عن قيمة هذه العناصر الفكرية أو الأخلاقية الخفية وإظهارها على الواقع. وهذا النوع من ~~الروايات التي ينشغل فيها ms007 مؤلفها الغربي بالعناصر الشرقية الصينية والهندية معروف في الأدب ~~الألماني، نذكر منه على سبيل المثال اهتمام الأديب الشهير الحائز على جائزة نوبل في الأدب هيرمان ~~هيسه. ويمكن مراجعة ذلك في رواية «لعبة الكريات الزجاجية» التي قمت بترجمتها والتقديم ~~لها. # وبالعودة إلى روايتنا «تأثير اللوتس»، نجد أننا كلما أعدنا النظر والتأمل فيها، أدركنا الجهد ~~العسير الذي تحملته المؤلفة، التي يمكن أن نتصور أنها تقف إلى جانب الحق بقدر ما تقف إلى جانب ~~الجمال والخير؛ لأنها كلها أمور مطروحة بشكل الأحاجي والألغاز والفوازير وما إلى ذلك من تراث ~~الغوامض. فالقارئ سيتصور أنه منذ البداية سيجد نفسه في مواجهة موضوع يتعلق باللوتس. ولا غضاضة أن ~~نقول إنه نبات - على الأقل في البداية - إلى أن تظهر المشكلات الأخرى المختلفة المتصلة بهذا ~~الموضوع. وبعد أن نبهنا إلى تنوع القالب القصصي، لا مجال لقارئ مدقق أن يندهش من أن الرواية ~~قريبة في هيكلها من الرواية البوليسية، رغم أن أحداثها تدور في عوالم البحوث العلمية التي سنجدها ~~تتداخل بشدة مع الغش والاحتيال والألاعيب والعلاقات بين الناس. وقد ظهر في هذا العالم المتداخل أن ~~الجزيئات المتناهية الصغر «نانو» من الممكن بتدابير إجرامية دسها إلى حيث تنفذ إلى المخ والجهاز ~~العصبي وتحدث أضرارا بأناس لم يرتكبوا ذنبا. ~~••• # فإذا كان القارئ يحب هذا النوع المتشعب والغني بالإبداع، والخروج عن المألوف دون اعتراف ~~بأنه خروج عن المألوف، فسيجد ضالته في هذه الرواية، كما سيجد حركة بين بلدان مختلفة من أمريكا إلى ~~الصين مرورا بألمانيا حيث يتشعب الخط القصصي الأساسي. وإذا جاز لي أن أوصي، فإني أوصي القارئ أن ~~يجهز نفسه ببعض المعينات الدالة على الأماكن والاتجاهات الجغرافية والأزمنة والخلفيات ~~المرتبطة بعقائد أمم أخرى منها الصين ومصر القديمة والهند؛ ليستعين بها على تتبع الخطوط المتشعبة ~~المتداخلة التي لا تهدف بالضرورة إلى الوضوح، بل تضع القارئ دائما أمام ألغاز تتطلب مناورات ~~مختلفة لحلها. وهذه الخلطة الغريبة من المكونات الإبداعية تجد لها تربة خصبة في قالب الرواية ~~البوليسية المبهمة. # | مقدمة # حلقت الطائرة «روكويل برونكو» ms008 بنعومة عبر المنحنى، وألقى توني ستامبا نظرة من النافذة ~~المجاورة لكابينته فرأى رايات بيضاء خلفها الضباب تتأرجح مثل أجسام غريبة في الجو الصحو. الأمر ~~أشبه بالمعجزة؛ فقبيل لحظات قليلة أرسل الإشارة، ففتحت صمامات خزان الطائرة لتقذف في ~~السماء حمولتها السائلة على عدة دفعات مركزة فوق الصحراء. والآن يتمدد بساط القطرات تدريجيا ~~في طريقه للهبوط ليغطي الأرض القاحلة. # إنه عمل غير عادي بالنسبة لتوني. فسرعان ما سيختفي هذا الأثر الرطب وكأنه لم يكن قط، فالطبيعة ~~قد غضت طرفها عن حصة تلك البقعة من المياه؛ ذلك أن الهواء في ميسا نيو مكسيكو التي تقع على ارتفاع ~~نحو ألفين وخمسمائة متر عن سطح البحر يتميز بالصفاء والجفاف، والضباب هنا كلمة غريبة، لا تستعمل ~~إلا أثناء التدخل لإطفاء الحرائق صيفا. # حلقت نظرات توني مع نتوءات وتعرجات سلاسل الجبال التي تشبه حارسا سكيرا يشرف على المنتزه ~~القومي الذي يحلق فوقه الآن. ولهذه المنطقة تاريخها؛ إذ كانت «باندلير ناشونال مونيومنت» أرضا ~~مملوكة للهنود الحمر، والصخور ذات المغارات المتشعبة كالمتاهة كانت تمثل ملاذا آمنا للناس ~~والحيوانات، أما اليوم فالمنطقة لا تعدو كونها متحفا مفتوحا في قلب الطبيعة، يحوي بقايا قرية من ~~زمن بويبلو. وكثير من الأماكن التي كانوا يقيمون فيها شعائرهم لا تزال لم تكتشف بعد. # شعر توني بتلك القشعريرة تحت فروة رأسه ثم امتدت إلى رقبته ثم ظهره، فشد قامته. يحدث هذا في ~~كل مرة يحلق فيها بطائرته «روكويل» ويصعد بها إلى عنان السماء فوق تلك الأرض الصخرية، فيغدو ~~فجأة رائدا من الرواد الفاتحين وقائدا للشرطة في وقت واحد. خمسة عشر عاما قضاها في العمل ~~طيارا قائد عمليات هي دائما عمليات إطفاء حرائق، فيتعين عليه إنقاذ الأرواح وحماية المنازل. ~~إن لعمله مغزى ساميا. ورغم ذلك يعتريه تشنج في فكه كلما تذكر حريق الغابة الذي وقع قبل ثلاث ~~سنوات. إدارة المنتزه المجنونة تلك! تمخط توني. لم يكن الشريط الأحمر المتوهج الذي علا سماء لوس ~~ألاموس وقتها شفق الغروب، لم يكن إلا قرارا خاطئا. وتم تسريح كل من ms009 يمت بصلة لإدارة المنتزه ~~القومي. حريق تحت السيطرة! يفتعلونه رغم الجفاف. هز توني رأسه، لا، لم يكن الأمر خطأ، بل جرم أخرق ~~وغير مسئول. إنه يتخيل منظر الأشخاص بإدارة المنتزه، وكيف يتصرفون بنفاد صبر، وكيف ينتابهم الضجر ~~ثم يسعون لإشعال غابة دون إعمال ذرة من العقل، فقط تلبية لرغبة رؤسائهم الذين كانوا يريدون أن ~~يشغلوهم بالعمل. لم يحسب أي منهم حساب الرياح التي جعلت النيران المتوهجة تشكل دوامات وارتفعت ~~بها إلى عنان السماء، ثم اتجهت بها غربا. لا يزال توني يرى بعين خياله كيف كانت السماء تمطر ~~شرارا على الخشب الجاف، وكيف توغل الشرر وانتشر في نسيج الخشب، مثله مثل الورم السرطاني الذي ~~يحاكي الخلايا الأصلية ليأتي على كل شيء في النهاية. وهكذا قمنا بعملية الرش. لا تزال الشرارات ~~وألسنة اللهب والأدخنة تملأ السماء، ولا تزال النيران متقدة، ينذر وهجها الأحمر لوس ألاموس شرا. ~~وصل ارتفاع أعمدة اللهب إلى ستين مترا فوق غابات الصنوبر المحيطة بالمدينة إلى كبد السماء. ~~ورائحة الحريق تزكم الأنوف في كل مكان ولا تزال الأدخنة تتصاعد. اشتركت في عمليات إخماد الحريق ست ~~طائرات إطفاء، ظل الجميع يكافحون حتى نال منهم التعب. ولم يجث تنين النيران إلا في اليوم السادس. ~~ورغم أن النار التهمت أكثر من خمسين مبنى، فإنهم تمكنوا من ردها عن الوصول إلى المفاعل النووي في ~~لوس ألاموس. وطرد مدير المنتزه الذي أمر بإشعال الحريق، ولو لم يفعلها المحافظ لربما فقد توني ~~قبضة يده من فرط الضربات التي أراد أن يكيلها له؛ إذ بلغ منه الغضب مبلغه. # حرك تيار خفيف مؤشر الارتفاع في الطائرة. كانت مقدمة الطائرة لا تزال ترتفع، نظر توني إلى ~~السماء الزرقاء في الأعالي وحبس أنفاسه لبرهة. ثم أطلق زفيرا! هذه المرة لم يكن إنذار حريق، بل ~~مجرد تجربة علمية عينته شركة من كاليفورنيا ليقوم بتنفيذها. أما المهمة فمختلفة هذه المرة؛ إذ ~~ليس المطلوب شن الحرب على النيران وإنما محاولة التصالح مع وجه الأرض لإبرائها من جروح الحرائق ~~المشتعلة التي لا تزال ms010 تغطي صفحتها؛ إذ قيل له إن المطلوب هو رش مادة تسهم في تخليص التربة من ~~السموم. # منطقة الهدف: رقعة مساحتها 560 هكتارا مربعا ما بين الحد الشمالي للمنتزه ولوس ألاموس. ~~الرؤية واضحة، والمخاطر منعدمة. ذاك هو مكان مخزن الوقود الذي التهمته النيران آنذاك، مخلفة ~~آثارا ضارة على الأرض التي أضحت من يومها غير صالحة للاستخدام. # ينظر في ساعة الكمبيوتر الملحق بمتن الطائرة، تشير إلى الحادية عشرة والنصف. أما التقويم إلى ~~جوارها فيشير إلى يوم الثالث والعشرين من شهر مايو عام 2003. كل شيء يسير وفقا للخطة. من نافذة ~~كابينة الطيار بدأ توني يتابع حافلة سياحية على الطريق الجنوبي رقم أربعة، الذي يمتد من وايت روك ~~متخذا منحنى واسعا يمس الحد الشمالي من المنتزه القومي. ظلت الحافلة تسير وكأنها عربة من عربات ~~الألعاب التي تقاد عن بعد سائرة في طريقها مباشرة نحو الغرب. في هذه الأثناء تأرجحت في الهواء ~~طبقة رقيقة من المادة التي ألقاها هابطة نحو العمق. فلما وصلت إلى الشارع لم يبق منها سوى نفحة ~~من نسيم غامض لفت الحافلة واستقرت أسفلها فمرت الحافلة من فوقها بسلام وأكملت طريقها ~~مبتعدة. # | الجزء الأول # الفصل الأول # | بين الغيوم # ما إن هبطت الطائرة دفعة واحدة حتى استيقظت فاندا من فورها، كانت عقارب ساعتها تشير إلى ~~الرابعة والنصف بالتوقيت المحلي لمدينة شيكاجو. قرأت التاريخ على ميناء الساعة 15 / 4/ 2005 ~~فتيقنت أن يوما بكامله قد مر فعلا منذ بدء سفرها. وبينما كانت الطائرة تتجه صوب صالة ~~الوصول، أخذت صور الأربع والعشرين ساعة المنقضية تتابع في مخيلتها. سماء ساطعة الزرقة تمددت ~~ظهيرة الأمس وقت بداية تحليقها من روتشيستر فوق بحيرة أونتاريو، كان الجو باردا، لكن لحسن الحظ ~~لم تتساقط الثلوج؛ ففي منتصف أبريل لم يكن ذلك ليشكل أمرا نادر الحدوث في تلك المنطقة، ثم ~~الضباب المتكاثف الذي يتخذ شكل جرس ضخم فوق مدينة شيكاجو. في المساء، استقلت من هناك متن ~~الطائرة المتجهة إلى أوروبا، ثم أمريكا، ثم أوروبا. كانت تغير القارات بأسرع مما تغير ثيابها ~~الداخلية. ms011 وفجأة بدأت الطائرة تنزلق بين جبال من الغيوم المتكاثفة فوق مدينة فرانكفورت، ثم ~~اخترقت ستارا من قطرات الأمطار المتساقطة، لكنه سرعان ما أسدل وراءها ثانية بمجرد عبورها. لم ~~يكن ثمة مفر، وللمرة الأولى تستشعر حتمية عودتها تسري في بدنها كله. لماذا أنا هنا أصلا؟ ~~ولماذا هذا السؤال الآن تحديدا؟ ألم يكن الأمر جليا؟ بلى. كان علي الرحيل كي تصير المسألة ~~في طي النسيان إلى الأبد. والآن لدي فرصة جديدة. # وصلت الطائرة مهبط الطائرات وتوقفت. أصدرت الأقفال المعدنية لأحزمة الأمان صوت تكتكة فيما ~~كانت الريح تعمل فرشاتها على نوافذ الكابينة، فترسم لوحات خلال زخات المطر. أضاءت السماء بلون ~~رمادي فاتح من بين خطوط الماء الرقيقة. اختلست فاندا النظر إلى ساعة يد جارها التي أشارت ~~عقاربها إلى الثانية عشرة إلا الثلث؛ هبوط حسب الموعد بالضبط. # تبعت فاندا تيار المسافرين في ولوجهم تيه المطار. اضطرت للانتظار مدة أمام سير نقل ~~الأمتعة، فقد كانت حقيبة الظهر خاصتها ضمن آخر مجموعة أمتعة. جرت تجاهها، وحيتها التحية اللائقة ~~بصديق قديم، فقد كانت الشيء الوحيد الذي يستقبلها لدى عودتها إلى الوطن بعد طول غياب. «د. فاندا ~~فالس» مكتوبة بأحرف سميكة على البطاقة الصغيرة الملصقة على الحقيبة، وكذلك العنوان في ماربورج ~~حيث يمكن لها أن تمكث لبضعة أيام. الأمر صدق إذن. لقد عادت. # على السلم الكهربائي الموصل لمحطة القطار علقت حقيبة الظهر على كتفها، بينما أسندت الأخرى ~~الكبيرة بالعرض أمامها حتى لا تنزلق بعيدا. تدافع الناس من خلفها، وشعرت بالحر. كانت ألمانيا ~~ضيقة بحق. أخذت فاندا تقطع الطابق الثاني جيئة وذهابا وهي حائرة بين الخرائط الموضحة ~~لمواعيد قدوم عربات المترو المختلفة. لا توجد لوحة إرشادات إلكترونية تشير إلى وصلات رحلات ~~القطارات البعيدة، وكذلك لا يوجد أولئك الرجال السود في زيهم الموحد الذين سيدلونها على الطريق ~~قائلين بلكنة مميزة: «رحلة سعيدة، سيدتي.» لقد كان الناس يحثون الخطى بجوارها، وقد بدا أنهم ~~يعرفون طريقهم جيدا. كانت تشعر بقوة اندفاعهم تتجاذبها، لكنها قاومت غواية اتباع هذا الزخم، ثم ~~اكتشفت بما هو ms012 أقرب للصدفة إشارة لمكان بيع تذاكر القطار. # أصدرت عجلات الحقيبة صوت صلصلة على قرميد الأرضية، بينما المسافة الوعرة تأبى الانتهاء، ~~والضوضاء تكاد تصم الآذان. كان المارة ينظرون إليها فيرمقونها شزرا. مرحبا بكم في ألمانيا. ~~أخيرا وصلت إلى صالة البيع، فإذا بها تجد طابورا من البشر يصطف أمام شباك بيع التذاكر الوحيد، ~~فانخرطت في الطابور وانتظرت دورها. كانت الصالة ضيقة، وتعبق برائحة المعاطف الرطبة والعرق ~~البارد، فما كانت تصلح للتنفس. وبمجرد أن وصلت إلى الشباك ابتاعت تذكرة أول مواصلة إلى ماربورج ~~وحثت الخطو نحو المترو. ~~••• # أشارت لوحة الإعلانات الكبيرة بمحطة فرانكفورت الرئيسية إلى تأخر جميع قطارات المسافات ~~الطويلة القادمة من الجنوب. تدافع الناس للخروج من العربات المزدحمة عن آخرها، وتزاحموا ~~للالتحام بتيار المسافرين المتدفق كأمواج الفيضان المالحة في اندفاعها نحو مصب نهر يرفض أن ~~يعوقه عن هدفه عائق ليتبدد في الأراضي الشاسعة. دافعت فاندا الحشود بمنكبيها لتفسح لنفسها ~~طريقا يوصلها إلى رصيف قطارها. اندهشت من البساطة التي أنجزت بها هذا الأمر بعد عامين من ~~التكيف على نمط الحياة الأمريكية. ولأنها كانت منهكة القوى، تاقت نفسها إلى مكان دافئ تستطيع أن ~~تغمض فيه عينيها وتستسلم لحالة الوهن التي تعتريها. وقفت قاطرة إقليمية مغادرة إلى «ترايسا» في ~~انتظار انضمام سائر العربات فيما تدلى من نافذتها ذراع مكسوة بشعيرات حمراء. ~~«معذرة» قالتها بالإنجليزية ثم انتبهت لهذا الخطأ من فورها. فظهر الرأس الأشعث لسائق ~~القاطرة، ولمعت عيناه الزرقاوان. فكاد لسانها ينطلق مجددا بعبارة إنجليزية لكنها ابتلعتها هذه ~~المرة. ~~«أريد الذهاب إلى ماربورج.» كانت نبرة صوتها أقرب لنداء فتاة صغيرة تستجدي. # فأومأ الرجل برأسه مشجعا إياها: «فقط اركبي يا سيدتي الشابة.» # كانت معظم المقاعد في القطار قد شغلت. وكافحت فاندا من أجل المرور عبر قطع الأمتعة التي ~~تسد الممرات، ثم وجدت أخيرا مكانا مجاورا للنافذة في الدور السفلي من العربة الأولى. تركت ~~حقيبتها في الرواق، بينما وضعت حقيبة الظهر على حجرها. وعلى المقعد المقابل لها، لكن بانحراف ~~طفيف، تساقط جسد شاب يلهث بقوة وكأنه يعدو. أسهمت ms013 ملابسه الداكنة في إبراز ما به من شحوب، خلع ~~نظارته وأخذ يمسح البخار المتكاثف على عدساتها بقميصه القطني. في تلك الأثناء تلاقت نظراتهما ~~لوهلة. لم يبتسم، فنظرت فاندا إلى الجانب، ثم لمحته بطرف عينيها وهو يشبك ذراعيه أمام صدره ~~ويستدير نحو النافذة. أما هي فتركت رأسها يغوص في حقيبتها. شعرت بثقل أجفانها، وبعينيها تغمضان، ~~فانزلقت بخفة على أوائل موجات النعاس الغائمة. انتبهت من غفوتها إثر دفعة خفيفة. كان القطار قد ~~بدأ التحرك ببطء نحو الشمال متأخرا خمس عشرة دقيقة عن موعده. # لمحت من نافذتها محلا تقليديا لبيع نماذج لبيوت الدمى. حتى العمارات العالية كان بها ما ~~يوحي بحسن التصميم. ثم جاءت مجموعات من البساتين والحدائق الضيقة، ثم مروج، وبعض الكفور. ثم ~~أخذت الأشياء التي تحيط بها في التلاشي وكأن فيلما يعرض كواليس طفولتها قد بدأت مشاهده تمر على ~~النافذة. عاد بها إلى الريف ثانية، إلى ذات المكان الذي لم ترد قط أن تعود إليه. إلى بكرة ~~صباحات الأحد حين كان والدها يحتسي كل النبيذ المقدم على المائدة، وفي وقت الغداء تتلو الأم ~~الصلاة قبل تناول الطعام ثم يستمعون إلى موعظة القس بعد الظهر. حين بلغت الرابعة عشرة تبادلت في ~~عيد الرماة قبلات خاطفة على العربة الدوارة بالملاهي ثم لحقت بشلة من الشباب المتحمس على ~~الموتوسيكلات إلى صالات الديسكو في الجوار. وفي الشتاء، كانوا يذهبون إلى فينتربيرج، وفي الصيف ~~يسافرون إلى مونيزيه. حين أتمت التاسعة عشرة غادرت دون أن تنظر وراءها ولو لمرة واحدة أخرى. قبل ~~عام توفي والداها، أحدهما تلا الآخر بفترة وجيزة. لم تستشعر أي حزن، فقط شعورا مكتوما ~~بالارتياح؛ ولذلك فإنها لم تحضر الجنازة أيضا، فلم تكن لتتحمل طقوس النفاق أمام قبريهما. كان ~~أمامها الكثير من العمل ولم يكن ما معها من مال يكفي نفقات تذاكر السفر إلى أوروبا. لم يكن في ~~الأمر ادعاء، وكانت حجة مناسبة في ذات الوقت. توقف أخوها روبرت عن الكتابة لها منذ فترة. لا بد ~~أنه كان غاضبا عليها. ولا يمكن أن تلومه ms014 على ذلك. في مكان ما في حقيبتها يستقر خطاب موثق ~~العقود، وفكرت في نفسها أنها سوف تضطر إلى الذهاب إليه. وفي الخارج، امتزجت درجات الرمادي خارج ~~النافذة لترسم لوحة كئيبة للطبيعة. يا ترى كيف تبدو ماربورج؟ «مكان لطيف» كان صوت ريك لا يزال ~~يرن بوضوح في أذنها. ألم يغمغم رئيسها الأمريكي بشيء عن قصر ما؟ تبهم الأصوات قليلا فلا تكاد ~~تبين. أما هي فقد كانت تفضل السفر إلى هامبورج. # أخذ الشاب الجالس قبالتها يتحدث في الهاتف. هل يجوز أن تخاطبه؟ كانت فقط تريد أن تطمئن أن ~~السيدة التي تعرفها كيرستن قد سلمت الجارة مفتاح الشقة. نعم، إن كيرستن عطية من السماء؛ فقد ~~حضرت في الوقت المناسب تماما إلى روتشيستر لتؤدي تدريبها العملي في المعمل. كانت فاندا مفلسة ~~تماما؛ لذلك كانت في غاية الامتنان أن سمحت لها كيرستن بقضاء أسبوعين في مسكنها بماربورج. وكان ~~ذلك بمثابة مساعدة لتبدأ حياتها، تسمح لها أن تبحث عن شقة بهدوء وأن تنظم الشكليات المتعلقة ~~بالوظيفة الجديدة. # أنهى ذاك الشخص ذو الهاتف المحمول مكالمته الهاتفية، ثم أعاد دس الهاتف في جيب معطفه، وسحب ~~منه قصاصة ورق وفردها ببطء. كانت عيناه تتقافزان في اضطراب على الورق، وكانت هيئته بشعره الأشعث ~~تشبه قائد فرقة موسيقية ترن في رأسه النغمات، على أنها لم تكن موسيقى كلاسيكية، بل إيقاعات أكثر ~~تهديدا، مثل: «غن لي أغنية الموت.» وحين طوى الورقة ودسها في الجيب الداخلي لمعطفه كان ~~عواء الهارمونيكا يرجرج جمجمتها. ~~••• # كان الشاب - أندرياس - متأكدا أنها تراقبه منذ فترة، وحين رفع ناظريه أدارت هي رأسها نحو ~~النافذة بسرعة. أيفترض أن يعرفها من قبل؟ لن يستطيع الآن تحديدا أن يدقق في ملامحها. وجه ~~جميل بلا شك، رغم أن أيا من تفاصيله لم يكن يعجبه حقيقة. كانت نظرتها جامدة، وبشرتها شاحبة، ~~وشفتاها جد رفيعتين، أما النمش على أنفها فقد بالغ في إكسابها مظهرا طفوليا. أعجبه شعرها ~~فاحم السواد، رغم أنه قصير جدا، وهو يحبذ لو كان أطول قليلا. لم يكن قط ضد الأبهة التي ms015 ~~تصفف بها لاريسا شعرها ولا رائحته الزكية. لماذا لم يطلعها على الحقيقة مؤخرا؟ لم يكن عليه ~~سوى أن يقول «نعم». رأى نفسه مرة أخرى، مستندا إلى إطار باب الحمام، وقد دفن يديه في جيوب ~~بنطاله، وأخذ يراقب صديقته وهي تحزم أمتعتها، كانت ترتب لرحلتها، أما هو فسيسافر على وجه ~~السرعة إلى ميونخ؛ فقد رجته أمه أن يأتي سريعا، إذ كان والده كعادته دوما متعاليا متفاخرا، ~~حتى في موته؛ لذا فإن إجراءات الجنازة والدفن كانت تستهلك من الوقت ما هو جدير به. ~~«ألا تحب أن أصحبك؟» لقد كانت الشفقة في عيني لاريسا هي ما استثارت رفضه. ~~«يجب أن تفكري الآن في نفسك. أسرتي هي شأني وحدي.» كان يريد أن يبدو مسترخيا، فتحدث بصوت ~~عميق. لم يكن يريد أن يثقل عليها بمشاكله فيسلب منها فرحتها برحلتها التي طالما تاقت إليها. ~~شعر أن إيماءة رأسها تحمل له امتنانا. كان مهما له ألا يكون انطباعها الأخير عنه هو صورة ~~العاجز المحمل بمشاعر الذنب كما كان يشعر حقا، لكنه في هذه الأثناء يتوق إلى أن يدس رأسه في ~~شعر لاريسا الغامق المصفف كلبدة أسد، وينسى نفسه فيه؛ لكنها كانت في طريقها إلى مطار ~~فرانكفورت. تمنى لو أنها تطل من النافذة كما يفعل هو الآن، تمنى لو أنهما يعيدان التعرف أحدهما ~~على الآخر ولو للحظات وجيزة. في وقت ما رن هاتفه المحمول. «أين أنت الآن؟» جاء صوتها مليئا ~~بالثقة. لكن قطاريهما كانا قد تفرقا من زمن. ظل ينظر لعربة الأمتعة الكبيرة المستقرة في ~~الممر. كانت بطاقة شركة الطيران التي تحمل رقم الحقيبة لا تزال تتدلى من مقبضها. تنهد. البعض ~~يأتي والآخر يمضي. # أخرج أندرياس ثانية من جيبه القصاصة التي دسها له غريب ما في جنازة والده. كان يقف ~~على القبر إلى جوار والدته، ومر عليهم المعزون وسلموا عليه وشدوا على يديه؛ أناس لم ~~يرهم من قبل قط لمسوه، أربكوه، ثم تركوه خاويا. كانت عيونهم تحوي دائما نفس السؤال، ~~وكأنه يستطيع أن يقدم إجابة عن الموت المفاجئ ms016 لأبيه. أحيانا أيضا كانت المقابلة بلا نظرات ~~على الإطلاق، مجرد مس خفيف بأطراف الأصابع. في وقت ما خفض هو أيضا ناظريه. لا يذكر كم من ~~الوقت ترك يديه تتناوبها وفود المعزين. ثم فجأة وجد تلك الورقة بين أصابعه، وحين رفع رأسه وجد ~~شابا واقفا أمامه، في منتصف العشرينيات، لا يمكن أن يكون أكبر منه هو نفسه. كانت نظراته جادة ~~وتكاد تكون مشجعة. استغرق أندرياس بعض الوقت كي يدرك أن شيئا آخر كان يحدث هنا، لكن الوقت ~~كان قد تأخر واختفى الشاب. في اللحظات الأولى شكك في عقله؛ هل كان ما رآه خيالا؟ لكن كانت ~~معه الورقة. # مر بعينيه سريعا على الأسماء المدونة في قائمة، ووجد أن قليلا فقط منها كان ألماني ~~الوقع. إنها مجموعة عالمية. قام بعدها، بلغ عددها العشرين شخصا. كان معظمها يحمل لقبا. لكن ~~فيما عدا اسم أبيه لم تشكل له قائمة الأسماء أي معنى. قبل شهرين - في فبراير - تشاجر معه ~~الشجار المعتاد، لكنه يومئذ لم يكن يدري أنها ستكون المرة الأخيرة. # الفصل الثاني # | روابط تاريخية # جلس أندرياس هيلبيرج في مكتب والده. كان يغمض عينيه بين الحين والآخر من فرط بياض صومعة ~~والده. فأشاح بوجهه، فوقعت عيناه على صورة الرزنامة، وهي صورة لامرأة أفريقية مطبوعة بحجم كبير ~~وألوان براقة على ورق مصقول. إنه ذلك الجانب من أفريقيا الذي يخاطب السياح: أفريقيا العفية. ~~وكانت الصورة عبارة عن شعار شركة أدوية، وكان هذا في شهر فبراير. أين إذن الرابط بين الصورة ~~وبين الوقت المشار إليه من العام؟ لم يفهم أندرياس شيئا. أعاد النظر إلى والده الجالس خلف ~~المكتب، بروفيسور جونتر هيلبيرج مرتديا - كما هي الحال دوما - رابطة عنق وبالطو كبير الأطباء ~~مزررا بإحكام. ~~«علام تعمل حاليا؟» لا يزال سؤال أبيه معلقا في أجواء الغرفة. ماذا عليه أن يقول ~~له؟ إنه يفكر في أن يكتب موضوعا للدكتوراه حول إلغاء التفكير في الأبحاث الطبية الحديثة؟ حول ~~تآكل اللغة لدى العلماء؟ الخطأ في مفاهيم العلوم الغربية وتطبيقاتها التقنية؟ الوهم في ادعاء ~~حرية التصرف ms017 وأزمة نجاح السلوك الإنساني في حين لا يمكن توقع عواقبه؟ على الأرجح سيقوم أبوه ~~بدحض أفكاره على أنها خزعبلات فلسفية، أفكار لا يمكن أن ينجح لو تتبعها، ولن تمكنه حتى من ~~إعالة أسرة. خطرت على باله جملة لم تكن له، لكنها تمتلك من المواد الناسفة القدر الذي يحتاجه ~~الآن: «من الممكن توظيف القنابل النووية بالكيفية نفسها التي توظف بها رصاصات المدافع»، وقد ~~سدد كلمات الرئيس الأمريكي إيزنهاور تلك إلى صدر والده. رأى كيف أن أباه عض على شفتيه، وأخذ ~~يحرك رأسه يمنة ويسرة مثل بندول الساعة وكأنه يبحث عن منطقة وسطى. ~~«كنت أظن أننا أغلقنا هذا الموضوع أخيرا وتركناه وراءنا. أنت تعرف رأيي. هذا ما قاله رجل ~~عجوز قبل خمسين سنة. هذه أعراض تجاوزناها من زمن. اسمع يا ولد. توقف عن شعورك بالشفقة على ذاتك. ~~عد إلى الواقع.» ثم أخذ في إلقاء محاضرة حول معاهدات حظر انتشار الأسلحة النووية، وأننا ~~تعلمنا منها درسا للمستقبل، هو أن كل تكنولوجيا مفيدة من الممكن أن يساء استخدامها، ولهذا فإن ~~أي استخدام ينبغي أن يخضع للنظام بل والرقابة، ولأننا نحن معنيون بما حدث في الماضي فقد ~~تعلمنا في هذه الأثناء أن نتعامل بمسئولية. كان أندرياس قد توقف عن الإنصات لوالده منذ مدة؛ ~~إذ لم يكن يحب والده حين يعظ، لكن صيغة الجمع لضمير المتكلم «نحن» في الجمل التي يستعملها ~~والده، هذا الضمير الجامع الذي يبدو وكأنه ملزم، حفر مكانا في ذاكرته، بينما كانت عيناه ~~تحدقان بالمكتب وتتنقلان بينه وبين والده. يتذكر كلمات مثل «حبات كرز»، وكيف أن والده كان ~~ينطقها بطريقة يهيئ للسامع معها أنه سيقذف نواتها من فمه. تأمل أندرياس الصورة العائلية التي ~~تحوي جروا حديث الولادة. إطارها لصانع مشهور، أما الوجوه فيها فقد أصبح من الصعب إعادة التعرف ~~عليها. صبي قامته في نصف طول أندرياس اليوم، والجرو الصغير رمادي، مشلول، عاجز عن ضبط ~~حركته. إلى جوار الصورة وجد كرة الزجاج التي كان قد أهداها إلى والده قبل كم يا ترى من ~~السنين؟ ms018 لم يعد يذكر. والآن، وكرة الزجاج لا تزال في مرمى بصره، تقفز إلى ذاكرته صيغة الجمع ~~تلك في ضمير المتكلم «نحن»، بينما يقول بصوت خافت: «نحن علينا أن نتعلم أن نفكر بطريقة ~~مختلفة.» # خيم الصمت لوهلة. مر طائر صاخب من جوار النافذة، بينما كانت الشمس تصنع في المنتزه ~~بالأسفل قبابا من حواف كومات الثلج وقطع الجليد المدببة التي طرزت حواف طرقات الممشى، فبدت ~~الطبيعة وكأن رجل الثلج قد ألقى فيها صندوق ألعابه. كانت ضاحية جروسهادرن تقع مباشرة عند سفح ~~الحصن الذي تحول إلى مستشفى في جنوب غرب ميونخ. كانت ريفية الطابع، تكاد بصفائها تبدو كما في ~~الأناشيد الرعوية. في الواقع كان أندرياس يريد أن يمر على والديه مرور الكرام بعد انتهاء إجازته ~~الشتوية التي قضاها في التزلج على الجليد. كان عليه أن يتوقع أن والدته ستتصل بأبيه في العيادة، ~~وأن أباه سيطلب منه الحضور إلى جروسهادرن لأن عنده مواعيد من الصعب تأجيلها. وفعلا ذهب إليه ~~أندرياس، لكنه ظل جالسا مثل مريض أمام كبير الأطباء، مريض يرفض اتباع روشتة طبيبه. أزاح جونتر ~~هيلبيرج الكرة الزجاجية جانبا وتنهد. تحدث بصوت مشروخ، منخفض عن عادته في السابق، وكان ~~صوته خائر القوى على نحو غريب. ~~«نعم ... التفكير ... كنت دائما تستطيع أن تفكر جيدا ... وأيضا كنت تأتي بأقوال ذكية ...» رفع ~~أندرياس حاجبيه وابتسم برضا. # وقال: «أنت تتملقني؛ إن جملة «نحن علينا أن نتعلم أن نفكر بطريقة مختلفة» ليست جملتي، أنا ~~فقط استشهدت بها. إنها جملة من بيان (مانيفيستو) ألبرت أينشتاين ... لنقل إنها منقولة من آثاره ~~في الأخلاقيات والسياسة. لقد توفي أينشتاين بعد ستة أيام من نشره.» حدق بلا تعبير في وجه والده. ~~لم يكن من السهل عليه أن يكتم انتصاره. كان يحب حكم أينشتاين؛ فقد كانت من الروعة بحيث تناسب ~~استخدامك لها في أي سياق شئت، فتجعل الناس يغرقون على إثرها متفكرين في صورهم الداخلية. ولعل كل ~~واحد رأى بها خلاف ما يرى الآخر. لقد كانت تفتح نوافذ على أرواحهم وتجعلهم على نحو خاص أكثر ms019 ~~استعدادا لاستقبال أفكار جديدة. حبس أندرياس سؤاله مدة حتى بدت أمارات احتقار على زوايا فم ~~أبيه. ~~«وماذا تريد أنت أن تترك للبشرية؟» ~~«بالتأكيد ليست أفكارا غنية بكم السعرات الحرارية التي ينتعش بتناولها جيل من طلاب ~~الفلسفة.» كانت هذه هي الضربة المسددة ضد تمرده. فدراسة الطب فصلين كاملين كانت كفيلة ~~بشفائه؛ لقد تجرأ وفعلها ابن كبير الأطباء وهجر دراسة الطب. كانا يقفان على حافة الصدع الذي ~~انشق في علاقتهما ... تلك الهوة التي ستباعد بين حياتيهما من الآن ولخمس سنوات قادمة، هوة «القديس ~~أندرياس» بحسب وصف والدته للفجوة التي تفصل بين الرجلين في حياتها، وكأنه عليه وحده أن يتحمل ~~القسط الرئيس من الذنب بسبب ذلك. في العام السابق وفي أثناء رحلة عودته بالطائرة من سان ~~فرانسيسكو أخذ أندرياس يبحث عن صدع عظيم في قشرة الأرض، لكنه لم يتعرف إلا على خط أسود، كسر ~~رقيق على جدار غلاف أرض صدئة، قد يثير الضحك حين تنظر إليه من ذلك الارتفاع الشاهق، لكنه رغم كل ~~شيء مليء بالبارود. ~~«نحن نقف أمام اختراق علمي هائل: فرط الحرارة. إننا نحقن جزيئات النانو في أورام المخ ونقوم ~~بتسخينها، فيتحلل نسيجها ويختفي الورم. أمر لا يصدقه عقل! لكنه علاج ناجع.» بدا الأمر وكأن ~~أباه سيشرع في إلقاء محاضرة. واصل الأب حديثه عن أن تكنولوجيا النانو ستجهز ما يكافئ «صندوق ~~أدوات» يسهم في تقدم الطب، فسيمكن مثلا التحكم بصورة أفضل في حجم الأورام، واستخدام الأدوية ~~بشكل أكثر دقة وتحديدا وفعالية. زميلي يوردان من برلين قد أنجز بالفعل إسهامات بارزة في هذا ~~المجال. أصغى أندرياس لرنة الصرير الآسرة في صوت والده، تلك الرنة التي يحرص بها على إيقاع ~~مستمعيه في شراكه كلما تحدث عن نجاحاته. ~~«أندرياس يوردان هو أحد أفضل المتخصصين في هذا المجال، ولا يستسلم بسهولة»، الصمت الذي أعقب ~~هذه الجملة ينتمي إلى أساليب جونتر هيلبيرج البلاغية. فقد قال والد أندرياس ذات مرة: «إن الهجوم ~~اللفظي مثله مثل الحقن. تجني أعظم الأثر عندما لا يتمكن غريمك من الحركة بعد نغزة ms020 مفاجئة، بعدها ~~ستنساب كلماتك إليه من تلقاء نفسها.» لكن هذه المرة تعمد أندرياس ألا يعطي الفرصة لإبر ~~والده أن تمسه. # تعثر صوته فوق النبرة الرنانة: «ألم تفهموا الأمر بعد؟ أنتم تعملون على جزيئات متناهية ~~الصغر، وتتحدثون عن الاختراق الطبي الكبير؛ ألم تتوفر لكم الرؤية الثاقبة حقا أم أنكم فقط ~~تدعون؟» لوى شفتيه سخرية ثم قال: «الأمر لا يتعلق فقط بالكفاءة حين يبرز التميز، فهناك أموال ~~طائلة تتدفق في هذا الجنون العظيم.» # أشاح جونتر هيلبيرج بوجهه وقال: «هذه حماقات.» # واصل أندرياس حديثه بلا تردد: «كلها أمور مرتبطة ببعضها، لا يمكن أن تحدث تغييرا في نقطة ~~ما دون أن يكون لذلك أثر في شيء آخر، حتى ولو كان بعيدا عن موقع النقطة الأولى. نحن تنقصنا ~~الرؤية الشاملة.» ~~«آه، إنها القصة القديمة، قصة جناح الفراشة الذي بمقدور ضربة واحدة منه أن تثير إعصارا في ~~مكان ما من العالم، سمعناها من قبل.» بدت على والده أمارات التعب. ~~«قصة مدهشة أليس كذلك؟ ما أعظم أثر الجناح الصغير حين يضرب الهواء ضربا رقيقا! فجأة لا ~~يبدو كل شيء محددا. لا بد أن نحسب حسابنا، إن برتقالة واحدة تتدحرج من فوق هذه الطاولة من ~~الممكن أن تسبب هزة في جبال الهمالايا يقضي على إثرها أحد الوعول نحبه. أنت تمتدح مزايا ~~تكنولوجيا النانو، رغم أنك - أنت خاصة - ينبغي أن تعرف أن عواقب هذه التكنولوجيا لا يستطيع أن ~~يقدرها أحد بشكل حقيقي حتى الآن.» ~~«لهذا الأمر مسئولون يقومون عليه، أنا ليس في وسعي سوى أن أدرأ الكوارث.» ~~«... وتخترع أيضا نعالا مصنوعة من الكاوتشوك، حتى لا تنزلق من على السلم الوظيفي. لا بد أن ~~تصور السقوط إلى القاع أمر مؤلم لك كثيرا.» عض أندرياس على شفته، فلم يكن ما يقوله يجدي، وهو ~~لا يعرف سوى أن يواصل الآن ما بدأ. ~~«أنت تكافح المرض فقط لأنك تستطيع أن تفكر في فئات «الجيد والشرير»، لكن ماذا لو كانت ~~الأمراض ليست سوى محاولة كائن حي ما أن يتكيف مع بيئته؛ أي محاولة لإيجاد ms021 حلول، حالة مزاجية ~~لطيفة للطبيعة؛ رغبة في التجريب؟ فلنسمه ببساطة القدرة على التغير، تلك القدرة التي لا تريد ~~أنت أن تقبلها لأنك تجلس وراء مكتبك الفاخر، وتغازل إحصائياتك، من أجل أن تدعمك الأرقام، حتى لو ~~كان المريض قد مات فعلا. وفي اللحظات الأخيرة تتوقف عن التفكير، ربما هي أيضا مجرد نتيجة ~~موجزة ومتعسفة، تتبخر كل التوكيدات، بوووم. هذا أيضا شكل من أشكال الفوضى. النظام فالسيطرة ~~وسلاسل التأثير أحادية البعد، كلها أمور نادرة ندرة الحظ السعيد ...» فكر قليلا ... «مثل الحظ ~~الذي يمكن أن يحالفك لو اشتركت في مسابقة كيديتش مثل السحرة في روايات هاري بوتر.» كان أندرياس ~~يلهث، بعد أن أطلق لنفسه العنان وانخرط في إلقاء محاضرة. لم يكن يختلف عن والده قيد ~~أنملة. ~~«إن لم تخني الذاكرة، فإن هذه المسابقة تقتضي أيضا مهارة، ولا تعتمد على الحظ فحسب.» ~~قالها جونتر هيلبيرج وهو ينهض واقفا، بدت خطواته الأولى متصلبة وغير متزنة، كاد يتعثر، ثم ~~تمالك نفسه واتجه نحو النافذة. ~~«هل ثمة ما يسوءك؟» سأل أندرياس، لكن والده هز رأسه نافيا، ثم دس يديه في جيبيه بالكامل ما ~~عدا إبهاميه اللذين ظلا معلقين على حافتي جيبي ردائه الأبيض مثل ريشتين وحيدتين. كانت بهما ~~رعشة خفيفة، واستطرد قائلا: «لا يقول مثل هذا الكلام إلا من يضيع وقتا طويلا في التفكير. ~~أيها الشاب، ليتك فقط تعرف حقيقة الأمر.» ~~«أعرفها بالقدر الكافي. ألم أكن أيضا مواطنا في هذا المنزل؟» أدار الوالد ظهره له، فرأى ~~أندرياس كيف كان أبوه يشد عوده. ~~«لا أعتقد أنك تصغي حقيقة لما أقول.» تحدث جونتر هيلبيرج إلى النافذة وكأن في المنتزه ~~بالأسفل جمهورا ينصت. «نحن نريد أن نتحدى الحظ، وحتى نحقق ذلك فلا بد من التحلي بمهارات ~~حقيقية؛ فهذه هي فرصتنا الوحيدة.» ها هو ذا الطبيب يتحدث بحماسة وقلق دائم على مصير مرضاه، ~~فلكأنه الفارس الذي يظهر في الملمات. تصفيق حاد ثم ليسدل الستار. غضب أندرياس لأنه وقبل أي شيء ~~آخر شعر فجأة بحسد تجاه والده يأكل قلبه. كان والده يبدو ms022 حقيقيا في صورته المتضخمة عن ذاته، ~~شديد القناعة بنفسه، وله فوق ذلك جاذبية عالية. ~~«علينا أن نفهم القوانين التي تقود حركة العمليات الحيوية، عندئذ فقط يمكن لنا أن نمارس ~~تأثيرنا عليها.» تحول جونتر هيلبيرج ثانية نحو أندرياس وقال: «المسألة تشبه لعبة بازل كبيرة، ~~لن نستطيع أن ندرك مدى تعقيدها على النحو الصحيح إلا بعد أن نستخرج القطع الصغيرة منفردة، ثم ~~نفحصها بدقة.» ~~«وحين تبدأ بفحص كل حبة رمل على حدة، ثم في النهاية تجمع حبات الرمال بعضها مع بعض، تجد ~~نفسك مرة أخرى أمام كثيب رملي قصير العمر في أحد مواقع البناء، ولست أمام شاطئ النخيل الذي ~~وضعته ذات يوم نصب عينيك. ماذا تمثل حقا حبة الرمل؟ فقط السياق هو ما يجعلك تدرك موقعك الذي ~~تقف فيه. الحقيقي هو حين يمر الهواء الساخن على الشاطئ الرملي فيغبش الصورة قليلا أمام ~~ناظريك، عندها تكون قد وصلت. إن افتراض أن الكون مكون من أجزاء هو محض فكرة مثالية.» هز جونتر ~~هيلبيرج رأسه في وهن. ~~«هل هذا استشهاد آخر؟ فكلامك يبدو مثل كلام الدلاي لاما نفسه.» خطا إلى جوار مكتبه. تكومت ~~على الطاولة الجانبية الصغيرة مجلات وأكداس من الورق. رفع بعض الورقات ثم أعاد وضعها في مكان ~~آخر. خشخش الورق بين يديه المرتعشتين. «لن يساعدنا على عملنا تلك المقارنات الرومانسية، نحن في ~~حاجة إلى أدوات ملموسة تمكننا من السيطرة على مشكلاتنا.» سرت في هيئته المتضائلة رعدة ~~خفيفة، بينما صفر في نفس اللحظة جهاز استدعاء الأطباء الخاص به. توجه جونتر هيلبيرج نحو ~~الهاتف وطلب الرقم. # وقال: «سأحضر فورا.» ثم تحول ناحية أندرياس وقال: «آسف، لدي مشاغل.» انزلق الهاتف ~~المحمول من يديه حين أراد أن يضعه في الشاحن، فتركه على المكتب، وفي الطريق إلى الباب استدار ~~مرة أخرى. # وقال بوهن: «تمنياتي برحلة سعيدة. سنتواصل هاتفيا.» انتهى العرض. وخرج والد أندرياس بصورة ~~أبطأ من المعتاد، وبدت مشيته متشنجة، لكنه ظل على هدوئه، لم يستشط غضبا ولم يوجه إلى أندرياس ~~اتهامات كالعادة، لم يمنحه أي سبب يجعله ms023 ينتفض واقفا ويرحل صافقا الباب وراءه. سيرحل قطاره ~~المتجه إلى ماربورج في غضون ساعة، لكنه كان يفتقد الدافع نحو نقلة نوعية في حياته. # ربما توجب عليه أن يغادر الآن، لكنه كان يفضل البقاء، في هذه الحجرة خاصة، حيث آثار ~~رائحة والده لا تزال عالقة. ابتسم أندرياس لهذه الرابطة التاريخية، على الأقل ليس في مقدور ~~والده أن ينكرها. # شعر أندرياس وقتها في رحلة عودته إلى ماربورج بخفة في روحه. ألم يكن يمثل هذا اللقاء نقطة ~~تحول بينه وبين والده؟ إلا أن انقطاع الاتصال بينهما بعدها لم يعط لأندرياس سببا للقلق؛ ~~لأنه لم يكن بالأمر غير المعتاد. لكن اتصال والدته به بعد أسبوعين ذكره بتلك الرجفة المتخفية ~~التي لاحظها على والده . أصابه الخبر بالصدمة؛ فقد دخل والده في غيبوبة. كان جونتر هيلبيرج ~~مستلقيا في نفس المستشفى الذي عمل به، ومع كل زيارة كان أندرياس يرى ستار الشك يسدل وستار ~~الأمل يرفع، رأى كيف يستبد الخوف وتنتقل عدواه إلى كل المحيطين، بحيث لم تخف وطأته إلا ~~تدريجيا بعد وفاة الوالد. قال الأطباء وهم يرفعون حواجبهم وكأنهم يخفون أمرا بينهم: سكتة ~~قلبية. ذكروا أيضا الرعشة ونوبات اضطراب الحركة، والتي كانت تعذب والده منذ مدة، والتي لم ~~يشأ قط أن يعترف بها، ثم بدأ أخيرا في علاج نفسه بنفسه، ثم انتهى كل شيء بسرعة فائقة. لم ~~يعد في مقدور أندرياس أن يقول الكلمات التي طالما أراد أن يقولها لوالده. لن يستيقظ جونتر ~~هيلبيرج ثانية. حتى في موته لن يستطيع الوصول إليه. ناهز عمره السبع والخمسين سنة من مدة قصيرة ~~وكان قلبه قويا. لم يستطع أيهم أن يقدم تفسيرا لأندرياس حول استسلام والده بعد أسابيع ~~قليلة. لم يكن في وسعه التحكم في مشاعر الغضب التي ظهرت أولا فحجبت مشاعر الحزن. كانت هذه ~~الحالة الشعورية مألوفة لديه منذ سنوات، غير أنها الآن تسحبه في دوامة نسي نفسه فيها فارتطم ~~بقاعها، وبدأ يلوم نفسه أنه لم يبح لوالده قط بأنه كان يفتقده كثيرا. # الفصل الثالث # | أكاذيب بيضاء # استيقظت ms024 فاندا من إغفاءة قلقة، وحين نظرت من النافذة عرفت أنها وصلت جيسن من اللافتة ~~المثبتة على رصيف المحطة. كانت ساعة يدها لا تزال تشير إلى الوقت في شيكاجو: الساعة السابعة، ~~فأجرت الحسبة في رأسها، لا بد أن الساعة الآن الثانية بعد الظهر. لقد نامت ما لا يقل عن نصف ~~ساعة. كان الشاب الذي يجلس قبالتها لا يزال في مكانه، مستندا برأسه إلى النافذة. هل كان نائما ~~أم يتأمل المناظر في الخارج؟ لم تتمكن من رؤية وجهه، وتبددت رغبتها في الحديث إليه. تمطت ~~وتثاءبت. هلا حاولت الشعور بالسعادة؟ حاولت أن تشجع نفسها، تستطيعين الآن أن تفعلي ما ~~حلمت به دوما: تأسيس معمل للسموم، تنفيذ مشروعاتك الخاصة، قيادة فريق. لم تضطر إلى تفكير طويل ~~حين أتاها ماكس شتورم في المؤتمر الذي عقد بالخريف الماضي، وعرض عليها منصبا في معهده ~~بماربورج. لقد كان يتباهى أمامها مرارا وتكرارا بالتجهيزات التقنية المتقدمة والموارد المالية ~~المتاحة في قسمه، كما أنه وفوق كل ذلك أشار إلى إمكانية حصولها على درجة الأستاذية. الأستاذ ~~الدكتور الطبيب ماكسيميليان شتورم. لم يبد لها من ذاك النوع من الأساتذة الذين يمارسون ~~سلطاتهم الأبوية على من يشرفون عليهم، وهو النوع الذي تفضل العمل تحت رئاسته، فقد كان يبدو ~~مثل جرذ نحيل. # واصل القطار رحلته، أخذت فاندا شهيقا ثم أطلقت الهواء في تنهيدة على زجاج النافذة البارد، ~~فتكون على الزجاج ضباب خفيف ما لبث أن تلاشى. نظرت إلى الطبيعة الرمادية المغسولة بمياه ~~الأمطار نظرات حالمة. لقد عدت إلى وطني ألمانيا. كان عليها أن تقرص نفسها في وجنتها لتتأكد ~~أنها لم تكن تحلم. وكأنها أتت من عالم آخر بعيد، بثتها شعاعاته لتعيد تكوين ملايين من جزيئاتها ~~في حالة روحية فريدة ومادية جديدة. ما الذي أصبو إليه هنا؟ هل أتطلع إلى دفء صحبة ليس لي منها ~~نصيب؟ أم أخشى أن أفوت عقد صلة ما بيني وبين الوطن؟ هل أخشى غلق الأبواب المتاحة؟ في أمريكا ~~لست سوى باحثة نكرة في مرحلة ما بعد الدكتوراه بين عشرات الباحثين. ms025 الوظيفة مؤقتة لمدة سنتين. ~~طبعا كان يمكن أن تقبل عرض الاستمرار لعام بحثي آخر في روتشيستر. منعها فقط تلك الطرقات ~~التي كانت تتصاعد بطيئا من صدرها لتدق في حلقها. أحيانا كانت تداهمها ليلا وتجبرها على السهر ~~حتى الصباح. # لا. لم تكن تريد أن تضطر ثانية أن تواجه مشاعر الخوف. حاولت أن تهدئ من روعها وتقول ~~لنفسها كان صوابا أن ترحل في هذا التوقيت. أما ذاك الشيء فلن يلحظه أحد، خصوصا الآن بعد أن ~~رحلت. فقد انتهى المشروع، ولن يقوم أحد بإعادة فحصه. لقد ضغط عليها ريك لأنه كان يحتاج إلى ~~النتائج لينشر بحثه، فقامت بحذف بضعة أرقام. كانت من خاصة الباحثين. أكدت فقط على النتائج التي ~~هي مقتنعة بها ببضع لمسات تجميلية على الإحصائيات، لتبدو البيانات قابلة للتصديق، وقد كانت تريد ~~أن ترى اسمها منشورا على السطر المخصص لأسماء مؤلفي البحث. ففرصة النشر في دورية مرموقة مثل ~~تلك لم تكن لتفوتها. هل كان بوسعها الاستغناء عن النشر؟ أي أحمق لم يكن ليفعلها. كان عليها أن ~~تتصرف بهذه الطريقة إن كانت تريد التقدم في عملها. في النهاية، فإنها لم تزور، وإنما شذبت ~~النتائج قليلا. كان الزملاء يسمون هذه التصرفات: أكاذيب بيضاء. هي ليست أكاذيب، لكن هي الحقيقة ~~مصقولة قليلا. لمزيد من الوضوح والإفهام، يعني من أجل غرض طيب. هي فقط نصف الحقيقة. طبعا لا ~~يمكن أن تلعب بنار كهذه دون أن تحترق أصابعك، فالحدود الفاصلة بين ذاك الأمر والخديعة ليست ~~واضحة. # فتحت سوستة معطفها ومرت بيدها على رقبتها. هنالك كانت الثنية التي ورثتها عن أمها، لقد زاد ~~وزنها. وخلف لها الشعور بالذنب توترا. عاشت عامين قلقين، لكنها تركتهما الآن وراءها. كانت ~~حياة على الحافة عليك أن تقفز من فوقها إن عاجلا أو آجلا، وهذا ما يجب أن يتغير الآن. الوظيفة ~~الجديدة مدتها ثلاث سنوات. ضحك شتورم بعد أن أخبرته بموافقتها، ومر فوق رابطة عنقه فاردا ~~طياتها. ~~«سنرى كيف سيكون أداؤك.» شعرت بعصارات من مرارتها تغص حلقها. # الفصل الرابع # | نانوسنيف # كان ماكس ms026 شتورم يتطلع من نافذة غرفة الاجتماعات. لم تكن السماء التي تغطي ماربورج تختلف ~~كثيرا عن مثيلتها في بوسطن في هذا الوقت من العام. تتساقط أمطار أبريل الخفيفة على العشب شاحب ~~الخضرة الذي كان يتمدد بدلال مثل سجادة على كل المنخفضات والمرتفعات المتموجة على صفحة الأرض. ~~احمرت عينا شتورم كالنار وهما تنظران عبر ستار المطر الرقيق. لكن هذه الخضرة لم تكن تمتلك من ~~القوة ما يمكنها من بث طاقة في شبكية عينيه. فبالأمس ظهرا سافر من فرانكفورت وهبط تقريبا في ~~التوقيت نفسه من اليوم التالي في بوسطن. استغرقت الرحلة ست ساعات طيرانا نحو الغرب، ومثلها ست ~~ساعات متأخرة عند الوصول نتيجة فروق التوقيت. رغم ذلك بدت له الرحلة أطول. كانت ساعته الداخلية ~~مضطربة بجنون. أرسلت شركة بوسطن للعلاجات المبتكرة - اختصارا «بي آي تي» - سيارة إلى المطار ~~لتحمله إلى فندق قريب من مقر الشركة. غادرت السيارة المدينة. كان يعرف الطريق الذي يمر بعدة طرق ~~سريعة متشابكة تتجه إلى الشمال الغربي، إلى أن وصل بعد حوالي الساعة إلى بيدفورد. # أرهقه فرق التوقيت كثيرا رغم أنه هو تحديدا طالما عمل تحت ضغط الوقت. بذل مجهودا شاقا ~~ليبقى يقظا حتى المساء، وبعد تناول الطعام مع مديري الشركة ذهب مبكرا إلى الفراش، ثم استيقظ ~~حوالي الساعة الرابعة فجرا ولم يتمكن من النوم ثانية. نهض من فراشه وأعد لنفسه قهوة لا طعم ~~لها، من تلك المتوفرة في حجرات الفنادق، ثم بدأ يراجع محاضرته. عليه ألا يستثير انتباه سامعيه ~~في اتجاه خاطئ، يكفي أن زابينة ميرتينز كانت في غاية العصبية وهي تخبره بملاحظاتها قبل سفره إلى ~~بوسطن بمدة وجيزة. ورغم أنه لم يكن يحب نوبات ~~الانفعال لكنه أنصت إليها وحاول تهدئتها. في النهاية كانت هي واحدة من أفضل الباحثين العاملين ~~معه، لكنها أحيانا ما تكون غارقة أكثر في العمل. تمنى لو أنها تمكنت أيضا من إبقاء فمها ~~مغلقا. لم ينس أن يذكرها بمنتهى الوضوح بشروط الحفاظ على السرية التي وقعت عليها وقت ~~اتفاقية التعاون مع شركة بي آي ms027 تي. كانت شكوكها تدور تحديدا حول التجارب الأولية التي تسبق ~~المرحلة الثانية من الدراسة. طالما أنه لم توجد أدلة دامغة فلا ينبغي أن يعلم أحد بهذا الأمر، ~~والآن خاصة، حيث يريد الأمريكيون مواصلة العمل معه. أي إشاعة، أي ثغرة من شأنها أن تفقده ~~الخمسمائة ألف دولار المخصصة لتمويل المشروع. # وجد برنامج جلسة اليوم موضوعا على المنضدة أمامه. خلع شتورم نظارته وفرك عينيه، ثم أعاد ~~ارتداءها؛ إذ كان من الصعب عليه التعود على العدسات الجديدة. ظل يطأطئ رأسه بشك إلى أن وصل إلى ~~نقطة وجد الحروف تكتسب فيها معالم محددة، فعاد بأفكاره إلى زابينة ميرتينز. كانت مجرد ترس ~~في ماكينة مؤسسته، ما أسهل إبدالها بغيرها! في الشهر القادم ستبدأ الباحثة الجديدة القادمة من ~~روتشيستر عملها تحت رئاسته. هدأ نفسه بخاطر أن ميرتينز ستلزم الصمت. أخرج منديلا بلون ~~البراعم البيضاء من جيبه وجفف عرق يديه فيه. تزعجه كثيرا الرطوبة في راحة يديه، ولحسن الحظ ~~لم يكن الأمريكيون يعبئون كثيرا بالاتصال البدني. نظر في ساعته الروليكس، باق خمس دقائق على ~~البداية الرسمية للجلسة في تمام التاسعة. ~~••• # أحس شتورم بمخالب مدير الشركة تنغرز في كتفه وهو يحييه: «مرحبا ماكس.» # تكسر صوت ماكس من هول الصدمة المفاجئة كما يتكسر الغصن الرفيع، حتى أنه حاول أن يداريه ~~بضحكة مفتعلة وقال: «صباح الخير يا باول.» ~~«أرجو المعذرة، أعرف أن الوقت مبكر بالنسبة لكم، خصوصا في ظل فروق التوقيت وتغير المناخ، ~~لكن الأمر شديد الأهمية.» رغم طغيان اللكنة الأمريكية على حديثه، فإن لغته الألمانية كانت رفيعة ~~المستوى لدرجة تجعله يفهم كل الكلام، وهو ما يأسف له شتورم سرا؛ لأن هذا الأمر لن يسمح له أن ~~ينسق مع محاميه في أثناء الجلسة دون أن يلاحظ أحد. تصدر باول تورمان بهيئته الضخمة رأس ~~طاولة الاجتماعات، بينما أخذ صوته الرخيم يدوي في القاعة. ~~«أين الدكتور لوزر؟» # فقال المحامي الذي أتى للتو من الحمام مصححا إياه: «بل لوثر، مثل مارتن لوثر، صباح الخير ~~يا سيد تورمان ...» ~~«آه نعم، مارتن لوزر، تذكرت الآن.» ms028 كان ينظر بعينيه الداكنتين الصغيرتين. وضع المحامي حقيبة ~~أوراقه على الطاولة، ثم أزاحها بحيث توازي مقدمتها حافة الطاولة. وبدا شاحبا، فكان شتورم يبتسم ~~له مشجعا. حتى لو لم يكن فعلا يؤاخذ تورمان على تصرفه الفظ، لكنه لن يجرؤ أبدا أن يدير له ~~ظهره. فخلف إطلالة تورمان الساحرة يختبئ دب قطبي جائع. # دخلت ليندا فارن غرفة الاجتماع، وهي مديرة الإنتاج بقسم علاجات النانو. تعرف عليها شتورم ~~بالأمس أثناء عشاء العمل. قدر أنها في نهاية العشرينيات من العمر، شقراء، زرقاء العينين، ~~رشيقة وناعمة مثل ثعبان الماء، بدت وكأنها أنهت إخراج أحد المسلسلات الوثائقية المدبلجة لتنزلق ~~لتمثيل دور جديد. تبدو وكأنها تعلق على فمها لافتة تعليمات «يرجى الابتسام» مكتوبة ~~بالطباشير. تبعها ثلاثة رجال لم يكن شتورم يعرفهم. إنهم بالتأكيد محامو السيد تورمان. # تحول السيد تورمان ناحية الحاضرين وقال: «هلا عرفتكم ببعضكم؟» قالها بلكنته الأمريكية، ~~فغطت على حدته في الحديث. ~~«الدكتور ستيفن برايت من شركة لينكس فارماسيوتيكال، أهلا بك ستيف. وهؤلاء هم مايك بارنفيلد ~~وجيم روس، حارساي الشخصيان»، وضحك بصوت عال وهو يومئ برأسه إليهما، «هذه دعابة طبعا. لكننا ~~سعداء أن تمكنا من الفوز بهما في شركتنا قبل بضعة أشهر، لا بد أن تعرف أن شركة بي آي تي ~~تحوي الآن قسما خاصا للشئون القانونية.» # ثم أشار تورمان نحو شتورم: «الدكتور ماكسيميليان شتورم من ألمانيا، معهد السموم جامعة ~~ماربورج، وهو أيضا مدير شركة نبيكس، ومحاميه السيد رولف لوووثر.» سمع شتورم كيف أن لوثر تنفس ~~الصعداء وهو جالس إلى جواره. طلب تورمان من كل الحضور في الجلسة أن يتخذوا مقاعدهم على الطرف ~~البيضاوي من الطاولة، بينما ظل هو واقفا في المقدمة. ~~«ليس لدي فكرة لم يوجد فقط اثنا عشر مكانا على الطاولة، لكني أؤكد أن ليس للأمر علاقة ~~بأي مؤامرات دينية»، ثم نظر إلى لوثر الذي كان عرضا يدون شيئا ما، واستطرد: «هل تعرف أن ~~يهوذا الإسخريوطي لم يكن أصلا حاضرا العشاء الأخير، وأن يسوع كان قد صرفه؟» ابتسم هازئا، ~~وصمت قليلا ثم قال: «وعلاوة ms029 على ذلك نحن فقط سبعة أشخاص، مما سيجعل إثبات الخيانة أسهل، في ~~حال وجد بيننا خائن.» رف جفن شتورم الأيسر؛ لقد أبرز تورمان الحدود الفاصلة غير المرئية بين ~~الحاضرين للجلسة، فلكأنه رسمها بالقلم الأحمر. ~~••• # شغل تورمان جهاز العارض الضوئي المعلق في سقف حجرة الاجتماعات، فألقى شعاعه على الحائط ~~الشعار الأزرق التقليدي لمايكروسوفت. أمسك في يده جهاز التحكم عن بعد، فتسارعت على الصورة ~~المعروضة على الحائط نقطة بيضاء تشبه السهم. في نفس اللحظة ظهرت صورة بانورامية لمدينة بوسطن في ~~أضواء المساء. أسند شتورم ظهره، ألم ير تلك الصورة على أحد الكتالوجات بغرفته بالفندق؟ نهضت ~~ليندا فارن واتجهت نحو الباب. ضغطت على عدة مفاتيح فانسدل على إثرها ببطء قماش أسود من السقف ~~محدثا أزيزا خفيفا، حتى غطى النافذة من الداخل. ساد ظلام في الغرفة فكأن الليل قد حل، ~~ولولا خط الضوء الرفيع الفاصل بين الستائر وحواف النافذة لتصور شتورم أن هذه كواليس رحلة عبر ~~الزمن في اتجاه الشرق، نحو الجانب الآخر من القارة. # الشريحة التالية عرضت شعار شركة بوسطن للعلاجات المبتكرة ومعه الاختصار المتداول بي آي ~~تي. ~~«نحن نريد اليوم التوكيد على المرحلة الثانية من التعاون المشترك» قالها تورمان وهو يفرك ~~يديه وكأنه سينتقل حالا لتنفيذ المهمة. «ولأجل هذا الأمر علينا توضيح بعض الشكليات، وإن كانت ~~هامشية من وجهة نظري.» تنحنح ورفع شريط بنطاله إلى خصر بدنه الضخم. «بالأحرى على خبرائنا ~~المختصين بالشئون القانونية العمل على ذلك. ومن أجل أن يستوعبوا هم أيضا ما نريد أن نفعل، أريد ~~أن أستعرض بإيجاز النقاط الرئيسة لبحثنا المزمع.» كانت عيناه اليقظتان تتجولان هنا وهناك بين ~~المحامين الثلاثة. «لنقل إننا اليوم نتحدث بلغة قناة «ناشيونال جيوجرافيك» العامة بدلا من ~~قناة «نيتشر ميديسين» المتخصصة، على سبيل المجاملة لكم. وأرجوكم قاطعوني لو استشكل عليكم فهم ~~أي أمر من كلامي.» بعدها ظهرت على الحائط صورة شارع تتدافع فيه حشود من الناس. وبينما كان ~~تورمان يقرب الصورة بشكل غير متدرج، بدا لشتورم وكأن الناس فيها آتون نحوه، ولما اقتربت وجوه ms030 ~~الناس بشكل ظاهر تجمدت الحركة. كانت كلها وجوها لأناس متقدمين في العمر، سيدات ابيضت شعورهن ~~ورجال صلع الرءوس، ملامحهم وقورة وعيونهم براقة. استدعت الصورة في ذاكرة شتورم إعلانا عن شركة ~~تأمين على الحياة، كان قد شاهده مؤخرا في السينما. ~~«حتى الآن كان الطريق هو الغاية»، قالها تورمان ونظر للحضور المتحلقين في صمت. أدرك شتورم ~~إلام يرمي تورمان. ~~«لقد طورنا إنتاج نانوسنيف، حتى نحمل المواد الفعالة على جزيئات النانو مثل قوارب النقل عبر ~~مسارات الشم من الأنف وحتى المخ، وهذا طريق جديد تماما. أفكر مثلا في علاج السرطان، أو في ~~المواد المنومة، أو أدوية العلاج النفسي. إنه طيف عريض من المجالات المتاحة، وسنكون موجودين حين ~~تظهر أدوية نانوسنيف في الأسواق ، علاج أنفي فقط. إن براءة الاختراع مضمونة لنا بلا ~~جدال.» # شتورم أيضا كان مقتنعا بعبقرية الفكرة. إن الطبقة المخاطية المبطنة للأنف، وكذلك مراكز ~~التحكم بأعصاب الشم في الدماغ شديدة القرب من بعضها، فوصول مواد النانو إلى المخ سيكون بالبساطة ~~التي تشبه القفز من فوق سور الحديقة. للدقة فلنقل إنها ثغرة ستتمكن جزيئات النانو من ~~التسرب عبرها. بالأحرى هي نقطة الضعف التي طالما استغلتها فيروسات شلل الأطفال والالتهاب ~~السحائي المخيفة. ببساطة تذكرنا مكانها؛ ولهذا فقد اشترى شتورم عددا من أسهم شركة بي آي تي في ~~البورصة قبل نحو الشهر، رغم أنه ليس مطلعا على كافة خلفيات هذا المشروع. وفي النهاية فقد أكدت ~~أحدث النتائج التي أجريت في معمله صحة هذا التطبيق ونجاحه. لا تزال بي آي تي تخفي نانوسنيف ~~وكأنه سر من أسرار الدولة. فهي لم ترسل إلى ألمانيا إلا النزر اليسير من مادة النانو، كما اشتمل ~~عقد الشراكة على غرامات مالية عالية تدفع في حال استخدمت مادة النانو في غير الأبحاث المتفق ~~عليها. لم ينجح أحد حتى الآن في توصيل جزيئات النانو عبر مسارات الهواء إلى المكان الذي عليها ~~أن تعالجه دون أن تعلق وتتشابك؛ وهذا ما يزيد من صعوبة وضعها في البخاخات الطبية. من الواضح أن ~~العلماء في شركة بي ms031 آي تي قد طوروا أسلوبا يمكنهم من التغلب على تلك الآثار المزعجة. خمن ~~شتورم أن السر الحقيقي في نانوسنيف يكمن في سطح جزيئات النانو. ربما خدعة ما تفكك الجاذبية ~~الشديدة بين هذه الجزيئات. وهو غاضب حقا من كونه لا يعلم المزيد. في نفس الوقت كان يشعر ~~بالزهو أن يكون مشاركا في مقدمة تطور مبتكر مثل هذا؛ فهذا ما كان يمثل له منطقة التقاطع ~~بين العولمة، ورأس المال الإنساني النزعة وتدويل الأبحاث الممتازة في علوم النانو. ففي الوقت ~~الحالي كانت تبدو له هذه المصطلحات في غاية الجاذبية وهي تخرج من بين شفتيه، فمهما كان متعبا، ~~بل وحتى لو كان نائما، كان يستطيع صياغتها والنطق بها؛ إذ كانت توفر عليه الوقت وتبدو مناسبة ~~للتداول في المجتمعات التي يتحرك فيها. ولم يكن يضايقه أنه هو ذاته لا يفهمها أحيانا، فلم يكن ~~الأمر متعلقا بما يقول على قدر تعلقه بالكيفية التي يقوله بها، لكنه يتمنى لو كان معه جهاز ~~استشعار دقيق الحجم مثل الإبرة الصغيرة يغمسها في محلول نانوسنيف ليستكشف أسراره. أيا ما كان ~~الأمر، فليس ثمة شك أن واحدا من أهم الإنجازات التقنية الطبية وصل إلى عقر داره، وهي خطوة مهمة ~~على طريق تطبيقات النانو العلاجية. فلماذا الآن نعطي مانح العمل سببا لعدم الثقة؟ فحتى الآن ~~أثبتت «مسبارات نانوسنيف» كفاءة كبيرة كوسائل مواصلات يمكن الاعتماد عليها بشكل كبير، وهذا ~~الخبر السعيد جاء من معمله، وحتى الآن كل شيء يسير بشكل جيد، وسيظل أيضا يسير بشكل طيب. الشك ~~هو آفة كبرى في هذا السباق. نانوسنيف يعمل بكفاءة. لقد تم تحقيق الأهداف المرجوة، كما أنه واحد ~~من أعضاء الفريق المبتكر. ~~«لكننا نريد المزيد»، اخترق صوت تورمان العميق أفكاره وهو يشير إلى صور الوجوه مكبرة ~~الحجم على الحائط. «نريد أن نحصل الحكمة التي تختبئ في كل هذه الرءوس؛ ففيها يكمن ما نصبو ~~إليه للمرحلة القادمة. إنها لتكاد تتحرك صوبنا مباشرة.» وبهذه الكلمات أعاد الصورة إلى حجمها ~~الأول. وهنا أدرك شتورم أن الأمر أكثر من مجرد نقاش ms032 حول إمكانات التعاون مع شركته. كان تورمان ~~قد ألمح بالأمس على العشاء أن اثنتين من أضخم شركات الأدوية تحومان حول بي آي تي، جالت عيناه ~~حتى وصلت إلى ستيفن برايت. بالتأكيد ليست لينكس فارما بالشريك السيئ. ~~«هل سمعتم من قبل أي شيء عن تعديلات التخلق المتوالي؟» طرح تورمان السؤال على مستمعيه، ~~ثم أعطى من فوره الإجابة: «سأقول لكم. التخلق المتوالي هو ما يحدد ما ستئول إليه حياتنا، خصوصا ~~لو كانت حياة مديدة. إنها بمثابة محكمة عليا، إما تقضي لجيناتنا بالكلام وإما تجبرها على ~~السكوت. ونحن نعلم أن عمليات التولد الذاتي اللابنيوي في خلايانا تساهم بقدر لا يستهان به في ~~أننا نشيخ، وفي الكيفية التي يحدث بها ذلك. الأمراض الناتجة عن تدهور الأعصاب وضعفها، العته، كل ~~أشكال العجز الذهني التي تتواكب مع التقدم في السن، في كل ذلك يكمن مستقبل عملنا.» بدأت شقوق ~~رفيعة تتخلل الصورة المعروضة على الحائط، ثم تفككت إلى مربعات صغيرة في ذات الوقت بدأت تتشكل من ~~العمق صورة تشبه الزهرة الصغيرة تتحرك حركة لولبية في المقدمة. فكر شتورم أن هذا شكل ماندالا ~~(شكل هندسي مشهور في العقيدة البوذية عبارة عن مربع داخله دائرة يعتقد بقدرته على تحقيق ~~التوازن الإشعاعي)، لكنها لم تكن في صورة مستوية لأنها كانت طبيعية. تعرف فورا على التركيب ~~الجزيئي للحمض النووي دي إن إيه. # أكمل تورمان محاضرته: «أنتم تشاهدون هنا نموذجا من داخل النيوكليوسوم. الأسطوانات الملونة ~~في المنتصف هي بروتينات الهستونات، إنها تشكل ما يشبه المغزل الذي تلتف حوله خيوط الحمض ~~النووي. المفترض أن الجينوم البشري يحتوي على خمسة وعشرين ألفا من مثل هذا النيوكليوسوم. ~~ببساطة لكم أن تتخيلوا كتابا، فلنقل موسوعة مطبوعة على شريط رفيع، بدلا من طبعها على ~~صفحة كبيرة الحجم، قام مجلد الكتاب بلفها بشكل دقيق وعناية فائقة حول سلسلة طويلة، بحيث يتمكن ~~من برمها وتخزينها في درج، ومن حسن الحظ لم يستخدم الورق في الطباعة، وإنما مادة مطاطية ~~تستطيعون مدها حين تريدون البحث المحدد عن مصطلح. ولكي تتمكنوا من ms033 قراءة النص، عليكم إبعاد ~~الشريط المطاطي عن السلسلة، ولكي تفعلوا ذلك عليكم استخدام ملقاط؛ لأن الشريط المطبوع عليه ~~النص في غاية الرقة، حتى أنكم لن تتمكنوا من إمساكه بين أصابعكم. تماما بهذه الطريقة تسير ~~الأمور في النيوكليوسوم. مثل الملقاط الذي في أيديكم تقوم إنزيمات معينة في خلايانا النووية ~~بحلحلة الرابطة بين مغزل الهستون وشريط الحمض النووي، هناك فقط يمكن قراءة كود الشريط الوراثي. ~~لنقل الآن إن الموسوعة تقادمت مع الزمن، وإن شريط النص ملتصق فعلا في مناطق كثيرة، بحيث ~~أصبح من الصعب عليكم فتحها ثانية، وكل فترة يزيد عدد النصوص التي لم تعد قراءتها ممكنة. كذلك ~~الحال في خلايانا حين نهرم، مناطق مهمة من النصوص في مادتنا الوراثية تصبح مغلقة بالترباس إلى ~~الأبد، فاقدة النطق، محبوكة، وهذه العملية هي التي نريد وقف أثرها من خلال تدخلنا العلاجي.» ~~أومأ تورمان لزميلته في العمل إيماءة سريعة، فنهضت من فورها وفتحت نور الغرفة. «بفضل نانوسنيف ~~تمكنا من تمرير بعض التسلسلات الوراثية في دماغ حيوانات التجارب، ونجمعها على معديات النانو ~~ثم نرسلها تبحر إلى رحلتها. إنها الإنزيمات الوراثية، بمعنى أن وراء تسلسلها تكمن الإنزيمات ~~المختلفة، والمحفزات التي من المفترض أن تتدخل في عمليات التولد الذاتي اللابنيوي. لنقل إننا ~~نورد الملقاط، الأداة التي تحتاجها خلايا المخ من أجل إعادة فتح نصوص الجينوم التي تم إغلاقها ~~بالترباس.» ونقل يده اليمنى فوق فمه. «لعلكم تجدون في هذا الكفاية، ستتفهمون أني لا أستطيع ~~الحديث أكثر لأسباب متعلقة بأسرار الشركة.» وفي تلك اللحظة انسلت ليندا فارن إلى مقعدها ~~ثانية. تعلقت عينا شتورم بمؤخرتها التي تتراقص مثل كرة مرحة تحت الفستان الأزرق الضيق؛ لكن ~~صوت تورمان العميق أفسد عليه هذا السحر. ~~«خبيرنا، البروفيسور شتورم، سيؤيد كلامي حين أقول إن أوائل تجارب ناقلات الجين باستخدام ~~نانوسنيف واعدة بالنجاح.» # الفصل الخامس # | المذكرات # استقبلتها مدينة ماربورج بأمطار تنهمر بغزارة. نظرت فاندا من النافذة في توتر حين وصل ~~القطار إلى المحطة، لكنها لم تر شيئا على الإطلاق. أليست المحطة سوى بوابة إلى مكان؟ يمكن ms034 ~~لها أن تبني أوهاما أو تهدمها. استطاعت أن تخمن بهاء مدينة كبرى يتراءى من خلف صالات المحطة ~~الضخمة. إن كانت الصالات تذكر بالمطارات فلا بد أن العالم الذي تفتح عليه عالم ثري وقوي، أما ~~إن تشابهت الصالات مع محطات الأتوبيس، فهي كائنة بالقطع في مكان ليس فيه سوى فندق واحد، إن كان ~~به أصلا أي فندق على الإطلاق. وصولها ماربورج جعلها تتشكك لوهلة في قرارها. كان سير الحقائب ~~الموازي لسلالم النفق ميتا مثل جلد مخطط لأفعى، وكذلك سير الأمتعة الموازي للطريق الصاعد إلى ~~بهو المحطة ثبت أنه مجرد محاولة لجذب النظر، ربما كان أجدى غرس الزهور عليه. تبعت هذه المرة ~~طوفان البشر المتجه لبابي المحطة المنفتحين على المدينة، الشبيهين بسم الخياط. ماذا لها أن ~~تتوقع وراءهما؟ جاءت على بالها صور طرق موحلة، وحوائط منازل تتقشر عنها طلاءاتها المصفرة من ~~دخان النيكوتين. أشار السهم الممثل لاتجاه المخرج أيضا إلى لوحة ضخمة مكتوب عليها بيرة ~~ماربورج. وفي الخارج رأت الماء ينهمر سيولا من السماء. إن كانت متأكدة من شيء، فهي متأكدة من ~~أمر واحد: في ماربورج لن تموت عطشا. # خرجت فاندا من المحطة إلى المطر. قطع مجال رؤيتها بعض التشويش البصري. هدرت عربات نقل ~~أمامها فتناثرت قطرات الماء من على الأسفلت المبتل. الآن فقط اتضح لها الفارق مؤلما بين معالجة ~~الصور عصبيا ورقميا؛ فباستخدام برنامج فوتوشوب كان يمكن ~~لها أن تمسح ببساطة ذاك الجسر الأسمنتي الممتد أمام ~~المدخل. ترى ماذا وراءه؟ اليوم يبدو الجسر وكأنه يحمل السماء المثقلة بالغيوم. سارعت فاندا ~~خلال المطر ووجدت تخمينها في محله، فلمسافات طويلة كان الجسر هو الموضع الوحيد الجاف، مما حمل ~~فاندا على التفكير أن تعود أدراجها وتركب سيارة أجرة. ~~••• # تحسن الطقس تدريجيا، لكن فاندا ظلت طوال الأسابيع الأولى منهمكة في البحث عن مسكن ~~والمهام المتعلقة بوظيفتها الجديدة حتى أنها لم تلحظ ذلك مطلقا. حتى لو كانت السماء قد انطبقت ~~على الأرض لمكثت هي في المعهد تواصل عملها به. طبعا شتورم بالغ كثيرا. الآن، وبعد أن ms035 صارت ~~هناك، قيل لها فجأة: «رأس المال ذو الغرض الإنساني شديد التكلفة.» فكان عليها أن تتدبر تمويل ~~مشروعاتها؛ ولهذا كانت تكتب طلبات التمويل بنفسها، وعليه وجدت نفسها مضطرة أن تتشاحن في قاعة ~~الكمبيوتر العمومية مع سائر طلبة الدكتوراه وما بعد الدكتوراه على الأماكن المرغوبة بحرقة. صحيح ~~أن الباحثين المساعدين يحصلون على أجهزة كمبيوتر خاصة بهم، لكن في عملها لم يكن جهازها قد وصل ~~بعد، علاوة على ذلك عانت من نقص العاملين؛ ولهذا صارت تعمل في المعمل بنفسها. وأخيرا فإن أي ~~مزرعة خلوية لن تعرف أبدا معنى إجازة نهاية الأسبوع. صحيح أنها معتادة على العمل الكثير ~~والاستغناء عن وقت الفراغ، لكنها قد عملت حسابها على مساعدة تعينها على البداية أكبر مما ~~حصلت. كذا كان عليها أن تصارع البيروقراطية، فبعض الطلبيات كانت - ولأسباب مختلقة - لا تصل ~~أبدا. ظلت في انتظار الكمبيوتر شهرين كاملين، لكن الإجراءات ببساطة لم تتحرك. بدا الطلب الذي ~~تقدمت به كجثة هامدة لم تفح رائحتها إلا بعد عدة محاولات للسؤال عن مصيره. ادعوا أنها ~~هي التي تسببت في هذا حين أخطأت في صياغة الطلب الذي لم يخطر به قسم المشتريات. لحسن الحظ ~~غادر أحد الزملاء العمل فحصلت على جهازه، وأخيرا تمكنت من الكتابة في هدوء، والقراءة ~~والبحث وتقييم البيانات وكتابة البروتوكولات. كان في رأسها طنين يجعلها تخلد مساء للنوم وكأنها ~~مخدرة. أي أنها ببساطة توقفت عن التفكير. وظيفيا كانت على ما يرام، لكن هل كانت سعيدة؟ طرحت ~~عليها زابينة زميلتها في العمل هذا السؤال مرة. فأجابتها أنه إذا كانت السعادة تعني أن ننسى ~~الوقت، فنعم، أنا سعيدة جدا. ~~••• # ولأن فاندا لم تدرك فصل الصيف، ظل وجهها على شحوبه. وعلى حين غرة أصبحت شقتها باردة حين ~~تعود إليها مساء متأخرة، وأحيانا كانت تسمع كيف تصفر الريح في أركان البيت، وكيف تهتز ~~الشبابيك. في ذاك الصباح من شهر نوفمبر رأت ذلك الحلم ثانية: رأت نفسها هناك في البيت الذي قضت ~~فيه طفولتها، تركض من غرفة لأخرى تسدل الستائر المعدنية، تحكم إغلاق ms036 النوافذ والأبواب. تعرف ~~أن ثمة غريبا في الخارج، لصا، تحس بحركاته، كيف أنه يدور سرا حول المنزل، يبحث عن ثغرة ~~ينسل منها، باب غير مغلق أو شباك مفتوح قليلا تكون قد نسيته. يجلس والداها وروبرت أخوها في ~~غرفة المعيشة مثل تماثيل الشمع، شلت حركتهم من فرط الرعب، لكنها لا تحتمل الصمت طويلا. ~~تمسك سماعة الهاتف لتتصل بالشرطة، لكنها تنسى الرقم، فتحدق في الغرفة بضوئها الخافت. إنها لا ~~تزال بالداخل لكنها في الوقت نفسه تدور معه حول المنزل، وكأنها تستطيع أن تشعر بخطواته المتسللة ~~على جسدها، أين هو الآن؟ اللعنة، باب القبو، لقد نسيت باب القبو. # استيقظت وقلبها يخفق بشدة، هذه المرة توغل الحلم أبعد. لقد كان الغريب في بيتها ، شعرت بثقل ~~ممض على جبينها، ابتهلت سرا ألا ينتابها صداع؛ فقد ارتفع استهلاكها لأدوية الصداع بصورة ~~ملحوظة في الآونة الأخيرة. كانت الغرفة لا تزال مظلمة، فأوقدت الأباجورة الصغيرة المجاورة ~~للسرير. كانت عقارب الساعة تشير إلى الرابعة صباحا، لا يزال الوقت مبكرا على الاستيقاظ، لكنها ~~لم تستعد هدوءها. خطت حافية القدمين إلى الحمام وأشعلت السخان. ارتدت البلوفر طويل الرقبة ~~على بيجامتها، ثم جوارب صوفية في قدميها وأزلقتهما في حذائها الفرو القديم. انسلت إلى المطبخ ~~وهي لا تزال ناعسة. أصبح من عاداتها أن تشعل الفرن لأنه مصدر التدفئة الوحيد في هذه الغرفة. ~~كانت دائما ما تحتفظ في دواليب المطبخ بمخزون من الدقيق والسكر والبيض وتكمل الناقص منه ~~مسبقا. وفي أثناء بحثها عن وصفة وقعت يدها على دفتر من دفاتر مذكراتها، كان عالقا بين كتب ~~الوصفات في مؤخرة الرف الثاني. أطفأت فاندا الفرن، وتدثرت ببطانية، وجلست على المكتب المصنوع من ~~لوح هائل من خشب الصنوبر مستند إلى قائمين خشبيين مطليين بتقنية الرش. فتحت دفتر مذكراتها. في ~~الواقع كان مجرد كراس ضمت صفحاته بسلك معدني حلزوني؛ ففاندا لم تكن تحب دفاتر المذكرات ~~التي لا تسمح باقتطاع صفحات منها بشكل نظيف. بدأت كتابة مذكراتها عدة مرات، لكنها لم تواظب قط ~~على الأمر. ومن المؤكد أنها استخدمت ms037 هذا الدفتر حين احتاجت مفكرة تدون فيها وصفاتها، فها هي ~~تجد وصفة كيك الجوز التي خبزتها في عيد ميلاد زابينة. التصقت بذرة طماطم مجففة فوق العنوان ~~المغري «سحر الحب الفرنسي»، ففركتها بظفر إبهامها. كانت فاندا قد جربت هذه السلطة الجديدة ~~لتقدمها لتوماس إن سنحت الفرصة. قلبت صفحات كثيرة بيضاء، ثم ظهرت جمل مضغوطة وحروف متلاصقة. ~~كل الكتابة كانت مقلوبة، فقلبت الكراسة وقرأت تدوينتها الأخيرة: # ماربورج، 20 يوليو 2005 # يصعب علي كثيرا التذكر. ما هي الذكريات حقيقة؟ تركيبات جزيئية تهجع في جهازنا ~~العصبي؟ هل هي طاقة محكومة تربطنا بالزمن؟ لقد عاد الحلم ثانية. كنت قد نسيته تماما. بدا ~~لي وكأني كنت أبحث بلا انقطاع عن معلومة مهمة، كأن فجوة ما في مخزن بياناتي. معلومات لا ~~أصدق أنها محيت. # لو قمت بعمل مسح ضوئي على دماغي لأظهر بالتأكيد مزيدا من المعلومات. تقنية عكسية. لا ~~أستطيع أن أتخيل بعد كيف سيجري ذلك. كمبيوتر خارق يستطيع أن يفكر في أفكاري؟ على أية ~~حال، فإن توماس يهذي بذلك طوال الوقت، فقد حسم أمره بأن «يصب دماغه صبا في مادة ~~السيليكون، أو أن يعبئه في مكعب صغير مصنوع من أسطوانات النانو متناهية الصغر، إن أصبح ذلك ~~متاحا في يوم ما.» وهو يقصد أنه بهذه الطريقة ستتولى أجهزة الكمبيوتر في المستقبل مهمة ~~التفكير. أتخيل كيف سيذهب الناس كل أسبوع في وقت محدد، لنقل مثلا يوم الاثنين أثناء ~~استراحة الغداء، بدلا من أن يتشمسوا، يذهبون فيجلسون مدة قصيرة في أسطوانة الأشعة المقطعية ~~على الدماغ لتأمين تخزين بيانات الأسبوع المنصرم. يا للسخافة! أنا حتى لا أفعل ذلك مع جهاز ~~الكمبيوتر الخاص بي. # رفعت فاندا رأسها ونظرت إلى النافذة. رأت صورتها منعكسة على الزجاج الذي لا يزال ~~مظلما. ~~«وماذا عن أخطاء البرنامج؟» أرادت أن تعرف من توماس آنذاك. ~~«ماذا يحدث لو أن بيانا ما علق في مكان وحبس تيار الذكريات؟» ~~«ببساطة تستعملين احتياطيا قديما»، كانت هذه إجابته. صورتها المنعكسة على الزجاج أظهرت ~~بعض التجاعيد على الجبهة. هناك أشياء لا تريد ms038 أن تتذكرها بتاتا. لقد قامت برسم صور أخرى فوقها ~~كانت تعجبها أكثر، ولم تكن على استعداد أن تعيد هذا الجهد الشاق مرة أخرى. # هل الذكريات مجرد نسخ احتياطية مستمرة؟ هل هناك مثلا ما قد يسمى الذكرى الأولية؟ ~~أصل لم يتم تزويره؟ # في طفولتي كان عندي حلم: أجلس على تل رملي أمام مساحة مائية كبيرة. تنتهي المياه في ~~المكان الذي تبدأ منه السماء. يخطو والداي في هذه المياه، متشابكي الأيدي في اتجاه الأفق. ~~أتابعهما ببصري، يبدوان كشريطين مضغوطين يذوبان تدريجيا أحدهما في الآخر، ويتهددهما ~~الذوبان الكامل في المياه التي تضوي في الظلمة، أصرخ وأركض، أجري وراءهما في المياه، أخوض ~~فيها لألحق بهما. ~~«نعم، لقد حدث هذا بالفعل»، كانت هذه هي إجابة أمي حين حكيت لها الحلم، «ذات مرة حين ~~كنا عند بحر البلطيق، كان عمرك وقتها سنتين، وكدت أن تغرقي.» # هذه هي إذن الذكرى غير المزورة. بيان انفتح تلقائيا وخرج أيا ما كانت أسباب خروجه ~~من أعماق الذاكرة المعتمة إلى النور مثل الحمم البركانية آخذا في التدفق، مشكلا جزيرة؛ ~~تل رملي على بحر البلطيق. # علي أن أحلم أكثر؛ فلربما تأتيني الصور التي تنقصني لأفهم بشكل أفضل. # بهذا انتهت تدوينتها. ماذا كانت تريد أن تفهم؟ نفسها؟ أبويها؟ أم كانت فقط متوترة لأن كل ~~شيء كان جديدا عليها؟ وجهت فاندا السؤال للوجه الشاحب المنعكس على زجاج النافذة المعتم. ~~أعجبتها لمحة السخرية التي ينطق بها فمها الصغير لأنها كانت تبعث ابتسامة جريئة في عينيها. ~~كانتا تبدوان أكبر حجما بعد أن صارت وجنتاها أكثر استواء. وجدت نفسها جميلة في هذا الضوء غير ~~المباشر، رغم العلامات التي خلفها الإرهاق على ~~وجهها. تناولت قلم حبر من علبة السجائر التي كانت تحتفظ فيها بأقلامها، وبدأت في الكتابة: # ماربورج، 7 نوفمبر 2005 # اتصل بي موثق العقود بالهاتف قبل أسبوع، كنت قد نسيت خطابه تماما. على الأرجح احتاج ~~إلى بعض الوقت كي يكتشف أين أقطن الآن. ومنذ ذلك الحين وأنا أستيقظ ليلا وأخبز؛ لأني أحلم ~~أحلاما سيئة. # لاحظت فاندا أثر ms039 الحبر الأسود وهو يخترق الورق أثناء كتابتها. لكل شيء مبتدأ يستهل منه. خطر ~~ببالها قدماء المصريين. فلصناعة الحبر كانوا يخلطون السخام بالصمغ العربي ثم يحلونه بالماء، ~~وبهذا صنعوا، ربما كواحدة من أوائل المزرعات، معلقا مائيا من جزيئات النانو. الذي لم يكونوا ~~يعرفونه وقتها هو أن سلاسل الجزيء الطويلة لعنصر عديد السكاريد الطبيعي المكونة لعصارة ~~الأكاسيا، كانت تلتف حول جزيئات السخام، وبذلك تمنع تكون تكتلات في الماء. ولهذا كان اللون ~~ينساب بنعومة فوق المنسوجات وفوق أوراق البردي، وذوت آثاره بين نسيج الزمن. ولهذا فمن المهم ~~جدا أن يتم وضع كل الأشياء بدقة على كفة الميزان، حتى لا تتكتل إلى عجين لا يرجى نفعه. # ربما سيتحتم علي السفر إلى هناك. # وضعت فاندا قلمها الحبر جانبا . لم تكن تعلم بعد إن كانت بالفعل اتخذت قرارها، ثم أغلقت ~~دفتي كراسة المذكرات. اهتزت الأرض تحت أقدامها هزة خفيفة، وصرت الأكواب المصطفة على الرف بصوت ~~خفيض؛ فقد كانت حافلة تمر بالشارع مفتتحة جولتها الأولى. ما اليوم يا ترى؟ تنهدت فاندا ~~وأمسكت رأسها المصطفق، وفكرت أنه يوم الاثنين، كانت تستشعر انقلابا خفيفا في معدتها كلما ~~اقترب هذا الطقس الأسبوعي. اليوم الدور على جورج - باحث الدكتوراه الذي تشرف على رسالته - ~~لإلقاء محاضرة؛ لهذا عليها أن تأخذ كفايتها من الراحة. ذهبت فاندا إلى الحمام وفتحت صنبور ~~المياه ورشفت رشفتين ابتلعت بهما قرص الدواء. كان الفراش لا يزال دافئا. ~~«سيمر كل شيء بسلام.» غمغمت بتلك الكلمات ثم راحت في نوم خفيف. # الفصل السادس # | يوم الاثنين، يوم الاثنين # دخلت قاعة المناقشات قبل تمام الساعة العاشرة بدقيقة واحدة. لعدة لحظات شعرت فاندا بثقل ~~تهديد العيون المصوبة تجاهها ممن لا يقل عددهم عن خمسة عشر شخصا. على الأرجح كان الزملاء ~~ينتظرون الرئيس. أومأت بسرعة للمجموعة دون أن تثبت نظرها عند أي من الحاضرين. كانت منشغلة ~~بذاتها بما فيه الكفاية. وسرعان ما عاد الهمس والضحك يملآن الغرفة. كلما حضرت فاندا إلى هنا ~~أيام الاثنين، شعرت أنها عادت إلى وقت المدرسة مجددا. كان جمعا شابا، ms040 فمعظم الزملاء دون ~~الثلاثين. ارتمى الحاضرون على الطاولات هنا وهناك، وتداخلات أحاديثهم، ودفع بعضهم بعضا على ~~سبيل الدعابة. كان طول غرفة الندوات أكبر من عرضها، واصطفت فيها الطاولات في صفوف طولية متتالية ~~مثل فصول المدارس. كانوا قد انتقلوا لتوهم إلى مبنى الأبحاث الجديد؛ ولهذا فقد كانت الغرفة ~~لا تزال تحمل الروائح المنبعثة من الموكيت المركب حديثا، ومن الأثاث الجديد الذي وصل من ~~المصنع مؤخرا. وحين أحست بطعم المواد المذيبة على لسانها، سارعت نحو النافذة وفتحتها على ~~مصراعيها. ~~«ياه! فاندا، أعليك أن تفعلي ذلك؟» قالتها أستريد وهي تضغط بمنديلها على أنفها، وفي نفس ~~اللحظة تمخطت فيه بقوة، ثم سددت إليها عيناها الزرقاوان نظرات لائمة. # زمجرت فاندا مدافعة: «تنبعث في الغرفة روائح كيماويات كريهة.» # نعقت الدكتورة أستريد دوبرمان كغراب شل جناحه: «لكني أعاني الآن من مشكلة أخرى!» حسن، ~~رائع جدا. انتصرت فاندا داخليا. سيقع الوحش أخيرا على الأرض. ~~«إذن لماذا أنت هنا؟ هل تريدين أن تنقلي العدوى إلينا جميعا؟» # كانت لا تزال غاضبة من أستريد؛ فقبل مدة وجيزة نجحت الزميلة في اقتناص مبلغ كبير من موارد ~~هذا العام المخصصة للأبحاث والتدريس، بسرعة قبل أن توضع معايير توزع على أساسها الأموال ~~على مجموعات العمل، بل لقد نجحت حتى في إقناع الرئيس أن هذا السطو يندرج تحت بند المصروفات ~~الخاصة للقسم. شعرت فاندا بتنميل في بشرة رأسها. حاولت أن تلجم غضبها وقالت: «بالتأكيد كان ~~يمكنك حقا أن تتغيبي عن بعض المحاضرات.» # قهقه يوهانيس الجالس قبل أستريد بصفين، ثم نظر إلى فاندا مشجعا: «لم تنامي جيدا؟» ثم ~~سحب الكرسي من جانبه في دعوة واضحة لها بالجلوس إلى جواره. # فأجابته هي عرضا: «عملت كثيرا، وأكثرت من شرب النبيذ»، فلم يكن من داع أن يعرف الحقيقة. ~~وكانت في الأساس تستلطف يوهانيس؛ فمعه يعرف المرء بسرعة أين يقف. على الأقل كان يبدو لها الأمر ~~واضحا. كان يوهانيس يحب أن يداعب من حوله، وكل ما في قلبه يقوله لسانه، ولو مرة اضطر أن يكتم ~~تعليقا ما، كان يندفع محمر ms041 الوجه خارجا من فرط الانفعال. لم يكن يوهانيس يهيم بالنساء، ~~وللطرافة لم يكن يتصور أن الناس تعلم عنه ذلك. كان لحوحا في محاولاته أن يبدو طبيعيا وكأنه ~~يسخر من نفسه؛ فهو لم يعد بسنواته الخمسة والثلاثين باحثا يافعا؛ وإنما تقدم في السن ~~بحيث لم يعد من المناسب إدراجه في برامج دعم صغار الباحثين، وكان جليا للجميع أن شتورم لا ~~يحبه، لكن أستريد كانت مصرة على تعيينه، وأمام أستريد أحيانا لا يملك الجميع - ومن بينهم ~~الرئيس - إلا الانصياع. حصل يوهانيس ليبكنيشت على الدكتوراه في تخصص الأحياء، ولم يكن يستنكف ~~من إجراء أبحاث مطولة على حيوانات التجارب، وربما يكون أهم ما ميزه بالنسبة لأستريد هو أنه ~~لم يكن منافسا لها بحال. فكرت فاندا قليلا؛ فمعنى أن تجلس إلى جواره هو أن تخاطر بوضع نفسها ~~قرب مرمى نار الرئيس، بل أقرب من اللازم بالنظر لحالها اليوم، ولهذا ظلت تبحث بعينيها في ~~المكان. كانت زابينة تجلس في الصف الأول. نظرت فاندا إلى بنيتها النحيلة، وعرفت فورا أنها ~~لم تكن على ما يرام. كان رأس زابينة عالقا بين كتفيها المرفوعتين، كان جسدها مشدودا يعاني ~~توترا يؤلمك مجرد النظر إليه. كانت تكتب شيئا ما؛ عرفت فاندا ذلك من حركة كتفها اليمنى نحو ~~الأمام ثم نحو الخلف. شيء ما في هذه الحركة كان يزعجها. وكان المكان إلى جوارها خاليا. # وفي نفس اللحظة التي انتوت فيها أن ترد عرض يوهانيس دخل الرئيس إلى غرفة المناقشات. ~~بروفيسور ماكسيميليان شتورم لا يجري، إنه يطير طيرانا ثم يهبط، ودائما ما يوجهه نظام ملاحته ~~نحو المكان الخالي في الصف الأول. طائرا وراءه خليفته ميشائيل فالاخ الذي قطع تدريب طيرانه ~~ليجلس على الكرسي المجاور للباب. بلا شك كان عنده مواعيد مهمة جدا ستضطره للذهاب مبكرا. وبعد ~~أن وصل إلى الصف الأمامي تردد شتورم في عملية إنزال جسده من ارتفاع المتر والتسعين سنتيمترا، ~~الأمر الذي سمح له أن يغير بخفة مسار قوامه الفارع ولا يجلس إلى جوار زابينة، وإنما في الصف ~~الذي يليها مباشرة ms042 إلى جوار علي؛ فكان ذلك إيذانا ببدء الجلسة. توقفت الهمسات الضاحكة، وجلس ~~كل واحد على كرسيه. جلست فاندا إلى جوار يوهانيس، حقا على غير إرادتها، لكنها كانت يقظة. رأت ~~المناطق المحمرة على رقبة جورج، وأومأت له مشجعة. # كان باحث الدكتوراه يدرس الطب، ولهذا لم يكن يأتي يوميا إلى المعمل، لكنه كان يستغل ~~الفترة المسائية وعطلات نهاية الأسبوع، مما مكنه أن يصل إلى بعض النتائج في الأربعة أشهر التي ~~عمل فيها تحت إشرافها. كان يدرس سمية النقاط الكمومية «الكوانتوم»، أو بلورات أشباه ~~الموصلات، التي كانت تضوي حسب أحجامها في ألوان متعددة، ولهذا يزداد باستمرار الطلب عليها من ~~أجل التعرف على الخلايا الحية. فكثير من عمليات الأيض أصبح من الممكن ملاحظته في مزارع الخلايا ~~بفضل التطور المهول في الميكروسكوب الحيوي. ولهذا لا بد من وجود متتبعات الأثر، ما يسمى بالمواد ~~العلامات، والتي تسبح مثل دودات متوهجة عبر تيه أغشية الخلايا، معطية إشارات ضوئية في غاية ~~الوضوح عن المكان الذي وصلت إليه توا. # بدأ جورج محاضرته قائلا: «إن النقاط الكمومية تنتج طيفا كبيرا من المؤثرات الضوئية، ~~بمجرد أن تحصل على محفز ضوئي من الأشعة فوق البنفسجية، ويمكن تحديد الضوء الذي تشعه عن طريق ~~تحديد حجمها؛ ولهذا من الممكن إجراء عدة علامات لونية في نفس الوقت باستخدام النقاط الكمومية ~~متفاوتة الحجم. وخلافا لأنواع التظهير الأخرى التقليدية، فإن مقاومة هذه الإشارات الضوئية ~~عالية بصورة مدهشة.» لم يكن من الصعب التغافل عن شغف جورج باستخدام الحركة في عرضه التقديمي ~~«الباوربوينت»؛ إذ كانت سطور نصه تطير مرة من أعلى، ومرة من اليمين، ومرة من اليسار لتغطي ~~الصورة، إلا أن هذه المؤثرات لم تتمكن من منع بعض الزملاء من النظر في مخطوطاتهم التي يحضرونها ~~دائما معهم للجوء إليها إذا ما أصبح العرض مملا. وفي الخلف تقارب رأسا شخصين وأخذا ~~يتهامسان. غضبت فاندا من ذلك. بالتأكيد جورج ليس مضطرا أن يتعب نفسه طويلا مع مجموعة مثل ~~هذه. لكن من ناحية أخرى، فإن هذا المنتدى يشكل واحدة من الفرص النادرة ms043 لطلبة الدكتوراه ~~ليتدربوا فيها على إلقاء المحاضرات. قررت فاندا أننا كلنا ارتكبنا أخطاء حين كنا مبتدئين، ~~وتركته لشأنه. # أكمل قائلا: «تتكون النقاط الكمومية من عدد كبير من الذرات قد يصل إلى أكثر من 100 ألف ~~ذرة. هي إذن جسيمات ثابتة متناهية الصغر، لكنها تتحرك وكأنها ذرة واحدة متخذة أوضاعا متحفظة ~~للطاقة بسبب ظاهرة السطوح.» إن الأمر الذي تعثر جورج في محاولة شرحه هنا، يعد ظاهرة عادية ~~في عالم النانو؛ كلما صغر حجم الجزيء، كبر نصيبه من الذرات التي تستلقي على سطحه. ورغم أن فاندا ~~نفسها لم تكن تفهم كثيرا من الجوانب الخاصة بتقنية النانو، لكنها تدرك جيدا أمرا واحدا، هو ~~أن هذه الكلمة الصغيرة «النانو» تمهد سبيلا جديدا. إنه اكتشاف السطح. وهذا معناه تغيير في ~~مسار الفكر، أيضا في علم السموم. # سمعت صوت جورج ثانية يقول: «إذا ما أصاب محفز ضوئي النقطة الكمومية، تندفع الإلكترونات ~~المفردة دوما بشكل أكبر لتقترب من الذرات التي على السطح. تنحشر وكأنها في حارة مسدودة لا تسمح ~~بالتقدم أبعد، تمسكها وكأنها في الأسر مثلما تفعل فيها قشرة الذرة. لذلك تنبعث طاقتها في صورة ~~ضوء نحو الخارج.» هل هذه هي اللحظة التي تستشعر فيها المادة تعاطفا مع العالم؟ سألت فاندا ~~نفسها. في الصور الميكروسكوبية التي يعرضها جورج الآن تمكن هذه النقاط المضيئة من النظر داخل ~~البنية الرقيقة للخلايا. كانت تومض وكأنها تطريز مخرم على نسيج مصنوع من حلم، من مجرات دقيقة ~~الحجم متناهية الصغر. ~~«سوف تتمكن النقاط الكمومية من المساعدة في تتبع خلايا الأورام السرطانية، ويجري التفكير في ~~استخدامها للكشف المبكر عن الأمراض السرطانية، لكنها تتكون جزئيا من روابط سمية لا بد من ~~اختبار أثرها أولا.» تنفست فاندا الصعداء، أخيرا دخل في الموضوع. البيانات التي يعرضها الآن ~~جديدة، فأبحاثهما أثبتت أن جرعة صغيرة من النقاط الكمومية على مزرعة الخلايا لها تأثير سمي. ~~كانا يحتاجان إلى تجارب قليلة إضافية لتأكيد النتائج. وهو اكتشاف مثير، وبالتأكيد يمكن نشره ~~بسهولة، لكن جورج لم يكن يمتلك الخبرة الكافية. كان في ms044 حاجة إلى عونها، كما أن كتابة البحث ~~للنشر ظلت معلقة بها كالعادة. وكان الوقت جد ضيق. # مع الوقت صارت تنجز الأعمال العلمية الهامة من المنزل على جهاز الكمبيوتر الخاص بها، تكتب ~~أو تقرأ حتى ساعات متأخرة من الليل. أما في النهار فقد كان شتورم يقذف إليها تكليفاته الكثيرة، ~~وكأنها حاوية يريد أن يلقي فيها بأوراق مكتبه. كانت هي المستجدة، وكان عليها أن تتخرج في نفس ~~المدرسة التي دخلها الآخرون، طبعا ليس كلهم: فبالتأكيد قفزت أستريد بعض الصفوف. أحيانا تحسدها ~~فاندا على تبلد إحساسها. أما هي ذاتها فما أسهل أن تتمسك بالتزاماتها، لكنها بدأت تقلق على ~~وقتها من أن يضيع في تصويبات رسائل الدكتوراه، وكتابة تقارير مناقشة الرسائل، وتنظيم الندوات ~~ومحاضرة الطلاب، رغم أن اسمها لم يظهر ولو مرة واحدة على جدول المحاضرات؛ فرسميا كانت كل هذه ~~الأعمال محجوزة لحساب شتورم. ~~«هذا خطأ إداري، لا تشغلي بالك بهذه التوافه.» هذا ما قاله شتورم ردا على شكواها، ونصحها ~~أن تركز في العمل على بحثها؛ فلا بد لها بلا جدال أن تنشر مزيدا من الأبحاث إن كانت تريد ~~حقا لاسمها أن يكون مطروحا للحصول على وظيفة أستاذ مساعد. ابتلعت فاندا غضبها، كانت مقتنعة ~~أنها إن عملت بجد حقيقي فستصل حتما إلى ما تريد. # وعبر عدسة العارض الضوئي تأرجحت علامة استفهام كبيرة الحجم على حائط العرض، منتفخة مثل ~~بالون ممتلئ، ثم انفجرت. ختام العرض منذر بتوابع. ترك جورج مؤشر الليزر من يده. # قال شتورم بعد أن التفت باسما إلى صفوف الجالسين وراءه: «نستطيع أن نذهب فور أن نلملم ~~مخلفات الانفجار.» كانت الوضاعة في كلامه أظهر من أن يغفلها أحد، وانطلقت ضحكات مكتومة. وضع ~~رجله اليمنى على اليسرى وظل يركل بقدمه في استعداد للهجوم. انسحب ميشائيل فالاخ من الغرفة بخفة ~~سحلية، لكن صوت الباب وهو ينغلق وشى به. لم تتمكن أستريد من كتمان ابتسامة، وغضبت فاندا من ~~نفسها. كان عليها أن تحذر الباحث الذي تشرف عليه أن شتورم يمكن أن يكون مزعجا، وفورا سيمسك ~~الرئيس ms045 في نقاط الضعف لدى جورج المسكين. لقد آن أوان تدخلها إن كانت حقا تريد إنقاذ ~~الموقف. نهضت وذهبت نحوه عند منصة الحديث، وبدت لها الطريقة التي فغر بها شتورم فاه ناظرا ~~إليها بلهاء على نحو ما، لكنها لم تنخدع ببلاهته، شتورم لا يزال يشكل خطورة. ~~«شكرا جورج، أعجبتني محاضرتك كثيرا. سنتحدث لاحقا عن بعض اللمسات الأسلوبية الدقيقة.» ~~كان يوهانيس يضحك في الصف الأخير. ~~«بالنظر للوقت المتاح أحب أن أفتتح المناقشة حول نتائج البحث. هل من أسئلة؟» تجنبت فاندا ~~النظر نحو زابينة؛ فرؤية ملامحها التي تنم عن الشكوى كفيلة بتشتيت تركيزها. كانت عيناها تختلسان ~~النظر إلى شتورم الذي استدار لينظر أمامه ثانية. أسند مرفقه إلى الطاولة وذقنه إلى يده اليمنى، ~~ووقف إصبعه البنصر مثل ترباس على شفتيه الرفيعتين، بينما نظرت عيناه بعيدا. مرت فاندا ببصرها ~~فوق رءوس الحضور، كانت تبحث عن توماس. رأت أستريد التي كانت تغطي وجهها بمنديل ورقي. يا للحظ ~~السعيد! إنها اليوم لا تحمل أسلحة حادة، اللهم إلا هذا المخزن المليء بالفيروسات. يا ليتها ~~تمرض كثيرا. كان توماس فايلاند جالسا في الصف الأخير ناظرا إليها بانتباه. شعرت بذبذبة ~~رادارية تنطلق من نصفها السفلي وتحوم في دوامات رقيقة حول سرتها، فخفضت ناظريها بسرعة. لا ينبغي ~~أن تحمر وجنتاها اليوم خاصة، ثم رفعت عينيها بالتدريج، ونظرت نحوه محاولة استدعاء رد فعل منه؛ ~~فتوماس هو أذكى من بالقسم، كان في منتصف الثلاثينيات من العمر، درس علوم الكمبيوتر، وقضى فصلين ~~في دراسة الفيزياء، وكان يصنع نماذج محاكاة بواسطة الكمبيوتر للأنظمة الحيوية. كان الرئيس ~~دائما حريصا على القول: «إن استثماري للمستقبل يكمن في دكتور فايلاند، إنه استثمار ستجنون ~~جميعا ثماره.» لو أن توماس افتتح المناقشة لسار كل شيء على ما يرام. كانت فاندا متأكدة من هذا. ~~أرسلت نحوه نظرة طويلة، وأخيرا رفع يده طالبا الكلمة. ~~••• # انتهت المناقشة في الحادية عشرة والنصف، ورغم أن رأسها كان يمور مضطربا، فإن فاندا كانت ~~راضية؛ فقد أمسكت الخيوط بيدها جيدا، وظلت نبرتها موضوعية. وكان هنالك بعض التعليقات ms046 المفيدة، ~~بل إن واحدا منها جاء من أستريد. وكالعادة كان الرئيس أول من خرج مسرعا من غرفة الاجتماعات، ~~ثم تبعه الباقون، بعضهم على عجل، وآخرون على مهل في مجموعات صغيرة تتبادل الحديث. كانت زابينة ~~لا تزال جالسة وتكتب، فجلست فاندا إلى جوارها. ~~«مرحبا يا بينة! ماذا بك؟» نظرت زابينة نحوها نظرة سريعة، فرأت فاندا شحوبا مخيفا على ~~وجهها الرقيق وكأنه لونها الطبيعي بسبب بشرتها الفاتحة. كانت عظام وجنتيها مرتفعة مثل المصريات، ~~إلا أن أنفها الدقيق، وشفتيها الورديتين الرفيعتين اللتين تميلان للجفاف، وشعرها الأشقر الغامق ~~المقصوص بطريقة غير متماثلة، علاوة على بنيتها التي تشبه بنية الذكور؛ كان كل ذلك يؤكد طلتها ~~الغربية. رأت فاندا الرموش الطويلة التي تشابكت بالدموع على الجفون المحمرة، وتبعت نظرة ~~زابينة التي اتجهت مرة أخرى نحو دفتر الكتابة. كانت الصفحة ملأى من أعلاها لأسفلها بنفس الجملة: ~~«انتهى الأمر». كتبتها زابينة فوق بعضها عدة مرات، في كل مرة تنهي فيها الصفحة، تعود إلى رأسها ~~ثانية وكأنها تكفر عن ذنب، وتسطر نفس الجملة على الجمل التي كتبتها سابقا، فتزيد من غورها ~~وتحفر أثرها على الصفحات السفلية، لدرجة أن الحبر قد اخترق الورق فخرمه بسبب الضغط، لا بد أنها ~~قضت الجلسة كلها في هذا الحفر. # ألحت عليها فاندا: «هيا أخبريني ما الذي حدث؟» # غمغمت زابينة بكلمات غير مفهومة. ~~«لا أستطيع أن أفهمك يا بينة، فلتحدثيني بطريقة أكثر وضوحا.» ~~«لم يتم تمديد عقدي.» ~~«ماذا؟» ~~«لن يجدد عقد وظيفتي، وأرجو أن تغلقي فمك حتى لا تبدين بلهاء.» كان للخبر على فاندا وقع ~~الصفعة. كم شعرت بحرارة اللطمة على وجنتها، وكم كانت تفضل لو تصرخ، لكن منظر زابينة منعها من ~~ذلك. ~~«منذ متى تعرفين الخبر؟» ~~«قالها لي سريعا قبل الجلسة. غدا آخر يوم عمل لي.» تجمدت نظرتها على دفتر الكتابة ~~خاصتها. ~~«وما المبرر؟» ~~«لا يوجد تمويل كاف.» # زمجرت فاندا معترضة: «هذا محض هراء، سأتحدث معه.» ~~«كلا، اتركي المسألة كما هي»، ولوهلة بدت صديقتها وكأنها استفاقت من الخدر الذي ألم ~~بها. ~~«وماذا سنخسر؟ لو ms047 تحدثت معه فلن نزيد الأمور سوءا.» # مرت برهة قبل أن تتحدث زابينة، ثم أخيرا تحدثت بصوت رفيع: «أشعر بالخجل ... أخجل من ~~غبائي.» # أخذت فاندا القلم الحبر من يدها بحرص شديد، ثم وضعت ذراعها على كتف زابينة، أسندت ذقنها إلى ~~رأسها وبدت وكأنها تهدهدها برقة. ~~«إن كنت أنت غبية، فأنا أكبر حمقاء. وأقولها لك: ستسوء أحوالنا أكثر إن لم نتبين الأمور ~~الآن.» # الفصل السابع # | كلمة المرور # ظل الضباب جاثما في وقت ما بعد الظهيرة على منحدرات اللان، وكأنه علق في أغصان الأشجار. ~~جلست فاندا إلى مكتبها ونظرت إلى كتل البخار المتكاثفة. كانت فاتحة اللون لدرجة اضطرتها ~~لإغلاق عينيها، فما إن فعلت ذلك حتى ظهرت أمامها صورة زابينة بوجهها الحائر. # كانت قد نصحتها قائلة: «اتصلي بفولفجانج ، ودعيه يقلك إلى المنزل.» ماذا تريد من هنا ~~بعد؟ لقد ألقت روح شتورم الباردة عليه طبقة سميكة صعب على الدموع اختراقها، وللأسف كانت تلك ~~الطبقة من مادة تحوي فتحات تهوية، وإلا لكان اختنق من قسوة قلبه منذ مدة طويلة. عملت زابينة ~~ميرتينز باحثة في مرحلة ما بعد الدكتوراه منذ عامين في هذا القسم تحت قيادة الرئيس مباشرة. ~~كانت موجودة سلفا قبل أن تبدأ فاندا في العمل هنا قبل ستة أشهر، وقد استلطفت كل منهما الأخرى ~~على الفور. ~~«سأقودك إلى الطريق.» قالتها لها زابينة وأخذتا تنزلقان بلا بوصلة بين ممرات قبيحة، وطرق ~~جانبية مظلمة، محاولة بلا جدوى مع ذلك بكل صبر أن توضح لها اتجاهات هذه المتاهة المصنوعة من ~~الزجاج، والمواد الصناعية، والأسمنت. # حين دلفتا إلى الردهة المفضية إلى حظائر الحيوانات أوضحت لها زابينة كما يفعل المختصون: ~~«كان هذا هو المبنى العام، أما هنا فيبدأ القسم المغلق. لكن لا تخافي، كل من بالداخل ألطف ~~جدا ممن بالخارج. لو احتجت إلي في أمر، فحاولي أولا أن تجديني هنا.» # في الواقع لقد كان المفترض أن تقوم أستريد بهذه المهمة، مهمة تعريف فاندا بعملها الجديد؛ ~~لأنها هي أقدم الموجودين في هذه المجموعة، إلا أن هذه الزنبورة المصابة بجنون العظمة، والتي ms048 ~~تتشمم المنافسة في كل شيء، كانت شديدة الحرص على تأمين وظيفتها التي تدر ذهبا. لقد تمكنت ~~بالفعل من جعل الرئيس يرقيها إلى درجة الأستاذية قبل ميشائيل، تلميذه المطيع. # على الأقل كان ذلك هو الوضع آنذاك، لكن سرعان ما بدأت الريح تهب من اتجاه مغاير. # أما زابينة فكانت فعلا تمثل بصيص الأمل، ليس فقط لاستعدادها لمعاونة الآخرين وتحليها ~~بروح الزمالة الحقة، بل أيضا لأنها كانت موهوبة، واعدة بأن تكون عالمة طبيعة ألمعية. كان ~~تعليمها استثنائيا؛ بالأساس هي بارعة في الربط بين التخصصات العلمية، فبعد حصولها على ~~بكالوريوس العلوم من جامعة ماستريخت التقنية، تمكنت من الالتحاق ببرنامج للدكتوراه وحصلت ~~عليها بالفعل في عمر السادسة والعشرين، وكانت تعرف كل الإجراءات المتصلة بالعلوم الحديثة في ~~الجزيئات الحيوية، وكانت فوق ذلك كريمة جدا في إسداء النصائح المخلصة؛ ولذلك كان طلبة ~~الدكتوراه وكذلك الباحثون في المعامل يسعون لمشورتها، حتى لو كانت تنتقدهم بلا مجاملة على عدم ~~إتقان العمل. باختصار نظرا لعقلها التحليلي، ومهارتها العملية، كانت زابينة تتمتع بمكانة عالية ~~في القسم؛ ولهذا كانت واثقة تمام الثقة أن شتورم سيمدد لها عقد وظيفتها، وأن كتابة العقد الجديد ~~تعد أمرا شكليا، وتجهيزه مجرد مسألة إدارية، بحسب أقوال شتورم. لقد كانت مشغولة انشغالا ~~تاما بالمرحلة الأخيرة من الأبحاث، لدرجة أنها لم تعد تهتم بالسؤال عن الوظيفة. كان الوقت ~~ضيقا؛ لأن الشركة ظلت تلح في طلب البيانات النهائية، وظلت زابينة تحرث حتى اليوم الأخير من ~~أجل تقييم تجاربها. استغنت عن الإجازة، وقضت عطلة نهاية الأسبوع في المعمل أكثر من مرة، وقطعت ~~شوطا جبارا في عدوها السريع، والآن يخبرونها أنها أصبحت خارج السباق! ما الذي ~~أغفلته؟ # كانت الحجة التي ساقها هي أن مصدر تمويل المشروع انسحب فجأة بلا مهلة مسبقة كافية، وأن ~~هذا الأمر أثر في الرئيس تأثيرا بالغا، لكنه للأسف ليس لديه أي موارد يستطيع من خلالها أن ~~يجد لها عملا، ربما يتحسن الحال بعد ستة أشهر. فاندا لم يعجبها هذا الكلام؛ فشتورم كان لديه من ~~الموارد ما يكفي لتعيين ms049 عالم، خصوصا لو كان لمدة قصيرة لعبور عنق الزجاجة. يتعين فقط أن يرى في ~~هذا الأمر فائدة له، والمفيد بالنسبة له هو كل أمر يزيد من نفوذه. # كانت زابينة تجري أبحاثا خاصة بمشروع متعلق بصناعة ما. هذا ما تعرفه فاندا؛ ولهذا كان لها ~~عقد خاص مع الرئيس، بالأحرى مع شركته نبيكس، وهذا ما جعل المسألة أكثر صعوبة، إذ لم يكن ثمة قسم ~~لشئون العاملين يستشعر المسئولية تجاهها. صارت هذه الطموحات الاقتصادية الخاصة تشكل اتجاها ~~أكثر رواجا، وكان كثير من أساتذة الجامعات ينفذونها بمجرد أن يجدوا لأنفسهم مدخلا إلى عالم ~~الصناعة؛ إذ يمنحون تفرغا للقيام بهذه المهمة، ويحق لهم استخدام معامل الجامعات وتجهيزاتها ~~التقنية لإنجاز أعمالهم الخاصة، ثم يدفعون جزءا من الدخل إلى الجامعة أو المستشفى التعليمي، ~~وبهذا يستفيد الطرفان. وكان من حق مدير العمل الخاص أن يتحكم في موارد التمويل الآتية من القطاع ~~الصناعي، وبهذا تبرم العقود ويتفق على المشتريات في غضون أيام قليلة؛ لأن هذه المسائل لم ~~تعد تخضع للإجراءات المعقدة الخاصة بمصروفات الأموال العامة. لقد كان حماس كبار الموظفين ~~من أجل الخصخصة ينصب كليا في خزينة الجامعة، ويحسن بشكل واضح من إحصائيات الأموال ~~المكتسبة. هي في كل حال مكاسب مضافة لصورة الأساتذة؛ ومن هنا تشكل ركن مثالي يترعرع فيه ~~نوع جديد من أنواع القيادة، يتحالف فيه على نحو غير مريح غرور الأساتذة مع آليات الإدارة ~~الحديثة. أما محتويات العقود ففي الغالب موجهة إلى المهتمين من مجالات الصناعة، وكانت تدور ~~حول اختبار المستحضرات الصيدلانية أو المواد الرائدة بأكثر مما تبحث في أساسيات العلوم. كانت ~~فاندا على دراية بأن زابينة تعمل لصالح شركة أمريكية. لم تكن تتحدث إلا نادرا عن عملها، كما ~~أنها لم تقدم بيانات خاصة به. ولأن فاندا كانت مشغولة بنفسها في الشهور الأولى من عملها، فلم ~~تكن تعر الأمر انتباها، أما الآن فقد تذكرت كيف رأت زابينة مؤخرا من خلال النافذة ~~الزجاجية المركبة في الباب الموصل لمنطقة الحظر الصحي لحيوانات التجارب. كانت ترتدي بدلة واقية ~~منتفخة جعلتها ms050 تبدو مثل كابتن آيلين كولينز رائدة مكوك الفضاء لدى وكالة ناسا؛ مزيج من البراءة ~~الصبيانية والتنكر التام للأنوثة التي لم تكن لتجد موطئ قدم في مكان كهذا. تعجبت فاندا من ~~هذه الإجراءات الوقائية المبالغ فيها، ولما سألت صديقتها عنها ذات مساء، توترت جدا على غير ~~العادة وتحاشت الموضوع. لقد ظل جانب من حياة زابينة غريبا عليها، وكان لا بد أن تعترف أنها لم ~~تكن تعرف فيما تجري صديقتها أبحاثها، وقد قررت فاندا أن تخاطب زابينة في هذا الشأن. هي الآن ~~تقضم بقواطعها مؤخرة قلم الحبر الذي تمسك به، وترف عينيها في قطع البخار المتكاثف أمامها التي ~~لا تزال كما سبق متشبثة بقوة بمنحدرات اللان. كيف حالها يا ترى؟ رفعت فاندا سماعة الهاتف ~~وطلبت رقم زابينة. رد عليها صديقها فولفجانج. # فقالت: «مرحبا، هذا أنا»، كانت تريد أن تبدو مشجعة: «ترى كيف وجدت النحلة بينة الحرية في ~~التنزه؟» ~~«ليس من الممكن الآن الحديث عن ملكة نحل متألقة؛ لأنها تشعر وكأنها ذكر نحل ملسوع»، جاءها ~~رد فولفجانج بنبرة تحمل شعورا بالعجز. ~~«هل من الممكن أن أحدثها رغم ذلك؟» ~~«صوتها يتحشرج قليلا، لكني أعتقد أنه سيمكنك أن تفهميها.» # لم يكن صوت زابينة محشرجا، بل كان أقرب إلى مواء قطة ضائعة، لكن فاندا تغلبت على الرغبة في ~~مواساتها. الآن تحديدا ليس وقت شفقة، ليقم فولفجانج بهذه المهمة. لقد قررت ألا تلف وتدور ~~حول الموضوع، بل ستطرق الحديد وهو ساخن. ~~«اسمعي يا بينة، أريد أن ألقي نظرة على نتائج أبحاثك الأخيرة.» أنصتت فاندا في ترقب. ~~كيف سيكون رد فعل صديقتها على هذا الطلب الجريء؟ هل هناك أمر لا تريد أن تتحدث عنه؟ # قالت زابينة بلا مبالاة: «وأي دور يلعبه ذلك الآن؟» ~~«لا أعرف الآن، لكن ربما أستطيع أن أخبرك بالمزيد حين أطلع عليها.» ~~«لا تزال على الكمبيوتر في المعهد، ليس عندي منها نسخة، شتورم أصدر إلي تعليمات بعدم أخذ ~~أي بيانات معي إلى البيت.» ~~«لا أستوعب ذلك! هل كنت تقدمين ألعابا أكروباتية دون شبكة أمان، وأرضية ms051 مزدوجة؟» ~~«لا أيتها المتحذلقة! لكن النسخة مع شتورم عل بالك أن يرتاح؛ فقد ارتأى أن في ذلك ~~الكفاية.» استشعرت فاندا زمجرة في معدتها، ومنعت نفسها من إبداء الملحوظة التي على ~~لسانها. ~~«أحتاج كلمة المرور.» ~~«ماذا؟» ~~«كلمة المرور لدخول بنك معلوماتك.» ~~«وماذا تتوقعين أن تجدي هناك؟» ~~«لا فكرة لدي الآن. لا أعرف حقا، لكني أعتقد أن الأمر مهم.» # امتزج صوت شهيق بصوت تنهيدة عميقة في فترة الصمت التي استمرت على الناحية الأخرى من الاتصال ~~الهاتفي. ~~«هذا لا يجوز، لا ينبغي لك رؤية البيانات.» ~~«أنت تعرفين إذن.» ~~«ماذا؟» ~~«أنت تعرفين السبب إذن في عدم رغبته في توظيفك مجددا.» ~~«ليس لدي أي فكرة مطلقا. رغم ذلك عاقبة هذا الأمر يمكن أن تكون أكبر من أن تتحملها ~~كلتانا ، علاوة على ذلك فإن البيانات سليمة، لن تجدي فيها شيئا فيما عدا ...» وصمتت زابينة ~~فجأة. ~~«ماذا كنت تقولين لو سمحت؟» ~~«لا يهم، انسي الموضوع.» ~~«لا يا بينة، لا يمكن للأمور أن تسير على هذا النحو. أنت تتصرفين وكأن الدنيا قامت قيامتها، ~~وتتحدثين بالألغاز وتردين يدي الممدودة إليك؛ ولهذا سأقوم بنفسي بعمليات البحث؛ إذ إني بدأ ~~يتسرب إلي شعور سيئ ...» ترددت فاندا في إكمال كلامها. ~~«ماذا؟» ~~«... أنك طبخت مع شتورم أمرا مريبا.» ~~«لا تذكريني ثانية مع هذا الحقير في جملة واحدة.» ~~«إن كنت تحمين ظهره، ففي الغالب لن أستطيع أن أتجنب هذا.» # ساد الصمت لبرهة على نهاية الخط الهاتفي. كانت فاندا قد عرفت زابينة في الآونة السابقة بما ~~يكفي لتعرف أنها قد تفكر في الانتقام، بمجرد أن تخرج من الجحر الذي سدت فتحته بغرقها في ~~الإحباط ورثاء الذات. ~~«حسنا، سأعطيك ما تشائين، وإياك أن تسيئي استخدامه.» ~~«واضح طبعا. سأرسل الإعلان الذي بعثت به إلى فولفجانج. أخبريني مرة أخرى ما هو عنوان بريده ~~الإلكتروني؟» # ردت زابينة بعصبية: «دعيك من هذا الهراء. سأعطيك كلمة المرور على شرط، أن ننظر في ~~البيانات معا. أريد أن أحتفظ بها عندي، ولا ينبغي أبدا أن تقع في أيد غريبة.» ~~«أقسم على هذا بشرف ms052 الحقيقة والعلم.» # ردت زابينة بجفاء: «أنت لا تؤمنين بذلك حقا ... اكتبي ورائي: # Und Anfang ~~glänzt an allen Bruchstellen unseres Misslingens ~~(في البدء ومضت على ~~كل الثغرات إشارات إخفاقنا).» دونت فاندا، ثم قرأتها لزابينة ثانية حتى تتأكد. ~~«تبدو شاعرية، وطويلة نوعا ما على كلمة مرور أم ماذا ترين؟» ~~«إنه بيت من قصيدة للشاعر ريلكه. خذي أول حرف من كل كلمة، وراعي الحروف التي تكتب كبيرة ~~والأخرى الصغيرة، ثم أضيفي رقم 42. هذه هي كلمة المرور.» # كتبت فاندا: # UAgaaBuM42 ~~. # ثم قالت: «يبدو وكأنه اسم حمض نووي مكتوب بشكل رديء. ولماذا اثنان وأربعون؟» ~~«كان ينبغي أن تعرفي الإجابة بنفسك أيتها البربرية الكارهة للثقافة. إنها من كتاب «دليل ~~الرحالة إلى المجرة»، فعند الرقم اثنين وأربعين يجيب الكمبيوتر على السؤال عن معنى ~~الحياة.» ~~«مممم، كم نقطة ينبغي أن يحققها المرء في اختبار الذكاء كي يفهم ذلك؟» ~~«على الأقل اثنان وأربعون.» ~~«وهذا ما يكفي لأستاذ مساعد، لكن رغم ذلك أشكرك على ثقتك.» ~~«سأوضح لك الأمر مرة أخرى ونحن نحتسي البيرة المبردة ...» سمعتها فاندا، لكن سرعان ما تشتت ~~انتباهها وشردت وهي تقف في مطبخها ذي الطلاء الأبيض الشاحب المعلق على منحدرات اللان المغطاة ~~بالضباب. لم يكن هناك سوى طريق واحد يمكن فاندا من الوصول إلى بنك المعلومات الخاص بزابينة ~~دون أن يلاحظ ذلك أي من العاملين في المعهد. # الفصل الثامن # | تحريات ليلية # صعدت سيارة الأجرة الجماعية الشارع الواسع، بينما بدد ضوء كشافاتها الأمامية ستار الضباب ~~المتكاثف فبدا كأشباح تتراقص. كانت فاندا الراكب الوحيد؛ ففي هذا الوقت المتأخر كانت الحافلة ~~العامة قد توقفت عن صعود منحدرات اللان، ولهذا فقد طلبت فاندا سيارة أجرة أخرى للعودة. قالت ~~ستكفيني ساعة للوصول إلى ما أريد. كانت تريد أن تحمل معلومات زابينة، ثم إن كان في الوقت متسع، ~~أن تبحث في الإنترنت عن مراجع خاصة بأبحاثها؛ فالأماكن كلها كانت محجوزة في غرفة الكمبيوتر عصر ~~اليوم، ولم يكن ثمة مدخل من مكتبها إلى كمبيوتر بنك المعلومات المركزي الخاص بالقسم، وبخلاف ~~الرئيس لم يكن من ms053 الممكن إلا لتوماس فايلاند - بوصفه إداريا - الدخول إلى النظام. كادت فاندا ~~أن تطلب مساعدته لكنها عدلت عن ذلك؛ إذ لم تكن تعرفه بما يكفي، علاوة على أنها لم تكن تريد أن ~~تخلق مشاكل لمزيد من الناس. أفضل شيء ألا يعلم أحد بأمر تحرياتها الليلية. دست يدها في جيب ~~سترتها، ومست الورقة المكتوبة عليها كلمة مرور زابينة، وكذلك المفتاحان الإلكترونيان اللذان ~~سيسمحان لها بالدخول إلى ذلك الحصن الإلكتروني. ~~«الأفضل أن تأخذي مفتاحي، فهذه المفاتيح الإلكترونية تخلف أثرا على الكمبيوتر المركزي ~~مثلها مثل بصمات الأصابع. لا ينبغي أن يعلم أحد أنك تتشممين الأمور لصالحي. أما أنا فأستطيع أن ~~أقول إني كنت أريد أن أمسح أشياء خاصة من على الكمبيوتر؛ لأنني أصلا لم يعد لدي وظيفة ~~أخسرها.» أضافت الجملة الأخيرة بجفوة، ففي نهاية الأمر لم تكن تريد أن تصحب فاندا إلى ~~هناك. # توقفت سيارة الأجرة عند محطة أوتوبيس هانز-ميرفاينشتراسيه. نزلت فاندا، وصعدت الدرجات ~~العريضة. كان قرميد الشارع يضيء إضاءة خافتة. في مكان ما ترتفع في ضوء النهار المباني الأسمنتية ~~لمعاهد العلوم الطبيعية، عماليق رمادية لا تجد لها مدخلا من فورك، وحين تجد طريقك فيها لا ~~تستطيع أن تجد طريق الخروج بيسر. نظرت إلى ساعة يدها في ضوء أحد المصابيح، فوجدت عقاربها تشير ~~إلى عشرين دقيقة قبل منتصف الليل. وقفت مباني الأبحاث القديمة في ظلام دامس. على الأقل هي لم ~~تتبين أي ضوء من خلال الضباب. وبسرعة هبطت السلالم المؤدية إلى مركز الأبحاث الجديد. تلفتت ~~سريعا حولها حين وصلت إلى المدخل. هل هناك شيء ما؟ ضيقت عينيها قليلا ونظرت في اتجاه موقف ~~السيارات. ما هذا الهراء؟ فكرت وهزت رأسها، أشعر الآن وكأني لصة مقتحمة. دست يدها في جيب ~~سترتها وأخرجت الزر الأملس المعلق في الميدالية المصنوعة من الجلد، إنه مفتاح زابينة ~~الإلكتروني. صوبت فاندا المفتاح نحو جهاز الاستشعار في داخل المبنى وضغطت على زر الانطلاق. لم ~~يحدث شيء. المفترض أن يعمل المفتاح الإلكتروني في الأحوال العادية مثل مفتاح السيارة ~~الإلكتروني، إلا أن نظام تشغيله ms054 كان أكثر تعقيدا؛ ولهذا لم يكن الأمر لينجح من المرة الأولى، ~~ينبغي توجيه المفتاح بدقة نحو الصندوق الصغير الحامل لجهاز الاستشعار. كررت يدها اليمنى الحركة ~~المعتادة. أيضا لم يحدث شيء. كان المفترض أن تسمع تكتكة يصدرها المفتاح، ثم طنين الباب الزجاجي ~~وهو ينفتح وكأن يد الأشباح فتحته. كذلك في المرة الثالثة لم ينفتح الباب. يا للشناعة! هل أصلا ~~يمكن دخول المبنى ليلا؟ لم تكن فاندا تعرف لأنها لم تحضر قط في ساعة متأخرة كتلك. صحيح أنها ~~كانت كثيرا ما تغادر المعمل في ساعة متأخرة، لكنها كانت تخرج دائما. جربت لمرة أخيرة، لكن ~~في هذه المرة استخدمت مفتاحها هي، وارتاعت حين سمعت التكتكة ثم - افتح يا سمسم - فتح الباب ~~أمامها مصدرا طنينه. دخلت إلى البهو المظلم لمركز الأبحاث، وانتظرت إلى أن انغلق الباب ~~إلكترونيا من جديد. شعرت باضطراب في محيط معدتها. حاولت أن تهدئ من روعها قائلة لنفسها: ~~«لا بأس إن كنت متوترة قليلا؛ فالتلصص ليس وظيفتي المعتادة. لكن من الغريب حقا ألا يفتح ~~الباب بمفتاح زابينة.» # كان الضوء الشاحب المنبعث من المصباح الخارجي يخترق الدرف الزجاجية الكبيرة، ويسقط على ~~الحوائط البيضاء في الرواق. لقد كان المكان هنا في الداخل أكثر إضاءة منه في الخارج. توهجت نقطة ~~حمراء على الحائط المقابل مشيرة إلى مفتاح النور. ذهبت نحوها بدافع فطري أولا، ثم سحبت يدها ~~قبل أن تضغط على المفتاح؛ إن ضغطة واحدة لكفيلة بجعل المدخل فالسلالم يسبحان في الإضاءة. مجرد ~~التفكير في هذا الأمر جعلها تجفل. الآن لا يصح إشعال النور. ليس هنا في هذا المكان الذي يرى ~~من بعيد. أستطيع أن أجد طريقي إلى القسم في الدور الثالث - في حالات الضرورة - مغمضة العينين من ~~كثرة ما ذهبت إليه. على اليمين أضاءت مفاتيح تشغيل المصعد. ماذا لو علقت بالمصعد الآن؟ أمر مروع ~~ومحرج في آن واحد، وفريسة طيبة للصحف المحلية. تخيلت عنوان الصحيفة: «ضبط عالمة متلبسة بجريمة ~~سرقة بيانات.» من الممكن دائما أن تتحجج بأنها كانت تحتاج إلى مراجعة نتائج أبحاثها الخاصة. ms055 ~~هدأت هذه الفكرة من روعها قليلا. كان الباب المؤدي إلى بئر السلم على اليمين وراء المصعد، ~~وكان على فاندا أن تدفعه بكل ما أوتيت من قوة. تباطأ الباب الثقيل وكأنه حارس عنيد. انسلت من ~~فرجة الباب ودخلت ثم انتظرت. كانت تقف في المنور المعتم، في مكان ما أمامها كانت تبدأ أولى ~~درجات السلم. سرعان ما اعتادت عيناها الظلمة. أمسكت الدرابزين بيدها اليمنى، ومع كل عتبة تصلها ~~تتلمس خطاها نحو العتبة التالية. وقفت أمام باب القسم، وتسارعت أنفاسها. كان الرواق الذي يلي ~~الباب الزجاجي شديد الظلمة، ولم يكن ثمة إشارة إلى وجود أي أحد في وردية ليلية. # ومض الضوء الأحمر الخاص بمفتاح الباب إلى جوار المدخل كعلامة تحذيرية، لكنه سرعان ما تحول ~~إلى اللون الأخضر بمجرد أن صوبت نحوه مفتاحها الإلكتروني. أطلق القفل صريرا خفيفا فتموج ~~الباب منفتحا ومرحبا وكأنه في انتظارها من مدة. وقفت فاندا على بداية الممر ونظرت في السواد ~~الذي يشبه النفق. اخترقت أنفها رائحة سكرية ثقيلة، كانت مزيجا من رائحة باركيه الأرضية ~~المركب حديثا مع روائح وسائط مزارع الخلايا. وقع وراءها مفتاح القسم. بحثت بيديها في سترتها عن ~~هاتفها المحمول، فوجدت ملمسه باردا لكنه مألوف. ثم أضاء المكان؛ إذ كانت قد ضغطت أصابعها ~~بعفوية على مفتاح النور المجاور للباب. صارت الطرقة الآن مضاءة حتى منتصفها، أما نهايتها فلفها ~~ضوء شاحب. تراقصت لمبة نيون، وارتعشت كأنها سحلية محتجزة. # على يسارها ومضت نوافذ حجرات المعمل بلون يميل إلى الرصاصي. أولا ظهرت المغسلة بجهاز ~~التعقيم «الأوتوكلاف»، ثم معمل مزارع الخلايا والأنسجة الذي تعمل فيه مع فريقها. مرت به ثم وصلت ~~إلى معامل السموم (أ) و(ب) التي تمثل بلاط صاحبة الجلالة أستريد. وقعت عيناها على سبورات ~~العرض التي تجمل الحوائط ما بين أبواب المعامل. بدا العمل المدون عليها سهلا وملونا، ويكاد ~~يكون مضحكا. لم يكن ثمة ما يدل على التحليلات المضنية التي تستغرق وقتا طويلا، ولا على ~~الاختبارات المتواصلة، والمراجعات المستمرة والأسئلة المتشككة، إلا أن هذه الصور كانت بمثابة ~~نوافذ تسمح ms056 برؤية الحجرة التي وراءها. كانت فاندا قد وصلت إلى غرف تحليل الصور التي تحوي ~~الميكروسكوبات. فقط خطوات معدودة وتصل إلى الماسورة الرئيسية، هكذا كانت تسمي غرفة الكمبيوتر ~~المركزي الواقعة في مقابل غرف علم الأحياء الجزيئية. كانت ككل المكاتب واقعة على يمين ~~الطرقة، تسبقها فقط حجرة توماس فايلاند. نعم، كانت له غرفة بمفرده. علقت على باب الغرفة ~~لافتة كبيرة كتب عليها باللاتينية «محاكاة بالكمبيوتر». تعجبت أن باب غرفة الكمبيوتر كان ~~مواربا. فدفعت يدها إلى فرجة الباب ومسحت على الحائط من الداخل، وجدت على الفور مفتاح النور ~~وضغطت عليه. ارتعشت مصابيح الإضاءة الأنبوبية الشكل. وعلى الأرض في منتصف الغرفة وجدت رجلا ~~راقدا على ظهره، كان رأسه في اتجاه الباب وذراعاه ورجلاه مفرودة عن آخرها. شلت حركة فاندا ~~لوهلة؛ فلم تكن قد رأت يوهانيس ليبكنيشت على هذا النحو من الشحوب من قبل. ثم تسارع طوفان من ~~الأفكار داخلها فظلت أسيرة، لكنها سرعان ما عرفت كيف عليها أن تتصرف. فألقت حقيبتها إلى جوارها ~~وسارعت نحوه. # أمسكت فاندا بكتفيه وهزته هزا خفيفا: «يوهانيس، ماذا بك؟» كان جسده متصلبا مثل جرذ تحت ~~تأثير المخدر العام، وكان رأسه يتدحرج بسهولة ذات اليمين وذات الشمال. جلست على ركبتيها إلى ~~جواره. أمسكت ذقنه بيد، ورأسه بالأخرى كما تعلمت مؤخرا في دورة الإسعافات الأولية التي ~~حضرتها. دفعت رقبته بحرص وسحبت فكه السفلي برقة. انفرجت شفتاه بسلاسة عن أسنان أعيد بناؤها ~~بالذهب. وضعت فاندا أذنها على فمه وأنصتت. كان يتنفس، خرج صفير خفيف من بين شفتيها حين نفخت ~~الهواء الذي جمعته. عليها ألا تفقد مزيدا من الوقت. انزلقت على ركبتيها عند جانب يوهانيس ~~الأيسر، ودفعت ذراعه اليسرى لتلاصق جسده وأمسكت حزام بنطاله، فارتخى البنطال قليلا، وأحست ~~بعظام حوضه المرتفعة قليلا. لم يكن يوهانيس قوي البنية، بل على العكس تماما، كان يبدو دائما ~~وكأنه مصاب بالهزال، مع أنه دائما يقضم شيئا ما. قيدت فاندا يده اليسرى تحت مؤخرته المستوية ~~بحيث لا تنزلق، ثم انحنت فوقه لتصل إلى يده اليمنى، أمسكتها من البلوفر ms057 الغالي، قطعة ثمينة ~~ماركة «بوس»، تلك التي كان دائما ما يشير إليها ضاحكا حين يريد أن يسخر من الرئيس. أصبحت ~~ذراعه المتصلبة الآن فوق صدره بالعرض. لم تتكبد مشقة في أن تقلب يوهانيس على جانبه الأيسر، ~~وتحرر مرفقيه قليلا وتدفعه بيدها اليمنى من ذقنه. كان يوهانيس يتنفس بهدوء. خرج من فمه خيط ~~لعاب رفيع. استشعرت نتوءا في مؤخرة رأسه. وفكرت: «لا بد أن أتصل بطبيب الطوارئ.» بحثت عن ~~هاتفها المحمول وأرادت أن تضغط على رقم الإسعاف، لكن حين انطفأ النور ارتعدت ونظرت - وكأنها ~~منومة مغناطيسيا - إلى هاتفها المضيء، وفجأة شعرت بشيء صلب يضرب رأسها من الخلف. فترنحت. ~~وميض خاطف على جفنيها المغمضين، ألم مكتوم واصل حتى صدغيها، ثم ابتلعتها الظلمة. # الفصل التاسع # | قطة سوداء # دفع مايك زينكي يده اليمنى في جيب البنطال، ومس بأصابعه الزر البلاستيكي الأملس باضطراب. ~~سيكون عليه أن يمسحه حتى لا يخلف آثارا. الخطوات التي يسمع وقعها الآن كانت آتية من ناحية ~~اليسار، وبقفزة واحدة اختبأ وراء سيارة تويوتا كانت قد صفت مباشرة إلى جوار مبنى مركز ~~الأبحاث، وهذا من حسن طالعه؛ لأن موقف السيارات كان خاويا إلا من سيارة أخرى اصطفت في طرفه ~~القصي. فرك مايك عينيه، فلم يكن نال قسطا وافرا من النوم. كاد يقع بالأمس في مأزق خطير - لولا ~~أن تمكن من الهروب في الوقت المناسب - حينما علم أن الفتاة تعمل في المكان الذي سيتعين عليه ~~تنفيذ المهمة به. صدفة حمقاء؛ لقد تعارفا في الديسكو، وصاحبها إلى منزلها. وبحذر استرق النظر ~~من وراء غطاء محرك السيارة، ورأى في الضوء الشحيح للمصابيح كيف أن سيدة تقف أمام المدخل الرئيس ~~للمعهد. بدت مترددة، وكانت الظلمة تسدل أستارها بحيث لم يتمكن من معرفة ما الذي تفعله هناك. ~~وفجأة أدارت وجهها ناحيته، لكن مايك استطاع أن يخفي رأسه في الوقت المناسب خلف رفرف السيارة، ~~وحين رفع رأسه من جديد كانت السيدة قد اختفت. سمع صوت انغلاق الباب الزجاجي في القفل، واختبأ ~~ثانية وراء السيارة حتى لا يكشفه الضوء ms058 الذي توقع أن ينتشر الآن من داخل المبنى، لكن الضوء ~~لم يشعل، وكأن الظلمة قد فغرت فاها العملاق وابتلعت السيدة. # هل كان يحلم؟ لا، إن كان يثق في شيء فهو يثق في عقله اليقظ. لقد دخلت سيدة لتوها إلى مبنى ~~الأبحاث. هذا أكيد. والغريب أنها لم تشعل الضوء بالداخل. إما أنه لا يعمل، وإما لم ترد هي ~~لأحد أن يراها. قرر أن ينتظر لبرهة أخرى. # هل كانت هي عميلته المجهولة؟ لكنه سمع أن العميل رجل. ربما يكون هو من أرسلها. لا يمكن أن ~~يعرف المرء ماذا يدبر أولئك الناس. فعلى عكس الاتفاقات يظهرون في مكان تنفيذ المهمة بدافع من ~~فضولهم فيفسدون العملية بأكملها. بالنسبة لمايك فقد كان وراءه علماء محبطون يريدون أن يثبتوا ~~شيئا على رئيسهم. لم تكن دوافعهم تعنيه في شيء. لقد فتنته الأبواب والأقفال التي كانت تمنعهم ~~من المرور. كان عليه أن يفتحها، وكان ذلك بمثابة التزام أوكل إلى موهبته الفذة. # لا يتذكر كيف بدأ الأمر في الماضي، فقد كان جد صغير وقتها، بالضبط سبع مرات تمكن فيها من ~~فتح صندوق مجوهرات أخته دون أن يترك خدشا واحدا على القفل، وقرأ عدة خطابات كانت تحتفظ بها ~~بين مقتنياتها الرخيصة، ولم تعلم قط، لكن الأمر اختلف تماما مع خزينة والده، كان وقتها في ~~الثانية عشرة من العمر، وكان لا بد للأمر أن يبدو حقيقيا، ولهذا فقد اندفع من الشرفة إلى ~~المنزل قبل أن يتعامل مع الخزينة في حجرة المكتب. كان كل شيء متوافقا تماما مع سلسلة ~~الاقتحامات التي أفزعت وقتها سكان الحي، لكن لم تثبت سرقة أي شيء. رغم ذلك تم استدعاء الشرطة، ~~وحفظت القضية دون أن تحل. وقتها بدأت تلك الدغدغة التي كان يستشعرها في بطنه، والتي كانت ~~تملأ إحساسه بمعنى وجوده، هذا الذي كان يراه تافها، ولم يغادره هذا الشعور بعدها. وفي وقت ما ~~بدأ يجرب نفسه مع أنظمة الغلق الإلكترونية. وبعد طلاق والديه لم يعد هناك من يستهزئ به ~~إذا ما أمضى أياما كاملة أمام الكمبيوتر. ms059 وسريعا وجد بعضا ممن يماثلونه في التفكير، وبدءوا ~~في اقتحام بنوك المعلومات الكائنة في المدينة، والفائز في سباق الحواجز هذا هو من يصل أولا ~~إلى شبكة قسم الشئون المالية. لم يكن يعنيهم حقا حجم المصروفات التي ينفقها عمدة المدينة على ~~ورق التواليت أو رحلات العمل، ما كان يفتنهم هو كسر المقاومة الخارجية التي كانت تسعى لإيقاف ~~التيار الذي وجدوا أنفسهم يسبحون فيه. # وفي وقت ما بدأت أيضا هذه الألعاب الصبيانية تصيبه بالملل، فبدأ يبحث عن تحديات جديدة. ~~عرفته إحدى الصديقات على جماعة «والدن أربعة» وهي مجموعة من الشباب - بنظره - غريبي الأطوار، ~~المغتربين عن هذا العالم، المحبين للطبيعة بجنون، الذين يعتبرون كلمات التقنية والتكنولوجيا ~~وكأنها شتائم بذيئة. كانوا يريدون إيقاف كل شيء له صلة بأيهما. مبدئيا كان يجد أيديولوجيتهم ~~مضحكة؛ لأنهم كانوا يحتاجون واحدا مثله هو بوجه خاص، مدمن كمبيوتر، لا يستطيع أن يواصل حياته ~~دون جرعاته اليومية منه. وفي نظر مايك كانوا مجرد نشطاء بيئيين محبطين، يؤرق وجدانهم هراء إجماع ~~كافة المؤسسات الراسخة. كانوا يريدون نسف الهياكل الإدارية من أصولها، ولم يعبئوا بالطريق غير ~~الشرعي الملغوم، إذا ما اضطروا إلى دهس جماعات الضغط المؤمنة بالعلوم وأذرعها الطولى. كان هو ~~الناشط السري في كل مشروعاتهم المثيرة، والآن وهو في بداية العشرينيات، أضحى واحدا من أهم ~~القراصنة «الهاكرز» على الساحة، وكان يحب ما يفعل. كان ينبغي له أن يحبه؛ لأن هناك فقط كان يجد ~~القارب الذي يعبر به عبر الضفائر الرقمية الملغزة، وكان يستمتع بذلك مثل كلب يتشمم بحثا عن ~~طعامه. وحين يصعب عليه اقتحام شبكة معلومات من الخارج، يتسلل سرا إلى الهدف المنشود، يكسر ~~أكواد الكمبيوتر غير المؤمنة جيدا، ويحمل بعض المعلومات ثم يختفي. كان التحدي الحقيقي يتمثل ~~في التحضيرات لعملياته، دراسة خرائط المباني، وترتيب كيفية خداع أنظمة الإغلاق. في هذه الأثناء ~~تلقت المجموعة مؤشرات سيئة من العلماء بشأن تزوير البيانات، تبديد الأموال العامة وممارسات ~~بحثية غير قانونية. للأسف قلما كانت الدوافع لذلك خشية العار الذي قد تسببه فضيحة، إلا أن ms060 ~~العملية هنا كانت جد كبيرة، وإلا لما كانوا استخدموه فيها، إلا أن مركز الأبحاث في ماربورج أثبت ~~أنه مثل جوزة صلبة قشرتها. لقد كانت البيانات الخاصة بكل عالم على حدة تخزن على خادم مركزي ~~خاص بالجامعة لم يستطع أن يخترق برنامج الحماية «فايروول» الخاص به؛ لذا تعين عليه أن يجد ~~مدخلا آخر، ومن حسن الحظ أن نظام الإغلاق في المبنى الجديد كان يعتمد على خادم مستقل تمكن ~~من اختراقه بنجاح، واعتمادا على الكود المفتاحي الخاص بعميله تمكن أن يجد لنفسه مدخلا بين ~~دوائر الأرقام التي يعمل بها نظام الإغلاق الإلكتروني، وركب لنفسه مكانا في قلب القلعة ~~الحصينة. كان يسجل دخوله ببساطة من الخارج كمستخدم جديد على النظام، لكن باستخدام سلسلة رقمية ~~قصيرة، مثله مثل ذبابة اليوم الواحد، تفنى حياتها القصيرة دون ملاحظة من أحد، بعد أن تؤدي ~~مهمتها بنجاح. أثر يمحو نفسه بنفسه ولا يمكن أن يتتبعه أحد. بقيت له من الزمن الآن ساعة. مدة ~~كبيرة جدا تتسع لأداء عمله. # شعر بالبلاستيك الناعم بين أصابعه. الشيء الوحيد الذي سيخلفه وراءه كان الزر الأحمر، بطاقة ~~التعريف الخاصة بجماعة «والدن أربعة»، والتي تظهر لعميله أنهم كانوا هناك. أخذ مايك حقيبة ~~الظهر من ورائه وسحب السوستة، ثم أخرج الصندوق الصغير الذي يحوي «المرسل» الذي صنعه بنفسه. ~~تلفت حوله من جديد، فكان كل شيء غارقا في الصمت، ثم تسلل إلى مدخل المعهد. كان عليه أن ~~يلتزم الحذر فهو ليس بمفرده هنا. كان يريد أن يتحول إلى قطة سوداء تستطيع بضربة جفن واحدة أن ~~تلقي ستارا واقيا يمنع انعكاس الضوء على عينيها. صوب مايك «المرسل» نحو الباب. أزيز ~~خفيف فتح الباب فانسل لتتلقفه ذراعا الظلمة التي تلف المبنى. # الفصل العاشر # | حذف البيانات # «فاندا! فاااااندا!» جاءها الصوت من واد سحيق، بينما ضغطت صخرة ثقيلة على أضلعها، ثم مادت ~~الأرض من تحتها، ارتفعت الصخرة في الأعالي فارتفعت معها، ثم انزلقت إلى الأسفل، وتدحرجت من ~~جنبها على ظهرها حتى هبطت عند كومة من الخشب، لكنها لم تتألم الألم ms061 الذي توقعته. فتحت فاندا ~~عينيها فرأت ضوءا منبعثا من اللمبة الأسطوانية، بينما يد تهزها من كتفها: «فاندا، هل أنت ~~مستيقظة؟» سمعت صوتا مألوفا وعرفت أنه يوهانيس. # رفعت رأسها ونظرت إلى وجه زميلها الذي بدت عليه أمارات القلق. «لا أعرف، ربما كنت فقط ~~أحلم.» # الآن فقط تعرفت على ما حولها. كانت مستلقية بظهرها على ساقي يوهانيس الذي استند على يده ~~وأمسك بالأخرى مؤخرة رأسه بحرص. شعرت بدقات مطارق تدق رأسها وتكاد تخترق صدغيها بلا هوادة. تركت ~~رأسها ينزل من جديد. # سألت مباشرة: «هل أسرفنا في تناول كحوليات؟» ~~«بالتأكيد، ربما لا سبب آخر لو حللنا الموقف.» ~~«ماذا تقول؟ أنا لست كارهة للحياة.» نهضت فاندا ببطء، ثم جلست إلى جوار زميلها على الأرض. ~~كان يوهانيس يبدو مثل المهرج بجلسته تلك وبتعابير وجهه التي تحاول أن تكتم ابتسامة يشوبها ~~الألم. كان عليها أن تعطس فجأة، فعاد لها شعور الوخز في رأسها. نظرت مأخوذة إلى الفئران التي ~~كانت تعبث بين الأسلاك التي أسفل لوح الطاولة الخشبي الطويل. حكت سوالفها. # سألت: «كم الساعة الآن؟» نظر يوهانيس إلى ساعته: «بالضبط بضع دقائق قبل أن ينتصف الليل.» ~~حسبت حساباتها، فوجدت أنها تفتقد عشر دقائق. ماذا ~~فعلت فيها؟ كان الفاصل الزمني في رأسها يدير صورا لحظية أمام عيني خيالها: سيارة أجرة، بئر ~~سلم، رواق مظلم، يوهانيس على الأرض، ألم مبهم؛ مجرد لقطات فيلم. # سألته: «متى أفقت؟» ~~«قبلك بقليل.» ~~«ماذا تفعل هنا حقا في هذا الوقت؟» # احمر وجه يوهانيس. ~~«ممكن أن أطرح عليك نفس السؤال.» # نظرت فاندا حولها في غرفة الكمبيوتر. كان واحد من الأجهزة مفتوحا. ~~«هل كنت تعمل عليه؟» # نظر يوهانيس حائرا ثم قال: «لا.» ~~«ما معنى هذه اللا؟ ألا تستطيع ثروتك اللغوية أن تأتي بما هو أفضل؟» # قال بصوت يرتعش قليلا: «هل من الممكن أن تتخيري نبرة مختلفة للحديث؟ تشعرينني وكأني في ~~محكمة. كان الكمبيوتر مغلقا حين دخلت إلى هنا، وظننت أنك أنت التي فتحته.» ~~«كيف يعقل هذا؟ هل تتوقع حقا أني ضربتك على رأسك فقط لكي أعمل ms062 على الكمبيوتر؟ ألم ~~يكن لي أن أفكر في طريقة أسهل؟» # طوى يوهانيس ذراعيه ونظر إليها متفحصا. ~~«كنت تريدين الكمبيوتر؟» # فكرت فاندا مليا: من الممكن أن أمضي نصف الساعة القادمة في جدال معه، ولن أصل إلى شيء. ~~لكن علي أن أعرف لم هو هنا. # قالت بنبرة أهدأ: «كنت أريد أن أدخل إلى مكتبي. ساعتها رأيت باب الماسورة الرئيسية ~~مفتوحا. ووجدتك مستلقيا على ظهرك على الأرضية، فاقدا للوعي. قدمت لك بعض الإسعافات ~~الأولية، وحين أردت الاتصال بطبيب الطوارئ أظلمت الدنيا فجأة. ارتطم شيء صلب برأسي. لا أعرف ~~أكثر من ذلك.» وبدون أن يلاحظ أدخلت يدها اليمنى إلى جيب سترتها. أين ذهبت الورقة المدونة ~~عليها كلمة المرور؟ لم تتمكن من العثور عليها. أصابها دوار. ~~«ماذا يحدث؟» راقب يوهانيس يدها التي لا تزال تبحث في جيب سترتها ... «لقد شحب وجهك ~~فجأة.» ~~«لا أعرف، أشعر بهبوط خفيف. أنا أبحث عن ... مناديلي الورقية.» وقف يوهانيس وناولها عبوة ~~مناديل «كيم» الورقية المبللة، التي كانت على الطاولة. سحبت فاندا منديلا وتمخطت، من الواضح ~~أن حيلتها انطلت عليه. نهضت ببطء من على الأرض وجلست على الكرسي الموضوع أمام الكمبيوتر ~~المفتوح. رأت رموز الاختصارات التي تشير إلى حسابات المعلومات الخاصة بالعاملين كل على حدة. كان ~~رمز زابينة عبارة عن نحلة كبيرة تحدق عيناها فيها بعمق لا قرار له وتلمعان بشدة. لعنت فاندا ~~نفسها سرا: لماذا لا أستطيع أن أتذكر القصائد؟ تذكرت فقط الأرقام المكتوبة في نهاية كلمة ~~المرور، وكل شيء آخر بدا وكأنه حذف تماما. لعبت أصابعها بتوتر على زر أحمر إلى جوار لوحة ~~المفاتيح. أخذته على راحة يدها وتأملته. كان عبارة عن قرص من البلاستيك، حجمه أكبر قليلا من ~~قطعة العملة فئة اثنين يورو، أحمر مثل حبة طماطم. مدت فاندا يدها المنبسطة نحو يوهانيس ثم ~~استدارت نحو الشاشة مرة أخرى. # سألت دون أن تبعد نظرها عن الشاشة: «ما هذا؟» ~~«وما أدراني؟» ~~«لقد كان هنا شخص آخر عدانا يا يوهانيس.» نظرت نحوه الآن بانتباه. «واضح أننا تسببنا في ~~إزعاج هذا ms063 الشخص المجهول، لكني أتساءل ماذا كان يريد؟» حك يوهانيس مؤخرة رأسه: «ما زلت أشعر ~~بضغطة ضربته.» تجول بعينيه في الغرفة وكأنه يبحث عن الأداة التي ضرب بها منذ دقائق معدودة، ثم ~~التقت أعينهما. ~~«وإن كان هذا الشخص لا يزال هنا؟» ارتعبت فاندا بمجرد أن تلفظت بكلماتها، فقال يوهانيس ~~مقترحا: «ربما يتعين علي أن أتفقد المكان.» ثم نظر إلى الرواق بالخارج. # سمعته فاندا يقول: «كل شيء هادئ هنا»، ثم اختفى. # لم تصدقه فاندا، لماذا لم تخطر على باله فكرة طلب الشرطة؟ إنه يأخذ الأمر على نحو بسيط. ~~ربما تجول بباله نفس الخواطر بشأني. ومن سجل الأسماء على هاتفها المحمول وجدت رقم زابينة واتصلت ~~بها. وبينما كانت تنتظر أن يتم الاتصال، سحبت ذاكرة يو إس بي ووضعتها في منفذ الكمبيوتر. بدا ~~وكأن زابينة استغرقت دهرا حتى ردت عليها. ~~«ألو؟» ردت زابينة بصوت ناعس. # همست فاندا: «مرحبا هذا أنا.» ~~«مرحبا، من هناك؟» ~~«اللعنة يا بينة، لا أستطيع أن أرفع صوتي الآن.» # قالت زابينة متثائبة: «ما الأمر إذن؟» ~~«سأخبرك فيما بعد، أخبريني بكلمة المرور بسرعة.» ~~«حسنا. في البدء ...» ~~«لا، الحروف بسرعة لأكتبها معك على الكمبيوتر.» ~~«حسنا»، وأملتها الحروف والأرقام، بينما تنقرها فاندا على لوحة المفاتيح، ثم نقرت على ~~مفتاح الدخول وانفتح حساب زابينة. ~~«في أي ملف حفظت بيانات المشروع؟» ~~«ملف: بي آي تي، بيانات 2005، كلها ملفات إكسيل، وهناك ملفا وورد.» # نظرت فاندا إلى سطح الشاشة. ~~«الملف فارغ.» ~~«لا يمكن، لقد حفظت فيه عشرين ملفا على الأقل.» ~~«صفر، كل شيء محذوف. سأتصل بك لاحقا.» اقترب وقع خطوات في الرواق، فأنهت المكالمة وأغلقت ~~حساب زابينة. بدا يوهانيس مصفر الوجه حين عاد إلى غرفة الكمبيوتر. # قال: «الجو هادئ»، استشعرت فاندا الإنهاك باديا في صوته، وتساءلت إن كان محبطا أم ~~مرتاحا بسبب هذا الخبر. # سألته: «ماذا علينا أن نفعل الآن؟ هل نبلغ الشرطة؟ في نهاية الأمر، ثمة عملية سطو.» # سكت يوهانيس، ثم تحدث عن تجربة مهمة عليه أن يجريها غدا، وقد تم التخطيط لها منذ أسابيع ~~ولن يمكن ms064 تأجيلها بعد كل الترتيبات التي اتخذت، ولا ينبغي أن يفشل الأمر، وكيف أنه في غاية ~~التعب الآن، ولا بد أن يخلد للنوم. ليس من الضروري إبلاغ الشرطة، فلن يفعل رجالها شيئا سوى أن ~~يسلبوهما الراحة، بل إن زيارة قصيرة لعيادة الطوارئ بدت له أكثر أهمية. له صديق يعمل في هذه ~~الوردية. ألم يغش على كليهما؟ نظرت فاندا إلى ساعتها وقالت: «أنا بخير، فلتذهب أنت.» أشارت ~~الساعة إلى عدة دقائق بعد الثانية عشرة والنصف. «يا للشناعة! لا بد أن سيارة الأجرة التي طلبتها ~~قد رحلت.» # قال لها يوهانيس: «بوسعي أن أقلك معي، فقيادتي ليست بالسوء الذي تبدو عليه هيئتي.» # ولم لا؟ فكرت فاندا: لعلي أعرف منه المزيد في أثناء ذلك. سرا كانت سعيدة أن يوهانيس لم ~~يشأ أن يبلغ الشرطة. نقلت بصرها ثانية في الغرفة قبل أن يغادرا. كانت كل الشاشات مطفأة. ~~ضيقت فاندا عينيها لوهلة، ثم أغلقت الباب وهي تشعر أنها أغفلت أمرا مهما. # الفصل الحادي عشر # | بعيدا عن المدينة القديمة # في هذه الأثناء كانت الساعة قد تخطت الواحدة بقليل. وقفت فاندا بمفردها أمام المتجر الكبير ~~في وسط المدينة. دخلت في هالة الضوء الساطع في إحدى الواجهات وارتجفت. وفي هذه الأثناء ندمت على ~~أنها رفضت عرض يوهانيس بتوصيلها إلى شمال المدينة، فقد كان يسكن في الحي الجنوبي. لم يتحدثا ~~معا في أثناء الرحلة هبوطا من منحدرات اللان. ~~«هل تتقدم في كتابة بحثك؟» ما إن قالت فاندا ذلك حتى غضبت من نفسها بسبب هذه المحاولة غير ~~الماهرة في بدء حوار. لقد كان من الصعب عليها أن تنحي سوء ظنها بزميلها جانبا. شيء ما في ~~تصرفاته في الأعلى في غرفة الكمبيوتر جعلها تتشكك فيه. تداعت إليها صور أحداث الساعة الأخيرة ثم ~~اختفت ثانية. لم تكن تظهر الصور وفق تتابع منطقي، رغم أنها كانت تحاول ذلك جاهدة. انقشع الضباب ~~قليلا في اتجاه الوادي. ~~«لا بأس»، استغرق الأمر وقتا طويلا حتى أجاب يوهانيس، ثم صمت من جديد. بدا قلقا. لبضع ~~لحظات كان يزيد من ms065 سرعة السيارة، ثم يرفع قدمه فجأة من على دواسة البنزين. كان دائم النظر في ~~المرآة الأمامية. ألحت على فاندا صورة ظبي يهرب، دائما ما يتوقف بعد عدة قفزات ليتأكد مما ~~وراءه. شعرة واحدة هي كل ما فصله عن دهس ذلك الرجل السكران الذي كان يعبر كوبري كونراد أديناور ~~مترنحا. ~~«اللعنة، كدت أصدمه.» كان صوت يوهانيس مثل صوت الحشرجة الخارجة من ماسورة موتوسيكل حين ~~يخرج منها الهواء. لم يكن من الممكن، بسبب شدة الظلام، أن تعرف إن كان وجهه قد احمر أم اصفر ~~جراء هذا الموقف. # قالت فاندا متأوهة: «أعتقد أن ثمة شارعا يحفر في رأسي، هل تسمع ضجيج معدات ~~البناء؟» ~~«كان علي أن أذهب بك إلى عيادة الطوارئ.» ~~«سأذهب باكرا إلى الطبيب، أعدك بهذا.» حاولت فاندا أن يكون صوتها مقنعا. ~~«ربما سأصاب بالبرد، فعندي فعلا صداع خفيف منذ عدة أيام.» ثم صممت أن يتركها تنزل في وسط ~~المدينة بدعوى أنها في حاجة لإنعاش رأسها. كانت تعلم أنه لن يستطيع أن يأتي بشيء إزاء تصميمها. ~~كانت تشعر بالغثيان، لكنها لم تخبره. # توقف يوهانيس أمام المتجر الكبير الكائن في شارع الجامعة. «هلا اتصلت بي بمجرد أن تصلي ~~إلى المنزل؟» لا بد أنه لاحظ كيف بدا صوته يدعو إلى الضحك؛ لذا قال بحسم: «لو لم تتصلي بي في ~~غضون نصف الساعة، فسأمر عليك.» # قالت مداعبة: «حسنا يا أبي»، ثم أطلقت فاندا قبلة طائرة في الهواء تجاهه، واستأنفت: ~~«لو سمحت لا تنس قصة ما قبل النوم.» ثم أغلقت باب السيارة. راقبت المصابيح الخلفية للسيارة ~~التي انحنت بعد ذلك بقليل عند منعطف شارع جوتينبيرج، ثم اختفت. # لم تعد تذكر كم مر من الوقت وهي تحدق في هاتين العينين المتحجرتين. ما زال صدى كلماتها ~~الأخيرة يتردد في رأسها حين حررت نظرها المعلق على الدمية التي بواجهة المحل. كانت مدفأة ~~السيارة قد لفت قدميها ببعض الدفء اللطيف، لكنها واقفة الآن أمام المتجر وتشعر بالبرودة الرطبة ~~لهواء الليل تزحف أسفل بنطالها. دفنت يديها في جيوب سترتها وجرت في ms066 اتجاه ميدان رودولف. أسرعت ~~بنزول الدرجات القليلة المؤدية إلى النفق. كان هذا الطريق المختصر بمثابة رد فعل تلقائي ذي ~~معنى إذا فعلت ذلك صباحا، إن كان المرور مزدحما في المفرق الضيق بين اللان والمدينة القديمة، ~~لكن في هذه الساعة المتأخرة كان يمكن لها أن تعبر التقاطع بلا عقبات لتصل إلى الجانب الآخر من ~~الميدان. تباطأت خطواتها لبرهة. هل عليها أن تعود؟ راقبت كل الاتجاهات بيقظة. كان القرميد يلتمع ~~في انعكاسات المصابيح الخافتة. على اليمين المبنى المرتفع لأحد البنوك، في الأمام مباشرة السلم ~~المؤدي إلى فايدنهاوزن والجانب الغربي من المدينة. # ثمة طريقان يفضيان إلى شمال المدينة، الأول هو الشريان الرئيس لماربورج الذي يربط المرور من ~~الشمال إلى الجنوب مرورا بوسط المدينة التاريخي، إلا أن قدميها تاقتا فعلا للسير بمحاذاة ~~ضفة النهر. قطعت فاندا الميدان الصغير الذي كان بمثابة سرة غائرة قليلا في وسط المدينة. كانت ~~في وسطه نافورة تتكون من مجموعة من الأحجار المتكومة بلا شكل محدد، لكنها جافة مثل بئر معطلة. ~~كانت تشعر بغربة عن حميمية هذه المنطقة الكائنة في الأسفل، بعيدا عن واجهات المباني المزخرفة. ~~هنا ملتقى الفاشلين، يتناقشون ويثملون. لكن الميدان كان خاويا في منتصف الليل. رأت زجاجة بيرة ~~وحيدة على السور المقابل للنفق المؤدي لضفة نهر اللان، وعلى الأرض كيس قمامة منفجرا. كانت ~~محتوياته تخرج من الشق الطولي به وكأنها أحشاء تدلت من جدار البطن. كانت البوابة الحديدية ~~الموصلة إلى النهر مفتوحة. سعدت فاندا أنها لم تعد مضطرة أن تدخل إلى النفق الصغير. فبدلا ~~من ذلك سارعت إلى البوابة وسارت على الطريق الخشن الرصف الذي يؤدي إلى طريق ضفة النهر، ويعبر ~~أسفل الجسر الموصل حتى فايدنهاوزن. انزلقت قدماها على القرميد الرطب حين انحنت بزاوية قائمة عند ~~الدرابزين. اخترقت أنفها رائحة بول حادة، فكادت تختنق، إنه بول بشري بكل وضوح. لقد نسيت أن ~~تكتم أنفاسها عند هذا الموضع كما تفعل عادة. وبعد الجسر أخذت نفسا عميقا. كانت رائحته رائحة ~~النهر والتربة. كانت المياه تهدر إلى جوارها في دوامات ms067 جامحة فلكأنها تريد أن تبتلع هدأة الليل. ~~سحبت أفكارها لبرهة أضواء النيون الزرقاء لمطعم «هوجو» عبر الواجهة الزجاجية له إلى داخله، ~~حيث الدفء المريح الذي يستشعره رواد المطعم الجالسون إلى جوار بعضهم البعض في هذه الساعة ~~المتأخرة. أمامها رأت جسر اللان الجديد في الضوء الخافت لمصابيح الإنارة. حين تكون الرؤية واضحة ~~يمكن من هنا أيضا مشاهدة برج القيصر فيلهلم بين الهضاب على الناحية الأخرى من النهر. أما ~~اليوم فلا يمكن حتى مشاهدة أضوائه بسبب قطع الضباب المتكاثفة. صعدت السلم بعد جسر اللان ~~القديم، ثم انحنت يمينا إلى شارع الضفة. كان الضوء الأصفر المنبعث من مصابيح الإنارة مزركشا ~~بكنار من الضباب، وعلى الأرض هيئة جسم نحيل سرعان ما يلحق بها كلما عبرت مخروط ضوء. سباق ~~ظلال، مسابقة عدو دون فائزين، ثم خطوات من الخلف، ثم دوران، لا أحد. اليد اليمنى تقبض على ~~«رذاذ الفلفل» هدية زابينة التي أخبرتها: «ماربورج ليست آمنة تماما كما يدعون.» سمعت وقع ~~خطواتها، وصوت احتكاك ملابسها ببعضها. كانت تنتج ضوضاء عالية. حاولت بلا جدوى أن تغطي على ~~ضجيجها حتى تسمع بصورة أفضل ما الذي يحدث خلفها. بحثت عن مفتاح ما في رأسها يمكن أن يشحذ ~~حواسها؛ أنا أعشق شحذ الحواس، ومستعدة أن أضحي بنفسي من أجله. أريد أن أمحو من رأسي وقع ~~خطواتي، وصوت احتكاك ملابسي وصوت ضربات قلبي من أجل أن أعرف بصورة أفضل، فهذه هي وظيفتي، وأنا ~~متميزة فيها، فأنا ألاحظ كيف تنقسم الخلايا في وسيطها المغذي، كيف تنمو وتموت. أتغلغل في ~~منطقتها الحميمة وأحاول أن أنقي الضوضاء التي أصنعها وأنا أخترقها من أجل أن أستمع إلى همسها، ~~ذاك الذي يئن في الخفاء. في الواقع كانت تشعر بنفسها شديدة الغلظة إذا ما قارنتها برقة العمليات ~~الحيوية التي كانت تجري أبحاثها عليها. كانت تعلم أنها تقترب من إيجاد إجابة على السؤال ~~البائس الذي طالما أرقها مثل عجوز شمطاء متبرمة تلاحقها وهي تعرج، إنه السؤال عن مغزى ما ~~تفعل. لم يكن ليثير دهشتها، بعد كل ذلك، ما ms068 قد حدث فعلا، لكن لا داعي للمبالغة. هزت رأسها ~~لتنفض عنها بسرعة كل الأفكار التي تريد أن تشل تفكيرها. # كانت في هذه الأثناء قد تجاوزت الجسر المؤدي إلى منتزه التلامذة «شولربارك». عمل الهواء ~~النقي على تصفية رأسها، فسكتت أصوات الهمهمة فيها، أنصتت فلم تسمع سوى هدير الماء. لم تعد ~~المسافة المتبقية كبيرة. وصوت حفيف شجر يتردد في أذنيها. ألقت نظرة خاطفة وراء ظهرها، خطر ~~ببالها أنها ربما تراه، لكنها لا تستطيع أن تتعرف عليه لأنها ليست لديها أية فكرة، ليست عندها ~~صورة له. لو كان ذلك الذي يتبعني يعيش فقط في رأسي، فهل معنى ذلك أنه أقل حقيقة؟ إلى أين يمضي ~~حين أطرده من تفكيري مثل أي ذبابة مزعجة؟ ربما يسارع إلى باب بيتي ويختبئ في ظلمة عتبة داري. ~~أسرعت فاندا من خطواتها، وجرت في شارع عرضي باتجاه كنيسة إليزابيت، ثم انحنت مع الشارع يمينا. ~~كانت أرض ميدان الكنيسة زلقة تحت أقدامها، كأننا في العصور الوسطى، جالت الفكرة بخاطرها وغضبت ~~لأنها لم تأخذ الطريق الأبعد قليلا عبر شارع دويتشهاوس. قفزت على أطراف أصابعها فوق أكثر ~~المواضع لزوجة، حتى وجدت أخيرا أرضا مسفلتة تحت أقدامها. خرجت أبخرة تنفس قصيرة من فمها. ~~نظرت عابسة إلى حذائها الذي اتسخ ثم دقت الأرض عدة مرات دقا، وكأنها مع كل كتلة طينية ~~تتحلل من نعل حذائها تتخلص من قطعة من خوفها. كان مقهى «كافيه جورنال» لا يزال مفتوحا وبه عدد ~~من الزبائن. هدأ من روعها مطالعة الناس. من الاتجاه المقابل لها اقترب منها مجموعة من ~~الشباب، كانوا يتضاحكون ويقرعون الأنخاب. كسرت زجاجة بيرة وأحدثت صوت رجرجة. # كتمت أنفاسها وهي تمر من جوار الشبان المتصايحين على ناصية المنازل. فقط بضعة أمتار قليلة ~~وتقف أمام باب منزلها، ارتعشت يداها، ومرت بضع ثوان إلى أن دخل المفتاح في القفل. انسلت ~~بسرعة إلى بئر السلم وألقت بكل ثقلها على الباب الخشبي الثقيل حتى انفتح محدثا صريرا ~~عاليا. أخذت فاندا نفسا عميقا ثم ضربت بيدها مفتاح النور ولعنت حارس المنزل ms069 الذي لم يصلح ~~الدائرة الكهربية. سقط ضوء خافت من مصابيح الإنارة عبر الشبابيك في بئر السلم، وبدا لها - على ~~خلاف المعتاد - أن عليها أن تصعد الطوابق العالية لهذا المنزل القديم بلا نهاية. كل شيء يلفه ~~السكون. كانت شقتها في الدور الثالث. جفلت حين شعرت بذبذبات هاتفها الخلوي. # جاءها صوت يوهانيس قلقا: «أين أنت؟» ~~«أتسلق الآن جبل كليمنجارو في الليل، بيد أني غير متأكدة إن كان الجليد الأبدي لا يزال ~~في انتظاري على القمة» ... أعطتها كلماتها بعض الشجاعة. ~~«هل تحتاجين أي مساعدة؟» ~~«أنا واقفة الآن على سلالم بيتي المظلمة، وأكاد أبول على نفسي من الرعب، أنت الآن رابطي ~~الأخير بسائر العالم. قل لي شيئا أحمق. تحدث معي وتعال فورا إن بدأت في الصراخ.» ~~«تمالكي نفسك، وأضيئي النور أولا.» ~~«لا يعمل.» ~~«ماذا؟» ~~«الضوء ، ماذا إذن؟» ... ردت فاندا وقد قطعت بالفعل منتصف المسافة إلى شقتها. ~~«هل تستطيعين رؤية أي شيء؟» # وضعت يدها على ورق الحائط المقلم، «أرى حمرا وحشية تطير ...» ~~«هل أنت حقا على ما يرام؟» ~~«... وفي الأعلى يبرق ضوء من أحد الأكواخ.» كان نور الباب لشقة جيرانها مضاء، ولهذا قفزت ~~الدرجات الأخيرة بارتياح. تكومت أمام باب الجيران كالعادة فوارغ صناديق وأكياس بلاستيكية ~~كما هي الحال بعد الحفلات، ولأول مرة لا تغضب فاندا من هذا الأمر. بعجالة فتحت باب شقتها فطارت ~~قصاصة ورقية نحو قدميها. قالت بعصبية: «هذا أمر يلاحظه كل الناس. لا بد أن أفكر في حيلة جديدة.» ~~انزلقت فاندا إلى الطرقة المظلمة، وبسرعة أحكمت إغلاق الباب وأشعلت الضوء في كل الغرف. ~~«المنظر رائع من هذه القمة.» رن صوتها عاليا من فرط انفعالها. ~~«يوهانيس، هل ما زلت على الخط؟» نظرت فاندا إلى شاشة الهاتف. كان مؤشر البطارية أبيض، لقد ~~نفد شحن البطارية، وكان الشاحن كالعادة في المعهد. # الفصل الثاني عشر # | الانفجار # استيقظت فاندا على صداع شديد، وكانت الساعة السابعة إلا الثلث. لا يزال أمامها بعض الوقت. ~~في العادة كانت تستيقظ في السابعة حتى تكون في المعهد في الساعة الثامنة والنصف على أقصى ms070 تقدير. ~~كانت مستلقية على ظهرها، مركزة جل انتباهها على آلامها التي تعتصر جمجمتها بين أسنان كماشة. ~~استدارت لتستلقي على بطنها، ودست أنفها في الوسادة، وبدأت تتحسس بحذر المكان الذي تلقت فيه ~~الضربة على مؤخرة رأسها. كان فعلا موجودا، تورم صغير لا يصل إلى حجم بيضة حمامة، لكنه ممتلئ ~~بالأعصاب الرفيعة مثل ورقة زهرة ميموسا. شعرت بالحاجة الملحة لأن تتصل بصديقتها زابينة. لكن ~~ساعتها خطر ببالها أنها قد نسيت ليلة أمس ذاكرة اليو إس بي الخاصة بها في الكمبيوتر. لم تترك ~~لها هذه الفكرة مجالا تنعم فيه بالراحة، فنهضت، وتحممت بسرعة ثم سلكت طريقها إلى المعهد. لا ~~ينبغي أن يجدها يوهانيس قبل أن تصل هي إليها. وإن استعجلت قليلا فقد يكون في الوقت متسع ~~كيما تمر على طبيب المعهد؛ فهذا كفيل بأن يوفر عليها توبيخ يوهانيس لها وكأنه أمها. # قبل الثامنة بقليل كانت فاندا تجلس بالفعل في حجرة الانتظار بالعيادة الطبية، وتدريجيا ~~بدأت تشعر بمفعول القرصين اللذين ابتلعتهما بمجرد استيقاظها. كان الضغط قد بدأ يخف من على ~~جبينها حين انفتح الباب مقدما لها فرصة أن تقتنص لنفسها استشارة طبية في غرفة الكشف. # استقبلها الدكتور جليزر على الباب، مد يده مسلما عليها بود، ثم أشار لها بالجلوس على ~~مقعد جلدي أسود اللون، أما هو فجلس وراء مكتبه قبالتها. وبينما كان يفحص هو بطاقة سجلها ~~الطبي، كانت هي تتجول بعينيها على الصور المعلقة ~~على الجدران. شاهدت أضرحة بوذية مزينة بأعلام ملونة، ومعابد متهالكة كانت تبدو في ضوء ~~الغروب الأصفر مقمرة وبنية مثلها مثل وجه هذا الطبيب الذي بدأ يتطلع إليها سائلا من فوق حافة ~~نظارته الطبية. كان يبدو مسترخيا على نحو يدعو إلى الحسد. ~~«كيف حالك؟» ~~«أعتقد أني سأصاب بالبرد»، وكان صوتها يقدم دليلا واضحا على ذلك. كانت ترى أنها شاحبة ~~شحوب جرذ الألبينو رغم أن الجو صحو. كل ما تقوله صحيح، كما أنها في نهاية الأمر لم تكن بحاجة ~~إلا إلى دليل كي تكون حافظت على وعدها ليوهانيس. أعجبتها تلك العيون الأبوية ms071 الرقيقة لهذا ~~الطبيب الذي تتفحصها نظراته. # أجابها مبتسما: «هذا ما تظنين.» ~~«أعاني من الصداع منذ عدة أيام، واليوم كان الألم أقوى نوعا ما» ... فكرت فاندا أن ما يدعو ~~للضحك أنها بدأت تشعر بالتحسن فعلا. ~~«تبدو عليك أمارات التعب، كما أن وجهك شاحب. هل تعملين كثيرا؟» ~~«أستطيع أن أعمل على مدار اليوم لو أراد رئيسي ذلك.» انفلتت منها ضحكة عاجزة وقالت: «ربما ~~أنام أقل مما ينبغي.» # كان يريد أن يكتب لها إجازة مرضية حتى آخر الأسبوع، لكن فاندا رفضت. في كل الأحوال طلب منها ~~تحليل صورة دم كاملة، كما أراد أن يفحص مستويات الحديد في دمها. لم تبد اعتراضا. كانت سعيدة ~~أنه لن يفحصها أكثر من ذلك. # وبعد نصف ساعة كانت قد اتخذت السلالم صعودا نحو الماسورة الرئيسية. ~~«الأشخاص يبدءون يومهم بإلقاء تحية الصباح على زملائهم.» جاءها الصوت متكسرا من ورائها. ~~التفتت فاندا ورأت وجه بيترا المتبرم. كانت مساعدتها الفنية من أولئك الذين يستيقظون مبكرا، ~~وكانت تعد إفطارها الثاني الآن. كانت تقف في الركن أمام الحوض الصغير واضعة يديها على ~~فخذيها متخذة سمت الشكائين، فيما كانت ماكينة القهوة تغرغر من ورائها وتقذف قطرات القهوة ~~في المصفاة. # زمجرت فاندا «حالا»، ثم اندفعت من الباب المفتوح نحو غرفة الكمبيوتر. كان بها اثنان من ~~زملاء العمل لم يتحركا لرؤيتها، فقد كانا ينظران كالممسوسين إلى شاشات الكمبيوتر وما عليها ~~من أعمالهما. لم يكن ثمة إساءة أدب؛ فأيضا فاندا حين ~~اضطرت إلى الجلوس والعمل هنا في البداية، كانت تعرف أن على ذهنها أن يعتزل كل شيء، ليعطيها ~~الفرصة الوحيدة لإنجاز العمل في هذا المكان الذي تتقلص فيه المساحة الشخصية لتقتصر على حساب ~~المعلومات الخاص. كان الكمبيوتر الذي بحثت من خلاله ليلة البارحة في بنك معلومات زابينة مطفأ. ~~أما ذاكرة اليو إس بي الخاصة بها فلم ترها في أي مكان. # نادت بسرعة في الغرفة: «مرحبا، هل رأى أحدكم ذاكرة يو إس بي ملقاة في مكان ما هنا؟» # كانت لي وانج أول من حررت نظرتها من على الشاشة ms072 ونظرت إلى فاندا مبتسمة. كانت الفتاة ~~الصينية قد حصلت على منحة بحثية لمدة ستة أشهر هنا في ماربورج، وفي الواقع لم يكن يهتم بها أحد؛ ~~إذ فرض الرئيس على ميشائيل أن يتولى أمرها. ولأن أحدا لم يفهم لي حقا ظل يحيط بها الحجاب ~~الساحر لثقافة الشرق الأقصى، ولأن أحدا لم يكن أيضا يعلم على وجه الدقة موضوعات أبحاثها، فقد ~~فتح ذلك الباب للتكنهات المسلية حولها؛ فيوهانيس يخمن مثلا أن شتورم يريد أن يستبدل ~~الآسيويين بهم جميعا، خصوصا لأن سعر عالمين ألمانيين كفيل بشراء عشرين من أمثالهم من ~~الصينيين. هذا بخلاف الشائعات التي تداولوها في تلك الأثناء عن أن طموحات شتورم العملية تجعله ~~يوجه بصره نحو الصين من أجل توسعة شركته، وكانوا يرسمون له صورة وهو جالس على مكتبه مرتديا ~~الكيمونو ليستقبل شاي الياسمين من سكرتيرته السيدة بونتي، ومن إحدى فتيات الجيشا ليكملوا المشهد ~~وفق الكليشيهات المتداولة، ثم يفيقوا من وهمهم مرعوبين ومحرجين على ضحكات لي وانج والسيدة ~~باترفلاي اللتين انسلتا فجأة وبلا صوت مثل الفراشات من ورائهم واستمعتا لحديثهم. ~~«لا يوجد ذاكرة يو إس بي هنا»، أجابتها لي وهي لا تزال مبتسمة وكأن فاندا ستفرح ~~بهذا. # وعلى الجانب الآخر، أخذ ابن لادن يداعب لحيته المنكوشة متفكرا. في الواقع كان اسمه عبد ~~الرحمن، لكن اسم عائلته كان أصعب من أن يتذكره أحد، وكان عالما زائرا من إيران، والكل كان ~~يسميه عليا، أما اسم ابن لادن فكانوا يطلقونه عليه في غيابه؛ إذ كان الشبه بينه وبين أسامة بن ~~لادن مذهلا. ولثوان معدودة شعرت فاندا بنظراته المنكرة الجادة مثبتة عليها. # أجاب بهدوء: «حين أتيت إلى هنا في الصباح كانت الغرفة مفتوحة.» أومأت فاندا استسلاما لا ~~امتنانا ثم انسحبت، حاولت أن تهدئ من روعها بفكرة أنه ربما وجدها أحدهم اليوم باكرا، ثم ~~سلمها في السكرتارية. وتمنت فقط ألا يكون هذا الشخص هو يوهانيس. # وحين فتحت غرفتها، دق الهاتف. كانت السيدة بونتي على الخط تشتكي أنها وحدها اليوم، وأن هذا ~~هو فعلا ثالث صحفي يتصل ms073 بها بسبب الانفجار. فالرئيس وميشائيل في الطريق، وأستريد لم تتمكن من ~~الاتصال بها، يوهانيس في وحدة تجارب الحيوان، والأستاذ الدكتور فايلاند أخذ اليوم إجازة. ~~«الأستاذ الدكتور فايلاند!» فكرت فاندا ورفعت حاجبيها باندهاش، لقد كان توماس بالفعل يعرف كيف ~~يتعامل مع السكرتيرات. ~~«أي انفجار؟» ألقت عليها فاندا هذا السؤال في سخط، فهي لم تكن تحب أن يهجم عليها زملاؤها في ~~الصباح على هذا النحو. # أجابتها السيدة بونتي باندهاش: «ذاك الانفجار الذي وقع في الصين. شركة ما إيطالية تصنع هناك ~~جزيئات نانو، ثم فجأة، بووووم، انفجر مفاعل أو مرجل، لا أعرف ماذا يسمون الأواني التي يطبخون ~~فيها، انفجر في الهواء. لقد ورد الأمر في نشرة الأخبار، ألا تشاهدين؟» # نظرت فاندا للدوارة الخشبية على مكتبها والتي كانت في ذات المكان الذي تركتها فيه بالأمس . ~~إن أخف خبطة للطاولة كفيلة بتحريكها من مكانها، وبهذا تعرف فاندا في الصباح التالي إن كانت يدان ~~غريبتان قد عبثتا هنا بحثا عن شيء ما. لقد خطرت هذه الطريقة على بالها حينما فاجأت رئيسها في ~~مكتبها في صباح أحد أيام الأحد، وقد تحجج بأن رائحة حريق تنبعث من الغرفة، وأنه كان يفحص الغرفة ~~حفاظا على السلامة. كان رأسه يقدح مثل عمود تسخين مياه موضوع في كوب فارغ. طالما ظل المكتب ~~الآخر في غرفتها شاغرا، ستظل متمسكة بهذه الطريقة لأخذ الحيطة. # ثم سمعت السيدة بونتي لا تزال تتكلم: «هذه الضجة من الصحافة المحلية»، فخطر على بال فاندا ~~أن تسألها عن ذاكرة اليو إس بي، لكن السكرتيرة لم تترك لها أي مجال للحديث، إذ استكملت: «إنه ~~رئيس القسم في الجريدة. بروفيسور شتورم لا يحب ألا يخبره أحد بالمستجدات، وهذا أمر تستطيعينه ~~أحسن مني بكثير.» تنهدت فاندا، السيدة بونتي تستطيع أن تتبرم بغرابة حقا. # سجلت فاندا علامة نجيمة على تقويم المكتب، ثم كتبت «مجاملة من ب» كانت بونتشين - كما ~~يسمونها سرا - تمتلك حسا يقظا في التفرقة الطبقية بين الناس، وكانت تعبد الرئيس. لم تكن ~~فاندا على قائمة شخصياتها المفضلة، فوراء نظراتها التي ms074 يطل منها الاحتقار كانت تشعر بشحوبها ~~مثل سبة في جبينها. فكرت فاندا بسرعة إن كانت الفرصة سانحة لتجميع بعض النقاط لصالحها. ~~«إن كنت تريدين أن أخلصك من ضغط رئيس القسم الصحفي عليك، فلا بد إذن أن تزوديني ~~بالمعلومات.» وعلقت السماعة بين ذقنها وكتفها، وشغلت جهاز الكمبيوتر. # قالت السكرتيرة بحماس: «يرجح الناس أن مسحوق النانو اشتعل من تلقاء نفسه.» يبدو أن ~~إمكانية التخلص من هذه المهمة جعلتها في غاية التحفز، «كان هنالك ما يقرب من مائة عامل واقفين ~~بالقرب من مكان الانفجار، فلفتهم لبرهة قصيرة سحابة من الغبار. كما يوجد عدة إصابات حرجة ~~وحالات حرق متأخرة، تقريبا كلهم تعرضوا لهذه الذرات الدقيقة من الغبار.» ~~«هل تعرفين بأي مواد؟» طلب الكمبيوتر كلمة المرور الخاصة بفاندا، فكتبتها على لوحة المفاتيح ~~وأكدت تسجيل الدخول. # أجابت بونتي: «ليس لدي فكرة»، في نفس اللحظة ظهرت الكتابة المألوفة على الشاشة. ~~«صباح الخير يا فاندا، كيف حالك؟» نظرت بافتتان إلى الأحرف البيضاء التي تضيء الآن على شاشة ~~جهاز الكمبيوتر، كانت قد تعودت أنه دائما ما يحييها فور أن يتم تشغيله. كانت فاندا قد أحضرت ~~هذا البرنامج التفاعلي معها من الولايات المتحدة وحملته على جهازها، وكان به حتى خيار اللغة ~~الألمانية. كانت لعبة طريفة للحظات التي تنتظر فيها نهاية فترة حضانة الخلايا، أو حين تريد ~~ببساطة أن تجدد من أفكارها. وكان يضايقها قليلا أن طقس التحية هذا بدأت تزداد أهميته عندها ~~باطراد. ~~«هل ما زلت معي؟» كانت بونتي لا تزال في انتظار إجابة. # أحست فاندا أن هذه الفرصة مليئة بالمخاطر؛ فهي لم تكن تعرف إلا أقل القليل عن خلفيات هذا ~~الحادث، علاوة على هذا لم تكن بها رغبة أن تظل هكذا تحمي ظهر شتورم، وتقوم بواجبات المفترض أن ~~ينجزها هو. على رئيس القسم بالجريدة أن يتصل بشتورم على هاتفه المحمول. ~~«أنا لست متخصصة في هذا المجال»، قالت فاندا ولاحظت أن صوتها يغمغم قليلا، ولهذا شرعت في ~~بسط بعض الإيضاحات المخففة حتى سمعت فجأة همهمة من سماعة الهاتف. كان واضحا ms075 أن المتحدث ~~رجل. # الفصل الثالث عشر # | في كون العالم براون # حبست فاندا أنفاسها، لقد تجرأت بونتي حقا وحولت المكالمة عليها. تصاعد الدم الساخن إلى ~~رأسها، ولوهلة أغوتها فكرة أن تقطع الاتصال. إن ضغطة خفيفة على علامة «الشباك» التي على الهاتف ~~كفيلة بذلك. لتكن بالصدفة. إزعاج. ترددت. أكيد ستخبر بونتي الرئيس بذلك. سحبت فاندا ~~سبابتها. # سألت بتردد: «مرحبا؟» ~~«فيلفريد جانتر. جريدة ميتيل هيسسيشه ناخريشتن. صباح الخير.» ~~«فاندا فالس ...» لم تكمل أكثر من ذلك. ~~«لست العالمة المخولة بالحديث، مشغولة جدا، وغالبا ما ستضطرين للعودة للمعمل بعد قليل ~~لأن المكبس سيسخن أكثر من اللازم؟» ~~«ليس تماما، لكن واحدا من دواليب الحضانات يطلق صفير الإنذار، وعلي أن أنقذ مزارع ~~الخلايا قبل أن ينفد منها الهواء.» اندهشت من البساطة التي خرجت منها الكذبة من بين ~~شفتيها . ~~«إنقاذ المزارع؟ لا بأس. ما رأيك لو ألقينا نظرة على الصين؟» ~~«ملف التبت يتولاه زميل آخر ... هلا انتظرت قليلا إلى أن ...» ~~«لا تتعبي نفسك»، قاطعها ثانية، لمحت ظل ابتسامة في كلامه، وبدا الحديث لها مسليا. أكمل ~~كلامه بود: ~~«السيدة الدكتورة فالس، لا أريد أن أعطلك كثيرا. أحتاج فقط لبعض المعلومات حتى أستطيع أن ~~أفهم أفضل ... لقد انطلقت سحابة من جزيئات النانو في الصين. ما مخاطر ذلك علينا؟» ~~«بالتأكيد ليس سيناريو من سيناريوهات ميشائيل كريشتن إن كان هذا ما تعني. إن سحابة جزيئات ~~النانو تتحلل ذاتيا بسرعة. أما الجزيئات الدقيقة جدا فتظل ارتكاسية إلى حد بعيد بسبب ~~سطحها الكبير نسبيا.» ~~«ولا يبقى منها شيء معلق في الهواء؟» ~~«جزيئات النانو التي تنطلق بفعل الانفجار تلتصق ببعضها البعض مشكلة تجمعا يمكن أن يترسب ~~في النهاية في أي مكان. إنها لا تكون أسرابا طائرة مثل النانوبوتس التي كتب عنها كريشتون في ~~روايته وأطلقها في صحراء نيفادا.» ~~«وكيف تستطيعين أن تكوني متأكدة هكذا؟» ~~«ببساطة لأن هذه العملية لا تنجح على هذه الصورة. الجزيئات أصغر من أن تتمكن من الطيران. إن ~~أصغر حشرة معروفة لنا تستطيع الطيران هي ذبابة النمس. إن طولها لا يصل حتى ms076 إلى 200 ميكرومتر، ~~وهذا يشبه رأس دبوس الخياطة مقسوما على عشرة أقسام. ما دون ذلك لا يمكنه الطيران. يصبح غير ~~عملي. جزيئات السخام والغبار التي تنشأ عن حريق أو انفجار لا تتحرك إلا من خلال خاصية الانتشار، ~~وبهذه الطريقة في الحركة لا تتمكن من السير بعيدا.» # سمعت فاندا أزيزا خفيفا على الجانب الآخر من الخط. فرغم صمته، كانت فاندا تستشعر نفاد ~~صبره وهو يحاول أن يصنف المعلومات حسب قيمتها في السوق. # قال وهو يمط كلامه: «إما أن توقظي اهتمام الناس ببعض الأكاذيب، أو تصيبيهم بالملل بسرد ~~الحقائق ... ومن الممكن الجدل حول أي الأمرين أفضل.» توقف قليلا ثم قال: «الحقيقة ممكن أن تكون ~~مملة بشكل يفوق الوصف، ألا تتفقين معي؟» ~~«حضرتك صحفي. إن كان لا يعنيك كشف الحقيقة، فمن يعنى إذن؟» سألت فاندا نفسها عن حقيقة ما ~~تفعل. إن جانتر هو الصحفي الخاص ببلاط جلالة شتورم، وليس بعيدا أن يلتقيا مرة كل شهر يدخنان ~~معا في النادي. ~~«أنت عالمة؟» ~~«طبعا، ولهذا السبب أتمسك دائما بالحقائق، وهي مختلفة عما تعتقد. من السذاجة أن تعتقد أن ~~الأشياء من الممكن التقليل من حجمها، ثم يسير كل شيء بنجاح وكأنه عادي. الغواصات دقيقة ~~الحجم، أو الجراحات دقيقة الحجم، كلها ألعاب من صنع ~~الخيال الإنساني ... وهي لا يمكن أن تتواجد في العالم على صورتها تلك تماما، كما لا يمكن أن ~~تتواجد ... حسنا ... لنقل ... العماليق التي تنسج حولها الخرافات.» ~~«لكن الخيال قد يصنع حقائق.» ~~«برأيي الخيال يساعدنا على فهم الحقائق. تخيل أني سأناولك مخمرا يمكن أن يجعلك تنكمش ~~إلى حجم البكتيريا.» أعجبها هذا المثال. صمتت قليلا ليتمكن من استيعاب الصورة، ثم أكملت: «في ~~الوهلة الأولى ستمسك بالشعيرات الموجودة في أنفي، ولكن إن عطست وقذفتك في الهواء في صورة ~~إعصار، فستعلق في قطرات الماء الدقيقة، التي ستتولد حولك من دوامات جزيئات الهواء التي تتلاطم ~~يمينا ويسارا مثل عباب البحر. لم يعد الهواء فجأة هو ذاك العنصر الحريري الذي يتملق ~~حركتك، وإنما أصبح كتلة خشنة تمنعك من الحركة، بل ms077 وعلى العكس تدوم وتلعب بك مثلما تلعب القطة ~~بفأر مذعور.» # همهم جانتر: «ليس هذا سيناريو أحلامي.» # واصلت فاندا بثقة: «لأول مرة ستشعر بقوى كون النانو. الرقص المتواصل للجزيئات. لقد هبطت إلى ~~كون العالم براون بما فيه من قوانينه الخاصة.» # قاطعها جانتر عابسا: «ما هذه المجرة؟ لا بد أن توضحي لي الأمر بالتفصيل. بالمناسبة كانت ~~الرياضة إحدى مواد التخصص الفرعي في دراستي.» # ردت فاندا بفطنة: «إذن لديك مؤهلات جيدة؛ فأنا أتحدث عن تحرك الجزيئات وفق قوانين الحركة ~~التي اكتشفها العالم براون. إنها تصف الحركة الذاتية للجزيئات بفعل الحرارة. هل راقبت ذات مرة ~~نقطة ماء تحت المجهر؟» زمجر الصحفي بشيء غير مفهوم، فلم تستطرد فاندا الحديث في هذا الشأن: ~~«بالتأكيد إذن رأيت أجزاء الغبار الدقيقة ترتعش. هذه هي الحركة التي وصفها العالم براون، إنها ~~حركة جزيئات الماء غير المرئية لنا، تدفعها باستمرار من هنا لهناك.» ~~«وهذا ما يحدث معي في الهواء حين أتركك تسحرينني؟» # صوبت فاندا: «أجعلك تنكمش»، ثم أكملت: «حتى في الهواء تكون الحركة مصادفة وبلا اتجاه، ~~فالإيقاع سريع جدا، أكثر كثيرا من مائة متر في الساعة، لكنك لن تتمكن أبدا من الابتعاد؛ ~~لأنك دائما ما ستتطوح إلى اتجاه جديد، وفي وقت ما ستصطدم بأحد الجزيئات المساوية لك في الحجم، ~~لنقل مثلا بواحد من زملاء مهنة الكتابة. بعدها سنرى ما الذي يحدث.» ~~«أخشى أن هذا هو حالي الآن. ما قولك في ساعة طيران معا؟» # ضحكت فاندا في الوقت الذي بدأت تنقر فيه بعض عبارات الترحيب على الكمبيوتر. «الطيران ليس ~~جزءا من هذه العملية. الانتقال عبر الهواء يشكل صعوبة أكبر على الأشياء الصغيرة من الكبيرة؛ ~~لذلك يتعين على الحشرات الصغيرة أن تضرب بجناحيها باجتهاد كبير، وبصورة جوهرية فإنه في حالة ~~الطائرة تكون علاقة الطفو بالنسبة لمقاومة التيار مواتية أكثر.» # تنهد قائلا: «كنت أعرف أن الأمر ممل.» # ردت فاندا: «هنا علي أن أعترض بشدة.» ظهر على الشاشة تساؤل حائر: «ماذا لو سمحت؟» لم ~~يفهمها الكمبيوتر، لقد انزلقت يدها على لوحة المفاتيح ونقرت سطورا ms078 خاطئة، فلم يتمكن جهازها من ~~هضم سلطة الحروف المشكلة تلك. «صحيح لا تستطيع جزيئات النانو الطيران، لكن قوة الضغط الناجمة ~~عن انفجار هذا المصنع الصيني قد تمكنها من الانتقال في الهواء. ربما استنشق العمال ~~المتواجدون بشكل مباشر في الموقع قدرا من ذرات الغبار هذه بالغة الدقة. إن سحابة الغبار تلك ~~تتكون من خليط من الجسيمات متباينة الحجم والتي يمكن أن تترسب عميقا في الرئة وتسبب ~~الالتهابات، وحين يكون متاحا تنزلق عبر الجدران الرقيقة المبطنة للرئة إلى الخلايا المناعية ~~في تيار الدم وتنتشر عبرها في الجسم كله. ومن عواقب ذلك أمراض الجهاز الدوري والأورام.» # تنهد جانتر قائلا: «أنت تفهمين جيدا ما تتحدثين عنه، وما أنا سوى صحفي أحمق.» ~~«لا أفهم تماما»، صوت بداخلها ناداها محذرا فجأة. # أبدى جانتر ملاحظاته: «حسنا، أنت تتحدثين عن جزيئات النانو التي يمكن أن تسبب لنا ~~الأمراض. على الجانب الآخر تتواتر أنباء عن نجاح معجزة العلاج بجزيئات النانو، الكرات السحرية ~~حسبما يسميها الكثيرون، وقد تسمح لنا بالبقاء حتى سن المائتين على قيد الحياة، وهو ليس العمر ~~الذي أحلم بالوصول إليه إن شئت الصدق. فهل هذه نعمة أم نقمة؟» ~~«إن نقل الأدوية بمساعدة جزيئات النانو من الممكن أن يكون فعالا جدا»، طالما رددت ~~فاندا هذه الجملة مرارا وتكرارا. هي صيغة موثوق بها تستطيع أن تتكئ عليها كدرابزين السلم، ولن ~~تسمح لأحد أن يستدرجها أبعد من ذلك. «يمكن للعقارات السمية مثل علاجات السرطان أن تتناول من ~~خلالها في كميات ضئيلة جدا.» # أجاب جانتر وقد زادت استثارته: «يستطيع رئيسك أن يرى الأمر على هذا النحو، لكني أنا لا ~~أعتقد في هذه الرسائل العلاجية. من الممكن أن يتم بالفعل علاج بعض الأمراض التي تسببها الحضارة ~~بصورة أفضل، وهذا ما يدعو الساسة إلى أخذ زيادة متوسط الحياة في حساباتهم. سيصل الإنسان لعمر ~~200 سنة، ولم لا؟ معنى هذا أن يحال في سن 167 إلى التقاعد. لكن هل سنصل يوما إلى سن التقاعد ~~تلك؟ ستكون أعضاؤنا قد تحملت بجزيئات النانو مثلما هي محملة ms079 اليوم بالمبيدات، وربما من هذا ~~الطريق ينجح الانتقال من الإنسان إلى الآلة. نوع من التبلور، أو يسير الأمر كما الحال حتى الآن: ~~أمراض جديدة، أدوية جديدة، لكن سن التقاعد لن تخفض.» # كانت فاندا تقضم قلمها الحبر، كانت تفضل لو أنهت المكالمة حتى ذلك الحد. لم يكن جانتر ~~مخطئا؛ فبالطبع كانت أنباء نجاح النانو في العلاج والتشخيص ثقلا سياسيا. كانت تفكر في ~~الموجة العارمة من مواد النانو الجديدة والتي تجاوزت علم السموم. إنهم ليقفون مشدوهين أمام ~~أعمدة قوية لقصر مشيد، يقوم فيه العلماء بإعداد المأدبة الملكية للتزويج فيما بين علوم النانو ~~وعلوم الجينات، في الوقت الذي يظل فيه أثر الكثير من المكونات مجهولا. من الممكن أن نتوقع قوة ~~هذه الزيجة التي رتبت بين البيتين الملكيين، مثلما يتم ترتيب الزيجات الملكية منذ القدم، إلا أن ~~الجيل الصاعد من هذا الزواج يفوق قدراتنا على التصور. وكان على رأس المحركات الاجتماعية التي ~~دفعت نحو هذه الأحداث حاجة البشر المتنامية إلى التحكم في العمليات الحيوية، وهنا لم تستطع ~~فاندا أن تدفع من ذهنها خاطر أن طموح الإنسان في السيطرة هو ذاته ما يعظم من خروج التكنولوجيا ~~الحديثة عن نطاق أي سيطرة، وفي ظل عدم المعرفة والتسابق نحو حيازتها قام علماء البيوتكنولوجي ~~بممارسة لعبة «فيروبولي» «بنك الحظ الفيروسي»، وكان من المحرج مشاهدة كيف أن علم السموم بدأ ~~يعرج وراء التطورات الأخيرة. «سأتمسك بالحقائق» قالتها فاندا أخيرا، وعضت لسانها، فمثل هذه ~~التشككات لو أفصحت عنها للرأي العام لكلفتها وظيفتها. # فرد الصحفي بلا مواربة: «وأنا لا أصدق في رؤيتك. بل إنني أدعي أنه في تكنولوجيا النانو ~~خاصة، فإن المسافة شاسعة بين الممكن والمأمول، إنهما لا يتقاطعان إلا في إدراكنا لهما.» ~~«ألا تسهم وسائل الإعلام في تكريس هذه الحال؟» ~~«بالتأكيد، ولكن أيضا العلماء الذين يستغلوننا من أجل الترويج لمشروعاتهم. القلة فقط تتحدث ~~عن المخاطر.» ~~«ربما لأنهم لا يعرفونها؛ فليس من السهل تقديرها على النحو السليم.» ~~«إنك أنت الخبيرة. فماذا ترين في تلوث أجسام الجنود الإيطاليين في كوسوفو؟ قيل وقتها ms080 إنه ~~على الأرجح هو ناتج عن كشط القشرة الخارجية لصواريخ كروز.» لقد حان وقت إنهاء المكالمة مع ~~جانتر. ~~«أعتقد أن على حضرتك أن تواصل الحديث مع بروفيسور شتورم، فهذا هو مجال تخصصه.» ~~«دعيك من هذا الكلام، أنا أعرف رئيسك؛ إنه لا يخبر شيئا.» # فأسرعت فاندا قائلة: «علي الآن أن أعود إلى المعمل حقا.» ~~«نعم، دولاب التخمير. لكن عندي سؤال أخير: ما هي الأبعاد التي يتحرك فيها هذا النانو ~~الشبح؟» ~~«مقياس النانو يطابق واحدا على مليار من المتر»، ردت فاندا آليا، فأخيرا عادت للتحرك ~~على المسار الآمن. ~~«ريتشارد فيمان، واحد من أوائل من حلموا بتكنولوجيا النانو، قال ذات مرة في الغور البعيد ~~مكان شاسع. إذا ما قارنا بين الأحجام فجزيء النانو بالنسبة لكرة القدم هو كمثل كرة القدم إذا ~~ما قورنت بالقمر. نحن نعرفه على أنه وحدة في منظومة أكبر بين واحد إلى مائة نانومتر.» ~~«ولماذا مائة نانومتر؟» # ترددت فاندا قليلا ثم قالت: «لأن بيل كلينتون أصدر توجيهاته في هذا الشأن.» # الفصل الرابع عشر # | ارتباك على سطح الواجهة # شعرت فاندا أنها تدور مثل زنبرك صندوق موسيقى. لم تبرح رأسها المكالمة التي أجرتها مع رئيس ~~القسم العلمي في الصحيفة المحلية. أخذت تبحث بلا هدف في الأوراق المتكومة على مكتبها، وتجاهلت ~~محاولات الكمبيوتر التي تحثها لأن تكمل حديثها معه. لا، لم يعجبها بتاتا أن يحدد سياسي - ~~كائنا من كان، حتى ولو كان رئيس الولايات المتحدة - المعيار الذي يتبعه العالم. إلا أن الدول ~~الصناعية كانت تضخ أموالا طائلة منذ بداية القرن الحادي والعشرين في تكنولوجيا النانو، وفي هذه ~~الأثناء تحصل المبادرة القومية لتكنولوجيا النانو في الولايات المتحدة سنويا على مليار دولار ~~كاملة، وأيضا حكومة ألمانيا رفعت ميزانية الاستثمارات إلى 200 مليون يورو سنويا للأربع سنوات ~~القادمة. إن السباق الدولي المحموم للحصول على براءات الاختراع يشمل أيضا رءوس أموال جبارة ~~في مضماره. ناهيك عن أن الإنجازات التكنولوجية تعكس مكانة الدولة بين الأمم. # ولكونها متخصصة في علوم السموم ففاندا تلعب في فريق الحراس؛ لأن واجبها يكمن ms081 في تقدير ~~المخاطر التي قد تنجم عن المواد الجديدة، ولا تغير نظرتها النقدية للأشياء من حقيقة أنها ~~ترس في ماكينة الأبحاث، وأنها تدعم المبادرات التكنولوجية التي تخص العلوم الطبيعية بالأبحاث ~~التي تجريها. ولم تستشعر فاندا أن بالأمر تناقضا؛ فتكنولوجيا النانو سببت ثورة في عملها ~~المعملي. حتى لو جأر الناس بالشكوى من فكرة «إنسان ينكمش»، أو «غواصة تتقزم» ليدخلا إلى عالم ~~النانو متناهي الصغر، فلا ينبغي إنكار أن المعامل التي اختزلت إلى حجم بطاقة علاجية تعمل ~~بكفاءة عالية. هذه المعامل التي تسمى «معامل على الشريحة» لهي حقا غرف سحرية تتم فيها ~~عمليات الخلط، والضخ، والتنقية، والفصل، والاحتضان والتحليل، وهذا كله بشكل آلي على مساحة لا ~~تتجاوز الأربعين سنتيمترا مربعا. لقد أسدت أماكن العمل هذه التي صنعت من البلاستيك خدمات ~~جليلة للتحليل الجزيئي الحيوي للحمض النووي دي إن إيه، والبروتين والخلايا. ورغم أن سعرها باهظ ~~الثمن، فإنها تخدم عمليات ميكنة المعامل. فالاستثمار في الإنسان - بحسب قول رئيسها - غير ~~متوافر، كما أنه يكلف كثيرا جدا، كما ستصبح الاستعانة بالعاملين المؤهلين أمرا نادر ~~الحدوث على المدى البعيد، بل حين يتمكن الكمبيوتر من القيام بمهام التفكير فلن تتم الاستعانة ~~بالعلماء ثانية. شتورم نفسه يحاول تحقيق هذا السيناريو بالفعل، فهو يستعمل موظفيه وكأنهم مواد ~~حشو، يمكن استبدالهم في أي لحظة. والعقود المؤقتة موائمة تماما لخطته في اللعب. ربما ستسود ~~فترة انتقالية كل أبطالها مستقدمون من الصين، نوع من حكم أسرة مينج، إلى أن تلتهم أخيرا ~~الآلات مملكة البشر. # لم يغب عن فاندا ما في هذه الأفكار من سخرية مريرة. كان يقلقها أن جزءا منها بدأ في ~~التكيف مع المعطيات المستجدة بأكثر من قلقها من تعسف الرئيس الأمريكي. كانت هذه هي فاندا ~~الصغيرة التي تتمنى أن تئول كل الأمور إلى ما فيه الخير، كما السابق حين كانت تجد أمها في القبو ~~باكية. كانت تجلس على الأرض منكمشة على نفسها أمام جبل كبير من الملابس المتسخة ممسكة بمنديل ~~غير نظيف أمام الوجه المبتل. فاندا، التي كانت وقتها في ms082 العاشرة، كانت تريد أن تسري عن ~~أمها؛ لأنها تصورت أن العمل الشاق هو السبب في حزنها، فوعدتها بأن تساعدها وبدأت في تصنيف ~~الثياب وفق فهمها الطفولي إلى ملابس فاتحة وأخرى غامقة، وكانت تقوم بهذا العمل بمهارة لم تتمكن ~~من استعادتها أبدا فيما بعد. أمي المسكينة، تنهدت فاندا. # ثم إن هناك بعد فاندا الوفية، التي كانت ~~تفضل أن تدفن رأسها في الرمال حتى تتمكن من تحمل الطريق إلى المدرسة، حين عرف الجميع بأمر ~~والدها. هي فقط لم تكن تريد أن تعترف أن والدها مدمن كحول. أحيانا ما تهب رياح تحرر رأسها ~~المدفون من أسره، لكنها تعرفت على عينيه المحمرتين وريح الخمر في أنفاسه، فتسارع بإغلاق ~~عينيها ثانية محبطة، وكانت تحمله هو الذنب في أنها لا تشعر بأنها على ما يرام. وحين بلغت ~~التاسعة عشرة من العمر تركت كل ذلك وراءها. # هذه هي فاندا، المتهورة التي انطلقت بكل بساطة، المنجزة التي لا تتردد طويلا إن كانت ~~المسألة تتعلق بشيء جدير بالتجربة، بالبحث وبالتوضيح؛ ولهذا كان أسهل عليها ألف مرة أن تتسلل ~~سرا للبحث عن المعلومات المثيرة للريبة بدافع الانتقام لصديقتها التي حتى لم ترو لها كل شيء، ~~من أن تتحدث إلى أخيها، فعند هذه النقطة كانت تجبن. لم يصدر عنها أي رد فعل بخصوص خطاب موثق ~~العقود بعد، ولا بد أن روبرت يشعر بغضب عارم منها لأنها لا تهتم. # رن الهاتف وظهر رقم زابينة على شاشته. # ردت فاندا فرحة: «جميل أنك تتصلين.» # أجابتها زابينة متنهدة: «جميل أن أستطيع أخيرا الوصول إليك.» # لم تعقب فاندا على ذلك. ~~«سأقول فقط الرقم خطأ.» ~~«ماذا؟» ~~«ربما نشعر شخصا ما بالملل في السنترال.» # اقترحت زابينة: «فهمت، سأتصل بك على هاتفك الخلوي.» ~~«الأفضل أن نلتقي.» ~~«كما تشائين.» ~~«أخ، بالمناسبة، يوهانيس كان أيضا هناك مساء أمس.» حاولت فاندا أن تذكر الأمر وكأنه ~~مصادفة، ثم أضافت: «ولم يكن يشعر بأنه على ما يرام.» ~~«أها»، وبدا أن زابينة ليس عندها ما تقوله. ~~ألم تفهم شيئا بتاتا أم كانت تمثل؟ ~~«ما رأيك ms083 فيه؟» ~~«تقصدين يوهانيس؟» ~~«أخ، انسي الأمر عزيزتي»، فقدت فاندا الأمل. ~~«لا تجلبي على نفسك التعاسة يا فاندا؛ فهو لا يفضل السيدات.» # سمعت طرقا على الباب، ثم ما لبث أن انفتح وأطل يوهانيس بقوامه النحيل ووقف عند العتبة. ~~كان وجهه محمرا. كان عائدا من حظيرة الحيوانات، وكان شعره القصير لا يزال مبتلا من أثر ~~الاستحمام. ~~«هل يمكن أن نتقابل مساء اليوم؟» سألت فاندا وهي تنظر بريبة نحو زميلها الذي ظل شاخصا ~~نحوها. ~~«في كايبيرينها تمام التاسعة»، ردت زابينة ثم أغلقت الخط. ~~••• # دخل يوهانيس الغرفة دون أن ينبس ببنت شفة، ثم وضع أمامها على المكتب ذاكرة اليو إس بي ~~خاصتها منحنيا انحناءة لا تليق به، ولم يخف عليها ما تشي به هذه الإيماءة من نصر. سحب ~~الكرسي المعطوب من جوار الحائط، ودفعه ملاصقا لفاندا، وأدار ظهره إلى الأمام ثم تطوح ليجلس ~~عليه منفرج الساقين. كان يتحرك عليه كراعي بقر مصاب بتقلص في العضلات. رفعت فاندا حاجبيها ~~اندهاشا. ~~«صباح الخير جانجو.» # ابتسم يوهانيس، لكن لمعت في عينيه شهوة العراك. ~~«تستطيعين أن تخمني أين وجدته.» # رفعت فاندا منكبيها. ~~«كان لا يزال اليوم باكرا عالقا في منفذ ~~الكمبيوتر. لا بد أنها كانت ليلة ساخنة.» كان يوهانيس يستمتع ببلاغته الملفوظة على النحو الذي ~~يستمتع به الآخرون بشرب قهوة إسبريسو، أو تدخين السجائر، أو تناول الشوكولاتة وحلوى ~~الهلام. # أكمل يوهانيس كلامه وكأنه يستطيع قراءة أفكارها: «من الممكن جدا أن تكون ذاكرة اليو إس بي ~~هذه تخص ذاك الشخص الغامض الذي حيانا بالأمس بضربتين على رأسينا. تشريح مفصل من مفاصل الجسم ~~في موقف الهروب. قد يحدث أحيانا، خصوصا عند العناكب. ربما علينا ببساطة أن نرى ماذا يحوي.» لم ~~يتوقف يوهانيس عن الكلام وتمنت فاندا لو أنها تزحف لتختبئ أسفل مكتبها. ~~«لا بد أنك فعلت هذا بالفعل.» ~~«لا، أنا لا أتشمم أقراص المعلومات هكذا ببساطة. صاحبها ...» توقف قليلا: «أو صاحبتها ممكن ~~أن تكون من القسم. ألا ترتابين في الأمر يا فاندا؟» شعرت بضغط صندوق البخار الذي حبسها فيه، ~~وكانت ms084 تريد الخروج من هذا الضيق. ~~«ليس عندي وقت أن أنظر فيه الآن.» ~~«اتركيه هنا ببساطة.» # رأت كيف ينظر بفضول من فوق كتفها إلى شاشة الكمبيوتر الذي بدوره لم يتوقف عن طرح سؤاله عن ~~حالها. نقرت برشاقة على مفتاح الدخول، فظهرت في التو شاشة سطح المكتب. ~~«هل ذهبت إلى الطبيب حقا؟» اندهشت فاندا من السرعة التي غير بها يوهانيس نبرته ~~العدوانية إلى نبرة فيها اهتمام، كما تفعل الأمهات مع بناتهن اليافعات، وفي مكان ما في عقلها ~~الواعي شعرت بالطرقات المألوفة عندها. ~~«نعم بالتأكيد، ألم أعدك بهذا؟ لم يكن بالمسألة ما يستوجب كل هذه الدراما.» # تنهد يوهانيس قائلا: «على الأقل في هذه النقطة أنت لا تكذبين علي.» ~~«أنا لم أمس ذاكرة اليو إس بي خاصتك بالمناسبة، لكني رغم هذا أريد أن أعرف ماذا كنت ~~تفعلين أمس مساء في غرفة الكمبيوتر.» # تنفست فاندا بارتياح ثم قالت: «فلتبدأ بنفسك!» ~~«بل احكي أنت أولا.» # فأجابت بحسم: «لاحقا. علي أولا أن أعمل.» # الفصل الخامس عشر # | الهدية # فكرت فاندا وهي تأخذ الحافلة رقم 7 التي ستحملها إلى المدينة أن «كايبيرينها تمام ~~التاسعة» شفرة لا بأس بها، ولحسن طالعها فإن يوهانيس لم يعترض طريقها ثانية هذا اليوم؛ إذ كانت ~~تريد أولا أن تتحدث مع زابينة في كل شيء. مشروب الكايبي متوافر في بعض بارات ماربورج، لكنهما ~~تفضلان بار «هافانا»، حيث غالبا ما يمكن لهما العثور فيه على ركن هادئ. أما بار «ميكسيكالي» ~~فكانتا تذهبان إليه إن كانت بهما رغبة في تجريب تأثير مشروبات جديدة، فتجلسان في المنتصف حيث ~~تحصلان على أفضل إطلالة على المكان، بحيث لا يمكن لأحد ألا يلاحظ وجودهما. رن هاتفها الخلوي ~~قبل أن تصل الحافلة إلى المحطة بقليل. اختبأت فاندا وراء ظهر أحد الركاب وراقبت السائق كيما ~~تتأكد أنه لم يفطن للمسألة؛ إذ كانت لافتات الممنوعات معلقة على شريط أعلى الزجاج الأمامي: ~~«التدخين ممنوع، الهاتف المحمول ممنوع». لم تكن سوى مجرد رسالة نصية قصيرة. ~~«لا بد من تأجيل اللقاء إلى الغد. نفس المكان، نفس التوقيت. ms085 ز.» # ردت فاندا من فورها: «حسنا، ف.» لقد نال من فاندا التعب، لدرجة أنها استراحت لترك الموضوع ~~عدة ساعات قبل استئنافه، فطوال اليوم يدخل مكتبها زملاء يستعلمون عما حدث؛ فخبر رحيل زابينة ~~المفاجئ ألقى بشكوك حول الأسباب الحقيقية لتركها العمل. كان بعضهم غاضبا، لكن لم يكن من الصعب ~~استشفاف أن معظمهم خائفون، ففي نهاية المطاف، معظم العاملين عقودهم مؤقتة، ومصير زابينة جعلهم ~~يدركون كيف تتقلب الأقدار بسهولة، وكيف تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، وكيف أنهم جميعا ~~يجلسون في نفس القارب. # لا تزال القمامة على حالها جراء الليلة السابقة أمام باب شقة الجيران. رنت فاندا الجرس، ~~فلم يفتح الباب. وحين سحبت فاندا شريط الورق من عتبة بابها تساءلت سريعا إن كانت تركته في ~~هذا الموضع، لكنها عادت فقالت ربما هي لم تدرك أين وقع حين فتحت الباب. وفي حالة تعبها الشديد ~~تلك بدت لها فكرة أن أحدا دخل شقتها في غيابها مدعاة للضحك رغم قلقها. # نامت نوما عميقا في تلك الليلة. ~~••• # وفي صبيحة اليوم التالي كان ذهنها صافيا كما لم يكن من قبل، ورغم ذلك كانت تحرك رأسها ~~بالكاد، فعلى نحو ما بدت المشكلة وكأنها تدحرجت إلى غور أعمق، وكانت رقبتها متصلبة كلوح خشبي. ~~نحت لحافها جانبا فشعرت بالبرودة على الفور. وجدت جهاز التدفئة في غرفة الجلوس مغلقا. تأففت ~~فاندا من الرائحة المكتومة جراء عدم التهوية. أنا لا أتواجد هنا إلا نادرا، فكرت فاندا ~~وقالت: «لن يدهشني لو أن أحدهم يعيش هنا حياته سرا طوال الصباح. إن هذا ليشبه فيلم «بين جيب» ~~الفيلم الكوري الذي شاهدته في السينما مؤخرا. كان الفيلم يحكي عن شاب يقتحم المنازل والشقق ~~الخاوية، ويظل فيها طوال فترة غياب أصحابها، وكان كل منزل جديد يسمح له بالتمتع بنمط حياة ~~مختلف، ما دعاه إلى إظهار الامتنان نحو مضيفيه الغائبين بأن يغسل ملابسهم وصحونهم، وينظف ~~منزلهم ويسلك بالوعاتهم المسدودة، ويصلح ألعابهم المعطوبة. لا يمكن أن يكون هذا الشاب قد حل ~~ضيفا علي.» قالت لنفسها بعد أن تيقظت تماما ms086 بمجرد أن خبط ظهرها غطاء المرحاض ليسلبها ~~استمتاعها بهذه اللحظات من اللافعل المطلق. دخلت إلى البانيو لتستحم وتركت الماء الساخن ينهمر ~~على رقبتها المتصلبة. أعانها ذلك على تحسين حالتها، رغم أن رشاش الماء قد سدت بعض فتحاته ~~بفعل تراكم الجير. # بعد نصف الساعة كانت في المركز وفتحت مكتبها. وجدت اللمبة الحمراء ترتعش على هاتفها إشارة ~~لوجود مكالمة سجلت على جهاز الرد الآلي. أما مقدمة الدوارة التي على مكتبها فكانت تشير تجاه ~~الباب. تجولت عيناها تلقاء تقويم المكتب، كان يشير إلى الأربعاء التاسع من نوفمبر. في درج ~~المراسلات كانت طلبية الأجسام المضادة لا تزال على حالها. كانت قد نسيت أن تمررها لقسم ~~المشتريات. فتحت فاندا درجا في المكتبة المثبتة على الحائط، وبحثت عن شيء أسفل عبوة المناديل ~~الورقية. أخرجت قرصا صغيرا من الكرتون ووضعته بحذر على المكتب ، إلى جوار الطاولة الصغيرة ~~المصنوعة من زجاج البليكسي التي تستقر فوقها دوارة ~~الخشب الطبيعي. كانت قد صنعت هذا القرص الكرتوني مؤخرا حين وضعت علبة بتري (وعاء مسطح دائري ~~الشكل وشفاف، يصنع من الزجاج أو من اللدائن، ويستعمله علماء الأحياء لزراعة الخلايا) على ورق ~~مقوى رمادي اللون، ثم رسمت دائرة حولها بالقلم الرصاص حتى تظل مستوية ومتناسقة، وباستخدام ~~المسطرة رسمت خطا في وسط الدائرة لتقسم المساحة إلى جزأين، ثم إلى أربعة، ثم إلى ثمانية ~~أجزاء مثل الكعكة، لكن دون أن تقصها بالمقص، فقط بالقلم لتكون الدائرة مقسمة فقط بخطوط القلم. ~~كانت هذه هي اللوحة التي قامت بترقيمها وحركت عليها الدوارة مثل المؤشر. كان بالدرج نردان ~~تستخدمهما لتحديد مكان الدوارة كل مساء قبل أن تغادر إلى منزلها، وفي اليوم التالي كانت تستطيع ~~أن تختبر إن كان شيء تغير. دفعت فاندا بمنتهى الحذر القرص الكرتوني أسفل القاعدة المصنوعة من ~~زجاج البليكسي. أدارت لوحة الأرقام ووضعت الخط الذي يحمل الرقم صفرا على حرف المكتب الذي ~~يساعدها عند وضع العلامة الجديدة وقت تغيير وضعية الدوارة مساء، ثم الرجوع إليها في اليوم ~~التالي؛ وبهذا كانت ترقد الدوارة كل يوم في ms087 زاوية مختلفة لا يعلمها سواها، وهي فقط التي تستطيع ~~مراجعة وضعها بواسطة هذا القرص المصنوع من الورق المقوى. انحنت فاندا فوق الدوارة. من خلال زجاج ~~البليكسي تمكنت من تحديد العلامات على قرص الكرتون. المصادفة اختارت لها بالأمس الموضع رقم 4، ~~إلا أن قمة الدوارة تشير إلى الرقم 7. # طرق طارق على الباب، ثم ضغطت أكرة الباب إلى الأسفل، وأطلت السيدة بونتي من فرجة ~~الباب. ~~«ها أنت هنا، الرئيس يريد التحدث إليك.» # قالت فاندا متوسلة: «أمهليني خمس دقائق.» # ردت السكرتيرة ردا مقتضبا: «الأمر عاجل»، ثم اختفت. سحبت فاندا قرص الكرتون من على ~~المكتب وأعادته إلى الدرج أسفل عبوة المناديل الورقية، ثم التقطت طلب الأجسام المضادة من مكان ~~حفظ الأوراق وتوجهت نحو مكتب شتورم. وفي غرفة السكرتيرة كانت السيدة بونتي تعيد سماعات ~~الديكتافون إلى وضعية الاستماع، في الوقت الذي تصاعد فيه دخان من فنجان الشاي الموضوع على ~~مكتبها ليعبق الحجرة برائحة توت مسكر لاذع نفذت إلى أنف فاندا. كان الباب المزدوج الموصل إلى ~~حجرة الرئيس مفتوحا. # وماكس شتورم خلف مكتبه جالسا يلوح بيده: «تفضلي بالدخول.» كانت حركة يديه تشبه حركات مدير ~~سيرك يعد جمهوره بمزيد من الإثارة، وأمامه هو أيضا فنجان من نفس البورسلين تتصاعد أدخنته ~~بنفس الرائحة. ~~«سيدة بونتي، لو سمحت فنجان شاي للسيدة فالس.» إلا أن النقر على لوحة المفاتيح لم يتوقف. لم ~~تسمعه سكرتيرته. # ردت فاندا: «شكرا، لا داعي، لقد تناولت الإفطار لتوي.» ~~«هلا جلست؟ أتمنى أن يكون لديك قليل من الوقت.» # أومأت بصورة غير ملحوظة لتحمي رقبتها، وجلست على مقعد الضيوف، على حافته، فقد كانت تتمنى أن ~~تخرج في نفس اللحظة. ذاك المقعد المصنوع من الكروم المغطى بالجلد يتأرجح بسهولة وفقا لحركة ~~الجالس عليه. متى كانت آخر مرة يحدثها فيها شتورم بهذه النبرة؟ إن علاقتها به يمكن أن ~~تقسم إلى عهدين: عصور ما قبل وما بعد توقيع العقد، وفيما بينهما فترة فراغ تاريخي لم ~~تستطع أن تفهم أسبابها. كل ما تحمله لها اللحظة الراهنة يعود بها إلى عصر ما قبل ms088 توقيع العقد. ~~ماذا عساه يريد؟ تجولت نظرات شتورم متفحصة إياها من أسفل إلى أعلى، وتوقفت لبرهة عند الوادي ~~المنبسط أسفل ذقنها، إلى أن ثبت نظراته أخيرا نحو عينيها. كان يريد أن يمنحها من فيض ~~إشعاعاته، إلا أن خبرتها معه تحول بينها وبين أن تثق فيه. ~~«فيلفريد جانتر، تعرفينه سلفا، إنه ذلك الرجل من الجريدة. التقيت به بالأمس. حوار جيد. ~~ممتاز.» كان يقولها وهو لا يني ينقر على المكتب بقلمه الحبر بلا انقطاع. أدار رأسه نحو ~~النافذة فراقبت فاندا كمفتونة تفاحة آدم فوق ياقة القميص البيضاء، وهي ترتفع ببطء لتعود فتغرق ~~من جديد، كما رأت أثر دم سال أسفل ذقنه جراء خدش أو قطع، بدا وكأن كل ما في هذا الرجل قد ~~استطال؛ رقبته الرفيعة، ثم شكل أنفه المدبب بلونه المصفر، فلكأنه طرف الممص (تلك الأداة ~~المخبرية التي تستخدم في نقل أو قياس حجم سائل ما). كان لا يزال ينظر من النافذة وهو يكمل ~~كلامه: «بالمناسبة يؤسفني ما حدث مع زابينة ميرتينز، لكن يداي الآن مقيدتان. رغم ذلك سأعمل ما ~~في وسعي. هل تعرفينها بشكل أكثر حميمية؟» # ترددت فاندا، وانطلقت صافرة إنذار في رأسها: فالرئيس والتبرير، أمران لا يجتمعان. «لا تسمح ~~أن يطويك أحد»، تذكرت هذه الكلمات التي كانت على الملصق الذي لصقه باحث دكتوراه آخر على كتاب ~~المعمل وقت أن كانت لا تزال بالجامعة. ما الذي استدعى هذه الكلمات الآن تحديدا؟ # سمعت نفسها تقول: «ماذا تقصد ب «تعرفين»؟» تحركت نظرة شتورم إلى يديها، حيث كانت أصابعها ~~تقوم بطي الطلب بعناية. # تقطعت كلماتها: «نحن زملاء. كنا زملاء.» نظرت إلى الورقة المطوية بين يديها، وتصببت ~~عرقا فقد تقتلها زابينة على ذلك. ~~«لا بد لأحد أن يستكمل هذا المشروع.» كان مغزى كلماته يتساقط تدريجيا في وعيها. «هل ~~سمعتني؟» # صاحت مباشرة: «لقد ظننت أن المشروع قد تبخر.» وكان صوتها عاليا ما دفعها أن تعض ~~لسانها ندما. الآن كشفت نفسها، لكن شتورم قرب فنجانه من فمه بمنتهى الهدوء، وبدأ يرتشف الشاي ~~رشفات صغيرة. قال مبتسما: ms089 «ممتاز، لكن أسخن مما يجب.» وضع الفنجان مكانه، ثم دفع تجاهها ~~أوراقا على المكتب. ~~«عليك أن توقعي على مبدأ الكتمان هذا. فالشركة التي نعمل معها تقيم وزنا لحفظ السرية.» ~~ثم فتح درجا من المكتب وأخرج منه حافظة أقراص مدمجة «سي دي». ~~«أريدك أن تحضري عرضا حول نتائج الدراسة الخاصة بشركة بي آي تي، وهذا هو كل ما تحتاجينه ~~لذلك.» كان يلوح بقرص المعلومات، وكأنها مكافأة عليها أولا أن تكتسبها عن جدارة. «سيكون الأمر ~~جد مربح.» ~~«مربح؟» ~~«سيظهر اسمك في كل الأحوال على البحث المنشور، سينشر بالتأكيد في أرفع الدوريات مكانة، ~~فمستقبلا لن ننشر إلا في الدوريات راقية المستوى؛ فالقسم يحتاج بلا شك مزيدا من النقاط الخاصة ~~بالنشر العلمي. لا بد أن هذا يوافقك بكل تأكيد، أم ماذا؟» # لم تكن سوى مجرد رجعة اعتباطية برأسها إلى الوراء ، انقبضت على إثرها عضلات رقبتها كلها، ~~كأنما وضعت يد مثلجة عليها. هل يعلم بأمر الموضوع السابق في روتشيستر؟ هل من الممكن أن يكون ~~أحدهم تتبع المسألة ليكتشف أني تلاعبت بالأرقام قليلا ليظهر اسمي كمشاركة في البحث ~~المنشور؟ ~~«ما قولك؟» كان شتورم لا يزال ينظر إلى فاندا متسائلا. # ردت فاندا: «رقبتي متصلبة.» وأمسكت برأسها وكأنها تحاول أن توازن حملا ثقيلا ~~عليها. ~~«أعرف طبيب علاج طبيعي جيدا.» ~~«أشكرك. سأعود لك في هذا الأمر لو اقتضت الحاجة»، وكأن هذا هو ما ينقصها، أن تضع نفسها ~~مجددا تحت رحمة أحد أعوانه، فهي لا تزال تستنكر محادثتها مع جانتر. ~~«وحين ننتهي من هذا الأمر من الممكن البدء في الحديث حول تقدمك لوظيفة أستاذ مساعد.» كان ~~شتورم يبتسم ابتسامة من يقدم منحة. هذا إذن هو الثمن الذي سيتعين علي دفعه إن رفضت ~~العرض. آلمتها رقبتها ألما شديدا إلا أنها تمالكت نفسها. ~~«ما المطلوب فعله تحديدا؟» ~~«أحتاج تحليلات إحصائية، ورسوما بيانية، وكذلك شرائح العرض الضوئي صباح الاثنين؛ فأنا ~~مرتبط بمحاضرة ألقيها في بوسطن، وليس عندي أي وقت لأحضرها بنفسي، وأريد منك أن تقومي عني بهذه ~~المهمة. لقد قمت بهذا من قبل. ms090 تكفي تماما عشرون شريحة عرض. هل يعمل غيرك على جهاز الكمبيوتر ~~الخاص بك؟» # هزت فاندا رأسها بالنفي. هذه المرة امتد الألم حتى ذراعها، ولعنت نفسها سرا على الإيماءة ~~التي لم تفكر فيها مليا. لم تتمكن من استيعاب الأمر، فالمسألة بدت أسهل مما ينبغي، فبالأمس ~~القريب ضربت بالهراوة حتى أغشي عليها من أجل الحصول على هذه البيانات، والآن تأتيها البيانات ~~بين يديها على هذا القرص الفضي اللامع. ~~«حين توقعين هنا فأنت بذلك تؤكدين أنك ستتعاملين مع البيانات على هذا الكمبيوتر فقط، وأن كل ~~النتائج والتقييمات ستظل داخل المعهد، وأي انحراف عن تطبيق هذه التعليمات ستكون له عواقب وخيمة ~~لن يرغبها أنت ولا أنا.» وبهذا دفع نحوها حافظة القرص المدمج على الطاولة مبتسما وكأنه قدم ~~لها هدية. ~~«من الأفضل أن تبدئي على الفور، أما القرص المدمج فترجعينه على وجه السرعة لي أنا شخصيا. ~~هذا طبعا أمر مفهوم، و...» ~~«ماذا؟» ترى ماذا يدبر بعد من حقارات؟ ~~«خذي رقم هاتف فيرنر فيشتل من السيدة بونتي.» ~~«فيرنر فيشتل؟» ~~«طبيب العلاج الطبيعي. وبلغيه مني السلام.» # الفصل السادس عشر # | كايبيرينها في تمام التاسعة # دخلت فاندا بار «الهافانا» في التاسعة والثلث. وجدت زابينة جالسة على طاولتها المفضلة في ~~آخر الحانة. بدت شاردة أمام كوبها الزجاجي وهي تحرك الماصة بين مكعبات الثلج. ~~«هل بدأت بالشرب فعلا؟» قالت فاندا مؤنبة. ~~«لأنك تأخرت كثيرا.» ~~«للأسف لم أتمكن من الحضور أبكر من هذا؛ كلفني الرئيس بمهمة جديدة.» # نظرت لها زابينة نظرات متعاطفة ومدت لها ذراعيها، إلا أن فاندا لوحت لها. ~~«ممنوع اللمس؛ جسمي كله متصلب مثل لوح خشب. أحتاج بشدة لشيء أشربه.» أشارت إلى مقدمي ~~الخدمات، فلبت الإشارة نادلة ترتدي بنطالا قصيرا بالكاد يغطي الفخذين، على بطن عار تعلق ~~به قرطا في السرة. طلبت فاندا مشروب كايبيرينها، واستمتعت باستراق النظر لهذا الجسد الخاوي من ~~العيوب، المعروض للفرجة المجانية. تنهدت. ~~«لماذا لا ترتدين شيئا كهذا؟» توجهت فاندا إلى زابينة بالسؤال بعد أن مضت النادلة، «فقوامك ~~يسمح بذلك.» ~~«لا تكبري المسألة. ليس كل الرجال ms091 يجدون هذا الأمر مثيرا. لا أعتقد أن توماس ...» ~~«توقفي عن هذا»، قاطعتها فاندا، فهل الآن الوقت المناسب للحديث عن توماس. ليست فاندا في ~~مزاج يسمح بالحديث عنه. ~~«ألا تريدين معرفة ماذا حدث؟» ثم بدأت في سرد الأحداث لها بترتيب وقوعها منذ ليلة الاثنين، ~~والمحاولة الفاشلة للحصول على البيانات من المعهد، والمداهمة الغامضة، وتصرفات يوهانيس الغريبة، ~~وحماقتها هي نفسها في ترك ذاكرة اليو إس بي هناك، وتحاشت أن تنبئها بأسوأ ما حدث؛ ألا وهو أن ~~فاندا نفسها هي التي ستتولى متابعة المشروع، فظلت تلف وتدور بكلمات مقتضبة حول محاولتها غير ~~المجدية في العثور على بياناتها الخاصة وعن ريبتها في يوهانيس. ~~«لا أستطيع أن أقيم يوهانيس. إنه يتصرف بصورة تختلف عن المعتاد.» ~~«صحيح. في الأسابيع الأخيرة كان كثير التسلل حولي كلما دخلت وحدة الحيوانات، لدرجة أني كنت ~~أشعر وكأني مراقبة في كثير من الأحيان.» ~~«ولماذا يهتم هو ببيانات تجاربك؟» ~~«ربما لكونها معلومات سرية، ولأنه لا يطيق شتورم.» ~~«هل تلمحين إلى انتقام؟» ~~«لا أستغرب منه ذلك. ربما بسبب الطريقة التي يتجاهله بها شتورم في الآونة الأخيرة. قد يكون ~~هو التالي في ترك المعهد.» # تدبرت فاندا لوهلة. ~~«لكن إن كان يبحث عن مسائل من العيار الثقيل، فلم قام بمحو بياناتك؟» # فنقرت زابينة على ذراعها وقالت: «فاندا، أذكرك بأن هناك من ضرب كلا منكما على ~~رأسه.» # ضيقت فاندا عينيها: «بالضبط، والشخص الوحيد الذي علم أني أريد الذهاب إلى المعهد يوم ~~الاثنين ليلا هو أنت.» ~~«صحيح. وأعطيتك مفتاحي الإلكتروني وكلمة المرور الخاصة بي التي ستمكنك من الدخول إلى بنك ~~المعلومات، ثم أرسلت في إثرك قاتلا مأجورا! عزيزتي ألا تعتقدين أنك حدت قليلا عن جادة ~~الصواب؟» # ولوهلة صمتت كلتاهما. ~~«شخص ما عبث بمكتبي.» تجولت عينا فاندا داخل الحانة وكأنها تبحث عن الفاعل هنا بين ~~الزبائن. ~~«كيف تعرفين؟» ~~«لا يهم، أنا أعرف وحسب.» ~~«هل تقصدين أن يوهانيس من الممكن أن ...» ~~«... أو ربما شتورم.» ~~«وما الذي يدعو شتورم إلى ذلك؟» ~~«ربما ليختبر ولائي. على أية حال، فإنه يتوقع أننا ms092 على اتصال. سأتولى تقييم النتائج الخاصة ~~بأبحاثك.» # نطقتها أخيرا. أما زابينة فارتشفت من مشروبها. ~~«الخنزير يريد أن يفرق بيننا.» # ردت فاندا بهدوء: «بينة، أنا لا أستطيع أن أحل محلك، ولا أريد؛ أنا لست متأكدة حتى إن ~~كان يعرف أننا أصدقاء.» ~~«ألن تقولي له إنك لا تستطيعين أن تفعلي هذا بي؟» صمتت فاندا. هل أقول لها ما أعطاه لي ~~شتورم في يدي؟ هل يعرف بأمر تغييراتي الطفيفة سابقا؟ هل يضغط علي لأنه يعرف أني طموحة؟ أنا ~~لم أقبل بالعرض لأثري. # ردت فاندا: «على أية حال، بالتأكيد قد يحسب حساب أني أتشاور معك، ربما يريد من خلالي أن ~~يستغل كفاءتك بطريقة غير مباشرة.» ~~«إنه تصرف يليق به.» # واصلت فاندا الحديث: «لقد قضيت فترة ما بعد الظهيرة كلها في التفتيش في بياناتك. عمل رائع ~~حقا، أستطيع أن أتخيل حقا ما تشعرين به، بل وأشعر ببعض الحسد تجاهك أيضا.» كان مخططا ~~بحثيا موسعا وممولا بكرم. لقد كانت زابينة تمتلك إمكانيات لا تجول ببال فاندا إلا في ~~الأحلام. إن كان فهمها للبحث صوابا، فإن الأمر يدور حول اختبار أثر نقل الجينات. اندهشت فاندا ~~من هذا التدخل العلاجي الخارق للعادة، ولم تكن قد سمعت قط من قبل عن ذلك الإجراء المسمى ~~«نانوسنيف». إن نقل مادة أو جين بمساعدة جزيئات النانو عبر الأنسجة المخاطية المبطنة للأنف ~~لتعبر إلى نقاط مستهدفة بعينها من المخ، لهو عمل أبسط ما يوصف به أنه رائد وقابل ~~للتحقق، على الأقل على الفئران حسبما أثبتته تجارب زابينة، إلا أن لفاندا شكوكها. «لا أعتقد ~~أن هذا الإجراء يمكن تحقيقه على الإنسان يوما ما؛ فالقياس لا يصلح هنا؛ لأنه مقارنة بعضو الشم ~~في الفئران، فإن مراكز الشم عندنا منبسطة على رقعة صغيرة جدا، سنتيمترين مربعين مقابل ... ~~دعيني أحسبها؟» # أكملت زابينة: «من ستة إلى سبعة سنتيمترات مربعة لدى الفئران.» ~~«أي إن هذا يماثل ثلاثة أضعاف حجمها عند البشر.» ~~«ها قد فهمت المسألة. نحن نقيس معدل السياح الذين يزورون جبال روكي في أمريكا، ونستنتج من ~~هذا أن ms093 نفس العدد سيزور مرتفعات التاونوس في ألمانيا.» # مست زابينة أنفها، وأشارت إلى السرة المثقوبة لتعليق الأقراط، ثم رفعت إصبعين في ~~الهواء. # وقالت بازدراء: «مقارنة لا تستقيم.» ورفعت ذقنها قليلا إلى أعلى، في حين امتلأت عيناها ~~بكل اللامبالاة التي تملأ نظرات مربية إنجليزية لا تنظر لشيء محدد. ~~«ولو لم تخني الذاكرة، فإن سلاسل جبال روكي تمتد على قارة أمريكا الشمالية بكاملها، في ~~حين أن مرتفعات تاونوس ترتفع فقط على جنوب ولاية هيسن.» أحيانا تفقد زابينة حس الفكاهة تماما. ~~«في كل الأحوال نستطيع أن نثبت التأثير المتوقع، أما الباقي فهو من اختصاص علماء ~~الأدوية.» # سألت فاندا غير مصدقة: «أولا تعرفين فعلا أي شيء عن الجين؟» ~~«ولا أدنى فكرة، كما أني لا أعرف حتى أي جزيء نانو يستخدمون. أعلم فقط أن الأمر ينجح. شركة ~~بي آي تي لا تسمح بأي تسريبات في هذا الخصوص. أعلم الآن ماذا يعني الصندوق الأسود، إنه ذاك ~~الخواء في رأسك حين لا يطلعونك على أسرارهم.» ~~«لكنك تستطيعين أن تثبتي «مفعولا» ما.» ~~«بالتأكيد، فالبروتينات الفلورية الخضراء «جي إف بي» مذهلة حقا؛ إذ إن الجين المناسب ~~للتجربة يتم تعليقه على الحمولة التي ينبغي نقلها وكأنها هدية للدعاية، فالخلية لا تختار، إنها ~~تبني الطرد بأكمله في الجينوم الخاص بها وتصنع منه البروتين، وحين يتم الأمر تشع لونا ~~أخضر.» # كانت فاندا تعرف هذا الإجراء. فقد ثبتت فعالية البروتين الفلوري الأخضر في اقتفاء الأثر، ~~وهو بمثابة علامة فارقة في علم الخلايا. الجين الخاص بهذا كان يرتبط بأي جين آخر حسب الرغبة، ~~ويدخل معه في الجينوم المكون للخلايا، وقد أطلق عليه العلماء الجين المراسل؛ لأنه كان يبعث ~~بالنبأ كلما قبلت الخلايا الجين الجديد. كانت الخلايا تشع لونا أخضر إذا ما تعرضت لضوء ~~الأشعة فوق البنفسجية. كان هذا يثبت أن الشفرة الجينية دخلت فعلا إلى مكتبة الخلايا وأصدرت ~~نماذج للقراءة مكونة من البروتينات. أمر آخر تمكن البشر من غشه من الطبيعة. فالبروتين الذي ~~يضيء باللون الأخضر يساعد نوعا من قناديل البحر التي تعيش في شمال ms094 المحيط الهادئ على عملية ~~الضيائية البيولوجية. لقد قام العلماء عمليا بإحضار عينات من البحر المحترق ودرسوها تحت ~~المجهر الفلوري. ومن هنا استبعدوا أي خطر يهدد الحياة؛ لأنهم أثبتوا أن البروتين غير ضار على ما ~~يبدو. وكان ذلك بمثابة دليل غير مباشر على صحة عمليات نقل الجين، إذا ما أريد الاستغناء عن ~~تحليل البروتين لارتفاع تكلفته؛ ولأنه يستغرق وقتا أطول كثيرا، وبهذا لم تعد شركة بي آي تي ~~مضطرة للإفصاح عن المادة الخاصة بها؛ لأنه يكفي تتبع توزيع البروتينات الفلورية الخضراء، وهذا ~~تحديدا هو ما قامت به زابينة. الجزيئات سرعان ما وجدت طريقها من خلايا الإحساس الموجودة على ~~النسيج المخاطي عبر حزم الألياف العصبية الدقيقة وصولا إلى البصيلة الشمية، ثم تحركت من هناك ~~بمحاذاة الخطين الكبيرين المكونين للعصب الشمي نحو المناطق الأعمق في الدماغ، وبعد ساعات قليلة ~~وصلت عبر شبكة توصيلات واسعة إلى مناطق «تحت المهاد»، «المهاد» و«الجهاز الحوفي». كان التدخل ~~دقيقا في الوصول للهدف لأن المادة لم يوجد لها أي آثار في الأعضاء الأخرى كالقلب أو الكبد أو ~~الكليتين، حتى بعد مرور عدة أيام. # أبدت فاندا ملحوظة متشككة: «لكني لم أفهم رغم ذلك، كيف يظل الشيء الذي تم نفخه تحديدا ~~في الأنف؟» ~~«ربما الجزيئات مزودة بمستقبلات لا يتعرف عليها سوى الخلايا الموجودة في الغشاء المخاطي، ~~ربما شيء مثل تأشيرة الدخول، لا تسمح بعبور جزيئات النانو بكل حمولتها إلا عبر غشاء هذه ~~الخلايا.» رفعت زابينة كتفيها: «مجرد تخمين ...» ~~«وكيف أمكنك نفخها في أنوف الفئران؟» ~~«أرسلوا مضخة هوائية شكلها مثل مسدس الماء لها جزء يثبت على المقدمة لتناسب تماما الأنوف ~~الصغيرة للحيوانات، والجهاز بكامله يتصل بأنبوبة مصنوعة من زجاج البليكسي، يدخل الحيوان فيها ~~ويدفع رأسه خلال الغشاء المطاطي في حين يضيق عليه من الخلف فيعلق الفأر. بمجرد ضغطة زر يدخل ~~الجهاز إلى أنفه، حيث يتم التحكم في آلية الضخ بشكل إلكتروني. علينا فقط الحذر حتى لا يتوقف ~~الحيوان عن التنفس.» ~~«هل تعاملت مع كل فأر على حدة؟» ~~«طبعا، حتى أضمن حصول كل ms095 منها على جرعة ثابتة. الجزيئات تتعلق بأي شيء. ما الذي يفيدني ~~لو نفختها على فروتها؟» ~~«صحيح، ستقوم بلعقها تماما.» ~~«بالضبط.» خبطت زابينة على رأسها. «نريد للمادة الفعالة أن تصل إلى المخ، وليس إلى الجهاز ~~الهضمي، علاوة على ذلك، فوفقا للتعليمات لا يجوز سوى حقن مادتين فقط بالأنف، ولكل واحدة ~~القناة الخاصة بها في المسدس الهوائي. من فضلك لا تسأليني عن السبب؛ فهو أمر مثل كل شيء آخر في ~~هذا المشروع، سر كبير.» نطقت الكلمات الأخيرة ببطء يؤكد كل كلمة فيها، وخفضت صوتها كأن الحدوتة ~~وصلت إلى نهايتها، ولأنها أومأت برأسها قليلا نحو الأسفل فقد استنتجت أنها تعني ما ~~تقول. ~~«هل تريدين التوقف في منتصف الحكاية؟ أنا لحكاياتي نهايات مختلفة.» ~~«أنت تنسين أني الآن خارج الموضوع.» # لوهلة توقفتا عن أي حديث، وكل منهما تشرب مشروبها المنعش ورأسها مثقل بالأفكار. انتظرت ~~فاندا. كل شيء حتى الآن يوحي بأنها دراسة واعدة، لكن هذه ليست الصورة الكاملة. كانت تعرف ~~زابينة، فهناك شيء آخر يؤرقها. متى ستضع صديقتها كل الأوراق على المائدة؟ إنها تحدق الآن في ~~كأسها وكأن في مقدورها أن تستدعي شبح الكايبيرينها لينقذها من الورطة التي وقعت فيها. عندها رأت ~~فاندا شيئا يتحرك تحت بلوفر زابينة، إذ استدار شيء ما بين نهديها، فلكأنه نهد ثالث أطول ~~قليلا. في نفس اللحظة أطل ذيل أملس وردي اللون من فتحة البلوفر. لا بد أنه يدغدغها في رقبتها ~~لأن زابينة دسته فورا تحت البلوفر ثانية. وتوهجت وجنتاها. # قالت متلعثمة: «هذه جوسي، لم أستطع أن أتركها هكذا ببساطة.» أمسكت الفأر من بين نهديها ~~ومسدت جسمه، في حين أصدر الحيوان صريرا خفيفا. # لم يكن سرا أن زابينة تروض حيوانات التجارب. كانت تستمتع لمدة ساعة يوميا باللعب معها. ~~كانت تتركها تدغدغ ذراعيها ورقبتها فكانت تألفها. وكانت تحرص على إخبار الزملاء الذين يضايقونها ~~بتعليقاتهم السمجة أن ذلك جزء من التحضير للتجربة، خصوصا وأن التوتر واحد من أكبر العوامل ~~المزعجة. كانت فخورة بالعدد القليل من الحيوانات النافقة في التجارب التي تجريها، إلا ms096 أنها كانت ~~تشكو في الفترة الأخيرة من ازدياد أعداد الحيوانات الميتة. # قالت فاندا ساخرة: «لا عجب أنه طردك» ... فهزت زابينة رأسها. ~~«لا أعلم كيف وصل الأمر إلى هذا الحد.» ~~«إلى أي حد؟» ~~«كانت الإناث بعضها مع بعض في القفص الكبير المصنوع من الماكرولون، ورغم ذلك هاجم بعضها ~~بعضا. في كل صندوق كان يوجد على الأقل حيوان ميت. لقد اختل التسلسل الهرمي في المجموعات. كل ~~حيوان يحاول السيطرة على الحيوانات الأخرى، ويتخطاها، ويسبب توترا له ولغيره. ويسوء الحال ~~كثيرا حين تكون الإناث في حالة شبق وإباضة.» ~~«هل عندك تخمين؟» # ربتت زابينة على نهدها الثالث قائلة: «جوسي من حيوانات الضبط في التجربة. الكلام السابق ~~ينطبق فقط على المجموعة التي استنشقت المادة الفعالة. يبدو أن إيقاع نشاطها قد اختل، ومراحل ~~النشاط صارت تستغرق وقتا أطول وتحدث حتى في منتصف اليوم، وهو الوقت الذي كان ينبغي لها أن تنام ~~فيه، لكنها تموت كالذباب، ولا يهتم أحد لأمرها. أعتقد أن شتورم يريد أن يتخلص من ~~الحيوانات.» # زمجرت فاندا: «هذا لا يثير العجب. لكن من المؤسف حقا أن لا أحد عنده أي قياسات حول هذا ~~الأمر.» ~~«كنت أسجل التغيرات في سلوك الحيوانات.» # همهمت فاندا خائرة الهمة: «وهو سبب إضافي يجعله يريد التخلص منك»، وطلبت كأسي كايبيرينها ~~أخريين. ~~«شتورم لا فكرة له عن ذلك، لقد أخبرته طبعا بسلوك الحيوانات العدواني. صحيح أنه استمع ~~إلي، لكنه لم يرد أن يقف على حقيقة الأمر، وأجبرني أن أعده ألا أتحدث بهذا مع ~~أحد.» ~~«لكن ربما يكون قد علم بأمر هذه المدونات، ربما يكون شخص ما أخبره عنها.» ~~«من يكون يا ترى؟» # رفعت فاندا كتفيها وقالت على مضض: «وما أدراني؟» ... خف التوتر تدريجيا. أدارت فاندا رأسها ~~بحذر وحكت رقبتها. قالت وقد ثبطت همتها: «أرجو فقط ألا تقولي إن هذه البيانات مسجلة أيضا على ~~كمبيوتر المعهد.» # ردت زابينة بصوت خفيض: «إنها على الكمبيوتر الخاص بوحدة تجارب الحيوان.» # مست فاندا الورم الصغير في مؤخرة رأسها وتنهدت: «لماذا لم تخبريني بذلك على الفور؟» ~~«أعتذر ms097 عن ذلك، فقد فقدت تركيزي.» ~~«هل هناك طريقة تمكنني من الوصول إليها دون أن أضرب على رأسي؟» ~~«عليك أن تذهبي إلى وحدة تجارب الحيوان. الكمبيوتر هناك غير متصل بالشبكة الداخلية، وكلمة ~~المرور هي نفسها.» # بعد تناول كأس الكايبي الثالثة شعرت فاندا بخفة أراحت نفسها. «قرأت مؤخرا أن العلماء ~~يطورون جهازا لاقتفاء الأثر عن بعد مصنوعا من جزيئات النانو. المفترض أن يتم ابتلاعها مع ~~غذاء حيوانات التجارب، ثم تقتحم خلايا عضلات القلب والعمود الفقري لتعمل مثل أجهزة كمبيوتر ~~دقيقة تقوم بإرسال إشارات إلى الإنترنت. مثل هذا الجهاز يمكن أن يفيدنا الآن.» # قالت زابينة بلا اكتراث: «هذه كلها أحلام المستقبل. حين يتوافر مثل هذا الجهاز في السوق ~~سيكون عقدك المؤقت قد انقضى، ومر من السنوات ضعف مدته على الأقل.» # فإذا بفاندا تقهقه فجأة: «تخيلي لو أننا دسسناه في طعام الرئيس.» ~~«ماذا؟» ~~«هذه الأجهزة المقتفية للأثر. لعبة شتورم التي سنصلها بالإنترنت. ويا سلام لو اتصلت بصفحتنا ~~الرئيسية كما يمكن الاتصال بها من أي مكان في العالم.» # أغلقت زابينة عينيها. ~~«الآن صرت سخيفة، ثم كيف ستحملين شتورم على تناول طعام الفئران؟» ~~«ندخله خلسة إلى كيس الحلوى الخاص به، وكأنه كريات زيادة لتنظيف الأسنان من آن ~~لآخر.» ~~«انسي الأمر. لن يمكنك المرور من نقطة تفتيش السيدة بونتي، أضيفي إلى ذلك أن الرئيس متواجد ~~بشكل مستمر في مجالات كهربية، ما يعني بوضوح أن الخط الأساسي لرسمه البياني سيكون أعلى من ~~الطبيعي.» ~~«بالضبط. كل ما هو أعلى يثير الريبة.» ~~«وفيم يفيدنا أن نعرف متى ترتفع ذبذبات قلبه؟» ~~«كنت سألجأ إلى الإنترنت قبل أي اجتماع وأعرف ما الذي ينتظرني.» # ابتسمت زابينة بوقاحة وقالت: «أما أنا فأرى يوهانيس يتجول في الإنترنت كل ليلة ليراقب ويسجل ~~نموذج النشاط الجنسي لشتورم.» ~~«... ثم نرسم منحنى خطي للعلاقة بين زوابع شتورم التي يثيرها وعدد الحلوى التي يبتلعها في ~~اليوم بعد ذلك.» # تبادلتا الأنخاب. أما الكرة أسفل بلوفر زابينة فانزلقت نحو اليسار قليلا. ~~«ونتائج التقييم الكمي لهذا النمط الاستهلاكي ستقع في نطاق اختصاص السيدة ms098 بونتي.» قالتها ~~زابينة وهي تمسد النتوء على عظمة القص برقة. «أقولها لك، هذا الأمر لن ينجح ~~أبدا.» # ردت فاندا مداعبة: «يا لك من هادمة للذات!» ثم بحثت عن محفظة نقودها وقالت: «قبل أن ~~أنسى، هل يمكن أن تتحدثي مع يوهانيس؟ فبطريقة ما أشعر أننا غير منضبطين على نفس الموجة. ربما ~~استطعت أنت أن تعرفي منه أي شيء.» # هزت زابينة رأسها بتوجس، وقالت: «أستطيع أن أحاول.» # تثاءبت فاندا. ~~«علي الآن أن أذهب للنوم. عندي في الغد أشياء مهمة يتعين إنجازها.» # ضاعف الهواء المنعش في الخارج من أثر الكحول الذي تناولته الصديقتان. كانتا تستمعان إلى ~~العصافير تناديهما، طيور الكراكي وهي تطير نحو الجنوب. نظرتا إلى السماء وقد نال منهما التعب، ~~وحاولتا تبين أي شيء، إلا أن السماء كانت شديدة الظلمة وملبدة بالغيوم. خطر ببال فاندا أن ~~البرودة تأتي الآن. ~~«هل تعرفين ما أكثر شيء أثار خوفي؟» طرحت زابينة السؤال فجأة، إذ كانت الصديقتان تسيران ~~صامتتين إحداهما بجوار الأخرى حتى تلك اللحظة. ~~«ماذا؟» ~~«إنها ترتعش بلا توقف. أقصد حيوانات التجارب. إنه مثل الزلزال الذي يسري في قطة تعوي. لكنه ~~فقط لا يتوقف.» # وعند بيلجريمشتاين تفرق بهما السبيل لتمضي كل واحدة في طريق منزلها. مدت فاندا يدها بالسلام ~~مودعة، وربتت على النتوء المستكين أعلى صدر صديقتها، وقالت: «من الأفضل أن ترفعي سوستة المعطف ~~حتى لا تصاب جوسي بالبرد.» # الفصل السابع عشر # | ممرات مختبئة # استيقظت فاندا صباح اليوم التالي بصداع شديد. كان فمها جافا وتشعر بمذاق النيكوتين على ~~لسانها. بدأت فاندا تدخن في صباها واستمرت لعدة أشهر، لكن في وقت ما اشمأزت من رائحة الدخان ~~الكريهة التي كانت تعلق بشعرها وملابسها، فتوقفت ببساطة عن التدخين، بين عشية وضحاها، وكان هذا ~~هو حالها مع كل الأمور الأخرى؛ فكانت تستغني عن تناول الحلوى إن أرادت أن تفقد بعضا من وزنها، ~~كانت تنفصل عن أصدقائها من الرجال حين تستثقل وجودهم في حياتها، وتبتعد عن أسرتها لأنها لم ~~تعد تطيق القرب منهم، وحلت محل صديقتها في العمل بعد أن ms099 تركت زابينة وظيفتها بثلاثة أيام ~~فقط. هل أنا باردة المشاعر؟ أم تراني لا أمنح نفسي الوقت الكافي لأشعر بالافتقاد؟ عادة ما كان ~~الخوف أو الغضب هما المحركين لها، وحين تخف هذه المشاعر كانت في حاجة إلى مهام، إلى خطة، ~~مجهودات جديدة، أي شيء من شأنه أن يشغلها حتى تتغلب على الشك الذي يعيقها ويشل حركتها عن مواصلة ~~العمل. أخذت تذكر نفسها أنها يجب ألا تستسلم الآن، خصوصا بعد أحداث الأمس، بعد أن دخلت في ~~قلب المسألة. وحين وصلت الحافلة إلى محطة «لانبيرجيه» كانت خطتها لهذا اليوم واضحة بالفعل في ~~ذهنها. ~~••• # حين دخلت مكتبها وجدت رسالة من طبيب المعهد على جهاز استقبال المكالمات الهاتفية، وطلبت ~~منها مساعدته أن تعاود الاتصال به. لاحقا سأفعل، هكذا فكرت فاندا ثم بدأت مناوشتها الصباحية ~~المعتادة مع الكمبيوتر الخاص بها. نقرت فاندا على لوحة المفاتيح. ~~«كيف سيكون الجو؟» حاولت أن تحصل منه على نبوءة. # فكانت الإجابة التي ظهرت على الشاشة: «يجب عليك ألا تربطي نفسك بتقلبات الطقس.» إجابة ~~تقليدية، فبالتأكيد الإنسان الذي كتب هذا البرنامج يعمل بالتدريس، ووجد هنا أخيرا وسيلة ~~لتسريب فيوض الحكمة المغلفة. # ألحت فاندا: «هلا أجبت سؤالي من فضلك.» ~~«أي سؤال؟» ~~«أعاني صداعا وكأن برأسي قطا.» حاولت الآن فتح موضوع جديد. ~~«القطط لا تحب المطر.» # كانت تشك فاندا أن البرنامج يحاول أن يعلم شيئا مع التسلية. كان يربط بين الموضوعات ~~التي كانت تطرحها، ويجرب فيها إلى أن يخرج شيء ذو معنى. كان يقوده إلى تلك التعليقات أرشيف ~~متكامل من المعلومات والحكم التي سبق تخزينها في ذاكرته الإلكترونية. # صوبت فاندا: «صداع بسبب الإفراط في شرب الكحول.» # جاءتها الإجابة المعجمية: «مستحضر في مجموعة الحيوانات بالمعهد.» ~~«وفي الرأس حين أشرب الكثير من الكايبيرينها؟» ~~«بيرانهاز؟» ~~«لا، كايبيرينها.» ~~«في الأمازون؟» ~~«في هافانا.» ~~«هافانا هي عاصمة كوبا.» ~~«لا، هافانا في ماربورج.» ~~«اختلط الأمر علي» أجاب الكمبيوتر. تعرفت فاندا على هذه الجملة؛ كانت هي من أضافتها من ~~مدة قصيرة حين كانت تلعب بالكلمات، إلا أن البرنامج قد استخدمها في موضع ms100 صحيح تماما لدرجة ~~أصابتها بالخوف. لقد أخذ يتحول تدريجيا إلى مرآة تعكس اختياراتها من الكلمات وطرق تفكيرها في ~~الأمور، إنه عمليا يخاطبها بكلامها هي. هل لهذا السبب كانت ترتاح في مثل هذه الحوارات؟ بل ~~وسيتعين علي الآن أن أدعه على حيرته؛ صرت أتصرف بغرابة، فكرت فاندا ثم نقرت زر الدخول على ~~لوحة المفاتيح. رن الهاتف في نفس اللحظة. كان المتصل هو السيدة بونتي. كانت تطلب منها أن تتفضل ~~بالحلول محل الرئيس في محاضرة الساعة العاشرة، فهو قد نسي أن يخبرها بذلك أمس. ستجد الشرائح ~~الخاصة بها على الكمبيوتر العام. # نظرت فاندا في الساعة. كان لا يزال أمامها ساعة، وهو وقت لا يكفي كي أغضب، هكذا قالت ~~لنفسها. شتورم كان مسافرا مرة أخرى في رحلة لإلقاء محاضرات بالخارج، واستنتجت أنه يحاول اجتذاب ~~زبائن لشركته. في الواقع كانت تحب التدريس، لكنها كانت تكره أن تحضر محاضراتها تحت ضغط الوقت، ~~وهذا الأمر من شأنه أن يربك خطة عمل اليوم كلها، وهذا من شأنه أن يجعلها غير راضية؛ أي أن ترجع ~~لحالات شعورية بين بين، وهذا ما لم تكن تحتمله بسهولة، ففي مثل تلك الأيام لا يكون مزاجها ~~منضبطا، وكانت تصدر عنها تصرفات كأنها خيوط تنسل من قطعة قماش، لم تكن تعلم ما طول الخيط ~~المتحلل ومتى سينقطع، وكانت تتمنى داخل ذاتها أن تنتهي سريعا هذه الصراعات المضنية. علاوة على ~~ذلك فإن الطلاب يقدرون محاضرات شتورم، فلم يفتها أن بعضهم يغادر قاعة الدرس بمجرد ظهور ~~بديل له على المنصة. # دق الهاتف مرة أخرى، مرة أخرى كانت السيدة بونتي. سؤال ملح من مركز طوارئ السموم في ~~جوتنجن. # قالت فاندا: «أوصليهم.» كانت الطبيبة على الجانب الآخر من الخط تبحث عن رأي تخصصي. ذكرت ~~تسمما بواسطة بخاخ للتنظيف يحوي جسيمات نانو. كانت تسأل إن كان لها علم بالكيفية التي تؤثر ~~بها هذه المواد. عجز على كل الأصعدة. ربما لم يكن به أصلا أي جسيمات نانو، فكرت فاندا باقتضاب. ~~بعد هذه المكالمة كان عليها أن تؤجل موعد جورج ms101 الذي ستناقش فيه عرض بحثه إلى الغد. حتى تلك ~~اللحظة لم تكن قد ألقت نظرة على الملف الذي أخبرها عنه شتورم. ووراء جورج وقفت بيترا بالباب. ~~مساعدتها الفنية تحتاج إلى تعليمات جديدة خاصة بالأصباغ حتى تستكمل العمل، لكن فاندا لم تكن قد ~~أتيح لها النظر في المستحضرات الجديدة بعد. أخيرا في العاشرة أخذت الشرائح التي تحتاج إليها ~~على حامل البيانات. كانت محاضرة لإلقاء فكرة عامة حول الموضوع، وكانت قد ألقتها قبل عدة أسابيع ~~في لقاء عمل على المستوى القومي، وهذه المحاضرة يلائم طولها الزمن المخصص لمحاضرة شتورم. ~~عنوانها كان: «تجاوز العقبات. كيف تنجح جسيمات النانو في الدخول ~~إلى أعضائنا؟» تتذكر الآن أنها أشارت فيها إلى ~~الدراسات التي تحدثت عن العصي شديدة الدقة التي تمر إلى المخ عبر الغشاء المخاطي الشمي للفئران، ~~لكنها أتت على ذكر المسألة عرضا، وأخذت على عاتقها متابعة بحث الموضوع بمزيد من الدقة. لاقت ~~المحاضرة وقتها استقبالا طيبا من السامعين الذين صفقوا لها كثيرا، وبعد المحاضرة جاء إليها ~~بعض المشاركين يطرحون عليها مزيدا من الأسئلة، ويشكرونها على البحث الشائق. في الواقع كان ~~العمل أكبر حجما من أن يعرض في لقاء كهذا لمرة واحدة فقط، والآن جاءتها الفرصة أن تعرضه مرة ~~أخرى. أخذت السترة الرمادية التي تستعملها في مثل هذه المناسبات من الدولاب. الأطباء يلقون ~~محاضراتهم مرتدين أروابهم البيضاء. ارتدته هي أيضا ذات مرة، لكنه بدا بالنسبة لها كزي ~~تنكري، ففي نهاية الأمر، إنها تنتمي إلى العلماء. # كان مبنى المحاضرات يقع على الجانب الآخر من الشارع الرئيسي، وكان ثمة كوبري مشاة يقود ~~إليه. مشطت أشعة الشمس خصلات الضباب المجعدة واعدة باستراحة غداء مشمسة. لماذا لم تخطر ببالها ~~هذه الفكرة من قبل؟ سوف تقوم بإلقاء محاضرة خاصة بها، أما شتورم فليتابع هو إلقاء المادة التي ~~أعدها لمحاضراته حين يعود. ~~••• # لقد ظل الطلاب حتى آخر المحاضرة، بل وأنصتوا باهتمام، وحين مضت في طريق العودة إلى المعهد ~~في الحادية عشرة والنصف تعلق بركابها موكب صغير من المعجبين. ~~«متى ستكون المرة القادمة ms102 التي ستحلين فيها محل شتورم؟» ضحكت فاندا؛ فقد بدا الطالب الذي ~~طرح السؤال جد حديث السن. طالبة أخرى أرادت أن تعرف إن كانت فاندا تشرف على أبحاث دكتوراه، فما ~~كان من فاندا إلا أن دعتها للمرور عليها في المعهد. كانت تغمض عينيها من شمس الخريف وتستنشق ~~الهواء المنعش، فيدخل عميقا إلى رئتيها. لا بد أن أفعل كل شيء بطريقتي. هكذا أكون في حال ~~طيبة. # ودعها الطلاب واحدا بعد الآخر، فاتخذت بدورها الممر الصغير المختبئ كطريق هروب بين ~~المطعم والمكتبة يؤدي مباشرة إلى الغابة. تأخر الخريف هذا العام، فتمسكت الأغصان بأوراقها التي ~~تحولت فعلا إلى لون بني خفيف مائل إلى الرمادي. كان منظر الأوراق يوحي بالهشاشة لدرجة أن ~~هبة ريح قوية كانت كفيلة بإسقاطها أرضا مرة واحدة. تسلل شعاع الشمس عبر الأماكن التي أقفرت ~~ليقع متعرجا على الأوراق التي تساقطت على الأرض. بدا المنظر وكأنه مكافأة لها. علي أن أمنح ~~نفسي هذه المكافآت أكثر مستقبلا. متى كانت آخر مرة استمتعت فيها بمثل هذا الرضا؟ كانت تعرف هذا ~~الشعور في أوقات الامتحانات حين ينقضي كل شيء على ما يرام، فتسمح لنفسها أن تحتفي بذاتها. كيف ~~يمكن أن يحدث ألا تفتقد هذا الشعور ولو مرة؟ عادت فاندا أدراجها. لم ترجع إلى مكتبها حيث ستجد ~~على الأرجح مهام غير مرغوب فيها في انتظارها، وإنما توجهت فورا نحو وحدة حيوانات التجارب. ~~ندرة الظهور في القسم كانت إحدى الاستراتيجيات الناجحة التي يطبقها عدد من الزملاء ليتمكنوا ~~من إنجاز أعباء أعمالهم هم. عليها أن تلجأ لهذه الاستراتيجية أكثر فأكثر. # كان اختيار التوقيت موفقا؛ فمعظم الزملاء خرجوا إلى استراحة الغداء، ومن ثم فإنها لم تجد ~~أحدا حين نظرت من نافذة الباب المؤدي إلى الجناح محكم الغلق الخاص بوحدة الحيوانات. عبرت ~~الغرفة الأولى معادلة الضغط، ثم أخذت واحدا من الأردية الخضراء المعلقة على المشجب، وارتدته ~~فوق ملابسها. تركت حذاءها واختارت خفين بدوا مناسبين لتدخل قدميها فيهما. صعدت لأنفها ~~مباشرة رائحة قوية تشي بمادة سكرية. كانت الرائحة خليطا من روائح ms103 فضلات الفئران، والهواء ~~المستهلك، وجرعات زائدة من المسك. ورغم أن وحدة تجارب الحيوان كانت مكيفة بالكامل، فإن الجو ~~فيها بدا لها خانقا. كانت بلاطات القرميد البيضاء المغطية للحوائط تعكس وميضا، بينما وجدت على ~~الأرضية آثارا خفيفة من القش. شغل صدر الغرفة بكامله مغسلة مصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ، ~~وضع عليها قفصان تم غسلهما وتركهما ليجفا، إلى جوارهما غطاءا قفصين نظيفين، تم رصهما أحدهما ~~فوق الآخر، رأت سلالا من السلك بها حاويات للشرب، ومكان وضع البطاقات، وميزان، وصندوق كروت ~~بحث، ومقص، وقلم حبر في منتصف سطح العمل، حيث أضفى عليه هذا الموقع المتميز كثيرا من الاحترام. ~~فأقلام الحبر كانت هنا بضاعة نادرة، لكن في هذا المكان صار من الممكن وضعها تحت النظر بشكل ~~أفضل. انتهت المغسلة قبل المدخل الثاني المؤدي إلى حظائر الحيوانات، أما باب المكتب على يمينها ~~فكان مفتوحا، وكذلك كان الكمبيوتر. أدخلت فاندا ذاكرة اليو إس بي، لكن هذه المرة وجدت ما تبحث ~~عنه مباشرة. ~~«هل يمكنني مساعدتك؟» جفلت، والتفتت في لمح البصر. وجدت يوهانيس واقفا وراءها ناظرا ~~باهتمام إلى الشاشة. ~~«اللعنة، لقد أرعبتني»، قالتها فاندا وهي تحاول أن تخفي الشاشة بجسدها، واستطردت: «لا ~~شكرا، أستطيع التصرف» ... إلا أن يوهانيس ظل متصلبا. ~~«منحنيات مثيرة.» ~~«ليس من الأدب التحديق في شاشة الآخرين.» # رد باسما: «التحديق في الشاشة أفضل من التحديق في النهود. هل تعملين الآن أيضا لدى ~~نبيكس.» ~~«كيف توصلت إلى ذلك؟» ~~«إشاعة.» ~~«إذن من الأفضل ألا تصدق الشائعات.» # أشار يوهانيس بإصبعه إلى اسم صاحب الحساب على السطر العلوي على الشاشة. ~~«ماذا تفعلين إذن بحساب زابينة ميرتينز؟» # همست: «استمع إلي يا يوهانيس ... هذا أمر لا يعنيك.» # تحولت نظرته إلى ذاكرة اليو إس بي التي كانت تومض واشية بما تفعل. ~~«أنت مدينة لي بإجابة.» ~~«أنا لست مدينة لك بشيء بتاتا.» ردت عليه فاندا باختصار؛ ثم سألته: «لكن حقا لحساب من ~~تعمل أنت؟» احمرت أذنا يوهانيس، وكأنها إشارات ضوئية حمراء. # قال منفعلا: «سنتحدث لاحقا.» ثم استدار وغادر الغرفة. # بعدما نسخت فاندا بيانات ms104 زابينة، قامت بمسح حسابها، وهذه المرة لم تنس ذاكرة اليو إس ~~بي. ~~«ما رأيك في يوهانيس؟» نقرت السؤال على الكمبيوتر بمجرد أن عادت إلى مكتبها. ~~«من يكون يوهانيس؟» ~~«زميل.» ثم واتتها فكرة أن تخبر هذا البرنامج متوسط الذكاء بكل أحداث الأسبوع، ثم بدأت في ~~تزويده بالبيانات، وملاحظاتها مرتبة حسب توقيت حدوثها، عله يساعدها في إيجاد العلاقات فيما ~~بينها. اجتهدت كي لا تنسى تفاصيل، بل وصورت حتى شكها في يوهانيس، غير أنها لم تكتب ~~استنتاجاتها الخاصة. ~~«أنت لا تثقين في يوهانيس.» جاء رد البرنامج أخيرا، ورغم أنها كانت تعرف هذا سلفا فإن ~~هذه الجملة المكتوبة بالأبيض على خلفية الشاشة الغامقة جاءتها وكأنها تذكرة أن تأخذ مشاعرها على ~~محمل الجد. # الفصل الثامن عشر # | محاكاة بالكمبيوتر # أشرقت الشمس عصر يوم الجمعة، واخترقت أشعتها الواجهات الزجاجية الكبيرة لغرف المعامل ، وفي ~~خلال دقائق معدودات تزايدت الأصوات ووقع الخطوات في الطرقات. فجأة شعر كل واحد أنه يريد ~~الخروج بسرعة. ظل باب مكتب فاندا مفتوحا واستمتعت هي بخفوت صوت الضوضاء تدريجيا. كانت ~~السترات وسحابات المعاطف تصدر صريرا وكأنها تعزف مقطوعة موسيقية تحمل في طياتها كل التوقعات ~~بالسعادة المنتظرة في عطلة نهاية الأسبوع التي يتدافعون للخروج من أجل بدئها، وبعد ذلك خيم على ~~المكان صمت تام. بدا الأسبوع وكأنه لفظ أنفاسه الأخيرة. وقفت فاندا وذهبت إلى المعمل عبر ~~الردهة، لم يعد هناك أحد. أما الستائر المعدنية فكانت تلتمع في ضوء الشمس، وعلى منضدة المعمل ~~تراصت الماصات في حاوياتها متلاصقة، والصناديق التي تحوي الحقن البلاستيكية الصغيرة كانت ~~ممتلئة، وحاويات المواد الكيميائية مخزنة على الرف الزجاجي الطويل الممتد فوق أسطح العمل ~~محكمة الغلق ومرتبة ترتيبا أبجديا. كان كل شيء مرتبا ونظيفا. كانت بيترا تجيد إدارة ~~الأمور بالمعمل. هي في أوائل العشرينيات من العمر، ورغم ذلك لم يكن أي من الأطباء ليجرؤ على ~~دخول منطقة نفوذها إن وجدوا وقتا للعمل على أبحاثهم في عطلة نهاية الأسبوع دون الاتفاق معها ~~أولا، ثم يجدون كل ما يحتاجون إليه في انتظارهم: محاليل طازجة للتجارب، ms105 أو لفتة رقيقة في مكان ~~سري لأشخاص بعينهم؛ لكن ويل لمن لا يخضع لنظامها، ناهيك عن أن يحدث فوضى أو يخلف وراءه مقلب ~~قمامة. # دخلت فاندا إلى المطبخ الصغير المخصص للمشروبات المقام في «نيش» بالطرقة على الجانب الذي ~~يقع فيه المكتب. أوقدت غلاية الماء، وتطلعت إلى مخلفات الموقعة الحربية المتروكة في الحوض: ~~فناجين ملتصق بعضها ببعض، صحون مكومة، سكاكين عليها آثار الزبد والمربى، شوك وملاعق علقت بها ~~حبوب القهوة ذات اللون البني الداكن. قرأت فاندا قائمة خدمات المطبخ التي بدت وكأنها راية ~~مهلهلة منكسة مدلاة من مقبض درج أدوات المائدة. كان الدور هذا الأسبوع على أولريكه وإيفو. كانت ~~أولريكه على قوة مؤتمر، أما إيفو فما كان ليكافح منفردا. هي صفة تكسبه تعاطفا تحت ظروف أخرى. ~~وجدت فاندا فنجانها، وجه قرد ومقبض، تحت الأطباق المبعثرة في صحبة آخر على شكل الآنسة بيجي، ~~وكوب بابا نويل الذي أهدى فيه العاملون الرئيس عصير ليمون ساخنا في عيد ميلاده. كان يتشاكى ~~طوال اليوم من آلام بالحلق ووجد الهدية تمس شغاف القلب. في الواقع لم تكن فاندا تحب فنجانها؛ إذ ~~كان يبدو جادا أكثر من اللازم بين كل اللطائف الأخرى التي يحويها المعمل للتسرية عنهم وقت ~~الراحة من الروتين اليومي بالمعمل. أحضرته من رحلة إلى نيو مكسيكو. لكن القناع الأزرق المحيط ~~بالعينين اللامعتين ذواتي البؤبؤ الأبيض كان يشبه وجه قرد الماندريل، وهو لا يستوطن أمريكا على ~~أية حال، ما يجعلها حالة واضحة لتزوير فني في فصائل الحيوان. أما فمه المدبب المشكل ليعطي ~~انطباعا وكأنه يصدر صوت «أووو» فقد أضفى عليه لمحة منذرة بالشر؛ ولهذا كانت تأمل فاندا أن يمنع ~~كل ذلك غيرها من استعمال الفنجان. تشممت ومست أنفها. كانت الغلبة لرائحة القهوة، وعرفت فاندا من ~~فورها أن فرانك - باحث الدكتوراه الذي تشرف عليه أستريد - هو من استعمل الفنجان بلا شك كان ~~أقل من تحوم حوله شكوكها في أن يفسد بالبن رائحة الزنجبيل بالأناناس المنبعثة من الشاي الأخضر ~~الذي كانت تحب شربه. ضغطت على الزجاجة البلاستيكية ms106 اللزجة لسائل تنظيف الأطباق مستخرجة آخر ما ~~تحوي من صابون، وضعته في الفنجان وحكته بفرشاة التنظيف التي تحولت شعيراتها إلى اللون البني ~~الداكن، لتحك الفنجان بقوة وكأنها أشواك قنفذ، ثم ألقت بالفرشاة فوق كومة الأطباق بأطراف ~~أصابعها. شطفت الفنجان بالماء المغلي، وصبت لنفسها الشاي، ثم تأرجحت على غيمة من الرائحة الزكية ~~حملتها إلى المكتب. # في مكان ما سمعت تكتكة لوحة مفاتيح الكمبيوتر، وبعدها صوت أزيز طباعة الليزر. ظلت فاندا ~~واقفة في مكانها. كان الباب إلى حجرة مكتب توماس مواربا. طرقت الباب بحذر ودلفت من فرجة ~~الباب. ~~«فوبيا نور الشمس؟» # رد توماس ضاحكا: «ليس الحال بهذا السوء. لكن هذه اللوغاريتمات لا تترك لي فرصة للراحة.» ~~كان لا يزال ينظر إلى الشاشة. تأملت فاندا وجهه من الجانب: أنفه المستقيم، جبينه العالي ~~بتجعيداته حين يفكر، ثم شعر رأسه الكثيف المائل إلى الرمادي الذي أخذ في التساقط عند صدغيه. ~~توماس بعمره الذي وصل إلى منتصف الثلاثينيات كان واحدا من أكبر الزملاء بالقسم سنا. كان شعر ~~سوالفه ينتهي تماما فوق شحمة أذنه الملاصقة للرأس، كانت قد قرأت في مكان ما أن شحمات الأذن تلك ~~لها السطوة في عمليات الانتخاب الوراثي، مثلها مثل الآذان المتباعدة عن بعضها، وإن كانت في حالة ~~توماس تأوي إلى صدغيه في دعة مثالية. تعرفت فاندا على الخرزة الصغيرة الضامرة على صيوان أذنه، ~~وكأنها أثر صغير يذكرنا بأصولنا الحيوانية بحسب نظرية داروين في التطور. كان داروين قد عرف ~~هذه الخرزة كأثر باق من تحور الأذن في الحيوانات الثديية من الشكل المدبب إلى الشكل الدائري. ~~شعرت برغبة عارمة تجتاحها أن تضع شفتيها على هذا المكان الرقيق وتبدأ في قضمه بحذر. ماذا يا ~~ترى يكون مذاقه؟ أحكمت قبضة يدها اليمنى على أكرة الباب، بينما تابعت نظراتها حركات أصابعه ~~على ذقنه غير المحلوقة، وهي بالنسبة لفاندا علامة ترجح أنه غير مرتبط، ثم أدار رأسه ونظر ~~نحوها بجانبه. كانت حواجبه الكثيفة مرفوعة دهشة. ظهرت تجعيدة مائلة مثل ظل على جفن العين ~~المتجهة صوبها. ضيق نظرته وحددها ms107 تجاه بؤبؤ عينيها وكأنه يبحث عن لحظة يضعف فيها دفاعها، ~~لكنها تعجبت أن سمحت له بذلك، لوهلة قصيرة جدا، لكنها كانت كافية لإشعارها بالرهبة. ~~«ربما أنت أيضا ليس لك أصدقاء.» قال توماس دون أن يخفي لمحة ساخرة في كلامه فظهرت على ~~وجه فاندا أمارة عابسة. ~~«محاضرة للرئيس يحتاجها يوم الاثنين.» ~~«لا يبدو أمرا مثيرا.» ~~«بحسب ما تنظر للأمر. فالموضوع ليس مملا تماما.» # عاد توماس لانشغاله بالكمبيوتر الخاص به. وشعرت كيف أن قلبها أخذ يخفق بنفاد صبر، تماما ~~مثل نقرات أصابعه على لوحة المفاتيح. رأت فوق مكتبه إعلانا عن معرض لأعمال كاندينسكي، معلقا ~~في برواز أنيق. كانت ألوان الطباعة تشع وكأنها أشعة شمس تخترق نافذة من الزجاج الملون. مساحات ~~خاوية من الجدار لتعليق تفضيلاتك الشخصية، كانت ضربا من الرفاهية التي لا يتمتع بها بعد ~~الرئيس والسيدة بونتي سوى توماس فحسب، وقد كان له وضع خاص بالقسم نظرا لتخصصه في مجال ~~المعلومات. لكن الأمر بدا وكأنه سعى لاكتساب امتياز غرفة مفردة بسبب ماكينة التصوير؛ إذ كان طول ~~غرفته أطول من عرضها، لكنها من الصغر بحيث يضحى رص نسخ المخطوطات وأعداد المجلات كأي ~~عالم ضربا من لعب الأطفال، ليثبت به أن لا يوجد ثمة متسع لزميل يشاركه الغرفة. أما الطاولتان ~~الإضافيتان فكانتا تستعملان في حالات نقص أماكن التخزين، فكان من اليسير رص الأوراق عليهما ~~طبقة من فوق طبقة لتبني أبراجا مثل تلك التي في جزيرة مانهاتن، لولا الحجران الثقيلان اللذان ~~يحفظان أبراج الورق من الانزلاق، ويفسدان التشبه بالأبراج الأصلية. أما الأرفف فقد اكتنزت عن ~~آخرها بالكتب حتى على عتبة النافذة، لكنها لم تكن منتظمة كغيرها بسبب سلسلة المفاجآت وهدايا ~~الحب التي تبعث إليه بها بعض الطالبات. رائحة عطر ما بعد الحلاقة وجلد مدبوغ لفتت أنف فاندا ~~ناحية اليسار، تتبعت الرائحة، ووجدت على مبعدة ذراع منها معطفا جلديا معلقا على مشجب ~~كقطعة من بشرة ذات لون بني غامق به ندبات وسحجات. كان يرتديه دائما، حتى في تلك المرات التي ~~تراه فيها في خيالها تتصوره ms108 أملس ويضمها لأنها لم تمسه بعد. رشفت فاندا من كوب الشاي الخاص ~~بها الذي غطت رائحته الزكية على افتتانها ومنعتها من أن تفلت يدها مقبض الباب بلا تفكير لتمد ~~ذراعها نحو معطف توماس وتتلمسه. سقطت نظراتها على ورقة الشهر في التقويم ذي القطع الكبير. كانت ~~الصورة تذكر بنظام أرفف من شركة أيكيا. كانت الخانات مربعة واقفة على إحدى الزوايا بميل. أضفت ~~الزوايا الملونة باللون البرتقالي في مقابل المساحات المطلية بالأخضر طابعا متألقا على ~~التصميم فقط من خلال اللون وحده. ~~«ما هذا؟» سألت فاندا وتركت أكرة الباب لتشير بيدها إلى الصورة. استدار توماس. ~~«أخ، هذا ... إنه تكبير لعنصر السيليكون، أما الألوان فكلها غير صحيحة، كل واحد من هذه المسام ~~له قطر يصل إلى نحو عشرة ميكرومترات، ويتم استخدامها في صنع الميكروراي، أي المعامل المحمولة ~~على الشرائح . أنت أيضا تعملين عليها.» عاد توماس واستدار ثانية نحو برنامجه. ذكرتها ملحوظته ~~بأنه من الضروري أن تنهي أوراق الطلب الخاص بتمويل الأبحاث؛ فمشروعها الجديد كان ينتوي بحث ~~تحليل الجينات، وأرادت أن تنفذه باستخدام معامل الدي إن إيه المحمولة. كان الكثيرون لا يزالون ~~يرون أن هذه المعامل هي أهم إنجازات التحاليل الجينية، وكانوا يثمنونها غاليا وفقا لذلك ~~التقييم. كانت هذه الطريقة تقدم أكبر تركيز على أصغر مساحة؛ حيث إن هذه الشرائح كانت توضع ~~بلا عناء على طبق بحجم اليد. كانت فاندا دائما ما تفكر في بركة مليئة بسنارات الصيد حين تعمل ~~بها. ربما كانت الصورة تبدو أوفق لو شبهتها بشبكة الصيد، وذلك نظرا للكثافة العالية، أكثر من ~~أربعين ألف فرع مفرد من الدي إن إيه، ذات روابط نيوكليتيدية معروفة تنتظر فريستها هناك في ~~ترقب. إنها بمثابة الطعم الذي سيتم بواسطته اصطياد أخواتها المتطابقة تماما، قطع الدي إن ~~إيه المكملة، من الخلية المتجانسة. إنه أمر يشبه مسابقة صيد الأسماك لكن في عالم النانو. ولكل ~~سمكة يتم اصطيادها بواسطة مستخرجات الاختبار المكونة من الخلايا والأنسجة يوجد الطعم ~~المناسب. إن نقطة مضيئة على لوحة الاختبار لتعني أن هذا المكان ms109 تم قضمه، وبهذه الطريقة يمكن ~~قراءة أي معلومة هي الأهم لدى الخلايا في ذلك التوقيت، وأي موضوع لم يتم الإخبار عنه إلا ~~لماما. استندت فاندا إلى إطار الباب ورشفت رشفة من فنجان الشاي باستمتاع. ~~«هل تسمح بأن أسألك سؤالا؟» رأت إيماءة بالإيجاب. ~~«هل هناك أجهزة كمبيوتر أذكى من البشر؟» # دفع توماس كرسيه دفعة بعيدة عن المكتب وتوجه ناحيتها. غضت طرفها بارتباك. ~~«أنت تسألين إن كان الذكاء الذي نصنعه يتفوق على ذكائنا» ... ضم ذراعيه على صدره «سؤال مثير ~~للاهتمام.» # نظرت له فاندا الآن في عينيه مباشرة. ~~«هل هذه الأجهزة موجودة الآن؟» ~~«سيتطلب الأمر مزيدا من الوقت لتحقيق ذاك الهدف. تخيلي التطور كعملية ذكية. إنها هي ~~التي أنتجت الإنسان. نحن أيضا سيكون بمقدورنا أن نبني أجهزة تتفوق على ذكائنا.» ~~«حقا!» رضيت فاندا عن الإجابة، فقد استطاعت أن تضرب الوتر المناسب لدى توماس، وكانت ~~تستمتع باهتمامه. # أكمل حديثه: «سنعايش هذا الأمر على أنه إثراء عظيم لنا. التطور التقني هو المستقبل.» ألم ~~تبرق بعينيه لمحات شغف؟ أومأت فاندا برأسها موافقة بتحفظ. لم تكن تحب أن تعترف بأن الثقة التي ~~يسرد بها توماس فرضياته تبعث في نفسها الوجل؛ إذ كانت تشعر وهي إلى جواره أنها لا تزال طالبة ~~في الفصل الدراسي الأول. ~~«إن التطور البيولوجي على سبيل المثال ما هو إلا مبرمج رفيع المستوى؛ إذ قام بتطوير الدي إن ~~إيه الذي يحوي كل تنوع الحياة على الأرض برمته. هنا منطقة التقاطع بين النانوبيولوجي وتكنولوجيا ~~النانو. إن خلايا أجسادنا إن شئت الدقة ما هي إلا ماكينات نانو.» ~~«كنت أظن دائما أن التطور لا هدف له.» قالها فجأة صوت غريب من ورائها، «كيف يمكن له أن ~~يفكر أو يتصرف؟» استدارت فاندا لتنظر في وجه شاب كبير. أكمل حديثه قائلا: «كما أني أجد خطرا ~~كبيرا في استخدام المصطلحات التقنية لوصف الأمور الطبيعية. لا يستوي الأمران.» ابتسم. وجدت ~~عينين ذكيتين تنظران عبر زجاج النظارة. رأت الأنف الخالي من العيوب، الذي يبدو وكأنه أجمل من أن ~~يكون أنف رجل، كما ms110 رأت حسنة صغيرة أعلى شفتيه المكتنزتين. كان يبدو شاحبا، ورغم ذلك شعرت أنها ~~تعرفه. علقت ورقة شجر صفراء بين تجعيدات شعره البني الغامق. نظرت فاندا ثانية إلى توماس. كان ~~متعلقا بكرسيه، مدليا ذراعه على مسند الظهر، محركا إياها يمنة ويسرة، مكورا قبضة ~~يده. ~~«لا أريد سوى توضيح السياقات المعقدة.» قال بنبرة موضوعية مؤكدة، «علينا أن نتعلم أن ~~التكنولوجيا والطبيعة تستطيعان التعايش معا في عملية سلمية؛ فالتكنولوجيا هي تتمة التطور لكن ~~بوسائل أخرى.» ~~«ما نوع الوسائل؟» أطلق سؤال الغريب أزيزا حادا وهو يمر إلى جوار رأس فاندا. كان لا يزال ~~واقفا وراءها. من هو؟ كانت تفكر محمومة أين يمكن أن تكون قد رأته من قبل. # أوضح توماس برباطة جأش قائلا: «المخ البشري مثلا، يعتبر أداة شديدة البطء في معالجة ~~البيانات. لا يزال التطور يبني مستخدما الدي إن إيه. لكن مادة البناء هذه سيتعين التخلي ~~عنها؛ لأنها لن تستطيع مواكبة التطور التكنولوجي.» # أصر الغريب على سؤاله، وقد اكتسبت نبرته بعض الحدة: «علي أن أعيد السؤال: أي وسائل سيتم ~~استخدامها؟» # تلفتت فاندا حولها ثم خطت خطوة إلى الجنب حتى تخرج نفسها من مرمى النيران وقالت: «كنت ~~أسأل عن ذكاء أجهزة الكمبيوتر.» ~~«وكيف تعرفين الذكاء؟» لقد أضحى الرجل ثقيل الظل. ماذا يريد هنا أساسا؟ # واصل توماس الكلام: «إن تكنولوجيا الكمبيوتر أمامها قفزة هائلة إلى مرحلة جديدة. من المرجح ~~أن تصل قدرات أجهزة الكمبيوتر البسيطة عام 2020 إلى نفس قدرات المخ البشري في الحساب. قد ينجز ~~2 × 10 # 16 # عملية حسابية في الثانية.» ~~«إن محاولة الوصول إلى المثالية ما هي إلا عملية اختزال متواضعة، أليس هذا تناقضا؟» حملت ~~نبرة الغريب لمحة مرارة. «إنه أمر يدعو إلى الأسى. وفي كل ذلك فإن الذكاء ينبني على أسباب أخرى ~~عديدة أكثر من مجرد عمليات حسابية، أذكر منها: المرونة، والتعلم، والتقرير الذاتي. ربما يستطيع ~~«ديب بلو» أن يلعب الشطرنج أفضل مني بكثير، لكني أراهن أنه لم يقم في حياته بطلب ~~بيتزا.» ~~«وما عسى «ديب بلو» أن يفعل بالبيتزا؟» رد ms111 توماس بحدة: «بفضل تكنولوجيا النانو ستظهر في ~~القريب شرائح أكثر فعالية ثلاثية الأبعاد، ومواد تعمل كأشباه موصلات، وعناصر محولة عالية ~~السرعات. سيتم إنتاج أجهزة كمبيوتر نوعية: كوانتينكومبيوتر لتحل محل المعالجة الرقمية ~~للبيانات. تتعامل الأجهزة الجديدة مع الكيو-بت. يمثل الكيو-بت إجابتين محتملتين. وارتباط ~~وحدتين من الكيو-بت يشكل أربع إجابات محتملة. إن مجرد ربط 60 وحدة كيو-بت ببعضها يمكن أن يسمح ~~للكمبيوتر بتنفيذ مليون بليون عملية في نفس الوقت. إن أجهزة الكمبيوتر هذه ستقوم بكتابة برامجها ~~بنفسها.» # فرد توماس ظهره للوراء ووضع ذراعيه خلف رأسه. بعض من شعيرات صدره الرمادية أطلت من فوق الزر ~~العلوي لقميصه المشدود عند الخصر. كانت عيناه تلتمعان رغبة في مزيد من الهجوم، في حين ارتسمت ~~على زوايا فمه إيماءات ساخرة، وهو ما راق لفاندا، وكان عليها الآن أن تبقيه في هذه الحالة ~~المزاجية . # فسألته بحذر: «وما رأيك يا توماس: هل ستقوم الأجهزة بالعمل من أجلنا أم ضدنا؟» ~~«أنا مقتنع أن التطور سيكون للأفضل، فالشعور بالفهم مثلا يمكن أن نعزوه إلى عمليات تجري في ~~مناطق معينة من الدماغ. ستوجد ماكينات تمكننا من توسعة نطاق وعينا. تدخلين ببساطة على الإنترنت ~~وتحملين إحداها لنفسك.» # قالت فاندا بابتسامة متكلفة: «يتعين علينا أن نوصي الرئيس بإحداها.» # سمعت من ورائها صوتا مستثارا يقول: «أنا أطالب بمواد تبطل مفعول هذا الأمر.» تدريجيا ~~توترت الأجواء. نظر توماس بحدة وقال: «يوما ما ستنكسر أيضا كل هذه المعارضة، فالمكسب ببساطة ~~أكبر بكثير بهذه التقنية من أن يرى الآن. إن استخدام أجهزة الكمبيوتر متناهية الصغر في ~~النظارات، وفي العدسات اللاصقة، وفي زرع الخلايا العصبية سيسهم في توسعة نطاقات خبرتنا بالعالم، ~~بل إننا سنشعر أننا أكثر حرية.» ~~«معامل متخيلة، وأبحاث متخيلة، وبيانات متخيلة، وزملاء، وعلاقات، ووظائف، وهموم، ~~وأزمات، وآلام الصداع ...؟» أخفت فاندا شكوكها بابتسامة غامضة. ~~«نعم تستطيعين أن تختاري لنفسك ما تشائين، لكنه في هذه الأثناء أضحى من المهم الحديث عن ~~رؤاه. ما هي الرؤيا غير أن تكون سيناريوهات غير واقعية، وصورا متخيلة نعرضها على شاشة وعينا؟ ~~نحن الآن ms112 على أعتاب التكيف مع هذا الزمن الجديد؛ لأنه في مثل هذه الصور تضخ استثمارات ~~كبيرة.» ~~«صور خادعة»، رن الصوت في ظهر فاندا «والإنترنت هي قاعة المزاد عليها.» # مد توماس ذقنه نحو الأمام وعبر ببصره من فوق فاندا متوجها نحو الغريب. ~~«من أين لك أن تعرف أن هذه اللحظة ليست سوى مجرد محاكاة؟ ألا يمكن أن تختفي هنا بأسرع مما ~~ظهرت؟» ~~«إذن أرجو أن تطفئني!» # ضمت فاندا رقبتها نحو جسدها والتفتت نحو الصوت. لدهشتها وجدت ابتسامة متواضعة. ~~«أخشى أني أكاد أكون حقيقيا، رغم الأعطال الكثيرة في الآونة الأخيرة.» # تنهدت فاندا بارتياح. # رد توماس بغضب: «أنا أتحدث عن العلاقات السببية، قانون الوقت والفوضى. الفترات الزمنية بين ~~الأحداث المهمة يتناقص أمدها. إن هذه التطورات لن تردعها حدود بعد اليوم.» ~~«مثل هذا الأمر ذكر في قسم التنبؤ بالطالع في ملحق مجلة التليفزيون.» هذا الشخص لا يستسلم ~~ببساطة. # ألقى توماس نظرة طويلة على شاشة الكمبيوتر. # فقال ببرود: «الآن أعتقد أن هذه المسألة يمكن النظر إليها من هذا الجانب أو ذاك. هل تمت ~~الإجابة عن سؤالك يا فاندا؟» # كان توماس أستاذا في التخلص من الناس. «عليكم اللعنة» لو قالها لكان أصدق، وكان في مقدوره ~~أن ينسحب إلى ذاته بسرعة فلا يبقى منه شيء، وكأن أحدهم قد حول مؤشر المذياع من موجة الإرسال ~~ليتركها في ثقب الاستقبال، فلا يصدر عنه شيء ولا حتى الصرير. لكن التوتر ظل بداخلها، إذ كانت ~~ترغبه بأقوى من أي وقت مضى. دائما حين يقل هذا الشعور بداخلها كانت تمر بغرفته وتدخل لتمضي ~~وقتا قصيرا؛ فنظرة منه كفيلة أن تعيد شحن بطاريتها في وقت لا يذكر. هل وقعت في حبه؟ وما موقفه ~~هو؟ لم يقم بطلب رقمها قط، ولم يدعها إلى الدخول قط، كان فقط يتأملها، وكانت تظن أنه ~~يعرف كل ما يعتمل بداخلها. لم يكن عليه سوى أن يشير بأنامله، لكنه لم يفعلها. هل عليها أن ~~تخاطبه في ذلك؟ وماذا لو لم يكن يهتم للنساء الحقيقيات؟ توماس وعذراء السايبر؟ أمر لا يصدقه ms113 ~~عقل. أو ربما حقا نسخة صادقة لفصيلة الذكور التي تضطر فاندا إلى ركلها بمجرد أن تلتصق بالبيت. ~~ليس ذاك أفضل أيضا. شربت فاندا آخر رشفة شاي من فنجانها. هل كان على هذا الشخص أن يقاطعهما ~~اليوم خاصة؟ استدارت فوجدته قد عاد إلى الطرقة يراقب لوحات الإعلانات المعلقة على الجدار. ~~وقفت فاندا إلى جواره. ~~«ومن أنت؟» ~~«أنا اسمي أندرياس، وأريد أن أذهب إلى فاندا فالس.» ~~«هي أنا، من سمح لك بالدخول إلى هنا؟» ~~«واحد من الذين خرجوا.» ~~«يا للفوضى!» ~~«لا أريد سوى لحظات معدودة، أسألك عدة أسئلة.» ~~«هذا ما يقوله كل الناس.» # كانا بالفعل في الطريق إلى مكتبها. ~~«من أجل أطروحتي للدكتوراه.» ~~«ومن الذي دلك علي أنا خاصة؟» # ابتسم أندرياس وقال: «خدمة سرية. بل لا، لا أذى في الأمر؛ فقد دخلت فقط على الصفحة الرئيسية ~~لموقعكم الإلكتروني وبحثت فيه، ويبدو لي أنك أفضل من في التخصص.» # واحد آخر يريد أن يطويني تحت جناحه، كم كانت ملاحظته مثيرة للانتباه. «وفيم تعمل؟» ~~«حدود وإمكانات تقنية النانو البدنية لتحسين الإنسان.» ~~«أفففف، ومن يرعى هذا الموضوع؟» ~~«إنه مجرد عنوان للعمل. أنا تخصصي هو الفلسفة. أريد أن أبحث في الرؤى البشرية العابرة، وفي ~~رسم الحدود لجوهرنا الإنساني، وفي زوال الحدود بين الحقيقة والخيال في التفكير العلمي.» ~~«لست أفهم شيئا في هذه الأمور.» دلفا إلى مكتبها، وأطلق كرسي الضيوف أزيزا منذرا بمجرد ~~أن جلس عليه أندرياس. ~~«إذن فقد حان الوقت كي تفكري في هذه المسائل، فأنت منغمسة فيها بالفعل، وقد قدم لك زميلك ~~مختصرا للأمر منذ قليل. إن أردت أوضحت لك كل شيء.» شخص متقد الذكاء إذن، تماما كما ~~حزرت. ~~«وأنا التي خشيت أن أضطر إلى تعليمك شيئا.» # أجاب مبتسما: «هذا صحيح، ربما أستطيع في المقابل أن أظهر بعضا من علمي المتواضع.» كان ~~قد دس ساقا من ساقيه الطويلتين تحت الكرسي، أما الساق الأخرى فتركها ملتوية على الجانب بشكل ~~غريب. لم يكلف نفسه مشقة أن يعدل الكرسي إلى وضع مريح له. كان يجلس هناك وكأنه واحد من ms114 عناكب ~~البحر العملاقة، تلك الحيوانات السلطعونية طويلة السيقان التي كانت قد اندهشت من شكلها حين ~~رأتها عندما كانت طالبة في صناديق العرض بمتحف زينكينبيرج. كتمت فاندا ضحكتها. ولم لا؟ فكرت ~~وقد أمتعتها الفكرة. رئيس عمل يستغلني، زميل ليس له إلا نوايا متخيلة، كمبيوتر يسدي لي النصح، ~~والآن فيلسوف. أهدته ابتسامة مشجعة. مرحبا بك في فريق الأحلام. # الفصل التاسع عشر # | تأثير اللوتس # عملت فاندا طيلة عطلة نهاية الأسبوع على تجهيز المحاضرة التي سيلقيها شتورم. بدوره اتصل ~~هو بها صباح يوم الاثنين نحو الساعة الثامنة والنصف كي يخبرها أن عليها تسليم العمل كله في ~~السكرتارية؛ إذ لم يعد لديه مزيد من الوقت ليقابلها قبل رحلته إلى بوسطن في الظهيرة. ورغم ~~هذا عليها ألا تغلق وسائل الاتصال بها تحسبا أن لو كان لديه أسئلة أخرى. كانت قد عقدت عزمها ~~على أن تسأله عن حيوانات التجارب. أرادت أن تقوم بهذا الأمر بشكل لا يثير الشك، فقط كي ترى رد ~~فعله، ولكنه لم يعطها فرصة لذلك. قامت فاندا بتحميل المحاضرة على سي دي وسلمته للسيدة ~~بونتي. عليها أن تعثر على طريقة أخرى لمواجهة شتورم. # وقفت مساء يوم الاثنين مترددة أمام مرآة الدولاب الكبيرة في حجرة نومها. هذا كله فقط لحضور ~~سلسلة من المحاضرات كانت قد اتفقت مع أندرياس أن يحضراها معا. في الأحوال العادية تختار ~~ملابسها وفقا لمعايير عملية، كلها مناسبة لاحتياجات حياتها في المعمل، تغلب عليها الألوان ~~الداكنة لتغسل دفعة واحدة، ناهيك عن قدرتها على مواءمة الاحتمالات المتنوعة التي يجلبها ~~روتينها الوظيفي، وبهذا اقتصرت ثيابها على قطع يسهل العناية بها، هي غالبا بنطالات وقمصان ~~قطنية يمكن المزاوجة بينها وتبديل أحدها بالآخر بلا مشاكل. ها هي الآن تبحث دون جدوى عن شيء ~~آخر، لكن لماذا؟ # كان من الواضح أن طالب الفلسفة المحب للشجار هذا أصغر منها، بل إنه حتى أصغر من أخيها ~~الصغير، إلا أن شيئا ما جعلها اليوم تنظر لكومة ثيابها بعين ناقدة لتطلق عليها حكما بأنها ~~«مملة». وقعت بين يديها البلوزة القديمة المصنوعة ms115 من الحرير الهندي، تبدو صيفية أكثر مما ينبغي؛ ~~فكرت وهي لا تزال مترددة وحملتها أمام صدرها بطبعة الأزهار التي تزينها. اللون الأخضر الرقيق ~~واللون الأحمر جعلا بشرتها الفاتحة تشرق قليلا، ربما سيتحتم عليها أن ترتدي شيئا يكسبها الدفء ~~فوق هذه البلوزة. # دخلت فاندا إلى قاعة المحاضرات الكبرى من الباب السفلي ورأت أندرياس على الفور، كان يمد ~~عنقه ويتطلع بنظره مرتبكا في كل الجوانب. استمتعت بتركه متخبطا هكذا. كانت قاعة المحاضرات ~~الكبيرة أشبه بصندوق مربع، باردة وعملية، هواؤها ثقيل ومكتوم. في الخارج وقفت مجموعة من الطلاب ~~تتناقش باحتدام. كانوا قد خضعوا توا لامتحان، بينما لم يعمل جهاز التكييف؛ مما شكل اختبارا ~~لقوة التحمل عن أفضل نتيجة يمكن تحصيلها تحت وطأة نقص الأكسجين. توجهت فاندا نحو المنصة وظلت ~~واقفة على منبر المحاضر، ثم التفتت بكل هدوء إلى القاعة . كانت تستمتع بهذه اللحظة مجددا مثل ~~كل مرة؛ إذ كانت تلك اللحظة - لحظة دخولها أمام الجمهور - هي أفضل ما يمكن لأية محاضرة أن ~~تمنحها إياه، إنها تلك الثواني القليلة في البداية التي لا يقول فيها أحد شيئا، لتهدأ هي فيها ~~هدوءا تاما، ليظل كسر الصمت أمرا خاضعا لسطوتها، والصنعة في ذلك تقتضي تأخير إطلاق سهام ~~الكلمات الأولى لأطول مدة ممكنة دون أن يشد قوس الصمت مدة أطول من اللازم. ارتسمت ابتسامة ~~على شفتيها. ~~••• # شجاعة بحق، فكر أندرياس حين رأى فاندا في المقدمة، فمجرد تصور أن يظهر أمام جمع من الناس ~~كان يصيبه بعدم الارتياح؛ ولهذا السبب جاء من أعلى، واختار الدخول من الباب الخلفي لقاعة ~~المحاضرات، وجلس أقصى اليسار في الثلث الأول من مقاعد المنتصف. مكان ليس في الصفوف الأولى، لكنه ~~قريب بما يكفي لرؤية تعبيرات وجه المتحدث جيدا. كان يسهل عليه متابعة المحاضرة بشكل أفضل حين ~~تصله جوانب من الإنسان نفسه، وليس مجرد صوت المحاضر المقوى بالأجهزة التقنية. شغل المقعد ~~المجاور له بكوفيته، وكانت السعادة قد غمرته طيلة اليوم بسبب هذا اللقاء، إلا أنه لم يكن ~~متأكدا ما إذا كانت فاندا ستأتي حقا، ms116 رغم أنها هي من اقترحت هذا المكان. ~~«حسنا، أراك مساء الاثنين حيث ستلقى سلسلة المحاضرات في مبنى الدراسة العامة.» كان لا ~~يزال يسمع نبرة صوتها الدافئة العميقة، ثم أضافت بشيء من الاستهتار: «سيتحدث أحدهم عن تأثير ~~اللوتس، بالتأكيد هذا نوع من إسهام فيزياء النانو لتحسين الإنسان.» # حين كان يبحث قبل بضعة أسابيع على الصفحة الرسمية لعلم السموم عن شخص يتواصل معه، لفتت ~~انتباهه على الفور. كانت هي السيدة التي صادفها في القطار حين كان عائدا لتوه من جنازة والده ~~بميونيخ، وهو ذات اليوم الذي رحلت فيه لاريسا إلى نيكاراجوا. كان هذا قبل ما يزيد عن ستة أشهر. ~~منذ ذلك الحين والأحداث تمر مرور الكرام، هذا إن وقعت أحداث أصلا. كان لا يزال محبوسا في زقاق ~~لوم الذات المظلم منتظرا أن يفتح باب من مكان ما. # حين تأملها في وقفتها تلك بدت هيئتها منكمشة على نحو ما، رغم أنه لا يذكر أنها ضئيلة ~~البنية. جذبه جسدها المدملج، لكن موضة الشتاء التي تميل إلى الانتفاخ أزعجت إحساسه بالنسب ~~الجمالية. في مخيلته حاول أن يستبدل بحشو بطانة سترتها الثقيل قماشا آخر أخف وأكثر انسيابية، ~~وبحسب نجاحه في ذلك كانت تظهر له فاندا إما في صورة تمثال ربة خصوبة أنيقة، أو لاعبة هوكي ضخمة ~~البنية. رأى كيف جالت ببصرها بانتظام باحثة بين صفوف المقاعد، وعندما نظرت تجاهه رفع يده. ~~انعكست على وجهها تعبيرات سعادة لرؤيته، لكنه استشف أيضا أمارات إرهاق وشحوب تخفيها، ولم ~~يتبدد هذا الإحساس إلا عندما رأى عيني فاندا الباحثتين عنه وهي تصعد درجات السلم وصولا إليه، ~~وحين وقفت أمامه، لفتت انتباهه تلك التجزعات البنية في قزحية عينها الخضراء مثل شجر ~~الزيزفون. فكر حينها في الصيف وفي قطع الشوكولاتة المنثورة فوق آيس كريم الفستق. أما بياض ~~عينيها فكان يلمع ببريق معدني فوق خط الكحل الداكن على جفنها السفلي، وعلا شفتيها بريق خفيف. ~~لقد تزينت. ~~«هل المكان مناسب؟» سألها أندرياس وهو يسرع بسحب الكوفية من فوق المقعد المجاور، ثم خرج من ~~الصف كي ms117 يسمح لها بالدخول. ~~«إنه الأفضل» أجابته باسمة ثم سحبت المقعد للأسفل كي تجلس، ثم أضافت: «لا بد من إبقاء طريق ~~الهروب مفتوحا دوما في حال صار الأمر مملا.» كانت تفوح منها روائح حدائق الليمون حين تمر ~~بها الرياح المعبقة بعبير النعناع. رأى كيف أخرجت كراسا وقلما من حقيبتها، وكيف تحررت أخيرا ~~بمهارة من البالون الذي كانت ترتديه. ~~••• # حين وقفت فاندا أمامه أدركت على الفور ما الذي دفع بها إلى أزمة قلة الملابس تلك، لقد كان ~~أندرياس يقدسها، وهي أرادت لهذا الوضع أن يستمر. بالنسبة لشاب في مثل عمره كان أندرياس يبدو حسن ~~الهندام، وكانت ملابسه المنتقاة بعناية قد لفتت انتباهها في المعهد مؤخرا. لم يكن يرتدي قطعا ~~باهظة الثمن للمصممين المعروفين، لا، وإنما كان يضفي لمساته الخاصة بمهارة، فتخرج طلته في صورة ~~متفردة، بل تكاد تكون متمردة. لم تكن بثيابه مسحة الإهمال تلك التي تميز شاب أواسط ~~العشرينيات، ورغم ذلك فقد بدا لها أنه ببساطة فتح علبة ألوانه ليغرق المعطف الذي يرتديه في ~~اللون البرتقالي المشرق مثل قرع العسل، ليتناغم بروعة مع لون بشرته الداكنة وليجعله يبدو أكثر ~~نضجا. لم تفكر فاندا يوما أن الألوان الزاهية يمكن أن تضفي رجولة على من يرتديها. رأت ~~الخاتم في يده اليمنى فانتابها شعور عابر أنها قد عايشت كل هذا مرة من قبل. تفرست نظراته في ~~رقبتها العارية، ثم انزلقت على ذراعيها، حتى وصلت إلى يديها، ثم رفع بعدها رأسه ببطء ونظر ~~أمامه. # حيا منظم الندوة الحاضرين، ثم قدم المحاضر الذي شكره بدوره، وسرعان ما انساب صوته عبر ~~مكبرات الصوت كما لو كان سيروي للحاضرين حكاية خرافية. بدأ محاضرته قائلا إنه منذ أكثر من ~~ألفي عام ونبتة اللوتس المقدسة - المعروفة في اللاتينية باسم نيلومبو نوسيفيرا - التي يتم ~~تبجيلها في آسيا باعتبارها رمزا للنقاء، لا تعد زهرة مائية، وإنما نبات ذو فصيلة قريبة من ~~نبات الخشخاش، وعلى الأرجح فإن لثمرتها المليئة بعصارة حليبية مشبعة بمورفين شبه قلوي تأثيرا ~~مخدرا. بالمناسبة النبتة بكاملها صالحة للأكل، وتعد ms118 مكسبا لذيذا للمطبخين الهندي ~~والصيني. ما زالت فاندا تتذكر جيدا كيف ساءت حالتها عندما ضعفت مرة ثانية وتركت زابينة تقنعها ~~بزيارة المطعم الصيني، فبعد تلك الليلة المريعة في سانتا فيه كانت قد اقتنعت بأنها لا تحتمل ~~طعام المطبخ الصيني، فقد كرهت العصي، بل وكرهت نفسها لأنها لم تتمكن من التعامل معها. لقد كانت ~~ببساطة نافدة الصبر، وكانت هذه الطريقة الغريبة في تناول الطعام تحطم أعصابها وتثير نفورها من ~~خصوصية تلك الثقافة في الطعام. كانت تواسي نفسها بفكرة أن تلك الحصص الضئيلة تظل بلا تبعات ~~مزعجة تؤثر على وزن الجسم. أما زابينة فقد تسلت على حساب فاندا، وروجت لما أسمته «رجيم مشهيات ~~النانو» «كل لقمة فريدة من نوعها» كان هذا هو الشعار الذي صاغه برنامجها المكتوب وفق المعارف ~~اللغوية-العصبية. لقد انشغلت زابينة في وقت ما بهذا الموضوع. طريقة توصيل الطعام إلى الفم هو ~~الحدث المرضي الأهم والذي ينبغي تكراره بصورة أكبر أو أقل بحسب نمط الإنسان في الإدراك، ولا ~~يخشى من التبعات السلبية على الأنماط عالية التكرار في عملية توصيل الطعام إلى الفم، والتي ~~تؤدي إلى سرعة اختفاء اللقيمات من الصحن، على العكس قد يؤدي ذلك إلى توليد إحساس مبكر بالشبع. ~~كانت هذه هي فرضيتها. زابينة كانت ترى أيضا أن العلماء، كون معظمهم من الأنماط التي تعتمد على ~~حاسة السمع بشكل كبير، سيسمح لهم أيضا أن يتكتكوا بهذه العصي، خصوصا لو استبدلت العصي ~~الخشبية بأخرى معدنية، وهو أمر قابل للتحقيق بلا أية مشاكل. وفي النهاية فقد نسيتا أن تحصلا ~~على براءة اختراع لهذه الفكرة. # سرعان ما اضطرت فاندا للاعتراف بأن زهرة اللوتس لم تكن مجرد نبتة تؤكل أو تخدر، لكنها ~~كانت مقدسة بحق. أظهر العرض صورة زهرة ذات برعم وردي رقيق على خلفية من الأوراق ذات اللون ~~الأخضر الداكن، فبدت وكأن نورا ينبثق من بين فوضى وقذارة. كان هذا على الأقل هو رأي البوذيين ~~الذين اتخذوا من زهرة اللوتس واحدا من مقدساتهم الثمانية، إلا أن «البيونك» أفشى السر المقدس ~~كما قال ms119 المحاضر الذي كان حريصا على إضافة لمحة من السخرية على خطابه، وهو يعرف «البيونك» ~~بأنه الاندماج بين علم الأحياء والتقنية، وهو لا يزيد عن كونه مجاراة للطبيعة. فالعلماء ~~المنشغلون بهذا المجال لا يزيدون عن كونهم مقلدين ينقصهم الخيال، يقومون بدراسة الأوراق ~~ليستخرجوا منها اكتشافاتهم، ثم ينقلون الظواهر التي قاموا بملاحظتها إلى مواد تقنية مثل المعادن ~~والأقمشة الصناعية. وورقة اللوتس على وجه الخصوص أسدت لهم صنيعا جليلا؛ إذ إن جزأها العلوي ~~الشمعي مغطى بنتوءات هي عبارة عن أنوف شمعية صغيرة لا ترى إلا تحت الميكروسكوب، وهي تتكون - ~~إن شئنا الدخول أكثر في التفاصيل - من أنابيب متناهية الصغر من الجزيئات التي يصل قطرها إلى ~~مائة وعشرة نانومترات، والمفترض أن سر النظافة يكمن خلف هذه الأشكال. # كان الهيكل النحيف الذي يرتفع وراء منصة المحاضرين معبرا عن فصيلة حديثة من الباحثين ~~تثير التعاطف، إذ كان يتحدث عن التطور في تقليد النماذج الحيوية، وكان يقصد بذلك الأسطح ذاتية ~~التنظيف التي تعمل وفق مبدأ تأثير اللوتس. «من تأثير لوتس لتأثير لوتس يا قلبي لا تحزن»، تفكرت ~~فاندا ساخرة. لن تضطر إلى تنظيف المرحاض ثانية، وستنعم بنهاية عمليات حك القشرة المتكلسة على ~~صاج الخبيز التي صارت تتكوم في المطبخ في الآونة الأخيرة. لم تكن تحب التنظيف، وكان منظر شقتها ~~المهملة وحده كافيا لدفعها للخروج إلى الشارع، إلى العمل، إلى الحياة. فهل تنجح الأسطح الطاردة ~~للقذارة في تحويلها إلى إنسانة بيتوتية؟ # لا، لن يمكن لتأثير اللوتس أن يحدث الكثير في مجال النظافة، هذا ما يقوله المحاضر الآن كما ~~لو كان بإمكانه أن يقرأ أفكارها، فذلك المجال يعمل وفق مبدأ «سهل التنظيف»، وعلى عكس المبدأ ~~المذكور سلفا فإنه يعتمد على الأسطح فائقة النعومة. كما أن الصابون يوقف تأثير اللوتس مؤقتا. ~~وللحظة رأت فاندا وجه أمها المحتقن غضبا أمام عينيها، وهي واقفة على الدرج المصنوع من حجر رملي ~~أمام باب المنزل تضرب فقاعات الصابون بفرشاة دعك البلاط. قال المحاضر: «رهاب المياه المفرط ليس ~~اضطرابا نفسيا ناجما عن الخوف الزائد من ms120 المياه.» ثم ترجم المصطلح قائلا: «عدم القابلية ~~للبلل بدرجة فائقة هو المفتاح لما قد يكون أهم وظيفة تقوم بها هذه الأسطح الطبيعية، ألا وهي ~~التنظيف الذاتي.» # لم تكن فاندا منتبهة. تخيلت كيف أن شتورم، بفصاحته المعهودة، تمكن من بيع بيانات زابينة ~~كمنتج تم تلميعه بعناية، فزال عنه كل شك تماما كما تتساقط قطرات الندى من ورقة اللوتس؛ وبسرعة ~~أدخلت يدها في جيب سترتها. ألم يكن يتعين عليها أن تكون مستعدة للمساعدة في أي وقت؟ ولحسن ~~الطالع كان هاتفها المحمول مفتوحا، فتنهدت فاندا بصوت خفيض. لقد خرج الأمر من يدها. في النهاية ~~هي تعرف أن ما سيقدمه شتورم في بوسطن ما هو إلا نصف الحقيقة؛ إذ ظلت معلومات ضرورية ناقصة، ~~الأمر الذي يضعف من بيانات زابينة على نحو حاسم مهما كانت واعدة، وكل ما سجلته عن اضطراب سلوك ~~الحيوانات من شأنه أن يلقي ضوءا جديدا على تأثير العلاج. لكن شتورم أصر ألا يعرف شيئا عن ~~ذلك، ليتمكن دائما من الادعاء بأنه لم يخبر بالموضوع. ترى ألهذا لم يشأ أن يتحدث معها مرة ~~أخرى قبل سفره؟ # الحال واحدة في كل مكان؛ فالرؤساء يريدون عادة رؤية نتائج جاهزة؛ أي أرقاما يشيدون بها ~~لأنفسهم مباني من الأفكار ثم يهدمونها، فهم لا يهتمون بالثابت. وكم من معماريين بينهم ضلوا ~~الطريق بحق، والماكرون منهم ينهون التجارب في اللحظة المناسبة التي تبدأ فيها النتائج تزعجهم ~~بانحرافها عن المسار المرجو. إن هذه الأبنية ذوات الأعمدة لمقامة على أساسات من خشب هش، ~~حتى من قبل أن ترفع قواعدها. يساعد على ذلك تلك العملية المألوفة لدى العلماء، ألا وهي عملية ~~قراءة البيانات، ففيها لا تبدو كل نقطة قياسية ذات قيمة ليتم اعتبارها في الحسابات؛ إذ يتم ~~استخراج البيانات المشكوك فيها من سلة البيانات بنية طيبة ليس إلا، وهي إرضاء الرئيس، هي ~~نفسها أزاحت بضع نقاط قياسية من قاعدة بياناتها آنذاك في روتشيستر ليتضح الفارق أكثر بين ~~مجموعات التجارب، فحين تكون البيانات متجانسة لا يترك ذلك ثمة مجالا لنقد البحث، ويضحى ms121 نشره ~~أسهل. وفي النهاية لا ينبغي إهمال تسويق المنتج. كثيرون فعلوها على ذلك النحو. على الأقل كان ~~ذلك هو الحل المتداول من الجميع، والذي بدا أنه يضفي شرعية على طقوس التطهير تلك. «عبر عن ~~نفسك بكلام موجز» هذه واحدة من تعليمات النشر في الدوريات العلمية، والتي تؤدي غالبا إلى غض ~~الطرف عن المعلومات المزعجة. ~~«الطبيعة مهملة.» سمعتها فاندا الآن من المحاضر، في حين عرضت الشاشة فوقه صورة أبيض ~~وأسود لتحليل مجهري إلكتروني يظهر الجانب العلوي لورقة نبات اللوتس. ثمة أنماط مختلفة بعدد ~~الأنوف في هذا العالم؛ فهناك الأنوف الصغيرة مرتفعة الأرنبة، والأنوف الدائرية البدينة المصنوعة ~~من الورق المقوى، والأنوف الضخمة المدببة، والأنوف الشبيهة بأنف الفأر مدبب البوز، فضلا عن ~~الأنوف التي تشبه مقدمة الطائرة. وحده الأنف الشبيه بخرطوم الفيل لم تتمكن فاندا من العثور ~~عليه . كانت بعض الأنوف مائلة، بينما وقفت الأخرى مستقيمة، بحيث يرقد أي جزيء قذارة فوقها كما ~~يرقد الناسك على لوح المسامير، حتى قطرات الماء لم تكن لتجد لنفسها سوى نقاط احتكاك ضئيلة جدا ~~على هذا السطح المدبب، فتتجمع بعضها مع بعض مبتعدة عنه، غاسلة في طريقها أي وسخ. هذا هو سر ~~عدم القابلية للابتلال كما أوضح المحاضر؛ إذ إن ابتلال أي جسم صلب بالماء يتعلق أساسا بالتوتر ~~السطحي بين الماء والهواء، فهو الذي يحدد أي زاوية من زوايا قطرة الماء هي التي ستتصل بالسطح، ~~فإن انفرجت الزاوية إلى 140 درجة فأكثر صرنا نتعامل مع ظاهرة سطح يتسم برهاب المياه المفرط. ~~وأدرج العلماء هذا الاكتشاف في كتاب براءات الاختراع الكبير تحت اسم تأثير اللوتس. ~~«حين عرضنا ظاهرة تأثير اللوتس في نهاية التسعينيات لم يصدقنا في البداية أحد إطلاقا.» قال ~~المحاضر متباهيا ومط جملته مستمتعا بضحكته الصفراء: «كتب أحد المحكمين في مجلة «ساينس» أن ~~الادعاء بوجود تأثير اللوتس لا يتحقق إلا في خيال المؤلف، ورفض نشر البحث.» ثم ابتسم ~~المحاضر؛ فنجاح بحثه ساعده على نسيان هذه التجربة المهينة منذ وقت طويل. فكرت فاندا أنه ربما ~~تكون الاستعارة مزعجة ms122 بالنسبة للمحكمين، ربما مزيد من تأثير اللوتس في أدمغة المختصين كان من ~~شأنه أن يغسل العديد من المنتجات الموجودة حديثا في مجال الخلايا الجذعية، لتلقي بها في التو ~~إلى البالوعة. أيضا ربما كان ينقصه وقتها أن ينال حماية كافية من المجتمع العلمي. كان يستطيع ~~أن يحاضر بكفاءة، ورغم ذلك بدا وكأنه يختبئ في ظل بحثه، ودائما ما يلفت أسماع الحاضرين لموضوع ~~محاضرته. إنه يختلف تماما عن تلك الأنماط اللامعة من زملائها، والتي يسهل تصور أنهم ينتمون ~~لمهنة أخرى. والموضة الآن أن يبدو العلماء مثل بائعي المكانس الكهربية. # انتقلت فاندا بنظرها إلى أندرياس. كان ينصت بإمعان إلى شرح المحاضر الذي كان يضرب الآن ~~أمثلة على التطبيقات العملية التي يتيحها تأثير اللوتس. كيف يمكن لأندرياس أن يتحمس لربطة عنق ~~تطرد الأوساخ؟ فسواء كانت عليها بقعة كاتشب أو لا ، ما كانت ربطة العنق لتناسب الطراز الذي ~~ينتقيه لملابسه. إن قصر دبي والبوابة الشمالية للمدينة المحرمة في بكين مطليان بدهان ذي ~~بنية نانوية، قالها المحاضر في ختام حديثه. وماذا عن محطة قطار ماربورج؟ كان ينبغي توجيه دعوة ~~إلى العمدة لحضور المحاضرة. # سأل أندرياس في أثناء مغادرتهما القاعة بعد المحاضرة: «هل تصاحبينني لشرب البيرة؟» وأكمل: ~~«على حسابي.» # رغم ازدحام الحانة الصغيرة وجدا هناك مكانين شاغرين. قال أندرياس متحمسا: «ملعقة النانو ~~هذه رائعة. ياه! ولا عراك بعد اليوم حول غسيل الصحون. هل لديكم شيء مماثل في المعمل؟» # هزت فاندا رأسها نافية: «ممم لا، للأسف لا يوجد شيء من هذا بعد، ولكن على الجانب الآخر»، ~~ثم أضافت متدبرة: «لن يعود من الممكن لعق ملاعق العسل فقط لأنه لن يظل شيء عالقا ~~عليها.» # أومأ أندرياس برأسه متفهما: «بالمناسبة، زميلك هذا، يدعى توماس فايلاند على ما أظن، ماذا ~~يعمل بالضبط؟» ~~«متخصص في مجال المعلومات. إنه رجل صالح.» # رفع أندرياس حاجبيه: «إنه متشدد حقيقي.» ~~«ماذا تعني؟» ~~«ممم حسنا، إنه يمثل نوعا من التفاؤل التكنولوجي، يذكرني بفرانسيس بيكون. «المعرفة قوة». ~~منطلقاته جديدة نوعا ما، لكنها قديمة أيضا.» # مثلت فاندا أنها تفكر؛ ms123 لم تحب أن تعترف بأنها ليس لديها أدنى فكرة عما تحدث عنه أندرياس ~~توا، وشعرت بالارتياح عندما تابع حديثه ببساطة: «إن الإنسان يسيطر على الطبيعة بغرض التقدم. ~~في الواقع هذا هو «موضوع بحثي» إلا أنني أتناوله من منظور آخر. إن الأمر ليشبه رحلة عبر الزمن ~~إلى العصور الماضية والمستقبلية، حيث أقابل أشخاصا يختلفون بعضهم عن بعض تمام الاختلاف، وأرى ~~أي تأثير يلعبه فهمهم لذواتهم على تفكيرهم وسلوكهم العلمي.» ~~«ومن عساه ينتفع بذلك؟» # هز أندرياس كتفيه: «نحن؟» ثم نظر إليها متسائلا: «لقد كان هناك زمن نظر فيه معظم الناس ~~للعمر المديد باعتباره هدية من الله، ولكننا اليوم نتعامل مع الشيخوخة بوصفها مرضا. ألا ترين ~~أن هذا هو الوقت المناسب لإمعان التفكير في هذه المسألة؟» # نظرت إليه فاندا مرتابة وقالت: «لعلك لا تريد أن تبيعني نسخة من الكتاب المقدس؟» ~~«أخشى أن يلقى اللؤلؤ أمام الخنازير. لا أظنك قادرة على فهم الاستعارات الموجودة في ~~الكتاب المقدس، فهي لم تعد تطابق صورة الإنسان التي جبلت أنت عليها. أم تراك تستطيعين ~~تصور أنك تسلمين أمرك لإله بخضوع غير مشروط؟» # أجابت فاندا: «الأمر يتوقف على ما إذا كان الإله سيكبلني بقيود كثيرة.» ~~«بالضبط. الأمر بالنسبة إليك متعلق بالحرية وبتحقيق ذاتك، فهذه هي روح هذا العصر، ووفقا ~~لمفهوم تسامي الإنسانية، الذي يمثله توماس هذا بالمناسبة، فإن هذه الذات سيتم التخلي عنها في ~~سبيل الأفضل. لن يبقى سوى التصعيد، والنمو، والتحسين. نحن نقف على العتبة وقد عبرها البعض ~~فعلا.» # أومأت فاندا. ثم قالت: «أعتقد أن توماس عبقري.» # تغير وجه أندرياس كما لو كان قد أصيب بمغص، وفي رد فعل تلقائي أخرج محفظته وفتحها، ~~فاسترقت فاندا نظرة خاطفة على بطاقته الشخصية. # قالت فاندا مداعبة: «صورة لطيفة. أهي صورة التعميد الإنجيلي أم اللاديني؟» وحين أعاد دس ~~محفظته في جيب بنطاله كان لا يزال بإمكانها أن تقرأ اسم عائلته، «هيلبيرج»؛ فكرت فاندا، إذ بدا ~~الاسم مألوفا لها. ~~«من أين أنت؟» ~~«من ميونيخ.» ~~«مضبوط، الآن عرفت من أين أعرف اسمك. يوجد هناك ms124 بروفيسور في طب الجهاز العصبي، أظن أنه ~~يدعى ... جونتر هيلبيرج.» # سحب أندرياس نفسا عميقا وقال باقتضاب: «كان يدعى.» ~~«كيف ذلك؟» # مط أندرياس شفتيه: «إنه أبي. مات منذ فترة قصيرة.» # على الطاولة المجاورة علت أصوات مجموعة من الطالبات، ثم صمتن عندما شعرن بأنظار الزبائن ~~الآخرين موجهة إليهن. حرق دخان السجائر عيني فاندا. ~~«يؤسفني ذلك.» قالتها بصوت خفيض. رأت كيف أخذت طبقة الرغوة الموجودة في كأس البيرة الخاصة ~~بها تنخفض وتذوب ببطء. ضغطت خفقات مكتومة على صدغيها، ولم تستطع أن تحدد ما إذا كانت هذه ~~الخفقات آتية من الداخل أم من الخارج. ودت لو بإمكانها أن تنهض وترحل. ~~«لم تكن علاقتنا مثالية» تلجلج أندرياس «كل شيء حدث بسرعة فائقة.» لم تعرف فاندا ماذا عساها ~~تقول. فرضت اللحظة عليها أن تفكر في والديها الراحلين، وأنها لم تتصل بأخيها بعد . سيتعين ~~عليها هي هذه المرة أن تتخذ الخطوة الأولى. ~~«من أين عرفته؟» قطع بسؤاله الصمت. ~~«تعرفنا سريعا بورشة عمل في نيو مكسيكو. مضى على هذا الأمر عامان على الأقل. ~~كانت علاقة عمل فقط.» تنحنحت فاندا ثم قالت: «أظن أنه يعتبر، أعني أنه كان يعتبر جد متميز ~~في تخصصه.» أومأ أندرياس برأسه. لم تحب فاندا حالة عدم الكلام التي أخذت تنسج خيوطها بينهما مثل ~~شبكة حرجة تتعقد فيها خطوط السكك الحديدية؛ إذ لم يكن لديها أي فكرة عن الكيفية التي سيواصلان ~~بها اللقاء الآن. ~~«هل تريد أن تتحدث عن هذا الأمر؟» سمعت نفسها أخيرا تطرح عليه السؤال. ~~«في وقت لاحق»، أجاب أندرياس مدافعا. في حقيقة الأمر كانت فاندا سعيدة بذلك رغم أنها كانت ~~تتمنى أن تعرف المزيد عن مصير جونتر هيلبيرج. من ناحية أخرى كان التأجيل هو الأفضل بالتأكيد، ~~ففي وقت ما سيتوجب عليها هي أيضا أن تحكي، لكنها ببساطة لم تكن في مزاج يسمح لها أن تقص ~~لأندرياس النسخة المثالية لتاريخ أسرتها التي فبركتها في أثناء إقامتها بأمريكا. كانت قد اخترعت ~~بعض القصص المضحكة، في الحقيقة كان بعضها مسروقا، بينما الآخر أضفت عليه لمسات ms125 تجميلية. كانت ~~ببساطة أظرف من الحقيقة، كما أن الأمريكيين أعاروها أسماعهم. ذات مرة أراد أحدهم أن يعرف إن ~~كانت ثمة قرابة بينها وبين العالم الفيزيائي فان دير فالس. لم يكن قد أدرك أن فاندا هو اسمها ~~الأول، فألهمها هذا الأمر حدوتة صغيرة عن جدها الأكبر المتوهم البروفيسور يوهان من لايدن ~~الذي كان يربي أبا بريص كحيوان أليف. قصت فاندا كيف أن جدها كان مفتونا بقدرة هذه الحيوانات ~~الصغيرة على الجري فوق الأسقف والحوائط ورأسها مدلى إلى أسفل. حكت أنه نجح ذات مرة في ~~الإمساك بواحد من حيوانات أبي بريص، وحين أراد أن يسحبه من على الحائط قال: «وراءه تختبئ ~~فيزياء!» فعلق محدثها غير مصدق: «حيوانات أبي بريص؟» «كنت دائما أظنه يبحث في الغازات ~~فالسوائل فقط لا غير.» كان الأمر مجرد هواية وحسب. بهذا كانت تحاول فاندا أن تخرج من الموضوع، ~~علاوة على ذلك فقد اكتشف أحدهم قبل عدة سنوات أن «قوى فان دير فالس» هي فعلا التي تسمح ~~لحيوانات أبي بريص بالجري ورأسها مقلوب، باستخدام كعوب أرجلها الصغيرة المزودة بشعيرات لاصقة ~~بحجم النانو. لكم كان جدي الأكبر سيطرب لهذا الأمر! يسهل عليها الكذب باللغة الإنجليزية، ولكنها ~~تنقصها الشجاعة كي تسري عن أندرياس بقص النسخة الألمانية من مجموعة نوادرها. # ضاع المزاج الجيد وانتهى المساء بشكل أو بآخر، وعندما دخلت فاندا الشقة راودها شعور غير ~~مؤكد بأنها لا تخصها وحدها، فمنذ أسبوع وهي تضع قصاصة ورق بين الباب وحلقه، لكنها نسيت هذه ~~المرة أن تستعمل جهاز إنذارها الخاص. بحثت في كل الحجرات لكنها لم تجد إشارة ملموسة يمكن أن ~~تؤكد شكوكها. هزت رأسها تعجبا من حالها، وحين اضجعت في السرير وأغمضت عينيها، تذكرت الراحل ~~هيلبيرج. لقد مسها الخبر الحزين بعمق بأكثر مما قد ترغب هي في الاعتراف به. تخيلت قبره ~~والأكاليل عليه، وفجأة تحول إلى بركة يغطيها بساط من زهور اللوتس الوردية، ثم خلدت إلى ~~النوم. # | الجزء الثاني # الفصل العشرون # | الشاهد # في كل ظهيرة، حين يدخل ريكاردو بانسيروتي إلى مقصف مركز جونسون ms126 لأبحاث الفضاء التابع لناسا ~~في هيوستن بولاية تكساس، تتجول نظرته إلى الطاولة الصغيرة الموجودة في آخر الزاوية اليسرى. في ~~الواقع لم تكن سوى عادة، لا لزوم لها البتة؛ لأن الطاولة الصغيرة التي تتسع لشخص واحد فقط كانت ~~دائما خالية، وكأنها محجوزة له، لكنه كان يحب أن يتأكد من جديد أنه سيجد له مكانا هناك، ~~خاصا به وحده، ليتخذ نفس الطريق إليه بالدوران من الخارج ليصل إلى قرب الحائط، ما يشكل ~~خطورة ما بالنظر إلى ظروفه، إلا أن الصينية الممتلئة كانت كفيلة بشغل يديه اللتين تريدان ~~التجول بحرية. # ذاك اليوم من شهر أبريل من عام 2005 سيتحتم أن يعلم عليه لاحقا في مفكرته، لكنه انتفض ~~أولا لمرأى الظرف غير العادي، ألا وهو أن الطاولة مشغولة، ما جعل خاطره الأول هو أن يعود ~~أدراجه ويستغني عن الغداء. كانت مثل تلك اللحظات كفيلة في السابق بإغضابه، وكان يتعين عليه ~~مغادرة المكان بأقصى سرعة حتى لا يخرج عن شعوره على الملأ. الآن يقف هو أمام منضدة الوجبات ~~الجاهزة، في المنتصف تماما، يبعد نفس المسافة عن الشرائط المعدنية المعلق بها السير الفاصل، ~~ويحملق في قائمة طعام اليوم. كان قد أوقف تناول الدواء منذ عدة أشهر لأنه يسبب له الخمول، كما ~~لم يكن هو ذاك الشخص الذي يستمتع بتجرع الأدوية، ورغم ذلك لم تهاجمه أي من نوبات الغضب العارم ~~تلك ثانية. كان يستمع لداخل نفسه غير مصدق، لكنه لم يجد ذلك الشعور الجامح الذي كان يدفعه ~~سابقا حتى هاوية فقدان الوعي. واضح أنه لم يعد بحاجة إلى الأقراص. صب جل تركيزه على قائمة ~~الطعام. قرأها مرة. كم مرة يتعين عليه قراءتها؟ أثلاثا، أم خمسا أم سبع مرات؟ من فوق ومن تحت حتى ~~يحافظ على التماثل، لكن أين ذهبت الأرقام التي تنبئه أن عليه تفويت بعض السطور حتى يتمكن من ملء ~~صينيته والجلوس في مكانه؟ في العادة كانت تنبعث من أعماق لاوعيه فتملي عليه ما يفعل مثل ~~البندول الذي يضبط الإيقاع، لكن رغم إنصاته الطويل، لم ترد ms127 الأرقام أن تفتح مغاليقها له، كما ~~أن طاولته لا تزال مشغولة. كان قد تعلم أن يتعامل مع مثل تلك الأمور المزعجة. المقاطعات، سواء ~~من داخل ذاته أو من خارجها، كانت تحدد مصيره. كان مستعدا لها. كان يستطيع أن يرتدي عباءة ~~الممثل، وأن يتبع دفعات خياله، حتى لا تتكلس وظائف دماغه. كان عليه ببساطة أن يجدد تعريفه ~~لذاته. من يا ترى يمكن أن يمثل دوره في هذا المكان؟ أي شخصية تسمح له أن يسيطر على علامته ~~الخاصة، بل الأفضل أن ينساها تماما إلى أن يتناول وجبته ويمضي إلى معمله مغلقا بابه ~~عليه. # ألقى بانسيروتي نظرة خاطفة على أنصاف الدجاج المشوي الموضوع في الصحون على منضدة العرض. كان ~~يمكنه أن يأخذ نصفا منها وأن يقطعه باحتراف المتخصص، أليس في نهاية المطاف طبيبا شرعيا؟ حين ~~يقوم بالتشريح ينسى أنه مريض . في الواقع كان مختلفا فحسب، مفرط الحركة بشكل يفوق العادي، ~~متقلبا وأحيانا شديد العاطفية. بدأ ذلك حين كان في الرابعة عشرة، وتمنى الجميع أن تتوقف هذه ~~الأعراض بانقضاء فترة المراهقة. حقا كانت النوبات أخف من سنة لأخرى، وتوقف عن العويل مثل ~~قطار سكة حديد يخترق البراري، واختفى التعطش للكلمات غير المعتادة، التي كانت تعود فتخرج منه في ~~صورة شعر مطبوع. أغاني الراب الحديثة تذكره أحيانا بما كان يبتدع آنذاك، إلا أن جبرية ~~الملامسة، وجبرية عد الأرقام، والحاجة القوية إلى التناظر ظلت أعراضها على حالها معه، ولم يملك ~~أحد تفسير المسألة، لكن ما إن بدأ دراسة الطب حتى اتخذ ذاك الكائن الآخر بداخله اسما له. فحين ~~تعثر بالصدفة في الصورة المرضية لمتلازمة توريت اعتبر هذه المعلومة هدية غلفتها له الحياة ~~في كتاب تعليمي في علم الأعصاب. كانت مدعاة لراحة كبيرة؛ لأنه بدأ في تقبل سلوكه الجبري كجزء ~~من ذاته. كان سلوكه ينتمي لكينونته. # مر إلى جواره شاب في بزة العمل، كان عملاقا، عريض المنكبين وطوله متر وتسعون سنتيمترا على ~~أقل تقدير. كان في مقدور بانسيروتي أن يختفي وراءه بلا مشقة فلا يبين. لم يكن ms128 قد رآه من قبل ~~قط في المقصف. ربما كان واحدا من عمال البناء الذين يعملون في الموقع المجاور لمعمله، حيث ~~تعمل الحفارات بصوتها العالي منذ عدة أيام على حفر أساسات لمبنى جديد يفترس من مملكة الأرض. مثل ~~ذاك الغريب دفع أيضا بانسيروتي بحوضه نحو الأمام قليلا تاركا ذراعيه تتدليان بحرية. شعر ~~وكأنه يقلد القرد. في النهاية قد قدر أنه أكبر من ذاك الشخص بما لا يقل عن ربع قرن من الزمان، ~~لكنه وجد الإيقاع المفقود بعد عدة خطوات، وتبع الشاب الضخم مثل مقلد صامت عبر المنضدة الطولية، ~~أمسك بالمعروض من الأطعمة، ملأ صينيته وجرى خلف قدوته بخطوات واسعة، إلى أن وصلا إلى مجموعات ~~الطاولات. جلس بانسيروتي عند مكان يمكن من خلاله أن يظل الرجل في مرمى بصره. تردد لوهلة بسبب ~~وجود السيدتين اللتين تتناولان وجبتهما عند نهاية الطاولة وتومئان إليه بود. كانتا قريبتين ~~لدرجة منذرة، وهو لم يكن متأكدا إن كان في وسعه مقاومة سحر أن يدوس بحذر بكلتا سبابتيه على ~~أرنبة أنفيهما. كان يتخيل منظر وجهيهما المتلوي، لكن الأمر لم يحدث. ظلت يداه صامتتين. تأمل ~~اختيارات الأطعمة والأشربة غير المألوفة بالنسبة إليه التي وضعها على صينيته. ألقى نظرة خاطفة ~~على صينية جاره وشت له أنه ببساطة اختار ما اختار الرجل الآخر، وإلا لكان أخذ من كل شيء ~~اثنين بسبب جبرية التناظر، أليس له يدان في النهاية؟ في العادة كانت سبابتاه تطرقان من مدة على ~~الغطاء الملون لكوب الزبادي؛ لأنه يحب صوت الطرق هذا كثيرا. كان يمسك بالشوكتين، واحدة في كل ~~يد، ثم يهوي بكل منهما في نفس الوقت على الطعام الموزع في الطبق على نحو متماثل، وكأن ~~يمينه انعكاس لشماله. كان يستمتع بالقوة اللطيفة التي تضغط بها الشوك على الطعام، لكنه كان ~~يطيل النظر إلى صينيته. لم يجد الأمر نافعا؛ إذ لم يكن أي شيء مكررا مرتين. هل كان ذلك هو ~~السبب في عزوفه عن تذوق الطعام؟ تأمل السيدتين في النهاية الأخرى للطاولة، لكن ظلت يداه صامتتين ~~في حجره، ms129 وكأنه قد منعهما الحديث، لهذا السبب تحديدا كان دائما ما يرفض أدوية الأعصاب، وكان ~~متأكدا أنه لم يتناول أيا منها. لقد اختفت الضوضاء من رأسه، وفجأة اعتراه يقين أن مرض ~~متلازمة توريت قد رحل عنه تماما، ولن يتاح له حتى أن يودعه لمرة أخيرة. # نظر بيتر سنايدر من النافذة. كان الشيء الوحيد المبهج في هذا المكتب الجديد هو إطلالته ~~الجميلة على نهر أوتاوا، ورغم أنه مولع بالطبيعة، ووهب حياته الجديدة لقضية حماية البيئة، فإنه ~~كان سعيدا بالسكن في هذه المدينة، فأوتاوا لم تكن تتطابق مع الصورة النمطية الشائعة عن العواصم ~~الكبرى في شمال أمريكا؛ إذ لم يكن بها ناطحات السحاب التي ترسم صورة الأفق في تلك العواصم، ~~وإنما متنزهات هادئة وشوارع نظيفة، بل ربما هي مكشوفة بزيادة. وحدها برودة الشتاء هي ما كانت ~~تزعجه لكنها انقضت الآن بحلول شهر أبريل. كانوا قد انتقلوا لتوهم إلى المكتب الجديد في شارع ~~نيكولاس، لكنه بدا ومن الآن أنه لن يكفي لتلبية احتياجاتهم لمدة طويلة. أخذ يقلب في سجلاته، ~~ثم نحى كومة الأوراق جانبا وسحب من تحتها لوحة مفاتيح الكمبيوتر. تراكمت صناديق المنقولات ~~التي لم تفتح بعد على الجدار المقابل. هنا يتم جمع كل شاردة وواردة في هذه الصناديق، هو فقط ~~كان من الغباء بحيث أعدم كل الوثائق بعد أن أدار ظهره لوظيفة الباحث العلمي بشكل نهائي، ~~وباستثناء بضعة السجلات المنقوصة هذه التي لا تعينه كثيرا، لم يبق شيء يذكر. # لم يكد ينقضي عامان منذ أن استبدل مكتبا مؤقتا لحماية البيئة بمعامل الجامعة المجهزة ~~بأعلى التقنيات، ويبدو أن الانتقال إلى مكتب جديد لن يغير كثيرا من الحالة الانتقالية التي ~~يعيشها. أطلق سنايدر أزيزا خفيضا. أضحى من الصعب عليه تذكر الأحوال في السابق، فقبل نحو ~~العامين تخلى عن منحته، وبذلك خابت كل التنبؤات بمستقبله المتألق كعالم بلورات من أجل أن ~~يتبع قدره الجديد. لم يندم على قراره، وربما لهذا السبب لم يعاود التفكير في المسألة قط، بل ~~وأصبح مقتنعا في بعض الأحيان أن هذا التحول ms130 لم يكن سوى إحدى أمنياته التي طالما تطلع إليها ~~سرا، لكن هذا لا ينفي أن قطع الجسور مع الماضي على النحو الذي لا يمكن الرجوع فيه كان خطأ، ~~والآن يلاحقه هذا الماضي في صورة المشروع الجديد الذي يعمل عليه الآن، ورغم كل جهوده المبذولة ~~لم يتمكن من تذكر ذاك الاسم تحديدا! # وقتها كانا يتحدثان بمزيد من الود. كان ذلك قبل عامين، قبل أن يتخلى عن وظيفته بفترة وجيزة. ~~كانا قد حضرا ورشة عمل مشتركة في مدينة نيو مكسيكو. في شهر مايو من عام 2003. آنذاك كانت لا ~~تزال أفكاره تتراقص في غابة من معدات الدي إن إيه الصناعية، متعلقة بالنهايات اللزجة للشريط ~~الوراثي، حالمة بمصانع الحمض النووي ثلاثية البعد التي تنظم نفسها بنفسها. جلس ذلك العالم ~~الآخر إلى جواره في الحافلة، وأعلن له بصراحة عن اهتمامه بأبحاثه. طرح عليه بعض الأسئلة الذكية ~~وتحاورا حوارا مثمرا؛ إذ كان الرجل مختلفا عن معظم الآخرين، ثم حكى له عن نفسه وما الذي قذف ~~بطبيب شرعي إلى مركز أبحاث فضاء بتكساس تابع لوكالة ناسا. نعم، هو ذاك. الذكرى تعود إليه ~~بالتدريج، تحركت أصابعه على لوحة المفاتيح بتوتر يكاد يكون محموما. بنقرة واحدة على اللوحة جلب ~~إليه محرك البحث الصفحة الرئيسية لمعهد رحلات الفضاء. في البداية بدت الصفحة وكأنها لن تدله ~~على الكثير؛ إذ كانت حافلة بتقارير حول مهمات رحلات الفضاء، والتعريف برواد الفضاء، لكنه فجأة ~~قرأ هذا الاسم: ريكاردو بانسيروتي. كان الاسم على مقال قصير يدور حول أضرار الأشعة وتدخل ~~مجصات جزيئات النانو في تيار دم رواد الفضاء. كان على المجصات أن ترسل إشارة تحذيرية بمجرد أن ~~تبدأ إحدى خلايا الجسم في التصرف بشكل غير طبيعي. وبغض النظر عن معنى هذا الكلام فقد عرف اسمه ~~الآن. بانسيروتي. أطلق سنايدر صفارة فرحة. كان جرس الاسم يذكر بوجبة إيطالية ويناسب مهرج ~~سيرك. أمر غريب كان يتعلق بذلك الشخص، حيوية وطاقة زائدة لدرجة قد تسبب بعض اللوثة، وهو ~~أمر غير معتاد بتاتا بالنسبة لعالم. لقد كان دائم التحسس ms131 لنظارته، وكان يقلد الناس في ~~الحافلة. لقد أمضيا وقتا طيبا معا. تذكر سنايدر أيضا أن بانسيروتي مد ذراعيه مرة، ~~بالطريقة التي يأتيها الأطفال حين يحاولون تقليد الطائرة، وأنه في أثناء ذلك كان دائم النظر إلى ~~السماء، ودون هذه الحركات المعبرة التي أتى بها جاره في المقعد ما انتبه إلى وجود طائرتين ~~تحلقان فوق رءوس الناس، وما تعثر في نبأ قديم عثر عليه صدفة وهو يصنف الأوراق القديمة. كان ~~عبارة عن رسالة بريد إلكتروني بعث بها إليهم أحد المراقبين المحنكين يوم 23 مايو عام 2003: # رأيت اليوم قبل الظهيرة طائرات إطفاء بالقرب من لوس ألاموس، لكني لم أر حريقا. لقد تم ~~رش شيء ما، لكن ماذا؟ ربما تمكنتم من استكشاف الأمر. # في ذلك اليوم مضت الحافلة من سانتا فيه إلى لوس ألاموس حاملة بشرا متنوعين، آتين من كافة ~~بقاع الأرض لحضور مؤتمر. كان سنايدر واحدا من العشرين مختصا الذين حضروا هذا الاجتماع الدولي ~~حول علوم النانو. # وبعد بضع نقرات سريعة على فأرة الكمبيوتر، استدعى على شاشة الجهاز قائمة الحضور التي كان ~~قد أعدها بنفسه. وقبل السطر الذي يحمل اسم الدكتور أناتول بروبوف أدخل مسافة وكتب دكتور ~~ريكاردو بانسيروتي. أخيرا وجد أهم شاهد بالنسبة له. في آخر القائمة وجد اسمه هو. اكتملت ~~القائمة الآن. كان سنايدر يعلم أنه ليس من الذكاء بمكان أن يخلط بين مشروع وبين أمر شخصي، لكنه ~~أراد أن يجرب رغم ذلك. ففي الاجتماع المقبل سيتم إقرار هذه المسألة. وهو يريد أن يقترح إرسال ~~القائمة إلى مجموعات العمل المتعاونة معهم في أوروبا، وأفريقيا، وجنوب أمريكا وشمالها. سيتعين ~~عليهم التواصل مع العلماء وسؤالهم بحذر؛ إذ كان يأمل أن يجد شهودا آخرين على الواقعة يكونون قد ~~رأوا أكثر مما رأى هو. لكن شيئا ما في هذه المسألة كان يمنعه من الاندفاع في ذلك الاتجاه؛ ~~لأنه يخشى أن يتسبب نشاطه المبالغ فيه في إحراج أي إنسان، خصوصا وأنه يخطط للقيام برحلة إلى ~~نيو مكسيكو بنفسه ليبحث في الموقع ويجمع عينات من التربة. ~~«أنتم ms132 تعملون أسرع من سلطاتنا الفيدرالية»، هكذا كان رد مصدر معلوماته من نيو مكسيكو الذي ~~أبلغ عن الوقائع قبل قرابة العامين، حين أعلمه سنايدر بزيارته. أيضا هذه المسألة من دواعي ~~انهيار أعصابه. فهم على الأغلب قد وصلوا بعد فوات الأوان. # الفصل الحادي والعشرون # | أخبار من وراء البحار # صوت ضربة مكتومة أيقظ فاندا من نومها. كانت أبواب سيارة ما تغلق بالأسفل في الشارع ~~مصدرة ضوضاء عالية، ثم انطلقت السيارة، بينما كانت إطاراتها تصدر صريرا حادا. كانت ~~صورة من حلمها الذي يشع بياضا لا تزال تتلألأ أمام ناظريها. فكانت تتحسس ما حولها لأنها كانت ~~غير قادرة على الرؤية، محاولة أن تتمسك بشيء ما، تناهى إلى مسامعها أصوات رجال آتية من بعيد، ~~كما لو كانت آتية عبر جدار، وضحكات تتردد، وأكواب يرتطم بعضها ببعض. ثمة شخص يتحدث عنها، وفوق ~~القبة الزجاجية، التي تحتجزها كحشرة، استقر بؤبؤ عين كهاوية بلا قرار. هنا بدأت الرحلة. أبواب ~~معمل تفتح ثم تغلق، بينما تلجلجت أسفل منها النقالة ذات العجلات عبر الممرات. انزلقت فصارت ~~تنجرف، ثم استقرت فوق ورقة بيضاء. «هذا هو تأثير اللوتس.» قالها صوت مقبض «لقد تشبعت بالكثير ~~من الدخان.» تحركت السماء فجأة، ومالت الورقة وانثنت للأسفل، فلم تستطع التمسك بشيء. رأت قطرة ~~الماء وهي تنزلق في اتجاهها كلؤلؤة تتألق، ثم انغمست فيها لتجرفها إلى غور غير ذي قاع. # كانت رياح الخريف تدوي بصوت منخفض ساحبة ستائر غرفة النوم عبر النافذة المفتوحة، فيصدر ~~قماشها الناعم حفيفا وهي تصطفق بزجاج النافذة. انزلقت فاندا أكثر فأكثر تحت أغطية الفراش. ~~ذكرت نفسها بأنها لا بد أن تكتب هذا الحلم وإلا فستنساه بحلول مساء اليوم، لكنها كانت مرتبكة ~~للغاية، بحيث لم تستطع تحقيق رغبتها هذه بشكل فوري. فيما بعد، لم تعد تذكر سوى هذا اللون ~~الأبيض الذي يغشي بصرها، وأنها كانت عارية. # لم تذهب فاندا هذا الصباح إلى المعهد مباشرة، فدراجة زابينة الجبلية كانت لا تزال تقبع ~~بالقبو منذ وقت طويل للغاية. أرادت فاندا أخيرا أن تعيدها إليها، لكنها لم تستطع ms133 المرور بحرية؛ ~~إذ سدت عربة نقل كبيرة المخرج من الباحة الذي كان يشبه سم الخياط، بحارته ذات الاتجاه ~~الواحد، لكنه كان يربط بين الشارع الذي تتكاثف عليه حركة السيارات والجراج خلف المنزل. هنا ~~أرادت سيارة بيضاء كابريو مكشوفة الخروج، فاقتربت بشدة وبشكل غير مأمون من سيارة النقل. الآن ~~تواجهت السيارتان وجها لوجه مثل داود وجالوت. أطلقت قائدة السيارة المكشوفة نفير سيارتها، ولما ~~لم يحدث شيء أعادت إطلاق النفير أعلى وأعلى، إلى أن قفزت بلا مبالغة سيدة بدينة قفزا من ~~السيارة. # صرخت قائلة: «يا لها من وقاحة!» # فظهر شاب من وراء باب المقطورة المفتوح لسيارة النقل، حاملا صندوقا كرتونيا على كل ~~كتف. # وقال لها: «لو أطبقت شفتيك وخرست، لذهبت من هنا في غضون خمس دقائق.» ثم اختفى خلف زاوية ~~المنزل، فما كان من قائدة السيارة إلا أن ضيقت عينيها متوعدة، ثم حركت رأسها في حركة ~~دائرية، كما لو كانت تبحث لها عن نقطة ارتكاز جديدة. هنا لاحظت فاندا الفجوة الضيقة ما بين ~~سيارة النقل والسور المتداعي، الذي من المفترض أن يحمي قائدي السيارات المتهورين من الانزلاق ~~عبر مدخل الفناء إلى القناة المجاورة له. استجمعت فاندا قواها ورفعت الدراجة من فوق السياج، ~~فتأرجحت ذراعاها الممطوطتان لرفع مركبة زابينة الثمينة قاذفة إياها من فوق المياه، في حين ~~حاولت فاندا أن تجد لنفسها مخرجا من بين الحديد الصدئ وبين الشاحنة، بينما شرعت بطتان في ~~الأسفل في تأمل المناورة الخطرة بارتياب، وفي الوقت المناسب تماما لاحظت الرجل الجالس على ~~الممشى والذي يضع أمامه قلنسوته في انتظار تلقي المساعدات، لكن القلنسوة كانت فارغة. نظر إليها ~~فاغرا فاه. وبحيوية بالغة مررت الدراجة من فوقه. تبعت نظرته المنزعجة الإطارات الحاوية ~~للأسلاك المعدنية التي تطير من فوق رأسه لتهبط أمامه مباشرة. # مدت فاندا رأسها: «أرجو المعذرة.» غمغمت مضطربة، ثم جلست على كرسي الدراجة، وانسلت لتختفي ~~في ثنايا حركة مرور الصباح. # كانت زابينة تسكن في شقة صغيرة بفايدنهاوزن، وهو حي تاريخي محبوب للطلاب، به تألق فني ~~يدغدغ المشاعر، وليس ببعيد ms134 عن المنطقة التي تنبسط فيها المروج على ضفتي نهر اللان، ولا من قلب ~~المدينة. دقت فاندا جرس الباب. ظل كل شيء على هدوئه. كانت الساعة قد تجاوزت الثامنة بقليل. لم ~~تظن فاندا أن زابينة قد تغادر منزلها في مثل هذه الساعة المبكرة. وجال بخاطرها: «لو لم يكن ~~علي أن أعمل، لكنت ظللت مستلقية في فراشي، لأنال كفايتي من النوم، ثم أفطر على مهل، ولربما ~~عدت بعد الفطور إلى الفراش ثانية لأوفر نفقات تدفئة المنزل.» ماذا عساها تفعل الآن؟ لا يمكن أن ~~تترك الدراجة الغالية في الخارج. كانت تعرف المكان الذي تخبئ فيه زابينة مفتاح الشقة، فسحبت ~~بحذر لبنة الطوب من الحائط المجاور للسلم، فوجدت هناك الكيس القماشي والمفتاح بداخله. # سحبت فاندا الدراجة إلى الطرقة الضيقة وأوقفتها على جنبها. شمت رائحة فانيليا، ثمة شمعة ~~عطرية تذوي تنشر ريحها الخفيف من فوق خزانة الملابس الصغيرة. في الواقع، لم تكن زابينة من ~~الاستهتار بحيث تترك شمعة تحترق في وقت هي فيه خارج المنزل، لا بد أنها كانت على عجلة من ~~أمرها. مطت فاندا جسدها في المدخل الضيق المفضي إلى أعلى السلم الحلزوني، المؤدي من جهة اليسار ~~إلى الغرفتين الصغيرتين بالطابق الأعلى. ~~«مرحبا» قالتها بصوت عال وهي تنظر لأعلى. لم تنتظر جوابا. فمعطف زابينة ليس معلقا على ~~الخزانة، ولم تجد سوى الشال الصوفي الأسود ذي الكنار الملون الذي كانت فاندا تحب أن تتدثر به ~~حين تكون عند زابينة، وكان على الرف العلوي. دخلت إلى غرفة المعيشة حيث يستقر كرسي أحمر لامع ~~يتحول بسهولة إلى أريكة مريحة عند تحريك مقبضه. كانت الغرفة تشبه بيت دمى مؤثثا على طراز الشرق ~~الأقصى، فعلى الأقل في غرفة المعيشة كانت كل قطع الأثاث المخصصة للجلوس منخفضة عن مثيلتها ~~المصممة وفق المعايير الغربية، وفي كلتا نافذتي الغرفة تدلى منشور بصري مصنوع من الزجاج، ثم ~~زهريتان متماثلتان اقتسمتا عتبة النافذة، حوت إحداهما نبتة صبار. لم تجد أشياء ملقاة هنا ~~وهناك. حتى الوسائد الموشاة بالترتر والأحجار الصغيرة وقطع المرايا الدقيقة لم تنجح ms135 في إيهام ~~فاندا أنها منثورة بعفوية؛ لأنها تمكنت من التعرف فيها على نموذج نمطي لا يمكن أن يخرج إلا عن ~~عقلية تعشق النظام كعقلية زابينة. وحده المكتب ارتفع عن ذاك المستوى المنخفض، فبدا وكأنه جبل ~~وحيد تراكمت عليه بعض الأشياء. # اقتربت فاندا من منضدة العمل الزجاجية، فوجدت عليها نسخا من مقالات جرائد موزعة طولا ~~وعرضا، فلكأنها بحر مضطرب الأمواج، يكاد فنجان القهوة وطبق الإفطار المليء بالفتافيت أن يغرقا ~~فيه. مجرد مشاهدتها هذه الصورة المتلاطمة كانت كفيلة بإيقاظ فضولها. زابينة متعصبة للتنظيم وهذه ~~الفوضى العارمة لم تكن تلائم طبعها. لا بد أنها كانت تبحث عن شيء في عجلة وذعر. وجدت مجلة علمية ~~على قمة تلك الأوراق. كانت مفتوحة على الصفحة الأخيرة من إحدى المقالات، احتوت على صورة صغيرة ~~تظهر مؤلف المقال الذي كان يبدو كحيوان الفقمة، بينما لحيته تضفي وقارا على اسمه. كانت فاندا ~~قد سمعت سلفا عن نادريان سيمان؛ إذ كان عالم البلورات معروفا بمحاولاته المثابرة في بناء ~~شبكات معقدة باستخدام لبنات الحمض النووي. تذكرت فاندا إحدى محاضراته. ~~«هلا نسيتم كل ما كنتم تعرفونه عن الشفرة الجينية.» هكذا طالب مستمعيه آنذاك. «أرجو أن ~~تتصوروا الحمض النووي ببساطة كسلم حلزوني، قطره اثنان نانومتر، وارتفاعه ثلاثة نانومترات ونصف ~~لكل لفة.» كان من المدهش مشاهدته وهو يلعب بنماذج الدي إن إيه، كان يحول شرائط النيوكليوتيدات ~~أحادية البعد إلى مكعبات وأشكال هندسية أخرى. إن ذاك الذي بدا للوهلة الأولى وكأنه مزاج في ~~اللهو لدى متفنن متحذلق، إنما كان يفتح في الأوساط المتخصصة مجالا بحثيا ذا إمكانات ~~هائلة. لقد كان العلم على شفا إنتاج هياكل مكانية مصنوعة من الحمض النووي. «الخطوة الأولى نحو ~~إنتاج مصنع النانو»، كان هذا هو عنوان الفقرة الأخيرة من المقال، وفي داخل هذه الخلايا النانوية ~~المركبة لشبكات الدي إن إيه ثلاثية البعد، كان سيتم في القريب إنتاج البولميرات مثل النايلون ~~بدقة بالغة، ربما تكون هنا هي المساحة التي ستنظمها إلكترونيات المستقبل بنفسها، البنية الأولية ~~للأعصاب الصناعية التي ستدخل في تركيب الأدمغة ms136 الفائقة الجديدة، عالم معكوس، سيكون فيه الدي إن ~~إيه مجرد وحدة سطحية لهيكل خارجي، لكنها رغم ذلك حاسمة في تحديد شكل آخر للحياة. لكن أيا من ~~ذلك لم يكن ليشغل بال فاندا بقدر اهتمامها بالسبب الذي يدعو زابينة إلى الانشغال بهذه المسألة؛ ~~فزابينة عالمة أحياء، فما الذي يدفعها إلى الاهتمام بعلم البلورات؟ ربما كان مجرد مزاج، أو رغبة ~~في أخذ فكرة عن أمور أبعد عن دائرة تخصصها البحثي. مرت فاندا بنظرات خاطفة على كومات المراجع ~~التي توزعت على المكتب، وجاهدت نفسها ألا تمس شيئا. لم تجد سوى نسخ لأعمال أصلية عن ~~نفس الموضوع على سبيل الحصر. لقد كان هذا إذن هو الموضوع الذي يشغلها الآن. كانتا صديقتين ~~وزميلتين، إلا أن زابينة لم تكن لتسمح لها أن تشاركها حياتها، وقد كان هذا الأمر يضايقها، وكان ~~لا بد أن تعترف بأنها لا تعلم شيئا البتة عن العالمة زابينة ميرتينز. # تراقصت على شاشة الكمبيوتر السطور التي تظهر على حافظة الشاشة. ترددت فاندا؛ إذ لم يكن من ~~طبعها أن تفتش في خصوصيات الآخرين. هل ثمة ما ينبغي أن تعرفه؟ إن كان للأمر صلة بمشروع شركة ~~بي آي تي فهو أمر يمسها هي أيضا. نقرت سبابتها فأرة الكمبيوتر وكأنها نقرات عرضية، وفجأة ~~سمعت خشخشة من ورائها. التفتت فاندا، تجولت نظراتها سريعة مذعورة عبر الباب إلى الطرقة، ثم عادت ~~ثانية إلى الغرفة. اكتشفت قفصا على الأرض إلى جوار جهاز التدفئة. امتدت أنف وردية تجاهها ~~وتشممت. ~~«أخ! إنه أنت يا جوسي» تنفست فاندا الصعداء. دارت الفأرة مرة أخرى ودست أنفها في القش. عادت ~~فاندا للتطلع إلى شاشة الكمبيوتر وحملقت في نافذة رسالة نصية. لقد نسيت زابينة إغلاق صندوق ~~بريدها الإلكتروني. قرأت فاندا الرد القصير على سؤال صديقتها: # من فضلك أرسلي المادة مباشرة إلى معملي، سنرى ما يمكن عمله. # كان اسم المرسل نادريان سيمان. ~~••• # تهادت الحافلة في طريقها الصاعد منحدرات اللان. شعرت فاندا فجأة بالتعب والإحباط. كانت ~~غاضبة سرا أنها لم تواصل القراءة، وانتابتها الهواجس فجأة. تبا للولاء. ms137 كما أن زابينة كان ~~من الممكن أن ترجع في أي لحظة. كانت لتفضل أن تسأل صديقتها مباشرة، لكن كيف يمكن لها أن تنفذ ~~ذلك دون أن تتسبب في شرخ بينهما؟ ستحصن زابينة نفسها لو علمت أني أتجسس عليها. سمعت صفير ~~ماكينة الرد الآلي تذكرها بموعد استشارة الطبيب. لم تكن الدعوة هذه المرة ودية. قال الصوت إن ~~د. جليزر يرغب في رؤيتها لأمر هام، كما كان الرجاء الحار برد الاتصال يبدو وكأنه مطالبة بنك ~~الادخار برد قرض الدراسة، كان التأمين الصحي يتكفل بالمصاريف؛ لذا هي لا تدين بشيء ~~للطبيب. ~~«علي أن أسجل لنفسي موعدا لدى الطبيب.» نقرت فاندا على الكمبيوتر الخاص بها. ~~«تسجيل؟» ~~«نعم، لا أجد المسألة لطيفة بتاتا، كما أني غاضبة من زابينة.» # فظهر على الشاشة: «وفقا لقانون الأوبئة الفيدرالي، يعد داء الكلب مرضا يتوجب التبليغ ~~عنه.» # صرخت فاندا: «انس الأمر»، وأوقفت البرنامج. # قرأت رسائل بريدها الإلكتروني. تلقت ردا من ناشر إحدى المجلات العلمية. كان المخطوط الذي ~~تقدمت به قبل ثمانية أسابيع قد نال رفضا، لكنه سيسمح لها بتنقيحه ثم إعادة إرساله. قرأت ~~بسرعة آراء الأساتذة في مقالها والتي أرفقت مع الرد الإلكتروني. عبر الأستاذ الأول عن ~~رأيه بإيجاز، كما أنه اقترح تعديلات طفيفة، لكنها توقفت مليا عند رأي الأستاذ الثاني الذي ~~قام بتصويب فقرات كاملة من مخطوطها مثل المصحح اللغوي، كما أنه عاب لغتها الإنجليزية ونعتها ~~بأنها إنجليزية ألمانية، وطالبها بأن تستعين بمصحح تكون الإنجليزية هي لغته الأم، علاوة على ~~ذلك فقد اعتبر الإحصائيات غير كافية، وطالب بتطبيق طرق إحصائية لم تسمع فاندا بها من قبل، إلا ~~أن كل ذلك بدا لها مألوفا. إن لم تكن تتمادى في خداع نفسها، فلن تحمل تلك التعديلات سوى توقيع ~~أنامل البروفيسور أناتول بروبوف، فهي كانت قد تعرفت إليه في أثناء عملها بمركز أبحاث النانو ~~في روتشيستر، وسافرت معه إلى ورشة عمل في مدينة نيو مكسيكو بعد بدء مرحلة ما بعد الدكتوراه ~~مباشرة. بروبوف أستاذ ملهم في الفيزياء ومتحذلق كفيل بإفساد حالتك المزاجية. ms138 كان يقوم بتصويب ~~لغة فاندا الإنجليزية بشكل مستمر. كان رجلا ضئيل البنية، نحيل العود، ذا عينين تشعان ذكاء، في ~~منتصف الأربعينيات وبالتأكيد ليس ساحر النساء، إلا أن هذه الصفات اللزجة لم تكن تشكل سوى قشرة ~~مجعدة مثل تلك التي تخبئ السلحفاة، يخفي وراءها شيئا آخر لا يمكن أن يلحظه المرء من أول ~~مرة، لكن في حضرة تلك العالمة المحبة للحياة، القادمة من جوهانسبرج، التي تعرف إليها خلال ~~الرحلة إلى المؤتمر، خرج بروبوف من قوقعته على نحو غير متوقع وتحول إلى ضفدع ساحر، لكن للأسف، ~~لم يصمد سحر ماري كامبل طويلا، وانتهت الحكاية الخرافية بعودة فاندا إلى روتشيستر، وهناك ذاقت ~~متعة نشر بحث مشترك معه، للمرة الأولى والأخيرة. لم يكن البحث يحوي سوى مراوغات كلامية، حتى مع ~~اعتراف فاندا أن هذا العذاب أسهم في تحسين لغتها الإنجليزية تحسينا كبيرا . لم يكن بروبوف يرضى ~~قط عن أي عمل تسلمه إليه، لدرجة أنها خشيت أن يلقى البحث مصير البضاعة الفاسدة، وعندما ~~أعادت الآن قراءة التقرير الذي كتبه حول بحثها الأخير، شعرت بالغضب المتراكم من تجربتها السابقة ~~يتصاعد داخلها. ما هذا إلا بروبوف، لا بد أن تفكر في حل ما؛ لأنه لن يهدأ إلا بعد أن تقبل كل ~~مقترحاته بلا تحفظات، ربما عليها أن تضيف على سطر المؤلفين شخصا الإنجليزية هي لغته الأم، ~~فهذا على الأقل كفيل بتهدئة ناشر المجلة. وجدت في سجل العناوين بحساب بريدها الإلكتروني عنوان ~~ماري كامبل في جوهانسبرج، كانت فاندا قد تفاهمت معها على نحو جيد في رحلة نيو مكسيكو، وهي يمكن ~~لها أن تنجح في التغلب على مبالغاته في التدقيق اللغوي في مدة وجيزة. كتبت لها بضعة أسطر ~~واستأذنتها أن ترسل إليها مسودة بحث للمراجعة، وفي المقابل ستذكرها فاندا على أنها مؤلف ~~مشارك. سعدت فاندا بهذه الفكرة الذكية وشعرت بالرضا عن نفسها، فهذا من شأنه أن يقلل من خطر ~~فذلكات أناتول بروبوف ويحصره في «خانة اليك». # الفصل الثاني والعشرون # | الدردشة # وصل رد الرسالة من جوهانسبرج فعلا قبيل مغرب نفس ms139 اليوم، وكانت تبدو ماري كامبل سعيدة ~~جدا بالطلب، كما أنها اقترحت على فاندا أن تلتقيا على الإنترنت في نفس المساء. جلست فاندا على ~~أرضية غرفة معيشتها واضعة ساقا على الأخرى، محملقة في شاشة الكمبيوتر المحمول الخاص بها. ~~دثرت نفسها بالبطانية الصوفية ولفتها على كتفيها، وضغطت يديها على فنجان شاي الأعشاب الذي ~~أعدته لنفسها. كانت شقتها باردة نسبيا، ومع ذلك فقد حاولت أن تهيئ لنفسها جوا مريحا، ~~فارتدت بنطال العدو ذا الفتحات، والبلوفر التريكو الواسع، وكانت تشعر بالسعادة لأنها ستتحدث ~~مع زميلتها العالمة المتخصصة، وفي تمام التاسعة سجلت نفسها في غرفة الدردشة المحمية التي ~~اقترحتها ماري مكانا للقائهما؛ ففيها - بحسب رأي ماري - ستتمكنان من الانفراد بنفسيهما. لكن ~~من يضمن ذلك حقا؟ لذا قررت فاندا أن تستعمل اسما مستعارا، ووجدت ماري في انتظارها ~~فعلا. # روبين ~~: ~~«هاي.» # ماري ~~: ~~«أووه، ما أجمل هذا! عصفور يزقزق ...» # روبين ~~: ~~«أفضل أن أبقى غير معروفة، إن لم يكن يضايقك ذلك.» # ماري ~~: ~~«هل بيننا أغنية مشتركة؟» # روبين ~~: ~~«في أقصى الجنوب يزداد المكان ضيقا.» # ماري ~~: ~~«سيتقلب ريتشارد فاينمان في قبره.» # روبين ~~(صوت طقطقة) ~~: ~~«سأهديه ورقتي البحثية بمجرد أن تنشر.» # ماري ~~: ~~«حسنا، هذا يكفيني. مرحبا بك. وبغض النظر عن غضبك بشأن مسودة البحث ... كيف أحوالك؟ ~~:-)» # روبين ~~: ~~«حالي حال من تغيب عنه الشمس وتنفد شموعه. ؛-)» # ماري ~~: ~~«عندنا تذوب الآن ...» # ماري ~~: ~~«... الشموع :-( روبين، ماذا أستطيع أن أقدم لك؟» # شعرت فاندا بالارتياح؛ إذ بدا أن ماري مدربة على هذا النوع من ~~الدردشة، كانت تعبر عن نفسها بإيجاز، وتستطيع التعامل بالاختصارات المألوفة، فتشجعت فاندا ~~على الدخول في الموضوع. # روبين ~~: ~~«يطالب الأستاذ المحكم أن يقوم شخص الإنجليزية لغته الأم بالتصويب اللغوي للبحث. ~~أسلوبه يذكرني بالأستاذ ... بروبوف >:-<» # ماري ~~: ~~«أناتول؟» # روبين ~~: ~~«أخشى هذا ...» # ماري ~~: ~~«إنه يكرهني. :-(» # روبين ~~: ~~« ~~(@@) ~~» # ماري ~~: ~~«لا، للأسف أنا لا أمزح، إنه يهاجمني في أي مؤتمر، ويرفض كل مسودات أبحاثي حين تواتيه ~~الفرصة لذلك. الآن أعرف معنى أن يكون للإنسان عدو لدود. وطبيعي جدا أن أي أحد يستطيع أن ~~يجد شعرة ما في طبق الحساء إن ms140 أراد. كل شيء مبني على انفعالات محضة ...» # ماري ~~: ~~«... لا بد أن شيئا ما قد حدث بعد نيو مكسيكو، لقد كانت علاقتنا طيبة هناك؛ لذا أنا لا ~~أعرف كيف أفسر المسألة. كنت أنت أيضا لا تزالين عنده في روتشيستر، ألم تلحظي شيئا ~~وقتها؟ هل وقع مثلا شيء على رأسه؟ # 6\ /) ~~» # روبين ~~: ~~« # 6\ /) ~~؟» # ماري ~~: ~~«نعم، فيل ... أو قام ثعبان ~~====3:> # بعضه؟» # روبين ~~: ~~«لم أشاهد هناك لا # 6\ /) ~~، ولا ~~====3:> ~~.» # روبين ~~: ~~«فقط # 8 ~~-)، ~~و ~~===XOo_|+ ~~.» # ماري ~~: ~~«؟؟؟» # روبين ~~: ~~«مرتدو نظارات شمسية ومتزلجو جليد.» # ماري ~~: ~~«متزلجو جليد؟» # روبين ~~: ~~«إنه يسافر، ويسافر، ويسافر، ثم يصطدم، ويتدحرج نازلا المنحدر ليستلقي ميتا أمام أحد ~~الجدران.» # ماري ~~: ~~... # ماري ~~: ~~«... على أية حال لم يعد في مقدورنا أن نعتمد على أناتول ... وإلا كنا ضحية جديدة من ~~ضحايا عصابه ... الآن خطر آخر ببالي ... هل تذكرين ريكاردو بانسيروتي؟» # روبين ~~: ~~«*< # 8 ~~-)؟» # ماري ~~: ~~«نعم، بالضبط، المهرج. لقد اختفت أعراض مرضه تماما . تخيلي ذلك! لا رسائل فاكس بعد ~~اليوم، ويشعر الآن وكأنه أصيب بالشلل. في الواقع لم يكن يعنيه سوى القائمة.» # روبين ~~: ~~«لا علم لي بذلك؛ إذ يبدو أني محبوسة هنا في حفرة بعيدة عن استقبال المعلومات. ~~:-|» # ماري ~~: ~~«لحظة من فضلك.» # انتظرت فاندا. المسألة أخذت تتعقد، ففي ظل ما حكته ماري عن علاقتها ~~ببروبوف، لم يكن ثمة جدوى أن تجعلها مؤلفة شريكة؛ فهذا من شأنه أن يهدد فرصها في نشر ~~البحث بالكامل. # ماري ~~: ~~«عدت. كان علي أن أنظف أنفي سريعا. أعرف أن الأمر يبدو ضربا من الجنون، لكن رائحة ~~البنفسج الدائمة هذه تصيبني أحيانا بالدوار ... أخ، من أين لك أن تعرفي هذا الأمر ... حاسة ~~الشم لدي بها اضطرابات منذ مدة ليست وجيزة ... في البداية فقدت القدرة على الشم تماما، ثم ~~عادت لكن كل شيء كان له نفس الرائحة ... الآن كل شيء يعبق برائحة اللافندر ... القهوة، الشاي ... ~~أمر ممكن تحمله ... لكن أكلاتي المفضلة من الأسماك أو النبيذ الجيد، صعب جدا ... في كل ~~الأحوال أفضل من أن أشم فضلات القطط باستمرار، إذ أتمنى أن تكون تلك المرحلة قد مرت بلا ~~عودة.» # دار رأس ms141 فاندا، هل هذه حقا ماري كامبل التي التقتها قبل عامين ونصف في ~~سانتا فيه؟ نقرت فاندا العلامة المعبرة عن حيرتها. # روبين ~~: ~~%-( # ماري ~~: ~~«نعم، كنت أنا أيضا في حالة اضطراب شامل، لكني تعودت ... أين توقفنا؟» # روبين ~~: ~~«بانسيروتي.» # ماري ~~: ~~«آه، نعم، القائمة ... كان سنايدر هو من جمعها ... بيتر سنايدر ... هل تذكرينه؟ كم كان ~~شابا ذكيا. غير مساره الوظيفي ببساطة، وأصبح الآن ناشطا في مجال حماية البيئة، وعنده ~~أخبار عن الناس، هل وصلك منه شيء؟» # روبين ~~: ~~«لا. :- # O ~~» # ماري ~~: ~~«قائمة بأسماء الحضور وورقة استبيان؟» # روبين ~~: ~~«أي حضور؟» # ماري ~~: ~~«غريب ...» # ماري ~~: ~~«... لا بأس، الأمر متعلق برحلة الحافلة، تلك الرحلة إلى «لوس ألاموس» ... لقد كتب لكل ~~المشاركين فيها يسأل إن كان أحدهم شاهد أمرا بالخارج ... أسئلة غريبة ... لكني لم أر شيئا ... ~~فقد كنت أثرثر طوال الوقت مع أناتول. :-(» # بدت ماري مشوشة الذهن. قالت فاندا ربما تبدو لي كذلك لأني لا يصلني منها ~~سوى هذه الجمل القصيرة، ربما كان الأفضل هو الاتصال الهاتفي، ففي الدردشة كثيرا ما تعاودها ~~لحظات الاضطراب التي تختفي سريعا تحت تدفق تيار المحادثة، وستعلق في ذاكرتها على أنها ~~ثغرات في المعلومات تسمح للخيال أن يلعب دوره في ملء فراغها، وهو أمر ليس جيدا بالضرورة؛ ~~لهذا قررت أن تسأل. # روبين ~~: ~~«هل أنت بخير؟» # ماري ~~: ~~«نعم عندك حق؛ يبدو الأمر ضربا من الجنون على نحو ما. ماذا يمكن أن تظني بي؟ لكن ~~بخلاف ذلك أنا بخير، حقا بخير. الأفضل أن تتوجهي مباشرة إلى سنايدر، سيمكنه أن يوضح لك ~~كل شيء، لقد حدث الكثير منذ أن التقينا آخر مرة ... أين تقع ماربورج أصلا؟» # روبين ~~: ~~«في الخارج تماما ... بعد الجبال السبع، عند الأقزام السبع ...» # ماري ~~: ~~«... تبدو وكأنها مدينة مسحورة ... هل عندك أحداث مهمة؟» # روبين ~~: ~~«أحلام كثيرة.» # ماري ~~: ~~«... و؟ هل تتحقق؟» # عادت لفاندا ذكرى الحلم الذي رأته في ليلتها الأخيرة في سانتا فيه. شخص ~~ما أراد أن ينبئها بأخبار مهمة، لكنه بمجرد أن فتح فمه لم يخرج منه سوى كلمات متفرقة، لم تكن ~~تتوصل لأي معنى. استيقظت ms142 من نومها في منتصف الليل. دفعها الاضطراب للخروج من سريرها بالفندق. ~~حاولت أن تتذكر الكلمات، لكنها كانت قد تبخرت. # روبين ~~: ~~«لا أعرف إن كنت أريد ذلك حقا. يطاردني الأمر أحيانا.» # ماري ~~: ~~«بدلي الأدوار، قومي أنت بمطاردة أحلامك.» # لم تجد فاندا في نفسها أية رغبة لمواصلة الحديث عن هذا الموضوع. # روبين ~~: ~~«سؤال ... هل اسم جونتر هيلبيرج موجود أيضا في تلك ... القائمة؟» # ماري ~~: ~~«نعم، الجميع، كل من كان هناك.» # روبين ~~: ~~«لكنه توفي!» # ظل السطر الأخير على الشاشة وكأنه أمر بالتزام الصمت. استغرقت ماري ~~وقتا إلى أن أجابت. # ماري ~~: ~~«هذا مريع!» # كانت فاندا تعد نقرات المؤشر على نافذة الكتابة. انتظرت. # ماري ~~: ~~«ماذا حدث؟» # روبين ~~: ~~«لا أعلم!» # ماري ~~: ~~«روبين علينا أن نتحدث هاتفيا ... علي أن أفكر أولا ... عندي إحساس غريب ... إن هذه ~~الأحداث ... ربما هي مرتبطة بعضها ببعض ... هل تذكرين العجوز الهندية التي رأيناها في الليلة ~~الأخيرة بالفندق في سانتا فيه؟ ... كانت تغني مثل عرافة ... لم يغمض لي جفن وقتها.» # روبين ~~: ~~«كيمياء دمي لا تميل للاعتقاد بقوى السحر.» # ماري ~~: ~~«هل تعتبرينني مجنونة؟» # روبين ~~: ~~«لا، لكن الأمر بالنسبة لي فيه خلط كبير، علاوة على ...» # ماري ~~: ~~«لا تشغلي بالك ... لا أريد أنا أيضا أن أمضي الوقت في الشكوى ... في الواقع كنا نريد أن ~~نتحدث بخصوص مسودة بحثك ...» # روبين ~~: ~~«لا أعرف إن كان مجديا، بعد أن حكيت عن علاقتك ببروبوف ...» # ماري ~~: ~~«... أرسليه إلي رغم ذلك، سأرى ماذا يمكنني أن أقدم لك. بالتأكيد سنجد طريقا، ربما ~~تستطيعين خلال هذه المدة أن تكتشفي السبب في موت الأستاذ هيلبيرج. اتفقنا؟» # روبين ~~: ~~«شكرا ... :-)» # روبين ~~: ~~«... لنتحدث عبر الهاتف، لكن متى؟» # ماري ~~: ~~«سأرد عليك قريبا.» # روبين ~~: ~~«تصبحين على خير.» # ماري ~~: ~~«إلى اللقاء.» # انقطع الاتصال، وظلت فاندا بمفردها. # سمعت نفسها تقول «عرافة!» ثم تهز رأسها. لم تتمكن من تذكر شيء، فغادرت بعدها هذه الغرفة ~~الافتراضية، وأغلقت البرنامج وأطفأت الكمبيوتر. # الفصل الثالث والعشرون # | القائمة # نظر الشرطي بارتياب إلى بطاقة الاسم المشبوكة على سترة فاندا. # وقال بحسم: «لا يمكنني السماح لك بالمرور»، ثم أزاحها جانبا، وأشار ms143 إلى مجموعة من التلاميذ ~~بالمرور من جانب الباب الوحيد المفتوح. كانت مجموعة لا بأس بها من الحراس الموكلين بحفظ النظام ~~قد اجتمعت حول هذه الفتحة الصغيرة التي يقف أمامها أسراب من البشر. # صاحت فاندا في الشرطي من فوق الرءوس المنتظرة أمام مدخل الصالة: «ما الخطأ إذن؟» ~~«بطاقات الاسم المكتوبة بخط اليد من اختصاص زميل آخر، سيأتي الآن.» كان الناس يتدافعون ~~ويخبطون بعضهم البعض من أجل استراق نظرة على الصالة من ثغرة المدخل. هل بقيت أماكن شاغرة ~~أصلا؟ حتى في الداخل كان الناس واقفين حتى كادوا يقتربون من الباب، وهذا كله بسبب أن رئيس ~~الوزراء سيكون حاضرا اليوم. كانت قد استمتعت اليوم ببعض الهواء النقي وقت استراحة الظهيرة، ~~وعندما عادت بعدها إلى مبنى المؤتمرات عبر الممر الذي أمنته الدولة، وجدت عربتي تشريفة ~~حكوميتين ذواتي زجاج داكن اللون تصطفان أمام المدخل الرئيسي. أما المدخل فحاصره متظاهرون ~~يرفعون أصواتهم بنداءات معارضة. كان رجال الشرطة مشغولين بالإبقاء على المتظاهرين في الخارج، ~~بينما يتدافع الزوار إلى داخل المبنى. # لهذا ساء مزاج فاندا كثيرا، وندمت لأنها سمحت لأندرياس بإقناعها بالخروج. كانا قد ركبا ~~القطار معا إلى مدينة جيسن. «النانو - هنا المستقبل» عنوان المعرض المقام هناك. تركت العمل ~~بالمعمل على حاله؛ إذ كان عليها أن تخرج في وقت ما، أما ذاك الخلل في وحدة حيوانات التجارب فهي ~~الشعرة التي قصمت ظهر البعير. كان الضغط عليها شديدا وكانت مستنفدة، والآن فإنها تقف في هذه ~~المناسبة الدعائية التابعة لولاية هيسن، ولا تعلم تحديدا أي شيء فقدت، فهي حقيقة لم تتسرب ~~إليها النشوة التي يعرض بها الصناع منتجاتهم، والأطباء يتصرفون وكأنهم يمسكون بأيديهم العلاج ~~الناجع لكل الأمراض، أما الساسة فكانوا يتحدثون عن فتح الأسواق وفرص العمل الجديدة، وكان حديثهم ~~على أحسن ما يكون. هي المذنبة إن كانت هذه الجهود تبدو لها كعرض سيئ. إنها تتدافع الآن مع ~~الزوار الآخرين من أجل الدخول إلى الصالة الكبرى التي ستعقد فيها الحلقة النقاشية التي ~~تعتبر تتويجا لليوم باشتراك رئيس الوزراء. تشتتت أفكارها وسط ms144 الزحام فلم تستطع التعرف على ~~نفسها. # أعطاها الشرطي الواقف على مدخل القاعة إشارة، فتوجهت إلى الرجل القصير ذي النظارة الكبيرة ~~الذي كان يدفع نفسه بين جموع المنتظرين. أومأ إيماءة قصيرة فسمح لفاندا بالدخول على الفور. هل ~~هذا كل المطلوب؟ لا بد أنها أخطأت فهم أمر ما، من الواضح أن المسألة تدور حول التخصص لا ~~الأمن. # اكتشفت فاندا وجود أندرياس بين المشاهدين، كان يستند بيده إلى الكرسي الشاغر إلى جواره ~~ويتلفت حول نفسه. «هل تسمح لي بالمرور؟ أووه، لم أكن أريد ذلك ... سترتك ... هل آلمتك؟ حقيبة ظهرك ~~عالقة فوق ساقي ...» وأخيرا. ~~«أرجو المعذرة»، حاول أن يقدم اعتذاراته «أفضل الأماكن كانت قد حجزت سلفا.» # غمزت بعينها قائلة: «الهروب من هنا ممنوع، لا فرق في أي مكان تجلس.» أطلت بعض شعيرات بنية ~~اللون على ياقة سترته فاتحة اللون. ترددت فاندا، إذ كانت المنطقة تجذبها كالمغناطيس ، كانت ~~تغريها بمد إصبعيها الإبهام فالسبابة وجذبها برقة. لمحة من لمسة ليس إلا، فارتسمت على شفتيه ~~ابتسامة. ~~«وأنا كنت أظن أنك ستقرصينني.» نتفت خيطا من كم سترة بدلتها، وأومأت. # تنهدت قائلة: «كان من الممكن أن يحدث. إنني أفضل زافير نايدو، هل يستطيع الغناء؟» ~~«من؟» ~~«رئيس الوزراء.» ~~«لا أعرف، ربما يجيد الطبخ.» # ما زال الناس يتدافعون للدخول إلى القاعة الممتلئة عن آخرها. تدريجيا أصبح المكان غير ~~مريح. كان رجال بسترات داكنة يمشطون الممرات التي بين الصفوف. بدوا لعينيها وكأنهم جنس مخنث ~~خليط من المرشدين شديدي اليقظة على المرافقين المستعدين لتقديم المساعدة. # سمعت هتافات المعارضين تتدافع إلى القاعة، فلم تشعر فاندا بالراحة وهي هكذا في موقع بين ~~الجبهات. كانت تفضل الوقوف في المدرجات الخلفية؛ إذ هي تجيد المراقبة في الوقت الذي تبقي فيه ~~عينا مفتوحة على سبيل الهروب، لكن هذه هي المرة الأولى التي تكون فيها في قلب الحدث. إنها ~~لتكاد تقف في البؤرة الهادئة لزوبعة عاصفة. كانت تحاول الانزواء قليلا. ظهر عدد من رجال ~~السياسة والاقتصاد على المنصة وبدءوا في اتخاذ مجالسهم، بينما عرضت من فوق رءوسهم صورة ~~وريقة ms145 البرسيم الرباعية التي تجلب الحظ. صفق الجمهور، وأغلقت أبواب القاعة الخلفية، إلا ~~أن ضربات الممنوعين من دخول القاعة كانت تقرع الأبواب كدوي الرعد. مع أي جانب أقف أنا حقا؟ ~~طرحت فاندا على نفسها هذا السؤال. # لقد أزاحت الصين ألمانيا إلى المركز الرابع في أوليمبياد النانو، بعد اليابان والولايات ~~المتحدة. هكذا بدأ المحاور الحلقة النقاشية بعد أن قدم الضيوف تقديما سريعا. جلسوا في نصف ~~دائرة، سبعة من الرجال شعث الرءوس كما لو كانوا في معركة. ألمانيا متقدمة في الشق البحثي، ~~لكنها بطيئة فيما يتعلق بالتسويق. كان الجميع متفقا على هذا؛ وعليه فيجب رفع كفاءتها في هذا ~~الصدد. كانت قرعات أيدي المستبعدين لا تزال تزلزل أبواب القاعة الخلفية. # ليس ثمة سيناريو آخر على طريقة التكنولوجيا الحيوية، كما قالوا. ~~«لقد غادر القطار بدوننا! وألمانيا فوتت فرصة اللحاق به؛ لأننا أمضينا وقتا طويلا على ~~مقاعد الانتظار نفكر ونعيد التفكير، ونختبر ونعيد الاختبار.» شعرت فاندا بالتوتر؛ إذ ظل موضوع ~~فئران التجارب لا يبرح بالها. فوتنا فرصة اللحاق بالركب؟ أنت فاندا داخل ذاتها، هذه هي بالضبط ~~مشكلتي حين تستمر التجارب على نفس المنوال، ثم يأتي أولئك المهتمون برعاية الحيوان؛ إذ اتصلوا ~~بها بالأمس وأخبروها بوقاحة أن أمرا ما غير سليم فيما يختص بالفئران، وأن عليها أن تراجع ~~الموقف بنفسها. لقد أصابتها نوبة غضب حينما رأت الحيوانات النافقة ... أمر غير سليم ... يا ~~لبلاهتهم! ... ألا يعرفون كيف يتكلمون؟ عشرة فئران تنفق بين عشية وضحاها؟ وكل هذا بلا أي سابق ~~مقدمات منذرة؟ هكذا ببساطة؟ لم تستطع أن تصدق ذلك. هل الزملاء في حظيرة الحيوان يلهون طوال ~~الوقت أم ماذا؟ كما أن الحيوانات المتبقية من التجربة الأخيرة لا تبدو على ما يرام، ربما أصيبوا ~~بنوع من العدوى. هكذا ظنت. ربما وباء خاص بالفئران. من يعلم؟ لم يكن أمامها خيارات أخرى. عليها ~~أن تقتلهم. وفجأة وجدت يوهانيس واقفا إلى جوارها قائلا: «سأقوم أنا بهذا!» لم يقل سوى هذه ~~الكلمات. نظرت إليه باستغراب. لقد تحدثت زابينة معه، ربما نشب بينهما سوء تفاهم. ms146 # قررت فاندا راضية أن الحديث مع صديقتها في هافانا كان مثمرا بالفعل، لقد اتفقت مع زابينة ~~على أخذ عينات من أنسجة الحيوانات المشتركة في دراسة شركة بي آي تي المتبقية قبل أن يرجع شتورم ~~من الولايات المتحدة. إن كان معنا في الموضوع فالأمر لا يتعلق بمجرد حفنة من فئران أقل أو ~~أكثر. # أضاف غامزا بعينيه: «الرئيس يعطيني بالتأكيد مكانة متميزة.» كان يوهانيس يريد أن تساعده ~~بيترا في العمل. رفض العمل مع فاندا لأنها كثيرة الحركة بحسب زعمه، وكم أوجعها ذلك الوصف! لكنها ~~لا تستطيع أن تنكر أنها غير قادرة على السيطرة على حركات يديها. كانت ترتعش، وحين تتوتر يظهر ~~ذلك جليا، مما يزيد من اضطرابها، وكلما زاد اضطرابها اشتدت رعشة يديها. هل لاحظ من ذلك شيئا؟ ~~كان يوهانيس ماهرا في استخدام مشرط التشريح، حتى لو كانا الآن يتعاملان معا مثل قط وكلب ، ~~فلم يكن لينتاب فاندا أي شكوك في أن يوهانيس هو خير من يقوم بهذه المهمة؛ ولهذا السبب لم تسأل. ~~أما هو فقد اقترح أن يرسلوا الأعضاء التي تم استخراجها لتفحص من قبل مختصين في علم ~~الأمراض الحيوانية. ~~«لا يمكن لألمانيا أن تتحمل مرة أخرى أن تفقد الريادة في تكنولوجيا أساسية.» عادت فاندا ~~لتنتبه لما يقال على المنصة. كان رئيس الوزراء قد وضع ساقا على الأخرى في الوقت الذي يفضي فيه ~~بقناعاته إلى الميكروفون: «نحن في حاجة إلى المزيد من الاستعداد لتقبل المغامرة»، وكأنه بهذه ~~الجملة قد أعطى الكلمة المفتاحية ليسود التوتر بين جمهور السامعين؛ إذ قد وقف بعضهم وأخذوا في ~~خلع معاطفهم، والآن فقط لاحظت فاندا أن بعض الزائرين وقفوا خلفها كذلك ونحوا ستراتهم جانبا، ~~وأنهم كانوا يرتدون ملابس سوداء تحت السترات. بدا الأمر لفاندا وكأنها في المسرح تحضر عرضا، ~~وأنها متشوقة في انتظار بدء الأحداث. كانوا منشغلين الآن بوضع نظاراتهم الشمسية، لحظتها سمعت ~~صفارة قصيرة فخرجت كوكبة من الشباب، عددهم أكثر من الثلاثين، انسلوا كالنمل من بين الصفوف. لم ~~ينبس أيهم ببنت شفة. بدوا وكأنهم يقومون بتوزيع ms147 شيء ما. ران الصمت على القاعة، حتى المحاور بدا ~~وكأنه قد تجمد، كان يحمل الميكروفون أمام فمه نصف المفتوح ويزدرد ريقه. # شيء ما لم يكن على ما يرام، لكن أحدا لم يتدخل. في هذه الأثناء كانت قوات حفظ النظام ~~مشغولة بتأمين أبواب القاعة ضد الضغط الواقع عليها من الخارج. ظل الناس جالسين، يتلفتون يمنة ~~ويسرة متسائلين، ثم يرفعون أكتافهم غير مبالين. بعضهم تنحنح في توتر، فيما ضحك البعض الآخر ~~ضحكا مكتوما. المكان الذي كان يجلس فيه رئيس الوزراء أصبح الآن شاغرا، ووريقة البرسيم ~~المعروضة على المنصة اختفت وظهرت بدلا منها عبارة: «نحن نحذركم! لا سيطرة للجنون التكنولوجي» ~~مكتوبة بحروف سوداء بالخط العريض. أما علامة التعجب فكانت تحتها نقطة حمراء كبيرة. لقد تمكن ~~المعارضون إذن من اقتحام القاعة رغم أنف الاحتياطات الأمنية، ومن كل الاتجاهات انساب الأشخاص ~~المتلفحون بالسواد حتى منتصف القاعة. لم يكن قد مر أكثر من دقيقتين على الأكثر منذ بدء ~~العملية، إلا أن الهدوء جعل الوقت يمتد وكأنه شريط مطاطي. صفارة أخرى فمضى الجيش الكئيب بحسم ~~إلى الخلف، وانقسم إلى مجموعتين أمام المنصة تستهدف كل واحدة منها مخارج القاعة. اصطدموا ~~بقوات حفظ النظام أمام الأبواب الموصدة. صاح أحدهم: «لا تخدعنكم عيونكم!» حاول شرطيان سحب ~~من قال ذلك خارج المجموعة. كان يقاوم رافعا ذراعيه عاليا ويصيح: «لا تلمسوني.» اقتربت مجموعة ~~النشطاء بعضها من بعض وأخذت تضغط ككتلة داكنة على أبواب الخروج. كانت فاندا لا تزال مبهورة بذاك ~~الشيء الصغير الذي دسه لها أحدهم في يدها اليمنى أثناء العملية: كان زرا أحمر أملس. تعرفت ~~عليه من فورها؛ كانت قد رأته قبل عشرة أيام كاملة إلى جوار الكمبيوتر المركزي. كان النموذجان ~~متطابقين. ~~«عملية ممتازة» سمعت أندرياس يقول ذلك، وكانت عيناه تلمعان. «كان الأمر يستحق مشقة الحضور ~~لهذا السبب وحده.» أومأت فاندا وأشارت إلى الزر البلاستيكي الذي في يدها. ~~«هل رأيت هذا من قبل؟» # هز أندرياس رأسه بالنفي. في هذه الأثناء كانت أبواب الصالة قد فتحت على مصاريعها، كما قام ~~أحدهم بإطفاء ms148 جهاز العارض الضوئي. توقفت الحلقة النقاشية التي على المنصة، وأخذ الحضور ينضمون ~~لمجموعات صغيرة يتناقشون فيها فيما هم ينسحبون ببطء إلى خارج القاعة. # اقترح أندرياس: «دعينا ننتظر لوهلة.» فأومأت فاندا موافقة، وكانت ترى البشر المتدافعين ~~على المخرج. لم يكن بها أي رغبة أن تنضم لهذه الجموع. # ثم سألت: «وبخلاف هذا؟ هل كان الاجتماع مفيدا لك على أي نحو بخلاف هذا؟» ~~«الكيفية التي يعملون بها الآن مثيرة لاهتمامي.» كان هذا رأي أندرياس، «فالمواطن الواعي يقف ~~الآن في بؤرة اهتمامهم، تماما كما تقترح التوجيهات الصادرة عن الاتحاد الأوروبي.» # بدأت فاندا تنفس عن غضبها قائلة: «وهل تعتقد حقا أن هذه معلومات؟» كان توتر الدقائق ~~السابقة لا يزال عالقا بمفاصلها، وكانت تبحث له عن مصرف. «إن كل شيء يبدو لي وكأنه لعبة ~~استغماية مليئة بالخدع. قل لي بالله عليك، متى تم هنا من قبل النقاش مع الناس ~~علانية؟» ~~«رغم كل شيء ما زال الاتحاد الأوروبي يتبنى خطابا اجتماعيا، في المقابل فإن تقرير ~~المؤسسة القومية الأمريكية للعلوم عن الإن بي آي سي يبدو وكأنه ضرب من الخيال العلمي.» ~~«إن بي آي ... ماذا؟» ~~«تقريب التكنولوجيات من أجل تطوير الأداء البشري. يستعرض هذا التقرير صورة بانورامية ~~لمسودة نظرية تطور جديدة. تطوير الفرد، والإنسانية، والثقافة والتكنولوجيا، بحيث توضع ~~جميعها في سياق متصل، وما عليك سوى قراءة رأي كورتسفايل لتعرفي كيف يفكرون، أو فلتسمعي لصديقك ~~توماس؛ إذ يبدو أنك تصدقينه في كل ما يذهب إليه.» تجاوزت فاندا عن الهجوم المضمر، وردت بنبرة ~~أهدأ: «رغم ذلك أفتقد هنا الحجج المقنعة، فمن ناحية تريد التكنولوجيات الجديدة حماية البيئة ~~والموارد، لكن من ناحية أخرى يظل النمو الاقتصادي هو الهدف الرئيس.» ~~«وهذا مع انخفاض مستويات جودة الحياة.» ~~«بالضبط، أين إذن في هذه المهزلة ذاك الإنسان الذي يريدون رفع وعيه؟» لقد وصلت الآن لنقطة ~~لا تستطيع معها كبح جماحها، فاستطردت: «ما الأسوأ: الأزمة الاقتصادية أم تلوث البيئة؟ من بوسعه ~~اليوم أن ينظر للأمرين بوصفهما منفصلين أحدهما عن الآخر؟» كان ردها على سؤالها، «أنا أيضا ms149 ~~يطلب مني الإفصاح عن حقائق حين أعلن أن مادة ما تعد مادة سمية.» # وضع يده على ذراعها بحذر. # قال لها مبتسما مهدئا: «على الأقل أنت تفعلين الصواب.» إلا أن نظرته التي تشبه نظرة كلب ~~من فصيلة الدشهند جعلتها تستشيط غضبا. هل كان يسخر منها؟ قالت ثائرة: «إنه نفس القرف يتكرر في ~~كل مرة.» سحب أندرياس يده ثانية، واصلت حديثها الغاضب قائلة: «الناس حمقى، لماذا لا نضع كل ~~أوراق اللعب على الطاولة، ونقول لهم بصراحة إننا ما زلنا في مرحلة البداية؟ لم هذا الضغط ~~بخصوص فرص التسويق؟ في نفس الوقت نحن في حاجة للتكنولوجيا من أجل قياس المخاطر، فهنا يكمن ~~مستقبلنا، بدلا من ذلك لا نقوم إلا بتقليد الأمريكيين!» ~~«هل تقصدين أننا لن نكون سوى أمريكيين سيئين؟» # تنهدت فاندا. ~~«قضيت مدة هناك، وأعجبني الكثير، لكني لم أستطع التواؤم هناك بشكل كامل.» ظلا لبعض الوقت ~~في المؤتمر، يتجولان بين أروقة المعارض الصناعية، واستمعا لبعض الكلام يلقى في جلسة هنا أو ~~هناك، لكن فاندا كانت غارقة في أفكارها، فلم تكن منتبهة بالقدر الكافي. يا ترى ما أخبار ~~يوهانيس وبيترا في التشريح؟ لا بد أنهما انتهيا منه في هذه الأثناء. ~~••• # وحين عادت هي وأندرياس إلى ماربورج في المساء أرادت فاندا التوجه إلى منزلها على الفور، أما ~~كون أنها صاحبت أندرياس إلى منزله، فلم يكن لذلك علاقة بشاي اليوجي الذي وعدها بتحضيره لها من ~~أجل أن يعوضها عن الإحباط الذي صادفته اليوم، بل الأرجح كان الدافع هو فضولها أن تعرف كيف يعيش، ~~علاوة على ذلك أرادت أن تجد فرصة سانحة تطبق فيها نصيحة ماري كامبل وتسأله عن ~~والده. # كان أندرياس يقطن في الضاحية الجنوبية. صعدا بيت السلالم الضيق من المبنى القديم حتى أعلاه ~~إلى أن توقفت الدرجات. أنت ألواح خشب الأرضية بمجرد أن دلفا إلى العلية. استقبلهما دفء ~~مريح، فخلعت فاندا معطفها وتشممت، فصعد إلى أنفها عبق توابل. # لم يقل سوى: «ناج تشامبا ... أصلي من الهند.» # وبسرعة سبقها ليشعل النور. كانت كل الأبواب المطلة على ms150 الطرقة مفتوحة عدا واحدا. وقع نظرها ~~على ملصق لبيبيلوتي ريست. ساقا امرأة تتدليان بسعادة من مجموعة أوراق شجر متداخلة. كانت مجرد ~~نعومة اللقطة كافية لإضفاء الإثارة على الصورة الفوتوغرافية. كانت الصورة تضيء الجدار ذي اللون ~~الأحمر المحروق؛ درجة الطوبي التيراكوتا؛ لونها المفضل. أسفل الصورة طاولة يصل طولها بالكاد ~~إلى الركبة يزين خشبها زخارف فنية، ارتفع عليها تمثال من البرونز في حجم هرة، يمثل نصف ~~امرأة ونصف شاب في جلسة اللوتس، والمرأة رافعة يدها بالتحية. أشارت فاندا بحياء: «هل هي ربة؟» ~~فعند قدميها طبق صغير به رمال منغرسة، بها أعقاب أعواد بخور لا تزال مشتعلة. ثمة امرأة تسكن ~~هنا. كانت هذه هي فكرتها التالية، وظل فضولها معلقا بالباب المغلق. لماذا لم أمعن النظر على ~~البطاقة التي إلى جوار جرس الباب؟ لم يكن ليفوتني أمر كهذا في السابق. لم تتدرب كفاية على مثل ~~هذه المسائل. خرج الآن صوت نسائي من الغرفة التي دخل إليها أندرياس. «... لم ألحقه ... سأتصل ثانية ~~... قبلاتي» ... بدا الصوت متقطعا لكنه شاب وحيوي، ثم صوت رنين ماكينة. لقد كان صوت ماكينة الرد ~~الآلي، فكرت فاندا بارتياح. انتظرت، ثم في لحظة ما أطل عند الباب. ~~«هل تريد أن تغرس جذورا ما هنا؟» قالت فاندا، وأشارت بذقنها إلى التمثال. ~~«هذه سيتاتارا.» قال أندرياس موضحا، «تارا البيضاء، وهي تعبر عن الحياة المديدة.» اختفى ~~ثانية في غرفته، فتبعته فاندا. # رغم كبر حجمها فإن الغرفة بدت كئيبة لفاندا. كانت تحوي نفس السحر المنبعث من المكتبات ~~الخاصة التي يعلو رفوفها التراب. كانت الجدران مغطاة بالكامل بالأرفف المكتظة بالكتب. سرعان ما ~~عرفت أن الكثير منها ما هو إلا شرائط فيديو وسي دي ودي في دي. كان غطاء سرير قطني ملون ملقى بلا ~~ترتيب ليغطي الفراش في ركن الحجرة، إلى جواره أجهزة استيريو. أنصتت فاندا إلى اللحن الثقيل ~~نوعا ما الذي بدأ يملأ الغرفة. أغمضت عينيها. شعرت فاندا بغناء المطربة يسقط على جسدها مثل ~~زخات مطر صيفي، في حين تغلغلت شكواها التي بدت مألوفة حتى نخاعها. شعرت ms151 بدفء جسده وراءها ~~وبأنامله تمسد رقبتها برقة. # قالت هامسة: «مثل السفر البعيد ... ما هذا؟» ~~«مادريديوس»، أعجبها وقع صوته. لم تتحرك وظلت تستمتع بالتلامس الرقيق، مدة بدت كالأبد. في ~~وقت ما فتحت عينيها، وشدت ظهرها وتنهدت بمتعة. أتته نظرتها من بعيد حين تأملته. ثم سألت: «وأين ~~الشاي؟» فأومأ معتذرا، وقال: «سيستغرق إعداده بعض الوقت، فلتأخذي راحتك حتى أنتهي.» ثم اختفى ~~في المطبخ. # أخذت فاندا تمر بنظرها على الأرفف. وجدت أعمالا من تأليف برتولت بريشت، وفريدريش دورينمات، ~~وجوتهيلف كيستنر، وماري لويز كاشنيتس، تلك الأسماء التي رافقتها فترة المدرسة. عرفت أيضا هنينج ~~مانكل بعد ذلك، لقد قرأت تقريبا كل رواياته البوليسية، لكنها لم تعد تتذكر تفاصيلها. كانت ~~تقرأ كل يوم خمس صفحات في الفراش إلى أن تغمض عينيها. لم تتمكن قط من قراءة المزيد. ستين ~~نادولني؟ سمعت الاسم من قبل. أورهان باموق، فرفعت كتفيها وتركت رقبتها تغطس بينهما، إن زابينة ~~على حق، إنها فعلا تعاني من ثغرات معرفية، ولا تملك أي حاسة ثقافية، كانت لها بعض الاهتمامات ~~الأدبية، لكن فقط كهواية ينبغي أن يتوفر الوقت الكافي لها، وهي لم يكن لديها وقت إن أرادت أن ~~تنجز عملها بشكل معقول. ربما في بضع سنين. اكتشفت عقدا خشبيا معلقا على باب خزانة ~~الملفات، وحين أخذته طارت ورقة على الأرض. انحنت لتلتقطها، وبينما كانت تعاود النهوض بالورقة في ~~يدها انزلقت نظرتها على الكلمات المطبوعة. هيلبيرج، كامبل، بانسيروتي، بروبوف، سنايدر ... كانت ~~تعرفهم جميعا. ظلت عيناها معلقتين على السطر الأخير. تدافع الدم إلى رأسها؛ فقد قرأت اسمها هي، ~~بدا وكأنه محشور في غير موضعه وبعيد جدا. داهمها خليط عجيب من الإحباط والغضب؛ فكالمعتاد تأتي ~~دائما في آخر الأمر. # الفصل الرابع والعشرون # | الزر الأحمر # كلما عادت بذاكرتها للوراء، وجدت نفسها دائما ما تأتي في آخر القائمة. بدأ ذلك منذ أيام ~~رياض الأطفال. «عليك التحلي بالصبر إلى أن يأتي دورك»، كم كانت تكره هذه التوجيهات. كانت لا ~~تزال تحملق في قائمة الأسماء التي بيدها. إنها بلا شك القائمة نفسها التي ms152 تحدثت عنها ماري، لقد ~~أرسلها بيتر سنايدر للجميع. لماذا لم تحصل على واحدة؟ ومرة أخرى تكون هي آخر من يعلم، حتى ~~أندرياس عنده واحدة، أم ربما كانت القائمة هنا بالفعل من أجل هيلبيرج، جونتر هيلبيرج؟ تحدثت ~~ماري أيضا عن استبيان. ألقت فاندا نظرة أخرى على الأرض، ثم على خزانة الملفات، لم يكن هناك ~~سوى هذه القائمة. ما نوع الأسئلة التي ذكرتها ماري؟ لم تتمكن فاندا من التذكر. رأت الصليب ~~المطبوع بالخط العريض إلى جوار اسم هيلبيرج. من الذي وضعه هنا؟ سمعت صوت طقطقة قادمة من ~~المطبخ، كما هلت روائح القرفة والقرنفل. شعرت فجأة بالبرد وارتعشت يداها. وبحذر أعادت تعليق ~~العقد الخشبي على الخزانة، لكنها أبقت على الورقة في يدها. وجدت معطفها في الطرقة فطوت الورقة ~~ودستها في جيب المعطف وغادرت الشقة. اصطفق الباب وهو يوصد وراءها، فاستدارت حين وصلت إلى ~~صندوق البريد لتقرأ البطاقة فوجدت تحت اسم أندرياس هيلبيرج اسم لاريسا زخارياس. # فعلقت تعليقا خاطفا: «اسم فنانة.» # في وقت ما بينما هي في الطريق انطلق رنين هاتفها المحمول فقامت بإغلاقه. # وحين وصلت إلى المنزل وجدت ظرفا أبيض اللون في صندوق بريدها، كان يحمل ختم طبيب الأسرة. ~~وضعته في المطبخ مؤجلة فتحه لفرصة أخرى إلى جوار القائمة، سيكون لديها وقت لهما حتى الغد. ~~وبينما كان النعاس يداعب جفونها، رأت الصليب عريض الخط وكأنه قفز من القائمة ليستقر مباشرة على ~~جبينها، فهبت فزعة. اللعنة، لقد نسيت أن أسأل عن وفاة جونتر هيلبيرج، ثم غطت وجهها بالبطانية ~~وهي تفكر، وما يعنيني في الأمر؟ ثم غطت في سبات عميق على الفور. ~~••• # في صباح اليوم التالي دس يوهانيس رأسه في فتحة باب مكتبها. كل شيء يسير وفق الخطة، فعينات ~~الأنسجة تم تخزينها في سائل الحفظ اللزج. ماذا تريد أن تفعل بها؟ لم تكن فاندا تعرف بعد. كانت ~~تحتاج متخصصا في تحاليل الجزيئات الحيوية. عرض يوهانيس عليها أن يحاول بنفسه. كلا. كان رفض ~~فاندا قاطعا، لا يمكن إجراء التحليل في نفس القسم. الأفضل هو تكليف معمل ms153 مستقل بهذه المهمة. ~~شخص لا يعلم عما يدور الأمر. عم تبحثين تحديدا؟ كان لا بد من التفكير المتأني في هذه ~~المسألة، لم تكن فاندا تريد إفساد شيء باندفاعها ... فلتتحدث مع زابينة أولا. # سمعت خطوات توقيعية ترن في الطرقة. لقد عاودت «المتصابية» بونتي ارتداء حذاء عالي الكعب، ~~إذن لا بد أن الرئيس قد عاد في موعده. # همس يوهانيس وهو يبدي وجها تآمريا: «لا علم له بشيء البتة.» # ردت فاندا بثقة: «إذن أنا عندي ميزة.» كانت قد قررت صباح اليوم وهي تغسل أسنانها أن تبادر ~~بالهجوم. كانت لا تزال مشحونة جراء الأحداث التي وقعت في وحدة تجارب الحيوان، وكان على شتورم ~~الآن أن يتصرف. ~~«قل لي كلمات مشجعة!» # رد يوهانيس: «أنت تحققين دائما كل ما تعقدين عزمك عليه، أجهزي على شتورم!» # دخلت فاندا حجرة الانتظار المفضية إلى مكتب الرئيس دون أن تستأذن، كانت السيدة بونتي تتحدث ~~في الهاتف ونظرت إليها متسائلة. مطت فاندا شفتيها بالعرض قدر ما تستطيع وأملت أن تبدو ~~ودودة. # همست وأشارت إلى مكتب الرئيس: «علي أن أقابله. ضروري.» وجرت ببساطة في اتجاهه، كان الباب ~~مواربا. كان شتورم يحدق في شاشة جهاز الكمبيوتر الخاص به حين دخلت فاندا إلى الحجرة. # قال دون أن يحول نظره من الشاشة: «من فضلك ضعي الشاي على الطاولة.» # تنحنحت فاندا. «صباح الخير يا سيد شتورم» عمدت تجنب ذكر لقبه العلمي. # نظر شتورم مفزوعا وقال: «آه هذا أنت. من الجيد أنك حضرت. اجلسي.» # انزلقت فاندا على كرسي الضيوف وبدأ غضبها يضرب بجناحيه استعدادا للتحليق. ~~«كانت رحلة بوسطون ناجحة أيما نجاح.» بادرها شتورم مقتحما ترددها. نستطيع الآن أن ننشر ~~النتائج، أريدك أن تسافري إلى برلين في نهاية يناير حيث المؤتمر السنوي. علينا أن نعرض النتائج ~~هناك. ~~«لكن المهلة الممنوحة للتقديم ...» قاطعها قائلا: «انتهت منذ مدة طويلة ... أعرف ذلك ... لقد ~~سويت كل تلك المسائل، وستقومين أنت بإلقاء المحاضرة.» # أخذت فاندا نفسا عميقا. ~~«أرى أن زابينة ميرتينز هي الأولى بذلك.» فاجأها الثبات الذي بدا في صوتها. ألقى شتورم نظرة ms154 ~~على الشاشة وظل مدينا لها بإجابة. # خفق قلب فاندا، ثم قالت بصوت عال نوعا ما: «ثمة مشاكل في وحدة تجارب الحيوان.» نظر إليها ~~شتورم مستفهما. ~~«الفئران في سلسلة تجاربي الأخيرة تموت مثل الذباب؛ ربما أصابها وباء.» ~~«ماذا تنتظرين إذن؟ اقضي عليها جميعها، أعلني حجرا صحيا. افعلي أي شيء قبل أن ينتشر ~~الوباء، فالأمر يقع تحت مسئوليتك.» # قالت وهي تراقبه بانتباه: «هل ينطبق هذا أيضا على الحيوانات المشاركة في دراسة شركة بي آي ~~تي، فمنها بدأ الوباء.» اندهشت لسماع نفسها، وتعجبت أن طرأت هذه الفكرة على بالها، أما هو فكان ~~يحدق فيها وهي لم تبعد ناظريها عنه. رد بحسم: «إذن سأتولى أنا هذا الأمر.» أومأت فاندا ~~موافقة. ~~«لقد تم بالفعل التكفل بكل شيء كما تم حرق الجثث أمس.» استند شتورم بظهره إلى الكرسي ~~وترك ذراعيه تهبطان، فيما كان يتأملها مفكرا. # قال بنبرة محايدة : «لقد فعلت الصواب.» اندهشت فاندا؛ هل كان الأمر بهذه البساطة؟ لقد ~~صدقها. بالطبع كان ما تقوله حقيقيا، في جزء منه. كانت نصف الحقيقة. ربما كان من الأجدى ~~اكتساب ثقته بدلا من خوض حرب ضده، حتى لو بدت أمام نفسها كخائنة سيكون من الأفضل المناورة معه ~~لو بقيت تحت جناحه. على أية حال، فإنها لم تكن لتتحمل الصدام معه طويلا، ويكفي أن زابينة ~~طردت فعلا. # سألها فجأة: «كيف حال رقبتك؟» # أدارت فاندا رأسها. # أجابته مبتسمة ثم نهضت: «على خير ما يرام، فك تصلبها من تلقاء نفسه ... آه. محاضرة ~~برلين. متى موعدها تحديدا؟» حين عادت فاندا إلى مكتبها لم تتمكن رغم انتصارها من التمتع ~~بالهدوء. # سألت الكمبيوتر الخاص بها: «هل أنا خائنة؟» قررت منذ ذلك اليوم أن تطلق عليه اسم رودي ~~تيمنا بالزميل الذي أهداها البرنامج التفاعلي. كانت تفضل ألا تأخذ رودي على محمل الجد؛ فقد ~~كان هذا أفضل من أن تعترف لنفسها أن رودي الآن هو الوحيد الذي يتمتع بثقتها غير المشروطة، ربما ~~يرجع ذلك إلى بساطته، وإلى السعادة التي يضفيها على يومها حين تجري تجارب بلا رقابة حين ms155 تغذيه ~~بالمعلومات. أما شعورها الخفيف بالانزعاج من هذا النوع الغريب من التسلية، فسرعان ما كانت تنحيه ~~جانبا. كانت تعتبر رودي شريكها، وهو شعور لم تكنه لأي من زملائها ولا حتى المقربين ~~منهم. كانت الإجابات الموضوعية التي يمدها بها الكمبيوتر تشعرها بالأمان، فهنا كانت تسمح ~~لنفسها أن تعبر عن ذاتها بحرية وهدوء بال، وبالطبع كانت تعي تماما أن أي شبكة معلومات لا ~~يمكن أن تكون مؤمنة بشكل كامل، إلا أن حاجتها لحليف كانت تفوق مخاوفها. # وكالعادة تلقى رودي تقريرها حول الأيام السابقة بلا تعليق. تمسكت فاندا بسرد الحقائق: ~~الرسائل الإلكترونية المتبادلة بين صديقتها وبين عالم البلورات الشهير، الفئران النافقة، ~~الأسماء التي على القائمة التي وجدتها عند أندرياس. وحين أتت على سيرة بانسيروتي ذكرت أنه شفي ~~من متلازمة توريت، وعند جونتر هيلبيرج كتبت أنه توفي في ربيع عام 2005. لم تكن راضية. كانت ~~مدخلاتها تفتقر إلى الدقة، وكان يتحتم عليها جمع المعلومات بشكل أفضل، لكن أنى لها أن تفسر ~~لأندرياس هروبها المفاجئ مساء أمس؟ لم تفهم نفسها، وبدا الأمر كرد فعل لا إرادي. وقع نظرها على ~~الزر الأحمر البلاستيكي، الغنيمة التي جنتها من جيسن. ظل قابعا إلى جوار الدوارة مثل ~~التعليمات. ببضع نقرات على فأرة الكمبيوتر اتصلت بالإنترنت ودخلت على محرك البحث. لم توصلها ~~كلمات البحث الأولى إلى شيء. فتحت «النقطة الحمراء» فوجدت روابط معرض أثاث حجرات النوم، ورابطة ~~لحماية الحيوانات من التجارة الخاصة بحدائق الحيوان، وموقعا حول البقع الحمراء الناجمة عن ~~إزالة الشعر، ومجموعات مساعدة ضد لدغ الحشرات أو النمش. أما في الموسوعة الحرة، ويكيبيديا، فقد ~~وجدت أن النقطة الحمراء حركة تشكلت ضد رفع أسعار المواصلات في نهاية الستينيات، وكذلك اسم مجرة ~~بعيدة بعدة سنوات ضوئية عن الأرض، ظهرت كبقعة حمراء التقط صورتها التليسكوب الفضائي هابل. جربت ~~فاندا البحث باستخدام كلمة «زر أحمر» فوصلت إلى عدة صفحات تطالبها بالضغط على زر للطوارئ لتبدأ ~~نهاية العالم إن أرادت. لكن أيا من هذه الأزرار لم يكن يشبه الزر المستلقي إلى جوار الدوارة. ~~كانت إحدى ms156 تلك الصفحات مكتوبة بالإنجليزية مما هداها إلى فكرة؛ إذ وجدت الترجمة الإنجليزية ~~لعبارة «زر أحمر» # Red Button # على القدر نفسه من الشيوع الذي ~~تتمتع به قريبتها الألمانية، وحين أوشكت فاندا على الاستسلام وجدت في الصفحة الثالثة الرابط ~~الذي يحيل إلى الصفحة الرئيسة لجماعة نشطاء الزر الأحمر. نقرت الرابط فظهرت لها صورة مثالية ~~لقرية هندية في الصيف منعكسة بصورة رائعة على بركة نصف دائرية، وبدأت حروف «والدن ...» المائلة ~~بيضاء اللون تظهر على الشاشة وكأن يدا خفية تكتبها فوق الصورة المعبرة. كانت الكلمة تنزلق على ~~سطح الماء مثل زورق صغير، وكان ذلك يشير إلى الصفحة التالية التي تعرف فيها الجماعة نفسها، ~~كانت تسمي نفسها «والدن أربعة»، وتسترشد بأعمال فيلسوف الطبيعة الأمريكي هنري ديفيد ثورو. كان ~~الحصول على مزيد من المعلومات يتطلب من الزائر أن يسجل نفسه. علمت فاندا على الصفحة بعلامة ~~القراءة؛ إذ كان ما رأته هنا يكفيها في الوقت الحالي. حملت الزر الأحمر ووضعته قبالة الشاشة. ~~كانت النقطة الحمراء التي تومض بالخط العريض تشبهه بدرجة جد كبيرة. # الفصل الخامس والعشرون # | فلفل وبسكويت الحظ # أشرقت الشمس صبيحة الأحد على أسطح المنازل المنثور فوقها الصقيع مثل مسحوق أبيض كثيف. كانت ~~السماء شاحبة الزرقة واعدة بصباح خلاب. غادرت فاندا شقتها حين اقتربت الساعة من العاشرة. ركضت ~~على الجسر المطل على مقهى روزينبارك المؤدي إلى ضفة نهر اللان وانحنت عند طريق الدراجات الذي ~~يتجه نحو الجنوب مارا بمحطة القطار. بدا كل شيء مختلفا عما علق بذاكرتها. كانت قد ركضت هنا ~~آخر مرة في الربيع قبل أن تستلم عملها بالمستشفى التعليمي، مرت ستة أشهر منذ ذلك الحين. كان ~~عليها أن تفكر في مسارها الجديد القصير عبر الغابة التي حل عليها فصل الخريف. بدت الأشجار وكأن ~~أحدهم كنس كل أوراقها، بينما تمطى النهر عن يمينها متخذا انحناءة كبيرة. ما زالت بعض قطع ~~الملابس التي جرفها الفيضان عالقة بالأغصان السفلية للأشجار، في حين أبعد نباح الكلاب بعض الإوز ~~على صفحة الماء الشاحبة. قررت فاندا أن تمنح اليوم نفسها ms157 إجازة؛ وسيكون هذا هو اليوم الأول لها ~~منذ عدة شهور. سيفيدها ذلك؛ فهي تقاوم منذ عدة شهور إحساسها الدائم بالإنهاك، لن تتمكن من ~~مواصلة تلك المقاومة إلى الأبد. كان للآخرين أسرهم وأصدقاؤهم وهواياتهم، أما هي فلم يكن لديها ~~سوى عملها. # كانت تنتظر مكالمة من ماري كامبل قرب الساعة الثانية. أعطتها فاندا رقمها الخاص ليتمكنا من ~~الحديث في المنزل دون إزعاج. كانت ماري قد أرسلت لها الاستبيان الخاص ببيتر سنايدر بالبريد ~~الإلكتروني، لكن فاندا أيضا لم تتذكر أحداثا خاصة وقعت في أثناء رحلة الحافلة إلى لوس ألاموس؛ ~~كان الأمر قد وقع منذ مدة طويلة، بدلا من ذلك فإن مسألة الزر الأحمر لم تكن تفارق ذهنها، إلا ~~أن شيئا ما منعها من أن تسجل نفسها على الصفحة الرئيسية لجماعة «والدن أربعة». صحيح أن وجه ~~الجماعة يبدو مسالما، إلا أن العملية التي نفذوها في جيسن أيقظت حذرها ، وهي لم ترد بأية حال ~~أن تدخل إلى دوائر مناهضة للدستور، وأرادت أولا أن تستعلم من مصادر أخرى. كان إحساسها ينبئها ~~أن يوهانيس لا بد وأنه يعلم المزيد عن هذا الأمر. ما زالت تذكر جيدا شكل وجهه حين عرضت عليه ~~الشارة الحمراء بعد المداهمة التي تعرضا لها في غرفة الكمبيوتر. كان يبدو لا مباليا على ~~نحو غير عادي، كما أن الأمر الذي يثير ريبتها الآن، هو أنه لم يكن فضوليا على الإطلاق. كيف ~~لم تواتها هذه الفكرة من قبل: أن يكون يوهانيس ناشطا متنكرا في مجال حماية البيئة؟ لكنه هو ~~نفسه كان ضحية ذاك المجهول المشئوم. لماذا تفكر دائما أنه لا بد أن يكون ذاك المجهول رجلا؟ ~~رغم كل شيء عليها أن تجد طريقا لمواجهة يوهانيس. الأفضل هو مفاجأته أمام شهود بالمعلومات التي ~~تعرفها حتى الآن. # كما أنها لم تتمكن من جمع كثير من المعلومات من أندرياس؛ إذ كان لا يزال غاضبا منها لأنها ~~تركته وهو يعد شاي اليوجي. لم يتمكن من استيعاب الصدمة التي ألمت بها بعد رؤية القائمة، ~~وحكى لها بتردد عن الأسابيع الأخيرة ms158 من حياة جونتر هيلبيرج. كان الأمر يبدو وكأن روحا شريرة ~~سكنت عقل والده. كان ميل أندرياس للتفسيرات الغيبية يلقي ظلالا سوداء على مسار الأحداث التي ~~أدت إلى انهيار جونتر هيلبيرج المفاجئ، حتى توقفت فاندا في وقت ما عن محاولات اقتحام نفسه. لم ~~يكن أندرياس قد ابتعد عن الأحداث إذ كان لا يزال أسير أحزانه، كما أن نتيجة التحليل الباثولوجي ~~لم تظهر بعد. لقد استغرق الأمر أمدا أطول مما ينبغي في رأي فاندا، الأمر الذي دعاها إلى نصح ~~أندرياس بأن يسافر إلى ميونخ لمعاودة استطلاع المسألة. # أخيرا أصبح حي المحطة وراءها. سعدت فاندا أن انتهت تلك المرحلة من سيرها التي تغطيها أكوام ~~من زجاجات البيرة والويسكي الفارغة، ليبدأ الجزء الجميل من نزهتها، فالطريق يسير بمحاذاة نهر ~~اللان في اتجاه الجنوب. كان البخار الخفيف المنبعث من فمها يتكاثف في الهواء البارد كالجليد ~~ويضفي سحرا فضيا على منظر الجسور، والمدينة القديمة وقصر اللاندجراف. وفي فايدنهاوزن، عبرت ~~الجسر الخشبي القديم ثم أخذت الطريق الصاعد عبر شارع جوتنبيرج، ومن مخبز كلينجيلهوفر ابتاعت ~~لنفسها قطعة من تورتة بلاك فوريست بالكرز، وتمهلت وهي تتأمل نوافذ المحلات في طريق العودة إلى ~~منزلها. # في تمام الثانية دق جرس الهاتف. حيتها ماري بحماسة متدفقة، فتسربت سعادة ماري إلى فاندا، ~~فأخذتا تتحدثان لبعض الوقت عن الجو وتتبادلان أخبار مشروعاتهما البحثية، وفيما عدا بعض التشويش ~~كانت جودة الاتصال الهاتفي مرضية بدرجة مثيرة للدهشة. كانت فاندا تستمع بانتباه كي لا تقاطع ~~زميلتها الأكبر سنا بردود مستعجلة. # وأخيرا حولت ماري مسار الحديث نحو السبب الرئيسي من اتصالها: «هل وصلتك رسالتي ~~الإلكترونية؟» ~~«نعم شكرا لك، لكني اضطررت للإجابة على كل الأسئلة بالنفي.» ردت فاندا «وقمت بإعادة ~~إرسالها إلى بيتر سنايدر.» ~~«إن موت البروفيسور هيلبيرج ...» شرعت ماري تقول مترددة: «كان صدمة. إنني أفكر فيه طوال ~~الوقت.» ~~«سألت ابنه عن ذلك. لا بد أن الأمر كان سريعا، لقد سقط في غيبوبة فجأة في بداية مارس، ثم ~~توفي في الثاني عشر من أبريل.» ~~«هل يعرفون ما السبب في ms159 ذلك؟» ~~«لقد توفي بسبب عفونة في الدم، لكنه كان مصابا بداء آخر؛ إذ كان مريضا بأحد الأمراض ~~العصبية التي يبدو أن الأطباء لا يعرفون لها اسما. كل شيء يبدو غامضا، ونتائج التحليل ~~الباثولوجي لم تظهر. لا أستطيع أن أقول المزيد في هذه المسألة، فالابن ليس طبيبا مع ~~الأسف.» # ران الصمت عليهما برهة. # التقطت ماري طرف الحديث مرة أخرى: «هل تذكرين عشية رحيلنا عن سانتا فيه؟ كنا نأكل معا في ~~ذلك المطعم الصيني.» نعم، تذكرت فاندا، لم تكن فاندا مستمتعة بتلك الأمسية. # واصلت ماري الحديث: «أنت، وأناتول، وبانسيروتي، وسنايدر، وهيلبيرج، وأنا. ربما - برأيي - ~~يكمن بهذا مفتاح حل اللغز لكل الأحداث الغامضة.» ~~«لا أفهم ...» ~~«أعلم أن الأمر يبدو عبثيا. لكن هل تذكرين الرسالة التي ظهرت لك في بسكويت الحظ؟» سكتت ~~فاندا؛ إذ لم تكن تريد أن تسمع مثل تلك الفرضيات الخرافية. هل يمكن أن تكون خدعت كثيرا في ~~هذه الزميلة؟ ردت عليها: «كلا، ذاكرتي لا تحتمل هذه الأشياء.» ~~«لن يبقى شيء على حاله. هذا ما كتب على ورقتي.» # غضبت فاندا، في الواقع لم تكن تريد سوى بعض النصائح التي تساعدها في تحسين مسودة البحث، ~~أما الآن فصار عندها مشكلة جديدة. ~~«هذه الروائح الغريبة ... في الحقيقة أتخيل أن كل ذلك سقيم على النفس.» ~~«أرجو ألا تعتبريني مجنونة؛ فأنا عالمة من السكان البيض في جنوب أفريقيا، وأعلم ما أتحدث ~~عنه.» ~~«إذن، هلا أوضحت إلام ترمين؟» ~~«لقد شفي بانسيروتي من متلازمة توريت، بينما أصبحت الهواجس تتحكم في أناتول، وأنا صرت ضحية ~~اضطرابات في حاسة الشم. وهيلبيرج ... ألا ترين الرابطة في ذلك؟ إنها كلها حالات عصبية، أو نفسية ~~لو أعدنا النظر في حالة أناتول.» ~~«وماذا عن سنايدر وعني؟» ~~«ننتظر لنعرف.» ~~«... وماذا عن بقية الأسماء على القائمة؟» ~~«انسي القائمة. نحن الستة فقط ذهبنا إلى المطعم الصيني.» # تنهدت فاندا، وأخذت تفكر في البداية كانت العرافة العجوز والآن حكاية بسكويت الحظ، كان ~~علي أولا أن أتحرى جيدا عنها. ثم سألت في استسلام: «والآن؟» ~~«الآن نهتم في الوقت الحالي بنشر ms160 بحثك.» ها قد عادت لها ماري التي تعرفها، ماري الموضوعية ~~التي لا تبخل بتقديم حلول عملية لها. «أستضيف حاليا زميلا أمريكيا، ريتشارد مانزفيلد، من ~~الممكن أن تذكريه في كلمة الشكر، وبهذا تكونين قد أوفيت مطالب الأستاذ المقرر، كما لن يكون بوسع ~~أناتول أن يشتكي من اللغة الإنجليزية الركيكة، فقد أدخلنا من جانبنا بعض التصويبات اللغوية، ~~وسأرسل لك في الغد كل شيء.» # قدمت فاندا الشكر لها وشعرت بالراحة، فهذه كانت حقا ماري كامبل التي أعجبت بها كثيرا ~~آنذاك في نيو مكسيكو. لا بد أن مسألة اضطراب الشم تضايقها. # قالت ماري مودعة: «أعلميني بما ستئول إليه أمورك.» كانت نبرتها ملزمة كما توقعت منها ~~فاندا، لكنها لم تفهم، كيف يمكن لإنسان أن يكون على هذا القدر من الاضطراب، ثم يكون في نفس ~~الوقت عمليا على هذا النحو. لكن الآن، بعد انتهاء المكالمة، شعرت فاندا بهدوء مدهش. كانت ماري ~~سيدة استثنائية، كانت آنذاك متفتحة وطيبة القلب، وكانت لها ضحكة مرحة تبعث السعادة في الجميع. ~~كانت بتصفيفة شعرها المهوشة وجونيلاتها التي طرزتها بنفسها أقرب إلى غجرية منها إلى عالمة، ~~وعلاوة على ذلك فقد كانت ماري تتمتع بسمة تميزها عن زميلاتها؛ فهي لم تكن تخشى الرجال، وأكثر ~~من ذلك كانت تقاطع حديثهم لو دعتها الضرورة، لكنها كانت تفعل ذلك بلباقة وبلمحة من أمومة ~~ممزوجة بسخرية من الذات، ورغم أنها كانت تتوازن على حبل رفيع، لكن لم يكن ليخشى عليها. كانت ~~دائما ما تتحرك في صحبة عدد من الرجال الذين يتبدلون فجأة فيصبحون أكثر حيوية، ليعودوا ~~فيضحكوا عليها من وراء ظهرها، لم يكن ذلك يضايقها؛ إذ كانت تتجاهله ببساطة. وماذا عن بروبوف؟ ما ~~الذي أصابه؟ ~~••• # في ذات المساء وصل رد بيتر سنايدر إلى فاندا، كان رسالة إلكترونية طويلة بشكل غير عادي: ~~«مرحبا فاندا، كيف حالك؟ لم أتوقع أنك ستردين علي؛ فقد علمت من روتشيستر نبأ أنك عدت ~~إلى ألمانيا، لكن علي أن أعترف أني لم أواصل البحث عنك، فقد كنت جد مشغول هنا. أين تقع ~~ماربورج أصلا؟ ms161 كنت واثقا أن جماعة «والدن أربعة» ستتمكن من العثور عليك.» لم تخطئ ~~القراءة، نعم مكتوب «والدن أربعة». إذن بيتر سنايدر يعرف هذه المجموعة، لكن كانوا يبحثون ~~عني، لماذا؟، ثم عادت لتقرأ: «كنا قد أرسلنا إليهم القائمة في الربيع، وكان عليهم أن يتصلوا ~~بالعلماء المتحدثين بالألمانية الذين حضروا ورشة العمل التي أقيمت في نيو مكسيكو، لم يكن ~~العثور عليك بالأمر السهل، لكن من الواضح أنهم نجحوا في ذلك. وفي هذه الأثناء أحرزنا تقدما ~~طيبا في تحرياتنا حول المسألة.» بالطبع، فهي قد نسيت أن تسجل نفسها في مكتب السجل المدني ~~التابع لماربورج، فرسميا هي لا تزال تقيم عند والديها. لكن ما هي المسألة التي يتحرون ~~عنها؟ ~~••• ~~«أنا أعمل الآن في مؤسسة متخصصة في حماية ~~البيئة. لا أعلم كيف حدث هذا على وجه التحديد، لكنه حدث بعد لقائنا في سانتا فيه بمدة ~~وجيزة. ربما كان الفلفل حارا أكثر من المعتاد؟ هاها! على أية حال وجدت خطواتي ذات صباح لا ~~تقودني إلى معمل الكيمياء في مبنى الأبحاث التابع للجامعة. ذهبت إلى مكتب مجموعة إي تي سي، ~~وظللت عندهم. تستطيعين أن تقرئي عنا المزيد على الإنترنت، فنحن نعمل في أغلب الأحوال في ~~مجال الزراعة، والتنوع البيولوجي للمحاصيل ... إلخ. كما نبذل مجهودات في مجال التوعية ~~بالتقنيات الحديثة المستخدمة في التربية، وتجهيز التربة والماء، وحديثا بدأت في قيادة ~~مجموعة مصغرة تهتم بتكنولوجيا النانو، وتم تكوينها في إطار المشروع الذي أعمل عليه الآن، ~~فنحن قد تتبعنا إشارة في بداية العام ... أخ ... هذه حكاية طويلة ... دعيني أحدثك مباشرة عن ~~نتائج تحرياتنا. أما زلت تذكرين يوم 23 مايو 2003؟ (أعترف أنه قد مر وقت ليس بالقصير)، ~~في ذلك اليوم توجهت جماعة التقت في مؤتمر مكونة من عشرين مختصا عالميا في مجال ~~علوم النانو، لتقوم برحلة جماعية إلى المعامل المشهورة، أو لنقل سيئة السمعة الواقعة في ~~لوس ألاموس. أقلتهم الحافلة من سانتا فيه على الطريق الجنوبي عبر الهضبة.» عادت فاندا ~~بذاكرتها فرأت نفسها جالسة مرة أخرى في تلك الحافلة، وهي تنظر من ms162 نافذتها إلى طبيعة ~~لوحتها الشمس فضربت لونها إلى الحمرة البنية، ثم قرأت: «قبل الحادية عشرة والنصف ~~بقليل وصلنا إلى الحدود الشمالية عند «باندلير ناشونال مونيومنت». إلى الغرب من ذلك لكن على ~~نفس الارتفاع كانت طائرة إطفاء تقوم برش مبيد من الجو. وبحسب سجلات الطائرة فقد تلقت ~~أمرا في الساعة الحادية عشرة وأربع وعشرين دقيقة بفتح خزاناتها. المادة المسجلة كانت ~~«نانوباكت-إن بي 2701». هذا ما كان مكتوبا على الحاويات بحسب رواية قائد الطائرة الذي ~~نفذ العملية. لم أكن أعرف كل هذا بالطبع حين كنت وقتها أنظر من النافذة وأشاهد ~~الطائرتين. أما الاستبيان فكان يساعدني في العثور على شهود آخرين، لكنه لم يقد لشيء، ~~فيما عداي وعدا ريكاردو بانسيروتي، ولم يتمكن الآخرون من تذكر أي شيء، وكان من حسن ~~الطالع أن عثرت سريعا على قائد الطائرة. قال إن من كلفهم ~~بهذه المهمة هو شركة أبحاث كاليفورنيا وودلاندز في ~~أوريكا إلى الشمال من سان فرانسيسكو، ويبدو أن الشركة غطاء لأمر ما، وقيل إنها مسألة خاصة؛ ~~فالأرض التي رش فوقها المبيد مملوكة لأفراد، والمسئول الذي أصدر أمر الرش غادر الشركة. ~~لقد عدت لتوي من رحلة ثانية إلى نيو مكسيكو جلبت منها بضع عينات من التربة، لكن لا ~~فكرة عندي عما نبحث تحديدا.» بدا لها سنايدر كمجنون، أو مهرج، كانت قد صنفته في ~~ذاكرتها على أنه شخص غير مغامر. إلام يرمي الآن؟ «تحدث الطيار عن تنقية للتربة بعد ~~تلوثها بالزيوت المعدنية؛ لو أن هذا الأمر حقيقي، إذن فإن مجموعة من الهواة هي من تقوم ~~بالعمل، لكن توصيف «نانوباكت» يشي باستخدام إجراءات ميكروبيولوجية. في كل الأحوال فإن ~~التربة هناك غير صالحة لإجراءات ميدانية؛ فهي جافة أكثر من اللازم، كما أن الأرض ينبغي ~~إعادة تهيئتها بعد إجراء كهذا من أجل أن يصل الأكسجين إلى الميكروبات. ليس هناك مادة سحرية ~~يمكن أن تصب عليها فتنتهي المسألة. لم أر بعيني في الموقع سوى أرض بور. لم يهتم أحد في ~~العامين الماضيين بهذا الأمر. لا يمكننا سوى التكهن. هل كانت مضادات ms163 حيوية؟ أسمدة؟ كائنات ~~دقيقة معدلة وراثيا؟ دائما وأبدا نفس اللعبة. الآخرون يخادعون، أما نحن فنلتزم ~~بالقواعد لنثبت تلاعبهم، ولحسن الحظ تعرفنا على معمل جيد يقوم بكل التحاليل الميكروبيولوجية ~~والجزيئية الحيوية لنا، بلا مقابل.» # بدأت فاندا تنزلق باضطراب على كرسيها صاعدة هابطة، هذا هو. معمل كهذا هو بالضبط ما ~~نحتاج إليه. واصلت القراءة: «لا بد أنك تتساءلين عن السبب الذي يدفعنا لتكبد كل هذه ~~المشقة. هناك شيء إضافي يضفي على المسألة برمتها لمحة شائكة. كالعادة نحن نعرض المشروعات ~~التي نتحرى عنها على الإنترنت. وأمس تلقينا اتصالا من وزارة الخارجية الأمريكية، وفي ~~الغد سيقوم بعض الشباب من الوزارة بزيارتنا لبحث مجالات التعاون، حسب زعمهم. لم نتمكن من أن ~~نفهم الموضوع تماما، لكننا نشعر بالخطر. من الجيد أننا كلنا قرأنا أعمال كينكي فريدمان ~~(إياك والكذب على وزارة الخارجية، والأفضل دائما هو الإجابة عن أسئلتهم بأسئلة). أما عينات ~~التربة فقد أخفيناها بحسب وصفة كينكي المجربة في مرحاض القطط. لكن أرجو ألا تشي ~~بالسر! # يكفيك هذا الكلام للوقت الحالي. أرجو أن ~~نسمع أخبارك.» # بيتر # دار رأس فاندا، إذن فقد بحثت عنها جماعة «والدن أربعة» بتكليف من بيتر سنايدر. الشرطة ~~الفيدرالية الأمريكية تبحث سبل التعاون مع منظمة عاملة في مجال البيئة، بسبب عملية تمت قبل ~~عامين استخدم فيها مركب نانو غير معروف، أصيب به مجموعة من خبراء النانو في طريقهم إلى لوس ~~ألاموس. كم يبدو الأمر برمته سخيفا! صحيح أن الطريقة التي وصفه بها بيتر لا تشي بأنه يمزح، ~~لكنه أيضا لا يأخذ المسألة بجدية صارمة. لقد كان المعمل الذي تحدث عنه يهمها أكثر من أي شيء ~~آخر ذكره. فالكفاءة المجانية هي بالضبط ما تحتاجه الآن. لا بد أن تسأل بيتر عن عنوان المعمل، ~~لكن هنا تظهر مشكلة أخرى، كيف يمكن تمرير مائة عينة مجمدة من نسيج الحيوانات دون أن تلاحظ ~~الجمارك الأمريكية أو الكندية؟ إلا أن تلك المادة الغامضة التي طالبتها دراسة شركة بي آي تي ~~ببحث سميتها في المعمل، لا بد أنه من الممكن ms164 تهريبها ببعض المهارة. يا ترى أي نوع من ~~المواد تلك التي لا يريد الرئيس أن يكتشف آثارها طويلة المدى؟ كانت في حاجة ملحة لأخذ عينة من ~~هذه المادة. لقد حاولت أن تربط بين هذه الرسالة الإلكترونية وبين ما وجدت على كمبيوتر زابينة. ~~ماذا فعلت زابينة فعلا يا ترى؟ تنهدت فاندا، إذ كانت تأمل أن تكون المواد المتبقية كافية ~~لإجراء التحاليل. لقد حان وقت البوح بكل المسكوت عنه. # الفصل السادس والعشرون # | المكاشفة # «سنفعلها بهذه الطريقة بالضبط»، قالت بيترا هذه العبارة وهي تلعق شفتها العليا المطلية ~~بأحمر الشفاه بتلذذ. كانوا يجلسون في مقهى هافانا، كل واحد أمامه مشروب الكايبيرينها يشربونه ~~من الماصة ببعض التحفظ. كانت زابينة تعبث صامتة بمكعبات الثلج، أما يوهانيس فقد احمر وجهه ~~مرة أخرى، لكن الأمر بدا واضحا لبيترا بصورة قاطعة. ~~«إذن، في أثناء أخذ يوهانيس لمفتاح خزانة السموم من درج مكتب ميشائيل ، سأقوم أنا بصرف ~~انتباه العزيز ميشائيل عنه.» ~~«لست أدري» قاطعتها زابينة «فالأمور كلها تسير بشكل سريع للغاية بالنسبة لي.» # وضعت فاندا يدا على فمها. الأفضل ألا أتفوه بأي شيء الآن، وعاجلا ستفشي زابينة ما ~~تخفيه. # ردت بيترا: «لكننا ناقشنا كل شيء، إنها خطة عبقرية. كيف سيتسنى لنا إذن الوصول للبقية ~~الباقية من المادة التي استخدمت في الدراسة الخاصة بشركة بي آي تي، هل لديك فكرة ~~أفضل؟» # عادت زابينة تحرك مكعبات الثلج في كأسها، ولم ~~تنطق بكلمة. فكرت فاندا: إن لم تقل الآن، فلن تقول أبدا، وأضافت بحذر: «ربما لا يزال هناك ~~أمر آخر يحتاج إلى توضيح.» وبينما كانت تمد يدها في جيب بنطالها، لم تسمح ليوهانيس أن يغادر ~~ناظريها. كان جالسا قبالتها وبدا ناظرا باندهاش إلى الزر الأحمر الذي جعلته يتدحرج على ~~الطاولة ليستقر أمامه مباشرة. قالت فاندا بحسم: «فلتبدأ أنت.» ضم يوهانيس عينيه، ثم ترك ~~كتفيه تهبطان فجأة واستلقى للوراء في كرسيه. # تنهد قائلا: «حسنا. إذا كنا سنضع كل الكروت على الطاولة، فلا بد أن ينطبق ذلك على ~~الجميع.» أومأت فاندا برأسها موافقة. رفعت زابينة ms165 رأسها ونظرت إليه نظرات ملؤها الدهشة. أما ~~بيترا فواضح أن الكلمات تاهت منها؛ إذ ظلت جالسة فاغرة فاها دون أن تنطق. كان بعض من أحمر ~~الشفاه عالقا بسنها الأمامية. ~~«هل تتذكر الليلة التي قضيناها معا في غرفة الكمبيوتر المركزي؟» # أرادت فاندا أن تتناول الموضوع بسلاسة، لكن ملامح وجه يوهانيس ظلت جامدة، فتابعت فاندا: ~~«وجدنا زرا كهذا إلى جوار جهاز الكمبيوتر. الآن أعرف عما يعبر هذا الزر، لكن بالتأكيد ~~الآخرون أيضا يريدون أن يعرفوا، وأرى أنك أنت من ينبغي عليه أن يوضح لهم الأمر.» ازدرد ~~يوهانيس ريقه. # حين كان يتحدث كانت تعلو شفتيه الرفيعتين ارتعاشة خفيفة، وكلما توقف عن الكلام انزلقت ~~زاويتا فمه إلى أسفل. لا بد أن هذه السنة - فكرت فاندا - كانت قاسية عليه؛ لهذا فإن ~~اعترافاته لم تدهش فاندا على نحو خاص. لقد استخدم يوهانيس مجموعة من النشطاء مثيري الريبة ~~العاملين في مجال حماية البيئة؛ إذ كان يبحث عن أوراق ضغط تدين الرئيس. لقد ترك شتورم يوهانيس ~~مدة طويلة دون أن يوضح له نيته بشأن تجديد عقد عمله، كما أنه رفض ببساطة أن يقوم طرف ثالث ~~بتمويل مشروعه البحثي. كان الأمر يبدو وكأن الرئيس يريد التخلص منه. # في النهاية حصل بالفعل على تمديد لعقده، ولم يتمكن أحد من فهم لم كانت حرب الأعصاب تلك ~~ضرورية؟ وتحت وطأة الشعور بالذل هبطت أيضا فتحتا منخاره إلى أسفل مثل زوايا فمه. وحين وصلته ~~أطراف أخبار عن الدراسة الخاصة بشركة بي آي تي أصغى جيدا. كان ذلك في فصل الربيع، كان واقفا ~~في غرفة الانتظار وسمع بالصدفة البحتة - وعليهم أن يصدقوه في ذلك - كل الحوار الذي دار بين ~~زابينة وشتورم، وهنا بدأ في مراقبة حيواناتها سرا، كما سجل معدلات نفوقها، وأخيرا اتصل ~~بجماعة «والدن أربعة» لتصل إلى البيانات. # قالت له فاندا: «هل كانوا هم من ضربونا على رأسنا، وفرغوا حساب زابينة من البيانات؟ يا ~~لهم من هواة، هؤلاء الذين اعتمدت عليهم.» # هز يوهانيس رأسه. ~~«أعترف أنني في البداية كانت لي نفس تلك الأفكار، ms166 وكان علي أن أصبر عدة أيام إلى أن ~~يأتيني منهم رد.» صمت فيما كان ينظر إليه الآخرون بفضول، وكان هو يستمتع بأن يراهم مشدوهين. ~~قاومت فاندا رغبتها في تأنيبه على أسلوبه. ~~«لقد تم مسح البيانات عندما ظهر أحد رجالك عندنا.» ~~«ثم قام بضربنا على رءوسنا لأننا أزعجناه فيما كان يريد أن يظل مجهولا، أليس كذلك؟» ~~«بلى، إنهم يخمنون أن شخصا آخر سبقهم.» ~~«وهل تعتقد أني سأصدق هذا؟» ~~«بغض النظر إن كنت تصدقين هذا الكلام أم لا، هذا الأمر جائز الوقوع جدا، ممكن جدا، ~~علاوة على ذلك، ما الذي سيجنونه لو عملوا ضدنا؟» # دخلت زابينة في الحديث: «إن افترضنا أنك تقول الحقيقة، فلا بد إذن من وجود شخص آخر في نفس ~~الوقت بالقسم، شخص يستطيع دخول المعهد وله اهتمام ببيانات الدراسة الخاصة بشركة بي آي ~~تي.» # ألقى يوهانيس رده الفوري: «الرئيس على سبيل المثال.» # هزت زابينة رأسها غير مصدقة. ~~«ما الذي يجبر شتورم على هذه السرية؟ فهو ~~يستطيع النفاذ لأي مكان في أي وقت.» # قالت بيترا شيئا مثيرا للاهتمام: «أي شخص من القسم قد يكون هو الفاعل. أرجو ألا ننسى ~~الزملاء من المستشفى التعليمي الذين يحق لهم استخدام المعمل، وكيف الحال مع ذاك البن ~~لادن؟» # أشارت فاندا: «لنظل في نفس نطاقنا أولا.» # رد يوهانيس: «ولم لا؟ طالما راودتني ظنون ~~أن الأمر وراءه أحد الرعاة العرب.» # زفرت فاندا وحكت سوالفها: «واضح أنك تقرأ الكثير من الروايات البوليسية السياسية.» لقد ~~عاودها الخفقان المعتاد في الرأس منذ بضع ساعات. «لا نريد أن نضيع وقتنا في هذه الأحجيات ~~الطفولية.» نظرت في المجموعة وقالت: «من يملك الدخول إلى غرفة الكمبيوتر المركزي وعنده اهتمام ~~ببيانات زابينة؟» # اقترحت بيترا: «إذن لنبدأ بأنفسنا. صحيح أنا بإمكاني الدخول إلى الغرفة إلا أن هذه البيانات ~~لا تهمني على الإطلاق.» ~~«لقد صعدت إلى هناك من أجل أن أجلب بيانات زابينة من الكمبيوتر، وقد تم ذلك بالاتفاق معها، ~~كنت أريد مساعدتها.» أوضحت فاندا، ثم نظرت إلى يوهانيس. ~~«تملكني الفضول، كنت أخمن أن جماعة ms167 «والدن أربعة» ستنفذ العملية في تلك الليلة؛ لذلك ~~بقيت في المعهد.» # سألت فاندا: «من كان هناك أيضا؟» ~~«ميشائيل هو آخر من غادر المعهد، كان ذلك نحو الساعة الثامنة، شتورم غادر قبله بمدة ~~قصيرة. لم يلاحظ وجودي أي منهما. كنت جالسا في غرفتي الصغيرة المظلمة وأتصرف بمنتهى الهدوء، ~~ظللت أنتظر، وقبل منتصف الليل بربع ساعة سمعت أزيز الباب، ومن فرجة باب غرفتي رأيت كرة ضوء ~~منبعثة من مصباح يدوي تتحرك على الجدران. بدا الشخص يتحرك بخفة قطة. لم أسمع وقع خطوات. انتظرت ~~لبعض الوقت ثم تبعته. كان باب غرفة الكمبيوتر مواربا، والغرفة مظلمة، وفي نفس اللحظة التي ~~أشعلت فيها النور عاجلني بضربة على رأسي.» نظر إلى فاندا وقال: «أما الباقي فأنت تعرفينه أفضل ~~مني.» ~~«أنت لم تر شيئا حقا؟» # هز يوهانيس رأسه بالنفي. # تنهدت فاندا قائلة: «لست أفهم حقا. لقد وصلت ~~بعدك بدقائق قليلة. للأسف لا أذكر إن كان الكمبيوتر مفتوحا. لو افترضنا أن ذلك الغريب المجهول ~~كان يريد حقا الدخول على حساب زابينة، ففي الغالب كنت أنا سببا في إزعاجه.» نظرت في الوجوه ~~المتطلعة إليها على الطاولة. «لماذا إذن سرق مني الورقة التي عليها كلمة المرور؟» # ردت بيترا: «من أجل الدخول إلى البيانات.» # ردت فاندا: «لا بد إذن أنه كان يعلم بوجودي. من بخلاف زابينة كان على علم بخطتي؟» # توجهت أنظار الجميع إلى زابينة التي قالت مدافعة عن نفسها: «لقد قضيت الأمسية كلها مع ~~فولفجانج، وآويت إلى فراشي في وقت مبكر نوعا ما، وهو ليس بالأمر العجيب بعد يوم كذاك.» ~~«وفولفجانج؟» سألت فاندا «لقد استمع إلى حديثنا الهاتفي.» ~~«هراء.» ردت زابينة غاضبة «فولفجانج ينكمش على نفسه إن اضطر أن يعبر الطريق والإشارة ~~حمراء، فأنى له أن يدخل إلى المعهد، ثم إن مفتاحي الإلكتروني كان معك أنت.» # سكتت فاندا، لم تكن هذه هي الطريقة السليمة لدفع زابينة إلى الكلام. بعد تلك الرسالة ~~الإلكترونية التي وجدتها على كمبيوتر زابينة صارت فاندا تشك أن صديقتها تنفذ خططا سرية. ما ~~الذي يدفعها لكل هذا ms168 العند؟ # قالت بيترا في محاولة لتهدئة الموقف: «لم لا يكون هو الناشط البيئي؟ ألم يكن هناك في ~~تلك الليلة؟» # علقت فاندا: «كان سيثير مخاطر جمة ... وعمل غير مسئول أن يضربنا ببساطة ثم يتركنا مستلقيين ~~على الأرض.» # أردف يوهانيس: «أو يكون قد جاء بعد أن غادرنا» ... تأملته فاندا متسائلة، فواصل الكلام: «لا ~~أعرف حقا. لم أتحدث مع أحد منهم من قبل، ناهيك عن أن أقابله وجها لوجه. لقد جرى الاتصال عن ~~طريق البريد الإلكتروني. قصير وموجز.» لم تترك فاندا الزمام يفلت منها: «من الذي أدخل محاربي ~~«والدن» أولئك إلى المعهد إذن؟» ~~«لا تسأليني. بطريقة ما نجحوا في قرصنة النظام الأمني. لقد تركت لهم مفتاحي الإلكتروني ~~طوال عطلة نهاية الأسبوع بأكملها.» ~~«كيف حدث التسليم والاستلام؟» ~~«في بيت دعارة بمدينة هانوفر، من خلال المنظمة الأوروبية لنقل الزهور. الذريعة عيد ~~الحب.» ~~«إنك تخاطر بكل شيء. هل الأمر يساوي كل ذلك بالنسبة لك؟» # تصلب فك يوهانيس السفلي على نحو منذر ولم يجب بشيء. جلسوا بلا حيلة بعضهم أمام بعض، ~~وكان الوقت مناسبا لطلب دور ثان من شراب الكايبي. أما بيترا فكانت تلمس الزر البلاستيكي ~~الأحمر بأناملها. # غمغمت وهي تفكر: «غريب.» # سأل يوهانيس: «ما الغريب؟» ~~«لقد رافقني أحدهم، كان لديه كيس بكامله مملوء بهذه الأزرار. كنت أظنها قشاط لعب.» ثم ألقت ~~بالزر إلى منتصف الطاولة وغمغمت بالفرنسية: «لا أكثر من ذلك.» # ظلت نظراتهم جميعا معلقة بالزر الأحمر لبعض الوقت. ~~«حدث ذلك بعد الديسكو، يوم الأحد قبل أسبوعين، وحين استيقظت صباح اليوم التالي، كان قد ~~اختفى. خسارة حقا!» # قالت فاندا: «اللعنة، لقد هوجمنا أنا ويوهانيس يوم الاثنين، يا بيترا إن هذا لخيط.» ~~«ما اسمه؟ ما شكله؟» استعاد وجه يوهانيس بعضا ~~من لونه «ماذا حكى لك؟» # دافعت بيترا: «تمهلوا قليلا، لم نتحدث كثيرا مع بعضنا.» ثم ابتسمت وقالت: «طويل، مفتول ~~العضلات، أسمر البشرة. كان يروق لي. لم أره هنا من قبل، وكذلك بعدها لم أره مطلقا. مايك، على ~~الأقل هكذا كان يدعى.» # ألحت فاندا: «ماذا أيضا؟ حاولي أن ms169 تتذكري.» ~~«ما تطلبونه كثير حقا. كان يرتدي ملابس سوداء، لا أعلم إن كان في وسعي التعرف عليه ثانية ~~في ضوء النهار. ربما من رائحته. نعم. كان يعبق برائحة تربة الغابة.» # نظرت فاندا إلى المجموعة متسائلة: «ماذا ترون؟» أطلقت زابينة صفيرا ينم عن أنها لم تتوصل ~~إلى أي أفكار، بينما هز يوهانيس كتفيه وقال: «ممكن أن يكون. وممكن ألا يكون. إنه البحث عن ~~الإبرة في كومة القش.» ثم دفع الزر تجاه بيترا متسائلا: «هل أنت متأكدة أن الأزرار كان شكلها ~~تماما مثل هذا الزر هنا؟» # رفعت بيترا حاجبيها وقالت: «لقد انزلق الكيس من جيب معطفه، وانفجر في كل الاتجاهات على ~~الأرض.» ثم ابتسمت واستطردت: «يعني. كما تعلمون. ساعدته في جمعها. وكان الأمر مرهقا لأنه أصر ~~أن نبحث تحت الدولاب والفراش، لقد كان مصمما على أن يجدها كلها.» ثم التقطت الزر مرة أخرى ~~في يدها، «نعم ، بالفعل، كانت كلها بهذا الشكل، لكني لا أستطيع أن أقسم على ذلك.» # قالت فاندا: «حسنا يا فتيات.» ثم ألقت نظرة على يوهانيس بطرف عينها: «دعونا نغلق الدائرة ~~على الفاعل.» # سألت بيترا: «ألا يمكن أن يكون الفاعل امرأة؟» # غريب - فكرت فاندا - هذا السؤال طرحته أنا أيضا على نفسي من قبل. ما الذي يجعلني متأكدة ~~تماما أن الفاعل رجل؟ قررت بيترا أن تراقب ميشائيل، ونوى يوهانيس أن يدعو أستريد مرة أخرى على ~~الطعام، واقترحت زابينة أن تهتم فاندا بأمر توماس. ~~«بوصفه من الإداريين يستطيع أن يراقبنا جميعا في أي وقت.» فقالت فاندا معترضة: «إنه ليس في ~~الحسبان.» ~~«ربما ليس كفاعل»، ردت عليها زابينة ورمقتها بنظرة لم تستطع فاندا تفسيرها، وكان يضايقها ~~أن يوهانيس يراقبها بانتباه، ثم سأل متمنيا: «ومن يراقب الرئيس؟» فعلقت فاندا تعليقا لاذعا: ~~«لا نريد أن نستغني عن خبرتك في مراقبة هذه الأجناس القيادية.» فابتسم يوهانيس راضيا، وقال: ~~«بالإضافة إلى ذلك، سأجرب حظي مرة أخرى مع جماعة «والدن». ربما أمكنني اجتذاب ذاك المايك من ~~خارج المحمية.» فردت بيترا متشككة: «إن كان يوجد هناك أصلا.» ~~«قبل أن ms170 أنسى. عبث أحدهم بمكتبي قبل المداهمة بمدة وجيزة.» قالتها فاندا وهي توجه ناظريها ~~إلى يوهانيس الذي ارتعشت أجفانه سريعا ثم أومأ برأسه. ~~«ذاكرة اليو إس بي، كانت لدي شكوك. أعرف أن هذه حماقة.» ~~«وأية حماقة! نعم، ولكن كيف دخلت مكتبي؟» ~~«سأريك، ولكن كيف لاحظت ذلك؟» # لم تجب فاندا. في المجمل كانت تشعر بالارتياح أن شتورم لم يكن الفاعل، واقترحت: «علينا ~~أن نتقابل مستقبلا بصورة منتظمة، فلنقل كإجراء لبناء الثقة. حين نتبادل المعلومات بصراحة ~~لن نكون في حاجة إلى أن يتجسس بعضنا على بعض.» واتفقوا على أن يلتقوا مساء أيام الاثنين في مقهى ~~هافانا. # سألت بيترا بنفاد صبر: «وماذا نحن فاعلون بشأن خزانة السموم؟» ازدادت بقعة أحمر الشفاه على ~~أسنانها. ~~«هلا فعلت هكذا.» قالتها فاندا وهي تمر بلسانها على الفتحة التي بين الشفة العليا والقواطع ~~الأمامية، «فثمة شيء عالق بأسنانك.» فعلت بيترا ما طلبت فاندا ، لكن ليس بدون أن تسدد عينيها ~~المستديرتين على أرنبة أنفها حتى احولت عيناها، وليس بدون أن تستدير شفتاها المكتنزتان ~~وكأنها تستعد للتقبيل، مصدرة صوتا يشبه الرضيع وهو يمص. لم تكن فاندا متأكدة إن كانت هي الشخص ~~المناسب ليحمي ظهر يوهانيس في مهمته، لكن لم يكن ثمة خيارات أخرى؛ فحسبما تقول زابينة لا تزال ~~بقية المادة التي أرسلتها شركة بي آي تي مخزنة في دولاب السموم؛ لأنها قد تمكنت من الاقتصاد ~~في استخدامها بأكثر مما كان متوقعا. صحيح أن الاتفاق الموقع بين الشركاء يمنع بشكل قاطع عمل ~~أي أبحاث على المادة، لكن حقيقة أن شتورم لم يكن يريد أن يعرف الآثار المتأخرة لدراسة السمية ~~أقنعت زابينة بأن عليهم أن يتولوا الأمر بأنفسهم. # قالت معترضة وبدت غير سعيدة بالخطة: «لكنكم لا تعرفون حتى من سيقوم بالتحاليل؟» # حاولت فاندا أن تبدو عفوية: «سمعت عن مختص في نيويورك، يدعى نادريان سيمان. متخصص في علم ~~البلورات، ويبدو مناسبا للمهمة.» راقبت كيف تسمرت زابينة، ثم أخذت الصديقة نفسا عميقا، وقالت ~~بصوت خفيض: «لقد فكرت فيه أنا أيضا، بل إنني حاولت الاتصال به.» ms171 ثم سكتت قليلا، «لكن الرسالة ~~صادرتها الجمارك الأمريكية.» ثم واصلت بصوتها الخفيض: «ثمة منع لدخول المواد العضوية. كنت ~~صادقة أكثر من اللازم وأعلنت بغباء أن الطرد يحتوي على مواد حيوية نشطة، سيقومون بإعدامه. ما ~~نفعله الآن هو الفرصة الأخيرة.» # وأخيرا، فكرت فاندا بارتياح، كانت سعيدة أنها لم تضطر للإفصاح عما اكتشفته سرا في شقة ~~زابينة. لم تكن تريد أن تثير حفيظتها بأكثر مما فعلت. ~~«هناك أيضا عنوان آخر يمكننا اللجوء إليه في النهاية، لكنه أيضا هناك في أمريكا، سأستوضح ~~أولا عن كيفية تمرير المادة هذه المرة عبر الحدود، لكن هذه هي الخطة (ب). علينا أولا أن نحصل ~~على المادة.» # عادت بيترا لإلحاحها: «إذن غدا في الظهيرة الخطة (أ)؟ معظمهم يكون ساعتها بالمطعم.» # تذكرت فاندا حفل الصيف، ونظرات ميشائيل الهانئة، وساقي بيترا العاريتين ترتاحان باسترخاء ~~على ركبتيه. لم تكن متأكدة إن كان ميشائيل الذي يبدو دائما متفانيا في عمله من الممكن مخاطبته ~~في المعمل، لكن الذي تحدث الآن كان يوهانيس: «لا يمكن لأحد أن يخطئ، وإلا فسيجدني أنا في ~~ظهره.» فردت بيترا وهي تمسد ذراعه بود: «لا لا لا يا يوهانيس. اتركني فقط أعمل، إن هذا مجرد ~~تمرين سهل بالنسبة لي.» # قالت فاندا محذرة: «من فضلك يا بيترا لا نريد مناورات تعرضنا للخطر ... إذا أفسدت الأمر ~~فسينفجر في وجوهنا جميعا.» # ابتسمت بيترا ابتسامة تشي بالكثير، ولعقت فمها بطرف لسانها. هذه المرة ومضت أسنانها ~~المنتظمة بشكل يدعو إلى الحسد كحبات لؤلؤ صغيرة متراصة في الفرجة بين الشفتين. «سأقوم بجذبه إلى ~~حمام السيدات، تعرفونه؟ ذاك المستقل الصغير إلى جوار غرفة النظافة.» ضحكت وهي تقول: «ستنجح ~~الخطة، أضمن لكم ذلك، لقد نجحت بروفة سابقة.» فتأملتها فاندا متسائلة. ~~«لقد حدث هذا من قبل.» قالت بيترا، ثم فردت ظهرها لدرجة مطت ملابسها العلوية شديدة الضيق ~~فوق نهديها، فبرزا مثل شراعي زورق تدفعهما الرياح، وواصلت حديثها: «أنا متأكدة أنه سيسعد بلعب ~~دوره في المسرحية مرة أخرى.» وبعد فترة صمت قصيرة قالت: «أنت يا يوهانيس. أنت عليك أن ms172 تحضر ~~مفتاح دولاب السموم ثم تعيده إلى مكانه مرة أخرى، بحسب علمي هو يضع المفتاح في درج المكتب ~~العلوي الأيسر، في الصندوق الصغير إلى جوار دبابيس الدباسة. لا يكون الدرج مغلقا بالمفتاح طوال ~~اليوم، سأمنحك عشر دقائق للعملية برمتها، لا أكثر ولا أقل!» # كانت الساعة قد تجاوزت الحادية عشرة بقليل حين دخلت فاندا إلى طرقة منزلها، هذه المرة كان ~~النور يضيء السلم. وجدت في صندوق البريد ظرفا أبيض اللون يحمل ختم موثق العقود. تذكرته. كان ~~نفس الشخص الذي راسلها وهي في أمريكا، وحين فتحت الشقة افتقدت الشعرة التي بدأت تثبتها في ~~الآونة الأخيرة ما بين الباب وحلقه، بعد أن قررت أن الخدعة التي تستخدم فيها قصاصة الورق مكشوفة ~~أكثر من اللازم، ففي الحمام يتساقط شعر كثير، وكانت دائما ما تجد واحدة طويلة وداكنة اللون ~~بحيث تناسب المهمة، لكنها سرعان ما نحت المسألة جانبا؛ لأنها لا تذكر إن كانت قد تذكرت وضع ~~هذه الوسيلة التحذيرية موضع التنفيذ أم لا، نظرا لأنها غادرت في الصباح على عجل. وفي مكان ما ~~بين الطرقة والمطبخ وضعت حقيبة يدها لتسقط مدوية على الأرض، كما خلعت معطفها وألقته على ظهر ~~الكرسي المجاور لطاولة الطعام الصغيرة الموضوعة تحت نافذة المطبخ. ظلت تنقب في الدرج عن ~~السكين الحاد، فهكذا كانت تحب فض المظاريف. كان قطع المظروف من حافته العلوية بنظافة يمثل لها ~~تجربة نجاح سريعة ورائعة. # كان ورق الخطابات السميك يحمل الأحرف الأولى لمكتب استشاري محاماة بمدينة جوترسلوه، أما ~~النص فقصير ورسمي ويطالبها بالاتصال بهم في غضون أسبوعين. كان الأمر يتعلق بالميراث، وشعرت بتلك ~~الوخزات تعاودها في صدرها. لم تكن تريد أن ترث شيئا البتة؛ تحديدا من والديها، ألا يستطيع ~~روبرت أن ينهي هذه المسألة بمفرده؟ في الغالب سيتعين عليها أن توقع أوراقا ما. وماذا لو ~~ظهرت ديون؟ لن يعفيني روبرت أبدا منها، هذا هو ما آل إليه. محاسب. ألا يعمل في بنك؟ الأفضل ~~أن أنتهي من هذه المسألة في القريب العاجل، لكنها لم تكن تريد أن تسافر ms173 بالقطار؛ فهذا من شأنه ~~أن يجعلها معتمدة على مواصلات ضعيفة في تلك المنطقة الريفية، وتحت رحمة أخيها ومزاجه. كانت ~~تنقبض لفكرة أنها من الممكن ألا تتمكن من الخروج من هناك بالسرعة الكافية. ربما من الممكن أن ~~يعيرها يوهانيس سيارته يوم الجمعة. سقطت نظراتها على حافة النافذة، وكان هناك إلى جوار قائمة ~~سنايدر خطاب طبيب الأسرة. ظلت تديره لبعض الوقت بين يديها. شعرت بالقلق. أولا مكالمات هاتفية، ~~ثم ثانيا هذا الخطاب. ربما لا يكون سوى كشف الحساب. لكن حساب ماذا؟ وفي حركة واحدة فتحت الظرف. ~~كان فتحه أسهل من قراءته. طلب منها دكتور جليزر أن تحضر لعيادته للقيام بفحص آخر. كان الشيء ~~الغامض الذي ذكره الدكتور لا يزال يشغل بالها، وهي تحاول محاولات غير مجدية أن تنام. لاحقتها ~~صور وأزعجتها. وفجأة وجدت أمامها وجه جونتر هيلبيرج شاحبا وغريبا، وفئرانا بيضاء نافقة في ~~ازدياد مستمر مكونة كثيبا لا يمكن تقدير حجمه، ثم إضافة لذلك ماري كامبل وهي تقول بصوت ~~متحشرج: «ننتظر لنعرف.» # الفصل السابع والعشرون # | هواء ثلجي # امتلأت السماء صباح يوم الثلاثاء بغيوم مثقلة رمادية، لكنه ليس ذاك الرمادي الداكن الذي ~~يميز غيمات نوفمبر المطيرة؛ إذ كانت درجة لونها أفتح. تشممت فاندا الهواء ورفعت رأسها مشبعة ~~بالأمل نحو السماء، كانت في طريقها إلى محطة الأتوبيس، متأخرة كعادتها. وقد كان بالهواء هشاشة ~~استشعرتها، وبحسب ما تحمل ذاكرتها فقد كانت تنتظر هذه اللحظة كل سنة؛ ففي مثل تلك الأيام كانت ~~تنظر كل حين من النافذة. لم تكن تريد بأية حال أن تفوت اللحظة التي تتساقط فيها ندف الثلج ~~الأولى، كما أنها كانت تريد أخيرا أن ترتدي حذاء الشتاء طويل الرقبة الذي جلبته معها من ~~أمريكا. # كان أول ما فعلته حين وصلت المعهد هو كتابة رسالة إلكترونية لبيتر سنايدر. أوضحت له طلبها ~~بإيجاز، لكنها تجنبت الإفصاح عن مصدر المادة التي كانت تريد أن ترسلها إليه بغرض تحليلها، كذلك ~~طلبت منه النصيحة حول كيفية تفادي الجمارك الكندية. كان يوهانيس يظهر في غرفتها كل نصف ساعة، ~~فيجلس ms174 على الكرسي المعيب واضعا فنجان قهوته على المكتب. بنفاد صبر كان يغير وضعية رافعة الكرسي ~~التي تضبط ارتفاع الجلوس، ثم يستسلم سابا لاعنا. ويقول بضع كلمات عن وجوب تكهين هذا الكرسي، ~~ثم يسحب كتابا من الرف مقلبا في صفحاته بلا هدف ثم يخرج ثانية. كان يوتر أعصابها. علي ~~أن أبقيه خارجا، هكذا تقول لنفسها لتهدأ. كان يوهانيس يتمتع بأفضل إطلالة على «أفعى التايبان ~~السامة»، هذا هو الاسم الذي أطلقوه على قطعة الأثاث بالمعمل التي يتم فيها الاحتفاظ بالمواد ~~التي تشكل خطورة خاصة، وكل ما لا ينبغي أن تتداوله الأيدي، والأرجح أن المادة الخاصة بشركة بي ~~آي تي تنتمي للصنف الثاني. كانت التسمية تشير في الواقع إلى ثلاجة مكتظة عن آخرها بالمواد ~~الكيماوية الملصقة عليها صورة غير واضحة لرأس أفعى. كانت الثلاجة في معمل البيولوجيا الجزيئية ~~يزينها قفل معلق مثل تميمة حماية، وحتى وقت قصير مضى لم يكن هذا القفل سوى التزام بتعليمات ~~تخزين المواد الخطرة، وكان المفتاح متاحا للجميع على لوحة المفاتيح. أما تدوين المواد والكميات ~~التي تم أخذها في سجل السموم، فكان أمرا متروكا للرقابة الذاتية، لكن قبل أسبوعين نقصت ~~أمبولتان خاصتان بمواد مخدرة، ومن ساعتها أصبحت مراقبة حركة المواد السمية مهمة ~~ميشائيل. # كانت زابينة قد وصفت ليوهانيس بالتحديد المكان الذي وضعت فيه العلبة آخر مرة، بما فيها من ~~أسطوانات ثلاث بلاستيكية صغيرة. كانت المادة مركبة من ثلاثة عناصر: مادة فعالة، ومادة مذيبة، ~~ومادة ثالثة رجحوا أنها نوع من المواد المحفزة. كانوا في حاجة للعناصر الثلاثة جميعها. كانت ~~زابينة قد اقتصدت في استخدامها؛ ولذا فهذه هي الكمية المتبقية التي سيستخدمونها في التحليل. كان ~~ثمة أمر إضافي يتعين عليهم مراعاته في الوقت المخصص لتنفيذ العملية، ألا وهو أنه رغم أن ~~دولاب السموم كان متاحا للاستخدام - أو ربما لهذا السبب تحديدا - فإنه لم يكن منطقة محايدة، ~~فمثله مثل أي ثلاجة في سكن مشترك ليس فيه نزاعات ظاهرة، لكنه مليء بالصراعات التي لا يمكن ~~تجاهلها، فهي لا تبرد الأطعمة والأشربة فحسب، لكنها ms175 أيضا تسخن مشاعر البعض على البعض ~~الآخر، ولعل الأمر يتعلق بمحتواها غير الصحي، حيث تصطدم بها شتى أنواع الطاقة السلبية، مهددة ~~بالتراكم في محيطها. النزاعات على المساحة كانت أسوأها؛ لأنها كانت تحكم على المواد الخاصة ~~بالحزب المعادي بالنفي في الزوايا الخلفية أو الأرفف الدنيا، وأحيانا يحدث ذلك بلا تفكير ولا ~~سوء نية مبيت. كان عليهم إذن أن يتوقعوا أن المادة الخاصة بشركة بي آي تي قد لا تظل في ~~المكان نفسه الذي خزنتها فيه زابينة المرة الأخيرة؛ لذا أملت فاندا بشدة ألا يضطر يوهانيس ~~للبحث طويلا. سيتعين عليها هي أن تراقب الطرقة وتصرف انتباه أي شخص ينوي أن يتجه نحو معمل ~~البيولوجيا الجزيئية، بالدخول في حديث معه إلى أن ينتهي يوهانيس من المهمة الحرجة. في الوقت ~~نفسه كانت بيترا تؤدي واجبها الذي لم تحسدها عليه فاندا؛ إذ لم يكن ميشائيل هو النوع المفضل ~~لها ، على العكس، كان ميله للاستسلام يثير غضبها، لكن ربما يكشف في العلاقة الحميمة عن جوانب لم ~~يمكن التنبؤ بها. لم تكن فاندا تهتم بمعرفة التفاصيل. أهم شيء أن يصلوا إلى المادة دون أن يرتاب ~~أحد في الأمر. # بدأ العاملون في مغادرة القسم في مجموعات صغيرة قرب الظهيرة. كانت فاندا قد تركت باب حجرتها ~~مفتوحا لتنصت إلى وقع خطواتهم ورنين أصواتهم في تزايده وانحساره، وكلما ظنت أنهم ذهبوا ~~جميعا، سمعت صوت قفل يوصد وخطوات أحدهم تسارع بالخروج، ثم ظهر رأس يوهانيس المحمر في إطار ~~بابها. ~~«حان الوقت.» ~~«هل نسيت دواء ضغط الدم؟» قالت باقتضاب وتبعته عبر الطرقة. # أخذ يوهانيس نفسا عميقا. نظر يمينا ويسارا أمام باب غرفة ميشائيل ثم ضغط الأكرة. فتح ~~الباب. لقد أنجزت بيترا الكثير، فميشائيل ذو الضمير اليقظ تخلى عن كل حذره وترك الباب غير ~~موصد، يبدو أنه كان على عجلة من أمره. أما باحثا الدكتوراه اللذان يشاركانه الغرفة، فكانا ~~مثل الآخرين في طريقهم إلى المطعم. انسل يوهانيس داخلا وأغلق الباب خلفه. أرهفت فاندا السمع، ~~ثم ارتعدت فرائصها إذ سمعت صوت طابعة ليزر آتيا ms176 من غرفة السكرتارية. هل كانت بونتي لا تزال ~~هناك؟ لم يكن بين غرفة السيدة المتصابية بونتي وغرفة ميشائيل سوى غرفتين. نظرت فاندا من باب ~~غرفة السكرتارية نصف المفتوح. لا يصح أن تترك الطرقة غير مراقبة. كانت المتصابية بونتي تقف إلى ~~جوار جهاز الفاكس تقرأ الرسالة التي وصلت للتو، يتدلى فضفاضا من على كتفيها معطف الفرو، أما ~~شفتاها المزمومتان فوشتا بأنها في عجلة من أمرها. # قالت فاندا مشيرة إلى صندوق بريدها: «علي أن أتحقق منه سريعا.» # ردت بونتي بلمحة احتقار: «لا يأتي إلا مرة في اليوم»، ثم نظرت إلى فاندا متفحصة: «المفترض ~~أنك صرت تعلمين ذلك.» ~~«ظننت أني فوت شيئا اليوم.» ردت فاندا معتذرة، وأحنت رقبتها ثم ألقت نظرة خاطفة على ~~الطرقة. لا حركة على الإطلاق. ابتهلت فاندا في سرها من أجل لحظة إضافية، فلا يجب أن تعرف بونتي ~~متى سيخرج يوهانيس. ~~«ألا يزال أحد هنا؟» سألت السكرتيرة وأشارت إلى الباب. في تلك اللحظة انسل يوهانيس من ~~غرفة ميشائيل خارجا، وأصدر القفل صريرا خافتا وهو يغلق الباب بحذر. ابتسم ناحية فاندا وأخذ ~~يلوح بالشريط المعلق به المفتاح منتصرا. رأت فاندا كيف خفت حمرة وجهه، ثم طار شيء فضي في ~~أقواس عبر الهواء ليسقط على بعد عدة أمتار منه في نفس اللحظة التي دفعت فيها بونتي فاندا إلى ~~الطرقة. لكن يوهانيس تصرف على الفور، فبسرعة البرق أخفى بيد الشريط اللافت للنظر في ردائه ~~الأبيض، بينما التقطت الأخرى المفتاح. ~~«غداء شهيا» قال يوهانيس واختفى بسرعة في معمل البيولوجيا الجزيئية، بينما أغلقت بونتي ~~باب السكرتارية. لم يكن الباب المبطن يستقر بسهولة في الزوايا؛ لذا كان يلزمها أن تسحبه من ~~الأكرة لتحكم وضع الترباس. أدارت المفتاح مرتين. وقد استأثرت تلك العملية بجل اهتمامها فلم ~~تلاحظ شيئا، فتنفست فاندا الصعداء. ~~«لو سأل «أحدهم» عني فإني هناك في المكتبة» أومأت فاندا. وهذا ليس بالنعت السيئ للرئيس. ~~«أحدهم» يريد أن يحدثك، «أحدهم» يريد أن ينشر اسمه بشكل ضروري على البحث، حتى لو لم يسهم بشيء ~~فيه، «أحدهم» قال ms177 لي اليوم في حديث خاص إني حققت الكثير رغم كوني امرأة. ورغم ذلك لا يمكن ~~«لأحدهم» أن يستفيد من عملي في شيء. لا، فإن «أحدهم» لا يهتم به على الإطلاق. قررت فاندا أن لا ~~أحد يمكن أن يكون بهذه الأهمية. # توجهت السيدة بونتي الآن بخطوات واثقة إلى الحمام الكائن إلى جوار غرفة النظافة. فكتمت ~~فاندا أنفاسها، وتساءلت هل تذكرت بيترا أن توصد الباب؟ كانت المتصابية تهز الباب بقوة. ~~«مغلق» فلتت الكلمة من بين شفتي فاندا بارتياح. # تلفتت السكرتيرة حولها. ~~«لماذا؟» سألت بصوت عال، «هل الحمام به عطل ثانية؟» هزت رأسها مستنكرة، ثم سارعت بالخروج. ~~وضعت فاندا كفيها على وجهها. # غمغمت: «من فضلك ... امنحيه لقاء مثيرا.» # سمعت أزيز الباب فعاودت النظر إليه. كانت بونتي قد انحنت لتوها عند الزاوية، لكن أستريد ~~دوبرمان ظهرت بالمدخل. الحذاء قصير الرقبة على البنطال الجينز الضيق يقترب بسرعة منذرة. كانت ~~فاندا لا تزال تعد الخطوات الواسعة وكأنها منومة مغناطيسيا، حين وجدت الزميلة قد وقفت ~~أمامها فعلا ترمقها بنظرات باردة من أعلى لأسفل. ~~«هل تعرفين أين غطس يوهانيس؟» طرحت السؤال دون أن تتهدج أنفاسها للحظة. # تجمدت فاندا. ماذا أقول الآن؟ بالتأكيد ستبحث عنه في المعامل، عليها فقط أن تبتعد عن معمل ~~البيولوجيا الجزيئية الآن. # عدت فاندا الخطوات إلى هناك في صمت. كان الاضطراب الذي تستشعره في معدتها قد نزل إلى ~~قدميها. أستريد - فرس الرهان تلك - ستسبقها بمسافات. # خطر ببالها للتو أن تقول: «لقد اتصل مدير المبنى منذ قليل، يقول إن ضوء سيارتك ~~موقد.» # حولت أستريد ناظريها: «هل هذا أكيد؟ هل ذكر لك رقم لوحتي المعدنية؟» ~~«قال السيدة الدكتورة دوبرمان، التي ليست من مونستر.» # ندت عن أستريد إيماءة غضب وقالت ثائرة: «ومنذ متى يعرف ذاك الشخص سيارتي؟» ثم دارت كراقصة ~~باليه عائدة إلى المصعد. # مرت الدقائق الثلاث التالية بهدوء، هدوء الأشباح. نظرت فاندا في ساعتها. مر نصف الوقت ~~الذي قررته بيترا لهم. ظلت تبدل وقفتها من ساق لساق. أين ذهب يوهانيس؟ كانت تريد أن تذهب ~~إليه في المعمل، ms178 لكن أولريكه ظهرت في الطرقة، مرت إلى جوار فاندا متجهة مباشرة إلى معمل ~~البيولوجيا الجزيئية. # نادتها فاندا: «مرحبا ... هل عندك برهة من الوقت؟» ~~«كلا ... علي أن ...» ~~«أرجوك.» # هزت طالبة الدكتوراه رأسها بالنفي، وغمغمت بأنفاس لاهثة: «الحضانة، لقد نسيتها.» ثم اندفعت ~~داخلة إلى المعمل، فقابلها يوهانيس خارجا. «أحسنت» همس لفاندا، ثم خبط الجيب العلوي لردائه ~~الأبيض «ما أخبار العصافير الصغيرة؟» # فهمست إليه فاندا: «أسرع» ثم انسلت إلى مكتبها، فلحقها يوهانيس بعد دقيقة، فقالت ~~معنفة: «هل كنت تحرث الأرض؟» # رد بعصبية: «ما هذا الكلام، ألم أخاطر برأسي؟ كما أن ذاك الشريط الغبي ... كان لا بد أن ~~أعيد ربط المفتاح فيه.» ~~«لولا جولاتك الإضافية لكانت مشاكلنا أقل.» # طوح يوهانيس الطرد الذي اقتنصه على مكتبها، كان أبيض اللون خاليا من أي عنوان. كان يريد أن ~~يغادر الغرفة، لكن في نفس اللحظة ظهرت بيترا بالباب، رأت الكرتونة فأشرق وجهها . ~~«أحسنتم.» # أز كرسي الزوار منذرا عندما هبط عليه يوهانيس فجأة. ~~«وما أخبار أمير الأمراء؟» # شدت بيترا شعرة علقت بالبلوفر وقالت: «لقد ذهب لتناول طعامه، فقد استحقه عن جدارة.» بعدها ~~سمعوا طرقا على الباب فجفلوا. # كان الطارق هو السيد فايدنرايش مدير المبنى داسا رأسه الأصلع داخل الغرفة. ~~«أخبروا السكرتيرة أن كل شيء في الحمام على ما يرام.» ~~«سيد فايدنرايش.» سمعوا النداء، ثم وقع خطوات قوية آتية من الطرقة. سحب مدير المبنى رأسه ~~من الباب، كان صوت أستريد العالي الرفيع قريبا جدا الآن، واستأنفت قائلة: «رقم لوحتي ~~المعدنية هو إم إر-آه ديه 327، أرجو أن تحفظه.» ثم ابتعدت بخطواتها القوية. # تفرست فاندا في وجهي بيترا ويوهانيس المليئين بالأسئلة وهمست: «عشت الجحيم هنا.» ثم ~~أخبرتهما بما حدث في جمل قصيرة، وبعدها ذهب كل واحد إلى عمله المعتاد. ~~«نحن فريق جيد.» كتبت فاندا هذه العبارة لرودي، وتابعت مداخلاتها التي كالعادة يبتلعها ~~الكمبيوتر. قضت فاندا بقية اليوم في راحة وحيوية مثل تلك التي يهبها الجلوس على أرجوحة الأطفال. ~~وكانت تنوي - زيادة في التأمين - أن تأخذ الكرتونة التي تحوي مركب النانو معها إلى ms179 المنزل في ~~المساء. ~~••• # بحثت في صباح اليوم التالي عن رسائل جديدة في صندوق بريدها الإلكتروني. رد عليها بيتر ~~سنايدر بسرعة. # وعرض عليها أن يتولى عمل التحاليل وطرح بعض الأسئلة بخصوص المادة، وألن يسافر أي من ~~معارفها إلى كندا في القريب؟ فأن يحضر شخص ما المادة معه أفضل من أن ترسلها هي، ولا يهم إلى أي ~~مطار سيصل: تورنتو، مونتريال، أونتاريو، لا يهم؛ ففي كل المطارات متعاونون يمكن أن يتلقوا ~~المادة. # فكرت فاندا: ألم يكن الرئيس يريد أن يسافر الأسبوع المقبل إلى تورنتو لحضور مؤتمر؟ واصلت ~~القراءة: # بالمناسبة كنت قد حكيت لك عن زيارة وزارة الخارجية. كانت زيارة كاشفة؛ فقد علمنا منها ~~أن جزءا من هذه المادة تم تطويره في المعامل التابعة لإدارة السلاح الأمريكية في نيو ~~مكسيكو، وعلى ما يبدو فإنها جزيء موصل، نوع من مسبار نانو لنقل شيء لا نعلمه بعد، ويتم ~~بيعه فيما بعد للمصنعين تحت مسمى «إن بي 2701»، وإدارة السلاح الأمريكية يثير اهتمامها ~~الآن كل إشارة تخبر عن مصير وليدها، ولم نفهم السبب في ذلك بعد. كانوا يريدون حتى شراء ~~عينات التربة مني، ولأنهم كانوا على أرض كندية كان عليهم التزام التحفظ، لكني أخشى أنهم ~~سيبذلون كل ما في وسعهم لمصادرة المادة لو لم نبد استعدادنا للتعاون معهم. وفي كل ~~الأحوال تحافظ الصناعة على غطائها. ونحن نحاول الآن الوصول إلى اتفاق مع وزارة الخارجية، ~~لنرى إن كانوا سيفصحون عن معلومات أخرى. إن ذلك من شأنه أن يسهل تحاليلنا كثيرا. سي آر ~~دبليو سي، تلك الشركة بكاليفورنيا لم تكن سوى واحدة من العملاء الذين قاموا بشراء المادة ~~بطريقة قانونية قبل ثلاث سنوات من السلطات الفيدرالية، كما أن بيانات التشغيل صارت في هذه ~~الأثناء متاحة. ستجدين أسماء المشترين على صفحتنا على الإنترنت، وستتمكنين هناك أيضا من ~~قراءة المزيد من التفاصيل التي أسفرت عنها تحرياتنا. # اكتبي لي سريعا متى ستصل شحنتك؟ تسعدني المساعدة دائما. # بيتر # جفلت فاندا لبعض الوقت. هل من الممكن أن تكون مراسلاتها مع بيتر مراقبة؟ ففي نهاية ms180 المطاف، ~~من المعروف أن البريد الإلكتروني غير مؤمن، ولم تكن تستعمل أي برنامج حماية، إلا أن بيتر أثار ~~فضولها، وما هذا الذي قرأته لتوها؟ إلا أنها نحت ظنونها جانبا. لم تتردد كثيرا ونقرت ~~لتصل إلى الصفحة الرئيسية لمنظمة حماية البيئة الكندية. وجدت ما تبحث عنه تحت باب أهم الأخبار. ~~كانت قائمة الشركات الخاصة التي اشترت مادة «إن بي 2701» تضم ما لا يقل عن عشر شركات مرتبة ~~أبجديا. حدست فاندا أمرا في ركن قصي من وعيها، لكنها لم ترد الاعتراف به صراحة، ~~فضربتها الحقيقة كسهم من عاصفة، تعمدت أن تتجاهل وميض برقها وهزيم رعدها؛ ففوق اسم شركة ~~كاليفورنيا وودلاندز للأبحاث التي اتخذها بيتر هدفا لهجومه، وجدت فعلا اسم شركة بي آي تي - ~~شركة بوسطن للعلاجات المبتكرة. # الفصل الثامن والعشرون # | ندفات الثلج الأولى # غلالة رمادية لفت الطبيعة التي كانت تحاول أن تقطع طرقاتها بسيارتها. كانت تتجه غربا، ~~لكن الشمس لم تشرق قط ذلك اليوم. كانت قد انطلقت قرابة الساعة الثامنة والنصف، إذ دبر لها ~~موثق العقود في جوترسلوه موعدا سريعا، وهي أفرغت نفسها اليوم لهذه المهمة، يوم واحد لا غير. ~~لم تكن تريد أن تنفق أكثر من ذلك على هذا الأمر، كما أن روبرت لم يفكر في دعوتها لقضاء الليل، ~~وعلى الأرجح لم تكن هي لتقبل بعرض كهذا لو قدم. # كانت الشوارع تعج بالحركة صباح تلك الجمعة. أحكمت إمساك عجلة القيادة حين مرت بالهضبة ~~شديدة الرياح عند ضاحية هايجر بورباخ. كان يوهانيس شارد الذهن حين أحضر لها بالأمس مفتاح ~~السيارة. ~~«عقد عملك لا يزال ساريا لفترة، وهي فترة كافية لسداد الأقساط لو حدث أي تخريب ~~للسيارة.» # صحيح أن فاندا كانت لا تجيد القيادة على النحو المرجو، إلا أن قيادة السيارات كانت تشعرها ~~بمتعة كبيرة، كانت تشعر وكأنها فرت من قفص. متعة أن أقود خطواتي بنفسي مباشرة على ~~الطريق، متى كانت آخر مرة مارست فيها ذلك؟ ففي عملها ازداد إحساسها أن أحدا يقودها من بعيد، ~~كما أن المعلومات الأخيرة التي حصلت عليها من ms181 بيتر سنايدر لم تسهم في التخفيف من هذا الإحساس، ~~لكن ربما يكون «إن بي 2701» هو المفتاح لمعرفة مادة النانو الغامضة تلك التي استقرت الآن في ~~ثلاجتها - حتى إشعار آخر - إلى جوار البيض. كانت تفكر بجدية في أن تفصح لسنايدر عن كل ~~شيء، وعليهم يوم الاثنين أن يقرروا ما الذي سيتعين فعله بعد ذلك. ألقت فاندا نظرة خاطفة على ~~الكرسي المجاور للسائق، حيث طبعت خريطة الطريق التي بحثت عنها في الإنترنت بالأمس. كانت ~~المسافة التي قطعتها في البداية غريبة عليها، لكن بدءا من بريلون انتابها إحساس أنها مرت بكل ~~ذلك من قبل، ثم بعد ساعتين من القيادة تمكنت من إعادة التعرف على البيئة التي نشأت ~~فيها. # أرض مسطحة، «تستطيعين صباحا رؤية المكان الذي ستنامين فيه مساء» قالها لها صديق ذات مرة. ~~في الثلاثين كيلومترا الأخيرة قررت أن تتصرف كالحمام الزاجل وتعتمد كلية على ~~غريزتها . # وبعد أن تركت الشارع الرئيسي وانحنت لتدخل إلى المنطقة السكنية، توقفت قليلا. المفترض أن ~~كنيسة السيدة العذراء تكون في هذا المكان، أنزلت فاندا زجاج النافذة لتتأمل شجرة الدردار ~~القديمة. مرت اثنتا عشرة سنة. كان الطريق إلى منزل والديها يسير كما في أحلام يقظتها بين كنيسة ~~العذراء وأشجار الدردار وكأنها بوابة دخول إليه. أين ذهب المبنى المطلي بالأبيض بتمثال العذراء، ~~فالسيد المسيح، والزهرية النحاسية التي كانت تضع بعض الورود فيها؟ ورود من الحديقة. قرأت ~~اللافتة الجديدة، «بيركين آليه»؛ أي ممر أشجار التبولا، وبالفعل زينت حافة الطريق المسفلت عن ~~يمينه ويساره أشجار تبولا حديثة الغرس ذات جذوع تذكر بأطفال كبروا قبل الأوان. # كثيرا ما ماطلت فاندا في زيارة والديها، والآن قضيا نحبهما. بحثت في حقيبتها وأخرجت ~~منها خطاب موثق العقود. هل كان روبرت ينتظر الآن حضورها؟ هذه المرة لم يبق لها من حجة. ~~كانت عودتها لهذا المكان واجبة. دارت أمام وجهها بلورات ثلج رقيقة، فنظرت فاندا حولها، لماذا ~~الآن تحديدا يبدأ الثلج في السقوط؟ أغلقت نافذة السيارة وواصلت السير. # بعد بضعة مترات قليلة انحنت يسارا ووصلت إلى مدخل المنزل. ms182 بدأت أصوات طرقات تدق رأسها، ~~وتسارع نبضها بصورة مخيفة. طرقات البلاط غير المثبت حين ينهرس تحت عجلات سيارة والدها العائد ~~من العمل، البلاطات الآن جديدة ومثبتة بإحكام، لا يصدر عنها أي صوت، فرض عليها الصمت. # كان المنزل متدثرا بالسكون، مظلما إذ كل ستائره المعدنية مسدلة، فيما علت أشجار إبرة ~~الراعي جافة من أصيص على السلم. من ذا الذي زرعها؟ لقد مات أبواها الآن منذ أكثر من سنة، لا ~~يمكن أن يكونا هما من قاما بذلك، ألم تكن ثمة سيارة مركونة إلى جوار الطريق الخارج؟ أوقفت ~~فاندا محرك سيارتها فساد الهدوء التام. # كان هذا هو المنزل الأول في هذه المنطقة. في البداية كانوا يعيشون أمام الماء المنساب عبر ~~المراعي الموحلة والمباني الأسمنتية باحثا عن شقوق رفيعة نادرا ما وجدها. كانت الطبيعة تحاول ~~أن تحمي نفسها من تغول جدران القبو المبنية كأسوار حصن، لكن مقاومتها لم تجدها نفعا، الأمر ~~الذي كان مبعث فخر والدها. ثم جاء الجيران الأوائل، بنيت بيوت، وزرعت حدائق. انحسر الماء، ~~مروضا هادئا مثل طفل شب عن الطوق. هكذا حكى لها والداها عن الأحوال. # أحكمت فاندا لف شالها حول رقبتها وخرجت من السيارة. كان الهواء المشبع بالجليد يخزها ~~في أنفها. كان باب البيت مواربا، أما المدخل فانبعثت منه رائحة أحذية لم تتم تهويتها. ~~«روبرت، هل هذا أنت؟» لم تحصل على إجابة. وجدت طريقها عبر المطبخ إلى غرفة الطعام الصغيرة. ~~كان الموقف مثل الحلم الذي يراودها. طاولة من الخشب حولها خمسة كراسي، لماذا حقا خمسة؟ ~~الطاولة الصغيرة التي تحمل الهاتف القديم رمادي اللون ذا السماعة البيضاء، تماما كما ظهرت لها ~~في الحلم، ثم رأته. كان يجلس في مقعد ظهره إليها، وينظر من النافذة تجاه الحديقة. كان يسند ~~ذراعه اليسرى على مسند المقعد، ومضت سيجارة بين أصابعه. أعسر، كان روبرت أعسر. تذكرت ~~الآن. # قالت بصوت منخفض: «مرحبا، ها أنا ذا.» ~~«كان الوالد يجلس هنا دائما حتى قبل انتحاره بقليل.» رد ببطء. اللعنة، ألا يستطيع حتى أن ~~يتحدث معي بصورة طبيعية؟ لا ms183 تبدئي في الإحساس بالذنب الآن. ~~«أنا هنا الآن، وبرأيي الأفضل ألا نطيل الموضوع بيننا كثيرا.» ~~«نعم، فلنقصر المسألة. كان الأمر أيضا قصيرا وغير متوقع.» كم كان يرتعش صوته وكيف يمص ~~سيجارته، إدمان الأب، لقد ورث إدمان الأب مثل النار التي تشتعل ثم يأكل بعضها بعضا في ~~النهاية. ~~«أولا، ماتت الوالدة بعد مرض قصير، ثم أعلنا عن ذلك في صفحة الوفيات بالجريدة.» أكمل ~~روبرت كلامه «ثم مات هو بعد حزن قصير ... أم كان علي أن أكتب بعد إدمان طويل للكحول؟» # ألا تستطيعون أن ترحموني من معاناتكم؟ بالنهاية لقد ماتا، فلنترك الأمر يمر بسلام. لا ~~أريد أن أفكر كثيرا في الأمر، أريد أن أحتفظ بهدوئي. ~~«لم أحضر إلى هنا من أجل استعادة القصص القديمة.» ~~«لكني أريد أن أتحدث عنها» رد عليها معاندا. «أريد أن تهتمي لأمرهم، ففي النهاية، هذه هي ~~أسرتك.» # لا أستطيع، لن أستطيع أن أكترث لأمره. لماذا أفكر في هذا الآن تحديدا؟ أسبوع بأكمله قضيته ~~بشفاه متورمة، فيما اختلقت قصة حول طبيب الأسنان. لكن السبب فيما حدث لي كان الوالد وهو في ~~حالة سكر كامل، بعد أن حكى عني الأخ الأصغر حماقة ما. أنت أيها الشكاء الصغير، كنت دائما ~~ماهرا في العويل، وكنت أنا من تحتمل الضرب نيابة عنك، ولم يحدث ذلك مرة واحدة فحسب. «وكان ~~علي وحدي أن أتعامل مع الموضوع.» ~~«لقد هربت. صنعت لنفسك حياة جميلة في أمريكا، إنك حتى لم ترجعي لحضور الجنازة. أما الآن ~~وقد صار ثمة شيء تأخذينه ...» ~~«لم آت لهذا السبب.» لماذا أصلا؟ لأتحدث معه؟ نعقد سلاما؟ هل اعتقدت فعلا أن هذا ~~سيحدث؟ ~~«لماذا إذن إن كان لغير ذلك؟» استدار روبرت بوجهه نحوها بسرعة أثارت فرقها؛ فقد زم ~~عينيه وأخذ يرمقها بنظرات عدوانية. كانت تعرف تلك النظرة، نظرة والدها. لا أفهمه. لم أفهمه ~~قط. إنه لا يريدني أن أعرف. لكن ماذا؟ ولماذا؟ # قالت بلا ثقة: «ما الذي يمكن أن يكون سببا لعودتي؟» التزم الصمت وانكمش في ذاته مثل حيوان ~~جريح يتسلل ليقبع في وكر ms184 جروحه. كانت ترى سهام تنهداته تنغرس في جسده الغائم حاجبا وجهه خلف ~~أصابعه العظمية، فقط الوهج المنبعث من عقب السيجارة هو ما لم تستطع تجنب رؤيته. كان الرماد ~~يتساقط على بنطاله المصنوع من القماش. ازداد وزنه. لماذا لا أشعر بشيء؟ لا شيء البتة ولا حتى ~~الاشمئزاز؟ ترك روبرت ذراعيه تهبطان. # قال بنبرة محايدة: «لا أعرف.» نظرت في عينيه المحمرتين. ~~«هل تريد حقا البقاء هنا؟» ~~«يتعين على أحدهم أن يبقى.» ~~«هيا، دعنا نذهب من هنا.» ~~«لكني أعرف المكان هنا حق المعرفة.» هل هذه حق المعرفة؟ أنت تلتصق بوحل ماضيك، أوحال ~~ماضينا. لا أستطيع أن أسحبك خارجا، يكفيني ما هو عالق بساقي. ~~«هل كان على والدينا ديون؟» ~~«نعم، الدين» صاح فجأة «أنت المدينة بكل شيء.» ~~«تمالك نفسك.» ليس معي، هذا لا يفعل بي، لن يفعل بي ثانية. وقفت فاندا بالفعل في طرقة ~~الباب، وسمعت أنه يتبعها. ~~«علينا أن نبيع المنزل» صار صوته فجأة موضوعيا، «عليك أن توقعي. لن يتبقى الكثير ~~لنا، لكن ثمنه سيكفي لسد الديون.» حتى كلامه كان يضايقها، كالعادة، لم أتوقع غير هذا. الوضع ~~مرير عليك، أنت يا من دائما تأتين بعد فوات الأوان ولا تجدين من يتعاطف معك، من ناحيتي ~~تستطيع أن تحتفظ بالنصيب الباقي كله. اتجهت خطوة نحو الباب وقالت: «إذن لننه ~~المسألة.» # وفي وقت لاحق أخذا جولة أخرى في المنزل. كان الوالدان قد تصرفا في غرفة فاندا وقاما ببيع ~~أثاثها، وأهديا ألعابها. لم تجد ثمة أثر يعيدها إليهما. ماذا أيضا كانت تريد أن تتهمهما به؟ ~~ففي نهاية المطاف، فإنهما لم يفعلا سوى كتابة النهاية لما بدأته هي برحيلها. في غرفتها السابقة، ~~وجدت المكتب ذا الأرفف القديم الأثير لدى والدها، وقد ورث تلك القطعة كما قال، لكنها لم تعرف ~~عمن ورثها. كانت الطاولة الدقيقة للمكتب تقف كمهر ذي ساقين طويلتين. حق لها بما فيها من ~~قوارير عطر وعلب بودرة أن تكون لامرأة، لا لرجل عجوز سكير. جلست فاندا على الكرسي المقابل لها ~~ونظرت في المرآة البيضاوية التي تعلو ms185 الأدراج. ~~«هل كان يجلس هنا؟» رأت في المرآة كيف أن روبرت فتح يديه وأغلقهما أمام بطنه السمين في ~~إيماءة بأنه لا علم له. حاولت أن تتخيل وجه والدها في المرآة. بحثت عنه خلف عينيها ~~الداكنتين، شكل أنفها أو الأجزاء التي حول فمها الدقيق. كانت ببساطة أقرب شبها بوالدتها. ~~أحست تحت يديها بالقرص الرخامي البارد. سحبت أصابعها خطا رفيعا في طبقة الغبار التي علت ~~الرخام البني المرقط. كانت درجة لونها تتوافق مع درجة لون الخشب المائل للحمرة ذي الزخرفات ~~البارزة التي تؤطر الطاولة والمرآة، ربما تعود لطراز «الآباء المؤسسين» أو ربما ترجع لطراز الفن ~~الحديث «يوجيندستيل». لم تكن تفهم كثيرا في هذه الأمور. كان بها درجان، سحبت فاندا مقبض ~~الدرج الكبير أسفل الطاولة الذي لم يرد أن ينفتح. ~~«ثمة مفاتيح؟» # هز روبرت كتفيه. ~~«يمكنك الاحتفاظ بها، فليس عندي لها مكان.» # في المساء عادت تقود السيارة على الطريق السريع ثانية. في هذا الجو على الهضاب؟ كان رأي ~~روبرت أن هذا يسبب الإنهاك الشديد. ظلت تبكي طوال طريق العودة، لم تذكر أنها فقدت كل هذا الماء ~~من عينيها من قبل. شغلت مساحات الزجاج. كانت أضواء السيارات التي تأتي من الاتجاه المقابل ~~تتراقص بين الثلوج المتساقطة مساء. ما الذي حدث لها؟ لقد وقعت عقد البيع للبنك. البنك الذي ~~يعمل به روبرت، سيتحمل الموضوع. لقد انتهى الكابوس، بالنسبة لها على الأقل. هل هذه هي الراحة ~~المنشودة؟ خطرت ببالها كنيسة العذراء ثانية. حاولت أن تبتلع الغصة التي في حلقها. لم يكن ثمة ~~شيء على حاله كما كان في البداية. كيف بدأ الأمر حقا؟ تخطتها العربة الخلفية متجاوزة إياها ~~لتجعلها خلف شاحنة. لقد مرت السيارة من طراز تويوتا بخفة مخلفة لطخات من الطين الممتزج ~~بالثلج تصطفق على زجاجها الأمامي، وبحركة غريزية، حاولت تجنب الأمر برد رأسها للوراء. يتعين ~~عليها الآن النظر إلى الأمام. # بعد أربع ساعات بدت لها كعمر بأكمله وصلت إلى ماربورج. كانت فاندا في غاية التعب حين ~~صعدت السلالم المؤدية إلى شقتها، وكانت صناديق البيرة ms186 الفارغة التي تخص جيرانها قد ولدت جيلا ~~جديدا. افتقدت فاندا الشعرة التي تضعها في إطار الباب، كما نقصت من الثلاجة ثلاث بيضات. مست ~~كرتونة مادة النانو الموضوعة في الركن الأخير من درج البيض فاستراحت. هزت رأسها غير مصدقة. هل ~~صرت أخرف الآن أم أني أخطأت العد فحسب؟ جابت شقتها بانتباه. كان كل شيء كما تركته. وكانت تجد ~~ألفة في فوضاها. لم كانت تحب ترك الفوضى على حالها؟ ترى كيف كان يبدو شبح غيابها؟ تذكرت ~~الفيلم مرة أخرى. ساكن سري؟ كانت سلة الورق ممتلئة، لم يحاول أحد حمل جبل الغسيل، كما أن أكوام ~~الورق المطبوع على مكتبها ظلت في انتظار أن تقوم هي بتصنيفها. فكرت أن تمر سريعا على زابينة، ~~لكنها كانت تفضل أن تأوي إلى فراشها. أوصدت باب الشقة مرتين، ثم دخلت فراشها سريعا. واستغرقت ~~بعض الوقت إلى أن هدأت نفسها. # الفصل التاسع والعشرون # | الطرد الهش # في الأسبوع التالي استمرت البرودة، وعلت الأحذية حواف بيضاء وتشققت النعال وأصبحت تصدر ~~صريرا، وعلى الطريق الجانبية حولت الشمس قطع الجليد التي لم تكسح منها إلى طين ذائب، ~~بينما ومضت ألسنة لامعة من الثلوج في ضوء مصابيح الشارع. # كان الوقت مناسبا لسوق عيد الميلاد. اتفقوا على اللقاء في الساعة السابعة مساء أمام كنيسة ~~إليزابيت؛ إذ كان النبيذ الساخن هناك أرخص من مثيله في جنوب المدينة. انتظرت فاندا أمام البوابة ~~الرئيسية. تعرفت على زابينة من القلنسوة النرويجية التي اعتمرتها، تلك التي شغلتها أمها. كان ~~الشريطان الرقيقان اللذان يتدليان من القماش العريض على كلا الجانبين يتبختران بدلال مع كل خطوة ~~من خطواتها الواسعة. وكانت زابينة قد قررت أن تأتي بمفردها؛ فدرجات الحرارة الأدنى من الصفر لا ~~تناسب جوسي بالمرة. ~~«وااو» بدا على زابينة إعجاب حقيقي، وقالت: «فعلا مثل ما قبل التاريخ. وبهذا تسيرين مخلفة ~~آثارا مثل الماموث.» تأملت فاندا بفخر حذاءها الفرو ذي الرقبة العالية، وهو واحد من التذكارات ~~النادرة التي استطاعت أن تجلبها إلى ألمانيا من العالم الجديد. ~~«هي أقرب لأحذية وقوف فقط، ما يجعلها ms187 تناسب تماما سوق عيد الميلاد.» ~~«سوف نرى كم من النبيذ الساخن تحتملين.» كانت زابينة قد اتخذت اتجاها واضحا، وتبعتها ~~فاندا عليه. ~~«هل تعرفين إلى أين تودين الذهاب؟» ~~««فان إلكان» يخمرون الأفضل حتى الآن.» وأشارت بذقنها ناحية أكشاك البيع الأخرى، «أما ~~الباقون فانسي أمرهم.» بعد وقت قصير كانت أصابعهم المجمدة من البرد تقرع كئوس الأنخاب ~~الدافئة. ~~«هل تلقاه يا ترى؟» # سحبت فاندا هاتفها المحمول من جيب سترتها. لا بد أن يكون شتورم قد وصل إلى تورنتو قبل ساعة ~~لو أن كل شيء سار على ما يرام. ~~«كان سنايدر سيرسل رسالة نصية بمجرد أن يحصل على الطرد، لكن لم يصلني شيء بعد.» ~~«ماذا لو أن سنايدر فتحه في الطريق ...؟ أو عند الجمارك ...؟» ~~«ربما هو في هذه الأثناء يسبح عبر الأطلنطي. لن نستطيع تخيل الأمر. ليس في أيدينا سوى ~~الانتظار.» # ابتسمت زابينة «ربما يتمسك به.» ~~«من ؟ شتورم؟ في منتصف الأطلنطي؟» لم تملك فاندا إلا الابتسام بعد تخيل الموقف. «لن ~~يفيده شيئا.» # عارضتها زابينة: «فكري بالأمر. إن فعلتنا هذه قد تكون أنقذت شتورم من حماقة كبرى، حتى لو ~~كان سيعارضنا في ذلك الآن، من الممكن أن نوضح له المسألة. وإن اتضح أن المادة مصدر مشاكل ~~جمة كما نخمن، فلا يمكن إلا أن يكون ممتنا لنا.» ~~«لم أنظر للمسألة بهذه الصورة من قبل قط. أنت محقة تماما. نحن ننقذ رأسه كلما ~~أمكن.» # رسمت زابينة ملامح جادة على وجهها وقالت: «هذا يسمى تدعيم المهارات القيادية لدى ~~الرئيس.» من الواضح أن تدريبات التنمية البشرية التي تحضرها في مركز التوظيف قد أفادتها، على ~~الأقل أثرت ثروتها اللغوية ومكنتها من النظر إلى الأمور من زاوية مختلفة. لقد رجت فاندا ~~الرئيس أن يحمل معه طردا إلى كندا؛ هدية عيد ميلاد قابلة للكسر لصديق عزيز، وقد توردت ~~وجنتاها بحمرة الخجل وهي تخبره، ففهم شتورم المسألة خطأ، أو ربما على النحو الصواب. في النهاية ~~كان يبدو أنه ابتلع قصة علاقتها الرومانسية العابرة للمحيطات، وأخبرت بيتر سنايدر بحيلتها، ~~فأراد أن يستقبل الطرد الذي ms188 يحوي مادة النانو بنفسه في تورنتو. كان الأمر من الأهمية، وهو من ~~المهارة بحيث يمكنه أن يقلد دور العاشق سعيد الحظ، بل سيشرفه أن يفعل ذلك، وكونه لم يتصل حتى ~~الآن كان يقلق فاندا. # تناقشوا كثيرا حول هذا الأمر في مقهى هافانا، حتى وصلوا إلى نتيجة مفادها أنهم يحتاجون ~~إلى هذه القطعة بشكل حتمي من أجل أن تكتمل صورة اللغز. كان عليهم أن يعرفوا عما يبحثون بالضبط ~~حين يفحصون أنسجة الحيوانات المريضة. كان بيتر سنايدر هو الشخص المناسب، فعنده كل المعلومات ~~اللازمة حول مادة «إن بي 2701»، وبمساعدته يمكن لهم أن يعرفوا إن كانت المادة التي حصلوا عليها ~~من شركة بي آي تي هي ذاتها مادة النانو التي تستعمل جزيئاتها في معامل الولايات المتحدة ~~للأسلحة. فمنذ أن حكت له فاندا عن الوفاة الغامضة لجونتر هيلبيرج، وهو يسأل باستمرار عن ~~نتائج تشريح الجثة، لكنهم لم يتوصلوا لشيء بالطرق الرسمية، وقد وجدوا صديق دراسة سابقا ~~لأندرياس يعمل طبيبا مساعدا في معمل تحاليل مستشفى ميونيخ الكبير الذي توفي فيه هيلبيرج. كان ~~يريد مساعدتهم، لكن ملفات هيلبيرج كانت محظورة التداول، وكان عليهم أن يفكروا في وسيلة ~~أخرى. ~~«هذا الأندرياس، هل يمكن الوثوق فيه؟» سألت زابينة فجأة وكأنها كانت تقرأ أفكار ~~فاندا. ~~«أعتقد أنه وقع في غرامي.» ~~«هذا جيد، لكن سيئ من ناحية أخرى، وماذا عنك؟» ~~«يمكنه أن يكون أخي الأصغر.» ~~«بدأت أقلق عليك يا فاندا، فأنت معرضة لخطر الضمور جنسيا.» ~~«معرضة لماذا؟» ~~«النضوب.» ~~«لا تقلقي علي. أنا أشعر كما لو كنت بقرة حلوبا في أفضل سنوات إنتاجيتها. وأنت كيف ~~حالك مع فولفجانج، هل يسعدك؟» ~~«هو على الأقل لا يسبب لي التوتر ... إلا أن ...» مطت زابينة شفتيها وقالت: «الآن حيث لا عمل ~~لي، كان عليه أن يحاول أن يكون أكثر جاذبية.» ~~«المسكين! لا أتصور أنها مهمة سهلة.» ~~«ما هي؟» ~~«أن يحاول أن يرضي عالمة مفصولة.» أفرغت فاندا كأس النبيذ في جوفها. «ربما الأفضل تجنب ~~العلاقة الحميمة بدلا من ملء الزهرية ورودا باستمرار.» ~~«ليس الأمر بهذا السوء.» ms189 بدا أن زابينة استاءت. # أكملت فاندا: «أندرياس يشبهه. أعتقد أنه جبان يفضل أن يتعامل مع النساء في المنطقة اللينة ~~على أن يختبر الحافة. مجرد رخو جبان.» ~~«إنك تحبينه.» ~~«نعم بالفعل، لكن ربما كشاعر عذري.» ~~«وهل لهذا السبب تريدين مساعدته في كشف ملابسات وفاة والده؟» # هزت فاندا كتفيها. لم يكن يعلم بأمر قائمة أسماء العلماء الذين حضروا المؤتمر سوى سنايدر ~~وأندرياس. هل عليها أن تخبرها أن اسمها أيضا كان على هذه القائمة؛ لأنها هي نفسها كانت في نيو ~~مكسيكو؟ أعترف أن الأمر يخصني أيضا بصفة شخصية؟ من العدل أن أخبرها، لكني أعرفها، لن تجعل ~~المسألة تمر دون أن تطرح أسئلة مزعجة. هكذا هي طبيعتها. ~~«وماذا عن توماس؟» وبهذا السؤال عادت زابينة إلى موضوعها الأثير. تنهدت فاندا: «إنه مليء ~~بالأسرار.» # ابتسمت زابينة بضيق: «يا للإثارة! بالتأكيد هو ليس من النوع الذي يغير الحفاضات، ويطعم ~~الحيوانات الأليفة، وينظف الحمام.» ~~«الآن تحديدا تفكرين في إنجاب الأطفال؟» ~~«ربما عندي الآن حقا وقت طويل جدا للتفكير، لكن فولفجانج رجل تربوي، ولاحقا يمكنه قضاء ~~نصف الوقت بالمنزل. لا أتصور أن يحدث لي ما هو ألطف من ذلك، ففي نهاية الأمر، أنا أريد لحياتي ~~أن تستمر، ووجود عاشق ولهان ببساطة أمر يجعل الحياة أصعب من أن تحتمل.» ~~«أها. أفهمك الآن. وراء كل امرأة عظيمة رب منزل بلا شغف!» ~~«يبدو الأمر هكذا حقا، وأنا أريد أن أبدأ في ترتيب حياتي.» ~~«فلتبحثي إذن أولا لنفسك عن وظيفة محترمة.» # انطفأت نظرات زابينة. ~~«أريد أن أخرج من البلد مرة أخرى، وبأسرع ما يمكن. حين يعرف الموضوع هنا لن يقدم لنا ~~أحد أي عمل.» كانت على حق، كانوا كلهم يخاطرون بكل شيء. وأنا؟ أنا ما زلت أستغلهم ~~أيضا. # علقت فاندا بملحوظة متشكية: «لا بد أن ثمة شيئا موجودا اسمه العدالة.» سحبت زابينة ~~زاويتي فمها لأسفل. ~~«سينتهي الأمر إلى لا شيء بعد أن يحدث جلبة كبرى.» ~~«لم يصل الأمر بعد إلى ذلك الحد. ومن قال إن علينا أن نذيع نتيجة تحرياتنا ليعرفها القاصي ~~والداني؟ ms190 لكن يمكننا أن نضغط بها على شتورم بحيث يعيد توظيفك ثانية.» ~~«ماذا؟ هل تعتقدين حقا أني يمكن أن أحرك ساكنا من أجل هذا الشخص مرة أخرى؟» ~~«على الأقل إلى أن تجدي وظيفة جديدة.» # نظرت فاندا فوق رءوس الواقفين متتبعة سلاسل الأضواء التي تمتد حتى أكشاك البيع. أسرتها ~~الأضواء الدافئة المنبعثة من المصابيح والمعروضات الملونة. ظلت عيناها معلقتين بمنزل ذي ألعاب ~~خشبية. وقف هناك رجل معه طفلان، وحين أدار وجهه ناحيتها كانت متأكدة: إنها أنف جليزر الضخم تظهر ~~في تناقض لا سبيل لحله مع سائر ملامحه الدقيقة. وبسرعة أدارت فاندا ظهرها لطبيبها، وأحكمت غلق ~~سترتها على رقبتها ووجهها. # سألتها زابينة: «هل تشعرين بالبرد؟ أعرف علاجا جيدا لذلك.» اختطفت بسرعة كأس فاندا وتسللت ~~من بين الجموع لتصل إلى بار النبيذ الساخن. إنك جبانة! سمعت صوتا في داخلها، إنك تختبئين ~~وتتجنبين وتلعبين لعبة سرية. ثم فكرت في نفسها: لكن يتحتم علي أن أعارض تخمينات سنايدر ~~تماما؛ فأسئلته الدائمة صارت أصعب من أن تحتمل. وماذا لو تأكدت مخاوفه؟ ماذا لو بدأ مرض ~~جونتر هيلبيرج الذي مات بسببه في نيو مكسيكو؟ سأثبت له أن الأمر ليس كذلك. # عادت زابينة وضغطت في يدها الكأس الساخن، وقالت: «بالمناسبة، ما آخر أخبار أخيك ~~الأصغر؟» # حكت لها فاندا أنهم اضطروا لبيع منزل والديهم، ولأول مرة تحدثت معها عن شكها في أن أخاها ~~يخفي أمرا ما؛ معلومة أو فكرة عن شيء صحبه والداها معهما إلى القبر. ~~«صوتك حزين.» ~~«ربما لن أعرف ذاك الشيء أبدا، وربما يكون الحال هكذا أفضل. رغم ذلك لا يترك لي الأمر ~~مجالا للراحة، لا سيما أثناء الليل.» ~~«أعرف وصفة مفيدة.» مرة أخرى أطلت من عيني زابينة نظرة مربية متمرسة «ترقدين على سريرك في ~~الاتجاه العكسي، رأسك عند مؤخرة الفراش. سترقد قدماك على المخدة، وهي التي سيكون عليها ~~التفكير.» نقرت جبهتها وقالت: «الخواطر في الداخل لا ترحم.» # اهتز هاتف فاندا المحمول. لقد وصلت رسالة من بيتر سنايدر: وصل الطرد! # لم يتبق سوى عدة أيام ليعرفوا إن كانت ms191 تخميناتهم في محلها. # الفصل الثلاثون # | الفرضية # بعد أسبوع من الانتظار الطويل وصلت أولى النتائج من أوتاوا. كانت المادة التي جلبتها شركة ~~بي آي تي لتختبر في ماربورج خارجة بشكل قاطع من مصانع السلاح الأمريكية؛ إذ إن لها ذات ~~الجزيئات. التقرير الذي وصل بعد ذلك باثنتي عشرة ساعة حمل تفاصيل أكثر. # في البداية، أكد التقرير على الأخبار الأولية لكن مع تحفظ، ألا وهو: أن الجزيئات ليست ~~متطابقة بشكل كلي، ورغم أن صورها على الميكروسكوب الإلكتروني كانت تشبه بعضها بعضا، مثل أي ~~بيضة تشبه أختها، فإن حركتها كانت مختلفة. قام فنيو المعامل الكنديون بحقن أجزاء صغيرة من ~~العينة بالنقاط الكمومية (وحدات الطاقة)، حتى يتمكنوا من ملاحظة نموذج حركتها بصورة أفضل تحت ~~مجهر الفلورسنت. # في المساء، قبل أن تعود فاندا إلى منزلها بقليل، اتصل سنايدر بها. كان صوته غاضبا: ~~«تخيلي أنك واقفة في كازينو قمار بين طاولتي بلياردو. على كل طاولة عشرون كرة، كلها ~~متشابهة. في كل الأحوال، لا يمكنك التفريق بينها، وعليك أن تقرري على أي طاولة ستلعبين، ولهذا ~~تدورين حول كل طاولة وتضربين كرة عبر الملعب. تتحرك الكرات ويصطدم بعضها ببعض، لكن على الطاولة ~~التي إلى يسارك سرعان ما تعلق الكرات بعضها ببعض، فتنشأ كومات متفاوتة الحجم، ثم لا يتحرك شيء. ~~تتجهين نحو اليمين، فتجدين كل شيء يتحرك. الكرات تدور بعضها حول بعض ويصدم بعضها بعضا. إحساسك ~~يدفعك للإبقاء على اللعبة. القرار لك.» # ردت فاندا بحزم: «لن ألعب في أي مكان.» ~~«أعترف أن النموذج ميكانيكي أكثر مما ينبغي، لكن هكذا نفكر.» ~~«لا أقصد هذا، أعني أني ما دمت لا أفهم هذه الكرات العجيبة القادمة من بوسطن، فلن أجازف ~~باللعب بها، الكرات التي يصدم بعضها بعضا هي تلك المادة في الدراسة الخاصة بشركة بي آي تي. هل ~~أنا على حق؟» ~~«نعم ولا. تذكرين أن الطرد الذي حصلنا عليه منكم كان يحوي ثلاث أمبولات؟ واحدة منها كانت ~~تحمل جزيئات النانو، والثانية تحوي مركزا للمادة المذيبة، عندما نقوم بإذابة المادة فيها ~~تتصرف جزيئاتها فعلا ms192 مثل الكرات التي على الطاولة إلى اليمين. لاحقا أضفنا إليها محتوى ~~الأمبولة الثالثة في طردكم، فتكتلت الجزيئات فورا بعضها مع بعض، تماما كما تفعل الجزيئات في ~~العينة التي تركتها لنا وزارة الخارجية الأمريكية. لا بد أن لهذا علاقة بسطح الجزيء. نحن لا ~~نزال في انتظار نتائج البيولوجيا الجزيئية وصور الأشعة للتحليل الهيكلي.» # أخذت فاندا تفكر. الأمر يبدو وكأن شركة بي آي تي أخذت مادة خاما من مصانع السلاح بالولايات ~~المتحدة الأمريكية، ثم تمكنت من تعظيم قيمتها بإضفاء خواص غير عادية عليها. جزيئات نانو لا ~~تتكتل لتتوزع بخفة في قنوات التنفس، هذه لم توجد بعد، وهي في الواقع التي يمكنها أن تمثل ~~اختراقا تقنيا لأشكال من العلاجات جديدة تماما. # أخطرت فاندا زابينة ويوهانيس سريعا بالبريد الإلكتروني، ورد الاثنان من فورهما. كانا ~~مقتنعين مثلها أن كرات بلياردو النانو غير منضبطة الحركة هي التي أمرضت فئران زابينة. # تواترت لقاءاتهم هذا الأسبوع، مرة عند فاندا، ومرة في منزل زابينة، وتناقشوا في فرضية ~~عملهم. في الوقت ذاته زاد اهتمام سنايدر بحالة جونتر هيلبيرج. ولم تستغرب فاندا ذلك. كان الطيار ~~قد تحدث عن مادة مسماة «نانوباكت-إن بي 2701»، وكانت المادة التي حصلت عليها شركتا بي آي تي، ~~وسي آر دبليو سي من الجيش الأمريكي تشتركان مع هذه المادة - لنقل - في اسم العائلة. لا يمكن ~~أن يكون هذا الأمر من قبيل الصدفة. هنا يكمن قطب الرحى التي تتقاطع فيها تحرياتهما. في كل ~~الأحوال لم يكن من الممكن التخلي عن فكرة أن هناك رابطة بين تحريات سنايدر في نيو مكسيكو ووفاة ~~هيلبيرج. هاجمتها صور مخيفة. كانت تتقلب في فراشها من صور فئران تنفق من التشنجات المميتة، ~~وهيلبيرج يضحك ثم يسقط رأسه فجأة، وعيون دكتور جليزر التي تخترقها اختراقا. لم تكن تريد ~~لحياتها أن تنتهي مثل نهاية جونتر هيلبيرج. لا، وحاولت أن تحتفظ بهدوئها؛ لأن كل مخاوفها لا ~~أساس لها بالمرة، ستثبت بنفسها أن الأحداث في نيو مكسيكو لا علاقة لها بوفاة طبيب الأعصاب في ~~ميونخ. فليس ثمة تلوث. كانت ms193 تهدئ من روعها بقول إن الصداع الذي كان ينتابها صار نادرا ما ~~يداهمها، أما ما يخص رعشة يديها فقد تعودت أن تضم قبضة يدها في حضور الآخرين وتضعها في حجرها، ~~وهكذا لم يكن أحد يلاحظ الأمر، ولأن أحدهم لم يشاهد المسألة كانت تتمكن من تنحيتها ~~جانبا. # لم يكن من الصعب على فاندا أن تقنع زملاءها بسبب اهتمامها بتحريات سنايدر، وأنهم يدينون ~~له بما وصلوا إليه من معلومات. وهكذا بررت لهم في لقائهم قرارها أن تتابع «حالة جونتر هيلبيرج» ~~بنفسها. # كانت مادة البحث محفوظة في قسم علم الأمراض بمستشفى ميونيخ الكبير، كما عبر زميل أندرياس ~~السابق عن رغبته في مساعدتها للوصول إليها. لقد كان الطريق الرسمي مليئا بالمخاطر، كما أن ~~الروابط بين المعاهد لا يمكن سبر غورها، ولا ينبغي لشتورم أن يعرف بأمر التحريات التي تجريها. ~~كانوا قد اقتربوا من هدفهم، وهو الكشف عن لغز المادة التي تستخدمها شركة بي آي تي، وإذا ساورته ~~شكوك بشأنهم فسيمنعهم من مواصلة عمليتهم ويطردهم جميعا، وستضيع كل مجهوداتهم هباء. ~~«لا تراجع»، قالت لزملائها «لقد توغلنا في المنطقة العميقة لدرجة أننا مضطرون لمواصلة ~~البحث.» ~~«حقا؟» بدت زابينة مترددة فجأة. # فحذرت بيترا: «لو فشل الأمر فأنا لم أكن معكم، أتمنى أن يكون ذلك واضحا لكم جميعا.» كان ~~يوهانيس يعض على أسنانه بلا توقف. نظرت زابينة إلى فاندا متفحصة. ~~«ما الذي يدفعك للمواصلة؟» # هزت فاندا كتفيها وبدت فاترة فجأة: «أستطيع أيضا أن أسقط الموضوع.» قالتها وهي تحاول أن ~~تبدو غير مبالية قدر الإمكان. ~~«إذن؟» تأملتها زابينة متفرسة. ~~«ماذا تريدين؟» لم تتمكن فاندا من إخفاء ثورتها، «ففي النهاية، أنا التي تحملت الورطة التي ~~تسببت فيها.» # تدخلت بيترا: «هذا يكفي. بالتأكيد علينا أن نكمل المشوار، ونحن لا نستطيع الآن أن نقرر كيف ~~سنستخدم كل ذلك. فالمعلومات التي لدينا ببساطة لا تزال منقوصة.» # لم تشأ زابينة أن تستسلم وقالت: «أريد أن أوضح أمرا ما هنا. أنا لم أطلب منكم شيئا، كل ~~واحد منكم لديه أسبابه الخاصة للاشتراك في العملية.» أحست ms194 فاندا بنظراتها التي تخترقها فقالت: ~~«أنا أريد معرفة الحقيقة.» ~~«أي حقيقة؟» # لم تحر فاندا جوابا. ~~••• # وفعلا في عصر يوم الجمعة كانت تجلس مع أندرياس في القطار السريع المتجه إلى ميونيخ. كان لا ~~يزال الغضب ظاهرا عليه، مرت ثلاثة أسابيع منذ لقائهم الأخير. وكانت فاندا قد انسلت بهدوء وسرية ~~من شقته ذاك المساء بعد أن وجدت قائمة الأسماء، ومؤخرا حدثها على الهاتف بكلمات مقتضبة. كانت ~~فاندا تريد أن تعرف المزيد عن موت والده. لماذا إذن أراد أن يشترك في هذه العملية بميونيخ؟ هذا ~~ما ظل لغزا عليها، لا بد أن فكرة سنايدر في البحث عن جزيئات نانو لدى هيلبيرج قد أقنعته، بخلاف ~~ذلك لم تستطع أن تقتنع أنه يصاحبهم في هذه الرحلة بلا تحفظات. أما مسألة شركة بي آي تي فقد ~~احتفظت بها فاندا لنفسها؛ إذ لم يكن أندرياس ضمن فريق التحريات. # بدءا من مدينة شتوتجارت جلسا بمفردهما في المقصورة. # قالت وكأنها تعتذر: «سيتعين علي أن آخذ بعض العينات من مخه.» أدار أندرياس رأسه نحو ~~النافذة ولم يجبها، زفرت فاندا بصوت خفيض، وفكرت: لا أستطيع أن ألومه. الخطة جيدة، لكن هذا هو ~~كل ما في الأمر. لا يزال الشق الأيسر من مخ هيلبيرج محفوظا في الفورمالين في ثلاجة عيادة قسم ~~الأمراض، عرفوا ذلك من رايموند - ذاك الشخص من معارف أندرياس القدامى أيام دراسته للطب - وهو ~~أمر مستغرب أن لا يزال محفوظا هكذا رغم مرور ستة أشهر كاملة. في الحالات العادية يتم تشريح ~~العضو بأكمله. جال ببال فاندا أن ذاك أفضل بالنسبة لنا لو أعماهم عنه النسيان. كانت تقلب صفحات ~~أطلس التشريح في حجرها. هل سأتعرف أصلا على بنيته؟ كانت مناطق النظام اللمبي التي أرادت أن ~~تأخذ منها العينات ملونة على الرسم. فذكرتها بالصور الملونة التي توضع في كتب رسوم ~~الأطفال ليلونوها، وكذلك كان ملونا ومنظما وسهل التفكيك ذاك النموذج الصناعي للمخ ~~البشري الذي أحضره لها يوهانيس ليريها عليه كيف يمكن أن تستخرج أجزاء صغيرة من الوطاء (تحت ~~المهاد)، وأخرى من القنوات ms195 الشمية من أسفل عبر الفص الصدغي، ثم الحصين؛ إذ يخمن سنايدر وجود ~~جزيئات النانو في تلك المناطق. وهو يتكهن أيضا أن جزيئات النانو التي تم رشها من الطائرة لا بد ~~وأنها تسللت عبر فتحة جهاز التكييف إلى داخل الحافلة، وقام الركاب باستنشاقها. شعرت فاندا ~~بالبرودة تسري في أوصالها، فالراجح أنهم كانوا يجلسون مثلهم مثل أرانب التجارب في ذلك القفص ~~المتحرك، وحسبما يقول سنايدر فإن الكوكتيل الذي تم رشه في نيو مكسيكو تضمن مادة «إن بي 2701»، ~~وهي التي أعطتها له معامل إدارة السلاح الأمريكية لمقارنتها بالتحاليل الأخرى، وهي أيضا المادة ~~الموجودة آثارها في نانوسنيف، وكان عليه أن يعد الأمريكيين بإعطائهم إيضاحات غير منقوصة حول ~~النتائج. لقد كان لدى سنايدر من الذكاء ما يكفي ليعرف أن ذراع سلطات دولة الجوار كانت ستطول ~~بالدرجة التي تمكنها من مصادرة العينات برمتها، لو لم يوافق على اتفاق التعاون مع الأمريكيين. ~~كان رفضه ليودي به وراء الشمس منذ مدة طويلة. ومن جانبه كان قد تعمق في المشروع بدرجة يصعب ~~معها المجازفة بعدم معرفة المزيد عن «إن بي 2701». كانت وجهة نظر سنايدر هي أن جزيئات النانو ~~وصلت إلى دماغ هيلبيرج عن طريق قنواته الشمية، وأحدثت التأثير الضار الذي أحدثه نانوسنيف في ~~الفئران بمعامل ماربورج، وكان سنايدر يستند في فرضياته إلى الأعراض العصبية مثل الرعشة واضطراب ~~الحركة التي لوحظت على هيلبيرج وعلى حيوانات التجارب على حد سواء. فرضية تتسم بمزيد من الجرأة ~~برأي فاندا، في حين ثبت أن جميع تحاليل عينات التربة المستجلبة من نيو مكسيكو في غاية الصعوبة. ~~لقد كانوا يتلمسون طريقهم في الظلام. ربما كان السبب يرجع لبعد المسافة الزمنية. ثم ألا تصاغ ~~الفرضيات من أجل دحضها؟ وهذا تحديدا ما ستقوم هي به. # كلفها يوهانيس أن تنتبه لعلامات النخر والضمور. رائع. أنا أصلا لا أعرف الشكل في الحالة ~~الطبيعية الأصلية، وكان الأفضل أن تطلب من زميلها أن يرافقها، لكنه أفهمها أن الأراضي الغريبة ~~مناطق محرمة عليه، لكنه سيؤازرها عبر الهاتف، فأخذت معها السماعات في حقيبة الظهر. ms196 # لا يزال أندرياس ينظر من نافذة المقصورة: «ماذا تعرفين عن هذه الجزيئات؟» يبدو أنه وجد لغة ~~للحديث من جديد. ~~«هي بلورات دقيقة تبدو تحت المجهر الإلكتروني ذات زغب رقيق مهوش يحيط بها من كل الاتجاهات. ~~ثمة فيروسات تكاد تتخذ نفس الشكل تماما.» ~~«وكيف تعرفون أنها ليست فيروسات؟» ~~«سؤال وجيه. لأن معظم الفيريونات مكعبة.» ~~«فيريونات؟» ~~«هذا هو جسم الفيروس، إنه الهيكل الذي تجده عندما تقوم بإعادة بناء ثلاثي الأبعاد بمساعدة ~~تحليل الأشعة السينية. جزيئاتنا تتكون من عشرين مثلثا متساوية الوجوه؛ لذلك اسمه عشروني الوجوه ~~المنتظم.» ~~«جسم أفلاطوني.» ~~«ماذا؟» ~~«سيان. كيف تكونين متأكدة تماما أنه ليس فيروسا؟» ~~«قشرتها، لا علي أن أقول قفيصتها. هذه القشرة المكعبة هي في الحقيقة تقليد مثالي لفيروس ~~شلل الأطفال بقطر يصل إلى عشرين نانومترا إلا قليلا، وهو فارغ من الداخل.» # قطب أندرياس جبينه. # أوضحت فاندا: «إنها لا تحمل الجينوم . من الممكن القول إنها فيروس شلل الأطفال بلا دماغ.» ثم ~~هزت كتفيها وأكملت «أو بلا روح؟» # إنهم يعرفون منذ الأمس، فقد أرسل سنايدر نتائج تحاليل الجزيئات الحيوية. لنقل إن «إن بي ~~2701» ما هو إلا سرقة علمية. لقد نجح العلماء في معامل مصانع الأسلحة في الولايات المتحدة ~~عمليا في تقليد بنية فيروس شلل الأطفال في أنبوب الاختبار، وقاموا بذلك بنفس البديهية التي ~~يقوم بها الصينيون بتقليد السيارات الغربية، ولكن على خلاف الصينيين كان يمكنهم الحصول على ~~براءات اختراع على منتجهم المقلد. وقامت شركة بي آي تي بإدخال بضعة رتوش عليه وزودته ~~ب «جين»، لكنها لم تشأ أن تخبر أندرياس بذلك؛ إذ كان عليها أن تستوضح الأمر مع نفسها أولا حول ~~معنى هذه المعلومات الجديدة بالنسبة لها. # حين وصلا محطة آشافينبورج دخل مقصورتهما زوجان شابان، فيما حاولت سيدة بدينة وراءهما أن تشق ~~طريقها بأمتعتها الثقيلة. عرض أندرياس عليها المساعدة، لكنها أصرت أن تترك الحقيبة الكبيرة في ~~الممر، وحين تحرك القطار ربطت منديلا حول رأسها. تناثرت رائحة ماء كولونيا في الهواء وغثت نفس ~~فاندا التي كانت تتنفس بصعوبة. لم تكن الرائحة ms197 أفضل في الحمام، كانت فقط مختلفة. لم يكن ثمة ~~مفر؛ فقد كان القطار محجوزا بالكامل بعد ظهيرة يوم الجمعة. ~~••• # استقبلهما رايموند هالر في المحطة واصطحبهما إلى شقته التي كانت عبارة عن جحر متواضع في ~~منطقة مظلمة. لم تكن فاندا تعرف ميونيخ جيدا، ففقدت الاتجاه بمجرد أن صحبتهما. كان هالر يتحدث ~~بلا توقف، وحينما سلم لأندرياس مفاتيح قسم علم الأمراض، لمعت حبات عرق على أنفه. كان شق دماغ ~~هيلبيرج موجودا في دلو أبيض يحمل رقم 173 / 05، كان عليهما أن يحفظا الرقم، ثم أعطاهما خريطة ~~للمبنى، ورداءين مخصصين للاستعمال مرة واحدة، وصندوقين من قفازات لاتيكيس، وكيس قمامة ~~رماديا. وعلى أحد الصندوقين كتب حرف «إم» بالخط العريض، وعلى الآخر كتب رقم «7»، ثم توجه ~~إلى أندرياس وسأله: «هل كل شيء على ما يرام هكذا؟» # أومأ أندرياس إليه بالإيجاب. كان عليهما أن يرتديا الرداءين قبل أن يدخلا إلى مبنى علم ~~الأمراض، ويغيراهما عند اللزوم، لكن من الضروري ارتداء القفازات دائما، ثم يلقيا بالمخلفات في ~~كيس القمامة، والأفضل أن يتخلصا منها عندما يعودان إلى ماربورج، لقد فكر في كل شيء، ثم وضع ~~يده على كتف أندرياس قبل أن يذهبا. كان بينهما ثقة جعلت فاندا تشعر أنها خارج نطاقها. كان ~~أندرياس غريبا عليها حين عاد إلى السياق البافاري. # قرب العاشرة استقلا مترو الأنفاق إلى محطة جروسهادرن. ~~«لماذا يساعدنا؟» أرادت فاندا أن تعرف. # ابتسم أندرياس وقال متوترا: «كنا صديقين حميمين.» ها هو يبتسم من جديد رغم التوتر. # حين سارا أسفل شارع ماركيونيني غامت أعينهما بالدموع بسبب الرياح الثلجية. كان الطريق إلى ~~مبنى علم الأمراض يمر في خط مستقيم عبر منطقة ضخمة مخصصة لوقوف السيارات، وقد بدت المساحة ~~بالأماكن الفارغة بين السيارات الفرادى كمنطقة أقفرت بعد أن تم إخلاؤها، وعلى جانبي الطريق ~~تمدد بساط ثلجي هو كل ما تبقى من الثلج الذي هبط ليعلن بداية الشتاء، فأفزعه ارتفاع درجات ~~الحرارة المفاجئ في ماربورج. يسارا لمعت نوافذ المبنى الرئيسي الذي بدا بكتلته الحجرية الضخمة ~~وكأنه المركبة الفضائية أوديسا 2001 سقطت ms198 وسط الأرض المنبسطة. كان مبنى علم الأمراض يقع على ~~الجانب الأيمن. ومض ضوء الطوارئ في المدخل عبر الواجهة الزجاجية للمبنى. قال رايموند إن المبنى ~~يصير وحيدا مساء أيام الجمعة، وبهذا تقل فرص أن يراهما أحد. كانت فاندا ترتجف؛ فقد تذكرت ~~رغما عنها حادث مداهمتها في مركز الأبحاث. كان الرعب قد استقر في عمق لم تشأ الاعتراف به، ~~وكانت سعيدة أنها ليست بمفردها. فتح أندرياس باب المدخل كأمر مفروغ منه بعد أن ناولها قفازا ~~ومصباح جيب، ثم سار نحو هدفه عبر الممرات المظلمة، فتبعته. توقفا أمام باب مزدوج، وسادت الظلمة ~~وراء نوافذ الباب المستديرة، ثم تقدم أندرياس. كان أطلس التشريح القابع في حقيبة ظهر فاندا ~~ثقيل الوزن، كما أن القاعدة الضخمة لمصباح الطاولة كانت تضغط على عمودها الفقري. أم هل كان ذلك ~~مقبض سكين التشريح؟ كلا، لقد لفت أدوات التحضير جيدا بالسيليلوز، كما وضعت العلب ~~البلاستيكية المخصصة لعينات الأنسجة في كيس مبطن. ذاك الشيء الذي على ظهرها صرف انتباهها ~~قليلا. وفجأة تعثرت وانحنت ثم سقطت على ظهرها، فانعكس ضوء مصباح الجيب على السقف بسرعة. لقد ~~كان وزن حقيبة الظهر من الثقل بأن جعلها تترنح إلى الوراء. يا إلهي المشرط. ظلت تترنح وهي تفكر: ~~لا أريد أن أموت، ليس هنا. لكنها سقطت، لقد سمعت الصوت، ليس ثمة توقف، ولا شيء يمكن عمله. ~~وفجأة أمسكت بها يد قوية من ورائها حملتها فوق ذراع. في حين وضعت اليد الأخرى على فمها، وبين ~~جسديهما علقت حقيبة الظهر مثل أكمة تملؤها النفايات. # همس أندرياس في أذنها: «ششش، ستوقظين الجميع هنا.» # انحنت فاندا قليلا إلى الأمام، وهي تتصبب عرقا. ~~«ماذا كان ذلك؟» # أسقط ضوء المصباح على الأرضية، في مكان ما كانت تغطية الأرضية بارزة قليلا. واصل أندرياس ~~سحبها إلى الغرفة. أصدر الباب طقطقة منخفضة الصوت بمجرد أن أغلقه وراءهما، فتنفست فاندا ~~بعمق. # قالت فاندا وقد تملك منها الخوف: «هيا، لنكمل.» أسقط أندرياس ضوء المصباح على وجهها، ~~فانعكس على عينيه بعض الضوء الشاحب. ~~«هل أنت متأكدة؟» سألها بقلق ms199 باد، ازدردت ريقها ثم أومأت إليه برأسها. أعطاها إشارة بأن ~~تبقى في مكانها، ثم اختفى عبر باب على الجانب المقابل. # كانت الغرفة تعبق برائحة الفورمالين، فتركت فاندا ضوء مصباح الجيب يدور في الغرفة التي بدت ~~جرداء. فومضت طاولات مصبوبة من الفولاذ الأبيض المقاوم للصدأ. لا جثث، ولا توابيت. اكتشفت طاولة ~~عمل مرفوعة في أحد أجزاء الغرفة، كما وجدت على أحد الحوائط الجانبية مقبسا لسلك التوصيل مثل ~~الذي معها في حقيبة الظهر، فتركتها تنزلق من فوق كتفيها على إحدى طاولات القسم وفتحتها. كانت ~~أدوات التحضير بما فيها السكاكين قد انزلقت من لفتها وتوزعت في الكيس، لكنها وجدت كل شيء على ~~ضوء مصباح الطاولة. وضعت السكين ذا الحد الطويل المزدوج على يمين حافة اللوحة البلاستيكية ~~البيضاء التي كانت ستشرح عليها، إلى جوارها المشرط، ثم الملقاط الجراحي. دست نفسها في واحد ~~من الأردية التي تستعمل مرة واحدة ، وأخرجت صندوق القفازات ووعاء العينات، ثم وضعت كيس القمامة ~~إلى جوارها، وضعت كل شيء في متناول يدها، ثم السماعات على رأسها. نجح الاتصال بالهاتف المحمول، ~~وكان رقم يوهانيس يومض بالفعل على خانة استدعاء الرقم المطلوب. انتظرت فاندا، وأمسكت يديها في ~~ضوء المصباح. كانتا ترتعشان ارتعاشا خفيفا، وترتفعان وتهبطان مع كل شهيق وزفير، وبالتدريج ~~بدأت فاندا تهدأ. # عاد أندرياس يحمل وعاء أبيض، كتب رقمه على الغطاء بطرف قلم أسود. فناول فاندا الوعاء ~~صامتا، ثم اتخذ موقعه أمام فتحة المدخل حسبما اتفقا. # الفصل الحادي والثلاثون # | شوكولاتة قديمة # قدرت فاندا أن وزنه لا يزيد عن 700 جرام؛ وزن شق مخ هيلبيرج لا يزيد عن القرنبيط الذي ~~اشترته مؤخرا من السوق الأسبوعية بشارع فرانكفورت. إذن الدماغ كله يصل وزنه إلى كيلوجرام ونصف. ~~كرأسي قرنبيط متوسطي الحجم، هل هذا طبيعي؟ قلبت فاندا الشق الأيسر في يديها بحرص. كان ~~العضو عاجي اللون، سميكا، لكن ليس صلبا بأية حال مثل مرجان مخ متحجر. لم تمس فاندا مخا ~~بشريا من قبل قط. داخليا تراجعت خطوة إلى الوراء، لم تكن تريد أن تفكر في هيلبيرج ms200 الآن، ~~فقد اختفى وراء تلافيف المخ، وبين ثنياته وتجعيداته الفنية، بين الفص الجبهي والفص الصدغي، ~~ووراء الموضوعية التي تحاول أن تمارس بها عملية التشريح. فقط البرودة التي زحفت من أصابعها إلى ~~ذراعيها، جعلت قشعريرة تسري في بدنها كله. كانت رائحة الفورمالين تخز أنفها سلفا. سيتعين عليها ~~العمل بسرعة. تعرفت على قنوات الشم في الجزء السفلي. لم تكن سوى شريط يبلغ طوله خمسة سنتيمترات، ~~يبدأ من رأس صغير هو البصيلة الشمية. بحذر استخرجت حزمة الألياف ووضعتها على غطاء الوعاء ~~البلاستيكي. كان كل من المخيخ وجسر فارول الموصل إلى النخاع المستطيل، قد تم فصلهما. فنظرت ~~فاندا في الوعاء البلاستيكي فلم تجدهما. ظلت كتلة المخ في قبضة يدها اليسرى بينما هي تتفحص ~~أجزاءها الداخلية، إذ كشفت عنها من خلال شق متمكن بين نصفي المخ. كانت فاندا تفكر أنها أمام ~~تمثال منحوت يتعين عليها أن تستنتج مغزاه. سيتعين أولا فهم ذاك الجزء الصغير الذي استأصلته. ~~كان شاحبا مثل حبة فول صويا، لكن أصغر بكثير، لا بد أن هذا هو الجسيم الحلمي الأيسر بالجهاز ~~الحوفي. من هناك دخلت بسبابتها في انحناء خفيف حول ~~منطقة تميل للون الرمادي البني، تهجع بين الثنايا المتشققة مثل بحيرة في قلب جبل. وجدت طريق ~~الشاطئ أصفر اللون عبر الجزء الشمالي الرفيع من هذه البقعة العميقة. كانت فخورة بنفسها أن ~~تمكنت من التعرف على المهاد والقبوة دون مساعدة يوهانيس. المهاد يعد هو البوابة للوعي، ~~أما القبوة فتربط الجسيمات الحلمية بقرني ~~آمون # Cornu Ammonis ~~، فتسمح للأحاسيس والخبرات بالمرور مانحة إياها ما يشبه ختم الدخول، وبغير ~~هذا لا يمكن استدعاؤها من الذاكرة بتاريخها الصحيح، مما يمكن من تتبع تسلسل حدث ما في الماضي. ~~ظنت لوهلة أنها تقف ثانية في حجرة المعيشة بمنزل والديها، شاعرة بالعجز كما في الحلم الذي ~~يتكرر. ابتلعت الغصة التي ولدت في حلقها. الآن فقط لاحظت فاندا أنها كانت تتنفس من فمها؛ إذ ~~كان أنفها مسدودا تماما، وكذلك عيناها كانتا ملتهبتين من الفورمالين. سحبت منديلا ورقيا من ~~العلبة المثبتة على ms201 الحائط وتمخطت. لم يجدها ذلك نفعا. فحملت مصدر الأذى تحت مصباح الطاولة ~~وتأملت بنيته التي اكتشفتها للتو. هنا في الجهاز الحوفي تختفي طبيعتنا البرية: الهروب، ~~والإطعام، والقتال، والجنس. في هذه المنطقة أظهر علاج النانو الذي استعملته زابينة على الفئران ~~التأثير الأكبر، كما أن هنا اكتشف يوهانيس سحجات كبيرة الحجم عند تشريح أمخاخ الفئران. أغلقت ~~فاندا عينيها اللتين أخذتا تقطران بسبب التهيج غير المعتاد، كانت بضع دمعات قد انسابت على ~~وجهها. لم تتمكن من اكتشاف شيء غير طبيعي، لكنها أيضا ليست خبيرة في الأمراض العصبية. ومن ثم، ~~حان وقت الاتصال بيوهانيس. # أجاب يوهانيس اتصالها فورا، فوصفت له فاندا ما تراه. # أراد أن يعرف: «هل تستطيعين التعرف على المادة السوداء؟» مسحت فاندا جذع المخ المشقوق أسفل ~~الجسيمات الحلمية. ~~«لا تستحق هذا الاسم. فلونها أحد درجات اللون الرمادي إن كان لها لون.» # علق يوهانيس باقتضاب: «ناقصة الصباغة»، وكان يدون الملاحظات ، ثم قال: «ألم يكن هيلبيرج ~~يرتعش؟» ~~«ماذا؟» نظرت فاندا ناحية أندرياس الذي كان يقف أمام الباب يراقب الطرقة. ~~«أقصد مرض باركنسون، هل كان يعاني من الشلل الرعاش؟» ~~«هل من الممكن أن نتحدث عن ذلك لاحقا؟» لاحظت فاندا أنها بدأت تتوتر. «أفضل أن تخبرني ~~ماذا بعد؟» ~~«هل تستطيعين رؤية النتوء أسفل الجهاز الحوفي؟ إنه الوطاء، ومنه يمتد الحصين. لا بد أنك ~~تعرفت عليه. إنه مركز كل ما يدخل إلى أنوفنا، إن كانت جزيئات النانو قد دخلت فلا بد أننا ~~سنجدها ها هنا. لكن ينبغي علينا أولا أن نواصل فحص كيف يبدو الوضع من الداخل. خذي قطعا ~~أماميا على نفس ارتفاع الجسيمات الحلمية.» لم تعجبها بتاتا ومطلقا النبرة التي يحدثها ~~بها، كما أن ما يطلب منها يوهانيس فعله كان يضايقها بشدة. ~~«ألم نتفق بالأمس على أخذ بعض الأنسجة فحسب حتى لا نلفت النظر، والآن وفجأة علي أن ~~أشرح هذا الشيء؟ إن أي عامل في قسم التشريح سيلاحظ أن أمرا ما ليس على ما يرام.» تمخطت ~~فاندا بصوت عال. ~~«هل علي أن أواسيك، أم لعلك تحتاجين ms202 مذيبا للمخاط؟» ألا يستطيع ألا يغير الموضوع. ~~تنحنحت فاندا، فكان عليه أن يسمع أنها غاضبة. # أكمل يوهانيس بنبرة أكثر جدية: «لقد أظهرت فئران زابينة النافقة أعراض عته مبكر. ~~وحيواناتك أيضا إن كان من المسموح لي أن أذكرك بهذا ... هل أصابك ألزهايمر فنسيت أننا نبحث عن ~~تشابهات.» فكرت فاندا وهي تشق بالسكين «ليتك تغلق فمك.» # كانت هذه واحدة من اللحظات النادرة التي تنجز فيها عدة مهام في آن واحد، والتي عادة تسعد ~~بتذكرها، إلا أن هذه المرة خاصة جاءتها كصدمة. لقد انحشر سكين التشريح في منتصف شق مخ هيلبيرج ~~حين انطفأ النور فجأة، ووجدت أندرياس أمامها يهمس بأمر ما. لم تفهم منه شيئا لأن ثرثرة ~~يوهانيس سدت أذنيها. حبست فاندا أنفاسها، اللعنة، سأفسد كل شيء. هذا الأحمق. لماذا؟ أكملي! من ~~يقول ذلك؟ أعمى؟ أكملي! ارتطم السكين بالرف السفلي محدثا طقطقة مكتومة. شعرت فاندا كيف أن كتلة ~~الأنسجة تنحل بعضها من بعض. وفي الضوء الشاحب الذي تسلل من المدخل إلى الغرفة رأت أندرياس، كان ~~ينظر متوترا نحو الطرقة. رفع يده في إشارة لها أن تظل ساكنة. # سأل يوهانيس بنفاد صبر: «ما الذي يحدث؟» # همست فاندا: «ششش ... أخشى أن أحدهم سيزورنا.» ~~«اللعنة!» # مرت لحظات كدهر كامل، ثم أرخى أندرياس ذراعه ببطء. # قال أخيرا: «يمكنك مواصلة العمل.» # وماذا كنت أفعل طوال الوقت يا ترى؟ لم تبح بخاطرتها، لم تكن منتبهة ولهذا لم تلاحظ إشارة ~~أندرياس التحذيرية، مما اضطره لترك موقعه فحضر إليها وأطفأ نور مصباح الطاولة. # ردت بصوت منخفض: «شكرا.» ~~«لا بأس ... ليس هناك ما يستوجب الشكر.» جاءها هذا الرد من السماعات. «إلى أين وصلت؟» في ~~النور أخذت تقيم المحاولة التي أجرتها في الظلام، لم تكن سيئة البتة. ~~«أعتقد أني أعرف الآن ما هو المحلل الأعمى.» كان ذلك مصطلحا قرأته كثيرا في الأبحاث ~~العلمية المنشورة، كان يشير به مؤلف البحث إلى أن تجربته نجحت تحت معايير موضوعية، بمعنى أن ~~الشخص الذي يقيم النتائج، يعطي المستحضرات أرقاما مفتاحية لا يعرفها، بحيث لا يعلم إلى أي ms203 ~~مجموعة تجارب تنتمي حتى لا تؤثر توقعاته على النتائج. ~~«هو ليس بالأمر المادي، بل نوع من التعمية الذهنية.» رد يوهانيس فورا. «لا ينبغي عليه أن ~~يعرف ما الذي يراه.» ~~«فعلا.» زفرت فاندا. صارت الآن تحمل ربع مخ في كل يد ناظرة إلى مساحات القطع الملساء. ~~هزت رأسها في إحباط، كانت لتعرف أكثر لو أن ما بيديها ديدان الأرض. ~~«كم أفضل لو كان الجهاز العصبي مصنوعا من الحبال. بل لو كان قطعة خبز لكان أوضح.» ~~«هل ثمة غرف مجوفة كبيرة؟» ~~«غرف مجوفة؟» ~~«نعم، شبيهة بقطع الجبن السويسري؟» ~~«لا، هي أشبه بحبة حلوى محشوة بالنوجة من الداخل، ومكسوة بطبقة من الشوكولاتة التي تغير ~~لونها من الخارج. لحاؤها مبرقش قليلا. ثقوب! الأوعية الدموية متباعدة ومستديرة. ~~مفتوحة.» # غمغم يوهانيس: «هذا شكل تعفن الدم لا العته. نحتاج التقاط صور بالضرورة.» # انتهوا بعد نصف ساعة. بعد معارضة وبامتعاض وافق أندرياس على طلب يوهانيس والتقط بعض الصور ~~بكاميرته الرقمية. وضعت فاندا عينات الأنسجة في أوعية بلاستيكية بعد أن ملأتها ببعض الفورمالين ~~الذي أخذته من الوعاء الأبيض. أعاد أندرياس الوعاء إلى مكانه في الوقت الذي قامت هي فيه بوضع ~~المصباح، فالسلك الكهربي، وأدوات التشريح، وعينات الأنسجة في حقيبة ظهرها. هذه المرة تأكدت أن ~~السكاكين موضوعة بأمان. غادرا قسم علم الأمراض من نفس الطريق الذي جاءا منه. # سار أندرياس أولا. كان يبدو مثل الزبال وهو يحمل كيس القمامة تحت ذراعه. وفي الخارج ~~استقبلتهما سماء صافية تتلألأ فيها النجوم، أفادهما الهواء النقي. لم يكن يراقبهما سوى كوكب ~~المريخ الأحمر. ~~«لماذا هو شديد الحمرة؟» أرادت فاندا أن تعرف. خبأ أندرياس رأسه في رقبته. ~~«إنه خجلان منا.» ~~«هل يؤنبك ضميرك؟» # هز أندرياس كتفيه. سارا على طريق العودة المؤدي إلى محطة مترو الأنفاق صامتين، وكان ~~رايموند قد عرض عليهما المبيت عنده. # جاء سؤال أندرياس مترددا وكأنه لا يريد أن يطرحه: «هل يمكنك أن تقولي شيئا الآن؟» هزت ~~فاندا رأسها بالنفي. في الواقع، كان يمكن لها أن تكون راضية. إن كانت قد فهمت يوهانيس ms204 على النحو ~~الصحيح، فإن النتائج الميكروسكوبية التي وجدها لدى حيوانات التجارب لا يؤكدها ما وجدوه عند ~~جونتر هيلبيرج. ~~«أخشى أن الأمر أكثر تعقيدا مما نظن.» وتعجبت من كلماتها التي تلفظت بها. # الفصل الثاني والثلاثون # | جزيء عظيم الشأن # كانت الاستعدادات تجري على قدم وساق حين دخلت فاندا المعهد يوم الاثنين. تولت بيترا ~~مباشرة العينات. يوهانيس أراد أن يتناقش معها بصورة ملحة حول الصور التي أرسلتها له فاندا ~~في اليوم التالي فورا من ميونيخ. # وجدت في صندوق بريدها رسالة من قسم علم الفيروسات، ألصقت عليها ورقة صغيرة صفراء ~~مكتوبة بخط لا يكاد يقرأ، تعرف منه أنه لشخص أعسر تم تدريبه ليكتب باليد اليمنى. كان الزميل ~~يعتذر أن التحاليل استغرقت كل هذا الوقت، ويقرر أن النتيجة غريبة بحسب ما ستقرأ بنفسها. بخلاف ~~هذا فإن الفيروس ليس نادر الانتشار بين الفئران، صحيح أنه مزعج لكنه لا يمثل مشكلة. # في الطرقة اصطدمت بالرئيس الذي طلب منها أن تفرغ نفسها ذلك المساء. ناولها الدعوة بعد أن ~~مر من جوارها، في حين أطلق نعلاه صريرا على بلاط الأرضية الصناعي. الضيف المحاضر سيأتي ~~اليوم مساء من روتشيستر، وهذا أمر بالغ الأهمية، وبالتأكيد سيكون لديهما الكثير من الأحاديث ~~يتبادلانها. ألم تكن فاندا هناك؟ # أومأت فاندا، وكانت قد نسيت تماما أمر الندوة التي ستعقد بالمعهد. ~~«إذن في تمام الثامنة في مطعم ألتر ريتر.» صاح شتورم قبل أن يختفي في مكتب ~~السكرتارية. # اليوم تحديدا كانوا متفقين على اللقاء في مقهى هافانا؛ إذ كان عليهم مناقشة العديد من ~~المسائل، كما أنها لا تشعر بالراحة كلما تخيلت أنها ستقابل أحدا من روتشيستر. كانت تعرف ~~المحاضر معرفة سطحية؛ إنه شخص مهم وعلى الأرجح صديق رئيسها السابق. لم يكن بها أدنى رغبة للتحدث ~~في قصص قديمة. # واساها يوهانيس بقوله: «حاولي أن تعتبريها فرصة لمراقبة العدو، وبغض النظر عن أي شيء آخر ~~تطلبين لنفسك أغلى طعام.» لم يقنع هذا فاندا كثيرا. # في هذه الأثناء توافرت معلومات جديدة كان ينبغي تصنيفها أولا، وكانت تعتمد في ذلك على ms205 ~~رودي، جهاز الكمبيوتر الخاص بها. ~~«صباح الخير أيتها الجميلة.» حياها هذه التحية في هذه المرة، وكانت فاندا فخورة أنها ~~تمكنت من برمجته ليقول ذلك. «شخص آخر يريد أن يطويني تحت جناحه»، غمغمت باسمة وأخذت تنقر ~~أحدث ما توصلت إليه تحرياتهم. # سنايدر لم يتركها تنتظر طويلا أي جديد يخص «إن بي 2701»؛ فبالأمس بعث لها رسالة إلكترونية ~~يشرح لها فيها تفاصيل أخرى تخص المادة الخاصة بشركة بي آي تي، والتي تشبه كبسولة الفيروس. لقد ~~كانت زابينة على صواب في تخميناتها. لقد كانت جزيئات النانو تحمل على سطحها مستقبلات خاصة ~~لخلايا الشم المخاطية. كانت فاندا تتخيلها مثل قنافذ البحر تتخللها هذه الجزيئات البروتينية من ~~جميع أنحائها، وبهذا تتعاظم فرصتها في الرسو على الغشاء المخاطي المبطن للأنف. # إلا أن السلوك الخاص لجزيئات النانو هذه لا يزال يسبب لسنايدر إزعاجا كبيرا كما كتب في ~~رسالته؛ إذ اتضح أن المادة العازلة التي يجب أن تتناول مع هذه الجزيئات عبارة عن مذاب ~~الكالسيوم عالي التركيز. ووفقا لهذا، فإن ظاهرة الرفض العجيبة التي حاول أن يشرحها بتمثيل كرات ~~البلياردو يكون مردها إلى المبدأ البسيط وهو «الأقطاب المتشابهة تتنافر». على الفور اتصلت ~~فاندا بزابينة لكي تشاورها في الأمر. ~~«جزيئات نانو حرة في محلول كالسيوم مائي عالي التركيز. كيف لي أن أتخيل ذلك؟» ~~«الفكرة ليست سيئة.» كان رأي زابينة التي بدا أنها فهمت ما يقصده سنايدر بكلامه. «ليتم ذلك ~~لا بد من شحن سطح الجزيئات بشحنات سالبة، على سبيل المثال من خلال غطاء من أيونات الفوسفات. ~~الشحنات السالبة تتنافر، وحين تكون محاطة بطبقة حاملات الشحنات الموجبة مثل أيونات الكالسيوم ~~يمكن أن ترش من خلال البخاخات بشكل رائع.» ~~«هل تعنين أن ذلك يشبه البحر، حين يقذف الرذاذ ملحا في الهواء، فنتذوقه نحن على ~~ألسنتنا؟» ~~«نعم، القشرة الملحية التي تعلق على شفاه الواحد منا لتحلي قبلاته ليست إلا جزيئات نانو ~~متبلورة.» أكدت لها زابينة وسألتها: «هل جربت ذلك على الشاطئ من قبل؟» # ضحكت فاندا قائلة: «هذه مسألة مرملة أكثر منها مملحة!» ~~«من ms206 الممكن أن ينجح ذلك تماما. تتحول الجزيئات في الأنف إلى بلورات لأن طبقة السائل ~~تتبخر.» استطاعت زابينة تغيير الموضوع كما تغير الحرباء لونها. «لكنها لا تسيل بعضها مع بعض ~~كما العادة في البخاخات؛ لأن الجزيئات لا تزال تتنافر. تصل إلى الأغشية المخاطية وتظل عالقة ~~هناك بما عليها من مستقبلات ...» ~~«... ويتم امتصاصها بواسطة الخلايا.» أكملت فاندا الفكرة. ~~«لحظة. هذا لا يتم إلا إذا كانت الجزيئات محايدة؛ أي لا تحمل شحنات.» قالت زابينة مقاطعة ثم ~~همست: «المكون الثالث.» # تذكرت فاندا أن الصندوق كان يحوي ثلاث مواد، اثنتان منها فقط هما ما تدخلان الأنف. ~~«ماذا عنه؟» ~~«من الممكن أن يكون أحد الإنزيمات. الفوسفاتيز ربما، ليتصدى للأيونات السالبة على بوابات ~~الخلايا مباشرة ويعادلها.» # قالت فاندا بأسى: «لن يمكننا أن نتثبت من ذلك، فقد نفدت المواد.» ~~«لماذا لم أعرف هذا بنفسي؟» لم يكن من الممكن تجاهل أن زابينة غاضبة. ~~«أفهمك. من الممكن أن يكون كذلك، لكن نحن نتكهن. ما الذي يفيدنا أن نعرف كيف يعمل «إن بي ~~2701» بالتفصيل؟ أفضل أن تخبريني أي مسافر مهم نحن نتعامل معه؟ من ذاك الذي استقبل في ~~قاعة كبار الزوار، وألبس بدلة الفيروس ليتم رشه في مخ الفئران؟» ~~«كبار الزوار؟» ~~«لنقل إذن: شخص عظيم الشأن أو بالأحرى جزيء عظيم الشأن.» # تنهدت زابينة. ~~«رغم كل شيء نحن نعرف أنه كود جيني.» ~~••• # بروفيسور هارتموت فيبيلينج، معلمها في الفصل الدراسي الأول كان ليتحدث عن الحد الأدنى من ~~المعلومات، خلافا للحد الأقصى من المعلومات التي تقترب من الحدود العليا للحقيقة؛ لأنها تشتق ~~من التجارب. ليس ثمة خيار آخر. كما أنه ليس من النادر أن يتجاور الاثنان بصورة تكاد تكون ~~لصيقة، وعلى الباحث أن يتعلم أن يرضى بالقليل، كانت هذه هي وصيته للجيل الصاعد من العلماء. لكن ~~ما البحث سوى التشجيع على إعادة البحث من جديد؟ # لقد كان رودي هو من قاد فاندا إلى خيط مثير في بحثها ذاك الصباح؛ إذ أثبتت ذاكرة البيانات ~~أنها كنز ثمين، كما أن البرنامج صار يصنع تركيبات لغوية أفضل ms207 من ذي قبل. إن المستخدم السابق ~~لهذا الكمبيوتر كان يبحث عن الأعراض السمية لمادة البيلوباليد، وهي إحدى مكونات مادة الجنكة ~~التي ذاع صيتها كمادة ذات تأثير معجز ضد النسيان وشيخوخة خلايا الأعصاب، ولهذا لم يكن مستغربا ~~أن مصطلحات البحث مثل «العلاج الجيني العصبي» أو «تجدد» ولدت إضاءات كثيرة بمساعدة رودي. لقد ~~أثارت فاندا الطريقة التي قفزت بها على الشاشة دراسات بكاملها حول العته في الشيخوخة، وموت ~~الخلايا، والحماية العصبية. لقد جعل التتابع اللاهث لنتائج البحث فاندا متوترة. ورغم أن عقلها ~~كان يكبح جماح أفكارها، فإنها ظلت تخشى أن يستهلك الموضوع رودي تماما فيما قد يسمى بالنضوب ~~الرقمي، ثم توقفت الشاشة فجأة. سارت ببطء من الخلف للأمام في النص، وقلبت الشاشة صفحة ~~صفحة، وقرأت سريعا الفقرات الملخصة، إلى أن اصطدمت بمقطع من مقالة بجريدة: «شباب إلى الأبد ~~- الآليات الجينية تجعلنا نشيخ - كيف يمكننا أن نحافظ على نشاط جيناتنا ». لم تتمكن من معرفة ~~السبب، لكنها استشعرت حقيقة المعرفة مثل صعقة كهربية سرت فيها فشدت ظهرها ووسعت عينيها. كادت ~~تطير من الفرح إذ كانت متأكدة تمام التأكد أن هذه هي الإشارة التي ظلت تبحث عنها طول ~~الوقت. # الفصل الثالث والثلاثون # | خزف مايسن # وقفت فاندا أمام مطعم ألتر ريتر بعد الثامنة بقليل. كانت قد جلست عدة مرات في فصل الصيف في ~~الحديقة المجاورة له مع زابينة تراقبان الناس في المطعم الراقي. وكانت قادمة من المعمل، لا ~~غيرت ملابسها ولا عدلت زينتها، وإنما ارتدت السترة الرمادية التي تعلقها دوما في المعهد. ~~مؤخرا صار من الممكن غلق أزرارها دون أن تبدو مشدودة عند البطن. وحين وقفت على الطريق الحجري ~~بالأسفل تقرأ شاردة الذهن قائمة الطعام في المطعم الراقي، خطرت ببالها ثانية نتيجة البحث التي ~~جاءتها من قسم علم الفيروسات. فيروس الفئران غير مؤذ حسبما كتب الزميل، شعرت بالارتياح إزاء ~~تلك النتيجة، إلا أن هذا معناه أن تواصل البحث لتجد السبب وراء موت الفئران. ستبدأ في ذلك من ~~الغد. نوت أن تقرأ التقرير في اليوم التالي مرة ms208 أخرى بعناية، فلربما تأتيها فكرة تدلها كيف ~~تواصل البحث. # كان الرجال قد جلسوا فعلا إلى الطاولة. قفز شتورم واقفا حين رآها وشد على يديها ~~مرحبا. بدا على وجهه المحمر لمحات لوثة من فرط الحماسة، ثم وضع يدا على كتفها مرحا، في حين ~~أشار بالأخرى إلى الكرسي الشاغر إلى جوار تيمي - المحاضر الزائر - حسبما سمى ضيفه غامزا. إذن ~~كانا قد تجاوزا مرحلة التكلف في الخطاب، وبلغا مرحلة الصداقة، على الأقل بالطريقة التي يصفها ~~الأمريكيون، وربما هم وحدهم الذين يفهمونها. كانت هذه إذن تقدمة مجانية للأستاذ تيم بيكر الذي ~~أهداها شدقيه المبتسمين عن آخرهما. ولا عجب في ذلك، فشتورم قدم له مساعدته في العمل على ~~أنها سيدة المائدة. إن طقوسه لتشي مرة أخرى باختلال في عقله. # رفعت فاندا شفتها العليا، أوليس الابتسام في الأساس هو إظهار الأسنان؟ حاولي أن تفكري في ~~شيء لطيف حتى تتمكني من التبسم! لم يخطر ببالها شيء. إلى جوار شتورم جلس ميشائيل فالاخ. كان به ~~سمنة الأطفال، ذو شعر مدهون ووجه شاحب وكاريزما تلميذ. هز رأسه بحماس، إلا أن عينيه تعلقتا بزر ~~سترتها السفلي الذي صار يغلق دون أن يشد القماش. ما رأيك في غراميات مع هذا الرجل الذي لا ~~يقاوم؟ أخيرا استطاعت أن تبتسم. لم يقدم لها الرجال الأربعة الآخرين على المائدة. فهمت ~~أن عليها فقط أن تتولى الاهتمام بذاك المهم، واتضح أنها أصابت الفهم. ~~«فيم تبحثين الآن؟» سألها تيم بيكر. # المدخل المعتاد للكلام. لم تكن في حالة تسمح بإجابات لائقة؛ إذ كانت مشغولة بالنظر في قائمة ~~الطعام. كان طبق لحم كبش بالتوت البري هو أغلى الأطباق جميعها. يوهانيس كان ليصر عليه إلا أن ~~فاندا لم ترغب في أكل لحوم، خصوصا لحم حيوان كهذا. بالتأكيد قتلوه بعد أن كسرت ساقه وهو يهرب ~~إلى حريته فوق خندق الماء. كانت تفضل رؤية الكباش في أفلام هاينز زيلمان، وكانت تعد نفسها من ~~معجبي شفايجر وأريندت. لا، لن أتناول طبقا من أفريقيا. قررت أن تطلب كانيلوني محشوا بمزيج من ~~الجبنة الطازجة ms209 والجبن الريكوتا، وأجلت طلب الحلوى لوقت لاحق. # بالتأكيد لم يكن السبب هو النبيذ؛ لأنها لم تشرب سوى كأس واحدة، وكذلك ليس تأثير كرات عيد ~~الميلاد المذهبة المعلقة على شجر الصنوبر وما تشيعه في الجو من بهجة. لم تتمكن فيما بعد من ~~معرفة أي عفريت ركبها حين بدأت تتحدث عن أكثر موضوع يشغل بالها الآن. ~~«حان الوقت لتحرير علم السموم. ألا ترون هذا؟» رفعت فاندا كأسها وأرسلت نظرة تقول الكثير ~~للسيد الجالس قبالتها. ~~«نعم، وأرى أيضا أن علينا أن نجتذب المزيد من السيدات للعمل في هذا التخصص.» ~~«أوافقك الرأي، لكني أعني شيئا آخر.» # نظر إليها الأمريكي بانتباه. ~~«أنا أفكر في مهامنا، في القضايا التي تشغلنا، علم التخلق مثال جيد على ذلك.» استطاعت بطرف ~~عينها أن تلاحظ كيف تصلب شتورم، أكد لها رد فعله صدق حدسها هذه المرة. إن إمكانات «إن بي ~~2701» أكبر بكثير جدا مما جرؤت على التفكير به. في الغالب إن هذا الجين الذي تم تسريبه إلى مخ ~~الفئران قد شغل مفتاحا أو عدة مفاتيح في نفس الوقت، لقد كان العلاج واسع المدى وينتشر مثل ~~التهاب، ولا يبدو أنه كان محددا. نجحت المناورة باستخدام عنصر قيادي عالمي يستطيع أن يتكيف ~~في كل الأماكن، فهو يشبه بطاقة الهوية التي تدخل في ماكينات الصراف الآلي الخاصة بالبنوك ~~وتتناسب مع أجهزة قراءة أخرى، وهناك يغير الحالة رقم كودي في مكان ما بنظام البيانات ~~فيمهد الطريق للدخول على الحساب البنكي. يتطابق الرقم الكودي مع المعلومات التي يحملها الجين ~~المتسرب إلى المخ، والخلية هي النظام الذي يترجمه إلى إنزيم - على سبيل المثال - يستطيع أن يفتح ~~الجينوم، أو الحساب البنكي، ثم يعيد غلقه. وإذا افترضنا أن الرصيد في هذا الحساب البنكي مثله ~~مثل الحمض النووي دي إن إيه لن ينفد أبدا - وهذا تصور رائع - إذن فلن يمكن عرقلته إلا من ~~الخارج. علاوة على ذلك فإن وحدة شيخوخة متكاملة من شأنها أن تمنع أيضا أن تعيش الوديعة أطول ~~من مالكها؛ لأن حساب المال كان مربوطا بحساب الوقت ms210 الذي كان يمثل الوقود بالنسبة للنظام. وكل ~~حجز للمال كان يستهلك جزءا من ميزانية الوقت، ومع مرور السنوات توقفت الحجوزات. في البداية لم ~~تتأثر سوى المبالغ القليلة، لكن سرعان ما توقفت أيضا تحويلات المبالغ الكبيرة. كانت ممنوعة. ~~كان النظام يشيخ. ليس فقط بسبب أنه مع الزمن ظهرت على العملات المعدنية شروخ، والعملات الورقية ~~شقوق، فالمال لا يزال يوفي الغرض منه. لكن التدخل في الموارد ظل يمنع في اطراد، وهذا ما حدث ~~للجميع، بعضهم عاجلا، والبعض الآخر آجلا. بعضهم نفدت طاقته سريعا، صار مريضا أو معسرا، ~~والبعض الآخر استمر في ممارسة أعماله حتى النهاية. لماذا هذه الاختلافات؟ # أكملت فاندا: «في هذه اللحظة تكتب سيناريوهات قصص أمراض المستقبل. إن ما يحدث الآن في نوى ~~خلايا الأجيال الحديثة من شأنه أن يؤثر على جودة الحياة بالنسبة لأولادهم ولأحفادهم، ألا يقع في ~~نطاق مسئوليتنا أن نبحث في أسباب ذلك؟» ~~«أنت تتحدثين عن الفرضية التي تقول بأننا نمرض بسبب خطايا التغذية التي ارتكبها أجدادنا.» ~~لقد كان تيم بيكر ينصت لها حقا. ~~«أنا أفكر أكثر في المستقبل، في العدد الكبير من المواد الضارة بالبيئة، في كميات ~~الكربوهيدرات المفرطة التي يتناولها صناع أجيال المستقبل. وبغض النظر عن هذا، هي ليست فرضية ~~فحسب، بل توجد دراسة من السويد ...» ~~«تقول بأن السمنة في الأجداد تزيد من نسب إصابة الأحفاد بداء السكري، وأمراض القلب ~~والجهاز الدوري.» بدت أمارات الريبة على وجه الأمريكي. «هذا الزميل في الأغلب قرأ في علم ~~الأنساب وتعثر في بعض النتائج التاريخية وبنى عليها، لكن ليس ثمة دليل تجريبي على ~~ذلك.» ~~«هذا من دواعي البؤس.» تدخل أحد الرجال في الحديث، كانت جبهته مقوسة وكأنها هضبة جدباء، ~~في حين تدلت على أذنيه وياقة بدلته خصلات صغيرة من شعره الأشقر الضارب للحمرة. «أخيرا صببنا ~~الخرسانة فوق الأساس الذي وضعه داروين ظانين أن لامارك العجوز آمن في تربته، في حين أنه يتقلب ~~يمينا ويسارا في تابوته.» كان وجهه يبتسم بكل ما فيه من ثنيات لا تعد، وأطل الشر من ~~عينيه. ms211 «نعم، ألن ينتهي هذا أبدا؟» بدا مستاء وخبط بيده على الطاولة. ~~«ليس غريبا.» كان هذا هو رد جاره، رجل أسمر ذو شعر قصير كثيف، بوجهه تجعيدتان حادتان ~~تمتدان من أنفه حتى زاويتي فمه مهددتين بسحب الأنف إلى العمق معهما. كانت نظراته الحادة تطل ~~من عينين ضيقتين. «لقد أساءوا معاملته على الدوام، جان بابتيست أعني، ذاك الرجل الذي عني ~~بالحقيقة دائما.» كان نطقه لكلمة بابتيست يتشبه بالفرنسيين إذ مد الياء عن آخرها. «المذكور عنه ~~في كتبنا التعليمية ليس جيدا، لقد استهزأنا به طويلا، ويوما ما سيثأر منا.» وضع يديه على ~~يمين الصحن ويساره. كانت أظافره مقلمة ولامعة. «إنها تلك الأرواح المسفوكة التي تبقي عائلات ~~بكاملها معلقة حين لا ننجح أخيرا في تكريمها.» ~~«ربما لدى طبيبكم النفسي تفسير لهذا.» غمغم الرجل الثالث الذي لا تعرفه الذي كان يجلس قبالة ~~الأمريكي ولم ينظر لفاندا. ~~«هكذا هي الحال.» أجابه المخاطب بإيماءة خفيفة. انزلقت الأظافر المقلمة أسفل الطاولة؛ إذ ~~قدم الحساء مشيعا جوا ألطف. تأمل تيم بيكر الخزف. كان يظنه مصنوعا في مايسن، لكن الرجل ~~الرابع الغريب هز رأسه بالنفي. كان العميد، ويبدو أنه كان يفهم في أنواع الخزف والصيني ~~الرقيقة. ~~«هل كنت تعرف أن فيليب روزنتال هو من حمل فالتر جروبيوس على بناء مصنعين للخزف؟» # رد شتورم بحماسة، في حين تحركت كسرة خبز تائهة في زاوية فمه: «هذا مثير للاهتمام. هل تعرف ~~فورو؟ إنه فريق يبني طرزا معمارية. يغامر برص الفناجين. يصنع منها أبراجا.» ~~«ومنها أيضا برج بيزا؟» سأل جاره الكوميدي ذو الشعر الذي يشبه فراء الثعالب. اتضح أنه ~~أستاذ كرسي في تاريخ الطب، وسرعان ما دار الحديث حول شكاوى التربويين، ومشكلات الأجيال الجديدة ~~من الباحثين، وخطط إسراع العملية التعليمية. اختار معظمهم مثل الصيادين القدامى تناول الحيوان ~~البري الأفريقي كطبق رئيسي. هل كان هذا أفضل من سمك القرش أو ربما من التمساح؟ اقترحت فاندا ~~طبقا من القواقع، إلا أن السادة الرجال لم يكن لهم رغبة في تناول اللحم الرخو. ما هي القواعد ~~التي تجري ms212 وفقها المحادثات؟ سألت نفسها. لقد علقت موضوعها وكانت تفكر منذ برهة كيف يمكن لها أن ~~تستأنف بمهارة الحديث فيه. ~~«سواء تناولنا الكبش، أو القرش أو التمساح، فلن يجدينا ذلك نفعا.» قالت فاندا بوجه نادم ~~وأكملت «فنحن لسنا سوى نتاج ما أكلته أمهاتنا.» ~~«حبة بطاطس؟» كان أستاذ تاريخ الطب الأشقر المحمر هو من رد عليها. ~~«أعد النظر بدقة.» قال الرجل الجالس إلى جوار تيم بيكر الذي لم تكن فاندا تتطلع إليه ~~رافعا سبابته. «هذا الزميل هو المثال الحي على أنه لا يوجد ما يسمى بنظرية لامارك في ~~النشوء، وإن أنكرتم ذلك الآن فسيشعر بالإهانة.» ~~«لكن نوعا ما من علم الوراثة وفق نظرية لامارك لم يعد مستبعدا بعد أن أصيبت دوللي ~~بالتهاب المفاصل.» بهذه الكلمات وزع العميد النبيذ المتبقي وأردف: «رغم تطابقهما الوراثي، لكن ~~أمها كانت صحيحة معافاة.» ~~«إن النعجة المستنسخة ما هي إلا منتج صناعي»، عارضه جاره. «تم تصنيعها من خلية الضرع التي ~~تحمل طبعا حقيبة التخليق الجينية خاصتها، وفي الجيل التالي قامت نوى الخلايا بالتخلي عنها لبدء ~~بداية جديدة.» ~~«هذه حال الفن.» قال أستاذ تاريخ الطب متفكرا. «أنا أرى أن كل فنان يتوفى هو خسارة لا يمكن ~~تعويضها. إني أطالب بقائمة حمراء. ففي الأسبوع الماضي كنت في هامبورج. عند الجسر. لا بد من ضم ~~كيرشنر إلى القائمة، وكذلك رولفس.» ~~«... وماذا عن السلالة الجرثومية.» رفع تيم بيكر كتفيه عاليا. ~~«نحن نعيش أوقاتا عصيبة. أقول إن كل شيء ممكن.» ~~«هكذا هي الحال!» علق المؤرخ ضاغطا منديل المائدة على فمه. ~~«ألا يعد أنصار داروين اليوم في الحقيقة هم الأنصار السريين للامارك؟ لكن من يريد ~~الاعتراف بهذا. ماذا نمارس أصلا حين نمسك بيدنا صندوق الإرث إن لم يكن ممارسات لامارك؟» # فجأة تحركت كل الرءوس في آن واحد. من الإيماءات الموافقة، والتردد بين هنا وهناك، وبين ~~هز الرأس بالنفي، كانت كل الحركات متوافرة مصحوبة بأصوات متداخلة وضحكات، مثل الأوركسترا ~~الصغيرة التي أعطتها قائمة الحلويات فرصة سانحة لإعادة التناغم فيما بينها. طلبت فاندا موس ~~الكستناء بالنوجة ms213 المقدم مع كمبوت البرتقال. ~~«كلام في الفن.» علق الطبيب النفسي تاركا ملعقته تتأرجح بين أظافره المقلمة فوق الحلوى. ~~«هل تابعتم المناقشات التي دارت حول لوحة «النظرة الأولى» لجيرهارد ريشتر؟» سأل متفرسا في ~~الحضور. «كان هذا منذ فترة. أنا أرى أن هذا العمل يحركنا نحن العلماء خصوصا للتفكير في البصر ~~وفي اللغة التي نوصل بهما الحقائق المرئية.» ~~«هل تقصد الصورة الملتقطة بالمجهر الذري لإحدى ذرات السيليكون؟ ألم تنشر قبل عدة سنوات ~~في مجلة ساينس؟» بدا أن شتورم يعرف ما يتحدث عنه. «إن لم تخني الذاكرة كان المؤلف يدعى ~~جيسيبل. أما جريدة «فرانكفورتر ألجيماينه تسايتونج» فكتبت تحت عنوان: النظرة الأولى في داخل ~~الذرة.» ~~«نعم، وقد قام ريشتر بتحويل الصورة في طابعة أوفسيت.» أكمل الطبيب النفسي. «وعليها يرى ~~علماء الفيزياء سحابة الإلكترونات الموجودة في ذرة السيليكون. أما الفنان فيتحدث عن نبات عيش ~~الغراب المستلقي ذي القبعة والساق. إن هي إلا نتيجة قابلة للقياس تلك التي نحاول تفسيرها حين ~~نستخدم الصور المألوفة لدينا. أحدهم يتحدث عن عيش الغراب بينما يتحدث الآخر عن سحابة، ولعل هذه ~~التشابهات تساعدنا في فهم هذه الظواهر الجديدة، لكننا في نهاية المطاف لن نتمكن من فهمها ~~أيضا.» ~~«نستطيع أن نحيط بها رياضيا.» تحدث الآن الرجل الجالس قبالته. هذه المرة أدار رأسه ~~قليلا في اتجاه فاندا بحيث تتمكن من التعرف على وجهه. تذكرت الآن. لقد رأته من قبل في إحدى ~~الحلقات النقاشية بالمستشفى، لقد كان رئيس قسم الأعصاب. ~~«لكن علاقتنا بالعالم تتشكل من خلال حواسنا ومشاعرنا.» عارضه الطبيب النفسي، «إننا نريد أن ~~نرى، ونسمع، ونلمس، ونشعر. إن صور هذه الذرات ليست مكبرة. إنها مستنسخات. ليس في وسعنا سوى ~~تفسيرها. وعلينا، سواء رضينا أم أبينا، أن نعمل عقلنا الميكانيكي مع عكازاتنا المكتسبة من ~~خبراتنا المجهرية، وبرأيي هذه هي الطريقة الوحيدة التي يجب أن نتعامل بها معها، وإلا فنحن نخادع ~~أنفسنا، فهذه الصور آتية منا نحن، ونحن نفسر. فالظواهر الآتية من ذاك العالم المتناهي الصغر، ~~عالم النانو، لا يمكن حقا إدراكها كما هي ms214 في الواقع.» ~~«لكن بشكل أو بآخر لا بد من الإمساك بهذه الذرات من أجل قياسها، أم ماذا ترون؟» تدخل ~~أستاذ تاريخ الطب. # أجابه طبيب الأعصاب: «إن هذا الأمر باهظ التكلفة، لكنه إجراء في منتهى الأناقة. إن المجهر ~~الذري هو برأيي أهم اختراع في عقد التسعينيات، وكان أحد مطوريه السويسريين قد قال ذات مرة: ~~الأمر مثل أن تقلب جبل الماترهورن رأسا على عقب من أجل أن تتفحص حبات الرمل. الماترهورن في هذه ~~الحالة ما هو إلا عتلة ذراع معلقة ومتحركة مكونة من ذرات السيليكون، حيث بين ذراته وبين ذرات ~~الأرض توجد سلسلة من التأثيرات المتبادلة، ووفقا للتجاذب أو التنافر بين الذرات ترتفع أو تنخفض ~~عتلة الفحص. والعملية برمتها مرتبطة بالتتبع بواسطة أشعة الليزر وتكنولوجيا الكمبيوتر بشكل يسمح ~~بحساب السطح الذي يظهر كصورة.» # فعلق العميد: «إذن إن شئنا الدقة نقول إنها طاقات، تلك التي نراها في الصور.» فضحك الطبيب ~~النفسي. # لا بد أن الأمر كان ذا صلة بالحلوى التي تناولوها حين آذنت الأمسية بالانتهاء؛ إذ علا ~~الأنفس الشبعى تثاقل. كان الطبيب النفسي يتحدث الآن عن الفن الحديث المشكل من العظام والرءوس ~~المقطوعة. ~~«إن الموت ليستفز لحظات داخلية حميمة في الذات. هل سنقوم في النهاية بالقضاء على أنفسنا؟» ~~كان وقع السؤال يشبه الأسئلة البلاغية، وقد سقطت زاويتا فمه إلى أسفل، بينما هو يجول بنظره ~~بين الحضور من واحد لآخر. لم يحصل إلا على همهمة، وهزات رءوس، وسعال مكتوم. لماذا يصيب الاكتئاب ~~كبار السن حين تكون المعدة ممتلئة والأمسية توشك أن تنتهي؟ سألت فاندا نفسها. هل كانت هذه أعراض ~~الامتلاء؟ أم لعلها برمجة تخليقية جينية؟ ~~«هل من الممكن للعلاج الجيني المستخدم لمقاومة خرف الشيخوخة أيضا أن يرفع عمر الأفكار ~~المرضية؟» هكذا فلت السؤال من فاندا ليصير محور الحديث بقية الأمسية. قال أحدهم: «هذا مقياس ~~جيد»، بل وتطوع أن يجرب على نفسه. # مد تيم بيكر يده إليها مودعا وقال: «أحييك أيضا بالنيابة عن ريك.» ماذا يقصد بذلك؟ ~~وماذا حكى له ريك؟ ردت التحية وحاولت أن ms215 تبدو فرحة، لكنها كانت تشعر بالضآلة. # الفصل الرابع والثلاثون # | التجميع الذاتي # حين استيقظت في اليوم التالي لم تعرف في اللحظة الأولى أين هي. استغرق منها الأمر برهة إلى ~~أن أدركت أنها نامت في وضع مقلوب، واضعة قدميها مكان رأسها على الوسادة. # وبعد ساعة كانت قد استخرجت تقرير أخصائي الفيروسات من درج مكتبها. ألقت نظرة متعبة من ~~النافذة، كان الثلج قد انقضى، لكن يبدو أن الأيام كانت حزينة عليه. سرعان ما سيحل عيد الميلاد، ~~وهي لم تفكر بعد كيف تريد أن تمضي الوقت «ما بين السنين» كما يدعوه الكثيرون. في الحقيقة ~~كانت تعجبها أجواء نهاية العام، فمنذ توقفت عن الاحتفال بعيد الميلاد وهي تستمتع أكثر بأيامها، ~~فتغيير السنين كان يبدو لها مثل الوقفة القصيرة التي تلي الزفير، فقد كانت واحدة من اللحظات ~~النادرة التي تهدأ فيها نفسها حقا. يمكنها أن تسافر جنوبا، أو تستمتع بالنسمات القوية لبحر ~~الشمال ، أو ببساطة تظل هنا تعمل وتحصل على أقساط وفيرة من النوم. على الأرجح أن هذا ما سيحدث، ~~وأخيرا تنظيف الشقة مرة. # أما في القسم فكانت أجواء نهاية العام واضحة بالفعل؛ كان الجميع في حالة مزاجية جيدة، تكاد ~~تقترب من الانفعال المبالغ فيه، مثل الأطفال الذين يعتقدون في وجود بابا نويل. لقد كان عيد ~~الميلاد حالة استثنائية؛ إذ كانت الإدارة تغض الطرف عن إساءة استخدام غرف الخدمة، ربما كنوع من ~~الاعتذار إلى العاملين الذين لم يحسب حسابهم في تخطيط المبنى بتوفير غرف لأنشطتهم ~~الاجتماعية. لقد نسوا الأمر برمته إن شئنا الدقة. على أية حال، يوجد الآن في قاعة الاجتماعات ~~طبق من البسكويت تتآمر عليه مجموعات صغيرة في وقت الراحة، في حين تتلألأ فوق رءوسهم سلسلة ~~مصابيح ملونة، إذ كانت الشموع ممنوعة بطبيعة الحال. وفي الأيام التي كان يغيب فيها شتورم عن ~~المبنى كانت الطرقة تعبق بروائح الشمع والنبيذ الساخن بالتوابل، بل إن السيدة بونتي نفسها كانت ~~تجلب معها بعضا مما قامت بخبزه بنفسها. كانت الأمور التي لم تنته بعد إما يفرغ منها أو ~~يجمد ms216 العمل عليها، أما المسائل التي لم تبدأ فيتم تأجيلها للعام الجديد. # وفجأة صارت الحياة الشخصية أهم من العمل؛ إذ حرص معظم الزملاء على العودة إلى منازلهم في ~~الموعد. وكان هذا هو الوقت المثالي للأنشطة السرية، فإذا كانت فاندا وعصابتها ترغب في تحليل ~~عينات شركة بي آي تي بنفسها، فالآن هو الوقت الأمثل. # وعلى غرار كل عام، سيقام احتفال عيد الميلاد الخاص بالقسم يوم الجمعة، وفي هذا العام لم يقم ~~شتورم بالحجز في مطعم كما هي عادته، وإنما دعاهم للاحتفال في منزله، وهو أمر يحدث للمرة الأولى، ~~فقابلوه جميعا بمشاعر مختلطة. وبعد ذلك سيرحل كثير من الطلاب إلى عائلاتهم، وكذلك كثير من ~~الزملاء، وخصوصا غير الألمان، سيسافرون إلى بلادهم في إجازة عيد الميلاد. قررت فاندا أن تستغل ~~هذه الفترة الهادئة في الإعداد لمشروعاتها في السنة الجديدة، فتكتب طلبات التمويل، وتنتهي من ~~تقارير الإشراف التي كلفها شتورم بها. علاوة على ذلك كان عليها أن تطلب حيوانات جديدة من أجل ~~أن تعيد التجارب التي فشلت. كان مجرد التفكير في ذلك يجعل الدماء تتجمد في عروقها. سيتعين عليها ~~أن تعيد كل شيء من جديد. لقد كلفتها العدوى التي انتشرت في الحظيرة على الأقل ثلاثة أشهر إن ~~لم تكن أربعة. أجرت حساباتها وتوصلت للنتيجة أن هذا يمثل نحو عشرة بالمائة من مدة عقد ~~عملها. # أخذت فاندا تقرير أخصائي الفيروسات في يدها وشرعت في القراءة. لم ينبئها اسم الفيروس ~~بشيء، قيل إنه فيروس فئران منتشر نسبيا. ليس جين مرض، لكن تنويعة جينية. ومن أجل تشخيص أدق ~~يلزم عمل تحليلات إضافية لسلسلة الحمض النووي الوراثي. كما يلزم إجراء المزيد من الاختبارات ~~لمعرفة إن كان التغيير في الجينوم له تأثير في قدرة العامل المسبب للمرض. قلبت فاندا الصفحة ~~لتواصل القراءة، كادت أنفاسها تتوقف مما رأت. كانت صورة بالمجهر الفلوريسنتي، تعرفت على ~~النقاط الخضراء المضيئة فورا. لقد تمكن الأخصائي من جلب الدليل. ولم يكن ثمة شك بالأمر. كان ~~البروتين المشبع بالفلوريسنت هو ما يومض باللون الأخضر، وهي العلامة المميزة ms217 للدراسة الخاصة ~~بشركة بي آي تي. لا بد أن هناك خلطا ما، فهذه لم تكن قط حيواناتها. يبدو أن بيترا أخذت العينات ~~الخطأ، فتوقفت فاندا عن القراءة وجرت إلى المعمل، لكنها وجدتها بصحبة عدة زميلات حول طبق من ~~البسكويت في غرفة الاجتماعات التي تستخدم هذه الأيام في غرض آخر. «... سلام وسعادة في كل مكان ~~...» كان النداء المنبعث من سماعة الهاتف المحمول الموضوع إلى جوار صحن البسكويت. ظلت فاندا واقفة ~~بالباب تعطيها إشارة أنها تريدها لأمر هام، ثم جرت عائدة إلى مكتبها وعاودت تصفح النتائج ~~بنفاد صبر. # لم تتركها بيترا تنتظر كثيرا، «ما الذي حدث؟ تبدين شاحبة مثل ملاك مصنوع من الشمع.» ~~«ليس عندي أخبار مفرحة لو أن المكتوب هنا صحيح.» ونقرت فاندا بإصبعها السبابة على ~~التقرير. # كلا لم تقم بيترا بتبديل العينات، بل كانت غاضبة من شك فاندا فيها أكثر من غضبها من ~~النتائج المنذرة. أعادت فاندا مراجعة أرقام العينات مرارا وتكرارا، كانت تقرأها بصوت عال في ~~حين جلست بيترا إلى جوارها مزمجرة. # قالت فاندا لزميلتها الغاضبة: «هل تفهمين حقا خطورة الموقف هنا؟ هذا يعني أننا في الغالب ~~مصابون بالمرض.» وأسوأ ما في الأمر هو أنهم ربما يكونون قد صنعوه بأنفسهم. هذه المرة كانت فاندا ~~لتسعد لو أن بيترا قد أبدلت العينات. # لكنها كالعادة أجرت كل شيء على النحو الصحيح. في الواقع، كان على فاندا أن تعرف ذلك ~~مباشرة؛ فأخصائي الفيروسات كتب عن فيروس خاص بالفئران، أما في عينات زابينة فالأمر يدور حول ~~جزيئات نانو كانت جديرة بلفت أنظار أخصائي الفيروسات تحت المجهر الإلكتروني. على الأقل كانت ~~لتوجد إشارة إلى بنى غريبة في تحليل البروتين. أما الاستنتاج الذي بقي فقد أخافها كثيرا؛ إذ ~~لم يكن مبشرا بأي خير. إن كان فيروس الفئران المنتشر نسبيا قد اندمج حقا مع مركبات ~~جزيئات النانو، فقد آن الأوان لمقاومة هذا الأمر، فبواسطة الحمض النووي وصلت معلومة إلى عضو ~~يستطيع أن يتكاثر، وأن يصنع الرسالة الغريبة أضعافا مضاعفة. ومن حسن الحظ أن وحدة تجارب ~~الحيوانات ms218 الخاصة بعلم السموم تقع في جناح مستقل، فإن كانت الحواجز المانعة لنقل العدوى تعمل ~~بكفاءة، وإن كان القائمون على رعاية الحيوانات ملتزمين بالقواعد، فسيمكن تجنب انتقال المرض ~~لكل الحيوانات بالمعهد، كما أنها لم تسمع بحالات مرضية لدى الوحدات المجاورة. لكن هذا قد لا ~~يحدث بالضرورة، فمن ذا الذي يعترف بأريحية بوجود ما يسيء في ثروته الحيوانية؟ كما أن شتورم لم ~~يرد أن يسمع شيئا حول الموت الغامض للفئران في الدراسة الخاصة بشركة بي آي تي. ظلت فاندا ~~تقلب الأمر على كافة وجوهه، ولم يكن ثمة حل آخر، لقد كان لزاما عليها إبلاغ الرئيس. ~~••• ~~«إنه الآن نائم بسلام في درجة رجال الأعمال، على ارتفاع عشرة آلاف متر فوق المحيط الهادي.» ~~هكذا أخبرتها السيدة بونتي التي كان يكسو وجنتيها ظل من لون وردي، ثم ابتسمت قائلة: «السيدة ~~الدكتورة فالس، إن كعكة المكسرات خاصتك لهي قصيدة من الشعر.» تحركت نظراتها وكأن كاميرا موجهة ~~نحوها من سقف الغرفة، وقالت: «هلا أطلعتني على الوصفة؟» هل كان ما سمعت صوابا؟ السيدة الدكتورة ~~فالس؟ صحيح إن بمقدور روح عيد الميلاد أن تحرك جبال الثلج. لا بد أن لهذا علاقة بالتغير ~~المناخي. هل عساي أن أخبرها أن قطعتي الفنية المخبوزة ما هي إلا نتاج ليال جافاني فيها النوم؟ ~~أجبرت فاندا نفسها على الابتسام وأومأت إليها موافقة. ~~«طبعا سأعطيها لك!» كان لديها الآن مشاكل من نوع آخر؛ فشتورم الآن على متن طائرة آتية من ~~طوكيو، ولن يكون الاتصال به ممكنا في الساعات القادمة. هل عساها أن تجلس هكذا لا تحرك ساكنا؟ ~~لا بد أن يفرض شخص ما حجرا صحيا على حظيرة الحيوانات. يوهانيس اختفى ثانية. وزابينة لم ~~تعد ذات صفة هنا. ماذا عساها أن تفعل؟ مرة أخرى قرأت سريعا تقرير علم الفيروسات. لو قاموا ~~بتحليل إضافي للسلسلة الوراثية كما اقترح التقرير من أجل الوقوف على مواصفات الفيروس بشكل أكثر ~~دقة، فسيتم كشف كود المادة الخاصة بشركة بي آي تي على أنها مادة غير معروفة، وبهذا يمكن أن ~~يوفروا على ms219 أنفسهم عملا كثيرا. علاوة على ذلك فسيمكنهم أن يعرفوا إن كان الجين الغريب قد سبح ~~حقا في مخ هيلبيرج. # فكرت: إنها فرصة فريدة، علي أن أعرف. # استدعت بيترا لتحضر إليها وقامتا معا بتحضير عينات الأنسجة. هذه المرة شملت العينات من كل ~~بستان زهرة، من حيواناتها وحيوانات زابينة ومن مخ هيلبيرج، ووضعتا مفاتيح رقمية جديدة لا يمكن ~~التعرف على العينات بغيرها. ووضعت فاندا الورقة التي تترجم المفاتيح الرقمية في درجها وأغلقته ~~بالمفتاح، ثم طلبت الدكتور كانتيرات مباشرة، هذا هو اسم أخصائي الفيروسات. طلبت منه فاندا ~~تأكيدات إضافية هامة، وأن يشمل ذلك مراجعة البرنامج كله مرة أخرى بما فيه تحليل سلسلة الحمض ~~الوراثي النووي للفيروس، فهذا أمر عاجل. وعدها أن يقدم لها نتائج التحاليل كهدية عيد الميلاد. ~~وكانت تفهم أنه يقصد ذلك على نحو لطيف، فمن أين له أن يعرف وقع الكلمات المروع على ~~أذنيها؟ # أشار عليها رودي أن تتراجع لتتدبر، ولا ينبغي لها أن تقفز فوق قدراتها. تعجبت فاندا من ~~نبراته الجديدة. برنامج كمبيوتر يفقه في قواعد السلوك السليم! هي لم تعلمه ذلك. # وحينما سمعت طرقا على الباب مسحت سريعا آثار المكتوب على الشاشة. # بفضول دس توماس رأسه في الباب. ~~«كل شيء على ما يرام؟» وغمز بعينيه بمكر. ضحكت فاندا في ارتياح. ~~«إذن أنت لست غاضبا؟» فتصرف وكأن لا علم له بشيء. تمنت فاندا فجأة أن تجد شخصا ~~تفضي إليه بكل شيء، كانت في حاجة إلى نصيحة نافعة. هل من الممكن أن تخبره؟ صحيح أن توماس ينتمي ~~للقسم، لكن الأمر لم يكن يمسه بشكل مباشر، كما أنها لم تسمعه يتحدث بسوء من قبل عن الرئيس أو ~~الزملاء، وكانت تشعر دائما أنه وفي، ويستطيع دائما أن يظل هادئا. علاوة على ذلك، بدا أنها ~~معجبة به. أنصت لها توماس بانتباه حين حكت له عن تجارب زابينة العلاجية باستخدام «إن بي ~~2701». # كما أنها لم تغفل أمر الفئران النافقة التي لم يرغب شتورم في سماع كلمة بشأنها، وأخيرا ~~أبلغته باكتشافها الأخير: الانتقال الجيني غير المقصود ms220 من مركبة النانو إلى فيروس الفئران. كانت ~~قلقة بشأن ثروة المعهد الحيوانية، ترى هل لاحظ اختلاج صوتها؟ لكنها ذكرت نفسها أن عليها أن ~~تبقى موضوعية، فالذعر يقوض المصداقية، والانفعال يضر العمل. جلس توماس على الكرسي المعيب إلى ~~جوار مكتبها، متأملا الدوارة الخشبية التي تستخدمها كجهاز إنذار. ~~«الأمور تسير بصورة أبسط كثيرا مما تتخيلين.» ~~«عم تتحدث؟» ~~«أقصد المزاوجة بين إنسان آلي وكائن حقيقي، إن كان يحق لنا أن نصف الفيروسات بذلك، ~~فالحدود تكاد تكون مفتوحة في عالم النانو بين التكنولوجيا وعلم الأحياء.» ~~«توماس، الأمر لا علاقة له بالفلسفة، أنا أواجه هنا مشكلة عملية.» ~~«أعرف، أنا فقط أتساءل إن كانت هذه الأجسام الآلية المصنوعة من النانو مثالية حقا، كما ~~أن توالد الفيروسات ليس أيضا بالأمر المثالي، الأحرى أن نقول إن تعبئة جينات الفيروس في ~~كبسولات عملية كبرى؛ ولذلك يظل الجزء الأكبر من الفيريونات خاليا. إن ما يستثير الجهاز ~~المناعي ويمهد الأرض لإخوتها من الطفيليات ليس سوى الكسوات الخارجية، وهي ليست حاملة للعدوى رغم ~~كونها مساعدات هامة.» ~~«لا يوجد رد فعل في صورة التهاب لدى استخدام نانوسنيف، إن كان هذا ما تعني.» ~~«لا، أنا أفكر في أن العلاج اتخذ هذه النهاية المأساوية لأن الفئران كانت مصابة بالفيروس. ~~إن كان هذا التحول من الجين إلى الفيروس قد تم كما تقولين، فلا بد أن تكون فئران زابينة قد ~~أصيبت أيضا.» # انتابت فاندا الشكوك. إلام يرمي تحديدا؟ ~~«توماس لقد قمنا بتخليق جين مرضي، وهو آخذ في الانتشار في حظيرة الحيوانات، ولا أفهم ~~...» ~~«أريد أن أقول فحسب إنه ليس بالضرورة أن يكون نانوسنيف خطيرا في حد ذاته، الأرجح أنها ~~الظروف المحيطة، فهو لا يستطيع أن يتوالد بنفسه، أم ماذا؟» ~~«لا، ليس على حد علمي، أنا أخمن أن جزيئات النانو يتم تخليقها في المعمل، ربما بمساعدة ~~البكتيريا أو مزارع الخلايا أو ربما أيضا بشكل صناعي محض، ويكون في مقدور القشرة أن تنظم نفسها ~~بنفسها كما الحال في الفيروسات.» ~~«التنظيم الذاتي أمر رائع.» كانت عيناه تلمعان. هل كان يسمعها ms221 حقا؟ # أتى توماس بحركة تمثيلية وكأنه يطرق مسحوقا ليخرج من أنبوبة صغيرة. «قليل من البروتين نضعه ~~في أنبوب الاختبار. هذه هي المونة.» ثم بسط كفيه وطواهما وكأنه يشكل كرات، «هذه هي القوالب ~~الصغيرة، إنها البروتينات التي تشكل وعاء البناء، ثم يأتي بعد ذلك الجين.» ثم التقط شعيرة من ~~البلوفر الذي يرتديه وتركها تسقط من بين أصابعه المدببة على الأرض. «أبراكادابرا. إن كنت لا ~~تفهمين ذلك، فلا بد أن تفكري في السحر. لكن التنظيم الذاتي خدعة، إنه النتيجة البسيطة لعدد ضخم ~~جدا من حركات المصادفات التي تقوم بها جزيئات متناهية الصغر في تجربة لا تكل ولا تمل. لكن ~~فقط، من أين لها أن تعرف مصيرها؟» # الأمر مثله مثل اللغز المصور، كان أحد المعلمين قد حاول أن يشرح لها الفكرة الرئيسة من ~~قبل. تذكرت فاندا، فالمعلومات الخاصة بالصورة الجاهزة مخبوءة في الجزيئات نفسها. ~~«إنها مصيرها.» جاء ردها متأخرا قليلا . «أعني أن ... النتيجة تكمن في طبيعة الجزيئات ~~المفردة، فالأمر يشبه اللغز المصور، حيث إن كل قطعة لا يناسبها سوى مكان واحد فقط.» ~~«هذا التشبيه مغر، لكن ...» رفع توماس يده محذرا واستأنف: «لكنه قد يقود لسوء الفهم. حين ~~نتحدث عن قطعة لغز فنحن نرى الشكل أكثر، نتوءاته وانحناءاته، أنوفه وأفواهه. وهذا تفكير ~~ميكانيكي محض، لكن هذا لا يلعب دورا في عالم النانو إلا نادرا. هنا تعمل قوى التجاذب ~~والتنافر. تخيلي أن سطح الجزيئات لزج نوعا ما، لو أردت التشبيه فلنقل إنها تتلمس بعضها ~~بأصابع التصق بها عسل نحل، فتعلق بعضها ببعض، ثم تنفلت من بعضها ثانية، وهكذا دواليك، إلى أن ~~يتم إعداد كل شيء حتى يظهر شيء جديد للحظة، ومضة فكرة أو معلومة.» ~~«... للحظة؟» أعادت فاندا الكلام متدبرة «ماذا تعني؟ هل هناك فرصة أن يختفي الجين الغريب من ~~فيروس الفئران ثانية؟» ~~«إنها ظاهرة معروفة، إن الأجسام متناهية الصغر تفقد بسهولة الشذرات الجينية المدسوسة، ~~وأعتقد أن هذا يحمينا كل يوم من أن نواجه كارثة واحدة على الأقل. من ناحية أخرى ...» تردد أن ~~يكمل. ~~«من ناحية ms222 أخرى؟» ~~«هناك حركة براون الجزيئية التي تخلط كل شيء وتشوه مناطق الاتصال اللزجة على الجزيئات، ~~ويتوقف نجاحها في ذلك على المادة التي تبقيها متماسكة أهي عسل النحل أم الصمغ؟» # تخيلت فاندا أمام ناظريها حوض سمك مليئا بالفقاعات، به كائنات حية دقيقة تدور بعضها حول ~~بعض بسرعة كبيرة، تلتصق بعضها ببعض فتسقط إلى القاع حيث تغرق في كتلة غروية. «إنها مسألة توازن بين ~~النظام والفوضى.» سمعت صوت توماس الرخيم ثانية يقول: «الأنظمة الفوضوية لا تحمل أي معلومات، هي ~~غبية إن شئت القول، لكنها تغريك بالثرثرة. أما النظام المطلق فهو عبقري وعنيد ولا يفصح عن ~~نفسه، فقط الطريق الأوسط هو الذي يجعل لهما معنى. إن التنظيم الذاتي هو الحالة التي بين النظام ~~والفوضى؛ ولهذا هي صاحبة اليد الطولى.» # تنهدت فاندا قائلة: «كم سيساعدني كثيرا في وحدة الحيوانات لو أن التنظيم الذاتي عني بعدم ~~ترك الأمور تحت سيطرة الفوضى؟» ~~«نعم ، فقد سكب كوب الماء ... هذا هو المبدأ الثاني في الديناميكا الحرارية ...» ~~«أرجو أن تعفيني الآن من نظريات الكوارث الفيزيائية.» قاطعته فاندا بشكل مفاجئ «لن يساعدني ~~على الهدوء الآن أن أتخيل أن فوضى الكون في تزايد مطرد.» هز توماس رأسه رافضا. ~~«هذه تحديدا هي المشكلة، إننا نفهم خطأ جملة حفظ الإنتروبيا (التدهور الحتمي) لأننا لا ~~ننطلق من ملاحظة العمليات إحصائيا. إن الجزيئات التي في كوب الماء من الممكن أن تتخذ عددا ~~رهيبا من الحالات المختلفة، من أجل أن تظهر لأعيننا في صورة المظهر المرتب لوعاء يملؤه الماء ~~مقدم على المكتب.» ~~«ها قد وضعت يدك على الداء.» تحمست فاندا «الخطر يتهددنا خفية في حين نظن نحن أن كل شيء ~~منظم وعلى ما يرام، لأننا نريد أن نرضى بالمظاهر التي نراها.» ~~«لا، هذا أمر فيه كثير من التبسيط. خذي مثلا دولاب ملابسك.» ظل يواصل بلا هوادة. ~~«البلوفرات في الأعلى، القمصان القطنية في الدرج الذي يليها، وفي وقت ما سنصل إلى درج الجوارب.» ~~لاحظت فاندا أنه لم يذكر درج الملابس الداخلية. «وأثناء ترتيبك للدولاب قمت بتصنيف كل ms223 شيء حسب ~~لونه، وفي وقت ما بحثت عن بلوفر، ولأنك لم تجديه مباشرة قمت بتقليب أشيائك كلها، فاختفى ~~الترتيب وفقا للون، ثم تقومين بدس الملابس ببساطة ثانية في الدولاب وتغلقين الباب. زادت درجة ~~الفوضى في الدولاب، ورغم ذلك أنت لا ترينها؛ لأن الشكل الخارجي لم يتغير. فقط حينما تدسين ~~المزيد والمزيد من الملابس في الداخل، لا تقفل أبواب الدولاب ...» # قاطعته فاندا: «وماذا لو أن عندي حشرات عث بالدولاب قامت بقرض البلوفر؟» ~~«من ناحية المبدأ، نفس الشيء. أردت بهذا المثل أن أوضح فقط أن الأنظمة تتجه بشكل طبيعي ~~إلى أن تتخذ أعلى شكل من أشكال الفوضى العارمة.» ~~«لكن هذا أيضا ما كنت أعني.» ~~«بالطريقة التي صورت بها الأمر فإن كل شيء سوف يسقط في الفوضى، إن عاجلا أو آجلا، وهذا ~~يسري على الأنظمة المعزولة التي لا وجود لها. أما جملة حفظ التدهور الحتمي، فتعني أكثر من ذلك ~~بكثير ! إنها واحدة من أهم قوانيننا في التعامل. الماء يصير صلبا بتحوله إلى ثلج معطيا الكثير ~~من الدفء للبيئة المحيطة، وبهذا تتحرك جزيئات الهواء، وبهذا ينقص التدهور الحتمي في موضع على ~~حساب الموضع الآخر. أما أنت حين تقومين بتنظيم دولابك، فأنت تستعملين معرفتك بالألوان ~~والأنواع، وهذه المعرفة تقلل الفوضى.» ~~«ولهذا أيضا أريد أن أعرف ما الذي قتل الفئران. أحتاج إلى هذه المعلومة من أجل أن يعود ~~النظام إلى الحظيرة من جديد.» وإلى رأسي أنا، كما جال بخاطرها. ~~«بالتأكيد.» قال بهدوء، «عليك فقط أن تفكري أن لهذا أيضا ثمنه.» نظرت له فاندا وهي لا تفهم ~~ما يعني. ~~«زابينة لم تعمل بنظافة.» قالها وكأنه يقرر حقيقة لا اتهاما. «كانت تجري أبحاثها على ~~حيوانات مصابة بالعدوى. شتورم ما كان ليقبل بذلك، وكذلك أيضا شركة بي آي تي.» ~~«لا نستطيع أن نتهم بينة ب ...» ثم سكتت دون أن تكمل جملتها، واستطردت: «ماذا تقترح؟» ~~«لن نقحم أنفسنا في شيء. سأخبر الرئيس، إذا أردت، بمجرد أن يعود.» ~~«لا أعرف.» لم تقتنع فاندا. ~~«هل تستطيعين أن تحافظي على هدوئك حين ينفجر ms224 ساخطا متهما زابينة؟» طقطق الكرسي منذرا ~~حين عاد بظهره للوراء. كان توماس على حق. ~~«لن أستطيع في الغالب، ما يعنيني الآن هو أن يعرف بالأمر.» أومأ توماس موافقا. ~~«لن أستطيع أن أفعل هذا من أجلك إلا إذا وعدتني أن تتركي المسألة تهدأ بعدها. لن تقومي ~~بتحاليل إضافية. سوف أقنع الرئيس أنك اكتشفت الأمر بالصدفة، وسأقول إن الفلوريسنت الأخضر هو ما ~~أهداك تلك الفكرة. لكن أي شيء بعد ذلك عليك أن تدعيه هو يتصرف فيه.» # ازدردت فاندا ريقها، وفكرت في مفاتيح الأرقام في درج مكتبها. هي لم تحك لتوماس عن هيلبيرج. ~~هل يشك في شيء؟ كان يتفرس ملامحها بانتباه. # ثم قال مبتسما: «سأضع شرطا إضافيا.» ~~«عليك أن تعديني بأن تحضري إلى حفل رأس السنة الذي أقيمه.» # شعرت فاندا بالارتياح؛ فلهذا السبب إذن حضر إلي. تحت ظروف أخرى كانت لتظهر فرحتها بهذه ~~الدعوة بصورة أكثر وضوحا. ~~«يسعدني الحضور.» ابتسمت قائلة «لكني فقط ...» ~~«تختلط الأمور علي.» أكمل توماس جملتها. «يؤسفني أني أزعجتك بكل هذه الثرثرة، فلقد أخذتني ~~الحماسة. الموضوع يفتنني ببساطة، حتى لو كانت أمثلة اللغز الورقي ودولاب الملابس غير مناسبة ~~لشرح العمليات إلا بشكل محدود، ونحن في هذا نغفل أن البنى التي تستطيع أن تنظم نفسها بنى ~~رخوة. هذا يعني أنها تدور وتدور، ترتعش، تتأرجح أعلى وأسفل، تظل في حركة مستمرة ولا ترسو في أي ~~مكان. بالأساس هي قوية جدا لأن لديها القدرة على إعادة إنتاج نفسها من جديد.» ثم رسم على وجهه ~~علامات الإحساس بالذنب، وقال: «أترين، يبدو أني لا أستطيع أن أترك الموضوع.» ثم ضحك ضحكة قصيرة ~~ونهض وتأملها بنظرات فيها شغف، تمنت فاندا أن تكون هي السبب فيها، بعدها وضع يده على كتفها ~~مودعا وقال: «أنا متأكد أنه من الممكن تقليل الخسائر.» # الفصل الخامس والثلاثون # | ارقدي في سلام # جلست فاندا على مكتبها بالمعهد، ولم تتمكن من التركيز جيدا على رسالة الدكتوراه التي كان ~~شتورم قد وضعها لها في الدرج قبل سفره. كان المطلوب هو أن تكتب تقريرا عنها، لكن ms225 عذبتها ~~اللغة الطبية الطنانة التي تشي بوضوح بأن كاتبها مبتدئ لم يؤلف نصا علميا من قبل قط. كان ~~الأمر جد شاق، وأيضا أغضبها أنها هي التي ستدفع ثمن أن هذا الباحث لم يتلق الإشراف الجيد. ~~لماذا ليس من الممكن إظهار تقصير الأستاذ المشرف دون الإضرار بالطالب؟ # ظلت نظراتها تتجول خارج النافذة وتشرد في الطبيعة الممتدة أمامها بلونيها البني والرمادي. ~~لم يفارق حديثها مع توماس ذهنها. لقد تصرفت وكأنها طفلة صغيرة بائسة ما لبثت أن تعلقت بذراع ~~زميلها المنقذ الذي كان مارا بالصدفة، ورغم أنها شعرت بالارتياح للمنحى الذي اتخذته الأمور، ~~فإنها لم تكن راضية. لكن لماذا؟ ألقت باللائمة على نفسها: «لقد تصرفت منذ قليل بعفوية وكأن ~~الأمر يخصك وحدك، لم تتشاوري حتى مع زابينة»، لكنها كانت معتادة على أخذ القرارات بمفردها، فهي ~~لها رأس بذاتها، وهذا الرأس هو ما يميزها كعالمة. الآن يريد توماس أن يساعدها في الخروج من ~~الورطة. كانت تحسده على وضوح رؤيته. لقد أراني كيف أخرج نفسي من المأزق، إنه محق، الأفضل ~~بالفعل أن أترك الأمر. لماذا لا أنجح في ترك المسألة؟ تأملت الهاتف وسألت نفسها: ولماذا لا أتصل ~~الآن بقسم علم الفيروسات وألغي كل شيء؟ إنهم بالتأكيد لم يبدءوا بعد. لم تمارس زابينة عملها ~~على النحو السليم. لكن هذا قد يحدث لأي شخص، ربما كانت الحيوانات مصابة سلفا حين أتى بها ~~المربي إليهم. وإن كان. كان بإمكانها أن تفحصها أولا. لكن من أصلا يفعل هذا؟ أنا أيضا لم ~~أفحصها. أستريد ستهرع إلى الرئيس مباشرة حين تعرف المسألة. رودي عنده حق. علي ألا أحمل ~~الأمور أكثر مما تحتمل. ماذا أريد أن أثبت لنفسي؟ أنني أيضا أستطيع أن أكون وفية لو تطلب ~~الأمر؟ أني واعية بواجباتي وأني مخلصة؟ لا، لكني لا أحب المفاجآت. ولهذا كانت دائما تفضل أن ~~تكون مستعدة لأي موقف شائك، وكانت دائما تتخيل كيف تتصرف في الحالات المختلفة. الآن ولأول ~~مرة تظهر مشكلة من العيار الثقيل مما أصابها بالذعر. # كان الكرسي لا يزال على الوضع ms226 الذي تركه عليه توماس، غائرا بفعل وزنه، دافئا برائحة جسده، ~~ثم رنين صوته في الغرفة. شيء ما منه ظل عالقا في الغرفة، كانت لا تزال تستشعر الحيوية التي ~~يستطيع أن يوقظها فيها، وكأن برعما خفيا يتفتح بداخلها. كان تبلد مشاعرها ملقى على الأرض ~~مثل شرنقة قديمة. رغم ذلك كانت تشك في استمرار هذه الحالة وثباتها. فتخيل وجود توماس في ~~الغرفة كان ألطف كثيرا من وجوده الفعلي حين جاء وجلس وأربكها بملاحظاته وأسئلته، هذا لا يمنع ~~أنها تستطيع أن تقول لشبحه إنها في غاية السعادة وتتطلع لحفل رأس السنة الجديدة بشغف. # غادرت فاندا المعهد نحو الساعة الخامسة. لم تكن قد اتصلت بأخصائي الفيروسات، ولا حاولت أن ~~تتصل بزابينة أو يوهانيس، لكنها كانت تستشعر الرغبة الملحة في أن تفضي بكل شيء. في الغد ~~سيتحدث توماس إلى شتورم، ثم سنرى بعدها. # في طريقها إلى المحطة أشارت بيدها إلى الحافلة التي أغلقت أبوابها قبل أن تصل إليها فاندا. ~~لم يرها السائق أو ربما لم يرد أن يراها. أخذت الحافلة التالية التي وصلت بعد الأولى بقليل ~~وكانت تسير عبر الطريق الطويل في قلب المدينة، وهناك نزلت فاندا واشترت زبدا، وجبنا، وبيضا، ~~ودقيقا ووجدت عرضا خاصا على النبيذ الأحمر من نوع شيانتي، ثم عادت إلى المنزل سيرا على ~~الأقدام، لتجد عربة نقل صغيرة مركونة في مدخل البيت، وحين حاولت أن تنسل بين الحائط والعربة ~~تمزق كيس مشترياتها، فتدحرجت زجاجة الصابون على الأرض، لكنها كانت من البلاستيك فلم تنكسر. ~~أما النبيذ فقد التقطته فورا. # في طرقة المنزل صعدت رائحة بيرة قديمة إلى أنفها، وبدا أن عدد صناديق الكحول الخاصة ~~بجيرانها لم يتغير. علت الشعرة الداكنة التي تضعها في إطار باب شقتها ثنية مزدوجة، هكذا كانت ~~تشبه آخر حرف في الأبجدية. معجون أسنان، لقد نسيت أن تشتري معجون أسنان. كانت فاندا تشعر ~~بالإنهاك، وفي الوقت نفسه استشعرت دفئا قويا يملأ نصفها السفلي. فكرت لوهلة أن تغير ملابسها ~~وتستلقي في فراشها حتى تتخلص من التوتر، لكنها ظلت تفكر كثيرا؛ ms227 إذ كان الصمت غير المحتمل ~~في شقتها يشكو إليها حاله: بالكاد تتواجدين هنا، لا تفعلين أي شيء من أجلي بتاتا، من أجلنا ~~جميعا. هل تريدين حقا استقبال ضيف في هذه الحظيرة؟ كيف يا ترى يعيش توماس؟ وما إن بدأت ~~تشغل سي دي، وتشرع في رص البيض بالثلاجة حتى دق جرس الباب. هدر صوت رجالي من سماعة الاتصال ~~الداخلي يخبرها أنهم جاءوا لتسليم طاولة. تذكرت فاندا أمر عربة النقل الصغيرة، لقد كانوا في ~~انتظارها هي. ~~«لكنكم كنتم ستحضرون في الغد.» فلتت العبارة منها بمزاج معتل. ~~«نحن هنا اليوم.» فتحت فاندا الباب، فدخل الرجلان إلى الشقة ثم حملا المكتب ذا الأرفف إلى ~~غرفة المعيشة. وطلب البدين الذي كان يعتمر قبعة المال فورا ونقدا، بينما استغرق زميله الضئيل ~~في نوبة سعال جاف ابتلعت صوته. دفعت وكانت سعيدة أن الرجلين غادرا، إلا أن رائحتهما علقت ~~بالشقة؛ مما اضطر فاندا إلى فتح النوافذ. # طردت نسائم المساء الباردة روائح العرق والنيكوتين. دارت حول المكتب تمسحه وتفكر فيما إذا ~~كانت فكرة أن تأخذه عندها فكرة سديدة حقا. أين المكان المناسب لوضعه؟ أمسكت بالمرآة التي ~~تأرجحت، وبحذر جرته إلى جوار رفوف الكتب. كان المكتب يتأرجح كلما وضعت يدها على القرص البارد، ~~فأخذت ورقة وطوتها ودستها في الفراغ ما بين الأرضية ورجل المكتب. هل رأيت أبي يجلس يوما ~~إلى هذا المكتب؟ لا أذكر. لقد كان أبوها سريع الغضب لدرجة أنها لم تعد تجرؤ أن تدخل إليه في ~~غرفته على سطح المنزل. الآن يقف مكتبه عندها هنا. # كان الدرج لا يزال مغلقا. «لم أستطع أن أتمالك نفسي، كان لا بد أن أراك ثانية.» سمعت صوت ~~المطربة نورا جونز العابث يزيد من اضطرابها الداخلي، «في وسعك أن تحلمي.» حين تذكرت هذا السطر ~~كانت قد استغرقت في أنغام الموسيقى، واستطاعت أن تسمع صوت الصداع الذي أخذ ينتشر في كل نقطة من ~~نصف وجهها. هل يداهمني دائما حين أحاول أن أسترخي، أم تراني لا أشعر بوجوده إلا حين أسترخي؟ ~~أحيانا الطعام يخفف من ms228 ألمه. جهزت مكرونة اسباجيتي في دقائق معدودة، وصبت صلصة البستو من ~~البرطمان. بعد الأكل خفت حدة الألم قليلا، لكنها لم تثق تماما في هذا الهدوء اللحظي، ولهذا ~~تناولت قرصي مسكن قبل أن تخلد للنوم. ~~••• # تجري في شوارع غريبة خلف توماس، ثم يقفان أمام منزل متعدد الطوابق. يبدو المنزل مألوفا ~~لها. الشقة بالطابق الأرضي مضاءة وفارغة، تعجبهما كليهما. تعرف أنه ثمة أثاث يخصها في الطابق ~~العلوي، لكنها لا تجرؤ على الصعود، فالشقة في حوزة المافيا. تعرف الرجال، فقد كانوا في ~~انتظارها. كانوا يريدونها أن تعود ولن يتركوها تغادر ثانية. أومأ توماس موافقا وكأنه يفهم ~~الأمر. تراه من الخلف. ثم يستدير فجأة لتجد وجهه يحمل ملامح أبيها، وحين استيقظت فاندا تذكرت ~~أن هذا لم يكن سوى قناع أخذ في الاختفاء كلما استردت بعض الوعي. لم يكن في مقدورها تثبيت ~~الصورة. ~~••• # في صباح اليوم التالي وجدت ثلاث رسائل في انتظارها على الكمبيوتر الخاص بها بالمعهد. فتحت ~~الرسالة الأولى التي جاءت من روتشيستر. كان ريك يطلب منها مسودات بيانات أبحاثها، إذ قام ~~بتجربتين إضافيتين ويحتاج إليها من أجل مقارنتهما إحصائيا بقيم القياسات الجديدة. هذا الأمر ~~أيضا! أخذ قلبها يخفق اضطرابا، سيتعين عليها أن تفكر في شيء، فلا يمكن لها أن تتعجل الرد على ~~هذه الرسالة. وضعت فاندا الطلب في ملف المهام التي يتعين إتمامها فيما بعد. كانت الرسالة ~~الإلكترونية الثانية من شخص لا تعرفه. موقعة من بيتر سنايدر. كانت رسالة مضطربة، وكأنه يريد ~~أن يحذرها من شيء دون أن يفصح عنه صراحة. لقد علمت وزارة الخارجية الأمريكية أنهم قاموا بفحص ~~مادة النانو السرية المستخدمة في الدراسة الخاصة بشركة بي آي تي، وقاموا بتفتيش المقر، لكنهم لم ~~يجدوا شيئا؛ ولهذا السبب أرسل من عنوان جديد. كان هذا هو كل القدر الذي فهمته، ثم أخبرها بأمر ~~تحريات سرية للبحث عن متواطئين محتملين في أوروبا بسبب إساءة استغلال براءة الاختراع وخرق ~~العقد المبرم، ووجود ثغرة في صفوفهم هم؛ ولهذا فعليها ألا تكتب إليه إلا على هذا العنوان ms229 حتى ~~إشعار آخر، لتأمين سلامتها. عم يتحدث هذا؟ شعرت وكأنها إليزابيث سوان التي أجبرها الكابتن ~~جاك سبارو على البقاء في القمرة بحجج مقنعة في ظاهرها، ربما السبب أيضا أنها لم تفهم فعلا ما ~~حقيقة المسألة. أما في خانة المرسل للبريد الإلكتروني الثالث فكان اسمها هي؛ لأنها تعمل من ~~منزلها أحيانا وترسل لنفسها رسائل لتبادل المعلومات بين الكمبيوتر في المعهد والكمبيوتر المحمول ~~في منزلها، لكن هذه الرسالة فتحت في الوقت ذاته صفحة على الإنترنت. تطايرت دوائر بألوان فاقعة ~~على الشاشة مثل البالونات، ثم ظهر شكل في الخلفية يحاول أن ينسل من بينها. كان الشخص يجري بشكل ~~غير طبيعي في اتجاهات مربعة ويكبر حجمه تدريجيا إلى أن اقترب أخيرا من المقدمة، ووقف في ~~منتصف الصورة المتحركة. كان مجرد تمثال بلا تفاصيل، يشبه نموذج إنسان ثلاثي الأبعاد، ذا ~~تجويفات مكان العينين، وبروز في الأماكن التي عادة تتقوس فيها الجبهة، والأنف ، والأذنان. كان ~~الجسد يحمل استدارات أنثوية واضحة، لكن بلا تفاصيل، كان بمثابة نموذج ينتظر نحاتا يضفي عليه ~~نفحات الفردانية. وفجأة ملأ الوجه الشاشة بأكملها. في البداية فتحت عين واحدة، ثم تفرق الوجه ~~إلى مربعات صغيرة تدور مثل كتل لعبة اللغز المصور للأطفال، ثم تختار لنفسها موضعا، حتى فهمت ~~فاندا أخيرا. لقد كانت تنظر إلى وجهها هي ذاتها، إلا أن البشرة كانت بها لمعة معدنية. ظلت ~~العين الثانية مخبأة تحت غطاء فضي. أطلقت فاندا ضحكة قصيرة، لكن حينما طار الغطاء من على العين ~~استبد بها الذعر. كان تجويف العين أسفله فارغا. حدقت فاندا في الثغرة، فرأت كيف تتشقق البشرة ~~عن وجهها وتنفجر، وكيف تتعرى العضلات، ثم الأعصاب، ثم الأوعية الدموية طبقة طبقة، ثم تسقط ~~وكأنها تتحضر للتشريح، لكن كل ذلك تم في وقت قصير جدا. في النهاية نظرت إلى الجمجمة التي أخذت ~~تدور مثل كرة تخرج من مرمى البصر بعيدا. تغير المشهد فجأة. في البداية لم تر سوى لون ~~أخضر، تعرفت فاندا على أشجار وعيدان يظهر من بينها بعض براعم الزهور بما يشبه الحديقة، ms230 بعدها ~~رأت الأحجار. أخذت اللقطة تكبر من تلقاء نفسها إلى أن اقترب تماما ذاك الحجر الأسود من الرخام ~~المصقول، وتمكنت من قراءة الكلمات المحفورة عليه. فتحت فاندا عينيها جيدا. هذا أمر لا ~~يصدق! أغلقت جفونها لوهلة، وبحذر بدأت تسترق النظر عبر رموشها. ظل النص كما هو: # د. فاندا فالس # 1973-2006 # ارقدي في سلام. # انتابتها موجة عارمة من الضحك الهستيري، لم تشأ أن تخلي سبيلها، ثم أخذت تسعل. كانت سنة ~~ميلادها صحيحة. وفي رد فعل سريع ضغطت على زر الفأرة ومسحت الرسالة وقالت إنها خطأ، لكنها وجدتها ~~ثانية في سلة المهملات الإلكترونية. أخذت الرسالة ثانية إلى الشاشة. كانت الحديقة غير حقيقية ~~ورغم ذلك شعرت أنها حقيقية. من يمكن أن يفكر في أمر كهذا؟ رأت اسمها هي في سطر المرسل. لقد ~~اخترق أحدهم حسابها الإلكتروني وأرسل الرسالة، أليس واردا أن تعلق الرسائل الغريبة بالبريد ~~الإلكتروني العادي مثلها مثل فيروسات الكمبيوتر ؟ في محرك البحث جوجل بحثت عن «المقابر ~~الافتراضية» ووجدت عدة صفحات إنترنت بالنهاية لم تفدها كثيرا. بالتأكيد هي مجرد صدفة، أو ~~دعابة شريرة أرسلت آلاف المرات، طريقة غادرة لإرهاب البشر. لكن كيف وصل وجهها إلى هذا الرسم ~~المتحرك؟ ربما استخدم أحدهم صورتها من على الصفحة الرئيسية لقسمها، وما معنى ذاك الرقم الغبي ~~2006؟ نقشت الأرقام على ورقة صغيرة بلا أية فكرة عما تفعل. كان خوفها ممتزجا بالغضب، نظرت إلى ~~التقويم على الحائط. كان اليوم هو الثالث عشر من ديسمبر 2005. ~~«هراء!» قالت ثم كورت الورقة في راحة يدها وألقت بها فورا في سلة المهملات ... الحقيقية، ~~الموضوعة على يمين المكتب. # الفصل السادس والثلاثون # | سهل التنظيف # انهمر المطر على المظلة التي قدمت فضعفت، في حين صعدت فاندا فوق درجات رفيعة وعبرت ~~حارات وركضت في شوارع مظلمة. كانت متأخرة عن الموعد ولا تزال تبحث عن رقم المنزل. كان مسكن ~~شتورم يقع عند سفح داميلزبيرج، قريبا من قصر لاندجراف، حي الأساتذة. كانت قد قفلت راجعة عدة ~~مرات، ثم عادت أدراجها من جديد. وتساءلت هل هي أصلا في الشارع ms231 الصحيح؟ لقد اشتد المطر ~~مكونا ستارا خفيفا يحجب أنوار مصابيح الشارع إلا قليلا، وحينما تمكن منها الإحساس بأنها ~~ضلت طريقها كلية، وجدت نفسها فجأة أمام صندوق بريد أبيض فيما أضاء مصباح المنزل المجاور رقم ~~57. لقد وجدته فعلا. قادتها السلالم إلى بوابة حديقة صغيرة فوق مستوى الشارع، وبمجرد أن مرت ~~أضاء نور مصباح كهربي، ثم ضغطت جرس الباب. فتحت لها سيدة مسنة نحيلة يؤطر شعر رمادي وجهها ~~المتعب ذا العينين الزرقاوين اللتين لمعتا بمجرد أن قدمت فاندا نفسها. ~~«ها أنت ذي.» رحبت بها بود وطلبت منها الدخول. «لقد افتقدك زوجي.» كانت تصلح أن ~~تكون حماته. أخذت منها السيدة شتورم المظلة من يديها. تبعت فاندا السيدة وقطرات الماء التي ~~انسالت بلا صوت من بين ثنيات قماش المظلة فوق الأرض الرخامية. وضعت حذاءها الذي أغرقه المطر إلى ~~جوار أزواج الأحذية الأخرى المصطفة في الطرقة، وكانت أظافر أصابعها الكبرى تبتسم بخبث عبر ~~جواربها القطنية المهترئة. ~~«هل جلبت العفريت؟» سألتها زوجة الرئيس؛ إذ كان عدد من زملائها مدفوعين بحماسة عيد الميلاد ~~قد تمنوا لعب تمبولا؛ لذا كان على كل واحد فيهم أن يجلب معه شكلا مخيفا، شيئا مرعبا أو ~~غير ذي فائدة، ويريد أن يتخلص منه. لعبت السيدة شتورم دور الجنية الطيبة، ووضعت رقما على كل ~~هدية لتجرى عليها القرعة فيما بعد. جرت فاندا إلى الدولاب ثانية ودست يدها في جيب سترتها، ~~وناولتها عبوة صغيرة ملفوفة في ورق القصدير، وبالتالي كان من حقها سحب رقم حظ من صندوق ~~اليانصيب. ضحكت المضيفة ضحكة غامضة. كانت تبدو أصغر حين تبتسم. # كان حفل عيد الميلاد على أشده. تدافع من غرفة صوت موسيقى مكتومة وأصوات متداخلة، وعبق ~~الجو بروائح اللحم المقلي مع الخل. سال لعاب فاندا إذ لم تكن قد تناولت شيئا منذ الصباح. أتمنى ~~ألا يزال بعض الطعام باقيا، فكرت فاندا بقلق، فقد كان على الرئيس أن يضيف أربعين زميلا، ~~ومسألة بخله ليست خافية، بل إن الزملاء كانوا يتهامسون فيما بينهم أن دعوتهم إلى منزله هذا ~~العام ما ms232 هي إلا خطة لتدعيم الميزانية، ولا شك أن فاتورة المشروبات التي أرغموه على دفعها العام ~~الماضي هي الدافع لانسحابه هذا العام إلى المنزل، كما أنهم اعتبروا أكياس خلات الأسنان ~~المتناثرة على كل طاولة بمثابة دعاية ضد حرقة المعدة؛ لأنها حملت شعار شركة دواء كبرى، ربما ~~يكونون قد تجاوزوا ميزانيتها التي خصصتها لهم. # كانت غرفة معيشة آل شتورم تشبه صالة فنون حديثة بين معرضين. لم تتمكن فاندا من النظرة ~~الأولى أن تتبين وظيفة بطاطين الصوف العديدة المفرودة على الأرضية الملساء الفاتحة اللون؛ إذ ~~كان يمكن أن تعتبر معروضات، وفي نفس الوقت تعتبر بقايا عمليات بناء وتركيب. في جميع الأحوال ~~كانت كلها تتجمع فيما يشكل سجادة ملونة مبرقشة تستلقي في تباين لطيف مع طراز الأثاث الصارم. ~~جلس الناس على الوسائد، وقفوا معا أو تجمعوا في مجموعات صغيرة مثل جماعات من البدو قررت بحماسة ~~أن تتجاهل الأريكة الجلدية باهظة الثمن المستندة إلى الجدار الخلفي للغرفة، ليس بسبب عدم ~~تحضرهم، العكس هو الصحيح؛ إذ لم يرغبوا بتاتا في التفكير في لطخات الدهون، أو بقع النبيذ ~~الأحمر، أو بوالص التأمين ضد المسئولية. كانت الأجواء مثالية لقتل أي شعور بفقدان السيطرة في ~~مهده. # كان يوهانيس جالسا مع بيترا أمام النافذة الكبيرة المطلة على الحديقة وغمز لها. في الخارج، ~~خلفهم مباشرة، صفرت الرياح بين أفرع شجرة عيد الميلاد المضاءة. مرت فاندا إلى جوار زملائها ~~الجالسين القرفصاء الواضعين أطباقهم في حجورهم، يقرضون أرجل الدجاج، أو يملئون جوفهم بسلطة ~~البطاطس والكرنب الأحمر. أما الرئيس فكان جالسا على الأرض فاردا ساقيه بين ميشائيل فالاخ وشخص ~~آخر لم تكن تعرفه. كان يمضغ اللحم ويضحك بفم مفتوح. بدا أن جوربيه جديدان. بالأمس تحدث ~~إليه توماس وأخبرها أن كل شيء على ما يرام. توقعت فاندا أن شتورم سيسعى للحديث معها لكنه لم ~~يفعل. حياها كالمعتاد، لكنها استشعرت مزيدا من التحفظ من جانبه أثار قلقها، لكن على أية حال، ~~صارت تتخذ إجراءات صارمة لتطهير الحظائر منذ عودته من اليابان. كان عمال الرعاية يطلقون ~~عليها ms233 عملية تنظيف عيد الميلاد. ~~«علمت أنه ركب لك كمامة على فمك.» قال يوهانيس وهو ينقر على جوربها المهترئ «إن عاملات ~~الرعاية يشعرن ببعض السخط أن برنامج عملهن قد اضطرب بشدة قبل أيام الإجازة بوقت قصير.» كان ينظر ~~إليها ويبتسم بوقاحة. ركعت فاندا ثم ثنت ساقيها تحتها لتجلس إلى جواره على الأرض. كان الموضع ~~الذي يجلسان فيه يبتعد قليلا عن مجرى الأحداث، لكن يسمح بنظرة شاملة لعموم المكان. كانت السيدة ~~شتورم تتحدث إلى أستريد، بينما كان توماس حقيقة يغازل طالبة الدكتوراه الجديدة. ~~«هل تنصتين إلي أصلا؟» سألها يوهانيس سؤالا أقرب للشكوى. ~~«أكاد أموت جوعا.» ~~«فلتظلي جالسة، وسأحضر أنا لك شيئا.» قفز يوهانيس واقفا سريعا خفيفا، ثم رسم على وجهه ~~أمارات الجد وقال: «لا يمكن أن أدعك تذهبين إلى المطبخ بهذين الجوربين.» أحيانا يكون في غاية ~~اللطف. لا، صححت نفسها: الواقع أنه مساعد للآخرين بطبيعته، لكن هذا لم يكن يجدي ؛ فالعناية ~~بالآخرين ليست من مكونات وصفة النجاح في المجال العلمي. # بعد دقيقة عاد إليها يوهانيس بطبق مليء بما لذ طعمه وطابت رائحته. ~~«على الأقل قدم خدمة متميزة للحفل. صحيح أن عدد الأصناف محدود إلا أنها كلها طيبة ~~المذاق.» # ابتسمت فاندا، كان جميلا أن يخدمها أحدهم وأن تدخل شيئا إلى جوفها. جلس يوهانيس وراءها ~~فيما كانت تعترف له ولزابينة بفعلتها الأخيرة، وكان رأيه أنهم سيوفرون الكثير من الوقت والمال ~~إن تركوا عينات الأنسجة كي يحللها أخصائي الفيروسات، كما أن هذا الأمر لا ينطوي على خطورة أن ~~يمسك بهم أحد، ولن يستدعي الأمر أعمالا سرية في ساعات متأخرة بالمعمل. سيتعين عليهم انتظار ~~النتائج فحسب. # وافقت زابينة على هذا الحل، لكنها لم تسعد بحقيقة أن توماس يعرف بالأمر، وكان على فاندا أن ~~تعدها ألا تواصل إطلاعه على ما يستجد. شعرت فاندا أنها خسيسة، فرغم رجائه الحار، لم تقم ~~بسحب طلبها من أخصائي الفيروسات، ثم استغلت استعداده للمساعدة بلا خجل. أنا سيئة، فجأة شعرت ~~بالذنب. كان الأمر مثل حالها في الماضي، حين كانت تغضب لأن والدها ms234 عاد إلى المنزل سكران. «أنت ~~تتخيلين الأمر» سمعت صوت أمها من جديد، سمعت كلماتها بوضوح مثلما في الماضي، كلمات من شأنها أن ~~تجرها إلى آخر غرفة في كيانها. كانت تنظر منها دون شعور أن الأمر يمسها في شيء. هل لهذا ~~اخترت هذه الوظيفة؟ ففي عملها، كانت هذه المسافة أمرا مرغوبا، كانت تسمح لها أن تبقي ~~الأحداث تحت سيطرتها؛ لأن كل شيء يسير وفق الخطة التي حددتها وراقبت تنفيذها حتى النهاية. كانت ~~تمنع دخول الهواء إلى الخلايا، وتخرج الحضانات، وتفتح المجهر. كانت هي التي تحدد المسافة التي ~~ستقطعها، وأي خطوة ستكون الخطوة التالية؛ هي بنفسها. لم يحدث أن ضايقها أحدهم بتعليق حول حالتها ~~العقلية، بل العكس هو الصحيح تماما؛ إذ كانت تنال الثناء بفضل طريقة عملها المنظمة. لكن ~~الآن فلتت الخطة من بين يديها. ولم تعد ترى ما نهاية تجربتها. كانت تريد أن تدحض فرضية ~~سنايدر، فإذا بها تقف الآن أمام مشكلة جديدة تماما. خرجت الأمور عن نطاق السيطرة. شعرت أنها ~~على هامش الأحداث بالحفل، وأن النبيذ يطيب طعمه مع كل رشفة. اعتراها إحساس لطيف بالامتلاء كاد ~~أن يدفعها نحو واحدة من البطاطين. كانت لتدفع الكثير في مقابل أن تتمكن الآن من التمدد على ~~الأرض وأن تغلق عينيها لدقيقة. ~~«أريد أن أقوم بفعلة كبرى.» قالت بيترا، فقاطعت المشاعر التي أغرقت فاندا، فقهقهت بلا ~~مقاومة. أما يوهانيس فقلب عينيه وقال: «هلا أوضحت قليلا؟» # ردت بيترا: «لاحقا» وظلت تبحث عن المكان المناسب. تلفتت فاندا في الغرفة، ابتسم توماس حين ~~التقت أعينهما. كان في هذه الأثناء يتحدث مع علي. بدأت صلابة الناس تتلاشى بالتدريج، فعلت ~~الضحكات وتدريجيا أخذ مستوى الضوضاء يغطي على نغمات الجاز في الخلفية. كانت عينا فاندا تبحثان ~~بلا جدوى عن جهاز الاستيريو. كان يوهانيس واثقا أنه موجود في دولاب الحائط الضخم الذي أمامهم، ~~ذي التصميم الإيطالي، من مولتيني. الخشب من الكونغو، بل إنه ادعى أنه يعرف ماركة السماعتين. ~~مثل قلمي رصاص مقلوبين كانت علامة بانج وأولوفزين تحليان جانبي الشاشة المسطحة ضخمة ms235 الحجم. شعرت ~~فاندا أن يوهانيس يصحبها في جولة خلال أروقة محل راق لبيع الأثاث. لا يمكن إنكار أن الأريكة ~~الجلدية ماركة كور. فقط اللوحة كبيرة الحجم ذات ضربات الفرشاة التجريدية الموضوعة في صدر الغرفة ~~ظلت له بغير معنى. من الممكن أن تكون زوجة شتورم هي من قامت برسمها، فمعظم زوجات الأساتذة ~~يمتلكن موهبة فنية في الفترة الأخيرة. لقد بدأ ميل يوهانيس للسخرية العدمية يتصاعد؛ لذا حاولت ~~أن تغير الموضوع. ~~«هل استطعت حقا أن تعرف شيئا عن ذاك الشخص المدعو مايك؟» ~~«لا شيء حتى الآن، لكني سأواصل البحث.» لم يستمر الكلام لأن بيترا التي عادت من الحمام كانت ~~تجر جورج وراءها، ويرتسم الإحباط على ملامحها. ~~«لم تفلح المحاولة.» ~~«يؤسفني ذلك.» # أشاح يوهانيس بوجهه وقد بدت عليه علامات التقزز. ~~«لا ليس الأمر كما تتخيل. بالطبع تمكنت من الجلوس على قاعدة المرحاض غير ذات الحافة في ذاك ~~الحمام الذي يحمل توقيع أشهر المصممين وينظف بسرعة البرق؛ إذ يعمل السيفون بتقنية الخلايا ~~الكهروضوئية، وتغوطت وأنا أتخيل أني أفعلها على وجهه المقرف ذي الضحكة الخالية من الأسنان. ~~لقد كانت لحظة رائعة.» أبدت فاندا دهشتها. ~~«حمام الضيوف ...؟» ~~«هراء؛ حمام الضيوف» أكملت بيترا حديثها. «لقد صعدت إلى الحمام بالأعلى. وكأني كنت في معرض. ~~كنت أجلس على المرحاض وأفكر أنه ربما يمعن الجميع الآن النظر إلي.» ~~«لكن لم يوجد أي خنزير ينظر نحوك» قال يوهانيس ضاحكا «هل لهذا أصبت بخيبة أمل؟» ~~«لا. لقد كنت أريد أن أترك له الغائط في المرحاض. لكن اشتغل السيفون ربما عبر حاجز من الضوء ~~فجعل ذاك الشيء ينزلق بخفة إلى فتحة المرحاض. ولم يخلف أية آثار للانزلاق. ولا أية روائح ~~كريهة.» ~~«أتفهم» غمغم يوهانيس «فتحة المرحاض هي عماد أساسي لمجتمعنا ومجتمعنا أيضا ~~يشبهها.» ~~«هذا كلام توشولسكي» عقب جورج. ~~«أنت لا تفهم على الإطلاق» ردت بيترا وقد شعرت بالإهانة. «أراهن على أن المرحاض به تقنية ~~تأثير اللوتس.» ~~«بل تقنية سهل التنظيف» صوبتها فاندا. ~~«بالتأكيد.» ~~«لا، أقصد المبدأ الذي يتبعه اسمه هكذا سهل التنظيف، وهو ms236 يتطلب أن يكون السطح أملس بدرجة ~~عالية جدا وناعما مثل مؤخرة رضيع. أما تأثير اللوتس فلا يتم إلا إذا كان السطح على العكس من ~~ذلك تماما.» # أكمل يوهانيس: «أي حين يكون السطح مجعدا مثل بشرة جدتك.» نقلت بيترا ناظريها ببلاهة ~~بين فاندا ويوهانيس، ثم صفق أحدهم بيديه. كان شتورم، وكان يقف أمام طاولة مليئة بالأشياء ~~المرعبة ليفتتح التمبولا. كان يضحك ضحكات مبالغا فيها على النكات التي يلقيها بنفسه، وكان على ~~الجمع أن ينصت له بانتباه حتى النهاية، لكنه أدار اللعبة بذكاء. فقدت فاندا كرة الثلج التي تحوي ~~قصر لاندجراف لصالح لي وانج التي سعدت بدورها أيما سعادة بهذا التذكار المميز لمدينة ماربورج. ~~أما جولة فاندا فجعلتها مالكة مركز أرصاد، به حديقة أمامية ونجيل صناعي داكن الخضرة. # قال شتورم وهو يناولها هديتها: «حين يتقلب الجو يحتاج المرء إلى بارومتر يثق فيه.» ارتعدت ~~فرائص فاندا، ترى ماذا كان يعني؟ إذ لمحت بصوته بعض التهديد. # بعد التمبولا تحولت الحفلة إلى ما يشبه عيد ميلاد أطفال؛ إذ انصرف كل انتباههم إلى اللعب ~~الجديدة. جلس معظم الحضور على الأرض يتعجبون، ويتبادلون الأشياء، ويفاصلون، ويختبئون. لم تكن ~~فاندا في حالة تسمح باللعب، وكانت تتمنى أن تتحدث إلى توماس الآن، لكنها لم تتمكن من العثور ~~عليه. وضعت فاندا الجائزة التي ربحتها - والتي تساعد على تحديد حالة الطقس - أمامها على الغطاء، ~~وشاهدت فيها السيدة ذات القبعة الصيفية والرجل ذا معطف المطر وهما يتأرجحان جيئة وذهابا في ~~محاولة لتحديد حالة الجو بالخارج. ظل الرجل والسيدة يتشاجران على من من حقه البقاء في الخارج، ~~لكن ذلك لم يساعد فاندا البتة في معرفة حالة الجو بالخارج، وتعين عليها أن تتخذ قرارها ~~بنفسها. لم يلاحظ أحد حين نهضت فاندا وغادرت. # كانت الساعة تقترب من الحادية عشرة حين وقفت بالباب. كان المطر قد توقف إلا أن الهواء ~~المحمل بالرذاذ البارد كان يضربها في وجهها مثل منديل مبتل. بعد مسيرة قصيرة على قدميها ~~لاحظت أن الشارع الصغير آخذ في الارتفاع، ولأنها لم تستشعر رغبة ms237 في أن تتوه ثانية قررت أن تظل ~~سائرة على الطريق، وفي حال ارتابت فستتخذ الطريق الدائر حول القصر الذي يهبط إلى قلب المدينة. ~~رأت ظلا يسير تجاهها، فغيرت بسرعة طريقها وسارت في الطريق المقابل. ربما كان الأفضل أن ~~أنحني مع شارع كلفين. ضغطت قابضة على «بخاخ الفلفل». لكن ما إن اقترب منها الرجل وأصبح على نفس ~~ارتفاعها حتى تعرفت عليه. ~~«ماذا تفعل هنا؟» سألت وهي تشعر بالارتياح، فجاء صوتها عاليا. # جفل أندرياس وبدا عليه الارتباك. ~~«كنت أريد أن أرافقك للمنزل.» # لوهلة نظرت إليه دون أن تفهم. # قال لها: «تعالي. دعينا نتحدث.» # ثم سارا أحدهما إلى جوار الآخر، وقبل المنحنى الكبير الذي ينطلق من القصر ليهبط إلى جنوب ~~المدينة وقفا لوقت قصير. كان الأسفلت يلمع تحت ضوء مصابيح الشارع مثل معدن أبيض. وفجأة، مزق ~~صوت فرقعة الصمت مثل حيوان يصرخ فزعا. بدا الذعر زمانا خارج الزمان، والتجمد دهشة وسيلة ~~حماية تلقائية، وفي كليهما رأت فاندا السبب في عدم مقدرتها على تذكر أوان انطلاق الطلقة ~~التالية التي معها انكسر زجاج فوقهما، وعلى الفور ساد الظلام. شعرت فاندا بمن يمسك بكتفها ~~ويسحبها إلى الأمام. كان أندرياس يجرها معه ليختبئا في شارع جانبي. مرت الطلقة الثالثة بجوارهما ~~محدثة صفيرا حادا. هربا. لكن إلى أين؟ كانت المنطقة غريبة عليهما. ظلا يركضان في الظلمة حتى ~~وصل أندرياس في وقت ما إلى درجات سلم فصعده، درجتان في المرة ممسكا فاندا بقوة فتتبعه. كانت ~~تتمنى لو صرخت لكن الظلمة ابتلعت صوتها. اصطدما على غير هدى بغرفة ذات حوائط مظلمة فدخلا فيها. ~~أندرياس وحده كان يركض بثقة نحو هدفه. مزيد من الدرجات الصاعدة. بدأ يقفز بعد عدة درجات إلا أن ~~الأرض كانت زلقة تحت قدميها بفعل المطر. ليس ثمة ضوء، ولا حتى في السماء. في النهاية رأوا ضوءا ~~كثيفا من بعيد، وراء جذوع الأشجار القوية الواقفة مثل فيلة تمشي على مهل. لا بد أنهم في حديقة ~~القصر، ثمة مصباح يضيء المسرح الصيفي. وقف أندرياس فجأة بعد الدرجة التالية فاصطدمت ms238 فاندا به ~~بقوة. كانت تلهث باحثة عن الهواء مستشعرة وخزا في كامل نصفها الأيسر. وقفا خلف جذع شجرة ~~يراقبان المدخل المضيء لباحة القصر، حيث اصطفت عدة سيارات. خيم الصمت على كل شيء. لم تفهم فاندا ~~سبب تردد أندرياس. لا بد أنهما تخلصا منه منذ زمن. ممن يا ترى؟ أمسكت فاندا بجنبها وحاولت ~~أن تتنفس بعمق، لكن إن لم يكونا تخلصا ... عانت فاندا دوارا خفيفا. وماذا لو اتخذ طريقا مختصرة ~~إلى حديقة القصر وسبقنا لينتظرنا في هذا المكان خاصة؟ ضغطت على يد أندرياس، لكنه لم يلتفت ~~إليها. كان وجهه الشاحب مركزا على باحة القصر. بدا لها في تلك اللحظة قصيا إلى أبعد مدى. لا ~~يتوقف الوخز في جنبها. اللعنة. إنه فخ. لماذا نحن هنا أصلا؟ # همس دون أن يغيب المكان عن ناظريه: «ليس ببعيد.» كان البخار يخرج من فيه مع كل نفس يأخذه. ~~ضغط على يدها ضغطة خفيفة ثم انطلق راكضا. كانت تتعثر وراءه إذ كان لا يزال محكما قبضته على ~~قبضتها، ولم يفلتها رغم تمايلها وراءه بين العربات المصطفة. كان لا يزال ينحني لأسفل ويسحبها هي ~~أيضا نحو الأسفل، ثم قفز ليسرعا نحو بوابة تمكنا من الانسلال عبرها في الظلمة. هذه المرة ~~كانت الفرقعة من ورائهما، مرتين متتاليتين. واصل أندرياس سحبها إلى أسفل. تعثرت فوق الأسفلت ~~الخشن ثم انزلقت على السلالم اللزجة التي واصلت الهبوط. سحبها ثانية عبر منحنى كبير زلق ثم واصل ~~الركض. انسلت من يده. أنا أكره هذا. لا أريد الاستمرار! في تلك اللحظة فقط رأت مخروط الضوء ~~الذي تساقطت أشعته على البوابة الحديدية، وبسرعة أدخل مفتاحا فانفتحت درفتا البوابة فدفعها ~~للدخول في حفرة قاتمة. # الفصل السابع والثلاثون # | في غياهب السجن # تعثرت فاندا واصطدمت بحافة صلبة فشعرت بألم في قصبة ساقها. سمعت صلصلة مفاتيح ونظرت في ~~الضوء الذي يتحرك من درجة لأخرى إلى جوارها، يميل صاعدا ثم هابطا إلى أن استقر عند قدميها، ~~عندئذ فقط أدركت أنهما واقفان عند بداية سلم حاد الميل. # همس أندرياس قائلا: «آسف، كان ms239 علي أن أحذرك، لكني لا أريد أن أزيد من درجة الإضاءة هنا. ~~تكفي إضاءة مصباح الجيب.» نظرت فاندا إلى المصباح وقالت: «من أين لك به؟» ~~«سأشرح لك فيما بعد.» أمسك أندرياس بيدها وحاول أن يصعد السلم. «هلمي، تعالي.» لكن فاندا ~~ظلت واقفة. ~~«أين نحن؟» ~~«في مخبأ قصر لاندجراف.» ثم أضاء الدرجات التالية وقال: «تعالي هنا، أرجوك، فأنا أعرف هنا ~~مكانا آمنا.» # كانت الدرجات عالية أكثر من المعتاد، كما بدا أن السلم لا يريد أن ينتهي. نظرت فاندا إلى ~~الأسفل، ثمة ضوء أزرق يتخلل القضبان التي أغلقها أندرياس خلفهما. وهكذا، يدا بيد في ضوء مصباح ~~الجيب، كانا يشكلان هدفا مثاليا. أسرعت فاندا خطاها. انحنى الطريق في نهاية السلم انحناءة ~~حادة نحو اليسار، ثم جاءت بضع درجات إضافية صاعدة، وبعد عدة خطوات هبطت مرة ثانية. كانت منهمكة ~~أيما انهماك في تثبيت خطواتها بشكل صحيح على الدرجات الحجرية الزلقة، بحيث لم تلاحظ الفتحة على ~~اليمين إلا عندما مرا منها وتقافز ضوء مصباح أندرياس على السلم فشعرت بالتغيير. وفي ضوء ~~المصباح الذي دار يمينا ويسارا عرفت أنها في غرفة تكاد تكون مستديرة. «سنكون هنا في أمان ~~تام.» قالها أندرياس وهو يقودها على آخر الدرجات حتى دخلا الغرفة وظلا واقفين فيها. ~~«هذا مكان مختلف.» خرجت العبارة من فيها فاستغربت من الراحة التي اعترتها على حين غرة. ~~خطت عدة خطوات حذرة في حين كانت الأرضية تصدر صريرا تحت نعلها. ارتعدت فرائصها وتجمدت. كان ~~أندرياس إلى جوارها وأمسك بها. ~~«هل كل شيء على ما يرام؟» كان الضوء ينير وجهها، فأغلقت عينيها وأومأت برأسها. ~~«من كان ذلك؟» ~~«لا فكرة لدي.» كانت أنفاس أندرياس لا تزال تتهدج وهو يجيب، «مجنون؟ لم أتعرض في حياتي لمثل ~~هذا الأمر قط.» ~~«وأنا التي كنت أظن أن ماربورج فردوس على الأرض.» أدارت فاندا رأسها، إلا أن الغرفة ابتلعت ~~ضوء المصباح الملقى على الأرض أمام أقدامهما. لا أرى الجدران. وشعرت أنها في قبو. «ماذا عسانا ~~نفعل الآن؟» ~~«هل معك هاتفك المحمول؟» # كانت تهز رأسها ms240 بالنفي وأمارات الندم تعلو وجهها، إلا أنه كان يوجه ضوء المصباح نحو يديها ~~هذه المرة، فتنهدت قائلة: «كلا، إنه الآن متصل بمقبس الكهرباء ليشحن.» ~~«إذن نحن مضطران للمكوث هنا حتى يطلع النهار.» # لنبق إذن. فجأة لم تكترث للأمر. كانت ساقاها ترفضان المسير ولو خطوة واحدة. جلس أندرياس ~~خلفها وأسند ظهره إلى ظهرها. انزلق رأسها المثقل إلى الوراء إلى أن نامت على كتفه. ~~«ماذا كنت تعنين سلفا بأن المكان هنا مختلف؟» كانت نبرات صوته تسري في عمودها الفقري ~~فتشعرها بالراحة. فكرت فاندا ثم أجابته: «المكان هنا يعبق برائحة البرودة، برودة أزلية.» ~~«صحيح، برودة جافة مستمرة، لكن بلا صقيع. هذا المكان يعد في الصيف أحد أكثر الأمكنة ~~برودة في ماربورج، وأنا آتي إلى هنا أحيانا في الأيام شديدة الحر. أستطيع هنا أن أفكر بهدوء.» ~~توقف قليلا ثم واصل الكلام: «بالمناسبة أنت محقة، إنه مكان آخر بالفعل.» كانت عباراته تشي ~~بالتقدير . «السلالم التي صعدنا عليها كانت تؤدي في السابق إلى المخابئ على الجانب الشمالي، وهي ~~غير موجودة الآن. بعد بنائها في القرن السابع عشر كان المدخل إلى هذه الغرفة مغلقا تماما. نحن ~~في الحقيقة في أسفل دور من مبنى آخر أكثر قدما.» ~~«أين تحديدا؟» ~~«في سجن برج الساحرات.» ~~«وأنت السجان الذي يحمل مفاتيح السجن؟» # ضحك أندرياس ضحكة قصيرة: «أنا مجرد مرشد سياحي ممل، وهذا بالمناسبة السبب أني أحمل مصباح ~~الجيب. فهو، إلى جانب المفاتيح، من أهم أدوات عملي.» شيء في نبرته أثار حنقها. # لقد جرها إلى السجن إذن. ~~«لم أحجز لديك جولة سياحية.» ~~«وأنا أيضا لم أطلب قاتلا مأجورا.» ~~«هل تعتقد أن الأمر مقصود؟ لا أستطيع تخيل أن أحدهم ...» قطعت حديثها. وماذا لو أن أحدا ~~بالفعل ب ... تلك المداهمة في المعهد ... «أنا خائفة.» قالت بصوت منخفض. ~~«لقد كاد ينجح هذه المرة. لكن هنا بالأسفل لا يمكن أن يقع لنا مكروه.» ~~«متأكد؟» ~~«نحن في أسفل طابق بالبرج الأبيض، هكذا كان يدعى المبنى حين انتهى بناؤه في عام 1478، وقد ~~كان في الأصل برجا من أبراج ms241 الدفاع.» ترك الضوء يدور ببطء وهو يقول: «كانت ثمة فتحات في ~~الحائط، تبدو مثل نوافذ ذات أحجام مختلفة. هذه فتحات الرماية، لكن تم إدراك الخطأ التقني في ~~البرج الأبيض في مرحلة متأخرة، ففي منتصف القرن السادس عشر كانوا قد أدركوا أنه لا يطابق ~~المواصفات المطلوبة لبرج دفاع، فبني سور أمام فتحات الرماية وردم الطابق الأرضي الذي نحن ~~فيه هنا الآن، وتم تعديل البرج برمته ليصير سجنا.» ~~«للساحرات؟» ~~«ليس بالضرورة. كانت محاكمات الساحرات يفصل فيها بسرعة، فمن يتهم بممارسة السحر من ~~الرجال أو النساء كان لا يمكث هنا سوى فترة وجيزة.» ~~«أتسمح لي؟» أخذت فاندا مصباح الجيب من يد أندرياس وتركت الضوء يتجول في الغرفة. لم تكن ~~كبيرة، ربما يبلغ قطرها خمسة أو ستة أمتار. كان السقف مقببا ومسننا مثل جلد تنين، قدرت ~~فاندا أن ارتفاعه يبلغ أربعة أمتار، وبعد إمعان النظر تمكنت من رؤية الأطراف الرقيقة ~~للمقرنصات. وجهت الضوء صوب منتصف السقف فوجدت فيه فتحة. ~~«ما هذا؟» ~~«في البداية كانت فتحة مدفأة يمكن لدخان المدافع أن يخرج منها، ولاحقا صارت الفتحة التي ~~يلقى منها المساجين إلى السجن.» شعرت لوهلة أنها يلقى بها من أعلى. أطفأت الضوء فساد ظلام ~~تام. وحين بدأ أندرياس في الحديث بدا صوته قريبا جدا: «السجين لا يريد أن يقفز، فلا يملك ~~السجان إلا أن يركله ليسقط في غياهب السجن. للسقطة وقع مكتوم، وخز مؤلم في الساقين. ثم ~~يسمع صوت قعقعة من عل، فيعرف أن السجان يسحب الآن حجرا ثقيلا يسد الفتحة التي سقط منها للتو. ~~الأمر ميئوس منه إذ كيف عساه يهرب من مكان كهذا؟ فجأة يسود الظلام والصمت. إنه قبر، لقد دفن ~~حيا. يصرخ وهو يعلم تماما أن صرخاته ستضيع سدى. رائحة كريهة تكاد تخنقه، لقد تبلل بنطاله. ~~هذا من الذعر، هكذا يقول لنفسه وكأن عليه أن يعتذر. لكن لمن؟ إنه وحيد. قميصه ملتصق بجروح ظهره ~~المفتوحة جراء التعذيب. كم يشتد ألمه. ينصت، فيسمع صوت رشرشة وصرصرة، فيفكر أنها الفئران، ~~هذا قبل أن يغيب عن ms242 الوعي على إثر الإنهاك. # في وقت ما يستيقظ ثانية، لكن تظل عيناه مغمضتين. ثمة قمر كبير خلف جفونه. تتخفى النجوم في ~~ضوء الفجر الشاحب. هل أتى الصباح؟ شيء ما يمسح قدمه. يجفل ويتنهد ويفتح عينيه، لكنها لا ترى سوى ~~العتمة. كم ظل هنا؟ إن مفاصله المتصلبة وفمه الجاف لدلائل موثوقة على أنه مكث لفترة طويلة. لا ~~يتذكر بوضوح. لا يتذكر إلا أنه من المؤكد قد سقط من ارتفاع شاهق.» ~~«كم من الوقت يظل هنا؟» سألت فاندا بصوت امتزج فيه القلق مع الذعر. ~~«أقدر يومين، أو ثلاثة. لم يكن أحد ليعيش أكثر من ذلك. كما أظن أن لا أحد كان يود تحمل ~~مسئولية جثة، وإن كنت أستطيع تصور أن بعض الأشخاص قد قضوا نحبهم هنا.» # ارتجفت فاندا وقالت: «ماذا فعلوا؟» ~~«وما يدريني؟ أنا أخترع هذه الحكايات، والزوار يستمعون إليها بسعادة. قد يكون من قضى نحبه ~~هنا قد قتل أحدهم ، لكن كان اعترافه ضروريا.» # قالت فاندا: «ربما كان مخادعا. أنا أيضا خدعت شخصا، فهل أنا هنا لهذا السبب؟» ~~«ربما كان بريئا، لكنه يقف في طريق شخص آخر.» تلمست يدا أندرياس الأرض بحثا عن المصباح، ~~لكن فاندا كانت لا تزال قابضة عليه. «لقد زورت بيانات.» لقد خرجت الحقيقة الآن. أنصتت في توتر ~~لرد فعله. ~~«لقد خذلت والدي.» ~~«هذا أمر مختلف.» ~~«أترين هذا؟» ~~«لقد أخطأت، زورت، ألا تفهم؟» ~~«كان أبي ليقول أيضا: ها قد ارتكبت خطأ، لقد زورت الخطة التي رسمتها لك.» # هزت فاندا رأسها. ~~«هذا شيء مختلف تماما.» ~~«ماذا زورت؟» # حكت له عن الدراسة التي أجريت في روتشيستر، وكان ينصت لها في انتباه. ~~«لقد تلاعبت بالبيانات من أجل أن ينشر اسمي في بحث متميز.» ~~«وأين المشكلة؟» ~~«ريك يريد البيانات الأصلية.» ~~«ماذا يمكن أن يحدث لك لو اكتشف الأمر؟» ~~«لن يقوم بتفنيد البحث، ففي ذلك خسارة فادحة لماء وجهه. لكن سيخيب ظنه بي.» ~~«أرأيت؟ لقد قلت لك إن المسألة هي هي.» ظلا صامتين لبعض الوقت، ثم ساور فاندا القلق. لا ~~بد أن نبلغ الشرطة، ms243 لا بد أن هناك آثارا. # كانت تفكر في مصباح الشارع الذي انكسر من الطلقة، وفي الطلقة الأخيرة في الجراج. كان ~~الإنهاك قد بلغ منها مبلغه، فأزاحت ذكرى الحادث الأخير إلى زمن آخر، ولذلك كانت تظن أيضا أن ~~ما أصابها بالذعر طلقات مدافع. ربما كان ذلك حلما لأنها حين استيقظت كان جسدها لا يزال محنيا ~~إلى الأمام. كانت تشعر بالبرد القارس لدرجة أنها فقدت الإحساس بقدمها اليسرى. تبرم أندرياس ~~عندما تحركت هي وأضاءت المصباح. كانت الساعة قد بلغت الرابعة. حاولت النهوض إلا أن مؤخرتها كانت ~~متصلبة من التجمد، وحين نهضت مرتعشة سقط أندرياس جانبا وتدحرج ضاما جسده مثل قطة. خطت فاندا ~~بضع خطوات، فبدأ الخدر يختفي ويعود إليها الإحساس بقدمها تدريجيا. في جولتها القصيرة اكتشفت ~~فراشتين بجناحين مضمومين عالقتين بالقبة، لاجئتين مثلنا، ظانتين أنهما بأمان هنا، إلا أن خيوط ~~عنكبوت كانت عالقة بفتحة من فتحات الرماية. ~~«أنا أشعر بالبرد .» قالت فاندا بلا مقدمات، وبدأت تقفز في مكانها «إلى متى تريد أن تظل ~~هنا؟» # أجاب أندرياس وهو يتثاءب بصوت عال: «إلى أن يطلع النهار.» حركت المصباح في الاتجاه الذي ~~أتى منه صوته، فوجدته قد جلس مستندا بظهره إلى الحائط وأخذ يفرك عينيه. # قالت فاندا وهي تتحرك في دوائر ويطقطق الحصى أسفل نعليها: «هذا معناه أن نظل هنا على الأقل ~~ثلاث ساعات أخرى. سأكون قد تجمدت حتى ذلك الحين.» ~~«ستموتين رميا بالرصاص بأسرع ما تموتين تجمدا. ثم إن المساجين هنا فيما مضى كانوا يتحملون ~~الحياة لعدة أيام دون معطف ثقيل كالذي معك.» ثم خبط أندرياس على المكان المجاور له وقال: ~~«تعالي، الدفء ينساب دوما من الدفآن إلى البردان. إنه القانون الأول للديناميكا ~~الحرارية.» ~~«الدفء هو حركة عشوائية غير قابلة للتنبؤ لجزيئات العناصر ...» ثم ضحكت فاندا من كلماتها، ~~واستطردت: «إن لم ننتبه إليها فستؤدي إلى الفوضى. القانون الثاني للديناميكا الحرارية.» ~~«لكن فقط في نظام مغلق.» # بمصباح اليد أسقطت ضوءا مرتعشا سريعا يدور بالغرفة قائلة: «وهل هذا غير ذلك؟» ~~«هل لهذا تتحاشينني؟» لم تجب سؤاله، ms244 فقط كانت تشعر أن البرودة تشق شروخا في جدران ~~مقاومتها الداخلية، فجلست إلى جواره. حين أحاطها أندرياس بذراعه شعرت برائحة كريم ما بعد ~~الحلاقة الذي يستخدمه تحيط بها. كانت يداه دافئتين على نحو مدهش. مر بعض الوقت حتى بدأت ~~الكلام. تلعثمت في البداية مثل محرك بارد، تحدثت حديثا غير واضح عن نتائج طبية ما، وعن ~~خوفها من مرض قاتل، على الأرجح مثل المرض الذي قتل والده. تهتهت وهي تقول إنه ربما يكونون ~~جميعا قد أصيبوا بتلوث ما حين كانوا في نيو مكسيكو، أو إنهم أصيبوا بعدوى شيء جديد، خطير، ~~شيء لم يكشف الطب كنهه تماما بعد، وربما يكون ذلك كله مجرد وهم. سحبت شكوكها ثانية. أشعرتها ~~حالة الهستيريا بالحرج، إلا أن أندرياس ضمها إليه بقوة، فما كان منها إلا أن واصلت حديثها عن ~~إدمان والدها، وهو أمر يجعلها تشعر بالذنب تجاهه دون أن تعرف لماذا. تركت العنان لذكرياتها ~~لتتحدث، ومضات برق فكرية في جلسة عصف ذهني. تحدثت عن المداهمة بالمعهد، عن صورة القبر الرقمي ~~الذي حمل اسمها وسنة وفاتها. لا بد أنه يظنك مجنونة. إلا أن تدفق الكلام كان أقوى من أي نقد ~~توجهه لذاتها. ومثل طفل غاضب يلقي بقطع اللغز المصور، ألقت أمام قدميه بآخر ما توصلت إليه من ~~معلومات خاصة بدراسة شركة بي آي تي التي يحاول رئيسهما أن يتفوق من خلالها، فلم يعد بها أي ~~رغبة أن تسخر نفسها في خدمته بعد ذلك، وأن عليه أن يهتم هو ب «نانوسنيف» بنفسه. حتى هذه ~~النقطة كان أندرياس يستمع لها بانتباه ويلمسها برقة إن بكت. ~~«ربما لك بالفعل عدو. من تراه لا يرغب أن تذيعي هذه المعلومات؟» ~~«لا أعرف حقا. أحيانا أحلم به، لكني لا أرى وجهه، وأحيانا أظن أني أختلق الأمر ~~برمته.» # وبدلا من التقاط هذه الفكرة واصل أسئلته: «هذا الفيروس المتحول لا يصيب سوى الفئران، فما ~~الخطير في ذلك؟» ~~«ليست لديك فكرة، الفيروسات تستطيع تغيير مضيفها كما تغير أنت قميصك. تشويه في تركيب ~~إنزيم على السطح الخارجي ms245 ... ثم ... فجأة» طرقعت فاندا أصابعها «تنتقل إلى نوع آخر من الكائنات ~~الحية. وهناك أيضا فيروسات حيوانية تحورت لتصيب الإنسان. سارس، إيبولا، فيروس-ماربورج ... لكن ~~هذه ليست مشكلتنا الآن، فقد ظهر في تجاربنا عضو جديد. أم عساي أقول روبوت صغير مستقل؟ يبدو ~~الأمر مثل الخيال العلمي، ورغم ذلك لا يمكن دفعه بعيدا. أتمنى أن نقضي عليه قبل أن يستطيع أن ~~يتغلب علينا، لكني لا أعتبر السكوت على هذه المسألة أمرا صائبا.» ~~«كيف يمكن أن يحدث ذلك؟» ~~«كان السبب في ذلك هو عدم النظافة، عدم الدقة في تخطيط التجارب. سمه حادثا إن شئت. لقد ~~حقنت الفئران بفيروس كان يأوي الجين المنزلق. عمليات النقل تلك ليست بالضرورة مستقرة، لكن في ~~حالتنا هذه أخشى أن الأمر وصل إلى ما قد يسمى منحة لا ترد، بمقتضاها تحول مثير غير مؤذ ~~إلى آخر مميت.» ~~«ماذا تريدين أن تفعلي؟» ~~«ليس من المعتاد التحدث عن هذه الأخطاء. لن يتوجك أحد بإكليل الغار. الأرجح أن أمرا كهذا ~~يلقي عليك أضواء سلبية في المجتمع العلمي، كما أن تورط الصناعات الدوائية في هذه المسألة ~~يعقدها. أراهن أن الشركة ستلغي المشروع برمته بمجرد أن تعرف بالذي حدث.» ~~«ربما يكون هذا حلا. لماذا لم تخبريهم من قبل؟» ~~«بهذا أعيد المشكلة ثانية لكن تحت الطاولة. فيطوي النسيان الموضوع ولن يعرف عنه أحد. علاوة ~~على ذلك، أخشى أن أفقد وظيفتي.» ~~«من سيستفيد من إعلانك للخبر؟ أعني هل تريدين الانتقام أم أن يقام لك نصب تذكاري؟» ~~فكرت فاندا. أن ترى الرئيس غارقا في عرقه، هذا وحده يكفي ليجعل المخاطرة مجدية. ~~«للأمانة أقول بعضا من كلا الأمرين، ناهيك عن أني سأتمكن من التعبير عما أفكر فيه بصراحة. ~~لقد فاض بي الكيل ولم أعد أتحمل أن أظل أتصنع وأمثل طوال الوقت، أن ألبي التوقعات، وأوقظ ~~الآمال. إنها طبيعة علم السموم، أن تكون ذا عقل ناقد، لكن عليك أن تلعب مع الذئاب، إن كنت تريد ~~أن تنال من مغانمها. إنها مسألة حياة أو موت. عليك أن تتأقلم معها وتجد نفسك ms246 قد تغيرت. وإن ~~كنت تسمح لنفسك بالتلاعب، فستتجاهل ما يقوم به الآخرون في وقت ما. أليس من الممكن أن يكونوا هم ~~مستقبلا من يقيمون أبحاثك العلمية؟» سقطت قطرة من أنفها، فدست يدها في جيب معطفها باحثة عن ~~منديل ورقي، أخرجته وتمخطت. «فقط حين نستعرض أخطاءنا ونقاط ضعفنا بوضوح أولا، سنستطيع أن نصل ~~إلى شيء. يمكن للناس أن تصدقنا. أريد مزيدا من الانفتاح على الناس، والبعد عن ~~تجنبهم.» ~~«أنت تريدين إذن أن تطلعي المجتمع العلمي على أمر يعرفه منذ مدة طويلة، لكنه يرفض ~~الحديث عنه بوضوح. أشك أنك ستنالين جائزة عن ذلك.» ~~«إنك تسخر مني.» ~~«لا أبدا، على الإطلاق. هناك جائزة يحصل عليها الواشي؛ تبلغين عن خديعة، أو عن معلومة ~~غير مريحة، فيتم تكريمك على ذلك.» ~~«ليس الأمر بهذه البساطة. إن الجائزة التي تتحدث عنها لهي تكريم من العيار الثقيل، في وسعه ~~أن يحمي العالم من الإفلاس إن كان نشر أبحاثه الموثقة سيكلفه وظيفته. مقارنة بهذا لست إلا ~~ومضة صغيرة. لا ينال هذا سوى كبار العلماء.» ~~«ومن يرعى شئون الآخرين الكثر المرتبطين بعمل الكبار؟ أولئك الذين نسميهم نخبة ~~المستقبل؟» ~~«على هؤلاء أن يبرزوا أولا في مجالهم. أينشتاين مثلا دعم في البداية البرنامج النووي، ~~لكنه ابتعد عنه لاحقا، قرب نهاية مساره الوظيفي، حين كان في وسعه تحمل تكلفة أن يكون ~~ناقدا.» # مس أندرياس أذنها برقة بأرنبة أنفه. كانت باردة، لكن أنفاسه بثت فيها الدفء. ~~«لم تكن صدفة أن آتي إليك في المعهد.» ~~«ماذا؟» ~~«لقد رأيتك آنذاك في القطار. كنت قادما من جنازة أبي.» # قالت فاندا: «صحيح. قائد الفرقة الموسيقية.» ~~«من؟» # ابتسمت وقالت: «الصدف واردة.» # رد أندرياس: «لقد قلت للتو إني حضرت إليك قصدا.» صمتت فاندا. وعاد السكون يخيم مع ~~الظلمة مرة أخرى. كان عليها أن تعترف أنها تستمتع باقترابه. لكني لن أقبله، ليس الآن. ~~«من تكون إذن لاريسا زخارياس؟» لم يخرج السؤال عفويا على لسانها كما تمنت. لم يجب ~~أندرياس مباشرة. ~~«إنها جد بعيدة نسبيا.» ~~«هذه ليست إجابة.» # قال مترددا: «نحن معا ms247 منذ عامين. هي الآن في نيكاراجوا.» ~~••• # استيقظا مع أول قرعة جرس من أجراس الكنيسة في الساعة السابعة. كان لا يزال الظلام سائدا، ~~إلا أن فاندا ظلت تلح كثيرا على أنها ستتجمد من البرد إلى أن استسلم أندرياس لرغبتها في ~~مغادرة المكان. عادا من نفس الطريق الذي جاءا منه. من بين أقواس الحماية الحديدية في الحصن ~~الأثري أطل قمر آخذ في الزوال. أحيانا كانت قطع السحاب تحجب ضوءه الكثيف. كانت السحب قد ~~انقشعت في الليلة الماضية وانخفضت الحرارة بدرجة ملحوظة. لم يعودا إلى باحة القصر وإنما أسرعا ~~في الهبوط على السلالم المؤدية إلى رنتهوف. لم يتلفتا حولهما، بل ظلا يركضان بما سمحت به لهما ~~سيقانهما المرتعدة من سرعة. هذه المرة لم يتحرك شيء وراءهما. # أصر أندرياس على أن يوصلها إلى بيتها. لم يكن بالطريق سوى بضع سيارات قليلة، فقط أمام ~~المخبز النشاط المعتاد أيام السبت متأخرا عن موعده في باقي الأسبوع. افترقا أمام باب منزلها. ~~كانت الشقة باردة، فبدأت أسنان فاندا تصطك وهي تخلع ملابسها، والماء يخر في حوض الاستحمام. ~~وخزها بإبره الدافئة فتحلل تصلب مفاصلها، لكنها لاحظت أنه لن يتمكن من طرد البرد الذي ~~استقر في عظامها. # الفصل الثامن والثلاثون # | ذخيرة ذاتية التحلل # حررها رنين من حلمها؛ إذ كانت فاندا واقفة منذ لحظات في القبو المظلم بمنزل والديها ~~ترتعد ذعرا، في حين يلاحقها شخص لا تعرفه، ثم يترصدها خلف الباب في زاوية قصية. كان نفس الحلم ~~الذي يطاردها. وقد كانت سعيدة بالتحول المفاجئ إلى الحقيقة، لكنها تلمست طريقها وكأنها آلية ~~يتحكم بها عن بعد، وهي تمضي في اتجاه الصوت. كان هاتفها يدق على الخزانة الصغيرة ~~بالمدخل. كان لا يزال متصلا بمقبس الكهرباء. # لم يلتقط سوى اتصال من شرطة ماربورج. كان المتصل يسأل عن السيدة الدكتورة فالس. تنحنحت ~~فأدركت كم كان حلقها محتقنا. ~~«هذه أنا.» خرج صوتها ناعقا، وبدت في حلقها نار ملتهبة، أنفها مسدود وفي جمجمتها طنين. لقد ~~تم تعيينك شاهدة من قبل من يدعى أندرياس هيلبيرج الذي قام صباح ms248 اليوم بتقديم بلاغ ضد ~~مجهول. تم تحديد موعد للمعاينة عند القصر في تمام الواحدة ظهرا؛ أي بالضبط بعد ساعة من الآن. ~~سيكون من الجيد لو استطعت الحضور. قال إن مكان اللقاء هو محطة الحافلات الكائنة بعد المنحنى ~~جنوب جينوزينفيج. # حين وصلت فاندا كان بانتظارها بالفعل شرطيان، رجل وامرأة. كانت الشرطية تدون ملاحظاتها. ~~انحنى زميلها متفحصا الزجاج على الأرض أسفل عمود الإنارة الذي انكسر مصباحه من الرصاص. كان ~~يحمل في يده عصا معدنية في نهايتها قرص من المعدن كذلك. كان أندرياس في تلك اللحظة قادما من ~~طريق جانبي. لا بد أن هذا هو الطريق الذي هربا منه في الليلة السابقة. حيا الشرطي فاندا ~~باقتضاب وفتور. قال إنه يدعى ترامبيرت وإن زميلته تدعى فازا، لكنه كان يخاطبها باسمها الأول ~~ليديا. كانت شابة شقراء يظهر عليها بوضوح بالغ علامات حداثة السن، وشقرة الشعر فلكأنها خبز ~~مقرمش سويدي. ~~«لن نجد آثارا أخرى على الأرض، فقد قامت الأمطار بإزاحتها كلها.» كانت نبرته تشي بأمر ~~بالذهاب بأكثر مما تحمل نبرة تصريح موضوعي. «لو استطعتما أن تخبرونا من أي اتجاه جاءت الطلقات ~~لتوفرت لدينا فرصة العثور على مقذوفات.» وقف أندرياس في ذات المكان الذي كان واقفا فيه بالأمس ~~حين بدأ إطلاق النار. تلفت حوله باحثا. لقد كان الظلام دامسا؛ لذا فالطلقات من الجائز أنها ~~صوبت تجاههما إما من مخبأ أو من نافذة مظلمة. أدركت فاندا في التو واللحظة أن المكان ~~مكشوف للغاية. هل أخطأ ذلك المهاجم المشئوم التصويب حقا؟ لقد كانا يقفان ها هنا مثل حلوى ~~المارزبان على طاولة عرض محل الحلويات. أصابتها الفكرة بقشعريرة سرت في بدنها. إن أي طفل كان ~~بوسعه إصابتهما بسهولة. لا بد أن الرامي كان من أسوأ ما يكون. هل كان ثملا، ربما؟ أشار أندرياس ~~إشارة مترددة في اتجاه غير محدد. ~~«متى إذن سقطت الرصاصة الثانية؟» أراد الشرطي أن يعرف. لم تتمكن فاندا أن تحدد بدقة وأخذت ~~تنظر إلى الطريق المسفلت الذي هربا منه. # سألت الشرطية: «هل كان أزيز الرصاصة مزدوجا؟ هذا ms249 يمكن أن يخبرنا بشيء عن المسافة التي كان ~~يطلق منها الرامي رصاصه.» نظرت فاندا إلى أندرياس بحثا عن المساعدة، لكنه هز كتفيه وبدأ الحديث ~~عن طلقة ثالثة ورابعة وخامسة، وكأنهما كانا يقفان في مرمى خط النار. فاندا عايشت الموقف بصورة ~~مختلفة، لكنها لاحظت أن ترامبيرت هز رأسه برفق في إشارة إلى زميلته مما دفعها للإحجام عن قول ما ~~تريد خوفا من أن تزيد من حنقه. لم يكن الشرطي يصدقهما، وفي النهاية سيحملهما مسئولية مصباح ~~الإنارة المنكسر. # توجهت نحو الجرف الأيمن دون مزيد من اللغط وقالت: «لا بد أن الطلقة صوبت من مكان ما ~~هنا.» توجه ترامبيرت ناحيتها وحرك عصا الكشف المعدنية على المكان الذي أشارت إليه، لكنه لم ~~يجد شيئا. # قالت فاندا بعد فترة من البحث غير المجدي: «ربما يكون لنا حظ أوفر إذا ما صعدنا القصر. من ~~الجائز أن الطلقة الأخيرة اصطدمت بسور البوابة عند الجناح الشمالي. المكان هناك مكشوف أكثر من ~~هنا.» # أعلن الشرطيان موافقتهما، وهكذا ركبوا السيارة حتى وصلوا إلى الجراج في باحة القصر. ضيقت ~~فاندا عينيها في شمس الشتاء الرقيقة، وفتح الهواء العليل أنفها المسدود. وجدوا أن سور البوابة ~~لم يمس كما لم يعثروا في الأرض أمامه إلا على كوب ورقي مجعد وعلكة وبعض أعقاب السجائر. ~~وقفوا في حيرة من أمرهم ما عدا الشرطية التي جلست ملاصقة للسور، وأخذت تدرس الأحجار وكأنها تبحث ~~عن نقش خاص، لم يكن ينقص إلا أن تطلب عدسة مكبرة. تغير وجه ترامبيرت المعبر عن الملل ~~ليعبر عن الاستفزاز. ~~«هل أنتما متأكدان أنكما سمعتما صوت إطلاق نار؟» رأت فاندا أن أندرياس أيضا لم يفهم ماذا ~~كان يقصد. أوضح ترامبيرت: «ارتطام الطلقة بالسور؟» لكنه لم ينتظر إجابتهما، وإنما تبع إشارة ~~زميلته التي غمزت له كي يذهب إليها. لم تتمكن فاندا من رؤية الشيء الذي رغبت أن تريه إياه؛ إذ ~~كان كلاهما يغطي على المكان. كانت تتحدث بصوت خفيض وبدت كأنها تشرح له أمرا. أومأ برأسه. بعدها ~~نهضت وذهبت إلى السيارة. # نادتها فاندا متسائلة: ms250 «ما الأمر؟» ~~«أحتاج لحظة بعد.» لم تمكث الشرطية كثيرا، ولما عادت كانت تحمل في يدها أنبوبة بلاستيكية ~~صغيرة الحجم. تبعتها فاندا وأندرياس نحو السور، فأخرجت من الأنبوب ملعقة صيدلاني. كانت أدواتها ~~تبدو مثل تلك المستخدمة في أخذ عينات البراز. بدأت ليديا فازا في الخربشة على السور. وفي تلك ~~اللحظة فقط تعرفت فاندا على الشيء الداكن المستدير في الجزء العلوي من قاعدة السور، لم يكن أكثر ~~سماكة من علامة قلم رصاص عريض. وقف ترامبيرت إلى جوارها يراقب أخذ العينة بارتياب لا يخفيه، ~~وأخذ يحك فمه. ~~«لست متأكدة.» نظرت الشرطية إلى فاندا بعينين زرقاوين متسعتين حين بدأت تتكلم. لقد كانت ~~جميلة حقا. وكانت بشرتها الناعمة ووجنتاها اللتان وردتهما البرودة تجعلها تبدو مسترخية، على ~~عكس فاندا. كانت تشير بأناملها الرفيعة نحو الخط الداكن. ~~«إن هذا هنا يبدو مثل أثر ذخيرة ذاتية التحلل، لكني قد أكون مخطئة. ليست عندنا خبرة ~~بذلك .» نظرت فاندا متسائلة. «إنه شيء جديد، ذخيرة ذاتية التحلل، ربما لهذا السبب لم نجد أثرا ~~للمقذوفات؛ فباستخدام ذخيرة ذاتية التحلل لا يبق أي أثر، أو إن شئنا الدقة، ليس ثمة أثر ~~يرى بالعين المجردة، إلا إذا اصطدمت الرصاصة بشيء صلب مثل هذه هنا بالسور.» ~~«وما هي تحديدا؟» سألت فاندا. # أجابت ليديا فازا: «إنها جزيئات نانو. إن مقذوفات الذخيرة ذاتية التحلل تتفتت إلى غبار ناعم ~~غير مرئي وتتوزع، وهي تترك آثار روابط كربونية لا يمكن إثباتها إلا باستخدام طرق معينة. إن ~~كانت هذه العلامة بسبب ذخيرة ذاتية التحلل فسنتمكن من إثبات ذلك باستخدام هذه العينة.» ~~«هل تبحثون مثلا عن الفوليرينات؟» كانت فاندا قد تحولت كلها إلى آذان مصغية، فإلى جوار ~~الجرافيت، والماس، كانت الفوليرينات تمثل رابطة الكربون الطبيعية الثالثة، لقد كان العلماء ~~واثقين حتى في عقد الستينيات من وجودها، رغم أنها لم تكتشف إلا في منتصف الثمانينيات عن طريق ~~الصدفة. ~~«نعم، بالضبط.» نظرت إلى فاندا بانتباه وسألت: «هل أنت مطلعة على هذه الأمور؟» ضحكت ~~فاندا قائلة: «عملي بالكامل يعتمد على هذه الأمور، أنا متخصصة ms251 في علم السميات، لكني لم ~~أكن أعلم أن أحدا يمكنه أن يطلق النار مستخدما «كرات بوكي».» إن «كرات بوكي» بقطرها الذي لا ~~يتجاوز النانومتر تمثل أصغر الفوليرينات على الإطلاق. قام المعماري ريتشارد باكمينستر فولر ~~(ويدعى اختصارا بوكي) بتسميتها في براءة الاختراع؛ لأنها كانت تذكره بالقبات الكروية ~~الجيوديسية التي اشتهر بتشييدها، ولأنها تحتوي على ستين ذرة كربونية اعتبرت إنها بمثابة كرات ~~القدم في عالم النانو، لأنها كانت مثل كرات القدم، مركبة من اثني عشر خماسيا، وعشرين ~~سداسيا تضمن لها استدارة الشكل. كانت الوليد الجديد في عالم صناعة الشرائح. أما أخواتها ~~الطولية، أنابيب النانو، فوصلت إلى قوة شد عالية من شأنها أن تسعد الأجيال الجديدة من لاعبي ~~التنس بهذه الكرات العجيبة، فلماذا إذن لا تقتحم هذه الأقزام تكنولوجيا السلاح؟ ~~«ومن يطلق النار مستخدما شيئا كهذا؟» سأل أندرياس. # أجابت الشرطية: «هذه الذخيرة ليست متوفرة في السوق بعد. يتم تطويرها للاستخدام في الأسلحة ~~ذات العيار الصغير، وهي قاصرة على استخدام الجيش والمخابرات. أنا أعلم بهذا الآن فقط بسبب حضوري ~~دورة تدريبية.» زمجر ترامبيرت بنفاد صبر، فنظرت إليه زميلته بهدوء وقالت: «ربما أيضا أكون قد ~~جانبني الصواب تماما، إلا أن زميلي يرى أن تحليل البقايا ليس خطأ. إن حالفنا الحظ فسيثير الأمر ~~اهتمام معمل متخصص في كارلسروه.» دست ليديا فازا أنبوب العينة في جيبها. ~~«هذا ما لدينا!» استدارت للذهاب وكان ترامبيرت قد سبق إلى السيارة. # قال أندرياس: «شكرا على مجهودك.» ~~«سنتصل بكم.» ثم مدت يدها لتصافحهما مودعة، واستطردت: «لكن لا تعقدوا آمالا ~~عريضة.» # الفصل التاسع والثلاثون # | نجمة وألعاب نارية # قبل عيد الميلاد بقليل سقطت الثلوج مجددا، وظلت تهطل بلا انقطاع حتى اليوم التالي، وتحت ~~غطاء الثلج الأبيض اختفت ألوان الهضاب المحيطة بدرجاتها القاتمة. كانت الحافلات تنزلق إلى سفح ~~منحدرات اللان ولا تعاود الصعود؛ إذ انهارت شبكة المواصلات العامة تماما لوقت قصير، ولأول مرة ~~أخذت فاندا الطريق المار عبر الغابة سيرا على قدميها صاعدة أورتينبيرج حتى المستشفى. كانت ~~السماء لا تزال ملبدة بغيوم رمادية مثقلة هطلت ms252 منها أيضا ثلوج كثيفة في الأيام التالية. ~~صارت المدينة أكثر هدوءا مما جعل فاندا تتساءل إن كان السبب هو سفر معظم الطلبة في وقت عطلة ~~عيد الميلاد، فبدت المدينة وكأنها خاوية على عروشها، أم أن ذلك يرجع إلى أن سقوط الثلوج خفف ~~من ضوضائها؟ وحين فتحت ستائر نافذتها في أول يوم جمعة بإجازة عيد الميلاد، نظرت إلى سماء زرقاء ~~فاتح لونها صافية بلا غيوم. انخفضت درجة الحرارة إلى عشر درجات تحت الصفر. خرجت فاندا قرب ~~الظهيرة وسارت فقط بمحاذاة النهر، تتبع المشاة المتعطشين لضوء الشمس الذين خرجوا يتنزهون ومعهم ~~المعاطف الجديدة أو الفراء أو الشيلان أو القلنسوات أو حتى كلبهم العجوز. في ضوء الشمس لمعت ~~المروج الناعسة على ضفة نهر اللان، المغطاة بطبقة سميكة من الثلج. كانت تتخير لنفسها في كل يوم ~~طريقا جديدا لتكتشف المكان الذي تعيش فيه. أما فترة ما قبل الظهيرة فكانت تكرسها لشقتها : ~~تنظف، تصنف، ترتب وتتخلص مما لا لزوم له. كانت تفكر في شروحات توماس حول العلاقات ~~التجارية بين الفوضى والنظام، وتتساءل عن الثمن الذي تدفعه الآن من أجل التخلص من الفوضى ~~الضاربة في شقتها. ظلت تلمع خشب مكتب والدها ذي الأرفف بالزيت حتى صار له بريق مائل للحمرة، ~~لكنها حتى اللحظة لم تخطر ببالها فكرة تمكنها من فتح قفل الدرج المغلق. ولأول مرة بدأت تشعر ~~بالرضا عندما تعود من نزهاتها إلى الشقة. # بعد ذلك كانت تراجع الأشياء التي أنجزتها في الصباح. لقد كان ترتيبا رائعا متوازنا ~~لساعات اليوم دون إزعاج من أحد. وهكذا مرت أيام العطلة سريعة دون أن تقابل أحدا كذلك؛ إذ سافرت ~~زابينة إلى عائلتها على الشاطئ، ويوهانيس يتزلج على منحدرات آسبن، أما بيترا فلا يعلم مكانها ~~إلا الله، وأندرياس يمضي أيام الإجازة لدى والدته في ميونخ. إلا أن فاندا لم تكن بمفردها كلية، ~~لقد تركت زابينة جوسي عندها، فكانت تقتسم مع الفأرة البسكويت الذي خبزته سريعا ليلة عيد ~~الميلاد المجيد، وأخذتها في حضنها لتتفرجا معا على الأفلام متوسطة القيمة التي يعرضها ms253 ~~التليفزيون. لقد نجحت بالفعل أن تركب جهاز التليفزيون ذي الشاشة إل سي دي، وأن تضبط درجة ~~الصوت في جهاز استقبال القنوات الفضائية لتختار واحدة من سبعين قناة تستقبلها بصورة واضحة، ~~لكنها لم تتمكن من فعل أكثر من ذلك. أعارها أندرياس بعض أقراص دي في دي، لكن كان يتعين عليها أن ~~تصلها بالكمبيوتر المحمول الخاص بها، وكان ذلك من شأنه أن يكلفها كثيرا من الوقت للبحث عن ~~منافذ الكمبيوتر التي لن تجدها في النهاية. وكانت تعلم أن كتيب التعليمات لم يكن لينجح إن ~~قيمه تقني متخصص فقررت ألا تعتمد عليه، لهذا كان عليها أن تكتفي بالقدر الذي تقدمه القنوات ~~العامة المفتوحة والخاصة لمشاهديها، خصوصا أن هذا الأمر لا يمثل مشكلة لجوسي، التي بعد أن تنظف ~~الصحون من بسكويت فاندا تستقر في الوادي ما بين نهديها، راغبة ألا يزعجها أحد. # الاسترخاء أمام التليفزيون بصحبة ضيفتها الجذابة كانت المكافأة التي تهديها فاندا لنفسها ~~لقاء أعمال تنظيف الشقة التي تجريها يوما بعد يوم، وبهذا الإيقاع عاد إليها هدوؤها الداخلي، ~~وبدأت ذكرى الأحداث المهددة تذهب بالتدريج. أما الهجوم الذي تعرضت له بجوار القصر فاعتبرته عمل ~~مجنون تصادف أن اعترضت طريقه، كما اعتبرت القبر الرقمي دعابة مروعة أرسلها شخص لا تعرفه. لم ~~تستطع أن تتصور أن شخصا يمكن أن يكرهها إلى الحد الذي يجعله يتمنى لها الموت. فكرت أن تسأل في ~~مركز البيانات بالجامعة، لكنها تراجعت لما وجدت المسألة ثقيلة على نفسها. شيء واحد فقط كان ~~يغضبها، ألا وهو أن النتائج المنتظرة من خبير الفيروسات لم تصل بعد. # اتصل بها الدكتور كانتيرات - الزميل العالم المختص بعلم الفيروسات - قبل عيد الميلاد بمدة ~~قصيرة، واعتذر لأنه لم يتمكن من إجراء التحاليل من أجلها، لكنه وعدها في نهاية الأمر بعد أن ~~تلعثم قليلا أمام إلحاحها في الطلب، أن يعاود الاتصال بها في العام الجديد. # ما الذي أغراها بالمضي قدما في هذه المسألة؟ بدلا من التجول في المدينة لتسأل في محال ~~الأنتيكات على كيفية فتح الأقفال القديمة دون إتلاف قطعة ms254 الأثاث، كان يمكنها أن تجمع الأرقام، ~~وترسم أشكالا بيانية وتعد للخطوات القادمة. أو حتى ترتب خططها الشخصية الخاصة. في هذه الأثناء ~~صارت مقتنعة أن عليها أن تجري فحصا شاملا، وكانت تريد أولا أن تعرف ماذا أصاب جونتر هيلبيرج ~~وتتمنى أن تستفيد من هذه المعرفة في تشخيص حالتها؛ إذ لم يكن بها أي رغبة في بدء فحوصات طويلة ~~الأمد لا تعرف عما تبحث تحديدا، فتفضي بها كالعادة لا إلى معرفة الجديد وإنما إلى مزيد من ~~تحطيم الأعصاب. لقد كانت تحتاج نتائج تحليل أنسجة مخ جونتر هيلبيرج ليكون دليلا تسير على ~~هديه الفحوصات الطبية الخاصة بها. # رغم أن تقرير الأرصاد قد أعلن عن ذلك، فإن ذوبان الجليد جاء أسرع من المتوقع. لقد تغير ~~اتجاه الريح في ليلة الحادي والثلاثين من ديسمبر، وفي اليوم التالي صارت الشوارع مبتلة بماء ~~الجليد الذائب، وأخذ الماء يقطر من الأسقف ومن الأشجار. خلت الجراجات المنتشرة على ضفة نهر ~~اللان من السيارات، في حين أغرقت المياه الجسور وبعض مسارات الدراجات. لكن تغير الجو لم ~~يغير شيئا من التوتر المبتهج الذي كانت تشعر به فاندا كلما فكرت في ليلة رأس السنة، ورغم ذلك ~~لم تكن تملك ملابس مناسبة ترتديها في حفل توماس. ليس في مقدورها أن تصرف الكثير على مظهرها، ~~فجزء من تكاليف الانتقال وتأثيث الشقة لم تكن قد سددته بعد، كما أن جهاز التليفزيون الفاخر - ~~الذي أقنعها بشرائه بائع جذاب في متجر كاوفبارك - كلفها مبلغا كبيرا، وبالنظر لمتوسط ~~استهلاكها السنوي القليل فلا ضير من اعتبارها واحدة من الطبقة الوسطى بجدارة. صحيح أنها تجني ~~الآن أموالا أكثر من تلك التي كانت تكسبها في أمريكا عقب حصولها على الدكتوراه، لكن لا يزال ~~راتبها أقل من زملائها الأمريكيين. لكني أحب عملي، هذا ما داومت على قوله لنفسها كلما راجعت كشف ~~حسابها البنكي. سيكفي ما سحبته منه لشراء بنطال جينز جديد وبلوزة أنيقة. # وفي ليلة رأس السنة، استقلت سيارة أجرة متوجهة إلى شقة توماس التي تقع بالقرب من فيلا ~~شتورم، في الطابق ms255 الثاني من عمارة حديثة. ~~«هل بكرت في الحضور؟» تعجبت فاندا أن الوضع عنده لا يزال هادئا. # كان توماس يرتدي مريلة مطبخ سوداء، عليها رسوم طباشيرية لرجال صغار الحجم يرقصون. ورغم أنها ~~لم تكن تفهم في الفن كثيرا، فإنها تعرفت على أسلوب كيث هارينج الذي لا تخطئه العين. شابت ~~ابتسامة الزميل بعض التوتر وهو يساعدها على خلع معطفها، ثم اختفى عبر باب ربما يؤدي إلى المطبخ. ~~سمعت همسا وهمهمة، فأخذت تتفحص مرآة الحائط المعلقة عاليا في الغرفة. كانت البلوزة الملتصقة ~~بجسدها التي يطرز حافتها الخرز اللامع وتحلي الدانتيلا أكمامها، تبدو مثالية تماما عليها، ورغم ~~ذلك شعرت أنها عارية؛ فهي ليست معتادة أن تظهر بهذا الشكل. على الأقل كانت راضية عن مظهرها من ~~رأسها حتى الرقبة. شعرها الذي لم تقصه إلا بالأمس أضفى رقة على مظهرها، وتلألأت عيناها ~~الداكنتان ببريق. ورغم أنها كانت متعرقة من إبطيها، فإن يديها كانتا متجمدتين، وحين دخلت إلى ~~المطبخ كان توماس يشوح اللحم في الطاسة ويسقيه بالنبيذ، فيما اشتعلت شمعة على طاولة عالية تشبه ~~طاولات الحانات الصغيرة. بدت الطاولة معدة لاثنين. # قال توماس وهو يناولها كأسا من النبيذ الأحمر: «بل أتيت في الوقت المناسب تماما. اجلسي.» ~~ثم أضاف ووجهه متوهج: «هيا تذوقيه.» ثم عاد للوقوف أمام الموقد، في حين جلست فاندا على أحد ~~الكراسي العالية. ~~«نحن الاثنان فقط؟» ورشفت رشفة، كان النبيذ الأحمر ناعما وجافا، يلائم ذوقها ~~تماما. # فقال توماس: «فقط انتظري لتري، لن تريدي أن تتقاسمي هذا مع أي أحد.» ثم غمز بعينه. ما الذي ~~يدفع الرجال لإثارة كل هذه الزوابع حين يطهون؟ هل أخطأت في فهمه؟ لا يهم، فلن يشهد عليهما أحد. ~~لاحظت كيف أن توتر الساعات الأخيرة يغادرها. بعد البابايا بلحم الخنزير، جاء الدور على شرائح ~~الديك الرومي، مع صلصة لذيذة بجوز الهند، مع الفطر الذي قدمه مع الأرز البسمتي. كيف عرف توماس ~~مأكولاتها المفضلة؟ بينما في الخلفية غنى صوت برازيلي على نغمات موسيقى الجاز. ترنحت فاندا ~~واستمتعت بالدغدغة التي تنشرها نظراته العميقة في ms256 جسدها. كان توماس يتحدث عن الفن والموسيقى، ~~لكنها لم تكن مصغية إليه تمام الإصغاء، وإنما تكتفي بالابتسام حتى يواصل الحديث. كان من الرائع ~~ألا تضطر إلى التفكير في تعليقات تتصنع بها الذكاء كي تبقيه على حالته المزاجية تلك. كان صوته ~~الأجش يمس عنقها، فيما لف جسدها دفء لطيف، فبدأت تتراقص وتتمايل بنعومة على أنغام الموسيقى ~~دون أن يبدو عليها. ~~«هل تفضلين الحلوى الآن مباشرة، أم تشربين قهوة إسبريسو أولا؟» # أطلقت فاندا تنهيدة مستمتعة، وقررت أن تأخذ القهوة. نهض وتوجه نحو منطقة العمل بالمطبخ. ~~كان قميصه الواسع يتهدل بحرية فوق بنطاله الجينز. إنه أيضا مغرور. ماذا كنت تنتظرين؟ # قالت فاندا متفاخرة: «بالمناسبة لقد نجحت في تشغيل جهاز التليفزيون الخاص بي بمفردي ~~تماما.» # فسمعته يقول: «يا للخسارة! إذن تقللين حججي لزيارتك.» ~~«صحيح أني أمتلك جهازا عالي التقنية، لكني لم أتمكن إلا من تشغيل التليفزيون. لم أتمكن من ~~تشغيل الدي في دي ولا عمل أي تسجيلات.» ~~«هذا مؤسف.» # واصلت فاندا حديثها: «لو أني أردت أن أفهم كتيب التعليمات لربما تعين علي حضور دورة ~~تعليمية في اللغة. ترى هل هي مكتوبة بسوء هذه الترجمة في اللغة الكورية أيضا؟» ~~«المشكلة برأيي تكمن في شيء آخر.» وصب القهوة في فنجانين صغيرين وهو يقول: «أزعم أن الرجل ~~الآسيوي العادي أكثر تمكنا في التعامل مع التكنولوجيا من الرجل الأوروبي العادي.» # وقعت عينا فاندا على الكاميرا الرقمية الموضوعة على حافة النافذة. ~~«صحيح. لقد نسيت تماما أن الكاميرا ترى نور العالم من خلال جهاز تصوير متكامل.» وضعت ~~سبابتها أسفل إحدى عينيها وشدت الجلد قليلا إلى أسفل. «في الوقت الذي نسجل نحن فيه عيد ~~ميلادنا على الورق، تومض أسفل جفنها إشارة ضوئية.» انزلقت فاندا وهي تتحدث من على الكرسي العالي ~~وتوجهت نحو النافذة. أمسكت الكاميرا بين يديها بحذر، كانت من نفس ماركة الجهاز الذي افتقد قبل ~~عدة أسابيع من غرفة الميكروسكوب. «هل عندك نفس الجهاز؟» سألت متعجبة، وغضبت من نفسها على طرح ~~السؤال بلا تفكير. ~~«ماذا؟» التفت توماس نحوها ونظر إلى ms257 يديها. «قام والدي بإعارتي إياها.» جاءت إجابته هادئة ~~جدا. تمنت فاندا لو أنها ضربت نفسها على أصابعها. لماذا عليك أن تمسي كل شيء؟ وأعادت ~~الكاميرا. # قال توماس: «تعالي. دعينا نشرب القهوة في غرفة المعيشة.» # كانت الغرفة تنتهي بواجهة زجاجية عريضة، ربما كانت الغرفة توحي بأنها كبيرة الحجم لما فيها ~~من عدد قليل منتقى من قطع الأثاث. رجل آخر عنده أريكة من الجلد الأسود، أم تراه أزرق ~~داكنا؟ # وضع توماس الفنجانين على سطح المكتب الزجاجي الذي علق فوقه رف حشرت فيه الكتب ~~حشرا. كان جهاز الكمبيوتر مفتوحا. تأملت فاندا نقشة قماش الأريكة بانتباه. ~~«هل تعرفين ماذا قال كاندينسكي مرة عن اللون الأزرق؟» سمعت توماس يسألها، لكنه لم ينتظر أن ~~تجيبه وأكمل: «كلما دكن لونه، نادى الإنسان نحو اللامتناهي، وأيقظ داخله الحنين إلى النقاء، ~~وأخيرا إلى ما لا يدرك بالحواس.» لاذت فاندا بالصمت. كان الوضع أشبه بتلك اللحظة في حفل ~~موسيقي حين تصمت الموسيقى لبعض الوقت، لكن القطعة الموسيقية لم تنته بعد. في تلك اللحظات كان ~~الجهلة فقط يبادرون بالتصفيق، هي نفسها كان يحدث معها ذلك من آن لآخر؛ ولهذا عودت نفسها ~~ألا تبدأ التصفيق إلا عندما يبلغ تصفيق الجماهير قوة تقنعها أن الوقت المناسب قد حان. أصغت إلى ~~وقفة توماس الموسيقية، لكنه لم يتحدث بعدها. # قالت أخيرا: «أنا لا أفهم كثيرا في الفن، أحيانا أرجح أن السبب يرجع إلى الأهل. ما طبيعة ~~عمل والديك؟» ~~«أبي تاجر فنون.» ~~«حقا؟» ~~«لااااا.» سمعت ضحكته المبحوحة، «إنه تاجر سيارات مفلس، يسمونه اليوم معسرا، لعل في ذلك ~~أملا، ويتلقى بموجب ذلك استشارة للمعسر. أما مفلس فتذكر بالخردة. والدي حالة ميئوس منها.» ألقى ~~نظرة طويلة على النقش بالجدار ثم قال: «الشيء الوحيد الذي لا يزال يربطنا هو الولع باللون ~~الأزرق.» نظرت إليه فاندا متسائلة. ~~«لقد تم سحب رخصة القيادة منه. تصوري تاجر سيارات دون رخصة قيادة! هذا أمر يثير الضحك. منذ ~~ذلك الحين وهو يراهن على الخيول.» ~~«ووالدتك؟» ~~«هربت بعد حصولي على الشهادة الثانوية، أعتقد أنها تتبع ms258 نزواتها الآن. يأتيني منها بطاقة ~~معايدة بين الحين والآخر. مرة من إسبانيا، وأخرى من فرنسا، ومالطة، وإيطاليا. تصنع مشغولات ~~خزفية، تمارس شعائر التانترا الهندية، وتعقد دورات في أشياء لناس.» كانت ضحكته توحي بالمرارة. ~~«مثل دورة كيف تصنع الفخار في توسكانا وأنت عار.» ~~«هل لك إخوة؟» # هز توماس رأسه. سحب كرسيا ثانيا أمام المكتب وأشار إلى فاندا بيده كي تجلس إلى جواره. ~~رأت مجموعة من فأرات الكمبيوتر متكومة على أحد الأرفف، تمثل موديلات قديمة قذرة ومتآكلة، ~~يلتف حولها سلكها كأنه ذيل. ~~«هذه حيواناتي المنزلية.» قال توماس موضحا حين لاحظ نظراتها، «صحيح أنها تتكاثر خارج حدود ~~السيطرة، إلا أنها مع ذلك في غاية القناعة.» في أثناء ذلك كان يضرب الغبار فيتشكل في سحابة، ~~فأضاف: «أعتقد أنه سيتعين علي أن أنظف المكان ذات مرة.» ~~«كان علي أن أحضر جوسي معي.» ~~«قطتك؟» # ضحكت فاندا، وقالت: «جوسي فأرة زابينة.» أدار توماس رأسه سريعا إلى الجانب، فرأت فجأة في ~~صورته الجانبية صرامة وتجهما، كما أن عضلات فكه انقبضت وكأنه يلجم نفسه، ثم عاود النظر إليها ~~وابتسم بخبث: «لقد حضر الآن الضيوف الآخرون، أريد أن أعرفك عليهم.» # لم تكن فاندا قد انتبهت حتى ذلك الوقت لشاشة الكمبيوتر. أخذت سطور مكتوبة تتطاير على الشاشة ~~المسطحة كما الحال في غرف الدردشة، كانت معظمها تعبيرات عن الإعجاب بصلصة جوز الهند بالفطر، كما ~~أن متحدثا اسمه باستي أراد أن يعرف متى سيتم تقديم الحلوى. في الخلفية كان كنالفروش وبونش ~~يتجادلان حول جدوى وعدم جدوى استخدام الألعاب النارية في ليلة رأس السنة، التي يدعون أنها ~~تزيد من توزيع الإندورفينات في الجسم، وتؤدي إلى أرباح وتعمل على إبقاء الأطباء محدودي الدخل ~~مشغولين. كان من رأي كنالفروش أن ارتفاع إجمالي الناتج القومي لا بد له من ضحايا، فما كان من ~~بونش - الذي بدا أنه فقد قدرته على كتابة كلمات كاملة - إلا أن رد عليه ب «بررررررروووم 2006!» ~~إلى جوار ذلك كانت ثمة نجمة تقاوم عددا كبيرا من الرجال الذين يدعون أن عليها كتابة اسمها ~~بالطريقة ms259 الصحيحة، مما أشعل الحوار وجعل كلام الكل يتداخل بعضه مع بعض. هانزي أعلن عن إعجابه ~~بالصرخات المكتومة، واقترح أن يقوم بلف رقبة مشترك اسمه تروتهان ببطء شديد. كليوباترا فقدت ~~سوطها أثناء ركوب الخيل، ومادونا تبحث عن مشبك صدرها. كنالفروش وبونش عادا للتواصل، فقط نجمة ~~غادرت، وباستي ألح في طلب الحلوى. نقر توماس تحية على لوحة المفاتيح، فطارت الشاشة سريعا إلى ~~أعلى جراء الشلال المنهمر من التعليقات التي تنوعت بين «مرحبا توم»، و«شكرا» إلى نغمات أخرى ~~من المديح على الانتقاء الموفق لوصفات الطعام. ثلاثة عشر شخصا سجل نفسه لحضور دردشة ليلة ~~رأس السنة، وكان جليا أن توماس هو المضيف. أما الحفل فكان في أوجه. ~~«إنهم في انتظار خوارزمية الحلوى.» كان توماس يستمتع بجعل ضيوفه يتململون. ~~«في انتظار ماذا؟» ~~«تعليمات التصرف، الوصفة إن شئت استخدام هذه الكلمة، وصفة بيوريه الكاكي مع ~~المارزبان.» # لم يكن ليخطر ببال فاندا أنها مدعوة إلى حفلة رقمية، ولو علمت لربما لم تكن لتوافق. وبعد أن ~~قامت بزيارة عدد من غرف الدردشة وصلت إلى نتيجة مفادها أن هذا الشكل من أشكال التواصل مع الناس ~~لا يناسبها. التغيير الرهيب في الموضوعات، التلميحات المغرضة، لم تحب أيا من ذلك. كانت الرموز ~~المتداولة مألوفة لها، وكانت تتسلى بها، لكن بالأساس لم تكن أكثر من علامات مكتوبة. كانت تعطي ~~شكلا للمشاعر، وكانت فاندا تستطيع التعرف عليها وتفسيرها، لكنها لا تشعر بها. كانت تفتقد ~~المباشرة التي تجدها في نبرة صوت تتغير، أو في تعبير للوجه أو في لفتة يد؛ ولهذا قصرت ~~دردشاتها على تبادل المعلومات بين شخصين غيرها لا أكثر في وقت واحد. أي شيء أكثر من ذلك كان ~~يخضع لظاهرة «غرفة النادي»؛ لأن أي جماعة دردشة تنقسم في كل الأحوال إلى مجموعات صغيرة من ~~المدردشين، وكان يضايق فاندا كثيرا أن كل واحد في النادي الرقمي يستطيع أن يتابع الحديث الدائر ~~على الطاولة التي تجاوره، وفي وسعه أن يتدخل في الكلام متى أحب؛ لذا لزم وجود قائد يلفت ~~انتباههم ليركزوا على شيء بعينه، ms260 يكون في مقدوره أن يتغلب على هذا التفرق مثلما يفعل توماس ~~الآن، الذي بدأ أخيرا في الإفصاح عن وصفة صنف الحلوى. عليهم أن يقشروا ثمار الكاكي، ثم هرس ~~واحدة منها مع الفانيليا، والمارزبان والفلفل هرسا ناعما، ثم يقطعوا شرائح من القراصيا ~~ويخلطوها معها، ويملئوا بها أطباق الحلوى، بعد ذلك ينثرون عليها ثمرة كاكي أخرى مقطعة ~~مكعبات، ويزينوا الطبق بالكريمة المخفوقة ورشات من الفستق. وبالهناء والشفاء. اختفى توماس في ~~المطبخ، فصمتت الشاشة أيضا، وبعد أن عاد وناولها كوب الحلوى تساءلت إن كان باستي الآن راضيا، ~~ربما ليس هناك باستي على الإطلاق، ربما كان هو مجرد فكرة يكفيه فقط أن يستمتع بالوهم. فجأة خطر ~~لها أن كل ذلك مجرد تمثيل. مسرحية تفاعلية. هل دعاني لأنه يحتاج إلى مشاهد حقيقي؟ رغبت نفسها ~~عن الحلوى. # سألت بحذر: «ماذا يفعلون الآن؟» نظر لها توماس دون أن يفهم ماذا تعني. «أقصد ضيوفك .» ~~«ربما يأكلون الحلوى الخاصة بهم.» ~~«من أين تعرفهم؟» ~~«لقد وضعت الدعوة مع الوصفات في منتدى معين، وأقابلهم اليوم للمرة الأولى.» ~~«علي أن أعترف أني فكرت أنك ستقيم حفلا حقيقيا.» # علا الاشمئزاز وجه توماس وقال: «أتقصدين حفلا بأناس يبقعون سجادتك بالنبيذ والكاتشاب، ~~ويقلبون غرفتك رأسا على عقب، ويكبون منافض السجائر، ويتركون صحونا متسخة؟ أنت لا تعرفين ~~ماربورج. ما إن ينتشر خبر الحفل حتى يزورك كل المتطفلين، وعلى أكثر تقدير لن تتعرفي على غرفتك ~~قرب منتصف الليل؛ لأنك ستجدينها تحولت إلى حانة تقدمين فيها البيرة مجانا لأناس لا ~~تعرفينهم أصلا.» ~~«وماذا لو دعوت عددا قليلا من الأصدقاء؟» # ظهرت تجعيدة طولية بين حاجبيه الكثيفين: «أتعنين أولئك الذين يزعجونك بمكالمات هاتفية ثقيلة ~~الظل أو يحرجونك بالزيارة؟ عندي دائما شخص أتحدث إليه إن أردت الحديث.» ~~«أمر واحد لا أفهمه!» قالت وهي تؤرجح كأسها المملوءة بالنبيذ الأحمر. السجادة البيج ~~الممدودة أسفل قدميها بدت غير رخيصة. «لماذا دعوتني أنا إذن؟» ~~«إن شئت يمكننا نحن أيضا الذهاب.» وأمسك بفأرة الكمبيوتر. «إنهم لديهم كل ما يحتاجون ~~إليه، نستطيع أن نغادر الحفل و...» تردد ms261 توماس. ~~«... وماذا؟ ...» تطلعت إليه فاندا بفضول. # وبدلا من أن يجيب سحب الفأرة وأخذ في النقر لغلق النوافذ، أصابعه المتمكنة أعادت إليه ~~سيطرته القديمة. إنه يعجبها هكذا أكثر. أشارت ساعة الكمبيوتر إلى الحادية عشرة ليلا. وضع توماس ~~سي دي جديدا في الكمبيوتر، «إيزي لسينينج»، لم تكن فاندا تعرف هذه الفرقة. جلسا صامتين لبعض ~~الوقت أمام الحلوى. كانت فاندا تفكر بسرعة. إنه لا يسهل عليها الأمر، لكنها أيضا تستطيع أن ~~تكون عنيدة إن وضعت شيئا في رأسها. مدت يدها نحو المكعب الأصفر من الورق ذاتي اللصق وكتبت ~~شيئا عليه، ثم قطعت الورقة وألصقتها على الشاشة. ضحك مستريحا حين قرأ الملحوظة وقفز. ~~«في الحقيقة أنا مضيف سيئ.» قال وهو يصدر بعض الضجة في المطبخ، بينما هي تفكر في الكلمات ~~التي كتبتها «أنا عطشانة» عطشانة إلى ماذا؟ إلى الحياة؟ إلى الحب؟ لقد فهم عبارتها بحرفيتها. ~~بالمثل كان يمكنني أن أكتب «بي رغبة» لم يكن ليخطئ فهمها. أنت جبانة يا فاندا. عندما عاد توماس ~~كان يحمل في يديه كأسي شامبانيا. # سألها: «شامبانيا؟» فأومأت موافقة وسألت عن مكان التواليت. # لاحقا بدآ في الرقص. في البداية كانا يتحركان ككائنين منفردين على مذنب بعيد، لكن كان من ~~المستحيل أن يظلا متباعدين. تلامست ركبهما، وأحاطها بذراعيه برقة. كانت أنفاسه تداعب أذنها. ~~استغرق الأمر زمنا طويلا، ثم في وقت ما أحاطت رقبته بذراعيها واحتضنته. نادتها رغبتها ~~الداخلية أن تتشبث به بقوة، لقد كان أقرب ما يكون كما لم يكن من قبل. لم تتركه وظلت تبحث عن ~~سبب يجعلها تسقط، لكنها اصطدمت بالخواء. لم تسمع رنين جرس الباب على الإطلاق، لكنها أحست به ~~وهو يبعد ذراعيها عن رقبته بخفة. وقفت مأخوذة، وحيدة في الغرفة بذراعين معلقتين في الهواء كما ~~لو أنها تقف بعد معركة خاسرة، فتوهجت وجنتاها، ورغم ذلك شعرت بالبرد. وقعت عيناها على الصور ~~المعلقة على الجدار المقابل لها. تعرفت على خطوط وعلامات، مثلثات ومربعات، وحلقات، كانت ~~الحدود حادة بين الفاتح والداكن، ورغم الظلال لم يكن بالصور أي عمق. كان ms262 ثمة ضوء يشبه ظهيرة يوم ~~صيف قائظ حين يتخشب كل شيء من الحرارة، حتى الزمن يتوقف ويختنق أي شعور. اتزان ولا عزاء لأن ~~الممل لا يعاني. سمعت أصواتا رجالية في الطرقة. «صديق ثقيل الظل؟» ثم ظهر وجهه على باب غرفة ~~المعيشة. # قال أندرياس مخاطبا إياها: «تعالي معي من فضلك. الأمر عاجل!» # الفصل الأربعون # | نخب العام الجديد # كانت فاندا غاضبة. # صاحت: «ألا يمكن أن ينتظر ذلك إلى الغد؟ علاوة على ذلك، من أخبرك أين أكون؟» كانت تجري، ~~تكاد تهرب. كانوا يتوجهون إلى المدينة بالأسفل. # أجابها أندرياس: «أنت نفسك أخبرتني بذلك ذات مرة.» # لا تذكر فاندا أنها أخبرت أندرياس بخططها لليلة رأس السنة. # قال بحذر: «لقد اتصلت بي الشرطة أول أمس. لذلك عدت إلى ماربورج قبل الموعد. لم أكن أريد أن ~~أخبرك هاتفيا حتى لا أثير قلقك. الآثار على السور في باحة القصر مصدرها ذخيرة ذاتية التحلل ~~فعلا . ربما بالفعل ثمة علاقة ...» # قاطعته قائلة: «هراء!» كانت فاندا مذهولة؛ فقط لأن الشرطة اكتشفت بالفعل آثار ذخيرة ذاتية ~~التحلل، تلك العينة التي أخذتها تلك الشقراء مثل الخبز المقرمش ذات الاسم الذي يصلح أن يكون اسم ~~سفينة، يأتي ليفسد علي الأمسية؟ # قال بصوت محبط: «أرى أن هذه المعلومة شديدة الأهمية، خصوصا أن الذخيرة ذاتية التحلل تلك ~~ليست بالذخيرة المتاحة للمستهلك العادي.» ~~«وماذا يقول لنا هذا إذن؟ إن المخابرات تلاحقني أو تلاحقك؟ لا تجعل من نفسك أضحوكة.» ألم ~~يكتب سنايدر على عمليات السلطات الفيدرالية الأمريكية في أوروبا؟ لكن لماذا يطلقون علينا النار؟ ~~هزت فاندا رأسها. «لم يكن سوى أحمق ثمل.» قالتها بتوكيد لم يدع مجالا لمعارضة، «لن أندهش إن ~~وجدنا هذا الشيء في السوق السوداء.» # أرادت فاندا العودة إلى المنزل. سبقته، وسرعان ما وصلا إلى المدينة القديمة ومنطقة المشاة. ~~حتى تلك اللحظة ظلا يتجادلان، كان الشارع مليئا بالناس قبل منتصف الليل بقليل. دفعت أجواؤهم ~~الاحتفالية فاندا للصمت رغم أنها كانت لا تزال تغلي من داخلها. ما الذي يفكر فيه هذا الغر؟ ~~تذكرت حكاياتها مع أخيها، وكيف ms263 أنه كان يتبعها سرا إلى حفلاتها الأولى. ذات مرة وقف على غير ~~انتظار بباب معلمها الجزائري، كانت في الخامسة عشرة وجميل في الثالثة والعشرين، وكان المفترض أن ~~يعلمها الفرنسية. كان أسلوبه في التدريس عمليا وقريبا من الحياة المعيشة، أما مذاقه فكان مثل ~~الثوم ومثل أحد التوابل الغريبة. لم تعرف أنه حب الهال سوى بعد ذلك بكثير، من محل وجبات ~~سريعة أفغانية، قريب من مسكنها في فترة الدراسة الجامعية، وكانت تعتمد عليه لتأمين استمرارها ~~على قيد الحياة فترة الامتحانات. مع المذاق عادت ذكرى جميل مثل الآن، حسية وكلها شغف. آنذاك كان ~~يشتعل بداخلها وهج أقوى من الجوع ومن الحاجة إلى النوم، ثم جاء ذلك الأخرق ليقف بالباب، ويتراجع ~~مرتبكا ليدوس ساقا بالأخرى؛ لأنه كان قد وصل إلى سن يفهم فيها ما يحدث. سبت ولعنت وصاحت ~~واعتبرت أن والديها كانا وراء ذلك. عوقبت بالمكوث في المنزل شهرا كاملا ، ولم تر جميلا ~~ثانية. # ترى هل يأكل توماس الآن الحلوى الخاصة بي؟ لقد تركها تمضي ببساطة، بلا حجج معارضة، دون أن ~~يبدي أي إشارة لخيبة أمل. لقد ظل خلفها في الطرقة، لكنها رأت وجهه في المرآة، لم يبد عليه ~~أي أثر، فشعرت بالإحباط. هل ذهبت مع أندرياس لهذا السبب؟ # جفلت حين انفجر صاروخ ناري بجانبها. وفي ميدان السوق أمام مجلس المدينة القديم وقف الناس ~~في مجموعات صغيرة مسترخية. أسرعت فاندا خطواتها. مرت من حول المنتظرين دون أن تكترث إن كان ~~أندرياس يسير وراءها، وواصلت الخطو بهمة نحو هدفها. كانت تريد أن تتخلص منه، لكنه ظل ~~يتابعها. # تبعثر الطين تحت قدميها حين قفزت على درجات الزقاق، وفي اللحظة التي عبرت فيها تقاطع ~~بيلجريمشتاين بدأ الهدير. جاء الصراخ والطرقعة والفرقعة من كل مكان، وأخذت أجراس الكنائس تدق. ~~تناثرت الشرارة فوق رأسها. كانت لا تزال تجري تتعجل الدخول في العام الجديد بخطواتها الواسعة ~~كثيرا. كانت تتخيل الأمر على نحو مغاير. في أحضان رجل ربما؟ كيف يمكن أن أكون بهذا الغباء؟ ~~إنه لا يريدني بتاتا. ارتعبت عندما أمسكها ms264 أندرياس من ذراعها، وشل الارتباك قدرتها على ~~الاعتراض وتبعته في نزوله على درجة سلم مظلمة على طريق موحل. بدت لها أشجار الحديقة النباتية ~~العملاقة أكثر ضخامة من حجمها بالنهار، ومع كل طقطقة ~~كانت الغربان تضرب بأجنحتها ثم تعاود الهبوط الوئيد على الأغصان التي ينامون عليها. أخرج ~~أندرياس زجاجتي بيكولو من جيبه وفتحهما وناولها واحدة بابتسامة تشي بالندم. ~~«نخب العام الجديد!» قال بصوت خفيض وقرع الزجاجتين إحداهما بالأخرى. شربت فاندا ثم مسحت ~~فمها، وعاودها غضبها القديم. ~~«بالمناسبة الألعاب النارية توزع الجزيئات بكفاءة وتحمل الأجواء، خصوصا في ليلة رأس ~~السنة، بنسب عالية جدا من غبار النانو.» # تطلع أندرياس إلى سماء الليل التي تنهمر منها أمطار الضوء. ~~«لكنك تتمتعين بجمالها قبل أن تقتلك.» # راقبت فاندا كيف أنه يقف إلى جوارها بفم مفتوح. طفل كبير. دس رأسه في رقبة المعطف في حين ~~التمعت على عدسات نظارته انعكاسات الأنوار الملونة. # قالت ببرود: «هذا الموت يأتي متسللا. يبدأ بالسعال وأزمات التنفس، ثم تتسارع ضربات القلب ~~وتتحلل الرئتان أو يتضاعف حجمهما. سيان. النهاية واحدة. هل تعتقد حقا أنك ستذكر هذه الألعاب ~~النارية وأنت تختنق؟» # نظر أندرياس إليها بقلق. ~~«هل ذهبت للطبيب؟» # هزت فاندا رأسها. ~~«حتى متى تسكتين على هذا الوضع؟» ~~«حتى أتأكد.» ~~«لن تتأكدي إلا من الطبيب.» ~~«أتعلم ...» تناولت رشفة شامبانيا أخرى واستطردت: «أحيانا أعتقد أنه سيزيد من سوء الأوضاع. ~~هل تعلم أن نسبة الجزيئات الصغيرة قد زادت في الهواء بعد أن تم تركيب فلاتر السخام في محركات ~~الديزل؟» وبعد وقفة قصيرة أكملت: «في السابق كانت الجزيئات الكبيرة تبقي الصغيرة تحت ~~السيطرة، كانت تربطها وتبطل مفعولها الضار، والآن بعد التخلص من الكبار صارت الحلبة خاوية ~~يرتع فيها الصغار بمفردهم.» # فتح توماس ذراعيه عن آخرهما وتراقص في مكانه: «حين يختفي الطغاة يرقص الشعب.» كان يترنح ~~خفيفا. هل ثمل؟ # ردت فاندا بفظاظة: «أنا أعني شيئا آخر. في كل مكان لا يتم إلا معالجة الأعراض، وكل تدخل ~~يخلق مشكلة جديدة: فلاتر السخام أدت إلى إزاحة في جدول أحجام الانبعاثات الملوثة، ms265 تناول ~~الأدوية يؤدي إلى عدم تحمل الأدوية، فيؤدي إلى أمراض لا تعالج إلا بأدوية أخرى، يزعمون أن ~~جينا بعينه فيه الشفاء من كل داء يتحول إلى سلاح فتاك.» خرجت عباراتها متهدجة. ماذا قلت ~~الآن؟ سلاح فتاك؟ هراء! «على أية حال نحن لا نطلع على عواقب أعمالنا، إنما نخادع أنفسنا، ونحن ~~نعمل في إطار ظروف معزولة، ونضع نظما مثالية لنماذجنا؛ لذا نحقق النجاح، لكن الحذر الحذر إن ~~أطلقناها حرة؛ تتحول أفعالنا إلى ردود أفعال، ونبدأ في ملاحقة الظواهر بعد تفشيها.» ~~«يرى أفلاطون أن مكتشف فن ما ليس بالضرورة هو أنسب الأشخاص للحكم على الجيد أو السيئ الصادر ~~عن أولئك الذين يمارسون فنه.» # لم تخل نبرتها من شماتة وهي تقول: «... وهم لا يعرفون بالضرورة كنه ما يفعلون. الأمر ~~تحول إلى تفويض مطلق لم يحن وقته بعد. لا يزال العلم الحديث كيانا مخنثا، يملي فيه ~~المصنع ما يريد على المكتشف. وقد يحدث أن يفتن شخص بكلا الدورين ...» قطعت كلامها وابتسمت من ~~زلة اللسان، «أقصد أن يقوم شخص واحد بكلا الدورين. من يتحمل المسئولية في هذه الحالة؟» ~~«إن محاولة أي فرد أن يحل لنفسه مشكلة تمس الكل محتومة بالفشل. هذه مقولة فريدريش دورينمات ~~في رواية الفيزيائيون.» تذكرتها فاندا، توماس أيضا استخدم استشهادا. هل كان استخدام ~~الاستشهادات هو العلامة المميزة للخرعين؟ # سألت مستفزة: «هل تردد كل شيء مثل الببغاء؟ ثم ماذا يقصد بالفشل؟ حين يضع المجتمع إرضاء ~~نرجسيته هدفا، سيصيب النجاح حتما، سيظل هناك سبب لدعم التغيير. من ناحية أخرى أين يبدأ ~~التغيير إن لم يبدأ بالفرد؟ أليس عملنا يصب في الصالح العام؟ ولذلك كل عالم ملزم بأن يختبر ~~دوافعه بمفرده، بل إني سأذهب خطوات أبعد وأزعم أننا نتصرف فقط من أجل إيجاد حلول لمشاكلنا ~~الخاصة جدا.» # ابتسم أندرياس. ~~«هل تريدين لزملائك مثلا أن يكتفوا بالجلوس على الأريكة؟» # هزت فاندا كتفيها. ~~«أريد فقط أن نتوقف عن خداع أنفسنا.» # أومأ أندرياس. ~~«لقد تشاجرت مع أبي حول هذا الموضوع قبل أن يدخل في غيبوبة بفترة وجيزة. ما ms266 زلت أعتب عليه ~~أنه لم يخبرني الحقيقة، فقد كان يعرف أنه مريض.» # ردت فاندا وقد بدأ غضبها يهدأ: «ربما كان خائفا.» # زفر أندرياس وقال: «نعم بالتأكيد، لكن ما نتيجة أن نزحف خائفين لنختبئ خلف وضعنا الاجتماعي، ~~أو لقبنا العلمي، أو حسابنا في البنك، أو صناديق الادخار والأسهم ومعامل التميز في الدورية ~~العلمية ...» # سألت فاندا نفسها: أو ربما نختبئ من أنفسنا ذواتها؟ لكنها لم تنطقها. مستها نظرة أندرياس، ~~فقد بدا مثل صبي صغير يلقي قصيدة. ثم قالت وهي تتصنع أنها تمر بالموضوع عرضا: «بالمناسبة ... هل ~~من الممكن أن تكون الغيرة هي دافعك؟» ~~«هل ثمة سبب يدفعني إلى ذلك؟» قبل بضع ساعات كانت لتجيب بنعم، أما الآن فلم تعد متأكدة. ~~على بعد خطوات منهما كان ثمة صندوق قمامة مملوء عن آخره، فوضعت زجاجات الشمبانيا الفارغة إلى ~~جواره على الأرض. # ثم قالت: «وما أخبارك؟ هل بعثت برسالة تهنئة بالعام الجديد إلى لاريسا؟» # زم أندرياس شفتيه ورد باقتضاب «لاحقا سأفعل. بسبب فروق التوقيت. الحفل سيبدأ الآن.» من ~~مكان ما انطلق صاروخ رأس السنة، ورن من بعيد بوق إنذار. لم تكن فاندا قد لاحظت الهدوء الذي ساد ~~من قبل. شعرت بالبرد وأرادت العودة إلى منزلها، ثم مشت أمامه فلم يتحدثا معا. أوصلها أندرياس ~~حتى باب المنزل، فالتفتت نحوه ثانية لتودعه. ~~«بلغها التحية مني!» ثم تمنت له ليلة سعيدة. ~~••• # كان مصباح بئر السلم معطلا ثانية. وأخيرا فتحت باب شقتها قرب الساعة الواحدة، كانت ~~ترتعد من البرد إذ ظلت بالخارج أكثر من ساعة. بالداخل أيضا ساد الظلام حتى بعد أن ضغطت على ~~مفتاح النور. كان باب المطبخ مفتوحا كالعادة، في حين ألقت أضواء المدينة عليه ظلالا رمادية ~~تميل للزرقة فجعلته يلمع وكأنه صورة مطلية بالرصاص. كانت تستطيع كل مرة أن تشعر باللحظة التي ~~تنضبط عيناها فيها على الرؤية الليلة، كان ذلك إجراء فسيولوجيا طبيعيا تنشط بموجبه خلايا ~~الإبصار المسئولة عن التمييز بين الأبيض والأسود، وكأن أحدهم رفع حجابا داكنا من أمام وجهها، ~~فتتخذ الأشياء فجأة في محيطها ms267 حدودا خارجية. تزداد حدة التباين بين الفاتح والداكن، كما ~~تستنتج عمقا في المكان تستطيع أن تتجرأ وتتقدم فيه. اصطدمت قدمها بشيء رخو، فتعثرت وتعرفت ~~على جوال الغسيل الذي أرادت أن تأخذه إلى القبو، لكنها اضطرت لتركه عندما دق جرسها سائق ~~سيارة الأجرة ليعلمها بوصوله. عثرت على مصباح الجيب في دولاب المطبخ. بمزيد من السرعة حركت ~~قرص الضوء في الغرفة، وهي تسب وتلعن في داخلها. الآن تحديدا. إن لم أفعلها الآن فسأظل غدا في ~~الفراش طوال اليوم. كانت قد قرأت على لوحة الإعلانات بالأسفل «لا مدير للمنزل في رأس السنة.» ~~كان مجرد التفكير أن المدفأة عطلانة يجعلها ترتعد بردا. في طريق العودة إلى الطرقة تلقى جوال ~~الغسيل ركلة غاضبة. كانت الصورة فوق صندوق الكهرباء مائلة، فأخذتها من على الحائط وأرادت أن ~~تضعها على الخزانة الصغيرة أمامها، فاصطدمت بالزهرية التي لا تضعها عادة في هذا المكان، لكنها ~~أمسكت بها في الوقت المناسب. وعلى ضوء مصباح الجيب رأت مفاتيح الكهرباء قد قفزت لأسفل، وحين مدت ~~يدها لترفعها شمت الرائحة، استدارت فرأت رجلا، كان يرتدي جوربا في رأسه. أمسكها من كتفها، ~~وعلى الفور ضربتها الرائحة المنتنة وكأنها خرقة كبيرة لزجة تضرب وجهها. فصرخت لكن صوتها انحبس. ~~شعرت بثقل ذراعه يضغط على صدرها. أدارها بحركة واحدة وضغط على جسدها. كادت تختنق حين وصل الأثير ~~إلى حلقها وأفقدها الوعي، فاسترخت كل التشنجات. آخر ما رأته كان الألعاب النارية وكأنها في ~~صورة فوتوغرافية، نقاط بيضاء على ورقة كرتون، ثم ظلام دامس. ~~••• # إصبع قدم ضخم يأتي ناحيتها. هذا الوجه، أنا أعرفه، إنه الجار. ساعدني! ماذا يحمل في يده؟ ~~كرتونة بيض؟ أنا عطشانة. لماذا لا يسمعني؟ # حين استعادت فاندا وعيها كان الضوء منيرا في المطبخ. وكانت ذقنها تضغط بقوة على ظهر كفها ~~وهي مستلقية على بطنها تحت غطاء، ورأسها يهدر كما لو كانت قضت الليل تشرب الخمر. ضيقت عينيها، ~~وهي تتساءل ألم يكن الجار هنا منذ قليل؟ شعرت فجأة بالغثيان، فتقيأت قطع الديك الرومي ~~والمخاط. بعناء شديد ذهبت إلى ms268 الحمام وهناك نهضت ونظرت في المرآة، بدت مثل شبح. كان وجهها ظاهر ~~الشحوب مثل الطباشير، وإنسان العين يومض بلون زهري. ~~استيقظت ثانية في منتصف الليل، كانت متكورة تحت دواسة الحمام. بدأت دمعاتها خفيفة كالرذاذ، ثم ~~سرعان ما تحلحل الاحتقان في صدرها على دفعات، فصار بكاؤها عويلا مثل صاروخ رأس السنة منطلقا ~~في عتمة الفجر. # الفصل الحادي والأربعون # | حمى الصيد # أطل العام الجديد بجانبه المشرق. انخفضت درجات الحرارة انخفاضا ملحوظا إلى ما تحت الصفر، ~~تمدد الصقيع على أسقف المنازل وأسطح السيارات. بلغت البرودة حدا لا يسمح بسقوط ~~الثلج. # عاد معظم الزملاء من إجازة عيد الميلاد مع بداية الأسبوع الثاني من العام الجديد، ما عدا ~~الرئيس الذي مد إجازته التي يقضيها في التزلج عدة أيام قبل نهايتها بمدة قصيرة، وبالتالي ~~ألغيت مناقشات يوم الاثنين أيضا قبل موعدها بمدة قصيرة. لم يعترض أحد. # شعرت فاندا بخيبة أمل لأن نتائج الفحوص الفيروسية لم تصلها بعد، وحين اتصلت هاتفيا ~~أبلغت أن الزميل المختص سافر لإلقاء محاضرات في الولايات المتحدة الأمريكية، ولا يتوقع عودته ~~قبل بداية الأسبوع المقبل. شيء ما أزعجها في ذلك الخبر؛ إذ كانت تظن أن الدكتور كانتيرات أكثر ~~التزاما. هل أخطأت خطأ كبيرا في فهمه؟ # وفي مساء التاسع من يناير ذهبت إلى مقهى جورنال لتلتقي زابينة. اقترحت فاندا هذا المكان ~~لقربه الكبير من شقتها، وكانت زابينة تريد أن تستعيد جوسي بعد ذلك؛ فمنذ عدة أيام تتصرف ~~الفأرة على نحو غير طبيعي. تتحرك كثيرا في قفصها بعصبية، ولم تعد تنام في حضن فاندا إلا ~~فيما ندر. ربما كان حالها مثل حال فاندا التي تصرخ فجأة ثم تتملكها رغبة هستيرية في العمل، ~~لكنها في المساء لن تكون وحيدة وهي تفتح باب الشقة. هدأت الفكرة من روعها. فبعد التعدي عليها ~~في شقتها ليلة رأس السنة صارت لا تحب العودة إلى المنزل. ولدهشتها، لم يضع شيء من منزلها، ~~لكن هذا الأمر تحديدا كان يشعرها بالخوف. ورغم غرابة هذا الأمر، فإنها كانت ستشعر بارتياح أكبر ~~لو أن المقتحم ms269 حمل معه جهاز التليفزيون ذي الشاشة إل سي دي، وكذلك الكمبيوتر المحمول. لم يترك ~~لها ثغرة تنفذ منها لتفسر الدافع وراء جريمته؛ ولهذا لم يبق لها سوى انقباض قلبها جراء ~~الحادث البشع. وفي الأسبوع الأول مباشرة قامت بتغيير الكالون ووضعت سلسلة على الباب، لكن هذا ~~لم يخفف من الاضطراب الذي كان يعتريها كلما دخلت إلى شقتها. أقنعت مدير المنزل مؤخرا أن ~~يصحبها إلى أعلى حيث ادعت ببساطة أن الشرخ القديم في جدار الحمام زاد طولا، وبينما كان يفتح ~~المسطرة المطوية لقياس الشرخ، نظرت هي سريعا خلف الأبواب وتحت السرير. غام وجه جارها الذي رأته ~~وهي مستلقية على الأرض لا تستطيع أن تحرك ساكنا. هل كانت هلوسة؟ أم هل كان بالفعل موجودا في ~~شقتها؟ هز مدير المنزل كتفيه وعلت وجهه أمارات الاشمئزاز حين أخذت تستفسر عن الجار. # دخلت فاندا المقهى قبل الموعد بربع ساعة، ولم يكن بالمكان أناس كثيرون. سحبت صحيفة من ~~حامل الجرائد وجلست على طاولة قريبة منه. ومن هناك حظيت بإطلالة شاملة على المكان. كانت النادلة ~~مستجدة، لكن مثلها مثل كل زميلاتها كانت شقراء ذات شعر طويل. ذكرتها بالشرطية ليديا فازا. ~~ترى هل عملت ملكة جمال الخبز المقرمش هنا كنادلة يوما ما؟ كانت تستلطف الشرطية. مرت فاندا ~~بعينيها على عناوين الصحيفة وكان أحدها: منع المرور لا يكفي. كان الخبر يدور حول زيادة نسبة ~~الجسيمات الملوثة في مراكز التجمعات السكانية، لدرجة لم يعد معها حظر مرور السيارات كافيا. ~~واصلت تصفح الجريدة وهي شاردة الذهن. # ظلت زابينة ويوهانيس يلحان عليها بلا توقف للإبلاغ عن حادث اقتحام شقتها. لكن ماذا عساها أن ~~تقول للشرطة؟ فلا هي تلقت ضربات ولا ببدنها آثار جروح، كما أنه لم يغتصبها ولم ينقص شيء من ~~شقتها؛ لهذا لم تتوقع فاندا الكثير من وراء البلاغ، اللهم إلا أكواما من الأوراق السخيفة ~~وأناسا غرباء يعبثون بأشيائها. وفي كل الأحوال، لقد نظفت المكان مرة ثانية، ثم خطر ببالها أن ~~تبوح بسرها للشرطة. لكن ثقل عليها أن تضطر إلى أن تدافع ms270 عن نفسها من أجل الوصول إلى أي شيء. ~~شعرت أنها في طابور انتظار طويل. كانت تحتاج نتيجة تحليل الأنسجة لتقرر ماذا ستكون الخطوة ~~التالية، تعرف مدى جنون هذه الفكرة، رغم ذلك صممت عليها؛ إذ اعتبرتها مفتاح المرور من الباب ~~السري التالي الذي تختبئ وراءه مهمتها الجديدة. يتعين عليها أن تأخذ خطوة تلو الأخرى، ولم ~~تكن حرة في كسر القواعد التي تضعها لذاتها. # حين رفعت فاندا ناظريها وجدت زابينة أمامها تخلع لتوها القلنسوة النرويجية عن رأسها، ثم ~~هوشت بأناملها شعرها الذي سوته القلنسوة. بدت مسترخية. تعانقتا سريعا، وكان لزابينة رائحة ~~الرياح المنعشة. بدأت تحكي لها عن إجازتها على شاطئ بحر الشمال شتاء، وعن أصدقائها القدامى ~~الذين قابلتهم، وعن الطعام الطيب في بيت والديها. ~~«لماذا لم تمكثي هناك مباشرة؟» لم يفت زابينة نبرة المرارة في صوت فاندا. مطت وجهها وأجابت ~~بحدة: «هل نسيت أن علي التزاما بالحضور. سيتعين علي في الغد أن أسجل نفسي مرة أخرى في ~~مكتب العمل. إجراء جديد.» ثم خفضت صوتها وقالت: «ثم هناك أمر لا يزال يتعين علي الانتهاء ~~منه.» أنصتت فاندا بانتباه إذ كان لديها حس قوي للحظات الثمينة، وكانت تشعر أن هذه واحدة منها، ~~وأنها ستسمع اعترافا لم تحسب حسابه من قبل. بدت لها زابينة متغيرة، أكثر حسما من تلك ~~الأسابيع البائسة في العام الماضي، وكان من الواضح أن تغيير الجو أفادها كثيرا، وفجأة وصلت ~~بيترا محمرة الوجه. فكت الشال الطويل عن رقبتها، طلبت كأسي نبيذ بصوت عال، وتركت نفسها ~~تسقط على كرسي. # كانت زابينة هي أول من بدأ الحديث: «كنت أعرف طوال الوقت. المثبتون في وظائفهم لا يستطيعون ~~الفكاك بسهولة.» انسلت بيترا من معطفها وشدت كميها. ~~«أنتن فتيات في غاية الذكاء، لكن هذا لا يجديكن نفعا.» تفرست نظراتها المستهينة في كلتا ~~العالمتين «أسأل نفسي إن كان يصح أن أحكي لكما ما شهدناه اليوم. يوهانيس ما زال يبحث عن مكان ~~لصف سيارته، فلننتظره.» ~~••• # حين دلف يوهانيس إلى المكان رفع كثير من الزبائن رءوسهم وتطلعوا إليه؛ بدا ms271 في معطفه الكشمير ~~ذي اللون الرمادي الداكن وشال رقبته الأزرق مثل زهرة ندى العنبر، ووجهه الذي لوحته شمس الجبال ~~مضفية على مظهره سمت الموسرين، فلكأنه أب ثري اضطر لترك سيارته الجاجوار في مكان ممنوع ~~الانتظار حتى يستعيد ابنته المراهقة. على الأقل لم يرتد ربطة عنق، هكذا فكرت فاندا حين فك ~~أزرار المعطف وألقاه بلا اكتراث على الكرسي إلى جواره. حياهم يوهانيس ببرود وكأنهم لا ينتمون ~~حقيقة إلى عالمه. # برق شريط مبيض بين الذقن وياقة القميص العالية، فبدا وجهه المسمر وكأنه يرتدي قناعا، ورغم ~~ضحكه بدا متوترا. أحضرت النادلة الشقراء كأسي نبيذ، فوضعت بيترا واحدة أمام يوهانيس. # صاحت زابينة فجأة: «فوانيس. هذا هو اسم الفيلم.» تلفتت حولها باحثة عن مساعدة من فاندا. ~~«إنه المشهد بالفيلم الذي تعترف فيه لوالدها أنها حامل.» مثل طفلة صغيرة تبحث عن مؤيد لها، لمحت ~~بريقا في وجوه بيترا ويوهانيس. «هل حزرت صوابا ؟» هزت بيترا رأسها بالنفي. ~~«كان أكثر تشويقا.» وأحاطت الكأس الساخنة بيدها، رشفت وقالت: «لقد رأيته اليوم، في كروبكيه ~~بهانوفر.» وضعت الكأس على الطاولة «وبعد ورشة العمل أتيحت لنا ساعة من الوقت قبل أن يغادر ~~قطارنا. جلسنا في مقهى كروبكيه، يوهانيس وأنا ليحكي لي للمرة الثالثة حكاياته عن الأمريكيين ~~المجانين على الزحافات، وكنت أنظر من النافذة المطلة على الميدان الكبير، وفجأة رأيته.» ~~«من رأيت؟» سألت فاندا التي لم تفهم شيئا، إلا أن زابينة وضعت يدها على ذراعها في رجاء ~~أن تلزم الصمت. # زفرت بيترا وقالت: «بدا شكله تماما مثل تلك المرة في الديسكو. أنا أتحدث عن مايك الوسيم، ~~من كانت معه الأزرار الحمراء. خرجت وتوجهت إلى الكشك الذي كان يشتري منه الجريدة.» تهدج ~~صوتها: «كنت غبية، ما كان يجب أن أركض هكذا، ربما أدرك وجودي لهذا السبب. على أية حال، لقد نظر ~~تجاهي، استدار ثم فر هاربا، ركض هكذا ببساطة. يا له من أحمق!» زمجرت غاضبة. «وأنا طبعا ركضت ~~خلفه. لكن كانت هناك تلك الحافلة اللعينة. فريق احتفالية ما وقف بحافلته في منتصف الميدان. ~~وهكذا ms272 اختفى مايك وراء الحافلة وهرب. ثم رأيت يوهانيس قادما نحوي. وحينئذ رأيت الرجل يثب ~~هابطا سلالم ممر التسوق وراكضا في اتجاه المحطة الرئيسية. أعطيت يوهانيس إشارة وانطلقنا في ~~إثره.» ~~«لقد لاحظت من الطريقة التي انتفضت بها خارجة نحو الكشك أن للأمر علاقة بالشاب الوسيم ~~هناك.» غمز يوهانيس للأخريات بعينه وأكمل: «لكن ليس كل الناس يفضلون الهجوم المباشر. على أية ~~حال كان معي ما يكفي من الفكة كي أحاسب على طلبنا، وألم ملابسنا وألحق بكما.» # قاطعته بيترا: «كم كانت رائعة الطريقة التي تصرفت بها.» # واصل يوهانيس: «السخيف في الأمر ... أنه هرب إلى ممر التسوق بالطابق السفلي ذي السقف المفتوح، ~~وعندما يصعد المرء مجموعات متتالية من السلالم يصل إلى وسط المدينة، فكل مرة يصل فيها إلى عتبة ~~بين الدرجات لا أعرف إن كان سيهرب إلى الطابق التالي، أم أنه سيعاود الظهور على الناحية الأخرى ~~من السلم.» # التقطت بيترا طرف الحديث: «ولهذا قسمنا أنفسنا. أنا أركض يسار السلم، ثم في خط مستقيم، ~~ويوهانيس يأخذ الجانب الأيمن للممر، وأمامنا مايك يركض حول الأعمدة الخرسانية في خط متعرج مثل ~~الأرنب، يظهر ثم يختفي، ثم يظهر ثانية ويختفي.» ~~«أردنا أن نمسك به في كماشة، لكن لم يتضح لنا إلا بعد فوات الأوان أننا اخترنا طريقة خاطئة، ~~ففي يوم شتوي صحو مثل هذا يصير الواحد ضائعا تماما إن سار في خط مستقيم، فعلى ناحيتي وضعت ~~حوامل تعرض ملابس داخلية نسائية، فوقفت إلى جوارها السيدات. العبور من الأعمدة الخرسانية أسهل ~~كثيرا من العبور من بين السيدات!» # واصلت بيترا حديثها: «بالنسبة لمايك لم تعد المسألة كونها لعبة. على الأقل كان هذا ما يبدو ~~عليه؛ إذ كان يتحرك بخفة مثل ابن عرس. أنا متأكدة أنه كان يعرف من البداية إلى أين يتجه. سيان ~~الآن.» أحكمت قبضتي يديها وضغطتهما ببعض وهي تقول: «واصلت ملاحقته ومطاردته عبر الممر. كنت ~~أريده. ذاك الشرير. كان لا بد أن أصل. وعلى السلم الكهربائي الطويل بلا نهاية المؤدي إلى مترو ~~الأنفاق تركني معلقة بلا رحمة، مثل ms273 مشهد في فيلم، قفز إلى عربة المترو وأغلقت الأبواب وأنا ~~أقف على الرصيف وأمسك خصري وأنظر في بلاهة إلى أضواء عربة المترو وهو يمضي معها.» # قالت زابينة في صوت ينم عن خيبة الأمل: «يعني لا نهاية سعيدة؟» # قال يوهانيس: «من الأفضل أن نقول إن الشرير حالفه الحظ في هذه الحلقة، وإن للمسلسل بقية.» ~~في أثناء ذلك أخرج كاميرا رقمية من جيب بنطاله، ونقر عليها عدة نقرات ثم ناولها إلى ~~فاندا. # كانت الصورة مهتزة قليلا، لكنها استطاعت أن ترى وجه الشاب بوضوح عندما كبرت اللقطة. كان ~~نحيفا ذا ملامح واضحة تكاد تكون طفولية، له شعر قصير أشقر داكن. قدرت أنه في بداية العشرين ~~من العمر. كان ينظر بفزع نحو الكاميرا. # أوضح يوهانيس: «كانت تلك اللحظة التي رأى بيترا تركض نحوه فيها. لكن نظرا لأنني التقطتها ~~من المقهى فلا يمكن اعتبارها صورة سيئة.» # نظرت زابينة للصورة من فوق كتف فاندا، وقالت بإعجاب: «نظيفة. صورة رائعة لمطاردة، ربما ~~تمكن فولفجانج أن يستخرج منها المزيد بواسطة برنامج الفوتوشوب.» # ابتسم يوهانيس ابتسامة منتصرة وهو يقول: «وأنا عندي فكرة لتتمة المسلسل. لن يهرب مني هذه ~~المرة.» # الفصل الثاني والأربعون # | عد القطط في زنجبار # في ذات المساء ذهبوا إلى شقة فاندا وبعثوا بصورة مايك عن طريق البريد الإلكتروني إلى جماعة ~~«والدن أربعة». كان يوهانيس يأمل أن يكون هذا دافعا لإخراج الجماعة من مخبئها، وهذا ما حدث ~~فعلا؛ إذ وصلهم بالبريد العادي عرضا باللقاء في اليوم التالي مباشرة في ماربورج، وقد طالب ~~المرسل - شخص ما يدعى تيد - بتوخي الحيطة. مكان قصي لا جمهور فيه، يفضل في الغابة. على ~~فاندا أن تحضر بمفردها، وأكد أنه سيعود فورا لو لم تلتزم بالشروط. # نال الإحباط من بيترا؛ فقد كانت تظن أن مايك هو من سيحضر. ظلوا في شقة فاندا حتى منتصف ~~الليل يدبرون الخطة لليوم التالي، سيبقى يوهانيس وزابينة بالقرب من فاندا. كانت بيترا تريد ~~الاحتفاظ بوظيفتها في المعمل، وبعد أن اتضح أن مايك لن يحضر قررت أن تلتزم بواجباتها الوظيفية، ms274 ~~فالموظفون لا يحظون بمواعيد عمل مرنة. اقترحت زابينة أن يتم تزويد فاندا برابط بينها من خلال ~~الهاتف المحمول وبين محطة عمليات رئيسة. ستجلس زابينة في مقهى البرج وتتصل بيوهانيس مباشرة إن ~~احتاجت فاندا للمساعدة. سعدوا جميعا بفكرتها، وتواعدوا على اللقاء في ظهيرة اليوم التالي في ~~مقهى البرج ليتدربوا على العملية، ثم حل الموعد في تمام الساعة الثانية بعد ظهيرة يوم الثلاثاء. ~~ووقفت فاندا على منصة العرض الخاصة ببرج القيصر فيلهلم. # وكعادة أيام العمل كان اليوم هادئا أيضا، فانتظرت فاندا. أحاطت غلالة رقيقة من الضباب ~~بالمدينة، وكانت فاندا قد اعتادت على أن الشمس لا تنجح في إزاحتها إلا فيما ندر. أحيانا كانت ~~تحضر إلى هنا ظهرا لتقرأ مقالا علميا دون أن يزعجها أحد، أو حتى تعثر على الأسلوب القاطع في ~~صياغة أحد الأبحاث. ضغط ركاب سماعات الرأس على رقبتها، فسحبته إلى الخلف بحذر حتى لا ينزلق ~~الميكروفون المخبأ وراء الرقبة العالية لمعطفها السميك. كان السلك يمتد منه إلى الهاتف ~~المحمول في الجيب الداخلي، أما الهاتف فيخص فولفجانج صديق زابينة وكان مفتوحا. في هذه الأثناء ~~جلست زابينة في مقهى البرج المجاور، في نهاية الطرف الثاني للوصلة، سارت الأمور على ما يرام في ~~البروفة التي أجروها، إلا أن فاندا لم يعجبها عدم تمكنها من سماع زابينة، في حين أن الأخيرة ~~تسمعها. في الأحوال العادية كانت فاندا لتستمتع كثيرا بقدرتها على الثرثرة بالهراء في أذن ~~صديقتها، لكن الآن ودون أي إشارة مسموعة منها شعرت وكأنها تنظر إلى مرآة خاوية مما زاد من ~~توترها، لكنها حاولت أن تهدئ من نفسها بأن هذا الوضع أفضل من لا شيء. وفي حال قطع الاتصال ستقوم ~~زابينة بالاتصال بها على هاتفها، سترن مرتين، بعدها على فاندا أن تحاول إنهاء المقابلة أو أن ~~تتمها في مكان أكثر حيوية. وماذا لو دخلت إلى منطقة ليست بها تغطية للهاتف المحمول؟ أرادت فاندا ~~أن تعرف. هم أيضا فكروا في هذا الاحتمال، إن فشلت التقنية في تتبعها يبقى الاعتماد على ~~المراقبة الحركية التي ستكون ms275 على أتم استعداد: لقد كانت مهمة يوهانيس هي حماية ظهر فاندا، وعن ~~طريق محمول آخر ستستطيع زابينة أن تصل إليه طول الوقت. # صار له عشر دقائق وهو يمارس الركض البطيء حول أورتينبورج محاولا إبقاء فاندا في مجال بصره. ~~ورغم أنها شكت في مصداقية تخفيه، فقد سعدت أنها لم تكن وحدها. في الواقع كان الجو أبرد من ~~أن يصلح للركض. لقد كان يوهانيس يتباهى بطبقات الملابس الثلاث التي يرتديها وتخفي بنيته ~~الضعيفة. هذا الامتلاء بالحشو المنفوش، مع سمرة البشرة التي تشبه الجلد المدبوغ، من شأنهما أن ~~يزيلا أي شك في انتماء هذا الكائن إلى الفصيلة المنقرضة من مرتدي حمالات البنطال المرنة، ~~والتي تعتبر كلمة «الهواء الطلق» كلمة أجنبية، والتي تقودها روحها الوثابة نحو الريادة إلى أن ~~تخلف عطرها النفاذ في محطات البنزين، والسوبر ماركت، وأمام أكشاك بيع البطاطس المقلية، لكنك لا ~~تقابل هؤلاء في الغابة إلا نادرا . # كانت فاندا تنظر إلى الأشجار وتعبث متوترة بالزر البلاستيكي في جيب معطفها، سيتعرفون بعضهم ~~على بعض من الشارة الحمراء. كان الجراج بالغابة خاويا إلا من سيارة واحدة. # هناك ينتهي الطريق المسفلت بين المستشفى والبرج الذي يشق الغابة في خط مستقيم، بخلاف ذلك ~~توجد طرقات التجول. تركت فاندا بصرها يتجول مرة أخرى فوق المدينة، كانت جلستها في البرج وكأنها ~~على كف تمد منها أناملها المعوجة لتلتقط الطبيعة كثيرة التلال. كانت المرتفعات البعيدة هاجعة في ~~حضن الضباب، وكل ما وراءها بدا جد بعيد، وحين استدارت وجدت خلفها هيئة داكنة تنظر تجاهها، لكنها ~~لا تأتي بخطوة لتقترب منها. # همست في ياقة المعطف: «بدأنا.» # كان الشخص طويلا يرتدي معطفا أسود وحذاء عالي الرقبة ثقيلا، حين لاحظ وجودها ورأى ~~أنها تأتي نحوه أدار رأسه ونظر يمينا ويسارا. ذكرها أنفه الطويل والتجعدات حول العينين ~~اللتين لا تفارقانها أبدا بغراب جائع. كان يعبث بزر أحمر بين أصابعه، وحين اقتربت رأت نظراته ~~الطاردة التي يخفيها جزئيا تحت غرته الكثيفة. أظهرت فاندا شارتها وذكرت اسمها. # وبحركة سريعة أزاح شعره من على وجهه، فبدا ms276 وجهه شاحبا بدرجة لا تناسب شبابه. كان في وجهه ~~شيء مألوف، إلا أن الانطباع لم يمكث طويلا؛ لأنه استدار في نفس اللحظة. لمع شعر أبيض يتخلل ~~الخصلات الأخرى في مؤخرة رأسه، فيما تناثرت قشرة الشعر على ياقته وأكتافه. خطا خطوات واسعة إلى ~~داخل الغابة، لاقت فاندا صعوبة في متابعته. # وقف على الممشى العريض. ~~«ماذا تريدين؟» تحشرج صوته وكأنه ينعق. ~~«من هو مايك؟» ~~«ماذا تريدين منه؟» ~~«سأصفعه لطمة على وجهه.» قالت فاندا مراهنة، إلا أن تيد كان يسيطر على أعصابه. ~~«هل هذا كل شيء؟» ~~«لم يكن حذرا. لقد شوهد.» # لم ينطبق هذا الكلام مع الحقيقة تماما لكنه أتي بمفعول؛ إذ بدا تيد مرتبكا لبعض ~~الوقت. # مط وجهه وهو يقول: «لم يكن كذلك.» الآن أحكمت عليك الخناق، قالت فاندا لنفسها في انتصار، ~~ومشت ببساطة على ممشى الغابة. ~~«هل تريد أن تتجمد هنا؟» # قال هامسا: «أولا، لا بد أن تختفي الصورة»، ثم تبعها على غير رضا. ~~«انس أمر الصورة، هنالك شاهدة لها ذاكرة قوية، سأعرض عليك اقتراحا آخر: احك لي ما الذي ~~حدث في قسمنا يوم السابع من نوفمبر. إن أقنعني كلامك فسنلزم نحن الصمت وستنسى الشاهدة كل ما ~~رأت. فقدان ذاكرة مؤقت.» من الجيد أن بيترا لم تكن تسمعها. # ضربت فاندا بيدها على مؤخرة رأسها وقالت: «لا بد أن هذا مألوف لك.» نظر إليها نظرات ~~سوداء. ~~«من تعنين ب «نحن»؟» ~~«يوهانيس ليبكنيشت، بيتر سنايدر، هل يكفي هذا؟ للأسف لم يكن من السهل إبعاد الشرطة عن ~~المسألة تماما.» شد تيد غرته وتقوست شفته السفلى، والتزم الصمت. ومرة واحدة انفجرت هي في ~~الكلام. ~~«لا أستطيع تحمل أن يهاجمني أحد.» # ظل على عبوسه وهو يقول: «هذا ليس أسلوبنا.» ~~«لكنك تعرف عم أتحدث.» # لم يحر جوابا. ~~«ماذا إذن؟» بدا لها إظهار الغضب أمرا سهلا؛ ألأنها تشعر بالتفوق؟ بدا الشخص غير مؤذ، ما ~~زال فتى صغيرا. إن كل التعب الذي بذلوه في المراقبة والوصلة الإلكترونية كان لا لزوم له، لقد ~~بالغوا في المسألة كثيرا. كان تيد لا ms277 يزال صامتا، فواصلت فاندا الكلام: «أعرف ماذا تفعلون. ~~أنتم تبحثون عن المعلومات المريبة من أجل أن تعاقبوا العلماء والباحثين بسببها، أعطاكم يوهانيس ~~هذه المهمة، أن تحصلوا على بيانات خاصة بدراسة شركة بي آي تي، وهو الآن يريد أن يعرف إن كنتم ~~حصلتم عليها.» رأت كيف أن ظهر تيد يتصلب وكيف تغوص يداه في جيوب معطفه، بينما تحملق عيناه على ~~الطريق. # احتد صوتها وهي تقول: «سأحكي لك كيف كان الوضع. شعر مايك أننا نزعجه لذلك ضرب يوهانيس ~~أولا ثم ضربني، بعدها أخذ البيانات من على الكمبيوتر ثم مسح كل شيء، لحساب من تعملون حقيقة؟» ~~بينما كانت تتكلم لم ترفع عينيها من عليه. فهز تيد رأسه. ~~«ماذا إذن؟» # تهدج صوته قليلا وهو يقول: «نحن لا نبيع ضمائرنا.» فتساءلت في أعماقها هل كان غاضبا؟ «نحن ~~نتصرف من واقع قناعاتنا، نحن نريد أن نزلزل الأساس العلمي والتقني لمجتمع اليوم. هذا الهدف لا ~~يتحقق بمجرد الإصلاح، ونحن لا نسعى وراء سلطة، العكس تماما، نحن نرفض أي سيطرة تفرضها المنظمات ~~الكبيرة لأنها تسلبنا حريتنا.» أشار بيديه وكأنه يلقي بشيء «من الأفضل التخلص من النظام الفاسد ~~والبدء من جديد.» ~~«بمساعدة شخصيات مثل مايك؟» ~~«لماذا لا نضرب النظام بنفس سلاحه؟» ~~«لماذا تحميه إذن؟» ~~«سنتضرر كثيرا لو تخلصنا منه، علاوة على ذلك لم يكن الأمر كما تعتقدين.» تردد قليلا ~~قبل أن يكمل: «حين دخل إلى غرفة الكمبيوتر وجد شخصين على الأرض، رجل وامرأة كلاهما على قيد ~~الحياة، ولم ير أي جروح بهما. ووجد جهاز كمبيوتر مفتوحا. وجد مايك بسرعة مدخلا إلى النظام، ~~لكن حساب بيانات الشخص المقصود كان فارغا، وكذلك تم مسح محتويات سلة المهملات. وضع الزر الأحمر ~~إلى جوار الكمبيوتر وغادر. ربما كان غبيا، لكن هذا يبرهن على براءته، وإلا فهل كان ليخلف ~~أثرا كهذا؟» نظر إليها نظرات متسائلة توحي بالأمل ثم أكمل: «انتظر قليلا بالطرقة إلى أن ~~سمعكما تتحدثان ثم اختفى.» ~~«وتركنا هكذا ببساطة ملقين على الأرض؟» # قال تيد ناعقا: «هل كان عليه مثلا أن يفتح الباب ms278 لطبيب الطوارئ؟ ألم أقل إنه انتظر أن ~~تظهرا علامة أنكما ما زلتما على قيد الحياة قبل أن يمضي إلى سبيله؟ كان ينبغي ألا يراه ~~أحد، وكان لا بد أن يذهب ويختفي. لقد تصرف تصرفا سليما، علاوة على أنه انطلق من كونكما ~~غادرتما المعهد قبله.» ~~«ماذا؟» ~~«لقد تحرك المصعد وهو لا يزال في الممر.» ~~«متأكد؟» ~~«هذا ما ورد في تقريره.» # أخذت فاندا تفكر؛ هي ويوهانيس لم يستعملا المصعد حين غادرا المعهد تلك الليلة، كان ذلك بعد ~~الثانية عشرة والنصف. ~~«هل رأى أحدا؟» ~~«لقد قلت سلفا، لقد انتظر حتى غادرتما، لم يكن بالخارج سوى سيارة تويوتا، السيارة الأخرى ~~لم تكن موجودة، بعدها اختفى هو أيضا.» # صاحت غاضبة: «انتظر لحظة، عن أي سيارة تتحدث؟» في هذه اللحظة رن هاتفها المحمول. دست فاندا ~~رأسها داخل ياقة معطفها. كان الهاتف يرن في معطفها بصوت مكتوم مثل منبه قديم يختنق أسفل وسادة ، ~~وبعد الرنة الثانية ساد صمت بشكل لا يصدق. مباشرة شعرت أنها ممسوكة من ياقتها، ثم سمعت السوستة ~~تئز وشعرت بالهواء البارد على رقبتها، وقفت متصلبة إذ انفتح معطفها تماما. ضحك تيد ضحكة قصيرة ~~وهو يصطاد الهاتف المحمول من الجيب الداخلي، تركها ثانية وأخذ يتفرس في شاشة المحمول. ~~«هل أعاود الاتصال بزابينة كي تعرف كل شيء؟» لا بد أنه قرأ الاسم على قائمة المتصلين. من ~~هو؟ وعم كان يتحدث؟ ثمة شيء فيه مألوف بالنسبة إليها، وكأنها رأته من قبل على شاشة عرض ~~سينمائي، ورغم أنها بحثت في ذاكرتها عميقا، لكنها لم تصل إلى شيء. سمعت ضحكته المنتصرة وهو ~~يقول: «أنت لا تعرفينني. أما أنا فأعرف عنك أكثر مما تودين أن تسمعي.» مس بإبهامه لوحة ~~مفاتيح المحمول وهو يقول: «هل لدى زابينة خبر عن روتشيستر؟» تجمدت فرائص فاندا. أغلقت سوستة ~~معطفها. ~~«أنا لا أعرفك.» ردت وعيناها لا تفارقان أصابعه التي تتحرك على المحمول. هل ضغط على زر ~~الاتصال؟ ~~«كذبة بيضاء.» قالها وهو ينظر إليها بانتباه «ألم يلاحظ ريك شيئا بعد؟» كانت فاندا تفكر ~~بسرعة: من هذا ms279 الشخص القميء؟ # بدأ يصيح فيها قائلا: «أنت لست أفضل من الآخرين. لا تقولي لي شيئا عن الفضول العلمي، ~~ولا عن الفائدة التي ستعم على البشرية، أنتم لا تعبئون بمثل هذه الأمور.» ~~«ماذا يعنينا إذن؟» حاولت فاندا كسب بعض الوقت، وأخذت تمعن التفكير لكن دون أن تصل لشيء. ~~خاطرت بإلقاء نظرة من خلال الأشجار. أين يوهانيس؟ هل يسمعها؟ ~~«ماذا؟» كانت نبرة تيد تشي بالغضب. «ألا تعرفين دوافعك الحقيقة؟ نمطية مثل أي عالمة.» أخذ ~~نفسا عميقا وأكمل: «طموحة وتهوين السيطرة مثل معظم زملائك. كلها تصرفات تعويضية. أهداف ~~اصطناعية. لا شيء منها يمكن أن يحقق الرضا لشخص. أنت تنتمين إلى الحيارى إلى الأبد الذي يعلمون ~~أكثر ويملكون أكثر، مفروض عليهم الفعل، تقودهم في ذلك حاجات شخصية نفسية لأن إشباع الدوافع ~~البيولوجية الحقيقية أصبح أمرا تافها بالنسبة لهم.» ~~«وأنت ما دوافعك؟» حاولت أن تلهيه عنها، وتمنت من داخلها ألا تكون زابينة تسمع هذا ~~الحديث. # واصل كلامه بحماسة: «ربما يكمن تصرفك التعويضي في السعي إلى كشف سر شخصي.» # شعرت فاندا من فورها بغضب عارم: «ما المقصود من كل هذا؟ دورة تدريبية مكثفة في الوعي خاصة؟ ~~ماذا تريد أصلا؟» # قال بهدوء: «أمر في غاية البساطة: تعملين على التخلص من الصورة، وأنا سألتزم الصمت.» # جفل كلاهما حين سمعا طقطقة فرع شجرة جاف. أمسكها تيد وسحبها خلف شجرة. كانت أصابعه تضغط ~~بشدة على ساعدها، في حين أمسك الهاتف المحمول في اليد الأخرى. كان يوهانيس يركض على الممشى ~~الموجود بالغابة، فتنفست فاندا الصعداء. ~~«وماذا يا ترى تريد تعويضه بهذا السلوك الأحمق؟ هل هي حماستك لمعتقداتك تدفعك للتبشير ~~بها؟ هل تريدني أن أبدل معتقداتي لأعتنق البحث في الحقول والغابات والمروج؟» ~~«أنت لا ترين سوى ذاتك، مثلك مثل أولئك الأمريكيين الذين ينفقون مبالغ ضخمة لبحث جزيئات ~~ضئيلة، ولهذا أيضا أنت لا تفهمين أي شيء.» صمت قليلا واسترق السمع، وحين لم يسمعا صوت خطوات ~~أخرى واصل حديثه قائلا: «ليس الهدف أننا نريد أن نعد القطط في زنجبار كما في تلك الرواية، ~~وإنما ms280 الهدف هو إعادة التحكم في الأمور الوجودية، في الشروط الأساسية التي تحدد الموت ~~والحياة.» # ظلت فاندا تحدق في إبهامه، لكنها لم تجرؤ أن تهز يده، لم تكن تثق تماما في التغير الفجائي ~~للموضوع. عن أي أمريكيين يتحدث؟ ~~«لا بد أن نعرض أنفسنا لقوى الطبيعة. لا أعني بذلك الجولات المتطرفة على الأنهار المتجمدة، ~~أو عبر عوالم الصحاري أو الأدغال بهدف زيادة نسبة ضخ الإندروفينات، إنما أعني الحياة البسيطة. ~~كوخ في غابة بمنأى عن المدنية. لقد قدم ثورو مثالا على ذلك.» ~~«من؟» ~~«هنري ديفيد ثورو، وهو كاتب أمريكي ونحن نرجع إلى كتاباته. كتابنا الملهم اسمه «والدن»، ~~لكننا لم نكن أول من يستلهم من أفكاره، لذلك نسمي أنفسنا «والدن أربعة».» # واصلت صياحها: «لستم إلا مجموعة من الفوضويين. أنتم حتى لم توفقوا في العثور على عنواني ~~الحالي. الصدفة وحدها هي التي أوصلتني للقائمة التي كان سنايدر ينوي أن يرسلها لي أنا أيضا. ~~كيف تريدون إصلاح العالم بهذه الاستعدادات المنقوصة؟» ~~«رغم كل شيء ما زلنا على دراية بكل ما يحدث.» ~~«هكذا إذن؟» # قال: «الأمريكيون يحومون حول المكان، يطلقون الرصاص على نحو أعمى، يتبعون منهج المحاولة ~~والخطأ، لكن سرعان ما سيتمكنون من الإيقاع بالفريسة. إنها مسألة وقت ليس إلا وستعرف الحكومة ~~الأمريكية أنكم تفحصون مادة إن بي 2701، تلك المادة التي أعلنت الحكومة أنها سر من أسرار ~~الدولة، والحكومة تجمع الحجج الضرورية من أجل استعادة المادة التي وزعتها مصانع الأسلحة ~~مؤخرا بسخاء بالغ.» ضحك ثم أكمل قوله: «وهي مسألة بسيطة للغاية بالنظر لحجم الجزيئات، لكن ~~عليهم أن يسارعوا قبل أن يستحوذ الاقتصاد الخاص على براءات اختراعهم. فقط أتساءل: أي حكومة ~~بوسعها أن تعترف علنا أن الإمكانية الحربية الكامنة في مادة ما أحب إليها مما تحوي من نفع ~~للبشرية؟» # أدركت فاندا أن هذا هو السبب الذي دفع بيتر سنايدر لأن يكتب لها من عنوان متخف، لقد كان ~~يريد أن يحميها. جاء صوت تيد الصبياني يخترق أذنها ثانية: «نحن لم نأخذ البيانات. وإن كانت ~~لدينا لم نكن لنخبر بها ms281 أحدا، فالأمر جد خطير.» ارتعدت فرائص فاندا، كانت أصابع تيد ما زالت ~~تضغط على ساعدها بقوة، لدرجة أن الخدر بدأ ينتشر في يدها اليسرى. ضيقت عينيها وتفرست في ملامحه ~~سريعا، فنظر إلى الناحية الأخرى. # سألته بحذر: «هل علينا أن نعرف بعضنا؟» هز رأسه نافيا وقال: «الأفضل لا.» تركها وأمسك ~~بالهاتف المحمول على أذنه ثم ناولها إياه، أتاها صوت زابينة المألوف وكأنه يخترق طبقات من الحشو ~~ليصل إليها. ترى ماذا سمعت صديقتها؟ حين تلفتت فاندا حولها رأت ذيل معطف يختفي وهو ينحدر مع ~~المنحنى الهابط. لقد ولى تيد هاربا. كان باستطاعتها أن ترسل يوهانيس وراءه، لكنها تساءلت: ~~وما جدوى ذلك؟ كانت قد اقتنعت في غضون ذلك أن مايك لم ~~يكن الرجل الذي يبحثون عنه، لكن ترى لمن كانت السيارة التي رآها في الجراج الكائن أمام ~~المعهد؟ صعدت إلى البرج على طريق الغابة خائرة القوى متجمدة الأوصال، لاقتها زابينة ولم تطرح ~~أية أسئلة. استراحت فاندا عندما سمعت أن تيد لم يعد الاتصال بينهما فعلا إلا في نهاية لقائه ~~بها، وأمام المدفأة المتقدة في مقهى البرج أخذت الصديقة تدلك يدها إلى أن عاد فيها الإحساس، لكن ~~ظلت خمس بقع زرقاء تبرقش ساعدها، كما ظل ضغط أصابعه يزعجها حتى اليوم التالي. # الفصل الثالث والأربعون # | إحباط # أثناء الليل عاودها الحلم ثانية: هي في منزل والديها، تعرف أنه أسفل بالقبو. تغلق سريعا ~~الباب المفضي لسلم القبو، تدير المفتاح، فيصدر القفل القديم صوت طقطقة متشكيا، وتسمع الباب ~~ينفتح وهو يطلق صوت صرير. فجأة يغمر الضوء المكان. في المطبخ نافذة لا تزال مفتوحة، فتغلق باب ~~البيت بالمفتاح وتسرع نحو النافذة. وهناك تجده جالسا في إطار النافذة، فيقفز ليقع أمامها منفرج ~~الساقين، إنه حديث السن متهدج الأنفاس يقول: «لا أريد سوى أن أظل عندكم.» كانت نبرة الرجاء في ~~صوته واضحة. # استيقظت بلا خوف وكانت على يقين أن هذا الحلم لن يتكرر ثانية. # كان هذا هو الحل. لقد كان ظلها وكان ينتمي إليها، كلما أقصته ألح في تتبعها. حاولت فاندا ms282 ~~أن تحفر صورة وجهه في ذاكرتها فقد أعجبتها، كانت مثل صورة منعكسة على صفحة الماء تختفي بسهولة ~~في دوامات أحداث اليوم المضطربة، ليتها تستطيع أن تصورها فوتوغرافيا لتحتفظ بها إلى ~~الأبد. # ليتني كنت أستطيع الرسم، جال هذا ببالها. # تزاحم الناس في الحافلة رقم سبعة التي تصعد منحدرات اللان. اضطرت فاندا أن تنزل لوهلة عند ~~المحطة الرئيسية لتسمح لطوفان من البشر بمغادرة الحافلة، إلا أن طوفانا يقاربه عددا صعد بدلا ~~منه. كانت تقف في نهاية الحافلة معلقة من يدها اليمنى بقضيب مثل قرد صغير ذي ساقين جد ~~قصيرتين. كانت الذراع اليسرى لا تزال تؤلمها. لمحت زميلها المختص بعلم الفيروسات في المقدمة ~~واقفا إلى جوار السائق، أليس من المفترض أن يعود الأسبوع المقبل من رحلته إلى الولايات ~~المتحدة؟ كان لا يحيد عن النظر أمامه. # كان كانتيرات أبعد من أن تحاول مخاطبته. # وعند محطة هانز-ميرفاين-شتراسه رأته يختفي وسط حشد من الشباب الذين يتحدثون ويتقافزون وهم ~~متوجهون إلى محاضراتهم في المعاهد العلمية المقابلة. مشى منحني الظهر، وكان من الواضح أنه في ~~عجلة من أمره، كما أنه أعطاها الانطباع أنه يهرب من أمر ما. # هذه المرة أخذت المصعد حتى القسم، وأخذت تفكر هل كان يقف هنا في المصعد بعد أن قام بضربها ~~هي ويوهانيس وسرقة بيانات زابينة؟ إنها تعتبر أن الفاعل كان رجلا. أغلقت عينيها لبعض الوقت ~~محاولة أن تستشعر وجوده في المصعد وهو ينزل. هل كان راضيا؟ هل حصل على ما كان يبحث عنه؟ آنذاك ~~كان مضطرا أن يقف وراءها في غرفة الكمبيوتر لوقت قصير. بعدها تلك الثغرة في ذاكرتها التي لا ~~يزال عقلها متمسكا بها رغم أنها لا تستطيع أن تملأها بشيء. # ومضت لمبة صغيرة على جهاز الرد الآلي الخاص بها، أحدهم ينتظر أن ترد مكالمته. تعرفت فاندا ~~على رقم السكرتيرة. دخل يوهانيس وألقى بنفسه على الكرسي المعيب، وتأوه كلاهما. # قال وهو يسعل: «جسدي كله يؤلمني.» ~~«ظننت أنك ذهبت للتزلج على الجليد.» # رد وكأنه يعوي: «هذا عبء مختلف تماما.» ~~«هل مسحتم الصورة؟» # لم ms283 يرد وإنما ظل يتفرس فيها متشككا، وقال: «يبدو أن ذلك الشخص قد خلف انطباعا قويا ~~لديك.» عبثت فاندا بكومة أوراق على مكتبها. لم تشأ أن يلاحظ يوهانيس توترها. فمساء أمس تعرفت ~~على صورة تيد، كان بين نحو أربعين من العاملين في المعهد الأمريكي متراصين أمام المصور على ~~درجات سلم المعهد. استطاعت أن تكتشف وجهه باستخدام العدسة المكبرة. نفس الشبه بالغراب الذي ~~أنبأتها به فراستها، لكن شعره كان قصيرا وقتها. وجدته واقفا في صف من أواخر الصفوف، غير ظاهر ~~للعيان. كان باحثا في مرحلة ما بعد الدكتوراه، مثلها تماما، لكنه كان في مجموعة أخرى. كان لا ~~بد أن تعترف أن هذا الوجه لم يكن يحمل اسما في ذاكرتها، هل تيد هو اسمه الحقيقي؟ وقتها أيضا ~~لم تتبادل معه فاندا أي كلام ولم تكن تعرف أنه ألماني. من أين عرف حكاية ريك؟ ورغم كل الغموض ~~الذي يكتنف هذا الشخص فإن فاندا بذلت ما في وسعها من جهد كي تقنع زابينة ويوهانيس أنهما يمكنهما ~~الوثوق به، كما أن المعلومات التي أعطاها بخصوص اهتمام الأمريكيين بمادة «إن بي 2701» خلفت ~~انطباعا إيجابيا عندهما، لكنهما كانا مستغربين أنها لم تحاول معرفة المزيد حول أمر السيارة ~~الثانية. # نقر يوهانيس على المكتب: «هييه. هل تسمعينني أصلا؟» # ردت فاندا متجنبة الرد: «كانتيرات كان اليوم صباحا في الحافلة.» بعدها نقرت زر معاودة ~~الاتصال على هاتفها، فردت عليها السيدة بونتي. كان بروفيسور شتورم يخطرها أنه سيتولى بنفسه ~~المحاضرة المقرر إلقاؤها في مؤتمر برلين، إلا أنه يأمل أن تنوب هي عنه في محاضراته، وبعدها ~~انتهت المكالمة أيضا. وضعت فاندا السماعة وأخذت تنظر لزميلها متفكرة. ~~«هناك ثغرة ما.» # حدق فيها يوهانيس دون أن يفهم ماذا تقصد. ~~«سأوضح لك الأمر لاحقا.» أضافت في عجالة وتوجهت إلى الجناح المجاور الخاص بقسم علوم ~~الفيروسات. # الفصل الرابع والأربعون # | شعاب داروين المرجانية # دخلت أشعة الشمس من النافذة الجانبية للسيارة من طراز تويوتا على دفعات متوالية وكأنها ~~نبضات من إنارة، إعتام، إنارة، إعتام، إنارة ... ضيقت فاندا عينيها. نظرت إلى ms284 الأمام مجهدة. تعدى ~~مؤشر عداد السرعة المائة والثلاثين، بينما الإطارات الشتوية تضرب أسفلت الشارع، وصوت أناستازيا ~~ينساب من المذياع، أدارت فاندا الزر لترفع الصوت. وعند تقاطع جامباخ أخذت الطريق السري # A5 # المتجه إلى فرانكفورت. لا اختناقات مرورية، استراحت فاندا ~~حين لم يرد طريقها في نشرة أخبار المرور. فيما عدا بضع عربات نقل تسد الحارة اليمنى، كان ~~الطريق مفتوحا مبشرا أنها ستصل في الموعد. # منذ لقائها بتيد بدأت تشعر أن الخناق يضيق حولها تدريجيا. لم يكن بوسعها الهروب ولا ~~التصرف وظلت كالمشلولة، ورفض عقلها أن يجد فارقا في السبب وراء ذلك، هل يرجع إليها أم يرجع إلى ~~بيئتها المحيطة التي باتت تشعر أنها تقصيها باطراد. # لقد أعلنت الزميلة العاملة في قسم علوم الفيروسات بصراحة، أمام باب مدخله الذي ظل موصدا ~~معزولا عن كل ما حوله، أن الزميل في غاية الانشغال، وسيتصل هو بها بمجرد أن يتوفر لديه الوقت. ~~لم تصدق فاندا أي كلمة مما قالت. ثم ذلك الأمر مع الرئيس؛ فمنذ عودته من الإجازة لا يتواصل ~~شتورم معها إلا عبر السكرتيرة التي لم ترد أن تحدد لها أي موعد معه قبل بداية فبراير. مع ~~توماس أيضا لم يعد يتيسر الحديث؛ إذ ظل يتحاشاها بعد الطريقة التي غادرت بها ليلة رأس ~~السنة. وأندرياس عنده امتحانات، على الأرجح أنها أخافته هو أيضا. بيتر سنايدر أكد لها ما ~~لمح به تيد حول طموحات المخابرات الأمريكية، لكن لم ~~تتمكن من الوصول إليه بعد هذا. ماري كامبل كانت «خارج المكتب» للأسبوعين القادمين، حسب الرد ~~الآلي على البريد الإلكتروني، علاوة على ذلك، رأت أن يوهانيس وزابينة يجفلان ويؤثران الصمت ~~بمجرد أن تتلفظ هي بكلمة نانوسنيف؛ ولهذا شعرت فاندا أن الكل يتحاشاها، وكأنها أصيبت بالجذام، ~~لم تعد تتواصل إلا مع رودي الذي لا يوصلها إلى شيء؛ لذا فقد آن الأوان أن تجد لنفسها دعما ~~مستقلا. # عند تقاطع باد هومبورج أخذت التفريعة المؤدية إلى أوبرأورزيل. كلما فكرت في هارتموت ~~فيبيلينج رأت صورة رجل ضئيل البنية أمام عينيها، ذي وجه ms285 نحيل وشعر أشقر قمحي كثيف مقارنة بمن ~~في عمره، ذي عينين في زرقة الماء تنظران عبر نظارة معظمة كبيرة الحجم. آنذاك كان دائما ما ~~يرتدي قميصا أبيض عليه ربطة عنق برسم حيوان. لم تر فيبيلينج منذ ما لا يقل عن ست سنوات. ~~أنى لها أن تبدأ معه الحديث مباشرة؟ في تلك الأثناء كان قد تقاعد. لقد كانت سكرتيرته القديمة ~~من معهد علم الحيوان التابع لجامعة مونستر التي وصلت إليها فاندا على الرقم القديم سعيدة جدا ~~بسؤالها وأعطتها أخباره، كما أوضحت لها بود أن الأستاذ عاد إلى بيته القديم الذي لا يبعد عنها ~~كثيرا. لقد آثر الأستاذ المتقاعد هارتموت فيبيلينج أن يمضي سنوات تقاعده في كونيجزشتاين ~~الكائنة في مرتفعات تاونوس، وأعطت فاندا رقم هاتفه. ~~«آه، أنت السيدة الشابة التي كانت ترتدي جوارب عليها نقش الكنغر؟» ما زالت لديه تلك الضحكة ~~الطفولية. # كان على حق، آنذاك تملكتها رغبة ارتداء جوارب عليها نقوش حيوانات. معقول أنه لا يزال يذكر ~~ذلك رغم أنها لم تكن تدرس عنده أصلا؟ الصدفة وحدها جعلته يشرف عليها في الفصل الدراسي الأول ~~لها بالجامعة، وها قد ثبت أنها كانت صدفة سعيدة أن يندرج اسمك في آخر كشف الأسماء المرتبة ~~هجائيا مثل فيبيلينج، الذي آوى كل المبتدئين من أول تابيرت وحتى فونديرليش تحت جناحه فصلا ~~دراسيا كاملا، وسرعان ما تحولوا إلى دائرة صغيرة تتحلق حول الأستاذ، تلتقي بانتظام، تنظم ~~جولات في الغابة، أو زيارات إلى حديقة الحيوان، أو تذهب لتناول البيتزا وتدخل في مناقشات قد ~~تمتد طوال الليل حول الإله والعالم، وتحكي عن أحلامها الوظيفية، إلى أن باعد بينهم أخيرا ~~وفرقهم واقع الدراسة وإيقاعها اليومي. وكلما عادت فاندا ~~بفكرها إلى الوراء، إلى ذلك الوقت، شعرت أن روح ~~المغامرة تعود إليها متدفقة مثل يوم ربيعي دافئ، وتعيد إليها اليقين بأنها ستحقق كل ما تصبو ~~إليه. في السنوات اللاحقة لم تعد ترى فيبيلينج إلا لماما؛ تلقاه لقاء خاطفا في طرقة أو في ~~احتفالية كبرى، كانت سمعته تسبقه على أنه مدير معهد تتسم ms286 شخصيته بالمغامرة والحكمة. أول أمس ~~تجنبت أن تلح عليه على الهاتف، لكنه سرعان ما استوعب أن ما يشغلها أمر مهم فدعاها إلى منزله. ~~صحيح أنه مشغول نسبيا، لكن في وسعه أن يفسح لها ساعة من وقته إن كانت تكفيها. أسعدها أنها ~~ستلقاه ثانية. # عند أوبرأورزيل تركت الطريق السريع عند مخرج كونيجزشتاين، وبعد بضع كيلومترات وصلت إلى ~~منطقة مامولزهاين. كان من السهل رؤية فيلا فيبيلينج من الشارع، وهو لم يكن يبالغ حين قال إنها ~~أكبر أرض على حافة الغابة. صفت سيارة يوهانيس على الممشى. كان الجرس عبارة عن حوض من النحاس في ~~منتصفه زر، دقت الجرس ففتح هارتموت فيبيلينج الباب بنفسه. نفس العينين الزرقاوين زرقة الماء هما ~~اللتان تطالعانها الآن بفرح وترقب. # لمع بريق فضي على شعره، عاودت فاندا الذكرى ثانية، تذكرت أنه حتى آنذاك كانت أرنبة أنفه ~~منحرفة قليلا نحو اليمين، وكأنه يتشمم رائحة آتية من تلك الناحية على نحو مستمر، بينما هو مثبت ~~النظر على محدثه. تلك اليقظة التي توحي بسيطرته على كل الاتجاهات، كانت تقوي من حضوره الطاغي ~~الذي يتدبر به أمر محاوره أيا كانت حالته. اليوم يرتدي بنطالا من الجينز وبلوفر عالي الرقبة ~~بلون الأزرق الفاتح، وسترة من الجلد. نظر إلى الخف الفرو الذي يرتديه في قدميه وبسط يده كما لو ~~كان يعتذر. ~~«لقد تعاركت معي زوجتي، لكن لم تكن بي رغبة لأن أبدل ثيابي.» ضحكت فاندا. كان الأزرق ~~الفاتح يناسبه كثيرا، لكن حياءها منعها أن تقول له ذلك، وحين أرادت أن تخلع حذاءها أشار إليها ~~ألا تفعل. # قالت وهي تضحك بخبث: «خسارة. هذه المرة موظ كندي.» فأصر على رؤية جواربها. # أدفأت الأرضية المكسية بالقرميد الرمادي قدميها. قادها فيبيلينج إلى غرفة مكتبه. أضفت ~~السجادة فاتحة اللون تباينا لطيفا مع لون الخشب الداكن للمكتب القديم الذي لم يكن عليه سوى ~~جهاز كمبيوتر محمول. أشار إلى ركن للجلوس إلى جوار النافذة، غطست فاندا في واحد من الكراسي ~~الحمراء الصغيرة. فجلس هو على الآخر إلى جوارها. كان الماء يغلي بصوت ms287 مسموع في إناء صنع الشاي ~~الموضوع على منضدة المشروبات. # قال وهو يناولها طبقا من البورسلين الرقيق: «تفضلي، قدمي لنفسك ما تشائين، أم تراك ~~تفضلين قهوة؟» # هزت فاندا رأسها ووضعت الفنجان أسفل حنفية الشاي المطلية بالفضة. كان فيبيلينج يرنو إلى ~~الغابة. ~~«تأتي الغزلان نحو الساعة الثالثة والنصف، واحدة تلو الأخرى. تخرج بحذر بالغ من حماية ~~الأشجار. أحيانا يصل عددها إلى خمس إناث. أستمتع بهذه المسرحية كل مرة أكون فيها بالمنزل. ما ~~زلت كثير السفر. هل تعرفين، نحن الأساتذة نزدهر حقا بعد أن نتقاعد، فأخيرا تخلصنا من ~~الواجبات الإدارية الثقيلة، ونستطيع أن نفعل ما يسعدنا.» نظر إليها نظرة تآمرية وقال: «لكن لا ~~تحكي لزوجتي أيا من ذلك، في وقت ما ستفهم وحدها أنني يمكنني أيضا أن أشذب العشب. وعلى كل حال ~~اكتشف أولادي أن الجد جليسة أطفال ممتازة.» فكر قليلا ثم قال: «إذن أنت الآن في ماربورج مدينة ~~الشعراء والمفكرين: هايدجر، باستيرناك، بين، كاشنيتس، وكان بها أيضا بعض العلماء الأذكياء.» ~~رمق فاندا بنظرة مستمتعة وقال: «علي أن أعترف أني لم أذهب إلى هناك قط، وكما سمعت فعملك يضم ~~الآن جانبا طبيا.» رفع حاجبيه وتساءل: «احكي لي: فيم تعملين الآن وكيف يمكن لي أن أفيدك؟» ~~كان الحديث عن أبحاثها مدخلا جيدا، وتدريجيا بدأ خجلها يتلاشى، وسرعان ما قادها الموضوع إلى ~~سبب الزيارة. حكت لفيبيلينج عما اكتشفته حول نانوسنيف. ركزت على الحقائق العلمية. ~~«علاجات ضد التقدم في العمر.» قال وهو يرفع كتفيه فيغوص رأسه بينهما: «وكأن التقدم في العمر ~~مرض.» فكر قليلا ثم قال: «عندي رؤيتي الخاصة للموضوع: السيطرة لا تؤدي إلا إلى تكبير ~~المسألة. نظل ننفخ فيها وكأنها منطاد نملؤه بالهواء الساخن، ثم نستكثره على السماء.» ابتسم ~~لفاندا من وراء نظارته وقال: «ويوما ما سنعاود زراعة الموت لأننا سنفتقده.» # ظلت فاندا صامتة لوهلة إلى أن تحدثت ثانية، فسيأتي الآن الجزء الأصعب فيما تريد قوله. ~~أوضحت له أن شتورم يتجاهل آخر ما وصلت إليه النتائج حول نانوسنيف، ولم يفتها ملاحظة أن ~~فيبيلينج كان كثيرا ms288 ما ينظر من النافذة في أثناء حديثهما. توقف عن الابتسام فرأت التجاعيد ~~الغائرة حول فمه. ~~«هل حضرت إلي لتشتكي من رئيسك؟» ازدردت فاندا ريقها، وفكرت: كان علي أن أتوقع هذا. ~~فالمثل يقول: لا غراب يفقأ عين غراب مثله. وأبناء المهنة الواحدة يحمون بعضهم ظهور ~~بعض. # قالت بحذر: «لا، لا أريد أن أشتكي.» شعرت أنه فهمها خطأ، «أنا فقط لم أعد أثق في حكمي ~~على الأشياء، ما الخطأ وما الصواب. نانوسنيف يحتوي على مخاطر يرفض رئيسي أن يعترف بوجودها. هل ~~علي أن أحجب معلوماتي لأن رؤيته للأمور غير رؤيتي لها؟» ~~«كونك عالمة يجعلك مسئولة مسئولية شخصية.» ~~«وهذا يعني؟» ~~«المجال المتاح لك للحركة يتناسب مع قوة من يحمي ظهر رئيسك.» ~~«وهذا يتعلق بمصلحته من الموضوع.» ~~«حاولي أن تقدمي له الموضوع بطريقة يستطيع أن يتقبلها بها. ليس ثمة جدوى وراء تحديه؛ ~~إلا إذا ...» ~~«ماذا؟» ~~«لو كنت تسعين وراء التنازع على السيطرة، وهذا ما لا أنصح به.» # تصببت فاندا عرقا. كيف كنت أتوقع أمرا آخر؟ لا جدوى. كان علي ألا أحضر إلى ~~هنا. # أكمل بلهجة ودودة قائلا: «هل تعرفين، هناك طرق متنوعة لتوصيل الحقائق، وهذا يسري أيضا على ~~معارفنا العلمية، والأمر مرتبط دائما وأبدا بالهدف الذي تسعين إليه. إن كانت نيتك هي الإضرار ~~برئيسك فهذا ما سيفهمه الآخرون، وستحشدين قوى الآخرين ضدك، وسينفذون ذلك في صمت مذهل، ولن يفيدك ~~ذلك في موضوعك. أما إن كان همك هو توصيل معلومة أن التقنية الجديدة تحوي مخاطر محتملة، وأنك ~~تستطيعين إثبات ذلك بالتجربة المعملية، فستلقين ساعتها آذانا مصغية. أريد أن أقول إن عليك أن ~~توضحي موقفك، ولا بد أن تصب حججك في صالحك، وهذا لا يتأتى إلا حين يقتنع الناس بنواياك. لا أحد ~~يترك القيادة لشخص لا يثق فيه.» # ردت فاندا بحماسة: «ولكن هذه تحديدا هي مشكلتي. إن أعلنت معلوماتي حول نانوسنيف، فسيدعم ~~ذلك الحكومة الأمريكية التي تبحث في الوقت الراهن عن حجج تمنع بها الاستخدام المدني لنانوسنيف ~~لتخفيه عن أعين العامة، وتخبئه في المعامل السرية للجيش.» ms289 ~~«من أين لك بهذه الفكرة الغريبة؟» # نظرت فاندا في عينيه بثبات: «الأمر هكذا فعلا، فلدي مصادري.» سأكون أنا الشيطان لو حكيت له ~~الحكاية كلها، وسيظن أني مجنونة. تنهد فيبيلينج. ~~«إذن في وسعنا أن نستبعد محاولات الانتقام، نحن هنا لسنا أمام عرض من أعراض «الغضب المقدس»، ~~فأنت لا تريدين الثأر لقضية تظنينها عادلة، أليس كذلك؟» كان يرمق فاندا من فوق حافة فنجان الشاي ~~بانتباه. هزت رأسها نافية بحسم. ~~«ربما كان الأمر كذلك في البداية، لكن في هذه الأثناء بدأ الموضوع يحوي ما هو أكثر.» # واصل كلامه قائلا: «كان شعب الآزتك يعبد ربة الخيلاء. كانوا يطلقون عليها الربة التي ~~تتحكم في الضباب، آياوتيوتيل، سيدة الضباب والدخان. هل تعتقدين حقا أن وظيفتك تخولك السلطة أن ~~تخفي ما تخفين وتعلني ما تعلنين؟ أنت تبالغين في تقدير أهميتك. ليس من حقك التحكم في مثل ~~هذه التطورات.» ~~«لكني أشعر فعلا بالمسئولية .» ~~«نعم بالطبع، فلتبقي إذن على البساط! إن كل محاولة للإمساك بزمام هذا العالم المعقد ~~محتومة بالفشل. حين تحاولين ترويض الحصان من الخلف لا تتعجبين إن ظل يتمرد.» ~~«أخشى أني لا أفقه شيئا في الخيول.» ~~«عليك أولا أن تتحدثي إليه بلطف، وعليك أن تبقي على هذه النبرة الهادئة، سيرتد أثر ذلك ~~إليك، كل شيء آخر سيأتي لاحقا. لا توجد وصفة سحرية.» ~~«سيؤدي ذلك إلى نبذي، وسيكلفني ذلك وظيفتي و...» عضت شفتيها؛ إذ لم تكن تريد أن تحكي له عن ~~جونتر هيلبيرج، لن يكون ذلك مناسبا في هذا السياق. # بدا أنه لا يزال في انتظار أن تكمل حديثها. ~~«وصوتي في المجتمع العلمي ...» ~~«عندك حق. الموضوع يتعلق بكيانك.» ~~«وبمصداقيتي.» # صاح منتصرا: «وهنا بيت القصيد. الأمر يخصك أنت شخصيا، وماذا عن مسألة الخداع ~~العلمي؟» ~~«علي أن أتأكد من ذلك أولا، وإلا فلن أستطيع مواصلة العمل.» ~~«لكن هذا ما أعنيه أيضا، لا يمكن الفصل بين المسألتين. حين تصلين إلى شيء فعليك أن تجدي ~~الطريق لإيصاله إلى الناس، وهذا يتعلق أيضا بمدى قابلية مستمعيك لاستقبال ما تقولينه من ~~معلومات. فالمجتمع العلمي ms290 أقل انفتاحا من عوام الناس فيما يخص وجهات النظر الجديدة. قد يبدو ~~ذلك عبثا، لكن الوضع كذلك حقيقة؛ لأنه في مجالاتنا علاوة على كل حسنات ومساوئ الطبيعة ~~البشرية، هنالك تنوع من الأفكار والرؤى والنظريات والعضويات المعدلة وراثيا ما يستوجب ~~الحماية. حتى داروين رغم عناده كان مناسبا.» توقف فيبيلينج لبعض الوقت، ثم أكمل قائلا: «كان ~~يستخدم في تخطيطات رسوماته لشرح نظرية النشوء والارتقاء استعارة الشعب المرجانية. بهذه الصورة ~~تخطى الفكرة التقليدية التي سادت في العصر الوسيط عن هرمية التطور التي كان يعبر عنها ~~باستخدام استعارة شجرة الحياة، علاوة على ذلك كان يستخدم استعارة الشعب المرجانية لقدرة الفروع ~~الحية على الازدهار فوق الميتة، كما أن هذه البنية تسمح بملاحظة الأنواع الحية والأخرى المنقرضة ~~بنظرة واحدة كل على حدة. كان داروين غارقا في هذه التجربة الذهنية، حين وصله مقال من الباحث ~~الشاب والاس الذي استطاع أن يصور نظرية التطور بشكل مقنع جدا على مثال شجرة البلوط السامقة.» ~~ارتشف فيبيلينج بعض الشاي، ثم أعاد الفنجان ببطء وواصل الكلام: «وبدافع من قلقه على ريادة ~~أبحاثه في نظريات الارتقاء، اضطر داروين لقطع أفكاره التي من شأنها تشكيل المستقبل. كان عليه أن ~~ينشر نتائج أبحاثه قبل منافسه، بالتالي لجأ لاستخدام الاستعارة المألوفة لشجرة الحياة، رغم أنه ~~فكريا كان قد تخطى هذه المرحلة بخطوات. على أية حال، كانت رسوماته تشبه الشجيرات المتفرعة ~~مثل الشعاب المرجانية، وكلما جمع حججا تدعم نموذج الشجرة الذي لم يكن داخليا مقتنعا به، ~~ازداد تورطه في تناقضه الذاتي الداخلي. كان حذرا في صياغة أفكاره؛ ولهذا ظل الانقسام الذي ما ~~زلنا نشعر به اليوم في كتاباته بين الصورة واللغة.» # غمغمت فاندا: «أنا لا أفهم شيئا.» ~~«أنت في أزمة يعرفها جيدا كل الباحثين في العالم. تشعرين أنك مضطرة لتوصيل معلومات، ~~لكنها لا تزال منقوصة بسبب ضغط الوقت.» # زفرت فاندا «تلك هي الحال.» ~~«لكن هذا النقل الوراثي بين حاملات النانو والفيروس موجود فعلا؟» ~~«بالتأكيد.» ~~«لماذا لا تبنين عليه؟» ~~«وبرأيك هل هذا كاف؟» ~~«إن كان الوضع كما تقولين، ms291 فلا يستبعد التفكير في هذه المادة في التطبيقات العلاجية. هذا ما ~~يمكن قراءته من النتائج التي توصلت لها. بالمناسبة لم يكن داروين هو الوحيد في عصره غير الراضي ~~عن استعارة الشجرة، لم يكن متأكدا من أفكاره، لكنه في الوقت نفسه كان يريد أن يضمن لنفسه ~~أكاليل الغار. كان هذا دافعه هو. أما أنت فوضعك مختلف.» أشار من النافذة. خرجت غزالتان إلى ~~المنطقة الخالية من الأشجار، كانتا تنقلان خطواتهما بحذر وكأنهما تتبعان وصية خفية بألا تطأ ~~أقدامهما شيئا. وفي صمت جلس كل من فاندا وفيبيلينج متجاورين ينظران من النافذة. في وقت ما ~~دخلت زوجته إلى الغرفة كي تدعو فاندا لتناول العشاء. ~~«للأسف، أنا مدعوة سلفا.» اضطرت فاندا للكذب؛ فلم تكن تبحث لدى هذين الشخصين الودودين عن ~~علاقات شخصية، وفي قربهما كانت تشعر أنها خرقاء ومتصلبة. ~~«أعلميني بما يحدث إن وجدت فرصة.» قال فيبيلينج وهي تشكره مودعة . لقد حصلت على ما كانت ~~تحتاج إليه، وأيضا على فكرة عن الكيفية التي تواصل بها العمل. وعندما خرجت، كان الظلام قد خيم ~~بالخارج. # وبعد ساعة كانت قد وصلت إلى ماربورج فمرت على المعهد، قامت بتحميل بيانات كثيرة وأخذت كومة ~~من المقالات العلمية المنسوخة تحت ذراعها. كان المذياع يصدح من إحدى الغرف. ألقت فاندا نظرة من ~~النافذة المستديرة في الباب. كانت أولريكه - باحثة الدكتوراه التي تشرف عليها أستريد - جالسة ~~على منضدة التعقيم تعمل مستخدمة الممصات. كانت مستغرقة في عملها لدرجة أنها لم تلاحظ وجود ~~فاندا، وحينما كانت تمشي متوجهة إلى الجراج رأت الزميل المتخصص في علوم الفيروسات. كان يغذ ~~الخطى تجاه محطة الحافلات. تعرف على فاندا وأراد أن يواصل السير لكنها سبقته. ~~«السيد كانتيرات؟» جفل وظل واقفا وقالت هي: «ليس ثمة حافلات الآن. تعال معي، سأوصلك معي ~~إلى المدينة.» ابتعد كانتيرات عدة خطوات عنها ثم استدار، تطاير معطفه المفتوح مع تيار الهواء ~~وهو يتحرك مقتربا من فاندا ببطء، وما إن أصبح واقفا أمامها مباشرة حتى لاحظت علامات الندم على ~~وجهه، وكان يحمل حافظة أوراقه أمام صدره ms292 مثل الدرع الواقية. # قال متلعثما: «أنا آسف.» # ردت بود: «تعال، تفضل أولا بالصعود إلى السيارة.» سارعت فاندا إلى السيارة وفتحت ~~القفل المركزي عن بعد فأصدر صوتا. احتاج كانتيرات بعض الوقت إلى أن استقر بملفاته داخل حزام ~~الأمان. اختارت فاندا الطريق القريب الهابط إلى وادي اللان. # بدأ بالقول: «في الحقيقة علي ألا أخبرك هذا.» ثم تحول ناحيتها «لقد سحبت المسألة ~~مني، وأرغمت على الصمت.» نظرت فاندا إليه متسائلة. ~~«موضوع يخص الرئيس.» ~~«لكنك تعرف النتيجة؟» ~~«كلا، نتيجة التحليل سحبها رئيسي مباشرة، لم أر سوى أن السيد شتورم دخل إلى مكتبه بعد ~~ذلك بوقت وجيز.» ~~«أما زلت تذكر متى حدث ذلك؟» ~~«قبل عيد الميلاد بيوم أو يومين. علي أن أراجع التاريخ الدقيق.» رغم البرد التمعت حبات ~~عرق على جبينه، وهو يقول: «يؤسفني حقا أني كذبت عليك.» أومأت فاندا برأسها. ~~«موضوع يخص الرئيس، أتفهم ذلك.» ~~«كان يمكن أن تحصلي على النتائج يوم عيد الميلاد كما وعدتك. عليك أن تصدقيني في هذا.» اشتهر ~~عن كانتيرات الدقة والثقة، ولهذا كانت قد طلبت أن يجري هو شخصيا التحاليل. ~~«نعم، بالتأكيد أنا أصدقك.» تعجبت أنها ظلت على هدوئها التام. كان هذا إذن هو سبب الصمت؛ ~~شتورم يعرف النتيجة، لكنه سيحتاج الأكواد الرقمية حتى يتمكن من تفسير البيانات، ربما لم يكن ~~يريد بتاتا أن يعرف النتيجة. وعلى كل حال، فإنه يعرف الآن الجين الذي انتقل من حاملات النانو ~~إلى الفيروس، ومن الفيروس للفئران. وفجأة تسارعت دقات قلبها، لقد كانت نتيجة عينة النسيج ~~المأخوذة من مخ جونتر هيلبيرج بين النتائج. # فسمعت نفسها تقول: «الأمر لا يستحق هذه الدراما. العينات لا يعنيني منها سوى واحدة.» نظر ~~إليها متفاجئا، فأضافت موضحة وهي تمعن النظر في الطريق العريض المنبسط أمامها: «لأنها تخصني ~~أنا شخصيا.» رجاها أن تتوقف عند محطة فيليبسهاوز، وساعدته فاندا على الخروج من حزام ~~الأمان. # وقال قبل أن يغادر السيارة: «ابعثي لي برقم هذه العينة. سأرى ما يمكنني فعله.» # الفصل الخامس والأربعون # | حيلة معبأة # ارتفعت درجات الحرارة ثانية في الأسابيع التالية ms293 فوق الصفر. دفعت الرياح الغربية السحب ~~المحملة بالأمطار أمامها، وأيضا تساقطت الأمطار في الأسبوع التالي عدة مرات في اليوم. وفاض ~~نهر اللان على الضفاف وأغرق ممشى الدراجات والجراجات، وعلى الرصيف الضيق تشابكت المظلات، فخرج ~~المواطنون عن طبيعتهم السلمية ليتناحروا بعضهم مع بعض، بينما تجمعت المياه على حواف الشوارع ~~في برك كبيرة نوعا ما. صارت فاندا تخشى الأرصفة. # كان يناير يقترب من نهايته، ليس إلا، ورغم ذلك كان الهواء مشبعا بالبلل كما في شهر ~~أبريل، وبعد ظهر يوم السبت خرجت من مبنى محطة القطار متوجهة إلى وسط المدينة. كانت لا تزال ~~تذكرة السفر إلى برلين في جيب معطفها. لم تستطع أن تستوعب بعد أن الموضوع قد تطور على هذا ~~النحو، فهي ستركب القطار المسافر غدا لتتمكن بعد الغد من ... شعرت بحرارة تنتشر في جسدها. حافظي ~~على هدوئك، ظلت تذكر نفسها. المحاضرة جاهزة، ولن يستغرق إلقاؤها سوى عشر دقائق. بعدها ينتهي ~~كل شيء. لم تلتفت لترتيبات شتورم وتابعت خطتها ببساطة. طبعا لم يكن يعرف شيئا عن ذلك. لم تفصح ~~بشيء إلا لفريق المحققين. لم يكن من السهل إعادة اكتساب زابينة ويوهانيس إلى صفها ثانية، لكنها ~~لم تستسلم، هل من المعقول أن يذهب كل توتر الأسابيع الفائتة سدى؟ لم يستطع يوهانيس أن يبتلع ~~تعليقاته الساخرة حين اقترحت فاندا أن تعرض مسألة التلوث بالفيروس على أنه مقصود للتجربة، لا ~~على أنه حادث عرضي. # قال ممازحا: «هكذا مثلما يفعل الناس في الحياة الحقيقية.» كانت عيناه تلتمعان بالرغبة في ~~المغامرة، وكانت فاندا تعرف أنها أقنعته، وكانت تحتاج إليه كي يحمي ظهرها. # أما زابينة فلم تتحمس للفكرة بسهولة وتساءلت: «كيف إذن حقنت الحيوانات بالفيروس؟ ما هي ~~المعايير التي قست عليها هذا النموذج؟ هل قمت بتحديد عيار الأجسام المضادة؟ المسألة كلها ~~تزخر بالشكوك. علاوة على ذلك، هل تعرفين قانون الحماية ضد العدوى؟ بموجبه كان عليك استصدار ~~تصريحات خاصة لإجراء هذه التجارب.» كانت زابينة غاضبة، لكنها واصلت خطبتها: «لو أن التجارب لها ~~درجة أمان أعلى من الدرجة اثنين لأمكن ms294 أن نشترك معك.» إنها محقة؛ فالقواعد المنظمة للأبحاث ~~المشتملة على مواد معدية تلزم بإجراءات سلامة غير متوفرة في قسمها، وطبعا لم يتقدم أحد بطلب ~~ليقوم بإجراء هذا النوع من التجارب على الحيوانات، وأنى لهم ذلك؟ في نهاية الأمر، هي لم تقم ~~بهذه التجارب قط. يمكن القول إنها كانت مجرد تجارب افتراضية. كانت فاندا تتمنى ألا يقوم أحد ~~بالسؤال حول تلك الجوانب، ناهيك عن أن يمحصها. أما ما يخص الشكوك العلمية فقد اتفقوا في النهاية ~~على الادعاء بأنهم اشتروا حيوانات التجارب وهي مصابة بالعدوى سلفا، الأمر الذي قد يكون حدث ~~بالفعل، رغم أنه لم يكن مقصودا. ستبرر فاندا طريقتها البحثية بأن النموذج فقط هو ما تم ~~تخيله، أما النتيجة فهي التي تطابق الحقيقة تماما، مثلما فعل داروين عندما استخدم نموذج شجرة ~~الحياة لشرح نظرية النشوء والارتقاء رغم أنه لم يكن مقتنعا به. كان من الواضح بالنسبة لها أنها ~~تقارن ثمار التفاح بثمار الكمثرى، وأن شجرة الحياة مجرد استعارة، بينما هي تحاول وضع تصميم علمي ~~لحادث عرضي، لكن الوقت كان يضغطها كما أن حيلتها بدت مبررة إذا ما قورنت بما خطط له شتورم. هل ~~كانت تعلم أصلا ماذا ينوي؟ تستطيع أن تتخيل. كان سيترك المسألة تتوقف عند نجاح التجربة، ففي كل ~~الأحوال قد نجحوا في تمرير جين بمساعدة حاملات النانو عبر الأنف إلى مخ الفئران. هذا وحده كان ~~مذهلا بما فيه الكفاية، لكن فاندا كانت تريد أن تروي بقية الحكاية، والنقطة المحورية في عرضها ~~ترتكز على مستوى أعلى. كانت تريد أن تخبر عن طرق البيانات متناهية الصغر والتي تسمح أيضا ~~لسلاسل الجينات في الكائنات الحية الأخرى بالانتقال عبرها، وكان نانوسنيف نموذجا توضح عليه ما ~~تريد. وهكذا ادعت أن نيتها كانت من البداية هي أن تثبت انتقال الجينات بين جزيئات النانو ~~والفيروسات. كانت فرضية بحثها تدفع بأن هذا يمكن أن ينجح، أما الكذبة فهي الادعاء أن هذه ~~الفرضية أثبتت معمليا، رغم أنها كانت تعتمد على ~~نتائج لم تحدثها سوى الصدفة التي أدت إلى ms295 التلوث بالعدوى. لم تكن تستطيع سوى أن تحاول ترويض ~~الفرس من الخلف. لنقل إن للوحش رأسين، ولا ينبغي لأحد أن يلاحظ أن الرأس الخلفي مجرد دمية. ~~من النظرة الأولى لم يكن ما تقوم به غير معتاد، فالعلماء دائما ما يطورون فرضياتهم على خلفية ~~النتائج، وبهذا ستكون الخطوة التالية في تجاربها مبررة، بل سيكون من الضروري أن يتبع ذلك ~~سلسلة من التجارب من أجل اختبار فرضياتها، لكن لا وقت لهذا كله، عند هذه النقطة عليها أن تلجأ ~~للحيلة. # قالت لها زابينة محذرة: «بنية هذه التجارب تقوم على الادعاء والكذب، ولا ينبغي عليك في أي ~~موضع أن تصفيها وصفا دقيقا.» فغضبت فاندا، أنا لست بهذه الحماقة. كانت فقط تحاول أن تتخيل كيف ~~كان للحال أن يكون وهي تعد محاضرتها. كانت تركب تقريرها حول هذه البنية الفكرية، إلى أن بدأت هي ~~تقتنع أن كل شيء كان بالفعل مقصودا منذ البداية، أما واجب تأنيب الضمير فتركت صديقتها ~~تتولاه. # في هذه الأثناء كانت فاندا قد عبرت القناة الصغيرة، لم يتبق سوى عدة أمتار قليلة وتكون في ~~بيتها. وجدت أسفل صندوق البريد ما يشبه بساطا لزجا من النشرات الإعلانية، على ثغرة في الأسفلت ~~تمتلئ بالمياه ذات اللون البني الرمادي كلما تساقطت الأمطار، وحين وصلت للطابق العلوي لم تنظر ~~ناحية باب جارها؛ لأنها لم تشأ أن تفسد مزاجها بمنظر زجاجات الخمر جوار الباب. الغريب أنه منذ ~~أن ركبت الكالون الجديد صارت الشقة لأول مرة لها وحدها، على الأقل كان ذلك هو إحساسها. لم تكن ~~تشتم أية روائح غريبة، كما أن مخزونها من البيض لم يشهد نقصا لا يمكن تفسيره، وحتى تكون أمينة ~~فهي لم تفقد ولو بيضة واحدة منذ بدأت في عده وترقيمه. # قررت أن تحزم حقيبتها ثم تراجع المحاضرة مرة أخرى. سحبت كرسيا ووضعته أمام الدولاب، ثم ~~أنزلت الحقيبة الكبيرة التي تبعتها سحابة من الغبار اضطرت فاندا للعطس؛ فمنذ وصولها منذ ما يقرب ~~من التسعة أشهر لم تمسها، وبسرعة بدأت تمسح الحقيبة براحة يدها، ثم وضعتها ms296 على السرير ~~وفتحتها، وجدت بداخلها كومة غير محددة الشكل تحوي حقيبة البحر وحقيبة الرحلات صغيرة الحجم ~~التي كانت تريد أن تأخذها معها إلى برلين. انتبهت لوجود بروز في الجيب وتساءلت ما تراه يكون؟ ~~ظلت تتحسسه بفضول إلى أن فتحت الحقيبة الداخلية ووجدت صندوقا خشبيا. كان هنا إذن طوال الوقت! ~~لا بد أنها أغفلت إخراجه بعد عودتها من أمريكا ونسيت أمره تماما، بسعادة تحسست الخشب المنقوش ~~ذا الورنيش قوي اللمعان. كان الغطاء محفورا بأشكال مثلثات وسداسيات صغيرة الحجم تتكرر في تناظر ~~يشبه من بعيد رقعة شطرنج في منتصفها وردة، أما حوافه فزينها شريط من الأحجار الكريمة. فتحت ~~فاندا الغطاء بحذر فوجدت سنتين من أسنانها اللبنية، وثلاث كريات زجاجية، وميدالية مفاتيح، هي ~~أول ما كان لها من ميداليات وكانت مصنوعة من المطاط، وأيضا وجدت زرا عليه هلب، هو كل ما ~~تبقى من سترتها المفضلة بموديل البحارة بعد أن تبرعت بها أمها ببساطة. لقد صغرت عليها السترة ~~بسرعة. وقتها لم تكن تريد أن تكبر. وهذه أيضا هنا! زجاجة التجربة لعينة طلاء الأظافر. أحمر ~~فاقع وجاف! جاء هذا في مرحلة لاحقة حين صارت تفكر بشكل مختلف، ثم وقع بصرها على الجزء الداخلي ~~المتقزح من قوقعة بحر. لم تعد تذكر من أين حصلت عليها. أمسكت فاندا بهيكلها الحلزوني، إنها ~~لحيوان رخوي يسمى أذن البحر، لها شكل الأذن البشرية ومثقوبة مثل كائن أسطوري، وحين يكبر ~~الحيوان تنزلق مؤخرته عدة مليمترات إلى موضع جديد؛ ولهذا تنشأ الثقوب على القشرة في صف منتظم، ~~إنها ليست سوى فتحة شرج عنيدة، وكلما نما الحلزون كبرت الفتحات. تراءى لفاندا أن هذا ترتيب ~~مثالي للأوغاد. تتذكر أنها أطلقت على الفتحة الأولى اسم هولتمان مدرس الرياضيات الذي لم يكن ~~يفقه شيئا سوى معادلاته الرياضية. هذه الفتحة التي في المنتصف ستطلق عليها الآن اسم شتورم. ~~بالتأكيد لن يكون الوغد الأخير الذي ستقابله. مسدت سبابتها الصدف اللامع. أراجونيت، هكذا يطلق ~~المختصون عليه، وهو نوع خاص من الجير المتبلور. ارتفاع الصفائح الجيرية يطابق تقريبا الأطوال ~~الموجية ms297 للضوء المرئي، فتتراكب في طبقات يعلو بعضها بعضا منتجة نماذج متداخلة. وهكذا فإن ~~الألوان البراقة التي تمس إحساسنا بالجمال ما هي إلا ظاهرة فيزيائية ناتجة عن الضوء المنعكس من ~~طبقات عديدة من الجير. واصلت التنقيب ووجدت مفتاحا صغيرا لحقيبة، ومجموعة من الأختام، وعدة ~~مفاتيح قديمة، يا لها من هواية! لقد كانت تهوى جمع الأشياء، فردة قرط، قطة سوداء تتوثب للقفز، ~~لم تعد تذكر ما الذي دعاها للاحتفاظ بها. أعادت كل كنوزها إلى الصندوق ثانية، ووضعته على ~~مكتب والدها. كان منظره يناسب الخشب المائل للحمرة. # اتجهت فاندا إلى مكتبها وفتحت الكمبيوتر المحمول. نقلت العرض التقديمي «باوربوينت» من حامل ~~البيانات إلى القرص الصلب، بينما هزت رياح زجاج النافذة هزا خفيفا. تساقطت قطرات مطر على ~~الزجاج. ارتجفت فاندا وفكرت: الإصابة بالبرد هو آخر ما أحتاجه الآن. لا يزال لديها يوم الأحد ~~لتتدرب فيه على محاضرتها، لماذا إذن لا تجلس في حوض الاستحمام الآن؟ # بعد الحمام لفت نفسها في بطانية وجلست أمام شاشتها المسطحة الفاخرة. تحدث أحيانا روابط ~~غريبة بين الأشياء. لم تكن تحب أن تحكي لأحد عنها بسبب وقعها الغريب على المستمع، مثل أن الوصلة ~~ما بين جهاز الكمبيوتر والشاشة صارت تعمل بكفاءة منذ تركيب الكالون الجديد، وبهذا تستطيع أخيرا ~~أن تشاهد الأفلام التي أعارها أندرياس إياها. قررت أن تشاهد فيلم فينشينزو ناتالي بعنوان ~~«المكعب». أسرتها الإثارة بالفيلم كما جذبتها كواليسه السيريالية إلى عالم المابين الذي ~~حاول الفيلم أن يجعله محسوسا. صرف ذلك ذهنها لبعض الوقت، وبعد أن انتهى الفيلم شعرت بالخواء، ~~فعاد إليها القلق. ماذا سأفعل لو وصل شتورم في الموعد المحدد للمحاضرة؟ لم تعد خطة لهذه ~~الحالة، ستضطر أن تعتمد كلية على يوهانيس. أوت إلى فراشها مبكرا. # وقرب منتصف الليل رن جرس الهاتف، ففزعت فاندا من نومها ونهضت واقفة. سرعان ما كانت يقظة ~~تماما. # فسمعت زابينة تصيح بصوت مثقل: «لقد ماتت جوسي. حدث ذلك الآن حين أصدرت حشرجة رخيمة لمرة ~~أخيرة، ثم توقفت ببساطة عن التنفس.» كانت الفأرة مضطربة كثيرا في ms298 الفترة الأخيرة، منذ عدة أيام ~~لا تأكل شيئا وتنام طول الوقت. قالت زابينة متشكية: «لم أستطع أن أسلم بذلك. لقد كانت تعتريها ~~رعدة غريبة، كنت أشعر بها بوضوح حين كنت أضعها على يدي.» ~~«يؤسفني هذا.» قالتها فاندا وهي تحملق في يدها اليسرى التي كانت ترتعش ارتعاشة ~~خفيفة. # قالت زابينة باكية: «قولي لي من فضلك، ماذا علي أن أفعل الآن؟» # ترددت فاندا لوهلة ثم قالت: «بينة، قد تبدو المسألة قاسية بلا أية رحمة، لكن الضرورة تحتم ~~تبريد جثة جوسي.» # قالت زابينة وهي تتلعثم: «أعرف. ماذا ترين؟ ~~نضعها في الثلاجة أم في المجمد؟» ~~«الثلاجة تفي بالغرض. اطلبي يوهانيس على الهاتف حتى يأتيك غدا في الصباح الباكر ليقوم ~~بالتشريح.» ~~«الغد هو يوم الأحد. ألا يمكن أن ينتظر الأمر حتى يوم الاثنين؟» # ردت فاندا: «سيكون عند شتورم صباح الاثنين.» # الفصل السادس والأربعون # | فرملة الطوارئ # جلست فاندا ظهيرة يوم الاثنين في كافيتيريا مركز المؤتمرات ببرلين، وهي تضغط هاتفها المحمول ~~على أذنها، بينما دست إصبعها في أذنها الأخرى حتى تتمكن من سماع يوهانيس على نحو أفضل. # سمعته يقول: «يبدو أن أحدهم حذره.» ~~«لكن من؟» لاحظت على الفور أنها تتحدث بصوت عال جدا على خلفية من أصوات طقطقة الصحون ~~وصلصلة الكئوس. بصعوبة حاولت - لكن بلا جدوى - أن تتغلب على مستوى الضجيج في محيطها. كانت ~~أعصابها ملتهبة، علاوة على ذلك فهي لم تنل قسطا كافيا من النوم. # واصل يوهانيس حديثه: «رغم ذلك، فإن المسألة تبدو مبشرة.» كان يتحدث بهدوء مدهش رغم انكشاف ~~أمرهم. لقد تنصتت بيترا على ميشائيل فالاخ وعلمت بمواعيد رحلة شتورم. كانوا يعلمون أن ميشائيل ~~سيوصل شتورم صباحا إلى المحطة. أين وقع الخطأ إذن؟ # أخذ يوهانيس يكمل كلامه: «وقفت أمام منزله تمام السادسة صباحا. من الممكن أيضا أن يكون قد ~~غير خططه قبل بدء تنفيذها بمدة قصيرة. لم أكن أريد أن أغامر بفقد أثره على أية حال. وكما ~~المتوقع ذهب بسيارة أجرة إلى المعهد في السابعة إلا الثلث. وفي السابعة وخمس دقائق أحضرت بيترا ~~مفاتيحه. ادعت ms299 أنها نسيت مفتاحها الإلكتروني بالمنزل، وأن مدير المعهد أدخلها لكنها لن تتمكن ~~الآن من دخول وحدة الإشعاع. تعلمين كم هي بارعة في الكذب، ولا مانع من أن تكون قد تدللت في ~~مشيتها أمامه قليلا. ضحك الثور العجوز مليا واقتنع بكلامها. غادرت مكتب شتورم بسلسلة مفاتيحه ~~وأوصدت باب السكرتارية من الخارج. الساعة التالية ما ~~هي إلا عينة لما يمكن أن نعانيه من تدمير لأعصابنا، وكنا نأمل ألا يخطر بباله أن يغادر ~~السكرتارية قبل الموعد. تسللت عدة مرات أمام الباب وأنصتت. لا طرق ولا دق. في كل الأحوال ~~تبطين جدران الغرفة لا يسمح بسماع ما هو أدنى من ذلك. في تمام السابعة وتسع وخمسين دقيقة دخلت ~~السيدة بونتي الطرقة الموصلة للقسم. على مدخل السكرتارية ورقة ملصقة مكتوب عليها أن الرئيس لن ~~يحضر إلى القسم اليوم مرة أخرى، وعليه لم تندهش أن وجدت الباب مغلقا. فدخلت وخلعت المعطف ووضعت ~~الحقيبة وفعلت كل ما تفعل عادة حين لا يكون الرئيس موجودا. ودخنت سيجارة ونظرت إلى رصة طلبات ~~استعارة الكتب التي حرصت - تزيدا في الاحتياط - على تكديسها أكثر، واتصلت بصديقتها هاتفيا في ~~المكتبة، وكما هو متوقع، خرجت وأغلقت الباب خلفها بالمفتاح. تقريبا في الوقت نفسه دق الهاتف في ~~منزل ميشائيل فالاخ.» # وأخبرته زابينة: «بابا لن يعاود الحضور إلى المنزل، ستقوم ماما بتوصيله إلى المحطة»، تعلمين ~~كيف يبدو صوتها طفوليا، لقد ظن ميشائيل فعلا أنها ابنة شتورم. في كل الأحوال، فإنه لم يغادر ~~شقته قبل الثامنة والنصف. زابينة رأت ذلك لأنها كانت واقفة أمام منزله، لا بد أن ما حدث وقع في ~~ذلك الوقت. لقد دق هاتفي فانصرف انتباهي لوقت قليل. ~~«هلا دخلت في الموضوع أخيرا؟» صارت معدة فاندا تقرقر من نفاد الصبر. ~~«سمعت خطوات السيدة بونتي على أرضية الطرقة الساعة التاسعة إلا الربع. كانت صلصلة سلسلة ~~مفاتيحها تنذر بشر. لاحقا قالت إن الرئيس وصل إليها في المكتبة. كانت تقريبا خارج المبنى. ~~لا بد أن أحدهم اتصل به، وأن هذا الشخص كان يعرف تماما أين هي، ms300 لو لم يحدث ذلك لظل حبيسا ~~يتلظى نصف ساعة أخرى على الأقل، ولم يكن ليسمعه أحد عبر الأبواب العازلة للصوت. لا يحضر الناس ~~للمناقشات يوم الاثنين قبل العاشرة، أما وردية الصباح فكانت في استراحة الإفطار في الكافيتيريا ~~بالأسفل حيث لا يوجد هاتف.» # قالت فاندا: «ربما اتصل بمدير المبنى؟» كانت ترفض أن تقبل حكاية يوهانيس بوجود واش لا ~~يعرفون من هو. رفعت سيدة على الطاولة المجاورة لها رأسها ونظرت إليها باندهاش. استدارت فاندا ~~وأعطتها ظهرها. # قالت فاندا هامسة: «لم تكن هذه الخطة سوى مزحة.» ~~«كان السيد فايدنرايش مشغولا بإعادة الثلاجة القديمة إلى معملك. تذكرين ذاك الشيء الضخم ~~الذي قمت بإزاحته مؤخرا إلى المعمل؟ كان غاضبا، لكن لم يطرأ ببالي فكرة أفضل.» # حاولت فاندا أن تتحدث بصوت منخفض وهي تقول: «اللعنة! لماذا إذن لم تتصل بي مبكرا؟ لقد سلمت ~~محاضرتي قبل خمس دقائق، وهي الآن على جهاز الكمبيوتر بالقاعة، لا يمكن أن أستعيدها ~~الآن.» ~~«ما زالت للحكاية بقية، كان عليك أن تري كيف اندفع الرئيس مصهدا من المكتب، وكاد أن يقفز ~~في وجه بونتي بعد أن فتحت الباب وهو يصيح ما الذي انتابها لتغلق الباب من الخارج؟ وهي السبب في ~~كل ذلك لأنها لا تريد أن تبدل المفاتيح. كادت تبكي، فأنت تعرفين عدم ثقتها في نظام الغلق ~~الجديد. آنذاك استسلم الرئيس لرغبتها حين أصرت أن توصد أسوار مملكتها بقفل أمان كلاسيكي، وهذا ~~لحسن حظنا. أما المفاتيح الإلكترونية فثمة طريقة تفك بها ليخرج المحبوس من الداخل، وتحت ظرف ~~كهذا لم تكن خطتنا لتنجح. في هذه الأثناء كان قطار شتورم إلى فرانكفورت قد غادر فعلا إلا أن ~~سيارة الأجرة كانت تنتظره في الجراج بالأسفل. كان لا يزال لديه الفرصة الكاملة أن يلحق بطائرته ~~إلى برلين.» ~~«وهل فعل أم لم يفعل؟» ~~«على الأرجح أنه وصل إلى المطار في وقت مناسب، لكن لم يسمح له بالصعود إلى الطائرة.» توقف ~~يوهانيس قليلا، لقد كانت الخطة برمتها من بنات أفكاره، لذلك كان يستمتع أن يقتلها مللا ~~بالتفاصيل لمرة ms301 جديدة. # فصاحت فيه: «توقف عن ذلك وأخبرني أخيرا ما الذي يحدث.» ~~«إنذار بوجود قنبلة. فرملة الطوارئ. حقيبة لا يعرفون من صاحبها وجدت في مكان ما بصالة ~~تخليص الإجراءات. توقفت كل الرحلات، وأغلق المطار لعدة ساعات.» # تنفست فاندا الصعداء. ~~«لن يحضر إذن؟» فرملة الطوارئ؟ ماذا كان يقصد يوهانيس بذلك؟ ~~«لنقل إنه بالتأكيد لن يصل في الموعد المحدد. لقد حلقت طيارته الآن. ولو أسرع الخطى ~~فعلا قد يصل عند مختتم محاضرتك.» # الفصل السابع والأربعون # | محللون وقارئة الفنجان # كانت القهوة قد بردت في فنجانه في هذه الأثناء، لكنه لم يتمكن من رفع عينيه عن شاشة ~~الكمبيوتر الخاص به. بعد المكالمة دخل على الإنترنت، كان عليه أن يجد طريقة لصرف انتباهه. كان ~~اليوم هو عطلته، وكان في وسعه أخيرا أن يزور المنتدى الذي أنشأه لنفسه ولزبائنه حاليا ~~ومستقبلا، فهناك دائما أسئلة يتعين الإجابة عليها. مرت ثلاث ساعات سريعا، حتى الثانية ~~عشرة ظل بمنامته على مكتبه ينقر على الكمبيوتر. ~~«كيف تعمل مناهج التنبؤ؟ وعلام تستند تحليلاتك لسوق الأسهم؟» سؤال من شخص يدعى جان. ~~واتته الإجابة بسهولة. ~~«مناهج التنبؤ تبنى على حقائق سارية في هذه اللحظة. لقد تمكن مانديلبورد في الستينيات ~~من اكتشاف نماذج عشرية في أسواق المال، وبمساعدة نظريته العشرية استطاع التنبؤ بتطور أسعار ~~القطن في الولايات المتحدة. المناهج العشرية، الشبكات العصبية، اللوغاريتمات الجينية ... ثمة عدة ~~طرق يمكن المزج فيما بينها للوصول إلى نبوءة مثالية. أنا أستعمل القليل من كل طريقة. الشبكات ~~العصبية على سبيل المثال ما هي إلا أنظمة بديهية، وهي تتعرف على النماذج بطريقة مشابهة للمخ ~~البشري. تستطيع على نحو مبسط غاية التبسيط أن تتخيل اللوغاريتمات الجينية أو التطورية على ~~صورة ميزان. الموارد المتنافسة تحاول أن تتوازن بعضها في مقابل بعض، والهدف هو الوصول إلى ~~النتيجة المثلى.» كان يجتهد ليجعل إجاباته مقتضبة؛ لأن معظم زبائنه كانوا من الهواة وصغار ~~المستثمرين، ولم يكن ثمة جدوى من الإثقال عليهم بحديث نظري. # سأل مشترك آخر: «هل نحتاج لذلك الكمبيوتر حقا؟ نظرية النسبية قائمة على التجارب العقلية، ms302 ~~لقد جعلت التنبؤ ممكنا في المسائل التي لا تزال الفيزياء التجريبية قاصرة عنها. أتساءل كيف ~~يمكن لبشر باستخدام رءوسهم فقط أن يقيموا نظريات معمقة لها قدرة على التنبؤ؟ هل هذا مجرد تطوير ~~عفوي للوعي، أم ربما هي موهبة ربانية؟» # لقد وضع لنفسه برنامجا بعد أن رتب زوار المنتدى الخاص به. مثل هذا الزائر كان يصنفه تحت ~~فئة الفلاسفة الفقراء، الذين يخفون عوزهم وراء عباءة الأسئلة الرنانة. لم يكن يتوقع من أمثالهم ~~شيئا سوى بعض التسلية، وكان دائما ما يتعجب لأن هذا الحجاب الصوفي كان لا يزال يغبش النظرة ~~إلى المستقبل. فبالنسبة له لم يكن وجود إله سوى حدث إحصائي ذي احتمالية مشروطة، شيء يمكن أن ~~يكون أو لا يكون، حسب المنطلق الذي يبدأ منه الإنسان، أما إسهامه المحتمل في الحدث فيتعلق ~~بالفشل الواضح للتوقعات. من الخطأ إنكار وجوده تماما، وأيضا من الخطأ بالقدر نفسه الإصرار ~~على وجوده. القدرة الإلهية تكمن فيما لا يمكن التنبؤ بوقوعه. وكان ذلك يتحداه من أجل أن يصل ~~بمناهجه إلى الشكل الأمثل. لقد كان ذلك هو جزءا من عمله الذي يحاول التغلب عليه، رغم أنه يعلم ~~أنه لا يمكن أن ينجح في ذلك إلا بصورة تقريبية، لكنه في كل الأحوال لن يطرح هذه الأفكار الشخصية ~~على المنتدى، حتى لو كان حريصا على أن يقدم إجابة على أي سؤال يثار. # فكتب ردا على السؤال السابق: «لقد طور بعض الناس القدرة على شرح الظواهر المعقدة ~~بصورة موجزة. أينشتاين كان عبقريا. ولو كان مستثمرا في عصرنا الحالي للجأ إلى الحصول على ~~التنبوءات الرقمية من أجل شركته الاستثمارية، تماما كما تفعل البنوك وشركات الاستثمار، وهذا ~~لسبب بسيط هو أن أسواق المال بالغة التعقيد.» أومأ برأسه كما لو كان في حاجة إلى أن يدعم نفسه، ~~وطبيعي ألا تعمل هذه الطرق بكفاءة إلا حين تكون الفرضيات مقاربة للواقع، فهي تجمع بين علم ~~هائل، وملاحظات وخبرات، وتصيغ منها الفرضيات، مثلما يجمع العلماء البيانات من أجل إيجاد نظرية ~~تمكن من التنبؤ بالنتيجة بقدر عال ms303 من الدقة. أليست الفرضية العلمية في ذاتها نبوءة؟ ودائما ~~ما يكون الحكم الفصل في ذلك هو الواقع. # خاصة تقنيات طب النانو، لا تنتج سوى كثير من الزوابع وقليل مما يفيد حقيقة. على العلماء ~~أن يحسنوا أداء واجباتهم أولا. كان يعرف عما يتحدث، ففي نهاية الأمر، إنه شخص من الداخل. إن ~~عامل عدم الأمان الأول في هذا العمل هو الإنسان دائما وأبدا، ونانوسنيف هو أفضل دليل على صحة ~~نظريته. إن النظرة الموضوعية تقول بأن نانوسنيف يعد معلما مهما على طريق التطور في ~~استخدامات النانو العلاجية، والحصول على براءة اختراعه سيجعل شركة بوسطن للعلاجات المبتكرة ~~تساوي ذهبا بين عشية وضحاها. لقد استثمر فيها أكثر من مليون دولار من أموال زبائنه. لم يخاطر ~~بأموال بهذا القدر الطائل من قبل. وبعد أن تمكن شتورم من توقع الاندماج المزمع مع شركة لينكس ~~فارما، قام هو أيضا وزبائنه بالشراء فيها، ولأول مرة ينغمس في مسألة ما انغماسا كليا، فلم ~~يعد ثمة مجال للتراجع. ومن الناحية العملية، لم يكن من الممكن أن يرفض أسهما بهذا الحجم في ~~هذا الوقت القصير؛ لأنه إن ساءت الأمور يستطيع ببساطة أن يختفي من المشهد، لكنه لن يترك ~~«استثمار القرن» كي تفسده عليه عالمة جرفتها الحماسة. لم يكن يعرف أن برنامج الكمبيوتر ~~التفاعلي الذي شغلته على جهازها يستطيع أن يربط نفسه ذاتيا بالبيانات الجديدة. لقد كان ~~البرنامج أفضل مما توقع، وهكذا وجدت هي كل المواد المتعلقة بمن عمل عليه من قبلها ~~وبموضوعاتهم مثل التولد الذاتي اللابنيوي والشيخوخة. كان مندهشا من السرعة التي وجدت بها ~~مفاتيح العمل، ولهذا عمل على أن يجعل شتورم يبعدها عن المشروع، وبحماقته ظن أنها ستتكتم ~~الأمر، فترك جهاز الكمبيوتر الخاص بها بالمعهد بلا فحص خلال عطلة نهاية الأسبوع، ولهذا لم ~~يكتشف خطتها السرية إلا صباح ذلك اليوم. نظر في الساعة. لا بد أن شتورم هبط في مطار برلين الآن. ~~وقع بصره على الصور المعلقة على الحائط قبالته، والتي كانت لا تزال تثير إعجابه. كان وقتها ~~يجري التجارب مستخدما ms304 الأشكال الهندسية. أطلق عليها ضوءا وظلا. كانت الحدود واضحة بدقة. نجح ~~في أن ينظر من منظور الأشياء ويسلبها الرؤية، وهذا تحديدا ما سيسلبه منها هي الآن. لن تفلت منه ~~هذه المرة. ~~••• # كانت رئيسة المؤتمر واحدة من الشخصيات السياسية اللامعة، قدرت فاندا أنها في بداية ~~الخمسين من عمرها. لم تكن ضخمة البنية بل أقرب إلى القوام اللطيف، كانت ترتدي بدلة ذات لون ~~رمادي داكن، وعقدا من اللؤلؤ الصناعي. أما فمها المطلي بأحمر شفاه، فكان يدل على المثالية ~~واتباع نظام حديدي صارم. كانت خطبتها الافتتاحية تمور بعلامات التعجب وعلامات الاستفهام التي ~~ينبغي أن تثار في مؤتمر مثل هذا، وأشارت إلى ضرورة أن نضع أصابعنا في الجراح المفتوحة، ورجاء ~~نريد نقدا بناء، علامات تعجب. هذا تماما المجال الذي تريد فاندا أن تبذل جهودها ~~فيه. # ورغم إعلان اسم ماكس شتورم كمتحدث، حياها رئيس الجلسة التي ستلقي فيها محاضرتها، وكأنه ~~يتوقع مجيئها. تلفتت فاندا حولها؛ فبالنسبة لها كان هذا المشهد جديدا تماما. كان المجتمعون من ~~المتخصصين في مجال استخدام الجينات الوراثية في العلاجات الجسدية. تأملت بعناية بطاقات الاسم ~~المشبوكة على سترات المشاركين. كانت قد قرأت لبعض تلك الأسماء كتابات متفرقة في مكان ما، لكنها ~~لم تكن تعرف أيهم بصفة شخصية. جلست في أحد الصفوف الأمامية، لكن في أثناء الجلسة لم تتمكن من ~~التركيز في الأشياء التي يلقيها المتحدثون قبلها. كانت تتوتر كلما تخيلت أن شتورم ممكن أن ~~يصل في اللحظة الأخيرة. من الذي أخبره؟ من عساه أن يعرف خطتهم بخلاف زابينة وبيترا ويوهانيس؟ ~~طرأ على ذهنها رودي على نحو عفوي، وهزت رأسها من هذه الفكرة العبثية. لقد ذهبت مرة أخرى إلى ~~المعهد صباح السبت لتسأله عن رأيه في محاضراتها، لم يجد أي مغالطات منطقية في خطتها، ورغم ذلك ~~كانت تشعر بالتوتر. ~~«لا يمكن أن نستغني عن مواصلة البحث في مجال ناقلات الفيروسات، إن كنا نريد أن نواكب ~~السباق العالمي للحصول على براءات الاختراع فيما يختص باستخدام الجينات في العلاجات الجسدية.» ~~تمكنت هذه العبارة بكل الإصرار ms305 الذي نطقها به المتحدث قبلها أن تنتزع فاندا من أفكارها ~~«يوميا تنتقل فيروسات جديدة للإنسان. يحدث هذا في أسواق الحيوان بآسيا، أو أثناء الصيد ~~المحرم في أفريقيا، أو عند تناول اللحم النيئ. هذه هي مكامن الخطر الحقيقية، لا المعامل.» ~~بهذا البيان اختتم المتحدث عرضه، كان المستشار العلمي للحكومة الاتحادية. كان التصفيق الذي ناله ~~محدودا لكن النقاش كان ساخنا. استشهد أحدهم بفيروس ماربورج، لكنه رده إلى قرد الجينون من ~~أوغندا. وكان يبدو عليه الإعجاب بذاته. أشار رئيس الجلسة إلى انتهاء الوقت المخصص للنقاش، وأن ~~موعد المحاضرة التالية قد حان. كانت ركبتا فاندا تصطكان، ويداها متجمدتين كلوحي ثلج حين صعدت ~~في تمام الثالثة إلا الربع إلى منصة المتحدثين. ~~«عليك أن تفكري في أكلتك المفضلة وأنت تنظرين نحو الجمهور.» تذكرت النصيحة التي همست ~~بها زابينة لها وهي في طريقها إلى هنا. لقد أصبحت خبيرة في هذه المسائل بعد أن حضرت تدريبا ~~لمدة أسبوعين من تلك التدريبات الممولة أهليا من أجل رفع كفاءة الموظفين. # تجولت فاندا بناظريها في القاعة، ثم تنفست الصعداء. فلم يكن شتورم موجودا في أي ~~مكان. ~~«السيد المبجل رئيس الجلسة، سيداتي وسادتي، يسعدني أن أقدم لكم اليوم نتائج آخر ما وصلت ~~إليه أبحاثنا.» لماذا علي الآن تحديدا أن أفكر في بيوريه الكاكي بعجينة المارزيبان؟ كانت هذه ~~هي آخر فكرة تصرف ذهنها قبل أن تبدأ في الضرب بمجدافيها خفيفا استعدادا للخوض في نهر ~~محاضرتها، وفجأة عادت تتنفس بهدوء مثلما عادت ضربات قلبها للانتظام، واندهشت حين سمعت صوتها ~~يخرج منها هادئا واثقا بصورة جعلتها تشد عمودها الفقري. # واصلت حديثها قائلة: «إن الأمراض العصبية المزمنة، الناجمة غالبا عن التقدم في العمر تتطلب ~~طرق علاج جديدة كالعلاجات الجينية على سبيل المثال، وأصعب عقبة تواجهنا في الوقت الحالي هي ~~أنظمة النقل التي لم يتم اختبارها حتى الآن بصورة كاملة، التي يطلق عليها الناقلات الجينية. ~~سأقدم لكم نانوسنيف، الذي هو إجراء فيزيائي يسمح لنا بتوصيل سلاسل جينية مفردة إلى المخ عبر ~~المسارات الشمية، وبالتعاون مع شركة بوسطن ms306 للعلاجات المبتكرة قمنا باختبار هذه الطريقة، ولأننا ~~استخدمنا جزيئات النانو ولم نستخدم الفيروسات لتقوم بدور الناقلات، فيمكن القول بأن النتيجة ~~التي اختتم بها المتحدث قبلي محاضرته غير صائبة بالمرة.» توقفت فاندا قليلا، ونظرت لتجد وجوها ~~منتبهة، لم تسمع من القاعة لا همسا ولا نحنحة، لقد كان الجميع ينصت إليها. «بل خطأ كبير، ~~وسأعود لذلك في الجزء الثاني من محاضرتي.» كانت تحتاج إلى ما لا يقل عن عشر دقائق لتستعرض ~~بيانات زابينة، وهي مدة طويلة جدا، رغم أنها تهيئ لها الإعلان عن نجاح عملية النقل، أما موت ~~الفئران فكان الدرة التي تريد أن تبرزها في الجزء الثاني من المحاضرة. وفكرت: سأضطر إلى تجاوز ~~الوقت المسموح لي بالكلام، ثم نظرت بسرعة نحو رئيس الجلسة، لو أنه قاطعني الآن لضاع كل المجهود ~~سدى. لقد كان جالسا هناك فاغرا فاه مستمعا إليها بانتباه، شأنه شأن كل الحاضرين ... لقد وصلت ~~الآن لفقرة السير على السلك، وها هي تحمل عصا الاتزان بين يديها. كانت هي المتحدثة الأخيرة في ~~هذه الجلسة، إنها فرصتها، لقد أفسح رئيس الجلسة لها المجال لتواصل. # بدأت بعرض فرضياتها، وصورت إمكانية نقل الجينات المحمولة صناعيا إلى الفيروسات، لم ~~تتوقف كثيرا «مراعاة للوقت المتاح» عند بنية التجربة، التي هي في الأخير بنية متخيلة، ووصلت ~~بسرعة إلى الظاهرة الغريبة التي لاحظوها، ألا وهي الاضطرابات السلوكية وارتفاع معدل الوفيات في ~~فئران التجارب، ثم أتبعت ذلك ببيانات تحاليل الجزيئات الحيوية من الفحص الأول الذي قام به ~~كانتيرات. لقد قدم ذلك دليلا دامغا على أن الجين الأجنبي أصبح جزءا من الشريط الوراثي ~~للفيروس. أما نتيجة الفحص الثاني والتي من الممكن أن توضح لهم السلسلة الجينية، فقالت إنها ~~محفوظة لدى رئيسها؛ وهي الحقيقة التي شعرت فاندا في تلك اللحظة بالامتنان نحوها، حتى لا تستسلم ~~لغواية إفشاء معلومات سرية. «لأسباب تتعلق بسرية العمل لن أستطيع أن أحدد الجين بدقة أكبر.» ~~بهذه الكلمات توجهت نحو خاتمة محاضرتها التي استغرقت عشرين دقيقة. ~~«إن فيروس الفئران الذي تم تغييره جينيا بواسطة تجربتنا يعتبر ms307 في الأحوال العادية غير ~~مؤذ وواسع الانتشار.» وضعت علامة تعجب. «وبالمناسبة، فإنه لم يخضع للشروط التي تسري على ~~الحيوانات في معاملنا.» سمعت تذمرا من الصالة، فقالت: «نحن نطبق مستوى عاليا من الحماية، ~~لكنه ليس خاليا تماما من الجراثيم.» أما الشريحة الأخيرة من عرضها التقديمي فحملت كلمات الشكر ~~وأسماء المشاركين في العمل. «أخ ... بالمناسبة ...» قالتها وكأنها تذكرت بمحض الصدفة «بالطبع نحن ~~نتحدث هنا عن فيروس غير مؤذ بتاتا للإنسان، لكن هذا الأمر قد لا يعني شيئا مطلقا، لأنه كما ~~نعلم جميعا منذ دراسة روث وفريقه، فإنه من الممكن من خلال تغيير في إنزيم واحد أن يتحول فيروس ~~خاص بالفئران إلى فيروس خاص بالطيور فحسب.» خفضت بصرها قليلا وقالت: «شكرا لكم على حسن ~~الاستماع.» نهاية طويلة، لكنها أتت مفعولها. # سادت الجلبة بين المستمعين، وبدءوا في النقاش بعضهم مع بعض، وشعرت فاندا بالتوتر يتلاشى ~~منها. حتى الآن سارت الأمور على ما يرام، لقد كان مهما جدا بالنسبة لها أن تخبر الرأي العام ~~بالعواقب غير المتوقعة لنانوسنيف. الآن أتمت مهمتها، كما أنها احترمت ممارسات المجتمع ~~العلمي، واستطاعت جذب أسماع الحاضرين. رغم ذلك بدا لها كل شيء مبتذلا. كانت في طريقها إلى ~~مكانها، وفجأة بدأ الحضور بالتصفيق، فجفلت. سمعت صوت رئيس الجلسة معلنا عبر الميكروفون أن ~~الضرورة تحتم الاستغناء عن المناقشة؛ إذ إنهم في حاجة إلى القاعة، لكن ربما يمكنهم مواصلة ~~مناقشاتهم في البهو. جمع الناس ملاحظاتهم ونهضوا ببطء، بينما أسرعت فاندا لتسبقهم إلى المخرج، ~~ونجحت في ذلك، لكن بالخارج أمام باب القاعة رأت شتورم، الذي اتجه صوبها مباشرة. # وحين تعرف عليها ترددت خطواته، وكأنه يحتفظ لنفسه بخيار أن يستدير ويعاود أدراجه في ~~اللحظة الأخيرة. رعشة ما رأتها فاندا تعبر عينيه، وعند القوس الذي استدار فيه حولها أدركت فاندا ~~أنه يخشى على نفسه. ماذا قال يوهانيس؟ لا بد أن أحدهم حذره، أمن المعقول أن يكون قد علم بكل ~~ذلك؟ لكن شتورم ليس له أن يعرف كيف سيتلقى المختصون المحاضرة. كانت تريد أن تستمتع بهذه ~~اللحظات ms308 حتى الثمالة. لكن الحاضرين، في خروجهم من القاعة، ظلوا يدفعونها تجاه الطريق الذي اتخذه ~~شتورم حتى وقفت أمامه ببضعة أمتار. تحلق الناس حول كل واحد منهما، فكانا بمثابة النواة كل في ~~قلب تفاحته، ومن بعيد علت كلمات المديح والتمنيات الطيبة، لكنها ظلت مجرد عبارات مقتضبة لم ~~تمس فاندا حقيقة. لقد شعرت فاندا وكأنها في غرفة ذات حوائط مبطنة تمتص الضوضاء من حولها ~~وتقلل من قدرتها على الإحساس بالأشياء، لكنها كانت لا تزال تضع شتورم نصب عينيها. لقد استقبل ~~سعادة اللحظة في التو، فضغط بيده اليسرى على قفصه الصدري وأخذ يرسم بأصابعه في الهواء، يردد ~~هراء ويتباهى به. تعجبت فاندا من السرعة التي تحول بها مع تغيير اتجاه الريح، فهذا الذي كان ~~ينتفض مذعورا منذ قليل، أصبح الآن متعاليا متكبرا. لجزء من الثانية، لم تكن ترى فيه إلا ~~كائنا مسطحا، شكلا مصنوعا من ورق الكرتون مثل تلك الأشكال التي يفضلون استخدامها في ~~الدعاية، بلا جسد نوعا ما، فقط سطح. كان من الواضح لفاندا أن شتورم على شفا أن ينسب النتائج ~~لنفسه. لو كانت الظروف مختلفة لاستشاطت غضبا من ذلك. أما الآن فلا تكن له سوى الاحتقار. ~~بالتأكيد. لقد سهلت فاندا المسألة عليه، ورأت الآن كيف ينسل من دائرة معجبيه ليأتي نحوها. كان ~~ممثلا قديرا حين يتعلق الأمر بالأرباح الطائلة، والآن وبلا حياء يتقن ببراعة دور الرئيس ~~المهتم بمرءوسيه. ~~«تعالي.» رفع شتورم ذراعه ووضعها على ظهر فاندا، فتصلبت ثم قادها نحو واحد من قوائم العرض ~~الخاصة بأحد المصنعين. لم يعترض طريقهما أحد حين دخلا ليشغلا إحدى الغرف المقامة خلف حائط جاهز ~~مخصص ليتمكن العملاء من إجراء نقاشاتهم دون إزعاج. ~~«هلا تحضرين لنا فنجانين من قهوة الإسبريسو؟» أومأت السيدة الشابة التي تشرف على المكان ~~وضحكت عيناها السوداوان. شعرت فاندا بنظرات ماكس شتورم تخترقها. ~~«أريدك أن تنشري هذا في أسرع وقت ممكن.» # أجابته فاندا بلا أي انفعال: «هذا لا يصح.» عاد بظهره إلى الوراء ووضع ساقا فوق الأخرى، ~~فشعرت فاندا بالغثيان. ~~«حضرتك تعرف تمام ms309 المعرفة كيف نشأت هذه النتائج.» كان صوتها يتهدج بشكل مسموع رغم أنها كانت ~~تكاد تهمس. «هذه التجارب لم تجر قط، حضرتك ...» # قاطعها شتورم قائلا: «لا أكترث بالظروف.» # ردت فاندا متحدية: «علي إذن أن أنشر تجارب لم تجر على الإطلاق؟ حتى التصريح بإجراء ~~التجارب على الحيوانات غير متوفر.» # وضعت السيدة الشابة فنجاني القهوة على المنضدة، فانتظر شتورم حتى مضت في سبيلها. ~~«سوف تستكملين ما بدأته هنا، وكل ما عدا ذلك تتركينه لي رغما عنك.» ~~«الآن فهمت. لقد أخبرت رئيس الجلسة أني أنا التي ستلقي المحاضرة بدلا منك. لقد اعترف لي ~~بذلك.» لم تكن سوى مجرد خدعة، لكن شتورم شحب تماما بمجرد أن سمعها. ~~«وأين المشكلة؟» ~~«لقد كنت ترى كل شيء سلفا. كنت تعرف حتى محتوى عرضي الذي قدمته.» استغلها شتورم، لقد ~~عرف شتورم كيف ينقذ رقبته في اللحظة الأخيرة. «أسأل نفسي فقط كيف؟» ترددت قليلا ثم قالت: ~~«إنك تدخل على بياناتنا كما يحلو لك.» وفي نفس اللحظة التي تلفظت فيها بهذه العبارة واتتها فكرة ~~أن لديه من يقوم بهذه المهمة نيابة عنه، شخص يعرف كل شيء. نهض شتورم وأمسك بحقيبته، بينما مرت ~~نظراته عبرها وكأنها لم تعد موجودة. ~~«فكري في الأمر. أستطيع أن أحميك من ملاحقة شركة بي آي تي القضائية لك، لكن بالنسبة ~~للمجتمع العلمي ... والرأي العام ...» رفع حاجبيه عاليا، ثم استدار ومضى. علي أن أجري مكالمة ~~هاتفية، ظلت هذه الفكرة تلح على رأس فاندا، لكنها كانت كالمشلولة. جاءت السيدة الشابة وأخذت ~~الفنجانين. ~~«يا إلهي!» ندت عن السيدة آهة مفاجئة حين أخذت فنجان فاندا، وقالت: «طائر كبير، ها هو ~~أترين؟» ودون أن تفهم شيئا نظرت فاندا في آثار البن المتبقي في قاع الفنجان، في حين قالت ~~السيدة متذاكية: «عندنا في تركيا نقرأ المستقبل من فنجان القهوة، الطائر يعني أنك ستقومين برحلة ~~قريبا. والطائر الكبير يدل على رحلة بعيدة.» وفيما بين حاجبيها الكثيفين وجدت ثنيات متصلبة، ثم ~~ابتسمت كالحالمة: «سوف تطيرين.» # الفصل الثامن والأربعون # | وصية بلاوبارت # قالت زابينة غاضبة: «إنه لا ms310 يرد على الهاتف. لكنه في المنزل، لقد أشعل الضوء منذ قليل في ~~الغرفة ذات الواجهة الزجاجية الكبيرة.» ~~«هل قلت شيئا البتة عن الاتصال الهاتفي؟ ليس عليك سوى مراقبته فحسب.» تطلعت فاندا من ~~نافذة القطار السريع، كان الشفق يهبط على طبيعة شتوية كئيبة ولسان حاله يقول العين بالعين. لم ~~يكن شهر يناير قد انقضى بعد، لكنها شعرت أنها نالت كفايتها من هذا الشتاء. لم يذكرها ببرلين ~~هذه المرة سوى ممرات مترو الأنفاق، وغرفة ضيقة في فندق، وصالة محاضرات مكيفة. بخلاف ذلك لم ~~تر شيئا من المدينة. بعد حديثها مع شتورم توجهت إلى المحطة لتعود في أول قطار متجه إلى ~~ماربورج؛ فعليها أن تتحدث معه اليوم، ففي الغد قد يكون الأوان قد فات. استأنف القطار رحلته ما ~~بين هانوفر وجوتنجن. قربت هاتفها المحمول من أذنها وزادت ضغطها عليه. # سألتها صديقتها متوسلة: «متى تصلين؟» ~~«ستستغرق الرحلة ساعتين، على شرط ألا يطلق أحدهم إنذارا بوجود قنبلة، سأضطر لتغيير ~~القطار مرة أخرى. هل وصلت يوهانيس أخبار عن تيد؟» كانت فاندا قد رجته أن يبحث أمر السيارة ~~الثانية التي ذكرها تيد بعد لقائهما. ~~«لا فكرة لدي، لكني أبتهل من أجل ألا تضلي الطريق، لأني أكاد أتجمد من البرد هنا.» رأت ~~فاندا بعين خيالها كيف تقف زابينة في البرد تراقب المنزل. ~~«ألا يستطيع يوهانيس أن يخلصك؟ على الأقل يأتيك بسيارة.» ~~«الآن لا شيء عندي أفضل من أن يأتيني أحدهم بدورة المياه!» # استقلت فاندا سيارة أجرة من محطة ماربورج. كانت الأخبار تنسال من المذياع، اتضح أن الحقيبة ~~المشتبه في احتوائها على قنبلة بمطار فرانكفورت لم تكن سوى دمية. تحدث الساسة عن استفزاز ~~مخادع، بينما تناقلت وسائل الإعلام أنها كانت تجربة تحسبا لوجود حالات حقيقية. أخبرت فاندا ~~سائق سيارة الأجرة أن يتوقف عند روتينبيرج. ثم دفعت له النقود وقطعت المسافة المتبقية سيرا على ~~الأقدام. تعرفت على سيارة يوهانيس من طراز تويوتا واقفة على جانب الطريق قرب المدخل. طرقت ~~على نافذة السائق فانفتح زجاجها بلا صوت. صافحت وجهها رائحة قهوة ms311 ساخنة، بينما لوحت زابينة من ~~المقعد المجاور للسائق. # حياها يوهانيس: «في الوقت بالضبط، أما مصاريف تدفئة السيارة فسنحاسبك عليها لاحقا، هل ~~تريدين حقا الذهاب بمفردك؟» ~~«إن لم أعد خلال ساعة، فاصعدوا لتروا ما الأمر، سأعلق شيئا بباب المنزل.» # قال لها يوهانيس متحديا وهو يبتسم: «يمكن لكثير من الأمور أن تحدث في غضون ساعة. هذه ~~الحركة ستكلف كثيرا.» كان الظلام حالكا، فلم تستطع أن ترى التعبير على وجه زابينة. هل قالت ~~شيئا؟ دفعت فاندا حقيبة سفرها خلال نافذة السيارة حتى وقعت على حجر يوهانيس. ~~«هل عرفت شيئا عن تلك السيارة؟» ~~«لقد ألححت عليه كثيرا، لكن تيد هذا يتلفح بالصمت.» # توجهت إلى مدخل البيت، وفي الطريق التقطت حصاة من الأرض، هل من الممكن أن يكون توماس في ~~انتظارها؟ شعور غريب، لكنها كانت متأكدة أنه سيسمح لها بالدخول. كانت سيارته من طراز بي إم ~~دبليو مصفوفة في الجراج بجوار المنزل، وشقته في الطابق الثاني. تحرك ظل وراء نافذة المطبخ، ~~بعدها بمدة وجيزة سمعت صرير الباب وهو يفتح، وفي نفس اللحظة أضيئ نور السلم. # انفتح الباب بمجرد أن دفعته فاندا، فوضعت الحصاة في إطار الباب وصعدت السلالم ببطء. ماذا إن ~~كان مجنونا؟ لكنها هزت رأسها لتطرد عنها هذه الفكرة، لو أن ثمة مجنونا فلن يكون سواي. كانت ~~زابينة تحب أن تشك في أفكارها، لكن فاندا على العكس كانت ترجو من داخلها رجاء حارا أن تكون ~~مخطئة، كانت لا تزال معجبة به. # كان باب شقته مواربا، فدخلت، ومن الغرف سقط ضوء على الردهة الصغيرة. # سحبت الباب مغلقة إياه، تاركة فرجة رفيعة. رأت معطفه الجلد معلقا على المشجب، والتقطت ~~أنفها ذات الرائحة المألوفة. استشعرت توترا اعتراها ~~فأخافها، لا يزال بإمكانها أن تعود أدراجها. وماذا لو كنت مخطئة؟ بحثت في المطبخ ثم في غرفة ~~المعيشة. كان جالسا إلى حاسوبه ويكتب، لم يزعجه دخولها بل ظل يثبت وجهه نحو الشاشة. جلست فاندا ~~على الأريكة الجلدية الزرقاء، لم تنبس ببنت شفة وظلت تنظر إلى ظهره. كان يحك ذقنه من ms312 آن لآخر، ~~لم يكن حليقا. وكانت الغرفة معبأة بهواء فاسد. رأت الكاميرا الرقمية على الطاولة أمام ~~الأريكة، ووقع بصرها على الصور ذات الأشكال الهندسية. تذكرت الآن، كانت قد رأتها قبل أن ~~تغادره بقليل في ليلة رأس السنة، وفي هذا المكان توقفا عن الرقص معا. ~~«ما الأمر بالغ الأهمية لدرجة أنك لا تحادثني؟» قالت لتكسر صمتا دام عدة أسابيع. شد توماس ~~ظهره وأخذ شهيقا مسموعا، ثم نظر بلا اكتراث وراء ظهره، ففردت تجاعيد رقبته. ~~«بدلة أنيقة!» أصابتها نبرته بالغصة، ثم تحول ببصره مرة أخرى إلى الشاشة وواصل ~~النقر. ~~«كانت حماقة مني. أنا أيضا لا أعرف لماذا ذهبت معه ليلة رأس السنة.» ~~«ماذا تريدين؟» غاصت رقبته بين كتفيه وهو ينظر إلى السقف. ~~«أن أكون مخطئة.» ~~«ولماذا تريدين أن تكوني مخطئة؟» كانت ضحكته باردة. ~~«هذا ما أريد.» قالتها ثم حدقت في يديها، ومرة واحدة هب واقفا. كان ذيل بنطاله الجينز ~~منسلا تنساب خيوطه على قدميه العاريتين، بينما أطل جزء من جسده الأبيض المغطى بشعيرات ~~داكنة من الخرقة التي تعتلي فخذه، بدا قميصه معجونا من كثرة ثنياته، علاوة على أن أزراره كانت ~~مفتوحة، فبدت شعيراته الصغيرة الملتفة المنتشرة على صدره العريض التي تمتد لأسفل، فوق ~~الاستدارة اللطيفة لبطنه لتختفي في البنطال أسفل السرة بقليل. خرج إلى الطرقة، وبعدها بقليل ~~سمعت صوت الباب وهو ينغلق، وحين عاد كان قد زرر القميص. ~~«هل تنوين أن يصطحبك أصدقاؤك ثانية؟» هذه المرة كانت ضحكته قذرة. ~~«لم تكن فكرتي.» ~~«هل كان أخوك الصغير يتابعك كالمجنون؟» أخي الصغير؟ من أين له بهذه الفكرة؟ لا تذكر أنها ~~حدثته عن أندرياس قط. ~~«اسمع يا توماس، أستطيع أن أتخيل أنك غاضب؛ لذلك ...» توقفت عن الحديث لأنه قفز فجأة من ~~مكانه وخرج راكضا من الغرفة. سمعته يطقطق الصحون في المطبخ. انطلق رنين هاتفها المحمول، إنها ~~رسالة نصية من يوهانيس، نصها: # رد من ت. كانت السيارة بي إم دابليو داكنة، سنصعد الآن. ي. # وبطرف عينها لمحت شيئا يتحرك على الشاشة، فنهضت فاندا وذهبت نحو المكتب ms313 حيث تعرفت على ~~قائمة ذات أرقام على الشاشة. كانت المدخلات مكتوبة بالدولار. وكانت ستقرأ الاسم المكتوب لكنه ~~في تلك اللحظة أمسك بها من رقبتها، وسحبها بعيدا عن المكتب ودفعها، فتعثرت ثم تمالكت نفسها على ~~الأريكة. ~~«السيدة فضولية زيادة عن اللزوم.» ~~«صحيح.» شعرت فاندا بقواها تخور. أسندت نفسها إلى ظهر الأريكة وأخذت تحك رقبتها التي ~~تؤلمها. ~~«إذن ماذا؟» ~~«إنه أنت الذي كنت في المعهد في وقت متأخر منذ مدة وجيزة. كنت تقف ورائي قريبا مني. ~~تمكنت من شم رائحة معطفك الجلدي، مثل الرائحة التي هنا في الطرقة. لماذا فعلت ذلك؟» ~~«لقد قلت فعلا إنك فضولية زيادة عن اللزوم.» كان يقف أمامها فاتحا ساقيه، على مسافة ليست ~~بالقريبة بحيث تمسك به، لكنه كان من القرب بحيث اضطرت للتطلع إليه. ~~«إنك تتاجر في أسهم شركة بي آي تي.» لم تتمكن من السيطرة على نبرة صوتها، فخرج رفيعا، ~~الأمر الذي أغضبها لأنه يفضح خوفها. # قال وهو يتنهد: «كان علي أن أتخلص منها في حينها. كنت بالفعل أنتوي ذلك قبل أن أعرف ما ~~اكتشفته صديقتك الغالية عن نانوسنيف، إلا أن شتورم واصل مسيرته وكأن شيئا لم يكن، طار إلى ~~أمريكا وعاد بالمشروع التالي، أما صديقتك زابينة فتسبب سلوكها المريب في طردها خارج المعهد. ~~ولم يكن تسللي خلف يوهانيس سوى محض مصادفة؛ ففي ذلك المساء كنت أتصفح الشبكة الداخلية للمعهد ~~من البيت. ساعتها وجدت رسائله الإلكترونية لجماعة «والدن»، وحينها بدا لي جليا أن الأوان قد ~~آن لمحو كل بيانات بي آي تي من الكمبيوتر المركزي، ومن بيتي أستطيع فقط أن أقرأ لكن ~~لا يمكن لي أن أتدخل بشكل إيجابي، وللأسف اضطررت ~~للعودة للمعهد، وهناك في الجراج وجدت سيارة يوهانيس من طراز تويوتا مصفوفة. كنت حذرا للغاية، ~~لكن كل شيء بالمعهد بدا هادئا، وتحسبا لأي طارئ أخذت سخان الماء الذي كان على المغسلة ومررت ~~بغرفته، ثم جلست في غرفة الكمبيوتر خلف الباب. لم أضطر لانتظاره كثيرا، لعبت معه لعبة خفيفة. ~~لم يلاحظني قط.» ~~«وماذا لو كان رآك؟» ms314 ~~«كان حظي وفيرا، أو لنقل حظه هو، حسبما تنظرين للمسألة. بعدها بقليل حضرت أنت وقمت ~~باللازم نيابة عني، بل قمت بإدارة الرجل كما يفعل المسعفون المختصون وبعدها ...» مط وجهه ~~واستطرد: «يؤسفني، لكن لم يعد يمكنني التصرف بشكل مغاير. لقد كانت كلمة المرور لبيانات ~~زابينة في جيب معطفك، وكان هذا كافيا بالنسبة لي للكشف عن نواياكما. في البداية كنت لا أزال ~~أظن أنكما متواطئان في الأمر.» # نظرت إليه وهي لا تعي ما يقصد. ~~«نعم، بعدها أطلعني رودي على الحكاية.» علت وجهه ضحكة ساخرة. ~~«ماذا؟» ازدردت ريقها الجاف، «أنت تعرف ...؟» آه أخوك الصغير، صحيح، لقد كشف عن نفسه، لقد عرف ~~ذلك من خلال رودي. يا لي من حمقاء! # قال متباهيا بالنصر: «نعم. ليس لك الآن سوى أن تحمري خجلا. رودي منجم للثرثرة، لكنك ~~نسيت أن تركبي لجاما على فمه. حين يعرف شخص ما كيف يدخل على النظام ما أسهل أن يتلاعب ~~به.» ~~«لقد كنت تتنصت عليه طوال الوقت. أنت تعرف ...» # أكمل قائلا: «أعرف كل شيء. لم أدخل إلا متأخرا، وإلا فما كان الطرد الموجه إلى سنايدر ~~قد وصل حتى فرانكفورت.» كانت نظرته تخترق إحساسها بذاتها وتدهس إحساسها المتنامي بالعار، ذلك ~~الإحساس الذي تجاهد لكي تقاومه. ~~«هذا ما تقوله أنت. لكني لا أصدق أي كلمة.» كانت تدافع عن نفسها رغم معرفتها تماما أنه ~~يقول الحقيقة، لقد قام توماس ببرمجة رودي، وبلا أية فكرة أخذت هي بنصائحه في الوقت الذي كان ~~توماس يلعب بها ويحركها مثل دمية ماريونت. ~~«على أية حال، لقد كان الأمر يستحق.» قالها متفاخرا بنفسه. ~~«بدون المعلومات التي أمدك بها بيتر سنايدر، لم أكن لأفكر في الاستثمار في ديون الحكومة ~~الأمريكية.» فكر قليلا ثم أكمل قائلا: «لكن مسألة نيو مكسيكو لا تزال مفتوحة، ربما لن تعرفي ~~قط السبب في موت والد أندرياس. أما ما يخصك ...» # صرخت في وجهه: «توقف. نحن نتحدث الآن عنك أنت، أنت الذي تحدث مع شتورم هاتفيا في ~~الصباح، أنت الوحيد في القسم كله الذي يعرف كيف يدخل ms315 إلى بنوك المعلومات. لقد أسأت استخدام ~~سلطتك الإدارية، سأبلغ عنك.» ~~«كنت أظنك أكثر ذكاء من ذلك.» هذه المرة كانت ضحكته وقحة، «السيدة الدكتورة فالس، أنت ~~الآن في عداد الأموات.» لماذا تلح عليها الآن تحديدا صورة القبر ذي الشاهد الذي يحمل اسمها ~~التي جاءتها بالبريد الإلكتروني؟ جالت بخاطرها كلمة «ذخيرة ذاتية التحلل»، في هذه الأثناء صارت ~~تثق أنه يستطيع أن يأتي بأي فعل شنيع. # حاولت فاندا السيطرة على صوتها ليخرج هادئا: «لقد كنت في بيتي ليلة رأس السنة وشاهدت ~~أسطوانة دي في دي»، رفع سبابته اليمنى محذرا. # ثم قال: «لا تتحدثي إلي وكأني أعاني من اضطرابات عقلية.» خرج ركضا من الغرفة، ثم عاد ~~ومعه عدة أزواج من الجوارب في يده. «كان علي أن أقتلك.» قالها موضحا وهو يقفز على ساق، ثم ~~على الأخرى ليرتدي الجوارب، وكأن كل ما يحدث مجرد لعبة بالنسبة له. ~~«لقد قمت بالفعل بدفني وأنا حية.» ~~«آه. ذاك الأمر، كنت أريد أن أرهبك فقط.» ~~«مثل الذخيرة ذاتية التحلل؟» لم يحر جوابا، فقالت: «كيف وصلت لمادة كهذه؟» ~~«أنت تطرحين أسئلة كثيرة.» كان الموقف عبثيا، وشعرت فاندا بضغط عارم يتراكم على صدرها ~~بينما تعلو وجهها ضحكة متوترة. ~~«أنت مجنون.» # مرة أخرى أسرع إلى خارج الغرفة، وحين عاد كان قد لبس حذاء في قدميه وارتدى بلوفر، ثم ~~توجه نحو الكمبيوتر وأغلقه، ثم سقط إلى جوارها على المقعد. ~~«لا، أنا لست مجنونا، أنا فقط لا أحب الخسارة، علاوة على ذلك لا أستطيع تحمل الأمر إذا ~~زاد أحدهم من ضغطه علي.» كانت تنظر إليه وهو يربط الحذاء. ~~«لست أفهم جيدا. عن طريق رودي عرفت كل شيء عني. في الحقيقة كنت أقف في طريقك، لماذا إذن ~~دعوتني في بيتك؟» صمت قليلا وكأنه سيفكر، ثم قال أخيرا: ~~«لقد كانت فكرة عفوية، لقد سحرتني.» ~~«لقد كانت تجربتي الأخيرة مع «م. إ. أ.».» تطلعت إليه فاندا متسائلة، فقال: «هذا اختصار ~~أطلقه على ما أسميه أنا مادة إنسانية أصيلة على الأرجح»، بعدها هز رأسه وهو يستطرد: «المسألة ~~لم ms316 تكن لتنجح، ربما الأفضل لو كنا اكتفينا بتبادل المراسلات الإلكترونية.» فجأة رن جرس الباب، ~~فخرج ركضا إلى الردهة. وقفزت فاندا من مكانها وتبعته، وعلى عتبة غرفة المعيشة وجدته فجأة ~~واقفا أمامها. دفعها نحو الغرفة ثانية، فتعثرت وسقطت. وجدت نفسها على الأرض ثانية، وللحظة ~~شعرت وكأنها مخدرة، وسألته: «وماذا تكون أنت؟» سمعت قرعا على الباب في الخارج. # سمعت يوهانيس يقول صائحا: «افتح الباب. افتح وإلا اتصلنا بالشرطة.» # نظر إليها توماس نظرات عدائية وهو يقول: «لقد أفسدت علي عملي. وفي الحقيقة يتعين علي ~~أن أعاقبك على ذلك.» كان وجهه مبرقشا ببقع حمراء، وأنفاسه متلاحقة. ~~«إن أبلغت عني فسأقضي عليك، هذا كلام نهائي، أنا أعرف كل شيء عنك.» ومرة أخرى أشار ~~بسبباته محذرا ثم خرج مرة أخرى إلى الردهة. ماذا يفعل هناك؟ رأت بعين خيالها الخزانة الصغيرة ~~ذات المرآة، وسمعت خشخشة وصوت سوستة تغلق. حين عاد كان يرتدي المعطف الجلدي ويحمل حقيبة سفر ~~صغيرة في يديه، وبعد ذلك سحب باب غرفة المعيشة ليغلقه وأوصده من الداخل. أما المفتاح فتركه ~~معلقا فيه، كانت فاندا لا تزال جالسة على الأرض تسند ظهرها على الأريكة. تجولت ببصرها داخل ~~الحجرة. اللوحات، المكتب، شاشة الكمبيوتر المطفأة، وراءها الأريكة الجلدية الزرقاء. نظرت نحو ~~النافذة. ~~«هل تريد أن تهرب؟» غضبت فاندا من صوتها الذي يشي بالقلق، «وتترك كل هذا هنا؟» # هز رأسه بالإيجاب مبديا بعض الندم. ~~«أخ ... فاندا إن فضولك سيجعلك تلاقين حتفك.» ~~«أخ ... توماس لقد نسيت أمرا.» استدار وفي نفس اللحظة كانت قد صوبت نحوه الكاميرا ملتقطة له ~~صورة. ارتعد حين انعكس ضوء فلاش الكاميرا عليه، أما هي فأمسكت بها عاليا. ~~«هذه ليست من والدك، لقد سرقتها منا.» # هز كتفيه لا مباليا ثم فتح النافذة وقفز. كان لخطواته وقع من يمشي على الحصى، ثم ابتعدت ~~سريعا. طلبت فاندا رقم هاتف يوهانيس بينما كانت واقفة في النافذة تتابع توماس وهو يهرب. من ~~الغرفة سقط ضوء على قطعة من سقف مسطح يبتعد نحو متر أسفل النافذة ويحد جدار المنزل. # قاطعت يوهانيس ms317 على الفور على الهاتف: «أنا بخير. بسرعة إلى أسفل، تحرك بسرعة إنه في ~~الطريق إلى سيارته. لقد كنت أراقبه عبر النافذة.» قبل أن تنهض نظرت أولا إلى شاشة عرض ~~الكاميرا. كانت الإضاءة في الصورة زائدة. # لم يلحق زابينة ويوهانيس إلا بمشاهدة الأضواء الخلفية للسيارة طراز بي إم دبليو بعجلاتها ~~التي أصدرت صريرا وهي تتحرك مبتعدة من الحوش، حسبما عرفت فاندا منهما فيما بعد. # واكتشفوا السلم الذي تسلق منه توماس من السطح حتى وصل إلى العشب خلف المنزل. كان قد جهز ~~لهروبه هذا، وفي طريق العودة حكت لهما فاندا ما حدث بإيجاز، فأمطراها بالأسئلة. رجتهما فاندا أن ~~يمنحاها لحظة هدوء، لحظة واحدة فقط، وشعرت كيف أن شعورها الأولي بالارتياح صار يتحول ~~تدريجيا إلى إحباط لا تستطيع له دفعا. أنزلها يوهانيس أمام باب منزلها، وأراد بعدها أن يوصل ~~زابينة إلى بيتها، ثم يذهب لينال هو نفسه قسطا من النوم. لقد كان اليوم طويلا على ~~الجميع. ~~••• # وعلى عتبة غرفة المعيشة وجدت كرتونة بيض عليها ورقة مثبتة داخل الشريط المطاطي الذي يغلف ~~الكرتونة، وكتب على الورقة بخط غير منسق: «شكرا، جارك.» احتوت الكرتونة على خمس بيضات ~~ومفتاح، ألقت فاندا نظرة على باب الشقة المجاورة لها. كان المصباح فوق الباب مضاء، رنت الجرس. ~~سمعت صوت خطوات تقترب، ثم فتح الباب وانزلق وجه رفيع من فرجة الباب، وحين عرفها فتح الباب أوسع. ~~انبعثت من الداخل روائح هواء مكتوم. # سأل بصوت متهدج: «هل حالك أفضل الآن؟» كان يرتدي بدلة ركض بينما توردت وجنتاه. أشارت فاندا ~~إلى كرتونة البيض ونظرت إليه متسائلة. ~~«كان المفتاح لمؤجر الشقة قبلك، إنه لا يدخل الآن في الباب.» كان لسانه ثقيلا بينما ينظر ~~هو إلى الأرض خجلا. # قال متلعثما: «البيض ... لا أستطيع دائما الخروج من منزلي، تعرفين.» لكن فاندا لم ترد أن ~~تعرف المزيد؛ لقد كانت متعبة فقالت: «لنتحدث لاحقا.» ثم دخلت من باب شقتها، وفي الداخل وضعت ~~حقيبة السفر وخلعت الحذاء غير المريح، ثم أخذت تقشر ملابسها عنها طبقة طبقة مثلما يقشر ms318 ~~البصل. كانت تترك ملابسها تسقط ببساطة مخلفة إياها ما بين الردهة والثلاجة، ثم الردهة والحمام، ~~وأخيرا في الطريق إلى المكتب. وهناك وضعت هاتفها المحمول. الآن أضحت عارية تماما. وعلى ألواح ~~زجاج النافذة المقسومة وجدت انعكاس صورتها مقسوما اثنين. الجزء العلوي يعكس رأسها حتى بداية ~~نهديها، فمالت برأسها نحو الجانب. كان شحوبها ورقبتها يذكران بصور السيدات النبيلات، أما ~~الجزء السفلي فظهرت عليه حلمتا ثدييها وكأنهما عينان تطلان من وجه آخر، بينما انتهت الصورة أسفل ~~سرة بطنها بقليل. أزعجتها الصورة المقسومة، نظرت إلى نفسها وأزعجها مظهر جسدها. أغمضت عينيها ~~ومسدت رقبتها بأناملها. شعرت بالراحة فواصلت المتعة حتى انطلق رنين الهاتف معلنا وصول رسالة ~~نصية. # كانت فاندا لا تزال مستغرقة في لذتها، واحتاجت بعض الوقت لتستوعب الأمر. كانت الرسالة من ~~الزميل المختص بعلم الفيروسات. لم يجد بالعينة أثرا لجزيئات النانو. # وهذا يعني أن العينات التي أخذوها من دماغ هيلبيرج نظيفة. صحيح أن هذه النتيجة لا تنقد ~~مزاعم سنايدر؛ لأن الجزيئات يمكن أن تكون قد تحللت بعد كل هذا الوقت، لكنها أيضا لا تؤكدها. ~~ربما لم يكن ثمة تلوث في نيو مكسيكو بالأساس. # في البداية شعرت به في أحشائها، ثم تصاعد شعورها بالسرور ليصل إلى صدرها ويعلن عن نفسه في ~~صرخة سعادة مدوية فاجأتها هي نفسها. لقد ظهر لها الموقف برمته الآن من زاوية مغايرة تماما. ~~توجهت فاندا إلى الحمام وتحممت بالماء الساخن طويلا، بعدها انسلت إلى منامتها وذرعت بها ~~الغرفة ذهابا وجيئة لتطفئ الأنوار. رأت الصندوق الصغير الذي يحوي مقتنياتها، وكانت قد وضعته ~~على المكتب ذي الأرفف الخاص بوالدها قبل سفرها إلى برلين. كان هذا منذ يومين فقط، لكن لأن ثمة ~~أحداثا كثيرة وقعت، بدا لها الأمر وكأن أسبوعا بكامله قد انقضى. # رفعت غطاء الصندوق وأخذت ميدالية المفاتيح. حين كانت طفلة، كانت تحب أن تسمع حكاية الأميرة ~~زوجة الدوق بلاوبارت، حكاية جميلة ومرعبة قليلا تدور حول المفاتيح والأبواب المحرمة. كانت ~~فاندا تتمنى دائما ألا تتمكن الشابة الفضولية من فتح الباب، بل الأفضل حتى ms319 ألا تجده على ~~الإطلاق؛ وذلك لأن الرعب سيأتي أولا إن استهانت بأوامر بلاوبارت واستعملت المفتاح الذي سيكشف ~~عن الحقيقة المخيفة لزوجها، وفي أزمتها تلك كانت فاندا تجمع كل مفتاح تجده وتخفيه. صحيح أن معظم ~~المفاتيح كانت تؤخذ منها ثانية، ما عدا هذه المفاتيح الخمسة فقد ظلت معها منذ ذلك الحين. أخذت ~~تجربها بالترتيب في فتح الدرج الموصد. # فتح المفتاح الثالث. # فوجدت حزمة من الرسائل التي اصفر لونها، وحين حلت الرباط الرمادي سقطت عدة صور. كانت كلها ~~لذات المرأة، امرأة نحيفة شقراء ترفع شعرها عاليا وترتدي فستانا أنيقا ضيقا. فتاة حسنة ~~الهندام وفق طراز ستينيات القرن الماضي، في العشرينيات من عمرها وواقعة في الغرام كما هو واضح ~~للعيان. كانت الخطابات موجهة لأبيها، بها حياء ظاهر وتفيض بالرقة والمودة. لم تستطع فاندا أن ~~تتذكر أن أباها تحدث قط عن هذه السيدة. مستها سطور الرسائل، لكنها لم تعن بوجودها ~~حقيقة. كانت العلاقة ترجع لوقت لم يكن فيه والداها قد تزوجا بعد، وهي لم تكن قد ولدت. كانت ~~الخطابات موجهة إلى عنوان في مدينة ماينز، حيث عاش والدها فترة. وعلى أرضية الدرج اكتشفت ورقة ~~واحدة موضوعة أسفل حزمة الخطابات، ويعلوها نفس الخط المنمق. فتحتها فاندا ومرت ببصرها على ~~السطور: ~~... أحترم قرارك حتى لو كان يمزقني من الداخل. تقول ~~إن ذلك بسبب الطفل، وإن هذا لا يغير شيئا من مشاعرك نحوي. كيف بالله عليك ستقدر على تحمل ~~ذلك؟ أنت تخادع نفسك وتخادعني وتخادع الجميع. لا أستطيع أن أعيش هكذا. أرجوك أن تطلق سراحي ~~لأستطيع أن أعيش حرة وسعيدة مرة أخرى ... # كان الخطاب مؤرخا بالسنة التي ولدت هي فيها. # الفصل التاسع والأربعون # | بضاعة مهربة # استمر الشتاء قليلا، لكن تقلبات درجات الحرارة ألقت بظل من الشك على وجوده؛ إذ كان موسم ~~البرد يتصرف مثل مريض في فترة النقاهة، تعاوده نوبات النكوص لكنها أضعف في كل مرة من سابقتها. ~~ثم تهالك تدريجيا ومات موتا بطيئا، وقد نسيه الجميع سريعا بمجرد دخول الربيع، وفي نفس ~~الوقت زادت حمى شعب ms320 يعشق كرة القدم. عرفت فاندا أخبارها من الجرائد والمجلات التي تقرؤها في ~~غرفة الانتظار بعيادة طبيب الأسرة، كما في ذلك الوقت. لم تكن تهتم بكرة القدم، فأخذت تقلب ~~الصفحات الكثيرة بلا نهاية التي تخبر عن الحدث، ولهذا لم يفرق معها كثيرا أن فريق ساحل العاج ~~لم يعد يتخذ معسكره في ماربورج. كانت أيامها في هذه المدينة معدودة، فالرحلة التي تنبأت ~~لها بها الشابة التركية في برلين صارت على وشك أن تتحول إلى حقيقة؛ فلجنة تحكيم من لجان المؤتمر ~~كافأتها على عرضها المؤثر ودراستها الكاشفة بجائزة بحثية تستطيع بموجبها أن تكمل أبحاثها في ~~الخارج لمدة عام، لكن قبل ذلك أرادت أن تستكمل مشروعا مهما حتى النهاية. # بعد محاضرتها في برلين اتصل شتورم بمدير شركة بي آي تي. كان يجب أن يعرف باول تورمان من ~~شتورم شخصيا أن الجين المستخدم في نانوسنيف تسبب في نشر فيروس بين الفئران. لم يخف ~~شتورم هذه المرة نسبة الوفيات، ولدهشته أبدى تورمان استعداده الكبير للتعاون، بل إنه اقترح أن ~~يتم توثيق هذه الملاحظات من خلال التجارب المعملية. أما السبب في ذلك فقد عرفوه بعد عدة أيام ~~حين جاء إليهم وسيط من أمريكا ليوصل عدة مليجرامات من مادة الاختبار. لقد قامت الحكومة ~~الأمريكية بمصادرة كل كميات مادة «إن بي 2701» كلما ~~اشتبهت في تواجدها بمكان ما بسبب أبحاث الشركات، كما طالبتهم بسحب طلبات الحصول على براءات ~~اختراع؛ إذ تم الادعاء بأنهم تجاوزوا الاتفاقات المبرمة، ومحامو الحكومة أصروا على الدفع بأن ~~مادة «إن بي 2701» هي ملكية خاصة للحكومة، ومن ثم فإن للحكومة الحق في أي تطور ينشأ عن هذه ~~المادة. أما الممثلون القانونيون للشركات فعارضوا هذا التفسير للتعاقدات المبرمة، وما دام لا ~~يوجد حكم قانوني في هذه المسألة فستسود حالة طوارئ غير رسمية، وستطول مدة المفاوضات. ~~••• # كل هذا عرفته فاندا من بيتر سنايدر الذي عاد يكتب إليها من جديد، لكنه لا يزال يكتب من ~~عنوان خفي. وجاء في رسائله كذلك: «ذات صباح وقف عشرة رجال أمام بابنا، لدرجة أني ms321 ظننت أن فرقة ~~الإبادة قد حضرت، لكن ما لبث أن ظهر أنهم أقرب لفرقة من العاملين بالنظافة. وقالوا إن عليهم ~~تفتيش المكان. ولو أنهم طلبوا شرب القهوة لوقعت في حرج بالغ؛ إذ لا يوجد في مكتبنا سوى ثلاثة ~~فناجين. فعشرة أشخاص عدد كبير. ظلوا واقفين على أقدامهم في الحجرات الصغيرة.» كانت الإشارات إلى ~~المعمل الكائن في ماربورج قد محيت، وكانت هذه هي الجملة التي سمحت لفاندا أخيرا أن تتنفس ~~الصعداء. # لن يستطيع أحد أن يتوقع كم بقي لفاندا من الوقت، لكن عليها أن تسرع إن أرادت أن تنهي ~~دراستها في الوقت الملائم. كان أكبر عائق هو طلب إجراء تجارب على الحيوانات، وحتى تحصل على ~~موافقة رسمية يدور فيها الطلب داخل الجهاز الحكومي من الممكن أن تنقضي ستة أشهر وهي لا تزال لم ~~تغادر البلاد، لكنها هذه المرة تعقد النية على إنجاز كل شيء بالصورة الصحيحة . لقد أعلنت أن ~~المواد التي يريدون العمل بها مواد معدية ومعدلة وراثيا، وأن كل التجارب ستجرى في قسم علم ~~الفيروسات الذي يطبق شروط السلامة من بند «إس1»، وحتى «إس4». وصارت المسألة الآن في يد رئيس ~~المعهد. لقد اتصل شتورم باللجنة المركزية للسلامة الحيوية في برلين، وهكذا وصلت الموافقة بعد ~~أربعة أسابيع لتستقر على مكتب فاندا. وهكذا، يمكنها أن تبدأ البحث في الأول من شهر مارس. وفي ~~بداية مايو عرفت فعلا أن ملاحظاتها يمكن توكيدها معمليا. تستطيع الآن أن تبدأ في الإعداد ~~لنشر البحث. مهنيا سارت كل الأمور بسلاسة غير مسبوقة، لكنها لا تزال تعاني من تلك الرعشة في ~~يديها، صحيح أنها ليست بنفس القوة التي كانت في الأسابيع الماضية، لكنها لا تزال رعشة خفيفة ~~تسبب لها القلق. # وعبر نافذة غرفة الانتظار بعيادة الطبيب، رأت سماء عصر يوم جمعة خالية من الغيوم، ونحو ~~الساعة الخامسة ستقابل الآخرين في مرج خلف قصر روتينبيرج. لا يزال عليها أن تنتظر دورها بعد ~~هذين المريضين. كان الرجل الأكبر عمرا الجالس أمامها يتمخط ويدق الأرض بعصاه بنفاد صبر. أما ~~المرأة الجالسة ms322 إلى جواره فكانت ترفع بصرها عن مجلتها وتحرك رأسها، بدا وكأنها أسيرة حالة دائمة ~~من التبرم، لكنها ابتسمت لفاندا، فردت عليها فاندا بابتسامة رغم أن منظر السيدة كان يسبب ~~لفاندا التوتر. حاولت أن تقرأ، لكن أفكارها لا تلبث أن تعود وتتجول في أحداث الأسابيع الماضية. ~~ثمة أمور كثيرة ظلت معلقة. لقد تجمعت وتشابكت أسئلتها التي بلا إجابة مشكلة شبحا لحوحا ~~يصعب عليها إزاحته جانبا. # وحين تفكر في توماس تتصلب رقبتها كلها حتى منابت شعرها. لا يزال مسيطرا عليها، وقد علمت من ~~السيدة بونتي أنه ترك وظيفته بدون فترة إخطار مسبق ودون إبداء الأسباب، وفي هذه الأثناء تم ~~إخلاء غرفة مكتبه. وذات مرة ذهبت فاندا إلى شقته، لكنها وجدت اسما آخر على لوحة الباب. لقد ~~اختفى توماس ببساطة وبدأ في محو كل أثر مادي لوجوده أثرا بعد الآخر، ولم يترك لها ثغرة من خطأ ~~تنفذ منها فتمكنها من الشعور بغضب أو حزن أو حتى سرور. أما هذا التلاشي الذي لا يخلف أثرا ~~فقد جعلها تشكك في عقلها. وفي تلك اللحظات كانت أيضا الصورة التي التقطتها له قبل أن يولي ~~هاربا تبدو لها وكأنها صورة لشبح. كانت تؤرقها فكرة أنه هو ذاته غير متاح لتمسك به، بينما هو ~~يعرف كل شيء عنها، وبالطبع سيحافظ على مراسلاتها مع رودي حفاظه على أمانة ليضمن سكوتها. كانت ~~مشكلتها أنها لن تستطيع أن ترد عليه بشيء، وكانت مقتنعة أن توماس مسئول عن المداهمات التي حدثت ~~في المعهد وفي شقتها، لكنها لا تستطيع أن تثبت ذلك. # لم يستغرق فحص الدكتور جليزر هذه المرة وقتا طويلا، فالمفترض أن تكون هذه هي الاستشارة ~~الأخيرة بعد سلسلة طويلة من الفحوصات. ~~«لم يجد طبيب الأعصاب ضررا. يقول طبيب الأشعة إن الغدة الدرقية سليمة. طبيب النساء أفاد أن ~~...» ~~«نسيت أخصائي الأمراض»، حاولت فاندا أن تمازحه. ~~«لم نصل لتلك المرحلة بعد.» قطب جليزر جبينه قليلا بما يشي بقلة حيلته واستطرد: «لكن ~~ارتفاع معدل الكريات البيضاء هو السبب الذي من أجله أردت أن أراك ms323 ضروريا مرة أخرى، إذ لم ~~يعد ممكنا إثباته، فكيف تشعرين الآن؟» # ضحكت فاندا وقالت: «فيما عدا أني لم أعد أستطعم الشاي الأخضر، كل شيء على ما ~~يرام.» ~~«أعتقد أن تغيير المكان قد يكون مفيدا لك.» لمعت عينا الطبيب المجلوتان، وبدأ يحكي عن ~~زمانه حين كان لا يزال طبيبا مساعدا في جنوب أفريقيا. أعطاها بعض النصائح الخاصة بالتطعيمات، ~~ثم خطت فاندا خارجة من العيادة إلى ذاك الأصيل الربيعي الذي يبدو أنه لم يعكر صفوه شيء. على ~~الجانب الآخر من الشارع، كان أندرياس يقف منتظرا إياها. كان البلوفر الذي يرتديه ذو اللون ~~البرتقالي يبدو مثل الضوء التحذيري، وحين هرول في الشارع فرملت السيارات. كان وجهه مشرقا ~~مائلا للون البرونزي، فبدت زواياه أكثر بروزا. كان أفضل دليل على أن ثمة حياة خارج المعامل ~~مكيفة الهواء. خطوات قليلة فقط تفصل بين كلية الفلسفة ومروج اللان، حيث يستمتع الطلاب في ~~الأيام المشمسة بشي أجسامهم علاوة على شي اللحم. القراءة والكلام والتفكير مع الأصدقاء ~~والمرح في كل أرجاء المرج، كانت هذه الحياة تشي بسلام مصطنع، وتذكر فاندا بالوقت الذي كانت ~~فيه هي نفسها طالبة. ~~«أنت لا تفعل شيئا سوى التسكع.» أمسكت يده ورفعت كم البلوفر ووضعت ذراعه في الشمس ~~متفحصة وكأنها تبحث عن لسعات الحشرات. تركها أندرياس تفعل ما يحلو لها، وربت بود على ~~كتفها. ~~«هذه هي العدالة. العتمة للأغنياء وللفقراء بقعة صغيرة مشمسة.» ثم أخذ بيد فاندا وسارا ~~معا. # ثم قال: «تعالي، سنذهب سيرا على الأقدام. أعرف طريقا جميلا.» # صعدا على الطريق المائل نحو القصر. وفي وقت ما اتخذا أحد المنحنيات فصارا في الغابة. سقط ~~الضوء من بين الأشجار الشاهقة عبر أوراقها التي لا تزال صغيرة، فبدا وكأنه ينعكس على ورق شفاف ~~ليجعل الظلال على الطرقات تضيء بدرجات اللون الأخضر. لم يلتقيا منذ مدة، ولهذا ظلا يتجاذبان ~~أطراف الحديث حول صغائر وتفاهات، إلى أن تجرأ أندرياس أخيرا على طرح سؤال: «بخلاف ذلك هل كل ~~شيء على ما يرام؟» كان ينظر إليها نصف نظرة من الجانب. ms324 ~~«نعم، هذا ما يبدو، لقد ذهبت اليوم إلى الطبيب للمراجعة.» ترددت ثم أكملت: «لقد أمضينا معظم ~~الوقت في الحديث عن جوهانسبرج.» ~~«جوهانسبرج؟» ~~«سأسافر في القريب إلى هناك.» كانت هذه هي المرة الأولى التي تصيغ فيها نيتها بهذا الوضوح، ~~لم تكن حتى قادرة على استيعاب ذلك. نظر إليها أندرياس مندهشا، فأكملت قائلة: «أعرف هناك عالمة، ~~دعتني أن أعمل معها. ماري كامبل، اسمها أيضا موجود على القائمة اللعينة التي ...» صار يومئ ~~بقوة وكأنه لا يريد أن يسمع المزيد. ~~«متى؟» ~~«في نهاية يونيو.» ~~«وكم من الوقت تمكثين؟» ~~«لقد حصلت على جائزة بحثية، ستكفيني لمدة عام، وبعد ذلك سنرى ما يحدث.» نشت فاندا فراشة ~~خضراء صغيرة من على كمها. «لا أستطيع تصديق الأمر بعد، فحصولي على الجائزة جاء مفاجئا مثل حمل ~~السيدة العذراء بالسيد المسيح. والحقيقة أني لا أعرف ما السبب الذي فزت بها من أجله.» ~~«كنت أعرف دائما أنك أفضل عالمة، لكن ماذا سيحدث لترقيتك إلى أستاذ مساعد؟» ~~«لم أعد واثقة أني أريد هذه الترقية، فالأستاذ المساعد يتعين عليه أن يدرس كثيرا، ~~كما أن عليه أن يترقى، وأن يثبت وجوده العلمي في المحافل الدولية التنافسية. هل تعرف أني ~~حقا أحسدك على هذه المروج؟» ~~«الشمس تشرق أيضا في جنوب أفريقيا.» ~~«نعم بالتأكيد، ستكون بالتأكيد فرصة للاستشفاء.» ~~«هل أنت إذن ...؟» نظر إليها أندرياس بقلق. ~~«لا، لا تقلق، ليس ثمة شيء، فقط ماري مختلفة عني تماما، صارت تدعي أنها تستطيع أن تشم ~~الألوان.» ~~«يا للهول!» فلتت من بين شفتي أندرياس. ~~«نعم، إنها تعاني من اضطراب في الشم، أنا خائفة قليلا ...» ~~«هل هذا مرض معد؟» # ضحكت فاندا وهزت رأسها بالنفي، وفجأة تذكرت أخاها. حاولت أن تتحدث معه بشأن الخطابات التي ~~وجدتها في مكتب أبيها، إلا أن روبرت لم يهتم بهذا الحديث، فتوقفت عن ذلك. لم يعد هناك الكثير ~~يربطها بالبقاء هنا. ~~«لا أنوي العودة.» ساهم الحسم الذي نطقت به هذه العبارة في شد عودها. # ظلا يسيران متجاورين صامتين لبعض الوقت. أصغت فاندا، كانت الغابة تصدر أصوات طقطقة، ms325 وكأن ~~أعدادا لا نهائية من فقاعات صغيرة تفرقع. رأت فاندا خيالات الفراشات من وراء الأغصان. كانت ~~الأوراق مخرمة وكأنها أصابها وابل من الرصاص، فبدت مثل مصفاة، وفي أماكن كثيرة لم يبق سوى ~~أطر حزينة معلقة. تساءلت: ترى ما المغزى من هذا؟ ربما كانت ماري على حق ونيو مكسيكو ~~غيرتهم جميعا، سواء بشعوذة السحرة أو بجزيئات النانو. بغض النظر عن السبب، فقد صارت تمثل ~~بالنسبة لفاندا بداية تحول مليء بأحداث لا يبدو فهمها سهلا. لقد شفي بانسيروتي من مرضه ومات ~~جونتر هيلبيرج. بدا لها الأمر وكأنها تنظر في مرآة تتسارع عليها الوقائع وكأنها فيلم سينمائي، ~~أحداثه حقيقية لكنها في الوقت نفسه أسرع من قدرة المشاهد على الاستيعاب. مساحة شديدة التشابك ~~حتى لتكاد تنفجر، لكن لا شيء وراءها. فكرت فاندا: ربما ما زلنا في البداية، اضطرت للابتسام ~~فجأة وأكملت خاطرتها: وعالم النانو هو مجرد قشرة. # عبرا شارع روتينبيرج وراء داميلزبيرج ومرا عبر المقابر الرئيسية. # بدأت تقول بحذر: «يؤسفني الأمر.» ~~«أنك ستذهبين؟» # هزت فاندا رأسها: «لا، بل أننا لن نستطيع أن نكتشف المزيد حول وفاة والدك. على صعيد آخر ~~...» ~~«ماذا؟» ~~«سعيدة أننا لم نجد شيئا.» # ضغط أندرياس يدها وقال: «أنا أيضا. لم يكن هذا ليعيده إلى الحياة، لكن أنت ... هل أنت بصحة ~~جيدة؟» أومأت برأسها. وصلا إلى الحقول ويداهما متشابكتان. وخيم على أندرياس صمت مهموم. # قالت فاندا في محاولة للتسرية عنه: «تستطيع أن تأتي لزيارتي.» لم تكن في حالة تسمح بمعاناة ~~ألم الوداع. # أجابها: «حاذري مما تقولين!» ثم أكمل: «قد تجدينني بالفعل أمامك فجأة.» وضحكا ~~معا. ~~••• # كانا قد تواعدا على اللقاء على المرج أمام الصاري. لم يكن متاحا رؤية تلك المروج من أسفل ~~لأن طريق المشاة الصاعد إلى هناك كان يختفي متخذا منحنى، وهناك وقفت السيارة من طراز تويوتا ~~على حافة الطريق. إذن وصلت بيترا ويوهانيس بالفعل. # استمتعت فاندا بالأمسية المشمسة. مروا بالمروج والحقول وصعدوا الطريق ببطء، وعلى أحد ~~المرتفعات مشطت ريح باردة العشب ولعبت بألوانه، ليبدو مرة بنفسجي اللون مائلا إلى الباذنجاني، ms326 ~~ثم يعود تارة أخرى أخضر اللون. أزهرت ورود الهندباء وارتفعت أولى نواراتها، وفي قلب هذا المكان ~~ركض يوهانيس وبيترا على مفرش مشمع سماوي اللون مثله مثل الطوف. بعدها فتحا زجاجة ~~شمبانيا. # ركضت فاندا نحوهما، وسقطت لاهثة الأنفاس جالسة على المفرش وأخذت الكأس الأولى، كانت ~~الشمبانيا تفور، فسقطت بعض الرغوة على يدها. # استقامت بيترا - التي كانت جالسة إلى جوار يوهانيس - في جلستها ورفعت كأسها عالية. بدت ~~بالعصابة التي عقصتها على جبينها وهي مرتدية قميص يوهانيس الذي أخذ يتطاير مع الريح وكأنها ~~تمثال الحرية في نزهة خلوية، ورغم هذه الجلسة المسترخية بدا جسدها خاليا من أي عيب ولا يمكن ~~المساس بها. لم تكن فاندا واثقة تماما أن بيترا تستوعب الأمور من حولها. كانت سلاستها الطفولية ~~في التعامل مع الآخرين تحصنها من استياء الآخرين وغضبهم. أما الأشياء التي كانت تغضبها فكانت ~~تظهر عليها في وضوح، لكن بطريقة لا يلومها عليها أحد. ~~«في نخبنا!» قالت بيترا محتفية. # قرعوا الأنخاب. # قال أندرياس مستعلما: «أين زابينة؟» # رفعت فاندا حاجبا وقالت: «غاصت في الجنوب. تحت، في أستراليا، إنها تجري أبحاثها الآن في ~~أديليد، وقد اهتموا لأمر فولفجانج حتى لا يشعر بالملل، فهو سيدرس اللغة الألمانية هناك.» ~~لعقت فاندا أصابعها اللزجة وهزت نفسها، قائلة: «طعمها غريب على نحو ما.» # رشف أندرياس من كأسه ثم قال: «بل أجد طعمها جيدا.» وزع يوهانيس قطعا من الخبز الأبيض ~~وشرائح جبن. لم تستطعم فاندا الجبن، لكنها لم تقل شيئا هذه المرة. # جلسوا بعضهم إلى جوار بعض متلاصقين، وأخذوا يتأملون شمس الغروب الدافئة. كانت المدينة أسفل ~~منهم تطل بجناحها الجنوبي، بانوراما يلفها السلام. وعلى أقصى اليسار فوق سلاسل منحدرات اللان ~~ارتفع برج القيصر فيلهلم مثل عمود رفيع بين القباب الطبيعية المكسوة بالأشجار، تلاه جبل ~~داميلزبيرج الذي أخفى أجزاء من مرأى القصر. تطلعت فاندا نحو أندرياس. ~~«هل اتصلت بك الشرطة مرة أخرى؟» ~~«هل كان عليهم أن يفعلوا؟» لكن بدا أن ذهنه شارد في مكان آخر. # قالت فاندا بإلحاح: «رغم كل شيء كانت ثمة آثار.» ms327 ثم تبعت نظراته نحو سلسلة الهضاب ~~الغربية. # قال مستغرقا في تأملاته: «هناك في الأسفل على ربوة أوكيرهاوزن يمر شارع تجاري قديم في هيسن ~~يسمى فاينشتراسيه.» ~~«هل كان مخصصا للكروم فحسب؟» سألت بيترا وجلست ملتصقة به. ~~«المقصود هو عربات الكارو القديمة التي كانت تستخدم منذ العصور الوسطى.» # تدخل يوهانيس ليقول: «في هذا الشارع قطن اللصوص، والرجال ذوو اللحى الطويلة الذين تفوح ~~منهم روائح العرق والقذارة.» غمز لفاندا ثم أكمل: «كانوا يقودون عرباتهم بمحاذاة الشارع في ~~الأيام التي تهطل فيها الأمطار بغزارة وتكون فيها الأرض قابلة للتشكل بسهولة، وفي مكان ملائم لا ~~يمكن رؤيته من برج المراقبة يتركون الطريق الصحيح ليرسموا آثار خطاهم نحو كمين.» ~~«مثل العصابات في ميامي.» قالت بيترا التي كورت نفسها على المفرش مثل الحلزون، وكانت نظرتها ~~طفولية ولم ينقصها شيء سوى أن تمص إبهامها. ~~«لا يبقى أمامهم سوى عدة أيام مشمسة في الصيف أو ليال قارسة البرودة في الشتاء، حتى تثبت ~~الآثار المخادعة على الأرض الموحلة لتقود العربات المحملة بالبضائع في سلاسة نحو الأكمنة.» ~~لمعت عينا يوهانيس وهو يحكي، فقال له أندرياس مستمتعا: «عليك أن تتقدم لوظيفة مرشد ~~المدينة.» # بينما رد يوهانيس مدافعا عن نفسه: «يعجبني دور روبين هود أكثر، كذلك تروق لي التاجرة ~~الذكية التي اكتشفت الخدعة في الوقت المناسب.» نظر يوهانيس إلى فاندا الآن بتركيز كبير وقال: ~~«لقد لاحظت أن أمرا ليس على ما يرام، فقادت العربة خارج الممر الخطأ، وظلت تتعثر بقوة على ~~الطريق الوعرة لدرجة أن محاور العربة أصدرت صريرا وعجلاتها أزت بصورة تهدد سلامتها، لكنها ~~نجت.» # قالت بيترا مداعبة: «وعاشت في تبات ونبات ...» فأكمل يوهانيس الجملة: «وطارت إلى أفريقيا حيث ~~الغابات والحيوانات.» ثم قرع نخب فاندا وقال: «في صحة جائزتك، أنت تتصرفين بشكل سليم؛ إذ ~~تبتعدين بغنيمتك لتضعيها في مكان آمن، في حين نحن هنا لا نزال عاكفين على إزاحة آثارنا من ~~الطريق الموحل.» سحبت فاندا رأسها إلى داخل رقبة ردائها. # تلعثمت حرجا وهي تقول: «إنك محق. في الواقع لم يكن يجدر بي ms328 أن أقبل الجائزة، فمثلها مثل ~~البضاعة المهربة، في نهاية المطاف، لقد كان الإنجاز نتاج عمل الفريق.» # رد يوهانيس ضاحكا: «لا تقلقي. أنا أهبك إياها. حقا. في النهاية لست أنت سوى مجرد ~~معطف يعلق عليه الوسام.» قضم رغيفه وأكمل وهو يمضغ «... أرجوك لا تغضبي مني، لكن لنكن ~~واقعيين، الجائزة لا يستحقها أحد سوى رئيسنا، هو يعرف تماما من يجدر شكره عليها، ومن سيكون ~~ممتنا له في المناسبة التالية.» مط يوهانيس وجهه إلى ابتسامة عريضة. «لقد قلتها لكم دوما: ~~صديقك يكسب.» # قالت بيترا متحمسة: «لكنه لا يكسب شيئا إن حصلت فاندا على الجائزة.» بينما هزت فاندا ~~رأسها. ~~«أن تمنح أحدا جائزة لهو أرقى طريقة تسرحه بها، إنه لا يريد سوى أن أرحل.» # وضع يوهانيس شريحة جبن في فمه ومال برأسه قائلا: «لست واثقا من هذا تمام الثقة، فبالتأكيد ~~فكر أنك قد تعيدين ضخ قيمة الجائزة في القسم مرة أخرى . صحيح أنه يستحق ألا تفعلي ذلك ~~وتبتعدي بالمال، لكن إن يستقم له الحال فقد يحصل فعلا على جائزة ميتوزيلا الفئران.» ~~«جائزة ماذا؟» سألت بيترا وهي تتجول ببصرها من واحد لآخر. # رد يوهانيس موضحا: «ميتوزيلا يعني جائزة فأر ميتوزاليم، عبارة عن أربعة ملايين ونصف من ~~الدولارات تمنح للعلماء الذين في وسعهم إطالة أعمار فئران التجارب التي تعاني من الشيخوخة، ~~لكن هذه الفئة من الجوائز تتخطى إمكاناتنا الحالية؛ لأن الفئران عاشت بالفعل مدة أطول من مدة ~~تعاقداتنا في المعهد، لكن الذي ينجح في رعاية الفئران المسنة قد ضمن لنفسه حياة باذخة بعد ~~المعاش.» ~~«شتورم؟» هزت فاندا رأسها وقالت: «أنت تنشر الشائعات من جديد.» # لمعت عينا يوهانيس استمتاعا وهو يقول: «سترين، سيظل وراء هذا الموضوع حتى يفلح فيه.» كانت ~~نبرته مقنعة، «شتورم يحتاج هذه الجوائز كل بضع سنوات لتغسل أعماله، إنها تعمل له عمل تأثير ~~اللوتس. بعض الناس يرتدون هذه النوعية من السترات بالفعل، أنتم تعرفونها، تلك التي تحوي فقاعات ~~كثيرة صغيرة الحجم. إن رئيسنا ينتمي إلى هذه الفصيلة، وحين تمطرينه بأموال الجوائز يساهم ذلك في ms329 ~~إزالة الأوساخ عنه وكأنها لم تكن.» # ردت فاندا مستاءة: «شكرا على الزهور.» لقد ضربت كلمات يوهانيس وترا حساسا لديها، فمال ~~هذه الجائزة يسمح لها هي أيضا أن تغسل ماضيها. ~~«لا أعنيك أنت يا فاندا، أنا أتحدث عن شتورم، فالأمر عنده وراثي، يمت لجيناته بصلة.» ~~ران صمت لوهلة. ~~«جينات بالمصادفة.» أخذ أندرياس الكلمة وسأل: «هل عرفتم في هذه الأثناء السلسلة الجينية ~~لمادة نانوسنيف؟» # أجابت فاندا في يأس: «ربما سيظل هذا الأمر سرا من أسرار الشركة.» ~~«ربما يعرفها شتورم. في النهاية هو رتب كل شيء مع رئيس قسم علم الفيروسات، وعلى الأرجح ~~أنهما اكتشفا الشفرة، لأنهما من قاما بالتحاليل آنذاك. لكن هذا موضوع لا يمكن الاقتراب منه، ~~ولكي أكون صادقة، فأنا أيضا لم أعد أهتم بمعرفة الشفرة.» # قال يوهانيس بصوت منخفض: «إنها حالة كلاسيكية من الحماية المتبادلة. ما لا نعرفه لا يمكن أن ~~يؤثر فينا.» # اعترض أندرياس قائلا: «ليس الأمر تماما هكذا. نحن على علم بالأثر وفي هذا ما يكفي للتحذير ~~من المسألة.» # ردت فاندا وسألت: «إنها مسألة رخوة بصورة ما. لكن ما الذي قتل الفئران في النهاية؟ هل كان ~~السبب هو الجين منفردا، أم كان ذلك الارتباط بين الجين وناقلات النانو هو الذي هيأ أولا ~~البيئة القاتلة؟ المسائل متشابكة بعضها ببعض بدرجة معقدة لا تسمح بالحكم عليها بسهولة. نحن ~~حتى لا نعرف مما تتكون ناقلات النانو، وما الذي يمكنها من اختراق الكائن الحي متجهة ~~بدقة نحو هدفها.» أخذت تفكر ثم استطردت: «أسرار جزيئات النانو محمولة كلها على سطحها، وهذا هو ~~الفرق بينها وبين عالمنا الكبير. نحن تعودنا أن نفض الأشياء وأن نفككها لكي نتعرف عليها ~~ونفهمها، أما عالم الجزيئات متناهية الصغر فكله سطح وحسب، ليس ثمة ما يسمى بالنظر في بعد ~~أعمق. نحن نتعامل هنا مع ظواهر حدية، تبدو للمرء أنها لا متناهية كلما زادت تشعباتها. لقد ~~فقدت إحساسي بالاتجاه في هذه الأثناء.» ~~«هذه هي اللحظة المناسبة لطرح الأسئلة.» سمعت أندرياس يقول، ثم رأت سيارة الشرطة ترتقي ببطء ~~طريق الحقل. ~~«ماذا ms330 يريد هؤلاء؟» سألت بيترا غاضبة وأخفت بسرعة زجاجة الشمبانيا في السلة. كانت سحابة من ~~الغبار تتراقص خلف السيارة التي صارت تقترب منهم بلا تردد، وكان سائقها ينظر إليهم. ~~«اللعنة.» فلتت من بين شفتي يوهانيس فاحمر وجهه. # سألت فاندا مداعبة: «هل تناولت شيئا؟» وعند برج الإرسال توقفت السيارة وخرج منها شرطيان، ~~رجل وامرأة تعقص شعرها الأشقر خلف رأسها، فكرت فاندا في توماس وفي آثار مادة الذخيرة ذاتية ~~التحلل، ربما أمسكوا به وصادروا جهاز الكمبيوتر الخاص به. انكمشت فاندا في بلوفرها. # قال يوهانيس هامسا: «أنتم لا فكرة لديكم، هل هذا واضح؟» ~~«عم تتحدث؟» سألته فاندا بينما كانت نظراتها لا ترتفع عن الشرطيين. لقد دخل كلاهما إلى ~~المرج وصارا يتقدمان نحوهم ببطء خلال العشب الطويل. ظل يوهانيس يتقلب على مؤخرته وقال: «نحن لم ~~ندبر قط مناورة لتعطيل سفر شتورم.» زاد رعبه في كل خطوة اقترب فيها الشرطيان، وفجأة انهالت ~~عليه بيترا. ~~«لا أصدق، هل كانت الحقيبة بالمطار من بنات أفكارك؟» # صاح يوهانيس مزمجرا: «الزمي الصمت.» بينما مر شريط الصور أمام عين فاندا: حقيبة وحيدة في ~~المطار، إنذار بوجود قنبلة، فرملة الطوارئ، هكذا سماها يوهانيس بنفسه. ~~«من كان وراء الموضوع؟» سألت فجأة والشرطيان على بعد خطوات قليلة منهم. ~~«كان تيد لا يزال مدينا لنا.» لم يقل المزيد لأن الشرطيين وقفا إلى جوارهما. كان شعر ~~المرأة أشقر مثل الخبز الأبيض المقرمش بلا جدال، أما بشرتها المشربة بلون الورد، فكانت تضيء ~~ببراءة تدعو للحسد. ظل زميلها وراءها بخطوتين. كان شخصا آخر غير ذلك الذي كان معها تلك المرة ~~عند القصر. # أومأت ليديا فازا تجاه فاندا وأندرياس قائلة: «مساء الخير. لقد تعرفنا من قبل.» كانت تتحدث ~~بحرفية عالية، لم يحر أحد جوابا، فنظرت الشرطية متسائلة من واحد لآخر. ~~«هل تعرفون لماذا نحن هنا؟» أشارت الشرطية نحو مجموعة من الأشجار على حافة أحد الحقول، ~~وأكملت: «لقد اتصل بنا الفلاح يشكو، أنا مضطرة أن أطالبكم بمغادرة المرج.» قفز أندرياس من فوره ~~قائلا: «حالا، اعتبرينا غادرنا فعلا.» وبسرعة جمع الكئوس ms331 ووضعها مع الأطعمة في سلة النزهة. ~~كان ثمة راية وردية تكسو صفحة السماء حين تابعت فاندا الشرطيين وهما يغادران ببطء ليستقلا ~~سيارتهما. لقد حان وقت التقاط صورة أخيرة، فالتقطت هاتفها المحمول من جيبها وصوبت عدسته ~~الصغيرة نحو يوهانيس الذي كان رابضا على الأرض على قوائمه الأربع بوجهه الأحمر حمرة السلطعون، ~~ممسكا بطنه من فرط الضحك. كانت بيترا جالسة على ظهره وتقرعه بعنف بقبضتي يديها، بينما وقف ~~أندرياس هنالك ممسكا السلة ناظرا نحو الجنوب. ستبعث بالصورة إلى زابينة. ومن مكان بعيد ترامى ~~صوت محرك الجرار إلى أسماعها، فرفعت فاندا أنفها في مهب ريح الربيع وتشممت. # لكن لا شيء. لم تشم شيئا. لا شيء على الإطلاق. # | ثبت المصطلحات # أذن البحر: # أحد أنواع القواقع التي توجد على السواحل الصخرية في المناطق الدافئة والمعتدلة من ~~البحار. # أنابيب نانوية كربونية: # جزيئات كربون تتخذ شكل أنبوبة طويلة قطرها نانومتر واحد أو أكثر، وفي الأنابيب ~~النانوية متعددة الجدران تتداخل عدة أنابيب بعضها في بعض. # إنتروبيا: # تعني تحولا أو تغييرا، وهي خاصية ثرموديناميكية يمكن من خلالها إدراك الانتقالات ~~الحرارية والعمليات غير العكوسية في العمليات الثرموديناميكية حسابيا، فهي مقياس لتغير ~~واضطراب نظام مغلق (سواء كان صلبا أو سائلا أو غازا) صيغ في القانون الثاني للديناميكا ~~الحرارية منذ بداية القرن التاسع عشر، وطبقا لهذا القانون فإن الحرارة دائما - ما لم ~~يؤثر عليها تأثير من خارج النظام - لا تنتقل إلا من الوسط الساخن إلى الوسط البارد، وتصل ~~بذلك إلى الاتزان. # أندرياس جوردان: # عالم طبيعة ألماني قام بتطوير طريقة لعلاج السرطان باستخدام الحرارة المفرطة الناتجة ~~عن مجال مغناطيسي، حيث تدخل جسيمات النانو لأكسيد الحديد في الخلايا السرطانية، وهناك ~~ترفع درجة حرارة الجسيمات عن طريق مجال مغناطيسي، وبذلك تدمر الأورام. # أنفي فقط: # هذه طريقة تتعرض فيها فقط أنوف حيوانات التجارب لغازات وضبائب وأبخرة، خلافا لطريقة ~~أخرى يتم فيها تعريض الجسم كله. # باحث في مرحلة ما بعد الدكتوراه: # الأكاديمي الذي يعين في مجال البحث بشكل مؤقت بعد انتهائه من رسالة ~~الدكتوراه. # بروتين فلوري أخضر ms332 (جي إف بي): # هو بروتين يوجد في قنديل البحر (إيكووريا فكتوريا)، ويشع بلون أخضر فلوري عند تعرضه ~~لضوء أزرق أو للأشعة فوق البنفسجية. يتم ربط جين البروتين الفلوري الأخضر مع جين أحد ~~البروتينات المراد فحصها، والذي يترجم بعد ذلك من الخلية (انظر أيضا: جين مراسل). وعن ~~طريق إشعاع البروتين الفلوري الأخضر يمكن مراقبة التوزيع المكاني والزماني للبروتين ~~الآخر في الخلايا الحية أو الأنسجة أو الأعضاء بشكل مباشر. # بصيلة شمية: # زائدة تقع على قاعدة الدماغ الأمامية متخذة شكل الكوز، وتتصل عبر الأعصاب الشمية ~~بالظهارة الشمية للغشاء المخاطي الأنفي. # بونوا ماندلبرو: # عالم رياضي فرنسي، ولد في عام 1924، ويعتبر أحد واضعي «نظرية الشواش» (أو الفوضى) ~~نظرا لأعماله التي أنجزها في نظرية الكسيرية (انظر النظرية الكسيرية) عام 1975. # بيلوباليد: # سيسكوتربينات توجد في أوراق شجرة الجنكو، ويستند تصور تأثيرها النافع لجسم الإنسان ~~إلى ملاحظة أظهرت أن مستخلصات أوراق الكنجو يمكنها تقوية ذاكرة الفئران المتقدمة في ~~السن. # تأثير اللوتس: # وصف عالم الأحياء فيلهلم بارتلوت تأثير اللوتس عام 1992 بأنه ضعف قدرة بعض الأسطح ~~على الابتلال، وهذا يعتمد على مبدأ مشابه لما يحدث في زهرة اللوتس. # تايبان: # أحد أجناس الثعابين الأسترالية السامة جدا، والتي قد يصل طولها إلى ثلاثة ~~أمتار. # تحليل بنية البلورات: # طريقة لتعيين ترتيب الذرات في بلورة ما، ويكون في الغالب باستخدام الأشعة السينية ~~التي تحيد عن الشبكة البلورية في اتجاهات معينة، فينتج عن ذلك نموذج الحيود الذي يمكن من ~~خلاله حساب بنية البلورة. # التنظيم الذاتي: # أحد مصطلحات نظرية الأنظمة، وضع في خمسينيات القرن العشرين لوصف الدخول التلقائي ~~لتراكيب جديدة ومستقرة وفعالة، وأيضا دخول بعض السلوكيات في الأنظمة المفتوحة البعيدة عن ~~الاتزان الثرموديناميكي، كتبادل الطاقة أو المواد أو المعلومات مع المحيط الخارجي. # التولد الذاتي اللابنيوي: # طبقا لنظرية التخلق المتوالي، فإن الكائن الحي يعيد تشكيل نفسه أثناء تطوره، حيث لا ~~يكون التشكيل مسبقا في البويضة. # جان باتيست لامارك: # عالم نبات وحيوان فرنسي عاش في الفترة من 1744 إلى 1829، وهو صاحب نظرية التطور التي ~~أيد فيها تصور توارث ms333 الصفات المكتسبة في الحياة، وفي كتابه «نظام اللافقاريات، أو جدول ~~تصنيف الكائنات الحية» وضع لامارك تصنيفا للافقاريات يعمل به حتى الآن. # جسيم نانوي: # هو اتحاد ذرات أو جزيئات، قد تكون قليلة العدد، وقد يصل عددها إلى بضعة آلاف، ويتراوح ~~حجم تلك الجسيمات بين 1 و100 نانومتر (حيث 1 نانومتر يعادل ~~10 ~~−9 # أمتار = 0,000000001 متر). # جيرهارد ريشتر: # رسام ألماني ذو شهرة عالمية، ولد في عام 1932، تشتمل أعماله العديدة على اتجاهات ~~أسلوبية متنوعة، منها على سبيل المثال تقنيات الاغتراب في النماذج التصويرية. # جين مراسل: # هو الجين الذي يمثل تعبير جينات أخرى (انظر أيضا: بروتين فلوري أخضر). # حاجز دموي دماغي: # هو حاجز فسيولوجي بين الجهاز العصبي المركزي والدورة الدموية، حيث تقوم موصلات محكمة ~~بين الخلايا الباطنية للأوعية الدموية بمنع مرور بعض المواد خلال السائل خارج الخلوي، ومن ~~ضمن مهامها أيضا أنها تحمي المخ من مسببات الأمراض والذيفانات التي تدور في الدم. # خلو من العوامل الممرضة النوعية (إس بي إف): # مصطلح متداول عالميا لوصف الحالة الصحية لحيوانات التجارب التي تخلو من مسببات ~~أمراض معينة. # خوارزمية: # مجموعة من الخطوات المحددة لحل مشكلة ما، حيث تستطيع الخوارزمية التوليدية أو ~~الوراثية عن طريق الانتقاء والتركيب توليد العديد من الحلول الممكنة بصورة متكررة، ومن ~~ثم التوصل إلى الحل الأمثل بما يناسب المتطلبات المطروحة (انظر أيضا: شبكة ~~عصبونية). # ذبابة النمس: # إحدى فصائل الحشرات المنتمية كغيرها من الزنبوريات والنمليات والنحليات لرتبة غشائيات ~~الأجنحة، وتعد أصغر حشرة بين الحشرات التي تنتمي لهذه الفصيلة، ويبلغ طولها 0,17 ~~مليمتر، وعلى سبيل المقارنة فإن طول البراميسيوم وحيد الخلية يبلغ 0,33 ~~مليمتر. # رهاب المياه المفرط: # حالة عدم القابلية للبلل بدرجة فائقة (انظر: تأثير اللوتس). # روبوتات النانو: # هي أجهزة دقيقة مستقلة، لا تزال افتراضية، ومن المفترض أن تستخدم في مجالات عديدة ~~منها التقنية الطبية وهندسة الكمبيوتر. # ريتشارد فاينمان: # فيزيائي أمريكي ولد عام 1918 وتوفي عام 1988. شارك فاينمان في عمل القنبلة ~~الذرية، وحصل على جائزة نوبل، ونشر له العديد من المقالات الهزلية والكتب، منها ~~«محاضرات فاينمان ms334 في الفيزياء» والتي سعى فيها إلى نقل المعارف العلمية المعقدة بصورة ~~مألوفة للمتلقي، وهو أول من استخدم مصطلح # Cargo-cult-science # أو العلم الزائف لوصف العلم الذي لا ~~جدوى منه، وتعتبر خطبته الشهيرة «هناك حيز كبير في القاع» التي ألقاها عام 1959 هي ~~الوثيقة التأسيسية لتقنية النانو. # ريتشارد فريدمان «كينكي»: # موسيقي ريفي، وأديب وسياسي أمريكي، ولد في عام 1944. تظهر بعض ملامح سيرته الذاتيه ~~في روايات «كينكستر» البوليسية وهو الاسم الذي يطلقه على نفسه في كتبه. # ريموند كرزويل: # رجل أعمال ومؤلف كتب أمريكي، ولد في عام 1948، ويعتبر أحد رواد الذكاء ~~الاصطناعي، وهو فرع من فروع تكنولوجيا المعلومات يهتم بأتمتة السلوك الذكي. # رئيس: # الشخص الذي يرأس هيئة أو لجنة أو يدير حدثا علميا. # زهرة اللوتس (نيلومبو نوسيفيرا): # إحدى فصائل النباتات المنتمية لعائلة اللوتس، والتي توجد في آسيا وأستراليا. # سهل التنظيف: # تقنية لصنع أسطح فائقة النعومة باستخدام تقنية «الغطاء» لتقليل تجمع جزيئات الأوساخ ~~والمواد غير المرغوب فيها. # شبق: # يكون في موسم التناسل، وهو وقت اشتداد النشاط الجنسي عند إناث الثدييات، حيث يحدث ~~التبويض في مرحلة الشبق. # شبكة عصبونية: # الشبكة العصبونية قد تعني شبكة بيولوجية بين المخ والجهاز العصبي، أو نموذجا ~~صناعيا يحاكي الشبكة العصبونية البيولوجية باستخدام الحاسوب للاستفادة من خصائص الشبكة ~~العصبونية في التطبيقات البرمجية. # شجرة الحياة: # نموذج يمكن الاستعانة به في تمثيل العلاقات الارتقائية بين الأنواع المختلفة أو ~~المتقاربة. # الضيائية البيولوجية: # إحدى صور الضيائية الكيميائية المنبعثة من كائن حي، حيث ينتج الضوء من تفاعل كيميائي ~~في عضو أو جزء من أجزاء الجسم أو في الكائنات الحية التكافلية. # طب النانو: # مجال من مجالات الطب يدرس تسخير الجسيمات النانوية في تشخيص وعلاج أمراض ~~معينة. # العلاج الحراري: # يستخدم لعلاج الأورام (انظر: أندرياس جوردان). # علم الوراثة اللاجيني: # علم يختص بدراسة آليات التخلق المتوالي التي لا تنتج عن تغيرات في تسلسل الدي إن إيه، ~~وإنما تلك الآليات الناتجة عن تغير موروث في النظام والتعبير الجيني. # عنقود: # مصطلح شائع الاستخدام لا يمكن تعريفه إلا من خلال السياق الاختصاصي، وهو يعني ms335 هنا: ~~مجموعة مواد أكبر من الجزيئات وأصغر من الجسيمات النانوية، ولا تحمل خصائص المواد ~~الصلبة. # الفحص المجهري للشعيرات: # تقنية مجهرية لفحص الأعضاء الحية كالخلايا والأنسجة. # فوليرين: # ثالث متآصلات الكربون بالإضافة إلى الألماس والجرافيت (انظر أيضا: كرات بوكي، أنابيب ~~نانوية كربونية). # قوى فان دير فالس: # قوى جذب ضعيفة نسبيا بين ذرات غير مشحونة أو جزيئات المادة. # كرات بوكي/فوليرين: # جزيئات كربون بيضاوية أو كروية الشكل يبلغ قطرها 0,7 نانومتر (انظر: فوليرين). # ما وراء الإنسانية: # حركة فلسفية تسعى إلى تغيير وتوسيع حدود الإمكانات والظروف الإنسانية باستخدام ~~التقنيات الحديثة، سعيا إلى إمكانية تحسين الوجود الإنساني. # المادة السوداء: # منطقة في منتصف الدماغ تحتوي على تجمع من حوائط النواة (سيتوبلازما نواة الخلية ~~العصبية)، وتظهر داكنة اللون بسبب تركيز الميلانين العالي فيها. # ماكرولون: ~~(بولي كربونات) يتميز بصفات خاصة مثل الخفة والشفافية ومقاومة الكسر وثبات الشكل، ~~ويستخدم في تقنيات التخزين الرقمية، وبناء العقارات، وصناعة السيارات، وفي أوعية حفظ ~~الحيوانات في المعامل، وفي النظارات الرياضية والأقنعة التي تركب على الخوذات. # متلازمة توريت: # هو مرض عصبي نفسي يرجع سببه إلى اضطرابات الاستقلاب بالمخ، وسمي على اسم الطبيب ~~الفرنسي لاتوريت. # مجموعة عمل (إي تي سي): # هي منظمة عالمية مقرها في كندا، تقوم بالتحليل وتوفير المعلومات عن التوجهات ~~الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية، كما تسعى لحماية التعددية الثقافية والبيئية وحماية ~~حقوق الإنسان. # مجهر ذري: # باستخدام هذا المجهر يمكن حساب الصورة الذرية لسطح موصل للكهرباء من التيار النفقي ~~بين رأس المجس في الميكروسكوب وذرة سطح العينة. # مراجعة النظراء: # طريقة لضمان جودة الأبحاث والمشاريع العلمية بتقييمها من قبل متخصصين في نفس ~~المجال، ويطلق عليهم نظراء. # مصفوفة دي إن إيه دقيقة: # تقنية بحث حيوية جزيئية تسمح بتحليل آلاف من تسلسلات النيوكليوتيدات (الجينات) على ~~التوازي في أقل حيز. # معامل التأثير: # هي وحدة قياس يمكن عن طريقها المقارنة بين المجلات العلمية المحكمة، فتكون المجلة ~~أرفع قدرا كلما زاد معامل التأثير لها، حيث يذكر معامل التأثير متوسط عدد مرات اقتباس ~~إحدى المقالات من مجلة ما، وبهذا يكون المنشور داخل مجلة ms336 علمية ذات معامل تأثير كبير ~~انعكاسا للتقدير الأكاديمي وفرص عمل الباحثين. # معمل على شريحة: # شريحة لتحليل كميات صغيرة من السوائل البيولوجية، وتندرج تحت الأنظمة المايكروية ~~الكيميائية. # مناديل كيم الورقية المبللة: # مناديل منظفة خاصة لا تحتوي على وبر، وتصنع من الورق والسيليكون، وتستخدم في تنظيف ~~شرائح الميكروسكوب الزجاجية والماصات المخبرية. # الموصدة أو جهاز التعقيم (أوتوكلاف): # جهاز يستخدم في معامل الأبحاث لتعقيم الأدوات والمستنبتات، حيث يعمل مثلما تعمل حلة ~~الضغط على توليد بخار ماء ساخن تحت ضغط، فيكتسب البخار تأثيرا مطهرا مبيدا ~~للجراثيم. # نادريان سيمان: # كيميائي أمريكي ولد عام 1945، وهو أحد مؤسسي تقنية الدي إن إيه النانوية، حيث صمم ~~بالاستعانة بالأحماض النووية تراكيب مبتكرة يمكن إدخالها في المستقبل في الكثير من ~~المجالات التقنية، من بينها رقائق الكمبيوتر. # النظرية الكسيرية: # جانب من جوانب نظرية الشواش (الفوضى) يهتم بدراسة أبنية هندسية مؤلفة من كسيريات ~~متشابهة ومشابهة للجزء الأم، وهو ما يعرف بخاصية «التشابه الذاتي» التي يعتمد أساسها ~~الرياضي على وجود أشكال هندسية ذات أبعاد تتضمن قيما غير صحيحة، مثل المجموعة التي ~~ابتكرها ماندلبرو (انظر ماندلبرو)، حتى إنه لم تعد سعة أسطح تلك الأجسام - على سبيل ~~المثال - محددة بشكل قاطع كما في الهندسة الكلاسيكية. # نقاط كمومية (كوانتوم): # جسيمات صلبة تبلغ عددا قليلا من النانومترات، وتكون جسيمات حرة أو جزرا مدمجة في ~~أشباه الموصلات، وتسلك سلوك الذرات الاصطناعية. # نيوكليوتيد: # هو الوحدة الأساسية لبناء الأحماض النووية (دي إن إيه وآر إن إيه)، ويتكون من حمض ~~فسفوريك، وسكر، وواحدة من البورين أو قواعد البورين، وأدينين، وسيتوزين، وغوانين، وثيمين، ~~ويوراسيل. # نيوكليوسوم: # هو مركب من الدي إن إيه وبروتينات الهستونات، له أهمية وظيفية في بناء ~~الهيتروكروماتين، وفي التضفير الجيني، وفي التفاف الدي إن إيه المفرط قبل الانقسام ~~الفتيلي (انظر أيضا: هستونات). # هستونات: # بروتينات توجد في نواة الخلية، وهي مهمة - بصفتها أحد مكونات الصبغيات - لالتفاف حمض ~~الدي إن إيه ولتعبير بعض الجينات (انظر أيضا: نيوكليوسوم). # هنري ديفيد ثورو: # أديب وفيلسوف أمريكي، وصف في كتابه «والدن، أو الحياة في الغابات» حياته البسيطه ms337 في ~~الطبيعة بالقرب من بركة والدن بوند الواقعة في بلدة كونكورد بولاية ماساتشوستس، حيث عاش ~~مستقلا مدة عامين، بادئا حياة قوامها الزهد والاقتصاد (انظر أيضا: والدن). # الواشي: # تعني المخبر الذي يتتبع الأعمال المخالفة للقانون والتظلمات والمخاطر المختلفة التي ~~تحدث للموظفين في محل عمله. # والدن: # عنوان كتاب لهنري ديفيد ثورو صدر في عام 1854، واستخدمه سكينير عام 1948 في روايته ~~«يوتوبيا» «والدن اثنين»، ثم روبن أرديلا عام 1976 في عنوان كتابه «والدن ثلاثة». # يوهانس فان دير فالس: # فيزيائي هولندي ولد عام 1837 وتوفي عام 1923، وهو الذي اكتشف التفاعل بين ~~الجزيئات الذي أخذ اسم العالم فيما بعد «قوى فان دير فالس». ms338