######OpenITI# #META# URI: 1450NivinCabdRauf.MaBacdHadathaMuqaddimaQasira.Hindawi14029715 #META# Tags: philosophy #META# ID: 14029715 #META# Title: ما بعد الحداثة: مقدمة قصيرة جدًّا #META# AuthorID: 14708026 #META# Author: كريستوفر باتلر #META# EditorID: 86352036 #META# Editor: هبة عبد المولى أحمد #META# TranslatorID: 93720406 #META# Translator: نيڤين عبد الرؤوف #META# Related_books: 1441ChristopherButler.PostmodernismShortIntro (TRANSL) #META#Header#End# # 1 - نشأة ما بعد الحداثة‏ # 2 - طرق جديدة لرؤية العالم‏ # 3 - السياسة والهوية‏ # 4 - ثقافة ما بعد الحداثة‏ # 5 - «حالة ما بعد الحداثة»‏ # مراجع‏ # قراءات إضافية‏ # مصادر الصور‏ # 1 - نشأة ما بعد الحداثة‏ # 2 - طرق جديدة لرؤية العالم‏ # 3 - السياسة والهوية‏ # 4 - ثقافة ما بعد الحداثة‏ # 5 - «حالة ما بعد الحداثة»‏ # مراجع‏ # قراءات إضافية‏ # مصادر الصور‏ # | ما بعد الحداثة # | ما بعد الحداثة # | مقدمة قصيرة جدا # تأليف # كريستوفر باتلر # ترجمة # نيڤين عبد الرؤوف # مراجعة # هبة عبد المولى أحمد # الفصل الأول # | نشأة ما بعد الحداثة # أثار التكوين الطوبي المستطيل الشكل، الذي قدمه الفنان كارل أندريه تحت عنوان «تساوي ~~8» (1966)، استياء الكثير عند عرضه في معرض تيت الفني في لندن، عام 1976. ينتمي هذا العمل ~~الفني بجدارة إلى عالم ما بعد الحداثة، ورغم الموضع الذي يحتله حاليا في معرض تيت للأعمال ~~الفنية الحديثة، فإنه لا يتوافق مع الكثير من مبادئ فن النحت الحديث؛ فهو ليس بالعمل المعقد ~~أو المعبر على المستوى التركيبي، ولا يتمتع بجاذبية خاصة تدفع للنظر إليه، وبالتأكيد ~~يبعث سريعا على الملل، فضلا عن سهولة صنع عمل مماثل له. وبما أن «تساوي 8» يخلو من أي ~~سمات تجعله مثيرا للاهتمام في حد ذاته (باستثناء متصوفي الأرقام من أتباع المدرسة ~~الفيثاغورية)؛ فإنه يدفعنا إلى طرح أسئلة حول سياقه بدلا من محتواه، مثل: «ما الهدف منه؟» ~~أو «لماذا يعرض في متحف؟» إذ أصبح من الضروري طرح نظرية ما حول هذا العمل الفني لتعويض ~~الفراغ الناتج عن كونه لا يثير الاهتمام، وهو ما يعكس أيضا سمة نموذجية إلى حد ما من ~~سمات ما بعد الحداثة. قد يبعث العمل على طرح أسئلة من قبيل: «هل هذا فن حقا، أم مجرد كومة ~~من الطوب تتظاهر بكونها فنا؟» لكن هذا السؤال لا يعكس الكثير من المنطق في حقبة ما بعد ~~الحداثة؛ حيث من المقبول عموما أن المعرض «كمؤسسة» - لا أي جهة أخرى - هو ما جعل هذا العمل ~~«عملا فنيا» قائما بالفعل؛ فالفنون المرئية ليست سوى ما يعرضه لنا أمناء المتاحف، ms001 سواء ~~أكانت أعمالا لبيكاسو أم أبقارا مقطعة شرائح، بينما تقع على عاتقنا مسئولية مواكبة ~~الأفكار المحيطة بتلك الأعمال. # يود العديد من فناني ما بعد الحداثة (وبالطبع حلفاؤهم من مديري المتاحف) أن ننشغل بتلك ~~الآراء المتعلقة بالأفكار التي قد تحيط بهذا الفن «التبسيطي». إن بساطة كومة الطوب هي سمة ~~تصميمية مقصودة، فهي تتحدى الخصائص المعبرة شعوريا التي ميزت الفن السابق (الحداثي) ~~وتنكرها. فمثل تمثال «المبولة» الشهير أو عجلة الدراجة الموضوعة فوق كرسي صغير للفنان ~~دوشامب، يختبر هذا العمل ردود فعلنا الفكرية وتقبلنا للأعمال التي تعرضها المعارض الفنية ~~على جمهورها. ويعكس بعض نقاط التحول الأساسية، التي تضيف بعض الافتراضات حول الفن التي تنكر ~~طبيعته إلى حد كبير. يقول أندريه: «إن ما أحاول إيجاده هو مجموعات من الجزيئات، والقواعد ~~التي تجمعها بأبسط طريقة.» ويزعم أن وحدات الطوب المتساوية التي قدمها «تتمتع بطابع شيوعي؛ ~~لأن شكلها مفهوم لجميع الناس على حد سواء.» # لكن هذا العمل النحتي - رغم التفسيرات التي قد تراه مقبولا اجتماعيا وثقافيا - لا ~~يكاد يضاهي في متعته تمثال «القبلة» لرودين، أو الأعمال التجريدية الأكثر تعقيدا بمراحل ~~لنحاتين أمثال أنتوني كارو. إن طليعية أندريه النظرية - التي تتحدى ردود فعلنا الفكرية - ~~تلمح إلى أن المتع المستقاة من الأعمال الفنية السابقة هي متع مشكوك فيها نوعا ما؛ إذ إن ~~النزعة التطهرية و«الدعوة إلى التساؤل»، وإشعار الجمهور بالذنب أو بالاضطراب، كلها سمات ~~ترتبط ارتباطا وثيقا عبر أعمال مثل هذه. وهي اتجاهات تميز كثيرا من الفن ما بعد ~~الحداثي، وغالبا ما تتضمن بعدا سياسيا. ويواصل العمل الفني الحائز على جائزة تيرنر عام ~~2001 للفنان مارتن كريد مسيرة هذا الاتجاه، فهو عبارة عن غرفة فارغة؛ حيث تضيء مصابيح ~~كهربائية ثم تنطفئ. # سأتحدث فيما يلي عن الفنانين، والزعماء الفكريين، والنقاد الأكاديميين، والفلاسفة، ~~وأساتذة العلوم الاجتماعية المنتمين للفكر ما بعد الحداثي، كما لو كانوا جميعا أعضاء في ~~حزب سياسي مشاكس «بلا تنظيم محكم». وهو إجمالا حزب عالمي و«تقدمي»، ينتمي لليسار لا ~~لليمين، ويميل إلى تصنيف كل شيء - بدءا من اللوحات ms002 التجريدية إلى العلاقات الشخصية - ~~كمواقف سياسية. لا يتبع الحزب عقيدة موحدة على وجه التحديد، بل إن من قدموا أبرز المساهمات ~~الفكرية لبياناته الرسمية في بعض الأحيان ينكرون عضويتهم به في سخط، رغم ذلك فإن هذا الحزب ~~ما بعد الحداثي يؤمن عادة أن عصره قد أتى. هو حزب متيقن من عدم تيقنه، وكثيرا ما يزعم أنه ~~تجاوز الأوهام الراسخة لدى الآخرين، وأدرك الطبيعة «الحقيقية» للمؤسسات السياسية والثقافية ~~التي تحيط بنا. في هذا الإطار، يتبع ما بعد الحداثيون خطى ماركس، ويزعمون أنهم يتمتعون ~~بإدراك مميز للحالة الفذة المسيطرة على المجتمع المعاصر، الواقع في أسر ما يطلقون عليه ~~«الوضع ما بعد الحداثي». # من ثم، لا يدعم بعد الحداثيين ببساطة ~~المذاهب الجمالية، أو الحركات الطليعية مثل التبسيطية أو التصورية (التي انبثقت عنها أعمال ~~مثل التكوين الطوبي الذي قدمه أندريه)، بل لديهم طريقة مميزة لرؤية العالم ككل، ويستخدمون ~~مجموعة من الأفكار الفلسفية التي لا تكتفي بدعم الحالة الجمالية ل «ما بعد الحداثة»، بل ~~تحلل أيضا الحالة الثقافية ل «ما بعد الحداثة» في عصر الرأسمالية المتأخرة. من المفترض أن ~~هذه الحالة تؤثر فينا جميعا، لا عبر الفن الطليعي فحسب، بل على مستوى أكثر جذرية عبر ~~تأثير ذلك النمو الهائل في وسائل الاتصال المعتمدة على الأجهزة الإلكترونية التي أطلق ~~عليها مارشال ماكلوهان في ستينيات القرن العشرين «القرية الإلكترونية». ورغم ذلك، فإننا ~~داخل «مجتمع المعلومات» الجديد الذي نعيش فيه، لا يمكننا - لدواعي المفارقة - الوثوق في ~~معظم المعلومات، لكونها إسهاما في عملية التلاعب الهادفة إلى تلميع صورة أهل السلطة أكثر ~~من كونها دعما للمعرفة؛ لذا، يتسم الاتجاه ما بعد الحداثي بكونه اتجاها تشككيا يتاخم ~~حدود جنون الارتياب (كما نرى - على سبيل المثال - في روايات نظرية المؤامرة لتوماس بنشن ~~ودون ديليلو وأفلام أوليفر ستون). # شكل 1-1: منظر داخلي من فندق ويستن بونافينتشر للمعماري بورتمان. «حيز ما بعد ~~حداثي متعدد الأبعاد». # يرى فريدريك جيمسون - أحد كبار المعلقين الماركسيين على ما بعد الحداثة - أن فندق ويستن ~~بونافينتشر، للمصمم المعماري جون بورتمان في ms003 لوس أنجلوس، هو بالكامل أحد دلائل هذه الحالة؛ ~~إذ تتضافر التعقيدات الاستثنائية لمداخل الفندق، وتطلعه نحو أن يصير «عالما متكاملا، أو ~~ضربا من المدن المصغرة»، ومصاعده المتحركة دوما تجعل منه «طفرة» تقود إلى «حيز ما بعد ~~حداثي متعدد الأبعاد»، يتجاوز قدرات الجسم البشري على تحديد موقعه، وإيجاد مكان خاص به في ~~عالم يمكن رسم خريطة له. إن هذا «الارتباك الساحق» - على حد قول جيمسون - يشكل معضلة، وهو ~~«رمز يضاهي عجز عقولنا عن رسم خريطة لشبكة الاتصالات اللامركزية الكونية الهائلة المتعددة ~~الجنسيات التي نوجد داخلها كأفراد.» وقد انتاب الكثير منا شعور مماثل داخل مركز بربيكان ~~في لندن. # إن هذه النظرة التي تشبه وضعنا ب «التيه في فندق ضخم» توضح الطبيعة الحضرية لمذهب ~~ما بعد الحداثة؛ حيث نشأ مناخ فكري جديد جالبا معه إدراكا جديدا. لكن تلك الأفكار ~~والاتجاهات لطالما ظلت إلى حد كبير محل جدل، وفيما يلي سأقاوم شكوكية ما بعد الحداثة ~~معتمدا على بعض شكوكي الخاصة. وبالتأكيد، سأنكر كون آرائها السياسية والفلسفية وأساليبها ~~الفنية تكاد تتمتع بقدر الهيمنة الذي يوحي به التصريح الواثق عن بزوغ حقبة جديدة «ما بعد ~~حداثية». # مع ذلك، يتضح الآن أنه حتى إذا اقتصر تناولنا على الأفكار السائدة داخل الحركة الطليعية ~~الفنية منذ عام 1945، يمكننا استشعار ابتعادها عن نظيرتها في الحقبة الحداثية؛ إذ يوجد ~~اختلاف كبير بين أعمال جيمس جويس وآلان روب جرييه، وبين أعمال إيجور سترافينسكي وكارلهاينز ~~شتوكهاوزن، وبين أعمال هنري ماتيس وروبرت راوشينبرج، وبين أعمال جان رينوار وجان لوك جودار، ~~وبين أعمال جايكوب إيبستاين وكارل أندريه، وبين أعمال ميس فان دير روه وروبرت فينتوري. إن ~~ما نستنتجه من هذه المقارنة بين الحداثة وما بعد الحداثة في الفنون يعتمد إلى حد كبير على ~~القيم التي يعتنقها المرء؛ إذ لا يمكن تحديد مسار تطور وحيد ها هنا. # ترجع العديد من تلك الاختلافات إلى حساسية الفنانين للتغيرات الحادثة في المناخ الفكري. ~~فمع حلول منتصف ستينيات القرن العشرين، بدأ نقاد مثل سوزان سونتاج وإيهاب حسن في الإشارة ~~إلى ms004 بعض الخصائص التي تميز ما نطلق عليه الآن «ما بعد الحداثة » في كل من أوروبا ~~والولايات المتحدة؛ إذ زعما أن أعمال أتباع ما بعد الحداثة تعكس عن عمد مستوى أقل من ~~الوحدة، ودرجة أقل وضوحا من «الإتقان»، وطابعا أكثر هزلية أو فوضوية، واهتماما بفهم ~~الجمهور يزيد عن الاهتمام بالمتع المستمدة من الوحدة أو الصقل الفني، وميلا أقل إلى مراعاة ~~تماسك النص، وبالطبع تمردا أكبر على التفسيرات المحددة، مقارنة بالكثير من الأشكال الفنية ~~السابقة. وسوف نتناول عددا من الأمثلة على ذلك فيما بعد. # نشأة النظرية # في وقت لاحق نوعا ما على الفترة التي شهدت اشتهار الفنانين السابقي الذكر، حدث تطور ~~إضافي في حركة ما بعد الحداثة؛ ألا وهو «نشأة النظرية» بين أوساط المثقفين ~~والأكاديميين؛ إذ طور العاملون في جميع المجالات وعيا ذاتيا نقديا مفرطا. ~~فوجه بعد الحداثيين اللوم إلى الحداثيين (وإلى قرائهم أو مشاهديهم أو مستمعيهم ~~الإنسانيين الليبراليين «السذج» حسب افتراضهم) على إيمانهم بأن عملا فنيا قد يروق ~~بطريقة ما إلى البشرية جمعاء؛ مما يعني كونه خاليا من الملابسات السياسية الباعثة على ~~الانقسام. # إن صعود فنانين تجديديين عظماء في فترة ما بعد الحرب ~~- أمثال شتوكهاوزن، وبوليز، وروب جرييه، ~~وبيكيت، وكوفر، وراوشنبرج، وبويس - تلاه (ودعمه وفسره كما يزعم كثيرون)؛ نمو هائل ~~في تأثير عدد ضخم من المثقفين الفرنسيين، نخص منهم بالذكر المنظر الاجتماعي الماركسي ~~لويس ألتوسير، والناقد الثقافي رولان بارت، والفيلسوف جاك دريدا، والمؤرخ ميشيل فوكو، ~~وقد بدءوا جميعا عملهم في الواقع عبر تأمل مضامين الحداثة، ونادرا ما جمعت أيا منهم ~~علاقة ممتدة حقا بالحركة الطليعية المعاصرة. كان ألتوسير مهتما ببريخت، بينما ركز ~~بارت على فلوبير وبروست، أما دريدا فقد اهتم بنيتشه وهايدجر ومالرميه، في حين انشغل ~~فوكو بنيتشه وباتاي. ومع منتصف السبعينيات من القرن العشرين، أصبح من الصعب معرفة ما ~~الأهم لدى أتباع ما بعد الحداثة، أهي صياغة شكل محدد من أشكال التجارب (الصادمة) داخل ~~إطار الفن، أم فرص عرض التفسيرات السياسية والفلسفية الجديدة التي يتيحها هذا الشكل ~~المحدد. قد يزعم ms005 كثيرون الآن أن بعد الحداثيين المخلصين لاتجاههم طالما «فضلوا» (على ~~نحو كارثي) المضامين التفسيرية على التجسيد الفني الممتع والتعقيد الشكلي الذي اعتاد ~~الكثير من الناس تقديره في الفن الحداثي. # انتقل هذا الإطار الفكري الجديد والمفزع من فرنسا إلى إنجلترا وألمانيا والولايات ~~المتحدة في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن العشرين. وباندلاع ثورات الطلبة ~~عام 1968، كان التفكير الفلسفي الأكثر تطورا قد ابتعد عن الوجودية الفردية ذات الحس ~~الأخلاقي القوي التي ميزت حقبة ما بعد الحرب مباشرة (والتي كان سارتر وكامو أشهر ~~ممثليها) نحو مواقف أكثر تشككا ومعادية للمذهب الإنساني. وجدت تلك المعتقدات ~~الجديدة منبرا لها فيما أصبح معروفا بالنظرية التفكيكية وما بعد البنيوية، التي ~~سنناقشها فيما يلي. كذلك لم يعد «الروائيون الجدد» في فرنسا مهتمين بحالات القلق العام ~~والعبثية ذات الطابع الفلسفي والشعوري، ولا ملتزمين بالمتطلبات المتشابهة للروايات التي ~~تتبع أسلوب السرد التقليدي، مثل «الغثيان» لسارتر أو «الطاعون» و«الغريب» لكامو، بل ~~تحولوا إلى أسلوب أكثر برودة بمراحل، يعج بالمتناقضات، ويعادي السرد كما نلاحظ في نصوص ~~آلان روب-جرييه، وفيليب سوليرز، وغيرهم ممن لم يبدوا اهتماما كبيرا بالشخصية ~~الفردية، أو بالتشويق والجاذبية التي تميز السرد المتماسك، على قدر اهتمامهم بالتلاعب ~~بلغة الكتابة التي يستخدمونها. # في الواقع، تضرب هذه الأفكار الجديدة بجذورها خارج الفنون، رغم أنها ألهمت عددا من ~~الأعمال الأدبية وهيمنت على تفسير تلك الأعمال في الدوائر الأكاديمية. تمحور اهتمام ~~بارت حول تطبيق النماذج اللغوية على تفسير النص، بينما اتخذت أعمال دريدا الفلسفية في ~~البداية شكل تحليلات نقدية لعلم اللغة، أما فوكو فقد انصب تركيزه على التاريخ والعلوم ~~الاجتماعية. كذلك استرشدوا جميعا بدرجات متفاوتة بقراءة ثانية أو إحياء لأعمال ماركس ~~(الذي كانت هيمنته في أماكن مثل الاتحاد السوفييتي - قبل عام 1989 - تفسر بخفة ~~نسبيا على أنها نابعة من «اشتراكية بيروقراطية» أسيئ تطبيقها)؛ إذ كان معظم المثقفين ~~الفرنسيين الذين أوحوا بنظريات ما بعد الحداثة يتبعون نموذجا ماركسيا بوجه ~~عام. # ومن ثم، اعتمدت مبادئ ما بعد الحداثة اعتمادا هائلا على الفكر الاجتماعي والسياسي ~~والفلسفي، الذي ms006 ألقى بذوره في الحركة الطليعية الفنية (لا سيما في الفنون المرئية) ~~وفي أقسام الدراسات الإنسانية في جامعات أوروبا والولايات المتحدة باعتباره «نظرية». ~~وتتميز حقبة ما بعد الحداثة بالهيمنة الاستثنائية لأعمال الأكاديميين على أعمال ~~الفنانين. # إلا أن هذا الفكر لم يتفق مع تعريف «النظرية» حسب قواعد فلسفة العلوم (حيث تختبر ~~النظريات ومن ثم يثبت صحتها أو خطؤها) أو الفلسفة الأنجلو أمريكية التجريبية بوجه ~~عام، بل نزع أكثر إلى كونه نوعا تشككيا من الخطاب يتمركز حول ذاته، ويطوع مفاهيم ~~عامة مستوحاة من الفلسفة التقليدية لتلائم أعمالا أدبية أو اجتماعية أو غيرها من ~~الأعمال التي دمغت نتيجة ذلك بطابع ما بعد حداثي. # مشاكل في الترجمة؟ # من ثم، انصب تركيز الكثير من المناصرين الأكاديميين لنظرية ما بعد الحداثة في ~~إنجلترا والولايات المتحدة على ترجمة المعاني الداخلية للفكر الأوروبي؛ مما أدى إلى ~~ظهور عدد من القضايا الثقافية المنزوعة من سياقها على نحو مثير للاهتمام وأسفر عن ~~ابتعاد تام عن الأعراف السابقة. على سبيل المثال، ورثت نظرية ما بعد الحداثة اهتماما ~~بوظائف اللغة من النظرية البنيوية، لكن عندما بدأ جاك دريدا يهتم بمشكلة الإشارة (عندما ~~تشير اللغة إلى واقع غير لغوي خارجي)، رجع إلى أعمال عالم اللغويات فرديناند دو سوسر. ~~خاض دريدا (في كتابه الذي يحمل عنوان «عن علم الكتابة») صراعا مع أفكار دو سوسر غير ~~مدرك على ما يبدو لحقيقة أن الكثير من المشكلات التي أثارت اهتمامه - والموقف (المتزعزع ~~للغاية) الذي توصل إليه - قد تناولها الفيلسوف لودفيج فيتجنشتاين تناولا أفضل بمراحل، ~~وحللها تحليلا أدق في رأي العديد من أعضاء المجتمع الفلسفي (حتى في فرنسا). لكن ~~دريدا لا يذكر فيتجنشتاين في أعماله المبكرة؛ ومن ثم عانى الكثير من منظري الأدب ~~التابعين لمنهج دريدا من جهل خطير بتاريخ المشاكل الفلسفية، ولم يدركوا بعضا من حلولها ~~النموذجية التي يطرحها الاتجاه الفلسفي الأنجلو أمريكي. وقد أدى هذا إلى انقسام فكري، ~~وعدم فهم مشترك، وانشقاقات في كثير من أقسام الجامعات ما زالت قائمة حتى اليوم. # اعتمد بعد الحداثيين - الذين أبدوا ms007 حماسا مبررا للمذاهب السياسية والأخلاقية ~~«المحررة» - في الوقت نفسه اعتمادا بالغا على الهيبة الاستثنائية لأولئك المثقفين ~~الجدد الجهابذة، ممن تمتعوا بتأثير دعمه إلى حد كبير اعتمادهم المفرط على لغة ~~اصطلاحية مستحدثة أضفت على مناقشاتهم صبغة هائلة من الصعوبة والعمق، وسببت صعوبات جمة ~~لمفسري نظرياتهم. وهو ما يتضح في كلمات الفيلسوف الأمريكي جون سيرل: # وصف لي ميشيل فوكو أسلوب دريدا في إحدى المرات بأنه يتسم ب «غموض إرهابي»؛ ~~فالنص مكتوب بأسلوب شديد الغموض إلى حد يجعلك عاجزا عن تحديد الموضوع بالضبط ~~(لذا وصف ب «الغموض»)، وعندما تنتقد ذلك، يجيبك دريدا قائلا: «لقد أخطأت ~~فهمي، أنت أحمق» (لذا وصف ب «الإرهابي»). # مجلة «نيويورك ريفيو أوف ~~بوكس»، عدد 27 أكتوبر ~~1983 # إن أساليب الحديث والكتابة التي تتسم غالبا بالغموض - بل والإبهام - لدى أولئك ~~المثقفين، كانت في بعض الأحيان تهدف كذلك إلى التعبير عن تحد لذلك الوضوح «الديكارتي» ~~في عرض الموضوعات الذي زعموا نشأته من اتكال مشبوه على قناعات «برجوازية» تتعلق بنظام ~~العالم. يناقش رولان بارت الأدب الفرنسي في القرن السابع عشر قائلا: # لقد وجد بالتأكيد أسلوب عالمي محدد من الكتابة، ساد بين رجال النخبة ~~الأوروبيين ممن تمتعوا بنفس نمط الحياة الموسر، لكن هذه الميزة التواصلية ~~العظيمة القيمة للغة الفرنسية اقتصرت على أعضاء تلك الطبقة ليس إلا، فلم تمتد ~~قط خارجها؛ أي لم تصل مطلقا إلى قلب الجماهير. # رولان بارت، «الأعمال ~~الكاملة»، المجلد الأول ~~(1942-1965) # فضل ما بعد الحداثيين تلاعبا بألفاظ ذات إيحاءات على منطق بطيء التطور ومشبوه ~~سياسيا؛ مما أسفر عن نشأة نظرية أدبية أكثر منها فلسفية، نادرا ما توصلت إلى ~~استنتاجات واضحة أو قابلة للاختبار في إطار تجريبي، لا لشيء إلا لصعوبة التأكد من ~~معناها. أدى ذلك إلى تحمل أتباع أساتذة هذه النظرية لعبء مقبول من جانبهم؛ ألا وهو ~~تقديم الترجمة التفسيرية للنظرية والدفاع عنها؛ إذ كتب الأساتذة الفرنسيون بأسلوب طليعي ~~راسخ يعادي الوضوح المميز لتراثهم القومي. وقد كانت آلاف الأصداء والاقتباسات - ~~والتفسيرات الخاطئة المتوقعة - المستقاة من كتاباتهم الغامضة هي ما شكلت ms008 العقلية ~~الجمعية المدعية والمشوشة غالبا لدى أنصار ما بعد الحداثة. # نقدم هنا مثالا على جملة تتجاوز بمراحل مفهوم اللانموذجية، وقد فازت بالمركز الثاني ~~في مسابقة الكتابة الرديئة التي أعلنت عنها مجلة «فيلوسفي آند ليترتشر» العلمية. ربما ~~تتضح الجملة للقارئ مع نهاية هذا الكتاب وربما لا، وهي مقتبسة من كتاب هومي بابا «موقع ~~الثقافة» (1994) الذي كثيرا ما يشار إليه: # إذا كان من الممكن - لفترة زمنية قصيرة - إحصاء حيل الرغبة لأغراض تتعلق ~~بالانضباط، فسرعان ما قد ينظر إلى تكرار الذنب، والتبرير، والنظريات العلمية ~~الزائفة، والخرافة، والسلطات غير الشرعية والتصنيف الكاذب؛ على أنه جهد يائس من ~~أجل الوصول عادة إلى «تطبيع» الاضطراب الكائن في خطاب الانشقاق الذي ينتهك ~~المزاعم التنويرية العقلانية المرتبطة بصياغته الواضحة. # لذا، نلاحظ تناقضا وتوترا قويا بين ما بعد الحداثة المستقاة من المثقفين ~~الفرنسيين، وبين الفكر الفلسفي الليبرالي الأنجلو أمريكي السائد في هذه الحقبة؛ إذ يتسم ~~الاتجاه الأخير بتشككه البالغ - في إطار ما بعد أورويلي - في اللغة الاصطلاحية، ~~والتركيب الفخم، و«الأيديولوجية» المستقاة من الفكر الماركسي. وفي فترة الستينيات ~~وأوائل السبعينيات من القرن العشرين، كان هذا الاتجاه شديد التمسك بمناهج مختلفة ~~للغاية، ولا سيما بفكرة أن على الفلسفة استخدام «لغة عادية» يفهمها الجميع، وأن تهدف ~~إلى تقديم أعلى درجة من الوضوح حتى إن كانت متخصصة. وهكذا استخدمت الأعمال الفلسفية ~~النموذجية المكتوبة بالإنجليزية - بدءا من «مفهوم العقل» (1949) لجيلبرت رايل، ~~وانتهاء ب «نظرية العدالة» (1971) لجون ~~راولز - تلك المناهج التماسا لمنهج توافقي وتعاوني في الأساس، وطلبا لمزيد من ~~التوضيح والتصحيح التدريجي من قبل جموع المشتغلين بالفلسفة (التي قد تستجيب لها السلطة ~~الأصلية جيدا بالتأكيد، كما فعل راولز في كتابه اللاحق «الليبرالية السياسية»، 1993). ~~تأثر ذلك الاتجاه الفكري في هذا المجال تأثرا كبيرا بنموذج التعاون العلمي مثلما تأثر ~~بالمناهج السقراطية. لكن أفكار ما بعد الحداثة - على الرغم من انتماءاتها الماركسية ~~وطموحاتها السياسية - لم تعتزم قط التلاؤم مع أي إطار تعاوني وتوافقي من هذا النوع؛ إذ ~~آمن الكثير من أتباع ما بعد الحداثة أن هذا المنهج سيؤدي ms009 ببساطة إلى إعادة إنتاج رؤية ~~برجوازية للعالم، وبأنه يهدف إلى تحقيق قبول عالمي غير مبرر. إن ما بعد الحداثة ~~الفرنسية تبدو من ناحية الوريث الشرعي للحركة السريالية التي حاولت كذلك تعطيل الطرق ~~«الطبيعية» المفترضة لرؤية الأشياء. # في رأي الكثير من أتباع ما بعد الحداثة، يكمن الخطر - والهدف كذلك - من دمج حوارات ~~فلسفية ونظرية في ثنايا لغة أدبية منمقة في أن يصبح النص بهذه الطريقة مفتوحا لشتى صور ~~التفسيرات. يوجد - كما سنرى لاحقا - لاعقلانية متوغلة في قلب ما بعد الحداثة - نوع من ~~فقدان الأمل في وظائف المنطق العامة المستقاة من عصر التنوير - لا نجدها في أي من ~~المناهج الفكرية الأخرى في أواخر القرن العشرين (على سبيل المثال، فيما يتعلق بتأثير ~~علم الإدراك على اللغويات أو استخدام النماذج الداروينية لتفسير التطور العقلي). غالبا ~~ما يروج الناشرون الكتب التي تحمل آراء ما بعد حداثية، لا على أساس ما تطرحه من ~~فرضيات أو نقاشات محفزة، بل بسبب «استخدامها للنظرية»، وبسبب «آرائها المستبصرة»، ~~و«مداخلاتها»، والأسئلة التي «تعالجها» (لا الإجابات التي تقدمها). # فيما يلي نعرض بعض الفروق العامة بين فلسفة وأخلاقيات ما بعد الحداثة وما تتضمنه من ~~جماليات وتطبيقات لعلم الاجتماع السياسي. تختلف مقاييس الانتماء لما بعد الحداثة ~~اختلافا كبيرا في المجالات الثلاثة كافة؛ إذ إن مصطلح «ما بعد حداثي» في حد ذاته يجذب ~~الانتباه إلى حقبة تاريخية وتضمينات أيديولوجية في آن واحد. إن زعم كون أي عمل فني ~~أو عقلية مفكر أو ممارسة اجتماعية تجسد مبادئ ما بعد الحداثة، أو تشخص بدقة «الحالة ~~الاجتماعية للمذهب ما بعد الحداثي»؛ ستعتمد إذن على المعايير المتنوعة للغاية التي ~~تسيطر على أذهان معظم المعلقين على هذا الموضوع، وأنا منهم. إلا أنني آمل أن أقدم ~~فيما يلي رؤية عامة توافقية لما بعد الحداثة. # سوف أقدم الأفكار الأهم من بين مجموعة الأفكار الضخمة المرتبطة بالموضوع، لكني لن ~~أستطيع - في المساحة المتاحة لي - أن أبدي عناية كبيرة بالاختلافات المثيرة للاهتمام ~~بينها. وسأركز على ما يبدو لي معبرا عن أطول أفكار ما بعد ms010 الحداثة عمرا وأكثرها ~~قابلية للتطبيق، لا سيما تلك التي قد تساعدنا في تمييز الفن المبتكر والممارسات ~~الثقافية السائدة منذ منتصف الستينيات واستيعابها. # علينا توقع اعتبار الكثير من أفكار ما بعد الحداثة مؤثرة ومثيرة للغاية، وتحتل ~~مكانة رئيسية في بعض الأعمال الفنية التجريبية الجيدة، لكنها في أفضل حالاتها مشوشة وفي ~~أسوأها غير صادقة؛ وهو أمر عادي؛ إذ إن الأفكار الرئيسية الرائدة في العديد من العصور ~~الثقافية عرضة لهذا النقد نفسه. فما إن تكتشف تلك الأفكار حتى يعاد تفسيرها (مثل فكرة ~~الخيال في الحركة الرومانسية)، أو تئول إلى الزوال (مثل فكرة التنويم المغناطيسي في ~~الطب). نجد هذه السمة في جميع الحركات الفكرية المتطرفة، ومن بينها ما بعد الحداثة. لا ~~أحد الآن يلتزم تماما بالرؤية الرومانسية للخيال، مع أن وظائف الخيال لا تزال أحد ~~الموضوعات المحورية والدائمة، كذلك يختلف التنويم المغناطيسي في القرن الثامن عشر ~~اختلافا كبيرا عن الشكل الذي صار عليه في القرن العشرين. بوجه عام، أدت نشأة ~~الأفكار المتطرفة (وكذلك الأحزاب السياسية المتطرفة) في القرن العشرين إلى حالة تحرر من ~~الوهم تلتها عملية تعديل، وهو ما يبدو بالفعل المصير الذي واجهته ما بعد الحداثة، في ~~الفترة من ستينيات إلى تسعينيات القرن العشرين. وفي النهاية، فقد استمرت زمنا يعادل ~~فترة الحداثة العليا في الحقبة السابقة على الحرب، التي تعتبر ما بعد الحداثة - في ~~أعين مناصريها - بديلها التقدمي على المستوى السياسي، بينما يرى معارضوها أنها نزعها ~~الأخير. # الفصل الثاني # | طرق جديدة لرؤية العالم # مقاومة الادعاءات الكبرى # يعتمد جزء كبير من نظرية ما بعد الحداثة على الالتزام بموقف متشكك، وتلعب مساهمة ~~الفيلسوف جان فرنسوا ليوتار في هذا الإطار دورا محوريا؛ إذ زعم في كتابه «حالة ما ~~بعد الحداثة» (الذي نشر بالفرنسية عام 1979، وبالإنجليزية عام 1984) أننا نعيش الآن ~~في حقبة تمر فيها «النصوص السردية الرئيسية» المشرعة بأزمة وتشهد تراجعا. تضم ~~الفلسفات الكبرى، مثل الكانطية والهيجلية والماركسية، تلك النصوص السردية أو تشير إليها ~~ضمنا؛ إذ تزعم هذه الفلسفات أن التاريخ تقدمي، وأن المعرفة ستحررنا، وأن وحدة ms011 خفية ~~تجمع بين جميع أشكال المعرفة. يهاجم ليوتار سرديتين رئيسيتين: السردية التي تدفع ~~بالتحرر التدريجي للبشرية - بدءا من الخلاص المسيحي إلى اليوتوبيا الماركسية - ~~والسردية التي تتناول انتصار العلم. يرى ليوتار أن تلك المعتقدات قد «فقدت مصداقيتها» ~~منذ الحرب العالمية الثانية: «باختصار شديد، أعرف «ما بعد الحداثة» باعتبارها ~~تشككا موجها إلى الادعاءات الكبرى.» # تهدف تلك الادعاءات الكبرى عادة إلى إضفاء شكل من الشرعية أو السلطة على الممارسات ~~الثقافية. (ومن ثم، فإن إضفاء الشرعية على النظريات الفرويدية أو الماركسية ينبع من ~~زعمها - الذي لم يعد مقبولا على نطاق واسع حاليا - أنها قائمة على مبادئ أو ادعاءات ~~علمية كبرى.) مثال آخر على هذا هو التاريخ المدرسي الذي يروي قصة كتابة «دستور الولايات ~~المتحدة» وإجراءات سن القوانين اللاحقة على أيدي ~~الآباء المؤسسين. إن هذه الحكاية التاريخية الكبرى، بما تحتويه من «مبادئ مؤسسة» ~~دستورية، ما زالت إلى حد كبير مصدر قلق مستمر في الخلافات الدائرة حاليا في ~~الولايات المتحدة حول حدود حرية التعبير، والحق في الإجهاض، وحق المواطنين الأمريكيين ~~العاديين في حمل السلاح. ومثال بسيط آخر على الادعاءات الكبرى هو الإيمان الماركسي ~~بالدور المميز والحتمي للطبقة العاملة (البروليتاريا) - عند تحالفها مع الحزب - في ~~إشعال الثورة ثم في تأسيس المدينة الفاضلة التي من المفترض أن تعقب ذلك، عندما «تتلاشى ~~الدولة». منذ عام 1945، طورت حكومات الكثير من الأراضي المستعمرة سابقا على نحو ~~مماثل ادعاءات سياسية طامحة إلى الهيمنة حول تاريخ الكفاح القومي. من الصعب تجنب تلك ~~الادعاءات، وستجدها لدى جميع الدول القومية تقريبا. # على الرغم من وجود أسباب ليبرالية ومنطقية تبرر معارضة تلك «الادعاءات الكبرى» (لأنها ~~لا تسمح بأي خلاف حول معناها، وغالبا ما تؤدي إلى قمع شمولي)، فإن مصداقية زعم ليوتار ~~بتراجع الادعاءات الكبرى في أواخر القرن العشرين تعتمد في النهاية على احتكام إلى ~~الحالة الثقافية السائدة لدى أقلية مثقفة. أما الزعم العام «من منظور علم الاجتماع» ~~بتراجع تلك الادعاءات في عصرنا فيبدو واهيا إلى حد كبير - حتى بعد انهيار الماركسية ~~التي ترعاها الدولة في الغرب ms012 - بما أن الامتثال إلى معتقدات قومية ودينية شمولية واسعة ~~النطاق يؤدي حاليا إلى كثير من القمع والعنف والحرب في أيرلندا الشمالية وصربيا ~~والشرق الأوسط وغيرها من الأماكن. (لكن ما بعد الحداثيين لا يحظون عادة بمعرفة واسعة ~~بالممارسات السائدة حاليا في العلم والدين.) فمن الواضح لأي من قراء الصحف أن ~~الرجال والنساء ما زالوا إلى حد ما مستعدين لقتل بعضهم البعض باسم الادعاءات الكبرى ~~كل يوم، كما يتضح في الفتوى الصادرة ضد سلمان رشدي على سبيل المثال. في الواقع، إن ~~الدافع وراء الثقة الشديدة التي يبديها ما بعد الحداثيين في تحليلهم العدائي للمجتمعات ~~الأوروبية والأمريكية من حولهم في سبعينيات القرن العشرين قد يرجع بالفعل إلى أن تلك ~~المجتمعات لم تمزقها النزاعات بين أيديولوجيات متناقضة. وربما كان التفكير في المزاعم ~~المتعارضة بين الإسلام واليهودية في الشرق الأوسط، أو بين الماركسية والعملية ~~الديمقراطية في أوروبا الشرقية، يقودهم إلى استنتاجات مختلفة. لكن التشكك حيال الارتباط ~~بالادعاءات الكبرى الذي روج له ليوتار، وتردد صداه لدى دريدا وكثير غيرهما من أتباع ~~ما بعد الحداثة، تمتع بجاذبية كبيرة لدى جيل تربى في الديمقراطيات الغربية؛ إذ تمتع ~~أبناء هذا الجيل بتحرر نسبي من النظام اللاهوتي عبر الوجودية، وتأثروا بالمقاومة ضد ~~الرأسمالية والتحالف العسكري الصناعي عام 1968، وتشككوا في الادعاءات «الاستعمارية» ~~الأمريكية، وأهم من ذلك ربما شعروا بالحاجة إلى الهرب من العبارات الأيديولوجية ~~المانوية المبتذلة ذات التأثير المميت التي سادت خلال الحرب الباردة. # بناء على ذلك، أصبح موقف بعد الحداثيين المبدئي هو التشكك في الادعاءات بوجود أي نوع ~~من التفسير الجامع الشامل. فلم يكن ليوتار هو وحده من رأى أن مهمة المثقفين هي ~~«المقاومة»، حتى إن كانت في وجه «إجماع» «أصبح باليا ومشكوكا في قيمته». استجاب ما ~~بعد الحداثيين إلى هذه الرؤية، مدفوعين جزئيا بسبب جيد؛ ألا وهو التمكن من الانحياز ~~إلى جانب من لا «يتلاءمون» مع الأطر العامة - أي التابعين والمهمشين - ضد من ~~يتمتعون بسلطة نشر الادعاءات الكبرى؛ ومن ثم، كان العديد من مثقفي ما بعد الحداثة ~~يعتبرون أنفسهم ms013 روادا ومعارضين شجعانا. وكان هذا مؤشرا على بداية عصر تعددي؛ حيث ~~إنه - كما سنرى لاحقا - تعتبر نقاشات العلماء والمؤرخين كذلك مجرد ادعاءات شبه مكتملة ~~تتنافس مع جميع الادعاءات الأخرى لحيازة القبول. لا يملك ما بعد الحداثيين رؤية فريدة ~~وموثوقا بها تتناسب مع العالم، ولا توافقا محددا مع الواقع؛ فتلك الأمور لا تزيد عن ~~كونها صورة أخرى من صور الحكايات الخيالية. # بما أن معارضة تلك الادعاءات (ولا سيما الأنواع الشمولية أو الاستبدادية) هي بالطبع ~~قضية ليبرالية تقليدية بمعنى الكلمة، فقد انشغل الكثير من كتابات ما بعد الحداثة ~~البارزة بالتعبير عن هذا النوع من الشك لأغراض ليبرالية في الأساس، كما في أعمال إدوارد ~~سعيد على سبيل المثال، الذي حاول في كتابه «الاستشراق» (1978) توضيح التأثيرات المشوهة ~~الناتجة عن إسقاط ادعاء الإمبريالية الغربية الكبرى على المجتمعات الشرقية؛ إذ كان ~~الإمبريالي يعتبر نفسه ممثلا لنظام عقلاني منظم، سلمي، ملتزم بالقانون، بينما يعرف ~~الشرقيين باعتبارهم نقيض هذا (كما يتضح، على سبيل المثال، في «حالة الاضطراب» التي ~~يكتشفها فورستر في روايته «ممر إلى الهند»)، ويثق بأن تمثيله «لهم» - أي نصه السردي ~~عن «الاستشراق» - سيسود؛ ومن ثم، فرضت الرؤية الإمبريالية الرئيسية حول التطور ~~التدريجي على ممارسة شرقية محلية - بل «منحرفة» - ليس إلا. في هذا الإطار يسير سعيد ~~على خطى فوكو، ومذهب اليوهيمرية لدى الإغريق ولدى نيتشه، في الاعتقاد بأن تلك الادعاءات ~~السياسية الكبرى هي على أحسن تقدير محاولات تتعمد الغموض لإبقاء بعض الفئات الاجتماعية ~~في موقع السلطة وحرمان الآخرين منها. يلاحظ سعيد أنه عندما مارس فلوبير الجنس مع محظية ~~مصرية - تدعى كوتشوك هانم - كتب إلى لويز كوليه قائلا: «المرأة الشرقية ليست سوى آلة، ~~فهي لا تفرق بين رجل وآخر.» ومن خلال تلك الكلمات (وفي رواياته اللاحقة)، قدم فلوبير ~~«نموذجا بالغ التأثير للمرأة الشرقية». لكن داخل نص فلوبير السردي المؤثر، «لا تتحدث ~~(كوتشوك) عن نفسها أبدا، ولا تعبر عن مشاعرها أو وجودها أو تاريخها.» في وسعنا الآن أن ~~نتخيل مدى الاختلاف الأكيد للرواية التي أوردتها للأحداث، لكن إطاري السرد ms014 - لدى ~~كل من فلوبير وكوتشوك هانم - على ما يبدو غير متكافئين حضاريا، ومن هنا ينبع ~~استنتاج ما بعد حداثي نموذجي يدفع باستحالة إيجاد الحقيقة الشاملة وبأن النسبية هي ~~قدرنا. # التفكيكية # إن الثقة التي عبر بها ما بعد الحداثيين عن تلك المزاعم تأثرت إلى حد هائل ~~بقراءة أعمال جاك دريدا الفلسفية، الذي تعكس كتاباته الغزيرة الشكل الأشد تعقيدا ~~من هذا الموقف «التفكيكي». # يعتمد النقاش المحوري في التفكيكية على مبدأ النسبية؛ أي الرأي القائل بأن الحقيقة في ~~حد ذاتها نسبية؛ إذ تبنى دوما حسب وجهات النظر المختلفة والنظم الفكرية المعدة ~~للشخص الذي يبدي رأيه. من الصعب إذن الزعم بأن التفكيكيين يلتزمون بأي شيء في وضوح ~~الأطروحات الفلسفية. في الواقع، إن محاولة تعريف التفكيكية تتحدى أحد مبادئها الرئيسية؛ ~~وهي إنكار إمكانية الوصول إلى تعريفات حقيقية أو نهائية؛ لأنه حتى أكثر التعريفات ~~المرشحة معقولية سوف تستدعي دوما تلاعبا تعريفيا إضافيا باللغة. يرى أتباع ~~المدرسة التفكيكية أن علاقة اللغة بالواقع هي علاقة مجهولة ولا يعتمد عليها، بما أن ~~جميع الأنظمة اللغوية ليست إلا بنى ثقافية لا يعول عليها بطبيعتها. # رغم ذلك التزم دريدا وأتباعه على ما يبدو برأي تاريخي واضح نسبيا؛ وهو أن الفلسفة ~~والأدب في التراث الغربي قد افترضا كذبا لفترة أطول من اللازم أن العلاقة بين اللغة ~~والعالم كانت - على عكس زعم التفكيكين - علاقة راسخة ويعتمد عليها (بل علاقة يكفلها ~~الإله في بعض الأديان أيضا). إن تلك الثقة الزائفة «المتمركزة حول العقل» في اللغة ~~باعتبارها مرآة الطبيعة تنبع من توهم أن معنى أي كلمة يستمد جذوره من بنية الواقع ~~ذاته؛ ومن ثم يؤدي إلى مثول حقيقة تلك البنية مباشرة في الذهن، ويصب هذا كله في ~~«حضور ميتافيزيقي» زائف. ذلك هو ادعاء دريدا الكبير، الذي افترض على ما يبدو افتراضا ~~خاطئا تماما يقضي بأن التراث الفلسفي الميتافيزيقي الغربي يخلو من أي تساؤل حول توافق ~~اللغة مع العالم، رغم أن الفلسفة الاسمية طالما كانت على طرف النقيض من الفلسفة ~~الجوهرية. (في الواقع، حاول فيتجنشتاين - محاولة ms015 معروفة - إيجاد علاقة ثابتة تماما ~~وجديرة بالثقة بين اللغة والعالم في كتابه «الأطروحة الفلسفية المنطقية» (1922)، ثم ~~تبرأ تماما من موقف الكتاب لصالح نظرية تتمحور حول ألاعيب لغوية قريبة نسبيا مما ~~عرضناه، وذلك في كتابه «تحقيقات فلسفية» الذي نشر بعد موته عام 1953.) # رغم ذلك، حظيت شكوكية دريدا بجاذبية سياسية كبيرة، باعتبارها وصفا متمردا لثقافة ~~أصبحت تعتمد أكثر فأكثر على تلك الادعاءات الزاعمة بوجود «توافق جيد» في العلم وفي ~~التكنولوجيا الرأسمالية السائدة بلا منازع، التي من المفترض أن تتدفق من العلم ~~وتبرره. وقد أتاحت لأتباعه مهاجمة من يؤمنون بأن الفلسفة أو العلم أو الرواية ~~تقدم بالفعل تصويرا دقيقا للعالم، أو أن السرد التاريخي قد يتسم بالدقة. # اتهم أتباع دريدا أهل الأدب على وجه الخصوص بالثقة الساذجة فيما يطلق عليه لدواعي ~~المفارقة «النصوص الواقعية الكلاسيكية»؛ فأولئك الأشخاص فشلوا ببساطة في إدراك طبيعة ~~اللغة التي استقوا منها ثقتهم الزائفة. # على سبيل المثال، عند قراءة رواية جورج إليوت «ميدل مارش» (1882)، قد يتشكل لدينا ~~اعتقاد وهمي (لم يخطر على بال جورج إليوت في الواقع) بأن الكاتبة تفتح لنا ببساطة ~~نافذة على الواقع، وأن الخطاب الذي تستخدمه صالح تماما لوصف العالم الحقيقي. إن ~~اعتمادنا على سرد إليوت ولغتها يضعنا في موقع مهيمن بل في موقع الإله، ولا سيما إذا ~~اعتمدنا على التعميمات التي تطرحها؛ ومن ثم، نظن أننا نعرف الحقيقة عن دوروثيا بروك، ~~بينما ما نعرفه حقا هو وصف إليوت لها. وعلى أي حال، ماذا سيحدث عندما نصادف مجازا ~~لغويا؟ هل نعتبره «حقيقيا» أيضا؟ على سبيل المثال، عندما شعرت دوروثيا بالحيرة ~~والضيق من خيبة أملها في زوجها كازابون، رأت أن حياتها: «قد أصبحت على ما يبدو مسرحية ~~تنكرية حيث يرتدي الممثلون أزياء غامضة.» إن هذا المجاز اللغوي أو الاستعارة - بصرف ~~النظر عن مشاكل تفسيرها - لن تصلح إلا في ثقافة لديها القدرة على إدراك ماهية المسرحيات ~~التنكرية ووظائفها بطريقة معينة. إن وصف دوروثيا يصلح فحسب ضمن سياق الخطاب المدرك ~~لماهية المسرحيات التنكرية والسائد ضمن مجموعة معينة من الناس؛ ms016 ومن ثم يرتبط ~~به. # إذن يرغب أتباع مدرسة ما بعد الحداثة التفكيكية في إبراز الانحراف الذي سيصيب علاقة ~~كانت محل ثقة سابقا، مثل العلاقة بين اللغة والعالم. وكأنهم يقولون: «إنها ليست سوى ~~استعارة مضللة تضليلا منهجيا عن مسرحية تنكرية.» رغم ذلك، من الواضح منطقيا أننا ~~لن نستطيع توضيح «الانحراف» الدائم الذي يصيب اللغة دون أن تكون لدينا «في الوقت نفسه» ~~ثقة خفية ومتناقضة في اللغة؛ إذ كيف يمكننا - من دون مفهوم يقيني إلى حد ما عن ~~الحقيقة - إظهار كون تعبير لغوي معين قد «انحرف» أو سقط في فخ التناقض؟ إنه لغز تعجيزي ~~لأعداء التفكيكية، ومعضلة طويلة الأمد لدى من يعتنقون مبادئها. # لماذا إذن يرغب التفكيكيون في التشكيك في اعتمادنا على أدباء مثل إليوت، وفي جزء كبير ~~من التراث الفلسفي السابق كذلك؟ # أنظمة الرموز # أصر أتباع دريدا على أن جميع الكلمات لا بد أن تفسر فقط من منظور علاقتها ~~بالأنظمة السابقة التي تشارك فيها؛ ومن ثم، أصبحنا جميعا على أفضل وجه خاضعين لمبدأ ~~النسبية، وأسرى لأنظمة مفاهيمية (غير قابلة للقياس). لا يسعنا سوى «معرفة» ما سمحوا ~~«هم» لنا بمعرفته. وأيا كان ما نقوله، فنحن أسرى نظام لغوي لا علاقة له بالواقع ~~الخارجي على النحو الذي نتوقعه؛ لأن كل مصطلح ضمن كل نظام يشير كذلك إلى وجود (أو «أثر» ~~على حد قول دريدا) مصطلحات أخرى غائبة ضمن النظام أو يعتمد على وجود تلك المصطلحات أو ~~«أثرها». على سبيل المثال، تضم اللغة الإنجليزية مجموعة من الكلمات تعبر عن درجات من ~~الغضب، بدءا من كلمة «منزعج» وانتهاء ب «يستشيط غضبا». ولدى اللغة الفرنسية مجموعة ~~كلمات مختلفة خاصة بها للتعبير عن هذا الشعور البشري. تعتمد جميع الكلمات داخل كل ~~مجموعة لغوية بعضها على بعض من أجل تقسيم نطاق «الغضب» لخدمة الناطقين بتلك اللغات. لكن ~~كلا النظامين - الإنجليزي أو الفرنسي - على الرغم من اختلافهما الواضح لن يستطيعا بضمير ~~مستريح زعم أنهما قدما في النهاية الرمز الذي يعبر عن «حقيقة» حالات الغضب في العالم. ~~ولا يسع إليوت ms017 أن تزعم نجاحها في التعبير رمزيا في النهاية عن حقيقة خيبة أمل ~~دوروثيا. وهكذا، يرى أتباع دريدا أن اللغة تقتصر على ~~تحديد الاختلافات الجلية بين المفاهيم؛ أي ~~إنها تكتفي في الواقع ب «إرجاء» - أو تنحية - شركائها داخل النظام لبعض الوقت؛ وعليه، ~~تحدد مفاهيمنا - في رأي أتباع دريدا - «اختلافا وإرجاء» (ديفرانس)؛ أي ترجئ المعنى ~~مثلما توضح اختلافه (يتلاعب المصطلح الفرنسي الجديد الذي ابتكره دريدا (ديفرانس) ~~بالكلمتين «اختلاف» و«إرجاء»)؛ فالمعني ينسل إلى الأبد من كلمة إلى أخرى داخل التسلسل ~~اللغوي. # ينطلق دريدا من هذا الشكل المهيب من أشكال النسبية المفاهيمية كي يقترح مناهج تصلح ~~لنقد جميع النظم المفاهيمية حالما ننظر إليها بهذه الطريقة، مقدما مساهمة رئيسية في ~~الاتجاه ما بعد الحداثي لا تعتمد إلى حد كبير على «دقة» موقفه الفلسفي أو خصائصه ~~الفلسفية الأخرى؛ فهو يعتبر أن جميع الأنظمة المفاهيمية عرضة ل «تكوين هرمي» زائف ~~ومشوه. ولا يقتصر الأمر على كون معرفتنا بالعالم ليست على نفس الدرجة من المباشرة كما ~~يروق لنا أن نعتقد - فهي محملة بالمجازات وتتناسب كليا مع نطاق أنظمتنا المفاهيمية ~~ومداها - بل إننا جميعا نضع ثقة مفرطة في أساليب عمل التصنيفات المركزية داخل تلك ~~الأنظمة كي تنظم تجربتنا في الحياة. على سبيل المثال، تعتمد جورج إليوت بوضوح في ~~الفقرة التي أشرت إليها على الفرق الواضح بين «المظهر» و«الحقيقة»، وبين الحالة التي ~~يتصرف فيها الناس «على طبيعتهم» وتلك التي «يؤدون فيها دورا» ليس إلا (كما في ~~المسرحية التنكرية أو في حالة ارتداء زي تنكري). # نحن نميل إلى «أن نفضل» أو أن نعتمد على ما يطلق عليه دريدا «دلالات متسامية» خاصة، ~~مثل «الإله»، و«الواقع»، و«فكرة الإنسان» كي ننظم خطابنا. إن المتضادات المفاهيمية التي ~~نميل إلى استخدامها كي تؤدي هذا الدور التنظيمي - مثل الحديث مقابل الكتابة، الروح ~~مقابل الجسد، المعنى الحرفي مقابل المعنى المجازي، الطبيعي مقابل الثقافي، الذكورة ~~مقابل الأنوثة - تدفعنا إلى فهم العديد من العلاقات الأساسية فهما خاطئا، أو على ~~الأقل فهما راسخا متصلبا أكثر من اللازم. نحن نميل على وجه ms018 التحديد إلى وضع أحد تلك ~~المصطلحات في مرتبة أعلى من الآخر؛ فمثلا ينظر إلى «المرأة» على أنها أدنى منزلة من ~~«الرجل» (و«الشرق» أدنى منزلة من «الغرب»)، لكن إذا تبنينا إطارا مفاهيميا أكثر ~~نسبية، فسندرك أن هذه المصطلحات تعتمد «حقا» بعضها على بعض في تعريفها. بالتأكيد، كان ~~لدى أتباع دريدا هوس فرويدي تام بفكرة أن المتناقضات الظاهرة يحتاج في الحقيقة ~~بعضها إلى بعض، ودائما ما يشير كل منها ضمنا ~~إلى الآخر؛ فالمرء لا يرى نفسه عقلانيا، وإمبرياليا يسعى إلى تحقيق العدل (مثل ~~شخصية روني فيلدنج في رواية فورستر) «إذا» لم يكن الآخر في الوقت نفسه يرى إنسانا ~~شرقيا مضطربا، مراوغا، وماكرا (مثل شخصية عزيز). إن الجانب التحرري والإبداعي في ~~هذا النوع من تفكيك المتضادات يعمل على النحو التالي: عندما ننظر إلى أنظمة معينة كهذه ~~الأنظمة - التي تدعي تقديم وصف دقيق للعالم - سيصبح في وسعنا إدراك أن المفاهيم التي ~~«يميزها» النظام أو يجعلها محورية، والتدرجات الهرمية التي يستخدمها لترتيبها، أبعد ~~ما تكون عن النسق «الصحيح» القاطع، وتتمتع باستقلال أكبر بمراحل مما كنا نعتقد. # في الواقع، يرى أتباع دريدا أن الكشف ~~عن الاعتماد المتبادل الخفي لدى تلك الأنظمة سيؤدي إلى «تفكيكها»؛ إذ يمكن هدمها أو ~~عكسها - لتعطي معنى متناقضا في أغلب ~~الأحيان - وهكذا تصبح الحقيقة «في الواقع» نوعا من الوهم، وتصبح القراءة دائما شكلا ~~من أشكال إساءة القراءة، وأهم من ذلك يصبح الفهم في جميع الأحوال نوعا من سوء الفهم؛ ~~لأنه فهم غير مباشر دوما، وسيظل أبدا شكلا من أشكال التفسير الجزئي، غالبا ما ~~يستخدم المعنى المجازي بينما يظن أنه يستخدم المعنى الحرفي. إن هذا الاستخدام الرئيسي ~~للتفكيكية بهدف هدم ثقتنا في الأفكار المبتذلة السياسية والأخلاقية والمنطقية هو الأكثر ~~ثورية وتمييزا لما بعد الحداثة. # يدفع هذا الزعم النسبي أننا حالما نرى أنظمتنا المفاهيمية بهذه الطريقة، سندرك أيضا ~~أن العالم وأنظمته الاجتماعية وهويته الإنسانية ليست عطايا مهداة، تضمنها بطريقة ما ~~لغة تتوافق مع الواقع، لكنها مفاهيم نخلقها «نحن» في اللغة، على نحو لا يمكن ms019 تبريره ~~أبدا عبر الزعم بأن تلك هي «حقيقة» الأمور. فنحن لا نعيش داخل الواقع بل داخل تصوراتنا ~~له (وهو ما يلخصه أتباع دريدا في الملحوظة الجانبية المشهورة التالية: «لا يوجد شيء ~~خارج النص» باستثناء المزيد من النصوص التي نستخدمها في محاولة وصف أو تحليل ما تدعي ~~النصوص الإشارة إليه). # نستمد من هذا كله الثقة اللازمة للتحرر من الامتثال لأي نظام «معطى»، وكي نؤمن بأن ~~طريقة رؤيتنا للعالم لا يمكن تغييرها فحسب بل يجب تغييرها. قد يصل التفكيكيون ~~والليبراليون والماركسيون إلى شكل من أشكال التحالف ها هنا، فيما يتعلق بإنكار استطاعة ~~أي أيديولوجية مهيمنة أو لغة إمبريالية، تعميمية، كانطية، ما بعد تنويرية؛ وصف ~~حقيقة الأشياء حقا. # التلاعب بالنص # حققت التفكيكية (ولا سيما كما مارسها النقاد الأدبيون) تأثيرها الثقافي الأقوى ~~عندما رفضت أن تسمح لنشاط فكري أو نص أدبي أو تفسير لهذا النص بالخضوع للتنظيم عبر أي ~~تسلسل هرمي تقليدي من المفاهيم، ولا سيما تلك التي قدمنا نماذج لها أعلاه. تمكنت ~~التفكيكية من خلال اضطلاعها بتلك المهام من الإخلال بتنظيم النص، والطعن في صحة ما ~~اعتبره البعض مجرد تحديدات «اعتباطية» لمعناه؛ لأن مفهوم «الاختلاف والإرجاء» - أو ~~الاعتماد شبه الخفي لمفهوم ما على بقية المفاهيم المرتبطة به - هو مفهوم غير محدود. ~~وهكذا يمكننا التجول عبر صفحات القاموس، سالكين المسارات المتفرعة من كلمة واحدة. إن ~~فكرة المجال اللغوي المتداخل تداخلا حيويا وغير المحدود على الأرجح ساعدت في تكوين ~~تحالف بين النظرية التفكيكية والاتجاهات التجريبية لدى الكثير من كتاب ما بعد ~~الحداثة الطليعيين؛ إذ تأثر «الروائيون الجدد» في فرنسا وعدد من الكتاب التجريبيين ~~الأمريكيين - أمثال والتر أبيش، ودونالد بارثلماي، وروبرت كوفر، وراي فيديرمان - بتلك ~~الأفكار؛ ومن ثم، أصبحت اللغة وتقاليد النصوص (والصور والموسيقى) أمورا يمكن التلاعب ~~بها؛ إذ لم يلتزم أولئك الكتاب بمناقشات أو أساليب سردية محدودة، فهم ليسوا سوى ~~«ناشرين» للمعنى. # أعرف يا شباب ما الذي ستقولونه لاحقا. ماذا عن التمثيل؟ حقا ماذا عنه؟ ~~التمثيل الدقيق والسليم للواقع! إلصاق الكلمات بالأشياء! إلصاق المعنى ~~بالكلمات! ms020 (عبر/تعبير/معبر)، الاستخدام الدقيق لعلم الكتابة من أجل التفرقة ~~بين التحدث والكتابة وبين الصياح والتمتمة! # نعم، أعرف رأيكم في الكتابة وأن هذا السؤال بالنسبة إليكم هو سؤال مهم ~~(محوري)، لكننا قد ناقشنا ذلك كله من قبل وناقشنا أسلوبي على نحو ما (بل على ~~النحو المنطقي إذا كان ذلك يرضيكم). أنا لا أبالي البتة ب «نظام الأشياء» لأني ~~لا أحكي، لا أسرد، لا أتلو بترتيب كي أخلق نظاما، بل العكس! # على العكس، ما أفعله يتعلق بمشكلة القراءة أو الاستماع، ولا يتعلق بالكتابة! ~~أنا أتحدث إلى الحواس ولا أحاول أن يبدو كلامي منطقيا بأي شكل من الأشكال. إن ~~مجالي هو الهراء، مجالي هو ما فوق القص! بعبارة أخرى أنا أشق طريقي نحو ~~استحالة القراءة، نحو القراءة الحرة، نحو القراءة الهذيانية، بطريقة ما ~~أفضل القراءة بوصفها انتهاكا صارخا للسلام، كأن يقبض عليك متلبسا ~~بالجريمة: بالجرم المشهود! أنا لا أضيع وقتي في التفاهات! # لكن حسنا، سأتوقف عن هذا الكلام الفارغ (مسافة مفردة، مسافة مزدوجة، مسافة ~~ثلاثية) وجميع هذا اللغو المطبعي. في الحقيقة، الأمر يصيبني بالاشمئزاز بقدر ~~ما يصيبك، لكن في بعض الأحيان يصبح التحدث عن تلك الأشياء (أو حتى الكتابة ~~عنها) أمرا ضروريا، لا لسبب سوى أن نتمكن من تحديد المشكلة بدقة. # حسنا، لكن قد يسأل سائل: ماذا سيحدث للغة؟ # ماذا سيحدث للمعنى؟ # سؤال جيد! ~~(مقطع مقتبس من رواية راي فيديرمان «خذه أو اتركه: رواية» (1976). يظهر ~~تلاعب الأدب ما بعد الحداثي بالنظرية في أفضل حالاته عندما يحمل أيضا حسا ~~كوميديا ( # Fiction Collective, New ~~York ~~).) # موت المؤلف # يظل العنصر الأهم هو أن يتصرف القارئ أو المستمع أو المشاهد المشارك في التعبير عن ~~هذا التلاعب اللغوي أو تفسيره بمعزل عن أي من النوايا المفترضة لدى المؤلف. إن ~~الاهتمام بالمؤلف سيؤدي إلى منح امتياز للطرف الخطأ؛ إذ إن اعتبار المؤلف مصدرا لمعنى ~~النص، أو صاحب سلطة تحديد معناه، يضرب مثالا واضحا على التفضيل (المتركز حول العقل) ~~لمجموعة بعينها من المعاني. فلماذا لا تتولد تلك المعاني من القارئ بقدر ms021 ما تتولد ~~من المؤلف؟ ومن ثم، لا ينبغي الوثوق في غرض المؤلف (أو غرض التاريخ) بقدر يفوق ~~الوثوق في مذهب الواقعية؛ ومن ثم، نشأ مفهوم جديد للنص باعتباره «تلاعبا حرا ~~بالرموز داخل اللغة». إن هذا الإعلان عن «موت المؤلف» - ولا سيما من جانب بارت وفوكو ~~- يعكس أيضا الميزة السياسية؛ وهي القضاء على المؤلف باعتباره المالك الرأسمالي ~~البرجوازي الذي يسوق معانيه. # أو حسب قول بارت: # نحن ندرك الآن أن النص ليس مجرد سلسلة من الكلمات تعبر عن معنى «لاهوتي» ~~واحد (أي «رسالة المؤلف/الإله») لكنه فضاء متعدد الأبعاد؛ حيث تمتزج مجموعة ~~متنوعة من الكتابات - لا يوجد بينها نص أصلي - وتتصادم ... إن الأدب يتمكن من ~~خلال رفضه تخصيص معنى نهائي «خفي» إلى النص (وإلى العالم باعتباره نصا) من ~~تحرير ما قد يطلق عليه نشاط معاد للاهوتية، وهو نشاط ثوري حقا بما أن رفض ~~تحديد المعنى يعني في النهاية رفض الإله والأقنوم المرتبط به؛ ألا وهو المنطق، ~~والعلم، والقانون. # رولان بارت، «موت المؤلف»، ~~من كتاب «الصورة-الموسيقى-النص»، (1977) # وهكذا تحرر النص - الذي تكون في الحقيقة على ~~يد القارئ - وطبقت عليه قواعد الديمقراطية كي يلهو به الخيال كما يشاء. وأصبحت المعاني ~~ملكية خاصة لمن يفسرها، له مطلق الحرية في التلاعب بها تلاعبا تفكيكيا؛ إذ كان ~~يعتقد أن محاولة تحديد معنى نص أو أي نظام سميوطيقي لأغراض معينة خطأ فلسفي ورجعية ~~سياسية على حد سواء؛ ومن ثم، أصبحت جميع النصوص الآن حرة في الغوص - بصحبة ~~معانيها العامة أو الأدبية أو اللغوية - في بحر «التناص»؛ حيث لم تعد الفروق المقبولة ~~بينها في السابق مهمة إلا فيما ندر، وينبغي النظر إليها إجمالا على أنها أشكال بلاغية ~~متناثرة هزلية (تشبه إلى حد ما محاضرات دريدا نفسه، التي أصبحت عبارة عن حوارات ذاتية ~~طويلة وحرة تفتقد التركيز والنظام). وأصبح ينظر إلى السعي من أجل إيجاد التأكيدات ~~اللفظية على أنه تصرف رجعي في مضامينه، كالحال مع الإجماع الملفق حول النظام السياسي ~~القائم. # المجاز # إن مصداقية هذه النظرة التي ترى النصوص أشكالا من التلاعب ms022 البلاغي (القابل ~~للتفكيك) - بصرف النظر عن مدى صدق نيتها - تستمد دعما كبيرا من الأطروحة الموروثة من ~~نيتشه ومن قراءة أعمال أفلاطون، التي تزعم أن ما يبدو حرفيا في ثنايا اللغة (بما فيها ~~الأجزاء الأكثر «واقعية» من روايات جورج إليوت) هو في الحقيقة مجازي. من الممكن قراءة ~~الفلسفة والتاريخ (وهما مجالان لم يعد أي منهما يتميز بكونه خطابا حرفيا أو ~~صادقا) وكأنهما أعمال أدبية والعكس صحيح. لا حاجة لنا بعد الآن إلى الإيمان بما هو ~~حرفي (باعتباره شكلا ما من أشكال اللغة يشير إلى الواقع على نحو لا التباس فيه)؛ لأن ~~كل ما يمكن اعتباره حرفيا قد يتضح كونه مجازيا عند تحليله بدقة أكبر. # لاقت هذه النظرة إلى اللغة بوجه عام قبولا متناميا لدى الكثير من علماء اللغويات، ~~لا سيما تحت قيادة جورج لاكوف ومارك جونسون المثيرة للجدل، فهما يقران بتأثير ~~دريدا على رؤيتهما التي تقضي بخضوع اللغة اليومية بأكملها لتنظيم المجاز، حتى إنهما ~~يميلان كذلك إلى الدفع بأن النظرة «الموضوعية» فلسفيا للعالم هي نظرة واهية. حاولت ~~تلك الفرضيات اللغوية إظهار أن عمليات التفكير اليومية لدينا تعتمد في الواقع على أنظمة ~~مفاهيمية متشابكة قائمة على المجازات، التي لا يمكن اختزالها بأي صورة من الصور إلى لغة ~~«أكثر حرفية»؛ ومن ثم من غير المرجح للغاية أن تتوافق توافقا بسيطا أو منهجيا ~~بعضها مع بعض. # كانت الآثار الأخلاقية والسياسية التي ترتبت على هذا النوع من التحليل هي ما أثارت ~~اهتمام بعد الحداثيين بوجه عام؛ فقد أكد التفكيكيون على أن جميع أنظمة التفكير، بمجرد ~~أن نعتبرها مجازية، تؤدي لا محالة إلى تناقضات أو مفارقات أو مآزق أو «حالات ارتباك» ~~حسب تعبير دريدا (وهو مصطلح بلاغي يعني سؤالا ارتيابيا). يرجع ذلك إلى اعتقاد أتباع ~~دريدا أن الخصائص المجازية داخل أي نظام لغوي ستضمن دوما فشل اللغة فعليا في التحكم ~~في الموضوع الذي تدعي توضيحه (أو السيطرة عليه). # جذبت تلك المناقشات عددا ضخما للغاية من النقاد الأدبيين في السبعينيات وأوائل ~~الثمانينيات من القرن العشرين، وحتى الآن؛ ms023 إذ إن هذا النوع من التفكيكية يعكس ~~استراتيجية طليعية، متشككة، كاشفة للتناقض، في وسعها تقويض أسس أي نص وهدمه وتعريته، ~~وتجاوزه، و«عكس تأثيره». وعلاوة على ذلك، فإنها تعبر عن تضمينات سياسية مثيرة، بما ~~أنها أظهرت تفوق «رؤية التفكيكيين الثاقبة» التي مكنتهم من إدراك «جهل» النص غير ~~المتعمد بالتناقضات التي يرمز لها. إن تفكيك قصيدة أو نص أو حوار يعني إبراز تشكيكه ~~(فعليا) بشأن الفلسفة التي (يبدو أنه) يؤكد عليها أو المتناقضات الهرمية التي يعتمد ~~عليها صراحة. ويأتي تأثير التفكيكية الأقوى عندما تعكس التناقضات التي كشفت عنها بهذه ~~الطريقة أهمية أخلاقية أو سياسية. # فيما يلي مثال تقريبي على إحدى المعالجات التفكيكية، استنادا إلى جزء من قصيدة كتبها ~~الشاعر تنيسون في شبابه عن: # إيزابيل المبجلة، الملكة المتوجة، # زهرة الشجاعة الأنثوية العظيمة، # الزوجة الكاملة والمرأة الوديعة الصافية. # 2 # بقرار بديهي يصدر # من عقل بارع حاد الذكاء # تميز الخطأ من الجرم، وتملك حكمة الصمت؛ # قوانين الزواج منقوشة بخيوط من ذهب # على صفحة قلبها الأبيض؛ # حيث الحب ما زال يشتعل، مانحا الضوء # لقراءة تلك القوانين، بصوت خفيض جدا # تنساب كلماتها الناعمة مثل ضوء القمر الفضي، # وبنبرة هادئة تقدم المشورة وقت المحن، # تتسلل إلى العقل والقلب بخفة، دون لمحها، # وتحقق مرادها برقتها البالغة، # متجاوزة جميع تحصينات الكبرياء المتشكك؛ # تملك شجاعة الصمود والطاعة، # تكره لغة النميمة وتكره التسلط، # إيزابيل المتوجة، لقد ظلت طوال حياتها الهادئة، # ملكة الزواج والزوجة كاملة الأوصاف. # إن الهدف من القصيدة هو المدح - باستخدام لغة دينية ممجوجة - لكن ~~الموضوعات التي اختارها تنيسون لتعزيز تلك الاستراتيجيات قد تعتبر مستهجنة ضمن سياقنا ~~التاريخي الحالي. فسيزعم التفكيكيون أن عدم ملاءمة تلك المواضيع لإدراكنا للواقع (أو ~~بالأحرى عدم ملاءمتها مع عرف المجتمع وسياساته) تنبع من حقيقة أنها تعتمد فعليا على ~~الخيال؛ أي على علاقة مضطربة بين الحرفي والمجازي في القصيدة. وإذا نظرنا بدقة إلى ~~القصيدة، فسنجد أنها تكشف في ثناياها عن ارتباك حيال الميزات التي تروج لها؛ ومن ~~ثم، سوف تنهار القصيدة. # إن الهيمنة المستهجنة بشدة، التي يفرضها ms024 الرجال على النساء (التي أصبحت مقبولة ~~بالنسبة إلى الرجال على الأقل)، تتخفى تحت الادعاء بأن النساء في مقدروهن حقا ~~«السيطرة» على الرجال، لكن بطرق مقبولة أخلاقيا فقط. تتمتع النساء بالفضيلة، بينما ~~يتمتع الرجال بالقوة. لكن الفضيلة - ولا سيما النوع الغريب المنكر للذات الذي يمتدحه ~~تنيسون - ليست قوة على الإطلاق؛ فهي مسموح بظهورها في سياق مجازي فحسب (لا في سياق ~~واقعي فعلي، مثل الزواج) حيث النساء مغلوبات على أمرهن، ومن هنا يأتي الاقتران غير ~~الملائم بين «الزوجة الكاملة والمرأة الوديعة الصافية». وعلاوة على ذلك، لا تستطيع ~~إيزابيل استخدام ذكائها إلا «بديهيا»، عند التفريق بين الخطأ والجرم (مما يدعم ~~التناقض القديم الذي يزعم أن النساء يعتمدن على الحدس بينما يعتمد الرجال على ~~العقل). أما إذا خذلها حدسها، فإنها تحمل معها «وصايا الزواج» التي تشبه وصايا النبي ~~موسى لتكون بمنزلة مفكرة تذكرها بمهامها، وهي فوق ذلك «منقوشة» على «صفحة قلبها ~~الأبيض» النقية والفارغة. فحتى قلبها أبيض اللون فارغ بلا دماء، إنها بالفعل «صفحة ~~بيضاء» صالحة لإسقاط الخيالات الذكورية. وحتى الحب الذي تشعر به تقتصر مهمته على توليد ~~«الضوء لقراءة تلك القوانين». أما أسلحتها الوحيدة لمواجهة «الحزن»، فهي الدماثة ~~والشجاعة التي تخفف الطاعة من حدتها إلى حد كبير. لا تسعى إيزابيل إلى ~~«التسلط» لكنها في الوقت نفسه أشبه بإلهة؛ إذ لا ضرر من نوع من العبادة لا يتحدى ~~الاختلافات الجنسية تحديا مباشرا. لدواعي المفارقة، تضع قصيدة تنيسون إيزابيل في ~~مرتبة أدنى بينما تكيل لها المديح؛ مما يساهم في تفكيكها. # عندما تزعم التفكيكية أن اللغة قد تؤدي إلى تضليلنا على هذا النحو، وأن «الواقع» لا ~~يمكن أبدا ترويضه تماما أو على نحو مقنع، فإنها ترفض قبول احتمالية وجود أي «واقعية» ~~تدعمها أدلة في النصوص التي تهاجمها. ذلك الهجوم على الواقعية يلعب - دون ريب - دورا ~~محوريا في جميع أشكال النشاط ما بعد الحداثي. لكن عندما ترفض ما بعد الحداثة الاندماج ~~في أي نظام قائم، أو تقديم أي توضيح لواحد من تلك النظم إلا عبر أسلوب مراوغ ms025 أو هزلي، ~~فإن عليها كذلك إنكار إمكانية اقتراح نظام خاص بها، دون أن تتنكر لفرضياتها الرئيسية. ~~من هنا، ينبع الاتهام الذي كثيرا ما يوجه إلى أتباع ما بعد الحداثة التفكيكيين، ~~الذي يزعم أنهم مجرد متشككين عاجزين عن اتباع أي التزامات سياسية أو أخلاقية. وغالبا ~~ما يورط التفكيكيون أنفسهم - حسب افتراضاتهم - في حالة دائمة من نكص الصفات؛ إذ تبدو ~~الكثير من الأعمال النقدية التفكيكية الآن (مثل كتاب «الناقوس» لجيوفري هارتمان، وكثير ~~من أعمال بول دو مان وهيليس ميلر) منغمسة داخل ذاتها ومنشغلة بها، ولا تلتزم في ~~النهاية بأي مفاهيم ذات أهمية. # إن تلك الأمثلة الأقوى حجة على التفسير التفكيكي تبرز فعليا وعلى نحو تلقائي ~~هذا النكوص الهزلي الذي يهدف إلى دعم أطروحة لم تتعرض للنقد، على الأقل في الوقت ~~الحالي. لن يستطيع التفكيكيون المخلصون الهرب أبدا من الاتهام الذي يزعم أن عملهم على ~~أحسن تقدير شكل من النقد البراجماتي لمعتقداتنا، وأنه في النهاية لا يخرج عن نفس ~~الاتجاه الفلسفي القديم الذي يلفت الانتباه، لا إلى حقيقة أن المرء إذا ناقض نفسه فإنه ~~لم يقل شيئا ذا معنى (فذلك بالنسبة إلى التفكيكيين زعم مرتبط أكثر من اللازم بمنطق ~~واقعي تقليدي ينطق بالحقيقة)، بل إلى أن المرء إذا ناقض نفسه، فإنه يفتح الباب أمام شتى ~~أنواع سبل الاستقصاء المثيرة للاهتمام. وفي نهاية المطاف - حسب رؤيتهم - سنفعل كلنا ~~حتما نفس الشيء، ورد الفعل الوحيد المحتمل على ذلك هو أن نقوم بحركة أخرى في اللعبة، ~~لا أن نستبعد بجرأة شديدة بعض الحركات باعتبارها غير شرعية ليس إلا. إن التفكيكية ~~التقليدية ليست نظرية قابلة للاختبار أكثر من كونها «مشروعا» مستمرا. # الشكوكية والأيديولوجية # إن التفكيكية - على قدر تعمقها ~~الأكاديمي وانشغالها بذاتها في معظم الأحيان - دعمت توجها عاما نحو المبادئ النسبية ~~في ثقافة ما بعد الحداثة؛ إذ تركت أتباع ما بعد الحداثة غير مهتمين إلى حد كبير ~~بالتأكيد والإثبات التجريبي في العلوم. وغالبا ما اعتبروا ذلك منهجا ملوثا جراء ~~ارتباطه بالتحالف الصناعي العسكري وباستخدام العقلانية التكنولوجية الجامدة من ms026 أجل ~~تحقيق السيطرة الاجتماعية ... إلى آخره. ويبدو كذلك أن أتباع ليوتار ودريدا نزعوا إلى ~~الإيمان ب «القصص» بدلا من النظريات القابلة للاختبار. إن أتباع ما بعد الحداثة - ~~بعدما تخلوا عن إيمانهم بكل من الفلسفة والتاريخ والعلم التقليدي («الواقعي») تحت ~~تأثير الفكر الفرنسي - تحولوا أكثر فأكثر إلى واضعي نظريات تفسر آليات العمل ~~(الخادعة) داخل «الثقافة»؛ ومن ثم فإن معظم الأمثلة التي أعرضها هنا على تطبيق ~~الأفكار السياسية والفلسفية لما بعد الحداثة مستقاة من الفنون. # ينظر فكر ما بعد الحداثة إلى الثقافة باعتبارها تضم عددا من القصص المتنافسة على ~~الدوام، التي لا يعتمد تأثيرها على مخاطبتها لمعيار حكم مستقل، بل على مخاطبتها ~~للمجتمعات التي تدور بها، مثل الإشاعات في أيرلندا الشمالية. توضح شيلا بن حبيب أنه ~~من منظور أتباع ليوتار: # انتهى عهد الضمانات الغيبية للحقيقة، فلا مكان لقابلية القياس وسط الصراع ~~الأليم بين ألاعيب اللغة، ولا لمعايير تحدد حقيقة تتجاوز النقاشات المحلية، بل ~~لا يوجد سوى الصراع اللانهائي بين ادعاءات محلية تتنافس فيما بينها على حيازة ~~الشرعية. # شيلا بن حبيب، «تحديد موضع الذات»، (1992) # من ثم، تنغمس ما بعد الحداثة في نظرية معرفية انتقادية إلى حد بعيد، تعادي أي ~~مذهب سياسي أو فلسفي شامل، وتعارض بشدة تلك «الأيديولوجيات المهيمنة» التي تساعد في ~~الحفاظ على الوضع القائم. # رغم ذلك، دمج الكثير من أتباع ما بعد ~~الحداثة أسلوب دريدا النقدي ضمن أيديولوجية هدامة ذات إطار بناء؛ إذ رأوا أن إبراز ~~إخلاص بعض الأفراد غير المتعمد لموقف متناقض (مثل موقف تنيسون) يشبه إلى حد كبير ما ~~انشغل به ماركس وفرويد؛ إذ ادعى ماركس أن العمال يعيشون في حالة من «الوعي الزائف»، فهم ~~يقبلون النظرية البرجوازية التي تزعم أنهم يقدمون جهدهم «طوعا» إلى السوق كأفراد ~~مستقلين، لكنهم في الحقيقة أسرى نظم محددة اقتصاديا تعادي طبقتهم. كان المنظرون ~~الماركسيون في تلك الحقبة يعرفون ذلك يقينا (بعيدا تماما عن مصطلحات فلسفة دريدا) ~~باسم «علاقات القوة الحقيقية». وبالمثل، قد يزعم أتباع المدرسة الفرويدية أن الصراع بين ~~الأنا العليا (التي تلتزم ms027 بالمعتقدات المقبولة اجتماعيا) ورغبات اللاوعي السرية أو ~~المكبوتة (حيال التعبير الجنسي على سبيل المثال) سيؤدي حتما إلى تناقضات داخلية، يمكن ~~قراءتها من منظور دريدا. وهكذا، لدواعي المفارقة، ربط العديد من أتباع ما بعد الحداثة ~~أنفسهم بأيديولوجيتين محل جدل شديد وذواتي طبيعة شمولية لا محالة، من القرن التاسع ~~عشر، في خضم تركيزهم على مفهوم التناقض الخفي. # بالطبع، يمكننا إبراز تلك التناقضات الداخلية الهادمة للأيديولوجية دون أن نزعم في ~~الوقت نفسه أن لدينا حلا بديلا وشاملا لمشكلات المجتمع. وفي وسع المرء تحليل ~~المتناقضات كي يشير إلى وجود توتر اجتماعي دون أن يطرح ضمنيا حلا ماركسيا أو ~~فرويديا عاما؛ وذلك عبر دعم الأطروحة التي عرضناها آنفا، التي تزعم أننا حال نظرنا ~~إلى جميع الأنظمة اللغوية سنجدها تحتوي على تناقضات؛ لأنها في الأساس أنظمة مجازية. ~~وكما هو متوقع، أعجب النقاد الأدبيون والثقافيون بهذا الجانب من حركة ما بعد ~~الحداثة أيما إعجاب؛ إذ في وسعهم الانكباب على دراسة أي نوع من المواد، وليس فقط تلك ~~النصوص - ولا سيما القصائد، أو الحقب التاريخية، مثل الحقبة الرومانسية ~~- التي تتجلي تناقضاتها للعيان. وكان من السهل تطبيق ~~الأساليب التفكيكية في الفلسفة على المناهج الهادمة للمجاز والملاحقة للتناقضات في ~~النظرية الأدبية، التي غالبا ما يعطي لها أولئك النقاد أهمية زائفة ومدعاة؛ ففي ~~أعمال دو مان وهيليس ميلير وغيرهما من أتباع دريدا المتمركزين في جامعة ييل، نجد ~~اهتماما كبيرا ومفعما بالحيوية ب «فن الجدال» المحبط للذات في الأعمال الأدبية ~~وغيرها من الأعمال، ولا سيما عبر تحليل مجازاتها الخفية، على النحو الموضح أعلاه؛ ~~ومن ثم، كان ينظر إلى الأعمال الأدبية على أنها تعاني عجزا حتميا نابعا من ~~المعاني الضمنية المتناقضة داخل المجاز؛ مما أسفر عن أهم ما في الموضوع؛ وهو تجريدها من ~~أي علاقة جادة بالتاريخ ومن أي مزاعم مؤكدة حول قضايا الحقيقة التجريبية. وبهذه ~~الطريقة، أدت الفلسفة الكامنة خلف التفكيكية إلى توسع هائل في الاهتمام بالنظرية ~~الأدبية، التي أضحت قضاياها تهيمن على مدارس كاملة في النقد الأدبي. # إن أفضل دفاع تجاه ms028 هذا النوع من النقد، وأفضل طريقة لإبراز كون المرء مطلعا على ~~آخر المستجدات ومنها هذا الاتجاه - سواء عند كتابة الفلسفة أو وضع النظريات، أو الإبداع ~~الفني - هي أن تتمتع بالتأكيد بقدر كبير من الوعي الذاتي فيما يتعلق بموقفك، وأن تجمع ~~المتطلبات المناسبة المرتبطة به. إن هذا «الانعكاس» الواعي بالذات - الذي كان أحد ~~أعراضه اللجوء المتكرر إلى اللغة الاصطلاحية - كان البعض يعتبره الخاصية المميزة ~~للفلسفة في ظل وضع ما بعد الحداثة. وهكذا، نلاحظ في كم كبير من أعمال ما بعد الحداثة ~~نقدا ذاتيا أو نكوصا انعكاسيا مكتوبا بالحرف في ثنايا «النص». وهو ما يتضح في ~~أفلام جودار، التي تعتبر وفقا للمنظر الماركسي فريدريك جيمسون: # أفلاما ما بعد حداثية صميمة، من حيث تصورها لذاتها باعتبارها نصا خالصا، ~~أو عملية إنتاج صور غير ذات محتوى حقيقي، وهي - من هذا المنظور - شكل خارجي ~~محض أو سطحية مجردة. إن هذه القناعة هي التي تفسر الانعكاس المميز لأفلام ~~جودار، وتصميمها على استخدام الصور استخداما معاديا لذاتها كي تدمر الوضع ~~الملزم أو الثابت لأي تصور. # فريدريك جيمسون، كما ~~استشهد به هانز بيرتينز في كتابه ~~«فكرة ما بعد الحداثة»، (1994) # إن هذا الإدراك ما بعد الحداثي ل «العمل الفني كنص» - وإن كان فيلما أو لوحة أو ~~عرض أزياء - يعتبر أي إنتاج ثقافي بارز متصلا بجميع الاستخدامات الأخرى للغة ~~الطبيعية؛ ومن ثم تجنب أي تفضيل «جمالي» للعمل الفني المستقل وتنظيمه المتكامل؛ إذ ~~كان يعتبر ذلك أحد الأخطاء الحداثية النموذجية. وزعم في سياق بديل أن العمل الفني تجمعه ~~صلة بجميع النصوص الأخرى؛ لذا، فرضت تفكيكية ما بعد الحداثة تطابقا جديدا بين الخطاب ~~الفلسفي (وهو مجال اختصاصي للغاية، يعود مرة تلو الأخرى إلى نفس المشكلات، ويقتلع جذور ~~التناقض) وخطاب العمل الفني، وبالتأكيد جميع الخطابات الأخرى داخل المجتمع. # بالنظر إلى القيود القاسية المفروضة على احتمالية بلوغ الوحدة المميزة للحجة ~~المتماسكة، والشك الكبير الذي تصاعد حيال ما يمكن اعتباره اعتمادا خفيا لدى أي عمل ~~أو نص على النصوص السابقة له، أصبح من المعتقد أن ms029 أي نص - بدءا من الفلسفة وحتى الصحف ~~- يتضمن تكرارا استحواذيا أو «تناصا». ~~وكما هو الحال في الفلسفة - التي طالما انشغلت منذ عصر أفلاطون بنفس المشكلات القديمة - ~~ستعيد الرواية حتما إنتاج نفس المواقف ~~والأفكار السابقة وأساليب الوصف التقليدية إلى آخره، فليست رواية جويس «يوليسيس» - ~~باعتبارها عملا حداثيا غير مباشر عن قصد - هي الرواية الوحيدة التي استطاعت تحقيق ~~هذا؛ فحسب تعبير إمبرتو إيكو - وهو منظر ما بعد حداثي بارز - في روايته ما بعد ~~الحداثية «اسم الوردة» التي حققت رواجا مذهلا: «تتحدث الكتب دوما عن كتب أخرى، وكل ~~قصة تحكي قصة رويت بالفعل.» تفرغ هذه الرؤية في نهاية المطاف إلى نوع من المثالية ~~النصية؛ لأن جميع النصوص ينظر إليها باعتبارها تشير على الدوام إلى نصوص أخرى، «عوضا ~~عن الإشارة إلى أي واقع خارجي.» ولن يستطيع أي نص في النهاية أن يثبت على الإطلاق ~~أي شيء عن العالم خارجه، ولن يصل أبدا إلى نقطة سكون، بل يكتفي فقط - حسب مصطلح ~~دريدا - بنشر تنويعات مستندة على أفكار أو مفاهيم قائمة بالفعل. # إعادة كتابة التاريخ # كما أكدت سابقا، أسفر هذا الحراك كله عن زج الواقعية بجميع أنواعها في قفص الاتهام؛ ~~فمحاولة تقديم أي شكل من أشكال الواقعية كانت تئول في النهاية إلى خطأ فلسفي؛ ومن ثم ~~تصبح محاولة كتابة التاريخ من وجهة النظر التجريبية أو الوضعية المهيمنة حتى الآن ~~محكوما عليها بالفشل. ومن جديد، يميل فكر ما بعد الحداثة - عبر تحليل كل شيء باعتباره ~~نصا وبلاغة - إلى دفع المجالات الفكرية التي ما زالت مستقلة حتى الآن نحو ~~الأدب، فالتاريخ ليس سوى سرد آخر، لا تتميز ~~تراكيبه النموذجية عن التراكيب الروائية، ويرزح تحت أسر أساطيره ومجازاته وقوالبه ~~النمطية الخاصة غير المحققة (التي غالبا ما تستخدم بلا وعي). أما مصادره - مهما بدت ~~حيادية أو قائمة على أدلة - فليست في النهاية سوى سلسة أخرى مترابطة من النصوص القابلة ~~للتفسير بعدة طرق، وحتى تفسيراته السببية في وسعنا إثبات كونها مستقاة من حبكات خيالية ~~معروفة، تكررها تلك التفسيرات بالتبعية. # إن وجهة ms030 النظر هذه حول كتابة التاريخ هي أحد الاختبارات الأساسية التي تواجه فكر ما ~~بعد الحداثة؛ نظرا لتأثيرها على جميع أجزاء ثقافتنا. فإذا فشل التاريخ بدوره - تحت ~~مجهر ما بعد الحداثة - في تجسيد المعايير «الوضعية» أو «الواقعية» المهيمنة في السابق ~~أثناء كتابته؛ فإن الأدب - الأكثر ابتعادا عن التاريخ - لن يستطيع بدوره طرح أي مزاعم ~~واقعية قوية. إن الادعاء ما بعد الحداثي الأساسي هنا يدفع بأن مفهوم إعادة التشكيل ~~«الموضوعي» وفقا للأدلة ليس سوى خرافة؛ إذ لا يستطيع المؤرخون إخبارنا ببساطة عن ~~الأحوال الماضية، أو الحالية؛ إذ إنه - على حد قول آلان مانزلو - «ينبع المعنى بأسره من ~~ممارسات متنقلة - أسسها المجتمع وحدد معناها - ذات تأثير كبير على الواقع يمكنها ~~بالفعل من غلق أي سبيل مباشر إلى معرفته.» ومن ثم، يصبح التاريخ في الأصل مجرد حكاية ~~أخرى تحظى بقبول اجتماعي نسبي، وتنافس من أجل حيازة انتباهنا وموافقتنا، ومجرد طريقة ~~أخرى لوصف الأحداث، يعتمد بقاؤها من عدمه على عملية من النقاش والجدل. وعلاوة على ذلك، ~~فإن بنى التاريخ وتفسيراته السببية المفصلة جمعت في الأساس على نحو يشبه القصص ~~الروائية. يوضح هايدن وايت ذلك قائلا: # إن الادعاءات التاريخية ... هي روايات شفهية، تضم محتويات مختلقة بقدر ما هي ~~مكتشفة، ولدى صياغاتها قواسم مشتركة مع نظيراتها في الأدب أكثر مما بينها وبين ~~نظيراتها في العلوم. # هايدن وايت، «النص التاريخي كنتاج ~~أدبي» من كتاب «مدارات الخطاب»، ~~(1978) # تحكي جميع كتب التاريخ قصة، قد يؤدي أبسط ما بها من أدلة أو حقائق - مثل القول بأن ~~«نابليون كان قصيرا» أو أن «أنف كليوباترا كان جميلا وذا طول مثالي» - إلى تفسيرات لا ~~نهائية محل خلاف بطبيعتها، وتشكل بدورها مزاعم تدعي الحقيقة مثل: «ومن ثم، كان ~~نابليون يعوض عن قصره بالعدوانية، وكانت لكليوباترا جاذبية لا تقاوم!» وستحتل تلك ~~الأحكام بدورها مكانا في ادعاءات تقليدية أكبر، غالبا ما تفسر فيها انتصارات ~~نابليون - على سبيل المثال - باعتبارها تجليات لشخصيته لا للظروف الاقتصادية الكامنة ~~وراء الأحداث، أو تصبح جاذبية كليوباترا الجنسية المذهلة هي الدافع وراء هروب ms031 أنطونيو ~~من معركة أكتيوم، كما اعتقد شكسبير على ما يبدو مقتديا ببلوتارخ. لا يهم هنا إن كان ~~راوي القصة مؤرخا عظيما أو ويليام شكسبير، فكلاهما يركزان على شكل أو نوع سردي عند ~~إخبارنا بقصتهما، سيستعيرانه من تقاليد رواية القصة المتاحة في ذلك الوقت. تعرض بعض كتب ~~التاريخ المتأثرة بأفكار ما بعد الحداثة - مثل كتاب سيمون شاما «المواطنون: تاريخ ~~الثورة الفرنسية»، (1989) وكتاب أورلاندو فيجيز «مأساة شعب: الثورة الروسية 1891-1921»، ~~(1996) - هذه الوظيفة السردية عرضا واضحا تماما؛ فنحن نتبع إحدى القصص، لكن ليس ~~بوسع أي مؤرخ كان زعم أن هذه القصة هي «القصة الوحيدة»، حتى وإن كان ذلك ما يهدف ~~إليه. وبصرف النظر عن أي عامل آخر، فإن العلاقة بين «المختلق» أو «المجمع» وبين ~~«المكتشف» أو «الظاهر» ستظل دوما محل خلاف وخاضعة للتفسير. ينطبق هذا قطعا على ~~الحالات المعقدة التي تثير لدينا أكبر قدر من الاهتمام، فالادعاءات البسيطة للغاية - ~~التي توضح أن العلاقة بين الواقع والقصة المسرودة قد «لا تقبل الجدل» في بعض الأحيان - ~~لن تساعدنا كثيرا في تطوير فهمنا للممارسات الثقافية التي تحكم كتابة نوع التاريخ ذي ~~الأهمية في هذا العالم، كالذي يدعم فهمنا لعلاقة الكتابة التاريخية الأمريكية ~~بالمعتقدات السائدة حول الحرب الباردة، أو بتاريخ الخلاف والمعارضة لدى اليسار، أو بما ~~إذا كان آل روزنبرج مذنبين، أو بما أدى إلى إطلاق الرصاص على كينيدي في تكساس. وقد ~~أسهب المؤرخون النسويون في توضيح الانتقاء الثقافي (من هذا المنظور) الملحوظ لدى ~~معظم الروايات التاريخية. # وعلاوة على ذلك - وعلى أبسط المستويات - سيستخدم الروائي والمؤرخ لغة تعج بالمجازات ~~أو الاستعارات، التي ستبين لنا كذلك مدى بعد التاريخ عن الاهتمام بالحقائق الحرفية ~~المجردة. إن القضية هنا لا تقتصر على العلاقات السببية داخل الحبكة التاريخية فحسب، بل ~~تمتد لتشمل جميع المسارات التقليدية وغير التقليدية نسبيا في اللغة التي ~~ورثناها. # وانطلاقا من هذه النقطة - حسب رؤية ما بعد الحداثة - من المتوقع أن تلقى بعض خصائص ~~التاريخ الأخرى مصيرا مماثلا؛ فبالتأكيد إذا كانت احتمالية وجود تاريخ واقعي في حد ~~ذاتها ms032 احتمالية مرفوضة، وإذا كانت الحقائق ستعتبر على الدوام مجرد أمور تربطها علاقة ~~نسبية مع المسلمات النظرية التي تشكلها والتفسيرات التي تطرح بناء عليها، وإذا ~~كانت الأدلة سينظر لها دوما في إطار علاقتها بعملية بناء السياق المناسب لها، فحتى ~~التناول الشديد الجدية للأدلة التاريخية أو «المصادر الأولية» الذي يبدو بعيدا عن ~~السرد سيحمل حتما مسلمات سردية؛ ومن ثم، سيتخذ التاريخ في الأساس شكلا أسطوريا ~~يكشف عن ذاته متجليا في الأدب ويقدم البنية المفاهيمية الأساسية للتاريخ. وإذا سلمنا ~~بأن استخدام تلك البنى التأويلية الأساسية أمرا حتميا، فإن نسبية ما بعد الحداثة ~~تصبح هي القاعدة؛ إذ من الواضح أن تلك البنى المتبارية المستقاة من الأسطورة ينافس ~~بعضها بعضا. وإذا أنكرنا وجود طريق مباشر لمعرفة الماضي، فإننا لا نملك سوى قصص ~~متنافسة، أضفى عليها المؤرخون ترابطا منطقيا بطرق مختلفة؛ ومن ثم يصير الماضي ليس ~~أكثر مما يحاول المؤرخون - الذين نعتمد عليهم لأسباب ثقافية متنوعة - زعمه. وعلاوة على ~~ذلك - وفقا للكثير من أتباع ما بعد الحداثة - فإن البنى السردية التي يفضلها ~~المؤرخون ستحمل حتما تضمينات أيديولوجية أو فلسفية قد تثير استهجانا؛ كأن تعكس مثلا ~~اعتقادا برجوازيا مستحدثا للغاية بأهمية العامل البشري المستقل عوضا عن النظم ~~الاقتصادية الكامنة، كما يتضح في الأمثلة التي استشهدنا بها سابقا. # لكن ماذا إذن عن تمييزنا لما هو حقيقي، وموثوق به، وتحتمل صحته عندما نقرأ التاريخ؟ ~~حتى أتباع الفلسفة التجديدية المنتمين انتماء واعيا إلى الفكر ما بعد الحداثي ~~يحاولون مساعدتنا في تشكيل معتقدات «أفضل» حيال ما يظنون أنه حدث بالفعل. ويوجد بالفعل ~~ما قد نطلق عليه بوجه عام سردا يقدم وصفا ملائما، كذلك من الممكن تحقيق قدر كبير من ~~التوافق بين اللغة والواقع؛ فلا أحد تقريبا يؤيد طمس ما يسلم بكونه دليلا، وفي ~~الواقع، ليس للمؤرخين مطلق الحرية في اختلاق الأشياء، وهو ما أثبته الجدل المثار حول ~~«منكري الهولوكوست». ولكن، لا يتمتع الروائيون الواقعيون بدورهم عندئذ بحرية كبيرة ~~في اختلاق الحوادث، فلا بد لهم من معرفة الكثير مما يعرفه المؤرخ، وأكثر ms033 من ذلك. إن ~~نسبية ما بعد الحداثة لا تعني بالضرورة أن «كل شيء مسموح به»، أو أن الأدب والروايات ~~المبنية على أشخاص وأحداث تاريخية لا تختلف عن التاريخ. لكن ما تقصده حقا هو تنبيهنا ~~إلى أن نراعي قدرا أكبر من الوعي المتشكك ونتخذ موقفا أكثر نسبية - وأكثر يقظة - تجاه ~~الافتراضات النظرية التي تدعم الادعاءات التي يطرحها جميع المؤرخين، سواء كانوا يعتبرون ~~أنفسهم تجريبيين أم تفكيكيين أم «تاريخيين جدد ينتمون إلى ما بعد الحداثة». # ينطبق ذلك بالقدر نفسه على مؤرخي ما بعد الحداثة مثلما ينطبق على المؤرخين ~~التقليديين؛ على سبيل المثال (كما ورد في كتاب ريتشارد إيفانز «دفاع عن التاريخ»، انظر ~~مراجع الكتاب)، عندما هاجمت ديان بوركيس وصف كيث توماس للساحرات باعتبارهن في أغلب ~~الأحيان نساء متسولات لا حول لهن ولا قوة، زعمت أنه يكرر ببساطة «أسطورة تمكين»؛ حيث ~~«تستند هوية الرجال التاريخية إلى انعدام حيلة النساء وصمتهن.» رد ريتشارد إيفانز - ~~داعما توماس - عليها زاعما أن «النساء الفقيرات العجزة غير المتزوجات اتهمن غالبا ~~بممارسة السحر؛ لأنهن - على العكس تماما من التزام الصمت - كن يلعن أولئك ~~الرجال الذين رفضوا إعطاءهن الصدقات.» يبدو هنا وكأن مزاعم توماس التجريبية تصادمت ~~ببساطة مع قاعدة السرد التاريخي المحورية المنافسة التي تتبناها بوركيس، والتي تقضي ~~بوجوب استخدام السرد التاريخي من أجل دعم المفاهيم الحديثة حول تمكين المرأة. # إن تطابقا دقيقا بين السرد وبين «الماضي» أمر مستحيل؛ إذ يمكننا وصف «نفس» الحدث ~~بطرق كثيرة ومختلفة، فضلا عن أن مدخلنا إلى الأدلة دائما ما يكون عبر وسيط، ولا يوجد ~~شيء واضح ببساطة؛ فلطالما وجدت أجزاء مفقودة وفجوات وتحيزات ينبغي التعامل معها. مع ~~ذلك، ما زال بإمكان الادعاءات التوافق مع الأدلة «المفسرة»، وما زال في وسع الأدلة ~~الجديدة إسقاط تلك الادعاءات. وعلاوة على ذلك، لا تلائم جميع أشكال السرد الأدبي ~~الأحداث والحقب التاريخية بنفس الدرجة؛ فكما يوضح مانزلو، لن تحظى انتفاضة جيتو وارسو ~~التي وقعت عام 1944 بسرد ملائم - ومن ثم بتفسير جيد - إذا اعتبرت رواية غرامية أو ~~مسرحية هزلية ms034 أو تراجيدية. إن أفضل ما نستطيع تحقيقه هو النقاش حول طبيعة الأحداث ~~السابقة ومعناها، ويزعم ما بعد الحداثيين (وآخرون كثر) أنه ينبغي إبقاء هذا النقاش ~~صريحا ودقيقا قدر الإمكان؛ فالعاقبة المترتبة على عدم مراعاة الانتباه هي احتمال ظهور ~~«رواية رسمية» تتحول إلى الرواية الحقيقية والنهائية حول الماضي في أعيننا؛ ومن ثم، قد ~~تتمكن كذلك من تكوين جزء من «أيديولوجية مهيمنة» غير عادلة - نظرا لتشوهها الواضح - ~~داخل المجتمع المتلقي لها، كما حدث على ما يبدو لكل من الطرفين الأمريكي والسوفييتي ~~أثناء فترة الحرب الباردة. في هذا الإطار، لا يختلف المؤرخون التفكيكيون عن بقية ~~المؤرخين إلا في الميل إلى إبداء القلق علنا حيال صعوبات وظيفتهم، أثناء ~~الكتابة. # الهجوم على العلم # عبر أتباع ما بعد الحداثة عن أشد مواقفهم السياسية تطرفا (وأكثر الإشكاليات ~~المرتبطة بهم وضوحا) عندما هاجموا مزاعم العلم الموضوعية؛ فمن الواضح أن العلماء ~~يعتبرون أنفسهم مشاركين في وضع نظرية موحدة أو «حكاية كبرى» حول الموضوع الذي ~~يدرسونه، ويعتقدون أنهم يحاولون إكمال صورة تصف ما يحدث حقا «في الواقع» (رغم أن هذه ~~الصيغة تعتمد أيضا على نموذج مجازي مضلل على نحو واضح). فهل يمكننا التقاط «صورة» لثقب ~~أسود أو المسافة النونية الرباعية الأبعاد؟ # وهكذا أصبحت مزاعم العلم موضع شك. لكن من يقدر الآن حقا على إنكار «الادعاء ~~الكبير» للتطور، باستثناء من يرزحون تحت سيطرة ادعاء رئيسي أقل معقولية بمراحل مثل ~~نظرية الخلق؟ ومن يرغب في إنكار صحة مبادئ الفيزياء الأساسية؟ الإجابة هي «عدد من ~~أتباع ما بعد الحداثة»، بناء على أسباب سياسية من بينها أن منطق التفكير العلمي الهرمي ~~بطبيعته منطق خاضع مرفوض. فلننظر - على سبيل المثال - إلى الادعاء (العبثي) الذي طرحه ~~برونو لاتور حول كون نظرية النسبية لأينشتاين «إسهاما في علم اجتماع التفويض» بما أنها ~~تتضمن تخيل كاتب البحث العلمي - أي أينشتاين - أنه أرسل مراقبين لتسجيل قياسات موقوتة ~~للأحداث، التي تعرضها النظرية بعد ذلك باعتبارها ترتبط فيما بينها بعلاقة نسبية؛ إذ يرى ~~لاتور على ما يبدو أن في وسع المفاهيم الاجتماعية ms035 شرح القواعد العلمية الأساسية. # إن العلماء - حسبما يعتقد معظمنا - هم العالمون حقا بحقيقة الأشياء؛ فهم من ~~يكشفون طبيعة الطبيعة، ومعرفتهم بالقوانين السببية تمكننا من التوصل إلى اختراعات ~~تحدث فارقا، مثل الرقاقات الإلكترونية الفائقة الصغر، فضلا عن أن قواعدهم المعيارية ~~فيما يتعلق بالأدلة والتدقيق والإجماع العام - التي تتحكم في النهاية في النماذج أو ~~الأطر المفاهيمية التي يستعينون بها في عملهم - هي (أو ينبغي أن تكون) أفضل ما نعرفه ~~(أفضل بكثير - على سبيل المثال - من تلك المعايير السائدة بين علماء الاقتصاد). تلك ~~باختصار هي معايير الحصول على جائزة نوبل. # لكن من أتباع ما بعد الحداثة لا يعجبهم هذا المشهد؛ فقد هاجموا المزاعم الرئيسية ~~التي يطرحها العلماء عادة حول: ~~(1) # قدرتهم على تقديم وصف وتحليل موضوعي وصادق - ومن ثم صالح للتطبيق ~~الشامل - للواقع الفيزيائي المحيط بنا. ~~(2) # اعتبارهم أن التحقيق العلمي الذي يقومون به مسعى نزيه لاكتشاف حقائق ~~حول عالم الواقع، يمكن تطبيقها تطبيقا عالميا؛ أي إنها صحيحة في كل ~~مكان، ومستقلة تماما عن أي قيود ثقافية محلية، ومستقلة على وجه التحديد عن ~~أي من الدوافع الأيديولوجية أو الأخلاقية الخفية نوعا ما، التي ربما ~~أوحت إليهم باكتشافاتهم. # يرى أتباع ما بعد الحداثة - النسبيين إلى حد كبير - أن العلماء لا يسعهم التمتع ~~بتلك الامتيازات؛ فهم لا يروجون إلا ل «قصة واحدة بين قصص كثيرة»، فضلا عن أن حججهم ~~لا يمكن الاستدلال عليها؛ فهم لا «يكتشفون» طبيعة الواقع بقدر ما «يصوغونها»؛ ومن ثم ~~فإن عملهم معرض لشتى أنواع التحيزات والمجازات الخفية التي شهدنا كيف كشف عنها ~~التحليل ما بعد الحداثي في الفلسفة واللغة العادية المألوفة. كذلك ينبغي ألا تكتفي ~~الأسئلة الرئيسية المطروحة حول العلم بالتركيز على مزاعمه المبالغ فيها (والمتمركزة ~~حول اللغة) بامتلاك الحقيقة، بل ينبغي أن تركز أيضا على الأسئلة السياسية التي تثيرها ~~مكانته وتطبيقه المؤسسي، اللذان تشكلهما المخططات الأيديولوجية لدى النخب المهيمنة. ~~تعكس هذه الرؤية صورة متطرفة من النسبية التي واجهناها من قبل؛ إذ إن الهجوم على العلم ~~لا ينصب فقط على التفسيرات الفلسفية للعالم ms036 - التي طالما ظلت محل نزاع - بل يشمل ~~كذلك التحليلات المثبتة تجريبيا حول طبيعة العالم (سواء في مجال الطب وتطوير ~~الكمبيوتر أو في علم الطيران وصناعة القنابل) التي نجحت في إثبات «صحتها» على ما ~~يبدو. # سنحتاج عند دراسة هذا الهجوم ما بعد الحداثي إلى مراعاة الفصل قدر الإمكان بين القضية ~~المعرفية والقضية الأيديولوجية لدواعي الوضوح. وبالطبع، فإن النقطة التي يرغب من أتباع ~~ما بعد الحداثة التفكيكيون وأتباعهم في إثباتها هي أن هاتين القضيتين - من منظورهم - لا ~~يمكن الفصل بينهما على الإطلاق. لكني أرفض ببساطة افتراض كونهم على حق؛ فمن الواضح ~~تماما وقطعا أن «دوافع» الاكتشاف العلمي وعواقبه عرضة للنقد السياسي والأخلاقي، وهو ~~أمر ليس بجديد، فالكثير ممن عملوا في مشروع صنع القنبلة الذرية - لا سيما روبرت ~~أوبنهايمر - كانوا يدركون ذلك تمام الإدراك. أما ميكانيكا الكم والهندسة الوراثية ~~ومعلوماتنا العلمية حول المناخ العالمي، فتربطها بالتأكيد علاقات مختلفة إلى حد مثير ~~للاهتمام مع تمويل الأهداف العسكرية والسياسية الغربية ومساعي تحقيقها. لكننا نستطيع ~~قبول تلك الأحكام السياقية دون أن نزعم بناء عليها فشل أنشطة العلماء الرئيسية، بطريقة ~~أو أخرى، في الوصول إلى أكثر طريقة مضمونة في وسعنا استخدامها لتحليل الطبيعة. يوجد ~~قطعا شيء عجيب للغاية في الاعتقاد بأن أنشطة العلماء أثناء البحث - على سبيل المثال - ~~عن قوانين سببية أو نظرية موحدة، أو عند التساؤل عما إذا كانت الذرات تذعن حقا ~~لقوانين ميكانيكا الكم؛ هي بطريقة ما أنشطة «برجوازية بطبيعتها»، أو «ذات توجه ~~أوروبي»، أو «ذكورية»، أو حتى «مشبعة بالروح العسكرية». # يرجع هذا - على الأقل جزئيا - إلى أن حقائق العلم تبدو في واقع الأمر حقائق قاطعة ~~لدى الاشتراكيين، والأفريقيين، والنسويين، والعلماء دعاة السلام على حد سواء (رغم ~~أن بعض الأفراد في تلك الفئات ينكرون ذلك)، على عكس حقائق السياسة أو الدين؛ إذ لا يقبل ~~العلماء التجريبيون سوى الحقائق التي تتسم بإمكانية التطبيق الشامل، مثل أن الأسبرين ~~يجدي في جميع الحالات، فتلك إحدى الحقائق التي لا يقبلون النظر إليها من منظور نسبي ~~(سياسيا أو ثقافيا). وعلى ms037 الرغم من أن في وسع أي عالم ذكر حالات أدى فيها الضغط ~~السياسي إلى أبحاث علمية عديمة الفائدة (مثلما حدث عندما فرض الاتحاد السوفييتي وجهة ~~نظره الرسمية في علم وراثة النباتات، والتي عرفت باسم الليسينكووية)، وأخرى مفيدة (كما ~~حدث في أثناء دراسة مرض الإيدز)؛ فإن نتائج تلك الأبحاث ستظل على المدى الطويل محصورة ~~ضمن جماعة العلماء فحسب إذا التزموا بالاختبارات المعتادة، المنفصلة عن أي سياق ~~سياسي. # يقوض أستاذا الفيزياء، آلان سوكال وجان بريكمو، مزاعم نقاد علم ما بعد الحداثة؛ ~~حيث يشيرون إلى أنهم غالبا ما يبدون فشلا ذريعا في فهم مزاعم العلم التجريبية وطرق ~~تطبيق المصطلحات النظرية الرئيسية، وكثيرا ما يستبدلونها - عندما يطبقون أنماط الفكر ~~العلمية على العالم السياسي - بعدد كبير من المجازات المضللة والغامضة والمتحيزة. يترتب ~~على ذلك - حسب كلمات سوكال وبريكمو - «غموض وحيرة، ولغة مبهمة عن قصد، وتفكير مشوش، ~~وإساءة استخدام للمفاهيم العلمية.» على سبيل المثال، يزعم جان بودريار أن في حرب الخليج ~~«أصبح فضاء الحدث فضاء فوقيا ذا انكسارات ضوئية متعددة، وأصبح «مجال الحرب دون شك ~~نطاقا لا إقليديا».» يعلق سوكال وبريكمو على هذا زاعمين أن مفهوم «الفضاء الفوقي» ~~المطروح هنا «لا يوجد ببساطة في الفيزياء أو الرياضيات»، وأنه لا جدوى من التساؤل عن ~~ماهية مجال الحرب الإقليدي، فضلا عن وضع نظرية تفسر نوع الفضاء الذي «اختلقه» ~~بودريار توا عن طريق فهمه الخاطئ للمصطلحات العلمية وسوء استخدامه لها. # إذن أحد ردود العلماء على أتباع ما بعد الحداثة تسلم بأنهم قد يبدون اهتماما ذا ~~قيمة حقيقية في مجالات علم الاجتماع وتسييس العلم، لكنهم ببساطة لا يفهمون آليات عملها ~~الفعلية وطبيعة الحقائق التي تحاول تلك المجالات إثباتها فهما جيدا. يتشابه هذا الرد ~~اللاذع مع مأخذ الفلاسفة المنتمين للاتجاه الأنجلو أمريكي على بعد الحداثيين، الذي ~~يزعم عدم فهمهم كذلك لآليات عمل الفلسفة المتمركزة حول اللغة وإنجازاتها، وأن هذا قد ~~يرجع إلى أن معظم منظري ما بعد الحداثة المرموقين لا يهتمون كثيرا على ما يبدو ~~بإجراء حوار بناء مع أحد باستثناء ms038 بعضهم البعض؛ إذ إن تلهفهم على اتخاذ المواقف ~~التي تبدو «مقبولة اجتماعيا وثقافيا» قد أدى بهم غالبا إلى التعبير عن أوصاف غاية ~~في الغرابة وقائمة على معلومات خاطئة - إن لم تكن متحيزة اجتماعيا وثقافيا - لما ~~يقوم به العلماء. تتمحور كتب سوكال وغيره حول هذه الفكرة الرئيسية (لا سيما بعدما ~~اكتشف سوكال عام 1994 تقريرا ملفقا حول نشاطه العلمي - يعج بالأخطاء العلمية الفادحة ~~والاستنتاجات المتناقضة - منشورا في مجلة ما بعد حداثية تدعى «سوشال تيكست»). # إن الكثير من هجمات أتباع ما بعد الحداثة على العلم - التي تحاول إظهار السمات ~~السياسية المتأصلة في النشاط العلمي الغربي التجريبي - ليست مبنية على معلومات خاطئة ~~فحسب، بل تتسم بنوع غريب من إساءة الفهم؛ إذ تكتفي عادة بفرض مجازات أو مقارنات على ~~الاكتشافات العلمية حتى تبدو كأنها - تحت تأثير التحليل التفكيكي الموضح أعلاه - ~~تتضمن تصريحا أو موقفا سياسيا ما غير ذي صلة تماما وفعليا بالحقائق التي تحاول ~~تلك الاكتشافات إثباتها. # نذكر هنا - على سبيل المثال - مقال عالمة الأجناس البشرية إيميلي مارتن «البويضة ~~والحيوان المنوي» الذي كثيرا ما يشار إليه، والذي يزعم أن «صورة البويضة والحيوان ~~المنوي المستخدمة في التقارير الشائعة والعلمية على حد سواء عن علم الأحياء التناسلي؛ ~~تعتمد على قوالب نمطية تلعب دورا حيويا في تعريفاتنا الثقافية للذكر والأنثى.» «لا ~~تشير تلك القوالب النمطية إلى أن العمليات البيولوجية لدى النساء تقل في قيمتها عن ~~مثيلتها لدى الرجال فحسب، بل تشير كذلك إلى كون النساء أدنى قيمة من الرجال.» يؤكد ~~ذلك النوع من الأدبيات على مفهوم البويضة الأنثوية «السلبية» و«البريئة والخجولة» في ~~مقابل الحيوان المنوي الذكوري «المسيطر» و«النشط»، وبالتأكيد تستخدم بعض تقارير ~~المقررات الدراسية هذا التشبيه المتحيز بالفعل. لا تنتهي القضية عند هذا الحد، بل ~~يتصور النقاد ما بعد الحداثيين أن هؤلاء العلماء الذكوريين - نتيجة لافتراضاتهم الذاتية ~~التي أفسدتها التأثيرات السياسية - قد أخطئوا فهم القواعد العلمية التي تحدد العلاقة ~~بين البويضة والحيوان المنوي؛ حيث يسود الآن الاعتقاد بأن البويضة (الأنثوية) هي التي ~~تنشط و«تقبض على الحيوان المنوي ms039 (الذكوري)» (الذي سبح مسافة طويلة قبل حدوث ذلك). لكن، ~~ترى هل تسببت الافتراضات الأيديولوجية الذكورية حول تفوق الذكر وعدوانيته في تعطيل هذه ~~الرؤية الجديدة أو الحيلولة دون ظهورها بالفعل؟ هل يعقل - عند وصف النشاط العلمي - أن ~~نزعم أن مثل تلك الافتراضات قد تؤدي إلى مثل هذا النوع من التعطيل؟ (لا يعني ذلك إنكار ~~أن الانشغال بالذكر قد أسفر بالتأكيد عن تعطيل دراسة علم وظائف الأعضاء الأنثوي ~~دراسة دقيقة.) # يعكس هذا المثال قضيتين؛ تتمحور القضية الأولى حول الارتباطات المجازية بين الأوصاف ~~المتنوعة للبويضة والحيوان المنوي وبين قوالب النوع الاجتماعي النمطية. على سبيل ~~المثال، يبني سكوت جيلبرت على هذه الارتباطات ليكتب (بأسلوب مبتذل) عن «التخصيب كنوع من ~~الاغتصاب الجماعي العسكري؛ فالبويضة هي العاهرة التي تجذب الجنود مثل المغناطيس»، وهلم ~~جرا. لكن هذا الارتباط في جميع الأحوال ليس سوى مبالغة فجة؛ فمثل تلك التعبيرات لا ~~تظهر في الواقع في الدراسات العلمية الجادة حول هذا الموضوع. فضلا عن أن هذا التفسير ~~المجازي بالكامل - الذي يتوافق تماما رغم ~~ذلك مع اهتمامات أتباع ما بعد الحداثة - يبدو في رأيي تافها وسخيفا نسبيا، وبلا ~~أفق؛ لأن أي شخص يرغب في تعميم أي من الرؤيتين حول العلاقات بين الحيوان المنوي ~~والبويضة، كي يبرر أو يفسر طبيعة أي تفاعلات أوسع نطاقا بين الذكر والأنثى، سيطرح ~~بالتأكيد قاعدة تبسيطية مضحكة مثل: «لطالما كان الوضع هكذا منذ مرحلة البويضة والحيوان ~~المنوي!» إن مثل هذا الزعم يغفل إلى حد كبير القضية المتعلقة بإمكانية تعديل ~~العلاقات الأنثوية الذكورية، فضلا عن طرحه استنتاجا ضمنيا آخر أكثر ضررا بمراحل ~~حول العلم يدعي أنه أخفق في مراعاة الموضوعية في هذه الحالة، وأن الاكتشاف «الجديد» ~~صحح التحيز الذكوري في الأبحاث العلمية. لكن من الكذب البين الزعم بأن العلماء ~~الذكور ظلوا يتجاهلون دور البويضة الأنثوية الفعال إلى أن استحثهم النسويون على ~~الاعتراف به، كما يوضح بول جروس. فقد أشار عالم الأحياء جست عام 1919 (الذي استشهد ~~كذلك ببحث علمي صادر عام 1878) أن البويضة «تقبض على» الحيوان المنوي أو ms040 «تبتلعه»، ~~ويضيف جروس أن وجهة النظر تلك كانت شائعة في المقررات الدراسية منذ عشرينيات القرن ~~العشرين فصاعدا. # تخضع مجادلات ما بعد الحداثة المتطرفة تلك لهجوم شديد حاليا، لكنها غيرت إلى حد ~~كبير الطريقة التي ينظر بها إلى المجالات العلمية في الثقافة الأوروبية والأمريكية، ~~لتصبح أكثر تشككا وتسييسا. # غني عن القول بالطبع أن التاريخ وكتابة الروايات وصناعة الأفلام والعلم وإعداد ~~التقارير الإخبارية «الواقعية»، استمرت على نفس النهج في عصر نظرية ما بعد الحداثة؛ إذ ~~تمتعت بمستوى عال من القبول العام؛ ومن ثم لا بد أن الكثير ممن جذبتهم النظرية ~~والفن ما بعد الحداثي قد وجدوا أنفسهم عالقين بين عالمين معرفيين متناقضين. # إن هذه المعركة بين أتباع ما بعد الحداثة وغيرهم في مجالات الفلسفة والنظرية وبين ~~التاريخ والعلم، تتمحور في الأساس حول مزاعم التوحيد في مواجهة الأقوال المتناقضة، ~~والتضاد بين البناء التعاوني والتفكيك الفردي. إلا أن كلا من الجانبين يحتاج الآخر؛ ~~إذ عارض بعد الحداثيين بناء على أسس تحررية جميع التفسيرات الشمولية (حتى وإن أعادوا ~~الاعتراف بها على نحو مستتر عن طريق الترويج لنقاشات تتعاطف مع تلك التي طرحها فرويد ~~وماركس)، وكان لنقدهم السلبي المعارض ما بعد الحداثي - كما سنرى لاحقا - تأثير تحرري ~~هائل في كثير من جوانبه، لا سيما على النساء والأقليات الثقافية والكثير من الاتجاهات ~~الفنية الطليعية. الأقرب إلى الواقع أن أفكار فنان ما قد ينظر إليها بوصفها ضربا من ~~«العبث»، لكن الأمر لا ينطبق على أفكار المؤرخين والعلماء، وبالتأكيد المحامين، الذين ~~لا يسعهم مطلقا تطبيق شكوكية ما بعد الحداثة على قانون الإثبات، أو على فكرة أن ~~المحاكم أنشئت بطريقة أو بأخرى كي تحدد حقيقة أو أرجحية روايتين مختلفتين لما حدث ~~بالفعل. # طبقت أساليب ما بعد الحداثة النقدية تطبيقا أكثر نجاحا بمراحل على المشكلات ~~الاجتماعية والأخلاقية؛ إذ أدت - على سبيل المثال - إلى «هدم» «الادعاء الكبير» لسلطة ~~الرجال ومقاومة النساء لهيمنتها. وسأنتقل الآن إلى تلك القضايا السياسية ~~والأخلاقية. # الفصل الثالث # | السياسة والهوية # بالفعل، كان في وسعي أن أصبح قاضيا، لكني لم ms041 أتعلم اللغة اللاتينية قط، لم ~~أتعلمها قط بالقدر اللازم لممارسة القضاء، ببساطة لم أتعلمها بالقدر الكافي لاجتياز ~~اختبار القضاة القاسي؛ إذ تعرف تلك الاختبارات بقسوتها. كان الناس يخرجون مترنحين من ~~لجنة الاختبار قائلين: «يا إلهي، يا له من اختبار قاس!» وهكذا أصبحت عامل منجم. # بيتر كوك، مسرحية «ما وراء الحافة» (1961) # تهتم أهم نقاشات ما بعد الحداثة الأخلاقية بالعلاقة بين الخطاب والسلطة. يعني مصطلح ~~«خطاب» هنا مجموعة من العبارات المتداخلة الداعم بعضها بعضا، التي تطورت على مر التاريخ، ~~وتستخدم لتعريف موضوع ما ووصفه؛ أي ببساطة شديدة، الخطاب هو اللغة المستخدمة في المجالات ~~الفكرية الرئيسية، والتي تتجسد - على سبيل المثال - في «الممارسات الخطابية» في القانون ~~والطب والتقييم الجمالي وغيرها. إن تلك الخطابات - حسبما يستخدمها المحامون والأطباء وغيرهم ~~- لا تقبل ضمنيا بوجود نظرية مهيمنة كي ترشدها فحسب (وهي التي قد تتخذ - على سبيل المثال ~~- شكل نموذج تحليلي كالذي يستخدمه أولئك المشتغلون بالعلوم التقليدية)، بل تتضمن كذلك ~~أنشطة تثير جدلا سياسيا، لا لكونها تعرف الناس وتصفهم وصفا قاطعا - كأن تحدد من ~~«المهاجر» أو من «طالب اللجوء السياسي» أو «المجرم» أو «المجنون» أو «الإرهابي» - لكن لأن ~~تلك الخطابات تعبر في الوقت ذاته عن «سلطة» مستخدميها السياسية. # السجين ~~: # لست مذنبا يا سيدي، والرب يحكم علي. # القاضي ~~: # إنه لا يحكم عليك، أنا من يحكم عليك. إنك مذنب. السجن ستة أشهر. # قوة الكلمات # حسب رؤية ما بعد الحداثة، تفرض جميع الاستخدامات المنهجية والمنطقية للغة شكلا ~~معينا من أشكال السلطة؛ فعلى سبيل المثال، قد تصدق ما يقوله لك جراح شاب، ~~وبناء على ذلك تسمح له بتخديرك وشق جسدك ومساعدتك على الشفاء. تعبر لعبة الخطاب ~~اللغوية عن سلطة أولئك المخولين باستخدامه داخل جماعة اجتماعية ما وتقرها، كالحال ~~داخل المستشفيات والمحاكم ولجان الممتحنين وأساتذة الجامعة مثلي الذين يكتبون كتابا ~~كهذا. وقد تستخدم كذلك لإخضاع أو استبعاد أو تهميش من هم خارج تلك الجماعات، مثل ~~الساحرات والمنومين المغناطيسيين والمعالجين الروحيين ومثليي الجنس والمتعاطفين مع ~~الشيوعيين والمعارضين الفوضويين. وفيما يلي نستعرض أحد الارتباطات ms042 المتعددة بالأفكار ~~الفلسفية الرئيسية المعروضة فيما سبق. # قدم ميشيل فوكو أعظم التحليلات تأثيرا لهذه العلاقة بين الخطاب والسلطة عبر ~~دراساته لتاريخ الممارسات في القانون وعلم العقوبات والطب؛ فمن الواضح إلى حد كبير أن ~~تلك الخطابات السلطوية مصممة لاستبعاد الناس والتحكم بهم، مثل أولئك المشخصين ~~بالمرض أو الجنون الإجرامي. وينظر فوكو إلى قرارات الاستبعاد تلك من منظور ماركسي ~~تقليدي فيقول: # إن الشكل القضائي العام الذي يمنح لنظام ما حقوقا متساوية من حيث المبدأ ~~لم يلق دعما من تلك الآليات الطبيعية اليومية المقبولة، ومن تلك الأنظمة ~~السلطوية المصغرة غير المتناسقة وغير العادلة بطبيعتها، التي نطلق عليها ~~«أنظمة الانضباط»؛ مثل الاختبارات، والمستشفيات، والسجون، والقوانين التنظيمية ~~في ورش العمل، والمدارس، والجيش. # ميشيل فوكو، «الانضباط ~~والعقاب: ميلاد السجن» (1977) # يضع فوكو نفسه في موقع الضحية، محللا السلطة من ~~أسفل لأعلى، ولا يقتصر تحليله على اعتبارها فرضا لمصالح الطبقة الأعلى؛ إذ يحاول إثبات ~~أن إرادة ممارسة السلطة تهزم المساواتية الإنسانية في جميع الحالات. ويشير ضمنيا إلى ~~أنه حتى الاعتماد التنويري على المبادئ العامة والمنطق هو اعتماد استبدادي دوما منذ ~~البداية؛ لأن الاحتكام إلى «منطق» سليم دوما هو في حد ذاته نظاما سلطويا، وسيتسبب ~~دوما في استبعاد ما يراه هامشيا، وذلك ببساطة من خلال اعتباره أمرا لا عقلانيا. ~~يرى فوكو أن تلك الأمور اللاعقلانية المزعومة تتضمن ما يتعلق بالرغبات، والمشاعر، ~~والغريزة الجنسية، والفن. # يعادي فوكو التقدمية بشدة، فهو مؤرخ معاد للرؤية التقدمية للتاريخ إذ يؤرخ نشأة ~~القمع. وفي هذا الإطار، يبحث فوكو عما يطلق عليه «الهيكل المعرفي»؛ أي الافتراضات ~~اللاشعورية غالبا المرتبطة بالنظام الفكري الذي يشكل أساس الأوضاع التاريخية لدى ~~مجتمعات بعينها. يعرف ذلك باسم الأوضاع «التاريخية البديهية» في حقبة ما، التي «تحدد ~~نطاق التجربة الكلي في أي مجال معرفي»، وتعرف نمط كينونة الموضوعات في هذا المجال، ~~و«تمنح تصورات الفرد وملاحظاته اليومية سلطات نظرية». كما أنها تحدد الأوضاع التي قد ~~يصبح الخطاب في ظلها «حقيقيا»؛ ومن ثم تظهر الحاجة إلى التنقيب في التاريخ بحثا عن ~~هذه الأوضاع، ومن ms043 هنا ينبع ما يطلق عليه فوكو «أركيولوجيا» المعرفة (أو التنقيب في ~~الهيكل المعرفي). تكمن تلك الأوضاع دون مستوى الإدراك، ولا تبدو جلية دوما؛ ومن ثم ~~يصبح الهيكل المعرفي نوعا من اللاوعي المعرفي الذي يميز عصرا ما. # يطرح فوكو نقدا يساريا لهذه الأوضاع كافة كي ~~يوضح الأشياء والأفراد التي تستبعدها وطريقة استبعادها. تتفاعل السلطة والمعرفة على ~~مستوى جذري، كالحال - على سبيل المثال - عندما يتبنى الأفراد «العقلانيون» المدربون ~~طبيا تعريفا لأنفسهم يتناقض مع تعريف الأفراد «غير العقلانيين» لأنفسهم، فإنهم ~~يشرعون - بعدما أصدروا هذا الحكم التعريفي - في احتجازهم في مستشفيات الأمراض العقلية. ~~يستخدم كل من المتحيزين جنسيا والعنصريين والإمبرياليين أساليب متشابهة؛ إذ ~~يجعلون خطابهم «السوي» خطابا مهيمنا، وفي خضم تلك العملية، يمكنهم بالفعل ابتداع أو ~~استحداث مفهوم «المنحرف»، أو ما يطلق عليه الكثير من أتباع ما بعد الحداثة «الآخر». ~~يساعد خطابهم في الواقع على «تشكيل» الهويات التابعة لدى من يستبعدون من المشاركة ~~فيه. # يقدم فوكو مثليي الجنس والنساء والمختلين عقليا ذوي الميول الإجرامية وغير ~~المنتمين للعرق الأبيض والسجناء باعتبارهم أمثلة نموذجية على «الآخر». وبالفعل يبدو ~~هذا العداء والكراهية واضحين تماما في المدارس والجيوش وفي أسلوب الحكم الإمبريالي؛ ~~ومن ثم كان الفكر ما بعد الحداثي مصدر الإلهام في كثير من الكتابات التي صيغت حول ~~طبيعة «المواطن في العصر ما بعد الاستعماري». تتميز ما بعد الحداثة هنا بأن التحليل ~~الذي تقدمه يعتمد على أساس لغوي، كما لاحظنا من قبل عند استعراض أفكار دريدا وبارت. ~~وهكذا يتحول الناس إلى رموز، ويصبحون جزءا من لعبة اللغة، ومن هنا ينبع - على سبيل ~~المثال - مقال لورا مولفاي «المتعة البصرية والسينما الروائية» الذي كثيرا ما يستشهد ~~به ويعاد طبعه، والذي يطرح تعميما مهيبا مفرط الثقة كما يتضح أدناه: # هكذا، تلعب المرأة في الثقافة الأبوية دور الدال على الآخر الذكر، وتخضع ~~لنظام رمزي يستطيع فيه الرجل تحقيق خيالاته وإطلاق العنان لوساوسه من خلال ~~السلطة اللغوية، وذلك عن طريق فرض هذه الخيالات والوساوس على الصورة الصامتة ~~للمرأة التي ما زالت مكبلة في ms044 موضعها باعتبارها حاملة للمعنى لا صانعة ~~له. # مجلة «سكرين»، مجلد 16، العدد 3، صادرة عن ~~دار «أوتم» عام 1975 # وهكذا يتضح أننا نخلق كيانات الأفراد (مثلما ننشئ الجامعات والعملة الأوروبية ~~الموحدة «اليورو») عبر اللغة ليس إلا. لكن أتباع ما بعد الحداثة يتخذون ذلك أساسا ~~لطرح نقطة أشمل وأهم؛ وهي أن «الخطاب» - من هذا المنظور - يشبه لغة تتبع قواعد دريدا، ~~فهو ليس ملكا للأفراد المسيطرين، بل يتجاوزهم، ولا يقتصر فحسب على السياقات الرسمية ~~الجلية، كالحال داخل المحاكم، بل ينتشر في جميع أرجاء المجتمع من أعلاه إلى أسفله، من ~~الأحكام القضائية إلى المجلات العلمية والإعلانات التليفزيونية وأغاني البوب، والصحف ~~اليومية الجادة. وكلما زادت هيمنة خطاب ما داخل إحدى الجماعات أو أحد المجتمعات، فإنه ~~يبدو «طبيعيا» أكثر ويزيد ميله إلى الاحتكام إلى نظم الطبيعة لتبرير ذاته. قد تبدو ~~«الطبيعة» ككل مرآة للقدرات التنظيمية للإله أو للنظام الخفي الذي اكتشفه العلماء، ~~أو قد تتضمن «سلالات منبوذة» أو نساء أو مجانين ممن نعتبرهم حسب فطرتهم - أي بحكم ~~طبيعتهم - أكثر حيوانية وأقل عقلانية مقارنة بنا، ~~إلى آخر ذلك. نحن نستوعب تلك النماذج الدونية التي غالبا - كما أشار دريدا وفوكو - ما ~~تشكل جزءا لا يتجزأ من لغتنا، دون أن ندرك دوما أن تلك هي حقيقتها؛ ومن ثم نتقبلها ~~دون وعي، وكأنها حقائق تصف الطبيعة لا سمات ذات دوافع نفسية وسياسية تميز حديثنا ~~عنها. # على سبيل المثال، ينبع مفهوم المصحة ~~العقلية - حسب وصف فوكو - من أنواع الخطاب التي يستخدمها الأطباء، ويعكس الهياكل ~~السلطوية داخل المجتمع البرجوازي المحيط به. وهو عبارة عن عالم مصغر يعكس العلاقات ~~بين العائلة، والانتهاك، والجنون. على الجانب الآخر (أو بالأحرى على جانب اليسار)، ~~يفضل فوكو «الحماقة» ويعادي المنطق البرجوازي. وعلى الرغم من أن تاريخ المصحات ~~العقلية الذي قدمه لا يعتمد البتة على أسس تجريبية راسخة حسب المفترض، فإن وجهة ~~النظر السياسية التي رغب في طرحها حول السلطة والقوة كانت واضحة. وكما هو الحال مع ~~الكثير من كتاب الستينيات (مثل المحلل النفسي آر دي لانج في كتابه ms045 «النفس ~~المنقسمة»، أو كين كيسي في روايته «أحدهم طار فوق عش الوقواق») يصور فوكو المجانين ~~في دور ضحايا المجتمع، ويؤكد على فشل هذا المجتمع في إدراك أنهم بدورهم أفراد تعساء ~~إلى أقصى حد. ويطرح تحليلا مماثلا (وتعميما مفرطا كذلك) حول السجون، التي تعكس ~~حسب المفترض الطبيعة «التقييدية» للمجتمع المحيط بها. يعاني المجتمع - في نسخة فوكو ~~الكافكاوية المنقحة من رواية أورويل «1984» - من «المراقبة الكلية الشاملة»؛ فنحن ~~جميعا خاضعون سرا للمراقبة والتحكم. لكن هذه النظرية تدعي أن الأشكال المعتادة من ~~السيطرة الاجتماعية - مثل الالتزام بروتين ما والخضوع للإشراف - لا تختلف عن تلك ~~المستخدمة في السجون، رغم ما بين «المجتمع» و«السجن» من اختلاف. # لقد عرضت فيما سبق بعض الأمثلة الواضحة على إساءة استخدام السلطة. تسيء تلك الأمثلة ~~إلى بديهياتنا التنويرية حول العدالة الشاملة وحق الفرد في الاستقلال الذاتي، لكن من ~~بين عيوب فوكو الكثيرة إخفاقه في تقديم أي تحليل للسلطة من منظور «أخلاقي» عموما؛ فهو ~~يرغب في «المقاومة» عوضا عن الاستسلام، لكنه لا يذكر بوضوح دافعه لذلك. فمن وجهة نظره، ~~تبدو «السلطة» نوعا من القوة الكهربائية، تلازم جميع الأنشطة البشرية على نحو حتمي، ~~مثل الجاذبية. وعلى الرغم من أن فكر فوكو يفترض مقدما تحليلا يساريا - ~~وماركسيا دون شك - فإنه يتجنب التعليقات السياسية الصريحة والنظريات الأخلاقية؛ ومن ~~ثم يكتفي في النهاية - رغم كونه «مقاوما» من الطراز الأول - بالتوصية ببعض الإصلاحات ~~المحلية الضيقة النطاق، مثلما فعل ليوتار إلى حد ما. يعلق تيري إيجلتون على ذلك ~~قائلا: # يعترض فوكو على أنظمة معينة من السلطة لا لأسباب أخلاقية ... بل لأنها ببساطة ~~أنظمة - وفقا لوجهة نظر تحررية غامضة - قمعية في حد ذاتها. # تيري إيجلتون، «أوهام ما بعد ~~الحداثة» (1996) # على القدر نفسه من الأهمية، لم يتطرق ~~فوكو - عند دراسته لوظائف الخطاب - إلى كيفية عمله فعليا بين الأفراد؛ ومن ثم قلل ~~من أهمية الاستقلال الفردي والمسئولية الفردية. فبينما نعلم جميعا أن علينا التشكك في ~~كلمات أنجلو بطل مسرحية شكسبير «الصاع بالصاع» عندما يقول لإيزابيلا: «لست أنا من ~~يدين أخاك بل ms046 القانون»، يرى أتباع فوكو أن الفرد ليس المسئول الأكبر عن ارتكاب ~~الفظائع، بل تقع المسئولية على عاتق خطاب السلطة المتدفق على لسانه. ومن ثم، يطرح ~~فوكو نسخة معقدة قائمة على اللغة من العداء الماركسي للطبقات؛ إذ يعتمد على معتقدات ~~تؤمن بالشر الفطري الكامن في وضع الفرد الطبقي أو المهني - الذي ينظر إليه على أنه ~~«خطاب» - بصرف النظر عن الجانب الأخلاقي لسلوكه الفردي. # لاحظ قراء هذا الكتاب بالتأكيد إحجام السياسيين عن تقبل المسئولية الفردية ~~لأفعالهم - أو حتى لأفعال مرءوسيهم - كما كانوا يفعلون في السابق، بالإضافة إلى ميلهم ~~للتعبير عن آراء شديدة التحيز بزعم أنها آراء تعتنقها «أعداد كبيرة من الناس» - قد ~~يكونون مهاجرين جددا أو طالبين للجوء السياسي، أو جيرانا لمجموعة عرقية مختلفة - ~~ويزعمون أثناء ذلك أنهم فقط يصيغون تلك الآراء في إطار يمنحها أهمية سياسية. وفي جميع ~~تلك الحالات يقتصر دورهم على السماح للخطاب بالتدفق عبر ألسنتهم. وعندما تثار الشكوك ~~حول سلوكهم، فلا يردون ببساطة بعبارات مثل «لم أفعل ذلك» أو «فعلته»، بل يدعون ~~البراءة أو يلتمسون العذر لأنفسهم عن طريق خطاب التقرير الصادر بشأن أفعالهم. في ذلك ~~الإطار، يعبر أولئك السياسيون بالفعل عن نظام فوكو المعرفي السائد في عصرهم؛ ومن ثم عن ~~عيوب تبني رؤية مسيسة بطبيعتها للمسئولية الفردية بدلا من رؤية أخلاقية. # الذات والهوية # أسفر تحليل العلاقة بين الخطاب والسلطة عن نتيجة أخرى لأتباع ما بعد الحداثة؛ إذ أدى ~~إلى تكون رؤية مميزة عن «طبيعة الذات» تحدت مفاهيم العقلانية الفردية والتأكيد ~~على الاستقلال الفردي الذاتي التي يعتنقها معظم الليبراليين. إن المصطلح الذي يفضل ~~أتباع ما بعد الحداثة تطبيقه على الأفراد ليس مصطلح «الذات» تحديدا، بل في الواقع ~~مصطلح «التابع»؛ لأنه يلفت الانتباه ضمنيا إلى حالة «التبعية» لدى الأفراد ~~الخاضعين - سواء أدركوا ذلك أم لا - لل ~~«تحكم» (حسب الرؤية اليسارية)، أو «التشكيل» (حسب الرؤية المحايدة)، عن طريق خطابات ~~سلطوية ذات دوافع أيديولوجية، تسيطر على المجتمع الذي يستقرون فيه. # إن الإنجاز الاستثنائي لفوكو وأصحاب الفكر المشابه - بالنظر إلى تحليلهم لآليات ms047 ~~السلطة - كان تقديم أحد أقوى مزاعم ما بعد الحداثة تأثيرا؛ ألا وهو الزعم بأن تلك ~~الخطابات تستلزم وتفرض وتقتضي (تشكل الاحتمالات المتعددة هنا أهمية هذا الزعم) نوعا ~~محددا من «الهوية» لدى جميع الأفراد الخاضعين لتأثيره. حسب المصطلح ما بعد الحداثي، ~~فإن أولئك «يشكلون التابعين». من المعروف بالطبع أن المؤسسات والخطابات التي تستخدمها ~~تتطلب من المرء أن يكتسب شخصية من نوع محدد كي «يتلاءم» مع الوسط المحيط؛ فأي ممن ~~درس في مدرسة، أو انضم إلى فريق رياضي أو مؤسسة عسكرية، أو أنجب طفلا في مستشفى - أو ~~قرأ علاوة على ذلك بعضا من كتب علم الاجتماع الصادرة في خمسينيات القرن العشرين على ~~غرار «إنسان التنظيم» - يعي إلى حد ما هذه النقطة. لكن رؤية ما بعد الحداثة اتسمت ~~بتعقيد استثنائي؛ فنحن لا نكتفي في تلك الحالات ب «لعب أدوار»، بل إن هويتنا في حد ~~ذاتها - أي مفهومنا عن ذواتنا - تصبح محل خلاف حال خضوعنا لتأثير خطابات السلطة. ~~بالطبع، تمتد هذه الخطابات من تلك المهتمة مباشرة بقضايا الهوية (في مجالات الدين ~~والعلاج النفسي بدءا من الفرويدية وانتهاء بعلم النفس الزائف) وصولا إلى تلك التي ~~تلعب الدور نفسه على نحو أقل وضوحا، كما في حالة امرأة تتجاوب مع بطلة فيلم من إنتاج ~~هوليوود الخاضعة للسيطرة الذكورية أو مع لوحات عارية في المتحف الخاضع للسيطرة الذكورية ~~أو مراهق جالس أمام شاشة التليفزيون. جميع الخطابات تضع المرء في حجمه الصحيح. (إنني ~~أستشهد هنا كالعادة بأمثلة عادية جذابة وبديهية على عكس الأمثلة المستترة المثقلة ~~بالتنظير داخل حشد أدبيات ما بعد الحداثة الأكاديمية.) # يمضي نقاد ما بعد الحداثة قدما طارحين مزاعم سياسية حول طبيعة «التابع». من بينها ~~أن خطابات السلطة المتنازعة، التي تنتشر عبر الأفراد وفيما بينهم، هي في الواقع ما ~~يشكل الذات. ومن ثم من المستحيل على التابع أن «ينأى بنفسه» عن الظروف الاجتماعية ~~الراهنة وأن يحكم عليها من وجهة نظر مستقلة وعقلانية، كما يزعم الفلاسفة الأخلاقيون ~~المنتمون للاتجاه الكانطي الأنجلو أمريكي أمثال جون راولز وتوماس ناجل. على ms048 سبيل ~~المثال، ينظر إلى أفكار الفرد الذكر وتعبيراته على أنها جزء من نمط خطابات أبوية ~~فاسدة - تتنازع فيما بينها على أي حال - وهو مجرد ظاهرة ثانوية لها. وهذا يستبعد نظرة ~~الذات الكانطية الموحدة لصالح التحديث ما بعد الحداثي للنموذج الفرويدي الذي يرى أن ~~الأفراد ضحايا لصراع داخلي بين الأنظمة. تصف شيلا بن حبيب - الأستاذة بقسم الإدارة ~~الحكومية في جامعة هارفارد - هذه الرؤية (مستخدمة كعادتها أسلوبا يمزج بين أسلوبي ~~دريدا وفوكو عند التحدث عن اللغة): # حلت محل الفرد منظومة من البنى، والتناقضات، والاختلافات التي - كي تصبح ~~مفهومة - لا يلزم اعتبارها نتاج ذاتية حية على الإطلاق. أنا وأنت لسنا سوى ~~«مواقع» لخطابات السلطة المتنازعة تلك، و«الذات» ليست سوى موضع آخر في ~~اللغة. # شيلا بن حبيب، «تحديد موضع الذات» ~~(1992) # تتجلى آثار هذه الرؤية لطبيعة الفرد في كثير من نصوص ما بعد الحداثة الأدبية، التي ~~تتناقض في هذا الإطار مع الاتجاه الليبرالي لكتابة الرواية الذي استمر في هذه الفترة ~~على يد كتاب مثل أنجوس ويلسون وأيريس موردوخ وجون أبدايك وفيليب روث وسول بيلو. ترى ~~الناقدة ومؤرخة ما بعد الحداثة ليندا هتشن أن روايات مثل رواية سلمان رشدي «أطفال ~~منتصف الليل» تتحدى «زعم المذهب الإنساني بوجود ذات موحدة ووعي متكامل». إن الأدب ~~ما بعد الحداثي: # يثير شكوكا حول تلك المجموعة الكاملة من المفاهيم المترابطة التي أصبحت ~~متصلة بما أطلقنا عليه بأريحية الإنسانية الليبرالية مثل: الاستقلال الذاتي، ~~والسمو، واليقين، والسيطرة، والوحدة، والشمولية، والنظام، والعولمة، والمركز، ~~والاستمرارية، والغائية، والخاتمة، والهرمية، والتجانس، والتفرد، ~~والمنشأ. # ليندا هتشن، «شعرية ما بعد ~~الحداثة»، (1988) # ومن ثم، في كثير من الأدب الأمريكي الحديث: # تحول مركز الاهتمام من الحالة النفسية للشخصية (وهي محتوى يتعذر اختزاله؛ ~~أي ظاهرة «إنسانية») إلى قصور مفهوم الشخصية، واعتبار الذاتية أثرا ناتجا عن ~~خطابات متقاطعة ومتعددة تنتمي لأيديولوجيات متناقضة غير موحدة، ووليدة نظام ~~ارتباطي يتضح في النهاية كونه نظام الخطاب في حد ذاته. # بيتر كاري، «الذوات العجيبة»، من كتاب ~~مالكوم برادبوري ودي جيه بالمر «الأدب الأمريكي ~~المعاصر» (1987) # أحد الأمثلة الكلاسيكية ms049 المهمة هي قصة العنوان في مجموعة جون بارث «تائه في بيت ~~المرح» (1968)؛ حيث يصف الراوي - الذي يدعى أمبروز - صعوبة كتابة قصة تحمل عنوان «تائه ~~في بيت المرح» تدور أحداثها حول شخصية تدعى أمبروز تضل طريقها في مدينة الملاهي. من ~~المفترض أن الراوي سيزور مدينة أوشن سيتي مع أسرته في وقت ما أثناء الحرب الأخيرة، ~~ويتضمن جزء من الرحلة زيارة الملاهي، لكنه شخصية يصورها كاتب يعي على الدوام حقيقة ~~أنه «يروي قصة»، وأنه يستخدم الأعراف الأدبية في تلك العلمية، فيقول: «حتى الآن، لا ~~يوجد حوار فعلي، ولا نجد سوى قدر ضئيل من التفاصيل الحسية، ولا شيء تقريبا يصلح كموضوع ~~رئيسي.» أما أمبروز، فهو يؤدي وظيفة في قصة كاتبه ليس إلا، وهكذا «تصبح إحدى النهايات ~~المحتملة أن يصادف أمبروز شخصا آخر تائها في الظلام.» ومن ثم، يجرد الكاتب ~~القراء على الدوام من أي وهم حول استقلالية أمبروز كي ينظروا إليه (نظرة واقعية ~~فعلية) على أنه نتاج قريحة من يكتبه، الذي يتصرف كذلك مثل كاتب نمطي يحاول على ما ~~يبدو (كما تشير تعليقاته على وظيفة حروف الطباعة المائلة أو افتقار قصته إلى لحظة ~~الذروة) تطبيق قواعد السرد الصحيحة التي تعلمها في مدرسة الكتابة. # إن ما ينطبق على شخصية في رواية ينطبق على الكتاب، فهم أيضا تشكلهم اللغة ~~التي يعبرون عنها بالحديث (على سبيل المثال، لغة مدرسة الكتابة). وينطبق الأمر ذاته على ~~القارئ - الذي ليس بحال أفضل من الكاتب - فهو أيضا «مشتت بين فجوات اللغة، واقع ~~في شرك تنقل المعنى اللانهائي، ضائع وسطه في النهاية.» وفقا لهذه الرؤية لا يصبح ~~«الإنسان»: # وحدة منسجمة أو كيانا مستقلا، بل عملية، وهو دوما قيد التكوين، ودوما ~~متناقض، ودوما عرضة للتغيير. # كاثرين بيلزي، «الممارسة النقدية»، (1980) # لقطة ثابتة من فيلم بلا عنوان (1977)، لسيندي شيرمان. # لقطة ثابتة من فيلم بلا عنوان (1978)، لسيندي شيرمان. # شكل 3-1: سيندي شيرمان كما كان هيتشكوك سيراها أو أنتونيوني. # نجد كذلك المفهوم ما بعد الحداثي عن كون الهوية الإنسانية في الأصل كيانا خاضعا ~~للتركيب في الفنون ms050 المرئية، كما في مجموعة صور سيندي شيرمان، التي حملت عنوان «لقطات ~~ثابتة من فيلم بلا عنوان» (1977-1980)، والأعمال الشبيهة اللاحقة. في كل صورة تتقمص ~~شيرمان شخصية ممثلة سينمائية، وتواري ذاتها تقريبا خلف ملابس مختلفة ومواقف مختلفة ~~مفهومة ضمنيا، تعد مواقف نموذجية أو نمطية في الأفلام. في أثناء ذلك، نراها ~~تتأقلم مع خطابات الفيلم السينمائي كي تقدم نفسها في صور فوتوغرافية ثابتة متقمصة ~~شخصيات مختلفة ومتنوعة، لكنها جميعا تصورات (في الأغلب تهكمية أو ساخرة) للأنوثة، ~~نراها في خطابات وسيلة من وسائل الإعلام الجماهيرية. بالطبع، تعرض الصور شكلا آخر من ~~أشكال التمثيل ليس إلا، لكنها لا تعتمد على فيلم محدد، بل تطرح على نحو ممنهج أسئلة ~~حول الأساليب التي تمكن شيرمان من الحفاظ على هوية ضمنية في تلك الأدوار المختلفة ~~كلها أو العكس. وفي أثناء ذلك، تطرح الصور أيضا تساؤلات حول فكرة سيندي شيرمان ~~«الحقيقية»؛ فأي من الصور قد تقنعنا بأننا نرى سيندي الحقيقية؟ صورة صريحة أم صادقة ~~أم عاطفية أم حتى عارية؟ لكن كل صورة من تلك الصور ليست سوى نتيجة عرف آخر، وخطاب ~~آخر. # يرى رولان بارت أن العمل الفني ما بعد الحداثي النموذجي يدرك تلك الاستراتيجيات ~~والقيود المراوغة على الهوية والخطاب الإنساني؛ وذلك على وجه التحديد لأن هذا التلاعب ~~والانقسام يسفر عن نتائج أخلاقية مرغوبة؛ فهو يتخلص خصوصا من ذلك المفهوم الكانطي حول ~~وحدة الفرد الذي يمهد السبيل لتشكيل النظام الاجتماعي والتزمت الأخلاقي: # إن متعة النص لا تفضل أيديولوجية بعينها على أخرى. «مع ذلك» لا ينبع ~~انعدام الارتباط هذا من ليبرالية بل من تحريف: فالنص منفصل عن قراءته. أما ~~المهزوم والمنقسم فهي الوحدة الأخلاقية التي يتطلبها المجتمع من كل نتاج ~~بشري. # رولان بارت، «متعة النص»، (1975) # يضرب بارت مثالا على مذهبه الغامض في أعمال «السيرة الذاتية» التي كتبها، لا سيما ~~في تصوره المبتكر لذاته في كتابه «خطاب العاشق» (1977)؛ حيث يبرع النص في استخدام ~~القواعد النحوية الفرنسية للحفاظ على غموض ميول البطل الجنسية (على غرار لغة شعر أودين ~~العاطفي). كذلك تبدأ ms051 السيرة الذاتية «رولان بارت بقلم رولان بارت» (1975) بالعبارة ~~القصيرة التالية: «لا بد من اعتبار هذا الكتاب كله كلاما على لسان شخصية في رواية.» ~~وهكذا يضم الكتاب راويين، نستنتج أن الأول هو بارت (أو المؤلف)، أما الثاني فهو بارت ~~بصفته شخصية روائية. كما قدم بارت مراجعة نقدية لكتابه، متقمصا في هذه الحالة شخصية ~~الناقد. # إن تلك المناهج التفكيكية للوحدة الأخلاقية لدى الفرد التابع، والرغبة (التحررية ~~الكلاسيكية) في مساعدة الذات على الهرب من بعض الحدود الأيديولوجية القمعية، التي ~~تواجهها أو إعادة رسمها؛ هما مفهومان مختلفان تماما؛ فرغبتنا في الهرب من تلك الحدود ~~(مثل تلك التي تمنح الأفراد هويتهم الجنسية)، أو إعادة رسمها، ترجع «بالفعل» إلى ~~مفهوم الاستقلال أو الوحدة أو التكامل الأخلاقي الجديد الذي نستطيع تحقيقه بمجرد أن ~~نتخلص من هذه الحدود التقييدية. يتضح هذا، على سبيل المثال، عند تشجيعنا على إدراك ~~الهويات المختلفة والكاملة في الوقت ذاته للمثليين ومحبي الجنس الآخر (أو هويات الذكر ~~والأنثى) من خلال رفض السقوط في الشرك الأيديولوجي الذي حلله دريدا، والذي كان ~~يدفعنا إلى اعتبار إحدى تلك الهويات نسخة أدنى منزلة من الأخرى. إن ما تساعدنا نظرية ~~ما بعد الحداثة على رؤيته هو أننا جميعا نخضع للتشكيل في ظل نطاق عريض من أوضاع ~~التبعية، التي نتحرك عبرها بسهولة نسبية، وهكذا نصبح جميعا مزيجا من المواقف المتعلقة ~~بالجنسانية والجنس والجيل والإقليم والعرق والطبقة. # يطرح الكثير من أتباع ما بعد الحداثة هذا التحليل المتشائم نسبيا على أمل تحررينا ~~منه. وحالما أصبحنا واعين بالآثار الرهيبة التي تفرضها الخطابات المتناقضة علينا، فمن ~~المتوقع أن نتمكن من إيجاد وسيلة ما للهرب منها. # سياسة الاختلاف # ربما لم يقدم أتباع ما بعد الحداثة وصفا مقنعا حقا لطبيعة الذات يماثل ما قد ~~نجده في فلسفة أخلاقية مهتمة بالمسئولية، لكنهم يتبنون بنجاح ساحق نقاشات تحمل طابع ~~فوكو كي يبرزوا كيف تستخدم خطابات السلطة في جميع المجتمعات بهدف «تهميش المجموعات ~~التابعة»؛ إذ لا تكتفي تلك الخطابات السلطوية بالمساهمة في تفكيك الذات وإبعادها عن ~~المركز، بل تعين ms052 كذلك على تهميش أولئك الأفراد غير المشاركين فيها. من جديد، نجد العديد ~~من تلك الشخصيات المهمشة الغريبة الأطوار في الأدب ما بعد الحداثي، مثل كولهاوس واكر ~~في رواية دوكتورو «راجتايم»، وفيفرز في رواية أنجيلا كارتر «ليالي في السيرك»، وسليم ~~سيناي في رواية رشدي «أطفال بعد منتصف الليل». لا يتمتع سليم بأي أهمية اجتماعية كبيرة، ~~رغم ذلك تعرض الرواية أزمة الهوية التي يعاني منها، «بالإضافة إلى علاقته التخاطرية ~~السحرية مع أولئك الذين ولدوا أيضا مع لحظة استقلال الهند»، عرضا مجازيا بحيث يسير ~~بالتوازي مع أزمة الأمة بأسرها. يخبرنا سليم فعليا بذلك قائلا: «لقد ارتبطت ~~بالتاريخ ارتباطا حرفيا ومجازيا فعالا وسلبيا على حد سواء.» لكن الرواية تفكك ~~تاريخ الهند السياسي كي توضح أن في مقدورنا النظر إلى ما هو هامشي على أنه مركزي، ~~وبالطبع تتشتت شخصية سيناي (مثل القارئ الذي يتابع نصه) بين مجموعة متنوعة من الادعاءات ~~المتجزأة المحيطة. لا تحاول الرواية عقلنة المنطق العاطفي الذي يحكم حياة الفرد (كما هي ~~عادة الأدب الواقعي)، لكنها تستخدم أساليبها الواقعية السحرية لعرض الذات باعتبارها ~~نتاج صراعات الحدث التاريخي وتناقضاته، حتى تصل إلى نقطة المبالغة العبثية، كالحال ~~عندما يعلق سليم قائلا: «موت نهرو ... كذلك كان خطئي!» أما وجه سليم، فهو «خريطة الهند ~~بأكملها»، لكنه يتحول مع نهاية الرواية إلى مجرد «قزم ضخم الرأس غير متوازن». (تدين ~~الرواية بالكثير إلى رواية جونتر جراس «الطبلة الصفيح».) # ساعد الفكر ما بعد الحداثي - من خلال مهاجمة فكرة المركز النظري أو الأيديولوجية ~~المهيمنة - في تدعيم سياسة الاختلاف؛ ففي ظل حالة ما بعد الحداثة، تراجعت السياسات ~~الطبقية المنظمة المفضلة لدى الاشتراكيين أمام «سياسات هوية» أكثر تعددية وأكثر ~~انتشارا بمراحل، وغالبا ما تتضمن التأكيد - النابع من وعي ذاتي - على الهوية ~~المهمشة في مواجهة الخطاب السائد. # أحد الأمثلة - التي احتلت بلا شك موضعا مركزيا في سياسات الفترة منذ أواخر ~~الستينيات من القرن العشرين - على ذلك هو العلاقة بين ما بعد الحداثة والحركة النسوية. ~~يتمحور النقاش هنا حول كون النساء مستبعدات من النظام الأبوي ms053 الرمزي أو من الخطاب ~~الذكوري السائد ، وأنهن بالتأكيد يعتبرن أدنى منزلة أو «يستبعدن كآخرين». فهن خاضعات ل ~~«هرمية زائفة» حسب مفهوم دريدا من خلال نسب قيم ضعيفة إليهن في مقابل القيم ~~القوية الممنوحة للذكور. وقد شهدنا جزءا من هذا النقاش في الجدل الدائر حول الحيوان ~~المنوي والبويضة. # من ثم، يشترك جزء كبير من الفكر النسوي مع ما بعد الحداثة في الهجوم على الخطاب ~~الأكبر المشرع الذي يستخدمه الذكور - والمعد كي يبقيهم في السلطة - بينما يسعى إلى ~~تحقيق نوع من التمكين الفردي لمواجهة هذا الخطاب. لكني أتفق مع نقاد هذا الموقف - من ~~أمثال شيلا بن حبيب - في ضرورة عدم النظر إلى المرأة التي تسعى خلف هذا التمكين الفردي ~~باعتبارها تحتل «موضعا آخر في اللغة ليس إلا»؛ إذ إن رؤية ما بعد الحداثة حول هذه ~~الذات «التي يؤسسها المجتمع» تتجاهل طريقة تكون الذات من خلال احتفاظ الفرد بادعاء ~~أصلي ومتفرد غالبا حول ذاته أو ذاتها، وهو مصدر الإبداع لديه. إن هذا الدليل على نمو ~~الفرد عبر التفاعل الاجتماعي يتجاهله منظرو الذات من أتباع منهج «التأسيس الاجتماعي». ~~بالطبع، يمكننا تمييز القواعد المتعارف عليها وصور الامتثال إلى أنواع الخطاب التي ~~أسسها المجتمع في السيرة الذاتية لأي فرد كان، لكن فيما يتعلق بسيرتنا الذاتية، نصبح ~~نحن (مثل رولان بارت) المؤلف والشخصية في آن واحد. وبهذه الطريقة - رغم كوننا نتاج ~~أنظمة خاضعة لعوامل خارجية - ما زال في وسعنا السعي خلف استقلال تحرري تقليدي. تحتاج ~~النساء إلى هذا الإحساس بالاستقلالية تحديدا، على حد قول شيلا بن حبيب، التي تستنتج أن ~~المواقف البنائية القوية المستقاة من فكر دريدا وفوكو ستؤدي في الواقع إلى «تقويض ... ~~التعبير النظري عن مطامح النساء التحررية.» فعبر تقويض إحساس النساء بقوتهن الذاتية ~~وبفرديتهن، ينكر أولئك المنظرون أي محاولة تبذلها النساء لإعادة تملك تاريخهن ~~بالإضافة إلى إمكانية طرح نقد اجتماعي جذري. وعلاوة على ذلك، يطرح نفور اتجاهات ما بعد ~~الحداثة من الالتزام بأي موقف فلسفي مثبت (وهو الذي سيخضع بعد ذلك للتفكيك على يد أحد ms054 ~~أتباع دريدا البارعين) مشكلة جدية لدى النساء؛ ومن ثم، ربما يكون من الأفضل بالفعل ~~لهن اتباع خطة عقلانية (تنويرية) تقوم على المساواة وتهدف إلى التحرر التدريجي، ~~خلافا للمسار ما بعد الحداثي الذي غالبا ما ينتهي إلى نزعة انفصالية متطرفة. فعلى ~~الرغم من أن نقاشات ما بعد الحداثة قد ساعدت الكثير على «تحديد» جذور اختلافهم عن ~~الأغلبية - أو عن «من في السلطة» - فإن التحرك السياسي الفعال يتطلب ما هو أكثر من ~~هذا التصور شبه الأولي عن هوية منشقة. # يتفق الليبراليون مع أتباع ما بعد الحداثة في إدراك الحاجة إلى القدرة على طرح ~~تساؤلات حول «حدود» أدوارنا الاجتماعية وحول شرعية وهيمنة الأطر التصورية التي تقتضيها ~~ضمنا، وقد حقق الاتجاه التفكيكي ما بعد الحداثي نجاحا استثنائيا في مقاومة ~~الأيديولوجيات التقييدية باتباع هذا النهج. غالبا ما يحاول أتباع ما بعد الحداثة زعزعة ~~الحدود التصورية لأفكارنا حول النوع الاجتماعي، والعرق، والميول الجنسية، والانتماء ~~العرقي عبر إطار تفكيكي ومتجاوز، ويطرحون مطلبا تحرريا في جوهره يدعو إلى الاعتراف ~~بالاختلاف وقبول «الآخر» داخل المجتمع. وفي ذلك العالم التعددي (متعدد الخطابات) لا ~~يتوقع أن يحظى إطار ما بالقبول؛ فأينما يسود الاعتقاد باستحالة تحقيق الهيمنة ~~المعرفية، تصبح المنافسة بين تلك الأطر التصورية قضية سياسية، وجزءا من التنافس على ~~السلطة. # إذن فإن صورة «ذات ما بعد الحداثة» تختلف للغاية عن صورة الذات التي تقع في قلب ~~الفكر الإنساني الليبرالي، والتي من المفترض كونها قادرة على التمتع بالاستقلالية ~~والعقلانية والتمركز، وعلى التحرر بطريقة أو بأخرى من أي خصائص تتعلق بالنوع ~~الاجتماعي أو العرق أو الثقافة. لقد ابتعد التحليل ما بعد الحداثي عن تلك الافتراضات ~~الكانطية المتفائلة والقابلة للتطبيق الشامل كي ينظر إلى الذات بوصفها نتاجا لأنظمة ~~اللغة، التي نتخبط جميعا - بدرجة أو بأخرى - في قبضتها، رغم أنها قد تهيمن بوضوح أشد ~~على البروليتاريا والإناث والسود والخاضعين للاستعمار. إن التحول العام من التركيز ~~الليبرالي على حرية إرادة الذات إلى التركيز - المستوحى من الفكر الماركسي - على حرية ~~إرادة الآخر؛ ينطوي على أهمية فائقة؛ فهو ms055 تحد صارخ لآراء الفلسفة الأنجلو أمريكية ما ~~بعد التنويرية الراسخة، يلفت النظر إلى اختلافات الهوية المتعذر تجاوزها بين الأفراد. ~~وقد أدى ذلك - حسب الوصف المثير للجدل باعتراف الجميع في كتاب «ثقافة التذمر» لروبرت ~~هيوز - إلى إنتاج ثقافة تشجع الكثير من الناس على اعتبار أنفسهم «ضحايا». وسنتناول هذه ~~الثقافة تناولا أكثر تفصيلا في الجزء التالي. # ونتيجة لذلك، فعلى الرغم من أننا قد نعتبر الكثير من فكر وكتابات وفنون ما بعد ~~الحداثة المرئية يطرح هجوما على التصنيفات النمطية ويدافع عن الاختلاف إلى آخره، فإنه ~~ترك كل تلك المجموعات المنفصلة تطالب بالاعتراف بها ك «مجموعات حقيقية» لكن منعزلة، إثر ~~تحررها - النظري أو عبر النظرية - من ~~التصنيفات المهيمنة لدى الأغلبية. وقد جمع المستفيدون من هذا التحليل بين النزعة ~~الانفصالية (إذ انعزلوا عن المعتقد التقليدي وأبدوا استياءهم منه) والنزعة المجتمعية ~~(إذ توحدوا مع الآخرين الذين تعرفوا كذلك على هويتهم المنشقة). مع ذلك، كيف تستطيع ~~تلك المجموعات المختلفة التعريف - الناتجة عن التحرر من التصنيفات - التواصل مع أي ~~مركز سياسي قائم بالفعل؟ من الصعب تحقيق ذلك بالنظر إلى العدائية الدائمة شبه الفوضوية ~~التي يبديها الكثير من أتباع ما بعد الحداثة حيال أي نظرية شاملة أو تصور متكامل ~~للمجتمع. # تنطوي النتيجة على مفارقة، فالنظرة التشككية اليسارية حيال السلطة (التي تحمل طابع ~~ليوتار) أتاحت الاعتراف بالاختلاف، في حين أن أكثر الناس دعما لترك المجموعات ذات ~~التعريفات المختلفة في حالة انعزال - لتتنافس وتتصارع فيما بينها - هم أصحاب الفكر ~~اليميني، المؤمنون بالحرية الفردية في ظل الحد الأدنى من سيطرة الدولة. وهكذا، فإن إحدى ~~المشكلات التي تورط فيها الفكر الانتقادي ما بعد الحداثي حالما فرغ من عرض رؤيته ~~النقدية تتعلق بتحديد نوع المجتمع المرغوب فيه، وذلك بمعزل عن الادعاءات الكبرى وعن ~~الارتداد إلى أفكار تنويرية كانطية أو «تبسيطية». إن معتنقي الفكر الماركسي المثالي لن ~~يهمهم كثيرا حقيقة غياب ذلك النموذج المقترح للمجتمع حاليا، لكن الأمر مهم قطعا ~~بالنسبة إلى المفكرين ذوي الأهداف الدنيوية قصيرة المدى؛ ومن ثم، نجد أن الفكر ما ~~بعد ms056 الحداثي قد حافظ على طابعه المعارض ، لكن ذلك كلفه كثيرا جدا في أغلب ~~الأحيان. فحالما ترسخت كل تلك الاختلافات والهويات المتباينة أصبحت من ثم منعزلة عن أي ~~أيديولوجية مركزية متسقة. وهكذا يبدو أن أتباع ما بعد الحداثة يدعون إلى «تعددية» لا ~~يمكن اختزالها، منعزلة عن أي أطر اعتقادية موحدة قد تؤدي إلى نشاط سياسي مشترك، وهم ~~دائمو التشكك في محاولة الآخرين فرض هيمنتهم. بذلك، تمكن أتباع ما بعد الحداثة من ~~الانقلاب على المثل التنويرية التي تشكل أساس الأنظمة القانونية لدى معظم المجتمعات ~~الديمقراطية الغربية، والتي هدفت إلى تقديم نماذج للمساوة والعدالة «قابلة للتطبيق ~~عالميا». بالتأكيد، يميل أتباع ما بعد الحداثة إلى الزعم بأن العقل التنويري - الذي ~~ادعى قدرته على بسط مثله الأخلاقية مثل الحرية والمساواة والأخوة لتشمل الجميع - هو ~~«في الحقيقة» نظام يفرض سيطرة قمعية من النوع الذي وصفه فوكو، وأن العقل في حد ذاته - ~~لا سيما حال تحالفه مع العلم والتكنولوجيا - يتسم بطابع استبدادي أولي. # يمكننا إلى حد ما فهم هذا الهجوم الذي يشنه أتباع ما بعد الحداثة على العقلانية، ~~بقدر ما عبر عن الشك الذي طرحه عالم الاجتماع ماكس فايبر حيال العقلانية النفعية في ~~المجتمعات الاستهلاكية التكنوقراطية وفي منهج «التحديث الرأسمالي». لكن شكوكية ما بعد ~~الحداثة كانت موجهة كذلك إلى وسائل التواصل العقلاني في حد ذاتها؛ إذ أشار يورجين ~~هابرماس - أحد أبلغ النقاد اليساريين - وغيره من النقاد إلى أن تبني الاتجاه ما ~~بعد الحداثي والتخلي عن نموذج العقلانية الصريحة أو التوافقية - الذي يعتبره هابرماس ~~العلاج الأمثل للاستغلال السياسي للسلطة - أمر غاية في الخطورة بالفعل؛ إذ يعتقد أن ~~علينا السعي نحو «وضع الحوار المثالي»، وهو منهج تواصل لا تشوبه بقدر الإمكان تأثيرات ~~السلطة - التي وضحها فوكو - ويتسم بالتوافق وبطابع من التضامن الاجتماعي الذي يبدي ~~أتباع ما بعد الحداثة ارتيابا كبيرا نحوه. # يرى الكثيرون الموقف ما بعد الحداثي موقفا تعجيزيا، فمعتنقوه ليسوا سوى مجموعة من ~~المؤمنين بالتعددية المعرفية لا يجمعهم موقف عام راسخ، وهكذا على الرغم من مدى ثوريتهم ~~كنقاد، ms057 فإنهم لا يطرحون وجهة نظر خارجية ثابتة؛ ومن ثم ينحصر دورهم فعليا في إطار ~~محافظ سلبي فيما يتعلق بالسياسات الجارية في الحياة الواقعية. # الفصل الرابع # | ثقافة ما بعد الحداثة # تتسم العلاقة بين المناخ الفكري الموضح في الفصول السابقة وبين الإبداع الفني بالتعقيد. ~~فكما هو متوقع، انجذب كثير ممن اعتبروا أعمالهم الفنية مبتكرة أو طليعية - لكن ليس جميعهم - ~~إلى التحدي النقدي الجديد الذي تطرحه الموضوعات الرئيسية في الفكر ما بعد الحداثي. لكن ~~علينا أن نضع نصب أعيننا أن المبدعين قد لا يحتاجون إلى فهم أكاديمي أو فلسفي عميق لتلك ~~الموضوعات. وفي وسعهم كذلك استقاء «أفكارهم الجديدة» من الحوار والكتابات الصحفية التي ~~غالبا ما تعرض تلك القضايا، والتي أحيانا ما يسيئون فهمها أو يستوعبونها على نحو ناقص أو ~~مبالغ فيه. لكن تلك هي الطريقة التي تنتشر بها الأفكار المهمة - مثل الفيروسات - في ~~المجتمع. # على العكس من ذلك، غالبا ما يرغب المفكرون والنقاد بعد الحداثيين في ضم الفنانين ~~الطليعيين باعتبارهم نماذج على أهمية أفكارهم وتأثيرها. ومن غير المستغرب أن يرى ليوتار أن ~~وظيفة الفنانين المعاصرين هي طرح تساؤلات حول دور رواية الحداثة الكبرى، التي استخدمت ~~لشرعنة أشكال معينة من الأعمال الفنية، وطلب من الفنانين أن: # يطرحوا التساؤلات حول قواعد الرسم ~~أو السرد التي تعلموها ممن سبقوهم. وسرعان ما ستبدو ~~لهم تلك القواعد وسيلة للخداع والإغواء ~~والطمأنة، وهكذا، من المستحيل أن يروها «حقيقية». # جان فرنسوا ليوتار، «شرح مبسط لما بعد ~~الحداثة: مراسلات 1982-1985»، (1992) # شكل 4-1: «منزل الأحمق» (1962)، للفنان جاسبر جونز. (اللغة، والنظرية، والموضوع، ~~والفن. هل هذه فرشاة رسم؟) # بالتأكيد، من الطبيعي أن يرى الكثير من معلقي ما بعد الحداثة (مثل أندرياس هويسن) أن ~~الوظيفة «الحقيقية» للحركة الفنية الطليعية هي النقد بالمعنى ما بعد الحداثي؛ إذ ينبغي ~~عليها أن تهاجم المؤسسات الفنية البرجوازية؛ ومن ثم تولي وجهها نحو المستقبل (ربما مستقبل ~~أفضل). بالطبع، لا ينطبق هذا المفهوم بأي حال على جميع الحركات الطليعية في عصرنا أو قبله؛ ~~إذ يطرح منهجا سياسيا لا يتضمن - على سبيل ms058 المثال - مفهوم المعماري تشارلز جنكس وزملائه ~~عما بعد الحداثة (فهم يطرحون رؤية شديدة الغرابة لها مقارنة بما يطرحه هذا الكتاب)، وهو ~~الذي يتضح في تأييدهم لارتداد محافظ لما يعترفون بكونه محاكاة ساخرة للواقعية الكلاسيكية ~~الجديدة في مجالي الرسم والعمارة. # شكل 4-2: مكنسة هوفر الرباعية الانثناء الجديدة (1981-1986) للفنان جيف كونز. ~~(أصبح الفن الراقي الذي يميز واجهات العرض المتحفي ينطبق على الأغراض ~~الاستهلاكية العادية.) # وهكذا يتردد صدى المبادئ التي ناقشناها آنفا في فن ما بعد الحداثة بطرق متنوعة للغاية ~~وغير مباشرة عادة، فهو يقاوم رواية الحداثة الكبرى، وسلطة الفن الرفيع التي تستقيها ~~الحداثة نفسها من الماضي، وينشغل بلغته الخاصة. لا يهتم فن ما بعد الحداثة في أغلب الأحيان ~~بالعلاقة بين الأنواع الفنية المصنفة سابقا كأنواع «رفيعة المستوى» أو «منخفضة المستوى» ~~- كما يتضح، على سبيل المثال، في سيمفونيتي «انخفاض» (1992) و«أبطال» (1997) للملحن فيليب ~~جلاس، المستوحاتين من ألبومات ديفيد بوي وبراين إينو الغنائية - وقد يبدو في كثير من ~~الأحيان تافها أو شعبيا أو مبتذلا إلى حد كبير؛ فالتحالف مع الثقافة الشعبية - حسب ~~رؤية ما بعد الحداثة - يتسم بطابع معارض معاد للنخبة وللتدرج الهرمي، ويبث الفوضى في السرد ~~- كما نرى على سبيل المثال في رسومات إريك فيشل وديفيد سال الرمزية - لأن من السهل للغاية ~~على السرد المتماسك أن يتحد برواية كبرى. (لذلك، فإن رسامين مثل أنسليم كيفير - ممن ~~يكرسون أنفسهم لإضفاء طابع فخم على الأعمال الفنية من خلال ربطها «ربطا عميقا» بالتاريخ ~~والأسطورة - هم أبعد ما يكونون عن اتجاه ما بعد الحداثة السائد.) يهتم جزء كبير من فن ~~ما بعد الحداثة بأشكال الهوية والسلوك التي همشت حتى الآن. وهو ما نجده في الأعمال ~~الفنية النسوية الجادة للفنانة ماري كيلي - التي وثقت علاقتها بطفلها الوليد في عمل ~~بعنوان «وثيقة ما بعد الوضع» (1973-1979)، (وتكشف كلمة «وثيقة» هنا عن طبيعة العمل الفني ~~باعتباره نصا ذا مغزى سياسي لا صورة مصممة شكليا كي تبعث متعة بصرية) - وكذلك في ~~عروض المغنية مادونا على المسرح وكتابها «الجنس» (1992)، الذي طرح علاقة ms059 مختلفة تماما ~~بمفهوم اللذة، وكان صادما للكثير من أتباع الحركة النسوية لما وصفه من الخضوع «المسرحي» ~~للمؤلفة للممارسات السادية المازوخية باعتبارها «ضحية» للرجال. # يظهر هذا الموقف النقدي غالبا - كما سنرى لاحقا - في شكل معارضات ومحاكيات ساخرة، ~~ومفارقات. ومن هنا، ينبع - على سبيل المثال - عمل جيف كونز الفني الهابط «مكنسة هوفر ~~الكهربائية الجديدة ذات الغطاء القابل للطي» (1980) الذي لا يزيد في الواقع عن آلة تنظيف ~~متوافرة في الأسواق، موضوعة فوق مصابيح فلورية في صندوق من الزجاج الصناعي. يقدم العمل ~~محاكاة ساخرة للأغراض المصنوعة آليا التي عرضها الفنان دوشامب؛ لأنه بالتأكيد يعرض غرضا ~~استهلاكيا «مرغوبا فيه» (لا مجرد مبولة أو عجلة دراجة). لكن الجاذبية الاقتصادية لهذا ~~الغرض تختلط على نحو واسع بجاذبيته الجمالية الزائفة التي تضعها في موضع السخرية، بما أنه ~~قد أصبح الآن «عملا فنيا» يعرض في متحف لا منتج معبأ في صندوق كرتوني جاهز للبيع. أما ~~عمل جيف كونز الفني «مكنسة هوفر الرباعية الانثناء الجديدة»، فيضاعف هذا التأثير أربع ~~مرات. # إن هدف الكثير من الأعمال المنتمية للفنون الطليعية لا يختلف في كثير من الأحيان عن ~~الهدف الحداثي التقليدي - ألا وهو كسر الشعور بالألفة - لكن تحت مظلة نظرية معرفية ما بعد ~~حداثية أكثر تطرفا. فالهدف - في عصر ما بعد دريدا وفوكو وبارت، ممن اكتسحت صيغ مشوشة ~~متنوعة من أفكارهم تصريحات الفنانين منذ سبعينيات القرن العشرين - هو منع المستهلك بصفته ~~تابعا من الشعور ب «الاطمئنان» في العالم؛ إذ سيؤدي ذلك إلى تكيف نفعي محافظ معه ليس ~~إلا. # إن تعطيل أي شكل من أشكال الانجذاب نحو قبول عالم ~~مألوف - بدلا من مواجهة السمات المزعجة للعالم ~~وفقا لمنظور بارت - هو إحدى القضايا المحورية في أعمال والتر أبيش، لا سيما في روايته ما ~~بعد الحداثية النموذجية «إلى أي مدى ينطبق على هذا وصف ألماني؟» (1980). في هذه الرواية، ~~يقع كل من الراوي والنص الذي يصيغه ضحية لشكوك جوهرية - تتعلق بالحبكة، والعلاقات ~~السببية، والموضوع الرئيسي، إلى آخره - وهي الشكوك التي ينقلها الكاتب بلا رحمة إلى القارئ ~~عبر ms060 أسلوب تشككي متعجب. فلننظر - على سبيل المثال - إلى الفقرة التالية من قصته «الحديقة ~~الإنجليزية» (التي تطورت منها رواية «إلى أي مدى ينطبق على هذا وصف ألماني؟»)؛ إذ تعج ~~على نحو ماكر بالشراك المعرفية التي ناقشناها من قبل: # عندما يكون المرء في ألمانيا لكنه ليس ألمانيا فإنه يواجه مشكلة تحديد أهمية كل ~~ما يقابله ومدى محاكياته للواقع إلى حد ما؛ فلا ينفك يسأل نفسه: إلى أي مدى ~~ينطبق على هذا وصف ألماني؟ وهل هذا هو لون ألمانيا الحقيقي؟ عندما ينظر المرء إلى ~~السماء، يوشك على تصديق أنها نفس السماء التي ظل الألمان يراقبونها بقلق خلال أعوام ~~1923 و1933 و1943؛ أي عندما لم يشتت انتباههم لون شيء آخر، شيء أكثر تشتيتا ~~للانتباه على الأرجح. والآن السماء زرقاء. في اللغة الألمانية، أزرق يعني ~~«بلاو» # Blau ~~. لكن للأزرق درجات متعددة ... ~~اختيارات متعددة لكل طفل ... في الفرنسية أزرق يعني «بلو» # bleu ~~، بينما نقول نحن أزرق. # والتر أبيش، «في صيغة المستقبل التام»، (1977) # إن التساؤل عن «مدى محاكاة كل شيء للواقع» لأمر غريب ومربك. هل يتوقع المرء أن تكون ~~تجربته في بلد أجنبي «عموما» أكثر شبها بالفن لا بالحياة؛ ومن ثم تبدو بعيدة عن الواقع، ~~وغير حقيقية؟ أم إننا لا نراها فنا بقدر ما نراها عبر التحيزات النمطية والسياسية ~~المشئومة؟ يطرح أبيش أسئلة ملتوية مميزة، مثل «هل هذا هو لون ألمانيا الحقيقي؟» فذلك سؤال ~~غريب؛ إذ هل يمكن وصف الألوان بكونها حقيقية؟ ففي الرسومات والصور الفوتوغرافية وكتب ~~التلوين (كل الأشياء التي تشغل بال أبيش بدرجة كبيرة) قد تشبه الألوان الواقع أو تتفق معه، ~~لكن ذلك لا يحدث إلا عندما تظهر في نسخة أو تقليد للعمل الأصلي فقط. وبالطبع، تظل المفارقة ~~الكبرى هي أن اللون هو أحد الأشياء التي تستعصي على الوصف عبر نص أدبي، فوصفنا له لن ~~يكفي. # يجعلنا أبيش ندرك عبر ذلك الأسلوب أننا نملأ الفجوات في النص بأحكامنا المسبقة (أو ~~بمشاعر الذنب)، على سبيل المثال عندما يلمح أن الألمان ربما «شتت انتباههم لون شيء آخر.» ms061 ~~أي لون يا ترى، لون الأزياء الموحدة الرمادية أو البنية؟ ومن خلال وضع عام 1923 ~~(العادي ) بجوار عامي 1933 و1943، فإن النص يشير إلينا نحن، وكما يتضح في النهاية، ف «نحن» ~~تشير إلى متحدثي الإنجليزية. # في هذه الفقرة - وفي الفصل الرائع الذي يتحدث عن شخصيتي جيزيلا وإيجون في رواية «إلى أي ~~مدى ينطبق على هذا وصف ألماني؟» - أعتقد أن أبيش يلعب على جدل مألوف لدى بارت وغيره، ~~ويحاول إيقاعنا في شرك فرض «قوالبنا النمطية» على جيزيلا وإيجون، بوصفهما يمثلان ما نعتبره ~~«ألمانيا الجديدة». يتضمن النص عرضا ممتعا لصورة (نمطية) من خلال استخدام اللغة لوصف صور ~~مرئية تظهر في مقال نشر في إحدى المجلات الترفيهية عن جيزيلا وإيجون: # يمكن اكتشاف المعنى، ظلال المعنى وطبقاته، في مكونات الصورة: البذلة الواسعة ~~الانتشار المصنوعة من قماش الجبردين، والوشاح المزركش، والمنديل الحريري الأبيض ~~الظاهر في جيب صدر السترة التي يرتديها، الكلب شناوتسر الألماني الذي يسيل لعابه، ~~البنطلون الجلدي الأسود، الحذاء الطويل العالي الكعبين، شعر جيزيلا الأشقر المصفف ~~للخلف، في تصفيفة تعكس نعومة وجاذبية جنسية حادة، وتبرز وجهها العظمي الجميل ~~الشاحب، السيارة اللامعة وكراسيها الجلدية الحمراء، وأخيرا النوافذ الفرنسية ~~المفتوحة جزئيا في الدور الأرضي التي تكشف لمحات رأسية من الحياة داخل المنزل؛ كل ~~هذا يوضح الكفاءة الألمانية الجديدة ويعكس إحساسا بالرضا والاكتمال. الأمر واضح ~~تماما ... إنها غريزة الجمع بين «الإتقان» و«التهديد» المتأصلة في الطبقة العليا ~~والطبقة الوسطى العليا الألمانية. # والتر أبيش، «إلى أي مدى ينطبق ~~على هذا وصف ألماني؟»، ~~(1980) # وهكذا يتلاعب أبيش بالقارئ دافعا إياه إلى حالة من الارتياب المتشكك في النص، الذي ~~يعتمد في سخريته على التعارض الذي نشعر به بين التصوير الجامد لما لا ينطبق عليه تماما ~~وصف نمطي وبين مقاومتنا لهذا التصوير. يقدم أبيش ما يطلق عليه بارت «النص المثالي»: # نصا يفرض حالة من الضياع، نصا مزعجا (ربما إلى درجة الملل الأكيد)، نصا ~~يزعزع افتراضات القارئ التاريخية، والثقافية، والنفسية ومدى اتساق أذواقه وقيمه ~~وذكرياته أو ذكرياتها، ويخلق أزمة في علاقته أو علاقتها مع ms062 اللغة. # رونالد بارت، «متعة النص»، (1975) # رواية ما بعد الحداثة # كما يتضح في المثال المقتبس من رواية أبيش ، أدى الاتحاد الشديد الأهمية بين أفكار ~~ما بعد الحداثة والثقافة الفنية - في أوروبا والولايات المتحدة - إلى نقد نسبي متشكك ~~ومستمر لدعاوي محاكاة الواقع أو الواقعية في الفنون؛ إذ ساعدت شكوك ما بعد الحداثة ~~الفلسفية حيال العلاقة الوصفية الدقيقة بين اللغة والعالم في ظهور نوع من الفن - بدءا ~~من «الرواية الفرنسية الجديدة» وانتهاء بأدب الواقعية السحرية - يعتمد على خلق كل ~~أشكال العلاقات الفوضوية المحفزة بين الواقع والخيال. وبناء على ذلك، يزعم برايان ~~ماكهال أن الأسلوب «المهيمن» على أدب ما بعد الحداثة يتضمن شكا وجوديا حيال الطبيعة ~~المتناقضة للعالم الذي يعرضه النص، ويشير إلى أعمال بيكيت وروب جريه وفوينتيس ونابوكوف ~~وكوفر وبنشن لدعم وجهة نظره. # إن تقلب «العالم» الخيالي الذي نجد أنفسنا داخله وصعوبة إدراكنا له بأي طريقة ~~موثوقة سمة جلية في الكثير من روايات ما بعد الحداثة، فكل شيء يقف حجر عثرة في سبيل ~~تحقيق ذلك؛ بدءا من التناقض المنطقي البسيط في أعمال روب جريه، مرورا بجنون الارتياب ~~المميز لأعمال بنشن، وانتهاء بروايات بارتلمي الخيالية الهزلية والقصص البوليسية ~~المغلفة داخل قصص بوليسية أخرى كما في أعمال بول أوستر. ففي تلك الأعمال، تتناقض ~~الحقائق البسيطة في عالم الرواية، وقد لا نجد مركزا إدراكيا يعتمد عليه، ويشتهر ~~الراوي - مثل أويديبا ماس في رواية بنشن «مزاد على مجموعة الطوابع رقم 49» - في بعض ~~الأحيان بارتباكه أو بجنونه؛ أي يعاني من تلك الحالة العقلية الغامضة التي تؤثر على عدد ~~لا بأس به من أبطال ما بعد الحداثة. # كذلك تؤدي الشخصيات الدرامية - التي قد تجد طريقها إلى النص من التاريخ أو من أعمال ~~أدبية أخرى كذلك - إلى ترسيخ حالة من اللايقين الوجودي؛ ومن ثم نجد الرئيس ريتشارد ~~نيكسون يحاول إغراء الجاسوسة السوفييتية إثيل روزينبرج في الليلة التي تسبق إعدامها في ~~رواية كوفر «الحرق في ميدان عام» (1977)؛ وفي رواية «راجتايم» (1975) ينطلق فرويد ~~ويونج في رحلة عبر نفق الحب في مدينة ملاه ms063 أمريكية؛ بينما في قصة «المسيح يعظ هينلي ~~ريجاتا» من مجموعة جاي دافينبورت القصصية «أناشيد الرعاة» (1981)، يقف كل من بيرتي ~~ووستر (شخصية خيالية تنتمي لروايات الكاتب البريطاني بي جي ودهاوس)، والشاعر الفرنسي ~~مالارميه، والرسام راءول دوفي (الذي أتي كي يرسم الأحداث وتكاد تدهسه سيارة من طراز ~~جاجوار إكس كيه إي) جنبا إلى جنب على ضفة النهر. # تعكس أعمال ما بعد الحداثة المماثلة تناقضا شديدا مع الأعمال الأدبية الحداثية، بما ~~فيها الأعمال الأشد تعقيدا التي تتبع أسلوب فوكنر أو جويس وتكاد تراعي دوما «قواعد ~~اللعب النظيف» فيما يتعلق بعلاقة النص بعالم ممكن (تاريخيا)؛ بحيث يتمكن القارئ ~~المثقف في جميع الأحوال تقريبا من إعادة تشكيل حل للغز أو استخدام سجل زمني متسق ~~قائم على السبب والنتيجة استخداما ذكيا. لكن تلك بالضبط هي السمات التي يراعي أدب ~~ما بعد الحداثة تفكيكها؛ فمن خلال عرض مواجهة بين عالم النص وعالمنا، يحقق أدب ما بعد ~~الحداثة انتصارا تشككيا مقلقا على إحساسنا بالواقع؛ ومن ثم على ادعاءات التاريخ ~~المقبولة. وقد أدى ذلك إلى ظهور عدد من الأعمال الفنية التي تنتمي إلى نوع «القص ~~الماورائي التأريخي» ما بعد الحداثي. يمزج هذا النوع الأدبي بين الموضوعات الخيالية ~~والتاريخية، ويلمح ضمنيا أو يصرح بنقد ما بعد حداثي للقواعد الواقعية التي تحكم ~~علاقة الأدب بالتاريخ، كما عرضنا لدى هايدن وايت وغيره في السابق. # أحد أشهر تلك الأعمال التي تتلاعب بمفهوم التاريخ كرواية وما يتصل به من مفارقات ~~ترتبط بالماضي؛ هي رواية جون فاولز «عشيقة الملازم الفرنسي» (1969)، وهي قصة حب تدور ~~أحداثها حول شاب مؤمن بالمبادئ الداروينية يدعى تشارلز، وخطيبته التقليدية إرينستينا، ~~وامرأة شابة تجذب انتباه البطل تدعى سارة وودروف. لا تتضمن الرواية تعقيبا ساخرا من ~~«المؤلف» على الأحداث المصورة فحسب (فالمؤلف يعرف داروين لكن بطله ما زال في بدايات ~~اكتشاف التطور، ويدرك المؤلف كذلك أن بطلته لديها إيمان أولي بالفلسفة الوجودية، ~~لكنها لا تدرك ذلك بالطبع؛ إذ تلجأ في النهاية إلى بيت الرسام روزيتي في منطقة تشيلسي ~~هربا من حبكة فاولز)، ms064 بل تضم كذلك كشفا متعمدا لمناورات المؤلف؛ إذ يعرض تعليقا ما ~~بعد حداثي على العصر الفيكتوري - يتضمن على سبيل المثال الاتجاهات الفيكتورية حيال ~~الجنس - وعلى حبكة روايته التي تضاهي حبكات الروايات الفيكتورية - لا سيما روايات توماس ~~هاردي - أو تعرض محاكاة ساخرة لها. # هذه القصة التي أرويها كلها من وحي الخيال. تلك الشخصيات التي ابتدعتها لم ~~توجد قط خارج عقلي. إذا كنت قد تظاهرت حتى الآن أنني على علم بما يدور في عقول ~~شخصياتي وبأعمق أفكارهم، فذلك يرجع إلى أني أكتب (بنفس الطريقة التي استوليت ~~بها على بعض الكلمات وانتحلت طريقة للسرد) وفقا للأسلوب السائد عالميا في ~~زمن قصتي الذي يضع الروائي في مرتبة تجاور مرتبة الإله، ومع أنه قد لا يتمتع ~~بمعرفة كلية، فإنه يحاول التظاهر بذلك. لكني أعيش في عصر آلان روب جريه رولان ~~بارت؛ ومن ثم إذا كان ما أكتبه رواية فمن المستحيل أن تتفق مع مفهوم الرواية ~~الحديثة. # إذن ربما أكتب الآن سيرة ذاتية في شكل رواية، ربما أعيش الآن في منزل من ~~المنازل التي استخدمتها في الأحداث الخيالية، ربما كان تشارلز هو أنا ~~متنكرا. ربما كان الأمر كله لعبة. يوجد في الحياة نساء عصريات مثل سارة، ~~لكني لم أفهمهن قط. أو ربما أحاول تقديم كتاب يضم مجموعة من المقالات متنكر ~~في شكل رواية. # جون فاولز، «عشيقة الملازم الفرنسي»، (1969) # يؤدي هذا الأسلوب إجمالا إلى شتى أنواع المفارقات الجادة التي تنبع من الشخصيات التي ~~تظن أنها حرة بينما نراها نحن في ضوء معرفتنا السابقة خاضعة إلى حد كبير لوجهات النظر ~~(وبالطبع إلى الخطابات) السائدة في عصرها. تعكس الرواية قدرا كبيرا من الوعي الذاتي ~~والانعكاسية والنسبية والشكوكية يلبي رغبات أي قارئ ما بعد حداثي؛ ففي وسعنا كقراء أن ~~نتوحد مع الشخصيات ونتعاطف معها (كما يحدث عادة في الروايات الواقعية)، وفي الوقت ~~نفسه نرى الشخصيات من الخارج ونحكم عليها (من وجهة نظر معاصرة ساخرة غير ملائمة). وفي ~~نهاية الرواية، يطرح «المؤلف» - ناظرا إلى بطله الجالس في عربة قطار - على القارئ ms065 ~~نهايتين مختلفتين. # أما المشهد الافتتاحي في رواية جوليان بارنيز «تاريخ العالم في عشرة فصول ونصف فصل» ~~(1989)، فيقدم وصفا لسفينة نوح على لسان حشرة من نوع قمل الخشب (فصيلة «أنوبيوم ~~دوميستيكوم») لديها معرفة واسعة على ما يبدو بالتاريخ الحديث. من منظور الحشرة، فإن ~~السفينة أشبه بالسجن وقصتها الإنجيلية ليست سوى أسطورة. ومن ثم، تقدم الرواية قصة ~~تشككية ساخرة تدور أحداثها حول قصة أخرى، تروى من قاع السفينة: «لم نكن ندري شيئا عن ~~الخلفية السياسية للأحداث. كان غضب الله على مخلوقاته خبرا جديدا بالنسبة إلينا، لقد ~~زج بنا في المسألة دون إرادة منا.» وهو أمر يتفهمه الكثيرون. يدفعنا أسلوب ~~الرواية - بينما تتفاعل قصصها البالغ عددها ~~عشر قصص ونصف قصة بعضها مع بعض - إلى مواصلة البحث عن أحداث تتشابه (على نحو ساخر) مع ~~التاريخ السياسي الحديث (إذ تصور الكثير من الأحداث صعود مجموعات مهمشة اجتماعيا ~~إلى متن سفينة تتعرض للغرق أو للهجوم). ورغم أن الحشرة في الرواية لا تقبل أي «رواية ~~رسمية» للأحداث، فإنها تعتقد أن «سفر التكوين» يضطهد الثعابين، وأن النموذج الذي يتبعه ~~نموذجا داروينيا على أي حال، فالخطة التي وضعها الله لجمع الحيوانات على السفينة لم ~~تكن فعالة على الإطلاق، فقد نسي - على سبيل المثال - حقيقة أن بعض الحيوانات بطيئة ~~الحركة بعض الشيء: # على سبيل المثال، كان ثمة حيوان كسلان يتمتع بهدوء غير مسبوق - كان مخلوقا ~~رائعا بشهادتي الشخصية - ما إن نزل إلى قاعدة الشجرة التي يسكنها حتى جرفته ~~أمواج الانتقام الإلهي العظيمة، فلم تبق له أثرا على وجه البسيطة. بم تسمي ~~ذلك، انتقاء طبيعيا؟ عن نفسي، أعتبره نقصا في الكفاءة الاحترافية. # إن قملة الخشب تمثل العامل، وهي صوت المقهورين الذي ينتقد الرؤساء وخطابهم ~~المهيمن وظواهر أخرى كثيرة في هذا الكتاب المذهل في إبداعه. فنوح وعائلته لا يمانعون ~~تناول الأنواع الحية الغريبة على سطح هذا «المقهى العائم» (أو «سفينة الفضاء التي تدعى ~~الأرض»). وسرعان ما تبدو السفينة أشبه - على الأرجح - بمعسكر اعتقال؛ حيث يكن سام ~~إعجابا ب «فكرة نقاء الأعراق». يتداخل ms066 كل من الإنجيل والأسطورة والتاريخ والعلم ~~ومجالات أخرى كثيرة في مسارات تهكمية ساخرة غير مرتبة زمنيا ضمن ما يبدو لنا هجوما ~~شديدا على الإنجيل أو الأسطورة أو السياسة، حال اعتبر أي منها تفسيرات ~~أيديولوجية. تتسم بقية الفصول في الرواية بنفس درجة التعقيد وتطرح ملخصا بارعا لآراء ~~ما بعد الحداثة حول التاريخ، لكن (كما في أعمال أبيش) دون إضفاء هيبة «النظرية» عليها ~~بالطبع. # إن الأعمال المماثلة لذلك: # لا تلمح فحسب إلى أن كتابة التاريخ لا تختلف عن كتابة الروايات - حيث ~~ترتب الأحداث ترتيبا خياليا كي تكون نموذجا للعالم - بل إن التاريخ في ~~حد ذاته يمتلئ مثل الأدب بحبكات مترابطة تتفاعل على ما يبدو بمعزل عن التخطيط ~~البشري. # باتريشيا ووه (1984)، «القص الماورائي» # في هذه الحالات، يسمح الكتاب للسرد الخيالي - حسب مبادئ الشكوكية الفلسفية التي ~~لخصناها سابقا - بفرض سيطرته؛ لأنه يؤمن بأن التاريخ - كما عرضنا سابقا - مجرد قصة ~~أخرى خاضعة لرغباتنا وتحيزاتنا النمطية، وتشكل حتما - على يد بارنيز متقمصا شخصية ~~قملة الخشب أو فاولز لاعبا دور المؤلف/النبيل الفيكتوري - وفقا لقوالب الحبكات ~~الخيالية السائدة داخل المجتمع المنبثقة عنه. # ليس من المستغرب إذن أن تحمل الرواية قدرا غير متكافئ من عبء الانتماء إلى فكر «ما ~~بعد الحداثة»، بما أن «خطاباتها» المعتادة حتى الآن - فيما يخص علاقة المؤلف بالنص، وما ~~تتسم به من عملية خلق ليبرالية أو «فردية برجوازية» لشخصيات موحدة، وعلاقتها بالحقيقة ~~التاريخية - تجعلها عرضة لنقد ما بعد الحداثة في الكثير من أجزائها. فقد انتقلنا من ~~الحرفية والتحكم في الشكل الروائي، واحترام الاستقلالية والفردية، وادعاءات القدرة ~~التفسيرية التاريخية التي تميز الرواية الحداثية - ويتجلى جميعها على سبيل المثال في ~~كتابات جويس عن مدينة دبلن أو كتابات فوكنر عن الجنوب الأمريكي - إلى وصف هزلي مفكك ~~ومراوغ، يتسم بالوعي الذاتي، ويتعمد تقديم وصف زائف في كثير من الأحيان لشخصيات قد ~~توجد على عدة مستويات في آن واحد، بحيث تفتقد أي شكل من أشكال الاتساق النفسي ~~المعقول. لا تحاول رواية ما بعد الحداثة خلق وهم واقعي مؤكد، بل تفتح ms067 أبوابها لشتى ~~أنواع الحيل الخادعة؛ كالتلاعب السردي، والقوالب النمطية، والتفسيرات المتعددة بكل ما ~~تستدعيه من التناقض وعدم الاتساق اللذين يشغلان مكانة رئيسية في فكر ما بعد الحداثة. ~~إن التنظير الداخلي في تلك الروايات واستعدادها لكشف أساليبها الشكلية للقارئ هي سمات ~~ما بعد حداثية نموذجية لا نجدها في الرواية فحسب، بل أيضا في الأفلام، مثل اقتباس ~~جودار لأسلوب بريخت من خلال إقحام لافتات إرشادية أو نص داخل الفيلم، وكذلك في الفنون ~~المرئية التي غالبا ما كانت «تتمحور حول ذاتها» في هذه الحقبة. # موسيقى ما بعد الحداثة # لا يفرد هذا الكتاب الكثير من صفحاته للموسيقى، وهو ما يرجع جزئيا إلى تخلي الكثير ~~من المؤلفين الموسيقيين بالفعل - قبل الحقبة التي نتناولها بزمن طويل - عن الأعراف ~~السابقة الشبيهة بما هاجمته حركة ما بعد الحداثة؛ إذ نبذوا - على سبيل المثال - الترتيب ~~السردي اللحني التقليدي في العمل الموسيقي، ونزعوا كذلك إلى رفض تأثير المفكرين ~~السابقين (المهيمنين) ممن سعوا إلى تنظيم ~~المقطوعة الموسيقية تنظيما كليا؛ بدءا من شونبرج وأسلوب الاثنتي عشرة نغمة، ~~وانتهاء بأسلوب المجموعات المنظمة كليا الذي نادى به بوليز وغيره في فترة الستينيات ~~من القرن العشرين. فلم يعد الالتزام بتلك الأساليب الشكلية الحداثية يسيطر على ~~الاهتمام. بالطبع، نزع الكثير من المؤلفين الموسيقيين قبل ذلك إلى ترك المواصفات ~~النظرية، التي تميز الأساليب الجذابة، تملي أوامرها على أعمالهم. لكن مع أواخر ~~الستينيات، تخلى الكثير من المؤلفين الموسيقيين عن حلم التنظيم الدقيق نظريا للنغمات، ~~وتبنوا نطاقا كاملا من الاستراتيجيات التي تتوافق مع تعددية فكر ما بعد الحداثة، ~~حتى وإن لم تكن مصدر إلهام كبيرا لهم. # رغم ذلك، توجد بعض الألحان التي تتشابه تشابها كبيرا إلى حد ما مع غيرها من أعمال ~~ما بعد الحداثة الفنية، أو تلك الأعمال التي تأثرت بها. على سبيل المثال، توظف الحركة ~~الثانية من مقطوعة «سيمفونية» (1968) للمؤلف الموسيقي لوتشيانو بيريو الادعاء الأكبر ~~المتمثل في الجزء المحوري من اللحن الموسيقي المرح في سيمفونية مالر الثانية - الذي ~~يتحكم تقريبا في الحركة الإيقاعية للسيمفونية - لكنها تحلله أو ms068 تفككه بعد ذلك في ~~أجزائها التالية. بالإضافة إلى ذلك، جمع بيريو اقتباسات من شتى أنواع المصادر ~~الموسيقية - أجزاء من ألحان باخ وشونبرج وديبوسي («مقطوعة البحر»)، ورافيل («رقصة ~~الفالس») وغيرها - فيما يشبه كولاجا ساخرا يعج بالتداخل النصي، ثم مزج ذلك مع أداء ~~لسطور مقتبسة من رواية بيكيت «اللامسمى»، وشعارات من «أحداث مايو 1968» في فرنسا، ~~واقتباسات من ليفي شتراوس ومارتن لوثر كينج وغيرهما. (وقد أضاف فيما بعد حركة خامسة إلى ~~السيمفونية بهدف تقديم تعليق فوقي ما بعد حداثي نموذجي يتسم بالوعي الذاتي على الحركات ~~السابقة.) وفي وسع المرء الجزم بأن مقطوعته «الأنشودة 1» (1972) تجسد تيار الوعي لدى ~~مغنية الأوبرا التي تنشدها كما تنشد الملاحم؛ إذ تعج بأجزاء متناثرة من مجموعة الأدوار ~~التي أدتها على المسرح؛ مما يوضح أن ذاتيتها قد شيدت أو «شكلت» جزئيا على ~~يد المجتمع من خلال النصوص الموسيقية التي تتردد في عقلها. # نلاحظ كذلك هذا الكولاج الانتقائي المتناص من الاقتباسات - الذي يذكرنا من خلال ~~افتقاره للتسلسل المنطقي بالكثير من لوحات ما بعد الحداثة (مثل أعمال سال أو شنوبل) - ~~في أعمال ألفريد شنيتكه وتورو تاكيميتسو (كما نجد في مقطوعته «اقتباسات من حلم» ~~المتأثرة بأسلوب ديبوسي) والكثير غيرهم. تعكس فنون ~~الكولاج المتعدد الأساليب لدى شنيتكه استخداما لا مباليا للمصادر الموسيقية «الراقية» ~~و«المبتذلة»؛ ومن ثم يتضمن عمله الموسيقي «الكونشيرتو الكبير رقم 1» ~~(1977) - حسب وصف مقدمة المقطوعة الموسيقية ~~- «صيغا وأشكالا من موسيقى الباروك، وكروماتية حرة، وفواصل مفرطة الصغر، إلى جانب ~~موسيقى رائجة مبتذلة تقتحم المقطوعة وكأنها قادمة من خارجها محدثة تأثيرا ~~هداما.» # لكن معظم الإنتاج الموسيقي في هذه الفترة يضم أعمالا تدين بالفضل - على نحو معقد ~~- إلى الماضي، أو تتنافس معه مباشرة، أو تتبع أسلوبا تعدديا يهدف إلى دمج الأساليب ~~المتاحة، لكن هذا يعكس رغم ذلك الطابع المستقل تماما الذي يميز الموسيقى الكلاسيكية ~~التقليدية، كما نجد - على سبيل المثال - في مقطوعة ليجيتي الرائعة «كونشيرتو الكمان» ~~(1990 / 1992). لقد قدم المؤلفون الموسيقيون المعاصرون إبداعا رائعا في مجال ابتكار ~~لغات جديدة (مثل استخدام ليجيتي المتتابعات الإيقاعية المتعددة الأوزان ms069 البالغة ~~التعقيد، واستغلال النشاز الناتج عن النغمات التوافقية الطبيعية وغيرها من الأساليب). ~~إن السبب الرئيسي في بعد هذا النوع من الموسيقى التجريبية الأصيلة عن مفهوم ما بعد ~~الحداثة يكمن في صعوبة تأليف موسيقى دون أن تؤدي الكلمات دور النص أو تنقل تلك الرسائل ~~المفاهيمية المتناقضة الحاسمة التي نجدها في الأشكال الأخرى من فن ما بعد الحداثة. أما ~~استثناءات هذه القاعدة - مثل مقطوعة البيانو الصامتة الشهيرة للمؤلف الموسيقي كاديج، ~~التي تحمل عنوان «4 دقائق و33 ثانية» (1952) - فهي تثبتها ليس إلا، ولم تستمر طويلا في ~~قاعات الحفلات وحل محلها الفن الأدائي في المعارض الفنية. فمن الصعب للغاية أن تولد ~~الموسيقى وحدها أي نوع من التأثير السياسي إلا من خلال جدلية الارتباط المجازي الشديدة ~~الالتباس لدى المستمع، كما يتضح في المجادلات العقيمة حول وجود تعبيرات ساخرة معادية ~~لستالين في سيمفونيات شوستاكوفيتش. # إن الأوبرا والموسيقى الغنائية هي المجالات التي قد نتوقع اقترابها نسبيا من ~~التزامات ما بعد الحداثة، لكن حتى هنا نلاحظ على ما يبدو إخلاصا لعالم مستقر نسبيا ~~ووجوديا يتسم بالترابط المنطقي، كما يتضح - على سبيل المثال - في أوبرا «يوناني» ~~(1988) للموسيقار تيرنيدج، أو «قناع أورفيوس» (1973-1983) للموسيقار بيرتويسل، أو «أحمر ~~خدود» (1994-1995) للموسيقار أديس، أو «نيكسون في ~~الصين» (1987) للموسيقار آدامز. تختلف تلك الأمثلة اختلافا كبيرا عن النصوص السردية ~~الخيالية التي عرضناها سابقا. يستثنى من هذا الاتجاه أوبرا «أينشتاين على الشاطئ» ~~(1976) للمؤلف الموسيقي فيليب جلاس - وهي عمل مشترك مع الفنان التبسيطي روبرت ويلسون - ~~وتخلو من أي شكل من أشكال السرد المترابط منطقيا. تتوافق المبادئ السياسية داخل ~~الكثير من المؤلفات الموسيقية في هذه الحقبة مع التصورات اليسارية لما بعد الحداثة، كما ~~نجد - على سبيل المثال - في أعمال المؤلفين نونو وهينزي، لكن لا يبدو عموما أن ~~أيا من المؤلفين الموسيقيين الكبار قد احتاج إلى تبني أي من التعهدات التي يتجلى ~~انتماؤها لنظرية ما بعد الحداثة. إن أقصى ما يستطيع المرء قوله هو أن المؤلفين ~~الموسيقيين - مثل أتباع ما بعد الحداثة - كانوا مهووسين غالبا بطبيعة اللغة ووظيفتها، ms070 ~~وما تحتويه من تفكك واستغلال للتناقضات النغمية-الحرة، وبنى خفية تتحكم فيها الأعراف ~~تحكما كليا، وبطرق استخدام هذه اللغة لتفكيك الأنماط والعمليات السابقة. # لكن هذه الأمثلة تجمعها علاقة فضفاضة بالتفكيكية حسب مفهومها في نظرية ما بعد ~~الحداثة؛ ففي وسع المرء أن يزعم (كما فعل الكثيرون) أن المدرسة التكعيبية «فككت» ~~المدرسة الانطباعية وما بعد الانطباعية. لكن هذه العبارة ليست سوى مقارنة ولا تدعي أي ~~معرفة بالنيات التاريخية لدى بيكاسو وبراك. لم ينشغل سوى عدد قليل من المؤلفين ~~الموسيقيين في هذه الحقبة بمعايرة من سبقوهم ب «تناقضاتهم الداخلية». وحتى بيير بوليز ~~- الذي ندد بالماضي قبل ذلك في عبارته «لقد مات شونبرج» - يقود حاليا أوركسترا ~~فيينا الموسيقية مقدما ألحان بروكنر. وعلى أقل تقدير، تجنبت الكثير من المؤلفات ~~الموسيقية منذ عام 1970 - لا سيما من خلال استعدادها الاستثنائي لمزج أساليب المؤلفين ~~الموسيقيين الشباب - بعضا من المعارك الجدلية التي سادت في الماضي، والتي وضعت ~~شونبرج في مواجهة سترافينسكي، والموسيقى التسلسلية النظرية في مواجهة الموسيقى العفوية ~~في فترة الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين. وفي هذا الصدد، فإنها تدين بالكثير ~~إلى مناخ الأفكار الذي خلقته حركة ما بعد الحداثة. # الفن والنظرية # كما حاولت أن أوضح، فإن الاتحاد بين الفن والنظرية هو الدليل الأبرز على تأثير ما ~~بعد الحداثة، وهو ما يطور - في هذا السياق - الخط النظري («العلم»، القاعدة الفنية أو ~~«القانون») الذي يتمتع بالفعل بتأثير كبير ويوجد في ~~أجزاء من الحداثة العليا، كما نلاحظ في مدرسة باوهاوس الفنية، وموسيقى الاثنتي عشرة ~~نغمة، وأعمال المعماري لو كوربوزييه، وحتى في الحركة السريالية وإن كان على نحو أقل دقة ~~وأقل التزاما بالأسس العلمية بمراحل. قدمت نظرية ما بعد الحداثة فيضا من الأعمال ~~الفنية التي يتمتع مبدعوها ونقادها بوعي ذاتي عميق حيال علاقتهم باللغة عموما، ~~وبلغات الفن المقبولة في السابق تحديدا. ومع نشأة ما بعد الحداثة الأكاديمية والتأثير ~~المتزايد للمواقف السياسية في فترة الستينيات من القرن العشرين (ظهر كلاهما، في الواقع، ~~بعدما أرست الحركة الطليعية التجريبية في فترة ما بعد الحرب العديد ms071 من الأساليب ~~الجديدة في مجالات الفنون)؛ أبدى كثير من الفنانين تركيزا ملحوظا على موقفهم النظري ~~والسياسي، وطالبوا القارئ والمشاهد بأن يعي لغة معرفة ما بعد الحداثة، التي كثيرا ما ~~دعت الحاجة إليها كي تضيف الأعمال الفنية البسيطة والمملة غالبا، وتكملها وتخلع ~~عليها هالة نقدية زائفة، مثلما رأينا في كومة الطوب التي بدأنا بها الكتاب. # إن الكثير من الأعمال الحداثية كان يهدف إلى بلوغ نوع من الاستقلال الواضح (على ~~سبيل المثال، كل ما تحتاجه لفهم مجموعة قصائد «الرباعيات الأربع» على وجه التحديد ~~للشاعر تي إس إليوت هو الانكباب على معانيها الداخلية ... والتمتع بأكبر قدر ممكن من ~~المعرفة «الحياتية»، بما في ذلك المعرفة باللاهوت والتاريخ)، لكن أعمال ما بعد الحداثة ~~لا تكتمل دون المناقشات النقدية التي يفترض أن تحيط بها. ويعتبر هذا «الانعكاس الذاتي ~~التصوري» في أغلب الأحيان علامة على الانتماء إلى فكر ما بعد الحداثة؛ إذ يرى بعد ~~الحداثيين أن الإبداع الفني يستلزم قدرا كبيرا من الوعي الذاتي النقدي يتجاوز مدرسة ~~الحداثة (وهو الرأي الذي أدى - رغم ذلك - إلى بدايات هذا التزاوج المنذر بكارثة بين ~~الفن والنخبوية الأكاديمية). ومن ثم، يتواطأ كل من الفنان والناقد من أجل المطالبة ~~بالعلاقة «السليمة» بين العمل والفكرة، كما يعرضها الفنان، وكما يستجيب لها ~~الجمهور. # شكل 4-3: لوحة «سفينة إس إس أمستردام أمام مدينة روتردام»، (1966) للفنان ~~مالكوم مورلي. (أهي مجرد سفينة كبيرة، أم تعبير عن طبيعة الفن؟) # المذهب التصوري # نستطيع الآن أن ندرك تأثير تلك الأفكار إذا ضربنا مثلا عليها، وهو تفسير بول كراوزر ~~ما بعد الحداثي النموذجي للوحة مالكوم مورلي الزيتية العملاقة التي تصور بطاقة ~~بريدية تحمل صورة السفينة إس إس أمستردام أمام مدينة روتردام (1966). # شكل 4-4: لوحة «فندق هولاند» للرسام ريتشارد إستيس. (هل يؤدي جمال اللوحة ~~الشكلي الذي يتجاوز الحدود إلى اعتبارها عملا حداثيا ~~منتكسا؟) # اختار مورلي بطاقة بريدية، ثم عكسها وعرضها على شاشة، وغطى صورتها بشبكة ثم نقلها ~~مقلوبة بمقياس رسم كبير للغاية يضم حتى الهوامش البيضاء للبطاقة البريدية. يزعم كراوزر ~~أن هذا ms072 العمل «فوق الواقعي» هو «ممارسة نقدية تلقي الضوء على الفن باعتباره نشاطا ~~«ثقافيا رفيعا» وتخيب تلك التوقعات واضعة إياها في موضع الشك .» (تخيب اللوحة ~~بالفعل أي توقعات بتعقيد فني رفيع المستوى.) فهي «تخاطب ... الخطاب المشرع الذي ~~يبرر الفن وفقا له على أنه سبيل للرقي والتقدم.» أي إنها تثير بعض الشكوك التي ~~تحمل طابع فوكو، رغم أن المقصد الحقيقي من فعل «المخاطبة» هنا يظل غامضا، كما هو الحال ~~في معظم استخدامات ما بعد الحداثة لهذا المصطلح. إن «الرقي والتقدم» هما بالتأكيد من ~~الأنواع «الخاطئة» من القيم التي ينبغي توقعها في هذا السياق. لكن ذلك النقد قد يظل ~~واهيا رغم ذلك، فلا أحد سيعتقد على أي حال أن سفينة مورلي تدعم قيم الرقي والتقدم. ~~يواصل كراوزر نقده مضيفا: «في حالة مورلي، يبدو البعد النقدي وكأنه مرسوم داخل اللوحة ~~إذا جاز التعبير.» لكن عبارة «إذا جاز التعبير» الماكرة هنا تخفي نوعا من الاستحالة: ~~فمن الواضح أن ما يطرح «النقد» في الواقع هو «تعليق الناقد» لا اللوحة ذاتها. ثم يمضي ~~زاعما أن «ما [نجده في هذه اللوحة] ليس نوعا من «نقيض الفن» الخارجي، بقدر ما هو نوع ~~من الفن الذي يستوعب داخله معضلات وضعه الثقافي الاجتماعي ويبديها للعيان.» ويضيف ~~كراوزر أن أعمال فنانين مثل أودري فلاك وتشاك كلوز ودواين هانسون تعكس بعدا مماثلا، ~~لكن أعمال الواقعية التصورية لفنانين مثل جون سالت وريتشارد إستيس، التي تتشابه ~~ظاهريا مع هذه الأعمال، ليست سوى «أعمال فنية مبدعة» و«تكوينات مبهرة جماليا»؛ أي ~~إنه يعني - على ما يبدو - أن هذين الفنانين ينتجان لوحات ممتعة بأسلوب تقليدي نوعا ~~ما (وكانت بالفعل كذلك نظرا لمزاياها وبراعتها الشكلية العظيمة). # يزعم كراوزر أن تركيز هذين الفنانين على تلك السمات ~~أدى - على نحو يدعو للأسى - إلى «إعادة ~~مصادرة أعمال مورلي وغيره من المجددين ضمن الخطاب المشرع» الذي يحيط بتلك القيم. ~~ويستهجن كراوزر «محاكاتهما المبهرجة للواقع» و«جاذبيتهما التسويقية الساحقة»، ومن ثم ~~انجذابهما نحو «التحيزات التقليدية»؛ ومن ثم، فإن عمل إستيس في محاكياته لشكل الصور ~~الفوتوغرافية ms073 لا يحقق سوى «إشباع الطلب على الابتكار والتوجهات اللاتقليدية غير ~~المتوقعة الذي خلفته الحداثة»؛ إذ ينظر إلى تقدير ~~السمات «الجمالية » أو «الفنية البارعة» على أنه نشاط رجعي من الناحية السياسية؛ لأنه ~~يتيح لنا الدفاع عن «متعة» جمالية حداثية إلى حد ما في التركيب الشكلي الذي يرفضه ~~كراوزر بوضوح. بالطبع، يهاجم كراوزر - مثل كثير من أتباع ما بعد الحداثة - الفنانين ~~عندما تعكس أعمالهم تلك السمات الحداثية، التي لا تتصف ب «التقدمية»؛ لأنها لا تنتقد ~~«الخطابات المشرعة» مثل خطابات الحداثة. لكن ماذا عن «الخطاب المشرع» الذي يتبناه ~~كراوزر نفسه؟ هل من الممكن أن نفسر أعمال إستيس على أنها نقد تقدمي لهذا الخطاب؟ لكن ~~أعمال أولئك الفنانين لا تضيع في الواقع وقتا كبيرا في نقد أشكال الفن الأخرى ~~صراحة أو ضمنا. # وهكذا، يرى كراوزر أن مورلي «فنان يلعب دورا محوريا في استيعاب التحول من ~~الحداثة إلى ما بعد الحداثة»، فهو (وينضم إليه في ذلك - على نحو مثير للدهشة - الرسام ~~والنحات كيفير) يتمتع بالفضائل المعادية للحداثة؛ ألا وهي ابتكار «شكل جديد من أشكال ~~الفن»، و«تجسيد شكل من الشكوكية حيال إمكانية تقديم فن راق.» من ثم، «ومن خلال ~~استيعاب هذه الشكوكية داخليا وتحويلها إلى فكرة رئيسية داخل الممارسة الفنية، تضفي ~~النزعة فوق الواقعية «النقدية» على الفن بعدا «تفكيكيا»»؛ ومن ثم، يصنف هذا الفن ~~دون شك ضمن فنون ما بعد الحداثة، ويستند هذا الحكم إلى «طبيعته المتشككة». # إن أولئك الذين قدموا فنا تصوريا اعتبروا ~~بلا جدال الحماة المخلصين لمعتقد ما بعد الحداثة التنظيري، رغم أن فكرهم غالبا ما ~~يعوزه الإتقان حسب المعايير العقلانية الطبيعية، ورغم أن «النظرية» قد تحرم الفنان في ~~كثير من الأحيان من سعة الخيال وتمنعه من إبداء إيحاءات مجازية. في وسع المرء تقييم تلك ~~الأعمال الفنية بسرعة نسبية، لكن لن يسعه الهرب (بسرعة كبيرة) من الهراء النظري الذي ~~يوظفه الناقد الراغب في إعطاء «ثقل» لهذا العمل وإضفاء أهمية عليه. إن لوحة مورلي ~~تنسب إلى فكر ما بعد الحداثة، وساعدت بالتأكيد في إثارة هذا ms074 النوع من الفكر من واقع ~~ما لديها من وعي ذاتي بنظرية الفن؛ فليس المهم العمل في حد ذاته، بل العمليات التصورية ~~التي تكمن وراءه. ففي أثناء ذلك، ابتعد العمل عن الأنشطة المعتادة لدى المؤسسات الفنية، ~~التي من بينها أنشطة بيع المعروضات. على سبيل المثال، كان معرض روبرت باري في صالة عرض ~~آرت آند بروجيكت في أمستردام عام 1969 خاليا من المعروضات، واقتصر المعرض على لافتة ~~وضعها الفنان على مدخل الصالة كتب عليها: «المعرض مغلق طوال مدة العرض!» # إحدى النتائج المترتبة على هذا الفن التصوري هي فقدان الإحساس بالتعقيد الفني؛ إذ ~~غالبا ما نبذ أولئك الفنانون الوصف التفصيلي الثري الناتج عن المحاكاة التقليدية، ~~بالإضافة إلى العلاقات الشكلية الجذابة المميزة للفن الحداثي. وقد يؤدي هذا الاتجاه ~~المعادي للحداثة إلى ضحالة متعمدة، كما في الكثير من الأعمال الفنية التبسيطية، في ~~الموسيقى والرسم كذلك. # يزعم مايكل فريد أن عملا تبسيطيا حرفيا مجردا لا يمكن أن يثير اهتمام المشاهد ~~إلا في حالة عرضه عرضا مسرحيا في صالة عرض فني؛ وهو ما يؤدي إلى مقارنته بالنموذج ~~الحداثي، الذي يتضمن استغراق المشاهد في التكوين الشكلي والتعقيد الذي يتسم به العمل، ~~وهي مقارنة ليست لصالحه بكل تأكيد؛ فأحد النموذجين يتطلب تفاعلا، بينما يتطلب الآخر ~~تأملا للعلاقات الداخلية. يرى فريد أن الفنانين التبسيطين ليسوا سوى فنانين حرفيين ~~يعتمدون على وعينا الذاتي كمشاهدين بعناصر العمل الفني، بينما في الأسلوب الداخلي ~~الحداثي، ننسى أنفسنا مع استغراقنا في العمل الفني؛ ومن ثم يقع هذا «الأداء المسرحي» ~~على طرف النقيض من الحداثة. باختصار فج، نحن نستمتع باستكشاف العلاقات الداخلية في ~~عمل نحتي للفنان أنتوني كارو، لكن عملا للفنان روبرت موريس عبارة عن كومة من اللباد ~~لا يتيح مثل هذه الفرصة، بل «يطرح أسئلة متشككة» عوضا عن ذلك. # شكل 4-5: «صباح باكر» (1962) لأنتوني كارو. (يثير العمل متعة تأملية ناتجة عن ~~تعقيده الشكلي واكتفائه الذاتي، ولا يطرح أي أسئلة.) # ألهم المذهب التصوري لدى أوائل الفنانين المتبنين لها مثل موريس وأندريه الكثير ~~من تطورات ما بعد ms075 الحداثة اللاحقة، التي غالبا ما جمعت بين الطابع التصوري والتبسيطي ~~من أجل «طرح أسئلة متشككة» عبر أعمال فنية بسيطة حقا. أحد الأمثلة على ذلك هو معرض ~~الفنان مايكل كريج مارتن عام 1973؛ حيث عرض ~~كوب ماء على رف مرآة حمام من النوع المعتاد، على ارتفاع تسعة أقدام على الحائط، وأطلق ~~عليه اسم «شجرة بلوط». لم تضم صالة العرض سوى هذا العمل، بينما أعطي الزائرون ~~استبيانا مكتوبا لا يحمل اسما يتضمن النص التالي: # س: # لقد أطلقت ببساطة على كوب الماء هذا اسم شجرة بلوط، أليس ~~كذلك؟ # ج: # بالطبع لا، إنه لم يعد كوبا من الماء بعد الآن. لقد غيرت مادته ~~الفعلية، ولم يعد وصف كوب الماء وصفا دقيقا الآن. يمكنك وصفه بأي وصف ~~تحب، لكن ذلك لن يغير من حقيقة أنه شجرة بلوط ... # شكل 4-6: «شجرة بلوط» (1973) للفنان مايكل كريج مارتن. («أحيانا ما يكون ~~السيجار مجرد سيجار» (قول منسوب إلى سيجموند فرويد).) # إذا كنت قد فهمت مجرد جزء صغير جدا من النظرية التي يناقشها هذا الكتاب، فربما ~~تستوعب بعضا من النقاط التافهة للغاية التي تحيط باعتباطية التسمية، وبوظيفة المعرض ~~الفني، وبمزحة ارتفاع الرف، بل قد تشعر أيضا بالقليل من الرهبة المنبعثة من مفهوم ~~القربان المقدس في اللاهوت الكاثوليكي (الذي استوحى منه الفنان هذا العمل). كلها نقاط ~~ضحلة، تتسم بوعي ذاتي بالغ وبطابع ثقافي ظاهري، وتتمحور حول المظهر الخارجي، إلى جانب ~~كونها «تطرح أسئلة متشككة»، وذلك هو كل ما في الأمر! ففي النهاية، ومن منظور الخمسة ~~والعشرين عاما الأخيرة وما بعدها، هو مجرد كوب لا يعتمد - كما يزعم فريد - إلا على ~~عرضه المسرحي داخل مؤسسة المعارض الفنية وعلى استعداد مؤرخي الفن أمثالي إلى الإشارة ~~إليه في كتاب كهذا، حتى وإن كان بوصفه مثالا بشعا ليس إلا. لكنه ليس مثالا منفردا ~~على الإطلاق، بل يجسد بأغبى طريقة ممكنة الانتشار غير العادي لنزعة ما بعد الحداثة، ~~التي تؤمن بأن تلميحا إلى «النظرية» مع القليل من «التشكك» يكفي لإنتاج عمل فني، متدني ~~الأهمية بالفعل. يرى جودفري ms076 - الذي اقتبست منه الاستبيان وصاحب كتاب ~~«الفن التصوري» - أنه «تركيب نقي، وبسيط، وأنيق»، ~~لكنه بالكاد تركيب نقي وبسيط وأنيق على طريقة نحاتين مثل آرتشيبنكو أو برانكوشي أو ~~ديفيد سميث، أو أي عدد من النحاتين الحداثيين، لكنه من ناحية أخرى (عودة إلى مفهوم ~~الأداء المسرحي لدى فريد) ليس تمثالا بالمعنى الحرفي للكلمة، رغم أنه قد يشبه ~~التمثال، بل هو «تركيب» مثل الرفوف سهلة التركيب في حمام أي منا. # برزت كذلك النزعة التبسيطية في الموسيقى كرد فعل تجاه الحداثة (لكنها أنتجت أعمالا ~~فنية أفضل بكثير). يتشابه التبسيط هنا مع نظيره في الفنون المرئية باعتباره رد فعل ضد ~~التعقيد الشكلي وتصريحا بأن الهوس (التكعيبي، المتبني أسلوب الاثنتي عشرة نغمة) بتطوير ~~لغة الفن أصبح سمة تخص القيم النخبوية السائدة في الماضي، ويؤدي إلى تغريب تلك ~~الجماهير التي يتوق بعد الحداثيين إلى مخاطبتها. إن الموسيقى التبسيطية التي قدمها ~~كل من رايلي ورايش وجلاس ونايمان وفيتكين - والتطورات اللاحقة التي أدخلها جون آدامز ~~ومايكل تورك على هذا الأسلوب - تجعل الحد الفاصل بين ~~الموسيقى الرفيعة المستوى والموسيقى المبتذلة بلا معنى. تعتمد هذه الموسيقى عادة على ~~أنماط إيقاعية متكررة تخلو من تعقيدات اللغة والتطوير النغمي المرتبط بالموسيقى ~~الحداثية المتأخرة لدى المؤلفين الموسيقيين خلال فترة الخمسينيات أمثال بوليز وهينزي ~~وشتوكهاوزن. بالتأكيد رأى الكثيرون في المجال الموسيقي أن الموسيقى التبسيطية أتفه ~~وأبسط من أن تؤخذ بجدية؛ فقد اعتمدت نماذجها الأولى اعتمادا كبيرا على التكرار الذي ~~يأسر المستمع أو يحفزه على التأمل (لا سيما في أعمال رايش المتأثرة بموسيقى الزن ~~البوذية)، وغالبا ما اتسمت عناصرها الرئيسية بالبساطة الشديدة وبالبعد عن الأصالة (إذ ~~كانت تتبنى منهج التناص فحسب)، وتميزت بإيقاع ثابت، ورغم تعقدها الإيقاعي البالغ كانت ~~على ما يبدو ينقصها الإحساس الشخصي. # لكن مقطوعات مثل «تطبيل» (1971) و«موسيقى لثمانية عشر موسيقيا» (1974-1976) لرايش، ~~وأوبرا «نيكسون في الصين» (1987) لآدامز، ومقطوعته الأوركسترالية «هارمونيلير» (1985)؛ ~~غيرت هذا. تعكس المقطوعة الأخيرة مثالا رائعا على المزج بين الأسلوب التبسيطي ~~وشكلا ذا طابع ما بعد حداثي من أسلوب «العودة إلى الماضي». ms077 يتضح هذا المزج في الإشارة ~~إلى فاجنر في الحركة الثانية من المقطوعة، التي تحمل عنوان «جرح أمفورتاس». يتسم هذا ~~الأسلوب بتعبير شعري يوظف نغمات من خارج السلم الموسيقي المستخدم في المقطوعة، ~~يذكرنا بأسلوب شونبرج، ويتمتع بتأثير عاطفي هائل (تلك إحدى السمات المتعددة التي ~~أدخلها آدامز على الموسيقى التبسيطية). بالتأكيد، تستطيع أعمال آدامز الموسيقية البدء ~~من أسس بسيطة في جوهرها، ثم التطور إلى تكوينات ممتعة ذات تعقيد هائل تستغل الأساليب ~~البلاغية التقليدية في الموسيقى - لا سيما أسلوبي الستريتو والتصاعد الموسيقي - من ~~أجل إثارة حماس الجمهور. يطبق آدامز ذلك تطبيقا صارخا لا معقوليا في مقطوعته ~~«موسيقى البيانولا العظيمة» (1981-1982)، التي تتضمن كل هذا المزيج غير المتعالي ~~والمفتقر إلى الوعي الذاتي ما بين الموسيقى الرفيعة المستوى والموسيقى المبتذلة، الذي ~~في وسع انتقائية ما بعد الحداثة الأسلوبية تحمله، لا سيما عندما يقدم في هذا ~~العمل جزءا يطلق عليه اسم «اللحن»، وهو لحن مبتذل يدفعه مؤلفه أكثر فأكثر نحو ذروات ~~من التصاعد الموسيقي الجانح المبالغ فيه. وفي الوقت نفسه، تتداخل في المقطوعة «بمرح ~~جنوني» مجموعة من الصيغ الموسيقية المبتذلة التي لا تربطها أي علاقة ببعضها ~~ك «المارشات المدوية، وألحان البيانو التتابعية ~~البطولية (أربيجو) التي تحمل طابع بيتهوفن، والتآلفات الموسيقية الكنسية الصوفية.» يصف ~~آدامز مقطوعته - كما اقتبس عنه روبرت شفارتس الذي أستشهد به هنا - قائلا: # بينما أكتب هذا المقطوعة تعلمت آلات البيانو وصفارات الإنذار ~~الأنثوية بأصواتها التي تشبه هديل الحمام، وأبواق قصر فاهالا النحاسية، ~~والطبول النحاسية القارعة، والثالوث المسيحي، بالإضافة إلى عدد لا يحصى من ~~النغمات المنخفضة؛ التخلي عن صراعاتها والتعايش بعضها مع بعض. # كيه روبرت شفارتس، «الفنانون التبسيطيون» ~~(1996) # إنها عمل فني مضحك مثل أي عمل آخر ذكر في هذا الكتاب. # المابعدية والنضوب الثقافي # لذا طالبت العديد من أساليب فن ما بعد الحداثة الابتكارية - من خلال الفنانين ~~والمؤسسة النقدية - بتفسيرات تعتمد على تلك المفاهيم النظرية البارزة مثل الانعكاسية، ~~التي تنبع من وعي الفنان الذاتي بالمنهج والأيديولوجية الفنية، الذي يتضمن تحويل العمل ~~إلى نقد موجه إلى القيود ms078 المسيطرة سابقا على النوع الفني، ومن ثم إلى القيود ~~السياسية كذلك، حسبما يرى نقاد ما بعد الحداثة. أحد الأمثلة الممتازة على الوعي بهذه ~~العلاقة «المابعدية» مع الحداثة نجده في عمل جيف وول الذي قدمه عام 1979 بعنوان «صورة ~~للنساء»، ويعرض محاكاة بارعة للمنظور غير المباشر في لوحة مانيه «حانة في فولي برجير». ~~يظهر وول في الصورة - بينما يمسك في إحدى ~~يديه زر الكاميرا - محدقا في انعكاس في المرآة لفتاة تتخذ نفس وضع ساقية البار في ~~لوحة مانيه. لا يؤدي هذا فحسب إلى تولد علاقة معقدة وجذابة بين الشخصيتين في الصورة، ~~بل يطرح كذلك تنويعا شديد الذكاء على مراوغة «النظرة الذكورية» حسب تحليل النقاد ~~النسويين في هذه الفترة. # شكل 4-7: «صورة للنساء»، (1979) لجيف وول. (من ينظر إلى من، وبأية زاوية، ~~ولماذا؟) # علاوة على ذلك، أدى هذا الوعي الذاتي الهائل إلى ~~فكرة أن فنان ما بعد الحداثة المرئي يأتي بالفعل «بعد» الحداثة، نظرا إلى عبء التاريخ ~~الماضي (فضلا عن تعهداته السياسية والأخلاقية النازعة إلى التقليد التي أصبحت موضع ~~شبهة حاليا) والمعتقدات الجديدة المرتبطة بالتناص التي ناقشناها سابقا؛ إذ كتب على ~~أعماله أن تصبح تكرارا (أو «إعادة كتابة» أو «اقتباسا») مثل أعمال الكتاب، فهي ~~حتما نسيج متناص من الاقتباسات والاستعارات من الماضي، تشير إلى أعمال أخرى لا إلى أي ~~واقع خارجي. ومن ثم، أصبحت المفاهيم الطليعية النموذجية التي اتسمت بقدر كبير من ~~الفردية وتمتعت بالتقدير في السابق عرضة للهجوم. فكثير من فن ما بعد الحداثة المرئي ~~يبدو سهل التكرار ويتسم بالسطحية والافتقار المتعمد إلى العمق، وهو ما يتضح سريعا ~~إذا قارنا - مثلما فعل جيمسون - لوحة أندي وارهول «أحذية بلمعان الماس» بلوحة «حذاء ~~الفلاح» لفان جوخ التي تعكس (من منظور هايدجر) معرفة عميقة وكاشفة بالعالم الذي تنتمي ~~إليه. يرى الكثير أن عمل ما بعد الحداثة الفني هو في جميع الأحوال عمل هجين، ومختلط ~~أسلوبيا، ويدين للأعمال السابقة نظرا لمحاكاته لها. # أحد ردود الفعل تجاه ذلك كانت التأكيد صراحة ~~على الافتقار إلى الأصالة؛ إذ طور ms079 دوجلاس كريمب بحلول عام 1980 نظرية ~~عن تصوير ما بعد الحداثة الفوتوغرافي استنادا إلى ~~أعمال سيندي شيرمان وشيري ليفين وريتشارد برنس، ممن نالوا المديح على: # إظهار التصوير الفوتوغرافي دوما باعتباره «إعادة» تقديم لشيء شوهد دائما ~~من قبل. إن صورهم مختلسة ومصادرة ومستولى عليها و«مسروقة». وفي أعمالهم، لا ~~يمكن تحديد الأصل، فهو مؤجل دوما، وحتى الذات التي قد تولد عملا أصليا ~~تعرض كنسخة في حد ذاتها. # دوجلاس كريمب، «نشاط ما بعد الحداثة ~~التصويري الفوتوغرافي»، في 15 أكتوبر ~~(1980) # في هذا السياق، قدمت شيري ليفين نسخا تصويرية من الصور الفنية الشهيرة للفنانين ~~الذكور السابقين، مثل إدوارد ويستون، وبهذه الطريقة «استولت على» أعمالهم بهدف «تحدي ~~عبادة الأصالة»، حسب تعبيرات ليندا هتشن؛ إذ توضع «وجهة النظر الذكورية القانونية» في ~~«موضع التساؤل المتشكك» من خلال «إعادة» إنتاجها أو إعادة تشكليها إذا جاز التعبير ~~داخل الخطاب الفني الأنثوي. ترى روزاليند كراوس أن ليفين تطرح من خلال ذلك تساؤلات ~~«جذرية» عن «مفهوم العمل الفني الأصلي، ومن ثم مفهوم الأصالة»، وذلك عن طريق «خرق حقوق ~~الطبع والنشر» و«قرصنة» صور ووكر إيفانز للمزارعين المستأجرين وصور إدوارد ويستون لابنه ~~نيل (التي تزعم كراوس أنها ترجع على أي حال - في سياق التناص - إلى تماثيل الشباب ~~العراة اليونانية). وهكذا، تنجح أعمال ليفين في «التفكيك العلني لمفاهيم العمل ~~الأصلي»، و«تعمل حاليا على تجنب فرضيات ~~الحداثة الرئيسية، وتصفيتها من خلال فضح وضعها الزائف» (كتب هذا الكلام عام 1981). ~~تعتقد كراوس أن «فعل» الإلغاء والتصفية الذي مارسته ليفين لا بد من «وضعه» ضمن «خطاب ~~نسخ» ما بعد حداثي نموذجي، وهو كلام آخر محير ومضلل؛ فتلك الصور لا يمكن ~~اعتبارها «أصيلة» إلا بين النسخ الزائفة الرديئة، وهي في أعين غير المتحيزين إلى ~~النظرية مجرد نسخ مهترئة ومزعجة بعض الشيء من أعمال فنية أفضل. لكن كراوس تزيح ~~الشبهات الأخلاقية المحيطة بتلك العلاقة بين الفنانين جانبا وتطمئننا من خلال إقرار ~~وجهة نظر بارت، التي تزعم أن جميع أشكال الفن ليست سوى عمليات نسخ على أي حال. فقد ~~أخبرنا بارت أنه ms080 حتى الفن الواقعي الدقيق ليس سوى نسخ للنسخ: # إن فعل الوصف ... لا ينطلق من اللغة إلى ~~المشار إليه، بل ينطلق من رمز إلى آخر ؛ ومن ثم، فالواقعية ليست نقلا لما هو ~~حقيقي، بل نسخا لنسخة (موصوفة) ... إذ تنسخ (الواقعية) ما هو منسوخ بالفعل عبر ~~محاكاة إضافية. # رولان بارت، إس/زد، (1974) # يزداد وضوح الدافع السياسي وراء هذه النظرة عندما يقال لنا إن: # أعمال ليفين قد تعتبر كذلك هجوما ~~جذريا على مفاهيم الاقتناء والتملك الرأسمالية، وكذلك على الدمج الأبوي بين ~~التأليف وإقرار الذكورة المكتفية ذاتيا. # ستيفن كونور، «ثقافة ما بعد الحداثة»، (1989) # لكن ما الداعي لاستخدام كلمة «جذريا» هنا؟ فتعبيرات مثل «مجازيا» أو «فلسفيا ~~زائفا» أو «ذا عمق مصطنع» قد تقدم أوصافا أفضل. # لقد ساعد الهجوم على الأصالة، إلى جانب الميل إلى اعتبار الفن شكلا من أشكال إعادة ~~التقديم لأشياء موجودة بالفعل - ضمن خطاب ~~يعيد تصنيع نفسه - على تدعيم فكرة أولئك المتشككين فيما بعد الحداثة عن كون الفن ~~المرتبط بها يحمل طابعا مبالغا فيه من «المابعدية» المطلقة. ألا يحتمل أن ما يتسم به ~~من تناص هو دليل على النضوب الثقافي الناتج عن الفشل في مواجهة التحدي الطليعي الذي ~~يتطلب تقديم عمل مختلف اختلافا إبداعيا في أعقاب ملحمة الحداثة التجريبية؟ أم لعله ~~يرجع إلى إخفاق سياسي وأخلاقي في الاهتمام بما هو حقيقي في المجتمع؟ # عمارة ما بعد الحداثة # يمكننا على الأرجح ملاحظة هذا النوع من الاقتباس المختلط في أوضح صوره من خلال ~~العلاقة بين عمارة ما بعد الحداثة والعمارة الحداثية ذات الطابع البطولي السابق لها؛ ~~فإحدى السمات التي تميز معظم أعمال ما بعد الحداثة هي طابعها الهجين المقتبس عن ~~غيرها، وهو ما يتضح بدرجة كبيرة في الكتاب العظيم التأثير «التعلم من فيجاس» (1972) ~~لروبرت فينتوري، وزوجته دينيس سكوت براون، وستيفن آيزيناور، الذي يمتدح الطراز المعماري ~~لمدينة لاس فيجاس وشارع الفنادق بها؛ نظرا لتعدد مستوياتهما، واستخدامهما للمواد ~~الشائعة، وعدم مبالاتهما بمفهوم الوحدة. يتأمل فينتوري تجربة الفرجة على الشارع أثناء ~~القيادة؛ حيث «لا بد أن تعمل العين المتحركة ms081 داخل الجسم أثناء تحركه على التقاط مجموعة ~~متنوعة من الطرز المعمارية المتغيرة والمتجاورة وتفسيرها.» كذلك يزعم المعماري جينكس ~~- في كتابه ذي التأثير المماثل «لغة معمار ما بعد الحداثة» (1977) - أنه لا بد من ~~السماح «للرموز» في المباني (يستخدم جينكس لغة علم الرموز) بالدخول في صراع تهكمي بين ~~«المعاني المزدوجة» على نحو يشبه إلى حد ما موسيقى جون آدامز التي ناقشناها ~~سابقا. # شكل 4-8: جناح سينسبري في المعرض الوطني بلندن (1991)، تصميم فينتوري، مؤسسة ~~سكوت براون آند أسوشيتس. (مبنى جديد، يحاكي أساليب معمارية أقدم. أهي ~~محاكاة ساخرة؟) # تنعكس معظم تلك السمات في تصميم براون وفينتوري لجناح سينسبري (1991) التابع للمعرض ~~الوطني في لندن؛ حيث أشار المهندسان المعماريان ضمنيا إلى الأعمدة الجدارية المزخرفة ~~في المبنى الرئيسي، من خلال تجميع تلك الأعمدة في ركن مبنى الجناح ثم زيادة المسافة ~~بينها، وهو ما علقت عليه ديان جيراردو قائلة: # على الرغم من سيطرة العناصر الكلاسيكية، فإنهما يكسران قواعد الأسلوب ~~الكلاسيكي بطرق متعددة السمات، وذلك على سبيل المثال من خلال التعامل الأسلوبي ~~مع الأعمدة الجدارية المزخرفة، أو فتحات المداخل والنوافذ، وأرصفة التحميل غير ~~الكلاسيكية على الإطلاق والمقتطعة من ارتفاع المبنى على نحو يشبه أبواب ~~الكراجات؛ مما يضعف الشعور بالتأثير الكلاسيكي ويناقض المنطق المعماري الذي ~~يبرز جليا في نواح أخرى. فكل تفصيلة كلاسيكية أو عنصر وافر التكرار يقابله ~~عنصر آخر يضعف الأسس الكلاسيكية أو يناقضها؛ إذ يرى فينتوري وسكوت براون أن ~~التنوع الاجتماعي والثقافي المعاصر يستدعي معمارا غامضا وزاخرا بالتفاصيل ~~لا واضحا ونقيا. # ديان جيراردو، «فن عمارة ما بعد الحداثة» (1996) # شكل 4-9: مسرح أبراكساس، تصميم ريكاردو بوفيل. (قد تشعر بالضآلة في نسخة ما ~~بعد الحداثة هذه لقصر فيرساي. إنه تصميم يناسب الملوك، أليس ~~كذلك؟) # يؤمن المعماريون أمثال فينتوري بأن لغة المعمار الحداثي، التي تبني الشكل على أساس ~~الوظيفة، هي لغة شديدة التزمت؛ ومن ثم يجب عليها إفساح المجال أمام ما ينتجه ~~التباين والتناقض من حراك وإثارة لا شك فيها. إن عملا من هذا الطراز يفكك ذاته ~~بسهولة. # رغم ذلك، قد ms082 تتحول تلك التأثيرات المزدوجة المعنى من مزج محفز ومرض في النهاية ~~بين التقنيات الأسلوبية - كما نرى في المعرض الوطني وفي معرض ولاية شتوتجارت الجديد ~~الذي صممه ستيرلينج - إلى ابتذال رخيص أقل تعقيدا بمراحل. وذلك رأيي على أي حال في ~~تصميمات مثل مجمع «مساحات أبراكساس» السكني، للمعماري ريكاردو بوفيل الذي يحاكي الطراز ~~المعماري الكلاسيكي، مقدما ما يطلق عليه «قصر فيرساي شعبي» في مدينة مارن لا فاليه ~~(1978-1982). # البناء بأكمله يحمل طابعا متكلفا ومتضخما إلى حد بالغ التنافر والغرابة؛ ~~فالواجهات التي يكاد يغلب عليها الطابع السيريالي - بأعمدتها المهيبة - تخفي وراءها ~~مجمعات سكنية حديثة تثقل عاتقها الزخارف الباروكية الخرسانية. يعكس المبنى طرازا ~~معماريا ضخما وفاشيا يحاكي أساليب معمارية أخرى، ومن المدهش (أو ربما من المتوقع) ~~أن الكثير من أعمال بوفيل قد راقت للسلطات المحلية في فرنسا. تتجلى الثنائيات الضدية ~~بحق في هذا النموذج، لكن الإطار الإنساني وراحة الإنسان وكرامته لا تلقى هنا سوى أقل ~~عناية كما كان حالها في النموذج النقيض؛ أي في التصميمات الحداثية المتقشفة والأقل قيمة ~~للمعماري لو كوربوزييه. # الخطاب والسلطة # شهدت فترة السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين تسييسا متزايدا لحركة ما بعد ~~الحداثة الطليعية؛ فمعظم الفنانين كان لديهم تصور ما عن العلاقة بين الخطاب والسلطة من ~~منظور فوكو، وطالما جاء هذا التصور في صورة وعي بطرق توافق - أو عدم توافق - «رسائل» ~~أو دلالات الأعمال الفنية مع المؤسسات المكرسة لتدعيمها. أدى هذا إلى نقد ظاهرة ~~اعتماد الفن على «التحالف بين المعارض الفنية والمتاحف» (على غرار «التحالف الصناعي ~~العسكري»). تتمحور الفكرة هنا حول كون المتحف - بوصفه أشبه بمعبد علماني - «يضفي ~~الشرعية» على العمل الفني من خلال الخطاب شبه الديني الذي يتبناه أمناؤه ~~والنقاد/المعلقون التابعون لهم. لكن طريقة اختيارهم لمجموعة الفنانين وكتابتهم ~~لكتيبات المعارض التعريفية هي ما يهم فعليا، وكان استعدادهم للسماح بدخول هذا النقد ~~العدائي إلى المؤسسة في هذه الفترة يعتمد اعتمادا كبيرا على الدرع الفكرية التي ~~توفرها النظرية الأكاديمية. # ومن هنا، ظهر مفهوم العمل الفني بوصفه ~~نقدا للمؤسسة وبدأ استخدامه في ms083 هذا السياق، رغم أن ذلك سرعان ما اكتسب الطابع المبتذل ~~نسبيا لمحاولة إقناع من اقتنعوا بالفعل. ~~من بين تلك «المساعي النقدية» قدم مايكل أشير ما يعد أكثرها افتقارا للخيال؛ ففي عام ~~1973 استخدم جهازا يطلق دفقات من الرمال لهدم حائط في معرض توزيلي الفني في ميلان، ~~وهكذا تمكن من هدم «العمل الفني» و«المعرض» كل منهما فوق الآخر؛ «كي يكشف في الحال ~~تواطؤهما والسلطة الجبارة وغير المعترف بها عادة، التي يكتسبها المعرض عبر إخفاء كونه ~~مؤسسة ثقافية تتمتع بالهيمنة (وتفرضها)»، وهو ما تحقق ببساطة - حسب المفترض - لأنه ~~حالما نسف حائط المعرض الفني كشف عن المكاتب الإدارية القابعة خلفه. # قد تتسم بعض أعمال هانز هاكه المهتمة بالتحالف بين المعرض والمتحف بقدر أكبر من ~~الذكاء؛ فقد تخصص هانز - ضمن عدة تخصصات - في توثيق القيمة الاقتصادية للأعمال الفنية. ~~يتكون أحد أعماله الفنية (1975) من نسخة لوحة «عارضات» للفنان سورا بجوار أربعة عشر ~~لوحة مرتبة ترتيبا زمنيا، تتضمن كل منها صورة صغيرة مطبوعة لكل مالك من ملاك ~~اللوحة المتعاقبين وسيرة ذاتية قصيرة. # ومن ثم، أصبح متوقعا أن يوجه المشاهدون أنظارهم - أو بالأحرى عقولهم - إلى ما ~~وراء حوائط المعرض، إلى الظروف الاجتماعية المحيطة بالعمل الفني، مثلما ينصح طلاب ~~الأدب بالنظر فيما وراء الممارسات الجمالية الضيقة للنقد العملي أو «الجديد»، ومراعاة ~~السياق الاجتماعي للعمل الأدبي. يعرض الاقتباس التالي وجهة النظر التقليدية والكلاسيكية ~~هذه: # في ظل مناخ متطرف، لا غرابة في أن تؤدي التناقضات الرئيسية، التي شكلت ~~المحيط الاجتماعي في عصر الرأسمالية المتأخرة، إلى تحفيز إنتاج الفن ~~النقدي. # بول وود وآخرون، «الحداثة ~~على مائدة النقاش»، (1993) # بالطبع، فإن تلك «التناقضات الرئيسية» ~~ليست مجرد تناقضات منطقية - جاهزة للتفكيك - فحسب، بل هي أيضا تناقضات ماركسية تشير ~~إلى الصراعات الخفية والمكبوتة داخل المجتمع؛ ومن ثم، شجع من حضروا عروض ~~«التصوير الفوتوغرافي الجديد» على طرح أسئلة مثل: # لماذا تعتبر هذه الصورة أو تلك ذات مغزى؟ وكيف استطاعت التعبير عن هذا ~~المغزى؟ لماذا يتطلب مجتمع ما صورا معينة في أوقات معينة؟ لماذا تظهر الأنواع ~~الفنية ms084 في مجال التصوير الفوتوغرافي؟ لماذا تعتبر صور معينة ذات قيمة جمالية، ~~وكيف يحدث هذا؟ لماذا يقدم المصورون - على نحو يتجاوز براعتهم التقنية أو ~~بصيرتهم الإبداعية - صورا تحمل رسالة عن العالم الاجتماعي؟ ما المعاني ~~السياسية المرتبطة بالتصوير الفوتوغرافي؟ من يتحكم في آلية التصوير ~~الفوتوغرافي في المجتمع المعاصر؟ # ليندا هتشن، «سياسات ما بعد ~~الحداثة»، (1989) # طرحت هذه الأسئلة المهمة ذاتها على ~~جميع أنواع الفنون؛ على الرواية والشعر والمقطوعات الموسيقية. فقد أبدى النقاد عداءهم ~~لظاهرة افتقار فن الماضي إلى البصيرة (بصيرتهم) السياسية، وهو ما شجع المبدعين في ~~مجال الإعلام على إنتاج كم كبير من الفن القلق نسبيا «الصائب من المنظور ~~السياسي»، الذي انحاز إما علنا وإما عبر تضمينات نظرية إلى القضايا السياسية التي ~~يتجلى نبلها للجميع. ولم يقتصروا على مهاجمة فكرة الفن باعتباره أحد المقتنيات ~~الممتعة والباهظة الثمن لدى «البرجوازيين» الأثرياء (على سبيل المثال، من خلال تقديم ~~أعمال بسيطة ورخيصة وقبيحة «تتحدى السوق»، وتنتمي للأسلوب التصوري)، بل قدموا كذلك ~~فنا يتوافق مع المبدأ الأخلاقي الموضح بالأعلى ويدعم النسوية، أو المجموعات ~~الهامشية، أو الهويات المعلنة والقائمة على النوع والميول الجنسية والأصول ~~العرقية. # إن الكثير من الأعمال الفنية السياسية في حقبة الحداثة - وبالتأكيد تلك التي ~~أنتجتها الأنظمة الشمولية - كانت أعمالا واقعية إلى حد الملل، وخاضعة خضوعا بالغ ~~الوضوح لأيديولوجيات كلية. لكن الفن السياسي في عصر ما بعد الحداثة - بوصفه مكرسا ~~فعليا لمفاهيم «الاختلاف» و«التشكيك» وغيرها من المفاهيم المشابهة - هو بالقطع فن ~~«طليعي» على نحو يجسد الخلاف والانشقاق لا المطالبة بالتضامن الجماعي. بهذه الطريقة، ~~حولت ما بعد الحداثة المناشدة الأخلاقية بالاعتراف باستقلال «الآخر» إلى تصريحات ~~مفككة للغاية حول التهميش والاختلاف، و«تفكيك» للاتجاهات المهيمنة، وهجمات على ~~الأحكام النمطية، وغيرها. كثيرا ما تحدى فنانو ما بعد الحداثة تلك القوالب النمطية ~~عن طريق تقديمها في شكل محاكاة ساخرة، كما نجد - على سبيل المثال - في الصور العارية ~~التي التقطتها ليندا بنجليس لنفسها، من بينها صورة لها (1974) في وضعية مثيرة جنسيا، ~~ترتدي فيها نظارات داكنة اللون وتمسك بيدها قضيبا اصطناعيا ضخما ذا ms085 طرفين. تهدف ~~الصورة على الأرجح إلى تقديم محاكاة ساخرة - مصطنعة ومتهكمة - لقوالب الإعلام النمطية، ~~لكنها كذلك «تستخدم» تلك القوالب، مثلها مثل العديد من الأعمال الفنية من هذا النوع. ~~فتلك الصورة هي صورة مثيرة جنسيا جذابة في أعين الرجال. نلاحظ هذا التأثير المزدوج ~~ذاته في المحاكيات الأدبية الساخرة، كما في الكتابة التي تدمج الأسلوب الإباحي في إطار ~~هزلي مستغلة القوالب النمطية، والتي نجدها في الروايات التجريبية؛ بدءا من «بيت ~~الموعد» لروب جرييه (1965)، وانتهاء ب «حفلة جيرالد» (1986) لروبرت كوفر. # تعرض الأعمال النسوية التالية الأمثلة الرئيسية التي سأقدمها في هذا السياق؛ لأنها ~~غالبا ما تتمتع بميزتين متناقضتين إلى حد ما؛ ألا وهما الانغماس في نظرية ما بعد ~~الحداثة، وتبني الأهداف الأخلاقية الواضحة نسبيا ضمن موضوعها. في بدايات هذه ~~الحقبة، كان الكثير من هذه الأعمال الفنية مجرد تصريحات سياسية بسيطة، مثل قصيدة ~~«انتظار» لفيث وايلدنج (1972)، وهي مقطوعة أدائية حيث تجلس وايلدنج على كرسي وتسرد ~~الأحداث التي تنتظر المرأة حدوثها، أو «أبجدية المطبخ» لمارثا روزلر (1975)، وهو مقطع ~~فيديو يصورها بينما تسمع الأبجدية، وتعطي مثالا على كل حرف عبر أدوات المطبخ ~~موضحة كيفية استخدامها، لكن تضطر في نهاية المطاف إلى التلويح بالسكين في الهواء ~~راسمة بقية الحروف الأبجدية. # هوجمت الكثير من الأعمال الفنية النسوية التي أنتجت لاحقا في أوائل السبعينيات ~~نظرا لأسلوبها المستقى من «الفلسفة الجوهرية»؛ أي بسبب تقديمها افتراضات حول ~~الاختلافات بين الجنسين تتجاهل التركيز ما بعد الحداثي على ما تتسم به الهوية من طبيعة ~~أكثر سيولة وخاضعة للتشكيل الاجتماعي. يطرح عمل «حفل العشاء» لجودي شيكاجو وأخريات ~~(1973-1979) مثالا جيدا على ذلك؛ إذ تضمن العمل طاولة مثلثة مفرغة من المنتصف تضم ~~39 مكانا مجهزا بأدوات المائدة. يحوي كل مكان طبقا صينيا خزفيا معقد التكوين، ~~وغطاء طويلا مطرزا، وكأسا خزفية، وسكينا، وشوكة، وملعقة، ويعكس صورة رمزية ~~لنساء بارزات في التاريخ أو الأساطير. صممت الأطباق على شكل مهبل (يشبه شكل ~~الفراشة)، بينما تتكون الأرضية من 2300 بلاطة تحمل 999 اسما إضافيا. ساهمت أربعمائة ~~امرأة في صنع هذا ms086 العمل، وقد أصبح يحتل موقعا مركزيا في تاريخ الفن النسوي. يرمز ~~العمل بدقة إلى الطموح النسوي نحو الاسترداد التاريخي، ويتحدى كذلك هيكل الآلهة ~~(البانثيون) الخاضع للهيمنة الذكورية من خلال تقديم بديل. لكن تصميمه وأسلوبه الهابط ~~فنيا أدى في رأي البعض إلى إضعاف أهدافه الأكثر جدية. أوليس من المزعج تقديم تلك ~~النظرة المنتمية إلى «الفلسفة الجوهرية» التي تسمح لمجاز يعتمد على صورة عضو المرأة ~~التناسلي بأن يرمز إلى النساء؟ # دافع البعض لاحقا عن استخدام هذا المجاز باعتباره ردا على التصورات الفرويدية ~~الشائعة للنساء بوصفهن «يفتقرن» إلى القضيب وما يتصل به من دلالات قوية (وهو تصور ~~يقدم في حد ذاته افتراضات فاسدة ومعادية للمرأة إلى حد مذهل، استقاها فرويد على ما ~~يبدو من شوبنهاور وغيره حول انعدام أهمية الاستجابات الجنسية الأنثوية في جوهرها). ~~بينما رأى آخرون أنه يختزل النساء إلى حد كبير في تكوينهن البيولوجي. يعتمد اختيار رد ~~الفعل هنا اعتمادا واضحا على المعركة التي تخوضها، ولا يتعلق كثيرا بمزايا «حفل ~~العشاء» باعتباره هيكلا للآلهة. # شكل 4-10: «حفل العشاء»، (1979) لجودي شيكاجو. (اجتماع نسوي: لكن هل قيدت ~~هويات المشاركات عن طريق المجاز المستخدم في «تمثيلهن»؟) # مثال آخر على الأسلوب الجوهري المميز للفن النسوي نجده في عروض كارولي شنيمان ~~الأدائية، وقد قدم ديفيد هوبكنز وصفا جيدا لأدائها في عرض يدعى «لفافة داخلية» ~~(1975): # يتضمن [العرض] وقوفها عارية أمام الجمهور بينما تخرج تدريجيا من مهبلها ~~لفافة ورقية تقرأ منها تقريرا ساخرا حول اجتماع مع «مخرج بنيوي» انتقد ~~أفلامها لما فيها من «اضطراب شخصي» و«سطوة للمشاعر». من جانب، يتناول أداء ~~شنيمان مفهوم استيعاب النقد داخليا، لكنه قد يدعم كذلك اهتماما نسويا ~~«جوهريا» بالكتابة النسائية؛ إذ اقترحت هذه الصيغة من النظرية النسوية ~~الفرنسية - التي تبنتها كاتبات مثل هيلين سيكسو - أن تستخدم النساء «لغة» تسبق ~~الطور الأوديبي (ومن ثم، تعادي الذكورية ضمنيا) وتعتمد على نبضات ~~الجسد. # ديفيد هوبكنز، «ما بعد الفن ~~الحداثي: 1945-2000»، ~~(2000) # تدين أعمال سيندي شيرمان اللاحقة بالفضل إلى الفن الشعبي لكنها تتمتع بتأثير أقل ~~مباشرة، على سبيل ms087 المثال يتسم عملها الفني المعروف باسم «#228» (1990) - وهو عبارة عن ~~محاكاة فوتوغرافية ضخمة وهابطة فنيا لشخصية جوديث التوراتية - بطابعه الشعبي بل ~~وبأسلوبه السينمائي. يقدم العمل محاكاة ساخرة للوحات الزيتية الضخمة التي جسدت ~~هذا الحدث في عصر النهضة، والتي كانت تعبر بالطبع (باستثناء اللوحات الرائعة ~~للرسامة أرتميزيا جينتيليسكي) عن «ثقافة الرجال الرفيعة المستوى»، وبالتأكيد عن بعض ~~من مخاوفهم حيال فقدان رجولتهم كذلك. صرحت شيرمان بأنها أرادت تقديم عمل «في وسع أي ~~شخص عادي الإعجاب به ... كنت أرغب في محاكاة شيء من الثقافة وفي السخرية منها في الوقت ~~ذاته.» يرى نسويو ما بعد الحداثة أن عملا مثل هذا «يطرح قضايا»، حول موضوعات مثل ~~«التنكر وهوية الأنثى، والقوالب النمطية النسوية في التصوير المرئي، والمشاهد ~~المتأثر بالمفاهيم الجنسانية، وجسد الأنثى والفيتيشية، ومنظور الرجل، ومنظور الأنثى ... ~~إلى آخره»، على حد قول وود. (لكن بالنسبة إلى الآخرين ممن لا يتبنون النظرية التي ~~تنتج مثل هذا النوع من التفسيرات، فقد يتمتع العمل بتأثير أقل بكثير.) # شكل 4-11: «بدون عنوان، #228» (1990) لسيندي شيرمان. (المحاكاة التمثيلية ~~والتهديد بالإخصاء: هل قصة جوديث هي أيضا قصة سيندي شيرمان؟) # من ناحية أخرى، تتسم أعمال باربارا كروجر الفوتوغرافية بتعقيد أكثر نسبيا وميلا ~~أوضح إلى الجانب النظري؛ فهي تقتطع صورا من المجلات، ثم تكبرها وتقصها وتصلها ببعضها ~~ببعض، مضيفة إليها نصوصا، بأشكال تعكس خبرتها كمصممة مجلات. وتصور تلك الصور ~~التي أجري لها مونتاج فوتوغرافي كوحدة متكاملة وتحاط بإطار أحمر اللون (يشبه المستخدم ~~في أعمال الفنان رودشينكه). تقدم الصور محاكاة ساخرة للإعلانات، تهدف إلى التحريض على ~~نقد «العلاقات بين التصميم التجاري وتشكيل الثقافة لحياة الأفراد»، حسبما وضحت كروجر ~~لمجلة «ذا نيويورك تايمز». فهي تساعدنا في فهم آلية عمل الصور داخل المجتمع - من خلال ~~تقديم نقد نسوي للتصوير - لأنها صور للنساء كما شكلهن الإعلام الخاضع للسيطرة ~~الذكورية، الذي يحدد كيف ترى النساء أنفسهن. تهدف الأعمال المماثلة إلى فضح القوالب ~~النمطية التي تخلد توازن القوى السائد بين النساء والرجال. وفي أثناء ذلك تتحدى ~~«نظرة الذكر» الفعالة، وتسعى إلى تمكين ms088 نظرة الأنثى التي ما زالت سلبية حتى الآن. ~~يتجسد هذا في صورة أخرى من صور كروجر («بلا عنوان»، 1981) تصور من منظور جانبي ~~تمثالا نصفيا كلاسيكيا لامرأة، وتحمل عبارة «نظرتك ترتطم بجانب وجهي». تعكس ~~العبارة غموضا متعمدا؛ إذ تثير أسئلة مثل نظرة من؟ نظرة أي رجل؟ ولماذا «ترتطم»؟ ~~وهل هو موجه ضد النظرة الدينية المقدسة، الكلاسيكية، والذكورية للمرأة، كما يعبر عنها ~~التمثال؟ وغيرها من الأسئلة. كذلك تساعد النصوص المضافة إلى صور أخرى في تفكيك ~~الادعاءات المرتبطة بالنزعة الاستهلاكية، في الإطار البسيط الذي يركز على «إظهار ~~التناقضات»، كما نجد - على سبيل المثال - في صور «ابتعني وسأغير حياتك» (1984) أو «أنا ~~أتسوق إذن أنا موجود» (1987). # رغم ذلك، أشار البعض إلى أن صور كروجر تقع في حد ذاتها فريسة لتناقضاتها (وفقا لعدد ~~من وجهات النظر النسوية)؛ لأنها تتمتع بنفس جاذبية الإعلانات التي تقدم محاكاة ساخرة ~~لها. ونتيجة لذلك، انتقدت الصور لفشلها في التمتع بتأثير سياسي كاف. أهي نقد للمشهد ~~الاستهلاكي أم جزء منه؟ وعلاوة على ذلك، تعكس الصور نوعا من الإبداع الشكلي الحداثي ~~العتيق؛ ومن ثم انتقدت كروجر على «الجمال التصويري» لأعمالها، فضلا عن عرضها لتلك ~~الأعمال في معرض فني تجاري. # إن الخيارات المتاحة هنا كما اقترحت في السابق تنحصر في أحد أمرين: إما الاندماج ~~في الخطابات المهيمنة ومحاولة تعديلها من الداخل، وإما قبول التهميش علنا ثم محاولة ~~زحزحة الأطراف إلى أن تحتل موقع المركز. # شكل 4-12: «بلا عنوان (نظرتك ترتطم بجانب وجهي)» (1981)، لباربارا كروجر. (فن ~~يحمل رسالة: إلى أي مدى تتسم نظرة الذكر بالعنف؟) # الفن والسياسة # تتمتع جميع الأعمال الفنية تقريبا التي ذكرتها بهذا الطابع المعارض النقدي الذي ~~ركزت عليه فيما سبق، لكنها على ما يبدو ~~احتاجت - وبالتأكيد التمست - دعم النقاد ~~المؤسسي كي تحظى بأي اهتمام، وهو ما لاحظه كثيرون من بينهم بينجامين بوكلو: # إحدى وظائف النقد الأخرى حاليا هي دعم ونشر الوعي بتلك الممارسات الفنية ~~المقاومة والمعارضة التي يطورها حاليا فنانون من خارج منظور السوق المهيمن ~~والاهتمام المؤسسي. # بينجامين بوكلو، «نظريات حول الفن ms089 بعد ~~التبسيطية والفن الشعبي»، من كتاب «مناقشات حول ~~الثقافة المعاصرة» تحرير إتش فوستر، ~~(1987) # لكن هذا وحده لن يكفي؛ فالعمل الفني بمفرده - سواء على الحائط أو في معرض فني أو حتى ~~في الهواء الطلق كما في «فن الأرض» أو «فن الموقع» - لا يقدم فعليا مشاركة متميزة في ~~الجدل السياسي (ومن ثم، لا يشكل حليفا جيدا حقا للنقاد). يرجع ذلك إلى أن الجدل - ~~على عكس ما يروج له دعائيا - يتطلب طرفين قادرين على تقديم مبررات مفصلة وواضحة ~~لمواقفهما لا طرفا واحدا، وما يحقق تقدما فعليا هو التفاوض حول أوجه النزاع لا ~~الاكتفاء بإطلاق الشعارات المفاهيمية. وهكذا، قد يزعم المرء أن كروجر ظلت مرتبطة ~~بالأولويات البرجوازية بقدر ما ظلت دعوتها مقتصرة في الواقع على التمكين الفردي، وأن ~~ذلك الجزء من العمل الفني المقبول ثقافيا واجتماعيا - كما في أعمال هاكه - يكتفي ~~فقط بتذكيرنا بوجود أشخاص صالحين وآخرين فاسدين - رغم أنه يبدو وكأنه «يخاطب» القضايا ~~الأكبر مثل السيطرة السياسية والعدالة الاجتماعية - وأن بعضا من الفاسدين هم ذكور أو ~~تجار فن، أو تجار عقارات، أو مديرو شركات ضخمة، أو تجار سلاح ... إلى آخره. # يعتمد هذا كله بالطبع على فكرتك عن الموقع الذي يحقق أكبر فائدة للجدل والنشاط ~~السياسي. بالنسبة إلى بعض فناني ما بعد الحداثة ومنظريها (وبعض ~~النسويين ممن يزعمون أن «الشخصي هو ~~السياسي»)، يمكن تحقيق تلك الفائدة في «أي مكان». لكن الفنانين المنتمين للفن المرئي ~~نادرا ما «يقدمون معلومات» إلى الناس عن السياسة عن طريق الإدلاء ب «تصريحات» سياسية ~~(رغم أن بوسعهم ذلك)، وعادة ما يعبرون صراحة أو ضمنا عن أفكار بسيطة للغاية لمن ~~اقتنعوا بها بالفعل، فأعمالهم لا تتسم على الإطلاق بالتعقيد الذي يبرز في هذا السياق ~~حتى في الأعمال الجماعية الأشهر من الفن السياسي، التي تتميز بوجود حوار فعلي، مثل فيلم ~~سبيلبرج «قائمة شيندلر». إذا كان العمل السياسي يعتمد على الإقناع البلاغي، فإن فنون ما ~~بعد الحداثة المرئية قد عجزت على نحو لافت للنظر عن تقديم هذا الإقناع، باستثناء بعض ~~الأحيان التي تحقق ms090 فيها هذا الإقناع نتيجة استخدام الأساليب الدعائية القديمة المستهلكة ~~التي تقحم المعلومات في عقولنا من خلال وسائل أولية تعتمد على المحاكاة، حتى لو ~~غلفتها السخرية من آن لآخر. لا يمل نقاد ما بعد الحداثة الماركسيون من إخبارنا بأن ~~الفن الواقعي الذي يعبر عن موقف نقدي معين تجاه الواقع هو الأفضل في الإطار التقدمي ~~الفعال؛ وذلك تحديدا لأن في وسعه تزويدنا إلى حد ما بالمعلومات إلى جانب محاولة ~~إقناعنا. لكن تلك الأساليب المكشوفة - كما شهدنا من قبل - لا تحتكم إلى معايير ما بعد ~~الحداثة فيما يخص آليات التصوير الفني في هذه الحقبة. # يعبر روبرت هيوز عن هذا الرأي بكلمات قوية لا ~~تعرف المجاملات: «إن ما يغير الآراء السياسية فعليا هي الأحداث، والنقاشات، والصور ~~الصحفية، والتليفزيون.» قد يتناول الفنانون «قضايا» العنصرية، والتحيز الجنسي، والإيدز، ~~وغيرها من القضايا، لكن: # استحقاقات الفنان أو الفنانة لا تقترن بجنسه، أو أيديولوجيته، أو ميله ~~الجنسي، أو لون بشرته، أو وضعه الصحي، كما أن تناول إحدى القضايا لا يعني ~~بالضرورة مخاطبة الجمهور ... إن الفن السياسي الذي نشهده حاليا في أمريكا ليس ~~سوى سلسلة طويلة من محاولات إقناع من اقتنعوا بالفعل. # روبرت هيوز، «ثقافة التذمر» (1993) # كان هيوز محقا أيضا عندما أشار إلى أن مشكلة الكثير من تلك الأعمال الفنية ~~السياسية هي افتقارها فعليا إلى الأفكار الجيدة؛ إذ غالبا ما تتضمن أفكارا تافهة أو ~~ساذجة لا تثير لدى أي منا عمليات تفكير معقدة أو خارجة عن المألوف إلى حد كبير. ~~على سبيل المثال، «عمل الفنانة جيسيكا دايموند الذي يتكون من علامة يساوي تلغيها علامة ~~تقاطع، ومكتوب تحتها بخط خفيف «غير متساو تماما». أي شخص يظن أن هذا الشكل البياني ~~قد يساهم بأي أفكار جديدة تدعم فهم المرء لقضية الامتيازات في الولايات المتحدة لمجرد ~~احتلال مساحة على حائط في أحد المتاحف ليس سوى واهم.» فعلى أفضل الأحوال، يقتصر ذلك ~~النوع من الفن «في الأساس على تناول فكرة عادية إن لم تكن بديهية - مثل «العنصرية سلوك ~~خاطئ» ... - ثم تشفيرها على نحو غاية ms091 في الالتواء بحيث يشعر المشاهد عندما يتمكن من ~~ترجمتها ببريق الانضمام إلى ما نطلق عليه «خطاب» عالم الفن» (روبرت هيوز، في العمل ~~المستشهد به). # قد ينتقد العمل الفني المجتمع ومؤسساته ، وينتهي به الحال رغم ذلك معروضا في ذلك ~~المجتمع، ومبيعا لتاجر، ومكتسبا شرعيته غالبا من آراء مؤسسة فنية تابعة للطبقة ~~الوسطى. فذلك النقد المجتمعي لم يمنع عرضا قدمه جيلبرت سيلفرمان بقيمة 90 ألف دولار ~~مقابل عمل من أعمال هاكه - يدعى «دهن اجتماعي» - على الرغم من أن العمل يهزأ ~~بالشخصيات البارزة في عالم السياسة والأعمال من خلال اقتباس أقوالهم التي تدافع عن ~~الفنون باعتبارها «مشحمات اجتماعية» ووضعها على لوحات معدنية منفصلة. لا ينطوي الأمر ~~على مفارقة مثلما يبدو؛ فالمجتمعات الليبرالية قضت ما يزيد عن قرن من الزمان في استيعاب ~~الأعمال الفنية التي تعاديها. وبوجه عام، ومع بعض الاستثناءات الشهيرة، لا تخضع تلك ~~المجتمعات الفنانين للرقابة أو تعمل على الحد من تأثيرهم، بل تحمي حقهم في التعبير. ~~(رغم أن الأعضاء غير الليبراليين في المجتمعات الليبرالية يحاولون الإطاحة بهذه ~~الفرضية، كما حدث في فضيحة مايبلثورب، عندما أثير النقاش حول التمويل الفيدرالي الذي ~~قدم لمعرض ضم بعضا من صوره التي تتناول العلاقات السادية المازوخية بين ~~المثليين.) # مع ذلك، ما تزال البنى الاجتماعية والقانونية الأساسية في تلك المجتمعات التي ~~أتناولها هنا ليبرالية دون شك. حتى وإن كانت المؤسسة هي التي تدعي الشرعية أولا لا ~~العمل الفني، فإن ما يهم عقب ذلك هي القيمة التي يحظى بها مشاهد العمل الفني الفردي ~~على المدى الطويل، التي تتجاوز «البيان» الصادر عن عرض فني ما. لا يوجد ما هو أقدم ~~ولا أكثر مللا من الأخبار النسوية والتصورية التي شهدناها في بضعة العقود الأخيرة؛ ~~فغالبا ما يبدو عمل ما بعد الحداثة العقائدي الواضح أكاديميا إلى حد تعجيزي في هذا ~~الإطار. يوجد اختلاف كبير بين ما بعد الحداثة المذهبية وهذا النوع من الفن المعاصر الذي ~~في وسعه تقديم محفز فكري يمتد لفترة أطول مما يدرك الكثير من نقاد ما بعد الحداثة ms092 ~~على ما يبدو. بالطبع، يجب على الأعمال الفنية «إثارة الشكوك»، أليس هذا ما فعله المسرح ~~التراجيدي بدءا من «أنتجوني» وانتهاء ب «هيدا جابلر»؟ لكنها في حاجة إلى تحقيق ذلك ~~بطرق أكثر تعقيدا وثباتا مما نلاحظه في أحدث أعمال ما بعد الحداثة الفنية. # إن نظرية ما بعد الحداثة التي تبناها الكثير ~~في الحركة الفنية الطليعية كانت نسخة من الفلسفة - وسياستها وتاريخها - التي وضحتها ~~في الفصول السابقة. تدعو هذه النظرية إلى الهجوم على الامتياز وشروطه المرتبة هرميا ~~- ومن بينها الشكلية المرتبطة بالحداثة - وهدمهما، وإلى الارتياب في السرد المنظم وفي ~~المركز، وفي الشروط المتعالية لتحقيق القيمة. توجب كذلك الشك في صدارة الحضارة ~~الغربية (وأي تنظيم مميز يرجع إليها). في أغلب الأحيان، كان الهدف من ذلك يستحق ~~الإعجاب من الزاوية الأخلاقية، وهو النظر بعين الاعتبار إلى المهمشين والمقموعين ~~والمستبعدين والدفع بهدم القيم المهيمنة أو عكسها. كان ذلك بالتأكيد دافعا ليبراليا ~~تقليديا، لكنه برز تحت رعاية نظرية متزعزعة. على سبيل المثال، من غير الواضح إن كان ~~عمل تفكيكي حقيقي مثل كتابات دريدا يمكن أن يتبنى أيا مما قد يعتبر موقفا سياسيا ~~فعالا وثابتا، على الرغم من أفكار دريدا الأخيرة. # وقعت الفنون المرئية كذلك أسيرة الفكر التناقضي ~~الذي يزعم أن «كل شيء» هو نص محتمل. وهيمنت هذه النظرة التي تحول العالم إلى نص - ~~كما هو معتاد في كتابات دريدا وبارت - على الفرضية الدافعة بأن جميع أشكال التفكير ~~لغوية نوعا ما؛ مما أدى إلى استبعاد جزء كبير من استجابتنا غير اللغوية للفن في الماضي ~~- مثل الاستمتاع ببساطة بملمس اللوحة أو ألوانها أو علاقتها الشكلية - إما باعتبارها ~~تأثيرات جانبية منبوذة لمبدأ المتعة المرتبط بالحداثة الشكلية البالية، وإما طلبا ~~للتحرير والخلاص من خلال تقديم شكل من أشكال الارتباط اللفظي المفاهيمي النظري ~~المناسبة. وهكذا، أصبح من المحتم اعتبار كل ~~شيء - بدءا من الأثاث وحتى الملابس ~~والمباني - جزءا من «لغة» يمكن تقصي بنيتها الاجتماعية، ثم إبراز قابليتها لنوع من ~~التعطيل أو الإلغاء، بعيدا عن التنظيم الهرمي المشبوه الذي حظيت به في ms093 المجتمع ~~«البرجوازي». وإذا كان كل شيء هو جزء من اللغة، وإذا كانت اللغة تنتثر ببساطة، وإذا ~~كانت خطابات الفن - مثلها مثل خطابات الطب والقانون وعلم العقوبات وغيرها - تتجاوز ~~الفرد؛ فإن مفاهيم التأليف والإبداع والأصالة هي أيضا موضع ريبة ولا يمكن اعتبارها ~~«مميزة». # انتشر هذا الميل ذو التأثير الديمقراطي السخي، الذي رأى أن القارئ والطالب يسبحان في ~~نفس الفضاء اللغوي الذي يسبح فيه الكتاب الروائيون العظماء. ومن ثم، فهم بالمثل ~~في موقف يتيح لهم الهيمنة على النص من خلال التفسير. ولدواعي المفارقة، فقد اضطلع بهذا ~~الدور عدد من النقاد الثقافيين ذوي الطابع الخاص الذين يتميزون بتسلطهم الشديد ~~وبارتفاع رواتبهم. وهكذا، أصبح تفسير العمل الفني من خلال المزاج الفردي، أو التجربة ~~التي أنتجته، أو جانب الواقع الذي حاول نقله؛ اتجاها باليا. # تنبع من هنا - على سبيل المثال - هجمات ما بعد الحداثة على الرسم «التعبيري الجديد» ~~الذي برز في ثمانينيات القرن العشرين. وهو خلاف يستحق التحليل هنا؛ لأنه يوضح وجود ~~اتجاهات منافسة فعالة لما بعد الحداثة، وأن عددا من أبرز أتباع ما بعد الحداثة ~~هاجموا تلك الاتجاهات مستخدمين مصطلحات سياسية واضحة، فلم يكتفوا بنعت الرسم التعبيري ~~الجديد في ألمانيا والولايات المتحدة بأنه معبر «تصويريا» وذو تأثير عاطفي واضح، بل ~~زعموا أنه «فضل» المفهوم الهرمي العتيق الطراز لفن الرسم في حد ذاته. # كان من الواضح تماما أن الفنانين التعبيريين الجدد ~~الأمريكيين - مثل جوليان شنوبل وديفيد سال ~~وإريك فيشل - اتحدوا أو تشابهوا مع الفنانين الأوروبيين أمثال ساندرو كيا وفرانشيسكو ~~كليمنته وجيورج بازليتس ويورج إيمندورف وأنسيلم كيفير وبي إيه آر بينك ممن ينتمون ~~بوضوح إلى التعبيرية الألمانية الحداثية. وزد على ذلك أن أولئك الفنانين وسعوا هذا ~~الاتجاه التعبيري بدلا من هدمه أو محاكاته محاكاة ساخرة أو «نقده». وفي أثناء ذلك، ~~أعادوا إلى الفن السمات الحسية والشعورية التي تعرضت للإقصاء بسبب تزمت نظرية ما بعد ~~الحداثة. يمكننا اعتبار فيشل - على سبيل المثال - رساما رمزيا تعبيريا، بناء ~~على أسس نفسية لا تدين بشيء إلى ما بعد الحداثة، حتى ms094 وإن كانت نفسية شخصياته المشوهة ~~نسبيا واغترابها الظاهري تدين على نحو واضح بشيء لمناخ أفكار ما بعد الحداثة الأكثر ~~شمولا والمتمحور حول السرد. وعلى نحو مماثل، يمكن اعتبار رسامين مثل جنيفر بارتليت ~~وروبرت كولسكوت ونيكولاس أفريكانو وإليزابيث موري يحيون الاتجاهات الماضية في الرسم ~~الحداثي؛ فقد أجازوا لأنفسهم مخاطر المنافسة مع الماضي وتوسيع اتجاهاته على نحو أكثر ~~مباشرة، على سبيل المثال قد يرى البعض بارتليت خليفة مونيه. # شكل 4-13: «قصتها»، (1984) لإليزابيث موري. (هل في وسع موضوعات ما بعد الحداثة ~~الرئيسية، التي تتمحور حول الهوية، التصالح مع أنماط التعبير ~~الحداثية؟) # تعرض التعبيريون الجدد - والرسامون التجريديون الذين دافعت عنهم الناقدة ~~باربرا روز - للهجوم من قبل مجموعة «‏أكتوبر» ما بعد الحداثية التي أعلنت «نهاية ~~الرسم» في مقال كتبه دوجلاس كريمب (عام 1981). رأى كريمب أن إعجاب روز باتجاه (حداثي) ~~متواصل يتسم ب «الرجعية»؛ فهو: # يقع على طرف النقيض من الأعمال الفنية التي أنتجت في الستينيات والسبعينيات ~~... والتي سعت إلى تحدي أساطير الفن الراقي وإعلان أن الفن - مثله مثل كل أشكال ~~الاجتهادات الأخرى - مرهون بالعالم التاريخي الحقيقي. # شكل 4-14: «الجدة والرجل الفرنسي» («أزمة هوية»)، (1990) لروبرت كولسكوت. ~~(ألا يتطلب التعبير عن الهوية الشخصية سردا وأسلوبا ~~واقعيا؟) # علاوة على ذلك، هاجم كريمب في هذا السياق «أسطورة الإنسان وأيديولوجية الإنسانية التي ~~تدعمه»؛ لأنهما «مفاهيم تساند الثقافة البرجوازية المهيمنة. وتمثل في حد ذاتها علامات ~~على الأيديولوجية البرجوازية.» ومن ثم، هوجم الرسم التعبيري الجديد على موقفه ~~المتحفظ من الناحية السياسية؛ لأن الفنانين يجب ألا يشيدوا عوالم بديلة ممتعة في ~~الأعمال الفنية، بل عليهم طرح تساؤلات حول الطريقة التي شكلهم بها العالم وخطاباته، ~~ويفضل أن يتوصلوا إلى استنتاج يفيد بأنه شكلهم في صورة ضحايا. حظي نقاد ما بعد ~~الحداثة بأهمية تفوق أهمية الفن أو الفنانين؛ حيث إنهم انشغلوا بما بدا لهم مقبولا على ~~المستوى السياسي أو المؤسسي، مع أن أي شخص لديه إدراك ينبغي أن يرى بوضوح ما تتسم به ~~الأساليب الأكاديمية الأولية التي كانوا يستخدمونها من بساطة شديدة في الواقع، وسهولة ms095 ~~التوصل إليها إذا ما تمتع المرء بتعليم جيد وبمستوى معين من الإقناع البلاغي. وهي ~~متطلبات تقل بمراحل عن مستوى الموهبة الذي كان مطلوبا لإنتاج أي نوع من الأعمال الفنية ~~في الحقبة السابقة، لكن هدفها الرئيسي هو تأسيس معارضة نقدية، تدعمها النظرية الحالية. ~~يمكن اعتبار قدر كبير من نقد ما بعد الحداثة انتقاما سياسيا توجهه الأكاديمية نحو ~~أساليب الفن الرئيسية ووسائل إمتاعه؛ ومن ثم، يمكن اعتباره أيضا - كما سأزعم فيما بعد ~~- دفاعا عن أسلوب محدود للغاية داخل الفنون الأدبية والموسيقية والمرئية المتنوعة ~~تنوعا استثنائيا في هذه الفترة، وسأتناول هذا السياق الأشمل في الفصل التالي. # الفصل الخامس # | «حالة ما بعد الحداثة» # الثقة في الحقيقة # يمكن تلخيص أحد الأفكار الرئيسية في جميع ما سبق تحت مسمى «ضياع الواقعية»، الذي ~~صحبه ضياع إدراك يعول عليه للتاريخ الماضي. وقد أشار فريدريك جيمسون بالفعل إلى طابع ~~يميز ما بعد الحداثة؛ ألا وهو «اختفاء الوعي بالتاريخ» في الثقافة، وتوغل اللاعمق، ~~وسيادة «حاضر أبدي» حيث تلاشت ذكرى التراث. يؤمن العديد من أتباع ما بعد الحداثة بأن ~~ثمة مكونا ما في حالة المجتمع ذاتها هو ما أدى إلى ذلك. # كما شهدنا من قبل، يهاجم جزء كبير من ~~تحليل ما بعد الحداثة السلطة والمصداقية في الفلسفة والسرد وعلاقة الفنون بالحقيقة. ~~ويرتبط كل هذا النشاط التشكيكي بعلاقة معقدة، لا مع مواقف الأكاديميين والفنانين فحسب، ~~بل كذلك مع ما اعتبر أنه فقدان أوسع نطاقا للثقة داخل الثقافة الديمقراطية الغربية، ~~نتج عن العداء اليساري للألاعيب الخفية التي تمارسها «الرأسمالية المتأخرة»، والاعتقاد ~~العام تقريبا - السائد حتى بين أشد ~~الليبراليين تفاؤلا - بأن الأخبار الحقيقية هي في أغلب الأحيان خاضعة لتلاعب الصور، ~~وأن بث المعلومات الأساسية دائما ما يحرف وتشوه حقائقه بفعل الشركات التجارية ~~التي تحمي مصالحها، وحتى الأحداث الجارية ~~المروعة - التي تتسبب في معاناة لا يمكن تصورها للأفراد مثل حرب فيتنام وحرب الخليج - ~~قد أصبحت بطريقة ما مجرد «أحداث ممسرحة لوسائل الإعلام تدور على شاشة التليفزيون» ~~في مشاهد تجمعها الكاميرات لأهداف سياسية، مثل ~~مشهد القناص ms096 الذي يحمل الكاميرا على كتفه، بينما يأمل ملقو الخطب في حديقة البيت ~~الأبيض أن تتحسن الأحوال ... إلى آخره. يسود شعور قوي - في أعمال نقاد مثل بارت وفي ~~روايات ميلان كونديرا ورشدي - بأن الحدث التاريخي والسياسي دائما ما يصلنا في صيغة ~~متخيلة أو في صورة سرد يتلاعب به ما قد نطلق عليه اليد الخفية للمصالح الاقتصادية أو ~~السياسية. # من السهل علينا إدراك مدى نجاح التليفزيون في أداء دور الناقل الرئيسي لتلك المعلومات ~~المتخيلة؛ فعالمنا يعج بهذه المعلومات الشديدة التناقض، التي تحركها بوضوح ~~المصالح الاقتصادية (المهيمنة) والخاضعة للتسلع، والتي تبعث على قدر كبير من الريبة. ~~فهي هدف واضح؛ لأن أداة نقلها تعتمد - فيما يبدو - على مفهوم العرض «الشفاف» الواقعي ~~المرتبط لدينا بالتصوير الفوتوغرافي، وتلك الحقيقة في حد ذاتها تفتح الباب أمام شكوكية ~~ما بعد الحداثة. # صور غير حقيقية # يتبدى هذا الإحساس بأن وسائل الإعلام الجماهيرية تستبدل الصور بالواقع في عدة ~~أشكال؛ بدءا من الافتراض الماركسي الذي يدفع بأننا جميعا على أي حال ضحايا «وعي ~~زائف» ناتج عن خطاب «برجوازي»، وصولا إلى التشكك الليبرالي في فرض المؤسسات لقيود على ~~حرية التعبير. تكمن المشكلة في أن هذا الهجوم على الواقعية الصادقة - الذي بدأ بالتأكيد ~~منذ أن انقلب ذوو الآراء العصرية على واقعية القرن التاسع عشر - قد طال به الأمد ~~حاليا لدرجة أن الارتياب فيما هو خيالي قد أدى بالفعل إلى محو ثقة الكثير فيما هو ~~حقيقي، كما رأينا في الجدل الدائر حول كتابة التاريخ. يفضل جيمسون - بوصفه ~~منظرا ماركسيا - فكرة وجود ~~«أزمة عامة في الوصف». تزعم فكرته أن رموز اللغة - في ظل حالة ما بعد الحداثة - قد ~~تحررت من وظيفتها في وصف العالم، و«قد أدى ذلك إلى اتساع رقعة سلطة رأس المال في ~~مجال الرمز والثقافة والوصف، بجانب ضياع مساحة الاستقلال التي اكتسبت أهمية كبيرة في ~~حقبة الحداثة.» ومن ثم، تركنا: # نواجه ذلك التلاعب الخالص العشوائي بالرموز الذي نطلق عليه ما بعد الحداثة، ~~والذي لم يعد ينتج أعمالا بارزة من النوع الحداثي، لكنه لا ms097 يتوقف عن إعادة ~~ترتيب الأجزاء المتناثرة من النصوص السابقة والعناصر الأساسية في الإنتاج ~~الاجتماعي والثقافي السابق في تكوين هجين يعلو يوما عن يوم من الكتب الكبرى ~~التي تلتهم كتبا أخرى، ونصوص كبرى تجمع شظايا نصوص أخرى. # فريدريك جيمسون، «ما بعد الحداثة ونص ~~الفيديو»، ديريك أتريدج وآخرون ~~(محررين)، «علم لغويات الكتابة»، ~~(1987) # يرى الكثير من فريق ما بعد الحداثة أننا نحيا في «مجتمع الصورة» الذي ينشغل في الأساس ~~بإنتاج واستهلاك «محاكيات سطحية تافهة» ليس إلا؛ إذ أصبحت المعلومات مع قدوم العصر ~~الحالي مجرد بضاعة نبتاعها (ربما البضاعة الأهم في مجتمع تحركه التكنولوجيا وتهيمن ~~عليه المعرفة). فنحن دوما نسعى إلى تعلم برامج كمبيوتر جديدة. وفي الوقت نفسه، يدعم ~~نوع من اليأس المتشكك في حقيقة السياسة والمؤسسات في حياتنا الاجتماعية المشتركة - ~~التليفزيون والصحف - نوعا من اليأس المتشكك كذلك في وظائف الفن التقدمية أو التوافقية، ~~بينما يتغلغل الافتراض المتأثر بأفكار نيتشه بأن جميع تلك الظواهر - بدءا من تصريحات ~~البيت الأبيض إلى المسلسلات الدرامية اليومية الطويلة - تمارس تأثيرها على نحو سري ~~نوعا ما في الحفاظ على القوة الاقتصادية أو غيرها من القوى لدى هذا الشخص أو ذاك، لا ~~لصالح أي حقيقة. وقد أدى ذلك إلى تفشي نزعة غريبة من جنون الريبة في الفن ونظرية ما بعد ~~الحداثة، وكذلك في تلك الأفلام الشهيرة التي تدور أحداثها حول مؤامرات خيالية أو ~~حقيقية. فكم عدد من يؤمنون أن فيلم أوليفر ستون «جيه إف كيه» - الذي يقدم لنا ~~محاميا من نيو أورليانز يتحدى ببسالة من تآمروا في المؤسسة العسكرية لاغتيال الرئيس ~~كيندي كي تستمر الولايات المتحدة في حرب فيتنام - يقدم أحداثا واقعية لا من وحي الخيال ~~كما يتراءى؟ # على الأرجح، قدم جان بودريار أشهر جزم فاضح حول الزيف الجوهري لثقافتنا؛ إذ صرح - ~~مرددا أفكار فوكو - قائلا: # لقد أنشئت ديزني لاند لإخفاء حقيقة أن الدولة ~~«الحقيقية» - أمريكا «الحقيقية» ~~بأسرها - هي «في جوهرها» ديزني لاند (مثلما أقيمت السجون لإخفاء حقيقة أن ~~المجال الاجتماعي بأكمله وبوجوده الكلي العادي هو السجن). # شكل 5-1: شارع ms098 «ماين يو إس إيه» (المصمم كي يحاكي مدينة أمريكية في مطلع ~~القرن العشرين) من تصميم فريق المصممين في ديزني لاند، بمدينة ~~أناهايم، كاليفورنيا. (أهذا هو الشارع الذي تسكن فيه؟) # ثم يواصل حدثيه واصفا ديزني لاند (بديكوراتها وألعابها الخيالية التي تصور عوالم ~~القراصنة والغرب الأمريكي المتوحش وحياة المستقبل) بأنها: # تقدم على أنها خيالية لكي نؤمن بأن باقي البلد حقيقي، بينما في الواقع لم ~~تعد لوس أنجلوس وأمريكا بأكملها التي تحيط بديزني لاند حقيقية، بل أصبحت ~~تنتمي إلى عالم ما فوق الواقع، عالم المحاكاة. ولم تعد القضية قضية التمثيل ~~الزائف للواقع (الأيديولوجية)، بل أصبحت تتعلق بإخفاء حقيقة أن الواقع لم يعد ~~واقعا، والتمكن بهذه الطريقة من الحفاظ على مبدأ الواقع. # إن أوهام ديزني ليست حقيقية ولا زائفة، بل هي آلة ردع أنشئت بهدف إعادة ~~إحياء وهم الواقع في اتجاه عكسي. # جان بودريار، «المحاكيات»، (1983) # نحن ببساطة أسرى عالم من الرموز خاضع لسيطرة الإعلام، خلقته الرأسمالية لأغراض خسيسة ~~تتعلق بتصنيع رغباتنا، ويشير كل رمز فيه إلى رمز آخر ليس إلا، ضمن سلسة مخادعة من ~~الأفكار. إن تلك الرموز ليست سوى محاكيات سطحية تستبدل الأشياء الحقيقية وعلاقاتها ~~الفعلية (التي لا يدركها حقا سوى معتنقي الفكر اليساري ممن يستطيعون كشف تلك ~~الأوهام) في عملية يطلق عليها بودريار «التحول إلى ما فوق الواقع». ومن ثم، فإننا ~~لا نحصل أبدا على ما نرغب فيه على أي حال. لكن قد نقول خلافا لذلك إننا نحصل بالفعل ~~على ما ندفع ثمنه، بغض النظر عن طريقة الإعلان عنه، على سبيل المثال، لا تختلف شطيرة ~~هامبرجر من ماكدونالدز عن مليارات الشطائر التي ينتجها المطعم بنفس الطريقة، وهي لذيذة ~~المذاق فعلا في رأي الكثيرين. وعلى نفس المنوال، إذا انبعثت منك رائحة عطر ديون، فإنك ~~تضع عطر ديون. هذه النماذج ليست «مجرد» لعب بالرموز، رغم كم الإعلانات التي تحاول ~~تحفيزنا على الاقتناع بشرائها. لكن، حتى أولئك الذين لم يقرءوا أي أجزاء من نظرية ما ~~بعد الحداثة لم ينخدعوا تماما بها، ولا يؤمنون حقا بأن ms099 أي شخص قد انخدع إلى حد ~~كبير. فلتقرأ - على سبيل المثال - استطلاعات الرأي حول السياسيين في جميع أنحاء العالم، ~~أو حتى أبحاث السوق التي تدرس تأثيرات الإعلانات. لكننا عندما نسمع بودريار وغيره من ~~أتباع نفس الفكر، يخيل إلينا أننا نأكل ونشرب وننام فوق رموز ومع رموز ليس إلا. يجمع ~~هذا النوع من الجدل بين الهجوم الليبرالي القديم على الإعلانات (بوصفها تختلق احتياجات ~~ليست لدينا «في الحقيقة») وبين بعض سمات التشاؤم الفرويدي الذي يدعي أن الرموز الدالة ~~على الأشياء دوما ما تخدع، وأننا لن نستطيع أبدا بلوغ الشيء المرغوب فيه «حقا» من ~~خلالها. على سبيل المثال، عندما استبدلت السلطات الفرنسية نسخة طبق الأصل من كهوف لاسكو ~~في فرنسا بالكهوف الأصلية، طالبنا بودريار بتصديق أن لا فارق فعليا بين الاثنين. لكن ~~حتى أشد زوار الكهوف سذاجة - فضلا عن مؤرخ متخصص في الفن - يمكن تعريفهم بسهولة بطرق ~~التمييز بين الكهوف الحقيقية والزائفة وقد يفهمون كذلك دواعي حماية الآثار - حال وجودها ~~- التي استدعت استخدام نسخة طبق الأصل للعرض على السياح. # يتسم بعد الحداثيين عموما بتشاؤمهم؛ فالكثير منهم تؤرقه آمال ثورية ماركسية ضائعة، ~~وغالبا ما يسيطر على المعتقدات والفن الذي يوحون به طابع سلبي لا بناء. وهم يعتقدون ~~أن الرفاهية العامة ليست ظاهرة جيدة؛ لأنه عندما يمتلك الناس احتياجاتهم الأساسية، يسعى ~~رجال الإعلان والتسويق إلى ملء الفجوة الناتجة عن ذلك كي يختلقوا قيمنا (المادية) ~~ويحددوها لنا، بينما يطوي النسيان المحتاجين الحقيقيين بمنتهى السهولة؛ لذا، يحظى ~~التسويق بالأولوية على الإنتاج. لقد أصبحنا نشعر أنه حتى العدالة أصبحت - أو قد تصبح - ~~حدثا إعلاميا، مثل محاكمة أو جيه سيمبسون التي بثها التليفزيون، والتي تأثرت ~~بوضوح جلي بأداء المحامين المسرحي والمبالغ فيه، وملابس المشاركين المختارة بعناية في ~~هذه المسرحية الدرامية، والملخصات المنحازة سياسيا والمتحيزة لقوالب نمطية يقدمها ~~المحامون ومراسلو التليفزيون في مقاطع صوتية. ألا تبدو المحاكمة بأكملها وهمية إلى درجة ~~تثير الاشمئزاز؛ إذ يستخدم المشاركون الإعلام كي يتلاعبوا بالآراء من خلال التقمص ~~الزائف لما يعتبرونه قوالب نمطية خيالية ونماذج ms100 مثالية مقبولة؟ أليس منطقيا أن نتساءل ~~عن كيفية تحقيق عدالة نزيهة على منصة القضاء تلك؟ هل سينخدع القاضي والمحلفون حقا - ~~وهم في النهاية أفراد ينتمون لمجتمعنا - بكل هذا التمثيل السافر؟ أم من المفترض أن ~~نؤمن بوجوب تمتع إجراءات تحقيق العدالة في المحاكم بمصداقية أكبر من ذلك؟ يوجد شك ~~حيال هذا داخل كل منا (وبالتأكيد داخل كتاب العديد من روايات المحاكم المثيرة)، ~~وذلك الشك هو ما كان بعد الحداثيين على حق عندما أصروا على وجوده. # لكنهم نزعوا كذلك إلى تقديم وصف تشاؤمي مضلل للمعلومات التي نتلقاها وللنزاعات ~~وحلولها؛ إذ ينتمي الكثير منهم في الواقع إلى اتجاه ما بعد نيتشوي طويل الأمد يجسد ~~اليأس من المنطق. فعندما يقدم بعد الحداثيين رؤية سليمة تدفع بأن جميع الخطابات ترتبط ~~في جوهرها بأنظمة السلطة التي قد تدعمها لأنها تعبر عن سلطتها، فإنهم يعطوننا انطباعا ~~بأن ثقافتنا لا تزيد عن تفاعل معقد بين تهديدات متعارضة باستخدام القوة. إن تشككهم في ~~الحقيقة يحرمهم في أغلب الأحيان من إبداء اهتمام سليم بأنشطة تقديم المبررات والتفاوض ~~العقلاني والعدالة الإجرائية؛ إذ غالبا ما يفترض التأثير الماركسي والفرويدي ضمنيا ~~أن كل ما نقوله يحمل إيحاءات السلطة وتهديد العرق والطبقة والمكانة الاجتماعية وألاعيب ~~الهيمنة الجنسية. لكن هذا بالكاد ما يسمح للاتفاقات والقيود القانونية في المجتمعات ~~الديمقراطية بأداء وظيفتها أو بتفعيل الاعتبارات الأدبية التي تؤدي إلى حماية حقوق ~~الإنسان المفترض كونها عالمية ومتجاوزة للخصوصية الثقافية وليست ملكا لمجموعة بعينها. ~~ولا يسمح كذلك بحقيقة أن السعي نحو التمتع بالصدق وبالتفكير الصائب ومحاولة دعم ~~الادعاءات بأدلة قابلة للإثبات، وغيرها من المساعي، هي أمور لا غنى عنها إذا كنا نأمل ~~أن نأتي إلى مائدة المفاوضات، حاملين في جعبتنا ما هو أكثر من بعض التهديدات الضمنية ~~(أو أن نتعامل مع كتابة التاريخ أو اللاهوت أو الرواية على أنها أكثر من مجرد محاولات ~~لإيقاع القارئ في شرك رواية خرافية). تخيل، على سبيل المثال، شخصا يعتقد أن أي ~~شيء يتلفظ به أي سياسي (سواء أكان أمريكيا أم إسرائيليا أم ms101 روسيا أم من أي ~~جنسية أخرى) هو دوما نوع من الإرهاب الإمبريالي أو اللاهوتي أو الذي تفرضه «دولة ~~مارقة»؛ لا لسبب سوى أن حديثه يعكس ضمنيا - على سبيل المثال - سلطة المؤسسات السياسية ~~والقوات المسلحة في الدولة التي ينتمي إليها. # بالطبع، تعكس العديد من تصريحات أولئك السياسيين بالفعل هذا الإرهاب وإلى حد مروع، ~~لكن في حالات النزاع تحديدا قد يصبح من الأهم إبراز الأصوات الأكثر عقلانية، على سبيل ~~المثال، أولئك الأكثر تقبلا لإصدار حكم عقلاني فيما يخص الذنب والمسئولية التي تنتج عن ~~النزاعات. # إن أفضل ما يستطيع المرء قوله هنا، وما سأقوله بالفعل، هو أن بعد الحداثيين بارعون ~~في مجال النقد التفكيكي لكنهم فاشلون تماما في مجال البناء، وعادة ما يتركون هذه ~~المهمة لأولئك الليبراليين الصبورين في مجتمعاتهم ممن لم يزالوا على استعداد لمحاولة ~~تحديد بعض من تلك الاختلافات بين الحقيقة والخيال على الأقل، التي يطمسها بعد ~~الحداثيين تحت أكوام من الافتراضات المتشائمة حول حتمية الصراع الطبقي أو ~~النفسي. # على الصعيد الآخر، أجال بعد الحداثيين الفكر على نحو واضح ولهدف أكبر في طبيعة ~~التغيرات الثقافية منذ عام 1945، مطلقين عليها في النهاية «حالة ما بعد الحداثة». حسب ~~تلك الرؤية لا ينظر إلى الوضع الدولي للمجتمعات على أنه خاضع للأطر السياسية أو ~~الاقتصادية التقليدية، بل على أنه «وضع ثقافي». يشكل هذا الاعتماد على التحليل ~~الثقافي (الذي يحظى بالاهتمام حاليا إثر حركة «الدراسات الثقافية» المزدهرة التي ~~تأثرت تأثرا شديدا حتى هذه اللحظة بأفكار ما بعد الحداثة) إحدى أبرز المساهمات التي ~~قدمتها ما بعد الحداثة إلى المجتمع المعاصر. إن أنشطة «الرأسمالية المتأخرة» ~~والمجتمعات الديمقراطية هي بالطبع قضايا سائدة على الساحة، ولا يوجد حاليا بديل متاح ~~لها (بالتأكيد منذ عام 1989). وحسب افتراض عام - حتى إن كان وهميا - يقتضي الوفرة ~~المستمرة، ينظر بعد الحداثيين إلى هذه الأنشطة على أنها تنتج معلومات في الأصل لا ~~أشياء؛ مما يتطلب في المقام الأول تحليلا ثقافيا. # وهكذا، فإن نظرة ما بعد حداثية إلى التغيرات التي أحدثت أكبر تأثير في المجتمع ~~المعاصر ms102 ستركز على قضايا مثل التكثيف الاستثنائي للزمان والمكان عبر وسائل الإعلام ~~الجديدة (أتبنى هنا إجمالا رؤية ديفيد هارفي). (فقد أصبح في وسعنا الآن الاطلاع فورا ~~على أحداث ومعلومات من أي مكان في العالم تقريبا عبر التليفزيون والإنترنت.) إن شبكة ~~الإنترنت في العصر الحاضر ظاهرة ما بعد حداثية نموذجية؛ فهي (حاليا) غير مرتبة ~~هرميا، وقطعا غير منظمة؛ أي تشبه الكولاج، وهو ما يتماشى مع تحول التركيز على ~~إنتاج البضائع إلى التركيز على إنتاج خدمات المعلومات. (إنها قصة الثروات الهائلة التي ~~تجمع أو تتبدد كل يوم، لا عن طريق بيع أشياء وشرائها، بل عبر عمليات تجارية في أسواق ~~المال على يد مضاربين جالسين أمام شاشات تليفزيونية تتيح لهم الوصول عبر الكمبيوتر إلى ~~معلومات تزيد عما كان متاحا في أي وقت سبق.) يرى البعض أن ذلك ناتج عن الآراء (آراء ~~صناع القرار بالأسواق) المتذبذبة وصور الأخبار المتغيرة التي تفرض نفسها فرضا مخزيا ~~فوق الواقع، وتلك أيضا سمة نموذجية من سمات «حالة ما بعد الحداثة»؛ فالكثير منا يعمل ~~في عالم منقاد وغارق في المعلومات إلى حد لا يمكن تصديقه (أما من هم خارج هذا ~~الإطار، فغالبا ما يعانون من الجوع أو الأمية أو المرض العقلي أو يكافحون في قاع الهرم ~~الاجتماعي). إنه عالم يفوق قدرتنا على الاحتمال، فأينما نذهب يرهق حواسنا كم مفرط من ~~الصور المنتشرة في المجلات والإعلانات وعلى شاشات التليفزيون وعلى ناطحات السحاب، ~~وغيرها من الأماكن (تكررت هذه الشكوى كذلك في حقبة الحداثة)، بينما تؤدي تغييرات بسيطة ~~في الأذواق إلى زيادة مبيعات البضائع بحيث تسيطر الموضة على الثقافة، وتصبح عملية تشكيل ~~الآراء التي يتولاها الإعلام أحد مقومات العملية الاقتصادية. # إن جل هذا التشخيص الذي يقدمه بعد الحداثيين لحال مجتمعنا يعرضهم لتهمة المغالاة ~~الشديدة في تقدير سذاجة مواطنيهم؛ فالكثير من نقدهم اللاذع لا يزيد عن محاولات مبالغ ~~فيها لحمايتنا من مخاطر بديهية، تستحق بالكاد وضعها في هذا الإطار الجليل من النظريات ~~غير المكتملة. في حين لا يرى البعض مشكلة في هذا الوضع؛ ففي ms103 عالم ما بعد مكلوهان ~~(الفيلسوف صاحب نظرية تكنولوجيا وسائل الإعلام) الذي تحول إلى قرية كونية حيث نعيش ~~جميعا الآن تقريبا، ويجمع بيننا التواصل الإلكتروني بدلا من العلاقات الاجتماعية ~~الحقيقية، «بالطبع» قد تحظى الرموز بقيمة تفوق قيمة البضائع. # يجدر بنا إذن طرح السؤال التالي: إلى أي مدى يمكن تبرير «تفسيرية الشك» ما بعد ~~الحداثية؟ إذ يكمن على أي حال تناقض تعجيزي في صميم هذا التحليل، فمثلا إذا زعم أحدهم ~~أن كل شيء يتكون «فعليا» عبر صورة خادعة لا عبر الواقع، فكيف تأتي له أو لها ~~«معرفة» ذلك؟ فهم يفترضون مسبقا نفس الفروق التي ينتقدونها. على أفضل الأحوال، ~~يقدم أولئك النقاد سلسلة من الملاحظات المتعالية والتافهة على ما يمارسه «الآخرون» من ~~خداع (للذات)، أو يكتفون بالتعبير عن استنكارهم - المبني على أسس أخلاقية ليبرالية ~~راسخة - لنجاح صناعة الإعلانات والتليفزيون وغيرها من وسائل الإعلام في دفع الناس نحو ~~استهلاك أشياء يعترضون هم عليها، بل وتصديقها. إنها رؤية لا تختلف عن تفضيل آراء ~~سياسي على سياسي آخر، وليست دليلا جيدا على التمتع بإدراك مبتكر لوضع جديد حقا في ~~المجتمع المعاصر. # لكن المشكلة الأهم هي التراجع الأكيد في قبول الأيديولوجيات والمعتقدات التقليدية ~~الشائعة لدى أقلية مؤثرة. قد ينزع أحد أتباع شكوكية ما بعد الحداثة - مع استعداداه ~~للاقتناع بجزء من مبدأ النسبية وإثر ملاحظة الكم الاستثنائي من التصورات المتنازعة حول ~~الواقع، والمتاحة لنا داخل مجتمع يتسم بتعددية جلية وتسامح ملحوظ - نحو تفضيل اتجاه مثل ~~ذلك الذي طرحه ريتشارد رورتي تحت مسمى «سخرية ما بعد الحداثة». لدى أتباع هذا الاتجاه ~~شكوك حول حقيقة وجود أي «مفردات نهائية» ويدركون أن الآخرين لديهم مفردات مختلفة؛ أي ~~إنهم لا يرون مفرداتهم «أقرب إلى الواقع» مقارنة بمفردات بقية الناس؛ ومن ثم ~~لا يساورهم القلق إلا حيال احتمالية اختيارهم مفردات لا تناسبهم من بين مفردات اللغة ~~المتنوعة؛ ومن ثم اكتساب هوية غير مناسبة. إن من ينتمي إلى هذا الاتجاه: # لا ينشغل بتقديم منهج أو برنامج أو أساس منطقي خاص به وبرفاقه، بل يكتفي ms104 ~~بفعل ما يفعله جميع المؤمنين بسخرية ما بعد الحداثة ليس إلا؛ أي محاولة تحقيق ~~الاستقلال الذاتي؛ فهو يحاول الخروج من أسر الاحتمالات الموروثة وخلق ~~احتمالاته الخاصة، يحاول التخلص من مفردات نهائية قديمة وتكوين مفردات خاصة به. ~~ويتسم أتباع هذا الاتجاه عامة بأنهم لا يطمحون إلى حسم شكوكهم حيال المفردات ~~النهائية عبر كيان أكبر من ذواتهم؛ مما يعني أن معيارهم لتبديد ~~الشكوك - معيارهم لتحقيق الكمال ~~الخاص - هو الاستقلال الذاتي لا الاتحاد مع قوة خارج ذواتهم. # ريتشارد رورتي، «الاحتمال، ~~والسخرية، والتضامن»، (1989) # تتمحور الفكرة هنا حول إدراك أن الافتقار إلى الأسس وإمكانية حدوث أي شيء هو أمر جيد؛ ~~إذ سيؤدي إلى مزيد من الليبرالية لأنه سيحد من القيود المفروضة على المناقشات حول ~~الممكن، فضلا عن تكوين وعي لدى المرء بأن موقفه في تلك المناقشات نسبي؛ بمعنى أن وجهة ~~النظر المعارضة قد يكون لها كذلك ما يبررها. يعتبر رورتي ذلك نوعا من السخرية ~~الوجودية، فمن يتبنون هذا الاتجاه تساورهم الشكوك حول المفردات التي يستخدمونها؛ إذ ~~إن مفردات الآخرين تبدو كذلك ناجحة في أداء مهمتها. ولا يمكن محو تلك الشكوك عن طريق أي ~~«إجابة نهائية» أو موقف تأسيسي؛ إذ لن يتيقن المرء قط من أن الآخرين أدركوا أجزاء ~~من الواقع تزيد عما أدركه هو (عبر مفرداته الخاصة). أما في المجالات الفنية لا الفلسفية ~~أو السياسية، فيزعمون تعدد أساليب الإبداع الفني مع عدم وجود أسلوب مفضل لتفسيره. ~~بالطبع، من المفترض أن تتشابه الفلسفة مع النقد الفني أو الأدبي تشابها أكبر من ~~المعتقد؛ ومن ثم، تنبع السخرية من عجزنا الدائم عن النظر إلى أنفسنا أو إلى ~~المفردات التي نستخدمها أو إلى النظرية أو المجال الفني الذي نتبناه نظرة جدية ~~تماما؛ إذ لم يعد بوسعنا (في سياق ما بعد حداثي) الاعتماد على الأفكار أو الحجج ~~الكبرى المتجاوزة والفاصلة، بل علينا الاعتماد بعضنا على بعض وعلى النتائج التفسيرية ~~التي تترتب على الحوارات التي نجريها بيننا (بما فيها الإبداع الفني). وهكذا، تصبح ~~معايير النجاح معايير عملية تماما. لقد تعاقبت المفردات ms105 المختلفة وتعاقب المتنافسون ~~عليها على مر التاريخ، فمنذ فترة قصيرة كان «الرسم الهندسي الجديد» سائدا، والآن ~~أصبح الفنانون البريطانيون الشباب ومعرض «سينسيشن» يتصدران المجال. ولا تتمتع الحركات ~~السياسية بوضع أفضل من الحركات الفنية في هذا السياق. فعلى سبيل المثال، التحول من ~~السياسة التاتشرية إلى سياسة حزب العمل الجديد ليس سوى تغير مفردات من منظور رورتي - ~~يتضمن كذلك القصص الملفقة التي تهدف إلى تلميع صورة السياسيين، والتي تصاحب كل حكومة - ~~ولا يتعلق بظهور مناقشات أو مبادئ سياسية جديدة قائمة على أساس وجيه. # إذا قبلنا هذا النوع من وجهات نظر ما بعد الحداثة، فسيصبح لدينا بالقطع شكل من ~~ليبرالية ما بعد التنوير، وهو نموذج قد يتمتع بالتأكيد بأكبر قدر من الجاذبية في ~~الولايات المتحدة؛ نظرا لالتزامها العام بمبدأ التعددية الثقافية، ولإيمانها بالحقوق ~~وبفكرة تحسين الذات، فضلا عن احتوائها على نسبة كبيرة من المؤمنين بالمعتقد المسيحي ~~داخل إطارها الواسع كدولة علمانية. وهي أيضا وجهة نظر علاجية - لا فلسفية - فهي تقترح ~~ببساطة «مناقشة الأمر تفصيلا»، لكن هذا الاقتراح يظل بالطبع مجرد اقتراح، وفي حالة ~~تبني هذا الشكل (الساخر) من أشكال الليبرالية وفقا للنمط ما بعد الحداثي الدقيق، فلن ~~يزيد عن كونه شكلا من أشكال الحياة المتعددة. # ربما كان من الأصعب رؤية هذا النوع من نظرة ما بعد الحداثة، الذي يدعو إليه رورتي ~~شاغلا قائما ومستمرا في بريطانيا أو فرنسا أو ألمانيا، فضلا عن الدول المنفصلة عن ~~الاتحاد السوفييتي؛ حيث يتبنى الكثير ممن قبلوا الجلوس إلى مائدة الحوار مواقف غير ~~قابلة للنقاش، حتى وإن لم تكن مواقف (قومية أو إسلامية أو مسيحية أو ماركسية) تقليدية ~~يتجلى ثباتها وفقا للنظرية. لكن عندئذ سيطرح بعد الحداثيين المتشككون تعليقا صائبا ~~على ذلك يزعم أن المشكلة تكمن تحديدا فيما يعتنقه بعض الناس من معتقدات يقينية غير ~~مبررة تماما. ومن ثم، عندما نطالب بإجراء «حوار بناء» في أيرلندا الشمالية، ~~فعلينا كذلك - وفقا لوجهة نظر ما بعد الحداثة - أن نطالب بتمتع أطراف الحوار الرئيسية ~~بدرجة ما من النسبية الساخرة، وهو شرط ms106 قد يجدون صعوبة واضحة في تحقيقه. # إذن، تميل معتقدات ما بعد الحداثة نحو نسبية وتعددية ثقافية. وفي خضم ذلك تقبل ~~بسهولة وسذاجة كبيرتين الوضع اليقيني السائد حاليا؛ وهو أن معظمنا في الغرب الآن نؤمن ~~بأننا نحيا في مجتمعات تحطمت فيها وجهات النظر التقليدية. وعلى الرغم من أننا قد نؤمن ب ~~«منطق» الوفاء بالوعود، فهل يمكن أن نظل مؤمنين به لوقت أطول في ضوء السياسة الواقعية ~~الحداثية، وفي إطار يشبه على أي نحو الإطار الذي آمن به كانط وهيوم؟ إن تلك المبادئ ~~التقليدية - وبدائلها - تفتقر حاليا على ما يبدو إلى أساس راسخ. يعبر جون جراي عن ~~هذا الرأي قائلا: # إن حالة ما بعد الحداثة التي تتضمن وجهات نظر متعددة ومؤقتة، وتفتقر إلى أي ~~أساس عقلاني أو متجاوز أو إلى رؤية موحدة للعالم، هي حالة خاصة بنا، قدر ~~كتبه التاريخ علينا، ومن العبث التظاهر بغير ذلك. # جون جراي، «صحوة التنوير»، (1995) # رغم ذلك - وكما حاولت التوضيح فيما سبق - ينبغي مقاومة هذه الحالة، ومنعها من تبرير ~~نوع من الاتجاه اللاتفريقي الساخر. إن الادعاء بامتلاك بصيرة تفكيكية راجحة يعتمد على ~~مفاهيم الحقيقة، فالفكرة التي تزعم أن الذات تخضع للتشكيل الاجتماعي بطرق متنوعة ~~ومختلفة تعجز على ما يبدو عن تدمير فكرة البشر كأفراد لكل منهم قصة حياة فريدة يكتبها ~~بنفسه، أو فكرة أن حقوق الأفراد القانونية ينبغي الدفاع عنها في الإطار السياسي من خلال ~~الرجوع إلى مبادئ أو مثل عالمية، مثل تلك التي تدعو إلى المساواة أمام القانون. ومن ~~ثم، ينبغي عدم تجاهل المعتقدات التي تؤدي إلى الرجم العلني لامرأة «زانية» بوصفها ~~انعكاسا ل «نمط الحياة السائد هناك» مقارنة بالنمط «السائد هنا». يبدو أن نسبية ما ~~بعد الحداثة - سواء كانت ساخرة أم لا - قد لا تزيد في الحقيقة عن دعوى مستترة لتقبل ~~التعدد، تناسب الأنماط الشديدة الاختلاف من المواقف العرقية والجنسية والفردية التي ~~حظيت باهتمام كبير - في مجتمعات الرخاء والعيش المترف على الأقل - أثناء حقبة ما بعد ~~الحداثة. لقد بذل فكر ما بعد الحداثة جهدا عظيما ms107 من أجل توضيح اختلافات الهوية ~~المتضمنة هنا والدفاع عنها، لكن تلك الاختلافات غالبا ما تؤدي في واقع الأمر إلى ~~صراعات مريرة يحتاج حلها إلى مبادئ أفضل من مبادئ ما بعد الحداثة تلك. يرى البعض أن ~~المثلية الجنسية تتعارض مع دينهم، بينما يرى آخرون، مثلي، أنها مسألة أذواق ولا تشتمل ~~في ذاتها على عواقب أخلاقية، ويعتقد آخرون أنها تتضمن المشاركة في ثقافة أو اتباع نمط ~~حياة يستحق بالفعل الدفاع عنه كنظام كامل لكن لا يمكن قبوله كحق إلا عندما لا يؤثر ~~سلبا على حقوق الآخرين. بناء على ذلك، ما زال الكثير من مفكري ما بعد الحداثة في حاجة ~~إلى قبول الحقيقة الأخلاقية النهائية المتضمنة في فكرهم، التي ينبغي في رأيي ألا ~~تعبر عن نسبية لا مبالية، بل تعبر في أفضل الأحوال عن تقبل حقيقة أن القيم المتضمنة ~~في الأعمال الفنية المختلفة وأنماط الحياة المتباينة هي - كحقيقة لا تقبل الشك - غير ~~متساوية ومتنازعة غالبا. لكن تقبل مزاعم بعد الحداثيين المتنوعة على سبيل المثال ليس ~~تقبلا نسبيا «بطبيعته» (رغم أنه كثيرا ما يظن هكذا خطأ). إن التقبل هو استعداد ~~قائم على مبدأ لتحمل التعبير عن معتقدات يرى المرء أنها خاطئة ويمارسها من أجل هدف ~~أكبر؛ مثل حرية البحث أو تمتع الآخرين بالاستقلال الذاتي أثناء تشكيل هويتهم أو كتابة ~~روايتهم الخاصة، لكن في رأيي شريطة ألا يؤذوا الآخرين في أثناء ذلك. لكن ينبغي ألا ~~يسمح لأي قدر من التقبل أو الشكوكية ما بعد الحداثية بالتعارض مع المثل التي يعبر ~~عنها إعلان الأمم المتحدة العالمي لحقوق الإنسان (رغم أن بعضها قابل للمناقشة) أو ~~اتفاقية جنيف على سبيل المثال. # كما زعمت على مدار هذا الكتاب، تشبه ما بعد الحداثة إلى حد ما بيانا حزبيا، فهي ~~في الأساس مجموعة من المعتقدات لا يعتنقها الجميع في حقيقة الأمر، ومن المستبعد أن ~~تعكس الحالة العامة التي يعيشها الرجال والنساء في المجتمع المعاصر. فإذا لم يكن لدينا ~~إيمان مسبق بفكر ماركس وفرويد - أو أيديولوجية أخرى - فسيستحيل علينا تعميم معتقدات ~~ما ms108 بعد الحداثة باعتبارها تشخص الأوضاع «الفعلية» التي نعيشها. (وبالطبع، إذا فعلنا ~~ذلك فسنصبح عندئذ متقبلين لذلك النوع من الالتزام الأيديولوجي الأكبر الذي طالما هدفت ~~ما بعد الحداثة إلى مقاومته.) يعبر هانز بيرتينز تعبيرا بليغا عن هذا فيما يلي: # لا يعتنق الكل - رغم أن وجود ما بعد الحداثة ومناصريها في كل مكان قد يوحي ~~بغير ذلك - وجهة النظر التي ترى أن اللغة تشكل الواقع لا تمثله، أو أن الفرد ~~الحداثي المستقر والمستقل قد حلت محله دمية ما بعد الحداثة التي غالبا ما ~~يحدد الآخرون هويتها ودائما ما تخضع للتشكيل، أو أن المعنى أصبح مؤقتا ~~وخاضعا للمفاهيم الاجتماعية، أو أن المعرفة لا يمكن اعتبارها معرفة إلا ضمن ~~بنية خطابية محددة؛ أي ضمن هيكل سلطة محدد. # هانز بيرتينز «فكرة ما بعد الحداثة»، (1994) # البدائل # لقد حقق نقد ما بعد الحداثة نجاحا كبيرا في إطار النصح الأخلاقي، لكن ادعاءه ~~بتقديم إدراك فريد لحقيقة الحالة التي نعيشها، أو وصف كامل ودقيق للمجتمع، لا يقوم على ~~أسس مقنعة. من المهم إذن أن ننظر إلى أفكار أتباع ما بعد الحداثة وإنجازاتهم باعتبارها ~~جزءا من صورة أكبر تعكس التفاعل مع الاتجاهات العقائدية الأخرى؛ ففي جميع المجالات ~~التي تناولناها - من الفلسفة إلى الأخلاقيات والنشاط الفني - توجد اتجاهات فكرية بديلة ~~مفعمة بالحيوية خارج تلك التي روج لها بعد الحداثيين، أشهرها الاتجاه الليبرالي ~~الأنجلو أمريكي. من بين من تبنوا هذا الاتجاه - على سبيل المثال - كتاب مثل جون ~~راولز، وجوزيف راز، ومايكل ساندل، وستيوارت هامبشير، وإيمي جتمان، ومارثا ناسبام، وويل ~~كيمليكا، وجون جراي، ورونالد دوركين، وبرايان باري، ومايكل والزر. يبدو أن ريتشارد ~~رورتي هو الفيلسوف الأنجلو أمريكي الوحيد المعروف لدى معظم منظري ما بعد ~~الحداثة. # لذا، لن نجد على الأرجح إنجازات راسخة لفكر ما بعد الحداثة في مجالي الفلسفة أو ~~السياسة أو حتى في مجال الفكر الأخلاقي، بل في الثقافة الفنية. ربما تخرج سياسيات حقبة ~~ما بعد الحداثة من دائرة الاهتمام مع تغير الظروف التي تسببت في ذيوعها، لكن ما سيبقى ~~- إذا بقي ms109 كذلك تصور ما للتاريخ والتراث - هو تصور لما بعد الحداثة بوصفها ظاهرة ~~ثقافية، تركت لنا مجموعة من الأعمال الأصلية الكبرى على مدار الثلاثين عاما الأخيرة ~~التي شهدت تأثيرها، تحديدا لكتاب مثل أبيش، وبارثلماي ، وكوفر، وديليلو، وكثيرين ~~غيرهم. وبالتأكيد يحتل عدد كبير من أولئك المشتغلين بالفنون الأخرى نفس المكانة ~~باعتبارهم نماذج ل (بعض) أفكار ما بعد الحداثة، من بينهم جوزيف بويس، وكريستيان ~~بولتونسكي، وفرانك جاري، وفيليب جلاس، وجان لوك جودار، وروبرت روشنبرج، وريتشارد ~~روجرز، وسيندي شيرمان، وفرانك ستيلا، وجيمس ستيرلينج، وكارلهاينز شتوكهاوزن، وفيم ~~فيندارس. # شكل 5-2: «جارية» (1955-1958) لروبرت روشنبرج. («الصورة تؤدي إلى ~~النسبية التي تؤدي بدورها إلى الشك.» ما الهدف إذن من الدجاجة التي ~~تعتلي العمل؟) # لكن من المهم تذكر أنه في الفنون أيضا ظلت الاتجاهات البديلة موجودة؛ لسببين ~~رئيسيين؛ وهما استمرار الاتجاهات الحداثية، ووجود عدد كبير من الفنانين الذين تعلموا ~~بعض الأفكار من حركة ما بعد الحداثة دون أن يتحولوا إلى أتباع مخلصين لها. فيبدو أن ~~بعض الحركات الحداثية قد استأثر بها بعد الحداثيين مباشرة، مثل «الدادية» وطريقة ~~دوشامب في تقديم الأغراض العادية «المكتشفة» كأعمال فنية، والبنائية (من خلال تأثيرها ~~على الرسم التبسيطي أو رسم الحقل اللوني)، والسريالية (التي ألهمت كولاج ما بعد الحداثة ~~بصوره التي لا تجمعها علاقة منطقية، كما في أعمال روشنبرج على سبيل المثال). ليس من ~~الصعوبة بمكان ملاحظة ذلك التشابه والترابط بين حقبة وأخرى (لا يوجد جديد هنا)، ويرجع ~~التحول من الحداثة إلى ما بعد الحداثة هنا إلى مجموعة من القيم المختلفة (على سبيل ~~المثال، لا تستند سريالية ما بعد الحداثة إلى نظرية فرويد الكاملة). كذلك أدى هوس ما ~~بعد الحداثة بالاختلاف السياسي - وبالفن بوصفه تعبيرا عن مغزى سياسي - إلى هجوم حتمي ~~على ادعاء الحداثيين (الشامل) بوجود متعة (حتى وإن كانت مجرد متعة فردية برجوازية) ~~مستمدة من السمات المباشرة أو الشكلية للأعمال الفنية. ورغم ذلك - كما ذكرت سابقا - ~~استطاع الرسم التعبيري الجديد تطوير سمات حداثية وتحقيق ازدهار في هذه الحقبة، دون أي ~~ولاء كامل أو ms110 واضح لمعتقدات ما بعد الحداثة، وهو ما ينطبق أيضا على الاتجاه التجريدي ~~والاتجاه الواقعي بالتأكيد. # بالتأكيد نجح قدر كبير من النشاط الفني البارز في الفترة التي بدأت منذ عام 1945 ~~(وتحديدا منذ عام 1970، لأهداف هذا الكتاب ) في التوصل إلى حالة من التوفيق بين الأفكار ~~الحداثية وما بعد الحداثية. (بالطبع، سنواجه قدر الصعوبة نفسه الذي واجهناه في تعريف ما ~~بعد الحداثة عندما نعرف «الحداثة» في مواجهة «ما بعد الحداثة»، ومن الصعب للغاية ~~تصنيف بعض الفنانين في هذا السياق.) فعدد كبير من أكثر الكتاب تأثيرا - مثل ميلان ~~كونديرا، وإيتالو كالفينو، وسلمان رشدي، وجون بارث، وجوليان بارنيز، وماريو بارجاس ~~يوسا، ومارجريت آتوود، وإمبرتو إيكو - ممن تتضمن أعمالهم الكثير من قضايا هذه ~~الحقبة؛ هم أبعد ما يكون عن الانتماء المطلق لفكر ما بعد الحداثة. وهو ما ينطبق كذلك ~~على فنانين مثل جنيفر بارتليت، وأنتوني كراج، وريتشارد ديبينكورن، وإريك فيشل، وهوارد ~~هودجكين، وديفيد هوكني، وبيل جاكلن، وآر بي كيتاي، إلى جانب الكثير من المؤلفين ~~الموسيقيين البارزين مثل جون آدامز، وهاريسون بيرتويسل، وجيورج ليجاتي، وفيتولد ~~لوتوسوافسكي. # لذا، توازن روايات إمبرتو إيكو (وهو في حد ذاته أحد منظري ما بعد الحداثة البارزين) ~~- على سبيل المثال - بين الحداثة وما بعد الحداثة؛ فروايته «اسم الوردة» (1983) تبدو ~~كرواية بوليسية مبنية على السعي الحداثي نحو الحقيقة، لكنها تتبنى أسلوبا ما بعد حداثي ~~واضحا عندما «لا تكشف سوى قدر ضئيل جدا من الحقائق مع تعرض المحقق للهزيمة»، حسبما ~~يصرح إيكو في ملحق الرواية. في الرواية، يقول ويليام باسكرفيل إنه اكتشف أن هورجيه هو ~~القاتل «عن طريق الخطأ»؛ إذ كان يظن أن الأدلة تحوي نمطا مستمدا من سفر الرؤيا، ~~لكنه في الحقيقة كان نمطا عرضيا. فقد نجح في حل الكثير من الألغاز الفرعية لكن لم ~~يتوصل إلى حل لغز الحبكة الرئيسي إلا عبر تفسير خاطئ (ساخر). لكن حالما لعب شون كونري ~~دور ويليام في الفيلم المقتبس عن الرواية، نجح على ما يبدو في حل اللغز؛ لأنه ليس بوسع ~~الفيلم التجاري تعريض جمهوره للكثير ms111 من إحباطات ما بعد الحداثة. # تشتمل أعمال الكثير من الكتاب البارزين مثل إيكو على بعض عناصر ما بعد الحداثة ~~الجلية، لكنها تحوي كذلك عددا من السمات التقليدية الأكثر ثباتا، التي تساعد بالتأكيد ~~في وضع تلك الأعمال بالقرب من مركز الثقافة، في الموقع الذي تتمنى على الأرجح أن ترى ~~نفسها فيه. # فيض من الأعمال الفنية العظيمة خارج إطار ~~ما بعد الحداثة # ما زال العنصر الرئيسي في التجربة الفنية لدى الكثير من الأفراد ينتمي إلى نوع من ~~الواقعية الليبرالية، أكثر التزاما بإمكانية الوصول إلى الحقيقة، وإمكانية بلوغ حقيقة ~~ترتبط ارتباطا وثيقا بالاعتبارات السياسية والإنسانية، مقارنة بما بعد الحداثة. لقد ~~قدم الروائيون الليبراليون التقليديون - أمثال جون أبدك، وبرنارد مالاماد، ونورمان ~~ميلر، وسول بيلو، وفيليب روث، وهاينريتش بول، وإيان ماكيوان - أعمالا ما زالت تلعب ~~دورا بالغ الأهمية في فهم الكثير من الناس للحياة المعاصرة، وهو نفس الدور الذي لعبته ~~أعمال جون آشبيري، وفرانسيس بيكون، وإنجمار بيرجمان، ولوسيان فرويد، وجونتر جراس، ~~وهارولد بنتر، وفرنسوا تريفو، وغيرهم. تلك هي مجرد قوائم أسماء قابلة للنقاش، لكنها ~~تذكرنا هنا بالأساليب التي تمكننا كأفراد من تقديم أعمال تسجل القيم التي تهمنا ~~وتحفظها، والتي لا تنتمي إلى نظريات أو حتى إلى التزامات سياسية واضحة. لقد كان فن ما ~~بعد الحداثة جزءا بارزا حقا من هذا الحراك كله لكنه لم يكن بالتأكيد الجزء ~~المهيمن. # رغم ذلك لعب فن ما بعد الحداثة دورا بالغ الأهمية في تجديد الصراع بين الشكوكية ~~والإيمان، بين الليبرالية واليسار الماركسي، بين استراتيجيات فرض الأيديولوجيات وبين ~~الحفاظ على الهوية المستقلة. وقد تحمل في تلك النواحي الجزء الأكبر من عبء تقديم ~~توصيف ونقد «لنمط حياتنا الآن» منذ ستينيات القرن العشرين. ربما لم يتمكن مفكرو ما بعد ~~الحداثة من إفساح مجال لهم في الأنشطة اليومية الفعلية التي يؤديها السياسيون المحترفون ~~- ولم يؤثروا فيها سوى أقل تأثير في رأيي - على الرغم من أنهم ساهموا مساهمة كبيرة في ~~وضع منهج يتسم بالمزيد من الليبرالية في التعامل مع سياسات «الهوية» الخاصة بالجنسانية ~~والعرق. ms112 لقد نزعوا بوصفهم نقادا ثقافيين إلى رؤية الاعتبارات الأخلاقية والسياسية ~~بوصفها جدلا حول شرعية أنواع معينة من النشاط «التمثيلي» الخاضع لسيطرة ~~الصورة. # في هذا الكتاب، حاولت أن أقدم وصفا ونقدا لما بعد الحداثة؛ لأنني أومن أن ~~الفترة التي شهدت أعظم تأثير لها قد انتهت الآن؛ فمؤسسو فكر ما بعد الحداثة يواجهون ~~بدورهم الآن شكوكية جيل جديد؛ لهذا السبب حاولت فيما سبق التركيز على أفكار ما بعد ~~الحداثة التي أرى أنها تتمتع بأطول استمرارية ممكنة. إن المعارك التي نشبت حول ما بعد ~~الحداثة (على العكس تماما من تلك التي أثيرت حول الحداثة) تمتعت بسمة مميزة - ويرجع ~~الفضل في ذلك إلى «نشأة النظرية» - ألا وهي طرح الأسئلة الفلسفية الخالدة. إن هذه ~~الجدلية الضمنية العميقة - بين المنطق والشكوكية، وبين الواقع والصورة، وبين قوى ~~الاحتواء والإقصاء السياسية - تقع في قلب فكر ما بعد الحداثة، وهي جدلية سوف تستمر في ~~الاستحواذ على اهتمامنا لفترة زمنية قادمة. # | مراجع # In addition to the references and citations I have given ~~throughout the text, the following support and provide background to some of the ~~essential points, topics, and examples discussed in each chapter of this ~~book. # الفصل الأول # Frederic Jameson’s comments on the Western Bonaventura ~~Hotel in Los Angeles are made in his Postmodernism, or the Cultural Logic of Late ~~Capitalism ~~(Verso, 1991), pp. 40, ~~42, 44. # الفصل الثاني # Jean-François Lyotard attacks the prevailing grand ~~narratives in # The Postmodern Condition: A ~~Report on Knowledge ~~(Manchester University Press, ~~1984). # Edward Said’s account of the imposition of the Western ~~imperialist grand narrative onto Oriental societies, along ~~with a discussion of ~~Flaubert’s encounter, can be found in his # Orientalism ~~(Harmondsworth, ~~1985). # George Lakoff and Mark Johnson explore the influence of ~~Derridean deconstruction in # Metaphors We ~~Live By ~~(University of Chicago Press, ~~1980). # The remarks from Alun Munslow are taken from his # Deconstructing History ~~(Routledge, 1997). # See Deborah Lipstadt, # Denying ~~the Holocaust: The Growing Assault on Truth and ~~Memory ~~(Penguin, 1993) to ms113 get an idea of the ~~consequences of a postmodern approach to history ~~writing. # The 'witch’ example is from Richard J. Evans, # In Defence of History ~~(Granta, 1997) ~~218f., reporting Diane Purkiss, # The Witch in ~~History: Early Modern and Twentieth Century ~~Representations ~~(Routledge, 1996), pp. 66-8. # Bruno Latour’s comments on Einstein’s relativity theory ~~can be found in Noretta Koertge (ed.), # A ~~House Built on Sand ~~(Oxford University Press, 2000), ~~12 and 181ff. # Alan Sokal and Jean Bricmont refute the postmodernist ~~'attack on science’ in their # Intellectual ~~Impostures ~~(Profile, 1998). # Emily Martin’s article 'The Egg and the Sperm - How ~~Science Has Constructed a Romance Based on Stereotypical Male-Female ~~Roles’ is printed in Evelyn Fox Keller and Helen E. Longino (eds), # Feminism and Science ~~(Oxford ~~University Press, 1996), p. 103. Scott Gilbert’s article is cited by Paul R. Gross in 'Bashful Eggs, Macho Sperm, and Tonypandy’ in ~~Koertge op cit., p. 63. # الفصل الثالث # Foucault’s discussion of the episteme takes place in ~~his # The Order of Things: An Archaeology of ~~the Human Sciences ~~(Tavistock, ~~1970). # Men, when they get angry and abuse women, seem to find ~~stereotypical, subordinating norms alarmingly available. See George ~~Lakoff, # Women, Fire and Dangerous Things: ~~What Categories Reveal about the Human Mind ~~(University of Chicago Press, 1987), 380ff. # الفصل الرابع # Brian McHale presents his views on ontological ~~uncertainty in postmodernist writing in his Postmodernist Fiction ~~(Methuen, 1987), pp. ~~26-43. # For a fuller analysis of the development of ~~postmodernist ideas in music, see Christopher Butler, # After the Wake: ~~An Essay on the ~~Contemporary Avant Garde ~~(Oxford University Press, ~~1980), pp. 25-37. # Michael Fried discusses the 'theatricality’ of ~~minimalism in # Art and Objecthood ~~(Chicago University Press, 1998), 148ff. # Rosalind Krauss explores the idea of # re ~~-production in photography in her # The Originality of the Avant Garde and ~~Other Modernist Myths ~~(MIT Press, 1985), quote taken ~~from p. 170. # For a more sympathetic account of Bofill’s ms114 work, see ~~Charles Jencks, Postmodernism: The New ~~Classicism in Art and Architecture ~~(Academy, 1987), ~~258ff. # الفصل الخامس # For reasons to despair about reason, see John Burrow, # The Crisis of Reason: European Thought, ~~1848-1914 ~~(Yale University Press, ~~2000). # The arguments for universalist values have been ~~eloquently put forward by Brian Barry in his # Culture and Equality ~~(Polity, ~~2001). # See David Harvey, # The Condition ~~of Postmodernity ~~(Blackwell, 1980) for a discussion ~~of the influence of the modern media on ~~culture. # | قراءات إضافية # There are a number of anthologies of postmodernist writings, of which the ~~most committed is Thomas Docherty (ed.), Postmodernism: A ~~Reader ~~(Harvester Wheatsheaf, 1993). Ihab Hassan’s seminal articles ~~on postmodernism are collected in his # The Postmodern ~~Turn ~~(Ohio State University Press, 1987). Derrida’s thoughts on ~~literature are conveniently brought together in Derek Attridge (ed.), # Jacques Derrida: Acts of Literature ~~(Routlege, 1992). ~~Steven Connor’s Postmodernist Culture ~~(Blackwell, ~~1989) is strongly committed to an eclectic range of postmodernist theories. Charles ~~Jencks’s alternative view is neatly summarized in his # What ~~Is Postmodernism? ~~, revised edn. (Academy, ~~1996). # For an account of the politics of postmodernism, following Jameson, see Perry Anderson, # The Origins of Postmodernity ~~(Verso 1998). On nationalist narratives in the postmodern period, looked at from a ~~broadly postmodernist theoretical standpoint, see Elleke Boehmer, # Colonial and Postcolonial Literature ~~(Oxford University Press, 1995), and Homi Bhabha’s anthology, # Nation and ~~Narration ~~(Routledge, 1990). An excellent early example of the use of ~~Marx, Freud, and deconstruction in literary analysis is Terry Eagleton, # Criticism and Ideology ~~(NLB, 1976). Useful because they ~~make period contrasts are Patricia Waugh, Practising Postmodernism/Reading Modernism ~~(Arnold, 1992) and Peter Brooker, # Modernism/Postmodernism ~~(Longman, ~~1992). # The following are critical but also informative about postmodernist ~~tendencies. For an account of the influence of Marx on intellectuals in this period, ~~see J. G. Merquior, # Western Marxism ~~(Paladin, ~~1986). The new literary theory encountered surprisingly little published opposition, ~~but see the interestingly entitled # Fraud: ms115 Literary Theory ~~and the End of English # by Peter Washington (Fontana, 1989) and ~~Christopher Butler, # Interpretation, Deconstruction, and ~~Ideology ~~(Clarendon Press, 1984), and, for a general critique, John ~~M. Ellis, # Against Deconstruction ~~(Princeton ~~University Press, 1989) and Raymond Tallis, # Not ~~Saussure ~~(Macmillan, 1988). A brilliant account of the relationship ~~of science to political and moral considerations is given by Philip Kitcher in his # Science, Truth and Democracy ~~(Oxford ~~University Press, 2001). The tendency to the local story attitude of postmodern ~~philosophy has inspired a reply from Thomas Nagel, which defends his view of the ~~value and possibility of objectivity in philosophy and of the abstracting 'view from ~~nowhere’ in ethics, expressed in his # The Last ~~Word ~~(Oxford University Press, 1997). # An influential model for non-linguistic phenomena analysed as text was ~~Roland Barthes, # Système de la mode ~~(1967; tr. as # The Fashion System ~~, Hill and Wang, 1983). ~~This approach became common to all 'semiotic’ approaches to culture. For a survey, ~~see Robert Hodge and Gunter Kress, # Social ~~Semiotics ~~(Blackwell, 1988). For a study of the different subject ~~positions open to us within postmodernist theory and the contemporary novel, see Kim ~~Worthington, # Self as Narrative ~~(Clarendon Press, ~~1996). For Habermas’s critique of postmodernism, see # inter ~~alia # his # The Philosophical Discourse of ~~Modernity ~~(MIT Press, 1987). Edward Lucie-Smith, # Art Today ~~(Phaidon, 1995) is an excellent survey of the ~~many current schools of art. An essential resource is to be found in Kristine Stiles ~~and Peter Selz (eds), # Theories and Documents of Contemporary ~~Art ~~(University of California Press, 1996). # | مصادر الصور # (1-1) John Portman & ~~Associates. ~~(3-1) © Cindy Sherman/Metro Pictures. ~~(4-1) © Jasper Johns/VAGA, New York/DACS, London 2002. Leo ~~Castelli Gallery, New York. ~~(4-2) © Jeff Koons Productions Inc. ~~(4-3) © Malcolm Morley. Norman and Irma Braman collection. ~~Courtesy of Sperone Westwater, New York. ~~(4-4) © Richard Estes. Marlborough Gallery, New ~~York. ~~(4-5) © Anthony Caro. Photo © Tate, London ~~2002. ~~(4-6) © Michael Craig-Martin. Australian National ms116 Gallery, ~~Canberra. ~~(4-7) © Jeff Wall. Musée national d’art moderne, Paris. Photo ~~© RMN. ~~(4-8) © Martin Charles. ~~(4-9) © Charles Jencks. ~~(4-10) © ARS, NY and DACS, London 2002. Judy Chicago ~~collection. Photo © Donald Woodmann. ~~(4-12) © Cindy Sherman/Metro Pictures. ~~(4-13) © Barbara Kruger. Mary Boone Gallery, New ~~York. ~~(4-14) © Elizabeth Murray. Pace Wildenstein, New ~~York. ~~(4-15) © Robert Colescott. Phyllis Kind Gallery, New ~~York. ~~(5-1) From Ghirardo, # Architecture ~~after Modernism ~~(1996) ~~© Bettmann/Corbis. ~~(5-2) © Robert Rauschenberg/DACS, London/VAGA, New York ~~2002. Museum Ludwig Köln. Photo © Rheinisches ~~Bildarchiv. ms117