######OpenITI# #META# URI: 1450NivinCabdRauf.MukhtaratMinQisasQasira.Hindawi69263975 #META# Tags: literature #META# ID: 69263975 #META# Title: مختارات من القصص القصيرة #META# AuthorID: 93624205 #META# Author: جيروم كيه جيروم #META# EditorID: 73586958 #META# Editor: مصطفى محمد فؤاد #META# TranslatorID: 93720406 #META# Translator: نيڤين حلمي عبد الرؤوف #META# Related_books: 1345JeromeKJerome (TRANSL) #META#Header#End# # ساكن الغرفة الخلفية بالطابق الثالث‏ # مزحة الفيلسوف‏ # روح نيكولاس سنايدرز أو بخيل زاندام‏ # ساكن الغرفة الخلفية بالطابق الثالث‏ # مزحة الفيلسوف‏ # روح نيكولاس سنايدرز أو بخيل زاندام‏ # | مختارات من القصص القصيرة # | مختارات من القصص القصيرة # تأليف # جيروم كيه جيروم # ترجمة # نيڤين حلمي عبد الرؤوف # مراجعة # مصطفى محمد فؤاد # | ساكن الغرفة الخلفية بالطابق الثالث # لم يكن ميدان بلومزبيري سكوير، مع دقات الساعة الرابعة في عصر أحد ~~أيام نوفمبر، مزدحما إلى حد يقي الغريب، ذا المظهر المختلف بنحو ~~أو بآخر عن المعتاد، من الملاحظة. ففي أثناء مروره، توقف صبي ~~متجر تيبس فجأة عن الصدح بالغناء، وتراجع خطوة للخلف حتى خطا على ~~أصابع قدم شابة طلقة اللسان تدفع عربة أطفال، وبدا أن أذنيه ~~قد صمتا عن سماع تعليقاتها الشخصية بعض الشيء عليه. ولم يستجمع ~~شتات نفسه ويسترجع اهتمامه بشئونه إلا بعدما بلغ ناصية الشارع ~~التالية، مستكملا أغنيته التي بدت الآن دمدمة خفيضة بلا معنى. ~~أما السيدة الشابة نفسها، فقد نسيت ما لحق بها من أذى بينما ~~كانت تتأمل ظهر الغريب الذي تخطاها ببضع ياردات. كان هناك شيء ~~غريب في ظهره؛ إذ لم يكن مستقيما تماما؛ بل كان منحنيا انحناءة ~~لا تخطئها العين. حدثت السيدة الثرثارة نفسها قائلة: «إنها ~~ليست حدبة ولا تبدو لي تقوسا في العمود الفقري. يا للعجب، يبدو ~~وكأنه يحمل كومة من الغسيل أعلى ظهره تحت معطفه.» # لمح الشرطي، في خضم محاولاته للتظاهر بالانشغال، الغريب ~~بينما كان يقترب منه، فحول اهتمامه ناحيته. وقال في نفسه: «يا ~~لمشيتك العجيبة، أيها الشاب! عليك الاحتراس كي لا تتعثر فتسقط ~~منقلبا.» # ثم غمغم بعدما تجاوزه الغريب: «إنه شاب كما توقعت. وجهه ~~وجه شاب دون شك.» # كان ضوء النهار آخذا في الخفوت. ولما عجز الغريب عن قراءة اسم ~~الشارع الموجود فوق البيت الذي عند ناصية الشارع، استدار ~~عائدا. # حدث الشرطي نفسه قائلا: «عجبا، إنه بالفعل شاب صغير؛ بل ~~مجرد فتى.» # توجه إليه الغريب بالحديث قائلا: «عذرا، هلا ترشدني إلى ~~ميدان بلومزبيري سكوير؟» # رد الشرطي موضحا: «هذا ميدان ms01 بلومزبيري سكوير، أو بدءا من ~~الناصية القادمة على وجه الدقة. ما رقم البيت الذي تريده؟» # أخرج الغريب من أحد جيوب معطفه الطويل المغلق الأزرار ~~قصاصة من الورق، ثم فتحها وقرأ: «نزل السيدة بنيتشيري. رقم ~~48.» # قال له الشرطي: «الناصية القادمة، جهة اليسار، المنزل الرابع. هل ~~أوصى لك أحدهم بالإقامة هناك؟» ~~«نعم ... صديق لي. أشكرك جزيل الشكر.» # غمغم الشرطي في سره: «هكذا إذن، أراهن أنك لن تظل تدعوه ~~صديقي بعدما تقضي أسبوعا في هذا المكان، أيها الشاب ...» # ثم أضاف بينما كان يحدق في هيئة الغريب المبتعدة: «يا للعجب! ~~لقد رأيت الكثير ممن يبدون أصغر سنا من ظهورهم وعندما ~~تطلع على وجوههم تجدهم أكبر عمرا. لكن هذا الرجل على ما يبدو ~~يحمل وجه شاب وظهر شيخ. أراهن أن جانبه الشاب سيشيخ بدوره ~~إن أقام طويلا عند هذه المرأة التي تدعى بنيتشيري؛ تلك العجوز ~~البخيلة.» # كان لدى رجال الشرطة، ممن تتضمن مناوباتهم ميدان بلومزبيري ~~سكوير، أسباب تدفعهم لكراهية السيدة بنيتشيري. وحقا قد يكون من ~~الصعب العثور على إنسان لديه ما يدفعه لحب هذه السيدة ذات الملامح ~~الحادة. وربما كانت إدارة نزل من الدرجة الثانية في ميدان ~~بلومزبيري سكوير نشاطا لا يؤدي بصاحبه إلى اكتساب فضيلتي الكرم ~~واللطف. # في هذه الأثناء، كان الغريب قد بلغ وجهته، وقرع جرس البيت رقم ~~48. استرقت السيدة بنيتشيري النظر من أعلى السلالم المؤدية إلى ~~المنزل لامحة رجلا ذا وجه وسيم وإن كان ذا طابع أنثوي بعض ~~الشيء، فأسرعت بتعديل قبعة الأرملة التي ترتديها أمام المرآة، ~~وأمرت الخادمة ماري جين باصطحاب الغريب إلى غرفة الطعام، تحسبا ~~لأن يكون مستأجرا مثيرا للمتاعب، وإشعال مصابيح الغاز. # وكانت تعليماتها الأخرى كالتالي: «ولا تتوقفي عن الثرثرة معه، ولا ~~تأخذي على عاتقك الإجابة عن أسئلته. قولي له إنني سأحضر في ~~غضون دقيقة، وراعي ألا تظهري يديك قدر استطاعتك.» ~~••• # سألت السيدة بنيتشيري ماري جين، الخادمة المتسخة الثياب، بعدما ~~عادت عقب بضع دقائق: «علام تضحكين؟» # ردت ماري جين بنبرة خانعة: «لم أكن أضحك؛ كنت أبتسم لنفسي ~~فقط.» ~~«لماذا؟» ms02 # قالت : «لا أعرف.» وواصلت الابتسام بالرغم من ذلك. # سألت السيدة بنيتشيري: «كيف يبدو إذن الرجل؟» # كان رأي ماري هو: «ليس من النوع المعتاد.» # فصاحت السيدة بنيتشيري في ورع: «حمدا لله على ذلك.» ~~«يقول إن صديقا قد أوصى له بهذا النزل.» ~~«من يكون هذا الصديق؟» ~~«قال «صديقا» فحسب. ولم يذكر اسما.» صمتت السيدة بنيتشيري لحظة ~~مفكرة. ثم سألتها: «لم تبد عليه أمارات السخرية، أليس ~~كذلك؟» # قالت لها ماري جين إنه لم يبد عليه ذلك على الإطلاق. وقد كانت ~~واثقة من ذلك. # صعدت السيدة بنيتشيري السلالم بينما لا تزال غارقة في أفكارها. وما ~~إن دلفت إلى الغرفة حتى قام الغريب وانحنى لها. لقد كانت تلك ~~الانحناءة في غاية البساطة، إلا أنها بعثت في قلبها دفقة من ~~أحاسيس طواها النسيان منذ سنوات. وللحظة رأت نفسها سيدة ~~لطيفة ذات أصل راق، أرملة محام، تستقبل ضيفا جاء لزيارتها. ~~لكن هذا الخيال العابر تبخر بسرعة. ففي اللحظة التالية عاودها ~~واقعها. إنها لا تزال نفسها، السيدة بنيتشيري، صاحبة النزل ~~التي تقتات بين الحين والآخر على وجبات يومية من البخل الحقير، ~~وهي الآن تستعد لخوض سجال مع ساكن جديد محتمل، يبدو، لحسن ~~الحظ، شابا مهذبا بلا خبرة. # بدأت السيدة بنيتشيري حديثها قائلة: «تقول إن أحدهم قد رشح لك ~~نزلي، هلا تذكر من هو؟» # لكن الغريب رفض الرد على السؤال معتبرا إياه غير مهم. # وقال مبتسما: «قد لا تتذكرينه. لقد رأى أن في وسعي قضاء ~~الأشهر القليلة التي تبقت لي ... في لندن أعني، هنا في نزلك. فهل ~~تقبلين استضافتي؟» # اعتقدت السيدة بنيتشيري أن في وسعها استضافته. # أضاف الغريب موضحا: «كل ما أحتاجه هو غرفة للنوم - أي ~~غرفة ستفي بالغرض - وطعام وشراب يكفي لرجل واحد.» # استأنفت السيدة بنيتشيري حديثها قائلة: «دائما ما أقدم في ~~وجبة الإفطار ...» # فقاطعها الغريب: «بالتأكيد، طعاما جيدا ومناسبا، أنا واثق ~~من ذلك. أرجوك لا داعي لإرهاق نفسك بسرد التفاصيل يا سيدة ~~بنيتشيري. سأرضى بأي مما ستقدمينه لي.» # ألقت السيدة بنيتشيري وهي متحيرة نظرة سريعة على الغريب، ms03 ~~لكن وجهه، على الرغم من ابتسام عينيه الطيبتين، كان صادقا ~~وجادا. # قالت السيدة بنيتشيري مقترحة: «على أي حال، سترى الغرفة قبل أن ~~نناقش الشروط.» # قال الغريب موافقا: «بالتأكيد. إنني متعب قليلا وسأكون ممتنا ~~لو ارتحت هناك بعض الوقت.» # قادت السيدة بنيتشيري الغريب عبر السلالم حتى وصلا إلى بسطة الطابق ~~الثالث، وحينها توقفت لحظة في تردد، ثم فتحت باب غرفة النوم ~~الخلفية. # علق الغريب قائلا: «إنها مريحة جدا.» # اندفعت السيدة بنيتشيري قائلة: «إيجار هذه الغرفة، مع الإقامة ~~الكاملة التي تشتمل على ...» # قاطعها الغريب مجددا بابتسامته الهادئة الجادة: «كل ما يحتاجه ~~المرء. هذا أمر معروف.» # عاودت السيدة بنيتشيري الحديث قائلة: «عادة ما أتقاضى أربعة ~~جنيهات أسبوعيا لقاء هذه الغرفة. أما بالنسبة إليك ...» ثم فجأة غشي ~~صوتها دون دراية منها نبرة كرم بالغ وأضافت: «فلأن أحدا قد ~~أوصى لك بهذا النزل، فلنقل إن إيجارها سيكون ثلاثة جنيهات ~~وعشرة شلنات.» # رد الغريب: «سيدتي العزيزة، هذا كرم منك. كما خمنت، أنا لست ~~رجلا ثريا. وإذا لم يعد ذلك إثقالا عليك، فإني أقبل هذا ~~الإيجار المخفض بكل امتنان.» # مرة أخرى ألقت السيدة بنيتشيري، التي تألف جيدا الأسلوب الساخر، ~~نظرة متشككة على الغريب، لكنها لم تجد في ذاك الوجه الصبوح ~~الصافي أيا مما قد يعبر ولو للحظة عن سخرية. حقا كان وجهه ~~بسيطا مثل طبعه. ~~«الغاز، بالطبع، له حساب منفصل.» # وافقها الغريب قائلا: «بالطبع.» ~~«أما الفحم ...» # للمرة الثالثة قاطعها الغريب قائلا: «لن نختلف. لقد كنت في ~~غاية اللطف معي حتى الآن. وأشعر، يا سيدة بنيتشيري، أن في وسعي ~~أن أعهد نفسي إلى رعايتك بكل اطمئنان.» # بدا الغريب يتوق إلى الانفراد بنفسه. فتوجهت السيدة بنيتشيري ~~نحو الباب مغادرة بعدما أوقدت المدفأة. لكن تلك اللحظة ~~شهدت تطورا غير متوقع، فقد بدر من السيدة بنيتشيري، المعروفة ~~بسجل لا تشوبه شائبة من رجاحة العقل، سلوك كانت قبل خمس دقائق ~~فحسب تظن هي نفسها استحالة صدوره عنها؛ سلوك لن يصدقه كائن ~~حي عرفها من قبل، حتى وإن جثت على ركبتيها وأقسمت له ms04 على ~~حدوثه. # إذ سألت الغريب ويدها على مقبض الباب: «لقد طلبت منك ثلاثة جنيهات ~~وعشرة شلنات، أليس كذلك؟» كانت تتحدث بضيق. وكانت تشعر باستياء ~~من الغريب ومن نفسها، وخاصة من نفسها. # رد الغريب: «لقد بلغت من الكرم حد تخفيضه إلى ذلك القدر، لكن ~~إذا وجدت بعد تفكير أنك لن تقدري على ...» # قاطعته السيدة بنيتشيري بقولها: «لقد ارتكبت خطأ؛ كان علي أن ~~أخبرك أن الإيجار جنيهان وعشرة شلنات.» # صاح الغريب: «لا أستطيع ... لن أقبل بتضحية كهذه، فبوسعي ~~التكفل بثلاثة جنيهات وعشرة شلنات.» # قالت السيدة بنيتشيري بحدة: «جنيهان وعشرة شلنات، هذا شرطي. إذا ~~كنت مصرا على دفع المزيد، فلتتوجه إلى نزل آخر. ستجد ~~الكثير ممن يسعدهم تلبية رغبتك.» # لا بد أن احتدادها قد أثر على الغريب. فابتسم قائلا: «لن ~~نتجادل أكثر من ذلك. لقد كنت أخشى فحسب أن تدفعك طيبة قلبك ~~البالغة ...» # دمدمت السيدة بنيتشيري مقاطعة إياه: «أوه! لست بتلك الطيبة ~~أبدا.» # رد الغريب: «لست واثقا من ذلك. إني أشك قليلا في كلامك هذا. ~~لكن امرأة في مثل إصرارك، لا بد لها، كما أرى، من تحقيق ~~إرادتها.» # مد الغريب يده ليصافحها، وبدا للسيدة بنيتشيري في هذه اللحظة ~~أن التصرف الأمثل والأكثر طبيعية هو مصافحته مصافحة صديق قديم ~~عزيز، وإنهاء المحادثة بضحكة تشع سرورا، بالرغم من أن الضحك ~~نشاط لا تسمح السيدة بنيتشيري لنفسها بالانغماس فيه كثيرا. # كانت ماري جين تقف بجوار النافذة عاقدة يديها عندما عادت السيدة ~~بنيتشيري إلى المطبخ. والواقف بجوار النافذة كان يلمح أشجار ميدان ~~بلومزبيري سكوير، وعبر أغصانها العارية كان يرى السماء. # قالت السيدة بنيتشيري مقترحة: «لا يوجد أمامنا الكثير من العمل ~~في نصف الساعة القادمة، إلى أن تأتي الطباخة. سأراقب الباب إذا ~~رغبت في الخروج بعض الوقت.» # قبلت الفتاة العرض بمجرد أن استعادت قدرتها على الكلام: ~~«سيكون ذلك رائعا؛ فذلك الوقت من اليوم هو المفضل لدي.» # أضافت السيدة بنيتشيري: «لا تتأخري عن نصف ساعة.» # اجتمع سكان النزل بعد العشاء في غرفة المعيشة وتناقشوا في ~~أمر الغريب، بالتحرر والجرأة ms05 اللذين يتسم بهما هؤلاء السكان ~~عند التحدث عن شخص غائب. ~~«لا يبدو لي شابا ذكيا»، كان هذا رأي أوجستس لونجكورد، صاحب إحدى ~~الشركات في الحي التجاري بلندن. # أما شريكه إزيدور فكان تعليقه: «بالحديث عن نفسي، لا أرى نفعا ~~للشاب الذكي. إن العالم يعج بأمثاله.» # ضحك شريكه قائلا: «لا بد أنه ذكي جدا إذا كنت تراه من ~~الأذكياء الكثر الذين تتحدث عنهم.» # إذا وجد وصف ينطبق على الدردشة المرحة الذكية لصحبة سكان ~~هذا النزل، فهو كالتالي: كانت محادثتهم بسيطة في تركيبها، وسهلة ~~في فهمها. # قالت الآنسة كايت ذات الشعر المصبوغ باللون الذهبي والوجه الذي ~~تغطيه مساحيق التجميل: «أما أنا، فإن النظر إليه فحسب يولد ~~لدي شعورا طيبا. ربما كانت ملابسه هي السبب؛ فقد ذكرتني بنوح ~~وسفينته، وما إلى ذلك.» # ردت عليها الآنسة ديفاين، الفاترة الهمة، في تثاقل: «الملابس ~~هي ما تجعلك تفكرين في أي شيء.» كانت الآنسة ديفاين فتاة طويلة ~~حسنة المظهر، وكانت منشغلة في هذه اللحظة بمحاولات عقيمة للتمدد ~~على أريكة من شعر الحصان، في وضع يوفر لها الراحة ويحافظ على ~~مظهرها الأنيق على حد سواء. ولأن شعبية الآنسة كايت كانت قليلة ~~في تلك الأمسية، إثر استيلائها على الكرسي الوحيد المريح في المكان، ~~فإن تعليق الآنسة ديفاين على عباراتها لاقى من الحضور استحسانا ~~يزيد على الأرجح عما يستحقه. # تساءلت الآنسة كايت في جدية: «ما قصدك بهذا الرد؛ الطرافة أم ~~الوقاحة؟» ~~«الاثنتان»، كان هذا زعم الآنسة ديفاين. # صاح والد الفتاة الطويلة، المعروف بالكولونيل، قائلا: «هلا أدلي ~~بدلوي في الأمر؟ يجب أن أعترف بأنني أراه رجلا أحمق.» # همهمت زوجته، وهي سيدة قصيرة ممتلئة الجسم، مبتسمة: «لقد بدا ~~لي أن هناك الكثير من الانسجام بينكما.» # رد زوجها بسرعة: «ربما كان الأمر كذلك بالفعل. لقد عودني القدر ~~على مصاحبة الحمقى.» # صاحت ابنتهما البارة من فوق الأريكة: «من المحزن أن تبدآ في ~~الشجار بعد العشاء مباشرة، فلن تجدا على هذا النحو ما يسليكما ~~في باقي الأمسية.» # علقت السيدة التي كانت قريبة أحد البارونيتات: «لم يبد ms06 لي ~~متحدثا لبقا، إلا أنه مرر طبق الخضراوات قبل أن يتناول ~~نصيبه. تلك اللفتات تنم عن حسن التربية.» # رد عليها أوجستس الظريف ضاحكا: «أو ربما لم يكن يعرفك وظن ~~أنك قد تتركين له نصف ملعقة من الخضراوات.» # صاح الكولونيل: «ما لا أستطيع فهمه بشأنه ...» # دخل الغريب الغرفة. # فانزوى الكولونيل في ركن حاملا صحيفة المساء. أما الآنسة كايت، ~~فتناولت من فوق رف المدفأة مروحة ورقية ورفعتها أمام وجهها في ~~خجل متصنع. بينما اعتدلت الآنسة ديفاين في جلستها على الأريكة ~~المصنوعة من شعر الخيل وعدلت من تنورتها. # سأل أوجستس الغريب، كاسرا حاجز الصمت الذي بدأ يلاحظ: «ألديك ~~أي أخبار؟» # بدا جليا أن الغريب لم يفهم سؤاله. وكان لازما على أوجستس، ~~الظريف، مواصلة الحديث لتجاوز هذا الصمت الغريب. ~~«من تعتقد سيفوز بسباق لينكولن لتحمل الخيل؟ قل لي اسم ~~الحصان الفائز، وسوف أخرج من فوري وأراهن عليه بكل ما ~~أملك.» # ابتسم الغريب قائلا: «سيكون ذلك تصرفا غير حكيم في رأيي. فليس ~~لدي خبرة بهذا الموضوع.» ~~«حقا؟! لم أخبروني إذن أنك كاتب عمود «أسرار السباق» في صحيفة ~~«سبورتنج لايف»، لكنك متنكر؟» # سيكون من الصعب أن تكون هناك دعابة أسخف من تلك الدعابة. لم يضحك ~~أحد بالطبع على دعابة السيد أوجستس لونجكورد، وعجز هو عن فهم سبب ~~ذلك، وربما لم يكن لأي من الحاضرين أن يخبره به؛ لأن السيد ~~لونجكورد في هذا النزل كان يعد صاحب حس دعابة. أما الغريب ~~نفسه فبدا أنه لم يدرك كونه محل سخرية. # إذ رد مؤكدا: «معلوماتك خاطئة يا سيدي.» # قال السيد أوجستس لونجكورد: «معذرة إذن.» # رد الغريب بصوته العذب الخفيض: «لا داعي للاعتذار»، وتجاوز ~~الأمر. # تحول السيد لونجكورد إلى صديقه وشريكه سائلا إياه: «حسنا، فيما ~~يتعلق بالذهاب إلى المسرح، أترغب في الذهاب أم لا؟» كان السيد ~~لونجكورد متوترا. # رد السيد إزيدور: «لدينا التذاكر، فلنذهب على أي حال.» ~~«سمعت أنها مسرحية في غاية التفاهة.» # قال إزيدور: «معظم ما يعرض هذه الأيام تافه على نحو أو آخر.» ~~وأضاف: «لكن من الخسارة أن ms07 نهدر التذاكر»، وخرج الاثنان معا. # رفعت الآنسة كايت عينيها المتمرستين نحو الغريب وسألته: «هل ~~ستمكث طويلا في لندن؟» # أجابها الغريب: «لا، ليس لفترة طويلة. أنا لا أعرف تحديدا. الأمر ~~يعتمد على الظروف.» # ساد في غرفة المعيشة هدوء استثنائي، وهي الغرفة التي عادة ما كانت ~~تعج بأصوات شاغليها الصاخبة في هذا الوقت من اليوم. ظل الكولونيل ~~مشغولا بجريدته. بينما جلست السيدة ديفاين عاقدة يديها البيضاوين ~~الممتلئتين فوق حجرها، وكان مستحيلا معرفة أهي نائمة أم ~~مستيقظة. أما السيدة قريبة البارونيت، فقد حركت كرسيها تحت ~~الثريا المضاءة بالغاز، وأخذت تحيك قطعة الكروشيه التي لا تنتهي ~~أبدا. وتوجهت الآنسة ديفاين الفاترة الهمة نحو البيانو، وجلست ~~على مقعده وأخذت أصابعها تداعب برفق مفاتيحه التي بحاجة إلى ~~ضبط، مولية ظهرها للغرفة الباردة القليلة الأثاث. # قالت الآنسة كايت للغريب بأسلوبها الوقح، مشيرة بمروحتها إلى ~~الكرسي الشاغر بجوارها: «اجلس. وحدثني عن نفسك. إنك تثير اهتمامي.» ~~كانت الآنسة كايت تتبنى سلوكا سلطويا إلى حد ما مع جميع أعضاء ~~الجنس الآخر ممن تبدو عليهم أمارات الشباب. وكان ذلك منسجما مع ~~بشرتها الخوخية اللون وشعرها الذهبي، ومناسبا لها عموما. # رد الغريب ساحبا الكرسي الذي أشارت إليه: «سعيد أني أثرت ~~اهتمامك. كنت بالفعل أرغب في ذلك.» # ردت الآنسة كايت: «أنت فتى جريء للغاية.» ثم أخفضت مروحتها من ~~أجل النظر بخبث من فوق حافتها، وعندئذ التقت عيناها لأول مرة ~~بعيني الغريب اللتين كانتا تنظران إلى عينيها. وحينها اختبرت ~~الآنسة كايت الشعور العجيب نفسه الذي بث الاضطراب في نفس السيدة ~~بنيتشيري قبل ساعة أو أكثر، عندما أقدم الغريب لأول مرة على ~~الانحناء لها. وبدا للآنسة كايت أنها لم تعد المرأة التي تثق ~~أنها كانت ستراها إذا ما نهضت عن كرسيها وتحركت نحو المرآة ~~المتسخة المعلقة فوق رف المدفأة الرخامي، بل امرأة أخرى، ~~مبتهجة تشع عيناها حيوية ونشاطا وتدنو من منتصف العمر، لكن لا ~~تزال حسنة المظهر على الرغم مما اعترى بشرتها من ذبول وخصلات ~~شعرها البني من ضعف. وشعرت بموجة من الغيرة تجتاحها؛ فتلك ms08 ~~المرأة المتوسطة العمر بدت لها إجمالا أكثر جاذبية. كانت ~~تعكس قدرا من رجاحة العقل وحسن الأخلاق وسعة الأفق، يجعل ~~المرء ينجذب إليها غريزيا. إنها امرأة لا تقيدها - مثل الآنسة ~~كايت نفسها - الحاجة للظهور بمظهر فتاة يتراوح عمرها بين الثامنة ~~عشرة والثانية والعشرين؛ كان المرء يشعر أن في وسع تلك النسخة ~~الأخرى من الآنسة كايت التحدث بمنطق واضح، بل بذكاء متقد. ~~إنها امرأة لطيفة بمعنى الكلمة، وتلك حقيقة لم يسع الآنسة كايت، ~~وإن كانت تشعر بالغيرة، إنكارها. وقد تمنت الآنسة كايت من ~~أعماق قلبها لو لم تر قط تلك النسخة الأخرى منها. فصورتها ~~الخاطفة تركتها شاعرة بالاستياء من نفسها. # استأنف الغريب المحادثة قائلا: «أنا لست فتى، ولا أريد أن ~~أكون من النوع الجريء.» # ردت الآنسة كايت: «أعرف ذلك. إنها مجرد ملاحظة سخيفة. لا أعرف ~~لم قلتها. يبدو أنني أصبحت عجوزا حمقاء.» # ضحك الغريب. وقال: «قطعا أنت لست عجوزا.» # ردت الآنسة كايت بحدة: «عمري تسعة وثلاثون عاما. لا أظنك ~~تراني في ريعان الشباب؟» # أصر الغريب على رأيه قائلا: «أرى أنك في مرحلة عمرية رائعة؛ ~~فأنت لم تتقدمي في العمر إلى حد يفقدك بهجة الشباب، لكنك ~~بلغت من كبر السن ما يكفي للتحلي بالتعاطف.» # ردت الآنسة كايت: «أوه، جميع الأعمار جميلة في نظرك على ما ~~أعتقد. سأخلد إلى النوم.» ثم نهضت. وكانت مروحتها الورقية قد ~~انحلت دون أن تدري كيف. فألقت أجزاءها في المدفأة. # قال الغريب متوسلا: «لا يزال الوقت مبكرا، كنت أتطلع ~~للتحدث إليك.» # ردت الآنسة كايت: «حسنا فلتستمر في التطلع إذن. تصبح على ~~خير.» # في الحقيقة كانت الآنسة كايت تتوق إلى مطالعة صورتها في المرآة ~~في حرم غرفتها وخلف بابها المغلق. ونظرا لأن صورتها ذات الوجه ~~الصافي الشاحب والشعر البني كانت حية بشدة في خيالها، فقد تساءلت هل ~~حلت عليها نوبة من فقدان الذاكرة المؤقت بينما كانت ترتدي ~~ملابسها لتناول العشاء هذا المساء جعلتها تنسى صورتها ~~الأخرى. # أما الغريب، بعدما تركه الآخرون لشأنه، فقد سار نحو الطاولة ~~المستديرة باحثا عن شيء ms09 يقرؤه . # فخاطبته السيدة قريبة البارونيت قائلة: «يبدو أنك أخفت ~~الآنسة كايت.» # أومأ الغريب برأسه مقرا: «يبدو الأمر كذلك.» # قالت السيدة التي كانت تحيك قطعة الكروشيه: «إن ابن عمي، السير ~~ويليام بوستر، متزوج من ابنة أخت اللورد إيجام العجوز؛ هل قابلت ~~أحدا من آل إيجام من قبل؟» # رد الغريب: «حتى الآن، لم أحظ بهذا الشرف.» ~~«إنها عائلة في غاية اللطف والاحترام. السير ويليام، ابن عمي، ~~يعجز عن فهم ما يدفعني للبقاء هنا. في كل مرة يراني، لا يمل ~~من قول: «عزيزتي إميلي، كيف تتحملين البقاء وسط نوعية الأشخاص ~~الذين يصادفهم المرء في أي نزل؟» لكن الناس هنا يسلونني ~~كثيرا.» # وافقها الغريب قائلا إن حس الفكاهة ميزة في جميع ~~الأحوال. # واصلت السيدة قريبة السير ويليام حديثها بصوت رتيب هادئ: «إن ~~عائلتنا من جهة أمي كانت تمت بصلة إلى آل تاتون-جونز، الذين ~~كانوا في عهد الملك جورج الرابع ...» ثم قطعت حديثها للحظة كي تجلب ~~كرة إضافية من خيوط الكروشيه، وعندئذ رفعت عينيها فالتقتا بعيني ~~الغريب. # ثم أضافت السيدة قريبة السير ويليام بنبرة يشوبها التوتر: ~~«لا أعرف بالتأكيد لم أخبرك بكل هذا! إنها أمور على الأرجح لن تثير ~~اهتمامك.» # طمأنها الغريب بجدية قائلا: «كل ما يتعلق بك يثير ~~اهتمامي.» # تنهدت السيدة قريبة السير ويليام ثم ردت دون اقتناع: «ذلك ~~لطف شديد منك، وأخشى أنني أسبب أحيانا الملل لمن حولي.» # امتنع الغريب المهذب عن مناقضة كلامها. # فواصلت السيدة المسكينة حديثها: «أتدري، أنا أنتمي حقا إلى ~~عائلة نبيلة.» # قال الغريب: «سيدتي العزيزة، يشهد وجهك النبيل وصوتك الرقيق ~~وسلوكك الدمث جميعا لك بهذا.» # نظرت السيدة إلى عيني الغريب في ثبات، وشيئا فشيئا شاعت على ~~وجهها ابتسامة طردت ما خيم على ملامحها من بلادة. ~~«يا لحماقتي!» واصلت السيدة حديثها، وإن بدت الآن تحدث ~~نفسها لا الغريب. «لا شك أن الناس - الذين يهمك ترك انطباع حسن ~~لديهم - يحكمون عليك بما أنت عليه حقا، لا بما تدعيه لنفسك ~~في كل مناسبة.» # ظل الغريب صامتا. # قالت: «إني أرملة طبيب كان يعمل ms10 في المقاطعات، ودخلي السنوي لا ~~يزيد عن مائتين وثلاثين جنيها فحسب. لذا تقتضي الحكمة أن أحسن ~~استغلال ذلك المبلغ المحدود، وألا أشغل بالي بأقاربي ~~الأرستقراطيين وذوي النفوذ هؤلاء إلا بقدر ما يشغلون هم بالهم ~~بي.» # بدا على الغريب أنه لا يستطيع أن يجد ما يستحق القول. # أردفت ابنة عم السير ويليام متذكرة: «لدي أقارب آخرون؛ أهل ~~زوجي المسكين، الذين يمكن ألا أبدو في أعينهم «القريبة الفقيرة»، ~~بل الراعية الكريمة. إنهم أهلي الحقيقيون؛ أو كانوا سيصبحون كذلك - ~~مضيفة بمرارة - لو لم أكن امرأة متكبرة فظة.» # تورد خدها خجلا فور أن لفظت بتلك الكلمات، ثم نهضت من ~~مكانها وبدأت تستعد في عجالة لمغادرة الغرفة. # تنهد الغريب قائلا: «يبدو أني أفسدت أمسيتك.» # ردت السيدة بشيء من الانفعال: «بعدما دعيت بالمتكبرة ~~الفظة، أظن أن الوقت قد حان لرحيلي.» # قال الغريب مذكرا إياها: «لكن تلك كانت كلماتك.» # تمتمت السيدة المستاءة: «أيا كان دافعي لذلك، لا يصح أن تصف ~~سيدة محترمة نفسها بتلك الألفاظ، خاصة في صحبة شخص غريب عنها ~~تماما.» ثم صمتت السيدة المسكينة في حيرة. وأضافت موضحة: «هناك شيء ~~غريب للغاية في هذه الأمسية لا أستطيع فهمه. يبدو أنني عاجزة عن ~~تجنب الإساءة إلى نفسي.» # وهكذا، بينما لا تزال تحاوطها الحيرة، تمنت ليلة سعيدة ~~للغريب، آملة أن تكون في حالة أفضل مع لقائهما التالي. فتح الغريب ~~لها الباب، آملا في ذلك أيضا، وأغلقه ثانية وراءها. # ضحكت الآنسة ديفاين، التي تمكنت بفعل موهبتها من تطويع ذاك ~~البيانو المتهالك ليصدر قدرا من التناغم، ثم سألت الغريب: «قل ~~لي كيف تمكنت من فعل ذلك؟ أريد أن أعرف.» # تساءل الغريب: «فعل ماذا؟» ~~«تدبر التخلص من هاتين العجوزين الشمطاوين بتلك ~~السرعة.» # قال الغريب: «يا لبراعتك في العزف! لقد أدركت موهبتك ~~الموسيقية الفذة ما إن وقعت عيناي عليك.» ~~«كيف تمكنت من ذلك؟» ~~«موهبتك تظهر جلية على وجهك.» # ضحكت الفتاة مسرورة. وقالت: «يبدو أنك أخضعت وجهي لدراسة ~~متأنية.» # قال الغريب: «إنه وجه جميل وباعث على الاهتمام.» # أدارت الآنسة ديفاين مقعد البيانو ms11 بقوة، والتقت عيناها ~~بعينيه. ~~«أتستطيع قراءة الوجوه؟» ~~«نعم.» ~~«أخبرني إذن، ماذا قرأت أيضا في وجهي؟» ~~«قرأت الصراحة والشجاعة ...» ~~«آه، نعم، كل الفضائل. ربما. سنعتبر ذلك من المسلمات.» كان ~~تحولها المفاجئ إلى الجدية غريبا. «حدثني عن الجانب الآخر ~~مني.» # رد الغريب: «لا أرى جانبا آخر. لا أرى سوى فتاة جميلة تقف على ~~أعتاب أنوثة نبيلة.» ~~«فقط؟ ألم تر أثرا لطمع أو غرور أو خسة أو ...» ثم فلتت ~~منها ضحكة غاضبة. واستطردت: «وتدعي أنك قارئ وجوه!» # قال الغريب: «ألا تصدقينني؟» ثم ابتسم. وأضاف: «هل تعرفين ما ~~أراه مكتوبا على وجهك في هذه اللحظة؟ أرى حب الحقيقة في أشد ~~صوره، أرى ازدراء للكذب والنفاق، أرى توقا إلى كل ما هو نقي، ~~واحتقارا لكل ما يستحق الاحتقار، لا سيما ما يستحق الاحتقار في ~~النساء. أخبريني، هل قراءتي صحيحة؟» # فكرت الفتاة متعجبة: ألهذا هرعت السيدتان الأخريان كلتاهما ~~خارج الغرفة؟ هل يشعر الجميع بالخزي مما تنطوي عليه أنفسهم ~~من خسة أمام عينيك الصافيتين اللتين تؤمنان بأفضل ما في ~~البشر؟ # خطر لها أن تسأله: «يبدو أن أبي كان لديه الكثير ليخبرك به ~~في أثناء العشاء بينما تتحدثان معا. قل لي عم كنتما ~~تتحدثان؟» ~~«أتقصدين الرجل المهذب ذا المظهر العسكري الذي كان يجلس على ~~يساري؟ لقد تحدثنا معظم الوقت عن أمك.» # ردت الفتاة شاعرة بالندم على طرح السؤال: «أنا آسفة. كنت آمل أن ~~يكون قد اختار موضوعا آخر للحديث بينكما في أول مساء تقضيه معنا ~~هنا!» # رد الغريب: «لقد حاول بالفعل فتح موضوع أو موضوعين آخرين، ~~لكن معرفتي بشئون العالم محدودة للغاية؛ لذا سعدت عندما أخذ ~~يتحدث عن نفسه. أشعر أننا سنصبح صديقين. ومن ناحية أخرى، لقد ~~تحدث بمنتهى اللطف عن السيدة ديفاين.» # علقت الفتاة: «فعلا؟» ~~«قال لي إنه طوال العشرين عاما التي قضاها متزوجا من أمك لم ~~يندم على زواجه سوى مرة واحدة!» # حولت الفتاة عينيها السوداوين إليه فجأة، لكن نظرة الشك ~~تبددت منهما ما إن التقت بعينيه. فأدارت وجهها كي تخفي ~~ابتسامتها. ~~«لقد ندم إذن على ms12 الزواج ... مرة واحدة.» # استطرد الغريب من فوره: «مرة واحدة فحسب، في نوبة ضيق عابرة. إن ~~اعترافه يدل على ما يتسم به من صدق شديد. قال لي ... أعتقد أنه قد ~~اطمأن إلي. في واقع الأمر، استشعرت ذلك من تصرفاته. قال إن ~~فرصة الحديث إلى رجل مثلي لم تتح له كثيرا؛ قال إنه عندما يسافر ~~مع أمك دائما ما يظنهما الناس زوجين في شهر العسل. وقد حكى لي ~~بعض المواقف البالغة الظرف حقا.» ضحك الغريب عندما تذكرها ثم ~~أضاف: «حتى هنا في هذا المكان، عادة ما يشار إليهما ب «الزوجين ~~المحبين بعضهما لبعض إلى الأبد».» # قالت الفتاة: «نعم، هذا صحيح. إن السيد لونجكورد هو من أطلق ~~عليهما هذا، في مساء اليوم الثاني لوصولنا. لقد اعتبر لقبا ~~معبرا، لكنه مبتذل قليلا في رأيي.» # قال الغريب: «لا يوجد ما هو أجمل، فيما أرى، من الحب الذي صمد في ~~مواجهة تقلبات الحياة ومحنها. إن برعم الحب النقي والرقيق ~~الذي ينبت في قلوب الشباب، في قلب كقلبك، جميل أيضا. حب ~~الشباب هو بداية الحياة. لكن حب الكبار هو بداية ... لمشاعر ~~أبقى.» # قالت الفتاة في تذمر: «يبدو أنك ترى كل الأشياء جميلة.» # رد الغريب: «لكن أليست جميع الأشياء جميلة؟» # كان الكولونيل قد فرغ من جريدته بحلول ذلك الوقت. فقال ملاحظا وهو ~~يقترب نحوهما: «يبدو أنكما منهمكان في محادثة مشوقة ~~للغاية!» # قالت له ابنته موضحة: «كنا نتحدث عن «الأزواج المحبين بعضهم ~~لبعض للأبد»، وعن جمال الحب الذي صمد في مواجهة تقلبات الحياة ~~ومحنها!» # ابتسم الكولونيل معلقا: «هكذا إذن، ذلك ليس عدلا. يبدو أن صديقي ~~كان يعيد على آذان الشباب الساخر اعترافات زوج عاشق بحبه ~~لزوجته التي بلغت منتصف العمر و...» وهنا وضع الكولونيل، في مزاجه ~~الهازل، يده على كتف الغريب؛ ما حتم عليه النظر مباشرة في ~~عينيه. عندئذ اعتدل في وقفته متصلبا واحمر وجهه. # كان هناك شخص يدعو الكولونيل بالوغد. ولم يكتف بذلك، بل أخذ يشرح ~~بوضوح بالغ الأسباب التي تجعل منه وغدا كي يتأكد من ذلك. ~~«إن ms13 حياة القط والفأر التي تحياها مع زوجتك عار عليكما معا. ~~على الأقل راع آداب اللياقة وحاول إخفاء الأمر عن الناس، بدلا من ~~المزاح حول عارك مع كل عابر سبيل. أنت وغد، يا سيدي، ~~وغد!» # من جرؤ على التلفظ بتلك العبارات؟ بالتأكيد ليس الغريب؛ إنه لم ~~يتفوه بكلمة. هذا فضلا عن أن الصوت ليس صوته. بل هو في واقع ~~الأمر أشبه كثيرا بصوت الكولونيل نفسه. حول الكولونيل نظره من ~~ابنته إلى الغريب، ثم من الغريب إلى ابنته. من الواضح أنهما لم ~~يسمعا الصوت؛ لقد كان الأمر مجرد هلوسة. لذا استرد الكولونيل ~~أنفاسه أخيرا. # بالرغم من ذلك بقي أثر الصوت في نفسه عصيا على التبدد. لا ~~شك أن مزاحه مع الغريب حول موضوع زوجته كان ينم عن انعدام ~~الذوق. فذلك أمر لا يقدم عليه رجل مهذب أبدا. # لكن ما من رجل مهذب يسمح أبدا بوضع كالذي بين الكولونيل ~~وزوجته. فالرجل المهذب ما كان ليقضي جل وقته في التشاحن مع ~~زوجته، وقطعا ما كان ليفعل ذلك على مرأى من الناس. فمهما كانت ~~زوجته مصدر إزعاج له، كان سيكون قادرا على التحكم في نفسه. # نهضت السيدة ديفاين من مكانها وتقدمت ببطء عبر الغرفة نحوهم. ~~تملك الخوف من الكولونيل. قال في نفسه إنها سوف تتوجه إليه ~~بملحوظة ما مستفزة؛ إذ قرأ ذلك في عينيها، والتي كانت ستثير ~~سخطه إلى حد يدفعه إلى رد فظ قاس. # حتى هذا الغريب الأحمق كان سيفهم لم لقبهما ظريف النزل ب ~~«الزوجين المحبين بعضهما لبعض إلى الأبد»، وسوف يستوعب أن ~~الكولونيل الشهم كان يتسلى بالسخرية من زوجته في حديث مع غريب ~~جلس بجواره على مائدة العشاء. # هرع الكولونيل كي يبدأ الحديث، فصاح مخاطبا زوجته: «عزيزتي، ~~ألا تشعرين بالبرد في هذه الغرفة؟ هلا أحضرت لك شالا!» # شعر الكولونيل بعبثية محاولته. فطالما جرت العادة بينه وبين ~~زوجته على إلباس أقسى ما يتبادلانه من إهانات قناع التهذيب. ~~تقدمت الزوجة نحوه بينما تفكر في رد مناسب؛ مناسب حسب وجهة ~~نظرها بالطبع. قال في نفسه ms14 : ستنكشف الحقيقة في أي لحظة الآن. ~~عندئذ خطر بباله احتمالية جامحة رائعة: إذا كان للغريب هذا التأثير ~~عليه، فلماذا لا يكون له نفس التأثير عليها؟ # صاح الكولونيل بنبرة صوت فاجأت زوجته ودفعتها للصمت: «ليتيشا، ~~فلتلقي نظرة متمعنة على وجه صديقنا هنا. ألا يذكرك بأي ~~أحد؟» # ألقت السيدة ديفاين نظرة طويلة متمعنة على وجه الغريب كما ~~حثها زوجها. ثم غمغمت وقد تحولت إلى زوجها: «نعم، إنه يذكرني ~~بأحد، لكن من هو؟» # رد الكولونيل: «لا أستطيع التذكر تحديدا؛ ظننت أنك قد ~~تتذكرين.» # أردفت السيدة ديفاين متأملة: «سأتذكر مع الوقت. إنه وجه شخص ~~عرفته منذ سنوات بعيدة، في سنوات صباي بمقاطعة ديفونشاير. سأكون ~~شاكرة إن أحضرت لي شالي يا هاري. لقد تركته في غرفة الطعام.» # كانت حماقة الغريب البالغة هي سبب كل المتاعب، هكذا شرح السيد ~~أوجستس لونجكورد لشريكه إزيدور. وأضاف: «أنا على أتم استعداد لعرض ~~براعتي في المعاملات التجارية على رجال لهم دراية بالأمور، أو ~~يظنون أنهم كذلك. لكن هذا الطفل الذي لا حول له ولا قوة عندما ~~يرفض حتى أن يطلع على تقاريري وحساباتي، زاعما أن كلمة ~~شرف مني تكفيه، ثم يعطيني دفتر شيكاته كي أضع الرقم الذي ~~يناسبني، حسنا، أؤكد لك أنه لا يحيك مكيدة ما، بل هو معتوه ~~تماما.» # رد شريكه باقتضاب: «المعتوه هو أنت يا أوجستس.» # رد أوجستس مقترحا: «حسنا، فلتذهب إليه يا عزيزي وتتحدث إليه ~~بنفسك.» # قال الشريك في إصرار: «ذلك تحديدا ما أنوي فعله.» # في المساء التالي لحديثهما، وقف السيد لونجكورد مستقبلا شريكه ~~بينما يصعد السلالم بعد حديث طويل أجراه مع الغريب وحدهما في غرفة ~~الطعام، وقال له: «كيف سار الأمر؟» # رد إزيدور محتدا: «أرجوك، لا تسألني، إنه رجل أحمق سخيف، ذلك ~~كل ما في الأمر.» ~~«ماذا قال لك؟» ~~«لن تتصور ما قاله لي، لقد أخذ يتحدث عن اليهود، عن مدى ~~طيبتهم، وعما يتعرضون له من سوء تقدير من الناس، إلى آخر هذا ~~الهراء! # لقد أضاف أن بعضا من أكثر من قابلهم احتراما على مدى حياته ms15 كانوا ~~يهودا. وقد كان يظنني واحدا منهم!» ~~«حسنا، وهل توصلت إلى أي اتفاق معه؟» ~~«اتفاق! بالطبع لا. لا يسعني تشويه صورة اليهود كلهم مقابل ~~بضع مئات من الجنيهات. تبدو صفقة خاسرة.» # شيئا فشيئا توصل قاطنو النزل إلى أن هناك الكثير من الأفعال ~~التي لا تستحق كل هذا العناء الذي يتكبدونه من أجلها؛ أفعال مثل ~~التصارع على طبق المرق، والتسابق لحيازة طبق الخضراوات أولا، ~~وغرف المرء أكثر من نصيبه المستحق، والتحايل بغرض الاستيلاء ~~على الكرسي المريح، والجلوس على صحيفة المساء ثم التظاهر بعدم ~~رؤيتها، إلى آخر تلك التصرفات الطفولية التافهة. إذ أدركوا أن ما ~~يتحصلون عليه من مكاسب ضئيلة من تلك السخافات لا يوازي الجهد ~~المبذول في سبيلها. وهكذا توقفوا أيضا عن الأفعال السوقية على ~~غرار التذمر الدائم من الطعام، والشكوى المتواصلة من معظم ~~الأشياء، وذم صاحبة النزل في غيابها أو ذم رفاق السكن على سبيل ~~التغيير، والتشاحن فيما بينهم دون سبب وجيه، وتهكم بعضهم على ~~بعض، وإذاعة الفضائح بعضهم عن بعض، وإطلاق الدعابات السخيفة بعضهم ~~على بعض، والتباهي بإنجازات لا يصدقها أحد. تلك سفاهات ربما ~~ينخرط فيها مستأجرو الأنزال الأخرى، لكن سكان هذا النزل كان ~~لديهم من الشرف ما يحول بينهم وبين تلك الأفعال. # في الحقيقة أصبح سكان النزل يحسنون الظن بأنفسهم، وهم ~~يدينون بذلك إلى الغريب وحده. فقد قدم الغريب إلى منزلهم ولديه ~~تصور مسبق - الله وحده يعلم من أين جاء به - مفاده أن قاطنيه الذين ~~بدوا أنهم من عموم الناس الخشني الطباع السيئي الخلق، هم في ~~الواقع سادة وسيدات من أرقى الناس وأنبلهم، والظاهر أن الوقت الذي ~~قضاه بينهم وملاحظته لهم لم يسهما إلا في تأكيد ذلك التصور ~~اللامعقول. ومن ثم كانت النتيجة الطبيعية أنهم بدءوا في التحول بما ~~يتوافق مع رأي الغريب فيهم. # كان الغريب يصر على أن السيدة بنيتشيري سيدة نبيلة بحكم الميلاد ~~والنشأة أجبرتها ظروف خارجة عن إرادتها على الانضمام إلى صفوف ~~الطبقة الوسطى في عمل كادح شريف؛ حيث تضطلع بدور الأم الرءوم التي ~~لا ms16 تستحق من عائلتها الكبيرة سوى كل شكر وعرفان؛ وهو رأي ~~تشبثت به السيدة بنيتشيري نفسها الآن عن اقتناع لا يتزحزح. ~~بالطبع لا يخلو دورها الجديد من بعض المتاعب، لكنها بدت مستعدة ~~لتحملها عن طيب خاطر. فسيدة نبيلة مثلها لا يليق بها أن ~~تحصل من ضيوفها الكرام على ثمن فحم وشمع لم يستخدموه قط، ~~والأم الرءوم لا يمكن أن تطعم أولادها لحما متوسط الجودة ~~مدعية أنه من أفضل أنواع اللحوم. تلك حيل قد تلجأ إليها ~~صاحبة نزل عادية كي تدس الأرباح في جيبها. لكن سيدة على ~~خلق وتهذيب مثلها لا يمكن لها أبدا ارتكاب أفعال كهذه؛ أو ~~بعبارة أخرى شعرت السيدة بنيتشيري أنها لم تعد قادرة على ارتكاب ~~تلك الأمور. # أما الآنسة كايت ففي عين الغريب كانت محاورة ذكية ومثيرة ~~للإعجاب وذات شخصية شديدة الجاذبية. بيد أنها كانت تعاني من عيب ~~واحد؛ ألا وهو قلة الاعتداد بالذات. فهي لم تكن تعي طبيعة جمالها ~~الرقيق النقي. ولو أتيحت لها - فحسب - فرصة رؤية نفسها بعين ~~الغريب لتخلت فورا عن ذلك التواضع الذي يدفعها إلى التشكك في ~~حسنها الطبيعي. بدا الغريب على يقين شديد من رأيه، حتى إن الآنسة ~~كايت عقدت العزم يوما ما على وضع ذلك الرأي موضع التجربة. فقد ~~دلفت في إحدى الأمسيات قبل العشاء بساعة إلى غرفة المعيشة، وكان ~~الغريب جالسا هناك وحده ولم تكن مصابيح الغاز قد أضيئت بعد، ~~وعندما رفع عينيه وجد أمامه سيدة لطيفة، حسنة المظهر، ذات بشرة ~~شاحبة قليلا وشعر بني مصفف بعناية، تسأله إن كان يعرفها. ~~كانت تسري في جسد الآنسة كايت رعشة وبدا صوتها مرتجفا يوشك ~~في أي لحظة على التحول إلى نحيب. لكنه انقلب إلى ضحكة عندما ~~نظر الغريب مباشرة إلى عينيها وأخبرها أنه لما يلاحظ من ~~تشابه بينها وبين الآنسة كايت، فلا بد أنها أختها الأصغر منها ~~سنا، والأجمل منها بكثير، وهكذا كانت تلك هي الأمسية التي اختفت ~~فيها الآنسة كايت ذات الشعر الذهبي إلى الأبد، ولم يلمح وجهها ~~المغطى بمساحيق التجميل مجددا ms17 قط في النزل، والأعجب ربما من ~~هذا والذي كان سيدهش أيا من قاطني النزل فيما سبق، أنه لم يسأل ~~أي منهم، ولو عرضا، عما حل بها. # وكان الغريب يرى أن السيدة ابنة عم السير ويليام تعد مكسبا ~~لأي نزل. فهي سيدة تنحدر من إحدى عائلات الطبقة الراقية. بالطبع ~~لم يبد عليها ظاهريا أي مما قد يوحي بانتمائها إلى عائلة ~~أرستقراطية. وهي نفسها، بطبيعة الحال، لم تكن لتذكر الأمر، غير أن ~~المرء يستشعر هذا الانتماء بطريقة ما. كانت، بلا وعي منها، تعكس ~~هالة من الرقي، وتشيع جوا من دماثة الخلق. وبالرغم من أن ~~الغريب لم يقل لها ذلك تحديدا، لكنها استشفت ذلك منه وشعرت ~~بأنها تتفق معه. # وكان الغريب يكن للسيد لونجكورد وشريكه احتراما كبيرا بوصفهما ~~نموذجين لرجال الأعمال كما ينبغي أن يكونوا. وقد كان لهذا الاحترام ~~أثره السيئ عليهما. ومما يثير العجب أنهما بدوا راضيين عن ~~الثمن الذي دفعته شركتهما لأجل أن تظل عند حسن ظن الغريب، بل ~~يقال أيضا إنها أصبحت تستهدف في المقام الأول اكتساب احترام ~~أصحاب الشرف والنزاهة، في خطوة يتوقع أن تكلفها ثمنا غاليا ~~على المدى الطويل. لكن بالرغم من كل شيء لدينا جميعا مبادئ لا ~~نمانع التضحية بالمال في سبيلها. # في البداية، عانى الكولونيل والسيدة ديفاين كثيرا؛ إذ لم يكن ~~سهلا على من في سنهما تعلم طرق جديدة للحياة. وهكذا أخذ كل ~~منهما يواسي الآخر خلف باب غرفتهما المغلقة. # صاح الكولونيل متذمرا: «هذا هراء وجنون، أيليق بنا في هذه السن ~~أن نرجع إلى التغزل والتودد؟!» # ردت زوجته: «إن وجه اعتراضي هو الإحساس بأني مدفوعة إلى ذلك ~~دفعا بعض الشيء.» # صاح الكولونيل مزمجرا: «أحرام على المرء وزوجته أن يسخرا ~~قليلا أحدهما من الآخر، مخافة رأي ذاك المدعي الصفيق؛ تلك مهزلة ~~لا تحتمل؟!» # ردت زوجته: «حتى في غيابه، يخيل إلي أني أراه ينظر إلي بتلك ~~العينين المزعجتين. حقا لقد أضحى يطاردني في كل مكان.» # قال الكولونيل متأملا: «لقد قابلته في مكان ما، أقسم على ذلك. ~~ليته يغادر ms18 ويريحنا.» # مئات التعليقات رغب الكولونيل في قولها للسيدة ديفاين على مدى ~~اليوم، ومئات الملاحظات كانت سترغب السيدة ديفاين في توجيهها للكولونيل ~~طوال اليوم. لكن بمجرد أن تتاح لهما فرصة الانفراد أحدهما ~~بالآخر؛ حيث لا يستطيع أحد سماعهما، تكون تلك الرغبات قد تبددت ~~تماما. # كان يواسي الكولونيل نفسه قائلا: «النساء هن النساء. لا بد ~~للرجال من احتمالهن؛ فعلى الرجل ألا ينسى أبدا أنه سيد ~~مهذب.» # أما السيدة ديفاين، فبعدما بلغت مرحلة من اليأس التي لا ملجأ ~~منها سوى المزاح، فقد كانت تضحك في سرها قائلة: «أوه، حقا، الرجال ~~جميعهم على الشاكلة نفسها. لا فائدة من محاولة توجيههم؛ ذلك جهد ~~عبثي لا يجلب للمرء سوى الضيق والإزعاج.» يوجد نوع خاص من الرضا، ~~ينبع من إحساس المرء أنه يتحمل بصبر بطولي حماقات الآخرين ~~المستفزة. وقد تأتى أخيرا للكولونيل وزوجته التمتع بهذا ~~الإحساس الرائع من الرضا عن الذات. # لكن من انزعج جديا من إيمان الغريب الذي لا يتزحزح بالخير ~~المتأصل في طبيعة كل من كان يقابله كانت الآنسة ديفاين الجميلة ~~الفاترة الهمة. كان الغريب مصمما على أنها شابة تحمل من ~~المشاعر أنبلها، ومن الأخلاق أسماها، وأنها جديرة بمكانة بين جان ~~دارك والبطلة الاسكتلندية فلورا ماكدونالد. إلا أن الآنسة ديفاين، ~~على النقيض، كانت تعلم جيدا أنها مجرد فتاة لا تملك سوى جمالها، ~~ولا تعشق سوى ترف العيش؛ فقد كانت على أتم استعداد لبيع نفسها ~~لأول شار قادر على منحها أرقى الثياب، وإغراقها بأفخر الأطعمة، ~~وإسكانها أفخم البيوت. وكان الشاري المتاح أمامها حاليا هو وكيل ~~مراهنات متقاعد، كان رجلا عجوزا بغيضا بعض الشيء، لكنه فاحش ~~الثراء ومغرم بها دون شك. # كانت الآنسة ديفاين، بعدما عقدت عزمها على قبول هذا الزواج، ~~متلهفة على ضرورة إتمام الأمر سريعا. لذا كان رأي الغريب السخيف ~~فيها لا يثير سخطها فحسب، بل يبث الاضطراب في نفسها. فمن الصعب ~~على امرأة التصرف كما لو كانت أحط الغرائز هي دافعها الوحيد في ~~الحياة، تحت مرأى ومسمع من الرجل الذي آمن بأنها التجسيد الحي ms19 ~~لكل ما هو حسن في النساء، مهما كانت حماقته. مرات عديدة عزمت ~~الآنسة ديفاين على وضع نهاية لتلك المسألة بالقبول الرسمي لليد ~~الضخمة والمترهلة لعاشقها الكهل، ومرات عديدة تدخل طيف عيني ~~الغريب المهيبتين الصادقتين ليمنعها من إعطاء جواب نهائي. لكن ~~الغريب كان سيرحل يوما ما. في الواقع، هو نفسه قال لها ذلك، فما هو ~~إلا عابر سبيل. ستصبح الأمور أسهل قطعا عند رحيله. هكذا ~~فكرت. # وفي عصر أحد الأيام دلف الغريب إلى غرفة المعيشة بينما كانت ~~الآنسة ديفاين تقف بجوار النافذة متطلعة إلى الأغصان العارية ~~للأشجار بميدان بلومزبيري سكوير. وقد تذكرت فيما بعد أن عصر يوم ~~ضبابي كهذا شهد مجيء الغريب منذ ثلاثة أشهر. كانا وحدهما في ~~الغرفة. أغلق الغريب الباب وتقدم نحوها بخطواته الوثابة ~~الغريبة. كان قد أحكم إغلاق أزرار معطفه الطويل، وحمل بين ~~يديه قبعته القديمة المصنوعة من اللباد وعصاه الغليظة ذات المقبض ~~الأشبه بعكاز. # قال الغريب موضحا: «لقد جئت لأودعك. إني راحل ~~اليوم.» # سألته الفتاة: «ألن أراك مجددا إذن؟» # رد الغريب: «لا يمكنني القول. لكن أرجو ألا تنسيني.» # ردت الفتاة مبتسمة: «لن أنساك. أستطيع أن أعدك بذلك.» # وعدها الغريب بدوره: «وأنا لن أنساك أبدا، وأتمنى لك كل ~~فرحة وبهجة؛ فرحة الحب، وبهجة الزواج السعيد.» # جفلت الفتاة. ثم قالت: «الحب والزواج قد لا يجتمعان معا في جميع ~~الأحوال.» # وافقها الغريب قائلا: «نعم ليس في جميع الأحوال، لكن في حالتك ~~أنت تحديدا سيجتمعان.» # نظرت إليه. # واستكمل الغريب حديثه مبتسما: «أتظنين أنني لم ألاحظ ذلك ~~الشاب الوسيم المهذب والذكي؟ إنه يحبك وأنت تحبينه. لم أكن ~~لأغادر دون الاطمئنان على مستقبلك.» # شردت عيناها نحو الضوء الخافت. # ثم ردت في نزق: «آه! نعم، أنا أحبه بالفعل. إن عينيك قادرتان ~~على رؤية الحقيقة متى رغبتا في ذلك. لكن المرء لا يحيا على الحب ~~في عالمنا هذا. سأخبرك عن الرجل الذي أنوي الزواج منه إذا كنت ~~مهتما.» كانت عيناها تتحاشى عينيه. وظلت مثبتة على الأشجار ~~الداكنة والضباب خلفها، بينما تدفقت العبارات من فمها سريعة ms20 ~~جارفة: «سأتزوج رجلا قادرا على منحي كل ما أشتهيه؛ المال ~~وكل ما يقدر المال على شرائه. أنت تظنني امرأة، لكنني لست ~~سوى خنزيرة. إنه كائن مقزز ويتنفس مثل الخنازير البحرية؛ لا ~~يعرف سوى المكر والخداع، ولا يعظم سوى شهواته. لكني لا أمانع ~~كل هذا.» # كانت تأمل أن تصدم كلماتها الغريب دافعة إياه للمغادرة. ~~وأثار سخطها أن سمعته يضحك ليس إلا. # قال: «لا، لن تتزوجيه.» # صاحت في غضب: «من سيمنعني؟» ~~«روحك النبيلة.» # كان لصوته رنين آمر عجيب أجبرها على الالتفات والنظر إلى ~~وجهه. عندئذ أدركت أن الصورة التي كانت تحملها له في مخيلتها ~~منذ أن وقعت عيناها عليه للمرة الأولى كانت صحيحة. كانت قد التقته ~~وتحدثت إليه؛ في الطرقات الريفية الساكنة وشوارع المدن المزدحمة؛ ~~لا تدري أين على وجه التحديد. وكلما كانت تحادثه كان يسمو بروحها: ~~لقد كانت مثلما كان دوما يراها. # أكمل الغريب حديثه (وللمرة الأولى لاحظت الآنسة ديفاين حضوره ~~المهيب، وأدركت أن عينيه الوديعتين الطفوليتين يمكن أن تكونا ~~آمرتين كذلك): «هناك أناس يقدمون على ذبح روحهم النبيلة ~~بأيديهم والتخلص للأبد مما تجلبه من متاعب. لكنك يا صغيرتي ~~تركت روحك تبلغ من القوة ما يعجزك عن كبتها؛ لذا ستظل ~~لها اليد العليا دوما عليك. يجب أن تطيعيها. وإذا حاولت الفرار ~~منها فستتبعك، حتى تدركي أنه لا مهرب منها. أما إهانتك لها، ~~فلن تجلب لك سوى شعور محتدم بالعار وتقريع مؤلم لا ينتهي ~~للنفس.» ثم تلاشت الصرامة من وجه الغريب الجميل وعاودته ~~رقته مجددا. ووضع يده على كتف الفتاة الشابة. ثم قال: «سوف ~~تتزوجين حبيبك. ومعه ستقطعين دروب الحياة، سهلها ~~ووعرها.» # تطلعت الفتاة إلى وجهه القوي الهادئ، وأدركت يقنيا أن ما ~~تلفظ به واقع لا محالة، وأن مقاومتها لروحها النبيلة قد ~~تلاشت من داخلها إلى الأبد. # استطرد الغريب: «والآن، فلتصحبيني إلى الباب. إن لحظات الوداع ~~ليست سوى أحزان لا داعي لها. دعيني أغادر في هدوء. وأغلقي ~~الباب برفق من خلفي.» # ظنت أنه قد يدير وجهه مجددا ناظرا إليها، لكنها لم تلمح ms21 منه ~~سوى الجزء المستدير العجيب من ظهره البارز من تحت معطفه المغلق ~~بإحكام قبل أن يتلاشى طيفه مع تكاثف الضباب. # فأغلقت الباب برفق. # | مزحة الفيلسوف # عن نفسي أنا لا أصدق هذه القصة. لدى ستة أشخاص قناعة بصحتها، ~~ولديهم كذلك أمل بإقناع أنفسهم بأنها كانت مجرد هلوسة. لكن ثمة ~~مشكلة واحدة تعترض سبيلهم، وهي أنهم ستة أشخاص. وكل فرد منهم يدرك ~~بوضوح استحالة أن يكون ما حدث هلوسة. ولسوء الحظ، هم أصدقاء مقربون، ~~ولا يمكن لبعضهم تجنب البعض؛ وعندما يلتقون وينظر كل منهم في ~~أعين الآخرين تتجسد تلك الواقعة مجددا في أذهانهم. # كان من حكى لي القصة، ثم تمنى فور انتهائه من سردها لو لم يكن قد ~~أفصح عنها، هو آرمتيدج. ففي إحدى الليالي، عندما كنت أنا وهو ~~الجالسين الوحيدين في غرفة التدخين بالنادي، أخبرني بما حدث. وقد ~~كان سرده لي عفو الخاطر، حسبما أوضح لي لاحقا. كان الموقف يلح على ~~ذهنه طوال ذلك اليوم بإصرار غريب؛ وبينما كنت أدخل الغرفة خطر له أن ~~عقلا بليدا مثل عقلي - دون أن يقصد إهانتي بتلك الكلمات طبعا - من ~~المؤكد أن ينظر إلى تلك المسألة بتشكك هزلي، ما قد يساعد على ~~توجيه انتباهه نحو الجانب غير المعقول منها. وأظن أنني فعلت ما ~~أراده. إذ شكرني عندما رفضت تصديق القصة برمتها واعتبرتها وهما ~~وليد عقل مشوش، ورجاني ألا أجيء على ذكر تلك المسألة لأي كائن ~~كان. وعدته بذلك؛ وربما يجدر بي هنا التنبيه على أنني لا أعتبر ~~القصة التي سأشرع في سردها الآن ذكرا لتلك المسألة. فاسم الرجل ~~الحقيقي ليس آرمتيدج، بل إن اسمه الحقيقي لا يبدأ حتى بحرف الألف. ~~وقد تقرأ هذه القصة ثم تتناول العشاء بجوار ذلك الرجل في الأمسية ~~نفسها، ولن تعرف مطلقا أنه هو من ورد ذكره بالقصة. # وبالتأكيد لم أظن أن وعدي له يمنعني من التحدث عن المسألة، بحذر ~~شديد، مع السيدة آرمتيدج، وهي امرأة في غاية اللطف. وقد انفجرت في ~~البكاء ما إن تلفظت بأولى كلماتي حول الموضوع. ولم ms22 تهدأ إلا بعد جهد ~~جهيد مني. ثم قالت إنها يمكن أن تشعر بالراحة عندما تعزف عن التفكير ~~في هذا الأمر. وأضافت أنها هي وآرمتيدج لا يتحدثان عنه قط فيما ~~بينهما؛ وكانت ترى أنهما لو تركا لحالهما، فربما تمكنا أخيرا من ~~تجاوز هذه الذكرى برمتها. تمنت أيضا لو لم يكونا مقربين إلى هذه ~~الدرجة من السيد إيفريت وزوجته. كان قد راود هذين الزوجين الحلم نفسه ~~الذي حلمت به هي وزوجها؛ على افتراض أن ما حدث كان حلما. فالسيد ~~إيفريت ليس من نوعية الرجال الذين ربما يجدر برجل دين، مثل السيد ~~آرمتيدج، مصادقتهم؛ لكن آرمتيدج لا ينفك يحاجج بأنه من غير المنطقي ~~أن يكون معلما للقيم المسيحية ثم ينهي صداقته مع رجل لا لسبب سوى أنه ~~آثم نوعا ما. بل كان يفضل أن يحافظ على صداقته ويسعى لفرض تأثيره ~~الحسن عليه. كانا يتناولان العشاء مع آل إيفريت بانتظام في أيام ~~الثلاثاء، وبينما كانا يجلسان قبالتهما بدا من المستحيل قبول حقيقة ~~أنهم الأربعة قد وقعوا جميعا، في الوقت نفسه وبالطريقة نفسها، فريسة ~~لنفس الوهم. أظن أنني نجحت في بث قدر من الأمل في نفسها قبل أن ~~أغادر. فقد أقرت بأن القصة تبدو بالفعل سخيفة من منظور المنطق السليم، ~~وهددتني بأن لسانها لن يخاطب لساني مجددا إذا نبست ببنت شفة عن تلك ~~المسألة أمام أي شخص. إنها امرأة لطيفة حقا، كما ذكرت قبلا. # وتشاء الصدفة العجيبة أن أكون في هذا الوقت أحد المديرين في شركة ~~يملكها إيفريت، والتي كان قد رشحها لتوه للاستحواذ على تجارة ساحل ~~البحر الأحمر وتطويرها. لذا تناولت معه هو وزوجته طعام الغداء يوم ~~الأحد التالي للقائي بالسيدة آرمتيدج. إن حديثه ممتع، وانتابني فضول ~~لمعرفة كيف سيبرر رجل حصيف للغاية مثله صلته بهذا الوهم المجنون، ~~البالغ الاستحالة الذي حكي لي، ما دفعني إلى التلميح بمعرفتي ~~بالقصة. وفجأة تغير سلوكه هو وزوجته. وأرادا معرفة من أخبرني ~~بالأمر. لكني رفضت الإفصاح عن تلك المعلومة؛ لأنه بدا من الجلي أنهما ~~كانا سيغضبان من ذاك ms23 الشخص. كان لدى إيفريت نظرية مفادها أن ما حدث ~~كان حلما راود واحدا منهم، كاملفورد على الأرجح، وقد أوحى إلى ~~بقيتهم أنهم رأوا الحلم نفسه عبر الإيحاء التنويمي. وأضاف أنه كان ~~ليهزأ منذ البداية من الرأي القائل بأن ما حدث لم يكن حلما لولا حدث ~~واحد تافه. لكنه رفض أن يخبرني ما هو. إذ إن هدفه، حسبما أوضح لي، هو ~~محاولة نسيان الأمر، لا الاستغراق في التفكير فيه. ثم نصحني، بصفته ~~صديقا لي، ألا أثرثر كثيرا حول هذه المسألة؛ لكيلا أواجه أي مشكلات ~~فيما يتعلق بما أتلقاه من أتعاب نظير عملي في شركته. كان إيفريت يستخدم ~~أحيانا أسلوبا فظا في توضيح الأمور. # وفي منزل آل إيفريت قابلت، فيما بعد، السيدة كاملفورد، وهي واحدة من ~~أجمل من رأيت في حياتي من النساء. غير أنني ارتكبت يومها حماقة ~~نابعة من ضعف ذاكراتي فيما يتعلق بالأسماء. فقد نسيت أن السيد كاملفورد ~~وزوجته كانا الطرف الثالث فيما وقع من أحداث، وذكرت القصة زاعما أنها ~~حكاية غريبة قرأتها منذ سنوات بعيدة في مجموعة قصصية قديمة. كنت آمل ~~أن تكون فاتحة نقاش بيننا عن الصداقة البريئة. لكن السيدة كاملفورد هبت ~~واقفة ونظرت لي في غضب. عندئذ تذكرت، وتمنيت لو أنني لم أقل ~~شيئا مما قلته. أخذت وقتا طويلا كي أصالحها، وسامحتني أخيرا بعدما ~~قبلت اعتبار ما قلته غلطة نابعة من غبائي ليس إلا. كانت هي مقتنعة ~~تماما، كما قالت لي، بأن الأمر كله محض خيال. ولم يكن يساورها أي ~~شك في ذلك إلا عندما تكون في صحبة باقي الأطراف. كانت ترى أنه إذا ~~اتفق الجميع على تجنب ذكر هذا الأمر مجددا، فسوف يتبدد كليا ~~بنسيانهم له. افترضت السيدة كاملفورد أن زوجها هو من أخبرني بالأمر؛ ~~فطالما كان يرتكب مثل هذه الحماقات. لكن قولها ذلك لم يكن نابعا من ~~قسوة. إذ قالت إنه في بداية زواجهما، قبل عشر سنوات، لم يكن يضايقها ~~أحد مثله؛ لكنها صادفت العديد من الرجال الآخرين منذ ذلك الحين، وقد ~~جعلها ذلك تعيد ms24 النظر إليه بعين الاحترام. وأنا أحب أن أسمع امرأة ~~تثني على زوجها. وأرى أنه أمر غير معتاد ينبغي، في رأيي، التشجيع عليه ~~أكثر. أكدت لها أن كاملفورد ليس المذنب هنا؛ وبعدما وعدتني بأن تسمح ~~لي بزيارتها، لكن ليس كثيرا، في أيام الخميس، وافقتها على أن ~~التصرف الأمثل هو صرف المسألة برمتها من ذهني والانشغال بدلا من ذلك ~~بالأمور التي تخصني. # لم أكن قد تحدثت كثيرا مع كاملفورد من قبل، رغم أني أراه في النادي ~~عادة. هو رجل غريب، يشاع عنه الكثير من الحكايات. فهو يكسب زرقه من ~~الكتابة في الصحف، ثم ينفقه في نشر الشعر الذي يكتبه، فيما يبدو، ~~للترويح عن النفس. خطر لي أن النظرية التي كونها عن الحدث ستكون بلا ~~شك مشوقة حقا؛ بيد أنه رفض التحدث عن الأمر بتاتا في البداية، ~~وتظاهر أنه قد صرف النظر عن المسألة كلها بوصفها ترهات فارغة. كدت ~~أن أيأس من دفعه إلى الكلام حتى سألني في إحدى الأمسيات، من تلقاء ~~نفسه، عما إذا كنت أظن أن السيدة آرمتيدج، التي كان يعلم أن علاقة ~~صداقة تجمعني بها، لا تزال تعطي أهمية لتلك المسألة. وعندما عبرت عن ~~رأيي بخصوص هذه المسألة، الذي كان مفاده أن السيدة آرمتيدج هي أكثرهم ~~انزعاجا مما حدث، بدا متضايقا؛ وحثني على ترك بقيتهم لحالهم، ~~وأن أكرس كل جهدي لمحاولة إقناعها هي بالذات أن المسألة برمتها ~~كانت محض وهم، ولا يمكن أن تكون سوى ذلك. ثم أقر صراحة أن الأمر لا ~~يزال لغزا بالنسبة إليه. وكان من السهل عليه اعتباره وهما، لولا ~~حدث واحد تافه. وظل لفترة طويلة عازفا عن إخباري عما كان، لكن لهذا ~~النوع من المواقف خلقت المثابرة، وفي النهاية تمكنت من استخلاص ~~الأمر منه. وإليكم ما حكاه لي. ~~«شاءت الصدفة أن نجد أنفسنا، نحن الستة، بمفردنا في حديقة ~~النباتات الداخلية، في ليلة الحفل الراقص. كان أغلب الحضور قد غادروا ~~بالفعل. وبينما كانت تعزف الفرقة آخر مقطوعة، كان صوت الموسيقى ~~يتناهى إلى أسماعنا خافتا. انحنيت كي ألتقط ms25 مروحة جيسيكا التي كانت ~~قد أسقطتها أرضا عندما لفت نظري فجأة شيء ما يلمع فوق عتبة من ~~الفسيفساء أسفل مجموعة من النخل. لم يكن أي منا قد تحدث من قبل مع ~~الآخرين؛ بل كان ذلك المساء أول مرة نتقابل فيها؛ إن كان ما حدث ~~مجرد حلم. التقطت ذلك الشيء. وتجمع الآخرون حولي، وعندما نظر كل ~~منا في عين الآخر أدركنا ماهيته؛ كان كأس نبيذ مكسورة، قدحا غريب ~~الشكل مصنوع من الزجاج البافاري. لقد كان القدح الذي حلمنا جميعا أننا ~~شربنا منه.» # لقد جمعت أجزاء القصة كما تراءى لي أنها قد حدثت. وعلى أي حال، ~~الأحداث التي سأرويها كلها حقائق. وقد تبدلت أحوال أبطال تلك الحكاية ~~منذ ذلك الحين، ما يجعلني آمل أنهم لن يقرءوها أبدا. وما كنت ~~لأتكبد عناء سردها من الأساس، لولا أنها تحوي عبرة. # جلس ستة أشخاص حول الطاولة الكبيرة المصنوعة من خشب البلوط، في قاعة ~~الطعام المكسوة جدرانها بألواح خشبية بذلك النزل المريح الذي يدعى ~~«كنيبر هوف» في مدينة كونيجسبيرج الألمانية. كان الوقت قد تأخر ليلا. ~~في الظروف العادية، ما كانوا ليظلوا مستيقظين حتى هذه الساعة، لكن ~~بما أنهم وصلوا في القطار الأخير القادم من دانتسك، وتناولوا عشاء من ~~أصناف الطعام الألماني؛ فقد بدا من الأفضل البقاء قليلا وتبادل ~~الحديث. كان الصمت يعم المنزل على نحو غريب. كان قد ترك صاحب المنزل ~~السمين الشموع المخصصة للضيوف على البوفيه، وتمنى لهم «ليلة سعيدة» ~~منذ ساعة. وهكذا حوتهم روح المنزل القديم بين جنباتها. # إذا صدقت الأقاويل، فإن هنا، في هذه الغرفة تحديدا، طالما جلس ~~الفيلسوف إيمانويل كانط وتحاور بنفسه مع آخرين. وعلى الجانب الآخر ~~من الممر الضيق، كسا ضوء القمر الفضي الجدران التي أوت الرجل الضئيل ~~الجسد ذا الوجه الشاحب بينما كان يعمل ويفكر طوال أربعين عاما؛ في ~~حين أطلت النوافذ الثلاث العالية في قاعة الطعام على برج ~~الكاتدرائية القديمة الذي يرقد جثمانه أسفله. كانت الفلسفة - التي ~~تهتم بالظواهر البشرية، وتتوق للتجربة، ولا تخضع للقيود التي ~~يفرضها العرف على ms26 كافة أشكال التفكير - تحوم في هواء الغرفة المشبع ~~بالدخان. # كان القس ناثانيال آرمتيدج يتحدث قائلا: «لا ليس الأحداث ~~المستقبلية، فمن الأفضل أن تظل خافية عنا. لكن أرى أنه ينبغي أن ~~يسمح لنا بالاطلاع على مستقبل ذواتنا، أي طبعنا وشخصيتنا. ففي سن ~~العشرين يكون المرء على شاكلة ما؛ وفي الأربعين، يصبح على شاكلة أخرى ~~كلية، فتصير لديه آراء مختلفة، واهتمامات مغايرة، ونظرة أخرى ~~للحياة؛ تجذبه سمات مختلفة تماما عما اعتاد، وينفر من الصفات نفسها ~~التي رآها يوما ما جذابة. إنه أمر مربك حقا، لجميع ~~البشر.» # ردت السيدة إيفريت، بصوتها الحاني المتفهم: «يسعدني سماع شخص ~~آخر يتحدث عن هذا الأمر. لطالما فكرت فيه كثيرا. في بعض الأحيان ~~كنت ألوم نفسي، لكن كيف يسع المرء تجنب ذاك المصير؛ الأشياء التي ~~بدت لنا مهمة، أضحت بلا أهمية؛ واهتمامات جديدة استحوذت على ~~عقولنا؛ والأبطال الذين نظرنا إليهم بعين التقديس نراهم اليوم وقد ~~هووا من فوق عروشهم.» # ضحك السيد إيفريت المرح قائلا: «إذا كنت تعتبرينني واحدا من ~~هؤلاء الأبطال الهاوين، فلا تترددي في قول هذا.» كان رجلا ضخما ~~أحمر الوجه، ذا عينين صغيرتين لامعتين، وفم قوي وجذاب. ثم تابع: ~~«فأنا لم أخلق إنسانا عاديا بإرادتي. ولم أطلب من أحد قط ~~اعتباري قديسا من المرسومين على زجاج النوافذ الملون. لست أنا من ~~تغير.» # ردت زوجته النحيلة بابتسامة خانعة: «أعلم يا عزيزي، أنا من ~~تغيرت. كنت جميلة بلا شك عندما تزوجتني.» # وافقها زوجها قائلا: «كنت جميلة بالفعل يا عزيزتي. قليل من كان ~~يضاهيك جمالا في شبابك.» # تابعت زوجته: «كانت تلك هي الصفة الوحيدة التي أعجبتك في، جمالي، ~~ولقد تبددت سريعا. أشعر أحيانا وكأنني خدعتك.» # علق القس ناثانيال آرمتيدج: «لكن هناك أيضا جمال العقل، جمال ~~الروح، الذي يعتبره بعض الرجال أكثر جاذبية من الجمال الجسدي.» # تألقت العينان الحانيتان للسيدة، التي ذوي جمالها، بوميض لحظي من ~~السرور. ثم تنهدت قائلة: «أخشى أن ديك ليس من هذه النوعية من ~~الرجال.» # رد الزوج بنبرة ودودة: «حسنا، كما قلت لتوي، أنا لم أخلق ms27 نفسي. ~~لطالما كنت عبدا للجمال وسأظل كذلك على الدوام. لا أرى معنى في ~~التظاهر أمام الأصدقاء بأنك لم تفقدي جمالك، أيتها الفتاة العجوز.» ~~ثم وضع يده القوية على كتفها الهزيل في تعاطف. وأضاف: «لكن لا داعي ~~لأن تزعجي نفسك بهذا الأمر كما لو كنت ارتكبت تلك الفعلة عن عمد. لا ~~أحد يعتقد أن المرأة تزداد جمالا عندما تتقدم في العمر سوى ~~عاشق.» # قالت زوجته: «لكن بعض النساء يزددن جمالا مع السن، على ما ~~يبدو.» # وتحولت عيناها لا إراديا إلى حيث تجلس السيدة كاملفورد التي ~~أراحت مرفقيها على الطاولة؛ وتبعتها عينا زوجها الصغيرتان ~~اللامعتان إلى الاتجاه نفسه، لا إراديا أيضا. ثمة نوع من النساء ~~يبلغ ذروة جماله في منتصف العمر. في سن العشرين، كانت السيدة ~~كاملفورد، أو جيسيكا ديروود كما كانت تدعى قبل زواجها، فتاة غريبة ~~الشكل، تخلو من أي ملمح جذاب حسب الذوق الذكوري العام سوى عينيها ~~الكبيرتين، وحتى عيناها كانتا مخيفتين أكثر من كونهما ساحرتين. أما ~~في سن الأربعين، فهي ربما تصلح نموذجا لتمثال بالحجم الحقيقي للإلهة ~~جونو. # غمغم السيد إيفريت، بصوت لا يسمع تقريبا: «أجل، الزمن، إنه ذلك ~~المهرج القديم الماكر.» # كانت السيدة آرمتيدج تلف لنفسها سيجارة بأصابعها الرشيقة عندما ~~علقت بقولها: «ما كان يجب أن يحدث هو أن يتزوج ناثانيال من ~~نيلي.» # تحول وجه السيدة إيفريت الشاحب إلى اللون القرمزي. # في حين صاح ناثانيال آرمتيدج مصدوما وقد احمر وجهه كذلك: «ماذا ~~تقولين يا عزيزتي؟!» # ردت زوجته بغضب طفولي: «أوه، ألا يمكن أن ينطق المرء بالحق بين ~~حين وآخر؟ أنا وأنت لا يصلح أحدنا للآخر بتاتا؛ الجميع يرى ذلك. عندما ~~كنت في التاسعة عشرة من عمري، ظننت أن الزواج من قس أمر رائع ~~ومقدس، وتخيلت نفسي أحارب الشر بجانبه. هذا فضلا عن أنك قد ~~تغيرت منذ ذلك الحين. في تلك الأيام، كنت بشرا يا عزيزي ناث، وكنت ~~أفضل من عرفتهم في الرقص. لو كنت أعرف نفسي حينها، لكنت أدركت أن ~~مهارتك في الرقص هي على الأرجح السبب الرئيسي ms28 وراء انجذابي إليك. لكن ~~كيف يتأتى للمرء معرفة ذاته في سن التاسعة عشرة؟» # علق القس آرمتيدج مذكرا إياها: «كنا نحب بعضنا.» # ردت السيدة آرمتيدج: «أعرف أننا كنا نحب بعضنا، بشدة حينها، ~~لكننا لم نعد كذلك الآن.» ثم ضحكت ضحكة قصيرة يشوبها قدر من المرارة. ~~وأضافت: «مسكين ناث! أنا لست سوى ابتلاء آخر يضاف إلى فيض ما تعرضت ~~له من ابتلاءات. فالمعتقدات التي تؤمن بها والمثل العليا التي ~~تجلها تبدو لي بلا معنى؛ مجرد عقائد جامدة ضيقة الأفق، فكر ~~خانق. نيلي كانت هي الزوجة التي ارتضتها لك الطبيعة حالما تبدد ~~جمالها وتبددت معه جميع أفكارها الدنيوية. كان القدر يهيئها لك، ~~ليتنا عرفنا. أما أنا، فكان سيناسبني أن أكون زوجة فنان، أو شاعر.» ~~ودون وعي منها، ألقت عيناها القلقتان دوما نظرة خاطفة على حيث جلس ~~هوراشيو كاملفورد، الذي كان ينفث في هواء الغرفة سحابات من الدخان، ~~منبعثة من غليون مرشومي أسود ضخم. ثم استطردت: «أنا أنتمي إلى العالم ~~البوهيمي. وما كنت لألقاه هناك من فقر ومعاناة كانا ليصيرا مصدر ~~سعادتي. وتنفس الهواء المنعش في ذلك العالم، كان ليجعل الحياة تستحق ~~أن تعاش.» # أرجع هوراشيو كاملفورد ظهره إلى الوراء بينما تركزت عيناه على سقف ~~الغرفة المصنوع من خشب البلوط. ثم قال: «يخطئ الفنان عندما ~~يتزوج.» # ضحكت السيدة كاملفورد الجميلة بروح مرحة. وعلقت: «الفنان، حسبما ~~رأيته منه، ما كان ليعرف الطريقة الصحيحة لارتداء قميصه لو لم تكن ~~زوجته موجودة لتخرج القميص من الدرج وتساعده في ارتدائه.» # رد زوجها: «إن ارتداء الفنان لقميصه بالمقلوب لم يكن ليحدث فارقا ~~كبيرا في العالم. لكن العالم سيتأثر إذا ضحى بفنه في سبيل إعالة ~~زوجته وأسرته.» # قال ديك إيفريت بصوته المبتهج: «حسنا، على أي حال، لا يبدو أنك ~~ضحيت بالكثير يا صديقي.» ثم أضاف: «فالعالم كله يردد ~~اسمك.» # رد الشاعر قائلا: «أبلغ من العمر واحدا وأربعين عاما، وقد انقضت ~~أفضل سنوات عمري.» ثم أردف: «كرجل، أنا لست نادما على شيء في حياتي. ~~لقد حظيت بزوجة من أفضل ما يكون ms29 ، ولدي أطفال رائعون. وقد عشت الحياة ~~الهادئة للمواطن الناجح. لكن لو كنت قد استمعت إلى ما تمليه عليه ~~ذاتي الحقيقية، لكان ينبغي علي الارتحال إلى البرية؛ فهي الوطن ~~الوحيد للمعلم، أو النبي. جدير بالفنان أن يتزوج فنه. أما الزواج ~~من امرأة فهو فعل لا أخلاقي بالنسبة إليه. إذا عاد بي الزمن، كنت ~~سأظل عزبا.» # ضحكت السيدة كاملفورد قائلة: «إنه انتقام الزمن، كما ترى.» ثم ~~أردفت: «عندما كان ذاك الرجل شابا في العشرين من عمره هدد بأنه ~~سينتحر إذا لم أوافق على الزواج منه، وقد وافقت حينها رغم أنه لم ~~يكن يعجبني بتاتا. والآن بعد انقضاء عشرين عاما، وما إن بدأت في ~~الاعتياد عليه، يغير كلامه في هدوء ويقول إن حاله كانت ستصبح أفضل ~~بدوني.» # تدخلت السيدة آرمتيدج معلقة: «لقد سمعت بعض أجزاء من تلك الحكاية ~~وقتها.» ثم تابعت موجهة حديثها إلى السيدة كاملفورد: «كنت واقعة ~~في غرام شخص آخر حينها، أليس كذلك؟» # ضحكت السيدة كاملفورد قائلة: «ألا تعتقدون أن هذه المحادثة ~~تنساق نحو مسار خطر بعض الشيء؟» # وافقتها السيدة إيفريت معلقة: «ذلك نفسه ما كنت أفكر فيه. أتصور ~~أن قوى غريبة قد استحوذت علينا، ودفعتنا إلى التصريح بأفكارنا بصوت ~~عال.» # قال القس ناثانيال مقرا: «أخشى أن الذنب في ذلك يقع علي.» ثم ~~تابع قائلا: «لقد أضحى جو هذه الغرفة خانقا. ألا يستحسن أن نأوي ~~إلى أسرتنا؟» # أصدر المصباح العتيق المتدلي من عارضة تلطخها آثار الدخان صوت ~~قرقرة خافتة أشبه بنشيج، ثم انطفأ. وزحف ظل برج الكاتدرائية القديمة ~~ممتدا عبر الغرفة التي لم يعد يضيئها سوى ضوء القمر المنسل بين ~~الحين والآخر من وراء السحب. وعند الطرف الآخر من الطاولة كان يجلس ~~رجل ضئيل الجسم، ذو وجه شاحب، وذقن حليق، مرتديا شعرا مستعارا ~~ينسدل حتى كتفيه. # قال الرجل الضئيل: «عذرا.» كان يتحدث إنجليزية تشوبها لكنة ثقيلة. ~~ثم أضاف: «يبدو لي أننا في موقف يشتمل على طرفين في وسع كل منهما ~~تقديم العون للآخر.» # تبادل الأصدقاء الستة، المجتمعون حول الطاولة، النظرات، لكن ms30 لم ~~ينطق أحدهم بكلمة. كانت الفكرة التي خطرت ببال كل منهم، كما أوضح ~~بعضهم لبعض لاحقا، أنهم قد حملوا الشموع التي تركها لهم صاحب ~~النزل وصعدوا إلى غرفهم حيث خلدوا إلى النوم، دون أن يتذكروا ~~قيامهم بذلك. وكان ما يرونه الآن هو حلم بكل تأكيد. # واصل الرجل الضئيل الشاحب الوجه حديثه قائلا: «إذا سمحتم لي ~~بإعادتكم عشرين سنة إلى الوراء، فسوف يساعدني ذلك كثيرا في التجارب ~~التي أجريها حول الظواهر المرتبطة بالميول البشرية.» # لم يرد أي منهم. وبدا لهم أن هذا السيد العجوز الضئيل الجسد لا ~~بد أنه كان جالسا بينهم طيلة الوقت، دون أن يلاحظوا وجوده. # تابع الرجل الضئيل ذو الوجه الشاحب: «حسب حديثكم هذه الليلة، يفترض ~~أن ترحبوا بعرضي. جميعكم تبدون لي في غاية الذكاء. وتدركون ما ~~ارتكبتموه من أخطاء؛ وتتفهمون الأسباب التي دفعتكم إلى ~~ارتكابها. لم يكن في وسعكم تجنبها؛ لأنكم لم يكن بوسعكم الاطلاع ~~على المستقبل. ما أقترحه عليكم هو إعادتكم عشرين سنة إلى الوراء. ~~سترجعون فتيانا وفتيات من جديد، ولن يختلف شيء سوى أمر واحد ~~فقط: سوف تحتفظون بما عرفتموه عن المستقبل، عما حدث لكم ~~تحديدا.» # ثم أردف مشجعا: «هيا، لا تترددوا، إنه أمر بسيط حقا. ~~فمثلما أثبت ... أقصد مثلما أثبت أحد الفلاسفة بوضوح، العالم ليس ~~سوى نتاج تصوراتنا. وعبر وسيلة قد تبدو لكم سحرا - رغم أنها مجرد ~~عملية كيميائية - سوف أمحو من أذهانكم أحداث العشرين عاما الماضية ~~كلها، باستثناء الأحداث التي تمس شخصياتكم فحسب. سوف تحتفظون ~~بالمعرفة التي تخص التغيرات الجسمانية والعقلية التي يخبئها لكم ~~المستقبل، ما عدا ذلك سوف ينمحي من أذهانكم.» # أخرج الرجل العجوز الضئيل قارورة صغيرة من جيب صدريته، ثم ملأ كأس ~~نبيذ كبيرة من دورق النبيذ، وأضاف إليه نحو ست قطرات من القارورة. ~~ووضع الكأس بعد ذلك في منتصف الطاولة. # وتابع الرجل الضئيل الشاحب الوجه حديثه مبتسما: «الشباب مرحلة تحلو ~~العودة إليها. قبل عشرين عاما من الآن، كانت ليلة الحفل الراقص؛ ~~احتفالا بموسم الصيد. أتتذكرونها؟» # كان إيفريت أول من شرب ms31 من الكأس. وقد شرب منه وعيناه الصغيرتان ~~المتألقتان شاخصتان في توق نحو وجه السيدة كاملفورد الجميل والنبيل؛ ~~ثم ناول الكأس إلى زوجته. وكانت هي على الأرجح من شرب بأكبر قدر من ~~اللهفة. فحياتها مع إيفريت - منذ لحظة أن قامت من سرير المرض، بعدما ~~سلبها الداء جمالها كله - كانت مريرة. شربت ويحدوها أمل مجنون ألا ~~يكون ما يحدث حلما؛ وبابتهاج نابع من لمسة يد الرجل الذي أحبته ~~ناولت الكأس إلى آرمتيدج الذي مد يده عبر الطاولة ليأخذها من يدها. ~~كانت السيدة آرمتيدج هي رابع الشاربين. فبعدما تناولت الكأس من زوجها، ~~شربت بابتسامة هادئة، ثم ناولتها إلى كاملفورد. وشرب كاملفورد دون أن ~~ينظر إلى أحد، ثم وضع الكأس على الطاولة. # قال الرجل العجوز الضئيل مخاطبا السيدة كاملفورد: «هيا، لم يتبق ~~سواك. لن تكتمل التجربة دون مشاركتك.» # ردت السيدة كاملفورد، وعيناها تنشدان عيني زوجها، الذي عزف عن النظر ~~إليها: «ليست لدي رغبة في الشرب.» # ألح الرجل الضئيل مجددا: «هيا.» وحينئذ نظر لها كاملفورد، وضحك ~~ضحكة خاوية. # ثم قال: «يستحسن أن تشربي.» وأضاف: «فهذا كله مجرد حلم.» # أجابته قائلة: «كما تريد.» وتناولت الكأس من يديه. # ما سأحكيه لكم الآن استقيت معظمه مما حكاه لي آرمتيدج تلك الليلة ~~في غرفة التدخين بالنادي. لقد بدا له أن جميع الأشياء في غرفة الطعام ~~بالنزل بدأت ترتفع ببطء، في حين ظل هو ثابتا، بيد أنه كان يعاني ~~من ألم شديد كما لو أن أحشاءه تتمزق؛ وقد شبه ذلك الإحساس بما يشعر ~~به المرء أثناء الهبوط في المصعد لكن أشد ألف مرة. وطوال الوقت كان ~~الصمت والظلام يحاوطانه. وبعد فترة من الزمن، ربما كانت دقائق، وربما ~~كانت سنوات، دنا منه ضوء خافت. ثم اشتد الضوء، وعبر نسمات الهواء التي ~~هبت على وجهه تناهى إلى مسامعه صوت موسيقى آت من بعيد. علا الضوء ~~والموسيقى معا، وشيئا فشيئا، استعاد وعيه. كان جالسا على مقعد ~~مبطن منخفض تحت مجموعة من النخل. وبجواره كانت تجلس فتاة شابة، ~~لكن وجهها كان محولا عنه. # وسمع ms32 نفسه يقول: «لم أنتبه إلى اسمك.» ثم أضاف: «هل تمانعين في ~~إخباري به؟» # أدارت الفتاة وجهها نحوه. كان وجها ذا جمال روحاني لم ير مثيله ~~أبدا. وضحكت قائلة: «يبدو أني واقعة في ورطة مماثلة.» ثم أضافت: ~~«يستحسن أن تكتب اسمك على النسخة الخاصة بي من برنامج الحفل، وسوف ~~أكتب اسمي على نسختك.» # وهكذا كتب كل منهما اسمه على نسخة البرنامج التي تخص الآخر، ثم ~~استعاد كل منهما نسخته. كان الاسم الذي كتبته هو أليس بلاتشلي. # لم يكن قد رآها قبلا قط؛ كان بإمكانه أن يتذكر هذا. رغم ذلك، كان ~~ثمة جزء قصي من عقله كان مصرا أنه يعرفها. لقد التقيا في مكان ~~ما منذ زمن بعيد، وتحدثا معا. وشيئا فشيئا، مثلما يتذكر المرء ~~حلما، عادت إليه ذكرى ما حدث. في حياة أخرى، تبدو له الآن ضبابية ~~ومبهمة، كان قد تزوج هذه المرأة. وفي السنوات القليلة الأولى من ~~زواجها، كان كل منهما يحب الآخر؛ ثم تباعدا وازدادت الفجوة ~~بينهما اتساعا. كانت أصوات قوية صارمة قد دعته لأن يهجر أحلامه ~~الأنانية، وطموحاته الصبيانية، وأن يحمل على عاتقه مسئولية واجب ~~عظيم. كان يحتاج وقتها، أكثر من أي وقت مضى، إلى من يقدم له يد ~~العون وينظر إليه بعين العطف، لكن زوجته تخلت عنه. فمثله العليا لم ~~تسبب لها سوى الضيق. وقد تمكن من مقاومة محاولاتها لإبعاده عن ~~مساره، لكن ثمن ذلك كان تراكم مشاعر الغضب والاستياء بينهما يوما بعد ~~يوم. ثم تجلى عبر حلمه الضبابي وجه آخر، وجه يكسوه تعبير من التفهم ~~لامرأة ذات عينين حانيتين؛ وجه المرأة التي كانت ستجيء له يوما في ~~المستقبل بيدين ممددتين سوف يتوق إلى احتوائهما بين يديه. # سمع صوت الفتاة التي بجواره يقول: «هلا رقصنا؟» ثم أضاف: «لا أرغب ~~في أن تفوتني رقصة الفالس.» # سارعا إلى قاعة الرقص. والتف ذراعه حول خصرها، وبينما كانت ~~عيناها الرائعتان الخجلتان تسعيان، في لحظات نادرة، إلى ملاقاة ~~عينيه، ثم تتوارى مجددا خلف رموشها المرسلة، شعر آرمتيدج الشاب ~~بعقله يغيب وبروحه نفسها ms33 تنفلت من عقالها. أثنت الفتاة على رقصه ~~بأسلوبها الساحر، الذي يجمع بين الحياء والاستعلاء في مزيج ~~محبب. # فقالت له: «أنت بارع بشدة في الرقص.» ثم تابعت: «يمكنك أن تطلب مني ~~الرقص مجددا، في وقت لاحق.» # دوت في عقله كلمات سمعها في ذلك المستقبل الضبابي الذي يطارد ~~مخيلته. «لو كنت أعرف نفسي حينها، لكنت أدركت أن مهارتك في الرقص هي ~~على الأرجح السبب الرئيسي وراء انجذابي إليك.» # طوال تلك الأمسية، وطوال الأشهر العديدة التي تلتها كان الحاضر ~~والمستقبل يتصارعان بداخله. ومثلما عانى ناثانيال آرمتيدج، طالب ~~اللاهوت، عانت أليس بلاتشلي، التي وقعت في حبه من أول نظرة، بعدما ~~أدركت أنه أروع راقص جالت معه قاعة الرقص على أنغام موسيقى الفالس ~~المثيرة للحواس؛ وعانى هوراشيو كاملفورد، الصحفي والشاعر المغمور، ~~الذي كان عمله بالصحافة يكسبه دخلا يكفيه بالكاد، لكن شعره كان ~~محط إعجاب النقاد؛ وكذلك عانت جيسيكا ديروود، ذات العينين ~~الباهرتين، والبشرة الباهتة، التي كانت غارقة حتى أذنيها وبلا أمل في ~~غرام ديك إيفريت الوسيم، ذي الجسد المفتول واللحية الحمراء، والذي كان ~~رد فعله الوحيد عندما عرف بحبها أن ضحك منها، بطريقته الودودة ~~والمتعالية في آن واحد، وأخبرها بصراحة قاسية أن امرأة بلا جمال لا ~~دور لها في الحياة؛ ونال ديك إيفريت أيضا نصيبه من المعاناة، ذلك ~~الشاب الداهية، الذي لم يذق طعم الهزيمة قط، والذي نجح في ترك بصمته ~~في الحي التجاري بلندن وهو لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره، ذلك ~~الشاب الذكي، البارد الأعصاب كالثعالب، باستثناء عندما يلمح وجه ~~امرأة مليحة، أو يدا أو كاحلا حسن الشكل؛ وعانت نيلي فانشو، التي ~~كانت وقتها في أوج جمالها الفتان، وموضع حسد النساء الأخريات ~~وتودد جميع الرجال، والتي لم تحب أحدا سوى نفسها، ولم تقدس ~~شيئا في حياتها سوى المجوهرات والفساتين الفاخرة والموائد ~~العامرة. # في تلك الأمسية، أمسية الحفل الراقص، تشبث كل منهم بأمل أن تكون ~~تلك الذكرى المستقبلية ليست سوى حلم. كانوا قد تعرف بعضهم على بعض، ~~وسمع كل منهم أسماء الآخرين لأول مرة ms34 بجفلة نابعة من المعرفة، ~~وتجنبوا النظر في أعين بعضهم، وسارعوا بالانخراط في حديث بلا ~~معنى، حتى اللحظة التي انحنى فيها كاملفورد الشاب كي يلتقط مروحة ~~جيسيكا، ووجد بقايا تلك الكأس المكسورة المصنوعة من الزجاج البافاري. ~~وعندئذ تحولت تلك الذكرى إلى قناعة لا يمكن التخلص منها، وأصبحت ~~تلك المعرفة التي اكتسبوها عن المستقبل حقيقة لا بد من تقبلها، مع ~~الأسف. # الأمر الذي لم يتوقعوه كان أن معرفة المستقبل لم تؤثر إطلاقا ~~على مشاعرهم في الحاضر. فيوما بعد يوم، كان ناثانيال آرمتيدج يزداد ~~عشقا لأليس بلاتشلي الساحرة. وكانت فكرة زواجها من غيره، لا سيما ~~كاملفورد، ذلك المتعجرف، ذو الشعر الطويل، تجعل الدم يغلي في ~~عروقه؛ هذا فضلا عن أن أليس الرقيقة قد اعترفت له، وذراعاها ~~تحيطان بعنقه، أن حياتها بدونه ستكون شقاء يتعذر احتماله، وأن ~~فكرة زواجه من امرأة أخرى، نيلي فانشو تحديدا، تبدو لها ضربا من ~~الجنون. ربما كان التصرف السليم، بعدما عرفا ما ينتظرهما، أن يودع ~~كل منهما الآخر. فهي كانت ستجلب التعاسة إلى حياته. ربما كان من ~~الأفضل أن يبعدها عنه، وأن يتركها تموت مفطورة الفؤاد، فذلك مصيرها ~~المحتوم. لكن كيف يستطيع هو، العاشق المتيم، أن يجعلها تعاني هكذا؟ ~~كان ينبغي عليه الزواج من نيلي فانشو بطبيعة الحال، لكنه كان لا يطيق ~~تلك الفتاة. ألا يعد الزواج من فتاة يكرهها بشدة لأنها قد تصبح ~~بعد عشرين عاما أكثر ملاءمة له بدلا من الزواج من المرأة التي ~~يحبها وتحبه الآن أمرا في قمة العبث؟ # أما نيلي فانشو، فلم تستطع مناقشة اقتراح الزواج من قس تكرهه ~~فعليا، ولا يتجاوز دخله مائة وخمسين جنيها سنويا، دون أن تضحك. ~~كان سيأتي زمن لا تعبأ فيه بالثروة، ولن تكترث روحها السامية حينها ~~إلا بالرضا النابع من التضحية بالذات. لكن ذاك الزمن لم يكن قد حل ~~بعد. والمشاعر التي كان سوف يجلبها معه لم يمكنها حتى تخيلها، في ~~وضعها الحالي. إن كيانها كله كان يشتهي كنوز الحياة الدنيا، وتلك ~~الكنوز كانت في متناول يديها. أيعقل ms35 أن يطلب منها التخلي عن ذلك ~~كله لأنها لن تكترث به لاحقا؛ الأمر أشبه بأن تنصح تلميذا بالمدرسة ~~ألا يذهب إلى متجر الحلوى؛ لأنه عندما يكبر ويصير رجلا سوف ~~يتقزز من فكرة الحلوى التي تلتصق بالأسنان؟! إذا قدر لقدرتها ~~على الاستمتاع أن تكون قصيرة الأجل، فذلك سبب أدعى كي تسارع باقتناص ~~مسرات الحياة. # وكانت أليس بلاتشلي، عندما لم يكن حبيبها بجانبها، لا تنفك ترهق ~~ذهنها ممعنة التفكير في المسألة منطقيا. ألم يكن من الحماقة أن ~~تتسرع بالزواج من ناث العزيز؟ في سن الأربعين كانت سوف تتمنى لو ~~كانت قد تزوجت شخصا آخر. لكن معظم النساء في سن الأربعين يتمنين ~~لو كن قد تزوجن من شخص آخر، وقد توصلت إلى هذا الاستنتاج من ~~المحادثات التي كانت تسمعها فيما حولها. إذا أنصتت كل فتاة في العشرين ~~من عمرها إلى ما سوف تقوله عندما تبلغ الأربعين، فلن تتزوج أي فتاة. ~~ففي سن الأربعين، ستكون امرأة مختلفة كليا. وتلك المرأة الأخرى ~~الكبيرة في السن لم تثر اهتمامها. ولم يبد لها من الصواب أن يطلب ~~من فتاة شابة أن تفسد حياتها لا لسبب إلا لإرضاء نفسها عندما تكون ~~في منتصف العمر. وعلاوة على ذلك، من كانت ستتزوج غيره؟ كاملفورد ما ~~كان ليقبل بها أبدا؛ فهو لم يرغب فيها حينها؛ وما كان ليرغب فيها في ~~سن الأربعين. لأسباب عملية، كان كاملفورد خيارا مستحيلا. قد ~~تتزوج شخصا آخر كليا، وتعاني من مصير أسوأ. وقد تصير عانسا؛ ~~كانت تكره الكلمة نفسها. إن حالفها الحظ، قد تصبح صحفية ذات أصابع ~~ملطخة بالحبر؛ وهي لم يكن يعجبها ذاك المصير. أيكون زواجها من ناث ~~العزيز فعلا أنانيا؟ أينبغي أن ترفض الزواج منه حفاظا على مصلحته؟ ~~إن نيلي، تلك القطة الصغيرة، التي سوف تناسبه في سن الأربعين، ما ~~كانت لترضى به الآن. وإذا كان سيتزوج امرأة أخرى غير نيلي، ~~فليتزوجها هي إذن. لا يمكن أن يصبح قسا عزبا؛ فكلمة عزب ~~نفسها تكاد تبدو وصفا غير ملائم لقس. هذا فضلا عن أن ناث ms36 الحبيب ليس ~~من النوع الذي يظل عزبا. إذا أبعدته عنها لكانت ستدفع به إلى ~~أحضان فتاة لعوب ماكرة. ماذا بوسعها أن تفعل؟ # في سن الأربعين، وتحت تأثير ثناء النقاد على شعره، كان سيقنع ~~كاملفورد نفسه بأنه نبي مرسل، وأن حياته كلها ينبغي أن تكرس ~~لإنقاذ البشرية. بيد أنه، في سن العشرين، كان يشعر بالرغبة في عيش ~~حياته. وكانت جيسيكا، تلك الفتاة غريبة المظهر ذات العينين الخلابتين ~~بما تخفيانه من أسرار، تهمه أكثر من باقي أفراد الجنس البشري ~~مجتمعين. إن معرفة المستقبل، في حالته، لم تفض إلى شيء سوى تأجيج ~~شهوته. فالبشرة الباهتة سوف يكسوها اللونان الأبيض والوردي، ~~والذراعان والساقان النحيفتان سوف تضحيان ممتلئتين ومتناسقتين، ~~والعينان اللتان يلمح فيهما الآن نظرة ازدراء سوف تشعان يوما ما ببريق ~~الحب عند رؤيته. لقد كان يأمل في حدوث ذاك التحول؛ والآن أضحى ~~متيقنا من حدوثه. في سن الأربعين، يكون الفنان أقوى من الإنسان؛ لكن ~~في سن العشرين يكون الإنسان أقوى من الفنان. ~~«فتاة غريبة المظهر»، هكذا كان أغلب الناس سيصفون جيسيكا ديروود. ~~وقليلون من كانوا سيتخيلون أنها ستصير السيدة كاملفورد اللطيفة ~~الهادئة البال عند بلوغها منتصف العمر. فشهواتها الجسدية التي تأججت ~~في سن العشرين استنفدت طاقاتها في سن الثلاثين. في سن الثامنة عشرة، ~~كانت جيسيكا غارقة بجنون في حب ديك إيفريت ذي اللحية الحمراء والصوت ~~العميق، حتى إنها كانت لتلقي بنفسها مسرورة تحت قدميه إذا أشار ~~إليها بطرف إصبعه، وذلك كله على الرغم من المعرفة التي تحذرها ~~مسبقا من الحياة البائسة التي كانت تنتظرها حتما معه، على الأقل ~~حتى ينضج جمالها على المهل بما يجعله رهن إشارتها؛ وحينئذ ستكون قد ~~أضحت تزدريه. لكن نفسها حدثتها بأن الحظ الحسن حليفها؛ إذ لا داعي ~~لأن تخشى تغيرا في موقف ديك، على الرغم من معرفة كل منهما ~~بالمستقبل. فجمال نيلي فانشو كأنما قد أسره بسلاسل من حديد، ونيلي ~~ما كانت لتدع هذ الصيد الثمين يفلت من يديها. وصحيح أن الرجل الذي ~~يهواها يثير ضيقها أكثر من أي ms37 رجل آخر، لكنه على الأقل سيؤمن لها ~~ملاذا يقيها العوز. إذ كانت جيسيكا فتاة يتيمة، رباها قريب بعيد ~~لها. ولم تكن من الأطفال الذين يجتذبون محبة الآخرين. بل كانت ذات ~~طابع صامت جدي، ترى كل فعل فظ طائش إهانة لها أو خطيئة في حقها. ~~وبدا لها أن قبول كاملفورد الشاب هو المهرب الوحيد من حياة أصبحت ~~تراها ابتلاء. وفي سن الواحدة والأربعين كان سيتمنى كاملفورد لو ~~ظل عزبا؛ لكنها كانت ستكون وقتها في الثامنة والثلاثين ولن يضايقها ~~ذلك. بل ستكون هي نفسها على يقين أن وضعه الآن أفضل كثيرا. ففي غضون ~~تلك السنوات، كان سيكون قد تولد بداخلها إعجاب ناحيته واحترام له. ~~سيكون مشهورا، وسوف تفتخر به. كانت دموعها تنهمر رغما عنها فوق ~~وسادتها شوقا لديك الوسيم، لكن خفف من حزنها فكرة أن نيلي فانشو ~~كانت، بطريقة ما، تحرسها، وتحميها من رغباتها. # أما ديك فكان يحدث نفسه عشر مرات يوميا بأنه كان ينبغي عليه ~~الزواج من جيسيكا. ففي سن الثامنة والثلاثين، كان سيراها نموذجا ~~للكمال. بيد أنه كان يقشعر عند النظر إليها الآن وهي في الثامنة عشرة. ~~في سن الثلاثين، كانت ستفقد نيلي جمالها وسيفقد هو اهتمامه بها. ~~لكن متى نجح التفكير في المستقبل في كبح جماح الهوى؛ هل توقف عاشق ~~أبدا لحظة ليفكر فيما يحمله الغد؟ إذا كان جمال نيلي سريع الزوال، ~~ألا يعد ذلك سببا أدعى لاقتناصه بينما لا يزال متوهجا؟ # في سن الأربعين، كانت ستصبح نيلي فانشو قديسة. غير أن هذا المستقبل ~~المحتمل لم يسعدها؛ فهي تكره القديسين والقديسات. وكانت ستحب ~~حينئذ ناثانيال، الرصين الممل؛ ما جدوى تلك المعرفة لها الآن؟ إن ~~ناثانيال لم يكن يرغب فيها؛ فقد كان يحب أليس وكانت هي تبادله ~~الحب. بأي منطق يجلب الثلاثة التعاسة لأنفسهم في شبابهم لربما يشعرون ~~بالرضا في كهولتهم؟ فليعتن الكهول بأنفسهم وليدعوا الشباب ~~لفطرتهم. فليعان القديسون الكهول، فالمعاناة هي اختصاصهم على أي ~~حال، وليتركوا الشباب يشربوا من كأس الحياة. من المؤسف أن ديك كان ~~«الصيد» الوحيد المتاح ms38 ، لكنه كان شابا ووسيما. الفتيات الأخريات ~~كن لا يجدن بدا من تحمل رجال عجائز في الستين من العمر، ~~ومصابين بالنقرس. # وفوق ذلك، ثمة نقطة في غاية الخطورة جرى إغفالها. كل الأحداث التي ~~بلغتهم من ذلك المستقبل الضبابي الذي يتذكرونه قد حدثت لهم لأنهم ~~عقدوا الزيجات التي قد عقدوها بالفعل. لكن تلك المعرفة المستقبلية لم ~~تخبرهم بالمصير الذي كانوا سيلقونه إن اختلفت اختياراتهم. في سن ~~الأربعين أصبحت نيلي فانشو شخصية لطيفة وودودة. ألا يحتمل أن الحياة ~~الشاقة التي خاضتها مع زوجها - بما تطلبته من تضحيات مستمرة ورباطة ~~جأش يومية - قد ساعدت على هذا التحول؟ أكان من الممكن أن تتحقق ~~النتيجة نفسها إن كانت، عوضا عن ذلك، زوجة قس فقير يضع القيم ~~الأخلاقية السامية صوب عينيه؟ إن الحمى التي كانت قد سلبتها جمالها ~~وحولت مسار أفكارها نحو العقل والروح أصيبت بها لأنها جلست ~~بصحبة كونت إيطالي في شرفة دار الأوبرا بباريس؛ حيث أقيم حفل راقص ~~بملابس تنكرية. لو كانت زوجة قس تعيش في حي إيست إند بلندن، فمن ~~المرجح أنها كانت ستفلت من الإصابة بتلك الحمى ولن تتعرض ~~لتأثيرها المطهر للروح. وأليس من الخطر ترك امرأة فاتنة الجمال ~~مثلها، تفكيرها منصب على الحياة الدنيا، وتتوق لتذوق ملذاتها، ~~كي تحيا في فقر مع رجل لا تحبه؟ إن تأثير أليس على ناثانيال آرمتيدج، ~~أثناء السنوات الأولى التي شهدت تكون شخصيته، كان تأثيرا حسنا. ~~أكان هو واثقا من أن زواجه من نيلي لن يؤدي إلى تردي ~~حاله؟ # إذا تزوجت أليس بلاتشلي من فنان، فكيف كان سيسعها التأكد من ~~أنها في سن الأربعين ستظل متعاطفة مع المثل العليا الفنية؟ فحتى ~~عندما كانت طفلة، ألم تكن رغباتها دائما تسير في الاتجاه المعاكس ~~لرغبات مربيتها؟ ألم تؤد قراءة الصحف المحافظة إلى دفعها بخطى ~~ثابتة نحو الراديكالية، وألن يؤدي الفيض المتواصل من الأحاديث ~~الراديكالية حول طاولة زوجها، الفنان، إلى دفعها دفعا للبحث عن حجج ~~تدعم النظام الإقطاعي؟ ألا يمكن أن يكون تنامي النزعات البيورتانية ~~لدى ناثانيال هي التي دفعتها ms39 إلى اشتهاء البوهيمية؟ وبفرض أنها ~~تزوجت فنانا جامحا، ثم ما إن قاربت منتصف العمر حتى قررت فجأة أن ~~«تتدين»، حسب التعبير الشائع، كيف كان سيكون حالها حينئذ؟ كان ~~سيصير وضعها أسوأ من وضعها الأصلي. # كاملفورد رجل ضعيف البنية. وإذا ظل عزبا شارد الذهن، لا يجد من ~~يهتم بتنظيم وجباته والتأكد من تعرض ملابسه وأغراضه لتهوية جيدة، ~~فهل كان سيعيش ليبلغ الأربعين؟ كيف كان سيسعه التأكد من أن الحياة ~~الأسرية لن تضيف إلى فنه أكثر مما أخذت منه؟ # أما جيسيكا ديروود، ذات الطابع العاطفي والانفعالي، فإذا ارتبطت ~~بزوج سيئ، فربما كانت ستصلح في سن الأربعين نموذجا لتمثال ~~يجسد إيرينيس، إحدى إلهات الانتقام. فجمالها لم يكن ليتبدى لو لم ~~تكن حياتها هادئة ومريحة. إن جمالها من النوع الذي يتطلب سكونا ~~وطمأنينة كي ينضج على مهل. # كان ديك إيفريت رجلا يعرف نفسه جيدا. ومن ثم كان يعرف أنه إذا ~~تزوج جيسيكا، فمن المستحيل أن يظل طوال عشر سنوات زوجا مخلصا ~~لزوجة بلا جمال. هذا فضلا عن أن جيسيكا لم تكن من النساء التي ~~يمكنها الصبر كثيرا على زوجها. فإذا تزوجها في سن العشرين من أجل ~~جمالها عندما تبلغ الثلاثين، فمن المرجح أن تطلب منه الطلاق مع ~~بلوغها سن التاسعة والعشرين. # كان إيفريت رجلا عملي التفكير. لذا أخذ على عاتقه مهمة حسم هذه ~~المسألة. وهكذا اعترف المسئول عن توزيع المشروبات في الحفل الراقص أن ~~مخزون الكئوس لديه قد يتسرب إليه أحيانا كأس أو اثنتان مصنوعتان ~~من الزجاج الألماني. وقد اعترف أحد الندل بالحفل أنه كسر أكثر من ~~كأس نبيذ في تلك الأمسية بعينها؛ وذلك بعدما تلقى وعدا بأن أحدا ~~لن يطالبه بدفع ثمنها؛ وأضاف كذلك أنه من غير المستبعد أن يكون قد ~~حاول إخفاء بقايا تلك الكئوس أسفل نخلة قريبة منه. من الواضح إذن ~~أن المسألة برمتها كانت حلما. كان ذلك هو القرار الذي خلصت إليه ~~المجموعة الشابة وقتها، وبناء عليه عقدت ثلاث زيجات في غضون تسعة ~~أشهر. # بعد ذلك بنحو عشر سنوات حكى ms40 لي آرمتيدج القصة في تلك الأمسية في ~~غرفة التدخين في النادي. كانت السيدة إيفريت قد تعافت لتوها من ~~حمى روماتيزمية حادة، أصيبت بها في الربيع السابق في باريس. أما ~~السيدة كاملفورد، التي لم ألتقها قبل زواجها، فقد بدت لي بالتأكيد ~~واحدة من أجمل من رأيت في حياتي من النساء. وأرى أن السيدة ~~آرمتيدج، التي كنت أعرفها قبل زواجها، قد أضحت تتمتع بجاذبية تفوق ~~ما كان لديها في شبابها. لم أستطع أبدا أن أفهم ما الذي جذبها إلى ~~آرمتيدج. بعد نحو عشر سنوات من تلك الأمسية في النادي، سطع نجم ~~كاملفورد في عالم الشعر، لكن المسكين لم يعش طويلا ليتمتع بشهرته. ~~أما ديك إيفريت فلا يزال أمامه ست سنوات أخرى من العمل كي يسدد ~~ديونه، بيد أنه حسن السلوك، ويقال إن التماسا سوف يقدم للعفو ~~عنه. # أعرف أنها قصة عجيبة من أولها إلى آخرها. وكما قلت في البداية، ~~أنا نفسي لا أصدقها. # | روح نيكولاس سنايدرز أو بخيل زاندام # في سالف الأيام، عاش في مدينة زاندام، التي تقع بالقرب من خليج ~~زويدر زي، رجل شرير يدعى نيكولاس سنايدرز. كان رجلا بخيلا وقاسيا، ~~وغليظ الطبع، ولم يهو في هذا العالم سوى شيء واحد؛ ألا وهو الذهب. ~~وحتى الذهب لم يكن يحبه لذاته. بل أحب السلطة التي كان الذهب ~~يمنحها له؛ سلطة ممارسة الظلم والقهر، سلطة التسبب في معاناة الخلق ~~متى شاء. قال الناس إنه بلا روح، لكنهم أخطئوا في ذلك. فجميع الرجال ~~يملكون روحا، أو بالأصح تمتلكهم أرواحهم؛ وروح نيكولاس سنايدرز كانت ~~روحا شريرة. كان يعيش في طاحونة هوائية قديمة لا تزال قائمة على ~~المرسى، حيث تخدمه فقط الفتاة كريستينا وتتولى جميع المهام ~~المنزلية. كانت كريستينا فتاة يتيمة، مات والداها وهما مدينان. كان ~~نيكولاس قد برأ ذمتهما، ولم يكلفه ذلك سوى بضع مئات من ~~الفلورين، في مقابل أن تعمل كريستينا لديه دون أجر، وكان ذلك جميلا ~~لم تنسه كريستينا أبدا. كانت كريستينا هي جل أهل بيته، ولم يكن ~~يزوره أحد، طوعا، سوى الأرملة ms41 تولاست. كانت السيدة تولاست غنية، ~~وكادت أن تضاهي نيكولاس في البخل. وذات مرة سألها بصوته الأجش: ~~«لم لا نتزوج أنا وأنت؟» ثم أضاف: «إذا وحدنا قوانا فسوف نصير ~~سادة زاندام كلها.» أجابته السيدة تولاست بضحكة مجلجلة، لكن ~~نيكولاس لم يكن متعجلا أبدا. # وفي عصر أحد الأيام، كان نيكولاس سنايدرز جالسا وحده إلى مكتبه، في ~~مركز الغرفة الكبرى الشبه الدائرية التي شغلت نصف الطابق الأرضي من ~~الطاحونة الهوائية، والتي كانت بمنزلة مقر عمله، عندما سمع طرقات ~~على الباب الخارجي. # صاح نيكولاس سنايدرز قائلا: «ادخل.» بيد أن نبرة صوته كانت ألطف ~~كثيرا من نبرته المعتادة. إذ كان متيقنا بشدة من أن الطارق هو ~~يان، يان فان دير فورت، البحار الشاب، الذي امتلك سفينة لتوه، ~~والذي جاء طالبا يد كريستينا. وبينما جلس نيكولاس يترقب هذا ~~اللقاء، كان يتلذذ بتخيل البهجة التي سيشعر بها عند تحطيم آمال ~~يان، عند سماع توسلاته ثم هذيانه الغاضب، عند مشاهدة الشحوب وهو ~~يغزو وجهه الوسيم تدريجيا بينما يوضح له نيكولاس، تفصيلا، ~~عواقب تحدي إرادته؛ فأولا سوف يطرد أم يان العجوز من منزلها، ~~وسيودع أباه العجوز في السجن لما عليه من ديون؛ وثانيا، سينزل ~~انتقامه بيان نفسه دون ذرة ندم، فسيبتاع السفينة التي ينوي شراءها ~~قبل أن يتم صفقته. كان اللقاء المرتقب مع يان تسلية تلائم روح ~~نيكولاس الدنيئة. ومنذ أن عاد يان أمس، كان نيكولاس يتطلع إلى هذا ~~اللقاء. لذا، تخللت البهجة صوته عندما صاح: «ادخل»؛ إذ كان ~~متأكدا أن القادم هو يان. # لكن القادم لم يكن يان. كان شخصا لم يره نيكولاس سنايدرز قبلا. ~~ولم يكن ليراه مجددا بعد هذه الزيارة الوحيدة. كان ضوء النهار ~~آخذا في التلاشي، لكن نيكولاس سنايدرز لم يكن ليضيء الشموع قبل ~~حلول الظلام التام، لذا لم يستطع قط وصف مظهر الغريب بأي وجه ~~من الدقة. بدا له رجلا عجوزا، لكن جميع حركاته كانت توحي بالتيقظ ~~والانتباه؛ أما عيناه، وهما الشيء الوحيد الذي رآه نيكولاس بقدر من ~~الوضوح، فكانتا ثاقبتين ومتقدتين ببريق غريب ms42 . # سأله نيكولاس سنايدرز، دون أن يبذل جهدا لإخفاء إحباطه: «من ~~أنت؟» # أجابه الغريب: «أنا بائع متجول.» كان صوته واضحا، لا يخلو من ~~رخامة، ومن مسحة ضئيلة من الخبث. # رد نيكولاس سنايدرز بجفاء: «لا أريد شيئا.» ثم أضاف: «اخرج وأغلق ~~الباب خلفك، وانتبه لعتبة الباب في طريقك.» # لكن الغريب لم يغادر، بل حمل كرسيا وجلس على مقربة من نيكولاس، ~~متواريا في الظل، ثم نظر مباشرة إلى وجهه وضحك. # ثم قال: «أأنت متأكد من ذلك، يا نيكولاس سنايدرز؟ أأنت متأكد ~~من أنك لا ترغب في شيء؟» # دمدم نيكولاس قائلا: «لا أرغب في شيء سوى أن أرى ظهرك وأنت ~~تغادر.» انحنى الغريب إلى الأمام ولمس بيده الطويلة النحيلة ركبة ~~نيكولاس سنايدرز مازحا. ثم سأله: «ألا ترغب في روح، يا نيكولاس ~~سنايدرز؟» # وقبل أن يستعيد نيكولاس قدرته على الكلام، أردف البائع المتجول ~~الغريب: «فكر في الأمر.» ثم تابع: «لقد تلذذت بمذاق القسوة ~~والدناءة طوال أربعين عاما. ألم تسأم من ذاك المذاق يا نيكولاس ~~سنايدرز؟ ألا تحبذ تغييرا؟ فكر في الأمر يا نيكولاس سنايدرز؛ ~~فكر في متعة أن يحبك الناس، في أن تسمعهم يثنون عليك بدلا من ~~أن يلعنوك! ألن يكون ذلك أمرا مسليا، يا نيكولاس سنايدرز، على سبيل ~~التغيير ليس إلا؟ وإذا لم يعجبك الوضع، فبإمكانك العودة عن قرارك ~~والرجوع إلى طبيعتك مجددا.» # لم يستطع نيكولاس سنايدرز، بينما كان يستعيد ما حدث لاحقا، أن ~~يدرك أبدا لم ظل جالسا في مكانه، يستمع في صبر لحديث هذا ~~الغريب؛ إذ بدا له الأمر، وقت حدوثه، مجرد دعابة صادرة من عابر ~~سبيل أحمق. لكن شيئا ما في ذلك الغريب كان قد أثر في نفسه. # تابع البائع الغريب الأطوار: «معي الوسيلة التي ستمكنك من ذلك؛ ~~أما فيما يخص المقابل ...» قام الغريب بحركة تشير إلى أن هذه ~~التفاصيل المملة لا تهمه. ثم أضاف: «إن مشاهدة نتيجة التجربة هي ~~المقابل الذي أريده. اعتبرني فيلسوفا. فلدي اهتمام بتلك المسائل. ~~انظر.» ثم انحنى وأخرج من حقيبته الموضوعة بين ساقيه قنينة فضية ~~متقنة ms43 الصنع ووضعها على الطاولة. # وواصل حديثه شارحا: «إن طعم المادة التي بها ليس كريها.» ثم ~~أضاف: «إنه مر بعض الشيء، لكن لا تحتس كوبا كاملا منها، بل ملء ~~كأس نبيذ فحسب، مثلما تحتسي نبيذ توكاي العتيق، وينبغي أن يركز ذهن ~~الطرفين الشاربين على فكرة واحدة: «فلتحل روحي فيه، ولتحل روحه ~~في!» إنها عملية بسيطة حقا، والسر يكمن في هذه المادة.» ثم ربت ~~على القنينة الغريبة كما لو كانت كلبا صغيرا. ~~«ستقول: «ومن ذا الذي سيبادل روحه بروح نيكولاس سنايدرز؟»» هكذا ~~أضاف الغريب الذي بدا أنه جاء وهو جاهز بإجابات على جميع الأسئلة. ثم ~~استطرد قائلا: «يا صديقي أنت رجل ثري، فلا داعي لأن تخشى شيئا. ~~فالروح هي الأقل قيمة بين جميع ما يملكه الرجال. اختر الروح التي ~~ترغب بها واعقد الصفقة بشروطك. سأدع ذلك الأمر لك لكني سأخبرك ~~بنصيحة واحدة فقط: ستجد الشباب أكثر ترحيبا بعقد تلك الصفقة من ~~العجائز؛ الشباب الذين يعدهم العالم بكل شيء شرط أن يدفعوا مقابله ~~ذهبا. اختر روحا شابة ونضرة ورقيقة وجميلة يا نيكولاس سنايدرز، ~~واخترها سريعا. فقد بدأ الشيب يغزو شعرك يا صديقي. فلتسرع كي ~~تتذوق لذة العيش قبل أن يدركك الفناء.» # ضحك البائع الغريب وبينما كان ينهض أغلق حقيبته. وظل نيكولاس ~~سنايدرز جالسا دون أن يتحرك أو ينطق، حتى انتبه مع صليل الباب ~~الضخم إذ ينغلق. فانتزع القنينة التي تركها الغريب، وانتفض واقفا، ~~عازما على إلقائها خلفه في الشارع. لكن انعكاس ضوء النيران على سطح ~~القنينة المصقول أوقف يده. # ثم ضحك ضحكة خافتة أتبعها بقوله: «على أي حال، تبدو قنينة قيمة»، ~~ووضعها جانبا، وأضاء الشمعتين الطويلتين، وجلس دافنا وجهه مجددا ~~في سجل الحسابات ذي الغلاف الأخضر. ورغم ذلك كانت عيناه تشردان، ~~بين الحين والآخر، ناحية القنينة الفضية التي ظلت في مكانها تكاد ~~الأوراق المتربة تخفيها. ولاحقا سمع ثانية طرقا على الباب، وهذه ~~المرة دخل يان الشاب. # مد يان يده الفتية عبر المكتب الذي تعمه الفوضى. # وقال: «لقد افترقنا غاضبين في لقائنا السابق يا ms44 نيكولاس سنايدرز. ~~وقد كان الخطأ خطئي. أرجو أن تسامحني. كنت فقيرا وقتها. وكان ~~فعلا أنانيا مني أن أطلب يد الفتاة الصغيرة كي تشاركني الفقر. ~~لكني لم أعد فقيرا الآن.» # رد نيكولاس سنايدرز بنبرة لطيفة قائلا: «اجلس.» ثم أضاف: «لقد ~~سمعت بما آل إليه أمرك. لقد أصبحت الآن قائد سفينة ومالكها، سفينتك ~~الخاصة.» # ضحك يان معلقا: «ستصبح سفينتي الخاصة بعد رحلة واحدة أخرى.» ثم ~~أضاف: «لقد وعدني ألارت، عمدة المدينة، بذلك.» # قال نيكولاس: «الوعد شيء، والوفاء به شيء آخر.» ثم أردف: «العمدة ~~ألارت ليس رجلا ثريا، وقد يغريه عرض آخر أعلى سعرا. وقد يسبقك ~~أحدهم ويستحوذ على ملكية السفينة.» # ضحك يان. ثم قال: «لن يقدم على ذلك سوى عدو لي، لكني، والحمد ~~لله، ليس لي أعداء.» # علق نيكولاس: «يا لحسن حظك؛ قليل منا من ليس لهم أعداء. ماذا ~~عن والديك، يا يان؛ هل سيعيشان معكما؟» # أجابه يان: «كنا نتمنى ذلك، أنا وكريستينا. لكن أمي أضحت ~~ضعيفة. وقد اعتادت على الحياة في الطاحونة القديمة.» # وافقه نيكولاس قائلا: «يمكنني تفهم ذلك. إذا اقتلعت نباتا ~~معترشا قديما بعيدا عن الحائط الذي ينمو عليه، فسوف يذبل ويموت. ~~وماذا عن أبيك يا يان؛ إذ سوف يثرثر الناس بشأنه؟ هل الطاحونة تدر ~~دخلا؟» # هز يان رأسه نافيا. ورد بقوله: «لن تدر دخلا مجددا أبدا، ~~والديون تحاصره. لكني أخبرته أن تلك أمور مضت وانتهت. فقد وافق ~~الدائنون على التوجه إلي بمطالبهم والانتظار حتى ~~أسددها.» # تساءل نيكولاس: «جميع الدائنين؟» # ضحك يان معلقا: «كل من عرفت بوجودهم.» # دفع نيكولاس سنايدرز كرسيه إلى الوراء، ونظر إلى يان بينما ترتسم ~~ابتسامة على وجهه المجعد. ثم أردف: «إذن، رتبت أنت وكريستينا كل ~~شيء؟» # رد يان: «شريطة أن نحوز موافقتك يا سيدي.» # سأله نيكولاس: «هل ستنتظران حتى تحصلا على موافقتي؟» ~~«نود أن نحصل عليها يا سيدي.» هكذا قال يان مبتسما، بيد أن نبرة ~~صوته كان لها وقع حسن في أذن نيكولاس سنايدرز. فلطالما فضل ضرب ~~الكلاب التي تزمجر وتكشف عن أنيابها. # قال نيكولاس سنايدرز ms45 : «حري بكما ألا تنتظراها.» ثم أضاف: «فقد ~~يطول انتظاركما.» # نهض يان وقد احمر وجهه غضبا. ورد قائلا: «إذن لن يغير شيء ~~من رأيك يا نيكولاس سنايدرز. حسنا افعل ما في وسعك.» # رد نيكولاس: «هل ستتزوجها رغما عن إرادتي؟» # صاح يان ثائرا: «رغما عنك، وعن أصدقائك الشياطين، وعن سيدك إبليس ~~نفسه!» فقد كانت روح يان روحا كريمة وشجاعة وحساسة، لكنها سريعة ~~الغضب إلى حد بعيد. فحتى أفضل الأرواح لها عيوبها. # قال نيكولاس العجوز: «أنا آسف.» # رد يان: «يسرني سماع ذلك.» # لكن نيكولاس استطرد قائلا: «أنا آسف على أمك.» ثم تابع حديثه: ~~«أخشى أن السيدة المسكينة ستصبح مشردة في شيخوختها. فسوف تباع ~~الطاحونة القديمة المرهونة في يوم عرسك يا يان. وأنا آسف على والدك ~~يا يان. فقد أغفلت واحدا من دائنيه يا يان. يؤسفني ما سيلقاه من ~~مصير يا يان. فلطالما خشي السجن. وآسف حتى عليك أنت أيضا، يا ~~صديقي الشاب. سوف تضطر إلى بدء حياتك من الصفر مجددا. فالعمدة ~~ألارت رهن إشارتي. وكل ما علي فعله هو التصريح برغبتي في شراء ~~السفينة وسوف تصبح لي. أتمنى لك السعادة مع عروسك، يا صديقي ~~الشاب. لا بد أنك تحبها حبا جما؛ فسوف تدفع ثمنا غاليا مقابل ~~الزواج منها.» # كانت الابتسامة العريضة التي علت وجه نيكولاس سنايدرز هي ما أثارت ~~جنون يان. فأخذ يبحث عن شيء يلقيه مباشرة تجاه ذلك الفم الكريه ~~ليخرسه، وبالصدفة وقعت يده على قنينة البائع الفضية. في اللحظة نفسها ~~كانت يد نيكولاس سنايدرز تقبض عليها أيضا. وتبددت البسمة العريضة ~~من فوق وجهه. # صاح نيكولاس سنايدرز آمرا: «اجلس.» ثم تابع قائلا: «دعنا نواصل ~~حديثنا.» وكان ثمة شيء في نبرة صوته حملت يان الشاب على ~~إطاعته. ~~«ربما تتساءل، يا يان، لم أنشد الغضب والكراهية دوما. أحيانا ما ~~أسأل نفسي السؤال نفسه. لم لا ترد بذهني أفكار حسنة أبدا، مثلما ~~ترد إلى غيري من الرجال؟! اسمع، يا يان، أشعر أنني في مزاج طائش. ما ~~سأقوله مستحيل الحدوث، وإذا ظننته ممكنا فذلك مجرد نزوة ms46 من ~~نزواتي. بع لي روحك يا يان، بع لي روحك، كي أتمكن بدوري من تذوق ~~الحب والسعادة اللذين أسمع عنهما. بعها لي لبعض الوقت يا يان، لبعض ~~الوقت ليس إلا، وسوف أمنحك كل ما تشتهيه في المقابل.» # وعلى الفور أمسك الرجل العجوز بقلمه وشرع يكتب. ~~«انظر يا يان، ها هي السفينة قد صارت ملكك، بدون مشاكل؛ ~~والطاحونة صارت خالصة من الديون، ويستطيع أبوك أن يرفع رأسه عاليا من ~~جديد. كل ما أطلبه، يا يان، هو أن تحتسي كأسا معي راغبا في أن ~~تنتقل روحك من جسدك كي تصبح روح نيكولاس سنايدرز العجوز؛ لبعض ~~الوقت، يا يان، لبعض الوقت ليس إلا.» # وبيدين محمومتين نزع الرجل سدادة القنينة التي أعطاها له البائع ~~المتجول، وصب القليل من محتواها في كأسين متماثلتين. رغب يان في ~~الضحك، لكن تلهف الرجل كاد يبلغ حالة من الهياج. لا شك أنه كان ~~مجنونا، لكن ذلك لا يجعل الورقة التي وقعها غير ملزمة. الرجل ~~الحق لا يمزح عندما يتعلق الأمر بروحه، لكن وجه كريستينا كان ~~يتراءى ليان مضيئا وسط العتمة. # همس نيكولاس سنايدرز: «ستعني ما ستقول، أليس كذلك؟» # أجاب يان، بينما يعيد كأسه فارغة إلى الطاولة: «فلتنتقل روحي من ~~جسدي ولتحل بجسد نيكولاس سنايدرز!» وللحظة من الزمن وقف الرجلان ~~ينظر كل منهما في عيني الآخر. # عندئذ ارتجف ضوء الشمعتين الطويلتين على المكتب المكتظ، ثم ~~انطفأتا، وكأن أحدا قد أطفأهما، الواحدة تلو الأخرى، بنفحة هواء من ~~فمه. # تردد صوت يان في الظلام قائلا: «علي أن أعود إلى منزلي.» ثم ~~استطرد قائلا: «لم أطفأت الشمعتين؟» # أجابه نيكولاس: «يمكننا إشعالهما مجددا من نيران المدفأة.» ولم ~~يضف أنه كان ينوي طرح السؤال نفسه على يان. دفع نيكولاس الشمعتين، ~~الواحدة تلو الأخرى، نحو الحطب المستعر في المدفأة، وسرعان ما زحفت ~~الظلال عائدة إلى أركان الغرفة. # سأل نيكولاس: «ألن تمر على كريستينا قبل ذهابك؟» # أجابه يان: «لا، ليس هذه الليلة.» # قال نيكولاس مذكرا إياه: «الورقة التي وقعتها، هل ~~أخذتها؟» # رد يان: «لقد نسيتها.» # تناول الرجل ms47 العجوز الورقة من فوق المكتب وناولها له. فدفعها يان ~~في جيبه ومضى خارجا. أوصد نيكولاس الباب خلفه وعاد إلى مكتبه؛ وجلس ~~طويلا إليه ساندا مرفقيه على سجل الحسابات المفتوح. # ثم دفع السجل بعيدا وضحك. وحدث نفسه قائلا: «يا لها من ~~حماقة! تلك أمور مستحيلة! لا بد أن ذلك الرجل الغريب قد ~~سحرني.» # عبر نيكولاس الغرفة متجها نحو المدفأة، وشرع في تدفئة يديه أمام ~~النيران المتوهجة. وقال في نفسه: «رغم كل شيء، يسعدني أنه سيتزوج ~~الفتاة الشابة. إنه فتى صالح، فتى صالح.» # لا بد أن النعاس قد غلب نيكولاس أمام المدفأة. فعندما فتح عينيه، ~~استقبلهما ضوء الفجر الرمادي. كان جسده متيبسا وكان يشعر بالبرد ~~والجوع، وبغضب أكيد. لم لم توقظه كريستينا وتجلب له عشاءه؟ أظنت ~~أنه ينوي قضاء ليلته جالسا على الكرسي الخشبي؟ إنها فتاة حمقاء. كان ~~سيصعد السلالم ويخبرها عبر الباب برأيه فيها. # كان الطريق إلى الدور العلوي يمر بالمطبخ. وهناك اندهش لمرأى ~~كريستينا جالسة على مقعد، غافية أمام الموقد المنطفئ. # تمتم نيكولاس محدثا نفسه: «عجبا، يبدو أن أهل هذا البيت لا ~~يعرفون فائدة الأسرة!» # لكن تلك الفتاة النائمة لم تكن كريستينا، هكذا حدث نيكولاس نفسه. إذ ~~إن وجه كريستينا كان يكسوه تعبير يذكر المرء بأرنب مذعور؛ لطالما ~~أثار ذاك التعبير ضيقه. بيد أن تلك الفتاة، حتى في نومها، كان يعلو ~~وجهها تعبير وقح؛ تعبير وقح بيد أنه محبب إلى النفس. وعلاوة على ~~ذلك، تلك الفتاة كانت جميلة؛ رائعة الجمال. وقطعا لم ير نيكولاس فتاة ~~جميلة هكذا طيلة حياته. عجبا، كانت الفتيات مختلفات تماما عندما ~~كان نيكولاس شابا! وفجأة استحوذ على نيكولاس شعور شديد بالمرارة؛ ~~كأنما أدرك لتوه أنه سلب شيئا منذ زمن بعيد دون أن يعي ذلك ~~حينها. # تلك الطفلة لا بد أنها كانت تشعر بالبرد. جلب نيكولاس عباءته ~~المبطنة بالفراء ولفها حولها. # ثمة شيء آخر كان عليه فعله. خطرت له تلك الفكرة بينما يبسط ~~عباءته حول كتفيها، برفق شديد كي لا يقلق منامها؛ ثمة شيء رغب في ~~فعله ms48 ، ليته يتذكر ما هو. كانت شفتا الفتاة منفرجتين. وبدت كأنما ~~تحدثه، تطلب منه فعل ذاك الشيء؛ أو تخبره بألا يفعله. لم يكن ~~نيكولاس متأكدا أي الأمرين صحيح. مرة تلو الأخرى، كان يغادر ~~المطبخ، ثم يتسلل عائدا إلى حيثما جلست غافية بينما يعلو وجهها ذاك ~~التعبير الوقح المحبب إلى النفس، وشفتاها منفرجتان. لكن نيكولاس ~~ظل لا يعرف ماذا تريد، أو ماذا يريد هو. # ربما كانت كريستينا تعلم. ربما كانت كريستينا تعلم من هذه الفتاة ~~وكيف جاءت إلى هناك. صعد نيكولاس السلالم، لاعنا إياها لما تصدره من ~~صرير. # كان باب غرفة كريستينا مفتوحا. لكن الغرفة كانت خالية، وكان ~~السرير مرتبا لأن أحدا لم ينم عليه. هبط نيكولاس السلالم التي ~~تحدث صريرا. # كانت الفتاة لا تزال نائمة. أتكون هي كريستينا؟ تفحص نيكولاس ~~ملامحها الفاتنة، ملمحا تلو الآخر. لم يسبق له قط، قدر ما تسعفه ~~ذاكرته، أن رأى تلك الفتاة؛ رغم ذلك كانت قلادة كريستينا، التي لم ~~يلحظها نيكولاس قبلا، تطوق عنقها، وتعلو وتهبط مع حركة أنفاسها. ~~كان نيكولاس يعرفها جيدا؛ فقد كانت هي الشيء الوحيد الذي أصرت ~~كريستينا على الاحتفاظ به من مقتنيات أمها. لقد كانت الشيء الوحيد ~~الذي تحدت إرادته كي تحتفظ به. إن كريستينا لم تكن لتدع تلك ~~القلادة تفارقها قط. لا بد أن هذه الفتاة هي كريستينا نفسها. لكن ~~ماذا حدث لها؟ أو ماذا حدث له؟ فجأة تداعت عليه الذكريات. البائع ~~الغريب! ولقاؤه مع يان! لكن كل ذلك كان حلما قطعا، أليس كذلك؟ بيد ~~أن القنينة الفضية الخاصة بالبائع كانت لا تزال هناك على سطح المكتب ~~الفوضوي، وبجانبها كأسا النبيذ المتماثلتان المتسختان. # حاول نيكولاس أن يفكر، لكن عقله كان يلف ويدور. مر شعاع من ضوء ~~الشمس عبر النافذة وسقط على أرضية الغرفة المتربة. لم يكن قد رأى ~~نيكولاس الشمس قط قبلا؛ تلك حقيقة كان بإمكانه أن يتذكرها جيدا. ~~مد يديه لا إراديا ناحية الضوء، وشعر بحزن مفاجئ عندما تلاشى، ~~مخلفا وراءه الضوء الرمادي فحسب. حل نيكولاس مزاليج الباب الكبير ~~الصدئة ms49 ثم فتحه على مصراعيه. أمام ناظريه تبدى عالم غريب، عالم ~~جديد مليء بأضواء وظلال، تغازله بجمالها؛ عالم مليء بأصوات خفيضة ~~ناعمة تناديه. ومجددا راوده ذاك الإحساس المرير بأن شيئا قد سلب ~~منه. # غمغم نيكولاس العجوز إلى نفسه: «كانت السعادة في متناول يدي طوال ~~تلك السنوات.» ثم أضاف: «هذه المدينة الصغيرة كان بوسعي أن أحبها، ~~تلك المدينة القديمة الهادئة، ذات الطابع المحبب إلى النفس، طابع ~~الوطن. كان من الممكن أن أحظى بأصدقاء، برفاق حميمين قدامى، بل أن ~~أنجب أبناء من صلبي ...» # ثم تراءت لعينيه صورة كريستينا الغافية. كانت قد قدمت إلى بيته ~~وهي لا تزال طفلة، لا تحمل له سوى مشاعر الشكر والعرفان. لو كانت ~~لديه عينان تستطيعان رؤيتها، لربما تغير كل شيء. # هل فات الأوان؟ إنه ليس عجوزا جدا؛ لا يعتبر رجلا هرما ~~بأي حال. بل إن دماء جديدة تسري في شرايينه. هي لا تزال تحب ~~يان، لكنها تحب يان الذي كان بالأمس. في المستقبل، ستتحكم الروح ~~الشريرة، التي كانت يوما ما روح نيكولاس سنايدرز، في كل كلمة ~~سينطقها يان، وكل فعل ستقترفه يداه؛ يتذكر نيكولاس هذا جيدا. ~~أيمكن أن تحب امرأة روحا كتلك، حتى وإن كانت تسكن جسدا ذا وسامة ~~لا تضاهى؟ # أيجب عليه، بوصفه رجلا أمينا، الاحتفاظ بالروح التي كان قد ~~حازها من يان بوسيلة قد يشوبها بعض الخداع؟ أجل، يستطيع الاحتفاظ بها؛ ~~إذ كانت الصفقة عادلة، وقد تلقى يان الثمن. علاوة على ذلك، يان لم ~~يشكل روحه بنفسه؛ بل تشكيل الأرواح يحكمه قانون الصدفة. لم ينبغي ~~أن يمنح رجل ما ذهبا ويمنح آخر حصى؟ إن حقه في روح يان لا ~~يقل عن حق الأخير فيها. إنه أكثر حكمة منه، وفي وسعه فعل خير أكبر ~~بتلك الروح. إن روح يان هي التي أحبت كريستينا؛ فلندع روح يان ~~تفز بها إن استطاعت. استمعت روح يان إلى تلك الحجج، ولم تستطع ~~إيجاد ما تعترض به عليها. # كانت كريستينا لا تزال غافية عندما دخل نيكولاس المطبخ مجددا. ~~أشعل النار، وأعد طعام ms50 الإفطار، ثم أيقظها برفق. وحينئذ لم يعد ~~يساوره شك في أنها كريستينا. ففي اللحظة التي وقعت عيناها على ~~وجهه العجوز، عادت إليها نظرة الأرنب المذعور التي لطالما ضايقته ~~في الماضي. وقد ضايقته الآن، لكن الضيق كان موجها نحو نفسه. # استهلت كريستينا الحديث قائلة: «كنت مستغرقا في نوم عميق عندما ~~دلفت إلى الغرفة ليلة أمس ...» # قاطعها نيكولاس قائلا: «وخفت أن توقظيني.» ثم أضاف: «ظننت أن ~~العجوز الفظ سوف يغضب. اسمعي يا كريستينا. لقد دفعت أمس آخر دين ~~من ديون أبيك. كان يدين به لبحار عجوز؛ لم أستطع العثور عليه ~~قبلا. لقد قضيت دينك لي، بل يتبقى لك قدر من المال، جزء من ~~أجرك مقابل العمل لدي، مقداره مائة فلورين. ذلك مالك الخاص يمكنك ~~أن تطلبيه مني وقتما تشائين.» # لم تستطع كريستينا فهم ما جرى، لا وقتها ولا في الأيام التالية؛ ~~ولم يعطها نيكولاس تفسيرا. إذ إن روح يان كانت قد انتقلت إلى رجل ~~عجوز بالغ الحكمة، أدرك أن الطريقة المثلى لتناسي الماضي هو عيش ~~الحاضر بجرأة وشجاعة. كانت متأكدة وحسب من أن نيكولاس سنايدرز ~~القديم قد اختفى في ظروف غامضة، وحل محله نيكولاس جديد، كان ~~يتطلع إليها بعينين حانيتين؛ عينين صريحتين وصادقتين، تجبران ~~المرء على الوثوق بهما. وعلى الرغم من أن نيكولاس لم يقل ذلك قط، ~~خطر لكريستينا أنها هي نفسها من أحدثت ذلك التغيير العجيب، عبر ~~أثرها الطيب وطبعها الدمث. ولم يبد هذا التفسير مستحيلا ~~لكريستينا؛ بل بدا مرضيا. # أضحى منظر المكتب المكدس بالأوراق كريها في عين نيكولاس. لذا كان ~~يخرج في الصباح الباكر، ويقضي اليوم كله بالخارج، ثم يعود في المساء ~~متعبا لكن مبتهجا، جالبا معه زهورا، كانت كريستينا تخبره، وهي ~~تضحك، أنها مجرد حشائش. لكن ماذا تهم المسميات؟ كان نيكولاس ~~يراها زهورا جميلة. في مدينة زاندام، كان الأطفال يهربون منه، ~~والكلاب تنبح خلفه. لذا كان يفر عبر الطرق الجانبية، متوغلا في ~~الريف المحيط بالمدينة. وهناك في القرى المتناثرة، اعتاد الأطفال على ~~رؤية ذلك الرجل العجوز طيب القلب، الذي ms51 يسير متمهلا متكئا على ~~عصاه، ويشاهدهم بينما يلعبون مستمعا إلى ضحكاتهم؛ ذاك الرجل الذي ~~كانت جيوبه الرحبة تذخر بالحلوى اللذيذة. وكان أهل القرى المارون ~~به يتهامسون فيما بينهم ملاحظين التشابه بين ملامحه وملامح نيك ~~العجوز اللئيم، بخيل زاندام، ويتساءلون ترى من أين أتى؟ ولم تكن وجوه ~~الأطفال وحدها هي ما علمت شفتي نيكولاس الابتسام. في بداية ~~تحوله، كان منزعجا من حقيقة أن العالم يعج بفتيات ذوات جمال ~~فتان، بل بنساء جميلات كذلك، جميعهن جديرات بالإعجاب. أربكه ذلك. ~~لكنه وجد أن كريستينا ظلت دوما في خاطره الأجمل بين جميع من رأى من ~~نساء، وأكثرهن إثارة للإعجاب. ومنذ ذاك الحين صار كل وجه جميل ~~يبهجه؛ إذ كان يذكره بوجه كريستينا. # عند عودته من تجواله في اليوم الثاني، قابلته كريستينا والحزن في ~~عينيها. كان قد جاء المزارع بيرستراتر، وهو صديق قديم لوالدها، ~~لزيارة نيكولاس؛ وعندما لم يجده، تحدث قليلا مع كريستينا. حكى لها أن ~~دائنا قاسي القلب كان يسعى لطرده من مزرعته. تظاهرت كريستينا أنها ~~لا تعلم أن ذلك الدائن كان نيكولاس نفسه، وأبدت تعجبها من تصرفات ~~أولئك الرجال ذوي الطابع اللئيم. لم يرد نيكولاس بشيء، لكن في اليوم ~~التالي قدم المزارع بيرستراتر مجددا بوجه فرح مستبشر، وشرع ~~يردد عبارات الشكر ويعبر عن عظيم دهشته. # أخذ يتساءل المزارع بيرستراتر مرة تلو الأخرى: «لكن ما الذي يمكن ~~أن يكون قد حل به يا ترى؟» # ابتسمت كريستينا مجيبة أن الرب الرحيم قد زرع في قلبه الرحمة ~~على الأرجح؛ لكنها فكرت في نفسها أنه ربما كان تحوله بفعل تأثير ~~طيب من مصدر آخر. ذاعت القصة في المدينة. وأحاط الناس بكريستينا من ~~كل صوب، طالبين شفاعتها لدى نيكولاس، ولما كان لتدخلاتها من أثر ~~ناجع، زاد رضا الفتاة عن نفسها يوما بعد يوم، وزاد رضاها عن نيكولاس ~~بالتبعية. إذ كان نيكولاس عجوزا ماكرا. وقد استمتعت روح يان التي ~~بداخله بمحو ما ارتكبته روح نيكولاس من شرور. لكن عقل نيكولاس ~~سنايدرز الذي لم يغادره قط كان يهمس له: «فلتدع ms52 الصبية الشابة ~~تظن أنها هي من تسببت في ذلك كله.» # بلغت الأخبار مسامع السيدة تولاست. وفي الليلة نفسها كانت جالسة على ~~المقعد المجاور للمدفأة في مقابل نيكولاس سنايدرز، الذي كان يدخن ~~وبدا عليه الملل. # خاطبته السيدة تولاست قائلة: «إن أفعالك تجعلك تبدو كالأحمق يا ~~نيكولاس سنايدرز.» ثم أضافت: «الجميع يسخرون منك.» # رد نيكولاس ممتعضا: «أفضل أن يسخروا مني على أن ~~يلعنوني.» # سألته السيدة تولاست: «هل نسيت كل ما دار بيننا؟» # تنهد نيكولاس ثم أردف: «ليتني أستطيع ذلك.» # تابعت السيدة تولاست حديثها قائلة: «في سنك هذا ...» # قاطعها نيكولاس: «أشعر أنني أكثر شبابا مما شعرت طيلة ~~حياتي.» # علقت السيدة تولاست قائلة: «لا يبدو عليك ذلك الشباب.» # رد نيكولاس بحدة: «ماذا تهم المظاهر؟» ثم أردف قائلا: «إن ~~روح الإنسان هي الأهم.» # ردت السيدة تولاست موضحة: «بل لها أهمية، على أرض الواقع.» ثم ~~استطردت قائلة: «عجبا، إن وددت السير على خطاك وجعل نفسي أضحوكة، ~~فسأجد الكثير من الرجال الأكثر شبابا وفتوة ووسامة ...» # قاطعها نيكولاس بسرعة قائلا: «لا تدعيني أقف في طريقك إذن.» ثم ~~استطرد قائلا: «أنا عجوز سيئ الطباع مثلما تقولين. لا بد أن هناك ~~رجالا كثرا أفضل مني، رجالا أجدر بك مني.» # ردت السيدة تولاست: «أعرف ذلك، لكن لا أحد يناسبني أكثر منك. ~~الفتيات يناسبهن الصبيان، أما النساء الكبريات سنا فيناسبهن ~~رجال من سنهن. لو كنت قد فقدت عقلك، يا نيكولاس سنايدرز، فأنا لم ~~أجن بعد. عندما ترجع إلى طبيعتك مرة أخرى ...» # انتفض نيكولاس وافقا. وصاح مقاطعا: «أنا على طبيعتي، وأنوي أن ~~أظل على طبيعتي! من يجرؤ على زعم أني لست على طبيعتي؟» # ردت السيدة تولاست ببرود يثير الغيظ: «أنا أزعم ذلك.» وتابعت ~~قائلة: «نيكولاس سنايدرز لا يكون على طبيعته عندما يلقي بأمواله من ~~النافذة بكلتا يديه بأمر من دمية حسنة الوجه. بل هو رجل مسحور، ~~وأنا أرثي لحاله. سوف تخدعك لمصلحة أصدقائها حتى تبدد آخر سنت ~~لديك، وعندئذ سوف تسخر منك. عندما تعود لطبيعتك يا نيكولاس سنايدرز، ~~سوف تشعر بغضب عارم من ms53 نفسك؛ تذكر كلماتي.» ثم غادرت السيدة تولاست ~~وصفقت الباب خلفها. ~~«الفتيات يناسبهن الصبيان، أما النساء الكبريات سنا ~~فيناسبهن رجال من سنهن.» ظلت تلك العبارة تتردد في أذني ~~نيكولاس. قبل الآن كانت السعادة التي وجدها مؤخرا تملأ عليه حياته، ~~دون أن تترك مجالا للفكر. لكن كلمات السيدة تولاست العجوز زرعت في ~~نفسه بذور التأمل. # هل كريستينا كانت تخدعه؟ الفكرة نفسها مستحيلة. فهي لم تطلب ~~لنفسها شيئا قط، ولم تشفع ليان مطلقا. تلك الفكرة الشريرة وليدة عقل ~~السيدة تولاست الخبيث. إن كريستينا كانت تحبه. فوجهها يضيء عندما ~~تراه. وقد تبدد خوفها منه؛ وحل محله نوع لطيف من التحكم. لكن هل ~~كان الحب مبتغاه؟ إن روح يان التي حلت بجسد نيك العجوز روح شابة ~~متقدة العاطفة. تلك الروح لم تنظر إلى كريستينا بوصفها ابنة، بل ~~رغبت فيها كزوجة. أمن الممكن أن تفوز تلك الروح بحبها رغما عن ~~جسد نيك العجوز؟ لم يكن الصبر من خصال روح يان. فمن الأفضل للمرء أن ~~يعرف يقينا بدلا من أن يترك لشكوكه. # قال نيكولاس لكريستينا: «لا تضيئي الشموع، دعينا نتحدث قليلا على ~~ضوء المدفأة فقط.» سحبت كريستينا مبتسمة كرسيها مقتربة من اللهب ~~المتوهج. لكن نيكولاس ظل جالسا في الظل. # قال نيكولاس: «أنت تزدادين جمالا يوما بعد يوم يا كريستينا، ~~وتزدادين عذوبة وأنوثة كذلك. يا لسعد من سيحظى بك زوجة له.» # تبددت الابتسامة من وجه كريستينا. وردت قائلة: «لن أتزوج ~~أبدا.» علق نيكولاس: «أبدا كلمة كبيرة يا صغيرتي.» # ردت كريستينا: «المرأة الشريفة لا تتزوج رجلا لا ~~تحبه.» # ابتسم نيكولاس قائلا: «لكن ألا تستطيع الزواج من الرجل الذي ~~تحبه؟» # أجابته كريستينا: «في بعض الأحيان لا تستطيع.» ~~«ومتى يحدث ذلك؟» # أشاحت كريستينا بوجهها. وأجابت: «عندما يتوقف عن حبها.» # غمرت البهجة الروح في جسد نيك العجوز. فقال: «إنه لا يستحقك يا ~~كريستينا. لقد غيرته الثروة الجديدة التي جمعها. أليس هذا ما حدث؟ ~~إنه لا يفكر إلا في المال. يبدو وكأن روح رجل بخيل قد حلت ~~بجسده. لن يتورع عن الزواج حتى ms54 من السيدة تولاست نفسها، لما تملك ~~من طواحين، وزكائب مليئة بالذهب، وأراض شاسعة، فقط إذا قبلت به. ~~ألا تستطيعين نسيانه؟» # ردت كريستينا: «لن أنساه أبدا. ولن أحب رجلا آخر أبدا. أحاول ~~إخفاء مشاعري؛ وفي أغلب الأحيان أشعر بالرضا لأن بوسعي تقديم الكثير ~~إلى هذا العالم. لكن قلبي ينفطر.» ثم نهضت وركعت بجواره، وأحاطته ~~بذراعيها. وقالت: «أنا ممتنة لأنك تركتني أحكي لك.» ثم أضافت: ~~«لولا وجودك لم أكن لأتحمل تلك المحنة. أنت تعاملني برفق وطيبة ~~لا تضاهى.» # رد نيكولاس بمداعبة شعرها الذهبي الذي تبعثر فوق ركبتيه ~~الضعيفتين بيده العجوز. فتطلعت إليه بعينين ملؤهما الدمع، لكنهما ~~كانتا تبتسمان. # أردفت كريستينا: «لا أستطيع فهم ماذا حدث.» وأضافت: «أشك أحيانا ~~في أنكما قد تبادلتما روحيكما. فهو أصبح قاسيا وبخيلا وغليظ ~~القلب، مثلما كنت أنت سابقا.» ثم ضحكت وشعر نيكولاس بذراعيها ~~تتمسكان به أكثر للحظة. واستطردت: «والآن أصبحت أنت طيب القلب ~~وحنونا ورائعا، مثلما كان هو قبلا. يبدو الأمر كما لو أن الرب ~~الرحيم قد حرمني من حبيبي كي يمنحني أبا.» # قال نيكولاس: «اسمعي يا كريستينا.» ثم أضاف: «إن روح الرجل هي التي ~~تهم، لا جسده. ألا يمكنك أن تحبيني لأجل روحي الجديدة؟» # أجابته كريستينا، مبتسمة من بين دموعها: «لكني أحبك ~~بالفعل.» # فسألها: «ألا يمكنك أن تحبيني بصفتي زوجا؟» عندئذ سقط ضوء ~~المدفأة على وجه كريستينا. وكانت يدا نيكولاس العجوزتان تحيطان ~~بوجهها، فتطلعت عيناه إليه طويلا وبتمعن؛ ولما قرأ ما على صفحته، ~~ضمه إليه وشرع يربت على شعر كريستينا مهدئا بيده العجوز. # قال نيكولاس: «لقد كنت أداعبك ليس إلا يا صغيرتي.» ثم أضاف: ~~«الفتيات يناسبهن الصبيان، أما النساء الكبريات سنا فيناسبهن ~~رجال من سنهن. حسنا، ألا زلت تحبين يان، رغم كل شيء؟» # أجابته كريستينا: «أحبه. ولا أستطيع التوقف عن حبه.» # قال نيكولاس: «وإذا رغب في الزواج منك، فهل ستتزوجينه، أيا كانت ~~الروح القابعة داخل جسده؟» # كررت كريستينا مجيبة: «أحبه. لا أستطيع التوقف عن ~~حبه.» # جلس نيكولاس العجوز وحده بجوار النيران التي أوشكت أن تخمد. وتساءل ms55 ~~في نفسه: أيهما يمثل جوهر الرجل، روحه أم جسده؟ ولم تكن الإجابة ~~بالبساطة التي اعتقدها. # تمتم نيكولاس محدثا النيران المحتضرة: «كريستينا أحبت ~~يان، عندما كانت روحه في جسده. وهي لا تزال تحبه على الرغم من أن ~~روح نيكولاس سنايدرز قد انتقلت إليه. عندما سألتها هل بوسعها أن ~~تحبني، قرأت الذعر في عينيها، على الرغم من أن روح يان تسكن ~~الآن بداخلي؛ وقد استشعرت كريستينا وجودها. لا بد إذن أن جسد يان ~~هو جوهر يان الحقيقي، وجسد نيكولاس هو جوهر نيكولاس الحقيقي. إذا ~~انتقلت روح كريستينا إلى جسد السيدة تولاست، فهل ينبغي علي حينئذ ~~الابتعاد عن كريستينا، عن شعرها الذهبي، وعينيها العميقتين، ~~وشفتيها الجذابتين، كي أشتهي جسد السيدة تولاست الضامر المتغضن؟ ~~لا، سيظل النفور ينتابني عند التفكير بها. رغم أنني لم أكن أمقتها ~~عندما كانت روح نيكولاس سنايدرز بداخلي، وطوال ذلك الوقت لم تهمني ~~كريستينا البتة. لا بد أننا نحب بأرواحنا إذن، لولا ذلك لظل يان ~~يحب كريستينا ولظللت أنا نيك البخيل. لكن ها أنا ذا أحب كريستينا ~~وأستغل عقل نيكولاس سنايدرز وذهبه لإحباط جميع مخططاته، وأمارس ~~جميع الأفعال التي أعرف أنها ستثير غضبه عندما يعود إلى جسده؛ وعلى ~~النقيض من ذلك، لم يعد يان يعبأ بكريستينا، وسوف يتزوج السيدة ~~تولاست لما تملك من أراض شاسعة وطواحين عديدة. لا شك أن الروح هي ~~الجوهر الحقيقي للإنسان. إذن، أمن المفترض أن تسعدني فكرة الرجوع إلى ~~جسدي، عالما أنني سأستطيع حينها الزواج من كريستينا؟ لكني لست ~~سعيدا؛ بل أشعر بتعاسة لا حد لها. فأنا، نيكولاس، لن أنتقل مع روح ~~يان، أشعر بذلك؛ بل إن روحي، روح نيكولاس، سوف تعود إلي. وسأصبح ~~مجددا ذلك العجوز البخيل القاسي الغليظ القلب الذي كنته قبلا، ~~باستثناء أني سأكون فقيرا ولا حول لي ولا قوة. سوف يسخر الناس مني، ~~وسوف ألعنهم، لكني سأعجز عن إيذائهم. وحتى السيدة تولاست لن ترغب ~~في عندما تعرف كل شيء. ومع ذلك، لا بد أن أنفذ تلك الخطة. طالما ~~أن روح يان تسكن ms56 جسدي، فسأظل أحب كريستينا أكثر مما أحب نفسي. لا ~~بد أن أفعل ذلك لأجل خاطرها. أنا أحبها، ولا أستطيع التوقف عن ~~حبها.» # نهض نيكولاس العجوز، وأخرج القنينة الفضية المتقنة الصنع، من حيث ~~خبأها قبل شهر. # ثم قال متأملا، بينما يرج برفق القنينة بجوار أذنه: «لم يتبق ~~بها سوى ملء كأسين.» ووضعها على المكتب أمامه، ثم فتح سجل الحسابات ~~الأخضر القديم من جديد، فكان لا يزال أمامه عمل لا بد من ~~إنجازه. # أيقظ كريستينا مبكرا. وقال لها آمرا: «خذي تلك الخطابات، يا ~~كريستينا.» ثم أضاف: «عندما تسلمينها كلها، وليس قبل ذلك، اذهبي إلى ~~يان، وأخبريه أنني أرغب في مقابلته هنا لمناقشة أمر عاجل يتعلق ~~بالعمل.» ثم قبلها وبدا أنه كاره لرؤيتها وهي ترحل. # ابتسمت كريستينا قائلة: «سأغيب لبعض الوقت فحسب.» # رد عليها: «وما الفراق سوى غياب لبعض الوقت فحسب.» # كان نيكولاس العجوز قد توقع المتاعب التي كان سيلقاها بعد ذلك. ~~فيان كان سعيدا بحاله، ولم يرغب مطلقا في أن يعود شابا عاطفيا ~~أحمق، يتوق إلى تكبيل نفسه بالزواج من فتاة لا تملك سنتا. بل كان ~~لدى يان أحلام أخرى. # بيد أن نيكولاس صاح به في نفاد صبر: «اشرب، يا رجل، اشرب، قبل أن ~~أغير رأيي. سوف تصبح كريستينا أغنى عروس في زاندام إذا تعهدت ~~بالزواج منها. إليك عقد البيع هذا؛ اقرأه، اقرأه بسرعة.» # عندئذ قبل يان، وشرب الرجلان. ومرة أخرى شعرا بنفحة من الهواء ~~تمر بينهما، فغطى يان بيديه عينيه للحظة. # كان ذلك من سوء حظ يان على الأرجح؛ لأن نيكولاس انتزع في اللحظة ~~نفسها عقد البيع الموضوع بجوار يان على المكتب. وفي اللحظة التالية كان ~~يحترق بلهيب نيران المدفأة. # وتعالى صوت نيكولاس الخشن مرددا: «أنا لست فقيرا مثلما ظننت! ~~أنا لست فقيرا مثلما ظننت! أستطيع البدء من جديد، أستطيع البدء من ~~جديد!» وشرع ذلك المخلوق يتراقص بينما تتردد ضحكاته الشنيعة، فاردا ~~ذراعيه العجوزين أمام النيران المشتعلة، تحسبا لأن يحاول يان ~~إنقاذ مهر كريستينا المحترق قبل أن يصير هباء. # لم يخبر ms57 يان كريستينا بما حدث. فمهما قال لها، كانت سوف تعود إلى ~~بيت نيكولاس. وعندما رجعت طردها نيكولاس قبل أن تدلف من الباب مصحوبة ~~باللعنات. لم تستطع فهم ما جرى. كل ما أدركته بوضوح هو أن يان كان قد ~~عاد إليها. # فسر يان موقفه قائلا: «نوبة عجيبة من الجنون تملكتني.» ثم أضاف: ~~«سوف يساعدنا نسيم البحر العليل على استعادة صحتنا.» # وهكذا وقف يان وكريستينا على سطح سفينة يان، وراقبا مدينة زاندام ~~القديمة وهي تبتعد رويدا رويدا إلى أن اختفت عن ناظريهما. # بكت كريستينا قليلا عندما فكرت أنها لن ترى المدينة مجددا أبدا؛ ~~لكن يان واساها، وفيما بعد حلت وجوه جديدة محل الوجوه ~~القديمة. # أما نيكولاس العجوز فتزوج من السيدة تولاست، ولحسن الحظ لم يعش ~~ليمارس شره إلا لبضع سنوات إضافية. # وبعد زمن طويل، حكى يان لكريستينا القصة كاملة، لكنها بدت لها بعيدة ~~الاحتمال جدا، ولم تصدقها - رغم أنها لم تقل ذلك ليان طبعا - ~~بل اعتقدت أن يان كان يحاول تفسير الشهر الغريب الذي كان قد قضاه في ~~التودد للسيدة تولاست. رغم ذلك، كان من العجيب حقا أن نيكولاس ~~تبدل كليا في ذلك الشهر القصير نفسه. # فكرت كريستينا: «ربما لو لم أخبر نيكولاس أني أحب يان، لما عاد ~~إلى سيرته الأولى. يا للرجل العجوز المسكين! لا شك أنه رجع كما كان ~~بدافع اليأس.» ms58