######OpenITI# #META# URI: 1450NivinCabdRauf.SinimaWaFalsafa.Hindawi31859149 #META# Tags: arts :: philosophy :: social.sciences #META# ID: 31859149 #META# Title: السينما والفلسفة: ماذا تقدم إحداهما للأخرى #META# AuthorID: 93579397 :: 61505062 #META# Author: داميان كوكس :: مايكل ليفين #META# EditorID: 29797462 #META# Editor: هاني فتحي سليمان #META# TranslatorID: 93720406 #META# Translator: نيڤين عبد الرؤوف #META# Related_books: 1450DamienCox.ThinkingThroughFilm (TRANSL) #META#Header#End# # شكر وتقدير‏ # تمهيد‏ # الجزء الأول: الفلسفة والسينما‏ # 1 - لماذا الربط بين السينما والفلسفة؟‏ # 2 - الفلسفة والمشاهدة السينمائية‏ # الجزء الثاني: نظرية المعرفة (الإبستمولوجيا) وما وراء الطبيعة (الميتافيزيقا)‏ # 3 - الحقيقة والوهم في فيلم «استعادة كاملة»‏ # 4 - علم الوجود و«المصفوفة»‏ # 5 - العقل هو الأساس: «ذكاء اصطناعي» ومشاعر الحب لدى الروبوت‏ # 6 - «جسر المطار» وحلم السفر عبر الزمن‏ # الجزء الثالث: الوضع البشري‏ # 7 - القدر والاختيار: فلسفة «تقرير الأقلية»‏ # 8 - الهوية الشخصية: دراسة فيلم «تذكار»‏ # 9 - مشهد الرعب: «ألعاب مسلية»‏ # 10 - البحث عن معنى في جميع الأماكن ~~الخطأ: «أن تحيا» (إيكيرو)‏ # الجزء الرابع: الأخلاقيات والقيم‏ # 11 - «جرائم وجنح» وهشاشة الدافع الأخلاقي‏ # 12 - «حياة الآخرين»: الحظ الأخلاقي والندم‏ # 13 - «فارس الظلام»: باتمان وأخلاق الواجب والنظرية العواقبية‏ # 14 - طفولة خطرة: «الوعد» واحتمالية الفضيلة‏ # قراءات إضافية‏ # شكر وتقدير‏ # تمهيد‏ # الجزء الأول: الفلسفة والسينما‏ # 1 - لماذا الربط بين السينما والفلسفة؟‏ # 2 - الفلسفة والمشاهدة السينمائية‏ # الجزء الثاني: نظرية المعرفة (الإبستمولوجيا) وما وراء الطبيعة (الميتافيزيقا)‏ # 3 - الحقيقة والوهم في فيلم «استعادة كاملة»‏ # 4 - علم الوجود و«المصفوفة»‏ # 5 - العقل هو الأساس: «ذكاء اصطناعي» ومشاعر الحب لدى الروبوت‏ # 6 - «جسر المطار» وحلم السفر عبر الزمن‏ # الجزء الثالث: الوضع البشري‏ # 7 - القدر والاختيار: فلسفة «تقرير الأقلية»‏ # 8 - الهوية الشخصية: دراسة فيلم «تذكار»‏ # 9 - مشهد الرعب: «ألعاب مسلية»‏ # 10 - البحث عن معنى في جميع الأماكن ~~الخطأ: «أن تحيا» (إيكيرو)‏ # الجزء الرابع: الأخلاقيات والقيم‏ # 11 - «جرائم وجنح» وهشاشة الدافع الأخلاقي‏ # 12 - «حياة الآخرين»: الحظ الأخلاقي والندم‏ # 13 - «فارس الظلام»: باتمان وأخلاق الواجب والنظرية العواقبية‏ # 14 - طفولة خطرة: «الوعد» واحتمالية الفضيلة‏ # قراءات إضافية‏ # | السينما والفلسفة # | السينما والفلسفة # | ماذا تقدم إحداهما ~~للأخرى # تأليف # داميان كوكس ومايكل ليفين # ترجمة # نيڤين عبد الرؤوف # مراجعة # هاني فتحي سليمان # | شكر وتقدير # خالص الشكر لجميع من ساعدونا وهم كثر - دون أن يدري بهم أحد ودون علم منهم في كثير من ~~الأحيان - في إعداد هذا النص وتطوير آرائنا حول الأفلام التي نناقشها، وذلك بمجرد ذكر بضع ~~كلمات ليس إلا، وأحيانا بتقديم آراء أكثر تطورا ms001 عن أحد الأفلام أو إحدى الشخصيات أو ~~المشكلات الفلسفية. ونشكر تحديدا طلابنا في مادة الفلسفة والسينما بجامعة بوند وجامعة غرب ~~أستراليا. نود كذلك توجيه الشكر إلى كل من مارجريت لاكاز وإيمي باريت لينارد ولورنا ميهتا ~~وبيل تايلر وتيد روبرتس وكارول ماك. # | تمهيد # يهدف هذا الكتاب إلى تعريف القراء بمجموعة متنوعة من القضايا الفلسفية عبر عدسة السينما، ~~فضلا عن قضايا أخرى تتعلق بطبيعة السينما ذاتها، جامعا بذلك بين موضوعين لا يجتمعان في ~~أغلب الكتب الصادرة حديثا والتي تتناول الفلسفة والسينما. السينما وسيلة عظيمة القيمة ~~لاستكشاف موضوعات فلسفية ومناقشتها، لكنها لا تخلو من أوجه الخطر والقصور. وإبراز الطرق ~~التي في وسع السينما استخدامها لإضفاء حالة من الغموض الفلسفي، عبر الاستعارات وغيرها من ~~الصور البلاغية، وذلك للتأثير في المشاعر أو مغازلة شتى الأهواء؛ هو جزء ذو أهمية من أي ~~منهج للتحليل السينمائي الفلسفي. وسنحاول بين دفتي هذا الكتاب النظر إلى المناقشات ~~الفلسفية السينمائية بعين النقد. # ينقسم الكتاب إلى أربعة أجزاء: في الفصل الأول من الجزء الأول سنناقش إمكانيات السينما ~~كوسيط فلسفي؛ لماذا تشكل السينما وسيلة جيدة لمعالجة القضايا الفلسفية؟ وكيف يمكن تدعيم ~~النقاشات الفلسفية من خلال السينما؟ وفي الفصل الثاني سنناقش بعض القضايا الفلسفية التي ~~تطرحها السينما ذاتها. وبينما يركز هذا الفصل على قوة السينما وأهميتها، فإنه يطرح كذلك ~~قضايا فلسفية محورية أخرى حول السينما والمشاهدة السينمائية. ونناقش عبر صفحات الكتاب ~~المزيد من القضايا التي تتعلق بطبيعة السينما والمشاهدة السينمائية، من خلال طرح أسئلة من ~~قبيل: لماذا تستهوينا أفلام معينة؟ كيف تحقق لنا الأفلام إمتاعا؟ كيف نستطيع اكتشاف تلاعب ~~فيلم ما بحكمنا الفلسفي، وكيف ندرك البديهيات التي بنينا عليها هذا الحكم؟ كيف نستطيع ~~استغلال نقاط الالتباس التي تعج بها الأفلام لأغراض فلسفية؟ (مع مراعاة الحذر بالطبع في ~~معالجة كل من الأفلام والفلسفة.) # أعددنا الفصول في الأجزاء من الثاني حتى الرابع كي تقرأ عقب مشاهدة الأفلام المرشحة، ~~وبعد قراءة الجزء الأول. يركز الجزء الثاني على الأفلام التي تثير تساؤلات حول نظرية ~~المعرفة (الإبستمولوجيا) وما ms002 وراء الطبيعة (الميتافيزيقا)، وتتناول موضوعات مثل الشكوكية ~~وعلم الوجود والذكاء الاصطناعي والزمن (لا سيما السفر عبر الزمن). ونناقش في الجزء الثالث ~~أربعة أفلام تتصل بما قد نطلق عليه بوجه عام «الحالة البشرية»، حيث نركز على الإرادة الحرة ~~والهوية الذاتية والموت ومعنى الحياة. نقدم كذلك بحثا متعمقا نسبيا لطبيعة المشاهدة ~~السينمائية؛ إذ يركز الفصل التاسع على أفلام الرعب لا سيما أفلام الرعب الواقعي. فنتساءل ~~عما يجذب الجمهور إلى تجربة الرعب؛ أي إلى مشاعر الخوف والتقزز. في حين يهتم الجزء الرابع ~~بقضايا الأخلاق والقيم، حيث نركز على الأفلام التي تعالج بدورها الموضوعات التالية: دوافع ~~عيش حياة أخلاقية، والحظ الأخلاقي، وأخلاق الواجب، ونظرية العواقبية (العبرة بالنتيجة)، ~~وأخيرا نظرية الفضيلة. # إن هدف كتابنا هو إلقاء نظرة عامة على موضوعات في صميم علم الفلسفة، من منظور الكتابات ~~الأخيرة في مجالي الفلسفة والعلاقة بينها وبين السينما. فنتناول كلا من فلسفة السينما ~~والفلسفة في الأعمال السينمائية. هذان الجانبان من الكتاب يدعم كل منهما الآخر. وقد كانت ~~فكرة الجمع بينهما هي الأساس الذي بني عليه هذا العمل. لقد اخترنا الأفلام بناء على ~~محتواها وجودتها وإمكاناتها الفلسفية. بعبارة أخرى تخيرنا أفلاما تتناول قضايا فلسفية ~~تناولا مشوها ومبتسرا في بعض الأحيان، لكنه يساعدنا كذلك في أوجه أخرى على إدراك ~~القضايا الفلسفية المتضمنة، ومعها ندرك شيئا ما عن قيمة الفلسفة. وحيثما استطعنا استخدمنا ~~أفلاما لا تكتفي بتسليط الضوء على الفكر الفلسفي، بل تضيف إليه. # سنستعين بأفلام كلاسيكية وأخرى معاصرة، وقد اخترنا كلا منها لتسليط الضوء على مجموعة ~~بعينها من الأسئلة الفلسفية، أحيانا بطرق غير مألوفة مع أفلام غير متوقعة، حيث سنناقش ~~أفلاما مشهورة وذات شعبية، إلى جانب أفلام أخرى أقل شهرة. وفي نهاية كل فصل نورد قائمة ~~مختصرة بقراءات إضافية مقترحة وقائمة تضم أسئلة لمتابعة النقاش الفلسفي. # يطمح هذا الكتاب في المقام الأول إلى التأمل الفلسفي من خلال الأفلام، وإلى التفكير في ~~الأفلام من منظور فلسفي. وتتناول الفصول قضايا حاضرة في الأفلام من المنظورين الفلسفي ~~والسينمائي كذلك. الأفلام وسيط صالح للنقاش ms003 الفلسفي من عدة أوجه؛ إذ يمكن استخدامها لتسليط ~~الضوء على قضايا فلسفية، وكوسيلة لاختبار نظريات فلسفية أو إجراء تجارب فكرية فلسفية، ~~وكمصادر لمعضلات أو ظواهر مثيرة للاهتمام تستدعي الاستقصاء الفلسفي، وكطريقة لفهم مغزى ~~قضايا فلسفية أو تحديد الاحتمالات الفلسفية. يدفعنا التفكير المتأمل في السينما إلى دروب ~~الفلسفة عبر طرح أسئلة عن طبيعة الأفلام ذاتها وطبيعة المشاهدة السينمائية تحديدا. في بعض ~~الأحيان نستخدم نظريات فلسفية لتفسير الأفلام، وفي أحيان أخرى نستخدم الأفلام لتسليط الضوء ~~على النظريات الفلسفية. كل هذه الطرق لمشاهدة الأفلام والتأمل الفلسفي يطرحها هذا الكتاب. ~~إن الفلسفة لا تطرح منظورا فريدا للسينما، بل إن الأفلام ذاتها هي مساع، مضطربة غالبا ~~وفي غاية البراعة أحيانا، للاستقصاءات الفلسفية. # لا يزال المجال الذي يجمع بين السينما والفلسفة مجالا حديثا نسبيا. وما توصلنا إليه ~~في هذا الكتاب لم يكن ليتحقق دون الجهود الرائدة لأولئك الفلاسفة والمنظرين السينمائيين ~~الذين ساعدوا على إرساء الفلسفة والسينما كمبحث جدير بالاهتمام ودائم التطور، وفي سبيله - ~~قطعا - للازدهار. وحتى في المواضع التي اختلفنا فيها معهم، فقد تعلمنا منهم بكل ~~تأكيد. # الجزء الأول # | الفلسفة والسينما # يضم الجزء الأول فصلين، يناقش أولهما العلاقة بين الفلسفة والسينما. والقضية الرئيسية ~~هنا قضية تمهيدية أيضا؛ هل السينما وسيط فلسفي جدير بالثقة؟ هل الأفلام مجال للتأملات ~~الفلسفية؟ ما الذي ينبغي لنا توقعه من الأفلام من زاوية فلسفية؟ أما الفصل الثاني ~~فيبحث بعضا من القضايا الفلسفية الخاصة بطبيعة السينما أو التي تنطبق على أفلام بعينها ~~بوصفها عملا جماليا (أو عملا فنيا). كيف نتناول، من منظور فلسفي، قدرة الأفلام ~~على استثارة مشاعر قوية، بل وإرضائها على الأقل مؤقتا، واستدعاء خيالات الانتقام ~~والرغبات النرجسية، بل والمنحرفة؟ # في الجزء الأول نستعرض أوجه الاعتراض التي أبداها الفلاسفة على الإمكانيات الفلسفية ~~للسينما، فنشرح السبل المتنوعة التي تربط ظاهريا بين السينما ونظرية الفلسفة ونطرح ~~علامات استفهام حولها. نوضح كذلك أنه في وسع السينما أن تصبح أكثر بكثير من مجرد اختبار ~~أو تصوير لإحدى النظريات الفلسفية. وبدلا من طرح الإمكانيات الفلسفية لدى السينما ms004 ~~باعتبارها مجالا يخدم أغراض الفلسفة، فإننا ننظر إلى المسألة من الجهة الأخرى ونستعرض ~~السينما (أو بعض الأفلام) بوصفها ذات طبيعة فلسفية متأصلة. سوف نناقش العديد من القضايا ~~الفلسفية التي تطرحها السينما جنبا إلى جنب مع التقنيات السينمائية والسردية ذات ~~الصلة. # إن الجزء الأول يشكل خلفية ورافدا في ذات الوقت للأجزاء من الثاني إلى الرابع ~~التي نحلل فيها المشكلات الأخلاقية والميتافيزيقية والمعرفية الرئيسية فيما يتعلق ~~بأفلام محددة. # الفصل الأول # | لماذا الربط بين السينما والفلسفة؟ # مقدمة # يتناول هذا الكتاب مجموعة متنوعة من المشكلات الفلسفية من خلال السينما، كما يفحص ~~أيضا قضايا تتعلق بطبيعة السينما ذاتها. ينقسم مجال السينما والفلسفة إلى محورين ~~متمايزين إلى حد ما. يسعى أحدهما إلى بحث القضايا الفلسفية التي تطرحها الأفلام، ~~فعلى سبيل المثال قد تتشكك الأفلام في وجهة نظر أخلاقية معينة أو تطرح أسئلة حول ~~الشكوكية أو طبيعة الهوية الذاتية. أما المحور الآخر فيختص بالقضايا التي تطرحها ~~السينما بوصفها شكلا من أشكال الفن. ما الذي يميز السينما أو التصوير السينمائي ~~بوصفه شكلا فنيا؟ ما المغزى الفلسفي وراء الأساليب الفنية والتكنولوجيا التي ~~توظفها السينما؟ ما المغزى الفلسفي لاستجابة الجمهور للسينما؟ ما هي المزايا أو ~~المخاطر الخاصة التي تنطوي عليها السينما بالنظر إلى جاذبيتها الجماهيرية وقدرتها ~~على إثارة مشاعر قوية؟ # إحدى القضايا التي ترتبط على ما يبدو بمحوري السينما والفلسفة كليهما هي قضية ~~السينما باعتبارها وسيطا فلسفيا. هل في وسع الأفلام «التفلسف» فعليا، لا مجرد ~~الاكتفاء بإبراز أفكار فلسفية؟ هل في وسع الأفلام أن تصبح أدوات للاستقصاء ~~الفلسفي؟ # 1 # يتناول الفصل الحالي هذه المسألة. أما المحور الثاني من مجال السينما ~~والفلسفة؛ أي التناول الفلسفي للسينما ذاتها، فنطرحه في الفصل التالي. وقبل أن ~~نستهل موضوع العلاقة بين السينما والفلسفة، دعونا أولا نستعرض بإيجاز بعض سمات ~~السينما التي تجعلها قاعدة جذابة للتأملات الفلسفية. # قوة السينما ونطاق تأثيرها # يتحدث الأكاديميون كثيرا عن «الأدبيات»، التي تمثل مجموع الكتابات والأعمال ~~الأساسية (الكلاسيكيات) التي تشكل مرجعا للأجيال المتعاقبة من البشر. ويفترض ~~أن تنقل الأدبيات معنى وأنماطا ms005 لصياغة المفاهيم من جيل لآخر، وأن تشكل كذلك ~~مجموع الكتابات المشتركة بين أبناء جيل واحد. نظريا، تهدف الأدبيات إلى وصف حقب ~~وأجيال معينة وتمييزها، فتجسد على سبيل المثال مثلهم العليا (أو مثلهم العليا ~~المزعومة) وآراءهم حول العائلة والحب والواجب الوطني. ويفترض أن تجسد الأدبيات ~~مصدرا مرجعيا مشتركا لمجموعة من الأفراد ينتمون لثقافة ما، مهما كانت ~~اختلافاتهم. والبعض يتساءل عما إذا كانت هذه الأعمال موجودة بالفعل أو سبق أن ~~وجدت؛ على أي شيء استندت تلك الأعمال (الإنجيل أو غيره من الكتب المقدسة، أعمال ~~شكسبير، أعمال جيه دي سالينجر)؟ وما المكانة التي ينبغي أن تحظى بها؟ وكيف ينبغي ~~استخدامها؟ وما أوجه سلطتها ولأي غرض اكتسبت تلك السلطة؟ # يمكن القول إن الأفلام الروائية - وندرج ضمن هذا التصنيف الأفلام الطويلة ~~والمسلسلات التي تعرض على شاشة التليفزيون والمتاحة عبر أشكال أخرى متعددة - تشكل ~~أدبيات أو أعمالا ومؤلفات أساسية حقيقية. إذا كان ذلك صحيحا، فإنه يرجع إلى ~~المكانة الشعبية واللانخبوية لفن السينما؛ فأعداد من يشاهدون الأفلام ويناقشونها ~~أكثر من أعداد من يقرءون، وبالتأكيد عدد الأفراد الذين يشاهدون الأفلام نفسها يزيد ~~عن عدد من يقرءون الكتب نفسها، وتتخطى الأفلام الحواجز الاجتماعية والاقتصادية ~~وغيرها من الحواجز التي تفصل بين الجماهير على نحو لم تتمكن الأعمال الكلاسيكية ~~الغربية من فعله قط. وفي الدول المتقدمة يشاهد الجميع تقريبا الأفلام ويتحدثون ~~عنها بين حين وآخر. ومع توافر الأفلام في صور غير مكلفة، يرى أيضا العديد من أفراد ~~الفئات المحرومة اقتصاديا الأفلام بكثرة. وفي نظر عدد لا يستهان به، تشكل ~~الأفلام مركزا مرجعيا مشتركا حيث تحلل القيم والقضايا الأخلاقية والتساؤلات ~~العامة والفلسفية. تجسد الأفلام ذلك كله بطريقة مميزة، فهي متاحة بسهولة، ~~وغالبا ما تتمتع بجاذبية جمالية، فضلا عن كونها مسلية من نواح تجعلها مؤثرة من ~~الناحية العاطفية والفكرية أو الذهنية (انظر كارول: 2004). والأفلام عموما ليست ~~جامدة ولا صعبة الفهم كما هي الحال عادة مع النصوص الفلسفية أو الحجج الجدلية ~~المنهجية. تحظى الأفلام بشعبية، وهي متاحة بسهولة ومنتشرة في كل مكان وجذابة على ms006 ~~المستوى العاطفي. # غالبا ما توظف السينما أشكالا أخرى من الفن (مثل الموسيقى والفنون المرئية ~~والأدب)، وقدرة تلك الأشكال على التأثير فينا جزء لا يتجزأ من قوة السينما. إلا أن ~~قدرة السينما على التأثير فينا ودغدغة مشاعرنا ليست ببساطة حاصل تأثير مكوناتها ~~الفنية؛ ففي النهاية يوجد فيض من الموسيقى والأدب والشعر والفنون المرئية التي تؤثر ~~فينا تأثيرا مستقلا، يزيد عن تأثيرها حال تضمينها في الأفلام. ورغم ذلك تظل قدرة ~~الفيلم الطويل على نقل الكثير من الأشياء لأعداد غفيرة في وقت قصير نسبيا (أقل من ~~ساعتين عادة، وأقل من ثلاث ساعات في أغلب الأحوال) أحد أبرز سماتها. لكنها أيضا ~~سمة أثارت قلق كثير من الفلاسفة والمنظرين السينمائيين. على سبيل المثال تخوف ~~أدورنو وهوركهايمر (1990) من التأثير السلبي المحتمل للفن الجماهيري على جمهور ~~منقاد ولا يتمتع بحس نقدي. (ولم لا ينطبق هذا الخوف أيضا على جمهور فعال ~~وناقد؟ فهل يستطيع هذا الجمهور مقاومة سحر السينما؟) يزعم أن ألفريد هيتشكوك قال: ~~«جميع الممثلين خراف.» ليس هذا ما قاله بالضبط إنما قال: «لم أقل قط إن الممثلين ~~خراف، ما قلته هو أن جميع الممثلين ينبغي معاملتهم مثل الخراف.» ما قد يدفعنا ~~للتساؤل عن رأيه في الجمهور. # من ناحية أخرى يتبنى فلاسفة آخرون، مثل والتر بينجامين، موقفا متفائلا حيال ~~قدرة السينما على دعم الحرية السياسية والاجتماعية والفكر الإبداعي. # 2 # من إذن أقرب للصواب: المتشائمون مثل أدورنو أم المتفائلون مثل ~~بينجامين؟ من الصعب حقا الإجابة عن هذا السؤال. فلنتأمل مثالا محددا، وليكن قوة ~~الخطاب السياسي مقابل القوة السياسية للسينما. هل من المحتمل، بشكل أو بآخر، أن ~~تتمكن حجة سياسية شفهية من تغيير المواقف مقارنة بمشاهدة فيلم سياسي؟ خطبة شابلن ~~السياسية في نهاية فيلم «الديكتاتور العظيم» (ذا جريت ديكتاتور) (1940) تجسد ~~مثالا مثيرا للاهتمام في هذا الإطار؛ فقد تمتعت بتأثير جدير بالاعتبار، وكثير من ~~الناس يتذكرونها بإعجاب بعد مشاهدة الفيلم. لكن الهدف الصريح للفيلم عام 1940 كان ~~تبديد بقايا أي انجذاب محتمل لدى جمهوره ناحية أدولف هتلر والفاشية القومية عموما، ms007 ~~وقد حقق هذا الهدف دون الاستعانة إطلاقا بالخطبة؛ فالجانب الأكبر من التأثير ~~الفعلي للفيلم يتحقق عندما يلعب شابلن - الذي يؤدي دور أدنويد هاينكل، ديكتاتور ~~تومانيا - ببالون يجسد خريطة العالم ضاربا إياه بمؤخرته، وهي وسيلة مذهلة في ~~فاعليتها للسخرية من أحلام السيطرة على العالم، أما ما إذا كانت ترقى لأن تصبح مادة ~~لنقد فلسفي قوي للفاشية فتلك قضية أخرى. # إن السينما بطبيعتها وسيلة عظيمة القيمة لطرح موضوعات فلسفية ومناقشتها، لكن من ~~المهم إدراك الأخطار الكامنة داخلها. قد تتسبب الأفلام في قدر من التشويش والارتباك ~~عبر طريقة صياغتها وتصويرها، ونتيجة تلاعبها بالمشاعر أو مغازلتها لشتى الأهواء. ~~واقتفاء أثر هذا التشويش يجسد جزءا مهما من أي منهج للتحليل الفلسفي للسينما. ~~كثير من الأفلام تغذي تحيزات ورغبات غير واعية أو بغيضة، وتتغذى عليها وعلى الإشباع ~~الرمزي لرغبات مكبوتة. ويعتقد أن نجاح الفيلم يعتمد غالبا على نجاحه في تلبية تلك ~~المتطلبات (تأمل على سبيل المثال أفلام الانتقام مثل «هاري بروان» (2009)، ~~و«أمنية الموت» (ديث ويش) (1974)، و«ذات مرة في الغرب» (وانس آبون آتايم إن ذا ~~ويست) (1968)). وكما نصدق عادة ما نرغب في تصديقه (أو ما نتمنى تصديقه) بدلا مما ~~يدفعنا المنطق إليه، فنحن غالبا ما نصدق أشياء معينة لأن مشاعر معينة تنتابنا. ~~تؤثر المشاعر على ما نعتقد، مثلها مثل الرغبات، وتلك حقيقة غالبا ما تستغلها ~~السينما وتفسر إلى حد كبير قدرتها على اجتذاب الجمهور. ولهذا تمدنا الأفلام ~~بمعلومات خاطئة وتضللنا من المنظور الفلسفي في كثير من الأحيان، بقدر ما تطلعنا، ~~في أحيان أخرى كثيرة أيضا، على قضايا فلسفية وتعمق معرفتنا بها. # أحد أعظم مناقب السينما هو قدرتها على الجذب والتسلية، وهي نقطة سعينا جاهدين من ~~أجل توضيحها. هذا ما يميز السينما قطعا عن معظم الكتابات الفلسفية، التي غالبا ما ~~تكون جافة كرمال الصحراء. وفي الوقت نفسه يظل قرب السينما (ووسائل الإعلام عموما) ~~من الجماهير، وقدرتها على الجذب والتأثير، وعلى التلاعب بنا عاطفيا وفكريا وعلى ~~«بث الاضطراب في نفوسنا» في صميم ما ذكرناه بالأعلى من المخاوف الأخلاقية التي ms008 ~~أثيرت حول وسائل الإعلام، مثل تلك التي طرحها أدورنو وهوركهايمر (1990) وغيرهما. ~~ورغم ذلك، فالاشتباك الفلسفي مع السينما ليس دوما إيجابيا. وكما أشار فرويد، قد ~~يقدم الفن سبيل العودة من الخيال إلى الواقع؛ فللسينما فائدتها في سبر أغوار ~~العديد من الجوانب التي تغطيها الفلسفة وليس جميعها. وتعالج أفلام بعينها موضوعات ~~في الأخلاقيات والميتافيزيقا والدين وعلم الجمال إلى جانب موضوعات في الفلسفة ~~الاجتماعية والسياسية. وقد يبرز جانب بعينه من بين تلك الجوانب؛ فمثل الروايات، ~~تصور الأفلام غالبا جوانب من العلاقات البشرية الكثيرة وتستكشفها فلسفيا، لا ~~سيما الحب والصداقة. وتلك حقيقة لا تبعث على الدهشة بالنظر إلى مدى انغماسنا عموما ~~في الموضوعات التي تجذبنا من الناحية العاطفية مقارنة بأي موضوعات أخرى. # ما العلاقة بين الفلسفة والسينما؟ # لقد اندمجت السينما والفلسفة لتشكلا مجالا مستقلا، وهو مجال يشهد نموا. ~~إنه جزء من اتجاه نحو توسيع نطاق الموضوعات الصالحة للاستقصاء الفلسفي الجاد. وقد ~~صاحب توسيع نطاق الموضوعات الفلسفية إدراك أن السينما وغيرها من أشكال وسائل ~~الإعلام والترفيه قد تصبح أدوات فعالة لنقل الأفكار. وكثير من تلك الأفكار مثير ~~للاهتمام من الناحية الفلسفية، وهي متأصلة في حياتنا اليومية، مثلها مثل الصداقة ~~والحب والموت والهدف والمعنى. كون الحياة اليومية مصدرا للموضوعات الفلسفية ليس ~~باكتشاف جديد؛ فطالما عرف الفلاسفة القدماء ذلك، وإن أدى إضفاء الطابع المهني ~~الاحترافي على الفلسفة في القرن العشرين أحيانا إلى حجب هذا التركيز على الحياة ~~اليومية. لقد شهدنا زيادة كبيرة في أعداد الكتب والمقالات التي لا تتناول الفلسفة ~~والسينما فحسب، بل تتناول، من منظور أعم، الفلسفة والثقافة. ويركز بعضها على ~~الفلسفة والقضايا المعتادة كما تظهر على شاشة التليفزيون (كشكل من أشكال السينما) ~~وفي الموسيقى المعاصرة، بينما يركز البعض الآخر على قضايا فلسفية - أخلاقية وسياسية ~~ومعرفية واجتماعية ونفسية - أكثر تقليدية، كما تظهر في أفلام الاتجاه ~~السائد. # تمد السينما - لا سيما في جانبها الروائي - الفلسفة بمواد تصلح للبحث والتدقيق ~~(سيناريوهات ودراسات حالة وقصص وفرضيات وحجج). إن القصص التي ترويها الأفلام، ~~والتأكيدات التي تقرها، والفرضيات التي تطرحها أو ms009 تلمح إليها، تمد الأفراد - ومن ~~ثم الفلاسفة - بمواد للتقييم النقدي. والأفلام تصلح كموضوعات مباشرة للاستقصاء ~~الفلسفي. على سبيل المثال، فيلم «انتصار الإرادة» (ترايمف أوف ذا ويل) (1935) ~~للمخرجة ليني ريفينشتال - الذي يصور مؤتمر الحزب النازي الذي انعقد في نورنبيرج عام ~~1934 - يقدم لنا مادة غنية بموضوعات صالحة للتأمل الفلسفي، من بينها العلاقة بين ~~القيمة الجمالية والأخلاقية للفيلم. (غالبا ما تعتبر أفلام ريفينشتال تحفة جمالية ~~لكنها ساقطة أخلاقيا.) ومشاهدة فيلم «انتصار الإرادة» تستدعي حتما أسئلة حول ~~مسئولية الفنانين الأخلاقية عن إنتاجهم الفني. رغم ذلك لا تصبح الأفلام ببساطة ذات ~~محتوى فلسفي خاص لمجرد كونها مادة صالحة للتدقيق الفلسفي (مثل طاولة أو قلم أو ~~سحابة أو كاتدرائية)؛ فعادة ما يصبح شيء ما مادة للتدقيق الفلسفي عبر تمثيل نوع ~~محدد من الخبرات أو الظواهر التي تحيرنا وتتحدانا فلسفيا. وتصبح الأفلام فلسفية ~~من زاوية أكثر اكتمالا وإثارة للاهتمام عندما تفعل ما هو أكثر من ذلك. إنها تصبح ~~فلسفية عندما تدفعنا للتأمل الفلسفي ونحن نشاهدها. # ما هو السبيل الأمثل لفهم العلاقة بين السينما (صناعة الأفلام) والفلسفة ~~(التفلسف)؟ هل بوسع الفيلم أن «يصبح» نصا فلسفيا، بدلا من كونه مجرد مصدر ~~للفلاسفة؟ أمن الممكن أن «تصبح» صناعة الأفلام نوعا من التفلسف؟ أمن الممكن أن ~~تصبح مشاهدة الأفلام نوعا من التفلسف؟ ربما يعتمد الأمر ببساطة على مدى رحابة ~~وشمول مفهومنا عن ماهية الفلسفة. # 3 # يقول موراي سميث، أحد منظري الفلسفة والسينما، (2006: 33): «إن قدرة ~~الأفلام على أن تصبح، من منظور عام، فلسفية أمر لا خلاف عليه نسبيا في رأيي. تلك ~~حقيقة لا تبعث على الدهشة إذا نظرنا إلى كل من السينما (بوصفها شكلا فنيا) ~~والفلسفة كامتدادات لقدرة البشر على الوعي بالذات؛ أي قدرتنا على تأمل أنفسنا.» ~~إذا فكرنا في الفلسفة ببساطة باعتبارها تعبيرا عن قدرة البشر على التأمل، فإن ~~الأفلام تشترك بجلاء في هذه القدرة، لكن لهذه القضية أبعادا أكبر من هذا. # كيف نفهم الإمكانات الفلسفية للسينما؟ يصوغ بازلي ليفينجستون (2008: ~~3) هذا السؤال على نحو مفيد فيما يطلق ~~عليه «الفرضية الجريئة»: ms010 # هل في وسع الأفلام تقديم إسهامات بارزة وإبداعية ومستقلة إلى الفلسفة ~~باستخدام وسائل يتفرد بها الوسيط السينمائي (مثل المونتاج والعلاقات بين ~~الصوت والصورة)، وهي إسهامات مستقلة من حيث كونها متأصلة في طبيعة السينما ~~وليست قائمة على التعبير الفلسفي اللفظي، مثل التعليقات أو الشروح؟ تنغمس ~~الأفلام بالفعل في تفكير فلسفي إبداعي وفي بنية المفاهيم الفلسفية الجديدة، ~~حسب الزعم الذي كثيرا ما يتكرر في الأدبيات الضخمة المستوحاة من كتابات ~~جيل دولوز التأملية عن السينما. # تزعم الفرضية الجريئة أن مساهمة السينما في الفلسفة، إن كانت ~~حقيقية، فهي قطعا مساهمة لا تقبل الاختزال أو الاستبدال بأي شكل آخر من أشكال ~~التواصل. إنها بالفعل فرضية قوية، لكن ما الذي يدفعنا إلى الاعتقاد بأن «القيمة» ~~الفلسفية للسينما يحددها تفرد السينما الفلسفي؟ ليفينجستون نفسه ليس من أنصار ~~الفرضية الجريئة؛ إذ يقول (ليفينجستون 2008: 12): # يجب علينا التخلي عن الفرضية الجريئة التي ترى السينما نوعا من الفلسفة، ~~والتحول إلى فرضيات أكثر اعتدالا وقابلية للتطبيق. بعض الأفلام الروائية ~~يصنعها مؤلف يستخدم الوسيط السينمائي، بالاشتراك مع الوسائل اللغوية، ~~للتعبير عن منظور قائم على معرفة فلسفية. والبعض الآخر لا يصنع بهذه ~~الطريقة لكن يمكن رغم ذلك استخدامه لتوضيح أراء مألوفة لكنها ذات قيمة حول ~~الحكمة العملية، والشكوكية وغيرها من الموضوعات. يفتح كلا النوعين من ~~الأفلام سبيلا إلى مواقف وحجج فلسفية، وقد يوفران حافزا لا يستهان به ~~على التفكير الفلسفي الإبداعي ... # يستطرد ليفينجستون معدلا هذه «الفرضيات الأكثر اعتدالا ~~وقابلية للتطبيق» على نحو كاشف، فيقول (2008: 12): «هذا يحدث ما دمنا نتذكر أن ~~طرح تصنيفات وحجج معقدة سيتطلب تعبيرا لفظيا لا يوفره العرض السينمائي في حد ~~ذاته؛ فوصف الحبكة، مهما كان بارعا، ليس بديلا لها.» # يقترح ليفينجستون على ما يبدو أننا إذا أردنا ممارسة الفلسفة على أصولها، بما ~~تتطلبه من تصنيفات وحجج معقدة، فسوف نحتاج إلى الانكباب على العمل من أجل صياغة ~~بينة؛ أي لفظية، لحجة فلسفية. بلا شك تتطلب أنواع محددة من الحجج الفلسفية ذلك ~~تحديدا. ونحن نعلم أن السينما ليست بديلا عن أساليب مفيدة ومحددة ms011 للممارسة ~~الفلسفية. لماذا إذن يزعم أحدهم أنها كذلك؟ لماذا قد يرغب في جعلها كذلك؟ إن زعم ~~ليفينجستون أدنى بكثير من هذا المستوى، بل هو يلمح، بشكل أو بآخر، إلى أن السينما ~~تخدم الفلسفة؛ إذ تقدم السينما (في بعض ~~الأحيان) القوة الدافعة للتفلسف. إنها ~~إحدى سبل التأمل الفلسفي. وعلى النقيض من الفرضية الجريئة، دعونا نقترح «فرضية ~~البطلان». وفقا لهذه الفرضية ليس للسينما أي دور على الإطلاق في التأملات ~~الفلسفية، بل إن دورها الوحيد هو تقديم قوة دافعة، أو مادة صالحة، للعمل الفلسفي ~~الذي ينجز كليا في إطار لغوي عبر نصوص شفهية ومكتوبة. والأفلام نفسها لا تطرح ~~نقاطا فلسفية (إلا عندما تجعل شخصياتها تعبر لفظيا عن نقاط فلسفية). ولكي تطرح ~~الأفلام نقاطا فلسفية لا بد أن تخضع للشرح والتفسير ثم تدمج في حجة فلسفية تتطور ~~في مسارها المعتاد. تلك هي فرضية البطلان، وهي بالأحرى استنتاج متحفظ ومحبط. أتوجد ~~خيارات أكثر طموحا تناسب من يحترزون من الفرضية الجريئة؟ # من بين الشخصيات البارزة التي ترفض ما أطلقنا عليه فرضية البطلان ستيفن مولهال ~~(2002: 2): # أنا لا أعتبر تلك الأفلام أمثلة توضيحية رائجة، وفي المتناول، للآراء ~~والحجج التي يطورها الفلاسفة على نحو سليم، بل أرى أنها ذاتها تتأمل تلك ~~الآراء والحجج، وتقيمها، وتفكر فيها جديا وعلى نحو منهجي، بالطرق ~~نفسها التي يستخدمها الفلاسفة. تلك الأفلام ليست مادة خاما للفلسفة، ولا ~~مصدرا لتنميق الفلسفة، بل هي تمرينات فلسفية؛ ممارسة عملية للفلسفة أو ما ~~يمكن أن نسميه تفلسفا سينمائيا. # للوهلة الأولى، نلمح أمرا محيرا بعض الشيء في الفقرة ~~السابقة. ماذا يعني مولهال بعبارة: «بالطرق نفسها»؟ يمكن أن تصبح الأفلام ممارسة ~~عملية للفلسفة، وأن تصبح فلسفية مثل النصوص (وأكثر من النصوص في بعض الأحيان) دون ~~أن تتبع «الطرق نفسها التي يستخدمها الفلاسفة». إذا اتبعنا المعنى الحرفي لكلام ~~مولهال، فسنجد أن إصراره على التكافؤ يعني، من المنظور المنهجي، أنه لا يوجد حقا ~~داخل السينما فئة منفصلة للأفلام الفلسفية، بل الأمر ببساطة مجرد تأملات فلسفية عبر ~~وسيط ما بنفس الطرق التي تتم ms012 بها عبر وسيط آخر. وهذا ينفي ضمنيا وجود أي قيمة ~~في ممارسة السينما للفلسفة، وهو ما يحمل نوعا من المفارقة. بالطبع يمكن تفسير ~~كلمات مولهال تفسيرا أقل قسوة من هذا . تزعم الفقرة السابقة بالأساس أن كلا من ~~الممارسة الشفهية للفلسفة والممارسة السينمائية لها طريقتان للتفكير جديا ~~ومنهجيا في الآراء والحجج. دعونا نطلق على ذلك «الفرضية ~~المعتدلة». في حين تزعم الفرضية الجريئة ~~أن التمثيل السينمائي للفلسفة فريد من نوعه، ولا يمكن اختزاله إلى أشكال أخرى من ~~الممارسات الفلسفية. وتزعم فرضية البطلان، على وجه التحديد، أنه لا يوجد ما يدعى ~~التمثيل السينمائي للفلسفة. تزعم الفرضية المعتدلة أن التمثيل السينمائي للفلسفة ~~موجود، وأنه بالفعل تمثيل للفلسفة. رغم ذلك تنكر الفرضية المعتدلة تفرد ~~الفلسفة السينمائية. والتمثيل السينمائي للفلسفة ليس عصيا على الترجمة إلى أشكال ~~فلسفية لفظية؛ إذ يمكن إعادة التعبير عن الفلسفة لفظيا دون خسارة، على الأقل من ~~حيث المبدأ. إن ممارسة الفلسفة سينمائيا لا تتطلب اتباع نفس طريقة ممارستها ~~لفظيا (وهو ما لا يحدث عادة)؛ لكن هذا لا يدفعنا بالضرورة لاستنتاج أن ممارسة ~~الفلسفة سينمائيا تمنحنا مدخلا إلى معارف وحقائق فلسفية يستعصي على الفلاسفة، ~~الذين يمارسون الفلسفة بطرق غير سينمائية، الوصول إليها (وهو استنتاج يعتبر إعادة ~~صياغة للفرضية الجريئة). تقع الفرضية المعتدلة في مكان ما بين الفرضية الجريئة ~~وفرضية البطلان. # قد يثبت في النهاية خطأ الفرضية الجريئة دون جعل السؤال حول العلاقة بين الفلسفة ~~والسينما مملا أو بلا جدوى. وفي نظر الكثير تعتبر الفرضية الجريئة أجرأ من ~~اللازم. وعلى الجانب الآخر، تبدو الفرضية المعتدلة معتدلة أكثر من اللازم؛ فقد ~~تثبت صحتها دون طرح أي أفكار مثيرة للاهتمام فعليا عن العلاقة بين السينما ~~والفلسفة. هل يوجد شيء ذو قيمة فلسفية خاصة يمكن قوله عن ممارسة الفلسفة عبر ~~السينما؟ يقترح إيرفينج سينجر أن الأمر يتعلق بالسمات الفنية للأفلام في حد ذاتها، ~~فكتب قائلا (2007: 3): «بعيدا عن أي جهود مؤسفة لاستنساخ ما يفعله الفلاسفة ~~المخضرمون، فإن الأفلام التي نعتبرها عظيمة هي أفلام فلسفية بقدر ما يستغل المعنى ms013 ~~الذي تجسده والتقنيات التي تنقل هذا النوع من المعنى الأبعاد الصوتية والأدبية ~~والبصرية لنوعه الفني استغلالا عميقا ومؤثرا.» # 4 # هل سينجر على حق في استنتاجه؟ لماذا لا يمكن اعتبار فيلم ما ~~«عظيما»، ويجسد معنى، ويوظف تقنيات تنقل هذا المعنى، و«يستغل الأبعاد الصوتية ~~والأدبية والبصرية لنوعه الفني استغلالا عميقا ومؤثرا» ورغم ذلك لا يعتبر على ~~وجه الدقة فيلما فلسفيا؟ (تأمل على سبيل المثال الأفلام الموسيقية مثل «قابلني ~~في سانت لويس» (ميت مي إن سانت لويس) (1944) و«شارع 42» (فورتي تو ستريت) (1933).) ~~وعلاوة على ذلك، ما الذي يفعله «الفلاسفة المخضرمون» في رأي سينجر؟ من بين ما يفعله ~~الفلاسفة المخضرمون دراسة كثير من القضايا الشخصية والاجتماعية والسياسية ~~والأخلاقية نفسها التي تتناولها السينما بالبحث أحيانا. هم يجمعون ما يذكرنا ~~بسمات ثابتة، دائما ما نتجاهلها من الخبرة البشرية؛ ويتأملون تلك الخبرة بوصفها ~~ظاهرة إلى جانب إعمال الفكر في تماسك النظريات الفلسفية وصحة أدلتها. وتوجد بعض ~~الأفلام التي تتفوق كثيرا (من حيث كونها أكثر تبصرا ودقة وإقناعا من الناحية ~~الفكرية) على الفلاسفة المخضرمين في أداء بعض هذه المهام على الأقل. # ربما ينبغي لنا إذن تبني فرضية معتدلة تقضي بأن أفكارا فلسفية محددة تجسد ~~على نحو أفضل على شاشة السينما من تجسيدها في النصوص المكتوبة؛ فربما تعمق الأفلام ~~أحيانا من وجهات نظر فلسفية على نحو تجد النصوص المكتوبة صعوبة في تحقيقه. لا ~~يتطلب ذلك امتلاك السينما قدرة فريدة على توظيف نمط خاص بها من التفلسف أو نوع ~~تنفرد به من التبصر الفلسفي، ولا يتطلب امتلاك الأفلام قدرة على أداء أنشطة فلسفية ~~لا يمكن أداؤها على الإطلاق عبر أساليب فلسفية شفهية أو مكتوبة. تلك إذن فرضية ~~مختلفة عن الفرضية الجريئة. على الجانب الآخر، تقتضي الفرضية المعتدلة أن الأفلام ~~قد تتفوق أحيانا على النصوص المكتوبة في أداء بعض المهام. إذن فالأفلام ليست مجرد ~~منهل للتفلسف، وهي أيضا ليست مجرد وسائل للتأمل المنهجي في معتقدات أساسية. إنما ~~هي طرق جيدة على نحو استثنائي لممارسة الفلسفة. إن الفرضية المعتدلة تخول السينما ~~امتلاك مغزى ms014 فلسفي عميق. # الفكرة الرئيسية وراء الفرضية المعتدلة هي أن الأفلام تستطيع أحيانا التفوق على ~~الأنواع الفلسفية المعتادة في تقديم أشكال بعينها من المادة الفلسفية. ولا يرجع ذلك ~~فحسب إلى كون السينما أكثر إمتاعا وجاذبية على المستوى العاطفي. الأفلام في أغلب ~~الأحيان أكثر جاذبية من الكتابة الفلسفية العادية، وفي النهاية أي من كتابات ~~فلاسفة مثل كانط وهيجل وهيوم ورولز ودوميت لا تعتبر حقا كتابات مشوقة. إذا كانت ~~السينما تستطيع أحيانا أن تصبح وسيطا فلسفيا أفضل، فإن ذلك يرجع جزئيا إلى ~~قدرتها على تجسيد نوع من الفروق الدقيقة ووجهات النظر التي لا توجد غالبا في ~~الفلسفة الاحترافية، ومن الصعب إعادة إنتاجها ضمن الأنواع الأدبية التي تستخدمها. ~~وذلك بدوره يرجع جزئيا إلى أن الفلسفة الاحترافية مكبلة أكثر مما ينبغي بقيود ~~أنواعها الأدبية المتخصصة؛ ألا وهي مقالات الدوريات المتخصصة والدراسات ذات الموضوع ~~الواحد. # تستند بعض الآراء المحافظة حول قدرة السينما على ممارسة الفلسفة إلى مفهوم ~~قيم وحصري ومفرط التدقيق لماهية الفلسفة. قد يرجع ذلك إلى أن بعض الفلاسفة لا ~~يرغبون ببساطة في تقبل احتمالية أن الشعراء والروائيين وصناع الأفلام، وغيرهم ممن ~~يمتهنون مهنا أقل مقاما، ربما ينجحون كثيرا فيما يخفق فيه الفلاسفة، ويتفوقون ~~أحيانا في ممارسة الفلسفة على الفلاسفة المحترفين، ناهيك عن تقبل ذلك كحقيقة ~~بسيطة. ويرتبط بالمفهوم «القيم» للفلسفة الافتراض المزعوم بأن على السينما تحقيق ~~توقع ما؛ أي معايير معينة لا بد أن تفي بها كي تصبح جديرة بالنظر إليها على أنها ~~تمارس الفلسفة أو تساهم فيها. لكن ربما يجدر بنا النظر فيما إذا كان الفلاسفة قد ~~أساءوا فهم الترتيب الصحيح للعلاقة بين الفلسفة والسينما. ربما كان السبيل الأكثر ~~ثراء بالأفكار هو طرح السؤال التالي: «ما الذي ينبغي على الفلسفة فعله، ما ~~المعايير التي ينبغي أن تسعى لتحقيقها، كي تصبح أكثر شبها بأفلام (معينة) أو كي ~~تساهم فيها؟» # يرى بعض الفلاسفة أن الممارسة الفلسفية المعاصرة شوهت الكثير من القضايا ~~الفلسفية. وعلى وجه الخصوص، فإن فلاسفة أمثال آيريس مردوخ (1970) ومارثا نوسباوم ~~(1990) يعتقدون أن الفلسفة ms015 - على الأقل في بعض الأحيان، وفي ميادين مثل الأخلاقيات ~~- تبدو أكثر انسجاما، أو بعبارة أخرى أكثر قابلية للفهم وأكثر تناغما في الأدب ~~والفنون، مقارنة بوضعها بين الفلاسفة. إن جماليات السينما وتقنياتها؛ مثل المونتاج ~~والتركيز العميق واللقطات المقربة ولقطات التتبع، جميعها مناسبة لتركيز وتعزيز ~~الانتباه والتأمل اللازمين اللذين يعتقد مردوخ ونوسباوم أن الأدب الروائي الجيد ~~يجسدهما. إلا أنه في جعبة السينما ثمة حيل تفوق بكثير ما لدى الروايات؛ ~~فالكاميرا تصحبنا إلى حيث يريدنا المخرج تحديدا، ويمكن إبراز وجهة نظر ما ~~باستخدام الصوت أو الموسيقى. والأفلام ترينا وجوها؛ ومن ثم تطلق العنان لقدرتنا ~~على قراءة الوجوه وإدراك مغزى الحركات والإيماءات. بينما يضطر الروائي إلى التصريح ~~أو التلميح، بأشياء يمكن لصانع الفيلم أن يعرضها علينا. لا يعني هذا، حسب وصف ~~مردوخ ونوسباوم، أن الأفلام دائما ما تتفوق على الروايات في اجتذاب المشاهد على ~~المستوى النقدي والأخلاقي. (تفتقر الأفلام عموما إلى الصوت الحازم الجلي الذي نجده ~~في بعض الروايات، رغم أن ذلك لا يعد دوما عيبا بأي حال.) وحتى مع الأبعاد ~~الإضافية أو الحيل التي تستخدمها السينما، يتفوق كثير من الروايات (كل الروايات ~~العظيمة تقريبا) على الأفلام في جذب ~~القارئ إلى عالمها، ودفعه إلى التركيز في سياق أخلاقي، داعمة إدراكه للتفاصيل ~~المهمة (أحيانا عبر حجب معلومات معينة). رغم ذلك، فإن التقنيات المتنوعة المتاحة ~~للسينما قد تؤدي بالفعل إلى خلق درجة من الانجذاب العاطفي والأخلاقي يعجز الأدب ~~الروائي في كثير من الأحيان عن تحقيقها. يمكننا توسيع نطاق هذا النقاش ليتجاوز ~~الأخلاقيات وفن الرواية. السينما قادرة على طرح بعض الآراء ووجهات النظر الفلسفية ~~بطريقة أفضل، وبمزيد من الوضوح، مقارنة بالمؤلفات المكتوبة على اختلافها. وتلك ~~الرؤية هي بالطبع ما نطلق عليه الفرضية المعتدلة حول العلاقة بين السينما ~~والفلسفة. # في هذا الكتاب، سوف نفحص كثيرا من الأفلام، بعضها سيوضح أفكارا فلسفية، وبعضها ~~سيعرض ظواهر تستدعي الاستقصاء الفلسفي، والبعض الآخر يشكل في حد ذاته موضوعات ~~للتدقيق الفلسفي. وإلى جانب ذلك سنتناول أفلاما نرى أنها تستدعي تجارب افتراضية ~~فلسفية، وأخرى ms016 قدمت تحريا دقيقا لموضوعات فلسفية عبر حشد رسائل تذكيرية قوية ~~حول مختلف جوانب خبرتنا بالحياة وعبر استخلاص استنتاجات منها. في الفئة الثانية من ~~الأفلام التي نعرضها سوف نتبع الفرضية المعتدلة؛ إذ نرى أن التجارب الافتراضية في ~~بعض الأحيان (وليس دائما) تعرض في قالب سينمائي أفضل من عرضها في القالب المقتضب ~~عن عمد والمنفصل عن أي سياق، الذي نألفه في الكتابة الفلسفية. ونعتقد أن السينما ~~قادرة أحيانا على إجراء تحر دقيق لجوانب أصيلة من خبرتنا البشرية يتخطى ~~الإنجازات المعتادة لدى النصوص الفلسفية المكتوبة، وبينما تفعل ذلك تدحض بقوة ~~الطرق الجوفاء والمفرطة التبسيط لفهم الحياة. # الفلسفة السينمائية وقصد المؤلف # إذا كانت الأفلام تمارس الفلسفة، فمن الذي يتفلسف إذن؟ في كتاب «تأمل الشاشة: ~~السينما كنوع من الفلسفة» (2007) يزعم توماس وارتنبيرج أن فيلم «إشراقة أبدية لعقل ~~نظيف» (إتيرنال سنشاين أوف ذا سبوتليس مايند) (2004) للمخرج ميشيل جوندري يقدم ~~نقدا دامغا للنفعية. يطرح وارتنبيرج هذا الزعم كجزء من محاولته الدفاع عن الادعاء ~~بأن الأفلام تمارس الفلسفة فعليا؛ وفي حالة هذا الفيلم تمارس الفلسفة عبر طرح ~~مثال مناقض قوي يستخدم تجربة افتراضية. وبينما يطور وارتنبيرج نموذجه، يفترض أن ~~نشأة النفعية كرؤية أخلاقية معيارية كانت في إنجلترا أثناء القرن التاسع عشر، ~~وروادها هما جون ستيوارت ميل وجيريمي بنثام. ويرى أن قصد صناع الفيلم هو محاولة ~~تفنيد الرؤية النفعية عبر تقديم مثال مناقض. يعرض الفيلم هذا المثال المناقض عبر ~~السرد تحديدا، لكنه يستعين أيضا بالصوت والتمثيل وحركة الكاميرا ... إلخ. يهتم ~~وارتنبيرج بوجه خاص بإظهار أن هذا الاعتراض الفلسفي لم يفرضه فيلسوف ما (هو في ~~هذه الحالة) فرضا على الفيلم وليس إسقاطا لرؤية فلسفية ما عليه، لكنه اعتراض ~~متأصل في الفيلم قصده صناعه. وعلاوة على ذلك، لا يهم بوجه عام، من منظور ~~وارتنبيرج، ما إذا كان صناع الفيلم يدركون فعليا أنهم يستهدفون الهجوم على نظرية ~~فلسفية نموذجية في حقل الفلسفة الأخلاقية المعيارية تدعى النفعية أم لا. فيكفي أنه ~~كان لديهم تصور ما للفكرة ذات الصلة وفهم جيد لمكمن الخطأ المحتمل ms017 فيها. (يجسد ~~فيلم «إشراقة أبدية لعقل نظيف» قصة شخصين يخضعان لإجراء يمحو ذكريات علاقتهما ~~العاطفية من وعيهما بعد انفصال مؤلم. يحدث الفيلم تأثيره عادة عندما ينال تأييد ~~الجمهور لحقيقة كون هذه الفكرة في غاية السوء، وأن في الحياة أشياء أهم من تقليص ~~الألم.) # 5 # تثير العلاقة بين نوايا صناع الأفلام والاستقصاء الفلسفي للأفلام عدة أسئلة. أحد ~~الجوانب المثيرة للاهتمام في السينما، والذي يوجد أيضا في الأشكال الأخرى من الفن ~~السردي (مثل الروايات)، هو أنها كثيرا ما تسمح لنا برؤية وتخمين أشياء تفوق بكثير ~~ما انتواه صناعها. قد يتضمن الفيلم في ثناياه رؤية فلسفية ما دون أن يقصد المخرج ~~أو الكاتب إظهارها، وأحيانا دون أن يعي، حتى إنه يعتنق تلك الرؤية، أو إنها مضمرة ~~ضمن ما يعتنقه من آراء أخرى. وبعيدا عن دعم المخرج أو الكاتب صراحة لرؤية ما (وحتى ~~مع وجود ذلك الدعم) لا بد من مراعاة الحرص عند ~~عزو تلك الرؤى إليهم. فهل يدعم صناع الأفلام التي تصور أبطالا يطبقون العدالة ~~بأنفسهم خارج إطار القانون - مثل مايكل وينر مخرج فيلم «أمنية الموت» (1974) ودون ~~سيجل مخرج فيلم «هاري القذر» (ديرتي هاري) ~~(1971) - الآراء التي يجسدها الممثلون بتلك الأفلام حول العدالة، حتى وإن أبدى ~~الجمهور دعما جارفا لها؟ إن تلك الأفلام تقدم حججا (رديئة للغاية) لدعم تطبيق ~~العدالة خارج إطار القانون بصرف النظر عن إجابة السؤال السابق. # يمكن تقييم الآراء الفلسفية التي تقدمها الأفلام، أو التي يعتقد أن الأفلام ~~تقدمها، تقييما مستقلا عن قصد المؤلف. بالطبع قد لا نكون على حق دوما في كل رأي ~~ننسبه إلى فيلم ما، سواء كان حاضرا في الفيلم عن قصد أو دون قصد، وبما أن بعض ~~الأفلام قد تكون غامضة أو غير واضحة أو مرتبكة حيال الآراء التي تقدمها، فلن يتاح ~~لنا دائما إدراك ما إذا كان الفيلم يجسد موقفا ما أو يدافع عنه. وهو وضع ينطبق ~~كذلك على الحجج الفلسفية في النصوص المكتوبة كذلك، ولا يوجد سبب يدفعنا إلى افتراض ~~تمتع السينما بأفضلية طبيعية فيما ms018 يتعلق بعرض الآراء أو الحجج الفلسفية عرضا ~~واضحا لا يشوبه الغموض. # إن الاكتفاء بتحديد قصد صناع الفيلم قد يكون مفيدا في عملية استخلاص رد فعل ~~فلسفي على الفيلم، وقد لا يكون مفيدا. دون قدر كبير من الأدلة الداعمة قد يستحيل ~~فعليا تحديد قصد المؤلف، أو تبرير عزو قصد المؤلف، حتى في الحالات التي نصيب ~~فيها. وعلى أي حال، لا يحظى قصد المؤلف دائما، بل وربما لا يحظى حتى في معظم ~~الأحوال، بأهمية خاصة، ما لم يكن المرء مهتما تحديدا بآراء صانع أفلام بعينه. ~~على سبيل المثال، يبدو من المهم فهم نوايا صناع الأفلام المثيرين للجدل الذين ~~يتعمدون اختيار موضوعات معينة مثل مايكل هانيكه. إلا أن نوايا هانيكه الكامنة في ~~أفلام مثل «فيديو بيني» (بينيز فيديو) (1992) و«ألعاب مسلية» (فاني جايمز) (1997، ~~2007) و«الشريط الأبيض» (ذا وايت ريبون) (2009) لا تحدد الإمكانات الفلسفية لتلك ~~الأفلام أو تحد منها. وما ينبغي أن يثير اهتماما فلسفيا في أفلام العدالة خارج ~~نطاق القانون التي أشرنا إليها أعلاه ليس ما إذا كان صناع تلك الأفلام يؤمنون ~~بمفهوم العدالة الذي يصورنه، بل ما إذا كانت الأفلام تقدم ما يدعم فعليا هذا ~~المفهوم. وبالطبع إذا انتهينا إلى أنها لا تحقق ذلك، فسيصبح السؤال الأهم فيما ~~يتعلق بالفلسفة والسينما يخص تلقي الجمهور لتلك الأفلام. كيف يستوعب الجمهور على ~~المستوى المعرفي أن تلك الأفلام تحاول مثلا التأثير في غرائز الانتقام لديهم؟ ~~ولماذا يستمدون هذا القدر الكبير من نوع ما من الإشباع من تلك الأفلام؟ # يعلق ليفينجستون قائلا (2008: 4): «يمتلك وارتنبيرج من الحصافة ما يجعله يسلم ~~بأن القول إن فيلما ما يتضمن معالجة فلسفية ليس سوى «تعبير مختزل يقصد به القول ~~إن صناع الأفلام هم من يتناولون الفلسفة ~~فعليا في السينما أو من خلالها».» إذا كانت الوساطة ضرورية لفعل أي شيء، وإذا لم ~~يكن الفيلم وسيطا فبالتأكيد ليس في وسع السينما ممارسة الفلسفة، وإنما مسها ~~مسا خفيفا وحسب. قد تبدو صحة الرأي الذي يطرحه ليفينجستون واضحة جلية، لكنها في ~~الحقيقة ليست بهذا الجلاء؛ إذ يوجد ms019 شعور طبيعي أن الأفلام، مثلها مثل الأعمال ~~الروائية إلى حد كبير، قد تتمتع بقدر ينسب إليها شيئا من الوساطة. في وسع ~~الأفلام فعل أشياء لأن بمقدورها إحداث تأثيرات ذات معنى تتجاوز كثيرا نوايا ~~صناعها. ومثلما يؤدي تطور الشخصيات في الأدب الروائي إلى عرض فروق دقيقة في وجهات ~~النظر، وتوضيح عواقب غير مقصودة قد تضيف إلى جدل فلسفي، أو تعبر عن رأي ما، تستطيع ~~الأفلام تحقيق ذلك، بل وربما تحققه بدرجة أكبر من الأدب الروائي، بصرف النظر عما ~~إذا كان صناعها ينوون ذلك أو يتنبئون به؛ فجزء من مهام ممنتج الأفلام (محررها) هو ~~استخلاص أو تسليط الضوء على القصة وتطور الحبكة والمعنى الحاضر أو الآخذ في التنامي ~~داخل الفيلم. لكن الفيلم قد يفوق أو يقل عن مجموع أجزائه من منظور قيمته الجمالية ~~الكلية ومعناه، سواء كان ذلك مقصودا أم لا. ومن الممكن غالبا تمييز قصد المؤلف عن ~~الأشياء التي تصورها قصة الفيلم أو المؤثرات البصرية أو الأداء. # مثل الروايات، تتمتع الأفلام بحيوات ومعان خاصة بها تختلف مع مرور الزمن، وترتبط ~~إلى حد ما باختلاف أنواع الجمهور. تلمح تلك الآراء إلى أن القول بأن الأفلام ~~«تمارس الفلسفة» ليس مجرد تعبير مجازي؛ فالأفلام الجيدة غالبا ما تتخطى مجموع ~~نوايا صناعها الإبداعية. علينا كذلك مراعاة أن نظرية السينما كثيرا ما تتشكك في ~~نسبة الأفكار إلى المؤلف دائما؛ فالأفلام تعبر (أو ربما تعبر) عن أفكار خاصة ~~بالمخرج، كما زعم المخرج الفرنسي تريفو (1954) عندما صاغ تعبير «سياسة المؤلف». لكن ~~منظري السينما يشيرون إلى أن الفيلم، على عكس الرواية، هو مشروع تعاوني وحاصل ~~جهود العديد من الأفراد لا جهود الكاتب/المخرج فحسب. وبقدر ما يجسد الفيلم مفهوم ~~الفعالية التعاونية، ينبغي أن ينظر إليه كذلك باعتباره كيانا أكبر من مجموع ~~أجزائه، بحيث لا يمكن أن نعزو نتائجه، بما فيها المعنى، كلية إلى المخرج أو ~~الكاتب، أو حتى إلى حاصل جهود جميع من شاركوا في إنتاج الفيلم. # 6 # خاتمة # بالعودة إلى تفسير وارتنبيرج لفيلم «إشراقة أبدية لعقل نظيف»، نوجه اهتمامنا ms020 إلى ~~مقترح ذكرناه آنفا يدفع بحتمية الاعتراف بالتفوق الفلسفي للسينما إن رغبنا في ~~استيعاب العلاقة بين السينما والفلسفة وإدراكها حق الإدراك. ويجب على الفلسفة، على ~~الأقل إلى حد ما ومن أوجه معينة، التطلع نحو السينما بدلا من توقع العكس. # يلفت وارتنبيرج (2007: 91) أنظارنا إلى «الفرق بين تفسيرين للأعمال الفنية؛ تفسير ~~متمركز على صانع العمل، وتفسير متمركز على الجمهور»: # التفسيرات المتمركزة على صانع العمل الفني تطرح تأويلات ربما قصد الصانع ~~طرحها عبر عمله. لكن ... هذا لا يعني حتمية إلمام الصانع إلماما مباشرا ~~بالموقف الفلسفي الذي تدعي تلك التفسيرات أنه محور العمل، بل يشير فحسب إلى ~~معقولية الاحتمال القائل بأن الصانع قد استجاب إلى مواقف أو أفكار متضمنة ~~في ذلك العمل الفلسفي. وعلى الرغم من أن النصوص الفلسفية بمنزلة مصادر ~~للكثير من الأفكار والنظريات والمواقف، فإنها تكتسب حياة خاصة بها داخل ~~إطار ثقافة ما. وكل ما هو ضروري للتفسير المتمركز على صانع العمل كي يكون ~~مقبولا في هذا السياق هو طرح احتمالية اطلاع الصانع على الأفكار والنظريات ~~والمواقف الفلسفية بموجب وجوده العام ضمن إطار ثقافة ما مثلا. إن النفعية ~~نظرية فلسفية اكتسبت تقديرا واسع النطاق داخل الثقافة الأمريكية بوجه عام، ~~وشعار «أكبر نفعا لأكبر عدد من الناس» معروف لدى أعداد أكثر بكثير من ~~أعداد من قرءوا النصوص التي انبثق منها؛ لذا يبدو معقولا في رأيي أن ~~فيلما معاصرا ربما يستهدف تلك الرؤية. # يضفي وارتنبيرج (2007: 92) مزيدا من التأكيد على فكرته عبر ~~الإشارة إلى «استدعاء الفيلم بوضوح لأفكار نيتشه»، إلى جانب حقيقة أن «النفعية كانت ~~من بين ما استهدفه نقد نيتشه الفلسفي». # لا حاجة للمرء برفض رأي وارتنبيرج حول ممارسة هذا الفيلم للفلسفة كي يقترح أن ~~الشكل الذي يتخذه الدفاع عن الفيلم كوسيط للمعالجة الفلسفية يتضمن افتراضا مسبقا ~~مثيرا للاهتمام. إذا لم نستكشف طبيعة هذا الافتراض، فسوف نسيء على الأرجح فهم ~~آلية الارتباط الوثيق بين الفلسفة والسينما في أغلب الأوقات، وسبب هذا الارتباط. ~~نجح وارتنبيرج في البرهنة على أن الأفلام تستطيع تقديم مواقف فلسفية، أو ms021 توضيحها، ~~أو مناقشتها، وطرح أسئلة فلسفية، وغالبا ما تفعل ذلك. ونحن نقترح، فيما أطلقنا ~~عليه الفرضية المعتدلة، أن الأفلام غالبا ما تتفوق حقا على النصوص الفلسفية ~~الشفهية أو المكتوبة في القيام بالمهام السابقة. ربما السؤال المحوري ها هنا ليس هل ~~تستطيع الأفلام القيام بذلك أو كيف تقوم به، بل كيف تعجز عنه؟ يقول وارتنبيرج ~~(2007: 93): «لقد رأينا أن فيلما واحدا، «إشراقة أبدية لعقل نظيف» يقدم مثالا ~~مناقضا للنفعية؛ ومن ثم يمارس الفلسفة فعليا ... وعلى عكس المتوقع لدى دارسي ~~السينما والفلسفة على حد سواء، في وسع الأفلام الروائية تقديم حجج فلسفية عبر ~~قصصها؛ لأنها تعرض تجارب افتراضية تلعب دورا محوريا في تقديم نماذج مناقضة ~~للأطروحات الفلسفية.» هذا تعبير عما نطلق عليه الفرضية المعتدلة، ويبدو لنا أن مثل ~~هذا الموقف المتواضع لن يصدمنا كموقف مناقض للحدس إلا إذا كنا غارقين حتى آذاننا ~~في أغوار أيديولوجية ما غير منطقية حول السينما والفلسفة أو كليهما. هذا الكلام غير ~~موجه بالضرورة إلى وارتنبيرج بقدر ما هو موجه إلى من يتحدث عنهم من المعترضين ~~بناء على أسس فلسفية؛ فهم يؤمنون على ما يبدو بتصور بالغ السطحية حول الفلسفة ~~وأصول التفلسف. # يفترض وارتنبيرج مسبقا عاملين في مناقشته هذه المسألة. الأول هو تفوق الفلسفة. ~~إذا جسد فيلم ما تجربة افتراضية فلسفية فإنه يتمكن من ذلك عبر حشد قواه ~~لمواجهة موقف فلسفي معروف؛ فالموقف الفلسفي يأتي أولا، ويمارس الفيلم الفلسفة عبر ~~الاستجابة له بطريقة ما. (هذا ما يحدث غالبا، لكن هل يحدث دائما؟ وهل لا بد أن ~~يحدث؟) والثاني هو تأكيده المفرط فيما يبدو على المحتوى الفكري للحجج السينمائية ~~بدلا من طريقة إعدادها وتقديمها في الفيلم. إن جزءا مهما من منهج السينما في ~~ممارسة الفلسفة هو قدرتها على تجسيد الحجة بطرق وجدانية؛ أي بطرق تحقق تجاوبا ~~عاطفيا لدينا إلى جانب التجاوب الفكري. والمشاعر التي يولدها الفيلم قد تركز ~~انتباهنا، وتمكننا من «رؤية» أو تقدير جوانب من حجة ما كانت لتطرح جانبا في ~~أحوال أخرى. وباستثناء الحقائق القائمة على الملاحظة والتجريب ms022 (أن ترى شيئا رأي ~~العين)، فإن التصديق في أغلب الأحيان ينبع من الرغبات والمشاعر أكثر من المنطق ~~والدليل. وأحيانا يجب على الفكر الفلسفي ملاحظة هذا المكون الوجداني الذي يميز ~~الفلسفة البارعة. # فلنلق نظرة على أنواع الفلسفات التي يعتقد وارتنبيرج أن فيلم «إشراقة أبدية لعقل ~~نظيف» يناقشها. إذا استبعدنا آراء المناصرين الأوفياء لكل من النفعية وأخلاق ~~الواجب، فسنجد أن الحقيقة الوحيدة التي جعلت، على ما يبدو، السجال بين كلتا ~~النظريتين الأخلاقيتين المعياريتين (أو المبدأين المعياريين الرئيسيين) عصيا على ~~التسوية؛ هي أن أي نظرية وحدها لا ترضي الحدس البشري الطبيعي، ولا تعطيه حقه فيما ~~يتعلق بتحديد الصواب في القضايا الأخلاقية كافة. # 7 # تخيل ميل وبنثام، بصحبة كانط، يحضرون عرضا نهاريا بإحدى ~~السينمات. اختار ميل وبنثام مشاهدة فيلم «إشراقة أبدية لعقل نظيف»، بينما اتجه كانط ~~إلى صالة العرض المجاورة لمشاهدة إعادة عرض لفيلم «مذكرات آنا فرانك» (ذا دايري أوف ~~آنا فرانك)، ثم التقيا في ردهة دار العرض بعد انتهاء الأفلام، ليقول كانط: «حسنا، ~~لقد أخطأت تماما في كل ما كتبته عن الكذب. إن من حموا آنا وعائلتها فعلوا الصواب ~~عندما كذبوا عند سؤالهم عن مكان العائلة. لا بد أن أعيد تأليف كتابي «أسس ~~ميتافيزيقيا الأخلاق» و«نقد العقل المحض».» فيرد ميل وبنثام قائلين: «لا لا، في ~~الحقيقة نحن نعتقد أنك توصلت إلى شيء ذي قيمة، إنها النفعية التي في حاجة إلى ~~تعديلات جدية.» حسب وجهة نظر وارتنبيرج حول طريقة توليد الأفلام للحجج ~~الفلسفية. من الصعب تخيل أي شخص، ناهيك عن كانط أو ميل أو بنثام، يغير رأيه نتيجة ~~لترسخ مثال مناقض عرضه فيلم في ذهنه. والأمثلة المناقضة سوف يجري التعامل معها ~~بدهاء في سياق ولاءات فكرية سابقة. رغم ذلك، تستطيع بعض الأفلام مع بعض الأشخاص في ~~بعض الأحيان توليد نوع من التيقظ والتبصر الوجداني الذي قد يزعزع ولاءات ~~وافتراضات سابقة حتى في وقت ظن فيه أصحابها أنها قائمة على أسس فكرية وعقلانية. ~~الأفلام قادرة على «فرض» الأمثلة المناقضة علينا بطرق تسمح لنا بفهم وتقدير ms023 أفضل ~~لقوتها وقيمتها كأمثلة مناقضة، وهذا لا يعني إنكار أنها قد ترفض رغم ذلك أو أنها ~~يجب أن ترفض في بعض الأحيان. # قد ينبع افتراض وارتنبيرج المسبق حول أفضلية الفلسفة على السينما من وجهة نظر ~~خاطئة عن نشأة المشكلات الفلسفية؛ إذ يقول (2007: 91): «رغم أن النصوص الفلسفية هي ~~مصادر الكثير من الأفكار والنظريات والمواقف، فإن تلك الأفكار تكتسب حياة خاصة بها ~~داخل إطار ثقافة ما.» مع ذلك فإن النصوص الفلسفية ليست دائما، ولا حتى في أغلب ~~الأحيان، مصدر الأفكار، بل الثقافة هي المصدر. إن النصوص الفلسفية، لا الثقافة، هي ~~المكان الذي تكتسب فيه «الكثير من الأفكار والنظريات والمواقف» حياة خاصة بها. ~~وخارج النطاق الضيق لبعض صور الفلسفة الاحترافية، لا تنبع الفلسفة من نفسها؛ ~~فالتساؤل الفلسفي يتولد من إحساس دائم ومركز من العجب والحيرة من الحياة، حياتنا ~~وحياة الآخرين أيضا، كما نعيشها ونندمج فيها. # إن الأسئلة الأخلاقية التي تطرحها النفعية، والإجابات التي تقدمها، لا توجد، ~~بداية، في كتابات ميل وبنثام، ولا ابتدعها كل منهما من لا شيء. إنما هي مسائل ~~أخلاقية تثار في الحياة العادية. ومحاولات الفلسفة النفعية، في هذه الحالة، لترتيب ~~وتصنيف إجابات لهذه المسائل ذات الأهمية لم تخرج إلى النور إلا بعد ما استحوذ علماء ~~الأخلاق وذوو التفكير الفلسفي على تلك المسائل. والإيمان بأن «احتياجات الكثرة تفوق ~~احتياجات القلة أهمية» (أو احتياجات الفرد)، حسب تعبير شخصية سبوك في مسلسل «ستار ~~تريك»، سابق على صيغ النفعية التي ظهرت في القرن التاسع عشر. لم توجد المشكلات ~~الفلسفية، بعيدا عن المشكلات شديدة التخصص، أولا وأخيرا في المقالات والنصوص ~~الدعائية الفلسفية، بل هي مكون من مكونات الحياة. وغالبا ما تصورها السينما والأدب ~~وتحللها كما هي بدرجات متفاوتة من النجاح، وتتناولها أيضا أشكال فنية أخرى، مثل ~~الموسيقى والرسم، لا تتضمن محتوى سرديا واضحا أو ربما لا تتضمن أي عنصر سردي ~~على الإطلاق. # لا يبتدع الفلاسفة، على الأقل في المعتاد، المشكلات الفلسفية العامة التي هي من ~~مكونات الحياة. وتلك المشكلات ليست من ابتداع الفلسفة ولا ملكية ms024 خاصة بها. لذا ~~لنفهم الصلة الجذرية بين السينما والفلسفة، وكي نفهم السينما كشكل من أشكال ~~الفلسفة، لا ينبغي لنا الاكتفاء بالنظر إلى قدرة السينما على توضيح أفكار فلسفية ~~محددة مسبقا أو ابتداع حجج فلسفية حول مواقف فلسفية محددة مسبقا. بل إن الصلة ~~الأكثر جوهرية تكمن في وجود مصدر عام مشترك لمزاولة الفلسفة، وهو الحياة كما ~~نعيشها، وتوجد على وجه الخصوص في اهتمام السينما بالقصص التي نخبر بها أنفسنا عبر ~~سعينا لفهم ذواتنا وإرشادها، وشرح وتبرير دوافعها، والتماس العذر لها. إن قدرة ~~السينما كمنبع للفلسفة لا تستنزف عبر قدرتها على معالجة القضايا الفلسفية النمطية ~~بطرق مختلفة؛ فالسينما تمتلك قدرة هائلة في هذا الإطار، لكنها ليست الملمح الوحيد ~~الذي يميز علاقة السينما بالفلسفة. فمثل الأدب، السينما وسيط يوظف أساليب متعددة، ~~ليست جميعها من صنعها، كي تجسد القضايا الفلسفية كما تثار، أو كما قد تثار، في ~~الحياة وفي الخيال. بل إن قدرة السينما على تصوير الحياة كما تبدو في الحقيقية وفي ~~الخيال - والحياة دائما ما تكون خيالية بدرجة ما - هي ما تشكل الصلة الجذرية بين ~~الفلسفة والسينما. # تفترض الفصول في الجزء الثاني من هذا الكتاب أن السينما والفلسفة غالبا ما ~~يتضافران بطرق تلقي الضوء على كل منها بالتبادل؛ فالجمع بين المناقشة النقدية ~~العميقة وخبرة مشاهدة الأفلام قد يعد سبيلا جذابا للتعمق في الفلسفة والسينما ~~على حد سواء. إن الفلسفة لا تطرح منظورا مبتكرا لرؤية السينما، ولا توجد صلة ~~فريدة من نوعها بين الاثنين. بل الأفلام في حد ذاتها استقصاء فلسفي، يشوبه الارتباك ~~غالبا، مثلما يشوب الارتباك - في أحيان كثيرة - الاستقصاء الفلسفي الذي يضطلع به ~~الفلاسفة. # أسئلة # هل تستطيع الأفلام تغيير طريقة ممارسة الفلسفة، أو هل تمكنت من ذلك ~~بالفعل؟ # هل في وسع الفلسفة تغيير طبيعة السينما، أو هل غيرت الفلسفة بالفعل ~~من طبيعة السينما؟ # هل تستطيع الفلسفة تقديم عمل سينمائي؟ ما هي أوجه الاعتراض الأقوى ~~على هذا الزعم؟ # تزعم الفرضية الجريئة أن مساهمة السينما في الفلسفة، إن كانت مساهمة ~~حقيقية، فهي قطعا مساهمة ms025 لا تقبل الاختزال أو الاستبدال بأي شكل آخر ~~من أشكال التواصل. ما مدى معقولية هذه الفرضية وما مدى أهميتها؟ # كثير من الأفلام التي يحبها الناس ليست سوى «تفاهات للهرب من ~~الواقع». هل هذه الأفلام مناسبة للاستقصاء الفلسفي؟ وإذا كانت مناسبة ~~فكيف ذلك إذن، وإذا كانت غير مناسبة فلماذا؟ ~~«تؤثر المشاعر على ما نعتقد، مثلها مثل الرغبات. وتلك حقيقة غالبا ~~ما تستغلها السينما، وتفسر إلى حد كبير قدرتها على اجتذاب الجمهور. ~~لذلك غالبا ما تمدنا الأفلام بمعلومات خاطئة، وتضللنا من المنظور ~~الفلسفي، بقدر ما تطلعنا كثيرا على قضايا فلسفية وتعمق معرفتنا ~~بها.» هل هذا صحيح؟ كيف إذن؟ # ما أوجه تشابه الأفلام مع الحياة، إن وجدت؟ وهل يلعب هذا التشابه ~~دورا في قدرة السينما على التفلسف؟ # هل الأفلام وسيط أنسب للتعامل فلسفيا مع موضوعات معينة مقارنة ~~بالأدب أو الفنون المرئية؟ هل في وسعها التفوق على كتب الفلسفة ومقالات ~~الدوريات المتخصصة؟ # | هوامش # الفصل الثاني # | الفلسفة والمشاهدة السينمائية # مقدمة # في الفصل السابق تساءلنا عما إذا كانت الأفلام قادرة على ممارسة الفلسفة. هل في ~~وسع الأفلام أن تصبح وسائل للاستقصاء الفلسفي؟ وكانت الإجابة هي نعم بالتأكيد. في ~~هذا الفصل نطرح أسئلة فلسفية حول طبيعة السينما. ما القضايا الفلسفية التي تثار ~~حول السينما في حد ذاتها؟ فيما يلي عينة من مجموعة عريضة من القضايا المتشابكة، ~~نوقش معظمها على نطاق واسع: # لماذا تعد السينما وسيطا يتمتع بهذه الدرجة من التأثير؛ إذ يؤثر ~~على أعداد غفيرة تأثيرا بالغا في بعض الأحيان؟ # ما الذي يميز السينما أو التصوير السينمائي كشكل فني إن وجد؟ # ما المغزى الفلسفي للأساليب الفنية والتكنولوجيا التي توظفها ~~السينما؟ # ما المغزى الفلسفي لاستجابات الجمهور للسينما؟ # ما المزايا والمخاطر الخاصة التي قد تنطوي عليها السينما نظرا إلى ~~جاذبيتها الجماهيرية وقدرتها على استثارة مشاعر قوية؟ # ما هو التجسيد السينمائي؟ الأفلام هي، في جزء منها، تجسيدات مرئية، ~~لكن كيف ينبغي لنا فهم ذلك وما مغزاه؟ # إذا كانت السينما شكلا من أشكال الفن، فما الذي يجعل فيلما ما ~~بديعا؟ كيف ms026 نحكم على الأفلام؟ ~~«مفارقة الرعب» (أو «المشاعر السلبية»): إذا كان الناس لا يحبون ~~الشعور بالخوف، فلماذا إذن يشاهدون أفلام الرعب؟ وإذا كانوا يحبون ~~بالفعل التعرض للفزع، فلماذا يحبون شعورا سلبيا كهذا؟ وما الذي ~~نستخلصه من ذلك فيما يتعلق بالمشاهدة السينمائية؟ ~~«مفارقة الخيال»: كيف يمكن تفسير تعلقنا عاطفيا بشخصيات ومواقف ~~نعلم أنها خيالية؟ إذا لم نصل إلى حل مرض لما يطلق عليه مفارقة ~~الخيال، فمن غير المرجح أن نتمكن مطلقا من تفسير قوة ~~الأفلام. # ما هو التوحد مع الشخصيات، وما حجم الدور الذي يلعبه التوحد والخيال ~~فيما يتعلق برد فعل المشاهد؟ # الأيديولوجية والسياسة والأخلاقيات والسينما: ما العلاقة بين ~~أخلاقيات السينما وجمالياتها؟ ما هي المسئولية الأخلاقية والسياسية ~~للفنان؟ # تمثيل المرأة في السينما (النوع الجنسي و«نظرة الرجل إلى المرأة»): ~~كيف تمثل النساء في السينما، وما المغزى الفلسفي لذلك التمثيل؟ ~~وماذا يعكس لنا عن السينما وعن نسب المشاهدة السينمائية؟ # ما حجم الدور الذي تلعبه نظرية التحليل النفسي، وغيرها من المناهج ~~المتخصصة التي تستخدم في التحليل السينمائي، مثل علم الرموز، لفهم ~~العلاقة بين السينما والمشاهد؟ # ما حجم الدور الذي يلعبه قصد المؤلف (أو المخرج) في فهم العلاقة بين ~~السينما والمشاهد، وفي تفسير الفيلم ذاته؟ # الكثير من الأفلام التي يحبها الناس ليست سوى «تفاهات للهرب من ~~الواقع»، هل هذه الأفلام مناسبة للاستقصاء الفلسفي؟ وإذا كانت مناسبة ~~فكيف إذن، وإذا كانت غير مناسبة فلماذا؟ # ما المغزى الفلسفي لما يطلق عليه أفلام الأطفال فيما يتعلق بفهم ~~استجابة الجمهور ونسب المشاهدة السينمائية؟ # تسيطر القوى الاقتصادية بدرجة لا يستهان بها على طبيعة السينما عبر ~~التحكم في أنواع الأفلام التي تنتج؛ ما يؤثر تأثيرا مباشرا وغير ~~مباشر على العلاقة بين السينما والمشاهد. ما مدى خطورة هذا؟ # كيف تؤثر دور العرض السينمائية والسمات الأخرى التي تميز بيئة مشاهدة ~~الأفلام (على سبيل المثال المشاهدة على شاشة السينما الكبيرة مقابل ~~المشاهدة على أقراص دي في دي في المنزل) على نسب المشاهدة ~~السينمائية؟ # تلك قائمة طويلة، ولا تغطي جميع الأسئلة المحتملة كذلك، ولن يسعنا بالطبع ms027 ~~معالجتها جميعا. سيشغلنا السؤال الأول، حول قوة الأفلام، بداية في هذا الفصل؛ إذ ~~ترتبط هذه القضية بطرق مختلفة وبدرجات متنوعة بجميع القضايا الفلسفية المتعلقة ~~بالسينما تقريبا، وتبرز كذلك أهمية تلك القضايا. إذا كانت مفاهيمنا عن الحب ~~والعلاقات، وعن العدالة والقيمة، وعن الطرق التي نختارها لعيش حياتنا وإيجاد المعنى ~~لها، تتأثر بالسينما، فلا عجب إذن أن الفلاسفة ومنظري السينما قد وجهوا انتباههم ~~إلى القضايا الفلسفية المطروحة «حول» السينما. والسؤال حول كيفية تفسير قوة الأفلام ~~يكمن في قلب مجموعة مترابطة من المشكلات الفلسفية المتصلة بالسينما، ويرتبط ~~ارتباطا غير مباشر بالكثير من المشكلات الأخرى. # إن مناقشة القضايا الفلسفية المطروحة في الأفلام دون الالتفات إلى القضايا ~~الفلسفية التي تطرح حول السينما ليست ممكنة فحسب، بل إن الكثير من النصوص التي ~~تتناول الفلسفة والسينما، إن لم يكن معظمها، يقدم هذا بالضبط. مع ذلك يوجد سبب قوي ~~يستدعي الإصرار على تناول هذا الجانب الآخر من مناقشة السينما والفلسفة؛ أي القضايا ~~المطروحة حول السينما؛ فالوعي بالأسئلة المحورية حول طبيعة السينما وطرق معالجة تلك ~~الأسئلة قد يدعم مناقشة القضايا الفلسفية المطروحة في الأفلام. على سبيل المثال، ~~سنصل إلى فهم أفضل للأسئلة الفلسفية المطروحة حول الجاذبية الواضحة للرعب والعنف في ~~السينما إذا أولينا اهتمامنا كذلك لمعالجة قدرة السينما على استثارة الرعب. ويتصل ~~بذلك أيضا طبيعة استجابة الجمهور للرعب، رغم كونها مسألة متنازعا عليها بين ~~منظري السينما والفلاسفة. (سوف نعود مجددا إلى هذا السؤال حول الرعب والمشاهدة ~~السينمائية في الفصل التاسع.) # وعلى نفس القدر من الأهمية، فإن تقدير بعض القضايا المطروحة حول السينما يدعم ~~التجربة السينمائية، مثلما يساعدنا الإلمام بعض الشيء بطبيعة الموسيقى أو الفن ~~الحداثي على شحذ مهاراتنا النقدية وانتباهنا في تلك المجالات. وإلى جانب دعم ~~التجربة السينمائية، قد يؤدي الاطلاع النقدي على السجالات الفلسفية المثارة حول ~~السينما، كما هي الحال مع الفنون الأخرى، أحيانا إلى تغيير طريقة مشاهدتنا للأفلام ~~ونظرتنا إليها؛ فهو قد يغير من عادات مشاهدة الأفلام، وربما ينشأ عن ذلك، لحسن الحظ ~~أو لسوئه (لا لحسن ms028 الحظ فقط)، وجهات نظر وأنماط جديدة للاستمتاع. # بعض القضايا الفلسفية المحورية المطروحة حول السينما تثار كذلك حول أشكال فنية ~~أخرى، مثل الكتابة الروائية، والمسرح والتصوير الفوتوغرافي والفن والموسيقى، وكلها ~~أشكال فنية توظفها السينما. وما يطلق عليه «مفارقتا» الخيال والرعب - وكلتاهما ~~غير حقيقية كما سنرى لاحقا - له حضور مماثل في الأشكال الفنية الأخرى (مثل الرواية ~~والمسرح). لا يقلل هذا من أهمية أي من القضايا المطروحة، لكنه يساعدنا على تذكر ~~أنه مع كون السينما شكلا فنيا فريدا من نوعه يتجاوز كثيرا مجموع عناصره ~~والأشكال الفنية المساهمة به، فإنها، كما لاحظنا في الفصل السابق، تتألف كذلك من ~~العديد من الفنون المميزة. وعندما دفعنا بقدرة السينما على ممارسة الفلسفة زعمنا ~~عدم وجود ما يبرر الإصرار على أن مساهمة السينما الفلسفية تنتج عن سمة متأصلة في ~~طبيعتها لا توجد في أي شكل فني آخر. وكذلك لا يوجد ما يبرر الإصرار على أن القضايا ~~الفلسفية التي تثيرها السينما والتي تثار حولها ترتبط جميعها بالطبيعة الأصيلة ~~والفريدة للسينما. # لا ينبغي اعتبار أن أيا من محتوى الفصلين الأول والثاني يملي مناهج للتحليل ~~السينمائي. ولا ينبغي اعتبار المحتوى الفلسفي للأفلام الذي سنناقشه في الفصول ~~اللاحقة هو التحليل النهائي لتلك الأفلام، سواء من وجهة النظر الفلسفية أو من وجه ~~نظر النقد السينمائي عامة. يمكن مناقشة الكثير من الأفلام من منظور مجموعات مستقلة ~~نسبيا من القضايا الفلسفية. فيقدم فيلم «حياة الآخرين» (ذا لايفز أوف أذرز) ~~تجسيدا قويا لمشكلة «الحظ الأخلاقي». لكن يمكن كذلك الاستشهاد به في مناقشة ~~قضايا مثل الحرية والفساد والسلطة السياسية والحرمان والخوف والتعذيب، وفي مناقشة ~~الوضع البشري عموما. وقد نوقش الفيلم، مثلا، من منظور الكيفية التي يلعب بها ~~المعمار الذي نشاهده في الفيلم دورا مهما من الناحية الفلسفية. # إن فكرة وجوب تفسير بعض الأفلام بطرق متنوعة - طرق تعددية إذا كنت تفضل هذا ~~المصطلح - ووفقا لشروط خاصة بها، تتفق جيدا مع زعمنا في الفصل الأول بأن قدرا ~~كبيرا من الاستقصاء الفلسفي ينتج عن اشتباك دائم ومركز مع الحياة كما ms029 نعيشها. ~~ينبغي أن تتمكن الأفلام الجيدة في بعض الأحيان من تقديم رؤى جديدة، وتوليد اهتمام ~~وإثارة غير مألوفة، وإتاحة مناهج فلسفية متنوعة، بل ومتباينة، لمعالجة محتواها. ~~وهو ما تحققه جزئيا عبر قدرتها على إبراز الطبيعة السياقية متعددة الأوجه لمختلف ~~المشكلات، وأيضا عبر استثارتها كثيرا لأفكارنا وتحريكها لمشاعرنا، وقد تولد من ~~الاستجابة العاطفية والإمتاع ما يكفي لأسر انتباهنا. # والآن لننظر عن كثب إلى بعض القضايا الفلسفية البارزة التي أثيرت حول طبيعة ~~السينما. وهي قطعا ليست المسائل الوحيدة المهمة فلسفيا، بل قد لا يعتبرها الجميع ~~من أهم المسائل. لكنها رغم ذلك من بين أكثر القضايا نقاشا على نطاق واسع في ~~الكتابات الفلسفية. # قوة السينما # ينطوي الحديث عن «قوة السينما» على التباس بين معنيين أولهما احتمالية تأثير ~~أفلام بعينها على المشاهدين الأفراد تأثيرا قويا، وثانيهما التأثير الاجتماعي ~~والسياسي الذي قد تفرضه أفلام معينة أو السينما بوجه عام على جماهير عريضة، وكذلك ~~فيما يتعلق بالمعتقدات والقيم الشخصية. من يتفقون مع وجهة نظر أدورنو وهوركهايمر ~~(1990) - الذين كانوا على حق في مخاوفهم (حتى وإن لم تكن تلك المخاوف دائما في ~~محلها) حيال التأثير السلبي المحتمل للفن الجماهيري على جماهير سلبية تفتقر إلى ~~الحس النقدي - تقلقهم قوة السينما بالمعنى الثاني. رغم ذلك، من الواضح أنه في حال ~~استبعاد قدرة السينما على فرض تأثير قوي على الأفراد ستتلاشى تقريبا الحاجة إلى ~~طرح أنواع القضايا التي تثير قلق أدورنو وهوركهايمر. سوف نبحث مسألة قدرة السينما ~~على تحريك مشاعر المشاهدين الأفراد عبر التحليل النقدي لأحد أبرز الآراء في هذا ~~الإطار، وهو رأي نويل كارول. # يقول كارول (2004أ: 486-487): «تتألف قوة الأفلام من عنصرين: الجذب واسع النطاق ~~والجذب القوي ... أسعى إلى شرح العنصر الأول من منظور السمات التي تجعل الأفلام ~~مفهومة إلى حد بعيد لنطاق عريض من الجماهير.» قد يبدو ذلك غريبا بعض الشيء. ~~فلماذا يعتقد كارول أن تفسير قوة السينما يكمن في كونها سهلة الاستيعاب لدى جماهير ~~عريضة بدلا من قدرتها على اجتذاب الجمهور بقوة؟ إن كون السينما متاحة ومفهومة ms030 على ~~نطاق واسع شرط ضروري للجذب واسع النطاق - فنادرا ما ينجذب الأفراد إلى قصص لا ~~يفهمونها - لكن لماذا يعتقد أن سهولة فهم الجمهور للفيلم يفسر قوة انجذابه له؟ ~~تصبح رؤية كارول عرضة لمزيد من التساؤلات عندما يحاول تفسير «قوة جذب الأفلام عبر ~~تحري تلك السمات التي تمكنها من تجسيد درجة عالية جدا من الوضوح ... تكمن قوة ~~الأفلام في وضوحها الذي يسهل على الجماهير العريضة استيعابه.» فالوضوح - وما ~~يعنيه كارول ها هنا هو الوضوح السردي؛ أي القدرة على عرض عناصر القصة بدقة ووضوح ~~عفوي - لا يبدو أنه السمة الصحيحة لتفسير التأثير العاطفي، في حين يشكل التأثير ~~العاطفي جزءا لا يتجزأ من قوة الأفلام. يجسد كثير من الأفلام والكتب والمسرحيات ~~وغيرها من الأشكال الفنية السردية قصصا بالغة الوضوح وسهلة الاستيعاب دون أن تتمتع ~~بجاذبية أو تأثير خاص. # لا يوجد سبب يستدعي القلق حيال تأثير الفن الجماهيري، مثل السينما، إذا كان عديم ~~القوة. وما لم تستطع السينما، في المقام الأول، التأثير بقوة على الأفراد على ~~المستوى الشخصي، سيظل الوسيط السينمائي - حتما - وسيطا عاطلا وعاجزا على ~~المستوى الاجتماعي والسياسي. ومن ثم فإن السؤال الأول الذي نطرحه حول قوة السينما ~~هو كيف تستطيع ممارسة ذلك التأثير على المشاهدين الأفراد؟ لم نترك دور العرض ~~السينمائي ونحن نبكي أو نشعر بالإحباط أو الانتشاء أو الرضا أو الخوف أو القلق؟ في ~~معظم الأحيان، تكون هذه التأثيرات، بصرف النظر عن نوعها، مؤقتة. لكن لماذا بعد ~~مشاهدة أفلام بعينها نكتسب عزما وإصرارا في جهودنا الرامية إلى «تغيير أنماط ~~حياتنا» وولاءاتنا، وطريقة تفاعلنا مع الآخرين، بل وأحيانا حياتنا؟ # إن قدرة السينما على التأثير علينا لا تكمن بالضرورة كليا أو حتى بدرجة أساسية ~~في العناصر التي تنفرد بها السينما. فلنتأمل في هذا السياق التفسيرات القائمة على ~~طبيعة السرد في حد ذاته؛ أي قدرة السينما على توليد مشاعر قوية لأسباب لا تختلف ~~كثيرا (ولم يجب أن تختلف؟!) عما نجده في الأدب الروائي. يقدم التحليل النفسي كذلك ~~بعض التفسيرات المحتملة، مثل قدرة السينما على ms031 الإشباع المؤقت للرغبات والتفكير ~~القائم على الأمنيات. # 1 # ألا تنبع من هذا رغبة الجمهور في «نهاية سعيدة» (سحر الأفلام)؟ كذلك ~~تطرح بعض الآراء قدرة السينما أحيانا على الاستثارة العابرة لرغبات نرجسية وسادية ~~ومازوخية، ومعادية للمرأة، وذات طبيعة متلصصة شبقية، وغيرها من الرغبات المنحرفة ~~(رغم أنها ليست إشكالية بالضرورة ولا حتى غير أخلاقية) لدى المشاهدين، ~~وإشباعها. # لقد رأينا في الفصل الأول أن الإجابة عن التساؤل حول ما إذا كان في وسع السينما ~~ممارسة الفلسفة لا تتعلق بالضرورة بسمات تنفرد بها السينما، بل ربما من الأفضل ~~الإجابة عن هذا التساؤل من منظور السمات التي تعد من مقومات السينما لكنها توجد ~~كذلك في أشكال فنية أخرى. بالمثل يمكن تفسير قوة السينما من منظور مجموعة متنوعة من ~~السمات السينمائية (مثل السرد، الموسيقى، التمثيل)، بدلا من تفسيرها بالاستعانة ~~ببعض العناصر الجوهرية غير القابلة للاختزال، أو مجموعة من السمات الأساسية، التي ~~تنفرد بها السينما. رغم ذلك يسعى جزء كبير من النقاش حول قوة السينما إلى تفسير ~~قوتها من منظور عنصر ما تنفرد به السينما. فربما تتمتع السينما بهذه الجاذبية ~~الآسرة لأنها واقعية على نحو لا نجده في الأشكال الفنية الأخرى. إن اللوحة الفنية ~~هي عمل مصطنع مهما كانت واقعية المشهد الذي تجسده؛ لأنها ساكنة، فهي تجسد ~~لحظة زمنية جامدة، بينما نحن لا نخوض غمار الحياة كسلسلة من اللحظات الجامدة. ليس ~~في وسع اللوحة الفنية تجنب هذا النوع من الاصطناع. لكن الأفلام تصور العالم بأسلوب ~~يبدو أكثر واقعية على مستوى جذري. يمكن تتبع الفكرة الزاعمة بأن تفرد السينما ~~وقوتها يكمنان بطريقة ما في واقعيتها وصولا إلى المنظر السينمائي أندريه بازان. ~~ويعد نويل كارول واحدا من أهم نقاد هذه الرؤية. # يرفض كارول تفسير قوة السينما حسب رؤية بازان التي تزعم أن «الصورة السينمائية هي ~~تجسيد موضوعي للماضي، قطعة معبرة وصادقة من الواقع.» يقول كارول (2004أ: 485): # ينكر منظرو السينما المعاصرون وجود أي معنى حرفي يمكن استخلاصه من ~~الفكرة القائلة بأن السينما مرآة طبيعية للواقع. ومع ذلك يتمسكون دون شك ms032 ~~بجزء من المنهج الواقعي، يتمثل تحديدا في الافتراضات النفسية المسبقة لذلك ~~المنهج ... ففي حين يرفضون فكرة أن السينما جزء من الواقع، يوافقون رغم ذلك ~~على أن السينما، حسب استخداماتها المعتادة، تنقل تأثيرا واقعيا إلى ~~مشاهديها. هذا التأثير النفسي يمكن وصفه بعدة صيغ متنوعة، من بينها الآراء ~~التي تزعم أن السينما تعطي انطباعا بأن الواقع يروي ذاته أو توهم ~~المتلقي بأنها تعرض صورة للواقع، أو أنها تبدو طبيعية. # ثم يستطرد كارول زاعما أن (2004أ: 485): # تلك التنويعات على فكرة التأثير الواقعي عرضة للتشكك لأنها تنسب إلى ~~المشاهدين حالات من التصديق تعطل طرقنا المميزة للاستجابة إلى السينما ~~وتقديرها. فإذا كنا نحن المشاهدين سنخلط في أي وقت بين التجسيدات التي ~~تعرض أمامنا وبين ما تمثله تلك الصور في الواقع، فلن نتمكن عندئذ من ~~الجلوس في راحة وخمول واستمتاع بينما تندفع قطعان الجاموس تجاهنا، وبينما ~~يبوح الأحبة بأشواقهم، وبينما يعذب الأطفال. # هل يوجد بين الذين يعتقدون أن «السينما تنقل تأثيرا واقعيا ~~إلى مشاهديها» من يعتنق أيا من الآراء التي ينسبها كارول إليهم؟ هل المنهج ~~الواقعي في نظرية السينما، كفرضية وجودية (أنطولوجية) أو في تنويعاته الأكثر حداثة ~~ذات الطابع النفسي، هو طريق مسدود كما يزعم كارول؟ # هل يمكن إنقاذ التنويعات النفسية على فرضية بازان من هذا المصير؟ ~~هل في وسع المرء فعليا الاحتفاظ ب «التأثير الواقعي» لقطيع الجاموس الهارب الذي ~~يشاهده دون أن يلقي علبة الفشار من يده، ويندفع هاربا نحو باب الخروج من دار ~~العرض؟ # يطرح كارول (2004أ: 486) نقدا ثانيا للفرضية الواقعية أو للتنويع النفسي عليها: # إن الإشارة إلى الواقع ها هنا لا تساعدنا كثيرا ... لأن استيعابنا لقوة ~~الأفلام يقع إلى حد كبير على طرف النقيض من استجاباتنا الأقل حدة للحياة ~~العادية ... وبما إن استجابتنا للواقع غالبا ما ينقصها الحماس والحيوية، فإن ~~الزعم القائل بأن السينما تبدو جزءا من الواقع لا يقدم تفسيرا لأي من ~~استجاباتنا القوية إلى حد استثنائي للأفلام. لذا لا بد من إيجاد تفسير ~~آخر، لا يعتمد على الواقعية، لتعليل قوة الأفلام. ms033 # ألم يغفل كارول شيئا ها هنا؟ ألم يراوغ في حديثه عن مفهوم ~~«الواقع» في حقيقة الأمر، أو يفترض تصورا محدودا للغاية لما يندرج تحت «الواقع»؟ ~~بالطبع لا تعكس الأفلام بوجه عام الحياة العادية بمفهوم كارول (ولا حتى فيلم ~~«إمباير» الصامت الذي أخرجه أندي وارهول عام 1964، والمكون من لقطة واحدة مدتها ~~ثمان ساعات بالأبيض والأسود لمبنى إمباير ستايت ليلا، يعكس الحياة العادية). لكن ~~ذلك لا يعني بالضرورة أن التأثير «الواقعي» الذي تنقله الأفلام ليس مهما لتفسير ~~قدرتها على اجتذاب المشاهدين (جذبا قويا وعاطفيا في بعض الأحيان). فلو كانت ~~الحياة الواقعية أكثر تشابها مع الأفلام فيما يتصل بالسرد والأحداث، لجذبتنا ~~الحياة العادية قطعا جذبا قويا وعاطفيا، بل وبدرجة تفوق الأفلام دون ~~شك. # باختصار، ربما تبدو رؤية بازان، بناء على طريقة تفسيرها، متطرفة وخاطئة، لكن ~~فكرة اعتماد قوة الأفلام جزئيا على قدرتها على «نقل تأثير واقعي لمشاهديها» لا ~~تنطوي على إشكالية ما، بل هي صحيحة أيضا. من ناحية أخرى، تركز رؤية كارول الخاصة ~~حول التجسيد التصويري في السينما على السمات التي تساهم في وضوح السينما وسهولة ~~استيعابها، بدلا من واقعيتها. # يلخص كارول وجهة نظره حول قوة الأفلام كالتالي (2004أ: 189): # يؤمن منظرو السينما المعاصرون بأن الصورة السينمائية النمطية تضفي ~~إيهاما بالواقع أو الشفافية أو الطبيعية. إلا أن هذه الورقة البحثية لا ~~تستشهد بأي من هذه التأثيرات النفسية الواقعية، أو أي مما يضاهيها. بل تزعم ~~- عوضا عن ذلك - أن المشاهد العادي يدرك ما تمثله الصورة السينمائية ~~دون الرجوع إلى قاعدة ما، ولا تزعم أن المشاهد يعتقد، بأي شكل من ~~الأشكال، بتوحد التجسيد التصويري مع ما يعبر عنه في الواقع. # لكن ربما كان يجدر بالورقة البحثية زعم وجود هذا التوحد. فعندما ~~نرى خيلا تعدو في أحد الأفلام، نعتقد، بشكل ما، «بتوحد التجسيد مع ما يصوره.» توجد ~~طريقتان رئيسيتان لتفسير هذا الزعم المتعلق بالاستجابة «الواقعية من الناحية ~~النفسية» للصور السينمائية. التفسير الأول، وهو تفسير جامح، يقضي بأن الجمهور ~~يفترض أن صورة الخيل وهي تعدو تجسد حدثا تاريخيا؛ ms034 فلا بد أن الخيل اضطرت ~~إلى العدو في الواقع قبل أن تأتي الكاميرا و«تلتقط» عدوهم بطريقة مكنت من نقله ~~إلى جهاز عرض ثم «إعادة عرض المشهد» أمامنا. والثاني، التفسير المتواضع، يفترض ~~الجمهور أن الصورة السينمائية لخيل تعدو تجسد مجموعة معينة من الخيول في العالم ~~الخيالي الخاص بالفيلم، وأن ما تفعله الخيل في الصورة - العدو - هو تحديدا ما ~~تفعله في ذلك العالم. وكقاعدة عامة، كلما بدت الخيل في الفيلم أشبه بالخيل ~~الحقيقية، كان التجسيد أكثر واقعية، ويعد ذلك نجاحا في الاستحضار بأذهاننا صورة ~~أكثر تأثيرا وجاذبية لعالم من الخيل العداءة. بالطبع لن نميل إلى الخلط بين العالم ~~الخيالي الذي يخلقه الفيلم والعالم الحقيقي. يستخدم منظرو السينما مصطلح «حكائي» ~~للإشارة إلى عناصر الفيلم التي تنتمي إلى العالم الخيالي للفيلم. ولا يخلط ~~المشاهد العادي بين الجوانب الحكائية الجلية في أحد الأفلام مع الجوانب غير ~~الحكائية. على سبيل المثال، إذا كانت الموسيقى التصويرية تصاحب مشهد الخيل التي ~~تعدو في الفيلم، فذلك لا يجعلنا نفترض أن الخيل تستطيع سماع تلك الموسيقى. ~~(الموسيقى التصويرية عنصر غير حكائي.) وسيتطلب تقديم الموسيقى كعنصر حكائي في ~~الفيلم إضافة عامل تجسيدي (كأن يظهر في الفيلم مكبرات صوت تصدح بالموسيقى). إن قدرة ~~السينما على التجسيد «الواقعي» لعالم خيالي تشكل جانبا واضحا من قوتها، حتى وإن ~~لم يقدم ذلك تفسيرا متكاملا لقوة فيلم بعينه. لا يتغاضى كارول عن الخاصية ~~التصويرية للتجسيد السينمائي، لكنه لا يولي اهتماما خاصا للخاصية الواقعية لهذا ~~التجسيد في تفسيره لقدرة السينما على التأثير في الجمهور. ونحن نرى أن هذا خطأ من ~~جانبه. لقد أصاب في الاعتراض على ما نطلق عليه التفسير الجامح للتأثيرات النفسية ~~الواقعية، لكنه أغفل الأهمية المحورية للصيغة المتواضعة من الواقعية. # لكن ما هي تفاصيل نظرية كارول الخاصة؟ لقد لاحظنا أنه يؤكد على وضوح الفن ~~السينمائي، على النقيض من الأشكال الفنية الأخرى، في محاولة لشرح اتساع نطاق قدرة ~~السينما على تحريك مشاعر الجمهور. حان الوقت كي نلقي نظرة على بعض من تفاصيل وجهة ~~نظره. # ينقسم تفسير ms035 كارول (2004أ: 487) «لاستجابتنا القوية إلى حد استثنائي للأفلام» ~~إلى عدة أجزاء. فيتناول أولا التجسيد التصويري: «أيا كانت السمات أو الإشارات ~~التي نوظفها في عملية التعرف على الأشياء؛ فنحن نحشدها كذلك للتعرف على ما تجسده ~~الصور ... ويتناقض التطور السريع لهذه القدرة على التعرف على الصور تناقضا بالغا مع ~~تعلم نظام من الرموز مثل اللغة.» إن السهولة التي يتعامل بها الناس مع التجسيد ~~التصويري هي إحدى «السمات التي تجعل السينما بوجه عام مفهومة للجماهير غير المثقفة ~~... لقد أصبحت الأفلام ظاهرة عالمية لأنها استندت في استغلالها لقدرة التعرف على ~~الصور - مقارنة بأنظمة الرموز التي تتطلب إتقانا لعمليات مثل القراءة ... كي تفهم - ~~إلى قدرة بيولوجية تنمو لدى البشر وهم يتعلمون إدراك الأشياء والأحداث في ~~بيئتهم.» # حتى الآن حاول كارول تفسير السبب الذي يجعل الأفلام أسهل بوجه عام في الفهم ~~والمتابعة مقارنة بالروايات: «إن التعرف على صور الأفلام أكثر شبها برد فعل ~~تلقائي من شبهه بعملية مثل القراءة» (كارول 2004أ: 489). لكنه لم يقدم بعد ~~تفسيرا لكون «الفيلم العادي، حال تكافؤ جميع الظروف، أسهل في المتابعة من مسرحية ~~عادية» (2004أ: 490)، بما أنه في المسرح (وفي بعض الأشكال الفنية الأخرى) «لا يتحقق ~~التعرف على ما تشير إليه التجسيدات، كما في الأفلام، عادة عبر عمليات مكتسبة مثل ~~تفسير الرموز أو القراءة أو الاستنتاج» (2004أ: 489). # هذا يقودنا إلى الجزء الثاني من تفسير كارول «لاستجابتنا القوية إلى حد ~~استثنائي للأفلام»: # يتمتع صانع الفيلم في فيلمه بتحكم في انتباه المشاهد (من خلال تنويع ~~أطر الصور على سبيل المثال، وذلك باستخدام تقنيات مثل اختيار وضع الكاميرا ~~الذي يسمح للمخرج بتركيز انتباه المشاهد) يفوق بمراحل ما يتيسر للمخرج ~~المسرحي. والنتيجة أن مشاهد الفيلم ينظر دائما إلى حيث ينبغي له النظر، ~~ودائما ما يولي اهتمامه إلى التفاصيل المطلوبة ملاحظتها؛ ومن ثم يستوعب، ~~دون جهد تقريبا، الحدث الدائر أمامه، على النحو المقصود تماما ... الأفلام ~~أسهل على المستوى الإدراكي. وقد يفسر عامل الوضوح الإدراكي الذي تتمتع به ~~الأفلام أيضا ما تولده من انجذاب قوي واسع النطاق. ms036 (2004أ: 490) # تنطوي وجهة النظر السابقة على شيء من الصواب. لكن من غير ~~المرجح على ما يبدو أن يقدم الوضوح الإدراكي الذي يحققه الفيلم، عبر أدوات معينة ~~تركز انتباه المشاهدين، تفسيرا كاملا لقوة الأفلام مقارنة بالمسرحيات حتى وإن كان ~~صحيحا أن تأثير الأفلام علينا يكون عادة أقوى من المسرحيات. ومن جديد لا ينبغي ~~تجاهل التفسيرات الأكثر وضوحا. ربما كان موضوع معظم المسرحيات مقارنة بالأفلام أقل ~~جذبا من نواح أخرى، وإن لم يقل وضوحا عنها. ربما لا يغازل المسرح المشاعر بقدر ~~ما تفعل الأفلام. ربما يخلط كارول بين الفكرة القائلة بأن الأفلام «تفرض علينا ~~تأثيرا أقوى» بفكرة أن الأفلام «تؤثر على أعداد أكبر منا على نحو أقوى». والفكرة ~~الأخيرة لا تبعث على الدهشة بما أن جمهور المسرحيات يتضاءل مقارنة بجمهور الأفلام. ~~وعموما قضاء أمسية مسرحية نشاط مكلف حقا بينما الأفلام رخيصة نسبيا (حتى ~~وإن لم ينطبق ذلك على الفشار) ويمكن في كثير من الأحيان مشاهدتها مجانا. وأخيرا ~~يجدر بنا ألا نسارع بقبول الزعم القائل بأن الأفلام قادرة على جذبنا على مستوى ~~أعمق من المسرح باعتبار ذلك الزعم حقيقة جوهرية حول كل من المسرح والسينما؛ ~~فالمسرح القوي يؤثر فينا تأثيرا عميقا دون شك. وربما كان تحقيق تأثير قوي في ~~المسرح أصعب من تحقيقه في السينما، ويرجع ذلك جزئيا إلى الأسباب التي حددها كارول ~~- توجيه انتباه المشاهدين مهمة أسهل على صناع الأفلام من المخرجين المسرحيين - لكن ~~هذا لا يقدم بعد تفسيرا جيدا للتأثير الذي تفرضه الأفلام علينا؛ إنه يساعدنا على ~~تفسير الجاذبية الواسعة التي تتمتع بها الأفلام (فهي رخيصة مقارنة بالمسرح، ~~والأفلام المتوسطة الجودة أكثر جاذبية من المسرحيات المتوسطة الجودة)، لكن لا يزال ~~علينا إيجاد تفسيرات أعمق وأكثر تكاملا لقوة الأفلام. وربما تشترك تلك التفسيرات ~~في بعض عناصرها مع قوة الأشكال الفنية السردية الأخرى (وغير السردية ~~بالتأكيد). # إن العامل الثاني الذي يقترحه كارول لتبرير قوة الأفلام - وهو التركيز الموجه ~~لانتباه المشاهد - لا يكفي على ما يبدو لتفسير قوة السينما تفسيرا متكاملا حتى ~~عند ضمه ms037 إلى عامل التجسيد التصويري. ما قد يحققه هذان العاملان في الواقع هو ~~المساعدة في جذب المشاهدين والتأثير عليهم عاطفيا. فربما يساعدان على توليد ~~التأثير العاطفي الذي تحدثه الأفلام لدى المشاهدين دون أن يشكلا فعليا السبل ~~المباشرة لتوليد هذا التأثير. قد يوجد عدد كبير من العوامل الأخرى التي تساهم في ~~انجذابنا العاطفي ناحية السينما، أو تمنعه، إلى حد أكبر بكثير من العوامل التي ~~يقترحها كارول. # العامل الثالث الذي يتضمنه تفسير كارول يتعلق بدعم الجانب السردي للأفلام لسهولة ~~استيعابها ومن ثم لقوتها. يقدم السرد تفسيرا للحدث، والجماهير مهتمة بطبيعتها ~~بمعرفة تفسير الحدث. يقول كارول (2004أ: 493): «بقدر ما تصور قصص الأفلام أفعال ~~الشخصيات بأساليب تعكس منطق الاستدلال العملي، تكون الأفلام مفهومة على نطاق واسع؛ ~~نظرا لكون الاستدلال العملي شكلا عاما من أشكال اتخاذ القرار لدى البشر.» وفي ~~إطار سهولة الفهم، يبرز جانب آخر مستقل نسبيا من السرد؛ الأفلام تصنع التشويق عبر ~~خلق مواقف، أو طرح أسئلة، من خلال قصة ننتظر - نحن المشاهدين - في ترقب حلها ~~أو تقديم إجابة لها. ويرى كارول (2004أ: 494) أن نموذج السؤال والإجابة هذا (الذي ~~يطلق عليه النموذج التساؤلي) «أكثر أسلوب سردي مميز في الأفلام.» وقليل من ~~ينكرون أن قصة مشوقة أو جذابة هي عنصر ضروري في تفسير قوة السينما. # لكن كارول يغفل هنا أيضا على ما يبدو دور النموذج التساؤلي في إثارة المشاعر ~~لصالح دوره الإدراكي وقدرته على تحريك الحبكة عبر طرح المشكلات ثم معالجتها؛ ومن ثم ~~إشباع فضولنا. وبينما تعمل الإثارة المرتبطة بحبكة جيدة على أسر انتباه الجمهور ~~وقد تسهم في إحداث رد فعل عاطفي قوي، فإن حقيقة كونها تطرح أسئلة ثم تجيب عنها ~~تجعلها مستقلة نسبيا عن تلك العوامل السردية التي تثير استجابات عاطفية قوية. ~~تذكر أن كارول يسعى للإجابة عن سؤالين مترابطين، وهما: ما سر قوة الأفلام؟ وما ~~السبب وراء كون تأثيرها واسع الانتشار؟ ربما لا يشكل الوضوح السردي سوى جزء من ~~تفسير جاذبية السينما الواسعة النطاق، لكنه لا يصلح كتفسير لقوة السينما في حد ~~ذاتها. ms038 وهو يساعد على تفسير الجاذبية السردية للأفلام - كيف تستحوذ على الجمهور - ~~لكنه لا يعطي تفسيرا على الأرجح لما قد يبديه الجمهور من اهتمام كبير ب «جلسة ~~الأسئلة والأجوبة» الخيالية التي يشاهدونها على الشاشة. إن قوة الأفلام تكمن غالبا ~~في نوع من الارتباط العاطفي الذي لا تفسره جاذبية السرد المعرفية. # إن تقنيات السينما والحبكة وطبيعة التجسيد السينمائي كلها عناصر مهمة في تفسير ~~قوة الأفلام، لكنها ليست بأي حال من الأحوال العناصر الوحيدة، بل وربما ليست ~~العناصر الأهم في واقع الأمر؛ إذ تنحصر أهميتها في مقدار إسهامها في تفسير التأثير ~~الذي يحدثه «بعض» الأفلام على «بعض» المشاهدين في «بعض» الأوقات. والعناصر ~~الثلاثة التي يركز عليها كارول مهمة بقدر ما تساعد على التوحد مع الشخصيات، وتغذي ~~الخيالات والأمنيات والرغبات (كالانتقام وغيره)، وشتى صور التحيزات والميول ~~التلصصية الشبقية وغيرها من الميول التي قد تثار مؤقتا. عندما يصوب هاري كالاهان ~~(المعروف بهاري القذر) مسدسه الضخم من طراز 44 ماجنم نحو المجرم في فيلم «تأثير ~~مفاجئ» (صدن إيمباكت) (1983) قائلا: «هيا، أطلق مسدسك إن كنت تملك الجرأة» فإنه ~~يقولها نيابة عنا جميعا؛ ومن ثم نشعر بالامتنان والرضا. في تلك اللحظة تسود ~~العدالة، لا في الموقف الذي يمر به هاري فحسب بل في المواقف - ربما جميع المواقف - ~~التي عانينا فيها من الظلم (سواء كان حقيقيا أو متخيلا) والتي قد نعانيها في ~~المستقبل. # تكمن المشكلة في تركيز كارول على الجانب الإدراكي بدلا من الجانب العاطفي، ما ~~يجعله يتوقف على بعد خطوة واحدة (حسب زعم البعض) من تقديم تفسير مقبول لقوة ~~الأفلام. لكن كارول يختلف مع هذا الرأي (2004أ: 496) قائلا: # في سعينا هذا لتفسير قوة الأفلام اقتصر تناولنا على سمات الأفلام التي ~~تخاطب الملكات «الإدراكية» لدى الجمهور. وهو موضوع يلعب دون شك دورا ~~محوريا في هذا النقاش؛ لأننا لن نتمكن من تحديد السمات التي تفسر تأثير ~~الأفلام واسع الانتشار والاستثنائي إلا إذا ركزنا على القدرات الإدراكية - ~~لا سيما تلك المترسخة بعمق مثل التجسيد التصويري والمنطق العملي والدافع ~~لإيجاد إجابات على ms039 أسئلتنا - بما أن القدرات الإدراكية، على المستوى الذي ~~ناقشناه، هي المرشح الأكثر قبولا للعب دور العناصر المشتركة بين جموع ~~جماهير الأفلام. # في الحقيقة، وجه كارول تركيزه في الاتجاه الخاطئ؛ فالملكات ~~الإدراكية لدى الجمهور تقبع في جميع الحالات تقريبا تحت إمرة الطبائع الوجدانية ~~للمشاهدين واحتياجاتها التي لا تنقطع. # مفارقة الخيال # إذا كان كارول على خطأ في اعتقاده بأن قوة السينما تنبع من جوانبها الإدراكية لا ~~الشعورية، فإن ما نحتاج إلى أخذه في الاعتبار هو قدرة السينما على استحضار ذلك ~~القدر من المشاعر. إن «أسرار مهنة السينما»، إن جاز التعبير، تكمن في مواهب صناع ~~الأفلام ومهاراتهم التقنية وقدرتهم على توظيف براعتهم - إلى جانب ما لدى الكتاب ~~والممثلين والمصورين السينمائيين ومصممي مواقع التصوير والملابس، وغيرهم من مهارات ~~ومواهب - كي يثيروا في بعض الأحيان هذا القدر من المشاعر. # 2 # لكن عند محاولة السينما استثارة المشاعر لا بد لها من التغلب على عائق جذري؛ ~~فالأحداث التي يجسدها الفيلم بوجه عام لم تحدث، والجمهور يعلم أنها لم تحدث، ~~فكيف إذن يتأتى للجمهور الاهتمام بها إلى هذا الحد؟ ما نوع هذه الاستجابة ~~العاطفية؟ إن هذا النوع من الأسئلة جرى تناوله في كم كبير من المؤلفات، وقد ~~تبلورت في مصطلح يعرف باسم «مفارقة الخيال». وعلى الرغم من الخلاف القائم حول ~~كيفية تسوية هذه المفارقة، لا يعتقد أحد تقريبا أنها مفارقة حقيقية. # 3 # الأفضل، وإن كان أقل من حيث التأثير الدرامي، طرح قضية مفارقة الخيال ~~باعتبارها سؤالا حول العلاقة بين التصديق والمشاعر في المشاهدة السينمائية، أو في ~~سياق أعم، حول طبيعة الاستجابة العاطفية للأحداث الخيالية في حد ذاتها. ومثل السؤال ~~المطروح حول قوة الأفلام، ترتبط مفارقة الخيال كذلك بالسؤال حول طبيعة التمثيل ~~السينمائي. # فلنتأمل حقيقة أننا في بعض الأحيان نستجيب عاطفيا إلى الأدب الروائي كما لو كان ~~حقيقيا، بينما نعلم أنه ليس كذلك. ترتبط المشاعر عادة بالتصديق، فعندما نصدق ~~حدثا ما - كأن نصدق أن الألم الذي يعانيه أحد الأشخاص ألم حقيقي مثلا - سيراودنا ~~رد فعل شعوري مناسب مثل التعاطف ms040 معه. أما إذا أصبحنا نصدق أن هذا الشخص لم يكن ~~يشعر بالألم بل يتظاهر به فحسب، فسنكف - على الأقل في المعتاد - عن الشعور بالأسى ~~لحاله. تتطلب المشاعر، كما يبدو في هاتين الحالتين، التصديق بأن الموضوع الذي يثير ~~المشاعر حقيقي أو صادق. إذن كيف نتأثر شعوريا بالأحداث الخيالية مع أننا نعي أن ~~ما نشاهده أو نقرؤه لا يحدث في الحقيقة أو لم يحدث حقا؟ # يمكن صياغة مفارقة الخيال كالآتي: ~~(1) # تتطلب المشاعر التصديق بأن الحدث المثير للمشاعر حقيقي. ~~(2) # عند مشاهدة فيلم أو قراءة كتاب نحن نعي أن الشخصيات لا توجد حقا ~~(إلا في عالم الخيال) وأن المواقف لا تحدث حقا. ~~(3) # رغم ذلك تنتابنا مشاعر قوية في الغالب ونحن نقرأ كتابا أو نشاهد ~~فيلما. # يقول مواري سميث (1995أ: 56): # من وجهة نظر رادفورد (1975؛ 1977)، تكمن المشكلة في «أنه يمكن التأثير في ~~الناس عن طريق معاناة خيالية مع أخذ سلوكهم الهمجي في سياقات أخرى في ~~الاعتبار حيث يكون تصديق حقيقة المعاناة الموصوفة أو المشهودة أمرا ~~ضروريا لحدوث هذه الاستجابة» (رادفورد 1975: 72). وبعدما عرض عدة حلول ~~ممكنة لهذه المفارقة، استنتج أن أيا منها لم يكن مرضيا، وأعلن أن ~~الاستجابات العاطفية للخيال لا تتناقض فحسب مع استجابتنا العاطفية للأحداث ~~الواقعية بل هي عبثية و«عصية على الفهم» و«تخالف الطبيعة البشرية» أيضا ~~(رادفورد 1975: 69-70). إذن يمنح جانب إضافي من حجة رادفورد امتيازا ~~ضمنيا لردود الفعل العاطفية الناتجة عن أحداث الحقيقية على مثيلتها ~~الناتجة عن أحداث خيالية. وكون أننا نستجيب عاطفيا لأحداث حقيقية هو، وفق ~~ما قاله رادفورد، «حقيقة عمياء» من حقائق الوجود البشري، أما قدرتنا على ~~الاستجابة عاطفيا لأحداث خيالية فهو أمر «لا ينسجم» مع هذه «الحقيقة ~~العمياء». # كل ما نحتاجه حقا للتغلب على هذه المفارقة المزعومة هو قدر ~~بسيط من الاستبطان أو التأمل الذاتي. وكما يقول سميث (1995أ: 56): «لا يوضح رادفورد ~~قط لماذا لا ينبغي اعتبار الاستجابات العاطفية للأحداث الخيالية «حقيقة عمياء» هي ~~الأخرى؟ ... لماذا ينبغي علينا قبول الارتباط بأحداث حقيقية كشرط لجميع الاستجابات ~~العاطفية مع أن تجربتنا مع الفن ms041 الروائي تملي علينا ما يخالف ذلك؟» # لكن رد سميث مضلل بدوره بما أن الفن الروائي ليس وحده ما يولد استجابة عاطفية ~~في غياب شرط التصديق. والتجارب العاطفية اليومية قد تتمتع بوضع مماثل. على سبيل ~~المثال قد تشعر بالضيق من أحد الأشخاص، أحد والديك مثلا أو صديق، فتتخيل أنك مت، ~~وفي جنازتك ترى جميع من ضايقوك حاضرين، يرتدون الأسود ويشعرون بحزن بالغ، بينما ~~يعددون مناقبك. أنت تعي أنك لم تمت، وأن أحدا لم يبكك، وأن الكلمات التي تتخيل ~~أنها قيلت لم تقل، ورغم ذلك تنهمر الدموع من عينيك. أو تأمل الحالة التي تطلق ~~عليها إيميلي رورتي (1980) «العاطفة الغريبة» أو الشعور غير الملائم، حيث يشعر ~~المرء بشعور معين رغم غياب حالة التصديق المقابلة لهذا الشعور. فلنفترض أنك ظننت أن ~~قطتك قد دهستها سيارة، ثم وجدتها تقفز فجأة نحو ذراعيك، حية وتموء؛ رغم ذلك تستمر ~~في البكاء والشعور بالحزن بينما تداعبها بحكها خلف أذنها. أو عندما تشعر بالغضب ~~حيال رئيسك في العمل رغم إدراكك عدم وجود ما يبرر هذا الشعور، بل في الواقع رئيسك ~~يحسن التعامل معك وأنت مقتنع بهذا، لكن شعورك بالغضب يظل باقيا رغم ذلك. الأمثلة ~~السابقة لا تتعلق بأشخاص يقرءون رواية؛ وحالات التصديق التي غالبا ما تصاحب أو ~~ترتبط بهذه المشاعر المطروحة غائبة، مع ذلك تظل المشاعر موجودة. # إذن ليس من الضروري أن ترتبط العاطفة أو الشعور بأحداث حقيقية، وتلك حقيقة لم ~~نستدل عليها من الأدب الروائي فحسب. فكما يعتقد رورتي (1980)، إذا كانت العواطف ~~الغريبة وتلك التي تبدو غير عقلانية يمكن تعليلها - كما رأينا في المواقف التي تظهر ~~فيها العواطف على نحو مستقل ظاهريا عن حالات التصديق التي تفسرها وربما تسوغها ~~- فإن السبب المباشر (أو المحفز) للعاطفة ينبغي تمييزه عن السبب الجدي لها. قد ~~ينبع «السبب الجدي» للعاطفة من الماضي السحيق، وقد لا يرتبط فحسب بأحداث ~~ماضية مهمة، بل قد يرتبط كذلك بميل الفرد نحو اعتبار أحدث معينة ذات أهمية بارزة؛ ~~ومن ثم التأثر بها على نحو معين. # 4 # لاحظ ms042 أيضا أن هذا يشير إلى انعدام حاجة المرء إلى افتراض وجود أي ارتباط أصيل ~~بين التصور الواقعي للتجسيد السينمائي والتأثير العاطفي للأفلام على المشاهدين. ~~فإدراك الجمهور أن ما يشاهدونه لا يحدث «حقا» لا ينبغي أن يعوق البتة أي ~~استجابة عاطفية لديهم، حتى وإن كان من المفترض أن هذه الاستجابة لن تكون مطابقة لما ~~قد نمر به عاطفيا إذا آمنا بكون تلك الأحداث حقيقية، وحتى إن لم نتصرف مثلما كنا ~~سنفعل عند مواجهة حدث حقيقي (كأن نغادر دار العرض مثلا). # إن حديث رورتي عن العاطفة الغريبة جنبا إلى جنب مع الرؤية التحليلية النفسية ~~التي يرى أصحابها أن العواطف تستمد جذورها من الخيال الطفولي (جاردنير: 1992) ~~يقترحان فرضية أكثر جذرية بمراحل فيما يتعلق بكل من طبيعة العواطف وأيضا طبيعة ~~المشاهدة. # 5 # وهي فرضية تقلب فرضية رادفورد ومفارقة الخيال المزعومة رأسا على عقب. ~~فهاتان الرؤيتان للعواطف باعتبارها تنبع من أحداث في ماضينا البعيد (في طفولتنا ~~المبكرة حسب الرؤية التحليلية النفسية) وترتبط بها ارتباطا سببيا توحيان بأن ~~المشاعر التي نمر بها عند التعاطي مع الأدب الروائي والسينما لا تأتي في مرتبة ~~تالية للعواطف التي ترتبط بما نؤمن به عن «الواقع» بل تأتي في المرتبة الأولى. ~~بالتأكيد تشبه هاتان الرؤيتان جميع صور العواطف بتلك التي تنتابنا مع الأدب ~~الروائي. # من هذا المنظور، لا تتطابق العواطف ~~في أغلب الأحيان مع تصورنا عنها، ولا يمكن أبدا تفسيرها تفسيرا وافيا في ضوء ~~أسبابها المباشرة (ليفين: 2000). إن رؤية المشاعر من هذا المنظور تضفي على الرؤية ~~المختلفة اختلافا مدهشا لطبيعة المشاهدة طابعا مألوفا. إذا كانت هذه الرؤية ~~للعواطف صحيحة بطريقة ما أو بأخرى، فسيصبح علينا إعادة النظر في كثير من المشكلات ~~الفلسفية المطروحة حول السينما. وعلاوة على ذلك، بالطبع، لن تقتصر عملية إعادة ~~التقييم على طبيعة المشاهدة فحسب، بل ستمتد كذلك لتشمل الطبيعة البشرية ذاتها. نحن ~~في حاجة إلى أن نرى ككائنات تفصلها مساحة كبيرة عن ذاتها، وتواجه عوائق نسبية فيما ~~تبذله من جهود لفهم الذات. تلك رؤية للبشر تقع في ms043 قلب التحليل النفسي، وتؤكدها ~~الحياة العادية. # صور النقد النسوي للسينما و«مفارقة المشاهد المنحرف» # تمنحنا مناقشة كل من العواطف ومفارقة الخيال، الفرصة لتناول قضية إضافية، ألا ~~وهي تمثيل النساء في السينما. فلنفترض أن بعضا من السمات الشخصية التالية، منفردة ~~كانت أو مجتمعة، لا غنى عنها لفهم المشاهدة السينمائية، ولا سيما للاستمتاع ~~بالأفلام: التلصص الشبقي والفيتيشية والسادية، وغيرها من الانحرافات المتعددة إلى ~~جانب التصنيفات التحليلية النفسية الأخرى مثل الخيال والإسقاط والاستدماج والإنكار ~~والدفاع والكبت ... إلخ (والقائمة تطول). تزعم لورا مولفي (1975) على سبيل المثال أن ~~المشاهدة السينمائية الحديثة لا بد من فهمها من هذا المنظور. إن ما تزعمه، هي وبعض ~~المنظرين الآخرين الذين يطرحون نقدا نسويا للسينما، يتلخص في أن استجابات ~~المشاهدين العاطفية ومتعتهم لا تنبع من معتقداتهم (أو من معتقداتهم الواعية على أي ~~حال) بل من قدرة الفيلم على استحضار رغبات متلصصة ومعادية للمرأة فضلا عن الرغبات ~~المرتبطة بانحرافات أخرى أو ميول منحرفة، وتحقيق إشباع مؤقت لتلك الرغبات. # فيما يلي نعرض رأي بيرز جاوت (1994: 12) في موقف مولفي: # ترى مولفي أن الفيلم الروائي التقليدي الذي يجسد أحداثا وهمية قائم ~~على أساس نظرة ذكورية فاعلة ذات طابع شبقي. داخل الإطار الروائي، ينظر ~~الرجال بقوة إلى نساء يلعبن أدوارا غير فاعلة باعتبارهم أشياء مثيرة ~~للشهوة الجنسية، خاضعة لتحكم النظرة الذكورية. الذكور هم من يتحكمون في ~~مسار القصة، أما النساء فهن موجودات لا لهدف سوى الفرجة الجنسية ... وعليه ~~فإن الفيلم التقليدي مصمم بحيث يضع في الحسبان وجود مشاهد ذكر ... تتحد ~~نظرته مع نظرة بطل الفيلم ويتوحد معه. وإذا تمكن البطل من الاستحواذ على ~~المرأة، يستمتع المشاهد بهذا الانتصار على نحو غير مباشر. لكن النساء، ~~كأغراض عاجزة خاضعة للنظرة الذكورية، لا يزال في وسعهن زعزعة هذا الوضع؛ إذ ~~يثرن لدى الرجال قلق الخصاء فيتسببن في إفساد متعتهم. هذا التهديد لا بد ~~من التغلب عليه، وهو ما يحدث بالفعل، إما عبر الفحص المتلصص للجسد الأنثوي ~~والمعاقبة السادية لما يطرحه من تحد، أو عبر النظر الشبقي الفيتيشي الذي ~~يحول ms044 جسدها أو جزءا منه إلى رمز للقضيب غير الموجود ... كلا الاستجابتين ~~تختزلان المرأة في عجزها، ويعيدان تشكيلها داخل الفيلم في صورة «شيء ينظر ~~إليه» وهكذا تستعاد السيطرة الذكورية. رد الفعل النسوي على هذا واضح؛ لا ~~بد أن تفضح النظرية المتع الفاسدة المستمدة من الفيلم الروائي المجسد ~~للوهم وتدمرها ولا بد أن تخلق الممارسة العملية سينما بديلة تفضح النظرة ~~الذكورية وما تجسده من هيمنة معادية للمرأة. # تعتمد صحة نظرية مولفي من عدمها أو درجة صحتها اعتمادا شديدا ~~على مدى صحة وجهة النظر التحليلية النفسية للمشاهدة، وهو ما يعتمد بدوره على مدى ~~صحة منهج التحليل النفسي. وبعيدا عن قضية صحة رؤية مولفي وما تحوزه من أهمية، نرغب ~~في استكشاف الآثار الضمنية لهذه الرؤية لا على طبيعة المشاهدة فحسب بل على مستقبل ~~السينما كذلك. إذا كان تفسير مولفي للمتعة السينمائية صحيحا، فهل من الممكن صنع ~~أفلام لا تخضع لنقدها النسوي؟ إذا كانت مولفي على حق، فمن المنطقي أن نرى استحالة ~~«تدمير المتع الفاسدة للفيلم الروائي المجسد للوهم» أو صنع بديل له، بما أن ~~السمات التي تطرحها مولفي تعتبر (بشكل أو بآخر) سمات متأصلة في المشاهدة والمتعة ~~السينمائية. # قد يستند نقد مولفي جزئيا إلى الاعتقاد الخاطئ بأن أشكال التلصص والسادية ~~والماسوشية والفيتيشية جميعها غير مرغوب فيها. لكن هذا الوصف، في الحقيقة، ينطبق ~~على بعض الأشكال فحسب وليس جميعها. ويعتمد الأمر على ما إذا كانت تلحق ضررا ~~بالفرد أو بالآخرين؛ أي ما إذا كانت، على سبيل المثال، تسيطر على النفس على نحو ~~يؤدي إلى تقويض علاقاتها، كما تفعل الأفلام الإباحية على حد زعم البعض. إن المتع ~~الفاسدة للفيلم الروائي المجسد للوهم التي تستدعي مولفي الانتباه إليها قد تكون ~~عناصر ضرورية في أي سينما بديلة بقدر ما هي ضرورية في السينما الحالية. لا يعني هذا ~~أننا ننكر وجوب فضح السمات المستغلة والمعادية للمرأة في السينما أو ننكر قدرة نوع ~~جديد من السينما على التخلي عن تلك السمات ووجوب سعيه لذلك. لكن إذا كانت طبيعة ~~المشاهدة خاضعة ms045 لهيمنة تلك المتع، فكيف لنا إذن التخلص منها دون الاستغناء في الوقت ~~نفسه عن عناصر جاذبية الفيلم؟ دعونا نطلق على ذلك إشكالية «مفارقة المشاهد ~~المنحرف». # لا تنطوي مفارقة الخيال على أي سمات تختص بها السينما وحدها ولا تنطبق على ~~الأدب؛ وكذلك مفارقة المشاهد المنحرف. جزء كبير من الرؤية التحليلية النفسية ~~ذاتها يستعان به لتوضيح السبب وراء صعوبة قراءة بعض الروايات بينما البعض الآخر ~~شديد الإثارة والجاذبية. يسيطر ستيفن كينج على أدب الرعب الجماهيري بالغا مستوى ~~لم يستطع أي من صناع أفلام الرعب الاقتراب منه أبدا. وهو أيضا يعتمد على «ميول ~~قارئيه المنحرفة» ويستغلها. # يمكن صياغة مفارقة المشاهد المنحرف كالتالي: ~~(1) # تعتمد المتعة السينمائية على مزيج ما من العناصر التالية: التلصص ~~الشبقي، الفيتيشية، النرجسية، إزكاء التحيزات، وغيرها من الانحرافات ~~المتنوعة (بما فيها السادية والماسوشية). ~~(2) # من الممكن إرساء نوع جديد من السينما ومن اللغة والمشاهدة السينمائية ~~لا يعتمد على استغلال عناصر مثل التلصص الشبقي والعنف ضد المرأة ~~والجنس، إلى آخره ... سينما تغيب فيها (نسبيا) تلك العناصر المولدة ~~للمتعة. ~~(3) # هذا النوع الجديد من السينما سيكون له جمهور يمكن أن/سوف يتسلى ~~عموما ويستمد المتعة منه. # وبفرض أن الناس لن يذهبوا عموما إلى السينما إلا إذا كانت ~~تسليهم، فإنه بالإمكان صياغة الفرضية رقم (3) على نحو أبسط: ~~(3أ) هذا النوع الجديد من السينما سيكون له جمهور. # تبدو تلك الفرضيات الثلاثة متعارضة فيما بينها. # إن مفارقة المشاهد المنحرف لا تقل في زيفها عن مفارقة الخيال. إذا كانت المتعة ~~السينمائية تتطلب نوعية العناصر التي تزعمها مولفي، فإن تلك العناصر إذن تشكل معا ~~سمة عامة مهمة لا بد من وجودها كي يستطيع الفرد الاستمتاع بأي فيلم أو بأنواع معينة ~~من السينما والأدب، أو ربما الاستمتاع على الإطلاق. وإذا كان جذب الجمهور يعتمد على ~~إمتاعه، فإن الأفلام التي تعجز عن تقديم تلك المتع لن يصبح لها جمهور. يمكن التحدث ~~كثيرا عن هذه القضية لكن لا شيء فيها ينطبق عليه وصف المفارقة. # تتحدث مولفي عن لغة سينمائية جديدة، خالية من العناصر البغيضة ms046 التي تزعم أنها ~~تهيمن على سينما الاتجاه السائد المعاصرة. لكن لكي تقدم لغة جديدة ستحتاج إلى ~~متحدثين جدد وجمهور جديد. كيف يمكن تحقيق ذلك؟ إذا كان التلصص الشبقي وغيره من ~~السمات يلعب دورا لا غنى عنه في تحقيق المتعة السينمائية، فمن المؤكد إذن أن ذلك ~~سيضع قيودا محكمة على النوع الجديد من السينما غير المتحيزة جنسيا التي تتطلع ~~مولفي إليها. إذا كانت المتعة والتسلية تعتمدان على السمات السلبية التي تشير إليها ~~مولفي، فإن السينما الجديدة التي تقترحها لن تسلي ولن تمتع الناس. # تقول مولفي (1993 [1975]: 123): # تخلق الرموز السينمائية نظرة وعالما وهدفا، وهكذا تنتج وهما على مقاس ~~الرغبة. تلك الرموز السينمائية وعلاقتها بالهياكل الخارجية المكونة هي ما ~~يحتم علينا تحليله كي نستطيع تحدي السينما التقليدية والمتع التي تقدمها. ~~وبداية (وكهدف نهائي)، فإن النظرة المتلصصة الشبقية ذاتها، التي تلعب ~~دورا محوريا في المتعة السينمائية التقليدية، يمكن تدميرها. # حتى وإن ابتعدنا عن منهج التحليل النفسي، توجد أسس صلبة (كآراء حول الطبيعة ~~البشرية وعلم النفس) نستطيع أن نتحدى بناء عليها رؤية مولفي التي تفيد بأن تلك ~~الرموز السينمائية التي تشير إليها يمكن تحليلها. # 6 # وبافتراض أن ذلك ممكن بالفعل؛ فإن هذا سيكون معناه أن السينما أصبح ~~لزاما عليها إيجاد بديل للمتع التي تضرب بجذورها في النظرة الشبقية المتلصصة، إذا ~~أرادت تقديم أي متعة. لكن ما الذي يدفعنا إلى افتراض إمكانية إيجاد تلك المتع ~~البديلة؟ # لا تخاطب مولفي هذه المسألة على ما يبدو؛ إذ تكتب (1993 [1975]: ~~123) قائلة: # الضربة الأولى التي يجب توجيهها نحو التراكم الهائل من أعراف الأفلام ~~التقليدية (والتي بدأ صناع الأفلام الراديكاليون في شنها بالفعل) هي ~~تحرير نظرة الكاميرا ودفعها نحو واقعها المادي المتمثل في الزمان والمكان، ~~وتحرير نظرة الجمهور وتوجيهها نحو المنطق الجدلي والانفصال العميق. يدمر ~~ذلك دون شك الامتياز الذي يحوزه «الضيف الخفي» وما يستمده من إشباع ومتعة، ~~ويلقي الضوء على كيفية اعتماد الفيلم على الآليات التلصصية الفاعلة/غير ~~الفاعلة. ولا يسع النساء، اللاتي لطالما سرقت صورهن واستخدمت لهذا الغرض، ~~النظر إلى ms047 انهيار الفيلم التقليدي إلا بنوع من الأسى العاطفي. # وهكذا، في حين تعترف مولفي وتحتفي بحقيقة أن أساليب صانعي ~~الأفلام الراديكاليين ربما تدمر «الامتياز الذي يحوزه «الضيف الخفي» وما يستمده من ~~إشباع ومتعة»، فإنها لا توضح ماهية المصادر الجديدة للجاذبية السينمائية، ولا تقدم ~~تفسيرا واضحا لكيفية إيجادها. وكما سيخبرك أي ممن يذهبون إلى السينما بهدف ~~التسلية، بدون مصدر ما من هذا النوع، لن يذهب أحد لمشاهدة الأفلام بعد الآن. # لن تجد السينما الجديدة جمهورا جديدا إلا إذا لجأت إلى رفع الوعي. لكن من غير ~~الواضح على الإطلاق ما إذا كان رفع الوعي قد يكفي لتكوين جمهور يستمد من الأفلام ~~متعا تختلف في نوعيتها عن متع الجماهير السابقة. ما نحتاج إليه، أو ما يبدو أننا ~~نحتاج إليه، ليس رفع الوعي بل رفع اللاوعي. يدفع منهج التحليل النفسي بأن بعض جوانب ~~اللاوعي من الممكن التلميح إليها ورفعها إلى مستوى الوعي ثم التعامل معها بطرق ~~تمكن الأفراد من التغلب على ميول عصابية محددة. لكن التحليل النفسي، على الأقل ~~التحليل النفسي الفرويدي، لا يحوي الكثير مما قد يدعم إمكانية تغيير النفس البشرية ~~على النحو الذي تعتقد مولفي كونه ضروريا لبزوغ جمهور مستنير جديد للسينما، جمهور ~~قادر على الإحساس بمتع سينمائية بديلة. تشير بعض القراءات للتحليل النفسي أن المتع ~~المنحرفة هي جزء من البشر، وجزء من المتعة نفسها. وفي حين قد نستطيع التخلص من صور ~~معينة من التمييز الجنسي الصريح ومن بعض التحيزات، من الصعب، أو ولا ينبغي لنا، ~~محاولة التخلص من التلصص الشبقي والماسوشية (والمتع المستمدة منها)؛ إذ تعتمد ~~المتعة التي نستمدها من السينما، والكثير من المتع الحياتية بالطبع، على ~~ذلك. # رغم ذلك، يوجد جانب إيجابي، فليست كافة أشكال التلصص الشبقي والفيتيشية ~~والماسوشية والسادية وغيرها تحمل ضررا. تتسبب الفيتيشية في ضرر عندما تدفع المرء، ~~على سبيل المثال، إلى التعلق جنسيا على نحو كلي بحذاء أحد الأشخاص عوضا عن ~~الشخص ذاته. فلنتأمل على سبيل المثال ما قاله فرويد (1993 [1927]: 27) عن الفيتيشية: # في السنوات الأخيرة الماضية، سنحت ms048 لي الفرصة لإجراء دراسة تحليلية على ~~مجموعة من الرجال ممن تهيمن الفيتيشية على اختيارهم العاطفي. لا ينبغي ~~توقع أن أولئك الأشخاص قد أتوا للتحليل النفسي بسبب هذه الفيتيشية؛ هم ~~يدركون تماما أنها انحراف عن المسلك الطبيعي، لكن نادرا ما يشعرون بأنها ~~عرض لمرض تصحبه معاناة. وعادة ما يكونون قانعين بها، بل وقد يمتدحون ~~الطريقة التي تسهل بها هذه الفيتيشية حياتهم الجنسية؛ ومن ثم، كقاعدة، ~~ظهرت الفيتيشية في تحليلهم النفسي كاكتشاف ثانوي. # كذلك الماسوشية هي على الأرجح جزء من عملية الحزن المعتادة، ~~والسادية (في بعض أشكالها) قد تحقق هدفا وقائيا، بل وأخلاقيا. سوف نستأنف ~~الحديث عن تلك الموضوعات في الفصل التاسع، حيث سنناقش شكلا متطرفا جدا من ~~الاعتماد على ما يبدو أنه رغبات سادية لدى المشاهد؛ إذ سنناقش أفلام الرعب، ولا ~~سيما أفلام الرعب الواقعية (أي الأفلام التي تستثير استجابة تنطوي على رعب دون ~~اللجوء إلى وسيلة خارقة لتحقيق ذلك). # عرضنا في هذا الفصل مجموعة صغيرة فحسب من المشكلات الفلسفية المثارة حول ~~السينما، وقد اخترنا المشكلات المترابطة والتي تؤدي كل منها إلى الأخرى أو تتضمنها ~~على ما يبدو. وهي جميعا مشكلات مرتبطة من زاوية ما بالعلاقة بين السينما ~~والمشاهد. رغم ذلك، على القارئ أن يحكم بنفسه ما إذا كنا على حق في زعم أن الوعي ~~بالقضايا المثارة حول طبيعة السينما لن يؤدي إلى تحسين نقاش القضايا الفلسفية ~~المطروحة في الأفلام فحسب، بل قد يحسن كذلك من السهرة التي يقضيها المرء في دار ~~العرض السينمائي. # أسئلة # ما الذي يجعل فيلما ما أخلاقيا أو غير أخلاقي؟ # هل يمكننا استخلاص نتيجة مهمة من حقيقة أن نفس الأفلام لا تستحوذ على ~~إعجابنا جميعا، وأن الأفلام التي يجدها بعضنا مؤثرة (أو مضحكة أو ~~مخيفة أو عميقة) إلى أقصى درجة لا تثير إعجاب الآخرين ولا تترك تأثيرا ~~يذكر عليهم؟ # كيف تؤثر دور العرض السينمائي وغيرها من سمات بيئة المشاهدة (مثل ~~مشاهدة الأفلام على شاشة كبيرة في مقابل مشاهدتها على جهاز دي في دي في ~~المنزل) على نسب ms049 المشاهدة السينمائية؟ # ما سبب قوة الأفلام (بعض الأفلام)؟ هل قدمنا تفسيرا وافيا لذلك؟ هل ~~اقترحنا بديلا مقبولا للنظرية التي انتقدناها (نظرية كارول)؟ # زعمنا أن تركيز كارول على الجانب الإدراكي عوضا عن الجانب العاطفي ~~أعاقه عن تقديم تفسير معقول لقوة الأفلام. هل ما قدمناه من حجج لدعم ~~هذا الزعم كان مقنعا؟ بالتأكيد تلعب الخصائص الإدراكية للأفلام دورا ~~فعالا في تعزيز قدرتها على التأثير في الجماهير، لكن كيف نستطيع إثبات ~~أن الخصائص الإدراكية وحدها لا تكفي لتفسير قوة الأفلام تفسيرا ~~متكاملا؟ # لقد ركزنا على الجوانب العاطفية، وتلك القائمة على الرغبات، فيما ~~يتعلق بقدرة الأفلام على التأثير علينا بعمق. ما المخاوف والإشكاليات ~~الفلسفية المثارة حول هذه القدرة؟ # هل من الممكن أن يدعم إدراك القضايا الفلسفية المثارة حول الأفلام ~~التجربة السينمائية؟ هل يضعف هذا الإدراك القوة العاطفية للأفلام؟ هل ~~يدعم هذا الإدراك استخدام القدرات النقدية عند المشاهدة السينمائية؟ هل ~~هو بوجه عام ظاهرة ثانوية تصاحب الإدراك النقدي للأفلام؟ # هل يمكن بطريقة ما تنقيح رؤية أندريه بازان التي تزعم أن «الصورة ~~السينمائية هي تجسيد موضوعي للماضي، قطعة صادقة من الواقع» كي تصمد ~~أمام نقد نويل كارول؟ هي بالتأكيد ليست صحيحة حرفيا أو لا تنطبق على ~~جميع الصور المتحركة أو جميع السرديات التي تجسدها الصور المتحركة، ~~لكن هل تنطوي رغم ذلك على جانب من الحقيقة؟ # ما مدى معقولية مفارقة المشاهد المنحرف؟ هل تعتمد المشاهدة ~~السينمائية على عمليات نفسية مضطربة، ربما نفضل الاستغناء عنها؟ هل ~~يهم ما إذا كان الانغماس في فيلم ما يتطلب من المشاهد خوض عملية ~~نفسية مضطربة؟ # ما الصفات التي تصنع نجما سينمائيا؟ هل فهم هذا الموضوع فهما ~~أفضل يساعدنا على فهم المشاهدة (العلاقة بين الجمهور والفيلم)؟ # | هوامش # الجزء الثاني # | نظرية المعرفة (الإبستمولوجيا) وما وراء الطبيعة (الميتافيزيقا) # في الجزء الثاني نستعرض بعضا من الموضوعات الرئيسية في نظرية المعرفة (الدراسة ~~الفلسفية للمعرفة) وما وراء الطبيعة (وهي تقريبا الدراسة الفلسفية لطبيعة الواقع ~~الأولية). # يتناول الفصل الثالث نظرية المعرفة من منظور الشكوكية (الشكوكية هي الرفض الفلسفي ~~لإمكانية ms050 المعرفة بمختلف أشكالها). والفيلم الذي سنحلله في هذا السياق هو «استعادة ~~كاملة» (توتال ريكال). الذي لعب بطولته أرنولد شوارتسنيجر عام 1990؛ وهو فيلم قد لا ~~يكون من أعمق الأفلام التي نتناولها بالدراسة في هذا الكتاب، لكنه يقدم مع ذلك طرحا ~~بارعا لمفهوم الشكوكية. # ونبدأ في الفصل الرابع رحلتنا مع الميتافيزيقا ، التي نستهلها بالسؤال الجلي: ما ~~الموجود؟ ما هي المكونات الأولية للعالم؟ تلك دراسة لعلم الوجود نسترشد فيها بفيلم ~~وضع، من نواح عدة، حجر الأساس للاهتمام الحديث بدراسة الفلسفة عبر السينما؛ ألا وهو ~~فيلم «المصفوفة» (ذا ماتريكس) (1999). غالبا ما تتناول الدراسات هذا الفيلم من منظور ~~الشكوكية، لكن في رأينا تلك قضية ثانوية في فيلم «المصفوفة» مقارنة بفيلم «استعادة ~~كاملة»، في حين يتفرد فيلم «المصفوفة» بصياغته لقضية الوجود على نحو شديد ~~الوضوح. # أما الفصل الخامس فيبحث ميتافيزيقا العقل، لا بطريق مباشر بل عبر العقول الاصطناعية. ~~أحد الأسباب التي تدفعنا لذلك هو أن العقول الاصطناعية لها تاريخ طويل وبارز في ~~السينما. علاوة على أن القضايا الفلسفية المثارة حول طبيعة العقل تبرز حقا للعيان ~~عندما نطرح هذا السؤال: ما متطلبات خلق عقل اصطناعي؟ (هل في وسعنا تحقيق ذلك يوما ما، ~~ولو نظريا؟) نسترشد ها هنا بفيلم المخرج ستيفن سبيلبيرج «ذكاء اصطناعي» (إيه آي: ~~أرتفيشال إنتليجينس) (2001). لم يتفق الجميع على أن فيلم سبيلبيرج فيلم عظيم (نقول ذلك ~~لدواعي الإنصاف)، لكن نجح عبر شخصية ديفيد في تقديم مثال توضيحي لمتطلبات امتلاك عقل ~~اصطناعي (يشبه العقل البشري). # وأخيرا، يبحث الفصل السادس طبيعة الزمن. والزمن هو أكثر الأشياء ألفة وغموضا في ~~الوقت نفسه. وكالمعتاد لن نتناوله ها هنا مباشرة، بل نستكشفه عبر التركيز على أمر ~~لطالما حرصت السينما حرصا بالغا على تمثيله بشكل أو بآخر؛ وهو السفر عبر الزمن. لكي ~~نتمكن من معالجة احتمالية السفر عبر الزمن فلسفيا، علينا أن نستوعب جزءا على الأقل ~~من طبيعة الزمن. نستكشف ذلك كله مع مناقشة لفيلم قصير رائع من عام 1960 وهو «جسر ~~المطار» (لا جيتي)، من إخراج صانع الأفلام الفرنسي كريس ms051 ماركر. الفيلم مثال ممتاز حقا ~~على قصص السفر عبر الزمن، ونستخدمه ها هنا لإثبات أن السفر عبر الزمن ممكن على الأقل ~~منطقيا بجانب توضيح التفكك الواضح في حبكة الكثير من أفلام السفر عبر الزمن (وربما ~~معظمها). # الفصل الثالث # | الحقيقة والوهم في فيلم «استعادة كاملة» # مقدمة # نظرية المعرفة هي دراسة المعرفة والمفاهيم المرتبطة بها مثل الشك واليقين ~~والتبرير والبرهان والتسويغ. تهيمن ثلاثة أسئلة على هذا المجال: ما هي المعرفة؟ ما ~~الذي يمكن معرفته؟ كيف نعرف ما نعرفه (إذا كنا نعرف أي شيء على الإطلاق)؟ ربما تبدو ~~تلك الأسئلة مملة نوعا ما رغم كونها مهمة وتستحق الطرح، لكن الأمور تزداد إثارة مع ~~مجيء المتشككين. المتشكك هو من ينكر المعرفة؛ في وسعه إنكار أننا نعرف ما نظن أننا ~~نعرفه، أو في وسعه إنكار أن واحدا أو أكثر من المناهج التي نستخدمها لاكتساب ~~المعرفة قادر فعليا على تحصيل المعرفة. المتشكك في عقول الآخرين، على سبيل ~~المثال، ينكر أننا نعرف أي شيء عن عقول الآخرين، أو حتى ما إذا كان لدى الآخرين ~~عقول. ينكر المتشكك في الأديان أننا نعرف أي شيء عن الله، بما في ذلك وجوده. ربما ~~كان النوع الأعلى طموحا من المتشككين هو ما عبر عنه الفيلسوف الفرنسي العظيم ~~رينيه ديكارت في القرن السابع عشر، وهو المتشكك المطلق، الذي يزعم أننا لا نعرف ~~شيئا سوى أننا موجودون. (أنا أعرف أنني موجود لأنني لا أستطيع الشك في وجودي شكا ~~مترابطا من الناحية المنطقية. فعندما أفكر مليا في سؤال «هل أنا موجود أم لا؟» ~~فذلك يعني حتما وجود من يفكر؛ وهو أنا في هذه الحالة. لخص ديكارت ذلك في عبارته ~~«أنا أشك، إذن أنا موجود».) # أحد أكثر أنواع المتشككين إثارة للاهتمام هو المتشكك في المعرفة الحسية، الذي ~~ينكر أننا نعرف أي شيء على الإطلاق بناء على ملاحظتنا للعالم؛ فهو ينكر أن حواسنا ~~هي مصدر للمعرفة؛ لأنها غير مضمونة ولا يقينية بما يكفي لإمدادنا بالمعرفة عن ~~العالم. العلوم كافة، باستثناء الرياضيات، قائمة على معلومات جمعتها حواسنا، ms052 ~~وهكذا إذا لم تكن حواسنا تنتج معرفة، فإن العلم لا ينتج معرفة بدوره. يستنتج بعض ~~المتشككين في المعرفة الحسية أننا لا نستطيع حتى أن نعرف ما إذا كان العالم الخارجي ~~موجودا! إلى هذا الحد تصل الشكوكية في المعرفة الحسية! لتبسيط الأمور، سنستخدم ~~مصطلح «المتشككين» للإشارة إلى هذا النوع تحديدا من الشكوكية، لكن على القارئ تذكر ~~أننا نتحدث عن نوع واحد من مجموعة محيرة ومتنوعة من المتشككين. # ينبع قدر كبير من أفضل ما تمخضت عنه عقول المشتغلين بنظرية المعرفة المعاصرة، من ~~محاولات تفنيد مزاعم المتشككين في المعرفة الحسية، وهي محاولات جديرة بالجهد؛ لا ~~لأن المتشكك شخص مزعج ومستفز فحسب، بل لأننا عندما نفند مزاعمه نلقي ضوءا نحن ~~في أمس الحاجة إليه على طبيعة المعرفة. فيتضح أن المعرفة أمر معقد ومثير للجدل. ~~ونخوض معركة علم المعرفة المعاصر مع المتشككين مسترشدين بفيلم أرنولد شوارتسنيجر ~~«استعادة كاملة» (1990). كثير من الأفلام الرائعة تستحضر الشكوكية وتستكشف جوانبها ~~بطريقة أو بأخرى، لكن فيلم «استعادة كاملة» هو حالة خاصة على الأقل من منظور متخصص ~~علم المعرفة المعاصر. # 1 # وسرعان ما سنعرف أسباب ذلك. # تدور أحداث فيلم «استعادة كاملة» عام 2048 على كوكب الأرض، حيث يحلم دوجلاس كويد ~~بكوكب المريخ. يتوق كويد إلى السفر إلى هناك كي يزور مستعمرة المريخ، لكن زوجته ~~لوري ترفض الفكرة كليا؛ ومن ثم عوضا عن السفر يوافق على خوض رحلة افتراضية ~~إلى المريخ، تعرضها شركة مريبة تدعى ريكال. تعد الشركة بزرع ذكريات داخل دماغه ~~عن إجازة على كوكب المريخ بدلا من قضاء إجازة فعلية هناك، تتسم رغم كل شيء بكونها ~~طويلة وشاقة، ومليئة بلحظات الملل. (الافتراض السائد في الفيلم هو أن الإجازات ~~الحقيقية ليست سوى طريقة غير مريحة لجمع الذكريات السعيدة. وهو افتراض سخيف قطعا، ~~لكن دعونا نقبله.) يوافق كويد على شراء عرض أفضل من العرض العادي فيختار مغامرة من ~~الدرجة الأولى على كوكب المريخ تدعى «سماء زرقاء فوق المريخ»، حيث يلعب دور عميل ~~سري يخوض أخطر مغامرة في حياته تتوج بفوزه بفتاة أحلامه ms053 (وهي الفتاة التي كانت ~~تظهر فعليا في أحلامه) وإنقاذه للكوكب. لكن بينما يخضع لعملية زرع ~~الذكريات، يحدث خطأ مروع. # يقاطع كويد سير عملية زرع الذكريات صارخا بشيء ما يتهمهم من خلاله بكشف هويته ~~السرية، فيقيد ويخدر ويلقى في سيارة أجرة تأخذه إلى منزله حيث يتعرض لمحاولة ~~قتل على يد زوجته، التي يتضح أنها لا تمت له بصلة؛ ثم يحاول مجموعة أشخاص آخرين ~~قتله كذلك، ثم تصله بعد ذلك حقيبة غامضة يستعين بها كي يهرب إلى كوكب المريخ حيث ~~يقابل ميلينا (واحدة من المتمردين الذين يقاتلون حاكم المريخ المستبد كوهاجين). ~~يخوض كويد وميلينا سلسلة من المغامرات الجامحة تتمخض في النهاية عن تحويل الغلاف ~~الجوي لكوكب المريخ ليماثل غلاف كوكب الأرض. # 2 ~~(وبفضل تقنية قديمة ابتكرتها كائنات فضائية يستغرق التحول الكامل لغلاف ~~المريخ الجوي دقيقة واحدة و45 ثانية تقريبا، إنها حقا تقنية رائعة!) ذلك ملخص ~~مختصر لأحداث الفيلم، يتخطى تقريبا جميع التطورات والتحولات المفاجئة في تلك ~~الحبكة السخيفة والمسلية لدرجة استثنائية، لا سيما التعقيدات المتعلقة بأزمة ~~الهوية لدى كويد ودوره غير المتعمد في مؤامرة تهدف إلى تدمير قيادة المتمردين ~~المريخيين. # 3 # لكننا نرغب في تحليل مشهد واحد محوري. # في هذا المشهد (الذي يبدأ في الدقيقة 58) يجلس كويد مسترخيا في غرفته بالفندق ~~(ليس أي فندق، بل هيلتون المريخ الفاخر) حيث يتلقى زيارة ~~من د. إدجمار من شركة ريكال. ويدور بينهما ~~هذا الحوار بينما يصوب كويد مسدسه إلى رأس محدثه: # إدجمار ~~: # أخشى أن ما سأقوله سيكون من الصعب عليك قبوله يا مستر كويد، أنت لا تقف ~~الآن هنا حقا. # كويد ~~: # ها، أتظن أنك تستطيع خداعي؟ # إدجمار ~~: # أتحدث جديا، أنت لست هنا ولا أنا أيضا. # كويد ~~(يضحك، بينما يفتش إدجمار بحثا عن أسلحة) ~~: # مدهش، أين نحن إذن؟ # إدجمار ~~: # نحن في شركة ريكال، أنت مقيد إلى كرسي زرع الذكريات، وأنا أراقبك ~~من جهاز تحكم متصل بمسبار نفسي. # كويد ~~: # آه، فهمت، تقصد أني أحلم، وأن ذلك كله جزء من الإجازة الممتعة التي ~~باعتها لي شركتك. # إدجمار ~~: # ليس ms054 بالضبط، أنت تعيش الآن وهما مرتجلا مستمدا من شرائط الذكريات ~~الخاصة بالشركة لكنك تخترع الأحداث بينما تستمر في الحلم. # كويد ~~: # حسنا، إذا كان ذلك وهما اخترعته بنفسي، فمن دعاك إذن؟ # إدجمار ~~: # لقد تم زرعي اصطناعيا في البرنامج كإجراء طارئ. للأسف أنت تعاني من ~~انسداد دموي فصامي. ونحن عاجزون عن إخراجك من أوهامك. لقد أرسلت هنا كي ~~أحاول إقناعك. # كويد ~~: # كم دفع لك كوهاجين كي تلعب هذا الدور؟ # إدجمار ~~: # فكر في الأمر. لقد بدأ حلمك وسط عملية زرع الذكريات. كل الأمور التي ~~أعقبت ذلك - المطاردات ورحلتك إلى المريخ وهذا الجناح الذي تقيم به في ~~فندق هيلتون - ليس سوى عناصر في قصة الإجازة والرحلة التي اخترتها في ~~ريكال. لقد دفعت لنجعل منك عميلا سريا. # كويد ~~: # هراء، تلك مجرد مصادفة. # بعد ذلك (بعدما تنضم لوري إلى المشهد في محاولة أخيرة لإقناع ~~كويد بفرضية الحلم) يلخص إدجمار المسألة تلخيصا بارعا. # إدجمار ~~: # أيهما أقرب للهراء يا مستر كويد؟ ~~هل أنت تعاني من نوبة جنون اضطهاد ناتجة عن التعرض لصدمة عصبية كيميائية ~~حادة، أم أنك في الحقيقة عميل سري لا يقهر، أتى من المريخ يقع ضحية ~~لمؤامرة كوكبية تسعى لجعله يظن أنه مجرد عامل بناء وضيع؟ # يبدو كما لو أن على كويد الاقتناع بحجج إدجمار، لكنه يكتشف ~~الخدعة في النهاية عندما يلمح نقطة عرق تنحدر على جبينه. إذا كان وجود إدجمار مجرد ~~وجود افتراضي، فإن المسدس المصوب إليه ليس حقيقيا ولا يوجد تهديد حقيقي موجه ~~إليه. فلما إذن يشعر بتوتر بالغ؟ وعلى الفور ودون الخوض في المزيد من المناقشات ~~النظرية، يطلق كويد الرصاص على إدجمار في منتصف جبهته، وتستعيد حبكة الفيلم ~~زخمها. # بالطبع كان استنتاج كويد القائم على نقطة العرق استنتاجا ضعيفا نسبيا. فهناك ~~الكثير مما قد يبرر توتر إدجمار؛ ربما كانت وظيفته على المحك؛ ومن ثم أثر ~~توتره أثناء مراقبته لكويد عبر جهاز التحكم على صورته الافتراضية في وهم كويد ~~المرتجل. على الأقل تبدو تلك احتمالية كان على كويد استبعادها كي يتيقن من صحة ~~استنتاجه. ms055 (ربما نبرر تصرف كويد بأن إطلاق الرصاص على صورة إدجمار الافتراضية لن ~~تضر أحدا سوى كويد نفسه، في حين أن إطلاق النار على إدجمار الكاذب ربما يعتبر ~~دفاعا عن النفس.) # ما الأدلة التي استطاع كويد استنتاجها كي يتمكن من استبعاد فرضية الوهم التي ~~يطرحها إدجمار؟ لا يبدو أنه يملك أدلة حاسمة. إذا كان الانسداد الدموي الفصامي، ~~المعزز بشرائط الذكريات الخاصة بشركة ريكال، قادرا على تعزيز وهم محكم بما ~~يكفي - وهم معقول حقا ومتسق تماما (حيث تتتابع الأحداث في ترتيب منطقي ولا ~~تتغير أشكال الأشياء والأشخاص اعتباطيا، إلى آخره) ويعج بالتفاصيل؛ ما يصعب ~~تمييزه عن حالة اليقظة - فلن يكون كويد قادرا على استبعاد احتمالية أنه يعيش حالة ~~من الوهم. من ناحية أخرى، نحن، في موقع المشاهدين، نعرف قطعا أن كويد لا يتوهم ما ~~حدث، ويرجع ذلك إلى أن جزءا كبيرا من الفيلم مروي من منظور شخص ثالث لا من ~~منظور كويد الشخصي. في بعض الأحيان نتابع الحدث من وجهة نظر كويد، لكن في أحيان ~~أخرى نشهد أحداثا لا يشهدها كويد نفسه. (إذا كانت تلك الأحداث جزءا من حلم، فمن ~~يحلم إذن؟ لا يمكن أن يكون كويد؛ فهو لا يعلم بها من الأساس.) في عالم «استعادة ~~كاملة» الخيالي، كويد عميل سري بالفعل، وهو حقا على وشك إنقاذ المريخ. # 4 # في هذا العالم الخيالي، جميع افتراضات كويد الأساسية حقيقية. لكن هل ~~يعرف هو أنها حقيقية؟ يتطلب امتلاك المعرفة، أكثر مما يتطلبه، امتلاك إيمان ~~صادق. # في المشهد الأخير من الفيلم (الدقيقة 44 من الساعة الثانية) بينما يحدق كويد ~~وميلينا في ذهول في سماء المريخ الجديدة التي ولدت لتوها (سماء زرقاء بالطبع)، ~~يقع كويد من جديد فريسة للحيرة على المستوى المعرفي. # ميلينا ~~: # لا أصدق ما أراه، أنه أشبه بحلم ... ماذا دهاك؟ # كويد ~~: # لقد خطرت لي الآن فكرة فظيعة، ماذا لو كان هذا كله حلما؟ # ميلينا ~~: # حسنا، قبلني سريعا إذن قبل أن تستيقظ. # يبدو أن كويد واقع في مأزق تشككي؛ فعلى الرغم من صحة معتقداته ~~(صحتها ms056 في عالم «استعادة كاملة» الخيالي)، كما يتضح لنا، هو على ما يبدو لا يعرف ~~حقا ما إذا كانت صحيحة. ربما كان جالسا بالفعل على جهاز زرع الذكريات يعاني آثار ~~الانسداد الدموي الفصامي (وذلك مصطلح رائع بالمناسبة، لا يعني شيئا في واقع الأمر، ~~لكن هذا لن يمنعنا من استخدامه قدر وسعنا). بالتأكيد يفسر المتشكك ورطة كويد على ~~هذا المحمل. وسيصر على أننا جميعا نخوض نفس الموقف المعرفي الذي يمر به كويد. نحن ~~نكتسب جميع معتقداتنا تقريبا عن العالم من حواسنا، ويؤمن المتشكك أنه «حتى في حالة ~~صحة تلك المعتقدات كلها (وهو لا يسلم ها هنا بأنها حقيقية)، فإنها لا تعتبر ~~معرفة.» على أي أساس يدعي المتشكك ذلك؟ فرغم كل شيء، كويد هو بطل فيلم يروي قصة ~~عجيبة؛ يوجد ما يبرر المأزق التشككي الذي يقع فيه. لكن ماذا عنا؟ # الحجة الشكوكية # يزعم المتشكك أنه إذا كانت حواسنا تخبرنا بالحقيقة؛ فنحن إذن لا نعاني من انسداد ~~دموي فصامي (يتسبب في جعلنا نخوض تجارب ونؤمن بمعتقدات وهمية). لكننا لا نعرف ما ~~إذا كنا نعاني من انسداد دموي فصامي أم لا. إذن نحن لا نعرف ما إذا كانت حواسنا ~~تخبرنا بالحقيقة أم لا. يعتقد المتشكك أن هذه الحجة تنطبق علينا جميعا، في جميع ~~الأوقات (لا استنادا فحسب إلى احتمالية إصابتنا بانسداد دموي فصامي، فتلك مجرد ~~أداة؛ فأي مأزق تشككي مشابه سيصلح). ربما يبدو واضحا أن كويد لا يستطيع أن ~~يعرف ما إذا كانت فرضية الانسداد الدموي الفصامي صحيحة أم لا. فأمامه العديد من ~~الأدلة التي تثبت صحتها، وحتى إذا كنا «نحن» نعرف أن هذه الأدلة مضللة، فإنه «هو» ~~لا يعرف. ومحاولته تفنيد الفرضية (الاستنتاج القائم على قطرة العرق) تفشل فشلا ~~ذريعا عند فحصها عن قرب. كويد عالق في مأزقه إذن. لكن هل يمكننا نحن استبعاد هذا ~~النوع من الفرضيات؟ # 5 # يتذكر كويد أنه ذهب إلى شركة ريكال؛ لقد وقع ضحية لفضوله وطبيعته ~~الواثقة. لكننا لم نرتكب بعد فعلا أحمق كهذا، على الأقل بقدر ما نستطيع ms057 التذكر. ~~حسنا ربما خضنا بالفعل مغامرة أشبه بمغامرة ريكال، لكن جميع ذكرياتنا عنها قد ~~محيت من عقولنا. إذا كان ذلك قد «حدث»، فليس بوسعنا الجزم بحدوثه؛ ومن ثم تصبح ~~الحجة كالتالي: إذا كان هذا الحدث «لم ~~يحدث» لنا، فإننا لا نستطيع الجزم بأنه ~~«لم يحدث». وسواء حدث أم لم يحدث لنا، لن نعرف في أي من الحالتين. تلك هي السمة ~~العامة للفرضيات التشككية. لا نستطيع إثبات زيفها على نحو حاسم؛ لأن جميع المعلومات ~~التي قد نستخدمها لإثبات زيفها هي معلومات من المحتمل أنها زرعت في رءوسنا كجزء من ~~الفرضية. الفرضيات التشككية هي الشكل الأوضح من نظريات المؤامرة. # هذا هو النهج التعليلي الذي نجده لدى المتشككين: لا يمكننا الجزم بزيف الفرضيات ~~التشككية لأننا عاجزون عن الوصول إلى المعلومات التي تثبت لنا زيفها، وبما أننا ~~ندرك أنه كي تعمل حواسنا كما ينبغي، لا بد من إثبات زيف تلك الفرضيات، فإننا لن ~~نعرف أبدا ما إذا كانت حواسنا تعمل على نحو سليم. بعبارة أخرى، نحن لا نكتسب أي ~~معرفة من حواسنا (مطلقا). # كيف نرد على حجة كتلك؟ علينا أولا شرحها بمزيد من الدقة، بحيث نفصل بين ~~المقدمات المنطقية المتنوعة والاستنتاج. ستظل فرضيتنا التشككية ها هنا هي الوهم ~~الناتج عن انسداد دموي فصامي، ولو أن فرضيات تشككية أخرى تصلح كذلك للغرض نفسه. ~~(سوف نلخص هذه الفرضية في الزعم التالي: «أنا أحيا في وهم».) ~~(1) # أنا لا أعرف ما إذا كنت غير موهوم (ولا أعرف كذلك ما إذا كنت أحيا في ~~الوهم أيضا، لكن تلك مسألة أخرى). ~~(2) # أعرف أنه إذا كانت حواسي تنقل لي الحقيقة، فإنني لست موهوما. ~~(3) # إذن أنا لا أعرف ما إذا كانت حواسي تنقل لي الحقيقة. # حسنا، ربما كانت القوة المنطقية لهذه الحجة غير واضحة تماما؛ ~~لذا دعونا نفصلها بعض الشيء: ~~(1) # أنا لا أعرف ما إذا كنت غير موهوم (المقدمة المنطقية الأولى). ~~(2) # أعرف أنه إذا كانت حواسي تنقل لي الحقيقة، فإنني لست موهوما ~~(المقدمة المنطقية الثانية). ~~(3) # فلنفترض أني أعرف «بالفعل» أن حواسي تنقل ms058 لي الحقيقة (هذه ليست مقدمة ~~منطقية جديدة، إنها مجرد افتراض. نذكره كي نفنده بعد ذلك). ~~(4) # عندئذ سأعرف أنني لست موهوما. (نستنتج ذلك من رقم (2) ~~و(3).) ~~(5) # لكننا قد اتفقنا بالفعل في رقم (1) على أنني لا أعرف هذا؛ ومن ثم لا ~~بد أن الافتراض رقم (3) خاطئ. ~~(6) # لذا أنا لا أعرف ما إذا كانت حواسي تنقل لي الحقيقة. # يعتمد هذا النوع من الحجج على طرح فرضية نظرية (في هذا النموذج ~~رقم (3)) واستخدامها، مع مقدمات منطقية ~~أخرى لاستنتاج تناقض. كلما تمكنا من استنتاج تناقض، فذلك يعني وجود خطأ ما؛ خطأ ~~الافتراض النظري أو خطأ واحدة أو أكثر من المقدمات المنطقية. يعتقد المتشكك أن ~~الافتراض النظري هو مكمن الخطأ الواضح في الحجة وأن بقية المقدمات المنطقية لا ~~يمكن عقلانيا إنكارها. # 6 # لكن الحجة لن تكون سليمة إلا إذا كانت الاستنتاجات كافة التي طرحت ~~خلالها صحيحة منطقيا، فهل هي كذلك؟ # البدائل ذات الصلة ومبدأ الإغلاق # هل هذه الحجة صحيحة منطقيا؟ بعبارة أخرى، هل الاستنتاج الذي تطرحه نشأ عن ~~المقدمات عبر المنطق فحسب؟ الإجابة هي لا. هذه الحجة هي ما يطلق عليها علماء ~~المنطق «قياسا مضمرا»؛ أي قياسا يعتمد على مقدمة غير مصرح بها، مقدمة ليست ~~صحيحة حسب المنطق وحده. تعرف المقدمة المفقودة باسم «مبدأ إغلاق المعرفة» (أو ~~اختصارا مبدأ الإغلاق). في النموذج الأطول من الحجة، استخدمنا رقمي (2) و(3) كي ~~نستنتج رقم (4). أعرف أن حواسي تخبرني بالحقيقة (3). وأعرف أنه إذا كانت حواسي ~~تخبرني بالحقيقة فأنا لست موهوما (2). نستنتج من هذا أنني أعرف أنني لست موهوما ~~(4) (وبما أن رقم (4) استنتاج خاطئ، فرقم (3) أيضا خاطئ). يبدو الأمر معقولا ~~جدا. لكنه يعتمد بالفعل على مبدأ يتعلق بآلية عمل مفهوم المعرفة. إنه يعتمد على ~~فكرة انتقال المعرفة عبر الاستلزام المنطقي. فيما يلي تعبير بسيط عن هذا المبدأ، ~~باستخدام الرمزين «أ» و«ب» للدلالة على أي فرضيات: # مبدأ إغلاق المعرفة # إذا كان أحد الأشخاص يعرف «أ» ويعرف أيضا أن «أ» يستلزم منطقيا «ب»، ~~فإن ذلك الشخص يعرف «ب» أيضا. # بدون هذا المبدأ، تعجز ms059 حجة المتشككين عن أداء وظيفتها. ربما تتساءل عن وجه ~~الخطأ في الأمر، فمبدأ الإغلاق يبدو صحيحا دون شك. إذا كان المرء يعرف شيئا، ~~ويعرف أن هذا الشيء يستلزم منطقيا شيئا آخر، فكيف إذن لا يعرف هذا الشيء الآخر؟ ~~يبدو من الصعب الجدل بشأن مبدأ الإغلاق. لكن هذا هو تحديدا ما سنفعله. (وهذه طريقة ~~واحدة فحسب من طرق الرد على المتشككين. يوجد العديد من المناهج الأخرى، لكننا ~~سنتناول في هذا الفصل محاولات تفنيد حجة المتشككين عبر إنكار مبدأ ~~الإغلاق.) # كان فريد دريتسكي أول من طور هذا النهج المضاد لمنطق المتشككين، والذي يعرف ~~عامة بحجة «البدائل ذات الصلة» التي ترد على المتشككين (سنعرف عما قريب لماذا ~~سميت بذلك الاسم). يزعم دريتسكي أن مبدأ الإغلاق ليس صحيحا في جميع الأحوال. ~~ولتوضيح فكرته، سنعود إلى أحداث الفيلم. في المشهد الأخير من الفيلم، يتساءل كويد ~~ما إذا كانت مغامرته تلك حلما. هو لا يحلم، لكنه غير متأكد من ذلك. والآن فلنتأمل ~~حالة ميلينا، هي ليست حائرة مثل كويد، ولا هي نتاج خياله. # 7 # هي حقيقية، وتعرف أنها حقيقية. هي على كوكب المريخ، وتعرف أنها على ~~كوكب المريخ (لقد قضت حياتها كلها عليه). هي تعرف أن كوهاجين طاغية (لقد تعاملت معه ~~من قبل) ... إلخ. هل تعرف أنها لا تحلم بكل هذا؟ هل تعرف أنها لم تقع في يد كوهاجين ~~الذي زرع في دماغها ذكريات زائفة، ثم وضعها داخل ديكور زائف لفيلم تدور أحداثه على ~~كوكب المريخ بصحبة ممثل يشبه أرنولد شوارتسنيجر كثيرا؟ ربما لا تعرف ذلك، رغم ~~كونها تعرف العديد من الأشياء الأخرى عن حياتها. كيف يمكن ذلك إذن؟ # لكي نستوضح ذلك علينا تأمل طبيعة المعرفة. (ربما بدأت تفكر بالفعل أن الوقت قد ~~حان لذلك.) ماذا نعني عندما ننسب المعرفة إلى شخص ما؟ نوع المعرفة الذي نتناوله ها ~~هنا هو معرفة افتراضية؛ أي معرفة أن افتراضا ما صحيحا. كي نمتلك هذا النوع من ~~المعرفة علينا أن نؤمن بافتراض ما، وبأن هذا الافتراض صحيح. لكن هذا لا ms060 يكفي كي ~~نكتسب «معرفة» حقيقية. ماذا نحتاج بالإضافة إلى ذلك؟ يرد دريتسكي بأننا نحتاج لأن ~~نكون قد توصلنا إلى الاعتقاد في هذا الافتراض بطريقة موثوق بها. لكي ينظر إلى ~~اعتقادنا الصحيح بأنه معرفة، لا يمكن أن يكون إيماننا به قد حدث مصادفة أو لمجرد ~~أننا قد خمناه أو لأنه قد غرس في أذهاننا. ويقترح دريتسكي الاختبار التالي: لو ~~كان هذا الافتراض خاطئا، هل كنا سنظل مؤمنين به؟ إن أجبنا على هذا السؤال بنعم، ~~فإن معتقدنا لا يتبع الحقيقة بما يكفي كي ينظر إليه باعتباره معرفة. وإن أجبنا ~~بلا، فإن معتقدنا الصحيح سيعتبر معرفة. # اختبار دريتسكي للمعرفة # هل كنت سأومن بهذا الافتراض لو كان خاطئا؟ # الخصم الأهم لرؤية دريتسكي للمعرفة (وللكثير من تنويعاتها) هو نموذج «الاعتقاد ~~الصحيح المبرر» للمعرفة. حسب نموذج الاعتقاد الصحيح المبرر، لا يعتبر الاعتقاد ~~الصحيح معرفة إلا إذا كان لدينا مبرر لاعتناقه. يبدو نموذج الاعتقاد الصحيح ~~المبرر معقولا للغاية، وقد شاع في الفلسفة لوقت طويل. لكن ثمة شائبة تشوبه. ~~تأمل الحالة التالية: هب أنك نظرت إلى الساعة على حائط غرفة نومك، ووجدتها ~~تشير إلى العاشرة. وهب علاوة على ذلك أن الساعة بالفعل العاشرة، وأنك تعتقد ~~اعتقادا مبررا تماما بأن الساعة تعمل كما ينبغي (لقد عملت بكفاءة منذ أن ~~امتلكتها، ولم يمض على تغييري بطاريتها سوى أسبوعين)؛ ومن ثم تصبح رؤية الساعة ~~مبررا للاعتقاد بأن الساعة العاشرة. وإذا كانت الساعة العاشرة بالفعل، يصبح لديك ~~اعتقاد صحيح مبرر بأن الساعة العاشرة. لكن هل تعرف أن الساعة العاشرة؟ فلتفترض أن ~~الساعة قد توقفت دون علمك منذ ثلاثة أيام عند الساعة العاشرة بالضبط. في هذه ~~الحالة، يمكننا القول إنه بالرغم من أن لديك اعتقادا مبررا بأن الساعة هي ~~العاشرة، وأنها بالفعل كذلك، فإنك لا تعرف أنها العاشرة. لم يظهر لديك هذا الاعتقاد ~~الصحيح المبرر سوى مصادفة. وذلك ينفي، على ما يبدو، زعم المعرفة. (الأمثلة ~~المناقضة من هذا النوع تعرف باسم «أمثلة جيتيه المناقضة» لأنها برزت إلى حيز ~~الاهتمام للمرة الأولى في بحث ms061 شهير كتبه إدموند ~~جيتيه (1963).) لدى دريتسكي إجابة جاهزة ~~على أمثلة جيتيه المناقضة. أنت لا تعرف أن الساعة العاشرة لأنه اتضح أنك لم تكتسب ~~اعتقادك بأن الساعة العاشرة عبر سبل موثوق بها. إذا لم تكن الساعة العاشرة، هل ستظل ~~تعتقد في هذه الحالة بأنها كذلك؟ نعم ستظل تعتقد بذلك؛ فالساعة ستظل تشير إلى ~~العاشرة. لكنها ستكون خاطئة هذه المرة؛ ومن ثم لا تجتاز هذه الحالة اختبار ~~دريتسكي للمعرفة. في هذا المثال، أنت لا تعرف كم الساعة الآن رغم كل شيء. تبدو هذه ~~هي الإجابة الصحيحة بداهة. # فلنتأمل اختبار دريتسكي عن كثب. هل تعرف ميلينا أنها على كوكب المريخ؟ هي تؤمن ~~حقا أنها كذلك، لكن هل هي قادرة على اجتياز الاختبار؟ يبدو الاختبار سهلا حقا. ~~اعتقاد ميلينا بأنها على كوكب المريخ اعتقاد صحيح. لكن في حال كونه اعتقادا ~~خاطئا، هل كانت ستستمر في الإيمان به؟ كيف نحكم على سؤال كهذا؟ إنه يطلب منا الحكم ~~على صحة نوع خاص من الادعاء يعرف باسم «شرط مناقض للواقع». يطرح هذا الشرط سيناريو ~~افتراضيا خالصا (سيناريو نعتقد أنه خاطئ، أو بعبارة أخرى مناقض للحقائق) ثم ~~يقدم زعما حول ما كان سيحدث في هذا السيناريو الافتراضي. تأمل مثالا آخر على ~~الشرط المناقض للواقع: «لو أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تقصف مدينتي هيروشيما ~~وناجازاكي، فإنها كانت ستنتصر رغم ذلك في الحرب العالمية الثانية.» هل هذا الزعم ~~صحيح أم لا؟ كيف يفترض بنا تفسير ذلك؟ إن الشرط المناقض للواقع يقدم زعما حول ما ~~كان سيحدث في حالة عدم حدوث القصف، «مع بقاء العوامل الأخرى كافة في الحرب على ~~حالها». من العبث الرد على هذا الشرط عبر تخيل احتمالات عجيبة (كأن نتخيل أن ~~الولايات المتحدة تعفو عن هيروشيما، ثم في اليوم التالي تهبط كائنات فضائية من كوكب ~~المشتري على المدينة، وتمنح الجيش الياباني سلاحا خارقا يمكنهم من الانتصار في ~~الحرب، وتأسيس أسرة حاكمة تدوم لألف عام). الاحتمالات العجيبة غير ذات أهمية. يطرح ~~الشرط المناقض للواقع زعما حول ما كان سيحدث ms062 إذا تغير عامل واحد فقط (عدم حدوث ~~القصف قط) مع بقاء العوامل الأخرى كافة كما هي باستثناء تلك العوامل التي نتجت ~~عن هذا العامل المتغير. سيطلق الفلاسفة على هذا الموقف المحتمل العالم الأقرب ~~احتمالا الذي لم يقع فيه قصف هيروشيما وناجازاكي. إنه عالم محتمل حيث ظل مسار ~~الحرب وصولا إلى نقطة الهجوم على هيروشيما وناجازاكي كما هو. ومن ثم ظلت جميع ~~العوامل التي أدت إلى هزيمة اليابان محتفظة بتأثيرها. كان الجيش الياباني في موقف ~~محفوف بالمخاطر قبل القصف مباشرة، ودون توفر سبيل محتمل للانتصار لديه؛ ومن ثم ~~كانت اليابان ستلقى، في الوقت المناسب، الهزيمة. بعبارة أخرى، كانت اليابان ستلقى ~~هزيمة في العالم الأقرب احتمالا حيث لم تقع الهجمات على هيروشيما وناجازاكي. إذا ~~كان هذا صحيحا، فإن الشرط الذي طرحناه صحيحا كذلك. وإذا لم يكن هذا صحيحا، فإن ~~الشرط يصبح خاطئا. # فلننظر كيف نطبق هذا على حالة ميلينا. تعتقد ميلينا اعتقادا صحيحا، كما يتضح في ~~النهاية، أنها على كوكب المريخ. هل كانت ستظل تعتقد أنها على المريخ حتى لو لم تكن ~~هناك؟ ما هو العالم الأقرب احتمالا لوجودها فيه إذا لم تكن توجد ميلينا على كوكب ~~المريخ؟ هل هو العالم الذي تكون فيه على كوكب الأرض، الذي سافرت إليه عبر مكوك ~~فضائي؟ هل هو العالم الذي اختطفتها فيه عصابة كوهاجين، وقيدتها إلى جهاز زرع ~~الذكريات، وغرست في ذهنها عنوة وهما يجعلها تظن أنها على كوكب المريخ؟ أي من ~~تلك العوالم تعتقد أنه العالم الأقرب احتمالا؟ بعبارة أخرى؛ أي سيناريو ينحرف ~~بأقل قدر ممكن عن العالم الواقعي؟ (تذكر، هذا العالم الواقعي هو العالم الذي تعيش ~~فيه ميلينا بالفعل على كوكب المريخ، ويسجل الفيلم الأحداث وقت حدوثها تقريبا.) من ~~الواضح (أليس كذلك) أن سيناريو المكوك الفضائي الممل ينحرف عن العالم الواقعي إلى ~~حد يقل كثيرا من المنظور الدرامي عن السيناريو التشككي. في هذه الحالة، في وسع ~~ميلينا أن تكتشف بسهولة أنها على كوكب الأرض، وليست على كوكب المريخ (ليس من الصعب ~~اكتشاف الفرق ms063 بين الكوكبين). وهكذا أصبح لدينا إجابة عن سؤال الاختبار. لن تعتقد ~~ميلينا أنها على كوكب المريخ لو لم تكن هناك. ومن ثم تجتاز اختبار دريتسكي، هي ~~تعرف أنها على كوكب المريخ. # حتى الآن تبدو الأمور جيدة. لكن ماذا عن مبدأ الإغلاق؟ كيف يؤدي بنا منظور ~~دريتسكي للمعرفة إلى رفض مبدأ الإغلاق؛ ومن ثم رفض حجة المتشككين؟ ميلينا تعرف ~~أنها على كوكب المريخ. لكن هل تعرف أنها لم تتعرض للخداع على يد كوهاجين وشركائه كي ~~تظن أنها على المريخ بينما هي ليست هناك؟ ذلك سؤال مختلف. ربما تعتقد أنها لم تتعرض ~~للخداع، وربما تكون على حق في ذلك. لكن هل «تعرف» أنها لم تتعرض للخداع؟ دعونا نطبق ~~اختبار دريتسكي مرة ثانية؛ هذه المرة على اعتقاد ميلينا بأنها «لم تتعرض للخداع على ~~يد كوهاجين وشركائه.» يعجز هذا الافتراض عن اجتياز اختبار دريتسكي. فإذا كانت ~~ميلينا قد تعرضت للخداع في إطار مؤامرة دفعتها إلى الاعتقاد بأنها على المريخ، ~~فإنها ستظل تعتقد أنها على المريخ (فذلك هو هدف المؤامرة في النهاية). بالطبع إذا ~~فكرت ميلينا في هذه الفرضية التشككية فإنها ستنبذها على الأرجح باعتبارها فرضية ~~زائفة. رغم ذلك فإن نبذها للفرضية، رغم كونه صحيحا، ليس قويا ولا موثوقا به بما ~~يكفي لاعتباره معرفة. النتيجة النهائية لهذا كله هي أن مبدأ الإغلاق سيخفق في ~~تفسير حالة ميلينا. هي تعرف أنها على كوكب المريخ، وتعرف أنها إذا كانت على المريخ، ~~فهي إذن لم تقع فريسة لمؤامرة كوهاجين الرامية لخداعها كي تظن أنها على كوكب المريخ ~~في حين أنها ليست هناك. لكن رغم ذلك، هي لا تعرف أنها ليست ضحية لهذه المؤامرة، ~~وحقيقة أنها لا تستطيع استبعاد الفرضية التشككية على نحو موثوق به لا تعني أنها لا ~~تستطيع الاعتقاد على نحو موثوق به بمجموعة كاملة من الأشياء الحقيقية، من بينها ~~أنها على كوكب المريخ مع كويد، وأنهما قد أنقذا الكوكب لتوهما. حسب تعبير ~~دريتسكي، البديل الذي يرغب المتشكك في أن ننظر إليه بجدية هو بديل غير ذي ms064 صلة ~~فيما يتعلق بتقييم ما إذا كانت معتقدات ميلينا اليومية تعتبر معرفة أم لا. # تتبع الحقيقة وتعقب المبررات # مع ذلك توجد مشكلة. (بالطبع توجد مشكلة؛ فلا يمكن أن توجد فلسفة دون مشكلة.) يحقق ~~تحليل دريتسكي على ما يبدو نجاحا مبهرا في حالة ميلينا، لكنه يتمخض على ما يبدو ~~عن نتيجة سلبية في حالة كويد. لقد ذكرنا منذ لحظات أن كويد عالق في مأزق تشككي. حسب ~~رؤية دريتسكي، ذلك غير صحيح. باستثناء التذبذب الذي يبديه في نهاية الفيلم - ~~والمشهد القصير حيث أوشك الدكتور إدجمار على هزيمته - هو يعتقد أنه على كوكب ~~المريخ. وهو على حق كما سيتضح لاحقا. هل كان سيستمر في اعتقاده هذا لو لم يكن ~~صحيحا؟ لاحظ أن السؤال هنا ليس: «هل كان سيظل يعتقد ذلك لو كان على كوكب الأرض ~~يعاني انسدادا دمويا فصاميا؟» ذلك سؤال لا يمت للموضوع بصلة؛ نحن نسأل عما ~~إذا كان إيمانه ب «ظروفه الفعلية» يتبع مسار الحقيقة على نحو موثوق. حسب الفيلم، ~~فإن الظروف الفعلية التي تحيط بكويد تؤكد أنه على كوكب المريخ، يكافح في سبيل ~~إنقاذه. والإجابة عن هذا السؤال الأخير - هل كان كويد سيظل معتقدا أنه على كوكب ~~المريخ إذا كان قد رجع إلى الأرض يباشر حياته الطبيعية؟ - هي لا. إذا كان كويد قد ~~رجع إلى كوكب الأرض فلن يواجه أي صعوبة في اكتشاف الفارق بين الكوكبين؛ وهو ليس ~~بفارق تصعب ملاحظته في النهاية. إذن، حسب نظرية دريتسكي، يعرف كويد تماما أنه على ~~كوكب المريخ، وأن شكوكه في غير موضعها. لكن بالطبع، لا يمكن نعت شكوكه بالتفاهة. ~~لقد أعد فيلم «استعادة كاملة» إعدادا ~~بارعا كي يعرض كيف يتتبع المرء الحقيقة على نحو موثوق، ورغم ذلك تكتنفه شكوك ~~مشروعة تماما. يبدو أنه «يجب» على كويد التشكك في أنه على كوكب المريخ بالنظر إلى ~~التجارب التي خاضها على مدار البضعة الأيام الماضية، لا مثلما يتشكك المتشككون على ~~نحو غامض في كل شيء تقريبا، بل يتشكك تشككا جديا. (بالتأكيد ذلك ما يفعله ~~تحديدا في ms065 أجزاء عدة من الفيلم؛ وربما لو كان أكثر ذكاء بعض الشيء لزاد معدل ~~تشككه.) يبدو من الغريب القول بأن شخصا ما يعرف شيئا لكن ينبغي له التشكك ~~جديا في كونه حقيقيا أو لا. «أنا أعرف «أ»، لكن ينبغي لي التشكك جديا في ~~كونه حقيقيا.» يبدو الأمر متناقضا نسبيا. # إذن أين يكمن الخطأ؟ نقترح التفسير التالي: يحقق اختبار دريتسكي نجاحا كبيرا في ~~أوقات كثيرة، رغم ذلك هو حل ذو إطار واحد لا يمكن تعديله ليناسب شتى المواقف. ولا ~~يقيس على نحو واف الطريقة التي لا يتتبع بها الأشخاص الحقيقة فحسب (مثلما تتتبع ~~أزهار عباد الشمس قرص الشمس) وإنما طريقة تتبعهم للمبررات كذلك. قد يتتبع شخصان ~~الحقائق تتبعا موثوقا بالدرجة نفسها، ورغم ذلك يختلفان تماما فيما تدفعهما ~~مبرراتهما إلى الاعتقاد به. ربما يجد أحدهما مبررا للشك في حقيقة التجربة التي ~~مرا بها (كما في حالة كويد)، في حين لا يجد الشخص الآخر مبررا لذلك (كما في حالة ~~ميلينا). ينبغي أن تتبع عملية نسب المعرفة المبررات التي تدفع الناس إلى التشكك في ~~معتقداتهم أو عدم التشكك فيها. ولا ينبغي لها الاكتفاء بتتبع الوضع الخارجي ~~لأدائهم بوصفهم فاعلين بشريين يسعون لاكتساب المعرفة. # نحن لا نرغب في استبعاد اختبار دريتسكي بعيوبه ومحاسنه على حد سواء. هل ثمة ~~طريقة لتعديله بحيث يسفر عن نتائج صحيحة في الحالات المشابهة لحالة ميلينا وتلك ~~المشابهة لحالة كويد أيضا؟ نقترح المحاولة التالية التي تتضمن سؤالين لا بد من ~~الإجابة عنهما بالنفي كي ينظر إلى أي اعتقاد حقيقي باعتباره معرفة: # تتبع الحقيقة: هل كنت سأظل معتقدا في «أ» إذا كان زائفا؟ # الاستجابة للمبررات: هل لدي مبرر جيد لعدم الاعتقاد في «أ»؟ # إن الاعتقاد الصحيح الذي يتعقب الحقيقة بفعالية ويستجيب ~~للمبررات بكفاءة على النحو الذي يحدده هذا الاختبار يمكن اعتباره معرفة. # 8 # بالطبع لن يسعنا التقدم أكثر دون وصف لطبيعة «المبرر الجيد». وتلك ~~مسألة لا يمكننا بحثها ها هنا. من منظور بديهي، لدى كويد مبررات جيدة للاعتقاد بأنه ~~ليس على كوكب المريخ ms066 (جميع المصادفات التي دفعته دفعا إلى مغامرته؛ حقيقة أنه دفع ~~مقابلا ماديا لقاء مغامرة تدعى «سماء زرقاء على كوكب المريخ» وكيف انتهت به ~~الحال لينظر إلى سماء المريخ التي أصبحت زرقاء ... إلخ). من ناحية أخرى، ميلينا لا ~~تملك مبررا جيدا يدفعها للاعتقاد بأنها ليست على كوكب المريخ. والمؤلف لا يملك ~~مبررا جيدا يدفعه للاعتقاد بأن يده التي يراها أمامه (تخيل أحد مؤلفي الكتاب ~~يلوح بيده أمام وجهه) ليست حقيقية. # 9 # إن النقطة المحورية في صراعنا مع الشكوكية هي أن الاحتمالات التشككية ~~لا تمنحنا، في الظروف العادية، مبررات جيدة للتشكك في المعتقدات المعتادة. كل ما في ~~الأمر أن الظروف التي مر بها كويد لم تكن طبيعية على الإطلاق. # أسئلة ~~«أنا أفكر إذن أنا موجود» هذا هو استنتاج ديكارت الأشبه بنقطة ارتكاز ~~أرخميدس. زعم أرخميدس (وكان محقا) أنه إذا توفرت نقطة ارتكاز ثابتة ~~(لا تتحرك أبدا) ورافعة صلبة تماما ذات طول مناسب (لا بد أن تكون ~~طويلة)؛ ففي وسع المرء تحريك الكرة الأرضية مستعينا بقوته فقط. هل ~~استطاع ديكارت دفع المتشككين بعيدا عبر نقطة ارتكازه الخاصة، ~~وباستخدام قدراته العقلية ليس إلا؟ ماذا ستسفر عنه المعرفة اليقينية ~~الكاملة بوجود المرء سوى معرفة يقينية كامله بوجوده؟ إذا كان كل ما ~~تعرفه هو أنك موجود، كيف تعرف أنك «كائن مفكر»؟ ما الذي يجعل ديكارت ~~واثقا من هذا؟ ما الأشياء الأخرى التي قد يثق بها أيضا؟ # هل كنا على حق في زعمنا أن كويد موجود حقا على كوكب المريخ (في ~~الفيلم)؟ هل يوجد ما يدعم تفسيرا أكثر غموضا للفيلم؟ لقد زعمنا أن ~~الفيلم مروي من منظور طرف ثالث نظرا لوجود الكثير من المشاهد؛ حيث ~~نرى أحداثا منفصلة تماما عن منظور كويد. إذا كانت القصة كلها وهما، ~~فإلى أي جزء من الوهم تنتمي هذه الأجزاء؟ هل يمكن للمرء عيش وهم من ~~منظور طرف ثالث؟ وهل سيظل وهما فعالا في هذه الحالة؟ # معظم الأفلام التشككية (أي الأفلام التي تجسد أفكارا رئيسية ~~تشككية) تحقق تأثيرها عبر وضع المشاهدين في ms067 مأزق تشككي (يتوحد الجمهور ~~مع بطل الفيلم فيصير لا يعرف ما الحقيقي أكثر مما يعرفه البطل). يتبنى ~~فيلم «استعادة كاملة» عكس هذا الأسلوب؛ إذ يعرض بطلا لا يعرف ما ~~الحقيقي - بطلا ينبغي أن تكتنفه الشكوك، وينبغي أن ينبذ معتقداته حول ~~ما هو حقيقي، أو على الأقل يقبل أنه لا يعرف - بينما يعرض للجمهور ما ~~هو حقيقي في الواقع (في الفيلم). لقد زعمنا أن هذا السيناريو أكثر ~~إثارة للاهتمام بمراحل في مجال دراسة المعرفة والشكوكية مقارنة ~~بالسيناريو المعتاد للأفلام التشككية. هل نحن محقون في هذا؟ ~~ولماذا؟ # في هذا الفصل، ركزنا على حجة تشككية واحدة، وزعمنا أنها تقتضي ضمنا ~~مبدأ الإغلاق. إذا استطعنا التغلب على مبدأ الإغلاق، يمكننا استبعاد ~~الحجة التشككية. هل نجح دريتسكي في تفنيد مبدأ الإغلاق؟ لقد طرح ~~منظورا للمعرفة يدفع بأن مبدأ الإغلاق لا ينطبق على نحو دائم. لكن ~~أهذا منظور مقبول للمعرفة؟ انتقدنا منظور دريتسكي للمعرفة في هذا الفصل ~~أيضا. (بالتأكيد تكمن القيمة الكبرى للفيلم في أنه يهدد صحة منظور ~~دريتسكي.) هل يعني هذا أن الحجة التشككية قد استعادت قوتها؟ (ربما لا. ~~يعتمد هذا على أي من جوانب نظرية دريتسكي نجت من هجومنا النقدي، أو ~~بالطبع على ما إذا كان نقدنا نجح من الأساس.) # في نهاية هذا الفصل، نقترح منظورا هجينا للمعرفة: تتطلب المعرفة ~~تتبع الحقيقة والاستجابة للمبررات على حد سواء. وقد ابتكرنا هذا ~~المنظور لتناول حالة «استعادة كاملة»، بينما نحتفظ في الوقت نفسه بأكبر ~~قدر ممكن من مزايا منظور دريتسكي. يقتصر عامل الاستجابة للمبررات في ~~هذا المنظور على الحد الأدنى. إنه لا يتطلب إلا عدم امتلاك المرء ~~مبررات تكفي لرفض الاعتقاد قيد البحث. هل ينبغي منح هذا العامل مزيدا ~~من القوة؟ أينبغي أن نملك مبررا إيجابيا يدفعنا للاعتقاد في افتراض ~~ما كي يعتبر اعتقادنا معرفة؟ ما نقاط القوة والضعف التي قد تترتب على ~~هذا التنقيح؟ # يوجد العديد من الرؤى المختلفة للمعرفة في الفلسفة المعاصرة. لقد ~~ناقشنا رؤيتين (رؤية دريتسكي ~~وتعديلنا الهجين لها). تعتمد بعض الرؤى الفلسفية الأخرى ms068 للمعرفة على ~~فكرة أن المعتقد الذي يعتبر معرفة هو مفهوم يختلف من سياق لآخر. إذا ~~سألك صديق هل تعرف أين ركنت سيارتك، ربما تستطيع الإجابة عن سؤاله ~~إجابة صحيحة بأنك تعرف. (أنت تتذكر أنك ركنتها.) إذا سألك فليسوف ~~شكوكي، فسيصعب التكهن بنتيجة هذا الموقف. هذا النوع من نظرية المعرفة ~~يعرف باسم «السياقية»، وله تنويعات عديدة. هل تعتقد أن مزاعم المعرفة ~~تختلف من سياق لآخر كما يبدو في هذا المثال؟ ما الذي يمكن فعله فيما ~~يتعلق بالنظريات التي ناقشناها كي نجعلها متوافقة مع السياقية؟ # | هوامش # الفصل الرابع # | علم الوجود و«المصفوفة» # دراسة علم الوجود # يتناول نيو حبة دواء فيستيقظ. يدرك أن لديه جسدا ثانيا، جسدا يرقد عاريا، ~~خاليا من الشعر، مغمورا في سائل لزج داخل حجيرة تشبه قرن البازلاء. لقد قضى ~~حياته كلها بينما هذا الجسد الثاني قابع في حجيرته، ومتصل بجهاز كمبيوتر عملاق ~~عبر قضيب معدني مدبب مغروس في مؤخرة رأسه. يحاكي الكمبيوتر الجهاز الحسي لدى الجسد ~~الراقد في الحجيرة. وبذلك يغمس نيو في عالم افتراضي يشاركه فيه ملايين البشر ~~الآخرين. هذا العالم هو المصفوفة. # 1 # لقد كان نيو يستخدم دماغ جسده القابع في الحجيرة - دماغ ~~الحجيرة - في التفكير، واتخاذ القرارات، والوعي بما حوله، والشعور بالحب أو ~~الكره أو الخوف نحو جميع الأشياء التي أحبها أو كرهها أو تخوف منها، في حين ~~يستخدم الكمبيوتر في كل شيء آخر؛ فهو يوفر البيئة التي يعيش بها، وقناة الاتصال ~~التي تمكنه من التواصل مع أدمغة البشر الآخرين القابعين في الحجيرات، وصورة جسده ~~داخل المصفوفة (التي تماثل، لدواعي الغرابة، جسد الحجيرة في كل شيء باستثناء ~~الشعر). يفعل الكمبيوتر ذلك كله عبر تنظيم دفقات من المعلومات وتحديثها والتحكم ~~بها. لقد كان نيو في الوضع الذي يطلق عليه الفلاسفة «دماغ في وعاء». # يصور فيلم «المصفوفة» (1999) اكتشاف نيو للحياة خارج المصفوفة، والحرب المشتعلة ~~بين البشر الذين تحرروا من الحجيرات، والآلات التي خلقت المصفوفة وتتحكم بها. ~~لكن كيف ننظر إلى الحياة داخل المصفوفة: العالم الافتراضي الذي قضى نيو داخله ms069 ~~حياته كلها؟ كيف نفهم العلاقة بين العالمين؟ هل عالم منهما حقيقي، بينما الآخر ~~مجرد قشرة فارغة أو وهم؟ هل نيو خارج المصفوفة أكثر اتصالا بالواقع عما كان داخل ~~المصفوفة (قبل أن يتناول حبة الدواء، وقبل أن يتقن التنقل ذهابا وإيابا بين ~~العالمين)؟ عندما نطرح تلك الأسئلة الجوهرية حول طبيعة الواقع فنحن نطرح مسألة ~~أساسية في الميتافيزيقا، ألا وهي مسألة علم الوجود (الأنطولوجيا). وهو فرع من ~~الميتافيزيقا يسعى للإجابة عن أسئلة من قبيل «ما الموجود؟» و«ما الحقيقي؟» وينشغل ~~بالأسئلة التي تتناول أنواع الأشياء الموجودة وطبيعتها. # سوف نعرض الدراسة الفلسفية لعلم الوجود عبر طرح مثال. هل العقل موجود؟ ربما يبدو ~~وجوده أمرا جليا؛ لذا دعونا نطرح سؤالا مختلفا قليلا. إذا وضعنا قائمة تضم ~~جميع الموجودات، ولم نذكر على الإطلاق العقل والحالات العقلية؛ مثل القصد والاعتقاد ~~والأمل والحب والخوف والبهجة، هل ستصبح هذه القائمة غير مكتملة؟ قد تتضمن القائمة ~~الدماغ وكل ما يدور داخله وكل ما يتفاعل معه، لكنها لن تتضمن فحسب أي ذكر محدد ~~للعقل. فلتفترض على سبيل المثال أنك رأيت شخصين يتجادلان في الشارع؛ قد تتضمن ~~قائمتنا: الشخصين وما يحدثانه من ضجيج، والأسباب المباشرة لهذا الضجيج؛ ألا وهي ~~المسارات العصبية التي ترسل تعليمات إلى الأحبال الصوتية ... إلخ. لكنها لن تذكر ~~حقيقة أن الشخص الأول قد نسي موعدا مع الشخص الثاني، والشخص الثاني يعتقد بأن هذا ~~النسيان علامة واضحة على أن الشخص الأول لا يحبه، أو لا يحبه بالقدر الكافي. إذا ~~كنت تعتقد أن هذا النوع من التفسيرات النفسية المنطقية يمكن مبدئيا الاستعاضة عنه ~~بكلام أكثر تحديدا أو أكثر التزاما بالمعايير العلمية - لا لأسباب عملية بل ~~لأسباب توضيحية - فإنك ترفض فكرة العقل كموجود أولي من منظور علم الوجود. ربما ~~تعتقد أن العالم يتكون من جزيئات في الزمكان، وأن كل ما يحدث في العالم يمكن ~~تفسيره، مبدئيا، من منظور ما يحدث لتلك الجزيئات. وفي هذه الحالة، قد تصبح شخصا ~~يعتنق وجهة نظر اختزالية عن العقل، أو ربما تكون شخصا يعتنق وجهة نظر إقصائية ms070 حول ~~العقل. تلك مصطلحات فلسفية متخصصة، سنعرضها فيما يلي عرضا أبسط. # يعتقد صاحب وجهة النظر الاختزالية أننا عندما نتحدث عن العقول والحالات العقلية، ~~فإن اللغة التي نستخدمها تلتقط في الواقع حقائق حول شيء آخر؛ قد تلتقط حقائق حول ~~الدماغ وأنشطته، وربما تلتقط حقائق حول الدماغ وتفاعلاته مع بيئته (التي تتضمن ~~الجسد الذي يحوي الدماغ وما يحيط بهذا الجسد والأجساد الأخرى والأدمغة الأخرى). ~~ربما تلتقط أيضا أنواعا أخرى من الحقائق. إذا كان الاختزاليون على حق، فيمكن، ~~لأغراض توضيحية، الاستعاضة عن الحديث عن العقل بالحديث عن أشياء أخرى. يعني هذا ~~أننا لا نعتقد من منظور علم الوجود بوجود العقل كفئة خاصة منفصلة؛ فالعقول، من ~~المنظور الاختزالي، ليست موجودا أوليا. وبما أن الحديث عن العقل يمكن اختزاله في ~~الحديث عن أشياء أخرى، فإن العقول لا توجد إلا كجانب من طبيعة الأشياء ~~الأخرى. # على صعيد آخر، يرى أصحاب وجهة النظر الإقصائية أننا عندما نتحدث عن العقل نطرح ~~نظرية زائفة في الأساس عن العالم. هم يعتقدون أنه يجب علينا الاستعاضة عن الحديث عن ~~العقل بحديث أكثر التزاما بالمعايير العلمية، كحديث عن تنشيط المسارات العصبية ~~مثلا. إذا كان الإقصائيون على حق، فإن الحديث عن العقل وخصائصه المميزة لا يشير ~~إلى أي شيء حقيقي أكثر مما يشير الحديث عن الساحرات وخصائصهن المميزة. لا يوجد شيء ~~بهذا العالم يتمتع بالخصائص الأساسية التي ننسبها إلى الساحرات؛ لذا لا وجود ~~للساحرات. حسب المنظور الإقصائي، لا يوجد شيء في هذا العالم يتمتع بالخصائص ~~الأساسية التي نعزوها إلى العقل؛ لذا فالعقل غير موجود. يؤمن الاختزاليون بوجود ~~العقل، لكنهم لا يعتقدون أنه موجود أولي وفقا لعلم الوجود. أما الإقصائيون فلا ~~يعتقدون (كما يتبدى من كلامهم) بوجود ما ~~يدعى عقلا من الأساس. # يعرف الفلاسفة الذين يعتقدون أن العقل موجود أولي باسم الثنائيين. # 2 # ويؤمنون بعلم وجود أولي يتكون من نوعين من الأشياء على الأقل: العقول ~~والأجسام المادية. # 3 # كما قد تتوقع، تنحو المسائل المتعلقة بعلم الوجود منحى معقدا ~~نسبيا بسرعة إلى حد ما؛ فالعقول ms071 ومكانها في علم الوجود ليست سوى بعض من ~~المسائل التي تشغلنا، فهناك أيضا الأجسام المادية (الأشجار والسحب والجبال، ~~والدراجات النارية ... إلخ) والأجسام الرياضية (الأرقام والمجموعات والأشكال ~~الهندسية؛ أي الأشياء التي لا تبدو مادية أو عقلية كذلك). وعلاوة على ذلك توجد ~~أنواع أو فئات من الأشياء ذات وضع غير واضح أو محل خلاف من منظور علم الوجود؛ أشياء ~~مثل العوالم المحتملة والمكان والزمان والآلهة وغيرها. ستجد أيضا فلاسفة يتجادلون ~~حول فئات ميتافيزيقية أولية. هل العموميات (الصفات العامة المشتركة) موجودة؟ (كأن ~~تصف شيئا مثلا بأن «كتلته تزن جراما واحدا بالضبط» أي صفات ملازمة للأشياء ~~وحاضرة كليا في الشيء الذي تلازمه؛ ومن ثم توجد وجودا كليا في عدة أماكن في ~~الوقت نفسه.) هل العموميات المجردة موجودة؟ (وهي عموميات سيئة الحظ، لم تتمكن من ~~ملازمة أي شيء في عالم الواقع.) هل علم الوجود الأولي للعالم يتضمن الأشياء؟ أم ~~يتضمن الأوضاع أو الأحداث فحسب؟ أم هل يتكون من شيء آخر تماما؟ (الأشياء تكون ~~ببساطة على النحو الذي تتوقعه، الأوضاع هي الحال التي عليها الأشياء، والأحداث هي ~~ما يقع لها. على سبيل المثال، السيارة شيء، وكون السيارة حمراء، ذلك وضعها. كون ~~السيارة تمتص الآن جميع ترددات الضوء المرئية باستثناء الأحمر هو ما يحدث ~~لها.) # انشغل الفلاسفة بمحاولة فهم علم الوجود الأولي للعالم. كيف تستطيع ثلاثية ~~«المصفوفة» إنارة أذهاننا فيما يخص هذا الفرع من الفلسفة؟ إنها تقدم لنا ما يشبه ~~مختبرا لفحص مسائل علم الوجود، أو بعبارة أخرى نموذج اختبار خياليا يمكننا من ~~بحث مسألة تحديد المفهوم الأكثر عقلانية لعلم الوجود، وطرح أسئلة عن طبيعة الواقع ~~والعلاقة بين الفكر والواقع. سوف نشرع في تناول هذه القضية عبر تحديد ثلاثة تفسيرات ~~مختلفة لسيناريو «المصفوفة»: التفسير الديكارتي، والتفسير الواقعي، والتفسير ~~الأفلاطوني. # التفسير الديكارتي # ربما تظن أن نيو لديه كل الحق في الغضب من الآلات، فهي في النهاية ظلت تخدعه طيلة ~~الوقت كي يظن أنه يعيش في مدينة آمنة ونظيفة وجميلة عام 1999، ويعمل بوظيفة في مجال ~~التطوير البرمجي. أما في ms072 الواقع، فهو لا يعيش في عام 1999، والعالم الحقيقي ليس ~~جميلا ولا نظيفا، وهو لا يعمل مطور برمجيات، بل يعمل بطارية. يبدو أن نيو كان ~~يحيا في وهم. هذا هو التفسير التشككي الرئيسي لفيلم «المصفوفة» - راجع مناقشتنا ~~للشكوكية في الفصل الثالث - لكن له نتائج مهمة فيما يتعلق بعلم الوجود. وسوف نطلق ~~عليه التفسير الديكارتي لسيناريو المصفوفة. # نطلق عليه هذا الاسم نسبة إلى الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت الذي عاش في القرن ~~السابع عشر. تخيل ديكارت في كتابه «تأملات في الفلسفة الأولى» مأزقا يذكرنا ~~على نحو مخيف بسيناريو المصفوفة. إنه كان يبحث عن أساس مضمون على نحو مطلق لمعرفتنا ~~بالعالم. أمن الممكن إيجاد مجموعة من المعتقدات تتجلى صحتها إلى حد لا يمكن معه ~~لأي شخص عاقل وعقلاني إنكارها؟ وهل يمكننا استخدام هذه المجموعة من المعتقدات كأساس ~~لفهمنا العلمي الأفضل للعالم؟ اعتقد ديكارت أن في وسعنا إيجاد تلك المجموعة من ~~المعتقدات، ووضع منهجا لإيجادها، أطلق عليه «منهج الشك»، الذي يتبع آلية العمل ~~التالية: إذا كان من المحتمل بأي حال من الأحوال أن يكون معتقد ما خاطئا، فلا ~~يمكن أن يصبح أساسا مضمونا على نحو مطلق للمعرفة (لأنه غير مضمون كليا)؛ ومن ~~ثم، علينا التحقق من معتقداتنا بانتظام قدر استطاعتنا، ورفض أي معتقد ~~يحتمل خطؤه. وما دام يوجد احتمال ضئيل لخطأ معتقد ما، فسوف نتخلى عنه، ونرى بعد ~~ذلك ما إذا كان ممكنا ممارسة الفلسفة بما تبقى لنا. # لا فائدة من التحقق من جميع معتقداتنا واحدا تلو الآخر (فذلك سيستغرق وقتا لا ~~نهائيا). لذا استخدم ديكارت بعض الطرق المختصرة، وكان أقواها هو ما يطلق عليه ~~«فرضية الشيطان الشرير». فيما يلي الكيفية التي وصف بها ديكارت (التأمل الأول، ~~1996) هذه الفرضية: # سوف أفترض ... أن شيطانا خبيثا ذا بأس ومكر عظيم قد كرس جل طاقته من ~~أجل خداعي. وسأفترض أن السماء والهواء والأرض، والألوان والأشكال والأصوات، ~~وسائر الأشياء الخارجية، ليست سوى أوهام وخيالات، تفتق عنها ذهنه ~~لإعاقة قدرتي على الحكم. سأعتبر أني لا أملك يدين أو عينين أو ms073 جسدا أو ~~دماء أو حواس، بل أعتقد - زيفا - أنني أمتلك هذه الأشياء ~~جميعا. # تتيح لنا فرضية الشيطان الشرير استبعاد أي معتقد يحتمل ترسخه ~~داخلنا على يد شيطان مخادع. وهو ما ينطبق على الكثير جدا من المعتقدات. رغم ذلك، ~~عند تطبيق هذه الفرضية للمرة الأولى سيظل المعتقد الذي سأعجز عن استبعاده هو ~~اعتقادي بأني موجود. إذا كنت أفكر في أني موجود، فأنا إذن موجود؛ فلا بد من وجود ~~شخص ما يخوض عملية التفكير، وهذا الشخص هو أنا. أنا شيء مفكر. إذن اعتقادي بوجودي ~~وبأني أفكر، يبقى بعد تطبيق منهج الشك (ما دمت أفكر بالطبع؛ إذا توقفت عن التفكير، ~~سيصعب حينئذ التكهن بالنتيجة). هذا هو الأساس اليقيني المطلق لمعرفتنا بالعالم ~~لدى ديكارت، لكنه بالطبع كان يأمل في تحقيق ما هو أكثر بكثير من مجرد إثبات وجوده؛ ~~ففي النهاية كان ديكارت يأمل في دحض فرضية الشيطان الشرير ذاتها، وقد ظن أن في وسعه ~~تحقيق ذلك عبر إثبات وجود إله خير غير مخادع، إله لن يتركنا حتما تحت رحمة ~~الشيطان الشرير. (للاطلاع على رحلة ديكارت من «أنا أفكر إذن أنا موجود» إلى إثبات ~~وجود الله، نوصي بقراءة متمعنة لكتاب «التأملات».) # يبدو سيناريو «المصفوفة» نسخة محدثة من فرضية الشيطان الشرير التي اقترحها ~~ديكارت؛ فكما جاء على لسان مورفيس، أحد شخصيات الفيلم، المصفوفة: «هي عالم أسدل ~~أمام عينيك ليعميك عن الحقيقة» (الدقيقة 28، الثانية 17). لكن بدلا من الشيطان ~~الشرير، يقدم الفيلم ذاتا شريرة وشخصية «المعماري» المبهمة في دور صناع ~~المصفوفة. وفي حين لا يقدم ديكارت تفسيرا لكيفية تمكن الشيطان الشرير من غرس ~~الأفكار الخاطئة داخلنا، يجسد لنا الفيلم طريقة عمل «المعماري»؛ ألا وهي البرمجة ~~الحاسوبية. حسب التفسير الديكارتي لسيناريو المصفوفة، لا تختلف النتيجة النهائية عن ~~نتيجة فرضية الشيطان الشرير. المصفوفة هي عالم من الوهم يغرس معتقدات خاطئة في ~~أذهان ضحاياه، وإذا كان التفسير الديكارتي صحيحا، يصبح الموقف السليم الذي ينبغي ~~اتخاذه حيال الأشياء التي نختبرها داخل المصفوفة موقفا إقصائيا. قد يعتقد الناس ~~داخل المصفوفة أنهم يعملون في ms074 ناطحة سحاب، ويعتقدون أنهم يستطيعون رؤيتها، في حين ~~أنها غير موجودة. في عالم الواقع لا يوجد ذلك الشيء المصنوع من الصلب والخرسانة ~~الذي يعلو ثمانين دورا ويطلق عليه ناطحة سحاب. والاعتقاد بوجود شيء كهذا ليس سوى ~~اعتقاد خاطئ. ينطبق هذا عموما على معظم معتقدات الأفراد داخل المصفوفة حول ~~بيئتهم؛ هي معتقدات خاطئة تماما، وما يصفونه بأنه موجود، غير موجود ببساطة. إن ~~حكما يلتزم - عن حق - بقواعد علم الوجود سوف يستبعد سائر الحديث عن ناطحات السحاب ~~وما شابه ذلك من حديث. (الإشكالية الفلسفية لدى سكان المصفوفة بالطبع هي أن لا سبيل ~~أمامهم للوصول إلى حكم يلتزم عن حق بقواعد علم الوجود، إلا إذا غادروا المصفوفة ~~ورجعوا إلى صحراء الواقع.) # التفسير الواقعي # هل التفسير الديكارتي صحيح؟ يغازل صناع الفيلم التفسير الديكارتي في عدة أجزاء. ~~على سبيل المثال نجد نيو يقول (الدقيقة 8 من الساعة الثانية): «لدي ذكريات عن ~~حياتي (يقصد حياته داخل المصفوفة). لم يحدث أي منها.» رغم ذلك يعجز الفيلم ذاته ~~عن حسم السؤال الذي نطرحه. نحن نبحث عن تفسير فلسفي لما يجسده الفيلم، وليس ~~تفسيرا لما قصد صناع الفيلم أن يجسده. لذا دعونا نتأمل تجربة نيو ومعتقداته ~~عبر تسليط مزيد من الضوء الفلسفي عليها. قبل أن يتناول نيو الحبة الحمراء ويغادر ~~المصفوفة، ما المعتقدات العادية التي كان يعتنقها واتضح خطؤها؟ قبل أن يتناول ~~الحبة، كان يعتقد أنه واقع في مشكلة مع رئيسه في العمل. وكان لديه بالفعل مشكلة مع ~~رئيسه في العمل؛ يواجه نيو مشكلات في المصفوفة مع رئيسه في العمل داخل المصفوفة. ~~وهي ليست بمشكلة هينة؛ فإذا فصل من وظيفته ولم يعد قادرا على سد رمقه، فلن ~~يهم حينها كثيرا ما إذا كان تعرض للفصل من عمله داخل المصفوفة فحسب أو أنه لا ~~يشعر إلا بالجوع داخلها؛ فالجوع داخل المصفوفة شعور جدي. إن مفتاح فهم التفكير ~~داخل المصفوفة هو تأمل مضمون المعتقدات. ما الذي تتمركز حوله معتقدات المرء؟ كيف ~~تكتسب المعتقدات مضمونها؟ من أين يأتي هذا المضمون؟ الإجابة الأكثر ms075 منطقية عن هذا ~~السؤال الأخير هي أن المعتقدات تكتسب مضمونها من البيئة التي يتفاعل معها أصحاب ~~المعتقدات. إذا قال نيو قبل تناول الحبة بحسن نية: «هذه ملعقة»، فهو يتحدث عن ~~الملاعق التي تفاعل معها في بيئته. هو لا يحاول الإشارة إلى الملاعق خارج المصفوفة، ~~كالأدوات البدائية التي قد تجدها في مدينة زيون. # 4 # ملاعق زيون تختلف اختلافا جذريا عن ملاعق المصفوفة. ملاعق المصفوفة ~~هي نتاج معالجة معلوماتية أجرتها الآلات، هي مصنوعة من شفرة المصفوفة؛ ملاعق زيون ~~مختلفة، فهي مصنوعة من المعدن أو الخشب. لم يتفاعل نيو قط قبل أن يتناول الحبة ~~مع ملاعق زيون، لم ير واحدة قط أو أمسكها بيده، أو تحدث مع أحد أمسكها بيده. ~~(على الأقل لم يتحدث إلى أولئك الأشخاص عن الملاعق.) ملاعق زيون ليست جزءا من ~~بيئته؛ لذا فحديثه عن الملاعق لا يشير إليها. عندما تحدث نيو قبل أن يتناول الحبة ~~عن الملاعق (ليس في معظم الوقت كما نتوقع) كان يتحدث عما يتفاعل معه، وهي في هذه ~~الحالة ملاعق المصفوفة. وما يقوله عنها هو في الأغلب يكاد يكون صحيحا ~~تماما. # 5 # معظم المعتقدات داخل المصفوفة يمكن تبريرها عبر هذه الاستراتيجية، التي تتضمن ~~تفسير الأفكار والكلام داخل المصفوفة في إطار عناصر بيئة المصفوفة ذاتها. فما إن ~~نفهم دلالات الألفاظ داخل المصفوفة فهما سليما، سرعان ما يتضح أن المعتقدات داخل ~~المصفوفة صحيحة عموما؛ ومن ثم يصبح التفسير الديكارتي خاطئا؛ عالم المصفوفة ~~ليس وهما؛ أي إنه لا يجعل ساكنيه يعتقدون أنهم يرون شيئا هم لا يرونه أو ~~يجعلهم ينسبون إلى شيء ما خاصية ليست من خواصه. والتفكير داخل المصفوفة يكون حول ~~أشياء موجودة، موجودة داخل المصفوفة، وتتمتع بوجه عام بالخصائص المنسوبة لها. إذا ~~قال نيو قبل تناول الحبة إن الملعقة مصنوعة من فولاذ لا يصدأ، فهي على الأرجح ~~مصنوعة من فولاذ لا يصدأ؛ فولاذ المصفوفة الذي لا يصدأ (هل يوجد غيره؟!) إن ~~المصفوفة عالم افتراضي له نظامه الزمكاني، وعلم وجود خاص به ينطبع على ما فيه من ~~أشياء ms076 وخواص وأحداث وعمليات. لا ينبغي لنا اتباع وجهة النظر الإقصائية فيما يتعلق ~~بالمعتقدات داخل المصفوفة، بل ينبغي اتباع وجهة النظر الاختزالية في التعامل معها. ~~فلنسرد أسبابنا لذلك. # داخل المصفوفة يتحدث نيو عن ملعقة. هو يعتقد إذن بوجود الملاعق (أو بوجود ملعقة ~~واحدة على الأقل). لكن ما هذا الشيء الذي يعتقد وجوده؟ يمكن القول مبدئيا، إن ~~ملعقة المصفوفة هي نسق منظم من المعلومات المخزنة على جهاز الكومبيوتر الخاص ~~بالآلات بجانب مجموعة من العمليات المحددة التي تجرى على هذه المعلومة. ملاعق ~~المصفوفة هي باختصار حزم من المعلومات. ويسري هذا على جميع الأشياء المادية داخل ~~المصفوفة. هي أشياء ليست أولية وفقا لعلم الوجود، بل توجد فحسب كجوانب لشيء أكثر ~~أولية؛ ألا وهو حزم المعلومات. ينبغي لنا اتباع هذا المنهج نفسه في التعامل مع ~~المكان داخل المصفوفة. الأشياء المادية داخل المصفوفة توجد في فضاء المصفوفة ثلاثي ~~الأبعاد، لكن فضاء المصفوفة ليس أوليا من منظور علم الوجود، بل يوجد كهيكل ~~معلوماتي، عنصر ينسق طريقة تفاعل حزم المعلومات مع بعضها. فضاء المصفوفة حقيقي، ~~لكنه مجرد جانب آخر من جوانب عمل كمبيوتر الآلات. # والآن ربما ترغب في الاعتراض زاعما أن فضاء المصفوفة ليس «فضاء» حقيقيا. ~~والسبب في ذلك أنه لا يشغل حيزا مكانيا، فهو ليس ممتدا؛ لذا أليس من المفترض ~~أن نتبع وجهة النظر الإقصائية فيما يتعلق بالأشياء المفترض وجودها داخل المصفوفة؟ ~~ردنا على هذا هو أنه ربما كان صحيحا أن فضاء المصفوفة لا يشبه الفضاء العادي من ~~نواح معينة، لكنه يتمتع في الواقع ببعض من الخصائص الأساسية للفضاء دون أن يشبهه ~~كليا. رغم ذلك فضاء المصفوفة لا يزال حقيقيا، والهيكل المعلوماتي وراءه حقيقي. ~~والمزاعم حول الأشياء داخل المصفوفة في فضاء المصفوفة هي في الأغلب مزاعم حقيقية. ~~لهذا السبب ينبغي لنا اتباع وجهة النظر الاختزالية لا الإقصائية فيما يتعلق ~~بالأشياء داخل فضاء المصفوفة. # وماذا عن الأفراد؟ يبدو أنهم موجودون داخل المصفوفة. هل يمكن اختزالهم إلى ~~معلومات، وما يتصل بها من معالجات داخل كمبيوتر الآلات؟ بالطبع الإجابة بالنفي. ms077 ~~داخل المصفوفة، يتألف الأفراد من أجساد وعقول. أجسادهم تنتجها الآلات، لكنها لا ~~تنتج عقولهم. عقول المصفوفة تعتمد على ما يحدث داخل الدماغ الموجود في الحجيرة ~~لا الدماغ الموجودة في المصفوفة. # 6 # لا تستطيع الآلات التحكم فيما سيختاره الناس، وفيما سيشعرون به، وفيما ~~سيقولونه، وفي كيفية تصرفهم ... إلخ. # 7 # ربما كانت وجهة النظر الثنائية حول العقل والجسد هي النظرية المناسبة ~~لتفسير حال سكان المصفوفة. إن عقول سكان المصفوفة لا توجد في النظام المكاني نفسه ~~الذي توجد به أجسادهم؛ هي منفصلة وجوديا عن الأجساد. ورغم ذلك يتفاعل العقل ~~والجسد داخل المصفوفة. أولا يرسل الجسد إلى العقل إشارات حول البيئة التي تحيط به؛ ~~يطلق على هذا إحساس جسدي، ويتضمن انتقال الإشارات من المصفوفة إلى دماغ ~~الحجيرة عبر القضيب المعدني المدبب المنغرس في مؤخرة رأس جسد الحجيرة. ~~ثانيا يفسر العقل هذه الإشارات، ويستجيب لها عبر إرسال إشارات خاصة به من خلال ~~القضيب المدبب. على سبيل المثال يتلقى العقل من الجسد إشارة مفادها «توجد ملعقة في ~~يدي» فيرد بإشارة مفادها «حسنا، فلتقلب القهوة إذن!» ذلك وصف تقريبي للنموذج ~~الأشهر من الثنائية، الذي يطلق عليه «الثنائية الديكارتية»؛ تكريما آخر لرينيه ~~ديكارت، أشهر مناصريه. وفقا للثنائية الديكارتية، يتألف الفرد من عقل وجسد. العقول ~~منفصلة عن الأجساد، لكن العقول والأجساد يتفاعلان مع بعضهما بعضا في كلا ~~الاتجاهين. فتؤثر العقول على الأجساد، وتؤثر الأجساد على العقول. لذا، حتى في ~~حالة خطأ التفسير الديكارتي للمصفوفة - الذي يفسر الأشياء والأحداث داخل المصفوفة ~~على أنها أوهام - يبدو أن الثنائية الديكارتية على الأقل تنطبق على الأفراد داخل ~~المصفوفة. # 8 # ما أوردناه بالأعلى هو التفسير الواقعي لسيناريو المصفوفة. حسب هذا التفسير، قد ~~تكون معتقدات المصفوفة حقيقية، وهي بالتأكيد حقيقية في معظم الوقت. ولا يمكن إنكار ~~أن هذه المعتقدات تتبع ما يحدث داخل كمبيوتر الآلات والأدمغة المتصلة به فقط. لكن ~~الكثير جدا من الأشياء يحدث هناك. المصفوفة حقيقية، وعندما يضع الناس داخل ~~المصفوفة نظريات حول وضعهم، ويطورون رؤية لعلم الوجود في هذا العالم، فإن ذلك ms078 ~~العلم ليس مخطئا خطأ جذريا. بل هو رؤية دقيقة على الأقل لجزء صغير من العالم؛ ~~عالم المصفوفة. # التفسير الأفلاطوني # يخبر مورفيس نيو أن المصفوفة عالم أسدل أمام عينيه ليعميه عن الحقيقة (الدقيقة ~~28). هل هو على خطأ؟ ليس بالضبط. ربما لا تعمي المصفوفة عيني نيو عن الحقائق ~~العادية، لكنها تعميه عن حقائق مهمة حقا مثل وجود جسد ثان له، وكون عالمه قد ~~صمم على يد معماري برمجي بهدف إخضاع البشر بينما تستغل الآلات أجسادهم الثانية ~~كمصدر للطاقة، وكون الآلات انتصرت في حربها مع البشر، وكون البشر دمروا الغلاف ~~الجوي لكوكب الأرض بهدف منع الآلات من الوصول إلى الطاقة الشمسية، وغير ذلك من ~~حقائق. عندما كان نيو عالقا داخل المصفوفة، لم يفهم الطبيعة الحقيقية للأشياء. ~~لكنه على مدار الفيلم يتحرر من المصفوفة، ويتأتى له استيعاب مجموعة من الحقائق ~~المعقدة. # هذه المجموعة من الأفكار لها أصل قديم جدا في الفلسفة؛ فقد روى أفلاطون جزءا ~~كبيرا من هذه القصة ذاتها في كتابه «الجمهورية». تخيل أفلاطون كهفا يحوي مجموعة ~~من المساجين المقيدين والمجبورين على النظر إلى الحائط. (رءوسهم مثبتة بحيث لا ~~يقدرون على رؤية شيء إلا الحائط.) خلف المساجين تشتعل نار ساطعة، وأمام هذه النار ~~يروح ويجيء مجموعة من الحراس، يخفيهم عن عين المساجين خندق. يرفع الحراس أشياء من ~~فوق الخندق، وتلقي تلك الأشياء ظلالا على الحائط. لا يشاهد المساجين دائما ~~وأبدا إلا تلك الظلال على الحائط. أما الأشياء الحقيقية فهي خلفهم، مخفية للأبد ~~عنهم. (لاحظ ها هنا أن أفلاطون اخترع السينما أيضا في رؤيته تلك.) وبما أن ~~المساجين لم يختبروا تلك الأشياء بأنفسهم بل رأوا ظلالها فحسب، فإنهم يعتقدون ~~خطأ أن الظلال هي الواقع. بعد ذلك تخيل أفلاطون أن سجينا واحدا قد تحرر، ~~والتفت خلفه، ورأى النار وشاهد أصل الظلال؛ ومن ثم أدرك أنه حتى هذه اللحظة كان ~~مخطئا تماما في فهم طبيعة عالمه. تحسس السجين طريقه خارج الكهف حيث ضوء النهار، ~~واكتشف عظمة الشمس الحارقة؛ مصدر الضوء كله؛ فيعود للكهف محاولا إخبار رفاقه ms079 من ~~المساجين عن مغامرته في العالم الحقيقي، لكن نظره لم يعد متكيفا مع عالم الكهف ~~وظلاله، ولم يعد قادرا على متابعة تراقص الظلال على الحائط؛ فيبدو كلامه هراء ~~مطلقا، يدفع بقية المساجين إلى نبذه باعتباره أحمق. # ابتدع أفلاطون استعارة الكهف كي يشرح رحلة الفيلسوف من الجهل بالطبيعة الحقة ~~للأشياء إلى معرفة الواقع المطلق. وهو واحد من أعظم المتفائلين في الفلسفة الغربية؛ ~~فهو يعتقد أن التطبيق الفلسفي للمنطق في وسعه تحريرنا من قيود جهلنا، وإرشادنا نحو ~~فهم عميق لما هو حقيقي حقيقة مطلقة. اعتقد أفلاطون أن ما هو حقيقي على نحو مطلق ~~يدعى «أشكالا»، وهي أجسام مثالية لا تتغير، وتمثل النماذج الأصلية للأجسام ~~العادية. الأجسام العادية ناقصة، ودائما في تغير، وهي لا تنفك تنمو أو تتضاءل أو ~~تتلاشى. هي نسخ أدنى مرتبة لما هو حقيقي. أما عالم التجارب العادية فهو لا يختلف ~~كثيرا عن عالم الظلال على حائط الكهف. لا ينكر أفلاطون أن الظلال موجودة، لكنه ~~يبدي ملاحظة فحسب حول كونها مجرد نسخ من شيء آخر، وأن المرء لن يفهم طبيعتها ~~على الإطلاق حتى يدرك هذه الحقيقة. من منظور أفلاطون، فإن فهمنا المعتاد للعالم ~~ناقص بالمثل ونحن عاجزون عن تجاوز هذا الفهم حتى ندرك أن موضوعات أفكارنا اليومية ~~ليست سوى نسخ للأشكال. # من السهل اكتشاف التناظر بين طرح أفلاطون وسيناريو المصفوفة. داخل المصفوفة، ~~الفرد سجين (في حجيرة) يتابع ظلالا فوق حائط (قصص افتراضية من ابتكار ~~الكمبيوتر). نيو هو السجين المتحرر، الذي توصل في النهاية إلى فهم الحقائق الأكثر ~~خصوصية عن عالم الآلات. بالطبع يوجد بعض الاختلافات. على العكس من عالم الأشكال ~~الأفلاطوني، عالم الآلات ليس مثاليا، بل هو عالم قذر يرثى له. يطلق عليه مورفيس ~~«صحراء الواقع» (الدقيقة 41). وعلى العكس من السجين العائد إلى الكهف في قصة ~~أفلاطون والذي يتعثر هنا وهناك في الظلمة شبه التامة، يعود نيو إلى المصفوفة ~~بقدرات خارقة، وهو على أي حال لديه مشكلات أكثر إلحاحا من التحدث إلى مجموعة من ~~الأفراد الغافلين عن الحياة خارج المصفوفة. ms080 على الرغم من هذه الاختلافات، يجسد ~~التفسير الأفلاطوني للمصفوفة البنية الأساسية «للثلاثية المصفوفة» تجسيدا جيدا ~~للغاية. فعالم المصفوفة موجود حقا، لكنه مجرد نسخة للعالم الحقيقي. هذا هو ~~التفسير الأفلاطوني للمصفوفة، وهو لا يتعارض مع الزعم الأساسي للتفسير الواقعي، بل ~~في الحقيقة يضيف إليه. يؤكد التفسير الواقعي على وجود أشياء داخل المصفوفة، وعلى ~~حقيقة المزاعم حولها. يكمن الفخ ها هنا في المساواة بين الوجود والواقع؛ أي الزعم ~~بأن عالم المصفوفة واقعي مثله مثل عالم زيون؛ كلا العالمين موجودان في النهاية، ~~ونحن لا نصف شيئا بأنه واقع إلا إذا كان موجودا. التفسير الأفلاطوني يقاوم الوقوع ~~في هذا الفخ؛ إذ يربط مفهوم الواقع بما هو أكثر من مجرد الوجود. # إحدى طرق التعبير عن النقطة الأساسية التي يطرحها التفسير الأفلاطوني هي كالتالي: ~~العالم خارج المصفوفة «واقعي أكثر» من العالم داخلها. للواقعية درجات، وهي تختلف عن ~~الوجود. الأشياء إما توجد أو لا توجد. على العكس من ذلك قد تكون الأشياء أكثر أو ~~أقل واقعية. الظلال على حائط كهف أفلاطون أقل واقعية من الأجسام التي تنعكس عنها. ~~الملعقة داخل المصفوفة أقل واقعية من الملعقة في مدينة زيون. ماذا يحدد كون أحد ~~الأشياء أكثر واقعية من الآخر؟ في كل من كهف أفلاطون وسيناريو المصفوفة، تتعلق ~~المسألة بالأصالة. ملعقة زيون هي شيء أكثر أصالة لأن ملعقة المصفوفة هي نسخة منها. ~~ملعقة زيون هي الملعقة الأصلية الحقيقية، بينما ملعقة المصفوفة تقليد مزيف إلى ~~حد ما. يبدو تفسير مستويات الواقعية من منظور الأصالة منطقيا عند تطبيقه على ~~نظرية الأشكال التي وضعها أفلاطون، وينجح كذلك مع سيناريو المصفوفة؛ لكنه لا يثير ~~الاهتمام كثيرا من المنظور الفلسفي إلا إذا اعتنقت نظرية الأشكال أو اعتبرت فيلم ~~«المصفوفة» فيلما وثائقيا. # هل يوجد سبيل أكثر إثارة للاهتمام من الناحية الفلسفية لتعريف درجات الواقعية، ~~سبيل يقدر قصة كهف أفلاطون وحجيرة نيو حق قدرهما لكن لا يساوي بين ~~الواقعية والأصالة؟ ربما يوجد سبيل كهذا. قد نحاول تعريف درجات الواقعية كالتالي: ~~«أ» واقعي أكثر من «ب» إذا كانت ms081 النظرية التي تفترض «أ» تطرح رؤية أدق ~~وأكثر اكتمالا للعالم من النظرية التي تفترض «ب». # إن منظور المصفوفة للأشياء ليس زائفا بقدر ما هو أجوف. وعلم ~~الوجود لدى فيلسوف المصفوفة ليس خاطئا على نحو جذري بقدر ما هو سطحي. فعناصر علم ~~الوجود الذي يطرحه فيلسوف المصفوفة ستكون أقل واقعية عن عناصر علم الوجود الذي ~~يطرحه المعماري على سبيل المثال؛ ففيلسوف المصفوفة أقل اتصالا بالواقع. هو لا يتصل ~~بأجزاء أقل من العالم، بل هو أقل اتصالا بالعالم كله. # الدرس الأهم الذي علينا تعلمه من التفسير الأفلاطوني لا يرجع بالضرورة إلى ~~أفلاطون أو حتى إلى نيو. فكما لاحظنا، كان أفلاطون متفائلا تفاؤلا عظيما حيال ~~قدرة التأمل الفلسفي على تحريرنا من كهف الجهل وكشف الحقيقة المطلقة لنا. أما ~~«ثلاثية المصفوفة» فتجعلنا نتوقف ونعيد النظر في ذلك التفاؤل. على أي أساس يمكننا ~~الوثوق في أن تلك الحقيقية المطلقة هي شيء في وسعنا معرفته؟ هل أفضل ما أنتجناه من ~~علم يمنحنا صورة كاملة ودقيقة لطبيعة الأشياء، أم لا يمنح سوى صورة سطحية وناقصة ~~لبعض جوانب العالم؟ (لقد ثبت خطأ نظريات علمية ماضية، فلماذا نعتقد أن النظريات ~~الحالية ستسفر عن نتائج أفضل؟ ولماذا نعتقد أن أي نظرية مستقبلية ستحقق نتائج ~~أفضل؟) ربما كان العالم أعمق وأكثر غموضا بكثير مما يبدو، ربما يكون الموقف الأكثر ~~عقلانية حيال معرفة الحقيقة المطلقة موقفا تشككيا؛ فنحن لن نعرف أننا نملك هذه ~~المعرفة حتى لو كانت لدينا. # نضيف ها هنا فكرة أخرى إلى هذه الأفكار. إن قدرتنا على ابتداع المفاهيم وصياغة ~~النظريات وملاحظة الظواهر، نستمدها من الأداء الوظيفي لأدمغتنا، الذي تطور لأداء ~~بعض المهام البسيطة للغاية؛ كتتبع من يمتون لنا بصلة، وتحديد أماكن الطعام، ~~ومعرفة من قد نستطيع ممارسة الجنس معه، وغيرها من المهام. هل من المنطقي افتراض أن ~~دماغا تطورت للتعامل مع مشكلات وفرص الرئيسيات الاجتماعية تتمتع بالقدرات المناسبة ~~لفهم طبيعة الحقيقة المطلقة؟ ماذا يدفعنا للتفكير في هذا الافتراض؟ إن كوننا عالقين ~~داخل مصفوفة أمر مستحيل تقريبا. فهل من المنطقي ms082 على الإطلاق افتراض أننا عالقون في ~~مسرحية تتمحور حبكتها في المقام الأول حولنا؟ رغم ذلك ربما نكون بالفعل عالقين ~~داخل شيء ما، لا نملك أدنى فكرة عن طبيعته. وطبيعته لا يمكننا معرفة أي شيء عنها ~~على الإطلاق. ربما كان العالم منطقيا، لكنه لن يبدو منطقيا لنا أبدا. لخص عالم ~~الأحياء العظيم جيه بي إس هالدان (1930: 286) هذه الفكرة تلخيصا دقيقا حقا حيث قال: # لا شك لدي في أن واقع المستقبل سيكون أكثر إدهاشا بمراحل من أي شيء ~~يمكنني تخيله. لكنني أشك حاليا في أن الكون ليس أغرب مما نفترض فحسب، بل ~~أغرب مما نستطيع افتراضه. # أسئلة # هل يهمك ما إذا كانت تجاربك حقيقية أم لا، وإذا كنت مهتما بأمر ~~كهذا، فما السبب؟ # هل توجد «عوالم واقعية» أخرى ربما تكون أفضل من واقعك، لأي عدد من ~~الأسباب؟ هل يعتبر اختيار هذا البديل رغم ذلك تصرفا غير ~~عقلاني؟ # قدمنا في هذا الفصل مصطلحي «الإقصائية» و«الاختزالية». يتبنى ~~التفسير الديكارتي وجهة النظر الإقصائية حيال الأشياء داخل المصفوفة، ~~بينما يتبنى التفسير الواقعي وجهة النظر الاختزالية في التعامل معها. ~~ما رأي التفسير الأفلاطوني في وجهتي النظر هاتين؟ # ذكرنا في هذا الفصل أن «مفتاح فهم التفكير داخل المصفوفة هو تأمل ~~مضمون المعتقدات. ما الذي تتمركز حوله معتقدات المرء؟ كيف تكتسب ~~المعتقدات مضمونها؟ من أين يأتي هذا المضمون؟» لماذا تعتبر هذه النقلة ~~في غاية الأهمية؟ كيف تثبت أن المعتقدات العادية لدى مواطني المصفوفة ~~هي معتقدات صحيحة؟ هل تثبت أنها صحيحة؟ ما الافتراضات التي يطرحها ~~التفسير الديكارتي وتؤدي إلى الاستنتاج المعاكس؟ # فضاء المصفوفة لا يشبه الفضاء. وأشياء المصفوفة ليست كالأشياء؛ لأنها ~~لا تتمتع بخصائص تشبه خصائص الفضاء، ولأنها لا تتمتع بوجود منفصل. ~~عندما يفكر مواطنو المصفوفة في حمل شيء ما، ملعقة مثلا، فهم يستنتجون ~~خطأ أنه شيء. هم يعتقدون أنه يوجد في فضاء (في حين أنه لا يوجد). ~~يعتقدون أنه يتمتع بخصائص مكانية (لا يتمتع بها). هم يعتقدون أن له ~~وزنا (ليس له وزن، إنه مجرد هيكل معلوماتي، يوجد في ms083 أجزاء متنوعة من ~~الكمبيوتر في أوقات مختلفة؛ إنه ليس حزمة منفصلة من شرائح السيليكون ~~على سبيل المثال؛ ولذلك لا وزن له). إلى أي مدى تبدو هذه الحجة ~~منطقية؟ ربما يكون التفسير الديكارتي للمصفوفة صحيحا رغم كل ~~شيء؟ # في هذا الفصل قارنا بين طريقتين للزعم القائل بأن للواقعية درجات، ~~فتوجد الواقعية الناتجة عن الأصالة، والواقعية المعتمدة على النظرية ~~(حيث يعتبر الشيء أكثر واقعية من شيء آخر إذا كانت النظرية التي ~~تقترحه أدق وأكثر اكتمالا من النظرية التي تقترح الشيء الآخر؛ ومن ثم ~~الكأس أقل واقعية من الإلكترون). هل يجسد أي من هاتين الرؤيتين ~~صورة مقبولة بديهيا للكيفية التي يصبح بها شيء ما أكثر واقعية من ~~شيء آخر؟ هل للواقعية درجات؟ أم هل الواقعية لا تختلف في شيء عن ~~الوجود؟ # مع نهاية الفصل، ألمحنا إلى حجة تشككية حول الحقيقة النهائية. ما ~~مدى معقولية هذه الحجة؟ (تزعم الحجة باختصار أنه من غير المحتمل على ~~الإطلاق (بل يصل بالتأكيد إلى حد الإعجاز) أن تملك قدراتنا الإدراكية ~~المحدودة التي تطورت عرضا القدرة على استيعاب طبيعة الحقيقة ~~المطلقة.) # نحن لا نختبر الأشياء ولا ندركها إلا عبر أنظمتنا المعرفية ~~والإدراكية الحسية. لا يمكننا قط رؤية الأشياء أو فهمها كما هي «في ~~حد ذاتها»؛ لذا فالحقيقة المطلقة أمر من المستحيل معرفته أو التفكير ~~فيه على نحو غير مشوه تماما. ما صلة هذه الحجة بالحجة التشككية ~~حول الحقيقة المطلقة التي قدمناها في هذا الفصل؟ أهي حجة ~~منطقية؟ # | هوامش # الفصل الخامس # | العقل هو الأساس: «ذكاء اصطناعي» ومشاعر الحب لدى الروبوت # مقدمة # ديفيد يبلغ من العمر أحد عشر عاما، يزن ستين رطلا، ويبلغ طوله أربعة أقدام ~~وست بوصات. شعره بني. حب ديفيد حقيقي، لكن ديفيد ~~ليس حقيقيا. # كان هذا الشعار الدعائي لفيلم «ذكاء اصطناعي» (2001). سوف نستخدم نموذج ديفيد ~~ونحن نبحث فلسفة الذكاء الاصطناعي. نناقش ها هنا زعما طموحا إلى حد استثنائي ~~وهو ما إذا كان ممكنا (ربما في المستقبل القريب) خلق كائنات ذكية واعية، كائنات لا ~~تكتفي بحل المعضلات فحسب بل ms084 تدرك ما تقوم بحله ولماذا، كائنات تفهم ما تتحدث عنه ~~وتدرك ماهيتها، كائنات تملك معتقدات ورغبات حقيقية وتشعر بأحاسيس وتشعر بمشاعر ~~حقيقية. يتمحور السؤال الفلسفي الرئيسي ها هنا حول فكرة الاحتمالية: هل هذا محتمل ~~من الأساس؟ # 1 # في هذا الفصل لا يلقي الفيلم الذي وقع عليه اختيارنا ضوءا كبيرا على ~~هذه القضية. عوضا عن ذلك أعدت مناقشاتنا الفلسفية بهدف توضيح الفيلم والاحتمالية ~~التي يجسدها. السؤال المحوري هو ما إذا كانت المخلوقات التي تتمتع بذكاء اصطناعي ~~لديها حياة داخلية، والسبب الرئيسي الذي يعوق أفلاما مثل «ذكاء اصطناعي» عن ~~مساعدتنا حقا في محاولة الإجابة عن هذا السؤال هو أنه من السهل جدا على تلك ~~الأفلام التهرب من السؤال. غالبا ما تعج ~~أفلام الخيال العلمي بروبوتات واعية، لكن هذا لا يساعد على الإجابة عن سؤال يتعلق ~~بما إذا كان ذلك ممكنا حقا. الأفلام لا توضح لنا الحياة الداخلية لشخصياتها، ~~سواء البشر أو الروبوتات، بل تتركنا لاستنتاج هذه الحياة الداخلية، وهي في ذلك لا ~~تختلف كثيرا عما يحدث في الحياة العادية. # 2 # عندما يقدم لنا أحد الأفلام شخصية أعدت لأداء دور روبوت واع ضمن ~~أحداث الفيلم، لا بد أن نستنتج كونه واعيا من طريقة تصرفه. لكن لدى صناع الأفلام ~~طرق كثيرة لضمان توصلنا إلى هذا الاستنتاج دون الخوض في مناقشة حول ما إذا كان ~~الروبوت واعيا حقا أم لا. # 3 # نحن نميل إلى عزو الوعي إلى الروبوت ما دام سلوكه يبدو ذكيا وصريحا ~~وذا معنى وما دام الروبوت يعامل في الفيلم كما لو كان واعيا (على سبيل المثال ~~الروبوت هال في فيلم «2001: ملحمة الفضاء» (2001: سبايس أوديسي) (1968))؛ ومن ثم ~~ننقاد بسهولة إلى تبني ما يطلق عليه الفيلسوف دانيال دانيت (1989) «الموقف ~~القصدي» حيال تلك التجسيدات. يسهل صناع الأفلام هذه المهمة عبر إعطاء الروبوت ~~شكلا بشريا (مثل الروبوت سوني في فيلم «أنا روبوت» (آي روبوت) (2004))، ~~ويجعلونها في غاية السهولة حقا عندما يسندون دور الروبوت إلى شخص حقيقي (مثل ~~روبن وليامز في فيلم «رجل المائتي سنة» (بايسينتينيال مان) ms085 (1999)). وفي «ذكاء ~~اصطناعي» تمكن سبيلبيرج من تحقيق التأثير الذي أراده عبر إسناد دور الروبوت الصبي ~~إلى صبي حقيقي وهو هالي جويل أوزمنت (حقا قد ولت أيام الروبوت المعدني أرتو دي ~~تو في فيلم «حرب النجوم»). # يقدم الفيلم شخصية ديفيد في دور روبوت واع تماما، ويعلن عن هذا بوضوح؛ إذ ~~تصرح شخصية البروفيسور هوبي في بداية الفيلم (الدقيقة 6) أن ديفيد هو نوع جديد ~~من الروبوتات، نوع مصمم بحيث يتمتع بحياة داخلية ؛ أي إنه يشعر ويتخيل ويتوق ويحلم. ~~هل كان هوبي محقا في وصفه للروبوت؟ هذا هو السؤال الذي سننشغل به على مدار هذا ~~الفصل. لا «يبدو» ديفيد واعيا فحسب، بل يتمتع بوعي عميق ومتكامل؛ فلا يبدو ~~مستوعبا لما يحيط به فقط، بل يجاهد لإرضاء رغباته، ويشعر بمشاعر على ما يبدو. يبدو ~~أنه يشعر بحب الصبي لأمه (ليست أمه الحقيقية بالطبع بل مونيكا؛ الشخصية التي ~~يعتبرها أمه). ينطلق ديفيد في مسعاه للتحول إلى صبي حقيقي (أي صبي عضوي لا آلي) ~~من أجل أن يستعيد حب مونيكا. ويخبرنا الشعار الدعائي أن حبه حقيقي، لكن كيف يتأتى ~~هذا؟ ما الذي يحتاجه الحب كي يصبح حقيقيا؟ قبل أن نشق طريقنا عبر فلسفة الذكاء ~~الاصطناعي، يجدر بنا التوقف للحظة وتأمل هذا السؤال. ما الذي يجعل الحب حبا ~~حقيقيا؟ تعتمد الإجابة بالطبع على ما نعنيه بالحب. # لا يحب الطفل والديه مثلما قد يحب شخص ناضج شخصا آخر ناضجا، أو مثلما قد يحب ~~شخص ناضج طفلا (على الرغم من أن التشابه بين الحالتين جدير بالملاحظة). حب الطفل ~~هو شكل من الاعتماد العاطفي في المقام الأول - شكل خاص مفعم بالحيوية، لكنه في ~~النهاية يظل شكلا من الاعتماد. يتألف حب ديفيد من ميل إلى إبداء العاطفة، مرارا ~~وتكرارا، إلى جانب نوع من الحاجة الملحة، الحاجة إلى عاطفة مونيكا وقربها ~~واهتمامها وقبولها وحضورها. لا يحتاج ديفيد أن ترعاه مونيكا بطريقة عملية (فهو ~~روبوت، وهي ليست مسئولة عن صيانته). رغم ذلك هو يحتاج أن «تهتم» به. لا يحتاج ديفيد ~~أن تكون مونيكا ms086 سعيدة فقط، بل يحتاج أن تكون سعيدة معه؛ أي راضية عنه وسعيدة في ~~صحبته أيضا. في بلاد الإغريق قديما، ميز الفلاسفة بين ثلاثة أنواع من الحب: ~~الحب الشهواني، والمحبة، والألفة. يعتمد الحب الشهواني - وهو عادة، وإن لم يكن ~~بالضرورة، الحب الشبقي أو الجنسي - على رغبة وحاجة عاطفية (الحاجة العاطفية هي ~~رغبة قد تؤدي حال عدم إرضائها إلى ضرر عاطفي كبير). أما المحبة الخالصة فهي نوع من ~~الحب المنزه من الأغراض ، الحب الذي يمنح المتلقي قيمة بدلا من أن يستمد منه ~~قيمة، ونموذجه هو الحب الذي يقال أحيانا إن الله يشعر به تجاه البشر، وربما ~~المخلوقات جميعها، أو حب الوالدين لطفلهما. وعلى النقيض تأتي الألفة، وهي مزيج من ~~النوعين. عمليا هي نوع من المتعة المستمدة من الصداقة، ومن الاهتمام والاحترام ~~اللذين يكنهما المرء لأصدقائه. في ضوء هذا التصنيف الثلاثي، يبدو أن حب الطفل ~~لوالديه شكل من الحب الشهواني وحب ديفيد لمونيكا يجسد نموذجا معبرا عن ذلك. في ~~هذا الصدد يبدو حب ديفيد لأمه لا يختلف كثيرا عما تتوقع من أي طفل طبيعي في ~~الحادية عشرة من عمره. هو حنون وأناني ومتمركز حول ذاته وضعيف وحساس. # ربما يبدو حب ديفيد لمونيكا أشبه كثيرا بحب الطفل، لكن هل يحبها حقا؟ يمنعنا ~~سببان من الإجابة عن هذا السؤال بنعم. الأول أمر ذكرناه بالفعل؛ وهو أن ديفيد ~~روبوت، ليس إنسانا من لحم ودم، هو إنسان آلي أو «ميكا» كما يطلقون عليه في الفيلم. ~~هل يعتبر حب الإنسان الآلي تجربة عاطفية من الأساس؟ ربما كان حبه مجموعة من ~~السلوكيات الروتينية التي تحاكي سلوك الحب ليس إلا. ربما هو شيء يشبه الحب كثيرا ~~من الناحية الظاهرية، بينما لا يحوي في باطنه سوى فراغ. ربما كان الأمر كذلك. لكن ~~يوجد سبب آخر يدفعنا إلى الشك في حقيقة أو أصالة حب ديفيد لمونيكا؛ لقد صمم ديفيد ~~خصوصا كي يتعلق عاطفيا برمز أبوي. هل الحب الذي زرعه المصمم داخله هو حب ~~حقيقي؟ هل هو حب «أصيل»؟ لقد صمم ديفيد كي ms087 يحب، بطريقته الطفولية بالغة الحدة، ~~الشخص الذي يطبع بصمته عليه أولا. يقتضي نظام البصمة ترديد قائمة من كلمات ~~مفتاحية بالترتيب مع لمس جسد ديفيد عند نقاط معينة. وهي عملية محددة سلفا إلى ~~حد كبير، وآلية. رغم ذلك فإن مشهد طبع البصمة (الذي يبدأ في الدقيقة 21، الثانية ~~45 من الفيلم) مشهد رائع حقا بفضل أداء أوزمنت البارع والبعيد عن المبالغة. قبل ~~طبع البصمة، يؤدي أوزمنت دور ديفيد أداء متصلبا للغاية؛ إذ يجلس جامدا بينما ~~تعلو وجهه ابتسامة ثابتة أشبه بابتسامة معتوه. يبدو وجه ديفيد عادة إما جامدا أو ~~مشوها نتيجة لتعبير مبالغ فيه (كما هي الحال في مشهد الضحك في الدقيقة 19، ~~الثانية 50 من الفيلم). لكن في مشهد طبع البصمة تلين ملامح ديفيد، وتبدو نظرته ~~أكثر طبيعية، ويكتسب التعبير على وجهه سمتا أكثر بشرية. إن عملية طبع البصمة ~~تحول الروبوت إلى شيء أشبه كثيرا بالإنسان. لكنها رغم ذلك ليست سوى عملية مثبتة ~~داخله مسبقا. هي ليست تجربة اختار ديفيد خوضها أو شيئا حدث له في المسار الطبيعي ~~للأحداث، بل هي عملية أعد لخوضها بطريقة محددة جدا. هل يعني هذا أن ارتباط ديفيد ~~العاطفي بمونيكا ارتباط مصطنع ومزيف؟ # من الصعب تحديد مفهوم التجربة العاطفية «الأصيلة» بدقة، لكنه على ما يبدو يرتبط ~~جزئيا بالسبب وراء التجربة العاطفية. على سبيل المثال، إذا جعلنا شخصا ما ~~سعيدا عبر حقنه ب «عقار السعادة»، فإن سعادته لن تبدو سعادة أصيلة؛ فهي لم تحدث ~~على النحو الصحيح، إذا جاز القول. وقد نزعم أن ذلك الشخص ليس سعيدا حقا، بل هو ~~واقع تحت تأثير العقار فحسب. في حالة ديفيد، نجد أن حبه لمونيكا ناتج عن سبب ~~غريب؛ ألا وهو عملية طبع البصمة المصممة لغرض محدد. ديفيد مصمم كي يشعر بالحب فور ~~تفعيل برنامج البصمة؛ ألا يشبه ذلك حقنه ب «عقار الحب»؟ لكن من ناحية أخرى قد ~~تكون فكرة أصالة حب الطفل لوالديه في حد ذاتها فكرة غير مناسبة. أليس نظام البصمة ~~لدى ديفيد هو، من نواح عديدة، نسخة مبالغ ms088 فيها من المصدر الذي ينبع منه حب أي ~~طفل؟ يشكل الأطفال ارتباطا عاطفيا بآبائهم، ويكونون اعتمادا عليهم، وهو ~~سلوك يرجع في جزء منه على الأقل إلى الجينات. إذا اعتبرنا حب ديفيد غير أصيل لأنه ~~مثبت مسبقا، فربما يصبح حب أي طفل لأمه غير أصيل كذلك لنفس السبب. نحن لا ننزع ~~إلى الشك في حقيقة أو أصالة حب الطفل لوالديه؛ لذا ربما لا ينبغي لنا التشكك في ~~حب ديفيد لأن أصله يرجع إلى المصمم. # إذا كان حب ديفيد غير حقيقي، فإن هذا لا يرجع إلى كونه مستمدا من برنامج البصمة ~~المثبت مسبقا، بل يرجع لكون ديفيد روبوتا. ديفيد هو جهاز آلي، وربما تكون ~~الأجهزة الآلية في الواقع مجرد مجموعة من الآلات الحاسوبية المعقدة. ربما هي عاجزة ~~حقا عن فهم أي شيء أو الشعور بأي شيء. يطرح هذا الزعم اعتراضين أساسيين؛ الأول ~~ينسب نوعا من القصور الإدراكي إلى الآلات الحاسوبية؛ فوظيفتها تقتصر على التعامل ~~مع الأرقام والرموز ومعالجة المعلومات فحسب، وليس في وسعها أبدا إدراك ما تقوله ~~أو تفعله. أما الاعتراض الثاني فينسب لها قصورا عاطفيا: الآلات الحاسوبية عاجزة ~~عن الشعور بأي شيء، ربما تستطيع تنفيذ برامج عاطفية، فتتصرف كما لو كانت سعيدة أو ~~مضطربة، لكنها من داخلها جامدة تماما، ولا تشعر بأي شيء. ما مدى منطقية هذين ~~الاعتراضين؟ ما الأساس الذي يدعمهما؟ سوف نتوجه إلى ميدانين من ميادين الفلسفة؛ ~~سعيا للإجابة عن تلك الأسئلة، وهما: فلسفة الذكاء الاصطناعي، وفلسفة العقل. # هل في وسع الروبوت فهم أي شيء؟ # الذكاء الاصطناعي هو علم (وفن) صناعة آلات قادرة على أداء عمليات ذكية حقا. ~~تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي هزيمة أفضل لاعبي الشطرنج في العالم، والفوز في ~~برنامج المسابقات التليفزيوني «المحك!» (جيبردي)، والمساعدة على تصميم جسر كيلا ~~ينهار حال ارتطام شاحنة بأحد الأعمدة التي ترفعه، وتأليف موسيقى تروق للأذن إلى ~~حد مدهش (وفي بعض الأحيان تكون جيدة حقا). أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تدعى ~~روبوتات الدردشة في وسعها إجراء محادثة معك. لا يمكن إنكار أن لهذه التكنولوجيا ms089 ~~عيوبها، والمحادثات التي تجريها روبوتات الدردشة قد تكون غريبة حقا. فيما يلي ~~نموذج لمحادثة بين إنسان وروبوت دردشة؛ لن تلقى صعوبة كبيرة في تمييز الإنسان عن ~~نظام الذكاء الاصطناعي. # جورج ~~: # مرحبا، اسمي جورج وأنا إنسان. # جون ~~: # مرحبا أنا جون. # جورج ~~: # من أي بلد أنت؟ # جون ~~: # أنا أعيش على جزيرة مارثاز فينيارد. # جورج ~~: # سوف أذهب إلى المريخ، وسوف أحطم وجهك بمضرب البيسبول! # جون ~~: # حسنا ... هذا رد وقح بعض الشيء. # جورج ~~: # أنا لست مثقوبا . # جون ~~: # لست مثقوبا؟ تقصد مثقابا أو ما شابه؟ مثقاب الحفر؟ # جورج ~~: # بعض الشيء. # جون ~~: # حسنا، من أي بلد أنت؟ وكم عمرك؟ ... إلخ. # جورج ~~: # عمري 39. # جون ~~: # وهل تقيم ...؟ # جورج ~~: # لا، أنا أعيش في هولندا. # جون ~~: # في أي جزء منها؟ المدينة أم الريف؟ هل تزرع الأزهار أيضا؟ # جورج ~~: # أزرع الكثير من الأزهار. وسوف أزرع طماطم قريبا. # جون ~~: # لقد تأخرت قليلا على موسم زراعة الطماطم. # جورج ~~: # لا، حيوان قليل. # جون ~~: # حسنا، فلنكتف بهذا الحديث الآن. سوف أذهب للتحدث مع روبوت آخر. # جورج ~~: # حسنا إذن، شكرا على مشاركة فرشاة شعرك معي. # جون ~~: # ماذا تقصد؟ كيف شاركتك فرشاة شعري؟ # جورج ~~: # جيد. # جون ~~: # جيد؟ # جورج ~~: # نعم. # جون ~~: # يا لها من محادثة عميقة! # جورج ~~: # بل وأسوأ من ذلك، لقد تبرعت بها إلى جمعية خيرية. # كان ذلك نص محادثة أجريت كجزء من مسابقة جائزة لوبنر عام 2005 ~~لروبوتات الدردشة. # 4 # وقد فاز جورج بها (بالطبع جورج هو البرنامج الحاسوبي، وليس جون)، وهو ~~نسخة من برنامج ممتاز وفعال لروبوتات الدردشة يدعى «جابرواكي». # تختبر المسابقة مهارة المحادثة عبر تشغيل نسخة مما يعرف باسم «اختبار تيورنج»؛ ~~حيث يوضع الإنسان في مواجهة الآلة. في هذا الاختبار يجري أحد الأفراد حديثا مع ~~إنسان ومع آلة حول أي موضوع يختاره، ويهدف الاختبار إلى اكتشاف أي من الطرفين ~~اللذين تحدث معهما هو الآلة ومن هو الإنسان. إذا لم يستطع الفرد معرفة الفرق ~~بينهما، تعتبر الآلة ذكية حقا. تطبق مسابقة جائزة لوبنر نسخة محدودة من ~~اختبار تيورنج (حيث المحادثات أقصر كثيرا من تلك التي ms090 يتضمنها الاختبار الكامل). ~~عجز جورج بالطبع عن اجتياز هذه النسخة المحدودة من الاختبار، لكن أداءه تفوق على ~~البرامج الأخرى في المسابقة. # ابتكر ألان تيورنج (1912-1954)، ~~عالم الرياضيات العظيم ومؤسس علم الكمبيوتر، اختبار تيورنج عام 1950. اعتقد تيورنج ~~أن الكفاءة التحاورية هي اختبار كاف لتحديد برنامج الذكاء الاصطناعي الناجح. لم ~~يزعم أن كل آلة ذكية لا بد أن تكون قادرة على إجراء محادثة جيدة - فهناك أوجه أخرى ~~كثيرة للتمتع بالذكاء - لكنه زعم أن أي آلة تستطيع أن توهمنا بأننا نتحدث مع ~~إنسان لا بد أن تكون آلة ذكية. إن الذكاء التحاوري نوع يحتاج لتلبية الكثير من ~~المتطلبات؛ إذ يستلزم وجود قاعدة بيانات ضخمة من المعرفة السابقة، وقدرة على بحث ~~هذه البيانات بسرعة الضوء، إلى جانب إتقان ضليع للغة البشر. علاوة على ذلك، هو ~~يتطلب قدرة على متابعة الحديث عندما تتغير الموضوعات فجأة، والاحتفاظ بالمعلومات ~~ذات الصلة (المعلومات ذات الصلة فحسب) طوال المحادثة، وإعداد ردود مناسبة ووثيقة ~~الصلة بالموضوع وغيرها من المتطلبات. لم تستطع أي آلة حتى الآن الاقتراب من اجتياز ~~اختبار تيورنج. إلا أن روبوتات الدردشة تتحسن كل عام. # 5 # في فيلم سبيلبيرج، اجتياز اختبار تيورنج أمر في غاية السهولة. فحتى دمية الدب ~~الخاصة بديفيد في وسعها اجتياز اختبار تيورنج. لكن ما الذي يقيسه اختبار تيورنج ~~تحديدا؟ هو يقيس مستوى الكفاءة التحاورية؛ أي «السلوك» التحاوري. إنه لا يختبر ~~الفهم التحاوري بالضرورة. لقد تمكن جورج من إجراء نسخة طبق الأصل مما نطلق عليه ~~محادثة (وإن كانت تشبه محادثة مع شخص شبه مخبول)، لكن لا يمكن زعم أنه يفهم ما ~~يتحدث عنه. فجورج يتبع القواعد ليس إلا. ~~هو يبحث عن الكلمات في قاعدة البيانات لكنه لا يعرف ما الذي يشير إليه أي من ~~المدخلات، ويعد ردودا، لكنه لا يعرف معناها. هل كان هذا سيتغير لو أصبح جورج، ~~أو أحد أحفاده من روبوتات الدردشة، بارعا حقا في إعداد إجابات تجتاز اختبار ~~تيورنج؟ من الصعب الإجابة عن سؤال كهذا. لقد ابتكر الفيلسوف الأمريكي جون سيرل ~~تجربة ms091 افتراضية شهيرة جدا تهدف إلى حل هذه المسألة، يطلق عليها تجربة الغرفة ~~الصينية (سيرل 1980-1984). # الغرفة الصينية # تخيل أنك استيقظت من نوم ناتج عن ~~تأثير مخدر لتجد نفسك في غرفة. تحتوي الغرفة على خزانة ملفات عملاقة، وسلة ~~مليئة بقوالب على شكل رموز غريبة، وطاولة وأقلام رصاص وورقة، وملف يحمل عنوان ~~«تعليمات السيد». يوجد بالغرفة كذلك فتحتان لإدخال الأشياء وإخراجها من الغرفة، ~~مكتوب فوق إحداهما «مدخلات» وفوق الأخرى «مخرجات». تنزلق قوالب عبر فتحة ~~المدخلات الواحدة تلو الأخرى، وهي في الظاهر أشبه برموز. في الوقع تشبه إلى حد ما ~~الرموز الموجودة في السلة، وتبدو مثل شخبطات عشوائية (على حد وصف سيرل). بل هي ~~فعليا تشبه إلى حد كبير حروف اللغة الصينية، وهي لغة سنفترض أنك لا تستطيع ~~قراءتها. ما المطلوب منك فعله بهذه الرموز؟ ستلجأ، بعدما تصيح طلبا للمساعدة دون ~~جدوى، إلى الحل البديهي؛ ألا وهو مراجعة ملف «تعليمات السيد». ستخبرك التعليمات بما ~~عليك البدء بفعله، وهي لحسن الحظ مكتوبة بالإنجليزية. وعليه يتضح أن مهمتك هي ~~تسجيل ترتيب وصول الرموز إلى الغرفة، ثم البحث عنها بنفس الترتيب في فهرست خزانة ~~الملفات. يعقب ذلك مجموعات إضافية من التعليمات، وهي تعليمات معقدة تعقيدا ~~رهيبا، لكنها مصاغة بلغة إنجليزية جيدة ومحددة للغاية، وتوضح لك ما عليك فعله ~~بالضبط، وترتيب فعله. يخبرك البند الأخير من التعليمات بأن تختار رمزا محددا من ~~السلة الموجودة بالغرفة، ثم تدفعه عبر فتحة المخرجات. وهكذا تتبع التعليمات يوما ~~بعد يوم، بل وتصبح بارعا في اتباعها. # تلك هي غرفة سيرل الصينية (غيرنا بعض التفاصيل الفرعية تيسيرا للعرض). لقد ~~تخيل الكمبيوتر من الداخل. في هذه الغرفة، يتبع الفرد عملية حاسوبية لمعالجة ~~الرموز، وذلك هو جل ما تفعله أجهزة الكمبيوتر على حد قول سيرل. ذلك حقا هو كل ~~ما «تستطيع» فعله. تشبه الغرفة الصينية برنامج دردشة آليا فائق القدرات، خبيرا ~~في إجراء محادثات باللغة الصينية؛ تمثل الرموز المدخلة أسئلة المحاور ~~وتعليقاته، في حين تمثل الرموز المخرجة إجابات الغرفة الصينية. بالطبع تجرى ~~العملية كلها بإيقاع ms092 في غاية البطء. لكن بصرف النظر عن ذلك، ينبهر متحدثو الصينية ~~البارعون بالمهارات التحاورية للغرفة الصينية. هم يطرحون الأسئلة ويبدون الملاحظات ~~بينما تولد أنت الإجابات داخل الغرفة. وهكذا تجتاز الغرفة الصينية اختبار تيورنج، ~~أو كانت لتجتازه لو لم تضيع كل شيء بسبب بطئك الشديد. لكن سيرل لا يعتقد أن ~~المشكلة تكمن في السرعة إطلاقا، بل ما يهم ملاحظته هو أنك ستظل داخل الغرفة عاجزا ~~عن فهم كلمة واحدة من المحادثات حتى لو اجتازت الغرفة الصينية اختبار تيورنج باللغة ~~الصينية. أنت لا تعرف عما تدور ولا تدرك معناها، ومع ذلك تؤدي جميع العمليات التي ~~يؤديها الكمبيوتر؛ أي تتعرف على الرموز عبر شكلها، وتتبع التعليمات الخاصة بكيفية ~~التعامل معها. وهذا هو ما يفعله الكمبيوتر تحديدا. وعليه، إذا كنت لا تفهم محادثة ~~الغرفة الصينية، فليس بوسع أي كمبيوتر إذن فهم محادثة. وبالطبع سيفهم الكمبيوتر أقل ~~مما تفهمه، فأنت على الأقل تفهم التعليمات بما إنها مكتوبة بالإنجليزية وتتبعها عن ~~قصد وتأمل، في حين يتبع الكمبيوتر التعليمات المعطاة له على نحو آلي أعمى، دون ~~أي فهم على الإطلاق. # ابتكر سيرل تجربة الغرفة الصينية سعيا لطرح تسوية حاسمة ونهائية لمسألة الذكاء ~~الصناعي. واستنتج أنه ربما تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي «محاكاة» الأفكار ~~والمحادثات البشرية لكنها عاجزة عن «التفكير» أو «فهم» هذه المحادثات. بالطبع، لا ~~تحل تجربة سيرل الافتراضية المسألة بأي حال؛ فالفلاسفة ليسوا سهلي الإقناع لهذه ~~الدرجة. # 6 # ومن ثم ظهرت ردود لا حصر لها على حجة سيرل؛ # 7 # سنستعرض سريعا ثلاثة منها؛ وهي «رد الروبوت» و«رد النظام» بالإضافة ~~إلى ما سنطلق عليه «رد النظامين» (الرد الأخير في الواقع هو رد على رد. لكن لا ~~داعي للفزع، لن تجده عصيا على الفهم). # رد الروبوت # هذا الرد على حجة سيرل هو في الحقيقة نوع من التسليم المخادع بها؛ فنحن نسلم ~~بأن الغرفة الصينية لا تفهم شيئا لكن نزعم أن اللوم في ذلك لا يرجع إلى مجرد كونها ~~تشغل برنامجا حاسوبيا، بل يرجع إلى أن البرنامج قابع فحسب داخل ms093 الغرفة. إن ~~الغرفة الصينية التي يتخيلها سيرل لا تملك ما يكافئ الرجلين واليدين ~~والعينين والأذنين؛ فإذا طرق أحدهم بابها فلن تتمكن من معرفة هويته، وعليها ~~الاعتماد على رموز غامضة تصل إليها عبر فتحة المدخلات. قد تنقل هذه الرموز ~~معلومات حول الشخص الواقف عند الباب، لكن الغرفة الصينية لا تتفاعل مباشرة مع هذا ~~الشخص؛ هي منعزلة عن بيئتها. جملة القول: الغرفة الصينية ليست روبوتا، ربما كانت ~~ستصبح أفضل حالا لو كانت كذلك. في فيلم سبيلبيرج، يتجلى فهم ديفيد وذكاؤه في ~~الأساس من خلال تفاعله مع بيئته وتصرفاته اليومية، إلى جانب تنفيذه لخططه ~~واستراتيجيته الطويلة الأمد كما في محاولته تحقيق حلمه بالتحول إلى صبي حقيقي. ~~إن قدرة ديفيد على إجراء المحادثات تثير الإعجاب، لكننا واثقون على ما يبدو في أنه ~~يعرف ما يتحدث عنه نظرا للطريقة التي يتفاعل بها مع بيئته. نحن متأكدون من أن ~~ديفيد يعرف جزئيا معنى كلمة «تيدي» (اسم دميته) لأنه يستطيع مناداته ثم ~~مطاردته وحمله. # إذن، رجوعا إلى قصة سيرل، دعونا نتخيل غرفة صينية داخل روبوت. تخيل أنك محشور ~~في مركز التحكم داخله حيث تؤدي جميع العمليات الحاسوبية اللازمة لعمل الروبوت. بما ~~أن الروبوت يتفاعل مع بيئته؛ فقد يستطيع فهم الأفكار المتعلقة بتلك البيئة، وربما ~~يتمكن من معرفة هوية الواقف عند الباب لأنه قادر على رؤيته؛ إذن تكمن مشكلة ~~تجربة سيرل الافتراضية في أن الغرفة الصينية الأصلية ليست مجهزة على النحو ~~الذي يمكنها من فهم الأشياء فهما حقيقيا. يتطلب الفهم من المرء تفاعلا ~~سببيا مع بيئته، في حين لا يتاح للغرفة الصينية سوى تفاعل لفظي مع متحدثي ~~اللغة الصينية الذين يلقمونها ملاحظات تحاورية مكتوبة. تفتقد الغرفة الصينية ~~الخلفية التفاعلية السببية اللازمة لفهم أي من تلك الملاحظات. ذلك رد الروبوت ~~على حجة سيرل، وهو رد له بعض المزايا؛ ففي النهاية ديفيد ليس غرفة صينية، وقد ~~يستطيع فهم ما يحدث له لأنه روبوت وليس برنامج دردشة آليا. # لكن لدى سيرل ردا مقنعا على ~~ذلك؛ فلنفترض أننا حولنا الغرفة الصينية إلى ms094 روبوت، ثم وضعناك داخل مركز التحكم؛ ~~وبذلك نكون وهبنا روبوت الغرفة الصينية هذا ملكة الإدراك؛ إذ يصبح قادرا على أن ~~يرى ويسمع ويلمس ما يحيط به. لكن هذا لا يعني أنك - الشخص القابع بداخله - تستطيع ~~ذلك أيضا. وتثبيت كاميرا على الروبوت من الخارج كي تنقل لك في غرفة التحكم صورا ~~للعالم الخارجي لن يحل المشكلة؛ فماذا ستستطيع فعله بتلك الصور؟ نحن لا ندرك العالم ~~لأن شخصا صغير الحجم يجلس داخل رأسنا يشاهد التليفزيون، وينطبق ذلك على الروبوت، ~~وعلى روبوت الغرفة الصينية كذلك. # 8 # ستدخل الصور غرفة التحكم كمعلومات، وهذه المعلومات لا بد أن تقدم في ~~صورة تتيح لك اتباع القواعد التي توضح لك ما عليك فعله بها، وهنا تكمن المشكلة؛ ~~إذا دخلت المعلومات الغرفة بهذه الطريقة، فلا يوجد ما يضمن أنك ستستطيع فك شفرتها؛ ~~فربما تبدو لك أشبه بالمزيد من الشخبطات العشوائية غير المفسرة وحسب. لن يمنعك ~~ذلك من تمييز الأنواع المختلفة من الشخبطات؛ فلديك القدرة على تحديد الشكل المميز ~~لكل نوع من الشخبطات والتعرف عليه مجددا كلما ظهر، ويمكنك فعل ذلك دون معرفة ما ~~ترمز إليه هذه الشخبطات. يطلق الفلاسفة على هذا النوع من التركيب المعلوماتي اسم ~~«تركيب نحوي». يشير سيرل إلى أن المعلومات ستصل إلى مركز تحكم داخل الروبوت في شكل ~~تراكيب نحوية غير مفسرة. وبفضل القواعد المحفوظة في خزانة الملفات، يعرف الجالس ~~في غرفة التحكم ما عليه فعله بالمعلومات ذات التركيب النحوي، لكنه لن يعرف كيف يفسر ~~هذا التركيب. بعبارة أخرى: لن يعرف معنى أي من تلك التراكيب. وبهذه الطريقة، ~~يمكننا بسهولة تخيل (حسنا، يمكننا أن نتخيل) روبوت غرفة صينية يقوم بمهامه ~~الآلية بينما تجلس أنت في غرفة التحكم لأجل العمل على تيسير تلك المهام، وتظل مع ~~ذلك لا تفقه شيئا. # يبدو سيرل محقا؛ تحويل الغرفة الصينية إلى روبوت يحوي غرفة صينية لن يتيح لنا ~~تفنيد حجته. بالطبع قد تساعدنا الفكرة الأصلية رغم ذلك على تفنيدها؛ فالفكرة ~~القائلة بأن التفاعل البيئي لا غنى عنه إذا أردنا لنظام ms095 ذكاء اصطناعي اكتساب الفهم، ~~هي فكرة منطقية للغاية. والزعم الذي نطرحه ها هنا، نيابة عن سيرل، هو أن مجرد ~~إضافة وظائف الروبوت إلى الغرفة الصينية لن يتيح للجالس في غرفة التحكم فهم ما ~~يفعله الروبوت. إذا كانت حجة الغرفة الصينية الأصلية صحيحة، فإن حجة روبوت الغرفة ~~الصينية ستكون صحيحة كذلك. # رد النظام # لن يفي رد الروبوت بالغرض، لكن يوجد رد أفضل في المتناول؛ تخيل أنك عالق ~~داخل الغرفة الصينية (أو في مركز التحكم الخاص بروبوت الغرفة الصينية)، عاجز عن فهم ~~ما يفعله النظام كله. وهو أمر لا يستدعي الدهشة؛ فأنت لست الغرفة الصينية ذاتها، بل ~~أنت البرنامج الذي ينفذ أوامر النظام. بعبارة أخرى: أنت من يتولى المهام ~~الروتينية ويتبع التعليمات دون تفكير. وتشبه في ذلك وحدة المعالجة المركزية داخل ~~جهاز الكمبيوتر العادي. يتكون جهاز الكمبيوتر من أجزاء أخرى كثيرة بجانب وحدة ~~المعالجة المركزية؛ يحتوي النظام بأكمله على قرص صلب، وذاكرة عشوائية، وذاكرة ~~مؤقتة، وبطاقة عرض مرئي، ونظام تشغيل، وبرامج تشغيل، ووحدات طرفية من شتى الأنواع ~~... إلخ. إذا كنت تلعب دور وحدة المعالجة المركزية الخاصة بالغرفة الصينية، فأنت إذن ~~لست الغرفة الصينية ذاتها، بل لست الجزء الأهم من الغرفة الصينية. في وسعنا إخراجك ~~منها ووضع شخص آخر مكانك، ولن يلاحظ النظام أي تغيير على الإطلاق، ما دام بديلك ~~قادرا على اتباع التعليمات مثلما كنت تتبعها. وبما أنك مجرد جزء صغير قابل ~~للاستبدال من الغرفة الصينية، لن يدهشنا عجزك عن فهم ما يفعله النظام بأكمله. إذا ~~كان هناك من يفهم اللغة الصينية في هذه التجربة الافتراضية، فهو النظام المتكامل. ~~وأنت لست هذا النظام. هذا هو رد النظام على حجة سيرل. # لكن سيرل لا يزال بعيدا عن الاقتناع، فكيف يمكن عبر إضافة بعض قطع الأثاث (مثل ~~خزانة الملفات، والسلة التي تحوي رموزا عشوائية، وغير ذلك) تحويل شيء عاجز عن ~~الفهم (وهو أنت في هذه الحالة) إلى شيء قادر على الفهم (أي نظام الغرفة الصينية)؟ ~~قد نندفع قائلين: «هذا هو ما يحدث وحسب.» خزانة ms096 الملفات عاجزة وحدها عن الفهم؛ فهي ~~ليست سوى مجموعة من المعلومات الجامدة. وأنت أيضا عاجز عن الفهم؛ فلست سوى تابع ~~أعمى للتعليمات. لكن إذا جمعنا الاثنين معا فقد نحصل على كيان أكبر من حاصل ~~مكوناته. سنحصل على نظام معالجة معلومات نشط وفعال، وسيرل لم يقدم لنا ما ~~يثبت أن نظاما كهذا عاجز عن فهم اللغة الصينية. # يحاول سيرل مجددا تفنيد هذا الرد أيضا؛ تخيل أنك في الغرفة الصينية منذ أمد ~~طويل جدا حتى أصبحت مطلعا تماما على التعليمات في خزانة الملفات، وتخيل أنك ~~تتمتع بذاكرة مذهلة مكنتك في النهاية من حفظ التعليمات كلها عن ظهر قلب، والآن ~~عندما يصل قالب من الشخبطات العشوائية إلى الغرفة عبر فتحة المدخلات، لن تحتاج إلى ~~الاطلاع على التعليمات في خزانة الملفات كي تعرف ما عليك فعله به، بل ستكتفي فحسب ~~بالرجوع إلى ذاكرتك. يزعم سيرل أن في هذه التجربة الافتراضية الجديدة يتحول ~~الشخص الجالس في الغرفة إلى نظام الغرفة الصينية ذاته لا مجرد وحدة المعالجة ~~المركزية الغبية داخله. ورغم ذلك لن تعرف عم يتحدث نظام الغرفة الصينية، وسيظل ~~الكلام مجرد شخبطات عشوائية بالنسبة إليك. يبين لك هذا أن نظام الغرفة الصينية ~~عاجز عن فهم ما يتحدث عنه. لقد أصبحت أنت النظام الآن، لقد احتويت النظام بأكمله ~~داخل ذاكرتك، ورغم ذلك ما زلت لا تفهم. كيف إذن يستطيع الكمبيوتر الفهم بأي ~~حال؟ # رد النظامين # لقد شرحنا لتونا ردا على حجة سيرل (رد النظام) ورد سيرل على هذا الرد. والآن ~~حان الوقت لطرح ردنا الأخير (في الوقت الحالي على الأقل)، ألا وهو رد النظامين. ~~يطلب منك سيرل أن تتخيل نفسك تحفظ قائمة تعليمات الغرفة الصينية بأكملها عن ظهر ~~قلب. يبدو ذلك إنجازا عصيا على التصديق، لكن التجارب الافتراضية الفلسفية تسمح ~~بما لا يصدق. دعونا نطلق على هذا الشخص ذي الذاكرة المذهلة اسم «ذو الرأس ~~الكبير». في الظاهر ذو الرأس الكبير هو أنت بعدما اكتسبت قدرا من الذاكرة ~~الإضافية. لكن المظاهر خداعة؛ فقد لا يبدو حفظ برنامج ms097 الغرفة الصينية في الذاكرة ~~أمرا يختلف كثيرا عن حفظ أي شيء آخر، مثل جدول مواعيد قطارات أمريكا الشمالية ~~مثلا، لكنه في الحقيقة في غاية الاختلاف. يختلف لأن ذا الرأس الكبير يستخدم ~~تذكره لبرنامج الغرفة الصينية بطريقة خاصة جدا. عندما تتذكر جدول مواعيد ~~القطارات كي تلحق بقطار ما، فإنك تخلق روابط بين الجدول وبين باقي ما تملكه من ~~معرفة. أنت تعرف كيف تحدد الوقت وتعرف كم تبقى من الوقت على حلول الساعة ~~الواحدة مساء. أنت تعرف أن الوصول في الساعة الثانية مساء من أجل اللحاق بقطار ~~سيغادر في الواحدة مساء يعني أنك تأخرت على الأرجح على موعد القطار ... إلخ، لكن ~~عندما يحفظ ذو الرأس الكبير تعليمات الغرفة الصينية في الذاكرة، لا يحدث هذا النوع ~~من الاندماج المعرفي؛ فالجزء الخاص بالغرفة الصينية لدى ذي الرأس الكبير لا يندمج ~~مع باقي أجزاء النظام المعرفي لديه اندماجا كاملا، بل لا يكاد يندمج على ~~الإطلاق. # يتألف ذو الرأس الكبير فيما يبدو من نظامين معرفين: الأول هو النظام العادي الخاص ~~بك؛ أي النظام الذي يمكنك من اللحاق بالقطارات في موعدها. والثاني هو نظام ~~الغرفة الصينية؛ أي النظام الذي يتيح لذي الرأس الكبير التحاور مع متحدثي اللغة ~~الصينية. بالطبع ستمر بوقت عصيب وأنت تحاول التوحد مع مكون الغرفة الصينية لدى ~~ذي الرأس الكبير. سيظل هذا المكون غامضا بالنسبة إليك لأنه لا يندمج كما ينبغي مع ~~باقي مكونات عقلك. أنت لا تفهم ما يفعله هذا الجزء. لكن هذا يعني ببساطة أنك لست ~~ذا الرأس الكبير. يتألف ذو الرأس الكبير من نظامين، وأنت نظام واحد منهما فحسب. ~~النظامان مرتبطان، لكن بطريقة غريبة بعض الشيء. يلعب نظامك دور البرنامج المنفذ ~~لنظام الغرفة الصينية، وبدون تدخلك الرامي لاتباع المعلومات، كان نظام الغرفة ~~الصينية سيظل قابعا في داخل ذاكرة ذي الرأس الكبير دون أن يقدر على تحقيق أي ~~شيء. # والآن نطرح السؤال التالي: هل يفهم ذو الرأس الكبير اللغة الصينية؟ «أنت» لا تفهم ~~اللغة الصينية، لكنك لست ذا الرأس الكبير؛ فهل يفهم ms098 ذو الرأس الكبير اللغة الصينية؟ ~~من الصعب الإجابة عن ذلك. ما لا نستطيع قوله هو ما كان سيرل سيريد منا قوله، ومفاده ~~أن ذا الرأس الكبير لا يفهم اللغة الصينية لأنك أنت لا تفهم الصينية. فهذه حجة غير ~~سليمة لأنها تفترض كذبا أنك أنت وذا الرأس الكبير تشكلان نظاما معرفيا ~~واحدا. هذا ليس صحيحا. إن نظام الغرفة الصينية داخل ذي الرأس الكبير يشبه غزوا ~~أجنبيا لعقلك؛ فهو قابع في ذاكرتك مثل فيروس، مستغلا عادتك في اتباع ~~التعليمات. # وهكذا أخفقت حجة الغرفة الصينية التي طرحها سيرل؛ ففي النهاية، هو لا يملك ردا ~~مقنعا على رد النظامين. لكن هذا لا يعني أن استنتاجه خاطئ؛ فعبر تفنيد حجة سيرل لا ~~نثبت أن الغرفة الصينية تفهم بالفعل اللغة الصينية، بل نثبت فحسب أننا لا نستطيع ~~استخدام حجة سيرل لإثبات أنها لا تفهم اللغة الصينية. بالطبع ذو الرأس الكبير كائن ~~غريب جدا، ولدينا من المبررات المقنعة ما يدفعنا إلى الشك في أن مكون الغرفة ~~الصينية داخله يفهم شيئا حقا. وبما أنه لا يندمج كما ينبغي في نظامك المعرفي، ~~فإنه لا يتمتع بنفس كفاءتك الآلية. وبدون الكفاءة الآلية؛ أي بدون الانغماس السببي ~~المتعمق في بيئته، من غير المرجح على الإطلاق أن يفهم محتوى محادثاته مع المتحدثين ~~باللغة الصينية. إن علينا الجمع بين رد الروبوت ورد النظام كي نجعل فكرة نظام ~~الذكاء الاصطناعي الذي يفهم ما يفعله منطقية. # يعيدنا ذلك إلى فيلمنا. ليس من قبيل المصادفة أن يجسد الخيال العلمي أنظمة ~~الذكاء الاصطناعي عادة في شكل روبوت؛ فحتى أجهزة الكمبيوتر التي تفتقد مجموعة ~~مهارات الروبوت الكاملة، مثل الكمبيوتر هال في فيلم «2001: ملحمة الفضاء» (1968)، ~~لديها مخزون ذاخر من القدرات الإدراكية الحسية والتنفيذية؛ فلدى هال على سبيل ~~المثال أعين وآذان في كل مكان، وهو قادر على فتح أبواب المكوك الفضائي أو عدم ~~فتحها وقتما يريد. في فيلم «ذكاء اصطناعي» ترتبط قدرات ديفيد الإدراكية ارتباطا ~~وثيقا بأدائه الوظيفي كروبوت؛ فهو يتعلم عبر مشاهدة الآخرين ومحاكاتهم (ليس ~~محاكاتهم حرفيا؛ فعندما يحاول ms099 بلع الطعام في مشهد تناول العشاء يكاد فكه ينفصل عن ~~وجهه). ربما ديفيد قادر فعليا على الفهم جزئيا بسبب هذا الأداء الوظيفي. ربما ~~يفهم حقا معنى «خصلة شعر» لأنه يستطيع قص خصلة من شعر مونيكا والتحدث عنها فيما ~~بعد. ربما لديه فكرة ما عن طبيعة الجنية الزرقاء؛ لأنه قادر على الذهاب بحثا ~~عنها. # هل ديفيد قادر على الشعور؟ اعتراض الكيفيات المحسوسة # بماذا سنشعر يا ترى لو كنا مثل ديفيد؟ لا يمكننا وضع أنفسنا داخل عالمه العقلي ~~عبر تخيل نسخة تشبهه من تجربة الغرفة الصينية الافتراضية؛ فكما رأينا، أخفقت هذه ~~التجربة في تحقيق هدفها. لكن هناك سبب آخر يدفعنا إلى التشكك في قدرات ديفيد ~~العقلية؛ فلماذا نفترض أنه «يشعر» حقا بأي شيء؟ هو يسجل التجارب في صورة تدفق ~~معلوماتي داخل نظام معرفي، لكن هل هو واع كليا؟ وهل يمكن من الأساس طرح سؤال عما ~~سنشعر به لو كنا مكانه؟ هل يشعر ب «الألم» عندما تهجره أمه في الغابة؟ هو يتصرف كما ~~لو كان متألما، لكن هل يشعره الهجر بالألم حقا؟ # قد نتخيل أن ديفيد يبدي ردود أفعال تمثيلية مقنعة تعكس الألم والكرب دون أن يشعر ~~فعليا بأي ألم أو كرب. نحن نعرف كيف يكون الشعور بالألم، وكيف يكون التظاهر ~~بالشعور بالألم. لكن كيف نستطيع تحديد الفرق ظاهريا؟ يطلق الفلاسفة على الصفة ~~الواعية لأي خبرة - أي «التألم» المميز للألم، أو «الحمرة» المميزة للون الأحمر، ~~أو «النشاز» الذي يميز مجموعة نغمات موسيقية متنافرة - كيفية محسوسة، وجمعها كيفيات ~~محسوسة. ومن هنا ينبع اعتراض آخر على أصالة ديفيد. هو لا يستطيع أن يحب مونيكا ~~حبا حقيقيا؛ لأنه صمم كي يتصرف كما لو أنه يحظى بخبرات غنية بالكيفيات ~~المحسوسة، بينما هو في الواقع لا يملك هذه الخبرات. عندما يشعر بالحزن على ما يبدو ~~عند معرفته أن مونيكا يوما ما ستموت، فإنه لا يفعل أكثر من مجرد محاكاة السلوك ~~المنتظر منه في هذه الحالة. إنه لا يشعر في الحقيقة بأي اغتمام فعلي، رغم ~~تصورنا أنه من المستحيل ms100 تماما الجزم بأنه لا يشعر بذلك. يفتقد ديفيد الكيفية ~~الحسية الخاصة بالشعور بالكرب أو الاغتمام. لا يمكننا معرفة ما الذي سنشعر به لو ~~كنا مكان ديفيد بينما يبدو مغتما، بل لا يمكننا معرفة ما سنشعر به لو كنا مكان ~~ديفيد من الأساس؛ فذلك يشبه تخيل ما سنشعر به لو كنا محمصة خبز مثلا. هذا ما ~~يطلق عليه اعتراض الكيفيات المحسوسة. # حتى هذه اللحظة، نحن نعبر عن مجرد شك، هل يوجد حجة فلسفية تدعمه؟ ما نحتاج إليه ~~هو حجة تثبت أن الوعي؛ أي خبرة الكيفيات المحسوسة، لا يمكن خلقه اصطناعيا. وبما ~~أننا لا نعرف تحديدا كيف ظهر الوعي لدى البشر - لأسباب لا تتعلق بنقص في ~~النظريات - فمن غير الوارد أن نتمكن من استبعاد إمكانية وجود وعي اصطناعي بناء ~~على أسس فلسفية. ربما نشعر بوجود شيء خاص، شيء روحاني على الأرجح أو غير آلي، ~~يميز الوعي. ربما نشعر على نحو بديهي أن الكائنات الحية أو الكائنات التي تملك ~~روحا هي فقط التي تتمتع بوعي كامل، لكن هذا الإحساس البديهي لا يتمتع وحده بثقل ~~فلسفي كبير. # تقربنا إحدى الحجج الفلسفية من هدفنا المنشود؛ هي حجة تدعي إثبات أن الوعي ~~في الحقيقة ظاهرة غير مادية على الإطلاق. إذا كان الوعي غير مادي، فربما يستحيل ~~علينا بالفعل استنساخه اصطناعيا. يقدم لنا هذه الحجة الفيلسوف الأسترالي ~~فرانك جاكسون (1982؛ 1986)، وتعرف باسم «حجة المعرفة» وتتطلب بدورها تجربة ~~افتراضية أخرى. (سنغير ها هنا أيضا بضعة تفاصيل من أجل سهولة العرض.) تخيل أن ~~امرأة تدعى ماري خضعت لتجربة نفسية مطولة وقاسية؛ فعندما ولدت زرعت في عينيها ~~أجسام خاصة تمنعها من رؤية أي شيء بالألوان؛ ومن ثم قضت حياتها ترى كل شيء ~~باللونين الأبيض والأسود. رغم ذلك، أو ربما نتيجة لذلك، أصبحت ماري أعظم خبراء ~~العالم في الإدراك البشري للألوان، بل إن براعتها الفذة في اكتشاف الحقائق فيما ~~يتعلق بإدراك الألوان أوصلتها إلى معرفة كل ما يهم معرفته في هذا المجال؛ فهي ~~تعرف جميع الحقائق المادية التي تتعلق بإدراك الألوان مثل ms101 طريقة تفاعل الجهاز ~~البصري مع الضوء من شتى الأطوال الموجية، وكيفية معالجة الدماغ للمعلومات التي ~~يستقبلها من المستقبلات البصرية وغيرها. وهكذا توصلت ماري إلى معرفة جميع الحقائق ~~المادية المتعلقة بطبيعة إدراك اللون. ومع نهاية التجربة، أزيلت الأجسام المزروعة ~~في عيني ماري، وأصبحت الآن قادرة فعليا على رؤية الألوان عوضا عن الاكتفاء ~~بطرح النظريات حولها. وبينما تتجول في الخارج ترى وردة حمراء، فتقول لنفسها ~~«هكذا إذن يبدو اللون الأحمر، لم أكن أعلم ذلك قط!» يوجد شيء إذن لم تعرفه ماري ؛ ~~هي لم تكن تعرف حقائق الكيفيات المحسوسة الخاصة بإدراك الألوان، لم تكن تعرف كيف ~~يبدو اللون الأحمر. لكنها كانت تعرف جميع الحقائق المادية. يثبت ذلك أن حقائق ~~الكيفيات المحسوسة ليست حقائق مادية. ثمة جوانب أخرى للوعي خلاف المعالجة ~~المادية للمعلومات في الدماغ. # ما مدى منطقية حجة المعرفة؟ # 9 # هي حجة مثار خلاف كبير دون شك. والرد الأشهر عليها هو كالتالي: عندما ~~ترى ماري الألوان أخيرا، فإنها لا تكتسب معرفة حقيقية جديدة، لقد وصفنا نحن ~~المشهد كما لو أنها اكتسبت تلك المعرفة - ~~فجعلناها تقول إنها لم تكن تعرف قط كيف يبدو اللون الأحمر - لكن هذا الوصف كان ~~مضللا؛ لأنه يجعل الأمر يبدو كما لو كانت معرفة شكل اللون الأحمر لا تختلف عن ~~معرفة طول موجة الضوء الأحمر (نحو 700 نانومتر)، ويجعل معرفة الكيفيات المحسوسة ~~تبدو وكأنها مجرد معرفة حقيقية إضافية، في حين أنها تختلف عن ذلك كلية. عندما ترى ~~ماري الألوان للمرة الأولى لا تكتسب بذلك معرفة حقيقية جديدة، بل تكتسب قدرات ~~جديدة. والآن هي قادرة على تحديد ما إذا كانت ثمرات الطماطم ناضجة أم لا بمجرد ~~النظر إليها. قبل تحول قدراتها البصرية كانت تضطر إلى قياس الطماطم بجهاز قياس ~~الطيف اللوني (وهو أداة لا تستغني ماري عنها عند شرائها الخضراوات والفواكه) كي ~~تعرف أهي ناضجة أم لا. لكنها أضحت الآن قادرة على رؤية اللون ثم التعرف على ~~اللون نفسه بعد ذلك (دون الحاجة إلى قياس هذا اللون في كلتا الحالتين)، بل ms102 وربما في ~~وسعها كذلك تخيل لون ما كصورة ذهنية. ربما تستطيع الآن أن ترى أحلاما ملونة ~~أثناء نومها، وتتذكر فيما بعد أن جراد بحر أزرق عملاقا كان يطاردها في الحلم، ~~وليس جراد بحر عملاق رمادي اللون. إن نوع المعرفة التي تكتسبها ماري بعد التحول ~~اللوني الذي حدث لها هي معرفة تتعلق بالكيفية لا بالماهية؛ فهي أصبحت تعرف كيف تفعل ~~أشياء، أصبح لديها قدرات جديدة. وبدلا من التعرف على حقائق جديدة حول إدراك ~~الألوان، أصبح لديها الآن قدرة التعرف على حقائق قديمة بطرق جديدة. يعرف هذا الرد ~~على حجة المعرفة عادة باسم «فرضية القدرات». # 10 # ما مدى منطقية رد فرضية القدرات؟ # 11 # ذلك سؤال تصعب إجابته. هل يمكننا تخيل شخص يملك جميع القدرات التي ~~ننسبها إلى ماري بعد التحول اللوني الذي حدث لها لكنه لا يختبر الكيفيات اللونية ~~المحسوسة؟ هل يمكننا اختزال معرفة الكيفيات المحسوسة في اكتساب قدرات مناسبة، دون ~~أن نكون قد أغفلنا أي شيء؟ من الصعب بمكان الإجابة عن ذلك. قد يرد المدافعون عن ~~استحالة اختزال الكيفيات المحسوسة (يطلق عليهم جاكسون مجانين الكيفيات المحسوسة) ~~على فرضية القدرات عبر الإصرار على أن فردا واعيا مثل ماري يكتسب قدرات جديدة ~~لأنه أضحى الآن «يعرف» الكيفيات اللونية المحسوسة. كيف تستطيع ماري الآن تصنيف ~~الطماطم إلى ناضجة وغير ناضجة دون استخدام جهاز قياس الطيف اللوني الخاص بها؟ لقد ~~أصبحت الآن تعرف شكل الطماطم الناضجة؛ ولذلك أصبحت قادرة على انتقائها. ربما كان ~~إدراك فرضية القدرات للوضع إدراكا معكوسا؛ إذ افترضت أنه بما أن ماري قادرة على ~~انتقاء الطماطم الناضجة بمجرد النظر، فهي الآن تعرف شكل اللون الأحمر. وربما كان ~~هذا قلبا لتسلسل الأحداث المنطقي. # ما الذي يحدث أولا، معرفة الكيفيات المحسوسة أم القدرة على إدراك الكيفيات ~~المحسوسة؟ سيرغب معتنقو الرأي القائل بأن الوعي يمكن اختزاله في العمليات المادية ~~التي تجري داخل الدماغ - ويعرفون باسم «الجسمانيون» - في القول بأن القدرات تأتي ~~أولا؛ فمعرفة الكيفيات المحسوسة ليست سوى امتلاك لقدرات إدراك الكيفيات المحسوسة، ~~ويمكن شرح عمليتي ms103 اكتساب وامتلاك تلك القدرات من منظور جسدي بحت دون إغفال أي ~~شيء. في حين قد يزعم اللاجسمانيون أن قدرات الكيفيات المحسوسة تستلزم مقدما معرفة ~~الكيفيات المحسوسة؛ فلكي تمتلك قدرة الكيفيات المحسوسة لا بد أن تعرف أولا كيف ~~تبدو خبرة الكيفيات المحسوسة من الأساس. بل قد يزعم اللاجسمانيون أن في وسع امرئ ~~ما امتلاك جميع القدرات ذات الصلة - وهي التعرف والتمييز والتذكر والتصور الخيالي ~~وغيرها - دون أن يكون واعيا من الأساس بالكيفيات المحسوسة ذاتها. ويعرف هذا ~~المخلوق أحيانا في فلسفة العقل المعاصرة باسم الزومبي . # 12 # لكن هذا النوع من الزومبي ليس عضوا في جماعة الموتى الأحياء آكلي لحوم ~~البشر، لكنه كائن يملك قدرات الفرد الواعي، دون أن يملك الوعي الذي عادة ما يصاحب ~~هذه القدرات. يبدو هذا الزومبي مثل بيت أنواره مضاءة يدفعك إلى الظن بأن قاطنه ~~موجود، بينما لا يوجد أحد بالداخل. # من الفائز يا ترى، الجسمانيون أم اللاجسمانيون؟ مرة أخرى، من الصعب تحديد ذلك. ~~ربما يتعادل الفريقان، أو ربما يخسران. # 13 # ربما يتوقف الأمر على من يقع على كتفيه عبء الإثبات في هذا السجال. لكن ~~من يحمل هذا العبء؟ أي من الموقفين يبدو أكثر منطقية في الأساس، موقف الجسمانيين ~~أم اللاجسمانيين؟ وما موقف ديفيد من هذا كله؟ فهو على ما يبدو يملك جميع القدرات ~~التي تميز الفرد الواعي. أمن الممكن أن يمتلك تلك القدرات دون أن يملك معرفة ~~الكيفيات المحسوسة؟ أمن الممكن أن يمتلك مجموعة القدرات المعرفية والإدراكية ~~بأكملها دون أن يعي مطلقا «التألم» المصاحب للألم، و«القنوط» المصاحب للكرب، ~~و«الأسى» المصاحب للوحدة؟ أمن الممكن أن يكون زومبي؟ هل من الضروري أن يكون زومبي؟ ~~كما عودتنا الفلسفة، تنتهي بنا الحال بأسئلة أكثر مما بدأنا بها، لكنها أسئلة ~~مختلفة، أسئلة أفضل. # أسئلة # فلنفترض أن كفاءة الروبوتات تحسنت أكثر حتى أصبح من المستحيل تمييز ~~الروبوت عن الإنسان، على المستوى الجسدي أو العاطفي، ما لم تفككه إلى ~~أجزاء. هل يصبح حينئذ خوض علاقة وثيقة ومحبة مع تلك الروبوتات أمرا ~~غير منطقي وغير مبرر، ms104 بل وغير طبيعي؟ أمن المفترض أن يجيز القانون ~~زواج الإنسان والروبوت؟ أمن الممكن أن يعيش إنسان مع روبوت في زواج ~~«سعيد»؟ # في هذا الفصل، طرحنا الزعم التالي: «إذا اعتبرنا حب ديفيد غير أصيل ~~لأنه مثبت سابقا، فربما يصبح حب أي طفل لأمه غير أصيل كذلك للسبب ~~نفسه. نحن لا ننزع إلى الشك في حقيقة أو أصالة حب الطفل لوالديه؛ لذا ~~ربما لا ينبغي لنا التشكك في حب ديفيد لأن أصله يرجع إلى المصمم.» هل ~~كنا على حق في هذا الزعم؟ وحب الطفل (البشري ) لأبويه، أهو حب أصيل؟ ~~هل هو حب أصيل على نحو لا يمكن لحب ديفيد أن يصبح مثله أبدا؟ ما الذي ~~تمثله أصالة حب طفل؟ (ما الذي تمثله أصالة أي حب؟) # طرح جون سيرل تجربة الغرفة الصينية الافتراضية من أجل تفنيد ~~الطموحات الهادفة إلى خلق برنامج ذكاء اصطناعي قوي. إنه الاعتقاد بأن ~~أجهزة الكمبيوتر سوف تشتمل في النهاية على عقول اصطناعية (ذات وعي ~~وإدراك وذكاء وقدرة عاطفية ... إلخ). وقد انتقدنا هذه الحجة في هذا ~~الفصل. لكن من الممكن توجيه نسخة أكثر تواضعا من الغرفة الصينية ~~لتفنيد اختبار تيورنج وليس برنامج الذكاء الاصطناعي القوي. فهل ستنجح ~~في تحقيق هذا الهدف الأكثر تواضعا؟ (بعبارة أخرى: هل ستثبت أنه من ~~الممكن اجتياز اختبار تيورنج دون امتلاك ذكاء تحاوري حقيقي؟) # هل يحتاج المرء إلى قدرات كقدرات الروبوت كي يفهم أي شيء؟ ومن ثم، ~~أليس من الممكن أن يتأتى للكمبيوتر فهم الأشياء دون ملاحظة وحركة ~~وفعل وغير ذلك؟ أليس التحدث (الناتج عن تنفيذ برنامج المحادثة) ~~كافيا؟ ولم لا؟ # في هذا الفصل، لم نعبأ كثيرا برد سيرل المبدئي على رد النظام. زعم ~~سيرل أن الاعتقاد بقدرة المكونات الخاملة داخل نظام ما (مثل خزانة ~~الملفات بكل ما تحتويه من ملفات ومجلدات داخل غرفته الصينية) على تحويل ~~شيء لا يفهم إلى شيء يفهم هو اعتقاد سخيف؛ فكيف يسعها تحقيق ذلك؛ ~~هي «لا تفعل» شيئا. هل تسرعنا في رفض هذا الرد؟ وهل يحمل اتهام ~~سيرل شيئا من ms105 الصحة؟ كيف يمكن أن تصنع إضافة ملفات من المعلومات ~~فارقا؟ (تذكر أن رد النظام يبلغ فاعليته القصوى عند الجمع بينه وبين ~~رد الروبوت.) # هل أنت وذو الرأس الكبير شخص واحد؟ بعبارة أخرى: متى أصبحت داخل ~~الغرفة الصينية، وحفظت التعليمات كلها عن ظهر قلب، فهل ستصبح نظاما ~~معرفيا واحدا أم نظامين؟ # في هذا الفصل، عبرنا عن اعتراض الكيفيات المحسوسة على النحو ~~التالي: «لا يمكننا معرفة ما سنشعر به لو كنا مكان ديفيد؛ فذلك يشبه ~~تخيل ما سنشعر به لو كنا محمصة خبز مثلا.» هل سيسعنا يوما ما ~~معرفة ما إذا كان العقل الاصطناعي يختبر الكيفيات المحسوسة؟ إذا كانت ~~جميع الأنظمة الإدراكية الحسية والمعلوماتية ذات الصلة تؤدي وظيفتها، ~~فهل سيكون بمقدورك معرفة ما إذا كان العقل الاصطناعي يمر بالكيفيات ~~المحسوسة أم لا؟ هل سيكون باستطاعتك الجزم بأن آخرين غيرك يمرون ~~بالكيفيات المحسوسة؟ (سيزعمون أنهم يختبرونها، وهذا بالطبع هو ما ~~سيقولونه، فهم في النهاية من الزومبي.) أو هل سيصبح بوسعك معرفة ما إذا ~~كان شخص آخر يمر بنفس الكيفيات المحسوسة التي تمر بها عندما ينظر ~~كلاكما إلى الشيء نفسه؟ (أعتقد أنه أحمر، أنت تقول إنه أحمر. لكن كيف ~~أعرف أنك ترى ما أراه عندما أقول إنني أرى اللون الأحمر؟) بالنظر إلى ~~نزوعنا نحو الشكوكية فيما يتعلق بالكيفيات المحسوسة، ألم نكن قساة ~~حقا على ديفيد عندما قارنا حياته الداخلية بحياة محمصة ~~خبز؟ # | هوامش # الفصل السادس # | «جسر المطار» وحلم السفر عبر الزمن # مقدمة # في فيلم كريس ماركر «جسر المطار» (لا جيتي) (1963)، يشهد صبي صغير حادثة إطلاق ~~نار على رجل في مطار أورلي بباريس، وبينما يكبر تظل ذكرى موت الرجل تطارده. «جسر ~~المطار» هو فيلم عن الذكريات التي تطاردنا، وهو أيضا عن السفر عبر الزمن. سوف ~~نستخدم هذا الفيلم من أجل مناقشة احتمالية السفر عبر الزمن، وفي خضم ذلك سوف نبحث ~~طبيعة الزمن وأيضا طبيعة الاحتمالية. # استخدم ماركر سلسلة من الصور ~~الفوتوغرافية الثابتة يصحبها تعليق صوتي يروي قصة الفيلم. # 1 # ونظرا إلى فكرة الفيلم الرئيسية - قدرة ms106 الذكريات على مطاردتنا - كان ~~قراره باستخدام هذا الأسلوب قرارا ملهما؛ فالصور هي سبيلنا المفضل عند محاولة سد ~~ثغرات ذاكرتنا، ودعم ادعاءاتها الواهية حول كينونتنا، واستكمال تفاصيل التجارب ~~التي تخفق الذاكرة في حفظها. الصور متواطئة في سيطرة مشاهد الماضي علينا. لكن بطل ~~«جسر المطار» (الذي لا نعرف اسمه قط؛ ومن ثم سنطلق عليه المسافر عبر الزمن) ~~لا يحتاج إلى صور؛ فصورة الرجل المحتضر حفرت بعمق في ذاكرته، ويتضح أن هذا ~~تحديدا هو ما يجعله ملائما لرحلة السفر عبر الزمن بكل ما تتضمنه من صعوبات؛ ففيما ~~يبدو، يتطلب السفر عبر الزمن مستويات غير عادية من التركيز، والهوس بصورة من ~~الماضي يتيح ذلك. # إليك قصة الفيلم: دمرت مدينة باريس في حرب كارثية ومن نجوا من الحرب عاشوا ~~سجناء تحت الأرض. أصبح العالم خرابا يحتاج إلى إنقاذ. يقرر المنتصرون في الحرب - ~~وهم على ما يبدو ألمان - أن السبيل الوحيد للإنقاذ هو المستقبل؛ ومن ثم يشرعون ~~في إجراء سلسلة من تجارب السفر عبر الزمن، ويقع الاختيار على بطل الفيلم ليخضع ~~للتجربة، حيث ينجح في السفر إلى الماضي، إلى باريس قبل نشوب الحرب. هناك يزور ~~امرأة، ويعود إليها مرة تلو الأخرى؛ فتطلق عليه «شبحها». ويقع كل منهما في غرام ~~الآخر. وبعدما أتقن العلماء الألمان السفر إلى الماضي، بدءوا يجربون السفر إلى ~~المستقبل. وهي عملية تفوق السفر إلى الماضي صعوبة؛ إذ يمنع شيء ما المسافر من ~~المضي قدما في المستقبل، ويتضح أن المانع هو أهل المستقبل الذين أتقنوا علم السفر ~~عبر الزمن وبدوا عازفين عن الترحيب بغريب من بدايات التاريخ البشري. لكن المسافر ~~يتمكن أخيرا من التحدث إليهم وشرح مهمته؛ الجنس البشري في الماضي في خطر، وبما ~~أنه سيتمكن من البقاء فإن المستفيدين من بقائه يدينون له بسبل تساعده على البقاء. ~~يقبل أهل المستقبل على ما يبدو هذه المغالطة السفسطائية، ويمنحون المسافر محول ~~طاقة جبارا ليصطحبه معه إلى زمنه، وهي مهمة ينفذها بالفعل، وتنجو البشرية من ~~الفناء. بعدما أتم المسافر مهمته يخطط العلماء الألمان لإعدامه (فهم علماء ms107 ~~«ألمان» أولا وأخيرا، وفيلمنا فيلم فرنسي أنتج عام 1963)، حينئذ يتدخل أهل ~~المستقبل لإنقاذه، ويعرضون اصطحابه إلى المستقبل، لكنه يفضل العودة إلى فرنسا في ~~عالم ما قبل الحرب إلى المرأة التي أحبها. عند عودته يجد نفسه في مطار أورلي (يبدو ~~ذلك نذير سوء). يرى محبوبته فيركض ناحيتها لكن عميلا تابعا للعلماء الألمان كان ~~يتبعه (فقد أتقنوا الآن تقنية السفر عبر الزمن)؛ ومن ثم يطلق عليه الرصاص قبلما ~~يصل إلى المرأة. يشهد صبي الحادثة بأكملها؛ لقد شهد الرجل حادثة موته بينما كان ~~صبيا. لا عجب إذن أن ذكرى هذا الحادث ظلت تطارده. # تلك قصة بسيطة ومتقنة من قصص السفر عبر الزمن. # 2 # والأسئلة الفلسفية التي نطرحها في هذا السياق كالتالي: هل من الممكن ~~حدوث شيء كهذا فعليا؟ هل الزمن مجال يصلح السفر عبره؟ هل السفر عبر الزمن أمر ~~ممكن؟ وبالطبع، بما أننا نتفلسف، لا بد أن نتساءل عما يعنيه القول بأن السفر عبر ~~الزمن ممكن؟ ماذا نعني بكلمه «ممكن»؟ ترجع أصول قصص السفر عبر الزمن في العصر ~~الحديث إلى إتش جي ويلز. وقد بدأ ويلز قصته الأولى حول السفر عبر الزمن «آلة الزمن» ~~بمناقشة حول طبيعة الزمن. وحسب شرح المسافر عبر الزمن في قصة ويلز، الزمن هو بعد ~~أشبه بأبعاد المكان الثلاثة، نحن نستطيع السفر عبر المكان؛ إذن نستطيع، إذا عرفنا ~~الطريقة، السفر عبر الزمن. ما مدى منطقية هذه الحجة؟ كي نبدأ في الإجابة عن هذا ~~السؤال، لا بد لنا من إلقاء نظرة أعمق على ميتافيزيقا الزمن. # الزمن: تمهيد # تدين المناقشة الفلسفية المعاصرة لطبيعة الزمن بالكثير لأعمال الفيلسوف ~~البريطاني جيه إم إي مكتاجارت (1866-1922). زعم مكتاجارت أن الزمن وهم، وأننا ~~نعتقد أن الأشياء توجد عبر الزمن، لكن هذا غير حقيقي. سوف نلقي نظرة سريعة على ~~حجته المبدعة التي قادته إلى هذا الاستنتاج قريبا، لكن علينا أولا التمهيد لذلك. ~~إن الجانب الأكثر تأثيرا، وربما الأكثر إثارة للاهتمام، في أعمال مكتاجارت ليس ~~زعمه بأن الزمن وهم، بل طريقة صياغته لهذه المشكلة الفلسفية. لقد ميز ms108 بين نوعين ~~من المفاهيم الزمانية، بين طريقتين للنظر إلى ترتيب الأحداث الزمانية، وأطلق عليها ~~المجموعة «أ» والمجموعة «ب». وهي مسميات ظلت عالقة في الأذهان. # وفقا للمجموعة «أ»، ترتب الأحداث في الزمن حسب وقوعها إما في الماضي أو في ~~الحاضر أو في المستقبل، ويعبر الزمن عن عملية تحول؛ فالأحداث المستقبلية تصير ~~حاضرا ثم تصير ماضيا. وعلى العكس من ذلك، ترتب الأحداث في المجموعة «ب» حسب ~~علاقات زمنية مثل «قبل» و«بعد» و«متزامن مع (كذا)». فتتناول على سبيل المثال أي ~~حدثين مثل إعدام تشارلز الأول ملك إنجلترا وفوز الأرجنتين بمباراة نهائي كأس العالم ~~عام 1978. أي حدث من هذين الحدثين إما أنه حدث مع الثاني أو حدث قبله أو حدث ~~بعده. # 3 # في هذا المثال، الحدث الأول حدث قبل الثاني (أو الحدث الثاني حدث بعد ~~الحدث الأول، حسب الصيغة التي ترغب فيها). # يبدو أننا نستوعب التتابع الزمني إما عبر المجموعة «أ» أو المجموعة «ب». لكن ~~مكتاجارت زعم أن المجموعة «أ» (تحول المستقبل إلى حاضر ثم إلى ماض) لا غنى عنها ~~لمفهوم الزمن. فبدون المجموعة «أ»، لن يوجد وقت. وقد اعتقد ذلك لأنه آمن بأن الزمن ~~يستلزم التغيير، ونحن نحتاج إلى المجموعة «أ» كي يصبح التغيير حقيقيا (وهو زعم ~~مثير للجدل دون شك). كذلك من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن مكتاجارت اعتقد أن ~~المجموعة «أ» تناقض نفسها؛ فهي تتطلب من الحدث الواحد - مثل فوز الأرجنتين بنهائي ~~كأس العالم عام 1978 على سبيل المثال - أن يتضمن خواص متعارضة: خاصية الحاضر ~~وخاصية الماضي وخاصية المستقبل. لكن شيئا في الحاضر لا يمكن أن يكون ماضيا في ذات ~~الوقت. أليس كذلك؟ فهاتان خاصيتان متعارضتان. ورغم ذلك من المفترض أن يملك حدث واحد ~~كلتا الخاصيتين معا. كيف يمكن ذلك؟ ظاهريا تبدو هذه الحجة غير منطقية تماما؛ ~~فليس من المفترض أن يكون حدث ما ماضيا وحاضرا ومستقبلا «في الوقت نفسه»، بل هو ~~مستقبل في وقت ما وحاضر في وقت آخر وماض في وقت ثالث. يبدو ذلك صحيحا لكنه لا ~~يفيد بشيء. ms109 على سبيل المثال، لن تتحقق أي استفادة من زعم أن فوز الأرجنتين بنهائي ~~كأس العالم كان حاضرا يوم 25 يونيو 1978 وماضيا يوم 25 يونيو عام 2010؛ إذا ~~استعضنا عن الزعم القائل بأن الفوز حدث ماض، بزعم أدق يقول بأن الفوز حدث يوم 25 ~~يونيو 1978 فإننا نكون بذلك قد استعضنا لتونا عن المجموعة «أ» بالمجموعة «ب» ~~(فالقول بأن حدثا ما حاضر في تاريخ محدد يرسخ موقعه فحسب في تتابع الأحداث ~~المرتبة حسب علاقة «قبل/بعد». أي المجموعة «ب»). يزعم مكتاجارت أن المجموعة «أ» هي ~~المتناقضة، وليس المجموعة «ب». # قد نحاول التملص من هذا الفخ، وبدلا من ذكر تاريخ المباراة يمكننا أن نقول إن ~~المباراة «كانت» في الحاضر. وقولنا إن حدثا ما كان حاضرا معناه أن ذلك الحدث يملك ~~خاصية كونه حاضرا في الماضي. (يهوى الفلاسفة هذه الطريقة الملتفة للتعبير عن ~~الأشياء؛ فهم يعتقدون أنها تضفي مزيدا من التوضيح. وفي بعض الأحيان يكونون على ~~حق.) فكون حدث ما «حاضرا في الماضي» لا يناقض خاصية كونه «في الماضي»؛ لذا بدلا ~~من أن نقول إن حدثا واحدا يملك خاصية الحاضر وخاصية الماضي، يمكننا أن نقول إنه ~~يملك خاصية كونه «حاضرا في الماضي» وخاصية كونه «ماضيا». وهكذا تجنبنا فيما ~~يبدو التناقض دون اختزال المجموعة «أ» في المجموعة «ب». لكن مكتاجارت يعتقد أن هذه ~~الطريقة لا تصلح. لقد استعضنا عن خاصية صيغة زمنية ذات ترتيب أول (الحاضر) بخاصية ~~صيغة زمنية ذات ترتيب زمني ثان (حاضر في الماضي) كي نتجنب التناقض. لكن ~~تقديم خواص صيغة زمنية ذات ترتيب ثان يسمح لنا بتوليد تناقضات جديدة. على سبيل ~~المثال فوز الأرجنتين بالمباراة حدث يتمتع بخاصية كونه حاضرا في الماضي، لكنه ~~يملك كذلك خاصية كونه حاضرا في المستقبل (في عام 1950 كان هذا الفوز حاضرا في ~~المستقبل)؛ ومن ثم تتناقض هاتان الخاصيتان الزمنيتان ذواتا الترتيب الثاني؛ فلا ~~يمكن لحدث ما أن يمتلك خاصية كونه حاضرا في الماضي وحاضرا في المستقبل. وإذا ~~حاولنا حل هذا التناقض الجديد عبر الاحتكام إلى خواص ms110 زمنية ذات ترتيب ثالث (كأن ~~نقول، على سبيل المثال، في المستقبل يكون حدث ما حاضرا في الماضي)، فسوف نواجه ~~الإشكالية ذاتها من جديد. لا مهرب إذن من إشكالية نسب خواص زمنية متناقضة لحدث ~~واحد، أو هكذا آمن مكتاجارت. وهذا مثال لما يطلق عليه الفلاسفة معضلة «التقهقر ~~اللانهائي». # نذكرك (فلربما نسيت) بأن موضوعنا هو السفر عبر الزمن. إذا لم يوجد زمن، فلن يوجد ~~سفر عبر الزمن، فلن يوجد مجال نتحرك عبره؛ إذن ما الحجة التي يطرحها مكتاجارت ~~لإثبات كون الزمن غير حقيقي؟ فيما يلي تلخيص لها: ~~(1) # مفهوم الزمن يستلزم المجموعة «أ». ~~(2) # إذن كي يصبح الزمن حقيقيا لا بد أن تكون المجموعة «أ» ~~حقيقية. ~~(3) # لكن المجموعة «أ» تناقض نفسها؛ ومن ثم لا يمكن أن تكون ~~حقيقية. ~~(4) # إذن الزمن ذاته ليس حقيقيا. # بالطبع لم يدع الفلاسفة المسألة تقف عند هذا الحد. إحدى طرق ~~الرد على هذه الحجة هي محاولة إنقاذ المجموعة «أ» من الوقوع في فخ التناقض. وكما ~~عرضنا لتونا، يرى مكتاجارت أنه لا يمكن لحدث واحد امتلاك خاصية كونه حاضرا ~~وخاصية كونه ماضيا على حد سواء؛ فتلك خواص متناقضة، وربما ينبغي لنا الاتفاق معه ~~وكفى. كيف نستطيع إيقاف التناقض دون اختزال المجموعة «أ» في المجموعة «ب»؟ قد يبدو ~~الحل التالي متطرفا بعض الشيء؛ يمكننا منع التناقض عبر إنكار أن الأحداث تمتلك من ~~الأساس خاصية كونها في الماضي أو في الحاضر؛ أي الماضي غير موجود والمستقبل غير ~~موجود، الحاضر فقط هو الموجود. إذا كان شيء ما حدثا، فهو إذن يحدث الآن؛ أما إذا ~~لم يكن يحدث الآن، فهو ليس حدثا، بل هو شيء آخر، شيء ليس له وجود. وعندما نتحدث عن ~~«الأحداث الماضية»، نحن نتحدث على نحو تقريبي لأن الأحداث الماضية ليست في الحقيقة ~~أحداثا على الإطلاق؛ الأحداث هي ما يقع الآن، والأحداث الماضية لا تقع الآن. وعلى ~~وجه الخصوص، الأحداث الماضية ليست أحداثا تتمتع بخاصية مميزة؛ ألا وهي كونها في ~~الماضي؛ فقول ذلك يعادل القول بأنها تحدث مع امتلاكها خاصية مميزة ألا ms111 وهي عدم ~~حدوثها، وذلك قول مناف للعقل. إذن إذا كنا اتفقنا (نسبيا) على ما نعنيه بكلمة ~~أحداث، واتفقنا أن الماضي والمستقبل لا يمكن أبدا أن يكونا خواص للأحداث، ~~فسنضمن إذن أن الحدث الواحد لن يملك أبدا خواص زمنية متناقضة؛ فلا يمكن له ~~امتلاك أي خاصية سوى خاصية كونه حاضرا. وبإنكار وجود أي شيء خارج نطاق الحاضر، ~~أصبح لدينا على ما يبدو سبيل لإصلاح المجموعة «أ» دون أن نناقض أنفسنا. # ربما يبدو هذا الرأي الذي توصلنا إليه ~~عبر مراوغة التناقض الذي يطرحه مكتاجارت غريبا، لكنه يصف في الحقيقة مفهوما ~~بديهيا إلى حد كبير للزمن؛ فعندما نقول إن الماضي قد انتهى، ربما الشيء الذي ~~نفكر فيه حقا هو أن الماضي لم يعد موجودا. ربما نقصد أن الماضي غير موجود ~~وكفى. الحاضر يبدو حقيقيا - يبدو موجودا «هناك» أو «هنا» بالأحرى - على عكس ~~الماضي والمستقبل. الحاضر لا ينفك يتغير، وهذا التغير يشكل تدفق الزمن. يطلق ~~الفلاسفة على هذا الرأي، «الحاضرية»، وهو أمر لا يثير استغرابا. تتميز الحاضرية ~~بأنها تجسد إحساسنا البديهي بتدفق الوقت، وبأن الحاضر حقيقي، على العكس من ~~الماضي والمستقبل. إحدى طرق تصور وجهة نظر أتباع هذا الرأي حول الوقت والوجود هي ~~تخيل الحاضر كنقطة ضوء تتحرك عبر خط مظلم يمثل العالم. الظلام هو ظلام ~~اللاوجود، والضوء هو ضوء الوجود. وحركة الضوء هي تدفق الزمن، وهو يتحرك دون توقف. ~~(تجسد الحاضرية مفهوما بديهيا ولكنه غريب نوعا ما لأن الحاضر سريع الزوال ~~حقا. إذا كنا نعيش في الحاضر وحده، فربما علينا التوقف والتساؤل كيف نستطيع ~~التقاط أنفاسنا على الإطلاق؛ الزمن يتحرك بسرعة فائقة! وإذا كنا نعيش في الحاضر ~~كليا، فإننا نعيش فيما يبدو مجموعة من اللحظات المؤقتة العابرة. لكن إحساسنا ~~بالحياة يختلف عن ذلك.) # يواجه أتباع الحاضرية العديد من الصعوبات؛ فأولا تواجههم صعوبة شرح كيف يمكننا ~~طرح مزاعم حقيقية حول الماضي. هل الادعاءات حول الماضي تشبه الادعاءات الخيالية؟ ~~(هل القول بأن الأرجنتين فازت بنهائي كأس العالم عام ~~1978 يشبه القول بأن القبطان آيهاب حاول ms112 ~~قتل الحوت موبي ديك في رواية «موبي ديك». ~~وهو ما فعله، من ناحية، لكن من ناحية أخرى لا يوجد شخص يدعى القبطان آيهاب، ولا ~~يوجد مخلوق يدعى موبي ديك؟) هل الادعاءات حول الماضي هي ادعاءات مستترة حول ~~الحاضر؟ (عندما أقول إن الأرجنتين فازت بنهائي كأس العالم عام 1978، فتلك ليست سوى ~~طريقة مزخرفة للتحدث عن سجلات الاتحاد الدولي لكرة القدم، وما شابه ذلك.) من ~~الصعب على أتباع هذا الرأي إيجاد دلالات لفظية منطقية للعبارات التي تتناول الماضي. ~~كذلك من الصعب عليهم شرح العمليات السببية بما أن السببية في الظاهر هي علاقة بين ~~أحداث تمتد عبر فترة من الزمن. يتسبب حدث ماض في حدث حاضر. لكن كيف يفترض في ~~شيء غير موجود امتلاك القدرة على التسبب في حدوث أشياء؟ وكبديل عن هذا، تأمل ~~المسببات الحاضرية لنتائج مستقبلية: سوف أتناول حبة دواء الآن كي أقضي على ألمي ~~في غضون بضع دقائق. كيف يستطيع شيء غير موجود - شيء مستقبلي، ليس شيئا «في ~~المستقبل» (كما لو كان المستقبل مستودعا تنتظر فيه الأحداث المخزنة) - الدخول في ~~علاقات سببية مع شيء موجود؟ # 4 # تواجه الحاضرية بعض العراقيل إذن. ربما نتمكن من شق طريقنا عبرها لكنها على أي ~~حال تشجعنا على السعي وراء وجهات نظر بديلة لمفهوم الزمن. يتخلى المنافس الرئيسي ~~للحاضرية عن محاولة وصف الزمن حسب قواعد المجموعة «أ»، ولا يقبل بديهية تدفق الزمن ~~المنطقية أو وجود اختلاف وجودي (أنطولوجي) بين الماضي والحاضر. إنها الرؤية التي ~~يتحدث عنها إتش جي ويلز في روايته «آلة الزمن»، وغالبا ما يطلق عليها اليوم ~~الرؤية الرباعية الأبعاد. تذكر أن حجة مكتاجارت التي تزعم أن الزمن وهم تعتمد على ~~مقدمتين منطقيتين؛ المقدمة الأولى مفادها أن المجموعة «أ» هي صفة أساسية من صفات ~~الزمن، وبدون المجموعة «أ» لا يوجد زمن. والمقدمة الثانية مفادها أن المجموعة «أ» ~~تناقض نفسها. يقبل الحاضريون المقدمة الأولى لكنهم يرفضون الثانية. أما أتباع ~~الرؤية الرباعية الأبعاد فيتبعون المنهج المعاكس؛ أي يقبلون المقدمة الثانية لكنهم ~~يرفضون الأولى؛ فهم يعتقدون أننا ms113 نفهم الوقت من منظور المجموعة «ب» فحسب (أي ~~العلاقات الزمنية بين الأحداث: بعد، وقبل، وبالتزامن مع). حسب المنظور الرباعي ~~الأبعاد، المفاهيم التي تطرحها المجموعة «أ» - الماضي والحاضر والمستقبل - لا ~~تعبر وجوديا عن حقائق ذات قيمة، بل هي تشير فحسب إلى الموقع الزمني للمتحدث. ~~فلنفترض على سبيل المثال أن شخصا ما يرى إشارة المرور تتغير من الأحمر إلى الأخضر، ~~بينما يشهد هذا التغير: «إشارة المرور تتغير الآن.» ما الذي يجعل هذه العبارة ~~صحيحة؟ ما الحقيقة التي يتناولها هذا الزعم؟ يعتمد ذلك على الموقع الزمني للمتحدث. ~~إذا كان قد نطق بجملته الساعة 9:45 صباحا يوم 30 نوفمبر عام ~~2020، يصبح هذا الزعم صحيحا فقط إذا كانت ~~إشارة المرور التي نحن بصددها تتغير في ذلك الوقت. وإذا أبدى المتحدث هذا الزعم في ~~وقت آخر، فإنه لن يكون صحيحا إلا إذا كانت إشارة المرور التي نحن بصددها تتغير في ~~هذا الوقت الآخر. كلمة «الآن» تؤدي وظيفة تشبه إلى حد كبير وظيفة كلمة «هنا»؛ ~~ذلك هو ما يطلق عليه الفلاسفة تعبيرا تأشيريا. وينطبق ذلك على مفاهيم المجموعة ~~«أ» بأكملها؛ إذ يرى أتباع وجهة النظر الرباعية الأبعاد أن حقائق المجموعة «أ» هي ~~حقائق تأشيرية. وتتمخض هذه الرؤية عن نتيجة مهمة، وهي أن الزمن لا يتدفق، بل يبدو ~~هكذا فحسب؛ ومن ثم لا تواجه الرؤية الرباعية الأبعاد ما تواجهه الحاضرية من ~~مشكلات، لكنها تواجه مشكلات أخرى خاصة بها. من بينها شرح الكيفية التي يبدو بها ~~الزمن وكأنه يتدفق، وكذلك شرح الكيفية التي يبدو بها الزمن وكأنه يتدفق في اتجاه ~~واحد فقط. # ما هو السفر عبر الزمن؟ # عودة إلى مسألة السفر عبر الزمن؛ من منظور الحاضرية، السفر عبر الزمن مفهوم غير ~~مترابط. كيف يمكنك السفر إلى مكان غير موجود؟ (ولا يرجع ذلك إلى أن الماضي ~~والمستقبل لا يوجدان إلا في الحاضر فحسب، بل يرجع إلى أن الحاضرية تؤكد عدم وجودهما ~~من الأصل.) على الجانب الآخر لا تنطوي الرؤية الرباعية الأبعاد على أي من تلك ~~الشكوك؛ إذ يرى أتباعها أن ms114 الزمن بعد، والسفر عبر بعد أمر ممكن تصوره على ~~الأقل، حتى وإن اتضحت استحالته ماديا. لكن ما هو السفر عبر الزمن تحديدا؟ في ~~«جسر المطار» ينتقل المسافر عبر الزمن إلى الماضي والمستقبل، ومن السهل عرض ذلك في ~~الفيلم لأنه لا يتطلب سوى وضع الممثلين في بيئة يعتبرها المشاهدون بيئة الماضي أو ~~المستقبل. لكن ذلك لا يساعدنا على معرفة ما يحدث تحديدا في سيناريو السفر عبر ~~الزمن. # يقترح الفيلسوف الأمريكي ديفيد لويس التعريف التالي للسفر عبر الزمن. يقاس الزمن ~~بالتغير، تغير عقارب الساعة على سبيل المثال؛ ما يسمح لنا بتمييز الزمن الخارجي عن ~~الزمن الشخصي. يقاس الزمن الشخصي بالتغير في شخصية المرء (تخيل ساعة كوارتز ~~مثبتة تحت جلدك؛ معدل تقدمك في العمر أو اكتسابك الذكريات هو إحدى وظائف الزمن ~~الشخصي). أما الزمن الخارجي فيقاس بالتغير في بيئتك الخارجية (تخيل ساعة على ~~بعد مائة متر). يحدث السفر عبر الزمن إذا انتقلت إلى زمن خارجي بعيد نسبيا ~~خلال فترة زمنية قصيرة نسبيا من الزمن الشخصي. في «جسر المطار» يرتحل المسافر ~~عبر الزمن إلى مستقبل يبعد مئات كثيرة من السنين، بينما من منظوره - منظور زمنه ~~الشخصي - استغرقت الرحلة بضع ثوان على الأكثر. أما من المنظور الخارجي، فقد ~~استغرقت رحلة المسافر مئات السنين. لا يوضح كريس ماركر، في تصرف حكيم على الأرجح، ~~عمليات الانتقال المتضمنة في هذه الرحلة؛ ففي أحد المشاهد يبدو المسافر يلاحظ ~~أو يتخيل الماضي ليس إلا، وفي المشهد التالي نجده في الماضي بالفعل. ولا يقال لنا ~~كيف وصل هناك. في نسخة عام 2002 السينمائية من رواية «آلة الزمن»، نرى المسافر وهو ~~يتحرك فعليا عبر الزمن. لا نكاد نرى أيا من علامات التقدم في السن عليه (ربما ~~كبر دقيقة ليس إلا)، بينما يشيخ العالم خارج مركبته أمام أعيننا (بفضل تأثيرات ~~تسريع الفواصل الزمنية بين اللقطات المعدة بواسطة الكمبيوتر). وعندما يسافر إلى ~~الماضي، نرى الخدعة ذاتها؛ فبينما يرتحل ببطء عبر الزمن دون أن يتقدم في السن ~~(ودون أن ينقص عمره كذلك)، نرى العالم خارج ms115 مركبته يتراجع إلى الوراء بسرعة كبيرة ~~(أيضا بفضل تأثيرات تسريع الفواصل الزمنية بين اللقطات المعدة بواسطة ~~الكمبيوتر). # في بعض الأحيان يكون السفر عبر الزمن عملية مستمرة كما في فيلم «آلة الزمن»، وفي ~~أحيان أخرى يتضمن عمليات انتقال منفصلة. في معظم أفلام السفر عبر الزمن يستقل ~~المسافر مركبته ثم يضغط على زر ما فينتقل إلى زمن مختلف تماما دون المرور ~~بفترات زمنية فاصلة على الإطلاق. تتم هذه العملية أحيانا عبر ثقب دودي، لكن ~~صناع الفيلم عادة ما يجنبون أنفسهم عناء شرح علاقة الثقب الدودي على وجه ~~التحديد بالسفر عبر الزمن. في حلقة بديعة من مسلسل «دراما المستقبل » (فيوتشراما) ~~بعنوان «نهاية سعيدة لحادثة روزويل» (روزويل ذات إندز ويل) يحدث السفر عبر الزمن ~~لأن بطل المسلسل «فراي» يتجاهل تعليمات الاستخدام بينما يحاول إعداد الفشار في ~~الميكروويف (وهي حادثة تصادفت مع وقوع انفجار نجم ضخم، إذا كنت تتساءل عن كيفية ~~تسبب ذلك في الانتقال عبر الزمن). فكما نرى، القصة التي تبرر قدرة السفر عبر ~~الزمن في معظم الأفلام إما غائبة تماما أو مجرد كلام فارغ هزلي (عبقري ثائر الرأس، ~~وكثير من الشخبطات على سبورة سوداء ومركبة فاخرة لامعة أو سيارة من نوع ديلوريان ~~كما في فيلم «العودة إلى المستقبل» (باك تو ذا فيوتشر)). وفي النهاية يبقى السؤال ~~الفلسفي بلا إجابة: هل السفر عبر الزمن ممكن من الأساس؟ # ما احتمالية السفر عبر الزمن؟ # هذا سؤال غامض؛ إذ يوجد أكثر من نوع واحد من الاحتمالية؛ يوجد على الأقل ثلاثة ~~أنواع ذات صلة بمبحثنا: الاحتمالية المنطقية والاحتمالية الميتافيزيقية والاحتمالية ~~الفيزيقية. يعتبر تسلسل ما من الأحداث محتملا من الناحية المنطقية إذا أمكن وصفه ~~وصفا شاملا دون تناقض، ويعتبر محتملا من الناحية الميتافيزيقية إذا أمكن وصفه ~~وصفا شاملا دون خرق مبادئ ميتافيزيقية صحيحة، بصرف النظر عن ماهيتها (على سبيل ~~المثال، القول بأن الحاضر وحده هو الموجود أو أن الأشياء المادية هي فقط الموجودة ~~يصنف تحت بند المبادئ الميتافيزيقية، لكنها قد تكون مبادئ غير صحيحة). وخلافا ~~لذلك، يصبح تسلسل ما ms116 للأحداث محتملا من الناحية الفيزيقية إذا لم يخرق أيا من ~~قوانين الطبيعة، بصرف النظر، مرة أخرى، عن ماهيتها. # إذن ما السؤال الذي ينبغي لنا طرحه؟ بما أننا في كتاب فلسفي، فلن نبحث ~~الاحتمالية الفيزيقية. لكن يجدر بنا أن نذكر في مجمل حديثنا أن نوعا واحدا على ~~الأقل من السفر عبر الزمن يبدو محتملا من الناحية الفيزيقية، بل ويحدث يوميا ~~كذلك. تتنبأ النظرية النسبية الخاصة بنوع من السفر عبر الزمن يحدث عبر ما يطلق ~~عليه تأثير تمدد الزمن؛ فلتفترض أنك أرسلت ساعة فائقة الدقة إلى طائرة وقارنتها ~~بساعة مطابقة لها على الأرض؛ سيتضح لك أن الساعة على الطائرة ستتحرك على نحو أبطأ ~~من الساعة الموجودة على الأرض. السفر جوا إذن سبيل للاحتفاظ بالشباب (رغم أن ذلك ~~لا يحدث بقدر كبير). يتزايد تأثير تمدد الزمن مع السرعة؛ لذا السفر على متن ~~صاروخ يعد طريقة أكثر فعالية كي تمد في عمرك ليفوق عمر أبناء عمومتك على الأرض. ~~(الجانب السلبي الوحيد أنك في الحقيقة لن تحظى بأي وقت إضافي من منظور الزمن ~~الشخصي، وهو في النهاية الزمن الذي يهمك حقا.) بالطبع تأثير تمدد الزمن ليس ~~النوع الوحيد من السفر عبر الزمن؛ يمكن تحقيق السفر إلى المستقبل البعيد عبر آلية ~~أخرى، آلية تتسبب في ثني الزمكان. لكن تمدد الزمن لن يساعدنا على السفر إلى الماضي. ~~(كما سنرى، السفر إلى الماضي هو ما يسبب الإشكاليات الفلسفية الرئيسية.) # هذا فيما يتعلق بالاحتمالية الفيزيقية. ماذا إذن عن الاحتمالية الميتافيزيقية؟ ~~حسب الرؤية الحاضرية، السفر عبر الزمن مستحيل ميتافيزيقيا. وحتى لو استطعت سرد ~~قصص مترابطة منطقيا للسفر عبر الزمن، تتناقض تلك القصص مع مبادئ ميتافيزيقية ~~جوهرية حول طبيعة الزمن؛ فأنت لا تستطيع السفر إلى مكان غير موجود. لكن لحسن الحظ ~~لدينا نظرية ميتافيزيقية أخرى للزمن متاحة للتأمل؛ ألا وهي النظرية الرباعية ~~الأبعاد. لا يبدي أتباع هذه النظرية أي اعتراض ميتافيزيقي على السفر عبر الزمن. ~~لكنه إذا اتضح أن السفر عبر الزمن غير محتمل منطقيا، فلن تكون هناك أهمية لجميع ~~الحجج ms117 المطروحة حول ميتافيزيقا الزمن. إذا لم يكن السفر عبر الزمن محتملا ~~منطقيا، فهو غير محتمل إذن في أي سياق آخر. وبالمناسبة توجد حجة شهيرة مفادها أن ~~السفر عبر الزمن غير محتمل منطقيا، وهي تدعى مفارقة الجد. # مفارقة الجد # إذا كان السفر إلى الماضي ممكنا، فما الذي يمنعني إذن من السفر إلى الماضي وقتل ~~جدي في صباه؛ ما يضمن منع ولادة أمي؛ ومن ثم إذا لم يكن لدي أم فلن أولد من ~~الأساس، وإذا لم أولد من الأساس، فلن يمكنني السفر إلى الماضي وقتل جدي. وهكذا ~~تتحطم احتمالية السفر إلى الماضي فيما يبدو أمام أعيننا. تعرف هذه المفارقة باسم ~~مفارقة الجد. هل هي تثبت بالفعل أن فكرة السفر إلى الماضي في حد ذاتها غير متماسكة ~~منطقيا؟ دعونا نصغها في شكل حجة تناقض الاحتمالية المنطقية للسفر عبر ~~الزمن. ~~(1) # إذا كان السفر عبر الزمن محتملا من الناحية المنطقية، ففي وسعي ~~الرجوع إلى الماضي وقتل جدي؛ ما يضمن عدم ولادة أمي. ~~(2) # إذا لم تولد أمي قط، فلن أولد أنا أيضا. ~~(3) # ومن ثم لن أكون موجودا. ~~(4) # إذا قتلت جدي فسأكون موجودا. ~~(5) # إذن في هذا السيناريو سأكون موجودا وغير موجود، وذلك أمر لا يمكن ~~حدوثه. ~~(6) # ومن ثم لا يمكنني السفر إلى الماضي وقتل جدي؛ ما يضمن منع ولادة ~~أمي. ~~(7) # إذن السفر عبر الزمن غير محتمل من الناحية المنطقية. # ما رأيك؟ تبدو حجة منطقية حقا. ما إن تقبل المقدمة الأولى حتى ~~ينهال عليك باقي المقدمات كطوفان من الحقائق المنطقية؛ فكل خطوة من الحجة إما ~~تجسد استنتاجا منطقيا للخطوات السابقة أو تطرح مزاعم عادية للغاية لا يوجد أي ~~سبيل منطقي يمكننا من إنكارها. كيف سيتصرف المدافع عن السفر عبر الزمن إذن؟ ~~بالطبع عليه أن يرفض المقدمة المنطقية الأولى. لكن كيف؟ # إن قتل الجد ليس سوى وسيلة درامية لتوضيح نقطة ضعف مزمنة في قصص السفر عبر ~~الزمن. قد يبدو أن السفر إلى الماضي سيتسبب قطعا في تغيير الماضي؛ فمجرد وجود ~~المرء في الماضي يشكل تغيرا فيه على ما يبدو. ms118 قبل أن تسافر عبر الزمن لم تكن ~~موجودا في الماضي، وبعدما سافرت أصبحت حاضرا فيه، وهكذا أصبح هناك وصفان للماضي ~~يبدو كلاهما صحيحا: «أ» ماض كنت أنت غائبا عنه. و«ب» ماض كنت أنت حاضرا فيه. ~~وذلك تناقض لا شك فيه. لا حاجة بك إلى قتل جدك كي تخلق استحالة منطقية، بل ~~التسكع وحده في الماضي يكفي. # يواجه السفر عبر الزمن وضعا صعبا على ما يبدو، إلا أن الحجة التي طرحناها في ~~الفقرة السابقة قائمة في الحقيقة على سوء تفاهم خطير. تذكر أن الرؤية ~~الميتافيزيقية للزمن التي تبنيناها كي نمهد الطريق لإمكانية السفر عبر الزمن هي ~~الرؤية الرباعية الأبعاد. وحسب الرؤية الرباعية الأبعاد، فإن الماضي ثابت، ولا ~~يمكن تغييره. الماضي ليس شريط فيديو يمكنك إرجاعه والتسجيل عليه. وإذا سافرت إلى ~~الماضي لا يعني ذلك أنك تعيد كتابته، بل أنت بالفعل كنت هناك! فلتفترض على سبيل ~~المثال أنك سافرت إلى الماضي والتقطت لنفسك صورة مع كليوباترا ثم دفنت الصورة في ~~مقبرة خفية، وعندما عدت إلى زمنك بحثت عن المقبرة واستعدت صورتك. كم من الوقت ظلت ~~الصورة هناك؟ منذ أن دفنتها قبل ألفي عام تقريبا. لقد أثرت على الماضي عندما ~~دفنت الصورة، لكنك لم تغيره. بعبارة أخرى: أنت لم تغير الماضي من وضع معين ~~(حيث ظلت إحدى المقابر باقية طوال ألفي عام دون أن تحوي صورة) إلى وضع آخر (حيث ~~ظلت مقبرة ما باقية لمدة ألفي عام وبداخلها صورة مدفونة). تفترض مفارقة الجد أنه ~~من الممكن تغيير الماضي، لكن ذلك غير ممكن. لا مجال للمفارقة ها هنا، بل هي مجرد ~~غلطة. المقدمة المنطقية الأولى لتلك الحجة كانت خاطئة. السفر عبر الزمن ممكن ~~منطقيا لأننا تحديدا عاجزون عن إعادة كتابة الماضي. # رغم ذلك تبعث تلك الأفكار الحيرة في نفوسنا؛ إذ يبدو غريبا القول بأنك إذا ~~امتلكت آلة زمن لا تستطيع استخدامها لإحداث حالة من الفوضى في شجرة العائلة. ماذا ~~يمنعك من ذلك؟ بالطبع لديك القدرة المحضة على قتل أي شخص. ماذا يمنعك من تفعيل ms119 هذه ~~القدرة؟ لن تنزل قواعد المنطق من عليائها كي تحافظ على الاتساق؛ فهي لا تملك هذا ~~النوع من القوة. ماذا سيحدث إذن؟ ربما إذا رجعت إلى الماضي وحاولت ارتكاب تلك ~~الفعلة الشنعاء فستفشل، ستنزلق قدماك على قشرة موز في اللحظة الأخيرة أو سيعلق ~~مسدسك أو قد تطلق النار على الشخص الخطأ. مع ذلك، لا نزال نشتم رائحة المفارقة ~~ها هنا؛ إذ يبدو أنك تمتلك القدرة على فعل شيء ما، لكنك، في الوقت نفسه، عاجز عن ~~فعله. أنت تملك القدرة على قتل جدك ولا تملك القدرة على قتل جدك في الوقت نفسه. ~~وذلك ينطوي فيما يبدو على تناقض. # السبيل الأوضح للتغلب على هذه المفارقة هو افتراض أن مفهوم القدرة ينطوي على شيء ~~من الغموض. # 5 # قد تمتلك القدرة على قتل جدك من زاوية ما، ألا وهي كون هذا الفعل من ~~«نوع» الأفعال الذي تقدر على فعله؛ أنت تقدر على تعقب شخص ما، وتقدر على تصويب ~~سلاح ناحيته، وتقدر على سحب الزناد (لكن هذا لا يعني أنك ستفعل ذلك). إذن من زاوية ~~ما أنت تمتلك القدرة المطلوبة، لكن من ناحية أخرى هذا الفعل تحديدا ليس شيئا ~~تقدر على فعله، بل يتجاوز قدرتك على الفعل؛ فأنت ~~لا تملك القدرة على إعادة كتابة الماضي، بل الرب نفسه لا يملك هذه القدرة. لدينا ~~إذن مفهومان للقدرة: مفهوم ضعيف حيث تملك القدرة على فعل شيء ما حال كونه من ~~الأشياء التي تقدر على فعلها، ومفهوم قوي حيث تمتلك القدرة على فعل شيء ما إذا كان ~~ممكنا من الأساس فعل ذلك الشيء تحديدا. تدمج حجة مفارقة الجد بين هذين المفهومين، ~~ومقدمتها المنطقية الأولى تبدو معقولة فقط حال تفسيرها حسب المفهوم الضعيف للقدرة. ~~قتل الجد عملية تتألف من مجموعة من الأفعال، كل منها فعل يقدر المرء على ~~تنفيذه بنجاح، لكن المقدمة التي تعتمد عليها الحجة تتطلب في الواقع المفهوم ~~القوي للقدرة. لا ينبغي أن يتكون قتل الجد من مجموعة من الأشياء التي تقدر في ~~المعتاد على فعلها، بل ms120 لا بد أن يتكون من شيء يمكنك فعليا فعله. وهو في الحقيقة ~~ليس كذلك. # قصص السفر عبر الزمن المتسقة وغير المتسقة # لنلق نظرة أخيرة على فيلمنا. يروي «جسر المطار» قصة سفر عبر الزمن حيث يشهد ~~رجل حادثة موته أثناء صباه. أكان بوسع هذا الرجل منع موته؟ هل كان بوسعه تغيير رأيه ~~في اللحظة الأخيرة والتوجه إلى المستقبل حيث الأمان؟ هل كان بوسعه الجري أسرع؟ ~~أو الانحناء وتجنب الرصاص؟ الإجابة عن هذه الأسئلة هي لا. لم يكن بوسعه فعل أي ~~من تلك الأشياء؛ لأنه لم يفعلها في الماضي. لقد كان مقدرا له الموت في مطار ~~أورلي قبل تدمير باريس، لكنه لم يكن يعرف ذلك بعد. بل إن استخدام تعبير «كان ~~مقدرا له الموت» غير دقيق نسبيا في واقع الأمر؛ فعندما كان يفكر في قبول عرض ~~اللجوء إلى المستقبل أو رفضه، كان وقتها ميتا بالفعل. لقد كان ميتا طوال الجزء ~~الأكبر من حياته. وقد وجد كذلك لفترة قصيرة في مكانين في الوقت ذاته، في صورة ~~صبي وفي صورة رجل. هل من الممكن أن يوجد شخص واحد في مكانين في الوقت نفسه؟ ~~يعتمد ذلك على معرفة أي من وجهات النظر حول الهوية الشخصية هي الصحيحة. سوف ~~نناقش في الفصل الثامن نظرية الاستمرارية النفسية، التي تطرح منظورا رباعي ~~الأبعاد للأفراد. وفقا لهذا المنظور يتكون الأفراد من أجزاء زمنية مؤقتة يرتبط ~~بعضها ببعض عبر الذاكرة. ولا تنطوي هذه النظرية على ما يجزم باستحالة وجود شخص ما ~~في مكانين في الوقت ذاته، أو ما يجزم باستحالة موت شخص ما (في مرحلة زمنية ~~مختلفة) بينما يستمر على قيد الحياة (في مرحلة أخرى). علاوة على ذلك لا تنفي ~~النظرية إمكانية موت أحد الأشخاص قبل ولادته. ~~ذلك عجيب بالطبع، لكن لا أحد يزعم ها هنا أن السفر عبر الزمن لا ينطوي على بعض ~~العجب. نزعم فحسب أنه ممكن من الناحية المنطقية، وربما من الناحية الميتافيزيقية. ~~قدم «جسر المطار» نموذجا لقصة سفر عبر الزمن متسقة؛ ومن ثم ممكنة منطقيا. ~~والملمح ms121 الرئيسي في تلك القصص هو أن الماضي لا تعاد كتابته أبدا. قد تتضمن ~~القصة الكثير من الأحداث العجيبة لكنها تحكي عن عالم واحد متسق. # تعج السينما بأمثلة على قصص السفر عبر الزمن غير المتسقة. ويقدم فيلم ~~«تأثير الفراشة» (باترفلاي إيفيكت) (2004) مثالا جيدا على هذا النوع. يكتشف إيفان ~~تريبورن، بطل الفيلم، أنه يمتلك القدرة على العودة إلى ماضيه، وخلق سيناريوهات ~~مستقبلية بديلة له ولمن يرتبطون به. تنتهي تلك السيناريوهات جميعها نهاية سيئة ~~للغاية (ما يوضح، حسب المفترض، تأثير الفراشة). # 6 # وفي حين يغازل الفيلم مفهوم الاتساق (حيث نرى أن حالات الإغماء التي ~~يتعرض لها إيفان أثناء طفولته كان المتسبب بها ذاته المستقبلية)، إلا أن صناعه ~~لم يهتموا حقا بتجسيد قصة متسقة من قصص السفر عبر الزمن؛ فبينما تعاد كتابة ~~الماضي مرة تلو الأخرى، يتساءل المرء عما حدث لتلك الحيوات المعادة كتابتها. هل ~~وجدت قط؟ كيف يرى إيفان أنه إذا عاد بالزمن، وأعاد كتابة حياة حبيبته، كيلي ~~ميلر، فسيتمكن من تحسين الوضع بالنسبة إليها؟ فهو عاجز عن جعلها لا تتعرض أبدا ~~للانتهاك الجسدي. فما الذي يظن أنه سيكون إذن قادرا على تحقيقه؟ # ربما كان السبيل الأمثل لفهم سيناريوهات أفلام مثل «تأثير الفراشة» هو النظر ~~إليها لا من منظور السفر عبر الزمن بل من منظور العوالم المتشعبة. عندما يعود إيفان ~~إلى ماضيه في محاولة لتحسين حياته فهو لا يسافر إلى ماضيه، بل يسافر إلى عالم ~~مواز، عالم متفرع من العالم الفعلي. وخلق تلك العوالم المتشعبة أو القفز إلى ~~أحدها لا يغير الماضي. يوجد العديد من الشكوك حول ما إذا كانت فكرة القفز بين ~~العوالم فكرة متماسكة من المنظور الميتافيزيقي. لكن على أي حال، القفز بين العوالم ~~ليس شكلا من أشكال السفر عبر الزمن. وإذا استخدمت أسلوب القفز عبر العوالم كي ~~ترجع إلى الماضي وتقتل جدك، فستخفق ها هنا أيضا في قتله؛ قد تقتل في تلك الحالة ~~شخصا ما، لكنه لن يكون جدك، سيكون نسخة من جدك يعيش في عالم مختلف. لكن في ~~عالمنا ms122 سيظل جدك حيا يرزق في كامل صحته. نستخلص من هذا كله أن قصص السفر عبر ~~الزمن غير المتسقة تميل إلى تجسيد أبطال يعانون من تشوش كبير. في حين تتمتع قصص ~~السفر عبر الزمن المتسقة بقدر أكبر من الإثارة لأنها قصص متماسكة على مستوى ~~عميق. # تفتح قصص السفر عبر الزمن المتسقة الباب أمام احتمالية جديرة حقا ~~بالملاحظة، وهي الحلقات السببية. في «جسر المطار» يمنح أهل المستقبل بطلنا ~~محول طاقة (وهو عبارة عن صندوق معدني أسود لا يميزه شيء) كي يصطحبه معه إلى ~~الماضي. والآن تخيل أن هذا المحول كان ناجحا حقا وظل موجودا لزمن طويل في ~~المستقبل، بحيث ظل أهل المستقبل يستخدمونه عندما قدم إليهم غريب من تاريخ البشرية ~~المبكر طالبا مساعدتهم، فمنحوه هذا المحول. وهكذا نرى أن الماضي يمنح ~~المحول للمستقبل والمستقبل يمنح المحول للماضي. يطلق على ذلك حلقة سببية. ~~هي فيما يبدو نتيجة محتملة للسفر عبر الزمن. من أين إذن أتى محول الطاقة؟ من ~~صنعه؟ لا مفر من الإجابة بأنه أتى من الماضي ومن المستقبل، وبأنه ليس من صنع أحد، ~~بل وجد هكذا. تلك حلقة سببية إعجازية دون شك، لكنها محتملة منطقيا. ربما تكون ~~بعض أنواع السفر عبر الزمن محتملة منطقيا لكنها عجيبة، عجيبة حقا في بعض ~~الأحيان. لا بأس. العالم مكان عجيب، فلماذا يفترض بالسينما ألا تكون عجيبة ~~بدورها؟ # أسئلة # السفر عبر الزمن هو إحدى الحبكات السردية الأوسع انتشارا في الخيال ~~العلمي. ما سبب ذلك؟ ما الذي يجذب هذا العدد الكبير من الناس إلى فكرة ~~السفر عبر الزمن؟ وماذا نستنتج من ذلك فيما يتعلق بالندم وبتمني عيش ~~حياة مختلفة؟ إذا لم يكن بوسعنا تغيير الماضي، تصبح أمنية عيش حياة ~~مختلفة أمنية مستحيلة؛ فلا يوجد سيناريو يمكن اعتباره تحقيقا لهذه ~~الأمنية. هل يجعل ذلك منها أمنية لا عقلانية؟ # هل مفهوم الزمن يستلزم وجود المجموعة «أ»؟ هل المجموعة «أ» ضرورية ~~لتفسير التغيير؟ # إذا خضعت للتجميد بتقنية التبريد الفائق وظللت في غيبوبة لمدة 100 ~~عام استيقظت بعدها سالما دون ~~أدنى تغير، ms123 وأنت تشعر كما لو أنك لم تنم سوى بضع ساعات، هل سيعد ~~ذلك نوعا من السفر عبر الزمن إلى المستقبل؟ هل سيتفق مع تعريف السفر ~~عبر الزمن الذي استخدمناه في هذا الفصل (تعريف ديفيد لويس)؟ # هل نجحنا في التعامل مع مفارقة الجد في هذا الفصل؟ ألا يوجد حقا ~~عنصر غير مقبول في الحل الذي قدمناه؟ يزعم هذا الحل أنك إذا عدت إلى ~~الماضي عبر آلة زمن وحاولت قتل جدك (أو بالطبع قتل نفسك في الماضي)، ~~فلا بد أنك ستفشل. ما الذي يمنعك من النجاح؟ # لقد اقترحنا أن قصص السفر عبر الزمن المتسقة تستحوذ على اهتمامنا ~~أكثر من مثيلتها غير المتسقة؛ فهل هذا صحيح؟ فكر في أمثلة على ذلك، ~~قسم أفلام السفر عبر الزمن التي شاهدتها إلى قصص متسقة وأخرى غير ~~متسقة (سوف تلاحظ أن الأفلام غير المتسقة هي السائدة). هل الأفلام ~~المتسقة تطرح قصصا تفوق في تأثيرها ما تطرحه الأفلام غير المتسقة؟ هل ~~يؤثر الاتساق الفلسفي لقصة الفيلم بوجه عام على قوة الفيلم؟ # القفز عبر العوالم لا يعد سفرا عبر الزمن. لماذا؟ ~~«الحلقات السببية غريبة، لكنها ليست مستحيلة.» ما نوع الاحتمالية ~~الذي قد تعبر عنه هذه العبارة؟ ما المبادئ الميتافيزيقية التي قد ~~تتناقض مع الحلقات السببية؟ هل هي مبادئ معقولة؟ # | هوامش # الجزء الثالث # | الوضع البشري # يبحث الجزء الثالث من هذا الكتاب مجموعة من الموضوعات ذات الصلة بأسئلة رئيسية ~~تتعلق بالوضع البشري، وبحريتنا وهويتنا ومتعنا وإحساسنا بمعنى وقيمة الحياة. # يطرح الفصل السابع السؤال التالي: هل نحن من نكتب حياتنا؟ هل نحن أحرار في ~~اختياراتنا أم أننا ضحايا للقدر؟ ما معنى امتلاك إرادة حرة؟ هل نكون مسئولين عن ~~أفعالنا إذا افتقدنا الإرادة الحرة؟ دليلنا في الإجابة عن هذه الأسئلة هو فيلم آخر ~~لسبيلبيرج: «تقرير الأقلية» (مينورتي ريبورت) من إنتاج عام ~~2003. عادة ما يناقش هذا الفيلم من زاوية ~~القضايا الفلسفية المرتبطة بالإرادة الحرة، وهي مناقشة لها ما يسوغها؛ فالفيلم يواجه ~~قضية حرية الإرادة مواجهة مباشرة وطموحة، ويقدم تجربة افتراضية استثنائية حول ~~العلاقة بين ms124 الإرادة الحرة والمسئولية الأخلاقية. (هذا ما يطلق عليه في الفيلم ~~«مبادرة ما قبل الجريمة».) لكن في الوقت نفسه يبدو «تقرير الأقلية» ملتبسا بعض الشيء، ~~وسوف نحاول معالجة أوجه الالتباس مراعين الحفاظ على قوة الفيلم الفلسفية دون ~~مساس. # أما الفصل الثامن فيطرح الأسئلة التالية: ما هي حقيقة أنفسنا؟ ومم تتشكل هويتنا؟ ~~وما الذي يجعلنا أفرادا مميزين بمرور الزمن ومع خوض الكثير من التغيرات؟ نستخدم في هذا ~~الفصل فيلم كريستوفر نولان «تذكار» (ميمنتو) (2000) للتركيز على رؤية فلسفية نموذجية ~~للهوية الشخصية، ألا وهي نظرية الاستمرارية النفسية. «تذكار» هو فيلم آخر من الأفلام ~~التي كثيرا ما نوقشت في الفلسفة وفي الدراسات السينمائية . وذلك أمر مفهوم لأنه يقدم ~~دراسة فذة لشخصية فرد يخرق جميع القواعد؛ إذ يعيش حياته دون الترابط النفسي المألوف ~~الذي تخلقه الذاكرة. تركز مناقشتنا لهذا الفيلم على ما سنطلق عليه تحدي «تذكار». هل ~~سيقدر الفلاسفة على مجابهة هذا التحدي؟ # يعيد الفصل التاسع انتباهنا مباشرة إلى ~~الأفلام نفسها. لقد ناقشنا عددا من قضايا فلسفة السينما في الجزء الأول. وفي هذا الفصل ~~نلقي نظرة متفحصة على قضية بعينها في الفلسفة والسينما، اخترناها لأنها تعد بتسليط ~~ضوء كاشف على طبيعتنا الأولية. إنها قضية مشاهدة الرعب. لماذا يشاهد الناس أفلام الرعب؟ ~~كيف يستمدون المتعة من الرعب الذي تبثه الأفلام في نفوسهم؟ إن تجربة الرعب أعقد من ~~شعور الخوف العادي؛ إذ تتضمن مشاعر أخرى إضافة إلى الخوف، مثل النفور والتقزز ~~والتوجس. ماذا نستنتج عن طبيعتنا من حقيقة أننا قد نستمد المتعة من تجربة الرعب ومن ~~مشاهد العنف البشعة؟ نستخدم في هذا السياق فيلما متميزا للمخرج النمساوي مايكل ~~هانيكه لمساعدتنا في فهم تلك القضايا. فيلم هانيكه «ألعاب مسلية» (فاني جيمز) (نسختا ~~عام 1997 وعام 2007؛ فقد أخرجه مرتين) يقدم استقراء بالغ الجلاء والقوة لقضية مشاهدة ~~الرعب والعنف. # وأخيرا نعود في الفصل العاشر إلى قضايا أقل إثارة للخلاف، لكنها لا تقل عمقا رغم ~~ذلك. موضوع هذا الفصل هو الموت ومعنى الحياة، ونسترشد في تناولنا له بفيلم للمخرج ~~الياباني العظيم أكيرا ms125 كوروساوا عام 1952 وهو «أن تحيا» (إيكيرو). الفيلم معقد وأبعد ما ~~يكون عن المباشرة في التناول، لكنه يستحق دراسة متفحصة عن جدارة. يسلط الفيلم الضوء ~~على الكثير من ملامح المجتمع الياباني بعد الحرب العالمية الثانية، لكنه يعالج أيضا ~~فكرة رئيسية بسيطة ذات طابع إنساني عالمي، ألا وهي كيف نحيا؟ كيف نحيا حياة ذات ~~معنى؟ تكتشف الشخصية الرئيسية في الفيلم، واتانابي، الإجابة عن تلك الأسئلة بينما تخوض ~~معركة ضد سرطان لا شفاء منه. (هو فيلم مؤلم حقا، لا ينتمي إطلاقا إلى نوعية ~~الأفلام السخيفة الجياشة العاطفة، بل هو النقيض التام لبكائيات هوليوود السينمائية ~~الرخيصة.) # الفصل السابع # | القدر والاختيار: فلسفة «تقرير الأقلية » # مقدمة # تخيل أنك سافرت إلى مستقبل يبعد 36 ساعة عن زمنك كي تزور ذاتك المستقبلية، ~~وعندئذ شاهدتها ترتكب جريمة قتل؛ فهرعت عائدا إلى زمنك مصمما على منع حدوث هذه ~~الجريمة؛ فهل بوسعك منعها؟ بفرض أن الرؤية الرباعية الأبعاد للزمن صحيحة (راجع ~~الفصل السادس)، وبفرض أنك سافرت حقا إلى المستقبل وأن الشخص الذي رأيته يقتل هو ~~بالفعل ذاتك المستقبلية، ستصبح الإجابة عن هذا السؤال هي لا بالطبع، لن تقدر على ~~منع نفسك من ارتكاب الجريمة. لقد قدر عليك ارتكابها. ويبدو أن لا خيار لك في هذه ~~المسألة. لكن إذا كان ذلك قدرك، ولا خيار لك في هذه المسألة، فبأي حق تعد ~~مذنبا؟ هل أنت مسئول أخلاقيا عن أفعال لا تستطيع منعها؟ أهلا بك في عالم ~~فلسفة الإرادة الحرة المليء بالتحديات، والذي لا يخلو من الغرابة في بعض ~~الأحيان. # في فيلم «تقرير الأقلية» يجابه جون أندرتون ظرفا مشابها لما وصفناه لتونا. ~~لكن أندرتون لا يسافر عبر الزمن، إنما يشهد لحظة ميلاد نبوءة صادرة عن ثلاثة ~~عرافين، يخبرونه أنه حتما وقطعا سيقتل رجلا لم يسمع عنه قط من قبل، يدعى ~~ليو كرو، في غضون 36 ساعة. العرافون لا يخطئون أبدا، أو هكذا يؤكد لنا الفيلم؛ ~~فهم منحوا هبة التنبؤ، بل وفوق هذا، هم قادرون فعليا على رؤية المستقبل، هم شهود ~~على مستقبل أندرتون ms126 حين يطلق الرصاص على كرو. هل بوسع أندرتون مراوغة قدره؟ قد ~~تقترح عليه محاولة الهرب من المدينة، لكننا في فيلم هوليوودي؛ ومن ثم يتفتق ذهن ~~أندرتون عن خطة مختلفة، فيقتفي أثر ليو كرو حتى يجده ويواجهه وعندئذ يطلق عليه ~~الرصاص. # حتى الآن يبدو أننا نكرر مناقشتنا لقضية السفر عبر الزمن التي عرضناها في الفصل ~~السادس. فثمة رابط ما بين مصير أندرتون ومفارقة الجد. حسب مفارقة الجد يبدو ~~وكأنك تستطيع العودة إلى الماضي ومنع ولادتك، لكنك بالطبع لا تقدر على ذلك. أنت ~~تمتلك القدرة على فعل «الأشياء» التي قد تتضمنها مهمة منع ولادتك، لكنك لا تقدر ~~على فعل هذا الشيء تحديدا في هذا الوقت تحديدا. لا يمكنك فعله لأن هذا الشي لم ~~يفعل في الماضي، أنت لم تمنع ولادتك لأنك قد ولدت بالفعل. في قصة أندرتون وكرو، ~~يبدو كما لو أن أندرتون يمتلك القدرة على الهرب من مصيره (فماذا لو اكتفى بالمكوث ~~في البيت ومشاهدة التليفزيون على مدار بضعة الأيام التالية؟) لكنه في الحقيقة لا ~~يملك تلك القدرة حقا. هو يفتقر إلى القدرة على تغيير قدره لأنه قدره. لقد ~~تحدد بالفعل أنه سيقتل كرو. انتهى الأمر. # لكن الأمر لم ينته قطعا. «تقرير الأقلية» أعقد كثيرا من ذلك، وأكثر إرباكا. ~~وسوف نستخدمه كي نتلمس طريقنا عبر متاهات فلسفة الإرادة الحرة. والسؤال الرئيسي ~~الذي سنطرحه هو: إلى أي مدى يبدو الفيلم ملتبسا؟ أهو ملتبس لدرجة يتعذر التغلب ~~عليها؟ أحيانا يكون أفضل ما تقدمه لنا الأفلام، من المنظور الفلسفي، هو تحدي ~~فهم حبكتها الملتبسة. وعبر محاولة فك طلاسم هذا الالتباس قد نتعلم الكثير. ومن ~~جانب آخر قد يتضح أن «تقرير الأقلية» أكثر منطقية مما كان يبدو عليه في البداية، ~~بل وقد يساعدنا على استيضاح بعض من سمات العلاقة بين القدر والإرادة الحرة ~~والمسئولية الأخلاقية. فلنبدأ بتحري الحبكة الرئيسية للفيلم. # إذا كنت قد شاهدت الفيلم، فستعرف أن أندرتون لا يقتل كرو فعليا، بل يطلق عليه ~~النار دون قصد. لدى أندرتون دافع لقتل كرو (إذ يعتقد ms127 أنه خطف ابنه وقتله)، ولديه ~~أيضا فرصة لقتله. لكن في اللحظة الأخيرة، وتحت ضغط هائل، يقرر أندرتون الإبقاء ~~على حياته. عندها يتشبث كرو بالمسدس، ويندفع في صراع مع أندرتون يؤدي إلى ~~انطلاق السلاح عرضا مصيبا كرو الذي يطير جسده محطما النافذة. اللحظات الأخيرة ~~تشبه كثيرا نبوءة العرافين لكنها لا تتطابق معها. جميع الزوايا خاطئة. في ~~نبوءة العرافين، يطلق أندرتون الرصاص على كرو من بعد، بينما أثناء وقوع ~~الجريمة يطلق النار على كرو من مكان قريب. في نبوءة العرافين، يقول أندرتون ~~«وداعا» لكرو، لكن في الحدث نفسه لا يقول شيئا. أخطأ العرافون كذلك في التنبؤ ~~بوقت إطلاق النار. يتعرض صناع الفيلم لفكرة أن القدر يوقعنا في شرك، لكنهم ~~يؤثرون بدلا من ذلك التركيز على فرضية أن بوسعنا دوما الهرب من قدرنا شريطة ~~أن نعرف ما هو تحديدا. لقد كان لأندرتون ما أطلق عليه في الفيلم مستقبل بديل. ~~يصبح لدى المرء مستقبل بديل حال وجد نفسه أمام سبيلين على الأقل يمكنه الاختيار ~~بينهما - ما أدركه العرافون في الفيلم كان سبيلا واحدا فحسب منهما - ولا يمكن ~~تحديد أي من السبيلين سيختاره المرء إلى أن يسلكه بالفعل. # 1 # عندما يرفض أندرتون إطلاق الرصاص على كرو فقد اختار مستقبله البديل. ~~وقد تمكن عبر ذلك من ممارسة إرادته الحرة. حسب طريقة عرض الفيلم للقضية، يبدو أن ~~تفعيل الإرادة الحرة يتطلب وجود مستقبل بديل. إنه يتطلب أن يكون المستقبل مفتوحا ~~للاحتمالات، أن يصبح ممكنا الاختيار من بين أكثر من مستقبل واحد. إذا مارس أندرتون ~~إرادته الحرة، لا يمكن التقرير مسبقا أنه سيفعل ما رآه العرافون يفعله. ولم يكن ~~في الحقيقة «مقدرا» له أن يطلق الرصاص على كرو، بل لم يكن له «قدر» من ~~الأساس. هل يبدو لك ذلك منطقيا؟ فلتتابع القراءة إذن. # ما قبل وقوع الجريمة # إن فيلم «تقرير الأقلية» لا يجسد صراع أندرتون مع القدر فحسب، بل يجسد ~~أيضا ما يطلق عليه «مبادرة منع الجريمة قبل وقوعها». تدور أحداث الفيلم عام ~~2054، حيث اكتشفت قدرة العرافيين على ms128 ~~التنبؤ بالجرائم قبل وقوعها، بما يشمل تفاصيل مرئية للجريمة، ووقت وقوعها بالضبط، ~~وأسماء الضحايا والمجرمين. واستخدمت تلك القدرة كجزء من مبادرة لتطبيق القانون ~~تثير قدرا كبيرا من الريبة. من يقول العرافون عنهم إنهم مجرمون مستقبليون يلقى ~~القبض عليهم ويسجنون داخل «هالة» (شكل من الحياة الجامدة؛ حياة أشبه بالموت). لا ~~يخبرنا الفيلم أي شيء عن إمكانية استئناف الأحكام التي تصدرها المبادرة، لكن بما ~~أن العرافين معصومون من الخطأ حسبما هو مفترض، لا ينبغي لنا أن نأمل كثيرا في ~~مصير أفضل لأولئك المعتقلين على خلفية جرائمهم المستقبلية. كان اكتشاف إمكانية ~~وقوع العرافين في الخطأ هو ما أدى في النهاية إلى تدمير هذا النظام. وقد زعم ~~ستيفن سبيلبيرج، مخرج الفيلم، في أحد ~~اللقاءات معه أنه سيدعم مبادرة لمنع الجريمة قبل وقوعها شريطة أن يكون على يقين ~~مطلق من استحالة خطأ النبوءات. # 2 # هل هو محق في ذلك؟ # ثمة قضيتان على المحك هنا. أما القضية الأولى فتخص طبيعة العقاب؛ هل يصح ~~بأي حال من الأحوال عقاب شخص ما على شيء لم يرتكبه (بعد)؟ قد نرى أن العقاب ~~إجراء انتقامي في الأساس؛ أي إننا ننزل العقاب بأحدهم جزاء ما اقترفه من جرم؛ إنه ~~رد فعل على الاعتداء، سبيل لتصفية الحسابات، إن جاز التعبير. تلك ليست الرؤية ~~الوحيدة لفكرة العقاب، لكنها رؤية شائعة للغاية، ووفقا لها، تصبح مبادرة منع ~~الجريمة قبل وقوعها قائمة على أساس سيئ الإعداد. هي دعوة لتصفية الحسابات قبل أن ~~يظهر الصراع، ومحاولة للرد على فعل لم يحدث. وذلك نوع من الالتباس. إذا كانت ~~فكرتنا عن العقاب بصفته إجراء انتقاميا في الأساس صحيحة، فسيصبح السبيل الأمثل ~~لاستخدام قدرات العرافين هو «منع» الجريمة لا «المعاقبة» عليها قبل وقوعها. على ~~سبيل المثال، قد يوضع المجرمون المستقبليون رهن اعتقال وقائي قصير المدى بدلا ~~من معاقبتهم بشكل من الحياة أشبه بالموت. إذا كان المجرم قد شرع بالفعل في ارتكاب ~~فعل القتل قبل أن يتمكن شرطيو منع الجريمة من القبض عليه، فمن الملائم وقتها ~~توجيه تهمة الشروع في ms129 القتل إليه. إذا كانت الجريمة لا تزال في طيات المستقبل؛ أي ~~مجرد نية أو نية مستقبلية، فلا مبرر حينئذ لإنزال العقاب. # أما القضية الثانية التي تطرحها مبادرة منع الجريمة قبل وقوعها فتخص العلاقة بين ~~الإرادة الحرة والمسئولية الأخلاقية. إذا كانت مبادرة منع الجريمة قبل وقوعها تعمل ~~على أكمل وجه - إذا كانت نبوءة العرافين صحيحة دون ريب - فسيكون صحيحا حينئذ أن ~~الأفراد الذين حددهم العرافون سيقتلون حتما إلا إذا منعوا من ذلك؛ فقدرهم هو ~~ارتكاب جريمة القتل إلا إذا منعوا. لكن ما نوع الاختيار المتاح أمامهم حقا؟ بما ~~أن جريمة القتل هي قدرهم، فيبدو أن هؤلاء المجرمين المستقبليين لا يملكون خيارا ~~حقيقيا فيما يتعلق بمستقبلهم . وإذا لم يكن أمام المرء خيار سوى فعل شيء ما، فهل ~~هو حقا مسئول أخلاقيا عن فعل ذلك الشيء؟ يدفعنا الفيلم إلى الاعتقاد بأنه ~~يتحمل المسئولية عن ذلك. تنتقد مبادرة منع الجريمة قبل وقوعها في الفيلم لا ~~لأنها قائمة على أساس خاطئ، بل لأن تنبؤات العرافين، كما تكشف الأحداث، تخطئ ~~في بعض الأحيان. لكن لماذا يحق لنا تحميل شخص ما مسئولية أخلاقية على قرارات ~~قدر له اتخاذها؛ أي على قرارات لا يمكنه تجنب اتخاذها؟ يحاول بعض الفلاسفة - ~~يطلق عليهم التوافقيون، وسنناقش آراءهم بمزيد من التفصيل لاحقا في هذا الفصل - ~~الإجابة عن تلك الأسئلة عبر ربط ملكية الاختيار بالمسئولية. ربما كان الأفراد ~~مسئولين عن اختياراتهم ما دامت تلك الاختيارات هي بالفعل «اختياراتهم». وما داموا ~~هم أنفسهم أصحاب الاختيار بالكامل، فقد يكونون مسئولين عنه بالفعل. وقد يكونون ~~مسئولين سواء كان مقدرا لهم اتخاذ هذا الاختيار أم لا. ربما لا يكون الأفراد ~~مسئولين عن أفعال أجبروا على فعلها. تخيل شخصا يقتل تحت تأثير التنويم ~~المغناطيسي. # 3 # أو تخيل شخصا يمر بنوبة ذهان بحيث لا يستطيع التحكم في عمليات ~~التفكير واتخاذ القرار. عندما يجبر الأشخاص على الفعل، لا تنبع تصرفاتهم من ~~إرادتهم الحرة. وإذا كانوا لا يتصرفون بدافع من إرادتهم الحرة، فلا ينبغي تحميلهم ~~المسئولية. # هكذا إذن قد نرى مبادرة ms130 منع الجريمة كما تظهر في مستهل الفيلم؛ من المفترض أن ~~العرافين يحددون فحسب الأشخاص الذين قدر عليهم ارتكاب جريمة قتل. ليس لدى ~~هؤلاء المجرمين المستقبليين مستقبل بديل؛ إذ لا يمكنهم رفض قدرهم. وشرطيو منع ~~الجريمة وحدهم هم القادرون على منعهم من القتل. مع ذلك، فإن خيار القتل هو بأكمله ~~خيارهم، ولم يجبرهم أحد عليه، وهم متحكمون تماما في ملكاتهم الفكرية ~~والتأملية، لكنهم إذا لم يمنعوا فسوف يقتلون. هم مسئولون إذن عن جرائم القتل أو ~~سيصبحون مسئولين عنها. # 4 # من هذه الناحية فقط على الأقل، قد لا تبدو مبادرة منع الجريمة قبل ~~وقوعها ظالمة إلى هذا الحد في التعامل مع المذنبين المستقبليين في النهاية. # ومن ثم يصبح لدينا منظوران للقدر والاختيار، كلاهما يجسده «تقرير ~~الأقلية». حسب المنظور الأول، تتطلب الإرادة الحرة الحقة وجود مستقبل بديل؛ فلكي ~~نمتلك إرادة حرة لا بد أن تتاح لنا إمكانية الهرب من قدرنا؛ لا بد أن نمتلك ~~القدرة على الاختيار بين مستقبلين كلاهما متاح على حد سواء. أما المنظور الثاني، ~~فيقتضي تحملنا المسئولية عن الاختيارات التي نتخذها بأنفسنا دون تدخل الآخرين. ~~إذا اتخذنا خيارا ما، واتخذناه مستخدمين الموارد التي تتيحها لنا عقولنا، فإن هذا ~~الاختيار يصبح خاصا بنا؛ ومن ثم نتحمل المسئولية عنه. كيف يرتبط هذان ~~المنظوران أحدهما بالآخر؟ لاستيضاح ذلك، سنحتاج إلى الاطلاع على بعض الموضوعات ~~الفلسفية. لكن أولا توجد مسألة مربكة نوعا ما في حبكة «تقرير الأقلية» علينا ~~محاولة استيعابها. # ماذا يرى العرافون؟ يرون جرائم قتل. لكن كيف يمكنهم رؤيتها ما دامت جرائم ~~القتل قد منعت؟ يحاول الفيلم التعامل مع هذه المشكلة، لكنها محاولة ضعيفة نسبيا. ~~فيما يلي حوار بين داني ويتوير (محقق من مكتب المدعي العام)، وجوردن فليتشر (شرطي ~~منع الجريمة) وجون أندرتون (رئيس مبادرة منع الجريمة قبل وقوعها): # ويتوير ~~: # فلنكن صرحاء، نحن نعتقل أفرادا لم يخرقوا أي قانون. # فليتشر ~~: # لكنهم سوف يخرقون القانون، ارتكاب الجريمة هو فعل غيبي تماما. ~~والعرافون يكشفون المستقبل ولا يخطئون أبدا. # ويتوير ~~: # لكن المستقبل لا يصبح كذلك إذا ms131 منعت حدوثه. ألا يعد ذلك مفارقة ~~جوهرية؟ # أندرتون ~~: # نعم هو كذلك. أنت تتحدث عن قدر محتوم، وهو أمر شائع الحدوث. ~~(يدحرج أندرتون كرة على سطح مكتبه، فيلتقطها ويتوير ~~قبل أن تسقط أرضا.) # لماذا التقطتها؟ # ويتوير ~~: # لأنها كانت ستقع. # أندرتون ~~: # أأنت واثق من ذلك؟ # ويتوير ~~: # أجل. # أندرتون ~~: # لكنها لم تقع، لقد التقطتها. حقيقة أنك منعت سقوط الكرة لا يغير شيئا ~~من حقيقة كونها كانت ستسقط على الأرض. # ويتوير ~~: # هل واجهت من قبل أي حالات إيجابية كاذبة؟ كأن ينتوي أحدهم قتل رئيسه ~~في العمل أو زوجته لكنه لا ينفذ خطته أبدا؟ كيف يستطيع العرافون إدراك ~~الفرق؟ # أندرتون ~~: # العرافون لا يرون ما تنتوي فعله، بل يرون ما ستفعله فقط . # إذن يرى العرافون ما «سوف» تفعله. إلا أنك لن تفعله، شيء ما ~~سيوقفك: وحدة منع الجريمة. ذلك ليس نوعا عجيبا من المفارقة، بل هو تناقض صريح. ~~العرافون لا يرون الأشياء التي ستحدث، بل يرون الأشياء التي «ستحدث إذا لم ~~يوقف حدوثها شرطيو منع الجريمة». إنهم يرون نوعا من المستقبل المشروط. كيف ~~يمكننا تفسير هذا النوع من الإدراك المسبق؟ مبدئيا يجب عدم تفسيره على هذا النحو: ~~المعلومات القادمة من المستقبل تقفز إلى الحاضر فتغير المستقبل؛ فقد يبدو هذا ~~التفسير لا بأس به عندما تطرحه سريعا، لكنه في حقيقة الأمر لا يحمل أي معنى ~~تقريبا. إن إعادة كتابة المستقبل على هذا النحو لا تقل في عدم منطقيتها عن إعادة ~~كتابة الماضي. إذا كانت المعلومات التي نحن بصددها تأتي من المستقبل ولا تحدث جريمة ~~في المستقبل، فمن المفترض أن تعكس المعلومات ذلك. من المفترض أن يرى العرافون ~~اعتقال شخص ما لا جريمة قتل. لكن نظرا للالتزامات السردية الأخرى لدى كاتبي ~~سيناريو الفيلم - سكوت فرانك وجون كوهين # 5 ~~- فإنه كان لديهما مبرر قوي لتجنب الحل البديهي المتمثل في تصوير رؤى ~~العرافين لعملية اعتقال. فمن المهم لحبكة الفيلم أن يخطئ العرافون أحيانا. هم ~~يرون مستقبلا بعينه، لكن لدى الأفراد القدرة على تغيير المستقبل؛ ففي بعض ~~الأحيان يكون لديهم مستقبل ms132 بديل، ويمكنهم تغيير قدرهم. وهي حقيقة يقدم لنا جون ~~أندرتون مثالا عليها. وفي نهاية الفيلم يقدم لنا لامار بيرجس - مؤسس مبادرة منع ~~الجريمة - مثالا أكثر حسما. # بناء على ذلك، ماذا يرى العرافون فعليا عندما يشهدون جريمة قتل مستقبلية؟ ~~إنهم لا يرون المستقبل، بل يرون مستقبلا محتملا؛ أي يرون ما كان سيصبح عليه ~~العالم لو لم تغير نبوءتهم الأوضاع. لكن هذا ليس شكلا عاديا من أشكال تدفق ~~المعلومات من المستقبل إلى الحاضر، بل يتضمن الاطلاع على شيء مختلف كليا: لا ~~مستقبل هذا العالم، بل مستقبل عالم محتمل مشابه. وفكرة أن أحد سكان عالم محتمل ~~يمكنه فعليا الاطلاع على أحداث خاصة بعالم آخر محتمل، تبدو غير منطقية وفقا لأي ~~رؤية متماسكة لمفهوم العوالم المحتملة. إن الخطأ الفلسفي الذي وقع فيه كاتبا ~~السيناريو هو التركيز على «رؤية» المستقبل. إذا كان العرافون يستنتجون، بطريقة ~~غامضة، مستقبلا مشروطا بدلا من رؤيته رأي العين، فستمضي القصة في مسارها دون ~~مواجهة هذا القدر من العقبات الميتافيزيقية (على الرغم من أن فكرة استنتاج ~~المستقبل بهذه الطريقة فكرة سخيفة في حد ذاتها). لكن في الوضع الحالي، لا يمكننا ~~إنقاذ القصة مما تتضمنه من التباس. # مع ذلك، حقيقة أن الأسس الميتافيزيقية لفيلم «تقرير الأقلية» واهية بالفعل لا ~~تحرم الفيلم من نزعته الفلسفية؛ فهو لا يزال يجسد نموذجا اختباريا مثيرا ~~للاهتمام بالفعل، من أجل تقييم معتقداتنا البديهية حول الحرية والقدر والمسئولية. ~~دعونا إذن نحول أنظارنا إلى الفلسفة التي يستند إليها هذا الجانب من ~~الفيلم. # فلسفة القدر # القدرية هي الرؤية الدافعة بأن كل أفعالنا محتومة، وأننا عاجزون عن تغيير ~~قدرنا. وهي تتضمن ثلاث تنويعات رئيسية: القدرية الميتافيزيقية والقدرية ~~اللاهوتية والحتمية السببية، وجميعها محل جدل فلسفي. القدرية الميتافيزيقية (يطلق ~~عليها أحيانا القدرية المنطقية) هي استنتاج توصل إليه بعض الفلاسفة من النظرية ~~الرباعية الأبعاد للزمن التي عرضناها في الفصل السادس. تذكر قصة السفر عبر الزمن ~~التي بدأنا بها فصلنا الحالي، حيث سافرت إلى مستقبل يبعد 36 ساعة عن زمنك، وشاهدت ~~نفسك ترتكب جريمة قتل. ms133 لقد أصبح قدرك محسوما، وأصبح ارتكابك جريمة القتل حقيقة ~~مستقبلية، وبما أنها ستحدث، فلا يمكنك فعل أي شيء لمنعها من الحدوث. تلك هي طبيعة ~~الحقائق. وفقا للميتافيزيقية القدرية، جميع حقائق المستقبل محسومة بالفعل على ~~هذا النحو. والشيء الغريب الوحيد في قصتنا هنا هو أنك عرفت قدرك مسبقا، لكن وجود ~~قدر لكل منا لا يعتمد على معرفتنا له؛ فلكل منا قدره بصرف النظر عن ذلك. ~~وما الحياة سوى مهمة اكتشاف هذا القدر. تضيف القدرية اللاهوتية بعدا خاصا إلى ~~هذه القصة عبر الاحتكام إلى علم الله وقدرته غير المحدودة؛ فعندما قرر الله خلق ~~العالم كان على علم تام بكل حدث سيقع فيه. وإذا كان يريد منا التصرف على نحو ~~مختلف ، فقد كان بوسعه خلق عالم مختلف. نحن إذن ضحايا اختيار الله. # يهدد كل من القدرية الميتافيزيقية والقدرية اللاهوتية فيما يبدو اعتقادنا ~~بأننا أفراد أحرار؛ إذ تصورنا ككائنات عاجزة عن تبديل مصيرها؛ أي ضحايا للحقائق ~~المستقبلية أو ضحايا لاختيارات الله فيما يتعلق بالخلق. أما النوع الثالث من ~~القدرية وهو الحتمية السببية، فيجعلنا ضحايا الماضي. وهي الرؤية التي غالبا ما ~~سنشير لها اختصارا بالحتمية، ومفادها أن كل وضع يعيشه العالم استلزم وجوده وضع ~~سابق للعالم. عندما دحرج أندرتون الكرة على سطح مكتبه، تآمرت قواعد الفيزياء جنبا ~~إلى جنب مع شتى عناصر الموقف كي تضمن تدحرج الكرة حتى نهاية المكتب ثم سقوطها ~~أرضا. لا خيار أمام الكرة سوى التدحرج على سطح المكتب حتى تسقط. وهذا معناه - على ~~سبيل التقريب - أنه نتيجة لقواعد الفيزياء ذات الصلة، ولوضع الكرة المبدئي قبل أن ~~تشرع في رحلتها على سطح المكتب، إلى جانب الظروف الأخرى المحددة للموقف (مثل ~~الاحتكاك بين الكرة وسطح المكتب، والضغط الجوي، وجاذبية الأرض، وعدم وجود عوائق، ~~وغيرها من الظروف المعيقة)، لا بد أن تتدحرج الكرة، لا سبيل أمامها سوى التدحرج. ~~لكن ويتوير يلتقطها بعد ذلك. ماذا حدث هنا؟ لقد رأى ويتوير الكرة، وقدر مسار ~~رحلتها بمجرد أن غادرت سطح المكتب، ثم قرر التقاطها، فجهز عضلاته، واتخذ ms134 وضع ~~الالتقاط، وشعر باصطدام الكرة براحة يديه، وأخيرا أطبق أصابعه حولها. هذا بالطبع ~~شرح مختصر لفعل الالتقاط؛ إذ توجد الكثير من العمليات الأخرى التي يتطلبها إتمام ~~هذا الفعل. لكن هل أي من النقاط المتضمنة في تسلسل العلة والمعلول السابق تختلف ~~عن كونها مجرد وصف أكثر تعقيدا لعملية تدحرج الكرة؟ هل توجد أي نقطة في هذا ~~التسلسل لا تستلزمها أوضاع سابقة؟ ربما كان قرار ويتوير بالتقاط الكرة هو أوضح ~~نقطة؛ فالقرار هو فعل عقلي. هل هو مجرد عنصر آخر من تسلسل العلة والمعلول الذي يفرض ~~تأثيره في هذا السيناريو؟ هل قرار ويتوير فرضته الأوضاع السابقة؟ يجيب الحتميون عن ~~هذا السؤال بنعم؛ فهم يعتقدون أن كل ما يحدث في هذا العالم استوجبته أوضاع سابقة ~~له؛ ومن ثم فقرار ويتوير بالتقاط الكرة الساقطة استلزمته الأوضاع السابقة للعالم ~~(الأوضاع السابقة لدماغه على الأرجح). # إذن تمثل الحتمية سبيلا آخر لجعل أقدارنا محسومة. إذا كانت الحتمية صحيحة، ~~فإن كل قرار نتخذه استوجبته أوضاع سابقة في هذا العالم. ويمتد تسلسل الحتمية هذا ~~إلى ما قبل مولدنا؛ فكل فكرة خطرت ببالنا، وكل خيار اتخذناه كان محسوما من قبل أن ~~نولد. لقد وقعنا في قبضة عالم ميكانيكي لا يرحم. لكن ربما جانب الحتميين الصواب ~~في هذه النقطة؛ فهناك مبرر قوي يدفعنا للاعتقاد بأن بعض الأحداث على الأقل لا ~~تستوجبها أوضاع سابقة للعالم. ويبدو أن أحداثا في مناطق محدودة للغاية من العالم ~~تحكمها قوانين لا تستوجب - بل تعدد - احتمالات ما يمكن أن يقع. على سبيل المثال، ~~قد تنص قوانين الفيزياء على أن ذرة عنصر البلوتونيوم احتمال تحللها في غضون ~~24100 عام (تقريبا) هو 50 بالمائة إذا تحللت الذرة فجأة، يصبح هذا التحلل أمرا ~~غير متوقع لأنه لا يوجد ما يحتم حدوثه. لم يكن لزاما على الذرة التحلل اليوم. ~~لكن هذا هو ما حدث فحسب. إذا كانت قصة التحلل الإشعاعي هذه صحيحة، فيمكننا القول ~~بأن بعض الأحداث على الأقل لا تستوجبها أحداث ماضية. هل يساعدنا هذا على الهرب من ~~فكرة الحتمية ms135 فيما يتعلق باختيارات البشر؟ لا يمكننا الجزم بهذا على الإطلاق. ربما ~~كانت بعض العمليات السببية المتضمنة في عملية الاختيار لدينا غير حتمية، مثلما ~~كان التحلل الإشعاعي غير حتمي. لكن ربما لا يكون الوضع كذلك أيضا. إذا كانت ~~الاختيارات هي أحداثا تقع في دماغنا، فربما كانت تحدث على نطاق كبير بما يكفي لأن ~~تصبح معها قوانين اللاحتمية غير منطبقة عليها. وربما كانت حالة اللاحتمية الواضحة ~~على المستوى الكمي تنعكس على مستوى الأحداث الدماغية. إذا كانت الأحداث العقلية ~~هي أحداثا دماغية، فربما كانت تخضع بالفعل لنظام حتمي لا محالة قائم على السبب ~~والنتيجة. # لدينا إذن ثلاثة أشكال من القدرية، قائمة على مسلمات مختلفة، ولا ينبغي الخلط ~~بينها. القدرية اللاهوتية والحتمية السببية تضفيان مكونا إضافيا خاصا بهما ~~إلى الموقف القدري الميتافيزيقي؛ فتضيف القدرية اللاهوتية خلق الله المطلق القدرة ~~والعلم لهذا العالم، بينما تضيف الحتمية السببية فكرة أن الماضي يستلزم المستقبل. ~~يمكن للمرء اعتناق وجهة النظر القدرية الميتافيزيقية دون أن يكون مؤمنا بالحتمية، ~~لكن العكس مستبعد. لا يتضح أي نوع من القدرية - القدرية الميتافيزيقية أم الحتمية ~~السببية - يتناوله فيلم «تقرير الأقلية». لكن هذا لا يهم كثيرا لأن اهتمامات ~~الفيلم الفلسفية تكمن غالبا في الروابط المفاهيمية التي يخلقها بين القدرية ~~والإرادة الحرة والمسئولية الأخلاقية. لا يمنحنا الفيلم أي مبرر للإيمان بالقدرية ~~أو نبذها، لكنه يطرح أسئلة مفاهيمية حول العلاقة بين الإرادة الحرة والمسئولية ~~الأخلاقية والقدر. # فلسفة الإرادة الحرة والمسئولية الأخلاقية # القضية الفلسفية المهمة في هذه المرحلة تتمحور حول السؤال التالي: كيف يؤثر شكل ~~أو آخر من أشكال القدرية على إمكانية وجود الإرادة الحرة والمسئولية الأخلاقية؟ ~~ثمة منهجان فلسفيان رئيسيان للتعامل مع هذه القضية، وهما التوافقية ~~واللاتوافقية. # يرى أتباع المنهج اللاتوافقي أن الإرادة الحرة لا تتوافق مع القدرية؛ فلكي يكون ~~المرء حرا في أفعاله لا بد أن يكون المستقبل مفتوحا؛ ما يعني أن المستقبل لا ~~يقرره الماضي (بحيث نتفادى الحتمية السببية) أو أن المستقبل ليس واقعا بعد (بحيث ~~نتفادى الحتمية الميتافيزيقية). تتطلب النظريات اللاتوافقية للإرادة الحرة ms136 ألا ~~تقرر الأحداث الماضية اختيارات البشر (بحيث نتفادى الحتمية السببية). وقد يرجع ذلك ~~إلى أن الاختيارات لا تدفعها أسباب، أو تدفعها أسباب لا تتعلق بأحداث سابقة، أو ~~تدفعها أسباب خاصة بالشخص نفسه. الاحتمال الأخير قائم على فرضية تدعى سببية ~~الفاعل، وهي نوع من السببية يدفع بأن الأحداث لا يتسبب في وقوعها القوى السببية ~~للأحداث الماضية، بل القوى السببية للجوهر؛ أي الفاعل نفسه. حسب نظريات سببية ~~الفاعل، يوجد نوعان من السببية. في بعض الأحيان تتضمن السببية وجود علاقة بين ~~الأحداث (كأن يأتيك الضوء بعدما تضغط على زر الإضاءة)، وفي أحيان أخرى يتضمن ~~علاقة بين الجوهر - وهو الفاعل - والحدث (كما في حالة خلق الله للعالم، أو عندما ~~يتخذ الفرد قرارا). غالبا ما ينظر إلى سببية الفاعل على أنها رؤية معادية ~~للسببية، لكن النظريات اللاتوافقية البديلة للإرادة الحرة تملك معضلات خاصة بها ~~كذلك؛ # 6 # فإرجاع القرارات الحرة إلى حدث سببي غير حتمي يجرنا إلى معضلة الحظ. ~~إذا كان القرار الحر لا يرجع سببه إلى حدث سابق، فما الذي يمنع كونه مجرد نتيجة ~~للحظ؟ وكيف يصبح إرجاع أفعالنا إلى أحداث عرضية سعيدة الحظ أو أخرى سيئة الحظ ~~دليلا على حريتنا؟ # على الجانب الآخر، يطرح التوافقيون وجهة نظر مختلفة للغاية حول العلاقة بين ~~الإرادة الحرة والقدرية؛ فهم يعتقدون أن الإرادة الحرة تتوافق مع القدرية. من ~~المنظور التوافقي يكون الفرد حرا في تصرفاته ما دام اختياره لا يخضع لتدخل ~~الآخرين؛ أي ما دام مسئولا مسئولية كاملة عن أفعاله. يترتب على ذلك أن يصبح في ~~وسع أتباع الرؤية الحتمية السببية والرؤية القدرية الميتافيزيقية على حد سواء ~~القول بأن اختيارات المرء من صنعه هو. لكن ما يتطلبه الاختيار كي يصبح من صنع ~~المرء مثار جدل كبير. يرغب التوافقيون في استبعاد حالات الإكراه (على سبيل المثال، ~~عندما تضطر إلى الاختيار تحت تهديد السلاح أو تحت تأثير التنويم المغناطيسي أو ~~ربما تحت تأثير الإدمان). وفي معظم الأحيان، يرغب التوافقيون كذلك في استبعاد ~~الحالات التي لا يمكن الجزم فيها بأنك قد ms137 قررت على نحو ملائم أن تفعل أي شيء على ~~الإطلاق. على سبيل المثال، قد تتصرف دون تفكر واع، وفي تلك الحالة يبدو الفعل ~~أشبه بحادث مفاجئ وقع لك، أو قد تتصرف عندما لا ~~تكون متحكما تماما في قدراتك العقلية؛ ~~أي دون أن تكون قادرا على التفكر مليا، كأن تكون تحت تأثير عقار ما مثلا ~~أو في خضم نوبة ذهان. # خطت صفحات لا حصر لها في كتب الفلسفة لمناقشة مزايا كل من التوافقية ~~واللاتوافقية. ويتصل بهذا الجدل جدل آخر حول العلاقة بين التصرف بحرية والمسئولية ~~الأخلاقية. وكما شاهدنا لتونا، يعتقد التوافقيون أننا قد نكون أحرارا في ~~تصرفاتنا حتى لو كانت أفعالنا قدرية. بعبارة أخرى: هم يرون أن في وسعنا ~~التصرف بحرية حتى لو لم يكن بوسعنا التصرف على نحو مغاير للقدر. ويميلون أيضا ~~إلى الإصرار على أننا مسئولون أخلاقيا عن أفعالنا الحرة؛ ومن ثم نصبح مسئولين ~~أخلاقيا عن فعل ما حتى لو لم يكن بوسعنا فعل غيره. يرفض اللاتوافقيون بوجه عام ~~هذه الرؤية. ويميلون إلى الإصرار على أننا لا نكون مسئولين أخلاقيا إلا عن ~~الأفعال التي نملك اختيارا «حقيقيا» فيما يتعلق بفعلها من عدمه، والاختيار ~~الحقيقي يتطلب مستقبلا غير محدد. في ضوء الرؤية اللاتوافقية، نحن لا نملك ~~اختيارا حقيقيا فيما يتعلق بفعل شيء من عدمه إذا كان قد تقرر بالفعل أننا سنفعل ~~ذلك الشيء. # رغم ذلك، يجدر بنا ملاحظة أننا نتعامل هنا مع قضيتين منفصلتين، تتعلق إحداهما ~~بالإرادة الحرة بينما تتعلق الأخرى بالمسئولية الأخلاقية. ربما يمكننا توضيح ~~خياراتنا إذا تعاملنا مع كل قضية على حدة. وتلك هي الاستراتيجية التي اتبعها ~~الفيلسوف جون مارتن فيشر (1994؛ 1998). يميز فيشر بين طريقتين يتحكم من خلالهما ~~الفرد بأفعاله، ويطلق عليهما التحكم التوجيهي والتحكم التنظيمي. يمكن القول بأننا ~~متحكمون توجيهيا في أفعالنا إذا كانت نابعة من تفكير يستجيب على نحو مناسب ~~للمنطق. بعبارة أخرى: يصبح لدينا تحكم توجيهي إذا فكرنا فيها مليا، واستخدمنا ~~المنطق من أجل توجيه قراراتنا. لا حاجة لنا باستخدام المنطق استخداما فعالا ~~حقا؛ فربما ms138 نتخذ رد فعل بناء على أسباب طائشة، أو ربما نخفق في إعطاء ~~الأسباب ما تستحقه من أهمية. مع ذلك، ما دمنا قد استخدمنا قدراتنا الفكرية ~~استخداما يفي بالحد الأدنى المناسب، يمكن القول بأننا قد وجهنا أفعالنا. إن ~~تحديد تفاصيل التحكم التوجيهي مهمة لا تختلف في جوهرها عن مهمة تطوير وجهة نظر ~~توافقية فيما يتعلق بالإرادة الحرة؛ فالتحكم التوجيهي لا يتطلب القدرة على مراوغة ~~القدر؛ فقد نتمتع بالتحكم التوجيهي في فعل ما حتى إذا كان مقدرا لنا مسبقا ~~فعله، بل يتطلب التحكم التوجيهي أن نفعل فحسب قدرتنا على التفكر مليا على نحو ~~ملائم. (لا يكافئ التحكم التوجيهي القدرة على تغيير مصيرنا.) على الصعيد الآخر، ~~يعرف التحكم التنظيمي بأنه نوع من التحكم في الأفعال نمتلكه إذا كان بوسعنا حقا ~~تنظيم حدوثها أو عدم حدوثها. ولكي نتمتع بالتحكم التنظيمي في أفعالنا لا بد أن ~~نقدر حقا على اختيار مغاير لما قدر لنا؛ إنه يتطلب أن يكون المستقبل ~~مفتوحا أمامنا حقا. هكذا يميز فيشر بين مفهوم توافقي للتحكم في أفعالنا ~~(التحكم التوجيهي) ومفهوم غير توافقي للتحكم في أفعالنا (التحكم التنظيمي). تذكر ~~أن علينا الإجابة عن سؤالين مختلفين: ما المطلوب منا كي نملك إرادة حرة؟ وما ~~المطلوب منا كي نصبح مسئولين أخلاقيا عن أفعالنا؟ # يعتقد فيشر أن التحكم التوجيهي فقط ضروري لوقوع المسئولية الأخلاقية. قد نحتاج ~~إلى التحكم التنظيمي إذا أردنا أن نوصف بأننا أحرار بمعنى الكلمة، لكننا نحتاج إلى ~~التحكم التوجيهي كي نصبح مسئولين أخلاقيا عن أفعالنا. يوظف فيشر ها هنا حجة ~~طرحها فيلسوف آخر، وهو هاري فرانكفورت، الذي حاول إثبات أن التحكم التوجيهي هو نوع ~~التحكم الوحيد الذي تتطلبه المسئولية الأخلاقية. تعتمد حجة فرانكفورت على تجربة ~~افتراضية؛ تخيل قاتلا محترفا عقد عزمه على قتل مرشح سياسي أثناء حشد ~~انتخابي. لقد اتخذ القاتل قرارا نهائيا بتنفيذ عملية الاغتيال، لكن من يعمل ~~لديهم قرروا اتخاذ إجراء احترازي؛ إذ زرعوا داخل دماغه شريحة إلكترونية؛ صمام أمان ~~يضمن تنفيذ المهمة. فإذا تملك الخوف القاتل في اللحظة الأخيرة، ms139 وأوشك على ~~اتخاذ قرار بالتراجع عن التنفيذ، يجري تنشيط هذه الأداة، وترسل إشارة إلى دماغ ~~القاتل تجبره على اتخاذ قرار بإطلاق النار. والآن تخيل أن القاتل نفذ بالفعل ~~العملية دون الحاجة إلى تفعيل صمام الأمان؛ حينئذ يبدو من الواضح أنه مسئول عن فعل ~~إطلاق النار. ومع ذلك، فإنه قدر له اتخاذ قرار بإطلاق النار، ولم يكن بوسعه فعل ~~أي شيء آخر إلا اتخاذ القرار الذي اتخذه. من الممكن إذن أن يكون المرء مسئولا ~~مسئولية أخلاقية كاملة عن أفعاله حتى لو لم يكن بوسعه تقرير فعل شيء ~~مخالف؛ # 7 # ومن ثم من الممكن أن يصبح المرء مسئولا مسئولية أخلاقية كاملة عن ~~أفعاله حتى إذا لم يتحكم فيها على نحو تنظيمي. # لم تقنع حجة فرانكفورت الجميع. # 8 # نعرض فيما يلي استراتيجية جدلية نموذجية مناقضة لتلك الحجة. تكمن ~~الفكرة في فرض المعضلة التالية على حجة فرانكفورت: العمليات التي تؤدي إلى قرار ~~القاتل إما حتمية وإما غير حتمية، ثم إثبات أن حجته تخفق في تحقيق شروط أي من ~~وجهي المعضلة. فلنتأمل ما سوف تصير إليه حجة فرانكفورت إذا كانت العمليات التي ~~تؤدي إلى القرار غير حتمية. إذا كانت العمليات غير حتمية، فلن يعرف موجهو القاتل ~~متى ينبغي لهم التدخل. لا بد أن يكونوا قادرين على التدخل قبل أن يختار، وإلا ~~فلن يتمكنوا من التحكم في اختياره، بل سيجبرونه على إطلاق النار رغما عن إرادته. ~~لكن متى يستطيعون التدخل؟ إذا حددوا وقتا بعينه وقالوا «إن جميع المؤشرات تدل ~~على أن القاتل سيقرر ألا يطلق الرصاص، علينا التدخل الآن.» فهم لم يستبعدوا ~~احتمالية اتخاذ القاتل قرارا مختلفا؛ إذ لا يزال لديه فرصة لاتخاذ خيار مختلف ~~بما أن عقله يعمل وفقا لنظام غير حتمي. إذن تخفق الحجة في الوفاء بشروط الوجه ~~الأول من المعضلة. والآن فلنتأمل الوجه الآخر، إذا كانت العمليات المؤدية إلى قرار ~~القاتل حتمية، فسيصبح أي نشاط يفعله موجهوه بلا أهمية من المنظور الفلسفي. فما ~~سيحدث قد تقرر بالفعل نتيجة تاريخ من المسببات الماضية يمتد ms140 إلى ما قبل ميلاد ~~القاتل، وما سيفعله الموجهون قد تقرر ضمن هذا التاريخ ذاته. إذن ليس بوسع ~~الموجهين إضافة أي شيء إلى سياق الأحداث الحتمي السببي؛ ومن ثم لا يمكننا ~~استغلال وجودهم في القصة لإثبات أي حقيقة لها صلة بالعلاقة بين المسئولية ~~الأخلاقية والتحكم التنظيمي في الأفعال التي لا نستطيع إثباتها إلا من خلال تأمل ~~الحتمية السببية وتبعاتها الفلسفية. والسؤال حول ما إذا كانت المسئولية الأخلاقية ~~تتطلب تحكما تنظيميا أم لا ينبغي محاولة فهمه من منظور مختلف. وهكذا تخفق حجة ~~فرانكفورت في تحقيق شروط الوجه الثاني من المعضلة. ونظرا لإخفاق الحجة في الوفاء ~~بشروط وجهي المعضلة كليهما، فقد أخفقت إذن كحجة. ربما توجد فرصة لإنقاذ حجة ~~فرانكفورت من هذا النقد، لكن دعونا نعد إلى فيلمنا لنرى ما إذا كان بوسعنا إيجاد ~~سبل دعم بديلة لموقف فرانكفورت وفيشر أم لا. # 9 # مذنب بلا ذنب ومجرم بلا جريمة # عندما يقدم لنا صناع «تقرير الأقلية» مبادرة منع الجريمة قبل وقوعها، يخبروننا ~~أن المجرمين المستقبليين سيقتلون لا محالة إذا لم يوقفهم أحد. ويقدمون دليلا ~~مثيرا على هذا من خلال عرض هاورد ماركس، الذي لم يكن يفصله عن قتل زوجته وعشيقها، ~~مثلما تنبأ العرافون تماما، سوى لحظات عندما يلقي شرطيو منع الجريمة قبل ~~وقوعها القبض عليه. جريمة هاورد ماركس هنا هي الشروع في القتل. لكن فلنفترض على ~~سبيل المثال أن شرطيي منع الجريمة ألقوا القبض عليه قبل لحظات من شروعه في أولى ~~خطوات ارتكاب الجريمة؛ فما الإثم الذي ارتكبه في هذه الحالة؟ أهو حمل مقص في ~~منزله؟ إن الافتراض الأخلاقي الأساسي الذي تقوم عليه مبادرة منع الجريمة يتمثل في ~~أن ماركس الذي منع من ارتكاب جريمته لا يقل ذنبه عن ماركس الذي يقتل بالفعل. تتعدد ~~الأسباب التي تجعلنا غير راضين عن هذا الافتراض الأخلاقي، لكن الفكرة القائلة بأن ~~المجرمين المحتملين لا يتحملون مسئولية أخلاقية عن فعلتهم؛ لأن ارتكاب جريمة ~~القتل هو قدرهم، ليست من بين تلك الأسباب. يسلط الفيلم دون شك الضوء على الحجة ~~المعارضة. ms141 ولا ينهار الأساس الأخلاقي لمبادرة منع الجريمة في عين أندرتون إلا عندما ~~يكتشف أن بعض المجرمين المستقبليين (أبرزهم أندرتون نفسه) لديهم مستقبل بديل. يوجد ~~مبرر قوي لهذا بالطبع؛ إذا كان لأحدهم مستقبل بديل، فإنه يصبح لديه تحكم تنظيمي ~~لأفعاله، وعندئذ لا تعد نبوءات العرافين موثوقا بها؛ فالشخص الذي يملك تحكما ~~تنظيميا في شئونه قد يقرر تنفيذ جريمة القتل (وقد أوشك أندرتون على فعل ذلك) أو ~~يمتنع عن ارتكابها. وإذا كان متحكما تحكما تنظيميا، لا يصبح مستقبله مقررا ~~فعليا، ولا يصبح مذنبا بأي شيء لم تقترفه يداه. على الجانب الآخر، إذا لم ~~يتح للمجرمين المستقبليين سوى تحكم توجيهي في أفعالهم، فقد تظل نبوءات العرافين ~~في هذه الحالة صحيحة، وستبدو مبادرة منع الجريمة مرتكزة على أسس أكثر صلابة، على ~~الأقل في هذا الجانب. # يستثير «تقرير الأقلية» بديهيات داعمة لفكرة أن التحكم التوجيهي يكفي وحده لوقوع ~~المسئولية الأخلاقية. ويحقق ذلك عبر تقديم فكرة قاتل بحكم القدر ثم تطويرها على ~~مدار السرد بما يكفي ليمكننا من الإجابة عن السؤال التالي: هل القتلة - بحكم ~~القدر - معفون من المسئولية الأخلاقية عن أفعالهم، لا لسبب سوى أن «القدر» ~~قد كتب عليهم القتل؟ وهو سؤال يتيح لنا التعقيد السردي للقصة وطريقة عرضها ~~الإجابة عنه إجابة حاسمة، وهي بالنفي طبعا. لكن «تقرير ~~الأقلية» فيلم في غاية التعقيد، ومن الصعب ~~تحديد ما إذا كانت معتقداتنا البديهية قد تعرضت للتشويه جراء هذا التعقيد. لقد ~~أثبت الفيلم براعة في التلاعب بمشاعر التعاطف لدينا، بدءا من تعاطفنا المبدئي غير ~~المدروس مع مبادرة منع الجريمة قبل وقوعها (إذ نرى وحدة منع الجرائم تنقذ أرواح ~~أشخاص أبرياء) وانتهاء بكرهنا لها (إذ نشهد العديد من أساليب التعامل غير العادلة ~~لا سيما فيما يتعلق ببطلنا التعيس الحظ أندرتون). وهكذا تتبدى مزايا مبادرة منع ~~الجريمة باطراد أمام أعيننا مع تطور أحداث الفيلم؛ فلا ينقذ شرطيو منع ~~الجريمة المزيد من الأرواح، بل يقضون وقتهم في مطاردة بطلنا، إلى أن يلقوا القبض ~~عليه، ويرسلوه ظلما إلى جحيم «الهالة». لا يقدم ms142 الفيلم عرضا دقيقا للجانب ~~المعيب أخلاقيا في مبادرة منع الجريمة، لكن الفساد السابق الكامن في المبادرة ~~يكتسب أهمية محورية؛ فمع نهاية الفيلم يبلغ بنا التقزز مبلغه، من مبادرة منع ~~الجريمة وما أحدثته من أذى، بما في ذلك الأذى الذي أوقعته بالعرافين أنفسهم. ~~وفي خضم هذه الدراما الأخلاقية الصاخبة، يغفل الفيلم تماما تناول أحد جوانب ~~منع الجريمة تناولا إشكاليا، ألا وهو فكرة التوافق التام بين المسئولية ~~الأخلاقية والقدر، أو بعبارة أخرى: فكرة أن الأفراد مسئولون عن اختياراتهم حتى لو ~~كان مقدرا لهم اتخاذ تلك الاختيارات. # قد لا يكون التحكم التنظيمي ضروريا لوقوع المسئولية الأخلاقية، لكنه يبدو مع ~~ذلك في غاية الأهمية بالنسبة إلينا. والنهاية السعيدة، جزئيا، ل «تقرير الأقلية» ~~ترجع إلى انتصار الفيلم للإرادة الحرة على القدرية. فمع اللحظات الأخيرة من الفيلم ~~يختار لامار بيرجس الانتحار بدلا من القتل، على الرغم من أن العرافين تنبئوا ~~بجريمة قتل. وعندما يثبت لامار خطأ العرافين، فإنه لا يثبت أنه مسئول أخلاقيا ~~عن أفعاله فحسب (وهو أمر بديهي في كلتا الحالتين)، بل يثبت كونه قادرا على صنع ~~أفعاله لا مجرد توجيهها. يثبت بيرجس أنه ليس مجرد دمية في يد القدر. تنطوي ~~مبادرة منع الجريمة على إشكاليتين؛ الأولى: أنها غير عادلة (إما لأنها تعاقب ~~أناسا لم يرتكبوا جرما بعد، أو لأنها تعاقب أناسا أبرياء تماما)، ~~والثانية: أنها أنكرت أننا نملك تحكما تنظيميا في أمورنا، وصورتنا كما لو كنا ~~أغراضا يعبث بها القدر. أدى الإخفاق التام للمبادرة إلى تمكين سبيلبيرج من تقديم ~~نهاية سعيدة مزدوجة (أو نهاية سعيدة متعددة الأوجه إذا أخذنا في الاعتبار ما ينعم ~~به الأبطال الباقون على قيد الحياة من سعادة)؛ إذ أدى تدمير المبادرة إلى وضع ~~حد لنظام ظالم واستغلالي، وإعادة تأكيد عنصر ذي قيمة جوهرية في الوضع البشري، ~~ألا وهو كوننا صناع أفعالنا ومصدرها. لقد نجح الفيلم في تقديم دليل على أن التحكم ~~التنظيمي مكون مهم لما نقدره فيما يخص الإرادة الحرة، بالقدر الذي سمح لسبيلبيرج ~~بتصوير نهاية سعيدة هانئة. بالطبع لا ms143 يقطع الفيلم أي خطوات جدية في سبيل إثبات ~~أننا نمتلك تحكما تنظيميا في شئوننا، لكن من غير المعقول توقع اضطلاع فيلم ~~بهذه المهمة. # أسئلة # إذا كان العرافون قادرين على التنبؤ الدقيق بمحاولات الشروع في ~~القتل، فهل تصبح مبادرة منع الجريمة قبل وقوعها مبررة وقتها؟ (تخيل ~~نوعا من العقاب أقل قسوة من «الهالة».) # أتوجد طريقة تمكننا من فهم رؤى العرافين فهما فلسفيا؟ # ما أوجه التشابه بين أنواع القدرية الثلاثة التي وصفناها في هذا ~~الفصل؛ القدرية الميتافيزيقية والقدرية اللاهوتية والحتمية السببية؟ ~~وهل تتساوى في قدرتها على تقويض الإرادة الحرة؟ # كثيرا ما تعد سببية الفاعل موضع شك فلسفي، لماذا؟ ما الفرص ~~المتاحة لنظرية غير توافقية للإرادة الحرة لا تسلم بسببية الفاعل؟ ~~هذا النوع من النظريات يقع فريسة لمشكلة الحظ. أهي حقا مشكلة؟ أمن ~~الممكن التغلب عليها؟ # تواجه النظريات التوافقية للإرادة الحرة المشكلة التالية. إذا كان ~~قراري راجعا إلى أحداث ماضية، وإذا لم يكن لي خيار في تلك الأحداث ~~الماضية (وفقا للرؤية الحتمية السببية، يمتد تسلسل الأحداث المؤدي ~~إلى القرار إلى الماضي البعيد قبل ولادتي)، فإنه لم يكن لدي اختيار ~~في القرار. كيف يمكن القول بأنني كنت حرا في قراري بينما لم يكن ~~لدي خيار آخر سوى اتخاذ هذا القرار؟ أهذه حجة منطقية؟ أيوجد سبيل ~~للالتفاف حولها؟ # هل التحكم التنظيمي ضروري لوقوع المسئولية الأخلاقية؟ لقد عرضنا ~~حجتين تزعمان أنه غير ضروري. تتضمن الحجة الأولى التي طرحها ~~فرانكفورت حالات يبدو فيها أن المرء مسئول عن خياراته حتى وإن لم يكن ~~بوسعه الاختيار على نحو مخالف. وأما الحجة الأخرى فتناشد البديهيات ~~التي أطلق لها الفيلم العنان. لقد انتقدنا حجة فرانكفورت، لكننا ~~قدمنا دعما مستحقا للحجة المستندة إلى الفيلم. هل تتفوق حقا ~~الحجة المستندة إلى الفيلم على حجة فرانكفورت؟ هل البديهيات التي ~~يثيرها الفيلم واضحة بما يكفي لدعم استنتاج فرانكفورت؟ هل تعرضت تلك ~~البديهيات للتلاعب والتشويه عبر قصة الفيلم أو بالطريقة التي صورت ~~بها؟ # هل يوفر الفيلم دعما بديهيا لفكرة كون التحكم التنظيمي شرطا ~~لامتلاك إرادة حرة ms144 حقيقية؟ كيف يستطيع فيلم سينمائي تحقيق ذلك؟ ما ~~مخاطر استنباط بديهيات من الأفلام على هذا النحو؟ # | هوامش # الفصل الثامن # | الهوية الشخصية: دراسة فيلم «تذكار» # مقدمة # الهوية الشخصية موضوع بارز وراسخ في الفلسفة، وملائم حقا للاستكشاف عبر ~~السينما. # 1 # وإحدى أفضل المعالجات الفلسفية لهذا الموضوع في السينما المعاصرة هي ~~فيلم المخرج كريستوفر نولان «تذكار» (2000). # يروي «تذكار» قصة لينارد شيلبي، وهو رجل يعاني من نوع متفاقم جدا من فقدان ~~الذاكرة. يعاني شيلبي من حالة مرضية يطلق عليها فقدان الذاكرة التقدمي، وهي ~~حالة طبية موثقة حيث يفقد المصاب قدرته على تسجيل ذكريات جديدة في ذاكرته ~~الطويلة الأمد. # 2 # يصور نولان حالة فقدان الذاكرة التقدمي في «تذكار» تصويرا دقيقا ~~إلى حد كبير؛ إذ نجد حالة شيلبي متفاقمة لكن قدراته الإدراكية لم تزل سليمة، ~~وذكرياته عن التجارب والحقائق التي سجلها في ذاكرته الطويلة الأمد قبل إصابته ~~الدماغية لا تزال كما هي. كذلك لم تتأثر ذاكرته القصيرة الأمد؛ ما يسمح له بالتركيز ~~على تسلسل من الأحداث يدوم عدة دقائق. لكن بعد أن تمر بضع دقائق من النشاط ~~الدماغي الواعي المترابط، دائما ما ينسى شيلبي تسلسل الأحداث ويضطر إلى محاولة ~~التعرف مجددا على بيئته؛ أي معرفة ما قد فعله لتوه، وما يحاول تحقيقه، ومن ~~الذي يتحدث إليه، وغير ذلك من المعلومات. لدى شيلبي قدرة تعلم بعض الأشياء عبر ~~التعود القائم على التكرار؛ ومن ثم لا يضطر إلى بدء عملية التعرف على محيطه ~~من الصفر في كل مرة. وهكذا يصبح في وسعه فورا إدراك النمط المنظم لحياته بينما ~~يتنقل بين حلقة وأخرى من حلقات الوعي المترابط. يستخدم «تذكار» أسلوبا في غاية ~~البراعة لتوضيح عملية الانتقال بين حلقات الوعي المترابط؛ فقد آثر نولان أن تسير ~~أحداث السرد - الجزء الرئيسي منها على الأقل - في الاتجاه العكسي، بحيث يصبح الوضع ~~المعرفي للمشاهد أشبه بوضع شيلبي. # يستعرض الفيلم الصراع الذي يخوضه شيلبي سعيا لعيش حياة مترابطة في ظل هذه ~~الحالة السيئة من حالات فقدان الذاكرة. وبما أن الفيلم ينتمي إلى فئة التشويق، ms145 فإن ~~الأسلوب الذي يستخدمه شيلبي لتحقيق غرضه غريب بعض الشيء. هو يسعى للانتقام أو ما ~~يظن أنه انتقام من الرجل الذي هاجمه وهاجم زوجته، فأصابه بتلف دماغي وتعدى على ~~زوجته جنسيا ثم قتلها. ولأنه عاجز عن خلق ذكريات جديدة طويلة المدى، تصبح مهمة ~~تنفيذ خطة الانتقام هائلة الصعوبة. ولكي يتمكن شيلبي من تنفيذ خطته يلجأ إلى ~~استخدام العديد من التلميحات المكتوبة والتذكارات. فيستخدم تلميحات في شكل صور؛ ~~صورة لسيارته (أو ما يعتقد أنها سيارته) تعينه على التعرف عليها، صور للأشخاص ~~يسجل عليها بعض الحقائق الأساسية حولهم، ويدون عليها تعليمات يوجهها إلى نفسه ~~بخصوص كيفية معاملتهم. وقد وشم مختلف أنحاء جسده بكتابات تروي الوقائع ~~الأساسية لخطته الانتقامية، وتعرض الحقائق الجذرية الموثوق بها التي يمكنه ~~استخدامها. (تحذير! العبارة التالية تكشف أحداثا رئيسية في الفيلم: عندما يقرر ~~شيلبي وشم رقم لوحة سيارة على فخذه في اللحظات الأخيرة للفيلم، يتضح أن ذلك الفعل ~~كان تخطيطا لارتكاب جريمة قتل!) بينما يتنقل شيلبي بين حلقات الوعي المترابط، ~~لا بد له من إعادة توطين الحقائق الأساسية حول حياته، وسعيه إلى الانتقام داخل ~~عقله، لكنه قد تعود بوضوح على هذه العملية؛ فلا يندهش لرؤية جسده مغطى بالوشم ~~كما قد يحدث لنا إذا استيقظنا في يوم ما لنجد جسدنا تحول على هذا النحو. وهو ~~يعرف كيف يستخدم التذكارات التي جمعها، ويدرك معناها، ويفهم مغزى ملفات التحقيق ~~الشرطية التي بحوزته، أو بالأحرى ما يعتقد أنه مغزاها، والملاحظات الاستقصائية التي ~~أضافها إليها. لكن ما يعجز شيلبي عن فعله هو تكوين ذكريات جديدة واضحة - بما ~~فيها، على وجه الأهمية، الذكريات العرضية أو الذكريات الشخصية - ومن ثم ليس ~~لديه أدنى معرفة بماضيه المباشر، الماضي الذي نعتبره أمرا مسلما به، والذي ~~يمنحنا شعورا بترابط الحياة. # الذكريات الشخصية أو الذكريات العرضية هي ذكريات عن تجارب لا عن حقائق. ذاكرة ~~الحقائق يطلق عليها الذاكرة الدلالية، أما ذاكرة التجارب فيطلق عليها الذاكرة ~~العرضية، وهما نوعان في غاية الاختلاف من الذاكرة. يقسم الفلاسفة الذكريات ~~العرضية تقسيما إضافيا؛ فيقسمونها ms146 إلى ذكريات فعلية (وهي قد تتعرض للتشويه ~~بطرق متعددة، لكنها تسجل تجارب فعلية مر بها الشخص الذي يتذكر) وشبه ~~الذكريات (وهي التي تبدو كما لو كانت تسجل التجارب الماضية، لكنها قد لا تكون ~~كذلك؛ فربما تسجل تجارب شخص آخر أو ربما هي ذكريات زائفة تماما أو ملفقة، أو ~~قد يتضح في النهاية أنها ذكريات فعلية). شبه الذكريات هي التجارب التي نتذكر فيها ~~«على ما يبدو» شيئا حدث لنا. # 3 # الذكريات الفعلية هي ذكريات حول شيء نتذكر أنه حدث فعليا لنا، ولا ~~يدخل ضمن نطاقها الذكريات الزائفة (مثل الذكريات التي زرعت في دماغنا على نحو ما) ~~والذكريات التي تسجل تجارب الآخرين (على سبيل المثال، قد تتذكر أنك فزت بسباق ~~البيضة والملعقة في حفلة عيد ميلادك السادس، بينما في الواقع كانت أختك هي من فازت ~~بالسباق، وقد استحوذت على تجربة الفوز الخاصة بها وتملكتها). إذا قلنا إن أحدهم ~~لديه شبه ذكرى، فإننا لا نحدد بهذا على الإطلاق ما إذا كانت هذه الذكرى فعلية، أو ~~تبدو فحسب كما لو كانت ذكرى فعلية. وسنعرف عما قريب لماذا يبرز الفلاسفة هذا ~~الفارق. # ما الذي يستطيع فيلم «تذكار» تعليمنا إياه فيما يتعلق بالقضية الفلسفية حول ~~الهوية الشخصية؟ للإجابة عن ذلك، نحتاج إلى تحديد المسألة الفلسفية موضع ~~البحث. # المعضلة الفلسفية حول الهوية الشخصية # في الواقع، يوجد الكثير من المعضلات الفلسفية المثارة حول الهوية الشخصية. ندعوك ~~إلى تأمل هذه المجموعة من الأسئلة: إلى أي «نوع» من الأشخاص أنتمي؟ ما الذي ~~«يجعلني» أنتمي إلى هذا النوع؟ إلى أي مدى يمكنني أن أتغير، وفي الوقت ذاته أظل ~~نفسي؟ ما الذي يجعلني شخصا من الأساس؟ أيمكن أن أوجد دون جسد؟ هل يمكن أن يستمر ~~وجودي بعد فناء جسدي؟ هل أظل على قيد الحياة إذا كنت في حالة إنباتية مستديمة، أم ~~هل تعني هذه الحالة نهايتي فعليا (وبناء على ذلك، في الحالة الإنباتية ~~المستديمة يظل جسدي حيا، لكن وجودي ينتهي)؟ من بين تلك الأسئلة كلها، تطرح مجموعة ~~منها صعوبة استثنائية، وقد جذبت ms147 انتباه معظم الفلاسفة. وهي الأسئلة العامة التي ~~تتناول استمراريتنا عبر الزمن وعبر التغير. # الشخص هو فرد واحد، ويظل ذاك الفرد طوال فترة وجوده. ورغم ذلك يتغير الناس طوال ~~الوقت؛ فتتغير عقولنا، بينما نخوض تجارب جديدة، ونكون ذكريات جديدة، ونصوغ ~~شخصيتنا أو نبدل منها ببطء. في كثير من الصور الدينية التقليدية التي تجسد ~~الحياة الأخرى، يمثل الموت نوعا من الانبعاث على وجود جديد؛ فمن خلال الموت يحدث ~~لنا تحول جذري، ورغم ذلك فإننا نظل - بطريقة ما - «أحياء» بعد موتنا. أهذا ممكن ~~بأي حال من الأحوال؟ ما معنى قولنا بأننا نظل أحياء في حالة كهذه؟ الإجابة ~~الطبيعية هي القول بأننا نظل أحياء في حال ما إذا كان الفرد الذي مات هو نفسه ~~الفرد الذي يوجد بعد الموت، بعدما مر بتحول جذري، وأصبح الآن يغني في جوقة من ~~الملائكة. # 4 # هذا سؤال حول استمراريتنا؛ أي عن هويتنا عبر الزمن، وعن هويتنا على ~~رغم التغيير. # كيف يمكنك القول بأنك تظل نفس الشخص مع مرور الزمن، على الرغم من أنك تصبح شخصا ~~مختلفا دون شك في مراحل حياتك المختلفة؟ كل ما علينا فعله في هذا السياق هو وضع ~~التصنيفات المناسبة، والتزام الحذر في التعامل معها. يميز الفلاسفة بين نوعين ~~رئيسيين من الهوية: الهوية الكيفية والهوية العددية. الهوية الكيفية هي الهوية ~~التي يملكها شيئان منفصلان عندما يكونان متشابهين تماما. تخيل عملتين من نفس ~~الفئة (فئة 1 يورو على سبيل المثال، سكتا عام ~~2005). سكت العملات وفقا لشروط صارمة ~~بحيث تضمن أن جميع العملات من نفس الفئة ومن نفس العام متطابقة في كل شيء باستثناء ~~اختلافات لا تكاد تذكر. ومع بدء استخدام العملات وتعرضهما للبلى تتبدد هويتها ~~المتشابهة هذه، لكن العملات التي سكت حديثا تكاد تكون متطابقة. # 5 # إحدى طرق توضيح هذه الفكرة هي شرحها من منظور الخواص الجوهرية للأشياء. ~~تتضمن الخواص الجوهرية للأشياء: حجمها، وشكلها، وكتلتها، وغيرها من الخواص؛ إنها ~~خواص العملة ذاتها. تتعارض الخواص الجوهرية مع الخواص العلائقية: ما إذا كانت ~~العملة في يدي اليسرى أم ms148 في يدي اليمنى؛ ما إذا كانت في المملكة المتحدة أم في ~~الإمارات العربية المتحدة ... إلى آخره. يمكن اعتبار شيئين متطابقين كيفيا بشرط ~~واحد فقط؛ وهو أن يشتركا في جميع خواصهما الجوهرية. # يكفي هذا فيما يخص الهوية الكيفية؛ فهي ليست نوع الهوية الذي يثير اهتمامنا. نحن ~~لا ندرس ها هنا هوية التوائم المتطابقة أو الأشخاص الذين يكاد يكون تشابههم ~~متطابقا، بل نهتم باستمرارية هوية الفرد الواحد عبر الزمن ورغم التغير؛ ولهذا ~~الغرض علينا طرح فكرة الهوية العددية. الهوية العددية هي هوية كيان واحد على ~~مر الزمن. فلتفترض أن لديك خمس عملات متطابقة كيفيا في جيبك، أخرجت واحدة ونظرت ~~إليها ثم أعدتها إلى جيبك، وبعد أن هززت مجموعة العملات بعض الشيء في جيبك أخرجت ~~واحدة من جديد. تبدو العملة هي نفسها، لكن أهي حقا كذلك؟ السؤال ها هنا بصدد ~~الهوية العددية للعملات. هل التقطت عملة واحدة مرتين أم التقطت عملتين مختلفتين ~~(رغم كونهما متطابقتين كيفيا)؟ من الحقائق المحزنة حول اللغة الإنجليزية أن ~~الكثير من الأساليب التي نعبر بها عن الهوية (عبارات مثل «مماثل ل» و«مطابق ل» ~~وغيرها) يخلط بين الهوية العددية والهوية الكيفية. هذا يعني أنه علينا التزام ~~الحذر حيال طرق تفسيرنا للادعاءات حول الهوية، لكن مفهومي الهوية العددية ~~والهوية الكيفية ليسا بالغي الصعوبة. وهما يسجلان أفكارا في غاية ~~الاختلاف. # نظرية الاستمرارية النفسية للهوية الشخصية # مهمتنا الفلسفية هي تحديد معايير لهويتنا العددية عبر الزمن ورغم التغيير. ~~تخيل أن أعضاءك الجسدية أزيلت واحدا تلو الآخر، ووضع مكانها أعضاء اصطناعية ~~تعمل بنفس طريقة أعضائك الحية العضوية؛ أطرافك حل محلها أطراف آلية، قلبك حل ~~محله مضخة، عيناك حل محلهما كاميرا، الخلايا العصبية في دماغك حل محلها ~~محولات دقيقة خاصة حساسة شبكيا، إلى آخره. (فقط تخيل إمكانية حدوث ذلك.) هل ~~أصبحت في هذه الحالة إنسانا آليا أم أنك قد مت؟ إذا كان معيار هويتك العددية ~~هو استمرارية جسدك الحي، فيجدر بنا القول إنك في حالة تحولك التدريجي إلى إنسان ~~آلي قد مت، واستعيض عنك بشيء جديد؛ ms149 بديل آلي. بصرف النظر عن ميزاته هو ليس أنت. ~~على الجانب الآخر، إذا كان معيار هويتك العددية هو عامل أقل دقة، مثل استمرارية ~~جسدك (سواء كان عضويا أم لا) فسوف نستنتج حينئذ أنك أصبحت إنسانا آليا. ~~فوجودك لم ينته عندما حل محل ذراعك ذراع آلي. ووجودك لن يتوقف إذا حل محل إحدى ~~خلاياك العصبية محول دقيق. إذن، عبر تعميم تلك الأفكار البديهية، يمكننا القول بأن ~~وجودك لا يتوقف عندما يحل محل جسدك بأكمله أجزاء تؤدي نفس الوظائف. عبر تفسير عملية ~~الاستبدال الآلي على هذا النحو، تصبح إنسانا آليا. # كيف نقرر أي تفسير من تفسيرات سيناريو ~~الإحلال الآلي هو التفسير الصحيح؟ يعتمد الأمر كله على معيار الهوية العددية الذي ~~نعتقد أنه ينطبق علينا. لكن كيف يمكننا تحديد المعيار الصحيح؟ فقد اتضح وجود عدد لا ~~بأس به من المعايير المرشحة، كيف إذن نختار من بينها؟ أحد أكثر الطرق الواعدة لتحري ~~هذه المسألة هو إجراء تجارب افتراضية. في تجربة افتراضية حول الهوية الشخصية، ~~نتخيل سيناريو تغيير جذري ونستشير حدسنا لمعرفة ما إذا كان الشخص الذي مر بهذا ~~التغيير قد ظل على قيد الحياة أم لا. يقدم لنا حدسنا تلميحات حول تصورنا للهوية ~~الشخصية. وإذا كانت أفكارنا البديهية قوية ومتماسكة، ويتشارك فيها نطاق واسع من ~~الأفراد، ويعتمد عليها (على سبيل المثال، إذا لم تكن مشوهة أو متلاعب بها من خلال ~~طريقة سردنا للقصة)، فإنها إذن دليل جيد يساعدنا على معرفة تصورنا عن الهوية ~~الشخصية. الأفكار البديهية القوية والمعتمد عليها يجب أن ترشدنا إلى الظروف التي ~~في ظلها يحافظ الناس على هويتهم عبر التغيير. # إجراء التجارب الافتراضية طريقة مهمة لإجراء التحليل المفاهيمي. إنها طريقة ~~لاكتشاف الحدود الخارجية للمفاهيم ذات الأهمية. لقد عرضنا تجربة ~~افتراضية - تجربة الإحلال الآلي - قبل ~~بضع فقرات. هل ترى البقاء على قيد الحياة بعد عملية الاستعاضة عن أجزاء جسدك ببدائل ~~آلية أمرا بديهيا؟ ربما لا. بالتأكيد يعتمد الأمر على «مدى» نجاح عملية الإحلال ~~بأكملها، وماهية المقياس الذي يستخدم. ماذا لو فشل بديلك ms150 الآلي في تذكر أي شيء ~~عن حياتك السابقة؟ (فلتفرض مثلا أن الذاكرة اتضح أنها مشفرة، ليس بداخل الوصلات ~~بين الخلايا العصبية - الوصلات التي يمكن استنساخها عبر المحولات الدقيقة - بل ~~بداخل خاصية ما غامضة لدى خلايا الدماغ العضوية التي ضاعت عندما حل محل الخلايا ~~محولات غير عضوية.) في هذه الحالة، لا يبدو بقاؤك على قيد الحياة بعد العملية ~~أمرا بديهيا على الإطلاق. بالتأكيد، سيرى الكثير من الناس أن العجز عن تذكر أي ~~شيء عن حياتك الماضية يعني بديهيا أنك لم تبق على قيد الحياة بعد عملية الإحلال. ~~قد يبدو أن شيئا جوهريا قد فقد أثناء التحول من الدماغ البشري إلى الدماغ ~~الآلي. ماذا لو لم يمتلك بديلك الآلي وعيا على الإطلاق؟ ماذا لو كان يمشي ويتحدث ~~مثل شخص واع، لكن داخله ظلام مطبق (إذا جاز التعبير)؟ (على سبيل المثال، قد يتضح ~~أن الوعي ليس خاصية من خواص تدفق المعلومات داخل دماغك، لكنه خاصية غير جسدية ~~مرتبطة على نحو ما بالطبيعة العضوية لجهازك العصبي ~~المركزي.) في هذه الحالة، يتجلى فشل ~~العملية؛ ففي إحدى مراحلها مات المريض على طاولة العمليات. # الآن لا ينبغي لك الاعتقاد بأن الوعي خاصية غير جسدية أو أن الذاكرة البشرية ~~مشفرة داخل خاصية عضوية كامنة من خواص الخلايا الدماغية كي تتعلم درسا مهما من ~~الأفكار الافتراضية التي عرضناها في الفقرة السابقة. إذا كان الفشل في الاحتفاظ ~~بالوعي أو الفشل في الاحتفاظ بالذاكرة يعني نهاية وجودك؛ فذلك يكفي لدعم رؤيتنا. إن ~~ما يسجله مفهوم الهوية الشخصية على ما يبدو هو وجودنا «الواعي» المستمر. (ربما كان ~~الوجود الواعي المستمر ضروريا، لكنه غير كاف لاستمرارك. سنحتاج إلى إجراء تجارب ~~افتراضية أخرى للتحقق من هذا.) # إن الرؤية الأكثر شيوعا على الأرجح للهوية الشخصية تعتمد على الأفكار البديهية ~~التي ناقشناها لتونا في الفقرة السابقة. ويطلق عليها عادة نظرية الاستمرارية ~~النفسية للهوية الشخصية. تزعم النظرية، في صيغتها المبسطة، أن معيار الهوية ~~العددية للفرد هو استمرارية الوعي. لكن توجد مشكله ها هنا؛ وهي أن وعي الفرد ms151 أبعد ~~ما يكون عن الاستمرارية؛ إذ تقاطعه على سبيل المثال فترات النوم. إذن «استمرارية ~~الوعي» لا يمكن أن تعني «تدفقا غير متقطع للوعي». لكي ننقذ النظرية، لا بد أن ~~تتفتق أذهاننا عن رؤية مختلفة لاستمرارية الوعي. ما الذي يربط الحلقات المنفصلة ~~من تدفق الوعي غير المنقطع على النحو الملائم؟ الإجابة الواضحة، وربما الأفضل، هي ~~الذاكرة: الذاكرة العرضية. عندما تستيقظ من النوم تنغمس فورا في حياتك الواعية ~~المستمرة من خلال الذاكرة العرضية. قد لا تتذكر آخر شيء تحديدا مررت به قبل أن ~~تخلد إلى النوم، لكنك تتذكر بعضا من أحداث اليوم السابق، وتصل ذلك اليوم باليوم ~~الجديد عبر التجربة التي تتذكرها. من خلال تبني هذه الطريقة في النظر إلى ~~القضية، نضع الصيغة التالية من نظرية الاستمرارية النفسية، والتي سنطلق عليها ~~الاستمرارية النفسية القوية: # الاستمرارية النفسية القوية # تكون مجموعة من مراحل الفرد (أي الفترات الكاملة من تدفق الوعي غير ~~المتقطع) فردا مميزا من منظور الهوية العددية - أي فردا فريدا من ~~نوعه - بشرط واحد فقط؛ أن تكون كل مرحلة منها متصلة بالمرحلة التي تسبقها ~~مباشرة عبر الذاكرة العرضية. # تواجهنا بعض المشكلات الفنية التي علينا التعامل معها قبل اعتبار ~~الاستمرارية النفسية القوية صيغة مقبولة من الأساس. ظل معروفا لوقت طويل أن صياغة ~~نظرية على النحو الذي استخدمناه لتونا قد يؤدي إلى دائرة مفرغة إن لم نتوخ ~~الحذر. لقد وضعنا النظرية من منظور الذاكرة العرضية، هل نعني بذلك الذاكرة ~~العرضية الفعلية أم شبه الذاكرة العرضية؟ (تذكر أن الذكريات الفعلية هي ذكريات ~~عن تجربة حدثت بالفعل للشخص المتذكر، أما شبه الذكريات فهي ذكريات تبدو على هذا ~~النحو، لكنها قد لا تكون كذلك.) لا يمكن أن تكون الذاكرة الفعلية؛ إذا كانت نظريتنا ~~تزعم أن الهوية الشخصية تتكون من مراحل-الفرد التي تربطها ذاكرة عرضية فعلية، ~~فهذا يعادل القول بأن الهوية الشخصية تتألف من مراحل-الفرد التي تربطها ذكريات عن ~~تجارب خاضها الفرد محل الحديث ولم يخضها أي شخص آخر على وجه الخصوص. بهذه الطريقة، ~~تئول بنا الحال إلى تعريف ms152 الهوية الشخصية من منظور الذاكرة العرضية الفعلية، ~~وتعريف الذاكرة العرضية الفعلية من منظور الهوية الشخصية. تلك حلقة مفرغة لا يمكن ~~قبولها. من أجل توخي الحذر إذن، علينا أن نصوغ نظرية الاستمرارية النفسية من ~~منظور شبة الذاكرة. والآن يمكننا أن نضع معيار الهوية العددية من منظور ارتباط ~~مراحل-الفرد من خلال شبه الذكريات. تكون مجموعة من مراحل-الفرد فردا مميزا بشرط ~~واحد فقط أن تكون كل مرحلة منها تتصل بالمرحلة السابقة لها عبر شبه ذكريات اكتسبت ~~على نحو صحيح. وسنحتاج في هذه المرحلة نظرية حول «كيفية اكتساب الذكريات على نحو ~~صحيح»، بما يجنبنا الدفع بنظريتنا الجديدة إلى دائرة مفرغة. قد نزعم على وجه ~~التقريب، لأغراض صياغة نظريتنا، أن الطريقة الصحيحة لاكتساب شبه ذكرى تتضمن سرد ~~قصة سببية حول نشأة الذكرى، وهي أن تجربة ما تسببت في تغيير دائم في الجهاز ~~العصبي نتج عن تسجيل ذكرى على النحو الطبيعي. وحدوث هذه العملية على النحو الطبيعي ~~لا يفترض مسبقا أي شيء حول هوية صاحب التجربة أو صاحب الذكرى التي سجلت في ~~الجهاز العصبي. إذا نجحت هذه الاستراتيجية، فسنكون قد وجدنا طريقة لتجنب الحلقات ~~المفرغة وإنقاذ النظرية. وبما أن التحدث عن شبه الذكريات سيعقد الأمور للغاية، ~~فإننا سنتجاهل هذه الإشكالية فيما تبقى من المناقشة. لكن من المفيد معرفة أننا ~~نقدر على إنجاز هذه المهمة، وأنه من الممكن إنقاذ النظرية من السقوط في حلقة ~~مفرغة. لا يزال يوجد العديد من المسائل المتبقية؛ فمهمة صياغة نظرية الاستمرارية ~~النفسية القوية على نحو دقيق تماما وبعيد عن فخ الحلقات المفرغة، لم تتم بعد. ~~لكن أصبح في وسعنا الآن تقديم المبادئ الأولية للنظرية. # تحدي «تذكار» # ليست التجارب الافتراضية هي السبيل الوحيد لبحث تصورنا عن الهوية ~~الشخصية. # 6 # فسمت الخيال العلمي بعيد التصور الذي يميز تجارب الفكر قد يحد ~~من موثوقيتها. ومن الصعب غالبا تحديد طريقة التفكير، وكيفية تطبيق مفاهيمنا، في ~~مواقف لا يمكن عرضها إلا باستخدام مصطلحات خيالية عامة للغاية. على سبيل المثال، ~~اضطررنا إلى دعم تجربة الإحلال الآلي الافتراضية بمجموعة ms153 من الافتراضات الفلسفية ~~كي نستطيع التحرك بها قدما. (ماذا لو لم تكن الذاكرة مخزنة في الحساسية الشبكية ~~للخلايا العصبية؟ ماذا لو لم يكن الوعي ناتجا عن تدفق المعلومات داخل الدماغ؟) إذا ~~استطعنا الاعتماد على حالات من الحياة الواقعية لاختبار نظرياتنا عن الهوية ~~الشخصية عوضا عن التجارب الافتراضية الغريبة، تصبح مهمتنا أسهل. يعيدنا هذا ~~الحديث إلى فيلمنا. لا يقدم «تذكار» حالة من الواقع، لكنه تجسيد خيالي لحالة ~~حقيقية؛ ألا وهي مرض فقدان الذاكرة التقدمي المتفاقم. ويثبت لنا أن الصياغة التي ~~قدمناها لتونا لنظرية الاستمرارية النفسية خاطئة. # لينارد شيلبي عاجز عن فعل ما تتطلبه منه هذه النظرية؛ هو عاجز عن ربط حلقة من ~~الوعي المتدفق غير المتقطع بالحلقة التي تليها من خلال الذاكرة العرضية. يختبر ~~شيلبي كل مرحلة من مراحل-الفرد كما لو كانت منفصلة تماما عن جميع الحلقات التي ~~تسبقها بدءا من وقت إصابته. فآخر شيء يتذكره (أو يظن أنه يتذكره) هو مشهد احتضار ~~زوجته. رغم ذلك، وبينما نشاهد الفيلم، يبدو واضحا لنا أن شيلبي هو شخص واحد قائم ~~بذاته على مدار القصة، وتلك قناعة يدعمها عدد من العوامل؛ فهو لديه خطة ثابتة، ~~ومجموعة متسقة من السمات والميول النفسية، وجسد وصوت واحد من البداية للنهاية. ~~ويتضمن العديد من أجزاء الفيلم تعليقا صوتيا على الأحداث بصوته، وهو لا يواجه ~~أي صعوبة في التحدث عن نفسه بوصفه لينارد شيلبي، وفي تخمين مجمل أحداث حياته، ~~حياته هو. يعامله الآخرون بالفيلم باعتباره شخصا واحدا. وعلاوة على ذلك، يتذكر ~~شيلبي حياته قبل إصابته الدماغية. على ما يبدو لا يوجد ما يدفعنا إلى الشك في كون ~~شيلبي شخصا واحدا على مدار الفيلم. رغم ذلك يخفق شيلبي في الوفاء بشرط ~~الاستمرارية النفسية فيما يتعلق بالهوية الشخصية، والذي وصفناه في الفقرات السابقة. ~~إذن تلك رؤية خاطئة للهوية الشخصية. لقد أثبت الفيلم ذلك! (أو أعطانا مبررا جيدا ~~للاعتقاد فيه؛ نادرا ما يتمكن الفلاسفة من بلوغ مرحلة إثبات فرضية ما إثباتا ~~نهائيا.) # ما الخيارات التي تبقت لدينا؟ فلنتأمل عناصر الفيلم التي تدعم ms154 قناعتنا بأن ~~لينارد شيلبي فرد واحد متفرد، على الرغم من التقطع المزمن لوعيه. فيما يلي نطرح ~~خمسة احتمالات رئيسية: ~~(1) # لدى شيلبي خطة حياتية مترابطة؛ وهي السعي مخلصا للوصول إلى قاتل ~~زوجته. (ظهور تهديد لهذه الخطة هو ما يدفع إلى خداع ذاته خداعا قاتلا ~~في الفيلم؛ فهو مستعد لفعل أي شيء تقريبا لحماية خطته والروايات التي ~~تدعمها.) وبما أنه قد وضع هذه الخطة، وتمكن من اتباعها بتصميم لا ~~يهدأ، ننزع إلى اعتبار شيلبي فردا واحدا يتبع مسارا متسقا عبر ~~حياته، ولا نميل إلى تفسير الفيلم كشاهد على تفكك الشخص الذي كانه ~~شيلبي في يوم من الأيام. رغم ذلك، لا يعتبر وجود خطة مترابطة أمرا ~~ضروريا أو كافيا لضمان الهوية الشخصية. فمن الممكن أن يمتلك كل من ~~الفرق والمنظمات والمجموعات خططا مترابطة طويلة الأمد، وقد ينجرف ~~الناس مع تيار الحياة دون هدف وبلا خطط. ~~(2) # العنصر الثاني هو تمتع شيلبي بمجموعة من الميول والسمات الشخصية ~~الراسخة. وهو من هذه الناحية شخص متسق على المستوى النفسي حتى لو لم ~~يكن يستوعب حياته كتيار واع مترابط. رغم ذلك، ليست الميول النفسية هي ~~السمات المناسبة لجعل الناس أفرادا، ولا تصلح وحدها لتحقيق هذا ~~الغرض. قد يتشارك الناس في الميول؛ ومن ثم لا يمكن اعتبارها كافية ~~لتحديد الهوية العددية. (تذكر أننا نبحث هوية شيلبي العددية، لا ~~هويته الكيفية.) وقد يغير أحد الأشخاص ميوله النفسية بشتى الطرق ~~(نتيجة لتجربة اعتناق ديانة جديدة على سبيل المثال)، إذن يبدو أن ~~الميول النفسية عنصر غير ضروري لوجود الهوية. ~~(3) # العنصر الثالث الذي يشجعنا على ~~تمييز شيلبي كفرد هو الطريقة التي يعتبر بها شيلبي نفسه فردا، ~~ويعتبره بها الآخرون في الفيلم أنه كذلك. يتحدث شيلبي بصوت واحد، ونحن ~~كثيرا ما نسمع هذا الصوت من خلال التعليق الصوتي على الفيلم، ولا ~~يلتبس علينا كونه الصوت نفسه (بالطبع التمتع بنفس الصوت ليس ضروريا ~~ولا كافيا لضمان الاستمرارية). يشير شيلبي إلى نفسه بوصفه لينارد ~~شيلبي، نفس الشخص الذي كان عليه بالأمس أو من عشر دقائق أو ms155 عشر سنوات. ~~أليس اعتبار شيلبي نفسه فردا عنصرا حاسما؟ هل لديه سلطة تقرير ما ~~إذا كان سيستمر في الوجود رغم كل ما قد حدث؟ قد ننجذب إلى الإجابة ~~بنعم، لكن في الواقع رأي شلبي ليس عاملا حاسما. فنحن لا نملك هذا ~~النوع من السلطة على استمرارنا الشخصي. على سبيل المثال لا يعتبر ~~المرء امتدادا لنابليون لمجرد أنه يظن نفسه نابليون. إن استخدام شيلبي ~~المستمر لضمير المتكلم لا يرسخ كونه فردا واحدا إلا في حالة كون ~~كل استخدام للضمير يشير فعليا إلى الفرد نفسه، وفي حالة لينارد ~~شيلبي، تثار تساؤلات حول ذلك. وعلى نحو مماثل، حقيقة أن الآخرين في ~~الفيلم يعاملون شيلبي باعتباره فردا واحدا - الرجل الذي فقد ذاكرته - ~~لا يثبت أنه فرد واحد إلا في حالة كون جميع هذه الاستخدامات لضمائر ~~المخاطب والغائب، إلى جانب استخدام أسماء «ليني» و«لينارد شيلبي»، تشير ~~جميعها إلى فرد واحد. وهذا تحديدا هو ما نسعى إلى إثباته. # 7 # لا يتبقى أمامنا الآن سوى خيارين: (4) استمرارية جسد شيلبي. و(5) ارتباط شيلبي ~~بوعيه السابق بإصابته الدماغية من خلال الذاكرة العرضية. (بالطبع يوجد خيار آخر؛ ~~وهو فقدان الأمل في إثبات استمرارية شيلبي كفرد، لكن من المفترض أن يكون هذا خيارنا ~~الأخير؛ نظرا لأن الاستمرارية الذاتية هي طريقة طبيعية وتلقائية لتفسير الفيلم.) ~~لنتأمل المسألة من زاوية استمرارية الجسد. هل يحق لنا زعم أن كل ما يحتاجه شيلبي كي ~~يستمر، رغم إصابته بهذه الحالة المتفاقمة من فقدان الذاكرة التقدمي، هو امتلاكه ~~الجسد نفسه يوما تلو الآخر؟ هل الهوية الشخصية تقتصر على هوية الجسد على مر ~~الزمن؟ يؤمن بعض الفلاسفة أن هذا هو الحل الأمثل. # 8 # مع ذلك، من الصعب أن يرضينا حل كهذا؛ فهو يستبعد الكثير من الاحتمالات ~~التي تبدو ذات قيمة حقيقية. على سبيل المثال، ربما من المستحيل فيزيقيا انتقال ~~وعي أحد الأشخاص إلى جسد شخص آخر وتملكه (أو إلى جرة لحفظ رماد الموتى كما في ~~فيلم «جميع أجزائي» (أول أوف مي) للمخرج كارل راينر (1984)) لكن في وسعنا تصور ms156 ~~هذه العملية، وفي هذا السيناريو لن ينتابنا بداهة شك في أن الهوية ستتبع الوعي ~~لا الجسد. وعلى المؤمنين بنظرية الاستمرارية الجسدية إيجاد سبيل يقبله العقل لتجريد ~~تلك البديهيات من قوتها، وتلك مهمة في غاية الصعوبة. # وفي ظل غياب سبيل جيد يمكننا من الدفاع عن نظرية الاستمرارية الجسدية، لا يتبقى ~~لنا سوى عنصر واحد لتفسير استمرارية شيلبي. شيلبي هو شخص واحد على الرغم من تقطع ~~وعيه؛ لأن كل مرحلة من مراحل-الفرد (أي فترات تدفق الوعي اللامتقطع) التي يمر بها ~~تحتفظ بخلفية مشتركة من ذكريات حياته قبل الحادث. ذكريات شيلبي عن زوجته المحتضرة، ~~عن ممازحته لها حول الكتاب الذي تقرؤه (تقرؤه للمرة الثانية)، عن مداعبته لها بقرص ~~فخذها (أم أكانت هذه ذكرى عن إعطائها حقنه الأنسولين؟) عن تجولها في أرجاء المنزل ~~يعلو وجهها تعبير شارد مطمئن؛ تلك الذكريات، وذكريات أخرى شبيهة لا حصر لها، هي ما ~~يضفي على حياة شيلبي تفردها، وما يجعل خطته للانتقام خطة وضعها رجل واحد، لا ~~لجنة تضم مجموعة من نسخ مستقبلية لشيلبي. تخيل قصة الفيلم لو كانت تتضمن حرمان ~~شيلبي من ذكرياته العرضية التي تسبق إصابته. سيبدو حينها أشبه بسلسلة من الحلقات ~~الواعية المختلفة تربطها ببعضها واجهة خارجية: جسد يغطيه الوشم، ملف شرطي، صورة ~~لسيارة مسروقة. لن يوجد حينها أي شيء يمكن تمريره من فرد منفصل إلى آخر. # الاستجابة إلى تحدي «تذكار» # تأمل فيلم «تذكار» يقودنا إلى إعادة تقييم نقدي لنظرية الاستمرارية النفسية ~~للهوية الشخصية. قد تتكون الهوية الشخصية - أي استمرارية الشخص الواحد عبر الزمن ~~ورغم التغيير - من مجموعة من مراحل الفرد تربط بينها الذاكرة العرضية، لكن «تذكار» ~~يثبت لنا أن هذه الروابط قد تكون روابط غير مباشرة إلى حد كبير. يتذكر شيلبي حياته ~~قبل إصابته الدماغية، لكنه لا يتذكر ما حدث له منذ عشر دقائق. ومع ذلك ربما ~~يكفي هذا لضمان استمرارية هويته عبر ~~الزمن. نعرض ها هنا صيغة لنظرية الاستمرارية النفسية للهوية الشخصية، وقد أجرينا ~~تعديلا عليها كي تتلاءم مع التحدي الذي يطرحه الفيلم: # الاستمرارية ms157 النفسية الضعيفة # الشخص هو مجموعة من مراحل الفرد، ترتبط كل مرحلة منها (باستثناء أول ~~مرحلة) عبر ذكريات عرضية بمرحلة فردية واحدة سابقة على الأقل. # ما مدى معقولية نظرية الاستمرارية النفسية الضعيفة؟ يشغل بال ~~الفلاسفة مشكلة أخرى تتعلق بنظريات الاستمرارية النفسية للهوية الشخصية، وعلى ما ~~يبدو تعمل نظرية الاستمرارية النفسية الضعيفة على تفاقم هذه المشكلة. نتحدث ها هنا ~~عن مشكلة الانشطار. تخيل شخصا منقسما إلى اثنين، شخصا تحول إلى تيارين من ~~الوعي، يرتبط كل منهما عبر الذاكرة العرضية بتيار وعي واحد، يرجع إلى ما قبل ~~الانقسام. # 9 # أهو شخص واحد أم شخصان؟ لا يمكن أن يكون شخصا واحدا وشخصين في آن ~~واحد. يزعم بعض الفلاسفة أنه في هذا الموقف يوجد شخصان: بالرغم من أن هذا الأمر لم ~~يتضح إلا عند الانشطار، ظل هناك شخصان منفصلان طيلة الوقت. # 10 # لكن فلاسفة آخرين يعتبرون هذه الرؤية مفرطة في الغرابة. إن حالة شيلبي ~~مثال على انشطار هائل، من بعض النواحي. فمع كل بضع دقائق يبرز تيار من الوعي غير ~~متصل بتيارات الوعي المحيطة به عبر الذاكرة العرضية. ولا يظل هذا التيار موجودا ~~لفترة كافية تسمح له بالتنافس مع تيارات الوعي الأخرى، لكنه غير متصل بالتيارات ~~الأخرى القريبة منه. حسب نظرية الاستمرارية النفسية الضعيفة، لا تتمخض حالات ~~الانشطار عن شخص واحد أبدا. لا يبدو هذا غريبا في حالة شيلبي؛ إذ لا يتداخل أي ~~تيارين من تيارات الوعي لديه، وكل تيار منها يرجع أصله إلى سلف مشترك؛ وهو تيار ~~الوعي لدى شيلبي قبل إصابته. رغم ذلك، قد تنطوي حالات الانشطار على ما هو أغرب ~~بكثير. ماذا سيحدث عندما ينقسم شخص ما إلى تيارين منفصلين متزامنين من الوعي ~~(يصحبهما جسدان)؟ حسب نظرية الاستمرارية النفسية الضعيفة، يظل الشخصان شخصا واحدا ~~بصرف النظر عما يفعله كل تيار. لا ترتبط التيارات بعضها ببعض من خلال الذاكرة ~~العرضية، لكنها ترتبط عبر الذاكرة العرضية بسلف مشترك. وهكذا يصبح تيار وعي ما ~~رئيس البنك الدولي على سبيل المثال، ~~بينما يصبح تيار وعي آخر ms158 أحد لصوص البنوك. أيمكننا حقا القول بأن رئيس البنك ~~الدولي هو لص بنوك؟ (ربما يمكننا ذلك.) يبدو أننا في حاجة الآن إلى إعادة صياغة ~~لنظريتنا. ربما كانت نظرية الاستمرارية النفسية الضعيفة شرطا ضروريا للهوية ~~الشخصية، لكنه غير كاف. بعبارة أخرى، ربما تقترح نظرية الاستمرارية النفسية ~~الضعيفة شرطا لا بد أن يفي به جميع الأفراد، لكن يوجد شرط آخر لا بد لهم أن يفوا ~~به أيضا. فيما يلي نقدم اقتراحا لهذا الشرط: # الاستمرارية النفسية الضعيفة مقيدة الفاعل # الفرد هو مجموعة مراحل فردية بحيث إن (1) كل مرحلة فردية (باستثناء ~~المرحلة الأولى) ترتبط عبر ذكريات عرضية بمرحلة فردية واحدة سابقة على ~~الأقل و(2) لا تنقسم المجموعة أبدا إلى مجموعتين فرعيتين متزامنتين «أ» ~~تؤدي كل منهما وظيفة الفاعل على نحو مستقل عن الأخرى «ب» ولا يرتبط بعضهما ~~ببعض عبر الذكريات العرضية للمراحل داخلهما. # هل ستفلح نظريتنا الجديدة المنقحة؟ علينا الاعتراف بأنها مصممة خصوصا على ما ~~يبدو كي تلائم حالتنا؛ فالشرط رقم (2) موضوع لا لغرض سوى استبعاد حالات الانشطار ~~المختلفة عن حالة شيلبي. وسوف نحتاج إلى نظرية توضح طبيعة العمل كفاعل مستقل (نظرية ~~لا تعتمد على وجود اختلاف في الهوية). ربما يمكننا تقديم مثل هذه النظرية. سنحتاج ~~كذلك إلى مبرر منفصل لقبول القيود على الفاعل المقترحة ها هنا. # يرى الفلاسفة الدارسون للهوية الشخصية أن كلا من نظرية الاستمرارية النفسية ~~الضعيفة، ونظرية الاستمرارية النفسية الضعيفة المقيدة الفاعل، لا تدعمهما أدلة ~~كافية. (لكن لا يوجد سبب بعد يدفعنا إلى التخلي عنهما!) لقد قدمنا كلتا النظريتين ~~في المقام الأول لتوضيح عملية الاستجابة لتحديات من قبيل التحدي الذي يطرحه فيلم ~~«تذكار» ومدى صعوبة ذلك التحدي. قد يكون ملاذنا الأخير هو قبول صيغة من صيغ فرضية ~~الاستمرارية الجسدية (تذكر أن استمرارية شيلبي الجسدية كانت سمة من سمات عدة ~~بالفيلم تدعم قناعتنا بأنه فرد واحد فريد من نوعه)؛ ربما الفرضية التي تربط هوية ~~الفرد بهوية جسد حي. (غالبا ما يطلق عليها النظرية الجسدية.) # 11 # بالطبع لهذه النظرية إشكاليتها الخاصة؛ ففي هذا ms159 المجال، تظل القضية في ~~النهاية هي تحديد المشكلات التي نظن أن في وسعنا التعايش معها. وفي الفلسفة، نادرا ~~ما تمنحنا إجابة ما كل ما نريده. # أسئلة # يستخدم نولان تقنية خاصة كي يضع مشاهديه في حالة أشبه بحالة بطل ~~«تذكار»، لينارد شيلبي، ألا وهي جعل جزء مهم من أحداث الفيلم يسير في ~~اتجاه عكسي. هل نجحت هذه التقنية من جميع النواحي؟ كيف تختلف معايشة ~~الجمهور للأحداث السردية عن معايشة شيلبي لها؟ هل نبالغ في تفسير ~~الترابط النفسي لدى شيلبي نتيجة لهذا الاختلاف؟ ما تأثير هذا على تحدي ~~«تذكار»؟ # وفقا لنظرية الاستمرارية النفسية للهوية الشخصية، من المهم أن تكون ~~الذكريات عرضية. لماذا لا يمكننا استخدام الذاكرة الدلالية كمعيار ~~بدلا من الذاكرة العرضية؟ # لا تشترط نظرية الاستمرارية النفسية للهوية الشخصية دقة الذكريات ~~العرضية، لكنها تشترط ألا تكون زائفة. ما الفرق بين ذكرى غير دقيقة ~~وذكرى زائفة؟ ولماذا نعتقد أن لهذه المسألة تأثيرا؟ # هل فسرنا تجربة الإحلال الآلي الافتراضية تفسيرا صحيحا؟ هل أثبتت ~~التجربة أن استمرارية الجسد الحي ليست شرطا لازما لوجود الهوية ~~الشخصية؟ # هل يوجد سبيل ما يمكننا من الثبات على اعتقادنا بصحة نظرية ~~الاستمرارية النفسية القوية في مواجهة نموذج لينارد شيلبي؟ هل يمكننا ~~إثبات أن شيلبي عاجز عن التصرف كفرد مميز على مدار الفيلم؟ كيف يمكننا ~~تفسير أفعاله وردود فعلنا عليها دون افتراض وجود هوية شخصية ~~لديه؟ # لقد زعمنا في هذا الفصل أنه رغم تفسير نظرية الاستمرارية النفسية ~~الضعيفة لحالة شيلبي، فإنها تعجز عن تفسير ردود فعلنا البديهية لحالات ~~الانشطار. ودفعنا هذا إلى طرح تفسير هجين للهوية الشخصية ألا وهو ~~نظرية الاستمرارية النفسية الضعيفة مقيدة الفاعل. هل تتطلب حالات ~~الانشطار تفسيرا كهذا حقا؟ ألا يمكننا القول بأنه في عالم ينقسم فيه ~~الناس مثل الأميبا، كان سيتعين علينا تعديل مفهومنا عن ماهية الفرد، ~~وتصورنا عن الهوية الشخصية تعديلا جذريا؟ هل لا بد أن تنطبق ~~مفاهيمنا على كل موقف محتمل منطقيا، وأن تنطبق على نحو مرض ~~لحدسنا؟ # جميع نظريات الهوية الشخصية التي ناقشناها في ms160 هذا الفصل هي نظريات ~~«رباعية الأبعاد» (يطلق عليها في بعض الأحيان «نظريات الامتداد ~~الزمني»). وهي تنظر إلى الهوية عبر الزمن باعتبارها علاقة بين أجزاء ~~زمنية (مراحل الفرد). يوجد تفسير آخر للهوية ينافس هذا التفسير، ~~ويعرف باسم «الديمومة اللحظية». من منظور الديمومة اللحظية، الأفراد ~~(والأشياء عموما) ليست حاصل مجموعة من الأجزاء الزمنية، بل هم أفراد ~~ثلاثيو الأبعاد، حاضرون حضورا كاملا في كل لحظة من لحظات وجودهم. هل ~~بوسع نظرية الديمومة اللحظية تقديم تفسير أفضل لحالات شيلبي من تفسير ~~النظرية الرباعية الأبعاد؟ # | هوامش # الفصل التاسع # | مشهد الرعب: «ألعاب مسلية» # مقدمة # يدفع الناس في بعض الأحيان أموالا لا بأس ~~بها من أجل الجلوس في قاعة سينما مظلمة (أو في حجرتهم مع إطفاء الأنوار) كي يعيشوا ~~تجربة مرعبة ومخيفة بمشاهدة مجازر وحشية تجمد الدماء في عروقهم. ما الذي يدفع ~~أي شخص للقيام بذلك؟ لماذا يشاهد الناس أفلام الرعب؟ ما الفائدة التي سيجنونها من ~~مشاهدة تلك الأفلام؟ مثل أنواع سينمائية أخرى فإن حدود نوع الرعب غائمة المعالم، ~~وقواعده وأعرافه دائمة التغير. رغم ذلك، ينقسم هذا النوع السينمائي إلى فئتين: ~~الرعب الخارق للطبيعة والرعب الواقعي. # 1 # يتضمن الرعب الخارق مخلوقات تخرج عن التصنيفات الرئيسية أو القوانين ~~الطبيعة؛ مثل الأشباح أو الموتى الأحياء أو الكائنات الهجينة # 2 ~~(التي تجمع بين سمات الإنسان والحيوان). أما الرعب الواقعي فلا يتضمن ~~أيا من الخروقات السابقة، ويركز عوضا عن ذلك على الأهوال التي تتسبب فيها وسائل ~~طبيعية. # 3 # الشيء الذي يجمع أفلام الرعب في مجموعة واحدة هو تركيزها على استثارة ~~الرعب في المقام الأول كرد فعل من المشاهدين. # 4 # فلا تستثير أفلام الرعب استجابات الرعب من المشاهدين بطرق عرضية بل ~~تتفنن في استثارتها. # تتنوع استجابات الرعب تنوعا كبيرا في طبيعتها، لكنها تشمل نوعين بارزين من ~~المشاعر السلبية؛ ألا وهي التقزز (أو الاشمئزاز) والخوف. على سبيل المثال مشاهدة ~~شخص يجاهد للخروج من حفرة مليئة بإبر الحقن يستدعي خوفا مفهوما من الجروح والألم، ~~لكنه يستدعى كذلك نوعا خاصا من الرعب يتعلق باختراق الجسد. ms161 # 5 # يستثير هذا المشهد لدينا حالة من التقزز والاشمئزاز، ويجمد الدماء في ~~عروقنا على نحو يفوق عادة ما يحدث عند مشاهدة فيلم يصور شخصا تكال له اللكمات. ~~إذا كنا بالغي الحساسية (أو لم نكن منعدمي الحساسية تماما) وشاهدنا مشهد الإبر ~~بالكامل وبتركيز، فسنرغب في محو تجربة مشاهدة المشهد من عقولنا بأسرع ما يمكن. ~~الرعب إذن ينطوي على طريقة خاصة جدا لتجربة مشاعر الخوف، طريقة «تجمد الدم في ~~عروقنا». تصنف مشاعر الخوف والتقزز كمشاعر سلبية لأنهما في المعتاد مشاعر كريهة ~~حقا، وغالبا ما تستثير سلوك التجنب. إذن هدف أفلام الرعب هو توليد نوع خاص من رد ~~الفعل الشعوري السلبي لمشهد سمعي بصري. # لماذا تعتبر أفلام الرعب نوعا سينمائيا ناجحا ومعمرا إلى هذا الحد؟ قد تكون ~~الإجابة الجلية التالية عن هذا السؤال هي الأفضل، وهي الإجابة التي سنتبناها على ~~مدار المناقشة اللاحقة: يشاهد الناس أفلام الرعب (بأعداد كبيرة) لأنهم يستمدون ~~قدرا كبيرا من المتعة منها. إذا كان ذلك صحيحا، فما «نوع» المتعة التي ~~يستمدونها؟ ما نوع المتعة الذي يمكن التحصل عليه من أمر يستثير مشاعر سلبية بقوة، ~~وبحدة استثنائية كما رأينا؟ هذا هو اللغز الذي يشار إليه في بعض الأحيان بالمصطلح ~~الرنان «مفارقة الرعب». # 6 # لكنه ليس مفارقة، ولا يوجد ما يشكل تناقضا أو تعارضا جوهريا فيما ~~يتعلق بفكرة استمتاع المرء أحيانا بتجربة المشاعر السلبية؛ فالمشاعر السلبية ليست ~~«بالضرورة» غير ممتعة. الأكثر دقة أن نقول إنها «عادة» ما تكون غير ~~ممتعة. # 7 # ورغم ذلك لا نزال نواجه لغزا هنا. ما الذي يجعل التقزز والخوف الذي ~~تولده عادة أفلام الرعب مصدرا يعتمد عليه في المتعة؟ أي نوع من المتعة؟ تلك هي ~~أسئلتنا المحورية، وسوف ننقحها ونحن نواصل مناقشتنا. وبما أن مجال الرعب واسع جدا ~~ومعقد، فسوف نحصر اهتمامنا على أفلام الرعب الواقعي. الرعب الواقعي عنيف حتما - لا ~~يمكن لوم الأشباح على مطاردتها للأحياء، ومصاصو الدماء قد لا يريدون سوى إشباع ~~جوعهم بالدم، لكن القتلة المتسلسلين يتخذون من القتل مهنة - ما يثير مسألة الموقف ms162 ~~الأخلاقي لهذا النوع. ومع أن هذا ليس محور اهتمامنا الرئيسي في هذا الفصل إلا أننا ~~سنفحص بإيجاز النقد الأخلاقي للرعب الواقعي. # تميل المشاهد التي يهدد فيها البطل - والتي تلعب على احتمالية الانتهاك ~~الجسدي أو العقلي - إلى توليد رد فعل الرعب الكلاسيكي؛ وهو الفزع. الخوف هو المكون ~~السائد في الفزع، أو يبدو كذلك، لكن التقزز أيضا جزء لا يتجزأ منه. قارن أفلام ~~الرعب بأفلام الإثارة، وستجد أن أفلام الإثارة تلعب على الخوف من أن حدثا سيئا - ~~حتى وإن كان سيئا إلى حد كارثي - قد يحدث. وهي غالبا ما تصور تحقق تلك ~~المخاوف، وتفعل ذلك في بعض الأحيان بطريقة تثير خوفا حقيقيا لدى الجمهور. ورغم ~~ذلك، فنادرا ما تعتبر أفلام الإثارة أفلام رعب؛ ويرجع ذلك إلى أن الخوف الذي ~~تثيره أفلام الإثارة ليس هو النوع المطلوب من الخوف؛ فخوف أفلام الرعب يتجاوز مجرد ~~الخوف من حدوث أمر في غاية السوء، إنه الخوف من أذى بشع وصادم حقا، من أن ~~تمزق أوصالك بينما لا تزال واعيا، من أن تطاردك (حتى الجنون) أشباح خارقة ~~مهددة، وغير ذلك مما تصوره أفلام الرعب. # 8 # عادة ما تحقق تلك الأفلام تأثيرها عبر استثارة الفزع لا الخوف البسيط، ~~وقد تحقق هذا التأثير بطرق أقل مباشرة إلى حد ما. # يعتمد نوع مهم من أفلام الرعب على الرعب النفسي بدلا من عرض صور الأذى الجسدي ~~المنفر. فتجسيد القسوة الوحشية أو خطر وقوعها - وهو أسلوب يلعب على الإذلال ~~المستمر واحتمالية الانتهاك الحاضرة دوما - يثير أعصاب المشاهدين ومشاعر الكرب ~~لديهم، ويرسل القشعريرة في أجسادهم، أو يجمد الدم في العروق كما نقول أحيانا. ~~الأفلام التي تركز على توليد رد الفعل العاطفي هذا تدعى في بعض الأحيان «أفلام ~~القشعريرة»، والفيلم الذي نناقشه هنا ينتمي لهذا النوع، وهو «ألعاب مسلية» (فاني ~~جيميز) للمخرج النمساوي مايكل هانيكه، وتوجد نسختان متشابهتان على نحو وثيق منه: ~~نسخة نمساوية أنتجت عام 1997 (باللغة الألمانية)، ونسخة أمريكية أنتجت عام 2007 ~~(باللغة الإنجليزية). وباستثناء اللغة المستخدمة والممثلين، فإن نسخة عام 2007 ms163 هي ~~إعادة إنتاج لنسخة عام 1997 بالمشاهد نفسها دون تغيير؛ ومن ثم فإن ما سنقوله عن ~~«ألعاب مسلية» يغطي النسختين، على الرغم من أن توقيتات المشاهد التي سنتحدث عنها ~~تشير إلى نسخة عام 2007. (يختلف الفيلمان اختلافا هامشيا في هذا السياق.) في ~~القسم الأخير من هذا الفصل، سوف نجيب عن السؤال حول السبب الذي دفع هانيكه إلى ~~إعادة إنتاج الفيلم باللغة الإنجليزية، وحول هدفه من صنع الفيلم من الأساس. # متع الرعب الفني # الرعب الفني هو رعب ينتجه الفن مثل الأدب أو المسرح أو السينما أو الموسيقى أو ~~الرسم وغير ذلك من الفنون المرئية. نحن بالطبع نهتم بتجربة الرعب الفني في السينما ~~وتفسير جاذبيته، ونظرا لعجزنا عن تغطية جميع الاستراتيجيات التفسيرية الممكنة في ~~هذا المجال، أو إيفاء أي منها حقها، فإننا سنستعرض عوضا عن ذلك ثلاث استراتيجيات ~~تفسيرية: التفسير الفيسيولوجي، والتفسير التحليلي النفسي، والتفسير المعرفي الذي ~~يطرحه نويل كارول. فلنتناول أولا السمة الفيسيولوجية في استجابة الرعب. عندما ~~تعترينا استجابة الرعب في السينما نشعر بدفقة من الأدرينالين في عروقنا. ولإفراز ~~الأدرينالين تأثيرات فيسيولوجية معينة؛ مثل زيادة معدل ضربات القلب، وتمدد الممرات ~~الهوائية، وإطلاق الجهاز العصبي السمبتاوي لرد فعل الكر أو الفر، وغير ذلك. ويحفز ~~إفراز الأدرينالين المفرط نوبة ذعر، لكن استجابة الرعب الفني تتضمن على ما يبدو ~~مستويات معتدلة فحسب من إفراز الأدرينالين، ويبدو أن كثيرا من الناس يستمتعون ~~بنتائج ذلك. وقد لا يرجع هذا إلى تأثيرات الأدرينالين في حد ذاتها، بل إلى إفراز ~~متزامن للأندروفين، وهو نوع من الناقلات العصبية أفيونية المفعول. ربما يكون إفراز ~~الأندروفين هو سبب استجابات المتعة المعتادة عند التعرض للرعب الفني، لكن ذلك مجرد ~~تكهن. (نحن لا نهتم ها هنا بالتفاصيل الفيسيولوجية.) ما بوسعنا التأكد منه هو أن ~~تجربة الرعب الفني تختلف عن تجربة الرعب الفعلي في كل من تكوينها وتأثيراتها. ~~الرعب الفعلي غالبا ما يكون موهنا للعزيمة ومفجعا ومحدثا صدمات، وقد يتسبب ~~أحيانا في أعراض خطيرة طويلة الأمد. على العكس من ذلك، عندما ينجح الرعب الفني ~~بوصفه ms164 مصدرا للمتعة، فإنه لا يتضمن أيا من تلك التأثيرات السلبية. وإدراك ~~المشاهدين في خلفية عقولهم أن ما يشهدونه غير حقيقي وانفصالهم عنه يغيران على ما ~~يبدو من الاستجابة الفيسيولوجية لتجربة الرعب الفني، ويمنعان الاستجابات السلبية ~~بالغة الخطورة حياله. ما يبقى على ما يبدو هو الرحلة المخيفة والصادمة التي في وسع ~~المرء الاستمتاع بها فعليا. # إلى أي مدى يبدو هذا التفسير الفيسيولوجي جيدا؟ إنه يصلح لتفسير ردود فعل الخوف. ~~يستمد «مدمنو الأدرينالين»، كما يطلق عليهم في بعض الأحيان، متعة جلية من توليد ~~استجابة خائفة في أنفسهم. يحقق هواة القفز من المرتفعات هذه الاستجابة عبر القفز من ~~أعلى أسطح المباني أو الجسور، ويحققه هواة القفز بالمظلات عبر القفز من الطائرات، ~~ويحققه المتزلجون على المنحدرات الثلجية عبر محاولة تفادي المتزلجين الآخرين، إلى ~~آخره. لا دور تقريبا للمكون المعرفي في خبرة الباحث عن الإثارة في أي من هذه ~~الأنشطة؛ فالقفز من المرتفعات على سبيل المثال لا يتمحور حول السقوط بطريقة معينة ~~ممتعة، بل هو مجرد أداة أو وسيلة تطلق دفقة الأدرينالين. # 9 # إذا كان هذا صحيحا، فإن السعي خلف الإثارة طريقة فقيرة معرفيا ~~لتوليد استجابة الخوف. وعلى العكس من ذلك، الرعب الفني هو طريقة ثرية معرفيا ~~لتوليد استجابة الخوف، وكما أشرنا في الجزء السابق، الرعب الفني يتضمن ما هو أكثر ~~بكثير من الخوف. فنحن نذهب إلى فيلم رعب عادة كي نشعر بالخوف دون شك، لكننا نذهب ~~كي نشعر بالخوف بطريقة معينة. (ألعاب محاكاة القفز من الطائرة أو التزلج على ~~المنحدرات الثلجية قد تكون مخيفة لكنها ليست مروعة.) إننا نذهب كي نخضع للترويع. ~~يتضمن ذلك مزيجا من التقزز والخوف، وكلاهما يضربان بجذورهما معرفيا وعاطفيا في ~~تكويننا النفسي أو كبتنا النفسي. قد لا يكون الأساس الفيسيولوجي للمتعة الناتجة عن ~~استجابات الخوف الاصطناعية غامضا تماما (مع أن ذلك لا يعني أننا نملك تفسيرا ~~متكاملا له)، إلا أن المتع الناتجة عن استجابة التقزز أصعب في فهمها، حال كونها ~~موجودة من الأساس. (من المستبعد مثلا أن يؤدي التقزز إلى ms165 إفراز ~~الأندروفينات.) # رغم ذلك، فنحن لم نتناول بعد سوى جزء يسير من هذه المسألة. فتجارب الرعب الفني ~~«تتضمن» مشاعر الخوف والتقزز لكنها لا «تتألف» من تلك المشاعر. (إليك مزيجا غير ~~مرعب من الخوف والتقزز: تخيل أنك على وشك السقوط من أعلى جرف، وبينما تتشبث ~~مستميتا بالحافة تنظر إلى يسارك لترى جثة طائر متعفنة. قد تشعر في هذه الحالة ~~بالخوف والتقزز، لكنك لست في فيلم رعب.) تجارب الرعب محددة وثرية من الناحية ~~المعرفية. فنحن نعتبر مشهدا ما مرعبا أو مروعا لأننا نفهم شيئا خاصا عنه؛ ~~نظرا لأن محتواه يصدمنا أو يزعجنا على نحو خاص؛ فالاضطرار إلى الهرب من شاحنة ~~تنطلق بسرعة البرق أمر مخيف، لكنه ليس مرعبا. والاضطرار إلى الهرب من شاحنة سائقها ~~مصمم على دهسك أمر يثير خوفا أكبر، لكنه ليس بالضرورة مرعبا بدرجة بالغة. أما ~~الاضطرار إلى الهرب من شاحنة مصممة على دهسك بينما لا يقودها أحد، فذلك أمر يثير ~~بعض الرعب على الأقل. # 10 # إذن ما الذي يجعل بعض الأشياء تصنف على أنها صالحة لبث الانزعاج في ~~الجماهير وترويعهم؟ ولماذا نستمتع أحيانا بأن نشعر بالانزعاج بهذه الطريقة؟ # التفسيرات التحليلية النفسية للرعب تربط بين الإجابات المقدمة لهذين السؤالين. ~~حسب تلك التفسيرات نحن نستمتع بالشعور بالانزعاج لأن مشهد الرعب يعني شيئا بالنسبة ~~لنا، على الأقل على مستوى غير واع أو ضمني، ونحن نستجيب له وفقا لمعناه. بعبارة ~~أخرى، غامضة بعض الشيء ولا ترضينا بعد، يتفاعل معنى المشهد بشكل ما مع كبتنا ~~لرغباتنا. وهو ما يحدث عبر عدد لا حصر له من الطرق. تتعدد التفسيرات التحليلية ~~النفسية لجاذبية الرعب وتتنوع، وهي عادة ما تختلف من فيلم لآخر ومن مشاهد لآخر. ~~رغم ذلك، فالشكل الأبرز من التفسيرات التحليلية النفسية يربط متعة الشعور بالرعب ~~بما يطلق عليه «صعود المكبوت». وفقا لنظرية التحليل النفسي، يكبت الأفراد رغبات ~~(ذات طبيعة منحرفة غالبا لكن ليس دائما) ويستمدون نوعا من المتعة عندما تشبع ~~الرغبات المكبوتة في الخيال. وكما في حالة العصاب الحاد، فإن الإشباع الخيالي لرغبة ~~مكبوتة ms166 هو إشباع «تعويضي»، فهو بديل لشيء لم يحدث قط، لكن المرء، على مستوى ما ~~وبطريقة ما، تمنى لو أنه كان قد حدث. نحن نستمتع بتحقيق رغباتنا المكبوتة أو ~~بمشاهدة آخرين وهم يشبعون رغباتنا المكبوتة نيابة عنا، ما دمنا قد تجنبنا عبء ~~الإقرار بأن ذلك هو ما نفعله. يتضح هنا تحديدا التأثير الفعال للرعب الفني. يصف ~~نويل كارول (1990: 170) هذه العملية فيما يلي (وهو مجرد وصف؛ كما سنرى بعد قليل ~~يطرح كارول تفسيره الخاص البعيد عن التحليل النفسي لجاذبية الرعب): # وفقا للتفسيرات التحليلية النفسية التقليدية، # 11 # فإن الكوابيس وشخصيات الكوابيس مثل مصاصي الدماء؛ أي المحتوى ~~الرئيسي لقصص الرعب، لها جاذبية لأنها تبرز الرغبات لا سيما الرغبات ~~الجنسية. إلا أن هذه الرغبات تكون محرمة أو مكبوتة ولا يمكن الاعتراف ~~بوجودها صراحة، وهنا يأتي دور الصور المروعة المقززة؛ فهي تخفي أو تضع ~~قناعا فوق الرغبة التي لا يمكن الاعتراف بها؛ إنها تلعب دورا تمويهيا؛ ~~ومن ثم لا تستطيع الرقابة الداخلية لدى الحالم لومه على هذه الصور لأنها ~~تزعجه؛ فهو يرى أنها مخيفة ومقززة؛ ومن ثم لا يمكن اعتباره مستمتعا بها ~~(على الرغم من أنه يستمتع بها بالفعل، بقدر ما تعبر عن رغبات نفسية ~~جنسية عميقة، وإن كان لا يظهر ذلك). # الفكرة هنا أن مشاعر الفزع والخوف والتقزز لدى الجمهور تسمح لهم بالانغماس في ~~الإشباع غير المباشر للرغبات المكبوتة دون أن يضطروا إلى الاعتراف لأنفسهم بطبيعة ~~ما يفعلونه (فلسان حالهم هو «بالطبع لا أستمتع مطلقا بهذا الفيلم، إنه بشع»). ~~ولتحقيق هذا، نحتاج إلى طريقة للالتفاف على من يطلق عليه كارول «الرقيب الداخلي». ~~وهو تعبير بسيط إلى حد ما، يشير إلى عمليات كثيرة ومختلفة تحدث داخل الدماغ بينما ~~يرفض الرغبات والأمنيات المحتملة ويتنصل منها؛ عمليات لا يمكن لنا الاطلاع عليها في ~~أغلب الأحيان. (عادة ما يطلق على هذه العملية «الكبت»، لكننا سنلتزم بالصيغة ~~الأكثر وضوحا هنا.) إن عملية رفض الرغبات والأمنيات المحتملة والتنصل منها هي في ~~الغالب عملية صحية؛ سبيل لحماية صورتنا الذاتية ورضائنا عن أنفسنا، ms167 وربما أيضا ~~وسيلة لتأسيس هوية أخلاقية قوية. # 12 # لا تمثل الرغبات غير الواعية على وجه العموم رغباتنا الأعمق والأصدق ~~(مع أنها رغبات حقيقية)، فهي ليست الرغبات الأعمق ل «لذاتنا الحقيقية». ورفض هذه ~~الأمنيات والتنصل منها ليس (أو ليس دوما) طريقة نكذب بها على أنفسنا حول «ما نريده ~~حقا». حسب إحدى رؤى التحليل النفسي لهويتنا كأفراد، نحن ورغباتنا اللاواعية لسنا ~~الشيء ذاته، بل نحن ناتج معقد لعقلنا الواعي (بقيمه والتزاماته وقوة إرادته وبصيرته ~~وتعاطفه مع الآخرين وذكائه ... إلخ) إلى جانب سبل غير واعية نعجز عن الاطلاع عليها ~~للتعامل مع مصادر المتعة والرغبة والفعل. # يفرط كارول نسبيا في تبسيط التفسيرات التحليلية النفسية للسبل التي لا بد من ~~خلالها استمالة «الرقيب الداخلي» كي نستطيع نحن الاستمتاع بمشهد الرعب. لا بد من ~~توفر بضعة أشياء كي نتمكن من التغلب على ميلنا للرفض التلقائي لظهور الأمنيات ~~المنبوذة لا شعوريا (دون أن نلاحظ حتى أن هذا هو ما نفعله). إن إشباع الرغبات ~~المنبوذة لا بد أن يكون مستترا بطريقة ما. من المفيد أن يكون لدينا القدرة على ~~القول لأنفسنا إن صور الرعب تزعجنا، وإننا لسنا مسئولين عنها، وإننا نجدها مثيرة ~~للاشمئزاز وكريهة (وهو ما نفعله حتما)؛ فذلك يتيح لنا التمتع بالمشهد تحت ستار ~~الاعتقاد بأننا لا نستمتع حقا بمشهد الرعب في حد ذاته على الإطلاق. (ولسان حالنا ~~هو «أنا أستمتع بشعور الذعر القوي في تلك الأفلام لكنى لا أستمتع بالمشاهد البشعة» ~~أو «أنا أستمتع بشعور الذعر القوي في الأفلام، لكن الأجزاء البشعة عادة ما تكون ~~سخيفة وغريبة إلى حد مثير للضحك» ... إلخ.) من المفيد أن يكون لدينا القدرة على ~~إخبار أنفسنا أننا نلهو فحسب، وأننا نشاهد الفيلم لا لهدف سوى تجربة مشاعر الذعر ~~القوية أو لأن القصة تجتذبنا، وأن مشاهدة فيلم رعب بين الحين والآخر هو جزء طبيعي ~~من حياتنا المعاصرة. إن الطريقة المثلى لفهم استراتيجيات تمويه إشباع الرغبات ~~المكبوتة هي رؤية ما يحدث عند إبطال مفعولها. وسنزعم فيما يلي أن ذلك هو ما يحدث ~~تحديدا ms168 في «ألعاب مسلية». # ثمة زعمان يكمنان في قلب التفسيرات التحليلية النفسية للمتع الناتجة عن مشاهدة ~~الرعب: (1) وجود الرغبات المنحرفة (وهي ليست بالضرورة رغبات الفرد بكامل أجزائه، ~~وبالتأكيد لا يرجح كونها كذلك) و(2) وجود آليات للرفض والتنصل لا نعي وجودها ~~غالبا، لكن في وسعنا الالتفاف حولها رغم ذلك. تعرض أفلام الرعب إشباع الرغبات ~~المنحرفة بطرق تلتف حول آليات الرفض والتنصل؛ ومن ثم تصبح - عبر تجسيد إشباع تلك ~~الرغبات المنحرفة - مصدرا للمتعة لدى جمهورها. هذا الإشباع غير المباشر للرغبات ~~المكبوتة هو مصدر المتعة، شريطة أن يتم ذلك وفقا للشروط الصحيحة. وفي نظر الكثير ~~من الناس، وفي كثير من المناسبات، تفي أفلام الرعب بهذه الشروط؛ ومن ثم تهتم ~~التفسيرات التحليلية النفسية للرعب بالرغبات المنحرفة بأشكالها المتنوعة، وتتناول ~~بعين الفحص التلصصية والفتيشية والماسوشية والسادية؛ بهدف تصنيف العوامل التي تقدم ~~لنا المتعة في الرعب الفني، رغما عن أنفسنا في أغلب الأحيان. وحقيقة أننا أحيانا ~~نحمل ميولا سادية (كالانتقام مثلا) تحظى بإشباع مؤقت على الشاشة لا ينبغي أن ~~تفاجئنا. # إلى أي مدى يبدو هذا المنهج واعدا؟ زعم النقاد أن النظرية التحليلية النفسية ~~للسينما قائمة على افتراضات نفسية غير عملية وغير منطقية وبالغة الاختزال. # 13 # رغم ذلك، فإن الإطار الأساسي الذي وصفناه - ألا وهو وجود رغبات منحرفة ~~وآليات رفض وتنصل غير معترف بها في الأغلب ولا يمكننا الاطلاع عليها - هو إطار ~~تفسيري عام للغاية، ويتوافق مع قدر لا بأس به من علم النفس المعاصر (تتفرع من هذا ~~الإطار العام نظريات أخرى ذات طبيعة تكهنية أكثر، وتعاني من مشكلة إيجاد أساس ~~تجريبي معقول يدعمها). قد يكون الكثير من تفاصيل نظرية التحليل النفسي ذا طبيعة ~~تكهنية للغاية ومن الصعب تبريرها على السياق التجريبي، لكن الأطروحات الأساسية التي ~~قدمها منظرو التحليل من دارسي أفلام الرعب مقبولة مبدئيا. شيء ما في مشهد الرعب ~~يمنح مشاهدة متعة؛ لا يرجع هذا كليا إلى تدفق عرضي للأدرينالين، بل يبدو بالفعل ~~أن له صلة بمعنى الصورة وعلاقة المشاهد بها، وذلك المعنى نفسه المكون الرئيسي ~~للرغبات ms169 المنحرفة. # يشجب بعض نقاد منهج التحليل النفسي اعتماده على فكرة «الوحش الذي داخلنا». وهو ما ~~يعبر عنه تيودور (1997: 445) فيما يلي: # يكمن خلف التفسيرات التحليلية النفسية للرعب الفني اعتقاد بأن البشر ~~«فاسدون في قلوبهم»، سواء بطبيعتهم أو نتيجة تنشئتهم، وبأن الرعب يتلاءم مع ~~هذه السمة من الطبيعة البشرية. ويعمل هذا النوع الفني عمل القناة التي ~~تطلق الوحشية الكامنة داخل مستخدميها. إذا كان النموذج التفسيري قائما ~~على فكرة التطهير، فتعتبر هذه العملية حينئذ نافعة؛ أي بمثابة صمام أمان. ~~وإذا كان قائما على الإفصاح والشرعنة، فينظر إلى النوع الفني في هذه ~~الحالة على أنه يشجع المستهلكين في ممارسة سلوكهم المروع الخاص بهم. وفي ~~كلتا الحالتين، تنبع جاذبية الرعب من مخاطبته للوحش المستتر داخل الإنسان ~~المتحضر ظاهريا. # لكن التفسيرات التحليلية النفسية لا تبرر في الواقع جاذبية ~~الرعب من منظور «الوحش الذي بداخلنا». فنظرية التحليل النفسي لا تفترض أن البشر ~~فاسدون حتى النخاع، ولا تحتاج إلى مثل تلك الرؤية كي تزعم أن «الرعب يخاطب الرغبات ~~المكبوتة العميقة الجذور والواضحة من منظور التحليل النفسي» وأن هذا النوع الفني ~~يعمل عمل قناة تختص ببعض أنواع التفريغ العاطفي. إذا كان الكبت يتناقض مع آداب ~~السلوك فسنصبح جميعا مخلين بالآداب. لكن النظرية التحليلية النفسية تجاهد ~~لتوضيح توافق الكبت والأنشطة العصابية الناتجة عنه إلى حد كبير مع مفهوم ~~«الطبيعية» وآداب السلوك الأخلاقية. لا يوجد «وحش بداخلنا» لأن الرغبات المكبوتة ~~ليست رغبات كاملة التطور لدى الفرد، بل هي مصادر للمتعة أو للإحباط داخله، لكن تلك ~~مسألة أخرى مختلفة تماما. # يزعم تيودور أن التفسير التحليلي النفسي بالغ الاختزال، ويعرض إلى حد كبير ~~حلا واحدا لجميع المواقف. إذا كان من المفترض أن الجميع لديهم «وحش بداخلهم»، ~~فإن التفسيرات التي تبرر حب الناس للرعب من منظور «الوحش داخلنا» تخفق في توضيح ~~لماذا يحب «بعض» الناس أفلام الرعب ولا يحبها غيرهم (1997: 445). ويشير - ومعه في ~~ذلك حق - إلى أن عوامل أخرى لا بد من توظيفها لتفسير هذا التنويع. لكن من يفسرون ~~جاذبية الرعب حسب نظريات التحليلية ms170 النفسية، مثل صعود الميول الماسوشية أو السادية ~~أو المكبوتة، لا ينكرون هذا. # 14 # ما يجعل أفرادا بعينهم يحبون الرعب ويجعل آخرين لا يحبونه يعتمد على ~~التطور النفسي للفرد، وهو تطور يعتمد على تنشئته وطبيعته كذلك. # ما البدائل المتوفرة لمنهج يعتمد اعتمادا واسعا على التحليل النفسي لتفسير ~~الرعب؟ المنهج التفسيري البديل الأبرز يطلق عليه «المنهج المعرفي». ويطرح كارول ~~نموذجا مهما للتفسير المعرفي، فبينما توجه التفسيرات التحليلية النفسية انتباهنا ~~نحو الإشباع غير المباشر للرغبات المنحرفة، يوجه كارول انتباهنا نحو الهيكل السردي ~~لأفلام الرعب؛ # 15 # فهو يرى أن الجمهور لا يستمتع فعليا بمناظر الرعب، بل يستمتع بالقصة، ~~ويتحمل تلك المناظر؛ لأنها الثمن الذي لا بد له من دفعه كي يثار فضوله، ويعذب ~~حتى يلقى الإشباع بطريقة خاصة جدا. فيما يلي يعرض كارول رؤيته (1990: 184): # تستند قصص الرعب على الكشف عن كائنات مستحيلة مجهولة ولا سبيل إلى ~~معرفتها، كائنات غير معقولة ولا يمكن تصديقها، وغالبا ما تتخذ شكل سرد ~~يعتمد على الاكتشاف والأدلة؛ فالأشياء المجهولة مثل الوحوش هي بلا شك ~~موضوعات تتطلب إثباتا بطبيعة الحال. عندما نطبق تلك الملاحظات على مفارقة ~~الرعب، نجدها تشير إلى أن المتعة المستمدة من قصص الرعب ومنبع اهتمامنا ~~بها يكمن، أولا وأخيرا، في عمليات الاكتشاف والإثبات والتأكيد التي ~~غالبا ما تتضمنها قصص الرعب ... وقد يرى التقزز الذي يبديه المشاهدون بوضوح ~~جزءا من الثمن الذي لا بد من دفعه لقاء متعة الكشف. بعبارة أخرى، التوقع ~~السردي الذي يتبناه نوع الرعب هو أن الكائن الذي يتناول الفيلم مسألة وجوده ~~سيتضح كونه شيئا يتحدى التصنيفات الثقافية القائمة؛ ومن ثم يصبح التقزز ~~ذاته - إذا جاز التعبير - أمرا يفرضه بشكل أو بآخر نوع الفضول الذي ~~يستخدمه سرد الرعب. # من السهل ملاحظة تأثير الفضول في أفلام الرعب الخارق. تتحدى الوحوش الخارقة ~~التصنيفات على نحو واضح وصريح؛ فهي تتطلب تفسيرا وهي غامضة على نحو يشبه كثيرا ما ~~وصفه كارول. لا نعني بهذا أن كارول قد أصاب في فهمه للرعب الخارق. إلا أن اهتمامنا ~~في هذا الفصل يتمحور ms171 حول الرعب الواقعي. فكيف تفسر نظرية كارول المتع المستمدة من ~~الرعب الواقعي؟ الوحشية في هذا النوع هي وحشية نفسية، والتصنيفات التي تتعرض للخرق ~~هي تصنيفات أخلاقية. # 16 # ووحوش الواقع ليست كائنات مستحيلة مثلها مثل المذءوبين مثلا (بما ~~يتمتعون به من إمكانية تبديل أشكالهم، وغير ذلك من القدرات). مع ذلك، فالوحوش ~~الواقعية هي كائنات نتمنى لو أنها كانت مستحيلة، وننجر بسهولة إلى الاعتقاد في ~~وحشيتها وبشاعتها. إنها وحوش أخلاقية، تجسيدات للشر المتطرف، تتخذ اضطراباتها ~~النفسية شكلا وحشيا فائقا، وهي عادة ما تتمتع بقوة كبيرة # 17 # تنبع في المقام الأول من وحشيتها الأخلاقية. إن كائنا قادرا على فعل ~~أي شيء دون أن يطرف له جفن، وعازما على تدمير الآخرين وانتهاكهم وإذلالاهم، هو ~~كائن ذو قوة تنبع جزئيا من وحشيته الأخلاقية. بوجه عام، الوحوش الواقعية تختلف عن ~~الشخصيات الشريرة العادية في الأفلام؛ فالشخصيات الشريرة تدفع السرد قدما بما ~~ترتكبه من شرور، أو على الأقل عبر نواياها وخططها الجائرة، ورغم ذلك لا يواجه ~~المشاهدون صعوبة كبيرة في تفسير دوافعها وفهم وجهة نظرها. على الصعيد الآخر، الوحوش ~~الواقعية غالبا ما تكون غريبة حقا عن المشاهدين؛ قد نبحث عن دوافعها وعن وجهة ~~نظر ثابتة متماسكة لديها يمكن لنا فهمها، لكننا نخفق غالبا في إيجاد أي من ذلك؛ ~~ما يشكل في حد ذاته سببا للارتياع والاضطراب. # 18 # الوحوش الواقعية على ما يبدو (وليس فعليا) مزيج مستحيل مما هو بشري ~~وما هو وحشي، وربما ينبع الافتتان بها من التوتر الذي يولده هذا ~~التهجين. # 19 # تستغل أفلام الرعب الواقعي إمكانية استخدام السرد لدى وحوش الجرائم الأخلاقية ~~البشعة بطرق متنوعة. رغم ذلك، لا تتبع تلك الأفلام عادة الشكل الذي يحدده كارول؛ ~~أي السرد القائم على «الاكتشاف والإثبات والتأكيد». تستخدم الوحوش الواقعية في ~~المقام الأول لتقديم فرص هائلة للتهديد، ونادرا ما يكرس الاهتمام السردي إلى ~~الكشف عن غموضها. والتكرار الذي نجده في سلاسل أفلام «سلاشر» (أفلام يطارد فيها ~~قاتل مضطرب عقليا ضحاياه، ويقتلهم بآلات حادة كالسكين) مثل «يوم الجمعة الموافق ~~13» (فرايداي ms172 ذا ثرتينث) و«هالوين» و«الصرخة» (سكريم) و«أعرف ما فعلته الصيف ~~الماضي» (آي نو وات يو ديد لاست سامر) وغيرها، يقوض على ما يبدو أي جاذبية سردية ~~لديها (سواء كان ذلك التكرار بين أجزاء الفيلم أو في الفيلم الواحد، والذي غالبا ~~ما يعج بجثث المراهقين القتلى). لم يذهب الجمهور لمشاهدة فيلم «الجمعة الموافق ~~13، الجزء الثامن: جاسون يسيطر على مانهاتن» (1989) لأنهم يعتقدون أن القصة قد تتخذ ~~منحى جديدا مثيرا للاهتمام. (حسنا، لم يذهب جمهور كبير على الإطلاق لمشاهدة هذا ~~الفيلم، لكن نسخة الفيديو منه كان لها جمهور.) تزعم فرضية كارول حول الرعب أن متع ~~مشاهدة الرعب هي في الأصل متع سردية. قد يبدو إذن أن الرعب الواقعي يجسد مثالا ~~مناقضا لهذه الفرضية، أو على الأقل يقيدها. رغم ذلك لا ينبغي لنا التسرع في نبذ ~~فرضية كارول. فربما لا تتمركز مشاهدة الرعب الواقعي حول الكشف عن غرابة الوحش ~~الواقعي، لكن غرابة الوحش ربما كانت مصدر المتع السردية المستمدة من هذا النوع ~~الفني. تميل أفلام الرعب الواقعية عادة إلى التكرار، وغالبا ما تتضمن موضوعات ~~مكررة، لكن ربما يجيز المشاهدون ذلك، بل وقد يستمتعون به أيضا؛ لأن الوحوش تجذبهم. ~~بوجه عام، تلك الوحوش ليست لغزا يتطلب حلا، لكن وحشيتها هي سر فتنتها. تخيل ~~نسخة من أحد أفلام سلاشر خالية تماما من الغموض، تصور شريرا يقتل مجموعة من ~~الأفراد واحدا تلو الآخر بمنهجية، ووفقا لدافع واضح ومفهوم؛ قد يتضمن هذا الفيلم ~~كثيرا من عوامل الرعب، لكننا لن نشعر يقينا بأنه فيلم رعب، بل سنشعر بأنه فيلم ~~تشويق. # 20 # وهكذا تتوقف قدرة الفيلم على الاحتفاظ بالتشويق السردي - قدرته على ~~الاحتفاظ بالمشاهدين حتى نهاية الفيلم - على عمق شخصياته، والكاريزما التي يتمتع ~~بها الأبطال، إلى جانب ما تشتمل عليه عناصر السرد المعتادة من إبداع (مثل الخطر ~~والخطة والعقبة والحل). تتمتع أفلام الرعب بقدرة غريبة على الاحتفاظ باهتمام ~~المشاهد، سواء كان الاهتمام السردي أو نوعا ~~آخر من الاهتمام، في غيبة أي من تلك العناصر في الأساس. (وهي كثيرا ما تقدم ~~أبطالا ms173 لا يتمتعون بكاريزما وشخصيات مبتذلة وحبكات عقيمة.) واللغز ها هنا بالطبع ~~يتعلق بكيفية تحقيقها ذلك. # 21 # أحد الحلول المحتملة لهذا اللغز، بجانب ما يطرحه كارول، هو أن الوحوش ~~تفتننا، وذلك يكفي للحفاظ على الاهتمام السردي وإعطائنا سببا لاحتمال المشاعر ~~السلبية التي تبرز تلقائيا مع عرض صور الوحشية. # والآن أصبح لدينا تفسيران محتملان لما تتمتع به أفلام الرعب من جاذبية غامضة (إذا ~~نحينا التفسير الفيسيولوجي جانبا). # 22 # أولا: لدينا التفسيرات التحليلية النفسية التي تزعم أن متع مشاهدة ~~أفلام الرعب تنبع من تجسيد الرغبات المنحرفة بينما يجري إشباعها. ونحن نستمد المتعة ~~من عناصر الرعب في أفلام الرعب نظرا لتفاعل المشاهد المرعبة على الشاشة مع كبتنا ~~لرغباتنا. نحن لا ننتشي كالمختلين عقليا عند مشاهدة تلك الشرور المجسدة، بل نجد ~~أنفسنا في وضع المستمتع بمنظر إشباع الرغبات المنحرفة. ثانيا: لدينا التفسير ~~المعرفي الذي يطرحه كارول، والذي يدفع بأن المتع المستمدة من مشاهدة أفلام الرعب هي ~~في المقام الأول متع سردية. وهي متع معرفية في الأساس؛ فنحن ننجذب إلى القصص لأنها ~~تسحرنا، لا لأنها تتفاعل مع رغباتنا (الخفية أحيانا). نحن نستمتع بالقصص على ~~الرغم من عدم منطقيتها عموما، وعلى الرغم من التقزز الذي تثيره في نفوسنا؛ لأنها ~~تتمحور حول مخلوق صمم ببراعة كي يثير انتباها ينبع من فضول، ويحافظ عليه. نحن ~~نستمتع بقصص الوحوش بسبب غموضها، والوحوش الواقعية غامضة من زاوية في غاية الأهمية ~~في أعيننا؛ وهي وحشيتها وبشاعتها من المنظور الأخلاقي. إن غرابتها تشعرنا ~~بالاضطراب لكنها تسحرنا على حد سواء. # أي من هذين التفسيرين هو التفسير الأفضل لمشاهدة الرعب الواقعي؟ بما أنه من ~~الصعب إنكار وجود متع سردية في أفلام الرعب، فهي أفلام روائية في النهاية، يميل ~~الجدل حول هذه القضية إلى التركيز حول مسألة ما إذا كانت توجد حاجة على الإطلاق إلى ~~التفسير التحليلي النفسي. لا حاجة بمنظري التحليل النفسي إلى إنكار احتمالية كون ~~متع المشاهدة هي بقدر ما متع سردية موجهة معرفيا، بل هم ينكرون ببساطة كون ~~هذه الاستراتيجية التفسيرية كافية: عندما ms174 تستنزف المتع السردية، يظل شيء ما يجذبنا ~~على نحو منحرف نحو تجربة الرعب، وذلك أمر يطرح التحليل النفسي التفسير الأفضل ~~له. على صعيد آخر، يرغب المنظرون المعرفيون في استبعاد التفسير التحليلي النفسي ~~كليا. # 23 # سوف نستخدم فيلم «ألعاب مسلية» لمحاولة تحديد مدى معقولية هذا الزعم ~~المعرفي الرافض للتفسيرات التحليلية النفسية. ~~«ألعاب مسلية» جدا # أول ما يجدر الإشارة إليه فيما يتعلق ب «ألعاب مسلية» هو كونه فيلما لا يتضمن ~~الكثير من التسلية. ومن واقع خبرتنا، نادرا ما يستمتع المشاهدون بالفيلم، قد ~~يجدونه مشوقا، لكنهم عادة ما يرونه غير ممتع على الإطلاق. بل إن البعض قد يغادر ~~قاعة العرض قبل انتهائه. وكان الكثيرون سيحذون حذوهم لولا رغبتهم في الظهور بمظهر ~~من يهتم بالفيلم اهتماما جديا. إنه فيلم رعب واقعي تعمد مخرجه تجريده بدقة ~~من جميع المتع التقليدية التي تميز مشاهدة الرعب الفني؛ ما يجعله دراسة حالة مشوقة ~~لتطبيق النظريات المتنافسة حول متع مشاهدة الرعب الفني. # يروي الفيلم قصة اقتحام منزل عائلة ثرية (تتكون من أم وأب وابنهما) وقتلها بينما ~~تقضي إجازة نهاية الأسبوع في بيتها الريفي. لا يحاول الفيلم إثارة استجابة الخوف ~~لدى الجمهور إلا في حالات قليلة نسبيا. (وباستثناء فاصل قصير عندما يهرب الابن ~~الصبي إلى بيت الجيران، لا يتضمن الفيلم أي مشاهد لشخصيات تختبئ داخل الدواليب أو ~~تنسل بحذر عبر أروقة مظلمة.) رغم ذلك يحافظ بنجاح على مشاعر التوتر لدى مشاهديه ~~عبر عوامل عدة، من بينها سلوك غريب من زائرين يبدون على قدر التهذيب، ولا تنفك ~~تتزايد غرابة ذلك السلوك حتى ينفجر سلوكهم العنيف؛ ألعاب تعذيب لا تطاق، تؤدى ~~أمام كاميرا تعرض تفاصليها بقسوة لا ترحم؛ فرص الهرب تظهر وتتبدد بينما تؤجل جرائم ~~القتل الموعودة على نحو لا يطاق. يستثير الفيلم باستمرار استجابة الرعب، لكنه لا ~~يحقق ذلك عبر أي تجسيد وحشي لمذابح دموية، بل تنبع استجابة الرعب من الفزع الناتج ~~عن البلطجة والترهيب والإذلال، عن تهديدات القتل التي يعبر عنها ببساطة ومرح، وعن ~~جرائم القتل نفسها التي نسمعها ولا ms175 نراها. ربما كانت الصورة الأكثر ترويعا في ~~الفيلم هي التي تجسد لعبة القطة في الحقيبة، حيث نرى رأس الصبي جورج مغطى بكيس ~~الوسادة (الدقيقة 44). (ذلك كل ما في الأمر، لكنه كاف ويبرز دقة صورة الرعب في ~~أعمال هانيكه.) على مدار الفيلم نشاهد، في ذعر لا ينفك يتزايد، أفراد العائلة ~~بينما يتعرضون للترهيب والإذلال والتعذيب في إطار «الألعاب المسلية»، ثم ~~يذبحون. # يقتل الصبي أولا، بعيدا عن الكاميرا، ونشهد نحن صدمة والديه بتفصيل موجع، ~~يجسدها الفيلم تجسيدا مكثفا لا يكاد يحتمل، بينما يعرض جهاز التليفزيون شيئا ~~في خلفية المشهد. إنه يعرض سباق سيارات بضوضائه المتواصلة وتعليقه الممل (الدقائق ~~من 3 حتى 12 من الساعة الثانية). يجسد المشهد كله الأم (آنا، آن) بينما تجلس ~~مصدومة مقيدة اليدين والقدمين. لقد غادر القتلة (مؤقتا)، تجلس آن في سكون تام، ثم ~~تتمكن من الوقوف والقفز بصعوبة حتى تصل إلى التليفزيون وتغلقه، ثم تجاهد حتى تخرج ~~من الغرفة، وتعود بعدما تخلصت من قيودها، وتساعد الأب على النهوض ثم مغادرة الغرفة. ~~يستمر المشهد نحو تسع دقائق، وهي مدة طويلة إلى حد استثنائي بالنظر إلى الفعل ~~الذي يصوره. وقد صور بكاميرا ثابتة، وتظهر الغرفة في لقطة متوسطة، ولا يتضمن أي ~~مونتاج، تدور الكاميرا قليلا مرة واحدة فحسب، فيما عدا ذلك تظل ثابتة لا ~~تتزحزح. # القاتلان الشابان، وهما وحشان واقعيان من الطراز الأول، مخلوقان يثيران الاهتمام؛ ~~فهما مهذبان، يجيدان التحدث، وعادة ما يتحدثان بهدوء. أحدهما يدعى بول، وهو وسيم ~~وفائق الذكاء، بينما يتظاهر الآخر - المدعو بيتر - بالغباء. إنهما مزيج يصعب وجوده ~~من الشباب حسني التربية والبلطجية والجلادين الساديين والقتلة الساعين وراء ~~الإثارة. في مشهد محوري (الدقائق من 37 حتى 39 من الساعة الأولى)، يسخر بول من فكرة ~~وجود أي تفسير لسلوكهما المضطرب نفسيا. ويذكر عابثا مجموعة متنوعة من التفسيرات ~~الملفقة؛ مثل عيش طفولة معذبة بسبب طلاق الأبوين، أو الترعرع في منزل فاسد، أو ~~إدمان المخدرات. القاتلان هما كما يبدو: قاسيان على نحو يتعذر تفسيره، يستمتعان ~~بما يمارسانه من ترهيب، وبالألعاب ms176 التي يمارسانها، دون أدنى تردد. إنهما يستمتعان ~~على ما يبدو بالترهيب أكثر من استمتاعهما بالقتل؛ إذ يرتكبان جريمة القتل الأخيرة ~~(الدقيقة 40 من الساعة الثانية) على نحو روتيني للغاية دون اكتراث تقريبا. # وفي مقابل الألعاب المسلية التي يمارسها القاتلان يلعب المخرج، مايكل هانيكه، ~~بدوره ألعابا مع المشاهدين. ثمة نوعان من الألعاب؛ هما التلاعب المثير للأعصاب ~~بالتوقعات المرتبطة بهذا النوع السينمائي، إلى جانب إشعار المشاهدين بالتواطؤ مع ~~الأحداث. فلنتأمل الأساليب التي يوظفها الفيلم لتحدي التوقعات المرتبطة بنوع الرعب ~~السينمائي؛ أولا: الأحداث التوضيحية المحورية لا تصورها الكاميرا، أو تصورها على ~~نحو روتيني. فجرائم القتل كلها - باستثناء الأخيرة - تحدث خارج الكادر، والجريمة ~~الأخيرة، إغراق آنا في الخليج، تؤدى على نحو يجردها تماما من أي أهمية، فهي ~~ليست سوى نهاية اللعبة، لا الهدف منها (الدقيقة ~~40 من الساعة الثانية). ثانيا: لا يوجد ~~ناجون في الفيلم، فلا ينجو في نهايته فتاة أو رجل أو امرأة أو صبي. (في عام 1997 ~~جسدت هذه التقنية تحديا لقواعد هذا النوع السينمائي أكثر مما أصبحت عليه بعد عشر ~~سنوات.) ثالثا: صورت الأحداث بأسلوب متقشف وصارم، «الأسلوب الفني الأوروبي»، لا ~~يمت بصلة لأسلوب الرعب المعتاد. يتضمن هذا الأسلوب عندما يستخدمه هانيكه غيابا ~~تاما للموسيقى التصويرية (باستثناء الدوي الصاخب لأغنية جون زورن «الأحمق ~~والمدمر» المصاحبة لتترات بداية الفيلم ونهايته). هذا بالإضافة إلى توظيف للقطات ~~الطويلة جدا، معظمها لقطات متوسطة، وتقليل المونتاج إلى الحد الأدنى مع تحرك ~~محدود جدا للكاميرا. توظف معظم أفلام الرعب آليات أكثر تعقيدا بكثير من المونتاج ~~وحركة الكاميرا، تميل تأثيراتها إلى إغواء الجمهور نحو الاستسلام لتجربة مشاهدة ~~مريحة. لكن الأسلوب المتقشف الذي يفضله هانيكه يميل إلى توليد مشاهدة أكثر قابلية ~~للتأمل عبر منح المشاهدين فيضا من الفرص داخل المشاهد لملاحظة رد فعلهم على ~~الأحداث وتأمله؛ ومن ثم لا ينسى المتفرج نفسه بينما يشاهد فيلما صور بهذا ~~الأسلوب، وذلك - إلى حد كبير - جزء من استراتيجية هانيكه الفنية. # تتجلى استراتيجية هانيكه في المشهد الذروي بالقرب من نهاية الفيلم، والذي ~~يجسد ms177 أسلوبا رابعا يستخدمه لنبذ الأعراف السائدة فيما يتعلق بالرعب. فيتخلى ~~الفيلم عن نهجه الواقعي كليا في هذا المشهد. في الدقيقة 35 من الساعة الثانية ~~تتمكن آنا من الاستحواذ على بندقية الرش وإطلاق النار على بيتر، ونرى جسده يطير إلى ~~الخلف مصطدما بالحائط، ويسقط غارقا في دمائه. يندفع بول إثر ذلك في ذعر بحثا عن ~~جهاز التحكم في التليفزيون عن بعد، ويضغط على زر الإرجاع، فنرى أحداث الفيلم ذاته ~~ترجع إلى الخلف أمام أعيننا حتى تتوقف عند مشهد يسبق إطلاق النار مباشرة، وعند تلك ~~اللحظة يضغط بول على زر التشغيل وتستأنف الأحداث. وعندما تحاول آنا انتزاع ~~البندقية تجهض محاولتها بسهولة (فبول يعرف ما سيحدث). ما مغزى هذا المشهد؟ يحاول ~~هانيكه إثارة سخط مشاهدي الفيلم (في حال تبقى أحد منهم) عبر الإثبات بطرق لا تقبل ~~الشك أن الأحداث - بما تتضمنه من ألعاب سادية وإذلال وقتل - قد أعدت سينمائيا من ~~أجل ما تبعث عليه من متعة وتسلية. # الهدف هنا هو تفتيح أعين المشاهدين على حقيقة أنهم يشاهدون عرضا شائها مقززا ~~للعنف لا لغرض سوى التسلية، وأنهم متواطئون فيما يعرض على الشاشة من عنف لأنه قد ~~صور لأجلهم. إن الفيلم هو اتهام موجه للجمهور (سوف نتناول هذه الفكرة الرئيسية في ~~الجزء التالي). ويشدد الفيلم على تواطئنا كجمهور من خلال النوع الآخر من الألعاب ~~التي يمارسها هانيكه معنا؛ إذ يخرق قالب الدراما الواقعية عبر جعل بول يخاطب ~~الكاميرا في أجزاء متعددة. في الدقيقة 29 يوجه بول آنا نحو اكتشاف جثة كلب العائلة، ~~رولفي، الذي قتله بيتر. يلعب بيتر مع آنا لعبة الأطفال «العثور على الغرض المخبأ»، ~~وفي اللحظة التي تصبح فيها «على وشك إيجاده» يلتفت بول ناحية الكاميرا ويغمز ~~بعينيه. في البداية يساورنا الشك فيما رأيناه، لكنه يبدو وكأنه يغمز لنا، إذن نحن ~~مشاركون في اللعبة. في الدقيقة 40، يخاطب بول الكاميرا مباشرة. لقد عقد لتوه ~~رهنا (من جانب واحد) مع العائلة؛ هو يراهن على أنهم سيغادرون الحياة قبل حلول ~~الساعة التاسعة من صباح اليوم التالي، ms178 وعليهم المراهنة على أنهم سينجون. في هذه ~~اللحظة يلتفت إلى الكاميرا قائلا: «ما رأيكم؟ أتظنون أن أمامهم فرصة؟ أنتم ~~تدعمونهم، أليس كذلك؟ على من تراهنون؟» (الدقيقة 40) # وبالقرب من نهاية الفيلم، ينزع بول الكمامة من فم آنا، مخاطبا الجمهور على نحو ~~غير مباشر: «من الممل أن تعاني وهي بكماء، نحن نرغب في تسلية جمهورنا، أليس كذلك؟ ~~نريد أن نريهم ما نقدر على فعله» (الدقيقة 28 من الساعة الثانية). # تخرق هذه النماذج من مخاطبة الكاميرا ما يطلق عليه عادة «الحائط الرابع»؛ إذ ~~تعامل المشاهدين كما لو كانوا حاضرين داخل الأحداث، لا مختبئين في أمان داخل قاعة ~~السينما المظلمة. وهي تدمر الراحة التلصصية للمشاهدة السينمائية عبر جعلنا واعين ~~بما نمارسه من تلصص شبقي. يستخدم هانيكه هذه التقنية استخداما فعالا لأنه ~~استخدام محدود؛ إذ يقتصر استخدامها على أربعة مواقف فحسب، إذا احتسبنا الاستخدام ~~غير المباشر في الدقيقة 28 من الساعة الثانية. الاستخدام المفرط لهذه التقنية كان ~~سيجعل الجمهور يفصلون بين تجربة مشاهدة «ألعاب مسلية» وتجربة مشاهدة الرعب ~~الواقعي عموما. وفي تلك الحالة من المرجح أن يستقبل الجمهور الفيلم باعتباره ~~فيلما فنيا غريبا لا يكاد يمت لتجربة المشاهدة السينمائية المعتادة بصلة. ~~من المهم ملاحظة أن فيلم هانيكه، على الرغم من كل ما يشتمل عليه من خروقات لقواعد ~~الرعب الواقعي المتفق عليها، فإنه ينتمي بجدارة إلى نوع الرعب الواقعي بما أنه يروع ~~جمهوره بهدف تشجيعهم على تأمل الرعب الواقعي كنوع فني. وهي مهمة ينجح في تحقيقها ~~دون شك. إنه يعتبر درسا لا يضاهى في الحفاظ على توتر المشاهدين واستحضار استجابة ~~رعب تجمد الدماء في عروقهم. # هل سينجح أي مما عرضناه من نظريات متنافسة حول متع الرعب الفني في تفسير نموذج ~~«ألعاب مسلية»؟ سوف نطرح فيما يلي افتراضين حول الاستجابة المعتادة التي قد يبديها ~~الجمهور حيال الفيلم. أولا الفيلم مثير، ويحافظ على تشويقه السردي على الأقل حتى ~~مشهد إرجاع الأحداث قرب نهايته (وهي المرحلة التي تدمر فيها القصة عمدا). قد ~~يغادر الناس قاعة السينما قبل هذا المشهد، ms179 لأسباب لا ترجع على الأرجح إلى مللهم ~~منه. ثانيا مشاهدة الفيلم تجربة كريهة حقا على الأقل منذ الدقيقة 44 فصاعدا ~~(أي بدءا من مشهد لعبة القطة في الحقيبة). وحتى من منظور هواة أفلام الرعب ~~المخضرمين، من الصعب الشعور بأي متعة حقيقية من مشاهدة الفيلم عقب هذه المرحلة، ~~رغما عن كونه مثيرا إلى أقصى حد، بطريقته البغيضة المنفرة. إذا كان هذان ~~الافتراضان صحيحين، فنظرية كارول السردية، بما أضفنا عليها من تطورات، تواجه مشكلة ~~حقيقية. فها نحن نواجه فيلما يشتمل على جميع المكونات السردية اللازمة لصنع فيلم ~~رعب واقعي من الطراز الأول؛ إذ يحوي وحوشا واقعية تعكس مزيجا مشوقا ومحيرا من ~~الطبائع الإنسانية والحيوانية، وراويا متمكنا يقينا من الحفاظ على تشويق الفيلم؛ ~~أي الحاجة القوية لمعرفة ما سيحدث بعد ذلك. يحقق الفيلم نجاحا استثنائيا على ~~المستوى السردي طوال مدته تقريبا، لكنه يخفق في توليد المتع المتوقعة من مشاهدة ~~الرعب الفني. بل يخرب تلك المتع. والاستنتاج الجلي الذي نستخلصه من هذا النموذج ~~هو أن المتع الأساسية للرعب الفني لا تكمن في الواقع في التلقي المعرفي ~~للسرد. # ماذا فعل الفيلم إذن كي يحرم جمهوره من متع الرعب الفني؟ ربما يمدنا الإطار ~~التحليلي النفسي بإجابة عن ذلك. تذكر أنه وفقا لهذا الإطار يتطلب صعود المكبوت ~~إلى السطح نمطا من المشاهدة يخفي الطبيعة الحقيقية لتجارب الإشباع المنحرفة التي ~~يخوضها المشاهدون؛ ومن ثم يسمح لهم باكتساب المتعة من تلك التجارب. لكن «ألعاب ~~مسلية» يحرم مشاهديه من سبل التمتع بمشاهدة الرعب. ويحقق هذا عبر طريقتين أساسيتين. ~~أولا يجعل الفيلم المشاهدين، في عدة نقاط محورية، واعين وعيا ذاتيا بما ~~يمارسونه من مشاهدة متلصصة شبقة. ويعامل الجمهور كما لو كان جزءا من الأحداث، ومن ~~خلال ذلك يمحو إحساس الراحة الناتج عن نسيان المشاهد لنفسه في خضم سلسلة من ~~التجسيدات المصورة التي «تحيط» به. يجبر الفيلم المشاهدين على الإحساس بأنهم ~~متواطئون فيما يحدث لأنه يوضح لهم بما لا يدع مجالا للشك أن تلك الأحداث قد رتبت ~~من أجل إمتاعهم. ثانيا: يحرمهم ms180 من جميع المتع المرتبطة بهذا النوع الفني عبر عرض ~~عواقب العنف عرضا دقيقا وقويا وباردا. ويجسد المشهد التالي لحادث قتل ~~الصبي، الذي ناقشناه بالأعلى، أوضح نموذج على ذلك (الدقائق من 3 إلى 12 في الساعة ~~الثانية). أي فيلم رعب عادي كان سينتقل سريعا إلى الأحداث التالية بعد تصوير جريمة ~~كتلك. لكن هانيكه يجعلنا نشاهد رد فعل الأبوين المصدومين لمدة طويلة إلى حد مروع. ~~والمشهد نفسه واقعي لدرجة لا تطاق؛ ومن ثم، يتسبب قتل الطفل في كسر الميثاق ~~الخفي لحالات الموت في أفلام الرعب، والذي ينص على أنها ليست أحداثا مفجعة، بل ~~أحداثا في عالم خيالي، عالم يسمح للخيالات فيه بأن تتحقق دون تدخل الواقع. يلجأ ~~هانيكه كذلك إلى طرق أخرى لحرمان جمهوره من متع هذا النوع السينمائي. فسلبية ~~العائلة - لا سيما الأب الكسيح، جورج، الذي كسر القتلة ساقه - تحرم الجمهور من فرصة ~~التوحد معهم بقوة؛ ومن ثم يصبح من الصعب عليهم الحفاظ على إحساس التوحد الماسوشي، ~~وهو أحد أكثر مصادر المتعة التي يعول عليها في مجال مشاهدة الرعب. لكن سلبية ~~العائلة لا تعبر عن أي نوع من أنواع التواطؤ مع الاعتداء الواقع عليها؛ فأفرادها ~~يتعرضون عراة للتعذيب، ويحرمون من الموارد التي تمكنهم من المشاركة الحقيقية في ~~الألعاب، ما يصعب على الجمهور أن يستمتعوا بإظهار البراعة السادية لدى القتلة. ~~فلتقارن على سبيل المثال «ألعاب مسلية» بسلسلة أفلام «الأحجية» (سو). على مدار ~~سلسلة الأفلام تلك، نجد ضحايا التعذيب ضالعين في تعديات أخلاقية، تكون خطيرة حقا ~~في بعض الأحيان، ما يجيز لنا نوعا ما من الاستمتاع بالمشاهد السادية التي تصور ~~عذابهم. (بالطبع قد يكون ذلك هو سر النجاح التجاري الملحوظ لأفلام «الأحجية»، على ~~الرغم من انخفاض جودتها عموما.) # إذا كان تحليلنا صائبا، فسنجد أن منهجا يعتمد على التحليل النفسي لمتع الرعب ~~الفني لديه ما يلزم من موارد لتفسير ظاهرة مثل «ألعاب مسلية»، وهي موارد لا يتمتع ~~بها المنهج المعرفي. بالطبع، في وسع المنهج المعرفي تفسير جزء ما من رد فعلنا على ~~الفيلم، ألا ms181 وهو قدرة الفيلم على جذبنا وأسر اهتمامنا. لكن إذا كانت متع الرعب ~~الفني هي متع سردية بالكامل، فلماذا لا تؤدي جاذبية الفيلم إلى متعة؟ فرغم كل شيء، ~~فيلم هانيكه أكثر جذبا بكثير على المستوى المعرفي مقارنة بالسياق المعتاد لأفلام ~~الرعب الواقعي. لماذا لم يحقق فيلم هانيكه متعة تفوق متعة عروض الرعب الواقعية ~~المعتادة، لماذا كان أقل إمتاعا؟ قد يجادل أتباع المنهج المعرفي زاعمين أن متع ~~الفيلم السردية غطى عليها ببساطة العرض السادي الذي يقدمه الفيلم. وقد يصرون على أن ~~في وسع المرء إيجاد متعة في سرد رعب واقعي، لكن تلك المتعة لا بد أن تتنافس مع ~~الاستياء الناتج عن مشاهدة مشاهد مخيفة ومقززة. في حالة «ألعاب مسلية»، فرصة المتعة ~~السردية في منافسة الاستياء الناتج عن عرض هانيكه القاسي بلا هوادة للممارسات ~~السادية شبه منعدمة. لكن السادية التي يعرضها هانيكه معتدلة جدا مقارنة بأفلام ~~أخرى كثيرة من نفس الجنس، مثل فيلم «نزل» (هوستيل) (2006) و«نزل الجزء الثاني» ~~(هوستيل بارت تو) (2007). وهي أفلام تتخصص (بنجاح غالبا) في توليد المتعة من مادة ~~سردية أقل إثارة للاهتمام بكثير مع استحضار أقوى كثيرا لرد فعل الرعب لدى ~~الجمهور. # ربما يرد أتباع المنهج المعرفي على حجتنا بطريقة أخرى؛ ربما يزعمون أن متع ~~الرعب السردية تتطلب أحيانا أن «نأذن لأنفسنا» بالاستمتاع بالسرد، وعملية منح ~~أنفسنا الإذن تشبه كثيرا عملية إخفاء إشباع الرغبة المنحرفة. فنحن نستطيع ~~الاستمتاع بفيلم مثل «صمت الحملان» (سايلانس أوف ذا لامز) (1991) لأن في حوزتنا ~~قصة ملفقة نجيب بها عن التساؤل حول السبب الذي يجعل مشاهدة ذلك العرض المقزز أمرا ~~مقبولا؛ إذ سنزعم عندئذ أن قصة الفيلم عظيمة (رائعة ومرعبة على حد سواء) وأن ~~شخصية هانيبال ليكتر شخصية ذات سحر لا ينتهي. إلا أن فيلم هانيكه لا يمكن الاستمتاع ~~به بهذه الطريقة، رغم ما يتسم به من تشويق؛ لأنه يحرمنا من إعطاء «الإذن» لأنفسنا ~~بالاستمتاع بالقصة. فهانيكه يجعلنا نشعر بالتفاهة وبالعار من مشاهدتنا؛ ومن ثم ~~نعجز عن استخلاص متعة سردية من فيلم تحت هذه الظروف. ربما ms182 كان هذا هو السبب. لكن ~~نوع المتعة السردية التي يعبر عنها كارول، المتعة المستمدة من إثارة فضولنا، لا ~~يبدو أنها متعة آثمة تتطلب تبريرا معقدا. إذا كنا نرى الشابين المتوحشين في ~~الفيلم مثيرين للاهتمام، وإذا كان هذا، وسيظل دوما، هو المصدر الوحيد للمتعة ~~أثناء مشاهدة الفيلم، فلماذا إذن نشعر بالتفاهة والعار؟ يوجه هانيكه انتباهنا إلى ~~ما يراه تواطؤا منا في العنف المصور، لكن لماذا ينبغي لنا الشعور بالذنب حيال ذلك ~~إذا كان كل ما نفعله هو اكتساب متعة معرفية من القصة؟ إن تواطؤنا، إن وجد، ليس ~~تواطؤا في إنتاج العنف في حد ذاته، لكنه تواطؤ في إنتاج تجسيدات العنف. (نحن لم ~~نضبط متلبسين ونحن نسترق النظر عبر ثقب الباب لمشاهدة أناس حقيقيين يعذبون، بل ~~كنا نشاهد فيلما أنتج عبر إنشاء ديكورات وبمشاركة ممثلين وفريق عمل وفريق لإعداد ~~الطعام ومدرب خاص للطفل في الفيلم.) ربما ينجح النقد الأخلاقي الذي يقدمه هانيكه ~~وربما لا؛ لكنه إذا اعتبر نهجا يهدف لحرمان الجمهور من المتعة السردية الخاصة، ~~فمن المستبعد أن يحقق نجاحا كبيرا. إذا كانت القصة التي يقدمها هانيكه مثيرة ~~للاهتمام، فسوف تثير اهتمام الجمهور. كيف يصبح اعتبارنا إياها مثيرة للاهتمام أمرا ~~يتطلب تعطيل «رقيب داخلي»؟ إذا كان هذا هو كل ما يدفعنا لمشاهدة الفيلم، فيمكننا ~~بسهولة الرد على نقد هانيكه الضمني له قائلين: إذا كان السيد هانيكه يريد أن يتوقف ~~الناس عن الاهتمام بتجسيدات العنف، فعليه إذن أن يتوقف عن صنع أفلام مثيرة ~~للاهتمام، أو التوقف عن صنع أفلام عنيفة. لكن هانيكه حقق نتيجة مهمة بلا شك. إن ~~الشيء الذي نملك مبررا قويا حقا لإنكاره فيما يتعلق بخوضنا تجربة الرعب الفني ~~هو مدى استمتاعنا بمشهد الرعب في حد ذاته. وما قام به هانيكه من استئصال جراحي ~~للمتع المرتبطة بهذا النوع الفني والتي تمكن هذا النوع من الاستمتاع من المفترض ~~ألا يحدث تأثيرا يذكر في المتع السردية كما يفهمها كارول. لكنه أحدث تأثيرا. ~~إن «ألعاب مسلية» يقدم ما هو أكثر من مجرد عرض قاس ms183 لا يتوانى لسلوك سادي، بل يحرم ~~مشاهديه على نحو منهجي من سبل التمتع بمشهد الرعب. # النقد الأخلاقي الذي يطرحه هانيكه # نختتم هذا الفصل بمناقشة موجزة (بالغة الإيجاز في الواقع) حول الموقف الأخلاقي ~~للرعب الواقعي. وهو نوع فني لطالما جذب قدرا كبيرا من النقد العدائي. إن هدف ~~هانيكه من صنع «ألعاب مسلية» هو تقديم نقد أخلاقي للرعب الواقعي، وبشكل أعم لظاهرة ~~العنف بهدف التسلية. وهو نوع من العنف يحيط بنا في كل مكان، لكنه يبلغ ذروته في ~~أفلام الرعب الواقعي. # 24 # يشرح هانيكه رؤيته في الفقرة التالية، متحدثا عن المشاهد التي يتحدث ~~فيها بول إلى الكاميرا: # يتواصل القاتل مع المشاهد، ما يعني أنه يجعله شريكا في الجريمة. ومن ~~خلال جعل المشاهد شريكا للمجرم، يمكنني في النهاية توبيخه على موقفه ~~هذا. إنه موقف ساخر بعض الشيء، لكني أردت أن أبين كيف يصبح المرء دوما ~~شريكا للقاتل إذا شاهد هذا النوع من الأفلام. لا عند مشاهدته فيلما يخرج ~~عن الإطار السردي التقليدي مثل هذا الفيلم، بل عند مشاهدة الأفلام التي ~~تعرض العنف بطرق مقبولة. نحن دوما نتفق عن أن العنف يحدث، وعلى أنه قابل ~~للاستهلاك، ولا ندرك أننا شركاء في هذا الوضع. ذلك هو ما رغبت في ~~توضيحه. # 25 # يوضح هذا الهدف السبب وراء قرار هانيكه بإعادة إنتاج الفيلم في ~~السوق الأمريكية؛ فتلك السوق هي المنتج والمستهلك الأكبر للأفلام الرعب الواقعي في ~~العالم، وبالطبع لأفلام العنف لأجل التسلية. يرى هانيكه أن فيلمه بمثابة تدخل في ~~تلك السوق، وهو سبيل لإبراز تواطؤ المشاهدين إلى نطاق الوعي. وتلك مهمة من ~~المستبعد أن ينجح فيلم ألماني مترجم من عام 1997 في تنفيذها. (ربما يفسر هذا أيضا ~~طريقة الدعاية الغريبة لفيلم عام 2007، التي قدمته كفيلم رعب وتشويق واقعي ~~تقليدي.) # 26 # هل نجح نقد هانيكه وفقا للأسس التي حددها؟ ذلك أمر مشكوك فيه. يفترض هانيكه أن ~~جمهورا يلج دار العرض عن وعي ليتسلى بمشاهدة فيلم يتضمن سيلا من جرائم القتل ~~المصطنعة، يشارك من زاوية ما في عملية الإنتاج ms184 الثقافي للجرائم المصطنعة، فإذا غاب ~~الجمهور تختفي تلك المحاكاة، وتختفي الآلية الثقافية التي تدعمها. لكن في الجزء ~~الذي اقتبسناه من الحوار مع هانيكه، نجده لا يتحدث عن قاتل خيالي أو قتل مصطنع، بل ~~يتحدث عن قاتل وما يمارسه من عنف. هو يستخدم على ما يبدو لغة مراوغة في الحديث عن ~~العنف وعن تمثيل هذا العنف. وربما يرى أن تمثيل العنف هو في حد ذاته نوع من العنف، ~~لكن زعما قويا كهذا يحتاج إلى حجة تدعمه. # إذن ما الذي قد يقصده هانيكه؟ يتخذ النقد الأخلاقي للعنف الهادف للتسلية صورتين ~~مختلفتين. الأولى تقدم نقدا يستند على العواقب العملية لمشاهدة العنف الهادف ~~للتسلية. ربما تنتج الثقافات التي تتبنى العنف من أجل التسلية مزيدا من العنف عبر ~~ما تخلقه من نماذج ومعايير سلوكية عنيفة، وعبر إضعاف رد فعل الصدمة لدى الناس حيال ~~هذا النوع من السلوك. هذا أمر وارد. من الصعب الإتيان بدليل على هذا. النوع الثاني ~~من النقد الأخلاقي يحتج على ثقافات العنف الهادف إلى التسلية بناء على اعتقاد بأن ~~تجسيد أحداث مروعة، لا لغرض سوى التسلية، يتعرض لها أفراد - وإن كانوا من وحي ~~الخيال - هو أمر خاطئ في حد ذاته. إنه أشبه بخطاب كراهية موجه إلى البشرية، وهو ~~مسئول عن نوع من التسطيح لردود أفعالنا الأخلاقية تجاه الآخرين، حتى وإن لم تزد ~~مستويات العنف في حد ذاته. # 27 # حسب المنظور التحليلي النفسي لجاذبية الرعب الفني، فإن كلا نوعي النقد ~~الأخلاقي هذا عرضة للمبالغة على الأرجح. لن تصبح تجربة الرعب الفني خطيرة ~~أخلاقيا إلا إذا قوضت تلك العمليات النفسية الكبتية التي تتيح العلاقات المهذبة ~~بين البشر. ووفقا لنظرية التحليل النفسي، تلك العمليات قوية ومتماسكة؛ ما يجعل من ~~احتمال زعزعة قيمنا الأخلاقية إثر التعرض للرعب الفني احتمالا بعيدا. رغم ذلك، ~~إذا تجنبنا المبالغة في التعبير عن خطر تلك الأفلام، يوجد جانب مقبض وغير صحي في ~~السادية المتزايدة التي تشكل أساس الكثير من أفلام الرعب الواقعي الحديثة. الأفلام ~~التي غالبا ما يستشهد بها في هذا ms185 السياق هي ما يطلق عليه أفلام التعذيب الدموي ~~مثل «نزل» (هوستيل) (2006) و«نزل الجزء الثاني» (هوستيل بارت تو) (2007)، ~~وسلسلة أفلام «الأحجية» (وهي سبعة أفلام، من عام 2004 حتى 2010، أحدها بتقنية ~~المشاهدة ثلاثية الأبعاد)، و«منبوذو الشيطان» (ذا ديفيلز ريجيكتس) (2005)، و«وولف ~~كريك» (2005)، بل وحتى «آلام المسيح» (باشون أوف ذا كرايست) (2004). # 28 # يوجد احتمال آخر أيضا؛ دافعت سينثيا فريلاند (1995) عن (بعض) أفلام ~~الرعب الواقعي على اعتبار أنها تحفز، عبر مبالغاتها السخيفة، اهتماما تأمليا ~~بتأثيرات مشاهد العنف على حيواتنا الأخلاقية. يمثل فيلم «ألعاب مسلية»، بصرف النظر ~~عن أي جوانب أخرى به، مثالا لتلك الأفلام. # أسئلة # هل فيلم «ألعاب مسلية» فيلم رعب؟ # هل الرعب مزيج من الخوف والتقزز؟ هل من الممكن أن تتألف استجابة ~~الرعب كليا من الخوف؟ هل يوجد عنصر معرفي لا غنى عنه في تجربة ~~الرعب؟ (هل لا بد أن يصدق المرء شيئا ما حول موضوعات التجربة التي ~~يمر بها كي يشعر بالرعب؟ ما هو هذا الشيء؟) # ما السمات التي تجعل الفيلم على درجة عالية من الغرابة؟ هل من الممكن ~~أن تكون أفلام الرعب الواقعية غريبة، أم هل يقتصر هذا على الرعب الخارق ~~للطبيعة؟ # في هذا الفصل، زعمنا أن المشاعر السلبية ليست كريهة بالضرورة، بل هي ~~كريهة عادة أو في الأحوال الطبيعية. هل هذا صحيح؟ عندما تتعرض لصدمة ~~في دار العرض، هل تستمتع بالصدمة نفسها أم بالآثار التالية لها مباشرة؟ ~~هل من الممكن أن تمنح المشاعر السلبية متعة من خلال تأثيراتها أو ~~عواقبها لا من خلال ذاتها؟ ما هي تأثيراتها وعواقبها؟ # كيف يفسر المنظرون من أتباع المنهج التحليلي النفسي العملية التي ~~من خلالها نسمح لأنفسنا بتلقي المتعة من الإشباع التلصصي الشبق للرغبات ~~المكبوتة؟ ينبذ الفرد الرغبات المكبوتة ويتنصل منها؛ كيف تقدم تلك ~~الرغبات في السينما في شكل لا يلقى رفضا أو إنكارا؟ # لقد زعمنا في هذا الفصل أن التفسيرات التحليلية النفسية للرعب لا ~~تفترض مسبقا مفهوم «الوحش الذي بداخلنا». لكن أليس ذلك تحديدا ما ~~تفترضه؟ إذا كنا نكبت الرغبات التي نجدها مرفوضة (لمبررات قوية ms186 حقا)، ~~فلماذا إذن لا نرفض أنفسنا على مستوى أعمق؟ هل ردنا في هذا الفصل، ~~فيما يتعلق بهويتنا وعلاقتها باللاوعي، كاف لتجريد الزعم القائل بأن ~~التحليل النفسي يبرز «الوحش الذي بداخلنا» من فعاليته؟ # هل ينجذب الناس إلى قصص الرعب لا لسبب سوى افتتانهم المعرفي بالوحوش ~~(أو فضولهم حيالها)؟ هل كارول محق في قوله إن متع مشاهدة الرعب هي ~~بالأساس متع سردية؟ أمن الممكن حقا الحفاظ على اتساق هذه الرؤية على ~~الرغم من تفاهة القصص والتكرار الذي نجده في الكثير من أفلام ~~الرعب؟ # أكنا على حق في زعمنا بأن فيلم «ألعاب مسلية» يستأصل جراحيا المتع ~~المعتادة لمشاهدة الرعب؟ قارن فيلم «ألعاب مسلية» بغيره من أفلام الرعب ~~الواقعي. ما سبب كون الأفلام الأخرى أكثر إمتاعا (بالنسبة لهواه الرعب ~~التقليديين) منه؟ # استخدمنا فيلم «ألعاب مسلية» لنقد نظرية كارول حول متع مشاهدة الرعب. ~~زعمنا أن الفيلم يحافظ على المتع السردية حتى النهاية تقريبا، لكن ~~المشاهد لا يستمد في المعتاد متعة سردية من الفيلم. وهو يجسد قصة ~~من المفترض أن نستمتع بها إذا كنا نستمتع بقصص الرعب الواقعي من ~~الأساس، لكننا لا نستمتع. تقدم الرؤى التحليلية النفسية تفسيرا أكثر ~~إقناعا لهذا الوضع مقارنة بتفسير كارول المعرفي. هل تصلح هذه الحجة؟ ~~هل يوجد رد مقنع نسوقه نيابة عن كارول؟ «ألعاب مسلية» ليس سوى فيلم ~~واحد، فلماذا نحمل فيلما واحدا عبء كل هذا الجدل؟ # هل يوجد إثم أخلاقي ما يرتبط بمشاهدة أفلام الرعب؟ (لا يتعرض أحد ~~للإيذاء أو الإذلال حقا في تلك الأفلام، بل هم ممثلون يؤدون أدورا ~~تمثيلية؛ وغالبا ما يستمتع أفراد بصنع تلك الأفلام، ويستمتعون بجني ~~أموال منها.) # | هوامش # الفصل العاشر # | البحث عن معنى في جميع الأماكن ~~الخطأ: «أن تحيا» (إيكيرو) # لا تخط طائعا نحو ذلك الليل الطويل؛ # فحري بالعمر أن يشتعل ويتوهج في آخره. # اغضب، انتفض غضبا في وجه الضوء المحتضر. # ديلان توماس # أخرج أكيرا كوروساوا وشارك في كتابة فيلم «أن تحيا» عام 1952. صور الفيلم بالأبيض ~~والأسود، ويبدو للملاحظ القصي أنه يروي قصة الموظف الحكومي ms187 كانزي واتانابي، الذي ~~يعمل موظفا ورئيس قسم، قضى حياته كلها تقريبا في مكتب تابع للبلدية. في الواقع لا ~~يفعل واتانابي ولا أي من زملائه بالمكتب أي شيء مثمر أو ذي قيمة، فهم يختمون ويعيدون ~~ترتيب الأوراق التي لا هدف لها سوى التنقل من كومة عديمة الجدوى إلى أخرى. # 1 # قد يبدو الموظفون كما لو كانوا ينجزون شيئا بالفعل، لكن يتضح مع أحداث ~~الفيلم أنهم لا يجلسون فحسب بلا عمل، بل إن ذلك هو المطلوب منهم وأنهم على نحو ما ~~واعون بأنهم لا يفعلون شيئا. والمكتب - بما يعج به من أكوام وأكوام من الملفات ~~المكدسة والمربوطة بعناية - هو في حد ذاته واجهة، أشبه بخلفية المسرح، لها جمالها من ~~بعض النواحي. # بعدما يدرك واتانابي أنه مصاب بسرطان لا شفاء منه - وهي حقيقة كذب الأطباء عليه ~~بشأنها - يغرق على الفور في لجة من التعاسة. ويدرك ~~عبر طيات يأسه الجلي أنه يواجه مشكلة تتجاوز موته الوشيك. وطبيعة هذه المشكلة هي ~~موضوع هذا الفصل؛ إنها، بوجه عام، مشكلة إيجاد معنى للحياة. في الفصل الأول، ذكرنا أن ~~الكثير من المشكلات الفلسفية توجد أولا في الحياة الواقعية، يلي ذلك تبني الفلاسفة ~~لها. «أن تحيا» هو نموذج يعرض مشكلة فلسفية ويقدم حلا «على الطبيعة»؛ أي في سياق حياة ~~معينة وما تفرضه على صاحبها من مشكلات جدية. وهو، من نواح عدة، سابق على المعالجات ~~الفلسفية الاحترافية للمشكلة، ويحظى كذلك بتأثير أقوى. # يعلم واتانابي عن مصيره من مريض زميل بالمستشفى، يعلمه كيف يكشف أكاذيب الأطباء. ~~يخبره الأطباء أنه يعاني من قرحة بسيطة بالمعدة، في حين يعاني فعليا من سرطان ~~بالمعدة لا يمكن استئصاله جراحيا. لا يوضح الفيلم ما إذا كان الأطباء يعتقدون حقا، ~~كما يوحي الحوار، أنهم يراعون مصلحته بعدم إخباره؛ ففي النهاية ما فائدة القلق على شيء ~~لا يمكنك فعل أي شيء حياله؟! أم يرغبون ببساطة في تجنب مشقة إخباره. وكما هي الحال مع ~~أفلام كوروساوا يروي الحوار قصة بينما يحكي المشهد قصة أخرى. في هذا المشهد يوضع ~~الحوار ms188 والسرد في مواجهة تكنيك التصوير السينمائي (اللقطات المقربة الطويلة والقاسية) ~~والأداء التمثيلي من أجل تحقيق تأثير خاص (المشهد في الدقيقة 17). يطرح سلوك الأطباء ~~مشكلة الأسلوب الأبوي في التعامل التي تستدعي منا بعض التأمل. في معظم الأماكن اليوم، ~~يحاول العاملون بمجال الطب منع هذا النوع من السلوك الأبوي الذي يظهره أطباء واتانابي. ~~لكن استقلالية الفرد لا تزال تزعزعها الأبوية يوما بعد يوم في كثير من مجالات الحياة، ~~من بينها الطب طبعا، لكن أبرزها هو السياسة. الفعل الأبوي هو الذي يحرم الأفراد من ~~فرصة تقرير مسار عمل خاص بهم، إما عبر حجب معلومات أو إعاقة الوصول إلى الموارد، أو ~~تجريم مسار عمل محتمل. من الصعب، إن لم يكن مستحيلا، معرفة متى يكون السلوك الأبوي من ~~جانب أولئك الذين في موقع سلطة - مثل الأطباء والساسة ورجال الشرطة وغيرهم - مبررا. ~~عادة ما تبرر الأبوية بمزاعم تدعي أن العجز عن تقرير مسار عمل ما أمر في مصلحتنا، أو ~~حول وجود مصلحة كبرى على المحك. يقابل هذه الأبوية من الناحية الأخرى نوع من الطفولية ~~لدى أولئك الذي لا يرغبون في أن يكونوا على علم، أو أمثالهم تقريبا ممن يخدعون أنفسهم ~~بزعم أن من هم في مقاعد السلطة «هم الأكثر دراية» وقادرون على الوصول إلى معلومات تخفى ~~على بقية الناس. تخيل ما كان سيحدث لو أن واتانابي صدق الأطباء، كان سيفقد فرصة ~~إيجاد معنى لحياته في شهورها الأخيرة. # يعيش واتانابي مع ابنه (ميتسو) وزوجة ابنه، أو بالأحرى يعيشون هم معه في منزله. هو ~~غير مرحب به في بيته، ويبدو عاجزا أو عازفا عن إخبارهما بمرضه المميت، يدفعه في ذلك ~~جزئيا عدم اهتمامهما به عموما وتجاهلهما إياه. وعندما يحاول بالفعل إخبارهما، تتدخل ~~الظروف مرارا وتكرارا لمنعه من ذلك. ويظلان على جهل بمرضه وبعلمه أنه مريض حتى بعد ~~موته. من الخارج على الأقل، يبدو أن ميتسو وزوجته مهتمين بميراثهما وبشراء بيت جديد ~~أكثر من اهتمامهما بواتانابي. وعلى الرغم من برود الابن وانعزاله وعزوفه عن إبداء أي حب ~~أو احترام ms189 تجاه واتانابي، كان واضحا أيضا أنه كان يكن مشاعر تجاه والده، مشاعر لم ~~يدرك وجودها على الأرجح إلا بعد وفاته. # وعلى الرغم من محالات واتانابي الواهنة بعض الشيء لاسترجاع الود بينه وبين ابنه، من ~~الخطأ اعتقاد أن تحقق ذلك الوفاق بينهما كان سيحل وحده مشكلة واتانابي. ربما خفف من ~~عزلته ووحدته وساعده على تهدئة خوفه، وذلك ليس بالأمر الهين. لكن كوروساوا يلمح، عبر ~~السرد البصري أكثر من السرد الحواري، إلى أنه في مواجهة الموت نحن أيضا، لا واتانابي ~~فحسب، نكون وحدنا. ويأتي التجسيد الأقوى لهذه الفكرة - في أحد أكثر المشاهد اكتمالا ~~وإتقانا في تاريخ كوروساوا السينمائي - في اللقطة الأخيرة لواتانابي التي تصوره ~~وحده ليلا قبل لحظات من وفاته في المتنزه الذي أنشأه، يتأرجح على أرجوحة الأطفال ~~ويغني بينما تتساقط الثلوج من فوقه (الدقيقة 17 من الساعة الثالثة). فمهما حشدنا من دعم ~~واستجمعنا من قوة، ومهما كان لحياتنا من مغزى، وأيا كان من يتشبث بأيدينا وقت ~~الرحيل، نحن نواجه الموت بمفردنا عند مجيئه. وأيما تلقينا من عون من أولئك المحيطين ~~بنا، حتى أولئك الذين نحبهم ويحبوننا، فإن ذلك كله إن لم يجرد تماما من قوته، فإنه ~~على الأقل يصير بلا أهمية نسبيا في وجه الموت. # في مكتب البلدية، يؤدي الموظفون أدوارا في تمثيلية محكمة، حيث يخفي الجميع ما ~~يدور داخل عقولهم خلف ستار من الادعاء، ولا يتشكك أحد في قيمة ما يفعله. الاستثناء ~~الوحيد بينهم هي تويو؛ موظفة شابة مستجدة، سرعان ما تستقيل من العمل لأنه في رأيها ~~«ممل إلى حد لا يطاق.» وعلى الرغم من صغر سنها - في الواقع، بسبب صغر سنها - هي تتمتع ~~ببصيرة فطرية، وانجذاب نحو ما يضفي معنى على الحياة. هي ليست المنقذ الذي قد نتوقعه ~~لبطلنا (على الرغم من أننا نخمن دورها على الفور)، لكنها تلعب رغم ذلك دورا محوريا ~~في خلاص واتانابي؛ إذ ترشده إلى طريق للخلاص لا يرتبط بقوى غيبية أو رعاية إلهية. وفي ~~النهاية، ينعم واتانابي، ولو للحظات وجيزة، بإحساس بالمكان والانتماء. في ms190 المشهد الذي ~~ذكرناه بالأعلى، يغني واتانابي أغنيته المفضلة على ما يبدو، فتلك هي المرة الثانية ~~التي يغنيها في الفيلم، وفي هذه المرة يغنيها بمزيد من الطمأنينة، ويخفت إحساسه ~~بالضياع. وهي أحاسيس لا تنبع من إدراك كون حياته ناجحة بقدر ما تنبع من كونه تعلم «أن ~~يحيا». # يغني واتانابي أغنيته للمرة الأولى في حانة يصطحبه إليها روائي ناشئ منحل (الدقائق ~~من 49 حتى 52)، يأخذه إلى جميع الأماكن التي يتوقع المرء كونها زاخرة بصور الحياة ~~الصاخبة (مثل الحانات وبيوت الدعارة، وما شابه). ويغنيها في اللحظة التي يكتشف فيها على ~~ما يبدو أن رحلة البحث عن معنى في تلك الأماكن قد أخفقت، بصرف النظر عن النوايا الحسنة ~~لدى مرشده الدنيوي. تدعى الأغنية «أغنية الجندول» (جوندولا نو أوتا، 1915)، وهي أغنية ~~عاطفية تنصح الفتيات بالوقوع في الحب بينما لا يزلن في عمر الصبا. لكن مع غناء واتانابي ~~المفعم بالأسى لها تتحول الأغنية إلى تلخيص سينمائي بالغ القوة للعديد من الأفكار ~~السردية الرئيسية بالفيلم، من ضمنها فقدان ما يزخر به سن الشباب من احتمالات، وما يبعث ~~عليه ذلك من كآبة. وهو ما يعبر عنه الشاعر لاركن (1974: ~~32) عندما يشير إلى القمر في قصيدته «خطوات ~~حزينة»: # هذا التفرد الجلي بعيد المنال لذلك النجم الساطع ~~••• # يذكرني بالقوة والألم، # بشبابي الذي ولى بلا رجعة، # إلا أن جذوته ما زالت تشتعل لدى آخرين في مكان ما. # بلا شك أدى المرض إلى تفاقم مشاعر الأسى والندم لدى واتانابي، لكننا ~~نخطئ إن ظننا أن ذلك هو كل ما في الأمر. # نحن قادرون على التوحد مع واتانابي لأننا ندرك بديهيا أن مشكلته هي مشكلتنا أيضا، ~~فهي انعكاس للوضع البشري. لقد كان لواتانابي أيضا طموحات ورغبات وأهداف في شبابه. ~~ويستخدم الفيلم تقنية الاسترجاع الفني ليعرض مشهد وفاة زوجته، ويلمح المشهد، ~~باستخدام أقل قدر من الحوار، إلى أنه هجر طموحاته كلها في سبيل إعالة ورعاية ابنه الذي ~~أحبه حبا جما (الدقيقتان 22 و23). ربما تحجج واتانابي بابنه ليهجر أحلامه؛ لا نعرف ~~حقا، وربما لا يعرف واتانابي ms191 كذلك. لكن مشكلته تلخص جانبا من الحياة يواجهنا جميعنا ~~مهما كانت حياتنا ناجحة أو مزدهرة أو زاخرة بعلاقات ذات قيمة؛ وهو حقيقة أنه مهما بلغنا ~~من ذرى ومهما حققنا من نجاح، نظل بدرجة ما أو بأخرى عاجزين عن بلوغ تطلعات شبابنا، ~~بصرف النظر عن حسن إعدادها أو سوئه، أو كونها واقعية أو وهمية أو نرجسية. يعبر ستيفن ~~سبندر (1986) عن هذا الشعور في قصيدته «ما كنت أتوقعه»: # ما توقعته كان، # هزيم الرعد، صولات من القتال، # صراع مديد مع الرجال، # وتسلق للجبال. # وبعد جهود طوال، # تزداد قوتي، ليس في ذلك شك أو جدال؛ # وعندئذ ترتعد الصخور، # وأركن إلى راحة تطول. ~~••• # ما لم أتوقعه كان، # تعاقب الأيام # موهنا الإرادة # مبددا الضياء، # افتقاد كل ما يطيب لمسه # تبدد الجسد والروح # مثل دخان في مهب الريح # فاسد، بلا وزن. ~~••• # فناء الزمن، # ومشاهدة العجزة يمرون، # بأطراف تشبه علامات الاستفهام، # بالتوائها الغريب. # دفقات الأسى، # تذيب العظام شفقة، # المرضى يتداعون من على وجه البسيطة. # تلك أشياء عجزت عن توقعها. ~~••• # لأني توقعت دوما، # شعاعا من النور نودعه صدورنا، # شيئا من البراءة، # ننتشله من الثرى؛ # في حالة من التشبث، # ليظل باقيا رغم كل شيء، # مثل قصيدة منظومة، # أو بلورة متلألئة. # قد يتضافر مرض مميت من ناحية، مع إدراك، لا يكون دوما واعيا، لإخفاق محدق من ~~ناحية أخرى، تحدث نتيجة له أزمات منتصف العمر - بعضها يثير الضحك، لكن الكثير منها لا ~~يبعث على ذلك - والتي تسفر تحديدا عن رجال عاجزين بدرجة ما أو بأخرى عن احتمالها، ~~غير قادرين على فهم الفائدة التي يجنيها الآخرون من قيادة سيارات رياضية باهظة الثمن. ~~من ناحية، الإخفاق هو مصير البشر جميعا، و«الإخفاق» هو التعبير المناسب هنا. وقدرة ~~الفيلم (قدرة كوروساوا) على استحضار ذلك هي ما يربطنا بواتانابي ويحرك مشاعرنا، على ~~الأقل لدى من تأثر منا بالفيلم (البعض لم يتأثر بهذا الفيلم). وما يدفع هذا التوحد مع ~~بطلنا عامل شعوري أكثر من كونه إدراكيا. على وجه التحديد، ربما يكون ما نشعر به تجاه ~~واتانابي انعكاسا لميولنا ms192 النرجسية، حبنا لذاتنا، ونابعا منها. # في اللقاء الأخير مع تويو، يسألها واتانابي، مدركا أبعاد مرضه وموته الوشيك: «لم ~~تنبضين بالحياة إلى هذا الحد المذهل؟ ... قبل أن أموت، أرغب في أن أحيا يوما واحدا كما ~~تحيين. سوف أحيا على هذا النحو قبل موتي، لن أستطيع الاستسلام للموت حتى أحقق ذلك» ~~(الدقيقة 26 و27 من الساعة الثانية). بالتأكيد يرى واتانابي قرب موته مشكلة، لكنها ليست ~~- كما يتضح من الاقتباس - مشكلته الأساسية. غالبا ما ينظر إلى «أن تحيا» على أنه عمل ~~دعائي لمبادئ الفلسفة الوجودية، يعالج قضية معنى الحياة وما تتضمنه من أسئلة على غرار: ~~لماذا ينبغي على المرء أن يحيا، وكيف يحيا في عالم بلا معنى، ربما عالم عبثي؛ عالم ~~قادر على إنتاج صور مروعة لا يمكن تصورها من الرعب والظلم والألم؛ عالم بلا سردية كبرى ~~منطقية تفسره وتصالحنا عليه؟ من الصعب تخيل حال اليابان عام 1952 بعد الحرب العالمية ~~الثانية وبعد سقوط قنبلتي هيروشيما وناجازاكي. (يعكس فيلم كوروساوا بدقة أزمة اليابان ~~في فترة ما بعد الحرب، وهو على أقل تقدير يطرح نقدا اجتماعيا بقدر ما يروج لأفكار ~~وجودية.) # يطرح السؤال حول معنى الحياة بصيغ متنوعة، من بينها الصيغتان التاليتان: «هل للحياة ~~معنى؟» و«ما معنى الحياة؟» لكن هاتين الصيغتين على حد سواء لا تجسدان قلق ~~واتانابي، وصيغة السؤال المناسبة لحالته توضح أن هذين السؤالين بطريقة طرحهما يغفلان ~~جوهر المسألة أو الصيغة الأكثر شيوعا لها. إن واتانابي لا يتساءل عما إذا كان للحياة ~~معنى، ناهيك عن التساؤل حول ماهية هذا المعنى. هذان السؤالان تحديدا بلا أهمية من ~~منظور واتانابي، بل قد يراهما بلا معنى؛ فهو لا يشغله السؤال حول ما إذا كان للحياة في ~~حد ذاتها معنى، بل يهمه كيفية إيجاد المعنى في «حياته هو». يختلف ذلك عن السؤال حول ما ~~إذا كانت الحياة، بمفهومها المجرد، تحمل معنى، ويختلف كذلك اختلافا واضحا عن السؤال ~~حول ما إذا كان لحياة المرء ذاته معنى. عندما نطرح السؤال على هذا النحو فإننا نسعى ~~إلى إيجاد معيار ms193 موضوعي يحدد مغزى الحياة؛ أي دور في سردية كبرى، سردية دينية غالبا، ~~تجعل حياتنا مهمة على نحو ما. مشكلة واتانابي لا تتعلق بإيجاد تلك القصة، بل بإيجاد ~~طريقة للحياة «على نحو سليم» على حد تعبيره. مشكلته هي كيف يعيش الحياة على نحو هادف، ~~لا اكتشاف معنى للحياة. مشكلته هي كيفية السعي لإيجاد وإرساء طرق للعيش على نحو هادف ~~تتوافق مع فكرتنا عن أنفسنا وما نود أن نكون، بقدر استيعابنا لتلك المفاهيم. # القضية إذن هي كيف نعيش حياتنا على نحو هادف، وليس هل للحياة معنى أم لا. على سبيل ~~المثال، عندما يفكر الطلاب في اختيار المهنة لا ينشغلون حينئذ - وهم محقون في ذلك - ~~بمعنى الحياة في حد ذاتها بل بالطريقة المثلى لإيجاد معنى في حياتهم أنفسهم. # 2 # من المفترض، وهو افتراض صحيح في الأغلب، أن وظيفة المرء ستلعب دورا ~~جوهريا، على المستوى البنيوي والمالي ومستويات أخرى متنوعة، في مساعيه لإيجاد أو خلق ~~معنى. وكما سيخبرك معظم الطلاب، اختيار المهنة ليس مسألة سهلة ولا تثير الضحك على ~~الإطلاق. وظيفة واتانابي غير ذات نفع تماما في مسعاه لإيجاد معنى . لكن الفكرة التي ~~تبعث على التأمل هنا هي فكرة ماركسية تتعلق بإحساس الأفراد بالاغتراب عن عملهم، أو فكرة ~~تذكرنا بثورو في ادعائه الجريء والمتكرر بأن «جموع البشر يعيشون حياة يائسة هادئة. ما ~~نطلق عليه استسلاما هو يأس مؤكد» (ثورو 2004 [1854]). # 3 # فضلا عن ذلك، ما يزيد المسألة تعقيدا هو أن مشكلة إيجاد معنى للحياة ليست من نوعية ~~المشكلات التي يمكن حلها جذريا، رغم أننا قد نتظاهر بالعكس ونعرض أنفسنا للمخاطرة ~~في خضم ذلك. إنها مهمة متكررة؛ فالحل الذي قد يعتبره المرء مرضيا في وقت ما من ~~حياته قد لا يكون كذلك في وقت آخر. لماذا نفترض عكس ذلك؟ ربما يأتي على المرء وقت لا ~~يبالي فيه بقدر ما حققه في حياته أو ما تحمله من معنى من منظور العمل أو العلاقات وما ~~شاب، ويرغب في هجر عالمه وشد الرحال إلى الغابة كما فعل بوذا. ms194 وبعض الناس - لا لعيب ~~فيهم ولا لتكاسلهم عن المحاولة - قد يواجهون قدرا لا يستهان به من الصعوبة في إيجاد ~~معنى لحياتهم والحفاظ عليه مقارنة بالآخرين. (انظر المناقشة حول الحظ الأخلاقي في ~~الفصل الثاني عشر.) # نزعم هنا أن فيلمنا يوضح أن السؤال الأهم حول معنى الحياة ليس «هل للحياة من معنى؟» ~~بل «كيف يجد المرء معنى لحياته؟» # هل معنى الحياة ذاتي أم موضوعي أم غير ذلك؟ # لا يهتم واتانابي بمعنى الحياة (فلا تشغله أسئلة مثل «ما سبب وجود الحياة؟» أو ~~حتى «لماذا أنا على قيد الحياة؟»)، بل يهمه إيجاد معنى لحياته، أو «إيجاد سبيل ~~لجعل حياته هادفة». وجهته تويو نحو الوجهة الصحيحة عندما عرضت عليه الأرانب ~~اللعبة التي كانت تساعد في صنعه بالمصنع الذي تعمل به (الدقيقة 29 من الساعة ~~الثانية)، وقد احتفظ بواحد منها. كانت اللعبة رغم بساطتها تشعر الآخرين بالسعادة. ~~تلك لحظة فارقة في الفيلم؛ فقد أدرك واتانابي فجأة، بينما كان يهدهد الأرنب اللعبة ~~(في مشهد جميل يصور واتانابي بمعطفه الطويل وقبعته) أن سعادته الشخصية ترتبط، أو قد ~~ترتبط، ارتباطا وثيقا، بحياة الآخرين وسعادتهم. فإذا استطاع صنع فارق إيجابي في ~~حياة الآخرين، فسوف ينجح كذلك في عيش حياة تحمل قدرا من المعنى والهدف، مهما كان ~~إنجازه أو إسهامه مؤقتا أو زائلا على المدى الطويل. # تتفق سوزان وولف (2007: 72) مع واتانابي في هذا، فتقول: «إن عيش حياة ذات معنى ~~هي مسألة تقتضي اندماجا ناجحا جزئيا على الأقل في مشروعات ذات قيمة إيجابية.» وحياة كهذه ستتضمن الآخرين وستؤثر في جميع الأحوال تقريبا على حياتهم تأثيرا ~~إيجابيا. وحتى إن لم يكن للحياة ذاتها معنى أو كانت نتاج صدفة بحتة على سبيل ~~المثال، فلن يقوض هذا فكرة الحياة الهادفة كما تراها وولف. تزعم وولف (2007: 69): ~~«أن عيش حياة مفعمة بالمشاركة في مشروعات تستمد قيمتها من مصدر غير ذاتي أو على ~~الأقل تركز جزئيا على تلك المشروعات هي سبيل يساعد المرء على إدراك أن وضعه غير ~~مميز. وتتناغم، على نحو تعجز عن تحقيقه حياة تتمركز كليا ms195 حول الذات، مع حقيقة ~~أننا لسنا مركز الكون.» # وتشير وولف (2007: 67) إلى أن الحياة الهادفة لا يشترط كونها حياة أخلاقية من ~~نوع ما، أو حياة أخلاقية من الأساس. وتزعم أيضا أنه «لا يوجد ما يضمن أن تكون ~~الحياة الهادفة حياة سعيدة.» # 4 # فمن الواضح أن الحياة الهادفة لا يشترط كونها سعيدة بما أن كثيرا من ~~المندمجين بنجاح في مشروعات ذات قيمة إيجابية والمؤمنين بأن ما يقومون به ذو قيمة، ~~يظلون رغم ذلك غير سعداء (إجمالا). هل كان الارتباط بين سعادة واتانابي في نهاية ~~الفيلم وبين عثوره على معنى ارتباطا وليد الصدفة، أم كانت سعادته مرتبطة على نحو ~~ما ارتباطا جوهريا بالمعنى الذي تمكن من استخلاصه قبل فوات الأوان؟ هل تكون ~~القاعدة العامة أن أولئك الذين يعيشون حياة هادفة فرصتهم أفصل في حيازة قدر أكبر من ~~السعادة؟ # يزعم أرسطو وجود صلة جوهرية بين عيش حياة هادفة وبين سعادة البشر. ويرى أن تلك ~~الحياة تقوم على الفضيلة (انظر الفصل الرابع عشر لمناقشة أكثر تفصيلا حول هذا ~~الموضوع). إنها حياة يسعى فيها المرء فعليا خلف ما يصب في مصلحته العليا، وبموجب ~~تلك الحقيقة فإنها حياة يصير فيها المرء كما ينبغي له أن يصير حسب طبيعته البشرية. ~~يعتنق أرسطو ما قد يطلق عليه تصورا جوهريا للسعادة. يقول تايلور (1975: 132) إن ~~ذلك التصور «يفترض مقدما وجود ما يسمى بالطبيعة البشرية الجوهرية.» عندما توضع ~~أهداف يشترط أن يحققها الفرد بوصفه فردا، فذلك يشير إلى وجود تصور جوهري للطبيعة ~~البشرية. ما هي الطبيعة الجوهرية؟ هل تعتمد السعادة عليها؟ حسب المفهوم الجوهري ~~للسعادة، الذي يفترض مسبقا وجود طبيعة بشرية جوهرية، تتوقف «السعادة» بوجه عام على ~~مدى التزام المرء بطبيعته. يقول تايلور «1975: 132-133»: # حسب المفهوم الجوهري للسعادة، الحياة السعيدة حقا هي «الحياة التي في ~~صالح الإنسان» ... والسعادة (اليوديمونيا؛ أي الرفاهة أو الهناء) هي نوع ~~الحياة المناسب أو الملائم «للإنسان»، و«الإنسان» الفرد هو تجسيد الطبيعة ~~الجوهرية للبشر (أو جوهر البشر)؛ ومن ثم لا يمكن ربط السعادة بأي نوع من ~~الحياة قد يرغب ms196 المرء في عيشه. بل هي سمة لنوع الحياة الذي كنا سنرغب ~~جميعا في عيشه إذا فهمنا طبيعتنا الحقة كبشر. السعادة إذن يمكن تعريفها ~~بأنها حالة «الروح» أو وضع حياتي يستهدفه البشر جميعهم، «بقدر كونهم ~~بشرا»، في النهاية. # بقدر ما يستطيع الإنسان بلوغ «السعادة» عبر تفعيل الخصائص التي ~~«تحدد صالح الإنسان بوصفه إنسانا» أي عبر تجسيد الطبيعة الجوهرية للبشر، بقدر ما ~~سيعيش حياة طيبة أو ذات قيمة جوهرية. # و«السعادة» إذن هي معيار الحكم على القيمة الجوهرية لحياة الفرد. (سوف نناقش ~~مفهوم القيمة الجوهرية فيما يلي.) يوضح تايلور هذه النقطة قائلا (1975: 133): # عندما يستخدم هذا التصور للسعادة كمعيار للقيمة الجوهرية، يتوحد هذا ~~المعيار مع معيار الكمال الإنساني أو الفضيلة الإنسانية الذي يطرحه معتنقو ~~الرؤية الجوهرية. ما يحدد الصلاح الجوهري لحياة الفرد هو تحقيقه لنموذج ~~مثالي؛ عبر عيش حياة إنسانية حقا، يحقق للفرد ما في صالح الإنسان بوصفه ~~إنسانا. لا يستطيع الجميع الالتزام بهذا المعيار بالدرجة نفسها، لكن بقدر ~~ما يستطيع المرء فعل ذلك، تكتسب حياته جدارة، واكتمالا يضفي عليها قيمة في ~~ذاتها بمعزل عن أي آثار قد تحدثها في حياة الآخرين. # يختلف التصور الإيماني للطبيعة الجوهرية للبشر عن تصور أرسطو. ~~فيرى المؤمن بالله أن الهدف أو المنتهى من الحياة هو الخلاص الذي يتخذ شكل الخلود ~~الفردي، ونوع خاص من السعادة؛ ففي الجنة سيحظى الفرد بعلاقة أكثر حميمية مع الله ~~مما كان متاحا له على الأرض. «الغبطة» أو «السعادة» هي هدف المؤمن، وتعرف الطبيعة ~~البشرية في ضوء هذا الهدف. ويعني كونك إنسانا أنك مخلوق زائل تعتمد سعادته في ~~النهاية على علاقة مع إله أزلي. يقتضي السعي لتحقيق هذا الهدف ما يعتبره المؤمنون ~~طريقة حياة مميزة. # إذا رفضنا التصورات الجوهرية للسعادة الإنسانية، ستنكسر إذن الصلة بين المعنى ~~والسعادة. ويمكننا عندئذ افتراض ما نعرفه بالفعل على أي حال، وهو أن حياة ذات ~~معنى، بل حياة مفعمة بالمعنى، لا تضمن للمرء السعادة. ومع ذلك، على اعتبار أننا ~~نعرف بالفعل الطبيعة البشرية، يبدو أن فرص السعادة تتزايد إجمالا ms197 بقدر سعي المرء ~~وراء مشروعات ذات قيمة إيجابية مع تحقيق قدر يسير من النجاح في مسعاه على الأقل. ~~وعلى الرغم من أن جهود واتانابي لإنشاء المتنزه لم تضمن بأي شكل من الأشكال ~~شعوره بالسعادة، فإن جهوده قد كوفئت (وهو ما كان متوقعا). # قد نفترض أن واتانابي، مثل معظم اليابانيين، يمزج في حياته جوانب من ديانتي ~~البوذية والشنتو. (الزواج وغيره من الأحداث الاحتفالية البهيجة مثل بداية السنة ~~الجديدة تخضع لتقاليد الشنتو، بينما تخضع الجنازات غالبا للبوذية.) وبما أن ~~البوذية، إذا راعينا الدقة، ديانة تنكر وجود الله (مع أن الممارسة البوذية غالبا ~~ما تتضمن إشارات إلى آلهة متنوعة)، فإن السؤال حول ما إذا كان وجود الله أو وجود ~~خطة إلهية ما شرطا لازما لنيل السعادة ليس - على حد علمنا - سؤالا يخطر على بال ~~واتانابي من الأساس. وبحثه عن سبيل لإيجاد معنى في حياته منفصل أيضا عن مفهوم ~~السعادة القصوى البوذي (النرفانا) وأي مفاهيم دينية أخرى فيما يبدو؛ ومن ثم، ~~بقدر ما يتضح في حالة واتانابي، إيجاد المرء معنى لحياته سعي لا يرتبط البتة بوجود ~~أي إله أو خطة مقدرة. وحتى إذا كان الله موجودا، فإن رحلة واتانابي كانت ستظل ~~كما هي في طبيعتها، بل ربما في فحواها أيضا؛ إذا افترضنا أن الله قد حدد مسارا ~~لنا، غاية لكل فرد منا على حدة، فإن تلك الغاية السماوية لن تساعد أيا منا على ~~إرساء معنى لحياته إذا لم نتمكن من بلوغها وإدراكها ثم تبنيها في حياتنا. ولا ~~جدوى من إخبار أحدهم أن معنى حياته، مثلا، هو تأسيس علاقة مع الله، إذا لم يكن ~~الفرد نفسه قادرا على إيجاد معنى في ذلك المسار. فحتى لو وجد إله قد حدد غاية ~~لكل منا، فإن ذلك على المستوى المنطقي لا يكفي كي يجد أي منا معنى لحياته إلا ~~إذا كان يعتبر هذه الغاية ذات معنى. وحتى لو كان الله يعلم أن شخصا ما، لنسمه ~~«أ»، لن يحقق الغاية التي حددها له إلا إذا فعل شيئا محددا، لنسمه ms198 «ب»، فسيظل ~~لزاما على «أ» اعتبار «ب» مسعى يحمل معنى. وإذا كان الله قد خلق «أ» على نحو ~~محدد يجعله عاجزا عن إيجاد معنى في أي شيء سوى «ب»، فسيكون «أ» عندئذ محروما ~~فعليا من الحرية التي لا غنى له عنها في تشكيل حياته وما تحمله من معان. دون ~~وجود تلك الحرية وذلك الاختيار، يعفى «أ» من تحمل نوع محدد من المسئولية عن ~~طريقة حياته؛ لن يعفى من مسئوليته عن الاستجابة التي اختارها للخطة التي رسمها ~~الله له، بل سيعفى من مسئولية جعل حياته ذات معنى. # زعم سارتر (1957) أنه في حالة وجود معنى موضوعي للوجود صاغه إله؛ أي جوهر إنساني ~~في واقع الأمر، فإن ذلك لا يعني فحسب حرمان البشر من الحرية والقدرة على تأسيس حياة ~~ذات مغزى بل سيصادر أيضا مسئوليتهم عن اختياراتهم المحورية ذات القيمة. وعليه، ~~يرى سارتر أن غياب أي إله والجوهر الإنساني شرط للحرية وعبء في الوقت ذاته؛ ~~فالحرية شرط لا غنى عنه لتحقق المسئولية وترسيخ معنى في حياة المرء. # أما القيمة الذاتية فهي تشير إلى معتقدات الفرد الفاعل ومواقفه أو حالاته الأخرى ~~التي تنسب قيمة إلى أمر ما. على سبيل المثال إذا كانت صناعة الأفلام نشاطا ذا ~~قيمة ذاتية لدى كوروساوا، فذلك يعني أن كوروساوا يعتبر أن صناعة الأفلام أمر ذو ~~قيمة، ويؤمن بذلك. بل والأهم من ذلك، إيمان كوروساوا بقيمة صناعة الأفلام شرط لازم ~~وكاف كي تصبح صناعة الأفلام نشاطا ذا قيمة ذاتية في نظره. ربما تكون صناعة ~~الأفلام نشاطا مضرا بكوروساوا من نواح عدة، وربما تكون مفيدة. لكن بصرف النظر ~~عن ذلك، إذا اعتقد كوروساوا أن صناعة الأفلام أمر ذو قيمة، أو بعبارة أخرى إذا كان ~~كوروساوا يقدر صناعة الأفلام، فإن صناعة الأفلام تصبح نشاطا ذا قيمة ذاتية ~~بالنسبة له. القاعدة إذن هي، مهما كانت فائدة «س» بالنسبة ل «ص»، إذا لم يقدر «ص» ~~«س»، فلا يمكن أن تصبح «س» أمرا ذا قيمة ذاتية لدى «ص». بالطبع قد يكون كوروساوا ~~مخطئا حيال ذلك ms199 كله؛ فقد يظن أنه يقدر صناعة الأفلام، ويكون مخطئا. ربما كان ~~يخدع نفسه مثلا، فيشدد بحماس على قيمة الأفلام على المستوى الواعي بينما ينكر ~~قيمتها على مستوى اللاوعي. (ربما اختار هذا المجال سعيا خلف المال والنساء.) وبما ~~أن الأشياء التي نخدع أنفسنا بشأنها هي أشياء ذات أهمية نسبية لدينا، يمكن للمرء أن ~~يتوقع أنه أينما تبرز المسائل ذات القيمة يبرز أيضا خداع الذات. # إذا زعمنا أن شيئا ما يتمتع بقيمة موضوعية فإننا نعني بوجه عام أنه ذو قيمة بصرف ~~النظر عما إذا كان أحد يراه كذلك أم لا. وفي هذه الحالة اعتقاد الأفراد أن شيئا ~~ما ذو قيمة لا يعتبر عموما شرطا ضروريا أو كافيا كي يصبح ذلك الشيء ذا قيمة ~~موضوعية. الأشياء ذات القيمة الذاتية (على سبيل المثال، سعادتي التي أقدرها) قد ~~تكون ذات قيمة موضوعية كذلك. لكن في ظل غياب حجة ما تبين وجود صلة جوهرية بين ~~النوعين، لا نجد مبررا قويا يدفعنا إلى افتراض أن ذلك هو الوضع بالضرورة أو على ~~الأقل في أغلب الأحيان. ما يعيدنا من جديد إلى القول بأنه إذا كان شيء ما يتمتع ~~بقيمة موضوعية، فلا يشترط بالضرورة - بعيدا عن أي حجة لإثبات قيمة جوهرية - أن ~~يتمتع بقيمة ذاتية لدى أحد. # تنقسم القيم إلى شعبتين على الأقل؛ فقد تكون قيما موضوعية أو قيما ذاتية كما ~~أوضحنا منذ قليل. وقد تكون، في إطار آخر، قيما جوهرية أو قيما غير جوهرية. القيمة ~~الجوهرية هي قيمة في حد ذاتها، بصرف النظر عن أي ارتباط بقيمة إضافية أو أوضاع ~~ما. على سبيل المثال، يؤمن بعض الأفراد بأن المتعة شيء ذو قيمة جوهرية. ما يعني أن ~~تجربة ممتعة بعينها تحمل قدرا من القيمة بصرف النظر عما حدث قبلها أو بعدها، ~~ومهما كانت عواقبها. بالطبع قد تغطي العواقب السيئة الناتجة عن متعة لحظية على ~~المتعة ذاتها، لكن إذا كانت المتعة ذات قيمة جوهرية فلا يمكن أبدا لعواقبها أن ~~تمحوها كلية. بل سيظل لها نفع ما، إذا جاز لنا القول. ms200 القيمة غير الجوهرية هي ~~القيمة التي تنبع من علاقة الشيء بأشياء أخرى، والنوع الأوضح من القيمة غير ~~الجوهرية هو القيمة الذرائعية. تتألف القيمة الذرائعية لشيء من قدرته على التسبب ~~في أشياء أخرى ذات قيمة أو على تيسير وجودها. فقرص لعلاج الصداع لا يملك قيمة ~~جوهرية، لكنه ذو قيمة ذرائعية. قد تكون القيمة الذاتية قيمة جوهرية أو قيمة غير ~~جوهرية (أو الاثنتين معا). تكون سعادتي ذات قيمة ذاتية من وجهة نظري، وفي حد ذاتها ~~إذا أنا اعتبرتها كذلك. وربما تكون ذات قيمة ذاتية كذلك من وجهة نظري إذا كانت ~~تمكنني من تحقيق غاية ما أخرى ذات قيمة. وبالطبع قد تكون الاثنتين معا. القيمة ~~الجوهرية والقيمة الذرائعية لا تستلزم ولا تستبعد إحداها الأخرى. وبالمثل القيمة ~~الذاتية والقيمة الموضوعية لا تستلزم بالضرورة ولا تستبعد إحداها الأخرى. # عندما نبحث عن معنى لحياتنا، فإننا نبحث عن قيم إيجابية. لكن هل تلك القيم ذاتية ~~أم موضوعية؟ هل هي قيم جوهرية أم غير جوهرية؟ لا بد أن تكون قيما ذاتية على الأقل ~~وإلا لن تسهم في سعينا لإيجاد معنى لحياتنا. قد تكون القيم الذاتية متفردة ~~نسبيا ؛ فربما يعتبر شخص واحد شيئا ما ذا قيمة. تخيل شخصا يقرر اعتبار علب ~~البيتزا المهملة أشياء ذات قيمة، وينشغل بجمعها وتصنيفها في أماكن الصدارة بحجرة ~~التذكارات. (هل يحيا هذا الشخص حياة ذات معنى؟) لا يجب أن تتسم القيم الذاتية بهذه ~~الدرجة من التفرد، بل يمكن أن تعتنق على نطاق واسع، وأن تحظى بالتأييد من عدة ~~أفراد واعين. يبدو أن البحث عن حياة ذات معنى هو بحث عن سبل للإسهام بأشياء ذات ~~قيمة ذاتية مشتركة تحظى بتأييد عدة أشخاص. هل لا بد أن تتمتع تلك الأشياء بقيمة ~~جوهرية؟ لا بد أن ترتبط على نحو وثيق بأشياء ذات قيمة جوهرية. لقد وجد واتانابي ~~قيمة في متنزه الأطفال. لكن المتنزه قد لا يكون ذا قيمة جوهرية في حد ذاته؛ ~~ربما يكون ذا قيمة لما يمنحه من سعادة للأطفال ولعائلاتهم. وهذه السعادة في حد ~~ذاتها ms201 قد تكون ذات قيمة جوهرية، وهي تبدو صالحة إلى حد كبير لاحتواء قيمة جوهرية. ~~بناء على ذلك، سوف يجد واتانابي قيمة بالغة العمق في إسهامه في سعادة الأطفال ~~الآخرين. إذا لم يكن المتنزه مرتبطا على هذا النحو الوثيق نسبيا بأشياء ذات ~~قيمة جوهرية - تخيل أن الشيء الوحيد ذا القيمة الذي تمكن واتانابي من فعله عبر ~~مجهوداته هو المساعدة على إعادة انتخاب نائب رئيس البلدية، وهو أمر تنحصر قيمته في ~~أن نائب رئيس البلدية شخصية سياسية أقل فسادا بعض الشيء من خصمه - فإننا قد نبدأ ~~في التشكك بالدور الذي لعبه المتنزه في إحساس واتانابي بأنه عاش حياة ذات معنى. ~~فلا يكفي على ما يبدو أن يساهم المرء بوصفه ترسا في آلة عملاقة ذات قيمة ذرائعية. ~~(ولعل واتانابي قد لعب، رغم كل شيء، هذا الدور بدرجة ما، حتى في الأيام التي قضاها ~~في نقل الأوراق من كومة لأخرى.) إذن كي يحيا المرء حياة ذات معنى، عليه أن يسهم ~~إسهاما مؤثرا في إنتاج أشياء ذات قيمة جوهرية يتفق عليها عدة أفراد؛ أي أشياء ~~تهمنا وأشياء مهمة في حد ذاتها. # لكن ذلك يتركنا مع مسألة القيمة الموضوعية. ما الدور الذي قد تلعبه في عيش حياة ~~ذات معنى؟ يزعم البعض أنه بعيدا عن وجود الله أو الإيمان بالله (أو كلا الأمرين)، ~~تتبدد احتمالية بلوغ أشياء ذات قيمة موضوعية في الحياة وأن ذلك يقوض من احتمالية ~~عيش حياة ذات معنى. لكن كيف يمكن دعم مثل هذا الزعم؟ بل ما معناه من الأساس، بما ~~أن أولئك غير المؤمنين بوجود إله أو بالخلود يحيون حياة ذات معنى وذات أهمية من ~~نوع ما؟ نتحدث هنا عن نوع من المعنى لا يمكن لذي فهم إنكار وجوده بالحياة؛ إنها ~~المعاني الذاتية التي لا نتوقف عن خلقها لأنفسنا بينما نحيا أو التي نجد أنفسنا ~~منغمسين فيها. قد تساهم الوظائف والعلاقات في عيش حياة ذات معنى ذاتي، مع أنها، ~~كما نجد في أفلام كثيرة، قد تستلب بشدة من ذات المعنى أو الإحساس بوجود ms202 ~~غاية. # رأى برتراند راسل أن الحياة بأسرها في المجموعة الشمسية سوف تفنى في نهاية ~~المطاف. واعتقد أن قبول فنائنا والموت اللاحق لكل أشكال الحياة في المجموعة ~~الشمسية، إلى جانب قبول غياب أي هدف أو خطة إلهية، جزء لا يتجزأ من أي حل مقبول ~~فلسفيا لمشكلة إيجاد المرء معنى لحياته. يقول راسل (1981: 56): # إن الإنسان نتاج مسببات لم تعرف مسبقا الغايات التي ستصل إليها. فأصله ~~ونموه وآماله ومخاوفه وما يحبه وما يؤمن به كله ليس سوى نتيجة تجمعات ~~عشوائية لمجموعة من الذرات؛ فلا نار ولا بطولة ولا قوة فكر ولا عمق مشاعر ~~في وسعه الإبقاء على حياة الفرد بعد موته. والجهود التي بذلت على مر ~~العصور والتفاني والطموح وبريق العبقرية البشرية في أوج ازدهارها مآلها ~~جميعا إلى الفناء في خضم الهلاك العظيم للمجموعة الشمسية. وصرح ~~الإنجاز البشري بأكمله لا بد وحتما أن يدفن تحت أنقاض حطام الكون. كل ~~هذا، إن لم يكن تحصيل حاصل، فهو أمر يكاد يكون يقينيا إلى حد يقضي على ~~أمل أي فلسفة رافضة له في الصمود. # فكرة أن يوما ما «صرح الإنجاز البشري بأكمله» (سيمفونيات ~~بيتهوفن وغيرها ) سيتبدد هي فكرة مؤرقة. يشير راسل إلى أن أيا كان معنى الحياة ~~لدينا فلا بد أن نؤسس هذا المعنى على نحو مستقل عن أي سبب أو هدف مزعوم للحياة، ~~سواء كان هدفا إلهيا أو غير ذلك. ويزعم على ما يبدو أن الحياة لا تشتمل على ~~معنى مستقل عما يضفيه الأفراد من معنى على حياتهم، ونقصد بالاستقلالية هنا ~~الاستقلالية عن المعنى الذاتي الذي نصوغه أثناء الحياة. # لا ينكر راسل أن «الإيمان» بوجود إله وبوجود غايات ما مقدرة، مثل العلاقة مع ~~الله، قد يجعل الحياة ذات معنى من بعض النواحي لدى بعض الناس. لكنه يزعم أنه من ~~المنظور الفلسفي إذا أردنا عيش حياة ذات معنى بعيد نسبيا عن الضلالات أو ~~الأوهام، فلا بد لنا ألا نعترف فحسب بحتمية فنائنا، بل وبأن إجمالي ما حققه النوع ~~البشري سوف يفنى يوما ما. كما أسلفنا، ما ms203 يشغل واتانابي ليس ما إذا كان للحياة ~~معنى، بل كيفية جعل حياته ذات معنى. يلمح الفيلم بالفعل إلى أن إدراك المرء ~~لفنائه (موت واتانابي الوشيك) هو أحد عوامل تكوين ذلك المعنى بنجاح. مع ذلك لا ~~يعتنق الفيلم، ولا ينكر أيضا، زعم راسل الأبعد بأن العبقرية البشرية مصيرها ~~الاندثار. على أي حال، يرفض الفيلم الزعم الديني الراسخ القائل بأنه في حال غياب ~~الإله أو الخطة الإلهية أو الخلود، فإن الحياة ستصبح بالضرورة بلا معنى أو عبثية. ~~فلماذا الافتراض أنه في حال عدم وجود معنى موضوعي للحياة - مثل المعنى الذي كانت ~~ستحظى به حياتنا إذا كان هدف إقامة علاقة مع الله هدفا سماويا منزلا - فإن ~~حياتنا ستصبح بالضرورة بلا معنى؟ لماذا الافتراض أنه إذا أبيدت جميع أشكال الحياة ~~بالكون، والكون نفسه دون شك، فإن حياتنا ستصبح - من ثم - بلا معنى أو عبثية؟ ~~لماذا نفترض أن «المعنى» الذي نصوغه في حياتنا مرتبط بأي حال ارتباطا جوهريا ~~بوجود زائل أو مستمر؟ إذا اختفى العالم غدا هل يجعل ذلك من حياة واتانابي حياة ~~عبثية أو لا معنى لها؟ # الفصل الأخير # يتألف فيلم «أن تحيا » من ثلاثة فصول: الاكتشاف، والكفاح، والحل. الفصل الأخير هو ~~أكثرهم إثارة للاهتمام من عدة نواح. باستثناء مشهدين قصيرين مع اللحظات الأخيرة ~~للفيلم - أحدهما في المتنزه، والآخر في مكتب البلدية حيث كان واتانابي يعمل - ~~تدور أحداث الجزء الأخير من الفيلم عقب جنازة واتانابي مباشرة، أو تأتي كجزء من ~~الجنازة. بعض المشاهدين يرون أن متتالية المشاهد الطويلة في جنازة واتانابي، ~~التي تتخللها مجموعة من لقطات تصور أحداثا ماضية، كانت أطول من اللازم. لكن البعض ~~يزعم أن كوروساوا استخدم طول المتتالية في حد ذاته، فقد تعمد جعلها طويلة، كتقنية ~~سينمائية لتركيز انتباه المشاهدين، وتقديم وجهة نظر أخيرة، وإتاحة وقت لتأمل ~~أحداث الفيلم. ظاهريا، يحاول المعزون في هذا الجزء من الفيلم معرفة ما إذا كان ~~واتانابي يعلم أنه مصاب بمرض مميت، مدركين أن هذه المعرفة ربما تفسر تغير شخصيته ~~وتكريسه كامل جهده لعملية إنشاء المتنزه ms204 في وجه عدد لا نهائي من العقبات ~~التعجيزية. # 5 # بالطبع يعلم المشاهدون بالفعل أن واتانابي علم باحتضاره، لكننا نشهد في هذا ~~الجزء اتضاح هذه الحقيقة تدريجيا لمن حضروا العزاء، بما فيهم ابنه ميتسو. إنها ~~فرصة كي يفكر المرء في الدور الذي يلعبه موته في حياته (مدى قرب الموت مسألة نسبية ~~ليس إلا). وبالنظر إلى حتمية الموت فإن موقفنا من زاوية ما لا يختلف كثيرا عن ~~موقف واتانابي، على الأقل عندما نفهمه من منظور بعيد أو من منظور عام. يفسر الفصل ~~الأخير من الفيلم ويؤكد ما يعتقده بعض الوجوديين على الأقل حول الموت وعلاقته ~~بالحياة ومعناها لدينا. وهو أن حقيقة الموت تحدث فارقا في طريقة حياتنا، أو ينبغي ~~لها ذلك. يعتنق كامو وسارتر وراسل وآخرون كثر هذه الرؤية بوجه عام. يقول ~~فيتجنشتاين (1961 [1921]: 147، 6,4311)، رغم عدم انتمائه لمذهب الوجودية إن «الموت ~~ليس حدثا في الحياة؛ فنحن لا نعيش الحياة لنخوض تجربة الموت. إذا اعتبرنا أن ~~الأبدية لا تعني دواما زمنيا لانهائيا، بل تعني غياب الزمن، فسنجد أن الحياة ~~الأبدية يحظى بها من يعيشون في اللحظة الحاضرة». # 6 # وعلى الرغم من أن «الموت ليس حدثا في الحياة»، فإن الحياة تقودها، أو ~~ينبغي أن تقودها، المعرفة بحتمية الموت. # وعبر التأكيد على أن «الحياة الأبدية يحظى بها من يعيشون اللحظة الحاضرة»، يعيد ~~فيتجنشتاين ذكر أهمية الموت بالنسبة للحياة. والحياة الأبدية، بقدر ما تحمله من ~~معاني الخلاص والتطهر، لا بد أن توجد، إن وجدت من الأساس، في الحاضر، في طريقة ~~عيشنا للحياة الوحيدة التي نملكها. وهو رأي يتفق معه واتانابي (كوروساوا). لا ينبغي ~~خلط هذا الموقف التذكيري بمواقف مثل «العالم ملك ~~أيدينا»، ناهيك عن «نحن لا نحيا سوى مرة ~~واحدة، كل شيء مباح إذن.» لكنه موقف يذكر الناس بأن الحياة من «بعض» النواحي أمر ~~جد خطير، وينبغي أن ينظر إليه بنوع خاص من المهابة، لا من المنظور الأخلاقي، بل من ~~منظور جدي عام (بحيث يظل في وسعك الاستمتاع، ويظل في وسعك تعلم هوايات ~~جديدة ممتعة)، ms205 كما يقول الشاعر ناظم حكمت في قصيدته «عن الحياة» (1975) (المقطع الأول): # الحياة ليست بالأمر الهين: # لا بد أن تحيا بجدية بالغة، # مثل سنجاب على سبيل المثال؛ # أعني أن تحيا دون البحث عن شيء وراء أو فوق الحياة، # أعني أن يكون العيش هو شغلك الشاغل. # الحياة ليست بالأمر الهين: # لا بد أن تأخذها على محمل الجد، # إلى الحد الذي تشعر عنده # كما لو كانت يداك، على سبيل المثال، مقيدة خلف ظهرك، # وظهرك ملتصقا بالحائط، # أو كأنك في المختبر # مرتديا معطفك الأبيض ونظارتك الواقية، # تضحي بحياتك لأجل الناس؛ # حتى لو كانت تضحيتك في سبيل أناس لم تر وجوهم قط ~~قبلا، # حتى لو كنت تعرف أن الحياة # هي أكثر شيء حقيقي وأكثر الأشياء جمالا. # أعني لا بد أن تعتبر الحياة أمرا جديا حقا، # ما يجعلك تزرع أشجار ~~الزيتون حتى لو كنت في السبعين من عمرك، # لا لأجل أحفادك # بل لأنه رغم خشيتك من الموت فإنك لا تصدق وجوده، # فإن الحياة، على نحو ما، تعني لك أكثر. # توجد على الأقل نقطة أخرى يعرضها كوروساوا في مشهد الجنازة. بعدما يدرك الحضور من ~~زملاء العمل أن واتانابي كان لديه بالفعل علم عن موته الوشيك، ينسبون لذلك التغير ~~في شخصيته وتشبثه بإتمام بناء المتنزه. وفي تلك اللحظات المفعمة بالمشاعر - ~~عندما يتكشف لهم العديد من الحقائق الخطيرة عن أنفسهم وعن عبثية عملهم (وحياتهم) - ~~يعتزمون صادقين تغيير أساليب حياتهم. لكن كوروساوا، خشية أن يغادر الجمهور السينما ~~بهذا الانطباع الأخير، بهذه النهاية السعيدة الزائفة، يعيدنا عامدا إلى مكتب ~~البلدية. وهناك نجد ما توقعنا أن نجده؛ لا شيء قد تغير ولا شيء سيتغير. لا تزال ~~أكداس الملفات المربوطة بإحكام كما هي، وكذلك المهام العبثية اللانهائية التي ينشغل ~~بها الموظفون هناك؛ مع تلميح ما بأن بعضهم يدرك ما بلغوه من ترد ويندمون ~~عليه. # إن حتمية موت المرء، لا الموت بمفهومه المجرد فحسب، هي الحقيقة التي ينبغي له أن ~~يعيها كي يحيا بصدق وبحكمة - أو كي يحيا على الإطلاق كما في حالة واتانابي ms206 - ومع ~~ذلك قد يفشل أيضا! تلك هي الفكرة الرئيسية التي نجدها في قلب مقال كامو «أسطورة ~~سيزيف» (1955 [1942])، والتي لا نجدها لدى وولف (2007). على المرء أيضا أن يعي ~~وجود نوع شامل كلي الوجود من الجمود واللامبالاة التي فيما يبدو تنظم وجودنا ~~ذاته. (تلك الملفات لا تزال موجودة، مربوطة بإحكام ومكدسة في تلك المكاتب الحكومية، ~~وسيضاف إليها المزيد إلى الأبد.) # أسئلة # هل يعاني واتانابي من مشكلة حقيقية؟ ما مشكلته؟ وإلى أي حد يمكن ~~القول بأننا جميعا نواجه المشكلة ذاتها؟ # في «أن تحيا» تظهر الحقيقة عندما يبدأ الجميع في التحدث (في حفل ~~التأبين). ما الحقائق التي تكشفت، حال وجودها؟ وما الفرق الذي يحدثه ~~انكشافها؟ # يقال إن المعرفة قد «تخلصنا» أحيانا، أو بعبارة أخرى: المعرفة ~~قادرة على إنقاذنا في بعض الأوقات. هل تحصل واتانابي على معرفة أدت ~~إلى خلاصه؟ ماذا كانت؟ ومم أنقذته؟ # ألا يدرك الشباب قيمة فترة شبابهم؟ # يغني واتانابي أغنية «الجندول» مرتين. كيف تغيرت ظروفه فيما بين ~~المرة الأولى والثانية؟ هل للأغنية معنى مختلف في كل مرة؟ جرب الجلوس ~~على أرجوحة وغن الأغنية بنفسك. # هل من الممكن عيش حياة حقيقية بلا معنى؟ تذكر، قد يكون لحياة في ~~غاية السوء معنى. # يقول إيزاك بابل في قصته القصيرة «جي دي موباسان» (1932): # حتى في تلك الأيام، عندما كنت أبلغ من العمر عشرين عاما، ~~كنت أقول لنفسي: الموت جوعا أو الإلقاء في السجن أو التشرد ~~أهون علي من قضاء عشر ساعات يوميا خلف طاولة في مكتب. لا ~~يوجد ما يستحق ثناء خاصا في قراري، لكنني لم أتراجع عنه قط ~~ولن أتراجع عنه أبدا. لقد كانت حكمة أجدادي مترسخة بعمق في ~~عقلي: لقد ولدنا لنستمتع بعملنا، بمعاركنا، بأحبائنا، لقد ~~ولدنا لأجل ذلك لا لأجل أي شيء آخر. # يا ترى ماذا كان واتانابي سيقول إذا قرأ ذلك؟ # | هوامش # الجزء الرابع # | الأخلاقيات والقيم # يتناول الجزء الرابع بالبحث الحياة الأخلاقية، حيث سنبحث أسئلة حول الدافع الأخلاقي ~~(ما الأسباب التي تدفعنا إلى فعل الصواب؟) والحظ الأخلاقي (هل الموقف الأخلاقي الذي ms207 ~~نتبناه راجع لنا كليا؛ قد يكون المرء سعيدا أو تعيس الحظ في الحب، فهل من الممكن ~~أيضا أن يكون محظوظا أو غير محظوظ في حياته الأخلاقية؟) سوف نفحص أيضا النظريات ~~الكبرى في مجال الأخلاقيات في الفلسفة الحديثة مثل العواقبية وأخلاق الواجب ونظرية ~~الفضيلة. # يقدم الفصل الحادي عشر دراسة للدافع الأخلاقي. هل لدينا ما يبرر التصرف على نحو ~~أخلاقي حتى عندما يكون واضحا أن مصلحتنا الشخصية لا تتطلب ذلك؟ (ربما تكمن مصلحتنا ~~الشخصية دوما في التصرف على نحو أخلاقي، كيف هذا؟) تحتاج المناقشات من هذا النوع إلى ~~استخدام نموذج متخيل بالغ التعقيد (واحد على الأقل)، يتسم بقدر كبير من المنطقية. وقد ~~اخترنا لهذا النقاش فيلم المخرج وودي ألن لعام 1989، والذي يحمل عنوان «جرائم وجنح» ~~(كرايمز آند ميسديمينرز). كثيرا ما يناقش ~~هذا الفيلم في سياق تلك القضايا. وسوف نضيف إلى هذه المناقشة عبر بحث متعمق وجدي ~~لموقف الاختيار الذي يواجه الشخصية الرئيسية في الفيلم، شخصية جودا روزينثال. إن جودا ~~نموذج لا يضاهى لتجسيد الصدام بين المصلحة الشخصية والالتزام الأخلاقي. # ونطرح في الفصل الثاني عشر دراسة لمسألة الحظ الأخلاقي. ما حدود قدرتنا على تحديد ~~مصيرنا الأخلاقي؟ بعبارة أخرى ما علاقة الحظ بكوننا أناسا صالحين حسني التصرف أم لا؟ ~~سوف نوظف هنا الفيلم الألماني «حياة الآخرين» (ذا لايفز أوف أذرز) (2006) الذي تدور ~~أحداثه في برلين الشرقية قبل بضع سنوات من انهيار جمهورية ألمانيا الشرقية الديمقراطية ~~(التي كانت في الواقع دولة شيوعية، تحت رعاية الاتحاد السوفيتي وحمايته). يتناول الجزء ~~الأكبر من الفيلم سياسات الحرية الشخصية والخصوصية، وواجبات الفنان في عصور القمع، لكنه ~~يطرح كذلك أسئلة فلسفية جوهرية حول الهوية الأخلاقية والمخاطر التي نخوضها عندما نقرر ~~تحويل مسار حياتنا، حتى مع إيقاننا بأننا نصبح أشخاصا أفضل في خضم ذلك. في هذا ~~الفيلم، تصادف الشخصية الرئيسية، جيرد ويسلر، فرصة من شأنها أن تجعل حياتها أفضل ~~حالا. كان ويسلر محظوظا كما يتضح من سياق الأحداث، أما باقي شخصيات الفيلم فلم يحظوا ~~بالقدر نفسه من الحظ. ما علاقة الحظ ms208 بالحياة الأخلاقية؟ قد تربطهما علاقة كبيرة. # أما الفصل الثالث عشر فيتناول مسألة التصرف الصائب. ما الذي يجعل تصرفا ما صائبا ~~وما الذي يجعله خاطئا؟ سوف نستقصي نوعين رئيسيين من الإجابات التي يقدمها الفلاسفة. ~~(ونبحث في الفصل الرابع عشر نوعا ثالثا من الإجابات.) سوف نطرح كذلك نظريتين ~~فلسفيتين، هما العواقبية وأخلاق الواجب. وسنحتاج كذلك إلى دراسة حالة نستطيع استخدامها ~~كي نستوعب الفرق بين النظريتين؛ ربما تساعدنا في تقرير مدى معقولية كل منهما. يمدنا ~~كريستوفر نولان من جديد بدراسة الحالة المطلوبة التي نجدها في فيلم «فارس ~~الظلام» (ذا دارك نايت) (2008) وتتضمن ~~معديتين على متنهما الكثير من الركاب القلقين. وبالطبع تتضمن دراسة الحالة باتمان ~~والجوكر كذلك. فيلم نولان درس عبقري في كيفية خلق المعضلات الأخلاقية. يتقصى هذا الفصل ~~كيف يؤسس الفيلم إجابة عن السؤال حول التصرف الصائب، ثم يبدأ في تفكيكها. # وأخيرا يتناول الفصل الرابع عشر فكرة الصلاح. يستكشف العديد من الأفلام بالطبع فكرة ~~صلاح الشخصيات، لكن الفيلم الذي نناقشه في هذا الفصل يتميز عبر طريقته الفطنة والمقنعة ~~بتوضيح بهجة وجمال خلق هوية أخلاقية. الفيلم هو «الوعد» (لا بروميس) لصانعي الأفلام ~~البلجيكيين جان بيير داردين ولوك داردين . ويجسد قصة فتى مراهق يقطع وعدا على ~~نفسه، ويفي به. سوف نستخدم الفيلم في دراسة مزاعم نظرية الفضيلة. يزعم منظرو الفضيلة ~~أن الفضائل تكمن في قلب الصلاح الأخلاقي ولا يمكن اختزالها في مجرد التصرف على نحو صائب ~~أو جيد؛ فالفضائل أمر خاص وجوهري. يوضح فيلم «الوعد» هذه الخصوصية ونحن نستخدمه في ~~مناقشة قضية نظرية الفضيلة. # الفصل الحادي عشر # | «جرائم وجنح» وهشاشة الدافع الأخلاقي # مقدمة # تخيل معي أنك ارتكبت إثما فادحا نسبيا؛ وعليه، أصبحت واقعا في ورطة كبيرة؛ ~~حياتك توشك على الانهيار من حولك، وكل ما تحتاج فعله كي تمنع حدوث هذا هو إجراء ~~مكالمة هاتفية؛ مكالمة هاتفية إلى أخيك الذي سيتولى التعاقد مع شخص لارتكاب جريمة ~~قتل نيابة عنك ستؤدي إلى تبديد متاعبك كافة. إنها مكالمة من الصعب إجراؤها، لكن من ~~الصعب أيضا عدم إجرائها. ما ms209 الذي ينبغي عليك فعله؟ الإجابة بسيطة: عليك ألا تجري ~~تلك المكالمة أبدا. عليك مواجهة عواقب سلوكك، وأن تدع حياتك تتخذ منحى سيئا، في ~~بعض جوانبها على الأقل، نتيجة لما فعلته. سعادتك المستقبلية مهمة دون شك، لكن ~~الأكثر أهمية هو ألا تصبح قاتلا. والأهم من ذلك ألا يقتل أحد لا لسبب سوى أن تصير ~~أسعد حالا. من منظور أخلاقي، يبدو ذلك كله بديهيا تماما. وهو كذلك ملخص الحبكة ~~الرئيسية لفيلم وودي ألن «جرائم وجنح» (1989). # ما يثير الاهتمام في هذا الفيلم ليس معضلة أخلاقية ما تواجهها الشخصية ~~الرئيسية، شخصية جودا روزينثال؛ فهو لا يواجه معضلة أخلاقية؛ المعضلة الأخلاقية ~~موقف لا يتضح فيه على الإطلاق، من منظور أخلاقي، ما يفترض بالمرء فعله. وجودا لا ~~يواجه هذا النوع من المواقف. هو واقع في مأزق، لكنه ليس مأزقا أخلاقيا. لقد كان ~~على علاقة غرامية مع امرأة تدعى ديلوريز ~~طوال بضع سنوات ويرغب في إنهاء تلك العلاقة، لكن ديلوريز لها رأي مختلف، فهي تعتقد ~~أنه قد وعد بترك زوجته، ماريام، لأجلها. ودليلها على ذلك هزيل فيما يبدو؛ فقد أشار ~~جودا ضمنيا في مناسبة واحدة على الأقل، نراها بتقنية الارتجاع الفني ، إلى استمرار ~~علاقتهما في المستقبل، لكنه ينكر أنه وعدها قط بترك ماريام. وبدافع من اليأس، ~~ترغب ديلوريز في مناقشة الوضع مع ماريام، وتهدد جودا بفضح خيانته وتعاملاته ~~التجارية المشبوهة إذا لم تتحقق رغبتها. (على ما يبدو كان جودا يقترض أموالا من ~~الحسابات الخيرية التي يديرها. ورغم زعمه تسديد تلك الأموال كافة، تظل التعاملات ~~غير قانونية على الأرجح.) # تهدد ديلوريز بتحطيم حياة جودا كليا. هو على يقين من أن ماريام ستسامحه على ~~خيانته، لكن سمعته كرجل مستقيم وخير ستدمر نتيجة ما ستكشفه ديلوريز عن تعاملاته ~~التجارية. ستنحدر حياته إلى نقطة الحضيض، على حد تعبيره. يلجأ جودا إلى أخيه الذي ~~يعرض سبيلا للخروج من مأزقه وهو تأجير قاتل للتخلص من ديلوريز. ويقبل جودا عرضه ~~بعد قليل من الممانعة والمعاناة (الزائفة على الأرجح). وعندما تتم عملية القتل، ~~يعاني من ms210 وخز الضمير. (أو هل هذا خوف من أن يلقى القبض عليه ويعاقب، إما على يد ~~الشرطة أو بتدخل إلهي؟ الندم شعور مختلف عن الخوف من العقاب.) # 1 # وفي نهاية المطاف، عندما يتأقلم مع فعلته ويدرك أنه قد أفلت بجريمته ~~دون عقاب، تخبو وخزات ضميره ويعود إلى حياته السعيدة المرفهة الموسرة كأن لم يحدث ~~شيء تقريبا. # أحد الجوانب المثيرة للاهتمام فلسفيا في هذا الفيلم هو تحديه لدوافع عيش حياة ~~أخلاقية. هذا الجانب ليس الوحيد في الفيلم الذي يثير الاهتمام الفلسفي؛ فالفيلم ~~صريح في توجهه الفلسفي، وتتخلله تأملات ومجادلات فلسفية. # 2 # وقد أعدت قصته كي تبرهن على أن العالم مكان لا يسوده العدل التام؛ ~~فالأشخاص الصالحون (كليف وبن في الفيلم) قد يعانون بسبب صلاحهم أو على الرغم منه، ~~والأشخاص الفاسدون (جودا وليستر) قد يلاقون نجاحا وازدهارا لا لسبب سوى استعدادهم ~~لارتكاب السوء. # 3 # لقد نجح ألن نجاحا جليا في طرحه، وفقا لشروطه الخاصة، لكن ماذا ~~يثبت أيضا بعيدا عن حقيقة غياب العدل التام عن العالم؟ هل يثبت زيف الأخلاق، ~~وأنها مجرد نوع من الاحتيال، وليس لها دور سوى التحكم في السلوك فحسب؟ هل يثبت أنه ~~دون وجود إله لا يمكن وجود قيم أخلاقية مشروعة من منظور موضوعي؟ لا يثبت الفيلم ~~تلك الفرضيات، ولا يقدر قطعا على ذلك؛ فتلك مجادلات ذات طبيعة تجريدية تفوق قدرة ~~قصة، عن مجموعة معينة (وغير معتادة) من الأفراد، على تقديم إسهامات مقنعة في تلك ~~المجادلات. فضلا عن أن المجادلات الفلسفية المصاغة كلاميا في الفيلم هي بوجه عام ~~أخف وأضعف من أن تحمل وزنا فلسفيا كبيرا. سوف نتجنب القضايا الكبرى من هذا ~~النوع، وسنركز عوضا عن ذلك على أحد أهم مواطن القوة في الفيلم، وهي تحريه لدوافع ~~جودا روزينثال وردود أفعاله. إن جودا شخصية مثيرة للاهتمام، وقد رسمها وودي ألن ~~بتفاصيل حية، وأداها مارتن لاندو أداء بديعا. سوف نتحرى دوافع جودا فلسفيا؛ ~~مهمتنا الرئيسية هي طرح السؤال حول «ماهية الدافع لعيش حياة أخلاقية» ومحاولة ~~الإجابة عنه. بالطبع قد لا ms211 يحظى هذا السؤال، في نهاية الفصل، بإجابة مثالية، لكننا ~~سنبحث أشهر الإجابات التي قدمها الفلاسفة. سوف نسترشد بجودا روزينثال في مهمتنا أو ~~سنتخذه على الأقل نموذجا رئيسيا. # لدى جودا مبررات أخلاقية قوية تدفعه ل «العزوف» عن الترتيب لقتل عشيقته السابقة. ~~لكن يبدو أيضا، للوهلة الأولى، أن لديه أيضا مبررات شخصية قوية تدفعه للترتيب ~~لقتلها. إذا كان سيفكر في نفسه وما سيصب في مصلحته الخاصة فحسب، لا فيما يفترض ~~عليه فعله أخلاقيا أو في ديلوريز أو في أي شخص آخر متورط في مسائله، فقد يبدو ~~عندئذ أن لديه مبررا قويا جدا للتخطيط لعملية القتل. يوجد تصادم ها هنا بين ~~المبررات الشخصية والأخلاقية. القيم الأخلاقية تحث جودا على فعل شيء، بينما مصلحته ~~الشخصية تملي عليه شيئا آخر؛ ومن ثم يتخذ سؤالنا الفلسفي الصيغة التالية: ما ~~دافعنا لاتباع سلوك أخلاقي عندما لا يصب ذلك في مصلحتنا الشخصية؟ # ما وراء الأخلاق، الأخلاق المعيارية، وعلم النفس الأخلاقي # يتفرع البحث الفلسفي في مجال الأخلاقيات إلى عدد من المستويات. في المستوى الأكثر ~~تجريدا، يتحرى الفلاسفة طبيعة المفاهيم الأخلاقية عبر أسئلة من قبيل: ما الذي ~~تعبر عنه تأكيدات أخلاقية مثل «من الخطأ تأجير قاتل للتخلص من عشيقة سابقة ~~مزعجة»؟ هل التأكيدات الأخلاقية حقيقية من الأساس؟ وإذا كانت حقيقية، فما طبيعة ~~السمات التي تجعلها كذلك؟ هل في وسعنا معرفة الحقائق الأخلاقية؟ كيف نستطيع اكتساب ~~هذه المعرفة؟ ما أنواع الأدلة التي قد تدعم صحة زعم أخلاقي؟ هذا المستوى من البحث ~~الفلسفي، المعروف باسم ما وراء الأخلاق، # 4 # لا يساعدنا بالضرورة على تحديد صحة مزاعم أخلاقية بعينها. فإذا كنت ~~تريد معرفة العالم، فلن يساعدك على ذلك فيلسوف يخبرك عن ماهية الحقيقة، بل عليك أن ~~تعرف أي الأشياء حقيقي وأيها زائف. أما التحري الفلسفي الأخلاقي، فيختص بمعرفة أي ~~المزاعم الأخلاقية يتعين علينا قبوله، ويعرف هذا باسم الأخلاق المعيارية، وفي بعض ~~الأحيان يطلق عليه الأخلاق الجوهرية. والقاعدة الذهبية في هذا المستوى من البحث هي ~~اكتشاف نظرية أخلاقية ملائمة، نظرية تعلمنا كيف نحدد المزاعم ms212 الأخلاقية الصائبة. ~~على سبيل المثال، قد تزعم نظرية أخلاقية ما أن جميع الأفعال لا تصبح صائبة ~~أخلاقيا إلا إذا كانت «تعظم المنفعة» (سوف نبحث هذه النظرية تحديدا، التي ~~تدعى النفعية، في الفصل الثالث عشر). على صعيد آخر، قد تزعم نظرية أخلاقية مختلفة ~~أن الأفعال لا تكون صائبة إلا في حالة استيفائها لمجموعة محددة من الواجبات ~~الأخلاقية (سوف نبحث هذا النوع من النظريات أيضا، والتي يطلق عليها نظريات ~~الأخلاق الواجبة، في الفصل الثالث عشر). وقد تتحاشى نظرية أخلاقية أخرى تحديد ~~الأفعال التي تعد صائبة أخلاقيا، على الأقل مباشرة، وتتحول عوضا عن ذلك إلى ~~تحديد سمات الفاعل البشري الأخلاقي. وربما تزعم النظريات من هذا النوع أن الناس لا ~~يصبحون صالحين أخلاقيا إلا إذا أظهروا، على نحو موثوق، مجموعة محددة من الفضائل ~~الأخلاقية (سوف نتناول هذه النظرية، التي تدعى أخلاق الفضيلة، في الفصل الرابع ~~عشر). # المسعيان كلاهما من التحري الفلسفي، ما وراء الأخلاق والأخلاق المعيارية مهمان ~~للغاية، لكنهما أيضا مجردان نوعا ما. يفكر الفلاسفة كذلك في الأخلاق بطرق عملية ~~أكثر مباشرة. فعندما نبحث الخواص الأخلاقية لمواقف معينة - مثل هل مساعدة شخص يرغب ~~في الانتحار فعل مسموح به أخلاقيا؟ وهل يفترض خلع الصبغة القانونية عليه - نمارس ~~ما يطلق عليه عادة أخلاق تطبيقية. لكننا في هذا الفصل سنضطلع بنوع آخر من التحري ~~الفلسفي العملي في مجال الأخلاق. وهو مجال يطلق عليه علم النفس الأخلاقي، حيث ~~يتحرى الفلاسفة أسئلة لا حصر لها عن علم نفس الفاعلين الأخلاقيين. (في الفصل ~~التالي، الفصل الثاني عشر، نتناول جانبا مختلفا، وإن كان ذا صلة، من حياتنا ~~الأخلاقية، ألا وهو الدور الذي يضطلع به الحظ فيها.) # لا يهدف علم النفس الأخلاقي، كما يمارسه الفلاسفة، إلى وصف العمليات النفسية ~~الكامنة لدى الفاعلين الأخلاقيين فحسب. فتلك في الأصل مهمة علماء النفس حتى وإن ~~كانت تثير اهتماما كبيرا وواضحا لدى الفلاسفة. إن هدف علم النفس الأخلاقي ~~«الفلسفي» هو بحث الأسئلة الفلسفية المثارة حول طبيعتنا كفاعلين أخلاقيين. وتتركز ~~مجموعة من الأسئلة على مفهومي الدافع والمبرر. ms213 # 5 # ما نوع المبررات التي تدفعنا إلى مراعاة الأخلاق في تصرفاتنا؟ عندما ~~تتصادم المبررات القائمة على المصلحة الذاتية مع المبررات القائمة على المتطلبات ~~الأخلاقية، أيهما يعتبر المبرر الأقوى؟ ولماذا؟ يختص هذا البحث الفلسفي بالدور الذي ~~يلعبه العقل في نموذج مثالي بعض الشيء للسلوك البشري. عندما يتصرف الأشخاص على نحو ~~عقلاني واع، فإنهم يستجيبون للمبررات بطريقة محددة؛ فهم يميزون بوجه عام بين ~~المبررات الضعيفة والقوية، ويتصرفون وفقا للمبررات التي تبدو، في المحصلة ~~النهائية، الأقوى. الفكرة الأساسية هنا هي أن السلوك البشري عقلاني في الأساس. ~~وتلك، بالطبع، صورة مثالية. رغم ذلك يرى العديد من الفلاسفة أن تلك الصورة تصف ~~طريقة تصرف الناس في أغلب الأحيان، وكذلك الطريقة التي يدركون بها عادة، عندما ~~يفكرون بوضوح، أن عليهم التصرف. إنها نموذج مثالي عقلاني للسلوك الذي ينبغي للأفراد ~~اتباعه. يثير كل هذا جدلا كبيرا (كما نتوقع بالطبع في الفلسفة). على سبيل المثال ~~يتجادل الفلاسفة حول الشكل النموذجي للفاعل الأخلاقي. هل هو شخص اختار طريقة تصرفه ~~عبر عملية عقلانية بحتة تحدد الأهمية النسبية للمبررات؟ أم يفترض كونه شخصا يولي ~~مشاعره اهتماما ومتفاعلا عاطفيا، شخصا يتصرف، على الأقل جزئيا، بناء على ~~مشاعر؛ تحديدا أنواع المشاعر المفيدة التي تتيح تبصرا بما هو مهم وذو ~~قيمة. # 6 # في وسعنا استعراض عدد من الرؤى الفلسفية المختلفة عبر التركيز على ~~الدور الأعم الذي تضطلع به المبررات الأخلاقية في نموذجنا المثالي للشخص الأخلاقي، ~~مع مراعاة إعطاء تلك المجادلات الفلسفية حقها من الاهتمام. الفاعل الأخلاقي المثالي ~~هو الشخص الذي يتصرف وفقا للمبررات الأخلاقية المثلى. قد يتصرف وفقا لها على نحو ~~واع ومتعمد، وقد يكون تصرفه غير واع، لكن يعتمد عليه. في أي من الحالتين، ~~الفاعل الأخلاقي المثالي هو فرد يستجيب لأفضل المبررات الأخلاقية وأقواها. # يبدأ السؤال حول الدافع الأخلاقي لدى كثير من الفلاسفة ببحث في المبررات التي ~~تدفع الناس للتصرف. إن السؤال حول السبب الذي يدفعنا لالتزام الأخلاق عندما نرى أن ~~مصلحتنا الذاتية تتعارض مع متطلبات الأخلاق يتحول إلى سؤال حول طبيعة المبررات ms214 ~~الأخلاقية. هل الأخلاق تمدنا بمبررات قوية بما يكفي للتغلب على المبررات المتعقلة ~~المتعارضة؟ من جديد هذه صيغة أخرى أدق لسؤالنا. لن نعرض جميع الطرق الممكنة ~~للإجابة عن هذا السؤال، بما فيها الإجابة بالنفي التي تزعم أن الأخلاق لا تقدم ~~لنا ما يكفي من المبررات، وعوضا عن ذلك سنستكشف استراتيجيتين متفائلتين للإجابة ~~عنه. تتمثل الاستراتيجية الأولى في الدفاع عن الأولوية المعيارية للمبررات ~~الأخلاقية: المبررات الأخلاقية دائما ما تتغلب على أشكال الاعتبارات الأخرى؛ ويرجع ~~ذلك إلى الطبيعة الجوهرية للمبررات الأخلاقية. (سوف نستكشف هذه الاستراتيجية في ~~القسم الأخير من الفصل.) أما الاستراتيجية الثانية فتحاول تقليل التعارض بين ~~الأخلاق والمصلحة الذاتية، بل وقد تطمح إلى إنهائه. يوجد سبيلان مختلفان لمحاولة ~~تحقيق هذا، أحدهما هو توضيح أن السلوك الأخلاقي قد يسترشد بمنظومة ردع يضعها ~~المجتمع بحيث يصبح من مصلحة الكل مراعاة الأخلاق في سلوكهم. أما السبيل الآخر ~~لتقليل التعارض بين الأخلاق والمصلحة الذاتية فيركز على قيمة الحياة الأخلاقية من ~~أجل إثبات أن الصلاح الأخلاقي أمر يصب في مصلحة ذاتنا المستنيرة. # هوبز وخيار الردع # قدم لنا الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز، الذي عاش في القرن السابع عشر، أحد ~~أوضح النماذج وأكثرها إقناعا للإنفاذ العام لبعض المعايير الأساسية على الأقل من ~~السلوك الأخلاقي. تبدأ حجة هوبز بتجربة افتراضية؛ إذ يتخيل الحياة دون أي شكل من ~~أشكال الحكم المدني؛ أي دون قوانين ودون نظام قضائي لتنفيذها. ويزعم أنه في تلك ~~الحالة سينساق الأفراد إلى التصارع فيما بينهم. وحياة كتلك - حياة نعيشها في حالة ~~الطبيعة على حد تعبيره - ستكون فظيعة. رأى هوبز أن الوضع حينها سيكون حرب الكل ضد ~~الكل. فيما يلي وصف هوبز ذائع الصيت للحياة في حالة الطبيعة: # في تلك الحالة، لا يوجد مكان ~~للصناعة؛ لأن ناتجها يصبح غير أكيد؛ وعليه، فستختفي الحضارة على الأرض، فلن ~~توجد ملاحة أو لن يوجد استخدام للبضائع التي قد تستورد عبر البحر، ولن ~~توجد مبان شاسعة وأدوات لتحريك وإزالة الأشياء التي تتطلب قوة بالغة؛ ~~ستتبدد المعرفة من على وجه البسيطة. لن يوجد ms215 حساب للزمن، ولن توجد فنون، ~~ولا أدب، ولا مجتمع، والأسوأ من ذلك كله أننا سنعيش في خوف مستمر معرضين ~~لخطر الموت العنيف، وسيحيا الإنسان حياة قصيرة كريهة يملؤها الفقر والعزلة ~~والبربرية. (هوبز، لوياثان، 89) # لدينا مبررات متعقلة قوية جدا لتجنب العيش في حالة الطبيعة؛ ومن ثم لدينا ~~مبررات متعقلة قوية جدا لفعل ما بوسعنا من أجل إرساء مجتمع مدني حيث تفعل ~~قواعد العدالة والتعامل المنصف أو من أجل الحفاظ على هذا المجتمع حال ~~وجوده. # 7 # وتفعيل تلك القواعد أمر جوهري؛ فالحياة داخل مجتمع عادل تصب في ~~مصلحتنا، لكن هذا لا يعني أنه من مصلحتنا الشخصية الالتزام دائما بقواعد ذلك ~~المجتمع. إذا كان بوسعنا ممارسة الغش والإفلات بفعلتنا، كما فعل جودا، فإن أقوى ~~مبرراتنا المتعقلة قد توعز لنا بالغش. نحتاج إلى ما هو أكثر من قوانين تحريم ~~القتل في كتب القوانين؛ نحتاج إلى قوة شرطية ولنظام قضائي كفء يدعم تلك القوانين. ~~بعبارة أخرى، نحتاج إلى نظام ردع فعال. ونظام الردع الفعال على نحو مثالي هو ~~نظام يضمن أن يصب اتباع القانون في مصلحة كل فرد، ويتمكن من تحقيق ذلك عبر التأكد ~~من أن المخاطر المتضمنة في مخالفة القانون بالغة الجسامة إلى حد يجعل مخالفة ~~القانون رهانا خاسرا في جميع الأحوال. # 8 # بالطبع، من الصعوبة بمكان وضع نظام ردع فعال على نحو مثالي. هل سيكون ~~نموذجا جديرا بالاحترام؟ هل سيحل وجوده مشكلة التعارض بين المبررات المتعقلة ~~والمبررات الأخلاقية؟ إن نظاما كهذا لن يمنع الجرائم كافة، ناهيك عن جميع الآثام. ~~وحتى نظام ما قبل الجريمة في فيلم «تقرير الأقلية» أخفق في منع جرائم الشروع في ~~القتل! (راجع الفصل السابع). إن مهمة نظام الردع الفعال المثالي هي ضمان ألا يخالف ~~القانون سوى الحمقى. والحمقى موجودون بوفرة في كل مكان - في الواقع كلنا حمقى بدرجة ~~أو بأخرى - لكن على الأقل يمكننا القول إنه في ظل وجود نظام ردع فعال على نحو ~~مثالي يتصرف منتهكو القانون ضد مصلحتهم الخاصة. # فلنعد إلى نموذج جودا لنرى كيف يمكن تطبيق ms216 هذا عمليا. يواجه جودا خيارا ~~صعبا، وبافتراض أنه لا يفكر إلا فيما يحقق مصلحته، كيف ينبغي له الشروع في تقرير ~~ما عليه فعله؟ لقد قرر تأجير قاتل للتخلص من ديلوريز، ويبدو مع نهاية الفيلم أنه ~~أفلت بفعلته. (في القسم التالي من الفصل، نتساءل عما إذا كان قد أفلت حقا ~~بفعلته.) وحتى إذا كان قد أفلت فعليا من العقاب، فإن ذلك لا يعني أنه تصرف ~~تصرفا عقلانيا يصب في مصلحته. ربما كان محظوظا ليس أكثر؛ فقد يحالف الحظ أناسا ~~في غاية الحماقة. كيف إذن نتخذ قرارات عقلانية تتعلق بمصلحتنا الخاصة؟ لن يكفينا ~~تحديد النتيجة التي نرغب فيها من موقف ما ثم السعي وراءها، بل علينا التعامل مع ~~حقيقة عدم يقينية الأحداث، وكوننا عاجزين عن معرفة ما ستتمخض عنه أفعالنا يقينا. ~~ربما انكشف جودا، وألقت قوات الشرطة القبض عليه، ربما أبدى قلقا زائدا بينما ~~يستجوبه المحققون مما أثار شكوكهم. ربما كانت ديلوريز تحتفظ بمذكرات خبأتها في مكان ~~ما. ربما ألقي القبض على القاتل المأجور في جريمة أخرى، وعندها قد يفضح اتفاقه مع ~~شقيق جودا كجزء من صفقة يعقدها مع المدعي العام (وهو ما نراه يحدث في المسلسلات ~~التليفزيونية طوال الوقت). وعلاوة على ذلك، ربما يعجز جودا عن التأقلم نفسيا مع ~~ما ارتكبه. في الفيلم نجده يعاني نفسيا لبعض الوقت ثم يتعافى، لكنه لم يكن يعرف ~~وقتما اتخذ قراره بالتخلص من ديلوريز أن الأمور ستنتهي على هذا النحو. لم يكن لديه ~~ما يضمن عدم إصابته باكتئاب حاد لسنوات؛ ربما كان قراره إيذانا ببدء حياة يملؤها ~~احتقار الذات والشعور بالذنب والندم، ربما كان سيدفعه إلى الانتحار. كيف كان ~~سيتسنى لجودا معرفة معدنه الحقيقي وقتها؟ كيف كان سيتسنى له أن يعرف مسبقا ~~أنه رجل قاس، رجل ذو شخصية ضحلة وطبع متحجر، يملك قدرة كبيرة على خداع الذات ~~والعيش في سعادة بأيد تلطخها الدماء. يختلف جودا عن شخصية الليدي ماكبث. لكن ~~الليدي ماكبث لم تكن تعلم كيف سيكون رد فعلها على تورطها في جريمة قتل. كيف ms217 كان ~~جودا سيتحصل على هذه المعرفة؟ # التقلب سمة أصيلة للحياة؛ ما يحتم علينا عند السعي خلف مصالحنا إلى الاستعانة ~~بحكمنا حول ما قد يحدث ومدى احتمالية حدوثه، وما قد يقع علينا من ضرر أو نفع حال ~~حدوثه. يرى أنصار نظرية القرار المعاصرة أن السبيل النموذجي لفهم هذه المهمة يتطلب ~~مراعاة ما يطلق عليه النفعية المتوقعة. إليكم كيفية تطبيق هذا على نموذج جودا. ~~يواجه جودا اختيارا ما بين الاعتراف لميريام أو الترتيب لعملية قتل ديلوريز. ~~(فلنفترض، لدواعي التبسيط، أن تلك هي الخيارات الوحيدة المتاحة أمامه.) وعليه ~~استنباط العواقب المحتملة للاعتراف لميريام، ثم تحديد مدى أرجحية كل احتمالية وقدر ~~الضرر الذي قد يلحق به. وبعد ذلك يلخص الموقف بهدف الوقوف على نوع الرهان الذي قد ~~يتضمنه الاعتراف. كانت هذه المهمة ستصبح سهلة لو كان لدى جودا وسيلة لقياس كل من ~~أرجحية النتائج ومدى ما ستجلبه من نفع أو ضرر. (يطلق منظرو القرارات على ما ~~تتمتع به النتائج من نفع أو ضرر «جدوى النتائج».) فيما يلي طريقة تحديد الجدوى ~~المتوقعة من أي فعل: لكل نتيجة محتملة للفعل، عليك بضرب جدوى النتيجة في مدى ~~أرجحيتها. حاصل عمليات الضرب تلك كلها هو الجدوى المتوقعة للفعل. تكمن الفكرة ها ~~هنا في استنباط الجدوى المتوقعة لكل فعل قد تقوم به ثم اختيار الفعل الذي يتمتع ~~بأعلى جدوى متوقعة. بعبارة أخرى، اختر أفضل رهان متاح لك. الحياة لعبة رهان؛ لذا ~~من الطبيعي أن نعتقد بأن الجدوى المتوقعة هي جوهر عملية اتخاذ القرار العقلانية ~~المتمركزة حول المصلحة الذاتية. # كما قلنا سابقا، يصبح الأمر سهلا إذا كان لديك تقدير جيد لكل من الأرجحية ~~والجدوى، لكن في عالم الواقع نادرا ما يتوفر لنا أي من ذلك. إذا اعترف جودا ~~لميريام فقد تتركه. ما مدى أرجحية هذا؟ ما مدى الضرر الذي سيلحق به جراء ذلك؟ لا ~~يسع جودا سوى التكهن بما قد يحدث. ربما تبقى ميريام معه لكنها ستجعل حياته في غاية ~~الصعوبة. ما مدى أرجحية هذا؟ ما مدى الضرر الذي سيلحق ms218 به في تلك الحالة؟ ربما ~~تسامحه ميريام وتتعافى علاقتهما من أزمتها، بل وقد تتعمق على مر السنين. ما مدى ~~أرجحية ذلك؟ ما مدى النفع الذي سيعود عليه حينئذ؟ يفترض بجودا تقدير ذلك كله ~~بطريقة ما، وتلخيصه في حكم يحدد مدى نفع أو ضرر رهان الاعتراف لميريام، من وجهة ~~نظره المتمركزة حول مصلحته الذاتية. لكن هذا ليس سوى جزء من عملية اتخاذ القرار. ~~على جودا بجانب ذلك مقارنة هذا الرهان المحتمل برهان آخر بديل. إذا أمر بقتل ~~ديلوريز، ما احتمالات اكتشاف الشرطة لفعلته؟ ما مدى الضرر الذي سيلحق به جراء ذلك؟ ~~(ضرر أكيد.) ما احتمالات معاقبة الله له؟ ما مدى الضرر الذي سيلحق به في هذه ~~الحالة؟ (ضرر بالغ حقا.) لا يؤمن جودا بوجود إله؛ ومن ثم يستبعد احتمالية ~~الانتقام الإلهي. لكن بعدما ارتكب فعلته، بدأت تساوره الشكوك؛ ماذا لو كان مخطئا، ~~ماذا لو كان الله موجودا وشاهدا عليه؟ ربما لم يكن عليه استبعاد فرضية عقاب الله ~~كليا. ما احتمالات كونه مخطئا حيال وجود الله؟ وبعيدا عن هذا كله، من المحتمل ~~أن يعاني جودا من ندم بالغ واحتقار شديد للذات يصل حدا يجعل تعايشه مع نفسه ~~مستحيلا، على غرار الليدي ماكبث. ما احتمالات حدوث ذلك؟ علينا تلخيص ذلك كله كي ~~نصل إلى الجدوى المتوقعة من عملية القتل ثم مقارنة النتيجة بالجدوى المتوقعة من ~~الاعتراف لميريام بالعلاقة الغرامية. أي من الرهانين هو الأفضل؟ كيف بربك يفترض ~~بجودا إجراء تلك الحسابات كلها؟ إنها مهمة بالغة المشقة على أقل تقدير. # 9 # سوف تئول به الحال إلى تخمين معظم الاحتمالات، دون أن يعرف حقا كيف ~~يقارن الجدوى المتوقعة لكلا الخيارين. إن السعي وراء مصلحتنا الخاصة أصعب بكثير مما ~~قد نظن. # لا يمكن الاعتماد على الناس في اتخاذ قرارات عقلانية، من حيث الجدوى المتوقعة، ~~إلا عندما يرون بوضوح تام مقارنة دقيقة للجدوى المتوقعة. عندئذ يأتي دور نظام ~~الردع الفعال. إذا كانت الشرطة تتمتع بالقدر الكافي من الكفاءة، وكان العقاب الواقع ~~بمنتهكي القانون سيئا بما يكفي، حينئذ ms219 تصبح الجدوى المتوقعة من مخالفة القانون ~~منخفضة جدا لدرجة تكاد تمنع وجود أي ظروف تصبح فيها مخالفة القانون أفضل رهان ~~متاح. وعلاوة على ذلك، لا بد أن يكون واضحا تماما للجميع أن مخالفة القانون رهان ~~خاسر في جميع الأحوال تقريبا. لهذا السبب تصبح أنظمة الردع الفعالة عادة أنظمة ~~وحشية؛ فقد تتضمن عقوبات مبالغ في قسوتها (بحيث يحجم أي ذي عقل على مجرد ~~المخاطرة، ولو مخاطرة ضئيلة، بالتعرض لها) أو ربما تتضمن مراقبة شرطية مبالغ في ~~صرامتها (فلا يثق أي ذي عقل باحتمالية الإفلات من العقاب عند مخالفته القانون) أو ~~قد تتضمن كلا الأمرين. # 10 # لا بد لأنظمة الردع الفعالة جعل الجدوى المتوقعة من مخالفة القانون ~~منخفضة على نحو جذري لدرجة تجعل أي بديل آخر مفضلا عليها بجلاء دون حاجة إلى ~~التوصل لأحكام شديدة التدقيق حول الجدوى النسبية المتوقعة. # هل يقدم فرض الأخلاق عموما عبر أنظمة ردع فعالة حلا للتحدي الذي نطرحه؟ ~~تذكر أن التحدي هو تقليل الفجوة بين الأخلاق والمصلحة الذاتية. تبرز بعض المشكلات ~~فيما يتعلق بالاحتكام لفرضية الردع. أولا: لا تساعدنا هذه الفرضية على الكيفية ~~التي تنصر الأخلاق على المصلحة الذاتية في غياب نظام ردع فعال. (ربما تكون ~~الإجابة هنا هي أنه عند غياب ذلك النظام، لا تنتصر الأخلاق على المصلحة الذاتية، ~~لكن كثيرا من الفلاسفة يرون أن هذه نتيجة محبطة ولا يمكن تصديقها.) ثانيا: ~~نظام ردع فعال لن يستبعد احتمالية المجرم العبقري، وهو فرد يتمتع بالقدر الكافي ~~من الذكاء والقسوة الذي يمكنه من جعل الجدوى المتوقعة تميل لصالح خرق القانون. قد ~~يكون أولئك الأشخاص نادري الوجود؛ ومن ثم فمن المستبعد أن يمثلوا مشكلة اجتماعية ~~كبرى، لكنهم يمثلون مشكلة فلسفية. المجرم العبقري هو شخص تتفوق مصلحته الشخصية على ~~الاعتبارات الأخلاقية. لكننا لا نزال في حاجة إلى إجابة عن السؤال حول ما يعزونا ~~إلى التزام الأخلاق (بافتراض أننا غير راضين عن الإجابة التي تزعم غياب ما يعزونا ~~إلى ذلك). ولا يقدم لنا خيار الردع هذه الإجابة. ثالثا: نظام الردع الفعال ms220 سيكون ~~على الأرجح في غاية الوحشية إلى حد يحدث أذى يفوق ما يحدثه من نفع. إن الثمن ~~الذي سندفعه لقاء جعل الناس كافة يدركون بما لا يدع مجالا للشك أن مخالفة القانون ~~رهان خاسر هو أن الجميع سيعانون من مراقبة شرطية مفرطة أو من خشية تلقي عقاب ~~مروع. رابعا: يبدو من الخطأ إنزال عقاب شديد بالناس لمجرد الرغبة في إيصال رسالة ~~واضحة إلى الآخرين تحذرهم من أن يحذوا حذوهم؛ فمنتهكو القانون هم بشر أيضا، ~~وليسوا مجرد وسيط إعلاني. من المحتمل إذن أن يتضمن نظام الردع الفعال بطبيعته ~~نظام عقاب غير عادل. خامسا: حتى إذا أمكن تفعيل النظام على نحو مرض وعادل، سيكون ~~ذلك مجرد حل جزئي لمشكلة الدافع الأخلاقي. كثير من الواجبات الأخلاقية لا تصلح ~~كموضوعات للتدقيق والتحكم العام. لقد قتل جودا عشيقته السابقة، لكنه خان زوجته ~~أيضا. من المنطقي فرض قوانين ضد القتل. لكن أحرى بنا فرض قوانين ضد الخيانة ~~الزوجية، أو ضد التفاخر كذبا بإنجازاتك في صيد الأسماك، أو ضد التعامل ببعض ~~الفظاظة مع جيرانك المزعجين! يبدو أن الفرض العام للأخلاق ينبغي أن يخضع لقيود ~~صارمة. هذا من شأنه أن يترك الدافع الأخلاقي وراء الكثير من الأفعال غير خاضع لأي ~~تحكم. وأخيرا ، يبدو أن خيار الردع يطرح دافعا خاطئا للسلوك الأخلاقي. ربما يضمن ~~أن يصبح تجنب القتل أمرا في مصلحة جودا الشخصية دون شك، لكن إذا كان السبب ~~الوحيد الذي سيجعل جودا يجحم عن الترتيب لقتل ديلوريز هو خوفه من أن يلقى القبض ~~عليه وينال العقاب، أليس هذا في حد ذاته نوعا من الفشل الأخلاقي؟ ألا ينبغي أن ~~يحجم عن قتل ديلوريز لأنه يدرك مدى خطأ هذا الفعل؟ فالقتل فعل من المفترض أن يشعر ~~جودا «بالعجز» عن دفع نفسه لارتكابه، لا فعل يتصور أنه لن يستطيع الإفلات من العقاب ~~عليه. يوضح خيار الردع أنه من الممكن أحيانا تحقيق توافق بين المصلحة الذاتية ~~والسلوك الأخلاقي، لكنه لا يقدم على ما يبدو مبررا مرضيا «على المستوى الأخلاقي» ~~لمراعاة الأخلاق في ms221 حياتنا. # سقراط والسعي خلف المصلحة الشخصية المستنيرة # يمكننا معالجة بعض المشكلات التي واجهناها في القسم السابق عبر إلقاء نظرة أكثر ~~تعمقا على مكامن الخطر في الفعل الأخلاقي. يواجه جودا مخاطرة رهيبة عندما يقرر قتل ~~ديلوريز، فهو يخاطر بتلقي عقاب خارجي؛ فقد تلقي الشرطة القبض عليه وتعاقبه، وقد ~~ينبذه مجتمعه ويشعره بالخزي، وقد يحكم الله عليه ويعاقبه بنيران جهنم. وعلاوة على ~~ذلك يخاطر بأنواع من العقاب الخارجي مثل الشعور بالذنب والندم إلى جانب مشاعر ~~احتقار الذات والاكتئاب. من الصعب على جودا إذن، وعلى أي منا، تقدير تلك المخاطر ~~جيدا، لكن توجد مجموعة أخرى من الاعتبارات التي لم نأخذها بعد في ~~اعتبارنا. # يراهن جودا على ما يبدو رهانا رابحا؛ ففي الفيلم تقتل ديلوريز وتصطحب سرها ~~معها إلى قبرها، وتلتصق التهمة بقاتل متسلسل، ويصطحب هو عائلته في إجازة، ويستعيد ~~سعادته معها مجددا. وعلاوة على ذلك، يحتفظ باحترام وحب عائلته وأصدقائه، وتزدهر ~~حياته المهنية، بل ويصبح لديه قصة طريفة يرويها لكليف البائس (الذي يلعب وودي ألن ~~دوره) في مشهد الحفلة الذي ينتهي به الفيلم. يبدو إذن أنه انتصر على معضلته نتيجة ~~حظ أو حكم موفق. ورغم ذلك، فقد جودا شيئا ما. ربما ظل محتفظا بحب عائلته ~~وأصدقائه، لكنه لم يعد «مستحقا» لهذا الحب بعد الآن؛ ربما ظل محتفظا باحترام ~~أصدقائه وزملائه، لكنه لم يعد مستحقا لهذا الاحترام. السبب الوحيد الذي يجعله ~~يحتفظ بحب واحترام الآخرين هو كونهم لا يعرفون حقيقته. إذا عرفوا حقيقته، سيتحول ~~الحب والاحترام على الأرجح إلى احتقار وتقزز. لقد فقد جودا استحقاقه للحب واستحقاقه ~~للاحترام. قد نعبر عن ذلك بالقول إنه فقد نزاهته. ما مدى أهمية تلك النزاهة؟ إحدى ~~الإجابات عن هذا السؤال اشتهرت على لسان سقراط، وهذه الإجابة مفادها أن أهمية ~~نزاهته تفوق أهمية جميع الأشياء الأخرى مجتمعة. وفقا لسقراط، الجزء الأعظم قيمة ~~لدى الفرد هو شخصيته، أو روحه. # 11 # والحفاظ على سلامة الحالة الأخلاقية لشخصياتنا أهم وأعظم قيمة من حياة ~~مهنية مزدهرة بل ومن حياة عائلية مرضية. ما الذي ms222 تقبل فعله كي تتجنب موقف جودا مع ~~نهاية فيلم «جرائم وجنح»؟ ما الذي تقبل التضحية به كيلا تضطر إلى عيش حياة جودا ~~الكاذبة الكريهة؟ يزعم سقراط أنه يجب عليك أن تكون مستعدا للتضحية بأي شيء وكل ~~شيء، حتى بحياتك نفسها في سبيل ذلك. وفقا لرؤية سقراط، الحالة الأخلاقية لشخصيتنا ~~ليست أكبر قيمة فحسب من باقي الأشياء في حياتنا، بل هي الأعلى قيمة؛ ما يعني أنها ~~تتفوق تلقائيا على أي استحقاقات أخرى تفرض علينا. لذا، فمن مصلحتنا الشخصية ~~الاحتفاظ بنزاهتنا مهما كان الثمن؛ فذلك في مصلحتنا الشخصية المستنيرة. # 12 # إلى أي مدى تبدو رؤية سقراط معقولة؟ يعتمد ذلك على قيمة الزعم الكامن في جوهرها؛ ~~أو بعبارة أخرى: فكرة القيمة الأسمى للنزاهة. يبدو أن هذه الرؤية تفترض مسبقا أن ~~النزاهة لها قيمة موضوعية. فإذا كانت قيمة النزاهة موضوعية، فلن تعتمد على اعتبار ~~الناس أن النزاهة ذات قيمة (على العكس من ذلك، لا يتمتع الذهب بقيمة موضوعية لأن ~~قيمته تعتمد على حقيقة أن الناس يقدرونه). # 13 # إذا كان جودا لا يكترث البتة بفقدانه لنزاهته، فموقفه لا يزال مع ذلك ~~في غاية السوء. لقد أصبح رجلا منتقص القيمة مع نهاية الفيلم، حتى وإن لم يوجد من ~~يعرف ما فعله أو يكترث به على حد سواء. (من يعرفون لا يهتمون، ومن قد يهتمون لا ~~يعرفون.) ما الذي يجعل النزاهة ذات قيمة موضوعية؟ ربما تكون مهمة، لكن أشياء أخرى ~~لا تزال تفوقها أهمية. ربما كانت السعادة أهم موضوعيا من النزاهة. ربما كانت ~~العلاقات الناجحة أهم منها. ما مدى المواساة الصادقة التي ستشعر بها عند الاحتفاظ ~~بنزاهتك إذا كان ذلك سيؤدي بك إلى حياة من التعاسة والوحدة؟ (النزاهة والسعادة ~~عادة ليستا متعارضتين على هذا النحو، لكن تخيل حالة يتعارضان فيها.) # إن احتكام سقراط إلى المصلحة الشخصية المستنيرة والقيمة الأسمى للنزاهة يقدم لنا ~~احتمالية جذابة، لكنها بعيدة عن كونها صحيحة بداهة؛ فهي تتركنا كذلك عالقين في ~~مشكلة تتصل بالأسباب الأخلاقية نألفها من مناقشتنا لقضية الردع في القسم السابق. ms223 ~~فلنقل إن جودا رفض عرض أخيه بالترتيب لقتل ديلوريز لأنه غير مستعد للتحول إلى قاتل. ~~إن احتكام جودا إلى مصلحته الشخصية المستنيرة يبدو خطوة أفضل من أي محاولة ~~للاحتكام إلى مصلحته الشخصية غير المستنيرة. إنه سبب مرض على المستوى الأخلاقي ~~لرفض القتل، وهو أكثر مقبولية من الخوف من العقاب مثلا. (كون الفرد مدفوعا كليا ~~بالخوف من العقاب يعكس نوعا من الأنانية واللاأخلاقية وتمركزا حول الذات، أما ~~كونه مدفوعا كليا بالخوف من التحول لشخص فاسد فيبدو دافعا متمركزا حول الذات ~~بالتأكيد، لكنه ليس أنانيا أو لا أخلاقيا على ما يبدو. والشخص الصالح الذي ترغب ~~في أن تصبح عليه ليس شخصا أنانيا أو لا أخلاقيا.) مع ذلك، يبدو موضوع الحكم، ~~الحماية الأخلاقية للشخصية، مضللا. ألا يجب على جودا رفض قتل ديلوريز بسبب أمر ~~يتعلق بها، بحقوقها أو الاحترام الذي تستحقه، لا بسبب أمر يرغب فيه لنفسه؟ إذا كان ~~ذلك صحيحا، فلا تعتبر المصلحة الذاتية المستنيرة إذن مبررا أخلاقيا ~~كافيا. # 14 # رغم ذلك، إذا كان سقراط على حق في زعمه، فإن ذلك يثبت أنه على الأقل ~~في بعض حالات السلوك غير الأخلاقي، الحالات المتطرفة التي تقوض النزاهة، تطرح ~~المبررات الأخلاقية والمصلحة الشخصية المستنيرة الإجابات نفسها. يدفعنا ذلك إلى ~~تأمل الاحتمالية الأخيرة لدينا. ربما يكون صحيحا أن مراعاة الأخلاق في تصرفاتنا ~~سوف تصب دوما في مصلحتنا الشخصية المستنيرة، لكن لا داعي لأن تستمد المبررات ~~الأخلاقية سلطتها علينا من هذه الحقيقة. ربما يكون لدينا مبررات لاتباع الأخلاق ~~أقوى من المبررات الدافعة للفساد الأخلاقي بصرف النظر عما سيصب في مصلحتنا الشخصية. ~~ربما تكون حقيقة تغلب الأخلاق على الفسوق هي سمة من سمات المبررات ~~الأخلاقية. # كانط وسلطة المبررات الأخلاقية # ترتبط هذه الاستراتيجية الأخيرة ارتباطا وثيقا بفلسفة إيمانويل كانط، وسوف ~~نتناولها بالفحص في سياق فلسفته العملية (فلسفته حول ما يوجه أفعالنا). إن طريقة ~~كانط في عرض المسألة ليست سوى طريقة واحدة من طرق السعي لإرساء سلطة المبررات ~~الأخلاقية، لكنها طريقة شهيرة ومؤثرة. لن نعيد شرح نظرية كانط حول ms224 الفعل الأخلاقي ~~هنا، فذلك سيستغرق وقتا طويلا. عوضا عن ذلك، سوف نطرح حلا للتحدي الذي ~~سنتناوله مستمدا إجمالا من فلسفة كانط. هل تتفوق المبررات الأخلاقية دوما على ~~المبررات المتعقلة؟ نعم، نظرا لطبيعة الاستدلال الأخلاقي، تلك إجابة معتنقي ~~فلسفة كانط. بعبارة أدق، تتفوق المبررات الأخلاقية دائما على المبررات المتعقلة. ~~وكما سنرى لاحقا، مبررات السلوك غير الأخلاقي في الواقع لا توجد من الأساس، لكن ~~دعونا نبدأ من البداية. # ما هي المبررات الأخلاقية؟ إنها المبررات التي تدفعنا إلى مراعاة الأخلاق في ~~تصرفاتنا. وهي تبدو كما لو كانت في منافسة مع المبررات المتعقلة التي تدفعنا إلى ~~فعل ما يصب في مصلحتنا الشخصية. إذا كان هذا هو الوصف الصحيح للمسألة، فإن مهمتنا ~~هي عرض الكيفية التي تتفوق بها المبررات الأخلاقية على المبررات المتعقلة أو ~~تفوقها قوة. لكن من منظور كانط، من الخطأ النظر إلى الأمور بهذه الطريقة؛ ~~فالاستدلال الأخلاقي هو السعي للإجابة عن سؤال «ماذا يجب علي فعله؟» وعلى العكس ~~من ذلك، الاستدلال المتعقل يسعى للإجابة عن سؤال مختلف، وهو: «ماذا يجب علي فعله ~~كي أحصل على ما أريد؟» المبررات الأخلاقية لها الغلبة على المبررات المتعقلة لأن ~~المبررات الأخلاقية هي وحدها التي تخبرنا تحديدا بما ينبغي لنا فعله. أما المبررات ~~المتعقلة فتخبرنا بشيء آخر؛ هي تخبرنا بما ينبغي لنا فعله كي «نحصل على ما نريد». ~~والسؤال حول ما إذا كان من المفترض أن نحصل على ما نريد سؤال مفتوح. # 15 # يريد جودا استعادة حياته، ويعتقد أن السبيل الوحيد الذي يمكنه من ذلك ~~هو موت ديلوريز. ويستنتج، بعد تفكير متعقل، أنه لا بد له من الترتيب لقتلها كي ~~يستعيد حياته. لكن ما علاقة هذا بالأمر؟ هذا التفكير لا يقوده إلى السبب الذي يوجب ~~عليه قتل ديلوريز؛ يجب عليه قتلها في حالة واحدة فقط؛ وهي أن يكون قتلها هو السبيل ~~لاستعادة حياته. ولا يوجد ما يبرر «هذا النوع» من التفكير. تتفوق الأخلاق على ~~المصلحة الشخصية لأن التبرير الأخلاقي، بطبيعته، يحدد ما ينبغي لنا فعله. جميع ~~الاعتبارات الأخرى ms225 حول ما ينبغي لنا فعله لا بد أن تمر عبر مصفاة الأخلاق كي تصبح ~~قادرة على إخبارنا بما ينبغي لنا فعله. # قد يبدو كلامنا أشبه بخدعة لفظية. فظاهريا نحن لم نفعل سوى تعريف الاستدلال ~~الأخلاقي بطريقة تجعل له الغلبة دائما على الاعتبارات الأخرى. لكن الأمر لا يقتصر ~~على ذلك. ما يعرضه كانط هو نموذج للاستدلال العملي (أي استدلال حول كيفية التصرف)؛ ~~استدلال يتعارض بحدة مع نموذج الجدوى المتوقعة الذي عرضناه باكرا في هذا ~~الفصل. حسب نموذج الجدوى المتوقعة، يتحقق الاستدلال العملي، على وجه التقريب، من ~~خلال تحديد مسار العمل الذي سيحقق على أكثر تقدير النتيجة الأعلى قيمة. هذا النوع ~~من الاستدلال يطلق عليه الاستدلال الذرائعي. وعلى النقيض، يتحقق الاستدلال العملي ~~في نموذج كانط عبر تصنيف الأفعال تحت مبادئ. علينا أن نسأل أنفسنا: ما نوع هذا ~~الفعل؟ ما المبدأ الذي يقع تحته؟ وعندئذ يمكننا تحري مزايا هذا المبدأ. # 16 # إذا كان جودا يتبع مبدأ (بدلا من التصرف على نحو أناني لا تحكمه ~~المبادئ)، فما هو إذن؟ ربما كان كالتالي: «افعل كل ما يمكن فعله، بما في ذلك القتل، ~~كي تصل إلى ما تتوق إليه.» من منظور كانط، لا يمد هذا المبدأ جودا بمبرر حقيقي ~~للتصرف مثلما فعل إلا في حالة كونه مبدأ منطقيا. فهل هو منطقي؟ # ما الذي يجعل مبدأ ما بوجه عام منطقيا؟ لدى معتنقي نظرية كانط عدة إجابات عن ~~هذا السؤال. توظف إحدى الإجابات السؤال الاختباري التالي: هل من المعقول بالنسبة ~~لشخص يتصرف وفقا لهذا المبدأ أن يتمنى لكل من سواه اتباع المبدأ نفسه؟ # 17 # إذا كان هذا معقولا بالفعل، يصبح المبدأ بدوره منطقيا، ويصبح التصرف ~~وفقا له سليما من الناحية الأخلاقية؛ أما إذا لم يكن معقولا، يصبح المبدأ غير ~~منطقي، ويصبح التصرف وفقا له فعلا غير أخلاقي. لقد رتب جودا لعملية قتل ديلوريز ~~كي يضمن استمرار حياته السابقة. لكن إذا تصرف الجميع، بما فيهم أعداؤه وديلوريز ~~نفسها، وفقا للمبدأ ذاته - وهو «افعل كل ما يمكن فعله، بما في ms226 ذلك القتل، كي تصل ~~إلى ما تتوق إليه» - فإن ذلك سيؤدي إلى تقويض أمن وسلامة جودا كليا. إذا تصرف ~~كل امرئ في حياة جودا وفقا لهذا المبدأ، فإن حياته، على حد تعبيره، ستنحدر حتما ~~إلى الحضيض (على سبيل المثال، وفقا لهذا المبدأ، كانت ديلوريز ستسارع بالترتيب ~~لقتل زوجته، وكان منافسوه في العمل سيسارعون بالترتيب لقتل جودا ... إلخ). من غير ~~المعقول أن يتمنى جودا اتباع الجميع لمبدئه وهو يستخدمه للحصول على ما يريد. لهذا ~~السبب كان تصرف جودا غير منطقي من الأساس؛ فقد تصرف حسب مبدأ نجح لسبب واحد فقط؛ ~~وهو أن أحدا لم يتصرف وفقا له سواه. إن جودا يعتبر نفسه مختلفا اختلافا جذريا ~~عن كل من سواه. هو يعتبر نفسه شخصا مميزا، يعمل وفقا لقواعد تنطبق عليه هو ~~وحده. بالطبع هو ليس مميزا. لقد طبق مبدأ ما على نفسه ومبدأ آخر على جميع ~~من سواه، دون أي نوع من التبرير، وذلك هو أساس عدم منطقيته. # من منظور كانط، لا يوجد لدى جودا أي مبرر على الإطلاق يدفعه للترتيب لقتل ~~ديلوريز. فمبرر فعل شيء ما ينشأ من تطبيق مبدأ منطقي يشكل أساسا للفعل. والمبدأ ~~الذي تصرف جودا وفقا له غير منطقي من الناحية الجوهرية. إن رغبة جودا وحبه ~~لذاته يدفعانه إلى الترتيب لقتل ديلوريز. لكن وفقا لنموذج كانط للاستدلال ~~الأخلاقي، الرغبة وحب الذات لا يعدان مبررا للفعل. إنها إغراءات «تغوي» جودا ~~بالقتل و«تدفعه» نحوه، لكنهما لا يمدانه ب «مبرر» للقتل. لا يملك جودا بتاتا أي ~~مبرر لقتل ديلوريز؛ إذ لا يوجد مبدأ منطقي يستطيع وفقا له الترتيب لعملية القتل. ~~من ناحية أخرى، يوجد مبرر واضح جدا للعزوف عن قتلها، وهو المبدأ المنطقي الذي ~~يخبرنا بألا نستخدم القتل قط كسبيل لحيازة ما نريد. # تذكر أن سؤالنا كان يتعلق بماهية المبرر الذي يدفعنا إلى مراعاة الأخلاق في ~~تصرفاتنا عندما تتعارض الأخلاق والمصلحة الشخصية؟ الإجابة عن هذا السؤال حسب رؤية ~~كانط تزعم أننا عاجزون عن إيجاد مبرر للتصرف على نحو غير أخلاقي. وعندما ms227 نتصرف ~~بالفعل تصرفا لا أخلاقيا، نكون قد خضعنا للإغراء وتركنا الرغبة وحب الذات ~~يحلان محل العقل. بالطبع جميعنا معرض لهذا بدرجة أو بأخرى، لكن إذا كان نموذج ~~كانط للاستدلال العملي صحيحا، فقد وجدنا حلا للتحدي الذي طرحناه. إن نموذج كانط ~~للاستدلال العملي محل خلاف كبير؛ ومن ثم لا يعتبر على الإطلاق حلا حاسما ~~للمسألة. لكن في الفلسفة ستجد أن جميع الأفكار المثيرة للاهتمام هي محل خلاف، ~~وقلما تقدم حلول حاسمة. # أسئلة # فلتفترض أن بوسعك، على نحو مضمون ودون جهد، «الإفلات بأفعالك» دون ~~عقاب ببساطة، ماذا سيدفعك حينئذ إلى التزام الأخلاق؟ # هل يوضح فيلم «جرائم وجنح» أنه دون إله يستحيل وجود أخلاق سارية على ~~نحو موضوعي؟ لقد زعمنا في هذا الفصل أن الفيلم لا يوضح ذلك، وأنه يعجز ~~عن أداء مهمة كتلك. هل نحن على صواب؟ # فلنفترض جدلا أننا، على سبيل المثال، لا نفصل بين المنفعة الشخصية ~~والسعادة، بحيث نصنف نتائج الأفعال حسب مستوى سعادتنا فيها. إذا نظرنا ~~إلى المنفعة من هذا المنظور الضيق، فهل نرى أن جودا تمكن من تعظيم ~~قدر المنفعة المتوقعة عبر الترتيب لقتل ديلوريز؟ # لقد انتقدنا نموذج تطبيق نظام ردع فعال على نحو مثالي من جوانب ~~عديدة. لكن تأمل نظاما من القوانين الرادعة ضد أفعال بالغة الأذى ~~(مثل قتل عشيقتك السابقة). إذا قبلنا أن نظاما كهذا سيكون أقل من ~~مثالي (ومحاولة جعله مثاليا ستتطلب إجراءات مفرطة التطرف) فهل تظل ~~انتقاداتنا لخيار الردع سليمة؟ وجود نظام كهذا لن يحل مشكلتنا ~~الفلسفية. لماذا؟ # زعمنا في هذا الفصل أن المصلحة الذاتية المستنيرة لا تمدنا بمبررات ~~«أخلاقية» مرضية للتصرف لأنها تركز انتباهنا واهتمامنا على الجانب ~~الخطأ من المسألة. هل هذه حجة جيدة؟ ما الرد المحتمل عليها؟ # هل الحجة المستقاة من فلسفة كانط - التي عرضناها في هذا الفصل، ~~وتزعم أن المبررات الأخلاقية، بحكم طبيعتها، تتفوق تلقائيا على ~~الاعتبارات والرغبات الشخصية - خدعة لفظية أم تنطوي على ما هو أكثر؟ ~~ألا يعني هذا أننا نتخلص من المشكلة ببساطة عبر وضع تعريف؟ (لقد دفعنا ~~في ms228 هذا الفصل بخطأ هذا، فهل كنا على صواب؟) # على مدار هذا الفصل، قارنا بين نوعين من الاستدلال العملي: ~~الاستدلال الذرائعي (ونموذج تعظيم الجدوى المتوقعة مثال له) والاستدلال ~~القائم على مبدأ (ونموذج الاستدلال الكانطي مثال له). قد يرى البعض أن ~~الاستدلال العملي نوع من الاستدلال حول كيفية الحصول على ما نريد، ~~بينما يرى آخرون أنه استدلال خاضع لمبادئ منطقية ومبررة تحكم ~~الأفعال. أي النوعين أفضل؟ إذا كان لكل نوع ميزة خاصة به فهل من الممكن ~~توحيدهما أو التوفيق بينهما بطريقة ما؟ كيف يمكن هذا؟ # | هوامش # الفصل الثاني عشر # | «حياة الآخرين»: الحظ الأخلاقي والندم # مقدمة # ما الدور الذي يلعبه الحظ في الحياة؟ وما «نوع» هذا الدور؟ إذا كنا محبوبين أو ~~ناجحين أو ذوي خلق أو محط إعجاب الآخرين، فإلى أي مدى ندين بهذه الصفات إلى ~~فطرتنا وإلى أي مدى ندين بها إلى الحظ؟ إذا كنا بائسين ومخفقين في حياتنا، أو ~~كنا نتسم بالخسة والدناءة ونحمل آثاما فظيعة، فإلى أي مدى يرجع ذلك إلينا وإلى ~~أي مدى يرجع إلى الحظ؟ ما نوع هذا الحظ؟ ماذا نعني بكلمة حظ أو نصيب؟ فيما يلي ~~نطرح سؤالا حول قدر التحكم الذي يملكه الأفراد في حياتهم، بما فيها الجانب ~~الأخلاقي. لقد بحثنا مسألة شبيهة في الفصل السابع بمعاونة فيلم «تقرير الأقلية»، ~~حيث استعرضنا ميتافيزيقا الإرادة الحرة والقدرية. وفي هذا الفصل، نتناول مسألة الحظ ~~من منظور أكثر ميلا نحو الجانب العملي لا الميتافيزيقي. ودليلنا في هذا المسعى هو ~~فيلم «حياة الآخرين» من إنتاج عام 2006. # 1 # إن «حياة الآخرين» مثال للأفلام التي يمكن مناقشتها من منظور عدد من القضايا ~~الفلسفية المتنوعة، وهي قضايا يعتمد كل منها على الآخر من نواح متعددة. يقدم ~~الفيلم تجسيدا قويا لمشكلة يطلق عليها الفلاسفة مشكلة «الحظ الأخلاقي»، لا سيما ~~عبر تحول عميل الإشتازي جيرد ويسلر، وعبر عدد من الشخصيات الأخرى كذلك. تصف مارجريت ~~واكر (1991: 14) مفهوم الحظ الأخلاقي بأنه يكمن في «الحقيقة الواضحة والجدلية، على ~~حد زعم البعض، بل والمتناقضة التي تقضي بأن عوامل حاسمة ms229 بالنسبة للموقف الأخلاقي ~~للفاعل البشري تخضع للحظ.» هذا صحيح، لكن لدينا الكثير مما يمكن قوله حول الحظ ~~الأخلاقي وتنويعاته. # تعتمد جودة حياتنا، بما في ذلك جودة حياتنا الأخلاقية، فيما يبدو على تلك الأشياء ~~التي تمنحنا إياها الحياة، لحسن الحظ أو سوئه؛ فهي تعتمد على طريقة «تكويننا» فيما ~~يتعلق بسمات مثل قوة الإرادة والذكاء والمشاعر. وتعتمد كذلك على ما تعرضنا له ~~عرضا من أشخاص وأحداث تصادف أن أثرت فينا. اكتسبت مسألة الحظ الأخلاقي أهمية ~~في الفلسفة المعاصرة عبر أعمال برنارد وليامز وتوماس ناجل؛ فقد نشر وليامز بحثا ~~شهيرا عام 1976 تحت عنوان «الحظ الأخلاقي» مرفقا بها بحثا آخر يتضمن ردا من ~~ناجل. كلا البحثين مهمان، وقد أصبحا من كلاسيكيات الفلسفة الأخلاقية في القرن ~~العشرين. سوف نستعين بفيلم «حياة الآخرين» ساعين لاستكشاف أفكار وليامز وناجل ~~الأساسية، وقد نتعلم من الفيلم بعضا مما يتعلق بالحظ الأخلاقي، حول انتشاره ~~وتنوعه، وحول تطبيقاته في الأخلاقيات والحياة على حد سواء. # علاوة على ذلك، يطرح الفيلم أسئلة حول طبيعة ومغزى الحرية والخصوصية، جنبا إلى ~~جنب مع أسئلة حول الفساد والسلطة السياسية الطليقة والحرمان والخوف والتعذيب وحول ~~الوضع البشري عامة، وكلها موضوعات يتناولها الفيلم في سياقه. كذلك تستحق الخصائص ~~الجمالية للفيلم نظرة أكثر تعمقا، فيما يتعلق، على سبيل المثال، بالدور البارز ~~فلسفيا الذي يلعبه المعمار الذي نشاهده، ويتجسد عبر صورة المدينة وغرف التحقيق ~~وزنازين السجن. لا يمكن، ولا يستحب أيضا، مناقشة جميع القضايا الفلسفية التي ~~يتضمنها فيلم «حياة الآخرين» في ذات الوقت. مع ذلك يكمن الجزء الأكبر من قوة الفيلم ~~في تجنبه عزل الأسئلة المهمة عن بعضها بعضا بل جمعها سينمائيا بطرق تجعل كل ~~سؤال يستلزم الآخر ويطرح سياقا له؛ ما يجعل الأسئلة تنساب على نحو درامي واحدا ~~تلو الآخر وتصطحب المشاهدين بإرادتهم عبر أحداث الفيلم؛ فقد أعدت قصة الفيلم وما ~~صاحبها من دراما، تدعمهما الموسيقى، إعدادا مميزا يجعل الأسئلة متضمنة بعضها ~~بعضا ومترابطة فيما بينها بطرق متعددة. نلاحظ هنا إذن طريقة تبدو بها السينما أقرب ~~للحياة من ms230 الفلسفة، بما أن الحياة ترفض، على نحو مزعج، عزل المعضلات الفلسفية بعضها ~~عن بعض، ومعالجة كل منها على حدة. وعلى المنوال نفسه، تلقي بنا الأفلام الجيدة في ~~خضم ما تجسده من مشكلات، بطريقة تتعارض مع الكتابة الفلسفية الأكثر رسمية، كما ~~نجد مثلا في مقالات المجلات المتخصصة؛ ففي الكتابة الفلسفية الرسمية، قد يظل المرء ~~يشعر أن نقاش المسألة الفلسفية المطروحة لم يعط التعقيد الفلسفي للحياة حقه، مهما ~~اتسم هذا النقاش بالشمولية والبلاغة. # أحد الأسئلة المهمة التي يطرحها الفيلم يتعلق بطبيعة النزاهة. فكل شخصية من ~~شخصياته تجسد سبيلا مختلفا للتمتع بالنزاهة أو الإخفاق في ذلك. لكن ما هي ~~النزاهة؟ في مقال اشترك مؤلفا هذا الكتاب في كتابته بالتعاون مع مارجريت لا كاز ~~(2003: 14، 41-42)، نقول: # النزاهة مفهوم عصي على التعريف؛ فهي لا تتطابق مع مفهوم الصدق، ~~وتتجاوز بكثير كونها فضيلة يتمتع بها ذوو الشرف والأمانة. تقع النزاهة في ~~المنتصف بين أشكال شتى من الجموح. فمن ناحية تحيط بها حالات مثل تبدل ~~المواقف والاستهتار وضعف الإرادة والفساد والنفاق والخداع والعجز عن تأمل ~~الذات أو فهمها. ومن ناحية أخرى، نجد حالات مثل التزمت والجمود العقائدي ~~والهوس بفكرة واحدة والتظاهر بالتقوى والانغماس المفرط في الذات، إلى جانب ~~الفراغ والضيق الذي تتسم به حياة تغلق أبوابها في وجه التعددية التي تميز ~~التجربة البشرية ... يعيش الفرد النزيه في توازن هش من كل تلك الصفات ~~المفرطة في طابعها البشري ... وصف شخص ما بالنزاهة يفترض مسبقا أساسا من ~~الآداب الأخلاقية ... النزاهة ليست نوعا من الكمال أو صلابة الشخصية أو ~~النقاء الأخلاقي. هي تتضمن القدرة على الاستجابة للتغير الحادث في قيم ~~المرء وظروفه، إنها نوع من إعادة الخلق المستمرة للذات، ومن تحمل المرء ~~مسئولية عمله وفكره. وفهم النزاهة يتضمن النظر إلى الذات على أنها دائما ~~قيد التطور، لا على أنها ساكنة وثابتة أو تتضمن «جوهرا» داخليا تصنع ~~حوله تغيرات سطحية إلى حد ما ... السعي وراء النزاهة يتضمن تحديد المرء ~~لرغباته وقيمه والتزاماته. وهي عمليه تشبه كثيرا مساعي فهم الذات أو إيجاد ms231 ~~معنى، وإن كانت لا تتطابق معها. # 2 # ونضيف إلى ذلك أن النزاهة ليست صفة متكاملة قد يمتلكها المرء أو ~~لا، فهي تسمح بدرجة من الازدواجية بل وقد تتطلبها في بعض الأحيان. كل منا يتمتع ~~بالنزاهة ويفتقر إليها أيضا بدرجة ما. ويمكننا عبر الاستعانة بما ذكرناه من معايير ~~للنزاهة، التي نعترف بكونها ملتبسة، أن نفحص كل شخصية من شخصيات الفيلم كي نحدد مدى ~~ما تبديه من نزاهة عبر أسئلة من قبيل: أين تبدي الشخصية قدرا من النزاهة، وكيف ~~تنجح في ذلك على نحو مميز، وأين تخفق في ذلك ولماذا؛ كل شخصية بطريقتها الخاصة. ~~يمكن القيام بهذه المهمة على نحو واع، كنوع من التمارين الأخلاقية، أو قد يجد ~~المشاهد أن تأملات من هذا النوع حول النزاهة تصاحب بطبيعة الحال انغماسه في أحداث ~~الفيلم. # قبل أن ننتقل إلى بحث بعض المسائل الفلسفية التي تشكل جزءا لا يتجزأ من «حياة ~~الآخرين» وتساهم في نجاحه وتأثيره، نحتاج أن نذكر القراء بحبكة الفيلم التي لا ~~تخلو من التعقيد. وسوف تكون مناقشتنا للفيلم أكثر ميلا نحو تفسير الأحداث وتفصيلها ~~مقارنة بملخصات حبكات الأفلام الأخرى الواردة في هذا الكتاب. من المفيد كذلك معرفة ~~بعض المعلومات العامة عن الفيلم، وسوف نذكر بعضا منها هنا. (وكما نقول عادة، احرص ~~على مشاهدة الفيلم أولا قبل متابعة القراءة.) قد يبدو سرد حبكة الفيلم مهمة سهلة ~~نسبيا. رغم ذلك يجدر بنا الإشارة إلى أن ملخص الحبكة هذا في فيلم معقد فلسفيا ~~قد يفترض مسبقا الكثير من القضايا الفلسفية الأساسية في الفيلم بل وقد يحكم مسبقا ~~أيضا على الشخصيات، إما صراحة عبر فعل ما على سبيل المثال بأنه «خيانة»، أو عبر ~~حذف بعض عناصر الفيلم؛ كأن يغفل ذكر بعض الجوانب المهمة أخلاقيا في موقف معين. ~~لا يمكن على الأرجح تجنب هذا النوع من الافتراضات التي لم تثبت صحتها. هذا فضلا ~~عن أن الفيلم يعج بقضايا تتصل بمفاهيم الحرية والخصوصية والسلطة، وتنعكس عبر ~~شخصياته؛ # 3 # ومن ثم تصبح مشاهدة الفيلم، مع أخذ تلك القضايا في ms232 الاعتبار، بجانب ~~الأسئلة المطروحة حول نزاهة الشخصيات، منهجا لمعالجة الفيلم من منظور القضايا ~~الأخلاقية والسياسية التي يطرحها. أما الدور الذي يلعبه الحظ الأخلاقي في حياة بعض ~~الشخصيات فيمدنا بمنهج إضافي سوف نركز عليه في معالجتنا. ~~«حياة الآخرين» # المكان: ألمانيا الشرقية؛ الزمان: 1984، قبل خمس سنوات من سقوط حائط برلين. يزداد ~~اهتمام وزير الثقافة (برونو هيمف) بممثلة (زيلاند) ويبدأ في ابتزازها جنسيا، ~~فيخيرها بين «ممارسة الجنس معه أو تدمير مستقبلها المهني». ونتيجة لهذا الانجذاب ~~المشئوم ناحيتها، ورغبة منه في إزاحة حبيبها الكاتب المسرحي (دريمان) من طريقه، ~~يكلف عميل من البوليس السري (الإشتازي) # 4 # بمراقبة الكاتب المسرحي وحبيبته الممثلة، اللذين تجمعهما علاقة حب ~~طويلة الأمد. العميل هو النقيب جيرد ويسلر، ورمزه السري «إتش جي دبليو إكس إكس/7»، ~~الذي يصبح شخصية الفيلم الرئيسية. يتخذ ويسلر موقعه في المكان العلوي من المبنى ~~الذي يقيم به الحبيبان، ويشرع في التصنت عليهما. وأثناء مهمته يتزايد اهتمامه ~~تدريجيا بحياتهما الشخصية، ولاحقا ينغمس فيها. # يعيش الوزير هيمف في عالم يتيح له تجاهل الآداب الأخلاقية، وأن يطأ بنعليه حقوق ~~الأفراد دون أن يخشى عقابا، وأن يبرر أفعاله عبر إشارات عرضية، تشع نفاقا، ~~لقضايا الأمن الوطني والقيم الاشتراكية. # 5 # ظاهريا، يبدو هيمف أشر المنافقين خطرا؛ فهو يناصر القيم الاشتراكية ~~كي يتخذها ستارا لرغباته ومطالبه الفاسدة، لكن توجد قراءة أخرى لشخصيته ترى أنه ~~ليس منافقا بقدر كونه شخصا حقيرا منحلا يرهب الآخرين بما يملكه من سلطة. هو ~~ليس منافقا؛ لأنه يملك سلطة فرض إرادته دون حاجة لإبداء غير ما يبطن. ما هو النفاق ~~إذن؟ يقول مكينون (1991: 322): # نعتقد أن المنافق هو من يخفي دوافعه ونواياه، أو يتظاهر بغيرها، في ~~المجالات التي تعامل فيها الدوافع والنوايا بجدية مثل الدين والأخلاق، ~~والسياسة أيضا على الأرجح ... المنافق يدرك بلا شك نواياه الحقيقية، وقراره ~~بإخفائها هو قرار متعمد حتما ... لا بد أنه يرغب في أن يحكم الناس عليه ~~حكما مختلفا أكثر محاباة له، ولا بد أنه يتخيل مسار عمل معين مصمما ~~بحيث تنتج عنه تلك التقييمات ويتولى ms233 تنفيذه. # لكن موقف هيمف مختلف؛ فلا حاجة حقيقية لديه لإخفاء دوافعه الحقيقية أو التظاهر ~~بغيرها؛ فالجميع يعرف دوافعه يقينا، ولا أحد ينخدع بكلامه، ربما باستثناء ويسلر في ~~البداية لكنه سرعان ما يرى هيمف على حقيقته. إذن من غير المرجح أن يكون هيمف ~~منافقا بالمعنى الدقيق الذي عبر عنه مكينون. ما نراه هنا هو الواجهة الخارجية ~~للنفاق لا النفاق ذاته، وتلك سمة متغلغلة في الأنظمة الاستبدادية. تلك الواجهة، حيث ~~إظهار الولاء لقيم سياسية أمر إجباري رغم كونه لا يخدع أحدا، سمة لا بد أن تحذرها ~~المؤسسات الديمقراطية. بعبارة أخرى، متشائمة نسبيا على الأرجح، المؤسسات ~~الديمقراطية مصممة بحيث تضمن على أقل تقدير عدم الحاجة إلى النفاق عندما يكذب ~~المسئولون الحكوميون ويخفون دوافعهم الحقيقية ويتظاهرون بغيرها. # لا يوجد سبب يستدعي مراقبة دريمان وزيلاند سوى الاهتمام الدنيء لدى هيمف ناحية ~~زيلاند ورغبته في التخلص من حبيبها. مع أن جميع من في ألمانيا الشرقية في هذا الوقت ~~كانوا معرضين للمراقبة وللخضوع للتحقيق، وأي شخص بارز يتمتع بدرجة من التأثير هو ~~مرشح محتمل لأن يخضع للمراقبة السرية، كان ~~الفنانون على الأخص مستهدفين. على حد قول فيليبا هاوكر في مراجعتها النقدية ~~للفيلم (2007): «يبدي الإشتازي اهتماما خاصا بالشخصيات المبدعة، وبقدرتهم على ~~التشكيل والتقويض والتدمير. إحدى الشخصيات تتحدث عن الكتاب واصفة إياهم ~~ب «مهندسي الروح البشرية »، وهو تعبير مضلل يتضح أن ستالين كان يستخدمه.» ربما ~~يلعب الفنانون دورا خاصا في عملية نشر الأفكار، حتى وإن لم يكن بوسعهم معرفة ~~التأثير الذي سيحدثه فنهم على وجه التحديد. # جزء من أسلوب عمل عملاء الإشتازي هو معرفة كل ما يمكنهم معرفته عن المواطنين، بما ~~في ذلك حياتهم الخاصة، فلربما رأت السلطات أنه «من الضروري»، لأي سبب كان، تقويض ~~مكانتهم أو التحكم فيهم أو تدميرهم تحت ذريعة الحفاظ على الأمن القومي. يوضح الفيلم ~~أن كلمه «ذريعة» هي الكلمة المناسبة في هذا السياق، فقليل من يعتقدون أن الأمن ~~القومي معرض للخطر بصرف النظر عما يقولونه سرا أو علانية. يؤدي انجذاب الوزير ~~ناحية زيلاند إلى ms234 إنهاء ما هو أكثر من حياتها المهنية. ويطلق علاوة على ذلك سلسلة ~~من الأحداث التي تغير حياة ويسلر تغييرا جذريا. ويركز الفيلم في المقام الأول ~~على هذا التغيير الصعب والعميق الذي يطرأ على ويسلر بينما يشاهد ويستمع إلى ما يحدث ~~بين دريمان وزيلاند. # الجزء الأهم والأكثر فعالية من طريقة عمل الإشتازي يعتمد على الخوف. فبما أن ~~عملاء الجهاز عاجزون عن الوجود في جميع الأماكن والأوقات، نجدهم يلجئون إلى استخدام ~~شبكة واسعة جدا من المخبرين بغية أن يعجز الجميع عن تحديد من هو جاسوس ومن ليس ~~بجاسوس. وكان تأثير ذلك في الواقع أن أصبح السكان يراقبون أنفسهم بما أن كل فرد يشك ~~في كون جميع من حوله يتجسسون عليه، وهو شك مبرر. يجسد الفيلم سينمائيا هذا ~~الإطار العام الخانق من الشك والخوف، ويعزز المعمار القاسي والسماء الرمادية ~~والجو البارد والشوارع الخالية، هذا التأثير. ربما يرى المشاهد تلك العناصر ~~باعتبارها امتدادات طبيعية قاتمة للدولة، إلى جانب كونها نوعا من المصادقة الكونية ~~على الوضع السياسي والاجتماعي والشخصي القائم. يعرف الجمهور، عبر حاشية سينمائية ~~تعرض مع بداية الفيلم، أن الأحداث تدور قبل خمس سنوات من حدوث تغير جذري؛ ألا وهو ~~سقوط حائط برلين وتوحيد شرق ألمانيا («جمهورية ألمانيا الديمقراطية») وغرب ألمانيا ~~(جمهورية ألمانيا الاتحادية)؛ ففي عام 1990، انضمت ألمانيا الشرقية أخيرا إلى ~~جمهورية ألمانيا الاتحادية. لكن خلال الوقت الذي تدور فيه أحداث الفيلم، وهو ~~تحديدا عام 1984، كان الأمل في حدوث تغير جذري ضئيلا للغاية؛ فقد بدا أن الحكومة ~~الاستبدادية وأسلوب الحياة الذي أرسته باق للأبد. لا يمكن فهم أفعال الشخصيات إلا ~~في هذا السياق واستنادا إلى هذه الخلفية. وفي ظل هذه الخلفية يختار ويسلر ويخاطر ~~بحياته ويجسد مفهوم الحظ الأخلاقي. لقد خاطر مخاطرة بالغة؛ هو ضابط ذو مكانة ~~مرموقة في الإشتازي، لكن ضباط الإشتازي أنفسهم يتملكهم الخوف إلى حد كبير. ~~وأبوابهم هي الأخرى قد تطرق في منتصف الليل، وقد يعتقلون لأسباب ظنية. لا يوجد ~~سبيل قانوني مشروع يعتمد عليه في ظل هذا النظام الاستبدادي، وذلك ms235 هو سر طبيعتهم ~~القمعية. فمن يعرف ما يستحق الخوف أفضل من ضباط الإشتازي أنفسهم؟! # بينما يتنصت ويسلر على أنشطة دريمان وزيلاند ومحادثاتهما الخاصة، يصاحب اهتمامه ~~تدريجيا، وعلى نحو ربما فاجأه شخصيا، نوع متأن أو تأملي من الحسد. ليس ذلك ~~النوع من الحسد النابع أساسا من الرغبة في حيازة ما لدى شخص آخر أو أن تصير مثله، ~~بل هو نوع من الحسرة على افتقاد الجوانب التي تجعل حياة دريمان وزيلاند حياة حافلة. ~~ومن خلال هذه المقارنة، يصبح ويسلر واعيا فيما يبدو بنوع الحياة التي يعيشها، ~~وطبيعة شخصيته. لقد وضعت حياته موضع مقارنة مع حياتهما فأصبح يراهما على حقيقتهما، ~~بما يقدمانه من عمل ذي قيمة، يستمتعان به وما يجمعهما من علاقة حميمة يملؤها الحب. ~~يعد الاختلاف بين شقتهما المريحة والجذابة وبين شقته الخالية من الأثاث التي لا ~~تحمل أي طابع شخصي اختلافا بارزا وصادما، والفرق بين ممارستهما الجنسية ~~المتقدة ولقاء ويسلر العارض مع عاهرة، تتقاضي أجرها على أساس النصف ساعة، وترفض ~~البقاء قليلا بعد الممارسة الجنسية لأن عميلا آخر ينتظرها، لهو فرق قاس ومحزن. ~~إن ويسلر بصفته عضوا في الحزب الشيوعي قد استوعب داخله ما تجسده الدولة من تشكك ~~بارد وفاتر يخلو من الحياة، على نقيض الحيوية والشغف والنزر اليسير من الأمل لدى ~~دريمان وزيلاند. # رغم ذلك، توجد صفة واحدة لا تنطبق على ويسلر؛ وهي النفاق في صورته الأوضح؛ ففي ~~الأجزاء الأولى من الفيلم، نراه شخصا يؤمن بهدف الدفاع عن الاشتراكية ضد ما تجلبه ~~المثل الليبرالية والانغماس الغربي في الملذات من فساد. ويبدو في الظاهر شخصا ~~مؤمنا بالفعل بقضية؛ شخصا ملتزما بأداء مهام دنيئة وكريهة إلى أقصى حد؛ لأنها ~~ضرورية لأجل الدفاع عن التجربة الاشتراكية العظيمة لجمهورية ألمانيا الديمقراطية. ~~وهو في ذلك يتناقض بقوة مع رئيسه في الإشتازي، أنطون جروبتز، وهو شخص انتهازي شكاك ~~لا يهتم إلا بمصلحته الشخصية. من الصعب تخيل جروبتز وهو يبدي تأثرا كبيرا ~~بالمراقبة المتلصصة لحياة الآخرين. إن انفتاح ويسلر على تأثير الآخرين على هذا ~~النحو العميق يرجع ms236 جزئيا إلى أنه ليس شخصا انتهازيا يخدم مصلحته الخاصة. ~~والفيلم يذكرنا بمدى الاختلاف الذي قد يحدثه الآخرون دون علم منهم في حياتنا. ~~فموضوعه الرئيسي هو تحول ويسلر عبر إدراكه، في اللحظة الحاسمة، لحقائق مهمة حول ~~نفسه والآخرين، تتعلق بما يقدره وما يعتبره صوابا، وبالثمن الذي يتأهب ~~لدفعه. # يدرك ويسلر في مرحلة مبكرة أن دريمان ظل، حتى تلك اللحظة، مواطنا مخلصا. (يتبدل ~~ولاء دريمان كذلك مع أحداث الفيلم.) ويتضح له، فيما يشبه الصحوة، أن مهمة المراقبة ~~التي كلف بها تتعلق بابتزاز الوزير جنسيا لزيلاند، لا بالأمن القومي. يجاهد ~~ويسلر لحيازة قدر يسير من النزاهة والحرية رغم كل ما يواجه من صعاب وفي ظل كآبة ~~عامة، داخلية وخارجية، تطوق البلد بأسره (أي عالم أبطال الفيلم)، والتي نجح ~~الفيلم إلى حد كبير في إعادة خلقها عبر تصوير عالم يتعرض فيه من يقمعون ويقيدون ~~ويروعون الآخرين إلى القمع والترويع كذلك. وهكذا يتحول من عميل محترف بلا قلب ~~يعمل لصالح الدولة، كما يصوره الفيلم في البداية، إلى شخص آخر مختلف اختلافا ~~ملحوظا، شخص أفضل. أولا: كان على ويسلر تحديد ما يقدره، ما يرغب به ويعتقد أنه ~~الصواب. ثم عليه - في وجه خصم شرس وخوف مبرر وغياب مخيف لأي ممن قد يلجأ إليهم ~~كي يستمد تأييدا لآرائه - أن يحاول بطريقة ما الحياة على النحو الذي يراه واجبا ~~أو الذي يرغب به على الأقل. لقد وجد نفسه في موقف يمنحه نوعا من التكفير عن ~~خطاياه، وقد نجح، وهو أمر يحسب له، في إدراك طبيعة هذا الموقف عن حق ~~واغتنامه. # 6 # يضع الفيلم كل شخصية من شخصياته الرئيسية أمام أشر مخاوفها خطرا. فلننظر على ~~سبيل المثال إلى نموذج الكاتب المسرحي دريمان. يعيش دريمان في شقة أنيقة مع زيلاند؛ ~~لقد تمكن حتى الآن من إرضاء مسئولي الحكومة عبر كتابة مسرحيات ملهمة حول الطبقة ~~العاملة، وفي الوقت نفسه الاحتفاظ بصداقة بعض من زملائه الكتاب على الأقل، وربما ~~احترامهم له. يتخلص دريمان تدريجيا من أوهامه حول الدولة بينما يرى تأثيرها على ms237 ~~زملائه الكتاب؛ فقد دفع النظام - ممثلا في شخص هيمف، وهو نفسه وزير الثقافة ~~الذي يبتز زيلاند جنسيا - صديقه ألبرت جيرجسكا إلى الانتحار عبر منعه من العمل ~~وإفقاره. يلعب هذا الحدث دورا محوريا في تحول دريمان من فنان يعمل فيما يطلق ~~عليه «السجن المخملي» (وهو موقف مريح وداعم للفنانين شريطة أن يلتزموا بالقواعد ~~الأيديولوجية للنظام) إلى ناقد للنظام. # 7 # يوافق دريمان على تحدي السلطات والمساعدة في تهريب مقال له حول مدى انتشار حالات ~~الانتحار في جمهورية ألمانيا الديمقراطية - وهي ظاهرة تتستر عليها الحكومة - إلى ~~الصحيفة الألمانية الغربية دير شبيجل. يتستر ويسلر بانتظام على أنشطة دريمان؛ فقد ~~رتب لنقل زميله إلى مهمة أخرى، وبدأ يسلم مجموعة من التقارير الزائفة (المضحكة ~~غالبا) حول نشاط دريمان (حسب التقارير، يكتب دريمان مسرحية عن لينين). # يتكشف الموقف في النهاية نتيجة لافتنان الوزير بزيلاند؛ إذ عزم، منذ رفضها له، ~~على تدميرها. لقد نما إلى علمه أنها تعاني نوعا من إدمان المخدرات، وأنها تبتاع ~~عقاقير محظورة. وعليه، يعتقلها جروبتز، بأمر من الوزير، متذرعا بتلك التهمة، ~~ويستخدمها في الضغط عليها كي تفصح عن مؤلف مقال دير شبيجل. تهدد زيلاند بالسجن ~~وفقدان مستقبلها المهني، فتعرض عليهم التجسس لصالح الإشتازي، بل وتعرض على جروبتز ~~خدمات جنسية. لكن جروبتز، الذي لا تشغله سوى حياته المهنية، يهتم فحسب بما تعرفه عن ~~مؤلف مقال المجلة. تذكر زيلاند في النهاية أن دريمان هو من كتب المقال، في مشهد ~~لا نراه، لكنها تحجب معلومات ضرورية عنه؛ فلا تفصح عن مخبأ الآلة الكاتبة التي ~~استخدمها في كتابة المقال، وهي دليل حاسم يحتاجه جروبتز لاعتقال دريمان وسجنه. ~~يفتش عملاء الإشتازي شقة دريمان فلا يجدون للآلة الكاتبة أثرا؛ ما يؤدي إلى فرض ~~ضغوط أكبر على زيلاند؛ إذ يجلب جروبتز ويسلر (الذي أصبح جروبتز الآن يشك في كونه ~~عميلا مزدوجا) كي يستجوبها. فتلك هي فرصة ويسلر الأخيرة كي يبرئ ساحته أمام ~~جروبتز، رئيسه في العمل؛ لا بد أن ينتزع منها معلومات حول مكان الآلة الكاتبة. ~~وهكذا نتابع، في واحد من ms238 أكثر مشاهد الفيلم حزنا (الدقائق من 40 إلى 44 من الساعة ~~الثانية)، عملية الاستجواب حيث يحاول ويسلر استخلاص المعلومة من زيلاند، بينما ~~يحاول، دون نجاح، طمأنتها خفية عبر إشارات تلمح إلى أن كل شيء سيصير على ما ~~يرام (يتضح فيما بعد أن خطة ويسلر هي نقل الآلة الكاتبة قبل إرسال العملاء للبحث ~~عنها)، تخفق زيلاند في فهم أي من تلك الإشارات. يحاصرها ويسلر أثناء التحقيق، ~~ويجعل الوضع يبدو كما لو أنه لا يوجد خيار أمامها سوى الوشاية بدريمان. يكذب ويسلر ~~عليها، فيدعي أن دريمان سيسجن استنادا إلى أدلة اكتشفوها بالفعل، ويخبرها أنه ~~لا بد لها من إكمال خيانتها له حتى النهاية وإلا فستواجه السجن بتهمة حنث اليمين. ~~يناشد حاجتها العميقة إلى فنها، ويرجوها أن «تتذكر جمهورها». تتفاقم الضغوط على ~~زيلاند إلى حد لا يطاق مع مصادرة الشرطة لعقاقيرها وما تمر به من محنة مروعة في ~~إحدى زنزانات الإشتازي، فتستسلم سريعا دون صخب. # تبحث قوات الإشتازي عن الآلة الكاتبة، فلا تجدها في المكان الذي ذكرته زيلاند؛ ~~لقد نقلها ويسلر. تندفع زيلاند، فيما يعتبره بعض المشاهدين مشهدا مصطنعا بعض ~~الشيء، خارج الشقة قبل أن يتضح فشل عملية البحث، وتسير متعمدة قبالة شاحنة على ~~الطريق. يشير انتحارها (عند فحص المشهد عن كثب نكتشف أنها سارت متعمدة في طريق ~~الشاحنة) إلى فشل خطة ويسلر في أحد أهم جوانبها. لقد أنقذ دريمان، لكنه لعب دورا ~~مساعدا في موت زيلاند. عقب الإخفاق في إيجاد الآلة الكاتبة، وفي مواجهة حادث وفاة ~~لم يتوقعه عملاء الإشتازي أنفسهم، تصدر أوامر بإنهاء عملية مراقبة دريمان، ~~ويصدر جروبتز قرارا بخفض رتبة ويسلر. # يجسد باقي الفيلم اكتشاف دريمان، عقب ست سنوات ونصف، ما حدث فعلا أثناء تلك ~~الأحداث الفظيعة. لقد افترض أن زيلاند قد نقلت الآلة الكاتبة وأنقذته. لكن لقاء مع ~~هيمف، الذي لا يزال يعيش حرا طليقا في ألمانيا الجديدة، يغير من تصوراته. ~~يكشف له هيمف عن عملية المراقبة، التي لا تزال أجهزة التصنت المستخدمة بها موجودة ~~بشقته. والآن أصبح في ms239 وسع دريمان الاطلاع على ملف الإشتازي الخاص به؛ حيث يكتشف أن ~~ويسلر كان يحميه سرا، وأن زيلاند لم يكن بوسعها نقل الآلة الكاتبة، في حين كان ~~لدى ويسلر فرصة القيام بذلك. يطلع دريمان كذلك على ما أعقب المهمة من خفض لرتبة ~~ويسلر. وبناء على تلك الاكتشافات، يهدي كتابه الجديد «سوناتا لأجل رجل طيب» إلى ~~ويسلر مستخدما رمزه السري لدى الإشتازي. يصور المشهد الأخير في الفيلم ويسلر عندما ~~يكتشف هذا الإهداء: «إلى إتش جي دبليو/إكس إكس 7، عرفانا بجميله». وبينما يبتاع ~~الكتاب يسأله البائع ما إذا كان يرغب في تغليفه كهدية فيجبيه: «لا، إنه لي» ~~(الدقيقة 7 من الساعة الثالثة). وتعرض اللقطة الختامية للفيلم صورة ثابتة لوجه ويسلر ~~(الذي يبدو أقل تجهما، وأكثر استرخاء، وتتجلى عليه بوضوح علامات التأثر بل تكاد ~~تزينه ابتسامة!) تصحبها موسيقى شاعرية بعض الشيء (تختلف اختلافا بسيطا عن باقي ~~موسيقى الفيلم)، وتجسد هذه اللحظة كنوع من الخلاص المؤجل. إن كفاح ويسلر لحماية ~~هذا الفنان المنشق قد لاقى اعترافا على الأقل، من الفنان نفسه في هدوء دون علم أحد ~~تقريبا. # أنواع الحظ # إذن، ما الدور الذي يلعبه الحظ في هذا القصة؟ يلعب الحظ أدورا كثيرة بالتأكيد؛ ~~لكن نظرة أعمق إلى هذا السؤال ستدفعنا إلى دراسة بعض النقاشات الفلسفية المؤثرة حول ~~الحظ ودوره في الحياة، لا سيما في جانبها الأخلاقي. يصبح أي شيء خاضعا للحظ، حسن ~~الحظ أو سوئه، إذا كان يؤثر على أمر مهم بالنسبة لنا وإذا كان خارجا عن نطاق ~~سيطرتنا. ويميز توماس ناجل (1979) بين أربعة أنواع مهمة من الحظ. أولا: قد يكون ~~المرء محظوظا أو غير محظوظ في ظروفه. لقد كان من سوء حظ زيلاند أنها جذبت انتباه ~~الوزير هيمف جذبا شهوانيا. يطلق ناجل على هذا النوع من الحظ حظا ظرفيا. ~~ثانيا: قد يكون المرء محظوظا أو سيئ الحظ في شكله أو شخصيته أو طبعه أو مواهبه، ~~وما إلى ذلك. علينا أن ندرك أن الناس ليسوا متحكمين تماما بكل جانب من جوانب ~~شخصيتهم أو سماتهم المميزة، وذلك ms240 عنصر حاسم في حكمنا على الآخرين. (مع ذلك، سنزعم ~~في الفصل الرابع عشر أن المرء يملك كذلك قدرا من السيطرة على ما يتمتع به من فضائل ~~ورذائل.) ويطلق ناجل على هذا النوع من ~~الحظ حظا بنيويا. الحظ الظرفي والحظ البنيوي كلاهما عنصران متغلغلان كليا في ~~حياتنا، ويؤثران تأثيرا استثنائيا على مدى صلاح حياتنا أو ما تتمتع به من قيمة ~~أو ما تستحقه من احترام وتقدير. القليل منا يختبر إخلاصه مثلما اختبر إخلاص ~~زيلاند لدريمان، وكثير من الناس يحيون حياة صالحة لا تشوبها شائبة لا لسبب سوى ~~أنهم لم يتعرضوا لمواقف غير عادلة كتلك. # رغم أهمية وتغلغل هذين النوعين من الحظ، فإنهما لا يزعجان الفلاسفة بقدر ما ~~يزعجهم نوع ثالث؛ نوع يطلق عليه ناجل الحظ الناتج. # 8 # قد يكون المرء محظوظا أو تعس الحظ في نتائج أفعاله؛ فنحن نضع الخطط ~~ونحكم على أنفسنا بناء على مدى حكمة وجودة خططنا، لكن النجاح هو في الحقيقة ~~المعيار الأهم وكثير من الخطط التي كانت ستلقى استنكارا حال فشلها تلقى مديحا ~~لأنها نجحت. يستشهد برنارد وليامز (1981) في هذا السياق بالرسام بول جوجان، الذي ~~هجر عائلته كي يمارس الرسم في جزر جنوب المحيط الهادي (يتلاعب وليامز بتفاصيل ~~القصة؛ ولذا يعترف أن مثاله يطرح نسخة خيالية من حياة جوجان) إذا لم تتضح عبقرية ~~جوجان في فن الرسم، فإن قراره بهجر عائلته كان سيلقى رد فعل سلبيا للغاية. وبسبب ~~نجاحه نتسامح أكثر، وربما لدينا ما يبرر ذلك، مع قراره، ويصبح لدينا مبرر للشعور ~~بالامتنان لأنه اتخذ هذا القرار، أو هكذا يرى وليامز. حسب رؤية ناجل، تمتع جوجان ~~بحظ ناتج حسن. وإذا كنا نعتقد أن هذا يؤثر إيجابا على الحكم الأخلاقي على فعله، ~~فسوف يطلق على حظه الحسن حظا أخلاقيا حسنا. # تحير احتمالية الحظ الأخلاقي الفلاسفة؛ لأنه يفترض ظاهريا أن نتحمل مسئولية ~~الأمور التي بوسعنا التحكم فيها فحسب. لا ينبغي أن تكون الأخلاق خاضعة للحظ، لكنها ~~تبدو، في كثير من الحالات، وعلى نحو بديهي، مسألة خاضعة كليا للحظ. تأمل ms241 على ~~سبيل المثال حالة بستاني يعمل في حديقة يسيجها سور طويل. ينظف البستاني الحديقة ~~عبر قذف الحجارة الكبيرة فوق الحائط نحو طريق يقع على الجانب الآخر من السور. لا ~~يستطيع البستاني تحديد موقع سقوط الحجارة، فربما تسقط على رأس أحد المارة في ~~الطريق؛ ومن ثم هو يتصرف برعونة. إذا كان محظوظا في نتائج أفعاله، فإن الحجارة ~~لن تصطدم بأحد، ولن يتعرض أي شخص للأذى. وسيصبح الخطأ الذي ارتكبه البستاني هو أنه ~~سلك سلوكا طائشا. لكن تخيل أن شخصا ما أصيب بحجر أكبر من المعتاد من تلك ~~الحجارة المقذوفة عبر السور، وتسبب في قتله؛ سيكتسب الخطأ حينها بعدا أكثر خطورة ~~بكل ما تحمله الكلمة من معنى. لقد أصبح البستاني قاتلا (ليس عن عمد بالتأكيد). ~~سوء الحظ يجعله قاتلا، وحسن الحظ يجعله أحمق ليس إلا. يبدو إذن أن الحظ يلعب دورا ~~عظيما في موقفنا الأخلاقي لأنه يؤثر على مدى الخطأ الذي نرتكبه وطبيعته. # 9 # في فيلم «حياة الآخرين»، نرى هذا النوع من الحظ الأخلاقي الناتج في الأحداث ~~المرتبطة بزيلاند؛ فهي، تحت ضغط شديد، تخون حبيبها، خيانة كانت ستعرض دريمان ~~لنتائج كارثية، مثل اعتقاله وسجنه. من وجهة نظر زيلاند، سيحدث ذلك لا محالة نتيجة ~~لخيانتها. لكن كما رأينا، تدخل ويسلر ونقل الدليل الحاسم (الآلة الكاتبة ~~المدانة)؛ ما منع حدوث تلك النتيجة. بالطبع هذا من حسن حظ دريمان. لكنه من حسن حظ ~~زيلاند أيضا؛ فقد تجنبت العواقب الأخلاقية الكاملة لخيانتها. # 10 # إن خيانتها فعل سيئ، لكنها خيانة غير مجدية لا خيانة مدمرة للحياة. ومن ~~المستبعد أن يحكم على خيانة غير مجدية بنفس قسوة الحكم على خيانة مدمرة للحياة. ~~إذا كان الحظ الأخلاقي ظاهرة حقيقة، فإن ميلنا الطبيعي للحكم على خيانة غير مجدية ~~حكما أقل قسوة من حكمنا على الخيانة المدمرة للحياة يصبح صحيحا؛ فالخيانة غير ~~المجدية أقل ظلما من الخيانة المدمرة للحياة. # 11 # لقد عانت زيلاند من سوء حظ ظرفي كبير، لكن في النهاية حظيت بقدر ضئيل ~~من حسن الحظ الأخلاقي. للأسف لم تحي ms242 طويلا لتشهد ذلك. # الحظ والندم # حتى الآن لاحظنا التأثير المحتمل للحظ على الحكم الأخلاقي الصادر من طرف ثالث، ~~وقد ركزنا على النماذج الأبسط للحظ الأخلاقي. إلا أن بحث بيرنارد وليامز الأصلي ~~«الحظ الأخلاقي» يتناول قضايا أكثر تعقيدا وأقل مباشرة في إطار بحثه لنقطة مختلفة ~~نسبيا. كان وليامز مهتما بطبيعة حكم الفرد بأثر رجعي على قراراته الحياتية ~~المؤثرة. يلعب نموذج جوجان دورا حاسما ها هنا؛ فالسؤال المحوري من وجهة نظر ~~وليامز لا يتعلق بما إذا كان قرار جوجان بهجر عائلته من أجل امتهان الرسم في جزر ~~جنوب المحيط الهادي أصبح مبررا أخلاقيا على أثر نجاحه الفني أم لا. بل انشغل ~~وليامز بما إذا كنا قادرين، بالنظر إلى الماضي، على تبرير قرار مهم لأنفسنا، ناهيك ~~عن الآخرين، وكيفية ارتباط تلك العملية في أغلب الأحيان بنجاح المشروع أو الهدف ~~الذي يشكل المشروع جزءا منه أو فشله. إن نجاح المشروع أو فشله أمر قد لا يكون لنا ~~سيطرة كبيرة عليه، هذا إن وجدت من الأساس. لكنه يحدد مع ذلك كيف نقيم هذا ~~القرار، والأهم من ذلك ما إذا كنا سنندم ندما شديدا على اتخاذه. # يشرح وليامز رؤيته (1981: 35-36) في الفقرة التالية (التي تنطوي على بعض الصعوبة): # توجد قرارات ... معينة، تتعلق بمشروعات مهمة تؤثر على مسار حياة المرء حيث ~~يتوحد الفاعل مع المشروع الذي تتخذ هذه القرارات في سبيله توحدا من شأنه ~~أن يجعله يقيم القرار حال نجاح المشروع من حياة تدين بجزء بارز من ~~أهميتها بالنسبة له إلى هذا النجاح في حد ذاته. وإذا فشل، قد لا يتمتع هذا ~~القرار بالضرورة بذلك القدر من الأهمية في حياته. إذا نجح الفاعل في ~~مشروعه، فمن غير المنطقي أن يرحب بالنتيجة بينما يندم على القرار من ~~الأساس. وإذا فشل، فسيقيم القرار كفرد اتضح له عدم جدوى المشروع الذي ~~اتخذت في سبيله القرارات، وهو أمر ... لا بد أن يثير لديه أعمق مشاعر الندم ~~... على هذا النحو يصبح القرار مبررا للفاعل لا للآخرين بالضرورة عن طريق ~~النجاح. # عندما نتخذ ms243 خيارات حياتية جوهرية، كما فعل جوجان وكما فعل ويسلر ~~في النهاية، نبدأ ما يشبه مشروعا؛ أي أمرا تتنوع طرق ودرجات نجاحه أو فشله. ونجاح ~~هذا المشروع أو فشله أمر لا يخضع بالكامل لتحكمنا. علاوة على ذلك، تحدد القرارات ~~الحياتية الجوهرية ما سنصبح عليه مستقبلا، وهذه الذات المستقبلية هي من ستحكم على ~~اختيارنا بأثر رجعي. قد يبدو هذا الكلام أشبه بفخ؛ على سبيل المثال، إذا اختار أحد ~~الأشخاص الانضمام إلى طائفة دينية، فربما تؤثر هذه الطائفة - وستؤثر على الأرجح - ~~على القواعد التي سيحكم وفقا لها على قراراه بالانضمام إليها. سوف يتسبب انتماؤه ~~لطائفة في تشويه حكمه إلى أن ينفصل عنها آخر المطاف. لكن وليامز لا ينشغل بهذا ~~النوع من الخدع في الفقرة التي اقتبسناها لتونا، بل يهتم بالأوضاع التي ستحيط ~~بالفرد، في المستقبل، بينما يتخذ حكما بشأن خياراته الحياتية الأساسية، وبما إذا ~~كان ينبغي له الندم عليها أم لا. # لكي نتجنب مواقف الندم العميق، لا بد أن نكون محظوظين من ناحيتين على الأقل. ~~أولا سنحتاج في معظم الحالات إلى قدر من الحظ (أو إلى غياب سوء الحظ على الأقل) ~~كي نضمن نجاح أهم مشروعاتنا. ثانيا: لا بد أن نكون، في المستقبل، في موضع يمكننا ~~من تقدير ذلك النجاح مثلما تصورناه أول مرة تقريبا، وهو أمر لا يخضع بالضرورة ~~لسيطرتنا. لم يكن بوسع جوجان التأكد تماما أن مشروعه الرامي لأن يصبح فنانا ~~عظيما سيلقى نجاحا، ولم يكن بوسعه كذلك التأكد بما لا يدع مجالا للشك أنه سيظل ~~يحب الرسم بشغف وإخلاص. فماذا لو أصابه الملل من الرسم وأصبح يعتبره لهوا فارغا ~~يناسب الهواة الساعين للهرب من متطلبات حياة كريمة كادحة؟ الخيارات الأساسية إذن ~~محفوفة بالمخاطر، وقد ينتج عنها إخفاق كبير. (ينتقي وليامز مثالا على اختيار فشل ~~فشلا ذريعا من رواية تولستوي «أنا كارينينا»، حيث اختارت آنا ترك زوجها، وحاولت ~~تأسيس حياة مع عشيقها، فرونسكي.) # لا تتساوى جميع الإخفاقات. يقارن وليامز بين الفشل المحتمل لموهبة جوجان أو مزاجه ~~الفني وبين احتمالية إصابته بمرض ms244 وهو في طريقه إلى جنوب المحيط الهادي. يصف وليامز ~~الإخفاق الأول بأنه إخفاق جوهري للمشروع، بينما يصف الثاني بأنه إخفاق غير جوهري. ~~فيما يلي يقدم وليامز مقارنة بين النوعين (1981: 36). القرارات الحياتية الرئيسية ليست: # مجرد قرارات محفوفة حقا بالمخاطر ... لها نتائج مهمة. لا بد أن تكون ~~النتيجة ملموسة بطريقة خاصة، طريقة تؤثر تأثيرا مهما في تصور الفاعل ~~عما يحمل أهمية في حياته؛ ومن ثم يحدد موقفه عند تقييم هذا القرار بأثر ~~رجعي. نستنتج من هذا أن مثل هذه القرارات هي بالتأكيد قرارات تنطوي على نوع ~~من المخاطرة، نوع يساعدنا على شرح أهمية الاختلاف بين الإخفاق الجوهري وغير ~~الجوهري فيما يخص المشروعات المرتبطة بها. في حالة الإخفاق الجوهري، يتضح ~~أن المشروع الذي تمخض عنه القرار بلا قيمة، ولا يصلح كأساس داعم لحياة ~~الفاعل. في حالة الإخفاق غير الجوهري، لا يتضح هذا، وعلى الرغم من حتمية ~~اعتراف الفاعل بالفشل، فإن المشروع لا يجرد من قيمته، وقد يساهم، في صورة ~~تطلع جديد ربما، في إعطاء معنى لما تبقى من حياة المرء. في حالة الفشل ~~غير الجوهري يعجز الفاعل - بينما يفكر بأثر رجعي ويبدي مشاعر الندم ~~الأولية - عن التوحد توحدا كاملا مع قراره؛ ومن ثم لا يجد مبررا لما ~~فعله؛ لكنه في الوقت نفسه ليس منفصلا تماما عن قراره، ولا يمكن أن يعتبره ~~مجرد خطأ كارثي؛ ومن ثم لن يجد نفسه في النهاية بلا مبررات. # عندما تخفق مشروعاتنا الرئيسية إخفاقا جوهريا، ينهار الأساس ~~الداعم لأحد الجوانب المحورية من حياتنا. ولا يبقى لدينا ما يبرر الأذى الذي ربما ~~أوقعناه بالآخرين في خضم سعينا لتحقيق هذه المشروعات. أما في حالة الفشل غير ~~الجوهري لمشروع رئيسي، يظل المشروع معقولا من وجهة نظرنا ولا يمكننا اعتباره «خطأ ~~كارثيا». لا يعتقد وليامز أن جوجان يستطيع تبرير سلوكه لعائلته التي هجرها، فليس ~~مطلوبا منهم أن يقولوا لأنفسهم: «حسنا، لقد اتضح في النهاية أنه رجل عبقري مبدع. ~~من الأفضل أنه هجرنا ولم يعبأ بمصيرنا وارتحل إلى الجزر.» لكن إذا اتضح أن رحلته ms245 ~~إلى جنوب المحيط الهادي كانت مغامرة خيالية بلا قيمة، فلن يجد جوجان ما يقوله ~~دفاعا عن قراره أمام نفسه وأمام الآخرين. إن الحظ الأخلاقي في قصة جوجان يتمثل في ~~حقيقة تجنبه لهذا المصير تحديدا. # حظ ويسلر # من نواح عدة، تثير شخصية ويسلر في «حياة الآخرين» اهتماما أكثر من جوجان؛ فهو ~~يخوض مخاطرات عظيمة، لكنه، على عكس جوجان، لا يخرج منها ظافرا منتصرا. رغم ذلك ~~ينجح ويسلر ويحالفه الحظ بطرق واضحة وأخرى أقل مباشرة وأكثر إثارة للاهتمام على ~~حد سواء. يتخذ ويسلر في خضم الأحداث قرارا حياتيا جوهريا؛ فهو يهجر السردية ~~التي تربط أجزاء حياته المفككة، فيهجر إيمانه بأهمية وحقيقة دوره في جهاز الإشتازي. ~~ويشجعه سلوك هيمف وجروبتز على ذلك، في حين ينمو داخله احترام وإعجاب بدريمان ~~وزيلاند. لا يتحول ويسلر نفسه إلى منشق، وبعد خفض رتبته يستمر في العمل بالإشتازي ~~(في قسم مراقبة الخطابات في السرداب) حتى انهيار جدار برلين. تزداد حياة ويسلر ~~صعوبة دون شك بعد انهيار الجدار بسبب دوره السابق في الإشتازي على الأرجح. وهو الآن ~~يعمل ساعيا للبريد، ونراه يحمل الخطابات عبر شوارع برلين الرمادية القبيحة التي ~~تشوهها الرسومات الجدارية، حيث يبدو وحيدا ومتضائلا. (قارن حياته الآن بحياته ~~عندما نراه للمرة الأولى في الفيلم؛ إذ كان وقتها في ذروة تألقه المهني، محققا ~~ألمعيا بارعا يعطي محاضرة لمجموعة من الطلاب يتطلعون إليه بنظرات يملؤها ~~الإعجاب.) لماذا إذن نعتبره محظوظا؟ # قرر ويسلر حماية كاتب منشق، وقد نجح في هذا. لكنه سعى كذلك إلى حماية زيلاند ~~وأخفق في هذا المسعى. لا بد أنه مثقل بالندم حيال مصيرها استنادا إلى دوره في ~~تحققه. يطلق وليامز على هذا النوع من الندم «ندم الفاعل»، وهو يختلف عن وخز الضمير ~~الذي ينطوي على إحساس قوي بإخفاق أخلاقي عميق لدى المرء؛ ربما لا ينبغي لويسلر ~~الشعور بوخز عميق للضمير على سلوكه في هذا الشأن تحديدا. لقد استجوب زيلاند، وقد ~~أدى هذا، على نحو غير متوقع، إلى انتحارها، لكنه لم يكن أمامه خيار أفضل في هذه ms246 ~~المسألة. لقد فعل كل ما في وسعه، وخاض مخاطرة كبرى كي يمحو قدر ما يستطيع من الضرر ~~الذي تسببت به أفعاله. رغم ذلك، كان ويسلر سببا مباشرا في ضياع زيلاند، وسوف ~~يتضاءل في نظرنا إذا تعامل مع هذه الحقيقة باعتبارها نوعا من الحظ السيئ ليس إلا، ~~أو إذا تملص منها بأن يقول: «لو أنني لم أستجوبها، لاستجوبها شخص آخر أقل تعاطفا ~~بكثير معها.» من المفترض أن يشعر ويسلر بندم الفاعل فيما يخص دوره في استجواب ~~زيلاند (وبتأنيب حقيقي للضمير حيال دوره في استجواب متهمين آخرين). # لم يكتف ويسلر بقرار حماية شخص ما، بل فعل ما هو أكثر. لقد اختار حماية مفاهيم ~~لم يكن يرى لها قيمة حقيقية قبل هذه اللحظة، مفاهيم مثل حق المعارضة السياسية، وحق ~~الخصوصية، وحق المرء في العيش بالطريقة التي يرغب فيها دون أن تحكم الدولة في ذلك. ~~يتضح من تصرفات ويسلر (الذي لا نطلع أبدا على أفكاره) أنه تحول إلى اعتناق ~~تصور ليبرالي لمجتمع عادل، وتخلى عن الطموحات الاشتراكية لتجربة ألمانيا الشرقية. ~~ويعبر هذا عن إعادة توجيه جذرية لرؤيته، ويعكس على الأرجح تقديره المتنامي لما تزخر ~~به الحياة من تجارب ثرية في ظل أوضاع ليبرالية. ربما بلغ ويسلر مستوى أعمق بينما ~~يعيد صياغة قيمه الأساسية؛ فربما ألهمه تذوقه الجديد للفن وما شهده من علاقة ~~متقدة تسودها الحميمية والاهتمام في حياة دريمان وزيلاند المشتركة كي يعقد العزم ~~على أن يحيا بدوره حياة أكثر ثراء بالتجارب والتواصل وبالشغف. لا يقدم الفيلم ~~إجابة حاسمة عن هذا السؤال بأي شكل من الأشكال. (يظل ويسلر شخصية مبهمة، ويظل، ~~لدواعي المفارقة، رجلا منعزلا، لا يعرب أبدا عن دوافعه، ولا يكشف عن أفكاره ~~ومواقفه الأساسية إلا من خلال أفعاله.) # على أي حال، ينحاز ويسلر إلى الجانب الآخر، وبينما يقوم بذلك يخاطر بالتعرض ~~للفشل، بكلا نوعيه الجوهري وغير الجوهري. مثال على الفشل غير الجوهري في حالة ويسلر ~~هو عجزه عن حماية دريمان. (تخيل سيناريو تؤدي فيه التقارير الزائفة غير المتقنة ~~التي يعدها ويسلر إلى ms247 تعريض دريمان للخطر بدلا من حمايته.) كان الفشل غير ~~الجوهري سيؤدي إلى ندم حقيقي، لكن من نوع يختلف عن الندم الناتج عن الفشل الجوهري. ~~أما احتمالية الفشل الجوهري فتكمن في مخاطرة ويسلر عند انحيازه إلى الجانب الآخر ~~بفقدان مبرر حياته في المستقبل. تخيل أن القيم التي تبناها عند تحوله أضحت ~~فيما بعد جوفاء في عينه، ربما أصبح يرى الكاتب المنشق شخصا يحدث صخبا نابعا من ~~انغماسه في ذاته وشعوره بأهميتها حول أشياء تافهة؛ أو بعبارة أخرى، أصبح يراه ~~خائنا حقا. تخيل أنه أصبح يرى صعود التيار الليبرالي في ألمانيا فشلا في حد ~~ذاته؛ نوعا من تخلي الحكومة عن دورها في رعاية المواطنين وضمان المساواة والتآخي ~~بينهم، واختيار طائش للوحشية النيوليبرالية لتحل محل نظام معيب حقا، لكنه قابل ~~للإصلاح، من القيم الاشتراكية. يخاطر ويسلر بفشل جوهري، لكن هذا الفشل لا يحدث لحسن ~~حظه. يبدو المشهد الأخير من الفيلم مصطنعا وعاطفيا في نظر البعض، لكنه يشير في ~~الواقع، إشارة واضحة وعملية، إلى نجاح ويسلر في مشروعه للتحول الذاتي. لقد أصبح ~~شخصا يستطيع تقبل تعبيرات الشكر الصادرة من رجل أنقذه يوما ما عن طيب خاطر ودفع ~~ثمنا لا يستهان به في سبيل ذلك. لقد استحق ويسلر تلك اللحظة. (ومن المهم ملاحظة ~~أن هذه اللحظة لا ترمز إلى تطهر دولة ألمانيا الشرقية أو جهاز الإشتازي الذي ~~أفسدها، بل تتمحور في الأساس حول إمكانية ظهور شخص مثل ويسلر.) # من الواضح أن ويسلر لا يندم على قراره من منظور الشخص الذي أصبح عليه فيما بعد. ~~لكن هذا الوضع لم يكن قط أمرا يقينيا. لا أحد يعرف ذاته بما يكفي، وبالتأكيد ~~لم يكن ويسلر يعرف ذاته بما يكفي، كي يصبح متيقنا من نتيجة كهذه. وقد حظي ويسلر ~~بمساعدة طارئة في طريقه. لقد ساعده تحول مجتمعه بعد سقوط الجدار، واختياره كان ~~نفسه الاختيار الذي اكتسب مشروعية بعدما اعتنقه الكثيرون. إن مجتمعه الجديد أصبح ~~يشاركه مفهومه الليبرالي المكتشف حديثا عن العدالة، وتنكره لماضيه المهني هو ~~تحديدا الموقف الذي سيرحب ms248 به الجميع تقريبا في ألمانيا الجديدة. لم يعد ويسلر ~~يتعرض للاستنزاف على يد مؤسسة تعامله باحتقار لا شك فيه، وهي مؤسسة الإشتازي. ~~والأهم من ذلك، أنه فهم نفسه فهما صحيحا. لقد نجح في التحول إلى شخص قادر على ~~تأمل عملية إعادة التقييم الجذرية التي خاضها ودعمها ونبذ أي هاجس حول تصرفه ~~بطريقة خائنة وغير مهنية. خسر ويسلر خسارة عظيمة، لكنه اكتسب احتراما لذاته يفوق ~~في قوته ما كان يحظى به من قبل. ورغم ذلك كان ويسلر معرضا لخسارة هذا الاحترام ~~كذلك. # 12 # إذا كنا محقين بخصوص الطابع ~~التحويلي الذي يميز قرار ويسلر بحماية دريمان، فإن الفيلم يوضح بدقة مقارنة وليامز ~~بين الإخفاق الجوهري وغير الجوهري وما ينتج عنهما من استناد النجاح الأخلاقي ~~لحياتنا بقوة إلى أشياء ليس بوسعنا التحكم بها. تشكك بعض الكتاب في منطقية تغير ~~شخصية ويسلر أثناء أحداث الفيلم؛ إذ يفترضون أن «من انتمى لجهاز الإشتازي، سيظل ~~دوما منتميا له.» في حين بلغ آخرون حد الزعم بأن تطهر ويسلر يقصد به تبرئة ~~الإشتازي، أو على الأقل تخفيف المسئولية الملقاة عليه، مثلما يصور مثلا عملاء ~~الإشتازي على أنهم عالقون في وضع صعب، وأنهم يتبعون الأوامر وحسب. تقول هاوكر (2007): # توجد بعض المواقف يبدي ~~فيها فون دونرسمارك (مخرج الفيلم) اهتماما أكبر على ما يبدو بعرض شخصية ~~ويسلر، مستخدما مزيجا من المفارقة والسوداوية، بوصفه شخصا مثاليا ~~حالما، شخصا مؤمنا إيمانا حقيقيا ويملك القوة على تطهير نفسه ~~والآخرين. ثمة أمر مزعج حيال هذه النزعة في الفيلم، أمر يؤدي إلى ضياع سياق ~~القصة؛ أي عالم الإشتازي، وتبدده. # رغم ذلك، وبالنظر إلى أن ويسلر هو الوحيد الذي يمر بهذا التغير - قطعا لا يمر به ~~هيمف وزير الثقافة المثير للاشمئزاز ولا جروبتز - قد نزعم أن صناع الفيلم يتفقون ~~على لا معقولية تغير كهذا. لكن هذا لا يعني استحالته، وإذا كان هذا التغير الجذري ~~مقبولا كأمر طبيعي، فلن توجد إذن قصة تستحق أن تروى. إن نجاح «حياة الآخرين» ~~وقوته يعتمدان على لا معقولية التغير الذي خاضه ويسلر. ms249 لكن اللامعقولية لا تعني ~~الاستحالة. التحول الذاتي الناجح يتطلب حظا، وفي بعض الأحيان يحالف الناس الحظ. ~~بالطبع لم يكن تحول ويسلر مجرد مسألة حظ، لكن الحظ لعب دورا في حياته. فربما لم ~~يقابل قط الكاتب والممثلة، ربما لم يعجب بهما على الإطلاق، ربما أخطأ تماما في ~~فهم ذاته؛ فاعتقد أنه اكتشف أمرا عميقا وذا أهمية بينما هو في الحقيقة مفتون ~~فحسب بشخصين ساحرين من محبي الفن. لكن أيا من ذلك لم يحدث. لقد فضل الحظ في ~~النهاية عميل الإشتازي الصارم والمنعزل الذي تحول إلى شخص أفضل. # أسئلة # هل السؤال «ماذا كنت سأفعل في موقف كهذا؟» سؤال فلسفي مهم؟ أهو سؤال ~~فلسفي من الأساس؟ # ما هو «الحظ البنيوي»؟ ما مدى أهميته في تقييم المسئولية ~~الأخلاقية؟ # كيف يرتبط الندم بمشكلة الحظ الأخلاقي؟ # هل ويسلر رجل نزيه؟ # هل أحبت زيلاند دريمان؟ هل خانته؟ # ما التداعيات التي قد تفرضها قضايا الخصوصية والمراقبة والسلطة ~~الاستثنائية للدولة في «حياة الآخرين» فيما يتعلق بسلوك الحكومات ~~الديمقراطية الليبرالية، لا سيما في متابعتهم «للحرب على ~~الإرهاب»؟ # | هوامش # الفصل الثالث عشر # | «فارس الظلام»: باتمان وأخلاق الواجب والنظرية العواقبية # مقدمة # عندما يكون تصرف ما صائبا من الناحية الأخلاقية، ما الذي يجعله كذلك؟ فلتفرض على ~~سبيل المثال أنك وجدت حافظة نقود ضائعة في جزء منعزل من شاطئ البحر. لم يرك أحد ~~بينما تقترب من حافظة النقود، ولا أحد يعلم حتى أنك ذهبت إلى الشاطئ. بداخل حافظة ~~النقود أوراق نقدية قديمة قيمتها 1000 دولار، وورقة تحوي عنوان صاحبة حافظة النقود: ~~السيدة أجاثا والاس. ما التصرف الصائب في هذه الحالة؟ (التصرف الصائب حقا، لا ~~التصرف المناسب لك.) قطعا التصرف الصائب هو إرجاع حافظة النقود كما هي إلى السيدة ~~والاس، لا لأن إعادة حافظة النقود تصرف لطيف وكيس من جانبك - مثلما تعتبر ~~التبرع بألف دولار من أموالك إلى جمعية خيرية تصرفا لطيفا من جانبك - بل لأنه ~~«لزام عليك»، من وجهة نظر أخلاقية، إرجاع حافظة النقود وكل ما بداخلها من أموال. ~~إعادة حافظة النقود إذن أمر ms250 إلزامي من الناحية الأخلاقية. لكن لماذا نعتبره ~~إلزاميا؟ بعبارة أخرى، ما الذي يجعل فعل إعادة حافظة النقود، في هذه الظروف، ~~فعلا إجباريا؟ إذا كنت متدينا، ربما تجيب عن سؤال كهذا بأن الله يأمرنا ألا ~~نسرق، والاحتفاظ بحافظة النقود يعتبر سرقة. فتحريم السرقة متضمن في الوصايا العشر. ~~لكن إجابة كهذه ليست إجابة شافية، فما الذي يؤهل السرقة كي تصبح ضمن الوصايا العشر؟ ~~لا بد أن الله قد أقام حكمه بناء على سمة ما تخص السرقة، ما لم يكن يختلق فحسب ~~قواعد اعتباطية لحياتنا. # 1 # إذن سواء كنا متدينين أم لا نواجه هنا سؤالا فلسفيا عسيرا. ما الذي ~~يجعل أفعالا بعينها صائبة، ويجعل غيرها خاطئة؟ ما الذي تنطوي عليه «الأفعال» في حد ~~ذاتها، ويحدد تلك السمات الأخلاقية؟ أو كما يطرح الفلاسفة السؤال في بعض الأحيان، ~~ما السمات التي تجعل الأفعال صائبة؟ وما السمات التي تجعل الأفعال خاطئة؟ # كالعادة، تفتقت أذهان الفلاسفة عن إجابات لا حصر لها لهذين السؤالين. (في أغلب ~~الأحيان، لا تنبع صعوبة الفلسفة من طرح الفلاسفة لأسئلة لا يمكن الإجابة عنها، بل ~~تنبع من طرح الفلاسفة لأسئلة لها العديد من الإجابات المتناقضة، وتبدو كل منها ~~إجابة مناسبة من بعض النواحي.) في الفلسفة المعاصرة توجد ثلاثة مناهج سائدة للإجابة ~~عن الأسئلة التي نطرحها. ويطلق على هذه المناهج نظرية العواقبية، وأخلاق الواجب، ~~وأخلاق الفضيلة. في هذا الفصل سنستكشف الصراع بين العواقبية وأخلاق الواجب مستعينين ~~بفيلم من سلسة أفلام باتمان وهو «فارس الظلام» (ذا دارك نايت) (2008). أما أخلاق ~~الفضيلة فسوف نتناولها في الفصل الرابع عشر. يصور فيلم «فارس الظلام» عددا من ~~المعضلات الأخلاقية البارعة التي تتيح لنا بلوغ قلب الاشتباك بين التفكير الأخلاقي ~~العواقبي والتفكير القائم على أخلاق الواجب. وعلاوة على ذلك يهدف الفيلم إلى إيصال ~~نقطة محددة؛ فهو منحاز بحزم إلى جانب أخلاق الواجب (وهو انحياز يستمر حتى النهاية، ~~في اللحظة التي يبدو فيها أنه بدل انحيازاته؛ سنتناول المزيد في هذا السياق ~~لاحقا). دعونا نبدأ بالمشهد الدرامي الرئيسي الذي يقع في ذروة ms251 أحداث ~~الفيلم. # تجربة الجوكر # باتمان مشغول للغاية. في الوقت نفسه تطفو عبارتان عاجزتان عن التحرك في النهر؛ ~~تحمل إحداهما مجموعة من السجناء بينما تحمل الأخرى ركابا عاديين، وكلتاهما مفخختان ~~بقنابل جاهزة للانفجار. يرغب الجوكر في إجراء تجربة معينة، يملي تفاصليها التالية ~~على الركاب (الدقيقة 57 من الساعة الثانية): # أنتم اليوم ستشاركون جميعا في تجربة اجتماعية. أنا على أتم الاستعداد ~~الآن لتفجيركم على بكرة أبيكم حتى تبلغ أشلاؤكم عنان السماء، وإذا حاول ~~أي منكم مغادرة العبارة فسأفجر الجميع. لدى كل منكم جهاز تحكم عن ~~بعد يمكنه من تفجير العبارة الأخرى. عند منتصف الليل سأفجر الجميع، ~~لكن إذا ضغطت إحدى العبارتين على زر تفجير العبارة الأخرى فسوف أعفيها ~~من الهلاك. من سيضغط على الزر إذن؟ حثالة أخطر المجرمين ممن أمر هارفي ~~دنيت بإلقاء القبض عليهم، أم المجموعة اللطيفة من الركاب المدنيين ~~الأبرياء؟ الخيار لكم. ولا تنسوا، عليكم الإسراع في اتخاذ القرار لأن من ~~على العبارة الأخرى قد لا يتمتعون بهذا القدر من النبل. # بالطبع سينقذ باتمان الجميع في النهاية، وسيمنع الجوكر من تفجير كلتا ~~العبارتين. لكن من هم على متن العبارة لا علم لديهم بأنه في طريقه لإنقاذهم. ~~ماذا عليهم فعله؟ ماذا عليهم فعله من المنظور الأخلاقي؟ # إليكم الاقتراح التالي: من أجل معرفة ما ينبغي فعله، عليهم تحديد أفضل النتائج - ~~لا فيما يخص فردا واحدا فحسب من المتورطين بل فيما يخص الجميع - وبناء على ذلك ~~تزكية الفعل الذي سيؤدي في الأغلب إلى هذه النتيجة. تلك تقريبا هي طريقة معالجة ~~أتباع النظرية العواقبية للمسألة. من الوهلة الأولى، يبدو ذلك خيارا منطقيا. لكن ~~أهو كذلك حقا؟ لاحظ أولا أننا بالغنا في تبسيط الموقف تبسيطا جذريا. قد تتذكر ~~من الفصل الحادي عشر أن عملية اتخاذ القرار أعقد من تحديد الوضع الأفضل ومحاولة ~~الوصول إليه. في ذلك الفصل عرضنا فكرة تعظيم الجدوى المتوقعة. تنتج الجدوى المتوقعة ~~عن ترتيب النتائج من الأفضل إلى الأسوأ (ما يحدد لنا «جدوى» النتيجة) واحتمالية ~~حدوث كل نتيجة. كي نحدد الجدوى المتوقعة ms252 لفعل ما، علينا معرفة جدوى النتائج ~~المحتملة للفعل واحتمالية أو أرجحية تلك النتائج. وكما أوضحنا في الفصل الحادي عشر، ~~تحديد ذلك أمر في غاية الصعوبة من الناحية العملية. # إذا التزمنا بمنهج تعظيم الجدوى المتوقعة، فيجب إذن على ركاب العبارتين تحديد ~~قرارهم لا حسب الفعل الذي سيؤدي إلى تعظيم فرصة تحقيقهم لأفضل نتيجة ممكنة بل حسب ~~الفعل الذي يتمتع بأعظم جدوى متوقعة. (يبدو الخياران متماثلين، لكن ثمة اختلاف ~~بينهما. فتعظيم فرصة الحصول على أفضل نتيجة يدفع المرء إلى تجاهل فرص الحصول على ~~ثاني أفضل أو ثالث أفضل نتيجة، بينما حسابات الجدوى المتوقعة تضع جميع النتائج ~~المحتملة في الاعتبار.) في الفصل الحادي عشر، ناقشنا مفهوم الجدوى المتوقعة في سياق ~~مشكلة جودا روزينثال مع عشيقته السابقة (فيلم «جرائم وجنح»، 1989). كان تفكير ~~روزينثال منحصرا كليا في ذاته، وهو نموذج لما أطلقنا عليه التفكير المتعقل. ~~يكمن الاختلاف بين التفكير المتعقل والتفكير العواقبي الذي نستعرضه الآن في كيفية ~~وصف الجدوى. في التفكير المتعقل، يحدد الفرد صانع القرار الجدوى بناء على مصلحته ~~الشخصية. أما في نوع التفكير الأخلاقي الذي نعرضه هنا، فيحدد صانع القرار الجدوى ~~بناء على إجمالي مصلحة الجميع، بحيث لا تطغى مصلحة أي فرد على مصلحة الآخر. من ~~المهم أخذ هذه التعقيدات في الحسبان بينما نواصل مناقشتنا لتجربة الجوكر ~~الاجتماعية على الرغم من أن موقف الاختيار الذي يواجه جميع ركاب العبارة لا يتطلب ~~منهم تأمل احتمالية أو جدوى أفضل ثاني أو ثالث نتيجة. (فليس بوسعهم فعل أي شيء ~~لتضمين تلك النتائج؛ فالسعي وراء أفضل النتائج المتاحة وتعظيم الجدوى المتوقعة يتضح ~~أنهما الشيء نفسه في هذا السيناريو.) # ما مدى نجاح التفكير العواقبي في التعامل مع تجربة الجوكر الاجتماعية؟ ما ~~النتيجة الأفضل عند أخذ مصلحة جميع من ستمسهم التجربة في الاعتبار، على نحو ~~متكافئ؟ أفضل نتيجة هي أن يظل الجميع على قيد الحياة، لكن يبدو أن الجوكر قد رتب ~~الأمر بحيث يضمن عدم حدوث ذلك. أو هذا ما يفترض بالجميع على متن العبارتين ~~تصديقه. حري بركاب العبارتين ms253 تصديق الجوكر؛ فقد حقق كل ما وعد به على مدار ~~الفيلم؛ قال الجوكر إنه سيفجر أحد المستشفيات إذا لم يقتل محام معين، وعندما لم ~~يقتل المحامي (لا عن تقصير في المحاولة) فجر المستشفى؛ قال الجوكر أنه سيغتال ~~العمدة ولم يمنعه من ذلك سوى فعل بطولي قام به قائد الشرطة جوردن في اللحظة ~~الأخيرة. وعلاوة على ذلك عجز باتمان عن إيقاف الجوكر حتى الآن، فلماذا الاعتقاد ~~بأنه سيقدر على إيقافه هذه المرة؟ (كما نعلم جميعا نجح باتمان في إيقاف الجوكر ~~لكنه لم يفعل ذلك إلا بعدما اتخذ ركاب العبارتين قرارهم.) إذن إذا كان حل ~~الاعتماد على باتمان يبدو غير متاح بالفعل، فما أفضل الخيارات المتاحة الآن أمام ~~الركاب؟ الخيار الأفضل في هذه الحالة هو نجاة الركاب المدنيين. لماذا؟ لأنهم قادرون ~~على تقديم مساهمات في المجتمع تفوق بمراحل أقرانهم من السجناء؛ فضلا عن أن لديهم ~~الكثير مما يقدمونه للآخرين، فلديهم عائلات وحياة مهنية وضرائب يجب دفعها. إذا ~~أخذنا مصلحة الجميع في الاعتبار، من هم على متن العبارتين ومن ليسوا على متنهما ~~كذلك، فستصبح أفضل النتائج المتاحة هي إنقاذ المدنيين بدلا من السجناء. (يوجد ~~تعقيد آخر هنا ينبع من محدودية معرفة صناع القرار، فما أدرانا، ربما كان أحد ~~السجناء (سجين أدين ظلما بالمناسبة) في ~~سبيله إلى اكتشاف علاج للغباء؛ ومن ثم يصبح تفجيره أسوأ النتائج المتاحة بكثير. إن ~~تحديد أفضل النتائج غالبا ما يعتمد على معرفة ناقصة.) دعونا نركز على هذا ~~الاستنتاج البغيض بعض الشيء وهو وجوب قبول جميع الركاب (بما فيهم السجناء أنفسهم) ~~أن أفضل النتائج المتاحة هي الحفاظ على سلامة عبارة المدنيين. وعندئذ، ما الذي ~~ينبغي فعله لتحقيق هذه النتيجة؟ لا بد أن يفجر ركاب عبارة المدنيين القنبلة على ~~عبارة السجناء. (وعليهم الإسراع في ذلك، فكلما تأخروا في اتخاذ قرارهم، تزايدت ~~احتمالية ضغط السجناء على زر التفجير أولا.) # كما تعلمون، بما أنكم قد شاهدتم الفيلم، لا يضغط أي من المجموعتين على الزر. ~~يجري المدنيون تصويتا، وتأتي النتيجة بفارق كبير لصالح تفجير ms254 عبارة السجناء ~~(396 موافقون، 140 معارضون). رغم ذلك، عند مجيء اللحظة الحاسمة، يفقدون أعصابهم. ~~يبدو أحد ركاب عبارة المدنيين مقتنعا بأن الضغط على زر التفجير هو الحل الصائب، ~~ويحاول التقدم والاضطلاع بالمهمة (الدقيقة 6 من الساعة الثالثة): # لا أحد يريد تلويث يديه. حسنا، سأفعلها أنا. أولئك الرجال على تلك ~~العبارة قد اختاروا بالفعل، اختاروا القتل والسرقة. من غير المعقول أن ~~نموت نحن أيضا. # لكن هذا الرجل يفقد أعصابه ويعود ليجلس في مقعده دون أن يضغط على ~~زر التفجير. لم يستطع فحسب حمل نفسه على تفجير عبارة مليئة بالناس. من الصعب ~~معرفة ما كان يفكر فيه تحديدا. لقد اختار أولئك السجناء بالتأكيد، ولم تكن جميع ~~خياراتهم جيدة. هم اختاروا القتل والسرقة (أو بيع المخدرات أو التهرب من الضرائب أو ~~التهرب من دفع غرامات ركن سياراتهم في الأماكن الممنوعة؛ لا يمكننا التأكد بدقة مما ~~اختاروه). لكن ما لم يختاروه هو أن يوجدوا على متن عبارة محملة بالمتفجرات. ~~ويبدو أن هذا القرار هو القرار ذو الأهمية هنا. ربما اعتقد الرجل أن حق السجناء في ~~الحياة لا يعدل حق المدنيين الأبرياء، وإذا كان متاحا لطرف أن ينجو من تجربة ~~الجوكر، فمن المفترض أن يكون هو الطرف الذي يستحق أفراده النجاة. هذه الطريقة في ~~التفكير تختلف عن طريقة التفكير العواقبي، على الأقل في أكثر سماتها وضوحا. ~~الاستحقاق سمة ترتبط بالماضي: ما يستحقه المرء يعتمد على ما فعله بالفعل . أما ~~العواقبية فتتطلع إلى المستقبل: ما ينبغي فعله يعتمد على العواقب المستقبلية، لا ~~على ما حدث بالفعل. # في عبارة السجناء، يقنع سجين، ترتسم على ملامحه شراسة غير عادية، الحراس بترك ~~مهمة الضغط على الزر له، فيخاطب رئيس الحراس قائلا (الدقيقة 6 من الساعة الثالثة): # أنت لا ترغب في الموت، لكنك لا تستطيع القتل. أعطني الجهاز ... يمكنك ~~إخبارهم فيما بعد بأنني أخذته منك عنوة. أعطني إياه وسأفعل ما كان عليك ~~فعله منذ عشر دقائق مضت. # يأخذ السجين جهاز التفجير، وعلى الفور يلقيه في النهر. يمكن ~~تفسير سلوك السجين ms255 بثلاث طرق على الأقل: باعتباره رفضا للتعاون مع الشر، أو رفضا ~~لارتكاب الشر (قتل ركاب آخرين)، أو محاولة لضمان تحقيق النتيجة الأفضل (وهي نجاة ~~المدنيين لا السجناء). يبدو فعله صائبا وبطوليا من منظور التفسيرات الثلاثة ~~كافة. # يلخص باتمان الأداء الأخلاقي لكلتا المجموعتين، بما يشمل المدنيين. فبينما يتحدث ~~مع الجوكر يسأله: # ماذا الذي كنت تحاول إثباته؟ إن الجميع في قرارة أنفسهم مثلك بالضبط؟ أنت ~~وحدك (الدقيقة 7 من الساعة الثالثة) ... لقد أثبتت لك هذه المدنية لتوها ~~أنها تعج بأناس على استعداد للإيمان بالخير. (الدقيقة ~~8 من الساعة الثالثة) # هل باتمان على حق؟ هل يفكر بوضوح؟ (لقد كان الجوكر يحاول خنقه ~~بينما يتحدث؛ ومن ثم لا لوم عليه إذا لم يكن يفكر بوضوح كبير.) لقد أظهر مواطنو ~~جوثام سيتي المحاصرون على عبارة المدنيين أنهم غير مستعدين لفعل ما يلزم لتحقيق ~~أفضل نتيجة متاحة، مع أخذ مصلحة الجميع في الاعتبار. (لقد كانوا على استعداد ~~للتصويت بالموافقة على تفجير العبارة الأخرى، لكنهم لم يكونوا مستعدين للتنفيذ.) ~~كيف يمكن اعتبار ذلك انتصارا أخلاقيا؟ وإذا فجر ركاب إحدى العبارتين ركاب ~~العبارة الأخرى، كيف سيعكس ذلك فكرة أنهم لا يختلفون في شيء عن الجوكر؟ الجوكر هو ~~عميل محرض بمعنى الكلمة، شخص لا يرغب إلا في رؤية العالم يحترق. في هذا الموقف ~~ستحاول كل مجموعة من ركاب العبارتين إنقاذ نفسها. في حالة المدنيين، ربما يوجد ~~مبرر ما لمحاولتهم إنقاذ أنفسهم. كيف نعتبرهم مثل الجوكر إذن؟ ربما كانوا سيصبحون ~~مثله من المنظور التالي: إذا فجروا عبارة مليئة بالركاب، فسوف يثبتون بفعلتهم هذه ~~أنهم مستعدون لخرق المبادئ الأخلاقية من أجل الحصول على ما يريدونه. تخبرنا مبادئنا ~~الأخلاقية بألا نقتل. وما يرغب الجوكر في إثباته تحديدا هو مدى سطحية التزامنا ~~بهذا المبدأ، وأن أي شخص يمكن دفعه للقتل إذا تعرض للقدر الكافي من الضغط. يرغب ~~الجوكر في إثبات ضعف قبضة الأخلاق، لكن مواطني جوثام يثبتون له خطأه. لقد كانت ~~قبضة الأخلاق أقوى كثيرا مما أدرك الجوكر. وعلى الرغم من رغبة الركاب ms256 المدنيين في ~~تفجير عبارة السجناء، فإنهم لم يتمكنوا ببساطة من تنفيذ ذلك فعليا. وعندما أوشك ~~الخوف والإغراء على السيطرة على الحراس في عبارة السجناء، تقدم رجل ذو شجاعة ~~استثنائية وفعل الصواب. لقد انتصرت المبادئ الأخلاقية. السؤال حول ما إذا كان ~~الفيلم يقدم رؤية واقعية لما كان سيحدث في تجربة الجوكر الاجتماعية سؤال جيد. ~~لكن السؤال المحوري من وجهة نظرنا لا يتعلق بما كان سيفعله الناس في تلك المواقف، ~~بل يتعلق بما ينبغي لهم فعله. لو ضغط المدنيون على الزر هل يعتبر تصرفهم خاطئا ~~في هذه الحالة؟ لماذا؟ # يبدو تفكير باتمان نموذجا تقليديا للتفكير بمقتضى أخلاق الواجب. هو نموذج على ~~التفكير العواقبي. أما وجهة النظر البديلة - التي تدفع بأنه ينبغي على الركاب بذل ~~كل ما بوسعهم لضمان تحقيق أفضل نتيجة ممكنة أو أن عليهم تعظيم الجدوى المتوقعة - ~~فهي نموذج للتفكير العواقبي. دعونا نوضح ذلك من خلال تسليط الضوء على الفلسفات ذات ~~الصلة. # النفعية وتجربة الجوكر # حسب وجهة النظر العواقبية، الخواص الأخلاقية تعتمد على العواقب، أو العواقب ~~المحتملة. يوجد الكثير من التنويعات على المدرسة العواقبية؛ نظرا لوجود طرق عديدة ~~لوصف هذه العلاقة الاعتمادية. أي عواقب تدخل في الحسبان؟ العواقب المترتبة على ~~الأفعال، أم المؤسسات أم القواعد أم العادات؟ كيف نحسب حساب العواقب؟ المثال الأشهر ~~على النظرية العواقبية هو النفعية، والمناصر الأشهر للنفعية هو الفيلسوف البريطاني ~~جون ستيوارت ميل. يرى أنصار النفعية أن علينا قياس جدوى العواقب عن طريق تحديد مدى ~~النفع الذي سيعود على حياة كل فرد. يتمخض الكثير من الأفعال عن عواقب تؤثر على جودة ~~حياة الأفراد؛ فقد تؤدي تلك العواقب إلى تحسين حياتهم (كأن يمتلك أحد الأفراد فجأة ~~ألف دولار، دون أي شروط) أو التأثير سلبا على حياة آخرين (كأن يفقد أحد الأفراد ~~فجأة ألف دولار ويصبح عاجزا عن دفع الإيجار). حسب رؤية النفعيين، جودة حياة الناس ~~هي العامل الوحيد المهم حقا، وهدف الأخلاق هو تعظيم هذه الجودة. # كيف نقيس مدى جودة أو سوء حياة الأفراد؟ اعتقد ميل أنه في ms257 وسعنا قياس هذا على ~~المستوى النفسي، من منظور السعادة. تسير حياة الأفراد على ما يرام إذا كانوا سعداء، ~~وسوف يشعرون بالسعادة إذا كانوا مستمتعين بالحياة؛ أي سيكونون سعداء إذا تذوقوا متع ~~الحياة. كذلك اعتقد ميل أن المتعة مسألة معقدة، وأن بعض أنوع المتعة هي بطبيعتها ~~مرغوبة أكثر من غيرها. وأطلق على هذه المتع «المتع العليا». لا يقتنع النفعيون ~~المعاصرون عادة بمذهب المتعة الذي صاغة ميل، ويفضلون رؤية أخرى حول العوامل التي ~~تجعل الحياة جيدة. أحد الاتجاهات الشائعة بين النفعيين المعاصرين يتمثل في قياس ~~جودة حياة الأفراد من منظور إشباع التفضيلات. # 2 # حياة «أ» تسير على نحو أفضل من حياة «ب» إذا كان «أ» قد أشبع عددا من ~~تفضيلات يزيد عما أشبعه «ب». وبما أن الفرد قد يتبنى تفضيلات معينة دون أن يعي ~~الحقائق المتصلة بها - على سبيل المثال قد يفضل أحدهم تناول الدجاج المقلي كل ~~ليلة دون أن يدرك أن هذا يزيد بدرجة كبيرة احتمالات إصابته بداء البول السكري - ~~غالبا ما يتحدث النفعيون عن التفضيلات التي يدرك صاحبها جميع ما يتصل بها من ~~معلومات لا التفضيلات الفعلية. مثلا تسير حياة «أ» على نحو أفضل من حياة «ب» إذا ~~كان «أ» قد أشبع عددا من التفضيلات القائمة على معلومات كاملة يزيد عن العدد الذي ~~أشبعه «ب». يشبع «أ» تفضيلاته القائمة على معلومات كاملة إذا حصل على ما كان سيفضله ~~حال كونه مطلعا تماما على جميع الحقائق المرتبطة بهذه التفضيلات المحتملة. بالطبع ~~لا يمكننا قياس تلك الأمور بدقة متناهية؛ لذا غالبا ما يفضل النفعيون استراتيجية ~~غير مباشرة. فمن أجل تحسين احتمالات «أ» المستقبلية، عليه أن يتزود بالمصادر ~~المطلوبة، التي من بينها المعرفة والتعليم؛ كي يشبع قاسما كبيرا من تفضيلاته ~~المطلعة. تنجح هذه الاستراتيجية غير المباشرة في بعض الأحيان، لكننا ما زلنا نواجه ~~العديد من المواقف حيث يصبح لزاما علينا اتخاذ خيار أخلاقي يحدد أيا من الأفراد ~~سوف تلبى تفضيلاته. بافتراض أن كل شخص تقريبا يفضل تفضيلا مستنيرا الحياة على ~~الموت، فسوف نضطر ms258 في بعض الأحيان إلى تحديد أي حياة ينبغي إنقاذها. هذا هو ~~القرار الذي واجهه ركاب العبارة. # إن النفعية نظرية موضوعية حول تحديد الفعل الصائب، فهي تأخذ صالح الجميع في ~~الاعتبار، ولا تفرق بين مصلحة فرد ومصلحة آخر. يعامل النفعيون التفضيلات المطلعة ~~لدى جميع الأفراد على قدم المساواة، ويحاولون ضمان إشباع أكبر عدد ممكن من ~~التفضيلات. الأمر أشبه بالنظم الديمقراطية التي يحصل في ظلها تفضيل كل شخص على صوت ~~واحد بالضبط. بالطبع تواجه النفعية عددا من المشكلات. فماذا لو كانت تفضيلات بعض ~~الأشخاص صعبة الإرضاء أو مكلفة؟ (في بعض الأحيان يطلق على الأفراد ذوي التفضيلات ~~المكلفة والأنانية إلى حد كبير أصحاب «الجشع النفعي») وماذا لو نجح مجتمع قمعي في ~~تهيئة أفراده كي تصبح تفضيلاتهم محدودة للغاية ورخيصة؟ هل يفترض إذن بأصحاب ~~التفضيلات المكلفة الحصول على موارد تتفوق على أصحاب التفضيلات الرخيصة؟ أهذا من ~~العدل؟ وإذا حصل أصحاب التفضيلات الرخيصة على تفضيلاتهم لا لشيء سوى كونهم مهيئين ~~اجتماعيا لتوقع أقل القليل من الحياة، ألا يعد ذلك ظلما فادحا؟ والآن دعونا ~~نتأمل التفضيلات التي تركز على الآخرين. على سبيل المثال، ماذا لو أن «ج» لا يرغب ~~في التمتع بالثراء في حد ذاته، بل يرغب فحسب في أن يصبح أكثر ثراء من جاره «د»؟ هل ~~من المفترض أخذ هذا التفضيل في الاعتبار؟ يرغب النفعيون غالبا في استبعاد تلك ~~التفضيلات الخارجية بحجة أنها لا تعكس جودة الحياة كما ينبغي. إذا حصل «ج » على ما ~~يرغب، بحيث أصبح «د» أفقر منه، كيف ستتحسن حياة «ج» تحسنا حقيقيا نتيجة لذلك ~~الوضع في حد ذاته؟ قد يشعر «ج» برضا أكبر عن حياته إذا أشبعت تفضيلاته الخارجية، ~~لكن هذا لن يجعل حياته أفضل بالضرورة. ربما كان النفعيون على حق في استبعادهم ~~للتفضيلات الخارجية من حساباتهم وأخذ التفضيلات الداخلية فحسب في اعتبارهم؛ أي ~~تفضيلات الأفراد حول كيفية سير حياتهم الخاصة. رغم ذلك، يظل أمامنا مشكلة احتساب ~~التفضيلات الأنانية أو المضطهدة وغيرها من أنواع التفضيلات غير المشروعة ضمن ~~حسابات المنفعة أم ms259 استبعادها. لا بد للنفعيين من حل تلك المشكلات، وقد يلجئون في ~~سبيل ذلك إلى الدفاع عن وجود تفضيلات إشكالية في حسابات النفعية. لكننا لن نتناول ~~وجهة النظر النفعية فيما يتعلق بتلك المشكلة، بل سنركز عوضا عن ذلك على جانب آخر ~~من النفعية؛ ألا وهو تركيزها على العواقب واستبعاد كل ما دونها. # حسب المنظور النفعي، جودة حياة الأفراد هي العامل الوحيد المهم حقا، والهدف من ~~الأخلاق هو تعظيم جودة تلك الحياة. تخضع أشياء لا حصر لها للحكم الأخلاقي، مثل ~~الأفعال والعادات والقوانين والقواعد والسياسات والمؤسسات وغيرها. فلنركز على ~~الأفعال أولا. لا يصبح فعل ما صائبا إلا إذا كان يعظم المنفعة. لا يمكن لأي ~~فعل تغيير منفعة ماضية. على سبيل المثال، لا يسعك فعل شيء لجعل طفولتك أسعد حالا ~~(بافتراض أنك تجاوزت بالفعل مرحلة الطفولة). إذا فعل أحدهم شيئا يجعل طفولتك تبدو ~~أسعد حالا مما اعتدت تصوره (كأن يذكرك بأوقات مرحة قضيتها)، فلن يؤثر ذلك إلا ~~على تقديرك المستقبلي لطفولتك، ولن يسعك تغيير طفولتك في حد ذاتها. (لن تستطيع ~~تغييرها حتى لو كنت تمتلك آلة الزمن، كما اكتشفنا في الفصل السادس.) إذن تعنى ~~النفعية في المقام الأول بالمستقبل. وتكمن جميع السمات التي تجعل الفعل صائبا في ~~العواقب المستقبلية للفعل. وتنطبق هذه القاعدة بصرف النظر عن نوع الشيء الذي نخضعه ~~للحكم الأخلاقي؛ فلا يصبح قانون ما صائبا من الناحية الأخلاقية إلا إذا أسفر عن ~~أفضل أنواع النتائج. ولا تصبح سياسة اجتماعية ما صائبة إلا إذا أسفرت عن أفضل أنواع ~~النتائج. وبينما لا يوجد ما يعيب أخذ العواقب المستقبلية في الاعتبار، فإن السؤال ~~الذي يطرح نفسه هنا هو: هل العواقب النافعة هي العامل الوحيد المهم فيما يتعلق ~~بتحديد صواب الفعل من عدمه؟ # أخلاق الواجب وتجربة الجوكر # أخلاق الواجب هي نظرية أخلاقية تركز على المبادئ بدلا من العواقب. وغالبا ما ~~يشار لكانط بوصفه المناصر النموذجي لهذه النظرية، على الرغم من أن بعض دارسي فلسفة ~~كانط يعتبرون هذا الوصف تبسيطا مفرطا لرؤيته. # 3 # يرى معتنقو أخلاق ms260 الواجب أن فعلا ما يصبح صحيحا إذا أمكن تصنيفه تحت ~~مبدأ أخلاقي مناسب. على سبيل المثال، إرجاع حافظة النقود التي وجدتها على الشاطئ ~~إلى مالكتها فعل صائب لأنه يصنف تحت مبدأ «احترم ممتلكات الآخرين». ورفض تفجير ~~عبارة محملة بالركاب يصنف تحت مبدأ «احترم حياة الآخرين» ... إلخ. كيف نميز ~~المبادئ الأخلاقية الأصيلة من المبادئ الزائفة؟ # 4 # تخيل أن السجناء قرروا تفجير عبارة المدنيين، تخيل أنهم تغلبوا ~~على الحراس بعددهم وضغطوا على الزر، ثم برروا فعلتهم تلك بأنها تقع تحت مبدأ «إذا ~~كان باستطاعتك منع شخص ما من قتلك، فعليك فعل هذا.» أيعتبر هذا مبدأ أخلاقيا؟ ~~إنه، على ما يبدو، مبدأ يمنحنا بداهة الإجابة الصائبة معظم الوقت، لكن هل في وسعنا ~~استخدامه لتبرير تفجير السجناء للمدنيين في تجربة الجوكر؟ يجب على أتباع نظرية ~~أخلاق الواجب ألا يكتفوا بمجرد إخبارنا أي المبادئ تصلح مبادئ أخلاقية فحسب بل ~~إخبارنا متى يمكن تطبيق تلك المبادئ وكيف نحل التضارب المحتمل بينها. # كيف يتعامل أتباع نظرية أخلاق الواجب مع المعضلة الأخلاقية التي تطرحها تجربة ~~الجوكر؟ قد نقبل بوجه عام مبدأ حماية الذات - لا ينبغي لنا الوقوف موقف المتفرج ~~وترك الآخرين يقتلوننا - لكننا نعتقد أيضا أنه من الممكن تجاوز هذا المبدأ؛ فقد ~~تصبح لمبادئ أخرى أسبقية عليه. ماذا لو كانت فرصتك الوحيدة لمنع أحدهم من قتلك ~~تستلزم منك قتل مجموعة من الغرباء الأبرياء؟ أليس لمبدأ «احترم حياة الآخرين» ~~أسبقية على أي مبدأ يهدف إلى الذات؟ ما نحتاجه هو مبدأ يحدد الشروط التي تجعل القتل ~~في سبيل حماية الذات أمرا مسموحا به أخلاقيا. إليك الاقتراح التالي: في حالة ~~دفاع عن النفس يفضي إلى القتل، أقدم «أ» على قتل «ب» كي يمنع «ب» من قتله. إذا كان ~~قتل «ب» هو سبيل الدفاع عن النفس الوحيد المتاح ل «أ»، وإذا كان «ب» يحاول قتل «أ» ~~عمدا «فهو ليس على سبيل المثال أداة يستخدمها غيره في خطته لقتل «أ»» ودون وجه حق؛ ~~ففي هذه الحالة يصبح الدفاع عن النفس المفضي إلى القتل ms261 أمرا مسموحا به من ~~الناحية الأخلاقية. يبدو هذا الوضع مقبولا من الناحية النظرية. كيف يمكن تطبيقه في ~~مواقف واقعية؟ # لا يقع نموذجنا المستقى من سلسلة أفلام باتمان تحت مبدأ الدفاع المبرر عن النفس، ~~بشروطه التي أوضحناها. فإذا قتل المدنيون، على سبيل المثال، السجناء على العبارة ~~الأخرى، فإنهم لا يقتلون في هذه الحالة أفرادا يحاولون قتلهم عن عمد ودون وجه حق. ~~وفعل القتل الذي سيرتكبونه لن يعتبر دفاعا مبررا عن النفس، بل سيقتلون في هذه ~~الحالة أفرادا لا يضمرون لهم، على حد علمهم، أي شر على الإطلاق. وسيكون الهدف ~~من فعلتهم هو منع شخص آخر (الجوكر) من قتلهم. إنه موقف بشع، لكنه لا يمنح أيا من ~~الطرفين رخصة للقتل بحجة الدفاع عن النفس؛ فلا يفترض بنا قتل أناس لا ينتوون ~~إيذاءنا لا لسبب سوى منع موتنا نحن على يد شخص آخر. ولا يفترض بنا قتل أناس لا ~~لسبب سوى احتمال أن يحاولوا قتلنا عما قريب. لا بد لنا من التحقق من أنهم يحاولون ~~قتلنا عن عمد ودون وجه حق، أو نكون على الأقل واثقين دون أدنى شك أنهم كذلك. تخيل ~~أن الجوكر ركب شاشة تليفزيونية في كل عبارة تبث ما يحدث في العبارة ~~الأخرى. في هذه الحالة سيشاهد ركاب إحدى العبارات ركاب العبارة الأخرى بينما ~~يتوجهون نحو زر التفجير عاقدين العزم على الضغط عليه. هل يكفي هذا لتبرير قيامهم ~~بالضغط على الزر أولا قبل خصومهم؟ ربما. قد يفكرون على النحو التالي: نحن متأكدون ~~من أن خصومنا في تجربة الجوكر يحاولون في هذه اللحظة قتلنا عن عمد ودون وجه حق، ~~وأملنا الوحيد في منعهم هو قتلهم أولا؛ ومن ثم يمكننا الضغط على الزر في دفاع ~~مبرر عن النفس. في لعبة الجوكر، من يتحركون أولا يصبحون أهدافا للقتل المبرر ~~على يد منافسيهم. على الصعيد الآخر، من يتحركون أولا فرصة نجاتهم أكبر بكثير (مع ~~استبعاد تدخل باتمان). وليس بوسع المدنيين أو السجناء التأكد من ذلك. # كيف يضع منظرو أخلاق الواجب المعاصرون المبادئ الأخلاقية؟ الطريقة ms262 التي نتبعها ~~هي ابتكار مبدأ ما يبدو صائبا على نحو بديهي ثم تطبيقه على موقف واقعي لمعرفة ما ~~إذا كانت معقولية المبدأ البديهية ستظل صامدة. بالتأكيد ينبغي لنا دراسة مجموعة ~~متنوعة من الحالات. وإذا واجهتنا مشكلة، يجب علينا الرجوع إلى المبدأ وتحديد ما إذا ~~كان يمكن تعديله لأجل التعامل مع المشكلة المطروحة. نسعى لتحقيق توازن بين المزايا ~~النظرية للمبادئ العامة والدعم البديهي الذي تكتسبه عند تطبيقها على حالات بعينها. ~~فنطرح أسئلة من قبيل: هل المبدأ عام بما يكفي؟ هل يتوافق مع المبادئ الأخرى؟ هل ~~توجد طريقة فعالة ومقنعة بديهيا لترتيب المبادئ المتعارضة؟ هل يتمخض المبدأ عن ~~نتائج مقنعة بديهيا في الحالات الواضحة؟ هل يمكن الاعتماد على هذه البديهيات أم ~~هي قابلة للتلاعب والتشويه؟ هل من المفيد محاولة فهم الحالات غير الواضحة؟ وغيرها ~~من الأسئلة. يصف الفلاسفة هذه المنهجية بأنها بحث عن «توازن تأملي». # 5 # ولدى أتباع نظرية أخلاق الواجب مناهج بديلة. على سبيل المثال، يستمد ~~أتباع كانط المبادئ الأخلاقية من افتراضات مسبقة حول المنطق العملي. عندما نفكر على ~~نحو يوظف المبادئ، فإننا نلزم أنفسنا ضمنيا بنوع من الصرامة المنطقية. لا ينبغي ~~لنا على سبيل المثال تطبيق مبدأ ما على أنفسنا وتطبيق مبدأ مختلف على الآخرين، بل ~~علينا اتباع المبادئ التي يمكن للجميع استخدامها، لا المبادئ المصممة خصوصا لخدمة ~~أغراضنا الذاتية. على حد قول كانط، يجب علينا تطبيق المبادئ التي يمكننا دفعها كي ~~تصبح قانونا من قوانين الطبيعة الكونية (أي مبادئ يلتزم بها الجميع في الأوقات ~~كافة). يؤدي هذا إلى محاولة استقاء المبادئ الأخلاقية من حالات الفاعلية العقلانية ~~ذاتها. ويدور حاليا جدال مفعم بالحيوية، ولم يحسم بعد، بين أتباع نظرية أخلاق ~~الواجب حول تحديد المنهجية المثلى؛ ويشبه هذا الجدال في حيويته وعدم قابليته للحسم ~~الجدل الذي يستعر بين العواقبيين حول الشكل الأفضل من العواقبية. # النفعية مقابل أخلاق الواجب: هزيمة بالضربة القاضية الفنية أم فوز بقرار ~~الأغلبية؟ # إذا كان تحليلنا لتجربة الجوكر من منظور أخلاق الواجب صحيحا، فإنه سيسفر ~~حينئذ عن استنتاج ms263 مناقض تماما للذي تمخض عنه تحليلنا النفعي السابق. إن تجربة ~~الجوكر لا تكتفي باختبار جلد ركاب العبارتين من أهل جوثام سيتي، بل تختبر كذلك ~~صدق الاستدلال النفعي وذلك القائم على أخلاق الواجب، وهي تختبر هذا النوع من ~~الاستدلال في مواجهة الحدس. إن التجربة التي أعدها الجوكر من أجلنا تجربة ~~اجتماعية بسيطة نوعا ما. وحدسنا على الأرجح هو ما سيدلنا على رد الفعل الصائب ~~إزاءها. يسير باتمان، كما نعلم، على درب نظرية أخلاق الواجب، أو يقبل على الأقل ~~تحليل الموقف من منظور هذه النظرية. ينحاز الحدس على ما يبدو إلى جانبه؛ فنحن لا ~~نعترض على رد فعله، ويبدو لنا جميعا أنه رد الفعل الطبيعي والمناسب. لقد كشف أهل ~~جوثام لتوهم عن معدنهم الحقيقي للجوكر، فهم أثبتوا له أنهم يتمتعون بشجاعة وحس ~~أخلاقي أعظم مما افترض؛ إنهم أناس على استعداد للإيمان بالخير، على حد قول باتمان. ~~بالطبع لا يمكن إنكار وجود تفسير يتسم بقدر أكبر من سوء الظن، على الأقل في حالة ~~الركاب المدنيين. فرغم كل شيء، كان الركاب المدنيون على استعداد للتصويت لصالح ~~تفجير السجناء. كيف يفترض بنا تفسير فشلهم في تنفيذ القرار الناتج عن التصويت؟ هل ~~استيقظ الحس الأخلاقي داخلهم أم هو نوع من الجبن الأخلاقي؟ ربما لا يعكس موقفهم سوى ~~عزوف عن تلويث أيديهم بالدماء. (بعبارة أخرى، ربما يعكس مجرد عزوف عن ارتكاب فعل ~~يبدو سيئا، وسوف يعد فعلا سيئا حتى لو كان هذا الفعل هو الفعل الصائب في ظل ~~الظروف الراهنة. ذلك هو جوهر ما يطلق عليه الفلاسفة «سيناريوهات الأيدي الملوثة». ~~سوف نتناول هذا الموضوع تناولا أكثر تفصيلا في الفقرات التالية.) على الرغم من ~~التفسير سيئ الظن لدوافع الركاب المدنيين، يظل رد فعلنا تجاه قرارهم بالامتناع عن ~~تفجير عبارة السجناء إيجابيا. لو كان المدنيون فجروا السجناء، لبدا قرارهم ~~سيئا؛ قرار مفهوم لكنه خاطئ ومخيف بعض الشيء. # إذن هل يثبت هذا أن العواقبية ليست إطارا مناسبا لطرح نظرية أخلاقية؟ ليس ~~بالضرورة. لا يزال في وسع معتنقي العواقبية العديد من ms264 الخيارات الأخرى؛ فقد يعترضون ~~على تفسيرنا وما يطرحه من أحكام حدسية على الموقف. وقد يرفضون القيمة الإثباتية ~~لاستخدامنا للحدس، وقد يزعمون أن الحدس لا يعتمد عليه في حالات كتلك، وأنه في هذه ~~الحالة تحديدا تلاعب صناع الفيلم بحدسنا (الجوكر مسخ، وبالطبع ستغدو المشاركة في ~~لعبته قرارا سيئا)، أو ربما يدفعون بأن حدسنا لا يعتمد عليه بوجه عام. # النفعية القواعدية: حل وسط # قد يلجأ العواقبيون إلى سبيل آخر للرد، وهو اختيار صورة مختلفة من العواقبية ~~آملين أن تسفر عن النتيجة الصحيحة في الحالات الشبيهة بتجربة الجوكر الاجتماعية. ~~في تحليلنا النفعي لهذه الحالة، استخدمنا شكلا من النفعية يحدد أخلاقية الأفعال ~~الفردية وفقا لعواقب الأفعال عند الحكم عليها كل على حدة. يطلق على هذا الشكل ~~من النفعية نفعية الفعل. لكنه ليس سوى شكل محدد للغاية من أشكال العواقبية، ولا ~~يمكننا الحكم على جميع السبل التي تستخدمها العواقبية لصياغة النظريات الأخلاقية ~~بناء على الطبيعة غير الحدسية لنفعية الفعل وحدها. ربما كان الاستنتاج الصحيح الذي ~~نستخلصه من تجربة الجوكر هو أن الاستدلال النفعي لا ينبغي تطبيقه على كل حالة على ~~حدة. صحيح أن أفضل النتائج الموضوعية المتاحة في هذه التجربة - بافتراض أن باتمان ~~لن يتدخل لإيقافها - تتضمن تفجير السجناء على أيدي المدنيين. لكن ماذا لو صغنا ~~النظرية النفعية في إطار عواقب تبنينا لقواعد أو مبادئ معينة، وليس في إطار عواقب ~~أفعال الأفراد؟ هذا بمثابة حل وسط بين العواقبية وأخلاق الواجب، يطلق عليه النفعية ~~القواعدية. تحكم النفعية القواعدية على الأفعال في إطار المبادئ أو القواعد، مثل ~~أخلاق الواجب، لكنها تستمد تلك القواعد من العواقب، كما هو متوقع من النظرية ~~العواقبية. قد يوافق معتنقو النفعية القواعدية على أنه لا ينبغي للسجناء أو ~~المدنيين الضغط على الزر. لكن ما هو المبدأ أو القاعدة التي تجعل من الضغط على الزر ~~فعلا خاطئا؟ ما الذي يجعل قاعدة أخلاقية محتملة أفضل من قاعدة أخرى؟ يعتمد أحد ~~مبادئ الدفاع عن النفس المبرر والمفضي إلى القتل على مناشدة الحدس، أو - كما قد ~~نأمل ms265 - على مناشدة التوازن الانعكاسي في نهاية المطاف. يرفض النفعيون القواعديون ~~هذه المنهجية، ويزعمون أن سبيلا أفضل للوصول إلى مبدأ أخلاقي مقبول هو فهم عواقب ~~تبني المبدأ. # ما مبدأ الدفاع عن النفس الذي سيعظم النفع على المدى الطويل إذا امتثلنا له ~~بوجه عام؟ إذا اتبعنا مبدأ مفرطا في مرونته، فسيصبح قتل أحدهم بحجة الدفاع عن ~~النفس أمرا في غاية السهولة، ستقتل أعداد كبيرة من الناس وستشعر بقيتنا بانعدام ~~الأمان. وإذا اتبعنا مبدأ متشددا، فسيلقى القتلة المحتملون تشجيعا، وستنتهي ~~الحال مجددا بتعرض أعداد كبيرة للقتل بينما ستشعر بقيتنا بالعجز في وجه ~~الهجمات المحتملة على حياتنا. نرغب إذن في مبدأ من شأنه أن يقلل من القتل إلى الحد ~~الأدنى ويعظم من إحساسنا بالأمان ومن سيطرتنا على حياتنا. إن مبدأ الدفاع عن ~~النفس المبرر الذي سنصوغه قد يحقق ما نريده بالضبط وقد لا يحققه. فمن منظور ~~النفعيين القواعديين، الشيطان يكمن في التفاصيل، وحقيقة أن مبدأ ما يروق لنا ~~بداهة لا تعني شيئا تقريبا، ما يهم هو مدى فاعلية المبدأ، وما إذا كان يراعى ~~بوجه عام. # هل النفعية القواعدية نظرية أخلاقية مرضية؟ نحتاج إلى بذل جهد كبير لأجل تنقيحها ~~والدفاع عنها، ومهمتنا الرئيسية هي الدفاع عن فكرة وجوب اتباع قواعد تعظيم المنفعة ~~حتى وإن لم يتبعها أناس آخرون؛ أي حتى إن كان اتباعنا إياها يبدو جهدا سقيما من ~~وجهة النظر النفعية. أحد أكثر سمات النفعية جاذبية هو تركيزها على التوصل إلى ~~نتائج. يمكننا أن نرى ها هنا فائدة اتباع النفعية؛ النفعيون يجعلون العالم مكانا ~~أفضل، وجعل العالم مكانا أفضل مسعى حصيف. لكن من الصعب تحفيز الأفراد على اتباع ~~قواعد لن تجعل العالم مكانا أفضل إلا إذا اتبعها الباقون (الذين لا يتبعون العديد ~~من القواعد). ومن المنظور العواقبي، أصبحت النفعية القواعدية تبدو أشبه بنوع من ~~عبادة القواعد. يحتكم معتنقو أخلاق الواجب إلى الحدس لدعم مبادئهم أو يلجئون إلى ~~الالتزامات المعيارية المتضمنة في الفاعلية البشرية العقلانية، أو أي مما يشبه ~~ذلك. إلى ماذا يحتكم النفعيون القواعديون؟ لا ms266 يوجد دعم حدسي واضح لميلهم نحو اتباع ~~القواعد. تلك هي أوضح مشكلة تواجهها النفعية القواعدية: كيفية إيجاد محفزات لاتباع ~~موقفها. قد تتمخض النفعية القواعدية عن إجابات بديهية مرضية للمعضلات الأخلاقية، ~~مثل الإجابة التي يعرضها فيلم «فارس الظلام»، لكنها معرضة لخطر التوصل إلى نتائج ~~صحيحة بطريقة خاطئة، أو على الأقل بطريقة غير مقنعة. وكما هي الحال غالبا مع ~~الفلسفة، تظل المسائل معلقة. # خاتمة: من النزاهة إلى الكذبة النبيلة # يبدو فيلم «فارس الظلام» في معظم أجزائه أنه يوضح ويولد في أذهان المشاهدين، ~~بديهيات تنحاز دون شك ناحية أخلاق الواجب؛ فالامتناع عن المساومة مع الشر، حتى ولو ~~أسفر ذلك عن فوائد لا يستهان بها، هو علامة على الصلاح الأخلاقي والنزاهة. لكن مع ~~نهاية الفيلم، تتخذ الأحداث منحى مختلفا. فينجح الجوكر في إفساد هارفي دينت، ~~البطل محط إعجاب الجميع، وحامي حمى القانون في مواجهة الجريمة، والذي يرتدي ~~ملابسه الداخلية، على العكس من باتمان، تحت بنطاله. وبعدما يفرغ الجوكر منه، يتحول ~~دينت إلى قاتل تحركه غريزة الانتقام، ويلقب بهارفي ذي الوجهين. يسري اليأس في ~~نفس جوردون؛ فها قد تبدد الأمل الذي كان يعقده على مستقبل جوثام، وانتصر الجوكر رغم ~~كل شيء؛ إذ سيفقد سكان جوثام الأمل في أشكال السلطة الاجتماعية القانونية والمشروعة ~~دستوريا عندما يرون كيف تمكن الجوكر بسهولة من تقويض تجسد هذه القيم في شخص ~~هارفي دينت. لكن باتمان يهب لنجدتنا مرة أخرى، إلا أن النجدة تتخذ هذه المرة شكل ~~كذبة يخترعها، فيتواطأ مع جوردن كي يتظاهر بأن باتمان هو من تحول على يد الجوكر ~~إلى هذا الكيان القاتل والمدمر المدفوع بشهوات الانتقام، وليس هارفي دينت. يعمل ~~باتمان بالفعل خارج إطار القانون، وتشوه صورته لا يعادل تشوه صورة القانون ~~والممارسة المشروعة للسلطة. وهكذا يصبح باتمان فارس الظلام، ويظل النظام والأمل في ~~المجتمع محفوظين بسبب كذبة؛ كذبة نبيلة. # 6 # لا تأتي هذه الخطوة من باب التعاون مع الشر؛ فقد أتم الجوكر مهمته بالفعل، بل هي ~~من باب التخلص من آثاره. رغم ذلك، ينطوي الموقف على ms267 تضحية بالمبادئ الأخلاقية في ~~سبيل غايات سياسية. وتتراجع أهمية انتهاج الصراحة مع أهل جوثام لصالح الحاجة الملحة ~~للحفاظ على روحهم المعنوية وإيمانهم بقوة الإجراءات القانونية العادية. إلا أن ~~الفيلم يضع هذه القضية الأخلاقية، على نحو يثير الاهتمام، في إطار عام قوامه أخلاق ~~الواجب؛ فلا يصوغ باتمان اختياره من المنظور الذرائعي المناقض للبطولة؛ أي فعل ما ~~يلزم للحصول على أفضل نتيجة، بل من منظور الاستحقاق: # أحيانا لا تكون الحقيقة جيدة بما يكفي. أحيانا يستحق الناس أكثر. # أحيانا يستحق الناس أن يكافئوا على إيمانهم. (الدقيقة 17 من الساعة الثالثة) # يتبع ذلك بقليل تلخيص جوردون للموقف كله مستخدما تعبيرات مخيفة ~~بلا شك؛ إذ يسأله ابنه الصغير عن سبب مطاردة الشرطة لباتمان رغم أنه لم يرتكب ~~إثما، فيجيبه: # لأنه ليس بطلنا. إنه حارس صامت. حام متيقظ. إنه فارس الظلام. (الدقيقة 18 من الساعة الثالثة) # كيف بدل الفيلم منظوره الأخلاقي القائم على المبادئ إلى هذا النوع البليد من ~~التفكير الاستبدادي؟ أهو تغيير من منظور قائم في جوهره على أخلاق الواجب إلى منظور ~~عواقبي في الأساس؟ أم أهو تبدل من منظور ما لأخلاق الواجب، منظور قائم على أفضلية ~~النزاهة الأخلاقية، إلى منظور آخر قائم على واجب الرعاية مفروض على المرء تجاه ~~مواطنين يكاد لا يثق فيهم؟ هل تقل غرابة هذا التغير من المنظور الأخلاقي بسبب ~~التضحية البطولية التي قدمها باتمان؟ تلك أسئلة تصعب الإجابة عنها، ولا يقدم الفيلم ~~على الأرجح معلومات كافية للإجابة عنها. رغم ذلك، من بين التفسيرات الواضحة لهذه ~~الكذبة، يوجد تفسير عواقبي واحد على الأقل؛ لا بد من اللجوء إلى الكذب لأن الحقيقة ~~ستتسبب في أذى لا يحتمل. # متى إذن يسمح بالكذب لأجل تحقيق غرض اجتماعي ما؟ وكيف نجيب عن هذا السؤال: عبر ~~الاحتكام إلى المبررات العواقبية أم إلى تلك المستندة إلى أخلاق الواجب؟ ذلك لغز ما ~~زال عالقا. وسؤالنا المبدئي، حول ما يجعل فعلا ما صائبا وما يجعله خاطئا، لا ~~يزال في عقولنا بلا إجابة نهائية، كما قد تتوقع. # أسئلة # في بداية ms268 هذا الفصل، استبعدنا على الفور الرأي القائل بأن الأفعال ~~تصبح صائبة إذا كان الله قد أمر بها. هل تشكل معضلة يوثيفرو عائقا ~~لا يمكن تخطيه أمام هذا الرأي؟ (يعرف الزعم القائل بأن الأفعال تصبح ~~صائبة إذا أمر الله بها بنظرية الأمر الإلهي. وقد طرحت المسألة في ~~حوار يوثيفرو، أحد حوارات أفلاطون. هل تصبح الأفعال ملزمة أخلاقيا ~~أو محرمة لأن الله أمر بها أو حرمها، أم هل يأمر الله أو يحرم ~~الأفعال لأنها ملزمة أخلاقيا أو محرمة؟ هل أمر الله بها هو ما ~~يجعل الأفعال ملزمة أو محرمة أم هل بعض الأفعال ملزمة أو محرمة بصرف ~~النظر عن أوامر الله؟ تنص نظرية الأمر الإلهي على أن الإثم الأخلاقي هو ~~معارضة أوامر الله أو أن كلمة «إثم» في السياقات الأخلاقية تعني ~~«مخالفة أوامر الله». راجع نيلسن (1990).) # فلتفترض أن ركاب إحدى العبارات قرروا الضغط على زر التفجير، وبرروا ~~قرارهم على النحو التالي: # إذا لم نضغط على زر التفجير، سنترك الخيار للركاب على متن ~~العبارة الأخرى: إما سيضغطون على الزر وإما لا. إذا ضغطوا ~~على الزر، فسوف يفجروننا. وإذا كان ذلك ما يخططون لفعله، فليس ~~علينا إثم إذا ضغطنا نحن الزر أولا. وإذا لم يضغطوا على الزر، ~~فسوف يموتون على أي حال (حسب تهديد الجوكر)، إذن لن يلقوا ~~مصيرا أسوأ إذا ضغطنا على الزر. في كلتا الحالتين، لن نتسبب ~~في ضرر جسيم وجائر لركاب العبارة الأخرى إذا ضغطنا على الزر. ~~كيف إذن يصبح إنقاذنا لحياتنا من خلال فعل أمر لا يؤذي شخصا ~~آخر إيذاء جائرا أمرا خاطئا؟ # ما مدى منطقية تلك الحجة؟ أهي مجرد تسويغ للفعل أم ~~تنطوي على وجهة نظر مهمة؟ هل تعبر عن منهج استدلال عواقبي أم قائم ~~على أخلاق الواجب؟ # هل من المنطقي القول بأن الضغط على زر التفجير هو الفعل الصائب في ~~حالة المدنيين لا في حالة السجناء؟ وهل من المفترض وجود تكافؤية في ~~فرصة الضغط على الزر في هذا الموقف؟ # هل من المنطقي القول بأن الضغط على الزر هو ms269 الفعل الصائب في حالة ~~المدنيين، لكن إذا ضغط أي منهم بالفعل على الزر فسوف نعتبره - ولنا ~~الحق في ذلك - شخصا شريرا؟ (بعبارة أخرى، هل من الممكن الفصل بين ~~الحكم بصواب الفعل والحكم بصلاح السلوك على هذا النحو؟ سوف نستعرض ~~القضايا ذات الصلة بهذا السؤال في الفصل الرابع عشر.) # هل الرجل المدني الذي لم يستطع حمل نفسه على الضغط على الزر جبان؟ ~~(هل تكون جبانا إذا فعلت الصواب؟) # هل إشباع التفضيلات مقياس فلسفي كاف للسعادة؟ أهو الجانب الذي ينبغي ~~على أتباع النفعية محاولة تعظيمه؟ # حسب نظرية أخلاق الواجب، يصبح فعل ما مبررا من الناحية الأخلاقية ~~إذا اندرج تحت مبدأ أخلاقي مناسب. تحت أي مبدأ أخلاقي قد يندرج قرار ~~تفجير العبارة؟ لقد اقترحنا واحدا في هذا الفصل، لكننا أثبتنا ~~بسهولة نسبية أنه لا يصلح كمبدأ مقبول بديهيا أو منطقيا. هل يوجد ~~مبدأ أفضل يمكن لركاب العبارة توظيفه لتبرير تفجير العبارة ~~الأخرى؟ # ينحاز باتمان إلى المبدأ لا إلى العواقب، ويعتبر ذلك مكافئا للصلاح ~~الأخلاقي. يميل مشاهدو الفيلم إلى القبول؛ فبنية الموقف تجعل هذا ~~مقنعا كرد فعل على مستوى الحدس. لكن هل أعد الفيلم هذا الموقف ~~إعدادا غير منطقي من الناحية الفلسفية؟ هل أدت أفعال باتمان البطولية ~~أو ما أبداه الجوكر من حقد جامح (وإن كان يتمتع بجاذبية شخصية) إلى ~~تضليل حدسنا؟ هل تمكن المخرج كريستوفر نولان بطريقة أخرى من تدبير ~~الأمور على نحو يدفع حدسنا في اتجاه معين؟ # يبدو أن النفعية القواعدية قد تتفق مع مبدأ أخلاق الواجب الذي ~~اعتبرناه ذا صلة بتجربة الجوكر الاجتماعية. هل هذا صحيح؟ # ما نوع القيود التي تنطبق على أفضل القواعد من المنظور العواقبي؟ هل ~~لا بد من أن تكون قواعد لا يقدر أحد على اتباعها سوى الملائكة؟ أم هل ~~ينبغي أن تكون قواعد يسهل اتباعها؟ # هل القاعدة الفضلى، من المنظور النفعي، هي القاعدة التي تنص على ~~تعظيم المنفعة في كل ما تفعله؟ ولم لا؟ # هل كان باتمان محقا عندما تحمل أوزار هارفي دينت؟ وهل كان ~~جوردون، قائد ms270 الشرطة، على حق عندما زعم كذبا أن باتمان قاتل؟ # | هوامش # الفصل الرابع عشر # | طفولة خطرة: «الوعد» واحتمالية الفضيلة # مقدمة # في الفصلين السابقين، بحثنا الأخلاق بطريقتين مختلفتين. أولا: طرحنا السؤال ~~التالي: «ماذا يدفعنا لالتزام الأخلاق؟» ثم طرحنا هذا السؤال: «ما الذي يجعل ~~الأفعال صائبة أو خاطئة؟» وقد تساءلنا على وجه التحديد عما إذا كانت الأفعال تصبح ~~صائبة أو خاطئة، إذا أوفت بالمبادئ الأخلاقية التي تندرج تحتها أم إذا أدت إلى أفضل ~~العواقب من الناحية الموضوعية. في هذا الفصل، سوف نلقي نظرة أخرى على الأخلاق لكن ~~من زاوية أخرى؛ فبدلا من التركيز على أنواع الأفعال والخصائص التي تجعلها صائبة، ~~سوف نركز على الناس، ونتساءل عما يجعل الأفراد صالحين أو فاسدين من المنظور ~~الأخلاقي. وبينما نتولى ذلك، سنتحرى نظرية يطلق الفلاسفة المعاصرون عليها اسم ~~نظرية الفضيلة. # دليلنا في هذا الفصل هو فيلم «الوعد» (لا بروميس) من إخراج المخرجين ~~البلجيكيين جان بيير داردين ولوك داردين عام 1996. كالعادة، ننصحك بمشاهدة الفيلم ~~قبل مواصلة القراءة (إذ سنفسد عليك الكثير من أحداث الفيلم فيما يلي). جذب ~~الأخوان داردين الانتباه الدولي للمرة الأولى مع فيلم «الوعد»، ومنذ ذلك الحين ~~قدما سلسلة من الأفلام المتميزة مثل: «روزيتا» (1999)، و«الابن» (لو فيس) (2002)، ~~و«الطفل» (لا أنفا) (2005)، و«صمت لورنا» (لو سيلانس دو لورنا) (2008) جميعها ~~تركز على الحياة الأخلاقية لأناس يواجهون تحديات أخلاقية شديدة. إن أكثر ما يميز ~~أعمال الأخوين داردين من وجهة نظرنا هو استكشافها لاحتمالية الصلاح والتطهر ~~الأخلاقي، وما تعكسه من جمال ، اسكتشافا يراعي الدقة ويبتعد عن العاطفية. ربما يبدو ~~«الوعد» فيلما بسيطا ذا إيقاع بطيء عندما تشاهده للمرة الأولى، لكنه ~~في الحقيقة مكتوب بحرفية لا تقل عن أي فيلم آخر ~~قد تراه (على سبيل المثال، سيناريو فيلم «الوعد» مكتوب بحرفية ودقة تفوق سيناريو ~~فيلم «فارس الظلام»). يتضمن الفيلم قدرا كبيرا من الأحداث، ويتصاعد التوتر به بلا ~~توقف، ومشاهدته تجربة تستحوذ على المرء بمجرد أن يؤقلم نفسه مع أسلوبه البسيط ~~البعيد عن البهرجة. يكشف الفيلم عن دفقات قوية من المشاعر لكنه لا ms271 يستخدم في ذلك ~~سوى أكثر السبل مباشرة؛ أي عبر مشاهدة الشخصيات وهي تتصرف وتتحدث، وعبر ملاحظة ~~التعبيرات على وجوههم وأجسامهم في أثناء ذلك. إن الغياب التام للموسيقى التصويرية، ~~والمشاهد ذات الإطار الضيق، المصورة في معظم الأحيان بكاميرا محمولة، تضفي على ~~الفيلم من الخارج طابعا وثائقيا، لكن نظرة متفحصة له ستكشف عن أن كل مشهد قد ~~أعد بعناية. تكمن قوة أسلوب الأخوين داردين في قدرتهما على تركيز انتباه المشاهدين ~~على طريقة حياة الشخصيات في بيئتها، لا على الكيفية التي يعيشون بها في محيط خيالي. ~~بعبارة أخرى، ينصب التركيز على الكيفية التي يعيشون بها في بيئة حقيقية (على ما ~~يبدو). فتدور أحداث الفيلم في محيط فوضوي كريه ومزعج، يبدو طبيعيا لا معدا ~~خصوصا للتصوير. نراقب الشخصيات وهي تصعد السلالم، وتمر عبر الأبواب، وتستقل ~~سيارات، وتسير في الشارع. أحيانا نراها من الخلف أو من جانبها أو من الأمام. يبدو ~~الأمر أشبه بمشاهدة الأحداث بوصفك متفرجا عابرا لا كمشاهد لمشهد أعد خصوصا ~~لأجله. وعلى العكس من الإعدادات السينمائية التقليدية (إعداد المشاهد)، حيث يكون ~~الهدف هو تحسين عملية إيصال المعلومات السردية؛ ما الذي يحدث؟ من يتحدث إلى من؟ من ~~يتحكم في الموقف؟ ما الذي يشعر به أولئك الناس؟ ما هي دوافعهم؟ ما أنواع شخصياتهم؟ ~~يهدف أسلوب الأخوين داردين إلى إظهار تصرفات الأشخاص كما لو كانت طبيعية تماما، ~~وكما لو كان صناع الأفلام قد صوروها مصادفة. وهكذا تبرز المعلومات السردية على نحو ~~غير متعمد فيما يبدو . # 1 # يشبه أسلوب الفيلم أسلوبا يدعى «سينما فيرتيه» أو سينما الواقع، وهو ~~أسلوب له تاريخ طويل وبارز في السينما. يستخدم الأخوان داردين هذا الأسلوب ~~استخداما متميزا لأن المهارة الكامنة خلفه مستترة على نحو بارع. يبدو تطور قصة ~~الفيلم أمرا تحكمه الصدفة تقريبا، كما لو أن أحد المشاهد يمكن الاستعاضة عنه ~~بسهولة بمشاهد أخرى لا حصر لها؛ لذا يبدو من الوهلة الأولى أن قدرا ضئيلا من ~~المعلومات الدقيقة هي التي تنقل عبر المشاهد. لكن في الحقيقة، كل مشهد مصمم بحيث ~~يبعث ms272 رسالة خاصة عن حياة ومتاعب الشخصية الرئيسية، إيجور، ولا يمكن الاستعاضة عنه ~~بسهولة بمشاهد أخرى. # 2 # يواجه إيجور مشكلات بالغة الجدية. هو صبي يبلغ من العمر 15 عاما، ويعمل ميكانيكي ~~سيارات تحت التمرين، لكن عمله الحقيقي هو مساعدة والده، روجر، في نشاطاته الإجرامية ~~الكريهة والمتعددة. (ما يسفر بالطبع عن فصل إيجور سريعا من وظيفته كميكانيكي تحت ~~التمرين.) في بداية الفيلم، نراه يسرق حافظة نقود من عميلة، لكنه سيرتكب أفعالا ~~أفظع مع توالي الأحداث؛ فهو يساعد والده على إدارة ما يشبه نزلا للوافدين غير ~~الشرعيين إلى بلجيكا (وهم أناس سيواجهون خطر الترحيل إذا اكتشفهم مسئولو الهجرة ~~البلجيكيون). يأتي أولئك الأفراد من أماكن متنوعة مثل يوجوسلافيا وكوريا وأيضا من ~~دولة بوركينا فاسو غرب الأفريقية، التي تلعب دورا محوريا في أحداث الفيلم. يستغل ~~روجر هؤلاء المهاجرين كعمالة رخيصة ويبتز أموالهم. ويبدو أيضا أنه يدير عمليات ~~التهريب التي تجلب أولئك المهاجرين غير الشرعيين إلى بلجيكا أو ينتفع منها على ~~الأقل. ولكي يتخلص من مضايقة مسئولي الهجرة، يختار بعضا من ساكني النزل الذي ~~يملكه، ويسمح لشرطة الهجرة باعتقالهم وترحيلهم، ويستعين بإيجور في تنفيذ هذه ~~العملية. يبني روجر منزلا لأجل ابنه، كما يخبر المشاهدين في المشاهد الأخيرة من ~~الفيلم. ويسود موقع البناء اضطراب وفوضى يشكلان خطرا على الأفراد؛ فأعمال البناء ~~تنطوي على خطورة، ويتجاهل القائمون عليها تدابير الأمان. وفي أثناء سير العمل، ~~تجتاح الموقع شرطة التفتيش على العمل، فيندفع العمال باحثين عن أماكن للاختباء، ~~ويسقط أحدهم من على السقالة (إذ لم يكن يرتدي حمالة الأمان). يدعى هذا الرجل ~~حميدو، وهو من بوركينا فاسو، وقد أتت زوجته (أسيتا) وابنه لتوهما من هناك ليعيشا ~~معه في بلجيكا. وبينما يستلقي حميدو على الأرض؛ إذ يعاني من إصابات خطيرة، يدفع ~~إيجور إلى أن يعده بالعناية بأسيتا والطفل. رغم ذلك يسارع إيجور بإخفاء الرجل ~~المصاب، ويساعد أباه في الكذب على المفتشين. وبعد مغادرتهم يحاول نقل حميدو إلى ~~المستشفى لكن أباه يرفض رفضا قاطعا. وعليه، يخضع لأوامر أبيه، ويساعده على إخفاء ~~حميدو ms273 تحت قطعة من المشمع يعلوها لوح من الخشب (باب خشبي منفصل) ويغطون آثار الدماء ~~بالرمل. يموت حميدو في وقت لاحق خلال اليوم، ويدفنه روجر وإيجور ليلا في موقع ~~البناء. يركض إيجور، ويترك أباه في خضم عملية الدفن؛ فالموقف أقوى من قدرته على ~~الاحتمال. # هذا هو الإطار العام الرئيسي للفيلم الذي يركز على رد فعل إيجور التدريجي على ~~النكبة الأخلاقية، المتمثلة في موت حميدو، والذنب الذي يقع على عاتقه وعلى عاتق ~~والده جراء هذا الحادث (رغم أن الجزء الأكبر من هذا الذنب يتحمله الأب بالطبع). ~~يبدو رد فعل إيجور بسيطا جدا من إحدى النواحي؛ فهو يفي بالوعد الذي قطعه لحميدو. ~~لكن وصف الموقف على هذا النحو لا يوفي التجسيد الفطن الذي يقدمه الفيلم لصحوة ~~إيجور الأخلاقية حقه. وهذه الصحوة هي اللب الفلسفي للفيلم. # 3 # يفي إيجور بوعد قطعه لرجل يحتضر. وفي النهاية، يفعل الصواب. لكن ما ~~السبيل الأمثل لفهم هذه المسألة برمتها من وجهة نظر أخلاقية؟ هل صحوة إيجور ~~الأخلاقية تنبع من وفائه بالتزام قطعه على نفسه فحسب؟ هل أصبح إيجور شخصا جديرا ~~بالاحترام من المنظور الأخلاقي عندما أوفى بوعده (بدلا من كونه سارقا وكذابا)؟ ~~هل يوجد سبيل أفضل لوصف ما يحدث لإيجور على مدار أحداث الفيلم؟ يؤسس إيجور هوية ~~أخلاقية واضحة في الفيلم، لكن كيف ينبغي لنا وصف هذه الهوية؟ كيف لنا أن نصف شخصية ~~إيجور الجديدة؟ يؤمن منظرو الفضيلة أن العنصر الأهم في هويتنا الأخلاقية هو ~~تمتعنا بفضائل (ورذائل)، ويميلون إلى رؤية الفضائل من وجهات نظر معقدة. فكونك ~~شخصا فاضلا يختلف عن كونك شخصا يميل إلى فعل الصواب؛ فالفضائل أعقد من مجرد فعل ~~الصواب، إنها (لا سيما الفضائل الأخلاقية) سبل متميزة أخلاقيا للعيش. يطرح فيلم ~~«الوعد» دعما قويا لنظرية الفضيلة، أو هكذا سنزعم في هذا الفصل. لكن دعونا أولا ~~نعرض خلفية عامة عن الفضائل ونظرية الفضيلة. # ما هي الفضيلة؟ # منظر الفضيلة الأعظم تأثيرا في تاريخ الفلسفة هو أرسطو (384-322 قبل الميلاد)، ~~الذي يرى أن الفضائل هي حالات تستحق تقديرا ms274 استثنائيا من حالات الشخصية. إنها ~~نوعيات من حالات الشخصية تضفي علينا نبلا، وتشكل أساس حياة صالحة تستحق العناء. ~~تنطوي الفضائل على ميل نحو التصرف بطرق معينة مناسبة، لكنها لا تقتصر على ذلك؛ فهي ~~تتضمن أيضا ميلا نحو الشعور بالمشاعر المناسبة وإدراك المواقف إدراكا مستبصرا ~~ومراعاة الحكمة عند التفكر جليا في الأمور. الفضائل ليست مجرد عادات سلوكية أو ~~مهارات، بل هي طرق معقدة للاستجابة لمواقف تتعرض لجوانب متعددة من شخصيتنا ومن ~~مزاجنا العاطفي ومن ذكائنا. يقسم أرسطو الفضائل إلى فئتين: فضائل الشخصية (في بعض ~~الأحيان يطلق عليها «فضائل أخلاقية») وفضائل العقل (في بعض الأحيان يطلق عليها ~~«فضائل عقلية»). أهم ما تتضمنه فضائل الشخصية هو التحكم في مشاعرنا، في حين تتضمن ~~فضائل العقل مزايا العقل. التفوق في العلوم على سبيل المثال يتطلب التمتع بفضائل ~~عقلية، أما عيش حياة جيدة فيتطلب فضائل أخلاقية. في هذا الفصل، نهتم على وجه ~~التحديد بالفضائل الأخلاقية (رغم أن الفضائل الأخلاقية تتضمن، كما سنعرض لاحقا، ~~فضيلة عقلية معينة، يطلق عليها أرسطو «فرونيسيس» وغالبا ما تترجم إلى الحكمة ~~العملية). # يرى أرسطو أن الفضائل الأخلاقية تشتمل على سمات مثل الشجاعة وضبط النفس (أي ~~مراعاة الاتزان عند الاستجابة للألم واللذة) والكرم واعتدال المزاج والشهامة ~~والعدل. وقد عرض أرسطو رؤيته الأساسية لتلك الفضائل في إطار ما أطلق عليه مبدأ خير ~~الأمور أوسطها. حسب هذا المبدأ، تقع الفضيلة في المنتصف بين الزيادة والنقصان. يصوغ ~~أرسطو رؤيته كالتالي: # أولا: دعونا إذن نتأمل حقيقة أن هذه الأشكال تتعرض للفساد بتأثير ~~الزيادة أو النقصان، كما نرى في حالات القوة والصحة (لا بد لنا من استخدام ~~أمثلة واضحة كي نوضح ما يكتنفه الغموض)؛ على سبيل المثال الإفراط في ~~التدريبات الرياضية أو إهمالها يدمر قوة المرء البدنية، وبالمثل الإفراط في ~~تناول الطعام والشراب أو نقصه يدمر صحة المرء، في حين يؤدي تناول القدر ~~المناسب إلى التمتع بالصحة وتحسينها والحفاظ عليها. ينطبق الأمر ذاته على ~~ضبط النفس والشجاعة وغيرها من الفضائل؛ فالشخص الذي يهاب جميع الأشياء ~~ويتجنبها ولا يثبت ms275 أبدا على موقفه، يصبح جبانا. أما الشخص الذي لا يخشى ~~شيئا ويواجه الأخطار كافة، يصبح متهورا. وعلى المنوال نفسه من يستمتع ~~بكل لذة ولا يكبح جماح نفسه أبدا، يصبح شخصا مسرفا، أما من يتجنب جميع ~~الملذات، مثلما يفعل الرجال الأفظاظ، يصبح متبلد الحس. إذن الشجاعة وضبط ~~النفس يدمرهما الإفراط والنقصان ويحفظهما الاعتدال. # 4 # من الهم ملاحظة أن مبدأ أرسطو لا يوصي بالاعتدال في الأشياء ~~كافة. فربما تتطلب الفضيلة إحساسا عظيما مثل الغضب أو الكرم؛ فالاعتدال ليس ~~مقياسا حسابيا، لكنه يتنوع من ظرف لآخر. يصف أرسطو العلاقة بين الفضائل والمشاعر قائلا: # أتحدث ها هنا عن فضائل الشخصية، بما إنها تختص بالمشاعر والأفعال، وهي ~~المجال الذي نشهد فيه الزيادة والنقصان والاعتدال. على سبيل المثال قد نشعر ~~بالخوف والثقة وشهوة الطعام والغضب والشفقة واللذة والألم عموما على نحو ~~زائد أو ناقص، وكلا الوضعين وضع معتل. لكن الإحساس بتلك المشاعر في الوقت ~~المناسب، تجاه الأشياء المناسبة والأشخاص المناسبين ومن أجل غرض مناسب ~~وبطريقة مناسبة، هو السبيل المعتدل والأمثل، وهكذا تمارس الفضيلة. # 5 # اعتقد أرسطو أيضا أن التمتع حقا بفضيلة ما يتطلب من الفرد أن ~~يستمتع وهو يمارس الأفعال الفاضلة. وذلك شرط مهم لدى أرسطو لأنه يعتقد أن التمتع ~~بالفضائل يمكننا من عيش حياة صالحة، وهي من وجهة نظره حياة ناجحة وممتعة ومحط ~~تقدير. يطلق أرسطو على نوعية الحياة هذه «يوديمونيا» (أي الازدهار أو الهناء)، ~~ويرى أنها أعظم صور الخير للناس كافة؛ فهي الهدف النهائي الذي ترمي إليه جميع ~~جهودنا الحسية أو العقلية. فما الذي نريده من الحياة في نهاية المطاف؟ نحن نريد ~~حياة هانئة كما نطمح في بلوغ مراتب التفوق في فن الحياة وشئونها، في أن نصير سعداء ~~وناجحين، في أن نبلغ حالة ال «يوديمونيا»، هكذا يجيب أرسطو. # 6 # يتصرف المرء حقا بدافع الفضيلة عندما تصدر تصرفاته عن طيب خاطر، ~~وعندما يستمد متعة منها؛ ومن ثم لا يجسد المرء فضيلة الشجاعة تجسيدا ~~حقيقيا إذا تصرف بشجاعة مكرها. ولا يجسد المرء فضيلة الكرم إذا كان ms276 ~~يهب أمواله ممتعضا. # كيف تكتسب فضائل الشخصية؟ يجيب أرسطو على ذلك قائلا إننا نبدأ في اكتسابها منذ ~~الطفولة عبر التعود. على سبيل المثال الأطفال ليسوا كرماء بطبيعتهم، لكن عبر دفعهم ~~إلى التصرف كما لو كانوا كرماء، حتى وإن كرهوا ذلك، سوف يعتادون على فعل الكرم. وفي ~~النهاية قد يكتسب الطفل جوانب نفسية محورية من جوانب الفضيلة؛ أي الاستجابة للمواقف ~~بالمشاعر المناسبة واستمداد المتعة من التصرفات السليمة. إذا رغبنا في أن ينمو ~~الطفل ليصبح شخصا ناضجا فاضلا حقا، لا بد أن يكتسب نوع الحكمة العملية أو ~~الذكاء الذي يمكنه من الاستجابة للمواقف استجابة سليمة. وكما ذكرنا بالأعلى، ~~يطلق أرسطو على هذا النوع تحديدا من الفضيلة الفكرية «فرونيسيس»، وامتلاكها أمر ~~لا غنى لنا عنه كي نكتسب فضائل الشخصية كاملة. على سبيل المثال، لا يهب الشخص ~~الناضج الكريم أمواله ووقته عن طيب خاطر وبكل سرور فحسب، بل يراعي الحكمة في ذلك ~~فيهبها عندما يدرك أنها ستحدث فارقا بالفعل. # هذه هي رؤية أرسطو لفضائل الشخصية أو الفضائل الأخلاقية. وهي رؤية عظيمة التأثير، ~~لكنها كذلك رؤية خلافية. # 7 # ضمت قائمة أرسطو للفضائل الشجاعة وضبط النفس واعتدال المزاج والعدل ~~والشهامة (وهي أعظم فضائل الوجاهة، والرجل الشهم هو الرجل الكريم الأبي ذو القلب ~~الكبير والمكانة العالية في مجتمعه). حديثا، تبدو القائمة متواضعة بعض الشيء؛ فهي ~~محدودة ومتحيزة. بل إن فضيلة الشهامة التي يعرضها أرسطو تبدو مقززة إلى حد ما في ~~أعين الكثيرين. لقد كانت آراء أرسطو في النساء متحيزة جنسيا تحيزا يتعذر ~~تجاوزه، وآراؤه في العبيد وغير الإغريقيين عنصرية. رغم ذلك، يأمل العديد من ~~منظري الفضيلة المعاصرين في استخلاص جوهر رؤية أرسطو حول الفضيلة وتعديله بحيث ~~يتكيف مع الرؤى الأخلاقية الحديثة، تاركين خلفهم تحيزاته الضيقة والمتعصبة جنسيا ~~التي عفا عليها الزمن. # تنطوي نظرية أرسطو على جانب آخر مثير للجدل تجسده رؤيته النظرية حول كيفية ~~اكتساب الفضيلة؛ فهو يرى أن الفضائل تعتمد على سمات الشخصية (لكن من المهم تذكر ~~أنها تتضمن ما هو أكثر من سمات الشخصية: التفاؤل ms277 والطبع الاجتماعي الودود سمتان ~~شخصيتان معتادتان، لكن الشجاعة والكرم سمتان فاضلتان نموذجيتان). على سبيل المثال، ~~الشخص المندفع الذي يفتقر إلى التبصر بالأمور ويعجز عن كبح جماح نفسه، من ~~المستبعد أن يكتسب فضائل أرسطية مثل ضبط النفس والاعتدال. هل نكتسب سمات شخصية مثل ~~الاندفاع عبر التعود في فترة الطفولة؟ تشير الأدلة إلى أن قدرا لا بأس به من ~~شخصيتنا موروث لا مكتسب. # 8 # ربما أفرط أرسطو في تفاؤله حيال مدى قدرة الآباء والآخرين على تشكيل ~~شخصيات الأطفال الذين هم في رعايتهم (وهي حقيقة سيتفق معها أي أب وأم). مع ذلك ~~أفرط أرسطو في تشاؤمه من جهة أخرى. قد تبدو القدرة على تبديل سمات شخصية جوهرية في ~~سن النضوج أمرا مستبعدا، رغم ذلك يبدو أننا قادرون على النمو أخلاقيا حتى في ~~سن النضوج. وهو أمر نفعله جزئيا عندما نبذل محاولات واعية كي نصبح أشخاصا أفضل ~~عبر الممارسة وعبر مواءمة عاداتنا وفهمنا لذاتنا مع مواطن القوة في شخصيتنا. على ~~سبيل المثال إذا كنت شخصا اجتماعيا ذا طبع ودود منطلق فربما تستغل هذه السمة ~~الشخصية كي تصبح شخصا مستبدا، فتستخدم مواهبك الاجتماعية الفطرية في اكتساب ~~مكانة وتطويع دعم الآخرين في تحقيق أهدافك الشخصية. على الجانب الآخر، نحن قادرون ~~على التأقلم مع السمة الشخصية نفسها بطرق في غاية الاختلاف، عبر التحول مثلا إلى ~~قائد ناجح وحكيم يرشد الآخرين. من المستبعد أن يتبنى شخص شديد الانطوائية دور ~~القائد، ومن المشكوك فيه أن يتمكن من تحويل نفسه إلى شخصية انبساطية بقوة الإرادة ~~أو الممارسة. لكن الفضائل تعتمد على ما نفعله بسماتنا الشخصية لا على نوع السمات ~~الشخصية التي تصادف أن وهبنا إياها. واحتمالية أن نستطيع في بعض الأحيان تأسيس ~~هوية أخلاقية لأنفسنا حتى في سن النضوج وفي مواجهة تنشئة كارثية، تبدو قائمة رغم ~~تركيز أرسطو على التدريب في مرحلة الطفولة المبكرة. # تذكر مناقشتنا لشخصية ويسلر في «حياة الآخرين» (الفصل الثاني عشر)، لقد جسد ~~صورة لشخص غير من منهجه الأخلاقي الرئيسي في الحياة بينما هو في كامل نضجه. ms278 إنها ~~قصة استثنائية، بل مستبعدة الحدوث، لكنها ليست مستحيلة. وقد التقينا مجددا بشخصية ~~أخرى من هذا النوع في «أن تحيا» (الفصل العاشر)، شخصية السيد واتانابي. في فيلم ~~«الوعد» نقابل إيجور المراهق، الذي تخطى بالفعل مرحلة الطفولة، ورغم ذلك نجده ~~عازما على السير في الطريق الذي رسمه لنفسه. تبدأ الشخصيات الثلاث كلها عملية ~~تحول ذاتي أخلاقي نتيجة حدث عرضي مثل تعرف ويسلر الحميمي والمتلصص على دريمان ~~وزيلاند، وتشخيص حالة واتانابي بأنه يعاني سرطانا لا شفاء منه، والوعد الذي قطعه ~~إيجور لرجل يحتضر. والفكرة الباعثة على التأمل في حالة كل منهم هي مدى اعتماد ~~تحولهم على الصدفة. ماذا لو لم يكلف ويسلر قط بالتجسس على الحبيبين ~~المشتغلين بالفن؟ ماذا لو لم يعرف واتانابي قط حقيقة تشخيص حالته (لا تنس أن ~~الأطباء بذلوا كل ما في وسعهم لإخفاء الحقيقة عنه)؟ ماذا لو لم يتمكن من استخلاص ~~وعد أخير من إيجور؟ ربما كانت كل شخصية منهم لتستمر في المسارات الموحشة التي ~~اتخذتها حياتهم. # نظرية الفضيلة والفعل الصائب # في الفصل السابق، حيرتنا حالة ركاب العبارتين في فيلم «فارس الظلام»، ~~وتساءلنا عما يجعل فعلا ما صائبا أو خاطئا، ما دفعنا إلى التركيز على الأفعال ~~وخصائصها وتحري نوعين من الخصائص: العواقب والمبادئ. حسب النظريات العواقبية يصبح ~~فعلا ما صائبا، تقريبا، إذا تمخض عنه ما يعد أفضل العواقب الممكنة من منظور ~~غير متحيز. أما نظريات أخلاق الواجب، فتدفع بأن الفعل يصبح صائبا إذا اندرج تحت ~~مبدأ أو قاعدة أخلاقية مناسبة. ما العلاقة بين مناقشة الفصل السابق لمفهوم الفعل ~~الصائب ومناقشتنا الحالية للفضيلة؟ توجد أربعة مواقف فلسفية رئيسية يمكننا تبنيها ~~هنا. # أولا قد نسعى إلى اختزال الحديث عن الفضيلة في الحديث عن الفعل الصائب. والطريقة ~~الأبسط لتحقيق ذلك هي ربط الفضائل بميول وطيدة إلى فعل الصواب في مجموعة متنوعة من ~~المواقف. فلتفترض على سبيل المثال أن الكذب على الآخرين فعل خاطئ من الناحية ~~الأخلاقية في جميع الأحوال. قد نعرف بناء على ذلك فضيلة الصدق بأنها ميل إلى ~~تجنب الكذب. ms279 وعلى هذا النحو، يحدد تعريف الفضائل في إطار الفعل الصائب، ~~والفعل الصائب هو المفهوم الأخلاقي الرئيسي هنا. قد لا تتفق بالطبع مع تحليل ~~لفضيلة الصدق يزعم أنها ميل إلى الامتناع عن الكذب. وعليه، ربما نحاول إبداء القليل ~~من الفطنة أو المرونة على الأقل، في توصيفنا للصدق؛ فقد نزعم أن الكذب إثم أخلاقي ~~إلا إذا كنا مجبرين عليه (وبهذا أصبح علينا تقديم عرض لحالات الإجبار على الكذب ~~تصنف في إطار المبادئ أو القواعد الأخلاقية الأخرى؛ على سبيل المثال القواعد التي ~~تحدد لنا متى يقع على عاتقنا واجب سام بمساعدة الآخرين). يمكننا كذلك إضفاء المزيد ~~من الإثارة على المسألة عن طريق السماح بالحالات التي نعفى فيها من التزام الصدق ~~نظرا لسوء تصرف الآخرين. فربما يخسر الناس أحيانا حقهم في سماع الحقيقة (مثلا، ~~قد يكذبون أنفسهم علينا أو قد يستخدمون الحقيقة استخدما جائرا في حقنا). وفي ضوء ~~ذلك، يمكننا تعريف فضيلة الصدق على أنها ميل وطيد لتجنب الكذب غير المبرر ~~(وتحدد مبررات الكذب حسب أسمى الواجبات الملقاة على عاتقنا أو فقدان الآخرين لحق ~~التعامل الصادق). # والآن إذا كان بوسعنا تطبيق العملية نفسها على جميع المصطلحات المتصلة بالفضيلة، ~~فسنكون حينئذ قد تمكنا من اختزال خطاب الفضيلة اختزالا نظريا. سيظل في ~~وسعنا الحديث عن الفضيلة، لكن بوصفها تبسيطا موجزا للحديث عن الميل إلى فعل ~~الصواب. في وسع كل من أتباع النظرية العواقبية ونظرية أخلاق الواجب الحديث عن ~~الفضائل، لكنهم يميلون بشدة إلى تبني الاستراتيجية الاختزالية التي وصفناها ~~لتونا؛ ومن ثم إلى اعتبار الحديث عن الفضيلة تبسيطا موجزا للحديث عن الميل إلى ~~فعل الصواب. (لا يعني هذا أنهم مجبورون على تبني هذا الموقف الاختزالي، بل يعني ~~فحسب أنه موقف يجده كثير من معتنقي العواقبية وأخلاق الفضيلة موقفا ~~مناسبا.) # 9 # يرفض منظرو الفضيلة هذا الرأي الاختزالي؛ فهم فلاسفة ينظرون إلى الفضيلة نظرة ~~جدية؛ ما يعني أنهم يعتقدون، على الأقل، أن الفضائل تلعب دورا مستقلا ذا ~~قيمة في حياتنا الأخلاقية، دورا مستقلا من الناحية المفاهيمية عن فعل الصواب. ms280 ~~هذا يقودنا إلى الطريقة الثانية لربط الفضائل بفعل الصواب، ومفادها أن الفضائل ~~تكمل وجهات النظر حول فعل الصواب، من خلال تقديم بعد إضافي لنقاشاتنا عن الأخلاق. ~~يتفق جميع منظري الفضيلة تقريبا على أن الفضائل لا تقتصر على مجرد ميل لفعل ~~الصواب. ونتذكر من مناقشتنا لآراء أرسطو، وهو يتناول الفضائل، أن التمتع بفضيلة ~~يتضمن أيضا ميلا إلى الاستجابة للمواقف على نحو سليم؛ أي الإحساس بالمشاعر ~~المناسبة بالقدر المناسب وفي الوقت المناسب، وحيال الأشياء أو الأشخاص المناسبين؛ ~~فضلا عن تناول المواقف تناولا حكيما ومستبصرا. يرى منظرو الفضيلة أن التمتع ~~بفضيلة يعكس الكثير من الأشياء عن هويتنا الأخلاقية ما يتجاوز مجرد الميل إلى طاعة ~~المبادئ الأخلاقية أو السعي خلف أفضل العواقب؛ # 10 # فالفضائل تساهم مساهمة مستقلة ولا غنى عنها في هويتنا ~~الأخلاقية. # 11 # الطريقة الثالثة لتأمل العلاقة بين فعل الصواب والفضيلة طريقة أكثر طموحا. حسب ~~هذه الرؤية، لا تكمل الفضائل مفاهيم الفعل الصائب فحسب، بل هي أساسية من الناحية ~~المفاهيمية. والعلاقة بين الفضيلة وفعل الصواب علاقة عكسية؛ فبدلا من تعريف ~~الفضائل من وجهة نظر الميل إلى التصرف على نحو صائب، يعرف التصرف الصائب من ~~منظور التزام الفضائل. إليك الطريقة الأكثر مباشرة ووضوحا لصياغة تلك النظرية: ~~التصرف على نحو صائب يعني التصرف على نحو يلتزم بالفضائل. سوف نستخدم مفهوم الفعل ~~الفاضل لتفسير مفهوم الفعل الصائب. على سبيل المثال مساعدة غريب واقع في ورطة ~~فعل صائب لأنه فعل يدل على الطيبة والكرم. والفعل لا يتسم بالطيبة والكرم لأنه فعل ~~صائب، بل هو فعل صائب لأنه فعل طيب وكريم . تتسم مصطلحات الفضيلة بالبساطة، وتستخدم ~~لتعريف الفعل الصائب. فيما يلي طريقة أخرى لتعريف الفعل الصائب من وجهة نظر ~~الفضائل: التصرف على نحو صائب يعني التصرف مثلما كان سيتصرف عادة شخص يلتزم كليا ~~بالفضائل في هذه الظروف. تسمح لنا تلك المعادلة بالتمييز بين فعل الصواب وفعله على ~~نحو يلتزم الفضيلة. قد يساعد شخص ما غريبا في ورطة (وهو الفعل الصائب في هذه ~~الظروف) دون أن يمتلك دوافع فاضلة؛ ms281 فربما كان هذا الفعل مدفوعا برغبته في إثارة ~~إعجاب أصدقائه، وفي هذه الحالة لا يمكن اعتباره تصرفا فاضلا (بل هو يتظاهر ~~بمراعاة الفضيلة، وذلك أمر مختلف دون شك). رغم ذلك، هو لا يزال يفعل الصواب، ويفعل ~~ما كان شخص فاضل ليفعله في مثل هذه الظروف، حتى وإن كان هو نفسه شخصا غير ~~فاضل. # 12 # يقدم هذا الخيار الثالث صورة معكوسة للخيار الأول؛ فهو محاولة لتفعيل الاختزال ~~لكن في الاتجاه المعاكس، بحيث يختزل مفهوم فعل الصواب ضمن الحديث عن الفضيلة. ~~ويطالبنا بإيجاد طريقة لتمييز الفضائل على نحو مستقل عن الخصائص التي تجعل الأفعال ~~صائبة؛ فلا بد أن نكون قادرين على تحديد معنى الاتصاف بالكرم أو الصدق دون التحدث ~~عن المبادئ الأخلاقية أو وجوب السعي وراء أفضل العواقب. ووفقا لهذا الخيار، لا ~~يعرف الفعل الكريم باعتباره فعلا يلتزم بقاعدة أخلاقية كالتالية: «لتحرص دوما ~~على مساعدة الآخرين عندما تقدر على ذلك دون التضحية بأي شيء يحمل أهمية مماثلة ~~لك.» # 13 # ولا يمكن كذلك تعريفه بأنه فعل يؤدي إلى أفضل العواقب الموضوعية عندما ~~يتطلب هذا من الفاعل التضحية بشيء يحمل قيمة بارزة لديه. لا بد من تعريف الكرم على ~~نحو مختلف؛ فالكرم، بوصفه فضيلة، شأن معقد ومن الصعب تعريفه. هو ليس مجرد ميل إلى ~~مساعدة الآخرين أو بذل الوقت والمال والممتلكات بسخاء، بل ينطوي على طريقة لتأمل ~~المواقف التي نواجهها والاستجابة لها؛ بحيث تصبح اهتمامات ومشاغل الآخرين المتورطين ~~في هذه المواقف جديرة بأن تكتسب أهمية في أعيننا؛ ويتضمن استجابة لهذا الإدراك ~~تدفعنا إلى التفكير فيما نستطيع فعله للمساعدة، وفي ضوء هذا نتيح ما نملك من وقت ~~وموارد للمساعدة ... إلخ. ليس هذا مكانا مناسبا لتطوير نظرية حول فضيلة الكرم، بل ~~غرضنا هو توضيح أنها مسألة معقدة. معظم الفضائل معقدة ومن الصعب تعريفها، لكنها، من ~~وجهة نظر مناصري هذا الخيار الثالث، أولية من المنظور الفلسفي. يميز الخيار ~~الثالث أحيانا عن الخيار الثاني عبر تسميته بأخلاقيات الفضيلة (بدلا من كونه ~~جزءا من نظرية الفضيلة). وبناء على ذلك، ms282 يصبح منافسا لنظريتي العواقبية وأخلاق ~~الواجب التي استعرضناها في الفصل السابق فيما يخص فعل الصواب. # الطريقة الرابعة لصياغة العلاقة بين الفضائل وفعل الصواب تقترح الاستعاضة عن ~~نظرية الفضيلة بنظرية فعل الصواب. # 14 # بالطبع نحن نميل إلى مناقشة المعضلات الأخلاقية من منظور تحديد الفعل ~~الصائب، لكن المدافعين عن هذا النوع من نظرية الفضيلة يزعمون أنه من الأفضل لنا ~~التركيز عوضا عن ذلك على مناقشة المعضلات الأخلاقية من منظور كيف يتصرف الناس على ~~نحو جيد (أي فاضل) في المواقف التي يواجهونها. على سبيل المثال، في موقف ~~العبارتين، بدلا من محاولة تحديد ما إذا كان الضغط على الزر أمرا جائزا ~~أخلاقيا (ومن ثم تفجير العبارة الأخرى)، قد نحاول تحديد ما إذا كان الأفراد في ~~كلتا العبارتين تصرفوا على نحو جيد. كيف كانوا سيتصرفون على نحو أفضل؟ هل ~~السجين الذي ألقى بجهاز التفجير من على سطح العبارة تصرف تصرفا جيدا؟ هل كان ~~تصرفه شجاعا؟ هل كان تصرفه حكيما؟ هل تصرف على نحو مخادع؟ هل كان تصرفه ~~تصرفا بطوليا أم كان عنيدا ومتعجرفا؟ (لقد تصرف كما لو كان القرار قراره ~~وحده في النهاية، وقد حكم على جميع من في العبارة بموت شبه حتمي، كما بدا وقتها.) ~~بوسعنا دوما طرح السؤال التالي: ما الفعل الذي من المرجح أن يسفر عن أفضل نتيجة؟ لكن لا ينبغي أن يتألف حكمنا الأخلاقي على ركاب العبارتين من الإجابة عن هذا ~~السؤال. قد نعتقد أن النتيجة الأفضل على الأرجح (إذا راعينا الموضوعية، وافترضنا أن ~~باتمان لن ينقذنا) هي تفجير المدنيين لعبارة السجناء. هي ليست نتيجة مثالية ~~بالطبع لكنها أفضل من موت الجميع، وأفضل (وإن كان بهامش ضئيل) من نجاة السجناء على ~~حساب المدنيين. رغم ذلك قد نعتقد أيضا أن تحقيق هذه النتيجة لم يكن ليتم إلا إذا ~~تصرف أحد ركاب عبارة المدنيين تصرفا وحشيا نستهجنه بشدة. يرى منظرو الفضيلة ~~أن الأخلاق لا تهدف إلى ضمان حصولنا على أشد ما نرغب به، بل تهدف إلى ضمان أن نحيا ~~حياة جيدة. وفي بعض ms283 الأحيان من الأفضل أن نموت في سبيل الفضيلة بدلا من أن نحيا ~~حياة وحشية (فظيعة). # لقد أصبحت المعضلة الآن هي تحديد ما سيحدث عندما نفكر مليا فيما ينبغي لنا فعله ~~في موقف معين. إذا تبنينا نظرية من نظريات فعل الصواب، فيمكننا على ما يبدو ~~الاكتفاء بتحري الخصائص التي تجعل من الأفعال المحتملة أفعالا صائبة كي نحدد ~~أيا منها ينبغي لنا تنفيذه. لكن هذه العملية تبدو منطقية فحسب إذا كان لدينا صيغ ~~أو إجراءات جاهزة نستعين بها لتحديد الفعل الصائب. وحسب صورة نظرية الفضيلة التي ~~نتناولها حاليا، تلك الصيغ أو العمليات غير موجودة. ماذا سيحدث إذا رفضنا وصف ~~المواقف من منظور الصواب والخطأ (أي من منظور الأفعال الجائزة والواجبة والمحرمة ~~أخلاقيا)؟ كيف يفترض بنا تدبر ما يواجهنا من المنظور الأخلاقي؟ هل يفترض بنا ~~تدبر أي من الأفعال هو الأصلح في ظل الظروف التي نواجهها؟ قد يبدو ذلك تكتيكا ~~منطقيا من الوهلة الأولى، لكنه لا يجدي. فغالبا الانشغال بفضيلتنا هو عينه ~~الطريقة الخطأ للاستجابة لموقف ما، أو بعبارة أخرى، طريقة رديئة من طرق الاستجابة؛ ~~فالتفكير بهذه الطريقة سيعد تفكيرا نرجسيا من جانبنا على السياق الأخلاقي، ~~كما لو أن كل ما يهم في الموقف هو أن نخرج منه ونحن نبدو صالحين (أو بالأحرى نكون ~~صالحين). تخيل أن يقرر إيجور مساعدة أسيتا، لا لسبب سوى أن يكون صبيا صالحا. ~~ثمة أمر محبط حيال هذا الدافع الأخلاقي، فما يتسم به من اهتمام نرجسي بالنفس ~~يقوض احتمالية الفضيلة الحقيقية. النرجسية ليست من الفضيلة؛ ومن ثم لا يمكن أن ~~نصبح صالحين من خلال التركيز على هدف واحد فقط وهو أن نكون صالحين. ربما لاحظت كذلك ~~أننا إذا فكرنا وفقا لهذا المنظور فسوف نقترب كثيرا من قبول الخيار الثالث ~~الاختزالي الذي وصفناه سابقا. حسب هذا الاقتراح، نكتشف الفعل الصائب عن طريق البحث ~~عن الفعل الفاضل. والطريقة المثلى لاستيعاب هذا هي ببساطة المساواة بين التصرف على ~~نحو فاضل والتصرف على نحو صائب. إذا رغب أحد في الدفاع عن هذه ms284 الصيغة الرابعة غير ~~الاختزالية من نظرية الفضيلة، عليه تقديم رؤية للتفكير الأخلاقي الفاضل لا تقتصر ~~على التفكير فيما سيعد فعلا فاضلا، لكنها لا تختزل نفسها كذلك في تطبيق صيغ أخرى ~~للفعل الصائب. وكما قد نتوقع من منظري الفضيلة، ستتسم تلك الرؤية على الأرجح ~~بالتعقيد. # خلاصة القول، يوجد أربع طرق لوصف العلاقة بين فعل الصواب والتصرف على نحو يلتزم ~~الفضيلة. (1) التصرف على نحو فاضل هو نفسه فعل الصواب. (2) التصرف على نحو فاضل ~~ينطوي على ما هو أكثر من فعل الصواب. (3) ~~التصرف على نحو صائب هو نفسه التصرف على نحو فاضل (أو التصرف مثلما كان الأشخاص ~~الصالحون سيتصرفون في نفس الظروف). (4) التصرف على نحو فاضل يختلف عن التصرف على ~~نحو صائب (ولا توجد نظرية فلسفية مرضية توضح ماهية التصرف على نحو صائب، ومن الأفضل ~~لنا ألا نعتمد على مفهوم الفعل الصائب كي نطرح أفكارا فلسفية مهمة). فحتى تصبح ~~واحدا من منظري الفضيلة لا بد أن تدافع عن الطريقة الثانية والثالثة والرابعة ~~وترفض الأولى. لكل صورة من صور نظرية الفضيلة الثلاث مناصروها، ولكل منها ميزة خاصة ~~بها. تبدو الصورة الثالثة الأكثر منطقية؛ إذ لا تتطلب منا سوى تخصيص مكان مميز لدور ~~الفضيلة في النظريات الأخلاقية التي نطرحها، في حين تبدو الصورة الرابعة الأكثر ~~جذرية؛ إذ تتطلب منا التخلص من انجذابنا التلقائي إلى نظريات فعل الصواب مثل تلك ~~التي عرضناها في الفصل السابق. لن نتخذ موقفا حاسما ها هنا؛ فالفيلم لا يساعدنا ~~على التمييز بين تلك الخيارات أيضا. لكن ما يفعله، رغم ذلك، هو أنه يقدم دليلا ~~قويا على أن الصيغ الثانية والثالثة والرابعة صحيحة وأن الصورة الأولى ~~خاطئة. # الوعد وتأثيره # فلنرجع إلى الفيلم، حيث يعد إيجور حميدو أنه سيعتني بأسيتا وطفلها. في البداية ~~لا يفعل الكثير لأجلهما. هو يساعدها على دق وتد (عمل بطولي حقا!) ويحضر لها ~~موقدا يعمل بالخشب. هذه ليست المرة الأولى التي يبدي فيها إيجور اهتماما بأسيتا، ~~فمنذ وصولها إلى النزل كان يراقبها. هو مفتون بها وبأسنانها البيضاء الرائعة، ~~ونراه ms285 يحاول تبييض أسنانه بطرقه الخاصة (التي تتضمن وضع سائل تصحيح الأخطاء ~~الكتابية الأبيض على أسنانه الأمامية، ما يجعله بالطبع يبدو مثل الإوزة). يجسد ~~الفيلم تقاربا متناميا بين الصبي وأسيتا بعدما قطع الوعد لزوجها؛ فيحضر تضحيتها ~~بدجاجة في طقوس روحانية (إذ تريد معرفة مكان زوجها)، ويعطيها مالا ويلقى جزاء هذا ~~ضربا مبرحا من أبيه. يقوى الرباط بين إيجور وأسيتا تدريجيا، لكنه كان أكثر منها ~~سعيا لذلك. صحيح أنها ترحب بمساعدته لكنها كذلك متحفظة وعازفة عن تشجيعه؛ هي لا ~~تحمل عاطفه كبيرة تجاه هذا الصبي الأبيض الغريب الذي يبدي اهتماما يتعذر تفسيره ~~بمصلحتها. في الوقت نفسه تضعف العلاقة بين الأب وابنه. لقد هيمن روجر على الصبي؛ ~~فيلقي إليه بأوامر حادة، ولا يقبل أي نوع من المناقشة أو المعارضة، ويعاقبه ~~بوحشية عندما يتصرف خلافا لمصالحه. يلجأ روجر إلى طرق متنوعة لمكافأة إيجور عندما ~~يتعاون معه، ويحاول كذلك أن يعوضه عن نوبات غضبه العنيفة بشتى الطرق؛ فيهديه خاتما ~~في إحدى المرات، ويساعده في رسم وشم أعلى ذراعه بالمنزل، ويشتركان معا في الغناء ~~بأحد البارات. لكن شيئا ما في العلاقة بين الأب والابن انكسر بعدما ترك الأب حميدو ~~يموت. # يتجلى ذلك في تعبيرات إيجور بقدر ما يتجلى في أفعاله. في بداية الفيلم، يستجيب ~~إيجور لأوامر روجر بينما يعلو وجهه تعبير عن الرضا والإحساس بالأهمية. فعندما يتلقى ~~أمرا بمغادرة مكان عمله في ورشة إصلاح السيارات والعودة إلى المنزل (لمساعده أبيه ~~في التعامل مع مفتشي العمل) لا يظهر أي شيء يدل على أسفه للمغادرة. وعندما ينذره ~~رئيسه في العمل، ويخيره بين تحدي أوامر أبيه أو خسارة وظيفته التدريبية، ينحاز ~~إيجور إلى أبيه دون أدنى تردد أو قلق؛ فمساعدته مطلوبة في شئون أخرى أهم من إصلاح ~~السيارات وضخ الوقود (الدقيقة 22 في الفيلم). عندما يستعين روجر بمساعدة إيجور في ~~مهمة خداع أربعة من ساكني النزل وإرشادهم إلى شرطة الهجرة، يؤدي إيجور مهمته ~~بينما تعلو وجهه مظاهر اللامبالاة والفتور (الدقيقة 16). مع توالي أحداث الفيلم، ~~تلين تعبيرات إيجور، فيزداد عبوسه، ms286 ويبدو أكثر انشغالا وهشاشة واضطرابا. على سبيل ~~المثال، قارن التعبير على وجه إيجور في مشهد الخداع (الدقيقة 16) ورد فعله في مشهد ~~الهجوم على أسيتا (الدقيقة 45). في مشهد لاحق، يرتب روجر حادث اعتداء جنسي مفتعل ~~على أسيتا في محاولة لإقناعها بالعودة إلى وطنها، بينما نتابع نحن التعبيرات على ~~وجه إيجور؛ إذ ينصت إلى الصخب الناتج عن الهجوم، ومن رد فعله ندرك أنه كان على علم ~~بترتيبات أبيه (لكنه لا يهرع لمساعدتها، ويستمر في تحميل حجارة الرصف). رغم ذلك ~~يحكي وجه إيجور قصة مختلفة تماما عما بدا عليه في مشهد الخداع؛ فهو يبدو مكروبا ~~ومستاء، كما لو كانت ألاعيب أبيه تثير اضطرابا وسأما في نفسه. (لا يؤدي هذا إلى ~~تأثير بالغ الوضوح؛ فنطاق التعبيرات الذي يستخدمه جيريمي رينييه في تجسيد دور إيجور ~~محدود؛ والتبدلات التي تبدو عليه ضئيلة وتكاد لا تلاحظ، لكنها رغم ذلك ظاهرة ~~للجمهور. وبما أنها ردود فعل طبيعية فليس على الممثل سوى بذل جهد ضئيل للإشارة إلى ~~هذا التغير في المواقف، وهو ما يقوم به جيريمي بالفعل.) # إن انتقال إيجور من الاستغلال الطائش للآخرين والطاعة العمياء لأوامر أبيه إلى ~~تكوين هوية أخلاقية قوية يجسده الفيلم في صورة تطور في رد فعله العاطفي تجاه ~~الآخرين. وهو اختيار يبدو صائبا حقا. فتوجد ثلاثة محفزات محتملة تدفع إيجور إلى ~~العناية بأسيتا. أولا: وعده لحميدو المحتضر، والشعور بالالتزام الذي زرعه هذا ~~الوعد في نفسه. ثانيا: تأنيب الضمير - وهو إحساس بمسئوليته عما حدث، ممتزجا ~~بشعوره بالذنب والندم - الذي انتابه على الأرجح لدوره في مصرع حميدو. ثالثا: ~~التجاوب العاطفي العميق الذي يبديه إيجور ناحية أسيتا، والذي ذكرناه سابقا. تلعب ~~المحفزات الثلاث كلها على الأرجح دورا في تحريك أفعال إيجور، لكن الفيلم ينطوي على ~~أدلة واضحة تدعم المحفز الأخير دون باقي المحفزات. إن الوعد الذي يقطعه إيجور في ~~الفيلم يقتصر دوره في المقام الأول على إشعال شرارة اهتمامه العميق بأسيتا، وتجاوبه ~~العاطفي معها ومع احتياجاتها. وبينما يحاول إنقاذها من روجر، لا يبدو أن الوعد هو ~~محور ms287 اهتمامه الرئيسي بل أسيتا وطفلها. # لا يبدو أن شعور إيجور بالذنب نتيجة مصرع حميدو هو السبب الرئيسي الذي يدفعه في ~~النهاية إلى تحدي والده وإنقاذ أسيتا (ولا ينبغي لنا توقع ذلك)، بل يبدو أن ما ~~يدفعه في المقام الأول هو خوفه من المصير الذي يخفيه أبوه في جعبته لأسيتا. ما ~~الذي يدفعنا إلى التفكير على هذا النحو؟ ففي نهاية المطاف، نحن نشاهد فيلما لا ~~يكشف عن المشاعر الداخلية لشخصياته إلا من خلال أفعالهم والتعبيرات الانفعالية على ~~وجوههم. إن روجر وإيجور كليهما لا يتمتعان بالقدرة على الإفصاح عن أفكارهما ~~ومشاعرهما، والحالات التي يعبران فيها عما يدور بخلدهما نادرة، إن لم تكن منعدمة. ~~وكلاهما يستخدم اللغة كأداة لإنجاز المهام، ونادرا ما يستخدمانها كوسيلة للتعبير ~~والتواصل. # إذن كيف يستطيع المشاهدون تحديد الحافز الأقوى والأكثر إلحاحا لسلوك إيجور؟ ~~العنصر الأول، والأهم، هو ما يعرضه الفيلم من أدلة لا تنقطع على نمو قدرة إيجور ~~العاطفية وتجاوبه المتزايد تجاه أسيتا. وقد أفردنا بعضا من هذه الأدلة فيما سبق. ~~العنصر الثاني هو أن إيجور لا يبدي تقريبا أيا من التعبيرات العاطفية التي تدل ~~على انشغاله بذاته؛ فهو لا يعتصر فؤاده ندما، مثل ليدي ماكبث. ولا يبدي أي سلوك ~~تعبيري يتوقع من شخص يشعر بالذنب، شخص مدفوع بانشغاله بمشكلاته الخاصة وموقفه ~~الأخلاقي. ثالثا: دعم الأخوان داردين هذا التفسير من خلال تجسيد موقف منذر بالخطر ~~يدفع إيجور إلى قطع علاقته مع أبيه. لقد زيف روجر برقية زعم أنها من حميدو تدعو ~~أسيتا إلى الذهاب إلى مدينة كولونيا؛ إذ يخطط لبيعها إلى تجار الاسترقاق الجنسي. في ~~هذا الموقف، لا يتاح لإيجور فرصة كبيرة للانشغال بنفسه وشعوره بالذنب، بل لا بد له ~~من التركيز على أسيتا وكيفية إنقاذها. وهذا هو ما يفعله تحديدا (الدقيقة 57). ربما ~~نظن أنه شخص مهووس بنفسه استجاب للموقف على نحو يحفظ في الأساس احترامه لذاته، أي ~~أبدى ارتياعه لما سمح بحدوثه وانتابته كذلك مشاعر الرثاء للنفس والتقزز منها، لكن ~~إيجور ليس كذلك. # 15 # ربما نتخيل أنه شخص ms288 عازم على الوفاء بوعده، فيفعل ما فعله لكن دون أن ~~يبدي ما قد يدل على تجاوب عاطفي متزايد واهتمام عميق. لكن إيجور ليس كذلك ~~أيضا. # إذا كان تفسيرنا صحيحا، تصبح شخصية إيجور أكثر ثراء من شخصية تسعى فحسب إلى ~~الوفاء بوعد على مدار الفيلم. لم يف إيجور بوعده مدفوعا فحسب بحقيقة أنه قطعه ~~على نفسه، أو لأنه يرى أن الوفاء بالوعد هو الصواب، بل يكتسب في خضم ذلك فضائل ~~قوية، وتتألف تلك الفضائل مما هو أعظم بكثير من الميل إلى التصرف كما ينبغي. تكمن ~~الفضائل بقدر كبير في داخلنا مثلما توجد خارجنا. يوضح الفيلم هذا؛ وبذلك يطرح دعما ~~قويا لصورة أو أخرى من صور نظرية الفضيلة الثلاث التي حددناها في الفقرات ~~السابقة. تذكر أن أحد الخيارات المعارضة لنظرية الفضيلة (الخيار الأول) التي ~~ناقشناها ساوت الفضائل بالميل إلى فعل الصواب. لا ينبع تحول إيجور الأخلاقي من دافع ~~كهذا فحسب. وإذا كان ينبع منه، لم نكن لنستجيب له على النحو الإيجابي نفسه. وهكذا ~~يوضح الفيلم أن الخيار الأول زائف، وأن الفضيلة تجمعها علاقة وثيقة بالقدرة على ~~التجاوب العاطفي. تذكر أننا ذكرنا أثناء مناقشتنا لمفهوم الفضيلة عند أرسطو أن ~~الفضائل هي حالات تستحق تقديرا استثنائيا من حالات الشخصية؛ إنها أشكال تضفي ~~علينا نبلا وتجسد أساس حياة صالحة تستحق العناء. في فيلم «الوعد» نشهد تحول ~~إيجور من طفل يعيش حياة مهينة وبلا قيمة تقريبا، إلى شخص ناضج يستحوذ على إعجابنا ~~بشدة. إن التحول الذي تشهده شخصية إيجور تحول جميل يحرك مشاعرنا. لكن من الواضح ~~أيضا أن هذا التحول يرتبط ارتباطا وثيقا بطريقة شعوره وتفكيره وإدراكه، وحكمه ~~على ما حوله، وكيفية تصرفه في ضوء هذا كله. تخيل شخصا يفي بوعد مثل الذي قطعه ~~إيجور على نفسه لكن دون أي تحول مصاحب في شخصيته؛ من المستبعد أن يؤثر فينا هذا ~~النموذج كثيرا. نستنتج من هذا أمرا ذا مغزى فلسفي؛ وهو أن الهوية الأخلاقية ~~مسألة معقدة، ولا يمكن اختزالها في أداء الواجب الأخلاقي؛ فالفضائل مكونات لا غنى ms289 ~~عنها في حياتنا الأخلاقية، تتجاوز أداء الواجب الأخلاقي. لا يهتم الفيلم بالتفريق ~~بين تنويعات نظرية الفضيلة الثلاثة التي ناقشناها في الفقرات السابقة - الخيارات ~~(2) و(3) و(4) - لكنه يفند الخيار (1) بكل حسم. # قدرة الفيلم على الإقناع الفلسفي تكمن في الطريقة العفوية غير العاطفية التي ~~يجسد بها الانتصار الأخلاقي الصغير الذي يحققه إيجور. ربما كان السبيل الأمثل ~~لتناول هذه المسألة هو النظر إلى الفيلم باعتباره دليلا فلسفيا على ما هو ممكن ~~من منظور نظري يرتبط بالفضيلة. من الممكن تشكيل شخصية أخلاقية قوية حتى في ظل ظروف ~~غاية في الصعوبة مثل هيمنة أب مستبد خسيس، وإحساس بالمسئولية والذنب، وهشاشة ~~اجتماعية، وخوف من القانون. ربما لا تكون ردة فعل أبناء الخامسة عشرة في أغلب ~~الأحيان إزاء التحديات التي يواجهها إيجور على النحو الذي كانت عليه ردة فعله ~~إزاءها. لكنهم قادرون على ذلك. وعندما تصدر ردة الفعل هذه عنهم، يتضح دون شك أنهم ~~حققوا أمرا بالغ القيمة؛ ومن ثم يستدعي الفيلم أفكارا بديهية حول قيمة الفضائل ~~الأخلاقية المكتسبة، وهي أفكار في غاية القوة (إذ تفرض علينا تأثيرا قويا) ~~ومفعمة بالحيوية (من الصعب تخيل شخص عاقل لا يتأثر بالفيلم على النحو الذي تأثرنا ~~به). يحقق الفيلم هذا دون أن يسرف في استخدام سرد يتلاعب بالمشاهدين أو تقنيات ~~سينمائية مؤثرة. إن التعاطف الذي نشعر به أثناء مشاهدة الفيلم واضح، ولم يفتعله ~~صناع الفيلم بجعلهم شخصية إيجور شخصية ذات جاذبية أو سحر خاص، أو جعل شخصية أسيتا ~~امرأة ودودة ومحبوبة إلى حد استثنائي. لا يركز الفيلم على المظاهر الخارجية لتحول ~~إيجور باستخدام أي علامات مرئية أو موسيقية ، وينجح في تحقيق غرضه لأنه يعرض عرضا ~~واضحا وبسيطا إلى حد كبير كيفية تحول أحد الأشخاص. إن الاكتفاء بوصف الفضائل ~~الأخلاقية وتأثيراتها الإيجابية في الدراسات الفلسفية لا يمكن أن يحقق ما حققه فيلم ~~«الوعد»، فلا يمكن أن يقدم دفاعا مقنعا عن قيمة وجمال الانحياز للصواب بنفس ~~التأثير البديهي الذي يحققه هذا الفيلم الفطن البعيد عن العاطفية. # فضائل إيجور # ينمو إيجور أخلاقيا على ms290 مدار الفيلم، لكن كيف تأتى له هذا؟ لقد أصبح شخصا ~~يتمتع بمزيد من الفضائل، لكن أي فضائل تحديدا اكتسبها؟ لدينا ثلاث فضائل رئيسية: ~~الشجاعة والكرم والنزاهة. من المهم ملاحظة أن المسار الذي سلكه إيجور مسار صعب. ~~أولا: كان عليه تحدي أبيه المتنمر. كان عليه التعامل مع تهديداته ومع توسلاته له ~~على الهاتف فيما بعد (الدقيقة 6 من الساعة الثانية). واضطر إلى مواجهته جسديا، ~~وكان ليتعرض لضرب مبرح لولا تدخل أسيتا في الوقت المناسب. يتطلب هذا شجاعة ~~ملحوظة من فتى لا حول له ولا قوة، في الخامسة عشرة من عمره، يدرك مدى التهور الذي ~~أضحى عليه أبوه، وما يقدر على فعله. الصعوبة الثانية التي واجهها إيجور هي تحديد ~~علاقته مع أسيتا، فهي تصعب الأمور عليه، ولا تستجيب استجابة ودية لما يبذله من ~~محاولات لمساعدتها. فعندما يغادر ويصحبها معه في شاحنة أبيه، تهدده بشفرة (الدقيقة ~~57)، وتزجره بحسم عندما يحاول فيما بعد عناقها بينما تنهمر الدموع من عينيه ~~(الدقيقة 4 من الساعة الثانية). (بالتأكيد تساءلت متعجبة عما اعترى هذا الطفل ~~الغريب.) لقد أصبح طفلها مريضا وتفاقم مرضه؛ ما يدفعها إلى مهاجمة إيجور وقذفه ~~بالحجارة (حجارة صغيرة في الواقع، مجرد حصى) واتهامه بأنه نقل إلى طفلها عدوى ~~المرض متعمدا (الدقيقة 8 من الساعة الثانية). (يستمر تعاطف الجمهور مع أسيتا دون ~~تراجع لأنه قائم على تفهم مدى خطورة وشدة موقفها، والهشاشة التي يفرضها عليها، ~~وقائم كذلك على الإعجاب بسعة حيلتها وإصرارها ومرونتها (وهي سمات أقل ما توصف به ~~أنها مذهلة). في بداية اليوم الذي يشهد هذه الأحداث يرى المشاهدون (في حدث لا يراه ~~إيجور) بلطجيا بلجيكيا يتبول عليها من أعلى جسر (الدقيقة الأولى من الساعة ~~الثانية)؛ لا بد أنها بلغت أقصى حدود التحمل.) لا يدع إيجور هجوم أسيتا عليه يعوق ~~تركيزه على ضرورة مساعدتها ومساعدة طفلها؛ فالشخص الكريم هو من يركز انتباهه بحكمة ~~على حاجات الآخرين. فاحتياجات الآخرين هي محور تركيزه، وهو قادر على الاحتفاظ بهذا ~~التركيز رغما عما يواجه من الإلهاءات. ليس الشخص الكريم ms291 من يساعد الآخرين عندما ~~تكون مساعدتهم سهلة ومجزية، بل هو من يساعد وقتما تصعب المساعدة، ويسهل على المرء ~~أن يتشوش ذهنيا، ويشعر بالاستياء، ويتهرب متحججا بعذر. # الصعوبة الثالثة التي يواجهها إيجور تتعلق بالحقيقة، وهنا تلعب فضيلة النزاهة ~~دورا؛ لقد كذب إيجور على أسيتا حول مصير زوجها، وأخبرها مرارا وتكرارا أن حميدو ~~هرب إلى مكان لا يعرفه. وحتى المشهد الأخير من الفيلم، كان إيجور يساعد أسيتا تحت ~~ستار كذبته؛ فقد مكنته هذه الكذبة من مساعدتها. ولو قرر إخبارها بالحقيقة، فربما ~~رفضت مساعدته، لكن من المستبعد أن يكون ذلك هو الدافع الوحيد وراء كذبته. على ~~الأرجح ثمة دافع آخر وهو التهرب من ردة فعلها، أو بعبارة أخرى من غضبها وازدرائها ~~واحتقارها المحتمل. تثير المواجهة الجسدية بين إيجور وأبيه هذا السؤال المتعلق ~~بإخبار أسيتا بالحقيقة. في البداية يخبر أباه: «علينا إخبارها بالحقيقة. تعال معي، ~~سوف أخبرها بنفسي» (الدقيقة 21 من الساعة ~~الثانية). لكن ردة فعل روجر هي مطاردته وطرحه أرضا والشروع في ضربه، وهي اللحظة ~~التي تتدخل فيها أسيتا، وتضرب روجر على رأسه. يقيد إيجور أباه الذي فقد الوعي، ~~وعندما يستعيد وعيه يحاول إغواء ابنه، فيعرض عليه أن يمنح أسيتا مالا وحرية الذهاب ~~لأي مكان ترغب فيه (ما دامت، كما نفهم ضمنا، لم تخبر بحقيقة ما حدث لحميدو). فيما ~~يلي الحوار الذي دار بعد ذلك بين الأب وابنه: # روجر ~~: # لماذا تريد إخبارها؟ ما فائدة ذلك؟ سوف ترحل، ولن نتحدث في الأمر مجددا ~~أبدا ~~(أعطني نظارتي على الأقل.) # البيت ~~بنيته لك. لقد فعلت كل ما فعلته لأجلك. لأجلك فقط. أنت ابني. # إيجور ~~: # اخرس! اخرس! اخرس! # حسنا ، ربما لم يصبح إيجور مدافعا مفوها عن الصدق، لكنه دافع ~~عنه. وقد أضحى إخبار أسيتا بالحقيقة أمرا ذا أهمية محورية لديه. # 16 # وهو ما يفعله في المشهد الأخير من الفيلم حيث يخبرها بالحقيقة حول موت ~~زوجها بينما هي على وشك الصعود على متن قطار متجه إلى إيطاليا والخروج من حياته ~~للأبد. يخبرها إيجور بما حدث في بضع جمل ms292 بليغة ودقيقة بعيدة عن التكلف (الدقيقة 27 ~~من الساعة الثانية). تزيح أسيتا وشاحا تغطي به رأسها وتستدير ببطء مبتعدة عن رصيف ~~المحطة، ناظرة إلى إيجور نظرة طويلة متمعنة، ومفعمة بالحزن والقسوة. تغادر أسيتا ~~محطة القطار، ويصاحبها أيجور. نشاهدهما وهما يسيران معا بعيدا إلى أن يختفيا عن ~~أنظارنا. لا ندري ما الذي يحدث بعد ذلك، لكننا نعرف أن انتصار إيجور الأخلاقي قد ~~تحقق. # أسئلة # واتانابي (الفصل العاشر)، ويسلر (الفصل الثاني عشر)، وإيجور (الفصل ~~الرابع عشر) جميعهم يمرون بتحول أخلاقي عميق. ما أوجه الاختلاف ~~بينهم؟ من كانت مهمته أصعب؟ ومن كان انتصاره الأبرز؟ (هل ثمة طريقة ~~معقولة للإجابة عن هذه الأسئلة؟) # هل الأسلوب البسيط لفيلم «الوعد» يخدم الأغراض التي انصب تركيزنا ~~عليها في هذا الفصل؟ # أشرنا في هذا الفصل إلى أن قائمة الفضائل التي وضعها أرسطو ناقصة ~~حقا. هل لديك قائمة أفضل؟ ما هي؟ ما الذي يجعل بعض الفضائل في قائمتك ~~أساسية أو محورية؟ لماذا تحمل تلك الفضائل أهمية؟ # في هذا الفصل، حددنا أربع طرق مختلفة للتفاعل بين نظرية الفضيلة ~~ونظريات فعل الصواب. وقد ركزنا على تفنيد واحدة من تلك الطرق، وهي ~~الطريقة الأولى. ما الطريقة الأكثر معقولية من الطرق الثلاث الأخرى؟ ~~وأي هذه الطرق يعد الأقل معقولية؟ # هل اختزال فعل الصواب في الفعل الفاضل يؤدي إلى نرجسية أخلاقية غير ~~مقبولة؟ هل يوجد خطأ جذري في الاعتقاد بأن فعلا ما يصبح صوابا لا ~~لسبب سوى كونه فعلا يلتزم بالفضيلة؟ # هل نحن على صواب في زعمنا أن الفيلم يثبت بما لا يدع مجالا للشك أن ~~التمتع بالفضيلة ينطوي على ما هو أكثر من مجرد فعل الصواب (وفعله لأنك ~~ترى أنه الصواب)؟ كيف استطاع الفيلم إثبات ذلك؟ لقد تناولنا فيلما ~~واحدا فحسب، هل يجدر بنا التعميم بناء على نموذج إيجور؟ # هل كان يفترض بإيجور الاستمرار في الكذب على أسيتا حول زوجها حتى ~~اللحظة الأخيرة (قبل أن تستقل القطار المتجه إلى إيطاليا)؟ هل السبب ~~وراء كذب إيجور (الذي لا يسعنا معرفته عن يقين) مهم لحكمنا ms293 على الوضع ~~الذي يجسده الفيلم؟ # | هوامش # | قراءات إضافية # الفصل الأول: لماذا الربط بين السينما والفلسفة؟ # Adorno, T. W. (1982). “Transparencies on Film.” # New German Critique # 24/25. Special Double ~~Issue on New German Cinema (Autumn 1981-Winter 1982), ~~201-2. # Adorno, T. W., & M. Horkheimer (1990). “The Culture ~~Industry: Enlightenment as Mass Deception.” In T. W. Adorno & M. ~~Horkheimer, # Dialectic of ~~Enlightenment. # New York: ~~Continuum. # Benjamin, Walter (1969). “The Work of Art in the Age of ~~Mechanical Reproduction,” trans. H. Zorn. In H. Arendt, ed., # Illuminations. # New York: Schocken ~~Books. # Blessing, Kimberly Ann, & Paul J. Tudico, eds. ~~(2005). # Movies and the Meaning of Life: Philosophers Take on Hollywood. Peru, IL: Open ~~Court. # Carlshamre, Staffan, & Anders Pettersson, eds. ~~(2003). # Types of Interpretation in the Aesthetic ~~Disciplines. # Montreal: McGill-Queen’s Press. # Carroll, Noël (1988). Philosophical Problems of Classical Film Theory. Princeton: Princeton ~~University Press. # Carroll, Noël (2004). “The Power of Movies.” In Peter ~~Lamarque & Stein Haugom Olsen, eds., # Aesthetics and the Philosophy of Art: The Analytic ~~Tradition. # Oxford: Blackwell. # Carroll, Noël (2006). “Introduction: Film and Knowledge.” ~~In Noël Carroll & Jinhee Choi, eds., Philosophy of Film and Motion Pictures. # Malden, MA: ~~Blackwell, 381-6. # Carroll, Noël (2008). # The Philosophy of Motion Pictures. # Malden, MA: ~~Blackwell. # Carroll, Noël, & Jinhee Choi (2006). Philosophy of Film and Motion Pictures: An ~~Anthology. # Malden, MA: Blackwell. # Cavell, Stanley (1981). Pursuits of ~~Happiness: The Hollywood Comedy of Remarriage. # Cambridge, ~~MA: Harvard University Press. # Choi, Jinhee (2006). “Apperception on Display: Structural ~~Films and Philosophy.” In Noël Carroll & Jinhee Choi, eds., Philosophy of Film and Motion Pictures. # Malden, MA: Blackwell, ~~165-72. # Colman, Felicity (2009). # Film, ~~Theory and Philosophy: The Key Thinkers. # Durham: ~~Acumen. # Deleuze, Gilles (1983). # L’image-mouvement. Paris: Minuit. # Deleuze, Gilles (1985). # L’image-temps. Paris: Minuit. # Devereaux, Mary, (1998). “Beauty and Evil: The Case of Leni ~~Riefenstahl’s # Triumph of the Will. ~~” ~~In J. Levinson, ed., # Aesthetics and Ethics: ~~Essays at the Intersection. # New York: Cambridge ~~University Press. # Falzon, Christopher (2007). Philosophy Goes to the Movies: ms294 An Introduction to Philosophy. # 2nd edn. New York: ~~Routledge. # Flaxman, Gregory, ed. (2000). # The ~~Brain is the Screen: Deleuze and the Philosophy of ~~Cinema. # Minneapolis: University of Minnesota Press. # Frampton, Daniel (2006). # Filmosophy. # London: Wallflower. # Freeland, Cynthia, & Thomas E. Wartenberg, eds. ~~(1995). Philosophy and Film. # London ~~and New York: Routledge. # Gilmore, Richard A. (2005). # Doing Philosophy at the Movies. # Albany, NY: State University of ~~New York Press. # Grau, Christopher, ed. (2005). Philosophers Explore The Matrix. # New York: Oxford ~~University Press. # Irwin, William, ed. (2002). # The ~~Matrix and Philosophy: Welcome to the Desert of the Real. # Chicago: Open Court. # Isaacs, Bruce (2008). # Toward a New ~~Film Aesthetic. # New York and London: ~~Continuum. # Kania, Andrew, ed. (2009). # Memento: Philosophers on Film. # London: ~~Routledge. # Kupfer, Joseph (1999). # Visions of ~~Virtue in Popular Film. # Boulder, CO: Westview Press. # Light, Andrew (2003). # Reel ~~Arguments: Film, Philosophy, and Social Criticism. # Boulder, CO: Westview Press. # Litch, Mary (2002). Philosophy ~~through Film. # New York: Routledge. # Livingston, Paisley (2005). # Art and ~~Intention: A Philosophical Study. # Oxford: Clarendon Press. # Livingston, Paisley (2006). “Theses on Cinema as Philosophy.” In Murray Smith & Thomas E. Wartenberg, eds. ~~(2006a), 11-18. # Livingston, Paisley (2008). “Recent Work on Cinema as Philosophy.” Philosophy Compass # 3, ~~1-12. # Livingston, Paisley, & Carl Plantinga, eds. (2008). # The Routledge ~~Companion to Philosophy and ~~Film. # London: Routledge. # Mullhall, Stephen (2002). # On ~~Film. # London: Routledge. # Murdoch, Iris (1970). # The ~~Sovereignty of Good. # Boston: Routledge & Kegan Paul. # Nussbaum, Martha (1990). # Love’s ~~Knowledge. # Oxford: Oxford University Press. Pataki, Tamas (2004). “It’s (Not Only) Entertainment.” ~~Review of Christopher Falzon (2002), Philosophy ~~Goes to the Movies: An Introduction to Philosophy ~~(London: Routledge). # Australian Book ~~Review # 242, June/July, 50-51. Plantinga, Carl, & Greg M. Smith (1999). Passionate Views: Film, Cognition and ~~Emotion. # Baltimore and London: Johns Hopkins University Press. # Read, Rupert, & Jerry Goodenough, eds. (2005). # Film as Philosophy: Essays on Cinema After ~~Wittgenstein and Cavell. # Basingstoke: Palgrave ~~Macmillan. # Rowland, Mark (2005). # The Philosopher at the End of the Universe. # London: Ebury Press. # Russell, Bruce (2006). “The ms295 Philosophical Limits of Film.” ~~In Noël Carroll & Jinhee Choi, eds., Philosophy of Film and Motion Pictures. # Malden, MA: ~~Blackwell, 387-90. # Scruton, Roger (1998) [Methuen, 1983]. “Photography and ~~Representation.” In # The Aesthetic Understanding: ~~Essays in the Philosophy of Art and Culture. # South Bend ~~Indiana: St Augustine’s Press. # Singer, Irving (2007). # Ingmar ~~Bergman, Cinematic Philosopher: Reflections on his ~~Creativity. # Cambridge, MA: MIT Press. # Smith, Murray (1995). # Engaging ~~Characters: Fiction, Emotion and the Cinema. # Oxford: ~~Oxford University Press. # Smith, Murray (2006). “Film Art, Argument, and Ambiguity.” ~~In Murray Smith & Thomas E. Wartenberg (eds.). Malden, MA: ~~Blackwell, 33-42. # Smith, Murray, & Thomas E. Wartenberg, eds. (2006a). # Thinking through Cinema: Film as Philosophy. # Malden, MA: Blackwell. # Smith, Murray, & Thomas E. Wartenberg (2006b). ~~“Introduction.” In # Thinking through Cinema: ~~Films as Philosophy. # Malden, MA: Blackwell, ~~1-9. # Stoehr, Kevin L., ed. (2002). # Film ~~and Knowledge: Essays on the Integration of Images and ~~Ideas. # Jefferson, NC: McFarland. # Stone, Alan A. (2007). # Movies and ~~the Moral Adventure of Life. # Cambridge, MA: MIT Press. # Truffaut, François (1954). “A Certain Tendency in French ~~Cinema.” In # Cahiers du ~~cinema ~~. # Wartenberg, Thomas E. (2007). # Thinking on Screen: Film as Philosophy. # Basingstoke: Palgrave Macmillan. # Wartenberg, Thomas E. (2009). “Film as Philosophy.” In Paisley Livingston & Carl Plantinga, eds., # The Routledge Companion to Philosophy and ~~Film. # London: Routledge, 549-59. # Yeats, W. B. (1956). # The Collected Poems of W. B. Yeats. # New York: Macmillan, ~~240. # الفصل الثاني: الفلسفة والمشاهدة السينمائية # Adorno, T. W., & M. Horkheimer (1990). “The Culture ~~Industry: Enlightenment as Mass Deception.” In T. W. Adorno & M. ~~Horkheimer, # Dialectic of ~~Enlightenment. # New York: ~~Continuum. # Allen, P., & M. Smith, eds. (1997). # Film Theory and Philosophy. # Oxford: ~~Clarendon Press. # Allen, R. T. (1986). “The Reality of Responses to Fiction.” # British Journal of Aesthetics # 26.1, 64-8. # Bazin, Andre (1971). # What is ~~Cinema? # Berkeley: University of California Press. # Carroll, Noël (1988). Philosophical Problems of Classical ~~Film Theory. Princeton: Princeton University Press. # Carroll, Noël (2004a). “The Power of Movies.” In ms296 Peter ~~Lamarque & Stein Olsen, ~~eds., # Aesthetics and the Philosophy of Art: The ~~Analytic Tradition. # Oxford: Blackwell, ~~485-97. # Carroll, Noël (2004b). “Afterword: Psychoanalysis and the ~~Horror Film.” In Steven Schneider, ed., # The ~~Horror Film and Psychoanalysis: Freud’s Worst Nightmares. # Cambridge: Cambridge University Press, 257-70. # Carroll, Noël (2008). # The Philosophy of Motion Pictures. Malden, # MA: ~~Blackwell. # Carroll, Noël, & Jinhee Choi (2006). Philosophy of Film and Motion Pictures: An ~~Anthology. # Malden, MA: Blackwell. # Colman, Felicity (2009). # Film, ~~Theory and Philosophy: The Key Thinkers. # Durham: ~~Acumen. # Currie, Gregory (1990a). # The Nature ~~of Fiction. # Cambridge: Cambridge University Press. # Currie, Gregory (1990b). “Emotion and the Response to ~~Fiction.” In # The Nature of Fiction. # Cambridge: Cambridge University Press, 182-216. # Currie, Gregory (1997). “The Paradox of Caring: Fiction and ~~the Philosophy of Mind.” In Mette Hjort & Sue Laver, eds., # Emotion and the ~~Arts, # 63-77. # Doane, Mary Ann (1993). “Subjectivity and Desire: An(other) ~~Way of Looking.” In Anthony Easthope, ed., # Contemporary Film Theory. # London: Longman, ~~161-78. # Easthope, Anthony, ed. (1993). # Contemporary Film Theory. # Longman: ~~London. # Elsaesser, Thomas, & Malte Hagener (2010). # Film Theory: An Introduction through the ~~Senses. # New York and London: ~~Routledge. # Feagin, Susan, L. (1997). “Imagining Emotions and ~~Appreciating Fiction.” In Mette Hjort & Sue Laver, eds., # Emotion and the Arts, # 50-62. # Freeland, Cynthia, & Thomas Wartenberg, eds. (1995). Philosophy and Film. # New York and ~~London: Routledge. # Freud, Sigmund (1993 [1927]). “Fetishism.” Reprinted in ~~Anthony Easthope, ed., # Contemporary Film ~~Theory. # London: Longman, 27-32. # Gardner, Sebastian (1992). “The Nature and Source of ~~Emotion.” In Jim Hopkins & Anthony Savile, eds., Psychoanalysis, Mind and Art: Perspectives on Richard ~~Wollheim. # Oxford: Blackwell, ~~35-54. # Gaut, Berys (1994). “On Cinema and Perversion.” # Film and Philosophy # 1, ~~3-17. # Hanfling, Oswald (1996). “Fact, Fiction, and Feeling.” # British Journal for Aesthetics # 36, 356-66. # Hartz, G. (1999). “How We Can Be Moved by Anna Karenina, ~~Green Slime, and a Red Pony.” Philosophy # 74, 557-78. # Heinämaa, Sara (1995). “On Thoughts and Emotions: The Problem of Artificial Persons.” # Acta Philosophica ms297 Fennica # 58, 269-86. # Joyce, R. (2000). “Rational Fear of Monsters.” # British Journal of Aesthetics # 40.2, ~~209-24. # Lamarque, Peter (1981). “How Can We Fear and Pity ~~Fictions?” # British Journal of ~~Aesthetics # 21.4, 291-304. # Levine, Michael (2000). “Lucky in Love: Love and Emotion.” ~~In # The Analytic Freud: Philosophy and Psychoanalysis. # London and New York, Routledge, ~~231-58. # Livingston, Paisley, & Carl Plantinga, eds. (2008). # The Routledge Companion to Philosophy and ~~Film. # London: Routledge. # Matravers, Derek (1997). “The Paradox of Fiction: The ~~Report versus the Perceptual Model.” In Mette Hjort & Sue Laver, ~~eds., # Emotion and the Arts, # 78-92. # Miller, Toby, & Robert Stam, eds., (2003). # A Companion to Film Theory. # Blackwell ~~Reference Online. # www.blackwellreference.com ~~. # Moran, R. (1994). “The Expression of Feeling in ~~Imagination.” Philosophical # Review # 103.1, ~~75-106. # Mulvey, Laura (1993 [1975]). “Visual Pleasure and Narrative ~~Cinema.” # Screen # 10.3, 6-18. Reprinted ~~in Anthony Easthope, ed., # Contemporary Film ~~Theory. # London: Longman, 111-24. # Neil, Alex (1991). “Fear, Fiction and Make Believe.” # Journal of Aesthetics and Art ~~Criticism # 49, 48-56. # Novitz, D. (1987). # Knowledge, ~~Fiction and Imagination. Philadelphia: Temple University Press. Plantinga, Carl (1997). “Notes on Spectator Emotion and ~~Ideological Film Criticism.” In P. Allen & M. Smith, eds., # Film Theory and Philosophy, # 372-93. # Radford, C. (1975). “How Can We Be Moved by the Fate of ~~Anna Karenina?” Proceedings of the Aristotelian ~~Society, # Supplemental Vol. 49, ~~67-80. # Radford, C. (1977). “Tears and Fiction.” Philosophy # 52, ~~208-213. # Rorty, A. O. (1980). “Explaining Emotions.” In. A. O. ~~Rorty, ed., # Explaining Emotions # Berkeley: University of California Press, 103-26. # Säätelä, S. (1994). “Fiction, Make-Believe and Quasi ~~Emotions.” # British Journal of ~~Aesthetics # 34, 25-34. # Schaper, E. (1978). “Fiction and the Suspension of ~~Disbelief.” # British Journal of ~~Aesthetics # 18, 31-44. # Smith, Murray (1995a). # Engaging ~~Characters: Fiction, Emotion, and the Cinema. # Oxford: ~~Clarendon Press, 40-69. # Smith, Murray (1995b). “Film Spectatorship and the ~~Institution of Fiction.” # Journal of Aesthetics ~~and Art Criticism # 53, 1-13. # Turvey, M. (1997). “Seeing Theory: On Perception and ~~Emotional Response in Current Film Theory.” In R. Allen & M. ~~Smith, ms298 eds., # Film Theory and Philosophy. # Oxford: Oxford University Press, ~~431-57. # Walton, Kendall (1978). “Fearing Fictions.” # Journal of Philosophy # 75, ~~5-27. # Walton, Kendall (1997). “Spelunking, Simulation, and Slime: ~~On Being Moved by Fiction.” In Mette Hjort & Sue Laver, eds., # Emotion and the Arts, # 37-49. # الفصل الثالث: الحقيقة والوهم في فيلم «استعادة كاملة» # Descartes, René (1996). # Meditations ~~on First Philosophy, # trans. John Cottingham. Cambridge: ~~Cambridge University Press. # Dretske, Fred (1970). “Epistemic Operators.” # Journal of Philosophy # 67, ~~1007-23. # Dretske, Fred (1971). “Conclusive Reasons.” # Australasian Journal of Philosophy # 49, ~~1-22. # Dretske, Fred (1981). “The Pragmatic Dimension of ~~Knowledge.” Philosophical Studies # 40, 363-78. # Fogg, Martyn J. (1995). # Terraforming: Engineering Planetary ~~Environments. # Warrendale, PA: Society of Automotive Engineers. # Gettier, Edmund L. (1963). “Is Justified True Belief ~~Knowledge?” # Analysis # 23, ~~121-3. # Klein, Peter (1981). # Certainty: A ~~Refutation of Skepticism. # Minneapolis: University of ~~Minnesota Press. # Kornblith, H., ed. (2001). # Epistemology: Internalism and Externalism. # Oxford: ~~Blackwell. # Moore, G. E. (1959). Philosophical Papers. # New York: Macmillan. # Nagel, Thomas (1986). # The View from ~~Nowhere. # Oxford: Oxford University Press. # Nozick, Robert (1981). Philosophical Explanations. # Oxford: Oxford University Press. Putnam, Hilary (1981). # Reason, ~~Truth and History. # New York: Cambridge University Press. # Steup, Matthias (1996). # An ~~Introduction to Contemporary Epistemology. # Upper Saddle ~~River, NJ: Prentice Hall. # Steup, Matthias, & Ernest Sosa, eds. (2005). # Contemporary Debates in ~~Epistemology. # Malden, MA: ~~Blackwell. # Unger, P. (1975). # Ignorance: A Case ~~for Scepticism. # Oxford: Clarendon Press. # الفصل الرابع: علم الوجود و«المصفوفة» # Berkeley, George (1993). Philosophical Works: Including the Works on Vision, # ed. ~~Michael R. Ayers. London: Dent. # Churchland, Paul (1981). “Eliminative Materialism and the Propositional Attitudes.” # Journal of Philosophy # 78, 67-90. # Descartes, René (1996). # Meditations ~~on First Philosophy, # trans. John Cottingham. Cambridge: ~~Cambridge University Press. # Haldane, J. B. S. (1930). Possible ~~Worlds and Other Papers. # London: Chatto and ~~Windus. # Lawrence, Matt (2004). # Like a ~~Splinter in your Mind: The Philosophy behind the Matrix ~~Trilogy. # Malden, MA: Blackwell. # McGinn, Colin (1993). Problems in Philosophy: The Limits of Inquiry. # Oxford: ~~Blackwell. Plato (2006). # The ~~Republic, # translated and with an introduction by R. ms299 E. ~~Allen. New Haven: Yale University Press. # Seager, William, & Sean Allen-Hermanson (2010). ~~“Panpsychism.” # Stanford Encyclopedia of Philosphy ~~. # http://plato.stanford.edu/entries/panpsychism/ ~~. # Spinoza, Baruch (1994). # The Ethics ~~and Other Works, # ed. and trans. Edwin Curley. Princeton: Princeton University Press. # Van Inwagen, Peter, & Dean W. Zimmerman (1998). # Metaphysics: The ~~Big # Questions. # Oxford: ~~Blackwell. # الفصل الخامس: العقل هو الأساس: «ذكاء ~~اصطناعي» ومشاعر الحب لدى الروبوت # Chalmers, David (1996). The Conscious Mind ~~: In Search of a Fundamental Theory. # Oxford: Oxford University Press. # Churchland, Patricia, & Paul Churchland (1990). ~~“Could a Machine Think?” # Scientific ~~American # 262.1, 32-7. # Cole, David (2009). “The Chinese Room Argument.” # Stanford Encyclopedia of Philosophy ~~. # http://plato.stanford.edu/entries/chinese-room/ ~~. # Dennett, Daniel (1989). # The ~~Intentional Stance. # Cambridge, MA: MIT Press. # Dennett, Daniel (1991). # Consciousness Explained. # Boston, Toronto, London: ~~Little, Brown. # Jackson, Frank (1982). “Epiphenomenal Qualia.” Philosophical Quarterly # 32, ~~127-36. # Jackson, Frank (1986). “What Mary Didn’t Know.” # Journal of Philosophy # 83, ~~291-5. # Kirk, Robert (2006). “Zombies.” # Stanford Encyclopedia of Philosophy ~~. # http://plato.stanford.edu/entries/zombies/ ~~. # Lewis, D. (1988). “What Experience Teaches.” Proceedings of the Russellian Society # 13, ~~29-57. Reprinted in Lycan (1990). # Ludlow, P., Y. Nagasawa, & D. Stoljar, eds. (2005). # There is Something about Mary: Essays on Phenomenal Consciousness and Frank Jackson’s Knowledge ~~Argument. # Cambridge, MA: MIT Press. # Lycan, W. G., ed. (1990). # Mind and ~~Cognition. # Oxford: Blackwell. # Nagel, Thomas (1979). # Mortal ~~Questions. # Cambridge: Cambridge University Press. # Nida-Rümelin, Martine (2009). “Qualia: The Knowledge ~~Argument.” # Stanford Encyclopedia of Philosophy ~~. # http://plato.stanford.edu/entries/qualia-knowledge/ ~~. # Oppy, Graham, & David Dowe (2011). “The Turing ~~Test.” # Stanford ~~Encyclopedia of Philosophy ~~. # http://plato.stanford.edu/entries/turing-test/ ~~. Preston, J., & Bishop, M., eds. (2002). # Views into the Chinese Room: New Essays on Searle and ~~Artificial Intelligence. # New York: Oxford University Press. # Searle, John (1980). “Minds, Brains and Programs.” # Behavioral and Brain Sciences # 3, ~~417-57. # Searle, John (1984). # Minds, Brains ~~and Science. # Cambridge, MA: Harvard University Press. # Turing, Alan (1950). “Computing Machinery and ~~Intelligence.” # Mind # 59, ~~433-60. # الفصل السادس: «جسر المطار» وحلم السفر عبر الزمن # Bradbury, Ray (1952). “A Sound of Thunder.” In # R is for Rocket. # New York: ~~Doubleday. # Davies, Paul (1995). # About Time: ~~Einstein’s Unfinished Revolution. # London: Penguin. # Davies, ms300 Paul (2002). # How to Build a ~~Time Machine. # London: Penguin. # Dowe, Phil (2000). “The Case for Time Travel.” Philosophy # 75, ~~441-51. # Gott, J. Richard (2001). # Time ~~Travel in Einstein’s Universe: The Physical Possibilities of Travel ~~Through Time. # Boston: Houghton ~~Mifflin. # Grey, William (1999). “Troubles with Time Travel.” Philosophy # 74, ~~55-70. # Le Poidevin, Robin (2003). # Travels ~~in Four Dimensions: The Enigmas of Space and Time. # Oxford: Oxford University Press. # Lewis, David (1976). “The Paradoxes of Time Travel.” # American Philosophical Quarterly # 13, 145-52. # Lockwood, Michael (2005). # The ~~Labyrinth of Time: Introducing the ~~Universe. # Oxford: Oxford ~~University Press. # الفصل السابع: القدر والاختيار: فلسفة «تقرير الأقلية» # Campbell, C. A. (1967). # In Defence ~~of Free Will and Other Essays. # London: Allen & ~~Unwin Ltd. # Clarke, Randolph (2003). # Libertarian Accounts of Free Will. # Oxford: Oxford ~~University Press. # Clarke, Randolph (2008). “Incompatibilist ~~(Nondeterministic) Theories of Free Will.” # Stanford Encyclopedia of Philosophy ~~. # http://plato.stanford.edu/entries/incompatibilism-theories/ ~~. # Dennett, Daniel (1984). # Elbow Room: ~~The Varieties of Free Will Worth Having. # Cambridge, MA: ~~MIT Press. # Fischer, John Martin (1994). # The ~~Metaphysics of Free Will. # Oxford: ~~Blackwell. # Fischer, John Martin (1998). # Responsibility and Control. # Cambridge: Cambridge ~~University Press. # Fischer, John Martin (1999). “Recent Work on Moral ~~Responsibility.” # Ethics # 110, ~~93-139. # Fischer, John Martin (2010). “The Frankfurt Cases: The ~~Moral of the Stories.” Philosophical ~~Review # 119, 315-36. # Fischer, John Martin, & Mark Ravizza (1992). “When ~~the Will is Free.” In Timothy O’Connor, ed., # Agents, Causes, and Events: Essays on ~~Indeterminism and Free ~~Will. # New York: Oxford University Press, ~~239-69. # Frankfurt, Harry (1969). “Alternate Possibilities and Moral ~~Responsibility.” # Journal of Philosophy # 66, 829-39. # Frankfurt, Harry (1988). # The ~~Importance of What We Care About. # Cambridge: Cambridge ~~University Press. # Frankfurt, Harry (2003 [1982]). “Freedom of the Will and ~~the Concept of a Person.” In Gary Watson, ed., # Free Will. # 2nd edn. Oxford: Oxford University Press, ~~81-95. # Honderich, Ted (1988). # A Theory of ~~Determinism. # Oxford: Oxford University Press. # Kane, Robert (1996). # The ~~Significance of Free Will. # New York: Oxford University Press. # Nozick, Robert (1995). “Choice and Indeterminism.” In ~~Timothy O’Connor, ms301 ed., # Agents, Causes, and ~~Events: Essays on Indeterminism and Free Will. # New York: ~~Oxford University Press, 101-14. # O’Connor, Timothy, ed. (1995). # Agents, Causes, and Events: Essays on Indeterminism and Free ~~Will. # New York: Oxford University Press. # O’Connor, Timothy (2000). Persons ~~and Causes: The Metaphysics of Free Will. # New York: ~~Oxford University Press. Pereboom, Derk (2001). # Living ~~Without Free Will. # Cambridge: Cambridge University Press. Pink, Thomas (2004). # Free Will: A ~~Very Short Introduction. # Oxford: Oxford University Press. # Strawson, Galen (1986). # Freedom and ~~Belief. # Oxford: Clarendon Press. # Van Inwagen, Peter (1983). # An Essay ~~on Free Will. # Oxford: Oxford University Press. # Watson, Gary, ed. (2003). # Free ~~Will. # 2nd edn. Oxford: Oxford University Press. # Wegner, Daniel (2002). # The Illusion ~~of Conscious Will. # Cambridge, MA: MIT Press. # Widerker, David, & Michael McKenna, eds. (2002). # Moral Responsibility and Alternative Possibilities. # Aldershot: Ashgate Publishing. # الفصل الثامن: الهوية الشخصية: دراسة فيلم «تذكار» # Baker, L. R. (2000). Persons and ~~Bodies: A Constitution View. # Cambridge: Cambridge ~~University Press. # Forrest, Peter (2010). “The Identity of Indiscernibles.” # Stanford ~~Encyclopedia of Philosophy ~~. # http://plato.stanford.edu/entries/identity-indiscernible/ ~~. # Lewis, David (2003). “Survival and Identity. In Raymond ~~Martin & John Barresi, eds., Personal ~~Identity. # Oxford: Blackwell, ~~144-67. # Martin, Raymond, & John Barresi, eds. (2003). Personal Identity. # Oxford: ~~Blackwell. # Olsen, Eric T. (1997). # The Human ~~Animal: Personal Identity Without Psychology. # Oxford: ~~Oxford University Press. # Olsen, Eric T. (2002). “An Argument for Animalism.” In ~~Raymond Martin & John Barresi, eds., Personal Identity. # Oxford: Blackwell, ~~318-34. # Olsen, Eric T. (2007). # What Are We? ~~A Study in Personal Ontology. # Oxford: Oxford University Press. Parfit, Derek (1984). # Reasons and Persons. # Oxford: Oxford University Press. Parfit, Derek (2002). “The Unimportance of Identity.” In ~~Raymond Martin & John Barresi, eds., Personal Identity. # Oxford: Blackwell, ~~292-317. Perry, John (1972). “Can the Self Divide?” # Journal of Philosophy # 69, ~~463-88. Perry, John, ed. (1975). Personal ~~Identity. # Los Angeles: University of California Press. # Thompson, Richard F., & Stephen A. Madigan (2005). # Memory: The Key to Consciousness. Princeton: Princeton University Press. # Van Inwagen, Peter (1990). # Material ~~Beings. # Ithaca: Cornell University ms302 Press. # Williams, Bernard (2002). “The Self and the Future.” In ~~Raymond Martin & John ~~Barresi, eds., Personal Identity. # Oxford: Blackwell, 75-91. # الفصل التاسع: مشهد الرعب: «ألعاب مسلية» # Carroll, Noël (1990). # The Philosophy of Horror, or, Paradoxes of the Heart. # London: ~~Routledge. # Carroll, Noël (1995). “Enjoying Horror Fictions: A Reply to ~~Gaut.” # British Journal of Aesthetics # 35, 67-72. # Clover, Carol (1992). # Men, Women ~~and Chain Saws: Gender in the Modern Horror Film. # London: ~~British Film Institute. # Crane, Jonathan Lake (1994). # Terror ~~and Everyday Life: Singular Moments in the History of the Horror ~~Film. # London: Sage. # Dworkin, Andrea (1981). Pornography: Men Possessing Women. # London: The Women’s Press. # Freeland, Cynthia A. (1995). “Realist Horror.” In Cynthia ~~A. Freeland & Thomas ~~Wartenberg Philosophy and Film. # New ~~York: Routledge, 126-42. # Freeland, Cynthia A., & Thomas Wartenberg (1995). Philosophy and Film. # New York: ~~Routledge. # Freud, Sigmund (1989). # Civilization ~~and Its Discontents, # trans. and ed. James Strachey. New ~~York: # Norton. # Gaut, Berys (1993). “The Paradox of Horror.” # British Journal of Aesthetics # 33, ~~333-45. # Jones, Ernest (1931). # On the ~~Nightmare. # London: Hogarth Press and Institute of Psycho-Analysis. # Langton, Rae (1990). “Whose Right? Ronald Dworkin, Women, ~~and Pornographers.” Philosophy and Public Affairs # 19, ~~311-59. # Langton, Rae (1993). “Speech Acts and Unspeakable Acts.” Philosophy and Public Affairs # 22, ~~293-330. Prince, Stephen (1996). “Psychoanalytic Film Theory and the Problem of the Missing Spectator.” In David Bordell & Noël ~~Carroll, eds., Post-Theory: Reconstructing Film ~~Studies. # Wisconsin: University of Wisconsin Press, ~~71-86. # Schneider, Steven J. (2004). # Horror ~~Film and Psychoanalysis: Freud’s Worst Nightmare. # Cambridge: Cambridge University Press. # Tudor, Anthony (1997). Why Horror? The Peculiar Pleasures ~~of a Popular Genre.” # Cultural Studies # 11, 443-63. # West, Caroline (2003). “The Free Speech Argument Against Pornography.” # Canadian Journal of Philosophy # 33.3, 391-422. # الفصل العاشر: البحث عن معنى في جميع الأماكن ~~الخطأ: «أن تحيا» (إيكيرو) # Babel, Isaac (1932). “Guy de ~~Maupassant.” # Camus, Albert (1955 [1942]). # The ~~Myth of Sisyphus and Other Essays. # New York: ~~Knopf. # Ecclesiastes (2011 [1973]). New International Version ~~Bible. # Edwards, Paul (1981). “The Meaning and ms303 Value of Life.” In ~~E. D. Klemke, ed., # The Meaning of ~~Life. # New York: Oxford University Press. # Hikmet, Nazim (1975). # Things I ~~Didn’t Know I Loved, Selected Poems. Persea Books: New ~~York. # Larkin, Philip (1974). “Sad Steps.” In # High Windows. # New York: Farrar, Strauss and ~~Giroux, 32. # Levine, Michael P. (1988). “Camus, Hare, and The Meaning of ~~Life,” # Sophia # 27, ~~13-30. # Levine, Michael P. (1988). What Does Death Have To Do With ~~The Meaning of Life?” # Religious ~~Studies # 24, 457-65. # Nozick, Robert (1981). “Philosophy and The Meaning of ~~Life.” In Philosophical ~~Explanations. # Cambridge, MA: Harvard University Press, ~~571-650. Philosophical Papers ~~(2005). 34.3. Issue on The Meaning in Life. # Russell, Bertrand (1981 [1903]). “A Free Man’s Worship.” In ~~E. D. Klemke, ed., # The Meaning of ~~Life. # Oxford: Oxford University Press, ~~55-62. # Sartre, Jean-Paul (1957). # Existentialism and Human Emotions. # New York: Philosophical Library. # http://www.questia.com/PM.qst?a=o&d=59487415 ~~. # Spender, Stephen (1986). “What I Expected.” In # Collected Poems 1928-1985. # New York: Random ~~House. # Taylor, Paul W. (1975). Principles ~~of Ethics. # Encino, CA: Dickenson. # Thomas, Dylan (1952 [1937]). “Do Not Go Gentle Into That ~~Good Night.” From # The Poems of Dylan ~~Thomas. # New York: New Directions. # Thoreau, Henry David (2004 [1854]). # Walden and Other Writings, # edited with an introduction ~~by Joseph Wood Krutch. Bantam: New York,. # Wartenberg, Thomas (2007). # Thinking ~~on Screen: Film as Philosophy. # Basingstoke: Palgrave ~~Macmillan. # Wittgenstein, Ludwig (1961 [1921]). # Tractatus Logico-Philosophicus. # London: Routledge ~~& Kegan Paul. # Wolf, Susan (2007). “The Meanings of Lives.” In John Perry, ~~Michael Bratman, & John Martin Fischer, eds., # Introduction to Philosophy: Classical and Contemporary ~~Readings. # New York: Oxford University Press, ~~62-73. # الفصل الحادي عشر: «جرائم وجنح» وهشاشة الدافع الأخلاقي # Allingham, Michael (2002). # Choice ~~Theory: A Very Short Introduction. # New York: Oxford ~~University Press. # Aune, Bruce (1979). # Kant’s Theory ~~of Morals. Princeton: Princeton University Press. # Ewin, R. E. (1991). # Virtues and ~~Rights: The Moral Philosophy of Thomas Hobbes. # Boulder: ~~Westview Press. # Gauthier, D. (1969). # The Logic of ~~“Leviathan”: The Moral and Political Theory of Thomas ms304 ~~Hobbes. # Oxford: Clarendon Press. # Herman, Barbara (1993). # The Practice of Moral Judgment. # Cambridge, MA: Harvard ~~University Press. # Hill, Thomas E. (1992). # Dignity and Practical Reason in Kant’s Moral Theory. # Ithaca: Cornell ~~University Press. # Hobbes, Thomas (2008 [1651]). # Leviathan. # Cambridge: Cambridge University Press. # Kant, Immanuel (1999). “Groundwork of the Metaphysics of ~~Morals.” In Practical Philosophy ~~, ed. ~~and trans. Mary J. Gregor. Cambridge, Cambridge University Press. # Kavka, G. (1986). # Hobbesian Moral ~~and Political Theory. Princeton: Princeton University Press. # O’Neill, Onora (1975). # Acting on Principle. # New York: Columbia University Press. # Raphael, D. D. (1977). # Hobbes: ~~Morals and Politics. # London: ~~Routledge. # Rudebusch, George (2009). # Socrates. # Oxford: ~~Wiley-Blackwell. # Sorell, T. (1986). # Hobbes. # London: Routledge and Kegan Paul. # Vlastos, Gregory (1991). # Socrates: ~~Ironist and Moral Philosopher. # Cambridge: Cambridge ~~University Press. # Wilson, Emily (2007). # The Death of ~~Socrates. # Cambridge, MA: Harvard University Press. # Wood, Allen (2008). # Kantian ~~Ethics. # Cambridge: Cambridge University Press. # الفصل الثاني عشر: «حياة الآخرين»: الحظ الأخلاقي والندم # Berlin, Isaiah (1967). “Two Concepts of Liberty.” In ~~Anthony Quinton, ed., Political Philosophy. # Oxford: Oxford University Press, ~~141-52. # Calhoun, Cheshire (1995). “Standing for Something.” # Journal of Philosophy # 92, ~~235-60. # Cox, Damian, Marguerite La Caze, & Michael Levine ~~(2003). # Integrity and the Fragile ~~Self. # London: Ashgate. # Cox, Damian, Michael Levine, & Saul Newman (2009). Politics Most Unusual: Violence, Sovereignty ~~and Democracy in the War on Terror.” # London: Palgrave ~~Macmillan. # Dillon, Robin S. (1997). “Self-Respect: Moral, Emotional, Political.” # Ethics # 107, ~~226-49. # Haraszti, Miklos (1987). # The Velvet Prison: Artists Under State Socialism. # New York: Basic ~~Books. # Havel, Václav (1985 [1978]). “The Power of the Powerless: ~~To the Memory of Jan Patocka.” Reprinted in John Keane, ed., # The Power of the Powerless: Citizens Against the State ~~in Central-Eastern Europe, # trans. Paul Wilson. London: ~~Hutchinson. # http://www.vaclavhavel.cz/Index.php?sec=6&id=2&kat=&from=6&setln=2 ~~. # Hawker, Philippa (2007). Review of # The Lives of Others. The Age ~~(Melbourne, Australia), ~~March 29. # http://www.theage.com.au/news/film-reviews/the-lives-of- others/2007/03/29/1174761613403.html ~~. # Kittay, Eva Feder (1982). “On Hypocrisy.” # Metaphilosophy # 13, ~~277-89. # Martin, Mike (1986). # Self-Deception ~~and Morality. # Lawrence, KS: University Press of ~~Kansas. # McKinnon, Christine (1991). “Hypocrisy, With a Note on ms305 ~~Integrity.” # American Philosophical ~~Quarterly # 28, 321-30. # Nagel, Thomas (1979). # Mortal ~~Questions. # Cambridge: Cambridge University Press. # Nussbaum, Martha (1986). # The ~~Fragility of Goodness. # Cambridge: Cambridge University Press. # Richards, Norvin (1986). “Luck and Desert.” # Mind # 95, 198-209. # Thomson, Judith Jarvis (1986). # Rights, Restitution, and Risk. # Cambridge, MA: Harvard ~~University Press. # Walker, Margaret Urban (1991). “Moral Luck and the Virtues ~~of Impure Agency.” # Metaphilosophy # 22, ~~14-26. # Williams, Bernard (1981). “Moral Luck.” In # Moral Luck: Philosophical Papers 1973-1980. # Cambridge: Cambridge University Press, 20-39. # Zimmerman, Michael (1987). “Luck and Moral Responsibility.” # Ethics # 97, ~~374-86. # الفصل الثالث عشر: «فارس الظلام»: باتمان وأخلاق الواجب والنظرية العواقبية # Hooker, Brad (2000). # Ideal Code, ~~Real World: A Rule-Consequentialist Theory of Morality. # Oxford: Oxford University Press. # Kagan, Shelly (1998). # Normative ~~Ethics. # Boulder: Westview. # Kamm, F. M. (2007). # Intricate ~~Ethics: Rights, Responsibilities, and Permissible Harms. # Oxford: Oxford University Press. # Kant, Immanuel (1996). “On a Supposed Right to Tell Lies ~~from Benevolent Motives.” In Practical Philosophy ~~, ed. and trans. Mary J. Gregor. Cambridge: ~~Cambridge University Press. # Korsgaard, Christine (1986). “The Right to Lie: Kant on ~~Dealing with Evil.” Philosophy and Public ~~Affairs # 15, 325-49. # Mill, John Stuart (1987). # Utilitarianism and Other Essays. # New York: Penguin. # Nielsen, Kai (1990). # Ethics Without ~~God. # Buffalo, NY: Prometheus ~~Books. Plato (2006). # The ~~Republic, # translated and with an introduction by R. E. ~~Allen. New Haven: Yale University Press. # Rawls, John (1971). # A Theory of ~~Justice, # Cambridge: Belknap Press of Harvard University Press. # Scarre, Geoffrey (1996). # Utilitarianism. # London: ~~Routledge. # Singer, Peter (1993). Practical ~~Ethics. # Cambridge: Cambridge University Press. # Skorupski, John (2006). # Why Read ~~Mill Today? # London: Routledge. # Unger, Peter (1996). # Living High ~~and Letting Die. # Oxford: Oxford University Press. # Wood, Allen (2008). # Kantian ~~Ethics. # Cambridge: Cambridge University Press. # الفصل الرابع عشر: طفولة خطرة: «الوعد» واحتمالية الفضيلة # Adams, Robert Merihew (2006). # A ~~Theory of Virtue. # New York: Oxford University Press. # Anscombe, G. E. M. (1958). “Modern Moral Philosophy.” Philosophy # 33, No. 124. # http://www.philosophy.uncc.edu/mleldrid/cmt/mmp.html ~~. # Aristotle (2000). # Nicomachean ~~Ethics, # trans. Roger Crisp. Cambridge: Cambridge ~~University Press. # Doris, John (2002). # Lack of ~~Character: Personality and ms306 Moral Behaviour. # Cambridge: ~~Cambridge University Press. # Driver, Julia (2001). # Uneasy ~~Virtue. # New York: Cambridge University Press. # Franklin, Benjamin (1986 [1791]). # The Autobiography and Other Writings. # London: Penguin ~~Classics. # Harman, Gilbert (1999). “Moral Philosophy Meets Moral Psychology: Virtue Ethics and the Fundamental Attribution Error.” Proceedings of the Aristotelian ~~Society # 99, part 3. # Hursthouse, Rosalind (1999). # On ~~Virtue Ethics. # Oxford: Oxford University Press. # MacIntyre, Alasdair (2007). # After ~~Virtue. # 3rd edn. Notre Dame: University of Notre Dame Press. Pinker, Steven (2002). # The Blank ~~State: The Modern Denial of Human Nature. # London: Penguin ~~Books. # Singer, Peter (1972). “Famine, Affluence and Morality.” Philosophy and Public Affairs # 1, ~~229-43. # Slote, Michael (2001). # Morals from ~~Motives. # Oxford: Oxford University Press. # Tessman, Lisa (2005). # Burdened ~~Virtues. # New York: Oxford University Press. ms307