######OpenITI# #META# URI: 1450QustandiRizq.MusiqaSharqiyya.Hindawi25183963 #META# Tags: arts #META# ID: 25183963 #META# Title: الموسيقى الشرقية والغناء العربي #META# AuthorID: 83806048 #META# Author: قسطندي رزق #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء‏ # 1 - لمحة في تاريخ الخديو إسماعيل ونصرته للفنون الجميلة‏ # 2 - أصل الموسيقى‏ # 3 - الغناء القديم والغناء الحديث‏ # 4 - عبده الحمولي‏ # 5 - عبده الحمولي مصلح اجتماعي في ثوب مغن‏ # 6 - «ساكنة» أستاذة «ألمظ»‏ # 7 - أزواج عبده الخمس‏ # 8 - القصائد التي غناها‏ # 9 - ما اخترته من ألحان المرحوم عبده الحمولي‏ # 10 - قصيدة المرحوم أحمد شوقي بك أمير الشعراء‏ # 11 - مرثية جريدة المقطم‏ # 12 - مرثية جريدة الأهرام‏ # 13 - رأي في الموسيقى الشرقية والغناء العربي‏ # 14 - الموسيقى العربية وعبده الحمولي‏ # 15 - عبده الحمولي وفنه‏ # 16 - كلمة الدكتور عبد الرحمن شهبندر‏ # 17 - لمحة عامة في الموسيقى‏ # 18 - فذلكة عن الغناء العربي‏ # 19 - عبده الحمولي مع سليم سركيس‏ # 20 - شهادة إبراهيم بك المويلحي الكاتب القدير‏ # 21 - آراء أعضاء المؤتمر الموسيقي المنعقد سنة 1932 في الموسيقى العربية‏ # 22 - شعور المغفور له سعد زغلول باشا‏ # 23 - تراجم حياة أشهر الموسيقيين والمطربين في مصر‏ # 24 - الموسيقى فن سماوي‏ # 25 - الفوارق‏ # 26 - سلامة حجازي‏ # 27 - الفرق التمثيلية في مصر‏ # 28 - أقوال وآراء للعلماء والشعراء والفلاسفة والأطباء‏ # 29 - محادثتي مع صاحب المعالي سعيد ذو الفقار باشا كبير الأمناء‏ # 30 - مشاهير رجال الموسيقى‏ # 31 - شكر عام‏ # 32 - مذهب: كنت فين والحب فين‏ # 33 - مصاب الأمة الفادح‏ # إهداء‏ # 1 - لمحة في تاريخ الخديو إسماعيل ونصرته للفنون الجميلة‏ # 2 - أصل الموسيقى‏ # 3 - الغناء القديم والغناء الحديث‏ # 4 - عبده الحمولي‏ # 5 - عبده الحمولي مصلح اجتماعي في ثوب مغن‏ # 6 - «ساكنة» أستاذة «ألمظ»‏ # 7 - أزواج عبده الخمس‏ # 8 - القصائد التي غناها‏ # 9 - ما اخترته من ألحان المرحوم عبده الحمولي‏ # 10 - قصيدة المرحوم أحمد شوقي بك أمير الشعراء‏ # 11 - مرثية جريدة المقطم‏ # 12 - مرثية جريدة الأهرام‏ # 13 - رأي في الموسيقى الشرقية والغناء العربي‏ # 14 - الموسيقى العربية وعبده الحمولي‏ # 15 - عبده الحمولي وفنه‏ # 16 - كلمة الدكتور عبد الرحمن شهبندر‏ # 17 - لمحة عامة في الموسيقى‏ # 18 - فذلكة عن الغناء العربي‏ # 19 - عبده الحمولي مع سليم سركيس‏ # 20 - شهادة إبراهيم بك المويلحي الكاتب القدير‏ # 21 - آراء أعضاء المؤتمر الموسيقي ms001 المنعقد سنة 1932 في الموسيقى العربية‏ # 22 - شعور المغفور له سعد زغلول باشا‏ # 23 - تراجم حياة أشهر الموسيقيين والمطربين في مصر‏ # 24 - الموسيقى فن سماوي‏ # 25 - الفوارق‏ # 26 - سلامة حجازي‏ # 27 - الفرق التمثيلية في مصر‏ # 28 - أقوال وآراء للعلماء والشعراء والفلاسفة والأطباء‏ # 29 - محادثتي مع صاحب المعالي سعيد ذو الفقار باشا كبير الأمناء‏ # 30 - مشاهير رجال الموسيقى‏ # 31 - شكر عام‏ # 32 - مذهب: كنت فين والحب فين‏ # 33 - مصاب الأمة الفادح‏ # | الموسيقى الشرقية والغناء العربي # | الموسيقى الشرقية والغناء العربي # | مع السيرة الذاتية للفنان: عبده الحمولي # تأليف # قسطندي رزق # | إهداء # كتابي في الموسيقى الشرقية والغناء العربي ونصرة الخديوي إسماعيل للفنون الجميلة وحياة ~~عبده الحمولي إلى حضرة صاحب الجلالة - الملك فؤاد الأول - ملك مصر المعظم # مولاي # إن بحرص ساكن الجنان والدكم الخديوي إسماعيل على الموسيقى العربية يخلد الثناء الطيب ~~على تراخي الأحقاب. ولنصرته للفنون الجميلة، وحفظة لمجد العرب الأثيل. سيبقى ذكره في ~~الأعقاب بما هيأ لذلك من أسباب النجاح. وما أتاه عبده الحمولي من ضروب الابتكار والتفنن ~~في إقامة بناء لها وطيد الدعائم، وتكوين قواعدها على أسلوب عربي رشيق، وبروح مصري أنيق؛ ~~فازدهرت في عصره الذهبي. وأصبح الشعب المصري طروبا سعيدا، ويغني متهللا. ولا عجب وهذا ~~الشبل من ذاك الأسد. إنكم عند إشراق شملكم على عرش المملكة المصرية. جريتم على منهاجه ~~في تشجيع الفنون والموسيقى العربية الوليد حبها فيكم. وأضحيتم مصدر الحركة في النهضة ~~القومية. وقوام حياة مصر الفنية والأدبية والعلمية والاقتصادية، بنشركم العلوم ~~والمعارف، وتشجيعكم الصنائع والفنون بما أسستم من معاهد ومدارس ومستوصفات. # ولما كانت الشمس تطلع من المشرق، وكانت مصر الأم التي غذت قديما الغرب بلبنها من علوم ~~وفنون، ولما طمى على الموسيقى العربية الساحرة فساد التجديد الذي من أغراضه الاستعانة ~~عن الصورة الحسناء بصورة شوهاء. تصديت خدمة للفن، وإيثارا للفائدة العامة؛ لأصونها من ~~أيدي التلاعب والضياع، وتبقى فنا عربيا لا غريبا ورمزا لتقاليد شعبها، وعنوانا لنخوة ~~عروبتها وعزتها وآياتها. ولذا أرفع بكل خضوع إلى الأعتاب الملكية كتابي هذا الذي به ms002 ~~تشخيص الداء، ووصف الدواء؛ لتدفعوا غارة العجمة عن ألحان موسيقانا أداة بياننا ولغة ~~أفئدتنا. احتفاظا بروح مصر الخالدة. والله أسأل أن يشمل عطف جلالتكم السامي العبء الذي ~~نهضت به لخير الوطن، ويمدكم بروح من عنده، ويحرس ولي عهدكم صاحب السمو الملكي أمير ~~الصعيد فاروق المحبوب. إنه سميع مجيب. # العبد الخاضع المطيع # قسطندي رزق # حضرة صاحب الجلالة الملك فاروق الأول المعظم. # | نكس العلم # بقلم عبد الله عفيفي # هل يعلمون على من نكس العلم # هذا بناء الحمى والملك ينهدم # فؤاد، أين؟ ومصر غير آمنة # الريح عاتية والموج ملتطم # خلفتنا لا يرد الضيم فارسنا # ولا ينافح عن أشباله الأجم # فؤاد، هل وقفة؟ فالشعب مضطرم # ومصر تبكي مناها والدموع دم # أحالها الحزن أشلاء ممزقة # جسم بغير فؤاد كيف ينتظم # ليس المصاب مصابا إنه ضرم # مؤجج في نواحي القلب محتدم # فؤاد لا الصبر يأسو جرح فاجعتي # ولا تنهنه من أحزاني الكلم # قد كنت وحي يراعي حين أشرعه # فالآن بعدك لا شعر ولا قلم # ساكن الجنان المغفور له جلالة الملك فؤاد الأول. # ساكن الجنان المغفور له الخديو إسماعيل. # الطائر الصيت والبلبل الغرد المرحوم عبده الحمولي. # عبده الحمولي ومحمد العقاد والسيدة عمر المطربة وخليل باش أغا ساكن الجنان ~~الخديو إسماعيل. # الأستاذ قسطندي رزق مؤلف هذا الكتاب. # | مقدمة # بقلم قسطندي رزق # لقد أشربت محبة المرحوم عبده الحمولي منذ نعومة أظفاري يوم خالط المرحوم والدي بالزقازيق ~~وزارنا في دارنا وغنانا غناءه العربي؛ فأعجبت به أيما إعجاب وارتسمت في ذهني صورة العروبة ~~الفخمة بما مثل أمامنا من الحركات والأقوال التي صورت لي إباء العرب وفروسيتهم وعظمتهم، ~~وما أتاه من شجي التلحين وحسن الأداء، وتفخيم اللفظ الدال على معناه، والإبانة في مخارج ~~الحروف، فهو حرى بأن يكنى بغريد الشرق الذي لا تفتح العين على مثله، وأخذت منذ ذلك الحين ~~أشعر بتيار موسيقى يتمشى في عروقي إلى أن أضحيت من المولعين بالغناء العربي الذي لا أصبو ~~إلا إليه، وحزت ملكة التمييز بين جيده ورديئه لا سيما إذا سمعت ركزا لخليط مجدد. ولما ms003 هب ~~على الموسيقى العربية عاصف التجديد، وحاول أن يقتلع جذورها من تربتها المباركة الخصبة، شمرت ~~لصد ذلك التيار عنها غيرة على عظمتها وسحرها، واتقاء للرمق الباقي منها، إذ هي الآن والعياذ ~~بالله واقفة على مفترق طريقين لا محيد لها عن سلوك واحد منهما، فإما أن تحيا وتستعيد ماضي ~~شبابها إذا تداركها أولو الأمر منا، وإما أن يسجل عليها الموت الذي لا حياة بعده إذا ألقينا ~~حبل المجددين على غاربهم يجهزون على تلحيننا القومي ويرتضخون لكنة غربية بدلا من ترديد ~~نبرنا العربي، ويشوهون محاسن الموسيقى العربية التي وضع قواعدها أسلافنا الموسيقيون ~~المصريون، ويقضون على تقاليد الشعب المصري الذي يغني بالفطرة، ويحتفظ بصبغته وتقاليده. # على أنه ليس من غرضي في هذه المقدمة الوجيزة أن أعارض في التجديد الذي يقصد منه زيادة ~~ثروة موسيقانا الشرقية والتدرج بها من حسن إلى أحسن كما هو شأن كل فن ينقصه التنقيح ~~والتحسين - (والكمال لله وحده) - أو أن أصرف المجددين المجتهدين عن التوفر على توسيع نطاقها ~~والنهوض بها إلى أعلى مستوى يليق بعظمتها ومجد الشرق، ويحفظ لنا ما خلفه لنا السلف من ~~الموسيقيين العبقريين من قواعد ثابتة وقوانين مرعية، إذ أني أرحب بكل تجديد مبني على ~~الأصول، ويرجع إلى مستقر معروف، وأسلوب مألوف، لكن المجددين - والأسف يملأ جوانحي - في ~~واد، ونواميس الموسيقى في واد وقد هاموا في أودية الضلال وأضلوا سامعيهم، وليتهم تصرفوا ~~في التجديد على حسب القواعد الصحيحة محترمين المقاييس وراعوا النغم والمقاطع والموازين ~~الموسيقية والتوقيع بما يطابق معنى الأغنية المنظومة، ومثل الموازين الموسيقية كمثل ~~الأبحر للشعر ذي الأشطر الصحيحة القياس. # أما الألحان القديمة فيتوفر فيها حسن التوقيع وضبط الإيقاع، ولو كان ملحنونها يقتصرون على ~~نغمة أو أكثر، وهي في كل حال خير من الألحان الحديثة التي لا يتوفر فيها حسن التوقيع وضبط ~~الإيقاع، فضلا عن عدم مراعاة ملحنيها لمعنى الأغنية أو الدور أو الموشح مهما كثرت أنغامها؛ ~~لعدم ضبطهم القواعد الأساسية التي يجب أن تبنى عليها أغانيهم من جهة، ولعدم تمكنهم من قتل ~~النغمات درسا ms004 من جهة أخرى ليكفلوا الحصول على جمال التلحين. # فإذا استمروا على هذا المنوال قضوا على الموسيقى العربية قضاء مبرما، وأضحت لا أثر لها ~~في الوجود. وما حماية الألحان التي تكاد تبتلعها عجمة التجديد إلا الاحتفاظ بروح مصر ~~الخالدة. # هذا هو الداء الدفين لموسيقانا الذي يستعصي شفاؤه إذا أهملناه ولم نعالجه بسرعة، وقد ~~وصفته وصفا لا يخالج الخبير فيه أدنى ريب، أما الدواء فيلخص فيما يأتي: ~~(1) # وجوب تأليف لجنة فنية من أعضاء المعهد الملكي للموسيقى العربية، ومن الموسيقيين ~~والشعراء في خارجه ممن يشار إليهم بالبنان، يكون من اختصاصها الإشراف على كل لحن ~~جديد يلحن، والقيام بفحصه بدقة من الوجهتين التلحينية والنظمية، (مع مراعاة ما إذا ~~كان لفظه ومعناه منزهين عما يعاب) حتى إذا حاز القبول يرخص لصاحبه بنشره وإذاعته، ~~ماذا وإلا تجرى مصادرته بمساعدة الهيئة الحاكمة ضمانا لتنفيذ شروط اللجنة المشار ~~إليها. ~~(2) # يعهد إلى المعهد بألا يرخص لرؤساء التخوت للآلات الوترية بأن يستبدلوا العازفين ~~السابق تشغيلهم على تخوتهم بعازفين جدد لا يفقهون طرق إشغالهم، ولا مزاياهم الخاصة، ~~إذ إن لكل رئيس عادة خاصة، ومزية خاصة، وروحا خاصا، بدليل أن تخت الأستاذ: محمد ~~العقاد كان لا يشتغل إلا برئاسة عبده الحمولي، ولم يستطع أي قانونجي في عصره أن ~~يدوزن قانونه بالسرعة التي كان يدوزنه بها محمد العقاد الكبير، ولا أن يصور نغماته ~~على آلته، وكان لكل رئيس تخت خاص عازفون خصوصيون لما في الإبدال من ضرر، كما لا ~~يخفى لا سيما في عدم إمكان دوزان الآلات واندماجها ببعضها بعضا؛ لأن الدوزان ~~والميزان لازمان للموسيقى الصحيحة، وقد قال موزارت «الموسيقى ميزان». ~~(3) # أن يعهد إلى المعهد في تكليف أشخاص للتجول في البلاد الريفية للبحث عن ذوي ~~الأصوات الحسنة: من الصبية الريفيين بين جامعي الأقطان، والعمال بالمصانع، والمحالج ~~وغيرها، لاستحضارهم وتعليمهم أصول الغناء على الطراز العربي، مبتدئين بترويض ~~أصواتهم كترويض الأجسام على الرياضة البدنية وتمرينها على المقامات تدريجيا، ~~واختبارهم أخيرا فوق المآذن على حد ما كان يروض أوتار صوته المرحوم: عبده الحمولي ~~على مئذنة جامع ms005 الحنفي، وإتباعا لخطط الموسيقيين الغربيين في مثل ذلك. ولا غرابة ~~في انتقاء الصبية من بلاد الريف في الوجهين القبلي والبحري؛ لأن عبده عبقري الشرق ~~رأت عيناه النور في (حامول)، ومحمد عثمان الصعيدي أصلا (من طهطا) ولد في حي بولاق، ~~حيث كان يتمرن على أعمال البرادة في ورشة. ويقوم المعهد بدفع نفقات هذا النشء ويحتم ~~عليه أن يعلمه الموسيقى العربية بحذافيرها، وعلى حسب قواعدها مع إدخال النظم ~~الحديثة المختارة فيها بشرط أن تلائم الذوق المصري، ولا تمس جوهر موسيقانا أو تشوه ~~محاسنها. ~~(4) # على الصحافة المصرية الحرة التي يناط بها إرشاد الأمة إلى سبيل الهدى ألا تألو ~~جهدا في لفت نظر الأمة والمجددين على صفحات جرائدها إلى وجوب مراعاة الشروط السابق ~~الإيماء إليها؛ احتفاظا بجمال موسيقانا وثروتها وقوتها التي هي أشهر من أن ينبه ~~على وجوب الاحتفاظ بطابعها الشرقي وصبغتها وذوقها السليم المصري البحت؛ لأن الدين ~~إمحاض النصيحة والصراحة حياة الحق، ومثلها كمثل عصير الشجرة فلا تحيا إلا به، ~~وبدونه تيبس أغصانها وموتا تموت، وكل شعب يقبل الأمور على علاتها بدون تمحيص، ولا ~~بحث ولا برهان استنادا على عوامل مؤثرة أو جاه أو ثروة أو دعاية غير صحيحة يكون ~~هدفا للتغرير والخدعة، وقد وجدت لزاما علي في إبان النهضة القومية في جو الحرية ~~والديمقراطية أن ألفت النظر إلى مجابهة الحقائق بلا وجل ولا محاباة ولا تقليد أعمى، ~~بل بثقة وصدق وشجاعة وحسن نية في ظل مليك البلاد المعظم جلالة فاروق الأول ~~الديمقراطي الذي ولا شك سيحذو حذو جلالة والده في السهر على الفنون الجميلة وغيرها، ~~ويعمل على النهوض بمصر إلى ذروة المجد والسعادة، ولولا مجهود ساكن الجنان والده لما ~~كان لأي هيئة فنية أو رسمية في مصر من أثر، ولا قامت للموسيقى قائمة. وعسى المحدثين ~~بعد هذا التنبيه أن ينزعوا عن طائش رأيهم في التجديد ويثوبوا إلى الصواب، فإن ~~الرجوع إلى الحق محمدة والمضي في الباطل منقصة. وفقنا الله إلى السبيل السوي وهو ~~مالك الأمور. # الفصل الأول # | لمحة في تاريخ الخديو إسماعيل ms006 ونصرته للفنون الجميلة # لما كان هم المغفور له الخديو إسماعيل نشر العلوم والمعارف، وإحياء الزراعة، وتوسيع نطاق ~~الصنائع الوطنية، وترويج التجارة، وتثقيف المرأة، وتشجيع الفنون الجميلة، وفي مقدمتها ~~الموسيقى العربية، والغناء والتمثيل، نشط للجري في سبيل الأمم المتمدنة، ولم يأل جهدا في ~~تحسين الصلات، وتمكين الألفة بين المصريين، وبين الجاليات المتوطنة في مصر، حتى بلغت في ~~عصره الذهبي ذروة المجد، وأوج الحضارة والمدنية، وأصبحت حرية بأن تعد قطعة من أوربا ~~لا من أفريقيا كما صرح بذلك شخصيا. # ومن مآثره الجليلة، أنه كان أبا الفلاح يدافع عن كيانه، ويحمي ذماره، وكان شغوفا ~~بالزراعة إلى أبعد درجة، وكان يحب مصر حبا صحيحا متغلغلا في قرارة نفسه، فاحتفظ ~~بتقاليدها القومية، وطابعها الشرقي الذي اتسمت به، وتفانى في رفع منارها في بلاد الغرب، ~~وباهى بشعورها، ونشر لغتها، لغة الجمال والمجاز، وتعظيم الناطقين بها في أنحاء الشرق، بدليل ~~ما عرضه سنة 1867 في معرض باريس الذي اشتركت فيه الحكومة رسميا، من تماثيل قديمة، ومن ~~مومياء لرعمسيس الثاني، الملقب بسيزوستريس أكبر الملوك الفاتحين، التي اكتشفت سنة 1881 ~~ولغيره من الفراعنة، ونماذج للحياة المصرية القديمة، كبيت شيخ البلد، وهياكل، ومصانع ~~للتفريخ التي لم يعترها أدنى تغيير، منذ خمسة آلاف سنة ونيف لغاية الآن؛ بالرغم من أن في ~~خلالها دالت دول، ودكت عروش، وأشكال «وكايل» وبيوت على أقدم طراز، فسيحة الأرجاء، تطل ~~نوافذها من الداخل على ردهات مقامة في وسطها فسقيات مزينة بالفسيفساء، وعلى سطوحها قباب ~~جميلة، وبخارجها ترى مشربيات بارزة بديعة الصنع. وكذلك عرض الحياة المصرية الحديثة بما ~~امتازت به من مصنوعات فائقة الوصف، كالأقمشة المطرزة بالذهب، والأواني الخزفية، والجلود ~~المدبوغة والمنقوشة نقشا بديعا. ومن آلات الطرب: العود، والقانون، والكمان، والناي، ~~والربابة التي كان يفضلها على الكمان لأنها مصرية بحت، والمزمار البلدي، والصنوج، والصاجات ~~لزوم الرقص البلدي، والدربكة، والرق، والطار، والنقرية «والسنتير» مما كان مهوى أفئدة ~~المتفرجين والزائرين للمعرض من سائر بلاد الغرب لا سيما اسكندر الثاني، وفرنسيس يوسف ~~إمبراطوري روسيا والنمسا، وفكتور عمانويل الثاني ملك إيطاليا، ms007 وغليوم ولي عهد بروسيا، ~~والبرت إدوارد ولي عهد إنكلترا، والسلطان عبد العزيز الذين طأطئوا رؤوسهم المتوجة إكبارا ~~وإجلالا لتمثال ومومياء رعمسيس، وسائر المعروضات جملة ومفترقا، وأضحوا يتأملون تأملا ~~مليا في سر تحنيطها ودقة مصنوعات المصريين حتى انتهوا إلى استهتار ما أتاه الغربيون من ~~ضروب الابتكار، وصنوف الاكتشاف والاختراع. # على أن مجهوده لم يقف عند هذا الحد فحسب، بل إنه لما قفل راجعا إلى مصر بعد رحلته إلى ~~أوربا حيث شاهد المباني الناطحة للسحاب، والمنشئات البديعة ومسارح التمثيل والغناء، ~~والمدارس، والمعاهد العلمية، والأندية الأدبية، دبت فيه الغيرة الصادقة على مصلحة مصر، فأخذ ~~على عاتقه أن يقيم فيها اقتداء بالغرب القصور الفخمة، ويشيد دورا للعلوم، ومعامل للصنائع. ~~فأنشأ في ربيع سنة 1873 مدرسة السيوفية للبنات المجانية، داخلية وخارجية، ومدرسة ثانية ~~بالقربية لشدة الحاجة إليها، أمتها بنات الأمراء والعظماء، وأكابر الموظفين، وكانت ~~برامجهما تشمل تعليم اللغتين، العربية والفرنسية، والجغرافيا، والرسم، والموسيقى العربية، ~~وأشغال الإبرة، والتطريز، والطبخ، والتدبير المنزلي. وشجع الأهلين على وجوب تثقيف عقول ~~البنات بنوع خاص، لتضرب المرأة بسهم وافر من العلم يرفع منزلتها، وتبلغ به المكانة اللائقة ~~بها، بين الأمم المتمدنة، وتكون عضوا قويا في المجتمع الإنساني، وكوكبا منيرا يستضاء ~~به، في حياتها الزوجية، ومثلا صالحا، في تربية ابنها وابنتها، فينشآن عضوين سليمين عقلا ~~وروحا وجسما، نافعين لنفسيهما ولأمتهما معا (والعقل السليم في الجسم السليم). # حديقة الأزبكية # ومما لا يختلف فيه اثنان، أن الأزبكية كانت مستنقعا ينبت فيه النبات المائي الكثيف، ~~وينقف بيض البعوض الناقل للعدوى، فأزيلت بناء على أمره السامي تلك المياه الراكدة، ~~بمعرفة (برهان بك): مدير الإدارة بوزارة الأشغال العمومية سنة 1837، وغرست الأشجار على ~~اختلاف أنواعها، صفوفا منظمة، واكتست أرضها بثوب سندسي قشيب، يشرح الصدر، ويقر العين. ~~وأقيمت في وسطها الفسقيات التي تنفجر من فوهاتها المياه المتلألئة، وربي فيها أجمل ~~أنواع السمك، وأنيرت مصابيح الغاز في أرجائها، وبنيت الجبلاية على أبدع طراز، وهي لا ~~تزال ماثلة أمامنا للآن، وصفت الأكشاك الحديدية حولها من الداخل، حوت تخوتا للطرب، ~~غنى فيها ms008 أشهر المغنيين والمغنيات، فصير مجهوده وابتكاره من المستنقع الآسن رياضا ~~تجري من تحتها الأنهار، وأطيارا تغرد على أفنان خمائلها، ووجوه حسان تلوح في غدران ~~مناهلها، وتحت ظلال نارجيلها، ويقدر مسطحها بنحو 170000 متر مربع. وكانت أرضها ~~موقوفة لآل البكري، واستبدلت بأطيان بناحية بهتيم، تزيد على مساحتها أضعافا مضاعفة. وقد ~~أصدر أمره الكريم بتشييد مسرح للكوميديا بناحية منها في 23 نوفمبر سنة 1867، واحتفل ~~بافتتاحه في مساء 4 يناير سنة 1868 حيث بوشر التمثيل دون أن يمضي على إنشائه أكثر من ~~اثنين وأربعين يوما. # الأوبرا # أما الأوبرا، فقد بنيت سنة 1869 في مدة لم تزد على خمسة شهور، وبلغت تكاليفها نحو ~~160 ألف جنيه، فأحضر إليها من أوربا فرقا للتمثيل من أعلى الطبقات. وكانت أول الروايات ~~التي مثلت فيها بوجه التحقيق رواية «ريجولوتو» التي حضرها كل من الخديو إسماعيل، ~~والدوق والدوقة داوست، وذلك في أول نوفمبر سنة 1869، كما جاء بالجريدة الرسمية بتاريخ ~~10 منه. # ولشدة ولعه بالمصرية كلف مارييت بك آنئذ بتأليف رواية «عائدة المصرية»، وأناط فردي ~~الموسيقي الطلياني الشهير بتلحين أنغامها الشجية، فقام بتمثيلها أقدر الممثلين ~~والممثلات في مساء 24 ديسمبر سنة 1872، وعزفت الأوركسترا الطليانية بنغماتها الشجية، ~~عزفا أخذ بمجامع القلوب، وسر منه الخديو إسماعيل سرورا أدى به إلى منح فردي وجوقته ~~150000 فرنك ذهب. ثم أنشأ بعد ذلك المسرح ~~الهزلي الفرنسي # La Comédie Française ~~. # التمثيل العربي # أما ما كان من أمر التمثيل العربي، فكانت حجر زاوية بنائه، فرقتا التمثيل لسليم نقاش ~~ويوسف خياط. ومن الروايات التي حضر الخديو إسماعيل تمثيلها، أذكر روايات «أبي الحسن ~~المغفل»، و«هارون الرشيد»، و«أنيس الجليس» وبعض روايات أخرى لموليار الشاعر الهزلي ~~الفرنسي مثل روايات: «البخيل»، و«الطبيب رغم أنفه»، و«الشيخ متلوف»، و«النساء العالمات» ~~التي قام بتعريبها عثمان بك جلال، المعروفة بما يأتي: ~~“L’Avare, le ~~médecin malgré lui, Matluf, ef les femmes savantes” # ولما كانت الروايات التمثيلية من أنجع الوسائل، وأفعل العوامل في تهذيب الأخلاق ~~وتنوير الأذهان، وحث النفوس على الفضائل والمحامد، بما تصوره للحاضرين من مناظر للفضيلة ms009 ~~والرذيلة، والعدل والظلم، والوفاء والغدر، والصدق والكذب، إلى غير ذلك من الخصال، بارزة ~~تحت ثوب من اللهو والفكاهة والجد، فضلا عما تنطوي عليه من حقائق ثابتة، ووقائع تاريخية، ~~وحوادث وعبر لهذا الكون، تتكرر على مرور الأيام (ولا جديد تحت الشمس)، عمد المغفور ~~له الخديو إسماعيل إلى تشجيع أبناء وادي النيل على غشيان دورا الأوبرا، ومسارح التمثيل ~~الراقي، والملاهي البريئة، رغبة أن يريهن بعين النقد، ونور البصيرة، العبر في حياة من ~~مضى من الأمم، إتباعا للأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، بدلا من سماعهم القصص ~~الخرافية، وحماسة عنترة بن شداد ، وحروب الزناتي خليفة، والزير سالم، وسير أبي زيد ~~الهلالي سلامه، وقصص ألف ليلة وليلة، وحضور الألعاب البهلوانية والأراجوز التي اتسع ~~مجالها عند المصريين، وأصبحت مهنة لأرباب الجهالة والدهاء، يتفننون في متنوع أساليبها، ~~جرا لمغنم من أهل السذاجة فيهم، وذلك في بدء توليه الأريكة الخديوية. وكان لشدة عطفه ~~على تلاميذ المدارس العليا كالمهندسخانة مثلا أو غيرها، يبعث إليهم تذاكر خصوصية إسوة ~~بأولاده الأمراء لكي يحضروا معهم التمثيل الروائي في الأوبرا. # وبالجملة فإن فن التمثيل كان معدوما فأوجده في مصر العزيزة، دون أن يتمتع بمزاياه ~~سائر البلدان الشرقية لما أن العرب كانوا بوجه عام يقتصرون على عرض منتجات قرائحهم في ~~سوق عكاظ، وكانوا يعلقون على جدار الكعبة الشريفة الشعر الأكثر طلاوة الذي صيغ من أخلص ~~النضار. فمن أين يا ترى يمكن أن تستنير عقولهم بالحكم والمواعظ والعبر المستمدة من ~~الوقائع التاريخية، والحوادث الواقعية، التي تمثلها تحت الحس الروايات التمثيلية إذا ~~غابت عنهم معرفة فوائدهم ولم يستعملوها بين ظهرانيهم لأنهم يتخذونها هزؤا، ويصفونها ~~بالمهنة السافلة، بدليل أن الأدوار التي يجب أن تقوم بتمثيلها المرأة - خاصة على المسرح ~~في فرقة يوسف خياط - كان يعهد فيها اضطرارا إلى غلام لم يتمكن من الإجادة في تمثيلها ~~بطبيعة الحال، حتى أن الشيخ القباني نفسه أول الممثلين وأبرعهم في زمانه، كان رغم تقدمه ~~في السن يقوم بدور المرأة، لما كان عليه فن التمثيل من قبيح السمعة، وتكون المرأة كما ~~قدمت ms010 معرة قومها إذا جرأت على الاشتراك فيه بعكس الغربيين، وعلى رؤوسهم ملوكهم ~~وعظماؤهم وعلماؤهم وحكماؤهم فإنهم أحلوا هذه المهنة في أعلى منزلة وأرفع مقام من ~~الحضارة والمدنية. وقد عني بتأليفها أكابر شعرائهم، أمثال شكسبير، وموليار، وراسين، ~~وكورنيل، وڤولتير، وڤيكتور هوجو، وبرنارد شو، وغيرهم. فهل في هذه الحالة يتهمون بالزيغ ~~والخبث، والتسكع في بيداء الغرور والغواية؟ # الموسيقى # أما الموسيقى، فإن من أطلع على تاريخ مصر الحديثة، وتدبر ما للمصريين في أساليب ~~معيشتهم من شديد الميل إلى المرح والجذل، وحب الغناء العربي بالفطرة، وتفضيله على سواه ~~أيقن أن ديدنهم ومذهبهم توجيه عزائمهم إلى الاتساع والإبداع في أساليب الغناء بشرط ألا ~~تشرد عن قواعدها الأساسية، وألا تصيبها عجمة تسأمها الطباع. وليس ذلك بغريب لديهم لما ~~أن المغفور له محمد علي باشا الكبير نابليون الشرق المصلح العظيم، وبالرغم من أن أصله ~~من قوله يعد أول المولعين بالموسيقى الشرقية؛ فأسس في مصر مدرسة للأصوات والطبول سنة ~~1824، ومدرسة بناحية الخانقاه في شهر أغسطس سنة 1827، ومدرسة للعزف بالنخيلة في أبريل ~~سنة 1829، ومدرسة للمحترفين (الآلاتية) سنة 1834. وانتقل هذا الميل بالوراثة منه إلى ~~أبنائه وأحفاده، بدليل أن الخديو إسماعيل شغف بها شغفا شديدا وأرهف غرار عزمه لتوسيع ~~نطاقها، فأصبح للعلوم والفنون الجميلة نصيرا، وللموسيقى الشرقية والغناء العربي حاميا ~~وظهيرا. فما كاد يظهر عبده الحمولي في عالم الغناء في القاهرة حتى قربه الخديو ~~إسماعيل إليه، لما ألفى فيه من عبقرية ورخامة صوت، وكان له من أكبر المشجعين على التصرف ~~في وضعه واشتقاقه، ليكسوه لباسا يستوفي به زينته وجماله، فأوفده في الحال على حسابه ~~الخاص إلى الأستانة ليقتبس عن الموسيقى التركية الغنية ما يروق له، وليختار من نغماتها ~~ما يلائم الذوق المصري، ويطابق الروح الشرقية. فأدمج في الموسيقى العربية من النغمات ~~التركية، النهوند، والحجاز كار، والعجم عشيران، وسائر الآهات، مما جعل الفن ~~مدينا لعبده، وبالتالي لساكن الجنان الخديو إسماعيل الذي هيأ له جميع أسباب النجاح، ~~وأطلق له العنان في مجال الإصلاح حتى ألحقه بمعيته، وخصص الشيخ: عبد الهادي نجا ~~الإبياري لتعليم ms011 أبنائه. # في تعضيده للأدب والأدباء والصحافة # وقد عين الشيخ: علي الليثي شاعرا بالمعية السنية، والدكتور: أحمد حسن الرشيدي طبيبا ~~له، وقرب إليه الشيخ علي أبا النصر المنفلوطي الشاعر الكبير، وعبد الله باشا فكري، ~~وألحق نقولا بك توما بإحدى وظائف الحكومة، وأجزل لإبراهيم المويلحي بك العطاء الذي به ~~استعاض عما جرته عليه التجارة من خسارة، وله اليد الطولى في تشجيع الصحافة على ~~الانتشار في أنحاء القطر في الزمن الذي لم يكن به في مصر إلا الجريدة الرسمية تنويرا ~~لأذهان الأمة، وتوسيعا لنطاق النهضة الأدبية التي بها ترفع من كبوة الجهل السائد ~~فيها، وحض رجالها على إدمان البحث والكتابة فيما ينمي ثروة البلاد، والحث على إحياء ~~الصنائع وترغيب الأغنياء من المصريين في إنشاء المعامل طلبا للاستغناء عن المصنوعات ~~الأجنبية، أسوة بجده المغفور له محمد علي باشا الذي شجع عائلة الزند اللبنانية على ~~تربية دود القز؛ بأن منحها على ساحل بحر مويس بجوار الزقازيق أرضا واسعة سميت بكفر ~~الزند، وزرعت بأشجار التوت لتغذية دود الحرير؛ حتى نمت تلك الصناعة وازدهرت في عهده. # وقد ظهرت سنة 1873 في عالم الصحافة جريدة مصرية شكلا وعثمانية النزعة فعلا باسم «كوكب ~~الشرق» لصاحبها سليم حموي بك آنئذ، وكانت تصدر في الإسكندرية، ولما احتجبت عن قرائها ~~لحاجة صاحبها إلى مال؛ عمد إلى طلب إعانة من الخديو إسماعيل، فلما مثل بين يديه، سأله ~~عن المقدار اللازم من المال لاستئناف عمله فأجابه قائلا «إن خمسين جنيها تكفيني يا ~~أفندينا» فامتعض من جوابه وأمر بصرف هذا المبلغ الضئيل له، وكان يود من صميم قلبه أن ~~يعطيه ما يكفيه أعواما لا شهرا ولا يوما، إذ لم يخلق في العائلة العلوية المحمدية من ~~هو أسخى منه يدا، ولا أطيب نفسا. فأخذ المبلغ حموي بك نادما ندامة الكسعي، لأنه تحقق ~~بعد فوات الفرصة أنه لو ضاعف مبلغه أضعافا مضاعفة لما تأخر الخديو عن صرفه؛ لينهض به ~~من كبوة العوز، ويتمكن من استئناف إصدار جريدته التي قضى عليها بعد حين. # أما جريدة «الأهرام» التي أنشأها ms012 المرحوم: بشارة باشا تقلا - شيخ الصحافة وكبيرها - ~~بمعاونة أخيه المرحوم سليم بك الشاعر المفلق، والكاتب المتفنن سنة 1875 فإنها تعتبر أول ~~جريدة عربية أنشئت في القطر المصري في عهد الخديو إسماعيل بعد كوكب الشرق والجريدة ~~الرسمية. وكانت تصدر بادئ ذي بدء في الإسكندرية حتى سنة 1898، وبعد ذلك نقلها صاحبها ~~إلى القاهرة. وكانت المورد العذب الوحيد الذي استمد منه الشعب المصري الأدب وأصدق ~~الأخبار، وأدق المباحث المفيدة للمجتمع ماديا أو أدبيا. # قنال السويس # أما قنال السويس، فكان تمامه على عهد الخديو إسماعيل، وفتح في اليوم السابع عشر من ~~نوفمبر 1869 باحتفال باهر دعا إليه إمبراطور النمسا والإمبراطورة أوجينيا زوجة ~~الإمبراطور نابليون الثالث. وأقيمت في وسط ساحة الاحتفال ثلاث منصات خشبية مرتفعة مكسوة ~~بالديباج والحرير، جلس على المتوسطة منها أصحاب التيجان، وأولياء العهد، والأمراء، ~~والعواهل. وعلى المنصة التي على اليمين جلس من علماء الدين الإسلامي الشيخ: مصطفى ~~العروسي، شيخ الجامع الأزهر، والشيخ: محمد المهدي العباسي، مفتي الديار المصرية. ولما ~~توفي تعين بدله نجله الشيخ: محمد أمين المهدي، ولم يتجاوز السادسة عشرة من عمره، على ~~ما رواه لي السيد: أمين المهدي حفيده، ولكن الخديو إسماعيل استصدر فرمانا شاهانيا ~~بتعيين قيم عليه بصفة استثنائية إلى أن يبلغ رشده؛ لأنه يعطف على البيوت المصرية ~~الطيبة العنصر. وقد اشتهر بغزارة العلم وطول الباع في أصول الشريعة الغراء حتى كانت تعد ~~فتاويه المسماة بالفتاوى المهدية مرجعا من المراجع الشرعية الراجحة التي يعمل بها على ~~المذهب الحنفي. # أما المنصة الثالثة فجلس عليها الأحبار، وفي مقدمتهم القاصد الرسولي، ونصبت ~~«ألمظلات» لجماهير المتفرجين والزائرين على الشاطئين الأسيوي والإفريقي، وعند نهاية ~~الاحتفال قدم العلماء الشكر لله على نعمه الجزيلة، وتلاهم الأحبار فأنشدوا ترتيلة الشكر ~~المعروفة ب # Te Deum # وتعانق العلماء مع الأحبار رمزا ~~إلى تعانق الصليب بالهلال، وتجلى روح التعاون والمحبة بأجلى معانيه أمام ملوك الغرب، ~~مما دحض زعم رديارد كبلنج القائل بأن الشرق والغرب ضدان لا يجتمعان، وظهر للعيان أن ~~أبناء النيل تحت حكم الخديو إسماعيل مصريون مهما اختلفت عقائدهم ms013 الدينية، وتباينت ~~نحلهم. وأصبحت الصحراء القاحلة مزارع خصبة بفتح القنال الذي جنت منه مصر فوائد جمة ~~مادية وأدبية وسياسية تزداد كل يوم بازدياد الصلات، وتوثيق عرى التعاون بين الشرق ~~والغرب. هذا فضل من أفضاله ومأثرة من مآثره فإن لم يكن له سواهما لكفى. # الإمبراطورة أوجينيا على ظهر الهجين. # على أن الملوك زائريه قد استعرضوا أجناسا من الأمم ونماذج مختلفة تقع تحت حكمه ~~السعيد ابتداء من الإسكندرية إلى خط الاستواء ممن حضروا هذا المهرجان من الوفود من ~~الفلاحين والصعايدة، وقبائل العرب، والسودانيين لابسين على رؤوسهم العقال والطرابيش ~~والعمائم والطواقي واللبد، وهم يلعبون على صهوات خيلهم العربية المطهمة على أصوات مزمار ~~الفناجيني الدمياطي، ويركبون أسنمة الهجن وظهور الحمير للسباق على أصوات الرباب ودقات ~~الطبول البلدية، وقد آثرت الإمبراطورة في الذهاب إلى القصر على ضفة الإسماعيلية، ~~والإياب منه بركوب الجواد والهجين على العرب الأوربية. # ومن دواعي الأسف الشديد أن مصر لم تقم للخديو إسماعيل اعترافا بفضله بجانب تمثال ~~فردينان دي لسبس تمثالا له في قنال السويس الذي حفره بأرض مصر برجال مصر. وقد أميط ~~الستار عن وجه تمثال الثاني باحتفال فخم في اليوم السابع عشر من شهر نوفمبر سنة 1899 ~~الذي يماثل اليوم الذي احتفل فيه بفتحه. حقا إن ذلك قد وقع ذهابا إلى الحكمة المأثورة ~~القائلة بأن لا نبي يكرم في بلده. # تمثال فردينان دي لسبس. # والأدهى من ذلك أن الخديو إسماعيل لما عمد إلى إلغاء السخرة - التي كانت حجر عثرة في ~~سبيل القيام بأعباء الزراعة - تصدت له الشركة، واضطرته إلى سحب أمره إنجازا للعمل ~~وطبقا لما هو منصوص عليه في عقد الاتفاق بينها وبين سلفه المغفور له سعيد باشا سنة ~~1854، وليت المسألة وقفت عند هذا الحد، بل طالبه نابوليون بدفع مبلغ 1250000 جنيه ترضية ~~له جزاء دفاعه عن الفلاح المسكين وميله إلى تخليصه من السخرة التي وجد ألا مسوغ لبقائها ~~في عصر المدنية، وهي من بقايا الظلم في عهد الفراعنة في إبان بناء الأهرام، ورفع ~~المسال الذي امتدت أغصانه حتى عهد ms014 المماليك، الذين كانوا يستعبدون الرعية وينهبون ~~أموالهم. على أنه من جهة أخرى استعاض عن هذه الغرامة الفادحة بأن استرجع من شركة القنال ~~أرضا مصرية في وسط الصحراء تمتد إلى حدود الدلتا يقدر مسطحها ب 60000 هكتار أرادت أن ~~تغتصبها لنفسها، وانتهى بضمها إلى أملاك الوطن. وقد قدرها نابوليون آنئذ بمبلغ ~~30000000 فرنك أي 1200000 جنيه. ولا يعزب عن بال الباحث المنصف أن لهذا المجهود العظيم ~~قيمته الأدبية غير الملموسة، فضلا عن قيمته المادية الواضحة بما يسجله له التاريخ ~~بالفخر المبين بين ما قام به من عظائم الأعمال. # ومما لا ينكره عليه المغرضون أن العمارات التي شيدها، والقصور الفخمة التي بناها قد ~~انتفعت بها الحكومة على توالي السنين بأن اتخذتها مقرا لمختلف الوزارات ومركزا ~~للمصالح الحكومية والمعاهد العلمية والفنون الجميلة. # الإمبراطورة أوجينيا. # وقد نزع إلى تقريب المسافات وتسهيل المواصلات، فبنى 426 كوبريا منها 276 في الوجه ~~البحري و150 في الوجه القبلي، وحفر 112 ترعة أهمها ترعة الإسماعيلية البالغ طولها 98 ~~كيلومترا وحفرها 11 مليون متر مكعب، وترعة المحمودية، وترعة البحيرة مما أدى إلى إصلاح ~~نحو 1373000 فدان من أراضي الصحراء أنتجت ما تقدر غلته ب 11000000 جنيه أو ريعا سنويا ~~قدره 1400000 جنيه، ومما يؤيد ذلك ما جاء في كتاب: (بيتر كارابيتس) القاضي عن أدون دي ~~ليون القنصل الأميركي في سنة 1875 حيث قال ما يأتي بنصه وحرفه «إن التصليحات والتحسينات ~~والأشغال العمومية التي شرع فيها الخديو إسماعيل، وأنجزت فعلا في مدة الأثني عشرة سنة ~~في مصر كانت مدهشة وعجيبة، ولا مثيل لها في أي قطر من الأقطار، بلغت مساحته أربعة أضعاف ~~مساحة القطر المصري وسكانه أربعة أضعاف سكانه». # تضحية الخديو إسماعيل وتشجيعه للتجار المصريين # لما زاد فيضان النيل سنة 1870 وهدد ثلاث قرى في القطر بالغرق أمر الخديو إسماعيل ~~بأن تكسر الجسور بين أطيانه الخاصة فغمرتها المياه وسببت له أضرارا قدرت بأربعة ~~ملايين فرنك. فآثر نفع الفلاح على نفعه، وضحى بأطيانه في سبيل حماية الفلاح من الأذى ~~الذي كان سيناله ms015 من الفيضان. # وتبيانا لتشجيعه التجار المصريين وإيثارهم على الأجانب في جني الأرباح، ولو كانت من ~~ماله الخاص اجتزئ من تاريخ المرحوم: إلياس الأيوبي بإيراد ما يأتي بحروفه: ~~«ومن أفضل ما يحسن ذكره بمناسبة أفراح الأنجال أن طه باشا الشمسي - ناظر الخاصة ~~الخديوية في ذلك الحين - وهو حمو حضرة صاحب المعالي أحمد طلعت باشا - رئيس محكمة ~~الاستئناف الأهلية الآن - كلف عدة محال تجارية بتقديم مناقصات لتوريد كل ما يلزم من فرش ~~وبياضات ودنتلات ورياش لجهاز كل من الأميرات العرائس. فلما قدمت، وقع اختيار طه باشا ~~على مناقصة محل باسكال الفرنسوي، ويعرفه كل من زار مصر القاهرة حتى سنة 1892، لأنها على ~~جودة البضاعة المقدمة نماذج منها كانت على رخص في الأثمان يرغب فيه . ولكنه لما عرض ما ~~وقع اختياره عليه للخديو إسماعيل سأله الخديو «ألم يتقدم في هذه المناقصة محل مصري وطني ~~مطلقا؟»، فأجابه طه باشا «نعم يا مولاي» فقد تقدم ضمن آخرين محل مدكور، ولكن الأثمان ~~التي عرضها مبالغ فيها لا توافق، لأنها تزيد خمسة وعشرين في المائة على الأثمان التي ~~يطلبها محل «باسكال»، فقال الخديو إسماعيل «أرني مناقصته والنماذج المرفقة بها»، فقدمها ~~طه باشا، فوجد الخديو إسماعيل أن الأثمان المكتوبة على تلك النماذج تزيد حقيقة خمسة ~~وعشرين في المائة على ما يطلبه محل باسكال، لكنه وجد أن نوع البضاعة واحدة عند الاثنين، ~~فضرب بمناقصة محل باسكال عرض الحائط، وقال لطه باشا «خذ كل ما نحن في حاجة إليه من محل ~~مدكور وادفع له خمسة وعشرين في الماية فوق ما يطلب. فبدا في عيني طه باشا استغراب ~~بالرغم من أن فمه نطق بعبارات الامتثال. فقال الخديو إسماعيل له «يا طه باشا إذا كانت ~~المحال التجارية المصرية لا تنتفع ولا تستفيد من أفراح أولادي. فمن أفراح من تريد أن ~~تستفيد وتنتفع؟» فاغتنمها محل مدكور وهي طائرة، وزاد على أثمان كل ما قدمه ما أمكنه ~~زيادته. فكان ذلك من أسباب الثروة التي أحرزها ا.ه. # أفراح الأنجال # أقيمت ابتداء من يوم 15 يناير سنة ms016 1873 الأفراح البهيجة احتفاء بزواج الأمراء: ~~توفيق وحسين وحسن أبناء الخديو إسماعيل، من ربات الصون والعفاف الأميرات: أمينة هانم ~~بنت إلهامي باشا ابن المغفور له عباس الأول، وعين الحياة هانم بنت الأمير أحمد باشا ابن ~~المغفور له إبراهيم الأول، وخديجة هانم بنت الأمير محمد على الصغير ابن رأس الأسرة ~~المحمدية العلوية المغفور له محمد علي باشا الكبير، وزواج أختهم الأميرة: فاطمة هانم ~~بالأمير طوسن ابن المغفور له محمد سعيد باشا ودامت أربعين يوما كاملا، باعتبار عشرة ~~أيام لكل عرس من الأعراس الأربعة، ولا يزال للآن ذكر محاسنها يسير في الآفاق. ولذلك قد ~~زينت العاصمة بأبهى الزين، ورفعت أقواس النصر في أهم الميادين. وأقيمت الأكشاك والمنصات ~~للجوقات الموسيقية ولتخوت المطربين والمطربات. وفي مقدمتها تخت المرحوم: عبده الحمولي ~~الذي إذا أنشد نقل بنغماته الساحرة من سمعه إلى جنة الخلد. وتخت (ألمظ) التي فتنت ~~العقول برنين صوتها الرخيم، ناهيك بأشهر الراقصات المصريات، وفي مقدمتهن صفية وعائشة ~~الطويلة، اللتين استعبدتا القلب والنظر فيما قاما به من حركات وتموجات ورشاقة وخفة. # ميثاق الخديو إسماعيل # ومما يحسن إيراده تفكهة للقارئ وبيانا للحقيقية بمناسبة تزويج الأمير: حسن، من ~~الأميرة: خديجة، أن الخديو إسماعيل حينما أدخلها المدرسة المعدة للأميرات، وتبين من ~~فحوى كلامها توقد ذهنها وسرعة إدراكها وعدها بالزواج من أحد أولاده إذا اجتهدت في طلب ~~العلم. فعن له يوما أن يزور تلك المدرسة ليتفقد حال الطالبات فيها، فلما وصل إلى ~~الأميرة خديجة، سألها قائلا «إلى أين بلغت من تعلم القرآن يا ابنتي؟» فأجابته من فورها ~~وقالت «واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد»، فسر الخديو وارتاح لجوابها ~~وقال لها: «نعم. نعم» ثم بر لها بوعده. فلا غرابة في لطيف إشارتها إلى سابق وعده وما ~~بان له فيها من فرط الذكاء وهي دون البلوغ، لأن البنت أفطن من الولد بطبيعة الحال إلى ~~السنة الثالثة عشرة من العمر؛ حيث يقف ذكاؤها عند هذا الحد لأسباب طبيعية ولا يتعداه ~~خلافا للولد، فإن ذكاءه يطرد نموه ويسير نحو تمام الإدراك ms017 على ما أثبته (هربرت ~~سبنسر) في كتاب: «التربية». على أن معنى إسماعيل: مطيع الله، كما ذكره صاحب القاموس. ~~وفي شفاء الغليل قال السبكي «ويستحب لمن رزق ولدا في الكبر أن يسميه إسماعيل اقتداء ~~بالآية. ولأن معناه عطية الله». فإذا توارت شمسه وراء الأفق، فإن أشعتها - كما قال ~~فكتور هوجو - لا تزال ساطعة الأنوار. # وبالجملة، فقد كان عصره عصر رخاء وجذل، وكان ديدنه ومذهبه توثيق عرى المصافاة بين ~~قومه، وبذل النفس والنفيس في سبيل ترفيه نفوسهم وترقية عقولهم لما أنه كان من أحب الناس ~~إلى المسالمة التي بها كان يحقق رغائبه. وكان جديرا بأن ينطبق عليه المثل القائل # Son métier était Roi ~~. # الفصل الثاني # | أصل الموسيقى # الموسيقى من أقدم الفنون عهدا في تاريخ الإنسان، ولا يعلم أصلها بوجه التحقيق على حد ~~سائر الأمور النفسية الأخرى، وقد أدجنت سماؤها وتنكرت معالمها أحقابا متطاولة، لعجز ~~الأقدمين عن استقراء حقائقها، وغفلتهم عن إدراك دقائقها، أو معرفة أسماء الذين اكتشفوا بادئ ~~ذي بدء الأصوات الجميلة ممن احتبلتهم حبول الردى، ولذلك فقد عزي إلى آلهتهم - رجما بالظن ~~- الفضل في إيصال هذا الفن إلى النوع الإنساني. # على أنه ينبغي لنا في هذه الحالة أن نخلد بثقتنا إلى التوراة؛ التي هي المرجع الوحيد ~~الواضح الإعلام المعتبر كمعين نستقي منه الأخبار عن الموسيقى درءا للشبهات، وقد جاء فيها ~~ذكر يوبال من السلالة السادسة لقايين الذي كان أول من عزف على القيثارة والمزمار بحذق أخذ ~~بمجامع قلوب سامعيه، وكانت في زمنه القيثارة مركبة من عشرة أوتار يشبه شكلها مثلثا متساوي ~~الأضلاع. أما المزمار فإنه يختلف عن مزمارنا الحاضر في الطول والحجم، ولا يعلم غيرهما ~~البتة من سائر آلات الطرب قبل الطوفان، وقد نقش أبناء نوح عليهم السلام شكلهما على ~~العامودين الذين شيدوهما تخليدا لذكر اختراعهما بين الأمم الذين ظهروا بعد الطوفان وخدمة ~~للعلوم والفنون الجميلة. # ومما لا تخالطه شبهة أن الموسيقى كانت في أول عهده مقصورة على الصوت الطبيعي إلى أن تنبه ~~الإنسان بذكائه - على سبيل الاتفاق - إلى اختراع الآلات ms018 عند سماعه صفير الهواء المتولج في ~~الخصاص والثقوب؛ فاستعمل للنفخ أنابيب القصب، وللعزف أوتار القسي. # ولا ريب أن أقدم الآلات الموسيقية للنفخ، كان - بناء على ما أيده قدماء المؤرخين - ~~المزمار والبوق والناي، وربما كان الأخير أقدمها وهو أول آلة أخذها اليونان عن المصريين ~~القدماء. وليس بخاف أن ما من أمة من الأمم أغفلت هذا الفن الجميل، ولو كانت متوغلة في ~~التوحش والهمجية لما يحيط بها من العوامل الطبيعية، ويكتنفها من الظواهر المؤثرة التي ~~تكسبها جذلا ومرحا، وتثير في نفوسها الميل إلى محاكاتها وتقليدها، وحسبك الهواء فإنه يموج ~~بالموسيقى، ولولا تموجاته وروحاته وغدواته لأضحى غير صالح للتنفس، وما الأرض إلا صدى الكون، ~~وبناء عليه فما على الإنسان الذي حباه الخلاق العظيم بجميل الصوت ولطيف الحس وحب الجمال ~~إلا أن يرفع عينيه نحو السماء ويسبح باسمه الأعلى هاتفا وممجدا وحامدا إياه على ~~عطاياه التي يتنعم بها في كل حين. # كان الشرق على ما جاء في الكتب المنزلة والتاريخ أقدم من الغرب الذي اقتبس عنه المدنية ~~والحضارة والعلوم والفنون، فضلا عن أنه مهبط الوحي ومركز جنات تجري من تحتها الأنهار، وكان ~~بالتالي قدماء المصريين أول وخير أمة بلغت من الثقافة والحضارة والرقي مبلغا جعلها مضرب ~~الأمثال في العالم الذي كان يضرب في ظلمات الجهل، وتبعهم البابليون واليونان والرومان. وإذا ~~سرحنا الطرف في طرائق تفننهم في التحنيط - الذي لا يزال لغزا لم يحله للآن علماء الغرب في ~~عصر الاكتشاف والاختراع للجيل العشرين - وصهر المعادن، وتبسطهم في علم الكيمياء، وضروب ~~الصنائع والفنون الجميلة والبناء والهندسة. وتأملنا ما بلغوه من المراتب العليا في مذاهب ~~الحضارة والبذخ، وما كان لهم من استفحال الملك، أيقنا أنهم أيضا أول من استعملوا الموسيقى ~~في سائر احتفالاتهم الدينية داخل الهياكل، حيث كانت تقدم القرابين لآلهتهم وخارجها، وفي ~~أفراحهم ومآتمهم وساحات القتال تحميسا للجنود، بدليل ما يرى لآلاتها الصوتية والوترية من ~~صور على جدران هياكلهم، وعلى تماثيلهم الضخمة، فضلا عن أن كهنتهم كانوا يتخذون فن الغناء ~~علاجا للأمراض العقلية، فإليهم وحدهم يرجع ms019 الفضل في انتشار الفنون والعلوم والصنائع على ما ~~شهد بصحته بييتشر المؤرخ والبحاثة فقال ما ترجمته ملخصا: ~~«إذا أمكنك أن تقصد إلى سراديب الأموات من قدماء المصريين ونفضت ما علق بجثثهم ~~المحنطة من الغبار وعجنته عجنا، واتخذت منه أشكالا وخبزته في فرن، وأسميت تلك ~~الأشكال رجالا قدمتهم نصب عيوننا بصفة وطنيين أو معلمين كان مثلك كمثل من قدم ~~التعاليم القديمة التي أبلاها تناسخ الملوين لجيلنا الحاضر طلبا لفائدته، وخدمة ~~للرقي والحضارة، وقياما باحتياجاته الضرورية». # وقد ذكر ابن خلدون ما يأتي فيما يختص بالغناء لاعتباره عاملا كماليا للعمران، ولازما ~~لحياة الإنسان، لا سيما في مصر، بلد الحضارة والفنون حيث يتعين الاستشهاد به فقال: «وإذ قد ~~ذكرنا معنى الغناء فاعلم أنه يحدث في العمران إذا توفر وتجاوز حد الضروري إلى الحاجي، ثم ~~إلى الكمالي، وتفننوا فتحدث هذه الصناعة؛ لأنه لا يستدعيها إلا من فرغ من جميع حاجاته ~~الضرورية والمهمة من المعاش والمنزل وغيره، فلا يطلبها إلا الفارغون عن سائر أحوالهم تفننا ~~في مذاهب الملذوذات». # ثم أخذه الإسرائيليون عن المصريين مدة إقامتهم في مصر وجعلوه شعيرة من شعائرهم الدينية، ~~كما كان يفعل المصريون، ولذلك كانوا يؤلفون في معابدهم جوقة للترنيم والعزف، حتى اشتهر بين ~~ظهرانيهم داود النبي - عليه السلام - بتنظيم الأناشيد وترتيل المزامير. وكان معروفا بحسن ~~الصوت، وقد اتفق أن ضاقت عليه الأرض برحبها في أثناء مرض ابنه العزيز، وزاد به الجزع إلى ~~حد أن أهمل نفسه، وامتنع عن الطعام، واتسخت ملابسه، ولكنه لما مات ولده وواراه في التراب ~~اغتسل وبدل ثيابه وحلق رأسه وتعطر وأمسك بقيثارته وعزف عليها ألحانا شجية، ولما سئل عن ~~سبب عزفه أجاب قائلا: «لكي ألطف ما بنفسي من ماضي الجزع الذي لم يغن عني فتيلا إذ أنه قد ~~حل القضاء وولدي لا يرجع إلي بالعويل والبكاء خلافا لي فإني حتما ذاهب إليه ولا حق ~~به». # وقد أخذ اليونانيون الفن أيضا عن المصريين حينما اتصلوا بهم وتعاملوا معهم في أنواع ~~التجارة وغيرها في عهد أمسيس - أحد الفراعنة للدولة السادسة ms020 والعشرين - ومهروا فيه وأحكموا ~~أصوله وبلغ منهم مبلغا ساميا حتى أن فلاسفتهم وقفوا عليه جهودهم وحذقوا علمه كسقراط الذي ~~كان يشنف آذان أصدقائه ومعاشريه بغنائه الشجي، وأفلاطون الذي استرسل إليه وأطنب في فضائل ~~الموسيقى قائلا ما معناه: «إنها غذاء النفس ومبعث الاتزان والفطن، وهي عطية آلهة الفنون ~~الحرة، التي تحول ما فينا من شاذ متنقل إلى محكم ثابت، وترد كل تنافر إلى جناس متناسب، ~~وتبصرنا طريق الهدى. وقد أردف أيضا في كتابه: «الجمهورية» ما مؤداه «أن الموسيقى علم يجب ~~تعلمه كالرياضة البدنية. فالأولى تهذب النفس وتصلح ما فسد منها، والثانية تقوي الجسد» وأزيد ~~عليه رمزا إلى مزايا الموسيقى الفريدة في بابها، والجزيلة الفائدة فأقول: إن الزيادة في ~~استعمالها تؤدي إلى زيادة الجذل والسعادة ونعمة البال، خلافا للرياضة البدنية فإن في ~~الإفراط فيها ما يؤدي إلى الإضرار بالجسم لما يكلفه من عناء فوق الطاقة. # ومما يروى في خرافات اليونان أن أرفيوس كان يتسلط بأغانيه على الوحوش الضارية فيجعلها ~~أطوع من بنانه، وكان يستوقف البحار الهائجة، ويرقص الصخور، ويحرك الأشجار فتسجد عند ~~سماعها. وقد ذكر عن قدماء المصريين أن أنفيون بن جوبيتر بنى أسوار طيبة بصوت العود الذي كان ~~يجيد العزف عليه، حتى كانت الحجارة تتجمع وتتلاصق وتتراص بعضها فوق بعض، وذلك في أثناء ~~عزفه، وقال الدكتور: كلارك، البحاثة «إن الغناء على نغمات الموسيقى كان عادة مألوفة عند ~~قدماء المصريين في أثناء قيامهم بالعمل». # أما لفظة موسيقى باللاتينية # musica # فهي مشتقة من لفظة # musa # أي بالفرنسية # muse # ومعناها إلاهة من آلهات الفنون، وهن التسع بنات لجوبيتر ومنمنوزين وجميعهن أخوات شقيقات، ~~رمزا إلى اتحاد الفنون وارتباطها ببعضها بعضا، يترأسن أنواع الفنون الحرة. فالأولى اختصت ~~بالتاريخ، والثانية بالشعر الحماسي (الفروسية)، والثالثة بالخطابة، والرابعة بالغناء، ~~والخامسة بالرثاء، والسادسة بالروايات المحزنة «تراجيديا»، والسابعة بالروايات الهزلية ~~«كوميديا»، والثامنة بعلم الفلك، والتاسعة بالرقص، وكن علاوة على ما ذكر يقمن بتطريب ~~جوبيتر كبير الآلهة بأصواتهن الجميلة، وأناشيدهن الشجية على قمة جبل الأولمب برئاسة أبولون ~~الذي كان يعزف أمامهن على ms021 نايه المشهور. # ومما يلاحظ أنه لم يعرف شيء عما إذا كان الأقدمون قد استعملوا للآلات الوترية القوس ~~المسمى بالفرنسية # archet # وبالإنكليزية # bow # لأنهم لم يسبق لهم معرفته بدليل أنهم كانوا ~~يستعيضون عنه بريش الطير، أو بعفق الأوتار بالأصابع، ولا يخفى أنها كانت في بدء ظهورها غير ~~مستوفاة التركيب، وغير جيدة الصنع إلى أن تدرج تحسينها بواسطة صانعيها شيئا فشيئا إلى حد ~~الكمال والإتقان كما سترى فيما يلي، فإن الڤيولونسيل والڤيولا والڤيولينا (أي الكمنجة) التي ~~ظهرت في أواخر الجيل السادس عشر كان أول صانع لنوع الكمنجة من الأنواع الثلاثة المذكورة ~~جاسبار داصالو الطلياني الذي ولد حوالي سنة 1542، إلا أن بعضهم يزعمون ظهورها قبل ميلاد ~~جاسبار، وفي كل حال فإنها لم تبلغ الغاية المرادة من الدقة في عصره، وكانت مهملة وعديمة ~~النفع، وقفا إثره مارجيني تلميذه وأدخل عليها التحسينات اللازمة كما فعل بعده أندريا ~~آماتي (1530-1580) الذي حذق عملها، وقرع صيته الأسماع حتى كلفه شارل التاسع عشر - ملك فرنسا ~~الذي كان معدودا من أعظم هواة الفن - بصنع 24 كمنجة متنوعة الحجم لزوم كنيسته الملكية، ~~فقام بصنعها جميعا وامتدت إليها يد الضياع في إبان الثورة الفرنسية. # أما ما كان من أمر العرب فإنهم نقلوا الموسيقى عن اليونان والفرس، وأشهر الكتب التي ~~ترجموها عن فلاسفة اليونان بمعرفة مهرة التراجمة، ومؤلفات فيثاغورس في الموسيقى والحساب ~~وغيرهما من العلوم الرياضية، وشغفوا بها شغفا أدى إلى أن وسمت قواعدهم الموسيقية وأغانيهم ~~بالطابع اليوناني. # بدهي أن العرب كانوا أهل نجعة وخيام، وألاف بادية وأنعام، لا يجنحون إلى إقليم معين، ~~وليس لهم مقر يرتافون منه - حالة منافية لطبيعة العلم وما يقتضيه من القرار والتوفر على ~~البحث والاستدلال، ومناقضة لقواعد الحضارة والعمران لتصديهم إلى شن الغارات ومواصلة المغازي ~~والمشاحات - فلما ظهر الإسلام، ولأم صديع شملهم، اشتغلوا بالفتوح وانصرفت عزائمهم إلى ~~توسيع نطاق ملكهم، لا سيما بعدما أوتوا النصر المبين، كانوا من أبعد الناس عن الأشغال ~~بأسباب العلم، وأشدهم أنفة عن انتحال الصنائع لانهماكهم في تدبير شئون دولتهم وسياستهم ~~وحمايتها؛ خشية ms022 أن يكونوا مغلبين لغالب، أو طعمة لآكل، ولم تحفزهم وقتئذ الحاجة إلى ضبط ~~قواعد لغتهم، فكان سيبويه صاحب صناعة النحو، والفارسي والزجاج والزمخشري وأمثالهم من فرسان ~~الكلام، وكلهم عجم بالنسب قد اكتسبوا اللسان العربي بالمربى ومخالطة العربا، وكذا حملة ~~الحديث الشريف الذين حفظوه عن أهل الإسلام أكثرهم عجم أو مستعجمون لغة ومربى، وكان علماء ~~أصول الفقه كلهم عجما، وكذا أكثر المفسرين، ولم يقم بحفظ العلم وتدوينه إلا الأعاجم كما ~~ذكره ابن خلدون وظهر مصداق قوله # صلى الله عليه وسلم ~~«لو تعلق العلم بأكناف السماء لناله قوم من أهل ~~فارس». # ولما رسخت قواعد دولتهم ورأوا في أكثر الممالك التي وطئوها من أسباب الحضارة والرقي ~~والتضلع من أنواع الفنون ما حبب إليهم درس العلوم والصنائع انصرفوا إلى طلبها بصريمة ~~محكمة، وذلك في أثناء المائة الثانية للهجرة، بعدما دوخوا الممالك، واستولوا على أعنة ~~أمورها، وزال ما كان بينهم من المنازعات على الخلافة وغيرها. # وأول من اشتهر من العرب يعقوب الكندي - الملقب بفيلسوف العرب من القرن الثالث - وله عدة ~~تآليف في المنطق والفلسفة الناطقة وشروح على كتب أرسطو، وكانت له عدة مصنفات في الموسيقى ~~والهندسة والحساب والهيئة، وجاء الفارابي الذي له عدة تآليف في الفلسفة والموسيقى والسياسة ~~المدنية وغيرها، وله تعريب كثير من كتب أرسطو، ولابن سينا كتاب: المدخل إلى صناعة الموسيقى، ~~ومنهم ابن باجة أبو بكر محمد بن يحيى التجيبي السرقسطي - المعروف بابن الصائغ من رجال ~~القرن السادس - كان من أكابر فلاسفة العرب بالأندلس، وكان له باع طويل في الموسيقى والطب ~~وعلم الهيئات والرياضيات. وكان الرازي من المتقدمين في الطب والموسيقى والمنطق والهندسة، ~~وصفوة القول إن المؤرخين من العرب هم أكثر من أن يأخذهم الإحصاء، ومن العلوم التي بحثوا ~~فيها وتكلموا عليها العلم الطبيعي الذي أخذوه عن مصنفات أرسطو وغيره من متقدمي اليونان، ~~فبحثوا ضمنا في الأصوات والنغمات في الكلام على المسموعات، وكانوا والحق يقال أهل صنائع ~~بديعة وفنون غريبة وتجارة رائجة وزراعة نامية، وكان العلم مصباحا يضيء جنودهم أينما حلوا ~~في كل ms023 بلاد وطئتها حوافر خيلهم وافتتحوها حتى امتدت حضارتهم من أطراف آسيا إلى أقاصي ~~أفريقيا ووسط أوروبا. ولو لبث الدهر باسما لهم ومسالما إلى يومنا هذا لم يبعد أن كانوا ~~بلغوا ما بلغ غيرهم ممن اقتبسوا عنهم علومهم وفنونهم وصنائعهم وضربوا فيها بسهم وافر مثلهم. ~~ومما لا يختلف فيه اثنان أن الإفرنج الذين خلفوا العرب قد أخذوا عنهم كثيرا من المصنوعات ~~كالبارود، والورق، والخزف، والسكر، والزجاج، وتركيب الأدوية، وتصفية المعادن، وفنون النساجة ~~والدباغة، وذلك دليل قاطع على تمام تمدنهم وشغفهم بالفنون الجميلة وعلى رأسها الموسيقى التي ~~كانت في أبان بداوتهم وجاهليتهم مقصورة على الترنم بالشعر وتغني الحداة منهم في حداء إبلهم، ~~والفتيان في فضاء خلواتهم، وكانوا يرقصون على الدف والمزمار، فلما جاء الإسلام وتغلبوا على ~~الفرس واختلطوا بهم سمعوا تلحينهم للأصوات فلحنوا عليها أشعارهم، وكلما ازدادوا غرقا في ~~النعيم والترف ازداد تولعهم بالغناء بمقدار ما نقص من خشونتهم، وألفوا عوائد من اتصلوا به ~~من الروم والعجم الذين اشتهروا بالتبحر في علم الموسيقى. وكفى بتسمية الأنغام الموسيقية ~~بألفاظ فارسية دليلا على ما لهم فيها من المزايا الظاهرة على حد الشعر حتى سميت بلادهم ~~ببلاد الجمال الشذية. # على أن الغناء كان في زمن الجاهلية من خصائص الإماء، وتسمى عندهم الأمة المغنية ~~بالقينة والكونية. وقد زعموا أن أول من غنى من الإماء جاريتان كانتا لمعاوية بن بكر من ~~قبيلة عاد الهالكة، وهما المدعوتان في الأخبار بالجرادتين، وقد قيل إنهما وضعتا ألحانا ~~اعتبرت من الطبقة الأولى. # وقد ذكر ابن خلدون ما يأتي: ~~«وقد ظهر بالمدينة نشيط الفارسي وطويس وسائر ابن جابر مولى عبيد الله بن جعفر ~~فسمعوا شعر العرب ولحنوه وأجادوا فيه، وطار لهم ذكر، ثم أخذ عنهم معبد وطبقته، وابن ~~شريح وأنظاره، وما زالت تتدرج إلى أن تمكنت أيام بني العباس عند إبراهيم بن المهدي، ~~وإبراهيم الموصلي وابنه إسحاق وابنه حماد». ا.ه. # وكان أحسن الناس غناء في الثقيل على ما قيل هو ابن محرز، وفي الرمل ابن شريح، وفي الهرج ~~طويس، وكان الناس يضربون ms024 به المثل فيقولون أهزج من طويس، وكان ينقر بالدف دون أن يعزف على ~~العود، وقد أخذ عنه أسرى الفرس في أثناء اشتغالهم بأعمال البناء وغيرها كثيرا من النغمات ~~والألحان والموازين، وكان يلقب (طويس) بالذائب لأنه غنى البيت الآتي: # قد براني الحب حتى # كدت من وجدي أذوب # وقال صاحب الأغاني عن ابن شريح ما يأتي «إن ابن شريح عندما شعر بدنو أجله أحزنه أن يموت ~~بدون أن يترك لابنته شيئا من الثروة»، فأجابته هذه قائلة «لا تحزن يا أبي فقد وعت الذاكرة ~~جميع ألحانك، وستكون هذه الألحان موردا كبيرا لي بعدك». وهذا ما حدث فقد تزوجت ابنته ~~بسعيد بن مسعود الهزلي فأخذ عنها غناء أبيها فصادف به نجاحا كبيرا، وجنى منه فوائد جمة. ~~وقد مات شريح حوالي سنة 726 مسيحية بالغا من العمر خمس وثمانين سنة. # وقد سئل شريح مرة عن قول الناس، فلان يصيب وفلان يخطئ وفلان يحسن وفلان يسيء فقال: ~~المصيب المحسن من المغنين هو الذي: يشبع الألحان، ويملأ الأنفاس، ويعدل الأوزان، ويفخم ~~الألفاظ، ويعرف الصواب، ويقيم الإعراب، ويستوفي النغم الطوال، ويحسن مقاطيع النغم الصغار، ~~ويصيب أجناس الإيقاع، ويختلس مواقع النبرات، ويستوفي ما يشا كلها في الضرب من النقرات. فعرض ~~ما قال على معبد بن وهب فقال: «لو جاء في الغناء قرآن لما جاء إلا هكذا». # جميلة # نبغت جميلة في فن الغناء وقالت إن الفضل في نبوغها يرجع إلى سائب خائر الذي كانت ~~تسمعه يغني ويعزف على عوده، وقد جاء ابن شريح ومعبد ومالك وجميع الموسيقيين المشهورين ~~المدينة ليتلقوا فن الغناء عن جميلة في مدرستها، ففي ذات يوم غنت جميلة لحنا من ~~تلاحينها في شعر لحاتم الطائي فصاح جميع من حضر وقالوا: إن هذا الغناء لجدير بداود. # عزة الميلاء # عزة الميلاء تلميذة رائقة، وسميت الميلاء لإعجابها بنفسها وميلها في مشيتها، وكانت ~~تغني أغاني القيان من القد. # سائب خائر # تعلم سائب خائر الغناء عن إماء كانت مهنتهن ترديد المراثي في حفلات الموتى، وكان يغني ~~بدون أن يصحب صوته بآلة لاكتفائه ms025 بعصا كان يضرب بها الأرض ليزن الغناء، ولكنه تعلم ~~العزف على العود أخيرا، وهو أول من غنى بالعربية الغناء الثقيل، وأول تلحين له البيت ~~الآتي: # لمن الديار رسومها قفر # لعبت بها الأرواح والقطر # أبو عثمان سعيد ابن مسجح: # أبو عثمان سعيد بن مسجح هو أول من ابتدع طريقة للغناء العربي على سلم ~~الأصوات مما اقتبسه من الفرس واليونان آخذا عنهما أجمل ما فيهما من ~~الأصوات ومهملا ما لم يلائم ذوقه منها. # ابن محرز: # مسلم بن محرز أصله من الفرس تلقى الألحان عن عزة الميلاء في المدينة ~~وينسب إليه اختراع الرمل كما ذكر في كتاب الأغاني، وهو أول من غناه وما ~~غناه أحد من قبله، وأول من غنى رملا بالفارسية سلمك في عصر الرشيد. ولما ~~شخص ابن محرز إلى فارس حيث تعلم ألحان الفرس، وصار إلى الشام فتعلم ألحان ~~الروم فمزجها ببعضها بعضا، وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب. # أبو كعب حنين ابن بلوع: # أبو كعب حنين بن بلوع المعروف بالحيرب كان مسيحيا # محمد بن عائشة: # لا يعرف له أب وكانت أمه ماشطة وتسمى عائشة. # سلامة القس: # سلامة القس أخذت الغناء عنه جميلة ومعبد وابن عائشة. # يونس الكاتب: # كان شاعرا مفلقا ومغنيا بارعا وقد أخذ الغناء عن ابن شريح وابن محرز ~~والفريض، وهو أول من ألف كتابا في الأغاني حوى معلومات وبيانات ذات شأن ~~ولكنه فقد كما فقد كتاب آخر في الموسيقى وضعه الخليل بن أحمد. # ومن أشهر المغنيين أيضا ابن شريح والفريض ومعبد وحكم الوادي، وفيلج بن أبي العوراء ~~وسياط ونشيط وعمر الوادي وإبراهيم الموصلي وابنه إسحق وغيرهم. # الفصل الثالث # | الغناء القديم والغناء الحديث # لما زها العصر العباسي الأول في زمن الرشيد والمأمون وأطلقت الألسنة والأفكار أخذ المغنون ~~يفكرون في تعديل الألحان واستنباط أسلوب جديد. وأول من تجرأ على ذلك إبراهيم بن المهدي أخو ~~الرشيد - وكان من الطامعين في الخلافة - فلما استتب الأمر لأخيه المأمون انصرف هو إلى ~~الغناء، كما انصرف خالد بن يزيد الأموي إلى الكيمياء لما ms026 يئس من الخلافة، وكان إبراهيم من ~~أعلم الناس بالنغم والوتر والإيقاعات وأطيبهم في الغناء وأحسنهم صوتا، وهو يعد من الطبقة ~~الأولى في عصره. لكنه كان مقصرا عن أداء الغناء القديم على طريقة الموصلي فكان يحذف نغم ~~الأغاني الكثيرة العمل حذفا شديدا أو يخففها على قدر طاقته، وإنما تجرأ على ذلك بما له من ~~المنزلة عند الناس، فكان إذا عوتب قال: «أنا ملك أغني كما أشتهي» وصارت له طريقة يسمونها ~~الغناء الحديث، وسموا طريقة إسحق الطريقة القديمة. # وانقسم المغنون في ذلك إلى قسمين وأصحاب فن الغناء يعدون عمل إبراهيم بن المهدي فسادا في ~~هذه الصناعة لأنهم يفضلون القديم فأخذوا في الرجوع إليه. # على أن ذلك بعثهم على إعمال الفكرة والتعمق بهذا الفن وانتهى ذلك إلى عبيد الله بن عبد ~~الله بن طاهر من أهل العصر العباسي الثاني ، فكان من كبار العلماء المفكرين ولا سيما في علوم ~~الأوائل والموسيقى والهندسة، فوضع كتابا في النغم وعلل الأغاني سماه (الآداب الرفيعة) ~~نال شهرة واسعة، ونأسف لضياعه مثل ضياع أكثر ما وضعه العرب في الموسيقى والغناء قبل كتاب ~~الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني (نقلا عن تاريخ آداب اللغة من الجزء الثاني للعلامة المرحوم: ~~جورجي زيدان). # أما الموشحات فذكر عنها ابن خلدون ما يأتي: ~~«وأما أهل الأندلس فلما كثر الشعر في قطرهم، وتهذبت مناحيه وفنونه، وبلغ التنميق ~~فيه الغاية استحدث المتأخرون منهم فنا منه سموه بالموشح، ينظمونه أسماطا ~~أسماطا، وأغصانا أغصانا، يكثرون من أعاريضها المختلفة ويسمون المتعدد منها بيتا ~~واحدا، ويلتزمون عند قوافي تلك الأغصان وأوزانها متتاليا فيما بعد إلى آخر ~~القطعة، وأكثر ما تنتهي عندهم إلى سبعة أبيات، ويشتمل كل بيت على أغصان عددها بحسب ~~الأغراض والمذاهب، وينسبون فيها ويمدحون كما يفعل في القصائد، ويتجاوزون في ذلك ~~إلى الغاية، واستظرفه الناس جملة، الخاصة والكافة؛ لسهولة تناوله وقرب طريقه، وكان ~~المخترع لها بجزيرة الأندلس مقدم بن معاقر الفريري من شعراء الأمير عبد الله بن ~~محمد المرواني، وأخذ ذلك عنه أبو عبد الله أحمد بن عبد ربه صاحب ms027 كتاب العقد، ولم ~~يظهر لهما مع المتأخرين ذكر، وكسدت موشحاتهما، فكان أول من برع في هذا الشأن عبادة ~~القزان شاعر المعتصم بن صمادح صاحب المرية» ا.ه. # ومن هذه الموشحات خرجت الفدود التي جاء بها شاكر أفندي الحلبي إلى مصر في ~~المائة الأولى بعد الألف على ما ذكر في باب حياة عبده الحمولي فليراجعه من يشاء. # الفصل الرابع # | عبده الحمولي # تاريخ حياته، ومجهوده الفني، ومعاملته في المجتمع، وما جرى له # عبده الحمولي بين الأزهار. # ولد المغفور له عبده الحمولي سنة 1262 هجرية (تقريبا) بمدينة طنطا، وكان والده الملقب ~~بالحمولي (نسبة إلى حمول أو حامول من أعمال مركز تلا مديرية المنوفية) يمارس تجارة البن. ~~وكان للفقيد أخ أكبر منه سنا، وما عتم أن وقع بينه وبين أبيه شقاق حتى فر به من وجهه، ~~وهام كلاهما في الخلوات مشيا على الأقدام. ولما تعب المرحوم عبده من السير لصغر سنه حمله ~~أخوه على كتفيه واستمرا على هذا المنوال إلى أن صغت الشمس إلى الغروب، وضعفت نفساهما من ~~التعب دون أن يجدا أحدا يأنسان بصحبته، أو يلجآن إلى ضيافته. وقد هدتهما أخيرا خاتمة ~~المطاف إلى رجل اسمه شعبان لبى طلبهما بكل ارتياح، وآواهما على الرحب والسعة. وكان المضيف ~~من حسن الصدف يشتغل بصناعة الغناء والعزف على القانون، وما لبث أن سمع صوت عبده الرخيم حتى ~~افتتن به وعاد به إلى مدينة طنطا حيث اشتغل معه مدة وجيزة، وحضر به آخرا إلى مصر واشتغل ~~معه بقهوة عثمان أغا المشهورة التي كانت في وسط غابة من الأشجار موضع حديقة الأزبكية حالا. ~~ولما استقر بهما المقام في مصر زوجه بابنته طمعا في الانفراد عن مواقف المنافسين له ~~بمزية استغلال مواهبه العبقرية وحده، وكان من وراء علمه أن المرء لا يخلو من أضداد على حد ~~قول الشاعر. لأن «المقدم» الرجل الطائر الصيت في فن الغناء ظهر له منافسا، وذلك بعد أن ~~علم بعبده وأعجب بصوته، وانتهز الفرصة التي فيها كان يغلظ شعبان لعبده في الكلام ويسيء ~~معاملته استنادا إلى ms028 رابطة المصاهرة وتوصل بدهائه إلى توسيع شقة الخلاف بينهما مما أدى إلى ~~تطليق ابنته ثلاثا، فألحقه بتخته واستمر يغني على الطريقة المعروفة عند محترفي هذا الفن من ~~المصريين وقتئذ، وأصلها يرجع إلى رجل اسمه شاكر أفندي من حلب الشهباء ألقى عصا التسيار في ~~هذه الديار في المائة الأولى بعد الألف حيث كان فن الألحان فيها مجهولا، فنقل إليها عدة ~~تواشيح وبعض قدود كانت البقية الباقية من التلاحين التي ورثها أهل حلب عن الدولة العربية، ~~بدليل أن الحلبيين الأذكياء ينزعون إلى الموسيقى، وتهفو قلوبهم في أثر الطرب، ولذا لا تخلو ~~دورهم ومجامعهم لغاية الآن من الآلات الموسيقية التي يحسنون غالبا العزف عليها، ولما ~~تلقاها عنه بعض المحترفين من المصريين ضنوا بها طمعا وحرموا غيرهم من الانتفاع بها دون أن ~~يذيعوها على الملأ طلبا للتفرد بها، ولو تأذى الفن بمثل هذا الاحتكار، وكانت مقصورة على ~~أمهات المقامات وبعض ما تفرع عنها مما يقارنها ولا يشرد عنها، فأخذ المرحوم عبده بما حباه ~~الله من مواهب فذة في صقلها وتهذيبها مضيفا إليها ما عن له من النغمات تمشيا مع نواميس ~~الرقي والإصلاح، ونفحها بروح مصرية، وكساها بجلباب عربي، ووسمها بطابع بهيج وذوق سليم ~~فرماه لذلك المحترفون الرجعيون بالزندقة، وقاطعوه بشدة لشروده عن البالي من غنائهم وتبديل ~~نبره الحلبي بالأنغام المصرية، فأفرغها في قالب على أسلوب رشيق ضاربا عرض الحائط بكل ~~الأغاني التي تعتورها الركاكة، ويشوهها اللحن، أو يتجاذبها التنافر مما تنقبض منه الصدور، ~~وتسأمه النفوس. فانتهى به الأمر أن انتصر عليهم جميعا واضطروا إلى الجري على منهاجه بعد أن ~~باءوا بالذل والخسران. فأخذت الموسيقى في ذلك الوقت تتدرج وترتقي بعد أن أنعشها من كبوتها ~~حتى بلغت ذروة الكمال؛ لاحتوائها على أنواع من السحر وعوامل من التطريب بما أدرجه في صلبها ~~من نغمات النهوند والحجاز كار والعجم عشيران التي تلقنها عن مشاهير المطربين في الأستانة ~~طيلة الرحلات المتعددة التي قام بها وهو بمعية ساكن الجنان أبي الأشبال الخديو إسماعيل، ~~محيي الفنون الجميلة في وادي النيل ms029 الذي يرجع إليه كل الفضل في إنماء مواهب عبده الفنية، ~~وتوجيهها للنهوض بفن الغناء العربي إلى المستوى اللائق به؛ لما وجد فيه من ميل فطري وسعة ~~تصرف في النغمات. فكان يتنقل من نغم إلى نغم، ثم إلى أنغام أخرى ويحيط بكل فروعها ويعود إلى ~~النغم الأساسي بطريقة فنية، وتصرف غريب، ولم يدع في الغناء القديم شواذا إلا ردها إلى ~~قواعدها، أو مسموعا قبيحا إلا طرح معايبه، وألبسه أنصع جلباب متحاشيا اللغو والحشو ~~والتعمية مرتفعا عن مقام التلفيق والتحدي، منزها عن النسج في التلحين على منوال المحدثين ~~بخروجهم عن جادة الصواب، ومسخ محاسن الغناء العربي الصحيح. # وبالجملة فإنه استطاع علاوة على تهذيبه التواشيح والقدود التي تلقاها على الطريقة الحلبية ~~الوصول إلى التوفيق بين المزاجين المزاج التركي والمزاج المصري، بمعنى أن أهل الطبقة ~~الحاكمة في مصر كانوا لا يطربون من الغناء العربي لكونهم يرجعون إلى محتد تركي، فأصبحوا ~~بفضل ما أدمجه من النغمات التركية التي سمعها وهو في الأستانة - على ما سبق الإيماء إليه - ~~يميلون إلى سماعه ويفضلونه على سواه على حد ما حدث للمصريين أنفسهم، فإنهم أعجبوا بالنغمات ~~الجديدة التركية التي عدلها ومزجها بالنغمات المصرية بما يلائم أذواقهم، ونفحها بروح ~~العروبة، وعجنها من طينة الحرية، فدرجت من مهد السيادة الشرقية، والمجد المصري الأصيل، ~~ونالت استحسانهم بالإجماع بعد أن كانوا ينفرون منها ولا يرتاحون إلا إلى نغمات الأنين ~~والتوجع التي اقتصروا عليها في محيطهم الضيق. # على أننا إذا تأملنا عمله هذا وما نجم عنه علمنا أنه لم يقتصر على التوفيق بين أنغام ~~الجنس المصري والجنس التركي فحسب، بل تجاوز هذا الحد وفات هذه النتيجة الفنية وصعد إلى ذروة ~~العلى من الوجهة الاجتماعية؛ بإيجاد صلات بين الشعبين متينة الأسباب حتى تقاربت قلوبهما ~~بعد التباعد، وامتزجت أراحهما امتزاج الماء بالراح، وتمكنت بينهما الألفة ردحا طويلا ~~تمكنا لا يشوبه كلال أو يعتريه ملال. # وكثيرا ما كان يذكر في «بشارفه» وأدواره عبارة (آمان يا لللي)، والآهات التي أخذها عن ~~الموسيقى التركية. وكان ينقل ترجمة الأغاني التركية ms030 إلى العربية وينظمها الشعراء، مثال بشرف ~~«بلبل الأفراح غنى آمان في الرياض السندسي» ببعض التصرف تمشيا مع الغزل العربي وتفكهة ~~للقارئ أروي الواقعة الآتية للدلالة على ما كانت ترمي إليه الأغاني من الأنين السائد على ~~العقول، وهو أن سائحة أمريكانية سمعت رجلا يغني بالقرب من فندق الكونتيننتال بشكل غريب ~~الدور الآتي «حبيبي حبيبي شوفوه لي يا ناس شرد مني وبيده الكاس أترجاك تعمل معروف» فأوعزت ~~من فورها إلى ترجمانها بأن يعطيه بالنيابة عنها دولارا ليستعين به على شراء أي دواء من ~~أقرب أجزاخانة طلبا لإسعافه بالعلاج؛ ليتخلص من مغص كلوي كانت تتوجس منه خيفة، وترى بسببه ~~أنه لم يبق من عمره إلا اليسير؛ فضحك الترجمان لكلامها وقال لها يا سيدة: «ليس المغني ~~بمريض. إنما هو عاشق ومغرم صبابة»، فدهشت من قوله وسألته عن معنى غنائه، وما كادت تقف على ~~كنه ما احتواه من معاني البلادة والخمول حتى ضربت برجلها الأرض قائلة: «دم فول» إنه حقا ~~عاشق كسول وعليه أن يبحث عن حبيبته، وليس للناس شأن في ذلك. ولقد قالت الحق الذي لا ريب فيه ~~لأن المرء أحق بأن يعين نفسه من أن يعينه الغير، ولا خير فيمن لا يعين نفسه، والكسول كالميت ~~لا فائدة ترجى منه، والأدهى أنه يشغل مكانا أوسع من مكان الميت، وليست أغاني الأمة إلا رمز ~~أمانيها، ومحك نفسيتها، ومجس قوميتها وثقافتها، وقد قام المرحوم إلياس الأيوبي بإيراد هذه ~~القصة في تاريخه (عن الخديو إسماعيل) ونسب ما جاء بها من النقد إلى لورد كرومر. ففي ~~الاستشهاد بما قالته السيدة الأمريكانية هنا، أو بما قاله الأخير في الموضوع استنتاج واحد، ~~ولو اختلفت النسبة. # على أن تأثير الوحشة المؤلمة والتعب المضني والجوع والظمأ في ظهيرة اليوم الذي خرج فيه ~~عبده من بيت أبيه طريدا شريدا كانت لا تزال مرسومة في مخيلته، حتى أنك كنت تراه في آخر ~~أيامه يقطب وجهه وينقبض صدره ويتقلص بشره كلما دخل عليه وقت الغروب، ويعزى كما لا ~~يخفى انقلابه الفجائي من السرور إلى الكدر ms031 والانقباض في نفس ذلك الميعاد إلى ما كان منتقشا ~~في صفحة ذهنه من ذكراها المؤلمة، وذلك دليل واضح على قوة ذاكرته، وما كان في نفسه من الشمم ~~والإباء، وحرصه على كرامته الشخصية بالرغم من صغر سنه حتى أمام والده الصادر عنه الضيم ~~المسيء والعذاب الأليم اللذين كان يوجههما إلى ابنه الأكبر دون عبده الصغير الذي لم تفرط ~~منه هفوة. ولذا كان في أثناء تكدره ينام على التخت وقت الغناء، حتى إذا استيقظ رجع إلى ~~النغمة التي وقف عندها قبل نومه من غير مراجعة آلة ما، أو استنفاض التخت، أو الاسترشاد بأحد ~~العازفين فيه، كأن الطبقة قد انتقشت في صفحة ذهنه وأنها في كن من تأثير جميع الأصوات ~~التي مرت عليه وهو في نومه أو غيبوبته، وأغرب ما في هذا الأمر أن الحضور كانوا يمهلونه ~~وينتظرون تيقظه بكل سرور، حتى إذا ما استأنف غناءه بعد نصف ساعة أو ساعة يهزون أعطافهم، ولو ~~حدث مثل ذلك البطء من أي مطرب آخر لغادر السامعون أماكنهم وانصرفوا إلى منازلهم. # ومما لا يختلف فيه اثنان أنه كان يصور معاني أغانيه، وما تخلل أجزاءها من أحوال وحوادث ~~على أوضح صورها وأشدها تأثيرا في عقول السامعين الذين يعجبون لسماعه يغني دورا من تلاحينه ~~(حجاز كار). # أشكي لمين غيرك حبك # أنا العليل وأنت الطبيب # اسمح وداويني بقربك # واصنع جميل وياك أطيب # ويستغربون تشخيصه أمامهم صورة العليل ومر شكواه من داء حبه العقام، وطلبه من الطبيب أن ~~يشفيه منه. ودور «أنا حبيت وزاد قلبي هيام» فإنه يخيل إليهم أنهم يقرءون الحب على وجهه. ~~وأنه ذهب بفؤاده كل مذهب وبرى الشوق عظمه. ودور «سيكاه» تلحينه كان يغنيه في حلوان ~~بالكازينو. وقد ظهر في عصر ساكن الجنان الخديو توفيق يوم أن نقلت محطة حلوان من المنشية ~~(بالقلعة) إلى باب اللوق حيث هي الآن، وكان هذا الخط تابعا لشركة سوارس، وقد غناه في حضرة ~~الخديو توفيق فأعجب به وهو كما يأتي: # متع حياتك بالأحباب # ما أحلى المؤانسة في حلوان - أنسك ظهر # شأن ms032 الطرب # يشفي الأوصاب - للي حضر # وكيد زمانك واتهنى وافرح وطيب # وانفي همومك بالأكواب - سعدك قمر # ودور (راست) تلحينه «المطر يبكي يا ناس لحالي» إذا غناه رفرف السامعون عليه بأجنحتهم ~~ورءوا المطر ينهمر عليه، ودور (بياتي) تلحينه أيضا«بسحر العين فيذكرهم فتور الجفون وسحر ~~العيون وما يليه من نحول الخصور وابتسامات الثغور وسريان الريح بريا الزهور إلخ إلخ، على ~~ما وقفت عليه بنفسي وسمعته بأذني وأيده حضرة الأستاذ قسطندي منسي الموسيقار من معاصريه. # ولما كنت أعرف المرحوم عبده حق معرفته من حيث أطواره ونفسيته وعبقريته؛ لما كان بينه وبين ~~والدي من قوى الجمعة، وتمكن الألفة بينهما فضلا عن كثرة غشيانه الزقازيق عاصمة الشرقية، حيث ~~كانت له عزبة بناحية الشولية على ترعة الإسماعيلية بمركز بلبيس يبلغ مقدارها 711 فدانا من ~~الأطيان المرملة التي كان قسم منها يبلغ نحو 86 فدانا يؤجر بثمانية جنيهات، والبقية منها ~~كانت تحت التصليح، كان عهد إلى المدعو إبراهيم حلمي أخي معاون محطة حلوان في إدارة شئونها، ~~وبعد وفاته قام المرحوم باسيلي بك عريان صديقه الحميم بالإشراف عليها بنفسه وتولى دفع ~~الأقساط المستحقة عليها للبنك، وهو الذي اشترى منزله الكائن بالعباسية بشارع «عبده الحمولي» ~~المسمى باسمه، وكان معدودا من أكابر ملتزمي الأسماك هو وحسن عيد وعويس الذين اعتادوا ~~التزام حلقات الأسماك في القطر المصري من وزارة المالية، وقد تولى باسيلي بك أمر ولده ~~الدكتور محمد الحمولي الذي فاته والده وهو في الرابعة من سنيه، واهتم بشأن تربيته اهتمامه ~~بولده الخاص وفاء لوالده بعهده، أرى واجبا علي وخدمة للتاريخ أن أذكر كلمة موجزة عن ~~حياته الخلقية والفنية، وأبين للقارئ الكريم كيف وقع إلقاؤه الأغاني في النفس موقعا ~~جليلا، وأربى على الأكفاء من المحترفين لفن الغناء من أبناء عصره تذكيرا لمعجبيه بأساليبه ~~الحسنة، وحبه الشديد للإتقان، وإتحافا للمحدثين الذين لم يسمعوه بما رق وراق من سلامة ذوقه ~~وكمال ترتيبه وقوة ابتداعه؛ ليقفوا على حقيقة أمره، وما كان له من القدح المعلى في جميع ~~فنون الغناء، فأقول كشاهد عيان سمع صوته الرخيم ms033 وسبر غور نفسه النبيلة بتمثيله للعواطف أحسن ~~تمثيل، فإنه كان يغني وهو مشروح الصدر عن عاطفة ووجدان ألحانا وأدوارا تعبر عن نفسيته ~~فيدركها السامع متأثرا بمثل تأثره. ولم يمتز عن سائر المغنين في عصره، ليس بصوته القوي ~~الرخيم وتلحينه الشجي الخاص به فحسب بل بما حباه الله من روح يسيطر عليه في إبان «السلطنة» ~~على جميع النغمات، فيأتي من غرائب التفنن في الغناء، والإلقاء البديعين ما يحمل أفكار ~~سامعيه على أجنحة تصوراته الساحرة، فيخيل إليهم أنهم ارتقوا إلى المراتب العلوية ورأوا ~~أشياء لم يروها ولم يحلموا، بها فضلا عما له من لطيف الحس وشديد الحب للجمال الذي أمكنه ~~بهما أن يبث في نفوسهم روح الغيرة والعظمة ومتانة الأخلاق والحماسة العربية، وكافة المحامد ~~والفضائل ذلك سر تفوقه على نحو ما حدث لكل من بتهوفن الموسيقي الغربي الأوحد، وجون ملتن ~~الشاعر الإنكليزي الكبير، وأبي العلاء المعري الشاعر العربي، فإن الأول كان أصم لم يمنعه ~~الصمم عن التلحين ولو لم يسمعه، وكان الثاني والثالث أعميين لم يبصرا من حولهما فقام كل ~~واحد منهما بوصف الجنة وجمالها وبهائها ورياضها ومائها والخلود وما ذلك إلا بما أوتوا من ~~روح الإلهام وما تغلغل في نفوسهم من لطيف الحس، وحب الجمال، وروح الحب على نحو المثل القائل ~~«أعطني حبا أعطك فنا» ومن أحكم ما يحسن إيراده بنصه الإنكليزي معربا بقدر الإمكان. ~~... Art is much but love is more, # Art symbolizes heaven, but Love is God # And makes heaven # إذا كان في الفن شيء كثير فإن في الحب شيئا أكثر، فالفن يرمز إلى السماء والله محبة وهي ~~للسماء صانعة - وقيل أيضا «أحب وحلق» # Love and soar # وبالجملة فإن فقيدنا «عبده» كان للموسيقى معجزة وسيدا عليها يتحكم بها ولا يأتمر بأمرها ~~كالموسيقيين السابقين واللاحقين الذين كانوا وأصبحوا عبيدا لها، ولا أبالغ إذا جاهرت قائلا ~~بأن أريكتها ما زالت شاغرة بوفاته إلى وقتنا هذا حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا، وهل ~~يظن يا ترى أن تنجب مصرنا عبقريا آخر يماثله ms034 أو يدانيه؟ # ومما يؤثر عنه أنه بينما كان يغني بالهياتم في منزل صاحب السعادة الفريق: أحمد زكي باشا ~~ياور ساكن الجنان الخديو إسماعيل، وأمامه الأستاذ: نخله المطرجي (الحلبي) أكبر العازفين على ~~القانون في مصر، وكان قانونجي السلطان عبد العزيز، افتتن الحضور بشجي ألحانه وساحر نغماته ~~التي كان يغنيها براحة ودعة محركا بين أصابعه حبات المسبحة الكهرمان، ولما لم يسع المطرجي ~~اللحاق به لقوة صوته وغريب تصرفه وسعة حيلته الفنية وبحته وقهقهته الماسة مقامات ~~الموسيقى كلها انتهى، وانتهى به الأمر أن أمسك قانونه وطرحه أمام «عبده» دلالة على عجزه ~~وقال له «خلاص ياسي عبده أجيب لك منين» إيماء إلى المقامات العالية التي كان يأتيها، ولا ~~قبل لأعظم عازف بها على حد ما كان يقصر عنه باع الأستاذ محمد العقاد الكبير القانونجي ~~الشهير حالما كان يحاول عفق أوتار قانونه الخالي من العرب التي لم يألفها طلبا لتصوير ~~نغماته فكان يشير إليه عبده مبتسما بأن يكتفي بإمساك «بمب» على قانونه في أثناء لعبه ~~بالنغمات. # وكان أحيانا يند عن المألوف ويتحول في الدول من نغمته الأولى إلى نغمة ثانية، ثم يعود ~~إلى الأولى ويقفل بها الدور بعد أن يفوت بصوته مارش النسر، وينزل متسلسلا إلى القرار على حد ~~ما حدث ليلة زواج الأستاذ: إبراهيم سهلون الكماني، فغنى دور «أصل الغرام نظرة» على نغمة ~~الرصد، ولما أطلق لصوته العنان في سماء التطريب أبدل جواب النغمة بالسيكاه، وتسلطن بها على ~~الرصد، ونزل متسلسلا وأقفل الدور رصدا مما أدهش الشيخ: محمد عبد الرحيم المسلوب الملحن ~~الكبير وكاد يشق ثيابه من شدة الذهول وصاح قائلا «الله أكبر سبحان الوهاب ياسي ~~عبده». # ومما يماثل ذلك ما حدث لعمر بن أبي ربيعة يوم غنته عزة الميلاء لحنا لها فيه شيء من ~~شعره، فشق ثيابه وصاح صيحة عظيمة صعق معها. فلما أفاق قال القوم: «لغيرك الجهل يا أبا ~~الخطاب، فقال والله إني سمعت ما لم أملك معه لا نفسي ولا عقلي». وقد روى عنه المرحوم: أنطون ~~الشوا، والد الأستاذ: سامي الشوا، ms035 أمير الكمان أنه كان لقوة صوته يضطر إلى إعلاء كمانه ~~ثلاثة مقامات عن المعتاد كلما كان يشتغل على تخته خلافا لما كان يفعل، بينما يكون شغالا ~~مع محمد عثمان فإنه يوطئ كمانه ثلاثة مقامات إلى أسفل تمشيا مع صوته. # وقد امتاز عن معاصريه من المحترفين في غناء القصائد والمواويل والأدوار يبدأه من القرار ~~الهرمي المتين والقوي الواسع إلى الجواب ماسا جواب الجواب، محيطا بالمقام من أوله إلى ~~آخره إحاطة الهالة بالقمر. وكان يستمر في إلقاء القصيدة ساعة أو ساعتين أو ثلاث ساعات من ~~دون أن يشعر من الاستمرار أو التكرار بتعب أو يرهقه عجز أو إعياء. فإذا استعيدت منه حركة من ~~حركاته التي كان يلقيها فتارة كان يغنيها مع تحسينها بإدخال شيء جديد عليها (ولكل جديد ~~لذة) وطورا كان يستبدلها بغيرها على طراز أبدع، فيصير السامع أحير من ضب إلى أن ينتهي به ~~العجب بأن يؤثر الثانية على الأولى؛ لما وجد فيها من طلاوة وعذوبة، وآونة كان نزولا على ~~رغبة الطالب يبدأ بالحركة نفسها المطلوب إعادة إلقائها، ويخرج منها إلى نغمات غريبة يعرضها ~~عليه فجأة متنوعة الألوان متشعبة الفروع وصحيحة الأوزان ثم يعود إليها طبقا للأصول الفنية ~~سالما منصورا. # أما تلحينه فحدث عنه ولا حرج لما توفر في صوته القوي من صفات نادرة في القرار، والجواب، ~~وحسن التوقيع، ودقة الإيقاع، ومناسبة الأصوات، وجناس النغمات، وتشخيص الانفعالات الملائمة ~~بلطيف الإشارات، وخفة الحركات، فتتمثل أمام السامع صور ما يلقيه على أتم معانيها، ويرجع ~~إعجاز تلحينه إلى تعدد نغماته وتغييرها وتشكيلها ورسم ألوانها التي تحاكي ألوان زهور ~~الربيع، وكثرة المقامات حتى يخيل إلى السامع أن نغماته إن هي إلا قطع التبر، وأن معانيها إن ~~هي إلا أخذ السحر. # وبالجملة فإن صوته السحري إذا سخره لأي نغمة من النغمات، أو بعبارة أخرى إذا انتقل من ~~نغمة إلى أخرى، أو من الأدنى إلى الأوسط وإلى الأعلى فمحال أن يقلده مجازف من المحترفين، أو ~~يدرك شأوه، خلافا للملحنين الآخرين فإن تلاحينهم كانت سهلة التقليد، وقريبة المتناول؛ ms036 ~~لسهولة إلقائها، وبساطة مآخذها، فضلا عما فيها من جودة ومتانة، وحسن حبك، ولذلك كانت سريعة ~~الانتشار لما تقدم من الأسباب، وكان يتلقنها المحترفون والهواة عن الملحن الذي لحنها بأسرع ~~من لمح البصر، ويقلدونه فيها تمام التقليد، أما طلب تقليد تلاحين عبده فهو من المستحيلات؛ ~~لما فيها من مهارة فنية، ومناعة بديعة، وحيلة واسعة، فكان وأيم الله آية من آياته في قوة ~~البديهة، وحسن الارتجال، وغريب التصرف بأساليب الغناء، وضروب التطريب، وقد يخيل إليك إذا ~~لحن من فوره مذهبا أو دورا أنه يقرأ الفاتحة أو يتلو في لوح مسطور، وإليك الدليل المقنع ~~كما أثبته لنا معاصروه الذين رأوه وسمعوه يلحن لساعته الدور الآتي نظم الشيخ: علي الليثي، ~~أحد شعراء أبي الأشبال الخديو إسماعيل وهو: ~~(مذهب) # أنا السبب في اللي جرى # ما حد غيري اللي انظلم # طاوعت أسباب الهوى # حتى غدا خصمي حكم ~~(دور) # يا قلب أضناك الهوى # لم تستمع نصح النصوح # يا قلب قد عز الدوا # علم عيونك أن تنوح ~~(دور) # لام العذول وما درى # هيهات أن يدري العذول # لو كان يعلم ما جرى # كف الملام ولا يقول # وقد سمعت الأستاذ: محمد السبع، المطرب المعروف ومساعده على التخت يقول بأن تخت عبده يشبه ~~مدرسة أو جامعة فنية متنقلة، يتعلم فيها المحترف جمال الفن ويتضلع من قواعده الأساسية، ويقف ~~على أصوله وفروعه، وإذا لم يتدرب على يديه لا يستطيع أن يفهم عظمة الموسيقى الشرقية وسحرها ~~وتأثيرها في العقول وتغلغلها في النفوس، لما كان يأتيه من ضروب التجديد، وأنواع المفاجآت، ~~وسريع التنقل من نغمة لأخرى، وبالعكس بطريقة فنية بشرط أنه كان يحرص في جميع ذلك على قواعد ~~الفن، ولم يخرج عنها قيد شعره، ليس فقط في كل ليلة بل في كل ساعة وفي كل وصلة غنائية، حتى ~~أن السامع نفسه كان يقرأ في ثنايا أغانيه صفحة من نفسيته أو فذلكة من حياته، ويقف بتعبيره ~~على كنه أفكاره الشخصية وغاياته السامية وميوله الشريفة، ويرجع استظهاره وبيانه إلى ما ~~استخرج من مأساة حياته من عبر ms037 وتجارب مما كان باعثا على قوة تعبيره عن عواطف النوع ~~الإنساني على اختلاف مشاربه، وتنوع نزعاته، بمعان سامية انفردت عبقريته بالتطبع بها، وتمثلت ~~فيها المثل العليا بأجلى مظاهرها، فهو الموسيقي المصري المشرق نوره على الآفاق كالشمس، ~~وسيبقى للموسيقى رمزا على مرور الأزمان، وللغناء العربي الذي أحياه، زعيما لا ينازعه ~~منازع. # ومما رواه لي حضرة صاحب العزة مخائيل بك تادرس - رئيس الإدارة بالدائرة السنية سابقا ~~وصديق عبده الحمولي ووالد حضرة الأستاذ تادرس مخائيل تاردس المحامي أمام المحاكم الأهلية ~~والمختلطة - أجتزئ منه بما يأتي لضيق المقام وتفاديا من سأم القارئ قال: «إنه تعرف بعبده ~~الحمولي قبل أن يبلغ رشده يوم كان يلبس جلبابا من التوبيت الأسمر مفصلا على الذوق ~~الإسكندري، ذا فتحة على صدره يتدلى منها أوستيك فضة، وعلى رأسه طربوش صغير غامق اللون من ~~القالب العزيزي. وكان خفيف الروح، سريع الخاطر، رخيم الصوت وكثيرا ما كان يشكو من تهالك ~~المقدم على المكاسب، وإجحافه بحقوقه، كما كان يفعل به المعلم شعبان قبله حتى انتهى الأمر ~~بقطع الصلات التي كانت بينهما، وأسس لنفسه تختا خاصا وأخذ نجم سعده يضيء ويتجلى في فلك ~~الغناء حتى كسف بتألف شعاعه بهاء من سبقه من المحترفين، والتف حوله القاصي والداني، واستوى ~~على عرش الموسيقى الشرقية في العصر الذهبي لأبي الأشبال المغفور له الخديو إسماعيل الذي كان ~~يجزل له العطايا ويعطف عليه عطف الوالد الحنون؛ جزاء خدمته لفن الغناء العربي، وتشجيعا له ~~على الاستمرار في الإجادة والإتقان - شأن كل حاكم عادل يحرص على فنون قومه وعاداتهم ~~ونزعاتهم ومميزاتهم القومية». وقد سمعت من حضرة مخائيل بك المذكور أن الخديو إسماعيل دعا ~~عبده ليغنيه في قصره ليلة كانت تهب عليه ريح بليل، ولما أراد أن يخلع عنه البالطو الذي كان ~~يلبسه أمره الخديو بالدخول به مع رجال تخته والجلوس على أرض الصالة المفروشة بالسجاد على ~~الطراز العربي؛ ليتسنى للعازفين على الآلات أمثال «القانونجية» وغيرهم أن يقوموا بعملهم ~~بدون صعوبة، فبدأ البلبل الصياح يغنيه أدوارا عربية تتخللها النغمات الساحرة والآهات التي ms038 ~~طبقت نواحي السماء، فاجتذب إليه قلب الخديو إسماعيل، وصبت روحه إلى سحر الموسيقى العربية ~~دون سواها فكان يضع يده الكريمة في جيب عبده كلما أعجبته نغمة من نغماته دون أن يعرف ~~غرضه من ذلك، إلا أنه لاحظ أنه مد يده الفياضة إلى جيبه اثني عشرة مرة. ولما انتهت السهرة ~~وخرج من السراي وضع يده في جيبه وقلب فيه طرفه، وإذا به اثني عشر قرطاسا، وفي كل قرطاس ~~مئة جنيه ذهبا، فناول من فوره رجال التخت قرطاسين اثنين واحتفظ بالباقي. فهل وجد بين ~~الملوك من كان أسخى من الخديو إسماعيل يدا؟ كلا وألف كلا، فكان أجود من حاتم، واستمد عبده ~~الجود منه، وبه اقتدى في إغاثة الملهوف، وعمل المعروف. على أنه كان صالحا يقيم الصلاة في ~~مواقيتها، وبارا بوالده، وقد فر من وجهه كما تقدم بيانه لكونه غير راض عنه لاشتغاله بفن ~~الغناء الذي كان وقتئذ يعد في مصر مهنة محتقرة ومسقطة لمحترفيها من عيون الناس. وحدث نقلا ~~عن المقطم الأغر بتاريخ 11/9/934 بتوقيع حضرة: رزق الله شحاتة الموسيقار، «أن الخديو ~~إسماعيل قصد زيارة مديرية الغربية، فأراد سعادة المدير أن يجعل الاحتفال بقدومه في غاية ~~الفخامة والأبهة، ورأى أنه لا يكمل السرور في تلك الحفلة إلا بإحضار أعظم المطربين؛ فدعا ~~المرحوم عبده الحمولي، ورأى أن هذه خير فرصة يسترضي فيها والده عنه، فقال لسعادة المدير ~~أريد أن أطلب منك شيئا واحدا، وهو أن تجعل أبي يرضى عني. فأرسل سعادة المدير تلغرافا في ~~الحال لوالده فحضر الحفلة الليلية، وكان عبده جالسا في حضرة الخديو إسماعيل وحاشيته فدعاه ~~المدير إلى جانبه، وسأله هل أنت غاضب على ابنك، وأنت تراه في حضرة أفندينا، فكان جوابه «أنا ~~وابني وأولادي عبيد لأفندينا، وأقبل عليه وعانقه». # على أن «عبده» كان عفيف النفس عالي الكعب، كتوما إذا أطلعته على دخائلك، ناهيا برجال ~~التخت من المساعدين له والعازفين عن الحط من قدر المهنة ومن قدر شخصياتهم، بدليل أنه كان ~~ينبه عليهم في أثناء الأفراح والأعراس التي أقيمت سنة 1873 ms039 احتفاء بزواج أنجال الأمراء ~~توفيق وحسين وحسن بألا يلتقطوا شيئا مهما غلا ثمنه مما كان يبدره الأمراء والأميرات من ~~الجواهر والنقود الذهبية - تلك عادة كانت شائعة في عهده الذهبي بين الناس لا سيما في أفراح ~~أولاد العظماء، والوزراء اقتداء بهم، والناس على دين ملوكهم. # ومن أحسن ما وصفه به المرحوم: محمد العقاد الكبير فقال: «إنه كان يخيل إليه عندما يبدأ ~~عبده غناءه أن آنية من الورد والزعفران قد أفرغت على رجال التخت، وأن أرض السرادق قد غطيت ~~بالآس والرياحين والفل والياسمين فتسطع الحاضرين رائحة أطيب من فأرة مسك، فضلا عن أنه كان ~~يشبه له أنه يرى حول عنقه أطيارا من الجنة تغني معه وتناغى مناغاة الحمام وتنوح وإياه، ~~ناهيك بألحانه الساحرة الفذة وابتساماته وإشاراته التمثيلية التي تبث في النفوس الجذل ~~والغبطة والسعادة ونعمة البال والإقدام والرجولة. وكان صوته مليئا ويكنى فنيا ~~بالتينر والباريتون # barytone, tenor ~~»، وقد روي عنه أن ~~غنيا دعاه إلى داره في الإسكندرية تمهيدا للاتفاق على الغناء في ليلة زواج ابنه. وكان ذلك ~~الغني جامد الكف فأنف منه عبده وغادر داره بدون أن يلبي طلبه. وبينما هو عائد إلى الفندق ~~وجد امرأة شمطاء على باب دار معلقا عليها بضع رايات، ومرصوصا في فنائها وخارجها بعض مقاعد ~~خشبية «دكك» فعرف بداهة أن ذلك باكورة تجهيز عرس قريب مزمع إقامته في تلك الدار الحقيرة، ~~فعرض نفسه للغناء بالمجان وعرفها نفسه، وسألها عن اسم صاحب الدار فأجابته المرأة وقالت: «هل ~~ما تقوله حلم أو علم» وأني لمثلنا أن يستحضر عبده الحمولي مطرب ساكن الجنان ولي نعمتنا ~~الخديو إسماعيل، ونحن لا نملك شروى نقير»، فأكد لها تحقيق الحلم وغنى في الليلة المعينة ~~مطيبا قلوب أصحاب البيت الكسيرة؛ نكاية بذلك الغني المقتر، وإسداء للمعروف، مصداقا لما ~~رثاه به المرحوم أحمد شوقي أمير الشعراء إذ قال ضمنا: # يحبس اللحن عن غني مدل # ويذيق الفقير من مختاره # وهناك نوادر أخرى ومميزات اختص بها عبده تنبه لها العارفون بفن الغناء، ووقف ~~معاصروه على كنهها اكتفيت فيها ms040 بما ذكرته هنا، فلو أردت استيفاء الكلام على جميع خصاله ~~ومناحي حياته الشخصية والفنية والاجتماعية لطال بي القول بما لا يحتمله هذا المجال. # وقد مات عبده (رحمه الله) في مدينة حلوان بالسل الرئوي في فجر اليوم الثاني عشر من شهر ~~مايو سنة 1901 بعد أن صنع في حياته العظائم، وأقام للموسيقى الشرقية والغناء العربي بناء ~~رفيع الدعائم. فلا تحسبن يا صاح أنه مات وهجع، وهمد صوته الرخيم الرنان، وسكنت جوارحه وخرس ~~لسانه، وقطع حبل نبراته العربية؟ كلا. فإنه لم يمت، ولم ينم، لكنه استيقظ من حلم الحياة، بل ~~تحقق حلمه على حد قول الإمام كرم الله وجهه: «الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا». أما نحن ~~البشر فإننا بعكسه نسير بعد في طريق وعث المبتغي وتنشب بيننا حرب ضروس لا يغني قتالنا عنها ~~فتيلا. والحق الذي لا ريب فيه الجهر بأنه حي في السماء فسح له ربه بجواره مكانا سنيا، ~~تغمده الله برحمته وأجمل جزاءه في دار النعيم. # وإثباتا للحكمة المأثورة عن الإمام علي نورد هنا قطعة شعرية نفيسة عن خلود النفس للشاعر ~~الإنكليزي (شلي) بنصها لشدة ارتباطها بالموضوع وهي: Peace, peace! He is not dead he doth not sleep # He hath awakened from the dream of life. ~~'T’is we who, lost in stormy visions keep, # With phantoms an unprofitable strife. # He has outsoared the shadow of our night.... # He lives, he wakes, it’s Death is dead, not he. # الفصل الخامس # | عبده الحمولي مصلح اجتماعي في ثوب مغن # كان عبده نموذج الرجل الصالح يحافظ على مواقيت الصلاة ويربأ بنفسه عن كل دنيئة صائنا من ~~الدنس عرضه وأعراض الناس، حريا بأن يعرف بالمصلح في ثوب مغن. لم يقتصر جوده على جياع ~~أطعمهم، أو عطاش سقاهم، أو عريا كساهم، أو مرضى وأساهم، أو سجناء زارهم، أو مقترعين دفع ~~عنهم البدل العسكري حتى بلا سابق معرفته لأشخاصهم، بل تجاوز ذلك كله إلى أن بلغ حدود ~~الساقطات اللواتي إذا لمحهن بوجه الصدفة في طريقه وهو عائد ms041 إلى بيته في عربة مستصحبا معه ~~بعض رجال التخت بعد الانتهاء من سهرته الغنائية استوقف لوقته الحوذي وجمعهن حوله وأفاض ~~عليهن من سجال عرفه عن تهلل وابتسام ما يملأ العين، ويستعبد الحر، ثم انصاع ناصحا لهن ~~وقال: «يا بنات، الله يتوب عليكم». هذا ما رواه لي الأستاذ: محمد الشربيني العواد مؤكدا ~~أنه رآه يفعل ذلك رأي العين وهو حي يرزق، ويبلغ من العمر ثمانين سنة. فطوباك يا عبده! يا ~~من عرفت بحنكة وذكاء في جسم ضآلة الوتر الحساس، وضربت عليه بريشتك الخفيفة الشفيقة لتثوب ~~إلى رشدها، وتستقيم على الطريقة المثلى للصالحين والصالحات علما منك أن الذنب ليس ذنبهن، ~~إنما الذنب كل الذنب لا يقع إلا على أولئك الذين أضلوهن وجروا عليهن بأول هفوة ارتكبها ذيول ~~العار والخزي، وقد طلبت إليهن التوبة من الغفور الرحيم إيماء إلى قوله تعالى # وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ~~، وإلى الحديث ~~الشريف «أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له». # أجل. إن الطبيعة قد اختصت الرجال بالقوة والسلطان على النساء اللواتي ألقين أزمة الزعامة ~~إلى أيديهم الخشنة وامتثلن لإرادتهم وأخلدن إليهم بثقة عمياء (وهي محاسب دقيق ذهابا إلى ~~قول سبنسر فيلسوف إنكلترا) # Nature is a street accountant # فزينوا لهن ركوب ما لا أرى لهن في ركوبه، وما هن إلا طامعات في حياة زوجية طاهرة، وغافلات ~~عما ينفجر عليهن من الدواهي، بل متوقعات إنجاز وعود عرقوب، وليسمح لي القارئ الكريم أن ~~أتمثل ببعض أبيات من آخر قصيدة بعنوان «من الملوم» للمرحوم: نقولا رزق الله، الشاعر العصري، ~~جرأت على إيرادها لشدة ارتباطها بالموضوع دون أن يتهمني القارئ بالحشو والشرود عنه قال ما ~~يأتي: # هم أضلوك ثم قالوا براء # نحن منها فهم أضل سبيلا # إن يكن ذنبك الجهالة والفقر # فعديه عذرك المقبولا # كلهم مذنب إليك وما لا # قيت إلا مضللا وبخيلا # أو يعدوا لك المحبة ذنبا # فاسألي الله عفوه المأمولا # هفوة للهوى هفوت ومرت # ثم جرت عليك تلك الذيولا # لم ينل جانبا عقاب فظيع # كعقاب ms042 بهفوة قد نيلا # أيها العادل الحكيم ترفق # واتق الله في النساء قليلا # امنع الأرض أن تدور ولا تمنع # فؤادا إلى الهوى أن يميلا # أيها الناس ذنبكم ذلك الذنب # فكونوا إذا حكمتم عدولا # أو فجودوا على الفتاة بما يحفظ # وجه الفتاة حرا جميلا # فضل من جاد للفقير بمال # فضل من علم الغبي الجهولا # وكفاه في العار فخرا، وما أبهى جمال القلب، جمال التضحية، وما أعظم حبه للفقراء ~~والأشرار، وما أعظم تضحيته للحزنى ومضطربي البال، بدليل أنه في ليلة غنى الملك الجواد ~~الخديو إسماعيل، ولما أجاد سأله الخديو قائلا يا عبده اطلب تعط، فأجابه لفوره وطلب بأن ~~يعفو عن نشأت باشا، مدير القليوبية آنئذ، الذي كان صدره واغرا عليه ويبعث إليه رحمة ومغفرة ~~لا لعانا وسبا، فعفا عنه وكان ارتياح عبده للعفو عنه أعظم من ارتياح الأخير له؛ لأن ~~العطاء خير من الأخذ، ولو طلب عبده من الخديو إسماعيل مالا جزيلا لنفسه دون سواه لناله ~~حتما؛ لأن كلام الملوك ملوك الكلام، ولكنه آثر الخدمة العاملة على خدمته الخاصة. # على أني أرى ما يماثل ذلك وأكثر منه بدليل أن في الأوساط المسيحية أشخاصا من رجال وسيدات ~~كرسوا حياتهم لخدمة المجتمع يبذل النصح للساقطات في محالهن لينزعن عن عيشتهن الفاسدة، وهم ~~لا يأبهون لما قد يلحقهم جميعا من غضاضة بغشيانهم منازلهن؛ لاعتقادهم في أنفسهم بأنهم في ~~ذلك يؤدون واجبا إنسانيا شريفا ذهابا إلى أن الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى، حتى أن ~~منهم من يتناول من جيبه مبلغا من المال يدفعه إلى من يراها في حاجة ماسة إليه؛ لتكف عن ~~غوايتها وتقيم به أود معاشتها موقتا إلى أن تحترف مهنة شريفة، وكثيرا ما نرى جمعيات مؤلفة ~~من فضليات النساء الغرض منها منع تعاطي الأشربة الروحية، والسموم المعروفة بالمرفين ~~والهيروين؛ إبقاء على حياة مدمنيها، وحفظا لإحساساتهم ووجداناتهم الشريفة، فلا يرمى بذنب ~~من يفعل مثل ذلك، بل يشكر عليه، ولو لابسهم في بيئتهم. هذه هي ضالة المصلحين والمصلحات ~~المنشودة، وتأييدا لها لا بأس من إيراد ما ms043 قاله أدون مركهام الشاعر الأميركي، وهو «أن ~~المتعصب رسم دائرة صغيرة لنفسه وجعلني أنا الجاحد الضال خارجها، ولكني والحب عوني غلبته، ~~وقد رسمت معه دائرة كبيرة وجعلت الضال داخلها»، وكم كان يرتل القديس فرنسواي داسيز أناشيده ~~عن الشمس والطبيعة، إذ أنه عظم الشمس وغنى قائلا: الشمس أختنا، والقمر أخونا، والريح ~~أختنا، والماء أخونا، والنار أختنا، والأرض أمنا، والعصافير أخوتنا الصغار، والزهور أخواتنا ~~الصغيرات، وهو لا يعتبرها غريبة أو دخيلة؛ لأنها تمثل جزءا من العائلة البشرية، وتعبد ~~إلاها واحدا مثله، وكان حقا علينا نحن المصريين أن نعتبر عبده الحمولي الموسيقار العربي ~~مصلحا قوميا ومربيا اجتماعيا استطاع بما حباه الله من الشعور وقوة الإلهام أن يفتح لنا ~~ما تنكر من ذرائع الإصلاح، واتخذ من الذين تاهوا في شعاب الباطل، وكثيرا ما هم، وأثابهم ~~إلى هداهم أنصارا وأصدقاء حريين بأن يكونوا أعضاء للعشيرة البشرية، نافعين في البلاد، ~~وعاملين على إحياء مجد مصر وأقدر من سواهم على إدمان تعاطي العلم والصناعة والتفرغ لهما عن ~~ركوب متن غرورهم. # كرمه الحاتمي # ويحكى عنه أنه بينما كان يلعب النرد (الطاولة) مع خليل بك إبراهيم من كبار موظفي ~~مصلحة الكمارك بدكان المدعو أبسطولي تاجر الطرابيش بالإسكندرية (وهو الدكان الوحيد الذي ~~اعتاد أن يغشاه عبده دون المقاهي - على ما أكد لي صاحب المعالي سعيد ذو الفقار باشا ~~بالسراي الملكية يوم 10 يوليو سنة 1935 - وكان يكلمه عبده بالتركية لعدم معرفته ~~العربية) لمح رجلا أمسك عن ذكره لي الأستاذ جاك رومانو صديق عبده - يرقب انتهاءه من ~~اللعب بفارغ الصبر، فاستبطن عبده كنهه في الحال وترك الطاولة وتوجه نحوه، وكان عبده ~~يلبس بإصبعه خاتما ثمينا من الزمرد منشوري الشكل المعروف اصطلاحا بال # Capuchon # لا يقل ثمنه عن ألف جنيه، ولما انتهت ~~المقابلة عاد إلى مجلسه وأراد استئناف اللعب فتنبه أحمد أفندي عبد المنعم الباشكاتب ~~بالمحافظة إلى عدم وجوده بأصبعه، فلفت نظر جاك أفندي رومانو الجالس بجانبه إلى ذلك، ~~وأخذ كلاهما يلومانه على تصرفه به، فاعتذر إليهما مما جرى بحجة أن النقود ms044 التي معه لم ~~تكن كافية لسد حاجته فاضطر إلى تسليمه إليه ليتصرف به، كما يتراءى له واحتج لنفسه قائلا ~~لهما: # دوام الحال من المحال فالدنيا غدور والدهر عثور وذكرهما القول المأثور «اكرموا عزيز ~~قوم ذل». # مواساته للفقير # بينما كان ساكنا بحارة التمساح (بقسم عابدين) بجوار منزل صديقه حضرة مخائيل بك تادرس ~~طلب ذات يوم من أيام شهر شعبان من الأخير أن يذهب معه إلى جهة الحنفي بشارع الشيخ: صالح ~~حيث كان يوجد دكان بقالة «ويميش» للمدعو علي أفندي النمر - المخزنجي سابقا بسراي ~~الجزيرة للمغفور له الخديو إسماعيل - ليشتري منه ما يلزمه في شهر الصوم المبارك فاشترى ~~بالفعل أرزا وسكرا وفواكه ناشفة، وحلويات متنوعة بستة عشر جنيها دفعها إليه مما كان ~~معه، ولم يبق في جيبه سوى 275 قرشا صاغا، وقفل راجعا مع صديقه إلى منزله، وقال له في ~~الطريق «ربنا أكرم من كل كريم فالذي رزقني مصروف شهر رمضان ليس بعسير عليه أن يرزقني ~~مصروف العيد»، وما كاد ينتهي من حديثه هذا ويقترب من منزله حتى أقبل عليهما رجل رث ~~الثياب وسلم عليهما، وأخذ يقبل يد عبده، فما كان من الأخير إلا أن أخرج من جيبه مبلغ ~~ال 275 قرشا وأعطاه إياه، فاعترضه مخائيل بك ولامه على إعطائه كل المبلغ بدون أن ~~يبقى لنفسه شيئا منه، فأجابه عبده قائلا: إنك لو وقفت على حقيقة حال هذا الرجل لعذرتني ~~فيما أتيت، لأنه كان من أكابر فراشي العاصمة، وكان يملك مفروشات وسجاجيد وفضيات ثمينة، ~~وهو الآن كما تراه لا يملك شروى نقير، فقد تجاوز بصنيعه الحد الصحيح المعقول الذي ~~اختطه السيد المسيح الذي قال: «إذا كان لك ثوبان فاعط واحدا منهما لأخيك» تلك الحكمة ~~المأثورة البليغة لجديرة بأعلى اعتبار، ولي أن أعتبره هنا غبين الرأي ولا يبرأ في هذا ~~التهور من الملام. # حقا إن مثل هذه التضحية ينطبق عليها قول أحد علماء النفس من الإنكليز ومفاده معربا ~~كما يأتي: «إن الماء الذي لا يسمع أنين البؤساء، وآلام المرضى هو غير طاهر، ولو ms045 باركه ~~كل قديس في السماء، أما الماء الذي انصب في آنية الرحمة فهو طاهر، ولو تلوث بالرمم ~~وتأذى بالجراثيم». # اضطهاد المحافظة له # كان عبده من أكرم الناس شيمة وأصدقهم عهدا، لا يلبس الحق بالباطل، وقد أشرب حب ~~الديمقراطية. أتفق على ما ذكره لي مؤخرا الأستاذ: سامي الشوا، نقلا عن الأستاذ: محمد ~~كامل الرقاق أن طلب منه أحد محافظي مصر في عهد الخديوي توفيق أن يغني في ليلة معينة ~~بداره فاعتذر عبده إليه من ذلك لسابق تعهده بالغناء في الليلة نفسها مع شخص آخر، فلم ~~يرق للمحافظ الأرستقراطي إتباعه شرعة الديمقراطية المرعية، وأضمر له الحفيظة، وأخذ من ~~ذلك الحين يقاطعه مقاطعة جدية أسفرت عن حرمانه الغناء عند عظماء العاصمة مدة ستة شهور، ~~بمعنى أنه كان يشترط على من يدعونه منهم إلى حضور عرس من الأعراس بأنه لا يحضره إذا ~~استحضروه للغناء، فاضطروا إلى الاستعاضة عنه بالشيخ: صالح العربي، الذي ظهر اسمه في ~~عالم التطريب في ذلك الوقت أو غيره من المطربين، فانزوى في حلوان في تلك المدة دون أن ~~يشتغل ليلة واحدة، فحضر إليه محمد كامل المذكور، ورجاه بأن ينزل معه إلى القاهرة لعل ~~الله يفرج كربه، فوافقه على ذلك ونزلا في لوكاندة الكونتيننتال، وبيما كانا يشربان فيها ~~القهوة ويتجاذبان أهداب الحديث أقبل عليهما محمد بك يكن، وكان في داره عرس فخم مساء ذلك ~~اليوم، وبادر إلى الاعتذار لعبده وقال له إنه لتشديد المحافظ عليه في عدم استحضاره ~~للغناء اضطر إلى الاستعاضة عنه بثلاثة مطربين وهم محمد عثمان ويوسف المنيلاوي ومحمد ~~سالم. # ولما كان عبده من أكمل الرجال عقلا ولا يخشى في الحق لومة لائم آلي على نفسه ألا ~~يسترضي المحافظ؛ لأنه لم يرتكب ذنبا يعاقب عليه، وقال لمحمد بك يكن أن لأعضاء العالة ~~اليكنية قدما في الخير وفضلا عليه فإنه يجد لزاما عليه أن يخدمهم بغنائه في ليالي ~~أفراحهم، وأزمع على الحضور خلسة في منتصف الليل، ورجاه أن يكتم هذا الخبر عن المحافظ ~~الذي سيكون غالبا بين المدعوين، وتم الاتفاق ms046 بينهما على ذلك، فعاد محمد يكن بك إلى ~~داره وتركه محمد كامل الرقاق استعدادا للشغل على تخت المنيلاوي كرقاق في تلك الليلة، ~~فما كاد الحضور في السرداق يرى عبده قادما نحو منتصف الليل حتى دوى المكان بالتصفيق، ~~وصعد مباشرة إلى تخت يوسف المنيلاوي، وبدأ يعزف على العود بدون أن يجسه أو يصلحه وغنى ~~قائلا: يا ليل، فرأى محمد الرقاق وهو على التخت المحافظ يبدي لعبده صفحته ويستعد ~~لمغادرة مكانه، وما كاد يسمع «يا ليل» ثانيا حتى طرب واستقر في مكانه، فدوى المكان ~~الفسيح بصوته الرخيم وانتقل من يا ليل إلى موال، ثم إلى بشرف، فدور على تخت يوسف الذي ~~انضم إليه كل من محمد عثمان ومحمد سالم وخلب العقول بغنائه، وأضحى المحافظ يطفر من ~~الطرب، وأخيرا صعد إلى التخت وأخذ يقبل عبده مرارا وتكرارا ودموعه تتساقط على خديه، ~~وطلب منه أن يتناسى ما كان منه، وتعانقا وتصافحا على مرأى من الناس، فكان ذلك منظرا ~~مؤثرا في الحاضرين ودليلا ساطعا على أن الموسيقى ترمي وظيفتها إلى إيجاد المحبة، ~~وتهيئ أسباب السلام، وظهر في أثناء تلك الليلة ميل الجماهير المحتشدة إلى عبده، ~~واعترافهم بالإجماع بعبقريته وزعامته على جميع المطربين. # قوة ابتكاره # وللمرحوم عبده قوة عظيمة في الابتكار والارتجال وقد فاجأ الحاضرين في ليلة عرس فخم ~~لأحد الأعيان في الإسكندرية بتغيير دور «أد ما أحبك زعلان منك» (صبا) تلحين: محمد ~~عثمان، وقلبه رأسا على عقب فغناه في الحال على نغمة النهوند، ولأول مرة لدى سماعه محمد ~~عثمان يلقيه في العرس نفسه فافتتن الحاضرون بما حباه الله من قوة الصوت والسلطان على ~~المقامات والابتكار والتأليف فجأة بدون استعداد، وكان محمد عثمان في مقدمة من أعجبوا ~~بقدرته الفائقة على هذا الابتكار، وجهر بخضوعه لعبقريته وزعامته، ولا أعتقد أنه إذا أخذ ~~لحنا من ألحان أي ملحن وغناه يعتبر غير قادر على التلحين، كلا وألف كلا ولو عكف على ~~التلحين للحن ألف لحن، لكنه لضيق وقته كان يصرف معظم أوقاته في مجالسه الأمراء ومنادمة ~~العظماء ومواساة الفقراء. ms047 # ومن الأمور المسلمة والقواعد الثابتة في علم الموسيقى أن الفضل يرجع إلى الملحن في ~~تلحينه الدور، وإلى المطرب الناشر ذلك الدور على حد سواء، وليس للأول أن يستأثر وحده ~~بهذا الفضل إذ لا فائدة تنجم له من تلحينه إذا لم ينشره المطرب مثل، عبده بما أوتيه من ~~قوة صوت، وحسن إلقاء، وكثيرا ما كان يأخذ الأخير عن ملحن كبير مثل: محمد عثمان أدوارا ~~يبدلها ويزخرفها بريشة رفائيل وينحتها بإزميل ميكلانج وينفخ فيها من روحه ويلحنها ~~تلحينا خاصا بما أوتيه من صوت في إمراره بجميع المقامات مما يعجز عن الإتيان بمثله ~~الملحن الأصلي، إما لضعف صوته، أو لسبب آخر، بمعنى أن ما لحنه الملحن مثلا كان ضمن حدود ~~معينة بحسب صوته، وقضى في إبرازه مدة من الزمن خلافا لعبده، فإن الآلات الوترية لا ~~تجارية في علو الصوت، وأن ابتكاره وتفننه واسعان كالكون ولا حد لهما. # على أن التلاحين المنسوبة للملحنين لا يمكن الجزم بصحة نسبتها كلها إليهم ولو كانت ~~مدونة بأسمائهم في بعض الكتب الموسيقية، إلا إذا كانت تلك التلاحين مسجلة تسجيلا ~~رسميا، لأن الملحن الذي يدعي أنها من بنات أفكاره، وأنه هو الملحن الوحيد لها لا يجد ~~أمام القضاء إذا دعت الحال إلى ذلك ما يثبت زعمه، خلافا لما هو حاصل في بلاد الغرب فإن ~~في خزائن أنديتها الموسيقية ومهارق معاهدها من مودعات تلاحين موسيقييهم في ملفات خاصة ~~بكل واحد منهم ما لا ظل عليه للريب؛ لأنها مسجلة رسميا، وثابتة ثبوتا غير مأخوذ فيه ~~بالظن والتكهن، أو من طريق المشاعر كما هو حادث في أنحاء الشرق. # ومن المحتمل أن ينسب تلحين دور إلى مغن أجاد في إلقائه دون أن يكون ملحنه، كما ينسب ~~خطأ تلحين دور ملحن على أعلى الطبقات إلى ملحن ذي صوت ضعيف. # وليست الشبهة من جهة نسبة التلاحين إلى الملحنين بوجه عام مقصورة على الأدوار بل على ~~مقاماتها أحيانا، مثال ذلك مذهب «ياما أنت واحشني وروحي فيك» تلحين: محمد عثمان فإن ~~المقول عنه في كتب الموسيقى أنه ms048 بنغم الحجاز كار والصحيح أن نغمه «الشاه ناز» (دلال ~~الملوك) وقد قام عبده بتغيير نصف تلحين المذهب، ومن هنا يستنتج أن الفضل لا يجب أن ~~يكون مقصورا على الملحن وحده، بل الأوجب إتباعا لشرعة الإنصاف والمساواة أن يجمع ~~الفضل بين الملحن ومؤدي اللحن. # وأزيد على ذلك وأقول أن مذهب «كادني الهوى وصبحت عليل» تلحين: محمد عثمان، لكنه منسوب ~~إلى عبده كما جاء بكتاب كامل الخلعي ص 150، وقد يكون ذلك خطأ، وهو من مقام النهوند قد ~~غناه عبده وأبدع فيه ذات ليلة إبداعا أدى إلى غشيان المرحوم عزت بك - أحد كبار موظفي ~~المالية وقتئذ - وكان من أعاظم هواة الناي فنزل عبده من التخت وأخذ يؤاسيه وينشقه ~~بالأرواح المنعشة ويدلك أطرافه إلى أن أفاق وشكر له رقة عواطفه، ولطيف إحساسه، وشدة ~~تأثير الموسيقى في نفسه. # ثم صعد إلى التخت وأخذ يتمم الدور وما لبث أن وصل إلى عبارة «بالطبع أنا أميل يا اللي ~~تلوم دا شيء بالعقل انظر كده واحكم بالعدل» رغبة أن يقفل النغمة بدلاله وتفننه حتى صاح ~~أحد الحضور وقال يا ابن... ال... إيه... فقام العظماء نحوه ليزجروه ويطردوه فقال لهم عبده ~~وهو على التخت «سيبوه دا معذور كمان» ولم يستقروا في مجلسهم إلا بعد أن تحققوا صدق ~~إعجابه بغنائه بعبارته العامية التي لم يقصد بها إساءته واعتبروها مدحا في موضع الذم. # على أني أطلت في الكلام على هذا الباب إلى ما لعله أدى إلى سأم المطالع فأقف منه عند ~~هذا القدر؛ إذ ليس من غرضي في هذا المقام الإحاطة بكل ما ألقاه عبده من أدوار صادرة ~~عنه، ومذاهب ملحنة منه، بل الإشارة إلى أنه كان يلقى من أدوار الملحنين ما كان يستحسنه ~~ويجده مطابقا لذوقه السليم، فضلا عن أنه كان يغيرها في الحال على أحسن طراز ويقلبها ~~جملة ومفترقا حسب إرادته، وقد دعي مرة عبده ومحمد عثمان والمنيلاوي للغناء في عرس ~~عظيم من عظماء البلد على تخت واحد، وقد شهدت بعيني رأسي وليس لأول مرة عبده رئيسا ~~ومحمد عثمان ms049 عوادا والمنيلاوي مساعدا بدون أن يجرأ على إتيان أي حركة أو نغمة ~~انفراديا فهو بلا مراء أسبق المطربين الذين لا يشق غباره. # لطيف هزله وخفة روحه # وتطيبا للقلوب أروي من فكاهاته المليحة ومضحكاته المهذبة ما يضحك الحزين، ويذهل ~~الزاهد، فضلا عن أنه يبين جليا أنه كان يمتاز عن سائر المطربين بالجاذبية الشخصية ~~الوليدة فيه والتي تعتبر منحة طبيعية كمنحة الصوت وإليكم البيان: # دعي ليغني في الإسكندرية بدار عين من أعيانها أقيم فيها سرادق فسيح زين بأفخر ~~الرياش، وفرشت أرضه بالأبسطة النفيسة، وكلف حاجب على الباب بأن لا يدخل أحدا من ~~المدعوين إلى السرادق غير حامل تذكرة الدعوة، ولما آن أوان الغناء وكان التخت على أتم ~~استعداد دار البحث عن عبده فلم يوجد في الداخل، وأخيرا عندما وصل صاحب العرس وحاشيته ~~إلى نحو الباب سمعوا لجاجا ولغطا شديدين بين الحاجب وعبده، فشرح لهم الأخير أن سبب ~~تأخره عن مباشرة الغناء نشأ عن أن الحاجب منعه من الدخول بحجة أنه لم يحمل تذكرة دعوة ~~فحملوه على أكتافهم إلى أن جلس على أريكته الموسيقية فارتجل موالا وغناه وهو كما ~~يأتي: # ليه حاجب الظرف يمنعني وأنا مدعي # لري روض المحاسن من دما دمعي # كم أفتكر في احتجابك واشتكي وانعي # سلمت بالروح ورضيت بالملاح والنوح # قول لي بحق المحبة ما سبب منعي # يذيق الفقير من مختاره # كان لرجل حمار يناهز السبعين امرأة فتانة المحاسن رشيقة القد ، وكان يحبها إلى حد ~~العبادة، ولما حملت منه وعدها وعدا وثيقا بأنه يأتي بعبده الحمولي ليغني إذا وضعت ~~ذكرا، وأردف وعده بالطلاق ثلاثا، وولدت ولدا ذكرا فوجد نفسه أمام أمر واقع فاكتأب ~~لوقوع الطلاق حتما إذا لم يغن عبده، وبعد أن قلب الزوجان الرأي ظهرا لبطن ذهب ~~الحمار إلى منزل الأخير يقدم رجلا ويؤخر أخرى وقص عليه الواقعة بحذافيرها؛ فرق عبده ~~لحاله ولبى طلبه، وما كان منه حتى أرسل إلى داره فراشا نصب أمامها سرادقا يناسب ~~المقام، وعهد إلى طباخ في إعداد ما لزم من مأكل ومشرب وغنى على ms050 تخته المشهور إلى أن ~~شابت ناصية الليل كأنه مكافأة بأعلى أجر، ثم ما لبث أن نزل من التخت حتى أفرد منديلا ~~بادر إلى أن وضع فيه مبلغا من جيبه ومده للحاضرين فجمع خمسين جنيها دفع منها ~~المصروفات العمومية على ما سبق الإيماء إليه، وناول الحمار ما بقي منها ليصرف على ~~زوجته في النفاس، وبذلك الصنيع الجميل خلصت زوجته من الطلاق، وأمست حليلة له تقاسمه ~~السعادة والهناء. # وإليكم ما جاء بمصباح الشرق: صادف عبده بعد السهرة في الطريق رجل لا يعرفه وقال إن ~~ابنه مطلوب للخدمة العسكرية، وليس معه شيء من البدل ليعفيه منها، فأخرج من جيبه صرة ~~الدراهم التي تقاضاها أجرة الليلة وأعطاها له. وبلغه أن أحد تجار طنطا وقع في ضيق يخشى ~~عليه فيه من الفضيحة؛ فجمع ما لديه من الدراهم وأعطاه خمسماية جنيه ليستعين بها في ~~عسرته ويحفظ صيته في تجارته. # ودعي للاحتفال بليلة خيرية في مدينة سوهاج بأجر قدره ثمانون جنيها، ولما رأى القوم ~~يتبرعون بالمال وثب من فوق التخت ووقف في وسطهم قائلا لأعضاء الجمعية «ولم تحرمونني ~~التبرع مثلكم؟ وتنازل عن الثمانين جنيها» ا.ه. # الفصل السادس # | «ساكنة» أستاذة «ألمظ» # لما كانت المرحوم (ساكنة) أقدم المغنيات (العوالم) عهدا رأيت لزاما علي أن أتكلم عليها ~~أولا في هذا الباب الذي أفردته لعبده وألمظ؛ لشدة ارتباطها بالموضوع من حيث «ألمظ» التي ~~أخذت عنها فن الغناء، وقد توخيت دقيق الاستقصاء من الذين عاصروها، وتلمست الأخبار اختطافا ~~وتذريعا فأقول بالإيجاز: إن «ساكنة» هي أول مطربة ظهرت في مصر في عهد عباس الأول، حيث بزغ ~~نجم سعدها في سماء الغناء وزاد ضياء حتى عهد ساكن الجنان سعيد باشا والي مصر، وكانت متصفة ~~بحسن الصوت الذي كانت ترسله إرسالا بدون عناء، فيبلغ صداه الرائح والفادي، والبعيد ~~والقريب، وقد أعجب بها الترك الذين كانوا مقيمين في مصر ولقبها العامة بلقب «بك»، وكان لها ~~مزاح يضحك الحزين، ويفرح قلب العابد؛ لما انطوت عليه من تهذيب لسان، وخفة روح، وقوة ~~البديهة، وسرعة الخاطر، وكان المزاح في ms051 ليالي الأفراح عادة مألوفة في مصر حتى في عصر عبده ~~الحمولي الذي كان فيه يحتم على صاحب العرس أن يستحضر مضحكين ينزلان إلى ميدان ~~المضاحكة بين كل وصلة غناء وأخرى تخلصا من الملل في أثناء انتظار تصليح الآلات وطلبا ~~للروح (بالفتح). # واستمرت «ساكنة» تتمتع بحسن الأحدوثة في غنائها إلى أن ظهر في أفق مصر هلال «ألمظ» فأخذ ~~ينمو ويكبر حتى أضحى قمرا منيرا، ولما سمعت «ساكنة» صوتها الرخيم العذب أخذت تتجاهلها، ~~ولكنها لم تستطع صد تيار نجاحها القوي، ومنع إقبال الناس عليها؛ فرأت تفاديا من المنافسة ~~غير المنتجة أن تضمها إلى فرقتها فتكون فيها تابعة لها وتحت إشراف بدون أن تستطيع أن تزري ~~بصيتها أو تنزل من رتبتها، فمكثت معها «ألمظ» مدة تدربت فيها على فن الغناء فحذقته لكن ~~«ساكنة» قد حقدت عليها لعظم وقع غنائها عند الناس، وهي ضمن فرقتها وأخذت تسيئ الظن بها حتى ~~تركتها، وألفت لها فرقة خاصة، وأحرزت خطر السبق، وقضت على صيتها قضاء مبرما، ومن ذلك ~~الحين بدأ نجم «ساكنة» بالأفول، وأخذ الدهر يقلب لها ظهر المجن إلى أن وافاها الحمام بعد ~~أن بلغت سن الشيخوخة، وذلك في عهد المغفور له الخديو إسماعيل. # السيدة «سكينة» المطربة الشهيرة «بألمظ». # أما «ألمظ» فاسمها الحقيقي «سكينة»، واسمها الفني «ألمظ» وهو تحريف الماس تشبها بماله من ~~بهاء ورونق ولمعان، وإشارة إلى ما لها من صوت رخيم رنان وجاذبية. أما صناعة والدها، فقد ~~تضاربت آراء الرواة عنها وتباينت أقوالهم فيها. فمنهم من ذهب إلى أنه بناء، لأنها كانت ~~تحمل قارب المونة على رأسها لتقدمه للبنائين وهي تغني في مقدمة زمرة من الفتيات العاملات ~~معها، ومنهم من قال إنه صباغ، وقد ظهر أن الزعم الأخير هو الأصح، وظلت طريقة الغناء شائعة ~~في مصر في الوجهين القبلي والبحري حتى الآن، وهي تجلب الجذل وتبعث على النشاط في أثناء ~~العمل، وتطلق النفس من عقال السأم. # ومصداقا لما تنتجه الموسيقى من التأثير في العمل أشير إلى قصة أنفيون جوبيتر الذي بنى ~~أسوار (طيبة) بينما ms052 كان يعزف على قيثارته على حد ما قاله الدكتور كلارك من أن ذلك لم يكن ~~خرافة. # على أن صوت يوسف المنيلاوي على ما شهد به المرحوم: محمد المسلوب الكبير لم يكن إلا شيئا ~~ضئيلا إذا قيس بصوت «ألمظ»، بالرغم من عذوبته ولينه ورنينه، وقد صدق واجنر الموسيقي الشاعر ~~فيما قال وهو أن الموسيقى مؤنثة وكانت امرأة. # أما عبده فهو أسبق المطربين لا يشق غباره ويفوقها في غريب تصرفه وعظيم تفننه في ضروب ~~الغناء وقوة التأثير في النفوس بما أوتى من روح فتان وإلهام طبيعي، وكثيرا ما كان يجمعها ~~عرس واحد بمعنى أنه كان يغني للرجال في «السلاملك»، وكانت تغني للهوانم في الشرفة «الشكمة» ~~(لفظة تركية) على مسمع من الحريم والرجال معا. وكان أحمد الليثي يصور نغماتها وهو في ~~السلاملك على التخت، فكان يعلي العود كلما غنت عاليا حتى أنه لما عجز في آخر الأمر عن ~~مجاراتها في تصوير نغمات صوتها المحلق في الفضاء، قطع أوصال العود، وصرخ قائلا «مين ينكر ~~صوتك يا ست». جرى ذلك في عرس فخم لعظيم بدرب الجماميز أقيم فيه أربعة تخوت، ولم يكن عبده ~~حاضرا لتغيبه بالإسكندرية، نقلا عن رواية حضرة مخائيل بك تادرس صديقه الأمين، وهو أوفى من ~~عوف لما رأيت فيه من الولاء الشديد لعبده والترحم عليه، وقد آلى مثلي ألا يرضى عن غنائه ~~بديلا. # أما «ألمظ» فقد حاربت عبده ردحا من الزمن، ونافسته في صناعة الغناء لكنه تفوق عليها. # ألمظ مزاحة ظريفة # ومن المدهش أنها كانت ذات شخصية جذابة وكثيرة الميل إلى المداعبة في كل وقت لا سيما ~~في أثناء الغناء. ومن مستملح الفكاهات أروي أنها ارتجلت دورا غنته له قصدا لأول مرة ~~رأته في عرس بناحية الجيزة بعد أن اجتاز النيل على «المعدية» وهو بالمنيل (لعدم وجود ~~«كباري» في ذلك الزمن) بقصد أن يسمعها. فقالت فيه ضمنا: # عدى يا المحبوب وتعالى # وإن ما جتشي أجيلك أنا # وإن كان البحر غويطة # أعمل لك على القلب سآلة # وقد غنته موالا آخر في عرس فخم ms053 جمعها وإياه وهو على تخته المشهور وهو كما يأتي: # ياللي تروم الوصال، وتحسبه أمر ساهل # دا شيء صعب المنال، وبعيد عن كل جاهل # إن كنت ترغب وصالي، حصل شوية معارف # لأن حرارة دلالي، صعبة وأنت عارف # فما كان من عبده إلا أن هدرت شقاشق ارتجاله وغنى الموال الآتي: # روحي وروحك حبايب # من قبل دي العالم والله # وأهل المودة قرايب إلخ إلخ # مما دل على أن الله فجر ينابيع الذكاء والبديهة على لسانه وحباه بلطيف الحس وسرعة ~~الخاطر وسامي الشعور. وقد اتفق لي أن عثرت في أثناء المطالعة على ما يشابه ذلك مبنى ~~ومعنى وهو أن شاعرة من شواعر الإنكليز أهدت إلى زوجها ديوانا من الشعر الذي نظمته ~~ذكرت في افتتاحيته الأبيات الآتية التي أجترئ على إيرادها بنصها خشية ضياع طلاوتها إذا ~~عربت وهي كالآتي: # The love within my heart for thee # Before the world was had its birth # It is the part God gave to me # Of the great wisdom of the earth # ومن أدوارها التي امتازت بها وتداولتها الألسن أذكر ما يأتي: # الوى.... الوى.... # يا حلالي من الله عشقك يا خي # لازم أهشه، دا العصفور # انكش له عشه، دا العصفور # دا ابن الأكابر. دا العصفور # على العشق صابر. دا العصفور # طار وعلا. وعلا وطار # ونزل على بيت العطار # وكبش ملبس واداني # ولوز مقشر وأعطاني # لازم أهشه، دا العصفور ~~............................... # يا سيدي أنا أحبك لله، وربنا عالم شاهد # لاصبر على أحكام الله، لما يبان لي معاك شاهد # خبط الهوى ع الباب، قلت الحليوه أهو جالي # أتار الهوى كداب، يضحك على القلب الخالي # ليه يا حمام بتنوح ليه، فكرتني بالحبايب # يا هلترى نرجع الأوطان ولا نعيش العمر غرايب # وذلك فضلا عن أنها كانت تغني أدوار عبده وكانت تقتصر في الليالي التي تغني فيها على ~~دورين اثنين فقط تلبية لطلبات الجماهير الذين ينزعون عن سماع غيرهما لتفننها في النغمات ~~وقت التكرار، وقد روى لي الأستاذ: محمد الشربيني ما يأتي: # جمع قبل الزواج عبده ms054 وألمظ عرس فخم بدار وجيه، فبدأ عبده فاصلا غنائيا خلب عقول ~~الحضور من تلامذة المدارس العليا والحربية وهواة ومحترفين. ولما انتهى منه قام عمران ~~مطيب «ألمظ» يتمايل كعزة الميلاء بملابسه الغالية، والخواتم بأصابعه، والكتينة والساعة ~~الذهب على صدره، وأخذ يخطب الجماهير كعادته المألوفة خطبة بمثابة مقدمة وقال «قولي لنا ~~يا ست «ألمظ»الدور الفلاني» وسماه حسب طلب الحضور، فأجابته وقالت «رايحه أقول إيه بعد ~~إللي قاله سي عبده» فرد عليها وقال: قولي إللي تقوليه. قولي يا فجل أخضر. فما لبثت ~~تفكر في ذلك مدة دقيقتين حتى رتبت للفجل دورا غنته ونال الاستحسان العام وكان مسك ~~الختام، ومن مزاياها أنها كانت تغني أحيانا في سراي الخديو إسماعيل في حضرة حرمه المصون ~~وهي تلعب النرد معه، مع رفع التكليف أو تلوح منديلا بيدها بدون أن تتحمل من تصعيد ~~غنائها أو تعاني فيه جهدا على حد ما كان يطلق عبده صوته في الفضاء متجاوزا مطارح ~~النسر، وهو يلعب بحبات السبحة الكهرمان أو العنبر التي كان يفركها بكلتا يديه ويشم ~~رائحتها، وكان لنغماتها الرنانة ما يذبذب في آذان سامعيها مدة من الزمن، كما كان ~~لصوتها من صدى يتكرر حدوثه بنفسه عدة مرات في السراي حين الغناء، ويكون سببه وجود سطحين ~~متآزيين على جانبي الصوت، يرد كل منهما صداه إلى الآخر كما يكون مثل ذلك في المرئيات ~~عند تقابل مرآتين متآزيين. # وكانت قمحية اللون واسعة العينين كثيفة الحاجبين مسحاء الثدي، وكان لها من عذوبة ~~المنطق وجمال العقل والقلب ما يجعل لها أسمى موضع من النفوس، إذ أن جمال العقل والقلب ~~سرمدي، وهو لأفضل من جمال الجسم الباطل الذي عرفه الفلاسفة وعلماء النفس ببغي قصير ~~الأمد وغدر صامت وأذى لاذ فلأجل ذلك أحبها عبده حبا انطوت تحته نغمة من نغمات حب ~~الوالدات وحنانها على الفطيم (وشبيه الشكل منجذب إليه) ومنعها من الغناء منعا باتا بعد ~~أن تزوجها، وكان تخته ليلة زفافها إليه مؤلفا من أكابر العازفين أمثال: أحمد الليثي ~~العواد، والجمركشي، وإبراهيم سهلون الكماني، ومحمد خطاب شيخ ms055 الآلاتية. وأبدع عبده في ~~الغناء إبداعا أخذ بمجامع القلوب، وكان مدلوله دمعة الباكي، وقبلة العابد، وتعزية ~~الحزين، وهادي المسافر، ورسول السلام، ومنعش المكتئب، ومحمس الجبان، ولا أبالغ إذا وصفت ~~غناءه في هذا المقام كبستان فيه الزهور والورود والرياحين يفوح شذاها على الحاضرين، أو ~~كمعرض تعرض فيه جميع النغمات الموسيقية التي خلقها الله وحصرها في صوت الإنسان حتى أضحى ~~في الشرق مهوى الأفئذة وبهجة الناظرين. # وقد روى لي الأستاذ محمد الشربيني أن الخديو إسماعيل كان يأنف من عادات العامة في ~~العويل والصراخ وراء الميت، ويتشآم من ذلك؛ فأصدر أمره الكريم بألا تمر الجنازات بساحة ~~عابدين، ولما سمع بوفاة «ألمظ» رخص لآلها بأن يمر جثمانها منها، ولدى وصوله أطل من ~~الشرفة بالسراي وترحم عليها مكبرا موسيقاها العربية، وكان ساكن الجنان الخديو ~~إسماعيل ولعا بالموسيقى العربية؛ فعين للمرحوم عبده 15 جنيها مرتبا شهريا، ولكل من ~~«ألمظ» وأحمد الليثي وإبراهيم سهلون ومحمد خطاب 10 جنيهات، واستمروا يتقاضون هذه ~~الرواتب بعد تولي الخديو توفيق الأريكة الخديوية، وانقطعت في عهد الخديو عباس. أما ساكن ~~الجنان السلطان حسين فكان ولعا بالموسيقى العربية (وهذا الشبل من ذاك الأسد) إلى أبعد ~~مدى بدليل أنه استدعى قبل وفاته بأربعين يوما تختا مصريا مكونا من الأساتذة: محمد ~~العقاد القانونجي، وسامي الشوا أمير الكمان، وعلى عبد الباري المطرب، وحسنين العواد، ~~والبرزي العازف على الناي، فغنوه غناء عربيا ذا صبغة شرقية وروح مصرية، انفسح له صدره ~~فأجزل لهم العطاء وأكرمهم إكرام إسماعيل أبي الأشبال، وصاح عند انصرافهم قائلا لهم ~~اطلبوا إلى الله أن يطيل في عمري ليتسنى لي القيام بإحياء الموسيقى العربية وتجديد ~~شبابها وإعادة مجدها الأثيل، ولم تعقب «ألمظ» نسلا بل تركت لزوجها الحسرة على فقدها. ~~كما أنها تركت له جواهر ونقودا ومفروشات وشالات كشمير زين بها رياشا لعدة غرف وبهو ~~وردهة منزله وستائر إلخ ومنزلا بدرب سعادة باعه قبل سفره إلى أوربا للاستشفاء، وقد غنى ~~عقب وفاتها المذهب الآتي على نغمة العشاق: # شربت الصبر من بعد التصافي # ومر الحال ما عرفتش ms056 أصافي # يغيب النوم وأفكاري توافي # عدمت الوصل يا قلبي علي ~~(دور) # على عيني بعاد الحلو ساعة # ولكن للقضا سمعا وطاعة # دي غرشى الروح في الدنيا وداعة # عدمت الوصل يا قلبي علي # ولما كان هذا المذهب وهذا الدور مدونين بالنوتة عن عبده بالمعهد الملكي بمعرفة ~~الأستاذ: داود حسني لم يا ترى لم يتلقنه الطلبة فيه احتفاظا بسحر الموسيقى الشرقية، ~~وتوجد غيرهما أدوار له ولمحمد عثمان وإبراهيم القباني، فما فائدة تدوينها الذي صرف ~~عليه مبلغ طائل وهي من مودعات الخزائن؟ # الفصل السابع # | أزواج عبده الخمس # كانت زوجته الأولى منذ ارتفع عن سن الحداثة ابنة المعلم شعبان القانونجي من طنطا، و ~~«ألمظ» الثانية، والثالثة من جهة الأمام الشافعي التابعة لقسم الخليفة خلفت له محمودا الذي ~~سيأتي الكلام عليه، أما الرابعة فقد رزق منها بنات فقط كانت إحداهن المدعوة زينب تزوجت من ~~محمد بن محمود القرا حنفي شيخ طائفة الطباخين من ذوي اليسار، طلقت منه مرة واحدة، ولما ~~تصالحت مع زوجها أسكنهما عبده معه تأليفا لقلبيهما وعطفا على ابنته بداره بالجزيرة ~~الجديدة المشهورة بجزيرة العبيط تبع قسم عابدين التي كانت مسكنه الثاني بعد مسكن حلوان، ~~وتزوج محمد العقاد الكبير من الثانية منهن بعد وفاة والدها، وقد توفاهن الله جميعا، أما ~~زوجته الخامسة وهي الأخيرة فهي سيدة تركية اسمها جولتار هانم، وهي من أسرة كريمة بينها وبين ~~عائلة المرحوم: أحمد باشا رأفت قرابة، وكان الأخير محافظ الإسكندرية، فمأمور ديوان الخديو ~~إسماعيل. خلفت له محمدا، وكان حين وفاة والده يبلغ من العمر أربع سنوات ربته أمه تربية ~~حسنة وبعثته بعد إتمام دراسته بمصر إلى ألمانيا ليتعلم الطب، وبعد أخذ الشهادة دخل في خدمة ~~مصلحة الصحة، وله شقيقة واحدة متزوجة في طنطا، وقد نقل الله والدتهما إلى دار كرامته في ~~أواسط شهر مايو سنة 1935، وقد عين باسيلي بك عريان قيما عليهما حتى بلغا سن الرشد. # محمود ولده # كان محمود أسمر اللون نحيف البدن مربوع القامة ساهم الوجه، ما تعرفت به ليلة زواج ~~المرحوم: يوسف شديد بالزقازيق، وقد ms057 مات بالسكتة القلبية. أما فيما يختص بزمن وفاته، فقد ~~اختلفت الرواة فيهم. فمنهم من قال إنه مات ليلة زفافه، ومن قائل إنه مات بعد مرور ستة ~~وعشرين يوما على زواجه، وما ذهب إليه الثاني هو الأصح الذي لا شك فيه استنادا إلى ما ~~أستقصيته من أخيه الدكتور محمد الحمولي. # ومما لا يختلف فيه اثنان أن المرحوم والده عندما بلغه الخبر المشئوم بوفاته تمالك ~~وتماسك كأنه طود من الأطواد، وكأني بالحمولي الحمول للنائبات، الجلد على الخطوب ~~والنوازل، وغنى مرتجلا: # الصبر محمود لمثلي على حبيبي وبعده # والنار في القلب ترعى والرب يلطف بعبده # وغنى مرتجلا أيضا: # ليه يا عين ليه يا عين # يا حليوة يا نور العين # كبدي يا ولدي يا جميل يا جميل لما # رأيت البدن داب مني # ودمع عيني جرى بعد أن نشف مني # كبدي يا ولدي آه يا جميل يا جميل. # وكثيرا ما كان محمد عثمان ينهاه عن الاستسلام إلى الحزن ويقطع عليه وجهة الابتكار ~~والتصنيف لمثل هذه الأغاني المحزنة؛ محافظة على البقية الباقية من صحته. # أمراضه وآلامه # أما عن أمراضه وآلامه فحدث عنها ولا حرج، وإليكم ما ذكره إبراهيم بك المويلحي بجريدة: ~~(مصباح الشرق) بحروفه «فلم يفارقه داء الصداع طول حياته، وكانت إذا اعترته نوبته ألقته ~~على الأرض صريعا يتخبط في أشد الآلام لا يكاد من يراه على تلك الحال يصدق بنجاته منها، ~~فإذا أفاق لزم الفراش من عظم وقعها مدة طويلة ولم ينجع في ذلك الداء معالجة الأطباء، ~~وكان رحمه الله جلدا صبورا على تحمل الآلام في نفسه وبدنه، فقد أصابه غير هذا الداء ~~من الأمراض علل كثيرة بعضها في إثر بعض، حتى كان يقول أنه قضى ثلثي أيام حياته في ~~المرض، والثلث في مراعاة خواطر الناس. وقد أصيب بخراج في الكبد استعصى على الأطباء ~~أمره ويئسوا فيه من نجاته حتى امتنعوا عن العملية الجراحية وقرروا أن النجاح فيها كنسبة ~~الواحد إلى المائة، فألح عليهم المرحوم بوجوب عملها على أية حال، فعملوا له عملية ~~البزل، فلم يخرج ms058 من الأنبوبة شيء؛ فتركوها في جوفه بمبزلها، وأمروه أن يستمر راقدا على ~~ظهره لا يتقلب على أحد جنبيه طول ليله، وأنذروه إن هو تحرك وانفلتت الأنبوبة من مكانها ~~قضي عليه، ثم وكلوا به من يحرسه واستمر في حالته التي تركوه عليها إلى أن غشيه النعاس ~~في آخر الليل، وغفل الحارس عنه برهة فانقلب على جنبه، فأصاب سن المبزل رأس الخراج من ~~طريق الاتفاق، فلم يشعر الحارس إلا وقد سال الصديد حول الفراش، وأيقن بالخطر وأسرع إلى ~~الطبيب، فلما حضر وفحص حالته قال: «إن يد القدرة قامت بما عجزت عنه يد الأطباء». # وما كاد يشفى من هذه العملية حتى ظهر في الكبد خراج آخر، فعملت له عملية ثانية ~~بالإسكندرية. ثم أصيب بعد ذلك في سنة 1888م بالتهاب في الرئة، فكان ينفث الدم وتأكل جزء ~~من إحدى الرئتين، ومن هنا ابتدأ الداء الذي مات به، فعالجه الأطباء وأشاروا عليه بسكنى ~~حلوان فسكنها ووقف سير الداء فيه، وسافر المرحوم في سنة 1896 إلى الأستانة العلية، وحظي ~~هناك بالمثول في الحضرة الشاهانية مرارا، فأعجب أمير المؤمنين بمهارته في فنه وحسن ~~أدائه فأسنى عطيته وبلغه حسن رضائه ا.ه. # ترفعه عن وظيفة مغن # وقال أيضا ما أنقله بنصه حرفيا: «كان المرحوم الحمولي كبير النفس علل الهمة يحاول ~~الارتفاع عن وظيفته، وسعى في الخروج منها مقتصرا على الاشتغال بالفن لذاته لجهل الناس ~~في جيلهم الماضي بعلو قدر هذا الفن، وغفلتهم عن جلال منزلته بين الفنون، وناهيك به أن ~~أفلاطون وهو حكيم الحكماء جعله في مقدمة علوم الحكمة، وأول مراتب التهذيب، وقد عمد ~~المرحوم إلى ذلك بالفعل في أيام المغفور له إسماعيل باشا فترك مزاولة صناعته بالأجرة ~~بين الناس وخرج من زمرة المغنين إلى زمرة التجار غير طامع في الذهب الذي كان يسيل من ~~حياله بممارسة صناعته في تلك الأوقات. فافتتح محلا لتجارة الأقمشة اشترك فيه مع بعض ~~التجار بمبلغ عشرين ألف جنيه، فما مضى عليها عشرون شهرا إلا وانتهت به سلامة نيته وحسن ~~ثقته أن خرج منها ms059 صفر اليدين مدينا للشريك، دائنا للناس يمنعه الخجل ويحجبه الحياء عن ~~طلب الوفاء، ولم يمتنع في أثناء ذلك عن الغناء بين الناس، بل امتنع عن طلب الأجر عليه، ~~إلى أن عادت به حاجة العيش إلى مزاولة صناعته كما كان في أول أمره. ولم يزل يتطلع إلى ~~غرضه في الانقطاع عنها كما فعل، ودهره يحول دونه فلا يستطيع بلوغه إلى آخر ~~مدته». # فيستدل من كل ذلك أنه أرفع من أن تحوم نفسه على استغلال مواطنيه والاتجار بالفن، وأن ~~فراره من المهنة هو محمول على شرف نفسه وإبائه، كما أن استمراره في الغناء بلا أجر في ~~أثناء اشتغاله بالتجارة دليل على زهده في المال وانصرافه عنه مما يخالف على خط مستقيم ~~حال المطربين المجددين في زماننا المادي في القرن العشرين. وحال قريش فكان عمر يرقع ~~ثوبه بالجلد، وكان علي (رضى الله عنه) يقول للمسكوك من العملة: «يا صفراء يا بيضاء غزي ~~غيري». # الموسيقار العربي يلبي دعوة المنيلاوي # دعا الشيخ يوسف المنيلاوي المرحوم عبده الحمولي وحضرة مخائيل بك تادرس وآخرين لتناول ~~الغداء بمنزله بكوبري القبة بعد أن اشترط الثاني على الأول ألا يأكل عنده إلا أكلة ~~مصرية بحت كالملوخية «المطراوي» المطبوخة بمرق الأرانب «البلدي» الشمرت، فجهز الشيخ ~~يوسف ذلك على الطراز المراد، وأخذ المدعوون يغدون إلى داره وحضر عبده بملابسه العربية ~~المكونة من جلباب جوخ وعباءة وكوفية «محلاوي» وبيده عصا أبنوس شغل أسيوط، فلما استقر به ~~المقام وتفقد أخوانه المدعوين لم يجد بينهم صديقه الحميم مخائيل بك تادرس، وما لبث أن ~~أمسك بالعود ليغني حتى قدم الأخير مهرولا وقال له إنه حضر قبل انصراف الديوان بساعتين ~~إكراما لخاطره بعد أن استأذن من أحمد فريد باشا رئيس الدائرة السنية آنئذ بالانصراف ~~بحجة أن أمرا مهما طرأ عليه، وأخذ يغني ويبدع حتى الساعة الخامسة بعد الظهر، ~~واستغنى الحضور عن الغداء بما غذى نفوسهم من غناء. وليس هنا محل الغرابة ولكن المستغرب ~~أن الشيخ: يوسف على ما هو معدود من أكابر المنشدين وأشهر المطربين فإنه تأثر ms060 من حسن ~~إلقائه حتى صاح قائلا «سبحان الوهاب سبحان الوهاب» والدموع تتساقط على خديه على حد ما ~~حدث للأستاذ: الأسواني العواد الفذ فإنه بعد ما سمع عبده يغني دور (يا أهل العجب شوف ~~حبك كواني تعالى شوف) دهش وتعجب من حسن إلقائه وغريب تصرفه الفني، ومال نحو الأستاذ: ~~أحمد نسيم الشاعر الموظف بدار الكتب وقال له ليس العجب أن يعجب الحاضرون بغنائه الفريد ~~المدهش وهم لا يعرفون للفن قبلة ولا دبرة، بل الأعجب هو أن أكون أكثر دهشة منهم على ~~ما أنا عليه من تضلع من الموسيقى وأصبح أحير من ضب لا أتمكن من الاهتداء لمعرفة كيف علا ~~صوته وانخفض في لفظة «العجب»، وتجمع وتفرق وتداخل وتخارج وتأصل وتفرع وأوغل وتخلص وتوغر ~~وتسهل وأغار وتسلسل، وأردف قائلا إنه لو خير بين مدينة لندن ولفظة العجب لفضل ~~الأخيرة على الأولى وما عليها، وكانت له بحة حلق طبيعية وعربية وإليكم ما قاله كشاجم ~~في بحة حلق المغني: # أشتهي في الغناء بحة حلق # ناعم الصوت متعب مكدود # كأنين المحب أضعفه الشو # ق فضاهى به أنين العود # لا أحب الأوتار تعلو كمالا # أشتهي الضرب لازما للعود # وأحب المجنبات كحبي # للمبادي موصولة بالنشيد # كهبوب الصبا توسط حالا # بين حالين شدة وركود # المواويل (المواليا) # أذكر أوائلها وهي كالآتي: «يا مفرد الغيد يا سيد الملاح يا سيد» و«ما حد زيي على خله ~~إنضنى حاله» و«محبكم داب وأنتم لم دريتوا به» و«حبك شغلني عن الخلان وألهاني» ولما ~~للموال الآتي من منافثة أذكره برأسه: # أهل السماح الملاح دول فين أراضيهم # أشكي لهم ناس لم يعرف أراضيهم # وكم حفظت الوداد ونسيت مواضيهم # إن غبت عنهم بنار البعد انكوى # وإن مسني قرب تجرحني مواضيهم # فلما كرر عبده عبارة «دول فين أراضيهم أجابه محمد بك البايلي الفكه» وقال: «في البنك ~~العقاري» اسألني أنا أقول لك ولا تتعبش «ملا حبيبي كؤوسي قلت وأنا مالي» و«موارد الصبر ~~أحلالي وأسمى لي» و«مين في الفؤاد يا حبيبي غير جمالك مين» و«وحق من أطلعك يا فجر ~~متحني» ms061 و«يا ناس أنا منيتي حلو اللمى ولطيف» و«بالبخت كنت أفتكر بالأنس ودا جالي» و«يا ~~اللي القمر طلعتك يا بو قوام عادل» و«يا اللي عليك الليالي نبكي ونناهد» و«وحيد الحسن ~~يا اللي كل الجمال منك» و«من حق سود العيون يابو خدود وردي» و«مر الغزال الفريد من بعد ~~ما سلم» و«قم في دجى الليل ترى بدر الجمال طالع» و«عوازلي فيك أطالوا اللوم وعيوني» ~~و«يا حادي العيس خليني أسير وحدي» و«يا بدر تم الجميل واطلع لنا بدري» و«يا بدر داري ~~عيونك وخلي الخد باين لي» و«يا بدر إيه العمل حيرت أفكاري» و«الليل أهو طال وعرف الجرح ~~ميعاده» و«بدال ملامك لأهل العشق عللهم» و«إمتى الحبايب ييجو ونشوف لواحظهم» و«فيك ناس ~~يا ليل يشكوا لك مواجعهم» و«ليه حاجب الظرف يمنعني وأنا مدعي» و«الفجر أهو لاح قوموا يا ~~تجار النوم» و«كل البدورا بتورد وخلي لم ورد بدري». # الفصل الثامن # | القصائد التي غناها # قصيده لابى فراس # أراك عصي الدمع شيمتك الصبر # أما للهوى نهي عليك ولا أمر # نعم # 1 # أنا مشتاق وعندي لوعة # ولكن مثلي لا يذاع له سر # إذا الليل أضواني بسطت يد الهوى # وأذللت دمعا من خلائقه الكبر # تكاد تضيء النار بين جوانحي # إذا هي أذكتها الصبابة والفكر # معللتي بالوعد والموت دونه # إذا مت ظمآنا فلا نزل القطر # تسائلني من أنت وهي عليمة # وهل بفتى مثلي على حاله نكر # فقلت كما شاءت وشاء الهوى لها # قتيلك، قالت، أيهم فهم كثر # وقالت لقد أزرى بك الدهر بعدنا # فقلت معاذ الله بل أنت لا الدهر # قصيدة لآخر # أسرت فؤاد المستهام عزيزة # ملكت قلوب العاشقين بأسرها # جلست على عرش الجمال فأشرقت # شمس الجمال تضيء ساحة قصرها # من قال أن أشكو الغرام وإنني # لأقل قدرا أن أموت بحبها # أنا عبدها # 2 # مهما تحكم أمرها # في كل حال عاجز عن شكرها # في الشرق شمس للنهار نظيرها # في الغرب بدر ليس يغرب نورها # قصيدة لآخر # فيا مهجتي ذوبي جوى وصبابة # ويا لوعتي كوني كذاكي مذيبتي # ويا نار أحشائي أقيمي في الجوى ms062 # حنايا ضلوعي فهي غير قويمة # قصيدة ليزيد بن معاوية # نالت على يدها ما لم تنله يدي # نقشا على معصم أوهت به جلدي # كأنه طرف نمل في أناملها # أو روضة رصعته السحب بالبرد # خافت على يدها من نبل مقلتها # فألبست زندها درعا من الزرد # أنسية لو رأتها الشمس ما طلعت # من بعد رؤيتها يوما على أحد # سألتها الوصل قالت لا تغر بنا # من رام منا وصالا مات بالكمد # فكم قتيل لنا في الحب مات جوى # من الغرام فلم يبد ولم يعد # قد خلفتني طريحا وهي قائلة # تأملوا كيف فعل الظبي بالأسد # واسترجعت سألت عني فقيل لها # ما فيه من رمق دقت يدا بيد # واستمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت # وردا وعضت على العناب بالبرد # هم يحسدوني على موتي فوا أسفي # حتى على الموت لا أخلو من الحسد # قصيدة لآخر # حجبوها عن الرياح لأني # قلت يا ريح بلغيها السلاما # فتنفست ثم قلت لطيفي # ويك إن زرت جفنها إلماما # حيها بالسلام سرا وإلا # منعوها لشقوتي أن تناما # قصيدة لآخر # تذلل لمن تهوى فليس الهوى سهل # ففي حبه يحلو التهتك والذل # تذلل له تحظ برؤيا جماله # إذا رضي المحبوب صح لك الوصل # الفصل التاسع # | ما اخترته من ألحان المرحوم عبده الحمولي # (1) مذهب عراق # فؤادي أسألك قول لي # تعلمت الهوى دا منين # وتاه فكري معاه قال لي # أنا حاضر وأنت فين ~~(دور) # غرايب والنبي سيرك # وحق اللحظ والخدين # أنا قلبي ما فيه غيرك # وليه قلبك يساع اثنين ~~(2) مذهب حجاز كار # مليك الحسن في دولة جماله # ملك عقلي وأفكاري وروحي # ومن تيهه أسر قلبي جماله # وزاد في محبته وجدي ونوحي # أنا عاشق ومغرم يا حبيبي # ومن مثلي عشق يا حلو مثلك ~~(دور) # أنا عاشق ومغرم يا حبيبي # وزاد في محبته وجدي ونوحي # أعيش مسعد ولو يزداد لهيبي # وأتهنى بأنعامك ووصلك ~~(3) مذهب حجاز كار أيضا # الله يصون دولة حسنك # على الدوام من الزوال # ويصون فؤادي من نبلك # ماضي الحسام من غير قتال ~~(دور) # أشكي لمين غيرك حبك # أنا ms063 العليل وأنت الطبيب # اسمح وداويني بقربك # واصنع جميل إياك أطيب ~~(4) مذهب حجاز كار # كنت فين والحب فين # لم يفارق لحظ عين ~~(5) مذهب بياتي # أنا السبب في اللي جرى # ما حد غيري اللي انظلم ~~(6) مذهب نهوند # يا منية الأرواح # جد لي بوصلك يوم # العقل مني راح # وهجر عيوني النوم # والمدامع مطر # يا شقيق القمر # والقليب انفطر # وازداد عذولي لوم ~~(دور) # دا الهجر يا روحي # زاد الفؤاد أشجان # ارحم بقا نوحي # واسمح يا غصن البان # انعطف لي وميل # والنبي يا جميل... # واشفي صب عليل # في محبتك حيران ~~(7) مذهب نهوند # جاني الجميل والكاس على يده # عمل أبيبة من ورد خده # أسر فؤادي من حسن قده # حبيت ولكن وعد علي ~~(دور أول) # ليه الدلال يا حلو زايد # دا هجر منك والا وحايد # جعلت حبك من الفرائض # حبيت ولكن وعد علي ~~(دور ثان) # محبوب قلبي يكفي دلال # البعد طول ولا أنت مالك # واصل يا حبي واترك دلالك # حبيت ولكن وعد علي ~~(8) مذهب حجازي دوكة # أنت فريد في الحسن - والا جمالك # يا حلو واصل وكيد الأعادي - يكفي دلالك ~~(دور أول) # من علمك على الدلال - والا دا طبعك # كوى فؤادي الجبين والخال - احكم بشرعك ~~(دور ثان) # اسمح وجود بالوصال - يا نور عينيه # كوى فؤادي الخديد والخال - ارحم شوية ~~(9) مذهب رصد # فؤادي جد به حالات # لمين يا حلو أشكيها # وتحكم لي أنا ساعات # أشاهد موقفي فيها ~~(دور) # حياتي بعد بعدك نوح # ووعدي ضيعك مني # وهو أنت الفدا للروح # وليه ترضى البعاد عني ~~(10) مذهب بياتي قديم وله تلحين آخر جركة # في مجلس التفريح مليت المدام - للي أحبه # فقلت له عبدك ضناه الغرام - اسمح بقربه ~~(دور أول) # سقمي ظهر لما هجر باهي الجمال # يا رب يسمح # الشعر جعدي والخد وردي والمسك خال # واللحظ يجرح ~~(دور ثان) # يا ناعس الأجفان أطلت الدلال # والوصل ماله # إن جدت للمشتاق بطيب الوصال # يفديك بماله ~~(دور ثالث) # جسمي انتحل لما رحل حلو الدلال # والخصر خده # إمتى يجيبني واشرب مدام # من صحن خده ~~(11) مذهب جهار كاه ms064 # الحب صبحني عدم # والجسم منى زاد سقام - شوف يا جميل # ارحم محبك بالوصال # واترك بقى هذا الدلال - واصنع جميل ~~(دور) # يا منيتي إيه السبب # في دى الخصام اللي جرى - قوللي عليه # هو عذولي جالك ولام # علشان كده عامل خصام - وأنا ذنبي إيه ~~(12) وكان في ضمن الأدوار والقطع التي اشتهر بغنائها ما يأتي بالإيجاز # يا منية الأرواح، روح يا عذول يا فاضي، أنا وحبيب راضي، عذول وعامل قاضي... إلخ. # ويا سيدي خدك وردي... إلخ. ويوجد مذهب قديم (رصد) غناه كثيرا وهو كالآتي: # توبي يا حلوه توبي # أنت قصدي ومطلوبي # شوفوا حالي يا أخونا # دا العشق من الله وعدي ومكتوبي # إزاي أتوب يا لسمر # ريقك أحلى من السكر # أنا أتوب وأنت تسكر # دا العشق من الله وعدي ومكتوبي ~~(13) مذهب عشاق (لحنه عقب موت «ألمظ») # شربت الصبر من بعد التصافي # ومر الحال ما عرفتش أصافي ~~(سبق ذكره) ~~(14) مذهب سيكاه # متع حياتك بالأحباب # سعدك قمر ~~(تقدم بيانه) # مذهب حسيني دوكاه: # جددي يا نفس حظك # منيتي الهاجر تعطف # مذهب شرحه: # حظ الحياة يبقى لروحي # لما الهوى يجي سوا # يا قلبي طال نوحك ونوحي # واللي جرح عنده الدوا ~~(دور) # سحر الجفون خد مني قلبي # وأنا أعمل إيه في دى الهوى # يا ناس عجيب السقم زاد بي # واللي جرح عنده الدوا # مذهب كردان: # شربت الراح في روض الأنس صافي # على زهر الغصون وردي وصافي # وهناني الزمان والوقت صافي # سمح بالوصل محبوبي إلي ~~...الخ # شرحه # المطر يبكي لحالي # والقمر يطلع يكيدني # وعذولي ما رثى لي... إلخ # مذهب أوج # ياللي خليت م الحب # حسك تلامسني # أحسن أنا هوه # تصبح جريح القلب # وتحب صدقني # بالغصب والقوة # مذهب حجاز # فؤادي من لحاظك يا حبيبي # وليه جرحته والوصال هو مرادي # وسقمي زاد ولم طفيت لهيبي # فرفقا يا رشا واترك عنادي ~~... الخ # مذهب بياتي # قده المياس زود وجدي # في شرب الكاس قضيت عمري # ده حبه كاس وسبب وعدي # طول ليلي سهران ارحم قلبي # مذهب بياتي أيضا # بسحر العين تركت القلب هايم # ولا في ms065 الفكر غيرك كل ليلة # أشوف طيفك وأنا صاحي ونايم # كأني في هواك مجنون ليلي ~~...الخ # مذهب شورى # حبيت جميل طبعه الدلال # بالبدع والتيه أفناني # قصدي يتوب عن الخصام # وأقول حبيبي يا ناس هناني ~~(دور) # لو كان وفاني بوعده يوم # لو في المنام زارني طيفه # ما كان كفاني لذيذ النوم # لكن ده كله على كيفه # مذهب بياتي دارج # الحلو لما انعطف # أخجل جميع الغصون # الخد لما انقطف # ورده بغير العيون ~~... الخ # مذهب نو أثر # كل يوم أشكي من جراح قلبي # وكل ما أشكي من نار الغرام # العذول يفرح من بعاد حبي # والله أنا ما أسلاه لو زاد الملام # مذهب نهاوند # أهين النفس وأتذلل إليكم # وأقول للقلب ذق نار الغرام # يقضيني عذابي حرام عليكم # يدوم لي حسنكم طوال الدوام # مذهب نهاوند # كادني الهوى وصبحت عليل # مثل النسيم في روض الحسن # حبي قمر طالع على غصن # كله أدب وطرب وجميل # مالوش مثيل # فمن قائل إنه تلحين محمد عثمان، ومن قائل إنه تلحين عبده كما جاء في كتاب الموسيقى ~~الشرقي لمحمد كامل الخلعي: # مذهب حجاز كار # غرامك علمني النوح # يا حبيب القلب شوف # مع طيفك أرسلت الروح # أترجاك تعمل معروف # ومما رواه لي حضرة الأستاذ: بطرس باسيلي بن المرحوم: باسيلي بك عريان صديقه ورئيس قلم ~~النشر والترجمة بوزارة الزراعة أجتزئ بما يأتي: # لما شعر عبده بدنو أجله غادر حلوان ولما وصل إلى مصر أقلته عربة إلى منازل أصدقائه ~~الذين زارهم واحدا واحدا واستودعهم الله إلى اللقاء، وأعطي الحوذي جنيها واحدا ~~أجرته، وبعد قليل من الزمن انطلقت في فجر الأحد الواقع 12 مايو سنة 1901 ألسنة البرق ~~بما أصم المسامع حاملا نعيه إلى ذويه ومريديه وأصدقائه في أنحاء القطر المصري خصوصا ~~والشرق عموما، فقضي مأسوفا عليه مزودا بصالح الأعمال تاركا من جميل الذكر ما يستدر ~~عليه المراحم مدى الدهور. # الفصل العاشر # | قصيدة المرحوم أحمد شوقي بك أمير الشعراء # التي جادت بها قريحته الفياضة وتعد رمزا للوفاء وصدق العهد للمرحوم: عبده الحمولي قال: # ساجع الشرق طار ms066 عن أوكاره # وتولى فن على آثاره # غاله نافذ الجناحين ماض # لا تفر النسور من أظفاره # يطرق الفرخ في الغصون ويغشى ~~(لبدا) في الطويل من أعماره # سلب الفن ألحن الطير فيه # والمتين المكين من أوتاره # كان مزماره فأصبح داو # د كئيبا يبكي على مزماره ~~(عبده) بيد أن كل مغن # عبده في افتنانه وابتكاره # معبد الدولتين في مصر إسحا # ق السعيدين رب مصر وجاره # في بساط الرشيد يوما ويوما # في حمى جعفر وضافي ستاره # صفو ملكيهما به في ازدياد # ومن الصفو أن يلوذ بداره # يخرج المالكين من حشمة المل # ك وينسي الوقور ذكر وقاره # رب ليل أغار فيه القمارى # وأثار الحسان من أقماره # بصبا يذكر الرياض صباه # وحجاز أرق من أسحاره # وغناء يدار لحنا فلحنا # كحديث النديم أو كعقاره # وأنين لو أنه من مشوق # عرف السامعون موضع ناره # يتمنى أخو الهوى منه آها # حين يلحى تكون من أعذاره # زفرات كأنها بث قيس # في معاني الهوى وفي أخباره # لا يجاريه في تفننه العود # د ولا يشتكي إذا لم يجاره # يسمع الليل منه في الفجر يا لي # ل فيصغي مستهملا في فراره # فجع الناس يوم مات الحمولي # بدواء الهموم في عطاره # بأبي الفن وابنه وأخيه # والقوي المكين في أسراره # والأبي العفيف في حالتيه # والجواد الكريم في إيثاره # يحبس اللحن عن غني مدل # ويذيق للفقير من مختاره # يا مغيثا بصوته في الرزايا # ومعينا بماله في المكاره # ومجل الفقير بين ذويه # ومعز اليتيم بين صغاره # وعماد الصديق إن مال دهر # وشفاء المحزون من أكداره # لست بالراحل القتيل فتنسى # واحد الفن أمة في دياره # غاية الدهر إن أتى أو تولى # ما لقيت الغداة من أدباره # نزل الجد في الثرى وتساوى # ما مضى من قيامه وعثاره # وانقضى الداء باليقين من الحا # لين فالموت منتهى إقصاره # لهف قومي على مخايل عز # زال عنا بروضه وهزاره # وعلى ذاهب من العيش ولي # ت فولي الأخير من أوطاره # وزمان أنت الرضا من بقايا # ه وأنت العزاء من آثاره # كان للناس ليلة حين ms067 تشدو # لحق اليوم ليله بنهاره # الفصل الحادي عشر # | مرثية جريدة المقطم # للمرحوم عبده الحمولي # جاء بالمقطم عدد 3683 بتاريخ 13 مايو سنة 1901 ما يأتي: # فقدت مغاني الأنس ضحوة أمس منعش الصدر ومطرب النفس المرحوم: عبده أفندي ~~الحمولي؛ فخرست الدفوف وقطعت أوصال الأعواد حزنا وأسى على أشهر من اشتهر في مصر ~~بالغناء والتلحين، قضي رحمه الله مناهزا الستين من عمره بعد ما بسم له الدهر فنال ~~الحظوة من الملوك والأمراء والعظماء، وكان سمحا جوادا أنيسا محبوبا من صحبه ~~ومعاشريه. # أصيب بعلة منذ عهد قريب فقصد الصعيد مستشفيا حتى إذا عاد إليه أمل الشفاء أشار ~~عليه الأطباء بالسكن في حلوان فلم يدفع ذلك عنه مقدورا. وكان من رجال الخير وخير ~~الرجال همة في المساعدة والإسعاف فقد أحيا الليالي التي لا تحصى وهو يطرب المدعوين ~~في الأندية والحفلات التي خص دخلها بإنشاء المدارس أو بإعانة الفقراء والمحتاجين. # وقد جيء بجثته بعد الظهر من حلوان إلى مصر، ثم شيعها خلق كثير جدا من ~~الأعيان والوجهاء والأدباء إلى مدفنه في باب الوزير، وأقيم مأتمه البارحة في ~~منزله بالعباسية، وسيقام فيه الليلة والليلة الآتية أيضا، ويقتصر فيه على ثلاث ~~ليال. سقى الله مثواه وابل الرحمات وأجمل عزاء ذويه والمصريين عموما فيه. # الفصل الثاني عشر # | مرثية جريدة الأهرام # جاء في الأهرام عدد 7036 للسنة السادسة والعشرين بتاريخ 13 مايو سنة 1901 عن وفاة ~~المرحوم: عبده الحمولي ما يأتي: # فاضت روح المطرب المبدع والموسيقي الشهير، فاضت روح عبده أفندي الحمولي على أثر ~~داء عياء؛ فحق لمصر أن تحزن لوفاته بقدر ما كانت تطرب بنغماته، بل حق للموسيقى ~~العربية أن تبكيه، وتستعظم الخطب فيه، فقد كان فخارها ومعلي منارها في هذا القطر، ~~بل في كل قطر نطق أهله بالضاد. # وكان رحمه الله كريم الشيم، عزيز النفس، رقيق الجانب، ونال الحظوة لدى الأمراء ~~والكبراء، وما انتشر نعيه حتى شمل الأسف كل عارفيه - وكثير ما هم - وفي الساعة ~~الثالثة بعد الظهر أمس نقلت جثته من حلوان إلى القاهرة وشيعت بمشهد ms068 لائق وبعد أن ~~صلي عليه دفن في مدفنه بباب الوزير. # وما زاد الأسف عليه وكان من أكبر الدلائل على كرمه وسخائه أنه ترك صبية صغارا ~~ليس لهم من عضد ولا سند سوى ذكر أبيهم، فعسى يبقى لصدى صوته بقية تؤثر في القلوب ~~رحمه الله أوسع الرحمات. # الفصل الثالث عشر # | رأي في الموسيقى الشرقية والغناء العربي # للعلامة الجليل صاحب العزة خليل بك ثابت، رئيس تحرير المقطم الأغر بمناسبة الاحتفال ~~بإحياء ذكرى عبده الحمولي # ذكرت جريدة المقطم الأغر بعدد 14182 بتاريخ: 24 يوليه سنة 1925 ما يأتي: # نشرنا يوم الجمعة الماضي وصفا لحفلة إحياء ذكرى المغفور له خالد الذكر عبده ~~الحمولي وقد أقيمت على مسرح حديقة الأزبكية يوم الثلاثاء 16 يوليو بدعوة من حضرة ~~الأستاذ قسطندي رزق. # وننشر فيما يلي الكلمة التي ألقاها الأستاذ، مصطفى الحكيم، وقد كتبها حضرة رئيس ~~تحرير المقطم في هذه الحفلة لما فيها من التنبيه على حالة في الغناء العربي الجديد ~~يراها حضرة العلامة المتواضع صاحب العزة: خليل بك ثابت، رئيس تحرير المقطم، جديرة ~~بعناية أرباب الفن الموسيقي حرصا على أصول الغناء العربي. ~~••• # عزيزي الأستاذ قسطندي رزق: # وطنت النفس على أن أشهد احتفالك الكبير بذكر أمير الغناء العربي في عصر نهضة مصر ~~الحديثة، وأن أشاركك وأنصار هذا الغناء المجتمعين الليلة لذكرى الفقيد العظيم، غير ~~أن طارئا لم أكن أتوقعه طرأ علي، وحال دون تحقيق هذه الأمنية. # ولا أحاول هنا التنويه بما شهدت من عظيم غيرتك وحميتك في السعي لإحياء ذكرى عبده، ~~وإطلاع أبناء هذا العصر على ما فاتهم مما تمتع به أبناء العصر الماضي فجزاؤك على ~~هذا ما أنت شاعر به الساعة من اغتباط وارتياح وهو خير ما يجزي به العاملون. # ولكن اسمح لي أن أضيف إلى جهدك الذي بذلت بالدعوة باللسان والقلم تنبيه أنصار ~~الغناء العربي والموسيقى الشرقية إلى ما نحن مصابون به الآن وما نتوقعه إذا استمرت ~~هذه الحال. # فقد ابتلينا بداء (التجديد) هذا في كثير من أمورنا - في اللغة والعادات ثم امتد ~~إلى الغناء فأصيب ms069 الغناء العربي بهذا «الإلحاد الفني» المشهود الآن، والذي يؤذي ~~أسماع وقلوب عارفي هذا الفن والمعجبين به، ولا أنكر أننا اقتبسنا في الأصل جانبا ~~يذكر من غنائنا من الفرس، ولا نزال نستعمل في موسيقانا الألفاظ الفارسية للأنغام ~~والسلم الموسيقية، ولكن كر الأيام وانقضاء الأعوام صقلا هذا كله فألفناه وأحببناه. # ولا بد لغنائنا وموسيقانا من أن يتأثر باتصالنا بالغرب وموسيقاه المتقنة المهذبة ~~الأصول والفروع، ولا ريب في أننا من الناحية الفنية مقصرون عن الغرب تقصيرا ~~كبيرا، ولكن هذا لا يعني وجوب تطليق فننا أو مسخه، فلا يبقى شرقيا ولا يصير ~~غربيا. # فإذا قيل إن هذا تحول أو «تطور» قلت إنه تحول بغير ضابط وإفساد للذوق. # لست من خصوم التجديد غير أني - وأنا من عارفي أصول الموسيقى الشرقية والغربية ومن ~~الذين درسوها وألفوا العزف على بعض آلاتها - أشعر بأننا بهذا الإلحاد الفني المسمى ~~خطأ تجديدا خاسرون، ومن سوء الحظ أن يستعان على هذه الضلالة بذوي الأصوات الرخيمة ~~المحبوبة من الجمهور من مغنين ومغنيات؛ فإن جمال أصواتهم يستهوي الأفئدة ويطرب ~~السامع فلا يفطن الناس إلى الإلحاد الموسيقي والخروج على أصول غنائنا الذي هو من ~~مميزاتنا. # أترى من الضروري أن أذكر حكاية الغراب الذي أراد أن يقلد مشي الحجل أو يكفي ما ~~تقدم. # فعسى هذا الاحتفال بإحياء ذكرى أشهر مغن مصري في عصر نهضتنا الحديثة أن ينبه ~~المشتغلين بالموسيقى الشرقية والغناء العربي إلى ما نحن مستهدفون له من فعل هذه ~~العاصفة التي أخذت تهب علينا والتي يخشى من أن تكتسح ما بقي لنا من هذا الفن ~~البديع؛ فننبذ الحرير الطبيعي مأخوذين ببهاء الحرير الصناعي وهو دون ذاك. # والله يهدينا جميعا إلى أقوم السبل وأصلح الطرق ويتولى إرشادنا، وجزاء العاملين ~~الحريصين على إرث الشرق والشرقيين. # الفصل الرابع عشر # | الموسيقى العربية وعبده الحمولي # لشاعر الأقطار العربية الأستاذ خليل مطران ~~(1) # مات عبده فمات فن وزال آخر شعاع من عصر توارت شمسه في ظلمة الأبد، فقد كان إسماعيل ~~شمسا في سماء مصر. وكان كل ذي شأن من معاصريه ككوكب ms070 يستمد منه نوره. فلما أفلت لحقت ~~بها تلك الأنوار يتلو بعضها بعضا إلى أن تم الزوال بوفاة صداح تلك العظمة الشماء ~~وغريد ذلك الملك العظيم. # وكثيرا ما كان عبده يبكي لحنا من ألحان ذلك العهد فيمثله لنا من خلال مدامعه ~~الجارية ونغماته الشجية، كأنه زينة منارة بألوف المصابيح حافلة بجماهير الفرحين ~~الطروبين. وكأن مصر دار ذلك العرس تضحك بالأنوار لمستقبلها العابس. وكأن الأمير أمير ~~الزمان يومه وغده. وكأن الوفود من عرب ومن عجم أعوان دولة تشاد. وإنما كانوا هدمة ~~أمل رفيع العماد. وكان «عبده» من على أريكته بشير السعادة الخالدة في ذلك الاستقلال ~~الزائل. فإذا فرغ من إنشاد صوته ورجعنا إلى أنفسنا نظرنا حولنا فرأينا دولة اليوم ورجال ~~هذا الزمن. ولم يثبت لدينا من حقيقة ذلك الحلم الرائع إلا ذلك المغني المنتحب على حال ~~حالت. ونعمة زالت، ودولة دالت. ولقد كان في مصر قبل انقضاء هذه الأشهر الأخيرة مغنيان ~~هما «عبده» «وعثمان» فاليوم نحن ولا مهنئ في الفرح، ولا معزي في الترح، إلا ما كان من ~~قبيل رجع الصدى الذي يتردد حينا بعد هتاف الهاتف. # كان عبده مبتكرا يخلق اللحن خلقا من حاضر ما يوحي به إليه فيحير به المهرة ويطرب ~~السامعين ما يشاء التطريب بالنغمة والإعجاب بقدرة مبتدعها. وربما كسر القيد ونقض ~~القاعدة وند عن المألوف فطار وحلق. وقد بكم العود، وعي القانون، وأنصت الناي، ~~مطلقا صوته يمرح في سماء التطريب. فمن وثبة النسر إلى انحدار السيل، إلى خطف البرق، ~~إلى تغريد القمري، إلى نوح الحمامة، إلى أنين الجدول. كل هذا والصوت عال منخفض جهوري ~~خافت، رنان مرتجف، مشبع ضئيل، والنغمات تجتمع أصولا وتتفرق فروعا، وتنثني وتتفرد ~~وتتدانى وتتباعد وتتواصل وتتفاصل مفضية بعضها إلى بعض، متسلسلة على مقتضى سلامة الذوق ~~والمهارة الفنية منتهية إلى القرار. # شاعر القطرين الأستاذ خليل مطران. # وكان «عثمان» مؤلفا بارعا في ترتيب الألحان. بصيرا بأخذ النغمات من مواضعها وجمعها ~~على نسق مستحب، كلفا بصناعته جادا في إتقانها إرادة أن يستعيض عن طلاوة الصوت بحسن ~~الأسلوب ms071 ولطف السياق. ولهذا كان لا يغني منفردا. ولا يطلق صوته إلا على أجنحة الآلات. ~~فإذا لحن أغنية وأسمعها الناس لأول مرة خرجت متقنة صحيحة الوضع رائعة للسمعه. ولكن ~~يبدو عليها أثر إعنات الفكر ويشتم منها ريح الشمع المذاب في السهر على تخريج ~~أجزائها، وتوجيه ضروبها، والملاءمة بين رناتها ومعانيها. على أن هذا لا ينفي أن «عثمان» ~~كان ضريب «عبده» وأنه أثبت بنتيجة عمله أن لحسن التأليف مكانا بجانب الابتكار، وأن ~~للاجتهاد منزلة قد تعادل منزلة الاختراع. بل إن المجتهد قد يكون ذا فضل على المخترع بما ~~يهيئه له من مواد الابتداع. ومن الحق أن يقال إن «عثمان» كان في أخريات هذه السنين واضع ~~معظم الألحان فيأخذها «عبده» عنه ويكسوها من الحلل والحلي ما تشاء بديهته الخاصة به، ~~فبينا هي سوقة حسان إذا هي ملكات بتيجان. وبينا هي أشخاص ترمقها عيون المعجبين، إذا هي ~~أرواح تتنسمها قلوب المحبين. # وعلى هذا كان «عثمان» يجدد للناس روح «عبده» و«عبده» يسمع الناس علم عثمان فهما ~~العاملان المتكاملان أحدهما بالآخر على ما بينهما من تحاسد وتباغض وتباعد. # هذه صفة «عبده» مغنيا وتلك منزلته التي لم يدانه فيها من أرباب فن الموسيقى إلا ~~«عثمان». # أما أخلاقه فكانت أخلاق كرام الناس، وبها شرف قدر مهنته التي كانت إلى عهده تعد من ~~المهن الوضيعة. فقد كان أنيس المحضر، كارها للغيبة، راغبا في مجالس الظرفاء ~~المتأدبين، محدثا ذكيا لا تفوته شاردة ولا واردة من طرف الكلام، جوادا جود ~~الأمراء، متلطفا وديعا كأنه أبدا في حضرتهم وفيا لأصدقائه لا يضن عليهم بما فيه ~~نفع لهم ورضى، مجاملا لذوي فنه، محسنا إليهم لا يبغض منهم إلا من ركب الدنايا وأخل ~~بما يسميه شرف الحرفة. # ولو كتب الله له فسحة في الأجل لعاش عيشة مقيدة بنظام. ولكنه كان مطلق هوى النفس كما ~~هو شأن النوابغ، ولا شك في أن نعم الله الكثيرة قد حسبت عليه رحمه الله رحمة واسعة. ~~(2) # أما وقد أشرنا بما يقتضيه المقام من الإيجاز إلى منزلتي «عبده» و«عثمان» فيجمل ms072 بنا ~~تعميما لفائدة هذا المقال أن نتكلم على فن الغناء العربي كما هو الآن، ونبحث فيما إذا ~~كان ينبغي أن يبقى كما استخلفنا عليه هذان الفقيدان، أو أن يعدل ويكيف بحيث يصبح أتم ~~تأثيرا في النفوس وأصلح لأن يشربها ما هي في حاجة إليه من الخلال الشريفة والفضائل. # فالموسيقى فيما اشتهر من تعريفها إنما هي تأليف أصوات تحدث طربا في قلوب السامعين. ~~والطرب قد يكون سرورا وقد يكون شجوا، ومعناه في الحقيقة الانفعال الذي تولده الأنغام ~~في النفس أيا كان. # ومن أوصاف الموسيقى أنها في بناء الأصوات كفن العمارة في تشييد الأبنية وتأليف ~~أجزائها والمناسبة بين رسومها ونقوشها وتقاطيعها وتحليلاتها، يسميه الإفرنج بموسيقى ~~البناء على أن أساسها التناسب كما هو أساس كل فن نفيس، وهذا التناسب في الموسيقى يعرف ~~اصطلاحا بالإيقاع، والإيقاع قديم قدم الموسيقى غير أن المغنين من العرب حصروه في نغمة ~~نغمة مما يغنون. فكان في حقيقته مفضيا إلى الملل بخلاف الإفرنج فإنهم استخدموه وسيلة ~~للتنقل من نغمة إلى نغمة، ولإعطاء كل نغمة جميع الرنات التي يتم بها طربها الناجم عنها ~~بذاتها، أو باجتماعها مع سائر الأنغام التي يتألف منها الصوت. # ولا غرو أن يكون مغنونا على مثل هذا الجهل الذي أبقى الموسيقى العربية على حالها ~~الفطرية، فإن شعراءنا - إلا بعضهم - وكتابنا - عدا القليل منهم - لا يزالون إلى الآن ~~أرقاء الجناس، وعبيد مراعاة النظير، وخدمة السجع، وذباحي المعاني الجليلة، وناسخي ~~الحقائق، وماسخي الصور الجميلة في الطبيعة، وجاحدي وجدانات النفس وانفعالات الحس ~~ليقتدوا بأمة هم تركوا عاداتها وأخلاقها، وهجروا خيامها وصحاريها وأنكروا ملبسها ~~ومأكلها ومشربها، ولم يحتفظوا بشيء من خلالها ومزاياها. ولم يستبقوا منها إلا النسبة ~~إليها. فلا هم يحسنون تقليد أدبائها ولا هم ينتزعون من لغتها، لهم لغة خاصة فصيحة ذات ~~أساليب ومصطلحات وألفاظ تمكنهم من التعبير عما يخالج ضمائرهم ويخامر نفوسهم بما ينطبق ~~على الواقع ويكون صدى حقيقيا لما يشعرون به. # كتب إعرابي في صدر منظومة له «قفا نبك» فلم يستهل واحد منهم منظومة بعد ذلك إلا ms073 وهو ~~واقف باك. ونظم آخر أبياتا كثيرة بروي واحد سميت قصيدة، فتبعه في ذلك في كل ناطق ~~بالضاد من صحراء الجاهلية الأولى العريقة في الهمجية إلى ساحة المعرض العام بباريس في ~~أجمع زمان لأسباب الحضارة، وكل كتب القصيدة على ذلك النمط. وذكر أحد ظرفائهم أن ~~الأرجوزة حمار الشعر فلم يروا عقب ذلك أرجوزة إلا ولها أربع قوائم تمشي عليها. وهكذا هم ~~يتقيدون بسلاسل التقليد. وكتاب اللغة الأجنبية يذهبون كل مذهب في اختراع التراكيب ~~وابتداع الأساليب التي يظهر معها كل خفي ويتجسم كل روحاني، وتتمثل كل صورة، ويصور كل ~~شعور، فهم أبناء عصرهم ونحن أبناء العصور الخالية. وهم يحيون بما ينظرونه ويحسونه. ونحن ~~نحيا بما ننقله حتى في التصور والحس. # ومعلوم أن الموسيقى شقيقة للأدب مطبوعة على غراره فكيف كان الأدب تكون الموسيقى. وهي ~~الآن منحطة في الشرق لأنه منحط، وانحطاطهما على قدر. فكلاهما يجب نقده وتنقيحه وإخراجه ~~إلى ما تقضي به الحاجة الماسة. وإلا فأي مصلح للأمة يكون أقوى في البيان؟ وأي بيان يكون ~~أشد وقعا في النفس من الذي توصله إليها النغمة وتمزجه بها مزجا؟ # على أن الإصلاح الذي نبتغيه ميسور، إذ يكفينا أن نبدأ بتطبيق الموسيقى العربية على ~~الموسيقى التركية تطبيقا تدريجيا إلى أن يألفها الذوق، وتوضع لها قواعد، وترسم ~~علامات، ويغني الدور الواحد بنغمة واحدة وألفاظ واحدة في المنتديات وفي البيوت وفي ~~الأسواق. فإذا وصلنا إلى هذه الدرجة انسقنا بحكم السير الطبيعي إلى ما هو أعلى فأعلى. ~~وهكذا فعل الأتراك، إذ أخذوا عن الأروام الذين غناؤهم أقرب إلى الغناء الشرقي. فأصبحوا ~~الآن ينشدون في ملاعبهم أجل الروايات الموسيقية الأجنبية بألفاظ تركية، وقد لا يمضي زمن ~~حتى ينشئ بعضهم رواية موسيقية متقنة فيبلغون بها الغاية. # وكان المرحوم «عبده» قد شرع في نقل شيء عن الموسيقى التركية. ومنها أخذ الآهات ~~الطويلة التي يصاعده فيها جمهور المغنين، وهي أحسن ما في غنائنا الآن. غير أنه لم يتسن ~~له معين على إحداث الرموز التي هي أساس علم الموسيقى والتي بغيرها لا ms074 تكون الأنغام إلا ~~فوضى. وأذكر أني شكوت إليه يوما هذا القصور وقلت له:إن الرموز الموسيقية موضوعة منذ ~~نيف وخمسة آلاف سنة. وأنها أول ما رسمت في الهند وفي الصين. فمن المخجل أن تكون مصر ~~سيدة الموسيقى في الشرق الآن ولا يستطاع إثبات لحن من ألحانها على صحيفة يعلم منها ~~أخواننا القاصون أو أبناؤنا الآتون أي فن كان فننا في التلحين، وما كان «عبده» وكيف كان ~~أسلوبه؟ وهل كان جديرا بالمحل الذي أحل فيه من إكرام الناس؟ فأجابني: أنه كان يود ذلك ~~وأنه سعى ما سعى للوصول إليه فلم يفز بطائل، وأنه لم يجد واحدا في القطر يستطيع أن ~~يعرفه معنى لحن من الألحان الأجنبية تركية كانت أو غير تركية. وأن كل ما حصله من مغنى ~~الأتراك وأدخله في المغنى العربي كان سماعيا اجتهاديا رائده فيه موافقة الذوق ~~المألوف، ومراعاة الإصلاح المعروف. # لا جرم أن عملا كهذا ليس مما يقوم به فرد أوعى صدره ما أوعى من المعارف الموسيقية ~~المختلفة، وبلغت ثروته ما بلغت من السعة، وإنما هو عمل شركة أو جمعية تستقدم أساتذة من ~~الأستانة لتخريج جمهور من ذوي الفطرة الموسيقية والأصوات الحسنة على مبادئ هذا الفن. ~~وتعليمهم حقيقة مقصده وشرف غرضه، وتدريبهم على التأليف فيه كل بما يوحي إليه علمه وعقله ~~وترشده إليه ملكته كما يفعل ذلك الذين يدربون على الإنشاء، ونتائج مثل هذا التدريس أبين ~~من أن أطيل الكلام عليها فحسبي الإشارة. # أما إذا بقيت الموسيقى على ما هي عليه الآن فإنها بلا ريب تلذنا، ولكنها تمثلنا أبدا ~~بأخلاق الرعاة الفوضى وإن كنا في أزياء المدنيين الحضريين؛ لأن هذه الأصوات الأنفية، ~~وهذه الأنات المرضية، وهذه النفثات الصدرية لا تصدر عن بأس وحزم ولا تدل على شرف وعلم. ~~(3) # بقي أن نصف كيف ينبغي أن تكون الموسيقى العربية ليحسن تصورها الذين يروعهم من ~~الموسيقى الأفرنجية دوي الطبل وقعقعة النحاس وطنطنة المثلثات الحديدية، وخوار المعازف ~~المعدنية، إلى ما يماثل ذلك مما يختلط على ذهن جاهله ويسوء وقعه في نفسه لعدم إدراك ms075 ~~معناه. وإنما الموسيقى في إصطلاح الغربيين فن كالكتابة أو الرسم، سوى أنها تمثل لنا ~~بالصوت ما يمثله لنا الإنشاء بالألفاظ التي تستثير في مخيلتنا تصور مقصوداتها، وما ~~يمثله الرسم بالصور التي تنطبق على مرئياتنا. # وبدهي أن كلا من هذه الفنون لا يرينا مما يماثله إلا جانبا ويدع لنا الجانب الآخر ~~نتممه بما نتخيله أو نعلمه أو نشعر به، فالكاتب إذا حدث عن عاصفة مثلا وصف لنا شمسا ~~محمرة كالجمرة في كبد السماء يحيط بها قتام يغتالها إلى أن تنطفئ فيشمل الظلام ويكون ~~مهيبا. ونشر سحائب سوداء كثيفة ترسل في الجو رعودا مليئة الدوي ثم صادعة، وبروقا ~~ملطفة اللمعان ثم ساطعة، وأطلق ريحا هجوميا عاصفة تمر على البلد الموصوف فتهدم واهية ~~مبانيه وتذري رماده وتجتث أشجاره العاتية وتصفع وجوه زجاجه بالبرد، وتجري بطرقه سيولا ~~فإذا أبلغ السهول منتهاه وصف لنا في خلال هذه الروائع كلها طفلا يتيما هائما على ~~وجهه، وقد لجأت الناس إلى مساكنها جزعا، وقد اطمأنت الأطفال بين أيدي آبائها وأمهاتها ~~في مآمنها، وإنما يقف ذلك الطفل الصغير في ذلك الموقف الرهيب ليحرك في قلبنا وتر حنان، ~~ورفق خلال، خفقان الهلع، وثورة الدهشة، فمن قرأ هذا الوصف رأى تكلح الشمس وأفولها ~~وانتشار السحائب السوداء، ولمع الوميض المتتالي، وتقلع الأشجار، وتقوض الجدران على ~~التوالي، وسمع زئير الرعد القاصف، وهدير السيل الجارف، وركض الزمهرير العاصف، وركوع ~~البناء الواقف، ورأى في أثناء هذا الحادث الجلل دهشة ذلك اليتيم الخائف، وسمع خفقان ~~قلبه الصغير الواجف، كأن ما قيل حاضر بين يديه وكأنه منه على كثب ينظره بعينيه ~~ويسمعه بأذنيه مع أنه في الحقيقة لم ير ولم يسمع من ذلك شيئا. فالكاتب رمز له بما ~~ينبه عنده هذه التصورات الشتى ويجمعها على الشكل الذي أحبه فتم له ما أراد على قدر ~~مهارته. # وللألفاظ في بلاغ قصده رنة لا تنكر. وللتراكيب امتزاج بالنفس لا يجحد. ولأصوات الحروف ~~لعب بالدماغ والقلب لا ريب فيه. ولكن كل هذا ليس إلا من المتممات. فإذا قدرنا بعد هذا ~~أن ms076 رساما تولى تصوير هذا المشهد فغاية ما يستطيعه تمثيل قدة كالهلال من الشمس ~~الحمراء في جهة الأفق. وتكديس طبقات من الغيوم القاتمة في صدر السماء. وتحدير سموط كنسج ~~المنوال من المطر الغزير. وإقامة أمواج من الزبد في الطرق السائلة بالوحل والماء تلاطم ~~من الحجارة أشباه أنياب العجوز الفلجاء، وإمالة حائط وصرع شجرة وتقصف أخرى، وتكسر زجاج، ~~ووقفة طفل بالي الأطمار في موقف الحيرة والجزع بعينين نجلاوين وقد سالت منهما دمعتان. ~~ولكن الرسام يرتب هذه الأجزاء ويحكم وضع كل معنى مقصود في اللون الذي يلونه حتى أنك ~~لتسمع الرعد وأنت تنظر البرق، وتحس الدمار وأنت ترى آثاره، وتحس خفقان قلب الطفل وأنت ~~ترى الانفعال البادي على وجهه والدمعتين المتسلسلتين من مقلتيه. # وصفوة القول إن الكتابة فن منبه للتصور والحس رمزا. وأن الرسم فن منبه لهما نظرا. ~~فكان والحالة هذه لا بد من فن متمم لهذين الفنيين لينبه التصور والحس سمعا، وهذا ما ~~بنيت عليه الموسيقى منذ بضع مئات من السنين في أوربا على اعتبار أنها فن نفيس مثلهما ~~قابل لتأدية المعاني التي يؤديانها. وقد وصلت الآن في تلك البلاد إلى هذه الغاية. ~~وأصبحت عاملا من أكبر عوامل تقدمها العجيب. # فلنصف الآن كيف نتخيل تمثيل الموسيقى للمشهد الذي ذكرناه آنفا، وإن لم نكن ممن لهم ~~رأي في هذا الفن هنا أسأل الصديق الذي يقرأ هذه السطور أن يتخيل أنه أجاب دعوتي وصحبني ~~إلى دار غناء لأريه بسمع أذنيه ما نظره في الرسم بعينيه. فنحن الآن إذن جالسان في تلك ~~الدار على كرسيين متجاورين. وهذه أمامنا مجالس الضاربين والعازفين. # أنظر أيها الصديق أن عدد هؤلاء نحو المائة أمام كل منهم دفتر فيه رموز الأصوات التي ~~ينبغي أن يحدثها في الأوقات المعينة له. وهذا كل ما عليه. وعلى الأستاذ الذي فوق المنصة ~~أن يتنبه لعامة الترتيب ويمنع الشذوذ، اجمع حواسك الآن واصغ بكليتك فقد أشار الأستاذ ~~بأن يبدءوا. # ماذا تمثل لك هذه السحابة من النغمات التي تخرج من الأوتار مضطربة سريعة مبتدئة من ~~القرار؟ ms077 أليس هذا أول تنهد الريح المنذرة بالهجوم؟ أو ليس فيها ما يشعر ببرد الزمهرير؟ ~~أتسمع كيف تترقى صاعدة متدافقة كأنها علت فوق الأرض ذاهبة في الجو كلما جازت شوطا زادت ~~قوة واتساعا إلى أن تتخيلها بلغت السحاب؟ هذا تنبيه يسمو بالفكر على مثل البساط ~~الروحاني ليوصله إلى الأفق الأعلى ويشهده حادثا جليلا فقد دنت الغيوم من الشمس فاغرة ~~فاها، وانضمت أصوات المعازف النحاسية إلى نغمات الأوتار وعلت الصيحة إلى منتهاها. حتى ~~إذا غال السحاب الضاري جانبا من الشمس وأدماها بأنيابه صكت الصنوج هذه الصكة الفجائية ~~المنكرة التي ختمت بها حكاية الحال، فكأن الشمس قد انشقت كالقطعة المحمية من النحاس ~~الرنان، وكأنها انشطرت شطرين وتوارت بالحجاب. وبعد هذا تأمل كيف تراجعت أصوات تلك ~~الصيحة هابطة تدريجا إلى أن انقطع خوار المعازف، واستقلت رنات الأوتار تنحدر كرش المطر ~~في أول انهماره. # إلى هذا المقام انتهت الإنذارات. # أنظر كيف أخذ جمهور النغمات يخرج من عامة الآلات متموجا تموجا ثقيلا كأول تحرك ~~البحر ليهيج. أتسمع انسكاب الوبل الشديد، وتدفق الميازيب، وعصفات الريح الطويلة التي ~~تبدأ مثل أرنان النادبة وتنتهي مثل غمغمة الأسد الجائع الذي جلس يأكل فريسته؟ أتسمع قرع ~~الحجارة تحت السيول؟ أتسمع تقصف الأشجار المتكسرة؟ أتسمع وقوع الصخور وتهدم الجدران ~~يشمل كل ذلك دوي الرعد الذي يحدثه الطبل ويفزعه الصدى، إلى عدة رعود صغيرة متتالية ~~يحدثها الطبلان الصغيران تحت النقر السريع المتتابع. أليس لكل صوت من أصوات هذه العاصفة ~~ما يحاكيه إما في آلة أو في جمع صوتي آلتين على ترتيب معلوم؟ ألم ترتسم البرق خلال غضب ~~الرعد، ورسم الشجرة الواقعة خلال تقصفها وهي تتكسر على متانة بها؟ أو لم تر نواصي ~~السيول وأعرافها البيضاء خلال وكفها وتهورها وصعودها وتحدرها. هذا منتهى ما يكون هول ~~العاصفة. # اسمع الآن كيف أخذت هذه العناصر الجمة تتناوب مراوحا بين بعضها والبعض. السر في ذلك ~~من جهة أن يستبقي في النفوس شعور باستمرار العاصفة وقد تراخت قليلا بعد الشدة كما هو ~~شأن العواصف، ومن جهة أخرى التمهيد ms078 لأسماع الناس أنه ذلك اليتيم في حيرته وخوفه. هذه ~~أنة اليتيم تنطلق من أوتار ذلك العود الضخم القائم كالأمير بين الآلات كأنه سرير داود ~~بين أسرة الملوك في زمانه. أتشعر بما فيها من لذة وحنان؟ ألست مدركا من نفسك أنها زفير ~~طفل حزين؟ أما في هذه الآونة عثرات أشبه بعثرات قدم الطفل المتحير في خفتها وعدم ~~انتظامها؟ ولكن هنا انقطعت النغمة اللطيفة وعاد الإنذار بالهول. سيستأنف جميع ما سمعته ~~من الصيحات والجلبة، غير أنه ملطف كأنه مسموع عن بعد ومن وراء حجاب كثيف. ولم هذا؟ ~~لأن ما يستأنف ليس أصوات العاصفة بالذات بل صداها في دماغ ذلك اليتيم المروع الضعيف. # هذا بيان واحد من ألف من الأمور التي تصلح لها الموسيقى، ويكون موقعها من النفوس بها ~~كموقعها من النفوس بالرسم والكتابة. ومن المعاني ما يكون تأثيره بالموسيقى أشد وأمتن، ~~على أن لكل من هذه الفنون مزيته التي لا تجحد في تنشيط العزم وإزالة الملل. فإن المرء ~~بسمعه وبصره لا بأحدهما. # فإلى هذه الغاية الشريفة من إصلاح فن الموسيقى ينبغي أن تتجه الرغائب العامة في مصر ~~فإن «عبده» كان خير مغن لزمانه، وعهده عهد صبابة ورخاء. أما نحن فإن أردنا النهضة من ~~الحطة التي نحن فيها فينبغي لنا مغن ينهض عزائمنا الخائرة ويرفع أبصارنا إلى السماء. # الفصل الخامس عشر # | عبده الحمولي وفنه # لحضرة العلامة المفضال صاحب الفضيلة الشيخ: مصطفى عبد الرازق، الأستاذ بكلية الآداب ~~بالجامعة المصرية # رغب إلي الفاضل الأديب قسطندي أفندي رزق أن أكتب له كلمة في حياة عبده الحمولي وفنه. ~~وجه إلي هذه الرغبة في رسالة يقول فيها «إنه وفق إلى تصنيف كتاب في الموسيقى الشرقية ~~والغناء العربي وحياة عبده الحمولي، وفي الكتاب بحوث وآراء الفحول الموسيقيين وفطاحل ~~الشعراء والأدباء، ومعارضات في التجديد والتطور اللذين أوشكا أن يجهزوا على الرمق الباقي من ~~الموسيقى الشرقية، وما لها من سحر وتأثير في النفوس». # ويتلطف قسطندي أفندي رزق فيقول «ولما كنتم معاصرين لغريد الشرق الذي لا تفتح العين على ~~مثله، ولا تضنون ms079 أبدا في ضم يدكم إلى يدي الضعيفة لتشاطروني الأجر عند الله وحسن الأحدوثة ~~لدى الناس لقيامي بالواجب نحو الأفذاذ الراحلين المصريين الذين أخذت على عاتقي القيام ~~بتخليد ذكراهم ... أرجوكم أن تحضروا لي كلمة عن الفقيد، وعما إذا كنتم من أنصار موسيقاه ~~العربية الساحرة لأدرجها ضمن كتابي». # وكان المعقول أن ألتمس سبيلا للخلاص من مزاحمة فحول الموسيقيين وفطاحل الأدباء والشعراء، ~~ولي العذر بأنني لست موسيقيا، ولم أسمع عبده الحمولي مغنيا قط إلا ما حفظه الحاكي من بعض ~~أدواره الشجية. لكن قسطندي أفندي زارني ليبين لي رغبته شفاها، فلقيت منه رجلا مخلصا ~~للموسيقى العربية مخلصا في حب عبده الحمولي أمام الموسيقى العربية في القرن التاسع عشر ~~مخلصا في معارضة كل تجديد يذهب بسحر الموسيقى الشرقية ويبطل مميزاتها. # وما يكون لي أن ألقى هذا الإخلاص كله بغير التلبية والتشجيع في زمن قلما تجد فيه عاملا ~~مخلصا. # وإني وإن كنت غير موسيقي فإني أحب الموسيقى بفطرتي حبا جما، وقد حاولت في عهد الشباب ~~مرة أن أتعلم بعض الموسيقى فلم يسعدني الفراغ بل لم يسعدني فراغ للإكثار من سماع الموسيقى، ~~لكنني ظللت دائما محبا لهذا الفن الجميل، بل ظللت متتبعا ما يمر به من أطوار التجديد في ~~بلادنا. # وأحب أنواع الموسيقى إلي أبطسها وأسرعها تأثيرا في العواطف، وعندي أن الموسيقى متعة ~~للنفس وراحة للخاطر المكدود فإذا تعقدت ألحانها وأصبح تأليفها عويصا يحتاج في إدراك مراميه ~~إلى كد الذهن وفرط التأمل فقد خرجت الموسيقى عن حدودها واتجهت إلى غير وجهتها. # ليس أفضل الموسيقى عندي ما انطبق على قواعد الفن، فلم يدركه شذوذ ولم يخالف قانونا من ~~قوانين الصناعة لأنني لا أعرف هذه القوانين ولا أستطيع أن أميز الألحان التي تراعيها من ~~الألحان التي تجاوزها، ولكنني أحس لبعض الأنغام بطرب لا أحس به لسائرها، وأذكر أنني سمعت ~~بعض المغنين العصريين في بداية عهدهم يوم كان الفن لم يقيدهم تقييدا ولم يحطهم بالسلاسل من ~~قواعده والأغلال، فكنت يومئذ معجبا بهم كل الإعجاب وكان أشد إعجابي بهم حين تثور ms080 عاطفة من ~~عواطفهم عند الإنشاد فتسمو بألحانهم وأنغامهم صعدا إلى ما وراء القواعد الفنية. ولما سمعت ~~هؤلاء المغنين بعد أن حذقوا الفن وأتقنوا أصوله وأصبحوا لا يسيرون في أغانيهم إلا على صراط ~~ممدود، أصبحت آسف على تلك الوثبات التي كانت تطير بهم وتطير بنا معهم إلى آفاق لا تعرف ~~الحدود. # قد يكون بحكم الإلف ما يروقني من الألحان الشرقية أكثر مما يروقني من غيرها، لكنني كثيرا ~~ما يذهب بي الطرب إلى غايته عند سماع قطع موسيقية أوربية؛ ففي الموسيقى الغربية كما في ~~الموسيقى الشرقية أنغام إنسانية من شأنها أن تهز العواطف البشرية هزا عنيفا، أو ترد ~~العواطف الهائجة إلى هدوء مريح. والموسيقي العبقري هو الذي يستطيع بموهبته أن يهتدي إلى هذه ~~الأنغام فيؤلف منها نظما متسقا يحدث أثره الموسيقي البليغ في نفوس البشر جميعا. # ويخيل إلي أن عبده الحمولي كان عبقريا من هذا الطراز فهو قد استخلص من الأغاني المصرية ~~التي كانت معروفة لعهده كل ما يصلح أن يكون لحنا موسيقيا إنسانيا، وألف من ذلك على قلته ~~أغاني نقل بعضها من أناشيد الخلود، واقتبس عبده الحمولي مما وصل إليه من أغاني الأتراك ما ~~يلائم مذهبه، فجمع ألحانا إنسانية أيضا لم يتناولها تقليدا ولكنه نفذ إلى أعماقها وصقلها ~~بذوقه وفنه صقلا حتى تماثلت بما تم له من الألحان المصرية، وألف من هذا وذاك ترانيم بهرت ~~ذوق الترك والعرب، ولو أن عبده الحمولي عرف الموسيقى الغربية لاستخلص منها أيضا أبعدها عن ~~التعقيد والتكليف وأدناها أن يكون غذاء للروح الإنساني، وراحة ونعيما، ثم لسلط عبقريته على ~~تلك الخلاصة، فلم تدع فيها شذوذا ينبو عن ملاءمة ما تم له من التأليف بين الموسيقى المصرية ~~والموسيقى التركية، ثم لألف بعد ذلك من موسيقى الشرق وموسيقى الغرب تلك الموسيقى الإنسانية ~~التي تهفو إليها الفطر في الناس جميعا ولا تهتدي إليها سبيلا. # هذا النزوع إلى إيجاد موسيقى إنسانية تجتمع الأذواق كلها على الإعجاب بها والشعور بجمالها ~~على أساس ما أبقت الأيام في طيات الموسيقى المصرية والذوق المصري ms081 من آثار الحضارات الماضية ~~والعصور الخوالي هو رسالة عبده الحمولي النبيلة التي أدى بعضها وترك للأعقاب أن يتموها. # وكان عبده الحمولي نبيلا في مذهبه الفني كما كان نبيلا في أخلاقه وشمائله، وفي سيرته ~~بين الناس، وإنك لتدرك النبل في جوهر صوته وفي كيفية أدائه واختباره للأنغام وتأليفه بين ~~الألحان. كان يتسامى بفنه عن التبذل والتكلف فلا ينحدر في غنائه إلى مثل التكسر في النبرات ~~المائعة الذليلة. ~~«ومن أكبر الأدلة على استعداده شدة طربه من الغناء كأنه كان يغني ليطرب نفسه. وشغف المرء ~~بصناعته وتلذذه بممارستها يدلان على انطباعه عليها واقتداره على إتقانها». # هذا ما يقوله جرجي زيدان في تراجم مشاهير الشرق وأين ممن يغني ليطرب نفسه؟ # أولئك الذين إذا تغنوا في محفل بصبصت عيونهم يمينا وشمالا، وتمايلت أخادعهم صيدا ~~ودلالا، وتصنعوا العبوس تارة، ثم تصنعوا الابتسام كأنما كل جهدهم مصروف إلى إلهاء الناس ~~بتقلبات سحنهم وحركات جسومهم، وكأنما كل هم سامعيهم أن يتلقفوا من ثغورهم بسمة طائرة أو ~~يغنموا من عيونهم لمحة راضية أو يروا في تزايل أعضائهم وضعا معجبا. # لم يكن كذلك عبده الحمولي الذي كان إذا شدا توجهت نفسه إلى الفن وحده، يريد أن تستوفي ~~الصناعة حقها، وأن تبرز الألحان مستكملة جمالها فإذا استوت له القطعة الموسيقية البارعة كان ~~أول مدرك لسحرها وروعتها وأول مستمتع بلذتها وبهجتها. # فليس يستجدي من الناس إعجابهم، ولكنه يرى من البر بالناس أن يمتعهم بهذه اللذة الفائقة، ~~وأن يشركهم في تلك السعادة العالية. # عاش عبده الحمولي حياة كريمة نبيلة فلما مات مات أيضا موتا نبيلا كريما تجلى فيه ~~نسيانه نفسه في سبيل المروءة والوفاء. # ورد في تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر نقلا عن جريدة: «مصباح الشرق» أن عبده ~~الحمولي أصيب في آخر عمره بذات الرئة، وتراكمت عليه هموم الحياة «ودخل من داء السل في ~~الدرجة التي لا يرجى منها شفاء، وأشار عليه الأطباء بسكنى الصعيد مدة الشتاء؛ فأقام في ~~سوهاج شهرين ونصفا عادت له في أثنائها بعض قوته، وتقوى أمله في ms082 شفائه، ولم يدرك المرحوم كنه ~~دائه إلا في اليوم الذي مات في غده. ثم عجل العودة إلى مصر ليشتغل بوضع غنائه في اسطوانات ~~الفنوغرافات طلبا للعيش، ولما حضر باشر ذلك فعلا ثم جاءه نعي أحد أصدقائه المخلصين بالمنيا ~~فاغتم غما شديدا، ولم يسمع لنصيحة أصحابه بل خالفهم لقضاء ما توجبه عليه مروءته، وسافر ~~إلى تلك المدينة وأقام هناك أياما ولما عاد عاد باشتداد المرض عليه حتى أدركته ~~منيته». # وإذا كان ذكر الفتى عمره الثاني فإن ذكر عبده الحمولي لا يزال بعد موته مثال النبل ~~والكرم. # والذين يحيون اليوم وبعد اليوم تذكار الحمولي إنما ينشرون صفحات من آيات العبقرية ومكارم ~~الأخلاق ليوجهوا الإصلاح الموسيقي في بلادنا وجهة صالحة ويضربوا لأهل الفن ولغير أهل الفن ~~مثلا في المروءة وفي عرفان المرء لكرامة نفسه، وكرامة الفن الذي يمارسه وعبده الحمولي ممن ~~يصدق فيهم قول أبي العلاء: # جمال ذي الأرض كانوا في الحياة وهم # بعد الممات جمال الكتب والسير # الفصل السادس عشر # | كلمة الدكتور عبد الرحمن شهبندر # الزعيم السوري الكبير # لا أكاد أعرف من الموسيقى إلا أنها ضربان، ضرب يثير الطرب، وضرب يدعو إلى الاشمئزاز، لذلك ~~لا أرى نظرا لمعرفتي هذه كبير فائدة من المجادلة في شأن الموسيقى العربية أهي متقدمة أم ~~متأخرة لأنني ما دمت أطرب منها كما يطرب غيري من أبناء العرب الذين يسمعونها فهي موسيقى ~~تؤدي وظيفتها، ألم يقولوا كذلك عن اللغة العربية أنها ضعيفة لا تصلح للتعبير عن النهضة ~~الحاضرة فكذبتهم المجلات العربية والصحف العربية والكتب العربية؟ وهل أدل على حياتها من ~~أنها أصبحت لغة الثقافة في هذا العالم العربي الشاسع الناهض؟ # على أنني لا أنكر أبدا أن الملحنين العرب لم يجاروا النهضة إجماعا في بلدان العرب، فهم ~~يحتفظون بما خلفه لهم الآباء والجدود المتأخرون من ذكريات آلام وأحزان تدل عليها تلك الأنات ~~والآهات المتكررة، وغير ذلك من الألفاظ والألحان الحافلة بمعاني الانكسار والخضوع وزوال ~~النشوة وعزة النفس، وإذا جاز لمثل هذه الألحان أن تأخذ بمجامع القلوب فيعصر التشاؤم الوضيع ms083 ~~فهي تدعو إلى الملل والضجر والسآمة في عصر النهضة الطامحة. # الزعيم السوري الدكتور عبد الرحمن شهبندر. # والموسيقى مثل الشاعر والمصور وسائر الفنانين مدره يعبر عما يخالج صدور الناس من هواجس ~~وانفعالات فعلية أن يماشي العصر الذي يعيش فيه، والتطور الذي يحيط بكل شيء حتى بالتخت الذي ~~يغني عليه. فكما أننا لم يعد يلذنا كثيرا هذا التذلل والترامي على أقدام الأحبة، وتقبيل ~~نعال الخيل التي تحملهم، كذلك لا تروقنا اليوم العبرات والحسرات من غدر الزمان، وقوارع ~~الحدثان، بل إننا أحوج ما نكون إلى من يفصح عما في قلوبنا من غليان، ويدل على ما في نفوسنا ~~من تحفز، ويترجم عما في عزيمتنا من قوة. لذلك لا أخطئ أبدا إذا ما قلت إن الموسيقي الذي ~~ستنصت له الآذان وتنفتح له القلوب هو الذي يعبر عن الانقلاب الاجتماعي السياسي الخطير في ~~بلادنا، وعما يحدث في قرارات نفوسنا من التبدل الكبير. وليقل المحافظون والمجددون ما شاءوا ~~أن يقولوا فإن المهم الذي يجب أن يصرح به على رؤوس الأشهاد ومن غير محاباة هو أن هذه ~~المواليا النمطية المملة، وما تبتدئ به من النداء «يا ليل»، وهذا التكرار الثقيل السقيم ~~الذي يكرره المغني للكلمة التي يتمسك بها، وهذا التسكع والتشاؤم كله سيحول أنظار النشء ~~الحديث عن التخت العربي، ويرغبه عن سماع المغنين العرب ما لم نعتمد في موسيقانا على تلك ~~العناصر التي تعيد إلى القلوب ثقتها، وإلى النفوس نشوتها، وإلى العضلات قوتها ووثبتها. # وقد يكون من المستحسن أن يسمع المرء في حفلة كاملة لحنا واحدا محزنا، وقد يكون من ~~الجائز أن يسمع لحنين اثنين، ولكن أن يقضي الحفلة كلها في نواح وبكاء ورجيع فهذا أليق بنصب ~~المآتم وزيارة المقابر. ويعجبني كثيرا أن يقول الأستاذ: قسطندي رزق في «عبده الحمولي» إنه ~~كان يضع نصب عينيه الفرح والابتسام فلا يغني من الأدوار إلا ما أثار البهجة والحبور. # إن معاجم لغتنا اليومية قد اتسعت وتعدلت وتحولت حتى أصبحت تستوعب ألوفا من الألفاظ ~~الدالة على المعاني العلمية والفلسفية الحديثة، وهكذا موسيقانا ms084 فإنها ستتسع وتتعدل وتتحول ~~حتى تستوعب تلك الهواجس التي تجول في أفئدتنا والثورات التي تغلي في نفوسنا، والانقلابات ~~التي تشب في مداركنا، وإننا وقد صممنا على الحياة فلا بد لنا من تكييف أنفسنا وأوضاعنا ~~وعلومنا وفنوننا بحسب حاجاتنا، والحاجة أم الاختراع. # المؤلف - كل واحد منا يعرف من هو الدكتور: شهبندر وماله من قدم سابقة في قضية استقلال ~~سوريا والبلاد العربية وما بذل من مجهود، وتحمل من مشاق واضطهاد في سبيل الوطن الذي تحفزه ~~همته إلى حماية حوزته باتحاد الوجهة، واجتماع الكلمة، وتعليقا على كلمته البليغة في باب ~~الموسيقى التي لأجلها أملأ فمي بحمده الجزيل أقول إن وزارتنا الماهرية الجليلة قد عنيت ببث ~~روح الشجاعة وعزة النفس والكرامة الشخصية في النشء الحديث تمشيا مع النهضة القومية في هذا ~~العصر إسوة بالأمم المتمدنة، وقررت عمل مباراة في نظم وتلحين نشيد قومي كنشيد ألمانيا مثلا ~~القائل «ألمانيا فوق الجميع» الغرض منه أن ينشأ المصري حرا مستقلا ووطنيا أمينا ورجلا ~~صادقا يضطلع بأعباء مهمات بلاده، وقد أصاب حضرة الدكتور المشار إليه كبد الحقيقة بقوله إن ~~الموسيقب كالشاعر والمصور وسائر الفنانين مدره يعبر عن عواطف الأمة، وعما تصبو إليه من ~~رغائب وآمال، ويدلنا على ما بنا من نقص وضعف عزيمة، وحسبي من هذه الوجهة أني قد وجدت في ~~أغاني غريد الشرق «عبده الحمولي» غضبة في الله، ولله انتصارا للحق وأربابه جماعات ~~ووحدانا ونبلا وجذلا وسعادة وعفة وفروسية ومروءة ووفاء فاستطاع بقلبه وصوته أن يدلنا على ~~مناهج الشفاء من الداء ذهابا إلى ما جاء بحديث المصطفى # صلى الله عليه وسلم # القائل «من رأى منكم ~~منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه» فما بال المطربين المجددين ~~لا ينسجون على منواله ولا يستنون بسنته؟ إن ذلك لأمر غريب فإنهم لم يقتصروا على أن كسوا ~~أغانيهم التجديدية لباسا من الهجنة لا يرجع إلى ترتيب، ولا يجري على شيء من التناسب الذي ~~هو قاعدة الجمال بل بثوا في النشء روح الذل والإنكار والكآبة كأنهم يبكون بكاء ms085 الخنساء على ~~صخر، متصنعين الحب وهم مذاعون يأخذون صديقهم أخذا عنيفا حتى ماتت في النشء ملكة البحث ~~والنظر، وكادوا يتفادون من كل ما فيه بأس وعزة، فلينشأ المصري حرا يرضع البأس وقت رضيع ~~الحليب، ويسمع نشيدا قوميا فيشرب حب وطنه ويحمي حوزته؛ لأن الطفل أبو الإنسان وهو يسد ~~المخلوقات «وفي أنفسكم أفلا تبصرون». # الفصل السابع عشر # | لمحة عامة في الموسيقى # بقلم نيافة المطران: كيرلس رزق # لما كان مؤتمر الموسيقى على أهبة الانعقاد بمصر بإيعاز من حضرة صاحب الجلالة الملك فؤاد ~~الأول المعظم حامي العلوم والفنون الجميلة، وعناية الحكومة المصرية النشيطة، رأيت أن ألقي ~~دلوي في الدلاء؛ لمزاولتي الأنغام الكنسية واطلاعي على أنواع الأنغام الشرقية العربية ~~المدنية؛ لعلي أؤدي بعض الفائدة لهذا الفن الجميل فيما يدور بحث المؤتمر عليه فأقول: # اختلفت الأقوال في أصل الموسيقى ومبادئها عند الأمم وأنا لا أجزم بأصح الأقوال ~~لغموض الأمر. واختلفوا في تحديدها، فقال بعضهم إنها كل حركة واهتزازات في الطبيعة ~~كحركة الأشجار والنبات وما أشبه، وقال البعض الآخر إنها من الأصوات الطبيعية ~~الإنسانية إلى غير ذلك من الأقوال. وقد قال ذلك غير واحد من علماء الموسيقى «أن ~~تحديد الموسيقى الصحيح هو فن التأثير في النفس، ويتم ذلك كله بتأليف أصوات تلذنا ~~فتثير فينا هذه العواطف المختلفة من أول وهلة فيصل تأثير الموسيقى إلى النفس ~~مباشرة، فيجب والحالة هذه أن تسمى الموسيقى لغة النفس». # والذي ينظم نغمة موسيقية فإنما ينظمها على مثال ما يشعر به في نفسه من العواطف، ففن ~~الموسيقى يفترق جوهريا عن سائر الفنون كالتصوير مثلا فإنه خاضع للإصلاح مرارا تحت نظر ~~الرسام، وليست الموسيقى كذلك في إنشاء التأثير مع خضوعها للمؤلف في إصلاح بعض التراكيب ~~الصوتية إذا كان مخالفا لمبادئ الفن، أما الشعر فهو أقرب ما يكون إلى الموسيقى لصدوره عن ~~النفس، ولكنه يفارقها بكونه خاضعا لروية العقل، ولإصلاح لغوي منطبق على وزن خاص. # أما تاريخ الموسيقى فغير محدود بعصر من العصور، بل هو تاريخ الإنسانية نفسها، وكانت ~~الشعوب القديمة تقدرها حق قدرها، ms086 فالهنود نسبوها لإلههم برهم، والمصريون لأوزيريس مخترع ~~المعرفة وهرمس موجد العود. وكان اليونانيون يلقنونها لأولادهم في المدارس وخارجها ويمنعونها ~~عن العبيد، وأن الحيوانات الضارية نفسها كانت تستأنس بها. وقد عد قدماء اليونانيين أول ~~موسيقي العالم، وأحصى كبار الموسيقيين عندهم بين آلهتهم، وامتزج فن الموسيقى بفن النظم في ~~بلاد اليونان فاعتبروا هوميروس شاعرا وموسيقيا وكان يغني منظوماته أمام الأبواب. ومن لفظة ~~موسا اليونانية وهي إلاهة الشعر اشتقت الموسيقى. # نيافة المطران كيرلس رزق. # وكان عند العبرانيين أثر كبير لهذا الفن يتأكده من تصفح التاريخ المقدس وقس سائر الشعوب ~~على ما ذكرناه. وأن ما أوردناه هو توطئة للكلام على الموسيقى العربية التي نرمي إلى الكلام ~~عنها اشتراكا في أغراض المؤتمر الذي سيعقد في القاهرة بشأنها. # نقول إن العرب لم يكونوا أقل ميلا إلى الموسيقى من غيرهم من الأمم، وكانوا يتغنون ~~بأشعارهم لمقاصد جمة أخصها إثارة الحماسة في المتحاربين. ولما اختلطوا بالأمم الأخرى بعد ~~الإسلام وتأسست دولهم اقتبس الخلفاء من رعاياهم الجدد أفضل ما عندهم من الأنغام الموسيقية، ~~فاختلط بالأنغام العربية الأصلية، ففاقت بعد التنظيم سائر أنواع الموسيقى عند بقية الشعوب، ~~وزادت شهرتها وتأثيرها في عهد العباسيين، ولا سيما عهد هارون الرشيد، وكانت أكثر القصائد ~~تنشد. وكان عند العرب والفرس حتى اليوم سبع أنغام أصلية، وضعوها على أسماء السيارات، وهي ~~الرست والدوكا والسيكا والشركا والنوى والحسيني والعجم ويضاف إليها الحجاز، ومن هذه الأنغام ~~اشتقت عدة فروع تقارب التسعين، ولها ديوان (سلم) يتألف من جملة مقامات، وإذا قابلنا ~~الموسيقى العربية بالأفرنجية من حيث الشعور باللذة والتأثير في المجموع العصبي وجدنا ~~العربية أشد تأثيرا ولذة. ولقائل أن يقول ولماذا لا يتذوق الإفرنج الموسيقى العربية ~~فالجواب على ذلك هو: أولا لأن ليس في موسيقاهم ما في الموسيقى العربية من التقاسيم الدقيقة ~~للمقام ولم يتعودوها. وثانيا وأن لكل أمة عادات وأمزجة وأميالا تختلف عن الأخرى، ولكن متى ~~ألفت سماع الموسيقى عند أمة أخرى تكررا ينتهي بها الحال إلى أن تجدها لذيذة. ومما يثبت هذه ~~النظرية هو أن الحكومة ms087 الفرنسية أرسلت بعثة موسيقية في أواسط القرن الماضي إلى الشرق للدرس، ~~فمرت في أثينا ومصر، وبعد المراقبة وصلت إلى النتيجة التي ذكرناها، وقد لبث أعضاؤها أكثر من ~~شهرين في مصر سمعوا في أثنائهما الموسيقى والمغنين غير مرة، وأخيرا صاروا يلتذون بالموسيقى ~~العربية وفضلوها على موسيقاهم بعد ما كانوا يتأففون في بدء الأمر من سماعها، فضلا عن أن ~~الأوتار العربية أكثر حساسية من أوتارهم المعدنية. ولا بد للوصول إلى ذلك من مراعاة عدة ~~أمور أخصها اتفاق أصول النغم عند الغناء أو الترتيل، ومراعاة الضرب الخفيف والثقيل، وتطبيق ~~المعنى على النغمة، وحسن النطق اللفظي، وتكييف النغمات لئلا تمل السامع إذا بقيت على وتيرة ~~واحدة، بشرط الانتقال بمهارة من نغمة إلى أخرى، والعودة إلى النغم الأساسي من دون أن يشعر ~~السامع بمفاجأة. على أنه لا ينبغي أن يستنتج مما تقدم أن الموسيقى العربية بلغت حد الكمال، ~~أو أنها تفضل الموسيقى الأوروبية في كل شيء، فلا بد من ذكر الفوارق بينهما من هذا القبيل ~~والنواقص الواجب تلافيها بمناسبة انعقاد المؤتمر: # أولا: # أن الموسيقى العربية بحالتها الراهنة لم ترتق إسوة بسائر الفنون فإن تحسنها ~~ضئيل من قرن مضى حتى الآن. والرقي واجب لكل شيء مسايرة للحركة العامة بخلاف ~~الموسيقى الإفرنجية الدائبة على التحسن. # ثانيا: # أنها محرومة الهرمونيا أو المساوقة، وهو جزء مهم في الفن بخلاف الإفرنجية ~~البالغة فيها حد الإعجاز، ولا شك في أن الهرومونيا أقدر من السنفمونيا، أو ~~اتفاق الأصوات، على إثارة عواطف الحماسة والإقدام ونحوهما. # ثالثا: # ينقص الموسيقى العربية علامات للديوان ترتبط بها بحيث يستطيع أي موسيقى عند ~~النظر إليها التغني بها أو ضربها على الآلة من دون أن يسمعها من غيره، ويسهل ~~على الطالب تناول الفن واكتساب جزء من وقته الضائع الآن سدى، ويحفظ للمبرزين في ~~الفن منظوماتهم الفنية بعد الوفاة. # فليبتدع الموسيقيون الشرقيون العلامات الموسيقية كما ابتدعها موسيقيو الغرب ~~واليونان الشرقيون. # رابعا: # وإذا اخترعوا تلك العلامات واستفادوا من ميزان الموسيقى الإفرنجية الراقية ~~أمورا جديدة فليحتفظوا بالفارق بينهما؛ لكي لا يختلط النغم ms088 بين عربي وأفرنجي؛ ~~وإلا خسرت الموسيقى العربية استقلالها النوعي وميزتها وابتلعتها الأوربية. # خامسا: # أن القطع التي نظمها فنيا أصحاب الكفاءات الموسيقية للإنشاد والغناء، يجب ~~أن تسمو بلفظها ومعانيها الأنيقة؛ لتستطيع العذراء أن تنشدها في خدرها، وأن ~~يتناول النظم شتى الموضوعات الدينية والأدبية والحماسية والوطنية والأخلاقية ~~وما أشبه ذلك، فإن ما تعاب به موسيقانا اليوم هو اقتصارها على الغزل واستعمال ~~الألفاظ والمعاني المبتذلة في عموم الأغاني، فلا تساعد والحالة هذه على رقي ~~الأخلاق والتربية الاجتماعية ولا سيما على إسماعها للفتيات. # هذا ما توخيت نشره بالإيجاز في هذه العجالة عن الموسيقى عموما والموسيقى العربية خصوصا ~~غير متعرض للبحث عن آلاتها المشهورة. ويحسن بنا قبل الختام أن نستنتج من بحثنا هذا النتائج ~~التالية: # أولا: # إن الموسيقى مصدرها النفس البشرية. # ثانيا: # إن تاريخها من هذه الوجهة هو تاريخ البشرية نفسها. # ثالثا: # إنها على وحدة مصدرها متباينة عند كل الشعوب تبعا لاختلاف الميول والأذواق ~~واللغات. # رابعا: # إن اليونان أشهر الأقدمين الذين اشتغلوا فيها. # خامسا: # بلغت الموسيقى الحديثة عند الأوربيين طورا فائقا ولا سيما في الآلات. # سادسا: # بطلان الزعم بعدم حسن الموسيقى العربية ولذتها، بل ثبوت مزاياها العجيبة في ~~دقة الشعور وقوة التأثير في من يألفها ولو كان غريبا عنها. # هذا ولا أتعرض لموسيقى الكنسية الشرقية، ولا سيما اليونانية منها المستعملة في طقس ~~كنيستنا لخروجها أيضا عن أبحاث المؤتمر أساسا. وإني أدعو بنجاح المؤتمر لتزداد مصر رقيا ~~في عهد حضرة صاحب الجلالة فؤاد الأول مليكها المعظم ذي الأيادي البيضاء على كل المشروعات ~~التي تمت في عهد ملكه السعيد حفظه الله ذخرا للبلاد والعباد والسلام. # الفصل الثامن عشر # | فذلكة عن الغناء العربي # للأستاذ: محمود فؤاد الجبالي السكرتير بمجلس النواب سابقا # صديقي: قسطندي أفندي رزق # أتذكر في ليلة السمر الحلو التي دعوتني إليها في منزلك أننا رجعنا بالحديث الشهي إلى ~~ذكريات الماضي الجميل، وأخذنا ننشر من الثناء حللا على بعض رجال الغناء العربي الذين أضافوا ~~إلى شهرتهم في الفن، شهرة تستحق الحمد في المروءة، والكرم، ومؤاساة الفقير بالبذل ms089 والعطاء ~~عندما يعوزه النصير، وكان من أوائلهم، بل كان جماع الفضائل، ومصدر المحامد المرحوم: عبده ~~الحمولي ذلك الرجل الذي نهضت بذكره، والإشادة بمحاسنه، وبذلت جهدا ومآلا عن طواعية لإحياء ~~مآثره بعد أن كاد الزمن يعفي على آثاره خصوصا في هذا العصر الذي انبرت فيه طائفة من ~~المولعين بما يسمونه التجديد في الغناء، فيعمدون لي مزج الغناء الشرقي بالغناء الغربي، ثم ~~يخرجون للناس نغمات لا تمت إلى الشرق بصلة، ولا إلى الغرب بنسب، وبذلك أضاعوا المقامات التي ~~تعب السلف في تركيزها، وأتبعوا طرقا فيها الكثير من العثرات. أتذكر ذلك يا صديقي؟ ثم تذكر ~~أنك تمنيت لو أن أحد رجال الفقه الإسلامي ممن بلغوا شأوا بعيدا في الثقافة العربية كتب ~~جملة صالحة في الغناء العربي من الوجهة الدينية، وسماع آلات العزف في محافل السرور والفرح. ~~وهل هي مما تحرمه الشريعة السمحة أم تحلله؟ # الأستاذ محمود فؤاد الجبالي. # وطلبت إلي أن أتصل بأحد شيوخ العلم من أصدقائي الذين عبد الله لهم سبل الفهم، ووصلوا ~~في معرفة دقائق اللغة إلى لبها، فاكتسبوا شرفا بغوصهم على المعاني الدقيقة التي تفيض بها ~~صحائف الكتاب الكريم والسنة، وتعتز بها كتب التاريخ والسير، فأقول لك إنني اتصلت بالكثير ~~منهم فلم يجدوا في وقتهم متسعا لخوض هذا البحث لما تكتنفهم من ظروف، وما يحيط بهم من ~~ملابسات تستلزم العجلة فيما هم مقبلون عليه. # لهذا السبب رأيت أن أرجع - على قلة بضاعتي - إلى كتب السير تحقيقا لغرضك، وإتماما لبحثك ~~ليخرج كتابك للناس في المرحوم: عبده الحمولي شاملا للكثير الممتع من الحقائق، حاويا لبعض ~~النوادر التي وقعت للسلف الصالح في الصدر الأول في الغناء، وسماع الآلات، أيام كان الدين ~~غضا، وكان رجاله يقيمون بقلوبهم بناءه، ويبذلون الأرواح رخيصة لتشييد صرحه، بل كانوا ~~يخافون الله في الشبهة. فإذا وقعت لأحدهم في عمل جعلوا من الكتاب الكريم حكما، ومن السنة ~~الصحيحة موئلا، واعتصموا جميعا بحبل الله في أمره. ولم تصرفهم الحروب والغزوات عن أن يعلوا ~~منار التشريع في الخطير والحقير من الأمور حذرا ms090 من أن يميل بين أيديهم اللواء المعقود، ~~ويبدد عقد الشمل المنضود. وإنك يا صديقي ستقرأ فقرا مستملحة في الغناء وسماع الآلات، وهي ~~وإن كانت لا تنقع غلة ولا ترد لهفة، لضيق المناسبات التي وقعت فيها، وإمساك النفوس عن ~~التوسع في بيانها إلا أنها من الوجهة الدينية تعد كفيلة لتحقيق الغرض الذي تصبو إليه ~~وسأجتهد في إيجاز القول ما استطعت إلى ذلك سبيلا. # إن بعض شيوخ الدين من السلف الصالح قد استدلوا على إباحة الغناء وسماع الآلات بأحاديث ~~شريفة صحيحة عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # منها ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: دخل ~~علي أبو بكر (رضى الله عنه) وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت به الأنصار ~~يوم بعاث، وليستا بمغنيتين، فقال أبو بكر (رضى الله عنه): أمزمار الشيطان في بيت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وذلك يوم عيد فقال له رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا. # وروي عنها أيضا رضي الله عنها أن أبا بكر (رضى الله عنه) دخل عليها وعندها جاريتان في ~~أيام منى تدففان وتضربان، والنبي # صلى الله عليه وسلم # متغش بثوبه فانتهرهما أبو بكر فكشف النبي # صلى الله عليه وسلم # عن وجهه وقال دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد، وتلك الأيام أيام منى. وعنها أيضا ~~رضي الله عنها قالت، كانت جارية من الأنصار في حجري فزففتها، فدخل رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ولم ~~يسمع غناء فقال، يا عائشة ألا تبعثين معها من يغني فإن هذا الحي من الأنصار يحبون الغناء، ~~ومما رواه أبو الزبير بن مسلم المكي عن جابر قال: # زوجت عائشة رضي الله عنها ذات قرابة لها رجلا من الأنصار فجاء رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فقال: «أهديتم الفتاة، قالوا: نعم. قال: أرسلتم معها - قال أبو طلحة راوي الحديث: ذهب عني - ~~فقالت لا. فقال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~«إن الأنصار قوم فيهم غزل فلو ms091 بعثتم معها من يقول: # أتيناكم أتيناكم # فحيونا نحييكم # ولولا الحبة السمرا # ء لم نحلل بواديكم # ويروى عن فضالة بن عبيد قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: (لله أشد أذنا إلى الرجل الحسن الصوت ~~بالقرآن يجهر به من صاحب القينة إلى قينته). # أما عن سماع الآلات فقد روي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # سافر سفرا ~~فنذرت جارية من قريش لئن رده الله تعالى أن تضرب في بيت عائشة بدف، فلما رجع رسول الله # صلى الله عليه وسلم # جاءت الجارية، فقالت عائشة لرسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: فلانة ابنة فلان نذرت لئن ردك ~~الله تعالى أن تضرب في بيتي بدف، قال فلتضرب. # أما ما ورد في القصب والأوتار والمزامير فلا خلاف في إباحة سماعها، والدليل على ذلك أن ~~إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف مع جلالته وفقهه وثقته كان يفتي بحل ذلك، ~~وقد ضرب بالعود، وكان الإمام أحمد بن حنبل لا يحدث حديثا إلا بعد أن يغني على عود إلى غير ~~ذلك من الأدلة والشواهد العديدة التي يضيق المقام عن سردها. ولا بأس من أن نورد هنا جملة ~~صالحة لابن خلدون في هذا الموضوع وهو الحجة الثبت في الاجتماعيات قال: ~~«لما جاء الإسلام. واستولى رجاله على ممالك الدنيا، وحازوا سلطان العجم، وغلبوهم عليه، ~~وكانوا من البداوة والغضاضة على الحال التي عرفت لهم، مع غضارة الدين وشدته في ترك أحوال ~~الفراغ، وما ليس بنافع في دين ولا معاش، هجروا ذلك شيئا ما، ولم يكن الملذوذ عندهم إلا ~~ترجيع القراءة، والترنم بالشعر الذي هو ديدنهم ومذهبهم، فلما جاءهم الترف، وغلب عليهم الرفه ~~بما حصل لهم من غنائم الأمم، صاروا إلى نضارة العيش، ورقة الحاشية، واستجلاء الفراغ، وافترق ~~المغنون من الفرس والروم، فوقعوا إلى الحجاز، وصاروا موالي للعرب، وغنوا جميعا بالعيدان، ~~والطنابير، والمعازف، والمزامير. وسمع العرب تلحينهم للأصوات، فلحنوا عليهم أشعارهم، وظهر ~~بالمدينة نشيط الفارسي، وطويس، وسائب خائر - مولى عبد الله بن ms092 جعفر - فسمعوا شعر العرب ~~ولحنوه، وأجادوا فيه، وطار لهم ذكر، ثم أخذ عنهم معبد وطبقته وابن شريح وأنظاره، وما زالت ~~صناعة الغناء تتدرج إلى أن كملت أيام بني العباس عند إبراهيم بن المهدي، وإبراهيم الموصلي، ~~وابنه إسحق، وابنه حماد، وكان من ذلك في دولتهم في بغداد... إلخ». ا.ه. # وما زال فن الغناء يتنقل من عصر إلى عصر، ومن دولة إلى دولة ويعتريه الضعف والوهن تبعا ~~لضعف الزمن ووهنه، والشهرة والذيوع إن أخصب ربعه، وأخضل واديه، تسمعه الخلفاء في قصورهم، ~~وتهش له الأمراء في دورهم إلى أن وصل إلى عهد أبي الأشبال المغفور له إسماعيل باشا وهنالك ~~طلع فجره، وبزغ هلاله، وأنارت شمسه، وكمل أنسه بوجود المرحوم: عبده الحمولي الذي ملك ناصية ~~الفن فأخذ يعبد طريقه، ويحسن تنيسقه، ويأخذ من عواطف الشعب المشهور بالرقة مادة لتلحين ~~أدواره، وإنشاد أشعاره، ولم يكفه هذا بل عمد إلى نغمات الترك والفرس فصبها في قوالب من صنع ~~مصره، وجعلها زينة لعصره فتراها تجمع بين بغداد في حضارتها، ونجد في بداوتها، والفرس في ~~غضارتها، والترك في منعتها وقوتها. # فما لمصر وهي أمة عربية تصبو بغرائزها إلى سماع صوت الحداة وهم يحدون ونحن في أثر الطعن ~~وهم مجدون، ويخفق قلبها إن هبت من نجد صبا، وتصفق منها الضلوع إن لمع برق من بغداد أو خبا، ~~وجرى الماء في غياض الشام يسقي هام الربى، يراد بها أن تكون في نغماتها غربية وهي ربيبة ~~الشرق، ورضيعة لبانه ولسان حالها يقول: # وتلفتت عيني فمذ خفيت # عني الطلول تلفت القلب # إن أمة هذه خصائصها ومميزاتها لن تنفع فيها إن شاء الله حيلة المجددين في الشعر والغناء، ~~وستسير القافلة وهم في الطريق، وأن ملكا على عرشه حضرة صاحب الجلالة الملك أحمد فؤاد ~~الأول ابن ناصر هذا الفن المغفور له إسماعيل باشا خليق بأن يغني بمحاسنه الدهر، ويمرح تحت ~~وارف ظله كل مبتكر، وينشد في واسع رحابه لكل أديب، ويسير إلى الأمام بفضله كل مخترع، فلك ~~الشكر الجزيل يا صديقي على ما بذلت ms093 من جهد، وأديت من أمانة، بوضعك الحق في نصابه، وإرجاعك ~~السيف إلى قرابه، واختتم عجالتي هذه ببيتين من قصيدة المرحوم شوقي بك في المرحوم عبده. # يا مغيثا بصوته في الرزايا # ومعينا بماله في المكاره # ومجل الفقير بين ذويه # ومعز اليتيم بين صغاره # وسلام الله عليك من صديقك محمود الجبالي. # الفصل التاسع عشر # | عبده الحمولي مع سليم سركيس # مما يدل أيضا على عظمة أخلاق عبده الحمولي وما كان له على الناس من جميل الأثر حادثة ~~وقعت في نيوبار ومنزل يوسف بك صديق في سنة 1897 عقب عودته من الأستانة أرويها تفكهة لحضرات ~~القراء، وعبرة للمحترفين من بعده من حيث شريف المبادئ وحسن الحفاظ، وذلك نقلا عن مجلة ~~سركيس عدد سنة 1906 قال سليم سركيس أسماء الأشخاص: عبده الحمولي. سليم سركيس. باسيلي باشا ~~تادرس. عثمان باشا رأفت. يوسف بك صديق. عطا بك. # كان المرحوم عبده الحمولي نديم الملوك وأمير المنشدين قد تلطف فجعلني من خاصة أصدقائه كان ~~يكرمني بمودته كل يوم فإذا عاتبه قوم على ميله هذا إلي على ما كان من حدتي في جريدتي ~~القديمة - يقول - أنا أحب سليم سركيس لا جريدته - وأعاشر الرجل لا سياسته وأحبه لأنه أحبني ~~من أجل شخصي لا من أجل صوتي كما تفعلون، أنتم فإنكم لا يقع نظركم علي حتى تطلبون مني ~~صوتا، وسركيسا كلفني الغناء مرة واحدة في عامين. # قد قضت سياسة جريدتي في ذلك الحين أن أنشر مقالات استاء منها بعض أمراء العائلة الخديوية، ~~وسر منها قسم آخر من الأمراء، وكان وكيل أشغال الأمراء الذين استاءوا من مقالاتي رجلا ~~اسمه: عطا بك فلحقه شيء من حدة هذا القلم في ذلك الحين فأضمر لي الشر. # وحدث ذات يوم في سنة 1897 أن عبده الحمولي - رحمه الله عداد حسناته - جاءني في منزلي ~~يقول: أنت أسيري طول هذا النهار، فقضينا يومنا في التنقل من مكان إلى آخر على أتم ما يكون ~~من المسرة والحبور، حتى إذا كانت الساعة السابعة مساء، وجدت نفسي على رصيف (النيوبار) فأمر ~~بإحضار ms094 العشاء، وبسطت أمامنا مائدة الشراب، وعبده يحدثني بما لذ وطاب، وفيما نحن كذلك جاء ~~صاحب (البار) يقول: إن قوما يطلبون عبده بالتليفون فمضى، وبعد قليل عاد يهز رأسه فقلت: ما ~~الخبر؟ قال جماعة من إخواننا يتمتعون بضيافة يوسف بك ويطربهم محمد عثمان، وقد بحثوا عني كل ~~نهارهم فلم يقفوا لي على أثر ثم أدركوني هنا الآن، وهم يطلبون مني موافاتهم إلى هناك. قلت: ~~اذهب إليهم، قال: ما أنا فاعل. قلت: إنك تجتمع بي غدا إذ القوم في انتظارك؟ قال لا أستبدل ~~مقامي معك وهو مقام الصديق بمقامي بينهم وهو مقام المغني - ثم عدنا إلى حديثنا وإذا بزنجي ~~في عربة قد جاء برسالة من يوسف بك صديق أن القوم ينتظرون عبده، فصرف الزنجي معتذرا. وما ~~مضت نصف ساعة حتى أقبل علينا عثمان باشا رأفت الفريق، وسعادة باسيلي باشا تادرس وكان يومئذ ~~(باسيلي بك) القاضي فرحب عبده بهما. وبعد أن جلسا أوعز أحدهما إلى الخادم أن يرد الطعام، ~~وطلبا من عبده أن يذهب معهما إلى منزل يوسف بك صديق؛ لأن القوم ينتظرونه - فاعتذر إليهما ~~قائلا: إنني منذ الصباح مع صديقي سركيس وهذا اليوم خاص بنا، فلما وجدا أنه مصر على البقاء ~~معي عرضا عليه أن يحملاني على الذهاب معهما. فقال: إذا رضي سركيس بالذهاب فأنا راض، فتحولا ~~إلي يدعوانني إلى منزل صديقيهما، فاعتذرت قائلا: لا أعرف أكثر الذين هناك - وقلت لعبده: ~~أرجوك أن تذهب معهما، وأنا أمضي في شأني، فأقسم أن لا يفعل - عند ذلك قال لي عثمان باشا إن ~~صاحب المنزل مشترك في جريدتك. وفضلا عن ذلك، فلا يليق أن ترفض دعوتنا وأنت لا تحتاج إلى ~~أعظم من رجل في رتبة فريق وآخر قاض في الاستئناف يدعوانك فهي دعوة كاملة جديرة باهتمامك، ~~ولك منا أن تكون في المركز الأسمي من الإكرام هناك، فضلا عن ذلك فأنت في إصرارك على عدم ~~الذهاب تكدر جمهورا كبيرا لأنك تحرمهم من صديقهم عبده الحمولي. فلما رأيت أن إصراري ليس ~~من الحكمة، أجبت دعوتهم فركب الحمولي ms095 وتادرس باشا عربة وسرت في العربة الثانية مع عثمان ~~باشا حتى وصلنا إلى منزل المضيف، وإذا به غاص بالوجهاء والأعيان، فلما وصلنا احتفلوا بعبده ~~احتفالا عظيما وتنحى محمد عثمان عن مجلسه له - أما عبده فأراد أن لا أشعر بوحشة فأجلسني ~~بجانبه، وبعد قليل دعاني صاحب المنزل إلى غرفة «البوفيه» لأتمتع بما كانوا قد سبقوني إليه ~~من دلائل كرمه وسخائه وأظهر لي لطفا كثيرا أذهب وحشتي، ثم عدت وجلست بجانب عبده حتى إذا ~~بدأ يجس عوده استعدادا للغناء شعرت بوجود اضطراب في القاعة، وفي إحدى زواياه جماعة يتكلمون ~~وينظرون إلى ناحيتنا. وبعد قليل جاء باسيلي باشا تادرس إلى عبده يقول: لي كلمة أقولها إليك ~~في الخارج فسر معي. فخرج عبده وقد هم أن يأخذني معه فقال تادرس باشا «إن حديثي معك خاص بك ~~فاتبعني وحدك، وما غاب عبده إلا مدة قصيرة حتى عاد وعلى وجهه لوائح الغضب فجلس في مجلسه ~~وأدناني منه وطلب شرابا لكلينا»، وأخذ يغني ويطرب حتى أدهش من حضر، ولبثنا كذلك حتى شابت ~~ناصية الليل فانصرفنا، وأردت أن أوصله إلى محطة حلوان فأبى إلا أن يوصلني إلى بيتي، وكنت ~~أحاول مرارا أن أفهم منه سبب غضبه وهو يأبى الإيضاح، حتى إذا كان اليوم الثاني علمت ما ~~يأتي: لما دخلت معه إلى المنزل ورأى الناس احتفاله بي كان بين الموجودين (عطا بك) الذي تقدم ~~القول إنه كان متكدرا من بعض كتاباتي في قضية الأمراء فسأل: من الرجل؟ قيل له: هو سركيس - ~~فأرعد وأزبد وانصرف إلى الخارج، وكلف باسيلي باشا أن يدعو عبده إليه فلما تقابلا جرى بينهما ~~الحديث الآتي: # قال عطا بك: من هذا الذي جاء معك؟ قال عبده: هذا سليم أفندي سركيس، قال عطا بك: أما هو ~~صاحب الجريدة - قال: نعم - قال: أنت تعلم يا عبده أني أكرهه فلا تلمني إذا أسأت إليه. فنظر ~~إليه عبده شذرا وقال: إن سليم سركيس ضيف لصاحب هذا البيت الكريم، ولولا لطفه ما تمتعتم ~~بحضوري، ولولا أن ذهب إلى دعوته رجل في ms096 رتبة فريق وقاض في الاستئناف ما جاءكم، فاعلم يا عطا ~~بك إذا أسأت إليه بكلمة أسأت إليك بعشرين، فهو صديقي وضيفي والضيف من عند الله - قال عطا بك ~~- إذا واحد منا ينصرف الليلة من هنا - قال عبده تنصرف أنت إذا - قال عطا بك اختر بيننا - ~~قال عبده قد اخترت سركيس فانصرف إذا شئت. وهكذا انصرف عطا بك، وعاد عبده إلى مجلسه كما ~~ذكرنا فرحم الله تلك الروح الذكية والعواطف الشريفة. # المؤلف - ولا يفوتني قبل مسح القلم عن هذا الحادث الواقعي الغريب إلا أن أقول كلمتي ~~الآتية تعليقا عليه: # حق القول على الحمولي مخالفة ابن خلدون فيما قاله في مقدمته عن الملكة: «إن من حصلت له ~~ملكة في صناعة قل أن يجيد بعد في ملكة أخرى» لما أن عبقرية الحمولي كانت متنوعة ~~النواحي متشعبة الأطراف فإن الله سبحانه وتعالى يقيم العباد فيما أراد، ومن كان الله في ~~عونه تيسرت عليه المذاهب ونجحت له المطالب؛ ذلك أنه كان منشدا ومطربا وكاتبا وأنيسا ~~وزعيما وقدوة تحتذى في الأخلاق، وكان ينبوع الرحمة للفقراء، والمثل الأعلى في الوفاء ~~بالعهد، وسفير صدق يصلح بين قومه، ويؤلف قلوب الحاقدين، ويعد مع عبقريته المركبة من أكثر ~~الناس تجافيا عن مقاعد الكبر؛ لأن العبقرية من مزاياها التواضع وعدم الميل إلى الدعاية ~~والشعور بعدم أهمية العبقري لنفسه وجهله ما احتوت عليه عبقريته من كنوز ثمينة خالدة، وإذا ~~اعتبرنا أن عبقريته خصيبة منتجة كما تقدم وجب أن ننعم النظر في عظمتها وصمتها وعدم ثرثرتها ~~وكفى بعبقريته لحنا واحدا أو موالا واحدا نتبين منه جمال فنه وجمال خلقه ونوع نبوغه ~~الذي يبنى عليه الحكم ويقام له الحساب، ذهابا إلى ما نطقت به شواهد الحال وأيده أحد علماء ~~الإنكليز فقال: «إن العبرة بالنوع لا ~~بالكمية # It is quality that counts ~~». # وبناء عليه فإن ما يوجد من العبقرية في عبارة واحدة أو في ألفاظ منفردة مؤثرة يتجاوز في ~~الغالب ما قد يوجد منها في أضخم مجلد لما أن العبقرية لهب يتوقد لوقته على حد ms097 ما روي عن ~~ڤرجيل أنه بكلمات مؤثرة قليلة استطاع أن يسبر غور الجمال والحزن ويخبر سر الشرف في الحياة ~~والأمل في الموت، كما أن شكسبير تتمثل لحس القارئ عظمته ويشعر بلا مراء بخلود مصنفاته ~~ودواوينه بمجرد اطلاعه على رواية واحدة من الأربع والثلاثين رواية التي قام بتأليفها، ~~ويستنتج من تحليل حياة عبده النفسية أن ما من عمل من أعماله إلا يدل على إيحاء وعبقرية ~~وعظمة ويعد ناموسا للاجتماع ومثلا أعلى يعمل بمقتضاه أبناء النيل، ومأثرة ينقلها السلف ~~إلى الخلف على مر الأيام وكرور الأعوام، والحق يقال إنه كتب اسمه بأحرف من ذهب ليس على ~~رخام ضريحه فحسب بل على قلوب أبناء مصر عموما، والمحترفين والهاوين والمعجبين خصوصا، ~~وسيظل ذكره خالدا ويطيب نشره في المحافل مدى الدهور. # الفصل العشرون # | شهادة إبراهيم بك المويلحي الكاتب القدير # في مصباح الشرق بتاريخ 17 مايو سنة 1901 # بعنوان «خلقة كاملة» # إذا بحث الباحث في أطوار الناس وأخلاق الخلق تعين عليه أن يجردهم من طيالس المراتب ~~والمناصب ومظاهر الثروة والجاه، ثم يلفي في نظره ما بينهم من تفاوت الطبقات واختلاف ~~الدرجات التي وضعها الناس لأنفسهم بأنفسهم، ثم ينظروهم على تلك الحالة المجردة إلى ما وضعه ~~الله فيهم من المواهب والمزايا، وأسباب التفاضل بينهم وما هذه الدنيا في نظر الحكيم إلا ~~ملعب، وما الناس في مراتبهم ودرجاتهم إلا كالمشخصين فيه يتزيون بالأزياء المختلفة، هذا ~~ملك، وهذا وزير، وهذا قائد، وهذا أمير، فإذا أراد الباحث أن يعرف حقيقة اقتدارهم وقيمتهم ~~في ذاتهم نظر إليهم من وراء الملعب مجردين عن تلك الألبسة الفاخرة في الحالة التي كانوا ~~عليها قبل تشخيص أدوارهم، وهنالك يرى الباحث في طبائع الناس وأخلاقهم أنهم مختلفون بينهم، ~~ومتفاوتون في سلسلة الترقي والكمال تفاوت الصوان من الياقوت في الأحجار، والسيالة من ~~البنفسج في النبات، والفهد من القرد في الحيوان - ومن الناس من تميزهم الطبيعة بكمال الخلقة ~~وترتقي به في كمال التصوير فينشأ فيها من حسن الانتساق ولطف التركيب ما تتجلى في عالم ~~الإحسان والإتقان والتصوير؛ فيصدر ms098 عنه من بدائع الأعمال ومحاسن الأفعال ما تطرب له النفوس، ~~وتشجي به القلوب. فإن نشأ في طبقة الشعراء كان كالمعري مثلا، وإن نشأ في طبقة الحكماء كان ~~كابن سينا، إن نشأ في طبقة الجند كان كطارق بن زياد، وإن نشأ في طبقة المغنين كان كإسحاق أو ~~كهذا الفقيد الذي فقدناه بالأمس. وهب الله المرحوم عبده الحمولي سجية الإحسان ومزية ~~الإتقان، فكان وحيد عصره، وفريد دهره في صناعة مارسها بين الناس أكثر من أربعين عاما لم ~~يضارعه فيها مضارع، ولم يلحق به لاحق، وانحصر فيه الغناء في مصر طول هذه المدة فصار الكل له ~~مقلدين يأخذون عنه ولا يبلغون شأوه، ولا يتعلقون بغباره، ولا غرو فإنه هو الذي أخرج فن ~~الموسيقى من سقوطه وتأخره إلى ارتفاعه وتقدمه، ولم يقتصر على طريقته التي وجده عليها، بل ~~أخذ فيه بأسباب الاختراع والابتداع والتحسين والتهذيب، وأنشأ له طريقة جديدة بحسن اجتهاده ~~ورقة ذوقه. # وجاء في مصباح الشرق بتاريخ 24 مايو سنة 1901 ما يأتي: ~~«من الناس من يهبه الله سجية الإحسان ومزية الإتقان فينصرف إتقانه وإحسانه إلى ~~الفن أو الصناعة التي اختارها لنفسه فيحسنها ويتقنها ويتحول بكليته إليها، ويغفل في ~~نفسه ما عداها من مغارس المحاسن ومنابت الفضائل ومكامن المكارم فيعيش غفلا منها، ~~وإن كان نابها في صناعته فيلقى الناس منه ما يسوء من أخلاقه بقدر ما أحسن من ~~صناعته، يرضيك حسنه من باب، ويسخطك قبحه من عدة أبواب، فترى الشاعر يرتقي في عالم ~~شعره فيسبق فيه من يباريه ويعلو قدره على سواه، فإذا عطفت نظرك إلى أخلاقه وجدته ~~أحط الناس فيها درجة، وأدناهم منزلة، وأردأهم سيرة في المخالطة، وأسوأهم معاملة في ~~المعاشرة، وتجد هذا الذي لم يكتف بعلم الحقيقة في الجمال حتى تجاوزه إلى عالم ~~الخيال أبعد الناس عن جميل الفعل وكريم الخصال، وترى المصور الذي يباري محاسن ~~الطبيعة بحسن المحاكاة في جمال النظام ولطف الانسجام يكون فيما عدا ذلك أخرق أحمق ~~شرس الطباع سافل الأخلاق، وترى العالم يصعد بعلم إلى عالم الفضائل ms099 والحقائق، ثم ~~ترذل أخلاقه بالغلظة والجفاء وتسوء بالتيه والضلال وتراهم جميعا قد ارتكنوا في ~~طبقاتهم على فضلهم في صناعاتهم وفنونهم، وأهملوا بقية الفضائل وبعدوا بنفوسهم عن ~~جمال التهذيب وحسن التثقيف، فإن تحمل الناس منهم سوء الأخلاق ظاهرا للمزية التي ~~انفردوا بها فإنهم لا يتحملونها باطنا يرضونهم بالوجوه ويبغضونهم في القلوب، أما ~~إذا التفت المتقن لفتة المحسن في صناعته إلى تهذيب بقية أخلاقه وصفاته إلى تحسينها، ~~وصرف إلى ذلك بعض همه بما أوتيه من سجية الإتقان ومزية الإحسان وارتقى إلى فضائل ~~الأخلاق ارتقاءه في فنه أو صناعته، فإنه يرضي الناس ظاهرا وباطنا وتبلغ مزاياه من ~~قلوبهم المحل الأعلى فتنطوي على محبته وتجتمع على تفضيله في حياته وبعد ~~مماته». # وقال في موضع آخر ~~«ولما سافر المرحوم في سنة 1896 إلى الأستانة العلية وحظي هناك بالمثول في الحضور ~~الشاهاني مرارا، وأعجب أمير المؤمنين بمهارته في فنه وحسن تأديته له أسنى عطيته، ~~وبلغه حسن رضائه، وكان الواسطة بينهما للتبليغ في ذلك المجلس سماحة السيد أبي ~~الهدى، ومما تلقاه عنه من أوامر أمير المؤمنين أن يلقن ما غناه في حضرته من ~~الأصوات لبعض ضباط الموسيقى الشاهانية، فلقن المرحوم منه ما أمكنه، ولم يسع الوقت ~~تمام القيام بالأمر، ووعد أنه سيشتغل عند عودته إلى مصر بربط تلك الأصوات برابطة ~~«النوطة»، ثم يعرضها على الأعتاب ليسهل أخذها على ضباط الموسيقى، وأهمل المرحوم مدة ~~وجوده في الأستانة التردد على سماحة السيد، واجتمع ببعض المتزاحمين معه على الأعتاب ~~الشاهانية، ورغب كل واحد منهم أن يكون له الحظوة بتقديم تلك الأغاني والأصوات عند ~~عودة المرحوم إلى مصر وإرسالها إلى الأستانة، فلما عاد أتمها عشرين صوتا (دورا) ~~مربوطة بالنوطة ثم تردد في كيفية إرسالها، وخشي أن يغضب أحدهم باختيار سواه عليه في ~~تقديمها فامتنع عن إرسالها لهم جميعا، وأرسلها من طريق رسمي، فأسرها له السيد في ~~نفسه، ولما ذهب إلى الأستانة وقابل من قابل مزودا بالآمال لم يشعر هناك - وهو في ~~مجلس أنس لبعض كبار المصريين من أصدقائه في جهة البوغاز ms100 - إلا وقد أحاط به رجال ~~الشرطة فسار معهم وصاروا ينقلون هذا الذي لم ينتقل في عمره من مجلس أنس إلا إلى ~~مجلس سرور طول ليلته، من مخفر إلى مخفر ومن سجن إلى سجن، حتى وصلوا به إلى مأمور ~~الضابطة فأمره بالخروج في الحال من دار الخلافة، وعلم المرحوم مما سمعه من بعض ~~الأعوان الحلبيين من ذكر السيد ووجوب السعي في دوام رضائه، أن الأمر مقصود لمجازاته ~~على إهماله أمر سماحته، فلم يلتفت إلى غير المبادرة إلى إجابة الأمر بالرحيل عن ~~الأستانة؛ فأثرت فيه هذه الحالة وعاد إلى مصر مصابا بداء البول السكري فانهك ~~قواه». # وقال أيضا وكان شهما غيورا شريف السيرة يغار لنفسه ولأعراض الناس لا يبالي في ذلك بهول ~~الموقف وفداحة الخطوب. كان كتوما للسر مؤاسيا لعائلته طلق الوجه طليق اللسان يصيب غرضه ~~بحسن بيانه حتى لقد قيل عنه: إنه لو كان سفيرا لدولة من الدول لما تعقد عليه أمر في ~~السياسة، فكان خفيف الروح متوقد الذهن، مات والناس إجماع على تفضله والقلوب مرتبطة بمحبته. # فاذهب كما ذهبت عوادي مزنة # أثني عليها السهل والأوعار # فما روضة غناء كأنها غادة حسناء قد افتتن في تصويرها الجمال وجعلها للناظرين كالمثال، ~~فالغصن قدها والورد خدها، والرمان نهدها، وعليل النسيم عهدها، والكرم شعرها، والأقاح ثغرها، ~~انتهت فيها غافية حمام فوق نمارق الأغصان والأكمام آخر الليل وقد عسس، وأول الصبح وقد نفس، ~~فلما رفعت طرفها وجدت بجانبها إلفها بعد أن نأى عنها مكانا، وفارقها زمانا، فزال عنهما ~~ألم الشوق، والتف الطوق بالطوق، وهتف منشدان فوق خرير الماء قصيدة على روي الراء، أودعاها ~~ما أرادا من معاني العشاق في وصف صلة الوصل بعد الفراق، ومن حولهما بقية الأطيار ترجع ~~إنشادهما ترجيع الأوتار تهزه على كل غصن مائس كأنها القيان تزف العرائس بأطرب من صوتك في ~~الآذان، وألذ من ذكرك بين القلب واللسان، وما أحرى من سكان الأشجار وذوات الأوكار غادرت ~~أفراخها من وكرها في ليلة موصوفة ببردها وحرها تلتمس لهن شيئا من القوت، وقد عز ms101 كالياقوت، ~~فوقعت من الأمطار في شبكة منعتها عن السعي والحركة إلى أن غادرتها العهاد، وأمكن لها ~~الإرشاد، فعثرت لهن على نزر من الحب، ودت لو زيد فيه حبة القلب فراحت إليهن ولا الظافر بتاج ~~الملك، ولا الناجي مع نوح في الفلك، فوجدت السيل قد أتى على الشجرة فاقتلعها، وعلى الأفراح ~~فابتلعها، وبينا هي بين تصعيد وتصويب وحنين ونحيب إذ أنقض عليها صقر أنشب في طوقها أظفاره، ~~وغمس في جوفها منقاره فاجتمعت عليها صنوف الآلام: آلام الأرواح، وآلام الأجسام بأوجع في ~~قلوب رفاقك من يوم فراقك. # الفصل الحادي والعشرون # | آراء أعضاء المؤتمر الموسيقي المنعقد سنة 1932 في الموسيقى العربية # قال جناب البارون كارا دي فو في خطابه في حفلة اختتام المؤتمر ما ترجمته نقلا عن كتاب ~~مؤتمر الموسيقى العربية لوزارة المعارف العمومية: «إن الموسيقى الشرقية علم عظيم وليست ~~موضوعا يمكن استيعاب البحث فيه في يوم أو في ثلاثة أسابيع، ويشعر الإنسان بهذا التأثير إذا ~~ألقى نظرة على فهارس الكتب الموسيقية القديمة». # إننا لم نواجه مبحثا أكثر أهمية وأعظم شأنا من مسألة تأثير الموسيقى الشرقية في ~~الموسيقى الغربية في القرون الوسطى. # إن جميع مجموعات الآلات الموسيقية لعمل شاق يستلزم السنين الطويلة - وقد بدأت مصر - ولله ~~الحمد - الخطوات الأولى منه، وأشارت لجنة الآلات بالإرشادات والمعلومات اللازمة ~~لذلك. # هذا ما يخص المسائل الواسعة المدى. أما المسائل الدقيقة بل الشائكة - إن أردت - فأهمها ~~اثنتان: تتابع المقامات، وإمكان الامتناع بأرباع الأصوات بالتقريب. وهنا لا يكفي العلم وحده ~~بل تدخل عناصر فنية وبسيكولوجية. # غير أننا نستطيع أن نبذل المعونة للموسيقيين الشرقيين ليجتنبوا المناقشات غير المنظمة بما ~~نبث في نفوسهم من طريق البحث والتحليل على النمط الأوروبي، وإني أذكر مثالا لذلك الصوت ~~المعروف بالسيكاه الذي أثار مناقشات حادة وهو الصوت الثالث من ديوان المقام، ويظهر أن ~~الموسيقيين الشرقيين يريدون أن يثبتوا سيكاه وحيدة مطلقة، أو مثلا أعلى للسيكاه، وقد قال ~~لهم العلماء الغربيون حللوا وميزوا لأن سيكاكم يمكن تغييرها مع المقامات، حتى أن المقامات ~~نفسها تختلف باختلاف البلدان، ms102 ولقد وجدنا بعد التجارب أن مقام الراست والسيكاه على حسب ~~العزف عند كبار المغنيين مرتفعين قليلا في سوريا عن مثيلهما في مصر، وهما في تركيا أكثر ~~ارتفاعا منهما في سوريا، وعلى العموم قد تحققنا أن في مصر استعدادا فطريا لدى المغنين ~~والعازفين للاقتراب من الصواب. ا.ه. # وقد جاء في خطبة حضرة السيد حسن حسني عبد الوهاب ما يأتي: # وأكبر مزية سيخلدها لك تاريخ الفنون الجميلة إلى دهر الداهرين القرار الإجماعي ~~الصادر من أعلى منبر في هذا المؤتمر بحماية الألحان العربية من العجم، تلك التي ~~كادت تبتلعها وتقضي عليها القضاء الأخير، وما حماية الألحان إلا حفاظ لروح القوم ~~الخالدة. وفيك يا مصر يرجى الحفاظ، وها نحن أولاء من خلف أعوان وأنصار. # وقبل أن نختتم هذه الكلمة نرى من واجب الضيافة الكريمة التي حبينا بها في وادي ~~النيل من جلالة الملك المعظم وحكومته وشعبه أن نرفع لهم جزيل الامتنان ووافر الثناء ~~على ما لاقيناه من الحفاوة والإكرام. وكذا للنتائج الغالية التي سنعود بها إلى ~~أقطارنا رافعي الرؤوس ونفوسنا ممتلئة إعجابا بأننا أعدنا إلى الشرق - على يد مصر - ~~ميزته الفنية وألحانه الشجية وتراثه القديم. # فدومي يا مصر لنهضة الشرق وذويه رافلة في مطارف العز والبهاء للحضارة والجمال ~~والخلود. ا.ه. # وقال جناب الدكتور هنري فارمر: # واسمحوا لي أن أقول كلمة في الختام، لما كنت قد وقفت حياتي على خدمة الموسيقى ~~العربية، أعني القديمة منها، فإن هذا المؤتمر كان سبب مسرة خاصة لي إذ قد جعل ~~الأماجد من رجال الثقافة العربية في العصور الغابرة يحيون مرة أخرى، وإن سماع ~~الموسيقى الرائعة التي وضعها أسلافنا الموسيقيون الذين قضيت سنين عدة في الكتابة ~~عنهم أدخل على قلبي سرورا عظيما، وإني بالرغم من صعوبات كثيرة أشعر عن يقين أن ~~هذا المؤتمر سينتج ثمارا دانية القطوف. نعم لقد كان هناك تضارب في الآراء، ولكنا ~~نستطيع مع شيء من الصبر والتسامح أن نجد طريقا أمينا للمستقبل. # وهناك أمر واحد لا ريب فيه وهو أن الموسيقى العربية لا تستطيع أن تقف ms103 جامدة، ~~فالمدينة العصرية مع تياراتها الجارفة التي لا تعوقها العقبات ستدفع الموسيقى ~~العربية إلى التقدم إلى الأمام، وعلينا متى ظهرت بوادر هذا التقدم أن نحرص على أن ~~تسلك طريقا بحفظ روحها الوطنية وطابعها؛ لأن فقدانها ذلك الميراث المجيد يعد كارثة ~~عظيمة. # وعلينا أن نمنع وقوع هذا ويجب أن تعنى مصر بالمحافظة على ذلك المجد. فهي التي ~~أنبتت الحسين بن علي المغربي والمسبحي في القرن الخامس بعد الهجرة، وقد وضع كل من ~~هذين المؤلفين كتبا على طراز كتاب الأغاني العظيم لمؤلفه أبي الفرج. ومصر هي التي ~~أهدت إلى العالم الإسلامي الفلكي الشهير ابن يونس الذي وضع أيضا كتابا خاصا في ~~تمجيد العود بعنوان: «العقود والسعود» ومن أرض النيل المبارك خرج ابن الهتيم الذي ~~وضع الشروح الوافية والنقد الصحيح لنظريات إقليدس الموسيقية. وفي هذه البلاد عاش ~~أيضا أبو الصلت أمية. وقد كانت رسالته في الموسيقى على جانب من الخطورة؛ إذ ورد ~~ذكرها واستشهد بها في الكتب العبرية. وقد كان البياسي المعدود من أخصاء الفاتح ~~العظيم صلاح الدين موسيقيا بلغ شيئا من الإجادة، وعلم الدين قيصر الذي كان من ~~أبناء مصر كان أشهر أهل عصره في نظرياته الموسيقية. ثم ابن الطحان وهو مصري آخر وضع ~~مؤلفا في الموسيقى ربما كان أهم ما وضع من نوعه؛ لأنه يبحث فيه في تاريخ الموسيقى ~~ونظرياتها جنبا إلى جنب، وجميع هؤلاء عاشوا قبل القرن السابع للهجرة. # واليوم وذكريات الأسابيع الثلاثة الماضية لا تزال ماثلة بجمالها أمام أعيننا، ~~نشعر أن مصر ستتخذ مرة أخرى مركزا ساميا ممتازا في طليعة البلدان في عالم الفنون ~~الإسلامية، فترسم الطريق في هذا الفن الشريف المجيد لغيرها من البلدان العربية ~~وتنقش اسمها على تاريخ الموسيقى في الأقطار الشرقية. ا.ه. # وقال جناب الأستاذ جوستو زامبيري: # إن التبادل المستمر في الشعور والأفكار بين الأمم القريبة والنائية قد حصل في ~~غالب الأحيان بواسطة الفنون؛ لأن الفن له مزية قائمة بنفسها وجدت بوجود الإنسان، ~~وجعل لها الأقدمون صبغة روحية؛ فقد قال القديس أوجستان: «إن الفن موطنه الروح ms104 فلا ~~ينفصل عنها»، وقد اهتم علماء إيطاليا بفنون الشعوب كلها؛ لأن إيطاليا الحديثة ~~الناهضة تعلمت كيف تفكر للوصول إلى مطالبها العالية، وتمهيد السبل لمثلها في باقي ~~الشعوب. والفن الشرقي له صبغة شخصية في غاية الطلاوة. ففي الفنون الحسية نرى الخطوط ~~والدوائر مرسومة على ألوف من الأشكال البديعة التي أحدثت في الغرب تأثيرا فنيا ~~مهما، ولما اكتست هذه الفنون بالأنغام الشرقية التي تمكنت من استعمال أدق الأبعاد ~~التي بين صوت وآخر وأتقنتها ولدت في الغرب حاسة الخيال المبدع. # وقد كان في إيطاليا في العصور الوسطى نزعة قائمة على نقض الأنغام الكروماطيقية ~~والهارمونية والاقتصار على الدياطونيقية، ولكنا نشاهد في العصور الحديثة حركة يقصد ~~بها العود إلى الأنغام المهملة؛ فاتجهت لذلك الأفكار إلى الشرق، لأن الروح ~~الموسيقية التي تكتنف الأرض وتصل الشعوب بعضها ببعض قادت الأفكار في هذه المرة ~~أيضا إلى المسلك القديم الذي سلكه الفن، وهو الاتجاه دائما من الشرق إلى الغرب. # يا أيها الأماجد إن معرفتكم لتاريخ هذا الفن وعلومه التي لم تزل غامضة علينا بعض ~~الغموض سيكون لها في هذا المؤتمر شأن عظيم، فإن نهضتكم الموسيقية وأعمال سلفكم ~~ومؤلفات علمائكم كشرف الدين هارون وغيره مما لم ينشر فوائدها بعد سيكون لها عظيم من ~~البحوث والتنقيب في هذا المؤتمر الذي دعوتم إليه علماء أوروبا. ومن البدهي أن ~~انتشار العلوم يساعد على المحافظة على الفنون. وقد ذكر ذلك القديس السالف الذكر «أن ~~العلم المجرد عن الفن إنما هو معرفة سطحية»؛ لذلك أرى أن رقي الفن الذي هو ضالتكم ~~المنشودة سيكون ضالة المؤتمر أيضا ا.ه. # وقال الأستاذ الدكتور كورت زاكس في حضرة جلالة الملك في الحفلة التي أقيمت بدار الأوبرا ~~الملكية نائبا عن أعضاء المؤتمر: # فهذه البلاد التي نشأت قبل بلاد الغرب تريد الآن أن تقاسمها الحياة، وأن تتبوأ ~~بينها المكان اللائق بها، فهي الأم التي تجدد صباها وأصبحت تعد نفسها أختا ~~لبناتها. وهاك شعار المؤتمر والروح التي تتجلى فيه عن مصر. إن هذه البلاد التي نعجب ~~بجدها ونشاطها ترغب في ترقية موسيقاها ms105 وتجديدها. وهي التي غذت منذ ألف عام الموسيقى ~~الأوربية. وقد تفضلتم جلالتكم فدعوتمونا وأدركتم مع منظمي المؤتمر أن هناك صعوبات ~~جمة تقف في سبيل إصلاح الموسيقى العربية. لكنكم ذللتم هذه الصعوبات وتحملتم ~~أعباءها؛ لأن الغرض هو توسيع نطاق فن الموسيقى العربية دون التورط في تقليد أوربا ~~تقليدا أعمى. فعلينا أن نسعى في هدوء إلى الرقي الذي ننشده؛ لأن الطفرة بعد انقضاء ~~ألف عام كثيرة الضرر، كما يجب علينا أن نضع أسلوبا جديدا دون أن نهمل شيئا من ~~التراث النفيس الذي خلفته لمصر هذه الأجيال الكثيرة. # وقال حضرة الأب كولانجيت ضمن الكلمة التي ألقاها في حضرة صاحب الجلالة، عند تشرف رؤساء ~~اللجان ومندوبي الدول في مؤتمر الموسيقى العربية بمقابلة جلالته يوم 31 مارس 1932. ~~«إن للسعادة مظاهر تتم عنها، والموسيقى واحدة منها، لا يجوز إسقاطها، فإن الشعب ~~الذي يغني لهو شعب سعيد، وفي عرفنا أن الترقية والتجديد لا يستلزمان حتما هدم ~~القديم، بل نحن نعد جرما كل مساس بهيكل الموسيقى العربية القديم ونريد هذا الفن ~~الجميل الذي ازدهرت به عصور الحلفاء الأقدمين، وتناقله الخلف عن السلف بعناية حتى ~~وصل إلينا، نريد أن يحتفظ بصبغته التقليدية، وأن يبقى فنا عربيا حقا». ~~ا.ه. # وإني أقتطف من خطبة صاحب المعالي وزير المعارف ورئيس المؤتمر في حفلة ~~الاختتام ما يأتي حرفيا: # وإن اجتماع هذا المؤتمر وما ضم من العلماء ومن مختلف البلدان الغربية والشرقية ~~المطلعين على أسرار فن الموسيقى العربية المحبين له واجتماعهم في صعيد واحد ~~بالقاهرة عاصمة مصر لما يقدم لنا برهانا جديدا على أن التعاون الفكري بين جميع ~~الأمم، وفي جميع نواحي النشاط العقلي من علم وفن وصناعة يؤدي إلى أحسن الثمرات. ~~والحكومة المصرية تلحظ بعين السرور أن علماء الغرب في معاونتهم للشرق إنما يعاونونه ~~لينهض في حدود مدنيته، ويرقى إلى أسمى الدرجات في دائرة تقاليده بغير أن يعتور ~~مميزاته الخاصة تغيير أو يلحقها فساد. # ويسرنا أن ذلك رأي أعضاء هذا المؤتمر فقد أرادوا بفن الموسيقى العربية أن ~~ينهض وينشط في دائرة الاحتفاظ بطابعه ms106 ومميزاته الخاصة، وقال أيضا ما يأتي: # ولقد حوى تقرير لجنة التعليم بيان القواعد الأساسية لتعليم الموسيقى العربية ~~ودراستها والآلات الواجب استعمالها والوسائل المؤدية إلى ذلك من حيث التدريس ~~والمؤلفات. وعنيت بصفة خاصة بحث المؤلفات الموسيقية التي وضعها الشبان المؤلفون ~~المصريون، ونصحت لهم أن يتجنبوا الطريق الذي سلكوه لتكون الموسيقى عربية خالصة من ~~ألوان الموسيقى الغربية. # وقدمت لجنة التاريخ الموسيقى والمخطوطات بيانا وافيا للمخطوطات العربية الهامة ~~التي تجب العناية بدراستها والرجوع إليها لمعرفة تاريخ الموسيقى العربية وأصولها، ~~وتحقيق الغاية التي ينشدها المؤتمر بإحياء مجد الموسيقى العربية، كما بينت فيه ما ~~ترجم وما نشر من تلك المخطوطات. # أما لجنة المسائل العامة فقد عنيت ببيان الوسائل المؤدية لترقية الموسيقى ~~العربية والوصول بها إلى الدرجة المبتغاة لها من رفعة الشأن مع الاحتفاظ بطابعها ~~ومميزاتها. # الفصل الثاني والعشرون # | شعور المغفور له سعد زغلول باشا # نحو فقيد الفن (الحمولي) # دعى عبده في المدة المتراوحة بين سنتي 1896-1899 للغناء في أسيوط بدار الدكتور: حبيب بك ~~خياط احتفاء بزواجه بابنة الوجيه المرحوم: ويصا بقطر، فاعتذر عن قبول الدعوة لارتباطه ~~بإحياء حفلة زفاف ربة الصون والعفاف كريمة المرحوم: مصطفى باشا فهمي - رئيس مجلس الوزراء ~~الأسبق - (صاحبة العصمة صفية هانم) إلى سعد بك زغلول (آنئذ)، فغنى دور «أنا من هجرك أحكي ~~خصرك. ولي أنت الآمر الناهي»، وكأنه بإيحائه تنبأ بزعامة سعد زغلول للأمة المصرية الكريمة، ~~كما أنه غنى دورا آخر نظم: إسماعيل باشا صبري وكيل الداخلية وقتئذ: عشنا وشفنا سنين ومن ~~عاش يشوف العجب غيرنا تملك وصال (بواو العطف) واحنا نصيبنا خيال فين العدل (كررها ~~ثلاثا) يا منصفين، بلهجة الغضب مصورا بنغماته الحماسية، وشعور الأمة الوطني، مما كان يحيط ~~بالبلاد من ظروف وانفعالات ذودا عن حوزة الوطن العزيز، على أنه لا يعزب عن البال من طريق ~~الاستنتاج أن نغمات المطرب كالشاعر والمصور أصدق دلالة على ما في نفسه من عوامل ونزعات ~~وتحفز، ففي هذه النغمات الأخيرة ألفينا عبده شجاعا أبيا ووطنيا حرا ومصريا حميما، ~~خلافا لما نجد في نغمات المجددين ms107 من خلاعة وتهتك ليس عليها مسحة القومية، ولا هم لهم إلا ~~الكسب والجشع في عصر استنوقت فيه جماله، وأصبح ونساءه رجاله يشترينهم بالبائنة بدل المهر ~~ليسيطرن عليهم وينفدن بالأمر والنهي. # المغفور له سعد زغلول باشا. # ولما مات عبده ذهب المرحوم سعد بك إلى دار الفقيد بالعباسية وأراد أن يقابل إحسانه السابق ~~بمعروف لاحق يسديه إلى عائلته رأفة بحالها بعد فقده، فاقترح تلميحا على زوجته السيدة ~~جولتار هانم أن يجمع لها بطريق الاكتتاب مالا يساعدها على تربية أولادها، فأعرضت عن النزول ~~على مقترحة شاكرة، وقالت له «إن عبده مات غنيا كما عاش غنيا وترك لنا ثروة أدبية وفنية ~~خالدة في السماء لا يأكلها السوس ولا تمتد إليها يد سارق. فنعم الزوجة التي آثرت أن ترضى ~~غيرة على سمعتها بميسور ما تركه لها على أن تضرب عليها الذلة، وأكرم بعبده بعلا حمي ~~الأنف قد بث فيها طيلة حياته إباء وشرفا وعزة نفس. وشكرا لك أيها الزعيم الكريم على ما ~~قمت به من ثواب، وأظهرته من كريم الشمائل ورقة العواطف، ووثيق العهد نحو من أنسته المروءة ~~نفسه، وكرس للخير حياته التي عدها ملكا مشاعا بين قومه، وأهلك نفسه ليحفظ غيره، قدس الله ~~روحيكما وأسكنكما فسيح الجنان». # الفصل الثالث والعشرون # | تراجم حياة أشهر الموسيقيين والمطربين في مصر # المرحوم أحمد الليثي «العواد» # ولد المرحوم الليثي في الإسكندرية سنة 1816 ومات سنة 1913. وكان والده «قانونجيا» ~~شهيرا وبعثه إلى أحد الوزانين «القبانية» ليتعلم بدكانه القراءة والكتابة. ولما وجد ~~الأخير أن تلميذه ليس بقارئ ولا بكاتب ومادام عديم الميل إلى العلم لا يضطلع بمزاجه ~~حفظ، أشار عليه بأن يتعلم فنا من الفنون الجميلة كالموسيقى فاختار لنفسه «العود»، وبدأ ~~والده يعلمه العزف عليه على طريقة القانون بواسطة السمع لا الأصبع كما هو المتبع فيما ~~إذا كان المعلم عوادا، فأدرك شيئا من العلم بادئ بدء واستعان أخيرا بفطرته الطبيعية ~~على الابتكار دون التقليد في تصوير النغمات، ثم حضر إلى مصر ولم يكن فيها تخت للآلات ~~الوترية معروفا سوى تخت المرحوم: ms108 منسي الكبير، والد الأستاذ: قسطندي منسي، والتحق ~~بسراي ساكن الجنان الخديو إسماعيل كمعلم، وانضم إلى «ألمظ» وعبده الحمولي، وكان الوحيد ~~في تصوير نغماتها، وفي التقاسيم المعتاد البدء بها على عوده بدلا من القانون، بالرغم ~~من وجود قانونين على تخت عبده، ولم يشتهر سواه في تصوير النغمات بالأصابع دون الريشة؛ ~~لأن العادة المتبعة في الأستانة أن تستعمل الريشة للعزف ابتداء من التقسيمة أو خلافها ~~من القطع لغاية التسليم (أي النهاية)، وهذه الطريقة تسمى «بالمزراب» وقد خالفها الليثي ~~في مصر بأن استعمل الأصابع دون الريشة لاستخراج الأصوات، وتسمى طريقته «بالبصم» ولا ~~يخفى على اللبيب ما لطبيعة الأصابع من لين وحنان، وما للريشة من يبوسة. وكان قصير ~~القامة مليح الوجه تتوسم فيه مخايل الكرم، ويعد عبقريا في العزف على العود رحمه الله ~~رحمة واسعة. # المرحوم الأستاذ أحمد الليثي «العواد». # المرحوم: محمد عثمان # ولد المرحوم: محمد عثمان بن الشيخ عثمان حسن المدرس بجامع السلطان أبي العلا حوالي ~~سنة 1855 في مصر، وأدخله والده في ورشة برادة ليتعلم صنعة يرتزق منها، ولما آنس فيه ~~شديد الميل إلى الغناء وسمعه يقلد المنشدين في الأذكار أخرجه منها وضمه إلى تخت ~~الأستاذ: منسي الكبير، والد الأستاذ: قسطندي منسي الذي تخرج عليه في العزف على العود، ~~والتدرب على الغناء، وتركه بعد وفاة والده ليشتغل على تخت: علي الرشيدي الكبير، ومكث ~~مع الأخير مدة طويلة تعمق في خلالها في البحث الفني، وتبسط في التلحين إلى أن كون ~~تختا خاصا به، ولما فقد صوته من جراء مرض أصابه عهد إلى التلحين؛ فتصحفه المحترفون ~~والهاوون، فإذا هو محكم الوضع متناسق النغمات ، وإليكم مجموعة مقطوعاته الغنائية المبينة ~~بالجدول الآتي: ~~«أما بسحر العين» و«المطر يبكي يا ناس لحالي» و«متع حياتك» و«نور العيون شرف وبان» ~~و«بدع الحبيب كله يطرب» فهي منسوبة للمرحوم: عبده الحمولي كما قرر ذلك الثقة الأستاذ: ~~داود حسني الملحن الكبير، وقال أيضا إن مقطوعة الحبيب لما هجرني قديمة، وليست له، ولا ~~يفوتني أن أذكر أن محمد عثمان ابتدع طريقة خاصة به تسمى ms109 «الهنك» في الغناء، التي يردد ~~فيها رجال تخته المذهب نفسه أو غير ذلك ليتسنى له التنفس والراحة في أثناء ذلك ~~استعدادا للإبداع، وقد ذهب مع عبده إلى الأستانة، وقد بكاه الأخير على ما كان بينهما ~~من تباغض وتنافس عندما بلغه نعيه وهو في سوهاج بوابور حسن بك واصف يوم 19 ديسمبر سنة ~~1900. # وقد روى لي الأستاذ داود حسني أن محمد عثمان على ما كان معجبا بنفسه لانتشار تلحينه ~~لا يعنو لمشاجرات العصبجية من أهل الحسينية، وأهل الجمالية في أثناء الحفلات والأعراس ~~لصرامة بأسه وصلب عوده، ولم يقم لأي أمر وزنا، ولم يعظم أحدا إلا عبده، فإنه كان ~~يسميه لدى رجال تخته «الأفندي بتاعنا»، ولو كانت له صورة فوتوغرافية لتشرفت بوضعها في ~~صدر مقالي هذا، ويعد أكبر ملحن في عالم الغناء رحمه الله رحمة واسعة. # اسم المقطوعة # المقام # اسم المقطوعة # المقام # مليكي أنا عبدك # راست # اليوم صفا # عجم # يا ناس خايف أقول أحبه # راست # ما أحب غيرك # صبا # أصل الغرام نظرة # راست # أعشق الخالص لحبك # صبا # بستان جمالك # راست # أدما أحبك # صبا # عشنا وشفنا سنين # راست # آهين وآه من العشق آه # صبا # أنا يا بدر لم بانظر مثالك # راست # الحب أصله منين # صبا # دواعي الحب تشغلني # راست # على الملاح أنت الأمير # جهاركاه # بعد الخصام حبي اصطلح # راست # صبحت من عشقك أبكي # جهاركاه # من يوم عرفت الحب # بياتي # تيهك علي اليوم # جهاركاه # قده المياس # بياتي # النوم وعد # جهاركاه # عهد الأخوة # بياتي # القلب سلم من زمان # جهاركاه # حبيت جميل # بياتي # غرامك علمني النوح # حجاز كار # يا وصل شرف # بياتي # ياما أنت واحشني # حجاز كار # قل لي رايت إيه # بياتي # فؤاد من لحاظك # حجاز # قدك أمير الأغصان # بياتي # لسان الدمع أفصح من بياني # عراق # ثلاثين يوم ما شفت النوم # بياتي # البخت ساعدني وشفتك # عراق # إن كان كده والا كده # بياتي # أنا أعشق في زماني # رمل # ياللي معك روح الأمل # بياتي # كادني الهوى # نهوند # حبي دعاني في البستان # بياتي # كل يوم أشكي # نهوند # القلب داب ms110 # سيكاه # فؤادي رقيق يعشق # نهوند # في البعد ياما # سيكاه ~~- ~~- # الشيخ يوسف المنيلاوي # ولد المرحوم يوسف خفاجي المنيلاوي حوالي سنة 1850 بمنيل الروضة في القاهرة، وحفظ ما ~~تيسر من القرآن الشريف، وألف منذ حداثته الإنشاد الذي اقتبسه عن الشيخ خليل محرم و ~~الشيخ محمد المسلوب، ولما ظهر نبوغه في هذا الفن لما له من صوت حسن رخيم ولين أشار عليه ~~المرحوم عبده بترك الإنشاد لممارسة الغناء؛ فاندمج في سلك المطربين وأخذ عن «عبده» ~~و«محمد عثمان» أدوارهما الملحنة وغناها على تخته الخاص، وانقطع عن الإنشاد إلا في حفلات ~~مولد النبي، وتشييع الكسوة الشريفة، وليالي شهر رمضان في منزل آل البكري، فكان ينشد ~~فيها الأدوار الخاصة بالذكر حتى إذا تمزق ستر الليل غنى القصيدة التي مطلعها: # فتكات لحظك أم سيوف أبيك # وكؤوس خمر أم مراشف فيك # وقد سافر إلى الأستانة سنة 1305ه. وغنى السلطان عبد الحميد لأول مرة القصيدة ~~المشهورة التي مطلعها: # ته دلالا فأنت أهل لذاك # وتحكم فالحسن قد أعطاك # ولك الأمر فأقض ما أنت قاض # فعلي الجمال قد ولاك # وأنعم عليه بالنشان المجيدي وقد أعطى صوته سنة 1908 لشركة عمر أفندي، وكتب على ~~اسطواناته لفظتا «سمع الملوك» وعبأت له شركة «جراموفون» سنة 1910 عدة اسطوانات مازال ~~الناس يتداولون سماعها بالفونوغراف، ومن طريق الإذاعة اللاسلكية الحكومية، وقد اشترى ~~قطعة أرض بكوبري القبة بنى عليها منزلا جميلا بجوار منزل آل السيوف باشا، وقضى نحبه ~~يوم 6 يونيو سنة 1911. # ومن لطيف النكت أن أتحف القارئ برواية طريفة نقلا عن جريدة الاتحاد العثماني ~~البيروتية التي نعت الشيخ يوسف المذكور وذكرت بها ما يأتي بنصه: أن بعضهم سمع في الليلة ~~الماضية صوت الفقيد في الفونوغراف ينشد قول الشاعر «فلا كبدي تبلى» فقال سبحان الله ~~ميت يتكلم وقد بليت كبده، وهو يقول «فلا كبدي تبلى» فسبحان من أنطق الجماد وأمات ~~المتكلم وعلم الإنسان ما لم يعلم. # في الوسط الشيخ يوسف المنيلاوي وعن يمينه محمد العقاد القانونجي وعن ~~يساره إبراهيم سهلون وخلفهم: (4) أبو كامل، (5) علي صالح، (6) علي عبد ms111 ~~الباري. # الشيخ محمد الشنتوري # كان الشيخ: محمد الشنتوري منشدا عظيما وهو أقدم عهدا في الإنشاد من الشيخ: يوسف ~~المنيلاوي، ومعاصر للشيخ: خليل محرم، وكان قوي الصوت، حر الخلال ومحبوبا من جميع ~~الناس، ثم احترف الغناء على التخت، وأخذ عن عبده الحمولي تلاحينه وأدواره الخاصة، وأحسن ~~غناءها حتى أشار الأخيرة على أنصار الفن بأن يسمعوه من بعده واستمر يزاول الإنشاد مع ~~الغناء، وذهب إلى الأستانة مرة وغنى في حضرة السلطان عبد الحميد، فأسنى له العطايا ~~وأنعم عليه بالنياشين. # المرحوم الشيخ محمد الشنتوري. # محمد أفندي سالم # ابن سالم من قراء القرآن وعاش نحو 120 سنة وكان يسكن في جهة المغربلين. واحترف الغناء ~~لكثرة سماعه إياه من كل من محمد المقدم، وموسى اليهودي في ليالي الأفراح والحفلات، وكان ~~صوته حسنا لينا ورنانا، وكان يأخذ الأغاني عن المقدم وعبده الحمولي ومحمد عثمان، ~~ويسبك أدوارهم سبكا محكما، ويعتبر مغنيا جيد الأداء حسن الترتيب دون أن يكون فنانا، ~~وقد ذهب إلى فلسطين في سنة 1900 وغنى في يافا وغزة وأخذ بمجامع القلوب هناك، وكان يعزف ~~على العود ويغني منفردا وكان محمود الشمائل. # أمين البزري # كان من أغنياء البلد، ومن هواة الناي الذي تعلمه عن رجل إسلامبولي (مولوي) اسمه دادا ~~وتفوق على أستاذه، ولما قلب له الدهر ظهر المجن اضطر إلى احتراف العزف في الأعراس ~~والحفلات، وتزوج بإنكليزية توفيت بعد أن خلفت له ولدا ذكرا وثلاث بنات، وقد اعترف ~~عبده الحمولي له بالعبقرية في العزف على النار بدار الوجيه موسى بك عصمت نجل المرحوم ~~جعفر باشا، وقد حضر عثمان الموصلي الفنان المشهور إلى مصر خصيصا ليسمعه وهو في حلوان ، ~~ولما سمعه بمنزل عثمان باشا غالب الذي كان يحسن إلى الموسيقيين، ويعد من محبي الغناء ~~العربي بعد أن أبطأ ونوط الروح تيها ودلالا، دهش من مهارته التي أنسته ما حصل منه من ~~تثاقل وتباطؤ. # الأستاذ أمين البزري الناياتي. # إبراهيم سهلون # تعلم الكمان عن حسن الجاهل الكماني والربابي الذي طار صيته في الآفاق في العصر الذهبي ~~لساكن الجنان الخديوي ms112 إسماعيل، وكان والده المدعو سليمان سهلون قانونجيا معروفا. ~~واستمر إبراهيم يشتغل على تخت عبده زمنا طويلا - (انظر صورته بتخت يوسف ~~المنيلاوي). # محمد العقاد الكبير # ابن مصطفى العقاد الكبير العواد تخرج على والده ونبغ في العزف على القانون نبوغا لا ~~يجاريه فيه أحد بما أوتي من روح وخفة أصابع، وتزوج بابنة عبده الحمولي بعد وفاته، ولما ~~زفت إليه عروسه بدار باسيلي بك عريان بالفجالة كان طروبا فرحا، وصاح وهو على التخت ~~قائلا على رؤوس الأشهاد أنه تزوج ابنة سيده، ويعتبر أول العبقريين في العزف على ~~القانون، وأن كل من تصدى لمجاراته من المحترفين المقلدين ولو اغترف من فضالته باء ~~بالفشل المبين؛ لأن المسألة مسألة روح واستعداد فطري وخلو الأصابع من الملوحة ودقة ~~معرفة للدوزان، وعاش ثمانين سنة، ومما نطقت به شواهد الحال أن حفيده محمد العقاد سيكون ~~له مستقبل باهر في القانون أسوة بجده، ولو لم يمضي عليه في العمل أكثر من ست سنوات - ~~(أنظر صورته بتخت يوسف المنيلاوي). # عبد الحي حلمي # كان صاحب صوت قوي وعال، وكان يغني بروح قد لا توجد في كثير من المغنين، وكان يغني ~~بحسب كيفه والموسيقى دوزان كما قال: موزارت ويعرف في الأوساط الموسيقية بأنه مغن غير ~~فنان، وكان الجمهور يلاحظ منه في أثناء العمل نزقا وزهقا يؤديان به غالبا إلى مغادرة ~~التخت والانصراف قبل نهاية السهرة، وكان يذهب مرارا عديدة إلى دار المرحوم باسيلي بك ~~عريان ليسمع بالاسطوانات القديمة قصيدة «أراك عصي الدمع» التي ألقاها عبده الحمولي. # المرحوم عبد الحي حلمي المطرب الشهير. # أبو العلا محمد # بدأ حياته بقراءة القرآن ثم تدرج إلى فن الغناء شيئا فشيئا ونبغ نبوغا تاما في ~~إلقاء القصائد على طريقة المرحوم عبده الحمولي الذي عني بتقليده فيها، وفي سائر أغانيه ~~الساحرة، وقد تخرجت عليه الآنسة أم كلثوم في القصائد مثل: وحقك أنت المنى والطرب. وقد ~~عبئت له عدة اسطوانات في بعض الشركات، ومنها شركة الجراموفون التي عبأت له في سنة 1912 ~~قصائد كثيرة مثل: # غيري على السلوان قادر. وأفديه ms113 إن حفظ الهوى. ومواليا وخلافها. ويا مليح ~~الحلى. # لم يعزف على العود قط وكان غناءه بادئ بدء مقصورا على أصدقائه في منازلهم وفي بعض ~~الحفلات، ولما اشتهر اسمه بعد تعبئة الشركات لاسطواناته اشتغل بالغناء على التخت، وقفا ~~إثر عبده غريد الشرق سيد المطربين في بعض ألحانه. # الفصل الرابع والعشرون # | الموسيقى فن سماوي # الحمد لله الذي خلق الإنسان خلقا سويا وسخره لتسبيحه وجعله موسيقيا بارعا، وجعل الكون ~~بمثابة أرغن يحتوي على أنابيب قوية، ومزارد مكونة من الفضاء الفسيح اللانهائي والزمن ~~والأبدية، وحسبك ما أنشأه مبدع الكائنات في الطبيعة من تناسب في المسموع كالسلم الموسيقي ~~المؤلف عادة من سبع نغمات تتوالى من القرار إلى الجواب، وتلذ السمع وفي المنظور كالألوان ~~السبعة الأساسية لقوس القزح التي تبهج النظر ولا تصل إلى محاكاتها مقدرة الفن، وتقسيم الزمن ~~على قياس مضبوط، وجعل أيام الأسبوع سبعة معدودة، والأغرب أن الإنسان إذا بدرت من صوته نغمة ~~ما تلقفتها الطبيعة وتمهلت ونقرتها بأصبعها لتختبرها هل هي من الغث أم من السمين؟ ولا ترد ~~صداها موزونة متناسبة إلا بعد تنقيحها وتصحيحها، وحسبك الإنسان المخترع المبتدع الذي يعد ~~أجمل المخلوقات صورة وأنضرها شبابا وأعدلها خلقا وأصغرها حجما وأحلاها صوتا والذي ~~استولى على مقاليد الطبيعة الطافحة بالأنغامآ وحاكى على ضعف جسمه وصغر حجمه مالها من قدرة ~~وجلال، وجعل الأثير رسول خواطره وبريد نغماته وانفعالاته، وأصبح خدنا لها ومتسلطا على ~~جوها وبرها وبحرها حتى إذا وضع أنامله الصغيرة على مفاتيح الأرغن قصفت في العالم على أصوات ~~متجانسة متناسبة ومتتابعة رعود متعددة تثير في الخليقة كلها ضجيجا حماسيا يفضي بها في ~~النهاية إلى حاد الهتاف وحار التسبيح باسم ربك الأعلى. # وإثباتا لما قاله كارليل في أن الموسيقى مركبة للنبوة أبادر إلى إيراد قصة النبي إليشع ~~التي تدل صريحا على أن المواهب النبوية يصحبها غالبا هياج جسدي وعقلي هو من القوة بمكان ~~ويعهد إلى الموسيقى وحدها في إنتاجه؛ وذلك أنه لما دعاه ملوك إسرائيل الحلفاء ويهوذا ~~وإيدوم ليتخلصوا من مخاطر الحرب الناشبة بينهم وبين ms114 ميشا طلب منهم أن يأتوا له بموسيقي ~~ليعزف أمامه على آلته الموسيقية استحضارا لروح الإلهام النبوي، وقد شوهد ذلك جليا بما ~~ثارت في نفس إليشع من نزوة الإيحاء النبوي عندما سمع صوت الموسيقى التي بواسطتها تمت لهم ~~جميعا أسباب النجاة من ويلات تلك الحرب الضروس. # ومما لا شك فيه أن سفر التوراة يعد أعظم الأسفار الشعرية طلاوة وأصفاها ديباجة في عالم ~~البديع وأكثرها احتواء على الموسيقى صوتية كانت أو وترية، وحسبك ترنيمة الانتصار والشكر ~~التي رنمت على ضفة البحر الأحمر (إصحاح 15 خروج من 1 إلى 21) وهي الترنم للرب لأنه تغلب ~~على فرعون وجنوده حينئذ رسم موسى وبنو إسرائيل هذه التسبيحة للرب، وقالوا «أرنم للرب فإنه ~~قد تعظم الفرس وراكبه طرحهما في البحر» ولا يعزب عن البال أن سفر العهد الجديد يحتوي على ~~مثل هذه الثروة الفنية على حد ما جاء في رومية 15: 11 «سبحوا الرب يا جميع الأمم» من أفواه ~~الأطفال والرضع قد هيأت تسبيحا «سبحوا الرب بالمزمار والقيسارة». # وقد جاء في القرآن الكريم ما يأتي # وإن من شيء إلا ~~يسبح بحمده # وفي سورة الحديد # سبح لله ما ~~في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم ~~، وخاطب النبي الله ~~سبحانه وتعالى وقال # فسبح باسم ربك العظيم ~~، وفي ~~سورة المزمل # يا أيها المزمل * قم ~~الليل إلا قليلا * نصفه أو انقص منه قليلا * أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا ~~. # وعند قراءة القرآن فقد قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم # حسنوا القرآن بأصواتكم فإن الصوت الحسن ~~يزيد القرآن حسنا، وكان داود عليه السلام يقرأ مزاميره بالألحان حتى أن بعض الطيور كانت ~~تقع وتموت من شدة الطرب؛ لأنه كان حسن الصوت، وكانت أصوات الأنبياء كلها حسنة ذهابا إلى ما ~~قاله النبي # صلى الله عليه وسلم # ما بعث الله نبيا إلا حسن الصوت والمزامير، وقد روي عنه أيضا # صلى الله عليه وسلم ~~«قد أوتى مزمارا من مزامير آل داود» وقد اتخذ بلال الحبشي (الذي كان أول من اعتنق ~~الدين الإسلامي) موذنا له، لما وجد فيه ms115 من حسن الصوت فكان يقول له أذن يا بلال ولا تخش من ~~ذي العرش إقلالا. # على أن مارتن لوثر اللاهوتي القدير والزعيم الكبير فقد أبان للملأ الوظيفة المهمة التي ~~تؤديها الموسيقى في المجتمع من إلانة الطباع وتهذيب الأخلاق وتسكين الهياج، وقال على رؤوس ~~الأشهاد ما يأتي: إني أفسح بكل سرور للموسيقى بعد علم اللاهوت المكان اللائق بها. # ويستنتج مما تقدم أنها لغة الأنبياء وينبوع العواطف النبيلة، بل هي فن سماوي، ومن ظن ~~أنها إلهية يتلهى بها قتلا للوقت وعدها أداة للسخرية فهو في ضلال مبين، ومن اعتقد أنها ~~مفسدة للأخلاق ومؤذنة بخراب العمران ويمكن الاستغناء عنها فهو أضل سبيلا. # فعلينا أن نتأمل ما نراه جميعا ماثلا أمام أعيننا في الطبيعة من ثروة الجمال المدهشة، ~~وفي مختلف مناظرها من الروعة والبهجة والسحر ما يعبر لنا عن دقة صنع الخلاق العظيم، ~~والانسجام الموسيقي، والتناسق والتناسب بما نسمعه من هدير مياه الأنهار، ومن حركات المد ~~والجزر، ومن حفيف الأشجار وتنهدات نسيم الأسحار، وصياح البلابل، وهطل الوبل والطل، وهبوب ~~الرياح، ونغمات الكواكب عند مسيرها المتناسب في أفلاكها المتنوعة حول الشمس - تلك النغمات ~~التي تختلف باختلاف حجم كل كوكب وتفاوت درجته الاهتزازية عند اجتيازه الأثير - التي تكون ~~إيقاعا متناسبا لا يعرف كنهه على وجه البسيطة، ويكنى بموسيقى الأكوان، وقد صدق الدكتور ~~فيربون فيما قال: وهو أن الطبيعة طافحة بالأصوات الموسيقية. # الفصل الخامس والعشرون # | الفوارق # بين بتهوفن الغرب وبتهوفن الشرق # تقدم لي في هذا الكتاب شرح مستفيض عن حياة عبده الحمولي وبيان المزايا التي اختص بها وما ~~انتابه من محن وأمراض على قدر ما أدى إليه البحث وأعانت عليه البصيرة، وإثباتا لما ذكره ~~المرحوم: إبراهيم بك المويلحي في مصباح الشرق من أنه قلما يوجد مثله من يحسن في صناعته ولا ~~يسيء في أخلاقه، وتسهيلا على القارئ معرفة الفوارق بينهما لتتمهد المقارنة، ويصيب بحكمه وجه ~~الصواب أنشر موجز ترجمة حياة بتهوفن معربا عن تاريخ حياته بقلم: سليڤان وهو كما يأتي: # بتهوفن نابغة الموسيقى الغربية. # ولد بتهوفن في ms116 مدينة بون (ألمانيا) سنة 1770 وتوفي في 26 مارس سنة 1827، وله عدة مؤلفات ~~أذكر منها: الصوناتا والكوارتر ~~والسنفونيا فيديليو ذات الألحان المسرحية ~~(Quarlets, Sonata Symphonies) # وغني عن البيان أن ما من أحد من ~~الموسيقيين يستطيع أن يجاريه لا في دقة التعبير ولا في عمق الشعور. وقد أصيب بمرض الاستسقاء ~~الذي من أجله عملت له أربع عمليات. وقد وصفته أحسن وصف اليزابيت برينتانو # 1 # للشاعر جوتا بخطاب مؤرخ في 28 مايو سنة 1810 ذكرت فيه ما قاله عن نفسه ملخصا ~~وهو كالآتي: «إن نفسي تذهب حسرات بكل تأكيد عندما يقع بصري على أشياء تخالف عقيدتي، وأعد ~~هذا العالم أحقر من قلامة ظفر؛ لأنه لا يستبطن كنه الموسيقى التي تسبق الحكمة والفلسفة من ~~وجهتي الإلهام والوحي، وتعتبر خمرا تعبق أنفاسها بشخص تحفزه إلى بعيد المدارك، وتحثه على ~~التزام المناهج المفيدة المنتجة، وطلب الأقدار الخطيرة، وهأنذا باكوس إله الخمر للرومان ~~الذي يعصر أحسنها ليشربها بنو الإنسان صرفا فتتمش فيهم الحميا تمشيا روحيا يبعثهم على ~~جلب ما عثروا عليه في البحار إلى الأرض اليابسة بعد أن يفيقوا من نشوتها» وقال أيضا في ~~موضع آخر «يجب علي أن أعيش وحيدا لأني لا أجد لي صديقا أخلص له ولائي وأفضي إليه بخبيئة ~~سري، وإني لعلى يقين بأن الله أقرب إلي من إي فنان، وهو شريكي بلا وجل، فلا خوف إذن على ~~موسيقاي من أن ينالها حيلة محتال، أو تصاب بسوء الطالع، وقد أتى على وصف الموسيقى بنوع عام، ~~وعرفها كأداة للتفكير وصلة موثقة العرى بين الحياة الروحية، والحياة الجسدية». # أما ما كان من أمر عقليته فأذكر أنه كان يستشهد بأقوال أبطال اليونان والرومان في ~~أقاصيصهم الخرافية، وكان سرف العقل لا يستقر على حال كريشة في مهب الريح بدليل ما يطلع عليه ~~القارئ في الخطابين المتتابعين المرسلين منه لشخص واحد وإليكم نصهما بالإنكليزية. ~~(1) # Do not come to me any more. You are a false fellow, and the ~~knaker take all such. ~~(2) # Good friend Nazerl. # You are an ms117 honourable fellow, and I see you were right. So ~~come this afternoon to me you will also find Schuppanzigh, and both of ~~us, will hump, thump and pump you to your heart’s ~~delight. # ومعنى أولهما يقول له «لا تعد تأتي إلي لأنك شخص كذوب فليأخذنك وأمثالك ذباح الخيل ~~الضعيفة». # وفي ثانيهما يقول: «صديقي الطيب نازرل. # أنت رجل معتبر وإني أرى أنك كنت محقا ولذا تعال إلي بعد ظهر اليوم حيث تجد أيضا ~~شوبانزيج لكي نمرح ونطرب ونعزف معا بما يشرح صدرك ويقر ناظرك». # وقد كانت لموسيقاه عدة نواح مختلفة منها الناحية الروحية التي عبرت بها عن رؤيا الحياة ~~على حد ما دلت عليه تآليفه الأخيرة مما وقع فيه من تجارب ومحن، وأصابه من آلام كانت من أهم ~~البواعث على نمو حياته الداخلية، وأكسبته قوة عجيبة نادرة، ووسمته بطابع الجمال الذي به عبر ~~عن موسيقاه تعبيرا أنصع بيانا من تعبير شكسبير، ولو تخير من المنظوم أحسنه وشيئا، وأمتنه ~~حبكا، فنشر في تاريخ الفن صفحات من آيات العبقرية المجيدة، ويرجع الفضل في ذلك إلى أنه لم ~~يعبأ في تعبيره بأي لفظ من طريق اللغة التي ليس له بأصولها خبرة بل كان يلجأ إلى النغمات ~~وحدها ليعبر عن شعوره وأفكاره وميوله. # على أنه لما مات والده في سنة 1792 ترك له أخوين هما كارل وجوهان وأختا تسمى مرجريت ماتت ~~بعده في شهر نوفمبر من السنة نفسها، وزادت مسئولية بتهوفن في حياته المرة المؤلمة؛ لأن ~~والده لسوء سلوكه وإدمانه الخمر لم يترك له مالا، وقد تلقن دروسه الموسيقية عن موزارت في ~~مدينة فيينا ابتداء من سنة 1787 وما كاد يبلغ السادسة عشرة من سنيه حتى عرف نفسه، وتحقق من ~~عبقريته، وكان فظ الطباع مكروها من الناس، لا سيما من الجنس اللطيف، حتى أن ماجدلينا إحدى ~~المغنيات وزميلته في الدرس لما طلب يدها سنة 1895 رفضت طلبه، وبعد موزارت تلقى دروسا أخرى ~~على هيدن وشتيك وألبر كستبرجر وأخذ ينتقد القواعد التي جروا عليها، وسلق جميع ms118 الموسيقيين ~~بألسنة حداد، واتبع خططا خاصة به نزولا على نزعاته وذوقه وميوله، وسما بنفسه تيها ~~واستكبارا إلى أن أصيب بالصمم في سنة 1798 وكتب إلى أمندا صديقته كتابا في أول يونيو سنة ~~1801 قال لها فيه: «إنه سيئ الحظ وأن في صدره وغرا شديدا على الطبيعة، وعلى الخالق الذي ~~يعرض مخلوقاته للحوادث التي فيها تتلف أجمل البراعم، وبسبب صممه انقطع عن مقابلة الناس عدة ~~سنين لأنه لا يقدر أن يقول لهم إنه أصم لا يسمع، ولو كان محترفا مهنة أخرى غير الموسيقى ~~لهان الأمر لكنه حرم السمع، وبالتالي نضب معين مرتزقه؛ فانعدمت حياته وقضي على مستقبله ~~قضاء مبرما، وأردف قائلا لها في ختامه ومستطردا في وصف مصابه الهائل: أنت تعلمين أن ~~أعدائي يشمتون بي - وكثيرا ما هم - ولو أمكن لي الانتقام من سوء الحظ لقبضت على حلقه بكلتا ~~يدي»، وبدهي أن صممه جعله أبغض إلى الناس من قبل وأحقد من جمل حتى على ذوي قرباه، إلا ~~ابن أخيه الذي كان ولي أمره، ولم يعلق قلبه بحب سواه منذ وفاة والده، وكان محتفظا بعدة ~~أسهم لحسابه الخاص، ولم يمد إليها يده حتى في إبان اشتداد مرضه عليه اهتماما بشأن تربيته، ~~وعمد إلى جمعية محبي الفنون والطرب في لندن فأسعفته مع صديق له بمبلغ مائة جنيه، صرف منها ~~جانب على جنازته، وكان ذلك العبقري المسكين يقول لطبيبه فيرنج الذي ضاعت حيلته في شفائه: ~~آه يا دكتور لو كان يوجد بين الأطباء الفطاحل من يستطيع أن يشفيني لأسميته بالطبيب العجيب، ~~وقال قبل أن يلفظ نفسه الأخير «إن عمل يومي قد انتهى» وقد رآه المجتمعون حول سريره يحرك ~~قبضة يده نحو السماء، بينما كان فاقد الشعور هو في سكرات الموت وغمراته، وليس أدل على ذلك ~~من ذهاب نفسه شعاعا، وعدم رضوخه لأحكام الله وعظيم ثقته بنفسه التي لم يقهرها سوى هادم ~~اللذات دون ثقته بمن أنشأنا من الأرض نسما، ويسر لنا منها أرزاقا وقسما. أما فقيدنا عبده ~~الحمولي إذا قيس بيتهوفن في العقيدة والرجاء ms119 كان الفرق بينهما كالبعد بين الأرض والسماء لأن ~~الأول كان أصبر منه على محن الزمان فأدرك نعيم الجنان، وآمن بالله في الحياة وفي الممات، ~~وثبت على طاعته في وسط أمراضه وآلامه، وكان عظيم الرجاء بأنه سيبلغ الإرث في الآخرة بتركه ~~في الدنيا ما يحب فمات وقلبه مليء بالرجاء وعلى فمه ابتسامة رحمهما الله أوسع الرحمات. # الفصل السادس والعشرون # | سلامة حجازي # ولد الشيخ سلامة حوالي سنة 1278ه بالإسكندرية وبعد أن تعلم مبادئ الكتابة والقراءة اشتغل ~~بفن الإنشاد على الأذكار، ثم تدرج إلى احتراف الغناء التمثيلي فوق المسارح، وانضم إلى فرقة ~~إسكندر فرح حيث بهر العقول بصوته الفتان، وكون بعد أن انفصل منه فرقة خاصة به، وقام ~~بتمثيل روايات نسج إبراد معظمها المرحوم الشيخ: نجيب الحداد، الذي عرب ثلاثة أرباع ~~الروايات التي مثلت، فضلا عن روايات خطية لم يفسح له أجله بإتمامها وطبعها. # وسافر في سنة 1908 إلى حلب حيث تقابل مع الأستاذ المرحوم: أنطون الشوا وطلب إليه أن يقدمه ~~لبعض العائلات الوجيهة فيها؛ لأجل التعرف بها، وطلب أيضا أن تعرض عليه رقصة السماح التي ~~اشتهر بها الحلبيون، فشاهدها وسمع تواشيح من مقام العجم التي يندر وجودها في مصر. فلما أعجب ~~بها تلقف وصلة جميلة منها وكلف كلا من محمود رحمي وأحمد فهيم بتدوين ما سمعه في حلب من ~~تواشيح جميلة. # وكان على اتصاله برجال الأدب الذين استمد منهم خلاصة ما عربوه من روايات دائبا على ~~اقتفاء إثر عبده الحمولي، وموفقا بالاهتداء إليه بواسطة: جمعه المطيب، الذي كان يطلعه على ~~برامج حفلاته الغنائية ليستقي من بحره بعد إنهائه عمله المسرحي. وقد روى لي الأستاذ: داود ~~حسني أن دعى عبده وسلامة حجازي والسيدة ليلى خياط للغناء بدار الأوبرا في ليلة خيرية، ~~فابتدأ الشيخ سلامة بإلقاء قطعة غنائية تمثيلية أطرب بها الحضور، وتلته ليلى المذكورة وغنت ~~على تختها بمساعدة شقيقتها «كقانونجية» ونالت الاستحسان، ثم صعد عبده على تخته المكون من كل ~~من الليثي والعقاد وسهلون وأحمد حسنين وبركات وغنى مذهب رصد، تلحين محمود الخضراوي ms120 الآتي ~~بيانه. # مذهب # قلبي في حبك ليه مشغول # من يوم رأيتك وعرفتك # أطلب وصالك وأفضل أقول # بالست زينب حلفتك # دور # دا يصح منك يا جميل # تلوف بغيري وتهجرني # وأنا بحبك صرت عليل # وحياة جمالك ترحمني # فكان يكرر «يا جميل دا يصح منك تلوف بغيري...» مطلقا صوته في الفضاء إلى أن بلغ أقصى حد، ~~ثم أخذ ينحدر رويدا رويدا إلى أن بلغ القرار، حيث أقفل دوره على المقام بقوله «دا يصح يا ~~سيدي منك» وما كاد يرتكز على «القفلة»، ويرسخ رسوخ الطود على آخر العبارة «يا سيدي منك» حتى ~~فتن العقول وأحرز خطر السبق عليهما: # فقيد التمثيل والطرب المرحوم الشيخ سلامة حجازي. # وقد تفضل علي حضرة النابغة الأستاذ: خليل مطران ببيان موجز عن الفرقة التمثيلية في مصر ~~جم الفائدة، وحري بالاعتبار آثرت إيراده إتماما لما ذكرته بأول كتابي في باب التمثيل، ~~وتنويرا للأذهان، فإني أشكره على جميل صنعه وأسأل الباري أن يكلل أعماله في الفرقة القومية ~~بالنجاح؛ لتبلغ الشأو الذي يصبو إليه قلبه الطاهر، ويستحقه مجهوده العظيم. وإليكم البيان. # الفصل السابع والعشرون # | الفرق التمثيلية في مصر # بيان موجز # إن كان فن التمثيل العربي تأخر، قامت الفرق التمثيلية المتتابعة في مصر لتحاول أن تدرأ عن ~~وصمته، فمن العدل ألا ننسى أننا ما زلنا في طفولة الفن، وأن الذين يعالجون التقدم به ~~يعالجون في آن لغة ليست مستعارة من أقوال وآراء للعلماء والشعراء الجمهور، فيسهل عليه ~~فهمها، وتبين وقائعها، بل هي مستعارة له من شعب آخر كانت عيشته وبيئته وخلائقه غير عيشتنا ~~وبيئتنا وخلائقنا، وناهيكم بهذه العقبة من عقبة كئود. ثم هم يعالجون موسيقى لا شيء فيها ~~يصلح للعزف الجهوري، ولا للنغمات تسير بها الجيوش وتسمعها الآلاف من الناس. ثم هم يعالجون ~~حركات ورموزا قد اختلط شرقيها بغربيها، وليس بميسور تمحيصها إلى حين، فلنصابر العاملين منا ~~ولنعاونهم كل بقدر مجهوده ذلك خير وأبقى من تغطية قصورنا بالتشدق والتشدد فيما لا يدرك إلا ~~بميقاته من المطالب. وإنني لمورد بإيجاز منشأ التمثيل في هذه البلاد، ms121 ومنه نتبين أين نحن من ~~الطريق وما الذي يبقى علينا اجتيازه للدنو من الشأو، إن لم أقل لبلوغه. على أن تاريخ الفن ~~عندنا إنما هو تاريخ الفرق التي تولته وتوالت في القيام به. فأول من خطر له إدخال هذا الفن ~~في لغة الناطقين بالضاد وهو المرحوم: مارون النقاش لخمسين سنة مضت أو نيف، جمع فرقة من ~~الشبان الذين استصلحهم في بيروت وعرب لهم روايات: «البخيل» و«الحسود» و«أبي الحسن ~~المغفل» تعريبا جاء أشبه بالتأليف؛ لحسن تصرف الرجل فيه مراعاة للذوق العربي، ولم تقدم تلك ~~الفرقة هذا القطر، ولكن شدة الاشتراك المتصل بين الشام ومصر - ولا سيما منذ ابتداء هذا ~~العصر - لا تدع فرجة للفصل بينهما في تاريخ الأدبيات والمعنويات. ففرقة مارون النقاش لبثت ~~حيث نشأت إلى أن انحلت، ولكن رواياتها «البخيل»، و«الحسود» و«أبا الحسن المغفل» جابت التخوم ~~إلى وادي النيل، وما برحت من لهجات مسارحنا إلى هذه الأيام، أعقب مارون قريب له معروف بين ~~أدباء المحروسة في زمانه هو المرحوم: سليم النقاش، وسليم هذا أول من أنشأ فرقة للتمثيل بمصر ~~باتفاق بينه وبين الحكومة أوجبت على نفسها بمقتضاه إمداده بمال، والترخيص له في استخدام ~~الأوبرا زمنا معلوما لتمثيل رواياته، وأشهر تلك لروايات «مي» و«المقامر» و«عائدة» ثم ~~أندروماك، وهذه بقلم أقدر أدباء وقته وأشهر خطبائه المرحوم: أديب إسحاق. # انحلت فرقة سليم نقاش بعد حين، ونهض المرحوم: يوسف خياط بتكوين جماعة أخرى يساعده أخوه ~~المرحوم: أنطون خياط، ثم تلاهما المرحوم: سليمان القرداحي، فجمع جماعة لم تقصر تمثيلها على ~~مصر بل تنقلت بين الشام وطرابلس غير مرة، ورأت أهل الغرب العربي أشياء من روائع هذا الفن ~~لأول ما رأوها. في أثناء تلك المدة كان المرحوم: أبو خليل القباني قد أخذ يجمع فرقة بدمشق ~~الشام، وطفق بوحي فطرته يخلق للعربية نوعا جديدا من التمثيل هو خليط من هزل وجد وكلام ~~وغناء يعرف عند الإفرنج بالأوبريت، وأبدع ضربا حديثا من الإبداع يسميه الغربيون ~~باليه # ballet # وأسموه عندنا رقص السماع، فصادف النجاح ~~الذي كان به خليقا عند ms122 السواد الأعظم. حمل أبو خليل بعد قليل فرقته إلى مصر، ومصر يومئذ ~~كعبة القصاد من فاقدي حرية القول والكتابة في بلادهم، بل فاقدي كل نوع آخر من أنواع الحرية ~~العمومية والفردية، فشرع يعرض ما لديه والأمة فرحة مقبلة عليه. # وفي تلك الأيام عينها كان المرحوم: إسكندر فرح وفي فرقته المرحوم الشيخ: سلامة حجازي يبلي ~~البلاء الحسن ليجلب الجمهور، ويستمد للنوع الذي آثره ما يعربه بعض أقطاب الأدب في ذلك العهد ~~كالمرحوم الشيخ: نجيب الحداد، والمرحوم أخيه الشيخ: أمين، والشاعران الناثران المرحومان: ~~طانيوس عبده وإلياس فياض، على أنه قد تخلل روايات هذه الفرقة ما دل على حالة لو تهيأت لكانت ~~الأمة أرغب فيها وأميل إليها: من تلك الروايات «أنيس الجليس» «وصدق الإخاء» للمحامي الشهير ~~المرحوم: إسماعيل بك عاصم. # بعد ذلك تلاشت فرقة المرحوم: خليل القباني. وقد سمعت من نادرتي زمانهما المرحومين: عبده ~~وعثمان، أنه على توسط صوته كان أكبر أساتذة الموسيقى علما وإنشاء وبراعة إيقاع. ثم انفصل ~~الشيخ: سلامة من إسكندر فرح، وأسس فرقته التي لقيت النجاح العظيم، والفضل في ذلك لهمة الشيخ ~~وثباته وسخائه، وخصوصا لإحداثه ألحانا شائقات، وتطبيقه إياها على قصائد مما تقوى به أغراض ~~الرواية في القلوب والأذهان نهاية قوتها، ويستمد به الخيال من ظاهر الحقيقة غاية التشويق ~~والتطريب. في هذه الفرقة تخرج غير واحد من مهرة الممثلين الذين يصفق لهم الجمهور الآن وفيها ~~رأينا للمرة الأولى ظهور الأخوة العكاشيين وأخذهم بهذا الفن ذلك الأخذ الذي تطرقوا معه إلى ~~تأليف فرقتهم مستقلين، ثم دخولهم في شركة: «ترقية التمثيل». وقد قامت إلى جانبهم آنئذ فرقة ~~الأستاذ: جورج أبيض، ثم فرقة الشيخ: سلامة بعد اعتداله وأبيض، ثم فرقة أبيض مستقلا للمرة ~~الثانية، كما قامت فرقة الأستاذ: عبد الرحمن أفندي رشدي، على أثر انفصاله من فرقة أبيض، وفي ~~خلال اشتغال هذه الفرق وبعد أن وال بعضها، وجدت على الولاء فرقة الأستاذ: يوسف وهبي، ~~وكلتاهما أبلت بلاء حسنا في سبيل الفن، وأصابت حظا من ازدهار. ثم فرقة السيدة: فاطمة ~~رشدي، ثم آل ms123 كل أولئك إلى التحول والشتات إلى أن وجدت منذ نصف عام الفرقة القومية المصرية . # هذا ما رغبتم إلي في إيجازه، أوجزته بقدر ما بقي في ذاكرتي، وأرجو الله ألا أؤاخذ إن ~~كان قد وقع سهو أو خطأ. # الفصل الثامن والعشرون # | أقوال وآراء للعلماء والشعراء والفلاسفة والأطباء # قال كرليل: ~~«الموسيقى ضرب من الكلام غير المنطوق به، وغير المحدود، وهي توصلنا إلى حد ~~اللانهائية، وتصيرنا ننظر مليا في ذلك مدة من الزمن، ومن ذا الذي يستطيع أن ~~يصف بألفاظ منطقية مبلغ تأثير الموسيقى في نفوسنا. فلندعها تبقى لغزا وذلك خير ~~من أن نحله، وتضيع الموسيقى سدى» وقال في موضع آخر ما محصله: «قد قدرت الأمم ~~العظيمة الغناء والموسيقى قدرهما باعتبارهما أعلى مركبة للعبادة والنبوة وسائر ~~ما يكون سماويا في نفوسهم». # قال شكسبير: ~~- الشاعر الكبير - زاجرا الذين لا يهتزون للموسيقى ولا يقيمون لها وزنا ~~«إذا خلت نفس إنسان من الموسيقى وانعدم تأثره من اتحاد الأصوات الرخيمة كتب ~~عليه أن لا يصلح إلا للمخادعة، ونصب الحبائل للناس، والإضرار بهم؛ فتخور ~~عزيمته، وتموت مشاعره، وتظلم عواطفه كالليل الدامس، ويكون غير أهل لأن يخلد ~~إليه بالثقة». # قال مؤرخ ألماني عظيم: ~~«إن عزف المرسلياز في الحرب أثار في نفس الجنود الفرنسويين حماسة وشجاعة، ~~وكانت سببا في قتل خمسين ألف ألماني، على حد ما قال بروس الرحالة: من أن الناي ~~الحبشي إذا عزف به في ساحات الوغى كان باعثا على تحميس الجنود الأحباش إلى حد ~~الهوس والجنون». # قال بوسيه: ~~- المؤلف الفرنساوي الكبير - مؤكدا أن ضابطا من الضباط في الباستيل كان ~~يخرج للعيان من مخابئها فأرا وعناكب كلما كان يعزف على الناي، فكانت مجلبة ~~للتسلية في وحشته، وكذلك الأسماك عند صيدها فإنها كانت عند سماع صوت الموسيقى ~~تصعد وتتكاثر على سطح الماء. # قال غلادستون: ~~«إن الذين يعتبرون الموسيقى من بين السخريات في هذا الوجود ويتخذونها آلة ~~يتلهون بها هم في ضلال مبين»؛ لما أنها لا تزال تعد من العوامل الفعالة في ~~تنشئة وتنبيه وضبط عقل الإنسان بناء على ما ms124 تسومع به في جميع العصور منذ بدء ~~الخليقة إلى يومنا هذا، ولم تكن معرفتها خافية علينا يوم تفنن الناس في مذاهب ~~الحضارة والعمران، وارتضعوا أفاويق العلم والعرفان، بل كانت بعكس ذلك أرفع من ~~أن تكون خادمة لا تتخطى مراسم من يلهو بها هزؤا وسخرية، وأبعد عن الدعاية كل ~~البعد، بدليل أن الصلة بينها وبين فن الشعر الشريف موثقة العرى؛ إذ أن من ~~المحال أن يكون الإنسان شاعرا دون أن يكون موسيقيا، وما من شعر تم نظمه في ~~المراحل الأول لهذا العالم إلا وكانت للموسيقى اليد الطولي في صوغه من خالص ~~النضار، واحتوائه على لطيف الحس، وشريف الوجدان، فضلا عن أنها المرشد الأمين ~~والسراج الوهاج الذي يضيء النهج الموصل إلى قلب الإنسان. # قال ريتشنر: ~~«يمكننا بواسطة الموسيقى أن نستبطن كنه أمور لم يسبق أن رأيناها ولن نراها». # قيل عن كلمنصو ما يأتي: ~~«سأل كلمنصو - رئيس وزراء فرنسا الأسبق - بتروفسكي - رئيس وزارة بولونيا ~~المشهور بالعزف على البيانو - عندما دخل ميدان السياسة قائلا له: هل تركت ~~الموسيقى ودخلت السياسة؟ فأجابه نعم. فرد عليه كلمنصو وقال له «يا له من ~~تقهقر». # السراج الوراق: # أنشد السراج الوراق البيتين الآتيين: # إذا خمدت نيران صفوك فاعتمد # لإشعالها خمسا غدت خير أعوان # فراح وريحان وساق مهفهف # ونغمة ألحان وصحبة أخوان # رأي هولمز العلامة: # مر هولمز منذ سنين مضت بين قبور الموتى بناحية «سانت أوبرن» فوجد على رخامة ~~ضريح العبارة الآتية # She was so pleasant # التي ~~معنا «كانت جذلة بهذا المقدار»، وبعد أن تأملها هنيهة غلبت عليه نشوة الطرب ~~وصفق بيديه؛ لأن هذه العبارة الوجيزة أوحت إليه ما كان في نفس الراقدة من ~~موسيقى وبهجة وغبطة وسلام ورضى وأخلاق كريمة مما لم تترك مزيدا لمستزيد، ~~وأردف قائلا: كم يمكن أن يصنع من الخير في البيت وفي الجماعة إذا كان قلب ~~الإنسان فرحا مسرورا، وكم تلطف الموسيقى ما بالعيش من مرارة، وكم تزيل من ~~صعوبات، وتحل من معضلات في طريق الحياة الشائك. ومما هو جدير بالاعتبار أن ~~فضائلنا يجب ألا ms125 تبلغ أقصى حد من جد يكاد يخرج إلى الجفاء، وأن تكون صفات ~~فروسيتنا على ما تكنه من قوة وعنف، محتوية على نغمات حنان لطيفة ومودة وصفاء، ~~حتى نجعل منها دواء ناجعا في دفع أسواء الحياة، إذ بدون المويسقى كما لا يخفى ~~لا تلين العريكة ولا تنكسر حدة الغضب، وبها يفيض قلب الإنسان بالحب لأخيه ~~الإنسان وكل مخلوق حي. # ومما يحسن ذكره نقلا عن الضياء (لليازجي) أن طبيبا أمريكيا يقال له ليونار ~~كورننج قد زاول معالجة الأمراض بالنغم، وطريقته في ذلك أن يضجع العليل علي ~~وسادة مستلقيا على ظهره ويظلله بخيمة لا منفذ فيها فيكون ما تحتها مظلما، ~~ويجعل في رأسه كمية من جلد لين قد نيط إلى جانبيها مسمتعان يجعلهما على أذني ~~العليل، ويتصل بهما سلكان يفضيان إلى فونوغراف، ويرسل عند أسفل الوسادة حجابا ~~أبيض يستقل عليه صور أشباح مختلفة بواسطة الفانوس السحري، فإذا تم إضجاعه على ~~هذا الوجه أعمل الفونوغراف، ووجه الفانوس إلى الحجاب فيسمع العليل أنغاما لطيفة ~~وتترادف أمامه صور الأشباح والألوان البهيجة، وبتوارد هذه المؤثرات على سمعه ~~وبصره لا يلبث أن يدب النعاس في عينيه ثم ينام نوما هنيئا يتخلله أحلام طيبة ~~ومناظر جميلة، ويقول الطبيب المذكور أن تكرار مثل هذا على العليل مرات قليلة ~~يؤدي إلى الشفاء. # وأقدم ما يروى من ذلك ما كان من أمر شاول ملك بني إسرائيل حين تخبطه روح ~~السوء، وكان داود يضرب له بالعود فيجد روحا (بالفتح). # وقد نقل عن أوميروس وبلوطرخس وتيوفرست أن الموسيقى تشفي من الطاعون والرثية ~~ولدغ الهوام، وزعم قوم من المتأخرين منهم ديمربروك وبونيت وكرخر أنها تشفي من ~~السل والكلب، وذهب غيرهم إلى أبعد من ذلك، وزعم بورتا أنه إذا اتخذت المعازف ~~من خشب بعض العقاقير الطبية وضرب بها على سماع العليل فعلت فعل العقار نفسه. ~~ا.ه. # الفصل التاسع والعشرون # | محادثتي مع صاحب المعالي سعيد ذو الفقار باشا كبير الأمناء # تحدثت إلى معاليه صباح الأربعاء 10 يوليه سنة 1935 بالسراي الملكية بشأن حياة عبده ~~الحمولي، صديقه الحميم، ms126 ورجوته بأن يرفع إلى الأعتاب الملكية ملتمسي الخاص بإحياء ذكراه يوم ~~16 منه تحت رعاية جلالة الملك؛ لأنه أكبر موسيقي أنجبته مصر، فاعتذر إلي من ذلك لأسباب لا ~~محل لذكرها في هذا المقام. وقد أفضى بنا الحديث إلى ذكر بعض نوادره التي غلبت على الحكايات ~~الخرافية، ومن ضمن ما قصه معاليه علي أذكر الواقعة الآتية: وهو أنه حينما ظهر دور «قد ما ~~أحبك زعلان منك» وقد أعلز عبده داء ذات الرئة، وأضرب بسببه عن الغناء؛ نزولا على مشورة ~~أطبائه الذين وضعوا بحلقه معلقة طبية؛ تسهيلا للتنفس، وقد اتفق أن جمعه وعبده مجلس أنس ~~على ظهر ذهبية فخمة في النيل، فرأى عبده من بهجة وابتسام الطبيعة وتنهدات النسيم العليل ما ~~حمله على التصدي للغناء لكي يستمتع صديقه ومن كان معه بصوته قبل الفراق. فعمد إلى رفع ~~الملعقة من حلقه وأخذ يغني الدور المشار إليه، ولما اعترض عليه الحضور رأفة بحاله لم يقلع ~~عن عزمه على إتمام الغناء حتى إذا ما أراد «قفل» الدور ضم إلى صدره لضعفه عمود صاري ~~الذهبية. فهل يوجد أدل من ذلك على مبلغ تضحيته وتفانيه في خدمة الناس؟ ثم استطرد معاليه إلى ~~الكلام عن سخائه وفنه وعبقريته بعد أن دخل علينا الهمام صاحب العزة: محمد بك حسين - الأمين ~~الثاني - وجلس بجانبه فقال لي إنه لم ير طيلة حياته بين الباشوات في مصر أكثر منه تبرعا ~~بعطاء، ولم يخلق قبله ولن يخلق بعده من يجاريه في فن الغناء وقوة الصوت. ومكث يقص علي عن ~~كرمه ورقة عواطفه حديثا أشد تغلغلا إلى الكبد الصديا من زلال الماء. وبعد أن دعوته وحضرة ~~محمد بك حسنين إلى تشريف الحفلة التأبينية التي قمت بإحيائها بدعوة مني على مسرح حديقة ~~الأزبكية انصرفت شاكرا لمعاليه حسن استقباله لي وتفضله بالتحدث إلى عنه بما سرى عن ~~خاطري. # وقصدت مساء السبت 13 شهره بناء على موعد تحدد إلى مكتب حضرة الأستاذ الكبير صاحب العزة: ~~إبراهيم الهلباوي بك، بمنيل الروضة، وطلبت إليه أن يلقي كلمة عن الفقيد ms127 في الحفلة ~~التأبينية؛ ظنا مني أنه من معاصريه وعشرائه، فاعتذر لي وقال: إنه لو كان يعلم شيئا عنه ~~لما تأخر عن الخطابة كما فعل من يومين مضيا في تأبين المرحوم الشيخ: محمد عبده الذي كان ~~متصلا به لوحدة عملهما في معهد الأزهر. وأردف معربا عن استحالة تعرفه به لما كان له من ~~شخصية بارزة لا يوصل إليها، فشكرت لحضرته وصراحته وانصرفت. # ولما وصلت إلى مكتبي اتصلت تليفونيا بحضرة الأستاذ: محمد رفعت وشرحت له الموضوع ورجوته ~~أن يتلو ما يتيسر من الآي الكريمة عند افتتاح الحفلة مساء 16 يوليو الماضي، فأسف جد الأسف ~~لارتباطه في نفس الوقت بالعمل في محطة الإذاعة، وسألني عما إذا كان يمكن إرجائها إلى الليلة ~~التالية، فأفهمته عدم إمكان ذلك لتوزيع تذاكر الدعوة للجمهور، والتنويه بها رسميا على ~~صفحات الجرائد، ثم قال معجبا بعبقرية الفقيد ما مؤداه «إن عبده كان سيدا على الموسيقى، ~~أما المطربون السابقون واللاحقون فهم جميعا عبيد لها». # الفصل الثلاثون # | مشاهير رجال الموسيقى # الأستاذ سامي الشوا # ولد الأستاذ سامي الشوا في حلب سنة 1889 وبعد أن تعلم مبادئ الكتابة والقراءة في مصر، ~~ترك المدرسة لضعف صحته وعكف على تعلم الكمان منذ نعومة أظفاره. ولا غرابة في ذلك كما أن ~~المرحوم أنطون الكبير عم جده إلياس كان يعزف على الكمنجة الصغيرة والكمان الأكبر حجما ~~منها المسماة ب # Viole d’amour # ذات السبعة أوتار، وهو ~~أول الحلبيين الموسيقيين الذي عزف عليهما في حضرة إبراهيم باشا بحلب، وأن أهل حلب ولعون ~~بالطرب كل الولوع ويحفظون التواشيح والأوزان والقدود، وقد لا يخلو بيت فيها من ذوي ~~الأصوات الحسنة أو من الآلات الموسيقية. ويرجع السبب الرئيسي في فسيح خطواتهم في ~~الموسيقى إلى أن حلب كانت قبل فتح قنال السويس محط رحال التجار والسياح من أعاجم وترك ~~وتتر وأرمن، وكانت نقطة اتصال بين مختلف الشعوب، وكانت التواشيح العربية تترجم إلى ~~اللغتين الفارسية والتركية وبالعكس، وكان فتح قنال السويس في سنة 1869 ضربة قاضية على ~~تجارة حلب؛ لما أن البضائع التي كانت ms128 ترسل إليها فتحملها القوافل برا إلى نواحي العراق ~~وبلاد العجم لا بد أن ترسل بعد ذلك بحرا عن طريق السويس ثم البصرة، ومع ذلك كله لا ~~يزال ديدنهم الغناء ومذهبهم رقص السماح والترنم بالشعر ونظم الموشحات التي اشتهر بها ~~حضرة الشاعر الناثر: قسطاكي بك حمصي اقتداء بالأندلسيين، وقد قال أثير الدين الجياني ~~الأندلسي: # نصب العينين لي شركا # فانثنى والقلب قد ملكا # قمر أضحى له فلكا # قال لي يوما وقد ضحكا # أتجي من أرض أندلس # نحو مصر تعشق القمرا # وقد خلف إلياس عبودا من أكابر المطربين في حلب وأنطون والدكل من الأستاذين سامي، ~~وفاضل الشوا، وكان إلياس ينزل في الأستانة ضيفا على السيد أبي الهدى الذي كان يعد من ~~أكابر الصوفيين المشهورين بحفظ التواشيح وإنشادها، وكان قانونجيا يرأس تختا وعلى ~~يمينه ويساره ولداه يعزفان على العود والكمان، ويدعى للعزف في الحفلات الفخمة، ولو كانت ~~البقرة التي كان أبونا إبراهيم الخليل يحلبها على قمة الجبل سمعت بوجه الافتراض حين ~~حلبها نغمات الأستاذ: سامي الشوا على كمانه لأدرت لبنا يزيد خمسة وعشرين في المائة إن ~~لم يكن أكثر على المقدار الاعتيادي. # الأستاذ أنطون الشوا والد أمير الكمان. # وقد ذهب الأستاذ سامي إلى برلين عام 1931 وزار المعهد الموسيقى للحكومة زيارة رسمية ~~برئاسة سعادة حسن باشا نشأت، وحضور أساتذة الموسيقى الذين أعجبوا بنبوغه وأخذت ~~لمعزوفاته عدة إسطوانات حفظت كتذكار له بالمعهد، وزار أيضا باريس حيث احتفل به المعهد ~~برعاية سعادة فخري باشا وحضور المسيو رابو - رئيس «الكونسرڤاتوار»- والمسيو شولمان - ~~سكرتير المعهد الوطني الأكبر - وزار روما ولندرا ثم أميركا الشمالية. # وقد رفع أينما حل رأس مصر عاليا، وهو خليق بكل رعاية واحترام ويعد أول عبقري في عالم ~~الموسيقى. # ولا يسعني في الختام إلا أن أتحفكم بما جادت به قريحة المرحوم أمير الشعراء كتحية ~~ومديح لأمير الكمان في 16 مايو سنة 1928 اقتطف منها بعض الأبيات الآتية: # يا صاحب الفن هل أتيته هبة # وهل خلقت له طبعا ووجدانا # وهل وجدت له في النفس عاطفة # وهل حملت له ms129 في القلب إيمانا # وهل لقيت جمالا في دقائقه # غير الجمال الذي تلقاه أحيانا # وهل هديت لكنه من حقائقه # يرد أعمى النهى والقلب حيرانا # الفن روض يمر القاطفون به # والسارقون جماعات ووحدانا # أولى الرجال به في الدهر مخترع # قد زاده جدولا أو زاد ريحانا # العبقرية فيه عز مالكة # إذا مشى غيرها لصا وجنانا # لا تسأل الله فنا كل آونة # وأسأله في فترات الدهر فنانا # الأستاذ سامي الشوا أمير الكمان. # صورة لأمير الكمان الأستاذ سامي شوا وهو في برلين ويرى في الوسط. # الأستاذ داود حسني # ولد داود حسني في مدينة القاهرة عام 1871 وفكر بعد أن أتم دراسته الابتدائية أن ~~يحترف فن الموسيقى والغناء، فأخذ يتلقى دروس العزف والإيقاع على أكبر الأساتذة فتعلم ~~الضروب والأوزان والبشارف والقواعد الموسيقية كما تعلم العزف على العود، ومن مميزاته ~~اقتداره على تقليد المرحومين: عبده الحمولي ومحمد عثمان، وله عدة تلاحين خالدة بادر ~~المطربون إلى غنائها، أذكر منها «حبك يا سلام» «يا طالع السعد» «الصباح لاح ونور» ~~«الحق عندي لك» وهو أول دور لحنه، «وأسير العشق» الذي لحنه من نغمة ابتكرها وأسماها ~~بالزنجران، كما لحن عدة أدوار أخرى من نغمات خاصة به تسمى «الحجاز كار كرد»، وكان له ~~تخت خاص غنى عليه مدة طويلة وترك أخيرا الغناء وعكف على التلحين، وتخرج عليه كل من ~~الأستاذين: زكي مراد، وصالح عبد الحي، والآنسات: ليلى مراد، ونجاة، وسهام، وأسمهان، ~~ونادرة، كما لحن للآنسة: أم كلثوم - المطربة الشهيرة - عدة أدوار منها الدور المشهور ~~«روحي وروحك في امتزاج» ودور «يوم الهنا»، ومما يجمل في التاريخ ذكره أنه لم يجد بابا ~~في الموسيقى إلا طرقه، ولم يصادف نغمة غريبة، أو وزنا مبتكرا إلا لحن منهما لحنا أو ~~أكثر. # ولم يقتصر مجهوده على التلحين الغنائي فحسب بل شق له طريقا في الموسيقى المسرحية، ~~ولحن أولا «صباح» التي كانت فاتحة الألطاف، وأخرج الأوبرا: شمشون ودليله، وليلة ~~كليوباترة، وأكمل أوبرا: «هدى» للمرحوم: سيد درويش، والأوبريت الكوميدي «الليالي ~~الملاح» و«الشاطر حسن»، و«أيام العز»، و«الغندورة»، و«ناهد شاه»، ورواية ms130 «معروف ~~الإسكافي». # الأستاذ داود حسني. # وهو سريع الحفظ لجميع الأدوار والمقطوعات التي ألقيت قديما وحديثا، ويرجع إليه ~~الفضل في تدوين نحو مائة دور دونها بالنوتة الإفرنجية للمعهد الملكي للموسيقى العربية، ~~فضلا عن أنه لحن ما يقرب من خمسماية دور ومقطوعة، ونحو ثلاثين رواية غنائية حتى قال ~~عنه المرحوم: أحمد شوقي بك، أمير الشعراء، إنه كنز فني عظيم لا يفنى ودرة ثمينة لا تقدر ~~بثمن. # وقصارى القول إن موسيقاه موسومة بطابع شرقي جذاب، ومصبوغة بلون مصري بهي مفرح، وهو ~~على نبوغه في التلحين متواضع النفس كريم الأخلاق. # الأستاذ: قسطندي منسي # ولد بدمياط في شهر أكتوبر سنة 1866 وانقطع عن طلب العلم لضعف بصره، فاضطر إلى ~~الانصراف إلى درس الموسيقى وهو دون البلوغ بمعاونة المرحوم: عبد الله القانونجي عمه ~~الذي كان ضريرا، وقد ترأس تخته مع أحمد الشربيني ومحمد الشربيني ولده، العوادين، ~~وعزفوا في الحضرة السلطانية بالأستانة، وتلقى تدوين الألحان بالنوتة عن الأستاذ: أنطون ~~جوان، المدرس بسراي الخديوي إسماعيل، فعمد إلى عمل أدوار وبشراوات منها بشر وجهار كاه ~~عديم النظير، وأول الأدوار التي دونها على الحجر للافتقار إلى المطابع في أول العهد ~~بها كان دور «تيهك علي اليوم بسنين» وأصدر منها نحو ألفي نسخة نفذت جميعها بسرعة. # ولما بلغ الثانية والعشرين من سنيه وقع دور «كادني الهوى» (نغمة النهوند) على ~~البيانو، يوم كان البيانو قليل الاستعمال في المحافل، حتى أن من كان يضرب عليه دور «يا ~~طير الحمام يا أخضر» كان يعد بلا منازع من جهابذة العازفين، وقد وفق إلى اختراع ~~العرب للقانون بدل العفق طلبا لإيجاد نصف المقام وربع المقام عند اللزوم، وهما ~~موجودان في الموسيقى العربية، ولم يسبق لمحمد العقاد الكبير أن استعملها بل استعاض عنها ~~بالعفق، على ما في هذه الطريقة من كتم الصوت وضياع الوقت والإعياء كما يزعم بعضهم. # الأستاذ قسطندي منسي. # على أنه والحق يقال هو أول من عمل في نغمة لجهار كاه بشرفا - كما تقدم - وأسماه ~~بالبشرف العباسي، وقدمه للخديوي عباس، وكان مخصصا أولا للخديوي توفيق ms131 الذي توفاه الله ~~قبل طبعه. # ولا يعزب عن البال أن والده المرحوم منسي كان أول من ألف تختا للآلات المصرية، وأن ~~عبد الله القانونجي كان عبقريا في العزف على القانون، وقد أديا للموسيقى العربية خدمات ~~جليلة تخلد لهما أجمل ذكر. وللأستاذ: قسطندي ولدان أحدهما: الأستاذ فريد المحامي لدى ~~المحاكم المختلطة والأهلية، يشتغل بمكتب عمه المحترم الأستاذ: عزيز منسي - نقيب ~~المحامين الأسبق بمحكمة مصر المختلطة. والثاني بعد أن نال البكالوريا المصرية انصرف إلى ~~درس الحقوق الفرنسية، وهم من خيار الناس قد جمع الله فيهم خلال الفتوة ولين الطباع. # الأستاذ: منصور عوض # ولد الأستاذ منصور عوض بقصورة الشوام بشبرا (مصر) عام 1880، وكان والده المرحوم حنين ~~منصور عوض من أكابر تجار الأقمشة بالحمزاوي، وتعلم بادئ بدء بمدرسة الفرير بالخرنفش، ~~وهو دون البلوغ مبادئ اللغتين العربية والفرنسية، والعزف على الكمان بالنوتة الإفرنجية، ~~واتفق أن دبت فيه الغيرة على اقتناء العود مما أحاط به من عوامل حينما كان يزور والده ~~كل من الشيخ: خليل محرم المنشد، وعمر أفندي التركي - موسيقار الخديوي إسماعيل - الذي ~~كان يعزف على الطنبور فألح على والده أن يشتري له آلة شرقية كالعود، فنبذ الأخير طلبه ~~وراء ظهره؛ لما كان لحرفة الغناء من حقارة وازدراء في عصره، ولكنه نزولا على رغبة ولده ~~المولع بالموسيقى الشرقية اشترى له آخرا عودا وقانونا، ثم انتقل من مدرسة الفرير إلى ~~المدرسة التوفيقية، فمدرسة الأقباط لقربها من شارع محمد علي، حيث كان يتلقى دروسا ~~موسيقية على يد مدرس ماهر. # الأستاذ منصور عوض. # ولما وفد إلى مصر من الأستانة سنة 1898 نفر من مشاهير الموسيقيين الأرمن الذين كونوا ~~جوقتين موسيقيتين، وكان مركز الأولى بالعتبة الخضراء بجوار محلات ألف صنف، والثانية ~~بشارع عبد العزيز، أخذ يتردد عليهما واقتبس عن الموسيقيين فيهما بعض مقطوعات وبشارف ~~وغيرها، وأخذ يعطي دروسا في فن الموسيقى لبعض العائلات، وافتتح سنة 1907 بالاشتراك مع ~~الأستاذ: سامي الشوا مدرسة موسيقية بالظاهر بمصر، كان يحتم فيها تعلم النوتة الإفرنجية، ~~ونظريات خاصة بالأنغام والأوزان، وكانت تلقى بها بعض ms132 محاضرات قيمة مرة في الأسبوع، ~~واستمرت هذه المدرسة إلى سنة 1925، ولما عين مراقبا فنيا للتعليم في فرع المعهد ~~الملكي المدرسي اضطر إلى إغلاقها، ونظرا لكثرة أشغاله بشركة الجراموفون وتنقله بين مصر ~~والإسكندرية اضطر إلى تقديم استقالته إلى المعهد في أواخر ديسمبر سنة 1931 وهو لا يزال ~~إلى الآن شاغلا مركز مستشار فني وإداري بالشركة المذكورة. # وغني عن البيان أنه قد وضع عدة مؤلفات منها: كتاب التحفة البهية في الاصطلاحات ~~الموسيقية، ومناظرات علمية في الموسيقى الشرقية والغربية تشهد له بطول الباع في هذا ~~الفن الجميل، ويرجع إليه الفضل في تسجيل عدة إسطوانات ربحت منها الشركة فضلا عن بشروات ~~وسماعيات وأناشيد وطنية ومارشات من ضمنها مارشات مصطفى باشا كامل، ورعمسيس، وبطرس باشا ~~غالي، والأميرة فاطمة هانم إسماعيل، والسلطان حسين، وسعد زغلول باشا، والحرية، وأدرنة، ~~والهلال الأحمر، والسلطان محمد الخامس بالأستانة، والنشيد الوطني نظم الأستاذ: مصطفى ~~صادق الرافعي - وهو سلس الطباع وفي متجاف عن مقاعد الكبر بشوش الطلعة. ~~(غزل) # قد روي عن كتاب الأغاني ما يأتي: «كان # زلزل # أضرب أهل زمانه بالعود، وكانت له جارية علمها الضرب والغناء»، ولما بلغ إسحق ~~الموصلي بعد موت # زلزل # أنها تعرض في ميراثه للبيع ~~صار إليها ليعترضها فغنت: # أقفر من أوتاه العود # فالعود للأوتار معمود # وأوحش المزمار من صوته # فما له بعدك تغريد # من للمزامير وعيدانها # وعامر اللذات مفقود # الخمر تبكي في أباريقها # والقينة الحمضانة الرود # الأستاذ: محمد السبع # ولد الأستاذ محمد السبع بدمياط في سنة 1870 وبعد أن تعلم القراءة والكتابة وحفظ ما ~~تيسر من القرآن احترف فن الغناء؛ لما له من صوت رخيم حسن، وجاذبية قوية، بالرغم من ~~اعتراض الشيخ: علي العفني جده (أب والدته) عليه؛ خشية أن يناله شين المهنة في ذلك ~~العهد، وذهب أولا إلى المنصورة حيث بدأ يغني بقهوة الخواجا ديليا على البحر الأعظم، ~~وكان موضوع عناية الخواجا نقولا قسيس - أحد أقرباء آل منسي بدمياط - نزولا على توصيتهم ~~به، وما لبث أن سمعه الأستاذ: عبد الله القانونجي حتى استصحبه إلى مصر ودربه ms133 على ~~الغناء، حتى اشتغل بجبلاية الأزبكية يوم كان محمد عثمان والشيخ يوسف يشتغلان تجاهه ~~بالجنينة، ولما سمعه عبده الحمولي - بينما كان يتنزه فيها مع أولاده - ضمه إلى تخته، ~~حيث اشتغل سبع سنوات كمساعد له، وأبلى بلاء حسنا بما اقتبسه عنه من ضروب وتوقيع ~~فاستضاء بمشكاته حتى أحبه وعطف عليه عطفه على بنيه، ولم يكن تخرجه عليه مقتصرا على ~~فن الغناء، بل استفاد منه بما يرضي الله والناس جميعا بالتقوى والاستقامة وصالح ~~الأعمال، وقد رزق ولدا يدعى إبراهيم أفندي دسوقي السبع موظف بالقلم الجنائي بمحكمة ~~مصر الكلية، وبنات فاضلات من ذوات الصون. # الأستاذ محمد السبع. # وقد دعاني مساء 7 فبراير الماضي لسماعه في بار اللواء على تخته المؤلف من أعاظم ~~العازفين وهم الأساتذة: عبد الحميد القضابي القانونجي، وكريم الكماني، وعيد قطر ~~العواد، وجرجس سعد الناياتي، فسمعته بعد عدة تقاسيم على الآلات يغني مذهب «كنت فين ~~والحب فين» فأعجبت به وأعادني إلى ماضي الذكريات في العصر الذهبي لأستاذه الحمولي؛ بما ~~أتاه من حسن الإلقاء، وضروب التفنن، ويالعمري لو عنيت محطة الإذاعة اللاسلكية بتشغيله ~~بالمحطة لكي يتمكن من يسمعه من النشء الحديث الحسن الصوت من التقاط ما بقي بصوته من ~~نغمات ساحرة ونبرات عربية باهرة. # وبالجملة أقول في النهاية حقا أكرم به رجلا نبيل النفس ندي الراحة وصبيح الوجه. # الأستاذ: محمد كامل رشدي # رئيس القسم الفني بإدارة تحقيق الشخصية # ولد في سنة 1879 وتربى في سراي والده التي كانت تقع بباب الشعرية وتشرف على الخليج ~~المصري قبل سده، وكانت محط رحال الموسيقيين للتدرب على مقطوعاتهم ومعزوفاتهم؛ لما ألفوا ~~فيها من المناظر الرائعة الطبيعية من أشجار وزهور ومياه. # الأستاذ محمد كامل رشدي الرئيس الفني بإدارة تحقيق الشخصية، عواد قديم ~~شهير وتلميذ الأستاذ الكبير أحمد الليثي. # فشغف بالعود، واقتبس عن الأستاذ: العريان والد إبراهيم العريان القانونجي قسما من ~~التعليم على القانون، على حد ما فعل الأستاذ الليثي الذي تخرج عليه في سنة 1908 وأضحى ~~من كبار العازفين على العود. # السيد: أمين المهدي # السيد أمين المهدي ms134 العواد الفذ. # الذي لا يحتاج إلى تعريف هو من كبار هواة العود يجيد العزف عليه، ويعد من أنصار ~~الموسيقى العربية، ومن المعارضين في التجديد الأبتر، وقد عبئت لبعض معزوفاته إسطوانات ~~في الشركات الفونوغرافية لا بأس بها. # غزل # دعيت جارية # زلزل # إلى الغناء في حضرة الرشيد ~~فقال لها غني صوتا فغنت: # العين تظهر كتماني وتبديه # والقلب يكتم ما ضمنته فيه # فكيف ينكتم المكتوم بينهما # والعين تظهره والقلب يخفيه # فأمر بأن تباع وتعتق، ولم يزل يجري عليها إلى أن ماتت. # الأستاذ مصطفى ممتاز # الأستاذ مصطفى ممتاز الكماني. # هو من الهواة العازفين على الكمان، ومن أنصار الموسيقى الشرقية والغناء العربي، وقد ~~تخرج على الأستاذ: إبراهيم سهلون ويحفظ له بعض تقاسيم. # الفصل الحادي والثلاثون # | شكر عام # ليس فينا من يجهل ما لحضرتي العلامتين: الدكتور فارس نمر، وصاحب العزة خليل بك ثابت - ~~رئيس تحرير المقطم الأغر - من رفيع المنزلة في النفوس لما اتصفا به من أريحية الطباع وكرم ~~الأخلاق، وتحليا به من العلم الذي وقفا حياتهما على الغوص على أسراره، وبحث الحقائق ونشر ~~الفنون وفي مقدمتها الموسيقى العربية التي جرى لأصحاب المقطم فيها بحوث مستفيضة ومناقشات ~~جمة مع بعض الموسيقيين الأمريكيين قبل انتقالهم إلى هذا القطر، فضلا عن تضلع حضرة رئيس ~~التحرير منها، ومعرفته العزف على بعض آلاتها. # ولما أخذت على عاتقي إحياء ذكرى النابغين الراحلين من المصريين وبدأت بذكرى عبده الحمولي ~~وما له من الأيادي البيضاء على الموسيقى الشرقية والغناء العربي، وتقدمت ما أتاه المجددون ~~من ضروب التضليل فيها، كتبت بعض كلمات إلى المقطم الأغر، الذي فسح لها مكانا ونشرها غير ~~مرة، فصادف قبوله ما هو كامن في نفسي من حب مفرط للموسيقى، وغيرة عليها، وتنبهت الأمة إلى ~~ما أبديته من الاعتراضات على التجديد الذي لا يرتكز على قواعد، ولا يقصد به إلا تشويه محاسن ~~مويسقانا، وإزالة طلاوتها وصبغتها الشخصية، ومسخ نغماتها التي تولد منها في الغرب حاسة ~~الخيال والجمال. # الدكتور فارس نمر صاحب المقطم. # فيرجع إذا كل الفضل إليهما في هذا التشجيع الذي ms135 دفعني إلى وضع هذا الكتاب المفيد، وقد ~~أحجم المقطم عن نشر كلمة الشكر المقدمة مني مرتين لهما، وكانا يختبئان اختباء البنفسج بين ~~العوسج؛ فنمت رائحة إنكار ذاتهما عنهما، ولذا لا يسعني إلا أن أقدم لحضرتيهما جزيل الشكر ~~واعترافي بجميل صنعهما، ولحضرات أفاضل الأدباء وأكابر الشعراء الأستاذ: خليل مطران، وصاحب ~~الفضيلة الشيخ: مصطفى عبد الرازق، وسيادة المطران: كيرلس رزق، والدكتور: عبد الرحمن شهبندر، ~~والأستاذ: محمود فؤاد الجبالي، على مقالاتهم النفيسة التي بعثوا بها إلي، مع اعتذاري ~~للآخرين الذين لم أتمكن من نشر مقالاتهم لضيق نطاق هذا الكتاب، وفقنا الله إلى ما فيه كل ~~الخير للوطن وللفن. # الفصل الثاني والثلاثون # | مذهب: كنت فين والحب فين # تلحين المرحوم: عبده الحمولي، ووضع الأستاذ: قسطندي منسي # تجدون أعلاه ما دونه بالنوتة الإفرنجية الأستاذ: قسطندي منسي عن عبده الحمولي، وهو مذهب ~~حجاز كار تلحينه الخاص، والغرض من تدوين هذا الدور إعطاء القارئ صورة مصغرة لنغماته، ~~والإشارة إلى ابتكاره الذي يأتيه بما توحي به إليه نفسه، وتراه عينه من المرئيات المتنوعة ~~الكثيرة، وما أقلها في عينه الصغيرة على حد قول البارودي باشا: # كالعين وهي صغيرة في حجمها # تسع الوجود بأرضه وسمائه # وبيانه أن النوتة مهما بلغت من الدقة لا يمكن بها تصوير نغماته لعدم وجود ربع المقام في ~~العلامات الإفرنجية، وبدونه لا يمكن الإحاطة بتموجات صوته ولعبه بالألحان، وغريب تصرفه ~~وبحته، ناهيك بالروح الذي به يؤدي نغماته ونبراته الخاصة به، وتعتبر حينئذ كتصميم لبناء ~~نغماته، أو خطوط أولية مرسومة لتصوير شكل من الأشكال، ومما يؤيد ذلك ما قاله الأستاذ: منصور ~~عوض بعدد 7004 من مقطم 13 إبريل سنة 1912 وهو بحروفه كما يأتي «أن الأنغام الشرقية لا يمكن ~~تصويرها بالعلامات الإفرنجية التي وضعت وألفت بها قبلا عدة أدوار وموشحات وبشارف ~~وخلافها، والسبب في ذلك أن «سكك» التصوير عبارة عن وضع الأنغام في غير محلها عند اللزوم، ~~والاستزادة من التبحر في الفن، وهي تنطق كما كانت في محلها مع اختلاف الطبقة الأصلية، وذلك ~~يحتاج طبعا إلى ربع المقام ms136 دائما، ولما لم يكن ربع المقام موجودا على الإطلاق في ~~العلامات الإفرنجية؛ فيستحيل والحالة هذه وضع سكك التصوير بهذه العلامات». # وقد ذكر المقطم تعليقا عليه: ~~(المقطم) مسألة (ربع المقام) هذه جرى لنا فيها بحث مسهب ومناقشة مستطيلة مع بعض ~~الموسيقيين الأمريكيين قبل انتقالنا إلى هذا القطر منذ 28 سنة، فليست بجديدة على ~~سماعنا، ولكننا لا نزال نسأل الموسيقيين الشرقيين ألا يمكنكم استنباط علامة خصوصية ~~لها تضيفونها إلى العلامات الإفرنجية ليتم بها المقصود، وقد استنبط الأستاذ: منصور ~~عوض علامات مخصوصة إضافية للاستدلال على أصوات ربع المقام في النوتة الموسيقية ~~الإفرنجية أجرى تسجيلها بمحكمة مصر المختلطة في سنة 1915، وتفضل المقطم الأغر ~~بتقريظها. # هذه خريطة تبين الطريق الموصل إلى ضريح المغفور له عبده الحمولي. # هذا ضريح فقيد الفن المغفور له عبده الحمولي بقرافة باب الوزير. # الفصل الثالث والثلاثون # | مصاب الأمة الفادح # بفقد الملك فؤاد الأول # ما كدت أتأهب لإهداء كتابي هذا إلى الأعتاب الملكية حتى فوجئت الأمة بنبأ أصم صداه ~~المسامع، واستوكف الأجفان بالمدامع، ألا وهو نعي من كان لذمار الوطن حاميا، أمينا، ~~وللعلوم والفنون كوكبا منيرا، وللفضل منهلا غزيرا، ولخير مصر ومجدها نصيرا وظهيرا، ~~فيا لهف وادي النيل ومائه على فؤاده. فإذا ماتت الأفئدة فمحال أن تعيش أجسامها. فإلى ذمة ~~الله أيها الراحل العظيم، وسيظل اسمك عظيما في التاريخ كما كنت للشعب المصري رمزا ~~ومرشدا. هبنا اللهم على الزرء فيه صبرا جميلا، يبرد قلوبنا، وأشمله بأوسع الرحمات ~~وأسكنه فسيح الجنان. ms137