######OpenITI# #META# URI: 1450RashaSalahDakhakhni.AwailKharif.Hindawi48616852 #META# Tags: novels #META# ID: 48616852 #META# Title: أوائل الخريف: قصة سيدة راقية #META# AuthorID: 52086240 #META# Author: لويس برومفيلد #META# EditorID: 51613802 #META# Editor: محمد حامد درويش #META# TranslatorID: 97092460 #META# Translator: رشا صلاح الدخاخني #META# Related_books: 1375LouisBromfield.EarlyAutumn (TRANSL) #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # | أوائل الخريف # | أوائل الخريف # | قصة سيدة راقية # تأليف # لويس برومفيلد # ترجمة # رشا صلاح الدخاخني # مراجعة # محمد حامد درويش # إهداء إلى # لورا كانفيلد وود # | الفصل الأول # 1 # أقيم حفل راقص في منزل عائلة بينتلاند العريق؛ نظرا لأنه ~~للمرة الأولى منذ ما يقرب من أربعين عاما تقدم شابة من ~~العائلة إلى عالم مدينة بوسطن المحترم وإلى النخبة التي دعيت ~~لحضور الحفل من مدينتي نيويورك وفيلادلفيا. ولهذا، زين المنزل ~~العتيق بمصابيح وباقات من زهور أواخر فصل الربيع، وفي الردهة ~~الفخمة البارزة المطلية باللون الأبيض، جلست فرقة زنجية، تخفيها ~~الزهور على استحياء، لتعزف موسيقى صاخبة وماجنة. # كانت سيبيل بينتلاند في الثامنة عشرة من عمرها، وكانت قد عادت ~~مؤخرا من كليتها في باريس، التي كانت قد أرسلت إليها ~~بالمخالفة لنصيحة أفراد أسرتها المحافظين، الذين تضم أوساط ~~معارفهم، حسبما أشيع عنهم، أغلب أهل بوسطن. وكانت عمتها ~~الكبرى، السيدة كساندرا سترازرس، وهي امرأة مهيبة، قد راجعت ~~بنفسها قائمة الشبان المؤهلين - من أبناء العمومة والمعارف ~~الذين يتمتعون بالوسامة ويمتلكون الثروة التي تليق بعائلة ~~راسخة الثراء مثل آل بينتلاند. ومن أجل هذا الهدف أقيم الحفل ~~الراقص ودعيت إليه البلدة بأكملها، من الشباب والشيوخ، ~~النشطين والمقعدين، ممن بلغوا منتصف العمر وأرذله - ~~لتحقيق هذا الهدف المنشود وتعزيز فكرة أن يثبتوا للعالم أن ~~العائلة لم تفقد هيبتها بسبب افتقارها إلى الشباب بين صفوفها. ~~وكان لهذه الهيبة فيما مضى انتشار في الأوساط الوطنية؛ إلا أنها ~~كانت الآن قد تضاءلت حتى صار اسم بينتلاند مغمورا خارج منطقة نيو ~~إنجلاند. بل ربما قيل إن القوم فروا من منطقة نيو إنجلاند ~~وعائلة بينتلاند، تاركين إياها مهجورة وشبه منسية على جانب ~~الطريق، الذي شهد تطورا جامحا شبه بربري بعيدا عن كل ما كانت ~~تمثله عائلة بينتلاند والمنزل ms001 العريق . # وقد حرص جد سيبيل على وجود كميات وفيرة من الشامبانيا؛ ~~وكانت توجد موائد عامرة بالسلطات والكركند البارد والساندويتشات ~~والدجاج الساخن المقدم في أواني المآدب الحرارية. بدا الأمر ~~وكأن عائلة ذات تاريخ طويل في الحرص والإقتار قد ضربت بكل ~~مظاهر ضبط النفس عرض الحائط في لفتة شجاعة من إظهار الترف ~~والبذخ. # ولكن بطريقة ما، بدا أن اللفتة فشلت في تحقيق الغرض منها. إذ ~~بدت الموسيقى الزنجية جامحة وجريئة، لكنها اتسمت أيضا بالطيش ~~مع منزل عتيق وعريق للغاية كهذا. واستهلك عدد قليل من الرجال ~~وامرأة أو امرأتان، معروفون بولعهم بالشراب، كميات كبيرة جدا ~~من الشامبانيا، ولكن لم يسفر ذلك إلا عن البلادة، وبالأحرى مزيج ~~من البلادة وقنوط مميت نوعا ما. ولم يكن ثمة مجال للأثرياء ~~والعظماء والرائعين والهمج في وجود السيد لونجفيلو اللطيف ~~والسيدين الخالدين إيمرسون ولويل الذين كانوا قد جلسوا في غرف ~~المنزل ذات مرة وتحدثوا عن الحياة. وفي إحدى الردهات، تحت مرأى ~~صف من صور الأجداد الذين علت وجوههم نظرات التجهم والعبوس، بدا ~~أن الموسيقى فقدت سمة الاسترسال؛ فهي لم تكن تنتمي إلى هذا ~~العالم الأرستقراطي. وخارج محيط الحفل، عمت حالة من السكر بين ~~الطلاب القادمين من كامبريدج؛ إلا أن البهجة غابت عن المشهد. ~~سقطت الشامبانيا على الأرض المقفرة. وطغت حالة من الفتور على ~~أجواء الحفل. # وعلى الرغم من أن الحفل أقيم بالأساس من أجل تقديم سيبيل ~~بينتلاند إلى سوق العرائس والزواج لهذا العالم الصغير، فإنه كان ~~أيضا بمثابة مناسبة لتقديم تيريز كاليندار التي كانت قد أتت من ~~أجل قضاء فصل الصيف في منزل «بروك كوتيدج» الريفي عبر المروج ~~الصخرية على الضفة الأخرى من النهر المقابل لمنزل عائلة ~~بينتلاند؛ وكمناسبة لإعادة تقديم والدتها، وهي شخصية أكثر نشاطا ~~وإثارة للإعجاب. كانت بلدة دورهام والريف المحيط بها مكانا ~~مألوفا بدرجة كافية لها، فقد ولدت هناك وأمضت طفولتها على مرأى ~~من البرج الخاص بدار اجتماعات بلدة دورهام. والآن، بعد غياب دام ~~عشرين عاما، كانت قد عادت إلى عالم اعتبره أهلها - أهل ~~طفولتها ms002 - غريبا وغير أرستقراطي. كان عالمها مليئا بأشخاص ~~غريبي الأطوار، عالم بعيد عن منزل عائلة بينتلاند العتيق والهادئ ~~والمنازل الحجرية الرائعة البنية اللون بشارع كومنويلث أفينيو ~~وشارع بيكون ستريت. قطعا كانت هذه السيدة، سابين كاليندار، هي ~~التي سرقت أضواء الحفل الراقص كلها؛ فبجوارها، لم تبد أي ~~شابة من الشابات، سواء ابنتها أو حتى سيبيل بينتلاند نفسها، محط ~~اهتمام كبير. كانت سابين محط اهتمام الجميع؛ محط اهتمام ~~معارفها من فترة طفولتها لأن الفضول كان يعتريهم لمعرفة سبب ~~غيابها لمدة عشرين عاما، ومحط اهتمام الغرباء؛ لأنها كانت أكثر ~~شخصية فاتنة وآسرة في الحفل الراقص. # لم يكن السبب أنها أحاطت نفسها بالشباب المعجبين المتحمسين ~~للرقص معها. فهي، على أي حال، امرأة في السادسة والأربعين من ~~عمرها، ولم تكن تطيق الصبيان المتسكعين الذين تقتصر أحاديثهم ~~على تهريب الخمور والنوادي الجامعية. وكان هذا نجاحا من نوع ~~خاص، انتصارا للامبالاة. # كان أشخاص مثل العمة كاسي سترازرس يتذكرونها بصفتها شابة ~~خجولة صعبة المراس عادية الملامح، ذات قوام جيد وشعر أصهب كان ~~يوصف قبل عشرين عاما مضت ب «شعر سابين المسكينة الأصهب ~~البغيض». ففي تلك الأيام الخوالي، كانت فتاة مراهقة تعاني ~~الأمرين في الحفلات الراقصة وحفلات العشاء، فتاة تتجنب الحياة ~~الاجتماعية بجميع أشكالها وتفضل العزلة. والآن، ها هي قد عادت ~~إليهم امرأة هيفاء في السادسة والأربعين من عمرها، بالقوام الرائع ~~نفسه، والأنف الطويل ذاته والعينين الخضراوين المتقاربتين أكثر ~~من اللازم؛ ولكنها امرأة ذات مظهر أخاذ وسلوك واثق لدرجة ~~مكنتها بطريقة ما أن تطغى بحضورها حتى على الشابات الأصغر ~~سنا والأجمل وتبطل تقريبا سحر الشابات الغريرات المرتديات ~~التل الزهري والأبيض. وهي تتهادى في مشيتها من غرفة إلى أخرى، ~~تحيي من كانوا يعرفونها في صغرها، وتخاطب أحد المعارف هنا ~~وهناك، ممن تعرفت إليهم خلال حياة الترحال الغريبة والمستقلة ~~التي عاشتها منذ انفصالها عن زوجها، كان في مشيتها غطرسة تخيف ~~الشباب وتثير في نفوس الأفراد الأكبر سنا من مجتمع بلدة دورهام ~~(جميع أبناء العمومة والمعارف والأقارب الذين يتعذر تحديد ~~صلاتهم) شعورا بالحنق ms003 العميق . كانت يوما ما واحدة منهم، أما الآن ~~فبدت مستقلة تماما عنهم، خائنة ضربت بجميع قواعد الحياة عرض ~~الحائط، القواعد التي غرستها فيها العمة كاسي وغيرها من العمات ~~وأبناء العمومة في تلك الأيام التي كانت فيها فتاة خرقاء عادية ~~ذات شعر أصهب صارخ. كانت يوما ما تنتمي لهذا العالم الصغير ~~الصارم، وها هي الآن قد عادت إليه - امرأة كان من المفترض أن ~~تجر وراءها أذيال الخيبة ويتراجع مستواها الاجتماعي قليلا، إلا ~~أنها لم تفعل هذا بطريقة أو أخرى، مما أثار غيظ الآخرين. فبدلا ~~من ذلك، كانت «شخصية» يسعى وراءها الكثيرون في الحياة، تحيط بها ~~هالة غامضة من الاعتزاز بالنفس كتلك التي تحيط بمثل هؤلاء ~~الأشخاص - باختصار، امرأة قادرة على انتقاء أصدقائها من الأوساط ~~المميزة بل حتى من أوساط المشاهير. أثارت الاهتمام بل والاستياء ~~في النفوس، ليس فقط لأن هذا كان حقيقيا، وإنما لأن أشخاصا ~~مثل العمة كاسي كانوا يعرفون أنه حقيقي. لقد أدارت ظهرها لهم ~~جميعا ولم ينل منها القدر المشئوم؛ وإنما أحكمت قبضتها على ~~حياتها وحققت فيها نجاحا مدهشا، بل وبراقا؛ وهو أمر لا يغتفر ~~بسهولة. # وبينما كانت تتجول عبر الغرف الكبرى - في غاية الكمال ~~والمثالية من قمة شعرها الأصهب، اللامع والمصفف على نحو رائع، ~~وحتى أطراف حذائها الفضي - كان يحيط بها جو من الاعتداد بالنفس ~~والثقة يتجليان في كمالها الذي وصل إلى حد الغطرسة. وكان يشع ~~إشراق وجمال من فستانها الأخضر اللامع والسلسلة الألماس الرفيعة ~~التي طغت على الأخريات جميعا، وهو ما جعل أغلب النساء بجانبها ~~يبدون في مظهر رث ورديء. ولا شك أن حضورها أدى أيضا إلى ~~تهدئة جو المرح. وكان المرء يعرف، من النظرة البادية في العينين ~~الخضراوين المحتقرتين والابتسامة الصفراء الساخرة على الشفاه ~~المطلية باللون الأحمر الصارخ، أنها كانت مدركة للتأثير الذي ~~أحدثته وسعيدة بالانتصار الذي حققته. فأينما ذهبت، كان يرافقها ~~دوما رجل كانت قد تخيرته كأنها تسدي إليه معروفا، تسبقها لمحة ~~من الإثارة. كانت بالفعل بغيضة جدا ... # ولو كانت لديها منافسة من بين الحضور ms004 الذين كانوا يملئون أرجاء ~~المنزل العتيق، لكانت أوليفيا بينتلاند - والدة سيبيل - التي كانت ~~تتجول في المكان، بمفردها أغلب الوقت، تعتني بضيوفها، وهي تعي ~~تماما أن الحفل الراقص لم يكن على المستوى الذي كان ينبغي أن يكون ~~عليه. لم يكن ثمة شيء صارخ أو لافت بخصوصها، لا شيء متلألئ بشدة ~~كفستان سابين كاليندار الأخضر وماساتها وشعرها الأصهب اللامع؛ ~~وإنما كانت امرأة ناعمة، ذات طابع رقيق ومتزن؛ غزا جمالها الغامض ~~الآخرين على نحو أبطأ وبمكر أكبر. لن تلاحظها على الفور وسط جموع ~~الضيوف؛ وإنما تدرك وجودها تدريجيا، كما لو كان لحضورها تأثير ~~يجتاحك بغموض كعطر ينتشر في الأجواء. وفجأة تدرك وجودها بين ~~الآخرين ... بشعور من الإثارة الخافتة ... بوجه أبيض شاحب، يحيط به ~~شعر أسود ناعم مشدود للوراء فوق الحاجبين معقوص في عقدة صغيرة ~~عند مؤخرة رأسها. وتلاحظ العينين الزرقاوين الصافيتين ~~الصريحتين، اللتين تبدوان تحت بعض الأضواء أقرب إلى السواد، ولاحظ ~~معظم الحاضرين أنها عندما تتحدث، يخرج صوتها خفيضا ودافئا، ~~بطريقة شديدة الإغواء، صوت له مائة درجة لون. وكان لديها أيضا ~~أسلوب في الضحك، عندما تذهلها سخافة شيء ما، أشبه بضحكة طفل. ~~ويراها المرء على الفور سيدة مجتمع عظيمة. ومن المستحيل أن ~~تصدق أنها شارفت على الأربعين من عمرها وأنها أم سيبيل وصبي في ~~الخامسة عشرة من عمره. # جعلتها الظروف وحكمتها الخاصة امرأة تبدو هادئة وخجولة ~~وتتحاشى لفت الأنظار إليها. كانت تتمتع بأسلوب خاص لإنجاز ~~المهام بدون جهد يذكر، وبهدوء هائل، ومع ذلك، يشعر المرء، بعد ~~أن يعرفها، أنها تغفل عن قليل مما يحدث على مرأى أو مسمع منها؛ ~~ليست فقط الأشياء الواضحة التي ربما كان سيلاحظها أي شخص غبي؛ ~~وإنما أيضا التوجهات الخفية والمبهمة التي تنتقل من شخص إلى ~~آخر. ويبدو أنها كانت تتمتع بموهبة مدهشة تتمثل في القدرة ~~على تسوية المشكلات. كانت تكتنفها وتحيط بها حالة من الطمأنينة، ~~تلك الطمأنينة التي عادة ما تميز أولئك الذين يعانون من درجة ~~مفرطة من الوعي، مما جعلها تميل إلى تهدئة العالم المضطرب من ~~حولها. ms005 ومع ذلك، كانت محيرة، أيضا، بطريقة غريبة وغامضة. ~~كانت تحيط بها دوما عزلة وغموض، طبيعة أقرب إلى غرابة الأطوار. ~~ولم يكن يتولد شعور باهت بعدم الارتياح لدى المرء - الذي يكتنفه ~~هدوء حضورها اللطيف - إلا بعد أن يكون قد عرفها لفترة طويلة. وقد ~~يخطر على بالك، بدهشة تقترب إلى حد الصدمة، أن المرأة التي ~~تراها أمامك، تلك المرأة الرقيقة جدا والهادئة جدا، ليست ~~أوليفيا بينتلاند مطلقا؛ وإنما دمية تخفي، وراء قناع الجاذبية، ~~امرأة لا تعرفها مطلقا، امرأة منعزلة وحزينة وربما أيضا وحيدة. ~~في نهاية المطاف، كانت تبعث في نفس الشخص الكيس الفطن كدرا ~~أعمق بكثير مما كانت تبعثه سابين كاليندار المتألقة ~~والبغيضة. # وسط ضجيج الحفل الراقص وصخبه، كانت قد أخذت تتجول هنا وهناك، ~~وكانت الآن في هذه الغرفة الكبيرة، وفي تلك الغرفة، وقفت تتحدث ~~بهدوء إلى ضيوفها، وتراقبهم، وتتأكد من أن كل شيء يسير على ما ~~يرام؛ ومثل الآخرين جميعهم، كانت منبهرة بمشهد تمرد سابين ~~وانتصارها، بل ربما أعجبها قليلا التحدي الصبياني لامرأة في ~~السادسة والأربعين من عمرها، تتحلى بالذكاء والاستقلالية بل ~~والتميز أيضا، وليست بحاجة إلى أن تتجشم عناء التباهي ~~بنجاحها. # وهي تراقب سابين، التي كانت تعرفها معرفة وثيقة بالقدر ~~الكافي، كانت قد خمنت أن أسفل تلك القشرة الخارجية، التي صممها ~~بروعة مصفف الشعر ومصمم الأزياء والجواهري، تقبع فتاة ~~خرقاء صهباء الشعر تثأر لنفسها الآن، متجاهلة تماما جميع ~~الأحكام المسبقة والعادات والتقاليد التي يحرص عليها أشخاص مثل ~~العمة كاسي وجون بينتلاند وابن العم سترازرس سمولوود، الحاصل على ~~دكتوراه في اللاهوت، والذي تطلق عليه سابين دوما «حواري ~~الطبقة الأرستقراطية». خطر لأوليفيا أن الأمر أشبه بأن سابين، ~~حتى بعد فترة نفي دامت لمدة عشرين عاما، كانت لا تزال تخشاهم ~~وتخشى تلك السلطة الفضولية الغاشمة التي يمثلونها. # كانت تعرف أن سابين كانت، مع ذلك، تراقب الحفل في الوقت نفسه. ~~كانت قد شاهدتها طوال الأمسية في حالة من «الاستغراق» في تفاصيله؛ ~~وأدركت أنه حين تأتي سابين في اليوم التالي قادمة من منزل «بروك ~~كوتيدج»، ms006 ستكون على علم بكل ما حدث في الحفل الراقص، لأن ~~لديها شغفا يدفعها إلى تقصي أمور الحياة من حولها. فخلف قناع ~~اللامبالاة الجامد يتأجج اهتمام دائم وشغوف بتشابكات وتعقيدات ~~العلاقات الإنسانية. وصفت سابين بنفسها الأمر ذات مرة بأنه ~~«لعنة القدرة على التحليل التي تسلب المرء جميع لذات ~~الحياة.» # كانت مولعة بسابين باعتبارها إنسانة فريدة وسط عالم تجاربها ~~الشخصية، إنسانة مسلية تعشق الحقيقة والواقع. وتتمتع بالقدرة ~~على توجيه عقلها (وهو عقل رائع حقا) نحو المواقف المتشابكة ~~والميئوس منها فتحللها بطريقة أو أخرى إلى عناصرها المناسبة ~~وتجعلها تبدو فجأة واضحة وبسيطة، وبغيضة في كثير من الأحيان؛ ~~لأن الحقيقة ليست دوما شيئا لطيفا وممتعا. # 2 # لم يعان أحد من عودة سابين منتصرة أكثر من العمة كاسي ~~الكئود. فبطريقة ما، كانت تنظر دوما إلى سابين، حتى خلال السنوات ~~الطويلة لمنفاها الاختياري بعيدا عن مباهج بلدة دورهام، باعتبارها ~~تقع ضمن ممتلكاتها الخاصة، على نحو يشبه كثيرا نظرتها إلى كلب، ~~لو كان في مقدور السيدة العجوز أن تحتمل من الأساس صحبة كائن فوضوي ~~مثل الكلب. ونظرا لأنها لم تنجب أولادا، كانت قد طبقت جميع ~~نظرياتها عن التربية على ابنة شقيق زوجها اليتيمة المسكينة. # في تلك اللحظة، جلست السيدة العجوز في منتصف درج السلم ~~الأبيض، تتفحص بعينيها السوداوين الثاقبتين الحفل الراقص بنظرة ~~يشوبها استنكار مستتر. جعلتها الموسيقى الصاخبة تشعر بالتوتر ~~والضيق، وبدت لها الطريقة التي كانت الشابات تضع بها مساحيق ~~التجميل والبودرة رخيصة ومبتذلة. قالت في نفسها مستنكرة: ~~«ربما تقدم إحداهن أيضا على غسل أسنانها هنا على مائدة ~~العشاء.» ظلت تقارن، في سريرتها، كل شيء في هذا الحفل بالحفل ~~الراقص الذي أقيم لها قبل أربعين عاما، وهي مناسبة كانت قد ~~أسفرت في النهاية عن الإيقاع بالسيد سترازرس في حبائلها. بثياب ~~سوداء متواضعة (إذ كانت ترى أن العيش على عائد دخلها الخاص هي ~~مسألة شرف) حدادا على زوجها المتوفى قبل ثماني سنوات، كانت أشبه ~~بأنثى غراب وقورة، ولكن متذمرة قليلا، تقف على سياج. # لاحظت سابين أن العمة كاسي ms007 و«رفيقتها »، الآنسة بيفي، في جلوسهما ~~معا على درج السلم، تبدوان وكأنهما أنثى غراب وحمامة نفاخة. لم ~~تكن الآنسة بيفي بدينة وحسب، وإنما في الحقيقة كانت أيضا ~~منتفخة؛ كانت من أولئك السيدات اللاتي يملن بطبيعتهن إلى ~~«السمنة»، اللاتي من شأنهن أن يتصفن بالبدانة ولو اتبعن ~~نظاما غذائيا شحيحا قائما على نشارة الخشب والماء المقطر ~~فحسب؛ وكانت قد ظهرت في حياة الأسرة قبل ثلاثين عاما بوصفها ~~رفيقة، أو بالأحرى أمة، مهمتها تسلية العمة كاسي أثناء فترة ~~اعتلالها الطويلة. وظلت في مكانتها هذه منذ ذلك الحين، لتحل ~~محل زوج غيبه الموت وأطفال لم يولدوا. # كان ثمة شيء طفولي بشأن الآنسة بيفي - يقول البعض إنها ليست ذكية ~~جدا - لكنها كانت تناسب العمة كاسي تماما؛ إذ كانت منقادة ~~كالأطفال ومعتمدة عليها اعتمادا كليا من الناحية المالية. ~~وكانت العمة كاسي تمنحها ما يكفي من المال لتعويض الخسائر التي ~~تكبدتها بسبب الاحتفاظ بمتجر صغير في بوسطن مخصص لبيع الفخاريات ~~«الفنية». كانت الآنسة بيفي سيدة راقية، ورغم كونها معدمة، فقد ~~كانت ذات «علاقات وطيدة» في بوسطن. وفي الستين من عمرها، كانت قد ~~صارت ثقيلة جدا على نحو لا يتناسب مع قدميها الصغيرتين ~~الشبيهتين بسيقان الطيور، ولذا كانت قليلة الحركة جدا. في هذه ~~الليلة كانت ترتدي فستانا أنيقا جدا مغطى بالدانتيلا ~~والترتر والشرائط المزركشة، كان بالأحرى على موضة أيام صباها ~~الخوالي، كما قال لها أحدهم. كان شعرها مشوبا بخصلات رمادية ~~ومقصوصا قصة قصيرة شعثاء غير متساوية؛ ولكن ليس لأن الشعر ~~القصير أنيق؛ وإنما لأنها قصته قبل أن يسمع أحد عن موضة الشعر ~~القصير بعشر سنوات، في بادرة مفاجئة وغير مجدية للتحرر في ~~اللحظة المروعة التي قامت فيها بمحاولتها الوحيدة المتكاسلة للهروب ~~من العمة كاسي وعيش حياتها الخاصة. وعادت في النهاية، بعد أن ~~نفدت مدخراتها الهزيلة وتعرضت للإفلاس، لتستقبلها العمة كاسي ~~بتنهدات وقور وارتجاف وكأنها ابنة ضالة تائبة عائدة إلى ~~أحضانها. وفي غمار هذا الدور، عاشت منذ ذلك الحين في حالة من ~~الخضوع التام. كانت الآن صنيعة العمة كاسي؛ تذهب ms008 حيثما تأمرها ~~العمة كاسي، وتفعل ما تؤمر، وتكون أذنا صاغية لها حين لا ~~يوجد أحد أجدر بالتحدث معه. # عندما رأت سابين، بفستانها الأخضر وشعرها الأصهب، تتحرك عبر ~~الردهة الكبيرة أسفلهما، قالت العمة كاسي، وفي عينيها ومضة: ~~«تبدو سابين قلقة على ابنتها. لا يبدو أن المسكينة تحقق ~~نجاحا، ولكن أظن أنه لا عجب في ذلك. فالمسكينة عادية جدا. أظن ~~أنها أخذت البشرة الشاحبة من أبيها. كان نصف يوناني ونصف فرنسي ~~... لم تكن سابين محبوبة مطلقا في صباها.» # وللمرة المائة، انهمكت في تكهنات مبنية على معرفتها الضئيلة ~~للظروف المحيطة بزواج سابين التعيس وطلاقها، مستجمعة فتات ~~المعلومات من هنا وهناك لتضيف إليها مجموعة متنوعة من التكهنات ~~الأخرى والكثير من عبارات التقوى والورع؛ إذ بدا في معرض حديث ~~العمة كاسي أن الرب ضالع في كل شيء. فللرب طريقة في توزيع ~~المحن والمنح عشوائيا؛ ومن ثم يصير في النهاية مسئولا عن ~~كل شيء. # قطعا، صارت تحقد قليلا على سابين؛ إذ ظلت عالقة في ذهنها ذكرى ~~لقاء بينهما، جرى قبل يوم أو يومين، عندما اضطرت إلى الانسحاب ~~تماما. فنادرا ما كانت العمة كاسي تلتقي بأي شخص يضاهيها، ~~وعندما حدث هذا اللقاء، اعتملت ذكراه في قلبها حتى وجدت وسيلة لكبح ~~المعتدي. مع الآنسة بيفي، كانت صريحة تماما، فعلى مدار خدمتها ~~الطويلة، تحولت هذه العذراء المسنة السمينة إلى ما يشبه كاهن ~~اعتراف، في حضرته تخلع العمة كاسي جميع الأقنعة. كانت تقول دوما: ~~«لا تعبأ بالآنسة بيفي. فهي ليست ذات أهمية.» # وكانت تقول: «أرى سابين مثابرة ومحنكة للغاية. لم أعد أبدا ~~أراها نفس الشابة المتواضعة التي تركتني قبل سنوات.» ثم تنهدت ~~تنهيدة عميقة وأردفت قائلة: «ومع ذلك، يجب ألا نطلق الأحكام ~~جزافا. أظن أن المسكينة قد عانت معاناة شديدة. إنني أشفق عليها ~~من أعماق قلبي!» # وفي أحاديث العمة كاسي، بل وفي كل عبارة منها، كانت تظهر دوما ~~نبرة متكلفة طفيفة كما لو أنها تسعى باستمرار إلى إضفاء طابع ~~ميلودرامي على كل ما تقوله. فلا شيء تقوله ببساطة أبدا. وكل ms009 شيء ~~يؤثر فيها تأثيرا مفرطا، يبلغ أعماق روحها، بداية من رؤية ~~طنجرة القشدة الحامضة وحتى وفاة زوجها. # إلا أن هذا لم يستجلب أي استجابة من جانب الآنسة بيفي، التي ~~بدت مستغرقة بحماس في مراقبة الشباب، وعيناها المستديرتان ~~الصافيتان تلمعان عبر نظارتها الأنفية بلهفة من قضت حياتها ~~بأكملها بصفتها «سيدة مرافقة». وفي لحظات كهذه، كانت العمة ~~كاسي تشعر بأن الآنسة بيفي متواضعة الذكاء، وأحيانا كانت ~~تصرح بذلك. # واستطردت تقول بثقة: «تبدو أوليفيا، الليلة، في حالة سيئة ~~أيضا ... مرهقة ومتعبة جدا. لا تعجبني تلك الهالات أسفل ~~عينيها ... لطالما راودتني فكرة أنها حزينة بخصوص أمر ~~ما.» # غير أن الطبيعة المتقلبة للآنسة بيفي ظلت متوارية تماما ~~أمام مشهد الشابات اللاتي اختلفن كثيرا عن الفتيات في أيام ~~شبابها؛ وأمام المشهد الرائع للسيد هوسكينز، الجار الكهل البدين ~~الرقيق الذي وقف ممسكا بكأس ممتلئة عن آخرها بالشامبانيا ~~يتحدث بمكر إلى أوليفيا الصبورة. شرد ذهن الآنسة بيفي نفسها ~~تماما في غمرة هذه الأجواء المرحة جدا. فلم تلاحظ النظرات ~~التي تسددها العمة كاسي تجاهها - نظرات تقول بصراحة: «انتظري ~~حتى أنفرد بك!» # لفترة طويلة ظلت العمة كاسي تفكر فيما أطلقت عليه «سلوك ~~أوليفيا الغريب». وهو أمر كانت قد لاحظته العمة كاسي لأول مرة من ~~شهر أو شهرين، حين شرعت أوليفيا، أثناء إحدى زيارات العمة ~~الصباحية، في البكاء فجأة وبهدوء، ثم غادرت الغرفة بدون أدنى ~~تفسير من جانبها. وكان الأمر قد تدهور مؤخرا من سيئ إلى أسوأ؛ ~~إذ شعرت بأن أوليفيا كانت تتملص من جميع الضوابط في تحد مباشر ~~لنصائحها الخيرة. ثم جاءت مسألة هذا الحفل بعينه. إذ كانت ~~أوليفيا قد تجاهلت نصائحها بالاقتصاد والادخار، والآن كانت ~~العمة كاسي تعاني، كما لو أن الشامبانيا التي تنساب من حولها ~~بكل أريحية هي قطرات دماء تسيل من عروقها. لم تنفق مبالغ ~~طائلة من أموال عائلة بينتلاند دفعة واحدة على متعة خالصة ~~هكذا منذ اشترت سافينا بينتلاند عقدا من اللؤلؤ والزمرد قبل ~~سنوات طويلة. # كما أنها كانت تستنكر نضارة وشباب أوليفيا وسابين. فامرأتان في ms010 ~~عمرهما لا ينبغي أن تبدو عليهما النضارة والشباب هكذا. كان ثمة ~~شيء مبتذل، بل وغير لائق بعض الشيء، في امرأة مثل سابين في ~~السادسة والأربعين وتبدو في الخامسة والثلاثين من عمرها. ففي سن ~~الثلاثين، كانت العمة كاسي نفسها قد استقرت في حال امرأة في ~~منتصف العمر، ومنذ ذلك الحين لم تتغير كثيرا. فها هي في الخامسة ~~والستين من العمر، «بلا ولد ووحيدة في هذه الدنيا» (إلا من الآنسة ~~بيفي بالطبع)، كانت بقدر كبير نفس المرأة الثلاثينية التي لعبت ~~دور زوجة «السيد سترازرس المتعب». كان التغيير الوحيد الذي طرأ ~~عليها هو شفاؤها من حالة عجز جزئية، وهي معجزة تزامن وقت ~~حدوثها مع وفاة السيد سترازرس. # لم تغفر أبدا لأوليفيا كونها دخيلة أتت من مدينة شيكاغو (من ~~بين كل المدن) إلى شبكة الحياة المعقدة في منزل عائلة بينتلاند. ~~ومنذ ذلك الحين تشابكت حولها خيوط من الغموض والتصق بها شعور واهن ~~بالغربة. بالطبع، لم يكن متوقعا من أوليفيا أن تتمكن من أن ~~تستوعب استيعابا كاملا ما يعنيه الزواج من عائلة ذات تاريخ ~~متغلغل بعمق في تاريخ مستعمرة خليج ماساتشوستس والحياة في ~~مدينة بوسطن. ماذا يعني لأوليفيا أن السيد لونجفيلو والسيد لويل ~~والدكتور هولمز كثيرا ما كانوا فيما مضى يقضون أسابيع في منزل ~~عائلة بينتلاند؟ وأن السيد إيمرسون نفسه كان فيما مضى يأتي إلى ~~هنا لقضاء عطلات نهاية الأسبوع؟ ومع ذلك (كما اعترفت العمة كاسي ~~لنفسها)، كانت أوليفيا قد أبلت على نحو ملحوظ بلاء حسنا. كانت ~~من الحكمة بما يكفي لأن تراقب وتنتظر ولا تمضي في نثر الحماقات في ~~طريقها. # وفي وسط هذه الأفكار، ظهرت أوليفيا بنفسها في المشهد، متجهة ~~نحو السلم، تسير بجوار سابين. كانتا تضحكان على شيء ما، سابين ~~بطريقتها الماكرة والساخرة، وأوليفيا بضحكتها الخبيثة، وبلمعة ~~مريبة في عينيها. غمر العمة كاسي شعور بغيض بأنهما كانتا ~~تتشاركان بعض النكات بخصوص الحاضرين للحفل؛ بل وربما بخصوصها هي ~~نفسها والآنسة بيفي. شعرت بأن أوليفيا ازدادت غرابة وتمردا ~~منذ عودة سابين؛ ومع ذلك، اعترفت لنفسها ms011 بأن ثمة فارقا بين ~~الاثنتين. كانت تفضل طابع الهدوء الذي يميز أوليفيا على ~~الانطباع العنيف الذي تتركه سابين المتألقة. استشعرت السيدة ~~المسنة الاختلاف، ولكن نظرا لانتمائها إلى جيل عاش على العواطف ~~لا على التحليلات، لم تتوصل إلى كنه هذا الاختلاف. فلم تكن ترى ~~أن المرء ينتابه عند رؤية أوليفيا شعور يجعله يقول في نفسه: «ها ~~هي سيدة راقية!» - ربما كانت، بالمعنى الحقيقي للكلمة، السيدة ~~الراقية الوحيدة بالغرفة. كان ثمة جانب من اللطف والرقة فيها ~~وقدر من الاتزان الذي يدعو إلى الفخر - وجميعها سمات مستحبة من ~~جانب العمة كاسي؛ أما ما كان يضايق السيدة المسنة فهو جو ~~الغموض الذي كان يحيط بها. فلم يكن يمكن للمرء أن يعرف يقينا ما ~~الذي تفكر فيه أوليفيا. كانت رقيقة للغاية وتنطق بحلو ~~الكلام. وأحيانا في الآونة الأخيرة، كانت العمة كاسي تتراجع في ~~جزع عندما تبالغ في الضغط على أوليفيا انطلاقا من إدراكها بأن ~~ثمة شيء خطير يتعذر تحديده في طبيعة السيدة الأصغر سنا. # قالت السيدة المسنة وهي تقف بصعوبة وتتأوه قليلا أثناء ~~نزولها درج السلم: «لا بد أن أنصرف، يا عزيزتي أوليفيا. الآنسة ~~بيفي سترافقني.» # لو كان الأمر بيدها ما برحت الآنسة بيفي مكانها؛ لأنها كانت ~~مستمتعة، تراقب كل هؤلاء الشباب بالأسفل، لكنها كانت قد اعتادت ~~على أن تطيع أوامر العمة كاسي لفترة طويلة جدا، فنهضت حينئذ، ~~بمسحة تذمر ضئيلة، واستعدت للانصراف. # حثتهما أوليفيا على البقاء، أما سابين فقالت فجأة، وهي تسدد ~~عينين خضراوين تعكسان بريقا مستترا من الكراهية نحو السيدة ~~المسنة: «لطالما ظننتك تمكثين حتى النهاية المؤلمة، يا عمة ~~كاسي.» # جاءها الرد على هيئة تنهيدة ... تنهيدة مفعمة بتلميحات بخصوص وضع ~~العمة كاسي باعتبارها أرملة وحيدة ومريضة ثكلى انتهت الحياة ~~بالنسبة إليها قبل فترة طويلة، ثم قالت: «لم أعد شابة، يا سابين. ~~وأشعر أنه ينبغي على كبار السن أن يفسحوا المجال أمام الشباب. ~~سيأتي وقت ...» # ضحكت سابين ضحكة مكتومة، ثم قالت بصوتها الجاف: «آه، لم أبدأ في ~~الاستسلام. ما زالت أمامي سنوات عديدة لأعيشها ms012 بصحة جيدة.» # قالت السيدة المسنة بحدة واقتضاب: «لم تعودي طفلة، يا ~~سابين.» ~~«حقا، بالطبع لم أعد طفلة.» فأخرس هذا التعليق العمة كاسي؛ إذ ~~آتى أثره المقصود بأن أعاد إليها ذكرى ذلك المشهد التعيس الذي ~~هزمت فيه ببراعة شديدة هزيمة منكرة. # همت السيدتان المسنتان بنشاط عظيم في مغادرة المكان، ~~وبدأتا رحلة بحث كبيرة عن العباءات والأوشحة والحقائب؛ ولكنهما ~~غادرتا في النهاية، والعمة كاسي تدير رأسها لتقول من فوق كتفها ~~النحيف الفارع: «هل ستودعين حماك العزيز يا أوليفيا؟ أظن أنه ~~يلعب البريدج مع السيدة سومز.» # أجابت أوليفيا من الشرفة قائلة: «أجل، إنه يلعب البريدج مع ~~السيدة سومز.» # تنحنحت العمة كاسي، بقوة، نحنحة ذات مغزى عميق. ومن خلال ~~نظرتها، ونبرة صوتها، استطاعت أن تطلق وابلا من الاستنكار لسلوك ~~العجوزين جون بينتلاند والسيدة سومز. # وبعد أن أمرت السائق بالسير متمهلا جدا، صعدت سيارتها ~~القديمة المتهالكة، تتبعها الآنسة بيفي باحترام، ومضت السيارة ~~في ممر السيارات المحفوف بأشجار الدردار بين صفوف السيارات ~~المنتظرة على الجانبين. # كان «الحما العزيز» لأوليفيا هو شقيق العمة كاسي، ولكنها كانت ~~تختار دوما أن تشير إلى الصلة التي تربطه بأوليفيا، كما لو أنها ~~بهذه الطريقة توثق، بلا أمل، أواصر أوليفيا بنسيج ~~العائلة. ~~••• # وفي طريق عودة السيدتين الأصغر سنا إلى المنزل، تساءلت ~~أوليفيا قائلة: «أين تيريز؟ لم أرها منذ أكثر من ساعة.» ~~«لقد عادت إلى المنزل.» ~~«تيريز ... عادت إلى المنزل ... من حفل راقص أقيم من ~~أجلها!» # وقفت أوليفيا في حالة ذهول واستندت إلى الحائط، فبدت آية في ~~السحر والجمال حتى أن سابين قالت في نفسها: «يا لها من خطيئة أن ~~تعيش امرأة رائعة الجمال مثلها حياة كهذه.» # ثم قالت جهرا: «ضبطتها تتسلل. سارت إلى الكوخ. قالت إنها تكره ~~الحفل وتشعر بالبؤس والملل وتفضل أن تأوي إلى الفراش.» هزت سابين ~~كتفيها البديعتين وأضافت قائلة: «لذا، تركتها تذهب. ما الفارق ~~الذي سيشكله ذلك؟» ~~«لا شيء، على ما أظن.» ~~«لا أجبرها مطلقا على فعل أشياء من هذا القبيل. لقد أجبرت ~~على الكثير حين كنت شابة في ms013 مثل عمرها؛ وينبغي أن تتصرف تيريز ~~كما يحلو لها تماما وأن تتمتع بالاستقلالية. المشكلة أنه قد ~~أفسدتها معرفة رجال أكبر سنا ورجال يتحدثون بذكاء.» ثم ضحكت ~~وأضافت: «أخطأت بعودتي إلى هنا. لن أزوجها أبدا في هذا الجزء ~~من العالم. فالرجال جميعهم يخشونها.» # ظلت أوليفيا تراقب قوام ابنة سابين الغريب، بحجمها الضئيل ~~وبشرتها الداكنة، وعينيها الواسعتين المتقدتين وهالة ~~الاستقلالية المتسمة بالعبوس، وهي تسير مبتعدة عبر الممر ~~الترابي المؤدي إلى منزل بروك «كوتيدج». كانت تختلف اختلافا ~~كبيرا عن ابنتها سيبيل الهادئة المهذبة. # قالت أوليفيا وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة ماكرة مفاجئة: «لا ~~أظن أن بلدة دورهام أعجبتها حقا.» ~~«كلا ... لقد سئمتها.» # توقفت أوليفيا للحظة لتتمنى ليلة سعيدة لموكب صغير من ~~الضيوف ... يتألف من بنات آل بينجري اللاتي ارتدين فساتين ~~متماثلة من التل الزهري؛ والآنسة بيركنز البدينة، التي كانت ~~لديها أرقى مجموعة من الملابس المطرزة يدويا بمنطقة نيو ~~إنجلاند؛ ورودني فيليبس، الذي كرس حياته لتربية كلاب من سلالة ~~سبرينجر والذي يتصرف كرجل إنجليزي نموذجي؛ والسيد تيلني المسن، ~~الذي اعتمدت ثروته على طواحين دورهام ولين وسالم؛ والأسقف ~~سمولوود، ابن عم آل بينتلاند وسابين (وهو من تطلق عليه سابين ~~«حواري الطبقة الأرستقراطية»). أثنى الأسقف على جمال ابنة ~~أوليفيا وغازل سابين مغازلة صريحة. اندفعت السيارات من بين ~~أيكات زهور البنفسج والليلك ومرت من جانبهما واحدة تلو ~~الأخرى. # وعندما غادرت السيارات قالت سابين فجأة: «أي نوع من الرجال ~~هيجينز هذا ... أقصد رئيس الإسطبلات لديك؟» # أجابت أوليفيا: «من نوع طيب. الأطفال مغرمون به جدا. لماذا ~~تسألين؟» ~~«أوه ... لا يوجد سبب معين على الإطلاق. تصادف أنه خطر على ~~بالي الليلة لأنني لاحظته واقفا في الشرفة يتطلع إلى الحفل ~~الراقص.» ~~«كان خيالا فيما مضى ... خيالا ماهرا، على ما أعتقد، إلى أن ~~صار وزنه ثقيلا أكثر من اللازم. إنه معنا منذ عشر سنوات. وهو شخص ~~طيب موثوق به، وأحيانا يكون مضحكا جدا. والسيد بينتلاند ~~يعتمد عليه في كل شيء ... لا يعيبه سوى تورطه مع الفتيات ~~القرويات. يبدو أنه لا يقاوم بالنسبة ms014 إليهن ... وهو وغد عديم ~~الأخلاق.» # أشرق وجه سابين فجأة، كما لو أنها توصلت إلى اكتشاف عظيم. ~~وعلقت قائلة: «ظننت ذلك.» ثم سارت مبتعدة بغتة لتواصل عملية ~~«الانغماس» في الحفل الراقص. # كانت قد سألت عن هيجينز لأن الرجل كان عالقا في دماغها، ~~تاركا انطباعا غريبا ومربكا عكر صفو عقل عادة ما كان ~~يتسم بالدقة والصفاء. لم تفهم لماذا ظل هو الأكثر حيوية ~~وحضورا بين الموكب المبهرج لجميع الحاضرين للحفل الراقص. لقد كان ~~دخيلا، خادما، يمر مرورا سريعا على الحفل، ومع ذلك كان - ~~رجلا لم تكن قد لاحظته من قبل قط - ذو حضور قوي وواضح، طغى على ~~الأمسية كلها. # كان قد تصادف أنها في وقت أبكر قليلا، بينما كانت واقفة في ~~الكوة الجدارية ذات النافذة لغرفة المكتب ذات الجدران الخشبية ~~الحمراء العتيقة، كانت قد ولت ظهرها للحفل الراقص للحظة، ~~لتتطلع إلى الأهوار النائية والبحر، عبر المروج حيث يقف كل حجر ~~وشجر وسياج نباتي في سكينة رائعة في صفاء ضوء القمر والأجواء ~~اللطيفة لمنطقة نيو إنجلاند. وإذ أسرها الجمال الهادئ والمبهر ~~للمروج والأهوار وكثبان الرمال البيضاء النائية، مستغرقة في ~~ذكريات ترجع إلى ما قبل أكثر من عشرين سنة، وجدت نفسها تفكر ~~قائلة: «لطالما كانت هكذا ... جميلة وقاسية وباردة وجرداء ~~قليلا، كل ما في الأمر أنني لم أرها من قبل مطلقا. الآن فقط، ~~بعدما عدت بعد عشرين عاما، أرى بلدتي كما هي بالضبط.» # ثم، بينما كانت تقف هناك وحيدة تماما، أدركت ببطء أن أحدا ما ~~يراقبها. كانت ثمة حركة مفاجئة وسط زهور الليلك توارت قليلا ~~وسط الظلال الداكنة الكثيفة ... وبحدة أعادت إليها الحركة الطفيفة ~~للأوراق الوعي بالمكان الذي كانت توجد فيه وسبب وجودها هناك؛ ~~وبعدما ركزت كل انتباهها، استطاعت أن تحدد جسما ذا قوام قصير ~~وضئيل وممتلئ، ووجه شاحب يختلس النظر من بين الغصون، مراقبا ~~الراقصين الذين كانوا يتحركون هنا وهناك داخل المنزل. أصابها ~~المشهد بشعور مفاجئ بعدم الارتياح وقشعريرة واهنة سرت في جسدها، ~~واختفيا على الفور حين تعرفت على وجه هيجينز الغريب الذي ms015 غزته ~~التجاعيد قبل أوانها، سائس منزل عائلة بينتلاند. لا بد أنها كانت ~~قد رأته عشرات المرات قبل ذلك، وكانت بالكاد تلاحظه، ولكنها الآن ~~كانت تراه بوضوح مستنير، بطريقة جعلت وجهه وهيئته لا ~~ينسيان. # كان يرتدي سروال ركوب الخيل الذي كان يرتديه دائما وقميصا ~~قطنيا بلا أكمام كشف عن ذراعين قصيرتين مشعرتين مفتولتي ~~العضلات. وبينما كان يقف في مكانه بدا بساقيه المقوستين الراسختين ~~في الأرض وكأنه كائن يقف مترسخا بجذوره في التربة ... مثل شجرة ~~التفاح العتيقة الواقفة في ضوء القمر تنثر آخر بتلاتها البيضاء ~~فوق المرج المظلم. كان ثمة شيء مزعج في المشهد، كما لو (حسبما ~~فكرت فيما بعد) أن حيوانا ذا قدرات عقلية متواضعة أخذ ~~يراقبها دون علمها. # ثم فجأة عاد ينسل مبتعدا، خجلا، بين أغصان زهور الليلك ... ~~مثل ظبي. ~~••• # ابتسمت أوليفيا في سرها، بينما كانت تتابع سابين أثناء سيرها ~~مبتعدة، وقد عرفت وجهتها. كانت سابين بصدد التوجه إلى غرفة ~~المكتب العتيقة، وجالسة هناك في ركن، كانت ستتظاهر بأنها مهتمة ~~بمطالعة آخر عدد لجريدة «ميركيور دي فرانس» أو إحدى جرائد الموضة، ~~وطوال الوقت كانت ستشاهد وتسمع ما يدور، أثناء جلوس العجوزين جون ~~بينتلاند والسيدة سومز المسكينة المحطمة يلعبان لعبة بريدج مع ~~اثنين من أترابهما. كانت تعرف أن سابين كانت تريد أن تستكشف ~~حياة العجوزين. لم تكن راضية مثل الآخرين في منزل عائلة بينتلاند ~~بالاستمرار في التظاهر بأنه لم يكن هناك أي شيء بينهما مطلقا. ~~أرادت أن تعرف أصل الحكاية، أن تعرف الحقيقة. كانت الحقيقة، دوما ~~الحقيقة، هي ما يأسر لب سابين. # وشعرت أوليفيا بموجة خاطفة مفاجئة، وتكاد تكون شجية، من ~~المحبة تجاه السيدة الفظة والمتجهمة، محبة يستحيل التعبير عنها ~~لأن سابين كانت تبالغ في احتقار جميع العواطف وكانت منغلقة ~~جدا على نفسها ترفض استقبال أي مظهر من مظاهر التعبير عن ~~العاطفة؛ ورغم ذلك ظنت أن سابين لاحظت أنها مغرمة بها، بنفس ~~الطريقة الخجولة والصامتة التي عرف بها العجوز جون بينتلاند أنها ~~مغرمة به. كان يستحيل على أي منهما التعبير صراحة ms016 عن أشياء ~~بسيطة كالعواطف. # ومنذ أن وصلت سابين إلى دورهام، بدت الحياة لأوليفيا أقل جدبا ~~وليس ميئوسا منها تماما. كانت سابين تتمتع بقدر لافت من ~~القوة الشديدة التي افتقر إليها الآخرون تماما، باستثناء الرجل ~~العجوز. كانت سابين قد توصلت إلى اكتشاف في الحياة حررها ... من ~~كل شيء إلا ذلك الحاجز المريع من الفتور المصطنع. # وسط هذه الأفكار، أتى موكب آخر من الضيوف المغادرين، فتوارى ~~تعبير الحزن من على وجه أوليفيا، مفسحا المجال أمام تعبير المرح ~~المثالي المتصنع. ابتسمت وتمتمت بعبارات على غرار: «طابت ~~ليلتكم، أيجب أن تغادروا الآن؟» و«طابت ليلتكم، أنا سعيدة ~~جدا بأن الحفل أعجبكم.» كانت تتعامل بمكر مع الرجال ~~المسنين الحمقى وبلطف مع الشباب الخجول وتكرر نفس ~~العبارات مرارا وتكرارا بنفس النبرة. وكان الناس ينصرفون وهم ~~يقولون: «أوليفيا بينتلاند، يا لها من امرأة ساحرة!» # ومع ذلك، بعدها مباشرة لم تكن تتذكر من الذي كان قد مر ~~عليها. # واحدا تلو الآخر غادر الضيوف، وبعدها بقليل حزم العازفون ~~السود آلاتهم الموسيقية وغادروا، وأخيرا ظهرت سيبيل، خجلة ~~ومكفهرة، بادية شاحبة ومرهقة قليلا في فستانها الأخضر ~~الباهت الملتصق بجسدها. وعند رؤية ابنتها، غمرت أوليفيا رعشة ~~فخر واعتزاز خفيفة. كانت الأروع من بين جميع فتيات الحفل، ولم تكن ~~الأكثر توهجا، وإنما الأرق وحقا الأجمل. كانت تتمتع بنفس ~~جمال والدتها المتأني الذي يحيط المرء بغشاوة تستمر طويلا بعد أن ~~تكون قد رحلت وتركت المكان. لم تكن صاخبة ومسترجلة وسوقية كالنساء ~~«الجامحات»، ولم تكن عادية مثل الفتيات اللاتي كن يسرفن في وضع ~~المساحيق ويحاولن التصرف وكأنهن نساء خبيرات بالحياة. كانت ~~تتسم فعلا بالسرمدية التي تغلف أي سيدة راقية بصرف النظر عن ~~العصر الذي تظهر فيه؛ كانت تتسم بغموض وأناقة ومعرفة بدروب ~~الحياة تتغلب على بهرجة الأخريات الرخيصة. ومع ذلك، بطريقة ما، ~~كانت تتمتع أيضا بنفس الاتزان الرائع والخجول والجمال الذي كان ~~يرهب الناس. وجد الفتيان، الذين اعتادوا على أن يطلقوا على ~~الشابات «فلانة وعلانة»، أنفسهم عاجزين أمام وقار الشابة التي بدت ~~في فستانها الأخضر أشبه ms017 بحورية غابة رائعة. وكدر هذا أوليفيا ~~بشدة، ليس من أجل نفسها، وإنما لأنها أرادت أن تكون الفتاة سعيدة ~~- وأكثر من ذلك، أن تسبر أغوار السعادة التي كانت قد استشعرتها هي ~~نفسها ولكن لم تعثر عليها مطلقا. بدا نوعا ما كما لو أنها رأت ~~نفسها من جديد في سيبيل، كما لو أنها تستطيع، من واقع الاسترشاد ~~الآن بتجاربها السابقة، أن توجه هذه النسخة المصغرة منها، ~~التي تقف على حافة الحياة، عبر مسارات أقل جدبا من تلك التي ~~وطأتها قدماها من قبل. كان من الضروري جدا أن تغرم سيبيل برجل ~~من شأنه أن يسعدها. عند أغلب الفتيات ما كان هذا ليشكل فارقا ~~كبيرا بطريقة أو بأخرى، ما دمن يملكن المال؛ فلو شعرن ~~بالتعاسة أو الملل، فمن شأنهن أن يتطلقن من أزواجهن ويجربن ~~حظهن مرة أخرى لأن تلك كانت القاعدة في عالمهن. أما عند ~~سيبيل، فإما أن يكون الزواج سعادة غامرة لا حد لها أو مأساة ~~شديدة وبائسة. # تأملت فجأة فيما كانت سابين قد قالته عن تيريز قبل قليل. ~~«أخطأت بعودتي إلى هنا. لن أجعلها تتزوج أبدا في هذا الجزء من ~~العالم.» # كان الأمر نفسه ينطبق على سيبيل بطريقة أو بأخرى. الفتاة نفسها ~~كانت، بطريقة غامضة ما، تعرف ما تريده؛ وهذه الحياة لم تكن حياة ~~آمنة ومضمونة، تسير بسلاسة وفق روتين صارم تحدده العادات ~~والظروف. لم يكن ما تطمح إليه هو الزواج من رجل يشبه بقية الرجال ~~في عالمه. بل كان أعمق من ذلك كله. كانت تريد بطريقة ما أن ~~تسبر غور تلك الحياة التي تحيط بها، إلى أعماقها حيث يوجد طعم ~~لكل ما تفعله. إنه جوع فهمته أوليفيا جيدا. # اقتربت الفتاة من أمها، ووضعت ذراعها حول خصرها، وظلت واقفة ~~بجوارها، تنظر إلى العالم من حولهما كما لو كانت أخت ~~أوليفيا. # سألتها أوليفيا: «هل استمتعت بالحفل؟» ~~«أجل ... كان مسليا.» # ابتسمت أوليفيا. وأردفت تقول: «ولكن ليس كثيرا، أليس ~~كذلك؟» ~~«أجل، ليس كثيرا.» ضحكت سيبيل بغتة، كما لو أنه خطرت على ~~بالها فجأة ذكرى مضحكة ms018 . # قالت والدتها: «لقد هربت تيريز.» ~~«أعرف ... قالت لي إنها ستفعل ذلك.» ~~«لم يعجبها الحفل.» ~~«أجل ... رأت الفتيان أغبياء.» ~~«إنهم يشبهون إلى حد كبير جدا جميع الفتيان الذين في مثل ~~سنهم. ليست مرحلة عمرية مشوقة.» # قطبت سيبيل جبينها قليلا. ثم أردفت تقول: «لا تظن تيريز ذلك. ~~تقول إن كل ما يمكنهم الحديث عنه هو نواديهم وعاداتهم في الشرب ~~... وأي من الموضوعين ليس مثيرا للاهتمام جدا.» ~~«ربما كانا سيصبحان كذلك، لو كنت تعيشين هنا دوما ... مثل ~~الفتيات الأخريات. أنت وتيريز تريان الأمر من الخارج.» لم تحر ~~الفتاة جوابا، فسألتها أوليفيا: «ألا ترين أنني أخطأت في إرسالك ~~إلى فرنسا للدراسة؟» # التفتت سيبيل بسرعة وأجابت قائلة: «أوه، كلا ... كلا» ثم ~~أضافت بحماسة متقدة: «لم أكن لأستبدل بذلك أي شيء في ~~العالم.» ~~«ظننت أنك ربما تستمتعين بالحياة أكثر إذا رأيت أكثر من ركن ~~واحد فيها ... أردت أن تبتعدي عن هنا لقليل من الوقت.» (لم تقل لها ~~ما الذي كانت تفكر فيه، فلو فعلت ذلك لقالت: «لأنني أردت أن تهربي ~~من المفسدة التي تصيب كل شيء في منزل عائلة بينتلاند.» # أجابت الفتاة قائلة: «أنا سعيدة. أنا سعيدة لأن هذه التجربة ~~تجعل كل شيء مختلفا ... لا أستطيع تفسير ذلك ... كما لو أن كل شيء ~~اكتسب معنى أكبر مما لو سارت الأمور على خلاف ذلك.» # فجأة قبلت أوليفيا ابنتها وقالت: «أنت فتاة ذكية؛ وأي شيء ~~من أجلك لا يعد إهدارا. والآن اذهبي إلى الفراش. سأذهب ~~لأتمنى لهم ليلة سعيدة.» # راقبت الفتاة وهي تسير مبتعدة عبر القاعة الكبيرة الخاوية ~~مرورا بالسلسلة الطويلة للصور الشخصية الخاصة بعائلة بينتلاند، ~~ليخطر على بالها في تلك اللحظة أن سيبيل تبدو إلى جوارهم مفعمة ~~بالحيوية ومتقدة بالحماس والنشاط؛ وحين استدارت أخيرا، رأت ~~حماها والسيدة سومز العجوز يسيران عبر الرواق الضيق المؤدي إلى ~~غرفة المكتب. أذهلها بشدة أن العجوز جون بينتلاند الوسيم والنحيل ~~بدا الليلة مسنا فعلا، بطريقة لم يسبق لها مثيل، مسنا ~~ومحني الظهر قليلا، وتحت عينيه السوداوين اللامعتين هالات ~~أرجوانية. # كانت السيدة سومز ms019 العجوز، بالتسريحة المضحكة والمعقدة لشعرها ~~المصبوغ باللون الأسود، وبخديها المتوردين، وذقنها المترهل ~~المدعوم بعقد من اللؤلؤ، تستند إلى ذراعه - حطام امرأة جميلة لجأت ~~إلى حيل سخيفة وواضحة مثل أحمر الشفاه وصبغة الشعر - عجوز ~~متغطرسة كئيبة لم تعرف مطلقا أنها كانت مثارا للسخرية. فعندما ~~رأتها أوليفيا، خطرت على بالها صورة ذهنية كاملة من الذكريات؛ ~~مناسبة تلو أخرى كانت فيها السيدة سومز ترتدي صدرية مزخرفة ~~وتاجا وتقف في صف الاستقبال تنحني وتتكلف الابتسام ضمن طقوس ~~صمدت بطريقة قروية ساذجة من عصر اجتماعي أكثر ظلاما ~~وبربرية. # وعندما رأت الرجل المسن يسير برفق وتؤدة، بدافع من المراعاة ~~لعجز السيدة سومز، شعرت أوليفيا برغبة مفاجئة في البكاء. # قال جون بينتلاند: «سأوصل السيدة سومز بالسيارة، يا عزيزتي ~~أوليفيا. يمكنك أن تتركي الباب مفتوحا من أجلي!» وبعدما نظر إلى ~~كنته نظرة حنونة سريعة، قاد السيدة سومز عبر الشرفة إلى ~~سيارته. # وبعد أن غادرا اكتشفت أوليفيا أن سابين واقفة في الرواق ~~بفستانها الأخضر اللامع تراقب العجوزين في ظل إحدى النوافذ ~~الغائرة. وللحظة، استغرقتا في تأمل جون بينتلاند وهو يساعد ~~السيدة سومز بود شديد لتصعد إلى السيارة، ولم تنطق أي منهما ~~ببنت شفة، ولكن بينما كانت السيارة تبتعد في الطريق الطويل الذي ~~تظلله أشجار الدردار المكتسية بنور القمر الفضي، تنهدت سابين ~~وقالت: «أستطيع أن أتذكرها نموذجا لجمال بديع ... جمال بديع ~~حقا. لم يعد يوجد أي أحد مثلها، ممن يجعلون جمالهم حرفة. ~~كنت أراها حين كنت فتاة صغيرة. كانت جميلة، مثل ديانا، آلهة ~~الصيد والقمر، في حقل الصيد. إنهما على هذه الحالة منذ ... منذ متى ~~... حتما منذ أربعين عاما، على ما أظن.» # قالت أوليفيا بنبرة هادئة: «لا أعرف. إنهما على هذا الوضع منذ ~~جئت إلى منزل عائلة بينتلاند.» (أثناء حديثها اجتاحها شعور فظيع ~~بالحزن، وبعبثية ساحقة. كان هذا الشعور قد أخذ يكتنفها في الآونة ~~الأخيرة على نحو متزايد، لدرجة أنه أحيانا أقلقها وجعلها تخشى ~~من أن يصيبها السقم.) # عاودت سابين الحديث بنبرتها المألوفة المنمقة الرنانة. فقالت: ~~«أتساءل ما إذا كان ms020 هناك أي شيء ...» # قاطعت أوليفيا حديثها، متكهنة ببقية سؤالها، وأجابت بسرعة ~~قائلة: «كلا ... أنا واثقة من أنه ليس هناك أي شيء مطلقا أكثر ~~مما رأيناه ... أنا أعرفه جيدا بما يكفي لأكون واثقة من ~~ذلك.» # ظلت سابين مستغرقة في التفكير لفترة طويلة، وفي النهاية قالت: ~~«أجل ... أظن أنك محقة. لا يمكن أن يكون هناك أي شيء. إنه آخر ~~البيوريتانيين المتشددين ... الآخرون لا يعول عليهم. إنهم ~~يتظاهرون باستمرار، ولكنهم لم يعودوا يؤمنون. لم تعد لديهم ~~أي همة. ليسوا سوى منافقين وأطياف ... إنه آخر السلالة ~~العظيمة.» # التقطت عباءتها الفضية وأسدلتها فوق كتفيها الرقيقتين ~~البيضاوين، وقالت فجأة: «أوشك الصبح أن ينبلج. يجب أن أحصل على ~~قسط من النوم. سيحين الوقت الذي سيتعين علي فيه أن أفكر في ~~تلك الأمور. لم نعد صغارا كما كنا، يا أوليفيا.» # وفي الشرفة التي يضيئها نور القمر، التفتت وتساءلت: «أين كان ~~أوهارا؟ لم أره.» ~~«كلا ... لقد دعي. أظن أنه لم يأت بسبب آنسون والعمة ~~كاسي.» # كان الجواب الوحيد من سابين تنهيدة ساخرة. ثم استدارت ~~مبتعدة وركبت سيارتها. انتهى الحفل الآن وغادر آخر الضيوف، ولم ~~يفتها شيء - لا العمة كاسي ولا العجوز جون بينتلاند ولا غياب ~~أوهارا ولا حتى مراقبة هيجينز لهم جميعا في ضوء القمر في ظلال ~~شجيرات الليلك. # كانت برودة الليل قد ازدادت مع اقتراب الصبح، وارتعشت أوليفيا ~~قليلا أثناء وقوفها في المدخل وهي تراقب سابين تستقل سيارتها ~~وتقودها مبتعدة. وبعيدا عبر المروج، رأت أضواء سيارة جون بينتلاند ~~تنطلق على الطريق في طريقها إلى منزل السيدة سومز العجوز؛ ~~وراقبتهما وهما يتواريان عن الأنظار وراء أيكة أشجار البتولا ~~ويعاودان الظهور بعد الطريق الرئيسي، وبينما كانت تستدير جال في ~~خاطرها أن الحياة في منزل عائلة بينتلاند قد شهدت تغييرا طفيفا ~~منذ عودة سابين. # | الفصل الثاني # كان من عادة أوليفيا (وبطريقة ما كان كل تصرف بسيط في منزل عائلة ~~بينتلاند يتحول حتما إلى عادة) أن تتجول في أرجاء المنزل كل ليلة ~~قبل صعود الدرج المكسو بالألواح الخشبية، للتأكد من أن كل ms021 شيء على ~~ما يرام، وتلقائيا مضت في جولتها الصغيرة كالمعتاد بعدما غادرت ~~سابين، وأخذت تتوقف هنا وهناك تتحدث إلى الخدم وتأمرهم بالذهاب ~~للفراش وتنظيف المكان في الصباح. وفي طريقها وجدت أن باب غرفة الجلوس، ~~الذي كان مفتوحا طيلة الأمسية، مغلق الآن لسبب ما. # كانت غرفة مربعة كبيرة تنتمي إلى الجزء القديم من المنزل الذي كانت ~~قد بنته عائلة بينتلاند التي جنت ثروتها من تجهيز السفن المسلحة ~~وممارسة نوع من القرصنة على التجار البريطانيين؛ غرفة أصبحت بمرور ~~السنين أشبه بمتحف مليء بالآثار والهدايا التذكارية لعائلة يمكن ~~تتبع أصولها لثلاثمائة عام إلى صاحب متجر صغير منشق وصل إلى ساحل ~~نيو إنجلاند الكئيب بعيد وصول المهاجرين الأوائل أمثال مايلز ستانديش ~~وبريسيلا ألدن. كانت غرفة تستخدمها كثيرا العائلة كلها وتبدو بالية ~~الشكل لكنها سائغة المنظر، مما يعوض القبح والتناقض الناجم عن ~~مجموعة الصور والأثاث. كان بها مقعدان أو ثلاثة من طرازي شيراتون ~~وهيبلوايت، وطاولة قديمة أنيقة مصنوعة من خشب الماهوجني، وأريكة فخمة ~~وكرسي هزاز ضخم مجهول الطراز، ومصباح برونزي بشع كان هدية من السيد ~~لونجفيلو إلى والدة العجوز جون بينتلاند. وكانت بها أيضا لوحتان ~~قبيحتان بالألوان المائية - إحداهما لنهر التيبر وقلعة سانت أنجلو، ~~والأخرى لقرية إيطالية - رسمتهما الآنسة ماريا بينتلاند أثناء جولة في ~~إيطاليا عام 1846، وكرسي محشو مزدان بشراريب قماش، مهدى من ~~الكولونيل هيجينسون العجوز، ونقش جاف على الفولاذ لتوقيع إعلان ~~استقلال الولايات المتحدة كان معلقا فوق رف المدفأة الأبيض، ومجموعة ~~كاملة من مؤلفات وودرو ويلسون عن تاريخ الولايات المتحدة مهداة من ~~سيناتور لودج (الذي تشير إليه العمة كاسي دوما ب «السيد لودج ~~العزيز»). في هذه الغرفة، جمعت تذكارات من الزيارات الطويلة التي قام ~~بها السيد لويل والسيد إيمرسون والجنرال كورتيس وغيرهم من سكان نيو ~~إنجلاند الطيبين، جميع الهدايا التذكارية التي كانت أوليفيا قد تركتها ~~بالضبط كما وجدتها عندما أتت إلى المنزل الكبير عروسا لآنسون ~~بينتلاند؛ ومن منظور أولئك الذين كانوا يعرفون الغرفة والعائلة لم ~~يكن ثمة أي شيء قبيح أو سخيف بشأنها. كانت ms022 ذات طابع تاريخي. عند ~~دخولها، يكاد المرء يتوقع أن يظهر له مرشد سياحي ويقول: «يوما ما ~~كتب السيد لونجفيلو على هذا المكتب» و«كان هذا هو الكرسي المفضل ~~للسيناتور لودج.» كانت أوليفيا تعرف كل قشة في هذه الغرفة ويربطها ~~بها إحساس قوي بالألفة. # فتحت الباب بهدوء ووجدت أن الأنوار لا تزال مضاءة، والأمر الأغرب، ~~أن زوجها كان جالسا إلى المكتب القديم محاطا بالكتب العتيقة ~~والخطابات والأوراق المصفرة التي كان يجمع منها بجهد جهيد كتابا ~~بعنوان «عائلة بينتلاند ومستعمرة خليج ماساتشوستس». تفاجأت لرؤيته؛ ~~لأنه كان معتادا على التوقف عن العمل في موعد محدد هو الحادية ~~عشرة مساء كل ليلة، حتى في مناسبة كهذه. كان قد اختفي قبل ساعات من ~~الحفل الراقص، وكان لا يزال جالسا هنا مرتديا بذلة السهرة، رغم أن ~~الوقت كان قد تجاوز منتصف الليل بكثير. # كانت قد دخلت الغرفة بهدوء شديد لدرجة أنه لم يسمعها، وللحظة ظلت ~~تنظر إليه في صمت، كما لو أنها لم تقرر ما إذا كان ينبغي أن تتحدث ~~أم تنصرف في هدوء. أما هو فكان جالسا موليا ظهره إليها؛ بحيث بدا ~~الكتفان المنحنيان والرقبة النحيلة المجعدة والرأس الأصلع إلى حد ~~ما واضحين في خلفية الجدران الخشبية البيضاء. وفجأة، وكأنه أدرك كونه ~~مراقبا، استدار ونظر إليها. كان رجلا في التاسعة والأربعين من عمره ~~لكنه يبدو أكبر من سنه، ذا وجه طويل وملامح صارمة مثل وجه العمة ~~كاسي - وجه وسيم لكنه يبدو عليه الإرهاق والشحوب نوعا ما - وعينين ~~صغيرتين مستديرتين لهما لون الخزف الأزرق الفاتح. عند رؤيته ~~لأوليفيا، ارتسم على وجهه تعبير عابس يدل على الحنق ... تعبير كانت ~~تعرف جيدا أنه يرتسم على وجهه عندما ينوي الشكوى من شيء ما. # قالت بهدوء، متعمدة استخدام نبرة توحي بأنها لم تلاحظ أي شيء غير ~~عادي: «أطلت السهر.» # رد قائلا: «كنت أنتظر التحدث معك. أريد أن أتحدث معك. من فضلك ~~اجلسي للحظة.» # بدت طريقة تعامل أحدهما مع الآخر غريبة إلى حد ما، وكأنه لم تكن ~~توجد أي مودة بينهما ، حتى ms023 قبل سنوات عندما كان طفلاهما صغيرين. ومن ~~ناحيته اتصف أسلوبه أيضا بالتكلف المتسم بالحدة والعصبية، أسلوب ~~غريب وفيكتوري متعجرف إلى حد ما، وبه لمسة غريبة من الجبن. كان ~~رجلا من النوع الذي ربما لا يقدم دوما على فعل الصواب، لكنه يفعل ~~ما تعتبره عشيرته «صوابا». # كانت هذه هي المرة الأولى التي يتبادلان فيها محادثة منذ الصباح، ~~وهي محادثة بدت من النوع النمطي الذي تكرر يوما بعد يوم على مدار ~~سنوات عديدة. عندما كان يقول إنه يريد التحدث إليها، كان هذا عادة ~~يعني أن ثمة شكوى ما من الخدم، وغالبا من هيجينز، الذي كان يبغضه ~~بشدة لدرجة غريبة لا يمكن تفسيرها. # جلست أوليفيا، منزعجة لأنه اختار هذا التوقيت وهي متعبة، ليبدي ~~تعليقا تافها بشأن أمور تتعلق بأعمال المنزل. وبدون تفكير مسبق ~~من ناحية ومن ناحية أخرى من منطلق معرفتها المباغتة والغاضبة بأنه ~~سيشعر بالضيق لرؤيتها تدخن، أشعلت سيجارة؛ وبينما كانت جالسة هناك، ~~منتظرة حتى يمحو بحرص شديد كل ما كان بالصفحة التي كان يكتب فيها، ~~شعرت ببطء برغبة غريبة غير معتادة في التصرف بشكل غير مقبول، في أن ~~تخلق بطريقة ما نوعا من الإثارة من شأنه أن يقضي ولو للحظة على ذلك ~~الشعور بالملل الذي كان يغمرها؛ ومن ثم تهدئ أعصابها. فكرت قائلة: ~~«ماذا حدث لي؟ هل أنا واحدة من أولئك النساء اللاتي يستمتعن بافتعال ~~المشاكل؟» # نهض من كرسيه، بقامته الطويلة جدا وجسده النحيل، وكتفاه ~~منحنيتان، ونظر إليها بعينيه الشاحبتين وقال: «يتعلق الأمر ~~بسيبيل. أعلم أنها تذهب لركوب الخيل كل صباح مع هذا الرجل الذي يدعى ~~أوهارا.» # أجابت أوليفيا بهدوء قائلة: «هذا صحيح. إنهما يذهبان كل صباح قبل ~~الإفطار، وقبل أن يخرج بقيتنا من المنزل.» # قطب جبينه وعلى نحو شبه تلقائي تقمص سلوكا ينم عن الغضب ~~لكرامته. وقال: «أتقصدين أنك كنت على علم بذلك طوال الوقت؟» ~~«إنهما يلتقيان في المروج بالقرب من مقلع الحجارة القديم؛ لأنه لا ~~يهتم بالمجيء إلى المنزل.» ~~«ربما لأنه يعلم أنه لن يكون موضع ترحيب.» # ابتسمت أوليفيا ms024 بسخرية بعض الشيء. وقالت: «أنا متأكدة من أن هذا ~~هو السبب. ولذلك لم يأت الليلة، رغم أنني دعوته. لا بد أنك تعلم يا ~~آنسون أن شعوري تجاهه مختلف عن شعورك.» ~~«كلا، لا أظن ذلك. نادرا ما يكون الأمر كذلك.» # قالت بهدوء: «لا داعي لأن تكون بغيضا.» # أجابها قائلا: «يبدو أنك تعرفين الكثير عن الأمر.» ~~«سيبيل تخبرني بكل شيء تفعله. وأظن أنه من الأفضل أن تسير ~~الأمور بهذه الطريقة.» # راقبته، ومنحها هذا شعورا بشيء من الرضا والارتياح لرؤيته منزعجا ~~من هدوئها، ومع ذلك شعرت أيضا بشيء من الخجل؛ لأنها أرادت افتعال ~~مشكلة صغيرة، مجرد مشكلة بسيطة للغاية، لتجعل الحياة تبدو أكثر إثارة ~~قليلا. قال: «لكنك تعرفين شعور العمة كاسي وأبي تجاه ~~أوهارا.» # عندئذ، ولأول مرة، بدأت أوليفيا تستوعب الأمر. قالت: «يعرف والدك كل ~~شيء عن ذلك يا آنسون. لقد ذهب معهما بنفسه على الفرس الحمراء، مرة ~~أو مرتين.» ~~«هل أنت متأكدة من ذلك؟» # قالت: «ما الذي سيجعلني أختلق كذبة سخيفة كهذه؟ علاوة على ذلك، أنا ~~ووالدك متفاهمان جيدا. وأنت تعرف ذلك.» كان ردها أشبه بوكزة خفيفة ~~حققت الغرض منها؛ إذ أشاح آنسون بوجهه مغاضبا. كان ما قصدت حقا ~~أن تقوله له هو: «والدك يستشيرني أنا في كل شيء، ولا يستشيرك أنت. ~~وليس هو من يعارض الوضع وإلا كنت سأعلم بذلك.» وجهرا قالت: «أضف ~~لذلك أنني رأيته بعيني هاتين.» # قال: «إذن سأتحمل أنا مسئولية الاعتراض هنا. لا يعجبني هذا الوضع ~~وأريد وضع حد له.» # أثناء حديثهما هذا رفعت أوليفيا حاجبيها قليلا مع نظرة يمكن ~~تفسيرها على أنها توحي بالدهشة أو السخرية أو ربما قليل من كليهما. ~~للحظة ظلت ساكنة، تفكر، وأخيرا قالت: «هل أنا على صواب في افتراض أن ~~العمة كاسي وراء كل هذا؟» حين لم يحر جوابا أكملت حديثها قائلة: ~~«لا بد أن العمة كاسي قد استيقظت مبكرا جدا لرؤيتهما وهما يغادران.» ~~ساد الصمت مرة أخرى، ثم دفعها الشيطان الصغير الكامن بداخلها إلى أن ~~تقول: «أو ربما حصلت على معلوماتها من ms025 الخدم. فهي دائما ما تفعل ~~ذلك، كما تعلم.» # ببطء، بينما كانت تتحدث، ازدادت حدة الغضب المرتسم على وجه زوجها ~~شيئا فشيئا. بدا أن لون بشرته قد تغير وأصبح أخضر فاتحا نتيجة ~~تأثير الضوء المنبعث من الثريا الفيكتورية الطراز المعلقة فوق ~~رأسه الضيق الأفق. # قال: «أوليفيا، ليس من حقك التحدث عن عمتي بهذه ~~الطريقة.» # فقالت: «لسنا بحاجة للخوض في ذلك. أظن أنك تعرف أن ما قلته هو ~~الحقيقة.» وببطء بدأ يسيطر عليها شعور بالرضا. كانت قد بدأت في إثارة ~~غضبه. وبعد كل هذه السنوات الطويلة، كان يكتشف أنها لم تكن لطيفة ~~تماما. # بدا عليه الآن السخط والذهول. قال بنبرة أكثر لطفا: «أوليفيا، لا ~~أفهم ماذا جرى لك مؤخرا.» # وجدت نفسها مستغرقة في التفكير، وقالت في نفسها: «لعله يلين. ربما ~~لا يزال يوجد احتمال للمودة والحنو بداخله. ربما سيصبح الآن، بعد ~~مرور سنوات طويلة، لطيفا وعطوفا وربما ... وربما ... أكثر من ~~ذلك.» # كان يقول: «أنت غريبة جدا. وأنا لست الوحيد الذي يظنك ~~كذلك.» # قالت أوليفيا بنبرة حزينة بعض الشيء: «بالطبع. تظن العمة كاسي ذلك ~~أيضا. لقد أخذت تخبر الحي بأكمله أنني أبدو تعيسة. ربما يكون ذلك ~~لأنني مرهقة قليلا. فأنا لم أحصل منذ وقت طويل على قسط كبير من ~~الراحة ... من جاك، ومن العمة كاسي، ومن والدك ... و... منها.» وبينما كانت ~~تنطق بالكلمة الأخيرة، أشارت برأسها بطريقة مثيرة للفضول في اتجاه ~~الجناح الشمالي المظلم من المنزل الكبير. # ظلت تراقبه، مدركة أنه صدم واندهش لأنها ذكرت دفعة واحدة ~~العديد من الأمور التي لم يتطرقا إلى مناقشتها مطلقا في منزل عائلة ~~بينتلاند، أشياء دفناها في صمت وحاولا نسيانها بالتظاهر بأنها غير ~~موجودة. # تابعت حديثها قائلة بنبرة حزينة: «يجب أن نتكلم عن هذه الأمور في ~~بعض الأحيان. في بعض الأحيان التي نكون بمفردنا تماما ولا يمكن لأحد ~~أن يسمعنا، عندما لا يشكل ذلك أي فارق. فلا يمكننا التظاهر إلى ~~الأبد بأن تلك الأمور غير موجودة.» # ظل صامتا لفترة من الوقت، وبدا عليه التردد وهو يبحث بقنوط ms026 عن ~~رد. وأخيرا قال بنبرة واهنة: «ومع ذلك تجلسين طوال الليل تلعبين ~~البريدج مع سابين والسيدة سومز العجوز ووالدي.» # قالت: «هذا مفيد لي. يجب أن تعترف بأنه تغيير على الأقل.» # اكتفى بأن أجاب: «أنا لا أفهمك»، وبدأ يتحرك جيئة وذهابا ~~منفعلا بينما كانت جالسة هناك تنتظر، في الواقع تنتظر، حتى يصل ~~الموقف إلى الذروة. انتابها شعور مفاجئ بالنصر، وبسعادة غامرة لم ~~تشعر بها منذ سنوات، منذ كانت فتاة شابة؛ وفي الوقت نفسه أرادت أن ~~تضحك، بقوة وبشكل هستيري على آنسون، الطويل والنحيف جدا، الذي أخذ ~~يتحرك وكأنه يتقافز لأعلى ولأسفل. # توقف أمامها فجأة وقال: «ولا أرى فائدة من دعوة السيدة سومز إلى هنا ~~كثيرا.» # رأت الآن أن التوتر والانفعال بينهما قد بلغا مبلغا أعظم مما ~~تخيلت، إذ كان آنسون قد تحدث عن السيدة سومز ووالده، وهذا شيء لم ~~يتطرق إليه من قبل أحد من العائلة. وكان قد فعل ذلك بصراحة شديدة، ~~وبمحض إرادته. # سألته قائلة: «ما الضرر الذي يمكن أن ينتج عن ذلك الآن؟ وما الفارق ~~الذي يمكن أن يحدثه؟ إن ذلك هو مصدر السعادة الوحيد الباقي لتلك ~~العجوز الضعيفة المحطمة، وهي أحد القلة الذين بقوا لوالدك.» # بدأ آنسون يتمتم في اشمئزاز. «إنها علاقة سخيفة ... اثنان من كبار ~~السن ... من كبار السن ...» لم ينه الجملة؛ لأنه لم تكن توجد سوى كلمة ~~واحدة كان يمكن أن تنهيها وهي كلمة لم يكن يستخدمها مطلقا أي رجل ~~نبيل وبالتأكيد ما كان ليستخدمها أحد أفراد عائلة بينتلاند للإشارة ~~لوالده. # قالت أوليفيا: «ربما تكون علاقة سخيفة الآن ... لكني لست متأكدة من ~~أنها كانت كذلك دوما» ~~«ماذا تقصدين بذلك؟ أتقصدين ...» مرة أخرى تلعثم بحثا عن الكلمات، ~~محاولا تجنب استخدام الكلمات التي كان من الواضح أنها تبادرت إلى ~~ذهنه. كان من الغريب رؤيته وهو يضطر إلى مواجهة الحقائق، ويبدو ~~عليه العجز الشديد والارتباك. تلعثم قائلا: «هل تقصدين أن والدي ~~قد تصرف من قبل ...» توقف قليلا، عاجزا على استكمال الحديث، ثم ~~أضاف: «على نحو مخز؟» # قالت: «آنسون ... أشعر ms027 بغرابة كوني صريحة جدا الليلة ... فقط لمرة ~~واحدة ... مرة واحدة فقط.» ~~«وأنت لا تجيدين سوى الخداع.» # قالت: «لا ...»، ووجدت نفسها تبتسم ابتسامة حزينة، وتضيف قائلة: ~~«إلا إذا كنت تقصد أن في هذا المنزل ... في هذه الغرفة ...» وأشارت بذراعها ~~البيضاء في حركة كاسحة لتلك المجموعة من الهدايا التذكارية الفيكتورية، ~~كل تذكارات العائلة البيوريتانية المتشددة التي كانت تتمتع فيما مضى ~~بالسلطة والنفوذ، ثم قالت: «في هذه الغرفة، الاتصاف بالصدق والأمانة هو ~~الخداع في حد ذاته.» # في هذه اللحظة كان سيقاطعها في غضب، لكنها رفعت يدها وتابعت حديثها ~~قائلة: «كلا يا آنسون؛ سأخبرك صراحة بما أظن ... سواء كنت تريد سماعه ~~أم لا. ولا آمل في أن يجدي ذلك أي نفع. لا أدري ما إذا كان والدك قد ~~تصرف، على حد تعبيرك، على نحو مخز أم لا. وحقا أتمنى لو أنه ~~فعل ذلك ... آمل أنه كان حبيب السيدة سومز في الأيام التي كان فيها الحب ~~يعني شيئا لهما ... نعم ... الشيء الحسي هو ما أقصده تحديدا ... أظن أن ~~ذلك كان سيصبح أفضل. أظن أنهما ربما كانا سعيدين ... سعادة حقيقية ~~لوقت قصير ... وليس مجرد شخصين يعيشان في حالة من الافتتان بينما يومهما ~~هو تكرار لليوم التالي ... أظن أن والدك، من بين كل الرجال، كان يستحق ~~هذه السعادة.» ثم تنهدت وأضافت بصوت خفيض: «حسنا، ها قد علمت ~~مقصدي!» # مضى وقت طويل وهو واقف دون حراك يحدق في الأرض بعينيه الزرقاوين ~~المستديرتين اللتين كانتا أحيانا تصيبانها بالذعر لأنهما كانتا ~~تشبهان كثيرا عيني تلك المرأة العجوز التي لم تغادر مطلقا الجناح ~~الشمالي المظلم وكانت معروفة في العائلة ببساطة ب «هي»، كما لو أنها ~~من منظورهم لم تعد تنتمي للبشر. أخيرا تمتم عبر شاربه المتدلي على ~~شفتيه، كما لو كان يحدث نفسه، قائلا: «أعجز عن تخيل ما حدث ~~لك.» # قالت أوليفيا: «لا شيء. لا شيء. أنا كما كنت دائما، كل ما هنالك ~~أنني الليلة انتهيت من الطاعة العمياء وقول «نعم، نعم» لكل شيء، ~~وانتهيت من التظاهر الدائم، حتى نتمكن جميعا ms028 هنا من الاستمرار في ~~العيش بهدوء في حلمنا ... مؤمنين دوما بأننا أعلى شأنا من أي شخص يعيش ~~على هذه الكرة الأرضية، وأنه بسبب كوننا أغنياء فنحن أصحاب نفوذ ~~وأبرار، وأنه بسبب ... أوه، لا جدوى من الكلام ... أنا تماما كما كنت ~~دائما، كل ما هنالك أنني الليلة جاهرت بمكنون صدري. جميعنا هنا نعيش ~~في حلم ... حلم سيتحول يوما ما إلى كابوس. عندها ماذا سنفعل؟ ماذا ~~ستفعل أنت ... والعمة كاسي والباقون؟» # في غمرة انفعالها توردت وجنتاها ونهضت فجأة، بقامتها الطويلة ~~وجمالها، متكئة على رف المدفأة؛ لكن زوجها لم ينتبه إليها. بدا ~~شاردا في تفكير عميق، واتخذت ملامح وجهه تعبيرا يدل على التركيز ~~بتجهم. # بعد قليل قال: «أعلم ما حدث. إنها سابين. ما كان ينبغي أن تعود إلى ~~هنا أبدا. دائما ما كانت هكذا ... تثير المتاعب ... حتى عندما كانت طفلة ~~صغيرة. لقد اعتادت على مقاطعتنا أثناء اللعب بقولها: «لن ألعب لعبة ~~البيت. من يمكن أن يتصف بالحماقة لدرجة التظاهر بأن المياه الموحلة ~~أرجوانية داكنة! إنها لعبة سخيفة.»» ~~«هل تقصد أنها تقول ذلك مرة أخرى الآن ... إنها لعبة سخيفة أن نتظاهر ~~بأن المياه الموحلة أرجوانية داكنة!» # أشاح بوجهه دون إجابة، وبدأ مرة أخرى يسير فوق الورود الكبيرة ~~الباهتة المرسومة على السجادة الفيكتورية الطراز. بعدها قال: «لا أعرف ~~ما الذي تلمحين إليه. كل ما أعرفه أن سابين ... امرأة شريرة.» ~~«هل تكره سابين لأنها صديقة لي؟» # لقد لاحظت على مدار سنوات عديدة أنه يكره صديقاتها، ويدبر لأن ~~يتخلص منهن بطريقة ما، وأن يمنعها من رؤيتهن، ويجبرها على حضور ~~حفلات العشاء الكثيرة التي تقام بمنازل الرجال الذين يعتبرهم موضع ~~ثقة، الرجال الذين درسوا بنفس كليته وينتمون إلى ناديه، الرجال الذين ~~لن يفعلوا أبدا أي شيء غير متوقع. وفي النهاية، كانت تفعل دائما ~~ما يريده منها. ربما كان ذلك تعبيرا عن استيائه من كل أولئك الذين لم ~~يكن يستطيع فهمهم بل وحتى (كما ظنت) كان يخشاهم قليلا؛ تصرف رجل ~~لن يسمح للآخرين بالاستمتاع بما لا يمكنه أن يستحوذ ms029 عليه. كانت هذه ~~المرة الأولى التي تتحدث فيها عن هذا المسلك الذي يماثل المثل ~~الشهير عن الكلب في المذود الذي يرفض أن تأكل الخيل القش الذي لا ~~يمكنه هو أن يأكله، لكنها وجدت نفسها غير قادرة على التزام الصمت أكثر ~~من ذلك. شعرت وكأن قوة خارجية قد استحوذت على جسدها. كان لديها إحساس ~~غريب بالخزي في نفس اللحظة التي تحدثت فيها، بالخجل من صوتها، الذي كان ~~متوترا وهيستريا قليلا. # وكان هناك شيء غريب أيضا في مشهد آنسون وهو يتحرك جيئة وذهابا ~~في الغرفة القديمة المليئة بالهدايا التذكارية الدالة على ذلك ~~الوقار المتفسخ الذي يحيط به نفسه ... بخطوات تنطوي على الخيلاء ~~يبدو فيها كل إجحافه، ومظانه وخرافاته. والآن كانت أوليفيا قد ~~أزاحت الستار عن الحقيقة بمنتهى القسوة مسلطة الضوء ~~عليها. # قال بمرارة: «يا لسخافة ما تقولين!» # تنهدت أوليفيا. وقالت: «كلا، لا أظن أن كلامي سخيف ... أظن أنك ~~تعرف بالضبط ما أقصده.» (كانت على دراية تامة بالحيلة التي تمارسها ~~العائلة، المتمثلة في التظاهر بعدم فهم أي عبارة صادقة ومزعجة ~~بالنسبة إليهم.) # لكنه رفض الرد على قولها هذا أيضا. وبدلا من ذلك، التفت إليها، ~~أكثر شراسة وانفعالا مما رأته في أي وقت مضى، وثائرا جدا لدرجة ~~أنه بدا للحظة وكأنه يتمتع بوميض باهت من القوة والكرامة. قال: ~~«ولا يعجبني المظهر الغريب لابنتها، التي جابت معها العالم وملأت ~~عقلها بالأفكار الهمجية.» # عند النظر إليه وسماع نبرة صوته خطرت لأوليفيا فكرة مفاجئة فسرت ~~مسار محادثتهما بأكمله، بل وفسرت في الواقع كل السنوات التي قضتها ~~هنا في منزل عائلة بينتلاند أو في المنزل الحجري الضخم البني اللون في ~~شارع بيكون ستريت. عرفت فجأة ماهية ما أخاف آنسون والعمة كاسي وعالم ~~العائلة المعقد بأكمله. كانوا يخشون أن تنهار أسس وركائز وجودهم ~~تاركة إياهم بلا حول ولا قوة، وينكشف كبرياؤهم وغرورهم، ويجردوا ~~من كل القوانين وأشكال الإجحاف التي ابتدعوها لحماية أنفسهم. ولهذا ~~السبب كرهوا أوهارا، الرجل الأيرلندي، الذي يتبع الكنيسة الكاثوليكية ~~الرومانية. فقد كان يهدد أمنهم. وكان انكشافهم ms030 هكذا سيكون كارثة، ~~لأنه في أي عالم آخر باستثناء عالمهم، في عالم يقفون فيه دون حماية ~~كل تلك الأموال الموجودة في صناديق ائتمانية مستقرة، لن يكون لهم ~~أي وجود على الإطلاق. سيظهرون فجأة على حقيقتهم. # رأت كل ذلك، لأول مرة، بمنتهى الوضوح، وقالت بهدوء: «أظن أنك تكره ~~تيريز لأسباب فيها ظلم للفتاة. إنك لا تثق بها لأنها مختلفة عن ~~الأخريات ... عن نوعية الفتيات اللاتي تمرست على الاعتقاد بأنهن ~~كاملات. يعلم الرب أنه يوجد ما يكفي منهن هنا ... فتيات متشابهات ~~كأنهن نسخ مكررة بعضهن من بعض.» ~~«وماذا عن هذا الفتى الذي سيأتي للإقامة مع سابين وابنتها ... هذا ~~الفتى الأمريكي الذي يحمل اسما فرنسيا ولم ير بلاده قط حتى الآن؟ ~~أظن أنه سيكون غريبا مثل الآخرين كلهم. من الذي يعرف أي شيء ~~عنه؟» # قالت أوليفيا: «سابين.» # قاطعها قائلا: «سابين! سابين! وهل تهتم بمن هو أو من أين أتى؟ ~~لقد طوت صفحة الأشخاص المحترمين منذ زمن بعيد، عندما فرت من هنا ~~وتزوجت ذلك الوغد الغريب. سابين ... سابين لا تفعل شيئا سوى جلب ~~المتاعب لنا ... نحن، العائلة التي تنتمي إليها. إنها تكرهنا ... هي ~~بشق الأنفس تستطيع التحدث معي بطريقة متحضرة.» # ابتسمت أوليفيا بهدوء وألقت بسيجارتها في الرماد أسفل النقش الفولاذي ~~لتوقيع إعلان الاستقلال. بعدها قالت: «بدأت تتفوه بالهراء يا آنسون. ~~دعنا نلتزم بالحقائق، لمرة واحدة. لقد التقيت بالفتى في باريس ... ~~عرفته سيبيل هناك. إنه ذكي ووسيم ويعامل النساء باحترام شديد. لا ~~يزال يوجد قليلات منا ممن يفضلن أن يعاملن هكذا ... كنساء ... ~~قليلات منا حتى هنا في دورهام. بالطبع لا أتصور أنك ستهتم لأمره. ~~فهو لا ينتمي لناديك أو كليتك، وسيرى الحياة بطريقة مختلفة. ولن ~~يقبل أن يلقن آراء جاهزة، معدة في انتظاره.» ~~«إنني أفكر في ابني ... لا أريدهما أن يرتبطا بأي شخص، بأول ~~شخص يطرق بابهما.» # لم تبتسم أوليفيا. أشاحت بوجهها الآن وقالت بهدوء: «إذا كنت تشعر ~~بالقلق على جاك، فلا داعي لذلك بعد الآن. فهو لن يتزوج تيريز. لا ~~أظنك تعلم كم هو ms031 مريض ... أحيانا، أظن أنك لا تعرف أي شيء عنه على ~~الإطلاق.» ~~«أتحدث دوما مع الأطباء.» ~~«إذن عليك أن تدرك مدى سخافة ... الكلام الذي تقوله.» # رد قائلا: «ومع ذلك، ما كان يجب أن تعود سابين إلى هنا ~~أبدا.» # رأت الآن أن الحديث يمضي في مساره العقيم المحتوم، حيث سيستمران في ~~الدوران في حلقة مفرغة، مثل سناجب في قفص، لن تؤدي بهما إلى أي شيء. ~~كان هذا ما حدث مرات عدة. استدارت عازمة على إنهاء هذه المناقشة، ~~واتجهت نحو المدفأة ... وقد عاد إليها شحوبها وأسفل عينيها الداكنتين ~~ظهرت هالات بنفسجية باهتة. كما ظهر عليها الوهن، كما لو أن هذه الروح ~~الغريبة التي تأججت فجأة بداخلها كانت عنيفة جدا ولم يقو جسدها ~~على تحملها. # قالت بصوت خفيض: «آنسون، من فضلك، لنكن عقلانيين. سوف أنظر في ~~علاقة سيبيل وأوهارا هذه وأحاول اكتشاف ما إذا كان أي شيء خطير يحدث. ~~وإذا لزم الأمر، سأتحدث مباشرة إلى كليهما. أنا أيضا لا أوافق على ~~هذه العلاقة، ولكن ليس لنفس السبب. فهو كبير جدا في السن عليها. لن ~~تواجه أي مشاكل. وليس عليك فعل أي شيء ... أما فيما يخص سابين، ~~فسأستمر في رؤيتها بقدر ما أشاء.» # وفي خضم حديثها أصبحت فجأة، وعلى نحو خطر، هادئة بالطريقة التي ~~كانت تزعج أحيانا زوجها والعمة كاسي. تنهدت قليلا، ثم تابعت ~~قائلة: «لقد تحليت، يا آنسون، لسنوات عدة بالطيبة واللطف، والآن، ~~الليلة ... الليلة أشعر أنني لم أعد قادرة على ذلك ... أقول هذا فقط لتعلم ~~أن الحال لا يمكن أن يستمر بهذه الطريقة إلى الأبد.» # التقطت وشاحها، ودون أن تنتظر رده، استدارت واتجهت نحو الباب، ولا ~~يزال يلفها الهدوء المخيف نفسه. وعند مدخل الباب التفتت. ثم قالت: ~~«أظن أنه يمكننا أن نعتبر أن هذه المسألة قد حسمت في الوقت ~~الحالي، أليس كذلك؟» # طوال الوقت كان واقفا هناك يراقبها بعينيه الزرقاوين الباردتين ~~وعلى وجهه نظرة ذهول كما لو كان يرى زوجته لأول مرة بعد كل تلك ~~السنوات؛ ثم ببطء تبددت نظرة الذهول هذه متحولة ms032 إلى نظرة خبث، ~~تكاد أن تكون كراهية، كما لو كان يقول في قرارة نفسه: «إذن هذه هي ~~حقيقتك! وهذا ما كان يجول في ذهنك طوال هذه السنوات، ولم تصبحي ~~واحدة منا مطلقا. بل كنت، طوال الوقت، تشعرين نحونا بالكراهية. ~~لقد كنت دائما غريبة عنا؛ مجرد دخيلة سوقية، من الرعاع.» # استحال لون شفتيه الرفيعتين الممتعضتين إلى اللون الرمادي ~~الشاحب، وعندما تحدث كان ذلك بعصبية، ويشوبه اليأس، مثل حيوان صغير ~~محاصر في زاوية. خرجت الكلمات من بين الشفتين الرفيعتين في سيل ~~جارف وعنيف، مثل اندفاع الفولاذ الساخن إلى حد البياض الذي يتحرر من ~~مرجل ... كلمات منطوقة بنبرة فاترة ومحملة بالكراهية. # قال: «على أي حال، على أي حال لن أسمح بزواج ابنتي من أيرلندي من ~~طبقة متدنية ... فالعائلة بها ما يكفي من أمثاله.» # للحظة تلكأت أوليفيا عند عتبة الباب، وقد اتسعت عيناها الداكنتان ~~في ذهول، وكأنها تجد أنه من المستحيل تصديق ما سمعته. ثم بهدوء ~~وحزن شديد وسكينة في صوتها، تمتمت وكأنها تحدث نفسها: «يا لحقارة ما ~~قلته.» وبعد وقفة قصيرة، قالت، كما لو كانت لا تزال تحدث نفسها: ~~«إذن، هذا ما كنت تفكر فيه على مدار عشرين عاما»، وصمتت مجددا، ثم ~~قالت: «ثمة رد قاس جدا على كلامك هذا ... إنه قاس لدرجة أنني لن ~~أصرح به، لكنني أظن أنك ... أنت والعمة كاسي تعرفان جيدا ما ~~هو.» # صفقت الباب خلفها بسرعة، وتركته هناك، في حالة من الذهول والغضب، ~~وسط كل الهدايا التذكارية الخاصة بعائلة بينتلاند، وببطء، وهي تشعر ~~وكأنها في كابوس، مضت نحو الدرج، مارة بالموكب الطويل من صور ~~أسلاف عائلة بينتلاند - المهاجر صاحب الحانوت، وقاتل الساحرات، ~~والمبشر المحترف، وصاحب السفن الشراعية، والجميلة سافينا بينتلاند - ~~وصعدت السلم المظلم المؤدي إلى الغرفة التي لم يتبعها زوجها ~~إليها منذ أكثر من خمسة عشر عاما. ~~••• # وما إن دخلت غرفتها، حتى أغلقت الباب بهدوء ووقفت في الظلام، تنصت، ~~وتنصت، وتنصت ... في البداية لم يكن هناك أي صوت باستثناء هدير بعيد غير ~~واضح للأمواج المتكسرة وهي تشق طريقها ms033 نحو الكثبان البيضاء، ~~وعواء كلب بيجل آت من بعيد من اتجاه بيوت الكلاب، ثم بعد قليل، سمعت ~~صوتا خافتا لتنفس هادئ وسلس آتيا من الغرفة المجاورة. كان ~~منتظما وسلسا وهادئا، كما لو كان ابنها بقوة أوهارا أو هيجينز أو ~~ذلك الشاب القوي دي سيون الذي التقت به مرة واحدة لمدة قصيرة بمنزل ~~سابين في باريس. # غمرها الصوت بسعادة جامحة، حتى إنها نسيت ما حدث في غرفة الجلوس قبل ~~قليل. وبينما كانت تخلع ثيابها في الظلام، أخذت تتوقف بين الفينة ~~والأخرى، لتنصت مجددا في حالة من التوتر الشديد، كما لو كان ~~باستطاعتها منع الصوت من التلاشي بمجرد أن تتمنى ذلك. لأكثر من ~~ثلاث سنوات لم تدخل هذه الغرفة مرة واحدة دون أن يتملكها الرعب من ~~أنه ربما لا ينتظرها فيها سوى الصمت. وأخيرا، بعد أن أوت إلى ~~سريرها وراحت في النوم، استيقظت فجأة فزعة على صوت آخر، مختلف ~~تماما، صوت صرخة جامحة، شبه بشرية ... متوحشة وشريرة، وتلاها صوت ~~ارتطام حوافر تضرب بوحشية على جدران الإسطبل، ثم صوت هيجينز، مروض ~~الخيول، وهو يصب اللعنات. كانت قد سمعت هذا الصوت من قبل؛ صوت الفرس ~~الشريرة الجميلة الحمراء اللون، المملوكة للعجوز جون بينتلاند، وهي ~~تضرب جدران إسطبلها وتصرخ بشدة. كان ثمة كراهية فائقة ولدود ~~بينها وبين هذا الرجل الغريب الأخرق ... ومع ذلك كان بينهما أيضا نوع ~~من الانجذاب. # وعندما انتصبت جالسة في فراشها، تنصت، وهي لا تزال في حالة ذهول ~~من الصوت الجامح، سمعت ابنها يقول: ~~«أمي، هل أنت هناك؟» # قالت: «أجل.» # نهضت وذهبت للغرفة الأخرى؛ حيث رأت، في الضوء الخافت المنبعث من ~~المصباح، الصبي جالسا في فراشه، وشعره الأشقر أشعث، وعيناه مفتوحتان ~~على اتساعهما وتحدقان قليلا. # همست قائلة: «هل أنت بخير يا جاك؟ هل ثمة خطب ما؟» # رد قائلا: «لا، لا شيء. رأيت حلما مزعجا وبعد ذلك سمعت صوت ~~الفرس الحمراء.» # بدا شاحبا ومريضا، وبرزت العروق الزرقاء على صدغيه؛ لكنها كانت ~~تعرف أنه الآن أقوى مما كان عليه طيلة شهور. كان في الخامسة ms034 عشرة من ~~عمره، لكنه كان يبدو أصغر من ذلك، وكأنه صبي في الثالثة عشرة أو ~~الرابعة عشرة، لكنه بدا، أيضا، كبيرا في السن كدأب أولئك الذين ~~يعانون من مرض مزمن. # سأل قائلا: «هل انتهى الحفل؟ ... هل غادروا جميعهم؟» # قالت: «أجل يا جاك ... سيطلع الصباح قريبا. من الأفضل أن تحاول ~~النوم مرة أخرى.» # استلقى دون أن يرد عليها، وبينما كانت تنحني لتطبع قبلة على ~~جبينه وتتمنى له ليلة طيبة، سمعته يقول بصوت خافت: «ليتني كان بوسعي ~~حضور الحفل.» # ردت قائلة: «يوما ما ستتمكن من حضور الحفل يا جاك - في القريب ~~العاجل. فأنت تزداد قوة يوما بعد يوم.» # مرة أخرى ساد الصمت، بينما أخذت أوليفيا تقول في قرارة نفسها: «إنه ~~يعرف أنني أكذب. يعرف أن ما قلته مناف للحقيقة.» # وجهرا قالت: «ستخلد للنوم الآن ... مثل فتى مطيع.» # قال: «أتمنى أن تحدثيني عن الحفل.» # تنهدت أوليفيا. وقالت: «إذن، لا بد أن أغلق باب غرفة المربية، ~~حتى لا نوقظها.» ثم أغلقت الباب المؤدي إلى الغرفة التي كانت المربية ~~العجوز نائمة فيها، وجلست عند طرف فراش ابنها، وبدأت تسرد على مسامعه ~~شيئا فشيئا، بحرص وبكل ما تمكنت من استحضاره من مهارة، أسماء من ~~حضروا الحفل، وما حدث فيه. أرادت أن تمنحه، هذا الفتى المسكين الذي ~~كانت لديه فرصة ضئيلة للبقاء على قيد الحياة، كل أحاسيس الحياة التي ~~كانت قادرة على استحضارها. # ظلت تتحدث وتتحدث، حتى لاحظت أن الصبي قد راح في النوم، ~~وأن لون السماء فوق الأهوار قد بدأ يتحول إلى الرمادي والوردي ~~والأصفر مع إشراق ضوء النهار. # | الفصل الثالث # 1 # عندما قدمت أوليفيا لأول مرة إلى المنزل العتيق زوجة لآنسون ~~بينتلاند، كانت بلدة دورهام، الواقعة إلى الداخل من منزل آل ~~بينتلاند والبحر، محجوبة عن الأنظار، ومستترة وسط طية من ~~الأرض تحدد البدايات الباهتة لجبال نيو هامبشاير. كان يسود ~~الأجواء المحيطة قدر من السلام والسكينة: إذ كان المرء يعرف أن ~~بين طيات الأرض البعيدة التي يعلوها برج أبيض مستدق الطرف ~~تقبع بلدة هادئة ذات بيوت ms035 خشبية بيضاء اللون مبنية على امتداد ~~شارع واحد يسمى «هاي ستريت» وهو الشارع الرئيسي الذي تظلله ~~صيفا أشجار الدردار العتيقة. في تلك الأيام الخوالي، كان هناك ~~قرية ريفية، شبه ناعسة، تعج بمنازل خاوية منتشرة هنا وهناك ~~تتهالك ببطء - قرية تضاءل عدد سكانها ليصير أقل مما كان ~~عليه قبل مائة عام. وظلت ناعسة وخاملة هكذا لمدة خمسة وسبعين ~~عاما تقريبا، منذ اليوم الذي سلبت فيه من سكانها الشباب ~~الأقوياء على يد مجموعة كبيرة من المواطنين المهاجرين. ووسط ~~الحشائش الكثيفة التي تحيط بالمصلى الكنسي العتيق يوجد لوح ~~رخامي سجل عليه الحدث بنقش نصه: ~~«من هذا المكان، وفي الرابع عشر من أغسطس، عام ألف ~~وثمانمائة وثمانية عشر، خرج القس يوشيا ميلفورد، قس هذه ~~الكنيسة، مع مائة وتسعين فردا من أبرشيته، رجالا ونساء ~~وأطفالا، متحصنين بإيمانهم بالرب القدير، لتنفيذ مشيئته ~~وقدرته في برية المحمية الغربية.» # وتحت النقش حفرت أسماء تلك العائلات التي قطعت الرحلة لتأسيس ~~بلدة جديدة فاقت دورهام الهادئة ثراء ورخاء مئات المرات. ولم ~~يكن اسم بينتلاند بين هذه الأسماء؛ لأن آل بينتلاند كانوا أثرياء ~~حتى في عام ألف وثمانمائة وثمانية عشر، وكانوا يقضون فصل الشتاء ~~في بوسطن وفصل الصيف في دورهام، على الأرض التي سلبها من البرية ~~الرعيل الأول من الأسرة. # ومنذ ذلك اليوم وحتى وصلت الطواحين إلى دورهام، غرقت القرية ~~تدريجيا في حالة من الخمول، وبعد فترة وجيزة انتهت الكنيسة ~~نفسها، بعد أن جردت من سطوتها، وتحولت إلى متحف مترب يمتلئ ~~بالأثاث المنزلي الأمريكي القديم وعجلات الغزل - وهو مكان نادرا ~~ما يزوره أحد ويطليه المجلس البلدي على مضض كل خمس سنوات؛ لأنه ~~كان يشتهر بكونه معلما تاريخيا. وقد تحولت عائلة بينتلاند ~~منذ زمن بعيد إلى عقيدة الموحدين الواهنة أو العقائد الأكثر ~~توافقية وتساهلا الخاصة بالكنيسة الأسقفية الأمريكية. # أما الآن، وبعد ما يقرب من عشرين عاما على مجيء أوليفيا إلى ~~منزل عائلة بينتلاند، عادت القرية مفعمة بالحيوية والنشاط، لدرجة ~~أنها كانت قد تجاوزت بقعتها الصغيرة من الأرض وامتدت على جانب ~~الرابية المتاخم ms036 للبحر، في صفوف مستقيمة منبسطة من البيوت ~~الجصية القبيحة، التي تشغل كل منها أسرة صغيرة من أسر عمال ~~الطواحين البولنديين. وداخل البلدة نفسها، عبر شارع هاي ستريت من ~~أعلى البرج المستدق للمصلى العتيق، ترى كنيسة جديدة، مبنية من ~~الجص والخشب المطلي باللون الأخضر وتابعة لكنيسة روما العظيمة. ~~وفي المنازل الخشبية العتيقة على امتداد شارع هاي ستريت كانت لا ~~تزال توجد بقية باقية من الأسر القديمة ... من أمثال السيدة ~~فيذرستون العجوز، التي اتخذت من الغسيل اليدوي مهنة تعول بها ~~أربعة أحفاد مرضى ما كان ينبغي لهم أن يأتوا إلى هذه الحياة من ~~الأساس؛ والآنسة هادون، وهي امرأة عجوز غريبة الأطوار ترتدي دوما ~~عباءة سوداء وتعيش على إعانة من العجوز جون بينتلاند عليها بصفتها ~~من الأقارب البعيدين للعائلة؛ وهاري بيكهان، نجار القرية؛ والسيدة ~~مالسون العجوز، التي تعيش بمفردها في منزل عتيق رطب وبسيط وجميل ~~يزخر بقطع من اليشم والعاج جلبت من الصين على متن سفن جدها ~~التجارية؛ والآنسة مورجاترويد، التي حولت منذ وقت طويل منزلها ~~الصغير إلى مقهى متهالك. وبقوا متناثرين هنا وهناك، قلة من ~~الأحفاد اللطفاء المعدمين والمساكين المنحدرين من نسل أولئك ~~المستوطنين الأوائل الذين جاءوا إلى البلدة مع آل بينتلاند. # إلا أن الطواحين غيرت كل شيء، تلك الطواحين التي ضخت الثروة ~~في جيوب عشرات العائلات الثرية التي كانت تعيش في فصل الصيف على ~~بعد أميال قليلة من دورهام. # حتى الريف نفسه كان قد تغير. لم يعد أي من أهالي نيو إنجلاند ~~يملكون أراضي. وأحيانا عند التجول عبر الأزقة، كان المرء يصادف ~~واحدا من تلك البقية من ذلك العرق، بوجه طويل وسخيف جالسا على ~~جدار حجري يلوك مضغة عشب؛ ولكن ذلك كان كل شيء؛ فالآخرون كان قد ~~انتهى بهم الحال قبل فترة طويلة في طواحين مدينتي سالم ولين أو ~~غيبهم الموت، نتيجة الإفراط في زواج الأقارب وسوء التغذية. ~~ووقعت القلة المتبقية من المزارع في أيدي البولنديين ~~والتشيكيين، الذين كانوا أناسا يتمتعون بالصلابة والقوة ~~وينقصهم التحضر في ارتباطهم الوثيق بالأرض والحيوانات التي ms037 ~~تحيط بهم، وكانوا يتسمون بقوة الأجساد، ولم يكونوا أخلاقيين ~~جدا، وصنعوا معجزات في أرض منطقة نيو إنجلاند الصخرية القاحلة ~~ووقفوا خلف جدرانهم يحدقون بعيون مفتوحة على اتساعها في الأشخاص ~~العظماء مثل آل بينتلاند وهم يمتطون خيولهم ويرتدون معاطف زهرية ~~اللون وتحيط بهم كلاب صيد الثعالب التي تهتز ذيولها في عصبية. ~~وعادت المزارع القديمة الأخرى، واحدة تلو الأخرى، إلى أحضان البرية ~~بحيث يكون هناك متسع للخيول والكلاب لتلاحق الثعالب وأجولة ~~اليانسون. # لقد تغير كل شيء تغيرا هائلا. ومن النوافذ العليا للمنزل ~~الحجري الضخم المبني على الطراز الجورجي حيث كان يعيش آل ~~بينتلاند، كان بوسع المرء أن يرى سجلا بجميع التغيرات التي ~~حدثت. كانت النوافذ تطل على منظر طبيعي ممتد يتألف من مروج ~~عشبية متواضعة وجدران حجرية، وأجمات من أشجار الصنوبر والبتولا ~~البيضاء، وأهوار، ونهر بني متعرج راكد. وأحيانا في أواخر فصل ~~الخريف كانت الظباء تنزل متجولة من على جبل نيو هامبشاير ~~فتشتت انتباه كلاب الصيد عن الثعالب وتضللها بعيدا بعد الركض ~~وراء طريدة كانت تفوقها سرعة بكثير. # وعلى مسافة أقرب، وعند منعطف النهر، تقع الأرض التي ولدت ~~عليها سابين كاليندار وعاشت فيها حتى صارت امرأة ناضجة - الأرض ~~التي باعتها باستهتار إلى أوهارا، السياسي الأيرلندي والمنتمي ~~إلى الروم الكاثوليك، الذي ظهر من العدم ليستحوذ على الأرض، ويقلم ~~سياجها الشجري، ويصلح جدرانها المتصدعة، ويطلي أبنيتها القديمة ~~ويضع عليها بوابات وأسوارا لامعة وجديدة جدا. وأنجز هذا بدقة ~~بالغة حقا وعلى نحو جيد للغاية لدرجة أن المكان بأكمله كانت به ~~مسحة من التطوير العقاري الذي تتسم به الضواحي. والآن، ها قد ~~عادت سابين لتقضي فصل الصيف في أحد منازله ولتكون ودودا جدا ~~معه على مرأى ومسمع من العمة كاسي وآنسون بينتلاند، وعشرين ممن ~~على شاكلتهما. # كانت أوليفيا تعرف عن ظهر قلب هذا المنظر الطبيعي الشاسع بجماله ~~الكئيب، كل غرس وحجر فيه، من مقلع الحجارة الخطر، الذي تكاد ~~تختفي أطرافه وراء شجيرات عتيقة، إلى أجمة الصنوبر السوداء حيث ~~اكتشف هيجينز قبل يوم أو يومين فقط جراء ms038 ثعالب وليدة. كانت تعرف ~~هذا المنظر الطبيعي في الأيام الغائمة عندما يكون الجو باردا ~~ويبعث على الكآبة، وفي الأيام المشرقة والصافية جدا في نيو ~~إنجلاند حين يبدو كل غصين وكل ورقة محددة المعالم بفعل الضوء، ~~وفي تلك الأيام الباردة الرطبة التي ينتشر فيها ضباب رمادي عبر ~~الأهوار آتيا من البحر ليغلف الريف بأكمله بظلام كئيب. كانت ~~منطقة ريفية قاسية متصلبة ومتحجرة لا تعرف المبالغة في ~~المرح أبدا. # كانت أيضا منطقة ريفية، تمنحها شعورا مزمنا بالوحدة ... وهو ~~شعور بدا على نحو غريب جدا أنه يزداد ولا يقل أبدا بمرور ~~السنين. لم تكن قد تعودت مطلقا على الكآبة المتقطعة لتلك المنطقة. ~~في البداية، منذ فترة طويلة، بدت لها المنطقة مكانا غضا وهادئا ~~ويمتلئ بالسكينة، مكانا ربما تجد فيه الراحة والسكينة ... ولكنها ~~صارت منذ فترة طويلة تراه على حقيقته، كما كانت تراه سابين حين ~~وقفت في نافذة غرفة المكتب، وقد انتابها الخوف من الظهور المفاجئ ~~والغريب لسائس الخيل الضئيل البنية - منطقة ريفية جميلة وقاسية ~~وباردة وجدباء قليلا. # 2 # مرت على أوليفيا أوقات بدا فيها أن ذكريات صباها تزداد وضوحا ~~فجأة وتنقض عليها، بحيث تطغى على كل إحساس بالحاضر، أوقات أرادت ~~فيها فجأة وبقوة أن تعود إلى الماضي البعيد الذي كان قد بدا ~~حينئذ تعيسا؛ وكانت هذه الأوقات هي الأوقات التي شعرت فيها بأشد ~~درجات الوحدة، الأوقات التي علمت فيها أنها مع مرور السنوات كانت ~~قد انطوت على نفسها تماما؛ كانت تحمي نفسها مثلما تفعل السلحفاة ~~حين تسحب رأسها إلى داخل صدفتها. وفي الوقت نفسه، رغم ~~الابتسامات والمجاملات واللطف المبالغ فيه، كانت تشعر بأنها ~~حقا غريبة داخل منزل عائلة بينتلاند، وبأنه توجد جدران وحواجز ~~لا تستطيع أبدا أن تهدمها، ولا تستطيع مطلقا أن تتعداها ~~وتخترقها، معتقدات يستحيل عليها أن تؤمن بها. # كان من الصعب عليها الآن أن تتذكر بوضوح شديد ما حدث لها قبل ~~أن تأتي إلى دورهام؛ إذ بدا كل شيء مفقودا ومشوشا ومتواريا ~~تحت وطأة إخلاصها لمنزل عائلة بينتلاند الشاسع. كانت قد ms039 نسيت ~~أسماء الأشخاص والأماكن واختلطت عليها الأيام والسنون. وأحيانا ~~كان يصعب عليها أن تتذكر الرحلات البحرية المربكة المتكررة ~~عبر المحيط الأطلنطي ذهابا وإيابا والفنادق الشاسعة والموحشة ~~والفسيحة التي تعاقبت صورها واحدة تلو الأخرى في سلسلة أحداث ~~طفولتها الكئيبة وغير الواقعية. # كان بإمكانها أن تتذكر بوضوح مثير للشفقة عامين سعيدين ~~قضتهما في المدرسة ببلدة سان كلود الفرنسية، حيث عاشت لشهور ~~متصلة في غرفة منفردة ربما تستطيع أن تطلق عليها غرفتها ~~الخاصة، حيث كانت تستريح، وتتحرر من الخوف الذي كان يعتريها حين ~~تسمع والدتها تقول: «يجب أن نحزم أمتعتنا اليوم. سنغادر غدا إلى ~~سانت بطرسبرج أو لندن أو سان ريمو أو القاهرة ...» # ولا تكاد تتذكر المنزل الحجري الضخم بأحجاره البنية ~~الداكنة المزود بأبراج وشرفات رائعة تطل على بحيرة مشيجان. ~~لقد بيع وتهدم قبل فترة طويلة، وتدمر مثل كل شيء كان ينتمي ~~إلى الماضي البعيد. عجزت عن تذكر الأب الذي توفي وهي في الثالثة ~~من عمرها؛ ولكن بقيت منه على الأقل صورة فوتوغرافية مصفرة لرجل ~~عظيم وسيم مفتول العضلات ذي وجه أسكتلندي-أيرلندي مرح، كان قد ~~توفي في اللحظة التي صار فيها اسمه شهيرا في كل مكان باعتباره ~~ذا نفوذ في واشنطن. كلا، لم يبق منه شيء سوى صورة فوتوغرافية ~~قديمة، والابتسامة الباهتة الهزيلة الساخرة التي ورثتها عنه، ~~والطريقة التي تقول بها بلطف: «أجل! أجل!» حين كانت تنوي التصرف ~~بطريقة مناقضة تماما. # كانت تمر عليها أوقات تصير فيها ذكرى أمها مبهمة وعجيبة، ~~كما لو أنها لم تكن سوى شكل يطل من صورة غريبة ملتقطة في أوائل ~~القرن العشرين ... شكل لامرأة جميلة، ترتدي ملابس أنيقة تنسدل من ~~كلا الاتجاهين على خصر نحيل جدا. كانت مثل شكل يخرج من إحدى ~~تلك الصور الفوتوغرافية القديمة التي يتطلع إليها المرء في حالة ~~من الاستمتاع المقبض. تذكرت امرأة جميلة مغرورة أنانية، مولعة ~~بالإطراء، كانت على قدر كاف من الفطنة التي تحول بينها وبين ~~الزواج من واحد من أولئك النبلاء البواسل السمر ذوي الألقاب ~~الرنانة الذين كانوا يأتون لزيارتها في ms040 غرفة استقبال الفندق التي ~~لم يكن يطالها تغيير أبدا، لاصطحابها إلى حفلات الحدائق ~~والمهرجانات والسباقات. ودوما في خلفية الذكريات كانت ثمة صورة ~~لفتاة صغيرة كئيبة، تغمرها الوحدة والتوق إلى الأصدقاء، تركت ~~بمفردها لتسلي نفسها بالخروج مع المربية السويسرية، وتكوين ~~صداقات مع الأطفال الذين كانت تلتقي بهم في المتنزهات أو الشواطئ ~~وفي شوارع المدينة الأوروبية التي كانت أمها تزورها في تلك اللحظة ~~... أصدقاء كانت تراهم اليوم ويختفون في الغد ولا تراهم ثانية ~~مطلقا. ولاحظت الآن أن أمها كانت تنتمي إلى أمريكا تسعينيات ~~القرن التاسع عشر. لم تكن الآن تراها شخصية حقيقية وإنما شخصية ~~خرجت من إحدى روايات السيدة وارتون. # لكنها لم تكن قد تزوجت ثانية قط؛ إذ كانت قد ظلت السيدة ~~ماكونيل الجميلة الثرية من مدينة شيكاغو حتى ذلك اليوم المأساوي ~~(أوضح ذكرى من ذكريات أوليفيا كلها وأفظعها على الإطلاق) حين ~~وافتها المنية فجأة إثر إصابتها بالحمى في قرية إيطالية نائية ~~وحقيرة، ولم يكن معها ليعتني بها أحد سوى ابنتها (فتاة ذات سبعة ~~عشر ربيعا) ومعالج محتال وسائق سيارتها الروسي. # ووصل سيل الذكريات المشوشة وغير المبهجة على الإطلاق إلى ~~الذروة في منزل كئيب مبني من الطوب الأحمر مطل على ميدان ~~واشنطن سكوير، حيث كانت قد ذهبت إلى هناك بصفتها فتاة يتيمة لتعيش ~~في كنف خالة صارمة وقاسية كانت تؤمن بأن العالم كله يتمحور ~~حول بلدة لينوكس، ووادي نهر هدسون، وميدان واشنطن سكوير - خالة لم ~~تكن قد تحدثت مطلقا مع والد أوليفيا، لأنها، مثل آنسون والعمة ~~كاسي، كانت متحاملة على الرجال الأيرلنديين الذين يظهرون فجأة ~~من العدم، وينخرطون في الحياة، ويتمتعون بالحيوية والنشاط والروح ~~المعنوية المرتفعة. # هكذا، في سن الثامنة عشرة وجدت نفسها وحيدة في هذه الدنيا ~~إلا من خالة قاسية الطبع، بلا أصدقاء باستثناء أولئك الذين كانت قد ~~تعرفت عليهم وهي طفلة على الشواطئ وفي المتنزهات، والذين لم ~~يعد بوسعها أن تتذكر أسماءهم. وكان العالم الثابت الوحيد الذي ~~عرفته هو عالم الخالة التي كانت تتحدث بلا انقطاع عن روعة ~~مدينة نيويورك ms041 الفخمة التي كانت تفوح منها رائحة الكافور والتي لم ~~يعد لها وجود. # الآن، كانت أوليفيا ترى كل شيء بوضوح. أدركت السبب الذي ~~جعلها ترى آنسون بينتلاند، حين جاء لزيارة خالتها ذات ليلة، ~~رجلا أنيقا ومذهلا، ولحضوره على العشاء القدرة على تحويل غرفة ~~الطعام المصنوعة من خشب الجوز وخشب الماهوجني إلى مكان رائع. كان ~~من نوعية الرجال الذين تصفهم الفتيات ب «رجل أكبر سنا»، وكان ~~يتملقها بأدبه واهتمامه. كان قد اصطحبها، برفقة الخالة، لمشاهدة ~~عرض مسرحي لفرقة «المدينة»، وهو لا يدري أن عدم الاحتشام الذي ~~سيتكشف هناك سيجبرهم على الرحيل قبل انتهاء المسرحية. وخرجوا في ~~أمسية أحد أيام الخميس (استطاعت حتى أن تتذكر اليوم بعينه) وما ~~زالت تبتسم عندما تتذكر اعتقادهم بأن فتاة قضت حياتها كلها ~~في أروقة الفنادق الأوروبية لا ينبغي أن تعرف ما الذي كانت تدور ~~حوله المسرحية. # ثم انتهى الأمر بدعوتها إلى زيارة إلى منزل عائلة بينتلاند ... إلى ~~منزل عائلة بينتلاند، حيث وجدت عالما لم تكن قد عرفته من قبل ~~قط، عالما غضا وهادئا وآمنا؛ حيث تعامل معها الجميع بلطف ~~مبالغ فيه لأسباب لم تعرفها إلا بعد فترة طويلة. ولم يخبروها ~~أبدا بالحقيقة بخصوص والدة آنسون، المرأة العجوز التي تعيش في ~~عزلة بالجناح الشمالي من المنزل. قالوا إنها كانت مريضة جدا في ~~الوقت الحالي ولا تقوى على مقابلة أي أحد. في ذلك اليوم البعيد ~~بدا منزل عائلة بينتلاند، للفتاة المرهقة العديمة الأصدقاء، مثل ~~فراش أخضر فسيح ووثير يمكنها أن تلقي بنفسها عليه وتستريح إلى ~~الأبد، عالم يمكنها فيه أن تكون صداقات وترسي جذورا من ~~شأنها أن تشعرها بالأمان على الدوام. لفتاة اعتادت الإقامة في ~~الفنادق، كان منزل عائلة بينتلاند جنة؛ لذا حين طلب آنسون ~~بينتلاند يدها للزواج، وافقت عليه لأنها لم تجده منفرا ~~حقا. # والآن، وبعد مرور كل هذه السنين، عاد الربيع من جديد ... كان ~~الربيع هو الوقت الذي أتت فيه إلى منزل عائلة بينتلاند لأول مرة، ~~والآن بلغت التاسعة والثلاثين من عمرها ولا تزال شابة؛ بيد أن ms042 ~~كل شيء قد تغير. ~~••• # شيئا فشيئا، في السنوات التي أعقبت ولادة سيبيل ثم جاك، اتخذت ~~الصورة الإجمالية للحياة مع عائلة بينتلاند والمنزل الحجري البني ~~اللون في شارع بيكون ستريت نمطا معينا، تشكلت من الانطباعات ~~الأولى المشوشة والمبهمة؛ بحيث أنها، عند استرجاعها للذكريات، ~~بدأت تدريجيا تفهم الأمر بوضوح بالغ نابع من تحررها من ~~الوهم. # رأت نفسها شابة خجولة عاملها الجميع بلطف مبالغ فيه لأنه ~~من الضروري جدا لآنسون أن يجد زوجة وينجب وريثا ... آنسون آخر ~~نسل الذكور لعائلة عريقة مثل عائلة بينتلاند. (عائلة بينتلاند ~~ومستعمرة خليج ماساتشوستس.) رأت نفسها كما لا بد وأنهم قد رأوها ~~... شابة جميلة، أسرتها معاملتهم اللطيفة، غريبة على عالمهم ~~ولكنها كانت على الأقل جذابة وراقية وثرية جدا. (عرفت الآن إلى ~~أي مدى كان المال حتما مهما عند العمة كاسي.) ورأت آنسون ~~الآن، عبر كل هذه السنوات، ليس على هيئة أمير وسيم جاء لينقذها من ~~يد خالتها الغولة، وإنما على حقيقته ... رجلا يعاني من فقر دم، ~~تجاوز الثلاثين من عمره، ويمتلك لباقة رائعة. (كانت ثمة سخرية ~~مريرة في ذكريات محاولاته المترددة للتقرب منها، والنفور الذي ~~تناول به تفاصيل الزواج ... سخرية لم تفهمها فهما كاملا إلا بعد أن ~~تقدمت في العمر وصارت أكثر وعيا بدروب الحياة.) مسترجعة ~~الذكريات، رأته رجلا حاول مرارا وتكرارا أن يتزوج من شابات ~~عرفهن طوال حياته وفشل في الاقتران بهن لأنه بشكل أو آخر كان قد ~~اكتسب سمعة غامضة بأنه ممل ... شابا، لو أنه كان قد ترك وشأنه، ~~ما كان ليتقرب أبدا من أي امرأة، ولذهب إلى قبره أعزب بتولا ~~كما جاء إلى الدنيا. # وأدركت الآن أنه لم يحبها قط ولو بأدنى قدر. تزوجها فقط ~~لأنه لم يسلم من الآخرين، الأحياء وكذلك الأموات، الذين بدوا على ~~نحو غريب وكأنهم هم أيضا أحياء في منزل عائلة بينتلاند. كان من ~~تزوجوها هم العمة كاسي والآنسة بيفي المسكينة السخيفة والعجوز ~~جون بينتلاند ذو النفوذ وأبناء العمومة وأولئك الأموات المعلقة ~~صورهم في صفوف منمقة في الردهة. لم يكن آنسون ms043 سوى أداة في ~~أيديهم؛ وحتى في أكثر اللحظات مرارة كانت تشعر على نحو غريب ~~بالأسف لحاله؛ لأن حياته، هو الآخر، كانت قد دمرت ~~بأكملها. # وهكذا، شيئا فشيئا عبر كل تلك السنوات الطويلة، تحولت ~~أوليفيا ماكونيل الجميلة الخجولة والمجهولة - التي كان والدها ~~سياسيا من مدينة شيكاجو ينتمي إلى الحزب الديمقراطي - إلى هذه ~~المرأة الذاهلة، وأحيانا التعيسة، الدخيلة التي صارت بطريقة ~~غامضة السند الذي يستمد منه الجميع القوة. ~~••• # كانت السعادة تغمرها الآن لأنها تجرأت أخيرا وواجهت آنسون ~~وكل أولئك الذين كانوا يقفون خلفه في غرفة الجلوس، الأحياء منهم ~~والأموات، يحدقون من فوق كتفه، ويشجعونه. كان النقاش البغيض قد ~~أدى إلى تنقية الأجواء قليلا، رغم أنه جرحها. كان قد كشف النقاب ~~لثانية عن الحقيقة التي كانت تسعى إليها لزمن طويل جدا. كان ~~آنسون محقا بشأن سابين؛ ففي الهواء الطلق الصافي لصباح ذلك ~~اليوم في نيو إنجلاند أدركت أن شعورها بالقرب من سابين هو ما ~~منحها القوة لتكون بغيضة. لقد عرفت سابين العالم الكبير، مثلما ~~عرفته هي؛ ومن ثم كان بوسعها أن ترى عالمهم هنا في دورهام بوضوح ~~لم يحققه الآخرون مطلقا. كانت قوية أيضا بمعرفتها أنه مهما ~~حدث، كانت هي (أوليفيا) الشخص الوحيد الذي لم يكن بوسعهم تحمل ~~خسارته؛ لأنهم صاروا يعتمدون عليها منذ فترة طويلة ~~جدا. # ولكنها كانت مجروحة. ظلت تفكر مرارا وتكرارا فيما قاله ~~آنسون ... «على أي حال، لن أسمح بزواج ابنتي من أيرلندي من طبقة ~~متدنية. فالعائلة بها ما يكفي من أمثاله.» # كانت تعرف أن آنسون سيشعر بالخجل مما قاله، ولكنها كانت تعرف، ~~أيضا، أنه سيتظاهر بأن شيئا لم يحدث، وبأنه لم يقل هذا ~~الكلام مطلقا؛ لأنه كان تصرفا غير لائق برجل نبيل ينتمي إلى ~~عائلة بينتلاند. سيتظاهر، كما كان يفعل دوما، بأن الواقعة لم ~~تحدث مطلقا. # وعندما تحدث بهذه الطريقة، كان يقصد أنه حري بها أن تكون ~~ممتنة لأنهم سمحوا لها بالزواج من فرد من عائلة بينتلاند. كان ~~شيء ما دفينا داخلهم جميعا، قناعة كانت جزءا من تكوينهم ذاته ms044 ، ~~جعلتهم واثقين من هذه المزية. ولامرأة مثلها عرفت أكثر مما عرف ~~العالم من حولها، ورأت من الحقيقة أكثر مما رأى أي منهم، كان رد ~~واحد فقط، سينتزع منها بحدة مأساوية ... «أوه، يا إلهي! ...» # 3 # كانت غرفة الطعام فسيحة ومربعة الشكل، وإذ كانت قد جددت ~~في فترة لاحقة على بقية المنزل، كانت مصنوعة من خشب الماهوجني ~~الثقيل، ووضعت في المنتصف طاولة كبيرة لامعة كان الجالسون عليها ~~يظلون محافظين على تباعدهم بعضهم عن بعض حفاظا على الرسميات، ~~حتى مع تصغير محيطها لأقصى قدر ممكن. # كانت تلك الطاولة تستخدم كثيرا؛ لأنه منذ أعاقت الظروف جون ~~بينتلاند عن الخروج إلى العالم الخارجي، كان يأتي بجزء منه إلى ~~بيته بحفاوة ومودة أزعجتا أخته كاسي إلى حد ما. كانت، مثل أغلب ~~أفراد الأسرة، لا تهتم بالطعام اهتماما كبيرا، وتنظر إليه ~~باعتباره ضرورة فحسب. وفيما يخص ذوقها في الطعام، كانت ترى ~~البرقوق المجفف بنفس أهمية طعام فاخر مثل الكمأة. وسرا في ~~منزلها، يدفعها ولعها بالادخار، كثيرا ما كانت تسد رمقها ~~بلقيمات من صوان الطعام، ولكن في أوقات كهذه كانت الآنسة ~~بيفي، التي كانت مع بساطتها نبيلة المحتد، تعاني بشدة. كانت ~~عبارة «الوجبة السريعة» قولا متكررا على لسان العمة كاسي؛ ومن ~~ثم كانت تمتعض من الطعام الغني المذاق الذي كان يتناوله العجوز ~~جون بينتلاند وكنته، أوليفيا. # ومع ذلك، تناولت الكثير من الوجبات الرائعة على المائدة المصنوعة ~~من خشب الماهوجني، بل واستطاعت أن تجلس عليها الآنسة بيفي، ~~بجسدها الممتلئ، التي كان جون العجوز يكره ضحكتها السخيفة ~~وتكرارها بخنوع لآراء أخته. # لم يتناول آنسون الغداء في المنزل قط؛ لأنه كان يذهب إلى بوسطن ~~كل يوم في التاسعة صباحا، مثل رجل أعمال، لديه الكثير من الشئون ~~التي عليه أن يتولاها. كان لديه مكتب في شارع ووتر ستريت وكان ~~يذهب إليه بانتظام حماسي، ويقضي النهار في توافه الأمور الخاصة ~~بلجان وجمعيات النادي لتحسين هذا الشأن أو ذاك؛ إذ كان رجلا ~~يحصن روحه بترتيب حياة الآخرين. كان رئيس لجنة «تنقذ» الشابات ~~اللاتي يقعن ms045 في مشكلات، ويساهم بقدر ما يمكنه أن يخرجه من دخله ~~الضئيل جدا في أنشطة جمعية الرقابة على الكتب والفنون. وكان يقضي ~~جل يومه في مراسلة علماء الأنساب بخصوص موضوع كتابه «عائلة ~~بينتلاند ومستعمرة خليج ماساتشوستس». ولم يجن في سنة كاملة ~~ما يكفي لدفع إيجار المكتب لشهر واحد، ومع ذلك كان لا يطيق حالات ~~الفقر والإملاق الكثيرة التي تبلغ إلى علمه. وقد كانت أسهم ~~وسندات ملكية آل بينتلاند محفوظة بعناية بعيدا عن متناول يده، ~~وكان من فعل ذلك هو أبوه الذي كان يرتاب في تلك الأنشطة التي كان ~~آنسون يمارسها، والآن وقد شارف آنسون على الخمسين من عمره، لم يكن ~~لديه سوى دخل ضئيل تركه له جده ومصروف شخصي، يدفعه له والده ~~شهريا، كما لو كان لا يزال شابا يدرس في الكلية. # وهكذا عندما نزلت أوليفيا لتناول الغداء في اليوم التالي للحفل ~~الراقص، لم تكن مضطرة إلى مواجهة آنسون وشعوره بالخجل من مشهد ~~المواجهة في الليلة السابقة. لم يكن موجودا أحد سوى الجد وسيبيل ~~وجاك، الذي كان في حالة صحية تسمح بنزوله. # جلس الرجل المسن على رأس المائدة، في الموضع الذي لم يتنازل عنه ~~أبدا باعتباره الديكتاتور، زعيم الأسرة بأكملها. كان طويل القامة ~~وقوي البنية، وقد ازداد صلابة بفعل التعرض لمختلف الأجواء ~~المناخية عبر السنوات التي عاشها في الريف، ممتطيا الخيول يوما ~~بعد يوم تحت الأمطار والعواصف الثلجية، وتحت أشعة الشمس وفي أجواء ~~عاصفة، كما لو كان يشتهي بطبعه حياة الجلد والمشقة التي عاشها ~~أوائل عائلة بينتلاند حين جاءوا إلى دورهام. كان يمتطي دوما ~~الفرس الحمراء الجميلة المتوحشة الجامحة ... وكان رجل مسن صارم ~~مثله لائقا بهذه الفرس المشهورة بحدة الطبع. كان يشبه أخته كاسي ~~من حيث المظهر- فقد ظهر أحد أسلاف بينتلاند السود على نحو غامض ~~في سلالة العائلة قبل مائة عام تقريبا، وكانت له عينان سوداوان ~~متقدتان تبرزان أسفل حاجبين كثين ... وكان رجلا مختلفا ~~عن ابنه من حيث المظهر الخارجي والقوة الجسدية بقدر ما يمكن ~~تخيله. (إذ إن آنسون كان نموذجا ms046 لرجال بينتلاند؛ أشقر، ذا عينين ~~زرقاوين مستديرتين وتميل بشرته إلى الاحمرار في حال تمتعه ~~بالصحة.) كان المرء يقف في إجلال بحضرة الرجل المسن: كان ثمة ~~تجهم واضح على الوجه الصلب والملامح القاسية والشفتين ~~المتصلبتين، ومسحة استنكار غريب وغامض يتعذر على المرء معرفة ~~مصدرها أو تحليل أسبابها. # كان ملتزما الصمت اليوم، تنتابه إحدى الحالات المزاجية الكئيبة ~~التي كانت أوليفيا تعرف جيدا منها أنه مغتم. كانت تعرف أن الأمر ~~هذه المرة لم تكن له علاقة بمرض جاك؛ لأن الصبي كان جالسا ~~قبالتهم، ويبدو أقوى مما كان عليه طيلة أشهر ... أشقر وشاحبا ~~ونحيفا، والعروق الزرقاء بارزة في معصميه المثيرين للشفقة ~~وصدغيه النحيفين الجميلين. # اجتازت أوليفيا أوقاتا عصيبة بسبب مرض جاك، وكانت تعيش هذه ~~الأوقات دوما مع جون بينتلاند، ولذلك نشأ بينهما - الأم والجد - ~~شعور بالتفاهم يتجاوز الحاجة إلى الكلام. كانا قد قضيا معا ~~ليالي كثيرة جدا بجوار الصبي، يبقيانه على قيد الحياة بقوة ~~إرادتهما الموحدة، مرغمين إياه على العيش، والتمسك بالحياة، ~~حينما كان من شأنه أن يستسلم للموت ويلفظ أنفاسه الأخيرة بكل ~~سهولة. تعاونا معا للإبقاء على حياته؛ لأنهما أحباه ولأنه ~~كان آخر الأبناء الذكور في العائلة. # أحيانا كانت أوليفيا تشعر بأن سيبيل، هي الأخرى، لعبت دورا ~~في الصراع المتواصل مع الموت. مثل جدها، لم تكن الفتاة تتحدث ~~مطلقا عن هذه الأشياء، ولكن كان بوسع المرء أن يستقرئها في ~~الأعماق المضطربة لعينيها البنفسجيتين. كان ذلك الصراع الطويل ~~المرهق أحد المآسي التي لم يكونوا يتحدثون عنها مطلقا في منزل ~~عائلة بينتلاند، تاركين إياه مطمورا في الصمت. وكنت تجد أحدهم ~~يقول: «يبدو جاك في صحة جيدة اليوم»، ثم يردف مبتسما: «لعل ~~الأطباء مخطئون.» كانت سيبيل تراقب شقيقها في تلك اللحظة، بتلك ~~الطريقة الهادئة والغامضة، تراقبه بحذر لئلا يكتشف أنها ~~تراقبه؛ لأنه كان يكتشف المتاعب بسهولة، بهذا النوع من الكياسة ~~التي يتحلى بها الأشخاص الذين يعانون من المرض على ~~الدوام. # كاد الحديث أن يكون منعدما بينهم أثناء تناول الغداء. كانت ~~سيبيل تخطط لاصطحاب شقيقها في العربة ms047 التي تجرها الخيول في جولة ~~عبر المزرعة ومنها إلى كثبان الرمال البيضاء. # قالت: «سيذهب هيجينز معنا. سيرينا جراء الثعالب الوليدة في ~~الأجمة السوداء.» # وقال جاك: «إنه شيء غريب بخصوص هيجينز. فهو دوما يكتشف هذه ~~الأشياء قبل أي شخص آخر. إنه يعرف متي يكون اليوم مناسبا لصيد ~~السمك ومتى ستمطر. وهو لا يخطئ أبدا.» # قال الجد فجأة: «أجل ... إنه لشيء غريب. إنه لا يخطئ أبدا ... على ~~الأقل طوال السنوات التي عرفته فيها.» # وكانت هذه هي المرة الوحيدة التي قال فيها أي شيء أثناء تناول ~~الطعام، وحاولت أوليفيا ملء الفراغات في الحديث، لكنها وجدت ~~الأمر صعبا، بوجود الصبي جالسا قبالتها وقد بدا عليه الشحوب ~~والمرض الشديدين. أحيانا كان يخيل إليها أنه لم يولد قط، ~~وأنه ظل على الدوام بطريقة أو أخرى جزءا منها. وعندما يكون ~~بعيدا عن ناظريها، لم تكن تعرف للراحة سبيلا لأنه كان يستحوذ ~~عليها دوما شعور بالرعب من أنها ربما لن تراه ثانية أبدا. وكانت ~~تعرف أن بداخل ذلك الجسد الضعيف روح، شعلة متأججة، ~~متحدرة من الرجل المسن ومنها هي نفسها، تتقد برغبة ~~متحمسة للحياة ولركوب الخيل والسباحة والركض عبر المروج المفتوحة ~~... شعلة يجب إخمادها دوما. ليته كان مثل أبيه، آنسون، الذي لم ~~يعرف أبدا هذا التعطش للحياة ... # تحدث الرجل المسن قائلا: «عزيزتي أوليفيا ... هلا شربت قهوتك ~~معي في المكتبة؟ ثمة شيء أريد أن أناقشه معك.» # حينئذ عرفت. لقد كانت محقة. كان ثمة شيء يكدره. كان دوما ~~يقول الشيء نفسه كلما واجهته مشكلة عويصة للغاية تعجز كتفاه ~~الهرمتان عن حملها. كان يقول دوما في مثل هذه الظروف: «عزيزتي ~~أوليفيا ... هلا أتيت إلى المكتبة؟» لم يستدع مطلقا ابنه، أو ~~أخته كاسي ... لا أحد سوى أوليفيا. كانا يتشاركان فيما بينهما ~~أسرارا لا يمكن لأحد أن يتخيلها أبدا؛ وحين يموت، ستنتقل ~~إليها كل هذه المشاكل ... ستئول إليها لتتعامل معها ... تلك المشاكل ~~الموجودة في عائلة يقول عنها العالم إنها عائلة ثرية ومحترمة ~~وتكاد تخلو من المشاكل. # 4 # بينما كانت تهم بمغادرة الغرفة لتتبعه، ms048 توقفت برهة لتتحدث ~~إلى سيبيل قائلة: «هل أنت سعيدة يا عزيزتي؟ ألست نادمة على عدم ~~عودتك للدراسة بسان كلود؟» ~~«لست نادمة، يا أمي؛ ولم لا أكون سعيدة هنا؟ أنا أحب ~~المكان، أكثر من أي شيء آخر في الدنيا.» # دست الفتاة يديها في جيوب معطفها المخصص لركوب ~~الخيل. ~~«ألا تظنين أنني أخطئت بإرسالك إلى فرنسا للدراسة ... بعيدا عن ~~الجميع هنا؟» # ضحكت سيبيل ونظرت إلى والدتها بالطريقة الصريحة المعهودة ~~المنطوية على بعض السخرية حين تظن أنها كشفت مؤامرة. ~~«هل أنت قلقة بشأن تزويجي؟ ما زلت في الثامنة عشرة من عمري. ~~أمامي الكثير من الوقت.» ~~«أنا قلقة لأنني أظن أنه سيكون من الصعب إرضاؤك.» # ضحكت مرة أخرى. وقالت: «هذا صحيح. ولذلك سأتمهل.» ~~«هل أنت سعيدة بوجود تيريز هنا؟» ~~«بالتأكيد. أنت تعرفين أنني أحب تيريز كثيرا يا أمي.» ~~«عظيم ... هيا اذهبي الآن. يجب أن أتحدث مع جدك.» # وخرجت الفتاة إلى الشرفة حيث وقف جاك تحت أشعة الشمس في انتظار ~~عربة الخيول. كان دوما يتبع الشمس أينما كانت، ويجلس طواعية تحت ~~أشعتها حتى ولو كان هذا في منتصف فصل الصيف، كما لو أنه لم يكن ~~يشعر أبدا بدرجة كافية من الدفء. # كانت قلقة على سيبيل. وكانت قد بدأت تظن أن العمة كاسي ربما ~~كانت محقة حين قالت إنه حري بسيبيل أن تلتحق بمدرسة داخلية ~~مع البنات اللاتي لطالما عرفتهن، لتصبح أكثر ثرثرة وصخبا ~~ومشاغبة وتلعب الهوكي وتتبادل الرسائل القصيرة السخيفة مع ~~الصبيان في المدرسة الداخلية الموجودة في القرية المجاورة. ربما ~~كان من الخطأ إرسال سيبيل للدراسة في مدرسة بالخارج حيث من شأنها ~~أن تقابل فتيات من فرنسا وإنجلترا وروسيا وأمريكا الجنوبية ... أي ~~من نصف بلدان العالم؛ مدرسة ستضطر فيها، مثلما قالت العمة كاسي ~~بمرارة، إلى مصادقة «بنات راقصات ومغنيات أوبرا». عرفت الآن أن ~~سيبيل لم يعجبها الحفل الراقص تماما مثل تيريز التي هربت منه دون ~~إعطاء أي تفسير. لكن في حالة تيريز، لم يكن الأمر ذا أهمية كبيرة، ~~لأن رأسها العنيد كان يعج بألوان شتى ms049 من الأفكار الجامحة ~~بخصوص العلم والرسم والكتب الغريبة عن علم النفس. كان ثمة شعور ~~بالوحدة يكتنف تيريز وأمها، سابين كاليندار، ولكن في حالتهما لم ~~يكن هذا يهم. كانتا تتحليان، أيضا، بصلابة وبقدر من السخرية ~~والازدراء كان يحميهما. لم يكن لدى سيبيل أي من هذه الإسقاطات. ~~ربما أخطأت أيضا في تحويلها لسيبيل إلى «سيدة مجتمع راقية» - سيدة ~~مجتمع راقية بالمعنى القديم للكلمة - لأنه بدا أنه لا يوجد مكان ~~لنموذج سيدة المجتمع في منظومة الحياة كما ظهرت في الحفل الراقص ~~الليلة السابقة. كان من الخطير أن يكون لديك سيدة مجتمع راقية، لا ~~سيما سيدة مجتمع عازمة على الخوض في الدنيا بشغف كما تفعل ~~سيبيل. # أرادت للفتاة أن تكون سعيدة، دون أن تدري أن السبب وراء هذا أن ~~سيبيل كانت تبدو مثلما كانت هي نفسها ذات يوم، وكانت جزءا أصيلا ~~من نفسها، الجزء الذي لم يعش الحياة على الإطلاق. ~~••• # وجدت حماها يجلس إلى مكتبه الماهوجني الضخم في الغرفة العالية ~~السقف الضيقة التي تغطي حوائطها كتب كانت مقدسة عنده، ومن هذا ~~المكتب كان يدير المزرعة ويتعهد ثروة، بنيت تدريجيا ~~بفطنة، وبتدبير على مدار أكثر من ثلاثمائة عام، ثروة لم يستطع ~~أبدا أن يأتمن عليها ابنه. ففي هذه الغرفة الساحرة، بكآبتها ~~وبرودها، ورائحة الكلاب والتفاح ودخان الخشب الذي يفوح منها، ~~وأحيانا رائحة الويسكي، كان ينعزل الرجل المسن حين تنتابه ~~نوبة هيستيرية متسمة بالحيرة، ويفقد الإدراك من الإفراط في ~~الشراب. هنا كان أحيانا يجلس ليلا ونهارا، بل ويخلد إلى النوم ~~على كرسيه الجلدي، رافضا مقابلة أي شخص باستثناء هيجينز، الذي ~~كان يرعاه، وأوليفيا. ولذلك كانت أوليفيا وهيجينز وحدهما هما ~~اللذان يعرفان بأمر هذه العزلة وتناول الشراب منفردا. ولم يكن ~~العالم الخارجي، وحتى العائلة نفسها، يعرفان عن هذا الأمر إلا ~~القليل - فقط القليل الذي كان يتسرب أحيانا عبر نميمة الخدم ~~الذين يتسكعون ليلا في الأزقة المظلمة وحول السياجات المحيطة ~~بدورهام. # جلس وأمامه قهوته وكأس من كونياك كورفوازييه بينما أخذ يدخن، ~~ومظهره يدل على الاستغراق في قلق عارم؛ ms050 إذ إنه لم يرفع بصره على ~~الفور حين دخلت الغرفة، وإنما جلس يحدق أمامه بطريقة غريبة وكأنه ~~مسحور. ولم يرفع بصره إليها إلا على صوت إشعال الثقاب عندما سحبت ~~سيجارة من العلبة الفضية وأشعلتها، وقال لها وهو يركز عينيه ~~السوداوين المتقدتين: «جاك يبدو في حالة جيدة جدا ~~اليوم.» ~~••• ~~«أجل، أفضل مما كان عليه منذ فترة طويلة.» ~~«ربما يكون الأطباء مخطئين، في نهاية المطاف.» # تنهدت أوليفيا وقالت بنبرة هادئة: «لو كنا صدقنا الأطباء، ~~لكنا فقدناه منذ وقت طويل.» ~~«أجل، هذا صحيح.» # صبت قهوتها بينما كان يتمتم قائلا: «ما أردت أن أحدثك ~~بخصوصه هو هوراس بينتلاند. لقد مات. وصلني الخبر هذا الصباح. لقد ~~مات في بلدة منتون بفرنسا، والسؤال الآن ما إذا كان ينبغي أن ~~نحضره إلى الديار هنا ليدفن في دورهام مع بقية أفراد ~~الأسرة.» # صمتت أوليفيا للحظة ثم رفعت عينيها قائلة: «ما رأيك أنت؟ منذ ~~متي وهو يعيش في منتون؟» ~~«لقد مر ما يقرب من ثلاثين عاما منذ بدأت أرسل إليه المال ~~ليبقى هناك. إنه مجرد ابن عم لي. ومع ذلك، نحن نشترك في نفس الجد ~~وسيكون هو أول فرد من أفراد العائلة لا يدفن هنا منذ ثلاثمائة ~~عام.» ~~«حدث ذلك مع سافينا بينتلاند ...» ~~«أجل ... ولكنها مدفونة هناك، وكانت ستدفن هنا لو كان ذلك ~~ممكنا.» # وأشار بيده في اتجاه البحر، إلى ما وراء الأهوار حيث ترقد ~~الجميلة سافينا بينتلاند، التي كادت الآن أن تصير أسطورة، في مكان ~~ما على عمق سحيق وسط الرمال البيضاء الناعمة في قاع ~~المحيط. # تساءلت أوليفيا قائلة: «هل كان سيرغب في أن يدفن ~~هنا؟» ~~«كتب لي رسالة وطلب مني ذلك ... قبل شهر أو شهرين من وفاته. ~~بدا أن الأمر كان في ذهنه. لقد صاغه بطريقة غريبة. كتب لي أنه ~~يريد أن يعود إلى الديار.» # مجددا استغرقت أوليفيا في تفكير عميق لبعض الوقت. وبعد قليل ~~تمتمت قائلة: «غريب ... مع أن الناس كانوا قساة معه.» # تصلبت شفتا الرجل المسن قليلا. ~~«كانت غلطته هو ...» ~~«ومع ذلك ... ثلاثون عاما مدة ms051 طويلة .» # نفض رماد سيجاره ونظر إليها بحدة. وقال: «أتقصدين أن كل شيء ~~ربما أصبح الآن في طي النسيان؟» # أشارت أوليفيا بحركة صغيرة من يديها البيضاوين، الخاليتين من ~~الخواتم، قائلة: «ولم لا؟» ~~«لأن الناس لا ينسون أمورا من هذا القبيل ... ليس في عالمنا، ~~على أي حال.» # بهدوء، في أعماق سريرتها، ظلت أوليفيا تحاول تخيل هذا المدعو ~~هوراس بينتلاند الذي لم تره مطلقا، ذلك الشيخ الغامض، الميت ~~حاليا، الذي كان قد أبعد قبل ثلاثين عاما. ~~«أليس لديك أي أسباب لعدم رغبتك في أن يكون هنا بين الآخرين ~~جميعهم؟» ~~«أجل ... هوراس الآن ميت ... ولا يهم كثيرا إن دفن رفاته هنا أو ~~في فرنسا.» ~~«باستثناء، طبعا، أنهم ربما كانوا هناك أكثر لطفا معه ... ليسوا ~~قساة القلوب للغاية.» # غشيتهما فترة من الصمت، كما لو أن روح هوراس بينتلاند، ~~الآثم الذي لم يكن اسمه يذكر مطلقا بين أفراد العائلة عدا فيما ~~بين أوليفيا والرجل المسن، قد عادت بطريقة ما ووقفت بينهما، في ~~انتظار أن تسمع مصير رفاته على هذه الأرض. كانت فترة الصمت هذه ~~واحدة من الفترات التي، عندما تكتنف المنزل العتيق، كانت أحيانا ~~تغمر أوليفيا باضطراب غامض. وكانت عادة ما تكتنف أهل البيت في ~~الأمسيات الطويلة التي يجلس فيها جميع أفراد العائلة ليقرءوا في ~~غرفة الجلوس العتيقة - كما لو أن أشباحا غير مرئية واقفة ~~تراقبهم. # قالت أوليفيا: «إذا أراد أن يدفن هنا، فلا أرى سببا يمنع ~~ذلك.» ~~«ستعترض كاسي على نبش فضيحة قديمة نسيت.» ~~«بالتأكيد هذا لا يهم الآن ... بعدما مات الشيخ المسكين. يمكننا ~~أن نكون لطفاء معه الآن ... قطعا يمكننا أن نكون لطفاء معه ~~الآن.» # تنهد جون بينتلاند فجأة تنهيدة غريبة من فؤاد منكسر وبدت ~~وكأنها أفلتت من قدرته على إحكام السيطرة على مشاعره، وبعد لحظة ~~قال: «أظن أنك محقة يا أوليفيا ... سأفعل ما تقولينه ... لكننا ~~فقط سنبقي الأمر سرا فيما بيننا حتى يحين الوقت الذي يتحتم ~~علينا فيه أن نتكلم. وحينئذ ... حينئذ سنقيم جنازة ~~هادئة.» # كانت ستتركه حينئذ وتغادر لولا أنها عرفت من ms052 طريقته أن ثمة ~~شيئا آخر يريد أن يقوله. إذ كانت لديه طريقة تجعلك تعرف رغبته ~~دون كلام. بطريقة ما كنت تشعر في حضرته أنه من المستحيل أن تنصرف ~~إلا بعد أن يصرفك هو. وكان لا يزال يعامل ابنه، الذي كان يبلغ من ~~العمر خمسين عاما تقريبا، كما لو كان صبيا صغيرا. # انتظرت أوليفيا، وأخذت تشغل نفسها بإعادة ترتيب زهور الليلك ~~الجديدة التي وضعت في مزهرية طويلة فضية اللون على المكتب المصقول ~~المصنوع من خشب الماهوجني. # قال فجأة: «رائحتها زكية. هذه آخر ما سيتفتح منها، أليس ~~كذلك؟» ~~«آخره حتى فصل الربيع القادم.» # قال مكررا كلماتها وكأنه يكلم نفسه: «الربيع القادم ... الربيع ~~القادم ...» ثم قال فجأة: «الأمر الآخر الذي أود أن أحدثك بشأنه هو ~~سابين. الممرضة أخبرتني أنها اكتشفت أن سابين هنا.» وأشار نحو ~~الجناح الشمالي القديم بالإشارة التي يستخدمها أفراد العائلة ~~عندما يتحدثون عن المقيمة فيه. وأردف قائلا: «لقد طلبت أن ترى ~~سابين.» ~~«ومن الذي أخبرها بأن سابين قد عادت؟ كيف تسنى لها أن تكتشف ~~ذلك؟» ~~«الممرضة لا تعرف. لا بد أنها سمعت أحدا ما يذكر الاسم تحت ~~نافذتها. تقول الممرضة إن من يعانون من حالتها الصحية لديهم طرق ~~غريبة لاكتشاف مثل هذه الأمور ... وكأن لديهم حاسة سادسة.» ~~«هل تريد مني أن أطلب ذلك من سابين؟ ستأتي إذا طلبت منها ~~ذلك.» ~~«سيكون هذا بغيضا. بالإضافة إلى ذلك، أظن أن هذا قد يوقع ~~ضررا بطريقة ما.» # لاذت أوليفيا بالصمت للحظة. ثم قالت: «كيف؟ ربما لن تتذكر ~~سابين. عندما رأتها آخر مرة، كانت سابين شابة.» ~~«لقد تشكلت لديها الآن فكرة أننا جميعا ضدها، وأننا جميعا ~~نضطهدها بطريقة ما.» سعل ونفث سحابة من الدخان من بين شفتيه ~~الرفيعتين. وتابع قائلا: «من الصعب أن أشرح ما أقصده ... أقصد أن ~~سابين ربما تشجع ذلك الشعور ... دون أن تقصد سابين ذلك على ~~الإطلاق، ربما تعطيها انطباعا بأنها حليفة لها. ثمة شيء مزعج ~~بشأن سابين.» # قالت أوليفيا برفق: «آنسون يظن ذلك أيضا. لقد تحدث معي ~~بخصوصه.» ~~«ما كان ms053 ينبغي أبدا أن تعود إلى هنا. إنه صعب ... ما أحاول أن ~~أقوله. كل ما في الأمر أنني أشعر بأنها تنوي التسبب في أذى ما. ~~أظن أنها تكرهنا كلنا.» ~~«ليس كلنا ...» ~~«ربما لا تكرهك أنت. فأنت لم تنتمي إلى هنا أبدا. فقط أولئك ~~الذين بقوا منا هنا دوما.» ~~«ولكنها مولعة بك.» ~~«كنت أنا وأبوها صديقين مقربين. كان يشبهها جدا ... سيئ ~~الطبع وميالا إلى قول الحقائق البغيضة ... لم يكن رجلا محبوبا. ~~ربما لهذا السبب هي ودود تجاهي ... بسببه.» ~~«كلا، الأمر يفوق ذلك ...» # تدريجيا شعرت أوليفيا بأنها تعاود الانزلاق في تلك الحالة من ~~الذهول المضطرب الذي صار يستحوذ عليها أكثر فأكثر في الآونة ~~الأخيرة. بدا أن الحياة تزداد هشاشة وتعقيدا، وإبهاما وغموضا، ~~إلى أن صارت أحيانا مجرد مستنقع للمشكلات الدقيقة وجدت نفسها ~~عالقة في خضمه وعاجزة عن التصرف. لم يعد أحد يتحدث حديثا ~~مباشرا. كان الأمر أشبه بالعيش في عالم من الألغاز. وهذا ~~الرجل المسن، حموها، كان هو اللغز الأعظم على الإطلاق، لأنه من ~~المستحيل مطلقا أن تعرف إلى أي مدى كان يفهم ما يدور من حوله، ~~وإلى أي مدى يختار التجاهل من منطلق الاعتقاد بأن إنكار وجود ~~الأمر سيؤدي إلى زواله. # جلست في حيرة من أمرها، وبدأت تنتزع ورقة من أوراق عنقود زهور ~~الليلك وتمزقها إلى قطع صغيرة. # قالت: «أحيانا، أظن أن سابين تعيسة.» ~~«كلا ... الأمر ليس كذلك ... إنها متجاوزة لمشاعر السعادة أو ~~التعاسة. إن فيها صلابة وعنادا لا يلين ... صلابة تضاهي صلابة ~~ماسة مصقولة. إنها امرأة ذكية وغريبة الأطوار. إنها واحدة من تلك ~~المخلوقات الغريبة التي يتخلص منها أناس مثلنا من وقت لآخر. لا ~~شيء يشبههم تماما في هذا العالم. إنهم يمضون لأقصى وأغرب حدود ~~التطرف. كان هوراس مماثلا لها، ولكن بطريقة مختلفة وأقل ~~مصداقية.» # فجأة نظرت إليه أوليفيا، مندهشة من ومضة الذكاء والتبصر ~~المفاجئة التي أبداها الرجل المسن، واحدة من تلك اللمحات ~~المفاجئة الخاطفة التي جعلتها تعتقد أنه، في أعماق روحه، كان ~~أكثر عمقا، وأكثر ذكاء، وأكثر عنادا وتحديا للتقاليد ms054 مما سمح ~~للعالم أن يظن. كان السؤال القديم يتردد دوما في ذهنها. ما مدى ~~ما كان يعرفه؟ وما مدى ما لم يكن يعرفه ... وراء الوجه المجعد ~~القاسي المتصلب الهرم؟ أم أنها كانت نوعا من الفراسة، ليست ~~نابعة من مرض مزمن، كما هو الحال مع جاك، وإنما من التقدم في ~~العمر؟ # قالت: «سأسأل سابين.» ~~«هذا ليس ضروريا في الوقت الحالي. يبدو أنها نسيت الأمر ~~مؤقتا. ولكنها ستتذكره مجددا وحينها أظن أنه سيكون من ~~الأفضل مجاراتها، مهما كانت العواقب. لعلها لن تفكر في الأمر ~~مجددا لأشهر ... إلى أن تكون سابين قد رحلت ... أردت فقط أن أسألك ... ~~أن أستشيرك يا أوليفيا. ظننت أن بإمكانك أن ترتبي ~~الأمر.» # نهضت، وبينما كانت تستدير لتغادر، سمعته يقول: «ربما تحب أن ~~ترى بعض زهور الليلك في غرفتها.» تردد ثم أضاف بصوت جامد، هامد: ~~«كانت مغرمة جدا بالزهور فيما مضى.» # قالت أوليفيا في نفسها وهي تتحاشى النظر إلى عينيه الداكنتين: ~~«كانت مغرمة جدا بالزهور فيما مضى ... هذا يعني قبل أربعين عاما ... ~~أربعين عاما طويلة. أوه، يا إلهي!» ولكن بعد ثانية قالت ببساطة: ~~«لقد بدأت تكره الزهور. إنها تتخيل أنها تمتص الهواء وتخنقها. ~~رؤيتها أمر سيئ جدا لها.» ~~«كان ينبغي أن أعرف أنك فكرت في ذلك بالفعل.» # للحظة وقف العجوز في مواجهتها وعلى وجهه تعبير ثابت ومتفحص ~~جعلها تشعر بالخجل ودفعها إلى أن تشيح بوجهها عنه قليلا؛ ثم ~~فجأة، وبمسلك تشوبه هيبة غريبة وخوف من الرجل المتجهم المظهر، ~~أمسك بيدها وقبل جبينها وهو يتمتم: «أنت فتاة صالحة يا ~~أوليفيا. إنهم محقون فيما يقولونه عنك. أنت فتاة صالحة. لا ~~أعرف كيف كان سيتسنى لي اجتياز كل هذه السنوات من دونك.» # نظرت إليه مبتسمة، ولمست يده في مودة، ثم خرجت دون أن ~~تتحدث مجددا، وهي تفكر، كما فعلت من قبل آلاف المرات، في مدى ~~بشاعة أن يكون المرء منذ مولده عاجزا عن الإفصاح عن مشاعره ~~وخائفا منها مثل جون بينتلاند. قالت في نفسها لا بد أن الأمر ~~أشبه بأن يعيش المرء ms055 مسجونا إلى الأبد داخل قوقعة فولاذية يمكنه ~~أن يطل منها ويرى أصدقاءه ولكن دون أن يلمسهم أو يعرفهم. # ومن مدخل الباب، سمعت صوتا من ورائها، يقول بنبرة شبة مرحة: ~~«لا بد أن الأطباء أخطئوا بشأن جاك. لقد غلبناهم أنا وأنت ~~معا يا أوليفيا.» # أجابت: «أجل»، وابتسمت له، ولكن عندما استدارت مرة أخرى لتنصرف، ~~طرأت على ذهنها فكرة غريبة ومخيفة بعض الشيء. ~~«ليت جاك يعيش حتى وفاة جده، حينئذ سيموت الرجل المسن ~~سعيدا. ليته يبقى على قيد الحياة حتى ذلك الحين ...» # كانت لديها طريقة غريبة في رؤية الأمور في ضوء الحقيقة القاسية، ~~ولقد عززت طفولتها البائسة والوحيدة هذه السمة الشخصية فيها. ~~كانت قد جبلت على هذا، والآن بعدما صارت امرأة ناضجة وجدت أن ~~الأمر بطريقة ما لم يكن نقمة بقدر ما هو نعمة. ففي عالم اعتمد ~~على خداع أفراده لأنفسهم، اكتشفت أن رؤية الحقيقة ومعرفتها جعلتها ~~قوية. وربما لهذا السبب أصبحوا جميعا يعتمدون عليها. ولكن مرت ~~عليها أيضا أوقات رغبت فيها بشدة أن تكون أنثى ضعيفة ومسكينة، ~~امرأة ربما تلجأ إلى زوجها وتجد فيه شخصا أقوى منها. انتابها شعور ~~غريب بالحسد تجاه سافينا بينتلاند، التي ماتت قبل أن تولد ... ~~سافينا بينتلاند التي كانت أيقونة الجمال في هذه العائلة، الأنثى ~~المبذرة الطائشة، التي اشترت عقودا من اللؤلؤ واستسلمت لنوبات ~~البكاء والإغماء. # ولكن لم يكن لديها (أوليفيا) أحد لتعتمد عليه سوى ~~آنسون. ~~••• # وبعدما انصرفت جلس الرجل المسن مدة طويلة يدخن ويشرب ~~البراندي، تكتنفه وحدة صارت أشد قليلا مما كانت عليه قبيل أن ~~يجلس ليتحدث مع أوليفيا. كان من عادته أن يجلس هكذا أحيانا لمدة ~~ساعة، غافلا، على ما يبدو، عن العالم من حوله؛ لقد دخلت أوليفيا ~~أكثر من مرة في مثل تلك اللحظات وانصرفت مرة أخرى، غير راغبة في ~~فك التعويذة ولو حتى بكلمة واحدة. # وأخيرا، عندما احترق السيجار حتى نهايته، سحق العقب المشتعل ~~بحركة مقتضبة وعنيفة، ثم هب واقفا وخرج من الغرفة العالية السقف ~~الضيقة ومنها إلى الردهة المؤدية إلى الدرج المظلم ms056 المفضي ~~إلى الجناح الشمالي العتيق. كان قد اعتاد صعود هذه الدرجات كل يوم ~~منذ أن صار من الضروري إبقاء زوجته في الريف طوال العام ... كل يوم، ~~في الساعة نفسها، درجة تلو الأخرى، وطئ بحذائه الثقيل الضخم نفس ~~السجادة البالية التي كانت تكسو السلالم. كانت الرحلة قد بدأت قبل ~~عام مضى كنوع من المتعة المفعمة بالأمل، والتي صارت الآن بعد ~~فترة طويلة، مجردة من الأمل تماما، وصارت مجرد مهمة كئيبة ~~ومملة. كانت أشبه برحلة تكفير عن الذنوب يقطعها حاج زحفا على ~~ركبتيه صاعدا درجات لا تحصى من السلالم. # وعلى مدار أكثر من عشرين عاما، وبقدر ما بوسع أوليفيا أن ~~تتذكر، لم يتغيب جون بينتلاند عن المنزل ليلة إلا مرتين فقط، ~~وحينها كانت في ظرف حياة أو موت. وطيلة ذلك الوقت، سافر إلى ~~نيويورك مرتين ولم يسافر مطلقا إلى أوروبا منذ أن كان صبيا ~~حين قام بالجولة الكبرى التي وضع خطتها الجنرال كورتيس العجوز ... ~~منذ فترة بعيدة للغاية لدرجة أنها بدت حتما جزءا من حياة أخرى. ~~وطوال كل هذه السنوات، لم يهرب مطلقا ولو لمرة واحدة من العالم ~~الذي اعتبرته عائلته مثاليا وكاملا، والذي حتما بدا له دوما ~~عالما مقيدا وغير كاف بعض الشيء. وربما يقول المرء إن القدر ~~وصلة الدم والظروف أنهكته شيئا فشيئا حتى صار في النهاية يعبد ~~الآلهة نفسها التي كانوا يعبدونها. ومن حين إلى آخر، كان يخطط ~~للهروب منهم قليلا من خلال الاستغراق في الشرب إلى حد فقدان ~~الوعي، ولكنه دائما ما كان يستفيق مرة أخرى ليجد أن شيئا لم ~~يتغير، وليكتشف أن سجنه كان كما هو. وهكذا، لا بد أن الأمل مات ~~تدريجيا. # ولكن لا أحد، ولا حتى أوليفيا، كان يعرف إن كان سعيدا أم ~~تعيسا؛ ولن يعرف أحد حقا ما كان يدور بداخله، في أعماق نفسه، ~~وراء الوجه المسن الأشيب المتغضن. # حين يأتي ذكره، كان الناس يقولون: «لم يوجد مطلقا زوج مخلص ~~مثل جون بينتلاند.» # بتمهل وحزم سار عبر الردهة الضيقة حتى وصل إلى نهايتها، ~~وهناك ms057 وقف ليطرق الباب الأبيض. اعتاد دوما أن يطرق الباب؛ لأنه ~~حدث في مرات، عندما دخل فجأة، أن رؤيته أثرت عليها بشدة لدرجة ~~أنها دخلت في حالة هيسترية وصارت خارج حدود السيطرة ~~تماما. # واستجابة للطرق، فتح الباب برفق واحترافية من جانب الآنسة ~~إيجان، وهي ممرضة أنيقة وبارعة ومنعدمة المشاعر ومتيبسة ~~للغاية؛ وبدا أن ابتسامتها كانت تظهر وتختفي بطريقة ميكانيكية، ~~مثل الأصوات التي تصدر عند الضغط على دمية آلية. ولكن كان من ~~المستحيل أن يتخيل المرء الضغط على أي شيء متيبس وخشن للغاية ~~كالآنسة إيجان ذات الوجه المتورد. كانت ابتسامة تظهر فجأة بمجرد ~~رؤية أي فرد من أفراد العائلة، ابتسامة تواضع زائف مفادها: ~~«أعلم جيدا أنكم لا تستطيعون الاستغناء عني»؛ ابتسامة امرأة راضية ~~جدا بتقاضي أجر ثلاثة أضعاف ما تتقاضاه ممرضة عادية. وفي غضون ~~ثلاث أو أربع سنوات، سيكون لديها ما يكفي من المدخرات لتفتتح ~~مصحتها الخاصة. # عدلت ابتسامتها، وواجهت الرجل المسن، قائلة: «إنها تبدو بحالة ~~جيدة جدا اليوم ... جيدة جدا.» # وعندما فتح الباب، عبأت الرواق بأكمله رائحة كثيفة ~~ومعقدة تتصاعد من الأدوية التي تفوق الحصر المتراصة في صفوف ~~فوق بعضها في عتمة الغرفة المظلمة. دخل الرجل المسن الغرفة وأغلق ~~الباب خلفه بسرعة؛ نظرا لأنها كانت تتأثر بالإضاءة الشديدة. فلم ~~يكن يمكنها أن تتحمل وجود باب مفتوح أو نافذة مفتوحة بالقرب منها؛ ~~وحتى في هذا اليوم المشرق أبقت الستائر المنسدلة الغرفة في ظلام ~~دامس. # كانت قد ترسخت لديها فكرة أن أناسا بالخارج كانوا ينتظرون ~~ليتلصصوا عليها ... مئات منهم يضغطون وجوههم على الألواح الزجاجية ~~ليختلسوا النظر إلى غرفة نومها. مرت أيام تعذر فيها تهدئتها إلى ~~أن غطيت ستائر النوافذ بطبقات سميكة من القماش الأسود. وكانت ~~لا تنهض من سريرها إلا عند حلول الظلام خوفا من أن تراها الوجوه ~~التي بالخارج واقفة مرتدية ثياب نومها. # وفقط عندما يحل الظلام كان بوسع الممرضة، عن طريق التحايل ~~والمراوغة، تهوية الغرفة، ولهذا كانت تفوح منها رائحة كريهة ~~منبعثة من الأدوية التي لم تتناولها قط، ولكنها ظلت موضوعة ms058 ~~مرتبة بجوارها، صفا تلو الآخر، كما لو أنها تعاويذ أطباء ~~مشعوذين. هكذا كانوا يجارونها مثلما كانوا يجارونها في حجب ~~أشعة الشمس؛ لأن هذه كانت الطريقة الوحيدة التي أمكنهم بها أن ~~يبقوها هادئة ويتجنبوا إرسالها إلى مكان ما كان من شأنها أن ~~تحبس فيه خلف القضبان. وهذا أمر ما كان جون بينتلاند ليفكر، ~~مجرد تفكير، فيه. # عندما دخل وجدها مستلقية على الفراش، وجسدها النحيف والهزيل ~~لا يكاد يبين من تحت أغطية الفراش ... مجرد شبح امرأة كانت يوما ~~جميلة بطريقة رقيقة. ولكن لم يبق الآن شيء من هذا الجمال ~~باستثناء الشكل البديع للذقن والأنف والحاجبين. كانت مستلقية ~~هناك، امرأة عجوز غريبة الأطوار غير واقعية، ذات شعر أبيض خفيف، ~~وبشرة رقيقة أشبه برق كتابة، ووجه أخرق خال من التعبيرات بلا ~~تجاعيد وكأنه وجه طفل. وعندما جلس بجانبها، انفتحت العينان ~~الزرقاوان المستديرتان الخاليتان من التعبير وحدقتا فيه دون أي ~~أمارة على أنها تعرفت عليه. أمسك في يده بإحدى اليدين ~~النحيفتين ذواتي العروق الزرقاء، ولكنها ظلت، فحسب، هامدة، ~~بينما جلس في صمت وترفق يراقبها. # مرة واحدة تكلم، مناديا إياها بلهفة باسمها، «أجنيس»؛ ولكن ~~لم تأته أي علامة على رد، ولا حتى اختلاج واهن للجفون ~~البيضاء الشفافة. # ومن ثم جلس طويلا هكذا في الظلام الدامس، تحيط به الرائحة ~~الكريهة للأدوية، إلى أن استفاق على طرق على الباب وظهور مفاجئ ~~لضوء النهار عندما فتح الباب ودخلت الآنسة إيجان، بعدما ضبطت ~~ابتسامتها الخاطفة الكاشفة عن أسنانها، وقالت: «انتهت الخمس عشرة ~~دقيقة يا سيد بينتلاند.» # وبعدما أغلق الباب خلفه، غادر مبتعدا وهبط على مهل وبتأن ~~درجات السلم المتهالكة مرة أخرى وخرج إلى أشعة شمس نيو إنجلاند ~~الربيعية الساطعة جدا. مارا بالشرفة الخضراء، المحاطة بباقات ~~كبيرة من زهور السوسن والفاوانيا وعدد قليل من زهور التوليب ~~الجديدة، شق طريقه إلى ساحة الإسطبل، حيث كان هيجينز قد ترك ~~الفرس الحمراء في عهدة صبي بولندي كان يؤدي مهام غريبة في ~~أرجاء المزرعة. وقفت الفرس، التي تضاهي في جمالها ورقتها زنبركا ~~فولاذيا جميلا، في ms059 توتر تنبش الحصى بحوافرها وتهز رأسها ~~الجميل. وبعيدا عنها وقف الصبي، الذي كان صبيا أخرق جدا ذا ~~شعر أصفر كثيف، ممسكا بزمامها وذراعه مفرودة. # وما إن رآهما الرجل المسن حتى ضحك وقال: «يجب ألا تدعها ~~تستشعر خوفك منها يا إجناز.» # أفلت الصبي الزمام وتراجع إلى الخلف مسافة قصيرة، وهو لا يزال ~~يراقب الفرس باستياء. ثم قال متجهما: «حسنا، حاولت أن ~~تعضني!» # وبسرعة، برشاقة الشباب، قفز جون بينتلاند على ظهر الفرس ... بسرعة ~~كانت كافية لأن تمنعها من الانزلاق بعيدا عنه. وجرى صراع عنيف ~~قصير بين الفارس والفرس، ووسط وابل من الحجارة انطلقا بسرعة ~~مبتعدين على الطريق المؤدي إلى المروج، مرورا بأجمة أشجار ~~الصنوبر السوداء ومقلع الحجارة المهجور، في اتجاه منزل السيدة ~~سومز. # | الفصل الرابع # في الركن الوطيد من العالم المحيط بقرية دورهام، لعبت العمة كاسي ~~دور الساعي غير الرسمي الذي يتنقل من منزل إلى آخر، ومن ساحة إلى ~~أخرى، لجمع آخر الأخبار ونقلها. فحين كان أي امرئ يرى سحابة منخفضة ~~من الغبار تتحرك عبر سماء نيو إنجلاند المتألقة فوق الأسيجة ~~والجدران الحجرية للريف، كان يمكنه أن يكون متيقنا من أنها كانت ~~تخفي وراءها خط سير كاسي سترازرس في جولة زياراتها اليومية. كانت ~~تذهب دوما سيرا على الأقدام؛ لأنها كانت تكره السيارات وتخاف من ~~الخيول؛ وكان يمكن للمرء أن يراها قادمة من مسافة بعيدة، متشحة ~~دوما بالسواد، تتمايل بخفة كبيرة (مقارنة بامرأة في سنها ~~ومعروف عنها إصابتها بأسقام). وعادة ما كان يتوقع وصولها في وقت ~~محدد، ما لم تعترض طريقها كارثة أو خبر يثير اهتماما غير عادي؛ إذ ~~كانت امرأة دقيقة في مواعيدها وحياتها منظمة بمنتهى الدقة، مثل ~~المنزل الكبير الذي كانت تعيش فيه مع العمة بيلا الغريبة ~~الأطوار. # كان هذا المنزل عبارة عن مسكن بناه الراحل السيد سترازرس، في الأيام ~~التي شاع فيها بناء القباب وشرفات المراقبة، على الأرض التي منحه إياها ~~جد العمة كاسي في يوم زفافها. وفي الداخل كان مفروشا بعدد وافر من ~~الشراريب الفخمة وأغطية الكراسي، جميعها منظمة ms060 ومرتبة بعناية ~~كما لو كانت في متحف. لم يكن يوجد أبدا أي رماد سيجار على الأرضية، ~~ولا أي غبار في الأركان، لأن العمة كاسي كانت تلاحق خدمها بعين ~~ضابط جيش عجوز صعب الإرضاء يتفقد ثكناته. عاشت الآنسة بيفي المسكينة، ~~التي ازدادت حالتها سوءا وبؤسا مع تقدمها في العمر، حياة محفوفة ~~بخطر مستمر، واضطرت لبناء منزل صغير بالقرب من الاسطبلات لإيواء ~~كلابها الصغيرة من سلالة بومرينيان وقططها السيامية. وذلك لأن ~~العمة كاسي عجزت عن تحمل فكرة «توسيخ الحيوانات للمنزل.» وحتى ~~«غرفة الاستراحة» الخاصة بالراحل السيد سترازرس كانت قد تحولت منذ ~~وفاته إلى متحف نظيف وخال من التبغ والويسكي، حيث وضع كرسيه خلف ~~مكتبه، بمسافة فاصلة تبعده عن المكتب قليلا، كما لو كانت روح ~~صاحبه لا تزال جالسة هناك. وعلى المكتب وضع غليونه (بالضبط كما تركه) ~~وأكوام الورق المرتبة (التي كان ينفض عنها الغبار بعناية كل يوم ~~دون العبث بها) التي كان قد وضعها هناك بيده في صبيحة اليوم الذي وجدوه ~~فيه جالسا على الكرسي، ورأسه راجعا للوراء قليلا، كما لو كان ~~نائما. وفي منتصف المكتب وضع كتابان مربوطان معا بشكل أنيق - ~~عنواناهما: «أفاريز بيوت بوسطن القديمة» و«جولات ومحادثات في باحات ~~كنائس نيو إنجلاند» - كان قد كتبهما في هذه السنوات الحزينة الأخيرة ~~التي بدت فيها حياته تذوي شيئا فشيئا ... السنوات التي بدا فيها أن ~~العمة كاسي كانت تستعيد بسرعة قوتها وصحتها التي اشتهرت بها عندما ~~كانت شابة. # قال الناس إن السيد سترازرس كان قد شيد هذا المنزل في انتظار أن ~~تصبح لديه أسرة كبيرة، لكنه ظل كبيرا ومفتقرا لأصوات الأطفال ~~كالقبر منذ اليوم الذي تم فيه الانتهاء من بنائه؛ وذلك لأن العمة ~~كاسي لم تنعم مطلقا بالقوة اللازمة لأن تنجب له ورثة إلا بعد فوات ~~الأوان. # كان لدى سابين كاليندار مجموعة كاملة من النظريات حول منزل العمة ~~كاسي وحياتها الزوجية، لكنها كانت نظريات أبقتها بالكامل، بطريقتها ~~الخاصة، لنفسها، وظلت تنتظر وتراقب حتى تتأكد من صحتها. كان ~~يوجد شعور متبادل بكراهية شديدة ويصعب ms061 وصفها بين السيدتين، شعور ~~قوي بالضغينة استتر تحت العبارات المهذبة والملاحظات العابرة ذات ~~الطابع اللاذع. وكانتا تلتقيان بشكل متكرر أكثر مما كانت تأمل ~~العمة كاسي؛ وذلك لأن سابين، عند عودتها إلى دورهام، أصبحت مثل ~~العمة كاسي معتادة على التنقل من منزل إلى منزل سيرا على الأقدام ~~بحثا عن الأخبار والتسلية. التقتا في غرف الجلوس، وفي الساحات، ~~وأحيانا في الطرق المغبرة جدا، وكانت كل واحدة منهما تلقي ~~التحية على الأخرى بابتسامات ونظرات خبيثة. كانتا قد صارتا أشبه ~~بقطتين عدوانيتين تراقب إحداهما الأخرى خلسة لأيام في المرة. ~~وأسرت العمة كاسي لأوليفيا أن سابين كانت تصيبها ~~بالتوتر. # ورغم ذلك، كانت العمة كاسي هي أول من زار منزل «بروك كوتيدج» بعد ~~وصول سابين. شاهدتها السيدة الأصغر سنا من نافذة المنزل وهي تقترب، ~~محاطة بسحابة صغيرة من الغبار، وملأها هذا المشهد بسعادة لا توصف. ~~جاءت السيدة العجوز النحيلة مفعمة بالنشاط، لا تكاد تطيق صبرا، ~~تملؤها البهجة (هكذا اعتقدت سابين) لأن لديها الآن ذريعة للتعدي ~~على أرض أوهارا ورؤية ما فعله بالمنزل العتيق. وكانت سابين تعتقد، ~~أيضا، أنها جاءت لتكتشف ما فعلته الحياة ب «ابنة أخت السيد سترازرس ~~العزيز، سابين كاليندار». لقد جاءت باعتبارها مسئولة الاستقبال الرسمية ~~الممثلة للمجتمع المحلي، متمنية من كل قلبها أن ترى سابين عائدة ~~كالابن الضال، امرأة محطمة، دمرها الزمن والتجارب، سيدة كانت لمدة ~~عشرين عاما قد تجاهلتهم جميعا والآن عادت، مخلوقة محطمة وذليلة، ~~وفي أمس الحاجة إلى العطف. # أثار المشهد سلسلة من الذكريات في نفس سابين ... ذكريات تغلغلت بعمق ~~في طفولتها عندما كانت تعيش مع والدها في المنزل القديم الذي كان ~~موجودا يوما ما في نفس المكان الذي بنى عليه أوهارا منزله الجديد ~~بمداخنه المتألقة؛ ذكريات أيام كانت تهرب فيها بمفردها للعب على ~~أعشاب البستان المتشابكة وسط زهور القلب النازف والسوسن التي أحاطت ~~بنفس هذا المنزل الريفي الذي وقفت تشاهد منه قدوم العمة كاسي. ~~باستثناء أنه في تلك الأيام كان منزل «بروك كوتيدج» مكانا خربا، ذا ~~نوافذ مهشمة وأبواب متآكلة، أشبه ms062 بكوخ أشباح ويحجبه عن الرؤية ~~تجمع النباتات وتشابكها أمامه، والآن كان متلألئا بطلاء جديد، ~~وتحيطه الأزهار والنباتات المشذبة بعناية. # كان ثمة شيء ما في مظهر السيدة العجوز المتوترة النشيطة، شيء ~~ضرب بعمق في الماضي الذي كانت سابين قد تمكنت إلى حد ما، مع مرور ~~السنين، من نسيانه؛ والآن عاد كله من جديد، بحدة ومصحوبا بنوع من ~~الألم الشديد، بحيث أحست بشعور غريب مفاجئ بأنها عادت فتاة صغيرة ~~... فتاة عادية، خجولة، صهباء الشعر، يكسو بشرتها النمش، وتقف في رعب من ~~العمة كاسي ودائما ما كانت تتعرض للنقد والتوبيخ من ألف من العمات ~~والأعمام وأبناء الأعمام لأنها لم تكن تجسد فكرتهم عما يجب أن يكون ~~عليه نموذج الفتاة الصغيرة اللطيفة. بدا الأمر وكأن الماضي بأكمله ~~كان مركزا في الهيئة السوداء للسيدة العجوز التي كانت بمثابة زعيمة ~~العصابة، ونائبة الملك لجميع القبائل البعيدة، امرأة عجوز كانت قد بلغت ~~من الكبر عتيا حتى منذ عشرين عاما مضت، ودائما ما كانت تستلقي ~~على أريكة مغطاة بشال، تصدر الأوامر، أو تعبر عن تعاطفها الشديد، ~~أو توجه انتقاداتها المريرة. وها هي الآن، تقترب بخفة، وكأن موت ~~السيد سترازرس قد حررها بطريقة ما من قيود كبلتها وأزعجتها ~~لفترة طويلة للغاية. # بينما كانت سابين تراقبها، مرت أحداث الماضي واحدة تلو الأخرى في ~~ومضات سريعة خلال عقل سابين المتقد، وتجسد أمامها بوضوح شديد وسريع؛ ~~اليوم الذي لاذت فيه بالفرار إلى العالم الخارجي ووجدها العجوز جون ~~بينتلاند مختبئة في أجمة من أشجار البتولا البيضاء تأكل التوت ~~البري بسعادة. (كان بوسعها أن ترى الآن ملامح وجهه، التي كانت صارمة ~~تعبيرا عن رفضه لهذا السلوك الجامح، لكنها هدأت بمجرد رؤيته لهذا ~~الوجه البريء المتسخ المليء بالنمش والملطخ بعصارة التوت). ~~وتذكرت أيضا عودتها كأسيرة حرب، عندما أحاطت بها العمات وألبسنها ~~فستانا نظيفا وأجبرنها على الجلوس في غرفة النوم الإضافية الكئيبة ~~وكتاب العهد الجديد على ركبتيها إلى أن «شعرت أنها يمكنها الخروج ~~والتصرف كفتاة صغيرة لطيفة حسنة التربية.» كان بإمكانها رؤية العمات ~~وهن يتحدثن بالسوء ms063 عنها ويقلن: «كم من المخزي أنها لم تشبه ~~والدتها من حيث جمال الطلعة!» و«ستواجه أوقاتا عصيبة بسبب هذا ~~الشعر الأصهب الناعم المنبسط.» # وهناك أيضا ذكرى ذلك اليوم الذي سقط فيه آنسون بينتلاند، الصبي ~~الجبان، الضعيف، الأشبه باللورد الصغير فنتلوري، في النهر وكان ~~سيغرق لولا ابنة عمه سابين، التي سحبته وأخرجته وهو يصرخ ومبتل ~~تماما بالماء، لتتلقى هي كل اللوم والتوبيخ؛ لأنها قادته إلى ~~التصرفات الشقية. وكذلك الأوقات التي عوقبت فيها لأنها طرحت أسئلة ~~صريحة وبسيطة لم يكن ينبغي لها طرحها. # كان من الصعب أن تتذكر أي سعادة حتى اليوم الذي توفي فيه والدها ~~وأرسلت إلى نيويورك، فتاة في العشرين من عمرها، خبرتها بالحياة ضئيلة ~~جدا ولا تعرف أي شيء عن أمور من قبيل الحب والزواج، لتعيش مع عم ~~لها بمنزل ضيق مرتفع السقف في حي موراي هيل. كان هذا هو اليوم ~~(كانت ترى هذا الآن بمنتهى الوضوح وهي تقف تراقب قدوم العمة كاسي) ~~الذي بدأت فيه حقا حياتها. فحتى ذلك الحين كان وجودها مجرد أمر ~~مشوش وموجع ليس فيه سوى القليل جدا من السعادة. ولم تدرك الحقيقة ~~إلا لاحقا، على نحو مؤلم، بل ومأساوي، من خلال سلسلة من الأحداث ~~التي حولتها ببطء إلى هذه المرأة القاسية، المحنكة، المتشائمة ~~التي وجدت نفسها، دون أن تعرف السبب، تعود مرة أخرى للعالم الذي كانت ~~تكرهه، وتقف في نافذة منزل «بروك كوتيدج»، امرأة يعذبها فضول شديد ~~ومفعم بالحياة للغاية بشأن الناس والتشابكات الغريبة التي تفرضها ~~عليهم حياتهم أحيانا. # كانت تقف في النافذة تفكر في الماضي بانهماك شديد لدرجة أنها ~~نسيت تماما قدوم العمة كاسي وفزعت فجأة عندما سمعت نبرة الصوت ~~الفضولية الرقيقة المألوفة، التي كان من المدهش أنها لم تتغير، ~~تنادي من الرواق قائلة: «سابين! عزيزتي سابين! أنا عمتك كاسي! أين ~~أنت؟» وعندئذ شعرت كأنها لم تغادر دورهام على الإطلاق، وكأن شيئا ~~لم يتغير في عشرين عاما. # عندما رأتها السيدة العجوز، تقدمت وهي تصيح بصوت مرتعد لتطوق ~~بذراعيها ابنة أخي زوجها الراحل. كان سلوكها ms064 أشبه بسلوك راعي غنم ~~يستقبل شاة ضالة، سلوك مليء بالعفو والشفقة والتعاطف. ترقرقت ~~الدموع في عينيها بمنتهى السهولة وانهمرت على وجهها. # سمحت سابين، بفتور، بأن تعانق، وقالت: «لكنك لا تبدين أكبر ~~سنا ولو بيوم واحد أيتها العمة كاسي. تبدين أقوى من أي وقت مضى.» ~~حددت هذه الملاحظة بطريقة ما الشكل الكامل للعلاقة بينهما، ملاحظة، ~~على الرغم من أنها بدت ودية، بل وتنطوي على مجاملة، كان من القسوة ~~قولها لامرأة اعتزت طيلة حياتها بفكرة الاعتلال. وكان من القسوة ~~قولها أيضا لأنها كانت صحيحة. فحينما كانت العمة كاسي في السابعة ~~والأربعين من عمرها، كانت بنفس القدر من الضعف والوهن الذي كانت عليه ~~الآن، بعد مرور عشرين عاما. # قالت المرأة العجوز: «فتاتي العزيزة، أنا بائسة ... بائسة.» وبعد أن ~~جففت الدموع المنهمرة على وجهها أضافت قائلة: «لن يمر وقت طويل ~~قبل أن أمضي لألحق بالسيد سترازرس العزيز.» # أرادت سابين فجأة أن تضحك؛ إذ تخيلت العمة كاسي وهي تدخل الجنة ~~برفقة زوج اعتادت دوما على مناداته، رغم حميمية الحياة الزوجية، ب ~~«السيد سترازرس.» ظلت تفكر في أن السيد سترازرس قد لا يجد لم ~~الشمل هذا ممتعا كما توقعت زوجته. كان لديها دوما اعتقاد غريب ~~بأن السيد سترازرس قد آثر الموت باعتباره أفضل مخرج. # وشعرت فجأة بإحساس دافئ بعودة الذكريات؛ إحساس أثاره شغف العمة ~~كاسي بالمغالاة في تعبيراتها. لم تستطع العمة كاسي مطلقا أن تحمل ~~نفسها على أن تقول بكل بساطة: «سأموت»، معتقدة أن ذلك ليس صحيحا على ~~الإطلاق. كان يجب أن تقول: «أمضي لألحق بالسيد سترازرس ~~العزيز.» # قالت سابين: «أوه، لا ... أوه، لا ... لا تقولي ذلك.» ~~«لم أعد أنام. بالكاد أغمض عيني في الليل.» # كانت قد جلست وأخذت تتفرس فيها، وتفحص كل شيء في الغرفة، التغييرات ~~التي أجراها أوهارا البغيض، والأثاث الذي كان قد اشتراه للمنزل. ولكن ~~الأهم من ذلك كله أنها كانت تتفرس في سابين، وتختلس النظر إليها ~~بنظرات جانبية خبيثة؛ أما سابين، فلأنها كانت تعرفها جيدا، فأدركت ~~أن السيدة العجوز كانت قد أصيبت ms065 بصدمة عنيفة. كانت قد جاءت ~~مستعدة لأن ترى سابين كسيرة وحزينة، لكنها بدلا من ذلك وجدت هذه ~~المرأة الرقيقة، القوية والمعتزة بنفسها، التي تبدو غاية في الأناقة ~~والاتزان، بداية من الشعر الأصهب اللامع (ذلك الشعر الأصهب الناعم الذي ~~ظنت العمات ذات يوم أنه بشع للغاية) وحتى الصندل الجلدي في قدمها؛ ~~امرأة من الواضح أنها كانت قد أحكمت سيطرتها على الحياة وأخضعتها ~~لقوتها، وكانت بطريقة ما في غاية الكمال. ~~«طوال السنوات التي كنت فيها بعيدة يا سابين لم ينسك عمك العزيز ~~أبدا ولو للحظة. لقد مات وترك لي أمر رعايتك.» ومرة أخرى انهمرت ~~الدموع الغزيرة من عينيها. ~~(قالت سابين في قرارة نفسها: «أوه، لن تتمكني من الإيقاع بي بهذه ~~الطريقة. لن أسمح لك بحبسي مرة أخرى في سجن الماضي. لن تنالي حتى ~~مجرد فرصة للتدخل في حياتي.») # ثم قالت جهرا: «من المؤسف أنني كنت دائما بعيدة جدا.» ~~«لكنني كنت أفكر فيك يا عزيزتي ... كنت أفكر فيك. نادرا ما ~~كانت تمر ليلة لا أقول فيها لنفسي قبل أن أنام: «إن سابين المسكينة ~~تواجه العالم بمفردها، وتدير ظهرها لنا جميعا، نحن من نحبها».» ~~تنهدت بشدة ثم قالت: «دائما ما كنت أفكر فيك يا عزيزتي. لقد ~~صليت ودعوت لك في الليالي الطويلة التي لم يغمض لي فيها جفن ~~أبدا.» # تحدثت سابين بطريقة شبه آلية، واكتشفت تدريجيا أنها على الرغم من ~~كل شيء لم تعد تخشى العمة كاسي. فهي لم تعد الفتاة الصغيرة ~~الخجولة الخائفة البسيطة؛ بل إنها بدأت تشعر بنزعة تحد، ورغبة في ~~القتال، ملأتها بشعور خفي بالدفء. ظلت تقول لنفسها: «إنها ~~حقا لم تتغير على الإطلاق. فهي لا تزال تريد التقرب مني ~~والتحكم في وفي حياتي. إنها مثل أخطبوط يمد أذرعه ليحكم سيطرته ~~على كل فرد بالأسرة، ويرتب كل الأمور.» هكذا رأت العمة كاسي الآن، ~~بعد عدة سنوات، من منظور جديد. وبدا لها أن شيئا غريبا، ومريبا، ~~وخبيثا إلى حد ما كان يكمن وراء كل هذه التنهدات والدموع ~~والتعاطف المتساهل. ربما كانت (سابين) ms066 هي الوحيدة التي كانت قد ~~تمكنت، من بين جميع أفراد الأسرة، من الفرار من هذه الأذرع الخبيثة ~~المتسللة ... كانت قد هربت. # في هذه الأثناء، كانت العمة كاسي قد انتقلت من الوصف الحي التفصيلي ~~لوفاة السيد سترازرس إلى التحدث عن قائمة المصائب التي حدثت بالحي ~~وواجهتها الأسرة، الوفيات، والعهود التي نقضت، والكوارث المالية، ~~وظهور «أوهارا البغيض» في الأفق. ووبخت سابين على بيعها أرضها لمثل ~~هذا الدخيل. ومع استمرارها في الحديث، أصبحت شيئا فشيئا أقل إنسانية ~~وأكثر فأكثر أشبه بقوة خارقة مجهولة من قوى الطبيعة. أخذت سابين ~~تراقبها بعينيها الخضراوين الثاقبتين، ووجدتها مرعبة بعض الشيء. ~~كانت قد ازدادت حدة وقسوة مع تقدمها في العمر. # ناقشت أيضا حالات الطلاق التي وقعت في بوسطن وأخيرا، وهي تميل إلى ~~الأمام وتلمس يد سابين بيدها النحيلة المتوترة، قالت بانكسار: «لقد ~~شعرت بك في محنتك يا سابين. لم أكتب لك قط لأن هذا كان سيصبح ~~مؤلما للغاية. أرى الآن أنني تهربت من واجبي. لكنني كنت أشعر ~~بك ... حاولت أن أضع نفسي مكانك. حاولت أن أتخيل خيانة السيد ~~سترازرس العزيز لي ... لكنني، بالطبع، لم أستطع. كان قديسا.» أخرجت ~~المخاط من أنفها وكررت كلامها بحماس، وكأنها تحدث نفسها: ~~«قديسا!» ~~(قالت سابين في نفسها: «نعم، كان قديسا ... لو كان للقديسين وجود.») ~~رأت أن العمة كاسي كانت تهاجمها الآن من زاوية مختلفة. كانت تحاول ~~أن تشفق عليها. ومن خلال إبداء الكثير من الشفقة نحوها ستحاول ~~المرأة العجوز تحطيم خطوط دفاعها والسيطرة عليها. # بدت في عيني سابين الخضراوين نظرة قاسية وغريبة. وسألتها قائلة: «هل ~~سبق لك أن التقيت بزوجي؟» # قالت العمة كاسي: «لا، لكنني سمعت الكثير عنه. وقيل لي عن مدى ~~معاناتك.» # نظرت سابين إليها وقد ارتسم على وجهها تعبير غريب وساخر. وقالت: ~~«إذن، ما قيل لك كان منافيا للحقيقة. إنه رجل رائع. لم أعان على ~~الإطلاق. أؤكد لك أنني كنت أفضل لو شاركتني فيه خمسون امرأة ~~أخرى على أن أحظى وحدي بأي من الرجال الموجودين هنا.» # كان تصريحها هذا ينطوي على ms067 فجور بين وهو ما جعل العمة كاسي ~~تلتزم الصمت وتتراجع تماما. حدقت فقط ولم تجد ما تقوله ردا على ~~مثل هذا الكلام. من الواضح أنها طيلة حياتها لم تكن قد سمعت أبدا أي ~~شخص يقول شيئا بهذا القدر من الصراحة والوضوح، متجردا تماما من ~~كل مظاهر اللباقة. # واصلت سابين حديثها ببرود، وأكملت هجومها حتى النهاية. إذ قالت: «لقد ~~طلقت منه في النهاية، ليس لأنه لم يكن مخلصا لي، بل لأن امرأة ~~أخرى أرادت الزواج منه ... امرأة أحترمها وأحبها ... امرأة لا تزال صديقة ~~لي. عليك أن تفهمي أنني أحببته حبا جما ... بكل ذرة في جسدي. لكن ~~ثمة أمور تحدث ليس للمرء عليها سلطان. لم أكن المرأة الوحيدة ... لقد ~~كان شيطانا، لكنه شيطان جذاب للغاية.» # صدمت المرأة العجوز قليلا، لكنها لم تهزم بأي حال من الأحوال. ~~رأت سابين في عينيها نظرة تقول بوضوح: «إذن هذا ما فعله العالم بعزيزتي ~~سابين الصغيرة البريئة المسكينة!» وأخيرا قالت وهي تتنهد: «يا له ~~من عالم غريب ومحير. لا أعرف ماذا سيحدث أكثر من ذلك ~~فيه.» # ردت سابين بنبرة تظهر اتفاقها التام وتعاطفها الكامل قائلة: ~~«ولا أنا.» فهمت أن الصراع لم ينته بعد؛ لأن العمة كاسي كانت تملك ~~طريقة تضع بها نفسها في موقف منيع، يتمثل في إحاطة نفسها بطبقات ~~وطبقات من التنهدات والتعاطف، والطيبة والتسامح، والخنوع والدموع، ~~بحيث لا يمكن للمرء في النهاية أن يتجاوز كل ذلك ويقول: «ها أنت ذا ~~... ظهرت على حقيقتك أخيرا، عجوز فضولية بغيضة!» وظلت سابين تتخيل ~~أيضا لو أن العمة كاسي كانت قد عاشت في أيام جدها صائد الساحرات، ~~بينتلاند المصون من الإثم، لكانت ستحرق لأن الناس كانوا ~~سيحسبونها ساحرة. # وطوال الوقت كانت سابين تعاني، بصمت، في قرارة نفسها، خلف قناع ~~واضح ... تعاني بطريقة ما كان لأحد في العالم أن يتوقعها؛ وذلك ~~لأن مجرد التحدث بهذه الطريقة عن ريتشارد كاليندار، أو حتى نطق ~~اسمه، كان يمزق قلبها ويعتصره ألما. # جهرا قالت: «وكيف حال السيدة بينتلاند ... أقصد أوليفيا ... وليس ابنة ~~عمي ... أعرف ms068 كيف هي ... على نفس الحال.» ~~«نعم على نفس الحال. هذا واحد من الألغاز التي لا أستطيع فهمها ~~أبدا ... لماذا ابتلى الرب رجلا صالحا مثل أخي بهذه المصيبة.» # وفي محاولة منها لوضع نهاية مفاجئة لما بدا واضحا أنها مقدمة ~~لموعظة دينية مملة، قالت سابين: «لكن أوليفيا ...» # قاطعتها العمة كاسي قائلة: «أوه! ... أوليفيا،» وبدأت في وصف السيدة ~~بينتلاند الشابة. قالت: «أوليفيا ملاك ... ملاك، نعمة من الرب أرسلها إلى ~~أخي المسكين. لكنها لم تعد على ما يرام مؤخرا. لقد أصبحت حادة ~~معي ... وحتى مع الآنسة بيفي المسكينة، التي تتسم بالحساسية الشديدة. ~~لا أستطيع أن أتصور ما اعتراها.» # بدا أن أوليفيا القوية الجميلة كانت تعاني من الضغوط. وقالت العمة ~~كاسي إنها تعيسة لسبب ما، رغم أنها لم تستطع أن ترى سببا لحزنها ... ~~فهي امرأة لديها كل شيء في الدنيا. # كررت سابين بتساؤل: «كل شيء؟ هل ينال أي شخص في هذه الدنيا كل ~~شيء؟» ~~«لو لم تملك أوليفيا كل شيء فهذه غلطتها. فلديها كل المقومات ~~الأساسية. لديها زوج صالح ... زوج لا ينظر أبدا إلى النساء ~~الأخريات.» # قاطعتها سابين قائلة: «ولا حتى لزوجته. أعرف كل شيء عن آنسون. لقد ~~نشأت معه.» # رأت العمة كاسي أنه من الأنسب تجاهل هذه النقطة. وقالت، مستأنفة ~~حديثها عن النعم التي لدي أوليفيا: «إنها ثرية.» # ومرة أخرى قاطعتها سابين قائلة: «لكن ما الذي يعنيه المال يا عمة ~~كاسي؟ في عالمنا هذا يكون المرء ثريا وتكون تلك هي نهاية الأمر. إذ ~~إنه يعتبر ثروته أمرا مسلما به. وإذا ما فقد ثروته، فإنه يخسر كل ~~شيء. لا علاقة للمال بالسعادة.» # بدأ التوتر يظهر على وجه العمة كاسي. قالت بحدة: «لو كنت فقيرة ~~لعرفت فائدة المال، لو لم يعتن والدك وجدك بأموالهما لفهمت ~~قصدي.» ثم تمالكت أعصابها وأتت حركة تنم عن الاستنكار. وبعدها ~~قالت: «لكن لا تظني أنني أنتقد عزيزتي أوليفيا. إنها أفضل وأروع ~~امرأة عرفتها.» بدأت تحيط نفسها مرة أخرى بشرنقة من العطف والطيبة ~~والتسامح. بعدها أردفت قائلة: «كل ما هنالك أنها تبدو ms069 لي مؤخرا ~~غريبة الأطوار إلى حد ما.» # بدأت تظهر ابتسامة على شفتي سابين المخضبتين على نحو مصطنع بلون ~~أرجواني. وقالت: «سيكون سيئا للغاية أن دفعت عائلة بينتلاند زوجتين ~~إلى الجنون - واحدة تلو الأخرى.» # مرة ثانية كادت العمة كاسي أن تهزم بأن تفقد رباطة جأشها. إذ ~~تذمرت، وساعدتها سابين على الخروج من المأزق بسؤالها بلهجة ساخرة: ~~«وماذا عن آنسون؟» واستطردت قائلة: «ماذا يفعل عزيزي آنسون ~~الآن؟» # أخبرتها عن عمل آنسون العظيم، كتاب «عائلة بينتلاند ومستعمرة خليج ~~ماساتشوستس»، وقيمته الهائلة باعتباره مساهمة في إثراء تاريخ الأمة؛ ~~وعندما انتهت من ذلك، انتقلت للحديث عن صحة جاك المتدهورة، قائلة ~~بصوت منخفض وحزين: «إنها مسألة وقت لا أكثر، كما تعرفين ... على ~~الأقل، هكذا يقول الأطباء ... بقلب معتل كهذا، هي مسألة وقت لا ~~أكثر.» وانهمرت الدموع من عينيها مرة أخرى. # قالت سابين بنبرة متأنية: «ومع ذلك، تقولين إن أوليفيا تملك كل ~~شيء.» # ردت العمة كاسي قائلة: «حسنا، ربما ليس كل شيء.» # قبل مغادرتها سألت عن ابنة سابين وقيل لها إنها ذهبت إلى منزل عائلة ~~بينتلاند لرؤية سيبيل. # قالت سابين: «لقد التحقتا بالمدرسة نفسها في فرنسا. وكانتا ~~صديقتين هناك.» # قالت العمة كاسي: «نعم. لقد عارضت سفر سيبيل إلى الخارج للالتحاق ~~بمدرسة هناك. فهذا يملأ رأس الفتاة بأفكار غريبة ... خاصة مدرسة كهذه ~~يمكن لأي شخص الالتحاق بها. منذ عودة سيبيل إلى الديار، وهي تتصرف ~~بطريقة غريبة ... أظن أن هذا سيقف في طريق نجاحها في بوسطن. فالشباب لا ~~يحبون الفتيات المختلفات.» # قالت سابين: «لعلها تتزوج أحدا من خارج بوسطن. الرجال يختلفون ~~من مكان لآخر. حتى في بوسطن لا بد أنه يوجد رجل أو اثنان لا ~~تعنيهما الصورة التقليدية للنساء! حتى في بوسطن لا بد أنه يوجد رجال ~~يحبون النساء الأنيقات ... النساء الراقيات ...» # بدأت العمة كاسي تشعر بالغضب مرة أخرى، لكن سابين احتوتها. إذ ~~أردفت تقول: «لا تشعري بالإهانة، يا عمة كاسي. أقصد فقط السيدات ~~الراقيات اللاتي وفقا للمعنى القديم الجذاب للكلمة ... وبالإضافة إلى ~~ذلك، من الذي يمكن أن تتزوج ms070 به ولن يكون ابن عم أو ذا قرابة من نوع ~~ما؟» ~~«يجب أن تتزوج هنا ... بين الأشخاص الذين تعرفهم منذ صغرها. يوجد ~~شاب من عائلة مانيرينج قد يكون مناسبا لها، وهناك أيضا الابن الأصغر ~~لجيمس ثورن.» # ابتسمت سابين. وقالت: «إذن لديك خطط لها بالفعل. أيعني هذا أنك ~~حسمت الأمر؟» ~~«بالطبع لم يحسم أي شيء. كل ما هنالك أنني أفكر في الأمر مع وضع ~~مصلحة سيبيل في الاعتبار. إن تزوجت أحد هذين الشابين، ستعرف كم هي ~~محظوظة. ستعرف أنها تزوجت من رجل نبيل.» # قالت سابين: «ربما ... ربما.» بطريقة ما استحوذت عليها روح شريرة ~~وأضافت بهدوء: «وبالطبع هناك هوراس بينتلاند ... يستحيل أن يكون المرء ~~متأكدا تماما.» (يبدو أن سابين لم تنس أي شيء مطلقا.) # وفي اللحظة نفسها رأت، وهي تقف خارج الباب الذي يفضي إلى الشرفة ~~المجاورة للأهوار، شخصا ضخما أسمر البشرة قوي البنية، أدركت بشعور ~~مفاجئ بالبهجة أنه أوهارا. كان يسير عبر الحقول برفقة هيجينز الصغير ~~النحيل، الذي تركه وواصل طريقه إلى نهاية الممر في اتجاه منزل عائلة ~~بينتلاند. عند رؤيته، حاولت العمة كاسي جاهدة الفرار بسرعة، لكن سابين ~~قالت بنبرة متوعدة عذبة: «يجب أن تقابلي السيد أوهارا. أظن أنك ~~لم تلتقي به من قبل. إنه رجل رائع.» ووقفت في موضع يستحيل على المرأة ~~العجوز معه الهروب دون أن تفقد كل ما تبقى من كرامتها ~~وهيبتها. # بعد ذلك نادت سابين بصوت لطيف قائلة: «تفضل سيد أوهارا ... السيدة ~~سترازرس هنا وتتوق إلى مقابلة جارها الجديد.» # فتح الباب ودخل منه أوهارا، الذي كان رجلا قوي البنية يبلغ من ~~العمر حوالي خمسة وثلاثين عاما، ذا رأس جميل يغطيه شعر قصير أسود ~~قوي، وعينين زرقاوين أظهرتا أصله الأيرلندي لما بدا بهما من بريق ~~مستتر ينم عن فرحة بانتقال سابين للعيش بمنزله. وكان يتمتع أيضا ~~بفك قوي وشفتين مكتنزتين جذابتين إلى حد ما، وقدر غريب من ~~القوة الجسدية الهائلة، كما لو أن ثيابه كلها كانت مفصلة لتغطي ~~بصعوبة العضلات الموجودة تحتها. لم يكن يرتدي قبعة ، وكانت ms071 بشرته ~~سمراء داكنة، وظهرت على وجنتيه حمرة تشي بتمتعه بصحة جيدة. # للوهلة الأولى، كان يمكن للمرء أن يقول إنه رجل عادي فظ أتى لهذا ~~العالم الضيق المحيط بدورهام، رجل ربما جاء للعمل حمالا بالميناء بسبب ~~عضلاته المفتولة. كانت سابين قد حسبت في البداية أنه شخص فظ، لكنها ~~استسلمت في النهاية لإحساس غريب قوي وضعه في منزلة أعلى من هذه. أما ~~هي فكانت امرأة حادة الذهن، كرست نفسها بشغف لمسألة سبر أغوار الناس؛ ~~وكانت تعرف أن رجلا يملك عينين ماكرتين ومليئتين بالتهكم كهاتين لا ~~يمكن أن يتسم بالفظاظة. # تقدم بهدوء واحترام شديد يشوبه قدر ضئيل من السخافة ولمسة بسيطة ~~من الفظاظة، ما يجعل المرء غير متأكد ما إذا كان قد تعمد إخفاء ~~الفظاظة التي يتسم بها. # قال: «إنه لمن دواعي سروري. بالطبع رأيت السيدة سترازرس عدة مرات ... ~~في عروض الخيل ... وسباقات كلاب الويبيت.» # توقفت العمة كاسي، وتصلب جسدها، وكأنها وجدت نفسها فجأة وجها ~~لوجه أمام أفعى جرسية. # قالت: «وأنا أيضا رأيتك. وبالطبع، شاهدت كل التحسينات التي أجريتها ~~هنا في المزرعة.» نطقت كلمة «تحسينات» على مضض وكأنها تود استخدام ~~كلمة مثل «تخريب» بدلا منها. # قالت سابين: «سنتناول بعض الشاي. تفضلي بالجلوس، يا عمة ~~كاسي.» # لكن العمة كاسي لم تخفف من تصلب جسدها. وردت قائلة: «وعدت ~~أوليفيا أن أعود إلى منزل آل بينتلاند لتناول الشاي. وقد تأخرت ~~بالفعل.» ارتدت قفازها الأسود، ثم مالت فجأة باتجاه أوهارا. وقالت: ~~«على الأرجح سنلتقي مرة أخرى يا سيد أوهارا، بما أننا جيران.» ~~«بالتأكيد، آمل ذلك ...» # بعدها قبلت سابين مرة أخرى وتمتمت قائلة: «آمل، يا عزيزتي، أن ~~تأتي كثيرا لزيارتي، بما أنك الآن عدت إلينا. اعتبري منزلي بيتك.» ~~ثم التفتت إلى أوهارا؛ إذ اكتشفت فجأة أنه يمكن استخدامه في حربها مع ~~سابين. وقالت: «تعرف يا سيد أوهارا إنها خائنة، بطريقتها الخاصة. لقد ~~ترعرعت بيننا ثم اختفت مدة عشرين عاما. إنها معدومة الوفاء.» # قالت ذلك بطريقة متصلبة ومرحة كما لو كانت، بالطبع، تقول مزحة ~~فحسب ولا تقصد شيئا مطلقا ms072 من وراء الكلام. ومع ذلك، امتلأت الأجواء ~~بغمامة من التلميحات. كانت هذه هي نوعية التكتيكات التي تبرع ~~فيها. # رافقتها سابين إلى الباب، وعندما عادت وجدت أوهارا يقف في النافذة، ~~يراقب جسد العمة كاسي وهي تتحرك في سخط على الطريق في اتجاه منزل ~~عائلة بينتلاند. وقفت سابين هناك للحظة، تتفحص البنية الجسمانية القوية ~~المفتولة العضلات للرجل الواقف مقابل الضوء، وفجأة انتابها شعور غريب ~~بالعداء بينه وبين المرأة العجوز. فبطريقة غريبة كانا يمثلان رمزين ~~لقوتين هائلتين؛ إحداهما سلبية، والأخرى إيجابية بشدة؛ إحداهما ~~تمثل القدم، والأخرى تمثل الحداثة؛ إحداهما تمثل الاضمحلال، ~~والأخرى تمثل النمو النشط، المفرط نوعا ما. كان يستحيل أن يوفق ~~بينهما شيء. وفقا لطبائع الأمور، سيظلان عدوين لدودين حتى النهاية. ~~لكن سابين لم يكن لديها أي شكوك بشأن من سينتصر في النهاية؛ فطبائع ~~الأمور نفسها لم تكن تبدي إلا القليل من المحاباة لكل ما كانت العمة ~~كاسي تدافع عنه. كان ذلك جزءا من الحكمة التي كانت سابين قد تعلمتها ~~منذ أن هربت من دورهام إلى العالم الكبير المليء بالحقائق التي لا ~~مساومة فيها. # عندما تحدثت، قالت بنبرة مبهمة نوعا ما: «السيدة سترازرس امرأة ~~لافتة للنظر.» # التفت أوهارا، ونظر إليها بعينيه الزرقاوين نظرة مفاجئة يشوبها ~~قدر من السخرية. وقال: «استثنائية ... أنا متأكد من ذلك.» # علقت سابين: «وامرأة قوية. إنها حكيمة كالحية ووديعة كالحمامة. وليس ~~من الجيد أبدا التقليل من شأن قوة كهذه. والآن قل لي ... كيف تحب أن ~~تشرب الشاي؟» ~~••• # لم يشرب الشاي بل اكتفى بمضغ القليل من الخبز المحمص وبعدها دخن ~~سيجارا، بادي السرور من نفسه بسذاجة وهو يؤدي دور المالك الذي أتى ~~ليستعلم من المستأجر عما إذا كان كل شيء مرضيا. كان معجبا ~~بهذه المرأة القوية الذكية التي أصبحت الآن مجرد مستأجرة للأرض - ~~أرضه - التي كانت تملكها فيما مضى. عندما فكر في هذه المسألة - أنه ~~هو، مايكل أوهارا، قد أصبح مالك هذه المزرعة التي تقع وسط عالم دورهام ~~العصري والمهيب - شعر بأن إدراك ذلك ينطوي على شيء مدهش، شيء لم ms073 ~~يتوقف مطلقا عن إثارة حماسه ومنحه شعورا قويا بالرضا. بمجرد أن ~~يلتفت برأسه، كان يمكنه أن يرى في المرآة انعكاس الجرح الطويل على ~~صدغه، الجرح الناتج عن زجاجة مكسورة أصابته في خضم عراك شباب على ~~رصيف ميناء إنديا وارف. ولقد تمكن هو، مايكل أوهارا، بدون تعليم، ~~باستثناء ما علمه لنفسه، بدون مال، بدون نفوذ، من رفع نفسه إلى هذه ~~المكانة قبل حلول عيد ميلاده السادس والثلاثين. ومع قدوم الخريف، سيكون ~~مرشحا لعضوية الكونجرس، وكان على يقين من انتخابه في المقاطعات ~~الأيرلندية القديمة. كان، مايكل أوهارا، في طريقه لأن يصبح أحد أعظم ~~رجال نيو إنجلاند، المقاطعة التي كانت ذات يوم بمثابة جنة صغيرة ~~مقتصرة على أناس مثل آل بينتلاند. # بالطبع لا ينبغي لأحد أن يشك أبدا في مدى عمق ذلك الشعور الهائل ~~بالرضا. # أجل، كان معجبا بهذه المرأة الغريبة، التي كان لا بد أن تكون ~~عدوته، لكن الغريب أنها لم تكن كذلك. كان معجبا بتوقد ذهنها ~~الفطن والطريقة التي تجلس بها هناك أمامه، تتفحصه مرارا وتكرارا ~~أثناء حديثه، كما لو كان حشرة صغيرة تحت المجهر. كانت بصدد اكتشاف كل ~~شيء يخصه؛ وقد فهم ذلك؛ لأن هذه كانت حيلة يجيدها هو نفسه تمام ~~الإجادة. فبتلك الأساليب كان قد أحرز تقدما في هذا العالم. وما أثار ~~حيرته أيضا أنها نشأت في عالم بوسطن-دورهام هذا ومع ذلك استطاعت أن ~~تكون مختلفة تماما عنه. انتابه شعور بأنه في مرحلة ما من مسار حياتها ~~حدث لها شيء ما، شيء فظيع منحها في النهاية ذهنا صافيا وقدرة ~~كبيرة على فهم الأمور. كما أدرك أيضا، على الفور تقريبا، في اليوم ~~الذي وصلت فيه بالسيارة أمام باب المنزل، أنها كانت قد توصلت ~~لاكتشاف عن الحياة كان قد توصل إليه هو نفسه منذ فترة طويلة ... وهو ~~أنه لا توجد قوة تضاهي القوة التي يمتلكها شخص راض بمجرد أن يكون ~~على طبيعته، وأنه لا شيء منيع مثل قوة الصدق المحض، ولا شيء ناجح بقدر ~~حياة شخص يسير بمفرده. كانت قد تعلمت ms074 كل هذا في مكان ما. وكانت تبدو ~~كامرأة لم يعد يوجد شيء جديد يمكن أن يحدث لها. # تحدثا لبعض الوقت، بهدوء ولطف، وبتفاهم غير عادي بين شخصين يعرف ~~أحدهما الآخر منذ فترة قصيرة؛ تحدثا عن المزرعة، وعن آل بينتلاند، ~~وعن الطواحين والبولنديين في دورهام، وعن البلدة وكيف كانت في فترة ~~طفولة سابين. وطوال الوقت كان لديه هذا الإحساس بأنها تقيمه ~~وتراقبه، وبأنها تستكشف الصدى الخافت لنبرة معينة في صوته، وصفة ~~الحدة والغلظة التي تركت بصمتها عليه منذ تلك الأيام التي قضاها على ~~رصيف ميناء إنديا وارف، وذكريات الأب الأيرلندي العاطل المؤمن ~~بالخرافات. # ما كان له أن يعرف أنها كانت امرأة تضم شبكة أصدقائها رجالا ~~ونساء من عشرات الجنسيات، وعاشت حياتها بين أمهر وأنجح الأشخاص في ~~العالم ... مهندسين معماريين ورسامين وسياسيين وعلماء. وما كان له أن ~~يعرف القاعدة الصارمة التي وضعتها والتي كانت تنص على عدم احتمال ~~أي شخص باستثناء الأشخاص «الكاملين». وما كان له أن يعرف شيئا عن ~~حياتها في باريس ولندن ونيويورك والتي لم يكن لها أي علاقة بالحياة ~~في دورهام وبوسطن. لكنه كان الآن يعرف ... لقد رأى أنه، على الرغم من ~~الاختلاف الكبير بين عالميهما، كان يوجد شيء مشترك بينهما؛ فكلاهما ~~كان ينظر للعالم باعتباره حديقة كبيرة مليئة بالأشجار التي يمكن لأي ~~شخص أن يقطف من ثمارها فقط إذا تحلى بالبراعة اللازمة. # أما سابين، التي من جانبها لم تكن متأكدة تماما بعد من رغبتها ~~في إزالة كل الحواجز؛ فقد كانت تتوصل ببطء إلى الحقيقة نفسها. لم ~~تكن توجد أي مشاعر حب أو عاطفة في الشرارة التي ومضت بينهما. كانت ~~أكبر من أوهارا بأكثر من عشر سنوات وكانت قد اكتفت من تلك المشاعر منذ ~~فترة طويلة. كان الأمر كله مجرد إدراك شخص قوي بقوة شخص آخر. # كان أوهارا هو أول من استغل توطيد الرابطة بينهما. إذ إنه في خضم ~~المحادثة، حول مسار الحوار بشكل مفاجئ إلى حد ما نحو آل ~~بينتلاند. # قال: «لم أذهب إلى منزل آل بينتلاند من ms075 قبل، وأعرف القليل جدا عن ~~الحياة هناك، لكنني شاهدتها من بعيد وأثارت اهتمامي. إنها أشبه ~~بحلم، كل من فيه أموات ... كلهم أموات باستثناء السيدة بينتلاند ~~الشابة وسيبيل.» # ابتسمت سابين. وقالت: «أتعرف سيبيل، إذن؟» # أجاب قائلا: «نركب الخيل معا كل صباح ... التقينا في صبيحة أحد ~~الأيام بالصدفة على الطريق بجانب النهر ومنذ ذلك الحين نركب الخيل معا ~~كل يوم تقريبا.» ~~«إنها فتاة رائعة ... التحقت بمدرسة في فرنسا مع ابنتي تيريز. وكنت ~~أراها كثيرا في تلك الفترة.» # خطرت لها فكرة عارضة وهي أن احتمالية زواج سيبيل من أوهارا ستكون ~~شيئا مسليا للغاية. إذ إن ذلك سيتسبب في إزعاج شديد لآنسون ~~والعمة كاسي وباقي الأقارب ... شابة من عائلة بينتلاند تتزوج من ~~سياسي كاثوليكي أيرلندي! # وبينما كان أوهارا يجلس في كرسيه منحنيا إلى الأمام قليلا، سأل: ~~«إنها تشبه والدتها، أليس كذلك؟» كان معتادا على الجلوس هكذا، في ~~حالة من اليقظة والانتباه كالقطة. ~~«تشبه والدتها جدا ... والدتها سيدة رائعة ... امرأة جذابة ... أيضا، ~~يمكنني أن أقول إنها امرأة عطوف جدا وكريمة، وهو من أندر الأشياء ~~في الوجود.» ~~«هذا ما ظننته ... لقد رأيتها ست مرات. وطلبت منها مساعدتي في ~~زراعة الحديقة هنا في المنزل لأنني علمت أن لديها شغفا بالحدائق. ولم ~~ترفض ... رغم أنها لم تكد تعرفني. وجاءت وساعدتني في ذلك. رأيتها ~~حينها وبدأت أتعرف عليها أكثر. لكن عندما انتهى ذلك، عادت إلى منزل ~~عائلة بينتلاند ولم أرها منذ ذلك الحين. يكاد الأمر يبدو وكأنها ~~تعمدت تجنبي. أحيانا أشعر بالأسف من أجلها ... لا بد وأنها تعيش ~~حياة غريبة على امرأة مثلها ... شابة وجميلة.» ~~«لديها الكثير من المشاغل في منزل عائلة بينتلاند. وصحيح أن حياتها ~~ليست رائعة. مع ذلك، أنا متأكدة من أنها لا تتحمل فكرة أن يشفق ~~عليها أحد ... إنها آخر امرأة في العالم تريد شفقة من أحد.» # من الغريب أن وجه أوهارا احمر، وأخذت الحمرة تتزايد ببطء وتكسو ~~بشرته السمراء. # قال في حزن: «ظننت أن أحدا قد اعترض، زوجها، أو السيدة سترازرس ... ~~أعرف شعورهما تجاهي. لا ms076 فائدة من التظاهر بالجهل بذلك.» # قالت سابين: «هذا احتمال وارد جدا.» # فجأة ساد صمت متسم بالحرج، مما أتاح لسابين وقتا لكي تستعيد ~~هدوءها وتنظم آلاف الأفكار والانطباعات المفاجئة. لقد بدأت تفهم ~~شيئا فشيئا الأسباب الحقيقية وراء كراهيتهم لأوهارا، الأسباب الكامنة ~~عميقا، وربما عميقا جدا لدرجة أن ما من أحد منهم قد رآها مطلقا ~~على حقيقتها. # ثم كسر حاجز الصمت وسمعت صوت أوهارا يقول، بطريقة خافتة غريبة: ~~«أريد أن أطلب منك شيئا ... شيئا قد يبدو سخيفا. لن أتظاهر بأنه ~~ليس كذلك، لكنني عازم على أن أطلبه منك على أي حال.» # للحظة تردد ثم نهض سريعا وأشاح بوجهه عنها ونظر نحو الباب، ~~باتجاه الأهوار الزرقاء النائية والبحر المفتوح. خيل لها أنه كان ~~يرتجف قليلا، لكنها لم تكن متأكدة. ما كانت تعرفه بالفعل أنه ~~بذل جهدا عظيما وبطوليا، لدرجة أنه للحظة وضع نفسه في موقف من ~~شأنه أن يكون فيه أعزل وعرضة لأذى شديد، وهو الرجل الذي لم يفعل مثل ~~هذه الأشياء من قبل؛ وفي تلك اللحظة الحالية، بدا أن التهور يتلاشى ~~وحل محله حزن غريب، وكأنه شعر بأنه مهزوم بطريقة ما ... # قال: «ما أنا عازم على أن أطلبه منك هو ما يلي ... هل من الممكن أن ~~تطلبي مني القدوم إلى هنا أحيانا عندما توجد هي أيضا؟» واستدار ~~نحوها فجأة وأضاف قائلا: «سيعني لي ذلك الكثير ... أكثر مما يمكن أن ~~تتخيلي.» # لم تجبه على الفور، بل أخذت تراقبه وهي جالسة في حدة لم تستطع ~~إخفاءها؛ وبعد قليل، نفضت رماد السيجارة عن ثوبها، وسألته قائلة: «وهل ~~تظن أن هذا سيكون تصرفا أخلاقيا من جانبي؟» # هز كتفيه ونظر لها في دهشة، وكأنه لم يتوقع منها، من بين كل الناس ~~في العالم، طرح سؤال كهذا. # رد قائلا: «هذا قد يجعل كلينا أسعد بكثير.» ~~«ربما تكون محقا ... وربما لا. الأمر ليس بتلك البساطة. علاوة على ~~ذلك، السعادة لا تأتي في المرتبة الأولى عند أفراد عائلة ~~بينتلاند.» # قال: «أجل ... لكن ...» ثم أتى بإشارة من يده بقوة وبشكل مفاجئ ms077 كما ~~لو أنه ينحي كل الاعتراضات جانبا. ~~«أنت رجل غريب الأطوار ... سأرى ما يمكن فعله.» # شكرها وخرج خجلا دون أن ينبس ببنت شفة، ليمشي عبر الحقول، مطأطئ ~~رأسه الأسود الشعر في تفكير، صوب مداخنه الجديدة المتألقة. وفي ~~عقبيه هرول كلبه، الذي كان قد استلقى منتظرا إياه أمام الباب. كان ~~ثمة شيء ما بشأن هذا الرجل القوي البنية، وهو يعبر المرج القديم عبر ~~الشفق الأزرق، شيء أوحى بلمحة من الوحدة والحزن. بدا وكأن ما اتصف ~~به من ثقة بالنفس وطمأنينة قد تلاشى بطريقة غامضة. كاد الأمر يبدو ~~وكأن رجلا قد دخل المنزل منذ فترة وجيزة ورجلا آخر، مختلفا تماما، ~~غادره للتو. رأت سابين أن شيئا واحدا هو الذي يمكن أن يكون قد أحدث ~~هذا الفارق، ألا وهو اسم أوليفيا. ~~••• # عندما اختفى عن الأنظار، صعدت سابين إلى غرفتها المطلة على البحر ~~واستلقت هناك لفترة طويلة تفكر. كانت بطبيعتها امرأة كسولة، خاصة في ~~الأوقات التي يعمل فيها عقلها بمنتهى النشاط. وكان عقلها يعمل هكذا ~~الآن، بنشاط محموم، مشوشا ولكن صافيا جدا في الوقت ذاته؛ وذلك ~~لأن زيارتي العمة كاسي وأوهارا قد أثارتا شغفها الشديد لخوض تجربة ~~مختلفة. كان لديها إحساس بأنها على شفا كارثة ما، كارثة بدأت منذ فترة ~~طويلة وتشابكت جذورها ودوافعها، وأصبحت الآن على وشك الانفجار بفعل ~~قوة متراكمة لسنوات. # الآن فقط بدأت تفهم قليلا ما الذي أعادها إلى مكان يحمل ذكريات ~~حزينة جدا كتلك التي تحوم حول ريف دورهام بأكمله. رأت أنه لا بد ~~وأنها كانت طوال الوقت رغبة في التبرير، وتعطشا لتثبت لهم أنها، ~~على الرغم من كل شيء، من الشعر الأصهب الناعم والوجه الخالي من مظاهر ~~الجمال، والأفكار السخيفة التي كانوا قد ملئوا بها رأسها، وحتى على ~~الرغم من حزنها على زوجها، كانت قد تمكنت من عيش حياة ناجحة ورائعة. ~~أرادت أن تثبت لهم أنها تقف الآن بمفردها وبمنتهى القوة، وأنه لم ~~يعد لهم سلطة عليها ليكبحوا جماحها أو يؤذوها. وللحظة حسبت أن ~~الدافع الخفي كان أقوى من ms078 ذلك بكثير، وربما كان أقرب إلى رغبة في ~~الانتقام؛ ذلك لأنها كانت مقتنعة بأن عالم دورهام هذا هو المسئول ~~عن تدمير سعادتها. أدركت الآن، بصفتها امرأة محنكة تبلغ من العمر ستة ~~وأربعين عاما، أنها لو كانت نشأت وهي تعرف الحياة على حقيقتها، ربما ~~ما كانت ستخسر الرجل الوحيد الذي أحيا عاطفة حقيقية في طبيعة صلبة ~~وجافة للغاية كطبيعتها. # كان كل شيء مشوشا وملتبسا وغامضا، لكن زيارة العمة كاسي المليئة ~~بالتلميحات والمحاولات الخفية لإخضاعها، قد جعلت كل شيء واضحا بدرجة ~~كبيرة. # أغمضت عينيها الخضراوين، وأخذت تتخيل وقوع سلسلة كاملة من ~~الكوارث التي يمكنها التسبب فيها. بدأت ترى كيف أنه قد يكون حتى من ~~الممكن تقويض عالم عائلة بينتلاند بأكمله فوق رءوسهم في انهيار لن ~~ينتج عنه سوى الحرية والسعادة لأوليفيا وابنتها. ولم تكن تربطها أي ~~مشاعر مودة إلا بهاتين الاثنتين؛ أما الآخرون، فليهلكوا، وليذهبوا ~~للجحيم، وستقف هي تراقبهم دون أن تحرك ساكنا. # بدأت ترى المواضع المناسبة لقطع الأحجية، الأوتاد التي قد تفتح ~~عنوة الأبواب الموصدة للعالم المعهود غير المتغير الذي أحاط بها ~~مرة أخرى. # وبينما هي مستلقية هناك في حالة بين النوم واليقظة، رأت كل تفاصيل ~~عملية تجميع هذه القطع والتوفيق بينها، وشعرت بإحساس مسكر فجائي ~~بالقوة، بامتلاك كل الأدوات في يدها، بكونها القوة الخارقة التي تحرك ~~الكارثة. # بدأت أيضا ترى كيف أن القوة والسلطة اللتين كانتا تدعمان هذه ~~الأسرة كانتا تقتربان ببطء من النهاية، وتتجهان نحو ضعف شديد عديم ~~النفع. ستكون هناك دوما أموال تدعم عالمهم، وذلك لأن العائلة لم ~~تتخل أبدا عن عادة الادخار المتوارثة من جدهم صاحب الحانوت؛ لكن في ~~النهاية حتى المال لن ينقذهم. سيأتي وقت تكون فيه الثروة العظيمة ~~مجرد قشرة هشة بلا فساد كامن بداخلها. # كانت لا تزال مستلقية هناك عندما أتت تيريز، التي كانت فتاة عادية ~~قصيرة القامة، ممتلئة القوام إلى حد ما، سمراء البشرة ذات غرة ~~قصيرة ناعمة سوداء اللون تغطي جبهتها. كانت محرورة ومتسخة بطين ~~الأهوار، مثلما كانت الطفلة الصهباء الصغيرة الحزينة ms079 عدة مرات في ~~طفولتها البعيدة المنسية إلى حد ما. # سألتها بلا مبالاة: «أين كنت؟» لأنه كان يوجد دوما شعور غريب ~~بعدم الألفة بين سابين وابنتها. # قالت تيريز: «كنت أصطاد الضفادع لتشريحها. إنها قليلة جدا وقد ~~انزلقت في النهر.» # علمت سابين جيدا، وهي تنظر إلى ابنتها، أن فتاة غريبة، وعنيدة، ~~ومهملة جدا كهذه لن تحظى بأي فرصة للزواج في دورهام. أدركت أنها ~~كانت فكرة سخيفة من البداية؛ وشعرت بالرضا لعلمها أنها كانت قد رسمت ~~حياة تيريز بحيث لا يمكن لأحد أن يؤذيها أبدا مثلما فعلوا بوالدتها. ~~ومن حياة الترحال الغريبة التي عاشتها معها، والالتقاء بكل صنوف ~~الرجال والنساء، الذين كانوا، وفقا لفهم سابين الغريب للكلمة، ~~«كاملين»، تمكنت الفتاة من شق طريقها بطريقة ما نحو جوهر الأشياء. ~~كانت تبني حياتها على أساس صلب، كي تتمكن من ازدراء القوى التي أساءت ~~لوالدتها منذ فترة طويلة. ربما، مثل أوهارا، تضعف فجأة بسبب الحب؛ ~~لكن سابين كانت تعلم أن ذلك كان شيئا رائعا يستحق ~~المعاناة. # أدركت ذلك في كل مرة كانت تنظر فيها إلى ابنتها وترى العينين ~~الرماديتين الصافيتين، اللتين تشبهان عيني والد الفتاة، وهما ~~تنظران إليها عبر هذا الوجه ذي البشرة السمراء بنفس النظرة الفخورة ~~التي تنم عن الثقة غير المبالية، تلك النظرة التي كانت قد سحرتها ~~من عشرين عاما. وما دامت تيريز على قيد الحياة، فلن تقدر أبدا على ~~نسيانه تماما. # قالت: «اذهبي واغتسلي. السيد بينتلاند الكبير وأوليفيا والسيدة سومز ~~قادمون لتناول العشاء معنا ولعب البريدج.» # وبينما كانت ترتدي ملابسها لتناول العشاء، توقفت عن طرح هذا السؤال ~~على نفسها: «لماذا تخيلت يوما أن تيريز قد تجد زوجا هنا؟ ما الذي ~~دفعني للعودة إلى هنا والشعور بالملل طوال الصيف؟» # كانت قد نسيت كل ذلك. وبدأت ترى أن الصيف يحمل توقعات بقضاء وقت ~~ممتع. بل وربما أيضا يتحول إلى تجربة رائعة. كانت تعلم أن عودتها لم ~~يكن لها علاقة بمستقبل تيريز؛ فقد عادت إلى دورهام بسبب رغبة غامضة ~~وطاغية في الانتقام وإلحاق الأذى . # | الفصل الخامس ms080 # 1 # عندما كان آنسون بينتلاند يعود من المدينة مساء، كانت أوليفيا ~~دوما موجودة تؤدي واجب انتظاره وتسأله عما حدث في يومه. وكان ~~يجيبها دائما بالردود ذاتها: «لا، لم يكن ثمة أحداث كثيرة في ~~البلدة»، و«كان الجو شديد الحرارة»، أو «اكتشفت اليوم اكتشافا ~~مهما سيكون ذا نفع كبير في الكتاب». # وبعد الاستحمام يظهر مرتديا ملابس من قماش التويد ليؤدي ~~تمارينه في الحديقة، ودون جهد كبير ينظر عن كثب بعينيه الزرقاوين ~~الحسيرتين إلى بطاقات صغيرة تحمل أسماء مثل: «جنرال بيرشينج» أو ~~«كارولين تيستاوت» أو «بوانكاريه» أو «جورج واشنطن» ربطها بعناية ~~على نباتات الداليا الجديدة والزهور والشجيرات الأصغر. وفي أغلب ~~الأحيان، كان البستاني يقضي نصف صباح اليوم التالي في إزالة ~~البطاقات ووضعها في مكانها على النباتات الصحيحة؛ فحقيقة الأمر أن ~~آنسون لم يكن يهتم بالزهور ولا يعلم عنها إلا القليل. ولم يكن ~~وضع البطاقات إلا جزءا من هوسه بتسمية الأشياء؛ إذ كانت تجعل ~~حديقة آل بينتلاند تبدو مكانا أكثر هدوءا وترتيبا. أحيانا كان ~~يبدو لأوليفيا أنه أمضى حياته في وضع البطاقات وتصنيف كل ما يصادفه ~~في طريقه: الأخلاق، والمشاعر، والأفكار، وكل شيء. كانت عادة تتنامى ~~لديه مع بلوغه منتصف العمر. # وجرت العادة بتأخير وجبة العشاء لأن آنسون كان يفضل استغلال ~~أيام الصيف الطويلة وتأخر الغسق، وبعد تناول العشاء اعتاد جميع ~~أفراد العائلة، باستثناء جاك، الذي كان يأوي إلى فراشه بعد العشاء ~~مباشرة، على الجلوس في غرفة الجلوس المصممة على الطراز ~~الفيكتوري، فكانوا يقرءون الرسائل ويكتبونها أو يلعبون لعبة ~~سوليتير أحيانا، بينما يجلس آنسون في ركنه على مكتب السيد لويل ~~عاكفا على كتابه: «عائلة بينتلاند ومستعمرة خليج ماساتشوستس»، ~~ويتابع عددا هائلا من المراسلات المتبادلة مع أمناء المكتبات ~~وكبار السن من الرجال والنساء المنشغلين بالأنساب. ونادرا ما ~~تغير روتين المساء، فآنسون لم يكن يحب الخروج وأوليفيا لا ~~تحبذ الخروج بمفردها. ولم يتبدل الحال ويتغير روتين العائلة ~~إلا مع بداية فصل الصيف، عندما كبرت سيبيل وبدأت في الخروج من وقت ~~لآخر لتناول العشاء وحضور الحفلات، وبعد ms081 أن عادت سابين المزعجة، ~~المعروفة بعشقها للعبة البريدج، إلى الحي. وقلت الآن الأمسيات ~~التي كانت تمضيها أوليفيا وسيبيل في لعب لعبة سوليتير والعجوز جون ~~بينتلاند جالس يقرأ على ضوء مصباح السيد لونجفيلو أو مكتف ~~بالجلوس صامتا محدقا في الفراغ أمامه، شاردا مع أفكاره. # وفي تلك الأمسيات الطويلة، أحيانا ما كانت أوليفيا ترفع بصرها ~~فجأة دون سبب على الإطلاق، لتجد سيبيل جالسة بالطريقة ذاتها تنظر ~~إليها، فتعرف كلتاهما أنهما، مثل العجوز جون بينتلاند، كانتا ~~جالستين طوال الوقت ممسكتين بكتابيهما دون أن تعيا كلمة مما ~~قرأتا. كان الأمر يبدو وكأن تعويذة سحرتهم، وكأنهم ينتظرون ~~شيئا. ولكن هذا الصمت كان يقطع مرة أو مرتين بحدة حين يعلو ~~صوت تأوهات لا تطاق آتية من الجناح الشمالي حين تباغت إحدى ~~نوبات العنف المرأة العجوز وتستحوذ عليها. # كانت المقاطعات الوحيدة تتمثل في تعليقات آنسون العابرة ~~وتفقد أوليفيا لغرفة جاك للتأكد من أنه لم يصبه مكروه. ~~كانتا تتحدثان دائما بأصوات خفيضة وهما تلعبان لعبة سوليتير ~~حتى لا تزعجا آنسون أثناء عمله. وأحيانا كانت تصادفه معلومة كان ~~قد ظل يبحث عنها طويلا وعندئذ كان يلتفت إليهما ويخبرهما ~~عنها. # في إحدى الليالي توصل لاكتشافه المتعلق بسافينا بينتلاند. ~~... # وحينها صاح قائلا: «كنت محقا بشأن سافينا بينتلاند. كانت ~~ابنة عم توبي كاين من الدرجة الأولى، وليس من الدرجة ~~الثانية.» # فأبدت أوليفيا اهتماما بأن قالت: «أكان ذلك ما راسلت صحيفة ~~ترانسكربت بخصوصه؟» # فأجابها قائلا: «أجل ... وكنت واثقا من أن المحرر المختص ~~بعلم الأنساب كان مخطئا. انظري ... الأمر مذكور هنا في أحد الخطابات ~~التي كتبها جاريد بينتلاند وقت غرقها ... كان جاريد زوجها ... وهو ~~يشير إلى توبي كاين بصفته ابن عمها الوحيد من الدرجة ~~الأولى.» # قالت أوليفيا: «سيساعدك ذلك كثيرا، أليس كذلك؟» # رد قائلا: «سيساعد في إزالة الغموض عن الفصل المتعلق بأصول ~~عائلتها.» وبعدما صمت للحظة، أردف قائلا: «أتمنى أن أتمكن من ~~العثور على أثر ما للمراسلات المتبادلة بين سافينا بينتلاند ~~وكاين. أنا متأكد من أنها ستوضح الكثير من الأشياء ... ولكنها ~~تبدو غير موجودة ms082 ... فقط رسالة أو رسالتان لا توضحان ~~شيئا.» # ثم عاد مرة أخرى إلى صمت عميق، غارقا في حفيف الكتب القديمة ~~والرسائل المصفرة، تاركا أسطورة سافينا بينتلاند تستحوذ على ~~أذهان الموجودين في الغرفة. # كانت لذكرى هذه السيدة طريقة في التسلل إلى أفراد العائلة دون ~~وعي منهم، أو بالأحرى دون رغبة منهم. كانت حاضرة دوما في ~~المنزل، نابضة بالحياة أكثر من أي سلف من أسلافهم الأكثر رصانة، ~~ربما لأنها الوحيدة من بينهم التي أحاطتها هالة من العظمة؛ فهي ~~الوحيدة التي كانت بطريقتها الطائشة سيدة عظيمة. كان لطيشها وبذخها ~~سطوة، حجبت في النهاية، جميع الزوجات الأخريات اللاتي اتسمن ~~بالبساطة والتدبير والملامح الجادة، واللاتي زينت صورهن ~~المرسومة ردهة منزل عائلة بينتلاند، مثلما تطغى شمس مشرقة بنورها ~~على ضوء النجوم الواهن. وأحاطت بأصولها الغامضة هالة رومانسية ~~دائمة؛ إذ لم يكن أحد يعرف من كانت والدتها أو من أين جاءت بالضبط. ~~لعل الأم تنحدر من أصل لا يقل تواضعا عن أصل البينتلاندي ~~الأول صاحب الحانوت حين نزل على أرض الخليج، ولكنها كانت تحمل ~~سمرة العرق البرتغالي؛ وقال البعض إنها كانت ابنة صياد سمك. أما ~~سافينا نفسها فكانت تتمتع بسحر كان كافيا لإغواء أحد أفراد ~~بينتلاند الحذرين ليفر معها مخالفا نزعة الشك والارتياب ~~المتغلغلة في عظام ولحم عائلة بينتلاند. # برزت صورة سافينا بينتلاند بين باقي صور الردهة البيضاء، فاتنة ~~وجميلة ليس فقط لسمرتها وحسنها، وإنما لأنها رسمت بفرشاة الرسام ~~دومينيك آنجر في روما خلال السنوات التي قضاها في رسم السائحين ~~ليقي نفسه من شر الموت جوعا. كانت الصورة الزيتية لامرأة صغيرة ~~الحجم ولكن ممتلئة القوام ذات عينين داكنتين مغريتين وشعر أسود ~~ناعم يكلل جبينها المشرق كزهرة كاميليا بيضاء وينتهي بعقدة ~~صغيرة على مؤخرة عنقها الناصع البياض؛ امرأة أطلت من صورة ~~قديمة بنظرة براقة نابضة بالحياة لامرأة عاشت حياتها بجرأة وشغف. ~~كانت ترتدي ثوبا مخمليا بلون برتقالي زهري وتزينت بطقم حلي ~~اللؤلؤ والزمرد الشهير الذي أهداه لها جاريد بينتلاند الولهان، مما ~~تسبب في فضيحة لعائلة كان البخل والإقتار ديدنها. ms083 وعند المرور ~~عبر المعرض الطويل من الصور المعلقة في الردهة دائما ما كانت صورة ~~سافينا بينتلاند هي التي تجتذب الانتباه. كانت ذات نفوذ وهي ~~معلقة فوق الجدران ولا بد وأنها كانت كذلك في حياتها، وبدت جريئة ~~ورائعة الجمال وإن بدت أيضا سوقية بعض الشيء، لا سيما في عالم ~~يتسم أفراده بالرصانة والاتزان كهؤلاء، ومع ذلك كانت جميلة ~~ومفعمة بالحيوية لدرجة أنها جعلت بقية الصور المتراصة بجوارها غير ~~جديرة بأن تؤخذ في الاعتبار. # حتى في الموت ظلت «دخيلة»؛ إذ كانت الوحيدة من بين أفراد ~~العائلة التي لم ترقد بسلام بين الأشجار المتقزمة أعلى التل ~~الأجرد حيث دفن آل بينتلاند الأوائل موتاهم. كان كل ما تبقى من ~~رفات الجسد الدفيء الغض يرقد في الرمال البيضاء بقاع المحيط ~~على مرمى بصر آل بينتلاند. بدا الأمر وكأن القدر كان قد أسلمها ~~بالموت إلى أن تدفن في قبر تكتنفه العواصف والشدائد مثلما كانت ~~تلاقي وهي على قيد الحياة. وفي مكان قريب منها في الرمال البيضاء ~~المضطربة رقد توبي كاين، الذي كانت قد خرجت معه للإبحار في أحد ~~أيام الصيف المشرقة فحولت عاصفة مفاجئة النزهة المبهجة إلى ~~فاجعة. # وحتى العمة كاسي، التي لم تكن تثق في أي امرأة ذات نظرة جريئة ~~ومتحررة كتلك التي رسمها آنجر بفرشاته، عجزت عن إبطال سحر ~~أسطورة سافينا. كانت تجد ذكرى أخرى أكثر إيلاما، ذكرى تكمن في ~~معرفتها بأن طقم اللؤلؤ والزمرد وجميع المجوهرات الأخرى التي ~~كانت سافينا قد انتزعتها من زوجها البخيل مدفونة في مكان ما تحت ~~الرمال البيضاء بين عظامها وعظام ابن عمها. لم تكن العمة كاسي ترى ~~سافينا بينتلاند أكثر من مجرد مخلوقة طائشة وسفيهة. كانت معادية ~~لثروة آل بينتلاند وكل مثل العائلة. # شكلت الصور الشخصية لأفراد العائلة قيمة كبيرة لآنسون في ~~تأليفه لكتابه، لأنها كانت تمثل مجموعة الأسلاف الأكثر اكتمالا ~~في سائر أمريكا. فبدءا من صورة البينتلاندي المهاجر، المرسومة على ~~لوح خشبي رسمه رسام رحالة من رسامي لافتات الحانات، وانتهاء ~~بصورة جون بينتلاند الوسيم، والتي رسمت له ms084 وهو في منتصف العمر ~~مرتديا معطفا ورديا بفرشاة الرسام سارجنت، وصورة آنسون ~~الرديئة والكئيبة إلى حد ما، التي رسمها له أيضا السيد سارجنت، ~~كانت المجموعة مكتملة ولم يكن ينقصها إلا شخصان؛ جاريد بينتلاند ~~المتخاذل زوج سافينا، والبينتلاندي الذي يتوسط والد جون العجوز ~~ومالك السفينة الشراعية السريعة، الذي كان قد توفي في الثالثة ~~والعشرين من عمره، وهو أمر من المشين أن يحدث لأي ~~بينتلاندي. # علقت الصور في صف مزدوج منمق في الردهة العالية السقف، ~~مرتبة زمنيا دون الاكتراث بالإضاءة، بحيث علقت الصور ~~الجيدة، مثل تلك التي رسمها آنجر وسارجنت للعجوز جون بينتلاند ~~والصورة غير المكتملة لآشور بينتلاند التي رسمها جيلبرت ستيوارت، ~~في أماكن معتمة، أما الصور الرديئة مثل الصورة المرسومة على لافتة ~~الحانة للبينتلاندي الأول فكانت معرضة لوهج ضوء ساطع. # كانت صورة هذا الأب الأكبر لجميع أفراد العائلة قد رسمت عندما ~~كان في التاسعة والثمانين، وبدا على هذه الخلفية الخشبية شيخا ~~عبوسا، متجهما ذا شعر أبيض وعينين ثاقبتين قريبتين جدا من ~~بعضهما. كان له وجه يشبه الوجوه التي يمكن للمرء أن يراها بين ~~الإخوة بليموث، من قرية ساسكس النائية الشبه المنسية، وجه رجل لافت ~~للنظر فقط لقوة جسده وصلابة عقل خالف كل شيء. ففي سن الرابعة ~~والثمانين، كان منبوذا بسبب انشقاقه عن الكنيسة التي كان قد صار ~~يعتبرها ملكيته الخاصة. # وبجواره علقت صورة بينتلاندي آخر كان شخصا عاديا ولم ~~يخلف وراءه ولو حتى أسطورة غامضة؛ وإلى جواره يظهر الوجه الوقح ~~والبغيض، للبينتلاندي الذي عذب النساء العجائز الغريبات الأطوار ~~بغمرهن في الماء زعما بأنهن ساحرات، وقطع آذان الكويكرز ~~المسالمين في المستعمرة التي تأسست إعلاء ل «حرية عبادة ~~الرب». # أما البينتلاندي الثالث فكان أعظم مبشري زمانه، رجل خاض في ~~نيو إنجلاند حاملا شعلة التبشير عاليا، واعظا في جموع أهل ~~القرية الغلاظ بلغة فظة ذات نبرة حماسية، لدرجة أن نساء عجائز ~~فارقن الحياة إثر الإصابة بسكتة دماغية وأنجبت الشابات أطفالا ~~مبتسرين. أظهرت العظات التي بقيت حتى يومنا هذا أنه كان رجلا غير ~~مثقف، بل ms085 وفي بعض الأحيان أقرب إلى كونه أميا، ومع ذلك كان ~~قد أسس بطاقته الهائلة مدرسة عليا وذاع صيته بصفته واعظا ~~و«سيف الرب الملتهب» حتى وصل إلى الإخوة الجهلة والبسطاء في ~~الريف الإنجليزي الداخلي. # أما البينتلاندي التالي فكان الابن الأكبر من بين عشرين طفلا من ~~أطفال المبشر (من أربع زوجات)، وهو رجل كان من الواضح قد أهمل ~~وصايا والده وظهر في صورته، مثالا للرجل الشهواني، سمينا جدا ~~ويبدو ودودا، وذا شفتين حمراوين مكتنزتين. كان هذا البينتلاندي ~~هو المؤسس للثروة التي أتاحت للعائلة أن تخطو خطوتها الأولى صعودا ~~نحو الطبقة الأرستقراطية التي انتهت بآنسون المنكب على كتاب ~~«عائلة بينتلاند ومستعمرة خليج ماساتشوستس». كان قد حقق ثروة ~~كبيرة بتجهيز سفن القراصنة وممارسة ما يشبه القرصنة على التجار ~~البريطانيين؛ وكانت هناك أيضا شائعة رائجة غامضة (كان آنسون ينوي ~~تجاهلها) بأنه حقق أرباحا تصل إلى ثلاثمائة بالمائة من سفينة ~~واحدة محملة بالزنوج بغرض الاتجار بالرقيق من الأفارقة. # تليه صورتان لاثنين من البينتلانديين كانا قد شاركا في الثورة، ~~وبعدها تأتي فجوة أخرى من الأشخاص العاديين، بما في ذلك الفجوة ~~التي مثلها جاريد المفقود، ثم يظهر أنتوني بينتلاند الذي زاد ~~ثروة العائلة زيادة مهولة من تجارة السفن الشراعية السريعة. كانت ~~صورة لرجل قوي داكن البشرة (أول البينتلانديين ذوي البشرة ~~السمراء، ممن يمكن تتبع نسبهم مباشرة وصولا إلى الأصول ~~البرتغالية لسافينا)، رسمها له فنان من الدرجة الثانية مخلص ~~للأسلوب الواقعي في الرسم، وكان قد صور ببراعة الثآليل التي ~~أفسدت وجه الرجل العجوز الموقر. وفي الصورة كان يقف في الحديقة ~~أمام منزل عائلة بينتلاند في دورهام، وخلفه الأهوار وسفينته ~~الشراعية الفاخرة سميراميس، تمخر، بأشرعتها المفتوحة كلها، المحيط ~~البعيد. # وإلى جواره تظهر صورة والد العجوز جون بينتلاند؛ وهو رجل يظهر ~~على ملامحه الورع، يرتدي زيا أسود بالكامل، بياقة سوداء عالية ~~وشعر أسود غزير مموج، وهو الذي زاد ثروة العائلة حتى صارت ثروة ~~كبيرة حقا من خلال عمله في تعاقدات توريد الأحذية والأغطية ~~للجنود في جيتيسبيرج وبول رن وريتشموند. وبعده اندحرت ms086 الطبقة ~~الأرستقراطية تماما، وتظهر الصورة التي رسمها سارجنت للعجوز جون ~~بينتلاند وهو في منتصف العمر رجلا كان خبيرا في استخدام كلاب ~~الصيد وعاش حياة رجل ريفي نبيل، رجلا يتجلى نفوذه وشخصيته، ~~تحولت ملامحه القوية تدريجيا إلى ملامح قاسية تكسوها المرارة ~~للرجل المسن الذي كان جالسا الآن يقرأ على ضوء مصباح السيد ~~لونجفيلو أو يكتفي بالتحديق أمامه في الفراغ، بينما ابنه جالس ~~يدون التاريخ الطويل للعائلة. # كان الغرباء يفتنون بمعرض الصور هذا؛ لأنه كان يمثل سجلا ~~مرئيا لعائلة لم تفقد مطلقا أيا من أموالها (باستثناء ~~الأموال المهدرة على ترف جواهر سافينا بينتلاند)، عائلة كانت ~~بمثابة العمود الفقري لمجتمع محلي، عائلة تزوج فيها الرجال ~~زوجاتهن لحسن تدبيرهن ومزاياهن كربات بيوت وليس لجمالهن، ~~عائلة متماسكة جديرة بالاحترام ومحاطة بالإجلال. كانت عشيرة ~~تتميز بعظمة مناقبها ونفوذها، بل وفي بعض الأحيان بعظمة تعصبها ~~وريائها. وكان يمثلها الآن العجوز جون بينتلاند وآنسون، والفتى ~~الذي يرقد طريح الفراش في الطابق العلوي في الغرفة المجاورة لغرفة ~~أوليفيا، يحتضر ببطء. ~~••• # في الساعة العاشرة من كل ليلة، كان جون بينتلاند يتمنى لهم ~~ليلة سعيدة ثم يأوي إلى الفراش، وفي الحادية عشرة كان آنسون يتركهم ~~ويختفي، بعد أن يرتب مكتبه بدقة ويضع أوراقه في ملفاتها، ويقول ~~لأوليفيا: «لو كنت مكانك، لما أطلت السهر، وأنت متعبة بشدة.» ~~وبعده بقليل، تقبل سيبيل والدتها وتصعد الدرج مرورا بجميع ~~الأسلاف. # وحينها فقط، بعد أن ينصرفوا عنها جميعا، تنعم أوليفيا ببعض ~~السكينة. فتزول عنها الأعباء، والهموم، والمخاوف، والأفكار التي ~~أثقلت دوما كاهلها، وتجلس لبعض الوقت مسندة ظهرها على الكرسي ~~ذي المسندين ومغمضة عينيها، مصغية إلى أنغام الليل؛ همهمات ~~النسيم الخافتة بين زهور الليلك‏ الذابلة خارج النافذة، ~~والصرير الصادر عن المنازل العتيقة ليلا، وأحيانا الصوت المشئوم ~~لخطوات الآنسة إيجان الصادرة من بعيد وهي تجتاز الجناح الشمالي ~~العتيق. ثم في إحدى الليالي سمعت مرة أخرى صوت هيجينز الصادر من ~~بعيد وهو يسب الفرس الحمراء أثناء جولة تفقده للإسطبلات قبل ~~خلوده إلى النوم. # وبعدما انصرف الجميع ، فتحت كتابها وانهمكت ms087 في القراءة. «لم تحر ~~السيدة كليف جوابا، وفكرت بخزي في أنها كانت ستأخذ كل ما قيل عن ~~التغيير الذي اعترى الأمير علامات دالة على عاطفته، لو لم تكن قد ~~تحررت من الأوهام. كانت تشعر ببعض المرارة تجاه زوجة وريث العرش. ~~...» كانت تشعر في هذا العالم لسبب تجهله ببعض السكينة، كما لو ~~أنها كانت قد عاشت فيه سابقا وعادت إليه في سكون الليل. # وعند حلول منتصف الليل كانت تغلق الكتاب، وتتفقد الغرف ~~السفلية، وتطفئ المصابيح وتصعد الدرج الطويل لتقف عند باب ~~غرفة ابنها منصتة إلى صوت أنفاسه، الخافتة المضطربة. # 2 # كانت أوليفيا محقة في اعتقادها بأن آنسون شعر بالخجل من ~~تصرفه ليلة الحفل الراقص. لكنه لم يعتذر لها ولم يأت على ذكر ~~الأمر. واكتفى بعدم الحديث عنه ثانية. ولأسابيع بعد الواقعة لم ~~يذكر اسم أوهارا، ربما لأن الاسم كان يثير حتما ذكرى حديثه ~~المباغت المهين؛ غير أن شعوره بالخجل منعه من مضايقتها بالحديث ~~في الموضوع. ما لم يعرفه مطلقا هو أن أوليفيا، رغم استيائها من ~~الإهانة التي وجهت إلى والدها، شعرت أيضا بالسرور النابع من ~~فساد أنثوي؛ لأنه أظهر ولو للحظة نوبة مفاجئة من الغضب الحقيقي. ~~للحظة أوشك أن يصير الزوج الذي قد يثير اهتمام زوجته. # ولكنه في النهاية غاص من جديد في بحر من اللامبالاة التامة ~~حتى إن حملة تلميحات العمة كاسي ومقترحاتها الخفية عجزت عن ~~استثارته للإقدام على أي تصرف. تمكنت المرأة العجوز من الانفراد ~~به مرة أو مرتين، قائلة له: «آنسون، والدك يكبر في السن ولا ~~يمكنه تدبير أمر كل شيء أكثر من ذلك. يجب أن تشرع في اتخاذ موقف ~~بنفسك. فلا يمكن للعائلة أن تعتمد على امرأة. بالإضافة إلى أن ~~أوليفيا دخيلة حقا. ولم تفهم عالمنا قط.» وبعد ذلك كانت تهز ~~رأسها بأسى، وتتمتم قائلة: «ستقع مشاكل يا آنسون، حين يموت ~~والدك، إن لم تصبح سندا للعائلة. وستواجه مشكلة مع سيبيل؛ فهي ~~غريبة وعنيدة بطريقتها الهادئة، تماما مثلما كانت أوليفيا في ~~مسألة إلحاقها بمدرسة في باريس.» # وبعد ms088 فترة صمت، تعاود الحديث قائلة: «أنا آخر شخص في العالم ~~يتدخل في شئون الآخرين؛ ولكنني أتحدث فقط من أجل مصلحتك ومصلحة ~~أوليفيا ومصلحة جميع أفراد العائلة.» # ولكي يتخلص منها، كان آنسون يمنحها وعودا، مواجها إياها ~~بعينين تتحاشيان النظر إليها في إحدى زوايا الحديقة أو المنزل ~~القديم حيث كانت قد حاصرته بذكاء حتى لا يتمكن من الهروب منها. ~~وكان يتركها، مضطربا وقلقا؛ لأن العالم وهذه العائلة التي أثقلت ~~كاهله دون قصد، لن يدعاه ينعم بالسلام ليكمل كتاباته. كان ~~يمقت العمة كاسي بشدة لأنها لم تتركه ينعم بالسلام مطلقا، منذ ~~كان صغيرا حين جعلته يرتدي بنطالا من القطيفة وتركت شعره ~~مجعدا فبدا أشبه باللورد الصغير فنتلوري مما أثار سخرية سابين ~~الصغيرة الصهباء القبيحة. ولم تتوقف أبدا عن توبيخه على «عدم ~~كونه رجلا يدافع عن حقوقه.» وبدا له أن العمة كاسي كانت تحوم ~~دائما في الجوار، كثورة غضب خفية ملحة، تزعجه دائما؛ ومع ذلك ~~كان يعرف، من منطلق الغريزة أكثر من أي عملية استدلال منطقي، ~~أنها كانت حليفته في مواجهة الآخرين، حتى في مواجهة زوجته ووالده ~~وابنيه. فهو والعمة كاسي كانا يعبدان نفس الإله. # لذلك لم يفعل شيئا، أما أوليفيا، فأوفت بكلمتها، وتحدثت مع ~~سيبيل عن أوهارا في أحد الأيام وهما جالستان بمفردهما يتناولان ~~وجبة الإفطار. # كانت الفتاة قد امتطت فرسها برفقته ذاك الصباح، وجلست وهي ~~مرتدية زي ركوب الخيل، وقد تورد وجهها بفعل النشاط البدني ~~الذي بذلته في الصباح الباكر، وكانت تخبر أمها عن جمال ريف ~~دورهام، وعن جراء البيجل الوليدة، وعن وفاة سميث «العنيد»، الذي ~~كان آخر مزارع في المقاطعة ينحدر من نسل سكان نيو إنجلاند ~~القدامى. وقالت إن ابنه الأبله، سيرحل إلى ملجأ. وقالت إن ~~أوهارا سيشتري قطعة الأرض الصخرية التي كانت ملكا له. # وعندما أنهت حديثها، قالت والدتها: «وماذا عن أوهارا؟ أنت ~~معجبة به، أليس كذلك؟» # كانت لدى سيبيل طريقة في النظر إلى الأشخاص، وكأن عينيها ~~البنفسجيتين كانتا تحاولان أن تخترقا كل الادعاءات المزيفة ~~وتكشفا النقاب عن الحقيقة. كانت ms089 تتسلح بقوة نابعة من الصدق ~~والبساطة كانت كفيلة بتبديد أي شكوك تماما، واستخدمت هذه القوة ~~في تلك اللحظة، مبتسمة لوالدتها، بصدق. # وقالت: «أجل، أنا معجبة به كثيرا ... ولكن ... ولكن ...» وضحكت ~~برقة. ثم قالت: «إن كنت قلقة بشأن زواجي منه، ووقوعي في حبه، ~~فلا داعي لذلك. فأنا مولعة به لأنه الشخص الوحيد هنا الذي يحب ~~الأشياء التي أحبها. إنه يحب ركوب الخيل في الصباح الباكر، بينما ~~لا تزال قطرات الندى على العشب، ويحب أن يتسابق معي عبر المرج ~~السفلي إلى جانب مقلع الحجارة، ولا أنكر أنه رجل مثير ~~للاهتمام. فعندما يتحدث، يكون كلامه منطقيا. ولكن لا تقلقي؛ فلن ~~أتزوجه.» # قالت أوليفيا: «شغلني الأمر، لأنك تقابلينه أكثر مما تقابلين ~~أي أحد آخر هنا.» # فضحكت سيبيل مرة أخرى. وقالت: «ولكنه كبير في السن يا أمي. إنه ~~يتجاوز الخامسة والثلاثين. إنه كهل. وأنا أعرف أي نوع من الرجال ~~أريد الزواج منه. أعرف بالضبط. سيكون في مثل عمري.» # فقالت أمها: «لا يستطيع المرء دائما أن يجزم بهذا الأمر. فالأمر ~~ليس بتلك السهولة.» # فقالت سيبيل: «أنا واثقة من أنني أستطيع أن أجزم بذلك.» وارتسم ~~على وجهها تعبير جاد. وقالت: «لقد فكرت في الأمر مليا ورأيت ~~الكثير من الرجال الآخرين.» # أرادت أوليفيا أن تبتسم، ولكنها كانت تعلم أنها لن تجرؤ على ذلك ~~إن أرادتها أن تأتمنها على أسرارها اللطيفة والساذجة. # وتابعت سيبيل حديثها: «وأنا واثقة من أنني سأتعرف على الرجل ~~المناسب عندما أراه، على الفور. سيكون الأمر أشبه بشرارة، كصداقتي ~~مع أوهارا، لكنه سيكون أعمق من ذلك.» # فسألتها أوليفيا: «هل سبق لك أن تحدثت مع تيريز عن ~~الحب؟» # فأجابتها: «لا، لا يمكن التحدث معها في مثل هذه الأمور. فهي ~~لن تفهمها. تيريز تنظر إلى كل شيء من ناحية علمية، وبيولوجية. ~~وحين تتزوج تيريز، أظنها ستتزوج رجلا تختاره ليكون أبا ~~مناسبا لأولادها، من الناحية العلمية.» ~~«ليست بفكرة سيئة.» ~~«يمكنها أن تنجب منه دون أن تتزوجه، بالطريقة التي تربي بها ~~الضفادع. أرى ذلك بغيضا.» # ومرة أخرى، استولت على أوليفيا ms090 رغبة ملحة في الضحك، ~~وتمالكت نفسها بجهد بطولي. وظلت تفكر في مدى سذاجتها، وجهلها، حين ~~كانت في نفس عمر سيبيل، وكانت ساذجة وجاهلة رغم نوعية الخبرات ~~الفاسدة التي اكتسبتها في أروقة فنادق كونتيننتال. وظلت تفكر ~~في أن لدى سيبيل فرصة أفضل بكثير لنيل السعادة ... سيبيل، الجالسة ~~أمامها بملامح جادة، تدافع عن أفكارها الحماسية عن الرومانسية في ~~مواجهة الهجمات العلمية لتيريز السمراء، المتحمسة. # واستطردت سيبيل قائلة: «سيكون شخصا مثل أوهارا. شخصا مفعما ~~بالحياة؛ لكنه لن يكون كهلا مثل أوهارا.» ~~(إذن كانت سيبيل ترى أوهارا كهلا، وكان أصغر بأربع سنوات من ~~أوليفيا، التي شعرت بأنها في أوج شبابها وبدت هكذا. ظلت الفتاة ~~تتحدث عن أوهارا كما لو أن حياته قد انتهت؛ ولكن ربما كان ذلك فقط ~~لأنها هي نفسها كانت لا تزال صغيرة جدا). # حينئذ تنهدت أوليفيا، رغما عنها. وقالت: «يجب ألا تتوقعي ~~الكثير من العالم يا سيبيل. لا شيء مثالي، ولا حتى الزواج. ~~يتعين على المرء دوما أن يقدم تنازلات.» # فأجابتها: «أجل، أعي ذلك. لقد فكرت كثيرا في الأمر. ومع ذلك، ~~أنا واثقة من أنني سأتعرف على الرجل الذي سأتزوجه متى وقعت ~~عيناي عليه.» ومالت إلى الأمام وقالت بحماس: «ألم تكن لديك تلك ~~القدرة حين كنت فتاة؟» # أجابتها أوليفيا برقة: «أجل، كنت قادرة على ذلك.» # ثم، حتما، طرحت سيبيل السؤال التي ظلت أوليفيا تدعو الرب ألا ~~تسأله. حتى إنه كان بإمكانها سماع سؤال الفتاة قبل أن تتفوه به ~~بالفعل. كانت تعرف بالضبط ما ستقوله. # فسألتها سيبيل: «ألم تشعري بذلك فور لقائك بأبي؟» # وعلى الرغم من كل محاولاتها، أفلت من أوليفيا صدى تنهيدة خافتة. ~~وقالت: «أجل، شعرت به.» # ورأت سيبيل ترمقها بإحدى نظراتها الثاقبة الخاطفة الموحية ~~بالتساؤل، ثم أحنت رأسها فجأة، وكأنها تتظاهر بتفحص النقش على ~~طبقها. # وحين تحدثت مرة أخرى، غيرت الموضوع فجأة، فعلمت أوليفيا بأن ~~الفتاة تشك في صدق ما قالته، وهو ما ظلت تكتمه بسرية شديدة ~~لوقت طويل. # وسألتها: «لماذا لا تعاودي ركوب الخيل يا أمي؟ أود الذهاب ~~معك. ms091 يمكننا الذهاب مع أوهارا في الصباح، وحينئذ لن يكون لدى ~~العمة كاسي ما تقوله عن اختلاطي به.» ثم رفعت رأسها. وقالت: ~~«ستعجبين به. لن تستطيعي منع نفسك من ذلك.» # لاحظت أن سيبيل كانت تحاول أن تساعدها بطريقة ما، أن تصرف ~~انتباهها وتبدد التعاسة. # فقالت أوليفيا: «أنا معجبة به بالفعل، معجبة به ~~كثيرا.» # ثم نهضت، وقالت: «لقد وعدت سابين أن أذهب معها بالسيارة اليوم ~~إلى بوسطن. سنغادر في غضون عشرين دقيقة.» # انصرفت بسرعة لأنها علمت أن الجلوس وقضاء المزيد من الوقت في ~~الحديث عن مثل هذه الأمور، بينما كانت سيبيل تراقبها بعينين ~~تفيضان بحماس الشباب الذي ما تزال الحياة أمامه، سيكون أمرا ~~محفوفا بالمخاطر. # ومن كل هذا الحديث الذي دار بينهما، علق في ذهن أوليفيا أمران ~~مميزان؛ الأول أن سيبيل كانت ترى أوهارا كهلا، بل يكاد يكون ~~مسنا، لم تعد أمامه أي فرصة للرومانسية؛ والأمر الثاني هو ~~الاحتمال الكبير لمأساة تنتظر فتاة كانت واثقة جدا من أن الحب ~~من شأنه أن يكون علاقة رومانسية رائعة، وواثقة بشدة من الرجل ~~المثالي الذي ستجده ذات يوم. ماذا يتعين عليها أن تفعل مع سيبيل؟ ~~وأين ستجد رجلا كهذا؟ وحين تجده، ما الصعوبات التي سيتعين عليها ~~مواجهتها مع جون بينتلاند وآنسون والعمة كاسي وجميع أبناء العم ~~والأقارب الذين سينظمون صفوفهم في مواجهتها لهزيمتها؟ # وذلك لأنها رأت بوضوح كاف أن هذا الشاب الذي تنتظره سيبيل لن ~~يجسد أبدا فكرتهم عن الزوج المناسب. سيكون رجلا بصفات أوهارا، ~~أو حتى هيجينز، سائس الخيل. وتجلى لها بوضوح السبب الذي جعل ~~سيبيل مولعة بهذين الدخيلين؛ كانت قد اتضحت لها الصورة أكثر ~~فأكثر مؤخرا. كان السبب أنهما يتمتعان بقوة غريبة غامضة، يفتقر ~~إليها الآخرون الذين يعيشون في منزل عائلة بينتلاند كلهم، ~~ويتمتعان بحماس متقد وحيوية. فلا النسب، ولا الظروف، ولا ~~التقاليد، ولا الثروة، جعلتهما ينظران إلى الحياة على أنها فارغة ~~لا معنى لها، لا تتطلب منهما أي جهد، أو صراع، أو كفاح. فلم ~~يضلا طريقهما في متاهات مبهمة. كان أوهارا، بعمله ms092 وجهده، ~~وهيجينز بعلاقاته الغرامية الخاطفة وقربه من كل ما هو ترابي، لا ~~يزالان يحملان في نفسيهما زهوة الاستمتاع بلذة الحياة. توصلا ~~بطريقة ما إلى بواطن الأشياء حيث لا يزال لكل شيء طعم ومذاق ~~خصب. # وبينما كانت تسير في الردهة، وجدت نفسها تضحك بصوت عال على ~~عناوين الكتب الثلاثة الوحيدة التي أنتجتها عائلة بينتلاند حتى ذلك ~~الحين؛ «عائلة بينتلاند ومستعمرة خليج ماساتشوستس»، وكتابي ~~السيد سترازرس: «أفاريز منازل بوسطن القديمة» و«جولات ومحادثات في ~~باحات كنائس نيو إنجلاند.» فكرت فجأة فيما قالته سابين بطريقة ~~لاذعة عن نيو إنجلاند؛ أنها مكان من المرجح أن تصبح فيه الأفكار ~~«أعلى وأقل». # ولكنها أيضا كانت خائفة؛ لأنه في ظل فتنة الحياة المحيطة بها، ~~بدا لها أن فضائل أوهارا وهيجينز هي الأمور الوحيدة في العالم ~~التي تستحق حيازتها. كانت تتوق إلى الشعور بأنها حية، وهو ما لم ~~تشعر به من قبل، وعرفت أيضا أن هذا ما كانت تطمح إليه سيبيل، ~~وهي تتحسس طريقها في سنوات الشباب نحو الرومانسية بأعين شبه ~~مغمضة. كان شيئا استشعرته الفتاة ولم تعه بوضوح أبدا، ~~شيئا علمت بوجوده وبأنه في انتظارها. # 3 # أخذت سابين تراقب أوهارا وهو يجتاز الحقول أثناء الشفق، وشعرت ~~فجأة أنها تمكنت بحدسها من التغلغل إلى أعماق شخصيته. لعل ~~وحدته الشديدة كانت المفتاح الذي يفتح أقفال روحه بأكملها ويطلق ~~لها العنان، مفتاح عرفته سابين جيدا؛ لأن هذا الشعور لم يفارقها ~~قط طوال حياتها، باستثناء لحظة أو لحظتين من اللحظات العاطفية ~~المفاجئة في مسار حياتها مع كاليندار، عندما تحررت من شعور مؤلم ~~بأنها وحيدة. حتى وهي برفقة ابنتها، تيريز الغريبة الأطوار، كانت ~~وحيدة. كانت تراقب الحياة بالشغف ذاته الذي كانت تراقب به أوهارا ~~وهو يبتعد في مواجهة الأفق، وكانت قد أدركت منذ وقت طويل أن ~~الوحدة كانت لعنة تلازم الأحرار، حتى أولئك الذين ارتقوا قليلا ~~فوق مستوى الإنسانية العادية. وتأملت الحياة حولها، فوجدت أن ~~العجوز جون بينتلاند كان وحيدا، وأوليفيا، وحتى ابنتها تيريز، ~~التي كانت تتجول بمفردها عبر الأهوار بحثا عن الحشرات ms093 ~~والنباتات الغريبة. ورأت أن آنسون بينتلاند لم يكن وحيدا مطلقا؛ ~~إذ كان لديه أصدقاء يشبهونه لدرجة حالت دون التمييز بينه ~~وبينهم، وكان يتشارك مع العمة كاسي كل التقاليد والهوس ذاته. كانا ~~جزءا من نسيج، رقعة صغيرة من نسيج الحياة الكامل، لا ينفصلان ~~عنه. # بدا لها أن من بينهم جميعا، كما اتضح لها شيئا فشيئا عن ~~أوهارا، كان هو أكثرهم شعورا بالوحدة. كان لديه أصدقاء، عشرات، ~~بل مئات، في عشرات الدوائر، بدءا من الموانئ التي قضى فيها صباه ~~وحتى العالم المحيط بدورهام الذي قابل فيه آخرين عاملوه بود ~~وليس بالفتور الذي لقيه من جانب عائلة بينتلاند. حظي بالأصدقاء ~~لتمتعه بخصلة مميزة لا تقاوم. ففي أعماق عينيه الزرقاوين ~~المرحتين وفي زوايا فمه المكتنز، الشهواني نوعا ما، كان يكمن ~~نوع من التعاطف الشامل الذي جعله متفهما لمخاوف الآخرين وآمالهم ~~وطموحاتهم ومواطن ضعفهم. وكانت تلك الصفة، التي لا تقدر بمال في ~~مجال السياسة، هي ما دفع أعداءه إلى التشهير به زورا عند كل ~~الناس. لا بد أنه كان يمتلك موهبة تكوين صداقات، وهذا يفسر ~~وجود قطاعات كاملة من بوسطن مستعدة لأن تتبعه أينما ذهب؛ ولكن ~~خلف هذه الروابط الوثيقة غير المتكلفة كان يوجد دائما ستار من ~~نوع ما يفصله عنهم. كان يتصرف بأريحية في الحانات المتواضعة ~~أو في ولائم جولات الصيد الصباحية بنفس القدر من البساطة، ولكن ~~كان هناك جانب منه - الجانب الذي كان يمثل شخصية أوهارا الحقيقية ~~- لم ينكشف لأحد على الإطلاق، الجانب الذي كان يمثل شخصية رجل ~~أيرلندي شديد الحميمية، رومانسي، حالم، تحركه العاطفة، طائش، ~~غير متقيد بشيء، وهذه الشخصية كانت متوارية في موضع لا يمكن ~~لأحد اختراقه. عرفت سابين هذا الجانب من أوهارا؛ إذ كان قد انكشف ~~لها في لمحة خاطفة سريعة عند الإتيان على ذكر أوليفيا بينتلاند. ~~وبعد ذلك حينما فكرت في الأمر، استسلمت له، هي (سابين كاليندار)، ~~التي تتسم بالصلابة، والقسوة البالغة، والتشكك، مثلما فعل ~~أناس كثر قبلها. # وبينما كان واقفا في غرفة الجلوس الخاصة بها، ضخما وقويا ~~ومستقلا، ms094 بدا فجأة كصبي صغير، كالصبي الذي صادفته ذات مرة منذ ~~فترة طويلة في وقت متأخر من الليل، جالسا وحيدا وصامتا على ~~حافة الرصيف أمام منزلها في شارع دي تيلسيت. فتوقفت للحظة ~~وراقبته، وبعد قليل اقتربت منه وسألته: «ماذا تفعل على الرصيف في ~~هذه الساعة من الليل؟» فرفع الصبي ناظريه، وقال بجدية: ~~«ألعب.» # حدث ذلك قبل سنوات - ولا بد أن الصبي صار شابا الآن - ولكنها ~~تذكرت الصبي فجأة خلال اللحظة التي التفت فيها أوهارا وقال لها: ~~«سيعني لي ذلك الكثير، أكثر مما يمكنك أن تتخيلي.» # أدركت أن تلك كانت هي حقيقة أوهارا؛ رجل حزين ووحيد بعض الشيء، ~~وكأنه في خضم كل النجاحات التي حققها، وحياته المهنية ~~المزدهرة ومنزله الجديد الكبير وكلابه وخيوله وكل الأشياء الأخرى ~~مما كان يمتلكه من عتاد مبهر يخص رجلا نبيلا، تطلع إليها ~~وقال بجدية: «ألعب.» # كانت سابين قد أدركت منذ وقت طويل أن المرء بإمكانه أن يتذوق ~~طعم الحياة حين ينحي جانبا كل القواعد الصغيرة التي تربك ~~كيانه، وكل الروابط، والمعتقدات والتقاليد التي كانت قد دربت ~~عليها تدريبا مكثفا وقاسيا حتى انتهى بها الأمر إلى أن صارت ~~متمردة عليها. ووراء كل اللامبالاة البادية على ملامحها ~~والتعقيدات الذهنية، تستقر ركيزة من الصدق والإخلاص الشديدين ~~اللذين دفعاها إلى البحث عن رفاقها، فكانت تتعرف إليهم بطريقة ~~مباشرة كما يبلغ السهم هدفه، فقط من بين الأشخاص الذين أسمتهم ~~«كاملين». كانت تسمية لم تكلف نفسها جهد تعريفها لأي أحد، ربما ~~لأنها كانت تشك في أن أحدا غيرها سيلتفت إلى معنى هذه ~~التسمية؛ بل كانت هي ذاتها ترى أن تلك التسمية تفتقر إلى الدقة. ~~وعلى نحو مبهم، كانت تقصد بكلمة «الكمال» الأشخاص الذين ~~يعولون على أنفسهم، والذين لديهم كيان قوي بما يكفي للصمود ~~أمام أي اعتداء أو انهيار يصيب أي بيئة يكونون فيها، أشخاص ~~يمكنهم العيش مستقلين عن أي عالم مادي، يفتخرون بامتلاكهم ~~إحساسا بالفردية، ويمكنهم أن يثبتوا أقدامهم ويقررون مصائرهم ~~بنجاح أينما شاء القدر أن يضعهم. كانت قد اكتشفت أن وجودهم شيء ms095 ~~نادر، ومع ذلك كانوا موجودين في كل مكان، وهؤلاء أمثال جون ~~بينتلاند وأوهارا وأوليفيا وهيجينز. # لذا، كانت قد خلصت إلى أن تبحث عن حياتها بينهم، مجتذبة إياهم ~~بهدوء حولها أينما يتصادف في هذا العالم أن تتوقف لتستريح لبعض ~~الوقت. فعلت ذلك بهدوء ودون هتافات عالية منادية ب «الحرية» و«الحب ~~المتحرر» و«حق المرء في أن يعيش حياته»؛ لأنها كانت متحضرة بما ~~يكفي لأن تدرك عبثية لفت أنظار العالم إليها، وكانت تتسم ~~بانفعالية مفرطة وبنزعة فردية لدرجة أنها لم تحاول مطلقا تغيير ~~الآخرين. لعل هنا تكمن قوتها الناعمة ومصدر ذلك الغموض الذي يجعل ~~وجودها مربكا ومزعجا لأناس مثل آنسون والعمة كاسي. كان أمرا ~~لا يطاق للعمة كاسي أن تظن أن سابين حقا لم تعبأ حتى ~~باحتقارها، لا يطاق لامرأة عجوز أمضت حياتها كلها في ترتيب حياة ~~الآخرين أن تجد أن شابة طائشة مثل سابين لا تنظر إليها إلا ~~باعتبارها مثيرة للسخرية والشفقة. ولم تحتمل عدم قدرتها على إخراج ~~سابين من لامبالاتها الهادئة المتغطرسة، ولم تحتمل معرفتها بأنها ~~كانت تراقبها دائما بعينيها الخضراوين، وتتفحصها ببصرها مرارا ~~وتكرارا وكأنها حشرة لتكتشف أنها حشرة من نوع متدن. فأولئك ~~الذين شاركوا في اكتشاف سرها كانوا مغرمين بها، أما أولئك ~~الذين لم يفعلوا فكانوا يبغضونها. وعلى أي حال، كان سرا شديد ~~البساطة، مفاده ضرورة تحلي المرء بالبساطة والود والإنسانية ~~و«الكمال». فلم يكن لديها صبر على المبالغة في إظهار العواطف، ~~والتكلف وتصنع التقوى. # وهكذا، بدأ حضور سابين يشكل تدريجيا صدعا غير محدد المعالم ~~في عالم قانع وراض بل وفخور بذاته. شيء ما في عينيها ~~الخضراوين الباردتين، في صوتها الرنان، في الملاحظات المباغتة ~~الحصيفة، المحررة من الأوهام التي كانت تعلنها في لحظات مربكة، ~~ملأ أناسا مثل العمة كاسي بالقلق وأثار في نفوس أناس مثل أوليفيا ~~شعورا متقدا بالتبرم والتمرد. ازدادت أوليفيا نفسها ~~وعيا بالفارق مع مرور الأيام، وتشككت أحيانا في أن حماها، ~~العجوز القاسي، كان واعيا بالأمر. كان الأمر بينا ومفحما لأن ~~سابين لم تكن دخيلة؛ فمن شأن سخرية ms096 الدخلاء أن ترتد عن عالم ~~دورهام دون تأثير مثلما ترتد الأسهم عن ظهر حيوان المدرع. لكن ~~سابين كانت واحدة منهم؛ وكان ذلك ما أحدث الفارق؛ إذ كانت دوما ~~داخل القوقعة. # 4 # في إحدى ليالي صيف يونيو الحارة التي خلت من أي نسمات، تغلبت ~~سابين على شعورها بالخمول الباعث على الملل وجهزت وجبة عشاء في ~~منزل «بروك كوتيدج»؛ عشاء فاخرا، به ما لذ وطاب من طعام، وربما ~~قيل إنها أعطت لضيوفها إيحاء بلامبالاة هائلة من الكرسي الذي على ~~رأس المائدة، حيث جلست تغطي وجهها الأصباغ، وترتدي ملابس قبيحة ~~ومبهرجة، تراقبهم جميعا بمتعة منحرفة. فشل هذا العشاء فشلا ~~ذريعا في ضيافة المدعوين؛ لأنه كانت قد مرت سنوات طويلة منذ ~~أقامت سابين عشاء لم يكن فيه الضيوف الحاضرين بارعين بما يكفي ~~لأن يؤدوا واجبات الضيافة بأنفسهم، والآن بعد أن عادت مرة أخرى ~~إلى عالم تعددت فيه أسباب دعوة الناس إلى العشاء عدا سبب الرغبة ~~الحقيقية في صحبتهم، تقاعست عن بذل أي جهد. وفشل العشاء أيضا، ~~لأن تيريز، التي أقيم العشاء من أجلها، تصرفت تماما كما ~~تصرفت في ليلة الحفل الراقص. سرت حالة من الاضطراب والتوتر، ~~وشعور بالحرج بين الشباب الغر أما سابين وأوليفيا فشعرتا بالملل. ~~كان أوهارا حاضرا؛ إذ كانت سابين قد أوفت بنصف وعدها؛ ولكن حتى ~~هو جلس بهدوء، واختفت جرأته واندفاعه وحل محلهما خجل صبياني. ~~وبدا أنه سيطرت على الوضع كله حالة من التراخي، تلك اللعنة التي ~~أحاطت بالبيت القديم على الضفة الأخرى من النهر. # كانت أوليفيا قد جاءت، رغما عنها تقريبا، وسيطرت عليها حالة من ~~الإرهاق بعد زيارة طويلة دار فيها حوار بينها وبين العمة كاسي حول ~~موضوع الشائعات بوجود علاقة غرامية بين سيبيل وجارهم الأيرلندي. ~~وحين نهضوا، تسللت بهدوء إلى الحديقة؛ لأنها لم تستطع تحمل ~~فكرة إجراء محادثة متوترة ومصطنعة. أرادت، بشدة، أن تترك ~~وحدها في سلام. # كانت ليلة رائعة، حارة كما ينبغي لليلة صيفية أن تكون، ولكنها ~~كانت ليلة صافية أيضا، فبدت السماء بأكملها وكأنها قبة ياقوتية ~~مرصعة ms097 بماسات. وعند مقدمة المنزل، خلف حدود الحديقة الصغيرة ذات ~~الشرفات، امتدت الأهوار كسجادة داكنة صوب الكثبان الرملية ~~البعيدة، التي كانت قد صارت مع حلول الظلام معتمة وزرقاء قبالة ~~الخط الفاصل الأبيض الأكثر نقاء الذي صنعته الأمواج ذات الزبد. ~~ودفعها إحساسها بالعشب الرطب الكثيف تحت نعل صندلها الفضي إلى ~~أن تتوقف للحظة، وتتنفس بعمق، وملأها برغبة لطيفة، شبه غامضة، ~~في الامتزاج بكل هذا الجمال المحيط بها، بأجواء الهواء الساخن، ~~وعبير الزهور المتفتحة والسيقان الخضراء المنبثقة، بالعشب ~~والبحر والأهوار ذات الرائحة النفاذة، لتنساق إلى حالة من العدم ~~وفي الوقت نفسه من الكمال، لتسبح نحو الخلود. انتابها فجأة إحساس ~~غريب، ومحير بسرمدية كل هذه القوى والأحاسيس، بسرمدية البحر ~~والأهوار، والسيقان الخضراء المنبثقة والقبة الياقوتية المرصعة ~~بالماسات فوق رأسها. رأت لأول مرة في حياتها كلها قوة شيء استمر ~~ودام، متجاهلا المخلوقات الصغيرة المثيرة للشفقة مثلها ومثل ~~الآخرين الموجودين في المنزل خلفها، قوة تجاهلت المدن والجيوش ~~والأمم، قوة ستدوم زمنا طويلا بعد أن يكون العشب قد غطى أطلال ~~المنزل القديم في أرض عائلة بينتلاند. كانت هذه القوة تجتاحها، ~~تاركة إياها عالقة في مكان ما في المياه الراكدة. وانتابتها ~~رغبة مفاجئة ملحة، للمشاركة في هذا المشهد العظيم للخصوبة ~~السرمدية، التي كانت لغزا أقوى من أي منهم وأقوى منهم مجتمعين، ~~قوة من شأنها أن تسحق في النهاية كل ما كان لديهم من كبرياء ~~تافه زائل ومعتقدات وتقاليد عارضة ضئيلة. # ثم فكرت في نفسها، وكأنها كانت تدرك ذلك لأول مرة: «أنا متعبة، ~~متعبة بشدة، وغضبى قليلا.» # بينما كانت تسير عبر العشب الرطب، جلست على مقعد حجري كان ~~أوهارا قد وضعه أسفل إحدى أشجار التفاح العتيقة المتبقية من ~~البستان الذي كان يغطي جميع الأراضي المحيطة بمنزل «بروك كوتيدج» ~~أيام كانت سافينا بينتلاند لا تزال على قيد الحياة؛ ولفترة طويلة ~~(لم تدرك قط كم استغرقت) ظلت هناك تائهة في إحدى ثغرات الوعي ~~حينما لا يكون المرء في حالة من اليقظة أو النوم وإنما عند الحد ~~الغامض الذي يخلو من الأفكار، ms098 والهموم، والمشاكل. ثم شيئا فشيئا ~~أدركت أن شخصا ما يقف قريبا جدا منها، تحت الشجرة العتيقة، ~~الملتوية الأغصان. وكأنما كان وجوده حلما تجسد بطريقة ما فصار ~~حقيقة، لاحظت أولا رائحة دخان السيجار الذكورية تمتزج بعبير ~~الزهور النامية في حديقة سابين، وحين التفتت رأت جسدا أسود أدركت ~~فورا أنه أوهارا. لم تتفاجأ برؤيته؛ إذ بدا بطريقة غريبة وكأنها ~~كانت تتوقع قدومه. # وحين استدارت، سار نحوها وبدأ الحديث. سألها: «ازدهرت حديقتنا، ~~أليس كذلك؟ لا يمكنك أن تظني أن عمرها عام واحد فقط.» # أجابته قائلة: «أجل، لقد ازدهرت بشكل رائع.» وبعد فترة صمت ~~قصيرة، سألته: «منذ متى وأنت واقف هنا؟» # فأجابها: «منذ لحظة فقط. رأيتك تخرجين من المنزل.» وأنصتا لبعض ~~الوقت إلى الصوت الحزين للأمواج النائية وهي تتكسر على الشاطئ، ~~وبعد قليل قال برقة، وبصوت خالطته الرهبة: «إنها ليلة رائعة ... ليلة ~~مليئة بالجمال.» # حاولت جاهدة أن ترد عليه، ولكنها لم تحر جوابا. فقد أدهشها ~~التعليق الذي قاله أوهارا بكل هدوء؛ لأنه لم يخطر ببالها أن يكون ~~أوهارا منتبها لجمال هذه الليلة. كانت العتمة حالكة فلم تستطع ~~تمييز ملامحه، ولكنها كانت تراه كما تتذكره، ورأته أيضا، كما تراه ~~عيون الآخرين؛ صارما وقويا ولكنه مألوف قليلا، بالجرح في صدغه ~~وعينيه الزرقاوين الثاقبتين، وخطوته السريعة، بخفة ورشاقة غير ~~متوقعة من رجل بحجمه. كلا، قد يتوقع المرء من هيجينز السائس ~~الصغير الحجم أن يقول: «إنها ليلة رائعة ... ليلة مليئة بالجمال.» ~~فالرجال الذين كانت تعرفهم - أصدقاء آنسون - لم يكونوا يتفوهون ~~مطلقا بمثل هذه العبارات. بل إنها كانت تشك في أنهم من ~~المستحيل أن يلاحظوا ليلة كهذه، وإن فعلوا، فسيخجلون من أن يكونوا ~~قد فعلوا شيئا غير عادي. # تحدث إليها: «لم يحقق هذا الحفل نجاحا كبيرا.» # فأجابته: «لا.» # فقال: «لا أحد يبدو منسجما مع أي أحد آخر. كان يجدر بالسيدة ~~كاليندار ألا تطلب مني الحضور. ظننتها أكثر فطنة من ~~ذلك.» # ضحكت أوليفيا برقة. وقالت: «لعلها فعلت ذلك عن قصد. فلا يسعك ~~أبدا معرفة السبب الحقيقي وراء أي من أفعالها.» ms099 # ظل صامتا لبعض الوقت، وكأنه يتأمل ما قالته، ثم قال: «ألا ~~تشعرين بالبرد هنا في الخارج؟» # فأجابته: «لا، ليس في ليلة كهذه.» # ساد بينهما صمت طويل جدا وغامض جدا ينذر بالخطر لدرجة أنها ~~شعرت بالحاجة إلى قول شيء ما، بأدب وتكلف، كما لو كانا غريبين ~~جالسين في غرفة الاستقبال بعد العشاء لا في الحديقة التي كانا قد ~~زرعاها معا تحت أشجار التفاح العتيقة. # قالت: «لا أنفك أتساءل، كم سيستغرق الأمر حتى تزحف بيوت دورهام ~~وتغطي هذه الأرض.» # فأجابها: «لن يحدث، ما دمت أملك أرضا بين دورهام ~~والبحر.» # وابتسمت في الظلام لفكرة وجود سياسي أيرلندي يتبع طائفة الروم ~~الكاثوليك حام لريف نيو إنجلاند القديم هذا، وقالت جهرا: «طباعك ~~تزداد شيئا فشيئا شبها بالآخرين. تريد أن تجعل العالم يقف ~~ساكنا.» # فقال: «أجل، بوسعي أن أرى أن الأمر يبدو لك بلا ريب مضحكا.» ~~لم تكن ثمة مرارة تخالط صوته، وإنما نوع من التأذي في مشاعره، ~~وهو ما أذهلها مجددا؛ لأنه كان من المستحيل أن تفكر في أن أوهارا ~~شخص يمكن أن تتأذى مشاعره. # فقالت: «سيبقى منزل آل بينتلاند دائما كما هو، ولكن، بالطبع، ~~سنموت جميعا يوما ما ثم ماذا بعد؟» # فقال: «سيكون أبناؤنا موجودين دائما.» # كانت تدرك تدريجيا أنها تنزلق عائدة إلى ذاك العالم من ~~الهموم والمتاعب التي تركتها وراءها، العالم الذي كانت قد فرت ~~منه قبل قليل. فقالت: «إنك تتطلع إلى مستقبل بعيد.» # قال: «ربما، ولكنني أنوي أن يكون لدي أبناء يوما ما. وفي منزل ~~آل بينتلاند لديهم دائما سيبيل، التي ستقاتل بشراسة للحفاظ على ~~المنزل. لن تتخلى عنه أبدا.» # فقالت أوليفيا: «ولكنه سيكون ملكا لجاك، وأنا لست واثقة ~~بشأنه.» # تنهدت دون وعي، لعلمها الآن بأنها كانت تتظاهر مجددا، وبأنها ~~كانت غير صادقة. كانت تتظاهر مجددا بأن جاك سيعيش حتى يأتي اليوم ~~الذي يرث فيه منزل عائلة بينتلاند وحده، وأنه يوما ما سينجب ~~أطفالا يواصلون مسيرته. وظلت تقول لنفسها: «وحدها الحقيقة قادرة ~~على إنقاذنا جميعا.» وعلمت أن أوهارا فهم لعبة التظاهر الواهنة ms100 ~~التي كانت تلعبها. علمت لأنه ظل واقفا هناك صامتا، وكأن جاك قد ~~مات بالفعل، كما لو أنه فهم سبب التنهيدة المريرة الخافتة ~~واحترمها. # فسألته: «أنت ترى في سيبيل آمالا عريضة، أليس كذلك؟» # فأجابها: «أجل، إنها فتاة رائعة. يمكن للمرء الاعتماد ~~عليها.» # فقالت: «ربما لو كانت لديها بعض من خصال تيريز أو السيدة ~~كاليندار، لكانت أكثر أمنا من التعرض للأذى.» # لم يجبها على الفور، لكنها كانت تعرف أنه كان يقف هناك في ~~الظلام، يراقبها. # فتمتمت قائلة: «لكن كان من السخافة قول ذلك. فلا أظنك تفهم ما ~~أعنيه.» # فأجابها بسرعة. «بل أعرف بالضبط ما تعنيه. أعرف وواثق في أن ~~السيدة كاليندار تعرف. لقد تعلم كلانا إنقاذ نفسه؛ لم نتعلم في ~~المدرسة ذاتها، ولكنه يظل الدرس المستفاد ذاته. أما فيما يخص ~~سيبيل، فأظن أن ذلك منوط بهوية الشخص الذي ستتزوجه.» ~~(قالت أوليفيا في نفسها: «الآن إذن، ها هو يوشك أن يعترف. إن ~~سيبيل هي من يحبها. ويرغب في الزواج منها. لذلك تبعني إلى هنا.») ~~ها هي من جديد، تعود لتتورط بقوة في تعقيدات الحياة. شعرت بغيرة ~~مفاجئة مخجلة على سيبيل، التي كانت لا تزال في ريعان شبابها، ~~والتي كانت قد دفعتها بالكامل إلى تذكر ماضيها مع الآخرين في ~~عائلة بينتلاند. # قالت: «كنت أتساءل عما إذا كانت تقابلك أكثر مما ينبغي، عما ~~إذا كانت تشكل لك إزعاجا.» # فأجابها: «لا، لن تكون كذلك أبدا.» ثم أضاف بلهجة خالطها المرح: ~~«أعلم أنك بعد لحظة ستسألينني عن نواياي.» # فقالت: «لا، لا»، ولكنها لم تستطع التفكير في أي شيء آخر لتقوله. ~~وشعرت فجأة بالخجل والحرج والغباء قليلا، كفتاة صغيرة ترقص ~~رقصتها الأولى. # قال لها: «سأطلعك على نواياي»، ثم توقف فجأة عن الحديث. وقال: ~~«لماذا يستحيل علينا أن نتحلى بالصدق في هذا العالم، في حين أنه ~~ليس أمامنا وقت طويل لنعيشه؟ سيختلف عالمنا بالكامل لو تحلى ~~الجميع بالصدق، أليس كذلك؟» # تردد، منتظرا إجابتها، فقالت دون وعي منها: «بلى، سيختلف ~~كثيرا.» # عندما أجاب كانت في صوته مسحة باهتة من الحماس. ms101 فخفف منها أكثر ~~وتحدث بسرعة أكبر. لم تستطع رؤيته في الظلام، ورغم ذلك كانت واعية ~~جدا بهذا التغيير. # قال لها: «سأخبرك إذن. كنت أرى سيبيل كثيرا على أمل أن أرى ~~أمها ولو قليلا.» # لم تجبه. كل ما فعلته أنها ظلت جالسة في مكانها، عاجزة عن ~~الكلام، يسيطر عليها الارتباك، كما لو كانت فتاة صغيرة في مقابلة ~~مع أول عشاقها. حتى إنها شعرت بالدوار قليلا لسماع صوته. # فاعتذر لها: «لقد أسأت إليك. أنا آسف. ولكنني لم أقل غير ~~الحقيقة. ولا ضير في ذلك.» # وبجهد بطولي للتحدث بذكاء، نجحت في قول: «كلا، لست ~~مستاءة.» (وتملكها شعور لطيف، وسخيف، بالعجز.) «لا، لست ~~مستاءة. لا أدري ...» # كانت واثقة من شيء واحد فقط؛ هو أنها لم تختبر هذه الحالة ~~الغريبة من الدوار، والنشوة من قبل. كانت حالة خبيثة وغامرة بطريقة ~~لاذعة وحلوة. وظلت تفكر: «بدأت أفهم الآن كيف يمكن لفتاة أن ~~تتعرض للإغواء، وكيف يمكن أن تعجز عن إدراك ما تفعله.» # قال لها: «أظنك تحسبينني مجترئا.» # فقالت: «لا، أفكر فقط في أن هذا مستحيل، إنه جنون.» # فقال لها: «تفكرين في أنني همجي، متشرد، أيرلندي، روماني ~~كاثوليكي، شخص لم تسمعي عنه من قبل.» وتمهل، ثم أضاف: «أنا كل ~~ذلك، من وجهة نظر البعض.» # فأجابته: «لا، لا أظن ذلك؛ لا أظن ذلك.» # جلس بجانبها على المقعد الحجري صامتا. ثم تابع بنعومة: «لك كل ~~الحق في أن تفكري في ذلك. لك كل الحق في ذلك، ومع ذلك فأمور كتلك ~~لا تشكل فارقا، لا شيء يشكل أي فارق.» # فقالت له برقة: «كان والدي يشبهك كثيرا. اعتاد أعداؤه مناداته ~~في بعض الأحيان ب «الأيرلندي الهمجي» ...» # كانت تعلم طوال هذا الوقت أنه كان ينبغي عليها النهوض والبحث عن ~~ملجأ تلوذ به داخل المنزل. كانت تعلم أن تصرفها ربما كان سخيفا، ~~ولكنها مكثت في مكانها بكل هدوء. كانت مرهقة بشدة وكانت قد ~~انتظرت وطال انتظارها لشخص يحادثها بهذه الطريقة (أدركت ذلك الآن ~~فقط في لحظة خاطفة)، أن يحادثها كامرأة. كانت في أمس ms102 الحاجة، ~~إلى شخص تتكئ عليه. # وسألته بدافع من شعور غامض بقلة الحيلة: «وكيف لك أن تعرفني؟ ~~كيف لك أن تعرف أي شيء عني؟» # لم يلمسها. لم يفعل شيئا سوى الجلوس في الظلام، مشعرا إياها ~~بنوع من القوة التي كانت تتجاوز قدرتها، فكل ما قاله للأسف كان ~~حقيقيا. # قال: «أعرف، أعرف كل شيء عنك، كل شيء. لقد كنت أراقبك. ولقد ~~فهمتك، أكثر حتى مما فهمك الآخرون. فرجل عاش حياة كحياتي يرى ~~ويفهم الكثير مما لا ينتبه إليه الآخرون مطلقا؛ لأنه يعتمد على ~~بصيرته في إدراك كل شيء. إنه أقوى سلاح يمتلكه منتهز الفرص.» ~~مرت لحظة من الصمت وبعدها سألها: «هل يمكنك أن تفهمي ذلك؟ ربما ~~يكون صعبا؛ لأن حياتك كانت شديدة الاختلاف.» # فأجابته: «لم تكن شديدة الاختلاف، كما قد تظن، ولكن ربما أكون ~~فقط قد أفسدتها أكثر.» ثم استقامت في جلستها، وتمتمت قائلة: «من ~~الحماقة أن أسمح لك بالتحدث إلي بهذه الطريقة.» # فقاطعها سريعا بحماس شبه صبياني. «ولكنك مسرورة، أليس كذلك؟ ~~أنت مسرورة، على أي حال، سواء كنت تكترثين لأمري أم لا. أنت ~~تستحقين ذلك منذ وقت طويل.» # بدأت تنخرط في البكاء بهدوء، في عجز تام، دون صوت، وسالت ~~الدموع على خديها، وفكرت في نفسها قائلة: «الآن صرت مغفلة ~~تماما. إنني أرثي لحالي.» ولكنها لم تستطع التوقف عن ~~البكاء. # ورغم الظلام بدا أنه كان واعيا بدموعها؛ لأنه اختار ألا ~~يقاطعها. وظلا جالسين على هذا الحال وقتا طويلا في صمت، ~~وأوليفيا تشعر بألم حاد يعتصرها، وبجمال الليل وكانت تجد ~~الأمر برمته غريبا وغير حقيقي ومربكا. # قال لها بهدوء: «أردتك أن تعلمي أن شخصا بالقرب منك، ~~متيم بك، ومستعد للتخلي عن أي شيء لأجلك.» وبعد قليل ~~قال: «لعل من الأفضل أن ندخل الآن. يمكنك الدخول عبر الفناء ~~وضبط مساحيقك. وسأدخل أنا عبر الباب من الحديقة.» # وبينما كانا يسيران فوق العشب الرطب، العطر، قال: «سيكون من ~~الممتع أن تشاركيني أنا وسيبيل ركوب الخيل في الصباح.» # فقالت أوليفيا: «ولكنني لم أمتط حصانا من سنوات.» # وطوال ms103 ما تبقى من الأمسية، وبينما جلست أوليفيا تلعب البريدج مع ~~سابين وأوهارا وفتى عائلة مانيرينج، ظل ذهنها يشرد عن اللعبة في ~~مسارات جانبية غير مألوفة. وقالت لنفسها إنها لم تكن حتى تكن ~~لأوهارا أي مشاعر حب، ولو من بعيد؛ وكل ما في الأمر أن أحدا - ~~رجلا لا يتمتع بجاذبية استثنائية - اعترف لها بإعجابه بها، ومن ~~ثم شعرت بأنها شابة ومتهورة ومبتهجة. كان الأمر كله سخيفا ~~... ولكنه مع ذلك، وبطريقة غريبة، لم يكن سخيفا على الإطلاق. وظلت ~~تفكر في تعليقات آنسون عن أبيه والسيدة سومز العجوز، «إنها علاقة ~~سخيفة»، وتعليق سيبيل وهي تقول بجدية «لكنه لن يكون كهلا، مثل ~~أوهارا»، وشعرت في نفس الوقت لأول مرة في حياتها بأنها في ريعان ~~شبابها. لقد كانت شابة وهي تجلس على المقعد الحجري تحت شجرة ~~التفاح العتيقة، شابة على الرغم من كل شيء. # وقالت جهرا: «أربعة بستوني»، وأدركت في الحال أنه لم يكن ينبغي ~~أن تزايد في رهان كهذا. # كانت تشعر أيضا بالتوتر، لعلمها أن أعينا كانت منشغلة ~~بمراقبتها، طوال الوقت، أكثر من انشغالها باللعبة؛ عيني سابين ~~الخضراوين وعيني أوهارا الزرقاوين البراقتين. فلم تستطع رفع ~~بصرها دون مواجهة نظرة هذه أو ذاك؛ ولتحمي نفسها واجهتهما ~~بابتسامة صفراء متكلفة خفيفة كالابتسامة الآلية التي كانت ~~تصطنعها الآنسة إيجان. كان هذا النوع من الابتسام هو الذي يجعلها ~~تبدو متعبة الملامح، ولأول مرة شعرت بلمحة شفقة مثيرة للسخرية ~~لحال الآنسة إيجان. فلا بد وأن وجه الممرضة كان يؤلمها بشدة في ~~بعض الأحيان. ~~••• # كان الدوار لا يزال يلازمها وهي تصعد إلى السيارة بجانب سيبيل ~~وتنطلقان في الطريق الذي يؤدي من منزل «بروك كوتيدج» إلى منزل ~~عائلة بينتلاند. كان الطريق جزءا من طرق مزينة بالكامل ~~بالأشجار، تحدوها أسيجة وأشجار عتيقة، كانت تربط منازل الريف معا، ~~وفي الليل كانت متنزها ومكانا لاجتماع الخدم الذين يعملون في ~~هذه المنازل الكبيرة. كان المرء يصادفهم في مجموعات صغيرة من ثلاثة ~~أو أربعة أفراد، واقفين بجانب البوابات أو الجدران الحجرية، ~~يتبادلون أحاديث النميمة ويضحكون معا ms104 في الظلام، ويتبادلون ~~حكايات الحياة التي تدور داخل منازل أسيادهم، وقصص ما فعله الرجل ~~العجوز بالأمس، وكيف أن السيدة فلانة تستحم مرة واحدة فقط في ~~الأسبوع. كان ثمة عالم كامن أسفل السطح المصمت الهش الرتيب الذي ~~كان يحمي حياة الأثرياء، عالم مليء بالزيف والأسرار الغامضة والقيل ~~والقال في توافه الأمور، عالم ربما كان أكثر صدقا لأنه كان ~~مخفيا بعيدا عن الأعين - ربما باستثناء العمة كاسي، التي كانت ~~تعرف كم الأسرار المذهلة التي لدى الخدم - ولهذا السبب ظهرت ~~الحاجة إلى هذا النوع من التظاهر الذي وجدته أوليفيا مأساويا ~~للغاية. كانت تلك الأسرار تتردد في الممرات المظلمة ليلا بعد ~~انتهاء العشاء في الحي، وفي بعض الأحيان كانت أصداء السخرية ~~الصاخبة تتصاعد من هذه الأسرار في ضحكات أيرلندية جامحة كان ~~صداها يتردد في أرجاء المروج التي يعلوها بالضباب. # تردد أيضا على الممرات ذاتها العشاق، الذين كانوا يذهبون ~~أزواجا لا في مجموعات من ثلاثة أو أربعة أفراد، وفي بعض الأحيان ~~كانت تتردد أصداء لنوع مختلف من المرح؛ الضحك الجامح نصف ~~الهيستيري لخادمة مطبخ يتودد إليها سائس أو خادم منزل في زاوية ~~مظلمة بخشونة وحماس جامح. كان عالما كامنا لا يتفتح إلا تحت ~~أستار الظلام. وأحيانا في عتمة الليل، كان السادة، وهم يقودون ~~سياراتهم عائدين إلى المنزل من حفل راقص أو عشاء، يصادفون زوجا ~~من العشاق، يغمرهما الوهج اللامع المفاجئ لمصابيح السيارة، وهما ~~جالسان متعانقان أسفل إحدى الأشجار، أو مستلقيان شبه مختبئين بين ~~شجيرات الزعرور المتشابكة أو الشجيرات الأقدم. # والليلة، بينما كانت أوليفيا وسيبيل تمضيان بالسيارة في صمت ~~طوال الطريق، امتلأ الهواء الساخن برائحة قوية من أزهار الزعرور ~~والرائحة القوية الخبيثة للماشية، التي هبت باتجاههما عبر المروج ~~بفعل النسمات المالحة الضعيفة القادمة من ناحية الأهوار. كان الوقت ~~متأخرا ولم ترصد أضواء السيارة أي عشاق ضالين حتى بلغتا سفح ~~التل بجانب الجسر القديم، وهناك كشف الوهج فجأة عن ظل رجل ~~وامرأة جالسين معا مستندين إلى الجدار الحجري. وحين اقتربتا ~~منهما، انسلت المرأة بسرعة خلف الجدار، ثم ms105 تبعها الرجل وقفز بخفة ~~مثل الماعز إلى الأعلى ومنه إلى الحقل المجاور. ضحكت سيبيل وتمتمت: ~~«إنه هيجينز مجددا.» # كان هذا هيجينز. كان من السهل تمييز جسده البدين الرشيق، ~~وملابسه؛ سروال ركوب الخيل وقميص قطني بلا أكمام، وأثار مشهده وهو ~~يقفز فوق الجدار، انطباعا خاطفا مبهما في نفس أوليفيا أشبه ~~بذكرى شبه منسية. وقالت في نفسها إن الغزال الصغير، حين يفزع، ~~لا بد أنه يتوغل بين الأجمات بالطريقة ذاتها. وانتابها فجأة نفس ~~الشعور الغريب اللاذع بالرعب الذي كان قد انتاب سابين في الليلة ~~التي اكتشفته فيها مختبئا بين أشجار الليلك يشاهد الحفل ~~الراقص. # وأصابتها قشعريرة، فسألتها سيبيل: «ألا تشعرين بالبرد؟» # فأجابتها: «نعم.» # كانت تفكر في هيجينز وتأمل ألا تكون هذه بداية لمشاكل جديدة. ~~فقد أتتها مرة قبلئذ فتاة في ورطة؛ فتاة بولندية، ساعدتها وصرفتها ~~لأنها رأت أن إجبار هيجينز على الزواج منها ما كان سيجلب لهما أي ~~شيء إلا الشقاء. وكان سعي نصف فتيات الريف للظفر برجل مغضن ~~وقبيح للغاية، مثل هيجينز الضئيل الوحشي المشعر، لا ينفك ~~يذهلها. ~~••• # وداخل غرفتها أنصتت في الظلام حتى سمعت صوت أنفاس جاك الخافتة، ~~ثم، بعد أن بدلت ثيابها، جلست طويلا تطل من النافذة عبر ~~المروج باتجاه الأهوار. تملكتها إثارة مكبوحة بدا أنها تسري في ~~سائر جسدها وتؤرقها. وفارقها تعب الروح الذي كان قد جعلها تنساق ~~خلال الأشهر المنصرمة إلى نوع من الخمول. شعرت بالحياة تدب فيها، ~~أكثر مما كانت عليه في أي وقت مضى، حتى حينما كانت فتاة صغيرة؛ ~~فتوردت وجنتاها واتقدتا، فوضعت يديها البيضاوين على وجنتيها ~~لتشعر ببعض البرودة التي كانت تفتقر إليها نسمات الليل؛ لكن يديها ~~أيضا كانتا متقدتين مفعمتين بالحياة. # وبينما كانت جالسة هناك، تلاشت الأصوات الآتية من غرفة سيبيل عبر ~~الردهة وفي النهاية ساد سكون الليل إلا من صوت الأنفاس الخافتة ~~لابنها والصرير الغامض المألوف للمنزل العتيق. باتت وحدها الآن؛ إذ ~~كانت الوحيدة التي لم تنم، وصارت أكثر هدوءا، وهي جالسة مطلة ~~على المروج التي يغطيها الضباب . تسللت روائح الليل الدافئة ms106 ~~العبقة عبر النافذة، ومرة أخرى أحست بنشوة تسري في الهواء ~~تشبه النشوة التي أحستها وهي جالسة، قبل ساعات، في شرفة سابين ~~المطلة على البحر. وهاجمتها مرة أخرى أثناء قيادتهما للسيارة على ~~الطريق عبر مراعي الأهوار المنخفضة على ضفاف النهر. وبلغت ~~انفعالاتها ذروتها، حين رأت هيجينز، وهو يقفز فوق الجدار مثل ~~الماعز، حتى إن حدة المفاجأة أرعبتها. كان هذا الشعور لا يزال ~~يلازمها إلى حد ما، الشعور الغريب بقوة هائلة جبارة تحيط بها ~~من كل جهة، وتتحرك بسرعة وهدوء، وتقصي أولئك الذين عارضوها ~~وتقضي عليهم. # قالت في نفسها ثانية: «لقد مسني قليل من الجنون هذه الليلة. ~~ماذا دهاني؟» زاد خوفها، رغم أنه كان نوعا مختلفا عن الرعب ~~الذي أصابها في تلك اللحظات الغريبة التي كانت تشعر فيها بحضور ~~الموتى الذين عاشوا في منزل عائلة بينتلاند وبأنهم حولها في كل ~~مكان. فالشعور الذي كان يخالجها الآن لم يكن فزعا من الموتى؛ ~~بل كان رعبا من حياة يملؤها الدفء والعاطفة. قالت في نفسها: «لا ~~بد أن هذا ما حدث للآخرين. لا بد أن هذا ما شعروا به قبل ~~وفاتهم.» # لم يكن ما تقصده هو موت الجسد، بل موت الروح بطريقة ما، موت ~~يترك خلفه أناسا ذابلين مثل العمة كاسي وآنسون، والمرأة العجوز في ~~الجناح الشمالي، وحتى رجل شديد الصلابة والقوة مثل جون بينتلاند، ~~الذي ناضل بشدة أكثر من الآخرين. وشعرت فجأة بأنها عالقة بين ~~قوتين غامضتين، تتصارعان في قتال شرس. كان أمرا مربكا ~~وغامضا، لكنه جعلها تشعر فجأة باعتلال جسدي. تلاشى الإحساس ~~الدافئ بالحياة والإثارة، تاركا إياها باردة وهادئة، ومرهقة في ~~آن واحد، يملؤها شعور واهن بالإعياء، وهي لا تزال تحدق في الليل، ~~ولا تزال قادرة على تمييز رائحة الماشية الكثيفة وأزهار ~~الزعرور. ~~••• # لم تعرف مطلقا إن كانت قد غفت فوق الأريكة بجوار النافذة أم ~~لا، لكنها أدركت أنها استيقظت فجأة على صوت خطوات. خارج باب ~~غرفتها، في الردهة الطويلة، كان شخص ما يمشي، بخفة، وحذر. وهذه ~~المرة لم يكن الصوت مجرد صرير ms107 منبعث من المنزل العتيق؛ كان صوت ~~خطوات، منتظمة، ذات إيقاع ثابت، متكرر، خطوات شخص لا وزن له ~~تقريبا. أنصتت، وببطء، وبحذر، وكأن هذا الشخص كان أعمى ويتحسس ~~طريقه في الظلام، تقدمت الخطوات حتى وصلت بعد قليل أمام بابها ~~وأحاط خيط رفيع من الضوء بالباب الذي يؤدي إلى الردهة. نهضت ~~بهدوء، وهي لا تزال مستغرقة في شعور غامض بأنها تتحرك داخل ~~كابوس، وتوجهت إلى الباب وفتحته. ولمحت من بعيد في الردهة الطويلة، ~~عند الباب الذي يفتح على السلم المؤدي إلى علية المنزل، ~~دائرة صغيرة من الضوء منبعثة من مصباح كهربي. صنع الضوء ظلا ~~غامقا لامرأة عجوز ذات شعر أبيض تعرفت عليها أوليفيا في الحال. ~~تبين أن العجوز قد هربت من الجناح الشمالي. وبينما وقفت ~~تراقبها، فتح الجسد المترنح الباب واختفى بسرعة في اتجاه ~~الدرج. # لم يكن هناك وقت لتضيعه، ولا وقت حتى للذهاب بحثا عن الآنسة ~~إيجان المتيبسة. فلربما ألقت المسكينة بنفسها من النوافذ العليا. ~~لذلك، ودون أن ترتدي روبا، اجتازت أوليفيا بسرعة الردهة المظلمة ~~وصعدت الدرج حيث اختفت المخلوقة الغريبة الأطوار المتدثرة ~~بالروب المزخرف بالأزهار. # كانت العلية غرفة ضخمة غير مكتملة البناء تغطي المنزل ~~بالكامل، أشبه بكهف شاسع، فارغة من كل شيء باستثناء بعض الصناديق ~~القديمة وقطع الأثاث المحطم. كان قد اختزن بها حطام وبقايا حياة ~~عائلة بينتلاند، مفقودا ومنسيا في أعماق الغرفة الكبيرة لأكثر ~~من قرن من الزمان. لم يكن يدخلها أحد. فكادت أن تنسى، منذ كبر ~~جاك وسيبيل. إذ كانا يلعبان فيها في الأيام الممطرة عندما كانا ~~طفلين صغيرين، ومن قبلهما سابين وآنسون اللذان لعبا في الأركان ~~المظلمة والغامضة ذاتها بين الصناديق والأرائك والكراسي ~~المحطمة. # وجدت أوليفيا المكان غارقا في ظلام دامس باستثناء بقع من ضوء ~~الليل الأزرق المتسلل عبر زوج من النوافذ الناتئة، وفي أقصى ~~الغرفة، بجوار مجموعة من الصناديق القديمة، ظهرت دائرة الضوء ~~المنبعثة من المصباح والتي ظلت تتحرك في هذا الاتجاه وذاك، كما ~~لو كانت السيدة بينتلاند العجوز تبحث عن شيء ما. وفي عجلة هروبها ms108 ~~وفرارها، كان شعرها الأبيض الرقيق قد انفك وانسدل فوق كتفيها. ~~وانبعثت منها رائحة الدواء البغيضة. # لمستها أوليفيا بلطف وقالت: «ماذا فقدت يا سيدة بينتلاند؟ ~~أيمكنني مساعدتك؟» # استدارت العجوز، ووجهت ضوء المصباح بالكامل إلى وجه أوليفيا، ~~وحدقت فيها بعينيها الزرقاوين المستديرتين، وهي تتمتم: «أوه، ~~هذا أنت يا أوليفيا. لا بأس إذن. ربما يمكنك مساعدتي.» # فسألتها أوليفيا: «ماذا فقدت؟ لعل بإمكاننا البحث عنه في ~~الصباح.» # فأجابتها: «لقد نسيت الآن ما كان. أفزعتني، وأنت تعرفين أن ~~عقلي ضعيف، حتى في أحسن الأحوال. لم يكن جيدا أبدا منذ زواجي.» ~~ونظرت بحدة إلى أوليفيا. وسألتها: «لم يصبك ما أصابني، أليس ~~كذلك؟ هل حدث وشعرت بأنك تنجرفين في الأوهام وأنك تزدادين خفوتا ~~يوما بعد يوم؟ هذا غريب. لعل الأمر مختلف مع زوجك.» # رأت أوليفيا أن المرأة العجوز كانت تمر بلحظة نادرة من لحظات ~~التعقل والصفاء الذهني والتي كانت أسوأ بكثير من جنونها لأنها كانت ~~تجعلك لبعض الوقت ترى أنها، في نهاية المطاف، مثلك، إنسانة وقادرة ~~على التفكير. كانت أوليفيا في هذه اللحظات تشعر وكأنها شهدت بعث ~~الموتى. # قالت أوليفيا: «لا. لعلك تتذكرين في الصباح، إذا أويت إلى ~~فراشك الآن.» # هزت السيدة بينتلاند العجوز رأسها نفيا بعنف. وقالت: «لا، لا، ~~يجب أن أجدهم الآن. ربما يختلف كل شيء في الصباح وحينها لن أعي ~~شيئا ولن تدعني تلك المرأة الأيرلندية أخرج. سأظل أكرر بعض ~~الأسماء مثل الخوخ، والمناشر، وثمرة الكاكي. فهذا ما اعتاد السيد ~~ديكنز على فعله مع أطفاله عندما لم يتمكن من التفكير في كلمة ~~واحدة.» # قالت أوليفيا: «أعطيني المصباح؛ ربما أتمكن من العثور على ما ~~تريدينه.» # وبوداعة طفلة، أعطتها العجوز المصباح اليدوي الكهربي، فأمسكت ~~به أوليفيا ووجهته في هذا الاتجاه وذاك، بين الصناديق والقمامة ~~القديمة، وتظاهرت بالبحث بين بيوت الدمى وأطباق الألعاب ~~المتناثرة في أركان العلية حيث لعب الطفلان لعبة المنزل آخر ~~مرة. # وبينما هي تبحث، واصلت المرأة العجوز ترديد عبارة واحدة، ~~وكأنها تذكر نفسها: «إنه شيء أردت العثور عليه بشدة. سيحدث ~~فارقا كبيرا هنا في ms109 حياتنا جميعا. ظننت أنني قد أجد سابين هنا ~~لتساعدني. كانت هنا صباح أمس، تلعب مع آنسون. هطلت الأمطار طوال ~~اليوم فلم يتمكنا من الخروج. وأخفيتها هنا بالأمس حين صعدت ~~لتفقدهما.» # حاولت أوليفيا مهادنتها مرة أخرى. # فقالت: «لقد تأخر الوقت الآن يا سيدة بينتلاند. يفترض بنا ~~الآن أن نخلد إلى النوم. حاولي أن تتذكري ما تبحثين عنه، وفي ~~الصباح سأصعد لأجده لك.» # للحظة فكرت العجوز في هذا الاقتراح، وقالت أخيرا: «لن تعطيني ~~إياه إن عثرت عليه. أنا واثقة من أنك لن تعطيني إياه. فأنت ~~أيضا تخشينهم جميعا.» # قالت أوليفيا: «أعدك أنني سأعطيك إياه. يمكنك أن تثقي بي، ~~ألا يمكنك ذلك؟» # فأجابتها: «بلى، بلى، أنت الوحيدة التي لا تعاملني على أنني ~~غبية. أجل، أظن أن بإمكاني الوثوق فيك.» ثم خطرت لها فجأة فكرة ~~أخرى. فقالت: «ولكنني لن أتذكر مرة أخرى. ربما أنسى. بالإضافة ~~إلى أنني لا أظن أن الآنسة إيجان ستأذن لي.» # أمسكت أوليفيا بإحدى يدي العجوز النحيلتين، وقالت وكأنها ~~تتحدث إلى طفل صغير: «أعرف ما علينا فعله. غدا ستدونينه في ~~ورقة صغيرة ثم سأجده وأحضره لك.» # قالت العجوز: «أنا واثقة من أن سابين يمكنها أن تجده، إنها ~~بارعة في مثل هذه الأمور. إنها طفلة ذكية جدا.» # فقالت أوليفيا: «سأذهب وأحضر سابين لتساعدني.» # فنظرت إليها العجوز بحدة. وسألتها: «أتعدينني بذلك؟ ~~أتعدينني؟» # فأجابتها أوليفيا: «أجل، بالطبع.» # فقالت لها: «لأن الآخرين يخدعونني دائما.» # ثم بوداعة شديدة سمحت لأوليفيا بأن تقودها عبر رقع الأرضية ~~المغبرة التي أضاءها نور القمر، وهبطت الدرج عائدة إلى ~~غرفتها. وفي ردهة الجناح الشمالي صادفتا فجأة الآنسة إيجان ~~بملامحها المتيبسة، وقد ذهب عنها التيبس والجمود، وامتقع ~~وجهها فزعا. # قالت مخاطبة أوليفيا: «لقد بحثت عنها في كل مكان، يا سيدة ~~بينتلاند. لا أعلم كيف تمكنت من الهرب. كانت نائمة حين تركتها. ~~نزلت إلى المطبخ لأحضر لها عصير البرتقال، واختفت أثناء ~~غيابي.» # كانت العجوز هي من أجابتها. قالت، وهي تنظر بحدة إلى أوليفيا، ~~بنبرة تشوبها الثقة: «أنت تعرفين أنني لا أتحدث إليها مطلقا. ms110 ~~إنها وضيعة. إنها خادمة أيرلندية وضيعة. يمكنهم أن يحبسوني ~~معها، ولكنهم لن يجبروني على مخاطبتها.» ثم بدأت تنساق مرة ~~أخرى عائدة إلى الحالة الميئوس منها التي كانت معهودة منها جدا. ~~بدأت تغمغم وأخذت تردد مرارا وتكرارا سلسلة من الكلمات ~~والأسماء غير المفهومة. # تجاهلتها أوليفيا والآنسة إيجان، وبدا وكأن جزءا منها - ~~العجوز العاقلة الغامضة - قد اختفى، ليتبقى هذه المخلوقة ~~الثرثارة المثيرة للشفقة الغريبة الأطوار. # أوضحت أوليفيا أين عثرت على العجوز وسبب ذهابها إلى هناك. # فقالت الآنسة إيجان: «إنها لم تنفك تتحدث عن هذا الشأن ~~لأيام. أظنها تبحث عن رسائل، ربما لا وجود لها من الأساس. إنها ~~تخلط الأمور خلطا مريعا.» # كانت أوليفيا ترتجف في ثوب نومها، من التعب والتوتر أكثر من ~~شعورها ببرودة الليل. # وقالت: «ما كنت لأذكر الأمر لأحد من الآخرين يا آنسة إيجان. ~~فلن يصيبهم هذا إلا بالقلق. ولا بد أن ننتبه لها أكثر فيما ~~بعد.» # كانت العجوز قد تركتهما، وعادت إلى الغرفة المظلمة التي أمضت ~~فيها حياتها بأكملها، وكانت الممرضة قد بدأت في استعادة القليل من ~~ثقتها المستفزة. حتى إنها ابتسمت، تلك الابتسامة الجامدة البراقة ~~التي تقول: «لا يمكنكم الاستغناء عني، مهما حدث.» # قالت جهرا: «لا أستطيع أن أتخيل ما حدث يا سيدة ~~بينتلاند.» # فقالت أوليفيا: «كان حادثا عارضا، لا عليك، طابت ليلتك. ولكن ~~أرى أنه من الأفضل عدم التحدث عما حدث. لا فائدة من وراء ذلك ~~إلا إثارة القلق في نفوس الآخرين.» # لكن أوليفيا كانت في حيرة من أمرها؛ لأنه أسفل الروب الذي وضعته ~~الآنسة إيجان على كتفيها، رأت أن الممرضة لم تكن ترتدي ملابس ~~النوم ولا زيها المعتاد، وإنما كانت ترتدي حلتها الزرقاء ~~الصوفية التي كانت ترتديها في المناسبات النادرة حينما تذهب إلى ~~المدينة. # 5 # لم تتحدث مع أحد عما حدث، سواء ما حدث في الشرفة أو ما حدث في ~~الردهة أو في أعماق العلية القديمة، وتوالت الأيام وعادوا إلى ~~رتابة حياتهم القديمة مرة أخرى، كما لو أن الليلة الغريبة ~~والحارة والمزعجة لم تكن سوى حلم. ms111 ولم تقابل أوهارا، ومع ذلك ~~سمعت بأخباره، باستمرار، من سيبيل، ومن سابين، وحتى من جاك، الذي ~~بدا أقوى مما كان عليه في أي وقت مضى وكان قادرا لبعض الوقت على ~~التجول في المزرعة مع جده في العربة التي يجرها حصان أبيض ~~مسن. مرت لحظات بدا فيها لأوليفيا أن الصبي قد يشفى ذات يوم ~~ويبرأ حقا من علته، ومع ذلك لم يكن في تلك اللحظات أي فرحة ~~حقيقية مطلقا، لأن الحقيقة كانت دوما ماثلة أمامها. كانت تعلم ~~أن هذا لن يحدث أبدا، رغم كل ذلك النضال الشرس الذي استمرت فيه ~~على الدوام هي والرجل المسن في مواجهة الشيء الذي كان أقوى من ~~أي منهما. بل إنها في الواقع وجدت نوعا جديدا من الحزن في مشهد ~~الصبي النحيل الشاحب والرجل المسن الصارم وهما يمضيان بالعربة في ~~الطريق، وعينا الجد متألقتان بنظرة أمل خادعة. وجدتها نظرة لا ~~تطاق؛ لأنها كانت المرة الأولى منذ أعوام، تقريبا منذ اليوم ~~الأول الذي جاء فيه جاك إلى العالم، طفلا صغيرا لم يكن يبكي ~~كثيرا، التي يتبدل فيها تعبير الخضوع والاستسلام على ملامح ~~الرجل المسن. # وفي بعض الأحيان حينما كانت تشاهدهما معا، كانت تملؤها رغبة ~~عارمة في الذهاب إلى جون بينتلاند وإخباره أنه لم يكن خطؤها أنها ~~لم تنجب المزيد من الأطفال، ورثة آخرين يحلون محل جاك. أرادت ~~أن تخبره أنها ودت أن تنجب عشرة أطفال لو كان ذلك ممكنا، ~~وأنها حتى حينئذ كانت لا تزال شابة بما يكفي لإنجاب المزيد من ~~الأطفال. أرادت أن تبوح له ببعض ذلك التوق للحياة الذي كان قد ~~اجتاحها في تلك الليلة في حديقة سابين تحت شجرة التفاح، وهي بقعة ~~زاخرة بالخصوبة. ولكنها أدركت أيضا مدى استحالة مناقشة مسألة كان ~~العجوز جون بينتلاند في أعماق روحه يؤمن بأنها «غير لائقة». فمثل ~~هذه الأمور كانت كلها متوارية خلف حجاب منع ظهور الكثير من ~~الحقائق في حياتهم. مرت أوقات ظنت فيها أوليفيا أنه فهم كل ~~شيء، تلك الأوقات التي أمسك فيها بيدها وقبلها بمودة. ms112 تخيلت ~~أنه فهم وأن المعرفة تضرب بجذورها بطريقة ما في شعور الرجل العجوز ~~بالازدراء المستتر تجاه ابنه. # لكنها رأت جيدا جدا المأساة المتأصلة جذورها في المسألة ~~برمتها. فهمت أن آنسون لم يكن هو الملام. كانت حقيقة الأمر أنهم ~~جميعا كانوا قد وقعوا في شراك شيء أقوى من أي منهم، قوة أجبرتها ~~بإجحاف قاس على عيش حياة جافة رتيبة عقيمة في حين كان بإمكانها ~~الأخذ بأسباب الحياة بشغف، قوة أجبرتها على أن تشاهد ابنها ~~يموت ببطء أمام عينيها. # كانت تعود دائما إلى الخاطرة ذاتها، وهي أن الصبي يجب أن ~~يبقى على قيد الحياة حتى يموت جده؛ وأحيانا، وهي واقفة في ~~الشرفة، تطل عبر الحقول، كانت أوليفيا ترى أن السيدة العجوز ~~سومز، مرتدية ملابس وردية غير متناسقة، وقبعة ذات حافة كبيرة، ~~كانت تركب في العربة مع الرجل المسن وحفيده، كما لو كانت في حقيقة ~~الأمر هي جدة جاك وليس تلك العجوز المعتوهة الراقدة في الطابق ~~العلوي. # توالت الأيام لتستأنف جولة جديدة من الروتين الممل، ومع ذلك ~~كان ثمة فارق، فارق غريب وغير محدد، كما لو أن الشمس صارت ~~أكثر إشراقا مما كانت عليه، كما لو أن تلك الأيام، التي بدا ~~فيها المنزل حتى في ضوء الشمس الساطع مكانا كئيبا مملا، قد ~~انقضت. لم تعد قادرة على النظر عبر المروج نحو المداخن الجديدة ~~الساطعة لمنزل أوهارا دون أن تتسارع أنفاسها بغتة، وتشعر بإحساس ~~حميمي لطيف بأنها لم تعد تقف بمفردها تماما. # بلغ بها الأمر أنها حتى لم تعد تنزعج من زيارات العمة كاسي ~~اليومية المرهقة، ولا من هوس المرأة العجوز بالرثاء لحالها ~~وتلميحاتها الجامحة عن سابين وأوهارا والتذمر من ركوب سيبيل ~~الخيل معه في الصباح عبر الحقول المكسوة بقطرات الندى. كانت ~~ببساطة قادرة الآن على الجلوس هناك بأدب كما كانت تفعل من قبل، ~~مكتفية بالإنصات إلى المرأة العجوز بينما كانت تتابع حديثها بلا ~~توقف؛ كل ما في الأمر أنها لم تعد تكترث لأي مما تقوله. بدا ~~لها في بعض الأحيان أن العمة كاسي ms113 كانت تشبه بعض الحشرات، التي ~~تستمر بضرب رأسها بشدة في لوح من الزجاج، محاولة هباء مرارا ~~وتكرارا دون توقف الدخول إلى مكان يستحيل عليها دخوله. # كانت سابين هي التي أعطتها لمحة تغلغل مفاجئة إلى طبيعة العمة ~~كاسي، سابين التي قضت حياتها كلها في اكتشاف البشر. ففي صباح أحد ~~الأيام تلاقت سحابتا الغبار، تلك التي من صنع العمة كاسي مع ~~الأخرى التي أحدثتها سابين، حين التقتا في بداية الطريق الطويل ~~المؤدي إلى منزل عائلة بينتلاند، ووصلت المرأتان معا - ارتدت ~~إحداهما ملابس شديدة السواد، وخلا وجهها من أي مساحيق تجميل، ~~وارتدت الأخرى ملابس باهظة الثمن اصطلح بعض صانعي الملابس في باريس ~~على تسميتها بدلة رياضية، وتزينت بمساحيق تجميل جعلتها تشبه ~~امرأة باريسية - وصلتا معا وجلستا في ساحة منزل عائلة بينتلاند ~~وتبادلتا الإهانات ببراعة لساعة كاملة. وعندما نجحت سابين ~~أخيرا في التغلب على العمة كاسي في التحمل (كانت بينهما ~~منافسة دائمة؛ لأن كلا منهما كانت تعرف أن الأخرى ستهاجمها ~~فور أن توليها ظهرها) التفتت إلى أوليفيا وقالت فجأة: «كنت أفكر ~~في العمة كاسي، وصرت متأكدة الآن من شيء واحد. وهو أن العمة ~~كاسي عذراء!» # كان في كلامها شيء قاس ومفاجئ دفع أوليفيا إلى الضحك. # وأكدت سابين بلهجة جادة: «أنا واثقة من ذلك. انظري إليها. إنها ~~تتحدث دائما عن مأساة ضعفها الذي لازمها وحال دون إنجابها ~~لأطفال. إنها لم تحاول قط. تلك هي الإجابة. إنها لم تحاول قط.» ~~ألقت سابين ما تبقى من السيجارة التي كانت قد أشعلتها لإغاظة العمة ~~كاسي، وتابعت حديثها: «أنت لم تعرفي عمي نيد سترازرس قط حينما ~~كان شابا. لم تعهديه إلا رجلا مسنا بلا روح. لكنه لم يكن ~~دوما على تلك الحال. هذا ما فعلته هي به. لقد دمرته. كان رجلا ~~كريم المحتد يحب الشرب والخيل، ولا بد أنه كان يحب النساء ~~أيضا، لكنها أبرأته من ذلك. كان سيحب الأطفال، لكنه لم يحظ ~~بزوجة وإنما بامرأة لم تستطع تحمل فكرة العنوسة ومع ذلك لم ~~تحتمل ما يعنيه الزواج. ابتلي ms114 بمخلوقة كانت تفقد وعيها ~~وتبكي وهي ترقد على الأريكة طوال اليوم، ولكنها ظهرت عليه لأنه ~~كان رجلا لطيفا، أحمق، نبيلا.» # انطلقت سابين في الحديث بكل الحماس الذي استولى عليها حينما كشفت ~~عن رقعة صغيرة من الحياة وفحصتها بدقة. ~~«لم يجرؤ حتى على خيانتها. فإذا نظر إلى امرأة أخرى غابت هي عن ~~الوعي ومرضت بشدة وتحول الوضع إلى مشهد مأساوي مريع. أستطيع ~~تذكر بعض من هذه المشاهد. أتذكر أنه ذات مرة زار السيدة سومز ~~عندما كانت شابة وجميلة، وعندما عاد إلى المنزل قابلته العمة ~~كاسي وهي في حالة هستيرية وأخبرته أنه إذا حدث ذلك مرة أخرى، ~~فستغادر، «مع ضعفها والبؤس الذي كانت فيه»، وترتكب الزنا. أتذكر ~~القصة لأنني سمعت والدي يرويها عندما كنت طفلة وكنت بائسة حتى ~~اكتشفت ما يعنيه «ارتكاب الزنا». وانتهى الحال بتدميرها إياه. ~~أنا متأكدة من ذلك.» # كانت سابين جالسة، بوجه كأنما قد من صخر، تراقب بعينيها ~~سحابة الغبار التي كانت تتحرك على الطريق بينما كانت العمة ~~كاسي تتقدم في جولة زياراتها الصباحية، وكأنها بطريقة ما رمز ~~لجميع القوى التي أفسدت حياتها. # تمتمت أوليفيا: «هذا جائز.» # التفتت سابين نحوها، بحركة سريعة ومفاجئة. وقالت: «ولهذا السبب ~~تهتم دائما بحياة الآخرين. لم تحظ بحياة خاصة بها أبدا. ~~دائما ما كانت خائفة. هذا هو السبب وراء حبها لمصائب الآخرين، ~~لأنها لم تكن لديها أبدا مصائبها الخاصة. حتى موت زوجها لم يكن ~~مصيبة. فقد صارت بعده حرة، متحررة تماما من المتاعب مثلما ~~أرادت دوما.» # ثم حدث شيء غريب لأوليفيا. بدا وكأن عمة كاسي جديدة قد ولدت، كما ~~لو أن القديمة، التي تفيض عيناها بالدمع وتظهر تعاطفها سريعا ~~لمن حولها والتي تظهر بصورة عجيبة متى وقعت مصيبة في الحي، العمة ~~كاسي المعروفة بأعمالها الصالحة ودموعها ونصائحها الدينية، قد مضت ~~عبر هذا الطريق لآخر مرة، ولن تعود مرة أخرى أبدا. صباح الغد ~~ستصل عمة كاسي جديدة، واحدة تشبه القديمة ظاهريا؛ أوليفيا ~~وحدها ستراها بشكل مختلف، ستراها امرأة جردت من كل تلك الحجب ~~من التظاهر ms115 والعواطف التي غلفت بها نفسها، عجوز قبحها باد ~~للعيان، وفهمت أوليفيا في لمحة تجل خاطفة أنها مثل حشرة تضرب ~~لوح زجاج في محاولة عقيمة للدخول إلى مكان يستحيل عليها دخوله. ~~ولم تعد الآن تخشى العمة كاسي. لم تكن حتى تكرهها؛ كانت فقط ~~تشفق على المرأة العجوز لأنه كان قد فاتها الكثير؛ لأنها ستموت ~~دون أن تعيش يوما. ولا بد أنها كانت ذات يوم شابة وجميلة، وخفيفة ~~الظل جدا. ما زالت هناك لحظات تتجرد فيها تماما السيدة ~~العجوز من سحرها ومزاحها ولسانها السليط. # عادت سابين تتحدث، بلهجة قاسية، لا هوادة فيها. فقالت: «كانت ~~مستلقية هناك طوال تلك السنوات على الأريكة مغطاة بشال، تحاول ~~لترتيب حياة جميع من حولها. قضت على استقلالية آنسون ودمرت سعادتي. ~~وأرهبت زوجها حتى مات في النهاية هربا منها. كان رجلا دمث الخلق، ~~ترعبه الفضائح وإثارة الجلبة.» أشعلت سابين سيجارة وألقت ~~بالثقاب بحركة همجية مفاجئة. وتابعت: «والآن صارت تحوم في الأرجاء ~~مثل ملاك الرحمة، ملاك رحمة نشيط جدا، مثل أفاك في زي ملاك. ~~لقد برعت في أداء دورها. الجميع يعتقدون أنها امرأة ضعيفة، ~~وصالحة، وتعيسة. لا بد وأن بعض القديسين كانوا يشبهونها جدا. لا ~~بد وأن بعضهم كان يزعج العانسات العجائز.» # نهضت، ولفت وشاحا شفافا حول عنقها، وفتحت مظلتها الصفراء، ~~قائلة: «أعرف أنني على حق. فيما يخص كونها عذراء. على الأقل.» ~~وأضافت: «بالمعنى التقني للكلمة، هي عذراء. ولكني لا أعرف شيئا ~~بخصوص حالتها العقلية.» # ثم غيرت مسار الحديث فجأة قائلة: «هل ستذهبين معي إلى بوسطن ~~غدا؟ سأفعل شيئا بشأن شعري. بدأ الشيب يظهر فيه.» # لم ترد أوليفيا عليها في الحال، ولكن حين تحدثت، قالت: «أجل؛ ~~سأعاود ممارسة ركوب الخيل وأريد شراء بعض الملابس. فثيابي القديمة ~~ستبدو الآن مثيرة للسخرية. لقد مرت سنوات عديدة على آخر مرة ~~امتطيت فيها حصانا.» # نظرت سابين إليها بحدة، وأشاحت بوجهها مرة أخرى، وقالت: «سآتي ~~لاصطحابك حوالي العاشرة.» # | الفصل السادس # حل على مدينة دورهام جو حار رطب ومحمل برائحة كثيفة للحشائش ~~النضرة ورائحة شبه ms116 نتنة للأهوار المالحة، فاختزل الحياة بأكملها في ~~حالة استرخاء مميز للمناطق الاستوائية. حتى في أوقات الصباح عندما ~~كانت سيبيل تخرج مع أوهارا ليركبا الخيل عبر المروج، لم تكن أي نسمات ~~باردة تهب ولم تكن أي قطرات ندى تتساقط على العشب. ولم يقاوم ~~أحد الطقس الحار الرطب سوى العمة كاسي، بجسدها النحيل الضامر، وآنسون، ~~مدفوعا دوما بالشعور بالواجب الذي لا يلتفت لأشياء تافهة مثل حالة ~~الطقس. واصلت العمة كاسي، التي لم تكن تبالي بالحر ولا بالبرد، ولا ~~بالعاصفة ولا الهواء العليل، جولاتها التي لا تعرف الكلل أو الملل. ~~أما سابين، التي علقت بأنها كانت تعرف دوما أن نيو إنجلاند هي أحر ~~مكان في هذا الجانب من الجحيم، فقد تعودت على حالة من الكسل التام، ~~فلا تبرح المنزل إلا بعد مغيب الشمس. وحتى حينئذ، كان النشاط الوحيد ~~لها هو الخروج إلى منزل عائلة بينتلاند لتجلس في حجرة الكتابة للعب ~~البريدج بفتور مع أوليفيا وجون بينتلاند والسيدة سومز العجوز. # يوما بعد يوم بدت السيدة العجوز أكثر ارتباكا ونسيانا وإثارة ~~للإزعاج أثناء اللعب باعتبارها اللاعبة الرابعة في لعبة البريدج. ومع ~~ذلك، كان جون بينتلاند يصر دوما على اللعب معها كفريق ثنائي، ~~قائلا إن أحدهما يفهم طريقة لعب الآخر؛ بيد أنه لم يخدع أحدا بذلك، ~~عدا السيدة سومز، التي لم تكن تتمتع بذكاء كبير حتى في أفضل ~~حالاتها؛ إذ عرف الآخرون أنه كان يفعل ذلك لحمايتها. إذ كانوا يرونه ~~يجلس بهدوء وصبر بينما تطرح هي رهانات تعجز عن تحقيقها، وتفسد أوراقه ~~الرابحة وتتحجج بضعف النظر. كانت تتمتع بجمال رائع فيما مضى وكانت ~~لا تزال امرأة مختالة بنفسها، بكل مساحيق الزينة التي تضعها. وما كانت ~~لترتدي نظارة طبية أبدا ولذلك كانت تلعب من خلال النظر عبر نظارة ~~يدوية، وهو ما كان يبطئ إيقاع اللعبة بالكامل ويزيد الارتباك. ~~وأحيانا، في خضم الأخطاء الفادحة التي كانت ترتكبها السيدة ~~المسنة، كانت عينا سابين الخضراوان تعكسان نظرة غضب شديد، لكن ~~أوليفيا كانت تتمكن بطريقة ما من كبت أي نوبة غضب؛ ms117 بل إنها كانت ~~تستطيع أن تجبر سابين على مواصلة اللعب، ليلة تلو أخرى. تأثرت ~~أوليفيا كثيرا بمعاملة العجوز للسيدة سومز بصبر ورقة، وخيل ~~إليها أن سابين أيضا - سابين القاسية والساخرة والجزوعة - تأثرت ~~بذلك. كان في شخصية سابين جانب رقيق لافت للنظر وغير متوقع، كما لو ~~أنها بطريقة ما فهمت الرابطة التي جمعت بين العجوزين. الآن أصبحت ~~سابين، التي لم تكن تسمح بأن يشعرها أحد بالملل، على استعداد لأن ~~تجلس ليلة تلو الأخرى وتتحمل هذا الملل الشديد بصبر ~~وأناة. # وذات مرة حين قالت لها أوليفيا: «سنكون جميعا كبارا في السن يوما ~~ما. وربما سنكون في حال أسوأ من حال السيدة سومز المسنة»، ردت ~~سابين بأن هزت كتفيها في مرارة قائلة: «كبر السن أمر مثير للضجر. ~~وهذه هي مشكلتنا، يا أوليفيا. لن نستسلم ونصبح سيدات مسنات. جرت ~~العادة على أن تتشبث الجميلات بمرحلة الشباب، والآن نحن جميعا نفعل ~~الشيء نفسه. وعلى الأرجح سنكون عجائز بشعات نضع مساحيق التجميل ... ~~مثلها.» # أجابتها أوليفيا: «ربما»، بينما استحوذ عليها شعور بالرعب من فكرة ~~أنها ستتم الأربعين في عيد ميلادها القادم، وليس أمامها شيء، ولو في ~~المستقبل القريب، سوى أمسيات مثل هذه، تلعب فيها البريدج مع أشخاص ~~مسنين إلى أن تصير هي نفسها بعد قليل مسنة، دوما في الأجواء ~~الكئيبة للمنزل الكبير لعائلة بينتلاند. # وأردفت سابين قائلة: «ولكن لن ألجأ إلى تعاطي المخدرات. على ~~الأقل لن أفعل هذا.» # نظرت إليها أوليفيا بحدة. وسألتها: «من الذي يتعاطى ~~المخدرات؟» ~~«يا إلهي، هي تتعاطاها ... السيدة سومز العجوز. تتعاطى المخدرات منذ ~~سنوات. ظننت أن الجميع يعرفون ذلك.» # قالت أوليفيا بنبرة حزينة: «كلا، لم أعرف بهذا قط.» # ضحكت سابين. وردت قائلة: «أنت ساذجة.» # وبعد أن غادرت سابين إلى بيتها، غشيتها سحابة من الكآبة استمرت ~~لساعات. وفجأة شعرت بأن آنسون والعمة كاسي ربما يكونان محقين، في ~~نهاية المطاف. كان ثمة شيء خطير بخصوص امرأة مثل سابين، التي هتكت كل ~~الأستار، والتي ضحت بكل شيء في سبيل شغفها بالحقيقة. بطريقة ما ~~أربك هذا عالما ms118 لم يكن، حتى في أفضل حالاته، مبهجا للغاية. ~~••• # في بعض الأمسيات كانت السيدة سومز تبعث برسالة تقول فيها إنها تشعر ~~بتعب شديد يمنعها من اللعب، وفي تلك المناسبات كان جون بينتلاند ~~يمضي بسيارته ليعودها، وعندئذ كانت مباراة البريدج تقام في منزل ~~«بروك كوتيدج» مع أوهارا ولاعب رابع أحضره أحد ما من الريف. ولم تكن ~~سابين تكترث بهوية الشخص المختار ما دام يستطيع اللعب جيدا. # وحدث في هذه المناسبات أن لعب أوهارا وأوليفيا معا، ليكونا ~~بشكل أو آخر فريقا، كان ناجحا على نحو مثير للإعجاب. كان يلعب ~~بطريقة عرفت أنه سيتبعها في اللعب، بشراسة وذهن متقد، وبتركيز ~~شديد وتصميم على الفوز. أذهلها أن رجلا أمضى جل حياته في دوائر ~~لا تعرف لعبة بريدج قد أتقن هذه اللعبة المعقدة إتقانا كاملا. ~~تخيلته يأخذ دروسا خاصة في اللعبة بنفس الحماس الذي انكب به على ~~مساره المهني. # لم يتحدث معها ثانية عن الأشياء التي تطرق إليها أثناء وقوفهما في ~~الفناء الأمامي في تلك الليلة الحارة الأولى، وحرصت على ألا ينفرد ~~بها مطلقا. خجلت من اللعبة التي كانت تلعبها؛ أن تقابله دوما مع ~~سابين أو وهي تركب الخيل مع سيبيل وألا تعطيه فرصة للحديث؛ بدا لها ~~أن ذلك السلوك رخيص وغير نزيه. ولكنها لم تستطع أن تحمل نفسها على ~~رفض رؤيته، لأسباب منها أن الرفض من شأنه أن يثير الشكوك لدى سابين ~~المهتمة بالموضوع بالفعل، ولكن السبب الأهم هو أنها كانت ترغب في ~~مقابلته. كانت تجد في نفسها نوعا من البهجة في الطريقة التي ينظر ~~بها إليها، وفي الإتقان الذي صار به أحدهما يفهم طريقة لعب الآخر؛ وعلى ~~الرغم من أنه لم يقابلها على انفراد، ظل يخبرها بمئات الطرق ~~الخفية بأنه عاشق متيم بها. # كانت تقول في نفسها إنها تتصرف كتلميذة حمقاء، ولكنها لم تستطع أن ~~تحمل نفسها على التخلي عنه تماما. بدا لها أن إضاعتها لهذه ~~الأمسيات السعيدة النادرة كانت أمرا لا يحتمل. وكانت أيضا تخشى من ~~أن تصفها سابين بالحماقة . ~~••• # ومع توديع أوائل ms119 الصيف واستقبال شهر يوليو، قلت زيارات السيدة سومز ~~المسنة للعب البريدج أكثر فأكثر، وفي أوقات كانت سابين تتناول ~~العشاء بالخارج أو تأوي إلى الفراش مبكرا، فتحرمهم من لعب البريدج ~~ويخيم الهدوء المعتاد والمعهود على أجواء غرفة الجلوس في منزل عائلة ~~بينتلاند ... وفي تلك الأمسيات كانت أوليفيا وسيبيل تلعبان لعبة ~~السولتير في حين ينكفئ آنسون على مكتب السيد لويل متحسسا طريقه ~~عبر متاهات تاريخ عائلة بينتلاند المحير. # وفي إحدى هذه الأمسيات، عندما أجهدت القراءة عينا أوليفيا، أغلقت ~~كتابها، والتفتت إلى زوجها، ونادته. وحين لم يجبها على الفور تحدثت ~~إليه ثانية، وانتظرت حتى رفع نظره إليها. ثم قالت: «آنسون، لقد عدت ~~إلى ركوب الخيل مرة أخرى. أظن أنه نشاط مفيد لي.» # ولكن آنسون، الذي كان مستغرقا في تأليف الفصل الخاص بسافينا ~~بينتلاند وصداقتها مع آنجر، لم يبد أي اهتمام ولم يرد ~~بكلمة. # كررت قولها ثانية: «أذهب في الصباح، قبل تناول الإفطار، مع ~~سيبيل.» # رد آنسون قائلا: «حسنا»، ثم أردف: «أظن أنها فكرة رائعة؛ لونك صار ~~أفضل»، وعاد إلى عمله. # هكذا نجحت في أن تخبره بأن الأمور تسير على خير ما يرام فيما يخص ~~سيبيل وأوهارا. واستطاعت أن تخبره دون أن تقول له صراحة بأنها ستذهب ~~معهما وتمنع حدوث أي تطورات. لقد أخبرته أيضا دون أن تلمح إلى موقف ~~المواجهة الذي أشعره بالخجل. بالطبع، كانت تعرف حينها أنه ليس هناك ~~خطورة من حدوث أي تعقيدات، على الأقل أي تعقيد يمس سيبيل. # وبينما كانت جالسة والكتاب المغلق في حجرها، ظلت لبعض الوقت ~~تراقب مؤخرة رأس زوجها؛ الشعر الرمادي الخفيف، والعروق البارزة بوهن ~~تحت الجلد المجعد، والأذنان الصغيرتان جدا الملتصقتان بالجمجمة؛ في ~~الواقع كانت ترى طوال الوقت رأسا آخر مرتكزا على عنق مفتولة ~~العضلات، والبشرة السمراء المشرقة المتدفقة بالنضارة، والشعر الكثيف ~~القصير واللامع؛ وشعرت برغبة غريبة، وبلا تفسير، في أن تبكي، وفي ~~الوقت نفسه كانت تقول في نفسها: «أنا امرأة شريرة. أنا حتما سيئة.» ~~وذلك لأنها لم تكن قد عرفت مطلقا ماهية الوقوع في الحب، ms120 وعاشت عشرين ~~عاما تقريبا ضمن أسرة يشغل الحب فيها مكانة ضئيلة ومنسية. # كانت جالسة على هذا النحو عندما وصل جون بينتلاند أخيرا، بادي ~~الشحوب والإنهاك أكثر مما كان طيلة أيام. سألته بصوت خفيض، حتى لا ~~تزعج آنسون، عما إذا كانت السيدة سومز مريضة فعلا. أجابها العجوز ~~قائلا: «كلا، لا أظن ذلك؛ تبدو بخير، مرهقة قليلا، هذا كل ما في ~~الأمر. نحن جميعا نتقدم في العمر.» # جلس وبدأ يقرأ مثل الآخرين، متظاهرا بكل وضوح باهتمام لم يكن يشعر ~~به؛ إذ ضبطته أوليفيا فجأة يحدق أمامه في نقطة تتخطى حدود الصفحة ~~المطبوعة. لاحظت أنه لم يكن يقرأ على الإطلاق، وظلت تتردد في ذهنها ~~مجموعة صغيرة من الكلمات - «مرهقة قليلا، هذا كل ما في الأمر، نحن ~~جميعا نتقدم في العمر؛ مرهقة قليلا، هذا كل ما في الأمر، نحن ~~جميعا نتقدم في العمر» - ترددت الكلمات مرارا وتكرارا بوتيرة ~~رتيبة، كما لو أنها تنوم نفسها مغناطيسيا. ووجدت نفسها، هي ~~الأخرى، تحدق في الفراغ بنفس الطريقة المفتونة التي يحدق بها ~~الرجل المسن. ثم، فجأة، استفاقت على شخص يقف عند مدخل الباب يومئ ~~برأسه إليها، وركزت نظرها، فأدركت أنها المربية، مرتدية روبا، ~~واكتسى وجهها المسن بتعبير قلق. كان لديها سبب لعدم إزعاج الآخرين؛ إذ ~~إنها لم تنبس ببنت شفة. وقفت في الظل، وأومأت برأسها؛ فنهضت ~~أوليفيا في هدوء، وخرجت إلى الردهة وأغلقت الباب خلفها. # هناك، تحت الإضاءة الخافتة، رأت أن المرأة العجوز كانت تبكي وترتجف ~~من الخوف. قالت: «لقد حدث شيء ما لجاك. شيء مروع.» # كانت قد عرفت ما هو قبل أن تتفوه المربية بكلمة. بدا لها أنها ~~كانت تعرف طوال الوقت، وفي تلك اللحظة لم تشعر بصدمة وإنما بخدر ~~مميت لأي مشاعر. # قالت بنبرة هادئة مخيفة نوعا ما: «اتصلي بدكتور جينكينز»، واستدارت ~~لتصعد درج السلم الطويل. ~~••• # وفي عتمة غرفتها، لم تنتظر حينئذ حتى تسمع صوت الأنفاس. لقد أتت ~~أخيرا ... اللحظة التي ستدخل فيها الغرفة، وتنصت إلى الصوت، ولا تجد ~~سوى سكون الليل. وعلى الجانب الآخر، في ms121 الغرفة التي كان يشغلها جاك ~~منذ كان طفلا صغيرا، كان ضوء الليل الخافت المعتاد في الزاوية، وعلى ~~وهجه الباهت استطاعت أن تحدد مكان السرير الضيق وجسده ممدا فوقه ~~كما بقي دائما مستلقيا، نائما. لا بد أنه نائم، هكذا قالت في ~~نفسها؛ لأنه من المستحيل أن يكون قد مات بهدوء شديد، بلا أدنى حركة. ~~ولكنها أدركت، بالطبع، أنه كان ميتا، ورأت كم كان قريبا من الموت ~~دوما، وأن الأمر كان مسألة انتقال تدريجي، بكل بساطة وهدوء. # لقد هرب أخيرا منهما - منها هي وجده - في لحظة لم يكن خاضعا ~~فيها لمراقبتهما؛ وفي الطابق السفلي بغرفة الجلوس كان جون بينتلاند ~~جالسا، واضعا كتابا في حجره إلى جوار مصباح السيد لونجفيلو، ~~ومحدقا في الفراغ، ولم يعرف شيئا بعد. وجلس آنسون يخط بقلمه تاريخ ~~عائلة بينتلاند ومستعمرات خليج ماساتشوستس، بينما في الغرفة التي كانت ~~واقفة فيها حينئذ كانت نهاية نسل عائلة بينتلاند قد كتبت. # لم تنتحب. عرفت أن البكاء سيأتي في وقت لاحق، بعد أن يجري الطبيب ~~زيارته السخيفة غير المجدية ليخبرها بما كانت تعرفه بالفعل. والآن ~~بعدما حدث الأمر الذي كانت قد قاومته طويلا، كانت واعية بحالة سكينة ~~شديدة. بدا لها حتى أن الصبي، ابنها، صار الآن أكثر سعادة؛ لأنه كان ~~يراودها شعور بالخوف، يخالطه شعور بالندم، من أنهم كانوا يبقونه على ~~قيد الحياة كل تلك السنوات رغما عنه. بدا هادئا وساكنا في تلك ~~اللحظة، على عكس ما بدا عليه في تلك الليالي الطويلة المفزعة التي كانت ~~تجلس فيها على نفس هذا الكرسي وإلى جوار نفس السرير، والتي كان فيها ~~يستند إلى الوسائد؛ لأنه لم يكن يستطيع أن يتنفس وهو مستلق، ويقاتل ~~من أجل النفس ومن أجل الحياة، وكان يفعل ذلك بدافع إرضائها هي وجده ~~أكثر من كونها رغبة منه في الحياة. رأت أنه يمكن أن يوجد جمال رائع ~~في الموت. لم يبد الأمر كما لو أنه مات بمفرده. وإنما خلد ببساطة ~~إلى النوم. # لقد غمرها أيضا شعور غريب ومرض بالواقع ، بالحقيقة، كما لو ms122 أن ~~الأجواء من حولها أصبحت بطريقة ما صافية ومنعشة. فالموت ليس أمرا ~~يستطيع المرء إنكاره بالتظاهر. الموت حق. فهو يمثل نهاية شيء ما، على ~~نحو واضح وقاطع إلى الأبد. لا وجود للخداع بشأن الموت. # تمنت الآن لو أنها كانت قد طلبت من المربية ألا تتحدث مع ~~الآخرين. أرادت أن تبقى هناك بمفردها في الغرفة الخافتة الإضاءة حتى ~~تستحيل السماء الممتدة إلى ما وراء الأهوار رمادية. ~~••• # لم يتركوها وحدها في سلام مع ابنها. جاءت أولا طرقة على الباب ~~لتدخل بعدها المربية العجوز، وهي لا تزال ترتجف وفي حالة هيستيرية، ~~تتبعها الآنسة إيجان المتيبسة الكفء، التي تحركت هنا وهناك بهمة ~~وسرعة بأسلوب مهني حازم، ثم أتت الأصوات الصاخبة المزعجة لسيارة دكتور ~~جينكينز من طراز فورد أثناء قدومه من القرية، والصوت المزعج الصادر من ~~بعيد لبوق سيارة غريبة ووهج لامع لضوء منبعث من سيارة كبيرة تستدير ~~عند منعطف الممر في بداية الطريق وتنهب الأرض مبتعدة نحو منزل «بروك ~~كوتيدج». بدا أن الحياة دبت فجاءة في الردهة بأناس، يتهامسون ~~ويتمتمون فيما بينهم، وتعالى صوت بكاء هيستيري من إحدى الخادمات ~~المرتعدات. كان الموت، الذي من المفترض أن يحدث في حالة من العزلة ~~الجميلة الهادئة، تسلب منه جميع مظاهر وقاره. سيتصرفون على هذا ~~النحو لأيام. أدركت أنها الآن فقط، في خضم كل ذلك الضجيج المثير ~~للشفقة، كانت قد فقدت ابنها. رغم ذلك، كان لا يزال، بطريقة أو أخرى، ~~ابنها، بينما كانت واقفة بمفردها في الغرفة. # وفجأة، في خضم الاضطراب، تذكرت أن ثمة آخرين يشاركونها ~~المصاب الأليم نفسه. من هؤلاء سيبيل، التي كانت قد دخلت الغرفة ~~ووقفت بجوارها، في حالة من الرهبة والتعاطف، تضغط على يد والدتها في ~~صمت؛ وآنسون، الذي كان واقفا بلا حول له ولا قوة في زاوية الغرفة، ~~منزعجا ويائسا وخائفا أكثر من أي وقت مضى في مواجهة الموت. ~~ولكن أهمهم جميعا كان جون بينتلاند. لم يكن في الغرفة. ولم ير له ~~أثر. # ذهبت للبحث عنه؛ لأنها كانت تعرف أنه لن يأتي مطلقا إلى ms123 هناك ~~ليواجه الآخرين جميعهم؛ وإنما كان سينزوي بعيدا مثل حيوان جريح. ~~عرفت أنه كان يوجد شخص واحد فقط يمكنه تحمل رؤيته. معا كانا قد ~~ناضلا من أجل حياة الصبي، ومعا يجب أن يواجها الحقيقة الصعبة ~~والقاسية لموته. # وجدته واقفا في الشرفة، خارج النوافذ الطويلة لغرفة الجلوس، وحين ~~اقتربت منه، رأته شاردا في حسرته لدرجة أنه لم ينتبه إليها. كان ~~أشبه برجل واقع تحت تأثير تعويذة ما. كان واقفا هناك بكل بساطة، ~~بقامته الطويلة عابسا ومتجهما، محدقا عبر الأهوار صوب البحر، ~~وحيدا كما كان دوما، محاطا بدرع الوحدة المفجعة الذي لم ينجح ~~أحد منهم، ولا حتى هي نفسها، في اختراقه. رأت حينئذ حزنا أفظع من ~~حزنها. كانت قد فقدت ابنها ولكن في حالة جون بينتلاند كانت تلك هي ~~نهاية كل شيء. رأت أن العالم بأكمله قد انهار من حوله. كان الأمر ~~وكأنه هو أيضا قد مات. # في البداية، لم تتحدث إليه، وإنما ببساطة وقفت بجواره، وأخذت يده ~~الضخمة النحيلة في يدها، وقد أدركت أنه لم ينظر إليها، وإنما ظل يحدق ~~عبر الأهوار صوب البحر. وأخيرا، قالت له برفق: «قضي الأمر، ~~أخيرا.» # ظل على حاله لا ينظر إليها، لكنه أجابها بنبرة هامسة تكاد لا تكون ~~مسموعة: «أعلم.» كانت دموع تسيل على وجنتيه المجعدتين الهرمتين. كان ~~قد خرج في عتمة الحديقة المعبقة بالروائح الذكية لينتحب هناك. كانت ~~هذه هي المرة الوحيدة التي رأت فيها الدموع في العينين السوداوين ~~المتقدتين. ~~••• # لم يهدأ الصخب المكبوح والدارج الذي يحيط بالموت ليعم الصمت مرة ~~أخرى إلا بعد منتصف الليل بوقت طويل، لتبقى أوليفيا بمفردها في الغرفة ~~مع سيبيل. لم تتبادلا حديثا؛ لأنهما كانتا تعرفان جيدا عجز الكلمات ~~عن التعبير، وفيما بينهما لم تكن ثمة حاجة إلى الكلام. # وأخيرا، قالت أوليفيا: «يجب أن تنامي قليلا يا عزيزتي؛ فغدا سيكون ~~يوما مرهقا.» # عندئذ، أقبلت سيبيل، كطفلة صغيرة، وجلست على حجر والدتها وأحاطت ~~عنقها بذراعيها وقبلتها. # قالت الفتاة بصوت خفيض: «أنت رائعة يا أمي. أعرف أنني لن أكون أبدا ~~امرأة ms124 رائعة جدا هكذا. كان ينبغي علينا، جميعا، أن نريحك الليلة، ~~وبدلا من ذلك، كنت أنت من توليت تدبير كل شيء.» قبلتها أوليفيا ~~وحسب، بل وابتسمت لسيبيل قليلا قائلة: «أظنه أسعد الآن. لن يتعب ~~ثانية أبدا كما اعتاد.» # كانت قد نهضت لتنصرف حينها سمعتا، من مكان ما على مسافة بعيدة، ~~صوت موسيقى. وصل إليهما الصوت غامضا ومتقطعا محمولا مع النسائم ~~الآتية من ناحية البحر، صوت موسيقى زاخرة بإيقاع ثائر وجامح، يرتفع ~~ويهبط مصحوبا بإحساس متقد بالحياة. بدا لأوليفيا أن قوة خفية داخل ~~أنغام الموسيقى اخترقت سكون البيت العتيق، وحطمت الصمت المهيب الذي ~~خيم في النهاية على المكان مع اقتراب شبح الموت. بدا وكأن الحياة ~~تحتفل بانتصارها على الموت، بظفر شرس وجامح ومبهج. # كانت الموسيقى تبدو أيضا غريبة وحماسية في ظل الأجواء الخفيفة ~~والصافية لليلة من ليالي نيو إنجلاند، موسيقى لم يسمع أحد منهم مثلها ~~من قبل؛ وتدريجا، مع تصاعد أنغامها الجامحة، تعرفت عليها أوليفيا؛ ~~كانت الموسيقى الحماسية البربرية للرقصات القبائلية لأوبرا «أمير ~~إيجور»، تعزف عزفا بارعا بحس من بهجة متحررة. # في اللحظة نفسها، نظرت سيبيل إلى أمها وقالت: «إنه جان دي سيون ... لقد ~~نسيت أنه كان سيصل الليلة.» ثم أردفت بنبرة حزينة: «بالطبع، لا ~~يعرف.» # ظهر وميض مفاجئ في عين الفتاة، لمحة وميض خاطفة، تلاشت بسرعة مرة ~~أخرى، كانت ذات صلة غريبة وحميمية بالموسيقى الحماسية. مرة أخرى كان ~~هذا انتصارا للحياة على الموت. بعد ذلك بوقت طويل تذكرت أوليفيا ~~جيدا ذلك البريق ... وميض شيء ظل مستمرا. # | الفصل السابع # 1 # لم يصل الخبر إلى العمة كاسي إلا في صبيحة اليوم التالي في ~~الساعة العاشرة صباحا، وهو ما أتى بها، مفعمة باللوم وتغلبها ~~الدموع، عبر الطرق الترابية المؤدية إلى منزل عائلة بينتلاند. ~~شعرت بالاستياء، على حد قولها؛ لأنهم لم يخبروها في الحال. أخذت ~~تكرر قولها: «كان ينبغي أن أهب من فراشي وآتي على الفور. كان ~~نومي سيئا للغاية، على أي حال. كان بإمكاني أن أتولى أمر كل ~~شيء. كان ينبغي أن تستدعوا العمة ms125 كاسي في الحال.» # ولم تستطع أوليفيا أن تخبرها بأنهم لهذا السبب تحديدا آثروا ~~ألا يخبروها؛ لأنهم عرفوا أنها ستقوم من فراشها وتأتي على ~~الفور. # حملت العمة كاسي على كاهلها النحيل عبء الحزن. أخذت تنتحب على ~~طريقة النادبات المحترفات في المآتم. أسدلت الستائر في غرفة ~~الجلوس؛ لأن من وجهة نظرها لن يكون الموت محل احترام إلا إذا ~~أعتمت الغرف، وجلست في زاوية الغرفة تستقبل الزائرين، كما لو ~~كانت الأشد فجيعة بينهم جميعا، كما لو أنها الوحيدة بينهم التي ~~عانت أشد المعاناة. لم تعد إلى مسكنها الخاص إلا في وقت ~~متأخر من الليل وتناولت جميع وجباتها في منزل عائلة بينتلاند، ~~وهو ما أزعج شقيقها، الذي التفت إليها في اليوم الثاني فجأة وسط ~~وجبة الغداء وقال: «كاسي، إذا كنت لا تستطيعين الكف عن هذا ~~العويل الذي لا نهاية له، فأرجو أن تتناولي طعامك في بيتك. هذا ~~لن يجدي نفعا في أي شيء.» # حينئذ قامت من على مائدة الطعام، في أوج شعور مفاجئ بالحزن ~~والاضطهاد، لتغادر الغرفة مسرعة، باكية ومستاءة. بيد أنها لم ~~تشعر بالإهانة بالقدر الذي يجعلها تتناول وجباتها في بيتها. بل ~~مكثت في منزل عائلة بينتلاند؛ لأنهم على حد قولها: «كانوا ~~يحتاجون شخصا مثلها ليساعدهم ...» وأسرت إلى الآنسة بيفي ~~المرتعدة الواهنة، التي كانت تأتي وتذهب كأرنب مذعور لإنجاز بعض ~~المهام من أجلها، أنها مندهشة من أن أخاها وأوليفيا يتعاملان ~~مع الموت بهذا القدر من اللامبالاة. فلم ينتحبا؛ ولم تبد ~~عليهما أي مظاهر للحزن. كانت واثقة من أنهما يفتقران إلى الإحساس ~~المرهف. وأنهما لم يشعرا بالفجيعة. وانتحبت مرة أخرى، وهي ~~تستعيد ذكريات الأيام الخوالي التي كان الصبي يجيء فيها حين كان ~~طفلا صغيرا، شاحبا ضعيفا، ليجلس عندها على أرضية غرفة الجلوس ~~الخاوية، يقلب صفحات الكتاب المقدس المصور. # وقالت أيضا للآنسة بيفي: «في أوقات كهذه يظهر أصل المرء ~~وتربيته. ولأول مرة تخفق أوليفيا. إنها لا تعي الأشياء التي يجب ~~على المرء القيام بها في مناسبات كهذه. ليتها نشئت تنشئة ~~سليمة، هنا بيننا ...» # كانت العمة ms126 كاسي ترى الموت شأنا ذا طابع تلقائي يكتسي ~~بالرسميات يراعيه المرء بسلسلة من الموروثات المتناقلة بين ~~الأجيال. # كان من الحظ السعيد جدا، حسب قولها، أن الأسقف سمولوود، ابن عم ~~آل بينتلاند وسابين (والذي تطلق عليه سابين «أسقف الطبقة ~~الأرستقراطية») كان لا يزال موجودا في الحي وبإمكانه أن يقيم ~~قداس الجنازة. فمن الأصول أن يدفن سليل عائلة بينتلاند على يد ~~واحد تسري في عروقه دماء آل بينتلاند (كما لو أن أي شخص آخر ~~لا يستحق أن ينال هذا الشرف). وذهبت لمقابلة الأسقف لتناقش معه ~~مسألة إقامة القداس. وخططت لتلك النقطة المعقدة جدا المتعلقة ~~بترتيب مقاعد جلوس الأقارب والمعارف - جميع أفراد آل كين وآل سترازرس ~~وآل مانرينج وآل ساذرلاند وآل بينتلاند - في الكنيسة. ~~وزارت سابين لتقول لها إنه أيا كانت مشاعرها تجاه الجنازات، فمن ~~واجبها أن تحضر هذه الجنازة بالذات. يجب أن تتذكر سابين أنها ~~عادت مرة أخرى إلى عالم الأناس المتحضرين الذين يتصرفون كما ~~يليق بالسادة والسيدات المحترمين. وأسرت لكل زائر من الزوار ~~الذين استقبلتهم في غرفة الاستقبال المعتمة بحقيقة أن سابين قطعا ~~مخلوقة قاسية وعديمة الشعور؛ لأنها حتى لم تكلف نفسها بزيارة ~~منزل عائلة بينتلاند. # إلا أنها لم تكن تعرف ما كانت أوليفيا وجون بينتلاند يعرفانه؛ ~~وهو أن سابين كانت قد أرسلت رسالة موجزة وسريعة وغير مترابطة ~~تقريبا، تفتقر إلى عبارات الورع البالية والمعهودة في مثل هذه ~~المناسبات، رسالة كانت تعني لهما أكثر مما يعنيه البكاء ~~والتهامس والفوضى التي حدثت في الطابق السفلي؛ حيث توافد على ~~المنزل أهل الريف بأكمله ذهابا وإيابا في موكب متواصل لا ~~ينتهي. # وعندما لم تكن تجد الآنسة بيفي بالقرب منها لتنجز لها المهام، ~~كانت تتخذ من آنسون مرسالا لها ... آنسون، الذي أخذ يهيم على ~~وجهه عاجزا وتائها ومضطربا لأن الموت قد عرقل انسياب حياة ~~سلسة خالية من الأحداث، يحدث فيها كل شيء وفقا لخطة محددة. ~~كان الموت قد أربك جميع أفراد المنزل. كان من المستحيل معرفة شعور ~~آنسون بينتلاند حيال موت ابنه. فلم يتحدث مطلقا، ms127 وبعدما ~~تأجل تأليف كتاب «عائلة بينتلاند ومستعمرة خليج ماساتشوستس» ~~وسط كل هذا الاضطراب وطمر مكتب السيد لويل تحت باقات الزهور ~~المرسلة للتعزية، لم يكن لديه ما يفعله سوى التسكع ليعترض ~~طريق كل شخص يقابله ويستجلب لنفسه التوبيخات اللاذعة من العمة ~~كاسي. # كانت العمة كاسي وآنسون هما من فتحا صندوق الورود الكبير الذي ~~أرسله أوهارا. فتحت العمة كاسي بيدها النحيفة ذات العروق ~~الزرقاء البارزة المظروف المرفق والموجه بصريح العبارة إلى ~~«السيدة آنسون بينتلاند». كانت العمة كاسي هي من أرغمت آنسون على ~~قراءة ما كان مكتوبا بداخله: # عزيزتي السيدة آنسون، # تعرفين ما أشعر به. لا حاجة لقول المزيد. # مايكل أوهارا # علقت العمة كاسي قائلة: «الوقح! ولماذا يرسل زهورا من ~~الأساس؟» وأخذت العمة كاسي تقرأ الرسالة مرارا وتكرارا، كما لو ~~أنها ربما تجد بطريقة أو أخرى معنى مستترا وراء العبارتين ~~المبهمتين. وكانت العمة كاسي هي من حملت الرسالة إلى أوليفيا ~~وراقبتها وهي تقرؤها وتنحيها جانبا بهدوء فوق التسريحة. ~~وعندما عجزت عن اكتشاف أي شيء قالت لأوليفيا: «يبدو لي أنه من ~~الوقاحة أن يرسل زهورا ويكتب مثل هذه الرسالة. ما صلته بنا ~~هنا في منزل عائلة بينتلاند؟» # نظرت إليها أوليفيا ببعض الإرهاق وقالت: «وما الذي يهم إن كان ~~وقحا أو غير ذلك؟ علاوة على ذلك، كان صديقا رائعا لجاك.» ثم ~~عدلت وضعية جسدها المرهق، ونظرت إلى العمة كاسي وقالت بنبرة ~~متأنية: «كما أنه صديق لي.» # كانت هذه هي المرة الأولى التي ينكشف فيها انقسام القوى، حتى ~~ولو لثانية واحدة، المرة الأولى التي تظهر فيها أوليفيا أي ~~مشاعر تجاه أوهارا، وكان ثمة شيء منذر بالسوء في النبرة ~~الهادئة التي نطقت بها العبارة على نحو عابر جدا. وأنهت أي نقاش ~~محتمل بمغادرة الغرفة بحثا عن آنسون، تاركة العمة كاسي منزعجة ~~جراء الإحساس الوجل الذي باغتها حين وجدت نفسها فجأة في مواجهة ~~الهدوء الغامض والخطر الذي كان أحيانا يسيطر على أوليفيا. وعندما ~~وجدت نفسها بمفردها في الغرفة، رفعت الرسالة مرة أخرى من فوق ~~التسريحة وقرأتها بتمحيص للمرة ms128 العشرين. لم يكن فيها أي شيء ... لا ~~شيء يمكن أن يلصق به المرء على نحو مقبول أي شبهات. # وهكذا، في غمرة الموت، المغلف برائحة زهور مسك الروم، وقفت ~~السيدة العجوز منتصرة، بعد أن كادت تتكبد هزيمة نكراء. بطريقة ~~ما عثرت، في هذه الفاجعة، على دورها المناسب واستطاعت أن تجتذب ~~لنفسها أغلب الضوء من باقي الممثلين. ولا بد أنها قد عرفت أن ~~الزوار يغادرون المنزل وهم يقولون: «كاسي تتصدى لمثل هذه ~~المواقف بطريقة رائعة. لقد حملت كل شيء على عاتقها.» ونجحت في ترك ~~انطباع مزدوج بأنها عانت أكثر بكثير من أي من الآخرين وأنه لم ~~يكن بوسع أي منهم أن يفعل أي شيء من دونها. # ثم في غمرة انتصارها، حدث أسوأ ما يمكن أن يحدث. كانت أوليفيا ~~أول من عرف بالمصيبة، نظرا لأنها كانت دوما أول شخص يعرف قبل ~~الآخرين جميعا بما كان يعرفه العجوز جون بينتلاند؛ وما كان ~~الآخرون سيعرفون مطلقا حتى تنتهي المراسم الحزينة الخاصة ~~بالجنازة لولا فضول العمة كاسي المفرط. # ففي اليوم الثاني، استدعى جون بينتلاند أوليفيا إلى المكتبة، ~~ووجدته هناك كما كانت تجده في مرات كثيرة من قبل، متجهما ~~وصامتا ومقهورا، ولكن هذه المرة كان ثمة شيء مفجع ومنكسر ~~بشكل لا يوصف في سلوكه. # لم تتحدث إليه؛ وببساطة انتظرت، حتى رفع بصره أخيرا، وقال ~~بنبرة أقرب إلى الهمس: «جثمان هوراس بينتلاند وصل إلى محطة ~~دورهام.» # ونظر إليها نظرة خاطفة تشي بعجز مثير للشفقة، نظرة رجل قوي ~~صار فجأة ضعيفا وهرما، كما لو أن قوته قد نفدت وكان الآن ~~يلجأ إليها. كانت هذه هي المرة الأولى التي بدأت ترى فيها أنها ~~كانت بطريقة أو أخرى سجينة، ولكن من الآن فصاعدا، ومع مرور ~~الأيام يوما تلو الآخر، صارت مسألة تدبير شئون الحياة بأكملها في ~~منزل عائلة بينتلاند مهمتها. لم يكن يوجد أحد يمكن أن يحل ~~محل الرجل المسن ... لا أحد، عداها. # سألها بنفس النبرة الهامسة: «ماذا عسانا أن نفعل؟ أنا لا أعرف. ~~أنا في حيرة من أمري .» # قالت أوليفيا ms129 برفق: «يمكننا أن ندفنهما معا. يمكننا أن نقيم ~~جنازة ثنائية.» # نظر إليها في ذهول. وسألها: «ألن تمانعي ذلك؟» وعندما هزت رأسها ~~نفيا، أجاب قائلا: «ولكن لا يمكننا أن نفعل ذلك. يبدو لي أن ثمة ~~خطبا ما في هذه الفكرة ... لا أستطيع أن أوضح مقصدي ... لا ينبغي ~~فعل ذلك ... صبي مثل جاك وعجوز منبوذ مغضوب عليه مثل ~~هوراس.» # كانا سيعملان على تسوية الأمر بهدوء فيما بينهما كما فعلا في ~~الكثير من المشاكل في السنوات الأخيرة عندما كان جون بينتلاند ~~يلجأ إليها ليستمد منها القوة، ولكن في تلك اللحظة انفتح الباب ~~فجأة، وبلا طرق عليه، لتظهر العمة كاسي، وعيناها تتقدان ببريق ~~غاضب وهيستيري، وحول وجهها النحيل تدلى شعرها في كل اتجاه في ~~خصلات رمادية صغيرة. # سألتهما: «ماذا هناك؟ ما الخطب؟ أعرف أن ثمة خطبا ما، ولا ~~يحق لكما أن تخفياه عني.» كانت تتحدث بصخب وحدة، كما لو ~~أن كل المتعة والنشاط المحيطين بالموت خلال هذين اليومين قد ~~أدخلاها في حالة مفرطة من الإثارة. أجفل كل من أوليفيا وجون ~~بينتلاند من وقع صوتها. كانت قد أثارت حفيظتهما على نحو ~~بالغ. # استمر الصوت الحاد بنبرة عالية. قائلة: «لقد كرست كل ~~وقتي لإجراء الترتيبات. أكاد لا أنام. أضحي بنفسي من أجلكما ~~ليلا ونهارا ومن حقي أن أعرف.» بدا كما لو أنها استشعرت ~~الانهيار البطيء للعجوز جون بينتلاند وتسعى الآن إلى أن تطيح به، ~~وتعزله من منصبه بصفته كبير العائلة، في انقلاب ساحق عليه، ~~لتنصب نفسها مكانه، طاغية شديدة الاستبداد هزيلة البنيان؛ ~~كما لو أنها تخلت أخيرا عن طريقتها القديمة الماكرة المتمثلة ~~في محاولة استمالة رجال العائلة بالمكر والخداع. صارت الآن ~~مستعدة لإرساء قواعد السلطة الأمومية، باعتبارها الملاذ الأخير ~~لعائلة وهنت قوتها. كانت قد ثارت بالطريقة نفسها مرة قبل ~~ذلك، حسبما تتذكر أوليفيا، في تلك الشهور الطويلة التي استسلم ~~فيها السيد سترازرس، الذي كان يحتضر ببطء، مانحا إياها زهوة ~~الانتصار. # تنهد جون بينتلاند بعمق وإرهاق، وتمتم قائلا: «لا شيء مهم يا ~~كاسي. إنه أمر سيزعجك وحسب. ms130 أنا وأوليفيا نعمل على ~~تسويته.» # ولكنها لم تتراجع. ظلت واقفة، متمسكة بموقفها واستمرت في ~~وصلة التقريع، وارتفعت نبرة صوتها لتصل إلى درجة هيستيرية. قالت: ~~«لن أهمش. لا أحد يخبرني بأي شيء مطلقا. وعلى مدار سنوات ~~الآن، أستبعد كما لو أنني محدودة الذكاء. رغم ضعفي ووهني، أبذل ~~قصارى جهدي لخدمة العائلة ولا أتلقى ولو كلمة شكر واحدة ... لماذا ~~تفضل أوليفيا دوما على أختك؟» وانهمرت على وجهها دموع رثاء ~~حسي مفرط على الذات. حتى إنها بدأت تغمغم وتخلط كلماتها، ~~واستسلمت تماما لحالة من اللذة الحسية المصاحبة للنوبات ~~الهيستيرية. # رأت أوليفيا، التي كانت تراقبها في هدوء، أن هذه لم تكن واقعة ~~عادية. كانت هذه، في الحقيقة، هي العمة كاسي الجديدة التي كانت ~~سابين قد كشفتها لها قبل أيام قليلة ... العمة كاسي حديثة العهد ~~جدا التي كانت قد ولدت في تلك اللحظة في الشرفة الأمامية ~~لتحل محل العمة كاسي العجوز التي دائما ما كانت محاطة بهالة ~~من الدموع والأعمال الصالحة والمشاركة الوجدانية. الآن فهمت ما لم ~~تفهمه من قبل مطلقا؛ وهو أن العمة كاسي لم تكن مجرد إنسانة ~~مريضة بالوهم غير عقلانية غير مؤذية ومثيرة للشفقة؛ وإنما ~~قوة غاشمة ومعدومة الضمير. وعرفت أنه وراء هذا الانغماس العاطفي ~~خطة مدروسة جدا. وتشككت نوعا ما في أن الخطة كانت تهدف إلى ~~إخضاعها، أو إجبارها (أي أوليفيا) على أن تقع تماما تحت وصاية ~~المرأة العجوز. مرة أخرى رأت الحشرة تضرب بجناحيها باهتياج شديد ~~نوافذ عالم لن تستطيع دخوله أبدا ... # وبهدوء قالت أوليفيا: «بالتأكيد، يا عمة كاسي، لا داعي لإحداث ~~جلبة غير مبررة ... لا داعي للسوقية والابتذال ... في وقت ~~كهذا.» # نظرت العجوز إلى أخيها، وقد ألجمتها المفاجأة، لكن لم تأت من ~~جانبه أي مبادرة بالعون أو الغوث؛ لا بد أنها رأت، بوضوح ~~تام، أنه انحاز إلى جانب أوليفيا ... الدخيلة، التي تجرأت على ~~اتهام سليلة عائلة بينتلاند بالسوقية والابتذال. ~~«سمعت ما قالته، يا جون ... سمعت ما قالته! وصفت أختك ~~بالسوقية والابتذال!» ولكن فجأة بدأت نوبتها الهيستيرية تنحسر ، ~~كما لو ms131 أنها رأت أنها اختارت، في نهاية المطاف، خطة هجوم خاطئة. لم ~~تجبها أوليفيا. جلست في مكانها وحسب، تنتظر، وقد بدت شاحبة ~~وصبورة وجميلة في ملابسها السوداء. كانت لحظة غير منصفة في حق ~~العمة كاسي. فما كان أي رجل، ولا حتى آنسون نفسه، سينحاز ضد ~~أوليفيا حينها. # قال الرجل المسن بنبرة متأنية: «إن كان يجب أن تعرفي، يا ~~كاسي. ... الموضوع يخص شيئا لن ترغبي في سماعه. ولكن إن كان يجب ~~أن تعرفي، فهو ببساطة أن جثمان هوراس بينتلاند وصل إلى محطة ~~القطار في دورهام.» # انتاب أوليفيا شعور خاطف بأن قناع المراءاة والنفاق بدأ ~~يتصدع، ويتشقق ببطء إلى أجزاء صغيرة. # في البداية، أخذت العمة كاسي تحدق فيهما وحسب، وهي تخنفر ~~وتمسح عينيها الحمراوين، ثم قالت بنبرة هادئة على نحو مذهل: ~~«كما ترى ... أنت لا تخبرني بأي شيء مطلقا. لم أعرف من قبل أنه ~~توفي.» كان في مسلكها لمحة انتصار وتبرير لتصرفها. # قال الرجل المسن: «لم يكن ثمة داع لإخبارك يا كاسي. لم ~~تسمحي بأن يتلفظ أحد في العائلة باسمه لسنوات. أنتما - أنت ~~وآنسون - اللذان جعلتماني توعدته ودفعته إلى العيش خارج البلاد. ~~لماذا إذن تهتمين حين يموت؟» # ظهرت على العمة كاسي علامات الانهيار مرة أخرى. وأردفت تقول: ~~«كما ترى، أنت تلومني دوما على كل شيء. كنت أفكر في العائلة ~~طوال هذه السنوات. ما كان بوسعنا أن نترك هوراس يجول طليقا في ~~بوسطن.» ثم توقفت فجأة عن الحديث بإيماءة مفاجئة ومرهفة من ~~يدها تنم عن الاشمئزاز، كما لو أنها تنفض يديها من الموضوع ~~برمته. «كان يمكنني أن أدير الأمر بنفسي على نحو أفضل. ما كان ~~ينبغي له أبدا أن يعود إلى أرض الوطن ... ليثير المتاعب مرة ~~أخرى.» # ظلت أوليفيا ملتزمة الصمت بينما جاء الرد على العمة كاسي من ~~جانب الرجل المسن. إذ قال: «أراد أن يدفن هنا ... كتب لي رسالة ~~يطلب فيها ذلك، عندما كان يحتضر.» ~~«لم يكن له الحق في هذا الطلب. لقد خسر جميع الحقوق بسبب سلوكه. ~~أقولها مرة أخرى وسأظل أقولها. ms132 ما كان ينبغي له أن يعود إلى هنا ... ~~بعدما نسيه الناس ولم يعودوا يذكرون إن كان حيا أم ~~ميتا.» # كانت قد تملكت أوليفيا حالة من الهدوء المخيف ... كانت تتطلع ~~من النافذة عبر الأهوار البعيدة إلى الأفق البعيد، وعندما ~~التفتت تحدثت بهدوء مريع. قالت: «يمكنك أن تفعلي بجثة هوراس ~~بينتلاند ما تشائين. هذا الأمر يخصك أكثر مني؛ لأنني لم ~~أقابله مطلقا في حياتي. ولكن ابني هو من مات ... ابني، الذي ~~ينتمي إلي أكثر من أي منكم. يمكنكم دفن هوراس بينتلاند معه في ~~اليوم نفسه ... بمراسم القداس نفسها، بل وفي القبر نفسه. أمور كهذه ~~لا تهم كثيرا بعد الموت. لا يمكنك الاستمرار إلى الأبد في ~~التظاهر ... الموت أقوى كثيرا من ذلك. إنه أقوى من أي منا نحن ~~المخلوقات الضعيفة؛ لأنه الحقيقة الوحيدة التي لا يمكننا ~~تجنبها. فلا علاقة له بالتحيزات والكبرياء والجدارة بالاحترام. ~~بعد مائة عام - أو حتى عام، أو شهر - ماذا ستكون أهمية ما فعلناه ~~بجثة هوراس بينتلاند؟» # نهضت واقفة، والهدوء المخيف لا يزال يحيط بها، وقالت: «سأترك ~~لكما أنتما الاثنان أمر هوراس بينتلاند. فدماؤه لا تسري في عروقي. ~~أيا كان ما ستفعلانه، لن أعترض عليه ... كل ما في الأمر أنني لن ~~أتعامل بحقارة مع الموت.» # خرجت من الغرفة، تاركة العمة كاسي مستنزفة ومبهورة ومرتبكة. ~~كانت العجوز قد فازت في معركتها بشأن دفن هوراس بينتلاند، ومع ذلك ~~تجرعت هزيمة نكراء. لا بد أنها رأت أنها قد خسرت حقا كل شيء؛ ~~لأن أوليفيا تعاملت مع الأمور الجذرية وأصابت كبد الحقيقة، في ~~حضور جون بينتلاند، الذي كان هو نفسه على شفير الموت. (تجرأت ~~أوليفيا أن تقول بفخر، كما لو أنها كانت في الواقع تحتقر اسم ~~عائلة بينتلاند: «دماؤه لا تسري في عروقي.») # بيد أنها كانت هزيمة أدركت أوليفيا أنها لن تعترف بها قط: وتلك ~~كانت إحدى الخصال التي جعلت التعامل مع العمة كاسي مستحيلا. من ~~المحتمل أنها، حتى بينما كانت جالسة تمسح عينيها، كانت تنتقي ~~أسلحة جديدة لصراع كان قد خرج أخيرا إلى ms133 العلن لأنه صار من ~~المستحيل الآن خوض المعركة عبر حليف ضعيف ومتقلب مثل ~~آنسون. # كانت العمة كاسي بطبعها امرأة تتظاهر بأنها شهيدة ومضحية. كان ~~الاستشهاد السلاح الأنثوي العظيم على أيامها في الحقبة الفيكتورية ~~وكانت هي متمرسة فيه؛ إذ كانت قد تعلمت جميع تفاصيله الدقيقة ~~خلال السنوات التي استلقت فيها متدثرة بالشال على أريكة ~~تخضع السيد سترازرس مكتمل الرجولة. # وأدركت أوليفيا أثناء مغادرتها للغرفة أنها ستضطر إلى التعامل ~~في المستقبل مع عمة مسكينة ومريضة يساء معاملتها، بذلت كل طاقتها ~~للأعمال الصالحة ولم تجن في المقابل سوى القسوة والفظاظة من ~~جانب امرأة دخيلة، ومتطفلة، ونوعا ما مستهترة شقت طريقها ~~بالمكر والخداع إلى قلب عائلة بينتلاند. بضرب من الفنون تتقن ~~أسراره، ستجعل العمة كاسي الأمر يبدو بهذه الطريقة. # 2 # لم تهدأ حرارة الجو. بل ظلت السخونة عالقة في الجو على هيئة ~~سحابة منتشرة فوق ربوع الريف بأكمله، تحيط بالموكب الأسود الذي ~~كان يتحرك عبر الطرق الترابية المؤدية إلى الطريق السريع ومنه ~~عبر مجموعات أكواخ الجص القبيحة التي يسكنها عمال المصانع، في ~~طريقه مرورا بالمصلى الكنسي المهجور الذي كان بينتلاند المصون ~~من الإثم قد ألقى فيه ذات مرة خطبة عصماء شديدة اللهجة وانطلق ~~منه القس جوسيا ميلفورد بجماعته إلى المحمية الغربية لمستعمرة ~~كونيتيكت ... أحاطت السحابة بالموكب الأسود البطيء حتى وصل إلى ~~أبواب الكنيسة الحجرية الباردة المغطاة بأوراق اللبلاب (المبنية ~~على أرض مرتفعة في محاكاة لإحدى الكنائس الإنجليزية الريفية) ~~حيث عبد آل بينتلاند آلهة متواضعة كانت محل انتقاد واحتقار ~~قاهر الساحرات. وفي الطريق، تحت أشجار الدردار في شارع هاي ستريت، ~~وقفت نساء بولنديات وأطفال يحدقون ويرشمون إشارة الصليب عند ~~رؤية الموكب الضخم. # بدت الكنيسة الصغيرة مكانا هادئا يعمه السلام بعد حرارة ~~الجو واضطراب شارع دورهام، مكانا هادئا وصامتا ومزدحما عن آخره ~~بأقارب العائلة ومعارفها. وحتى المقاعد الخلفية امتلأت بفلول ~~العائلة من الفقراء شبه المنسيين الذين لم يملكوا ثروة تجعلهم ~~ينعمون بالهناء ورغد العيش. جلست السيدة فيذرستون العجوز (التي ~~كانت تتخذ الغسيل اليدوي مهنة لها ) تجهش ms134 بالبكاء لأنها اعتادت ~~على البكاء في جميع الجنازات، والآنسة هادون العجوز، ابنة العم ~~الأرستقراطية من آل بينتلاند، التي كانت ترتدي حتى في عز الصيف ~~عباءتها الصوفية السوداء الثقيلة المعهودة، والسيدة مالسون، التي ~~تحاول الحفاظ على أرستقراطيتها البائدة رغم مظهرها الرث ~~بقلنسوتها الحريرية العالية، والآنسة مورجاترويد، صاحبة المنزل ~~المحاط بالأسوار العالية والذي كانت معلقة عليه الآن لافتة ~~«حانة ويتشيز برووم» حيث كان المرء يحصل على كوب شاي سيئ ~~وشطائر بشعة ... # كان الأسقف سمولوود والعمة كاسي قد تعاونا معا لإعداد قداس ~~جنازة مدروس بمهارة ليحرك المشاعر ويطلق العنان للقدرات العاطفية ~~الفياضة لجيلهما وخلفيتهما الاجتماعية. # اختارا أكثر الترانيم جياشة وتحريكا للمشاعر، وقال الأسقف ~~سمولوود، المشهور بأثره على المسنات الورعات والمرهفات ~~الحس، بضع عبارات رنانة تفيض بالنفاق جعلت العمة كاسي والسيدة ~~فيذرستون العجوز البائسة تدخلان في نوبة حزن شديد جديدة. صار قداس ~~الجنازة على روح الصبي أشبه بطقس بربري لم يكن مكرسا لحياته ~~القصيرة المفجعة وإنما تمجيدا للاسم الذي حمله وجميع الخصال ~~المرتبطة به - كضيق الأفق والخيلاء وتمجيد الشريحة الدنيا من ~~الطبقة الوسطى للممتلكات - التي كانت قد تجلت في المأساة الدائمة ~~المتمثلة في الحياة التي عاشها في مرض. ملأ الفخر آنسون والعمة ~~كاسي في مقعديهما المتجاورين عند ذكر أسلاف عائلة بينتلاند. حتى إن ~~نظر السيدات البولنديات العاملات النشيطات السمينات، اللاتي كن ~~يحدقن في موكب الجنازة بعيون مذهولة قبل قليل، تحول إليهما ~~الآن في موجة من الفخر والاعتزاز المستتر. سرت موجة المشاعر نفسها ~~بشكل أو آخر عبر الكنيسة الصغيرة بداية من المنبر حيث وقف الأسقف ~~سمولوود (بالنبرة الشجية في صوته التي كان نال بها جوائز من معهد ~~اللاهوت) تحيطه زهور منتصف الصيف، عبر جميع الأقارب والمعارف، ~~وصولا إلى الجزء الخلفي بين المجهولين والأقارب من درجة بعيدة ~~حيث صارت مشاعر فخر واعتزاز بصلتهم بإقليم نيو إنجلاند والقرية ~~العريقة المحتضرة التي كانت آخذة في الاضمحلال سريعا تحت غزو ~~عالم أكثر نشاطا وحركة. غمرهم جميعا شيء من سحر عائلة بينتلاند، ~~حتى السيدة فيذرستون العجوز، بظهرها الضعيف المحدب من ms135 العمل ~~بالغسيل اليدوي لإعالة أحفادها الأربعة المرضى الذين ما كان ينبغي ~~لهم أن يأتوا إلى هذه الحياة. وعبر دموعها الطيعة (كانت تبكي لأن ~~البكاء كان المتعة الوحيدة الباقية لها في الحياة)، التمع بريق ~~الفخر بالانتماء إلى هؤلاء الأشخاص، الذين اضطهدوا الساحرات ~~وابتدعوا نزعة التعالي، وإلى السيد لويل ودكتور هولمز والسيد ~~لونجفيلو الطيب اللطيف. رفعها هذا بطريقة ما فوق مستوى أولئك ~~الغرباء الوقحين الذين كانوا يتبعون كنيسة روما الكاثوليكية ~~ويزاحمونها على أرصفة شارع هاي ستريت. # وبداخل الكنيسة الصغيرة بأكملها، ربما لم ينج إلا شخصان أو ~~ثلاثة فقط من تلك الموجة المفاجئة الغامرة من الشعور بالرضا عن ~~الذات ... كان هؤلاء هم أوهارا الذي كان دوما خارج نظام الطبقات ~~الاجتماعية، وأوليفيا وجون بينتلاند، اللذان جلسا متجاورين ~~يملؤهما الحزن والأسى لدرجة أنهما حتى لم يستنكرا سلوك الأسقف ~~سمولوود الغريب. شعرت سابين (التي كانت قد جاءت، على أي حال، ~~لتحضر الجنازة) بحدة المشاعر الغامرة. وملأها هذا بشعور من ~~الغضب الكامن والمبيت والمضمر. # بينما كان الموكب الصغير في سبيله إلى مغادرة الكنيسة، وأفراده ~~يكفكفون دموعهم ويغمغمون بنبرات حزينة، بدأت السماء تكفهر ~~بالسحب التي كانت قبل قليل قد انتشرت في الأفق البعيد. صار ~~الهواء ساكنا جدا حتى أن أوراق أشجار الدردار السامقة تدلت ~~بلا حراك كأنها أوراق مرسومة في لوحة، ومن مسافة بعيدة، تعالى ~~هدير الرعد الآتي من بعيد، برفق في البداية، ثم بوتيرة تدريجية ~~متزايدة تنذر بوقوع خطر وشيك. وفي حركة مضطربة، اجتمع ~~المعزون في مجموعات صغيرة على درجات السلم، يقلبون ~~أبصارهم بين السماء المنذرة بالخطر وعربة نقل الموتى المنتظرة، ~~وبعد قليل، بدأ الأكثر جبنا يتسللون بعيدا، واحدا تلو الآخر، ~~في خوف ورعدة. وببطء تبعهم آخرون وبحلول الوقت الذي حمل فيه ~~التابوت خارجا، كان الجمع الغفير قد تبدد ولم يتبق إلا «أفراد ~~الأسرة المباشرين» وواحد أو اثنان آخران. بقيت سابين وأوهارا ~~والسيدة سومز (التي توكأت على ذراع جون بينتلاند كما لو كان ~~الميت حفيدها)، والآنسة هادون بعباءتها السوداء، وحاملو التابوت، ~~وبالطبع الأسقف سمولوود وكاهن أبرشية البلدة، ms136 والذي كانت قد توارت ~~أهميته في حضرة هذه الركيزة المهيبة والجليلة من ركائز الكنيسة. ~~بالإضافة إلى هؤلاء، كان هناك قريب أو اثنان آخران، مثل سترازرس ~~بينتلاند، وهو رجل أصلع متأنق ضئيل البنية (ابن عم جون بينتلاند ~~وهوراس المشين) الذي لم يتزوج أبدا وإنما كرس نفسه بدلا من ~~ذلك لتنشئة صبية فصوله الدراسية في هارفرد. # استقلت هذه المجموعة الصغيرة المتبقية السيارات وأسرعت خلف عربة ~~نقل الموتى في سباقها المحموم مع العاصفة الوشيكة. ~~••• # كانت مقابر البلدة تقع أعلى قمة تل أجرد مرتفع حيث كان ~~مستوطنو دورهام الأوائل قد اختاروا أن يتخلصوا من موتاهم هناك، ~~وكان الدرب القديم المؤدي إلى التل صخري شديد الانحدار بحيث لم ~~يكن يسمح بمرور السيارات، ولذا عند الجزء العلوي من التل ~~اضطرت المجموعة إلى النزول من السيارات واستكمال باقي الرحلة ~~سيرا على الأقدام. وبينما كانوا يحتشدون، في صمت وعجالة، حول ~~القبر المفتوح والمنتظر، كان هدير الرعد، الذي صحبه في تلك اللحظة ~~ومضات برق جامحة، يقترب أكثر فأكثر، وبدأت أوراق الأشجار ~~المتقزمة والشجيرات، التي كانت قبل لحظات ساكنة، ترقص وتهتز ~~بجنون في الضوء الأخضر الذي سبق العاصفة. # وقف الأسقف سمولوود، وهو رجل هلوع بطبعه، بجوار القبر وفتح كتاب ~~الصلوات الخاص به المرصع بالجواهر (كان شديد التعلق بطقوس ~~الكنيسة العليا ومولعا بالبخور والجواهر والأحجار الكريمة) وأخذ ~~يقلب بإصبعه الصفحات باضطراب، وفي تلك اللحظة ثبت نظره على ~~الصفحات، متفحصا حينئذ حافري القبور البولنديين المتبلدي الحس ~~الذين وقفوا منتظرين دفن آخر ذرية آل بينتلاند. حدثت تأخيرات ~~طفيفة مزعجة، ولكن أخيرا صار كل شيء جاهزا، وبدأ الأسقف ~~القداس، وهو يتلو بأسرع ما يمكنه، بصوت أقل ترفا وتصنعا ~~من المعتاد. ~~«قال الرب: أنا هو القيامة والحياة ...» # وتبدد ما قيل بعد هذه العبارة وسط هزيم الرعد المدوي حتى إن ~~الأسقف استطاع أن يغفل سطرا أو سطرين دون أن يفتضح أمره. ~~وبدأت الأشجار القليلة الموجودة على التل الأجرد تهتز وتتمايل، ~~وتنحني نحو الأرض، وأخذت الأوشحة السوداء المصنوعة من القماش ~~الكريب التي ترتديها النساء تتلوى بجموح . ووسط ms137 هزيز الريح وهدير ~~الرعد، لم يسمع الحضور سوى عبارة أو عبارتين فقط من القداس. ~~... ~~«لأن ألف سنة في عينيك مثل يوم أمس ~~بعد ما عبر، وكهزيع من الليل ...» # ثم عادت الطبيعة الجامحة والغاضبة وسيطرت على القداس، ~~ليعلو صوتها فوق الصوت المرتعد للأسقف والنحيب المتصنع ~~الصاخب للعمة كاسي، وعاد صمت مفاجئ مبهور يخيم على المكان ~~وصوت الأسقف، الهزيل والضئيل وسط العاصفة، يتلو ... ~~«إحصاء أيامنا هكذا علمنا فنؤتى قلب ~~حكمة.» # ثم أردف مرة أخرى: ~~«برحمة الرب العلي القدير وبعنايته الإلهية يسترد روح ~~أخينا المتنيح من هذا العالم.» # وأخيرا، وبارتياح، كرر الصوت الواهن الشبيه بنغمة المزمار على ~~نحو أقل رتابة من المعتاد، قائلا: «نعمة ربنا ~~يسوع المسيح، ومحبة الله، وشركة الروح ~~القدس مع جميعكم. آمين.» # سمعت سابين، التي كان يكمن في طبيعتها الصلبة شيء يبتهج في ~~الجو العاصف، القداس بشق النفس. وقفت تتأمل الجمال ~~الجامح للسماء والبحر البعيد والأهوار، وتفكر في أنه لا بد وأن ~~الأمور عند دفن أول شخص من عائلة بينتلاند كانت مختلفة كثيرا ~~عن هذا الطقس المتهيب والمتعجل الذي اتسم به دفن آخر ~~الراحلين من العائلة ذاتها. ظلت تتخيل أولئك البيورتانيين ~~المتشددين المتعصبين المتزمتين الأوائل واقفين على ~~أضرحتهم كأشباح تتأمل بسخرية الهيئة الأنيقة لأسقف الطبقة ~~الأرستقراطية وكتاب الصلوات المرصع بالجواهر الخاص به ... ~~••• # بدأ حافرو القبور البولنديون عملهم بتبلد غير مبالين ~~بالعاصفة، وقبل أن تتحرك السيارة الأولى نزولا على الدرب الصخري ~~المنحدر، انهمرت الأمطار بعنف جنوني جامح، مندفعة إلى الداخل ~~مشكلة جدارا عبر البحر والأهوار المعتمة. رفعت سابين، وهي ~~تقف عند باب سيارتها، رأسها وأخذت نفسا عميقا، كما لو أن القوة ~~الوحشية المدمرة للعاصفة ملأتها بنوع من النشوة. # وفي اليوم التالي، وفي أجواء باردة ومشرقة وصافية بعد هبوب ~~العاصفة، شق موكب ثان طريقه إلى أعلى التل الأجرد عبر الدرب ~~الصخري، ولكن في هذه المرة لم يحضر الأسقف سمولوود، ولا ابن العم ~~سترازرس بينتلاند؛ لأنهما كانا قد استدعيا على نحو مفاجئ ~~وغامض. ولم يحضر آنسون لأنه لم تكن له صلة بوغد مثل ms138 هوراس ~~بينتلاند، حتى في الموت. وفي مجموعة صغيرة حول القبر المفتوح، وقفت ~~أوليفيا وجون بينتلاند والعمة كاسي، التي كانت قد جاءت، على أي ~~حال، لأن المتوفى كان يحمل اسم بينتلاند، والآنسة هادون ~~(بعباءتها الصوفية الثقيلة)، التي لم تكن تفوت أبدا أي جنازة ~~وكانت قد علمت بهذه الجنازة من صديقها، الحانوتي، الذي كان ~~يطلعها دوما على آخر أخبار الجنازات. ولم يحضر أي من ~~الأصدقاء ليحمل التابوت إلى القبر، ولذلك قسم هذا العمل بين ~~رجال الحانوتي وحافري القبور ... # وبدأ القداس مرة أخرى، ولكن هذه المرة تلاه الكاهن، الذي بدا ~~أنه رسخ أقدامه في المكانة المقدسة منذ رحيل الأسقف ... ~~«قال الرب: أنا هو القيامة والحياة ...» ~~«لأن ألف سنة في عينيك مثل يوم أمس ~~بعد ما عبر، وكهزيع من الليل ...» ~~«إحصاء أيامنا، هكذا علمنا فنؤتى قلب ~~حكمة.» # بكت العمة كاسي مرة أخرى، رغم أن مستوى أدائها كان أقل جودة ~~من اليوم السابق، أما أوليفيا وجون بينتلاند فوقفا في صمت بينما ~~دفن هوراس بينتلاند أخيرا وسط تلك المستعمرة الصغيرة من ~~الأموات المتجهمين والمحترمين. # وقفت سابين هناك أيضا، على مسافة قصيرة، كما لو أنها تكره جميع ~~الجنازات. كانت تعرف هوراس بينتلاند وكانت قد زارته في منفاه ~~الطويل كلما قادتها جولاتها إلى جنوب فرنسا، ولم يكن ذلك من ~~منطلق الحب بقدر ما كان من منطلق إثارة غيظ الأفراد الآخرين في ~~العائلة. (لا بد أنه كان أسعد في ذلك البلد الثري الدافئ أكثر مما ~~كان على هذه الأرض الصخرية الباردة.) ولكنها لم تأت اليوم لأسباب ~~عاطفية، وإنما كان السبب أن حضورها منحها الفرصة لانتصار على ~~العمة كاسي. كان بوسعها أن تراقب بعينيها الخضراوين الباردتين ~~العمة كاسي أثناء وقوفهم جميعا لدفن مصدر الإحراج والخزي للعائلة. ~~كانت سابين، التي لم تحضر أي جنازة منذ وفاة والدها قبل خمسة ~~وعشرين عاما، قد تسلقت التل الصخري المؤدي إلى مدافن بلدة ~~دورهام مرتين في أسبوع واحد ... # كان الكاهن يتلو مكررا ... ~~«نعمة ربنا يسوع المسيح، ومحبة الله، ~~وشركة الروح القدس مع جميعكم. آمين .» # انصرف ms139 الرهط في صمت، وفي صمت أيضا اختفى أفراده عن الأنظار ~~عند حافة التل أثناء نزولهم على الدرب المنحدر. انتهت مراسم ~~الجنازة السرية وترك هوراس بينتلاند بمفرده مع حفاري القبور ~~البولنديين، بعدما عاد أخيرا إلى أرض الوطن. # 3 # عادت السكينة، التي كانت قد استحوذت على أوليفيا أثناء جلوسها ~~بمفردها إلى جوار جثمان ابنها المتوفى، إليها تدريجيا مع ~~انتهاء فورة الانفعال المصاحبة لمراسم الجنازة. بالطبع، شعرت لأول ~~مرة بالامتنان للأجواء العبثية والفاترة التي غزت هذا العالم ~~الهادئ القديم. وللحظة هدأت تلك الأجواء من روعها حين أرادت أن ~~تترك وشأنها لتنعم بالسكينة، بعد أن فقدت كل مظاهر الاهتمام ~~بالحياة. أدركت يقينا أن موت ابنها لم يكن مأساة في حد ذاته؛ ~~وإنما تمثلت المأساة الوحيدة في الحياة المضطربة والأليمة واليائسة ~~التي عاشها. والآن، بعد سنوات كثيرة جدا من القلق والتوتر، كان ~~ثمة شعور بالسكينة بدا غريبا ولكنه مستساغ نوعا ما ... لحظات كان ~~يغشاها فيها شعور بعزلة عميقة وشافية أثناء استلقائها على كرسي ~~المضجع بجوار النافذة المطلة على الأهوار. وحتى زيارات العمة ~~كاسي، التي كان من شأنها أن تشق طريقها عنوة إلى غرفة أوليفيا من ~~منطلق أداء «الواجب»، ما كانت تترك إلا انطباعا مبهما كالحلم. ~~صارت السيدة المسنة يوما بعد يوم أشبه بذبابة طنانة نشطة، صار ~~طنينها نائيا ومبهما أكثر، مثل طنين ذبابة تحوم عند زجاج نافذة ~~يسمعها النائم من خلال الحجب التي يسدلها النوم. # من نافذتها، كانت أحيانا ترى الرجل المسن من بعيد، يستقل ~~بمفرده عربة يجرها الحصان الأبيض الطاعن في السن عبر الحقول، ~~وأحيانا كانت تلمح جسده المنحني ممتطيا الفرس الحمراء الجامحة ~~على الطرق الترابية. لم يعد يركب الفرس بمفرده؛ إذ رضخ إلى ~~تحذيرات هيجينز الملحة من طباع الفرس الحادة، وسمح للسائس أن ~~يرافقه، ليسير دائما إلى جواره أو خلفه قليلا ليحرسه، ممتطيا ~~حصان البولو الصغير الحجم بسلاسة وخيلاء جعلتا الحصان وفارسه ~~يبدوان كائنا واحدا ... أشبه بالقنطور. وعلى صهوة حصان، بدا أن قبح ~~الرجل النشيط الشهواني الضئيل البنية يتوارى. بدا الأمر وكأنه ~~ولد ms140 هكذا، على صهوة حصان، وأنه يشعر بالارتباك والقلق عندما ~~يسير على قدميه. # وكانت أوليفيا تدرك الفكرة التي تراود دوما عقل حميها أثناء ~~ركوبه الحصان عبر الحقول الجرداء الصخرية. كان يفكر طوال الوقت ~~في أن كل هذه الأراضي الشاسعة، وكل هذه الثروة الطائلة، وحتى ~~الأكوام التي كانت العمة كاسي تكدسها بحرص، ستئول ذات يوم إلى ~~عائلة تحمل اسما آخر، ربما اسم لم يسمع عنه من قبل ~~مطلقا. # لن يعود ثمة وجود لآل بينتلاند. ستكون سيبيل وزوجها أثرياء، بل ~~وفاحشي الثراء، بأموال عائلة بينتلاند وأموال أوليفيا ... ولكن لن ~~يعود ثمة وجود لأفراد يحملون اسم بينتلاند. لقد آل كل شيء إلى ~~نهايته في هذا ... العقم والاندثار. وبعد مرور مائة عام أخرى، سيبقى ~~الاسم، إن ظل قائما من الأساس، مجرد ذكرى، محفوظة في صفحات ~~كتاب آنسون. # في النهاية أثرت حالة الكآبة الجديدة، التي خيمت على ~~المنزل، حتى على معنويات سيبيل، الشابة الغضة والمتشوقة جدا ~~لخوض تجارب جديدة، وكأن تلك الحالة عفن فطري سام تغلغل في روحها. ~~لاحظت أوليفيا هذا لأول مرة في فتور غامض معين بدا أنه يؤثر على ~~كل تصرف من تصرفات الفتاة، ثم في تنهيدة خافتة عابرة تنم عن ~~الإجهاد، وفي زيارات الفتاة لغرفتها، وفي الطريقة التي زهدت بها ~~طواعية قضاء الأمسيات في منزل «بروك كوتيدج» لتبقى في البيت مع ~~والدتها. لاحظت أن سيبيل، التي كانت دوما تتحلى بالحماس البالغ، ~~قد مستها نزعة من العقم الذي كانت (أوليفيا) قد قاومته طويلا. ~~وكانت سيبيل، سيبيل من بينهم جميعا، هي الوحيدة التي تمتلك فرصة ~~النجاة. # كانت تقول في نفسها: «يجب ألا أضغط عليها. يجب ألا أكون مثل هذه ~~النوعية من الأمهات اللاتي يفسدن حياة أبنائهن.» # وعندما كان جون بينتلاند يأتي ليجلس إلى جوارها فاتر الهمة، ~~صامتا أحيانا، وفي أحيان أخرى مختلقا أحاديث فارغة لم تكن تعني ~~شيئا، بغية إخفاء يأسه، لاحظت أنه، هو الآخر، كان يأتي ليستمد ~~منها القوة التي لا يستطيع أحد سواها أن يمنحها له. فحتى السيدة ~~سومز المسنة خذلته، إذ أصابها ms141 المرض مرة أخرى ولم تتمكن من ~~مقابلته إلا لبضع دقائق كل يوم. (كان رأي سابين، الذي عبرت عنه ~~أثناء إحدى زياراته الصباحية، أن هذه النوبات المرضية المفاجئة ~~الغريبة كانت بسبب تعاطي جرعات زائدة من المخدرات.) # لذا، أدركت أن تخليها عن النضال الآن سيجعلها تندرج في خانة ~~الجبناء، واستيقظت ذات صباح عند الفجر تقريبا لترتدي ملابس ركوب ~~الخيل، وتخرج مع سيبيل عبر المروج الرطبة لتلتقي بأوهارا. عادت وقد ~~اختفى بعض من شحوبها واستعادت تقريبا روحها المرحة، وارتفعت ~~روحها المعنوية بفعل الهواء الطلق، والتواصل مع أوهارا، والشعور ~~بمواصلة النضال مرة أخرى. # ولاحظت سابين، التي تتسم باليقظة دوما، الفارق وأرجعته إلى ~~وجود أوهارا وحده، وفي هذا لم يجانبها الصواب كثيرا؛ فنظرا ~~لاستقراره هنا في دورهام، أثر وجوده على أوليفيا تأثيرا ~~بالغا باعتباره شخصا لم يكن له ماض وإنما مستقبل. فمعه كانت ~~تستطيع أن تتحدث عن أشياء مستقبلية؛ عن خطته للمزرعة التي ~~اشتراها، وعن مستقبل سيبيل، وعن مساره المهني الرائع المتسم ~~بالتهور. ~~••• # كان أوهارا نفسه قد وصل إلى حالة ذهنية خطيرة. كان واحدا من ~~أولئك الرجال الذين يسعون وراء الشهرة والنجاح ليس من أجل المكافآت ~~المادية في حد ذاتها وإنما بقدر أكبر من أجل الشعور بالرضا ~~النابع من خوض النضال، والمتعة الشديدة للفوز رغم جميع الاحتمالات ~~التي ضده. كان قد حقق نجاحات بالفعل. إذ كان لديه منزله الخاص ~~وخيوله وسيارته وملابسه الأنيقة، وكان يدرك قيمة هذه الأشياء، ليس ~~فقط في عالم دورهام؛ وإنما في عالم الأحياء الفقيرة وعلى أرصفة ~~موانئ بوسطن. لم تكن لديه أي أوهام بخصوص الآليات المنقوصة ~~للديمقراطية. وأدرك (ربما لأنه بدأ من القاع وشق طريقه حتى اقترب ~~من القمة) أن الفقراء يتوقعون من السياسي أن يكون شخصا عظيما ~~رائعا نوعا ما، وخاصة عندما يكون قد بدأ مشواره المهني كشخص ~~عادي جدا وفقير ذي خلفية اجتماعية متواضعة. لم يكن أوهارا يتصرف ~~بحماقة أو تهور. فعندما كان يزور الأحياء الفقيرة أو يحضر ~~الاجتماعات السياسية، كان يتصرف باعتباره رجلا عاديا شاملا، ~~أخا للجميع. وعندما ms142 كان يخطب في جموع عريضة أو يترأس اجتماعا ~~ما، كان يصل بسيارة لامعة ويظهر بملابس أنيقة تليق بممثل عن ~~الحكومة أو السلطة؛ ولذا كان يرجع الفضل إلى أولئك الرجال الذين ~~لعبوا معه في صباهم على رصيف ميناء إنديا وارف وأشبعوا الرغبة ~~العارمة داخله في شيء أروع من آليات الديمقراطية المثالية. # لقد استوعب قواعد اللعبة على أكمل وجه ولم يرتكب أي أخطاء؛ ~~لأنه كان قد حظي بأفضل تدريب ممكن؛ ألا وهو التعرف على جميع ~~أنواع البشر في مختلف الظروف. كان هو في حد ذاته يجسدهم ~~جميعا، إذا ما تغاضينا عن البساطة والنزاهة واللطف التامين؛ ~~نظرا لأنه لم يكن حقا رجلا بسيطا ولا نزيها تماما، وكان لا ~~يعرف الرحمة لدرجة تتنافى مع أن يكون لطيفا. وفهم الناس (كما ~~خمنت سابين)، بما لديهم من قليل من كبر وزهو وفشل ~~وطموح. # كانت العمة كاسي وآنسون، من منطلق تفكيرهما المتزمت والمحدود، ~~مجحفين في اعتقادهما بأن عالمهما كان هدف طموحات أوهارا. كانا، ~~بطريقة أولئك الأشخاص الذين يعتمدون على بيئتهم لتسويغ وجودهم، ~~يضعان قيمة لعالمهما لا تتناسب مطلقا مع مكانة رجل مثل أوهارا؛ ~~إذ إنهما يفكران. فبالنسبة إليهما كان عالمهما هو كل شيء، أقصى ما ~~يطمح إليه المرء على وجه الأرض، ولذلك كانا يفترضان أن الأمر حتما ~~كان يبدو هكذا لأوهارا. وكان من المستحيل في نظرهما أن يؤمنا ~~بأنه كان يعتبر هذا مجرد جزء صغير من مخططه الأكبر للحياة وأنه ~~فرض حصارا حول هذا العالم من أجل المتعة التي يجدها في خوض ~~المعركة؛ لأن أوهارا في حقيقة الأمر لم يكن يعرف ما الذي ~~سيفعله بثمار انتصاره في هذه المعركة، بمجرد الفوز ~~بها. # وبالفعل كان قد بدأ يدرك ذلك بنفسه. كان قد بدأ يدرك أن الفوز ~~كان سهلا جدا لدرجة أن المعركة نفسها فقدت متعتها عنده. كانت ~~لحظات الشعور بالرضا عن الذات، كتلك التي غمرته أثناء جلوسه مع ~~سابين، تزداد ندرة أكثر فأكثر ... اللحظات التي من شأنه أن يتوقف ~~فيها ويقول لنفسه: «ها أنا، مايكل أوهارا، النكرة ... ابن ms143 العامل ~~البسيط وربة المنزل، أستقر وسط عالم مثل دورهام، وأتحدث إلى ~~امرأة مثل السيدة ريتشارد كاليندار.» # كلا، كانت المتعة قد بدأت تفقد، وينحسر وجودها في الصراع. ~~وبدأ يتسلل إليه الملل، ومع تزايد شعوره بالملل، صار يشعر أيضا ~~بالقلق والتعاسة. # ومع أنه نشأ في ظل الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، لم يكن ~~متدينا متشددا ولا مؤمنا بالخرافات. كانت تساوره الشكوك ~~بما يكفي لئلا يؤمن بجميع المعتقدات التي كانت الكنيسة تسعى ~~لفرضها عليه، إلا أن هذه الشكوك لم تبلغ مبلغا عظيما لدرجة ~~تجعله يجد راحة البال إرادة متذرعة بالإيمان. فعلى مدار فترة ~~طويلة جدا كان معتمدا على ذاته تماما لدرجة أنه لم تخطر على ~~باله فكرة التوكل على الرب أو الكنيسة حتى في أحلك اللحظات التي ~~تسودها الوحدة والاضطراب. وظل من الناحية الظاهرية معتنقا ~~لمعتقد الكنيسة الكاثوليكية الرومانية؛ لأنه بإنكاره للعقيدة، كان ~~سيجلب لنفسه عداوة الكنيسة وعدة آلاف من الأيرلنديين والإيطاليين ~~المتدينين. وهي بكل بساطة مشكلة لم تكن تشغله كثيرا بشكل أو ~~بآخر. # هكذا كان قد وصل، بعدما فقد في الوقت الحالي أي شغف قوي يرشده، ~~إلى حالة من ركود الارتباك والملل. حتى زملاؤه الساسة في بوسطن ~~لاحظوا التغيير عليه واشتكوا من عدم إبدائه اهتماما كبيرا ~~بالحملة التي تستهدف أن يكون نائبا بالكونجرس. كان يتصرف ~~أحيانا كما لو أنه لم يكن يشكل له فارقا على الإطلاق سواء ~~انتخب في الكونجرس أم لا ... وهو، مايكل أوهارا، الذي كان يمثل ~~قيمة كبيرة لحزبه، الرجل الجذاب جدا والداهية، الذي بوسعه أن ~~يفوز تقريبا بأي شيء يختاره. # وعلى الرغم من أنه حرص على ألا يتكهن أحد بحاله، فإن هذه ~~الحالة النفسية الغريبة أزعجته كثيرا وعلى نحو أعمق من أي من ~~أصدقائه. اجتاحه يقين بأن شيئا ما ينقصه في حياته، شيئا أقرب ~~إلى المقومات الأساسية. وبعدما انتابته حالة من الخمول والملل، بدأ ~~يفكر في نفسه لأول مرة. كانت فورة مرحلة الشباب بوهجها البهي، التي ~~يبدو فيها كل شيء جزءا من لعبة رائعة، قد انتهت وزالت، وشعر ~~بنفسه ينزلق إلى ms144 أعتاب الكهولة. ونظرا لكونه رجلا مفعما ~~بالطاقة والشغف، وحب الحياة، شعر بالتغيير على نحو أشعره بحزن ~~شديد. كان لديه نوع من الهلع من فكرة تباطؤ إيقاع الحياة؛ خوف ~~ملأه أحيانا بشعور مرض جدا بكآبة تليق برجل ~~أيرلندي. # في تلك اللحظات، كان يفكر بنزاهة شديدة في كل ما يمتلكه، ~~ووجد بمرارة أن النتيجة التراكمية لم تكن مرضية. كان لديه سجل جيد ~~بما يكفي. كان قطعا أكثر نزاهة من أغلب الرجال المنخرطين في ~~مجال قذر كمجال السياسة؛ وبالطبع أكثر نزاهة بكثير وأكثر تحررا ~~من الأحقاد والضغائن من كثير ممن خرجوا من عالم دورهام المقدس ~~جدا هذا. كان قد جنى ما يكفي من المال خلال مسيرته المهنية، ~~وكان يفوز بمعركته في دورهام. غير أنه في سن الخامسة ~~والثلاثين، كان إيقاع الحياة قد بدأ يتباطأ، ويفقد بعضا من تلك ~~المتعة التي جعلته فيما مضى يستيقظ كل صباح متمتعا بالصحة ~~والنشاط، وذهنه متقد بخطط مدهشة. # ثم، وسط هذه الحالة الذهنية المضطربة، اكتشف ذات صباح أن الشعور ~~القديم بالابتهاج قد عاوده مرة أخرى، ولم يكن ذلك راجعا إلى أن ~~ذهنه كان عامرا بخطط مذهلة. استيقظ ولديه اهتمام بالحياة؛ لأنه ~~أدرك أنه بعد قليل سيلتقي بأوليفيا بينتلاند. استيقظ، متحمسا ~~لركوب حصانه والانطلاق عبر المروج، لينتظر إلى جوار مقلع ~~الحجارة المهجور إلى أن رآها قادمة عبر الحقول المغطاة بقطرات ~~الندى، وبدت له متألقة كتألق الصباح ذاته. وفي الأيام التي ~~كانت لا تأتي فيها، بدا له أن وجوده بأكمله قد فقد معناه ~~فجأة. # لم يكن الأمر بالنسبة إليه أنه رجل يواجه فكرة وجود المرأة ~~لأول مرة في حياته. كانت ثمة نساء في حياته دوما، بداية من ~~الفتاة الإيطالية الأولى المتسخة بالوحل التي التقى بها في صباه ~~وسط أكوام الخشب المكدسة على أرصفة الميناء. كانت ثمة نساء دوما ~~في حياته لأنه من المستحيل على رجل نشيط جدا ومفعم بالحيوية، ~~وقاس جدا وساخر للغاية، أن يكون قد عاش خمسة وثلاثين عاما بلا ~~نساء، ولأنه كان رجلا جذابا، مفعما بالسحر والدهاء، حينما ms145 كان ~~يختار أن يكون كذلك، وكان يصعب على النساء مقاومته. كان يوجد ~~عدد كبير من النساء، اللواتي يبقيهن دوما في الخلفية، ويعاملهن ~~باعتبارهن ضرورة ملحة ويمنعهن ببراعة من التدخل في الجانب ~~الأهم من حياته ألا وهو صنع مساره المهني. # ولكن فيما يخص أوليفيا بينتلاند، كان شيء جديد ومربك يحدث له ~~... شيء كان، في خضم تلهفه لعيش الحياة وخوض التجارب كلها، يزخر ~~بافتتان حسي طاغ. لم تكن مجرد امرأة أخرى في طابور طويل ~~للغاية. اكتشف أن أوليفيا بينتلاند امرأة مختلفة عن الأخريات ... ~~امرأة تتحلى بالنضج والاتزان والجمال والسحر والذكاء، وبالإضافة ~~إلى كل هذه الأمور كان يرى أنها تتحلى بقدر من النضارة العذبة ~~والمتقلبة، نفس النضارة التي كانت لدى ابنتها الشابة، ولكن شابها ~~فحسب قليل من الحزن. # في البداية، عندما تحدثا معا أثناء تنسيقها لحديقة منزل ~~«بروك كوتيدج»، وجد نفسه يراقبها، مستغرقا في حالة من العجب، ~~لدرجة أنه كاد ألا يستوعب ما كانت تقوله. وفي نفس الوقت ظل ~~يردد في نفسه: «يا لها من امرأة رائعة ... أروع امرأة رأيتها أو ~~سأراها في حياتي ... امرأة بإمكانها أن تجعل الحياة مختلفة بالنسبة ~~إلي، امرأة من شأنها أن تصنع من الحب شيئا يقول الناس أنه ~~موجود.» # لقد حركت مشاعره بطريقة جعلته ينحي جانبا كل ما كان لديه من ~~غلظة مبتذلة وسخرية من المرجح أن يتعامل بهما رجل مثله يتمتع ~~بهذا القدر من التجارب مع فكرة المرأة برمتها. حتى ذلك الحين، ~~كان النساء يبدون له أنهن خلقن ليمتعن الرجال أو لينجبن ~~لهم الأبناء، والآن كان يرى أنه كان ثمة شيء، في نهاية الأمر، في ~~هذا الرأي الذي كان الناس يحصرون فيه العلاقات الغرامية. وظل ~~طويلا يبحث عن كلمة تصف أوليفيا وفي النهاية عاد إلى الكلمة ~~العتيقة البالية التي كانت دوما تستحضرها في الذهن. كانت «سيدة ~~راقية» - وبهذه الطريقة كان لها تأثير طاغ على مخيلته. # كان يقول لنفسه إنه أمام امرأة يمكنها أن تفهمه، ليس بطريقة ~~متحفظة وتحليلية لامرأة ذكية مثل سابين كاليندار، وإنما بطريقة ~~أخرى تماما ms146 . كانت امرأة بإمكانه أن يقول لها: «أنا كذا وكذا. ~~وحياتي تسير على هذا النهج. ودوافعي هي كذا»، ومن شأنها أن تفهمه، ~~وتتقبله كما هو بمساوئه ومحاسنه. من شأنها أن تكون الشخص ~~الوحيد في هذه الدنيا الذي يمكن أن يفضي إليه بعبء أسراره كله، ~~المرأة الوحيدة التي يمكنها أن تقضي على الشعور المجهد بالوحدة ~~الذي يسيطر عليه أحيانا. جعلته يشعر بأنها، رغم كل ألمعيته ~~ومخططاته العنيدة، كانت هي أكثر حكمة بكثير مما كان عليه في أي ~~وقت مضى، وبأنه نوعا ما كان فتى صغيرا ربما يأتي إليها ليدفن ~~رأسه في حجرها ويجعلها تمسد شعره الأسود الكثيف. فمن شأنها أن ~~تفهم أن ثمة أوقات يرغب فيها الرجل أن يعامل على هذا النحو. ~~وبطريقتها الهادئة، كانت امرأة قوية، إيثارية، لا تعتمد على ~~الإطراء والاهتمام الدائم، وكانت نوعا من النساء له قيمة كبيرة ~~عند رجل عازم على تحقيق مستقبله المهني. ملأه التفكير فيها ~~بشعور مرير بالحزن، ولكن في لحظاته الأقل رومانسية، رأى، أيضا، ~~أنها كانت تتمتع بالقدرة على إخراجه من حالة الملل المتزايد التي ~~كانت تخيم عليه. ستكون ذات قيمة عظيمة له. # وهكذا، لم يجانب الصواب سابين كثيرا عندما فكرت فيه باعتباره ~~الصبي الصغير الجالس على حافة الرصيف الذي كان قد تطلع إليها ~~بجدية وقال: «ألعب». كان أحيانا يشبه كثيرا هذه الصورة. # ولكن في النهاية، كان دوما يستفيق فجأة على الحقيقة القاسية ~~المتمثلة في أنها متزوجة بالفعل من رجل لم يكن يرغب فيها لنفسه ~~ومع ذلك لن يطلق سراحها أبدا، رجل قد يضحي بكل شيء في ~~الدنيا ليقي عائلته شر فضيحة. وفيما وراء هذه الصعوبات القاسية ~~والملموسة، أدرك أيضا الشبكة الخبيثة المتهاوية بأكملها، التي ~~كانت خفية ومع ذلك قوية، التي كانت قد وقعت في أسرها. # إلا أن هذه العوائق لم تترك في الذهن إلا انبهارا معقدا ~~جدا، وغير منطقي للغاية، لدرجة أن في عزلته الذهنية وفي مرارة ~~الصراع الطويل الذي أدركه، صار يزدري العالم كله ولا يرى سببا ~~يمنع إقدامه على أخذ ما يريد ms147 من عالم دورهام هذا. قدمت له عوائق ~~كهذه أساسا لمعركة جديدة، محل اهتمام جديد في ظل الاضطراب ~~الذي كان يسود حياته؛ ولكن هذه المرة كان ثمة اختلاف ... وهو أنه ~~كان يبتغي الجائزة في حد ذاتها أكثر من الصراع. كان يريد ~~أوليفيا بينتلاند، والأمر الغريب جدا أنه لم يكن يريدها لدقيقة ~~أو حتى لشهر أو عام، وإنما للأبد. # انتظر لأنه عرف، بدهاء خبرته الطويلة، أن الإلحاح لن يؤدي إلا ~~إلى نفور امرأة مثلها ويتسبب في أن يخسرها تماما، ولأنه لم ~~يعرف خطة عمل يمكن أن تتغلب على العوائق التي تفرق بينهما. ~~انتظر، مثلما فعل مرات كثيرة في حياته المهنية، أن تزول الظروف ~~من تلقاء نفسها. وبينما كان ينتظر، كان في كل مرة يلتقي فيها بها ~~تزداد رغبته فيها أكثر فأكثر، ويضعف شعوره المنيع بالحذر أكثر ~~فأكثر. # 4 # في تلك الأيام الطوال التي قضتها أوليفيا في غرفتها، أدركت شيئا ~~فشيئا وجود الوافد الجديد بمنزل «بروك كوتيدج». كان ذلك قد بدأ ~~ليلة وفاة جاك بصوت موسيقاه تنساب عبر الأهوار، وبعد انتهاء مراسم ~~الجنازة تحدثت سابين عنه مع أوليفيا بحماس غير معهود منها على ~~الإطلاق. وكانت قد لمحته مرة أو مرتين يعبر المروج متجها صوب ~~مداخن أوهارا اللامعة أو ماضيا في الطريق الذي يقود إلى البحر عبر ~~الأهوار - كان شابا طويل القامة أصهب الشعر، في مشيته عرج طفيف. ~~واكتشفت أن سيبيل كانت تلوذ بالصمت بخصوصه على نحو غريب، ولكن حين ~~كانت تسأل الفتاة عن خططها لقضاء اليوم كانت، عادة، تجد أن لتلك ~~الخطط صلة به. وعندما كانت تتحدث عنه، كان يبدو الخجل على سيبيل ~~وتقول: «إنه لطيف جدا، يا أمي. سآتي به إلى هنا عندما تكون لديك ~~رغبة في مقابلة الناس ... كنت أعرفه في باريس.» # وبحكمة، لم تلح أوليفيا عليها بالأسئلة. وعلاوة على ذلك، كانت ~~سابين قد أخبرتها بكل ما يمكن معرفته تقريبا ... ربما بأكثر مما ~~كانت سيبيل نفسها تعرف. # قالت سابين: «إنه ينتمي قطعا إلى عائلة هامة ... عنيد ومتهور ~~ومفعم بالحيوية. ربما تكون ms148 والدته هي أروعهم جميعا. إنها امرأة ~~ساحرة عاشت جل حياتها في ترف بباريس ... وليس في واحدة من ~~المستعمرات الأمريكية. وهي لا تقلد أحدا وعاجزة عن التظاهر بأي ~~شكل من الأشكال. لقد عاشت هناك، بمفردها إلى حد ما، على المال ... ~~الكثير من المال ... الذي يأتي فيما يبدو من مصانع الصلب في بلدة ~~قذرة بالغرب الأوسط. إنها واحدة من أعز صديقاتي ... امرأة تفتقر إلى ~~الذكاء، لكنها جميلة للغاية ورزقت جاذبية مدمرة. إنها واحدة ~~من النساء اللاتي خلقن من أجل الرجال ... فهم يجدونها لا تقاوم، ~~وأظن أنه كان يوجد رجال في حياتها دوما. لقد خلقت من أجل ~~الرجال، ولكن ذوقها مثالي، لذا أخلاقها لا تهم.» # بدا أن المرأة ... بل وعائلة جان دي سيون كلها ... تثير إعجاب ~~سابين أثناء جلوسها لتناول الشاي مع أوليفيا؛ لأنها واصلت الحديث ~~عنهم، أكثر بكثير من المعتاد، فوصفت منزل والدة جان، وأصدقاءها، ~~والأشخاص الذين كان المرء يلتقي بهم على العشاء عندها، وكل شيء ~~يمكنها أن تخبرها به. ~~«إنها من نوعية النساء الموجودات منذ الأزل. ثمة بعض الغموض ~~الذي يحيط بالمرحلة الأولى من حياتها. الأمر له علاقة بوالد جان. ~~لا أظن أنها كانت سعيدة معه. لا يأتي ذكره مطلقا. بالطبع، ~~تزوجت مرة أخرى من رجل فرنسي ... أكبر سنا منها بكثير ... رجل بارز ~~جدا، عمل في ثلاثة مجالس وزراء. ومنه حصل الصبي على اسمه ~~الفرنسي. لقد تبناه الرجل المسن وعامله مثل ابنه. دي سيون هو اسم ~~ذو سمعة طيبة في فرنسا، واحد من أفضل الأسماء؛ ولكن بالطبع لا ~~تجري في عروق جان أي دماء فرنسية. فهو أمريكي خالص، ولكنه لم يكن ~~قد رأى بلاده مطلقا حتى الآن.» # أنهت سابين تناول الشاي وبينما كانت تضع فنجانها على الطاولة ~~الكلاسيكية من طراز ريجنسي (التي ورثتها أوليفيا عن أمها وشقت ~~طريقها بأناقة إلى داخل منزل يزخر بالأثاث الأمريكي البدائي ذي ~~الطابع الجامد) أضافت قائلة: «إنها عائلة بارزة ... جامحة ومضطربة. ~~كان لجان خالة توفيت في دير الرهبنة الكرملية ببلدة ليزيو ~~الفرنسية، وابنة خالته تدعى ليلي ms149 بار ... موسيقية رائعة حقا.» ~~تطلعت من النافذة وبعد دقيقة قالت بصوت خفيض: «ليلي بار هي ~~السيدة التي تزوجها زوجي ... ولكنها تطلقت منه، هي الأخرى، والآن ~~نحن صديقتان ... أنا وهي.» ترددت ضحكتها الرنانة الجامدة المألوفة، ~~وأردفت قائلة: «يخيل إلي أن تجربتنا معه جعلتنا متعاطفتين ... ~~حسنا، أنا أعرف العائلة جيدا. إنها سلالة تخرج للحياة أشخاصا ~~نوابغ ... يعيشون في اللحظة الحالية.» # لم تقل إن جان وأمه وابنة خالته المضطربة يثيرون إعجابها ~~لأنهم بطريقة ما يمثلون الحرية التي جاهدت لنيلها خلال السنوات ~~التي هربت فيها من دورهام. كانوا ينعمون نوعا ما بالتحرر من ~~الدول، ومن المدن، ومن القوانين، ومن الأحكام المسبقة، بل بشكل ~~أو آخر من القوميات. وكانت قد أملت يوما أن يولي جان اهتماما ~~بابنتها تيريز العنيدة والمستقلة والذكية، ولكن من منطلق خبرتها ~~بالحياة كانت قد فقدت ذلك الأمل منذ وقت طويل، لعلمها بأن ~~صبيا جامحا ورومانسيا، متأثرا جدا بنشأته وسط الفرنسيين، ~~شابا متمتعا برجولة تامة، كان من المؤكد أنه سيسعى وراء فتاة ~~أرق وألطف وأكثر أنوثة من تيريز. عرفت أنه لا مفر من وقوعه في حب ~~فتاة مثل سيبيل، وكانت تشعر نوعا ما بالسرور لأن هذا كان يتوافق ~~على نحو رائع مع خططها المتأنية. كانت متأكدة من أن عائلة ~~بينتلاند ستنظر إلى جان دي سيون باعتباره شخصا غجريا، عندما ~~يعرف أفرادها الحقيقة الكاملة ... # أدهشتها التكهنات. ثبت لها أن فصل الصيف، حتى مع شبح موت جاك ~~الذي يحوم حول المكان، لم يكن مروعا كما كانت تخشى؛ وهذا التطور ~~الجديد أثار اهتمامها باعتباره شيئا لم تكن قد لاحظته من قبل ~~أبدا ... قصة حب شاعرية بين شابين بدا لها كل منهما شخصا ~~مثاليا وجذابا. # 5 # كان الأمر كله قد بدأ قبل عام تقريبا في يوم احتفال مدينة باريس ~~بأكملها بالذكرى السنوية للهدنة، وفي صباح ذلك اليوم خرجت ~~سيبيل مع تيريز وسابين ليضعن إكليلا من الزهور إلى جوار شعلة ~~قوس النصر (لأن الحرب كانت واحدة من الأشياء التي اختارت سابين، ~~بما لا يمكن تفسيره، أن تظهر ms150 المشاعر نحوها ). وبعد ذلك لعبت في ~~الحديقة مع الكلاب التي لم تكن المدرسة في بلدة سان كلو لتسمح ~~بالاحتفاظ بها، ثم عادت إلى المنزل لتجد امرأة جذابة وجميلة ربما ~~في الخمسين من عمرها - مدام دي سيون، التي كانت قد جاءت لتناول ~~الغداء مع ابنها، الشاب ذي الأربعة والعشرين عاما الطويل القامة ~~والفارع والنحيل، ذي الشعر الأصهب والعينين الزرقاوين الداكنتين ~~والصوت الرنان المبهج. واحتفالا بذلك اليوم، كان يرتدي زي ~~الفرسان الأسود والفضي الخاص به، وبسبب إصابة قديمة كان في ~~مشيته عرج طفيف. وعلى الفور تقريبا (تذكرت هذا حين كانت تفكر ~~فيه) نظر إليها بإعجاب واضح وهو ما منحها شعورا بإثارة ممتعة ~~كان جديدا تماما عليها. # كان قد استحوذ عليها شيء ما عندما رأت الزي الرسمي، أو ربما ~~تأثرت بالمشاعر السائدة في الأجواء، أو بصوت الموسيقى العسكرية، ~~أو بأصداء أنغام النشيد الوطني الفرنسي وقصيدة «سامبغ إيه ميوز» ~~الغنائية، أو مشهد الجنود في الشارع وقوس النصر بشعلته ~~المتقدة هناك ... شيء في الأجواء الباريسية، شيء أحبته بشغف. ~~كان شيء قد أخذ يحتشد في تلك اللحظة، واستقر على الشاب الغريب ~~الذي أخذ يرمقها بعينين تفيضان بالإعجاب. # أدركت على نحو مبهم أنها وقعت حتما في الحب في اللحظة التي ~~وقفت فيها في صالون سابين كاليندار تنحني لليلي دي سيون. وكانت ~~شدة التجربة قد ازدادت عندما اصطحبته، بعد الغداء، إلى الحديقة ~~لتريه كلابها ورأته يمسد أذني كلب الدوبرمان «إمب» ويتحدث ~~برفق إلى الكلب بطريقة تجعلها تعرف أنه كانت لديه نفس المشاعر ~~التي لديها تجاه الحيوانات. كان لطيفا جدا في أسلوبه، ورقيق ~~الحاشية جدا حتى مع ضخامته، ويسهل تبادل الحديث معه، كما لو ~~كانا صديقين دوما. # ثم على نحو شبه مفاجئ سافر إلى الأرجنتين، دون حتى أن يلتقي ~~بها ثانية، في رحلة لتعلم الأعمال الخاصة بتربية الماشية، لأنه ~~كانت تراوده فكرة أنه ربما ينتهي به المطاف ذات يوم إلى أن يكون ~~صاحب مزرعة. إلا أنه ترك وراءه صورة حية ازدادت بمرور الوقت ~~شدتها في أعماق طبيعتها الرومانسية التي ms151 تمردت على فكرة ~~اختيار تيريز أبا مناسبا لأطفالها من الناحية العلمية. كانت ~~صورة صارت، على نحو غير واع تقريبا، تقيم على أساسها الرجال ~~الآخرين، حتى في تفاصيل صغيرة مثل وضعية أكتافهم والطريقة التي ~~يستخدمون بها أيديهم ونغمة أصواتهم. كانت هذه الصورة هي ما قصدته ~~فعلا حين قالت لأمها: «أعرف أي نوع من الرجال أريد الزواج منه. ~~أعرف بالضبط.» كانت تقصد، بقدر كبير دون أن تدرك، أنه لا بد أن ~~يكون رجلا مثل جان دي سيون ... رجلا جذابا ورومانسيا وجامحا ~~قليلا. # لم تكن قد نسيته، رغم أنه أتت عليها لحظات في المدرسة ببلدة سان ~~كلود كانت قد اعتقدت فيها أنها لن تراه مرة أخرى مطلقا - لحظات ~~غمرها فيها إحساس ممتع بكآبة يائسة اعتقدت خلاله أن حياتها كلها ~~قد فسدت، وهو ما قادها إلى كتابة تدوينات طويلة ورومانسية في ~~المذكرات التي كانت تخفيها تحت مرتبتها. وهكذا مع شعورها ~~المتزايد باليأس، صارت ألوان الهالة الرومانسية المحيطة به أكثر ~~عمقا وتنوعا وحدة. وازدادت شحوبا لدرجة أن الآنسة فيرنويل ~~عمدت إلى مداواتها بالعقاقير، واتهمتها تيريز فجأة بالوقوع في ~~شباك الحب، وهو أمر أنكرته على نحو مبهم وبإيحاءات يشوبها ~~غموض رومانسي. # ثم بمجرد العودة إلى منزل عائلة بينتلاند (وهي عودة نصحتها ~~بها والدتها بسبب الوضع الصحي لجاك)، أعتمت الصورة قليلا إيمانا ~~منها بأنه لم تكن أمامها فرصة لمقابلته ثانية ولو في أكثر شطحات ~~الخيال جموحا. صار الأمر أشبه برغبة حبيسة ميئوس منها؛ وأعدت ~~نفسها لنسيانه، وكذلك، من منطلق حكمة عقلها الغض، الاعتياد على ~~فكرة الزواج من أحد الشباب المملين الذين كانوا أكثر ملائمة لها ~~والذين كانت عائلتها قد عرفتهم دوما. وكانت قد أخذت تراقب ~~معجبيها بحرص، وتقيمهم دوما بالمقارنة بصورة الشاب الأصهب، ~~الذي يرتدي زي الفرسان الأسود والفضي، ومقارنة بتلك الصورة بدوا ~~في نظرها - حتى فتى عائلة مانرينج الأشقر الوسيم - صبية صغارا، ~~أشقياء نوعا ما ولا يضاهونها في السن والحكمة. كانت قد روضت ~~نفسها سرا وبجدية على فكرة القبول بزيجة من الزيجات المناسبة في ~~عالمها - زيجة ms152 تتحدد وفقا للممتلكات وحقيقة أن خطيبها من شأنه ~~أن يكون «شخصا من النوعية المناسبة». # وهكذا، اتخذت المسألة برمتها طابع قصة حب مأساوية، يجب أن ~~تحاط بالسرية. ربما عندما تصير عجوزا، ستحكي القصة لأحفادها. ~~اعتقدت أنه مهما كان الشخص الذي ستتزوجه، ستظل تفكر دوما ~~في جان دي سيون. كان هذا واحدا من أوهام الشباب المضحكة التي ليس ~~فيها مثقال ذرة من الحقيقة الكئيبة. # ثم فجأة وصلت أخبار زيارته إلى منزل «بروك كوتيدج». ظلت محتفظة ~~بسرها، ولكنها لم تحتفظ به جيدا بالقدر الكافي الذي لا يدع ~~الشك يتسرب إلى والدتها وسابين. كانت تعبيراتها قد خانتها في ~~الليلة الأولى لوفاة جاك حين قالت، ببريق مفاجئ في عينيها: «إنه ~~جان دي سيون ... لقد نسيت أنه سيصل الليلة.» وكانت أوليفيا قد ~~لاحظت البريق لأنه صار مستمرا ومتواصلا. ~~••• # وفي منزل «بروك كوتيدج»، كان دي سيون الشاب، الذي كان مستاء ~~جراء التأجيل الذي تسببت فيه الجنازة وضرورة احترام الحداد ~~المعلن بمنزل عائلة بينتلاند، متجهما وتصرف بطريقة كان من ~~شأنها أن تتسبب في إزعاج أي شخص باستثناء سابين، التي وجدت ~~المشهد ممتعا. وإذ كان معتادا على الاندفاع بتهور نحو أي ~~شيء يرغبه (مثلما اندفع نحو الالتحاق بالجيش الفرنسي في السابعة ~~عشرة من عمره والسفر إلى الأرجنتين قبل تسعة أشهر مضت)، تعكر ~~مزاجه وأمضى أيامه في الهواء الطلق، مجدفا في النهر أو ~~سابحا في عزلة الشاطئ الأبيض العظيم. وتشاجر مع تيريز، التي كان ~~يعرفها منذ كانت فتاة صغيرة، وحاول أن يكون متحضرا قدر ~~الإمكان مع سابين المستمتعة بما كان يحدث. # أدركت منذ ذلك الحين أنه لم يأت إلى دورهام من منطلق أي ~~اهتمام بها أو بتيريز. وأدركت منذ ذلك الحين إلى أي مدى كانت ~~تتحلى بالحكمة (لأغراض تخدم خطتها) حين أدرجت في دعوتها إليه ~~السطر الذي كتبت تقول فيه ... «سيبيل بينتلاند تعيش في المزرعة ~~المجاورة لنا. لعلك تتذكرها. لقد تناولت معنا الغداء في ~~احتفال يوم الهدنة العام الماضي.» # عرفت أنه بالأحرى يتخيل نفسه رجلا محنكا عركته الحياة وأنه ~~بارع ms153 جدا في الحفاظ على أسراره. سألها عن سيبيل بينتلاند بطريقة ~~عرضية بدت مصطنعة على نحو واضح، واستشارها بخصوص الفترة التي من ~~اللازم انتظارها من باب اللياقة قبل أن يقاطع الحداد في منزل ~~عائلة بينتلاند ويزورهم، وهل أبدت الآنسة بينتلاند أي إعجاب تجاه ~~الشباب في دورهام؟ ولو لم يكن جذابا وعجولا، لكان الملل قد ~~تغلب على سابين. # كان الشاب يخشى شيئا واحدا فقط ... وهو أنها ربما تكون قد ~~تغيرت بشكل أو بآخر، أو ربما لا تكون في الحقيقة جذابة بقدر ~~ما بدت له طوال أشهر غيابه الطويلة. لم يكن بلا تجارب (في ~~الواقع، اعتقدت سابين أنه سافر إلى الأرجنتين هربا من إشكال ما ~~في باريس) وكان يدرك أن مثل هذه الخيبات المأساوية يمكن أن تحدث. ~~وربما حين يعرفها على نحو أفضل سيتلاشى افتتانه بها. ربما لا ~~تتذكره هي مطلقا. ولكنها بدت له، بعد شهور من الاستغراق في ~~التفكير الرومانسي الطويل، المرأة الأكثر جاذبية بين جميع النساء ~~اللاتي وقعت عيناه عليهن. ~~••• # كان عالما جديدا اكتشف فيه نفسه، وكان بطريقة ما عالما ~~أحدث وأكثر اختلافا عن السهول الشاسعة المغطاة بالحشائش التي ~~كان قد أتى منها لتوه. وأدرك أن من عادة الناس في دورهام أن ~~يقولوا إن بوسطن ودورهام تشبهان إنجلترا، ولكنه اعتبر في صمت أن ~~هذا نوع من الكبر والغطرسة؛ لأن بوسطن ودورهام لا تشبهان ~~إنجلترا مطلقا، حسبما رأى؛ ففي بعض المواضع بدت بوسطن ودورهام ~~عتيقتين، ولكن لم يكن بهما نفس القدر من الثراء، ولا نفس الرونق. ~~كان ينبغي أن تتحليا بالرومانسية ولكنهما لم تكونا كذلك؛ وإنما ~~بدتا له أشبه بالصور الإيضاحية في أحد كتب التاريخ المدرسية. ~~كانتا جافتين ... فكر في أن استخدام الكلمة الفرنسية ~~( # sec ~~) التي تعني «جاف» أفضل في ~~هذه الحالة بسبب وقعها الصوتي. # لم يكن التشابه مع إنجلترا هو ما وجده مثيرا للاهتمام، وإنما ~~بالأحرى الاختلاف معها ... طبيعة الريف الجرداء الباعثة على الكآبة ~~وكان منظر مستعمرات كاملة من شعوب غريبة وغير مألوفة، مثل ~~التشيكيين والبولنديين، يضفي خلفية غريبة على الصورة ms154 ~~بأكملها. # كان قد انخرط في مهمة التعرف على بلاده بطريقة دقيقة ومفعمة ~~بالحيوية، ومشبعة بالإحساس بالألوان والأصوات وكل عناصر المنظر ~~المذهل للحياة، وكان واعيا تماما لذلك. # إذ قال لسابين: «تعرفين أن المضحك هو أن هذا يبدو لي أشبه ~~بالعودة إلى الوطن. وهو ما يجعلني أشعر بأنني أنتمي إلى أمريكا ... ~~ليس إلى دورهام، وإنما إلى نيويورك أو إحدى تلك المدن الصاخبة التي ~~مررت بها.» # تحدث، بقدر كاف من التلقائية، ليس مثل الأمريكيين على الإطلاق ~~وإنما بطريقة الإنجليز المقتضبة، مبتلعا كلماته إلى حد ما، ومن ~~وقت لآخر كانت تظهر لكنة فرنسية خفيفة. كان صوته أكثر عمقا ~~وثراء من أصوات أهل منطقة نيو إنجلاند، بطريقة نطقهم لشارع ~~تشارلز «شارع تشالز» وهارفرد المقدسة «هافااد». # كان مشهد نيويورك المذهل هو ما أثار إعجابه أكثر من أي شيء آخر؛ ~~لأنها تجاوزت كل ما حلم به عنها وكل الأوصاف التي ذكرها له الناس ~~بخصوص قوتها الهائلة وفخامتها الجامحة والتنوع الرهيب للغات ~~والأشخاص فيها. أخبرته سابين، وهي تعي أن ما تقوله فيه خيانة ~~مطلقة، أن نيويورك تمثل أمريكا، أكثر بكثير من نوعية الحياة ~~التي سيصادفها في دورهام. # وبينما كان يتحدث مع سابين عن نيويورك، كانت نبرة صوته ترتفع ~~بالإثارة والحماس مثلما يحدث للأشخاص المفعمين جدا بالحيوية. ~~وأسر إليها بأنه كان قد هجر أوروبا ولن يعود للعيش فيها ~~أبدا. # قال: «إنها بلاد عتيقة، وإذا نشأ فيها المرء، مثلما نشأت، فلن ~~يكون لديه أي مبرر للعودة والعيش فيها. إنها بطريقة ما عالم ~~خامل ... خامل بالتأكيد مقارنة بالأمريكتين. والمستقبل هو ما يثير ~~اهتمامي ... لا الماضي. أريد أن أكون حيثما تدور معظم الأحداث ... في ~~قلب الأحداث.» # عندما لم يكن يعزف البيانو بجموح، أو يتحدث مع سابين، أو ~~يجادل تيريز بخصوص ضفادع وحشرات المعمل التي جمعتها في الشرفة ~~الزجاجية، كان يتجول في الحديقة في حالة من الإثارة المكبوتة، ~~وهو يتفكر في ذهنه اليافع في مشكلته والخطط التي يعتزم ~~اتباعها ليتأقلم في هذا البلد المفعم بالنشاط. كان اكتشاف هذا ~~البلد الآن، وهو في الخامسة ms155 والعشرين من عمره ، تجربة مثيرة. بدأ ~~يفهم أولئك الشباب الأمريكيين الذين كان يقابلهم أحيانا في ~~أوروبا (مثل ابن خالته فيرجوس توليفر، الذي لقي حتفه في الحرب)، ~~الذين كانوا يبدون مفعمين جدا بالحيوية وبإحساس متهور ~~بالمغامرة ... شباب لا يقاومون في عالم عتيق ومنهك؛ لأن الطبيعة ~~نفسها كانت في صفهم. # ولكي يخفف من حدة نفاد صبره، لجأ إلى نشاط بدني عنيف، ~~التجديف والسباحة والتجول بالسيارة مع سابين في أنحاء ريف دورهام. ~~لم يكن بإمكانه السير لمسافات طويلة، بسبب المشكلة التي تسبب فيها ~~جرحه القديم، إلا أنه سار كل المسافة إلى منزل أوهارا، حيث قابل ~~الأيرلندي وصارا صديقين. وأعطاه أوهارا زورق كانوي ومجدافا ~~وأخبره أنه وقتما يشعر بأن ساقه في حالة أفضل يمكنه أن يأخذ ~~حصانا من إسطبلاته. # ذات صباح بينما كان يجدف بزورقه بحذاء الضفة الموحلة للنهر بعد ~~ممارسة تمارينه المبكرة، سمع صوت وقع حوافر في الوحل السميك ~~بالقرب منه، وما إن التفت حتى رأى سيبيل بينتلاند تمتطي فرسها ~~أندروماك تخرج من الأجمة التي كانت تقريبا إلى جانبه. # كان صباحا رائعا - باردا مقارنة بطقس دورهام في منتصف شهر ~~أغسطس - وعلى صفحة النهر الخامل نشرت زنابق الماء أزهارها البيضاء ~~اللينة في مجموعات على شكل نجوم مفروشة على بساط من الأوراق ~~الخضراء. كان صباحا مفعما بالمسرات، تسقط فيه أشعة الشمس ~~المشرقة على شباك العنكبوت، التي تربط الكتل المتشابكة لكرمات ~~العنب البري، فتكسوها بلون فضي؛ وغمر دي سيون الشاب، الواقف على ~~حافة الدرب، مفعما بالصحة بفضل التمارين الرياضية الصباحية، وقد ~~تشابك شعره الأصهب الكثيف تماما، بشعور مفاجئ بعافية وبقوة جسدية ~~مهولتين. كان أمامه عالم كامل ينتظر من يغزوه؛ وإليه، من ~~الأيكة المتشابكة أقبلت سيبيل بينتلاند، أكثر سحرا وجاذبية على ~~الطبيعة مما كانت تبدو في خياله في الليالي الطويلة التي سهرها ~~مستيقظا يفكر فيها على ضوء النجوم فوق السهوب. # ولثانية لم ينبس أي منهما ببنت شفة. أجفلت الفتاة وتوردت ~~وجنتاها قليلا؛ ولكن متأثرة، أيضا، بإحساس صامت بالوقار، ~~سحبت إليها فرسها؛ وتطلع إليها جان وقال بطريقة عفوية ms156 مصطنعة ~~(نظرا لأن عروقه كانت تنتفض بالإثارة): «أوه! أهلا! أنت ~~الآنسة بينتلاند.» ~~«أجل.» ولكن فجأة بدا عليها الإحباط، كما لو أنها حقا صدقت ~~أنه كاد ينساها. # ونظرا لأنه لم يكن يرتدي إلا سروالا وقميصا للتجديف، طأطأ ~~رأسه ونظر إلى زيه، وقال مبتسما: «لم أرتد ملابس تليق ~~باستقبال زوار.» # بطريقة ما ساعد هذا في كسر الإحساس بالتحفظ، وانخرطا في حوار، ~~تبادلا فيه بضع تعليقات مبتذلة عن جمال الصباح، ونظر جان، واقفا ~~بجوار أندروماك، يمسد أنفها بنفس الرقة التي أبداها تجاه كلاب ~~سيبيل، إليها بعينيه الزرقاوين الصافيتين وقال: «كان ينبغي أن ~~آتي لرؤيتك في وقت أبكر من ذلك، إلا أنني ظننت أنك ربما لا ~~ترغبين في رؤيتي.» # كانت نبرة دافئة مرتعشة تشوب صوته. # أجابته: «ما كان هذا سيشكل أي فارق. والآن يجب أن تأتي كثيرا ~~... بقدر ما تشاء. كم مدة إقامتك في منزل «بروك كوتيدج»؟» # لثانية تردد. ثم أردف: «أسبوعين ... ربما. وربما أطول من ~~ذلك.» # وبينما كانت تتطلع إليه، قالت في نفسها: «يجب أن أجعله يبقى. ~~إن فقدته مجددا هذه المرة ... يجب أن أجعله يبقى. أنا معجبة به ~~أكثر من أي شخص في العالم. لا يمكن أن أفقده هذه المرة.» # وبدأت تقول لنفسها إن القدر في صفها، وأن النصيب أعاده إلى ~~يديها مرة أخرى. بدا وكأنه أمر مقدر، وأن الحياة معه ستكون ~~علاقة ممتعة ومثيرة. بدأ العناد الهادئ، الذي ورثته عن أوليفيا، ~~يظهر ويستحوذ عليها. كانت مصممة على ألا تفقده. # ابتعدا عن النهر، وهما لا يزالان يتحدثان بتحفظ نوعا ما، ~~بينما كان جان يسير إلى جوار أندروماك، وهو يعرج قليلا. وأخذا ~~يتلفظان بكلمة مبتذلة تلو الأخرى بينما يتلمس كل منهما ~~طريقه نحو الآخر، وكل منهما مترفع ويخشى إظهار مشاعره، وكل ~~منهما متردد ولكنه متحمس ونافد الصبر. كانت الإثارة الناتجة ~~من تقاربهما هي ما أكسب الحوار قدرا من الأهمية. لم يعرف أي ~~منهما حقا ما كانا يقولانه. من ناحية بدا كل منهما للآخر غريبا ~~ومثيرا؛ ولكن من ناحية أخرى لم يكونا غريبين على ms157 الإطلاق لأنه ~~كانت بينهما تلك المشاعر القديمة، التي أدركتها سيبيل في حديقة ~~شارع دي تيلسيت، كما لو أن أحدهما يعرف الآخر منذ الأزل. لم يكن ~~يوجد أي تردد أو شكوك أو شبهات. # كانت السماء مشرقة؛ ورائحة النهر الموحل والأعشاب النامية ~~غامرة. وراودت كل منهما أحاسيس متأججة، ونوع من نشوة متزايدة، ~~مما عزلهما عن بقية العالم. كان نوعا من السحر، ولكنه مختلف عن ~~السحر الذي يحيط بمنزل عائلة بينتلاند الخامد. # 6 # في كل مرة كانت فيها أوليفيا تستيقظ عند الفجر لتركب الخيل مع ~~سيبيل وتقابل أوهارا عند مقلع الحجارة العتيق، كانت الرحلة ~~البسيطة تصير أروع في نظرها. كان ثمة شعور بحيوية الشباب ينبع من ~~التعامل مع سيبيل والأيرلندي، شعور كادت تنساه، شعور بالقوة كانت ~~تتوق إليه طويلا. وجدت أنها طريقة رائعة لبدء اليوم؛ تخرج في ~~برودة الصباح، وتركب الخيل فوق الحشائش المبللة بقطرات الندى؛ ~~فكان هذا يصنع تباينا منعشا مع بقية اليوم الذي كان يشغل الجزء ~~الأكبر منه أشخاص كبار السن مثل حميها وآنسون (الذي كان حقا ~~رجلا مسنا) والعجوز التي تسكن في الجناح الشمالي من المنزل ~~والهجمات المهتاجة والمتواصلة للعمة كاسي. وبدأت أوليفيا، التي ~~كانت تخفي في نفسها خيلاء مستترة، تلاحظ نفسها في المرآة ... فرأت ~~أن عينيها صارتا أكثر بريقا وبشرتها أكثر صفاء. ورأت أنها حتى ~~ربما كانت جميلة، وأن عادة ركوب الخيل جعلتها ذات طابع ~~رومانسي. # وأدركت، أيضا، أثناء ركوب الخيل عبر الحقول بين سيبيل وأوهارا، ~~أنه كان أحيانا يراقبها ببريق فضولي في عينيه الزرقاوين. لم ~~يقل شيئا؛ ولم يفش بأي طريقة الشعور الذي كان وراء كل ذلك ~~الإفصاح المفاجئ والهادئ للمشاعر في فناء منزل «بروك كوتيدج». ~~بدأت تلاحظ (كما كانت سابين قد اكتشفت على الفور تقريبا) أنه رجل ~~بارع وخطير جدا. لم يكن هذا بسبب التأثير الغريب، شبه المادي، ~~الذي يتركه على في نفوس الناس وحسب - وهو تأثير أشبه بما لو كان ~~وجوده يستحوذ عليك تماما - ولكن بسبب أنه كان يتمتع بالصبر ~~ويعرف كيف يلتزم الصمت. فلو أنه ms158 اندفع، بطيش وتهور، لعجل كل ~~شيء وفسد في الحال. وكان من شأن الأمر أن ينتهي بمشهد طرده، ~~وربما كان من شأن أوليفيا أن تتحرر؛ ولكنه لم يلمس شعرة منها ~~قط. كان الأمر بكل بساطة أنه موجود دوما، يؤكد لها بطريقة غامضة ~~أن عواطفه لم تتغير، وأنه لا يزال راغبا فيها أكثر من أي شيء ~~في هذه الدنيا. ولامرأة رومانسية بطبيعتها ولم تعش أي قصة حب ~~في حياتها من قبل، كان هذا أسلوبا خطيرا. # ثم في صباح أحد الأيام، بينما كان أوهارا منتظرا بجوار مقلع ~~الحجارة، رأى أن فارسة واحدة فقط آتية نحوه عبر الحقول من ناحية ~~منزل عائلة بينتلاند. في البداية، خطر على ذهنه أن هذه حتما سيبيل ~~آتية وحدها، بدون أمها، واستحوذ عليه بسرعة الشعور المعهود بالملل ~~واليأس. ولم يدرك أنها أوليفيا نفسها إلا عندما اقتربت منه أكثر ~~ورأى النجمة البيضاء على جبين حصانها. اعتبر أن قدومها بمفردها، ~~وهي تدرك ما صرح لها به بالفعل، علامة بالغة الأهمية. # هذه المرة لم ينتظر أو يمضي على صهوة حصانه في تؤدة نحوها. ~~وإنما انطلق على حصانه يعدو بفارغ الصبر كصبي عبر الحقول الرطبة ~~ليستقبلها. # كان يبدو عليها الإشراق المعهود بها وأيضا الخجل الذي جعلها ~~تبدو لأول وهلة فاترة قليلا ومنطوية. قالت له بنبرة هادئة: «لم ~~تأت سيبيل هذا الصباح. خرجت في الصباح الباكر لصيد السمك مع جان ~~دي سيون. بدأ سمك الماكريل يخرج للمياه المفتوحة بعيدا عن ~~الأهوار.» # ساد صمت غريب يشوبه التوتر، ثم قال أوهارا: «إنه شاب لطيف ... ~~دي سيون.» ثم بمجهود بطولي للتغلب على الخجل الذي استطاعت دوما ~~أن تفرضه عليه، قال بصوت خفيض: «ولكنني سعيد بأنها لم تأت. أردت ~~أن يكون الأمر هكذا منذ البداية.» # لم تقل بمكر إنه يجب ألا يتحدث بهذا الأسلوب. لقد كان جزءا ~~من جاذبيتها أنها تتمتع بصدق وذكاء شديدين يمنعانها من أن ~~توقفه بهذا النوع من الدلال. كان قد اكتفى من دلال النساء ~~الرخيصات وسئمه منذ زمن طويل. بالإضافة إلى ذلك، لقد أرادت ms159 هي ~~نفسها الأمر أن يكون «هكذا» وأدركت أنه من الحماقة أن تتظاهر بغير ~~ذلك مع أوهارا؛ لأنه عاجلا أم آجلا سيكتشف الأمر دوما. لم يكونا ~~طفلين، لم يكن أي منهما كذلك. كانا يعرفان ما يفعلانه، ويعرفان ~~أنه خطير، بل ومتهور؛ لكن الشعور بالإثارة كان ما يجعل ~~المغامرة لا تقاوم لكليهما على حد سواء. # لوقت قصير، ركبا حصانيهما في صمت، وأخذا يرقبان الحوافر الداكنة ~~للحصانين وهي ترسل للأعلى زخات صغيرة من الندى المتلألئ من ~~العشب والنفل اللذين يصل طولهما إلى الركبة، وبعد قليل بينما ~~كانا يبتعدان عن الحقول ويمضيان في الدرب المؤدي إلى غابة أشجار ~~البتولا، ضحك وهو يقول: «أدفع بنسا مقابل أن تطلعيني على ~~أفكارك.» # أجابته مبتسمة: «لن أبيعها ولو بملايين.» ~~«لا بد من أنها ثمينة جدا.» ~~«ربما ... ثمينة لي، وليس لأحد سواي.» ~~«لا أحد على الإطلاق ...» ~~«كلا ... لا أظن أنها ستهم أي أحد. فهي ليست مبهجة ~~للغاية.» # عند هذا، لاذ بالصمت مرة أخرى، باديا عليه التفكير العميق ~~والإحباط. # لبعض الوقت أخذت تراقبه، وبعد قليل قالت: «يجب ألا تعبس في ~~صباح كهذا.» ~~«لست عابسا ... كنت فقط ... أفكر.» # ضحكت. ثم قالت: «أدفع بنسا مقابل أن تطلعني على ~~أفكارك.» # لم يضحك. وإنما تحدث بحرارة مفاجئة: «هي أيضا تستحق الملايين ~~... بل أكثر من ذلك ... لكني سأشاركها معك. ما كنت لأشاركها مع أحد ~~غيرك.» # وإثر سماعها لنغمة صوته، غمرت أوليفيا موجة سخيفة من السعادة. ~~وقالت في نفسها: «أشعر بأنني شابة وأتصرف بسخافة وأستمتع ~~بوقتي.» # ثم قالت جهرا: «ليس معي بنس، ولكن هل تثق بي حتى آتيك به ~~غدا؟» # عندئذ التفت إليها فجأة، وقد زال الخجل وحلت مكانه عاطفة ~~أقرب إلى الانزعاج والغضب. ثم سألها: «ولماذا تدفعي مقابلا لها؟ ~~أنت تعرفين جيدا ماهيتها. لم تنسي ما قلته لك في الفناء بمنزل ~~«بروك كوتيدج» ... يزداد صدقه يوما بعد يوم ... كل ما قلته.» وعندما ~~لاحظ عليها الجدية المفاجئة، أردف قائلا: «وماذا عنك؟» ~~«تعرف مدى استحالة الأمر.» ~~«لا شيء مستحيل ... لا شيء. بالإضافة إلى ذلك، أنا لا أقصد ms160 ~~الصعوبات. فتلك ستأتي في وقت لاحق ... لا أقصد سوى المشاعر.» ~~«ألا ترى أنني معجبة بك؟ ... يجب أن أكون معجبة بك وإلا ما ~~كنت لآتي بمفردي هذا الصباح.» # ردد عبارتها بمرارة قائلا: «معجبة بي. لا يهمني إعجابك ~~بي!» وعندما لم يتلق منها أي رد، أضاف بنبرة كادت أن تكون قاسية: ~~«لماذا تبقينني بعيدا عنك؟ لماذا تضعين حولك سورا صغيرا ~~دوما؟» # سألته بغباء وبشعور بالحزن: «وهل أفعل حقا؟» ~~«أنت تبدين باردة ومنعزلة حتى عندما تضحكين.» ~~«لا أريد أن أكون كذلك؛ فأنا أكره الأشخاص الباردين.» # وللحظة لمحت ومضة سريعة من العصبية المفاجئة التي تخونه ~~أحيانا. «هذا لأنك تتصرفين بالطريقة اللعينة التي تتصرف بها ~~سيدة راقية. أحيانا أتمنى لو كنت خادمة أو عاملة ~~نظافة.» ~~«وحينئذ لن أكون نفس الشخص؛ أليس كذلك؟» # رفع عينيه بسرعة، كما لو أنه سيرد ردا حاسما مفاجئا، ثم ~~تمالك نفسه، وواصل السير في صمت. وحين اختلست أوليفيا النظر إليه، ~~لمحت على خلفية الخضرة صورة سريعة للرأس العنيد الأسمر الداكن ~~الشعر - يشبه رأس ثور جميل، هكذا ظنت في مخيلتها - منحنيا ~~قليلا، غارقا في التفكير وأقرب إلى الحزن؛ ومرة أخرى هاجمها ~~شعور واهن وضعيف؛ نفس الإحساس الذي استحوذ عليها ليلة وفاة ابنها ~~حين جلست تنظر إلى مؤخر رأس آنسون ولا تراه مطلقا. وتساءلت في ~~نفسها: «لماذا هذا الرجل - الغريب - يبدو أقرب إلي مما كان ~~آنسون في أي وقت مضى؟ ولماذا أتحدث إليه بطريقة لم أتحدث بها قط مع ~~آنسون؟» وتملكها شعور غريب بالشفقة عند مرأى الرأس الداكن الشعر. ~~وفي لحظة فهم خاطفة، رأته في هيئة صبي صغير يبحث بارتباك عن شيء ~~لا يفهمه؛ أرادت أن تمسد الشعر الداكن الكثيف مطمئنة. # تحدث مرة أخرى. وكان يقول: «أنت لا تعرفين شيئا عني. ~~وأحيانا أظن أنه يجب أن تعرفي كل شيء.» سألها وهو ينظر إليها ~~سريعا: «هل يمكنك تحمل سماع ما سأقوله ... قدر منه؟» # ابتسمت له، متيقنة من أنها اخترقت حالته المزاجية بطريقة ~~غامضة وتنطوي على استبصار، وقالت في نفسها: «كم أنا عاطفية ... كم ~~أنا ms161 عاطفية على نحو مقيت !» لكنها كانت حالة مزاجية ثرية وممتعة ~~وجدت نفسها منغمسة ومسترخية فيها بكل ذرة من كيانها. وعادت ~~تقول في نفسها: «لماذا لا أستمتع بهذا؟ لقد كنت متحفظة طوال ~~حياتي.» # وإذ رأى ابتسامتها، بدأ يتحدث، ويخبرها، وهما يسيران في اتجاه ~~الشمس المشرقة، بقصة أصله المتواضع وتلك الأيام الأولى المريرة ~~على رصيف ميناء إنديا وارف، وبين فينة وأخرى كانت تقول: «أفهم ذلك. ~~طفولتي لم تكن سعيدة»، أو تقول: «تابع حديثك، من فضلك. إنه يأسرني ~~... أكثر مما تتخيل.» # وهكذا، واصل حديثه، يخبرها بقصة الندبة الطويلة الموجودة على ~~صدغه، ويخبرها كما كان متيقنا من أنه سيفعل، عن قصة صعوده إلى ~~النجاح، معترفا لها بكل شيء، حتى بالأشياء التي كان قد صار يشعر ~~بالخزي منها قليلا، ويكشف من حين لآخر عن الشعور بالمرارة الذي ~~ينتاب أولئك الذين شقوا طريقهم رغم الصعاب الكبيرة. صار الرجل ~~الداهية الملغز ساذجا سذاجة طفل صغير، واستوعبت ما قاله، كما ~~كانت متيقنة من أنها ستفعل. كان من المذهل كم كان محقا ~~بشأنها. # مستغرقين في هذه الحالة المزاجية، واصلا ركوب الخيل طويلا ~~بينما طلع الصبح وازدادت حرارة الجو، وتحيط بهما طوال الوقت رائحة ~~الأيكة الكثيفة المتنامية المظلمة والرائحة العطرية النافذة ~~لسراخس الأهوار الطويلة، إلى أن قالت أوليفيا، وهي تلقي نظرة ~~خاطفة على ساعة يدها: «لقد تأخر الوقت جدا. سيفوتني إفطار ~~العائلة.» كانت تقصد في الحقيقة أن آنسون سيكون قد ذهب إلى بوسطن ~~الآن وأنها سعيدة بذلك - ولكن كان من المستحيل أن تقول شيئا ~~كهذا. ~~••• # وعند مقلع الحجارة، ودعته، وبينما كانت تدير فرسها عائدة إلى ~~منزل عائلة بينتلاند شعرت بالتأثير الغريب لقربه منها يتفلت ~~منها مع كل خطوة؛ وشعرت كما لو أن الجو في صبيحة هذا اليوم الحار ~~من أيام أغسطس كان يصير باردا. وعندما كان المنزل الكبير المبني ~~بالطوب الأحمر، راسخا بقوة وسط أشجار الدردار العتيقة، على مرمى ~~البصر، حدثت نفسها قائلة: «يجب ألا أفعل هذا ثانية أبدا. لقد ~~كنت حمقاء.» ثم أردفت قائلة: «ولكن لم ينبغي ألا أفعل ms162 هذا؟ ~~لم ينبغي ألا أنعم بالسعادة؟ لا يحق لهم مطالبتي بأي ~~شيء.» # ولكنها كانت تعرف أن ثمة حقا واحدا؛ ألا وهو حق سيبيل. يجب ~~ألا تجعل من نفسها أضحوكة من أجل سيبيل. يجب ألا تفعل شيئا ~~يتعارض مع ما كان يحدث في زورق الصيد الصغير هذا الصباح على مسافة ~~بعيدة فيما وراء الأهوار في مكان ما بالقرب من الموضع الذي غرقت ~~فيه سافينا بينتلاند. وكانت تعرف جيدا لماذا اختارت سيبيل الخروج ~~لصيد الأسماك بدلا من ركوب الخيل؛ كان من السهل جدا إلقاء نظرة ~~على الفتاة والشاب دي سيون ومعرفة ما كان يجري هناك. هي نفسها لم ~~يكن يحق لها اعتراض طريق ذلك الأمر الآخر الذي كان أكثر نضارة ~~وشبابا، وأقرب كثيرا إلى الكمال. # وبينما كانت تعقل فرسها عند السور المنخفض بجوار الإسطبل، ~~رفعت بصرها وصادفت عيناها جسدا مألوفا متشحا بالسواد الباهت ~~واقفا في الحديقة، كما لو أنها كانت قد وقفت هناك طوال ذلك الوقت ~~تتطلع إلى المروج، وتراقبهما. وحين اقتربت أكثر، أقبلت عليها ~~العمة كاسي والقلق باد على وجهها، قائلة بصوت هامس ضعيف، كما لو ~~أنها تخشى من أن يسمعها أحد: «ظننت أنك لن تعودي أبدا، يا ~~أوليفيا العزيزة. لقد كنت أبحث عنك في كل مكان.» # أجابتها أوليفيا، وقد أدركت من الطريقة المتسمة بالغموض ~~الشديد أن كارثة جديدة قد وقعت: «كنت أركب الخيل مع أوهارا. ~~ابتعدنا أكثر مما ينبغي وكان الجو حارا للغاية فلم يكن من ~~الممكن أن نستحث الخيل.» # قالت العمة كاسي: «أعرف. رأيتكما.» (قالت أوليفيا في سرها: ~~«بالطبع من شأنها أن ترانا. وهل يفوتها أي شيء مطلقا؟») وأردفت ~~العمة كاسي تقول: «الأمر يتعلق بها. انتابتها نوبة عنيفة هذا ~~الصباح والآنسة إيجان تقول إنك ربما تكونين قادرة على التصرف. ~~ظلت تهذي بخصوص شيء متعلق بالعلية وسابين.» ~~«أجل، أعرف ما هو. سأصعد إليها حالا.» # ظهر هيجينز، مبتسما وفي عينيه الحادتين نظرة خاطفة لامعة، ~~كما لو أنه عرف كل ما كان يجري وأراد أن يقول: «آه، كنت مع أوهارا ~~هذا الصباح ms163 ... بمفردك ... حسنا، أحسنت صنعا ، يا سيدتي. أتمنى ~~أن يجلب لك هذا السعادة. يجدر بك أن تحظي برجل كهذا.» # وبينما كان يأخذ باللجام، قال: «يا له من حصان رائع ذلك الذي ~~يركبه السيد أوهارا يا سيدتي. أتمنى أن نقتنيه في إسطبلاتنا. ~~...» # غمغمت بشيء ما ردا عليه ودون حتى أن تنتظر تناول القهوة ~~أسرعت تصعد الدرج المظلم المؤدي إلى الجناح الشمالي. وفي الطريق ~~المار أمام صف النوافذ الطويلة الغائرة في الحائط، لمحت بنظرة ~~خاطفة سيبيل، متأنقة للغاية في ملبسها وتمسك بمظلة صفراء فاقعة ~~اللون فوق رأسها، وتتهادى في مشيتها على ممر السيارات الطويل ~~المؤدي إلى المنزل، ومرة أخرى خالجها شعور مفاجئ يتعذر ~~تفسيره بقرب وقوع حادث كئيب، بل وربما مأساوي. كانت هذه واحدة من ~~نوبات الاكتئاب السريعة غير المفسرة التي تتلبس المرء كشبح. ~~قالت في نفسها: «أشعر بالاكتئاب الآن لأنني قبل ساعة كنت في ~~غاية السعادة.» # وأردفت على الفور قائلة في نفسها: «لكن التفكير بهذه الطريقة من ~~شيم العمة كاسي. يجب أن أحترس وإلا سأتحول إلى بينتلاندية أصيلة ~~... معتقدة بأنني إذا كنت سعيدة، فستعقب ذلك كارثة تحل ~~قريبا.» # في الآونة الأخيرة انتابتها لحظات بدا لها فيها أن ثمة شيئا ~~في الأجواء، قوة خفية ما في جنبات المنزل العتيق نفسه، تغيرها ~~ببطء، على نحو لا يكاد يكون ملحوظا، رغما عنها. ~~••• # التقت بها الآنسة إيجان على عتبة الباب من الخارج، بابتسامتها ~~المصطنعة الدائمة التي بدت اليوم لأوليفيا كابتسامة القدر ~~نفسه. # قالت لها: «لقد هدأت السيدة العجوز كثيرا. ساعدني هيجينز ~~واستطعنا أن نربطها في الفراش لكيلا تتمكن من إيذاء نفسها. من ~~المدهش مقدار القوة الهائلة التي تملكها في هذا الجسد النحيل ~~العليل.» وأوضحت أن السيدة بينتلاند العجوز ظلت تصرخ: «سابين! ~~سابين!» منادية السيدة كاليندار وأنها أصرت على أنه مسموح لها ~~بالذهاب إلى العلية. # وأردفت الآنسة إيجان قائلة: «إنه الهاجس القديم بأنها فقدت ~~شيئا بالأعلى. ولكنه ليس سوى شيء تتخيله على الأرجح.» لاذت ~~أوليفيا بالصمت لدقيقة. ثم قالت: «سأذهب وأبحث عنه. ربما يوجد ~~شيء هناك، وإن ms164 استطعت أن أعثر عليه ، فمن شأنه أن يضع نهاية لهذه ~~الهواجس.» ~~••• # ووجدته بسهولة، في الحال تقريبا؛ إذ كان ضوء النهار عندئذ ~~يتسلل من نوافذ العلية الشبيهة بالكهف. كان مدسوسا بعيدا أسفل ~~واحدة من العوارض الخشبية الضخمة ... حزمة صغيرة من الخطابات ~~المصفرة القديمة التي كانت قد ربطت معا بشريط بنفسجي قبل أن ~~يمزقها أحد ما في عجالة ويدسها في هذا المكان ليخبئهم. كانت ~~الحزمة قد فتحت بإهمال وفي عجالة؛ لأن الورق المهترئ كان ~~مجعدا وممزقا من عند الحواف. وكان الحبر، الذي كان لونه ~~بنفسجيا، قد تحول إلى درجة بنية موحلة. # وبينما كانت تقف وسط الألعاب المتناثرة التي تركها جاك وسيبيل ~~آخر مرة كانا يلعبان فيها لعبة المنزل، رفعت أوليفيا الخطابات ~~واحدا تلو الآخر في مقابل الضوء. كانت أحد عشر خطابا وكان ~~كل منها موجها إلى السيدة جيه بينتلاند، منزل آل بينتلاند. ~~أرسل ثمانية منها عبر مكتب بريد بوسطن وكانت الثلاثة الباقية لا ~~تحمل طوابع من أي نوع، كما لو أنها أرسلت عبر مرسال أو وسط ~~باقة زهور أو بين صفحات كتاب ما. كانت الكتابة بخط يد رجل، حروف ~~كبيرة ومكتوبة على عجل وممتدة، وتظهر نزعة لطمس الحروف معا بتسرع ~~ونفاد صبر. # حدثت نفسها على الفور: «جميعها موجه إلى السيدة جيه بينتلاند، ~~وهو ما يعني أنها مكتوبة إلى السيدة جاريد بينتلاند. سيفرح آنسون؛ ~~لأنها حتما الخطابات المتبادلة بين سافينا بينتلاند وابن عمها ~~توبي كاين. كان آنسون بحاجة إليها ليستكمل تأليف ~~الكتاب.» # ثم خطر ببالها أن ثمة شيئا غريبا بخصوص الخطابات؛ بخصوص كونها ~~مخبأة وربما وجدتها السيدة العجوز بالطابق السفلي ثم خبئت مرة ~~ثانية. ولا بد أن السيدة بينتلاند العجوز قد عثرت عليها قبل ~~أربعين عاما مضت تقريبا، حين كانوا لا يزالون يسمحون لها ~~بالتجول في المنزل. ربما كان هذا في أحد تلك الأيام المطيرة ~~عندما صعد آنسون وسابين إلى العلية ليلعبا في هذا الركن تحديدا ~~بنفس هذه الألعاب القديمة؛ الأيام التي رفضت فيها سابين أن تتظاهر ~~بأن المياه الموحلة كانت نبيذ. والآن ms165 تذكرت السيدة العجوز ~~الاكتشاف بعد مرور كل هذه السنوات بسبب عودة سابين ولأن وقع اسمها ~~أثار سلسلة من الذكريات المنسية منذ وقت طويل. # جلست على جذع خشب عتيق مكسور رث الحال، وفتحت أول خطاب بحرص ~~شديد حتى لا تمزق بقايا شمع البارافين الذي لا يزال متعلقا ~~بالحواف، وفي الحال قرأت وقد انتابتها صدمة سريعة: # انتظرتك الليلة الماضية في المنزل الريفي حتى الساعة ~~الحادية عشرة وحين لم تأتي عرفت أنه لم يسافر إلى مدينة ~~سالم، في نهاية المطاف، وأنه لا يزال معك في منزل عائلة ~~بينتلاند ... # حبيبتي، # توقفت عن القراءة. فهمت الأمر الآن ... توبي كاين الحقير كان ~~أكثر من مجرد ابن عم لسافينا بينتلاند؛ لقد كان عشيقها ولهذا السبب ~~كانت تخفي الرسائل أسفل العوارض الخشبية للعلية الشاسعة غير ~~المكتملة البناء، ربما بنية التخلص منها يوما ما. ثم غرقت ~~قبل أن يمهلها الوقت لفعل ذلك وظلت الخطابات مخبأة في مكانها ~~حتى اكتشفتها زوجة جون بينتلاند ذات يوم بالصدفة، ولم تفعل بها ~~شيئا سوى أنها أخفتها مرة أخرى، ونسيت في تلافيف عقلها ~~المشوش المسكين ماهيتها أو أين خبأتها. كانت هذه هي الخطابات ~~التي كان آنسون يبحث عنها. # لكنها أدركت على الفور أن آنسون لن يستعين أبدا بهذه الخطابات ~~في كتابه؛ لأنه لن يكشف النقاب مطلقا عن فضيحة داخل عائلة ~~بينتلاند، على الرغم من أنها كانت فضيحة انتهت، نهاية مأساوية، ~~قبل قرن من الزمان تقريبا وصارت الآن أقرب إلى قصة رومانسية ~~خالصة. أدركت، بالطبع، أن علاقة حب جمعت بين مخلوقة على قدر ~~كبير من التألق والإشراق مثل سافينا بينتلاند ووغد مثل توبي كاين ~~ستبدو غريبة جدا في كتاب بعنوان «عائلة بينتلاند ومستعمرة خليج ~~ماساتشوستس». ربما كان من الأفضل عدم الحديث عن الخطابات مطلقا. ~~فمن شأن آنسون أن يدمر كل القيمة التي تحملها بين طياتها ~~بطريقة أو أخرى؛ فمن شأنه أن يقدم الحقيقة قربانا لآلهة ~~الوقار والتظاهر. # دست الخطابات في جيبها، ونزلت على درج السلم المظلم، وفي ~~الجناح الشمالي قابلتها الآنسة إيجان لتسألها، بنزعة يغلب ms166 عليها ~~نفاد الصبر، قائلة : «أظن أنك لم تجدي شيئا، أليس ~~كذلك؟» # أجابتها أوليفيا سريعا بقولها: «كلا، لا شيء من المحتمل أن ~~يثير اهتمامها.» # أجابت الآنسة إيجان، وهي تنظر إلى أوليفيا بدا منها أنها تشك ~~في صدق ما قالته: «إنها فكرة غريبة تفتق ذهنها عنها.» ~~••• # لم تنزل إلى الطابق السفلي على الفور. وإنما توجهت إلى ~~غرفتها وبعد الاستحمام، جلست على كرسي المضطجع بجوار النافذة ~~المفتوحة فوق الشرفة الأمامية، مستعدة لقراءة الخطابات واحدا تلو ~~الآخر. ومن الأسفل، تصاعدت همهمة صوتين، أحدهما رنان وحاد؛ ~~والآخر متوتر ورفيع وعالي النبرة - صوت سابين وصوت العمة كاسي - ~~أثناء جلوسهما في الشرفة الأمامية تتجاذبان أطراف حديث لاذع، ~~تتبارى فيه كل منهما في التفوق على الأخرى. وبينما كانت أوليفيا ~~تسمع، قررت أنها سئمت من كلتيهما هذا الصباح؛ ولأول مرة يخطر ~~ببالها أن ثمة تشابها ما بطريقة غريبة بين المرأتين اللتين ~~كانتا تبدوان في غاية الاختلاف. كانت هاتان الفضوليتان، اللتان ~~تبغض إحداهما الأخرى أشد البغض، تتبعان نفس الطريقة في محاولتهما ~~التدخل في شئون حياتها. # لم تحمل الخطابات أي تواريخ، ولذا بدأت قراءتها بحماس بالترتيب ~~الذي وجدت عليه، لتبدأ بالخطاب المكتوب فيه: # انتظرتك الليلة الماضية في المنزل الريفي حتى الساعة ~~الحادية عشرة وحين لم تأتي عرفت أنه لم يسافر إلى مدينة ~~سالم، في نهاية المطاف، وأنه لا يزال معك في منزل عائلة ~~بينتلاند ... # حبيبتي، # وواصلت القراءة: ~~«ما لا أحتمله هي فكرة قربه منك، بل وامتلاكه لك أحيانا. ~~أتخيله الآن جالسا هناك في غرفة الاستقبال، ينظر إليك؛ ~~يلتهمك بعينيه ويتظاهر طوال الوقت بأنه يسمو فوق شهوات ~~الجسد. الجسد! الجسد! أنا وأنت، يا عزيزتي، نعرف عظمة ~~الجسد. أحيانا أظن أنني جبان لأنني لا أقتله على ~~الفور. # بحق الرب، تخلصي منه الليلة بطريقة ما. لا أستطيع أن أقضي ~~ليلة أخرى وحدي في المنزل الريفي الكئيب المظلم منتظرا بلا ~~جدوى. الجلوس هناك مدركا أن كل دقيقة، وكل ثانية، قد تحمل ~~معها وقع خطواتك وأنت قادمة هو أمر يتعدى حدود قدراتي على ~~الاحتمال. ارحميني. وتخلصي ms167 منه بطريقة ما. # لم ألمس قطرة من أي شيء منذ آخر مرة رأيتك فيها. هل ~~يرضيك ذلك؟ # أرسل إليك هذا الخطاب داخل كتاب مع هانا الزنجية. ~~وستنتظر لتأخذ ردك.» # شيئا فشيئا، بينما كانت تواصل القراءة عبر متاهات الخطابات ~~العاطفية المتهورة، أخذ الصوتان القادمان من الفناء بالأسفل، ~~اللذان كان أحدهما الآن عاليا وغاضبا بعض الشيء، والآخر لا يزال ~~رنانا، وحادا وغير مبال، يبتعدان أكثر فأكثر حتى لم تعد ~~بعد قليل تسمعهما على الإطلاق، ومحل الصوت استولى انطباع آخر على ~~حواسها؛ توهج مادي غريب استولى تدريجيا على كامل جسدها. بدا ~~وكأن في وسط هذه الخطابات البنية الباهتة تتأجج نيران مستعرة ~~لم تخمد بالكامل أبدا ولن تطفأ مطلقا إلا بعد أن تحرق ~~الخطابات ذاتها وتصير رمادا. # كلمة تلو أخرى، وسطرا تلو آخر، وصفحة تلو أخرى، كانت الأسطورة ~~المأساوية العاطفية تعيد تشكيل نفسها من جديد، وقرب النهاية ~~استطاعت أن ترى الأطراف الرئيسيين الثلاثة فيها متجسدين في ~~الحياة الواقعية، كما لو أنهم لم يموتوا قط، وإنما واصلوا العيش في ~~جنبات هذا المنزل العتيق، ربما في ذات هذه الغرفة التي كانت تجلس ~~فيها ... الغرفة التي لا بد وأنها كانت غرفة سافينا بينتلاند. # رأت الزوج، جاريد بينتلاند الذي لا توجد له صورة شخصية لأنه ما ~~كان لينفق المال أبدا على مثل هذه الرفاهيات؛ إذ لا بد وأنه كان ~~في الحياة الواقعية، رجلا ماكرا وداهية وورعا وبخيلا إلا حين ~~حوله ولعه الغريب الكئيب بزوجته إلى شخص غير متزن. وكانت ~~سافينا بينتلاند موجودة هناك أيضا، كما كانت تبدو من الصورة ~~الشخصية التي رسمها آنجر - امرأة سمراء ممتلئة القوام وطائشة ~~ذات عينين مغريتين خبيثتين - امرأة ربما يسهل أن تكون جالبة ~~الخراب على رجل مثل جاريد بينتلاند. وبطريقة ما استطاعت أن ~~تستحضر صورة واضحة ونابضة بالحياة لكاتب هذه الخطابات المستعرة ~~- عشيق وغد وسيم، أسمر مثل ابنة عمه سافينا، استسلم لمعاقرة ~~الخمر ولعب القمار. ولكن الأهم من ذلك كله أنها كانت واعية لذلك ~~الغرام الصريح المتأجج والمتبجح الذي لم يكن له جذور ms168 مطلقا ~~في هذه التربة الصخرية لنيو إنجلاند فيما وراء نوافذ منزل عائلة ~~بينتلاند. رجل كان يمجد صراحة الجسد والرغبات الحسية! فاسق! ~~مغو! ومع ذلك كان رجلا قادرا على تأجيج هذه النيران العظيمة ~~التي كانت تتقافز من الصفحات الصفراء وتدفئ أواصرها. حينئذ خطر ~~ببالها لأول مرة أنه كان ثمة شيء بطولي وسام وجميل في غرام ~~عنيف كهذا. وللحظة تملكها الشعور بأن قراءة هذه الخطابات هو شكل ~~من أشكال انتهاك الخصوصية. # كشفت الخطابات، أيضا، كيف كان جاريد بينتلاند ينظر إلى زوجته ~~الجميلة باعتبارها قطعة رائعة من الممتلكات، استثمار كان يمنحه ~~إشباعا حسيا وأيضا يضفي بهاء على منزله وعلى مائدة العشاء. ~~(ما كانت سابين تطلق عليه «حس الملكية لدى الطبقة الوسطى ~~الدنيا.») لا بد أنه أحبها وكرهها في آن واحد، بنفس الطريقة ~~التي أحب بها هيجينز الفرس الحمراء الجميلة وكرهها. لا بد أنه ~~كان فخورا بها ورغم ذلك كرهها لأنها كانت تتمتع بقدرة تامة على ~~أن تجعله يظهر بمظهر غبي. كانت القصة برمتها تمضي على خلفية ~~العائلة ... عائلة بينتلاند. كانت توجد إشارات مستمرة إلى أبناء ~~العمومة والأعمام والأخوال والعمات والخالات وشكوكهم ~~وتداخلاتهم. # قالت أوليفيا في نفسها: «لا بد أن هذا قد بدأ حتى في تلك ~~الأيام.» # وعرفت من الخطابات أن الغرام كان قد بدأ في روما عندما جلست ~~سافينا بينتلاند ليرسم آنجر صورتها الشخصية. وكان توبي كاين معها ~~هناك وبعد ذلك ذهبت معه إلى مسكنه: وعندما عادا إلى المنزل في ~~دورهام (الذي كان جديدا حينها وكان أكبر منزل ريفي في نيو ~~إنجلاند كلها) كانا يلتقيان في الكوخ الريفي - منزل «بروك كوتيدج» ~~- الذي كان لا يزال على مرمى البصر من نافذة أوليفيا - منزل «بروك ~~كوتيدج» الذي كان جد سابين قد اشتراه بعد حادثة الغرق ثم تحول ~~إلى أنقاض وجدد مرة أخرى بلمسة أوهارا الزاهية والمبتذلة ~~واللامعة. كانت قصة معقدة ومتداخلة للغاية تعود جذورها إلى ~~الماضي وبدا أنها أثرت فيهم جميعا في دورهام. # حدثت أوليفيا نفسها قائلة: «الحياة في عائلة بينتلاند تضرب ~~بجذورها في أعماق ms169 الماضي. لا توجد فروع جديدة ولا براعم شابة ~~قوية.» # وصلت أخيرا إلى آخر الخطابات، الذي كانت قد طمرت وسطه ~~السطور الكاشفة للحقيقة المروعة: ~~••• # ليتك تعلمين مدى سعادتي بخطابك الذي كتبت فيه أن الطفل دون ~~أدنى شك هو ابننا، وأنه لا يمكن أن توجد ذرة شك في ذلك! الطفل ~~ينتمي إلينا ... إلينا وحدنا! ولا علاقة له به في شيء. لم يكن ~~يمكنني أن أتحمل فكرة أنه يظن أن الطفل ابنه لولا أن هذا ~~يؤمن موقفك. الفكرة تعذبني ولكنني قادر على تحملها لأنها ~~تحميك وتضعك فوق الشبهات. # وبترو وتفكير عميق، كما لو أنها لم تكن قادرة على تصديق ~~عينيها، أعادت قراءة السطور مرة أخرى، ثم وضعت يديها على رأسها ~~بحركة تنم عن شعور مفاجئ بالوهن وبأنها قد جنت. # حاولت التفكير بصفاء ذهن. «لم ترزق سافينا بينتلاند إلا بابن ~~واحد فقط، حسب علمي ... واحد فقط. ولا بد أن ذلك الابن كان ابن توبي ~~كاين.» # لا يمكن أن يكون ثمة شك في ذلك. كل شيء كان مذكورا هنا كتابة. ~~الطفل كان من صلب توبي كاين والمرأة التي ولدته هي سافينا ~~دالجيدو. لم يكن ينتمي إلى عائلة بينتلاند ولم يكن أي من أحفاده ~~ينتمي إلى عائلة بينتلاند ... ولا واحد منهم. # لم يكونوا يمتون إلى آل بينتلاند بصلة على الإطلاق باستثناء ~~أن أحفاد سافينا وعشيقها كانوا قد تزوجوا من نخبة بوسطن حيث كانت ~~دماء عائلة بينتلاند تسري في عروق كل أسرة هناك. لم يكونوا ~~ينتمون إلى آل بينتلاند بصلة الدم ومع ذلك كان انتماؤهم إلى ~~عائلة بينتلاند لا جدال فيه، من ناحية التصرفات ووجهة النظر ~~والتقاليد. خطر على بال أوليفيا لأول مرة مدى فداحة وفظاعة تلك ~~البيئة، تلك الأجواء التي سحرتهم جميعا ... كل هذه الغمامة من ~~الإجحاف والعادات والتقاليد ومظاهر الغرور والمخاوف الصغيرة. كان ~~عالما راسخا جدا، وقويا جدا، ومنيعا جدا لدرجة أنه جعل ~~عائلة بينتلاند قائمة على أشخاص مثل آنسون والعمة كاسي، بل وعلى ~~شخص مثل حميها. جعل هذا العالم عائلة بينتلاند قائمة على أشخاص ms170 لم ~~يكونوا ينتمون إلى آل بينتلاند مطلقا. أدركت الآن القوة الكاسحة ~~المفزعة التي كانت جزءا من المنزل العتيق. كانت متغلغلة في سائر ~~تربة الريف الذي امتد فيما وراء نوافذها. # وفي خضم هذا الوعي، انتابتها نوبة مفاجئة للضحك، على نحو ~~هيستيري؛ إذ كانت قد خطرت على بالها فجأة صورة آنسون ... آنسون وهو ~~يبذل نفسه بالكامل في ذلك العمل المجيد المهول الذي كان من ~~المقرر أن يعرف باسم «عائلة بينتلاند ومستعمرة خليج ~~ماساتشوستس». # وتدريجيا، ومع تلاشي الصدمة الأولى قليلا، بدأت تعتقد أن ~~قصاصات الورق المصفرة كانت أداة شيطانية ما، وسيلة ذات قدرة على ~~تدمير عالم بأكمله. ما الذي كان يتعين عليها فعله بهذا الشيء؛ ~~هذا الشعار الغريب لقوة تربح دوما في كل صراع بطريقة أو أخرى، ~~مباشرة كما في حالة سافينا وعشيقها، أو من خلال الأخذ بالثأر ~~ماديا أو معنويا كما هو الحال مع عقل العمة كاسي المتطفل ~~الماكر البائس؟ وهناك أيضا القصة المبهمة لهوراس بينتلاند، وجنون ~~العجوز المحبوسة في الجناح الشمالي، وحتى نوبات السكر المفاجئة ~~الفظيعة تلك التي تحول رجلا رائعا مثل جون بينتلاند إلى شيء ~~أقرب إلى وحش. # بدا وكأن ضوءا ساطعا يعمي الأبصار قد سلط على موكب الأسلاف ~~الطويل. رأت الآن أنه لو كان من المقدر لكتاب «عائلة بينتلاند ~~ومستعمرة خليج ماساتشوستس» أن يحمل أي قيمة بين طياته باعتباره ~~حقيقة فلا بد أن تعاد كتابته في ضوء الصراع بين القوى التي ~~مجدها الوغد المخمور توبي كاين وهذه القوة الرهيبة الأخرى التي ~~بدا أنها كانت في كل مكان من حولها، تشكلها هي نفسها ببطء وفق ~~قالبها. كان صراعا قديما بين أولئك الذين اختاروا أن يجدوا ~~متعتهم في هذه الدنيا وأولئك الذين كانوا يبحثون عن الوعد ~~المبهم بوجود مستقبل مجيد. # كان بوسعها أن تتخيل آنسون وهو يسطر في كتابه: «من الجيل ~~الحالي، (1920 وما بعده) كساندرا بينتلاند سترازرس (السيدة إدوارد ~~كاين سترازرس)، أرملة تميزت بتفانيها للكنيسة الأسقفية الأمريكية ~~وللأعمال الخيرية والأعمال الصالحة. وهي تقضي فصل الشتاء في بوسطن ~~وفصل الصيف في ms171 منزلها الريفي بالقرب من دورهام في أرض انتزعها من ~~البرية البينتلاندي الأول، أحد المؤسسين المميزين للعائلة ~~الأمريكية.» # أجل، من شأن آنسون أن يكتب تلك الكلمات بالضبط في كتابه. ومن ~~شأنه أن يصف العجوز التي تجلس في الطابق السفلي آملة أن تنزل ~~أوليفيا وهي تحمل أنباء عن مأساة جديدة ... تلك العجوز العذراء ~~التي أفسدت حياة زوجها بأكملها واحتفظت بالآنسة بيفي المسكينة ~~البلهاء أسيرة لها لما يربو على ثلاثين عاما. # تلاشت همهمة الأصوات بعد قليل، ورأت أوليفيا، وهي تتطلع عبر ~~النافذة، أن العمة كاسي كانت هي المنتصرة هذه المرة. كانت تقف في ~~الحديقة تنظر إلى ممر السيارات بذلك التعبير الخبيث الذي يعلو ~~وجهها أحيانا في اللحظات التي تظن فيها أنها بمفردها. وبعيدا ~~على ممر السيارات المظلل على مسافات متفرقة، كانت سابين تتحرك ~~مبتعدة في تكاسل صوب منزل «بروك كوتيدج». كانت سابين، هي الأخرى، ~~تنتمي نوعا ما إلى العائلة؛ إذ كانت قد نشأت تحيط بها التقاليد ~~المتشددة التي جعلت أناسا لم يكونوا ينتمون إلى عائلة بينتلاند ~~أفرادا من العائلة. وربما كان (هكذا فكرت أوليفيا) يكمن السبب ~~الرئيسي وراء الحياة القلقة التعسة التي تحياها سابين في ذلك ~~الصراع الكئيب نفسه. ربما إذا استطاع المرء أن يتعمق بالقدر ~~الكافي في التاريخ العائلي الطويل، سيجد هناك الأسباب التي جعلت ~~سابين تكره هذا العالم الخاص بدورهام والأسباب التي جعلتها تعود ~~إلى أشخاص كانت تكرههم بكل الحماسة المريرة، شبه المتطرفة، ~~المتأصلة في طبيعتها. كانت سابين تمتلك مقومات القسوة ~~البالغة. # وما إن رأت العمة كاسي أوليفيا تنزل الدرجات المؤدية إلى ~~الحديقة، حتى استدارت واتجهت نحوها بسرعة وعلى وجهها نظرة توقع، ~~وسألتها: «كيف حال المسكينة؟» # وعندما أجابت أوليفيا بقولها: «إنها هادئة الآن ... نائمة. مر كل ~~شيء على خير»، تغيرت النظرة إلى نظرة خيبة أمل. # قالت بتنهيدة عميقة: «أها، ستبقى إلى الأبد. ستظل على قيد الحياة ~~بعد أن أكون قد لحقت بالسيد سترازرس العزيز بفترة طويلة.» # ردت عليها أوليفيا، وكأنها أرادت أن تقول شيئا آخر: «هذا هو ~~الحال مع المرضى طريحي ms172 الفراش. إنهم يعتنون بأنفسهم عناية كبيرة.» ~~وعلى الفور تقريبا قالت في نفسها: «ها أنا ذا ألعب لعبة العائلة، ~~وأتظاهر بأنها ليست مجنونة وإنما مريضة طريحة الفراش ~~فحسب.» # لم تشعر بالامتعاض من العجوز المشغولة؛ بالطبع بدا لها أحيانا ~~أنها كانت تشعر مع العمة كاسي بما يشبه الألفة؛ ألفة من قبيل ~~ما يشعر به المرء تجاه حيوان أو قطعة أثاث موجودة منذ وقت طويل ~~بقدر ما يستطيع المرء أن يتذكر. وفي تلك اللحظة، بدا جسد العمة ~~كاسي، ومشهد سابين من بعيد، والحديقة البراقة المليئة بالزهور ... ~~بدت لها كل هذه الأشياء غير حقيقية، وكأنها جزء من مشهد ميلودرامي؛ ~~لأنها كانت لا تزال تعيش في أجواء منزل عائلة بينتلاند في زمن ~~سافينا وتوبي كاين. كان من المستحيل عليها أن تركز انتباهها على ~~العمة كاسي وتوتراتها. # كانت العجوز تقول: «يبدو أنكم جميعا صرتم مولعين جدا بهذا ~~الرجل المدعو أوهارا.» ~~(ما الذي كانت ترمي إليه الآن؟) ثم جهرا قالت أوليفيا: «ولم ~~لا؟ فهو لطيف وذكي ... بل ومتميز بطريقته الخاصة.» # أجابت العمة كاسي قائلة: «أجل. كنت أتناقش مع سابين بشأنه، ولقد ~~توصلت إلى استنتاج مفاده أنني ربما كنت مخطئة بشأنه. هي تراه ~~رجلا ذكيا ذا مستقبل عظيم.» ساد صمت وجيز ثم أضافت بطريقة من ~~يدلي بملاحظة عابرة: «ولكن ماذا عن ماضيه؟ أقصد من أين ~~أتى؟» ~~«أعرف كل شيء عنه. لقد أخبرني بنفسه. لهذا السبب تأخرت هذا ~~الصباح.» # لبعض الوقت لاذت العمة كاسي بالصمت، كما لو أنها تقدر في ذهنها ~~حجم مشكلة كبيرة. وأخيرا قالت: «كنت أتساءل عن مسألة الإفراط في ~~مقابلته. لديه سمعة سيئة مع النساء ... على الأقل، هذا ما قيل ~~لي.» # ضحكت أوليفيا. ثم أردفت قائلة: «على أي حال، أنا امرأة ناضجة ~~يا عمة كاسي. أستطيع أن أعتني بنفسي.» ~~«أجل ... أعرف ذلك.» ثم استدارت إليها بابتسامة ورعة ملطفة ~~للأجواء: «لا أريدك أن تظني أنني أتدخل في شئونك يا أوليفيا. ~~هذا آخر شيء أفكر في القيام به. ولكني أفكر في مصلحتك مليا. ~~أنا واثقة من أنه لا ms173 ضرر كبيرا في ذلك. لن يفكر أحد خلاف ذلك، ~~من منطلق معرفته بك يا عزيزتي. ولكن المشكلة فيما سيقوله الناس. ~~حدثت فضيحة حسبما أعتقد قبل ثماني سنوات مضت ... فضيحة في حانة!» ~~قالت كلماتها الأخيرة متظاهرة بمعاناة شديدة، كما لو أن عبارة ~~«فضيحة في حانة» قد ختمت على فمها. ~~«أظن ذلك. فأغلب الرجال ... أقصد رجال السياسة ... لديهم فضائح ~~ترتبط بأسمائهم. هذا جزء من العمل يا عمة كاسي.» # وظلت تفكر بذهول في المشقة التي تكبدتها العجوز؛ فلا بد ~~أنها كانت قد بذلت جهدا جاهدا حتى تصل إلى ماضي أوهارا وتجد ~~مأخذا عليه. لم تساورها أي شكوك بخصوص الحقيقة المطلقة في تلميح ~~العمة كاسي. فالعمة كاسي لم تكن تكذب عن عمد؛ إذ كانت توجد ~~دوما ذرة حقيقة في تلميحاتها؛ رغم أنه أحيانا كانت الذرة الضئيلة ~~تكمن مدفونة على عمق سحيق جدا تحت المبالغات لدرجة أنه يكاد ~~يستحيل اكتشافها. فشيء كهذا ربما كان من السهل أن يكون صحيحا في ~~حق أوهارا. ففي حالة رجل مثله، لا يمكنك أن تتوقع من النساء أن ~~يؤدين الدور نفسه الذي يؤدينه مع رجل مثل آنسون. # كررت العمة كاسي قولها: «هذا بسبب ما سيقوله الناس ~~فحسب.» ~~«لقد كدت أتوصل إلى نتيجة مفادها أن ما يقوله الناس لم يعد ~~مهما حقا ...» # فجأة بدأت العمة كاسي تقطف باقة من الزهور من رقعة الأرض ~~الموجودة بجوارها. «أوه، لست قلقة بشأنك يا عزيزتي أوليفيا. ولكن ~~يتعين علينا أن نضع الآخرين في اعتبارنا أحيانا ... تيريز، ~~وسيبيل، وآنسون، بل واسم عائلة بينتلاند نفسه. لم تلتصق بهذا ~~الاسم شكوك من هذا القبيل أبدا ... أبدا.» # كان من المذهل (هكذا قالت أوليفيا في نفسها) أن يقول أي أحد ~~شيئا كهذا، مذهل في أي مكان آخر في العالم غير هذا المكان. ~~وأرادت أن تسألها: «ماذا عن أخيك والسيدة سومز العجوز؟» وفي ضوء ~~تلك الخطابات التي وضعتها في درج منضدة زينتها وأغلقته عليها. ~~... # عند تلك اللحظة كان موعد الغداء قد حان بظهور بيترز عند مدخل ~~الباب. التفتت أوليفيا إلى العمة ms174 كاسي قائلة: «ستبقين معنا، ~~بالتأكيد .» ~~«كلا، يجب أن أذهب. لم تتوقعوا مجيئي.» # هكذا، بدأت أوليفيا اللعبة القديمة، التي ظلوا يلعبونها طوال ~~سنوات عديدة، المتمثلة في الضغط على العمة كاسي لتبقى حتى تتناول ~~الغداء معهم. # قالت: «هذا لا يشكل فارقا. طبق إضافي وحسب.» وواصلت قائمة ~~الحجج التي كانت قد حفظتها عن ظهر قلب منذ زمن بعيد. وأخيرا، ~~أذعنت العمة كاسي، متظاهرة بأن الضغط قد فاق قدرتها على ~~الاحتمال، وقالت أوليفيا لبيترز، الذي كان قد شارك هو الآخر في ~~اللعبة لسنوات: «ضع طبقا آخر للسيدة سترازرس.» # كانت تنوي البقاء لوقت أطول. فالغداء بالخارج كان يوفر ~~المال وكذلك المشاكل؛ لأن الآنسة بيفي لم تكن تأكل أكثر مما ~~تأكله عصفورة، على الأقل ليس علانية؛ وعلاوة إلى ذلك، كانت ثمة ~~أمور يجب أن تكتشفها في منزل عائلة بينتلاند، وأمور أخرى يجب أن ~~تخطط لها. في الواقع، ما من قوة كان يمكن أن تجعلها تبرح مكانها ~~ولو جرت جرا. # وأثناء دخولهما المنزل، قالت العمة كاسي في معرض حديثها، وهي ~~تحمل باقة الزهور التي قطفتها: «التقيت بفتى عائلة مانرينج على ~~الطريق هذا الصباح وطلبت منه أن يأتي الليلة. ظننت أنك لن ~~تمانعي. إنه مولع جدا بسيبيل، كما تعرفين.» # ردت أوليفيا قائلة: «كلا، بالطبع لا. لا أمانع. ولكن يؤسفني ~~أن أقول إن سيبيل لا تهتم به كثيرا.» # | الفصل الثامن # 1 # لم تكن وفاة هوراس بينتلاند حدثا يمكن أن يبقى طي الكتمان ~~بإجراء بسيط كإقامة جنازة كانت شبه سرية؛ إذ تسربت أخبارها ~~وتناثرت هنا وهناك على ألسنة السيدات المتلهفات لنبش فضيحة قديمة ~~لعائلة بينتلاند انتقاما من العمة كاسي، الناشر الرئيسي لأخبار ~~المصائب في المجتمع المحلي. ونفذ الخبر أخيرا إلى داخل مكتب صحيفة ~~ترانسكربت، التي أرسلت طلبا بنشر نعي للرجل المتوفى؛ لأنه ~~على أي حال كان فردا من أفراد أحد أكثر عائلات بوسطن مدعاة ~~للفخر. ثم، فجأة وبدون سابق إنذار، ظهر شبح هوراس بينتلاند مرة ~~أخرى في أكثر البقاع قلقا وارتباكا؛ ألا وهو منزل «بروك ~~كوتيدج». # رافق الشبح سابين في ms175 ممر السيارات الطويل صباح أحد الأيام ~~الحارة بينما كانت أوليفيا جالسة تستمع إلى العمة كاسي. لاحظت ~~أوليفيا أن سابين كانت تقترب منهما بسرعة غير معتادة، وأن كل ~~مظاهر الكسل المألوفة كانت قد اختفت. وحين بلغت حافة الشرفة، ~~صاحت وفي عينيها نظرة إشراق: «لدي أخبار ... عن ابن العم ~~هوراس.» # كانت مستمتعة جدا باللحظة الحاضرة، ولا بد أن رؤيتها في حالة ~~استمتاع تسببت في اضطراب العمة كاسي، التي كانت تعرفها جيدا. ~~أخذت وقتها قبل أن تفصح عن الخبر، فاستفسرت أولا عن صحة العمة ~~كاسي، واتخذت جلستها على أحد الكراسي الخيزران. كانت تعرف كيف ~~تتفنن في تعذيب السيدة العجوز لأقصى درجة، والآن تمهلت ~~لتستخلص التأثير الذي أحدثه إعلانها عن هذا الخبر حتى آخر قطرة. ~~ولم يكن يمكن لأي شيء أن يستعجلها حتى ولو كان هذا الشيء هو ~~التعبير الذي كسا وجه العمة كاسي رغما عنها عندما ذكر اسم هوراس ~~بينتلاند؛ كان أشبه بالتعبير الذي يعلو وجه من يجد نفسه محاصرا ~~برائحة نتنة ويعجز عن الفرار. # وأخيرا، وبعد أن أشعلت سيجارة وحركت كرسيها بعيدا عن أشعة ~~الشمس، أعلنت سابين بنبرة خالية من المشاعر: «لقد ترك ابن العم ~~هوراس لي كل ما يملك.» # علت وجه العمة كاسي نظرة ارتياح شديد، نظرة كانت تقول: «أف! ~~أف! أهذا كل ما في الأمر؟» ضحكت - كانت ضحكتها أقرب إلى ضحكة ~~مكبوتة، يشوبها الاستهزاء - وقالت: «أهذا كل ما في الأمر؟ أظن ~~أن ما تركه لا يجعلك وريثة عظيمة الثراء.» ~~(قالت أوليفيا في نفسها: «ما كان ينبغي للعمة كاسي أن تمنح سابين ~~فرصه كهذه؛ فقد قالت لتوها ما أرادت سابين منها أن ~~تقوله.») # ردت سابين عليها قائلة: «ولكنك مخطئة في هذا يا عمة كاسي. لم ~~يترك لي مالا؛ وإنما ترك أثاثا ... أثاثا وتحفا فنية ... وهي ~~مجموعة رائعة. لقد رأيتها بأم عيني عندما زرته في مدينة ~~منتون الفرنسية.» ~~«ما كان ينبغي لك أن تذهبي ... لقد فقدت قطعا أي حس أخلاقي يا ~~سابين. لقد نسيت كل ما علمتك إياه في صغرك.» # تجاهلتها سابين. ms176 وأردفت قائلة: «حسنا، كان متيما بهذه ~~الأشياء، وأمضى عشرين عاما من حياته في جمعها.» ~~«على الأرجح لا تبدو ذات قيمة كبيرة ... بالمال القليل الذي كان ~~هوراس بينتلاند يملكه ... فلم يكن يملك إلا ما كنا نعطيه له ~~ليعيش به.» # ابتسمت سابين مرة أخرى، مستهزئة، ربما لأن الخلاف مع العمة ~~كاسي حقق نجاحا باهرا. إذ تابعت حديثها قائلة: «أنت مخطئة مرة ~~أخرى يا عمة كاسي ... إنها ذات قيمة كبيرة جدا ... أكثر بكثير مما ~~دفعه فيها؛ لأنها أشياء من مجموعته لا يمكنك شراؤها من أي مكان ~~مقابل أي مبلغ من المال. فقد أخذ يبادل القطع ويقايضها إلى أن ~~صارت مجموعته أقرب إلى الكمال.» توقفت عن الحديث لدقيقة، لتسمح ~~للسكين أن يستقر في الجرح. ثم أردفت قائلة: «إنها مجموعة ذات ~~قيمة هائلة. أنا أعرفها لأنني اعتدت زيارة ابن العم هوراس كل شتاء ~~عندما كنت أسافر إلى روما. أعرف عنه أكثر من أي منكم. كان رجلا ~~يتمتع بذوق مثالي في تلك الأشياء. كان يعرف حقا.» # جلست أوليفيا تراقب المشهد باستمتاع صامت. كان من الواضح أن ~~النصر في هذه المناسبة كان حليف سابين، وأدركت سابين هذا. إذ جلست ~~تستمتع بكل لحظة منه، وهي تراقب العمة كاسي تتلوى في جلستها من ~~فكرة خروج ميراث قيم كهذا من أفراد العائلة المباشرة ليذهب إلى ~~شخص من درجة قرابة بعيدة ويكن لهم عداوة شديدة. كان من الواضح ~~أنها كارثة تضاهي في أهميتها كارثة ضياع طقم عقد اللؤلؤ والزمرد ~~الخاص بسافينا بينتلاند في قاع المحيط الأطلنطي. كانت ممتلكات ~~ضاعت إلى الأبد وكان ينبغي أن تئول إلى العائلة وتضاف إلى ~~ثروتها. # أخذت سابين تفتح الخطاب ببطء شديد، لتجعل الورق يصدر خشخشة ~~مزعجة، كما لو أنها كانت تعرف أن كل خشخشة صادرة عن الورق كانت ~~تسري في العمود الفقري للعجوز محدثة آلاما مبرحة ~~لها. # قالت، وهي ترفع على حدة كل ورقة من الخمس ورقات الطويلة: ~~«هذه الفاتورة الصادرة من مصلحة الجمارك. خمس صفحات طويلة ... ربما ~~تصل القيمة الإجمالية إلى خمسة وسبعين ألف دولار ms177 ... بالطبع، لا ~~توجد حتى أي رسوم يتعين دفعها؛ لأنها كلها أشياء ~~قديمة.» # أجفلت العمة كاسي، كما لو أن نوبة مفاجئة من الألم قد سيطرت ~~عليها، وتابعت سابين حديثها. قالت: «بل إنه ترك بندا بخصوص شحنها ~~... كلها باستثناء أربع أو خمس قطع كبيرة محتجزة في مدينة منتون ~~الفرنسية. الإجمالي ثمانية عشر صندوقا.» # بدأت تقرأ الأصناف واحدا تلو الآخر ... الدواليب، والمناضد، ~~والكراسي، والشمعدانات، والطاولات، والصور، وقطع من البرونز ~~والكريستال وحجر اليشم ... وكل القائمة الطويلة للأشياء التي جمعها ~~هوراس بينتلاند بعناية خبير محب للتحف أثناء سنوات نفيه ~~الطويلة؛ وبينما كانت تقرأ، قاطعتها العمة كاسي، التي عجزت عن ~~تمالك نفسها لوقت أطول من ذلك، قائلة: «يبدو لي أنه كان رجلا ~~ناكرا للجميل ومثيرا للاشمئزاز. كان من المفترض أن يئول هذا ~~إلى أخي العزيز، الذي سانده كل هذه السنوات. لا أفهم السبب وراء ~~تركه كل هذا لابنة عم بدرجة قرابة بعيدة مثلك.» # أمعنت سابين البحث مرة أخرى داخل المظروف. ثم أردفت قائلة: ~~«انتظري، لقد شرح تلك النقطة بنفسه ... في وصيته الخاصة.» فتحت ~~نسخة من هذه الوثيقة، وأخذت تبحث للحظة، ثم قرأت: «إلى ابنة عمي، ~~سابين كاليندار (السيدة كاين كاليندار)، القاطنة في شارع دي ~~تيلسيت، باريس، فرنسا، ومدينة نيوبورت، رود آيلاند، أترك كل ~~مجموعاتي من الأثاث وأقمشة النجود والتحف الفنية وما إلى ذلك، ~~عرفانا مني بلطفها معي طوال مدة امتدت لسنوات طويلة نظير ~~ثقتها وتفهمها في وقت كانت بقية العائلة تعاملني فيه باعتباري ~~شخصا منبوذا.» # استشاطت العمة كاسي غيظا. وقالت: «وكيف كان ينبغي التعامل معه ~~لو لم يعامل باعتباره شخصا منبوذا؟ كان صعلوكا بغيضا ناكرا ~~للجميل! كانت أموال عائلة بينتلاند هي ما دعمه طوال حياته ~~البائسة.» توقفت للحظة لالتقاط أنفاسها. ثم أردفت: «كثيرا ما ~~كنت أقول لأخي العزيز إن مائتين وخمسين دولارا سنويا هو مبلغ ~~أكبر بكثير مما كان يحتاجه هوراس بينتلاند. وهكذا أنفق المال، ~~ليسيء إلى من أحسنوا إليه.» # أعادت سابين الأوراق إلى المظروف، ورفعت بصرها، وقالت بنبرتها ~~الحادة الرنانة: «المال ليس كل شيء، كما ms178 أخبرتك من قبل يا عمة ~~كاسي . أقول دوما إن مشكلة آل بينتلاند ... أو أغلب أهل بوسطن، في ~~هذه المسألة ... تكمن في حقيقة أنهم كانوا في مستهل حياتهم أصحاب ~~متاجر ينتمون إلى الطبقة الوسطى الدنيا ولم يفقدوا أبدا أيا ~~من خصال هذه الطبقة الوسطى الدنيا ... لا سيما فيما يخص المال. لقد ~~كانوا يفخرون بأنهم يعيشون على عائد دخولهم الخاصة ... كلا، لم ~~يكن المال هو ما أراده هوراس بينتلاند. وإنما القليل من الذوق ~~واللطف والتعقل. أظن أنكم حصلتم على ما يعادل قيمة مبلغ المائتين ~~والخمسين دولارا الذي كنتم ترسلونه له كل عام. كان أمر إخفاء ~~الحقيقة بعيدا عن الأنظار يستحق أكثر من ذلك بكثير.» # تبع هذا الحديث فترة صمت طويلة ومؤلمة، وحاولت أوليفيا، ملتفتة ~~إلى سابين، أن تلومها بنظرة سريعة على التحدث بهذه الطريقة إلى ~~السيدة المسنة. أخذت العمة كاسي تتجرع مرارة الهزيمة على نحو ~~مثير للشفقة جدا، ليس على يد سابين وحسب، وإنما على يد هوراس ~~بينتلاند أيضا، الذي ثأر لنفسه بدهاء، حتى بعد موته بفترة طويلة، ~~وأصاب شغف عائلة بينتلاند بالممتلكات والملكية في مقتل. # لمع بريق الانتصار في عيني سابين الخضراوين. كانت، شيئا ~~فشيئا، تسدد الحساب الطويل لطفولتها التعيسة؛ ولم تكن قد انتهت ~~بعد. # فجأة غمر أوليفيا، التي كانت تراقب الصراع في عدم اكتراث، شعور ~~بالشفقة تجاه السيدة المسنة. وكسرت حاجز الصمت الأليم بدعوتهما ~~للبقاء لتناول الغداء، ولكن هذه المرة رفضت العمة كاسي، بكل صدق، ~~ولم تلح عليها أوليفيا؛ إذ أدركت أنها لن تحتمل مواجهة ~~ابتسامة سابين الساخرة إلا بعد أن تكون قد هدأت واستعادت رباطة ~~جأشها. بدت العمة كاسي فجأة مرهقة وطاعنة في السن هذا الصباح. ~~بدا أن الروح المتطفلة التي لا تكل ولا تمل قد ذبلت، ولم ~~يعد في مقدورها أن تحلق في شموخ في عكس اتجاه الريح. # فجأة ظهرت السيارة الغريبة المكدسة في ممر السيارات، واحتلت ~~الآنسة بيفي المقعد الخلفي بجسمها الممتلئ البدين وأحاطت بها ~~أربعة كلاب بيكنواه تنبح في صخب. وتطايرت خلفها الأوشحة المتشابكة ~~التي كانت ms179 ترتديها عند ركوب سيارة. نهضت العمة كاسي، وقبلت ~~أوليفيا بتفاخر، ثم التفتت إلى سابين وعادت مرة أخرى إلى صلب ~~الموضوع. وكررت قولها: «كثيرا ما كنت أقول لأخي العزيز إن مائتين ~~وخمسين دولارا سنويا هو مبلغ أكبر بكثير مما كان يحتاجه هوراس ~~بينتلاند.» # ابتعدت السيارة وهي تقعقع، وقالت سابين وهي تضع الخطاب على ~~الطاولة بجوارها: «بالطبع، لا أريد كل هذه الأشياء الخاصة بابن ~~العم هوراس، ولكني مصممة على ألا تئول إليها. فلو حصلت عليها، ~~لن يرتاح المسن المسكين في قبره. علاوة على أنها لن تعرف ماذا ~~تفعل بها في منزل يزخر بالشراريب وأغطية الكراسي وتذكارات العم ~~نيد. فلن تفعل بها شيئا سوى بيعها واستثمار المال في سندات مالية ~~مضمونة.» # قالت أوليفيا: «هي ليست على ما يرام ... تلك العجوز المسكينة. ما ~~كانت ستطلب أن تأتي السيارة لتقلها لو كانت على ما يرام. ~~إنها تتظاهر طوال حياتها، ولكنها الآن هي مريضة فعلا، وتهاب فكرة ~~الموت. لا تستطيع تحملها.» # أضاءت الابتسامة القاسية والعنيدة المعهودة وجه سابين. وقالت: ~~«أجل، بعدما حانت ساعتها ليس لديها يقين في ملكوت السماوات الذي ~~ظلت تعظ به طوال حياتها.» ساد الصمت لبرهة قصيرة ثم أضافت ~~سابين بتجهم: «قطعا ستثير ضيق القديس بطرس.» # لم يكن في عيني أوليفيا الداكنتين سوى الحزن؛ لأنها ظلت تفكر ~~في أن حياة العمة كاسي كانت سطحية وعبثية للغاية. لقد أدارت ظهرها ~~للحياة منذ البداية، حتى مع زوجها الذي تزوجته زواج مصلحة. ~~وظلت تفكر في تلك الحياة كانت بائسة ومجدبة جدا؛ وفي مدى ~~قلة رغدها، والذكريات فيها، وهي تكاد تصل إلى نهايتها. # عادت سابين تتحدث مجددا. فقالت: «أعرف أنك تظنين أنني ~~عديمة الرحمة، ولكنك لا تعرفين إلى أي مدى كانت قاسية معي ... ~~وما فعلته معي في طفولتي.» رق صوتها قليلا، ولكن شفقة على ~~نفسها، لا على العمة كاسي. بدا كما لو أن شبح الفتاة الصغيرة ~~الغريبة الأطوار التعيسة الصهباء التي كانت عليها في مرحلة طفولتها ~~جاء فجأة ليقف هناك إلى جوارهما حيث كان يقف شبح هوراس بينتلاند ms180 ~~قبل قليل. كانت الأشباح القديمة تتجمع مرة أخرى، حتى في الفناء ~~الأمامي تحت أشعة شمس أغسطس الحامية في ظل حديقة أوليفيا المزهرة ~~الجميلة. # تابعت سابين حديثها بنبرة حادة قائلة: «أخرجتني إلى الدنيا لا ~~أفقه شيئا فيها سوى ما هو زائف، مؤمنة - وكم كان قليلا ما كنت ~~أؤمن به - بآلهة باطلة، معتقدة أن الزواج ليس إلا عقد شراكة ~~تجارية بين شاب وفتاة يمتلكان ثروة. كانت تسمي الجهالة براءة ~~وتستشهد بالكتاب المقدس والفيلسوف إيمرسون السخيف ... «السيد إيمرسون ~~العزيز» ... في كل مرة أسألها سؤالا مباشرا ومنطقيا ... والإنجاز ~~الوحيد الذي حققته كان أنها جعلتني متعطشة للحقائق - ~~الحقائق القاسية الصريحة - السائغة أو البغيضة.» # اختلطت عاطفة محمومة نوعا ما بنبرة الصوت الرنانة، مما أكسبها ~~حرارة وجمالا غير مألوف. وأردفت قائلة: «أنت لا تعرفين قدر ~~المسئولية التي تتحملها تجاه ما حدث في حياتي. فهي ... ومن على ~~شاكلتها جميعا ... اغتالوا حظي في السعادة والشعور بالرضا. جعلتني ~~أخسر زوجي ... ما الفرصة التي كنت أملكها مع رجل أتى من عالم ~~أقدم وأحكم ... عالم ينظر فيه إلى الأمور بإنصاف وأمانة باعتبارها ~~حقيقة ... رجل كان يتوقع من النساء أن يكن نساء لا ألواح ثلج ~~خجولة؟ كلا، لا أظن أنني سأسامحها يوما ما.» توقفت عن الكلام ~~للحظة، متأملة، ثم أضافت قائلة: «وأيا كان ما فعلته، وأيا ~~ما كانت الفظائع التي ارتكبتها، وأيا ما كان الهراء الذي كانت ~~تعظ به، دائما ما كان باسم الواجب ودائما ما كان «من أجل ~~مصلحتك يا عزيزتي».» # ثم فجأة، بابتسامة مرارة، تبدل أسلوبها بالكامل واتخذ مرة أخرى ~~مسحة معهودة من الضجر المشوب باليأس. وأردفت تقول: «لا يسعني أن ~~أخبرك بكل شيء يا عزيزتي ... فللقصة جذور عميقة جدا. نحن جميعا ~~فاسدون هنا ... ليس فسادا بقدر ما هو تيبس؛ لأنه لم يكن يوجد ~~ما يكفي من الدماء بداخلنا لنفسد ... الجذور متوغلة بعمق ... ولكن لن ~~أزعجك مرة أخرى بكل هذا، أعدك بذلك.» # بينما كانت أوليفيا تصغي إليها، أرادت أن تقول لها: «أنت لا ~~تعرفين قدر الدماء التي هنا داخل منزل عائلة ms181 بينتلاند ... أنت لا ~~تعرفين أنهم لا ينتمون إلى عائلة بينتلاند على الإطلاق، وإنما هم ~~نسل سافينا دالجيدو وتوبي كاين ... ولكن حتى ذلك لم يكن مهما ... ~~فأجواء نيو إنجلاند ذاتها، وتربتها ذاتها، قد تغيرت، وأصابتهم ~~بالتيبس.» # ولكنها عجزت عن قول ذلك؛ لأنها أدركت أن قصة تلك الخطابات يجب ~~ألا تصبح بحوزة سابين المجردة من المبادئ أبدا. # قالت أوليفيا بهدوء: «هذا لا يزعجني. هذا لا يزعجني. أتفهمه ~~جيدا.» # أشعلت سابين سيجارة أخرى، وقالت بنبرة تغيرت فجأة: «على ~~أي حال، لقد أفسدنا ما يكفي من يوم رائع بالحديث عن هذا الأمر. ~~أما بخصوص هذا الأثاث، يا أوليفيا ... فأنا لا أريده. لدي منزل في ~~باريس مليء بأشياء كهذه. ولن أعرف ما يتعين فعله به ولا أظن أن ~~لدي الحق في تقسيمه وبيعه. أريدك أن تأخذيه وتضعيه هنا في منزل ~~عائلة بينتلاند ... سيكون هوراس بينتلاند راضيا لو آل إليك أنت ~~وابن عمه جون. وستكون حجة للتخلص من بعض الخردة الفيكتورية وبعض ~~الأغراض الأمريكية البائدة البشعة. كثيرون سيشترون الأغراض ~~الأمريكية البائدة. فأفضلها ليس إلا نسخا مقلدة رديئة من التحف ~~الأصلية التي جمعها هوراس بينتلاند، وحري بك أن تقتني التحف ~~الأصلية.» # أبدت أوليفيا اعتراضها، ولكن سابين استمرت في ضغطها، ولم تتح ~~لها وقتا لتتكلم. وتابعت حديثها قائلة: «أريدك أن تقبلي. سيكون ~~كرما منك تجاهي ... وفي نهاية المطاف، يجب أن يكون أثاث هوراس ~~بينتلاند هنا ... في منزل عائلة بينتلاند. سآخذ شيئا أو شيئين من ~~أجل تيريز، ويجب أن تحتفظي أنت بالباقي، وفقط لا ينبغي أن يذهب ~~أي شيء ... ولا حتى ميدالية أو علبة نشوق ... إلى العمة كاسي. كانت ~~تكرهه وهو على قيد الحياة. وسيكون من الجور أن تحتفظ بأي شيء يخصه ~~بعد وفاته. علاوة على ذلك، يمكن لقطعة أثاث جديدة أن تسهم أيما ~~إسهام في جعل المنزل مبهجا. كان هذا المنزل خاليا وباردا ~~دائما. إنه بحاجة إلى القليل من الأناقة وقدر من الفخامة. فلم ~~يكن هناك أي مظهر من مظاهر الفخامة في عائلة بينتلاند؛ أو في نيو ~~إنجلاند ms182 بأكملها، فيما يخص تلك المسألة.» # 2 # في نفس اللحظة تقريبا التي دخلت فيها أوليفيا وسابين إلى المنزل ~~العتيق لتناول الغداء، ظهر سيبيل وجان عند الأفق على حافة التل ~~الأجرد المهيب الذي تتوجه مقابر البلدة. بعيدا عن عيون تيريز ~~الفضولية اللحوحة، كانا قد صعدا إلى التل ليتناولا الغداء في ~~الهواء الطلق. كان نهارا صافيا على نحو رائع، وامتد المشهد ~~المألوف أسفل منهما مثل خريطة مترامية الأطراف تمتد على مسافة ~~تضاهي ثلاثين ميلا تقريبا. بدت الأهوار خضراء وداكنة، يقطعها ~~على نحو متكرر تشابك مداخل المد والجذر التي ترددت عليها في ~~فترة الغسق زوارق صغيرة محملة بالويسكي وشراب الروم آتية من ~~البحر المفتوح. ومن بعيد، كانت أكوام من الصخور الحمراء ترتفع من ~~شريط الشاطئ الأبيض المتصل بلا نهاية، وبعيدا على البحر ~~الأرجواني تحرك قاربان من قوارب الصيد ذات الأشرعة البيضاء ~~مبتعدين صوب جلوستر. حملت الأشرعة البيضاء، المتقارب بعضها من ~~بعض، قدرا من الود الحميمي في عالم مهيب ولكنه موحش وقاحل ~~قليلا. # وما إن وصلا إلى حافة التل، حتى أوقفهما للحظة التكشف المفاجئ ~~للمشهد الطبيعي. كان اليوم حارا، ولكن على هذا التل المهيب، ~~بعيدا عن المروج الرطبة المنخفضة، كانت تهب رياح باردة منعشة، ~~أقرب إلى عاصفة، آتية من البحر المفتوح. خلعت سيبيل قبعتها ~~وألقتها على الأرض وتركت النسيم يداعب خصلات شعرها المتشابك في ~~كتلة داكنة تحيط بوجهها اليافع الجاد الملامح؛ وفي اللحظة نفسها ~~أمسك جان، الذي تملكته رغبة عارمة ومفاجئة، بيدها في هدوء. لم ~~تحاول أن تسحبها؛ وإنما بكل بساطة وقفت في هدوء، كما لو أنها لا ~~تعي شيئا سوى الجمال الجامح للمشهد الطبيعي الممتد أسفل منهما ~~وشعور بقرب الفتى منها. بدا أن الخوف القديم من الوحدة والاكتئاب ~~قد تلاشى تدريجيا عنها؛ هنا على هذا التل البني السامق، ~~والعالم كله ممتد تحتهما، بدا لها أنهما كانا وحدهما تماما ... ~~أول وآخر شخصين في العالم كله. كانت تدرك أن شيئا مثاليا كان ~~قد حدث لها، مثاليا للغاية ومتجاوزا لعالم تخيلاتها الشديد ~~الرومانسية لدرجة أنه كاد يبدو ms183 غير حقيقي. # حلق نحوهما سرب من طيور النورس البيضاء اللامعة، المندفعة من ~~ناحية البحر، تنعق بجموح، فقالت سيبيل: «ينبغي أن نجد مكانا ~~لنتناول فيه الطعام.» # لقد تولت عن سابين مهمة اصطحاب جان لمشاهدة هذا الركن ~~الصغير من بلاده، واليوم كانا قد جاءا لرؤية المشهد من عند المقابر ~~وقراءة النقوش الغريبة العتيقة الممسوحة على شواهد القبور. وما إن ~~دخلا المقبرة، حتى أفضيا على الفور تقريبا إلى البقعة الصغيرة ~~المخصصة منذ زمن بعيد للمهاجرين الذين يحملون اسم عائلة ~~بينتلاند؛ وهو ركن كان الآن يكاد يمتلئ بصفوف مرتبة من القبور. ~~وقفا بجوار أحدث قبرين، اللذين كانا لا يزالان جديدين ~~ومغطيين بطبقة عشبية حديثة العهد، وبدأت في صمت تفصل الزهور ~~التي كانت قد أتت بها من حديقة والدتها إلى باقتين ~~كبيرتين. # قالت مشيرة إلى القبر الذي عند قدمها: «هذا قبره. والقبر الآخر ~~لابن العم هوراس بينتلاند، الذي لم أره مطلقا. توفي في مدينة ~~منتون ... هو ابن عم لجدي من الدرجة الأولى.» # ساعدها جان في ملء المزهريتين بالماء ووضع الزهور فيهما. ~~وعندما انتهت من ذلك وقفت وهي تطلق تنهيدة، منتصبة القامة جدا ~~ببنيتها الضئيلة، قائلة: «تمنيت لو أنك تعرفت عليه، يا جان. ~~كنت ستحبه. كان يتمتع دوما بروح الدعابة وأحب كل شيء في ~~الدنيا ... إلا أنه لم يكن يتمتع بالقوة الكافية لفعل أي شيء سوى ~~الاستلقاء في الفراش أو الجلوس في الشرفة الأمامية في أشعة ~~الشمس.» # انهمرت الدموع من عينيها بهدوء، ليس حزنا على أخيها، وإنما ~~إشفاقا على حياته البائسة الواهنة؛ وأمسك جان، متأثرا بشعور ~~فوري بالرثاء، بيدها مرة أخرى وهذه المرة قبلها، بتلك الطريقة ~~الوقورة غير المألوفة التي كان يفعل بها مثل هذه الأمور. # كانا الآن قد عرف أحدهما الآخر على نحو أفضل، أفضل كثيرا من ~~صباح اليوم الساحر الذي أمضياه عند حافة النهر؛ وفي أحيان، كهذه، ~~كان من شأن الكلام أن يفك التعويذة السحرية الثمينة بأكملها. ~~تراجع الشعور بالخجل بينهما ليحل محله شعور بالرهبة تجاه ما ~~كان قد حدث لهما. في تلك اللحظة، ms184 أراد أن يحتفظ بها إلى الأبد ~~هكذا ، معه بمفردها، على هذا التل الأجرد المرتفع، ليحميها ويشعر ~~بوجودها إلى جواره دائما تلمس ذراعه برفق. هنا، في مثل هذا ~~المكان، من شأنهما أن يكونا في مأمن من كل التعاسة والعناء ~~اللذين عرف بطريقة مبهمة أنهما كانا لا محالة جزءا من ~~الحياة. # وبينما كانا يسيران في الدرب الضيق بين صفوف الحجارة العتيقة ~~البالية المتكسرة، توقفا من آن لآخر ليقرآ النقوش الباهتة ~~المتآكلة المكتوبة على الأضرحة بلغة الكتاب المقدس البليغة التي ~~كان يستخدمها المستعمرون الأوائل الأشداء؛ وأحيانا كان ~~يخالجهما شعور بالاستمتاع، وأحيانا أخرى كانا يشعران بالحزن بسبب ~~العبارات العاطفية غير المألوفة. مرا أمام صفوف قبور آل سترازرس ~~وآل فيذرستون وآل كانز وآل مانرينج، الذين صاروا ترابا منذ أمد ~~بعيد، الأسماء الشهيرة في نيو إنجلاند، ذلك الركن الصغير من ~~العالم؛ وأخيرا مرا على مجموعة صغيرة من القبور منقوش على كل ~~شاهد منها اسم ميلفورد. هناك لم يكن يوجد أي نصب تذكاري جديد؛ ~~نظرا لأن العائلة كانت قد اختفت منذ زمن طويل من عالم ~~دورهام. # ووسط هذه القبور وقف جان فجأة، وانحنى فوق شاهد أحد القبور وقال: ~~«ميلفورد ... ميلفورد ... هذا غريب. كان لي جد أكبر يدعى ميلفورد ~~وكان ينحدر من هذا الجزء من البلاد.» ~~«كان يوجد كثيرون يحملون اسم ميلفورد هنا؛ ولكن لم يعد يوجد ~~أحد منهم بقدر ما تسعفني الذاكرة.» # قال جان: «كان جدي الأكبر واعظا. خادم أبرشية. وقاد أفراد ~~أبرشيته جميعا إلى الغرب الأوسط. وأسسوا البلدة التي تنتمي إليها ~~والدتي.» # للحظة لاذت سيبيل بالصمت. ثم سألته: «هل كان يدعى جوشيا ~~ميلفورد؟» ~~«أجل ... كان هذا اسمه.» ~~«لقد انحدر من دورهام. وبعد أن تركها، تداعت الكنيسة شيئا ~~فشيئا. لا تزال قائمة ... الكنيسة البيضاء الكبيرة ذات البرج ~~العالي، بشارع هاي ستريت. صارت الآن متحفا فقط.» # ضحك جان. وأردف قائلا: «إذن، نحن لسنا متباعدين جدا، في ~~نهاية المطاف. يبدو كما لو أننا أقارب.» ~~«أجل؛ لأن أحد أفراد عائلة بينتلاند تزوج بالفعل من عائلة ~~ميلفورد، قبل فترة طويلة ... أكثر ms185 من مائة عام على ما أظن.» # أسعدها هذا الاكتشاف بطريقة مبهمة، ربما لأنها أدركت أن هذا ~~جعله يبدو أقل شبها بما كانت عائلة بينتلاند تدعوه «دخيلا». ~~فلن يكون من الصعب أن تقول لوالدها: «أريد أن أتزوج جان دي سيون. ~~تعلم أن أجداده انحدروا من دورهام.» كان من شأن اسم ميلفورد أن ~~يترك انطباعا لدى رجل مثل والدها، الذي كان يهتم بالأسماء ~~اهتماما شديدا؛ ولكن جان لم يكن قد طلب منها الزواج بعد. لسبب ما ~~التزم الصمت، ولم ينبس ببنت شفة بخصوص الزواج، وعكر الصمت صفو ~~سعادتها بالقرب منه. # قال جان، وهو مستغرق في التفكير فجأة، كحال الرجال دوما، في ~~هذه المسألة المحددة الخاصة بالأسلاف: «هذا غريب. لا بد أن بعض ~~أفراد عائلة ميلفورد هؤلاء أجداد مباشرون لي، وليس لدي أدنى ~~فكرة أيهم كذلك.» # قالت: «عندما ننزل من التل، سأصطحبك إلى المصلى الكنسي وأريك ~~اللوحة التذكارية التي تسجل رحيل القسيس جوشيا ميلفورد المبجل ~~وأبرشيته.» # أجابته دون حتى أن تفكر فيما تقوله، وقد أصابتها خيبة الأمل ~~فجأة من أن الاكتشاف قطع عليهما قطعا حالة المثالية التي جمعتهما ~~قبل قليل. ~~••• # وجدا بقعة عشبية تحميها من شمس أغسطس أوراق شجرة كرز برية غير ~~مكتملة النمو، تشابكت جميع أوراقها بفعل نسائم البحر، وهناك جلست ~~سيبيل لتفتح السلة وتخرج الغداء؛ الدجاج والشطائر المقرمشة ~~والفاكهة. بدا الأمر كله مغامرة، كما لو أنهما كانا بمفردهما على ~~جزيرة صحراوية، وهذا التظاهر البسيط جعلها تشعر بنوع جديد من ~~المتعة، متعة فطرية وجدتها في خدمته بينما وقف ينظر إليها ~~بابتسامة إعجاب صريحة. # وعندما انتهت، استلقى بكامل جسده على العشب إلى جوارها، ليأكل ~~بشهية رجل قوي يتمتع بصحة جيدة ميال إلى ممارسة التمارين ~~البدنية العنيفة. تناولا الطعام في صمت تقريبا، ولم يتبادلا سوى ~~عبارات قليلة، وهما يتطلعان إلى الأهوار والبحر. ومن وقت إلى ~~آخر، كانت تدرك أنه يراقبها ببريق غريب في عينيه الزرقاوين، ~~وعندما انتهيا من تناول الطعام، جلس القرفصاء مثلما يجلس خياط، ~~ليدخن؛ وبعد هنيهة، قال دون أن ينظر إليها: «منذ ms186 قليل، عندما صعدنا ~~لأول مرة على التل ، سمحت لي أن أمسك يدك، ولم تمانعي.» # ردت سيبيل بسرعة: «أجل.» وبدأت ترتجف قليلا، في خوف ولكن ~~بسعادة جامحة. ~~«هل كان هذا لأن ... لأن ...» وتلعثم للحظة بحثا عن الكلمات، ~~وأخيرا وجدها، فتابع حديثه سريعا: «لأنك تشعرين بما أشعر ~~به؟» # أجابته همسا. وقالت: «لا أعرف»، وشعرت فجأة برغبة عارمة في ~~البكاء. # قال بسرعة: «أقصد أنني أشعر بأن كلا منا خلق من أجل الآخر ... ~~بشكل مثالي.» ~~«أجل ... يا جان.» # لم يمهلها حتى تنهي كلامها. واندفع، وقد سيطرت عليه موجة ~~عاطفية صبيانية غامرة، قائلا: «تمنيت لو لم يكن الحديث ~~ضروريا. فالكلمات تفسد كل شيء ... إنها ليست جيدة بما يكفي ... ~~كلا، يجب أن تتقبليني، يا سيبيل. أحيانا، أكون بغيضا وضيق ~~الصدر وأنانيا ... ولكن يجب أن تتقبليني. سأبذل قصارى جهدي ~~لإصلاح نفسي. سأجعلك سعيدة ... سأفعل أي شيء من أجلك. ويمكننا ~~أن نسافر إلى أي مكان في العالم ... دوما معا، ولن نفترق أبدا ... ~~كما نحن هنا الآن، على قمة هذا التل.» # ودون أن ينتظر منها إجابة، قبلها بسرعة، برقة حانية ~~جعلتها تبكي مرة أخرى. وأخذت تقول مرارا وتكرارا: «أنا سعيدة ~~جدا، يا جان ... سعيدة جدا.» ثم قالت في خجل: «يجب أن أعترف لك ~~بشيء ... كنت أخشى ألا تعود أبدا، ورغبت فيك دوما ... منذ اللحظة ~~الأولى. أقصد أنني كنت أرغب في أن تكون لي من البداية ... منذ ذلك ~~اليوم الأول في باريس.» # وضع رأسه في حجرها بينما أخذت تمسد شعره الأصهب الكثيف، في ~~صمت. وهناك عند المقابر، وعاليا فوق مستوى البحر، نسيا نفسيهما في ~~الوهم الذي يستحوذ على العشاق الشباب من أمثالهما ... بأنهما كانا ~~بالفعل قد وصلا إلى حياة ... بدلا من أن تكون في مستهلها، كانت ~~بالفعل كاملة ومثالية. # وتابعت: «عزمت دوما على الارتباط بك ... يا جان. وبعد أن جئت ~~إلى هنا ولم تأت لمقابلتي ... قررت أن أسعى وراءك ... خشية أن تهرب ~~مرة أخرى. كنت عديمة الحياء ... وماكرة أيضا ... في صباح ذلك اليوم ~~الذي لقيتك فيه عند النهر ... لم ألقك ms187 صدفة. عرفت أنك كنت هناك ~~طوال الوقت . اختبأت في الأجمة وانتظرتك!» ~~«ما كان هذا ليحدث أدنى فارق. أنا أيضا عزمت على الارتباط ~~بك.» وارتسم على الوجه اليافع تعبير متجهم هلع مفاجئ. وأردف ~~قائلا: «لن تدعي شيئا يغيرك، أليس كذلك؟ أي شيء ربما يقوله أي ~~أحد ... أي شيء قد يحدث ... أي شيء؟» # رددت قائلة: «أي شيء. أي شيء في هذه الدنيا. لا شيء يمكن أن ~~يغيرني.» ~~«ولن تمانعي الرحيل من هنا معي؟» ~~«بلى ... أود ذلك. هذا ما أردته دوما. سيسعدني أن أرحل من ~~هنا.» ~~«حتى إلى الأرجنتين؟» ~~«إلى أي مكان ... إلى أي مكان على الإطلاق.» ~~«يمكننا أن نتزوج قريبا جدا ... قبل أن أرحل ... ثم يمكننا ~~السفر إلى باريس لزيارة أمي.» اعتدل في جلسته وعلت وجهه نظرة ~~غريبة مضطربة. وأضاف قائلا: «إنها امرأة رائعة يا عزيزتي ... جميلة ~~ولطيفة وجذابة.» ~~«ظننت أنها كانت جميلة ... في ذلك اليوم بباريس ... أروع امرأة ~~رأيتها في حياتي يا عزيزي جان.» # بدا أنه لم يكن يصغي إليها. بدأت الرياح تسكن مع ارتفاع حرارة ~~الجو في فترة ما بعد الظهيرة، وبعيدا وسط البحر الأرجواني استقر ~~القاربان الشراعيان بلا حراك. وحتى أوراق شجرة الكرز البري ~~المتشابكة كانت تتدلى في تخاذل وخمول في الجو الحار. صار العالم ~~بأكمله من حولهما في حالة من الهدوء والسكون. # التفت إليها، وأمسك يديها ونظر إليها. وقال: «ثمة شيء يجب أن ~~أقوله لك ... يا سيبيل ... شيء ربما لن يعجبك. ولكن يجب ألا تدعيه ~~يحدث أي فارق ... في النهاية، أشياء كهذه لا تهم.» # قاطعته قائلة: «إن كان الأمر متعلقا بالنساء ... فأنا لا أكترث ~~بذلك. أعرف من أنت، يا جان ... لن يغير أي شيء آخر سأعرفه من ~~موقفي الذي أنا عليه الآن ... أنا لا أكترث.» ~~«كلا ... ما أريد أن أخبرك به لا يخص النساء. وإنما يخص ~~والدتي.» حدق بها مباشرة، بنظرة نافذة. ثم أردف قائلا: «ما أريد ~~أن أقوله لك ... إن أمي وأبي لم يتزوجا مطلقا. وإنما تبناني ~~السيد دي سيون المسن الطيب ... لا حق لي في حمل ms188 الاسم ... حقا. ~~فاسمي الحقيقي هو جون شين ... لم يتزوجا مطلقا، لكن الأمر ليس كما ~~يبدو. إنها سيدة عظيمة، أعني والدتي، ورفضت الزواج من أبي لأنها ... ~~تقول ... تقول إنها اكتشفت أنه لم يكن كما كانت تحسبه. توسل ~~إليها. وقال إن الأمر دمر حياته بأكملها ... ولكنها ما كانت ~~لتتزوجه ... ليس لأنها كانت ضعيفة، وإنما لأنها كانت قوية. ~~ستفهمين ذلك حين تعرفينها.» # ما قاله كان سيصدمها على نحو أعمق من ذلك لو لم تستحوذ ~~عليها رغبة عارمة في التمرد على كل العالم الذي حولها، كل ~~التحيزات وسوء الفهم الذي عرفت من منطلق حكمتها الفتية أنه ~~سيقف عائقا أمامها هي وجان. وفي هذه الحالة المعنوية، صارت والدة ~~جان في نظرها رمزا للبطولة، امرأة جديرة بالإعجاب. # مالت نحوه. وقالت: «هذا لا يهم ... على الإطلاق يا جان ... فأشياء ~~كهذه لا تهم في النهاية ... كل ما يهم هو المستقبل ...» أشاحت بنظرها ~~بعيدا عنه وأضافت بصوت خفيض: «علاوة على أن ما أنا بصدد أن أقوله ~~لك أسوأ بكثير من ذلك.» ضغطت على يده بشدة بالغة. وأردفت ~~قائلة: «لن تدعه يغيرك؟ لن تتخلى عني؟ ربما تعرفه بالفعل ... وهو ~~أن لدي جدة مجنونة ... لقد فقدت عقلها طيلة سنوات ... طوال حياتها ~~تقريبا.» # أسرع بتقبيلها. وقال: «كلا، لا يهم ... لا شيء يمكن أن يجعلني ~~أفكر في التخلي عنك ... لا شيء في العالم.» ~~«أنا سعيدة جدا، يا جان ... أشعر بسكينة بالغة ... كأنك أنقذتني ... ~~كأنك غيرت حياتي بأكملها. لقد ساورني الخوف أحيانا ...» # ولكن كدرت غمامة مفاجئة صفو سعادتهما ... الغمامة التي لم تبرح ~~أبدا منزل عائلة بينتلاند. # إذ قال: «لن تدعي والدك يفرق بيننا يا سيبيل ... إنه لا يحبني ~~... من السهل ملاحظة ذلك.» ~~«كلا، لن أدعه يفعل.» توقفت فجأة عن الحديث. ثم تابعت قائلة: ~~«ربما يبدو ما سأقوله مروعا ... لا ينبغي أن آخذ ما يقوله والدي ~~في أي شيء مسلما به. لن أدعه يؤثر علي. لقد أفسد حياته ~~وحياة أمي أيضا ... أشعر بالأسى على والدي ... إنه غافل تماما ... ~~ويقلق كثيرا ... دوما على أشياء لا تهم.» ms189 # جلسا في صمت لفترة طويلة، وكانت سيبيل قد أغمضت عينيها واستندت ~~عليه، حين سمعته فجأة يقول هامسا في غضب: «تيريز اللعينة تلك!» ~~فرفعت بصرها ورأت على حافة التل فيما وراء شواهد القبور المتآكلة، ~~تيريز بجسدها الممتلئ، متسلحة بشبكة صيد الحشرات وحقيبة ظهر تزخر ~~بطعام الغداء. كانت واقفة وقد باعدت ساقيها كثيرا، تحدق فيهما ~~بعينيها الرماديتين الغريبتين بتعبير خبيث هزلي. ومن ورائها في ~~نصف دائرة وقف جيش صغير من أطفال بولنديين متسخين كانت قد ~~جندتهم لمساعدتها في جمع الحشرات. عرفا أنها كانت قد تعقبتهما ~~عن قصد للتجسس عليهما، وأنها ستتظاهر بلطف بأنها عثرت عليهما ~~بمحض الصدفة. # سألها جان هامسا في غضب: «هل نخبرها؟» ~~«كلا ... لا تخبر أحدا بأي شيء في دورهام.» # انكسر السحر الآن وبدا الغضب على جان. هب واقفا وهو يصيح ~~في تيريز قائلا: «اذهبي وطاردي حشراتك العتيقة ودعينا وشأننا!» ~~أدرك أن تيريز كانت، مثل أمها، تراقبهما من ناحية علمية، كما ~~لو أنهما زوج من الحشرات. # 3 # لم يكن آنسون رجلا خبيثا بطبعه أو حتى مقيتا بدرجة كبيرة؛ ~~فلم تكن أنشطته المضطربة باسم الأخلاق نابعة من رغبة مكبوتة ~~ومنحرفة بداخله في الرزيلة. في الواقع، كان رجلا ذا رغبات قليلة ~~جدا؛ إذ كان إلى حد كبير رجلا تافها وسطحيا، تبنى ~~القضايا الأخلاقية لأنها كانت ذات صلة بتقاليده ومن ثم كان ~~ينبغي أن يشجعها. وفي نظر سابين، كان أسوأ حالا من شخص فاسق ~~متحرر من القيود؛ كان شخصا أخرق، ولم يكن يتسم بالذكاء ~~الشديد، رجل لم يكن يرى بنظرته المحدودة المباشرة سوى الجزء الضئيل ~~من العالم الذي كانت الظروف قد وضعته فيه. فبعد مرور تسعة وأربعين ~~عاما من تدقيق النظر، صار حسير النظر، وصارت الأشياء المادية التي ~~تحيط به - منزله، ومكتبه، وطاولته، ومنضدته وقلمه - أشياء ~~استثنائية ومبجلة بحكم وجودها باعتبارها أدوات نافعة في أكثر ~~المجتمعات رفعة وكمالا في الوجود. ومع أنه كان يمتلك قدرا ~~كبيرا من اللباقة الاجتماعية المعقدة، كان يفتقر حتى إلى مسحة ~~من الدراية بالحياة، وهكذا كانت العادات والتقاليد والأعراف ms190 قد ~~حولت حياته إلى حياة باهتة وذابلة، تفتقر إلى سمة المبادرة أو ~~الفردية، وتنزلق عبر أخدود ضيق يتسم بالرتابة والملل. وربما كان ~~هذا هو مبعث شعور سيبيل بالشفقة تجاهه. # ونظرا لتقديسه الشديد لعادات عالمه الرتيب الممل، كان يظل ~~قانعا بل ولطيفا ما دامت كرامته لم تتعرض للاعتداء؛ وهي مسألة ~~مقدسة ومعقدة شملت بيته وأصدقاءه وأوساط معارفه وأسلافه، وحتى ~~الممتلكات الصغيرة التي سمح له والده بامتلاكها. غير أن هذه ~~الكرامة كانت أيضا في حد ذاتها مسألة هشة، وعرضة للانهيار ~~بسهولة ... وكأنها قوقعة رقيقة تحيط به وتحميه. وعكف هو على ~~حمايتها بحماس صبياني مستميت. وفي حين أن كل تهديدات العمة ~~كاسي وتوسلاتها لم تكن تدفعه إلى الإقدام على أي تصرف قاطع ~~أكثر من اللجوء إلى المراوغة المضطربة، فإن تهديد أي من الأشياء ~~التي كانت تقع في حيز كرامته كان يطلق العنان لكراهية غير متوقعة ~~وبغيضة. # كان يكره أوهارا ربما لأنه أدرك أن الأيرلندي كان ينظر إليه ~~وإلى عالمه بسخرية واستهزاء؛ وكان أوهارا وأمثاله من الأيرلنديين - ~~المنتمين إلى الحزب الديمقراطي (حسبما ظن آنسون) ولذلك كان يعتبرهم ~~حثالة البشر - هم من أطاحوا بالنموذج المثالي الهادئ الراسخ للحياة ~~في بوسطن. وكان يكره سابين للأسباب نفسها؛ ومنذ أول لحظة كان قد ~~قرر أن يبغض «ذلك الشاب دي سيون» لأن الشاب بدا قائما بذاته ~~تماما، مستقلا عن تلك المقدسات، دون أي بادرة احترام تجاهها. ~~كما أنه كان متحالفا تحالفا وثيقا مع أوهارا وسابين و«تيريز ~~الغريبة الأطوار». # ساورت أوليفيا الشكوك بأنه كان يزداد حدة وهيسترية فقط في ~~الأوقات التي يعصف به فيها الشك في أنهم يستهزئون به ويسخرون منه. ~~وحينئذ كان يصبح غير مسئول عما يقوله ويفعله ... غير مسئول مثلما ~~كان في تلك الليلة بعد الحفل الراقص. وأدركت أنه يوما بعد يوم ~~تزداد شدة حساسيته بشأن كرامته، لأنه بدأ يفسر أصغر التلميحات ~~باعتبارها هجوما على كرامته. # وما إن أدركت هذه الأمور، حتى بدأت تعامله دوما معاملة ~~الأطفال، فتمازحه وتسايره حتى تحقق مرادها في النهاية، بثبات ~~ويسر. ولقد اتبعت ms191 معه هذه الطريقة في المعاملة في مسألة تغيير ~~أثاث المنزل. فعلما منها بأنه كان منهمكا في إنهاء الفصول ~~الأخيرة من كتاب «عائلة بينتلاند ومستعمرة خليج ماساتشوستس»، ~~اقترحت عليه أن ينقل منضدته إلى «غرفة الكتابة» النائية حيث ستقل ~~المقاطعات التي تسببها له أنشطة الأسرة؛ واعتبر آنسون ذلك ~~اقتراحا ممتازا، اعتقادا منه بأن زوجته تأثرت أخيرا بأهمية ~~عمله وعظمته. حتى إنه ابتسم وشكرها. # ثم، بعد أن استشارت العجوز جون بينتلاند ووجدت أنه موافق على ~~الخطة، بدأت تدريجيا في إدخال قطع أثاث هوراس بينتلاند إلى ~~المنزل. ترددت سابين على المنزل يوميا لتراقب التقدم ~~المحرز نحو التغيير، ولتبدي التعليقات والإعجاب وتقترح ~~تغييرات. وساورهم شعور غريب بالحماس مع خروج القطع الفنية الجميلة ~~واحدة تلو الأخرى من صناديقها المغلفة؛ فخرجت من وسط الأسمال ~~البالية والنشارة الخشبية أروع الطاولات والخزائن، والتحف الصينية، ~~والكتب القديمة والنقوش. وعلى التوالي نقل المكتب القبيح الذي ~~استخدمه السيد لويل، ثم المصباح البشع الذي أهداه إليهم السيد ~~لونجفيلو، ثم اللوحة المرسومة بألوان مائية باهتة للآنسة ماريا ~~بينتلاند ... حتى نقلت جميع قطع أثاث المتحف العائلي إلى ~~العلية القديمة الشاسعة؛ إلى أن ظهرت في النهاية غرفة ~~استقبال جديدة، متألقة وجميلة، تتسم بالرقي والدفء بل وقدر ~~من الغرابة، مزدانة بجميع الكنوز التي أمضى هوراس بينتلاند حياته ~~في جمعها بشغف وحرص بالغين. وبهدوء ودون أن يلاحظ أحد شيئا ~~تقريبا، استحوذ مصدر الإحراج والخزي للعائلة على المنزل، وغير ~~طابعه بالكامل. # أحدث التغيير لدى العمة كاسي مجموعة متنوعة من المشاعر المشوشة ~~والمتضاربة. بدا لها تدنيسا للمقدسات أن تقصى الهدايا ~~التذكارية العائلية البالية المعتادة المنزلية المقدمة من ~~«الأصدقاء الأعزاء» لوالدها إلى الخلفية، لا سيما على يد هوراس ~~بينتلاند؛ ورغم ذلك كان من المستحيل أن تغفل عن القيمة الفعلية ~~للمجموعة. لم تر القطع باعتبارها أغراضا ذات قيمة جمالية نادرة ~~وإنما رأتها بصفتها أشياء ثمينة ذات قيمة مالية. وعلقت قائلة: ~~«أغراض عائلة بينتلاند يجب أن توضع في منزل عائلة بينتلاند.» ~~وتشككت في أن سابين تتبع تكتيكات ميكافيللية وعجزت عن أن تحسم ~~أمرها ms192 بشأن ما إذا كانت سابين وهوراس بينتلاند قد انتصرا في ~~النهاية عليها وعلى «السيد لويل العزيز» و«السيد لونجفيلو الطيب ~~اللطيف». # والغريب في الأمر أن آنسون أعجب بالتغيير، مع بعض التحفظات. ~~فمنذ فترة طويلة، كان قد أدرك أن غرفة الاستقبال وأجزاء كبيرة من ~~بقية المنزل بدت في حالة رثة ومتهالكة؛ ومن ثم لم تكن تستحق ~~شرف أن ترتبط باسم عائلة بينتلاند. # وقف آنسون عند مدخل غرفة الجلوس، متفحصا التحول، وعلق قائلا: ~~«التأثير يبدو جيدا ... ربما قليل من بهرجة، لا تليق بوقار هذا ~~المنزل، ولكن في المجمل ... جيد جدا. أنا نفسي أفضل كثيرا ~~الأثاث الأمريكي القديم البسيط ...» # فقاطعته سابين فجأة قائلة: «لكنه يصعب الجلوس عليه.» # وحتى هذه اللحظة، لم يكن ثمة وجود للموسيقى مطلقا في منزل ~~بينتلاند، وهذا لأن العائلة كانت تعتبر الموسيقى شيئا يجب أن ~~يسمعه المرء في قاعات الحفلات الموسيقية، ويجب أن يرتدي من أجلها ~~أفضل الثياب. كانت العمة كاسي، وبرفقتها الآنسة بيفي، قد اعتادت ~~أن تتردد بانتظام على مدار سنوات عصر كل يوم جمعة على قاعة ~~سيمفوني هول لتجلس هناك وعلى رأسها وشاح لا قبعة تستمع إلى ~~«أوركسترا الكولونيل هيجينسون العزيز» (التي كان مستواها قد تراجع ~~على نحو مؤسف منذ وفاته)، لكنها لم تتعلم مطلقا تمييز لحن عن ~~آخر ... دائما ما كانت الموسيقى في منزل عائلة بينتلاند واجبا ~~ثقافيا، ممارسة تشبه واجب الذهاب إلى الكنيسة. ولم تترك أي ~~انطباع لدى العمة كاسي أكثر من تلك الرحلات الدورية إلى أوروبا، ~~حيث كانت تأخذ عالمها معها، وتقيم دوما في فنادق تلتقي فيها ~~بأصدقاء من بوسطن ولا تتعرض مطلقا لضغوط التعامل مع وجوه ~~وحوارات همجية غير محببة. # والآن، وعلى نحو مفاجئ جدا، صارت الموسيقى في منزل عائلة ~~بينتلاند شيئا نابضا بالحياة ومبهجا وإنسانيا. اختفى البيانو ~~المربع القديم الصغير وحل محله آخر كبير وجديد اشترته ~~أوليفيا من مالها الخاص. وفي الأمسيات، كان يتردد بين جنبات ~~المنزل صوت أنغام مقطوعات شوبان وبرامز وبيتهوفن وباخ، بل ~~والمؤلفين الموسيقيين المبهرجين الجدد من أمثال سترافينسكي ~~ورافيل. وكانت ms193 السيدة سومز العجوز تأتي، عندما تكون بصحة جيدة بما ~~يكفي لأن تجلس على أكثر الكراسي الكلاسيكية المريحة من طراز ~~ريجنسي وإلى جوارها العجوز جون بينتلاند، تستمع إلى الموسيقى وقد ~~عاد شبح الشباب البائد إلى عينيها العجوزتين الضريرتين تقريبا. ~~كان صوت موسيقى جان يخترق أحيانا أبعد مكان في البيت ليصل إلى ~~غرفة العجوز المجنونة في الجناح الشمالي وإلى غرفة الكتابة، حيث ~~كانت تزعج آنسون أثناء عمله في تأليف كتاب «عائلة بينتلاند ~~ومستعمرة خليج ماساتشوستس». # ثم ذات ليلة، جاء أوهارا بعد العشاء، مرتديا ثيابا من الواضح ~~جدا أنها تساير أحدث صيحات الموضة. وكانت هذه هي المرة الأولى ~~التي تطأ فيها قدماه أرض عائلة بينتلاند. # 4 # في ذلك الحين، كانت تأتي على العمة كاسي أوقات تقول فيها لنفسها ~~إن الحالات المزاجية الغريبة التي كانت تصيب أوليفيا كانت قد ~~اختفت أخيرا، تاركة مكانها أوليفيا المعهودة المطيعة اللطيفة ~~التي كانت لها دوما طريقة خاصة في تهدئة الاضطرابات في منزل عائلة ~~بينتلاند. لم يعد هناك الهدوء المخيف المفاجئ يخيم على ~~حواراتهما؛ ولم تعد العمة كاسي تخشى من «التعبير عن رأيها، ~~بصراحة، من أجل مصلحتهم جميعا.» استمعت أوليفيا إليها بهدوء، ~~وصحيح أنها كانت أكثر سعادة من ناحية أنه بدا أن الحياة في منزل ~~عائلة بينتلاند كانت تتحسن من تلقاء نفسها؛ ولكن في قرارة نفسها، ~~مضت بطريقتها الصامتة، تتجرع مرارة الحزن في عزلة عن الآخرين ~~لأنها لم تكن تجرؤ على أن تضيف عبء حزنها إلى الأعباء الملقاة ~~على كاهل العجوز جون بينتلاند. حتى سابين، التي كانت أكثر فطنة في ~~تلك الأمور من العمة كاسي، صارت تشعر بأنها نفسها لم تعد موضع ~~ثقة أوليفيا. # ولم تعد سيبيل، التي انتقلت سريعا من مرحلة الطفولة إلى مرحلة ~~الأنوثة، معتمدة عليها؛ كما صارت منعزلة وكتومة بخصوص جان، ~~وتتهرب من والدتها بعبارات فارغة بعد أن كانت تأتمنها على كل ~~الأسرار. ووراء المظهر الخارجي اللطيف والهادئ، كان يبدو لأوليفيا ~~أحيانا أنه لم يسبق لها من قبل مطلقا أن كانت وحيدة وحدة ~~هائلة وتامة بهذا ms194 القدر. وبدأت تلاحظ أن الحياة في منزل عائلة ~~بينتلاند ترتبت من تلقاء نفسها إلى مجموعة من حجيرات معزولة، ~~تشغل كل واحدة منها روح انعزلت عن الآخرين. ولأول مرة في حياتها، ~~يتسنى لها استغراق وقت طويل في التفكير في نفسها. # مع بداية فصل الخريف، ستتم عامها الأربعين ... إذا كانت امرأة ~~تدنو من منتصف العمر، ولها ابنة ربما تتزوج قريبا. وفي ~~الثانية والأربعين من عمرها ربما تصبح جدة (بدا من المرجح حدوث ~~هذا في حالة زوجين مثل سيبيل ودي سيون) ... جدة في الثانية ~~والأربعين من عمرها ذات شعر أسود كثيف، وعينين مشرقتين، ووجه ~~خال من التجاعيد ... امرأة في الثانية والأربعين وربما تبدو أصغر من ~~سنها بعشر سنوات. لكن هذا لم يكن ليغير شيئا من حقيقة كونها ~~جدة، مهما بدت شابة. وباعتبارها جدة، لم يكن في مقدورها تحمل أن ~~تجعل نفسها مثارا للسخرية. # لعلها تستطيع أن تقنع سيبيل بأن تنتظر عاما أو عامين وبذلك ~~تؤجل شرا لا بد منه، رغم أن تلك الفكرة كانت في نظرها ممقوتة ~~أكثر. إذ كان الخوف الشديد الذي كان أحيانا يتملكها من فكرة ~~تحولها تدريجيا إلى امرأة مسنة هو أيضا مبعث رفضها لتأجيل ~~زواج سيبيل. فما كان يحدث لسيبيل لم يكن قد حدث لها مطلقا ولا ~~يمكن أن يحدث لها الآن مطلقا؛ إذ كانت أكبر سنا وأصلب، بل وأكثر ~~تشاؤما، من أي مما يحدث لها ذلك. فحين كان المرء صغير السن مثل ~~جان وسيبيل، كان لديه مخزون لا ينضب من الإيمان والأمل. كان لا ~~يزال يوجد بريق يحيط بالحياة بأكملها، ويجدر بالمرء أن يبدأ ~~حياته هكذا. فتلك السنوات الأولى - بصرف النظر عما يأتي بعدها - ~~ستكون الأغلى في حياتهما بأكملها؛ ومتأملة حالها، قالت في نفسها: ~~«تتاح تلك الفرصة لقلة قليلة جدا من الناس، وقلة قليلة جدا ~~منهم هي التي تستطيع أن تبني شيئا على أساس متين جدا ~~هكذا.» # أحيانا كان يعاودها شعور مفاجئ بتأنيب الضمير من الإحساس ~~القديم والمخجل بالغيرة من شباب سيبيل في تلك الليلة الخانقة ~~بالشرفة المطلة ms195 على البحر. (بطريقة غريبة، بدا أن كل ما تكشف ~~تدريجيا طوال الصيف كان قد نجم عن تلك الليلة). # غير أنها في النهاية، كانت تعود دوما إلى الفكرة نفسها ... وهي ~~أنها ستضحي بكل شيء في سبيل اكتمال هذا الشيء الموجود بين سيبيل ~~وذلك الشاب الأصهب المتلهف. # وعندما كانت تصبح صادقة مع نفسها، كانت تدرك أنها ما كان ~~سيصيبها ذعر ولا خوف من أي شيء، باستثناء أوهارا. فلولاه، ما ~~كانت ستخشى أبدا من فكرة التقدم في العمر، ورؤية سيبيل ~~تتزوج، وأن تجد نفسها صارت جدة. كانت قد تضرعت إلى الرب من ~~أجل حدوث هذه الأشياء، حتى إنها كانت قد تضرعت بأن يرسل القدر ~~إلى سيبيل عاشقا كهذا تماما؛ والآن بعدما أجيبت تضرعاتها كانت ~~تمر عليها أوقات تتمنى فيها بخبث لو أنه لم يأت، أو على الأقل ~~لم يأت بهذه السرعة. وعندما كانت تصبح صادقة مع نفسها، كانت ~~تأتيها الإجابة نفسها دوما ... وهي أن أوهارا كان قد جاء ليحتل ~~أكبر جزء من اهتماماتها في الحياة. # وفي أكثر ركن خفي من جنبات روحها، لم تعد تتظاهر بأن مشاعرها ~~تجاهه كانت مجرد صداقة. كانت مغرمة به. كانت تستيقظ صباح كل يوم ~~تملؤها البهجة لتركب معه الخيل عبر المروج، سعيدة بأن مجيء سيبيل ~~معهما صار شيئا فشيئا أقل تواترا؛ وفي الأيام التي كان يبقى ~~فيها في بوسطن كان يبدو أن غمامة تعتم كل أفكارها وتصرفاتها. ~~تحدثت معه عن مستقبله وخططه والتقدم الذي تحرزه حملته، كما لو ~~أنها زوجته أو عشيقته. لعبت دور الخائنة لعالمها الذي اعتمدت ~~حظوظه على نجاح أعدائه السياسيين ونفوذهم. وصارت تعتمد على تعاطفه ~~السريع معها. كان لديه طريقة مميزة في استيعاب حالاتها المزاجية، ~~وشعورها المفاجئ بالكآبة، طريقة لم يعرفها مطلقا العالم البارد ~~والمتبلد الحس في منزل عائلة بينتلاند. # كانت صادقة مع نفسها بعد صباح ذلك اليوم الذي بينما كانا يركبا ~~فيه الخيل معا عبر الدروب الرطبة الخفية بين أيكة أشجار البتولا، ~~أوقف حصانه فجأة وأخبرها بلوعة أنه لم يعد بوسعه الاستمرار ~~بالطريقة التي ms196 يتبعانها. # قال لها: «ماذا تريدين مني أن أفعل؟ لا يرجى مني نفع. لا ~~أستطيع أن أفكر في شيء سواك ... طوال الليل والنهار. أذهب إلى بوسطن ~~وأحاول العمل وأفكر فيك طوال الوقت ... أفكر فيما سنفعله. يجب أن ~~تدركي الجحيم الذي أعيش فيه ... أن أكون بقربك هكذا ومع ذلك ~~تعاملينني كصديق فحسب.» # وفجأة، عندما التفتت ورأت المعاناة في عينيه، عرفت أنه لم ~~يعد يوجد أي مجال للشك. سألته بنبرة حزينة: «ماذا تريد مني أن ~~أفعل؟ ماذا يمكنني أن أفعل؟ أنت تشعرني بأنني أرخص وأسخف امرأة ~~على وجه الأرض.» وأضافت بصوت خفيض قائلة: «لا أقصد أن أكون هكذا يا ~~مايكل ... أنا أحبك يا مايكل ... ها قد أخبرتك. أنت الرجل الوحيد الذي ~~أحببته في حياتي ... ولم أكن أي مشاعر لأي أحد آخر.» # تملكه شعور غامر بالنشوة. مال عليها وقبلها، فتبلل وجهه ~~المسمر بدموعها المنهمرة. # قالت: «أنا سعيدة جدا، ومع ذلك حزينة جدا ...» ~~«إذا كنت تحبينني ... إذن يمكننا أن نمضي قدما في طريقنا ... ~~لسنا بحاجة إلى التفكير في أي من الآخرين.» ~~«أوه، الأمر ليس بهذه السهولة يا عزيزي.» لم يكن قد سبق لها أن ~~كانت بهذا القدر من الوعي لحضوره، ولذلك الإحساس الغريب بالدفء ~~والروعة الذي بدا أنه كان يضفيه على كل شيء يخصه. # قالت: «يجب أن أفكر في الآخرين. لا أقصد زوجي ... فلا أظنه حتى ~~يهتم ما دام لا أحد يعرف شيئا. ولكن أقصد سيبيل ... لا أستطيع أن ~~أجعل من نفسي أضحوكة على حساب سيبيل.» # أدركت على الفور أنها استخدمت العبارة الخطأ، وأنها جرحته؛ إذ ~~مست دون قصد الهاجس الذي كان يتملكه أحيانا بأنها تحسبه ~~سياسيا أيرلنديا مبتذلا وسوقيا. # سألها بنبرة يشوبها بعض المرارة: «أتظنين أن ما بيننا ... يمكن ~~أن يطلق عليه «أضحوكة»؟» ~~«كلا ... أنت تعرف أنني لا أقصد ذلك ... تعرف أنني كنت أفكر في ~~نفسي فحسب ... كوني امرأة في منتصف العمر لديها ابنة في سن ~~الزواج.» ~~«ولكنها ستتزوج ... قريبا ... بالتأكيد. دي سيون الشاب ليس من ~~النوعية التي تطيق الانتظار.» ~~«أجل ... هذا صحيح ... ولكن ms197 حتى ذلك الحين.» ثم التفتت إليه بسرعة ~~قائلة: «ماذا تريد مني أن أفعل؟ ... أتريدني أن أكون ~~عشيقتك؟» ~~«أريدك لنفسي ... أريدك أن تكوني زوجتي.» ~~«أتريدني إلى هذا الحد؟» ~~«أريدك إلى هذا الحد ... لا يمكنني أن أحتمل فكرة مشاركتك ... ~~فكرة أنك تخصين شخصا آخر.» ~~«أوه ... لم أعد أخص أحدا منذ سنوات طويلة ... منذ ولادة ~~جاك.» # واصل حديثه بسرعة وحماس قائلا: «هذا من شأنه أن يغير حياتي ~~كلها. من شأنه أن يعطيني سببا للاستمرار ... لولاك أنت ما عشت ~~... لأهملت كل شيء ورحلت ... لقد سئمت الحياة.» ~~«وهل تريدني لذاتي ... أم فقط لأنني سأساعدك في حياتك المهنية ~~وأمنحك شغفا بالحياة.» ~~«من أجلك أنت ... ولا شيء آخر، يا أوليفيا.» ~~«حسنا، أسألك لأنني فكرت كثيرا بخصوص هذا الأمر. أنا أكبر ~~منك سنا، يا مايكل. الآن، أبدو شابة. ولكن في سن الأربعين ~~سيتغير ذلك ... سأبلغ الأربعين في الخريف ... في الأربعين كون المرء ~~أكبر سنا يشكل فارقا. فالوقت المتبقي لنا قصير ... لا يكون ~~الأمر كما كنا في العشرينيات من عمرنا ... أسألك أيضا لأنك رجل ذكي ~~ولماح ولا بد أنك أيضا تلاحظ هذه الأمور.» ~~«لا شيء من هذا يشكل فارقا.» بدا عليه الحماس الشديد، ووأد ~~بريق في عينيه الزرقاوين شكوكها. فصدقته. # وقالت: «ولكننا لا نستطيع أن نتزوج ... مطلقا، ما دام زوجي على ~~قيد الحياة. لن يطلقني أبدا ولن يدعني أتطلق منه. فأحد ~~معتقداته الراسخة ... أن الطلاق شيء بغيض. بالإضافة إلى أنه لم يقع ~~طلاق أبدا في عائلة بينتلاند. وقعت أشياء أسوأ من ذلك.» ثم أضافت ~~بمرارة: «ولكن لم يقع طلاق أبدا، ولن يكون آنسون أول من يكسر ~~العادات والتقاليد.» ~~«هل ستتحدثين إليه؟» ~~«في هذه اللحظة يا مايكل، أظن أنني يمكن أن أفعل أي شيء ... حتى ~~هذا. ولكن هذا لن يجدي نفعا.» لاذا بالصمت لبعض الوقت، واستحوذ ~~عليهما شعور عميق باليأس، وبعد قليل قالت: «هل يمكننا الاستمرار ~~على هذا النحو لوقت قصير ... حتى ترحل سيبيل؟» ~~«لسنا في العشرينيات من العمر ... لا أنا ولا أنت. لا يمكننا ~~الانتظار طويلا جدا.» ~~«ولكن لا ms198 يمكنني التخلي عنها. أنت لا تعرف كيف هي الأمور في ~~منزل عائلة بينتلاند. يجب أن أنقذها، حتى لو خسرت نفسي. أظن ~~أنهما سيتزوجان قبل حلول فصل الشتاء ... بل قبل الخريف ... قبل أن ~~يسافر. وحينئذ سأصير حرة. لا يمكنني ... لا يمكنني أن أكون ~~عشيقتك الآن، يا مايكل ... بينما لا تزال سيبيل معي في منزل عائلة ~~بينتلاند. ... ربما أكون مراوغة ... ربما أبدو سخيفة، ولكن هذا ~~يحدث فارقا ... ربما لأنني عشت بينهم لمدة طويلة جدا.» ~~«هل تعدينني بأنك ستصبحين حرة عندما ترحل؟» ~~«أعدك بذلك، يا مايكل ... لقد أخبرتك بأنني أحبك ... وأنك الرجل ~~الوحيد الذي أحببته في حياتي ... ولم أكن أي مشاعر، ولا حتى ~~بأدنى قدر، لأي شخص آخر.» ~~«ستساعدنا السيدة كاليندار ... إنها ترغب في ذلك.» # أجفلت وقالت: «أوه، سابين ... هل تحدثت معها؟ هل أخبرتها بأي ~~شيء؟» ~~«كلا ... ولكنك لست بحاجة إلى إخبارها بأمور كتلك. فهي لديها ~~طرق خاصة لتعرف.» ثم قال بعد لحظة: «يا إلهي، حتى هيجينز يريد ~~ذلك. ظل يقول لي، بطريقة غير مباشرة، كما لو أنه لا يقصد شيئا ~~مما يقوله: «السيدة بينتلاند امرأة رائعة يا سيدي. أنا أعرفها منذ ~~سنوات. يا إلهي، لقد ساعدتني على الخروج من ورطات وقعت فيها. ولكن ~~من المؤسف أنها محبوسة داخل تلك المقبرة مع كل أولئك الأموات. يجب ~~أن يكون لديها زوج يكون رجلا بمعنى الكلمة. إنها متزوجة من جثة ~~حية.».» # توردت أوليفيا خجلا. ثم قالت: «لا يحق له التحدث بتلك ~~الطريقة.» ~~«لو كان بإمكانك سماعه وهو يتحدث، لعرفت أن ما قاله ليس من ~~منطلق عدم الاحترام؛ وإنما لأنه متيم بك. فمن شأنه أن يقبل ~~الأرض التي تمشين عليها.» وأضاف، وهو يطأطئ رأسه: «يقول إنه من ~~المؤسف أن تحبس فرس أصيلة مثلك في منزل عائلة بينتلاند. يجب ~~ألا تنزعجي من الطريقة التي قال بها ذلك. فهو مربي خيول ولذلك ~~يرى مثل هذه الأمور في ضوء الحقيقة.» # حينئذ أدركت ما كان أوهارا قد أخفق في فهمه -وهو أن هيجينز كان ~~يتناول مأساة ابنها، ابن كان ينبغي ms199 أن يكون قويا ومفعما ~~بالحيوية، مثل جان . وراودتها فكرة جامحة؛ هي أنها ربما لا يزال من ~~الممكن أن ترزق بابن قوي، من أب كأوهارا، ابن من شأنه أن يكون ~~وريثا لعائلة بينتلاند ولكن دون أن يحمل وصمة العائلة. ربما ~~تقترف ما اقترفته سافينا بينتلاند من قبل. ولكنها رأت على الفور ~~إلى أي مدى كانت هذه الفكرة سخيفة؛ لأن آنسون سيعرف جيدا أن ~~الطفل ليس ابنه. # امتطيا حصانيهما بتمهل وفي صمت بينما ظلت أوليفيا تجول ~~وتجول بأفكارها بسأم عبر المتاهة المظلمة والمتشابكة التي وجدت ~~نفسها فيها. بدا أنه لا سبيل للخروج منها. كانت محاصرة وحبيسة ~~سجن، في نفس اللحظة التي جاءتها فيها فرصة للسعادة. # وخرجا فجأة من الأجمة إلى الطريق المؤدي إلى منزل عائلة ~~بينتلاند والمار من أمام منزل العمة كاسي الذي كان أشبه بمقصورة ~~مراقبة، وبينما كانا يمران من البوابة، رأيا سيارة العمة كاسي ~~العتيقة تتوقف على جانب الطريق. ولكن السيدة المسنة لم يكن لها ~~أثر، ولكن على وقع الحوافر خرجت الآنسة بيفي بجسدها البدين ووجهها ~~السخيف من بين الشجيرات على جانب الطريق، وقد تأبطت تحت ذراعيها ~~الممتلئتين حزما كبيرة من عشب ما. # ألقت التحية على أوليفيا وأومأت برأسها لأوهارا. وصاحت قائلة: ~~«كنت أجمع النعناع البري من أجل قططي. إنه ينمو جيدا وبكثافة ~~في الأرض الرطبة بالقرب من الينبوع.» # ابتسمت أوليفيا ... ابتسامة أوجعتها وجعا محسوسا ... وواصلا ~~سيرهما وقد أدركا أن عيني الآنسة بيفي الفيروزيتين تتبعانهما. ~~كانت تعرف أن الآنسة بيفي حمقاء وبريئة للغاية لدرجة أنها لن تشك ~~في أي شيء، ولكنها، بلا أدنى شك، ستذهب مباشرة إلى العمة كاسي ~~بوصف تفصيلي عن اللقاء. فحياة الآنسة بيفي كانت غير مليئة بالأحداث ~~ولقاء كهذا كان يحتل أهمية كبرى. وستجمع منها العمة كاسي جميع ~~التفاصيل الصغيرة والكبيرة، مثل حقيقة أن أوليفيا بدت وكأنها كانت ~~تبكي. # التفتت أوليفيا إلى أوهارا. وقالت: «الآنسة بيفي المسكينة ليست ~~خبيثة؛ ولكنها حمقاء، وهذا أخطر بكثير.» # | الفصل التاسع # 1 # مع اقتراب شهر أغسطس من نهايته، لم يعد هناك أدنى ms200 شك في ~~«تدهور» حالة العمة كاسي؛ وهو ما أكده الصمت التام الذي أحاطت به ~~حالتها الصحية. فعلى مدار أربعين عاما، كان المرء يناقش الحالة ~~الصحية للعمة كاسي مثلما يناقش حالة الطقس؛ باعتباره شيئا له ~~حضور دائم في وعي المرء ولا يمكنه أن يفعل شيئا بشأنه، أما الآن ~~فقد توقفت العمة كاسي فجأة عن الحديث عن صحتها بأي شيء. بل وتخلت ~~أيضا عن عادتها المتمثلة في التجول سيرا على الأقدام وعمدت إلى ~~إجراء جولات زياراتها بالسيارة الصاخبة التي كانت تعارض ركوبها ~~إلى حد الخوف والكره؛ وصارت تعتمد أكثر فأكثر على صحبة ومعونة ~~الآنسة بيفي النشيطة. وبزعم الخوف من اللصوص، كانت قد جعلت الآنسة ~~بيفي تنقل الفراش إلى الغرفة المجاورة لغرفتها وتركت الباب ~~بينهما مفتوحا. اكتشفت أوليفيا أنها أصيبت بخوف شبه مرضي من ~~أن تترك بمفردها. # وهكذا أضيفت وطأة إحباط إصابة فرد من العائلة بعلة أخرى إلى ~~العبء الثقيل الذي خلفته وفاة جاك وحزن جون بينتلاند. وزادت ~~مهمة تبديد سحابة الكآبة التي خيمت على المنزل العتيق أكثر وأكثر ~~من ثقل العبء الملقى على عاتق أوليفيا. ظل آنسون كالمعتاد ~~غير مبال بأي تغيرات في الحياة من حوله، يعيش حياته فعليا ~~في الماضي بين أكوام الأوراق البالية، رجلا كان حاله أقرب إلى ~~انعدام العاطفة والحيوية من أن يكون قاسيا؛ لأن طبيعته لم تكن ~~تتسم بالحيوية أو اليقظة؛ وإنما بجمود شديد فحسب، وتفتقر إلى ~~أي حماس. وكان من المستحيل اللجوء إلى سابين، التي بدت على نحو ~~غريب باردة ومنفصلة عن الواقع مثل آنسون؛ بدت وكأنها تقف على ~~مسافة بعيدا عنهم، تنتظر، وتراقبهم جميعا، حتى أوليفيا نفسها. ~~وبالطبع، كان من المستبعد تماما أن تعكر صفو سعادة سيبيل ~~باللجوء إليها طلبا للدعم. # كان هناك على الأقل أوهارا، الذي زاد تردده على منزل عائلة ~~بينتلاند، بعد أن تمت الزيارة الأولى وأذيب الجليد. التقى به ~~آنسون ذات مرة في الرواق، ببرود؛ ولكنه كان قد صار على علاقة ودية ~~للغاية مع جون بينتلاند العجوز. كانا يتمتعان باهتمام مشترك ~~بالخيول والكلاب ms201 والماشية؛ وإذ كان أوهارا، الذي ولد في أحياء ~~بوسطن الفقيرة، لا يعرف سوى القليل جدا عن أي من هذه ~~الموضوعات، فلعله وجد النبيل العجوز مصدرا قيما للمعلومات. ~~وقال لأوليفيا: «ما كنت لآتي إلى المنزل لولاك. لا أطيق فكرة ~~وجودك هنا ... وحدك دائما ... مهمومة دائما.» # وفي الأمسيات، بينما كانوا يلعبون البريدج أو يستمعون إلى ~~موسيقى جان، كانت أحيانا تضبطه يراقبها وفي عينيه نظرة الإعجاب ~~المعهودة، وكأنه يقول لها إنه على استعداد ليدعمها مهما ~~حدث. # وبعد أسبوع على اللقاء بالآنسة بيفي عند حوض النعناع البري، أتى ~~بيترز إلى غرفة أوليفيا في وقت متأخر من فترة ما بعد الظهيرة ~~ليقول لها، بنبرة هي مزيج غريب من الاحترام والائتمان على سر: ~~«لقد مرض مرة أخرى، يا سيدة بينتلاند.» # عرفت ما كان بيترز يقصده؛ إذ كانت هذه أشبه بشفرة بينهما ... فقد ~~استخدمت العبارة نفسها مرات عديدة من قبل. # توجهت بسرعة إلى غرفة المكتبة الضيقة الشاهقة التي فاحت منها ~~رائحة الكلاب والتفاح ودخان الخشب، وهي تعلم جيدا ما كانت بصدد أن ~~تجده هناك؛ وما إن فتحت الباب حتى رأته، مستلقيا يغط في النوم ~~على الكرسي الجلد الضخم. كانت رائحة الويسكي الخفيفة - وهي رائحة ~~صارت منذ وقت طويل تملؤها دوما بالذعر - عالقة في الجو، وعلى ~~المكتب الماهوجني وضعت ثلاث زجاجات ويسكي، كل زجاجة منها شبه ~~فارغة. نام نوما هادئا، بذراع ملقاة على صدره، والأخرى متدلية ~~إلى الأرضية، حيث استقرت الأصابع النحيلة بإنهاك على السجادة ~~التركية الحمراء. كان ثمة شيء طفولي في حالة السكينة التي كانت ~~تحيط به. بدا لأوليفيا أنه كان الآن متحررا من المتاعب التي كانت ~~منذ زمن بعيد قد تركت أثرها في الخطوط الجامدة والقاسية للوجه ~~المسن. كانت الخطوط قد زالت، تلاشت بطريقة أو أخرى، غمرها الهدوء ~~الشديد الذي اتسم به هذا الموت الظاهري. لعله لم يكن يغط في ~~نوم هادئ، بلا أحلام مزعجة، إلا هكذا. ولم يكن يهرب أبدا إلا ~~هكذا. # وقفت عند المدخل تراقبه لبعض الوقت، في هدوء، ثم التفتت ~~وقالت لبيترز: «هلا ms202 أخبرت هيجينز؟» وما إن مرت عبر الباب حتى ~~أسدلت الستائر القطيفة الحمراء اللون، لتحجب أشعة شمس ~~الأصيل. # جاء هيجينز، كما فعل من قبل مرات كثيرة، ليغلق الباب ويجلس في ~~الغرفة، بل ولينام على الأريكة الجلدية البالية، إلى أن يستيقظ جون ~~بينتلاند ببطء وينظر حوله ذاهلا، ليكتشف أن سائسه جالس في ~~الغرفة نفسها، يلمع لجاما أو زوجا من أحذية ركوب الخيل. لم ~~يكن الرجل الضئيل البنية يجلس بلا عمل أبدا. ففي قرارة نفسه كان ~~شيء ما يطالبه بالعمل: يجب أن يفعل شيئا دوما. وهكذا، عقب هذه ~~الأوقات الكئيبة، ظلت رائحة جديدة عالقة لأيام في أجواء المكتبة ~~... الرائحة المنعشة والفواحة والنضرة للجلد وصابون السرج. ~~••• # لمدة يومين مكث هيجينز في المكتبة، لا يغادرها أبدا إلا ~~لتناول الوجبات، ولمدة يومين لم تتلق السيدة العجوز بالجناح ~~الشمالي أي زيارات. وباستثناء هذه الغرفة الوحيدة، لم يكن ثمة ~~أي دليل على أي تغيير في نظام الحياة داخل منزل عائلة بينتلاند. ~~ففي المساء، كان جان، جاهلا لما كان قد حدث، يأتي إليهم للعب ~~الورق. ولكن سابين عرفت؛ وكذلك، العمة كاسي، التي لم تطرح أسئلة ~~مطلقا بخصوص الغياب الغامض لأخيها خشية أن تقال لها الحقيقة. ~~وكعادته، لم يلاحظ آنسون شيئا. جاء التغيير الحقيقي الوحيد على ~~هيئة ظهور مفاجئ للعبوس وحدة الطبع على الآنسة إيجان. إذ ~~صارت الممرضة التي لا غنى عنها تتشاجر حتى مع الطباخ، وتعاملت ~~بفظاظة مع أوليفيا، التي قالت في نفسها: «ماذا سيحدث بعد ذلك؟ ~~سأضطر إلى البحث عن ممرضة جديدة.» # وفي مساء اليوم الثالث، بعد تناول العشاء مباشرة، فتح هيجينز ~~الباب ومضى يبحث عن أوليفيا. # قال: «عادت صحة السيد المسن على ما يرام. ذهب ليغتسل ويود أن ~~يقابلك في المكتبة بعد نصف ساعة.» # وجدته هناك، جالسا على المكتب الماهوجني الكبير، مغتسلا ~~ومتأنقا في ثياب كتانية نظيفة؛ ولكنه بدا هرما ومجهدا ~~جدا، وخلف سمرة الوجه الجامد، كان ثمة شحوب جعله يبدو ممتقعا. ~~كان من عادته ألا يتحدث مطلقا عن هذه الأوقات الحزينة، وأن ~~يتصرف دوما كما لو ms203 أنه كان مسافرا ليوم أو يومين ويرغب في ~~سماع ما حدث أثناء فترة غيابه. # تطلع إليها وقال بجدية: «أردت أن أتحدث إليك يا أوليفيا. لم ~~تكوني منشغلة، أليس كذلك؟ لم أزعجك، أليس كذلك؟» # أجابت: «بلى. لست منشغلة بشيء مهم ... جان وتيريز هنا مع سيبيل. ~~... هذا كل ما في الأمر.» # كرر قائلا: «سيبيل. سيبيل ... إنها في غاية السعادة هذه الأيام، ~~أليس كذلك؟» أومأت أوليفيا برأسها بل وابتسمت قليلا بطريقة ودودة ~~ومتفهمة، فأضاف قائلا: «حسنا، يجب ألا نفسد عليها سعادتها. ~~يجب ألا نسمح لأي شيء بأن ينال منها.» # لمعت عينا أوليفيا. وكررت قوله: «أجل؛ يجب ألا نفعل.» ثم أردفت ~~قائلة: «إنها فتاة ذكية ... وهي تعرف ما الذي تريده من الحياة، وهنا ~~يكمن السر كله. فمعظم الناس لا يعرفون أبدا حتى فوات ~~الأوان.» # أعقب هذا الحديث صمت، بليغ للغاية، زاخر بالكثير من الأشياء غير ~~المعلنة، وجعل أوليفيا تشعر بعدم الارتياح. ~~«أردت أن أتحدث معك بخصوص ...» تردد للحظة، ولاحظت أنه أسفل ~~حافة المكتب كانت يداه مقبوضتين بشدة بالغة لدرجة أن البراجم ~~النحيلة برزت من تحت الجلد الأسمر. تشجع وواصل حديثه قائلا: «أريد ~~أن أتحدث معك عن أشياء كثيرة جدا.» ثم أضاف فجأة: «أولا وقبل ~~كل شيء، ها هي وصيتي.» # فتح درج المكتب وأخرج حزمة أوراق، وفصلها بحرص إلى رزم صغيرة قبل ~~أن يتحدث مجددا. بدا الإنهاك في كل حركاته. ثم قال: «لقد أجريت ~~بعض التعديلات. تعديلات يجب أن تعرفي بشأنها ... وثمة أمر أو ~~أمران آخران.» نظر إليها بعينين قابعتين أسفل حاجبين أشعثين ~~محتدين قائلا: «كما تلاحظين، ليس أمامي وقت طويل لأعيشه. وليس ~~لدي سبب يجعلني أتوقع أنني سأعيش إلى الأبد وأريد أن أترك ~~الأمور مرتبة ترتيبا مثاليا، كما كانت دوما.» # رأت أوليفيا، التي جلست ملتزمة الصمت، أن الحوار صار فجأة ~~موجعا. مع كل كلمة شعرت بأن سورا يرتفع حولها، ويعزلها، بينما ~~واصل الرجل المسن حديثه بهدوء موجع، وبطريقة متسمة باليقين ~~بأن مشيئته ستطاع في موته كما كانت دوما في حياته. ~~«بداية، ستكونون جميعا أثرياء ms204 جدا ... أثرياء جدا ... بثروة ~~تتعدى ستة ملايين دولار . وهي أموال خالصة، يا أوليفيا ... أموال لم ~~تجن بالمقامرة، وإنما وفرت وضوعفت بالعيش بحرص. فعلى مدار ~~خمسة وسبعين عاما، صار تقليدا في العائلة أن تعيش على عائد ~~دخلها. استطعنا أن نفعل ذلك بشكل أو آخر، وفي النهاية صرنا ~~أثرياء ... أثرياء جدا.» # أثناء حديثه، ظل يلمس الأوراق بأصابعه في عصبية موزعا ~~إياها في رزم صغيرة منظمة، ثم مرتبا إياها ومعيدا ~~ترتيبها. ~~«وكما تعرفين، يا أوليفيا، سيظل المال محفوظا بطريقة تمنع ~~إنفاق رأس المال الأساسي مطلقا. وسيستطيع أحفاد سيبيل أن ينعموا ~~بجزء منه ... هذا إن بلغت بكم الحماقة أن تتركوه لهم على تلك ~~الحال.» # تطلعت إليه أوليفيا فجأة. وأردفت قائلة: «ولكن لماذا أنا؟ ما ~~علاقتي أنا بهذا؟» ~~«هذا ما أنا بصدد توضيحه يا عزيزتي أوليفيا ... هذا لأنني سأترك ~~الثروة بأكملها لك.» # وفجأة شعرت بشدة بأنها لا ترغب في أي من هذا. تملكتها رغبة ~~سريعة وحماسية بالإمساك بجميع الرزم الورقية المرتبة وإحراقها ~~كلها وتقطيعها إلى قصاصات صغيرة وإلقائها من النافذة. # ردت قائلة: «لا أريدها! لماذا تتركها لي؟ أنا نفسي ثرية. أنا ~~لا أريدها! أنا لا أنتمي إلى عائلة بينتلاند ... هذه ليست أموالي. لا ~~علاقة لي بها.» رغما عنها، ظهرت نبرة استياء منفعل في ~~صوتها. # رفع حاجبيه الأشعثين قليلا في نظرة دهشة. # وسألها: «لمن أتركها إذن، إن لم يكن لك؟» # بعد لحظة، قالت: «عجبا، آنسون ... لآنسون، على ما أظن.» ~~«أحقا تظنين هذا؟» ~~«هذه أمواله هو ... أموال عائلة بينتلاند ... وليست أموالي. لدي كل ~~ما أحتاجه من المال بل وأكثر من حاجتي.» # نظر إليها بحدة قائلا: «إنها لك يا أوليفيا ... أنت تنتمين ~~إلى عائلة بينتلاند أكثر من آنسون نفسه، بصرف النظر عن الدم ... بصرف ~~النظر عن الاسم. أنت تنتمين إلى عائلة بينتلاند أكثر من أي ~~منهم. إنها أموالك بموجب كل حق وبصرف النظر عما يمكنك ~~فعله.» ~~(قالت أوليفيا في نفسها: «ولكن آنسون لا ينتمي إلى عائلة ~~بينتلاند، ولا أنت أيضا.») ~~«إنك أنت الجديرة بالثقة، والتي تتسمين بالحرص، والجديرة ms205 ~~بالاحترام، يا أوليفيا. إنك أنت من تتحلين بالقوة . عندما ~~أموت، ستكونين أنت كبيرة العائلة ... بالتأكيد، تعرفين ذلك ... ~~بالفعل.» ~~(قالت أوليفيا في سريرتها: «أنا. أنا الطائشة، التي تخطط ~~لخيانتكم جميعا ... أنا كل هذا!») ~~«إذا تركتها لآنسون، ستهدر، ستبدد على أفكار حمقاء. فليس ~~لديه أدنى فكرة عن العمل التجاري ... بعقل آنسون بعض العته ... إنه ~~غريب الأطوار. من شأنه أن يهب هذه الأموال إلى البعثات التبشيرية ~~واللجان الغريبة ... والجمعيات التي تتدخل في شئون الناس. وليس ~~لهذا جمعت هذه الثروة. كلا، لن أسمح بتبديد أموال عائلة ~~بينتلاند على هذا النحو ...» # سألته أوليفيا: «وأنا، كيف لك أن تعلم ما سأفعله بها؟» # ابتسم برفق ومودة. وأردف قائلا: «أعلم ما ستفعلينه بها؛ ~~لأنني أعرفك يا عزيزتي، أوليفيا ... ستبقينها في الحفظ والصون. ... ~~أنت الأكثر انتماء إلى عائلة بينتلاند. لم تكوني كذلك حين جئت ~~هنا، لكنك كذلك الآن. أقصد أنك تتبعين التقليد الأعظم لآل ~~بينتلاند ... الأجداد المعلقة صورهم في الردهة. أنت الوحيدة ~~المتبقية ... فسيبيل صغيرة جدا في السن. هي لا تزال مجرد طفلة ... ~~حتى الآن.» # لاذت أوليفيا بالصمت، ولكن وراء هذا الصمت كان ينهمر سيل جارف ~~من الأفكار المتمردة المبيتة. إذن الانتماء إلى عائلة ~~بينتلاند لم يكن مسألة صلة دم؛ وإنما فكرة، بل ونموذج يحتذى به. ~~قالت في سرها بمرارة: «أنا لست من آل بينتلاند. لا أزال مفعمة ~~بالحياة. ولي كياني الخاص. ولم يستحوذ علي العدم. لم تغيرني ~~كثيرا كل هذه السنوات. لم يجعلوني من آل بينتلاند.» ولكن جراء ~~شعورها بالإشفاق، لم تستطع أن تتفوه بأي مما دار في خلدها. ~~وإنما قالت: «كيف لك أن تعلم ما سأفعله بها؟ كيف لك أن تعرف أنني ~~لن أبذرها في إسراف - أو - أو حتى ألوذ بالفرار، وآخذ معي كل ما ~~هو متاح. لا أحد يستطيع أن يمنعني - لا أحد.» # لم يفعل شيئا سوى أنه كرر ما قاله من قبل، ولكن قالها ببطء ~~أكبر هذه المرة، كما لو أنه أراد أن يؤثر فيها. ردد قائلا: ~~«أعلم ماذا ستفعلين بها يا أوليفيا، لأنني أعرفك ms206 يا عزيزتي، ~~أوليفيا؛ لن تقترفي أبدا حماقة أو شيئا معيبا - أعرف ذلك - ~~ولهذا السبب أثق بك.» # وعندما لم تجبه، سألها: «ستقبلين تنفيذ الوصية، أليس كذلك، يا ~~أوليفيا؟ سيعينك فيها محام كفء ... واحد من أكفأ المحامين ... جون ~~مانرينج. سيسعدني هذا يا أوليفيا، وسيجعل العالم يعرف رأيي فيك، ~~وما كنت تمثلينه لي طوال كل هذه السنوات ... كل ما عجز آنسون عن ~~أن يكونه ... وما عجزت عنه أيضا أختي، كاسي.» وانحنى إلى الأمام ~~على المكتب، ولمس يدها البيضاء برفق. وقال: «ستقبلين يا ~~أوليفيا؟» # كان من المستحيل أن ترفض، من المستحيل حتى أن تواصل الاعتراض ~~أكثر من ذلك، من المستحيل أن تقول إنه في تلك اللحظة بالذات كانت ~~تريد أن تهرب، أن تلوذ بالفرار فحسب، أن تتركهم إلى الأبد، بعد أن ~~صارت سيبيل في أمان. أشاحت بناظريها بعيدا وقالت بصوت خفيض: ~~«أجل.» # كان من المستحيل أن تتخلى عنه الآن ... بعد أن صار عجوزا ~~منهكا. كانت الرابطة التي تجمعهما قوية للغاية؛ وقد كانت موجودة ~~منذ وقت طويل جدا، منذ أول يوم دخلت فيه بيت عائلة بينتلاند ~~بصفتها عروس آنسون وأدركت أنها تكن الاحترام للأب، وليس للابن. ~~نوعا ما، كان قد فرض هو عليها قدرا من سلطته الأبوية القاسية. ~~بدا لها أنها محاصرة في حين كانت في قرارة نفسها تنوي الفرار؛ كما ~~كانت خائفة من الفكرة التي كانت لا تنفك تراودها بأنها ربما ~~صارت، في نهاية المطاف، واحدة من آل بينتلاند ... قاسية، حريصة، ~~متحفظة، تتجرع قدرا من المرارة، وتفتقر حياتها إلى الحماس ~~والبهجة، ومولعة بتقديس إله فظ، متلون، خفي، يطلق عليه ~~الواجب. ظلت تفكر في تعليق سابين الساخر عن «خصال الطبقة الوسطى ~~الدنيا التي تتسم بها عائلة بينتلاند» ... الافتقار إلى الحماس، ~~الافتقار إلى الفخامة، وإلى النبل. ورغم ذلك، كان هذا العجوز ~~الشرس نبيلا، بطريقة غريبة ... حتى سابين أدركت ذلك. # عاد يتحدث مجددا. قال: «لم يترك لك أمر المال فحسب ... ~~فلديك أيضا سيبيل التي لا تزال أصغر سنا من أن يطلق لها ~~العنان ...» # قالت أوليفيا بعناد رزين: ms207 «كلا، ليست صغيرة جدا. لها مطلق ~~الحرية في أن تفعل ما تشاء. حاولت أن أجعلها أكثر حكمة مني حين ~~كنت في نفس عمرها ... ربما أكثر حكمة مما كنت في أي يوم من ~~الأيام ... حتى في الوقت الحاضر.» ~~«لعلك محقة، يا عزيزتي. لقد كنت كذلك مرات كثيرة جدا ... ~~والأمور ليست كما كانت على أيامي ... بالتأكيد ليست كما كانت فيما ~~يخص الفتيات الصغيرات.» # أمسك الأوراق مرة أخرى، وأخذ يقلب فيها بطريقة غريبة ~~ومتوترة، تتعارض جدا مع أسلوبه الصارم والحازم المعتاد. ~~وخطرت لها لمحة تبصر أوحت لها بأنه كان يتصرف على هذا النحو؛ ~~لأنه أراد أن يتحاشى النظر إليها. كانت تكره الأسرار وفي تلك ~~اللحظة كانت خائفة من أن يكون على وشك أن يخبرها بأشياء كانت ~~تفضل ألا تسمعها أبدا. كانت تكره الأسرار ومع ذلك بدت من ~~الأشخاص الذين يجذبون الأسرار إليهم دوما. # واصل حديثه قائلا: «لنستبعد سيبيل من هذا، فلدينا الآنسة ~~هادون العجوز الغريبة الأطوار التي تعيش في دورهام، التي، كما ~~تعلمين، كنا نعتني بها لسنوات؛ ولدينا كاسي، التي تشيخ وتزداد ~~اعتلالا، على ما أظن. لا يمكننا أن نتركها للآنسة بيفي المحدودة ~~الذكاء. أعرف أن أختي كاسي كانت عبئا عليك ... ما برحت أن كانت ~~عبئا علي، طيلة حياتي.» ابتسم ابتسامة متجهمة. قائلا: ~~«أظن أنك تعرفين ذلك ...» ثم قال بعد أن سكت لبرهة: «ولكن الأهم ~~من ذلك كله، لدينا زوجتي.» # اتخذ صوته نبرة غريبة وغير طبيعية، كانت خالية تماما من ~~المشاعر. صار أشبه بصوت صادر عن شخص أصم لم يسمع مطلقا ~~الأصوات الصادرة عنه. # أردف قائلا: «لا أستطيع أن أتركها بمفردها. بمفردها ... دون أحد ~~يعتني بها عدا ممرضة مدفوعة الأجر. لا يسعني أن أموت وأنا أعرف ~~أنه لا أحد يفكر فيها ... باستثناء الآنسة إيجان الكفء التعسة ... ~~الغريبة عنها. كلا يا أوليفيا ... لا يوجد أحد سواك ... لا يوجد ~~أحد يمكنني أن أثق به.» نظر إليها بحدة. وأردف قائلا: «هل ~~ستعدينني بأن تعتني بها دوما ... ولن تسمحي لهم بأن يتخلصوا ~~منها؟ هل ستعدينني بذلك؟» # شعرت ms208 مرة أخرى بأنها محاصرة. قالت: «بالطبع. بالطبع، سأعدك ~~بذلك.» وماذا كان عساها أن تقول غير ذلك؟ # أضاف، وهو يشيح بنظره بعيدا عنها مرة أخرى، قائلا: «لأنني ... ~~لأنني مدين لها بذلك ... حتى بعد موتي. لن أرتاح لو حبست في مكان ~~ما ... وسط غرباء. ما أريد أن أقوله إنه ... ذات مرة ... ذات مرة ...» ثم ~~توقف فجأة عن الحديث، كما لو أن ما كان على وشك أن يقوله لا ~~يحتمل. # تغير الشعور بالارتباك لدى أوليفيا إلى شعور حقيقي بالرعب. ~~أرادت أن تصرخ قائلة: «توقف! لا تواصل الحديث!» ولكن حدسا ~~ما أنبأها بأنه ينوي الاستمرار في الحديث حتى النهاية، حديثا ~~مؤلما، بصرف النظر عن أي شيء يمكنها فعله. # قال بنبرة هادئة تماما: «إنه أمر غريب، لكن يبدو أنه لم يبق ~~سوى النساء ... لا رجال ... لأن آنسون في الواقع امرأة عجوز.» # وبنبرة هادئة وحازمة، وكأنها نبرة رجل جالس أمام كاهن اعتراف، ~~واصل حديثه معها كما لو كانت خفية، مجهولة، مخلوقة أشبه بآلة، ~~قائلا: «وبالطبع، هوراس بينتلاند مات، ولذا لم نعد بحاجة إلى ~~التفكير فيه ... ولكن لدينا السيدة سومز ...» سعل وبدأ مجددا يفرك ~~أصابعه النحيلة الهزيلة، كما لو أن ما يتعين عليه قوله كان يخرج ~~من أعماق روحه بمعاناة شديدة. كرر قائلا: «لدينا السيدة سومز. ~~أعرف أنك تتفهمين وضعها يا أوليفيا ... وأنا ممتن لك لأنك ~~كنت لطيفة وعطوفة في مواقف ما كان أحد من الآخرين سيتصرف فيها ~~هكذا. يخيل إلي أننا كنا موضوعا تلوكه الألسن في حي بيكون ~~هيل وشارع كومنويلث أفانيو، ببوسطن على مدار ثلاثين عاما ... ولكن ~~أنا لا أكترث بذلك. لقد كانوا يراقبوننا ... وكانوا يعرفون في كل ~~مرة أصعد فيها درجات منزلها الحجري البني ... وحتى الساعة التي ~~وصلت فيها والساعة التي غادرت فيها. الناس في عالمنا لهم عيون، ~~يا أوليفيا، حتى في مؤخرة رءوسهم. يجب أن تتذكري هذا، يا عزيزتي. ~~إنهم يراقبونك ... ويلاحظون كل شيء تفعلينه. إنهم يكادون يعرفون ~~ما تفكرين فيه ... وحين لا يعرفونه، يختلقونه. تلك إحدى ~~العلامات على عالم معتل متدهور ... وهي ms209 أنهم يعيشون حياة ~~الآخرين ... بالترصد ومراقبة حياتهم ... وأنهم يعيشون دوما في ~~الماضي. وذلك هو السبب الوحيد الذي جعلني أشعر بالأسف على هوراس ~~بينتلاند ... السبب الوحيد الذي جعلني أشعر بالتعاطف معه. كان من ~~القسوة أنه ولد في مكان كهذا.» # كانت المرارة تقطر كحمض من الحديث بأكمله، وعبر نبرة صوته ~~ذاتها. وتأججت تلك المرارة في العينين السوداوين الشرستين ~~اللتين لم تكن النار قد خمدت فيهما بعد. اعتقدت أوليفيا أنها تراه ~~لأول مرة الآن بكامل حقيقته، دون أن يخفي شيئا. وبينما كانت ~~تستمع إليه، بدأت سحابة الغموض القديمة التي كانت دوما تحجبه ~~عنها تنقشع مثلما ينقشع الضباب عن الأهوار في الصباح الباكر. ~~رأته الآن على حقيقته ... رجلا بالغ الرجولة، موجوعا، صافي ~~الذهن، وأكثر إنسانية من بقيتهم، لم يفصح عن مكنونات نفسه قط ~~ولو للحظة. ~~«ولكن بخصوص السيدة سومز ... إذا حدث لي أي شيء يا أوليفيا ... إذا ~~قدر لي أن ألقى حتفي قبلها، أريدك أن تكوني لطيفة معها ... ~~من أجلي ومن أجلها. لقد كانت صبورة وكريمة معي طويلا جدا.» بدا ~~أن المرارة كانت الآن تزول قليلا من صوته، لتحل محلها ~~حماسة متأججة. تابع حديثه قائلا: «لقد كانت كريمة معي ... كانت ~~دوما متفهمة يا أوليفيا، حتى قبل أن تأتي أنت إلى هنا لتمدي ~~إلي يد العون. أنت وهي يا أوليفيا، جعلتما حياتي تستحق العيش. ~~لقد كانت صبورة ... أكثر صبرا مما تعرفين. لا بد أنني أحيانا جعلت ~~حياتها جحيما ... ولكنها كانت موجودة دوما، مترقبة، مفعمة ~~بالرفق والتعاطف. لقد كانت معتلة أغلب فترة معرفتك بها ... عجوز ~~ومعتلة. لا يمكنك أن تتخيلي إلى أي مدى كانت فيما مضى ~~جميلة.» # قالت أوليفيا برقة: «أعرف ذلك. أذكر أنني رأيتها حين دخلت ~~منزل عائلة بينتلاند لأول مرة ... كما أن سابين أخبرتني.» # بدا أن ذكر اسم سابين أثار حفيظته فجأة. اعتدل في جلسته وقال: ~~«لا تفرطي في الثقة في سابين يا أوليفيا. إنها واحدة منا، في ~~نهاية المطاف. إنها تشبه أختي كاسي كثيرا ... تشبهها أكثر مما ~~يمكنك أن تتخيلي. ولهذا السبب تكره ms210 إحداهما الأخرى هكذا. ~~إنها ما بداخل كاسي مجسدا ، إن جاز التعبير. كلتاهما يمكن أن ~~تضحي بكل شيء من أجل تأجيج مشكلة أو فاجعة من شأنها أن تثير ~~اهتمامهما. إنهما تعيشان ... حياة الآخرين.» # كان من شأن أوليفيا أن تقاطعه، لتدافع عن سابين وتخبره بالشيء ~~الحقيقي الوحيد الذي حدث لها ... الحب المأساوي لزوجها؛ كان من ~~شأنها أن تخبره بكل الأسرار الخطيرة وغير المترابطة التي أسرت ~~بها سابين إليها؛ ولكن الرجل المسن لم يتح لها أي فرصة. بدا ~~فجأة وكأنه صار ممسوسا، عازما بشدة على أن يبوح لها بمكنون ~~صدره من كل الخبايا التي ظل يخفيها طويلا جدا. ~~(وظلت تقول في نفسها: «لماذا يجب أن أعرف كل هذه الأشياء؟ ~~لماذا يجب علي أن أتحمل العبء؟ لماذا عثرت على تلك الخطابات ~~التي ظلت في مأمن ومخبأة طويلا جدا؟») # عاد يتحدث بنبرة هادئة، وهو لا يزال يفرك أصابعه النحيلة ~~بحركة متوترة عقيمة. قال: «ما أريد أن أقوله، يا أوليفيا ... ما ~~أريد أن أقوله، إنها تتعاطى المخدرات الآن ... ولا طائل من ~~محاولة شفائها. إنها مسنة الآن، والأمر حقا لا يهم. الأمر ~~ليس كما لو كانت صغيرة في السن ولا تزال الحياة كلها ~~أمامها.» # ودون تفكير تقريبا، ردت أوليفيا: «أعرف ذلك.» # رفع بصره إليها سريعا. وسألها بحدة: «تعرفين؟ وكيف عرفت ~~هذا؟» ~~«سابين أخبرتني.» # عاد يطأطئ رأسه. وقال: «أوه، سابين! طبعا! إنها خطيرة. إنها ~~تعرف أكثر من اللازم عما يجري في العالم. لقد عرفت عددا ~~كبيرا جدا من الأشخاص غريبي الأطوار.» ثم كرر مرة أخرى ما ~~قاله قبل أشهر بعد انتهاء الحفل الراقص قائلا: «ما كان ينبغي أن ~~تعود إلى هنا أبدا.» # وفي خضم الحديث الغريب والمفكك، تناهى إلى مسامعهما صوت ~~الموسيقى الآتية من غرفة الجلوس البعيدة. في البداية، لم يسمعها ~~جون بينتلاند، الذي كان يعاني من بعض الصمم، ولكن بعد قليل ~~اعتدل في جلسته، يستمع، والتفت إليها متسائلا: «هل ذلك هو ~~الشاب المعجب بسيبيل؟» ~~«أجل.» ~~«هو فتى لطيف، أليس كذلك؟» ~~«فتى لطيف جدا.» # وبعد فترة من الصمت، ms211 سألها: «ما اسم الأغنية التي ~~يعزفها؟» # لم تستطع أوليفيا أن تمنع نفسها من الابتسام. وأجابته قائلة: ~~«إنها تدعى «أنا واقع في الحب مرة أخرى وقد جاء الربيع (آم إن ~~لوف أجين أند ذا سبرينج إز كامينج).» لقد أحضرها جان من باريس. ~~ألفها صديق له ... ولكن الأسماء لم تعد ذات مغزى في الموسيقى. ~~لا أحد يستمع إلى الكلمات.» # للحظة اكتست ملامح وجهه بلمحة بهجة خاطفة. وعلق قائلا: ~~«للأغاني أسماء غريبة هذه الأيام.» # كان من شأنها أن تفر، حينئذ، مغادرة المكان في هدوء. ~~تململت في جلستها، بل همت بإشارة بأنها تريد المغادرة، ولكنه ~~رفع يده بطريقته المعهودة، مما جعلها تشعر بأنها يجب عليها أن ~~تطيعه كما لو كانت طفلة. ~~«ثمة أمر أو أمران آخران يجب أن أخبرك بهما، يا أوليفيا ... ~~أمران سيساعدانك في فهم الأمور. لا بد أن يعرفهما شخص ما. شخص ~~ما ...» توقف فجأة وبذل مجددا مجهودا مضنيا ليواصل الحديث. ~~برزت العروق بحدة على صدغيه. # تابع حديثه، مشيرا بالإشارة الحتمية ناحية الجناح الشمالي، ~~قائلا: «الأمر متعلق بها في المقام الأول. لم تكن على تلك ~~الحال دوما. ذلك ما أريد أن أوضحه. ما أريد أن أقوله إننا ... ~~تزوجنا عندما كان كلانا في سن صغيرة جدا. كان أبي هو من ~~أراد ذلك. كنت في العشرين من عمري وهي كانت في الثامنة عشرة. كان ~~أبي يعرف عائلتها على الدوام. كانوا أبناء عمومة لنا، بصورة ~~أو أخرى، مثلما كانوا أبناء عمومة لسابين. كان أبي يدرس مع ~~والدها في نفس المدرسة وكانا ينتميان إلى النادي نفسه وكانت هي ~~ابنة وحيدة من المحتمل أن ترث ثروة كبيرة. إنها قصة قديمة، ~~كما ترين، ولكنها مألوفة نوعا ما في عالمنا ... وكل هذه الأشياء ~~كان لها اعتبارها، وفيما يخصني، لم يكن لي قبلئذ أي علاقة ~~بالنساء ولم أعشق أي امرأة قط. كنت صغيرا جدا في السن. ~~أظن أنهم رأوها زيجة مثالية ... بتوفيق إلهي كما صورت لهم أحلامهم ~~السعيدة. كانت جميلة جدا ... بإمكانك أن تلاحظي الآن أنها حتما ~~كانت جميلة جدا ms212 ... كانت حلوة المعشر، أيضا، وبريئة.» سعل، ثم ~~واصل حديثه بجهد بالغ. «كان ... كان عقلها كعقل طفلة صغيرة. لم تكن ~~تفقه شيئا ... زهرة بريئة»، قالها بنبرة تشوبها همجية ~~غريبة. # ثم توقف عن الحديث لبرهة، كما لو أن المجهود الذي بذله كان ~~يفوق طاقته، وجلس محدقا من النافذة صوب البحر. بدا لأوليفيا ~~أنه كان يسترجع السنوات وصولا إلى الفترة التي كانت فيها السيدة ~~العجوز المسكينة شابة صغيرة وربما خجلة جدا من تودده ~~المتحمس. ساد الصمت مرة أخرى في جنبات الغرفة، صمت مطبق ~~جدا لدرجة أن الهدير الخافت البعيد لارتطام الأمواج بالصخور صار ~~مسموعا، ثم تناهت إلى مسامعهما مجددا موسيقى جان. كان ~~يعزف لحنا آخر ... ليس أغنية «أنا واقع في الحب مرة أخرى»؛ وإنما ~~أغنية أخرى تدعى «سيدة القيثارة» (يوكلالي ليدي). # قال جون بينتلاند: «أتمنى أن يوقفوا تلك الموسيقى ~~الملعونة!» # قالت أوليفيا وهي تقوم من مكانها: «سأذهب.» ~~«كلا ... لا تذهبي. يجب ألا تذهبي ... ليس الآن.» بدا عليه ~~التوتر، بل والفزع تقريبا، ربما خوفا من أنه لو لم يخبرها ~~الآن بالقصة الطويلة التي يجب أن يقصها على أحد فلن يخبرها بها ~~أبدا. «كلا، لا تذهبي ... ليس قبل أن أنهي حديثي يا أوليفيا. ~~يجب أن أنهي حديثي ... أريدك أن تعرفي السبب وراء الأمور التي ~~حدثت مثلما حدث هنا أمس وأول أمس في هذه الغرفة ... لا يوجد ~~مبرر، ولكن ما سأقوله ربما يفسر الأمر ... قليلا.» # نهض وفتح إحدى خزائن الكتب، وأخرج زجاجة ويسكي. قال، وهو ينظر ~~إليها: «لا تقلقي يا أوليفيا، لن أكررها ثانية. كل ما في الأمر ~~أنني أشعر بالضعف. لن يحدث مجددا مطلقا ... ما حدث بالأمس ... ~~مطلقا. أعدك بذلك.» # صب كأسا كاملة وعاود الجلوس، يرتشف الويسكي على مهل ~~أثناء حديثه. ~~«وهكذا تزوجنا، وظننت أنني وقعت في حبها؛ لأنني لم أكن ~~أعرف أي شيء عن مثل هذه الأمور ... لا شيء. لم يكن حبا حقا ... ~~أوليفيا، سأخبرك بالحقيقة ... بكل شيء ... الحقيقة كاملة. لم يكن ~~حبا حقا. كل ما في الأمر أنها كانت المرأة الوحيدة التي ~~تقربت ms213 منها بتلك الطريقة ... كنت شابا قويا معافى.» # بدأ يتحدث ببطء أكثر فأكثر، كما لو أن كل كلمة كانت تخرج ~~من شفتيه بجهد جهيد نابع من الإرادة. وتابع حديثه بمرارة: ~~«ولم تكن تفقه شيئا ... لا شيء على الإطلاق. كانت تمثل كل ما ~~يفترض أن تكون عليه امرأة شابة. وبعد الليلة الأولى من شهر ~~العسل، لم تعد الإنسانة نفسها مرة أخرى ... لم تعد الإنسانة ~~نفسها مطلقا، يا أوليفيا. هل تعرفين ما الذي يعنيه هذا؟ انتهى ~~شهر العسل بحالة من الجنون، هوس دائم. كانت قد تربت على ~~تصور مثل هذه الأمور برهبة مقدسة، وكانت بعائلتها مسحة من ~~الجنون. لم تعد الإنسانة نفسها مرة أخرى»، كررها بنبرة ~~حزينة، وأردف قائلا: «وعندما ولد آنسون ذهب عقلها تماما. ما ~~كانت لتلتقي بي أو تتحدث إلي. توهمت أنني ألحقت بها العار ~~إلى الأبد ... وبعد ذلك لم يكن بالإمكان أن تترك وحدها دون رقيب. ~~لم تعد تخرج إلى العالم مطلقا ...» # تلاشى الصوت حتى صار همسا مبحوحا. كان قد أفرغ كأس الويسكي ~~بجهد بالغ ليخترق القوقعة الفولاذية التي كان قد أغلق على ~~نفسه داخلها بعيدا عن العالم، وعن أوليفيا التي كان يكن لها ~~معزة، ربما أكثر حتى من السيدة سومز، التي أحبها. ومن على ~~مسافة بعيدة، استمر عزف الموسيقى، وهذه المرة كان يصاحبه صوت ~~تيريز الأجش بنبرة عالية وهي تغني أغنية «أنا واقع في الحب مرة ~~أخرى وقد جاء الربيع.» ... تيريز، السمراء، الساخرة، العنيدة، التي ~~لم يكن في حياتها، بداية من الضفادع وصولا إلى الرجال، إلا ~~أسرارا قليلة جدا. # واصل جون بينتلاند حديثه بوهن قائلا: «ولكن القصة لم ~~تنته عند هذا الحد. بل استمرت ... لأنني صرت أعرف كيف يكون ~~الوقوع في الحب حين التقيت بالسيدة سومز ... حينئذ فقط»، قالها ~~بنبرة حزينة، كما لو أنه رأى المأساة من بعيد كأنها شيء لا ~~يخصه. وكرر قوله قائلا: «حينئذ فقط، عندما كان الأوان قد ~~فات. بعد كل ما فعلته من أجلها، كان قد فات أوان الوقوع في الحب. ~~عجزت عن التخلي عنها. ms214 كان هذا مستحيلا. ما كان ينبغي أبدا أن ~~يحدث.» عدل وضعية جسده الواهن المتصلب وأضاف قائلا: «لقد ~~أخبرتك بكل هذا يا أوليفيا؛ لأنني أريدك أن تفهمي السبب وراء ~~أنني أحيانا ...» توقف عن الحديث لبرهة ثم واصل حديثه بكل عزم ~~قائلا: «السبب وراء أنني أتصرف بوحشية مثلما فعلت أمس. لقد ~~مرت علي أوقات كان فيها هذا التصرف هو السبيل الوحيد حتى ~~يمكنني من مواصلة الحياة ... وهو لا يضر أحدا. ولا يعرف ~~كثيرون عنه شيئا ... أخفي نفسي دائما عن العيون. لم يحدث ذلك ~~علنا مطلقا.» # ببطء امتدت يد أوليفيا البيضاء عبر سطح المكتب اللامع ولمست ~~يده النحيلة السمراء المستقرة هناك، في هدوء، كصقر حط من عل ~~ليستريح. لم تنبس ببنت شفة ومع ذلك انطوت اللفتة البسيطة على ~~تعبير بليغ عجزت عنه الكلمات. جعلت تلك اللمسة الدموع تترقرق في ~~العينين المتقدتين للمرة الثانية في حياة جون بينتلاند. لم يكن ~~قد بكى من قبل سوى مرة واحدة ... ليلة وفاة حفيده. وأدركت أوليفيا ~~أنها لم تكن دموعا نابعة من رثاء على الذات؛ لأنه لم يكن ~~يوجد رثاء على الذات في الجسد الهرم الذي أوهنه الزمن؛ كانت ~~دموعا تزرف على المأساة التي شاءت الأقدار أن يكون مهموما ~~بها. ~~«أريدك أن تعرفي يا عزيزتي أوليفيا ... أنني لم أخنها مطلقا، ~~ولو لمرة واحدة طيلة كل السنوات التي مرت منذ ليلة زفافنا ... ~~أعرف أن العالم لن يصدق هذا أبدا، ولكن أردتك أن تعرفي؛ ~~لأنك أنت والسيدة سومز الشخصان الوحيدان المهمان لي ... وهي ~~تعرف أن هذا صحيح.» # ومع أنها عرفت أن القصة انتهت، لم تغادر؛ لأنها أدركت أنه كان ~~يريد منها أن تبقى، جالسة إلى جواره في صمت، تلمس يده. كان من ~~نوعية الرجال - رجال، حسبما قالت في نفسها، مثل مايكل - يحتاجون ~~إلى النساء بقربهم. # وبعد مدة طويلة، التفت إليها بغتة وسألها: «هذا الفتى المعجب ~~بسيبيل؛ من يكون؟ وما صفاته؟» ~~«سابين تعرف بشأنه.» ~~«هذا ما يخيفني ... إنه من عالم مختلف عن عالمها ولست ~~واثقا من أن هذا يروق لي. ففي ms215 عالم سابين، لا يهم من يكون هذا ~~الشخص أو من أين يأتي ما دام شخصا ذكيا ومسليا.» ~~«لقد راقبته ... وتحدثت معه. أظن أنه فيه كل ما يمكن أن ~~تطلبه فتاة ... أقصد فتاة مثل سيبيل ... لا أنصح به لفتاة حمقاء ... ~~فمن شأنه أن يجعل زوجة من هذا النوع تقضي أوقاتا عصيبة جدا. ~~بالإضافة إلى ذلك، لا أظن أن في وسعنا الكثير في هذا الشأن. ~~فسيبيل، على ما أظن، قد اتخذت قرارها.» ~~«هل عرض عليها الزواج؟ هل تحدث إليك؟» ~~«لا أعرف إن كان قد عرض عليها الزواج. لم يتحدث إلي. الشباب ~~لا يهتمون بمثل هذه الأمور هذه الأيام.» ~~«ولكن آنسون لن يعجبه هذا. ستحدث مشكلة ... وكاسي، ~~أيضا.» ~~«أجل ... ومع ذلك، إذا أرادته سيبيل، فسوف تتزوجه. لقد حاولت أن ~~أعلمها أنه في مسألة كهذه ... حسنا»، ثم أشارت إشارة صغيرة ~~بيدها البيضاء، وأردفت قائلة: «لا ينبغي لها أن تدع شيئا يشكل ~~أي فارق.» # جلس مستغرقا في التفكير لمدة طويلة، وأخيرا، ودون أن يتطلع ~~إليها كما لو أنه يتحدث إلى نفسه، قال: «لقد حدث ذات مرة في ~~العائلة أن فرت المرأة مع عشيق لها ... لقد تزوج جاريد ~~وسافينا بينتلاند بتلك الطريقة.» # قالت أوليفيا: «ولكن تلك لم تكن زيجة سعيدة ... لم تكن سعيدة ~~جدا.» وعلى الفور، أدركت أنه كادت أن تفضح نفسها. لو كانت قد ~~تلفظت بكلمة أو كلمتين أخريين ربما كانت ستوقع نفسها في ~~الشرك. ورأت أنه من المستحيل أن تضيف عبء الخطابات إلى هذه ~~الأسرار الأخرى. # وبالفعل، نظر إليها بحدة، قائلا: «لا أحد يعرف ذلك ... كل ما ~~نعرفه أنها غرقت.» # رأت بوضوح كاف تماما ما كان ينوي أن يخبرها به، بذلك ~~التلميح المبهم بهروب سافينا؛ الآن فقط عاد ليختبئ مجددا داخل ~~القوقعة الشنيعة؛ عاد جون بينتلاند الغامض المزيف الذي لا يستطيع ~~سوى أن يلمح فحسب ولا يتحدث مباشرة مطلقا. # توقفت الموسيقى تماما في غرفة الجلوس، ولم يتبق سوى الصوت ~~المبهم البعيد المستمر بلا انقطاع لاصطدام الأمواج بالصخور ~~الحمراء، وتردد صوت وقع أقدام بعيد قادم ms216 من الجناح الشمالي. قال ~~الرجل المسن على الفور : «إذن، لم تكن واقعة في حب هذا الرجل الذي ~~يدعى أوهارا في نهاية المطاف، أليس كذلك؟ لا داعي للقلق إذن، ~~أليس كذلك؟» ~~«بلى، لم تفكر فيه مطلقا بتلك الطريقة، ولو للحظة ... من ~~منظورها، بدا كهلا. يجب ألا ننسى كم هي صغيرة في السن.» # رد العجوز قائلا: «هو ليس من نوعية الرجال الحقيرة. لقد صرت ~~مولعا به، وهيجينز يظن أنه رجل رائع. أميل إلى أن أثق في رأي ~~هيجينز. فهو يتمتع بحاسة مرهفة بشأن الناس ... ويتمتع ~~بالحاسة نفسها فيما يخص الطقس.» توقف لبرهة، ثم تابع حديثه ~~قائلا: «ومع ذلك، أظن أنه من الأفضل أن نتوخى الحذر بشأنه. ~~فهو رجل أيرلندي ذكي في سبيله إلى الوصول لغايته ... ومثل هؤلاء ~~الرجال يجب أن يخضعوا للمراقبة. إنهم عادة لا يفكرون إلا في ~~أنفسهم.» # همست أوليفيا قائلة: «ربما. ربما ...» # قطع الصمت بصوت طنين وضجيج ساعة الحائط الموجودة بالردهة وهي ~~تستعد لتدق معلنة الحادية عشرة مساء. كان المساء قد انقضى ~~سريعا، متواريا وسط غشاوة من الزيف. أخيرا، قيلت الحقيقة في ~~منزل عائلة بينتلاند - الحقيقة القاسية، العارية، المروعة؛ ووجدت ~~أوليفيا، التي كانت تتوق إليها منذ فترة طويلة جدا، نفسها ~~ترتجف. # نهض جون بينتلاند ببطء وبألم؛ نظرا لأن جسده كان قد ازداد ~~تيبسا وهشاشة مع انقضاء فصل الصيف. قال: «الساعة الآن الحادية ~~عشرة، يا أوليفيا. حري بك أن تأوي إلى الفراش وتأخذي قسطا من ~~الراحة.» # 2 # لم تتجه إلى غرفتها؛ لأنه تعذر عليها الخلود إلى النوم، ولم ~~يكن بوسعها الذهاب إلى غرفة الجلوس، في تلك الحالة المزاجية التي ~~سيطرت عليها، لتواجه وجوها شابة كوجوه جان وتيريز وسيبيل. في ~~تلك اللحظة، لم يكن بوسعها أن تحتمل فكرة الوجود في أي مكان ~~مغلق، في غرفة أو حتى أي مكان يعلوه سقف يحجب السماء المفتوحة. ~~كانت بحاجة إلى الهواء الطلق والشعور بالحرية والسلوان الذي يبعث ~~على الاستشفاء والذي كان يجلبه لها أحيانا مشهد الأهوار والبحر. ~~أرادت أن تستنشق بعمق الهواء المالح المنعش، أن ms217 تركض، أن تهرب ~~إلى مكان ما. في الواقع، استسلمت للحظة لشعور بالذعر الشديد، ~~كما حدث لها في تلك الليلة الحارة حين تبعها أوهارا إلى ~~الحديقة. # خرجت عبر الفناء الأمامي، وهي تهيم على وجهها، فوجدت نفسها بعد ~~قليل تسير تحت الأشجار في اتجاه الأهوار والبحر. كانت هذه الليلة ~~الأخيرة من شهر أغسطس حارة وصافية باستثناء طبقة رقيقة من الضباب ~~الأبيض المائل للزرقة الذي يعلو دوما المروج المنخفضة. كانت قد ~~مرت أوقات في الماضي أرهبتها فيها فكرة المرور عبر المروج ~~المهجورة، والتجول في الطرق المعتمة في الظلام؛ ولكن في هذه ~~الليلة بدت تلك المغامرة مريحة للأعصاب ومهدئة، ربما لأنها ~~اعتقدت أنها يستحيل أن تواجه شيئا أسوأ من أسرار جون بينتلاند. ~~كانت واعية تماما، كما كانت في تلك الليلة الأخرى، بالجمال ~~الأخاذ لليلة، وبالخيالات غير المحددة الممتدة عبر أسيجة ~~الأشجار وقنوات المياه، وببريق النجوم، وبالخط الأبيض البعيد لزبد ~~البحر والرائحة الغنية الخصبة للمراعي والأهوار. # وبعد قليل، عندما هدأ روعها قليلا، حاولت أن تستخلص بعض الترتيب ~~من الفوضى التي اجتاحت جسدها وروحها. بدا لها أن الحياة كلها صارت ~~مشوشة ومضطربة على نحو ميئوس منه. كانت مدركة نوعا ما، تقريبا ~~دون أن تعرف السبب؛ لأن الرجل المسن خدعها، وطوع إرادتها ~~بسهولة وفق رغباته، مغيرا بذلك المشهد المستقبلي كله. كانت تعرف ~~دوما أنه قوي وبطريقته الخاصة لا يقهر، ولكن حتى الليلة لم تكن ~~قد عرفت مطلقا العظمة الكاملة لقوته ... ومدى عناده، بل وإلى أي ~~مدى يمكن أن يكون منعدم الضمير؛ إذ كان منعدم الضمير وغير ~~منصف، في الطريقة التي استخدم بها كل سلاح في متناول اليد ... كل ~~إحساس، كل ذكرى ... ليحقق رغبته. لم يحدث صراع ضار علنا؛ كان ~~الأمر أبرع من ذلك بكثير. لقد أخضعها دون أن تدري، بعون من جميع ~~قوى الظلام التي تتمتع بالقدرة على تغييرهم جميعا - حتى أبناء ~~سافينا دالجيدو وتوبي كاين - ليكونوا «آل بينتلاند». # أخذت تفكر بمرارة فيما حدث، وتوصلت إلى أن قوته كانت تستند ~~على أساس فضيلته، واستقامته. يمكن للمرء أن ms218 يقول - بل ويؤمن يقينا ~~مثلما رأى شروق شمس الأمس بعين اليقين - إن حياته كلها كانت ~~سخيفة ووهمية على نحو مأساوي، مكرسة على نحو غريب للمثال الأعلى ~~الجامد المتصلب لما يجب أن يكون عليه الفرد من عائلة بينتلاند؛ ~~ورغم ذلك ... ورغم ذلك يدرك المرء أنه كان محقا، بل وربما كان ~~شجاعا؛ كان المرء يحترم قوته التي لا هوادة فيها. كان قد قضى ~~على سعادته ودفع السيدة سومز العجوز المسكينة إلى البحث عن السلام ~~النفسي في تجربة نيرفانا السعادة القصوى التي تجلبها المخدرات؛ ~~ومع ذلك كان يمثل لها الحياة كلها: كانت تعيش لأجله فقط. كان ~~نظامه الأخلاقي صعبا وقاسيا وغير إنساني، يضحي بكل شيء في ~~سبيل الالتزام به ... قالت أوليفيا في نفسها: «إلى حد التضحية بي ~~وبنفسه. ولكن لن يضحى بي. سأهرب!» # وبعد فترة طويلة، بدأت ترى بالتدريج ما كان يكمن وراء السلطة ~~الفولاذية التي مارسها على الناس، القوة التي عجزوا جميعا عن ~~مقاومتها. كانت شيئا بسيطا ... فكل ما في الأمر أنه آمن، بشغف ~~وبلا هوادة، كما فعل البيوريتانيون الأوائل. # أما الباقون حولها فلم تكن لهم أي أهمية. فلم يكن لأي منهم ~~سلطة عليها ... لا آنسون، ولا العمة كاسي، ولا سابين، ولا الأسقف ~~سمولوود. لم يكن لهم أي دور في تغيير مسار حياتها. لم تكن لهم أي ~~أهمية. ولم تكن تخشاهم؛ وإنما بدوا في نظرها مزعجين ومثيرين ~~للشفقة. # ولكن جون بينتلاند آمن. كان هذا ما صنع الفارق. ~~••• # بعد أن تعثرت في طريقها وهي لا تكاد ترى، وجدت نفسها بعد ~~قليل عند الجسر حيث الطريق الترابي المار فوق النهر والواصل بين ~~منزل عائلة بينتلاند ومنزل «بروك كوتيدج». منذ أن كانت فتاة ~~صغيرة، كان لمشهد المياه تأثير سحري غريب عليها ... مشهد نهر، ~~بحيرة، ولكن كان الأكثر تأثيرا من أي شيء آخر هو مشهد البحر ~~المفتوح؛ كانت تجد نفسها دوما منجذبة نحو هذه الأشياء مثلما ~~ينجذب الحديد نحو المغناطيس؛ والآن، ما إن وجدت نفسها عند الجسر، ~~حتى توقفت عن الحركة، ووقفت تتطلع من فوق المتراس ms219 الحجري تحت ~~ظلال شجيرات الزعرور التي كانت تنمو بالقرب من حافة المياه، إلى ~~البركة المعتمة الراكدة بالأسفل. كانت صفحة المياه داكنة وانعكس ~~عليها ضوء النجوم الصغيرة المتلألئة وكأنها حبات ألماس منثورة فوق ~~سطحها. عبقت الرائحة الكثيفة القوية للماشية الأجواء، مع مسحة من ~~أريج خفيف لزنابق الماء البيضاء التي كانت تحيط بالبركة. # وبينما كانت تقف هناك، منغمسة في سكينة العزلة المعتمة، بدأت ~~تفهم قليلا ما حدث بينهما في الغرفة المعبقة برائحة الويسكي ~~وصابون السرج. رأت كيف أسفر غباء الآخرين وجهلهم ورياؤهم عن مأساة ~~جون بينتلاند وحياته بالكامل، ورأت، أيضا، أنه كان بلا أدنى شك ~~حفيد توبي كاين الذي كتب هذه الخطابات الجامحة المتقدة بالعاطفة ~~والتي تمجد الرغبة الحسية؛ غير أن جون بينتلاند كان قد وجد نفسه ~~حبيسا داخل سجن ذلك الشيء الفظيع الآخر؛ ألا وهو النظام الأخلاقي ~~الذي كان قد تعود عليه، والذي كان يؤمن به. ورأت الآن أنه لم يكن ~~من المستغرب أنه سعى إلى الهروب من الواقع بالانعزال والانغماس في ~~الشرب حتى الدخول في غيبوبة. لقد كان محاصرا، بشكل مأساوي، بين ~~هاتين القوتين الغاشمتين. حسب نفسه من آل بينتلاند بينما اشتعلت ~~بداخله النار الكامنة في خطابات توبي كاين وفي النظرة الفاسقة التي ~~تجمدت إلى الأبد في اللوحة المرسومة لسافينا بينتلاند. ظلت ~~صورته ماثلة أمامها وهو يقول: «لم أخنها مطلقا، ولو لمرة واحدة ~~طيلة كل هذه السنوات التي مرت منذ ليلة زفافنا ... أعرف أن العالم ~~لن يصدق مطلقا، ولكن أردتك أن تعرفي؛ لأنك أنت والسيدة سومز ~~الشخصان الوحيدان المهمان لي ... وهي تعرف أن هذا صحيح.» # بدا لها أن هذا الإخلاص كان شيئا مريعا وخبيثا. # وباتت تدرك أنه خلال حديثهما كله، ظلت خاطرة، فكرة مايكل حاضرة ~~طوال الوقت. بدا وكأنهما كانا يتحدثان طوال الوقت عنها هي ~~ومايكل. ظل الرجل المسن يتطرق إلى الأمر عشرات المرات على ~~نحو مبهم ولكن مؤكد. لم يكن لديها أدنى شك في أن العمة كاسي ~~عرفت منذ فترة طويلة كل ما يمكن أن تعرفه من الآنسة بيفي ms220 عن ~~اللقاء الذي جرى بالقرب من حوض النعناع البري ، وكانت واثقة من أنها ~~نقلت المعلومة إلى أخيها. ومع ذلك، لم يكن يوجد أي شيء قطعي فيما ~~رأته الآنسة بيفي، وإنما القليل جدا بحيث لا يثير الشكوك على ~~الإطلاق. ومع ذلك، أثناء استرجاعها لحديثها مع الرجل المسن، بدا ~~لها أنه بعشرات الطرق والكلمات والنبرات والنظرات كان قد أشار ~~ضمنيا إلى أنه عرف السر. وحتى في نهاية الحديث، عندما تطرق ~~بقسوة وبيقين غريب إلى الخوف الوحيد، والشك الوحيد الذي كان يشوب ~~حبها لمايكل، بقوله على نحو عرضي جدا: «ومع ذلك، أظن أنه ~~من الأفضل أن نتوخى الحذر بشأنه. فهو رجل أيرلندي ذكي في سبيله ~~إلى الوصول لغايته ... ومثل هؤلاء الرجال يجب أن يخضعوا ~~للمراقبة. إنهم عادة لا يفكرون إلا في أنفسهم.» # ثم خطرت على بالها أغرب الأفكار جميعها ... ألا وهي أن حديثهما ~~معا، حتى تلك الأسرار المؤلمة والمأساوية التي أسر بها بجهد ~~بطولي، كان في الحقيقة يستهدفها. كان قد فعل كل هذا -خرج من قوقعة ~~الصمت والكتمان، وأذل كبرياءه الطاغي - ليجبرها على التخلي ~~عن مايكل، ليجبرها على التضحية بنفسها على مذبح ذلك المثال ~~الأعلى الوهمي الذي يؤمن به. # وكانت خائفة لأنه كان قويا جدا؛ لأنه لم يطلب منها أن تفعل ~~شيئا لم يفعله هو نفسه. # لن تعرف أبدا على وجه اليقين. رأت، في نهاية المطاف، أن جون ~~بينتلاند الذي تركته قبل قليل كان لا يزال لغزا، ملثما بالغموض، ~~تعجز عن سبر أغواره، ربما إلى الأبد. لم تره على حقيقته ~~مطلقا. ~~••• # وبينما كانت تقف عند الجسر تحت الظلال الكثيفة لأشجار الزعرور ~~البري، تلاشى من حولها الإحساس بالزمان أو المكان، وبالعالم من ~~حولها، بحيث لم تكن واعية إلا بنفسها بصفتها مخلوقة تتجرع كأس ~~المعاناة. قالت في نفسها: «ربما يكون محقا. ربما صرت مثلهم، ~~ولذلك يستمر هذا الصراع. ربما لو كنت شخصا عاديا ... سليم العقل ~~وحسن الطوية ... مثل هيجينز ... لن توجد أي معاناة، ولا شكوك، ولا ~~رهبة من التصرف بكل بساطة، وبلا تردد.» # تذكرت ما ms221 قاله الرجل المسن عن عالم صارت فيه جميع التصرفات ~~مقيدة، عالم يرضى فيه المرء بمراقبة الآخرين وهم يتصرفون، ~~وأن يعيش حياتهم. كانت قد خطرت على بالها كلمة «سليم العقل» ~~بتلقائية شديدة وببساطة باعتبارها الكلمة الدقيقة لوصف الحالة ~~الذهنية المناقضة للحال الذي كان عليه دوما منزل عائلة بينتلاند، ~~وأفزعتها فكرة أنه ربما كان هذا الشيء الذي يدعى «أن تكون من آل ~~بينتلاند»، هذه الحالة من الافتتان، كانت في نهاية المطاف مجرد ~~حالة مرضية، ضربا من الجنون الذي يشل القدرة على التصرف تماما. ~~وبذلك، يظل المرء يعيش في الماضي، مكبلا بديون من الشرف وواجبات ~~تجاه أناس فارقوا الحياة قبل قرن أو أكثر من الزمان. # قالت في نفسها: «يجب، ولو لمرة واحدة، أن أتحلى بالقدرة على ~~فعل ما أريده، ما أظنه صوابا.» # وفكرت مجددا فيما قالته سابين عندما وصفت نيو إنجلاند بأنها ~~«مكان تصبح فيه الأفكار أرقى وأقل»، حيث يتحول كل تصرف إلى ~~مشكلة سلوك أخلاقي، ممارسة للفلسفة المتعالية. كان هذا آخذا في ~~الزوال الآن، حتى عن نيو إنجلاند، ومع ذلك ما زال متشبثا بعالم آل ~~بينتلاند، إلى جانب الهدايا التذكارية من «الأصدقاء الأعزاء» ~~المشاهير. وحتى تخزين الهدايا التذكارية في العلية لم يغير شيئا. ~~كان كل شيء يخص عائلة بينتلاند آخذا في الزوال؛ فلم يعد ~~يوجد أي شيء من هذا القبيل في نيو إنجلاند الخاصة بأوهارا وهيجينز ~~وعمال المصانع البولنديين في دورهام. كانت القرية نفسها قد صارت ~~مكانا جديدا ومختلفا. # وفي خضم هذا التمرد، باتت تدرك، بتلك الفطنة الغريبة التي ~~بدا أنها كانت تؤثر على جميع حواسها، أنها لم تعد بمفردها على ~~الجسر وسط المروج الخالية المغطاة بالضباب. أدركت فجأة وبيقين ~~غريب أنه كان ثمة آخرون في مكان ما على مقربة منها وسط الظلام، ~~ربما يراقبونها، واجتاحتها للحظة موجة من الشعور السريع والمفزع ~~بالخوف الذي كان أحيانا يجتاحها في منزل عائلة بينتلاند في ~~الأوقات التي كان يساورها فيها شعور بأن أشباحا لا يمكن رؤيتها ~~أو لمسها تحيط بها. وتبينت على الفور تقريبا، وسط ms222 الضباب الذي ~~يغطي المروج، شخصين، رجلا وامرأة، يسيران متقاربين جدا، ~~وأحدهما يتأبط ذراع الآخر. للحظة قالت في نفسها: «هل جننت حقا؟ ~~هل حقا أرى أشباحا؟» خطرت لها الفكرة الغريبة التي مفادها أن ~~هذين الشخصين ربما كانا سافينا بينتلاند وتوبي كاين، وقد قاما من ~~قبرهما المجهول وسط البحر ليهيما عبر الحقول والأهوار حول منزل ~~عائلة بينتلاند. وبينما كانا يتحركان عبر الضباب المنتشر والمرصع ~~بالنجوم، بدوا مبهمين وغير محددي الملامح ومبتلين، مثل ~~شخصين خرجا توا من الماء. تخيلتهما يخرجان، مبتلين يقطران ~~الماء، من وسط الأمواج ويعبران الزبد الأبيض للشاطئ في طريقهما ~~إلى المنزل العتيق الكبير ... # والغريب في الأمر أن المشهد لم يملأها بأي شعور بالرهبة، وإنما ~~فقط بالافتتان. # وبعد ذلك، بينما كانا يقتربان أكثر، تعرفت على الرجل - كان شيء ~~ما من أول وهلة مألوفا على نحو مبهم في المشية المتغطرسة ~~المتبخترة. عرفت الساقين المتقوستين وتملكتها فجأة رغبة في ~~الضحك بشدة ضحكا هيستيريا. لم يكن هذا سوى هيجينز الشبيه ~~بالأرنب منخرطا في مغامرة عاطفية جديدة. بهدوء تراجعت إلى ظلال ~~أشجار الزعرور البري ومر الثنائي من أمامها، على مقربة شديدة ~~لدرجة أنه كان بوسعها أن تمد يدها وتلمسهما. وحينئذ فقط ~~تعرفت على المرأة. هذه المرة لم تكن فتاة بولندية من القرية. ~~كانت الآنسة إيجان؛ الآنسة إيجان المتيبسة الكفء، التي أغواها ~~هيجينز. كانت تستند عليه وهما يسيران؛ نسخة غريبة منكسرة أنثوية ~~من الآنسة إيجان لم ترها أوليفيا من قبل مطلقا. # على الفور قالت في نفسها: «لقد تركت السيدة بينتلاند العجوز ~~بمفردها. قد يحدث أي شيء. يجب أن أعود بسرعة إلى المنزل.» ~~وانتابتها نوبة غضب سريعة من الممرضة المخادعة، تبعتها لحظة حدس ~~خاطفة بدا أنها وضحت كل ما حدث منذ تلك الليلة الحارة في ~~أوائل فصل الصيف حين رأت هيجينز يقفز فوق السور مثل الماعز ليهرب ~~من وهج أضواء السيارات. كانت المرأة المجهولة التي اختفت وراء ~~السور في تلك الليلة هي الآنسة إيجان. لقد كانت تترك السيدة ~~المسنة بمفردها ليلة تلو الأخرى منذ ذلك الحين؛ وهذا ms223 يفسر ~~تبرمها المفاجئ وحنقها في اليومين الماضيين عندما كان هيجينز ~~محتجزا برفقة الرجل المسن. # اتضح لها الآن كل شيء - كل ما حدث خلال الشهرين الماضيين - في ~~سلسلة مرتبة من الأحداث. لقد هربت المرأة المسنة، مما أدى ~~إلى اكتشاف خطابات سافينا بينتلاند؛ لأن الآنسة إيجان كانت قد ~~تركت موقعها لتتجول عبر المروج استجابة لنداء تلك القوة الغامضة ~~الهائلة التي تسيطر فيما يبدو على الريف عند حلول الظلام. كان وجود ~~تلك القوة محسوسا مرة أخرى الليلة، في كل مكان من حولها ... في ~~الهواء الطلق، وفي الحقول، وفي الصوت القادم من البحر البعيد، وفي ~~رائحة الماشية وفي البذور الناضجة ... كما حدث في تلك الليلة التي ~~تبعها فيها مايكل إلى الحديقة. # وبطريقة ما، كانت سلسلة الأحداث كلها تجليا للقوة المزعجة ~~التي كشفت في النهاية عن سر خطابات سافينا. لقد تلاعبت بهم تلك ~~القوة، والآن أثقل السر كاهل أوليفيا باعتباره شيئا يجب أن ~~تخبر به أحدا، شيئا لم يعد بإمكانها أن تكتمه في نفسها. ~~اكتوت هي الأخرى بنار هذا السر، وتملكها شعور بأنها تمتلك ~~سلاحا مخيفا ومخزيا ربما تستخدمه إذا تخطت الأمور قدرتها ~~على الاحتمال. # وببطء، بعدما اختفى العاشقان، شقت طريقها عائدة نحو المنزل ~~القديم الذي لاح في أفق السماء الزرقاء الداكنة بهيئته المربعة ~~السوداء، وفي أثناء سيرها، بدا أن غضبها من خيانة الآنسة إيجان ~~للثقة فيها تلاشى على نحو غامض. ستتحدث مع الآنسة إيجان غدا، ~~أو بعد غد؛ فعلى أي حال، كانت العلاقة قد استمرت طوال فصل ~~الصيف ولم تسفر عن أي ضرر؛ لا ضرر باستثناء اكتشاف خطابات ~~سافينا. وشعرت بتعاطف مفاجئ تجاه تلك المرأة المتيبسة الكفء ~~التي لم تحبها مطلقا؛ رأت أن حياة الآنسة إيجان، في نهاية ~~المطاف، كانت مريعة؛ أيام متوالية تمضيها برفقة عجوز مجنونة. ~~ظنت أوليفيا أن هذه الحياة كانت شبيهة بحياتها هي نفسها. ~~... # وخطر لها في الوقت نفسه أنه سيكون من الصعب أن تشرح لإنسانة ~~ذكية جدا مثل الآنسة إيجان سبب وجودها هي نفسها على الجسر في تلك ~~الساعة المتأخرة ms224 من الليل. بدا الأمر وكأن كل شيء، كل فكرة ~~وتصرف صغير، صار متشابكا وميئوسا منه أكثر فأكثر، وأصعب وأعقد ~~بمرور الأيام. لم يكن من مخرج سوى تمزيق الشبكة بجرأة والفكاك ~~منها. # قالت في نفسها: «كلا. لن أبقى ... لن أضحي بنفسي. غدا سأخبر ~~مايكل بأنه عندما ترحل سيبيل، سأفعل أيا كان ما يريد مني أن ~~أفعله ...» # وعندما وصلت إلى المنزل وجدته مظلما باستثناء الضوء المشتعل ~~باستمرار في الردهة الكبيرة والذي كان يضيء صفوف الصور الشخصية ~~بإضاءة خافتة؛ وكان يعمه الصمت عدا من أصوات الصرير التي ~~كانت تنتابه في سكون الليل. # 3 # استيقظت مبكرا، بعد أن نامت ليلة سيئة، على خبر مفاده أن ~~مايكل مكث في بوسطن الليلة السابقة ولن يتمكن من ركوب الخيل معها ~~كالمعتاد. وعندما ذهبت الخادمة أصابها شعور بالاكتئاب؛ نظرا ~~لأنها كانت قد اعتمدت على مقابلته والتوصل إلى خطة محددة ما. ~~وللحظة انتابها حتى شعور مبهم بالغيرة، نبذته على الفور ~~باعتباره مخزيا. وقالت في نفسها إنه لم يهملها في أي وقت قط؛ ~~كل ما في الأمر أن انشغاله زاد أكثر فأكثر مع اقتراب فصل الخريف. ~~لم يكن في الأمر أي امرأة أخرى؛ كانت تشعر بالثقة فيه. ورغم ~~ذلك، ظل ذلك الشك الصغير الغريب المزعج، الذي انزرع في عقلها حين ~~قال جون بينتلاند: «هو رجل أيرلندي ذكي في سبيله إلى الوصول ~~لغايته ... ومثل هؤلاء الرجال يجب أن يخضعوا للمراقبة.» # على أي حال، لم تكن تعرف عنه شيئا باستثناء ما اختار أن ~~يخبرها به. إنه رجل حر ومستقل ومغامر بإمكانه أن يفعل ما ~~يشاء في الحياة. فلماذا يدمر نفسه من أجلها؟ # نهضت أخيرا، عازمة على ركوب الخيل بمفردها، على أمل أن يجعل ~~هواء الصباح المنعش والتمرين الرياضي غيوم الكآبة، التي ظلت ~~مستحوذة عليها منذ اللحظة التي تركت فيها جون بينتلاند في ~~المكتبة، تنقشع. # وبينما كانت ترتدي ملابسها، قالت في نفسها: «بعد غد، سأبلغ ~~أربعين عاما. ربما لهذا السبب أشعر بالإعياء والكآبة. ربما أنا ~~على أعتاب مرحلة منتصف العمر. ولكن هذا مستحيل. ms225 فأنا أتمتع ~~بالقوة والصحة الجيدة وأبدو صغيرة في السن، رغم كل شيء. أنا متعبة ~~بسبب ما حدث في الليلة السابقة.» ثم جال في خاطرها فكرة أنه ربما ~~راودت نفس هذه الأفكار السيدة سومز مرارا وتكرارا طوال ~~الفترة الطويلة التي أخلصت فيها لجون بينتلاند. قالت في نفسها: ~~«كلا، مهما حدث لن أعيش الحياة التي عاشتها. أي شيء أفضل من ذلك ~~... أي شيء.» # بدا لها غريبا أن تستيقظ وتجد أن لا شيء تغير في العالم ~~كله من حولها. بعد ما حدث في الليلة السابقة في غرفة المكتبة وفي ~~المروج المعتمة، لا بد أن هذا ترك أثرا ما على الحياة في منزل ~~عائلة بينتلاند. لا بد أن المنزل في حد ذاته والمشهد الطبيعي ~~نفسه قد سجلا ما حدث؛ ورغم ذلك كان كل شيء على حاله. انتابتها ~~صدمة مفاجئة ضئيلة عندما وجدت أشعة الشمس ساطعة، ورأت هيجينز في ~~ساحة الإسطبل يسرج حصانها ويصفر طوال الوقت بروح معنوية مرتفعة ~~على نحو مبالغ فيه، وسمعت صوت نباح كلاب البيجل من بعيد، ورأت ~~سيبيل تعبر المروج في اتجاه النهر لتقابل جان. كان كل شيء على ~~حاله، حتى هيجينز، الذي حسبته بالخطأ شبحا أثناء عبوره المروج ~~المغطاة بالضباب قبل بضع ساعات. بدا وكأنه توجد نسختان ~~للحقيقة في منزل عائلة بينتلاند - واحدة، ربما يقال عنها، إنها ~~تخص النهار، والأخرى تخص الظلمة - كما لو أن ثمة حياة - سرية ~~وخفية - كامنة تحت السطح المشرق المبهج لعالم يتألف من الحقول ~~والأشجار الخضراء، وصوت نباح الكلاب، ورائحة القهوة التي تفوح من ~~المطبخ، وصوت سائس الخيل وهو يصفر بينما يسرج جوادا أصيلا. ~~كان من سوء الطالع أن منحها الحظ نفاذ بصيرة إلى كلا ~~العالمين؛ العالم المشرق المبهج والعالم المعتم الضبابي. لم ~~يكن الآخرون، ربما باستثناء جون بينتلاند العجوز، يرون إلا هذه ~~الحياة المشرقة الرغدة التي بدأت تتحرك من حولها. # فكرت مليا في أن أي شخص غريب يدخل منزل عائلة بينتلاند ~~من شأنه أن يجده منزلا مبهجا ومريحا، حيث الحياة فيه رغدة بل ~~ومترفة، حيث ms226 الجميع تحت حماية الثروة. من شأن ذلك الغريب أن ~~يجدهم جميعا أشخاصا طبيعيين مبتهجين ودودين من عائلة محترمة ~~بل ومتميزة. ومن شأنه أن يقول: «هذا العالم متماسك ومريح ~~وآمن.» # أجل، من شأنه أن يبدو كذلك لشخص غريب، ولذلك ربما لا وجود لذلك ~~العالم المعتم المخيف إلا في مخيلتها. ربما هي نفسها مريضة، وغير ~~متزنة قليلا وسوداوية ... وربما تكون مخبولة قليلا مثل العجوز في ~~الجناح الشمالي. # قالت في نفسها إنه، مع ذلك، لا بد أن معظم البيوت، ومعظم ~~العائلات، لديها حياة مزدوجة كتلك؛ حياة يراها العالم الخارجي ~~وأخرى تظل مخفية عن العيون. # وبينما كانت ترفع رقبة حذائها، سمعت صوت هيجينز، صاخبا ومرحا، ~~يتبادل المزح الغرامية مع خادمة المطبخ الأيرلندية الجديدة، ~~ليحجزها لنفسه بذلك. ~~••• # اعتلت الفرس بفتور همة، تاركة إياها تقود الطريق عبر ~~الأيكة الكثيفة على طول المسارات المعتمة الباردة التي لطالما ~~سارت فيها هي ومايكل معا. لم يغير هواء الصباح من معنوياتها. ~~كان ثمة شيء يبعث على الحزن في ركوب الخيل وحدها عبر النفق الأخضر ~~الطويل. # وعندما خرجت أخيرا على الجانب المقابل لحقل النعناع البري حيث ~~كانا قد التقيا بالآنسة بيفي، رأت سيارة من نوع فورد متوقفة ~~على جانب الطريق ورجلا واقفا بجوارها، يدخن سيجارا وينظر إلى ~~المحرك كما لو كان في ورطة. لم تر شيئا أكثر من ذلك وكانت ~~ستتجاوزه دون أن تكلف نفسها عناء أن تلقي نظرة ثانية عليه، ~~لولا أن سمعت اسمها ينادى. ~~«أنت السيدة بينتلاند، أليس كذلك؟» # فاقتربت بالفرس. وقالت: «بلى، أنا السيدة بينتلاند.» # كان رجلا ضئيل البنية، متأنقا للغاية في بدلة ذات نقوش ~~مربعة صغيرة، وياقة بيضاء عالية ومتصلبة بدت وكأنها تخنقه. كان ~~يضع نظارة أنف وعلى وجهه نظرة بالغة التهذيب. وبينما كانت ~~تلتفت، خلع قبعة القش التي كان يعتمرها وتقدم نحوها مظهرا ~~قدرا كبيرا من التهذيب، وانحنى وابتسم بود. # قال: «حسنا، أنا سعيد بمعرفة أنني أصبت في تخميني. كنت آمل ~~أن أقابلك هنا. إنه لمن دواعي سروري أن أتعرف عليك، يا سيدة ~~بينتلاند. اسمي جافين ms227 ... وبالمناسبة أنا صديق لمايكل ~~أوهارا.» # ردت أوليفيا: «أوه! كيف حالك ؟» # سألها: «آمل ألا تكوني في عجلة من أمرك، هل أنت كذلك؟ ~~أود أن أتحدث معك حديثا موجزا.» ~~«كلا، لست في عجلة من أمري.» # كان من المستحيل أن تتخيل ما في جعبة هذا الرجل الأنيق الضئيل ~~البنية، الذي يقف في منتصف الطريق، ينحني ويبتسم. # بينما كان لا يزال ممسكا بالقبعة في يده، ألقى بعقب سيجاره ثم ~~قال: «الأمر متعلق بمسألة حساسة جدا يا سيدة بينتلاند. الأمر ~~متعلق بحملة السيد أوهارا الانتخابية. أظن أنك على علم بذلك. ~~أعتقد أنك صديقته، أليس كذلك؟» # قالت ببرود: «أوه، بلى. نركب الخيل معا.» # تنحنح، وبدا واضحا عليه الاضطراب، وشرع في أن يحيد بعيدا عن ~~الموضوع الرئيسي، قائلا: «حسنا، أنا صديق مقرب له. في الواقع، ~~نشأنا معا ... وعشنا في الحي نفسه وتشاجرنا معا عندما كنا ~~صبيين. قد لا يجول في ذهنك أن ترينا معا ... لأنه شخص ذكي ~~للغاية. لقد جبل على النجاحات الكبرى أما أنا فلست كذلك ... أنا ... ~~أنا مجرد شخص عادي يدعى جون جافين. لكننا صديقان، على أي حال، ~~كما عهدنا أن نكون تماما ... كما لو أنه لم يكن رجلا عظيما. تلك ~~حقيقة بشأن مايكل. إنه لا يدير ظهره أبدا لأصدقائه القدامى، بصرف ~~النظر عن مدى العظمة التي يصل إليها.» # التمعت عينا الرجل الضئيل الزرقاوين ببريق إعجاب. فكرت ~~أوليفيا في نفسها أن الأمر أشبه بما لو كان يتحدث عن الرب؛ غير ~~أنه كان جليا أنه كان يعتبر مايكل أوهارا أعظم من الرب نفسه. إن ~~كان تأثير مايكل على الرجال هكذا، فمن السهل معرفة سبب نجاحه ~~الكبير. # ظل الرجل الضئيل يقاطع حديثه بالاعتذارات. قائلا: «لا ينبغي ~~أن أطيل عليك يا سيدة بينتلاند ... فقط دقيقة واحدة. ما أريد أن ~~أقوله إنني رأيت أنه من الأفضل أن أقابلك هنا بدلا من المجيء ~~إلى المنزل.» تغيرت تعبيرات وجهه المشرق فجأة، وصار جادا ~~بشدة. «سأخبرك بالأمر وما فيه يا سيدة بينتلاند ... أعرف أنك ~~صديقة مقربة منه وأنك تتمنين له الخير. وترغبين ms228 في أن ينتخب ~~... على الرغم من أن الناس هنا لا يؤيدون الحزب الديمقراطي.» # قالت أوليفيا: «أجل، هذا صحيح.» # واصل حديثه بجهد واضح: «حسنا، مايكل صديق مقرب لي. أنا إلى ~~حد ما حارسه الشخصي. بالطبع، أنا لا آتي إلى هنا مطلقا. أنا لا ~~أنتمي إلى هذا العالم ... من شأني أن أشعر بالغرابة هنا.» ~~(وجدت أوليفيا نفسها تشعر بالاحترام تجاه الرجل الضئيل. كان ~~بسيطا للغاية وصادقا جدا وكان من الواضح أنه يحب مايكل حبا ~~جما.) ~~«ما أريد أن أقوله ... أنا أعرف كل شيء عن مايكل. لقد مررت ~~بتجارب كثيرة معه ... وهو ليس على طبيعته في الوقت الحالي. ثمة ~~خطب ما. لم يعد مهتما بعمله. يتصرف كما لو أنه على استعداد ~~لأن يطرح مسيرته المهنية بأكملها جانبا ... ولا أستطيع أن أتركه ~~يفعل ذلك. لا أحد من أصدقائه ... يستطيع أن يتركه يفعل ذلك. لا ~~يمكننا حمله على الاهتمام بشئونه الخاصة كما ينبغي. فعادة، هو من ~~يتولى إدارة كل شيء ... أفضل من أي شخص آخر.» وفجأة بدا على ~~ملامحه أنه يأتمنها على أسرار، وهو يغمض إحدى عينيه. وسألها: ~~«أتعرفين ما رأيي في الأمر؟ لقد كنت أراقبه ولدي فكرة.» # انتظر حتى ردت أوليفيا قائلة: «كلا ... ليس لدي أدنى ~~فكرة.» # أمال رأسه على أحد الجانبين متحدثا بنبرة تدل على أنه ~~توصل إلى كشف عظيم، قال: «حسنا، أظن أن في الأمر امرأة.» # شعرت بالدماء تتصاعد إلى رأسها، بصرف النظر عن أي شيء ~~بإمكانها فعله. وعندما تمالكت نفسها لتتحدث، سألته: «أجل، وما ~~عساي أن أفعل؟» # اقترب منها أكثر قليلا، وقال لها بنفس نبرة ائتمانها على ~~الأسرار: «حسنا، إليك فكرتي. الآن، أنت صديقته ... وستتفهمين ~~ذلك. ما أريد أن أقوله هو أن المشكلة متعلقة بامرأة ما، هنا في ~~دورهام ... شخصية اجتماعية مرموقة، مثلك. هذا ما يجعل الأمر صعبا. ~~لقد دخل في علاقات مع نساء من قبل، ولكنهن كن نساء من خارج ~~الدائرة الانتخابية ولم يشكل هذا فارقا كبيرا. ولكن الأمر ~~هذه المرة مختلف. إنه مضطرب للغاية و...» تردد للحظة قبل أن ms229 ~~يتابع حديثه. «حسنا، أنا لا أود أن أقول شيئا كهذا عن مايكل، ~~ولكن أظن أنه مفتون قليلا. هذا شيء وضيع لأقوله، ولكننا جميعا ~~بشر، أليس كذلك؟» # ردت أوليفيا برقة: «أجل. أجل ... في النهاية، نحن جميعا بشر ... ~~حتى الشخصيات الاجتماعية المرموقة مثلي.» كان ثمة بريق مزاح ~~في عينها أربك الرجل الضئيل البنية للحظة. # وواصل حديثه قائلا: «حسنا، إنه مضطرب للغاية بشأنها وعاجز ~~عن فعل أي شيء. الآن، ما فكرت فيه هو ... هو أنه يمكنك اكتشاف ~~من تكون هذه السيدة وتذهبي إليها وتقنعيها بأن تدعه وشأنه لبعض ~~الوقت ... أن ترحل بعيدا إلى مكان ما ... على الأقل حتى تنتهي ~~الحملة الانتخابية. هذا من شأنه أن يحدث فارقا. هل ~~تفهمينني؟» # نظر إليها بجرأة، كما لو أن ما قاله كان صادقا وصريحا، كما لو ~~أنه حقا لم يكن لديه أدنى فكرة عمن تكون هذه السيدة، ووراء ~~شعور مستتر بالغضب، كانت أوليفيا مستمتعة بالتكتيك المتواضع ~~الذي صيغت به هذه الحيلة. # قالت: «ليس بوسعي فعل الكثير. إنها فكرة غير معقولة ... ولكن ~~سأفعل ما في وسعي. سأحاول. لا أستطيع أن أعدك بأي شيء. فالأمر كله ~~في النهاية بيد السيد أوهارا.» ~~«ما أريد أن أوضحه يا سيدة بينتلاند، أنه إن تحول الأمر إلى ~~فضيحة، فإنه سيقضي عليه. فامرأة من خارج الدائرة الانتخابية ليست ~~ذات أهمية كبيرة، ولكن امرأة من تلك الأنحاء من شأنها أن تحدث ~~فارقا. ستجلب لنفسها الكثير من الدعاية من جانب رؤساء التحرير ~~المهتمين بفضائح المجتمع وما شابه ... وهذا هو الخطير في الأمر. ~~ستنقلب الكنيسة كلها عليه بسبب الفساد الأخلاقي.» # وبينما كان يتحدث، خطرت على بال أوليفيا فكرة غريبة؛ وهي أن ~~الكثير مما قاله كان يبدو أشبه بمحاكاة غريبة للطرق التي ~~تتبعها العمة كاسي في الجدال. # كان صبر الفرس قد نفد وأخذت تنبش الطريق بحوافرها وتهز رأسها ~~بحركات فجائية؛ وصارت أوليفيا غاضبة الآن، غاضبة بحق، لذا تمهلت ~~قليلا قبل أن تتحدث، كيلا تفضح نفسها وتفسد لعبة التظاهر ~~الصغيرة هذه التي ابتكرها السيد جافين ليحافظ على مظهر هادئ ms230 ~~ويخفي مشاعره. أخيرا قالت: «سأفعل ما في وسعي، ولكنك تطلب ~~مني شيئا سخيفا.» # ابتسم الرجل الضئيل البنية كاشفا عن أسنانه. وقال: «لقد أمضيت ~~وقتا طويلا في السياسة يا سيدتي، ورأيت أشياء أسخف من هذا ...» ~~واعتمر قبعته، كما لو أن ذلك إشارة على أنه قال كل ما أراد قوله. ~~وأردف قائلا: «ولكن ثمة شيء واحد أود أن أطلبه ... وهو ألا تدعي ~~مايكل يعرف أبدا أنني تحدثت معك عن هذا الأمر.» ~~«ولماذا ينبغي أن أعدك ... بأي شيء؟» # اقترب أكثر وقال بصوت خفيض: «أنت تعرفين مايكل جيدا، يا سيدة ~~بينتلاند ... أنت تعرفين مايكل جيدا، وتعرفين أنه عصبي وسريع ~~الغضب. إذا اكتشف أننا كنا نتدخل في شئونه، فقد يفعل أي شيء. قد ~~يترك المسألة كلها فجأة وينفض يده تماما. لم يسبق له أن تصرف ~~هكذا بشأن أي امرأة. ولكنه يمكن أن يفعل ذلك الآن ... ذلك هو ما ~~يشعر به. أنت لا ترغبين في رؤيته وهو يدمر نفسه ولا أنا أرغب ~~في ذلك ... رجل ذكي مثل مايكل. يا إلهي، قد يصبح رئيسا ذات يوم. ~~يستطيع أن يفعل أي شيء يضعه نصب عينيه، يا سيدتي، لكنه صار الآن، ~~كما يقولون، متقلب المزاج.» # قالت أوليفيا بهدوء: «لن أخبره. وسأفعل ما بوسعي لمساعدتك. الآن ~~يجب أن أذهب.» شعرت فجأة بالود تجاه السيد جافين، ربما لأن ما ~~قاله لها هو بالضبط ما كانت تريد سماعه في تلك اللحظة. انحنت من ~~على فرسها ومدت يدها وهي تقول: «صباح الخير يا سيد ~~جافين.» # خلع السيد جافين قبعته مرة أخرى، كاشفا عن رأسه المستدير ~~الأصلع اللامع. وقال: «صباح الخير يا سيدة بينتلاند.» # وبينما كانت ماضية على صهوة فرسها، ظل الرجل الضئيل البنية ~~واقفا في منتصف الطريق يلاحقها بنظراته حتى اختفت. لمعت عينه ~~ببريق الإعجاب، ولكن حين انعطفت من الطريق متجهة إلى المروج، ~~عبس وسب جهرا. فحتى هذه اللحظة لم يكن يفهم كيف يمكن لسياسي ~~محنك مثل مايكل أن يفقد رباطة جأشه ويتصرف بلا تعقل من أجل ~~امرأة. ولكن راودته فكرة أن بإمكانه ms231 أن يثق بهذه المرأة في ~~أنها ستفعل ما وعدت به . كان ثمة شيء ما في مظهرها ... مظهر جعلها ~~تبدو مختلفة عن معظم النساء؛ ربما كان هذا المظهر هو ما خدع ~~مايكل الذي عادة ما كان يضع النساء في وضعهن المناسب. # ابتسم ابتسامة واسعة وهز رأسه، ثم استقل السيارة الفورد، ~~وأدارها فأحدثت ضجة كبيرة، وانطلق صوب بوسطن. وبعد أن سار لمسافة ~~صغيرة توقف مرة أخرى ونزل من السيارة، لأنه في غمرة انفعاله نسي ~~أن يغلق غطاء محرك السيارة. ~~••• # من اللحظة التي استدارت فيها أوليفيا وانطلقت بفرسها مبتعدة عن ~~السيد جافين، عزمت على بذل قصارى جهدها للتصرف. رأت أن الحاجة كانت ~~تدعو إلى ما هو أكثر من مجرد قول الحقيقة لتنظيم الفوضى ~~المبهمة التي حلت على منزل عائلة بينتلاند؛ يجب أن يكون هناك ~~أيضا تصرف ما. وكان الغضب الآن يتملكها، غضب شديد، حتى على ~~السيد جافين لصفاقته، وعلى الشخص المجهول الذي كان مصدر معلوماته. ~~وظلت الفكرة الغريبة، التي مفادها أن العمة كاسي أو آنسون ~~كانا مسئولين بشكل أو بآخر عن هذا الأمر، احتمالا قائما؛ ~~فتكتيكات كهذه كانت متوافقة تماما مع أساليبهما؛ أن يلجآ بأسلوب ~~ميكيافيللي إلى رجل مثل جافين بدلا من مواجهتها مباشرة. ~~فبالاستعانة بالسيد جافين لن تحدث جلبة، ولا خلاف محدد ~~ليعكر حالة الافتتان المحيطة بعائلة بينتلاند. يمكنهم الاستمرار ~~في التظاهر بأنه ليس ثمة خطب، وأن شيئا لم يحدث. # ولكن خوفها كان أقوى من غضبها؛ الخوف من أنهما ربما يستخدمان ~~التكتيكات نفسها لإفساد سعادة سيبيل. كانت متيقنة من أنهما ~~سيضحيان بأي شيء في سبيل إيمانهما بأنهما على صواب. # وجدت جان في المنزل عندما عادت، وبينما كانت تغلق باب غرفة ~~الجلوس، قالت له: «جان، أريد التحدث معك لدقيقة ... على ~~انفراد.» # قال على الفور: «أعرف يا سيدة بينتلاند. الأمر يخص ~~سيبيل.» # كان يتردد في صوته قدر قليل من المرح وهو ما أثر فيها ~~وجعلها ترق له كما هو الحال دوما. وأذهلها أنه كان لا يزال ~~حديث السن بما يكفي ليكون واثقا من أن ms232 كل شيء في الحياة من ~~شأنه أن يسير بالضبط كما تمناه ... # قالت: «أجل، إنه كذلك.» جلسا على كرسيين من كراسي هوراس بينتلاند ~~وتابعت حديثها. قالت: «أنا لا أومن بالتدخل فيما لا يعنيني يا ~~جان، ولكن الآن توجد ظروف خاصة ... أسباب.» قامت بإيماءة صغيرة. ~~وأردفت قائلة: «ظننت أنه إن كنت حقا ... حقا ...» # قاطعها بسرعة قائلا: «أنا بالفعل أريد ذلك يا سيدة بينتلاند. ~~لقد تباحثنا الأمر، أنا وسيبيل ... واتفقنا. كلانا يحب الآخر. ~~وسنتزوج.» # راقبت الوجه اليافع المتحمس، وقالت في نفسها: «يا له من وجه ~~لطيف لا أثر فيه لشيء وضيع أو بغيض. الشفتان ليستا رفيعتين ~~ومتصلبتين مثل شفتي آنسون، والبشرة ليست شاحبة وباهتة كحال بشرة ~~آنسون دوما. إنه وجه مفعم بالحيوية والقوة والسحر. إنه وجه رجل ~~من شأنه أن يكون مناسبا لامرأة ... رجل لا يفتقر إلى العاطفة على ~~الإطلاق.» # سألته: «هل تحبها ... حقا؟» ~~«أنا ... أنا ... هذا سؤال أعجز عن الإجابة عنه لأنه لا توجد كلمات ~~لوصف حبي لها.» ~~«لأن ... في الواقع ... يا جان، ليست حالة عادية لأم وابنتها. ~~الأمر أعمق من ذلك بكثير. الأمر عندي أهم من سعادتي الشخصية، من ~~حياتي ذاتها ... لأن، في الواقع، لأن سيبيل مثل جزء من نفسي. ~~أريدها أن تكون سعيدة. إنها ليست مجرد حالة بسيطة لشابين ~~مقدمين على الزواج. الأمر أكبر من ذلك بكثير.» ساد الصمت ~~لبرهة، ثم سألته: «إلى أي مدى تحبها؟» # تحرك حتى صار جالسا على حافة الكرسي، وكله حماس. وشرع في ~~الرد ولكن بقليل من التلعثم قائلا: «يا إلهي ... لا يمكنني التفكير ~~في العيش بدونها. الأمر مختلف عن أي شيء تخيلته يوما ما. رباه ~~... لقد خططنا لكل شيء ... لحياتنا كلها. لو فقدتها، لن يهم ما ~~سيحدث لي بعدها.» ابتسم ابتسامة واسعة وأضاف قائلا: «ولكن ... لقد ~~قال الناس كل ذلك من قبل. لا توجد كلمات يمكن أن تفسر ... يمكن ~~أن تجعل الأمر يبدو مختلفا عن أي شيء آخر كما يبدو لي.» ~~«ولكنك ستأخذها بعيدا عن هنا، أليس كذلك؟» ~~«بلى ... تريد أن تذهب حيثما أذهب.» ~~(قالت ms233 أوليفيا في نفسها: «إنهما صغيران في السن. لم يفكرا ~~مطلقا في أي شخص آخر ... لا في أنا ولا في جد سيبيل.») # ثم قالت جهرا: «أتفق معك يا جان ... أريدك أن تأخذها بعيدا عن ~~هنا ... بصرف النظر عما يحدث، يجب أن تأخذها بعيدا.» (وأردفت ~~قائلة في نفسها: «وحينئذ لن يكون لدي حتى سيبيل.») ~~«سنذهب إلى مزرعتي في الأرجنتين.» ~~«أتفق معك ... أظن أن سيبيل سيعجبها ذلك.» تنهدت، رغما ~~عنها، وهي تشعر بحسد مبهم لكليهما. «ولكنك شاب غر. كيف ~~يمكنك أن تعرف على وجه اليقين؟» # للحظة عابرة امتقع وجهه وقال: «أنا في الخامسة والعشرين من ~~عمري، يا سيدة بينتلاند ... ولكن ليس هذا الشيء الوحيد وحسب ... ما ~~أريد أن أوضحه لك أنني نشأت بين الفرنسيين ... كرجل فرنسي. ~~وهذا هو مكمن الاختلاف.» تردد، وتجهم وجهه للحظة. ثم أردف ~~قائلا: «ربما لا ينبغي أن أفصح ... ربما لن تفهمي. أعرف كيف تسير ~~الأمور في هذا الجزء من العالم ... ما أريد أن أقوله، لقد نشأت على ~~أن أعتبر الوقوع في الحب شيئا طبيعيا ... شيئا مبهجا وطبيعيا ~~وممتعا. لقد أحببت من قبل، حبا عارضا ... بطريقة الشباب ~~الفرنسي ... ولكن بجدية، أيضا؛ لأن الرجل الفرنسي لا يسعه إلا أن ~~يحيط أمرا كهذا بالمشاعر والرومانسية. لا يسعه إلا ذلك. لو كان ~~الأمر مجرد ... مجرد شيء مخجل وبغيض، فلن يستطيع تحمله. إنهم لا ~~يدخلون في علاقات غرامية بدون مشاعر ... بالطريقة التي سمعت الرجال ~~يتحدثون بها عن تلك الأمور منذ جئت إلى هنا. هذا مكمن الاختلاف، ~~يا سيدة بينتلاند، إذا ما رأيت الأمر على ضوء الطريقة التي ينظرون ~~بها إليه. الأمر مختلف هنا ... أرى الاختلاف أوضح يوما بعد ~~يوم.» # كان يتحدث بكل جدية وشغف، وعندما توقف عن الحديث للحظة، ظلت ~~صامتة، عازفة عن مقاطعته إلى أن ينتهي من حديثه. ~~«ما أحاول قوله صعب ومعقد يا سيدة بينتلاند. ولكن الأمر بكل ~~بساطة هو ... أنني في الخامسة والعشرين من عمري، ولكنني اكتسبت ~~خبرة في الحياة. لا تضحكي! لا تظني أنني مجرد شاب جامعي ~~أحاول جعلك تظنين ms234 أنني فاسق. كل ما في الأمر أن ما أقوله ~~حقيقي . لدي معرفة بمثل هذه الأمور ... وأنا سعيد لأن هذا يجعلني ~~أكثر يقينا في أن سيبيل هي المرأة الوحيدة في العالم التي تصلح ~~لي ... التي من أجلها سأضحي بكل شيء. وسأعرف جيدا كيف أسعدها، ~~وسأكون لطيفا معها ... وسأفهمها. ولقد تعلمت الآن، وهو أمر يحتاج ~~إلى التعلم ... أهم شيء في الحياة كلها. الفرنسيون محقون بشأنه. ~~إنهم يجعلون من الحب شيئا جميلا ورائعا.» أشاح ببصره وقد بدا ~~حزن مفاجئ على ملامحه. وأردف قائلا: «ربما لم يكن ينبغي أن ~~أفصح لك عن كل هذا ... ولكنني أخبرت سيبيل. وهي تفهم.» # ردت أوليفيا: «كلا. أظن أنك محق ... ربما.» ظلت تفكر في ~~القصة المأساوية الطويلة لجون بينتلاند، ولآنسون، اللذين شعرا ~~دوما بالخجل من الحب وتعاملا معه على أنه شيء مقيت. في ~~نظرهما، كان شيئا كئيبا وغريبا دائما ما يشوبه الخزي. ظلت ~~تفكر، على الرغم من أي شيء يمكن أن تفعله، في محاولات آنسون ~~الخرقاء المتكلفة لممارسة الحب، وغمرها فجأة شعور بالخزي من ~~أجله. كان آنسون، الفخور والمتغطرس جدا، بائسا، وأدنى حتى من ~~سائسه. # ثم سألته: «ولكن لماذا لم تتحدث معي بخصوص سيبيل في وقت أبكر ~~من ذلك؟ لقد لاحظ الجميع الأمر، ولكنك لم تتحدث إلي ~~مطلقا.» # للحظة لم يجبها. وغشي تعبير يشي بالألم عينيه الزرقاوين، ثم ~~قال، وهو ينظر إليها مباشرة: «ليس من السهل توضيح السبب. كنت ~~خائفا من أن آتي إليك خوفا من أنك قد لا تفهمين، وكلما طالت ~~مدة وجودي هنا، أجلت الأمر أكثر لأن ... في الواقع، لأن هنا في ~~دورهام، الأسلاف، والعائلة، وكل تلك الأمور، تبدو محور كل شيء. ~~يبدو أنه يوجد دوما تساؤل حول عائلة المرء. لا اهتمام سوى ~~بالماضي، ولا اهتمام بالمستقبل على الإطلاق. كذلك، ما أريد قوله، ~~إنني، نوعا ما ... لا أملك عائلة.» هز كتفيه العريضتين وكرر ~~قوله: «نوعا ما، لا أملك عائلة على الإطلاق. ما أريد قوله، لم ~~تتزوج والدتي أبدا من والدي ... وليس لي حق الانتساب إلى اسم دي ms235 ~~سيون. أنا ... أنا ... في الواقع، مجرد لقيط، وبدا أن مجرد الحديث ~~إلى أحد أفراد عائلة بينتلاند عن الارتباط بسيبيل أمرا ميئوسا ~~منه.» # لاحظ أنها أجفلت، وانزعجت، ولكنه لم يكن بوسعه أن يعرف أن ~~النظرة في عينيها لم يكن لها إلا علاقة ضئيلة جدا بالشعور ~~بالصدمة مما كان قد قاله لها؛ بل كانت تفكر في أن معرفة ذلك من ~~شأنها، في يد آنسون والعمة كاسي، بل وفي يد جون بينتلاند نفسه، أن ~~تكون سلاحا رهيبا. # أخذ يتحدث مرة أخرى بنفس الجدية المفعمة بالحماس. ~~«لن أجعل هذا يحدث أي فارق، ما دامت سيبيل ستقبل بي زوجا، ~~ولكن، ما أريد قوله، من الصعب جدا أن أشرح، لأن الأمر ليس كما ~~يبدو. أريدك أن تفهمي أن والدتي امرأة رائعة ... لن أكلف نفسي ~~عناء التوضيح، أن أقول أي شيء ... فيما عدا لك أنت ~~وسيبيل.» ~~«لقد أخبرتني سابين بشأن والدتك.» # قال جان: «السيدة كاليندار تعرفها منذ فترة طويلة ... إنهما ~~صديقتان رائعتان. وهي تتفهم الأمر.» ~~«ولكنها لم تخبرني قط ... بذلك. هل تقصد أنها تعرف ذلك طوال ~~الوقت؟» ~~«هذا ليس أمرا يسهل الحديث عنه ... لا سيما هنا في دورهام، وفي ~~تصوري أنها ظنت أنه قد يسبب لي المتاعب ... بعد أن لاحظت ما ~~حدث بيني أنا وسيبيل.» # واصل حديثه بسرعة، ليخبرها بما كان قد أخبر به سيبيل عن قصة ~~والدته، محاولا أن يجعلها تفهم ما فهمه هو، وسابين وحتى زوج أمه، ~~الموقر المسن دي سيون ... محاولا شرح شيء هو نفسه كان يعرف أنه ~~لا يمكن تفسيره. أخبرها بأن والدته رفضت الزواج من عشيقها، «لأن ~~في حياته خارج إطار علاقتهما ... الحياة التي لم يكن لها علاقة بها ... ~~اكتشفت أمورا لم يكن يمكنها أن تحتملها. رأت أنه كان من الأفضل ~~ألا تتزوجه ... أفضل لها وله، والأهم من ذلك كله، أفضل لي ... لقد ~~فعل أشياء من أجل النجاح - أشياء وضيعة وغير مشرفة - لم تستطع ~~أن تغفرها ... ولذلك لم تكن لتتزوجه. والآن، عندما أسترجع ما حدث، ~~أظن أنها كانت على حق. لم يحدث ms236 هذا فارقا كبيرا في حياتها. لقد ~~عاشت بالخارج ... باعتبارها أرملة ، وكان عدد قليل جدا من الأشخاص ~~- لا يزيد عددهم عن اثنين أو ثلاثة - يعرف الحقيقة. لم يخبر أحد ~~مطلقا لأنه، نظرا لكونه سياسيا، كان يخشى من فضيحة كهذه. لم ~~تكن ترغب في أن أنشأ تحت هذا التأثير، وأظن أنها كانت محقة. ~~وواصل هو فعل أشياء وضيعة وغير مشرفة ... ولا يزال يفعلها اليوم. ما ~~أريد قوله إنه سياسي ... سياسي وضيع جدا. إنه الآن عضو بمجلس ~~الشيوخ ولم يتغير. يمكنني أن أخبرك باسمه ... أظن أن من شأن ~~البعض أن يظنوه رجلا موقرا ... لكنني وعدتها ألا أفصح عن ذلك ~~أبدا. هو يظن أنني ميت ... لقد جاء إليها ذات مرة وطلب أن يراني، ~~وأن يساهم في تعليمي ومستقبلي. قال إن ثمة أشياء يمكن أن يفعلها ~~من أجلي في أمريكا ... فأخبرته ببساطة بأنني توفيت ... بأنني قتلت ~~في الحرب.» # أنهى حديثه بفورة حماس مفاجئة، وأشرق وجهه بالمحبة. وأردف ~~قائلا: «ولكن يجب أن تعرفيها حقا لكي تفهمي ما أقوله. فعندما ~~تعرفينها، ستفهمين كل شيء؛ لأنها واحدة من العظماء ... الأقوياء في ~~العالم. في الواقع، إنه أحد الأمور التي يستحيل شرحها - لك أو حتى ~~لسيبيل - يستحيل شرحها للآخرين. يجب أن يعرفها المرء ~~بنفسه.» # إن كانت لديها في السابق أي شكوك أو مخاوف، أدركت الآن أنه فات ~~أوان فعل شيء الآن؛ أدركت أنه من المستحيل تغيير إرادة عاشقين ~~مثل جان وسيبيل. نوعا ما، باتت تفهم قصة والدة جان من مراقبته ~~أكثر من الاستماع إلى شرحه المطول. لا بد أنها تتمتع بنفس ذلك ~~الإصرار وتلك الرغبة الملحة اللذين كانا في ابنها ... وهي سمة لا ~~تقاوم في حد ذاتها. ومع ذلك، كان الأمر صعبا؛ لأنها خشيت، ~~بطريقة أو أخرى، من تبعات هذا الأمر غير المتوقع، ربما لأنه بدا ~~على نحو غامض مثل وصمة سافينا بينتلاند. # قالت: «إذا كان لا أحد يعرف بذلك، فلا داعي للإفصاح عنه هنا. فلن ~~يتسبب ذلك إلا في تعاسة جميع المعنيين بالأمر. هذا الأمر يعنيك ~~أنت وحدك ... وسيبيل. ms237 ولا يحق للآخرين أن يتدخلوا، أو حتى أن ~~يعرفوا؛ ولكنهم سيحاولون، يا جان ... ما لم ... تفعلا ما تريدان ... ~~بسرعة. أحيانا أظن أنهم قد يفعلون أي شيء.» # قال بنفاد صبر: «تقصدين ...» # استرجعت أوليفيا ذلك التلميح المبهم الذي قد أشار إليه جون ~~بينتلاند في الليلة السابقة. وقالت: «حدثت واقعة هروب مع عشيق ~~لها ذات مرة في عائلة بينتلاند.» # سألها بحماس قائلا: «ألن تمانعي ذلك؟ ألن تتأذي ... إن ~~تصرفنا بتلك الطريقة؟» # قالت أوليفيا في هدوء: «لن أعرف شيئا عن هذا حتى يكون قد فات ~~أوان فعل أي شيء.» # أضاف قائلا: «الغريب في الأمر أننا فكرنا في ذلك. لقد ~~تحدثنا عنه، لكن سيبيل كانت خائفة من أنك قد ترغبين في إقامة ~~حفل زفاف ضخم وما إلى ذلك ...» ~~«كلا، أظن أنه من الأفضل عدم إقامة أي زفاف على الإطلاق ... ~~خاصة في ظل الطروف الراهنة.» # قال في حماس: «اقترحت السيدة كاليندار هذا باعتباره أفضل مخرج. ~~... وعرضت أن تقرضنا سيارتها الخاصة.» ~~«هل ناقشت الأمر معها ومع ذلك لم تتحدث إلي؟» ~~«حسنا، في الواقع، هي مختلفة ... هي وتيريز ... إنهما لا ينتميان ~~إلى دورهام. علاوة على أنها هي التي فاتحتني في الأمر أولا. كانت ~~تعرف بما يجري. هي تعرف دائما. أكاد أظن أنها خططت للموضوع ~~برمته منذ فترة طويلة.» # رأت أوليفيا، وهي تتطلع من النافذة، سيارة العمة كاسي العتيقة ~~تدخل ممر السيارات الطويل وهي بداخلها بصحبة الآنسة بيفي، ~~بأوشحتها المتطايرة وكلابها البيكنواه. # قالت أوليفيا: «السيدة سترازرس قادمة. يجب ألا نثير شكوكها. ومن ~~الأفضل ألا تخبرني بأي شيء عن خططك؛ ومن ثم ... لن أتمكن من ~~التدخل حتى وإن رغبت في ذلك. فربما أغير رأيي ... لا أحد يدري ~~مطلقا.» # نهض من مكانه، وتوجه إليها، وأمسك بيدها وقبلها. وقال: «لا ~~يوجد ما يقال يا سيدة بينتلاند ... عدا أنك ستكونين سعيدة بما ~~فعلته. لست بحاجة للقلق بشأن سيبيل ... سأسعدها ... أظن أنني أعرف ~~كيف أسعدها.» # تركها، وهرع مبتعدا بسرعة مارا أمام صف صور الأجداد ~~المعلقة في الردهة الطويلة وهو يبحث عن سيبيل، ويفكر في ms238 نفس ~~الوقت كم سيبدو غريبا أن يحظى بحماة شابة وجميلة مثل السيدة ~~بينتلاند. إنها امرأة فاتنة (قالها في نفسه في فورة حماسه)، امرأة ~~عظيمة، ولكنها حزينة جدا، كما لو أنها لم تر سعادة في حياتها ~~قط. كان ثمة حزن يخيم عليها. ~~••• # ولكنه لم يفر بالسرعة الكافية، إذ إن عيني العمة كاسي ~~الحادتين لمحتاه وهو يغادر المنزل في اتجاه الإسطبل. التقت ~~بأوليفيا عند المدخل، فقبلتها وقالت: «هل الشاب الذي رأيته ~~يغادر توا هو فتى سيبيل؟» # ردت أوليفيا: «أجل. كنا نتحدث عن سيبيل. قلت له أنه يجب ~~ألا يفكر في الزواج منها.» # أشرق وجه العمة كاسي الشاحب بابتسامة استحسان. وأردفت قائلة: ~~«أنا سعيدة يا عزيزتي، بأنك تتحلين بالعقلانية حيال هذا. كنت ~~أخشى ألا تكوني كذلك، ولكنني لم أود التدخل. لا أعتقد أبدا ~~أن خيرا يأتي من وراء هذا، ما لم يكن المرء مجبرا عليه. إنه ليس ~~الشخص المناسب لسيبيل ... رباه، لا أحد يعرف أي شيء عنه. لا ~~يمكنك أن تدعي فتاة تتزوج بتلك الطريقة ... من أي شخص يطرق ~~بابها. بالإضافة إلى ذلك، السيدة بولسفير تراسلني ... أنت ~~تتذكرينها، يا أوليفيا، خالة فتى عائلة مانرينج التي كانت تمتلك ~~منزلا في شارع تشيسنت ... في الواقع، هي تعيش في باريس الآن في ~~فندق كونتيننتال، وكتبت لي أنها اكتشفت لغزا غامضا بخصوص والدته. ~~على ما يبدو لا أحد يعرف عنها الكثير.» # قالت أوليفيا: «يا إلهي، وهل ينبغي أن تراسلك بخصوص أمر كهذا؟ ~~ما الذي جعلها تظن أنك يمكن أن تكوني مهتمة؟» ~~«حسنا، كنا أنا وكيت بولسفير نرتاد المدرسة نفسها، وما نزال ~~نتبادل الرسائل من وقت إلى آخر. كل ما في الأمر أنه تصادف أنني ~~ذكرت اسم الفتى حين كنت أكتب لها عن سابين. قالت، بالمناسبة، إن ~~سابين لديها أصدقاء غريبين جدا في باريس وإن سابين لم تزرها ~~كثيرا مطلقا أو تطلب منها تناول الشاي معها. وثمة فضيحة جديدة ~~بخصوص زوج سابين وامرأة إيطالية. وقعت في مدينة فينيسيا.» ~~«ولكنه لم يعد زوجها.» # جلست السيدة العجوز وأخذت تفصح عن ms239 الأخبار التي جاءتها من ~~رسالة كيت بولسفير؛ ومع كل كلمة بدا أنها تزداد قوة أكثر فأكثر، ~~ويقل شحوبها وإجهادها شيئا فشيئا. ~~(قالت أوليفيا في نفسها: «لا بد أن هذا هو أثر المصائب الكثيرة ~~التي احتوتها رسالة واحدة.») # رأت حينئذ أنها تصرفت في الوقت المناسب وكانت سعيدة بأنها كذبت، ~~بطريقة قاطعة جدا، ومقتضبة جدا، دون أن تفكر في السبب وراء ~~تصرفها هذا. لأن السيدة بولسفير كانت عازمة على سبر غور المسألة، ~~حتى لو لم يكن يوجد سبب سوى إيذاء سابين؛ لقد عاشت فيما مضى في ~~منزل في شارع تشيسنت ستريت كان يرى منه مدخل كل بيت من البيوت ~~المحيطة. كانت واحدة من الأموات الذين أشار إليهم جون بينتلاند، ~~الذين كانت حياتهم تتمحور حول التلصص على حياة الآخرين. # 4 # منذ اللحظة التي التقت فيها أوليفيا بالسيد جافين على الطريق ~~الرئيسية حتى المأساة التي وقعت بعدها بيومين، بدا لها أن الحياة ~~في منزل عائلة بينتلاند فقدت كل واقعيتها. وعندما فكرت في الأمر ~~بعد ذلك بفترة طويلة، وجدت أن الساعات صارت أشبه بكابوس، انفكت ~~فيه تعويذة السحر القديمة وأفسحت الطريق أمام إحساس مرهق بنزاع ~~بين قوى، تمحورت حولها، وتركتها في النهاية مجروحة وكسيرة ~~قليلا، ولكن تشعر بالأمان. # مرة أخرى استقرت الحرارة الخانقة التي كانت تغشى تلك الناحية ~~من نيو إنجلاند من وقت إلى آخر، تاركة أوراق الأشجار متدلية في ~~وهن وذبول، وتعود لتستقر فوق المروج والأهوار، وفي منتصف فترة ~~ما بعد الظهيرة ظهر مشهد نادر الحدوث للغاية؛ ألا وهو تحرك ~~سابين الكسولة تحت أشعة الشمس الحارقة. شاهدتها أوليفيا قادمة عبر ~~الحقول، لا يقيها من أشعة الشمس اللافحة إلا المظلة الصفراء ~~البسيطة. تقدمت ببطء وعدم اكتراث، وحتى دخلت غرفة الاستقبال ~~الباردة المظلمة، كانت تبدو سابين الملولة المألوفة؛ ولم يظهر ~~الاختلاف إلا بعد أن ألقت التحية على أوليفيا. # قالت باقتضاب: «سأغادر بعد غد.» وبدلا من أن تجلس ليتحادثا، ~~ظلت تجول في الغرفة باضطراب، وهي تتفحص التحف الفنية الخاصة ~~بهوراس بينتلاند وتقلب صفحات الكتب والمجلات دون أن ms240 ترى ما ~~فيها. # سألتها أوليفيا: «لماذا؟ ظننت أنك ستمكثين حتى شهر ~~أكتوبر.» ~~«كلا، سأغادر على الفور.» ثم استدارت وتمتمت قائلة: «لقد كرهت ~~دورهام دوما. إنها لا تطاق بالنسبة إلي الآن. أشعر بملل ~~مريع. لقد كان السبب في مجيئي، في المقام الأول، هو أنني ارتأيت ~~أنه يجب أن تتعرف تيريز على أهلها. ولكن لا جدوى من ذلك. فلن ~~تتزوج بأي منهم. أرى الآن إلى أي مدى تشبه والدها. إنهم ~~ليسوا أهلها ولن يكونوا كذلك أبدا ... لا أتصور أن أيا منا ~~سترى دورهام مرة أخرى.» # ابتسمت أوليفيا. وقالت: «أعرف أن المكان هنا ممل.» ~~«أوه، أنا لا أقصدك أنت يا عزيزتي أوليفيا، أو حتى سيبيل أو ~~أوهارا، ولكن ثمة شيء في الأجواء ... سأذهب إلى نيوبورت لمدة أسبوعين ~~ثم إلى بلدة بياريتز الفرنسية لقضاء شهر أكتوبر. تيريز ترغب في ~~الالتحاق بأكسفورد.» ثم ابتسمت ابتسامة ساخرة. وقالت: «جزء ضئيل ~~منها ينتمي إلى نيو إنجلاند، على أي حال ... مسألة التعليم هذه. ~~أردت ابنة تكون نموذجا للفتاة الاجتماعية فمنحني الرب ونيو ~~إنجلاند عالمة ترتدي حذاء بلا كعب وتنظر في عدسة المجهر. غريب ~~كيف يضحي حال الأطفال.» ~~(قالت أوليفيا في نفسها: «حتى تيريز وسابين. حتى هما ينتميان ~~إلى هنا.») # راقبت أوليفيا سابين، المتمرسة جدا في الحياة، المتأنقة ~~جدا في ملبسها، الصلبة جدا - يا لها من رحالة لا تهدأ؛ وبينما ~~كانت تراقبها خطر على بالها مرة أخرى أنها شديدة الشبه بالعمة ~~كاسي - نسخة من العمة كاسي متمردة على آلهة العمة كاسي نفسها، ~~«إنها ما بداخل كاسي مجسدا»، على حد قول جون بينتلاند. # قالت سابين، دون أن ترفع بصرها عن مجلة «نوفيل ريفيو» الفرنسية: ~~«أنا سعيدة بأن هذا الأمر الذي يخص سيبيل قد حسم.» ~~«أجل.» ~~«هل أخبرك عن والدته؟» ~~«أجل.» ~~«هل جعلت ذلك يحدث فارقا؟ هل أخبرت الآخرين؟» ~~«كلا ... أي شيء كان يمكنني أن قوله ما كان سيحدث أي ~~فارق.» ~~«كانت تلك حكمة منك ... أظن أن تيريز محقة، ربما ... محقة أكثر من ~~أي منا. تقول إن الطبيعة تزدري عقود الزواج. ms241 الاحترام لا يمكن ~~أن يبث الحياة في العفن ... وجان مفعم بالحياة ... وكذلك ~~أمه.» ~~«أعرف ما ترمين إليه.» ~~«بالتأكيد يا عزيزتي، حري بك أن تعرفي. لقد عانيت منه بما ~~فيه الكفاية. ومعرفة والدته تشكل فارقا. إنها ليست سيدة عادية ~~تافهة، أو حتى امرأة كانت ضعيفة بما يكفي لأن تسمح بإغوائها. ~~يصادف المرء كل خمسين عاما امرأة تستطيع أن ... كيف أقولها؟ ... أن ~~تفلت من عواقب فعلة كهذه. يجب أن تكوني امرأة عظيمة حتى تفعلي هذه ~~الفعلة. لا أظن أنها أحدثت فارقا كبيرا في حياتها، ويرجع هذا ~~بالأساس إلى أنها سيدة تتمتع برجاحة العقل والذوق الرفيع. ولكن ~~ربما كانت ستصنع فارقا في حياة جان لو أنه كان قد صادف أما أقل ~~حكمة منك.» ~~«لا أعرف إن كنت أتمتع بالحكمة أم لا. أنا مؤمنة به وأريد ~~لسيبيل أن تهرب.» # أدركت أوليفيا أنهما كانتا لأول مرة تتناقشان في الأمر دون أن ~~تذكره أي منهما، الأمر الذي كانت سابين قد تطرقت إليه تلميحا. ~~أشاحت سابين بنظرها ووقفت تتطلع من النافذة عبر المروج حيث وقفت ~~الأشجار النائية تتمايل مع موجات الحرارة. ~~«لقد أفسدت إجازتي الصيفية قليلا يا عزيزتي أوليفيا، بانتزاعك ~~صديقي الأيرلندي مني.» # فجأة غضبت أوليفيا كما كانت تغضب أحيانا من تدخلات العمة ~~كاسي. وقالت: «أنا لم أنتزعه منك. لقد فعلت كل ما بوسعي لكي ~~أتجنبه ... حتى جئت أنت. أنت من جمعنا معا. ولهذا السبب نحن ~~جميعا في مأزق الآن.» وظلت تفكر في أن سابين كاليندار امرأة ~~غريبة حقا، ومعقدة وغامضة. لم تكن تعرف أي امرأة أخرى في ~~العالم يمكنها التحدث على نحو متجرد من المشاعر، وبدون ~~عواطف مثلها. # قالت لها: «ظننت أنه سيؤانسني، وبدلا من ذلك وجدته يتخذني ~~كاتمة لأسراره فحسب. يأتي إلي طلبا للنصيحة بخصوص امرأة أخرى. ~~وهذا، في الواقع، ليس أمرا مثيرا للاهتمام جدا ...» # اعتدلت أوليفيا في جلستها فجأة. وقالت: «ما الذي قاله؟ وبأي حق ~~يفعل شيئا كهذا؟» ~~«لأنني طلبت منه ذلك. عندما جئت هنا لأول مرة، وعدته بأن ~~أساعده. وكما تلاحظين، أنا ودودة ms242 جدا مع كليكما. وأريد ~~سعادتكما و... علاوة على ذلك لا يسعني أن أفكر في حدوث أي شيء ~~يمكن أن يمنحني سعادة أكبر.» # عندما لم تجبها أوليفيا، استدارت مولية ظهرها للنافذة وسألتها ~~فجأة: «ماذا ستفعلين بشأنه؟» # مرة أخرى رأت أوليفيا أنه من الأفضل ألا ترد، ولكن سابين ظلت ~~تلح في تلك النقطة بلا هوادة قائلة: «يجب أن تعذريني على ~~التحدث بصراحة، ولكن لدي محبة كبيرة تجاهكما ... وأنا ... في الواقع، ~~ضميري يؤنبني بخصوص هذه المسألة.» ~~«لست مضطرة إلى ذلك. لا يوجد أي شيء يستلزم أن يؤنبك ~~ضميرك بشأنه.» ~~«أنت لا تتحرين الصدق كثيرا فيما تقولين.» # فجأة انفجرت أوليفيا غضبا. وقالت: «ولماذا يشغلك هذا الأمر يا ~~سابين ... على الإطلاق؟ لماذا لا يمكنني أن أفعل ما يحلو لي، دون ~~تدخل من أحد؟» ~~«لأن، هنا ... وأنت تعلمين بقدر ما أعلم أنا ... هنا أمر كهذا ~~مستحيل.» # وفجأة انتابها، بغرابة، شعور بالخوف من سابين، ربما لأنها كانت ~~عازمة جدا على دفع الأمور نحو نتيجة محددة. بدا لأوليفيا أنها ~~كانت تفقد أي قدرة على التصرف، أي قدرة على فعل أي شيء عدا ~~الانتظار والتظاهر والوقوف مكتوفة الأيدي. # واصلت سابين حديثها بتأن قائلة: «وأنا مهتمة لأنه لا ~~يمكنني أن أحتمل رؤية مشهد مأساوي آخر مماثل لمشهد جون بينتلاند ~~والسيدة سومز.» # قالت أوليفيا بنبرة يائسة: «لن تحدث مأساة أخرى. حمي مختلف ~~عن مايكل.» ~~«هذا صحيح.» ~~«نوعا ما ... هو رجل أفضل.» وجدت نفسها فجأة في موقف مدهش ~~متمثل في الدفاع عن آل بينتلاند. # قالت سابين بقدر هائل من العقلانية: «ولكنه ليس رجلا حكيما ~~جدا ... أو ذكيا جدا.» ~~«أجل. من المستحيل قول ذلك ...» ~~«شيء كهذا من المرجح ألا يأتي إلا مرة واحدة للمرأة.» ~~(قالت أوليفيا في نفسها: «لماذا تواصل تكرار الأشياء نفسها التي ~~ما برحت أقاومها طوال الوقت.») وجهرا قالت: «سابين، يجب أن ~~تدعيني وشأني. أنا وحدي من أقرر.» ~~«لا أريدك أن تفعلي شيئا ستندمين عليه بقية حياتك ... أشد ~~الندم.» ~~«تقصدين ...» ~~«أوه، أقصد ببساطة أن تهجريه.» # مرة أخرى لاذت أوليفيا بالصمت، فباغتتها ms243 سابين بسؤالها: «هل ~~زارك سيد يدعى جافين؟ رجل نبيل أصلع ذو وجه لامع؟» # نظرت أوليفيا إليها بحدة. وسألتها: «كيف عرفت ذلك؟» ~~«لأنني من أرسله يا عزيزتي ... لنفس السبب الذي أنا موجودة هنا ~~الآن من أجله ... لأنني كنت أريدك أن تفعلي شيئا ... أن تتصرفي. ~~وأنا أعترف الآن لأنني ظننت أنه يجب أن تعرفي الحقيقة، ما دمت ~~سأغادر. وإلا قد تظنين أن العمة كاسي أو آنسون من فعل هذا ... ~~وربما تقع مشكلة من جراء ذلك.» # مرة أخرى لم تقل أوليفيا شيئا؛ إذ شردت في حزن عميق ~~تفكر في أن سابين، في نهاية المطاف، لم تكن أفضل من ~~الآخرين. # قالت سابين: «ليس من السهل الإقدام على تصرف في هذا المنزل. ~~ليس من السهل فعل أي شيء سوى التظاهر ومواصلة الحياة هكذا حتى ~~تصبحين في النهاية عجوزا وتموتين. فعلت هذا كي أساعدك ... من أجل ~~مصلحتك.» ~~«هذا ما تقوله العمة كاسي دوما.» # أصاب قولها هدفه؛ لأنه أسكت سابين، وبدت سابين في لحظة الصمت ~~التي سادت بينهما أقرب إلى قوة روحية مدهشة، وتكاد تكون خبيثة، ~~من كونها امرأة. وحين أجابت، كان ردها هزة كتف وابتسامة مريرة ~~بدت مرارتها مضاعفة على الشفتين المطليتين بكل وضوح. وقالت: ~~«أظن أنني أشبه العمة كاسي. رغم أنني لم أكن كذلك ... ربما كنت ~~شخصا طبيعيا لطيفا ... مثل هيجينز أو أحد من الخدم.» # تردد صدى الحديث الغريب في قلب أوليفيا. ففي الآونة الأخيرة، ~~ظلت الخاطرة نفسها تراودها مرارا وتكرارا؛ ليت كان بوسعها أن ~~تكون بسيطة مثل هيجينز أو خادمة المطبخ. في هذه اللحظة بدا هذا ~~الحال هو أكثر شيء ترغبه في الدنيا. ربما كانت هذه الرغبة الغريبة ~~هي ما قاد سابين إلى أن تحيط نفسها بما يطلق عليه مجتمع دورهام ~~«أناس غريبون»، كانوا، في نهاية المطاف، أشخاصا بسطاء مثل هيجينز ~~وخادمة المطبخ ولكن تصادف أنهم كانوا يشغلون مكانة أعلى في ~~المجتمع. # كانت سابين تقول: «الأجواء هنا بحاجة إلى تصفيتها. إنها بحاجة ~~إلى عاصفة رعدية، ولا يمكن تصفيتها إلا بالإقدام على تصرف ... هذه ~~العلاقة ms244 الغرامية بين جان وسيبيل ستساعد في ذلك. نحن جميعا ~~عالقون في كتلة متشابكة من الهواجس والأفكار ... التي لا أهمية لها. ~~... يمكنك فعلها، يا أوليفيا. يمكنك أن تصفي الأجواء ~~نهائيا.» # حينئذ ولأول مرة رأت أوليفيا أنها فهمت ما يكمن وراء كل هذا ~~الفضول والاهتمام من جانب سابين؛ للحظة تصورت أنها أدركت ما هو ~~ما تريده سابين بشغف وحماس أكثر من أي شيء في العالم. # فقالت جهرا: «بوسعي تصفية الأجواء، ولكن هذا من شأنه أيضا أن ~~يكون فيه دمار كل شيء.» # نظرت سابين إليها مباشرة. وقالت: «وماذا في ذلك؟ ... هل ستشعرين ~~بالأسى على ذلك؟ هل ستعتبرينه خسارة؟ هل سيصنع أي فارق؟» # باندفاع تحسست يد سابين. وقالت دون أن تنظر إليها: «سابين، ~~أنا معجبة بك. أنت تعرفين ذلك. أرجوك، لا تعاودي الحديث في ~~هذا الأمر ... أرجوك؛ لأنني أريد أن أظل معجبة بك ... ولا ~~يمكنني أن أفعل خلاف ذلك. إنه شأننا، أنا ومايكل ... وسأعمل على ~~تسوية الأمر، ربما الليلة، حالما أستطيع التحدث معه ... لا ~~يمكنني الاستمرار أكثر من ذلك.» # سألتها سابين وهي تلتقط المظلة الصفراء: «هل تتوقعين قدومي ~~على العشاء الليلة؟» ~~«بالطبع، الليلة بالذات أكثر من أي وقت آخر ... يؤسفني أنك ~~قررت الرحيل في وقت مبكر للغاية ... سأشعر بالكآبة بدونك ~~أنت أو سيبيل.» # قالت سابين على عجل: «يمكنك أن تغادري أنت أيضا. ثمة ~~مخرج. سيتخلى الرجل عن كل شيء من أجلك ... كل شيء. أعرف ذلك.» ~~وفجأة رمقت أوليفيا بنظرة حادة. ثم سألتها: «أنت في الثامنة ~~والثلاثين من عمرك، أليس كذلك؟» ~~«بعد غد، سأبلغ الأربعين!» # أخذت سابين، بطرف مظلتها، تتفحص تصميم الزهور على سجادة ~~سيفونيري، أشهر مصنعي السجاد في أوروبا، والتي كانت ضمن مجموعة ~~هوراس بينتلاند. وقالت: «اغتنمي شبابك واستمتعي بحياتك قبل ~~هرمك.» ثم خرجت إلى الحر القائظ لتعبر المروج صوب منزل «بروك ~~كوتيدج». # بعدما صارت أوليفيا بمفردها، أدركت أنها كانت سعيدة لأن بعد ~~غد لن تعود سابين موجودة. عرفت الآن ما كان يقصده جون بينتلاند ~~حين قال: «ما كان يجب أن تعود سابين إلى ms245 هنا أبدا.» # 5 # ظلت الحرارة عالقة في الأجواء حتى المساء، مخترقة مع الظلام ~~غرفة الاستقبال حيث جلسوا - سابين وجون بينتلاند والسيدة سومز ~~العجوز وأوليفيا - يلعبون البريدج لآخر مرة، ومع انقضاء الأمسية ~~ببطء شديد، سارت اللعبة على نهج أسوأ أكثر فأكثر؛ إذ أخذت السيدة ~~سومز تنسى أوراق اللعب الخاصة بها وظل جون بينتلاند متحليا ~~بالصبر وظلت سابين جالسة ملتزمة صمتا مكبوحا وساخرا، وقد ~~ارتسم على وجهها تعبير كان يعني بجلاء: «يمكنني أن أحتمل هذا ~~الليلة فقط لأنني غدا سأعاود الفرار إلى عالم نابض ~~بالحياة.» # جلس جان وسيبيل لبعض الوقت يعزفان على البيانو، ثم انتقلا إلى ~~مراقبة لعبة البريدج. لم يتحدث أحد إلا من أجل المراهنة أو ~~لتذكير السيدة سومز بأنه حان الوقت لتوزع بيديها المرتعشتين ~~أوراق اللعب على الطاولة. وحتى صوت أوليفيا الخفيض الهادئ بدا ~~عاليا في الأجواء الساكنة الحارة للغرفة العتيقة. # في الساعة التاسعة مساء، ظهر هيجينز ومعه رسالة لأوليفيا، ~~مفادها أن أمرا ما استبقى السيد أوهارا في البلدة وإنه إن استطاع ~~أن يغادر قبل الساعة العاشرة فسيمر على منزل عائلة بينتلاند إذا ~~وجد الأنوار لا تزال مضاءة في غرفة الجلوس. وبخلاف ذلك، لن يتمكن ~~من المجيء لركوب الخيل في الصباح. # في إحدى المرات أثناء فترة توقف قصيرة عن اللعب، قالت سابين ~~على مضض: «لم أسأل آنسون عن الكتاب. لا بد أنه اقترب من ~~النهاية.» # عقبت أوليفيا قائلة: «اقترب كثيرا. لم يعد يوجد الكثير ~~مما يستلزم فعله. سيأتي الرجال غدا لالتقاط صور فوتوغرافية لرسوم ~~البورتريه الشخصية. إنه يستخدمها صورا إيضاحية في الكتاب.» # وفي الساعة الحادية عشرة، كانوا قد أنهوا جولة لعب، فقالت سابين: ~~«أنا آسفة، ولكن يجب أن أتوقف عن اللعب. يجب أن أستيقظ مبكرا ~~صباح غد لحزم الأمتعة.» ثم التفتت إلى جان وقالت: «هلا أوصلتني ~~بالسيارة إلى المنزل؟ يمكن أن تأتي سيبيل معنا لتستمتع بالهواء ~~الطلق. يمكنك أن تعيدها إلى هنا مرة أخرى.» # وعندما سمعتها أوليفيا، أرادت أن تصرخ قائلة: «كلا، لا تذهبي. ~~يجب ألا تتركيني الآن ... بمفردي. يجب ms246 ألا تذهبي بتلك الطريقة!» ~~ولكنها تمكنت من أن تقول بهدوء، بنبرة بدت حالمة: «لا تتأخري ~~كثيرا يا سيبيل.» وبدون تفكير، ودون أن تدري بما كانت تفعله، بدأت ~~تعيد أوراق اللعب إلى علبها. # رأت أن سابين خرجت أولا، ثم تبعها جون بينتلاند والسيدة سومز ~~المسنة، وبقي جان وسيبيل حتى غادر الآخرون، وحتى ساعد جون ~~بينتلاند السيدة المسنة لتستقل سيارته وقادها مصطحبا إياها. ~~ثم، تطلعت بابتسامة بدت بطريقة ما مؤلمة لها، وقالت: ~~«حسنا؟» # فأقبلت سيبيل عليها وقبلتها، وقالت بصوت خفيض: «إلى لقاء يا ~~عزيزتي، بعد فترة قصيرة ... أحبك.» وقبلها جان بخجل على ~~وجنتيها. # لم تستطع أن تجد ما تقوله. أدركت أن سيبيل ستعود، ولكنها ستعود ~~سيبيل مختلفة، سيبيل التي صارت امرأة، ولم تعد الطفلة، التي ~~كانت لا تزال وهي في سن الثامنة عشرة تمارس أحيانا اللعبة ~~السخيفة المتمثلة في الجلوس في حجر أمها. وكانت ستأخذ معها ~~شيئا كان لا يزال حتى حينئذ يخص أوليفيا، شيئا لا يمكنها أن ~~تسترده ثانية أبدا. لم تستطع أن تجد ما تقوله. لم تستطع إلا أن ~~تتبعهما إلى الباب، ومن هناك رأت سابين وقد جلست بالفعل في السيارة ~~كما لو أنه لم يكن شيء استثنائي يحدث على الإطلاق؛ وفي نفس الوقت ~~أرادت أن تذهب معهم، أن تهرب إلى أي مكان مهما كان. # رأتهما عبر الضباب يستديران ويلوحان لها بينما كانت السيارة ~~تمضي مبتعدة، يلوحان لها بمرح وسعادة لأنهما كانا في مقتبل ~~حياتهما ... وقفت عند المدخل لتراقب أضواء السيارة تبتعد في صمت ~~على الطريق وفوق الجسر عبر الظلام متجهة إلى بوابة منزل «بروك ~~كوتيدج». كان يوجد شيء بخصوص «بروك كوتيدج» ... شيء تفتقر إليه ~~الأجواء في منزل عائلة بينتلاند: فهناك كان توبي كاين وسافينا ~~بينتلاند يجتمعان في لقاءاتهما الماجنة. # وفي الجو الحار الساكن من الهواء، بلغ سمعها بخفوت صوت الأمواج ~~النائية عبر الأهوار، وبغرابة خطرت على بالها كلمات أغنية كانت قد ~~نسيتها منذ سنوات ... «الأمواج المتكسرة تتلاطم عالية على الشاطئ ~~الصخري القاسي.» وفي نشاز مع نغمة الأمواج المتكسرة، ظلت ms247 الصراصير ~~وحشرات الجندب (التي تنذر بقدوم فصل الخريف) تصدر أصواتا كعزف ~~الكمان ونقيقا؛ ومن بعيد من ناحية مدينة ماربلهيد راقبت الضوء ~~من نافذة الفنار يظهر ويختفى بتقطع كأنه عين تغمز. كانت واعية ~~بكل مشهد وصوت ورائحة في هذه الليلة الخانقة. قالت في نفسها إنه ~~ربما تهب عاصفة قبل أن يصلا إلى كونيتيكت. سيواصلان قيادة ~~السيارة طوال الليل ... # كانت أضواء سيارة سابين قد عاودت الآن التحرك، مبتعدة عن ~~منزل «بروك كوتيدج»، عبر أراضي أوهارا، تنهب الأرض في اتجاه ~~الطريق الرئيسية. وفي الغور السحيق بجوار النهر، اختفيا للحظة ثم ~~ظهرا مرة أخرى قبالة الكتلة المظلمة للتل الذي كانت تكلله ~~مقبرة البلدة. ثم فجأة اختفيا، تاركين وراءهما صوت الأمواج ~~المتكسرة وصفير الصراصير والضوء المتقطع البعيد المنبعث من ~~الفنار. # ظلت تراقبهما جنبا إلى جنب في السيارة المنطلقة عبر الظلام، ~~غافلين عن كل شيء في هذا العالم باستثناء سعادتهما. أجل، شيء ما ~~كان قد رحل عنها إلى الأبد ... شعرت بغيرة مروعة جامحة كانت أشبه ~~بألم جسدي، وفجأة أدركت أنها كانت واقفة بمفردها تماما في ~~الظلام أمام باب المنزل العتيق. ~~••• # استفاقت على صوت آنسون وهو يسألها: «أهذا أنت يا ~~أوليفيا؟» ~~«أجل.» ~~«ماذا تفعلين بالخارج؟» ~~«خرجت لأستنشق بعض الهواء.» ~~«أين سيبيل؟» # للحظة لم تجب، ثم قالت بجرأة نوعا ما: «خرجت بالسيارة مع ~~جان ليوصلا سابين إلى المنزل.» # قال: «تعرفين أنني لا أوافق على ذلك.» كان في تلك اللحظة قد أتى ~~عبر الرواق ووقف بجوارها. ~~«لن يضر ذلك في شيء.» ~~«قيل ذلك من قبل ...» ~~«لماذا تساورك الشكوك إلى هذا الحد، يا آنسون، تجاه ابنتك؟» ~~لم تكن لديها رغبة في مجادلته. لم تكن تريد شيئا سوى أن تترك ~~وشأنها، أن تذهب إلى غرفتها وتستلقي هناك وحدها في الظلام؛ إذ ~~عرفت الآن أن مايكل لن يأتي. # قال آنسون: «أوليفيا، ادخلي للحظة. أريد أن أتحدث ~~معك.» ~~«حسنا ... ولكن أرجوك لا تكن مزعجا. أنا مرهقة جدا.» ~~«لن أكون مزعجا ... لا أريد سوى تسوية أمر ما.» # عرفت حينئذ أنه عازم على أن يكون ms248 مزعجا جدا، وقالت في ~~نفسها إنها لن تستمع إليه؛ وإنما ستفكر في شيء آخر أثناء حديثه، ~~وهي حيلة تعلمتها منذ وقت طويل. وفي غرفة الجلوس، جلست في هدوء ~~وانتظرت أن يبدأ حديثه. بدا مرهقا وشاحبا أكثر من المعتاد وهو ~~يقف إلى جوار رف المدفأة. أدركت أنه كان قد عكف على العمل على ~~تأليف كتابه؛ وأدركت أنه أفرغ كامل تركيزه، وكل ذرة في كيانه، ~~في هذا العمل؛ ولكن بينما كانت تراقبه تلاعبت بها مخيلتها بالخدعة ~~القديمة بتخيل أن مايكل واقف هناك مكانه ... متحديا، عابسا ~~قليلا، مفعما بقوة متمهلة، ثابتة، لا تنضب. # قال: «الأمر بالأساس بخصوص سيبيل. أريدها أن تكف عن مقابلة ~~هذا الفتى.» ~~«لا تكن متشددا يا آنسون. لم تجن شيئا من هذا.» ~~(قالت في سرها: «لا بد أنهما وصلا إلى مدينة سالم الآن.») ثم ~~أضافت جهرا: «أنت والدها يا آنسون، لماذا لا تتحدث ~~معها؟» ~~«من الأفضل أن تفعلي أنت ذلك. ليس لي تأثير عليها.» ~~«لقد تحدثت معها»، قالتها وهي تفكر بمرارة في أنه لن ~~يستطيع أبدا أن يخمن مقصدها. ~~«وما النتيجة؟ تشاهدينها، وهي تخرج في هذه الساعة من الليل. ~~...» # هزت كتفيها، يملؤها شعور حماسي بأنها تفوقت على العدو؛ إذ في ~~تلك اللحظة لم يبد آنسون عدوا لها هي فحسب، وإنما عدو لجان ~~وسيبيل، ولجميع الشباب المفعمين بالحيوية في العالم ~~بأسره. # كان يقول: «علاوة على هذا، هي لا تكن الاحترام اللائق لي ... ~~أنا والدها. أحيانا أظن أن السبب هو الأفكار التي أخذتها منك ~~ومن الدراسة بالخارج.» ~~«يا لحقارة ما تقول! ولكن إذا أردت الحقيقة، أظن أن السبب هو ~~أنك لم تكن أبدا أبا صالحا. أحيانا، أظن أنك لم ترغب أبدا في ~~إنجاب أولاد. أنت لم تهتم كثيرا بهما ... ولا حتى بجاك ... عندما ~~كان على قيد الحياة. لم تتصرف أبدا باعتبارهما ولدانا. كنت ~~دوما تترك الأمر لي أنا ... وحدي.» # تصلب العنق النحيل قليلا وقال: «ثمة أسباب لذلك. أنا رجل ذو ~~مشاغل. أقضي جل وقتي، ليس في جمع المال، وإنما في مهام تجعل ms249 ~~العالم مكانا أفضل بطريقة ما. فإذا كنت قد أهملت ولدي، فقد ~~كان هذا لسبب وجيه ... فقلة هم الرجال الذين لديهم هذا القدر ~~مما يشغل أذهانهم. كما أن لدي الكتاب الذي يأخذ كل طاقاتي. أنت ~~غير منصفة، يا أوليفيا. لم تستطيعي أن تريني على حقيقتي ~~أبدا.» # ردت أوليفيا قائلة: «ربما.» (أرادت أن تقول: «وما الفارق الذي ~~يصنعه الكتاب لأي أحد في العالم؟ من الذي يهتم إن كتب أم ~~لا؟») أدركت أنه يجب عليها أن تواصل خداعها، ولذا قالت: «لا ~~داعي للقلق، لأن سابين سترحل غدا وسيرحل معها جان.» ثم ~~تنهدت. وأردفت: «بعد ذلك، لن يعكر أي شيء صفو حياتك من ~~ساعتها فصاعدا. من المستبعد تماما أن يحدث أي شيء ~~استثنائي.» # قال: «ولدينا هذا الأمر الآخر، خيانتك لي وللعائلة ~~بأكملها.» # تجمدت في مكانها قليلا، وتساءلت: «ماذا تقصد بذلك؟» ~~«تعرفين ما أقصده.» # رأت أنه يضع نفسه في موضع الزوج المظلوم، متصنعا دور ~~الشهيد الذي برعت العمة كاسي في أدائه بكفاءة. كان ينوي أن يلعب ~~دور الزوج الصبور ذي النية الحسنة وأن يضعها في موضع المرأة ذات ~~السلوك المشين؛ وتدريجيا، وبغضب عارم ومتمهل، قررت أن تبطل ~~حيلته هذه. ~~«أظن يا آنسون، أن ما تقوله هراء. لم أخن أحدا أبدا. ~~سيخبرك والدك بذلك.» # قال: «أبي كان ضعيفا دوما تجاه كل ما يتعلق بالنساء، والآن ~~بدأت تصرفاته تصبح طفولية. لقد بلغ من الكبر عتيا حتى إنه ~~بدأ يغفر ويصفح عن أي شيء.» ثم أردف قائلا بعد برهة من الصمت: ~~«هذا المدعو أوهارا. لست مغفلا كما تظنين يا أوليفيا.» # لم يتفوه أحدهما بكلمة لفترة طويلة، وفي النهاية كانت أوليفيا ~~هي التي تحدثت، لتدخل مباشرة في صلب الموضوع. فسألته قائلة: ~~«آنسون، هلا فكرت مليا في أن تسمح لي بالانفصال عنك؟» # كان وقع هذا عليه مفزعا. شحب وجهه، وبدأت اليدان الطويلتان ~~النحيلتان المرهفتان ترتعشان. لاحظت أنها أصابته في مقتل؛ إذ ~~نالت من شعوره المفرط بالكبرياء والكرامة. فلن يطيق تصديق فكرة ~~أنها ترغب في التخلص منه لكي ترتبط برجل آخر، ms250 وبخاصة رجل أقر ~~علانية أنه يحتقره، رجل يتمتع بسمات هو نفسه لا يتمتع بها. ~~لم يستطع أن يرى في الطلب شيئا سوى إهانة لكرامته الثمينة. # بذل جهدا ليبتسم، محاولا أن يجعل الطلب مادة للسخرية، وقال: ~~«هل فقدت صوابك؟» ~~«كلا يا آنسون، على الإطلاق. ما أطلبه هو شيء بسيط. سبق وأن ~~حدث من قبل.» # لم يجبها على الفور، وبدأ يتحرك في الغرفة باهتياج شديد، وبدا ~~كجسم غريب في غير موضعه وسط الصور والكراسي والتحف الفنية ~~المذهلة والجميلة الخاصة بهوراس بينتلاند - في غير محله في ~~هذا المكان بقدر ما كان في محله قبل شهر أو شهرين مضيا وسط متحف ~~الذخائر الأثرية لعائلة بينتلاند. # كرر قوله: «كلا، ما تطلبينه سخيف ومناف للعقل! غدا حين ~~يزول عنك الإرهاق سترين كم هو سخيف. كلا ... لا أستطيع التفكير في ~~أمر كهذا!» # بذلت جهدا للتحدث بهدوء. وسألته: «هل هذا لأنك لا ترغب في أن ~~تضع نفسك في هذا الموقف؟» ~~«لا علاقة للأمر بهذا. لماذا تريدين الطلاق؟ نحن موسران وقانعان ~~وهانئان وسعيدان ...» # قاطعته متسائلة: «هل نحن حقا كذلك؟» ~~«ما الذي تتوقعينه يا أوليفيا ... أن تعيشي دوما في حالة توهج ~~رومانسي؟ نحن أسعد من معظم الناس.» # قالت ببطء: «كلا، لا أظن أن السعادة كانت تعني لك يوما ~~الكثير، يا آنسون. ربما أنت أسمى من أشياء مثل السعادة والتعاسة. ~~ربما أنت أكثر حظا من معظمنا. من أجل ذلك، أشك في أنك ~~عرفت يوما السعادة أو التعاسة. لقد كنت، وما زلت، تشعر بالاضطراب ~~عندما يضايقك الآخرون أو يعترضون طريقك، ولكن ... هذا كل ما تشعر ~~به. لا شيء أكثر من ذلك. السعادة ... أقصد بمعناها العقلاني ... ~~تتعلق في بعض الأحيان بالمتعة في عيش الحياة، ولا أظنك عرفت ~~ذلك يوما، ولو للحظة واحدة.» # التفت إليها قائلا: «أنا رجل صادق، تقي، ذو ضمير يقظ، وأظن أن ~~ما تقولينه هراء!» ~~«كلا، بتاتا! الرب يعلم أنني أدرك حقيقة ما أقوله تمام ~~الإدراك.» # مرة أخرى وصل حديثهما إلى طريق مسدود ومن جديد لاذ كلاهما ~~بالصمت، الذي ربما كانت ms251 تعكره حالة من الاضطراب والارتباك نابعة ~~من إدراكهما لأنهما قد دمرا فيما بينهما شيئا لا يمكن استرجاعه ~~أبدا، ومع ذلك حل على أوليفيا شعور فاتر وقوي بالاتزان كان يهبط ~~عليها كالمعجزة في أوقات كهذه. وشعرت أيضا أنها كانت تكافح في ~~وضع حرج للغاية كانت خياراتها فيه محدودة. وأخيرا قالت: «سأسمح ~~لك حتى بأن تطلقني، إن كان هذا سيكون أسهل لك. لا أمانع في أن ~~أضع نفسي في موضع اللوم.» # مرة أخرى بدأ يرتجف. ثم قال: «هل تحاولين إخباري بأنك. ~~...» # قاطعته قائلة: «أنا لا أحاول إخبارك بأي شيء. ليس هناك أي شيء ~~على الإطلاق ... ولكن ... ولكن سأعطيك أسبابا تستند إليها إذا ~~وافقت.» # أشاح بوجهه عنها في اشمئزاز. ثم قال: «بل هذا أكثر استحالة ... ~~الرجل النبيل لا يطلق زوجته أبدا.» # ردت قائلة: «لنترك الرجال النبلاء خارج موضوعنا هذا يا آنسون. ~~لقد سئمت سماع ما يفعله النبلاء وما لا يفعلونه. أريدك أن ~~تتصرف على طبيعتك، بصفتك آنسون بينتلاند، وليس كما تظن أنه حري ~~بك أن تتصرف. لنكن صادقين. أنت تعرف أنك تزوجتني فقط لأنه ~~كان يتعين عليك الزواج بإحداهن ... وأنا ... أنا لم أكن حقا أفتقر ~~إلى الاحترام، حتى وإن كان والدي، كما تذكرني دوما، أيرلنديا ~~معدما. و... لنكن منصفين أيضا. لقد تزوجتك لأنني كنت وحيدة ~~وخائفة وأردت أن أهرب من الحياة البغيضة مع العمة أليس ... أردت ~~بيتا. كان هذا كل ما في الأمر، أليس كذلك؟ كلانا مذنب، ولكن ~~هذا لا يغير الواقع بتاتا. كلا، أظن أنك مارست الحب معي من ~~منطلق الشعور بالواجب. حاولت ذلك لأطول فترة ممكنة وكرهت ~~الأمر دوما. أوه، لقد كنت أعرف ما كان يدور. لقد كنت أعرف منذ ~~دخلت منزل عائلة بينتلاند لأول مرة.» # كان يتأملها في تلك اللحظة بتعبير ثابت يشي بافتتان مروع؛ ~~بل ربما كان في غشية من تأثير نبرة صوتها، وببطء وعزم، مزق كل ~~أقنعة التظاهر التي جعلت حياتهما ممكنة لفترة طويلة جدا. وظل ~~يتمتم: «كيف يمكنك الحديث بهذه الطريقة؟ كيف يمكنك قول مثل ~~هذه الأمور؟» ms252 # تابعت، بنبرة متأنية وبصعوبة: «كلانا مذنب ... ولقد كانت ~~علاقة فاشلة، منذ البداية . حاولت أن أبذل قصارى جهدي وربما فشلت ~~أحيانا. حاولت أن أكون أما صالحة ... والآن بعد أن كبرت سيبيل ~~ومات ... جاك، أريد فرصة أن أنال الحرية. ما أزال صغيرة السن بما ~~يكفي لأن أعيش قليلا قبل فوات الأوان.» # قال وهو يجز على أسنانه: «لا تكوني حمقاء يا أوليفيا ... أنت في ~~الأربعين من عمرك ...» ~~«لست بحاجة لتذكيري بذلك. غدا سأبلغ الأربعين. أدرك ذلك ... بكل ~~مرارة. ولكن بلوغي الأربعين لا يشكل فارقا لك. الأمر سيان لك ~~لو كنت في السبعين من عمري. لكنه يشكل لي فارقا كبيرا.» ~~انتظرت لحظة، ثم قالت: «تلك هي الحقيقة يا آنسون؛ والحقيقة هي ما ~~يهمني الليلة. أطلق سراحي يا آنسون ... دعني أرحل بينما لا تزال ~~الحرية تعني لي شيئا.» # ربما لو أنها كانت قد خرت راكعة عند قدميه متخذة موقف ~~امرأة بائسة ذات سلوك مشين، لو أنها كانت قد جعلته يشعر بالقوة ~~والنبل والبطولة، لانتصرت عليه؛ ولكن لم يكن في مقدورها فعل ~~هذا. لم يكن في مقدورها إلا مواصلة التصرف بعقلانية ~~باردة. # أخذ يقول: «وستتخلين عن كل هذا؟ ستتركين منزل عائلة بينتلاند ~~وكل ما يمثله لتتزوجي من هذا الأيرلندي الحقير ... النكرة، ~~الذي هو ربما ابن عامل رصيف ميناء مهاجر.» # ردت في هدوء: «إنه ابن عامل رصيف ميناء. ووالدته كانت ربة ~~منزل. لقد أخبرني بذلك بنفسه. وما إلى ذلك كله ... عجبا يا آنسون، ~~هذا لا يعني لي شيئا ... لا شيء على الإطلاق لا يمكنني الاستغناء ~~عنه، لا شيء يعني لي الكثير جدا. أنا مولعة بوالدك يا آنسون، ~~ومولعة بك حين تكون على طبيعتك لا متشدقا بما ينبغي لرجل نبيل ~~أن يفعله أو ما لا ينبغي أن يفعله. ولكن سأتخلى عن كل هذا ... عن كل ~~شيء ... من أجل ذلك الشيء الآخر.» # للحظة تحركت شفتاه في صمت وانفعال، كما لو أنه كان يستحيل عليه ~~أن يرد على أشياء منافية للعقل كتلك التي تفوهت بها زوجته ~~للتو. وأخيرا استطاع أن ms253 يقول: «أظن أنك حتما فقدت عقلك، يا ~~أوليفيا ... لمجرد أن تفكري في أن تطلبي شيئا كهذا مني. ~~لقد عشت هنا فترة طويلة بما يكفي لأن تعرفي مدى استحالة هذا ~~الأمر. بعضنا يجب أن يكون قدوة في المجتمع. لم يسبق أبدا أن ~~وقعت فضيحة، أو حتى حالة طلاق، في عائلة بينتلاند ... أبدا. لقد ~~أصبحنا نمثل شيئا ما. ولا يمكن تنحية ثلاثمائة عام من الحياة ~~الأخلاقية النقية جانبا بكل سهولة ... نحن في مكانة تجعل الآخرين ~~يتطلعون إلينا بعين الاحترام. ألا يمكنك أن تري ذلك؟ ألا ~~يمكنك أن تستوعبي هذه المسئولية؟» # وللحظة، انتابها شعور رهيب ومشوش، ومنتش، بالقوة، شعور بأنها ~~تملك وسيلة تدميره، هو وهذا الصرح الزائف من الافتخار والاحترام. ~~لم يكن يتعين عليها سوى أن تقول: «كان هناك سافينا بينتلاند ~~وعشيقها ...» مرت اللحظة سريعا وأدركت على الفور أنه تصرف لا ~~يمكنها فعله. وبدلا من ذلك، تمتمت قائلة: «أه، آنسون، هل تظن ~~حقا أن العالم يتطلع إلينا أصلا؟ هل تظن أنهم يهتمون حقا ~~بما نفعله أو ما لا نفعله؟ لا يمكن أن تكون أعمى هكذا.» ~~«لست أعمى ... ولكن كل ما في الأمر أنه توجد أمور مثل الشرف ~~والعادات والتقاليد. نحن نمثل شيئا ما.» # قاطعته: «وما هو؟» ~~«اللياقة، الماضي المجيد، الاستقرار ... أشياء لا تحصى ... كل ~~الأشياء التي تمثل أهمية في مجتمع متحضر.» # كان يؤمن فعلا بما يقوله؛ عرفت أنه لا بد وأنه كان يؤمن به ~~ليؤلف آلاف الكلمات المملة والمجهدة تمجيدا في الماضي. # واصل حديثه. «كلا، ما تطلبينه مستحيل. أنت تعرفين ذلك قبل ~~أن تطلبيه ... وسيكون لطفا منك تجاهي ألا تذكريه ثانية ~~مطلقا.» # كان لا يزال شاحبا، ولكنه كان قد تمالك نفسه مرة أخرى ولم ~~تعد يداه ترتجفان؛ وأثناء حديثه، إذ تصاعد شعوره بالفضيلة، ازداد ~~فصاحة، واكتسى صوته بتلك المسحة المقدسة التي كان يصطبغ بها دوما ~~صوت «أسقف الطبقة الأرستقراطية» وجعلته يبدو كرجل دين شهير ~~وعصري. وربما لأول مرة منذ طفولته، منذ الأيام الخوالي التي كانت ~~الفتاة الصغيرة الصهباء سابين تسخر فيها من خصلات ms254 شعره المجعد ~~وبدلاته المخملية، شعر بأنه شخص قوي ذو نفوذ. كان يوجد نوع من ~~النشوة العارمة في معرفة قدر سلطته على أوليفيا. وفي خضم ~~حماسه العفيف، بدا للحظة أنه صار شخصا إيجابيا، بل ومثيرا ~~للإعجاب. # وأخيرا قالت بهدوء: «وماذا لو هربت ببساطة ... دون أن أكلف ~~نفسي عناء الطلاق؟» # حطم التعليق كل ما لديه من ثقة بنفسه مرة أخرى؛ وأدركت أنها ~~قد ضربته في أضعف نقطة في نقاط دفاعه كلها، وهي الخوف من ~~الفضيحة. # صاح قائلا: «لن تفعلي ذلك! لا يمكنك - لا يمكنك التصرف ~~كعاهرة رخيصة.» ~~«إن حب رجل لا يجعلني عاهرة رخيصة ... لم أحب أي رجل غيره ~~قط.» ~~«لا يمكنك أن تجلبي العار لسيبيل، حتى وإن كنت لا تكترثين ~~ببقيتنا.» ~~(قالت في نفسها: «إذن، هو يعرف أنني لا أستطيع فعل شيء كهذا، ~~وأنني لا أتحلى بالشجاعة. يعرف أنني عشت فترة طويلة جدا في ~~هذا العالم.») وجهرا قالت: «أنت لا تعرفني يا آنسون ... طيلة كل ~~هذه السنوات لم تعرفني مطلقا.» # أضاف بسرعة قائلا: «إلى جانب أنه لن يفعل شيئا كهذا. فمن ~~المستبعد أن يلقي شخص وصولي كهذا بحياته المهنية كلها وراء ظهره ~~بالهرب مع امرأة. ستكتشفين هذا بنفسك إن سألته.» ~~«بل هو على استعداد لذلك. لقد أخبرني بذلك بالفعل. ربما لا ~~تستطيع أن تستوعب أمرا كهذا.» وعندما لم يرد عليها، أردفت ~~تقول بنبرة ساخرة: «علاوة على ذلك، لا أظن أن الرجل المهذب ~~سيتكلم كما تتكلم أنت الآن. كلا يا آنسون ... لا أظن أنك تعرف ~~ماهية العالم الخارجي. لقد عشت هنا دوما، منعزلا في زاويتك ~~الخاصة الصغيرة.» وهي تنهض، تنهدت وتمتمت قائلة: «لكن لا جدوى ~~من الكلام. سأخلد إلى النوم ... أظن أنه يجب علينا أن نجاهد بأقصى ~~ما نستطيع ... ولكن ثمة أوقات ... أوقات كهذه الليلة يصعب علي فيها ~~احتمال الأمر. يوما ما ... من يدري ... لن يعود ثمة وجود لشيء ~~يبقيني ...» # خرجت دون أن تعبأ بإنهاء ما كانت تعتزم قوله، وقد شردت ~~مجددا في شعور مربك بعدم جدوى كل شيء. خيل إليها أنه ms255 كان ~~ينتابها نفس شعور شخص أبله واقف وسط حقل فارغ يلوح بذراعيه في ~~الهواء دون طائل. # | الفصل العاشر # 1 # قبيل الصباح، ودون سابق إنذار، تحول الجو الحار الخانق الذي ~~لا نسمة فيه إلى عاصفة هائلة ملأت السماء كلها بضوء يعمي الأبصار ~~وأحاطت الريف بأكمله بهدير جامح ناجم عن هبوب الرياح والرعد، ~~ليطلع بعدها الفجر كاشفا عن حقول مدمرة ومنكوبة وتتناثر فيها ~~أغصان مكسورة، والحديقة المشرقة صارت متضررة ومقصوفة بفعل ~~البرد. # على الإفطار بدا آنسون أنيقا حليق الذقن هادئ النفس، كما لو أنه ~~لم يحدث أي صراع قبل بضع ساعات في غرفة الجلوس، كما لو أن ~~الموقف لم يترك أي انطباع على السطح الخارجي الهادئ الذي يواجه ~~به العالم. صبت أوليفيا قهوته في هدوء وسمحت له أن يقبلها كما ~~يفعل كل يوم طيلة عشرين عاما - قبلة غريبة وباردة تطبع بذهن ~~شارد - ووقفت عند مدخل المنزل تشاهده ينطلق مبتعدا بالسيارة ~~إلى محطة القطار. لم يحدث أي تغيير؛ بدا لها أن الحياة في منزل ~~عائلة بينتلاند صارت عاجزة عن أي تغيير. # وعندما استدارت مولية ظهرها للباب، استدعاها بيترز إلى الهاتف ~~لتستقبل برقية من جان وسيبيل؛ مفادها أنهما تزوجا الساعة ~~السابعة بمدينة هارتفورد. # فانطلقت على الفور تبحث عن جون بينتلاند وبعد بحث عثرت عليه ~~في ساحة الإسطبل يتحدث إلى هيجينز. وقف الثنائي الغريب بجوار ~~الفرس الحمراء، التي أخذت تراقبهما بعينين حمراوين خبيثتين ~~صغيرتين؛ كانا يتبادلان الحديث بتلك الطريقة الحميمية الغريبة ~~التي كانت معهودة منهما عند ذكر الخيول، وبينما كانت تقترب منهما، ~~فوجئت، كما يحدث لها دوما، بالجمال المتوهج للفرس، وبالأنفة ~~البادية من رأسها المنحني، واهتزاز فتحتي أنفها البديعتين وهي ~~تتنفس، والشراسة في عينيها. كانت فرسا غريبة وجميلة وخبيثة ~~بعض الشيء. سمعت أوليفيا هيجينز يقول إنه لا جدوى من محاولة ~~استيلادها ... فهذا لن يجدي نفعا مع فرس كهذه ترفس وتزعق وتعض ~~لمجرد رؤية حصان آخر ... # كان هيجينز أول من رآها، ورفع قبعته، وحياها، وعندما التفت ~~الرجل المسن إليها، قالت: «لدي أخبار لك، يا سيد ~~بينتلاند.» ms256 # بدت في عينيه نظرة فطنة غريبة وسألها: «هل هي بخصوص ~~سيبيل؟» ~~«أجل ... قضي الأمر.» # لاحظت الحيرة على وجه هيجينز، وتحركت بداخلها رغبة لإخباره. ~~بالتأكيد يجب أن يكون هيجينز من بين أوائل المطلعين على الخبر. ~~فأضافت قائلة: «الأمر بخصوص الآنسة سيبيل. لقد تزوجت السيد الشاب ~~دي سيون هذا الصباح في مدينة هارتفورد.» # كان للخبر وقع السحر على السائس الضئيل البنية؛ إذ تهلل وجهه ~~القبيح المتغضن بابتسامة واسعة ولطم فخذه في حماس. وقال: «هذا ~~عظيم يا سيدتي ... أريدك أن تعرفي أنني كنت مؤيدا للأمر منذ ~~البداية. لقد أحسنت فعلا ... وهو أيضا.» # متأثرة مجددا بحماسه، قالت: «إذن تظن أنه أمر جيد؟» ~~«بل عظيم يا سيدتي. فهو شخص نادر الوجود. هو الشخص الوحيد الذي ~~أعرف أنه كان مناسبا بالقدر الكافي. كنت أخشى من أن تحاول ~~قصارى جهدها جذب انتباه السيد أوهارا ... ولكن كان يجب أن ترتبط ~~برجل أصغر سنا.» # تحولت عنه، فرحة وقد زال شعور القلق الذي لم يكن قد ~~بارحها مطلقا منذ اللحظة التي انطلقا فيها بالسيارة وسط ~~الظلام. ظلت تقول في نفسها: «هيجينز محق دوما في حكمه على ~~الناس. فهو يمتلك حاسة سادسة.» نوعا ما، كان أكثر من تثق في ~~حكمه من بينهم جميعا. # اقتادها جون بينتلاند، بعيدا عن نطاق فضول هيجينز، بمحاذاة ~~السياج الذي يحيط بالحدائق. بدا أن الخبر أثر فيه تأثيرا ~~غريبا؛ إذ اعتلى وجهه الشحوب، ولفترة طويلة ظل واقفا ينظر من ~~فوق السياج في صمت. وأخيرا سألها: «متى فعلاها؟» ~~«الليلة الماضية ... خرجت بالسيارة معه ولم يعودا.» # قال: «آمل أننا كنا محقين. آمل ألا نكون قد تسترنا على ~~حماقة.» ~~«لا ... أنا واثقة من أننا لم نفعل.» # شيء في توهج أشعة الشمس، وفي حقيقة هروب سيبيل وسعادتها، في ~~الهواء المنعش المتأثر بعد هبوب العاصفة باللمسات الأولى لفصل ~~الخريف، ملأها بالشعور بالدوار، حتى إنها نسيت متاعبها؛ ونسيت حتى ~~أن هذا كان يوم عيد ميلادها الأربعين. # سألها قائلا: «هل ذهبا بسيارة سابين؟» ~~«أجل.» # وهو يبتسم فجأة ابتسامة عريضة، قال: «ربما ظنت أنها تؤذينا ms257 ~~بذلك.» ~~«كلا، هي تعرف أنني موافقة. كانت هي أول من فكر في ~~الأمر . واقترحته فعلا ...» # وعندما تحدث مرة أخرى، كان ثمة أثر طفيف للمرارة في نبرة ~~صوته. إذ قال: «أنا واثق من أنها فعلت ذلك. كل ما آمله أن تكف ~~عن أذاها عند هذا الحد. فعلى أي حال، لقد حققت انتصارا على ~~كاسي ... وهذا ما كانت ترغب فيه، أكثر من أي شيء ...» والتفت إليها ~~بحدة، وبنبرة يشوبها القلق. أردف قائلا: «أظن أنه سيأخذها ~~معه، أليس كذلك؟» ~~«أجل. سيذهبان إلى باريس أولا، ثم إلى الأرجنتين.» # فجأة مس كتفها بلفتة مودة غريبة وخجلة. وقال: «سيكون ~~الأمر صعبا عليك عزيزتي أوليفيا ... بدونها.» # جعلها هذا التصرف المفاجئ تشعر بغصة في حلقها، لكنها لم ~~ترغب في أن تكون موضع شفقة. كانت تكره الشفقة، لأنها كانت توحي ~~بضعف من جانبها. # سارعت بقولها: «أوه، سيأتيان من وقت إلى آخر ... وأظن أنهما ربما ~~يعودان يوما ما للعيش هنا.» ~~«أجل ... ومنزل عائلة بينتلاند سيئول إليهما ذات يوم.» # وحينئذ تذكرت لأول مرة أن ثمة شيء كان يجب عليها أن تخبره ~~به، شيء بدا أشبه باعتراف. يجب أن تخبره الآن، ولا سيما أن جان ~~سيمتلك يوما ما منزل عائلة بينتلاند وكل ثروتها. # بدأت حديثها قائلة: «ثمة شيء لم أخبرك إياه من قبل. إنه شيء ~~كتمته في نفسي لأنني أردت أن تحظى سيبيل بسعادتها ... رغم كل ~~شيء.» # قاطعها قائلا: «أعرف ما هو.» ~~«لا يمكن أن تعرف ما أقصده.» ~~«بلى، أعرف؛ لقد أخبرني الفتى بنفسه. ذهبت إليه لأتحدث معه عن ~~سيبيل لأنني أردت أن أتيقن منه ... وبعد برهة أخبرني. كان تصرفا ~~جديرا بالاحترام أن يفعل ذلك. لم يكن بحاجة إلى أن يفصح عن الأمر. ~~فما كانت سيبيل لتخبرنا به مطلقا ... ما كانت لتفعل مطلقا إلا ~~بعد فوات الأوان.» # جعلها الحديث تشعر بحالة من الضعف والاضطراب؛ لأنها كانت قد ~~توقعت منه غضبا واستنكارا. لقد كانت تخشى من أن يعتبر صمتها ~~خيانة له، وربما أدى هذا في النهاية إلى تدمير علاقة الثقة ~~الطويلة بينهما. # وشرع ms258 يقول: «لا يد للصبي في هذا. إنه أمر لا يستطيع المرء أن ~~يشرحه كما ينبغي. لكنه فتى لطيف ... وكانت سيبيل مصممة عليه. ~~أظن أنها تتمتع بتفكير جيد وعقلاني مع حداثة سنها.» تنهد ~~والتفت نحوها مرة أخرى، ثم أضاف قائلا: «لن أخبر الآخرين ~~بالأمر ... ولا حتى آنسون. ربما لن يعرفوا أبدا، وإذا لم يعرفوا، ~~فما لا يعرفونه لن يسوءهم.» # بدا أن الغموض الذي يحيط به يزداد عمقا أكثر فأكثر في كل مرة ~~يتحدثان فيها هكذا، بحميمية، ربما لأن ثمة أغوار داخل الرجل ~~المسن لم تتصور أبدا أنها ممكنة. وربما، في أعماق روحه تحت كل ~~هذا التحفظ الشديد في طبيعته، كان يوجد قدر من الإنسانية أعظم ~~بكثير من أي قدر لاقته من قبل. قالت في نفسها: «وأنا التي كنت ~~أراه شخصا قاسيا وفاترا وانتقاديا.» بدأت تتفهم القوة ~~البالغة الكامنة في عزلته الشديدة، قوة رجل كان بمفرده ~~دائما. # بعد قليل سألها: «وأنت يا أوليفيا؟ هل أنت سعيدة؟» ~~«أجل ... أخيرا، أشعر بالسعادة هذا الصباح ... بسبب سيبيل ~~وجان.» # قال بنبرة حزن رقيق: «هذا صحيح. هذا صحيح. لقد فعلا ما عجزنا ~~أنا وأنت عن فعله يا أوليفيا. سيحظيان بما لم نحظ به قط ولا ~~يمكن أن نحظى به أبدا لأن الأوان قد فات. وقد ساعدناهما على تحقيق ~~ذلك ... وهذا جانب جيد من الأمر. فقط أردتك أن تعرفي أنني أتفهم ~~الأمر.» ثم أردف قائلا: «من الأفضل أن نذهب ونخبر الآخرين. ~~ستفتح علينا أبواب الجحيم حين يسمعون بالخبر.» # كانت على وشك أن تذهب، ولكن خطرت لها فكرة غريبة، بصيص أمل، أمل ~~ضئيل جدا، ولكن ربما يمنحه قدرا قليلا من السعادة. كانت قد ~~فوجئت من طريقة حديثه؛ إذ كان كما لو أنه اقترب جدا من الموت أو ~~قد مات بالفعل. بدا من مظهره هرما ومرهقا جدا. # قالت: «ثمة شيء واحد أردت أن أسألك عنه منذ فترة طويلة.» ~~ترددت ثم غامرت بقوله. «هو بخصوص سافينا بينتلاند. هل أنجبت ~~أكثر من طفل؟» # نظر إليها بحدة بعينيه السوداوين اللامعتين وسألها: «لماذا ~~تريدين ms259 معرفة ذلك؟» # حاولت أن تخدعه بأن هزت كتفيها وقالت متظاهرة بالعفوية: «لا ~~أعرف ... صرت مهتمة مؤخرا، ربما بسبب كتاب آنسون.» ~~«أنت ... مهتمة بالماضي يا أوليفيا؟» ~~«أجل.» ~~«أجل، كان لديها طفل واحد فقط ... وغرقت حين كان يبلغ من العمر ~~عاما واحدا. كان هذا جدي.» ثم نظر إليها بحدة مرة أخرى. وأردف ~~قائلا: «أوليفيا، يجب أن تخبريني بالحقيقة. لماذا سألتني هذا ~~السؤال؟» # ترددت أوليفيا مرة أخرى، قائلة: «لا أعرف ... بدا لي ...» ~~«هل وجدت شيئا؟ هل أخبرتك بأي شيء؟» سألها وهو يشير نحو ~~الجناح الشمالي. # حينئذ فهمت أنه، الرجل المسن الرائع، لا بد أنه يعرف بأمر ~~الخطابات. قالت بصوت منخفض: «أجل. وجدت شيئا ... في ~~العلية.» # تنهد وأشاح بنظره مرة أخرى، ناحية المروج الرطبة. وأردف قائلا: ~~«إذن، أنت أيضا تعرفين ... كانت هي أول من عثر عليها، ثم خبأتها ~~مرة أخرى. ما كانت لتعطيني إياها لأنها كانت تكرهني ... منذ ~~ليلة زفافنا. لقد أخبرتك بذلك. ثم لم تستطع أن تتذكر أين ~~خبأتها ... تلك المخلوقة المسكينة. ولكنها أخبرتني عنها. اعتادت ~~إغاظتي أحيانا بقولها إنني لست من نسل آل بينتلاند على الإطلاق. ~~أظن أن الأمر جعل عقلها أكثر سوداوية من ذي قبل. انتابتها بعض ~~الهواجس المريعة بخصوص الخطيئة في عائلتي والتي يجب عليها أن ~~تكفر عنها ...» # قالت أوليفيا برقة: «هذا صحيح. لا شك في ذلك. لقد كتب توبي ~~كاين نفسه هذا ... بخط يده. لقد ضاهيته بخطاباته الموجودة بحوزة ~~آنسون.» وبعد لحظة سألته: «وأنت ... هل كنت تعرف ذلك دوما؟» # قال بنبرة حزينة: «دوما. هذا يفسر أشياء كثيرة ... أحيانا أظن ~~أن أولئك الذين عاشوا منا منذ ذلك الحين تعين عليهم أن ~~يكفروا عن خطيئتهما. عندما تفكرين في الأمر برمته تستوعبين ~~فجأة أن كل شيء دبر بطريقة قاسية ...» # خمنت مقصده من الكلام. ورأت مرة أخرى أنه يؤمن بفكرة الخطيئة، ~~وأن الإيمان بها متأصل بعمق في كيانه. # سألها: «هل الخطابات في حوزتك يا أوليفيا؟» # أجابته قائلة: «كلا ... أحرقتها ... الليلة الماضية ... لأنني كنت ~~خائفة منها. خشيت أن أفعل شيئا مخجلا بها. وإذا أحرقت، ms260 فلن ~~يصدق أحد هذه القصة المنافية للعقل ولن يوجد أي دليل.» ثم أضافت ~~بهدوء قائلة: «وخشيت أيضا مما كان فيها ... ليس مما كان مكتوبا ~~فيها، وإنما من الطريقة التي كتب بها.» # أمسك يدها في تصرف بالغ الغرابة والإحراج، وقبلها برفق. ~~وأردف قائلا: «كنت محقة يا عزيزتي أوليفيا. هذا كل ما لديهم ... ~~أعنى الآخرين ... الذين يؤمنون بالماضي. لا نجرؤ على أن ننتزعه ~~منهم. الأقوياء لا يجرءون على قمع الضعفاء. سيكون هذا قاسيا ~~للغاية. سيكون من شأنه أن يدمر الشيء الوحيد الذي كرس له ~~آنسون حياته كلها. في الواقع يا أوليفيا، يوجد أناس ... أناس مثلك ~~... ممن يجب أن يكونوا أقوياء جدا من أجل أن يعتنوا بالآخرين. ~~إنها مهمة صعبة ... وأحيانا تكون قاسية. ولولا هؤلاء الأشخاص ~~لتصدع العالم ولرأيناه مكانا قاسيا لا يحتمل، كما هي ~~حقيقته. ولهذا السبب عهدت إليك بكل شيء. هذا ما كنت أحاول أن ~~أخبرك به في تلك الليلة. في الواقع يا أوليفيا، أنا أعرفك ... أعرف ~~أن ثمة أشياء يعجز أمثالنا عن فعلها ... ربما لأننا ضعفاء أو حمقى - ~~من يدري؟ ولكن هذا حقيقي. عرفت أنك من نوعية الأشخاص الذين ~~سيقدمون على شيء كهذا.» # وبينما كانت تستمع إليه، شعرت مرة أخرى بأن عزيمتها تسلب منها. ~~كان شعورا غريبا، كما لو أنه سيطر عليها، تاركا إياها عاجزة ~~عن التصرف، ليحبسها مرة أخرى وراء ذلك الجدار الرهيب من الصواب ~~الذي كان يؤمن به. كان الطابع المألوف لقوته يخيفها، لأنها بدت ~~قوة لا تقاوم. كانت قوة رجل يتعدى أمره أنه على صواب؛ كانت قوة ~~رجل يؤمن بما يفعله. # كانت لديها رغبة جامحة في أن تتحول عنه وتركض بسرعة وبتهور ~~عبر المروج الرطبة نحو مايكل، تاركة وراءها المنزل القديم الجميل ~~الهادئ تحت أشجار الدردار. # كان يقول لها: «ثمة أشياء يستحيل فعلها ... على أناس مثلنا، يا ~~أوليفيا. هي مستحيلة لأن مجرد فعلها سيدمرنا إلى الأبد. هي ليست ~~أشياء يمكننا القيام بها بأريحية.» # وأدركت مرة أخرى ما كان يعنيه، مثلما أدركت على نحو غامض حين ~~وقفت بمفردها ms261 في الظلام أمام جسدي هيجينز والآنسة إيجان اللذين ~~ظهرا وسط ضباب الأهوار. ~~«حري بك أن تذهبي الآن وتهاتفي آنسون. أظنه سينزعج بشدة، ~~ولكني سأضع حدا لذلك ... وكاسي، أيضا. لقد خططت لكل شيء بخصوص ~~فتى عائلة مانرينج.» # 2 # تعذر الاتصال بآنسون في المكتب طوال الصباح؛ لأنه كان قد ~~ذهب، على حد قول سكرتيره، لحضور اجتماع «جمعية حماة الشابات ~~العاملات المشردات» وترك رسالة واضحة مفادها أنه لا يريد ~~مقاطعته. ولكن العمة كاسي سمعت بالخبر حين وصلت في زيارتها ~~الصباحية إلى منزل عائلة بينتلاند. أخبرتها به أوليفيا بلطف بقدر ~~الإمكان، ولكن ما إن استوعبت العجوز ما حدث، حتى انهارت تماما. ~~ظهر الهياج في عينيها، وصار شعرها أشعث تماما. اعتبرت ~~متيقنة أن سيبيل تعرضت للإغواء وصارت الآن امرأة ضائعة ميئوسا ~~منها تماما. وظلت تردد وسط عبارات التعاطف الشديد مع أوليفيا ~~في مصابها الأليم، أن هذا الأمر لم يسبق أن حدث مطلقا في ~~عائلة بينتلاند؛ إلى أن ذكرتها أوليفيا، التي غشيتها حالة الهدوء ~~المخيف المعهودة بها، بهروب جاريد بينتلاند وسافينا دالجيدو، وطلبت ~~منها باقتضاب أن تكف عن التفوه بترهات. # عندئذ أظهرت العمة كاسي من نبرة صوتها أن مشاعرها قد جرحت ~~جرحا عميقا، وتعين إرسال بيرترز لإحضار كربونات النشادر في نفس ~~اللحظة التي وصلت فيها سابين، بابتسامة عريضة ومنتصرة على وجهها. ~~كانت سابين هي من ساعد في وضع كربونات النشادر بطريقة كئيبة ~~وكأنها تضع جمرا. وعندما هدأت السيدة العجوز قليلا عادت تردد ~~مرارا وتكرارا: «سيبيل المسكينة ... طفلتي البريئة المسكينة سيبيل ~~... ما كان ينبغي أن يحدث لها هذا!» # وعلى هذا القول جاء أخيرا رد أوليفيا: «جان شاب رائع. وأنا ~~متأكدة من أنها قد أحسنت صنعا.» ثم، لكي تخفف قليلا من ~~وطأة معاناة العمة كاسي، أردفت: «وهو غني جدا، يا عمة كاسي ... ~~أغنى بكثير من أي زوج كان يمكن أن تعثر عليه هنا.» # كان لهذه المعلومة تأثير أفضل حتى من تأثير كربونات النشادر ~~نفسها؛ ومن ثم هدأت السيدة العجوز بما يكفي لأن تهتم بالتفاصيل ~~وسألت من أين حصلا ms262 على سيارة للهروب بها. # قالت سابين بجفاء: «إنها سيارتي. أقرضتهما إياها.» # كان الأثر الناتج من هذه العبارة هو ما كانت ترغب فيه سابين ~~بالضبط. انتصبت السيدة العجوز في جلستها، وانتفخت أوداجها، وصرخت، ~~بنبرة مختنقة. قائلة: «يا إلهي، أيتها الحية الخبيثة! لا أعرف ~~لماذا ابتلاني الرب بهذه البلية. لقد كنت دوما تتمنين الشر ~~لنا وأظنك الآن راضية! عسى أن يرحم الرب روحك الخبيثة!» ~~وانخرطت من جديد في نوبة بكاء، وأخذت تكرر مرة أخرى: «طفلتي ~~البريئة المسكينة سيبيل ... ماذا سيقول الناس؟ ماذا سيظنون أنه كان ~~يحدث؟» # قالت سابين بحدة: «لا تكوني سيئة الظن يا عمة كاسي.» ثم أردفت ~~بنبرة أهدأ: «سيكون صعبا علي ذلك ... لن أستطيع الذهاب إلى ~~نيوبورت إلى أن يعودا بالسيارة.» # وشرعت العمة كاسي تقول: «أنت! ... أنت! ...» ثم هوت جالسة، امرأة ~~محطمة. # واصلت سابين حديثها بلا هوادة: «أظن أننا ينبغي أن نخبر فتى ~~عائلة مانرينج.» # هتفت العمة كاسي، وقد استفاقت مرة أخرى: «أجل، أجل! ذلك هو ~~الفتى الذي كان يجب أن تتزوجه ...» # قالت سابين: «والسيدة سومز. ستسعد بالخبر.» # تكلمت أوليفيا لأول مرة منذ ما يقرب من نصف ساعة. فقالت: «لا ~~جدوى من ذلك. لقد ذهب السيد بينتلاند لزيارتها، ولكنها لم تستوعب ~~ما أراد أن يخبرها به. كانت في حالة خدر ... غائبة عن الوعي ~~تقريبا ... ويظنون أنها ربما لن تستفيق منها هذه المرة.» # وبصوت هامس، طغى عليه الاهتياج الأعلى صوتا لنحيب العمة كاسي، ~~قالت لسابين: «الأمر أشبه بنهاية كل شيء بالنسبة إليه. لا أعرف ما ~~الذي سيفعله.» ~~••• # بدا أن الاضطراب الذي ساد اليوم كان يزداد حدة بدلا من أن ~~يزول. طلب من العمة كاسي البقاء لتناول الغداء، لكنها قالت إنه ~~يستحيل أن تفكر في ابتلاع ولو حتى كسرة خبز. وصرخت بنبرة ~~ميلودرامية: «من شأنها أن تخنقني.» # ألحت عليها أوليفيا، قائلة: «إنه غداء ممتاز.» ~~«كلا ... كلا ... لا تطلبي مني ذلك!» # ولكن، نظرا لعدم رغبتها في مغادرة مسرح الأحداث، استلقت على ~~الأريكة الكلاسيكية من طراز ريجنسي الخاصة بهوراس بينتلاند ~~واستعادت عافيتها قليلا بأخذ ms263 غفوة بينما كان الآخرون يتناولون ~~الطعام. # أخيرا، اتصل بهم آنسون، وحين أبلغ بالخبر، تردد في سماعة ~~الهاتف صدى تهديداته. قال إنه سيستأجر سيارة (وهي مبالغة تعكس ~~مدى عمق انفعاله وغضبه) ويأتي على الفور. # ثم، مباشرة تقريبا، اتصل مايكل. وقال: «لقد وصلت توا.» ~~وطلب من أوليفيا أن تأتي لتركب معه الخيل. وأردف قائلا: «يجب أن ~~أتحدث إليك فورا.» # رفضت أن تركب الخيل معه، ولكنها وافقت أن تقابله في منتصف ~~الطريق بينهما، عند أيكة أشجار الصنوبر حيث كان هيجينز قد اكتشف ~~جراء الثعالب. وقالت له: «لا يمكنني أن أغادر الآن ولا أظن أنه ~~من المناسب لك أن تأتي إلى هنا في الوقت الحالي.» # ولسبب ما، لم تخبره بشيء عن مسألة الهروب، ربما لأنها على ~~نحو غامض ظنت أنه قد يستغل هذه المعلومة سلاحا لكسر إرادتها. ~~ففي خضم الاضطراب الذي ساد اليوم، ووراء كل الاهتياج الذي ساد ~~مشهد الأحداث، والانفعالات والمكالمات الهاتفية، أخذت تفكر، ~~وتفكر، وتفكر، لدرجة أنها في النهاية تأثرت باللغط تأثرا طفيفا. ~~كانت قد باتت تدرك أنه لا بد وأن جون بينتلاند قد عاش حياته هكذا، ~~عاما تلو الآخر، متحركا دوما في إطار حياة سرية خاصة به، وبعد ~~قليل كانت قد توصلت إلى أنها يجب أن تهجر مايكل نهائيا. # وبينما كانت تتحرك عبر المروج، لاحظت أن أشجار البتولا كانت قد ~~بدأت تذبل وتتحول إلى اللون الأصفر وأن المروج في المنخفض بحذاء ~~النهر قد تلونت باللونين الذهبي والأرجواني بفعل أكوام من نبات ~~عصا الذهب ونبات عصا الراعي الأرجواني. ومع كل خطوة كانت تخطوها ~~بدا أنها تضعف أكثر فأكثر، وعندما اقتربت من السور الأسود المائل ~~إلى الزرقة المكون من أشجار الصنوبر انتابتها رعشة عنيفة، كما ~~لو أن الإحساس بوجوده استطاع أن يصل إليها بشكل أو آخر ويغمرها ~~حتى قبل أن تراه. حاولت أن تتخيل أن الرجل المسن يقف بجوارها عند ~~السياج الشجري، ولكن شيئا أقوى من إرادتها جعلها لا ترى سوى رأس ~~مايكل بشعره الأسود المجعد وعينيه الزرقاوين. بدأت حتى تدعو في ~~سرها ms264 ... وهي (أوليفيا) التي لم تدع قط لأن الورع الزائف للعمة ~~كاسي وآنسون وأسقف الطبقة الأرستقراطية حال دوما بينها وبين ~~الدعاء. # ثم رفعت بصرها ورأته واقفا شبه متوار بين أشجار الصنوبر ~~الأقصر طولا يراقبها. بدأت تركض نحوه، خشية أن تخذلها ركبتاها ~~وتسقط أرضا قبل أن تصل إلى كنف الأشجار. # وفي ظلمة الأجمة، التي نادرا ما تخترقها أشعة الشمس، أحاطها ~~بذراعيه وقبلها بطريقة لم يفعلها من قبل، ولم يؤد هذا التصرف ~~إلا إلى ازدياد خوفها. لم تنبس ببنت شفة؛ وإنما بكت في هدوء، ~~وأخيرا، عندما تمالكت نفسها، جاهدت لتتحرر من ذراعيه وقالت: ~~«لا تفعل، يا مايكل ... أرجوك لا تفعل ... أرجوك.» # جلسا على جذع شجرة ساقط، وهو لا يزال ممسكا بيدها، وسألها: «ما ~~الأمر؟ ماذا حدث؟» ~~«لا شيء ... أنا متعبة فحسب.» ~~«هل أنت مستعدة للمغادرة معي؟ الآن؟» ثم أضاف بنبرة حنونة ~~منخفضة قائلا: «لن أدعك تتعبين مرة أخرى أبدا ... أبدا.» # لم تحره جوابا، لأنه بدا لها أن ما كان يجب عليها أن تخبره ~~به سيجعل كل تصرفاتها في السابق تبدو رخيصة وبلا تفسير. غمرها شعور ~~بالخزي، وحاولت أن تؤخر اللحظة التي يتحتم عليها فيها ~~الحديث. # كان يقول لها: «لم أعد منذ ثلاثة أيام بسبب مشكلة في بوسطن ~~جعلت ذلك مستحيلا. لم أنم سوى ساعة أو ساعتين في الليل. إنهم ~~يحاولون النيل مني ... بعض الرجال الذين وثقت بهم دوما. لقد كانوا ~~يخدعونني منذ البداية وتعين علي البقاء لمحاربتهم.» # قص عليها قصة طويلة ومعقدة عن الخيانة، وعن الأموال التي ~~تنتقل بين الرجال الذين عرفهم ووثق فيهم دوما. كان حزينا ولكنه ~~كان أيضا غير هياب للموقف، وتملكته رغبة في خوض المعركة حتى ~~النهاية. عجزت عن فهم القصة؛ وفي الواقع لم تسمع حتى قدرا كبيرا ~~منها: كل ما عرفته أنه كان يخبرها بكل شيء، ليفضي إليها بكل ~~أحزانه ومشاكله كما لو كانت الشخص الوحيد في العالم بأسره الذي ~~يستطيع أن يخبره بمثل هذه الأمور. # وحين انتهى من حديثه، انتظر لحظة ثم قال: «والآن، أنا على ~~استعداد لأن ms265 ألقي هذه المسألة القذرة بأكملها وراء ظهري وأرحل ... ~~وأقول لهم جميعا أن يذهبوا إلى الجحيم.» # أجابت بسرعة: «كلا، يجب ألا تفعل ذلك. لا يمكنك فعل ذلك. رجل ~~مثلك يا مايكل، لا يجرؤ على فعل هذا الأمر.» وذلك لأنها كانت تعرف ~~أنه بدون معركة ما، ستفقد الحياة معناها عنده. ~~«لا ... أنا أعني ما أقوله. أنا على استعداد للابتعاد. أريدك أن ~~تذهبي معي.» # قالت في نفسها: «يقول هذا ... ومع ذلك، مكث ثلاثة أيام وثلاث ~~ليال في بوسطن ليقاتل!» لاحظت أنه لم يكن ينظر إليها، وإنما كان ~~جالسا ورأسه بين يديه؛ كان ثمة شيء منكسر، ويكاد يكون مثيرا ~~للشفقة، في سلوكه، وخطر ببالها أنه ربما للمرة الأولى يكتشف أن ~~حياته كلها عبارة عن كتلة متشابكة ميئوس من فكها. قالت في نفسها: ~~«لو لم أكن قد تعرفت عليه، ربما ما كان حدث هذا. كان سيتمكن من ~~أن يخوض المعركة دون حتى أن يفكر في.» # جهرا قالت: «لا أستطيع يا مايكل ... لا فائدة من ذلك. لا ~~أستطيع.» # رفع بصره سريعا، وقبل أن يتمكن حتى من الرد عليها وضعت يدها ~~على شفتيه، قائلة: «مهلا يا مايكل، دعني أتكلم أولا. دعني أقول ~~ما كنت أردت قوله منذ فترة طويلة جدا ... لقد فكرت ... لم أفعل ~~شيئا سوى التفكير ليلا ونهارا على مدار الثلاثة أيام الماضية. ~~وبلا طائل يا مايكل ... بلا طائل. بلغت الأربعين اليوم، وما الذي ~~يمكنني أن أقدمه لك وسيعوضك عن كل ما ستخسره؟ لماذا ~~تتخلى عن كل شيء من أجلي؟ كلا، ليس لدي ما أقدمه لك. ~~يمكنك أن تعود وتخوض معركتك وتفوز بها. هذا أكثر ما تحبه في ~~العالم كله ... أكثر من أي امرأة أخرى ... حتى أنا.» # حاول أن يتحدث مرة أخرى، ولكنها أسكتته. وتابعت حديثها: ~~«أوه، أعرف أنه حقيقي ... ما أقوله. لو أنني حظيت بك نظير هذا ~~المقابل، فلسوف تكرهني في النهاية فحسب. لا أستطيع أن أفعل ذلك يا ~~مايكل، لأن ... لأن في النهاية، مع رجال مثلك، يأتي العمل، والحياة ~~المهنية، في المقام الأول ... لا ms266 يمكنك أن تتحمل الاستسلام. لا ~~يمكنك أن تتحمل الفشل ... وفي النهاية، لا يصح إلا الصحيح. هذا ~~ما يجعل العالم يستمر.» # كان يراقبها بنظرة افتتان في عينيه، وعرفت - بل أيقنت - أنه ~~لم يكن مغرما بها إلى هذا الحد من قبل؛ ولكنها عرفت، أيضا - من ~~التعبير الذي علا وجهه في لمحة عابرة (بدا لها أنه أجفل تقريبا) ~~ولأنها كانت تعرفه جيدا - أنه كان يدرك صدق ما قالته. ~~«هذا ليس صحيحا يا أوليفيا ... لا يمكنك أن تتخلي عني الآن ... ~~حين أكون في أمس الحاجة إليك.» # أجابته قائلة: «ستكون خيانة لك يا مايكل، لو فعلت غير ذلك. ~~أنت لا تحتاج إلي بقدر ما تحتاج إلى ذلك الشيء الآخر. أوه، ~~أعرف أنني محقة. ما ينبغي أن تحصل عليه في النهاية هو امرأة شابة ~~... امرأة ستمد إليك يد العون. لا يهم كثيرا إن كنت مغرما ~~بها بشدة أم لا ... ولكن امرأة يمكن أن تكون زوجتك وتنجب لك ~~أطفالا وتقيم حفلات العشاء وتساعد في جعلك رجلا شهيرا كما ~~عزمت دوما أن تكون. أنت بحاجة إلى امرأة تساعدك في تأسيس أسرة، ~~تملأ منزلك الجديد بالأطفال ... امرأة تساعدك أنت وأولادك على أن ~~تحلوا محل عائلات مثل عائلتنا التي وصلت إلى نهايتها. كلا ~~يا مايكل، أنا محقة ... انظر إلي»، قالتها فجأة بنبرة آمرة. ~~«انظر إلي وستعرف أن هذا ليس لأنني لا أحبك.» # كان حينئذ جاثيا على ركبتيه، على بساط من إبر الصنوبر ~~العطرية، يحيطها بذراعيه بينما تمسد شعره الأسود الكثيف ~~بطريقة تنطوي على انفعال هيستيري. ~~«أنت لا تعرفين ما تقولينه يا أوليفيا. إنه غير صحيح! إنه غير ~~صحيح! أنا على استعداد لأن أتخلى عن كل شيء ... أنا لا أريد أي ~~شيء آخر. سأبيع مزرعتي وأرحل من هنا إلى الأبد معك.» ~~«أجل يا مايكل، أنت تفكر هكذا اليوم، الآن فقط ... وغدا كل شيء ~~سيتغير. تلك واحدة من الحيل الدنيئة التي تلعبها الطبيعة ~~معنا. الأمر ليس بهذه البساطة. نحن لسنا مثل هيجينز و... وخادمة ~~المطبخ ... على الأقل ليس من بعض النواحي.» ~~«أوليفيا ms267 ... أوليفيا، هل تحبينني بما يكفي لأن ...؟» # أدركت ما كان ينوي أن يسأل عنه. وقالت في نفسها: «وماذا يهم؟ ~~ولما لا ينبغي أن أفعل، وأنا أحبه كل هذا الحب؟ لن أؤذي أحدا ... ~~لا أحد سوى نفسي.» # ثم، فجأة، رأت، وسط سيل من الدموع المنهمرة من عينيها، عبر ~~فتحة في الأجمة موكبا صغيرا يعبر المروج نحو المنزل الكبير ~~لعائلة بينتلاند. رأته بوضوح مريع وشديد ... موكب صغير يتألف من ~~البستاني ومساعده يحملان فيما بينهما على لوح خشبي جسدا ~~ممددا مرتخيا وهامدا، وفي إثرهما جاء هيجينز سيرا على ~~قدميه، وهو يسوق حصانه ويتحرك بالمشية الغريبة العرجاء التي ~~تعتريه عندما تطأ قدماه الأرض. عرفت هوية صاحب الجسد الهامد. كان ~~جون بينتلاند. لقد أودت الفرس الحمراء بحياته أخيرا. وسمعته ~~يقول: «ثمة أشياء يعجز أمثالنا عن فعلها، يا أوليفيا.» ~~••• # لم تستطع أبدا أن تتذكر بوضوح بالغ ما حدث بعد ذلك مباشرة. ~~وجدت نفسها تنضم إلى الموكب الصغير؛ وأدركت أن مايكل كان معها، ~~وأنه لا شك في أن المأساة قد وقعت ... مات جون بينتلاند، بعدما ~~انكسرت رقبته. كان ممددا على اللوح الخشبي، هامدا ~~ومطمئنا، وقد تلاشت جميع الخطوط المريرة من على الوجه الصارم ~~المتجهم، كما كان حين التقته في المكتبة التي تفوح منها رائحة ~~الكلاب ودخان الخشب والويسكي. ولكن هذه المرة كان قد هرب بلا رجعة. ~~... # ولاحقا تذكرت أنها أخبرت مايكل، أثناء وقوفهما بمفردهما في ~~الردهة البيضاء الكبيرة، أن سيبيل وجان قد تزوجا، وصرفته بقولها: ~~«الآن يا مايكل، صار الأمر مستحيلا. بينما كان حيا ربما كنت ~~قد فعلتها ... ربما كنت سأهرب. ولكن الآن، صار الأمر مستحيلا. لا ~~تطلبه مني. أرجوك، ارحل عني ودعني وشأني.» # بينما كانت تقف تحت صورة سافينا بينتلاند بنظرتها العابثة، ~~راقبته وهو يرحل، في هدوء، ربما لأنه فهم أن كل ما قالته كان ~~صحيحا. # 3 # في خضم المأساة، صارت حادثة الهروب نسيا منسيا. تردد ~~الأطباء على المنزل ذهابا وإيابا؛ وحتى المراسلون الصحفيون ~~وضعوا في موقف محرج؛ إذ كانوا متلهفين لمعرفة تفاصيل الوفاة ~~والزواج في عائلة ms268 بينتلاند، وبطريقة ما أنزل الاضطراب حالة من ~~السكينة على أوليفيا. لقد نسوا أمرها، باستثناء كونها الشخص الذي ~~يدبر كل شيء في صمت؛ لأنهم كانوا بحاجة إلى شخص لا ينهار في ~~نوبات حزن جامحة أو يهيم على وجهه مهيض الجناح. وفي حضرة ~~الموت، نسي آنسون غضبه بسبب حادثة الهروب، وفي ساعة متأخرة ~~من فترة ما بعد الظهيرة، رأته أوليفيا لأول مرة حين جاءها ~~مغلوبا على أمره يسألها: «لقد جاء الرجال لتصوير لوحات الصور ~~الشخصية. ماذا ينبغي أن نفعل؟» # أجابته قائلة: «اصرفهم. يمكننا التقاط صور للأجداد في أي ~~وقت آخر. سيكونون معنا دائما.» # تطوعت سابين بإرسال الخبر إلى سيبيل وجان. ففي مثل هذه ~~الأوقات، كان انفصالها المنعدم الشعور عن الأحداث يجعلها شخصا ~~ذا قيمة كبيرة، وأدركت أوليفيا أنه يمكن الوثوق بها لأداء مهمة ~~البحث عنهما لأنها أرادت بشدة استرداد سيارتها. وتذكرت أوليفيا ~~وعدها للرجل المسن، وذهبت لزيارة السيدة سومز، لكنها كانت زيارة ~~بلا طائل؛ إذ دخلت السيدة العجوز في حالة من فقدان الوعي التام. ~~وقيل لأوليفيا إنها ربما تفارق الحياة دون أن تعرف أن جون ~~بينتلاند قد فارقها قبلها. # تربعت العمة كاسي على عرشها في غرفة الجلوس المعتمة، وهناك، وسط ~~الرائحة النفاذة للمحصول الخريفي الأول من زهور الأقحوان، استقبلت ~~الوفود القادمة من المناطق الريفية المحيطة بعينين محمرتين ~~وتودد بخنفرة. مرة أخرى بدت شامخة لبعض الوقت في حالة من ~~الانتصار والقوة، لدرجة أنها تغلبت على ضعفها بما يكفي لأن ~~تتردد على منزلها الشبيه بمقصورة المراقبة جيئة وذهابا سيرا ~~على قدميها، لتصل مبكرا وتغادر في وقت متأخر من الليل. ~~وأصرت على استدعاء الأسقف سمولوود ليقود القداس، واكتشفت بعد ~~كثير عناء أنه يحضر مؤتمرا كنسيا في منطقة الغرب. وردا على ~~تلغرافها، لم تتلق سوى ردا مفاده أنه يستحيل عليه العودة، حتى ~~ولو أجلوا موعد الجنازة ... فنظرا لتبوئه دور المدافع البارز عن ~~عقيدة الولادة العذرية للمسيح، لم يكن بوسعه أن يترك الميدان في ~~لحظة يتعرض فيها نفوذ جماعته للتهديد. # بدا لبعض الوقت أن صرح العائلة بأكمله ms269 كان، كما كانت تأمل ~~سابين، ينهار من حولهم ويتحول إلى أنقاض. # أما أوليفيا، فكانت ستنعم بالسكينة لولا أنها وصلتها رسائل من ~~مايكل ثلاث مرات في غضون يومين - فأعادتها إلى مرسلها دون أن ~~تفتحها لأنها كانت تخشى من أن تقرأها؛ إلى أن كتبت في النهاية ~~ردا على إحداها تقول: «لم يعد يوجد ما يقال. دعني وشأني.» ~~وبعد ذلك، لم يكن هناك سوى الصمت، الذي بدا لها غير محتمل أكثر ~~من رؤية رسائله. واكتشفت أن شخصين كانا قد شهدا المأساة - هما ~~هيجينز الذي كان يركب حصانا مع الرجل المسن، وسابين التي كانت ~~تسير بمحاذاة النهر - تسير فقط لأن جان وسيبيل استعارا سيارتها. ~~لم يكن هيجينز يعرف شيئا سوى أن الفرس قد انطلقت في جموح ~~وقتلت سيده؛ أما سابين فكان لديها رواية مختلفة بغرابة للأحداث، ~~وقصتها على أوليفيا أثناء جلوسهما في غرفتها، في اليوم ~~التالي. # إذ قالت: «رأيتهما، قادمان عبر المروج ... ابن العم جون، يتبعه ~~هيجينز. وفجأة، بدت الفرس خائفة من شيء ما وأخذت تركض ... في خط ~~مستقيم نحو مقلع الحجارة. كان مشهدا مذهلا ... مشهدا مروعا ... ~~لأنني كنت أعرف - كنت متيقنة - مما سيحدث. للحظة، بدا ابن العم ~~جون يصارع الفرس، ثم فجأة مال إلى الأمام على عنقها وأطلق لها ~~العنان. انطلق هيجينز خلفه؛ ولكن لم تكن ثمة فائدة من محاولة ~~الإمساك بها ... وكأن أحدا كان يحاول السيطرة على زوبعة. بدا ~~وكأنهما يطيران عبر الحقول مباشرة في اتجاه خط أشجار الخمان التي ~~كانت تخفي وراءها مقلع الحجارة، وعرفت طوال الوقت أنه لا سبيل ~~إلى إنقاذهما إلا إذا استدارت الفرس. وعند الشجيرات، قفزت الفرس ... ~~أروع قفزة رأيت حصانا يقفزها في حياتي، مباشرة فوق الشجيرات إلى ~~الهواء الطلق ...» # وللحظة، أشرق وجه سابين بحماس مخيف. وارتعش صوتها قليلا. ~~وقالت: «كان مشهدا مروعا وجميلا. للحظة بدوا يكادان ~~يرتفعان في الهواء كما لو أن الفرس كانت تطير، ثم سقطا دفعة ~~واحدة ... إلى قاع مقلع الحجارة.» # لاذت أوليفيا بالصمت، وبعد برهة، كما لو أن سابين كانت تنتظر ~~لتستجمع شجاعتها، واصلت ms270 حديثها بصوت منخفض قائلة: «ولكن ثمة شيء ~~رأيته يقينا. فعند حافة مقلع الحجارة، حاولت الفرس أن تستدير. ~~كان يمكن أن تستدير، ولكن ابن العم جون رفع سوطه وضربها بوحشية. ~~لم يكن ثمة شك في هذا. لقد أجبر الفرس على القفز فوق أشجار ~~الخمان ...» ومجددا، بعد توقف قصير، استأنفت الحديث مرة أخرى ~~قائلة: «لا بد أن هيجينز، هو الآخر، رأى ذلك. إذ تبعهما إلى حافة ~~مقلع الحارة. سأراه هناك دائما، ممتطيا حصانه والسماء في ~~الخلفية. كان ينظر إلى أسفل نحو مقلع الحجارة وللحظة كان الحصان ~~وفارسه معا يبدوان بالضبط مثل القنطور، الكائن الخرافي ... كانت ~~صورة مذهلة انطبعت في ذهني.» # تذكرته على هذه الصورة؛ ولكنها تذكرته أيضا كما رأته ~~ليلة الحفل الراقص، وهو يتسلل عبر زهور الليلك مثل شبح. قالت ~~سابين وهي تقوم من مكانها: «جان وسيبيل سيعودان غدا، ثم سأغادر ~~إلى نيوبورت. ظننت أنك تودين أن تعرفي ما عرفته أنا ~~وهيجينز، يا أوليفيا.» ثم ترددت للحظة، وهي تتطلع من النافذة ~~إلى البحر. وأخيرا قالت: «كان رجلا غريبا. كان آخر ~~البيوريتانيين العظماء. لم يعد يوجد المزيد. لا أحد من بقيتنا ~~يؤمن بأي شيء. نحن فقط نتظاهر ...» # ولكن أوليفيا كانت لا تكاد تسمعها. فهمت الآن لماذا تحدث إليها ~~الرجل المسن وكأنه على شفير الموت، وقالت في نفسها: «لقد فعلها ~~بطريقة ما كان لأحد أن يكتشفها. كان يثق في هيجينز، ووجود سابين ~~في المشهد كان مصادفة. ربما ... ربما ... فعلها ليبقيني هنا ... ~~لأنقذ الشيء الذي كان يؤمن به طوال حياته.» # كانت فكرة مروعة حاولت أن تخمدها، ولكنها ظلت باقية، ~~جنبا إلى جنب مع الشعور بالندم على أنها لم تنه ما كانت قد ~~بدأت تخبره به بينما كانا واقفين بجوار السياج يتحدثان عن ~~الخطابات - وهو أنه يوما ما ربما يحمل جان اسم جون بينتلاند. ففي ~~نهاية المطاف، كان حقه في حمل الاسم بقدر الحق الذي كان يملكه ~~في حمل اسم دي سيون؛ سيكون مجرد تغيير طفيف؛ ولكنه سيسمح لاسم ~~بينتلاند أن يظل باقيا. الأرض كلها، والأموال ms271 كلها، والعادات ~~كلها، ستنتقل إلى أبناء بينتلاند، ومن ثم ستجعل لوجودهم ~~سببا؛ وفي النهاية سيكون الاسم أكثر من مجرد شيء محنط في كتاب ~~«عائلة بينتلاند ومستعمرة خليج ماساتشوستس». سيكون الأحفاد، في ~~نهاية المطاف، من نسل آل بينتلاند، أو على الأقل من نسل سافينا ~~دالجيدو وتوبي كاين، الذي بات منذ زمن بعيد نسل آل ~~بينتلاند. # وقالت في نفسها متجهمة: «كان محقا، في نهاية المطاف. أنا في ~~النهاية واحدة منهم ... رغم كل شيء. وأنا الآن من يحمل لواء ~~العائلة.» ~~••• # في صباح يوم الجنازة، بينما كانت واقفة في الشرفة الأمامية ~~تنتظر قدوم جان وسيبيل، جاءها هيجينز، وهو يرتدي أفضل بدلة ~~سوداء لديه ويبدو عليه الانزعاج والاضطراب الشديدان، ليقول وهو ~~يشيح بنظره عنها: «سيرحل السيد أوهارا. وضعوا يافطة «للبيع» على ~~بوابته. ولن يعود.» ثم أضاف، وهو ينظر إليها في جرأة، قائلا: ~~«ظننت أنك ربما تودين أن تعرفي يا سيدة بينتلاند.» # للحظة، انتابتها رغبة مفاجئة وعارمة في أن تصرخ قائلة: «كلا، ~~يجب ألا يرحل! يجب أن تخبره أن يبقى. لا يمكنني أن أتركه يرحل ~~هكذا!» أرادت فجأة أن تركض عبر الحقول في اتجاه المنزل الجديد ~~الساطع المبتذل، لتخبره بنفسها. قالت في نفسها: «إذن كان يعني ما ~~قاله. لقد تخلى عن كل شيء هنا.» # ولكنها كانت تعرف، أيضا، أنه رحل ليخوض معركته، بعدما تحرر ~~وصار لا يحركه سوى شغفه للنجاح والنصر. # وقبل أن تتمكن من الرد على هيجينز، الذي وقف راغبا في أن ~~ترسله إلى مايكل، ظهرت الآنسة إيجان، متصلبة وجامدة ووجهها ~~يكتسي بالتعبير الاحترافي الموحي بالرزانة والوقار والذي كانت ~~تتخذه في حضور العائلات المكلومة. وقالت: «جئت بخصوص المرأة ~~التي في الجناح الشمالي يا سيدة بينتلاند. تبدو مشرقة جدا هذا ~~الصباح وسليمة العقل. تريد أن تعرف لماذا لم يأت السيد بينتلاند ~~لزيارتها لمدة يومين كاملين. ظننت ...» # قاطعتها أوليفيا بهدوء. وقالت: «لا بأس. سأذهب إليها وأخبرها. ~~سأوضح لها. من الأفضل أن أفعل أنا ذلك.» # وغادرت إلى داخل المنزل، وهي تعلم بمرارة أنها تركت وراءها ~~الآنسة إيجان وهيجينز ms272 يشفقان عليها. # وبينما كانت تصعد على السجادة البالية لدرج السلم، أحست ~~فجأة بشعور عميق بالسكينة لم تعرف مثله طيلة سنوات. لقد انتهى ~~كل شيء الآن، وستستمر الحياة على نفس الوتيرة كما كانت تسير ~~دوما، ملؤها النفاق والملل والخداع؛ ولكنها سائغة، أيضا، رغم كل ~~شيء، ربما، كما قال جون بينتلاند، لأن: «المرء مضطر أحيانا إلى ~~التظاهر.» وعلى أي حال، لقد هربت سيبيل وسعدت بحياتها. # أدركت الآن أنها، هي نفسها، لن تهرب أبدا؛ فقد صارت منذ زمن ~~طويل جدا جزءا من عائلة بينتلاند، وعرفت أن ما قاله الرجل ~~المسن كان هو الحقيقة. لم تتصرف على هذا النحو من منطلق ~~الواجب أو الوفاء بالوعود أو النبل أو الكبرياء أو حتى من منطلق ~~الفضيلة. ... ربما كان السبب هو أنها لم تتحل بالقوة الكافية لأن ~~تفعل خلاف ذلك. ولكنها عرفت أنها تصرفت هكذا؛ لأنه كما قال: «ثمة ~~أشياء، يا أوليفيا، يعجز أمثالنا عن فعلها.» # وبينما كانت تسير في الردهة الضيقة، رأت من إحدى النوافذ ~~الغائرة في الحائط سابين وهي تتحرك على الطريق وسط سحابة من ~~الغبار، وعلى مسافة أقرب، عند مدخل ممر السيارات المحفوف بأشجار ~~الدردار، كانت العمة كاسي، متشحة بالسواد الشديد، مقبلة بسرعة ~~وخفة وعلى وجهها غلالة من قماش الكريب. كلا، لم يتغير أي شيء. ~~سيستمر كل شيء كما هو ... # فتح الباب وتدفقت الرائحة الكثيفة للأدوية إلى الردهة. ومن ~~الظلام، خرج صوت واهن أشبه بصوت المزمار، مزعج حتى في تعقله، ~~قائلا: «أوه، هذا أنت يا أوليفيا. كنت أعرف أنك ستأتين. كنت في ~~انتظارك ...» # كولد سبرينج هاربور، # لونج آيلاند # 4 يونيو، 1925 # سان جان دو لوز، بي بي، فرنسا # 21 يوليو 1926 # بموهبة استثنائية، وجه برومفيلد ~~طاقته الفياضة نحو الكتابة والخطابة والزراعة، ومهمة إكساب كل ~~ما يحيط به معنى ومنطقا؛ مما أسفر عن تأسيسه لمزرعة كبيرة، ~~استضافت أنشطة اجتماعية وكانت لها أهمية بيئية في بليزانت ~~فالي، بولاية أوهايو، واشتهرت باسم مزرعة مالابار. لويس ~~برومفيلد: 1896-1956؛ جائزه بولتزر 1927. ms273