######OpenITI# #META# URI: 1450RashidCalawi.FalsafaBiSiratMuannath.Hindawi61731841 #META# Tags: philosophy #META# ID: 61731841 #META# Title: الفلسفة بصيغة المؤنث #META# AuthorID: 53597570 #META# Author: رشيد العلوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # لماذا الفلسفة بصيغة المؤنث؟‏ # إديث شتاين ... نحو فينومينولوجية لاهوتية‏ # سيمون فايل: فيلسوفة المصنع والشرط العمالي‏ # صبا محمود: نحو أنثروبولوجيا الإسلام‏ # نادية دو موند: الوعي بالذات خطوة أولى لتحرير النساء‏ # جوديث بتلر فيلسوفة النوع والهوية: كيف نعيش حياة حقيقية ضمن حياة زائفة؟‏ # الفيلسوفة السينمائية آين راند: ما نوع العالم الذي نعيش ~~فيه؟‏ # نانسي فريزر: الحاجة إلى فضاء عمومي عابر للأوطان‏ # سيلا بن حبيب: سيرتها، فلسفتها السياسية ومواقفها‏ # المراجع والمصادر‏ # الباحثة سيلا بن حبيب وتأملات في الربيع العربي‏ # الشرط الإنساني ومشكلة الشر‏ # لماذا الفلسفة بصيغة المؤنث؟‏ # إديث شتاين ... نحو فينومينولوجية لاهوتية‏ # سيمون فايل: فيلسوفة المصنع والشرط العمالي‏ # صبا محمود: نحو أنثروبولوجيا الإسلام‏ # نادية دو موند: الوعي بالذات خطوة أولى لتحرير النساء‏ # جوديث بتلر فيلسوفة النوع والهوية: كيف نعيش حياة حقيقية ضمن حياة زائفة؟‏ # الفيلسوفة السينمائية آين راند: ما نوع العالم الذي نعيش ~~فيه؟‏ # نانسي فريزر: الحاجة إلى فضاء عمومي عابر للأوطان‏ # سيلا بن حبيب: سيرتها، فلسفتها السياسية ومواقفها‏ # المراجع والمصادر‏ # الباحثة سيلا بن حبيب وتأملات في الربيع العربي‏ # الشرط الإنساني ومشكلة الشر‏ # | الفلسفة بصيغة المؤنث # | الفلسفة بصيغة المؤنث # تأليف # رشيد العلوي # | لماذا الفلسفة بصيغة المؤنث؟ # عديدة هي الكتب التي تحدثت عن موضوع المرأة والفلسفة من قبيل: نساء- فلاسفة، الفلاسفة ~~والمرأة، نساء الفلاسفة ... وأغلب الظن أنها تعالج علاقة الفلاسفة بالمرأة لبيان مواقفهم ~~الحياتية من المرأة عامة، أو لإبراز دور بعض النسوة في حياة الفلاسفة، كما عالجت موضوع ~~الحب من منظور الفلاسفة؛ ليقف البعض منها عند تجارب الحب التي خاضها بعض الفلاسفة مع النساء ~~... وقليلة هي الكتب التي عالجت أفكار بعض النساء-الفلاسفة؛ حيث تم التركيز تحديدا أغلب ~~الأحيان على فيلسوفات بارزات من قبيل: هيباتيا، حنة آرنت، جوليا كريستيفا، سيمون دي بوفوار ~~... # نذهب في هذا العمل إلى البحث في سيرة وفلسفة بعض النساء اللواتي دخلن عالم التفلسف من ~~بابه الواسع، وتحملن عبء التفرغ للفكر الفلسفي تدريسا وتأليفا في مجتمعات ذكورية بامتياز؛ ~~حيث جددت الرأسمالية آليات السيطرة والهيمنة الذكورية على عالم الفكر. وخصصن معظم أوقاتهن ~~للتنقل بين ms01 الجامعات، ومنهن من تحملت ويلات الحروب والاضطهاد الفاشي والديني واللغوي ~~والثقافي خاصة في الفترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، كما نجد منهن من تخلين ~~عن الحياة الأسرية وعزفن عن الإنجاب للتفرغ للفلسفة، إن لم نجد منهن من لها ميولات جنسية ~~مختلفة ضدا على المجتمع الذكوري، وبحثا عن اعتراف من نوع آخر. # من المعلوم جيدا أن الفلاسفة-الذكور قد هيمنوا على تاريخ الفلسفة، فلاسفة-ذكور لم ينفلت ~~منهم من سلطة المجتمعات الذكورية إلا النزر اليسير، ولكن مع تناسل مقاومات الحركة ~~النسائية وانتزاعها لحق المساواة والحرية والإنصاف لولوج مجالات عمل كانت إلى عهد قريب ~~حكرا على الرجال، ومع الدور الذي لعبته الأنظمة الاشتراكية والحركات النسائية في العالم، ~~سيتعزز دور المرأة في المجتمعات الغربية تحديدا والتي أقرت أنظمة علمانية منحت للنساء ~~حقوقا لم يكن يسمح بها من ذي قبل. # في مجتمعات اليوم لم يعد السؤال يتعلق بالحاجة إلى تحرير المرأة كما طرح في القرن التاسع ~~عشر (مع الموجة النسوية الأولى)، بل صار السؤال ينصب حول مستقبل هذا التحرر، من جهة أن ~~هناك مشكلات جديدة صاحبت الاعتراف بالمرأة ودورها السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي، ~~من قبيل الحقوق الجنسية، والاختلاف الجنسي والتحول الجنسي ... ناهيك عن التعدد الثقافي ~~والديني واللغوي. # ماذا لو قلبنا التاريخ رأسا على عقب، فإذا كان تاريخ الفلسفة في مجمله تاريخا ذكوريا ~~بامتياز كتبه فلاسفة ذكور، فماذا عساه يصير لو كان تاريخا نسويا؟ ماذا لو كانت النساء ~~هن اللواتي لعبن دورا هاما في تاريخ الفلسفة؟ ألن نجد أنفسنا أمام قضايا فلسفية ~~مغايرة، ومنهجيات فلسفية مختلفة، ولربما أمام فكر مختلف جذريا عن فلسفة الفلاسفة ~~الذكور، وأمام فلسفة جديدة حتى لا نقول فلسفة نسوية؛ لأن هذا النعت يضمر بين ثناياه نزعة ~~ذكورية؛ حيث يتم التمييز بين فلسفة ذكورية ونسوية؟ # ستكون لثورة المساواة في الحقوق ولولوج عالم الشغل والفكر والثقافة انعكاسات جديدة على ~~بنيات التفكير، وعلى طبيعة القضايا الفلسفية كما نجد ذلك في عالم السياسة والاقتصاد. لذا ~~نعتقد - دون الجزم في ذلك - أن التاريخ المقبل للفلسفة سيكون تاريخا ms02 مغايرا ومختلفا، ليس ~~بسبب ثورة المساواة والحقوق وحدها، وإنما بسبب اجتياح النساء لنسب الساكنة العالمية، ~~وتفوقهن في مجالات التعليم والسياسة والاقتصاد على حد سواء، وبسبب ثورة الحب كما نظر لها ~~لوك فيري وألان باديو. # نجد أنفسنا في هذا العمل أمام فكر فلسفي يطرح قضايا سياسية راهنة تتصل بالفلسفة السياسية ~~تحديدا؛ حيث سنلتقي بوجوه بارزة لعبت أدورا هامة في التنظير لقضايا لم تطرح من قبل، ~~كما هو الشأن بالنسبة للفيلسوفة جوديث بتلر # Judith Butler # أو سيلا بن حبيب # Seyla Benhabib ~~، أو نانسي فريزر # Nancy Fraser ~~، وبوجوه لم تلق كامل الحفاوة والاهتمام ~~في الجامعات وكليات الفلسفة على الأقل في عالمنا العربي من قبيل سيمون فايل # Simon Weill # وصبا ~~محمود # Saba Mahmood # وإديث شتاين # Edith Stein # وآين راند # Ayn Rand ~~، وبفيلسوفة نقدية معاصرة تنتمي إلى ~~المدرسة الماركسية وتحاول إعادة النظر في موضوع البطريركية (الأبوية) وفق مستجدات البحث ~~الأنثروبولوجي والسوسيولوجي الراهن: نادية دو موند # Nadia de Monde ~~. # إذا كان اهتمام إديث شتاين ينحصر أساسا في الفينومينولوجيا متأثرة بأستاذها إدموند هوسرل # E. Husserl # وفي الأنثروبولوجيا الفلسفية، وتكبدت ~~عناء العيش في كنف حيث حرمتها الحياة من الأبوة، واختارت عنوة حضن الكنيس هربا من ويلات ~~النازية التي لاحقتها إلى كرملية هولندا لتتخلص منها بمعية أختها روز في أبشع الصور في ~~محرقة أشفيتز الغازية سنة 1942، فإن اهتمام آين راند التي اختارت الهروب من الاتحاد ~~السوفياتي في اتجاه الولايات المتحدة الأمريكية، سينصب حول النزعة الموضوعية حيث تبحث ~~عن عالم خاص بجون غالت (بطل روايتها الإضراب): عالم فرداني بامتياز، حيث تعلي قيم «فضيلة ~~الأنانية» (عنوان كتابها المميز) بدل قيم كانط المتعالية، فعبارتها المدوية: «امنحني ~~الحرية أو الموت»، تقر أن الفرد يمتلك قيمته في ذاته، من جهة أنه مكتف بذاته ولا يتوجب ~~أن تحبسه الغيرية التي أفسدت على الفرد قيمه الأخلاقية النبيلة. ووراء السعي نحو التخلص من ~~قيم الغيرية فإن من واجبات الدولة العمل فقط على حفظ مصلحة الأفراد الذاتية؛ لأننا «لسنا ~~دولة ولا مجتمعا بقدر ما نحن تجمع بشري مبني ms03 على إرادتنا ويستجيب لمصلحتنا الفردية». ~~وهؤلاء الأفراد يتقاسمون مجموعة من القيم خارج أية قوانين أو قواعد؛ لذا لا ينبغي أن نقبل ~~إلا القيم الموضوعية الضامنة لروح الأنانية العقلية أو أنانية المصلحة الفردية التي تمثل ~~نقيض الغيرية أو عقلية القطيع (الجماعية)، حيث الفرد هو أساس كل الأخلاق يوجد لذاته وليس ~~لغيره. # ما يجمع هاته الوجوه في اعتقادنا هو ذلك الصوت النسوي النقدي الذي تغفله بعض الأقلام ~~الفلسفية ولا تمنحه ما يستحق من اهتمام. فجميعهن رغم اختلاف مشاربهن واتجاهاتهن الفلسفية ~~وانتماءاتهن العقدية واختياراتهن السياسية تركن أثرا فلسفيا عميقا، ناهيك عن الخيوط ~~الناظمة لبعض المفاهيم التي نحتناها حيث التداعي قائم: الحق في كافة الحقوق، الشر، ~~التوتاليتاريا، الاعتراف والرغبة (حيث التوليف بين اسبينوزا وهيجل كما فعلت بتلر) ... # لا يسعنا في مجتمعاتنا الذكورية بامتياز رغم الكليشيهات التي تظهرها بعض الأنظمة السياسية ~~في هذه الرقعة من العالم، إلا أن نعلي من شأو التفكير الفلسفي الذي تركته هاته الوجوه ~~النقدية وغيرها (وأغلبهن لا يزال على قيد الحياة) في سبيل الدفع بتفكير من هذا النوع في ~~مجتمعاتنا؛ حيث لا تزال النساء عرضة لكل أنواع الاضطهاد والتهميش والتحقير بفضل بنيات ~~التسلط الذكورية المتعششة في تربتنا، والتي ترسخها في عالم اليوم تيارات محافظة لن تزيدنا ~~إلا انتكاسة نحو الوراء (الماضي الذهبي الذي يحلمون به وينادون به حيث تطالب المرأة ~~بالخنوع والطاعة والخضوع لسلطة الرجل بدعوى «ناقصة عقل ودين»). فالتنوير يقتضي أول الأمر ~~الخروج من حالة الوصاية والخضوع، فكيف يمكن قبول ما نشاهده يوميا من مآس وجرائم في حق ~~النساء، والدعوة إلى جهاد النكاح، وإلى حق سبي نساء العدو (هذا إذا صح فعلا أنه عدو؟) ~~... كيف لنا السكوت عن أنظمة الذل التي تبتغي إبقاء الوضع على ما هو عليه؟ # يزداد لدي اليقين أن ثورة الحقوق والمساواة قد أدت فعلا إلى تحولات عميقة بدأت تظهر ~~بوادرها في مجموع الكوكب الأزرق. ورغم أن هدف الليبرالية السياسية والرأسمالية العالمية هو ~~إدخال النساء في إطار أسطورة «مقاربة النوع» إلى عالم المال والأعمال بهدف تلطيف الاستغلال ms04 ~~وترسيخ الاستعباد الجديد للنساء، فإنها في حقيقة الأمر تحفر قبرها بنفسها؛ لأن الفردانية ~~كمبدأ قد يؤدي بالمجتمعات المعاصرة إلى نتائج عكسية. يتم تبرير الفردانية بدعوى الحرية ~~الفردية التي هي شرط الديمقراطية الليبرالية، لكن يتم تناسي أن الحرية في شموليتها ~~والسياسية تحديدا هي شرط لا مناص منه؛ لأن منح الاستقلالية المادية للمرأة هو مفتاح تحررها ~~الشامل. هكذا ترى نادية دو موند أن «النساء تستعمل كجيش احتياطي للصناعة (ماركس) في ~~الاقتصاد الرأسمالي، يدمج في فترات التوسع الاقتصادي ولكنه يسرح في فترة الانكماش ~~الاقتصادي أو فترات الأزمة ... ويتم تبرير هذه الممارسة بفكرة أيديولوجية مفادها أن الرجل هو ~~من يلبي أساسا حاجيات الأسرة، وأن المكان الطبيعي للمرأة هو المنزل كربة بيت. وتستخدم ~~النساء مكان قوة العمل الذكورية لإضعاف الطبقة العاملة وتقسيمها. كما تستعمل النساء ~~بطبيعة الحال في أقسام «ضعيفة» و«هامشية» من الطبقة العاملة كما هو حال المهاجرين ~~والمهاجرات.» لذلك تذهب نانسي فريزر في كتابها: حظوظ النسوية # Fortunes of Feminism # إلى ضرورة قطع الصلة مع النيوليبرالية لبناء مجتمع متضامن؛ ~~حيث تقول «تتيح الأزمة الحالية الفرصة لتولي زمام الأمور وربط حلم تحرير المرأة برؤية ~~لمجتمع متضامن. ولكي تتحقق هذه الغايات، تحتاج النسوية لقطع علاقتها بالليبرالية الجديدة، ~~واعتماد «ثلاث مساهمات» لخدمة أغراضها الخاصة: # أولا: # يجب علينا أن نقطع الصلة الزائفة بين نقد مستوى دخل الأسرة والرأسمالية ~~المرنة، والعمل لخلق شكل من الحياة لا يركز على أسعار/أجور العمل وتعزيز ~~الأنشطة غير المأجورة، بما في ذلك أعمال الرعاية. # ثانيا: # علينا أن نغير مسارنا من السجال حول اقتصاد السوق إلى الهوية السياسية، ~~بحيث يتم دمج النضال لتقديم شكل يناهض القيم الذكورية ويسعى لتحقيق ~~العدالة الاقتصادية أيضا. # أخيرا: # علينا قطع الصلة بين سجالنا حول البيروقراطية وأصولية السوق الحر من خلال ~~استدعاء عباءة الديمقراطية التشاركية كوسيلة لتعزيز السلطات العامة ~~اللازمة لتحجيم رأس المال من أجل عدالة اجتماعية. هكذا «ظهرت موجات ~~النسوية كنقد للرأسمالية في شكلها الأول، إلا أنها أصبحت خادمة للرأسمالية ~~في ثوبها الجديد الذي ظهر بعد الحرب.» # تجد الفلسفة بصيغة المؤنث ms05 شرعيتها في طبيعة الموضوعات التي تناولتها الوجوه المنتقاة في ~~هذا العمل بقليل من التفصيل، ولكن بعمق فلسفي حي يروم إبراز دورها في تاريخ الفلسفة ~~المعاصر. وفي انتظار وجوه أخرى في نفس المجال فإننا نتقدم بالشكر الجزيل لكل الصديقات ~~والأصدقاء اللواتي والذين قدموا ملاحظاتهم في مناسبات مختلفة، دون أن ننسى الدكتورة ~~الفاضلة رجاء بن سلامة التي وفرت من وقتها الكثير للاطلاع على هذا العمل ومراجعته، وتجشمت ~~عناء التقديم له، فألف تقدير واحترام لها على جهودها في سبيل الحرية والكرامة والعدالة ~~الاجتماعية. # | إديث شتاين ... نحو فينومينولوجية لاهوتية # لم تعش أكثر من خمسة عقود، لكنها تركت ما لم يتركه من عمر ما يقارب القرن. يتعلق الأمر ~~بالفيلسوفة اللاهوتية، إديث شتاين # Edith Stein ~~(1891-1942): يهودية الهوية وألمانية المنشأ. لم يأسر قلبها ولا عقلها أي من الأديان، إلا ~~بعد أن خبرت الحياة وسبرت أغوار الحقيقة من كل الجهات. # تتلمذت على يد الفينومينولوجي الشهير، إدموند هوسرل، الذي عينها مساعدة له سنة 1917، ~~بعد وفاة معاونه الأول الدكتور ريناخ. التحقت إديث بجامعة فريبورغ سنة 1913، وأعدت فيها ~~أطروحة الدكتوراه في الفلسفة، دراسة فينومينولوجية، تحت عنوان: «تسرب الانفعالات ~~والعواطف»، حاولت من خلالها تجاوز مقاربة علم ~~النفس، نحو علم يخص الظواهر الإنسانية؛ للكشف عن عمق الباطن الفردي، وما يفعل فيه من ~~إحساسات تترجم في حدوس عقلية وانفعالية. # كان لفقدان إديث لأبيها ولثلاثة من إخوتها (وهي واحدة من ضمن عشرة إخوة)، وهي في سن ~~الثانية من عمرها، أثر بليغ في مسارها اليومي. وقد تكفلت أمها بإعالتها هي وإخوتها، غير ~~أن إديث شتاين ستشق لنفسها طريقا آخر غير ما ورثته من التقاليد اليهودية، وهذا ما عبرت ~~عنه في كتابها «قصة حياة يهودية»، الذي يعد سيرة ذاتية غير مكتملة، حكت فيها عن طفولتها ~~وانفعالاتها وعنفوانها، وعن علاقاتها في مراحل مختلفة من حياتها. لم تسعفها الظروف الحياتية ~~لتصير فيلسوفة معروفة في الأوساط الأكاديمية، بالنظر إلى وضعها ~~بصفتها يهودية مهددة في حياتها، بعد صعود النازية إلى ~~الحكم في الثلاثينيات. وقد كان حدسها صحيحا؛ حيث أحرقت بمعية ms06 أختها الطبيبة روز (التي ~~ساعدتها على التطبيب في الحرب العالمية الأولى تضامنا مع زملائها في الدراسة الذين ~~تطوعوا للقتال دفاعا عن الوطن)، في محرقة أشفيتز الغازية سنة 1942، على الرغم من ~~انتمائها إلى الطائفة المسيحية، فيما بعد، واعتكافها على تربية الراهبات في الكرملية ~~الهولندية (إيخت) لسنوات عدة. مع العلم بأن هيدغر رشحها لمنصب جامعي ودعمها، إلا أن ~~النازيين وقفوا في وجهها بسبب أصلها اليهودي. # أصدرت إديث في حياتها كتبا فلسفية ومعرفية عدة ركزت على قضية المرأة، والحقيقة والتربية ~~والوضع الإنساني. في كتابها «العلم والإيمان»، بنت حوارا أخاذا بين هوسرل وتوما ~~الأكويني. وفي «بناء الكائن البشري»، نجد بحثا في أصل الجنس البشري وتطوره وأعراقه ~~ومعتقداته، وهو البحث الذي عرف، فيما بعد، ب «الإناسة اللاهوتية». أما كتابها «جوهر ~~الحياة»، أو «الحياة في شموليتها»، فتعالج فيه قضايا تربوية عدة: تربية الروح والنفس، وما ~~تقتضيه من قوى روحية من شأنها أن تجعل من الحياة بكاملها مشروعا يندفع نحو الحقيقة، لتعرج ~~فيه على أهمية الحضور النسوي في التعليم. هذا ناهيك بكتاب «فن التربية» و«في الشخص». وفي ~~كتابها عن «قدر المرأة»، كانت إديث سباقة إلى الحديث عن المرأة ودورها في المجتمع، حيث ~~تتساءل: هل المرأة من طبيعة أنثوية؟ ما الهدف من تعليم المرأة؟ محاولة أن تعالج قضايا ~~المرأة من باب أخلاقية المهن النسائية، أو فيما سمته «تكامل المرأة في جسد المسيح السري»؛ ~~حيث تدعو الرجل والمرأة معا، ليكونا ضمن نظام الطبيعة ونظام النعمة. ولا شك في أنها ~~متأثرة كثيرا بوضعية أمها التي عالت إخوتها وبالسيدة آن رينر. # كتبت في مجال اللاهوت: «صلاة الكنيسة وسر الميلاد»، و«علم الصليب»، وترجمت كتاب توما ~~الأكويني «في الحقيقة». # خالطت شتاين كبار عمالقة الفكر الفلسفي الألماني طوال سنوات خلال تحضيرها أطروحتها ~~الجامعية، وخلال اشتغالها محاضرة فيما بين 1923 و1933. وانتقلت إلى المعاهد الكاثوليكية ~~بعد أن أعفيت من الأستاذية؛ لتعيش حياة الرهبنة، مهرولة إلى اللاهوت لقراءة المفكرين ~~المسيحيين، لا سيما القديس توما الأكويني. وقد كان لهذا التغير المفاجئ وقع على أصدقائها ~~اليهود، بحيث اتهمت ms07 بالهروب من جحيم النازية، الذي لم تسلم منه. وصاحبت كلا من أدولف ~~رينر، الذي يعد الذراع اليمنى لهوسرل، وجون هيرينج، وهانز ليبس، وماكس شيللر (في الصليب ~~الأحمر الألماني)، وهيدغر، وانخرطت في حلقة الفينومينولوجيا. يمكن تقسيم أعمال الفيلسوفة ~~الراهبة شتاين - بحسب المتخصص في فلسفتها اللاهوتية، جون فرنسوا لافين - إلى ثلاثة ~~محاور: # يتعلق الأول بتحليل الشخص البشري كما يعيش نوازعه وانفعالاته الداخلية، منطلقا من سؤال: ~~من أكون؟ إلى أي نوع من الموضوعات ينتمي الأنا؟ ما الروابط القائمة في تشكلنا: الجسد، ~~الملكات العقلية، الروح، الحساسية، الأحاسيس؟ وذلك للبحث عن تصور شمولي للكائن ~~البشري. # أما الثاني، فيخص التربية؛ فلأجل تربية الكائن، يجب التوجه إليه كما هو؛ كما يحس داخليا ~~ووفق معرفته الباطنية. وهو ما جسدته، فعليا، في الكرملية، حيث عمقت بحثها في الظواهر ~~الإنسانية. # ويتعلق المحور الثالث، بمجال الميتافيزيقا، حيث اطلعت على توما الأكويني؛ إيمانا منها ~~بأن البحث عن الحقيقة هو أسمى ما يمكن أن يقودها إلى فهم ما يحيط بها من ظواهر إنسانية. ولا ~~شك في أن لكتاب هيدغر، الكينونة والزمن، (صدر سنة 1929)، أثرا بالغا على محاضراتها في تلك ~~الفترة، التي نجد فيها تأملات فلسفية عميقة مشحونة بعاطفة جياشة مفعمة بالأمل. # وإلى جانب كتابها في مسألة الدولة، يشكل بحثها تحت عنوان: «الكينونة الفانية والكينونة ~~الأبدية»، (وهو أضخم كتبها؛ يقع في 530 صفحة)، أعمق تأمل فلسفي في قضية الغير، والتعاطف، ~~محاولة استجلاء القول، وبيان عمق البينذاتية # l’intersubjectivité # في بعدها الفينومينولوجي. فالتعاطف # Empathy ~~، يسير في اتجاه تحقيق الذات، بالارتكاز على خبرتك في فهم الذات ~~الإنسانية، وهو ما يتطلب تركيزا لفهم الأنا التي لا تظهر للعيان على حقيقتها. تزداد صعوبة ~~التعاطف خلال اللقاء بالناس؛ لأن كل واحد منهم يحمل «أنا» خاصة محملة بخبرات متنوعة ~~ظاهرة. وعلى هذا الأساس، تشدد إديث على ضرورة فهم الآخر، عبر نظرية التعلم واكتساب المعرفة؛ ~~وبذلك تشاطر ماكس شيللر في مقاربته لإشكالية معرفة الغير. # | سيمون فايل: فيلسوفة المصنع والشرط العمالي # تحقيق حاجة شعب إلى الحقيقة يلزمها توافر أناس يحبون الحقيقة. # عملت الفيلسوفة ms08 سيمون فايل # S. Weil ~~(1909-1943) أستاذة ~~مبرزة في الفلسفة في التعليم الثانوي لمدة أربع سنوات، إلا أنها سرعان ما ستتخلى عن ~~وظيفتها، بعد أن قررت أن تصبح عاملة في المصانع الفرنسية، بفضل أفكارها الماركسية (معادية ~~للستالينية)، حيث تبدي دوما تعاطفا لا متناهيا مع الفقراء والبسطاء الذين تقتسم معهم كل ~~ما تملك، بما فيها أجرتها الشهرية (قررت العيش بخمسة فرنكات فرنسية في اليوم، وتودع ما تبقى ~~من أجرتها الشهرية في صندوق التضامن مع عمال المناجم). وكانت سيمون تلتقي مع العاطلين ~~والعمال في المقاهي، وتمنحهم ثقافة عامة للالتزام السياسي، فيما يشبه تعليما شعبيا ~~للجميع، تبسط فيه قضايا راهنة وإشكالات المجتمع الغربي. وأعطت دروسا في الجامعات الشعبية ~~(انخرطت بصدق في تحليل القضايا التي شغلت عصرها في المنابر التقدمية). # تنتمي سيمون فايل إلى عائلة يهودية-برجوازية، وهي أخت عالم الرياضيات أندري فايل، ~~والتلميذة النجيبة للفيلسوف الفرنسي اللامع: آلان # Alain ~~(إميل شارتييه)، الذي أثر فيها تأثيرا بليغا، واستلهمت منه أسلوبه في الكتابة والتعبير، ~~وظلت وفية له ولروحه. وقد شجعها كثيرا بمناسبة صدور دراستها «تأملات حول أسباب القمع ~~والحرية»، معتبرا إياها قلما واعدا ونبراسا للأجيال المقبلة. # لم تعمر العذراء الحمراء (كما هو نعتها الآن)، سوى أربعة وثلاثين سنة، كتبت خلالها ما ~~يعادل خمسة وعشرين كتابا، تشهد على أنها فيلسوفة متجذرة وشرسة بشكل غير مسبوق. صدرت ~~أعمالها كاملة عن دار غاليمار، في سبعة عشر جزءا، موزعة على سبعة مجلدات. لم تكن فايل مجرد ~~مدرسة عادية تؤدي وظيفة مؤسساتية، بل كانت نموذجا لفيلسوفة ملتزمة بقضايا المضطهدين ~~الذين كافحت من أجلهم طوال حياتها، مناضلة نقابية وسياسية شاركت في حملات التضامن ~~والإضرابات القطاعية (شاركت بقوة في الإضراب الشهير سنة 1936)، وجالست العاطلين والعمال ~~وخبرت محنتهم، كما صادقت تلامذتها وأحبتهم بإخلاص؛ مما أتاح لها أن تضع أسسا جديدة لتربية ~~تقوم على التمرد على الجاهز والمألوف. والتحقت بالمقاومة الإسبانية سنة 1936 إبان الحرب ~~الأهلية لمواجهة انقلاب فرانكو الفاشي. وسمت فايل بكونها الفيلسوفة الروحانية أو ~~الفيلسوفة الماركسية ذات النفحات الصوفية، غير أن ما آل إليه ms09 فكرها، في السنوات الأخيرة من ~~حياتها، ما بين 1940 و1943، كان أقرب إلى الفلسفة الصوفية منه إلى الماركسية. ولنا شهادة في ~~رسالة من تروتسكي إلى فيكتور سيرج يوم 30 يوليو (تموز) 1936، يدعوه إلى قطع العلاقة مع فايل ~~لأنها لم تعد متحمسة للفكر الثوري، ولم تعد مناصرة لقضايا البروليتاريا هذا النبي الأعزل ~~بتعبير إسحاق دويتشر، استقبلته فايل في منزل عائلتها في ديسمبر (كانون الأول) 1933. انظر: ~~(«سيمون فايل»: حوار مع تروتسكي، 2014). # لا نجزم ما إن كانت حنة آرنت قد استعارت عنوان «شرط الإنسان الحديث» من سيمون فايل، الذي ~~تحدثت قبله عن الشرط العمالي؛ ففي كتابها هذا، ترصد عذراء الفلسفة المعاصرة، مجموع ~~الشروط التي تعاني منها اليد العاملة الصناعية في فرنسا. وقد مثل اقتحامها للعمل في ~~المصانع، أقصى درجات الالتزام السياسي بقضايا المستغلين، حيث صار الاستغلال والاضطهاد ~~ومختلف أنواع القهر والاستعباد المعاصر، عيشا يوميا ملازما لها طوال تلك التجربة، أو ~~ذلك «اللقاء مع الحياة الحقيقية والفعلية»، كما عبرت في رسالتها إلى تلميذة (الشرط العمالي، ~~20)؛ ولهذا يعود لها الفضل في اختبارها حقيقة أفكار ماركس ومن تبعه في المذهب من مختلف ~~المدارس، وما شعارها البراق إلا خير دليل على ما خبرته: «الوحوش الثلاثة للحضارة البشرية ~~الراهنة، هي المال والتقانة والجبر». # بدءا من سنة 1938، دخلت فايل في علاقات مع كثير من رجال الدين، ومنهم تحديدا جوزيف ماري ~~بيرين (صاحبته ما بين 1940-1942)، وقد أثر فيها كثيرا، ولعب دورا في تجربتها الروحية ~~التي طمستها طوال حياتها، ولم تظهر إلا من خلال رسائلها، بعد وفاتها (نتيجة نوبة قلبية قد ~~يكون السبب وراء معاناتها الطويلة مع مرض السل). وقد سبق لفايل أن تحدثت عن الموت قبل ~~وفاتها، «لقد فكرت في الموت في سن 14 بعد أن عشت شهورا في الظلمات» (الرسالة الرابعة: ~~السيرة الروحية - في انتظار الله). لهذا «امتنعت دائما، عن التفكير في حياة مستقبلية. ~~وصرخت دوما أن لحظة الموت هي معيار وهدف الحياة» (الرسالة الرابعة)؛ لأن المستقبل في ~~نظرها «لن يجلب لنا أي شيء، ولن يمنحنا أي شيء؛ ms10 إننا نحن من يصنعه، من يمنحه كل شيء بما فيه ~~حياتنا نفسها». # ليس لدينا دليل فيما إن كانت فايل قد التقت مع حنة آرنت، لكن من المؤكد أن بينهن علاقة ~~فكرية غير مباشرة، وبالقدر الذي نعرف آرنت كمناهضة للتوتاليتاريا وللفكر الجامد والوثوقي، ~~ينبغي أن نعترف أن سيمون فايل، قد خطت كلماتها القوية ضد الفاشية وضد الأنظمة الشمولية، ~~في «تأملات في قضايا الحرية والقهر الاجتماعي»، وفي «كتاباتها السياسية والتاريخية» التي ~~جمعت فيما بعد. وعلى هذا الأساس، فإن فكر حنة آرنت الفلسفي، يلتقي مع فكر سيمون فايل في ~~كثير من القضايا من قبيل: العنف، الشر، الحرية، الألم، الحقيقة، التجذر، نقد ~~التوتاليتاريا، المحبة ... أي في مجمل قضايا السياسة والأخلاق والدين. # يمنح صدق فايل لكلماتها معاني خاصة جدا، معاني نابعة من عمق مأساتها التي تعتبرها ~~بمثابة بلاء، عليها أن تتحمله حبا في الله. وكما تقول في سيرتها الروحية: «تغيرت حياتي ~~لأول مرة في سفري إلى إيطاليا، حينما ركعت على ركبتي أمام الكنيسة» (في انتظار الله). غير ~~أن هذا الحدث لم يكن وحده كافيا لتفسير صلة فايل بالدين المسيحي؛ لأنها لم تمارس التدين ~~يوما، واكتفت بالإيمان بالله ومحبته؛ لأن «الحب إلهي يحطم القلب الإنساني لما ينفذ إليه» ~~(المعرفة الخارقة، 308). تلك المحبة التي «هي الله ذاته» (رسالة إلى الأب جو بوسكيه)، ~~بالقدر الذي صارت فيه الطبيعة عند اسبينوزا متوحدة في الله؛ لهذا: «خلق الله عن محبة ومن ~~أجل المحبة. لم يخلق الله غير المحبة ذاتها وغير طرق المحبة. خلق كل أشكال ~~المحبة. خلق كائنات قادرة على المحبة من جميع المسافات الممكنة. أتى، هو نفسه؛ لأنه لا ~~أحد غيره قادر على القيام بذلك، إلى المسافة القصوى، المسافة اللانهائية. هذه المسافة ~~اللانهائية بين الله والله، كآبة # déchirement # مطلقة، ~~ألم لا يدانيه أي ألم» (الخبرة مع الله: حب الله والبلاء، ترجمة محمد علي عبد الجليل، ~~معابر). وبهذا يكون الله «في جوهره، محبة إلى درجة أن الوحدانية التي هي تعريفه ذاته ~~بأحد المعاني ليست سوى مجرد نتيجة للمحبة» # 1 # وتضيف: ms11 «هناك شكلان من المحبة، اللقاء والانفصال. وهما ضروريان جدا. وينطوي ~~الاثنان على الخير نفسه، الخير الوحيد، المحبة؛ لأنه عندما يقترب شخصان ليسا صديقين من ~~بعضهما، لا يكون هناك لقاء. وعندما يبتعدان لا يكون هناك انفصال. هذان الشكلان حسنان ~~أيضا لاحتوائهما على الخير نفسه.» # 2 # كتبت آرنت عن المحبة في أطروحتها عن أوغسطين (1929)، لكنها لم تبلغ ما بلغته فايل من ~~تعال وتسام يصير فيه البلاء والشر قدرا لا مفر منه: «أعتقد أن أصل الشر، عند الجميع ~~ربما، بل عند من أصابهم البلاء بصورة خاصة، وخصوصا إذا كان البلاء بيولوجيا، إنما هو ~~حلم يقظة. إنه العزاء الوحيد، غنى المبتلين الوحيد، العون الوحيد لحمل الثقل الرهيب للزمن؛ ~~عون بريء لا غنى عنه على أي حال. فكيف يكون ممكنا الاستغناء عنه؟ ليست له سوى سيئة ~~واحدة، هي أنه غير واقعي. وعزوف المرء عنه حبا بالحقيقة يعني حقا تخليه عن جميع ~~ممتلكاته بدافع جنون الحب واتباع من كان الحق بذاته.» كل البشر يستسلم للشر عن غير وعي، ~~ما دام أنه لا يمكن أن يعيش وحيدا في العالم؛ لأن هذا الأخير هو بوابة ومدخل وحاجز، وفي ~~الوقت نفسه، جسر للعبور «ليس ضروريا أن يقول المرء نعم للشر حتى يتملكه الشر. ولكن ~~الخير لا يشغل النفس إلا إذا قالت له نعم» وهكذا ف «أقصى ما يمكن أن يفعله الكائن ~~الإنساني، هو أن يحافظ في داخله على سلامة ملكة قول نعم للخير» (رسالة إلى جو بوسكيه). ~~وإذا كانت دعوة فايل هي الجرأة في قول «نعم للخير»، فإن دعوة آرنت لملايين الضحايا الذين ~~قادهم بضع مئات من جنود النازية إلى المحرقة، هي قول: «لا»، لا للشر وللهمجية: «لماذا لا ~~يستطيعون التمرد؟» ذلك هو السؤال الذي أحرق حنة وهي تبحث عن أصل الشر، لا بما هو بلاء ~~ميتافيزيقي يجد أساسه في القدر، وإنما بلاء بشري يعبر أيما تعبير عن تصحر هذا العالم. فكل ~~المآسي «التي يمكن أن نتخيلها تعود إلى مأساة واحدة: إضاعة الوقت»؛ لأن إنسانا يعيش وحيدا ~~في العالم، ms12 لا يمكنه أن يتمتع بأية حقوق لأن؛ قدره هو الواجبات لا غير. # | صبا محمود: نحو أنثروبولوجيا الإسلام # صبا محمود (1962-...) أنثروبولوجية أمريكية (باكستانية الأصل)، باحثة نقدية معاصرة تنتمي ~~إلى الجيل الثالث لمدرسة فرانكفورت، وتهتم بقضايا عديدة حول النظرية السياسية ~~والأنثروبولوجيا في منطقة الشرق الأوسط (عضو مركز الشرق الأوسط للدراسات) وجنوب آسيا (عضو ~~معهد الدراسات حول جنوب آسيا)، تركزت أعمالها حول مجتمعات ذات غالبية مسلمة، ولها مساهمات ~~عدة حول الأخلاق والسياسة، العلاقة بين الدين والعلمانية، مكانة النساء ودورهن في ~~تلك المجتمعات. # تشغل حاليا منصب مدرسة مساعدة في جامعة كالفورنيا بولاية بيركلي، وقبلها عملت ~~مهندسة معمارية لمدة أربع سنوات، غير أن شغفها بالبحث الأنثروبولوجي وخاصة أنثروبولوجيا ~~الإسلام بدأ لما كانت طالبة دراسات عليا في جامعة ستانفورد على يد أستاذها طلال الأسد الذي ~~لعب دورا هاما في مسارها الجامعي والأكاديمي، حيث أقرت في حوارها مع ناثان شنايدر: ~~«كنت مهندسة معمارية لأربع سنوات ... وعزمت على العودة إلى الدراسات العليا من أجل ~~التفكير في التحولات التي حدثت جراء الصعود الذي عرفه المشهد الاجتماعي والسياسي ~~للمجتمعات الإسلامية، لم أكن أعرف حقا الكثير عن الأنثروبولوجيا في ذلك الوقت؛ ولذا ~~التحقت ببرنامج الدراسات العليا في العلوم السياسية، الذي وجدته ذا توجه مركزي أوروبي ~~للغاية؛ فأدركت أن هذا التخصص لن يساعدني على استكشاف نوعية الأسئلة التي كنت مهتمة ~~بها، كنت محظوظة بما فيه الكفاية في ذلك الوقت لألج حقل الأنثروبولوجيا الذي أصبح بمثابة ~~تخصصي الأصلي.» معتقدة أن أي تخصص آخر كان سيستوعب نشاطها و«لكن الأنثروبولوجيا مكنتني ~~من متابعة مسألة الاختلاف بطريقة جدية»؛ لأن الكتابات الأنثروبولوجية المبكرة عن مجتمعات ~~المسلمين قد أغفلت دور النساء، وتركزت حول «دراسة الآخر البدائي من أجل تأكيد خصوصية ~~القيم الثقافية والاجتماعية الغربية»، وقد اتجه علماء الإناسة فيما بعد مع تيار ما بعد ~~الحداثيين للاشتغال بطريقة نقدية حول مسألة اختلاف الثقافات، التاريخ، التقاليد، تجدد معه ~~البحث فيما يعرف حاليا بالتنوع الثقافي. وقد مكنها تعاملها مع الفقراء والمحتاجين في ~~الأحياء الهامشية في أمريكا وباكستان، لمساعدتهم على تصميم المساكن ms13 وتمويلها وبنائها، من ~~إدراك قيمة الحياة الاجتماعية التي يحاول فيها سكان هذه الأحياء «أن يفهموا عالما ألغى ~~إلغاء كاملا إمكانية وجود حياة هانئة، ورغم هذا لا يزال الناس يحاولون إعادة بناء هذه ~~الإمكانية من خلال مواءمة أنواع مختلفة من الممارسات والعادات». # نالت صبا محمود شهرة واسعة بفضل أبحاثها القيمة حول مكانة النساء في المجتمعات ذات ~~الغالبية المسلمة، حيث أنجزت بحثها الميداني الأول (سياسة التقوى: الإحياء الإسلامي ~~والشخصية النسوية) ما بين 1977 و1995 حول المرشدات الدينيات في القاهرة، بعد أن فشلت في ~~إنجازه بفاس والدار البيضاء والجزائر، الذي نالت بموجبه شهادة الدكتوراه، ومنحتها الجمعية ~~الأمريكية للعلوم السياسية جائزة فيكتوريا شوك سنة 2005، فإلى جانب مقالاتها النقدية ~~ودراساتها العلمية فقد نشرت مجموعة من العناوين الهامة منها: «هل النقد علماني؟» (2009) ~~بمعية طلال أسد، وجوديث بتلر، وويندي براون، وهو بمثابة مؤلف نقدي يعيد النظر في الجدل ~~الذي أثارته الرسوم الدنماركية والذي صور بأنه صراع بين التجديف وحرية التعبير، ~~بين الرؤية العلمانية والرؤية الدينية للعالم، «سياسات الحرية الدينية» (2015)، «الاختلاف ~~الديني في عصر العلمنة: تقرير حول الأقليات الدينية» (2015)، الذي ناقشت فيه التعدد ~~والتنوع الذي ميز منطقة الشرق الأوسط وبلدان آسيا الجنوبية (سواء في البلدان المستقرة ~~سياسيا واجتماعيا أو في البلدان التي تعيش اضطرابات جراء الحرب والصراعات ~~الأهلية). # حظي كتابها: «سياسة التقوى» بشهرة واسعة بالنظر إلى تحليله للحركات الإسلامية في مصر ~~التي غيرت الحياة الاجتماعية والسياسية، والتي شجعت النساء على المواظبة على الدروس ~~الدينية في المساجد التي تقدمها المرأة «الداعية» حول الدين منذ ما يقارب ثلاثة عقود في ~~مختلف مساجد القاهرة، وهي دروس هامة جدا - في نظر صبا - بالنظر إلى ما تثيره من نقاشات ~~عميقة أعادت الاعتبار للنساء المسلمات في الحياة الدينية والاجتماعية بعد التهميش الذي ~~طالها بسبب تأويلات مغرضة في حق النساء، حيث دافعت بقوة عن خروج النساء إلى المجال ~~العمومي؛ لمناقشة مواضيع كانت إلى عهد قريب حكرا على الرجال، ويتعلق الأمر بشئون العقيدة ~~والإيمان، فبرامج الوعظ والإرشاد التي اجتاحت بعض البلدان المسلمة (مصر، باكستان، المغرب ...) ~~ستلعب ms14 دورا هاما في مجال التأويلات، وستغذي العديد من الأفعال والسلوكيات ~~الإنسانية. # تناولت صبا في هذا الكتاب موضوعات هامة من قبيل: الحرية، خريطة الحركة التقوية، ~~الحجاج أو فن الإقناع، الأخلاق العملية والتقاليد، دور الشعائرية ... وقد قادتها هذه الدراسة ~~إلى سؤال العلمانية معتبرة أن قضايا: الإجهاض، ترسيم البابوات والأئمة الشواذ، ارتداء ~~الحجاب، إعلان الدين أو الأيديولوجيا، النزاعات حول الإجهاض، زواج المثليين ... لا تهم ~~مجتمعات ذات غالبية مسلمة وحدها، بقدر ما تهم أيضا العالم العلماني الذي جرب ~~العلمنة لقرون. فبعد أن فرض المسلمون أنفسهم في الغرب عاد النقاش إلى المجال العام حول ~~دور الدين في الحياة المعاصرة حيث تقول: «إن تداخل الدين مع الحكم المعاصر لا يطغى فقط على ~~المجتمعات غير الغربية، إنما أيضا على تلك الدول التي تعد نماذج مثالية لما ينبغي أن ~~تكون عليه الدولة العلمانية، وهذا يتضح في التنظيم القضائي والتشريعي القائم لبعض جوانب ~~الحياة الدينية في الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا» (العلمانية والاختلاف الجنسي والحرية ~~الدينية، ترجمة: نورة آل طالب). فاهتمامها بالحياة الاجتماعية للقانون، خصوصا أن العديد ~~من القضايا المعروضة على المحاكم عن حق الحرية الدينية في الشرق الأوسط تخاض ليس في ~~المحاكم فحسب، ولكن من خلال الحملات الشعبية التي تطلق في المجالات الثقافية والسياسية؛ ~~فيتشكل شعور الناس عما تعنيه الحرية الدينية من الجدل القائم بين منظمات حقوق الإنسان ~~والحقوق المدنية وحقوق الأقليات؛ لذلك تركز بحثها في مصر حول العمل مع ممارسي النشاط ~~الحقوقي، ولا سيما أولئك الذين يستخدمون البروتوكولات الدولية لحقوق الإنسان في ~~استراتيجياتهم القانونية وحملاتهم الشعبية. # يتعلق الأمر إذن بالاهتمام بمكانة الرأي العام وحيزه في النقاش العمومي، وهذا ما دفع ~~الباحث جوليان بوجي في قراءته لهذا الكتاب إلى القول: تجسد صبا محمود فكرة غاستون ~~باشلار حول الرأي: الرأي تفكير سيئ، إنه لا يفكر بتاتا، يترجم المعارف إلى حاجات؛ لأن ~~الأطروحة الليبرالية تعتقد أن «طرح الخطاب عن الحرية الدينية، خاصة في صيغتها الفردانية، ~~سيؤدي إلى اختراق دائرة الدين والأسرة والاختلاف الجنسي؛ حيث إن القوة الحاسمة لذلك الخطاب ~~من شأنها ms15 أن تخلخل الدعامة الصلبة لتلك الدائرة، ولكن وكما أظهر تحليلي، فإن الخطاب الدائر ~~حول حق الحرية الدينية عمق من تلك الدائرة على عكس ما يظن، مستثمرا بصورة أكبر ~~الهويات الأقلية والأغلبية في هذه المباحثة. وحقيقة أن هذا الطرح تحقق جزئيا عبر قوى ~~عابرة للحدود القومية ممثلة في السلطة والقانون تذكرنا بأن مسائل كهذه لا تحسم ~~ثقافيا فقط بل جيوسياسيا». وهنا نتلمس مكمن الخلل في النظرة المعيارية للدين فيه ~~«من الآثار المترتبة المتناقضة لعلمنة المجتمعات الإسلامية هو أنه مثلما أصبح للسلطة ~~الدينية دور هامشي في إدارة الشئون المدنية والسياسية، هي في الوقت ذاته تكتسب مكانة ~~مميزة في تنظيم العلاقات الأسرية والجنسية. بعبارة أخرى، نتج عن الخصخصة المتزامنة ~~للدين والجنسانية في العالم الإسلامي اندماج الاثنين (الدين والجنسانية) اندماجا ~~حتميا؛ حيث إن مسائل الهوية الدينية للغالبية المسلمة والأقليات غير المسلمة على حد ~~سواء غالبا ما يستتبعها نزاعات حول الجندرية والزواج والأسرة. ورغم أن بعض جوانب القصة حول ~~خصخصة الدين والأسرة يتشارك فيها الجزء الغربي وغير الغربي، إلا أن ما هو مميز بشأن ~~المجتمعات ما بعد الكولونيالية أنه في أغلب الحالات لا يزال قانون الأسرة يدار بما يتوافق ~~مع الإرشادات الدينية فقط، دون الرجوع إلى القانون المدني». فهل تستطيع قوانين الأسرة أن ~~تحل العديد من المشكلات المرتبطة بالحياة الفردية الخاصة للمسلمات؟ وهل بإمكان النظرة ~~المعيارية أن تذهب بعيدا في ضمان الاستقرار والتعايش في ظل تزايد مشكلات الاندماج ~~الاجتماعي والتعدد الثقافي والإثني جراء مشكلات الهجرة التي تسببت فيها عشرات الحروب؟ ~~هناك بعض المميزات الخاصة ببعض الدول كما هو حال قانون الأسرة في لبنان الذي يعرض الخلافات ~~الزوجية على المحاكم الأهلية (حوالي 18 قانونا أهليا). # استطاعت صبا محمود أن تلفت النظر إلى أهمية الالتزام الأنثروبولوجي من خلال حثها على ~~«التفكير بطريقة نقدية حول اختلاف فريد من نوعه في العلوم الإنسانية، يستحق الاهتمام ~~والاستكشاف». فمعها تولد مجال بحث واعد يجد مكانته فيما تعيشه مجتمعاتنا من تطورات ~~وأوضاع ستعمق نقاشات سياسية وأيديولوجية ضرورية للرقي بأوضاعنا؛ فالجدل الدائر حول ms16 ~~الحجاب والحدود بين الحرية الفردية والحرية الجماعية، نابع أساسا من تطلع أجيال اليوم إلى ~~الحرية التي لا تقبل المساومة أو المهادنة باعتبارها أساس الوجود الإنساني؛ حرية لا يمكن أن ~~يحد منها خطاب العنف وممارسته الفعلية ضد المختلف والمعارض والمنتقد؛ لأن اللجوء ~~إلى العنف المادي والرمزي معا دليل على قرب نهاية وأفول أيديولوجيا وفكر دوغمائي وإقصائي ~~لا يريد أن يساير التحولات الجارية في كافة المجالات. # | نادية دو موند: الوعي بالذات خطوة أولى لتحرير النساء # نادية دو موند # Nadia de Mond # واحدة من أبرز نساء الفكر ~~الماركسي التروتسكي الأكثر دفاعا عن نسوانية دينامية قادرة على الرقي بالوضع النسائي نحو ~~التحرر، دشنت نضالها السياسي فكريا وعمليا. # سنسلط الضوء في هذه المقالة على جانب من جوانب فكرها المدافع عن مجتمع المساواة بين ~~الرجل والمرأة في سبيل تحرير المجتمع المعاصر من كل أنواع وأشكال البطريركية، وهي تستند في ~~مقالاتها على جهود فريديريك إنجلز في كتابه: «أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة» والذي ~~تعيد النظر في بعض حججه التي استقاها من الدراسات الأنثروبولوجية المعاصرة له. فكيف تفهم ~~نادية دو موند إذن المجتمع الذكوري؟ هل هناك تغييرات جذرية في التحليلات الأنثروبولوجية ~~التي أتحفنا بها منظرو القرن التاسع عشر لأصل المجتمعات البشرية؟ # تفيد النسوانية في نظر نادية أمرين: # أولا: # الوعي بمكانة النساء في المجتمع البطريركي؛ فالنظام الأبوي يوجد دوما ~~في علاقة مع مختلف أشكال إعادة الإنتاج الاجتماعي والاقتصادي. وفي هذه ~~المرحلة من هذا القرن يعني الاعتراف بأن النظام البطريركي مستمر في وجوده ~~ضمنيا مع الرأسمالية النيوليبرالية. # ثانيا: # تحرر النساء؛ أي تحرر نصف النوع البشري، ونصف الطبقة العاملة. إنها إذن ~~وسيلة وأداة لا غنى عنها في الكفاح من أجل تحرر البشرية جمعاء. # هكذا دشنت التفكير في ثلاث قضايا متصلة بنضال الحركة النسائية: أصل وطبيعة النظام ~~الأبوي، ركائز وأعمدة النظام الأبوي، مفهوم النوع الاجتماعي. # تنطلق نادية دو موند من سؤال هام لمقاربة موضوع الذكورية: هل كانت الهيمنة الذكورية ~~موجودة دوما في تاريخ البشرية؟ وتعمد في ذلك إلى دحض أحكام الرجعيين ممن ms17 يعادون حقوق ~~المرأة ويسعون بجد إلى استعبادها نتيجة أفكار خاطئة ولا تاريخية وهي: # إن تبعية المرأة للرجل أمر طبيعي؛ لقد كان الأمر دوما هكذا. # تؤدي الاختلافات البيولوجية القائمة تلقائيا إلى الاختلافات الاجتماعية ~~والثقافية؛ وبالتالي إلى تراتبية هرمية بين الجنسين . # تؤدي القوة العضلية الكبرى للرجال إلى الهيمنة. # وتجابه هذه الافكار التي تفتقد أي منهج علمي صريح، لتبقى مجرد تمثلات نجدها طاغية لدى ~~بادئ الرأي، بتأكيدها أننا كماديين تاريخيين نجيب عن هذا بسهولة: ~~(1) # أن القوة العضلية نسبية جدا وترتبط بالتدريب والنظام الغذائي ... ~~(2) # أن القوة الطبيعية في مجتمعاتنا الحالية ثانوية في إشباع حاجياتنا بالنظر إلى ~~التكنولوجيا التي نستعملها. # فالعودة إلى ما قبل التاريخ تستوجب أولا دراسة عملية دقيقة لتجاوز مجموع الأساطير التي ~~تحبك من قبيل أن الرجل صياد بارع، طور خصائص فيزيولوجية ونفسية للهيمنة؛ كالعدوان، ~~والمكر، والتخطيط الاستراتيجي ... لهذا تدعو إلى ضرورة فحص أمهات الكتب، متسلحين بسؤال: هل ~~كانت الهيمنة الذكورية موجودة دوما؟ نعود - على الأغلب - في الأدب الماركسي إلى الكتاب ~~الهام لإنجلز في نهاية القرن التاسع عشر: «أصل العائلة، والملكية الخاصة، والدولة» (الذي ~~ارتكز على الحوارات مع ماركس وملاحظاته؛ والذي لم تتح له الفرصة لتركيبها). # لم يكن إنجلز متفقا مع كون فكرة اللامساواة (الاستغلال، الجور) بين الأشخاص موجودة ~~دوما؛ فبناء على الدراسات الأنثروبولوجية الأولى للويس ~~مورغان # Lewis H. Morgan # اتفق إنجلز مع فرضية وجود مجتمع بدائي مبني على المساواة، ~~المشاعية، بدون طبقات، الذي يسميه «الشيوعية البدائية» (أو المشاعية البدائية) والتي لم تكن ~~فيها المرأة تابعة في وضعها إلى الرجل. # كان إنجلز بحق يفكر على العكس تماما بأن هذه المجتمعات كانت أمومية؛ حيث أسست النساء ~~النواة القارة للعشيرة، وكن من يحددن النسل؛ وبالتالي يتمتعن بسلطة واسعة ~~وباحترام كبير من قبل الرجال. وقد بينت الدراسات الأنثروبولوجية الحديثة خطأ هذه ~~الفكرة. بحيث لا يمكن الحديث عن مجتمعات أمومية، وإنما عن عصر أمومي. # لا يمكن الحديث عن نظام أمومي حقيقي، حيث يخضع الرجال للنساء، ليس فقط من حيث إن لهن ~~دورا هاما داخل تقسيم العمل، وفي ms18 الاقتصاد المنزلي أو في اتخاذ قرارات تتعلق بالعمل ~~المنزلي (كما هو اليوم على سبيل المثال عند قبائل الموسو # Mosuo # في الصين)، # 1 # وإنما حينما تخترق سلطتهن الفضاء العمومي والعلاقات الخارجية؛ حينما يتخذن ~~قرارات هامة تتعلق بالجماعة، ومنها أساسا سلطة معيرة/ضبط ومراقبة السلوك الجنسي لدى ~~الرجال. ويقود هذا أيضا إلى سلطة تحديد القيم والأنظمة الرمزية. هكذا ترى نادية أن إنجلز ~~قد فشل وأخطأ في حكمه على مجتمعات ما قبل ~~التاريخ لهذا الاعتبار، غير أن خطأه لا يعني بطلان المنهجية التي استخدمها، والتي نلخصها ~~فيما يلي: # أولا: ربط وضعية النساء بالسياق المادي، الاقتصادي، والاجتماعي، وبالتقسيم الجنسي للعمل، ~~وبمساهمة كل جنس في تغذية القبيلة. ثم؛ وهذا مناسب تماما؛ بعد معرفة أن إعادة الإنتاج ~~البيولوجي والاجتماعي كعامل ورهان هامان بالمقارنة مع الإنتاج المادي. إنه نقاش راهن في ~~الحركة النسوية، وفي مدارس المادية الجدلية، والتي تعيد النظر حاليا في قيمة العمل: ~~الإنتاج وإعادة الإنتاج في الموجة الثالثة للرأسمالية. # وبحسب الدراسات الأنثروبولوجية المعاصرة، يوجد في كل الحضارات المعروفة في التاريخ شهادات ~~مكتوبة حول اضطهاد النساء ابتداء من 1500 سنة قبل الميلاد؛ ولهذا تفحص نادية مرحلة ما قبل ~~التاريخ، والتي تمتد ما بين 35 ألف و6000 سنة قبل الحضارات، والمسماة بالعصر الحجري ~~القديم جدا، حيث لا توجد لدينا أي شهادات مكتوبة. # كيف حدد المؤرخون والأنثروبولوجيون هذه المرحلة؟ # تستند نادية على قول ج. ليرنر # G. Lerner ~~: «نربط بين ~~القطع (أدوات، مقابر، فخار، ما تبقى من المباني، هياكل عظمية ...) والأساطير التي وصلتنا ~~شفويا، ونقارنه مع ما نتعلمه من الشعوب البدائية التي لا تزال موجودة اليوم». # ليس لدينا إذن أدلة دامغة، بل نقدم فقط افتراضات، ونحاول بفضل هذه الدراسات العلمية ~~القيام بتغذية المادية التاريخية بوضع نساء ورجال ما قبل التاريخ في سياق جغرافي وبيئي. ~~حيث كانت المجتمعات البشرية الأولى تتشكل من مجموعات صغيرة (عشائر، قبائل ...) غير مهيكلة، ~~بدوية، مع تنظيم محكم للعمل. كانوا يعيشون من جني الثمار وصيد الأسماك والطرائد الصغيرة؛ ~~وهو صيد يشارك فيه الجميع، ويستهلك الجميع كل ما ms19 يصطادونه، دون أن يحصل هناك أي ~~فائض. # بدأ أول تقسيم للعمل (احتمالا) مع صيد الطرائد الكبيرة - بالتزامن مع التطور التكنولوجي ~~في إنتاج الأسلحة - الذي يتطلب اللحاق بها مدة طويلة، وأحيانا غيابا غير متوقع، وهو ~~ما يصعب التوفيق بينه وبين الحمل والرضاعة. هذا ناهيك عن أن النساء يتفرغن لإعادة الإنتاج ~~الطبيعي للعشيرة، ومن غير المناسب وضع حياتهن في خطر. # بدأ تقسيم العمل وظيفيا، ولا يرتبط «بالقدرات الفيزيائية»؛ ففي الواقع هناك على سبيل ~~المثال مشاركة الإناث العزباوات اللواتي لا يملكن أطفالا؛ في الصيد. لا تلغي الفروق ~~الجنسية المساهمة المشتركة لكلا الجنسين في الحفاظ على بقاء الجماعة، كما لا تقلل من قيمة ~~جنس لحساب جنس آخر. وأكثر من ذلك، ففي معظم مجتمعات الصيد وجني الثمار، في الحاضر كما في ~~الماضي، لا يمثل الصيد إلا نشاطا مساعدا وعرضيا؛ حيث تساهم النساء ب 60٪ من الغذاء. ~~وللقيام بذلك عليهن أن يتحركن على مساحات كبيرة من الأراضي حاملات أطفالهن. وتتطلب أنشطتهن ~~المتنوعة معرفة عميقة بالوسط، وبالنباتات والمناخ، وبخصائصها الغذائية والطبية: الحفاظ ~~على النار، اختراع الأواني وامتهان الفخار. ناهيك عن كل الأعمال المرتبطة بالطرائد ~~الكبيرة التي يجلبها الرجال في الصيد (الطبخ، الحفاظ على المئونة، الخياطة ...) # هناك شيئان ساهما بشكل أساسي في ضمان بقاء القبيلة: إنتاج الغذاء، وإعادة الإنتاج ~~الطبيعي؛ حيث لعبت النساء دورا قياديا، علاقة غامضة بالحياة وبالموت، لقد وجدن في مختلف ~~الأماكن مجموعة من تماثيل «الأمهات الإله» والتي تشهد على عبادة النساء اللواتي ~~يتمتعن بالقدرة على إعادة الإنتاج، وبالاحترام خشية من سلطة المرأة التي يمكن أن يستوحيها ~~الرجال. # تخلص، س. كونتز # S. Coontz # إلى القول: «أكدت الدراسات ~~الراهنة صحة استنتاجات إنجلز: لقد كانت العلاقات بين الجنسين متكافئة/المساواة في مجتمعات ~~الصيد والجني البدائية، في حين يزداد وضع المرأة تفاقما مع ظهور التفاوت الاجتماعي، ~~والملكية الخاصة والزراعة والدولة.» # كانت - في نظر نادية دو موند - معظم مجتمعات الصيد وجمع الثمار في مجتمعات الأمومة تعيش ~~بسلام (على الأقل في ظروف بيئية مناسبة) مع القبائل الأخرى التي تلتقي معها من حين إلى ms20 آخر. ~~ففي مجتمعات الأمومة (حيث الزوج يقيم في بلدة الزوجة الأصل من أمها- الأميسية) بشكل عام، ~~فإن وضعية المرأة أفضل من وضعيتها في مجتمعات أبوية (حيث تقيم الزوجة في بلدة الزوج ~~الأصلية-الأبيسية) وهذا بديهي. # قام جدل كبير بين الأنثروبولوجيين حول أسباب التطور من المجتمع الأمومي إلى المجتمع ~~الأبوي ، وطرحت العديد من الفرضيات منها: # الحصول على أكبر عدد ممكن من النساء لضمان استمرار وبقاء العشيرة. # تندمج النساء ببساطة في القبائل الجديدة لأنهن لا يستطعن مغادرتها بسبب ~~الأطفال. # تظل النساء في قبيلتهن الأصلية لأنهن مناسبات للعشيرة أكثر من الرجال - ~~الصيادين الكبار - بفضل معرفتهن أكثر بالأرض. # غير أنها تبقى مجرد فرضيات تستوجب تحقيقات أنثروبولوجية دقيقة نفتقر إلى وسائلها اليوم ~~للخروج بخلاصات مبرهنة ومقبولة، وقادرة على تفسير عمليات الانتقال تلك حسب المناطق؛ لأنه ~~يستحيل أن يكون الانتقال واحدا في جماعات مختلفة يبعد بعضها عن البعض ولا تتصل الواحدة ~~بالأخرى؛ جراء كون المنافسة والصراع أساس تدبير العلاقات القبلية في المجتمعات ~~البدائية. # هكذا يبدو من الواضح في جميع الحالات أن اللامساواة تطورت قبل انقسام المجتمع إلى طبقات، ~~بحيث حدثت تغيرات اجتماعية هامة مع ظهور الزراعة المستقرة - ثورة العصر الحجري الحديث - ~~حوالي عشرة آلاف سنة قبل الميلاد في الشرق المتوسط، وحوالي 13 ألف سنة قبل الميلاد في ~~كامبوديا، وازدهرت هذه الزراعة في أوروبا خلال ستة آلاف سنة قبل الميلاد. # يتطلب استعمال المحراث في البداية قوة ذكورية (قبل استعمال الأبقار). وهذا ما عزز ~~رقابة الرجال على الفائض. ولجمع المحاصيل الاستهلاكية يتوجب مضاعفة عمل النساء لتحويل ~~الفائض إلى مخزون، إضافة إلى الأنشطة الأخرى من الإنتاج الاجتماعي: النسج، الخزف، الغسيل، ~~الصيانة ... فليس للنساء هوايات، على عكس الرجال الذين يتمتعون بأشياء أخرى (مهن أخرى أو ~~طقوس). # تستند نادية في هذه المعطيات إلى معيار منهجي مادي واضح: إن البحث في الأثر المادي ~~الملموس لوضعية النساء في المجتمعات البدائية يمنحنا إمكانية فهم الأسس الأولية التي قامت ~~عليها اللامساواة بين الجنسين قبل ظهور المجتمعات الطبقية بالشكل الذي ستتطور فيها إلى حدود ~~الوضع الذي نعيشه اليوم ms21 في ظل سيطرة الرأسمالية على مجمل مجالات الوجود البشري. فالنظام ~~الأبوي-البطريركي نظام هيمنة يبني كل مجالات الوجود، ولا تستطيع الرأسمالية القضاء عليه ما ~~دام هو معيارا لضمان تراتبية اجتماعية وسياسية تخدم مصالح الطبقات المالكة لوسائل الإنتاج؛ ~~لذا فإن عملية إعادة الإنتاج كلها تتجه بهذا القدر أو ذاك نحو الحفاظ على الهيمنة الذكورية، ~~رغم الاعتراف بالمساواة وتوسيع هامش انخراط النساء في دائرة العمل خارج المنزل؛ مما يشي ~~بتحويل الاستغلال إلى جوانب أخرى وهوامش كانت بالأمس حكرا على الذكور. # وفي بحثها للحقبة الراهنة حيث تسيطر الرأسمالية العالمية على كل العالم، ترى أن ~~النساء يستعملن كجيش احتياطي للصناعة (ماركس) في الاقتصاد الرأسمالي - يدمج في فترات ~~التوسع الاقتصادي ولكن يسرح في فترة الانكماش الاقتصادي أو فترات الأزمة. ويتم تبرير هذه ~~الممارسة بفكرة أيديولوجية مفادها أن الرجل هو من يلبي أساسا حاجيات الأسرة، وأن المكان ~~الطبيعي للمرأة هو المنزل كربة بيت. كما تستخدم النساء مكان قوة العمل الذكورية لإضعاف ~~الطبقة العاملة وتقسيمها، كما تستعمل النساء بطبيعة الحال في أقسام «ضعيفة»، «هامشية» من ~~الطبقة العاملة كما هو حال المهاجرين. ويؤدي ذلك إلى اشتغال النساء بأجور زهيدة، وفي ظروف ~~عمل جد هشة؛ ليتمكن من الجمع بين الشغل من أجل السوق وبين مهام إعادة الانتاج الأسري. وهو ~~ما يؤدي إلى وظائف غير مضمونة ومؤقتة ... ومعاش بئيس. وبالجملة تجد النساء في وضعية استقلال ~~اقتصادي جزئي بالمقارنة مع الرجال. # نشهد حاليا تأنيثا حقيقيا لعالم الشغل، وهذا لا يعود إلى الزيادة القوية في عدد ~~النساء النشيطات في الاقتصاد في العقود الأخيرة وفي كل العالم الرأسمالي المعولم، وإلى ~~استعمال ما يسمونه تأنيث الشركات: القدرة على ربط العلاقات والتواصل، الاهتمام والعناية ~~بالمهمة، التفاني، الليونة، الانصياع كطباع ... الاندماج الهش في عالم الشغل؛ ارتباط لين ~~بالشركة؛ ساعات عمل متغيرة في خدمة الشركة بين وقت العمل وانشغالاتها (وقد تصحب معها العمل ~~إلى المنزل). لقد صار هذا نموذجا لجميع الأجراء رجالا ونساء. إننا نتحدث عن استغلال مزدوج ~~للنساء اللواتي يزاولن عملا مأجورا. # تعرج نادية على الإشارة إلى ms22 مقاربة هامة لتيار جديد من النسوية نسميه نسوية العناية، حيث ~~الاهتمام متزايد بوضع النساء في عالم الشغل؛ كساعات الرضاعة للتخفيف من حدة التوتر جراء ~~العمل وللزيادة في المردودية. ونفس الشيء بخصوص القروض الصغرى حيث تعمد الرأسمالية إلى ~~انسحاب الدولة من مسئوليتها تجاه مواطنيها، من خلال تحميلهم المسئولية في ضمان عملية إعادة ~~الإنتاج؛ فعلى الفرد وخاصة النساء اللواتي يزاولن عملا اجتماعيا غير مؤدى عنه أن ~~يتحملن المسئولية في إعالة أسرهن؛ لذلك تقدم لهن قروض بشعة بدعوى التنمية الذاتية ~~والمستدامة. إنه استعباد جديد ما بعده استعباد. # ولهذه «العناية» تأثير حقيقي على ولوج النساء للمجال العمومي، ففي بلدان أفريقيا الشمالية ~~وفي أغلب دول الخليج والشرق المتوسط لا تزال النساء مقصيات من العملية السياسية ومحرومات ~~من حقوقهن الدستورية، ويتعرضن لكل أشكال الاضطهاد في المجال العام. فإذا استطاع الجيل الأول ~~من الحركة النسوية في عشرينيات القرن الماضي انتزاع مكاسب المشاركة السياسية: الحق في ~~التصويت (حصل في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية) وفي ولوج المؤسسات العمومية كما هو ~~الحال في أوروبا مثلا فإن ذلك الولوج لا يزال ضعيفا حتى في المجتمعات الغربية؛ لأن نسب ~~النساء في الحكومات والبرلمانات والمجالس الجهوية والإقليمية لا يزال محتشما بالمقارنة مع ~~حضور الرجال. # توهمنا الليبرالية أن ولوج النساء للفضاء العام قد تحقق بشكل يخدم المساواة ولكن في ~~حقيقة الأمر لا تزال النساء حبيسة المنازل كرقم هام في عملية إعادة الإنتاج، وفي العمل ~~الاجتماعي غير المؤدى عنه. # | جوديث بتلر فيلسوفة النوع والهوية: كيف نعيش حياة حقيقية ضمن حياة زائفة؟ # تعد الفيلسوفة جوديث بتلر # Judith Butler ~~، أبرز زعماء ~~النظرية النقدية المعاصرة (الجيل الثالث). وهي يهودية أمريكية ذات أصول روسية-مجرية، عانت ~~عائلتها من الاضطهاد النازي، وفقدت جزءا من عائلتها في المحرقة النازية (حيث أبيدت عائلة ~~جدتها في قرية صغيرة في جنوب بودابست). ولدت الفيلسوفة يوم 24 فبراير (شباط) 1956 بكليفلاند ~~بولاية أوهايو. واهتمت بالفلسفة السياسية والاجتماعية ونظرية الأدب والدراسات الثقافية ~~والجنسانية والنوع الاجتماعي والهوية. حصلت سنة 1984 على أطروحة الدكتوراه من جامعة يال، ~~حول ms23 مفهوم الرغبة عند هيغل، ونشرت رسالتها سنة 1987 تحت عنوان: «ذوات راغبة: تأملات ~~هيغيلية حول فرنسا القرن العشرين»، وطورت فيها فهما جديدا للعلاقة بين الرغبة والاعتراف ~~(دمج لفكر اسبينوزا وهيغل). # غادرت سنة 1993 جامعة جونس هوبكينز، بعد حصولها على كرسي ماكسين إليوت بشعبة البلاغة ~~والأدب المقارن بجامعة بيركلي بكاليفورنيا، وهي السنة التي أصدرت فيها دراستها الشهيرة «هذه ~~الأجساد التي يجب اعتبارها». كما حصلت سنة 2006 على كرسي حنة آرنت للفلسفة في كلية الدراسات ~~الأوروبية العليا بسويسرا. وانتخبت سنة 2009 رئيسة محكمة هوسرل حول فلسطين، والتي تجمع ~~المثقفين الأمريكيين حول القضية الفلسطينية لحشد شروط سلام دائم وعادل بين إسرائيل وفلسطين؛ ~~وذلك بفضل موقفها الثابت من رفض وشجب عنف الدولة الإسرائيلية. # تنتمي جودي (كما يحلو لأصدقائها الجامعيين مناداتها)، إلى النظرية النقدية المعاصرة، بفضل ~~إسهاماتها المتعددة حول قضايا فلسفية متنوعة، حافظت من خلالها على إرث مدرسة فرانكفورت؛ ~~لذلك حصلت سنة 2012 على جائزة أدورنو الذائعة الصيت، عن جدارة واستحقاق، رغم هجوم الصهاينة ~~عليها علنا. وهناك الكثير من الدراسات التي اهتمت أخيرا بفكرها الفلسفي والسياسي، منها ~~تحديدا: «الفلسفة السياسية عند جوديث بتلر»، من تأليف بيرجيت شيبرز (2014)، الذي عالج فيه ~~سياسات تشكل الذات، فلسفة الإنسان السياسية، مفارقة العنف، نحو مجتمع ما بعد العلمانية. ~~إلى جانب الدراسة النقدية التي أنجزها ستيفان هابر سنة 2006. تحت عنوان: «نقد مناهضة النزعة ~~الطبيعية: دراسات حول فوكو وبتلر وهابرماس»، ناهيك عن مئات المقالات، وسيرتها التي كتبتها ~~سارة صالح تحت عنوان: «جوديث بتلر» (2002)، وفحصت فيها مفاهيم: الذات، والجنوسة، والجنس، ~~واللغة، والنفس. # تشكل الفكر الفلسفي لبتلر منذ مراحل مبكرة من حياتها. وقد جالت في الفكر الحديث، ~~وساجلت اسبينوزا وروسو وهيغل وكانط، وطورت فلسفة فوكو وفرويد والتوسير وجاك لاكان ~~وهابرماس وجاك دريدا وسيمون دي بوفوار، في حوار معها، مع مجلة الفلسفة (العدد 66)، قالت ~~بتلر، إن علاقتها بالفلسفة بدأت من قبو منزلها العائلي، حيث وضع والداها كتابات فلسفية ~~مختلفة: «هناك قرأت اسبينوزا (كتاب الإثيقا) وكيركغارد وآخرين». بعد اطلاعها على هيغل، ~~ستتبنى بتلر مفهوم الاعتراف الذي ms24 أثر في حياتها السياسية والفلسفية فيما بعد؛ نظرا ~~لالتصاقه بوضعها الذاتي؛ فالرغبة في العيش، كما تحدث عنها اسبينوزا، غير ممكنة في نظرها إلا ~~من خلال الاعتراف الهيغلي، بحيث لا يرتبط الاعتراف بتحقيق الرغبة في العيش فقط، وإنما العيش ~~بطريقة حرة ومختارة، أي أنه يطرح سؤال الهوية تحديدا التي لا تنظر إليها كشيء ثابت ومحنط، ~~بل كهوية تتشكل بحسب الظروف التي ينمو فيها الفرد، وبفضل تنشئته الاجتماعية التي يخضع لها. ~~وهكذا فمعرفة الذات لا تتم من خلال الغير ولا ترتبط به؛ لأنها قد تكون هوية غير اجتماعية، ~~أو خاضعة لمعيارية اجتماعية هي بمثابة أحكام قبلية غير صحيحة؛ لذلك نقرأ لها في كتابها ~~«الذات تصف نفسها»: «بينما نحن نطلب معرفة الآخر، أو نطالب الآخر أن يعرف نفسه على نحو ~~نهائي ومؤكد، فإن من المهم لنا ألا ننتظر جوابا شافيا بأي حال. # إننا بامتناعنا عن السعي إلى القناعة، وبإبقائنا السؤال مفتوحا، بل حتى ثابتا، نمنح ~~الآخر فرصة أن يعيش ما دام بالإمكان فهم الحياة بوصفها، على وجه الدقة، ذلك الذي يتجاوز أي ~~وصف قد نقدمه له ... إذا كان في السؤال رغبة في الاعتراف، فعلى هذه الرغبة أن تبقي نفسها ~~حية بوصفها رغبة وألا تحل نفسها ... إن الرغبة يجب أن تدوم. في الواقع، يكون الإشباع نفسه، ~~أحيانا، الوسيلة التي يتخلى بها المرء عن الرغبة، الوسيلة التي ينقلب المرء بها ضدها، ~~ويرتب لموتها السريع.» # من المعلوم أن سؤال الرغبة والحاجة إلى الاعتراف عند جودي، ليس أمرا معزولا عن العلاقة ~~مع الغير، كما أنه لا ينفصل كليا عن سؤال الهوية وعلاقتها بالذات؛ فالهوية ليست سابقة على ~~الوجود الاجتماعي بالقدر الذي يكون فيه هذا الوجود هو أساس الهوية. وقد استعارت جودي هنا، ~~عبارة سيمون دي بوفوار: «المرأة لا تولد امرأة، بل تصبح كذلك»، وهو ما يقود إلى التساؤل حول ~~الهوية (وأساسا الهوية الجنسية) التي تتميز اليوم بالتعدد والتنوع: كيف يمكن الاعتراف ~~برغبتي؟ وكيف تؤسس المعايير لهذه الرغبة؟ وهل يمكنك الاعتراف برغبتي لأتصرف كراغبة في شيء ~~ما، ولربما ms25 ما يحلو لي؟ لذلك تصرح: «عندما أطرح السؤال الأخلاقي: كيف يتوجب علي أن ~~أعامل الآخر؟ أنا أقع مباشرة في قبضة مملكة من المعيارية الاجتماعية، ما دام الآخر لا ~~يظهر، ولا يشتغل بوصفه آخر بالنسبة لي، إلا ضمن إطار أستطيع أن أراه وأفهمه في انفصاله ~~وخارجيته. وهكذا، فرغم أني قد أفكر في العلاقة الأخلاقية بوصفها ثنائية، أو بالأحرى ~~سابقة على الاجتماعي، فإني لا أقع في قبضة مجال المعيارية وحسب، ولكن في إشكالية القوة ... ~~فالقواعد لا تعمل على توجيه سلوكي وحسب ولكنها تقرر النشوء الممكن للقاء بيني وبين الآخر.» ~~(الذات تصف نفسها 69). تحاول جودي الجواب عن سؤال طرحته في خطابها، بمناسبة نيلها جائزة ~~أدورنو (خطاب تحت عنوان: «أخلاق لعصر هش»): كيف يمكن أن نعيش حياة حقيقية ضمن حياة زائفة؟ ~~بحيث يقر أدورنو أنه «لا توجد حياة حقيقية ضمن حياة زائفة»، حياة حقيقية داخل عالم ~~مبني بشكل واسع على اللامساواة والاستغلال والإقصاء. إنه سؤال مركب يطرح من خلاله أدورنو ~~العلاقة بين الأخلاق والشروط الاجتماعية، أو بصيغة أعم، العلاقة بين الأخلاق والنظرية ~~الاجتماعية. تصرح بتلر: «أحبذ أن أظهر أنه لا يمكننا أن نناضل من أجل حياة جيدة؛ حياة ~~تستحق العيش، دون الاستجابة للحاجيات التي تسمح للجسم بضمان الاستمرارية.» لذا فكيف يمكن ~~التفكير في حياة قابلة للعيش دون افتراض تصور مثال واحد أو موحد لهذه الحياة؟ # فحصت جودي في خطابها ذاك، سؤال الحياة الجيدة عند حنة آرنت، وتقول: «ميزت حنة آرنت ~~بشكل حاسم في كتابها «حياة الذهن» (1971) بين الرغبة في العيش والرغبة في العيش الكريم، أو ~~بالأحرى الرغبة في حياة جيدة. لم يكن البقاء بالنسبة لحنة آرنت ولن يكون هدفا في ذاته، ~~ما دام أن الحياة لم تكن أصلا جيدة؛ فالحياة الجيدة وحدها تستحق أن تعاش. لقد وضعت بسهولة ~~حلا لهذه المشكلة السقراطية، ولكن - كما يبدو على الأقل - بشكل متسرع جدا. لست متأكدة ~~من أن إجابتها ستنقذنا في إغاثة، كما أني لست مقتنعة أنه ذات يوم ستكون إجابة فعالة»؛ ~~فآرنت «تفصل أساسا، حياة الجسد عن ms26 حياة الذهن، وبموجب هذا، أقامت في كتابها (شرط الإنسان ~~الحديث)، تمييزا بين الفضاء العمومي والفضاء الخاص. يضم الفضاء الخاص عالم الضرورة، إعادة ~~إنتاج الحياة المادية، الجنسية، الحياة، الموت، والطابع الانتقالي للحياة. كانت تعتبر بشكل ~~واضح، أن الفضاء الخاص يدعم الفضاء العمومي للفعل والفكر. ولكن السياسة في تصورها، تتحدد ~~بالفعل، في الإحساس الفعال بالكلام. كما يصير العمل اللفظي، أيضا، فعلا سياسيا في ~~الفضاء التداولي والعمومي؛ ما يجعل دخوله للفضاء العمومي ينطلق من الفضاء الخاص؛ وبالتالي ~~فالفضاء السياسي يعتمد أساسا على إعادة إنتاج الخصوصي كجسر واضح، من الخاص إلى ~~العام.» # هكذا تصل بتلر إلى أن التحرك السياسي في الفضاء العمومي، لا يتم فقط عبر الجسد، على أن ~~طرق التجمع والغناء أو الهتاف، أو حتى الصمت في الشارع هي جزء لا يتجزأ من البعد الأدائي ~~للسياسة، حيث يتحدد الخطاب كفعل جسدي من ضمن أفعال جسدية أخرى. تتصرف الأجساد حينما ~~تتكلم، وهذا مؤكد، ولكن الكلام ليس وحده طريقة للفعل بالنسبة للأجساد؛ ومن المؤكد أنه ليس ~~وحده شكلا للتحرك السياسي. # تعتبر جودي من دعاة الحل الثالث للقضية الفلسطينية: البحث عن الاعتراف المتبادل بين ~~الشعبين؛ أي تسوية للعيش المشترك حيث الأمن والاستقرار. غير أن هذا الأمر يرتبط ~~بالفلسطينيين وبقرارهم الذي تعتبره القرار الحاسم. وقد تذكرت موقف إدوارد سعيد الذي تراجع ~~عن حل الدولتين حيث تقول: «من وجهة نظري أن شعوب هذه الأراضي، يهودا وفلسطينيين، يجب أن ~~يجدوا طريقة للعيش سوية على أساس المساواة. ومثل الكثيرين، أتطلع إلى كيان ديمقراطي على هذه ~~الأراضي، وأؤيد مبدأ تقرير المصير والعيش المشترك لكلا الشعبين، وفي الواقع، لكل الشعوب. ~~وأمنيتي، كما هي أمنية عدد متزايد من اليهود وغير اليهود، أن ينتهي الاحتلال، ويتوقف العنف ~~بكافة أشكاله، وأن يتم ضمان الحقوق السياسية الأساسية لكافة الشعوب في (هذه) الأرض عبر ~~تركيبة سياسية جديدة.» ويعود ذلك، إلى اكتشافها الفكر اليهودي في سن الرابعة عشرة من عمرها ~~كما تقول (مجلة الفلسفة العدد 66): «تابعت الدروس حول الدين والعبرية في معبدي بمدينة ~~كليفلاند، كما اطلعت أيضا على ms27 الروايات والكتب حول إسرائيل والهولوكوست. لقد شغلتني هذه ~~المسألة منذ مدة طويلة، وتحضر في الكثير من كتبي»؛ منها على سبيل المثال: «الخطاب المثير: ~~سياسات الأداء» (1997)، و«الحياة النفسية للقوة: نظريات في الإخضاع». وتشكل جودي مثالا ل ~~«المثقفة الجريئة المتعاطفة»، كما وصفها البيان التضامني للمثقفين الفلسطينيين بعد الهجوم ~~الذي تعرضت له سنة 2012 إبان ترشيحها في ألمانيا؛ فهي عضو في الهيئة الاستشارية ل «الصوت ~~اليهودي من أجل السلام»، وممثلة في اللجنة التنفيذية ل «أساتذة من أجل السلام ~~الفلسطيني-الإسرائيلي، في الولايات المتحدة الأمريكية»، وفي «مؤسسة مسرح الحرية في ~~جنين». # تطرح بتلر دوما السؤال (مجلة ف.ع.66): هل ينبغي لزوم الصمت؟ هل ينبغي إنكار الوضع اليهودي ~~تحت ذريعة أننا لا نقبل سياسة إسرائيل؟ لا، فإسرائيل لا تمثل كل اليهود، والصهيونية ليست ~~زعيمة اليهودية؛ لأنه «لا يمكنني شخصيا، أن أكون يوما مناهضة للسامية. كنت ساذجة! ~~وصرخت أولا، في وجه هذه الاتهامات في ألمانيا سنة 2012. حينما حصلت على جائزة أدورنو، ~~بأن هذا ليس إلا لغوا، ولكن ليس الأمر كذلك، إنه حقا أمر جدي ... كانت هذه التجربة ~~صادمة، ومؤلمة جدا. بالنسبة لليهودي، لا يوجد امتحان أسوأ. وبالنسبة لي كيهودية، لا يوجد ~~ما هو أسوأ من الاتهام.» وهي ترفض العنف تحت أي مبرر، حيث صرحت في محاضرتها سنة 2010 في ~~الجامعة الأمريكية بالقاهرة، في ذكرى إدوارد سعيد: «كنت دوما ميالة إلى الفعل السياسي ~~اللاعنفي»، و«إنه لصحيح أنني لا أؤيد ممارسة المقاومة العنفية، كما لا أؤيد عنف الدولة، ولا ~~يمكنني تأييد ذلك، ولم أفعل ذلك يوما.» وهذا ما تؤكده كتاباتها في هذا المضمار: «حياة ~~قلقة-مستباحة: قوى العنف والعزاء»؛ و«أطر الحرب: متى يؤسى على الحياة؟»؛ و«طرق متفرقة: ~~اليهودية ونقد الصهيونية»؛ «حياة هشة»: حول سلطة العنف والمآثم بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) ~~2001. # | الفيلسوفة السينمائية آين راند: ما نوع العالم الذي نعيش ~~فيه؟ # في مقدمة كتاب «في سبيل نخبة جديدة»، تقول آين راند: «يطلبون مني (أن أجيب) ما إذا كنت ~~روائية أو فيلسوفة، أجيب: الاثنين معا، وبمعنى من المعاني، فكل روائية فيلسوفة؛ لأننا ms28 لا ~~نستطيع أن نقدم صورة عن الوجود البشري من دون إطار فلسفي؛ فقبل أن أحدد وأشرح وأقدم تصوري ~~للإنسان، علي أن أكون فيلسوفة بالمعنى الدقيق للكلمة.» وآين راند (1905-1982) هي الكاتبة ~~الروائية والسيناريست أليسا زينوفيفنا روزنباوم، التي اهتمت كثيرا بالتقاليد الفلسفية، ~~واشتهرت في عالم الأدب والفن السابع أكثر مما اشتهرت في عالم الفلسفة ، على الرغم من ~~كتاباتها الفلسفية الكثيرة، وأفكارها حول مذهب الموضوعية والنزعة العقلانية. # ولدت آين راند في سانت بطرسبرغ في روسيا في 2 فبراير (شباط) 1905 من عائلة تنتمي إلى ~~الطبقة الوسطى. وقد ساندت في هذه المدينة العمالية (الشهيرة كمعقل للاشتراكية الديمقراطية ~~الروسية بتقاليدها البلشفية) حكومة كيرينسكي البرجوازية، وسرعان ما كرهت الحكم البلشفي بعد ~~ثورة أكتوبر 1917 وإسقاط حكومة كيرينسكي، وأعلنت عداءها للشيوعية وللثوريين؛ إذ صادر ~~الثوريون صيدلية والدها؛ ما أجبرها على الرحيل إلى أوكرانيا. عرفت آين منذ سن مبكرة ~~(السابعة من عمرها) بمحاولاتها كتابة الرواية. وفي ربيعها التاسع، قررت أن تكون كاتبة ~~محترفة. وفي المدرسة الإعدادية، ستكتشف فيكتور هيغو ملهمها الحقيقي في عالم الأدب. وبعد ~~عودتها من أوكرانيا، ستحصل على شهادة التعليم الثانوي في يونيو (حزيران) 1921، وتنتقل إلى ~~جامعة بتروغراد، حيث تدرس الأدب والفلسفة وتكتشف أرسطو، وفريدريك فون شيلر، ودوستويفسكي. ~~وسيتغير مسار الفيلسوفة آين راند سنة 1924، بعد حصولها على شهادة الإجازة، حيث ستلج، في ~~السنة نفسها، معهد الفنون السينمائية لاستكمال دراستها المحبوبة، بعد بحث استجاب لميولها: ~~«هوليوود: مدينة الأفلام الأمريكية»، الذي يعبر عن استلهامها لروح المجتمع الأمريكي، وكانت ~~لم تزل في روسيا. وفي سنة 1926، حصلت على تأشيرة لزيارة أمريكا حيث استقرت إلى يوم وفاتها 6 ~~مارس (آذار) 1982، في نيويورك التي ألهمتها بعمرانها وحضارتها الصاعدة آنذاك، بعد صراع مرير ~~مع سرطان الرئة (عرفت بكونها مدخنة شرهة للغاية). # رافقت آين الكثير من نجوم وكتاب عالم السينما والفنون في هوليوود، وتركت أثرها في ~~أعمالهم؛ بفضل خيالها الواسع، وأسلوبها المختلف عن السائد. وناقشت أفلام الويستيرن، ودعت ~~إلى تجديد أسلوب العروض الفنية ومضمونها بما يتماشى ومتطلبات الحضارة الصاعدة. وبفعل عوامل ~~كثيرة، صاحبت ms29 ثلة من النخب الأمريكية لتؤسس حلقة «الموضوعية» التي توجت بصحيفتها الشهيرة ~~بالتسمية نفسها، والتي واظبت على إصدارها من 1962 إلى 1971. # درست آين في ستينات القرن الماضي، في عدد من الجامعات الأمريكية: يال، برينستون، ~~كولومبيا، هارفارد، وجوناس هوبكنز، حيث وضعت أهم أفكارها الفلسفية والسياسية والأخلاقية. ~~وفي أكتوبر (تشرين الأول) من سنة 1963 حصلت على الدكتوراه من جامعة لويس وكلارك، ونشرت ~~بحثها سنة 1964، تحت عنوان فضيلة ~~الأنانية # The Virtue of Selfishness ~~، الذي لخصت فيه فلسفتها الإثيقية والسياسية. تركت آين راند في ~~عالم السينما، الكثير من رواياتها التي تحولت إلى أفلام شهيرة: «نحن الأحياء» 1936 ~~(الترجمة الفرنسية 1996)، وأخرجه الإيطالي غوفريدو اليساندريني سنة 1942، كما هو الشأن ~~بالنسبة لروايتها «منبع العيش» 1943 (الترجمة الفرنسية 1999)، و«الإضراب» في العقد نفسه ~~(الترجمة الفرنسية 2011). ينضاف إليها مسرحية «ليلة 16 يناير» سنة 1933. # ويعبر كتابها «فضيلة الأنانية» 1964 (الترجمة الفرنسية 1993)، إلى جانب «مدخل إلى ~~الموضوعية الأبستمولوجية» 1979، عن مجمل فلسفتها ومذهبها الأخلاقي في الموضوعية والعقلانية. ~~غير أن محاضرتها البالغة الأهمية، التي ألقتها يوم 6 مارس 1974 أمام جمع من رجال السياسة ~~والأعمال، والمعنونة ب «فيم نحتاج الفلسفة؟» (أخرجها ووضبها ليونارد بيلكوف سنة 1984)، ~~ستلخص بإيجاز طروحاتها حول الإنسان. يعتبر «قاموس آين راند: الموضوعية من الألف إلى الياء»، ~~الذي كتبه سنة 1986، المتخصص في فكرها السيد هاري بينزوركر، أهم مرجع يؤسس ويؤرخ لطروحاتها ~~حول مذهب «الموضوعية»، ناهيك بالكثير من المؤلفات حول سيرتها وأفكارها. ويذهب الفرنسي ~~سيباستيان كاري، إلى أن فلسفة آين راند، تشمل أربعة مجالات كبرى: الميتافيزيقا، حيث نحتت ~~مفهوم «الواقع الموضوعي» من منطلق أن الفكر ليس جامدا ولا متعاليا يسبح في سماء ~~المعقولات، بعبارة سارتر، وإنما هو محايث لواقع موضوعي بعيد عن تصور قبلي، وهو ما تلخصه ~~عبارتها الشهيرة: «لفهم الطبيعة عليك الامتثال لها». ولا يعني الامتثال هنا، الاستسلام ~~المطلق، إنما يفيد بأن في الطبيعة ما يجعل الأشياء كما هي، ولكون الإنسان جزءا منها، فهو ~~«غاية في ذاته». وهي العبارة التي تلخص مذهبها في الأخلاق، حيث وضعت مفهوم «المصلحة ~~الفردية» من منطلق أن نزعة ms30 الإيثار التي تعود إلى الوضعية والفلسفة الحديثة مع كانط وهيغل، ~~قد أفسدت الحضارة البشرية، ومحت الأنا-وحدي # Solipsisme # الديكارتي، الذي مهد لفهم عميق للذات الإنسانية بعد أن أخرجها من جحور العصور الوسطى. ~~وضعت في كتابها «مدخل إلى الموضوعية الأبستمولوجية» أسس فلسفة العلوم (الأبستمولوجيا)، بفضل ~~تصورها الجديد لمفهوم العقل الذي يختزل فكرها في العبارة النيرة: «لا يمكنك أكل كعكتك ~~والحفاظ عليها في الوقت نفسه.» لأننا بحاجة إلى تخليص المعرفة - كل المعرفة البشرية - من ~~الخطأ. # وفي مجال السياسة تحدث سيباستيان كاري عن مفهوم «الرأسمالية الفوضوية»، حيث دعت آين ~~راند لتصور بديل للدولة يقترب كثيرا من الفوضوية الروسية، لكنه بعيد جدا عن التيارات ~~السياسية الفوضوية التي تنكر وجود الدولة، وعبارتها المدوية: «امنحني الحرية أو الموت»، ~~تعني أن الفرد يمتلك قيمته في ذاته، من جهة أنه مكتف بذاته ولا يتوجب أن تحبسه الغيرية ~~التي أفسدت على الفرد قيمه الأخلاقية النبيلة، ووراء السعي نحو التخلص من قيم الغيرية فإن ~~من واجبات الدولة العمل فقط على حفظ مصلحة الأفراد الذاتية؛ لأننا «لسنا دولة ولا مجتمعا ~~بقدر ما نحن تجمع بشري مبني على إرادتنا ويستجيب لمصلحتنا الفردية». وهؤلاء الأفراد ~~يتقاسمون مجموعة من القيم خارج أي قوانين أو قواعد؛ لذا لا ينبغي ألا نقبل إلا القيم ~~الموضوعية الضامنة لروح الأنانية العقلية أو أنانية المصلحة الفردية التي تمثل نقيض الغيرية ~~أو عقلية القطيع (الجماعية)، حيث الفرد هو أساس كل الأخلاق يوجد لذاته وليس لغيره. وهنا ~~تنفتح الفيلسوفة على مفهوم «الإنسان الأعلى» كما بلوره نيتشه، وعن مفهوم إرادة القوة وهو ما ~~بلورته في كتابها: «في سبيل نخبة جديدة»، حيث راجعت أرسطو وأفلاطون وهيوم وكانط ~~وهيغل. # من الأسئلة الفلسفية التي شغلت بال الفيلسوفة: ما نوع العالم الذي نعيش فيه؟ كيف يمكن ~~إقامة حد فاصل بين المعرفة والخطأ؟ ما الشر؟ وما الخير؟ وهي الأسئلة التي وضعتها أساسا ~~لكتابها النير: «فيم نحتاج الفلسفة؟» حيث دافعت في 18 مقالة عن الحاجة إلى وجود ~~الفلسفة في كل مكان؛ لأن الحضارة الغربية قد أفلست بسبب فشل الفلسفة ms31 والفلاسفة في الدعوة ~~إلى تقعيد وتشييد فلسفة العقل؛ فالفلسفة لا يجب أن تكون من اختصاص من يسكنون في البرج ~~العالي؛ لأنها فلسفة للعيش على الأرض؛ عيش الفرد من أجل ذاته لا من أجل الآخرين. فكل كائن ~~يعيش بطبيعة تحدد له الشروط الضرورية للحفاظ على بقائه، والناس بحاجة إلى منظومة أخلاقية؛ ~~لأن محيطهم لا يمنحهم الأجوبة المباشرة على حاجاتهم. وفي هذا ترد على كانط الذي ارتكز ~~جهده، بحسبها، على وضع أخلاقية غيرية قوضت النهضة الحديثة، ودمرت أسس الذاتية ~~العقلانية؛ لأن الفرد يمكن وفق الواجب الكانطي، أن يكون شريرا أو خيرا؛ لأنه يؤمن ~~بالأساس الذاتي للقواعد الأخلاقية كقاعدة عامة للتصرف والسلوك البشريين. فهذا ~~«الفيلسوف الكسول» (كما نعتته) دمر النزعة الفردية التي هي قوام الحياة وأساس البقاء، ~~معتبرة إياه «أكبر شخص سيئ في تاريخ الفلسفة». أبدى الكثير من المهتمين بالفلسفة المعاصرة، ~~شكهم حول كون آين راند فيلسوفة، واعتبروها روائية وكاتبة سيناريو. غير أن هذا الاعتراف ~~الذي كتبته في مقدمة كتابها «في سبيل نخبة جديدة»، يمكن أن يغير التحفظ حولها: «يطلبون ~~مني ما إذا كنت روائية أو فيلسوفة! وأجيب: الاثنتين معا. وبمعنى من المعاني، فكل روائية ~~فيلسوفة؛ لأننا لا نستطيع أن نقدم صورة عن الوجود البشري من دون إطار فلسفي؛ فقبل أن ~~أحدد وأشرح وأقدم تصوري للإنسان، علي أن أكون فيلسوفة بالمعنى الدقيق للكلمة.» # | نانسي فريزر: الحاجة إلى فضاء عمومي عابر للأوطان # نانسي فريزر فيلسوفة أمريكية معاصرة (1947-...) تدرس الفلسفة والعلوم السياسية في ~~«الكلية الجديدة للأبحاث الاجتماعية»، (وهي نفس المدرسة التي درست فيها حنة آرنت). تهتم ~~بموضوعات الفلسفة السياسية التي شغلت الجيل الثالث للنظرية النقدية (مدرسة فرانكفورت)، من ~~أمثال أكسيل هونيث مدير المدرسة، وجوديث بتلر وسيلا بن حبيب، وهابرماس ... ويشكل موضوع ~~العدالة والحق والنظرية النسوية وحول الفضاء العمومي، محور كتاباتها العديدة حيث قامت ~~بمراجعات أساسية. # هي ثلاثة مجالات تحكم تفكير نانسي فريزر السياسي والفلسفي: # المجال الأول: # يتعلق بالمجال السياسي حيث تنظر وتعيد النظر في مفهوم الفضاء العمومي كما ~~نحته هابرماس؛ لتؤسس أطروحتها الأساس حول الحاجة ms32 إلى تجاوز التصور ~~الويستفالي الذي حكم هابرماس في نظريته، مقرة بوجود فضاء عمومي كوني ~~يتجاوز الحدود السيادية الكلاسيكية، وهو فضاء تلعب فيه فئات وحركات ~~اجتماعية جديدة أدوارا هامة. وتشكل كتبها الثلاثة أساس تصورها هذا: «ما هي ~~العدالة الاجتماعية؟ الاعتراف وإعادة التوزيع» (مارس 2011). وكتاب «دينامية ~~النساء» (2013). جدالات نسائية: مطارحات فلسفية. بالاشتراك مع سيليا بن حبيب وجوديث بتلر، ودروسيلا كورنل. (1994). # المجال الثاني: # يتعلق بالمجال الثقافي؛ حيث تعيد النظر في مفهوم الاعتراف مع ظهور ~~الأشكال الجديدة للتفاوتات بين الناس في الرأسمالية المعاصرة: ظهور التعدد ~~الثقافي ونشاط النسوية الجديدة، وتدفق الهجرة ومشاكل الاستبعاد الاجتماعي. ~~وقد ساجلت أكسل هونيث وجوديث بتلر وبول ريكور حول هذا المفهوم؛ لتحاول ~~التوفيق بين الأسس الفلسفية للاعتراف عند هونيث والأسس الثقافية لهذا ~~المفهوم عند تشارلز تايلور. وهو ما بلورته في كتابها: التصور الراديكالي: ~~بين إعادة التوزيع والاعتراف (2003)، وفي: إعادة التوزيع أو الاعتراف؟ ~~مطارحات فلسفية-سياسية مع أكسيل هونيت، (2003). # المجال الثالث: # ويتعلق بالمجال الاقتصادي حيث تعيد النظر في مفهوم إعادة التوزيع: ذلك ~~أن تصور العدالة الكلاسيكي ينبني على تصور معين لتوزيع الثروة، وهو التصور ~~الذي يحاول أن يعيد النظر في النظريتين الأساسيتين حول العدالة: التصور ~~الماركسي والتصور الليبرالي السياسي كما نجده لدى جون راولز وهابرماس؛ ~~إيمانا منها بالحاجة إلى وضع جديد تسميه «وضع ما بعد الاشتراكية»، وهو ما ~~قامت بالتأسيس له في: «انقطاعات العدالة: تأملات نقدية حول الوضع ما ~~بعد-الاشتراكي» (1997). وفي: «موازين العدالة: إعادة تصور الفضاء السياسي ~~في عالم معولم» (2008). ~~(1) نظرية نانسي فريزر في الفضاء العمومي ~~«لا يلائم «النموذج الليبرالي للفضاء العمومي البرجوازي»، النظرية النقدية المعاصرة. ~~نحن بحاجة إلى تصور ما بعد برجوازي يسمح لنا بتخيل دور الفضاءات العمومية (أو على الأقل ~~البعض منها) الذي يتجاوز الشكل البسيط لرأي ذاتي مستقل ومنفصل عن السيرورة الرسمية ~~لاتخاذ القرار.» # 1 # اهتمت نانسي فريزر بمفهوم الفضاء العمومي عند هابرماس بالنظر إلى قيمته السياسية التي ~~تساهم في فهم الملابسات التي تعترض الحركات الاجتماعية التقدمية والنظريات السياسية ~~التي ترتكز عليها؛ فقد مثلت هذه النظرية طوال العقود الثلاثة ms33 الأخيرة من القرن العشرين ~~إسهاما مباشرا في فهم التغيرات السياسية التي أعقبت ثورة مايو 68، بعد ظهور الحركات ~~الاجتماعية الجديدة من قبيل: الأقليات العرقية والإثنية، الحركة النسائية، حركات ~~الحقوق الجنسية، حركات الثقافات واللغات المهمشة، حركة العاطلين عن العمل، والحركات ~~المتصلة بمختلف المشاكل التي أفرزتها الرأسمالية عبر تطورها التاريخي. ~~(1-1) حدود النموذج الليبرالي للفضاء العمومي البرجوازي # وينصب اهتمام فريزر أساسا على محاولة تجديد أطروحات النظرية النقدية، من خلال ~~مراجعة مواقف الجيل الأول والثاني من أجيال مدرسة فرانكفورت، وفي هذا السياق راجعت ~~نظرية هابرماس في الفضاء العمومي أو فيما تسميه «النموذج الليبرالي للفضاء العمومي ~~البرجوازي»، لبيان صلته بالنظرية النقدية المعاصرة، ولفحص الأسس السياسية والفلسفية ~~التي قام عليها، من أجل صياغة أطروحة جديدة تطلق عليها تسمية «الفضاء العمومي ما بعد ~~البرجوازي» # l’espace public post-bourgeoisies ~~. # وتؤكد أن المشكلة الأولى التي يطرحها مفهوم الفضاء العمومي الهابرماسي تكمن في ~~العلاقة بين الدولة وأجهزتها من جهة؛ والفضاءات التعبيرية العمومية وجمعيات ~~المواطنين من جهة أخرى، ذلك أن النموذج الكلاسيكي للدولة (الاشتراكي والماركسي) ~~يفرض رقابة الاقتصاد للدولة الاشتراكية التي تراقب أيضا مجموع المواطنين ~~الاشتراكيين. فالتشابك واللبس الذي يكتنف العلاقة بين أجهزة الدولة والفضاء ~~العمومي وجمعيات المواطنين يعود إلى الشكل التحكمي والسلطوي للدولة الاشتراكية في ~~مجمل الفضاءات والتنظيمات، وهو شكل لا ديمقراطي ولا تشاركي يستدعي بدوره طرح السؤال ~~حول الديمقراطية الاشتراكية ذاتها كما طبقتها الأنظمة الستالينية، ونفس الأمر ~~ينطبق على الديمقراطية البرجوازية التي طوقت الفضاء العمومي السياسي وأطرته ~~بأطر وتشريعات قانونية وطنية لم تعد تستجيب لحاجيات المواطنين اليوم. ولذلك فإن ~~كلا النمطين: البرجوازي والاشتراكي على حد سواء لم يعودا صالحين لنمط العيش ~~المشترك اليوم، أي في عالم يحتاج إلى مواطنة كونية تنتفي فيه الحدود الوطنية ~~الويستفالية. # تعتبر فريزر أن نظرية الفضاء العمومي تمتلك «قيمة مفهومية»، بحيث تساعدنا على ~~فهم بعض المشكلات المعاصرة المتصلة مباشرة بالديمقراطية، وتحدد الفضاء العمومي ~~بكونه «فضاء المجتمعات الحديثة؛ حيث تمر المشاركة السياسية عبر اللغة، إنه فضاء ~~المواطنين الذين يناضلون من أجل مصالحهم المشتركة، فضاء يمأسس تفاعلا تداوليا». ms34 # 2 # وترفض التعريف الهابرماسي الذي يحدد المشاركة في جمهور مثقف يتقن ~~استعمال العقل بشكل نقدي؛ لأن المجتمع المعاصر يختلف جذريا عن مجتمع القرن الثامن ~~والتاسع عشر، مؤكدة في الآن ذاته أنه رغم ما يمكن أن يقال من مؤاخذات على نظرية ~~هابرماس، فإن مفهوم الفضاء العمومي «ضروري للنظرية النقدية للمجتمع وللممارسة ~~السياسية الديمقراطية»؛ لأنه مكان منفصل عن الدولة، وفضاء لإنتاج ونشر الخطاب ~~النقدي تجاه الدولة، لا بد له من أن يتمثل كاقتصاد غير رسمي (اقتصاد الدولة) وخال ~~من علاقات السوق، إنه فضاء لعلاقات التخاطب يسمح بالنقاش والتداول. فإذا حولت ~~الرأسمالية الفضاء العمومي إلى مكان للبيع والشراء فإن الفضاء الذي يلائم النظرية ~~النقدية المعاصرة ينبغي أن يتجاوز النموذج البرجوازي بحيث: «لا يمكن لأي محاولة ~~لفهم حدود الديمقراطية الرأسمالية المتأخرة أن تتم دون اللجوء والاستعانة بطريقة أو ~~بأخرى لبذل الجهود من أجل تطوير نماذج بديلة للديمقراطية.» # أبانت أركيولوجيا هابرماس عن عظمة وانحطاط الفضاء العمومي البرجوازي المحدود في ~~التاريخ من جهة، ومن جهة أخرى عن تساؤله عن قانون النموذج المعياري المتعلق بهذه ~~المؤسسة والتي يطلق عليها اسم «النموذج الليبرالي للفضاء العمومي البرجوازي»، وكان ~~هدفه فيما ترى فريزر مزدوجا: # قصد فحص الشروط التي جعلت هذا النمط من الفضاء العمومي ~~ممكنا. # إعادة وضع تلك الشروط في مكانها، وإدراك راهنية المنفعة المعيارية ~~لهذا النموذج الليبرالي. # وتؤكد على الحاجة إلى تجديد هذه النظرية وتجاوزها؛ لأن «الشروط الجديدة ~~لديمقراطية الجماهير ولدولة الرعاية في نهاية القرن العشرين، أسقطت الفضاء العمومي ~~البرجوازي ونموذجه الليبرالي في عداد النسيان. وأن شكلا جديدا للفضاء العمومي ~~ضروري لحماية وصيانة الوظيفة النقدية لهذا الفضاء ولمؤسسة الديمقراطية». # 3 # وتلوم هابرماس في أنه لم يبلور تصورا بديلا عن النموذج الليبرالي ~~الذي نظر له، وهو ما يتنافى مع روح النظرية النقدية المعاصرة حيث تقول: «غريب أن ~~هابرماس لم يذهب إلى وضع نموذج جديد للفضاء العمومي ما بعد البرجوازي ... وأكثر من ~~ذلك لم يستشكل أبدا بعض الفرضيات المتداولة حول النموذج الليبرالي، وعليه ~~فالفضاء العمومي انتهى دون اقتراح معنى وفهم لفضاء ms35 عمومي مغاير للنموذج ~~الليبرالي خدمة لأهداف وغايات النظرية النقدية المعاصرة.» # 4 # وما يعنيه ذلك من أن هابرماس لم يستشكل ولم يقترح بديلا للنموذج ~~البرجوازي، بل إن جهده لا ينسجم وتوجهات المدرسة النقدية ولا يخدمها؛ مما يجعله ~~خارجها. ~~(1-2) الحاجة إلى فضاء عمومي عابر للأوطان # تقر فريزر بالحاجة إلى تجاوز نظرية هابرماس؛ بالنظر إلى كونها مبنية على أسس ~~وطنية ضيقة (الإطار الويستفالي) تجاوزها التاريخ، ولتعارض هذه النظرية مع معطيات ~~الواقع الاجتماعي الجديد الذي كشفت عنه نظريات جديدة في التاريخ، والعرق، والنوع، ~~والثقافة ... وهكذا تعلن أن هدفها هو الدفاع عن فضاء عمومي بديل للنموذج الليبرالي ~~و«سأبدأ بمقارنة التأويل الهابرماسي للتحولات البنيوية للفضاء العمومي مع تأويل ~~آخر (فهم آخر) يستند إلى الإسطوغرافية الحالية ... وفي خلاصة موجزة سأضع بعض سبل ~~التفكير داخل النقاشات النقدية، التي ستفتح المجال أمام فهم آخر وما بعد برجوازي ~~للفضاء العمومي (أي التفكير في فضاء عمومي ما بعد برجوازي).» # 5 # وفي المقطع المعنون ب «أي تاريخ؟ أي تصور؟» تصرح فريزر بالقول: «لنأخذ أولا ~~تأويل هابرماس للتحولات البنيوية للفضاء العمومي كتجمع لأشخاص خصوصيين يجتمعون ~~للصراع حول المصلحة العمومية أو المصلحة المشتركة. تمتلك هذه الفكرة قوتها ~~وواقعيتها في بداية أوروبا الحديثة مع تأسيس «الفضاء العمومي البرجوازي» الذي شكل ~~القوة النقيض والمعادية للدولة المطلقة.» # 6 # وفي المقابل فهي تفتقد أي مصداقية في واقع اليوم؛ لأن الجماهير العريضة ~~غير المرتبطة بالبرجوازية هي التي صارت تلعب اليوم أدوارا هامة في اللعبة ~~السياسية، وهي التي تحرص على الخدمة العمومية وتطالب بها حينما تفتقدها، هذا ناهيك ~~عن كون الدولة المعاصرة قد قننت العديد من الحاجيات التي كانت مجرد مطالب في ~~التاريخ الحديث. و«هؤلاء العموم مدعوون لخدمة الوسيط بين المجتمع والدولة، ~~ورافضون أن تكون الدولة مسئولة أمام المجتمع بواسطة العمومية.» # تقوم نانسي فريزر # 7 # على امتحان واختبار نظرية هابرماس وفحص بعض أسسها ونقد بعض العناصر ~~التي ترتكز عليها في ضوء بعض التحليلات الإسطوغرافية التي قدمها كل من ~~جون لاندز # Jean Landes # وماري ريان # Mary Ryan # وجيوف ~~إلي # Jeoff ms36 Eley ~~، وتركز على نقطتين أساسيتين: ~~(1) # مسألة النوع الحاضرة بقوة التي ساهمت في طرحها بعض الحركات العريقة ~~المتنامية في العالم خلال القرن التاسع عشر والقرن العشرين والتي ~~عمادها النساء. ~~(2) # مسألة السود الذين ناضلوا في أمريكا وكونوا فضاء عموميا نقيضا ~~للفضاء الرسمي عبر نضالاتهم وحركاتهم. # تقارن بين التأويل الهابرماسي والتأويل الإسطوغرافي الحالي، حيث تعتبر أن التأويل ~~الأخير ينطلق من أن هابرماس قدم الفضاء العمومي البرجوازي باعتباره فضاء ~~مثاليا. حيث تشدد إليزابيت ~~بروكس هيجنبوتان # Elizabeth Brooks Higginbothan ~~، وتقر بوجود فضاء عمومي بديل مسير من ~~طرف السود في الولايات المتحدة الأمريكية ما بين 1880 و1920، حيث طرح السود الحق في ~~المشاركة السياسية: التصويت، إلى جانب مجموع الفضاءات ومؤسسات المجتمع المدني. ~~وتصر إليزابيت وريان على أن البرجوازية لم تكن تمثل قط الجمهور أي الشعب. # 8 # ولقد كانت هذه الفكرة جوهرية لفهم الاعتراضات التي تقيمها فريزر على ~~هابرماس؛ لأن التجربة الأمريكية كانت بالفعل نموذجا أغفله هابرماس في نظريته عن ~~الفضاء العمومي؛ لذلك فالفضاء العمومي البرجوازي ليس وحده موجودا وليس البرجوازيون ~~وحدهم من يؤطره، بل إن هناك جمهورا آخر كان موجودا منذ بداية الفضاء العمومي. ~~فإلى جانب البرجوازيين هناك دوما: جمهور المواطنين، صغار الفلاحين، النساء ~~والنخبة، جمهور الطبقة العاملة؛ إنه جمهور عريض متعدد ومتنوع، وإن العلاقات بين ~~الجمهور البرجوازي وباقي العموم هي على الدوام علاقات صراعية، وهو الأمر الذي يقر ~~به جوف إيلي # Geoff Ely # بحيث لا يمكن أن يولد ~~الفضاء العمومي إلا في خضم الصراع الاجتماعي. # 9 # مما يعني أن النموذج الهابرماسي وفق التأويلات الجديدة هو مجرد نموذج ~~مثالي، طوباوي. # 10 # تحاول فريزر أن تعتمد مقاربة أخرى جديدة وبديلة للتأويل الهابرماسي من جهة، ~~ولنقاده من جهة أخرى، معتبرة أن كلا التأويلين جذري إلى أقصى مدى. وتؤكد بأن نظرية ~~هابرماس حول الفضاء العمومي تشتغل على مستويين: ~~(1) # مستوى إمبريقي # Empirique ~~(تجريبي) ~~تاريخي، مؤسساتي. ~~(2) # مستوى نقد الأيديولوجيا أو المثال المعياري. # وفي سياق بحثها لمرتكزات النظرية التقليدية للفضاء العمومي ترى أن هابرماس بنى ~~نظريته حول ستة افتراضات مؤسساتية كلها وطنية: ms37 ~~(1) # جهاز الدولة الوطنية (الأمة) الذي يمارس السيادة داخل مجال حدودي ~~ووسط قاطنيه. ~~(2) # اقتصاد وطني منظم قانونيا وفق التشريعات الوطنية. ~~(3) # جسم المواطنين الذين يقطنون داخل حدود وطنية ويقتسمون مصالح ~~عامة. ~~(4) # لغة وطنية تؤسس وسيط التواصل داخل الفضاء العمومي. ~~(5) # أدب وطني يؤسس وسيط التكوين وإعادة إنتاج توجيه ذاتي (وطني) في سبيل ~~جماعة متخيلة (وطنية) أي هوية وطنية. ~~(6) # بنية وطنية للتواصل، وصحافة وطنية، ومن ثم شبكة وطنية للإعلام ~~والتوزيع. # هذه العناصر المؤسساتية هي التي ارتكزت عليها النظرية التقليدية للفضاء العمومي ~~بطريقة أيديولوجية محددة وموجهة نحو سيرورة (وطنية) للتواصل العمومي (عن طريق ~~اللغة الوطنية والإعلام الوطني)، والتي تخدم مصالح عامة مدبرة تواصليا؛ ذلك أن ~~كيان المواطنين يقوم بقيادة وتنظيم شروط العيش المشترك وبشكل خاص اقتصاد وطني. ~~وهو ما لا يسمح بالاعتراف أو البينذاتية على مستوى كوني عابر للأمم. بحيث اكتفت ~~النظرية التقليدية الهابرماسية على المستوى الأمبريقي بالنظر فقط في السيرورات ~~التاريخية التي ساهمت في دمقرطة الدولة-الأمة (الوطنية)، وعلى المستوى المعياري فلا ~~تمثل إلا مساهمة في نظرية الديمقراطية الوطنية. وهنا تكمن حدود نظرية هابرماس في ~~الفضاء العمومي، وفي هذين المستويين ترى نانسي فريزر أنه يمكن نقد اختلالات ~~الديمقراطية للدول-الأمم # 11 # بتجاوز الطرح الهابرماسي، من خلال البحث عن أسس جديدة لنظرية معاصرة؛ ~~لأن نظرية هابرماس تتعلق بمشروع سياسي محدود مرتبط بالدولة الوطنية (أي دمقرطة ~~الدولة الحديثة)، يصعب معه «فهم كيف تؤسس الفضاءات العمومية سلطة ديمقراطية مضادة ~~لسلطة الدولة»، # 12 # لذا فإن نقد هذه النظرية التقليدية يتوجه إلى الأسس الوطنية التي قامت ~~عليها. # كانت المقاربة الهابرماسية مبنية على أسس وطنية أي داخل الإطار الوطني، وهو الأمر ~~الذي نجده لدى الانتقادات المتنوعة التي تعيد التفكير في الفضاء العمومي من وجهة ~~نظر النوع (النساء) والعرق (الأقليات) والطبقة (الفقراء). ولم تتم أشكلة نظرية ~~الفضاء العمومي إلا في العقود الأخيرة بفضل تنامي الظواهر العابرة للأمم، والمرتبطة ~~بالعولمة أو بما بعد الاستعمار أو بالتعددية الثقافية؛ حيث أصبح من الضروري بحث ~~إمكانية وضرورة إعادة تشكيل نظرية الفضاء العمومي على أسس عابرة للأمم (دولية، ms38 ~~عالمية). # تنطلق فريزر من بعض عناصر التفكير في هذا السبيل من أجل فضاء عمومي ما بعد ~~برجوازي؛ إذ كتبت تقول: «يتمثل اقتراحي العام في إعادة تسييس نظرية الفضاء العمومي ~~التي تتعرض لخطر فقدان قيمتها ~~السياسية # dépolitisée ~~.» # 13 # يطرح الإطار الوطني للفضاء العمومي في النظرية التقليدية العديد من المشكلات التي ~~يمكن تحديدها في مشكلتين أساسيتين: # الأولى: # الفرق بين الدول الوطنية والسلط الخاصة، بحيث صار من الواجب ~~إعادة بناء السلط العمومية على نحو دولي (عالمي) من أجل الحد ~~من سطوة السلط الخاصة، ولفرض رقابة ديمقراطية دولية عليها. # الثانية: # تتصل بالفرق بين المواطنة داخل الدولة الواحدة والبلدان ~~الأخرى، بحيث يجب مأسسة عناصر المواطنة الدولية/الكونية وإنتاج ~~تضامن واسع وغير مقيد بالفروقات اللغوية والعرقية (الإثنية) ~~والدينية والوطنية، ومن ثم إنتاج وبناء فضاءات عمومية واسعة مبنية ~~على تواصل ديمقراطي مفتوح. # ومن أجل التأسيس لمقاربة جديدة للفضاء العمومي ينبغي تفادي مقاربتين محدودتين: # مقاربة إمبريقية: # تأخذ بعين الاعتبار فقط النظرية في علاقتها بالوقائع الموجود ~~التي تتأسس على المعايير. # مقاربة مثالية: # متعالية على الواقع الاجتماعي. # البديل هو مقاربة نظرية نقدية توظف الخصائص المعيارية وتأخذ بعين الاعتبار ~~الإمكانات السياسية. ~~(1-3) في سبيل نظرية خطاب نسوية # تشغل المسألة النسائية في تفكير نانسي فريزر مكانة هامة؛ أولا: باعتبارها مناضلة ~~يسارية ترعرعت في كنف الحركة الاشتراكية، وثانيا: باعتبارها صاحب قول في الفلسفة ~~الاجتماعية والنقدية التي ترتكز على قراءة التجارب (التي تنخرط فيها يوميا) ~~لاستخلاص الدروس. # تدعو فريزر في الفصل الخامس من كتابها: «دينامية النساء» (2012)، الذي عنونته ب «بنيوية أم برغماتية؟ حول نظرية الخطاب (النسوي) والسياسة النسوية» إلى حاجة الحركة ~~النسائية إلى نظرية متكاملة حول الخطاب؛ من أجل إدماج مفاهيم الخطاب، كما نجدها عند ~~جاك لاكان، فوكو، هابرماس، غرامشي، كريستيفا، دريدا، باختين ... معلنة أنها تحاشت ~~الحديث في وقت سابق عن هذا الأمر؛ أي حاجة الحركة النسائية إلى خطابات فوق-نظرية؛ ~~لذلك تقول: «سأحاول شرح لماذا تحتاج النسوية إلى نظرية الخطاب، وسأنطلق من سؤالين ~~محوريين: فيم ستخدم نظرية الخطاب الحركة النسائية (وخاصة الموجة الثالثة)؟ فيم ~~ستحتاج ms39 ناشطات الحركة النسائية نظرية الخطاب؟ أرى أن هذه النظرية ستساعدنا على فهم ~~أربعة أشياء: ~~(1) # ستسمح لنا بفهم كيف ستتغير وتتحول مع الزمن الهويات ~~الاجتماعية: # تعني الهويات الاجتماعية دلالات مركبة وأنظمة من التأويلات، فأن ~~تمتلك هوية اجتماعية، أي تصبح امرأة أو رجلا مثلا، تعني أن تعيش ~~وتتحدد تحت مجموعة من الأوصاف؛ أوصاف لا تخص الجسد أو الروح فقط، حيث ~~لا يكفيك الإلمام لا بالبيولوجيا ولا بعلم النفس، بل يتوجب عليك الغوص ~~في الممارسات الاجتماعية المحددة تاريخيا للنوع؛ لفهم كيف تشكلت ~~الهوية.» # الهويات الاجتماعية في نظر نانسي معقدة ومركبة جذريا: لا توجد هناك ~~امرأة بل امرأة بيضاء ، يهودية، من الطبقة المتوسطة، فيلسوفة، سحاقية، ~~اشتراكية، أم ... ولأن كل الناس يتحركون في سياقات اجتماعية متعددة، ~~تتشكل الهوية الاجتماعية لفرد ما في خضم مجال وسياقات تحركه ووجوده؛ ~~لذلك لا توجد امرأة بنفس المقاييس أو المعايير. # في بعض السياقات تمثل الأنوثة مكانة محورية من ضمن مجموعة من ~~الأوصاف التي تؤطرنا وتحيط بنا أو تنسب إلينا؛ ولهذا لا تتشكل الهويات ~~الاجتماعية دفعة واحدة، بل يتم تعديلها مع مرور الزمن، وتتغير ~~بالموازاة مع الممارسات ومع هويات الفاعلين. ~~(2) # ستسمح لنا بفهم كيف تتشكل وتتفكك المجموعات الاجتماعية في ظل شروط ~~اللامساواة: كيف يجتمع ويتنظم الأفراد تحت يافطة الهوية الاجتماعية؟ ~~كيف تنشأ طبقة ما؟ أو نوع اجتماعي ما؟ يتم تشكل جماعة ما في خضم نضالات ~~برهاناتها وخطاباتها المتنوعة. ~~(3) # ستؤثث وتضمن التداخل الثقافي للمجموعات السائدة في مجتمع ما. ~~(4) # ستوضح لنا منظورات التغيير الاجتماعي والممارسات السياسية ~~للاضطهاد. # يأتي اهتمام نانسي بنظرية خطاب نسوي في سياق إيمانها الكامل بحجم ~~المعاناة التي تزداد مع توسع الرأسمالية في طورها النيوليبرالي؛ حيث لم ~~يعد خطاب الحركة النسوية كما كان مع الموجة الأولى؛ لأن النساء أنواع ~~بحسب تنوع الهويات الاجتماعية، ولا توجد المرأة كما تقول بنفس معايير ~~النساء، بل المرأة بما هي نوع اجتماعي مميز بهويته. # | سيلا بن حبيب: سيرتها، فلسفتها السياسية ومواقفها # (1) أولا: السيرة ~~(1-1) تعريف بسيلا بن حبيب # 1 # ولدت سيلا بن حبيب # Seyla Benhabib # بإسطنبول/تركيا ms40 سنة 1950، وهي أستاذة العلوم السياسية والفلسفة بجامعة يال # Yale # الأمريكية، وتدير بنفس الجامعة برنامج الإثيقا ~~والعلوم الاقتصادية والسياسية. وهي عضو الجمعية الفلسفية الأمريكية منذ 1996، ~~ودرست بشعبة الفلسفة بجامعة بوستون # Boston # وستوني بروك # SUNY Stony Brook # والكلية الجديدة للبحث ~~الاجتماعي # New School for Social Research ~~(التي درست فيها حنة آرنت وتدرس فيها حاليا ~~نانسي فريزر # Nancy Fraser ~~)، كما درست بشعبة ~~الحكامة بجامعة هارفارد # Harvard ~~. ألفت ~~العديد من الكتابات التي تتناول قضايا فلسفية وسياسية عديدة، سنتطرق إليها ~~فيما سيأتي. واشتغلت سابقا مع هابرماس، وتهتم تحديدا بالنظرية النقدية والنظرية ~~النسوية. تزوجت من الصحفي والكاتب جيم ~~سليبر # Jim Sleeper # الذي يشتغل بدوره بجامعة يال. وتتقن اللغة الألمانية، ~~والتركية، والإنجليزية، والفرنسية والإيطالية. # تشغل سيلا بن حبيب منذ 2013 رئيسة اللجنة العلمية بجامعة كولونيا بألمانيا ~~حيث حصلت على جائزة # 2 # Meister-Eckhart-Preis # سنة 2014، وذلك ~~بفضل المساهمات التي قدمتها حول الهجرة والتعدد الثقافي والهوية. هناك ~~عنصر هام في ذاكرة الفيلسوفة بن حبيب يتعلق بالهوية اليهودية من خلال ~~مجموع الوقائع التي عاشتها عائلتها مع الغربة، وهو الأمر الذي ساهم في ~~جزء كبير من تشكيل شخصيتها، حيث تعود محنة عائلتها إلى سنة 1492 ~~التي ارتحلت فيها إلى تركيا (إبان الحكم العثماني) فرارا من إسبانيا من جراء ~~حملة محاكم التفتيش التي كانت تجبر المختلف عقائديا على تغيير ~~عقيدته الدينية. # أثر في سيلا أساتذة أمريكيون فروا إلى تركيا بسبب موقفهم من غزو ~~الفيتنام، ناهيك عن الحركة الطلابية والحركات العمالية والاحتجاجية ~~المطالبة بالاستقلال. وقد مثلت الفلسفة السياسية توجهها الأول، # 3 # لأنها كانت من جيل الحركة الطلابية 1968 التي يعود لها الفضل في ~~بناء توجهها الفكري والسياسي «الاشتراكي الديمقراطي» كتبت أطروحتها في ~~فلسفة هيجل السياسية سنة 1977 (أي في النصف الثاني من عقدها الثالث)، حيث قارنت ~~فيها بين تصور هيجل لمفهوم الحق والحق الطبيعي. وبعد ذلك ناقشت أطروحتها في ~~فلسفة هوبز. # وتنظر بن حبيب إلى الفلسفة السياسية لا كبحث في تاريخ الفكر أو الفلسفة ~~السياسيين، بقدر ما هي الاتصال بالأحداث الراهنة والمعيشة، # 4 ~~(وعلى ms41 هذا الأساس ارتأينا التركيز على مواقفها من قضايا ~~عالم اليوم من قبيل: فلسطين، إسرائيل، تركيا، الاتحاد الأوروبي، الربيع ~~العربي) إنصافا لروح فلسفتها. وتصرح سيلا بن حبيب أن «التحول ~~الكبير الذي عاشته حدث في سنوات التسعينيات، حيث دشنت البحث في قضايا ~~التعددية الثقافية والمواطنة والهجرة داخل الاتحاد الأوروبي». # 5 # أما عن علاقتها بهابرماس فتقول: «يعود الفضل لهابرماس في نحته لمفهوم ~~العقلانية التواصلية، وأنا بدوري أعتبر أن العقلانية التواصلية ~~مسلمة، وأفترض مسبقا أن كل عملي يتمحور حول صلاحية ~~الانتقال إلى العقلانية التواصلية. كنت مهتمة بالروابط بين العقلانية ~~التواصلية والأخلاق والديمقراطية التشاورية، حيث يلعب الفضاء العمومي ~~دورا محوريا. # هناك تحول في الفضاء العمومي ساهمت فيه وسائل الإعلام والتواصل الحديثة، ~~ويؤثر على الحركات الاجتماعية والفعل السياسي عموما، ويتوجب الوعي بهذه ~~التحولات التي تخترق العالم، وأطلب في هذا السياق: ما هي التجربة الملموسة ~~لجيل ابنتي مثلا التي ولدت سنة 1986؟ تستيقظ الأجيال الجديدة وتشغل حاسوبها ~~وتتلقى كل الأخبار والمعلومات في وقتها عبر النت، هذا من جهة، ومن جهة أخرى ~~نحن أمام مركزة صاعدة ومحتكرة لوسائل الإعلام.» # 6 # وناقشت سيلا بن حبيب أيضا التفاوت القائم بين وسائل الاتصال والإعلام في تبادل ~~الرأي والمعلومات وبين التداول المتبع في التشاور حول اتخاذ القرارات؛ لأن ~~التداول هو شكل بديل لاتخاذ القرار في المؤسسات وليس في وسائل الإعلام؛ لأن هذه ~~الأخيرة مجرد أدوات لتبادل الرأي لا أكثر، حيث تقول: «لا يمكن لوسائل الإعلام أن ~~تكون أداة للتداول أبدا، وإنما مجرد أداة مساعدة؛ لأن عملية التداول ~~واقعية وتحتاج إلى وقت وإلى عدد كبير من المعطيات؛ فوسائل الإعلام والاتصال تلعب ~~دورا في تبادل الآراء واختبار بعض المقترحات بخصوص اجتماعات معينة أو مبادرات، ~~ولكنها لا يمكن أن تحل محل التداول، وأنا ضد اتخاذ قرارات جماعية في وسائل الاتصال ~~الإلكترونية أو التصويت.» # 7 ~~(1-2) مؤلفات سيلا بن حبيب # كثيرة هي الكتب التي ألفتها بن حبيب في مجالات مختلفة، تتصل تحديدا ~~بالفلسفة السياسية وبالعلوم السياسية، وترتكز على قضايا عالم المعيش، التي ~~تؤرق ملايين الأشخاص في العالم: ms42 من قبيل مشكلات الهجرة، الاحتلال، مخيمات ~~اللاجئين، المقيمين، البدون ~~أوراق # les sans papiers ~~، # 8 # المهمشين والمقصيين بسبب العرق أو اللغة أو الدين أو الهوية. ~~وفي مسائل نجد لها حضورا قويا في كوسموبوليتية بن حبيب، إيمانا منها أن ~~بناء عالم الغد لا يمكنه أن يتم إلا في إطار تصور شامل وكلي لمجموع ~~العالم أو ما أسمته الدولة العالمية أو الحكومة العالمية. وسنحاول أن نقدم هنا ~~جردا لمؤلفاتها مع بيان بعض مضامين الأهم منها والمتوافرة لدينا. # 9 # طرحت بن حبيب في كتبها الأخيرة «حقوق الآخرين: الأجانب، المقيمين، والمواطنين»، # 10 # و«كونية أخرى» # 11 # قضايا جوهرية حول الشرعية الديمقراطية، الليبرالية ~~الدستورية، الحق في الإقامة المؤقتة والدائمة، الحكومة العالمية، ~~الفيدرالية العالمية ... وتقدم فيها حججا قوية لحماية الجماعات البشرية ~~الهشة والضعيفة (الأجانب، المقيمين، اللاجئين ...)، كما تعالج فيها مسألة الحدود، ~~حيث تقول: # حاولت في كتبي الأخيرة، معرفة ما إذا كان هنالك موقف ~~يمكن الدفاع عنه وتبنيه، بين فتح الحدود من جهة، والمحافظة على سيادة ~~الدولة - معاهدة ويستفاليا - من جهة أخرى. إن موقف الحدود (أي كسر الحدود ~~على تحركات الناس) هو الموقف الوحيد الذي يبدو أخلاقيا، وأكثر قبولا؛ ~~لأنه من الصعب جدا حرمان الناس من حقهم المشروع في حرية التنقل ~~والسفر، فهذا الحق، هو واحد من أهم الحريات الأساسية والضرورية للإنسان، # 12 # ولا يقتصر الحوار حول الهجرة على حق الدخول إلى دولة معينة، ~~وإنما يجب أن يركز هذا الحوار على حق العضوية داخل ذلك المجتمع، في حالة ~~دخوله ولو لمرة واحدة؛ لأن مطلب الحق في التمتع بكافة الحقوق ~~يتطلب الاعتراف بالعضوية الوطنية، فالاستشفاء والعلاج والتمدرس وإنشاء ~~شركة؛ كلها حقوق تستوجب الاعتراف القانوني بالمهاجرين ~~واللاجئين. # أما كتابها «النقد، المعيار واليوتوبيا»، # 13 # فيعتبر أهم مؤلفاتها الفلسفية (حوالي 455 صفحة) صاغت فيه مفهوم ~~النقد، من جهة أصولها الفلسفية الحديثة التي تعود أساسا إلى هيجل، وهو موضوع ~~الفصل الأول من الكتاب، مضيفة إليه مرتكزات النقد الهيجلي المنهجي والمعياري ~~لنظريات الحق الطبيعي، لتنتقل في النقطة الثالثة، إلى النقلة الماركسية، وتحديدا ~~في الفترة ما ms43 قبل 1848 حيث اتخذ النقد صيغة نقد النقد المجرد أو المثالي كما صيغ ~~في المثالية الألمانية. وفي الفصل الثاني، عالجت المنهج الفينومينولوجي الهيجلي ~~باعتباره أصلا من الأصول النقدية الهيجلية، حيث بلور هيجل مقولة الشغل ~~كفرضية من فرضيات المنهج الفينومينولوجي، مصحوبا بالنقد الماركسي لهذه الفرضية ~~بالاعتماد على التحليل الأنثروبولوجي مع مخطوطة 1848، في حين خصصت الفصل الثالث، لنقد هيجل لفلسفة كانط الأخلاقية، لتنتقل في الفصل الرابع إلى تشكل ~~النقد كنظرية مع الفكر الماركسي مركزة أكثر على المستويات الثلاثة للنقد في كتاب «الرأسمال» ل «كارل ماركس # Karl Marx ~~»، ولم ~~تفت الفرصة بن حبيب للتذكير بأهم مراحل النقد كما تبلور مع هابرماس في الربع ~~الأخير من القرن العشرين، حيث بحث مفهوم نقد العقل الأداتي، وهو محور الفصل الخامس ~~من الكتاب، مبينة في الفقرة الأولى منه أهمية الانتقال من نقد الاقتصاد السياسي إلى ~~نقد العقل الأداتي، عبر بيان مزايا هذا الأخير بالوقوف على فكر كل من جورج لوكاتش # G. Lukács ~~، وماكس ~~فيبر # M. Weber ~~، ونخبة مدرسة فرانكفورت، حيث تبحث عن المفارقات التي ~~طرحتها العقلانية في زمن الفعل التواصلي من داخل فلسفة الذات. ولتوضح في الفصل ~~الثامن: الحاجة إلى أخلاقية واستقلالية تواصلية. وتختم الكتاب بالبحث فيما تسميه ~~«ما وراء فلسفة الذات»، ولا شك أن هذا هو مجال اهتمامها في فترة ما بعد ~~التسعينيات. ~~(2) ثانيا: فلسفتها السياسية # يصعب الإلمام بمجمل فلسفة سيلا بن حبيب لعدة اعتبارات: ~~(1) # كون إسهاماتها متعددة المشارب ومتنوعة جدا، تتراوح بين ~~قضايا عديدة لا ندعي إمكانية الإلمام بها جميعها في هذا المقال. ~~(2) # لا يزال فكر الفيلسوفة جاريا؛ مما يعني أن محاولة حصره في هذا ~~الاتجاه أو ذاك، إنما هي مغامرة كبرى في حقها. ~~(3) # كون وضعها الخاص، وتاريخها الخاص، يفرض عليها الانخراط السياسي ~~في قلب المعركة؛ لذلك فإن مواقفها السياسية تجد مكانها كثيرا في ~~فلسفتها. ~~(4) # اهتمامها بقضايا العصر الأكثر إلحاحا من قبيل الهجرة، الحدود، ~~السيادة، المواطنة، وهي القضايا التي تعرف مستجدات جارية لا حصر ~~لها. # إلا أنه رغم ذلك، أمكننا التمييز بين مرحلتين أساسيتين من ms44 تطور فكر الفيلسوفة سيلا ~~بن حبيب الفلسفي والسياسي معا: # مرحلة ما قبل التسعينيات: ~~(من القرن العشرين)، وقد مثلت الفلسفة السياسية الحديثة والمعاصرة ~~مصدر فكرها الفلسفي. وهي مرحلة الشباب إن جاز التعبير الألتوسيري ~~هنا، حيث تشكل فكرها من خلال اشتغالها على عباقرة الفكر السياسي الحديث ~~من أمثال هيجل # Hegel ~~(أنجزت أطروحتها ~~الأولى حول هيجل - الذي استلهمت منه العديد من أفكارها - بعنوان: «هيجل ~~والحق الطبيعي: بحث في الفلسفة السياسية الحديثة»)، وتوماس هوبز # Hobbes # وكانط # Kant ~~(من خلال فحصها لمشروع السلام الدائم الذي ~~أسست عليه أطروحاتها الحالية حول المواطنة الكونية، والسيادة ما ~~بعد الوطنية)، ومرورا بحنة ~~آرنت # H. Arendt ~~(حيث أنجزت كتابين حول فكرها - أشرنا إليهما ~~أعلاه - موظفة بشكل كبير مفهوم آرنت الذائع الصيت: «الحق في ~~التمتع بكافة الحقوق») وهابرماس # Habermas # مستلهمة منه مفهوم العقلانية التواصلية ~~الذي تعتبره أساس مشروعها، رغم انتقادها لهابرماس حول إقصائه لدور ~~النساء في الفضاء العمومي ومن الكونية الأخلاقية. # 14 # مرحلة ما بعد التسعينيات: # حيث انكبت أساسا على معالجة قضايا الوضع البشري الأكثر ~~إلحاحا: النسوية، الهجرة، التعدد الثقافي، المواطنة ~~العالمية، الديمقراطية، العدالة، السيادة ... # كما يمكن أن نعتبر الفيلسوفة منظرة ومفكرة تنتمي إلى الجيل ~~الثالث للنظرية النقدية، من خلال اشتغالها مع هابرماس وأكسيل هونيث # A. Honneth # ونانسي فريزر # N. Fraser # وجوديث بتلر # J. Butler ~~. # 15 # ويهدف مشروعها العام إلى بلورة نظرية كوسموبوليتية ~~للعدالة تتمركز حول إعادة التوزيع على الصعيد العالمي، إلى ~~جانب حق الانتماء. ويتعلق سؤالها بمدى معرفة كيف أن ~~نوعية/طبيعة أعضاء جماعة سياسية معينة قادرة على تحقيق توزيع عادل ~~للثروة، وضمان اعتراف كامل بالمواطنة من خلال التمتع بكافة ~~الحقوق التي للأعضاء الحقيقيين (الأصليين) لذلك المجتمع. وهو ما ~~جعل نظريتها ترتكز على بيان حدود التنظيم السياسي الذي يميز بين ~~أعضاء جماعة ما والأجانب أو المهاجرين. وتقدم حجتها دعما لحق ~~أساسي في الخيرات بالارتكاز على أخلاقية المناقشة مسنودا بمفهوم ~~الحرية التواصلية. كما أن حقوق الإنسان أيضا تقدم شرط الاستقلالية لكل ~~فرد تأخذ بعين الاعتبار حقا أساسيا هو الحق في التبرير # justificationla ms45 ~~. # 16 ~~(2-1) نظرية الديمقراطية # لا تنفصل نظرية الديمقراطية عند سيلا بن حبيب عن مشروعها الفلسفي-السياسي العام، ~~فهي نظرية في العدالة، وفي الحق، وفي المواطنة الكونية التي تتأسس على منظور ~~كوسموبوليتي يحاول إعادة النظر في طريقة تدبير المشاكل العالمية المتنامية، ~~وأساسا تلك المتعلقة بالهجرة والبيئة والمساواة، والنسوية، والمواطنة، ~~والتعدد الثقافي ... فالثقافات لا تتشكل أحادية القطب، أي بمعزل عن ~~الثقافات الأخرى، بل تتشكل من خلال حوارها مع الثقافات الأخرى. وتفيد ~~الديمقراطية عندها «بناء جماعة سياسية بقواعد واضحة، يتم عبرها تحديد ~~العلاقات بين الداخل والخارج». وفي الديمقراطية «يستمد الدستور شرعيته من ~~الإرادة الجمعية والمتحدة للشعب» ... «فالشعب الديمقراطي يقبل سلطة ~~القانون؛ لأنه في الآن نفسه واضع ومستقبل هذا القانون. إن مواطن ديمقراطية ~~ما ليس بالمواطن العالمي، بل مواطن داخل مجموعة سياسية محددة، بغض النظر عما ~~إذا كان ذلك يتعلق بدولة مركزية أو فيدرالية، باتحاد أوروبي أو باتحاد للدول.» # 17 # وترى أن الفرد وفق منظورها للديمقراطية هو من يقرر في حياته الخاصة. ولضمان ~~الانسجام بين التعددية الثقافية والكوسموبوليتية في عالم اليوم تأخذ ~~بعين الاعتبار ثلاثة شروط: ~~(1) ~~«التعامل بالمساواة»: حيث يجب أن يتمتع أعضاء الأقليات بنفس الحقوق ~~المدنية والسياسية والاقتصادية والثقافية التي تتمتع بها ~~الأغلبية. ~~(2) ~~«القبول الطوعي»: حينما يولد فرد ما، لا يجب أن يعين له دين ما أو ~~ثقافة ما بشكل أوتوماتيكي. ولا يجب أن تترك الدولة للجماعات الحق في ~~تقرير حياة الأفراد. فأعضاء المجتمع لهم الحق في التعبير بأنفسهم عن ~~اختياراتهم. ~~(3) ~~«الحرية في الخروج من الجماعة والحرية في التجمع»: لكل فرد الحرية في ~~الخروج عن جماعته. فحينما يتزوج فرد من جماعة أخرى فلكل منهم الحق في ~~الحفاظ على عضويته. ويجب إيجاد تسويات بالنسبة للأزواج بين الجماعات ~~وأطفالهم. # يطرح موضوع الانسجام بين التعددية الثقافية والمساواة الديمقراطية نقاشات ~~كبرى؛ فالشرط الأول يتعلق بالعديد من الثقافات التي تتعرض فيها الأقليات ~~لاضطهادات متكررة من طرف الأغلبية، وحيث لا تقوم الحكومات بأي ~~جهد لوقف المجازر التي يتعرضون لها. كما أن الشرطين الأخيرين يطرحان ~~مشكلات كبرى. ~~(2-2) المساواة والتنوع في ms46 عصر العولمة # لم يكن الفكر والفلسفة السياسيين يهتمان بشكل كبير بمسألة التعددية ~~الثقافية قدر اهتمامهما بها اليوم، بحيث كرست معاهدة ويستفاليا المنظور الأحادي ~~للهوية والمواطنة داخل الدولة الوطنية (الدولة-الأمة) فيما يشبه الدولة- المدينة، ~~رغم أن أفلاطون كان يصرخ دوما داخل الدولة المدينة: «أنا لست أثينيا، ولا ~~يونانيا: أنا مواطن العالم»، وعلى منواله تغنى الرواقيون والكلبيون ~~بالمواطنة العالمية والكونية # 18 # وقليلا ما استثمر هذا الإرث اليوناني في الفلسفة السياسية، ويعود هذا ~~المشكل في نظر بن حبيب إلى الفصل العبثي بين الديموس # Démos # والإثنوس # Ethnos ~~. # ستتعزز الدراسات حول إشكالات الهوية والتعددية الثقافية، مع نهاية الحرب ~~العالمية الثانية وما تلاها من بداية جديدة للعلاقات الدولية والاعتراف بالمؤسسات ~~الدولية والعالمية التي دافعت عن تعزيز حقوق الإنسان؛ نتيجة كوارث الأنظمة الشمولية ~~والاستبدادية التي اجتاحت العالم، وهي الإشكالات التي عالجتها سيلا في كتابها ~~القيم: «مطالب الثقافة: المتماثل والمختلف في عصر العولمة». # 19 # يتناول هذا الكتاب إشكالية هامة طبعت النقاشات المعاصرة لتزيل الوهم الذي يرى أن ~~الثقافات مجرد أجزاء من فسيفساء يمكن الهيمنة عليها بسهولة، ويمكن تلخيصها في ~~السؤال التالي: «كيف يمكن تطبيق الديمقراطية الليبرالية في عالم مليء بأشكال جديدة ~~من صراع الهويات والثقافات؟» وقفت في الفصل الأول على استخدام وسوء استخدام الثقافة، ~~لتنتقل إلى الإشكالية القديمة-الجديدة: نحن وهم، لتقترح نموذجا بديلا لتغيير ~~السياسات المعاصرة في الفصل الثالث يمكن الاقتداء به في التغيير سمته من إعادة ~~التوزيع إلى الاعتراف. وهو نفس الشعار الذي تبنته نانسي فريزر في كتابها: ما ~~العدالة الاجتماعية؟ الاعتراف وإعادة التوزيع. # 20 # كما وقفت فيه على مسألة التعددية الثقافية ومواطنة النوع ~~الاجتماعي، وما يرتبط بها من معضلات لتقترح الديمقراطية التداولية كبديل ~~للديمقراطية الليبرالية من خلال وقوفها على مفهوم ما بعد الدولة-الأمة. وقد ترجم ~~هذا الكتاب إلى: اللغة السويدية، الإيطالية، الإسبانية. # في مقاله حول الديمقراطية التشاركية: الحدود والاستقلال الذاتي، يذهب رومان فيلي # Romain Felli ~~، # 21 # إلى أن العولمة قد طرحت رهانات جديدة تتجاوز إطار الدولة الوطنية، ~~بحيث إن قضايا من قبيل الهجرة والكوارث البيئية والإرهاب، تفترض ms47 حلولا تتجاوز ~~الإطار الوطني الويستفالي؛ مما يعزز الحاجة إلى حكامة دولية بدأت تطرح نفسها رغم ~~أنها تسير عكس إرادة الشعوب. وهناك بالنسبة لسيلا بن حبيب طريقة أخرى لتصور ~~المواطنة الجديدة، أي مواطنة تتجاوز مفهوم مواطنة الإقامة. وعلى هذا الأساس أعادت ~~النظر في مفهوم الضيافة # 22 # الذي طرحه كانط في مشروع السلام الدائم. كما تستوجب المواطنة الجديدة ~~في نظرها إعادة بناء تصور الفعل السياسي دون المرور بقطيعة قانونية بين العضو ~~الذي ينتمي إلى الجماعة أو غير العضو القادم إلى تلك الجماعة من جماعة أخرى (قد ~~يكون مهاجرا أو مقيما بشكل مؤقت أو دائم أو لاجئا). هكذا فالحدود الخاصة ~~بدولة ما يمكن إعادة تحديدها من منظور كوسموبوليتي-كوني يتجاوز المنظور ~~الويستفالي. وتستدل سيلا بن حبيب على ذلك بالحركات الاجتماعية الحضرية التي تجسد ~~نموذجا «فعل سياسي خارج التمييز الكلاسيكي بين العضو/وغير العضو». # 23 # وبناء عليه تقترح سيلا بن حبيب مواطنة كونية أو مواطنة ما بعد ~~الدولة-الأمة، وما يقتضيه ذلك من ضرورة إعادة بناء أسس هذه المواطنة على نحو ~~جذري. إلا أن الأمر لا يتعلق ب «محو الحدود السيادية للدول وإنما طرق جديدة ~~لتدبيرها»، أي «فتح العلبة السوداء للسيادة الوطنية». # 24 # ولنا في تحليلها لطبيعة الدولة الإسرائيلية مثال على ذلك، حيث تؤكد أن ~~إسرائيل لا تزال حبيسة التصور الويستفالي القديم، وتسعى إلى تدبير صراعها مع ~~الفلسطينيين وفقه، وهو ما يجعلها مهتجسة دوما بالهاجس الأمني، الذي لا تستطيع ~~الخروج عنه. وهو ما يبرر ممارستها للحرب. ~~(2-3) تجديد الكوسموبوليتية الكانطية # انطلقت الرؤية الكوسموبوليتية لسيلا بن حبيب من مشروع السلام الدائم لكانط كنقطة بداية # 25 # وأساسا من الحق الكوني في الاستشفاء، فلكل شخص الحق في الذهاب إلى ~~حيثما شاء دون أن يخشى التعرض للمرض. أخذت سيلا هذه النقطة كمنطلق لمشروعها الفكري ~~حول الهجرة واللاجئين. وذهبت بعيدا أكثر من كانط حيث لا ترى أن الاستشفاء حق ~~للمهاجرين فقط أي العابرين أو المؤقتين وإنما حتى للمقيمين طويلا (حالة المنفيين/ ~~اللاجئين السياسيين). لذلك ترى أن جوهر الجدل العالمي-الكوسموبوليتي في يومنا هذا ms48 ~~يعتمد على المشاركة الديمقراطية. وتمييز كانط بين حق الضيف وحق الزائر لم يعد في ~~يومنا هذا مقبولا؛ فالضيف يعتبر دائما مواطنا محتملا. ويجب أن تكون هناك ~~مؤسسات في المجتمع تمكن «الغريب الأجنبي»، أي «الآخر»، من أن يصبح عضوا من ~~أعضاء المجتمع. وهنا لا يتعلق الأمر بعالم من دون حدود، وكذلك لا يتعلق ~~بأنه لا يجوز أن تكون هناك شروط وقوانين على الإطلاق. ولكن يجب أن تتم صياغة مثل ~~هذه الشروط والقوانين بصيغة تتوافق مع حقوق الإنسان وتراعي الديمقراطية بقدر ~~الإمكان. # وإذا كان كانط ينظر للكوسموبوليتية كما يعيشها في عصر التنوير، فإن ~~سيلا بن حبيب تنظر لها في سياق مختلف تماما، بحيث ترتبط هذه المسألة بمسارها ~~الشخصي والعائلي، حيث تقول إجابة عن سؤال: كيف شكلت مسيرتك الشخصية قيمك ~~الكوسموبوليتية؟ ~~«الأمر يرجع إلى جذور عائلتي، فعائلتي سمح لها بالدخول إلى أراضي الإمبراطورية ~~العثمانية أيام التفتيش الإسباني، واستقررنا في صالونيك وإسطنبول وغاليبولي. فأنا ~~دائما كنت واعية بسخرية التاريخ الأوروبي، فإسبانيا باكتشافها لأمريكا كانت أول ~~من بدأ في التفتيش الديني، فاضطر اليهود إلى مغادرتها، واستقبلهم المسلمون بحفاوة ~~في بلدانهم؛ إذن، فتاريخ عائلتي يرجع إلى 500 سنة بتركيا، وهذا تاريخ طويل. لكن كنا ~~دائما واعين بمن نحن. وأظن أنه من أتى من هذا السياق، وكبرت في محيط متعدد بأربع ~~لغات، فلا شك سيكون في منحى فكري لنوع العلاقة بين الثقافة والحقيقة الاجتماعية، ~~وأن يكون مهتما كثيرا بحقوق الشعوب.» # 26 # تهتم مؤخرا بالمشكلة القائمة بين فتح الحدود وحق تقرير المصير، التي في عمقها ~~ترتبط بأزمة السيادة في إطار الدولة الأمة. وترى سيلا أنها تناضل في سبيل حق تقرير ~~المصير إلى جانب الحق في فتح الحدود، فهناك «ترابط بين حق تقرير المصير، باعتباره ~~وسيلة للحد من الفوارق الكبيرة والدائمة، والمساواة السوسيو اقتصادية». # 27 # مشددة على ضرورة تزايد سلط بنيات التدبير العالمي؛ لأنها وحدها ~~قادرة على حل مشاكل المواطنة العالمية في الوقت الذي لا تزال فيه الرؤية ~~الكلاسيكية لمفهوم السيادة الوطنية سائدة، ومعيارا لتدبير مشكلات العصر. وهكذا ~~تميز ms49 بين المفهوم القانوني للكوسموبوليتية وبين مظهره الثقافي والأخلاقي. ف ~~«الكوسموبوليتة الأخلاقية تعني أنها شكل عالمي يعتبر أي إنسان جدير بالاحترام ~~والاهتمام، أنا متفق مع هذا. هناك نقاش آخر في الفكر المعاصر يرتكز على التساؤل ~~عما إذا كانت الكوسموبوليتة الأخلاقية تعني أن يتمتع الأجانب البعيدون بامتيازات ~~على حساب المجمعات الموجودة دائما. هذا النقاش بدأته مارتا نوسباوم حول الوطنية. ~~لا أعتبر الانطلاق من شبكة تقييم على أساس أنها ضرورية في فهمي للكوسموبوليتية.» # 28 # وتشدد على أن مقاربتها لهذا المفهوم تستند على المرجعية الكانطية - ~~وليس على النظرة الرواقية - ب «اعتباره إطارا قانونيا ومؤسساتيا وصيرورة سياسية». # 29 # فالكوسموبوليتية الثقافية، الرائجة حاليا، «تعتمد على تعدد الثقافات المختلفة ~~داخل الدولة التي من المفروض أنها مزيج من الأعراق والقوميات» إلا أن المظهر ~~الثقافي للكوسموبوليتية لا يكفي لفهم مشروع كوسموبوليتي أكثر مؤسساتية. بالنسبة لي، ~~فالكوسموبوليتية بدأت عندما نظر لها كانط بمصطلحات مطالب عبر حدودية، والتي نحافظ ~~عليها عن طريق مجتمع مدني عالمي للإنسانية جمعاء. رغم أن هذا الفهم الكانطي لا يكفي ~~وحده، بحيث تصور النظام القانوني آنذاك بناء على ثلاثة مستويات: # القانون داخل الدولة. # القانون العالمي . # القانون الكوسموبوليتي. # لذلك فإن ما ينقصنا من وجهة نظرها هو «البنيات السياسية التي بإمكانها دعم هذه ~~الكوسموبوليتية القانونية». # 30 # ورغم دفاعها عن هذه المقاربة القانونية-المؤسساتية فهي تدافع عن «مجموعات منظمة ~~ذاتيا بإمكانها منح حقوق الانتماء القوية بما فيه جواز المرور»، وهو مبدأ كل ~~ديمقراطي وكوسموبوليتي؛ لأن النقاش حول الهجرة «يجب ألا يختزل فقط في الحق في ~~الولوج إلى الدولة، لكن يجب أيضا أن يرتكز على إمكانية أن المواطنة تكسبها بمجرد ~~الدخول إليها.» ~~(3) ثالثا: مواقفها ~~(3-1) موقف سيلا بن حبيب من الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي # 31 # لا يزال الفكر النقدي يحافظ على بريقه في مختلف المواقف التي تثير اهتماما ~~واسعا لدى الرأي العام العالمي؛ فحينما يتعلق الأمر بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي ~~فإن مواقف المثقفين والحركات المناهضة للصهيونية في الغرب، تكون مؤثرة أكثر من ~~نظيراتها في العالم العربي. وهذا هو حال الموقف النقدي الجريء من هذا الصراع ms50 الذي ~~اتخذته الفيلسوفة الأمريكية المعاصرة من أصول تركية سيلا بن حبيب باعتبارها أحد ~~الوجوه النقدية المعاصرة والبارزة في الساحة السياسية الدولية بفضل مواقفها ~~المبدئية والداعمة للشعوب المضطهدة والمقصاة بسبب الهوية أو اللغة أو الدين ~~... # ففي ظل الحرب التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة في دجنبر 2008 أنجزت سيلا بن حبيب ~~مقالا بارزا («أي حل لإسرائيل؟») # 32 # حول الصراع بين إسرائيل وفلسطين، فككت فيه الرؤية السياسية للفاعلين ~~في إسرائيل منتقدة حل الدولتين لتقترح، فيما يشبه حلما، حل الكونفدرالية ~~القادرة على تدبير التعددية الدينية واللغوية والسياسية ... # وتشدد سيلا بن حبيب على أن إسرائيل قد «فقدت رؤيتها السياسية وقوتها العسكرية، ~~ولا معنى سياسيا واضحا يوجه أفعالها/ممارساتها»، معتبرة أن القوة العسكرية تظل ~~عمياء وتتدخل بكل وحشية «من أجل الوصول إلى أهدافها السياسية». فهل يمكن للمقاربة ~~العسكرية والأمنية أن تكون وسيلة فعالة لضمان السلام؟ # يحلل كانط في مشروع السلام الدائم - الذي تغترف منه سيلا بن حبيب - طبيعة ~~العلاقات السياسية الدولية، داعيا إلى سلام دائم وممكن بين الأمم، وفي معرض نبذه ~~للعنف وضرورة التحلي بثقافة السلم والتضامن، يرى كانط أنه لا سبيل إلى إقرار السلم ~~ما لم يتم القضاء وبشكل نهائي على الجيوش الدائمة باعتبارها المسئولة عن الويلات ~~التي تعيشها الأمم. ولعل تأملا بسيطا لفلسفة كانط السياسية، سيجد أن هذا الفيلسوف ~~كان - على حد تعبير حنة آرنت - نموذجا صارخا لفيلسوف متنور حامل لهم الإنسانية ~~ككل، فقد أعلن في بيانه الشهير: «مشروع للسلام الدائم»، دون شبهة أو لبس، إيمانه ~~العميق بالسلام، ودفاعه المستميت عن مجتمع جديد خال من العنف والإبادة والقتل بأي ~~مبرر كيفما كان، ففي المادة الثالثة من المواد التمهيدية للقسم الأول يقول: «يجب أن ~~تلغى الجيوش الدائمة إلغاء تاما على مر الزمان»، ويعلق على ذلك قائلا: «لأن ~~هذه الجيوش التي تبدو على الدوام متأهبة للقتال تهدد الدول الأخرى بالحرب تهديدا ~~دائما، كما تحفزها إلى التسابق في زيادة قواتها المسلحة زيادة لا تقف عند حد ... أضف ~~إلى هذا أن استئجار الناس لكي يقاتلوا أو يقتلوا معناه ms51 فيما يبدو أننا نستعملهم ~~استعمال الآلات أو الأدوات في يد غيرهم (الدولة)، وهو أمر لا يتفق مع حقوق ~~الإنسانية في أشخاصنا.» ويضيف في المادة السادسة: «لا يحق لأية دولة، في إبان ~~الحرب، أن تستبيح لنفسها اقتراف أعمال عدائية كالاغتيال والتسميم، وخلق ظروف ~~التسليم، والتحريض على الخيانة - من شأنها عند عودة السلم أن تجعل الثقة بين ~~الدولتين أمرا مستحيلا.» لذا فينبغي «إقرار» حالة السلام. # وقبل أن تقدم سيلا بن حبيب الحل الذي تراه مناسبا للصراع الفلسطيني ~~الإسرائيلي، تؤكد أنه «لا أحد من المسئولين الإسرائيليين يمتلك رؤية سياسية»، ~~وتميز في هذا الإطار بين الرؤية # vision # والاستراتيجية حيث تقول: «لا أقصد استراتيجية ذات أهداف طويلة المدى محددة بين ~~ولايتين انتخابيتين ويمكن مراجعتها حسب الظروف، وإنما أقصد رؤية سياسية يستطيع ~~مؤسسو الجمهوريات تملكها.» # 33 # وتتلخص الرؤية السياسية التي تقصدها هنا سيلا في الأسئلة التالية: ~~كيف يمكن ضمان الاستمرارية والبقاء؟ ما هي المؤسسات المستدامة التي يمكن أن تضمن ~~للأجيال اللاحقة الازدهار كأفراد وكمواطنين؟ ~~(أ) ميلاد حركة حماس وأيادي تدبير الصراع في المنطقة # تستشهد سيلا بن حبيب بمقال إدوارد سعيد الذي نشره في مجلة نيويورك تايمز في ~~خريف 1992، والذي أعلن فيه نهاية أيديولوجية منظمة فتح. بحيث فسح «الفراغ الذي ~~أحدثه انهيار الأيديولوجيات البيروقراطية، والعسكرية، الحديثة والغربية، في ~~مجمل العالم العربي، المجال للأيديولوجيات الإسلامية التي مثلها حزب الله ~~وحركة حماس». # 34 # وهنا نرى عمق تحليل الفيلسوفة التي تتابع عن كثب الوضع في مجمل ~~منطقة الشرق الأوسط، حيث ترى أن «الإسلاموية الجديدة تمثل رؤية أخلاقية خالصة، ~~تأديبية، تمتح من ثورة آيات الله الخميني ضد الغرب التي لقيت صدى في ~~الأراضي الفلسطينية بفضل خطابها الشرس والداعي إلى تدمير الدولة اليهودية». # 35 # لقد نجحت الثورة الإيرانية في بسط خطابها السياسي-الأيديولوجي في ~~الأراضي الفلسطينية بفضل «البرامج الخيرية في إعادة التوزيع والتضامن ~~الإسلامي»، هذا ناهيك عن المد العالمي لحركة الإخوان المسلمين التي لقيت ~~بدورها دعما من طرف الطبقات المتوسطة والبرجوازية الصغيرة المتذمرة من التسلط ~~والاستبداد السياسي الذي ساد المنطقة من جراء صعود ms52 بعض الأنظمة العسكرية إلى ~~الحكم. # وتؤكد سيلا بن حبيب أن حركة حماس - كما هو الشأن بالنسبة لحركات أخرى في ~~تركيا وفي الشرق الأوسط - قدمت «منظورا للمساواة و«إعادة التوزيع» والتضامن ~~الإسلامي»، وهو المنظور الذي لقي إقبالا جماهيريا نتيجة سياسة التفقير ~~والتجاهل التي مارستها الأنظمة السياسية، ورغم ذلك فهو منظور يعمق في نظرها ~~«التسلط ومعاداة الليبرالية»، رغم أن معاداة الليبرالية تبقى موضع سؤال، بالنظر ~~إلى أن بعض الدراسات المتخصصة في شئون الحركات الإسلامية بالمنطقة ترى أن هذه ~~الحركات قد اندمجت كليا مع الرأسمالية ولا تتبنى أي برامج معادية للفكر ~~الليبرالي، أو للرأسمالية كنظام اقتصادي، وفي هذا الصدد نستحضر على سبيل المثال ~~تحليل جلبير الأشقر الذي يؤكد أن حركة الإخوان المسلمين مثلا في مصر تستند في ~~خطابها وممارستها السياسية على خدمة مصالح قسط هام من البرجوازية المصرية ~~حيث يقول: «وفي المنطقة العربية، فإن راية الأصولية الإسلامية هي التي رفعتها ~~بوجه عام الحركة الممثلة للتطلع الرجعي إلى «جعل عجلة التاريخ ترجع ~~القهقرى»، داعية للعودة إلى عصر ذهبي إسلامي حاكت حوله أسطورة. وهي تجد ~~قاعدتها الاجتماعية بين الطبقات الوسطى التقليدية، وكذلك في صفوف مثقفي تلك ~~الطبقات، سواء التقليديون منهم (رجال الدين بوجه خاص) أو العضويون (الطلاب، ~~المعلمون، المراتب الدنيا والوسطى من المهن الحرة).» # 36 # ونفس الشيء ينطبق أيضا على شيعة إيران. # وتذهب كذلك إلى أن حركة حماس لقيت دعما في سنوات الثمانينيات من طرف ~~إسرائيل حيث تقول: «في سنوات الثمانينيات دعمت إسرائيل حركة حماس كبديل لحركة ~~فتح المكافحة والعلمانية، كما دعمت أمريكا أسامة بن لادن والمجاهدين ضد ~~الفدائيين الأكثر علمانية واشتراكية في أفغانستان.» ورغم ذلك ففي الحالتين معا ~~«خرج الشيطان من قمقمه»، # 37 # مما أدى إلى حصار إسرائيل بولاءات حماس المتغيرة لحزب الله في مجال ~~العمل الاجتماعي الإسلامي. # وفي حقيقة الأمر فالعلاقات القائمة بين هذه الحركات تدعو إلى التساؤل، ولا ~~نزعم أنها خالية من الصراعات الهامشية أو الرئيسية، إلا أنه من المؤكد أن ~~الحركات الإسلاموية قادرة على التأقلم مع الأوضاع في تغيراتها وتحولاتها ~~الجارية، وتستطيع ms53 الخروج من عنق الزجاجة. وتظل حنكة هذه الحركات في ممارسة ~~السياسة موضع سؤال بالنسبة لقسط لا بأس به من اليسار، حيث ظهرت أطروحة تقول ~~بإمكانية التحالف مع هذه الحركات من أجل تحقيق التغيير في هذه المنطقة. ورغم ~~ذلك فإن سيلا بن حبيب لا تؤيد هذا الرأي من منطلق أن تلك الحركات لا يمكنها أن ~~تكون البديل المنشود، ولا يمكنها أن تحقق الديمقراطية، بل هي حاملة لمشروع ~~رجعي يتناقض والقيم الكونية الكبرى للإنسانية، بل هي عدوة الديمقراطية ما دامت ~~تستغل الديمقراطية كشعار لنقضها، وبناء عليه سيبقى الالتزام ب «المساواة ~~والتضامن وتقرير مصير الشعوب مبدأ نقديا، ولا يقبل التضحية عبر الانخراط ~~الأعمى في هذه المجموعة أو أية مجموعة أخرى»، # 38 # و«لا شيء يعطي الأمل للتقدميين واليساريين في هذا التحالف». وكأنها ~~هنا ترد على أنصار الوحدة مع القوى الظلامية والرجعية. ~~(ب) أمن إسرائيل في عالم ما بعد ويستفاليا # اقتنعت الفيلسوفة سيلا بن حبيب أن دولة إسرائيل قد أخطأت الطريق بخصوص ~~التسوية مع السلطة الوطنية الفلسطينية، فلا إسرائيل قادرة على تلبية مطالب ~~المقاومة الفلسطينية لما يزيد على نصف قرن من الحرب المستنزفة لكلا الطرفين، ~~ولا المعارضة الإسلاموية الجديدة قادرة على الاعتراف بالكيان الإسرائيلي وضمان ~~السلام بين الشعبين؛ فإسرائيل قريبة من «صراع من أجل أمن ويستفالي في عالم ما ~~بعد ويستفاليا»، حيث أصبحت الحدود سهلة الاختراق، وتقدم مثالا على ذلك ~~بالأنفاق بين قطاع غزة ومصر التي حفرت «لتمرير الأسلحة المهربة والمشتراة ~~بأموال إيرانية»، مبينة أن «أموال البترول الهائلة وضعت في أيدي الدعاة ~~المتجولين وأشباه الأولياء من طرف المشايخ وممالك الخليج الفاسدة التي تحمي ~~سلالاتها الهشة ...» كما وقعت «أنظمة أسلحة منتهية الصلاحية قادمة من روسيا ومن ~~الجمهورية السوفياتية القديمة من قبيل كازخستان، أذريبدجان ... في أيدي إخوانهم ~~المسلمين». ولا تستثني من تحليلها تجار الصين «الكلبيين» # 39 # ورجال الأعمال الروس الفرحين جدا بفتح تجارتهم في المنطقة. # وترفض بن حبيب ما تسميه إسرائيل ب «الصدمة»: الصدمة من كون صواريخ حماس قادرة ~~على ضرب تل أبيب! معتبرة ذلك «مجرد نفاق: ms54 وسواء كان هذا استراتيجيا أو ~~معنويا، فهو لا يفسر أبدا، ولا يبرر الانتقام الواسع». فلماذا تدعي ~~إسرائيل قدرتها على محو حركة حماس من الخريطة الفلسطينية في الوقت الذي تعرف ~~إسرائيل جيدا «أن قوتها العسكرية المفترضة تم اختراقها منذ زمن بأجيال جديدة ~~من الأسلحة؟» # 40 # وتعتبر بن حبيب أنه «لا يوجد أمن كامل ولا يقهر مطلقا في العالم الجديد، ~~وعلى الأقل منذ 11 سبتمبر 2001، كما لم يكن هناك استقرار كامل في الميدان ~~السياسي»، فحتى القنبلة النووية لا تضمن الأمن والاستقرار لإسرائيل. ليس لأن ~~إيران يمكن أن تملك بدورها قنبلة نووية، وإنما لأن استخدامها ضد أهداف في ~~لبنان أو سوريا وعلى قطاع غزة وعلى الضفة الغربية والأردن، بإطلاق سحابة من ~~الأشعة على كل المنطقة يمكن أن يلوث المياه والغطاء النباتي، وهو ما يجعل ~~إسرائيل بدورها غير صالحة للاستيطان. هكذا يتضح أن خوف إسرائيل أشبه ما يكون ~~بفوبيا ملازمة لسياسييها ومواطنيها وجنودها. ~~(ج) في نقد الرؤى السياسية الإسرائيلية # تسود في إسرائيل اليوم بحسب بن حبيب أربعة خطابات سياسية تساير الوضع ولا ~~تقدم أي رؤية سياسية جديدة، تلخصها فيما يلي: ~~(1) ~~«منظور/رؤية الحرب الدائمة»: رغم أنه لا يدافع عنه أي سياسي يحترم ~~نفسه، فالأمر يتعلق بنفسية داخل كل الإسرائيليين البسطاء؛ حيث ~~يعتقد الغالبية العظمى أن الحرب نمط عيش، لأنه لا يمكن أن يتحقق ~~السلام بين إسرائيل وفلسطين. ~~(2) ~~«منظور الدولتين»: (أو ما يعرف بحل إقامة الدولتين) الليبراليين ~~والتقدميين من كل الأصناف يدافعون عن حل الدولتين (دولة إسرائيل ~~ودولة فلسطين)، لأنهم يؤمنون بمبدأ المساواة في حق تقرير مصير ~~الشعوب. ويقبل البعض هذا الحل لأنهم قلقون مما يمكن أن نسميه ~~«الانفجار السكاني الذي بدأ بالفعل»، وتسارع معدل الولادة ~~بفلسطين، ويخشون العيش كأقلية في دولة فلسطينية كبيرة، ~~ديمقراطية كانت أم غير ديمقراطية. ~~(3) ~~«المنظور الديني لإسرائيل الكبرى»: هناك أيضا منظور إسرائيل ~~الكبرى المبنية على المعتقد الديني، حيث يسود الاعتقاد أن الأراضي ~~القديمة ليهودا هي في الواقع للشعب اليهودي بلا رجعة. ~~(4) ~~«المنظور العلماني لإسرائيل الكبرى»: وهو منظور يختلف عن المنظور ~~الثالث ms55 ويؤكد على أن إسرائيل الكبرى يمكن أن تضم أراضي فلسطينية ~~وتحكمها اتفاقات اقتصادية من الطرفين بموجب مناطق التبادل الحر ~~والنمو الاقتصادي. على الأقل منذ مبادرة السلام التي أطلقها إسحاق ~~رابين واتفاقات كامب ديفيد، ويمثل حل «الدولتين» السياسة الرسمية ~~للحكومة الإسرائيلية والأمريكية، إلا أنه حل هو مجرد حل/نواة ~~متناقض، يخفي في كثير من الأحيان دلالات في الوعي العام. # 41 # تكرس الخطابات أعلاه منظورا تقليديا لبناء الدولة داخل حدود وطنية ~~ضيقة. وهو الأمر المتجاوز من وجهة نظر كوسموبوليتية؛ ففي عالم اليوم حيث ~~التغيرات على أشدها لم يعد مقبولا حصر القضية الفلسطينية في مجرد التسوية ~~المؤقتة لتدبير الصراع في اتجاه تكريس الهيمنة الصهيونية على الأراضي المحتلة، ~~من خلال المقاربة الأمنية، كمعول وحيد وأوحد لشرعنة العنف والحرب على كل تحرك ~~فلسطيني مشروع للدفاع عن عدالة قضيته. فإذا كان المنتظم الدولي يتجه نحو ~~الضغط على اللوبي الصهيوني من أجل الاعتراف الكامل بالسيادة الفلسطينية، فإن ~~بعض مواقف القوى الإمبريالية، تتجه عكس ذلك نحو تكريس نفس الوضع خدمة لمصالحها ~~الاستراتيجية. وحتى مفهوم السيادة كما يتصوره الكيان الصهيوني لم يعد مقبولا، ~~في نظر بن حبيب، ما دامت إسرائيل ترى أن فلسطين ستظل دوما مراقبة . # لا يتعلق الأمر وفقط بفشل الرؤى السياسية التي تحملها القوى السياسية الفاعلة ~~في الدولة الصهيونية، وإنما بفشل المنتظم الدولي أيضا في حل قضية عمرت ما يزيد ~~على نصف قرن. وهو فشل ذريع لا يزكيه إلا لغة المصالح الاستراتيجية. فكم من مرة ~~تخرق إسرائيل الاتفاقات الدولية وقرارات مجلس الأمن الدولي! ~~(د) رفض غزو غزة # تدافع سيلا بن حبيب عما يسمى حل الدولتين؛ لأنه يضمن حق الشعب الفلسطيني في ~~تقرير المصير، ولكنه في نفس الوقت يعد بوضع حد للنمو الديموغرافي المرتفع ~~في فلسطين، وهو ما يؤدي إلى الاعتقاد بأن ارتفاع معدلات الولادة لدى ~~الفلسطينيين يهدد الطبيعة اليهودية لدولة إسرائيل، وبناء عليه يتم الدفاع عن ~~«استمرار إسرائيل في احتلال غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية»؛ لأنه «سيضمن ~~التحكم العسكري في 5 ملايين من الفلسطينيين العرب، بمن فيهم أولئك ms56 الذين يعيشون ~~داخل حدود إسرائيل منذ 1967». # 42 # كما تعتبر أن «العملية العسكرية الحالية على غزة (تتحدث طبعا عن سنة 2008)، ~~تحمل عناصر الخطابات السياسية الأربعة - الحرب الدائمة، حل الدولتين، إسرائيل ~~دينية كبرى، إسرائيل علمانية كبرى - ولهذا السبب لم تكن متناسقة في أهدافها: هل ~~تريد إسرائيل احتلال غزة من جديد وبناء مزارع بلاستيكية لتدميرها من جديد؟ هل ~~تريد إسرائيل تدمير حماس ومؤسساتها المدنية والعسكرية بالمرة وتغادر غزة آملة ~~حل الدولتين الذي لا يمكن احتمالا تحقيقه؟ هل تريد إسرائيل احتلال غزة وتعرض ~~فيالقها العسكرية لمخاطر كبرى، وارتكاب جرائم حرب محتملة ضد الشعب الفلسطيني؟ ~~شخصيا - تقول بن حبيب - لست واثقة من أي شيء.» # 43 ~~(ه) أي بديل للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي؟ # هل هناك بدائل سياسية حقيقية في ظل الوضع الحالي غير الاستراتيجيات العسكرية ~~التي تتخذ كرؤى سياسية؟ # جوابا على هذا السؤال تدافع بن حبيب عن الحركة النشيطة في إسرائيل والتي ~~تسعى إلى فصل المواطنة الإسرائيلية عن الهوية اليهودية الدينية-الإثنية»، ~~معتبرة أن هذا الفصل هو من سيسمح بأن تصبح إسرائيل «أرضا لكل المواطنين. وهذا ~~من شأنه أن يتنصل جزئيا أو كليا من قانون حق العودة، الذي يعطي الحق في ~~المواطنة الإسرائيلية لكل يهودي تعترف به السلطة الحاخامية كيفما كانت». وتندد ~~في الوقت نفسه بعدم إصلاح قانون المواطنة الإسرائيلي؛ لأن «العديد من العمال ~~المهاجرين وأبنائهم فضلا عن الشركاء غير اليهود وزوجاتهم لا يستطيعون الحصول ~~على الجنسية الإسرائيلية»، ومؤكدة أنه «صار، من سخرية القدر في العقد الأخير، ~~من السهل بالنسبة للروس الذين يدعون أنهم يهود؛ الحصول على الجنسية، على عكس ~~عربي-فلسطيني ولد ونشأ في القدس الشرقية، لأنه يعتبر (أو تعتبر) خطرا على ~~الأمن، ولأن وضعية القدس الشرقية تعتبر لغزا وفق مصطلحات الاتفاقات ~~الدولية». # لذلك فإن «أي نقاش سياسي جدي يتعلق بإسرائيل وفلسطين، ينبغي أن يتأسس ~~على قاعدة أن القوة العسكرية ليست إلا ردعا، ردع مشكوك فيه يوما عن يوم على ~~وجه اليقين، وأنه ليس الأسلحة هي من يصنع السلام وإنما البشر. فالسلام هو ~~الصالح العام. وإسرائيل قريبة من النموذج ms57 الويستفالي للسيادة، المنقرض، الذي ~~يفترض أن الدول قادرة على مراقبة كل حي أو ميت داخل حدودها». # وانطلاقا من وجهة النظر الكوسموبوليتية فإن «معظم الديمقراطيات المتقدمة ~~تعرف أن النموذج الويستفالي متجاوز أخلاقيا وواقعيا». وهو ما يفيد في نظرها ~~أن «السيادة هي مجرد حصة، مجموعة من امتيازات وصلاحيات موكولة للدولة، ويمكن ~~تقاسمها وتفويضها والتعاقد عليها مع مجموعات أخرى وسلط أخرى». # وتقدم بن حبيب حالات صراع مماثلة وشبيهة # 44 # للحالة الفلسطينية حيث ترفض إسرائيل الاعتراف ب «سيادة كاملة» ~~للفلسطينيين على مجالهم الجوي، سواء في غزة أو على الضفة الغربية، ولا على ~~التنقل الحر للبضائع في الموانئ أو خارجها، ولا على احتياطات المياه الجوفية ~~الممتدة على جانبي الحدود، فلماذا إذن ندعي أن دولة فلسطينية سيادية وستصبح ~~سيادية بالمعنى الذي تحب اسرائيل أن تراها سيادية؟ # وجوابا عن هذا السؤال، ترى بن حبيب أن الحقيقة البسيطة والمحزنة هي «أن دولة ~~فلسطينية من هذا النوع ستظل على الدوام مراقبة ومتحكما فيها، وستضرب بين ~~الفينة والأخرى من طرف إسرائيل. إنه واقع الحال تحديدا.» ~~(و) الحل الكونفدرالي # تدافع بن حبيب، فيما يشبه الحلم، عن حل كونفدرالي يضمن لكلا الشعبين العيش ~~معا وفق منظور مغاير للرؤية السائدة اليوم، لدى كلا الطرفين، يتأسس على وجهة ~~نظر كوسموبوليتية، معتبرة أن هذا الحل هو وحده يضمن للأجيال القادمة أن ~~تعيش في سلام وأمن وبدون عنصرية وعنف. حيث تقول: «لنحلم للحظة. لنفترض أن هناك ~~بين إسرائيل وفلسطين كونفدرالية. لنفترض أن تحييد جماعات من مثل حماس وحزب الله ~~التي لا تعترف بوجود إسرائيل، هو هدف مشترك للفلسطينيين وللدول العربية الأخرى، ~~ولكن لو أن حماس اعترفت بحق وجود إسرائيل، فسيكون لها مقعد على «الطاولة» # 45 # لنفترض أن هناك رقابة مشتركة على الأجواء، وعلى الطرقات البحرية ~~والمياه والتي تمارسها سلطات إسرائيل وفلسطين، لنفترض أن هناك عملة مشتركة، ~~وحقوق الاستقرار القانونية لكل مجموعة إثنية داخل مناطق من الأراضي ~~المشتركة. # فإسرائيل لن تلجأ إلى حرب مدنية ضد المستوطنين المتعصبين في الخليل وفي ~~الضفة الغربية؛ الذين سيجبرون على العيش تحت ms58 سلطة فلسطينية بلدية جهوية أو ~~الدخول إلى إسرائيل.» # 46 # إلا أن الحل الكونفدرالي الذي تقترحه بن حبيب لا يعني «اختفاء السلطة الوطنية ~~المشتركة وهوية كل شعب. وفي بعض نسخ الحدود قبل سنة 1967 (الخط الأخضر)، ظلت ~~إسرائيل دولة يهودية، ولغتها الخاصة، وعطلها، وانتخاباتها، ولكنها تقتسم السلطة ~~مع الدولة الفلسطينية في مجالات: الجيش والأمن والاستخبارات، والمال، ~~والتبادلات. وبالمثل للفلسطينيين لغتهم الخاصة، وعطلهم وانتخاباتهم، إلا أن ~~الشعبين معا طورا مناهج مدرسية مشتركة وتحديدا حول تدريس التاريخ الذي ينصف ~~الحقائق التاريخية ومعاناة الشعبين». # 47 # وبموجب هذا الحل: «سيتعلم أطفال الجيل الجديد التفاهم والتعاطف بدل ~~الكراهية والحقد بعضهم على بعض، كما سيكون هناك تكافؤ في الحقوق الاجتماعية ~~والاقتصادية في هذه الكونفدرالية، في حالة ما إذا لم يرغب البعض في الاستقرار ~~في بعض المناطق الإسرائيلية الغنية؛ التعددية الدينية والحقوق المدنية ~~الليبرالية ستحترم من طرف الجميع: اليهود، المسلمين، المسيحيين، وكل مواطني ~~المعتقدات الأخرى. وبالنسبة للمتدينين الذين يريدون إدارة شئونهم الدينية ~~الخاصة ستمنح لهم السلطات الدينية رخصا بذلك، كما أن هناك محاكم خاصة، ولكن ~~أيضا هناك إعلان للحقوق لكل القاطنين يضمن لهم المساواة في الحقوق المدنية والسياسية.» # 48 # وتنظر إلى الحل الكونفدرالي ك «نواة ومركز اتحاد في الشرق الأوسط وشعوبه، حيث ~~تركيا ومصر والعربية السعودية والعديد من الدول الأخرى يمكنها الانضمام إليه ~~على غرار نموذج الاتحاد الأوروبي» # 49 # ورغم ما يمكن قوله عن هذا الحل، فإن أسسه الواقعية والسياسية ظاهرة ~~للعيان: فهل يمكن فعلا أن يجد الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي طريقه إلى الحل ذات ~~يوم؟ ~~(3-2) موقف سيلا بن حبيب من الربيع العربي # ما هو موقف سيلا بن حبيب من الربيع العربي؟ كيف نظرت إلى انتفاضات الربيع العربي؟ ~~هل كانت تعتقد أن تمرد الشباب في مصر وتونس والبحرين وليبيا يمثل موجة جديدة من ~~النضالات؟ ما موقفها من الإخوان المسلمين؟ وهل كانت متخوفة من صعود الأصولية ~~الإسلامية إلى هرم السلطة؟ ما هي قراءتها للحركات الإسلامية التي تجتاح العالم ~~العربي والإسلامي على حد سواء؟ هل كانت تقف إلى جانب تخوفات الغرب ms59 من الحركات ~~الجماهيرية المتفجرة؟ # خصصت سيلا بن حبيب لثورات الربيع العربي مقالا تحليليا # 50 # لانتفاضات مصر وتونس وللموجة التي اجتاحت البلدان العربية بمجرد ~~الانتصارات الأولى للثوار الشباب، وتحديدا يوم 24 فبراير 2011، وترجم بعد أسبوعين ~~إلى الفرنسية، # 51 # وهو مقال جدير بالاهتمام لأنه: # أولا: # مقال ينصف الشباب المتمرد بهذه البلدان. # وثانيا: # مقال يعيد النظر في الموقف الغربي، وتحديدا النخب المسخرة ~~والمعلقين المتخصصين في شئون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والذين ~~يكرسون العداء لهذه الشعوب بدعوى أن موجة التمرد تلك تحمل نسيم ~~الحركات الإسلاموية بكل أطيافها؛ وذلك لتوجيه الرأي العام الغربي ~~نحو اتخاذ المسافات من هذه التمردات. # وثالثا: # مقال ثاقب النظر يضع الأصبع على الجراح، ويحاول أن يؤطر ~~الربيع العربي في سياقه التاريخي والسياسي. ~~(أ) الربيع العربي: الدين والثورة والفضاء العمومي # تفتتح بن حبيب مقالها بعبارة دالة للكاتب والمعتقل التونسي السابق فتحي بن ~~الحاج يحيى، والتي يقول فيها: «الحرية عظيمة، مغامرة كبيرة، ولكنها لا تخلو من ~~مخاطر ... فالمخاطر مفتوحة على اللامتوقع.» # 52 # معتبرة أن الشباب الثائر في العالم العربي «يناضل، من أجل الحريات ~~الديمقراطية، ومن أجل فضاء عمومي مفتوح، ومن أجل الانخراط في العالم المعاصر ~~بعد عقود من العزلة والكذب والخداع. ومع ذلك، وفي الحالتين، بزغت الآمال في ~~الانتقال؛ فالأنظمة السياسية والاقتصادية صارت هشة، وقابلة للتغيير!» # 53 # تعي بن حبيب أن الأنظمة العربية تسير نحو الزوال، وهو الأمر الذي ~~تحقق في تونس ومصر معا في وقت قياسي غير منظور، حيث المقاومة الجماهيرية شرسة. ~~كما تعي أن الميدان العمومي وحده قادر على تحقيق المطالب المشروعة والسير نحو ~~التحرر من الأنظمة المستبدة التي عمرت كراسي السلطة السياسية، فصدى التحركات ~~العربية تجاوز الحدود القومية والوطنية، ووجد استجابة كبيرة في قلب قلاع ~~الرأسمالية العالمية - الولايات المتحدة الأمريكية - حيث ولدت حركة احتلوا وول ~~ستريت؛ لذلك تقول: «أسرت الحشود الشجاعة في العالم العربي، من تونس إلى ميدان ~~التحرير، في اليمن والبحرين وحاليا ببنغازي وطرابلس؛ قلوبنا وفكرنا (...) ورغم ~~ذلك فبذور جديدة من المقاومة تنامت في هذه التربة المجمدة، وحتى في ms60 بعض ~~الولايات الأمريكية؛ ففي ماديسون في ولاية ويسكونسن يناضل الأجراء كي لا ~~يفقدوا حقوقهم الجماعية في التفاوض، ودخلت مقاومتهم في الأسبوع الثاني، كما ~~تجري نفس الجهود في إنديانا وأوهيو، وولايات أخرى. يحمل متظاهر مصري لافتة كتب ~~عليها: «مصر تدعم عمال ويسكونسن: عالم واحد، نفس المعاناة» وأحد مواطني ولاية ~~ويسكونسن يجيب: «إننا نحبكم. شكرا على دعمكم وهنيئا لكم على نصركم!»» # يناضل المتظاهرون ب «ويسكونسن # Wisconsin ~~» ~~والثوار التونسيون والمصريون بطبيعة الحال لأهداف مختلفة: في المقام الأول ضد ~~إذلال المواطنين وتحويلهم إلى أفراد خصوصيين منصاعين ويائسين من ويلات ~~الرأسمالية المالية الأمريكية والعالمية خلال العقدين الأخيرين. وتستلهم بن ~~حبيب في هذا السياق روح هيجل في فينمومينولوجيا الروح لوصف المرحلة القادمة بعد ~~الفوران الشعبي حيث تقول: «نعلم أن ربيع الثورات، ستعقبه غضبات الصيف وانهيار ~~ثلوج الشتاء. فعلى الأقل منذ تحليل هيجل لتمرد الجماهير الفرنسية في كتابه ~~فينومينولوجيا الروح سنة 1807، بات شائعا الاعتقاد بأن الثورة ستلتهم أبناءها. ~~بحيث أعلنت هيلاري كلينتون تحذيرات منذ الأيام الأولى من الانتفاضة المصرية، ~~كما عبر بعض المحللين عن غياب ثقتهم في قدرة الشعوب العربية على ممارسة ~~الديمقراطية، مبتهجين حاليا عند رؤيتهم للعلامات الأولى للصراع بين المجموعات ~~الدينية والعلمانية في مصر وتونس». هكذا ترى بن حبيب أن المحللين الغربيين لم ~~يكونوا يتوقعون هذا الزحف الجماهيري نحو الميادين العمومية؛ فمعظم الخيارات ~~السياسية التي كان ينتظرها الغرب ليس في العالم العربي فقط وإنما في العالم ~~الإسلامي ككل هي ثلاثة: ~~(1) # الأنظمة الاستبدادية الفاسدة التي ترسيها الانقلابات العسكرية، ~~كما هو الحال في مصر وليبيا، أو السلالات الملكية التي تشتري ~~ولاءها بثروتها، كما هو الحال في العربية السعودية والأردن. ~~(2) ~~«الأصولية الإسلامية» التي تخفي عمدا الخلافات التاريخية ~~والسياسية بين المجموعات المختلفة، في ظل الأنظمة أو فيما ~~بينها. ~~(3) ~~«إرهاب» القاعدة، والذي يوضع في نفس سلة «الأصولية ~~الإسلامية/السلفية الرجعية». # كانت الغاية من تسييد فوبيا الإرهاب بعد 11 سبتمبر 2001، هو ذر الرماد في ~~العيون، من خلال النظر إلى شعوب هذه المناطق كشعوب همجية لا تعرف غير العنف ~~كوسيلة للتعبير. في حين ms61 أن الإرهاب الذي تمارسه الإمبريالية الغربية وعلى رأسها ~~الولايات المتحدة الأمريكية يتجاوز كل التوقعات: ألم تكن سياسات التقشف ~~المفروضة على تلك البلدان منذ بداية الثمانينيات إلى اليوم هي السبب في التفقير ~~والتهميش الذي صار عنوانا عريضا مكتوبا على جباههم في عبارة «لا إله إلا ~~الله»؟ # ترى بن حبيب أن أصول القاعدة - زعيمة الإرهاب - «تعود بطبيعة الحال تاريخيا ~~إلى العربية السعودية، حيث ولد أسامة بن لادن، وعدد كبير من مفكري الإخوان ~~المسلمين الموالين للقاعدة بمصر كسيد قطب مثلا، فمن المعروف أن الزعيم الثاني ~~للقاعدة هو الطبيب المصري أيمن الظواهري». لقد كانت القاعدة الوصفة السحرية ~~لأمريكا لمواجهة الشيوعية؛ فهي التي احتضنتها ومولتها قبل أن ينقلب السحر على ~~الساحر. وتذهب بعيدا في تحليلها لتؤكد أن «لا أحد من المعلقين والمتتبعين، ~~ترقب بروز حركة المقاومة الشعبية الديمقراطية، والحديث في عمقها بالمعنى ~~السياسي، والتي أحيانا «تقية/ورعة»، ولكنها ليست متعصبة، وهو تمييز هام يتم ~~تجاهله باستمرار. فكما تلقى أتباع مارتين لوثر تربيتهم في كنائس السود ~~بأمريكا الجنوبية وأطلقوا قوتهم الروحية في هذه المجتمعات، فإن حشود تونس ومصر ~~وخارجهما، تربوا على التقاليد الإسلامية من قبيل الشهادة؛ فأن تصير شهيدا فهذا ~~قدر إلهي!» وهو ما يعني في نظرها أنه «ليس هناك من تناقض ضروري بين الإيمان ~~الديني لعدد كبير من المتظاهرين في الحركات الثائرة في تونس ومصر وبين تطلعاتها ~~الحديثة»، فبأي معنى يمكن اعتبار هذه الحركات حديثة؟ هل فعلا يمكن وصف حركات ~~التمرد بالعالم العربي على أنها حركات حديثة؟ هل تحمل برنامجا للتحديث؟ قد ~~يثير موقف بن حبيب هذا نقاشا واسعا في صفوف الثوار العلمانيين الذين يذهبون ~~إلى أن حركات الإسلام السياسي قد اغتالت روح ونفس الربيع العربي، ولكن قبل ~~الحكم على موقفها هذا لنر الحجج التي تدعم بها رأيها. # تقول بن حبيب إجابة عن هذا السؤال: «إنها كذلك أولا وقبل كل شيء؛ لأنها تسعى وراء إصلاح دستوري، ~~وضمان حقوق الإنسان، ضمان المزيد من الشفافية والمسئولية تجاه المسئولين ~~السياسيين، وضع حد ل «رأسمالية ~~المحاسيب # capitalisme de connivence ~~» # 54 ms62 # للنخب الفاسدة - كعائلة القذافي القاتلة في ليبيا - التي نهبت ~~بلدانها بتواطؤ مع شركات البترول الأجنبية، وخوصصت مواردها الثمينة كما هو ~~الحال في مصر» هكذا إذن؛ فمن مبررات بن حبيب لوصف هذه الحركات بأنها حديثة نجد ~~ما يلي: # أنها حركات تسعى وراء إصلاح دستوري. # وتسعى إلى ضمان حقوق الإنسان. # وإلى ضمان المزيد من الشفافية والمسئولية تجاه المسئولين ~~السياسيين. # وإلى وضع حد «لرأسمالية المحاسيب». # ومن وجهة نظر تاريخية، فإن وضع حد لرأسمالية «المحسوبية» أو «الريعية» يمكن ~~أن يعتبر ثورة حديثة، ولكن واقع الأمر أن الطبيعة الطبقية لأهم الحركات ~~الفاعلة في هذه الثورات سواء في مصر أو تونس أو ليبيا، ويتعلق الأمر بحركة ~~النهضة وحركة الإخوان المسلمين والحركة السلفية، يصعب الحسم ما إذا كانت هذه ~~الحركات تسعى إلى وضع حد للرأسمالية السائدة في هذه البلدان؛ لأنها بدورها جزء ~~من التحالف الطبقي المسيطر، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن هذه الحركات لا تؤمن ~~بحقوق الإنسان ولا يمكنها أن تخدم القيم الكونية الكبرى التي كرستها الحداثة ~~الغربية، ناهيك عن إخضاع المسئولين السياسيين للمحاسبة: فهل خضع رأسماليو ~~الإخوان للمحاسبة يوما: الشاطر وأذنابه؟ # تعرج بن حبيب على الدور الرئيسي الذي لعبته وسائل الإعلام الجديدة العابرة ~~للحدود، والتي تمنح للأفراد هامشا من الحرية وسرعة في التواصل والتنسيق ~~والتعبئة: الفايسبوك والتويتر. وهي لا تشك في أنها وسائل توجيهية من القوى ~~الغربية، وإنما وسائل لعب شباب ثائر بدوره دورا هاما في الحراك باعتباره ~~مساهما من جهته في تلك التمردات، وتقدم نموذجا بوائل غنيم الذي يجسد «حالة ~~خاصة في هذا الانفتاح العالمي حينما صرح: «سوف أصافح مارك زوكربورج حينما ألتقي ~~به!» وكان يعلم دون مواربة أن مارك زوكربورج يهودي! وماذا بعد؟» # هل تمثل إيران نموذجا لمصر وتونس بالمقارنة مع النموذج التركي ~~والماليزي؟ # تصرح بن حبيب أن: «لا أحد على ما يبدو قادر على تقليد النموذج الإيراني، ~~ونظرا للاختلافات بين دور اللاهوتي-السياسي للدين الشيعي وبين الدور ~~اللاهوتي-السياسي للدين السني، فليس يمكن أن تتبع مصر أو تونس النموذج ~~الإيراني. ولكن يمكن أن ms63 تشكل ماليزيا (مجتمع مسلم استبدادي ومنغلق، حيث تجد ~~المرأة والفضاء العمومي متحكما فيه) وتركيا (مجتمع متعدد ويتبنى ديمقراطية ~~حية من طرف أحزاب سياسية متعددة، وغالبية مسلمة وتاريخها الخاص من استبداد ~~الدولة) نموذجا لهذه البلدان»؛ ف «الروابط التاريخية بين تركيا وبلدان من قبيل ~~تونس ومصر (وليبيا أيضا) تعود إلى الحقبة العثمانية؛ حيث نجد أسماء النخب ~~والمدن التركية حاضرة بعمق وعلى نطاق واسع. ولقد أشاد الشباب المصري كثيرا ~~بالنموذج التركي». # تختم بن حبيب مقالها الثاقب النظر باستلهامها لروح هيجل من جديد معلنة أنها ~~ستحذو حذوه، وسترفع كأس شرف الشباب الثائر كل يوم 11 فبراير، كما فعل هيجل ~~حينما قرر أن يرفع كأسه للاحتفال بثوار فرنسا كل 14 يوليوز يوم اقتحام سجن ~~الباستيل. ~~(3-3) موقف بن حبيب من تركيا وأوروبا # تتميز تحليلات الفيلسوفة سيلا بن حبيب بمواقفها النقدية الجريئة من القضايا ~~المعاصرة التي تهم ملايين الشعوب، وباعتبارها من أصول تركية فلم تتوان عن تحليل ~~الوضع العام بتركيا محاولة تقديم عناصر حلول لمجمل المشاكل التي تهم الشعب التركي. ~~فرغم عيشها في أمريكا كواحدة من أبرز فلاسفة العصر فإن تركيا بلدها الأصل تظل في ~~قلبها حاضرة دوما. هكذا قدمت رأيها كاشتراكية ديمقراطية تؤمن بإمكانية التغيير ~~والإصلاح في بلدها عكس ما تروج له بعض الأقلام النسوية المسخرة في خدمة ~~السياسة الخارجية الأمريكية. ولا ينبغي أن يفاجئنا موقفها من حزب العدالة والتنمية ~~الحاكم اليوم في تركيا، حيث أكدت أن تجربة هذا الحزب جديدة ويمكنه أن يقدم نموذجا ~~جديدا مستفيدا من التركيبة التعددية للمجتمع التركي. ورغم ذلك تتوجس بالحذر ~~الكبير تجاه هذا الحزب، الذي ينبغي في نظرها مراقبته عن قرب وتقدير المسافات بعدا ~~عنه، فهي لا تؤمن أن الحزب الحاكم قادر على إرساء نظام أوثوقراطي في تركيا؛ لأن ذلك ~~غير ممكن، ولكنها لا تستبعد أن قاعدة هذا الحزب تؤمن بإمكانية قيام الدولة الدينية، ~~وتحاج على ذلك بكون الاشتراكيين الديمقراطيين لا يمكنهم بحكم تاريخهم مع القمع ~~والاضطهاد الذي مارسه الجيش في حقهم، لا يمكنهم أن يقبلوا عودة الجيش والمؤسسة ms64 ~~العسكرية إلى معترك السياسة. ~~(أ) تركيا والإسلام وساركوزي وأوروبا # 55 # في حوارها مع دانييل ~~كاستيلاني بيريللي # Daniele Castellani Perelli # ترى سيلا بن حبيب، أن حضور الإسلام في ~~الفضاء العام لا يتعلق بالضرورة بزيادة التدين في صفوف الساكنة - ولو تغير ~~مستوى الرؤية - وأن ما نشاهده هو ظاهرة عالمية حولت الإسلام، ف «الإسلام الذي ~~واجهه أتاتورك هو إسلام الخلافة»، أما السلطان في إمارة عثمان، فكان خليفة ~~لجماعة مسلمة سنية (فيما يشبه البابا عند الكاثوليكيين). ومع انهيار ~~الإمبراطورية العثمانية، فقد السلاطين هذه الوظيفة وهذه الصفة، والتي تحولت ~~في مصر مع «شيخ الإسلام»، الزعيم الديني الرئيسي للمسلمين السنيين. ويمثل هذا ~~النوع من الإسلام خليطا من المذاهب الدينية والتسيير السياسي. # تقرب أتاتورك من المؤسسات التعليمية غير العلمانية؛ بحيث كانت كل تلك ~~المؤسسات - أو على الأقل معظمها - في ظل النظام الإمبراطوري في قبضة التنظيمات ~~الدينية، كما كانت هناك «خلايا» تنظيمات سرية داخل أجهزة الدولة. ويجب التمييز ~~بين هذا النوع من دين الدولة وبين الدين التقليدي لعامة الناس؛ فالفلاحون على ~~سبيل المثال لهم أشكالهم الخاصة في التدين، وما كان يواجه أتاتورك هو هذا ~~الزواج بين الدين والإمبراطورية. أما ما يحدث اليوم فهو عودة/يقظة الإسلام ~~عالميا والتي ساهمت فيها آثار العولمة وأزمة الدولة-الأمة. # يعاب على تركيا كما هو الحال في معظم الدول الإسلامية ، غياب العديد من ~~القضايا الهامة في النقاش العمومي؛ فالجنين لا يعتبر شخصا من وجهة نظر الإسلام ~~كما هو الشأن بالنسبة لليهودية، وهذا ما يدفع بالدول الإسلامية إلى تغييب ~~النقاش العمومي حول الإجهاض؛ لأن صحة الأم توضع في المقام الأول. في حين أن ~~مسالة صورة المرأة في الفضاء العمومي، تثير النقاش أكثر وعلى الأخص «حجاب ~~المرأة»، بل وتستغل هذه الصورة في الفعل السياسي (ظهور زوجة رجب أردوغان مرتدية ~~الحجاب بعد توليه رئاسة تركيا). ~~(ب) الفعل السياسي في تركيا # تحلل بن حبيب بنية الفعل السياسي التركي لما يقارب نصف قرن، معتبرة أن ~~حزب الشعب الجمهوري ~~(CHP) # هو الحزب القديم ~~لكمال أتاتورك ويمثل مصالح الجيش، والموظفين العموميين، وموظفي ms65 القضاء ~~والمدرسين، أي مجموع القوى العلمانية التي بنت الجمهورية التركية. ويمثل ~~أسلوبهم السياسي نوعا من اليعقوبية؛ ليس لأنهم ثوريون، وإنما لأنهم يؤمنون أن ~~الدولة هي كل شيء، أن الجمهورية هي كل شيء، وأن الفرد لا يعني شيئا. ويشعرون ~~اليوم أنهم مهددون جدا، وبأنهم سيصيرون مهمشين. في أواخر الخمسينيات، بدأت ~~الهوة الأولى بين ممثلي حزب الشعب الجمهوري بظهور فئات متوسطة صناعية ومالية ~~انتهت بولادة الحزب الديمقراطي؛ لذلك تنافست هذه النخبة البيروقراطية العسكرية ~~والمدنية مع البرجوازية الأصلية - طبقة رأسمالية - والتي ولجت بعض السلط خلال ~~الازدهار الاقتصادي بعد الحرب، دون الاعتماد على الدولة. # أما حزب العدالة والتنمية ~~(AKP) # فتشكل بظهور ~~طبقة متوسطة جديدة أصلية من أصول شعبية في الأناضول، متمثلة في مالكي محلات ~~السيارات، ومديري الأسواق الممتازة، ومالكي الفنادق ومستثمرين في السياحة ... ~~إنها طبقة برجوازية صغيرة شكلت قاعدة هذا الحزب (ح ع ~~ت # AKP ~~). لا يتعلق الأمر ببرجوازية صناعية أو مالية، وإنما بفئة ~~تجارية (ميركانتيلية) تحمل قيم طبقة متوسطة معادية لليسار، ومناهضة جدا ~~للشيوعية، أشخاص يؤمنون بالملكية الخاصة. # كانت هذه البرجوازية الجديدة الأناضولية إلى حدود الأمس القريب مبعدة ~~تماما من السياسة التركية، وتميل إلى تفويض تمثيليتها للنخب، أي إلى ~~البرجوازية الكبيرة الصناعية بإسطنبول أو إلى الجيش، إلا أنها اليوم صارت تمتلك ~~صوتا سياسيا؛ فمع التطور العام لتركيا رفضت أن تكون مجرد ديكور خلفي وشرعت ~~في الاندماج الاقتصادي. إنها أساس وقاعدة حزب العدالة والتنمية. # وفي ردها على أيان هيرسي ~~علي # Ayaan Hirsi Ali # 56 # التي تتحدث عن إمكانية صعود نظام أوثوقراطي (دولة دينية) أو ~~فاشي في تركيا، تؤكد بن حبيب أنه «لا يوجد أي خطر في تركيا لصعود ~~الأوثوقراطية الإسلامية. وأستطيع أن أؤكد لكم أنه ستكون هناك حرب أهلية قبل ~~صعود الأوثوقراطية. وفي جميع الحالات، لا أظن أن حزب العدالة والتنمية يأمل في ~~إرساء الدولة الدينية. وهم الآن في الطريق نحو تعزيز تجربة جديدة غير مسبوقة، ~~ومما لا شك فيه أنه لم يترقب أي اشتراكي ديمقراطي مثلي - بحذر كبير - دعم ~~ومراقبة تجربة حزب مثل ms66 حزب العدالة والتنمية.» ورغم ثقتها في هذا الحزب الذي ~~تأمل أن يدشن تجربة سياسية جديدة فإنها تدعو إلى «مراقبته بحذر ~~كبير». # وتعتبر بن حبيب أن خطاب أيان علي هو خطاب صدامي «يستند على النظر إلى ~~الإسلام باعتباره في مجموعه خطابا أرثوذوكسيا متجانسا يرفض إمكانية إنجاز ~~أي إصلاح أو تغيير؛ خطابا يروج من الخارج لرؤية ديمقراطية ليبرالية ~~مثالية لا تقبل النقد». # 57 ~~(ج) ساركوزي وانضمام تركيا للاتحاد الأوروبي # أعلن ساركوزي في وقت سابق أن تركيا غير مؤهلة للانضمام إلى الاتحاد ~~الأوروبي، وهو الإعلان الذي أثار اهتمام الفيلسوفة رافضة إياه بكون العلاقات ~~بين تركيا والاتحاد الأوروبي ليست جديدة، بل تعود إلى 1957-1958 خلال التوقيع ~~على اتفاقيات أنقرة. ومعتبرة أن ساركوزي يحاول تقديم حجج ثقافية لا تبرر قط ~~الموقف السياسي، وتطالبه باحترام معايير كوبنهاغن. أما مسألة الإسلام فإن تركيا ~~لا تعني فرنسا قط؛ لذلك يعتبر خطابه رسالة موجهة لبلدان المغرب الكبير وليست ~~إلى تركيا؛ لأن عدد العمال المهاجرين الترك إلى فرنسا لا يتجاوز 800 ألف (وهم ~~أكثر عددا في كل من ألمانيا وهولندا). ورغم ذلك ترى بن حبيب أن تركيا ليست ~~مثالية البتة بل إن لها مشاكلها الخاصة التي يجب أن تعالجها من قبيل الاغتيال ~~(مثل اغتيال الصحفي الأرميني هرانت ~~دينك # Hrant Dink # واضطهاد الروائي أورهان ~~باموك # Orhan Pamuk ~~) وعيوب القانون الجنائي وخاصة المادة 301 التي تعتبر ~~أن إهانة تركيا، أو الهوية الوطنية التركية جريمة؛ فهذه المادة يجب أن تختفي ~~في نظرها. # لذلك فإن المشروع الأوروبي «من وجهة نظر طوباوية - وجهة نظر تروق لي كمفكرة ~~سياسية وأحيانا كفيلسوفة سياسية - يمكن أن ينظر إليه كنموذج فيدرالي ~~كوسموبوليتي/كوني، كبنية حكم فيدرالية ناشئة. ومن وجهة النظر هاته، يمكن ~~النظر إلى الاتحاد الأوروبي كنواة يمكن أن تتبعه دول أخرى أو تقلده. يتعلق ~~الأمر بما في الكلمة من معنى، بمشروع طوباوي، ذي طموح مثالي ... وسيكون موضوع ~~تفكيرنا. ولكن على المستوى المؤسساتي والإداري، فإن لامتداد الاتحاد الأوروبي ~~حدودا مرتبطة بسلسلة من المعايير. وأنا مقتنعة من وجهة نظر تاريخية ~~واقتصادية ms67 وبنيوية أن تركيا استجابت لهذه المعايير الأوروبية منذ زمن طويل ~~وبشكل جوهري أكثر من المغرب على سبيل المثال». # 58 # | المراجع والمصادر # (1) # Quelle solution pour Israël? # vendredi 10 avril 2009, # Seyla ~~Benhabib # Traduit de l’anglais par Joseph MONTCHAMP-Lyon, voir le lien ~~suivante: # http://www.pressefederaliste.eu/Quelle-solution-pour-Israel ~~. ~~(2) # Romain Felli: “Démo-a-cratie participative, territoire et ~~autonomie”, in: # entpe.francelink.net/sites/default/files/Documents/.../Felli_Romain.doc ~~. ~~(3) # The Rights of Others. Aliens, ~~Residents and Citizens ~~(Cambridge University Press, ~~2004) ~~. ~~(4) # Another Cosmopolitanism ( # Oxford ~~University Press 2006 ~~) ~~. ~~(5) # Critique, Norm and Utopia. A Study of the Normative ~~Foundations of Critical Theory (1986) ~~. ~~(6) # The Claims of Culture: Equality and Diversity in the Global ~~Era ~~. ~~(7) # Nancy Fraser: qu’est-ce que la justice sociale? traduction: ~~Estelle Ferrarese, la découverte, Paris, 2011 ~~. ~~(8) # N. Fraser: le féminisme on mouvements: des années 1960 à ~~l’ère néolibérale, traduction: Estelle Ferrarese, la découverte, Paris, ~~2012. (le cas de Habermas et du genre) ~~. ~~(1) # موقع سيلا بن حبيب بجامعة يال، انظر الرابط: # http://philosophy.yale.edu/benhabib ~~. ~~(2) # سيلا بن حبيب: «من كانط إلى هابرماس هل يمكن الجمع بين الكوسموبوليتية ~~والديمقراطية ...» ترجمة: رشيد بوطيب، حقوق النشر: معهد جوته فكر وفن، يونيو (حزيران) 2012. ~~(3) ~~«في التعددية والديمقراطية الكونية»، حوار أجراه مريانو كروز مع سيلا بن ~~حبيب، ترجمة نبيل محمد صغير، منشور ضمن الكتاب الجماعي الصادر عن الرابطة ~~العربية الأكاديمية للفلسفة: «مدرسة فرانكفورت النقدية: جدل التحرر والتواصل ~~والاعتراف»، ابن الندين ودار الروافد، الطبعة الأولى. ~~(4) # جلبير الأشقر: «الشعب يريد: بحث جذري في الانتفاضة العربية»، ترجمة، عمر ~~الشافعي، دار الساقي، بيروت-لبنان، الطبعة الثانية 2014. ~~(5) # حوار مشترك مع الفيلسوف أرشيبيكي والفيلسوفة سيلا بن حبيب، ترجمة نور الدين ~~علوش، مؤسسة مؤمنون بلا حدود، الرباط. انظر موقع المؤسسة: # http://www.mominoun.com ~~. ~~(6) # الحوار بين سيلا بن حبيب وكارين ~~واهل جورجنسون # Karin Wahl-Jorgensen # حول الفضاء العمومي، التداول، الصحافة ~~والكرامة، بتاريخ 4 غشت 2008. المصدر: # http://www.resetdoc.org/story/00000000965 ~~. ~~(7) # سيلا بن حبيب: «الربيع العربي: الدين، الثورة والفضاء العمومي»، تم نشر ~~النسخة الأصلية من هذا النص باللغة الإنجليزية في 24 فبراير 2011 على الموقع: # Transformations of the Public Sphere. # http://publicsphere.ssrc.org/ ~~. # رابط المقال النسخة الانجليزية: # http://publicsphere.ssrc.org/benhabib-the-arab-spring-religion- revolution-and-the-public-square/ ~~. ~~الترجمة الفرنسية بقلم: ms68 شارل ~~جيرار # Charles Girard ~~. ~~(8) # حوار سيلا بن حبيب على موقع مجلة الحركات بتاريخ 7 سبتمبر 2007. # http://www.mouvements.info/ ~~. # رابط المقال: # http://www.mouvements.info/La-Turquie-l-islam-Sarkozy-et-l.html ~~. # | الباحثة سيلا بن حبيب وتأملات في الربيع العربي # (1) تقديم للترجمة: موقف سيلا بن حبيب من الربيع العربي # ما هو موقف سيلا بن حبيب من الربيع العربي؟ كيف نظرت إلى انتفاضات الربيع العربي؟ هل ~~كانت تعتقد أن تمرد الشباب في مصر وتونس والبحرين وليبيا يمثل موجة جديدة من ~~النضالات؟ ما موقفها من الإخوان المسلمين؟ وهل كانت متخوفة من صعود الأصولية ~~الإسلامية إلى هرم السلطة؟ ما هي قراءتها للحركات الإسلامية التي تجتاح العالم العربي ~~والإسلامي على حد سواء؟ هل كانت تقف إلى جانب تخوفات الغرب من الحركات الجماهيرية ~~المتفجرة؟ # خصصت سيلا بن حبيب لثورات الربيع العربي مقالا تحليليا لانتفاضات مصر وتونس ~~وللموجة التي اجتاحت البلدان العربية بمجرد الانتصارات الأولى للثوار الشباب، وتحديدا ~~يوم 24 فبراير 2011، وترجمها بعد أسبوعين شارل جيرار إلى الفرنسية، وهو مقال جدير ~~بالاهتمام؛ فهو أولا: مقال ينصف الشباب المتمرد بهذه البلدان، وثانيا: هو ~~مقال يعيد النظر في الموقف الغربي وتحديدا موقف النخب والمعلقين والمتخصصين في ~~شئون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أي أولئك الذين يكرسون العداء لهذه الشعوب بدعوى ~~أن موجة التمرد تلك تحمل نسيم الحركات الإسلاموية بكل أطيافها، في سبيل توجيه الرأي ~~العام الغربي نحو اتخاذ مسافة من هذه التمردات، وثالثا: فالمقال ثاقب النظر، يضع ~~الأصبع على الجراح، ويحاول أن يضع الربيع العربي في سياقه التاريخي والسياسي. # وجوابا عن التساؤلات المطروحة في هذه المقدمة، نقدم هنا ترجمة للنص الإنكليزي إلى ~~اللغة العربية. ~~(2) النص المترجم - الربيع العربي: الدين والثورة والفضاء العمومي # 1 ~~(الحرية عظيمة، مغامرة كبيرة، ولكنها لا تخلو من مخاطر ... فالمخاطر مفتوحة على ~~اللامتوقع). # فتحي بن الحاج يحيى، كاتب تونسي ومعتقل سياسي سابق، نيويورك تايمز، 21 فبراير (شباط) 2011. # لقد أسرت الحشود الشجاعة في العالم العربي من تونس إلى ميدان التحرير، في اليمن ~~والبحرين، وحاليا ببنغازي وطرابلس؛ قلوبنا وفكرنا. لم ينته بعد شتاء الاستياء ~~والسخط في أمريكا وأوروبا، ولم يقتنص الربيع ms69 العربي الرياح الباردة التي أتت بها ~~هجمات السياسيين المحافظين في الولايات المتحدة ضد الفقراء، كما يقتنص استمرار صعود ~~المحافظين من القوميين الجدد في ألمانيا وفي فرنسا، حيث تفرض هذه الدول سياسات تقشف ~~على كل أجراء الاتحاد الأوروبي. # ورغم ذلك فبذور جديدة من المقاومة تنامت في هذه التربة المجمدة، وحتى في بعض ~~الولايات الأمريكية؛ ففي ماديسون في ولاية ويسكنسون يناضل الأجراء كي لا يفقدوا حقوقهم ~~الجماعية في التفاوض، وقد دخلت مقاومتهم في الأسبوع الثاني، كما تجري نفس الجهود في ~~إنديانا وأوهايو وفي ولايات أخرى، يحمل متظاهر مصري لافتة كتب عليها: «مصر تدعم ~~عمال ويسكنسون: عالم واحد، نفس المعاناة». وأحد مواطني ولاية ويسكنسون يجيب: «إننا ~~نحبكم. شكرا على دعمكم وهنيئا لكم نصركم!» # يناضل المتظاهرون في ويسكنسون والثوار التونسيون والمصريون، بطبيعة الحال، لأهداف ~~مختلفة؛ في المقام الأول ضد إذلال المواطنين وتحويلهم إلى أفراد خصوصيين منصاعين ~~ويائسين من ويلات الرأسمالية المالية الأمريكية والعالمية خلال العقدين الأخيرين، كما ~~يناضل الثوار العرب، من أجل الحريات الديمقراطية، ومن أجل فضاء عمومي مفتوح، ومن أجل ~~الانخراط في العالم المعاصر بعد عقود من العزلة والكذب والخداع. ومع ذلك وفي الحالتين، ~~تبزغ الآمال في الانتقال؛ فالأنظمة السياسية والاقتصادية صارت هشة، وقابلة ~~للتغيير! # نعلم أن ربيع الثورات، ستعقبه غضبات الصيف وانهيار ثلوج الشتاء؛ فعلى الأقل منذ ~~تحليل هيجل لتمرد الجماهير الفرنسية في كتابه «فينومينولوجيا الروح» عام 1807، بات ~~شائعا الاعتقاد بأن الثورة ستلتهم أبناءها. وهكذا أعلنت هيلاري كلينتون تحذيرات منذ ~~الأيام الأولى من الانتفاضة المصرية، كما عبر بعض المحللين عن غياب ثقتهم في قدرة ~~الشعوب العربية على ممارسة الديمقراطية، مبتهجين حاليا عند رؤيتهم للعلامات الأولى ~~للصراع بين المجموعات الدينية والعلمانية في مصر وتونس. # وإلى عهد قريب جدا، كثيرا ما سمعت أن الخيارات السياسية، ليس في العالم ~~العربي فقط، وإنما في العالم الإسلامي ككل، هي ثلاث: ~~(1) # الأنظمة الاستبدادية الفاسدة التي ترسيها الانقلابات العسكرية: كما هو ~~الحال في مصر وليبيا، أو السلالات الملكية التي تشتري ولاءها بثروتها، كما ~~هو الحال في المملكة العربية السعودية ms70 والمملكة الأردنية الهاشمية. ~~(2) ~~«الأصولية الإسلامية»: التي تخفي عمدا الخلافات التاريخية والسياسية ~~بين المجموعات المختلفة، في ظل الأنظمة أو فيما بينها. ~~(3) # إرهاب «القاعدة»: الذي يوضع في نفس سلة «الأصولية الإسلامية». # تعود بطبيعة الحال أصول «القاعدة» تاريخيا إلى المملكة العربية السعودية، حيث ~~ولد أسامة بن لادن، وعدد كبير من مفكري الإخوان المسلمين الموالين للقاعدة بمصر، ~~كسيد قطب مثلا؛ فمن المعروف أن الزعيم الثاني للقاعدة هو الطبيب المصري أيمن ~~الظواهري. # لا أحد من المعلقين والمتتبعين ترقب بروز حركة المقاومة الشعبية الديمقراطية، ~~ولا أحد تحدث في عمقها بالمعنى السياسي؛ فمع أن هذه الحركة قد تبدو أحيانا على شكل ~~تقوى/ورع، ولكنها ليست بحركة متعصبة، وهو تمييز هام يتم تجاهله باستمرار. فكما ~~تلقى أتباع مارتين لوثر تربيتهم في كنائس السود بأمريكا الجنوبية، وأطلقوا قوتهم ~~الروحية في هذه المجتمعات، فإن حشود تونس ومصر وخارجهما، تربوا على التقاليد ~~الإسلامية من قبيل الشهادة؛ فأن تصير شهيدا فهذا قدر إلهي! وليس هناك من تناقض ~~ضروري بين الإيمان الديني لعدد كبير من المتظاهرين في الحركات الثائرة في تونس ومصر ~~وبين تطلعاتها الحديثة! # بأي معنى يمكن اعتبار هذه الحركات حديثة؟ إنها كذلك أولا وقبل كل شيء لأنها ~~تسعى وراء إصلاح دستوري، وضمان حقوق الإنسان، وضمان المزيد من الشفافية والمسئولية من ~~قبل المسئولين السياسيين، ووضع حد لرأسمالية المحاسيب، # 2 # وللنخب الفاسدة - كعائلة القذافي القاتلة في ليبيا - التي نهبت بلدانها ~~بتواطؤ مع شركات البترول الأجنبية، وخصخصت مواردها الثمينة كما هو الحال في مصر. ~~فشباب هذه البلدان درسوا وعملوا في أوروبا وأستراليا وكندا والولايات المتحدة ~~الأمريكية، حيث أبناء عمومتهم وآباؤهم يعملون كمهاجرين في هذه البلدان، ويعرفون ماذا ~~يقع خارج بلدان الخليج الغنية، وقد تمردوا لمواكبة العالم المعاصر ولا يريدون السكوت ~~على وضعهم. # كشفت وسائل الإعلام العابرة للحدود الأكاذيب التي تبثها وسائل الإعلام الرسمية ~~لسنوات، وقد دار الحديث كثيرا عن المساهمة الكبيرة التي لعبتها وسائل الإعلام الجديدة ~~مثل «فيسبوك» و«تويتر» في هذه الثورات. وهذا صحيح بالتأكيد؛ فوائل غنيم الذي يدير ~~«جوجل» بمصر، يمثل حالة خاصة في ms71 هذا الانفتاح العالمي حينما صرح: (سوف أصافح مارك ~~زوكربورج حينما ألتقي به!) وكان يعلم دون مواربة أن مارك زوكربورج يهودي! وماذا ~~بعد؟ # ما هي إذن الإمكانات المؤسسية: ماليزيا، أم تركيا، أم إيران؟ لا أحد على ما يبدو ~~قادر على تقليد النموذج الإيراني؛ ونظرا للاختلافات بين دور اللاهوتي/السياسي المذهبي ~~الشيعي أو السني، فلا يمكن أن تتبع مصر أو تونس النموذج الإيراني. ويمكن أن تشكل ~~ماليزيا مجتمعا مسلما استبداديا ومنغلقا، حيث يتم التحكم في المرأة والفضاء ~~العمومي. # أما تركيا فمجتمع متعدد ويتبنى ديمقراطية حية من طرف أحزاب سياسية متعددة، ~~وغالبية مسلمة، فضلا عن تاريخها الخاص من استبداد الدولة؛ فالروابط التاريخية بين ~~تركيا وبلدان من قبيل تونس ومصر وليبيا أيضا، تعود الى الحقبة العثمانية، حيث نجد ~~أسماء النخب والمدن التركية حاضرة بعمق وعلى نطاق واسع. ولقد أشاد الشباب المصري ~~كثيرا بالنموذج التركي. # من الممكن جدا أن يفاجئ الشبان الثائرون العالم بفضل براعتهم وانضباطهم ~~ومثابرتهم وشجاعتهم، ويمكن في المستقبل أن نستفيد من دروسهم حول الدين والفضاء العمومي، ~~الديمقراطية والإيمان، وكذلك حول دور الجيش. # أخيرا، رغم تشاؤمه من الثورة الفرنسية، لم يتوان هيجل في رفع كأسه للاحتفال بثوار ~~فرنسا كل 14 يوليو (تموز)، يوم اقتحام سجن الباستيل. وها نحن نحذو حذوه برفع كأس على شرف ~~الشباب الثائر كل 11 فبراير (شباط)، مبروك، وهنيئا. ~~(3) تركيا والإسلام وساركوزي وأوروبا # بقلم سيلا بن حبيب. # حاورها دانييل كاستيلاني ~~بيريللي # Daniele Castellani Perelli ~~. ~~(3-1) توطئة # تتميز تحليلات الفيلسوفة سيلا بن حبيب بمواقفها النقدية الجريئة من القضايا ~~المعاصرة التي تهم ملايين الشعوب، وباعتبارها من أصول تركية فلم تتوان عن تحليل ~~الوضع العام بتركيا، محاولة تقديم عناصر حلول لمجمل المشاكل التي تهم الشعب ~~التركي. فرغم عيشها في أمريكا كواحدة من أبرز فلاسفة العصر فإن تركيا بلدها الأصل ~~تظل حاضرة في قلبها دوما. هكذا قدمت رأيها كاشتراكية ديمقراطية تؤمن بإمكانية ~~التغيير والإصلاح في بلدها، عكس ما تروج له بعض الأقلام النسوية المسخرة في خدمة ~~السياسة الخارجية الأمريكية. ولا ينبغي أن يفاجئنا موقفها من ms72 حزب العدالة والتنمية ~~الحاكم في تركيا، حيث أكدت أن تجربة هذا الحزب جديدة، ويمكنه أن يقدم نموذجا ~~جديدا، مستفيدا من التركيبة التعددية للمجتمع التركي. ورغم ذلك تتوجس بالحذر ~~الكبير تجاه هذا الحزب، الذي ينبغي في نظرها مراقبته عن قرب، وتقدير المسافات ~~بعدا عنه؛ فهي لا تؤمن أن الحزب الحاكم قادر على إرساء نظام أثوقراطي في تركيا؛ ~~لأن ذلك غير ممكن، ولكنها لا تستبعد أن قاعدة هذا الحزب تؤمن بإمكانية قيام الدولة ~~الدينية. وتحاج على ذلك بكون الاشتراكيين الديمقراطيين لا يمكنهم بحكم تاريخهم مع ~~القمع والاضطهاد الذي مارسه الجيش في حقهم، لا يمكن أن يقبلوا عودة الجيش والمؤسسة ~~العسكرية إلى معترك السياسة. # ننشر هنا مقابلة مع الجامعية سيلا بن حبيب 7 سبتمبر 2007: لا يلعب الدين في تركيا ~~أي دور هام جدا كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية. بمناسبة انضمام عبد الله كول إلى رئاسة تركيا. # 3 ~~(3-2) نص الحوار # حاورها دانييل كاستيلاني ~~بيريللي # Daniele Castellani Perelli ~~. # دانييل ك. ب ~~: # كانت تركيا في الأشهر الأخيرة مسرحا لاحتجاجات قوية ضد ترشح وزير الشئون ~~الخارجية ذي الأصول الإسلامية عبد الله كول للانتخابات الرئاسية. هل ترين ~~أن المخاوف التي حركت هذه الاحتجاجات مبررة؟ # س ب ~~: # لا أعتقد أن عبد الله كول قادر على تغيير شكل الدولة التركية، ولا على ~~التخلي عن علمانية الدولة. قلق الناس من جراء ارتداء زوجته للحجاب ~~الإسلامي، مما يشير على الأقل إلى تحول رمزي، على جسر عبور من العلمانية ~~(النسخة التركية للفصل الصارم بين الدين والدولة)، نحو شكل من قانون ~~إسلامي. لا أعتقد شخصيا، أن عبد الله كول ليس شيئا آخر غير شخص معتدل، ~~كما لا أعتقد أن حزب العدالة والتنمية # AKP # قادر على تحويل تركيا إلى بلد إسلامي. # ومن المرجح أن بعض أعضاء هذا الحزب يزرعون هذا النوع من الوهم ~~والأهداف، ولكن هذه المخاوف تجاه كول غير مبررة. ومنذ سنوات عديدة تكثف ~~الصراع بين علمانيي الحزب الديمقراطي ~~الشعبي # CHP # وإسلامويي حزب العدالة والتنمية. إنها توترات خيمت ~~على قضية انتخابات ms73 رئيس الجمهورية، القمة الرمزية للدولة. ومن نواح عديدة، ~~أجد أنه من الإيجابي مجابهة هذه القضية علنا: إلى أي حد يمكن للمشروع ~~الإسلامي أن يذهب بعيدا في تركيا؟ # د. ك. ب ~~: # هل تركيا اليوم متدينة أكثر من سنوات الستينيات لما كنت صغيرة؟ # س. ب ~~: # لا أعتقد ذلك. ما حصل في الواقع هو أن التدين بان أكثر في الفضاء العمومي ~~ويعبر عنه بشكل منفتح. النموذج الذي كبرت فيه - بحسب النموذج الذي وضعه ~~أتاتورك - يعتبر الدين شأنا خاصا، أي إن الدين مقصي من النظام ~~التعليمي ومن الفضاء العمومي، ومن السياسة أولا وبطبيعة الحال. لقد تغيرت ~~هذه الوضعية بشكل جذري، وخاصة مع بداية الثمانينيات؛ حيث بدأت الأمور ~~تتغير شيئا فشيئا. ومما لا شك فيه أن هناك انتعاشة عالمية للتعبدات ~~الإسلامية. ولا أعتقد شخصيا أن حضور الإسلام في الفضاء العام يتعلق ~~بالضرورة بزيادة التدين في صفوف الساكنة؛ إن ما تغير هو مستوى ~~الرؤية. # د. ك. ب ~~: # ألا تشكل سرعة وعنف سياسات أتاتورك تجاه الدين سببا غير بعيد في عودة ~~الإسلام إلى الفضاء العمومي؟ # س. ب ~~: # جيد، تحدث هربرت ماركيوز عن «عودة المكبوت». ليس بعيدا تفسير عودة ~~الإسلام في تركيا بعودة المكبوت. ولكن لا أظن أن هذا ينطبق على الموضوع؛ ~~لأن ما نشاهده هو ظاهرة عالمية حولت الإسلام. فالإسلام الذي واجهه ~~أتاتورك هو إسلام الخلافة؛ فالسلطان في إمارة عثمان، كان خليفة لجماعة ~~مسلمة سنية (فيما يشبه البابا عند الكاثوليكيين). ومع انهيار الإمبراطورية ~~العثمانية، فقد السلاطين هذه الوظيفة وهذه الصفة، والتي تحولت فيما أعتقد ~~في مصر إلى «شيخ الإسلام»، الزعيم الديني الرئيسي للمسلمين السنيين. # يمثل هذا النوع من الإسلام خليطا من المذاهب الدينية والتسيير السياسي. ~~تقرب أتاتورك من المؤسسات التعليمية غير العلمانية. بحيث كانت كل تلك ~~المؤسسات - أو على الأقل معظمها - في ظل النظام الإمبراطوري في قبضة ~~التنظيمات الدينية، كما كانت هناك خلايا تنظيمات سرية داخل أجهزة ~~الدولة. # ويجب التمييز بين هذا النوع من دين الدولة وبين الدين التقليدي لعامة ~~الناس. فالفلاحون على سبيل المثال لهم أشكالهم ms74 الخاصة في التدين، وما كان ~~يواجه أتاتورك هو هذا الزواج بين الدين والإمبراطورية. أما ما يحدث اليوم ~~فهو عودة/يقظة الإسلام عالميا، التي ساهمت فيها آثار العولمة وأزمة ~~الدولة-الأمة. # د. ك. ب ~~: # هل يمكننا أيضا الحديث عن عودة الدين في العالم الغربي؟ اهتجس المعلقون ~~الغربيون بنوع التدين المؤثر في السياسة التركية، ولكن هل يلعب الدين حقا ~~دورا هاما جدا في تركيا بالمقارنة مع إيطاليا والولايات المتحدة ~~الأمريكية؟ # س. ب ~~: # لا أعتقد ذلك؛ فإذا ذهبنا إلى عمق الأشياء، فالسياسة الأمريكية تعمق ~~التدين الرمزي أكثر من أي بلد آخر في العالم. فلنأخذ الإجهاض كمثال هام ~~جدا. فليس هناك أي نقاش في تركيا حول الإجهاض # l’IVG ~~، يرجع هذا الأمر ببساطة إلى الموقف اللاهوتي ~~المختلف تماما؛ فالإسلام، كما هو الحال بالنسبة لليهودية، على عكس ~~الكاثوليكية، لا يعتبر الجنين شخصا. ولا أعرف الشيء الكثير عن الأديان ~~الأخرى، ولكن في الإسلام واليهودية، تأتي قضية الإجهاض في المقام الأخير ~~بعد الحفاظ على صحة الأم، وهو السبب في غياب أي نقاش حول هذا الموضوع في ~~تركيا. # وما يثير النقاش أكثر هو مسألة صورة المرأة في الفضاء العمومي؛ حيث الجدل ~~هو حجاب المرأة، الذي يعتبر موضوعا هاما. كما أن هناك نقاشا حول تكوين ~~رجال الدين ومسئولية هذا التكوين؛ ففي تركيا يوجد وزير للشئون الدينية، ~~يعتبر مسئولا عن المدارس التي تكون رجال الدين المسلمين. وهكذا يمكننا ~~القول بمعنى آخر إن الدين لا ينفصل عن الدولة إذا كانت تركيا تتبع النموذج ~~العلماني الفرنسي، أو على الأقل يمكن القول إن الدين الإسلامي لا ينفصل عن ~~الدولة. # للأقليات الدينية - اليهود والنصارى - مؤسساتهم التعليمية الخاصة، أما ~~المسلمون الذين يمثلون الأغلبية فلديهم النظام التعليمي الرسمي. في أمريكا ~~أو في أوروبا تجد قضايا الإجهاض والأبحاث حول الخلايا الجذعية مكانها في ~~الفضاء العمومي. وفي فرنسا بطبيعة الحال، نجد جدلا دائرا حول الحجاب ~~الإسلامي. # إذا كان موضوع ارتداء الحجاب في بعض الأماكن العامة قد أثار النقاش في ~~تركيا، فهناك قضايا أخرى لا تثير المشاكل قدر ما يثيرها التدين. وضمن ms75 هذا ~~المعنى، فمن الصعوبة لكاثوليكي أو بروتستانتي أن يفهم أن الإسلام لا ~~يقدم دوما حلولا أخلاقية أو سياسية محددة لمواجهة هذه القضايا أو تلك ~~المثيرة للجدل. # لا يوجد نقاش إسلامي بخصوص الأبحاث حول الخلايا الجذعية. # د. ك. ب ~~: # وفقا لكم، هل يمثل الصراع بين الحزبين الكبيرين في تركيا صراعا ~~ثقافيا بين العلمانيين والمتدينين، أم أنه مجرد صراع حول السلطة بين ~~نخب سياسية هرمة ونخب ناشئة جديدة؟ # س. ب ~~: # هما معا في حزب الشعب الجمهوري ~~(CHP) # هو الحزب القديم لكمال أتاتورك ويمثل مصالح الجيش، والموظفين العموميين، ~~وموظفي القضاء والمدرسين، أي مجموع القوى العلمانية التي بنت الجمهورية ~~التركية. ويمثل أسلوبهم السياسي نوعا من اليعقوبية؛ ليس لأنهم ثوريون، ~~وإنما لأنهم يؤمنون أن الدولة هي كل شيء، أن الجمهورية هي كل شيء، وأن ~~الفرد لا يعني شيئا. ويشعرون اليوم أنهم مهددون جدا، وبأنهم سيصيرون ~~مهمشين. في أواخر الخمسينيات، بدأت الهوة الأولى بين ممثلي حزب الشعب ~~الجمهوري بظهور فئات متوسطة صناعية ومالية انتهت بولادة الحزب الديمقراطي؛ ~~لذلك تنافست هذه النخبة البيروقراطية العسكرية والمدنية مع البرجوازية ~~الأصلية - طبقة رأسمالية - والتي ولجت بعض السلط خلال الازدهار ~~الاقتصادي بعد الحرب، دون الاعتماد على الدولة. # لقد كان هذا التوجه السائد في سنوات الستينيات، أما اليوم فنحن نشاهد ~~ظهور طبقة متوسطة جديدة أصلية من أصول شعبية في الأناضول. ولكن من هم ~~هؤلاء الأشخاص؟ مالكو محلات السيارات على سبيل المثال، أو مديرو الأسواق ~~الممتازة، مالكو الفنادق ومستثمرون في السياحة ... إنها الطبقة البرجوازية ~~الصغيرة التي تشكل قاعدة حزب العدالة ~~والتنمية ~~(AKP) ~~. لا يتعلق الأمر ببرجوازية صناعية أو مالية، ~~وإنما بفئة تجارية (ميركانتيلية) تحمل قيم طبقة متوسطة معادية لليسار، ~~ومناهضة جدا للشيوعية، أشخاص يؤمنون بالملكية الخاصة، تملك بقعة أرضية ~~ومنزل وسيارة. كانت هذه البرجوازية الجديدة الأناضولية إلى حدود الآن ~~مبعدة تماما من السياسة التركية وتميل إلى تفويض تمثيليتها للنخب، أي إلى ~~البرجوازية الكبيرة الصناعية بإسطنبول أو إلى الجيش. إلا أنها اليوم صارت ~~تمتلك صوتا سياسيا. فمع التطور العام لتركيا رفضت أن تكون مجرد ms76 ديكور ~~خلفي وشرعت في الاندماج الاقتصادي. إنها أساس وقاعدة حزب العدالة ~~والتنمية. # أعلنت المناضلة النسوية الهولندية أيان هيرسي علي # Ayaan Hirsi Ali ~~(صومالية الأصل ومهاجرة اليوم بأمريكا) ~~المناهضة للإسلامويين في تعليق حول الأزمة التركية نشرته بجريدة ~~لوس أنجلس تايمز # Los Angeles Times ~~: ~~«يستغل أنصار الإسلام السياسي من مثل الوزير الأول رجب طيب أردوغان # Recep Tayyip Erdogan # ووزير ~~الشئون الخارجية عبد الله كول وحزبه (حزب العدالة والتنمية)، يستغلون ~~الوسائل الديمقراطية لتقويضها. فبعد فشلهم في ثورتهم الإسلامية 1997 حيث ~~قام الجيش ب «انقلاب قانوني» # putsch légal # ضد الإسلاميين المترشحين، فهم أردوغان وحزبه أن نزعة إصلاحية متطورة ~~يمكن أن تخدم أهدافهم على المدى الطويل. لقد كانوا بالتأكيد على وعي بأن ~~أسلمة كاملة لتركيا ستتم من خلال السيطرة على الجيش وعلى المحكمة ~~الدستورية. # د. ك. ب ~~: # يعرف الإسلاميون كيفية ~~التلاعب # manipuler # ببعض القادة الأوروبيين ذوي النية الحسنة، ولكن ~~من السذاجة الاعتقاد أن الجيش التركي سيخضع للرقابة المدنية، كما هو الحال ~~بالنسبة لجيوش الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. إلا أن الجيش والمحكمة ~~الدستورية يمكن أن تحمي الديمقراطية بتركيا». ماذا تقولين حول هذا ~~الكلام؟ # سيلا بن حبيب ~~(تضحك) ~~: # هذا ليس سؤالا ~~صعبا للغاية. فأيان هيرسي ~~علي # Ayaan Hirsi Ali # تعرف كيف تلعب دورا عموميا مبنيا على النظر إلى ~~الإسلام باعتباره شكلا فاشيا أو أوثوقراطيا. # في الحالة التركية لا تعرف أيان هيرسي ببساطة عماذا تتحدث؟ ولا يمكن أخذ ~~أية ديمقراطية على محمل الجد. ففي المقام الأول، لا يوجد أي خطر في تركيا ~~لصعود الأوثوقراطية الإسلامية. وأستطيع أن أؤكد لكم أنه ستكون هناك حرب ~~أهلية قبل صعود الأوثوقراطية. وفي جميع الحالات، لا أظن أن حزب العدالة ~~والتنمية يأمل في إرساء الدولة الدينية. وهم الآن في الطريق نحو تعزيز ~~تجربة جديدة غير مسبوقة، ومما لا شك فيه أنه لم يترقب أي اشتراكي ديمقراطي ~~مثلي - بحذر كبير - دعم ومراقبة تجربة حزب مثل حزب العدالة والتنمية، ~~إلا أننا مدعوون إلى مراقبتها بحذر كبير؛ لأن حزب العدالة والتنمية يمثل ~~شكلا من تعددية ms77 المجتمع المدني الذي تحتاج إليه تركيا. وبالتالي، لست ~~خائفة من الثيولوجية الإسلامية. وأعتقد أنه لا الشعب التركي ولا حزب ~~العدالة والتنمية يأملان في إقامة الثيولوجيا الإسلامية. كما لا أنكر أن ~~أعضاء من هذا الحزب يحلمون بدولة من هذا النوع، ولكنني لا أظن أن تحقيقها ~~ممكن. منذ خمسين سنة والجيش في تركيا فاعل سياسي، وأن أي شخص اشتراكي ~~ديمقراطي لا يرغب في عودة الجيش إلى الحكم، إلا أذا أنكرنا أو نسينا القمع ~~الذي قام به الجيش التركي؛ فالجيش في تركيا مسئول عن انقلابين: انقلاب ~~1971، وانقلاب 1980. وقد قمع اليسار واضطهده ومهد الطريق لليمين، كما ~~حاول القضاء على الحركة النقابية. # خطاب أيان علي هو خطاب صدامي يستند على النظر إلى الإسلام باعتباره في ~~مجموعه أرثوذوكسية متجانسة ترفض إمكانية إنجاز أي إصلاح أو تغيير، خطاب ~~يروج من الخارج لرؤية ديمقراطية ليبرالية مثالية لا تقبل النقد، ~~وكأنها ليس لديها مشاكلها الخاصة. # قررت أيان علي العمل لصالح معهد الشركة الأمريكية، موالية لواشنطون، ~~وتتدخل سياسيا بواسطتها. وأنا أحترم معاناتها كفرد وكامرأة، ولكن من ~~المؤسف أنها اختارت هذا الطريق للتدخل في هذه القضايا التي تهمنا جيدا ~~نحن. وأتمنى أن تغير آراءها بعد سنوات من العيش في أمريكا. # د. ك. ب ~~: # بحسب الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، ليس هناك من مكان لتركيا في ~~الاتحاد الأوروبي. ما رأيك؟ # س. ب ~~: # حسنا، آمل أن يمتثل ساركوزي ويحترم معايير كوبنهاغن؛ فالعلاقات بين ~~تركيا والاتحاد الأوروبي ليست جديدة، بل تعود إلى 1957-1958 خلال التوقيع ~~على اتفاقيات أنقرة. يحاول ساركوزي تقديم بعض الحجج الثقافية، أرفضها بموجب ~~الالتزامات المؤسسية لكلا الطرفين؛ نشرت تقارير حول تطور تركيا من خلال ~~احترامها لمعايير كوبنهاغن. فهناك مفاوضات، وقد قصرت تركيا في تسعة معايير، ~~وأملي الكبير هو أن يتم معالجة المسألة التركية داخل الاتحاد الأوروبي على ~~أساس معايير وتحليلات مؤسساتية، وليس على أساس تعميمات «ثقافية» مبهمة. ~~إلا أن هذا ليس كل شيء؛ فالعلاقات بين تركيا وفرنسا هامة جدا ولا سيما ~~فيما يتعلق بقضية الهجرة، التي شكلت المحور الحقيقي لخطاب ساركوزي. وإذا ms78 ~~تذكرت جيدا فهناك ما بين 700000 و800000 عامل مهاجر تركي في فرنسا. ولكنهم ~~أكثر عددا في ألمانيا وهولندا. # يوظف ساركوزي تركيا كاستعارة للتعبير عن مشاكله الحقيقية مع المهاجرين ~~المسلمين بفرنسا - الجزائريين والتونسيين والمغاربة - لتبرير خطابه حول ~~العلاقات بين أوروبا والإسلام. # د. ك. ب ~~: # هل تريدين القول إنه لم يكن يتحدث في الواقع عن العلاقات بين تركيا ~~والاتحاد الأوروبي وإنما عن العلاقة بين فرنسا والمهاجرين العرب؟ # س. ب ~~: # إطلاقا، ليس هذا غير ما نسميه في التحليل النفسي ميكانيزم التحويل. ما ~~هي الانتقادات الموجهة تحديدا لتركيا؟ # هناك على نطاق واسع ما يمكن انتقاده، مثل اغتيال الصحفي الأرميني ~~هرانت دينك # Hrant Dink # واضطهاد ~~الروائي أورهان باموك # Orhan Pamuk # وواقع ~~أن هناك اختراقا للقضاء التركي من طرف عناصر من اليمين المتطرف الذين ~~يوجهون القانون وفق تصورهم الخاص للدولة. # إذن هناك الكثير مما يمكن انتقاده في تركيا، ولكن ليس هذا ما يمكن ~~انتقاده في تركيا، رغم أن هذه المشاكل تتوافق ومعايير كوبنهاغن؛ لأنه لو ~~أرادت تركيا حقا الدخول الى الاتحاد الأوروبي، فعليها أن تقوم بعمل ~~جاد في إصلاح القضاء. فلنأخذ المادة 301 من القانون الجنائي مثلا، التي ~~تعتبر أن إهانة تركيا، أو الهوية الوطنية التركية جريمة. فهذه المادة يجب ~~أن تختفي ... ساركوزي لا يفعل شيئا، وكل ما يحاول فعله هو زرع الخوف بطريقته ~~الخاصة؛ فهو محرض. # د. ك. ب ~~: # هل يمكن أن تكون تركيا نموذجا لدول مسلمة أخرى معتدلة كالمغرب والأردن ~~ومصر؟ وإذا انضمت تركيا إذا إلى الاتحاد الأوروبي، فلماذا لا ينضم ~~المغرب بعد غد؟ # س. ب ~~: # في الواقع، إنهما سؤالان مختلفان: فلنبدأ بالسؤال الثاني الذي يخص حدود ~~أوروبا. إنه سؤال جوهري: هل هي حدود جغرافية، حضارية، أم تاريخية؟ إذا تم ~~تحديدها على أساس التفاعلات التاريخية، فإنه من الواضح أن كل بلدان البحر ~~المتوسط لها علاقات عميقة مع شمال أفريقيا. # يبدو لي بديهيا أن المشروع الأوروبي من وجهة نظر طوباوية - وجهة نظر ~~تروق لي كمفكرة سياسية وأحيانا كفيلسوفة سياسية - يمكن أن ينظر إليه ~~كنموذج فيدرالي ms79 كوسموبوليتي/كوني، كبنية حكم فيدرالية ناشئة. ومن وجهة ~~النظر هاته، يمكن النظر إلى الاتحاد الأوروبي كنواة يمكن أن تتبعه دول ~~أخرى أو تقلده. يتعلق الأمر بما في الكلمة من معنى، بمشروع طوباوي، ذي ~~طموح مثالي ... وسيكون موضوع تفكيرنا. ولكن على المستوى المؤسساتي والإداري، ~~فإن لامتداد الاتحاد الأوروبي حدودا مرتبطة بسلسلة من المعايير. وأنا ~~مقتنعة من وجهة نظر تاريخية واقتصادية وبنيوية أن تركيا استجابت لهذه ~~المعايير ~~الأوروبية # ces critères d’européanité # منذ زمن طويل وبشكل جوهري أكثر من المغرب على ~~سبيل المثال. # ولهذا السبب اقترحت أنجيلا ميركل نموذج «علاقة خاصة» مع تركيا؛ لأن ~~الجميع يدرك أن علاقتها مع الاتحاد الأوروبي تختلف عن علاقاتها مع دول ~~أخرى خارج الاتحاد الأوروبي. وأقترح أن يكون النقاش حول هذه المسألة ~~مبنيا على معايير كوبنهاغن، وسنذهب بعيدا على هذا الطريق. السؤال الآخر ~~المتعلق بهل يمكن أن تقدم تركيا نموذجا؟ # كانت تركيا فيما مضى، بعد إعلان الجمهورية سنة 1923، نموذجا يحتذى في ~~بلدان مثل تونس. فالحبيب بورقيبة كان بمثابة كمال أتاتورك، كما يجب ملاحظة ~~أن تركيا كانت نموذجا لإيران، إلى حدود لحظة انقلاب الاستخبارات المركزية ~~الأمريكية على الوطني مصدق، وكذلك الأمر بالنسبة لمصر. ويبدو لي أن ما يحدث ~~اليوم هو أن النموذج العلماني للتنمية الذي أرسته نخب الدولة مثل جمال ~~عبد الناصر بمصر وأتاتورك بتركيا استنفد دوره؛ فهو نموذج لم يعد صالحا. ~~وكان مرتبطا بطبيعة الحال بانهيار اشتراكية الدولة في العالم العربي، ~~انهيار الناصرية على سبيل المثال. # يفرض تفسير هذا الفشل بدون شك تنمية طويلة، إلا أن صعود الإسلام في ~~العالم العربي يمكنه بدون شك تفسير الإحباط المتولد كما يجب أيضا أن ~~نتذكر الهزيمة العسكرية عام 1967 التي ساهمت إلى حد كبير في فشل ذلك ~~النموذج التنموي. إنه مشكل التنمية الاقتصادية والاجتماعية؛ فحالة الأردن ~~وحدها دون شك مختلفة، وفيما يتعلق بمصر، أرى بعض العراقيل وعدم قدرة على ~~التقدم. تركيا هامة جدا؛ لأن لديها اقتصادا ديناميا، وبلد شاب ~~جدا. وإذا أرادت أن تبني نموذجا، فأنا على يقين أنها ستكون كذلك على ms80 ~~مستوى التنمية الاقتصادية. ففي الحقيقة إن اقتصاد تركيا اليوم متقدم جدا ~~بالمقارنة مع اقتصاد مصر. وكل هذه الجوانب يجب أخذها بعين الاعتبار، وأنا ~~متأكدة من أن عددا من البلدان يتابعون تركيا عن قرب، وكذلك الأمر بالنسبة ~~لسوريا، فلتركيا حدود واسعة جدا مع سوريا، وهذه مسألة نادرا ما نتحدث ~~عنها. ولن يفاجئني كثيرا تقوية العلاقات مع سوريا مستقبلا، وقد أعلن ~~الأسد عن بذل مجهودات تغيير وانفتاح، وهذا يبدو لي معقولا جدا. # Seyla Benhabib ~~: La ~~Turquie, l’islam, Sarkozy et l’Europe, Publié sur le site de # Mouvements # le 7 septembre 2007 ~~. ~~(4) أي حل لإسرائيل؟ # 4 # بقلم سيلا بن حبيب، الجمعة 10 أبريل 2009. # انطلق هجوم إسرائيل على قطاع غزة الذي يئوي حوالي مليون ونصف المليون نسمة من ~~الفلسطينيين، يوم 28 دجنبر 2008، أي في اليوم الأخير من احتفالات حنوكة # Hanouka ~~«عيد الأنوار». # تحكي حنوكة قصة العبرانيين القدامى، الذي قادهم يهوذا المكابي، في القرن الثاني قبل ~~الميلاد ضد أنطيوخس الرابع ~~إبيفان # Antiochus IV Epiphane ~~. وتحكي الأسطورة أن المكابيين تمكنوا من التحرر، ووجدوا زيتا ~~لإشعال الشمعدان ليلة واحدة، ومع ذلك أشعلت لمدة ثماني ليال. # فقدت إسرائيل رؤيتها السياسية وقوتها العسكرية، ولا معنى سياسيا واضحا يوجه ~~أفعالها/ممارساتها. القوة العسكرية حرة ووحشية وعمياء من أجل الوصول إلى أهدافها ~~السياسية. ولا أحد من المسئولين الإسرائيليين يمتلك رؤية سياسية، ولا أقصد استراتيجية ~~ذات أهداف طويلة المدى محددة بين ولايتين انتخابيتين ويمكن مراجعتها حسب الظروف، وإنما ~~أقصد رؤية سياسية يستطيع مؤسسو الجمهوريات تملكها. كيف يمكن لهذه الجمهورية ضمان ~~الاستمرارية والبقاء؟ ما هي المؤسسات المستدامة التي يمكنهم أن يتركوها لأبنائهم ~~وأحفادهم، والتي ستضمن لهم الازدهار كأفراد وكمواطنين؟ # أتذكر أيضا المقال الحيوي لإدوارد سعيد بمجلة نيويورك تايمز في خريف 1992، والذي ~~أعلن فيه نهاية أيديولوجية منظمة فتح؛ فالفراغ الذي أحدثه انهيار الأيديولوجيات ~~البيروقراطية والعسكرية الحديثة والغربية، في مجمل العالم العربي، فتح المجال ~~للأيديولوجيات الإسلامية التي مثلها حزب الله، وحركة حماس؛ فالإسلاموية الجديدة تمثل ~~رؤية أخلاقية خالصة، تأديبية، تمتح من ثورة آيات الله الخميني ضد الغرب ms81 التي لقيت صدى ~~في الأراضي الفلسطينية بفضل خطابها الشرس والداعي إلى تدمير الدولة اليهودية، ولقد نجح ~~في ذلك من خلال البرامج الخيرية في إعادة التوزيع والتضامن الإسلامي. # تقدم حماس، كما هو الشأن بالنسبة لحركات أخرى في تركيا وفي الشرق الأوسط، منظورا ~~للمساواة و«إعادة التوزيع» والتضامن الإسلامي، الذي يعمق أيضا التسلط ومعاداة ~~الليبرالية. ففي سنوات الثمانينيات دعمت إسرائيل حركة حماس كبديل لحركة فتح المكافحة ~~والعلمانية، كما دعمت أمريكا أسامة بن لادن والمجاهدين ضد الفدائيين الأكثر علمانية ~~واشتراكية في أفغانستان. وفي الحالتين معا، يخرج الشيطان من قمقمه. # وإسرائيل الآن كما هو حال أمريكا، محاصرة بولاءات حماس (حراس السنة) المتغيرة في ~~مجال العمل الاجتماعي الإسلامي للعسكرية الإسلامية لحزب الله، كما هو شأن العربية ~~السعودية تجاه أيديولوجيات السنة في إيران. # لا شيء يعطي الأمل للتقدميين واليساريين في هذا التحالف، التزامنا بالمساواة ~~والتضامن وتقرير مصير الشعوب سيظل مبدأ نقديا ولا يقبل التضحية عبر الانخراط الأعمى ~~في هذه المجموعة أو أية مجموعة أخرى. ~~(4-1) أمن إسرائيل في عالم ما بعد ويستفاليا # ما هو الغرض السياسي من لعبة إسرائيل؟ نجد إسرائيل قريبة من صراع من أجل أمن ~~ويستفالي في عالم ما بعد ويستفالي؛ حيث أصبحت الحدود سهلة الاختراق، كما تفعل ~~الميكروبات، الأخبار/المستجدات، السلع، الأموال، كل شيء - باستثناء أجساد البشر - ~~يسافر بسرعة كبيرة وبكميات هائلة تزداد يوما عن يوم. حفرت الأنفاق بين مصر وقطاع ~~غزة لتمرير الأسلحة المهربة المشتراة بأموال إيرانية، وضعت أموال البترول الهائلة ~~في أيدي الدعاة المتجولين وأشباه الأولياء من طرف المشايخ وممالك الخليج الفاسدة ~~التي تحمي سلالاتها الهشة ... # كما وقعت أنظمة أسلحة منتهية الصلاحية قادمة من روسيا ومن الجمهورية السوفياتية ~~القديمة من قبيل كازخستان، أذربيدجان ... في أيدي إخوانهم المسلمين. كما أن تجار ~~الصين الكلبيين ورجال أعمال روسا فرحون جدا بفتح تجارتهم في المنطقة. # وإسرائيل تتظاهر بالصدمة! الصدمة من كون الصواريخ القادرة على ضرب تل أبيب مخزونة ~~الآن بقطاع غزة وبجنوب لبنان. الصدمة لكون مجموعات صغيرة من مقاتلي حماس اختبأت ~~وسط السكان المدنيين البؤساء، وأطلقت صواريخ ms82 على أدوات محمولة. إلا أن هذا مجرد ~~نفاق. سواء كان هذا استراتيجيا أو معنويا، فهو لا يفسر ولا يبرر الانتقام ~~الواسع. وحتى صدام حسين قد أطلق صواريخ سكود على تل أبيب خلال حرب الخليج الأولى، ~~وهرع الأطفال والراشدون معا للبحث عن أقنعة الغاز مختبئين في شققهم ينتظرون ~~الصواريخ تقع. تعرف إسرائيل أن قوتها العسكرية المفترضة تم اختراقها منذ زمن ~~بأجيال جديدة من الأسلحة. # لا يوجد أمن كامل ولا يقهر مطلقا في العالم الجديد، على الأقل منذ 11 سبتمبر ~~2001 كما لم يكن هناك استقرار كامل في الميدان السياسي. # وحتى القنبلة النووية لا تضمن الأمن والاستقرار، ليس لأن إيران يمكنها أن تملك ~~بدورها قنبلة نووية، وإنما لأن استخدامها ضد أهداف في لبنان أو سوريا وعلى قطاع ~~غزة على الضفة الغربية والأردن بإطلاق سحابة من الأشعة على كل المنطقة يمكن أن ~~يلوث المياه والغطاء النباتي، وهو ما يجعل إسرائيل بدورها غير صالحة ~~للاستيطان. ~~(4-2) أربع رؤى سياسية # تسود في إسرائيل اليوم خطابات سياسية تساير الوضع ولا تقدم أية رؤية سياسية ~~جديدة: ~~(أ) منظور/رؤية الحرب الدائمة # رغم أنه لا يدافع عنه أي سياسي يحترم نفسه، فالأمر يتعلق بنفسية داخل كل ~~الإسرائيليين البسطاء، حيث يعتقد الغالبية العظمى أن الحرب نمط عيش؛ لأنه لا ~~يمكن أن يتحقق السلام بين إسرائيل وفلسطين. ~~(ب) منظور الدولتين # الليبراليون والتقدميون من كل الأصناف يدافعون عن حل الدولتين (دولة إسرائيل ~~ودولة فلسطين)؛ لأنهم يؤمنون بمبدأ المساواة في حق تقرير مصير الشعوب، ويقبل ~~البعض هذا الحل؛ لأنهم قلقون مما يمكن أن نسميه «الانفجار السكاني الذي بدأ ~~بالفعل»، وتسارع معدل الولادة بفلسطين، ويخشون العيش كأقلية في دولة فلسطينية ~~كبيرة، ديمقراطية كانت أم غير ديمقراطية. ~~(ج) منظور إسرائيل الكبرى # هناك أيضا منظور إسرائيل الكبرى المبنية على المعتقد الديني، حيث يسود ~~الاعتقاد أن الأراضي القديمة ليهودا هي في الواقع للشعب اليهودي بلا ~~رجعة. ~~(د) المنظور العلماني لإسرائيل الكبرى # وهو منظور يختلف عن المنظور الثالث، ويؤكد على أن إسرائيل الكبرى يمكن أن ~~تضم أراضي فلسطينية ms83 وتحكمها اتفاقات اقتصادية من الطرفين بموجب مناطق ~~التبادل الحر والنمو الاقتصادي. على الأقل منذ مبادرة السلام التي أطلقها إسحاق ~~رابين واتفاقات كامب ديفيد، ويمثل حل «الدولتين» السياسة الرسمية للحكومة ~~الإسرائيلية والأمريكية. رغم أنه مجرد حل متناقض، يخفي في كثير من الأحيان ~~دلالات في الوعي العام. # حل الدولتين مقبول على نطاق واسع، ليس لأنه يضمن حق الشعب الفلسطيني في ~~تقرير المصير وحسب، وإنما لأنه يعد ب «فك الارتباط الديموغرافي». فجأة يقدم ~~الديموغرافيون، السياسيون المزيفون، الذين يخفون تفكيرهم العنصري، حججا ~~ترى أن استمرار إسرائيل في احتلال غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، سيضمن ~~التحكم العسكري في 5 ملايين من الفلسطينيين العرب، بمن فيهم أولئك الذين يعيشون ~~داخل حدود إسرائيل منذ 1967. ونظرا لارتفاع معدل الولادات في صفوف ~~الفلسطينيين، ساد الشعور بأن الطبيعة اليهودية لإسرائيل مهددة إذا انسحبت من ~~قطاع غزة، خاصة إذا لم تسير حماس بعضا من أراضيها. في الواقع ثمة كوابيس ~~من أن يصبح اليهود أقلية داخل دولة إسرائيل التي أسسوها بأنفسهم خوفا من ألا ~~يصبحوا مواطنين من الدرجة الثانية، محتقرين، مستغلين، ومفترى عليهم، ويمكن ~~قتلهم بالجملة. وفجأة عادت إلى الظهور في اللاشعور اليهودي أشباح مذبحة اليهود ~~القوزاق في معسكرات الإبادة النازية؛ لذلك فأن يشكل اليهود أغلبية من سكان ~~إسرائيل بموجب اتفاق كامب ديفيد «دولتان جنبا إلى جنب» يبعد عنهم هذا ~~الكابوس. # لذلك لم يقبل العديد من خبراء إسرائيل والعديد من المواطنين الإسرائيليين هذه ~~الرؤية منذ 1967. # العملية العسكرية الحالية على غزة تحمل عناصر الخطابات السياسية الأربعة - ~~الحرب الدائمة، حل الدولتين، إسرائيل دينية كبرى، إسرائيل علمانية كبرى - ولهذا ~~السبب لم تكن متناسقة في أهدافها: هل تريد إسرائيل احتلال غزة من جديد وبناء ~~مزارع بلاستيكية لتدميرها من جديد؟ هل تريد إسرائيل تدمير حماس ومؤسساتها ~~المدنية والعسكرية بالمرة وتغادر غزة آملة حل الدولتين الذي لا يمكن احتمالا ~~تحقيقه؟ هل تريد إسرائيل احتلال غزة وتعرض فيالقها العسكرية لمخاطر كبرى، ~~وارتكاب جرائم حرب محتملة ضد الشعب الفلسطيني؟ شخصيا لست واثقة من أي ~~شيء. ~~(4-3) على شاكلة الصين والتبت؟ ms84 # هل هناك بدائل سياسية حقيقية في ظل الوضع الحالي غير الاستراتيجيات العسكرية التي ~~تتخذ كرؤى سياسية؟ هناك داخل إسرائيل حركة لفصل المواطنة الإسرائيلية عن ~~الهوية اليهودية الدينية-الإثنية، يسمح بأن تصبح إسرائيل أرضا لكل المواطنين. وهذا ~~من شأنه أن يتنصل جزئيا أو كليا من قانون حق العودة، الذي يعطي الحق في ~~المواطنة الإسرائيلية لكل يهودي تعترف به السلطة الحاخامية كيفما كانت. وإلى عهد ~~قريب لم يتم إصلاح قانون المواطنة الإسرائيلي والعديد من العمال المهاجرين ~~وأبنائهم، فضلا عن أن الشركاء غير اليهود وزوجاتهم لا يستطيعون الحصول على الجنسية ~~الإسرائيلية. # صار من سخرية القدر في العقد الأخير من السهل بالنسبة للروس، الذين يدعون أنهم ~~يهود، الحصول على الجنسية، على عكس عربي-فلسطيني ولد ونشأ في القدس الشرقية؛ لأنه ~~يعتبر (أو تعتبر) خطرا على الأمن، ولأن وضعية القدس الشرقية تعتبر لغزا وفق ~~مصطلحات الاتفاقات الدولية. # ينبغي أن يتأسس كل نقاش سياسي جدي يتعلق بإسرائيل وفلسطين، على مبدأ أن القوة ~~العسكرية ليست إلا ردعا، ردعا مشكوكا فيه يوما عن يوم على وجه اليقين، وأن ليس ~~الأسلحة هي من يصنع السلام وإنما البشر؛ فالسلام هو الصالح العام، وإسرائيل قريبة ~~من النموذج الويستفالي للسيادة المنقرض، الذي يفترض أن الدول قادرة على مراقبة كل ~~حي أو ميت داخل حدودها. ومعظم الديمقراطيات المتقدمة تعرف أنه نموذج متجاوز ~~أخلاقيا وتجريبيا؛ فالسيادة هي مجرد حصة، مجموعة من امتيازات وصلاحيات موكولة ~~للدولة ويمكن تقاسمها، وتفويضها، والتعاقد عليها مع مجموعات أخرى وسلط ~~أخرى. # العديد من المسئولين الإسرائيليين يعرفون بأنهم لن يسمحوا أبدا بسيادة كاملة ~~للفلسطينيين على مجالهم الجوي، سواء في غزة أو في الضفة الغربية، ولا على التنقل ~~الحر للبضائع في الموانئ أو خارجها، ولا على احتياطات المياه الجوفية الممتدة على ~~جانبي الحدود، فلماذا إذن ندعي أن الدولة الفلسطينية سيادية وستصبح سيادية ~~بالمعنى الذي تحب إسرائيل أن تراها سيادية؟ الحقيقة البسيطة والمحزنة هي أن دولة ~~فلسطينية من هذا النوع ستظل على الدوام مراقبة ومتحكما فيها، وستضربها إسرائيل ~~بين الفينة والأخرى. إنه واقع الحال تحديدا؛ ms85 لأن العديد من أنصار حل الدولتين ~~يعرفون بأن العلاقات المستقبلية مع الدولة الفلسطينية ستكون شبيهة ليس بالعلاقات ~~القائمة بين إيطاليا والنمسا، ولكنها أكثر شبها بعلاقات الصين مع التبت وبعلاقات ~~الهند مع كشمير. ~~(4-4) لنتخيل كونفدرالية # لنحلم للحظة، لنفترض أن هناك بين إسرائيل وفلسطين كونفدرالية، لنفترض أن تحييد ~~جماعات من مثل حماس وحزب الله التي لا تعترف بوجود إسرائيل، هو هدف مشترك ~~للفلسطينيين وللدول العربية الأخرى، ولكن لو أن حماس اعترفت بحق وجود إسرائيل، ~~فسيكون لها مقعد على الطاولة، لنفترض أن هناك رقابة مشتركة على الأجواء، وعلى ~~الطرقات البحرية والمياه التي تمارسها سلطات إسرائيل وفلسطين، لنفترض أن هناك عملة ~~مشتركة وحقوق الاستقرار القانونية لكل مجموعة إثنية داخل مناطق من الأراضي ~~المشتركة. # فإسرائيل لن تلجأ إلى حرب مدنية ضد المستوطنين المتعصبين في الخليل وفي الضفة ~~الغربية، الذين سيجبرون على العيش تحت سلطة فلسطينية بلدية جهوية أو الدخول إلى ~~إسرائيل. # لا تعني الكونفدرالية اختفاء السلطة الوطنية المشتركة وهوية كل شعب. وفي بعض نسخ ~~الحدود قبل سنة 1967 (الخط الأخضر)، ظلت إسرائيل دولة يهودية، لها لغتها الخاصة، ~~وعطلها، وانتخاباتها، ولكنها تقتسم السلطة مع الدولة الفلسطينية في مجالات الجيش ~~والأمن والاستخبارات والمال والتبادلات، وبالمثل للفلسطينيين لغتهم الخاصة وعطلهم ~~وانتخاباتهم، إلا أن الشعبين معا طورا مناهج مدرسية مشتركة وتحديدا حول تدريس ~~التاريخ الذي ينصف الحقائق التاريخية ومعاناة الشعبين. # سيتعلم أطفال الجيل الجديد التفاهم والتعاطف بدل الكراهية والحقد بعضهم تجاه بعض. ~~كما سيكون هناك تكافؤ في الحقوق الاجتماعية والاقتصادية في هذه الكونفدرالية، في ~~حالة ما إذا لم يرغب البعض في الاستقرار في بعض المناطق الإسرائيلية الغنية؛ ~~التعددية الدينية والحقوق المدنية الليبرالية ستحترم من طرف الجميع: اليهود، ~~والمسلمين، والمسيحيين، وكل مواطني المعتقدات الأخرى. وبالنسبة للمتدينين الذين ~~يريدون إدارة شئونهم الدينية الخاصة ستمنح لهم السلطات الدينية رخصا بذلك، كما أن ~~هناك محاكم خاصة، ولكن أيضا هناك إعلان للحقوق لكل القاطنين يضمن لهم المساواة في ~~الحقوق المدنية والسياسية. # وإذا سمح لي بمتابعة حلمي، أتخيل أن هذه الكونفدرالية يمكنها أن تكون ms86 نواة ومركز ~~اتحاد في الشرق الأوسط وشعوبه، حيث تركيا ومصر والعربية السعودية والعديد من الدول ~~الأخرى يمكنها الانضمام إليه على غرار نموذج الاتحاد الأوروبي. # | الشرط الإنساني ومشكلة الشر # هل يمكن الحديث عن شر سياسي بالنسبة إلى حنة آرنت؟ # الغاية من هذه الورقة النظر في جملة المفارقات التي يطرحها مفهوم الشر # 1 # في بعديه الأخلاقي والسياسي في فكر حنة آرنت (مع استحضار البعد الميتافيزيقي ~~والطبيعي، على الرغم من أن المستوى الميتافيزيقي الصرف يعالج بشكل خاص في فلسفة الدين، ~~ويطرح أسئلة من قبيل «العدل الإلهي»، و«القدرة الإلهية»، و«العناية الإلهية» ...) مع الإشارة ~~إلى التناقض المتعلق بمجالي الحرية والضرورة. وعلى هذا الأساس استعملنا مصطلح التفاهة # 2 # الذي بلورته آرنت في كتابها «إيخمان في القدس» الذي كان في أصله عبارة عن تقرير ~~عن تفاهة الشر. # 3 # إلى جانب مصطلح الشر السياسي الذي يمكن استخلاصه من مجمل تحليلاتها في «أسس التوتاليتارية» # 4 # و«حياة الروح/الذهن»، # 5 # وفي كتاباتها الأخرى. وبناء عليه أمكننا أن نتساءل: ما الذي يدعو إلى طرح سؤال ~~الشر في العالم المعاصر؟ كيف تحدد آرنت تفاهة الشر؟ كيف عالجت آرنت مشكلة الشر السياسي؟ وما ~~علاقة الشر السياسي بالأنظمة التوتاليتارية؟ # جل التأملات الفلسفية لأوضاع البشر في العالم المعاصر، تنحو منحى تشاؤميا إن لم نقل ~~عدميا، وذلك بفضل التشخيص التراجيدي والمأساوي للموجود، وهو الأمر الذي يفرض علينا تفحص ~~المبررات وجملة الحجج التي يسوقها الفكر المعاصر للاستدلال على تنامي العبثية والعدمية؛ ذلك ~~أن كتاب «الشرط الإنساني» ينظر في نسيان الماهية السياسية للإنسان (آرنت)، بدل نسيان الوجود ~~بمعناه الهيدجيري؛ أي الانتقال من مجال الميتافيزيقا إلى مجال السياسة. إلا أن هذه الخاصية ~~لا تسم الفكر الفلسفي المعاصر بالذات، بل نجد لها جذورا في تاريخية الفكر البشري ~~اعتقادا أن الشر منذ نشأته الأولى (بداية الخلق) عاصر العدمية في كل أبعادها. وهو الأمر ~~الذي يتقاسمه الدين مع الفلسفة، أو إن شئنا القول العقل في تاريخيته. # صحيح أن حنة آرنت قد لعبت دورا كبيرا في تأطير وتأسيس رؤية جديدة لمسألة الشر السياسي، ~~إن ms87 لم نقل لمسألة التوتاليتارية والتحكم الكلياني المطلق في الشرط السياسي للإنسان الحديث، ~~وهو الأمر الذي يستوجب منا الوقوف على بعض أفكار الفيلسوفة المشاغبة في القرن العشرين، التي ~~وقفت في تحليلها لظاهرة الشمولية على كل الجوانب الأيديولوجية والسياسية التي أوصلت الإنسان ~~الحديث إلى وضعيته التراجيدية. ذلك أن رفض آرنت للفكر الشمولي الذي وقف أمام التعددية # 6 ~~(أي تعددية العالم وتنوعه) هو السبب في إعادة التفكير في وضع/حال الإنسان الحديث. # 7 ~~(1) أولا: آرنت ومسألة الشر # ستعمل الفيلسوفة حنة آرنت على التأصيل لمشكلة الشر انطلاقا من منظور الفكر السياسي ~~وليس من الفلسفة السياسية أو الأخلاقية فقط، الذي شكل محور اهتمامها طوال حياتها؛ ذلك ~~أن معظم مؤلفاتها تتمحور بالأساس حول مشكلة التوتاليتارية والتحكم السياسي المطلق ~~(النظام الشمولي) الذي تعاظم في العالم المعاصر، وفي، أو كما تسميه «حال/وضع الإنسان ~~الحديث الشرط الإنساني # La condition de l’homme mode # الذي تلخصه في مفهومي: حياة-الفعل # Vita Activa # 8 ~~(ليست حياة الفعل بل الحياة النشيطة) وحياة التأمل. # اهتمت آرنت بمشكلة الشر نتيجة ما تعرض له اليهود من اضطهاد وقمع وإبادة في أوروبا ~~(النمسا وهنغاريا وألمانيا أيام النازية)، وفي جنوب روسيا ... وهو القمع الذي نالت منه نصيبها # 9 # كما هو الأمر بالنسبة لمختلف المثقفين والفلاسفة والساسة اليهود، حيث عاشت ~~اغترابا سياسيا من جهة، وهوياتيا من جهة أخرى، وهو الأمر الذي دفعها إلى بناء ~~أطروحتها الأساس التي شكلت عصب فكرها السياسي والفلسفي: «أصول التوتاليتاريا». # 10 # يرتبط الشر السياسي أول الأمر بأزمة العالم الحديث التي تجسدها الأنظمة ~~التوتاليتارية، أي التصحر الذي اجتاح الوضع البشري في القرن العشرين كقرن الحروب ~~والثورات بامتياز، أي قرن العنف؛ لأن هذا الأخير هو وليد الثورات والحروب. هكذا يتحول ~~تفسير الشر من التبرير الأخلاقي والميتافيزيقي والطبيعي، إلى التبرير السياسي، فإذا ~~كانت الأديان قادرة على إقناع الناس بأن الشر محايث وملازم للبشرية كشر متوارث عن ~~الخطيئة الأولى، وإذا كانت الفلسفة مع ليبنتز قادرة على اعتبار الشر ملازما لأفضل ~~العوالم الممكنة، وإذا كانت الفلسفة الأخلاقية الكانطية قادرة على تبرير الشر ms88 بإرجاعه ~~إلى أصل الطبيعة البشرية كشر متجذر في الوجود البشري، وكميل مخالفة للقانون الأخلاقي # 11 # فإن آرنت لا تجد حرجا في تفسير الشر تفسيرا سياسيا، باعتباره عملا ~~تافها/عاديا # Banale # تتحمل مسئوليته الأنظمة ~~الكليانية من جهة، والفرد نتيجة عوز ~~الفكر من جهة أخرى؛ لأن فعل الشر الذي يجسده إيخمان # Eichmann # 12 ~~- نموذجا - هو مجرد فعل تافه وعادي جدا، ~~وهو الأمر الذي سنحاول مقاربته ها هنا بالوقوف على مفهومي: الشر السياسي، أو تفاهة ~~الشر. ~~(2) ثانيا: الشر كفعل تافه # صاغت آرنت مفهوم التفاهة # la banalité # أول الأمر في ~~كتابها إيخمان في القدس، وطورته بشكل خاص في كتابها الأخير حياة الروح # la vie de l’esprit ~~. # 13 # حيث تعترف أن محاكمة إيخمان قادتها من التغطية الصحفية لحدث عادي جدا لا ~~يستدعي كل الضجة التي أثيرت حوله - ناهيك عن الأهداف السياسية للمحاكمة حيث تسعى ~~اللوبيات الصهيونية إلى التمويل من ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية - إلى ~~التحليل الفلسفي لمسألة الشر، وتعاظمه في عالم اليوم. # 14 # نقول تحليلا فلسفيا (يدمج المقاربة السياسية مع المقاربة الأخلاقية ~~الكانطية). وترى في مقدمة «حياة الروح» أنه من الضرورة العودة إلى مسألة الشر لصياغة ~~فكرة فلسفية واضحة حول هذا الموضوع، ولتطوير بعض الأفكار التي لم يكن الغرض منها في ~~تقرير إيخمان صياغة مذهب أو نظرية في الشر، مما يعني أنه في الكتاب الأخير # la vie de l’esprit # صار من الضروري وضع هذه ~~النظرية. من خلال رصدها لثلاثة مفاهيم فلسفية متصلة بهذه المشكلة وهي: الفكر، والإرادة ~~والحكم؛ فالشر لم يكن ناتجا عن البلادة (الغباء # la stupidité ~~) وإنما هو تعبير عن غياب الفكر - عوز في الفكر # un manque de pensée ~~، # 15 # وتقصد بالغباء أو البلادة عدم القدرة على الفهم (أو غياب القدرة على الفهم)، # 16 # وهو الفهم الذي لا يتحقق في حال غياب/عوز الفكر الذي يسم الشرط السياسي ~~للإنسان الحديث. فسمة العصر الحديث كما ترى آرنت هي الأزمة التي امتدت مع المد ~~الشمولي-التوتاليتاري الذي تعتبره في كتابها: ما هي السياسة؟ # 17 # أفولا لمعنى السياسة، ms89 أي الأزمة التي اختلط فيها العنف بالفعل السياسي، ~~وتلاشت فيه الحدود بين المجال العام # 18 # والمجال الخاص، مما أدى إلى نتائج كارثية على مجال التربية وتكوين الناشئة، ~~وكذا على تصورنا لفعل الحرية والسلطة، وكل المفاهيم التي تؤطر وعينا السياسي؛ فالعنف ~~صار أمرا عاديا جدا في المجتمع إن لم نقل مع ب. ~~بورديو P. Bourdieu # إنه محايث لنمط العيش والوجود الإنساني في القرن العشرين، بل ~~غدا مقبولا إلى حد لا يطاق. وهو الأمر الذي تعمقت في فحصه في أزمة الثقافة # la crise de la culture ~~(وتحديدا في الفصل الثالث)، # 19 # الذي تحدد فيه معنى السلطة # l’autorité ~~، ~~معتبرة أن هذه الأزمة ليست قدرا وجوديا محتوما، وإنما هي نتيجة لنسيان الاختلاف ~~الأنطولوجي بين الوجود والموجود، إلا أنها على عكس هايديجر # Heidegger # تحاول أن تبرر البعد السياسي المأزوم للعصر الحديث بانعدام ~~(غياب) التفكير أو العوز في الفكر الذي يسم هذا العصر، وهو ما يمكن تجاوزه بالتفكير في ~~«ما فعله الإنسان» أي في نشاطه وفعله # Vita Activa ~~. ~~فإذا تميز القرن الأخير بالعنف نتيجة التحكم الكلياني في المجتمع بفعل صعود الأنظمة ~~التوتاليتارية واستيلاء الأيديولوجيات الأحادية على العقول فإن ذلك سيعمق من أزمة ~~الفكر. # لم تسائل آرنت تاريخ الغرب كتاريخ لنسيان الوجود كما فعل هايديجر ولا باعتباره تاريخ ~~قلب الأفلاطونية، بل باعتباره تاريخا تبلور فيه نسيان الماهية السياسية للإنسان؛ لأن ~~صعود الأنظمة التوتاليتارية شكل بالنسبة لها ظاهرة جديدة غير مسبوقة في تاريخ ~~الإنسانية حيث تقول: «إن هذه الأزمة التي اتضحت معالمها منذ بداية القرن، إنما هي أزمة ~~ذات أصل وطبيعة سياسية. فتصاعد الحركات السياسية الرامية إلى الحلول محل نظام الأحزاب، ~~وتطور شكل توتاليتاري جديد لممارسة الحكم، إنما يقف خلفه انهيار، تختلف درجة عموميته ~~ومأساويته لكل السلطات التقليدية.» # 20 # تنطلق آرنت في مقدمة كتابها «حياة الروح» من سؤال في غاية الأهمية لمقاربة نقدها للشر ~~الجذري، ويتعلق الأمر بما إذا كانت مشكلة الشر والخير أو ملكة تمييز ما هو خير مما هو ~~سيئ متصلة (أو ذات علاقة) بملكة تفكيرنا. ms90 # 21 # بغية بيان أن ملكة الحكم لا تنفصل بتاتا عن ملكة التفكير، وهو الأمر الذي ~~يتعارض وتحليل كانط في «نقد ملكة الحكم» وفي «نقد العقل العملي»، حيث الإرادة سابقة لكل ~~تفكير، مما قاده إلى اعتبار الخطيئة تعبيرا عن غياب العقل؛ لأنه لم يتشكل بعد، أي إن ~~الفعل هنا خارج أية مسئولية؛ لأن هذه الأخيرة لا تحضر إلا بحضور ملكة التفكير. وبذلك ~~يظل الحكم كيفما كان نوعه مرتبطا أساسا بالنفعية المبتغاة منه وخاصة في الأحكام ~~الذاتية، وهذا ما نجد فيه تناقضا حول طبيعة الحكم (وتحديدا الحكم الجمالي: فكيف يتحقق ~~مبدأ النفعية في الأحكام الذاتية ويغيب في الأحكام الموضوعية؟) إذا كان الحكم الكانطي ~~(وأساسا الذاتي) مرتبطا بالمنفعة فإن التفكير لا تحكمه أية غائية؛ لأن التفكير بحسب ~~آرنت يتحول إلى شيء في ذاته؛ لذلك تقصد بغياب الفكر، أو غياب التفكير نشاط الفكر في ذاته، # 22 # أي إن القصد الأول والنهائي ليس هو نسيان الطريقة - الشكل، ولا نوعا من ~~الغباء/البلادة وإنما غياب القدرة على الفهم، # 23 # ولا نوعا من الاستلاب الأخلاقي، بل هذا النشاط الذاتي للفكر بما هو فكر، ~~أي القدرة على الفحص التي هي وحدها قادرة على أن تجنبنا الشر. # 24 ~~(3) ثالثا: الأنظمة التوتاليتارية وسؤال الشر # عملت آرنت في ثلاثيتها الشهيرة على مقاربة مسألة الشر من وجهة نظر الفكر السياسي. ~~فعادة ما تنسب النازية الشر لليهود وتبرر تصفيتهم بنزوعهم الأصيل المتجذر في طبيعتهم ~~البشرية نحو الشر، وهذا ما ترفضه آرنت حيث تقول: «أما تمثيل اليهودي باعتباره تجسيدا ~~للشر فيعزى بعامة إلى بقايا أعمال عدائية وذكريات خرافية تعود إلى القرون الوسطى، ~~والواقع أن لهذا التمثيل صلة وثيقة مع الدور الأحدث والغامض الذي راح يؤديه اليهود في ~~المجتمع الأوروبي، منذ تحررهم ... والواقع أن الجماعات اليهودية القاطنة في أوروبا، عمدت، ~~بعد الحرب العالمية الأولى، إلى التمثل بالشعوب الوطنية، كما فعل اليهود الفرنسيون في ~~بدء الجمهورية الثالثة.» # 25 # يعود هذا الاتهام إلى الدور الذي بدأ يلعبه اليهود في العالم (وأوروبا تحديدا) بعد ~~الحرب العالمية الأولى، بحيث طرحوا ms91 أول الأمر مسألة الهوية والحاجة إلى الانتماء إلى ~~بلد ووطن معين، ففي روسيا بعد انتصار الثورة البلشفية كان النقاش محتدا لسنوات حول ~~ما يعرف بالمسألة اليهودية. وهو ما شجع العديد من المفكرين اليهود على التفكير بجدية ~~في مسألة الهوية وإعادة طرحها من جديد، وهو التفكير الذي أسس لمسألة الهوية ~~اليوم. # تقف آرنت بدقة في هذا المؤلف حول التوتاليتارية على الجذور والأصول التي نجدها في ~~طبيعة العلاقة بين الحركات الأيديولوجية والسياسية التي ولدتها ثورات القرن العشرين وما ~~أدت إليه من تعميم كلي للعنف، حيث صار العالم منظورا إليه، وكأنه حلبة صراع مفتوحة ~~للأبد على كل المآسي التي تسببت فيها الحروب الشاملة. # 26 # فولادة النازية جاءت من صلب الحركات الجماهيرية الفاقدة لوعيها التاريخي ~~والتي آمنت بأن ممارسة العنف أمر عادي جدا حيث تقول: «لقد كان النازيون على قناعة ~~بأن الشر يمارس في عصرنا قوة جذب مرضية ...» # 27 ~~«ونقطة تقاسمهم إياها الدعاية الشيوعية في روسيا وفي الخارج.» # 28 # فلا يمكن أن نتصور هنا الحركات التوتاليتارية دون جيوش مجندة تنفذ كل ما ~~يأمر به القادة باسم الحزب أو الطبقة، وتلك هي حالة إيخمان: رجل فقد وعيه وكل إحساسه ~~بالآخر، ولا يستطيع أن يفكر حتى في كيف يتألم الغير، حيث تقول: «إن افتتان الدهماء ~~بالشر والجريمة افتتانا أكيدا ليس بالأمر الجديد؛ إذ لطالما تبث أن الرعاع يرحبون ~~«بأعمال العنف قائلين بإعجاب: لئن كان ذلك جميلا، فإنه بالغ القوة بالتأكيد».» # 29 # أي إن أنصار التوتاليتارية النازية والشيوعية لا يدركون حتى ما يمكن أن ~~يلحق بهم، فقبول العنف لا يكون تجاه العدو المفترض أو الضحية، بل يكون أيضا حتى تجاه ~~الآخرين من نفس الطينة، فالأهم في سيرورة التوتاليتارية تقول آرنت: «هو اللامبالاة ~~الصادقة التي تلازم المنضوين تحت لوائها: لئن كان ممكنا أن يقدر المرء عدم اهتزازات ~~قناعات النازي أو البلشفي حين ترتكب الجرائم في حق أناس لا ينتمون إلى الحركة موضوع ~~التآمر المزعوم، أو يكونون أعداء لها، فإنه لمن المذهل ألا يرف له جفن حين يشرع ~~الغول ms92 في افتراس أبنائه، وحين يصير هو نفسه ضحية الاضطهاد، وحتى في حال أدين ظلما، أو ~~طرد من الحزب وسيق إلى الأشغال الشاقة أو إلى معسكر اعتقال. إنما العكس يصح فيه؛ إذ ~~يحدث، إزاء ذهول العالم المتمدن، أن يكون مستعدا لإعانة متهميه ولأن يلفظ بنفسه حكم ~~إعدامه، شرط ألا يمس مركز عضويته في الحركة.» # 30 # فقد تصرف أنصار التوتاليتارية من عامة الشعب (الرعاع أو الحشود بلغة آرنت) ~~عميانا، يهرعون إلى العنف بكل أشكاله للانتقام من أوضاع لم يصنعوها بأنفسهم، حيث صار ~~الانتقام أمرا لا مفر منه، غذته نزعة رفض الغير، التي أدمجت الأنصار في الجماعة، هذه ~~الأخيرة ولدت لدى أفرادها سيكولوجية خاصة تغذيها الحملات الدعائية الموجهة للمجتمع ~~ككل، وهو الأمر الذي تنبأ به غوستاف لوبون # G. le bon # في سيكولوجية الجماهير وفرويد # Freud ~~، حيث نقرأ في ~~سيكولوجية الجماهير: «على أية أفكار أساسية سوف تنهض المجتمعات المقبلة التي ستخلف ~~مجتمعاتنا؟ إننا لا نزال نجهل ذلك حتى الآن. ولكننا نستطيع أن نتنبأ منذ الآن بأنه ~~ينبغي عليها أن تحسب الحساب فيما يخص بنيتها وتنظيمها لقوة جديدة تمثل آخر سيادة ~~تظهر في العصر الحديث: إنها قوة الجماهير وجبروتها ... إننا نجد أن نضال الجماهير هو ~~القوة الوحيدة التي لا يستطيع أن يهددها أي شيء. وهي القوة الوحيدة التي تتزايد هيبتها ~~وجاذبيتها باستمرار. إن العصر الذي ندخل فيه الآن هو بالفعل عصر الجماهير.» # 31 # لقد كتب لوبون (1841-1931) هذا في سنة 1895، وعاصر طبعا ما كان يتحدث عنه ~~خلال الحرب العالمية الأولى ثم الثورة الروسية والأزمة الاقتصادية. # 32 # إلا أنه إذا كان لوبون ينهل من سيكولوجيا الجماهير، ومن علم النفس ~~الاجتماعي، فإن آرنت تحاول الوقوف على وجهة نظر الفكر السياسي إلى ظواهر التوتاليتاريا ~~موظفة بذلك تحليلات لوبون وفرويد. ~~(4) رابعا: غياب الفكر (أو عوز التفكير) والأمل في محو الشر # تجعل حنة التفكير هو الأساس الذي بموجبه يمكن مواجهة ومقاومة الشر، فالفعل الذي قام ~~به إيخمان يحتاج إلى تفكير جديد لا يقوم على أحكام القيمة ولا على المعاداة للنازية؛ ms93 ~~لأن إيخمان هو مجرد شخص وقد أنجز عملا تافها تعود مسئوليته للنظام النازي. وبدون ~~التفكير لا يمكننا القضاء على الشر. هكذا؛ فالتفكير الذي تدعو إليه آرنت هو تفكير في ~~مجال الحرية والإرادة من زاوية سياسية، وليست أخلاقية كانطية محضة. وتقصد بالبعد ~~السياسي النزوع نحو الانتقام والعنف، الذي يوجد داخل كل واحد منا، والذي تغذيه الأنظمة ~~البيروقراطية والكليانية التي تدفع البشر إلى التصرف دون رحمة ودون شفقة، وهم يحسون ~~أنهم يرتكبون مجرد أفعال بسيطة، ولكنها في الحقيقة إجرامية إلى حد بعيد إنه «الشر ~~التافه والعادي»، ولكنه مخيف بشكل كبير. فالأنظمة التوتاليتارية من وجهة نظر آرنت ~~وتحديدا النظام النازي والستالينية الروسية بشكل أخف، تذكي الاتجاه نحو تكريس ~~النظرية السلوكية في الفعل البشري، بحيث يتصرف أجراء البيروقراطية الإدارية والعسكرية ~~والاقتصادية والسياسية كفئران تجارب. ولقد أدت الحرب النازية على اليهود إلى إبادة ما ~~يناهز المليونين من يهود أوروبا، وفي الآن ذاته عذبت الستالينية المعارضين السياسيين ~~الموالين لصديق ستالين نفسه، هذا وقد كانت محاكمات موسكو 1936 التي تستشهد بها آرنت ~~مثالا ساطعا عن الفظاعات التوتاليتارية، حيث تم إطلاق النار على المعارضين وتم إرسال ~~عشرات الآلاف من بحارة بيتراسبورغ إلى معسكرات الاعتقال في سيبيريا، نفس الفعل قامت به ~~السلطات النازية في ألمانيا على أيدي موظفي الجيش والساسة النازيين. فهل نجد حلا لكل ~~هذه الفظاعات؟ ترى آرنت أن الشر يمارس في الفضاء العام وتحت أعين أشخاص مهيجين ~~ومعدين سلفا تحت التأثير الأيديولوجي الصارخ الذي ترعاه المؤسسات الإعلامية الرسمية. ~~وها هنا تصرخ آرنت في وجه هذه «المأساة الأنطولوجية» التي حلت بعالم اليوم الذي فقد ~~صوابه، وتقول في وجه الملايين الذين اقتيدوا إلى معسكرات الاعتقال والإبادة: كيف لا ~~تستطيعون أن تنتفضوا وأن تثوروا في وجه هذا النظام الهمجي؟ كيف تقبلون، أنتم الملايين، ~~أن يقودكم في القطارات ما لا يتجاوز مائة جندي؟ # 33 # هل بلغت الفظاعة بهذا الإنسان أن يكون خاضعا بشكل كلي لقوانين تتعارض مع ~~إرادته وحريته؟ هنا تقف آرنت على الفهم الكانطي للقانون الأخلاقي، وتعتبر أن هذا ~~القانون ms94 لن يجدي في شيء ولا يمكنه أن يحل مسألة الشر المتجذر في السلوك السياسي البشري، ~~وتفتح هنا الآفاق للتفكير في حجم هذه الفظاعة الشرسة التي أدت إلى مجازر في حق البشرية. ~~وأكيد أن شرط الإنسان الحديث يدعو إلى التأمل في كل أبعاده، فهل ثمة تبرير أخلاقي لفعل ~~إيخمان أو بعبارة آرنت: كيف تبنى إيخمان الموقف الكانطي؟ # بموجب السلطة التوتاليتارية يتحول الواجب إلى واجب القائد والزعيم (الفوهرر)، ويغدو ~~مبدأ الطاعة متمركزا على الذات القائدة سياسيا، وهكذا يتحول مبدأ الطاعة المفترضة ~~للواجب الأخلاقي الكانطي إلى طاعة الواجبات التي يفرضها ويمليها الزعيم. هنا يتماهى ~~الفرد - كما هو الحال مع إيخمان - مع القائد الذي يقود كل الأفراد الآخرين، وهي الحالة ~~التي يتحول فيها إيخمان إلى رجل عادي ولكنه يفعل الشر إلى أقصى حد. # 34 # ولكن فعل الشر هنا ليس نابعا من الفرد - من وجهة نظر آرنت - ذاته وإنما من ~~السلطة السياسية والأيديولوجية التي حولت الفرد إلى قطيع يطيع أوامر الزعيم. وهو الأمر ~~الذي وقف عليه فرويد قبل آرنت وغوستاف لوبون فيما يسمونه بسيكولوجية الجماهير، وهي حالة ~~نفسية لم يعد معها الفرد قادرا على التصرف كفرد وكذات وإنما حالة فوران وانفعال تطبع ~~معظم تصرفاته ومواقفه في تلك الأثناء. صحيح أن الأيديولوجيات الكبرى قد فتحت القرن ~~الواحد والعشرين على إمكانات لتخليص الفرد من القيود التسلطية التي فرضت عليه طوال ~~قرون، ولكن لطالما تحولت هذه الأيديولوجيات إلى عذاب أليم بالنسبة لتلك الجماهير التي ~~أسكرتها وسحرتها بعباراتها التحررية. فستالين نفسه الذي يخطب في الناس أيام البلشفية ~~الأولى، وهو في طريقه إلى جبال القوقاز لتجنيد الشباب للنضال ضد القيصر، سرعان ما ~~سيتحول إلى مستبد أكثر من القيصر نفسه، وهو يشرف على مذابح موسكو 1936، وعلى الأخص ~~ذبح زملائه في النضال السياسي. ونقرأ في أسس التوتاليتارية: «إن انجذاب الشعب نحو الشر ~~والجريمة ليس شيئا جديدا. الناس لم يتوانوا عن الترحيب بأعمال العنف، مدركين أن هذه ~~الأعمال قد تكون سيئة لكنها أعمال خلاقة. لكن الأخطر في نجاح التوتاليتارية هو عدم ~~الاكتراث الحقيقي ms95 الذي يبديه المنضوون تحت لوائها. من المنطقي ألا يهتز النازي أو ~~البلشفي في قناعاته عندما يشهد أعمال عنف ضد أشخاص لا ينتمون إلى الحركة أو يعادونها، ~~لكن الغريب في الأمر ألا يرف له جفن حتى عندما يبدأ الوحش بالتهام أبنائه، أو حتى ~~عندما يصبح هو نفسه ضحية للاضطهاد، أي إذا ما تمت محاكمته من دون حق، أو جرى طرده من ~~الحزب، أو حكم عليه بالأشغال الشاقة أو أرسل إلى مخيمات الاعتقال» ... هكذا يصبح ~~إيخمان، رجلا عاديا غير مسئول عن فعله لأنه ليس هو منبع الشر، وإنما مجرد أداة تنفيذ ~~لأوامر الزعيم، وهذا ما تسميه آرنت بتفاهة الشر في مقابل الشر الجذري. وبموجب هذا ينبغي ~~الانتباه إلى التحول العميق الذي حدث في فهم بنية الشر، بحيث لم يعد الشر - كما هو ~~الحال عند كانط - القيام بأفعال لا تنسجم والقانون الأخلاقي، وإنما أصبح الشر نابعا من ~~طاعة الأوامر القانونية، وهو الأمر الذي لم ينتبه إليه العديد من المتتبعين لمحاكمة ~~إيخمان. وبمعنى آخر هل يمكن أن نعتبر أن إيخمان يعي جيدا أنه يفعل الشر؟ أو أنه يقوم ~~بفعل الشر بمحض إرادته؟ إيخمان في نظر آرنت هو مجرد موظف ينفذ القرارات التي يمليها ~~القانون؛ فأي مسئولية أخلاقية يتحملها إيخمان ها هنا؟ وهكذا فليس ثمة من شر - بحسب آرنت ~~- في الطبيعة البشرية؛ لأن هذه الفكرة لاهوتية في الأساس (وعلى الأخص المسيحي الذي ينسب ~~فعل الشر إلى غواية الشيطان)، ولكن ثمة شر تافه يجول في العالم كجرثومة قد تنتعش في كل ~~مكان تجد فيه ظروفا ملائمة للسلطة التوتاليتارية؛ ولهذا تقول آرنت: «أعتقد صراحة أن ~~الشر لم يكن راديكاليا أبدا، وإنما فقط شر إلى أقصى حد.» # 35 # يستوجب قلب المعادلة من الشر الجذري إلى الشر التافه تغيير النية التي تحدث عنها ~~كانط كأساس ذاتي لفعل الخير أو الشر، إلى النية كأساس ذاتي للتفكير؛ لأن غياب التفكير ~~وغياب الفكر الذي لا تؤمن به التوتاليتارية (يمكن أن نسميه مع التفكيكية الاختلاف ~~والإقرار بالتعدد وبالحوار التشاركي)، هو سبب الشر؛ ولهذا ms96 يتوجب أن نغير طريقة ~~تفكيرنا نحو الخير دوما. # فالشر في نظر آرنت لا يعود سببه إلى الفاعل الذي تحول إلى مجرد وسيلة - آلة ~~ميكانيكية - لتنفيذ سياسة عنصرية تقوم على الرفض وعلى معارضة الآخر ولا تعترف باقتسام ~~الأرض مع من يستوطنها، إنه حالة غياب للاعتراف بالغير وغياب الإيمان بالتشارك مع الآخر. ~~هذه السياسة التسلطية التي تقوم على القوة والعنف، لا يمكنها أن تؤسس لسلام ولفعل حر ~~مبني على تفكير عقلاني لدوام الخير الأصلح للناس؛ لذا فالعنف لا ينجم عنه إلا عنف ~~مضاد، وكان من المفروض ألا يحاكم إيخمان باعتباره مجرما قام بفعل لا أخلاقي، وإنما ~~يتوجب الاعتراف أنه ليس مذنبا بقدر ذنب النظام السياسي النازي الذي يمثله، وهكذا كان ~~يكفي أن يعترف أنه ارتكب جرما في حق الإنسانية وأنه يتوجب أن يحاكم بقانون آخر غير ~~القانون الذي صار هو نفسه منبع الشر. ~~(5) خامسا: الصفح بما هو حل لمشكلة الشر # تصر آرنت على أهمية الفعل وعلى القدرة التي تميز الإنسان بما هو كائن فاعل ومبدع ~~وسياسي في الآن ذاته، فعلى الرغم من التصحر الذي يميز العصر الحديث بعد أن غزته الأنظمة ~~التوتاليتارية، فإن للسياسة معنى: معنى السياسة هو الحرية، # 36 # ومهما حاول الفكر الفلسفي القديم والحديث على حد سواء أن يضع حدا فاصلا ~~بين «الحياة التأملية» أو «حياة الفكر»، وبين «حياة الفعل» أو «الحياة النشيطة»، فإن ~~ماهية الإنسان الحديث هو الفعل السياسي، ونحن لا نستطيع أن نحيا إلا بموجب هذه الماهية؛ ~~لأن أزمة العالم الحديث - إلى جانب مسئولية التقنية والعقل الأداتي - تتمثل في انتشار ~~العنف واستعمال القوة في كل مكان، إلى الحد الذي أصبح معه هذا العالم مجرد صحراء تزحف ~~رمالها يوما عن يوم، ولكن رغم ذلك (تقول آرنت) فلا تزال وسط الصحراء واحات تقاوم، ~~وستظل تقاوم شبح التصحر. لا يمكن للوحة القاتمة التي ترسمها آرنت أن تكون عائقا أمام ~~البحث وراء المعاني التي تحددها هنا وهناك، فثمة بين نصوص آرنت العديدة شذرات أمل من ~~أجل الرقي بالوضع البشري نحو الأفضل، فرغم ms97 أن العصر الحديث هو عصر العنف (ونحن نحوم في ~~مجال يحيط به العنف من كل الجوانب) الذي عممته الثورات من جهة، والأنظمة الكليانية # 37 # من جهة أخرى، فإن من سمات الإنسان الحديث أنه يوجد بمعية الآخرين داخل ~~العالم، وهو الأمر الذي جعلها تقترح لمواجهة الشر إمكانية الصفح، «إذ تتيح ملكة الصفح ~~محو أفعال الماضي الذي تعلق أخطاؤه» # 38 # والحوار والإيمان بالتعدد والمغايرة، فالصفح وحده قادر على معرفة الذات ~~والتقرب إلى الغير، وهي القيم التي لم تعد مقبولة في عالم التوتاليتارية، حيث الانتقام ~~والجشع والانطواء على الذات هي ما يميز إنسان المجتمع التوتاليتاري؛ لذلك تقول: «يعتبر ~~الصفح بحق نقيض الانتقام، الذي يتحدد فعله كرد فعل ضد عثرة أصلية من هنا، ~~وبعيدا عن التمكن من وضع حد للآثار المترتبة على الخطأ الأول، يقوم بربط الناس ~~بالسيرورة وترك رد الفعل المتسلسل، المتسمة أعماله بالضخامة، يواصل سيره بكامل ~~الحرية ... إن الصفح، بعبارة أخرى، هو رد الفعل الوحيد الذي لا يقتصر على إعادة إنتاج ~~الفعل، ولكنه يمارس فعله بطريقة جديدة ولا متوقعة، وغير مشروطة بالفعل الذي أنتجها، ~~وهي التي تحرر بالتالي الصافح والمفصح عنه ...» # 39 # وتضيف: «لولا صفح الآخرين عنا، الذي به نتخلص من تبعات أعمالنا، لبدت ~~قدرتنا على الفعل كما لو كانت حبيسة فعل واحد يلتصق بنا إلى الأبد، ولبقينا ضحايا ~~عواقبه وآثاره، تماما مثل ساحر مبتدئ عاجز، في غياب الوصفة السحرية، عن إيقاف صنيعه ~~أو التحكم فيه. ولولا التزامنا بالوعود، لكنا عاجزين عن الحفاظ على هوياتنا، ولكتب ~~علينا أن نتوه بلا قوة ولا هدف، كل يهيم في ظلمات قلبه الوحيد، ويفرق في التباسات ~~وتناقضات هذا القلب، ظلمات لا يبددها إلا النور الذي ينشره حضور الآخرين في المجال ~~العمومي، بتأكيدهم هوية الإنسان الذي يعد، والإنسان الذي يفي بوعده.» # 40 # وها هنا تجد آرنت مدخلا آخر لمحاولة تجنب الشر: إنه الصفح كمقابل ~~للانتقام، فإذا كانت النزعة الانتقامية بكل نتائجها السلبية تدخل في صلب الهوية، فإن ~~الحل الأنسب لتحقيق انسجام بين الضحية والجلاد هو الصفح، كمبدأ ms98 يحقق التسامح كأعلى قيمة ~~إنسانية، بدل أن تكون مجرد مبدأ أخلاقي متعال كما هو الحال عند كانط. # نعود من جديد إلى الشرط الإنساني، الذي يتماهى فيه الفعل السياسي بما هو جوهر الماهية ~~الإنسانية، مع مختلف الأنشطة الإنسانية الأخرى داخل الفضاء العمومي؛ لأن الأنا ~~المفكرة لا تعيش بمعزل عن العالم والآخرين، وداخل هذا الفضاء البينذاتي بتعبير ~~هابرماس # Habermas ~~، هو حقل تجارب الوعي الجمعي. فهل ~~يمكن أن يكون الصفح أداة لتجنب الجرائم التي ننسبها للشر؟ تبدو المقاربة الآرنتية ~~لمسألة الصفح مقاربة مسيحية لا تتجاوز التصور الكانطي في «الدين في حدود مجرد العقل»، # 41 # فإذا كان المسيح هو النموذج الأعلى الحامل لكل صفات الإنسان الكامل، فإن ~~صفة الصفح كقيمة إنسانية نبيلة لا نجد تأطيرها الفعلي كمبدأ محايث للشرط الإنساني ~~إلا في الدين المسيحي كما تقول آرنت، إلا أن طابعه المسيحي هذا لا يلغي إمكانية علمنته؛ ~~حيث تقول: «لقد كان المسيح وراء اكتشاف الدور الذي يلعبه الصفح في مجال الشئون ~~الإنسانية. ولا يجوز التذرع بكون هذا الاكتشاف قد تم في سياق ديني وجرى التعبير عنه ~~بلغة دينية، لكي لا نعامله بالجدية المطلوبة من منظور علماني صرف.» # 42 # يبدو أن الحل الآرنتي هنا هو حل قيمي-أخلاقي يتوخى الاستجابة لنداء ~~الفلاسفة منذ سقراط، فلا حل لتناقضات العيش المشترك والتواجد معا في الفضاء العام إلا ~~بالتحلي بالقيم النبيلة التي طالما نادت بها الإنسانية. وعلى الرغم مما يمكن أن يقال ~~عن الصفح كأداة للتسامح والمصالحة، فإنها (أي كأداة وليس كقيمة)، تطرح العديد من ~~المشكلات على المستوى العملي-السياسي: فهل يقبل الضحية بمصافحة الجلاد؟ وهل يقبل من قضى ~~نصف حياته في معسكرات الاعتقال في الصحراء، التي لا معنى فيها للوجود، أن يقبل الصفح، ~~وأن يسامح إيخمان ويتصالح معه؟ وحدهم، أي الضحايا، قادرون على أخذ القرار. نطرح هذا ~~السؤال؛ لأن من أكبر المشكلات المطروحة في الألفية الجديدة هي إشكالية المصالح والتصالح ~~في سبيل مجتمع متضامن ومتعاضد. ولربما تكون صرخة الفاعل السياسي-الحقوقي بجدوى قيمة ~~الصفح شبيهة بصرخة الثيولوجي بالمغفرة. ms99