######OpenITI# #META# URI: 1450RihabSalahDin.MachiavelliMuqaddimaQasira.Hindawi85095829 #META# Tags: biographies #META# ID: 85095829 #META# Title: مكيافيللي: مقدمة قصيرة جدًّا #META# AuthorID: 52419186 #META# Author: كوينتن سكينر #META# EditorID: 29797462 #META# Editor: هاني فتحي سليمان #META# TranslatorID: 39241484 #META# Translator: رحاب صلاح الدين #META# Related_books: 1450QuentinSkinner.MachiavelliShortIntro (TRANSL) #META#Header#End# # تمهيد‏ # مقدمة‏ # 1 - الدبلوماسي‏ # 2 - مستشار الأمراء‏ # 3 - منظر الحرية‏ # 4 - مؤرخ فلورنسا‏ # أعمال مكيافيللي المقتبس منها في النص‏ # قراءات إضافية‏ # ملاحظات‏ # تمهيد‏ # مقدمة‏ # 1 - الدبلوماسي‏ # 2 - مستشار الأمراء‏ # 3 - منظر الحرية‏ # 4 - مؤرخ فلورنسا‏ # أعمال مكيافيللي المقتبس منها في النص‏ # قراءات إضافية‏ # ملاحظات‏ # | مكيافيللي # | مكيافيللي # | مقدمة قصيرة جدا # تأليف # كوينتن سكينر # ترجمة # رحاب صلاح الدين # مراجعة # هاني فتحي سليمان # | تمهيد # نشر إصدار سابق من هذه المقدمة ضمن سلسلة «أساطين سابقون» عام 1981؛ وسأظل مدينا ~~بالكثير لكيث توماس لدعوته إياي من أجل الإسهام في هذه السلسلة، ولفريق «مطبعة جامعة ~~أكسفورد» (خصوصا هنري هاردي) لمساعدتهم الكبيرة لي في عملية التحرير في ذلك الحين، ~~ولجون دن وسوزان جيمس وجيه جي إيه بوكوك وكيث توماس لقراءتهم المخطوط الأصلي بعناية ~~فائقة، ولتزويدهم إياي بالعديد من التعقيبات القيمة. أحمل عظيم الامتنان أيضا لما لاقيته ~~من مساعدة حرفية في إعداد هذه الطبعة الجديدة من جانب فريق التحرير في «مطبعة جامعة ~~أكسفورد»، خاصة شيلي كوكس؛ لما لاقيته منها من قدر كبير من الصبر والتشجيع. # في هذه الطبعة الجديدة نقحت النص تنقيحا دقيقا، وعملت على تحديث مسرد المراجع، ~~لكنني لم أغير المسار الأساسي للنقاش؛ إذ إنني ما زلت أرى مكيافيللي بوصفه ممثلا ~~للشكل الكلاسيكي الجديد للفكر السياسي الإنساني. وأزعم أيضا أن أكثر جوانب رؤيته ~~السياسية أصالة وإبداعا يمكن أن تفهم على أفضل نحو باعتبارها سلسلة من ردود الفعل ~~الجدلية - والساخرة في بعض الأحيان - حيال افتراضات الحركة الإنسانية التي ورثها وظل ~~يؤيدها. كان هدفي الرئيسي هنا أن أقدم مقدمة مباشرة وأمينة عن آراء مكيافيللي بشأن ~~فن الحكم، ومع ذلك آمل أن ينال هذا التفسير جانبا من اهتمام المتخصصين في هذا ~~المجال. # عندما اقتبست من أعمال بوثيوس وشيشرون وليفيوس وسالوست وسينيكا، استخدمت التراجم التي ~~نشرتها مكتبة «لوب» للأعمال الكلاسيكية، وعندما اقتبست من مراسلات مكيافيللي ورسائله ~~الدبلوماسية وما أطلق عليها «الأهواء» والمكتوبة باللغة الإيطالية، فقد اعتمدت على ترجمتي ~~الشخصية. وعندما اقتبست من كتاب «الأمير» استخدمت ترجمة راسيل برايس لكتاب «الأمير»، من ~~تحرير ms01 كوينتن سكينر وراسيل برايس (كامبريدج، 1988). وعندما اقتبست من أعمال مكيافيللي ~~الأخرى اعتمدت (بعد نيل الإذن الكريم) على الإصدارات الإنجليزية الممتازة لترجمة ~~«مكيافيللي: الأعمال الرئيسية وغيرها» لآلان جيلبرت (3 مجلدات، «مطبعة جامعة ديوك»، 1965). ~~ستجد عزيزي القارئ أنني عندما أقتبس نصا من «المراسلات وخطابات التمثيل الدبلوماسي» أشير ~~إلى ذلك بأن أضع بين قوسين الحرف «م» كناية عن المراسلات، أو الحرفين «ت د» كناية عن ~~التمثيل الدبلوماسي، وأذكر أيضا رقم الصفحة التي اقتبست منها بعد كل اقتباس. وعندما أشير ~~إلى أعمال مكيافيللي الأخرى، أحرص على أن يوضح السياق في كل حالة النص الذي أستشهد به، ~~وأذكر بين قوسين رقم الصفحة التي اقتبست منها. ويمكن أن تجد التفاصيل الكاملة لجميع ~~الطبعات التي اعتمدت عليها في قائمة «أعمال مكيافيللي المقتبس منها في النص» الواردة في ~~نهاية الكتاب. # لا بد أن أوضح نقطتين أخريين تتعلقان بالتراجم التي اعتمدت عليها؛ فقد تجاسرت في ~~مواضع قليلة على أن أدخل تعديلات على ترجمة جيلبرت، بغرض أن أظل أقرب إلى الأسلوب ~~الأصلي الذي استخدمه مكيافيللي في كتابته. لطالما آمنت بأن مفهوم «القوة» (أو # virtus # في اللغة اللاتينية) المحوري لدى مكيافيللي لا ~~يمكن أن يترجم إلى اللغة الإنجليزية الحديثة بكلمة واحدة، أو حتى بسلسلة من الكلمات ~~التوضيحية المطولة. لكن هذا لا يعني أنني لم أناقش معناها؛ بل على العكس؛ لأن جانبا ~~كبيرا من النص الذي قدمته يمكن أن يقرأ باعتباره تفسيرا لما رأيت أنه المعنى الذي ~~كان يقصده مكيافيللي بها. # | مقدمة # رحل مكيافيللي عن عالمنا منذ نحو 500 عام، لكن لا يزال اسمه حيا كنموذج للدهاء ~~والازدواجية وانتهاج سوء النية في الشئون السياسية. وقد ظل «مكيافيللي السفاح» - كما ~~يصفه شكسبير - أبدا محل بغض الفلاسفة الأخلاقيين على اختلاف اتجاهاتهم؛ المحافظين ~~والثوريين على حد سواء. فقد زعم إدموند بيرك أنه رأى «الثوابت البغيضة للسياسة ~~المكيافيللية» التي يقوم عليها «الاستبداد الديمقراطي» الموجود في «الثورة الفرنسية». وشن ~~ماركس وإنجلز هجوما لا يقل شراسة على مبادئ المكيافيللية، وأكدا في الوقت نفسه على أن ~~أنصار «السياسة المكيافيللية» ms02 الحقيقيين هم أولئك الذين يحاولون «إخماد الطاقات ~~الديمقراطية» في فترات التغيير الثوري. والنقطة التي يتفق عليها كلا الطرفين هي أن شرور ~~المكيافيللية تشكل أحد أشد المخاطر التي تتهدد الأساس الأخلاقي للحياة ~~السياسية. # اكتنف قدر كبير من سوء السمعة اسم مكيافيللي، إلى درجة أن كون المرء شخصا ~~مكيافيلليا لا يزال يمثل تهمة خطيرة في الجدل السياسي. على سبيل المثال، حينما ~~تحدث هنري كيسنجر موضحا فلسفته في لقاء شهير نشر نصه في مجلة «ذا نيو ~~ريببليك» عام 1972، عقب مضيفه بعد أن سمعه يناقش الدور الذي يضطلع به بصفته مستشارا ~~للرئيس، بقوله: «المرء، إذ يسمعك، لا يتساءل إلى أي حد أثرت على رئيس الولايات ~~المتحدة، بل إلى أي حد تأثرت بمكيافيللي.» وهذا تلميح كان كيسنجر حريصا أشد الحرص ~~على أن يدحضه. هل كان كيسنجر مكيافيلليا؟ «كلا، على الإطلاق.» «ألم يتأثر بمكيافيللي ~~إلى حد ما؟» «كلا البتة.» # ما سبب السمعة السيئة التي اكتسبها مكيافيللي؟ هل يستحقها حقا؟ ما الأفكار المتعلقة ~~بالسياسة والخلق السياسي التي يطرحها فعليا في أعماله المهمة؟ هذه هي الأسئلة التي آمل ~~أن أقدم إجاباتها في سياق هذا الكتاب. سوف أطرح فكرة أننا نحتاج - كي نفهم مذاهب ~~مكيافيللي - إلى أن نبدأ بالنظر في المشكلات التي رأى جليا أنه يتصدى لها في كتابي ~~«الأمير» و«المطارحات»، وفي أعماله الأخرى عن الفكر السياسي. ولكي ندرك هذا المنظور، نحتاج ~~بدورنا إلى أن نعيد بناء السياق الذي ألفت فيه هذه الأعمال في الأساس؛ أي السياق ~~الفكري للفلسفة الكلاسيكية وفلسفة عصر النهضة، فضلا عن السياق السياسي لحياة دولة المدينة ~~في إيطاليا في مطلع القرن السادس عشر. وبمجرد أن نعيد مكيافيللي إلى العالم الذي تشكلت ~~فيه أفكاره في الأصل، يمكننا أن نبدأ في تقدير الأصالة الاستثنائية لهجومه على الافتراضات ~~الأخلاقية السائدة في عصره. وبمجرد أن نفهم تبعات منظوره الأخلاقي الخاص، نكون على استعداد ~~لأن ندرك السبب في أن اسمه لا يزال يذكر كثيرا كلما نوقشت قضايا السلطة السياسية ~~والقيادة. # الفصل الأول # | الدبلوماسي # الخلفية الإنسانية # ولد نيكولو مكيافيللي في فلورنسا ms03 في الثالث من مايو عام 1469. أول ما يأتينا من ~~أخباره هو دوره النشط في شئون مدينته ومسقط رأسه عام 1498، نفس العام الذي أسقط ~~فيه النظام الحاكم بقيادة سافونارولا من السلطة. كان جيرولامو سافونارولا، الزعيم ~~الدومينيكاني لسان ماركو الذي كانت خطبه النبوئية قد سيطرت على الساحة السياسية ~~الفلورنسية طوال السنوات الأربع السابقة لهذا التاريخ؛ قد اعتقل بتهمة الهرطقة في ~~أوائل شهر أبريل، ثم ما لبث مجلس المدينة الحاكم أن بدأ في إقالة من بقي من مؤيديه ~~من مناصبهم في الحكومة. كان أحد أولئك الذين خسروا مناصبهم نتيجة لذلك أليساندرو ~~براتشيزي، رئيس الهيئة الاستشارية الدبلوماسية الثانية. في بادئ الأمر ظل المنصب ~~شاغرا، لكن بعد تأخير دام لعدة أسابيع طرح اسم مكيافيللي، الذي لم يكن معروفا ~~تقريبا، بصفته بديلا محتملا. في ذلك الوقت كان مكيافيللي يبلغ من العمر نحو تسعة ~~وعشرين عاما، وكان من الظاهر أنه لا يملك أي خبرة إدارية سابقة، لكن ترشيحه لهذا ~~المنصب لم يواجه أي صعوبة على ما يبدو، وفي التاسع عشر من يونيو صادق المجلس ~~النيابي حسب الأصول على تعيينه بمنصب المستشار الدبلوماسي الثاني لجمهورية ~~فلورنسا. # شكل 1-1: قصر فيكيو بفلورنسا، حيث عمل مكيافيللي في الهيئة الاستشارية ~~الدبلوماسية الثانية من عام 1498 إلى عام 1512. ~~(© ~~Stephanie Colasanti/Corbis) # حينما التحق مكيافيللي بالهيئة الاستشارية الدبلوماسية، كانت هناك طريقة راسخة ~~للتعيين في مناصب الهيئة الرئيسية؛ إذ كان على المسئولين الطامحين لشغل هذه المناصب أن ~~يعطوا أدلة تظهر مهاراتهم الدبلوماسية، كما كان يتعين عليهم أن يظهروا قدرا ~~كبيرا من الكفاءة فيما يعرف بالتخصصات الإنسانية. استمد مفهوم «الدراسات ~~الإنسانية» هذا من أصول رومانية، لا سيما من شيشرون، الذي أحيا الفلاسفة الإنسانيون ~~الإيطاليون مثله التربوية في القرن الرابع عشر، وصاروا يمارسون تأثيرا قويا على ~~الجامعات وعلى طبيعة الحياة العامة في إيطاليا. تميز الإنسانيون في المقام الأول ~~بالتزامهم بنظرية خاصة تتمحور حول المكونات الصحيحة للتعليم «الإنساني الحقيقي». كانوا ~~يطلبون من طلابهم أن يبدءوا بإجادة اللغة اللاتينية، ثم ينتقلوا إلى ممارسة الخطابة ~~ومحاكاة أرفع الكتاب الكلاسيكيين شأنا، ms04 ثم يكملوا دراساتهم بقراءة وافية ~~للتاريخ القديم والفلسفة الأخلاقية. وقد أشاعوا أيضا الاعتقاد الراسخ بأن هذا النوع من ~~التدريب يشكل أفضل تأهيل للحياة السياسية. كما دأب شيشرون على التأكيد مرارا على ~~أن هذه التخصصات تعزز القيم التي نحتاج إلى اكتسابها في المقام الأول من أجل أن ~~نخدم بلادنا جيدا، والتي تتمثل في الاستعداد لإعلاء الصالح العام على مصالحنا ~~الخاصة، والرغبة في محاربة الفساد والاستبداد، والتطلع لبلوغ أنبل هدفين على الإطلاق؛ ~~الشرف والمجد لبلادنا ولأنفسنا أيضا. # ومع تزايد استيعاب الفلورنسيين لهذه المعتقدات، بدءوا يدعون كبار أساتذة العلوم ~~الإنسانية إلى شغل أرفع المناصب المرموقة في حكومة المدينة، ويمكن القول إن هذه العادة ~~قد بدأت مع تعيين كولوتشيو سالوتاتي مستشارا عام 1375، ثم سرعان ما أصبحت القاعدة ~~السائدة. خلال سنوات نشأة مكيافيللي، كان الشخص الذي يشغل منصب المستشار الأول هو ~~بارتولوميو سكالا، الذي ظل يعمل أستاذا في الجامعة طوال حياته المهنية في المجال ~~الحكومي، وظل يكتب عن موضوعات إنسانية معتادة، وكانت أهم أعماله أطروحة أخلاقية ~~وسردا لأحداث «تاريخ الفلورنسيين». خلال عهد مكيافيللي نفسه في الهيئة الاستشارية ~~الدبلوماسية، كان مارسيللو أدرياني، خليفة سكالا، مستمسكا على نحو يثير الإعجاب ~~بالتقاليد نفسها؛ إذ كان هو أيضا قد انتقل من التدريس بالجامعة إلى منصب المستشار ~~الأول، وظل هو الآخر ينشر أعمالا بحثية في مجال العلوم الإنسانية، بما في ذلك كتاب ~~دراسي عن تدريس اللغة اللاتينية، وأطروحة بالعامية «عن تعليم أشراف فلورنسا». # إن ذيوع هذه المثل يساعدنا على معرفة السبب في تعيين مكيافيللي في سن مبكرة ~~نسبيا في موقع كبير المسئولية في إدارة الجمهورية؛ فرغم أن أفراد أسرته لم يكونوا ~~أغنياء أو أرستقراطيين إلى حد كبير، كانت لهم صلات وثيقة ببعض أرفع أوساط أساتذة ~~العلوم الإنسانية شأنا في المدينة، وكان برناردو والد مكيافيللي، الذي كان يكسب عيشه ~~من العمل محاميا، طالبا متحمسا للعلوم الإنسانية، وكان على علاقة وثيقة بعدة أساتذة ~~مرموقين، منهم بارتولوميو سكالا، الذي اتخذت أطروحته الصادرة عام 1483 تحت عنوان ~~«القوانين والأحكام القانونية» شكل حوار بينه وبين ms05 من وصفه بقوله «صاحبي وصديقي ~~الحميم»، برناردو مكيافيللي. يضاف لذلك أنه كان واضحا من «يوميات » دونها برناردو ~~بين عامي 1474 و1487 أنه طوال الفترة التي كان ابنه نيكولو يشب فيها عن الطوق، كان ~~منخرطا في دراسة العديد من النصوص الكلاسيكية المهمة التي كان قد تأسس عليها مفهوم ~~عصر النهضة عن «العلوم الإنسانية»؛ فقد كتب يقول إنه استعار «فيليبيات» شيشرون عام ~~1477، وأعظم أعماله الخطابية «الخطيب» عام 1480، واستعار أيضا «الواجبات» - وهي أهم ~~أطروحات شيشرون الأخلاقية - عدة مرات خلال سبعينيات القرن الخامس عشر، بل إنه تمكن ~~عام 1476 من الحصول على نسخته الخاصة من «تاريخ ليفي»، وهو نفس النص الذي سيشكل، بعد ~~مرور أربعين عاما، إطارا للكتاب الذي ألفه ابنه بعنوان «المطارحات»، أطول أعمال ~~مكيافيللي وأعلاها طموحا عن الفلسفة السياسية. # يتضح أيضا من «يوميات» برناردو أنه كان حريصا على أن يزود ابنه بأساس ممتاز في ~~«الدراسات الإنسانية»، # 1 # على الرغم مما كان يتطلبه ذلك من نفقات باهظة، كان يسجل بنودها بقلق. ~~تأتينا أولى أخبار تعليم مكيافيللي عقب عيد ميلاده السابع مباشرة، حينما كتب والده في ~~يومياته يقول: «ابني الصغير نيكولو بدأ يذهب إلى الأستاذ ماتيو»؛ كي ينال المرحلة ~~الأولى من تعليمه الرسمي؛ أي دراسة اللاتينية. وحينما بلغ مكيافيللي الثانية عشرة، ~~تخرج من هذه المرحلة لينتقل إلى المرحلة الثانية، ليحظى بعناية مدرس شهير هو باولو دا ~~رونشيليوني، الذي قام بالتدريس لعدد من ألمع أساتذة العلوم الإنسانية في جيل مكيافيللي. ~~يذكر برناردو هذه الخطوة الإضافية في مذكراته التي بعنوان «يوميات» بتاريخ الخامس من ~~نوفمبر عام 1481، عندما يعلن في فخر أن «نيكولو يستطيع الآن أن يكتب مؤلفات له باللغة ~~اللاتينية»؛ عملا بالأسلوب القياسي الإنساني المتمثل في محاكاة أفضل نماذج الأسلوب ~~الكلاسيكي. أخيرا، يبدو - إن كان لنا أن نثق بما رواه باولو جوفيو - أن مكيافيللي ~~ابتعث لاستكمال تعليمه في جامعة فلورنسا. يذكر جوفيو في «المبادئ الأساسية» أن ~~مكيافيللي «تلقى أفضل جزء» من تعليمه الكلاسيكي من مارسيلو أدرياني؛ وهو الشخص الذي ~~- كما رأينا - كان يعمل أستاذا في الجامعة ms06 لعدد من السنوات قبل تعيينه في منصب ~~المستشار الأول. # هذه الخلفية الإنسانية ربما تنطوي على ~~السبب الذي يفسر حصول مكيافيللي فجأة على منصبه الحكومي في صيف عام 1498. كان ~~أدرياني قد تولى منصب المستشار الأول في وقت سابق من نفس العام، ومن ثم يبدو من ~~المعقول أن نفترض أنه تذكر ما كان يتمتع به مكيافيللي من مواهب في العلوم ~~الإنسانية، فقرر أن يكافئه وهو يملأ المناصب التي باتت شاغرة في الهيئة ~~الاستشارية الدبلوماسية نتيجة لتغير النظام الحاكم. وبالتالي، من المرجح أن ~~الانطلاقة التي وجد مكيافيللي نفسه يشهدها في حياته المهنية العامة في الحكومة الجديدة ~~المناهضة لسافونارولا، كانت بفضل محاباة أدرياني له، وربما أيضا بفضل نفوذ أصدقاء ~~والده برناردو من أساتذة العلوم الإنسانية. # البعثات الدبلوماسية # كان منصب مكيافيللي الرسمي يتطلب منه أداء نوعين من المهمات. فقد كانت الهيئة ~~الاستشارية الدبلوماسية الثانية، التي أنشئت عام 1437، تتعامل أساسا مع المراسلات ~~المتعلقة بإدارة أقاليم فلورنسا. لكن بينما كان مكيافيللي يرأس هذا القسم، كان يشغل ~~أيضا واحدا من ستة مناصب سكرتارية للمستشار الأول، وبهذه الصفة جرى تكليفه بمهمة أخرى ~~هي خدمة «لجنة العشرة لشئون الحرب»، المسئولة عن العلاقات الخارجية والدبلوماسية ~~للجمهورية. كان هذا يعني أنه - بالإضافة إلى عمله المكتبي العادي - كان يمكن أن ~~يستدعى للسفر إلى الخارج نيابة عن لجنة العشرة، ويعمل سكرتيرا لسفرائها، ويساعد في ~~إرسال تقارير مفصلة إلى أرض الوطن عن الشئون الخارجية. # سنحت له أول فرصة للمشاركة في مهمة من هذا النوع في شهر يوليو عام 1500، عندما جرى ~~تكليفه هو وفرانشيسكو ديلا كازا بالذهاب «بأقصى سرعة ممكنة» إلى بلاط لويس الثاني عشر ~~ملك فرنسا (ت د 70). نشأ قرار إرسال هذه الهيئة الدبلوماسية من الصعوبات التي كانت ~~فلورنسا تعانيها في الحرب ضد مدينة بيزا، وكان مواطنو بيزا قد تمردوا عام 1496، ~~ونجحوا على مدى السنوات الأربع التالية في صد جميع المحاولات الرامية لإخماد مطالبتهم ~~بنيل الاستقلال. لكن في مطلع عام 1500، وافق الفرنسيون على مساعدة الفلورنسيين في ~~استعادة المدينة، وبعثوا قوة لفرض حصار عليها. لكن هذا ms07 أيضا أفضى إلى نتيجة مفجعة؛ ~~فقد فر مرتزقة مقاطعة جاسكوني الذين استأجرتهم فلورنسا، وتمرد المساعدون ~~السويسريون نتيجة لعدم حصولهم على أجورهم مقابل مشاركتهم في الحرب، فلم يعد هناك ~~بد من إلغاء الهجوم برمته على نحو مخز. # كانت مهمة مكيافيللي الدبلوماسية تتمثل في «التأكيد على أن فشل هذا المشروع في ~~تحقيق أي نتيجة لم يكن ناجما عن أي تقصير من جانبنا»، وفي الوقت نفسه «نقل الانطباع» ~~أنه من الممكن أن يكون القائد الفرنسي قد تصرف «بفساد وجبن» (ت د 72، 74). لكن، كما ~~تبين له ولزميله ديلا كازا في أول لقاء لهما مع لويس الثاني عشر، لم يكن الملك لديه ~~كثير اهتمام بما تقدمه فلورنسا من أعذار لتبرير إخفاقاتها السابقة، بل كان يود أن ~~يعرف نوعية المساعدة التي يمكن أن يتوقعها بواقعية في المستقبل من مثل هذه الحكومة، ~~التي كان واضحا أنها تدار على نحو سيئ، وقد حدد هذا اللقاء الطريقة التي تجري بها ~~كافة حواراتهما اللاحقة مع لويس وكبار مستشاريه، فلوريموند روبيرتيه ورئيس أساقفة مدينة ~~روان. كانت ثمرة ذلك أنه - على الرغم من أن مكيافيللي ظل في البلاط الفرنسي ما يقرب ~~من ستة أشهر - لم يتعلم من هذه الزيارة الكثير بشأن سياسات الفرنسيين، بقدر ما تعلم ~~الكثير عن الموقف الملتبس لدول المدن الإيطالية. # كان أول درس تعلمه هو أن الأجهزة الحكومية الفلورنسية، بالنسبة لأي شخص لديه علم ~~بمسالك النظام الملكي الحديث، تبدو متذبذبة وضعيفة على نحو يثير السخرية. بحلول ~~نهاية شهر يوليو بات واضحا أن «السلطة الحاكمة» - أي مجلس المدينة الحاكم - قد يحتاج ~~إلى إرسال بعثة دبلوماسية أخرى كي تعيد التفاوض على شروط التحالف مع فرنسا. ظل ~~مكيافيللي طوال شهري أغسطس وسبتمبر في انتظار سماع أخبار تفيد بأن المبعوثين الجدد قد ~~غادروا فلورنسا، وظل يطمئن رئيس أساقفة مدينة روان بقوله إنه ينتظر وصولهم في أي ~~لحظة. بحلول منتصف شهر أكتوبر، حينما كان الأفق لا يزال خاليا من أي أمارات على ~~وصولهم، بدأ رئيس أساقفة روان يتعامل مع هذه المراوغات المستمرة معاملة تحمل ms08 ازدراء ~~صريحا؛ فقد ذكر مكيافيللي، باغتمام واضح، أن رئيس الأساقفة «رد بهذه الكلمات تحديدا» ~~عندما أكد له أن البعثة الموعودة في طريقها أخيرا إلى فرنسا: «هذا ما تقوله أنت، ~~لكن قبل وصول هؤلاء المبعوثين سنكون قد بتنا جميعا في عداد الموتى» (ت د 168). الأمر ~~الأكثر إذلالا ومهانة أن مكيافيللي اكتشف أن إحساس مدينته فلورنسا بأهميتها يبدو في ~~نظر الفرنسيين منفصلا على نحو يثير السخرية عن واقع مكانتها العسكرية وحجم ثرواتها. ~~كان عليه أن يخبر «السلطة الحاكمة» أن الفرنسيين «لا يمنحون قيمة إلا لأولئك ~~المسلحين تسليحا جيدا أو المستعدين لأن يدفعوا.» وتوصل إلى الاعتقاد بأن ~~«هاتين الصفتين كلتيهما غائبتان في حالتكم.» وبرغم محاولاته أن يلقي على مسامع الملك ~~خطبة عصماء عن «الأمن الذي يمكن أن تضفيه عظمتكم على مستعمرات جلالة الملك في ~~إيطاليا»، وجد أن «كل هذا غير مجد»؛ إذ لم يكن من الفرنسيين إلا أن ضحكوا منه. الحقيقة ~~المؤلمة التي يعترف بها هي: «أنهم يطلقون عليك السيد لا شيء» (ت د 126). # وعى مكيافيللي أول هذه الدروس بشدة آخذا إياها بجدية؛ وكتاباته السياسية الناضجة ~~حافلة بالتحذيرات من حماقة المماطلة، وخطورة الظهور بمظهر متردد، وضرورة اتخاذ إجراء ~~جريء وسريع في الحرب وفي السياسة على حد سواء. لكنه رأى جليا أن من المستحيل قبول ~~التأثير المترتب على ذلك، والمتمثل في ألا يكون هناك مستقبل لدول المدن الإيطالية؛ ~~فظل يضع نظريات عن ترتيباتها العسكرية والسياسية، مفترضا أنها لا تزال قادرة بالفعل ~~على التعافي والحفاظ على استقلالها، حتى بالرغم من أن فترة حياته شهدت خضوعها النهائي ~~والتام لقوى أكثر تفوقا منها بكثير، وهي فرنسا وألمانيا وإسبانيا. # انتهت البعثة إلى فرنسا في ديسمبر عام 1500، وهرع مكيافيللي إلى أرض الوطن بأقصى سرعة ~~ممكنة. كانت المنية قد وافت شقيقته بينما كان في الخارج، ووافت والده قبل سفره بوقت ~~قصير، ونتيجة لذلك (كما اشتكى للسلطة الحاكمة) «لم يعد من الممكن على الإطلاق رعاية» ~~شئون أسرته (ت د 184). كان يحمل أيضا مخاوف بشأن وظيفته، فقد اتصل به مساعده أجوستينو ~~فيسبوتشي ms09 في نهاية شهر أكتوبر، ونقل له شائعة مفادها «إذا لم تعد أدراجك، فسوف ~~تفقد مكانك في البعثة الدبلوماسية» (م 60). أيضا، بعد ذلك بوقت قصير، بات لدى ~~مكيافيللي سبب آخر يدفعه لأن يرغب القرب من فلورنسا: وهو تودده إلى ماريتا كورسيني، ~~التي تزوج منها في خريف عام 1501. تظل ماريتا شخصية غامضة في قصة مكيافيللي، لكن ~~رسائله تشير إلى أنه لم يتوقف قط عن حبه لها طيلة حياته، بينما أنجبت هي له ستة ~~أطفال، ويبدو أنها احتملت خياناته في صبر، وعمرت بعده في نهاية المطاف ربع ~~قرن. # خلال العامين التاليين، اللذين قضى مكيافيللي أغلبهما داخل فلورنسا وبالقرب منها، ~~باتت «السلطة الحاكمة» قلقة من صعود قوة عسكرية جديدة وتهديدية على حدودها؛ هي قوة ~~شيزاري بورجا. كان بورجا قد نصب دوقا لرومانيا من قبل والده البابا ألكسندر السادس ~~في أبريل من عام 1501، ولم يلبث أن أطلق سلسلة من الحملات الجريئة بهدف أن يقتطع لنفسه ~~إقليما يليق بلقبه الجديد والرنان؛ فاستولى أولا على مدينة فاينسا، وضرب حصارا على ~~مدينة بيومبينو، التي دخلها في شهر سبتمبر عام 1501. بعد ذلك أشعل مساعدوه نار التمرد ~~في مدينة فال دي تشيانا ضد فلورنسا في ربيع عام 1502، في حين زحف بورجا نفسه شمالا ~~واستولى على دوقية أوربينو في «انقلاب» خاطف كالبرق. ولما بات بورجا مزهوا بهذه ~~النجاحات، طلب بعد ذلك أن يتحالف رسميا مع الفلورنسيين، وطلب أن يرسل إليه مبعوث ~~خاص ليسمع شروطه، وكان الرجل الذي وقع عليه الاختيار لهذه المهمة الحساسة هو مكيافيللي، ~~الذي كان قد التقى بورجا في أوربينو. أسندت المهمة لمكيافيللي في الخامس من أكتوبر ~~عام 1502، وقدم نفسه للدوق بعد ذلك بيومين في مدينة إيمولا. # تعد هذه المهمة بداية أهم فترة شكلت حياة مكيافيللي المهنية الدبلوماسية، ~~وهي الفترة التي كان قادرا فيها على لعب أكثر دور سره على الإطلاق، هو دور مراقب ~~ومقيم مباشر للطريقة التي تدار بها شئون الحكم المعاصر. كانت هذه أيضا هي الفترة ~~التي توصل فيها إلى أحكام قاطعة عن معظم الزعماء الذين كان ms10 بوسعه أن يراقب سياساتهم ~~خلال مرحلة تشكلها. كثيرا ما يقال إن كتاب مكيافيللي «التمثيل الدبلوماسي» لا يحوي ~~سوى «مواد خام» أو «مسودات تمهيدية» لآرائه السياسية التي طرحها فيما بعد، وأنه نقح ~~ملاحظاته في وقت لاحق وهذبها خلال سنوات تقاعده الجبري. لكن كما سنرى، تكشف دراسة ~~أجريت عن «التمثيل الدبلوماسي» أن آراء مكيافيللي - وحتى ما أثر عنه من أقوال - قد ~~خطرت له لحظيا في أغلب الأحيان، ثم أدرجت فيما بعد، دونما تغيير، في صفحات كتاب ~~«المطارحات» وكتاب «الأمير» خاصة. # استمرت بعثة مكيافيللي إلى بلاط بورجا نحو أربعة أشهر، أجرى خلالها العديد من ~~المحادثات الثنائية مع الدوق، الذي كان يبدو أنه يبذل قصارى جهده كي يجلي حقيقة سياساته ~~وما تنطوي عليه من طموحات. كان هذا محط إعجاب عظيم من جانب مكيافيللي؛ فقد ذكر أن ~~الدوق «يتمتع بشجاعة فائقة»، فضلا عن كونه رجلا ذا خطط عظيمة، «يظن أنه قادر على بلوغ ~~أي شيء يريده» (ت د 520)، علاوة على أن أفعاله لا تقل إدهاشا عن أقواله؛ لأنه «يراقب ~~كل شيء بنفسه»، ويحكم «في تكتم بالغ»، ومن ثم لديه القدرة على اتخاذ القرار وتنفيذ ~~خططه «بسرعة مبهرة» (ت د 472، 503). باختصار، أدرك مكيافيللي أن بورجا ليس مجرد قائد ~~محدث نعمة لمجموعة من المرتزقة، وإنما شخص «لا بد أن ينظر إليه الآن باعتباره قوة ~~جديدة في إيطاليا» (ت د 422). # وما إن وصلت هذه الملاحظات، التي كانت قد أرسلت سرا إلى «لجنة العشرة لشئون ~~الحرب»، حتى صارت منذ ذلك الحين محل شهرة واسعة؛ لأنها تكاد تتكرر كلمة كلمة في ~~الفصل السابع من كتاب «الأمير». فمكيافيللي إذ يستعرض سيرة بورجا، يؤكد من جديد على ~~شجاعة الدوق الفائقة وقدراته الاستثنائية ووضوح أهدافه (33-34). وهو أيضا يعرب ثانية ~~عن رأيه بأن بورجا ليس أقل إبهارا عندما ينفذ مخططاته؛ فقد «استخدم كل الوسائل ~~والإجراءات الممكنة» كي «يمد جذوره»، ونجح في إرساء «أسس متينة لسلطته في المستقبل» في ~~زمن بالغ القصر إلى حد سيجعله، ما لم يجانبه حظه، «يتمكن من التغلب على أي ms11 ~~صعوبة» (29، 33). # لكن رغم أن مكيافيللي أبدى إعجابه بسمات بورجا القيادية، فقد شعر بشيء من عدم ~~الارتياح منذ بادئ الأمر فيما يتعلق بثقة الدوق المذهلة بنفسه؛ ففي أكتوبر من عام ~~1502 كتب من إيمولا يقول: «طوال الوقت الذي أمضيته هنا، لم يكن حكم الدوق قائما على أي ~~شيء أكثر من حظه الجيد» (ت د 386). وبحلول بداية العام التالي، كان يتحدث في استنكار ~~متزايد عن حقيقة أن الدوق كان لا يزال مقتنعا باعتماده على ما يتمتع به من «حسن حظ ~~غير مسبوق» (ت د 520). وبحلول أكتوبر 1503، عندما كان مكيافيللي مبعوثا في مهمة ~~دبلوماسية إلى روما، ونال ثانية فرصة مراقبة بورجا عن كثب، تبلورت شكوكه السابقة ~~وصارت شعورا قويا بمحدودية ما يتمتع به الدوق من قدرات. # كان الغرض الرئيسي من رحلة مكيافيللي إلى روما أن يعد تقريرا عن أزمة طارئة كانت ~~قد ظهرت في البلاط البابوي. كان البابا ألكسندر السادس قد توفي في شهر أغسطس، وكان ~~خليفته بيوس الثالث قد توفي هو الآخر بعد شهر من توليه منصب البابوية، وكانت الحكومة ~~الفلورنسية حريصة على أن تتلقى نشرات يومية عما كان من المرجح أن يحدث بعد ذلك، لا ~~سيما بعد أن حول بورجا ولاءه ووافق على أن يدعم ترشيح الكاردينال جوليانو ديلا ~~روفيري؛ إذ بدا أن هذا التطور يمكن أن يشكل تهديدا لمصالح فلورنسا؛ لأن دعم الدوق ~~بورجا جرى شراؤه مقابل وعد بأنه سيعين قائدا عاما للجيوش البابوية حال انتخاب ~~روفيري، وبدا من المؤكد أن بورجا، في حال حصوله على هذا المنصب، سيبدأ سلسلة جديدة من ~~الحملات المعادية على حدود إقليم فلورنسا. # ولهذا تركز أولى برقيات مكيافيللي على اجتماع مجمع انتخاب البابا، الذي انتخب ~~فيه روفيري «بأغلبية هائلة» واتخذ اسم يوليوس الثاني (ت د 599). لكن ما إن انتهى هذا ~~الأمر، حتى تحول انتباه الجميع إلى الصراع الذي بدأ يندلع بين بورجا والبابا. وبينما ~~كان مكيافيللي يراقب محترفي النفاق هذين وهما يتأهبان للتقاتل، أدرك أن شكوكه ~~المبدئية في قدرات الدوق كانت في محلها تماما. # فقد ms12 أحس أن بورجا كان يفتقر إلى بعد النظر؛ لأنه لم يتمكن من رؤية المخاطر التي ~~ينطوي عليها تحوله إلى دعم روفيري . وذكر «لجنة العشرة» بأن الكاردينال روفيري كان ~~قد أجبر على «أن يعيش في المنفى لعشر ~~سنوات» حينما كان ألكسندر السادس، والد ~~الدوق بورجا، يشغل منصب البابوية. وأضاف أنه من المؤكد أن روفيري «لا يمكن أن ينسى هذا ~~الأمر بهذه السرعة» بحيث يشعر الآن باستحسان حقيقي إزاء تحالف مع ابن عدوه (ت د 599). ~~لكن أكثر انتقادات مكيافيللي أهمية كانت تتمثل في أنه حتى في هذه الحالة الملتبسة ~~والمحفوفة بالمخاطر، ظل بورجا يعتمد اعتمادا متعجرفا على رصيده الدائم من حسن ~~الحظ. في البداية ذكر مكيافيللي ببساطة، في شيء من الاندهاش الواضح، أن «الدوق ينجرف ~~وراء ثقته الهائلة» (ت د 599). وبعد مرور أسبوعين، عندما لم تكن بعثة بورجا البابوية قد ~~وصلت بعد، وكانت مستعمراته في رومانيا قد بدأت تتمرد على نطاق واسع، كتب مكيافيللي ~~يقول بأسلوب يحمل مزيدا من الانتقاد، إن الدوق «فقد صوابه» بفعل «ضربات القدر اللاذعة، ~~التي لم يعتد مذاقها» (ت د 631). وبحلول نهاية الشهر، انتهى مكيافيللي إلى أن سوء ~~حظ بورجا قد سلبه شجاعته تماما إلى حد جعله أصبح عاجزا عن أن يحتفظ بحسمه بشأن أي ~~قرار، وفي السادس والعشرين من نوفمبر شعر مكيافيللي أن بوسعه أن يطمئن «لجنة العشرة» ~~بقوله: «بوسعكم من الآن فصاعدا أن تتصرفوا دون حاجة للتفكير فيه بعد الآن» (ت د 683). ~~وبعد أسبوع تعرض لأحوال بورجا للمرة الأخيرة، بمجرد الإشارة إلى «الدوق ينزلق شيئا ~~فشيئا نحو حتفه» (ت د 709). # وكما حدث من قبل، نالت هذه الأحكام السرية على شخصية بورجا شهرة منذ ذلك الحين، من ~~خلال إدماجها في الفصل السابع من كتاب «الأمير»، حيث يكرر مكيافيللي أن الدوق بدعمه ~~«انتخاب يوليوس لمنصب البابوية» قد «أساء الاختيار»؛ لأنه «لم يكن ينبغي له إطلاقا أن ~~يدع البابوية تذهب إلى أي كاردينال نال منه أذى» (34). وكان يعاود الإشارة إلى اتهامه ~~الأساسي للدوق، وهو اعتماده إلى حد كبير على ms13 حظه، فبدلا من أن يواجه الدوق الاحتمال ~~القائم بأنه قد يتلقى في مرحلة ما «ضربة ماكرة من ضربات القدر»، انهار بمجرد أن حدث ~~هذا (29). ورغم الإعجاب الذي كان مكيافيللي يكنه لبورجا، كان حكمه النهائي عليه - ~~الوارد في كتاب «الأمير» بقدر وروده في كتاب «التمثيل الدبلوماسي» - متناقضا مع هذا ~~الإعجاب؛ إذ يقول إن بورجا: «نال منصبه بفضل حظ والده» وخسره بمجرد أن جانبه الحظ ~~(28). # القائد المؤثر التالي الذي أتيحت لمكيافيللي فرصة أن يقيمه عن كثب هو البابا ~~الجديد يوليوس الثاني. كان مكيافيللي حاضرا لعدة لقاءات وقت انتخاب يوليوس، لكنه لم ~~ينل القدر الأوفى من فهم شخصية البابا وقيادته إلا خلال بعثتين لاحقتين له كانت ~~أولاهما عام 1506، عندما عاد مكيافيللي بين شهري أغسطس وأكتوبر إلى البلاط البابوي. ~~كانت مهمته في تلك المرحلة أن يحيط الحكومة الفلورنسية علما بالتقدم المحرز فيما وضعه ~~يوليوس من خطة هجومية في الأغلب لاسترداد بيروجا وبولونيا، وغيرها من الأقاليم التي ~~كانت ملكا للكنيسة من قبل. تسنت الفرصة الثانية عام 1510، عندما جرى إرسال ~~مكيافيللي في بعثة دبلوماسية جديدة إلى بلاط فرنسا. بحلول ذلك الوقت كان يوليوس قد عقد ~~العزم على شن حملة صليبية كبيرة لإجلاء البربر عن إيطاليا، وهو مطمح وضع الفلورنسيين ~~في موقف حرج؛ فهم لم تكن لديهم رغبة في تكدير الحالة المزاجية للبابا التي تزداد ولعا ~~بالقتال، لكنهم من ناحية أخرى كانوا حلفاء تقليديين للفرنسيين، الذين سرعان ما سألوا ~~الفلورنسيين عن ماهية المساعدة التي يمكن أن ينالوها منهم إذا قرر البابا غزو دوقية ~~ميلانو، التي كان لويس الثاني عشر قد استعادها في العام السابق. ومن ثم، كما حدث عام ~~1506، وجد مكيافيللي نفسه يراقب في قلق ما تحققه حملات يوليوس من تقدم، بينما يأمل ~~ويخطط في الوقت نفسه للمحافظة على حيادية فلورنسا. # ظهر انبهار مكيافيللي - بل ذهوله أيضا - في بادئ الأمر وهو يراقب البابا المحارب في ~~ميدان المعركة. كان يرى في البداية أن خطة يوليوس لإعادة غزو الولايات البابوية لا بد ~~أن تفضي إلى كارثة؛ فكتب يقول في ms14 سبتمبر من عام 1506 إنه «ما من أحد يعتقد» أن البابا ~~«سوف يتمكن من تحقيق ما كان يريده في الأصل» (ت د 996)، لكنه اضطر إلى التراجع عما ~~قاله بين عشية وضحاها؛ فقد دخل يوليوس قبل حلول نهاية الشهر بيروجا مجددا و«فرغ من ~~أمرها»، وقبل أن ينقضي شهر أكتوبر وجد مكيافيللي نفسه ينهي مهمته بتصريح حاسم أفاد بأن ~~بولونيا استسلمت، على إثر حملة خاطفة، دون قيد أو شرط، وأن «سفراءها طلبوا العفو من ~~البابا وسلموا له مدينتهم» (ت د 995، 1035). # لكن لم يمض وقت طويل حتى بدأ ~~مكيافيللي يبدي لهجة أكثر انتقادا، لا سيما بعد أن اتخذ يوليوس القرار الخطير بأن يطلق ~~قواته الهزيلة في مواجهة قوة فرنسا عام 1510. في بادئ الأمر، اكتفى بالتعبير ساخرا ~~عن أمله في أن تكون جرأة يوليوس «قائمة على أساس آخر غير قداسته» (ت د 1234)، لكنه ~~سرعان ما بات يكتب بلهجة أكثر جدية قائلا إنه «لا أحد هنا يعرف يقينا ما الأساس ~~الذي تستند إليه تصرفات البابا»، وأردف يقول إن سفير يوليوس نفسه يصرح بأنه «في غاية ~~الذهول» من هذه المغامرة برمتها؛ لأنه «يشك إلى حد كبير في أن يكون البابا يملك ~~حقا الموارد أو التنظيم» اللازم للشروع فيها (ت د 1248). لم يكن مكيافيللي على ~~استعداد بعد لأن يدين يوليوس صراحة؛ لأنه كان لا يزال يظن أنه من المعقول، «كما ~~حدث في الحملة ضد بولونيا»، أن تعمل «جرأة البابا وسلطته الهائلتان» على تحويل اندفاعه ~~الجنوني إلى نصر غير متوقع (ت د 1244). لكنه في الأساس بدأ يشعر بانزعاج بالغ، وصار ~~يكرر في رثاء واضح ملاحظة لروبيرتيه مفادها أن يوليوس على ما يبدو «قد كلفه ~~القدير بأن يدمر العالم» (ت د 1270)، وأضاف في وقار غير معتاد أن البابا بالفعل «يبدو ~~عازما على تدمير الديانة المسيحية وإتمام انهيار إيطاليا» (ت د 1257). # هذه الإفادة عن سيرة البابا تظهر ثانية دون تغيير تقريبا في صفحات كتاب «الأمير»؛ ~~إذ يعترف مكيافيللي أولا أنه على الرغم من أن يوليوس «كان مندفعا في جميع أموره»، ms15 إلا ~~أنه كان «يحقق نجاحا دائما»، حتى في أكثر مغامراته استحالة. لكنه يستطرد مجادلا ~~بأن هذا لم يكن إلا لأن «العصر وظروفه» كانا «مواتيين للغاية لطريقته الخاصة في ~~التصرف»؛ وذلك لأنه لم يضطر قط لأن ينال ما يستحقه من عقاب على تهوره. ورغم ما ~~حققه البابا من نجاحات مذهلة، يشعر مكيافيللي أنه محق تماما في الموقف السلبي ~~الذي يتخذه من أسلوب حكمه. صحيح أن يوليوس «حقق باندفاعه ما لم يكن يستطيع أي بابا ~~آخر - يتحلى بأقصى قدر من الحصافة الإنسانية - أن يحققه»، لكن «قصر حياته» فقط ~~هو السبب فيما لدينا من انطباع بأنه كان بالضرورة قائدا عظيما من البشر؛ «فلو كانت ~~أتت عليه أوقات يتعين عليه فيها أن يتصرف بحذر، لتسببت في سقوطه؛ لأنه لم يكن ~~قط لينحرف كثيرا عن الأساليب التي يميل إليها بسليقته» (91-92). # في الفترة الواقعة بين بعثته إلى بلاط البابوية عام 1506 وعودته إلى فرنسا عام 1510، ~~ذهب مكيافيللي في مهمة أخرى خارج إيطاليا، تمكن خلالها من تقييم حاكم بارز آخر عن ~~قرب، هو ماكسيميليان، الإمبراطور الروماني المقدس. كان قرار الحكومة الفلورنسية ~~بإرسال هذه البعثة قد نبع من قلقها بشأن خطة الإمبراطور الرامية للزحف إلى إيطاليا ~~وتتويج نفسه حاكما لروما. فحينما أعلن نيته هذه، طلب دعما كبيرا من الفلورنسيين بهدف ~~مساعدته في التغلب على ما يعانيه من قلة دائمة في الموارد. شعرت «السلطة الحاكمة» ~~بالرغبة في إسداء هذا المعروف له إذا كان قادما حقا، وفي عدم فعل ذلك إذا لم يكن ~~قادما بالفعل. فهل كان سيأتي بحق؟ في يونيو من عام 1507 جرى إيفاد فرانشيسكو فيتوري ~~لمعرفة الجواب، لكنه أتى بتصريحات محيرة بدرجة جعلت الحكومة ترسل وراءه مكيافيللي ~~بتعليمات إضافية بعد ستة أشهر. ظل كلا الرجلين في البلاط الإمبراطوري حتى يونيو من ~~العام التالي، حينما جرى إلغاء هذه البعثة المقترحة. # كانت ملاحظات مكيافيللي بشأن كبير أسرة هابسبورج الحاكمة تخلو من الفوراق أو المؤهلات ~~المميزة التي تضمنها وصفه لشيزاري بورجا ويوليوس الثاني. إجمالا، ترك الإمبراطور لدى ~~مكيافيللي انطباعا ms16 بأنه حاكم أخرق تماما، يكاد لا يتمتع بأي من المؤهلات المناسبة ~~لإدارة حكومة ناجحة، ورأى مكيافيللي أن نقيصته الأساسية تتمثل في نزوعه إلى أن يكون ~~«متراخيا وساذجا إلى أقصى حد»، الأمر الذي جعله «قابلا دائما لأن يتأثر بكل رأي ~~مختلف» يطرح عليه (ت د 1098-1099)، وهذا يجعل إجراء المفاوضات أمرا مستحيلا؛ لأنه ~~حتى عندما يبدأ في اتخاذ قرار في أمر ما - مثل الحملة إلى إيطاليا - يظل بمقدور ~~المرء أن يقول إن «الرب وحده يعلم إلام سينتهي» (ت د 1139). علاوة على أن هذا يعمل ~~على إضعاف قيادته على نحو يتعذر علاجه؛ لأنه يجعل الجميع في «حيرة لا تنقطع»، و«دون ~~أن يعرف أحد مطلقا ما سيفعله» (ت د 1106). # وتصوير مكيافيللي للإمبراطور في كتاب «الأمير» يعكس إلى حد كبير هذه الأحكام ~~السابقة؛ فالإمبراطور ماكسيميليان محل نقاش في الفصل الثالث والعشرين، الذي كان موضوعه ~~يدور حول حاجة الأمراء للإصغاء إلى النصائح الجيدة. يتناول مكيافيللي سلوك الإمبراطور ~~باعتباره قصة تحذيرية عن مخاطر عدم التعامل مع المستشارين بحزم كاف. يوصف ~~ماكسيميليان بأنه «لين العريكة» جدا إلى حد أنه إذا حدث و«أصبحت خططه معروفة على ~~الملأ» ثم «رفضت من جانب المحيطين به»، فإن هذا الرفض يثنيه عن عزمه تماما إلى ~~حد أنه «يتراجع عن هذه الخطط» على الفور، وهذا لا يؤدي فقط إلى إصابة المرء بالإحباط ~~من التعامل معه، نظرا لأنه «لا أحد يدري على الإطلاق ما يرغب أو ينوي فعله»، بل إن هذا ~~الأمر يجعله أيضا حاكما غير كفء؛ لأنه «من المستحيل الاعتماد» على أي قرارات يتخذها، ~~ولأن «ما يفعله في يوم يدمره في اليوم التالي» (87). # دروس الدبلوماسية # بحلول الوقت الذي انتهى فيه مكيافيللي إلى تسجيل أحكامه النهائية على الحكام ورجال ~~الدولة الذين قابلهم، كان قد توصل إلى استنتاج مفاده أنهم جميعا أساءوا فهم درس واحد ~~بسيط لكنه أساسي، الأمر الذي أسفر عن فشلهم عموما في خططهم، أو نجاحهم بخلاف ذلك ~~بفضل الحظ وليس الحكم السياسي الرشيد. كانت النقيصة الأساسية التي شابتهم جميعا ~~تتمثل في افتقار ms17 مهلك إلى المرونة في مواجهة الظروف المتغيرة؛ فقد كان شيزاري بورجا ~~في كل الأوقات مفرطا في الزهو بثقته في نفسه، وكان ماكسيميليان دائما حذرا ومفرط ~~التردد، وكان يوليوس الثاني دائما متهورا ومفرط الحماس. إن ما لم يشاءوا جميعا أن ~~يعترفوا به هو أنه كان بإمكانهم تحقيق نجاحات أكثر بكثير لو أنهم عملوا على تعديل ~~شخصياتهم بما يتواءم مع مقتضيات العصر، بدلا من أن يحاولوا إعادة تشكيل عصورهم في ~~القالب الذي يلائم شخصياتهم. # في نهاية المطاف وضع مكيافيللي هذا الحكم محورا لتحليله عن القيادة السياسية في ~~كتاب «الأمير»، لكنه كان قد سجل هذا الرأي لأول مرة قبل ذلك بكثير، إبان عمله ~~كدبلوماسي نشط. يضاف إلى ذلك أنه يتضح من كتابه «التمثيل الدبلوماسي» أن هذا التعميم ~~طرأ بباله في البداية ليس نتيجة تأملاته الخاصة بقدر ما هو نتيجة استماعه إلى وجهات نظر ~~اثنين من أبرع السياسيين الذين احتك بهم، ثم تفكر فيها لاحقا. فأول ما تبين له ~~هذا الأمر كان في يوم انتخاب يوليوس الثاني لمنصب الكرسي البابوي؛ إذ وجد مكيافيللي ~~نفسه منساقا في حوار مع فرانشيسكو سوديريني، كاردينال مدينة فولتيرا وشقيق بييرو ~~سوديريني، زعيم حكومة فلورنسا. فأكد له الكاردينال أنه «لم يحدث منذ سنوات عديدة أن ~~علقت مدينتنا كل هذا القدر من الآمال على أي بابا جديد، بقدر ما علقت آمالا على ~~البابا الحالي.» وأضاف قائلا: «ليت المرء يتعلم كيف يتكيف مع العصر» (ت د 593). بعد ~~ذلك بعامين، واجه مكيافيللي نفس الرأي أثناء التفاوض مع باندولفو بيتروتشي، سيد ~~مدينة سيينا، الذي سيذكره فيما بعد بإعجاب في كتاب «الأمير» على اعتبار أنه «رجل بارع ~~جدا» (85). كان مكيافيللي قد فوض من «السلطة الحاكمة» الفلورنسية بأن يستنطق ~~باندولفو عن أسباب «كل الحيل والمكائد» التي انطوت عليها تعاملاته مع فلورنسا (ت د ~~911)، فرد باندولفو في وقاحة يبدو أنها أبهرت مكيافيللي كثيرا؛ حيث قال: «لأنني ~~أرغب في أن أقلل أخطائي قدر الإمكان، أدير أمور حكومتي يوما بيوم، وأرتب شئوني ~~ساعة بساعة؛ لأن الزمن أشد قوة من ms18 عقولنا» (ت د 912). # رغم أن تصريحات مكيافيللي عن حكام عصره يغلب عليها حدة النقد، سيكون من قبيل ~~التضليل أن نستنتج أنه اعتبر أن كامل ما سجله عن إدارة شئون الدولة في زمنه لم يتجاوز ~~كونه سردا لتاريخ جرائم وحماقات ومحن؛ فهو في عدة مناسبات من حياته الدبلوماسية كان ~~قادرا على أن يراقب كيفية مواجهة مشكلة سياسية ما وحلها بطريقة لا تستدعي إعجابه ~~المطلق فحسب، بل تؤثر أيضا تأثيرا واضحا على نظرياته عن القيادة السياسية. وقد ~~وقعت إحدى هذه المناسبات عام 1503، أثناء صراع الذكاء الممتد الذي دار بين شيزاري ~~بورجا والبابا؛ فقد خلب لب مكيافيللي وهو يرى كيف يتغلب يوليوس على المأزق الذي ~~أحدثه حضور الدوق في البلاط البابوي. وكما ذكر «لجنة العشرة» فإن «الكراهية التي ~~طالما حملها قداسته دائما» لبورجا «لا تخفى على أحد»، لكن هذا لا يكاد يغير حقيقة أن ~~بورجا كان «عونا له أكثر من أي شخص آخر» في ضمان انتخابه، الأمر الذي جعل البابا يقطع ~~«للدوق عددا هائلا من الوعود» (ت د 599). بدت المشكلة مستعصية على الحل؛ إذ كيف ~~كان يمكن ليوليوس أن يأمل في نيل أي قدر من حرية التصرف من دون أن يحنث بوعده ~~المقدس؟ # لكن كما اكتشف مكيافيللي سريعا، كان الرد على هذا السؤال على مرحلتين بسيطتين ~~استهدفتا كسر شوكة الدوق؛ فقد كان يوليوس قبل ترقيته حريصا على أن يؤكد أن «كونه ~~رجلا على قدر عظيم من حسن النية» يجعله ملزما تمام الالتزام بأن «يظل على صلة» ~~ببورجا «من أجل أن يفي بوعده له» (ت د 613، 621). لكنه بمجرد أن أحس بالأمان، أخلف ~~على الفور كل ما قدمه له من وعود، فلم يكتف بحرمان الدوق من لقبه وقواته، بل أيضا ~~ألقى القبض عليه وسجنه في القصر البابوي؛ وهذا جعل مكيافيللي يكاد لا يقدر على أن يكتم ~~دهشته بهذا الانقلاب وإعجابه به في ذات الوقت، فهو يقول متعجبا: «انظروا الآن كيف يشرع ~~هذا البابا في سداد ديونه بأمانة، إنه ببساطة يلغيها من خلال شطبها.» ويضيف لافتا ms19 ~~النظر لدلالة الأمر أنه ما من شخص يرى أن البابوية أهينت ولحق بها العار، بل على ~~العكس، «لا يزال الجميع يحمل نفس القدر من الحماس» لأن يدعو «بوركت يدا البابا» (ت د ~~683). # عند وقوع هذا الحدث شعر مكيافيللي بأن بورجا خيب ظنه إذ سمح لنفسه بأن ينخدع على ~~هذا النحو المدمر، فعبر عن ذلك بقوله إن الدوق كان يتعين عليه ألا يفترض أن ~~بإمكانه «أن يعول على كلام أي شخص آخر أكثر من كلامه هو» (ت د 600). ومع ذلك، كان ~~بورجا دون شك هو أكثر حاكم أحس مكيافيللي أنه يتعلم من مراقبته له وهو يعمل، وحدث ~~في مناسبتين أخريين أن حظي مكيافيللي بفرصة مراقبته وهو يواجه أزمة خطيرة، ~~ويتغلب عليها في قوة وثبات أكسباه كامل احترام مكيافيللي. # أولى هاتين المناسبتين الطارئتين حدثت في ديسمبر عام 1502، عندما تفجر غضب أفراد ~~شعب رومانيا فجأة إزاء الأساليب القمعية التي استخدمها نائب بورجا، ريميرو دي أوركو، ~~في تهدئة الأوضاع في الإقليم في العام السابق. والحقيقة أن ريميرو لم يفعل ذلك إلا ~~تنفيذا لأوامر الدوق، ونجح فيه نجاحا لافتا للانتباه، ورفع المنطقة برمتها من الفوضى ~~إلى الحكم الرشيد، لكن قسوته أثارت قدرا عظيما من الكراهية عرض استمرار استقرار ~~الإقليم للخطر. ماذا فعل بورجا؟ أظهر الحل الذي استخدمه قدرة عجيبة على التحرك ~~السريع، وهي سمة عكسها مكيافيللي فيما رواه عن هذا الحدث. جرى استدعاء ريميرو إلى ~~«إيمولا»، وبعد أربعة أيام «عثر عليه في الساحة العمومية، مقطوعا إلى نصفين، حيث لا ~~تزال جثته ملقاة، على نحو أتاح للعامة برمتهم أن يروها.» أضاف مكيافيللي قائلا: «لقد ~~كان من دواعي سرور الدوق أن يظهر أنه يستطيع صنع الرجال وتحطيمهم كيفما يشاء، وفقا ~~لما يستحقونه» (ت د 503). # النقطة الأخرى التي أثار بها بورجا إعجاب وذهول مكيافيللي كانت تتعلق بالتعامل مع ~~الأزمات العسكرية التي طرأت في رومانيا في نفس الوقت تقريبا. في بادئ الأمر كان الدوق ~~مضطرا للاعتماد على لوردات المنطقة غير ذوي الشأن باعتبارهم الدعم العسكري الرئيسي ~~له، لكن في ms20 صيف عام 1502 بات واضحا أن قادتهم - لا سيما من عائلتي أورسيني وفيتللي - ~~لم يكونوا فقط غير جديرين بالثقة، بل كانوا أيضا يتآمرون ضده . فماذا ينبغي له أن ~~يفعل؟ كانت أولى تحركاته أن تخلص منهم ببساطة عن طريق التظاهر بالتصالح معهم، حيث ~~استدعاهم للقائه في مدينة سينيجاليا، ثم أجهز عليهم «جملة واحدة». وللمرة الأولى ~~والأخيرة فقد مكيافيللي رباطة جأشه المتعمدة وهو يصف هذه المناورة، ويعترف بأنه ~~«مندهش أشد الاندهاش من هذا التطور» (ت د 508). بعد ذلك، قرر بورجا أنه يجب ألا ~~يستفيد في المستقبل أبدا من حلفاء خونة كهؤلاء، وإنما يجب عليه أن يؤسس قواته ~~الخاصة. يبدو أن هذه السياسة - التي لم يكد أحد يسمع بها في هذا الوقت الذي كان ~~جميع أمراء إيطاليا تقريبا يستخدمون فيه مرتزقة مأجورين في حروبهم - بدت لمكيافيللي ~~على الفور باعتبارها خطوة استثنائية تتسم ببعد النظر؛ فهو يروي في استحسان واضح أن ~~الدوق لم يقرر فقط أن يكون «أحد الأسس التي يبني عليها قوته هي أسلحته الخاصة» من ~~الآن فصاعدا، لكنه بدأ أيضا عملية التجنيد بأعداد مذهلة، عندما «استعرض حالة خمسمائة ~~جندي مسلح تسليحا جيدا، فضلا عن خمسمائة فارس خفيف التسليح» (ت د 419). ثم أوضح ~~مكيافيللي بلهجة تحذيرية أنه «حريص على كتابة هذا كله أشد الحرص»؛ لأنه بات يعتقد أن ~~«أي شخص مسلح تسليحا جيدا، وله جنوده، سيجد نفسه الرابح دائما، أيا كان الاتجاه ~~الذي قد تتخذه الأحداث» (ت د 455). # بحلول عام 1510، بعد عقد من البعثات إلى الخارج، كان مكيافيللي قد توصل لرأيه ~~النهائي بشأن معظم رجال الدولة الذين التقاهم، لكن ظل يوليوس الثاني وحده محيرا ~~إلى حد ما بالنسبة له. فمن ناحية، كان إعلان البابا الحرب على فرنسا عام 1510 يكاد ~~يبدو لمكيافيللي استهتارا جنونيا؛ فالأمر لم يكن يتطلب سعة خيال كي يرى أي ~~امرئ أن «حالة العداء بين هاتين القوتين» قد تكون «أفظع البلايا التي يمكن أن تحدث» من ~~وجهة نظر فلورنسا (ت د 1273). من ناحية أخرى، لم يكن يسعه ألا يأمل في ms21 أن يثبت يوليوس، ~~باندفاعه الهائل، أنه المنقذ لإيطاليا وليس نكبتها المنتظرة. وفي نهاية الحملة ضد ~~بولونيا، سمح مكيافيللي لنفسه بالتساؤل عما إذا كان البابا قد لا «يتمادى إلى ما هو ~~أعظم من ذلك»، بحيث تجد «إيطاليا أنها قد أفلتت هذه المرة حقا من أيدي أولئك الذين ~~خططوا لابتلاعها» (ت د 1028). بعد مرور أربع سنوات، ورغم ما شهدته الأزمة الدولية من ~~تفاقم، كان مكيافيللي لا يزال يحاول درء مخاوفه المتزايدة من فكرة أن البابا، «كما ~~حدث في حالة بولونيا»، قد «يجر الجميع نحو الهلاك إليه» (ت د 1244). # ولخيبة أمل مكيافيللي وفلورنسا، تمخضت مخاوفه عن تنبؤات أفضل من آماله؛ فبعد أن ~~أنهك يوليوس في معارك عام 1511، تمثل رد فعله في إبرام تحالف غير وجه ~~إيطاليا؛ ففي الرابع من أكتوبر عام 1511 وقع على «الحلف المقدس» مع فرديناند ملك ~~إسبانيا، وكسب بذلك تأييد الجيش الإسباني في الحرب الصليبية ضد فرنسا. وما إن بدأت ~~الحملات الجديدة عام 1512 حتى زحف عدد مهول من المشاة الإسبان إلى إيطاليا. في بادئ ~~الأمر نجحوا في صد الزحف الفرنسي، وإجبار الفرنسيين على الانسحاب من رافينا وبارما ~~وبولونيا وميلانو، والتراجع في نهاية المطاف إلى ما وراء ميلانو. ثم تحولوا نحو ~~فلورنسا. لم تكن المدينة قد جرؤت على تحدي الفرنسيين، الأمر الذي جعلها لا تعرب عن ~~تأييدها للبابا؛ فوجدت نفسها تدفع ثمن خطئها هذا غاليا؛ ففي التاسع والعشرين من أغسطس ~~نهب الإسبان بلدة براتو المجاورة، وبعد ثلاثة أيام استسلم الفلورنسيون، وهرب ~~«الجونفالونيري» سوديريني إلى المنفى، ودخلت عائلة مديتشي المدينة ثانية بعد غياب دام ~~ثمانية عشر عاما، ثم حلت الجمهورية بعد بضعة أسابيع. # أفل نجم مكيافيللي مثلما أفل نجم النظام الجمهوري؛ ففي السابع من نوفمبر أقيل ~~رسميا من منصبه في الهيئة الاستشارية الدبلوماسية، وبعد ثلاثة أيام حكم عليه بالحبس ~~داخل الأراضي الفلورنسية لمدة عام، وكانت الكفالة مبلغا ضخما قوامه ألف فلورين. ثم في ~~فبراير عام 1513، تلقى أسوأ ضربات القدر على الإطلاق؛ إذ اشتبه فيه بطريق الخطأ أنه ~~شارك في مؤامرة فاشلة ms22 ضد حكومة مديتشي الجديدة، وبعد أن تعرض للتعذيب حكم عليه ~~بالسجن ودفع غرامة ضخمة، وقد عبر عن ذلك حين اشتكى لاحقا إلى عائلة مديتشي في إهداء ~~كتاب «الأمير»، قائلا إن «خبث القدر الهائل والمعهود» أطاح به بلا رحمة وعلى حين غرة ~~(11). # الفصل الثاني # | مستشار الأمراء # الحالة الفلورنسية # في وقت مبكر من عام 1513 سجلت عائلة مديتشي أروع انتصاراتها على الإطلاق. ففي ~~الثاني والعشرين من شهر فبراير توجه الكاردينال جوفاني دي مديتشي إلى روما بعد علمه ~~بوفاة يوليوس الثاني، وفي الحادي عشر من مارس خرج من اجتماع الكرادلة السري وهو في منصب ~~البابا ليو العاشر. من ناحية، كان هذا يمثل ضربة أخرى لآمال مكيافيللي؛ لأنه أكسب ~~النظام الجديد في فلورنسا شعبية غير مسبوقة؛ فجوفاني كان أول فلورنسي ينال منصب ~~البابا، ووفقا لما رواه لوكا لاندوتشي - كاتب اليوميات الذي عاش في ذلك الزمن - ظلت ~~المدينة تحتفل بإضرام النيران في الهواء الطلق وإطلاق المدافع طوال أسبوع تقريبا. لكن ~~من ناحية أخرى، كان هذا التطور ضربة حظ جيد غير متوقعة لمكيافيللي؛ لأنه دفع ~~الحكومة إلى إعلان عفو عام باعتبار ذلك جزءا من حالة الابتهاج العام، وأطلق سراح ~~مكيافيللي. # وما إن خرج مكيافيللي من السجن حتى بدأ يخطط لكيفية تزكية نفسه للسلطات الجديدة في ~~المدينة. كان زميله السابق فرانشيسكو فيتوري، قد عين سفيرا إلى روما، فكتب له ~~مكيافيللي مرارا يحثه على أن يستخدم نفوذه «بحيث أبدأ في تولي بعض المهام من قداسة ~~البابا» (م 244)، لكن سرعان ما اتضح أن فيتوري كان غير قادر على مساعدته، أو ربما غير ~~راغب في ذلك. ولما ألم بمكيافيللي إحباط كبير، انسحب إلى مزرعته الصغيرة في «سانت ~~أندريا» كي يكون (كما كتب إلى فيتوري) «بعيدا عن وجوه كل البشر» (م 516). ومن هناك بدأ ~~لأول مرة يتأمل المشهد السياسي باعتباره محللا أكثر منه مشاركا فيه. في بادئ ~~الأمر بعث برسائل طويلة وقوية الحجة إلى فيتوري عن الآثار المترتبة على استمرار ~~التدخلات الفرنسية والإسبانية في إيطاليا، وبعد ذلك - كما أوضح في رسالة ms23 له بتاريخ ~~العاشر من ديسمبر - بدأ يشغل فراغه القسري بأن يتفكر على نحو أكثر منهجية في خبرته ~~الدبلوماسية ودروس التاريخ، ومن ثم في قواعد شئون الحكم. # شكل 2-1: صفحة العنوان لواحدة من الطبعات الفينيسية الأولى لكتاب ~~«الأمير». # ويشكو مكيافيللي في سياق الرسالة نفسها من أنه قد انحدر به الحال وصار يعيش في «بيت ~~متواضع وعلى إرث هزيل»، لكنه يجعل حياته محتملة بأن ينكفئ على دراسته كل مساء، ويقرأ ~~عن التاريخ الكلاسيكي، ويدخل «البلاط القديم لقدامى الملوك» من أجل «الحديث معهم ~~والاستفسار منهم عن أسباب تصرفاتهم». وكان أيضا يتأمل الخبرات التي اكتسبها «طوال ~~خمسة عشر عاما» بينما كان «منخرطا في دراسة قواعد شئون الحكم». وثمرة ذلك، كما يقول، ~~أنه ألف كتابا صغيرا عن «الإمارة»، يتعمق فيه «بأقصى قدر ممكن في مناقشات حول هذا ~~الموضوع». كان هذا «الكتاب الصغير» هو رائعة مكيافيللي؛ «الأمير»، الذي كان يكتب - ~~كما تشير هذه الرسالة - خلال النصف الثاني من عام 1513، وأتم بحلول «عيد الميلاد» ~~من ذلك العام (م 303-305). # كان منتهى آمال مكيافيللي، حسبما أفضى إلى فيتوري، أن تعمل أطروحته هذه على أن تجذب ~~إليه انتباه «حكامنا لوردات مديتشي» (م 305). أحد أسباب اهتمامه بجذب الانتباه إليه ~~بهذه الطريقة - كما يوضح إهداء كتاب «الأمير» - كان رغبته في أن يقدم لعائلة مديتشي ~~«أمارة ما على ولائي» بوصفه واحدا من رعاياهم المخلصين (3)، لكن قلقه إزاء هذا الهدف ~~أضعف على ما يبدو ما عرف عنه من موضوعية معاييره في النقاش؛ وذلك لأنه في الفصل ~~العشرين من كتاب «الأمير» يقرر بتأثر كبير أن الحكام الجدد يمكن أن يتوقعوا ~~اكتشاف «أن الرجال الذين كانوا يعتبرونهم محل ارتياب في المراحل الأولى من حكمهم، ~~أكثر جدارة بالثقة ونفعا من أولئك الذين كانوا موضع ثقتهم في البداية» (74). ونظرا ~~لأن هذا الزعم قد وجد ما يناقضه تماما لاحقا في كتاب «المطارحات» (236)، فإنه من ~~الصعب ألا يحس المرء بأن شيئا من التوسل الشخصي كان يداخل تحليل مكيافيللي في هذه ~~المرحلة، خاصة وهو يكرر في قلق أنه «يجب ألا ms24 أغفل عن تذكير أي حاكم» بأن الرجال ~~الذين كانوا «مرضيا عنهم في ظل النظام السابق» سوف يتبين دائما أنهم «أكثر ~~نفعا» من أي شخص آخر (74-75). # لكن الهم الرئيسي لمكيافيللي كان بطبيعة الحال يتمثل في التوضيح لعائلة مديتشي ~~أنه رجل جدير بالتعيين، لكونه خبيرا سيكون من الحمق تجاهله. فهو يصر في «إهدائه» على ~~أنه من أجل «الفهم الصحيح لشخصية ولي الأمر»، من الضروري أن يكون المرء «رجلا من ~~الشعب» (4). ويضيف بثقته المعتادة أن أفكاره من المرجح أن تكون ذات قيمة استثنائية، ~~لسببين؛ فيشدد على ما له من «خبرة طويلة في الشئون المعاصرة» اكتسبها على مر «سنوات ~~عديدة» و«بقدر كبير من الصعوبة والخطورة»، ويشير في فخر إلى البراعة النظرية في قواعد ~~شئون الحكم التي اكتسبها في نفس الوقت من خلال «الدراسة المتواصلة للتاريخ القديم»، ~~باعتباره مصدرا لا غنى عنه للحكمة، ظل يتفكر فيه مليا «بقدر كبير من العناية» ~~(3). # إذن، ما الذي يظن مكيافيللي أنه يستطيع تعليمه للأمراء بوجه عام، وحكام عائلة مديتشي ~~على وجه الخصوص، بناء على قراءاته وخبرته؟ يشعر أي شخص عند بدء قراءته لكتاب «الأمير» ~~بأن مكيافيللي على ما يبدو ليس لديه الكثير ليقدمه أكثر من مجرد إجراء تحليل جاف ~~مبالغ في تخطيطه لأنواع الإمارات ووسيلة «الاستحواذ عليها والاحتفاظ بها» (42). فهو ~~يبدأ في الفصل الافتتاحي بدراسة فكرة «الأرض المملوكة» على نحو مستقل، مقررا أن كل ~~الأراضي المملوكة «إما جمهوريات وإما إمارات»، ثم يستبعد مباشرة النوع الأول، مشيرا ~~إلى أنه سيحذف في هذه المرحلة أي مناقشة عن الجمهوريات، وسيركز اهتمامه على الإمارات ~~فحسب، بعد ذلك يقدم ملاحظة عادية مفادها أن جميع الإمارات إما موروثة وإما جديدة. ~~وتارة أخرى يستبعد النوع الأول، بحجة أن الحكام الذين ورثوا الحكم يواجهون صعوبات ~~أقل، ومن ثم هم أقل حاجة إلى نصحه. ثم يركز على الإمارات الجديدة، فيمضي ليميز ~~بين تلك «الجديدة تماما» وتلك التي «مثل أطراف يضمها الحاكم إلى جسد الولاية التي ~~ورثها» (5-6). في هذه المرحلة، لا يولي كثيرا من الاهتمام للنوع الأخير، ms25 وبعد ثلاثة ~~فصول تتناول «الإمارات المختلطة» ينتقل في الفصل السادس إلى موضوع يبدو واضحا أنه ~~آخذ بمجامع تفكيره أكثر من كل ما سواه، هو موضوع «الإمارات الجديدة تماما» (19). عند ~~هذه المرحلة يجري تقسيما آخر لمادة كتابه، وفي الوقت نفسه يقدم ما يمكن أن يكون ~~أهم طباق في مجمل نظريته السياسية، وهو الطباق الذي يشكل محور كتاب «الأمير»؛ ~~إذ يعلن أن الإمارات الجديدة إما أن يستحوذ عليها المرء ويحتفظ بها «بفضل قوته ~~وشمائله»، أو من خلال «قوة أشخاص آخرين وحظوظهم» (19، 22). # وإزاء هذا التفرع الثنائي الأخير، يبدو مكيافيللي ثانية أقل اهتماما بالاحتمال ~~الأول؛ فهو يقول بأن أولئك الذين ارتقوا السلطة من خلال «قوتهم» لا من خلال «الحظ» ~~كانوا القادة «الأبرز»، ويسوق عليهم أمثلة من نوع «موسى وسايروس ورومولوس وثيزيوس ومن ~~على شاكلتهم»، لكنه يعجز عن إيجاد أي أمثلة إيطالية معاصرة (ربما يستثنى من ذلك ~~فرانشيسكو سفورتسا)، وخلاصة نقاشه أن هذه «القوة» الظاهرة هذه يكاد يستحيل وجودها في ~~خضم ما يعج به العالم الحديث من فساد (20)؛ لذا فإنه يركز على حالة الإمارات ~~المستحوذ عليها من خلال «الحظ» وبعون قوات أجنبية. هنا يجد - في المقابل - أن إيطاليا ~~المعاصرة حافلة بالأمثلة الدالة، التي يأتي في صدارتها مثال شيزاري بورجا، الذي «اكتسب ~~منصبه من خلال حظ والده»، والذي تستحق مسيرته «أن تتخذ كنموذج يحتذى به» لجميع ~~أولئك «الذين ارتقوا السلطة من خلال «الحظ»، ومن خلال نفوذ أشخاص آخرين» ~~(28). # بهذا التصريح تنتهي كل التقسيمات العامة والفرعية التي أجراها مكيافيللي، ونصل إلى ~~أكثر نوع من أنواع الإمارات ركز مكيافيللي عليه. في هذه المرحلة يصبح من الواضح أيضا ~~أنه رغم ما أظهره من حرص على أن يقدم حجته في شكل تسلسلي من أنماط محايدة، كان قد ~~نظم بدهاء النقاش على نحو يسلط الضوء على نوع معين من الحالات، وذلك لما لها من ~~أهمية محلية وشخصية. تلك هي الحالة التي تكون فيها الحاجة إلى مشورة خبير ضرورية على ~~نحو استثنائي، ويكون الحاكم قد ارتقى السلطة من خلال «الحظ» وقوات أجنبية. ms26 لم يكن أي ~~قارئ معاصر لكتاب «الأمير» ليخفق في إدراك أنه في المرحلة التي طرح فيها مكيافيللي هذا ~~التصريح، كانت عائلة مديتشي قد استردت للتو سيادتها السابقة في فلورنسا نتيجة لضربة ~~حظ مدهشة، إلى جانب القوة العارمة الأجنبية لقوات فرديناند ملك إسبانيا. لكن هذا ~~بالطبع لا يعني أن حجة مكيافيللي يمكن دحضها بذريعة أنها لا تستند إلى أكثر من مجرد ~~ارتباطها المحدود بالأحداث. ومع ذلك، يبدو فعلا أنه أراد لقرائه الأوائل أن يركزوا ~~اهتمامهم على زمان ومكان محددين؛ المكان هو فلورنسا، أما الزمان فهو الفترة التي كان ~~يجري خلالها تأليف كتاب «الأمير». # التراث الكلاسيكي # عندما أحس مكيافيللي ومعاصروه أنهم - كما حدث عام 1512 ~~- مدفوعون إلى التفكر فيما يحدثه «الحظ» ~~من تأثير هائل في الشئون الإنسانية، تحولوا بوجه عام إلى المؤرخين والفلاسفة ~~الأخلاقيين الرومان كي يتزودوا بتحليل موثوق لشخصية إلهة الحظ. كان هؤلاء الكتاب قد ~~رأوا أن الحاكم إذا كان يدين بمنصبه لتدخل إلهة «الحظ»، فإن أول درس يجب أن يتعلمه ~~هو أن يخشاها، حتى عندما تغدق عليه الهبات. كان ليفيوس قد أورد شهادة مؤثرة للغاية عن ~~هذا التصريح في «الكتاب الثلاثين» من سرده لتاريخ روما، في سياق وصفه اللحظة ~~الدراماتيكية التي استسلم فيها حنبعل أخيرا لسكيبيو الشاب. يستهل حنبعل خطاب استسلامه ~~بأن يشير في إعجاب إلى أن غريمه المنتصر «رجل لم يخنه الحظ قط» حتى تلك اللحظة، ~~لكن هذا لا يدفعه إلا لتوجيه تحذير خطير بشأن مكان «الحظ» في الشئون الإنسانية؛ فالأمر ~~لا ينتهي عند فكرة أن «قدرة الحظ هائلة»، بل يصل إلى أن «أعظم قدر من حسن الحظ هو ~~دائما الأقل جدارة بالثقة.» فإذا اعتمدنا على «الحظ» لكي يرفع شأننا، فإننا معرضون ~~للسقوط «على نحو مروع» عندما يتحول الحظ ويعاندنا، وهو ما سوف يفعله يقينا في نهاية ~~المطاف (30 : 30، 12-23). # ومع ذلك، لم يحدث قط أن اعتبر الفلاسفة الأخلاقيون من الرومان «الحظ» قوة خبيثة ~~لا محالة، على العكس من ذلك، كانوا يرون إلهة الحظ خيرة وحليفة محتملة يجدر محاولة ms27 ~~جذب اهتمامها، والسبب في أهمية السعي لنيل صداقتها هو بالطبع أنها تمنح هبات «الحظ»، ~~التي يفترض أنها أمنية كل الناس. وهذه الهبات يتنوع وصفها؛ فالكاتب سينيكا يؤكد على ~~شرف المنزلة والثروات، وسالوست يفضل أن يذكر المجد والسلطة. لكن كان هناك اتفاق عام ~~على أن أعظم هبات «الحظ» جمعاء، تتمثل في شرف المنزلة وما يستتبعه من مجد. ويشدد ~~شيشرون مرارا في كتابه «الواجبات» على أن أعظم هبة ينالها المرء هي «بلوغ المجد»، ~~و«زيادة شرف المرء ومجده»، واكتساب «أصدق مجد» يمكن الفوز به (2 : 9، 31 و2 : 12، 42 ~~و2 : 14، 48). # كيف، إذن، يمكن أن نقنع إلهة «الحظ» بأن تحول ناظرها إلينا، وأن تغدق الهبات من ~~أنعمها الوافرة علينا لا على سوانا؟ والجواب هو: صحيح أن «الحظ» إلهة، لكنها ما زالت ~~امرأة، ونظرا لكونها امرأة، فإن أشد ما يجذبها هو «الذكر»، الرجل الذي يتمتع ~~بالرجولة الحقيقية؛ لذا فإن إحدى الصفات التي تحب أن تكافئها على نحو خاص هي الشجاعة ~~الرجولية. على سبيل المثال، يستشهد ليفيوس عدة مرات بقول مأثور مفاده أن «الحظ يفضل ~~الشجعان»، لكن أكثر الصفات نيلا لإعجابها على الإطلاق هي «القوة»، صفة الرجل الحق. ~~والفكرة الكامنة خلف هذا الاعتقاد ظاهرة في أوضح صورها في كتاب شيشرون «مناظرات ~~توسكولوم»، التي يقرر فيها أن المعيار الذي يجعل الرجل رجلا بحق، هو التمتع بأعلى ~~درجات «القوة». وتستكشف تبعات هذه الحجة على نحو واسع في كتب «تاريخ» ليفيوس، حيث ~~دائما ما تعزى النجاحات التي أحرزها الرومان إلى حقيقة أن «الحظ» حتما يصاحب ~~«القوة»، بل يقوم على خدمتها أيضا، ويبتسم بوجه عام لأولئك الذين يظهرونها. # ومع انتصار المسيحية، أطيح بهذا التحليل الكلاسيكي لمسألة «الحظ» كليا؛ فالرؤية ~~المسيحية التي أوردها بوثيوس في أكثر صورها إقناعا في كتابه «عزاء الفلسفة»، قائمة ~~على إنكار الافتراض الرئيسي بأن «الحظ» عرضة لأن يتأثر، وبذلك صارت إلهة الحظ تصور ~~على أنها «قوة عمياء»، وبالتالي لا تحمل أي قدر من التعقل أو التمييز عند إغداق ~~هباتها، وما عاد ينظر إليها باعتبارها صديقا محتملا، بل باعتبارها ms28 مجرد قوة لا ~~ترحم، وما عاد يرمز إليها بقرن الخصب، وإنما بعجلة التغيير التي تدور بلا توقف «مثل ~~انحسار الجزر وتدفق المد» (177-179). # هذه النظرة الجديدة إلى طبيعة «الحظ» اتفقت مع دلالة جديدة لأهميته؛ إذ بات يقال إن ~~ما يميز الحظ من طيش وعدم اعتبار لجدارة المرء عند توزيع مكافآته، يذكرنا بأن هبات ~~«الحظ» غير جديرة على الإطلاق بأن نسعى إليها؛ لأن الرغبة في الشرف والمجد الدنيوي - ~~على حد وصف بوثيوس - «لا تساوي شيئا على الإطلاق في واقع الحال» (221)، ومن ثم ~~فإن الحظ يعمل على توجيه خطانا بعيدا عن دروب المجد، وهذا يشجعنا على التطلع إلى ~~ما هو خارج سجننا الأرضي بحثا عن وطننا السماوي. لكن هذا يعني أن «الحظ»، على الرغم من ~~طغيانه النزواتي، فإنه في حقيقة الأمر «خادم الرب»، أو أداة من أدوات العناية الإلهية؛ ~~وذلك لأن جزءا من تدبير الرب أن يظهر لنا أن «السعادة لا يمكن أن تقوم على الأشياء ~~التصادفية لهذه الحياة الفانية»، وبهذا يجعلنا «نحتقر جميع الشئون الدنيوية، ونبتهج ~~بفرحة السماء كي نتحرر من الأمور الدنيوية» (197، 221). ولهذا السبب تحديدا، يستنتج ~~بوثيوس أن الرب قد وضع مقاليد السيطرة على ثروات العالم في يدي الحظ العاجزتين، ~~وهدفه أن يعلمنا أن «الكفاءة لا يمكن بلوغها من خلال الثروة، وأن القوة لا يمكن نيلها ~~من خلال الملك، وأن الاحترام لا يمكن اكتسابه من خلال المنصب، وأن الشهرة لا يمكن ~~تحقيقها من خلال المجد» (263). # أحدث التصالح الذي أجراه بوثيوس بين الحظ والعناية الإلهية تأثيرا طويل الأمد على ~~الأدب الإيطالي؛ فهو يشكل أساسا لمناقشة دانتي لموضوع «الحظ» في المقطع السابع من ~~«الجحيم»، ويشكل موضوع بحث «علاج كلا النوعين من الحظ» للشاعر الإيطالي بترارك. لكن، ~~مع استعادة القيم الكلاسيكية إبان عصر النهضة، صار هذا التحليل لمفهوم «الحظ» بوصفه ~~«خادم الرب» محل اعتراض؛ نتيجة للعودة إلى الرؤية الأقدم التي تذهب إلى وجوب التمييز ~~بين «الحظ» والقدر. # هذا التطور نشأ من تغير النظرة إلى ~~طبيعة «تميز وكرامة» الإنسان، وهما سمتان لهما خصوصيتهما. عادة ms29 ما كان يعتقد أن ~~هذا ناجم عن امتلاكه روحا خالدة، لكن في أعمال من خلفوا بترارك نلاحظ ميلا ~~متناميا نحو تغيير بؤرة الاهتمام، بحيث يسلط الضوء على حرية الإرادة، لكن كان هناك ~~شعور بأن حرية الإنسان مهددة بسبب النظر إلى «الحظ» بوصفه قوة لا تقهر. وهكذا نجد ~~ميلا مقابلا نحو نبذ أي اقتراح بأن «الحظ» محض أداة من أدوات العناية الإلهية. ~~ويشكل الفيلسوف بيكو ديلا ميراندولا مثالا صارخا على ذلك في هجومه على علم التنجيم ~~المزعوم، فيندد بهذا العلم لكونه يجسد الافتراض الباطل بأن النجوم حددت لكل ~~منا «حظه» ساعة ولادته. بعد ذلك بوقت قصير، نبدأ في ملاحظة استحسان واسع النطاق لرأي ~~أكثر تفاؤلا بكثير يذهب إلى أنه - كما جاء على لسان كاسيوس بطل شكسبير في حديثه إلى ~~بروتوس - إذا باءت جهودنا لبلوغ العظمة بالفشل، فيجب ألا يلقى اللوم في ذلك «على ~~نجومنا وإنما على أنفسنا.» # وبناء على هذا الموقف الجديد من الحرية، تمكن الفلاسفة الإنسانيون في إيطاليا في ~~القرن الخامس عشر من إعادة تشكيل الصورة الكلاسيكية الكاملة لدور «الحظ» في الشئون ~~البشرية. نجد ذلك في أطروحة ليون باتيستا ألبرتي «عن العائلة»، وأطروحة جوفاني بونتانو ~~«عن الحظ»، وبأوضح صوره في الكراسة الدينية التي أعدها إينياس سيلفيو بيكولوميني عام ~~1444 تحت عنوان «حلم بالحظ»؛ حيث يحلم الكاتب أنه يسير في مملكة «الحظ»، ويقابل إلهة ~~الحظ، التي توافق على إجابة أسئلته، فتعترف بأنها تمارس سلطاتها على نحو متعمد؛ لأنه ~~حينما سألها مستفسرا: «كم من الوقت تظلين كريمة مع البشر؟» أجابت: «ليس لفترة ~~طويلة جدا.» لكنها لا تتجاهل على الإطلاق جدارة الإنسان، ولا تنكر فكرة أن «هناك ~~مهارات يمكنك من خلالها تحقيق ما هو في صالحك.» وأخيرا، عندما سألها عن أحب الصفات ~~إليها وأكثرها بغضا في نظرها، أجابت في إيماء إلى فكرة أن «الحظ» يفضل الشجعان، ~~معلنة أن «من يفتقرون إلى الشجاعة أبغض إليها من أي شخص آخر.» # 1 # عندما يأتي مكيافيللي إلى مناقشة «تأثير الحظ في الأمور البشرية» في الفصل قبل الأخير ms30 ~~من كتاب «الأمير»، تظهر طريقة تناوله هذا الموضوع الشديد الأهمية أنه ممثل نموذجي ~~لمواقف الفلاسفة الإنسانيين؛ فهو يستهل هذا الفصل بأن يستحضر الاعتقاد المعهود بأن ~~البشر «تحت سيطرة الحظ والرب»، وبأن يشير إلى المضمون الواضح بأننا «لا نملك دواء على ~~الإطلاق » يقينا من تغير أحوال الدنيا؛ لأن كل أمر قد قدره الرب علينا مسبقا ~~(84). بعد ذلك مباشرة، وعلى النقيض من هذه الافتراضات المسيحية، يقدم تحليلا ~~كلاسيكيا لمفهوم الحرية؛ فهو يسلم، بطبيعة الحال، بأن حرية الإنسان منقوصة حتما؛ ~~لأن «الحظ» قوي للغاية، و«قد يكون المتحكم في نصف أفعالنا»، لكنه يصر على أن الافتراض ~~بأن مصيرنا مرهون تماما بيد الحظ يعد «إلغاء لحرية الإنسان». ولما كان يؤمن ~~إيمانا راسخا بوجهة النظر الإنسانية بأن «الرب لا يريد أن يفعل كل شيء، كي لا يحرمنا ~~من حريتنا ومن المجد الذي ينسب لنا»، فهو يخلص إلى أن ما يقرب من نصف أفعالنا خاضعة ~~بالضرورة لسيطرتنا نحن، وليست خاضعة لنفوذ «الحظ» (84-85، 89). # إن أوضح تصوير قدمه مكيافيللي لهذا الشعور بأن الإنسان سيد مصيره له جذوره ~~الكلاسيكية هو الآخر. فهو يؤكد أن إلهة «الحظ» امرأة، ومن ثم يسهل إغراؤها بالصفات ~~الرجولية (87)؛ لذا فهو يرى إمكانية حقيقية لأن يجعل المرء نفسه حليفا للحظ، وأن ~~يتعلم أن يفعل ما يتلاءم مع سلطات هذا الحظ، وأن يعمل على مقاومة طبيعته المتقلبة، ~~وبالتالي يظل ناجحا في جميع شئونه. # وهذا يوصل مكيافيللي إلى السؤال الرئيسي الذي طرحه الفلاسفة الأخلاقيون الرومان في ~~الأصل: كيف يمكننا أن نأمل في عقد تحالف مع «الحظ»، وكيف يمكننا أن نجعله يبتسم لنا؟ ~~وهو يجيب بنفس الكلمات التي استخدموها من قبل؛ إذ يؤكد أن الحظ صديق الشجعان، وصديق ~~من هم «أقل حذرا وأكثر جسارة». ويوضح فكرة أن أكثر ما ينال إعجاب إلهة الحظ، ~~ويستدر تجاوبها هي «قوة» الرجل الحقيقي. فهو أولا، يوضح النقطة السلبية ~~المتمثلة في أن الافتقار إلى «القوة» الرجولية هو أكثر ما يثير غضبها وبغضها، وكما أن ~~وجود هذه «القوة» يعمل كسد منيع يقي المرء هجومها، ms31 فإنها توجه غضبها دائما إلى ~~حيث تعلم أنه «ما من حواجز أو سدود بنيت»؛ بل إنه يذهب إلى أبعد من ذلك بكثير، فيشير ~~إلى أنها لا تظهر قوتها إلا إذا لم يتصد لها الرجال «الأقوياء»، وهذا يعني ضمنيا ~~أنها تعجب بهذه الصفة إعجابا كبيرا جدا إلى حد لا يجعلها أبدا تصب جام غضبها ~~على الذين يظهرون تلك الصفة (85، 87). # ومكيافيللي لا يكتفي بتكرار هذه الحجج الكلاسيكية، بل يزيد على ذلك بأن يضفي عليها ~~ميلا شهوانيا وفريدا؛ فهو يلمح بأن إلهة «الحظ» قد تجد في الواقع لذة شاذة في أن ~~تعامل معاملة عنيفة؛ فلا يكتفي بأن يدعي أن ««الحظ» امرأة، وإذا أراد المرء ~~السيطرة عليها، فمن الضروري أن يعاملها معاملة خشنة»، بل يضيف أنها في الحقيقة «أكثر ~~ميلا لأن تستسلم للرجال» الذين «يعاملونها معاملة أكثر جرأة ووقاحة» (87). # في بعض الأحيان، كانت تقدم فكرة أن الرجال قد يتمكنون من الاستفادة من «الحظ» بهذه ~~الطريقة باعتبارها رؤية مكيافيللية خاصة. لكن، حتى في هذه الفكرة، يعتمد مكيافيللي على ~~رصيد من الصور المألوفة؛ ففكرة أن «الحظ» يجب أن يعاند بعنف كانت محل تركيز سينيكا، ~~في حين أن بيكولوميني في «حلم بالحظ» مضى يستكشف ما ينطوي عليه هذا المعتقد من إيحاءات ~~شهوانية، فهو حينما يسأل إلهة «الحظ»: «من الذي يستطيع أن يحتفظ بك أكثر من غيره؟» ~~اعترفت أنها تنجذب أشد الانجذاب إلى الرجال «الذين يشلون قوتي بالشجاعة الفائقة.» ~~وأخيرا، حينما يجرؤ على أن يسأل: «من أكثر الأحياء قبولا بالنسبة لك؟» تخبره أنها ~~بينما تنظر بعين الازدراء إلى «أولئك الذين يفرون مني»، تشعر بأشد الإثارة «تجاه ~~أولئك الذين يطاردونني ويدفعونني إلى الفرار.» # 1 # وإذا كان الرجال قادرين على شل قوة «الحظ»، وبالتالي على بلوغ أسمى أهدافهم، فلا بد ~~أن يكون السؤال التالي الذي ينبغي طرحه: ما الأهداف التي ينبغي للأمير الجديد أن يضعها ~~نصب عينيه؟ يبدأ مكيافيللي بأن يرسي حدا أدنى، مستخدما عبارة يتردد صداها في ~~كتاب «الأمير». يجب أن يكون الهدف الأساسي «الحفاظ على الدولة»، وهو يعني ms32 بذلك أن ~~الحاكم الجديد يجب أن يحافظ على الحالة الراهنة للأمور، ويسيطر بصفة خاصة على النظام ~~العام للحكومة، لكن إلى جانب الأهداف الرامية إلى الحفاظ على الدولة، هناك أهداف أكبر ~~بكثير يجب السعي لتحقيقها، ومكيافيللي إذ يحدد ماهية هذه الأهداف يكشف من جديد أنه ~~وريث شرعي بحق للمؤرخين والفلاسفة الأخلاقيين الرومان. فهو يفترض أن جميع الرجال يريدون ~~في المقام الأول أن ينالوا هبات «الحظ»؛ لذا فإنه يتجاهل تماما فرض المسيحية ~~الأرثوذكسية القويمة (الذي أكده، على سبيل المثال، القديس توما الأكويني في كتابه ~~«حكم الأمراء») بأن الحاكم الرشيد يجب أن يتجنب إغراءات مجد الدنيا وثروتها، كي ~~يتأكد من أنه سينال مكافآته السماوية. بل على العكس من ذلك، يبدو واضحا لمكيافيللي ~~أن أسمى الجوائز التي يتعين على المرء أن يتبارى للفوز بها هما «المجد والثروة»؛ أروع ~~هبتين تملك إلهة «الحظ» أن تهبهما (85). # لكن مكيافيللي، شأنه شأن الفلاسفة الأخلاقيين الرومان، ينحي اكتساب الثروات جانبا ~~معتبرا إياها مسعى وضيعا، ويذهب إلى أن أنبل أهداف الأمير «البعيد النظر والبارع» ~~يجب أن يتمثل في إرساء شكل من الحكم يكون «من شأنه أن يكسبه الشرف» ويجعله مجيدا ~~(87). ويضيف أن الحكام الجدد تحديدا يمكنهم حتى نيل «مجد مضاعف»؛ إذ لا تتسنى لهم ~~فقط فرصة تدشين إمارة جديدة، بل أيضا تثبيت دعائم هذه الإمارة «بقوانين جيدة، وأسلحة ~~قوية، وحلفاء جديرين بالثقة، وسلوك يقتدى به» (83). وهكذا فإن بلوغ الشرف والمجد في ~~الدنيا هو الهدف الأسمى لمكيافيللي بقدر ما هو كذلك لليفيوس أو شيشرون؛ فحينما يسأل ~~نفسه في الفصل الأخير من كتاب «الأمير» عما إذا كانت ظروف إيطاليا مواتية لنجاح أي ~~حاكم جديد، فهو يتعامل مع هذا السؤال على اعتبار أنه مرادف للتساؤل عما إذا كان أي ~~رجل «قوي» يستطيع أن يأمل في أن «يشكلها في قالب يكسبه الشرف» (87). وحينما يعرب ~~عن إعجابه بفرديناند ملك إسبانيا - أكثر من حظي باحترامه من بين كل الحكام الذين ~~عاصرهم - يبرر ذلك بأن هذا الرجل قد فعل «أشياء عظيمة» جعلته «أكثر الملوك شهرة ~~ومجدا في ms33 العالم المسيحي» (76). # يعتقد مكيافيللي أن هذه الأهداف ليست صعبة التحقيق للغاية - على الأقل، في أدنى ~~صورها - عندما يرث الأمير ولاية «اعتادت على حكم من ينتمون إلى عائلة الحاكم الحالي» ~~(6). لكنها صعبة التحقيق جدا على الأمير الجديد، لا سيما إذا كان يدين بمنصبه لضربة ~~حظ، فمثل هذه الأنظمة «لا يمكن أن تمد جذورها كما ينبغي»، ومعرضة لأن تهوي مع أول ~~عاصفة عارضة يشاء «الحظ» أن يرسلها عليها (23)، ولا يمكنها أن تضع - أو بالأحرى يتحتم ~~عليها عمليا ألا تضع - أي قدر من الثقة في استمرار «الحظ» الحسن؛ لأن هذا يعني ~~الاعتماد على أقل القوى جدارة بالثقة في الشئون الإنسانية. ويرى مكيافيللي أن السؤال ~~التالي الأكثر حسما هو: ما المبادئ، وما التعاليم، التي يمكن أن تقدم إلى حاكم ~~جديد، بحيث إذا «طبقت بمهارة» سوف تجعله «يبدو قويا وراسخا» (83)؟ إجابة هذا ~~السؤال هي موضوع الجزء الباقي من كتاب «الأمير». # الثورة المكيافيللية # تأتي النصيحة التي يقدمها مكيافيللي للأمراء الجدد في جزأين أساسيين؛ النقطة ~~الأولى والجوهرية التي يوضحها هي أن «الأساسين الرئيسيين لأي دولة» هما «القوانين ~~الجيدة والجيوش القوية»، يضاف إلى ذلك أن الجيوش القوية قد تفوق القوانين الجيدة ~~أهمية؛ لأن «من المستحيل أن توجد قوانين جيدة إلا إذا وجد جيش قوي»، بينما «إذا ~~وجد جيش قوي فإن القوانين الجيدة توجد بالضرورة» (42-43). والمغزى - الذي عبر عنه ~~تعبيرا يحمل لمسة معتادة من المبالغة - هو أن الأمير الرشيد «يجب ألا يضع نصب عينيه ~~هدفا آخر» سوى «الحرب وأساليبها وممارساتها»، «وألا يشغله هم آخر» أكثر منها ~~(51-52). # ويمضي مكيافيللي فيوضح أن الجيوش في ~~الأساس نوعان: مرتزقة مأجورون وقوات مسلحة من أبناء الوطن. في إيطاليا كان نظام ~~المرتزقة مطبقا على نطاق يكاد يكون شاملا، لكن مكيافيللي يشرع في الفصل الثاني عشر ~~في شن هجوم شامل عليه، فيقول إن الإيطاليين ظلوا «لسنوات عديدة» «تحت سيطرة جيوش ~~مرتزقة»، وكانت النتائج المترتبة على ذلك مروعة؛ فشبه الجزيرة برمته «احتله تشارلز، ~~ونهبه لويس، ودمره فرديناند، وعامله السويسريون بازدراء» (47). لم يكن من الممكن ~~توقع ms34 تحسن الأحوال؛ لأن كل المرتزقة «بلا فائدة ويمثلون خطورة»؛ فهم «مفككون، ~~وطموحون وغير منضبطين وغادرون»، وقدرتهم على تدميرك «مؤجلة فقط إلى أن يحين الوقت، ~~حينما يطلب منهم القتال» (43). بدت العواقب واضحة لمكيافيللي، فراح يعبر عنها ~~بانفعال قوي في الفصل الثالث عشر، ويقرر أن الأمراء الحكماء دائما ما «يتجنبون ~~استخدام هذه الفرق العسكرية ويؤلفون جيوشا من رجالهم.» وهو مقتنع بهذا اقتناعا ~~قويا إلى حد يجعله يضيف الزعم، الذي يكاد يكون سخيفا، بأنهم «يفضلون الخسارة ~~باستخدام قواتهم الخاصة على النصر باستخدام قوات أجنبية» (49). # هذه النبرة الشديدة اللهجة في حاجة إلى بعض التفسير، لا سيما في ضوء حقيقة أن معظم ~~المؤرخين قد انتهوا إلى أن نظام المرتزقة عادة ما يعمل على نحو بالغ الفعالية. أحد ~~الاحتمالات أن مكيافيللي كان ببساطة يتبع تقليدا أدبيا في هذه المرحلة، فالادعاء بأن ~~المواطنة الحقة تتضمن حمل السلاح كان محل تأكيد ليفيوس وبوليبيوس وأرسطو، ثم حمل ~~رايتها عدة أجيال من الفلاسفة الإنسانيين الفلورنسيين بعد أن أحيا هذه القضية الجدلية ~~ليوناردو بروني وتلاميذه. لكن، قد يكون من المستغرب جدا أن يتبع مكيافيللي أحب ~~الأساتذة وأعزهم عنده بهذه الطريقة الخانعة، والاحتمال الأرجح أن مكيافيللي، على الرغم ~~من هجومه بوجه عام على الجنود المأجورين، ربما كان يفكر بصفة خاصة في المصائب التي ~~نزلت بمدينته الأم، التي قاست دون شك سلسلة من المهانات على أيدي قادتها المرتزقة ~~إبان الحرب الممتدة ضد بيزا؛ إذ لم تكن حملة عام 1500 وحدها كارثة محققة، بل حلت ~~نكسة مماثلة عندما شنت فلورنسا هجوما جديدا عام 1505 نتيجة لتمرد قادة الجند، ~~الذين كانوا مرتزقة في أغلب الأحيان، حالما بدأ الهجوم، وفي غضون أسبوع كان لا بد من ~~الانسحاب. # كما رأينا، أصيب مكيافيللي بالصدمة حينما اكتشف، وقت هزيمة عام 1500، أن الفرنسيين ~~يعتبرون الفلورنسيين محط سخرية بسبب انعدام كفاءتهم العسكرية؛ ولا سيما بسبب عجزهم ~~عن إخضاع بيزا لسيطرتهم. وبعد تجدد الفشل عام 1505، أخذ هذا الأمر على عاتقه ووضع ~~خطة مفصلة لإحلال قوات مسلحة من مواطني فلورنسا محل القوات المأجورة ms35 التي ~~تستخدمها. وافق المجلس الأعلى على الفكرة لفترة مؤقتة في ديسمبر عام 1505، وفوض ~~مكيافيللي ببدء التجنيد، وبحلول شهر فبراير التالي كان جاهزا لإقامة أول عروضه ~~العسكرية في المدينة، وهي مناسبة حظيت بإعجاب كبير من كاتب اليوميات لوكا لاندوتشي، ~~الذي سجل يقول إن «هذا يعتقد أنه أرقى حدث على الإطلاق جرى ترتيبه ~~لفلورنسا.» # 2 # خلال صيف عام 1506 كتب مكيافيللي «معايير إعداد المشاة»، مؤكدا على ~~«ضآلة الآمال التي يمكن عقدها على القوات الأجنبية والمأجورة»، ومشددا أن على المدينة ~~بدلا من ذلك أن «تتسلح بأسلحتها وبرجالها» (3). بحلول نهاية العام، كان المجلس ~~الأعلى قد اقتنع أخيرا، وأنشئت لجنة حكومية جديدة، هي «لجنة التسعة للقوات ~~المسلحة»، وانتخب مكيافيللي سكرتيرا لها، وبات أحد أعظم أهداف الحركة الإنسانية ~~الفلورنسية حقيقة واقعة. # ربما كان المرء ليفترض أن تحمس مكيافيللي لقواته العسكرية كان ليفتر على إثر ما ~~أظهرته من أداء كارثي عام 1512، حينما أرسلت للدفاع عن براتو فاكتسحها تقدم قوات ~~المشاة الإسبانية دون جهد يذكر. لكن ما حدث أن حماسه ظل على توهجه؛ إذ نجده بعد ~~مرور عام يؤكد على حكام عائلة مديتشي في نهاية كتاب «الأمير» أن ما عليهم أن ~~يتأكدوا من فعله «قبل كل شيء» هو تزويد فلورنسا بجيوشها الخاصة (90). وعندما نشر ~~كتابه «فن الحرب» عام 1521 - أطروحته الوحيدة التي طبعت أثناء حياته عن فن الحكم - ~~واصل تكرار الحجج نفسها. كان الكتاب الأول كله مكرسا لتبرئة ساحة «نظام الجيش ~~الوطني» في مواجهة من شككوا في جدواه (580). ومكيافيللي يسلم، بطبيعة الحال، أن ~~هذه القوات ليست في منعة من الهزيمة، لكنه مع ذلك يصر على تفوقها على أي نوع آخر ~~من القوات (585). ويستنتج بنفس المبالغة في التأكيد أن الحديث عن أن امرأ حكيما يرى ~~عيبا في فكرة الجيش الوطني، هو ببساطة حديث يحمل شيئا من التناقض (583). # الآن يمكننا أن نفهم لماذا شعر مكيافيللي بإعجاب شديد تجاه شيزاري بورجا بصفته قائدا ~~عسكريا، وأكد في كتاب «الأمير» أن سلوك الدوق يمثل أفضل مبادئ يمكن أن تقدم ~~إلى أي حاكم جديد ms36 (23). فقد كان مكيافيللي حاضرا - كما رأينا - عندما اتخذ الدوق ~~القرار الوحشي بالقضاء على قواده المرتزقة، والاستعاضة عنهم بقواته الخاصة. يبدو أن ~~هذه الاستراتيجية الجريئة كان لها تأثير حاسم في تشكيل أفكار مكيافيللي؛ فهو يعود إليها ~~بمجرد أن يطرح مسألة السياسة العسكرية في الفصل الثالث عشر من كتاب «الأمير»، ~~متعاملا معها باعتبارها مثالا نموذجيا على التدابير التي يتعين على أي حاكم جديد ~~أن يتخذها. فبورجا محل إشادة لأنه في المقام الأول أدرك دون تردد أن القادة المرتزقة ~~عديمو الولاء على نحو خطير، ويستحقون أن يقضى عليهم بلا رحمة. بل إن مكيافيللي يفرط ~~في مدح بورجا لفهمه الدرس الأساسي بأن أي أمير جديد في حاجة إلى أن يعلم أنه من الضروري ~~عليه - إذا كان يرغب في الحفاظ على دولته - أن يتوقف عن الاعتماد على «الحظ» والقوات ~~الأجنبية، وأن يؤسس فرقه الخاصة من الجند، وأن يجعل نفسه «سيدا مسيطرا على ~~قواته» (25-26، 49). # القوات والرجل: هذان هما الموضوعان المهمان اللذان يتناولهما مكيافيللي في كتاب ~~«الأمير». الدرس الآخر الذي يأمل بالتالي أن يقدمه إلى وطنه ولحكام عصره، مفاده أن ~~الأمير الذي يتطلع لتسنم ذرى المجد يجب عليه، إلى جانب امتلاكه جيشا جديرا ~~بالثقة، أن ينمي في نفسه الصفات المناسبة لقيادته كأمير، وطبيعة هذه الصفات قد جرى ~~تحليلها تحليلا فعالا على يد الفلاسفة الأخلاقيين الرومان من قبل. كان هؤلاء قد ~~برهنوا في المقام الأول على أن جميع القادة العظام بحاجة إلى حد ما لأن يكونوا ~~محظوظين؛ لأنه إذا حدث ولم يبتسم الحظ، فما يرجى أن يساعدنا أي قدر من الجهد البشري ~~المجرد على بلوغ أسمى أهدافنا. لكن كما رأينا، فإنهم أكدوا أيضا أن ثمة مجموعة خاصة ~~من الصفات التي تميز «الرجل» غالبا ما تجذب انتباه «الحظ» على نحو إيجابي، وبهذه ~~الطريقة تكاد هذه الصفات تضمن لنا تحقيق الشرف والمجد والشهرة. وأفضل تلخيص للافتراضات ~~التي ينطوي عليها هذا الاعتقاد هو ذلك الذي قدمه شيشرون في كتابه «مناقشات ~~توسكولوم»؛ حيث يذكر أننا إذا تصرفنا من منطلق التعطش إلى ms37 «القوة» دون أدنى قدر من ~~التفكير في الفوز بالمجد نتيجة لذلك، فإن هذا سيمنحنا أفضل فرصة للفوز بالمجد أيضا، ~~شريطة أن يبتسم الحظ؛ وذلك لأن المجد هو مكافأة «القوة» (1 : 38، 91). # تبنى الفلاسفة الإنسانيون إبان «عصر النهضة» في إيطاليا هذا التحليل دون تغيير، ~~ومع نهاية القرن الخامس عشر، كان قد نشأ ضرب أدبي واسع النطاق من كتب إرشادات الفلاسفة ~~الإنسانيين للأمراء، وبدأ يصل إلى جمهور لم يسبق لاتساعه مثيل، من خلال وسيلة الطباعة ~~التي كانت حديثة العهد حينئذ. كان هناك كتاب مميزون، مثل بارتولوميو ساكي وجوفاني ~~بونتاتو وفرانشيسكو باتريتزي، كتبوا جميعا أطروحات لإرشاد الحكام الجدد، تأسست ~~كلها على نفس المبدأ الأساسي، وهو أن امتلاك «القوة» مفتاح نجاح أي أمير؛ إذ يؤكد ~~بوتانتو مشددا في كراسته عن كتاب «الأمير»، أن أي حاكم يرغب في تحقيق أسمى غاياته ~~«يجب أن يدفع نفسه إلى اتباع ما تمليه «القوة» عليه» في جميع تصرفاته المتعلقة بشئون ~~الدولة. إن «القوة» هي «أروع الأشياء في العالم»، أكثر روعة حتى من الشمس؛ لأن ~~«العميان لا يستطيعون رؤية الشمس»، بينما «يستطيعون رؤية «القوة» بأقصى قدر ممكن من ~~الوضوح.» # 3 # إن مكيافيللي يؤكد تحديدا على نفس ~~المعتقدات بشأن العلاقات التي تربط بين «القوة» و«الحظ» وتحقيق أهداف الأمير؛ فهو أولا ~~يوضح هذه الحقائق الإنسانية في الفصل السادس من كتاب «الأمير»، حيث يرى أنه «في ~~الإمارة الجديدة تماما، حيث يوجد حاكم جديد، ستتوقف الصعوبة التي سيواجهها الحاكم من ~~أجل الحفاظ عليها» بالدرجة الأولى على «مدى قوته» (19). وهذه حقيقة يؤكدها فيما بعد ~~ما ورد في الفصل الرابع والعشرين، والهدف منها هو تفسير «سبب فقدان حكام إيطاليا ~~دولهم» (83). يصر مكيافيللي على أن اللوم ينبغي ألا يلقى على «الحظ» فيما لحق ~~بهؤلاء الحكام من هوان؛ وذلك لأن كل ما فعلته إلهة «الحظ» هو أنها «أظهرت قوتها» ~~حينما لم يكن الرجال أولو «القوة» على استعداد لمقاومتها (84، 85). لذا فإن خسائرهم ~~ترد ببساطة إلى عدم إدراكهم أن «الدفاعات الفعالة والمضمونة والدائمة» الوحيدة هي ~~تلك المبنية على «قوة» المرء الخاصة ms38 (84). ثمة تأكيد آخر على دور «القوة» في الفصل ~~السادس والعشرين، في سياق «التوصية» القوية بتحرير إيطاليا، والتي يصل بها كتاب ~~«الأمير» إلى نهايته. عند هذه النقطة يعود مكيافيللي إلى الإشارة إلى القادة ~~المتفردين الذين أشاد بهم في الفصل السادس بسبب ما يتمتعون به من «قوة» ظاهرة؛ موسى ~~وسايروس وثيزيوس (20). ويشير ضمنا إلى أن إنقاذ إيطاليا يتطلب بالضرورة اتحاد ~~قدراتهم المذهلة مع أعظم قدر من حسن «الحظ». ثم يضيف في لحظة إطراء غير معهودة أن ~~حكام عائلة مديتشي المجيدة يتمتعون لحسن الحظ بكل الصفات اللازمة لذلك؛ فهم يملكون ~~«قوى» هائلة، ويحالفهم «الحظ» بقوة، ويدعمهم «الرب والكنيسة» (88). # في كثير من الأحيان يشكى من أن مكيافيللي لا يقدم أي تعريف لصفة «القوة»، وأنه ~~بريء من أي استخدام ممنهج لهذه الكلمة، لكن سيتبين الآن أنه يستخدمها استخداما ~~كامل الاتساق؛ فقد تعامل معها - سيرا على نهج أساتذته الكلاسيكيين والإنسانيين - ~~باعتبارها الصفة التي تمكن أي أمير من الصمود في وجه خيانات «الحظ»، كي يستجدي رضا ~~الإلهة، ويرتفع بالتالي إلى قمم شهرة الأمراء، فيفوز بالشرف والمجد لنفسه وبالأمن ~~لحكمه. # لكن يبقى أن نأخذ في الاعتبار ماهية الصفات المميزة التي يتوقع أن تتوافر في ~~الرجل ذي الإمكانات «القوية». كان الفلاسفة الأخلاقيون من الرومان قد ورثوا تحليلا ~~معقدا لمفهوم «القوة»، يصور بوجه عام «الرجل» الحق بأنه رجل يتمتع بثلاث ~~مجموعات متميزة، ومرتبطة أيضا، من الصفات، وذهبوا إلى أنه يتمتع في المقام الأول بأربع ~~فضائل «جوهرية»، هي الحكمة والعدل والشجاعة وضبط النفس، وهي ذات الفضائل التي كان ~~شيشرون (سائرا على خطى أفلاطون) قد بدأ بتسليط الضوء عليها في افتتاحية كتاب ~~«الواجبات». لكنهم أيضا نسبوا إليه مجموعة أخرى من الصفات صارت ينظر إليها فيما ~~بعد باعتبارها تخص «الأمراء» في طبيعتها. أهم هذه الصفات - والفضيلة المحورية في ~~كتاب «الواجبات» لشيشرون - كانت ما أسماها شيشرون «الأمانة»، قاصدا بذلك الاستعداد ~~لصون العهد والتعامل بشرف مع كل الرجال في جميع الأوقات، وهي صفة اعتقد أنها في حاجة ~~إلى أن تلحق بصفتين أخريين، ورد وصفهما في ms39 كتاب «الواجبات»، وتناولهما سينيكا ~~بتحليل واسع النطاق، حيث خصص لكل منهما أطروحة مستقلة، إحداهما شهامة الأمراء، ~~وهي الموضوع الذي ناقشه سينيكا في كتابه «عن العفو»، والأخرى هي التسامح، وتشكل ~~إحدى النقاط الرئيسية التي ناقشها سينيكا في كتابه «عن المنافع». # وأخيرا، كان يعتقد أن «الرجل» الحق يتميز بإقراره الراسخ بحقيقة أنه إذا كنا ~~نرغب في بلوغ هدفي الشرف والمجد، فعلينا دائما أن نتأكد من أننا نتصرف بأقصى ~~قدر مستطاع من الفضيلة. وهذا الرأي الجدلي - الذي مفاده أن من العقلانية دائما أن يكون ~~المرء فاضلا - يكمن في صميم كتاب «الواجبات» لشيشرون؛ فهو يشير في الكتاب الثاني إلى ~~أن العديد من الرجال يعتقدون أن «أي شيء يمكن أن يكون صحيحا من الناحية الأخلاقية دون ~~أن يكون ملائما للمصلحة الشخصية، ويمكن أن يكون ملائما للمصلحة الشخصية لكنه ليس ~~صحيحا من الناحية الأخلاقية.» لكن هذا محض وهم؛ لأن الأساليب الأخلاقية وحدها هي التي ~~تتيح لنا أن نأمل في تحقيق أهداف رغباتنا، وأي مظاهر تدل على عكس ذلك تكون خادعة ~~تماما؛ لأن النفعية الشخصية لا يمكن أبدا أن تتعارض مع الاستقامة الأخلاقية (2 : 3، ~~9-10). # هذا التحليل اعتمد مرة أخرى في مجمله من جانب مؤلفي كتب إسداء النصح لأمراء ~~«عصر النهضة»؛ فقد جعلوا افتراضهم الرئيسي يذهب إلى أن المفهوم العام لصفة «القوة» يشير ~~بالضرورة إلى قائمة كاملة من الفضائل المرتبطة بالقادة والأمراء، وهي قائمة شرعوا في ~~تطويلها وتقسيمها بقدر كبير من الاهتمام بالفروق الطفيفة، إلى حد أننا - في أطروحة ~~مثل «تعليم الملك» لباتريتزي - نجد أن الفكرة الرئيسية عن «القوة» فصلت إلى سلسلة ~~لا يقل قوامها عن أربعين فضيلة أخلاقية ينبغي اكتسابها. بعد ذلك، أقروا دون تردد ~~الزعم بأن المسار الرشيد الذي ينبغي للأمير أن يسلكه هو دائما المسار الأخلاقي، ~~ودافعوا عن هذه النقطة بقدر كبير من القوة، إلى حد أنهم جعلوا من مقولة «الأمانة أفضل ~~سياسة» قولا مأثورا. وأخيرا، قدموا اعتراضا ذا خصوصية مسيحية على أي تفريق بين ~~النفعية الشخصية وعالم الأخلاق، وأكدوا على أننا - حتى إذا ms40 نجحنا في إعلاء مصالحنا عن ~~طريق اقتراف الظلم في هذه الحياة الدنيا - يمكن أن نتوقع رغم ذلك أن نشاهد هذه ~~المصالح الظاهرة تتهاوى حالما نتلقى الجزاء الإلهي العادل في الحياة الآخرة. # وإذا فحصنا الأطروحات الأخلاقية التي كتبها معاصرو مكيافيللي، سنجد أن هذه الحجج ~~تكرر وتعاد بلا كلل، لكن عندما ننتقل إلى كتاب «الأمير » نجد أن هذا المظهر من مظاهر ~~الأخلاق الإنسانية قد انقلب فجأة وبعنف رأسا على عقب. يبدأ هذا الانقلاب في الفصل ~~الخامس عشر، عندما يبدأ مكيافيللي في مناقشة فضائل الأمير ورذائله، ويحذرنا في هدوء ~~بقوله: «أعلم جيدا أن الكثير من الأشخاص قد كتبوا عن هذا الموضوع»، لكن «ما سوف أقوله ~~سيكون مختلفا عن الإرشادات التي قدمها الآخرون» (54). ويبدأ بالإشارة إلى ~~الملاحظات الإنسانية المألوفة التي تفيد بأن هناك مجموعة خاصة من فضائل الأمراء، ~~وأنها تشمل بالضرورة أن يكون الأمير متسامحا ورحيما وصادقا، وأن على جميع الحكام أن ~~ينموا في أنفسهم هذه الصفات. ثم يسلم - وهو لا يزال على الطريقة الإنسانية القويمة ~~- بأن الأمير الذي يستطيع أن يتحرى هذه الطرق في تصرفاته في جميع الأوقات «جدير بأعظم ~~ثناء». لكنه بعد ذلك يرفض تماما افتراض الفلاسفة الإنسانيين الجوهري بأن هذه الفضائل ~~هي تلك التي يحتاج الحاكم إلى اكتسابها إذا أراد تحقيق أسمى أهدافه. ويعتبر أن هذا ~~الاعتقاد - الذي يشكل جوهر كتب إسداء النصح للأمراء - خاطئ على نحو واضح وكارثي. ~~وهو يوافق بالطبع على طبيعة الغايات التي يجب على أي أمير أن يسعى إلى تحقيقها؛ فأي ~~أمير يجب أن يسعى للحفاظ على دولته وتحقيق المجد لنفسه، لكنه يعترض بأنه إذا كان ~~المفترض لهذه الأهداف أن تتحقق، فما من حاكم يمكن أن يتحلى بكل الصفات التي ~~عادة ما «يعتقد أنها جيدة»، أو يمارسها ممارسة كاملة. فالموقف الذي يجد أي أمير نفسه ~~فيه هو أنه يحاول أن يحمي مصالحه في عالم مظلم مليء بالرجال عديمي الأخلاق. وإذا حدث ~~في ظل هذه الظروف أنه «لم يفعل ما يفعل في العموم، واستمر في فعل ما يجب ms41 فعله»، ~~فإنه ببساطة سوف يعمل على «تقويض سلطته لا الحفاظ عليها» (54). # وهكذا فإن انتقاد مكيافيللي للفلسفة الإنسانية الكلاسيكية والمعاصرة بسيط لكنه مدمر؛ ~~فهو يذهب إلى أنه إذا رغب أي حاكم في بلوغ أسمى أهدافه، فإنه لن يرى دائما أنه من ~~العقلانية التصرف على نحو أخلاقي، بل على العكس، سيتبين أن أي محاولة جادة لتعزيز فضائل ~~الأمراء سياسة غير عقلانية ومدمرة (62). لكن ماذا عن الاعتراض المسيحي الذي يرى أن هذا ~~النهج حماقة، فضلا عن كونه موقفا شريرا لا ينبغي تبنيه؛ نظرا لأنه يغفل يوم ~~الدينونة الذي سيعاقب فيه أخيرا كل ظالم على ظلمه؟ لا يعلق مكيافيللي مطلقا ~~على هذا، لكن صمته كان بليغا وبالغ التأثير؛ فقد أحدث دويا في أرجاء أوروبا ~~المسيحية، فأثار في بادئ الأمر صمتا من الذهول، ثم عاصفة من اللعنات لم تهدأ ~~قط. # لكن إذا لم يكن يتعين على الأمراء أن يتصرفوا وفقا لما تمليه عليهم الأخلاق ~~التقليدية، فكيف يتعين عليهم أن يتصرفوا؟ يأتي رد مكيافيللي، الذي هو جوهر نصحه ~~الإيجابي للحكام الجدد، في بداية الفصل الخامس عشر. فالأمير الحكيم ينبغي أن يتصرف وفق ~~ما تقتضيه الضرورة لا أي شيء سواها؛ فإذا كان «يرغب في الحفاظ على سلطته»، فعليه ~~دائما «أن يكون على استعداد لأن يتصرف على نحو غير أخلاقي متى يصبح ذلك ضروريا» ~~(55). بعد ثلاثة فصول، يتكرر هذا المذهب الأساسي؛ فالأمير الحكيم يفعل الخير عندما ~~يستطيع، لكن «إذا دعت الضرورة إلى الإحجام عن ذلك»، فعليه «أن يكون على استعداد لأن ~~يتصرف على النحو المقابل ويكون قادرا على فعل ذلك.» يضاف إلى ذلك، أنه لا بد أن ~~يتصالح مع الحقيقة التي تفيد بأنه «في سبيل الحفاظ على سلطته» ستضطره الضرورة في كثير ~~من الأحيان لأن «يتصرف على نحو غادر وعديم الرحمة أو غير إنساني» (62). # كما رأينا، كانت الأهمية الحاسمة لهذه الرؤية الثاقبة قد تكشفت لمكيافيللي لأول ~~مرة في مرحلة مبكرة من عمله الدبلوماسي. لقد شعر، بعد التحاور مع كاردينال فولتيرا عام ~~1503، ومع باندولفو بيتروتشي بعد ذلك بنحو سنتين، ms42 أنه لا بد أن يسجل ما أصبح فيما ~~بعد معتقده السياسي الرئيسي، ومفاده أن مفتاح النجاح في إدارة شئون الدولة يكمن في ~~إدراك قوة الظروف، وقبول ما تمليه عليه الضرورة، وتكييف سلوك المرء مع الزمن. فبعد عام ~~من إعطاء باندولفو لمكيافيللي هذه الوصفة للنجاح في الإمارة، نجد الأخير يطرح لأول مرة ~~مجموعة ملاحظات مماثلة على اعتبار أنها أفكاره الخاصة. وبينما كان معينا في ~~بيروجيا في سبتمبر عام 1506، يراقب ما تحرزه حملة يوليوس الثاني من تقدم محموم، صرح ~~بوحي تأملاته عن أسباب حدوث الانتصارات والملمات في الشئون المدنية والعسكرية، في ~~رسالة إلى صديقه جوفاني سوديريني يقول فيها: «إن الطبيعة منحت كل إنسان موهبة وإلهاما ~~خصوصيين» من شأنهما أن «يسيرا خطى كل واحد منا»، لكن «الزمن تغير، وهو عرضة ~~لأن يتغير مرارا»، بحيث إن «أولئك الذين يفشلون في تغيير عاداتهم وسلوكياتهم»، لا بد ~~أن يواجهوا «حسن الحظ في وقت ما، وسوء الحظ في وقت آخر.» والمغزى من هذا واضح؛ ~~إذا رغب إنسان «في أن يتمتع بحسن الحظ دائما»، فعليه «أن يكون حكيما بما فيه الكفاية، ~~بحيث يكيف نفسه مع تغير الزمن.» وإذا تمكن كل إنسان من «التحكم في طبيعته» بهذه ~~الطريقة، و«وفق عاداته وسلوكه مع عصره»، «فسيتحقق صدقا القول بأن الرجل الحكيم هو ~~المتحكم في النجوم والمصائر» (73). # وعندما كان مكيافيللي يؤلف كتاب «الأمير» بعد ذلك بسبع سنوات، نقل بدقة هذه ~~«الأهواء»، كما أطلق عليها في استهجان، في فصله عن دور «الحظ» في الشئون الإنسانية؛ ~~فيقول إن كل شخص يحب أن يتبع هواه الشخصي؛ فقد يتصرف رجل ما بحذر، ويتصرف آخر بتهور، ~~وآخر بقوة، وغيره بدهاء، لكن في غضون ذلك، «يتغير الزمن والظروف»، بحيث إن أي حاكم ~~«لا يغير من أساليبه» سوف «ينتهي به الحال إلى الفشل.» لكن «الحظ» قد لا يتغير إذا ~~تعلم المرء «أن يغير شخصيته بحيث تناسب الزمن والظروف»، ومن ثم فإن الأمير ~~الناجح سيكون دائما هو ذلك الذي يواكب الزمن (85-86). # الآن يتضح أن الثورة التي رسم مكيافيللي معالمها ms43 في هذا النوع من كتب إسداء النصح ~~للأمراء، كانت قائمة في الحقيقة على إعادة تعريف مفهوم «القوة» المحوري. فهو يقر ~~الافتراض التقليدي بأن «القوة» اسم لتلك المجموعة من الصفات التي تمكن أي أمير من ~~محالفة الحظ وبلوغ الشرف والمجد والشهرة، لكنه يفصل معنى هذه الكلمة عن أي ارتباط لازم ~~بفضائل القادة والأمراء، فيذهب إلى أن السمة المميزة للأمير «القوي» بحق هي الاستعداد ~~لفعل كل ما تقتضيه الضرورة - سواء كان فعله هذا خيرا أو شريرا - في سبيل تحقيق ~~منتهى غاياته؛ ومن ثم فإن «القوة» تشير تحديدا إلى الصفة الضرورية المتمثلة في ~~المرونة الأخلاقية لدى الأمير؛ إذ «عليه أن يكون على استعداد لتغيير سلوكه حسبما تشتهي ~~رياح الحظ، وحسبما تفرض عليه الظروف المتغيرة» (62). # يبذل مكيافيللي بعض العناء في توضيح أن هذا الاستنتاج يفتح هوة لا سبيل لسدها بينه ~~وبين مجمل تراث الفكر السياسي الإنساني، وهو يفعل ذلك بأسلوب تهكمي بالغ القسوة. ~~فالفضيلة الأخلاقية بالنسبة للفلاسفة الأخلاقيين الكلاسيكيين وأتباعهم الذين لا حصر ~~لهم، كانت هي السمة المميزة للرجل «الحقيقي»؛ ومن ثم فإن البعد عن الفضيلة لم ~~يكن يعد تصرفا غير عقلاني فحسب، بل كان يعد أيضا تخليا عن مكانة المرء ~~كإنسان، وانحدارا إلى مستوى البهائم. وقد عبر عن ذلك شيشرون في الكتاب الأول من ~~سلسلة «الواجبات»، حينما زعم أن هناك طريقتين لاقتراف الباطل، إما بالقوة وإما ~~بالاحتيال، وأكد أن كلتا الطريقتين بهيمية و«لا تليقان على الإطلاق بالإنسان»؛ ذلك ~~أن القوة رمز للأسد، والاحتيال «يبدو أنه صفة الثعلب الماكر» (1 : 13، 41). # في المقابل، بدا واضحا لمكيافيللي أن الرجولة ليست كافية. وهو يقر في مستهل الفصل ~~الثامن عشر بأن هناك بالفعل طريقتين للتصرف، «الأولى تليق بالبشر، والثانية ~~بالحيوانات»، لكن «نظرا لأن الأولى تكون غير فعالة في كثير من الأحيان، يتعين على ~~المرء أن يلجأ للثانية» (61)؛ ومن ثم فإن أحد الأشياء التي ينبغي للأمير أن يعرفها، ~~هو أن يعرف أي الحيوانات ينبغي له أن يقلده. كانت أكثر النصائح التي اهتم بها ~~مكيافيللي أن الأمير سيبلي بلاء حسنا ms44 إذا تعلم أن يقلد «كلا من الثعلب ~~والأسد»، فيتمم مثل الأخلاق الرجولية بمهارتي القوة والاحتيال الحيوانيتين (61). ~~هذا المفهوم محل توكيد في الفصل التالي، الذي يتناول فيه مكيافيللي إحدى الشخصيات ~~التاريخية المفضلة بالنسبة إليه، وهي شخصية الإمبراطور الروماني سبتيموس سيفيروس. ~~فيؤكد أولا أن الإمبراطور كان رجلا ذا «قوة» عظيمة جدا (68)، بعد ذلك يشرع في ~~تقديم بيان حكمه هذا، فيضيف أن صفتي سبتيموس العظيمتين كانتا تتمثلان في كونه «أسدا ~~بالغ القوة وثعلبا بالغ المكر»؛ ونتيجة لذلك كان «مرهوب الجانب وموضع احترام من ~~قبل الجميع» (69). # ويختتم مكيافيللي تحليله بالإشارة إلى مسارات السلوك المتوقعة من أي أمير «قوي» ~~بحق، فهو يعرض في الفصل التاسع عشر لهذه النقطة شارحا ما لن يفعله مثل هذا الحاكم، ~~مؤكدا أنه لن يفعل أبدا أي شيء يستحق الازدراء، وسوف يحرص أشد الحرص على تجنب ~~التحول إلى هدف للكراهية (63). ثم يعرض ~~لما سوف يفعله مثل هذا الحاكم في الفصل الحادي والعشرين، فيقول إنه سيبرز دائما ~~بشجاعة، إما باعتباره «حليفا حقيقيا أو عدوا صريحا.» في الوقت نفسه سوف يحرص، مثل ~~فرديناند ملك إسبانيا، على أن يظهر نفسه لرعاياه في أعظم جلال ممكن، فيفعل «أشياء ~~عظيمة»، ويبقي رعاياه «في حالة من الترقب والدهشة في انتظار ما تؤتيه من ثمار» ~~(77). # في ضوء ما سبق، يسهل ثانية أن نفهم السبب في شعور مكيافيللي بهذا القدر من الإعجاب ~~تجاه شيزاري بورجا، ورغبته في اتخاذه نموذجا لفضيلة «القوة» - على الرغم مما كان يشوبه ~~من عيوب واضحة - يحذو حذوه غيره من الأمراء الجدد. فقد أظهر بورجا، في مناسبة رهيبة، ~~أنه فهم تماما الأهمية القصوى لتجنب كراهية الشعب مع إبقائهم في الوقت نفسه شاعرين ~~بالرهبة منه، كانت هذه المناسبة عندما أدرك أن حكمه لرومانيا، حينما كان في يدي ~~ريميرو دي أوركو الماهرتين لكن المستبدتين، معرض لأشد التهديدات خطورة، وهو أن يصبح ~~مكروها من قبل من يعيشون تحت حكمه. وكما رأينا، كان مكيافيللي شاهد عيان على الحل ~~القاسي لهذه المعضلة الذي نفذه بورجا، حينما قتل ريميرو على حين غرة، ms45 وعرض جثته في ~~ميدان عام قربانا لاحتواء غضب الشعب. # ربما ينبغي أن نرد إيمان مكيافيللي بالحاجة الماسة إلى تجنب كراهية الشعب ~~وتمرده إلى هذه اللحظة تحديدا. لكن على الرغم من أن تصرف الدوق لم يعمل إلا على ~~تأكيد حسن تقديره للواقع السياسي، ليس ثمة شك في أن هذا الحدث خلف في نفس مكيافيللي ~~تأثيرا عميقا؛ فحينما بدأ في مناقشة مسائل الكراهية والتمرد في كتاب «الأمير»، استدعى ~~هذا الحدث تحديدا لتوضيح وجهة نظره، فأوضح أن تصرف بورجا أثار تأمله باعتباره ~~صحيحا إلى حد بعيد؛ فقد كان تصرفه حازما، وتطلب شجاعة، وأحدث التأثير ~~المرغوب تماما؛ لأنه «جعل الشعب راضيا ومندهشا معا»، وفي الوقت نفسه أزال سبب ~~كراهيتهم. ثم يلخص مكيافيللي فكرته في أشد نبراته برودا، فيشير إلى أن هذه السياسة ~~ليست جديرة «بأن تعرف» فقط، بل بأن تكون أيضا «مثلا يحتذى به من قبل الآخرين» ~~(26). # الأخلاق الجديدة # يعي مكيافيللي تماما أن تحليله الجديد عن «قوة» الأمير يثير بعض الصعوبات الجديدة، ~~وهو يعرض المعضلة الرئيسية في الفصل الخامس عشر قائلا: من جهة، فإن «الحاكم الذي ~~يرغب في الاحتفاظ بسلطته يجب أن يكون على استعداد للتصرف على نحو غير أخلاقي متى ~~يصبح ذلك ضروريا»، لكن من جهة أخرى لا بد له أن يحرص على عدم اكتساب سمعة رجل شرير؛ ~~لأن هذا سوف يقوض سلطته بدلا من تأمينها (55). وهكذا فإن المعضلة تتمثل في كيفية ~~تجنب الظهور بمظهر الشرير وأنت لا تستطيع أن تتجنب التصرف على نحو شرير. # علاوة على ذلك، فإن المعضلة أكثر تعقيدا من ذلك؛ لأن الهدف الحقيقي للأمير ليس مجرد ~~تأمين سلطته، بل يضاف لذلك بطبيعة الحال الفوز بالكرامة والمجد. يشير مكيافيللي في ~~روايته قصة أجاثوكليس ملك «صقلية» في الفصل الثامن إلى أن هذا يزيد تعقيد المعضلة التي ~~يجد أي حاكم جديد نفسه في مواجهتها، فقد قيل لنا أن أجاثوكليس «كان يحيا دائما حياة ~~منغمسة في الملذات»، وكان يعرف عنه أنه بلغ حدا مروعا من «السلوك القاسي عديم ~~الإنسانية». حققت له هذه الصفات ms46 نجاحا هائلا، ما أتاح له أن يرتفع من «أحط ~~الأصول وأكثرها فقرا» ليصبح ملكا على سرقوسة، وأن يحتفظ بإمارته «دون مواجهة أي شغب ~~مدني» (30-31). لكن مكيافيللي يحذرنا بجملة كاشفة بدرجة كبيرة، بأن مثل هذا القدر من ~~القسوة السافرة قد يجعلنا نفوز بالقوة «ولكن ليس بالمجد»؛ فعلى الرغم من أن أجاثوكليس ~~كان قادرا على الحفاظ على مكانته وحكمه بالاعتماد على هذه الصفات، «لا يمكن أن توصف ~~هذه الصفات بأنها «قوة»»، و«لا يمكن أن تجعله في مصاف أفضل البشر» (31). # يرفض مكيافيللي أن يسلم بفكرة أن المعضلة يمكن أن تحل من خلال وضع قيود صارمة ~~لقدر الشر الذي ينبغي للأمير أن يمارسه، ومن خلال التصرف بشرف عموما مع رعاياه ~~وحلفائه. هذا تحديدا هو ما لا يستطيع المرء أن يأمل في تحقيقه؛ لأن كل البشر في كل ~~العصور «جاحدون متقلبون مدعون منافقون متجنبون للخطر متلهفون على المكاسب»، بحيث إن ~~أي حاكم «يركن كليا إلى وعودهم، ويهمل إعداد وسائل الدفاع الأخرى، سوف يسقط» (59). ~~مضمون ذلك هو أن أي أمير، لا سيما الجديد، غالبا - وليس فقط في بعض الأحيان - ما سيجد ~~نفسه مضطرا بحكم الضرورة إلى التصرف على نحو يتعارض مع الإنسانية، إذا كان يرغب في ~~أن يحتفظ بمنصبه ويتجنب التعرض للخداع (62). # هذه صعوبات شديدة، لكن مع ذلك يمكن التغلب عليها. فالأمير لا يحتاج إلا أن يتذكر ~~أنه من غير الضروري امتلاك كل الصفات التي عادة ما تعتبر جيدة، لكن من اللازم التظاهر ~~بامتلاكها (66). من المرغوب فيه أن ينظر إليك باعتبارك شخصا متسامحا، ومن العقلانية ~~أن تبدو رحيما وليس قاسيا، ومن الضروري بوجه عام أن تبدو أهلا للتقدير (56، 58، 64). ~~إذن، الحل هو أن تصبح متظاهرا ومنافقا كبيرا، وتتعلم مهارة «الدهاء في إرباك الناس» ~~وجعلهم يصدقون ما تتظاهر به (61). # كان مكيافيللي قد تعلم درسا مبكرا عن قيمة الدهاء في إرباك الناس؛ فقد كان ~~حاضرا - كما رأينا - حينما تطور الصراع بين شيزاري بورجا ويوليوس الثاني في الأشهر ~~الأخيرة من عام 1503، والواضح أن الانطباعات التي خرج بها من تلك ms47 المناسبة كانت لا تزال ~~تستحوذ على تفكيره عندما بدأ الكتابة عن النفاق في كتابه «الأمير». فهو يشير مباشرة ~~إلى هذا الحدث الذي شهده، مستخدما إياه باعتباره مثاله الرئيسي على الحاجة إلى البقاء ~~في حالة حذر من نفاق وازدواجية الأمراء، ويتذكر أن يوليوس تمكن من إخفاء كراهيته ~~لبورجا ببراعة، بحيث استدرج الدوق للوقوع في الخطأ الفادح المتمثل في الاعتقاد بأن ~~«المصالح الجديدة تجعل الرجال ذوي الشأن ينسون الجروح القديمة» (29). وهكذا تمكن ~~يوليوس من استخدام قدراته في الخداع استخداما حاسما؛ فبعد أن فاز في انتخابات ~~البابوية بدعم كامل من بورجا، كشف فجأة عن شعوره الحقيقي، وتحول ضد الدوق، وكان ~~سببا في سقوطه النهائي. لا بد أن بورجا تخبط في هذه المرحلة، ويشعر مكيافيللي أنه ~~يستحق أن يلام بشدة لخطئه هذا؛ فقد كان عليه أن يعلم أن موهبة نشر حالة من الإرباك ~~والحيرة تشكل جزءا من ترسانة أسلحة أي أمير ناجح (34). # لكن من المستبعد أن مكيافيللي كان يجهل فكرة أنه من خلال تزكيته فنون الخداع ~~باعتبارها مفتاحا للنجاح، فإنه يصبح عرضة لأن يبدو شخصا شديد السطحية. صحيح أن عددا ~~أكبر من الفلاسفة الأخلاقيين الأرثوذكسيين كانوا على استعداد دائم للنظر في اقتراح ~~إمكانية استخدام النفاق طريقا مختصرة موصلة إلى المجد، لكنهم دائما ما ذهبوا إلى ~~استبعاد أي إمكانية من هذا القبيل، فشيشرون على سبيل المثال تناول هذه الفكرة تناولا ~~صريحا في الكتاب الثاني من سلسلة «الواجبات»، لا لسبب آخر سوى استبعادها باعتبارها ~~حمق بين؛ إذ يقول إن أي شخص «يعتقد أنه يستطيع الفوز بمجد دائم عن طريق التظاهر مخطئ ~~جدا»، والسبب هو أن «المجد الحقيقي يمد جذورا عميقة وينشر فروعه على نطاق واسع»، ~~في حين أن «جميع صور التظاهر سرعان ما تهوي أرضا مثل الأوراق الذابلة المتساقطة» ~~(2 : 12، 43). # ويرد مكيافيللي، كما فعل من قبل، برفض مثل هذه المشاعر الجادة بأشد أساليبه ~~سخرية، فيصر في الفصل الثامن عشر على أن ممارسة النفاق ليست مجرد عنصر ضروري في حكم ~~الأمراء، بل يمكنه أيضا المداومة عليها دون ms48 كثير عناء طالما دعته الحاجة لذلك. ويوجد ~~سببان مختلفان لهذا الاستنتاج الذي يثير الاستفزاز عن عمد، أحد هذين السببين أن معظم ~~البشر سذج في تفكيرهم، والأهم من هذا أنهم ميالون لخداع أنفسهم، لدرجة أنهم عادة ~~ما يأخذون الأمور بظواهرها دون تمحيص على الإطلاق (62). وأما السبب الآخر فهو أنه ~~عندما يتعلق الأمر بتقييم سلوك الأمراء ، ثمة احتمال كبير بأن يحكم على الأمور ~~بظواهرها حتى أكثر المراقبين حنكة؛ وذلك لأن الأمير يكون بمعزل عن الجماهير، ومدعوما ~~بجلال مكانته التي تجعل الجميع «لا يسعهم أن يروا إلا ما يبدو عليه في الظاهر»، عدا ~~«قلة قليلة هم من يملكون دراية مباشرة بما أنت عليه حقا» (63)؛ لذلك ليس ثمة سبب ~~لافتراض أن خطاياك ستكشف أمرك، بل على العكس من ذلك، «المخادع الماهر دائما ما يجد ~~الكثير ممن يتركون أنفسهم فريسة للخداع» (62). # المسألة الأخرى التي يناقشها مكيافيللي تتمثل في ماهية الموقف الذي ينبغي اتخاذه من ~~القواعد الجديدة التي ينبغي ترسيخها في الذهن. للوهلة الأولى، يبدو أنه يتبنى موقفا ~~أخلاقيا تقليديا إلى حد ما؛ فهو يقر في الفصل الخامس عشر بأنه من «الجدير ~~بالثناء» أن يظهر الأمير الجديد الصفات التي عادة ما تعد جيدة، كما يساوي ~~مكيافيللي بين التخلي عن فضائل الأمراء وبين «التصرف على نحو غير أخلاقي» (55). ثم ~~يتكرر نفس القدر من القيم حتى في الفصل السيئ السمعة الذي يتناول «كيف ينبغي ~~للحكام أن يوفوا بوعودهم»؛ إذ يبدأ مكيافيللي بالتأكيد على أن الجميع يدرك إلى أي مدى ~~يكون الحاكم جديرا بالثناء، حينما «يتحرى في حياته الاستقامة وليس الاحتيال» (61). ~~ويمضي فيؤكد على أن الأمير لا يتعين عليه فقط أن يبدو فاضلا على النحو المتعارف ~~عليه، بل ينبغي له أيضا «أن يكون كذلك حقا» بقدر ما تسمح به الظروف، وينبغي له «ألا ~~يحيد عن السلوك الصحيح إذا كان ذلك ممكنا، على أن يكون قادرا في الوقت ذاته على خوض ~~مسلك الإيذاء متى يصبح ذلك ضروريا» (62). # ومع ذلك، يقدم مكيافيللي في الفصل الخامس عشر حجتين مختلفتين جدا، تصبح كل ms49 ~~منهما محل تفصيل فيما بعد؛ فهو بادئ ذي بدء، يتشكك إلى حد ما فيما إذا كان من ~~الصواب أن نقول إن تلك الصفات التي تعتبر جيدة، لكنها رغم ذلك مدمرة، جديرة حقا ~~بأن توصف بأنها فضائل. وبما أن من شأنها أن تسبب الدمار، فهو يفضل القول بأنها ~~«تبدو فاضلة»، وبما أن أضدادها من الأرجح أن تعزز موقف المرء، فإنه يفضل القول ~~بأنها تبدو فقط وكأنها رذائل (55). # يواصل مكيافيللي عرض هذه الفكرة في كلا الفصلين اللاحقين؛ ففي الفصل السادس عشر، ~~الذي عنوانه «الكرم والشح»، يتناول فكرة تناولها جميع الفلاسفة الأخلاقيين ~~الكلاسيكيين، ويقلبها رأسا على عقب. فشيشرون عندما يناقش فضيلة الكرم في كتابه ~~«الواجبات» (2 : 17، 58 و2 : 22، 77) يعرفها بأنها الرغبة في «تجنب أي شبهة ~~بالبخل»، ويوضح أن ما من نقيصة أشد كراهة في أي قائد سياسي من البخل والجشع. ويرد ~~مكيافيللي بالقول بأنه، إذا كان هذا هو ما نعنيه بالكرم، فإننا لا نصف فضيلة وإنما ~~رذيلة. ثم يوضح أن الحاكم الذي يرغب ألا يشتهر بالبخل سيجد أنه «بحاجة لأن ينفق في ~~بذخ وتفاخر»، ونتيجة لذلك سيجد نفسه مضطرا «لفرض ضرائب باهظة على الناس» كي يسدد ~~ثمن سخائه، وهذه سياسة سرعان ما ستجعله «مكروها من رعاياه». في المقابل، إذا بدأ ~~الحاكم يقلع عن أي رغبة في التصرف بهذا القدر من السخاء، فقد يبدو للناس بخيلا في ~~بادئ الأمر، لكنه «في نهاية المطاف سيتبين أنه أكثر سخاء»، وسوف يكون ممارسا ~~بالفعل لفضيلة الكرم الحقيقية (59). # ثمة مفارقة مماثلة تظهر في الفصل التالي، الذي عنوانه «القسوة والرحمة». هذا أيضا ~~كان موضوعا أثيرا لدى الفلاسفة الأخلاقيين من الرومان، ومقال سينيكا «عن العفو» هو ~~أشهر تناول لهذا الموضوع. يقول سينيكا إن الأمير الرحيم دائما ما يبدو عليه «كم هو ~~كاره لأن تمتد يده» بإنزال العقاب، وأنه لن يلجأ إليه إلا «عندما ينال تكرار الخطأ ~~العظيم من صبره كل منال»، ولن ينزله إلا «بعد ممانعة كبيرة» و«كثير من التسويف»، ~~ومع أكبر قدر ممكن من الرأفة (1 : 13، 4 و1 : 14، 1 ms50 و2 : 2، 3). في المقابل، يصر ~~مكيافيللي ثانية على أن هذه العقيدة تمثل سوء فهم تاما للفضيلة محل النقاش. فإذا ~~بدأت بمحاولة أن تكون رحيما بحيث «تفرط في السماح بظهور اضطرابات»، ولا تلجأ إلى ~~العقاب إلا بمجرد أن يبدأ «القتل والنهب»، لن يكون سلوكك هذا تسامحا ورحمة بقدر ما هو ~~سلوك حاكم لا يملك الشجاعة لأن يجعل ممن تزعموا الفتنة عبرة لمن يعتبر . ويضرب ~~مكيافيللي مثالا على ذلك بني وطنه الفلورنسيين الذين أرادوا ألا يظهروا بمظهر القسوة ~~في مواجهة انتفاضة ما، ونتيجة لذلك تصرفوا على نحو أسفر عن دمار مدينة بأكملها، ~~وهذه نتيجة أشد بشاعة في قسوتها من أي نوع من القسوة كان ذهنهم ليتفتق عنه. هذا ~~يختلف عن سلوك شيزاري بورجا الذي «كان يعتبر قاسيا»، والذي أدت إجراءاته الصارمة «إلى ~~استعادة النظام في رومانيا، وتوحيدها وجعلها مسالمة وموالية للدولة» من خلال وحشيته ~~المزعومة (58). # هذا يقود مكيافيللي إلى سؤال وثيق ~~الصلة يثيره - بنفس روح المفارقة المتعمدة - لاحقا في نفس الفصل «عما إذا كان الأفضل ~~للمرء أن يكون محبوبا لا مرهوب الجانب، أم العكس» (59). من جديد، كان الجواب ~~الكلاسيكي واردا في كتاب «الواجبات» لشيشرون؛ «إن الرهبة ليست إلا ضمانة ضعيفة ~~لاستمرار البقاء في السلطة»، بينما الحب «يمكن أن يكون محل ثقة في أنه سيجعل السلطة ~~في مأمن إلى الأبد» (2 : 7، 23). ومن جديد، يعرب مكيافيللي عن تمام اختلافه مع هذا ~~الرأي، ويرد بأن «الأكثر أمنا بكثير» لأي أمير «أن يكون مرهوب الجانب على أن يكون ~~محبوبا»، وسبب ذلك أن كثيرا من الصفات التي تجعل الأمير محبوبا غالبا ما تجلب عليه ~~الاستهانة به والتمرد عليه، فإذا لم تكن رعيتك «يرهبون العقاب»، فلن يفوتوا فرصة ~~لخداعك من أجل مصلحتهم، لكن إذا جعلت نفسك مرهوب الجانب، فسوف يفكرون مليا قبل أن ~~يلحقوا بك ضررا أو يهينوك، وبالتالي سيكون من الأسهل عليك بكثير أن تحتفظ بدولتك ~~(59). # شكل 2-2: صفحة العنوان لترجمة إدوارد داكري لكتاب «الأمير»، أقدم نسخة ~~إنجليزية تم طباعتها. # المسار الآخر للنقاش في هذين الفصلين يعكس رفضا ms51 أكثر ازدراء للأخلاق الإنسانية ~~التقليدية؛ إذ يشير مكيافيللي إلى أنه حتى إذا كانت الصفات التي عادة ما تعتبر جيدة ~~هي فضائل بالفعل - بحيث إن الحاكم الذي لا يلتزم بها سيسقط في الرذيلة لا شك - فينبغي ~~للحاكم ألا يقلق بشأن هذه الرذائل، سواء كان يعتقد أنها مفيدة أو غير ذات صلة بتسيير ~~شئون حكمه. # الشغل الشاغل لمكيافيللي فيما يتعلق بهذه النقطة هو تذكير الحكام الجدد بأكثر ~~واجباتهم أهمية على الإطلاق، والمتمثل في أن الأمير الحكيم «ينبغي ألا يخشى اكتساب ~~سمعة سيئة جراء اتصافه بهذه الرذائل التي من دونها سيصعب عليه الاحتفاظ بسلطته»، ~~وسيرى أن هذه الانتقادات ما هي إلا ثمن محتوم عليه أن يدفعه في سبيل أداء التزامه ~~الأساسي، الذي يتمثل بالطبع في الاحتفاظ بدولته (55). يوضح مكيافيللي انعكاسات هذا ~~المبدأ أولا فيما يتعلق بما يفترض أنها رذيلة الشح؛ فبمجرد أن يدرك الأمير الحكيم ~~أن الشح «أحد الرذائل التي تمكنه من الحكم»، لن يقلق بعد ذلك من أن يقال إنه رجل بخيل ~~(57). الأمر نفسه ينطبق أيضا في حالة القسوة؛ فاستعداد الأمير للتصرف في بعض الأحيان ~~بقسوة شديدة ضروري وحاسم في المحافظة على استقرار النظام في الشئون المدنية والعسكرية ~~على حد سواء، وهذا يعني أن الأمير الحكيم «ينبغي ألا يقلق بشأن اكتسابه سمعة بأنه ~~قاس»، وأن من الضروري ألا يقلق المرء من أن يوصف بأنه قاس إذا كان قائدا للجيش؛ ~~لأن من دون هذه السمعة لن يتحقق أملك أبدا في إبقاء قواتك «متحدة ومهيأة ~~للعمل العسكري» (60). # وأخيرا، يتعرض مكيافيللي للنقطة المتعلقة بما إذا كان من المهم للحاكم أن يتجنب ~~رذائل الطبيعة البشرية وخطاياها الأهون شأنا، إذا كان يرغب في الاحتفاظ بدولته. في ~~أغلب الأحيان كان مؤلفو كتب إسداء النصح للأمراء يتناولون هذه المسألة في سياق ~~أخلاقي صارم، يعيد إلى الأذهان إصرار شيشرون في كتابه الأول من سلسلة «الواجبات»، على ~~أن الاستقامة «ضرورية للحكم على نحو أخلاقي»، ومن ثم فإن كل من هم في مواقع ~~السلطة يتعين عليهم أن يتجنبوا كل الزلات السلوكية في ms52 حياتهم الشخصية (1 : 28، 98). ~~في المقابل، يرد مكيافيللي في استهانة بأن الأمير الحكيم «يسعى لاجتناب تلك الرذائل ~~إن استطاع، لكن إذا رأى أنه لا يستطيع، فإنه لن يقلق نفسه دون شك» أكثر مما ينبغي بشأن ~~هذه الحساسيات الأخلاقية العادية (55). # الفصل الثالث # | منظر الحرية # مع انتهاء مكيافيللي من كتاب «الأمير»، تجددت آماله في العودة إلى موقع حكومي مؤثر؛ ~~فقد كتب إلى فيتوري في شهر ديسمبر عام 1513 أن منتهى تطلعاته كانت لا تزال تتمثل في أن ~~يجعل من نفسه «نافعا لحكامنا من عائلة مديتشي، حتى إذا بدءوا بتكليفي بدحرجة حجر.» ~~وتساءل عما إذا كانت أكثر الطرق فعالية لتحقيق طموحه هذا هي الذهاب إلى روما «بأطروحتي ~~الصغيرة هذه» كي يقدمها شخصيا إلى جوليانو دي مديتشي، فيبين له بذلك أنه «قد يسر ~~كثيرا بتلقي خدماتي» (م 305). # في بادئ الأمر بدا أن فيتوري على استعداد لدعم هذه الخطة؛ إذ رد بأن مكيافيللي يجب أن ~~يرسل له الكتاب، حتى «يتسنى لي أن أرى ما إذا كان من المناسب تقديمه» (م 312). وحينما ~~أرسل مكيافيللى - حسب الاتفاق - النسخة المنقحة التي كان قد بدأ إعدادها للفصول ~~الافتتاحية، قال فيتوري إنه «سعيد بها للغاية»، لكنه احتاط بأن أضاف قائلا: «لا أرغب في ~~إصدار حكم نهائي؛ نظرا لأن بقية العمل ليست لدي» (م 319). # لكن سرعان ما تبين جليا أن آمال مكيافيللي ستنقطع من جديد؛ ذلك لأن فيتوري بعدما قرأ ~~كامل نص كتاب «الأمير» في بدايات عام 1514، رد بصمت لا يبشر بخير، فهو لم يشر مرة ~~أخرى إلى الكتاب، وإنما بدأ يملأ رسائله بثرثرة مشتتة للانتباه عن آخر علاقاته الغرامية. ~~ورغم أن مكيافيللي أجبر نفسه على أن يرد عليه بروح مماثلة، كان لا يكاد يستطيع إخفاء قلقه ~~المتصاعد. وبحلول منتصف العام، بات يدرك أخيرا أن كل هذا لا طائل من ورائه، وكتب في مرارة ~~كبيرة لفيتوري ليقول إنه لن يواصل النضال، وقال لقد بات واضحا «أنني سأضطر لأن أظل أحيا ~~هذه الحياة البائسة، دون أن أعثر على رجل واحد يتذكر خدمة قدمتها ms53 أو يعتقد أنني قادر ~~على فعل أي خير» (م 343). # بعد خيبة الأمل هذه شهدت حياة مكيافيللي تغيرا دائما؛ فهو لما تخلى عن كل أمل في ~~العودة للعمل الدبلوماسي، بدأ أكثر فأكثر يرى نفسه أديبا. أبرز علامات هذا التوجه الجديد ~~أنه بعد سنة أخرى أو أكثر من «الخمول الشديد» في الريف، بدأ يشارك مشاركة مهمة في ~~الاجتماعات التي عقدتها مجموعة من الفلاسفة الإنسانيين والأدباء، الذين كانوا يلتقون ~~بانتظام في حدائق كوزيمو روتشيللاي على مشارف فلورنسا، من أجل التحاور المفيد والترفيه عن ~~أنفسهم. # جانب من هذه المناقشات التي كانت تعقد في حديقة أورتي أوريتشلاري كان ذا طابع أدبي. ~~كانت المناقشات تتضمن مناظرات حول المزايا المتنافسة للغتين اللاتينية والإيطالية من حيث ~~كونهما لغتين أدبيتين، وكانت تتضمن قراءات بل وعروضا مسرحية أيضا. كان تأثير ذلك على ~~مكيافيللي يتمثل في توجيه طاقاته الخلاقة في اتجاه جديد كليا؛ فقد قرر أن يكتب ~~مسرحية من تأليفه، وكانت ثمرة ذلك مسرحية «ماندراجولا»، الكوميديا البارعة والموجعة في ذات ~~الوقت عما تقوم به امرأة شابة وجميلة متزوجة من إغواء لقاض عجوز. كانت النسخة الأصلية قد ~~أنجزت على الأرجح عام 1518، ويحتمل أنها قرئت على مسامع أصدقاء مكيافيللي في حديقة ~~أورتي، قبل أن تعرض على الجمهور لأول مرة في فلورنسا وروما خلال العامين التاليين. # لكن من الواضح أن أكثر النقاشات حدة في حديقة أورتي كانت تتناول موضوعات سياسية؛ فقد روى ~~أنطونيو بروشيولي أحد المشاركين في الاجتماعات في عمله الفلسفي «الحوارات» أنهم كانوا لا ~~يكفون عن مناقشة مصير الأنظمة الجمهورية: كيف تبلغ العظمة، وكيف تحافظ على حرياتها، وكيف ~~تنحدر وتسقط في براثن الفساد، وكيف تصل في نهاية المطاف إلى مرحلة الانهيار الحتمية. ولم ~~يكن اهتمامهم بالحرية المدنية يعبر عن نفسه بمجرد كلمات؛ فقد أصبح بعض أعضاء الفريق ~~معارضين شرسين لعودة «استبداد» عائلة مديتشي إلى حد أنهم تورطوا في مؤامرة فاشلة ~~لاغتيال الكاردينال جوليو دي مديتشي عام 1522. كان من بين من أعدموا بعد فشل المؤامرة ~~ياكوبو دا دياتشيتو، ومن بين من حكم عليهم بالنفي ms54 زانوبي بونديلمونتي ولويجي ألاماني، ~~وبروشيولي نفسه. كان كل هؤلاء أعضاء بارزين في وسط أورتي أوريتشلاري، أو الاجتماعات التي ~~انتهت نهاية مفاجئة بعد فشل محاولة «الانقلاب». # لم يكن مكيافيللي قط ذا انتماء حزبي متعصب للحرية الجمهورية بدرجة تدفعه لأن يشارك في ~~أي من المؤامرات المتعددة المناهضة لحكم مديتشي، لكن من الواضح أنه تأثر تأثرا شديدا ~~باتصالاته بكوزيمو روتشيللاي وأصدقائه. إحدى نتائج مشاركته في مناقشاتهم تمثلت في ~~أطروحته عن «فن الحرب»، التي نشرها عام 1521. فهذا العمل مكتوب بالفعل في شكل محادثة تجري ~~في حديقة أورتي أوريتشلاري؛ حيث يطرح روتشيللاي الحجة بينما يؤدي بونديلمونتي وألاماني ~~دوري المتحاورين الرئيسيين. لكن أهم ما نتج عن علاقة مكيافيللي بهؤلاء المتعاطفين ~~الجمهوريين تمثل في قراره أن يكتب «المطارحات»، أطول أعماله وربما أكثرها ابتكارا عن فن ~~الحكم. لم يكتف مكيافيللي بإهداء هذا العمل إلى روتشيللاي وبونديلمونتي، وإنما نسب لهما ~~الفضل في كتابته لهذا العمل صراحة في إهدائه؛ لأنهما «دفعاني لكتابة ما لم أكن لأكتبه ~~أبدا من تلقاء نفسي» (188). # السبيل إلى العظمة # تتخذ «مطارحات» مكيافيللي من حيث الشكل صورة تعليق على الكتب العشرة الأولى من تاريخ ~~ليفيوس مؤرخ روما، والتي تتبع فيها ليفيوس بلوغ المدينة منزلة العظمة بعد هزيمة ~~منافسيها المحليين، وطرد ملوكها وتأسيس «الدولة الحرة». لكن مكيافيللي يتوسع عبر نص ~~ليفيوس بدرجة أكبر بكثير مما يوحي العنوان، ويعالج موضوعاته المختارة بطريقة استطرادية ~~غير ممنهجة بل ومتشظية في بعض الأحيان؛ فقد كان يستخدم أحيانا سرد ليفيوس كأساس يبني ~~فوقه مناقشة واسعة النطاق لبعض الموضوعات المهمة في نظرية فن الحكم، لكنه في أحيان أخرى ~~كان يكتفي بالتحدث عن شخصيات فردية، أو يروي قصة ما ويستنبط منها مغزى معينا. ~~لكن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال القول بأن متاهته هذه لا تحوي خطا توجيهيا؛ ~~فالكتاب الأول من الكتب الثلاثة التي يتكون منها كتاب «المطارحات» معني في المقام ~~الأول بدستور الدولة الحرة، والثاني بكيفية الاحتفاظ بقوة عسكرية فعالة، والثالث ~~بمسائل تتعلق بالقيادة. لكن مع أنني سأتبع هذه الخطوط العامة، يجب أن ms55 يوضع في ~~الحسبان مسألة أن نتيجة ذلك لن تعطي انطباعا بأن مكيافيللي نجح في الابتكار، أو ربما ~~حتى أراد الابتكار، بقدر ما ستعطي انطباعا بأن النص منظم على نحو أكثر ~~دقة. # ومكيافيللي إذ يبدأ البحث في تاريخ روما المبكر، يشغله سؤال واحد أكثر من أي شيء ~~آخر، هذا السؤال يذكره مكيافيللي أولا في الفقرة الافتتاحية من أول «مطارحة»، ويشكل ~~أساسا لقدر كبير من بقية الكتاب . يقول مكيافيللي إن هدفه أن يكتشف «السبب في الصعود ~~إلى «منزلة الهيمنة» التي بلغتها تلك الجمهورية» (192). ما الذي مكن روما من بلوغ ~~مكانة منقطعة النظير من العظمة والسلطة؟ # توجد روابط واضحة بين هذا الموضوع ~~وموضوع كتاب «الأمير». صحيح أن مكيافيللي في كتاب «الأمير» يبدأ باستبعاد الجمهوريات من ~~نطاق بحثه، بينما في «المطارحات» تشكل الجمهوريات أدلته الرئيسية، إلا أنه سيكون من ~~الخطأ أن نستنتج أن «المطارحات» ليست معنية إلا بالجمهوريات في مقابل الإمارات؛ ~~فمكيافيللي يؤكد في الفصل الثاني على أن اهتمامه ليس منصبا على الجمهوريات في حد ~~ذاتها، بل على حكم المدن، سواء كانت تحكم باعتبارها «جمهوريات أو إمارات» (195). ~~يضاف إلى ذلك أن هناك تشابها كبيرا بين رغبة مكيافيللي في كتاب «الأمير» في أن ~~يقدم النصح للحكام بشأن كيفية بلوغ المجد من خلال فعل «أشياء عظيمة»، وتطلعه في ~~كتاب «المطارحات» إلى أن يفسر السبب في أن بعض المدن ترتقي «منزلة العظمة»، وكذلك ~~السبب في أن مدينة روما تحديدا تمكنت من بلوغ «أوج العظمة» ومن إنتاج تلك «النتائج ~~العظيمة» (207-211، 341). # ماذا إذن كانت «الطرق اللازمة لبلوغ العظمة» في حالة روما (358)؟ بالنسبة لمكيافيللي، ~~هذا سؤال مفيد؛ لأن مكيافيللي يؤيد الافتراض التقليدي للفلاسفة الإنسانيين الذي مفاده ~~أن أي شخص «يتدارس الشئون الحالية ونظيرتها القديمة، يسهل عليه أن يدرك أن جميع المدن ~~وجميع الشعوب لها نفس الرغبات ونفس السمات»، وهذا يعني أن «من يفحص جديا الأحداث ~~الماضية يسهل عليه أن يتوقع أحداث المستقبل»، و«يستطيع أن يستخدم معها الحلول التي ~~استخدمها القدماء في الماضي»، أو على الأقل «يبتكر حلولا جديدة نتيجة ms56 لتشابه أحداث ~~الماضي بالحاضر» (278). وهكذا فإن الأمل المبهج الذي تقوم عليه «المطارحات» ويمنحها ~~حيوية نابضة، مضمونه أننا إذا كنا نستطيع معرفة سبب نجاح روما، فربما نستطيع أن ~~نكرره مرة أخرى. # وتكشف إحدى دراسات التاريخ الكلاسيكي، ~~وفقا لبداية «المطارحة» الثانية، عن أن مفتاح فهم إنجازات روما يمكن تلخيصه في جملة ~~واحدة وهي: «تدل التجارب على أن المدن لم يحدث قط أن حققت رقيا على صعيد ~~الهيمنة أو الثروات إلا حينما كانت في حالة حرية.» ويقال إن العالم القديم يحوي مثالين ~~موضحين لهذه الحقيقة العامة ومثيرين على نحو خاص، أولهما «أنه لأمر مدهش أن نتفكر ~~فيما بلغته أثينا من عظمة في غضون مائة سنة من تحرير نفسها من طغيان بيزستراتوس»، لكن ~~المثال الأهم «أنه لمن المدهش جدا أن نلاحظ ما بلغته روما من عظمة بعد أن حررت ~~نفسها من ملوكها» (329). على النقيض من ذلك، «يحدث عكس كل هذا في البلدان التي تحيا ~~حياة العبيد» (333)، وذلك سببه أنه «بمجرد أن يمارس استبداد على مجتمع حر»، فإن ~~أولى العواقب الوخيمة الناجمة عن ذلك هي أن مثل تلك المدن «لم تعد تتقدم إلى الأمام، ~~ولم تعد تنمو على صعيد القوة أو الثروات، وإنما تتخلف دائما، في واقع الحال» ~~(329). # إن ما يرمي إليه مكيافيللي في المقام ~~الأول من وراء تركيزه البالغ على الحرية، هو أن أي مدينة عازمة على بلوغ العظمة يجب ~~أن تظل متحررة من كل أشكال العبودية السياسية، سواء كانت هذه العبودية تفرض «من ~~الداخل» بفعل حاكم طاغية، أو «من الخارج» من قبل قوة استعمارية (195، 235)، وهذا ~~بدوره يعني أن القول بأن مدينة ما تمتلك حريتها يعادل القول بأنها محافظة على ~~استقلاليتها عن أي سلطة عدا سلطة المجتمع نفسه. فالحديث عن «دولة حرة» يعادل بالتالي ~~الحديث عن دولة تحكم نفسها، ومكيافيللي يوضح هذا في الفصل الثاني من «المطارحة» ~~الأولى، حيث يعلن أنه سوف «يغفل مناقشة تلك المدن» التي نشأت «خاضعة لشخص ما»، وسوف ~~يركز على المدن التي نشأت في حالة حرية؛ أي على المدن التي ms57 «تحكم نفسها بقراراتها منذ ~~نشأتها» (195). ويتكرر هذا التعهد نفسه لاحقا في الفصل الذي يشيد فيه مكيافيللي ~~أولا بقوانين سولون المتعلقة بتأسيس «شكل للحكم يستند إلى الشعب»، ثم يمضي ويقرر ~~أن العيش وفقا لهذا النظام يساوي العيش «في حرية» (199). # وهكذا فإن النتيجة العامة الأولى التي نستخلصها من «المطارحات»، هي أن المدن لا «تنمو ~~نموا كبيرا في وقت بالغ القصر» وتكتسب عظمة، إلا إذا كان «الشعب هو الذي يحكمها» ~~(316). هذا لا يقود مكيافيللي إلى فقدان الاهتمام بالإمارات؛ لأنه في بعض الأحيان (لكن ~~ليس دائما) على استعداد لأن يعتقد أن الحفاظ على السيطرة الشعبية قد يكون متوافقا مع ~~شكل من أشكال الحكم الملكي (مثال 427)، لكنه يقوده بلا شك إلى التعبير عن تفضيله ~~الملحوظ للأنظمة الجمهورية على الإمارات. وهو يذكر أسبابه على نحو قاطع في بداية ~~«المطارحة» الثانية، إن «الصالح العام وليس الفردي» هو الذي «يجعل المدن تبلغ العظمة»، ~~«ومما لا شك فيه أن هذا الصالح العام لا يعتبر مهما إلا في الجمهوريات.» لكن في ~~ظل حكم الأمراء «يحدث العكس»؛ لأن «ما في صالحه عادة ما يلحق الضرر بالمدينة، وما ~~في صالح المدينة يلحق به الضرر»، وهذا ما يفسر السبب في أن المدن التي تحت حكم ملكي ~~نادرا ما «تتقدم إلى الأمام»، بينما «كل المدن والمقاطعات التي تحيا في حرية في أي ~~مكان في العالم» دائما ما «تحقق مكاسب كبيرة جدا» (329، 332). # إذا كانت الحرية مفتاح بلوغ العظمة، فكيف يمكن اكتساب الحرية نفسها، وكيف يمكن ~~تأمينها؟ يبدأ مكيافيللي بالاعتراف بأن الأمر يتضمن دائما توفر عنصر ما من حسن ~~الحظ؛ فمن الضروري لأي مدينة أن تكون قد بدأت «بداية حرة، دون أن تعتمد على أي شخص»، ~~إذا كان هناك أي احتمال بأن تحقق مجدا مدنيا (193، 195). أما المدن التي تعاني سوء ~~الحظ المتمثل في نشوئها في حالة عبودية، فغالبا ما تجد أن «وضع قوانين تحافظ على ~~حريتها» وتوصلها إلى المكانة المرموقة، «ليس أمرا صعبا فحسب وإنما مستحيل» ~~(296). # لكن كما هو الحال في كتاب «الأمير»، يرى مكيافيللي الافتراض ms58 بأن بلوغ العظمة يعتمد ~~كليا على أهواء «الحظ» يعد خطأ جوهريا، فهو بعد أن يثير هذه المسألة في بداية ~~«المطارحة» الثالثة، يقر بأن بعض الكتاب «من العيار الثقيل جدا»، منهم بلوتارخ ~~وليفيوس، ذهبوا إلى أن ارتقاء الشعب الروماني ذرى المجد يكاد يعزى على نحو تام ~~إلى «الحظ»، لكنه يرد على ذلك بأنه «ليس على استعداد لأن يسلم بهذا بأي حال من ~~الأحوال» (324). ثم يعترف لاحقا بأن الرومان تمتعوا بقدر وافر من هبات «الحظ»، وكذلك ~~استفادوا من مختلف البلايا التي أنزلتها بهم إلهة الحظ، «كي يجعلوا روما أكثر قوة ~~ويدفعوا بها إلى العظمة التي بلغتها» (408). لكنه يصر - على غرار رؤيته في كتاب ~~«الأمير» - على أن تحقيق الأشياء العظيمة ليس على الإطلاق ثمرة لحسن «الحظ» وحده، ~~وإنما يكون دائما ثمرة لحسن «الحظ» المصحوب بصفة «القوة» التي لا غنى عنها، والتي ~~تمكننا من مواجهة ما ينزل بنا من مصائب برباطة جأش، وفي الوقت ذاته تجذب رضا واهتمام ~~إلهة «الحظ». ومن ثم فهو يخلص إلى أننا إذا أردنا أن نفهم سبب «منزلة الهيمنة» التي ~~ارتقتها الجمهورية الرومانية، فعلينا أن ندرك أن الإجابة تكمن في حقيقة أن روما امتلكت ~~«قدرا عظيما من «القوة»»، ونجحت في أن تضمن استمرار هذه الصفة الحاسمة «باقية في تلك ~~المدينة لقرون عديدة» (192). ولما كان الرومان «يخلطون ما يتمتعون به من «حظ» مع ~~«قوتهم» الهائلة»، كان ذلك هو السبب في احتفاظهم بحريتهم الأصلية، وارتقائهم في نهاية ~~المطاف إلى منزلة الهيمنة على العالم (326). # حينما ينتقل مكيافيللي إلى تحليل هذا المفهوم المحوري لصفة «القوة»، فإنه يتبع ~~حرفيا الخطوط التي كان قد وضعها في كتاب «الأمير». صحيح أنه يستخدم المصطلح بحيث ~~يشير إلى إضافة واحدة مهمة إلى رؤيته السابقة، لكنه في كتاب «الأمير» ربط هذه الصفة ~~ربطا حصريا بأعظم القادة السياسيين والقادة العسكريين؛ بينما في «المطارحات» يصر ~~صراحة على أنه إذا كان لأي مدينة أن تبلغ العظمة، فمن الضروري أن يتصف بصفة القوة ~~كل مواطنيها (498). لكنه حينما يصل إلى تعريف ما تعنيه «القوة»، يكرر ms59 كثيرا حججه ~~السابقة، مسلما في يقين بالاستنتاجات المذهلة التي كان قد توصل إليها ~~بالفعل. # وهكذا فإن امتلاك «القوة» ممثل في شكل استعداد لفعل كل ما هو ضروري لتحقيق المجد ~~والعظمة المدنيين، سواء كانت التصرفات اللازمة لتحقيق ذلك خيرة في جوهرها أو شريرة في ~~طبيعتها، وهذا يعتبر في المقام الأول السمة الأكثر أهمية للقيادة السياسية. وكما فعل ~~مكيافيللي في كتاب «الأمير»، فقد أوضح هذه النقطة عن طريق الإلماح إلى الفلسفة ~~الإنسانية لشيشرون، واستنكارها على نحو ساخر. كان شيشرون قد أكد في كتاب «الواجبات» ~~على أن رومولوس عندما قرر أنه «من الأنسب له أن يحكم منفردا» ومن ثم قتل شقيقه، ~~قد ارتكب جريمة لا سبيل للتغاضي عنها؛ وذلك لأن دفاعه عن تصرفه هذا «لم يكن معقولا ~~ولا مقبولا على الإطلاق» (3 : 10، 41). على عكس ذلك، يصر مكيافيللي على أنه ما من ~~«فكر حصيف» من شأنه أبدا أن «يدين أي شخص في عمل غير مشروع كان الهدف من استخدامه ~~تنظيم مملكة أو إقامة جمهورية». ثم يستشهد بحالة قتل رومولوس لأخيه، فيذهب إلى أن «هذا ~~الفعل يدينه ولا شك، لكن نتيجته يجب أن تشفع له، وطالما كانت النتيجة خيرا، كنتيجة ما ~~فعله رومولوس، فإنها دائما ما ستشفع له؛ لأن من يمارس العنف ليدمر هو من يجب أن ~~يدان عنفه وليس من يمارس العنف ليصلح» (218). # ويعتقد أن الاستعداد لإعلاء مصالح المجتمع على كل المصالح الخاصة والاعتبارات ~~الأخلاقية المتعارف عليها، لا يقل ضرورة وأهمية في حالة المواطنين العاديين. ومن ~~جديد، يوضح مكيافيللي هذه النقطة عن طريق السخرية من قيم الفلسفة الإنسانية ~~الكلاسيكية. كان شيشرون قد أعلن في كتاب «الواجبات» أن «بعض التصرفات إما مقيتة للغاية ~~وإما شريرة للغاية إلى حد أنه ما من رجل حكيم سيقدم على ارتكابها، حتى إن كان هدفه ~~من ورائها إنقاذ بلاده» (1 : 45، 159). يدحض مكيافيللي هذا الرأي بقوله: «عندما تكون ~~المسألة برمتها مسألة سلامة دولة المرء»، يصبح من واجب كل مواطن أن يدرك أنه «لا مجال ~~للنظر إلى ما هو عادل أو ما ms60 هو غير عادل، وإلى ما هو رحيم أو ما هو قاس، أو ما هو جدير ~~بالثناء أو ما هو مشين، وإنما لا بد أن يتخلص المرء من أي تردد، ويتبع أقصى خطة ~~ممكنة من شأنها أن تنقذ حياة الدولة وتحافظ على حريتها» (519). # هذه، إذن، أمارة على «قوة» الحكام والمواطنين على حد سواء؛ إذ يجب على كل امرئ أن ~~يكون على استعداد «لإعلاء المصلحة العامة على مصالحه الشخصية ، وإعلاء مصلحة الوطن ~~المشترك على مصلحة ذريته» (218). لهذا السبب يتحدث مكيافيللي عن الجمهورية الرومانية ~~باعتبارها مستودعا «للكثير جدا من «القوة»»؛ حيث كان الشعور بالوطنية يكاد يكون ~~«أقوى من أي اعتبار آخر»، ونتيجة لذلك أصبح العامة «طوال أربعمائة عام أعداء لصفة ~~الملك، ومحبين للمجد والصالح العام لمدينتهم الأم» (315، 450). # لكن الواضح أن الزعم بأن مفتاح الحفاظ على الحرية يكمن في ترسيخ صفة «القوة» في عامة ~~المواطنين ككل، يثير سؤالا آخر أهم من كل ما سبق، ألا وهو: كيف يكون لنا أن نأمل ~~في غرس هذه الصفة على نطاق واسع بما فيه الكفاية، وأن نحتفظ بها لفترة طويلة بما فيه ~~الكفاية، كي نضمن بلوغ المجد المدني؟ من جديد، يعترف مكيافيللي بأن الأمر دائما ما ~~يتضمن عنصرا من حسن «الحظ»؛ فما من مدينة يمكنها أن تأمل في تحقيق العظمة ما لم يحدث ~~مصادفة أن يضعها أب مؤسس عظيم على الطريق الصحيحة، يرد إليه الفضل في ميلادها ~~«كأنها ابنة له» (223). أما المدينة التي لم «تصادف مؤسسا حكيما»، فغالبا ستجد ~~نفسها «في موقف بائس إلى حد ما» (196). على عكس ذلك، المدينة التي تحوي ذاكرتها ~~«قوة» مؤسس عظيم وأساليبه، مثلما تحوي ذاكرة روما رومولوس، تكون قد «صادفت أوفر قدر ~~من حسن «الحظ»» (244). # والسبب في حاجة أي مدينة إلى هذا النوع من «الحظ الأوفر»، هو أن تأسيس جمهورية أو ~~إمارة لا يمكن أبدا أن يتحقق «من خلال «قوة» الجماهير»؛ لأن «اختلاف آرائهم» دائما ~~ما سيمنعهم من بلوغ «التوافق اللازم لتنظيم الحكم» (218، 240)، وبناء على ذلك فإنك ~~«إذا أردت أن تؤسس جمهورية، فمن ms61 الضروري أن تكون وحدك» (220). يضاف لذلك أن أي مدينة ~~ما إن «تتدهور جراء الفساد» فإنها ستحتاج بالمثل ««قوة» رجل يكون موجودا على قيد ~~الحياة حينئذ»، وليس ««قوة» الجماهير» كي تستعيد عظمتها (240). ومن ثم يخلص ~~مكيافيللي إلى أننا «يجب أن نعتبر ما يلي قاعدة عامة: من النادر، أو من المستحيل، أن ~~يتم تنظيم أي جمهورية أو مملكة تنظيما جيدا من البداية، أو يعاد تنظيمها بالكامل» في ~~وقت لاحق ، «ما لم يكن نظمها رجل واحد» (218). # لكن مكيافيللي يعلن بعد ذلك أن أي ~~مدينة إذا كانت بالغة الحمق بحيث تعتمد على هذا «الحظ» الحسن المبدئي، فإنها لن تكون ~~بذلك تخدع نفسها بأنها عظيمة فحسب، وإنما ستكون إلى جانب ذلك على شفا الانهيار. صحيح أن ~~«امرأ واحدا فقط يمكنه وحده أن ينظم» الحكم، لكن ما من حكم يسعه أن يأمل في البقاء ~~«إذا كان يقوم على أكتاف امرئ واحد فقط» (218)؛ فالنقيصة المحتومة في أي نظام حكم يضع ~~ثقته في ««قوة» رجل واحد وحيد» تتمثل في أن هذه ««القوة» تفنى بفناء حياة هذا الرجل، ~~ونادرا ما ينجح الورثة في إعادة سيرتها الأولى» (226)؛ ومن ثم فإن «وجود أمير يحكم ~~بالحكمة طالما ظل على قيد الحياة» ليس بالأمر البالغ الأهمية لنجاة أي مملكة أو ~~جمهورية، وإنما المهم «وجود أمير سينظمها بحيث» لا يعتمد حظها فيما بعد عليه، وإنما ~~على ««قوة» الجماهير» (226، 240). وأعمق أسرار فن الحكم أن تعرف كيفية تحقيق ~~ذلك. # ويؤكد مكيافيللي أن هذه المشكلة ذات صعوبة استثنائية؛ لأنه في حين يمكننا أن نتوقع ~~وجود درجة فائقة من «القوة» لدى الآباء المؤسسين للمدن، فلا يمكننا أن نتوقع توافر نفس ~~الصفة بطبيعة الحال وسط صفوف المواطنين العاديين. بل على العكس من ذلك، معظم البشر ~~«أميل للشر منهم للخير»، ومن ثم فإنهم يميلون لتجاهل مصالح مجتمعهم كي يتصرفوا ~~«وفقا لفساد أمزجتهم متى تسنت لهم حرية التصرف» (201، 215). وهكذا فإن جميع المدن ~~تميل لأن تتراجع عن مستوى «قوة» مؤسسيها و«تنحدر إلى حالة أسوأ»، وهذه عملية يلخصها ~~مكيافيللي بقوله إنه حتى أرقى ms62 المجتمعات عرضة لأن يضرب الفساد أطنابها (322). # إن الصورة التي ينطوي عليها هذا ~~التحليل صورة أرسطية؛ فكرة اعتبار نظام الحكم كجسد طبيعي - شأنه شأن كل مخلوقات الدنيا ~~- معرض لأن «يوهنه الدهر» (45). ويبرز مكيافيللي الاستعارة التي تصور نظام الحكم ~~في شكل جسد إبرازا خاصا في بداية «المطارحة» الأولى؛ حيث يعتقد أنه «من الواضح وضوح ~~الشمس أن هذه الأجساد إذا كانت لا تتجدد فإنها تفنى ولا تبقى»؛ لأن ما تملكه من «قوة» ~~يفسد بمرور الزمن، وهذا الفساد سيقضي عليها لا محالة إذا لم تداو جروحها ~~(419). # بناء على هذا، ظهور الفساد يعادل خسارة «القوة» أو تبديدها، ومكيافيللي يظن أن هذه ~~عملية اضمحلال تنشأ بإحدى طريقتين؛ فقد يفقد جسد عامة المواطنين «قوته»، ومن ثم حرصه ~~على الصالح العام، وذلك من خلال فقدان الاهتمام بالسياسة تماما، ما يجعل الجسد «كسولا ~~وغير مؤهل بدنيا لأي من الأنشطة التي تتطلب القوة» (194). لكن التهديد الأكثر ~~خطورة ينشأ عندما يظل المواطنون على حالهم من النشاط فيما يتعلق بشئون الدولة، لكنهم ~~يبدءون في إعلاء طموحاتهم الفردية أو ولاءاتهم الفئوية على حساب المصلحة العامة. وهكذا ~~يعرف مكيافيللي الخطة السياسية الفاسدة بأنها الخطة التي «يطرحها رجال مهتمون بما ~~يمكنهم الحصول عليه من الجمهور، وليس بما هو في صالح الجمهور» (386). ويعرف الدستور ~~الفاسد بأنه الدستور الذي يستطيع فيه «الأقوياء وحدهم» أن يقترحوا التدابير، ولا يفعلون ~~ذلك «لخدمة الحرية العامة، وإنما لتعزيز سلطتهم الخاصة» (242). ويعرف المدينة الفاسدة ~~بأنها المدينة التي لم يعد يشغل مناصبها العليا «من يملكون أكبر قدر من القوة»، ~~وإنما من يملكون أكبر قدر من السلطة، وبالتالي من الراجح جدا أن يعملوا كل ما من ~~شأنه أن يحقق أغراضهم الشخصية الأنانية (241). # شكل 3-1: لوحة تصور مكيافيللي بريشة سانتي دي تيتو في قصر فيكيو بفلورنسا. ~~(© Bettman/Corbis) # هذا التحليل يقود مكيافيللي إلى معضلة؛ فهو من ناحية يؤكد دائما على أن «طبيعة ~~الإنسان طموحة ومتشككة» إلى حد أن معظم الناس لن «يفعلوا أبدا أي شيء جيد إلا ~~رغما عن إرادتهم» (201، 257)، لكنه من ناحية أخرى يصر على ms63 أن السماح للبشر بأن ~~«يرتقوا من طموح إلى آخر»، سرعان ما يتسبب في تمزق مدينتهم «إربا» وضياع أي فرصة ~~لها في أن تصبح عظيمة (290). والسبب في ذلك أنه مع كون الحفاظ على الحرية شرطا ~~ضروريا لتحقيق العظمة، دائما ما يكون نمو الفساد فتاكا بالنسبة للحرية، وما إن ~~يبدأ الأفراد الأنانيون أو أصحاب المصالح الطائفية يكسبون التأييد، حتى تبدأ رغبة ~~الشعب في التشريع «باسم الحرية» تتآكل بالتوازي مع ذلك ، وتبدأ الفصائل تتولى مقاليد ~~الأمور و«يحل الاستبداد سريعا» محل الحرية (282). وبناء على ذلك فإن الفساد حينما ~~يدخل جسد عامة المواطنين ويتملك منه تماما، فإنه يجعلهم لا «يستطيعون أن يعيشوا ~~أحرارا ولو لفترة قصيرة، أو بالأحرى لا يعيشون أحرارا أبدا» (235، قارن 240). # وهكذا فإن معضلة مكيافيللي تتمثل فيما يلي: كيف يمكن غرس صفة «القوة» في جسد عامة ~~المواطنين، الذي لا يتمتع طبيعيا بهذه الصفة؟ وكيف يمكن منع المواطنين من الانزلاق ~~إلى الفساد، وكيف يمكن حملهم على الاحتفاظ باهتمامهم بالصالح العام على مدى فترة طويلة ~~بما فيه الكفاية لتحقيق العظمة المدنية؟ حل هذه المعضلة هو ما تركز عليه بقية ~~«المطارحات». # القوانين والقيادة # يعتقد مكيافيللي أن المعضلة التي كشف عنها يمكن الالتفاف عليها بعض الشيء بدلا من ~~الاضطرار إلى التغلب عليها مباشرة؛ ذلك لأنه يسلم بأننا في حين لا يمكن أن ~~نتوقع من عامة المواطنين أن يتمتعوا بالكثير من «القوة» الطبيعية، فليس من الكثير ~~علينا أن نأمل في أن تتمتع مدينة من وقت لآخر بحسن «الحظ» الذي يجعلها تجد زعيما ~~تظهر أفعاله - كأفعال أي أب مؤسس عظيم - صفة «القوة» الطبيعية بدرجة عالية ~~(420). # ويعتقد أن مثل هؤلاء المواطنين النبلاء حقا يلعبون دورا لا غنى عنه في إبقاء ~~مدنهم على الطريق إلى المجد. ويذهب مكيافيللي إلى أن هذه النماذج الفردية للقوة لو كانت ~~«ظهرت كل عشر سنوات على الأقل» على مدى تاريخ روما، لكانت «النتيجة الحتمية لذلك» هي ~~عدم «ظهور الفساد بالمدينة قط» (421). بل ويعلن أن «أي مجتمع إذا كان محظوظا بما فيه ~~الكفاية»، بحيث يجد زعيما بهذه ms64 الشخصية في كل جيل «يصلح قوانين هذا المجتمع ولا ~~يكتفي بوقفه عن التدهور، وإنما يعيده إلى سابق عهده»، فسوف تكون نتيجة ذلك تحقق ~~معجزة الجمهورية «الخالدة»؛ أي الجسد السياسي القادر على الإفلات من الفناء ~~(481). # كيف يمكن لدفعات «القوة» الشخصية هذه أن تسهم في تحقيق المدينة منتهى غاياتها؟ إن ~~محاولة الإجابة على هذا السؤال تشغل مكيافيللي طوال «المطارحة» الثالثة، التي تهدف إلى ~~توضيح «الطريقة التي أسهمت بها أفعال الأفراد في زيادة عظمة الرومان، وكيف أحدثت ~~كثيرا من التأثيرات الجيدة في تلك المدينة» (423). # من الواضح أن مكيافيللي في بحثه هذه النقطة لا يزال شديد القرب من روح كتاب ~~«الأمير»؛ لذا من غير المستغرب أن نجده يدرج في هذا القسم الأخير من «المطارحات» عددا ~~كبيرا من الإشارات المرجعية - نحو اثنتي عشرة إشارة مرجعية في أقل من مائة صفحة - ~~لمحتوى كتابه السابق. يضاف إلى ذلك أنه يقرر، كما فعل في كتاب «الأمير»، أن هناك ~~طريقتين مختلفتين يستطيع أي رجل دولة أو قائد عسكري فائق «القوة» أن يحقق من ~~خلالهما أشياء عظيمة؛ أولاهما هي تأثيره على غيره من المواطنين الأقل شأنا. يبدأ ~~مكيافيللي بافتراض أن هذا الأمر يمكن أن يحدث في بعض الأحيان تأثيرا ملهما إلهاما ~~مباشرا؛ لأن «هؤلاء الرجال ذوو سمعة ممتازة ويشكلون قدوة بالغة التأثير بدرجة ~~تجعل الرجال الجيدين يرغبون في الاقتداء بهم، وتجعل الرجال الأشرار يستحون من أن يحيوا ~~حياة تتناقض مع حياتهم» (421). إلا أن الحجة الأساسية التي يطرحها هي أن «قوة» القائد ~~البارز سوف تتمثل دائما، في جزء منها، في شكل قدرة على إضفاء نفس هذه الصفة الضرورية ~~على أتباعه، رغم أنها قد لا تكون من بين الصفات الطبيعية التي يتمتعون بها. والافتراض ~~الرئيسي الذي يطرحه مكيافيللي إذ يناقش كيفية عمل هذا الشكل من أشكال التأثير، هو نفسه ~~الذي طرحه في كتاب «الأمير»، ثم لاحقا في الكتاب الرابع من «فن الحرب»، ومفاده أن أكثر ~~الوسائل فعالية لحمل الناس على التصرف «بقوة» تكون من خلال تخويفهم من عواقب التصرف ~~بأي طريقة أخرى ms65 تخالف ذلك. وقد أشاد في هذا الصدد بالقائد حنبعل؛ لأنه أدرك ضرورة ~~بث الخوف في نفوس أفراد قواته «من خلال صفاته الشخصية»، كي يبقيهم «متحدين ومسالمين ~~طائعين» (479). ويدخر إعجابه الأكبر للقائد مانليوس تركواتوس الذي مكنته «نفسه ~~القوية» وصرامته التي كانت مضربا للمثل، من أن «يتخذ قرارات قوية»، ويعيد مواطنيه ~~مجددا إلى حالة «القوة» الأصيلة التي كانوا قد بدءوا في التراجع عنها ~~(480-481). # الطريقة الثانية التي يساهم بها الأفراد المميزون في تحقيق المجد المدني أكثر آنية؛ ~~إذ يعتقد مكيافيللي أن ما يتمتعون به من «قوة» بالغة تساعد في حد ذاتها على تجنب ~~الفساد والانهيار، ومن ثم فإن أحد اهتماماته الرئيسية في «المطارحة» الثالثة تتمثل ~~في توضيح ماهية الجوانب الخاصة للقيادة «القوية»، التي من شأنها إحداث هذه النتيجة ~~المفيدة بأقصى قدر من السهولة. وهو يبدأ بطرح إجابته في الفصل الثالث والعشرين، الذي ~~يستعرض فيه سيرة كاميلوس، «أكثر القادة العسكريين الرومان حكمة على الإطلاق» (462)، ~~والصفات التي جعلت كاميلوس مميزا على نحو استثنائي، ومكنته من تحقيق العديد من ~~«الأمور الرائعة» كانت «حرصه وحصافته، وشجاعته البالغة»، وقبل كل هذا «أسلوبه الممتاز ~~في إدارة الجيوش وقيادتها» (484، 498). بعد ذلك يخصص مكيافيللي سلسلة من الفصول ~~ليقدم فيها تناولا أشمل لهذا الموضوع؛ فهو أولا يذهب إلى الاعتقاد بأن على عظماء ~~القادة المدنيين أن يعرفوا كيف يكسرون شوكة الحاسد؛ «لأن الحسد في كثير من الحالات يمنع ~~الرجال» من اكتساب «السلطة الضرورية في الأمور ذات الأهمية» (495-496)، علاوة على أنهم ~~بحاجة إلى أن يكونوا رجالا لديهم مستوى عال من الشجاعة الشخصية، لا سيما إذا ما ~~استدعت الحاجة أن يعملوا في المجال العسكري، وفي هذه الحالة يجب أن يكونوا على استعداد ~~- بحسب قول ليفيوس - «لإبداء الفعالية في أحمى وطيس للمعركة» (515)، وعليهم أيضا أن ~~يتمتعوا بدرجة عالية من حسن التدبير السياسي، القائم على الدراية بالتاريخ القديم ~~والشئون المعاصرة على حد سواء (521-522). وأخيرا عليهم أن يتصفوا بأعلى درجات ~~الحيطة والحذر، بحيث لا يكونون عرضة لأن يقعوا فريسة لاستراتيجيات أعدائهم المخادعة ~~(526). # من خلال هذا ms66 النقاش يتضح أن مصير مدينة فلورنسا، مسقط رأس مكيافيللي، لم يبعد قيد ~~أنملة عن أفكاره؛ فكلما يستشهد بمظهر ضروري من مظاهر القيادة «القوية»، يتوقف ليشير إلى ~~أن انحدار الجمهورية الفلورنسية وانهيارها المخزي عام 1512 كانا راجعين في جزء كبير ~~منهما إلى عدم الاهتمام بما فيه الكفاية بهذه الصفة الحاسمة؛ فالزعيم «القوي» بحاجة لأن ~~يعرف كيف يتعامل مع الحسود. ولم يتمكن سافونارولا ولا سوديريني من «التغلب على ~~الحسد»، ونتيجة لذلك «سقط كلاهما » (497). والزعيم «القوي» يجب أن يكون مستعدا لأن ~~يستفيد من دروس التاريخ، لكن الفلورنسيين الذين كانوا يستطيعون بكل سهولة «القراءة عن ~~عادات البدائيين القدامى أو تعلمها»، لم يقدموا على أي محاولة لفعل ذلك فسهل ~~خداعهم ونهبهم (522). والزعيم «القوي» ينبغي له أن يكون رجلا حذرا حصيفا، لكن حكام ~~فلورنسا أبدوا سذاجة في مواجهة الغدر إلى حد أنهم - كما حدث في الحرب ضد بيزا - ~~جلبوا الخزي الشديد على الجمهورية (527). بهذا الاتهام اللاذع، يختتم مكيافيللي ~~«المطارحة» الثالثة. # بالعودة إلى المعضلة التي بدأ مكيافيللي بطرحها، يتضح أن حجج «المطارحة» الثالثة تترك ~~هذه المعضلة بلا حل؛ إذ رغم أنه شرح كيف يمكن حمل المواطنين العاديين على التحلي بصفة ~~«القوة» من خلال نموذج القيادة العظيمة، فإنه قد اعترف أيضا أن ظهور زعماء عظام دائما ~~ما يتوقف تماما على حسن «الحظ»، ومن ثم لا يشكل وسيلة يمكن الاعتماد عليها ~~لتمكين أي مدينة من بلوغ المجد؛ لذا يبقى السؤال الأساسي هو: كيف يستطيع عامة البشر - ~~الذين دائما ما سيكونون ميالين لأن يسمحوا لأنفسهم بأن تفسد بفعل الطموح أو الكسل - ~~أن يغرسوا في أنفسهم صفة «القوة»، ويحافظوا عليها لفترة طويلة بما يكفي لأن يضمنوا ~~تحقيق المجد المدني؟ # عند هذه النقطة الحاسمة يبدأ مكيافيللي في الخروج بحسم من حدود رؤيته السياسية ~~الواردة في كتاب «الأمير»، ويقرر أن مفتاح حل هذه المشكلة هو التأكد من أن المواطنين ~~«مهيئون جيدا»؛ أي منظمون على نحو يتيح حملهم على اكتساب «القوة» والاحتفاظ ~~بحرياتهم. هذا الحل مطروح مباشرة في بداية الفصل الافتتاحي في «المطارحة» الأولى، ms67 ~~فإذا أردنا أن نفهم كيف تسنى «الاحتفاظ بقدر كبير من «القوة»» في روما «طوال قرون ~~عديدة»، فإن ما نحن بحاجة لأن نحقق فيه هو «كيف كان يجري تنظيم روما» (192). ~~الفصل التالي يكرر نفس النقطة، فلكي ندرك كيف نجحت مدينة روما في التوصل إلى ~~«الطريق المباشرة» التي أوصلتها «إلى الغاية المطلقة والحقيقية»، علينا قبل كل شيء أن ~~ندرس «تنظيم» مؤسساتها وترتيباتها الدستورية وأساليب ضبط مواطنيها وتنظيمهم ~~(196). # والمسألة الأوضح التي يتطلب منا هذا الأمر أن نتناولها، وفقا لمكيافيللي، هي ~~توضيح المؤسسات التي تحتاج أي مدينة تطويرها كي تتجنب نمو الفساد في شئونها «الداخلية» ~~التي يقصد بها ترتيباتها السياسية والدستورية (195، 295). ومن ثم فإنه يخصص الجزء ~~الأكبر من هذه المطارحة الأولى للنظر في هذا الموضوع، مستمدا أمثلته الرئيسية من ~~تاريخ روما المبكر، ومبرزا دائما «إلى أي مدى جرى تكييف مؤسسات تلك المدينة على ~~نحو يجعلها عظيمة» (271). # ويخص مكيافيللي بالذكر طريقتين لازمتين لتنظيم شئون الوطن على نحو يبث صفة «القوة» ~~في جسد عامة المواطنين؛ فيبدأ - في الفصول من الحادي عشر إلى الخامس عشر - بالذهاب إلى ~~أن من أكثر المؤسسات أهمية لأي مدينة تلك المعنية بتدعيم العبادة الدينية وضمان ~~«استخدامها على نحو جيد» (234)، بل إنه يعلن أيضا أن «الحرص على التعليم الديني» أمر ~~بالغ الأهمية إلى حد أنه يعمل في حد ذاته على تحقيق «العظمة للجمهوريات» (225). على ~~عكس ذلك، هو يعتقد أن «المرء لا يمكن أن يلحظ مؤشرا أوضح» يدل على فساد البلاد وخرابها ~~من «أن يرى العبادة الإلهية لا تحظى بالتقدير الكافي» (226). # وقد أدرك الرومان تماما كيفية الاستفادة من الدين في تعزيز صالح جمهوريتهم ~~ورفاهيتها. فالملك نوما - الذي خلف رومولوس مباشرة - على وجه الخصوص، أدرك أن إرساء ~~عقيدة مدنية «ضروري كل الضرورة إذا كان يرغب في الحفاظ على تحضر المجتمع» (224). في ~~المقابل، فشل حكام إيطاليا المعاصرون فشلا ذريعا في إدراك أهمية هذه النقطة. صحيح ~~أن مدينة روما لا تزال المركز الرمزي للديانة المسيحية، لكن المفارقة التي تبعث على ~~السخرية هي أن ما ضربته الكنيسة الرومانية ms68 من «نموذج سيئ»، جعل «هذه الأرض تخسر كل قدر ~~من التقوى والتدين» (228). ونتيجة هذه الفضيحة هي أن الإيطاليين، من خلال كونهم أقل ~~الشعوب تدينا في أوروبا، صاروا أشد الشعوب فسادا. وكنتيجة مباشرة لذلك، فإنهم ~~فقدوا حريتهم، ونسوا كيفية الدفاع عن أنفسهم، ولم يسمحوا فقط بأن تصبح بلادهم «فريسة ~~للبرابرة الأقوياء، بل فريسة أيضا لكل من يغير عليها» (229). # والسر المعروف لكل قدماء الرومان - والمنسي في العالم المعاصر - هو أن المؤسسات ~~الدينية يمكن أن تلعب دورا يشبه دور الأفراد البارزين في الإسهام في تعزيز العظمة ~~المدنية، فالدين يمكن استخدامه لإلهام عامة الناس - وإذا لزم الأمر ترهيبهم - على نحو ~~يحثهم على تفضيل صالح مجتمعهم على كل المصالح الأخرى. ويقدم مكيافيللي إفادته الرئيسية ~~عن كيفية تشجيع الرومان هذا الشكل من أشكال الوطنية في مناقشته موضوع قراءة الطالع؛ ~~فقد كان القادة الرومان قبل الذهاب إلى المعركة دائما ما يحرصون على أن يعلنوا أن ~~طالعهم حسن، وكان هذا يحفز قواتهم للقتال بإيمان واثق بأنهم على يقين من النصر، وهي ثقة ~~كانت تجعلهم يتصرفون على نحو يحمل من «القوة» ما يجعلهم يحققون النصر على نحو شبه ~~دائم (233). لكن مكيافيللي بطبيعته أكثر إعجابا بطريقة استخدام الرومان دينهم لإثارة ~~الرعب في جسد الشعب، ومن ثم حثهم على التصرف بقدر من «القوة» ما كانوا ليكتسبوه ~~لولا ذلك. وهو يقدم أكثر الأمثلة دراماتيكية على ذلك في الفصل الحادي عشر؛ إذ يقول ~~«بعد أن هزم حنبعل الرومان في معركة كاناي، تجمع عدد كبير من المواطنين الذين ~~اتفقوا، بعد أن ملأهم اليأس من وطنهم، على الرحيل من إيطاليا»، وحينما سمع سكيبيو بهذا، ~~التقى بهم «بسيفه المشهر في يده»، وأجبرهم على أن يقسموا اليمين الرسمية التي تلزمهم ~~الدفاع عن أرضهم. كان تأثير ذلك إجبارهم على اكتساب «القوة»؛ فرغم أن «حبهم بلادهم ~~وقوانينها» لم يقنعهم بالبقاء في إيطاليا، كان خوفهم من الوقوع في الكفر إذا ما حنثوا ~~بقسمهم هو ما حقق هدف بقائهم في إيطاليا (224). # إن الفكرة التي تذهب إلى أن المجتمع الذي يخشى الرب ms69 يحصد بطبيعة الحال ثواب المجد ~~المدني، كانت فكرة مألوفة بالنسبة لمعاصري مكيافيللي. وكما يشير هو نفسه، كان هذا ~~هو الوعد الذي قامت عليه حملة سافونارولا في فلورنسا خلال تسعينيات القرن الخامس عشر، ~~والتي أقنع من خلالها الفلورنسيين «بأنه تحدث إلى الرب»، وأن رسالة الرب إلى المدينة ~~أنه سيعيدها إلى عظمتها السابقة ما إن تثوب إلى ما كانت عليه من تقوى (226). لكن ~~وجهات نظر مكيافيللي نفسه عن قيمة الدين تدفعه للإقلاع عن تعامله التقليدي مع هذا ~~الموضوع في ملمحين أساسيين؛ فهو أولا يختلف عن سافونارولا من حيث مبرراته التي تقف ~~وراء الرغبة في الحفاظ على الأساس الديني للحياة السياسية. فهو ليس مهتما اهتماما ~~يذكر بمسألة الحقيقة الدينية، وإنما مهتم فقط بالدور الذي تلعبه المشاعر الدينية «في ~~إلهام الناس، وفي جعلهم أخيارا، وفي جعل الأشرار يشعرون بالخزي»، وهو يحكم على قيمة ~~مختلف الديانات مستندا كليا إلى قدرة كل منها على تعزيز التأثيرات النافعة (224). ~~لذا فهو لا يخلص فقط إلى أن زعماء أي مجتمع عليهم واجب «قبول وتمجيد» أي شيء من شأنه أن ~~«يدعم صالح الدين»، بل يصر أيضا على أنهم يجب أن يفعلوا ذلك دوما، «حتى إن كانوا ~~يعتقدون أن ما يفعلونه ليس صوابا» (227). # المنحى الآخر الذي ينحوه مكيافيللي بعيدا عن التقليدية مرتبط بهذا النهج ~~البراجماتي؛ فهو يعلن - وفقا لهذه المعايير - أن ديانة الرومان القديمة أفضل بكثير من ~~الديانة المسيحية؛ فليس هناك ما يبرر عدم تفسير المسيحية «بما يتلاءم مع «القوة»» ~~وعدم استخدامها في «تعزيز» المجتمعات المسيحية و«الدفاع عنها»، لكنها في الواقع ~~فسرت على نحو يوهن الصفات الضرورية للحياة المدنية الحرة المفعمة بالقوة؛ فقد ~~«مجدت الأشخاص البسطاء المتصوفين»، «ووضعت على رأس صالح الأعمال التواضع والخضوع ~~واحتقار الأمور البشرية»، وألغت قيمة «عظمة العقل، وقوة الجسد»، أو أي من السمات الأخرى ~~للمواطنين «الأقوياء». ومن خلال فرض هذه الصورة الأخروية للتميز البشري، لم تعمل فقط ~~على تقويض المجد المدني، بل ساعدت أيضا على التسبب في اضمحلال دول عظيمة وسقوطها ~~عن طريق إفساد الحياة المجتمعية فيها. ms70 وهكذا يخلص مكيافيللي - في لهجة ساخرة تليق ~~بالمؤرخ جيبون - إلى أن الثمن الذي دفعناه مقابل حقيقة أن المسيحية «ترينا الحقيقة ~~والطريق القويمة»، هو أنها «جعلت العالم ضعيفا وحولته إلى فريسة للأشرار» ~~(331). # بقية «المطارحة» الأولى مكرسة في أغلبها للادعاء بأن هناك وسيلة أخرى أكثر فعالية ~~لحمل الناس على اكتساب «القوة»: باستخدام سلطات القانون الجبرية على نحو يفرض عليهم ~~إعلاء مصالح مجتمعهم فوق كل المصالح الفردية، وهذه النقطة موضحة في البداية بعبارات ~~عامة في فصول الكتاب الافتتاحية؛ حيث يقال إن كل الأمثلة الرائعة على القوة المدنية ~~«تعزى إلى التعليم الجيد»، الذي يعزى بدوره إلى «قوانين جيدة» (203). وإذا أردنا أن ~~نعرف كيف نجحت بعض المدن في الحفاظ على «قوتها» على مدى فترات طويلة على نحو استثنائي، ~~فستكون الإجابة الأساسية في كل حالة أن «القوانين سبب نجاحها» (201). الوضع المحوري ~~لهذا الجدل في نقاش مكيافيللي العام يتبين جليا في بداية «المطارحة» الثالثة، حيث ~~يقول إنه إذا أرادت مدينة أن «تعود لحياة جديدة» وتتقدم على الطريق الموصلة إلى المجد، ~~فهذا لا يمكن أن يتحقق إلا «عن طريق «قوة» رجل ما أو عن طريق «قوة» القانون» ~~(419-420). # بناء على هذا الاعتقاد، يمكننا أن نرى لماذا يمنح مكيافيللي تلك الأهمية البالغة ~~للآباء المؤسسين للمدن؛ فهم في مكانة فريدة تجعلهم بمنزلة المشرعين، ومن ثم ~~يزودون مجتمعاتهم من البداية بأفضل وسيلة لضمان تعزيز «القوة» والتغلب على الفساد. ~~ويقال إن أروع الأمثلة على ذلك تتمثل في المشرع ليكرجوس، المؤسس الأول لمدينة ~~إسبرطة؛ فقد سن مجموعة قوانين على درجة من الإحكام جعلت المدينة تتمكن من «العيش في ~~أمان بموجبها» على مدى «أكثر من ثمانمائة عام دون التقليل من شأن تلك القوانين»، ومن ~~دون أن تخسر حريتها (196، 199). ما لا يكاد يقل عن ذلك روعة يتمثل فيما أنجزه ~~رومولوس ونوما، أول ملكين لروما؛ فمن خلال العدد الكبير من القوانين الجيدة التي ~~شرعاها، كانت صفة «القوة» «مفروضة على المدينة» بقدر من الحسم حال دون «ضرب الفساد ~~أطنابها طوال قرون عديدة رغم عظمتها واتساعها»، وظلت «مفعمة ms71 بقوة كبيرة لم يسبق أن ~~تميزت بها أي مدينة أو جمهورية» (195، 200). # وفقا لمكيافيللي، هذا يقودنا إلى أحد أهم الدروس المفيدة التي قد نأمل في تعلمها من ~~دراسة التاريخ؛ فقد بين أن أعظم المشرعين هم أكثر من فهموا كيفية استخدام القانون من ~~أجل إعلاء قضية العظمة المدنية، وبناء على ذلك، إذا حققنا في تفاصيل القوانين ~~الدستورية التي وضعوها، فقد نتمكن من اكتشاف سر نجاحهم، ومن ثم إتاحة حكمة القدماء ~~لحكام العالم المعاصر على نحو مباشر. # بعد إجراء هذا التحقيق، خلص ~~مكيافيللي إلى أن الاكتشاف الحاسم الذي اتفق عليه مشرعو العصور القديمة جميعهم يمكن ~~التعبير عنه ببساطة؛ فهم فهموا جميعا أن الأشكال الدستورية الثلاثة «المجردة» للحكم ~~- النظام الملكي، وحكم الطبقة الأرستقراطية، والحكم الديمقراطي - غير مستقرة بطبيعتها، ~~وغالبا ما تولد دورة من الفساد والانحلال، وأصابوا حينما استنتجوا أن مفتاح فرض ~~«القوة» بموجب القانون سيتأتى بالضرورة من خلال وضع دستور مختلط، يتدارك مواطن الضعف ~~الموجودة في الأشكال المجردة للحكم، وفي الوقت نفسه يجمع بين نقاط القوة التي تميزها. ~~وكالمعتاد، تشكل روما أوضح الأمثلة على هذا؛ وذلك لأن السبب في أنها ارتقت في نهاية ~~المطاف إلى منزلة «الجمهورية المثالية»، هو أنها تمكنت من استحداث نظام «حكم مختلط» ~~(200). # بطبيعة الحال، كان المألوف عن الآراء ~~النظرية السياسية الرومانية أنها تدافع عن مزايا الدساتير المختلطة، فقد كان هذا الرأي ~~محوريا في «تاريخ» بوليبيوس، وتكرر في عدد من أطروحات شيشرون، ثم صار فيما بعد ~~محط تفضيل معظم الفلاسفة الإنسانيين في فلورنسا في القرن الخامس عشر. لكن حينما نأتي ~~على الأسباب التي يقدمها مكيافيللي للاعتقاد بأن الدستور المختلط هو أفضل ما يتلاءم ~~مع تعزيز «القوة» والحفاظ على الحرية، نلاحظ تحولا دراماتيكيا عن وجهة النظر ~~الإنسانية التقليدية. # إذ تنطلق حجته من الحقيقة البديهية التي تقول إن «كل جمهورية تحوي فصيلين متعارضين، ~~فصيل الشعب وفصيل الأغنياء» (203). وهو يعتقد أن من الواضح أنه إذا جرى ترتيب الدستور ~~على نحو يمنح أيا من هذين الفصيلين سيطرة كاملة وحده، فسوف «يكون إفساد الجمهورية ~~أمرا سهلا» ms72 (196). فإذا تولى شخص من فصيل الأغنياء منصب الأمير، فسيكون هناك تهديد ~~مباشر بظهور الاستبداد؛ لأن الأغنياء إذا أرسوا شكلا أرستقراطيا للحكم، فربما ~~يميلون إلى الحكم وفقا لما يخدم مصالحهم الخاصة، وإذا كان الحكم ديمقراطيا، فسينطبق ~~نفس الأمر على عامة الشعب؛ وهذا يعني أنه في كلتا الحالتين سيكون الصالح العام رهنا ~~بالولاءات الفئوية، ونتيجة لذلك، سرعان ما ستضيع «قوة» الجمهورية، ومن ثم حريتها ~~(197-198، 203-204). # يرى مكيافيللي أن حل ذلك أن تستنبط القوانين المتعلقة بالدستور على نحو يحقق ~~توازنا قويا بين هاتين القوتين الاجتماعيتين المتعارضتين، بحيث يظل جميع الأطراف ~~مشاركين في عمل الحكومة، ويراقب «كل منهم الآخر» كي يتسنى اتخاذ خطوات استباقية ~~لمنع غطرسة «الأغنياء»، وكذلك «شق الشعب عصا الطاعة» (199)؛ ذلك لأن الجماعات المتنافسة ~~حينما تتربص لانتقاد بعضها بعضا على أي بادرة تنذر بمحاولة الانفراد بالسلطة العليا، ~~سيعني انحسار الضغوط الناشئ عن ذلك أنه ما من «قوانين وتشريعات» ستمرر إلا تلك التي ~~تحقق «الحرية العامة». ورغم أن تحركات الفصائل تخضع في الأساس لما يتوافق مع مصالحها ~~الخاصة، ستعمل هذه النزاعات فيما بينها على توجيهها - مثل يد خفية - نحو إعلاء الصالح ~~العام عند صياغتها جميع القوانين التشريعية؛ أي إن «كل القوانين التي تصاغ على نحو يدعم ~~الحرية» تكون «ناتجة عن تنازع هذه الفصائل» (203). # هذه الإشادة بفائدة النزاع أفزعت معاصري مكيافيللي، وقد تحدث نيابة عنهم جميعا ~~فرانشيسكو جويتشارديني حينما رد على ذلك في كتابه «تأملات في المطارحات»، بأن ~~«الإشادة بالخلاف مثل استحسان مرض رجل ما لأنه ينال فوائد من الدواء الذي يستخدم ~~لعلاجه.» # 1 # كانت حجة مكيافيللي تتعارض مع مجمل تقاليد الفكر الجمهوري في فلورنسا، وهو ~~الفكر الذي يتضمن الاعتقاد بأن النزاع لا بد أن يحظر لأنه مثير للشقاق، والاعتقاد بأن ~~الشقاق يشكل أخطر تهديد للحرية المدنية، وكان قد جرى التشديد عليه منذ نهاية القرن ~~الثالث عشر، حينما أطلق ريميجو دي جيرولامي، وبرونيتو لاتيني ودينو كومباني، والأهم ~~منهم دانتي، اتهامات عنيفة لمواطنيهم بأنهم يخاطرون بحريتهم من خلال رفضهم العيش في ~~سلام، ومن ثم ms73 فإن الإصرار على الرأي المثير للدهشة بأن الاضطرابات التي شهدتها روما ~~- حسب قول مكيافيللي - «جديرة بأعظم الثناء»، كان كفرا بأحد أكثر الافتراضات جدارة ~~بالتقدير في نظر التيار الإنساني في فلورنسا. # ومع ذلك، فمكيافيللي غير نادم على هجومه على هذا الاعتقاد الراسخ، وهو يشير صراحة ~~إلى «رأي الكثيرين» الذين يعتقدون أن الصدامات المستمرة بين العامة والنبلاء في روما ~~جعلت المدينة «تسودها الفوضى» إلى حد أن الفضل في أنها لم تمزق نفسها إربا لا يعزى ~~إلا إلى «حسن الحظ» و«القوة العسكرية»، لكنه رغم ذلك يصر على أن من يدينون اضطرابات ~~روما لا يدركون أن هذه الاضطرابات حالت دون انتصار المصالح الطائفية، ومن ثم ~~«يعيبون على تلك الصدامات التي كانت السبب الأول في بقاء روما حرة» (202). وهكذا يخلص ~~إلى أن الخلافات، وإن كانت شرا في حد ذاتها، فإنها كانت «شرا لا بد منه لبلوغ ~~العظمة الرومانية» (211). # منع الفساد # يمضي مكيافيللي فيؤكد أن الدستور المختلط ضروري دون شك، لكنه رغم ذلك ليس كافيا ~~بأي حال من الأحوال لضمان الحفاظ على الحرية، وسبب ذلك - كما يحذر من جديد - أن معظم ~~الناس يكونون أكثر انصياعا لطموحاتهم الخاصة من التزامهم بالصالح العام، و«لا يفعلون ~~أبدا أي شيء جيد إلا اضطرارا» (201). ونتيجة ذلك أن المواطنين ذوي النفوذ المفرط ~~وجماعات المصالح القوية دائما ما يميلون لإخلال توازن الدستور بما يصب في صالح غاياتهم ~~الأنانية والفئوية الخاصة، وبالتالي يغرسون بذور الفساد في الجسد السياسي ويهددون ~~حريته. # ولمجابهة هذا التهديد المتأصل، يقدم مكيافيللي اقتراحا دستوريا آخر، يؤكد فيه ~~أن ثمن الحرية هو اليقظة الدائمة. فمن الضروري في المقام الأول أن ندرك إشارات الخطر، ~~كي نعرف الوسائل التي قد يتمكن من خلالها مواطن فرد أو حزب سياسي من «اكتساب قدر من ~~السلطة يفوق الحد الآمن» (265). # بعد ذلك، من الضروري وضع مجموعة خاصة من القوانين والتشريعات للتعامل مع مثل هذه ~~الحالات الطارئة. فالجمهورية، على حد قول مكيافيللي، «يجب أن يكون من بين قواعد ~~«تنظيمها» السماح بمراقبة المواطنين بحيث لا يتسنى لهم فعل الشر ms74 تحت ستار الخير، ~~وبحيث لا يكتسبون سوى ذلك النوع من الشعبية الذي يعزز الحرية ولا يلحق بها ضررا» ~~(291). وأخيرا، من الضروري عندئذ أن تظل أعين الجميع «مفتوحة»، بحيث لا يكونون على ~~استعداد لاكتشاف مثل هذه التوجهات المفسدة فحسب، بل أيضا لتوظيف قوة القانون في ~~استئصال شأفتها بمجرد - أو حتى قبل - أن تبدأ تشكل مصدرا للخطر (266). # يقرن مكيافيللي بهذا التحليل فكرة أن هناك درسا دستوريا آخر بالغ الأهمية ينبغي ~~استخلاصه من تاريخ روما المبكر؛ فلما كانت روما قد احتفظت بحريتها لأكثر من أربعمائة ~~عام، يبدو أن مواطنيها نجحوا في اكتشاف أشد المخاطر التي كانت تتهدد حرياتهم، وشرعوا في ~~وضع «القوانين» المناسبة للتعامل معها؛ ومن ثم، إذا أردنا أن ندرك هذه المخاطر ~~وسبل مجابهتها، سيكون من المفيد لنا أن ننتقل ثانية إلى تاريخ الجمهورية الرومانية، ~~سعيا للاستفادة من حكمتها القديمة وتطبيقها في العالم المعاصر. # ويوضح مثال روما أن الخطر الأول الذي يتعين على أي دستور مختلط أن يجابهه سينشأ ~~دائما من أولئك الذين كانوا يستفيدون من النظام السابق. يقول مكيافيللي إن هذا هو ~~الخطر الذي كان يشكله «أبناء بروتوس»، وهو يذكر هذه المشكلة لأول مرة في الفصل السادس ~~عشر، ثم يؤكد عليها لاحقا في بداية «المطارحة» الثالثة. كان يونيوس بروتوس قد حرر ~~روما من طغيان تاركونيوس سوبربوس، آخر ملوكها، لكن «أبناء بروتوس كانوا ممن استفادوا ~~من استبداد الحكم» (235)، وهكذا بدا لهم أن إرساء «حرية الشعب» ليس أفضل حالا من ~~العبودية؛ ونتيجة لذلك، جرت الاستعانة بهم «للتآمر ضد مدينتهم، لا لسبب سوى أنهم لم ~~يكن باستطاعتهم تحقيق مكاسب غير مشروعة في ظل القناصل الجدد كما كانوا يفعلون في ظل ~~الملوك» (236). # في مواجهة هذا النوع من المخاطر، «ليس ثمة علاج أقوى، ولا أكثر فعالية ولا أكثر ~~ضمانة ولا أكثر ضرورة من قتل أبناء بروتوس» (236). ومكيافيللي يقر أنه قد يبدو ~~أمرا قاسيا - ويضيف بأكثر نبراته برودا أن هذا ولا شك «مثال صادم بين الأحداث ~~التاريخية المسجلة» - أن نقول إن بروتوس كان ينبغي له أن يكون ms75 على استعداد لأن «يجلس ~~على مقعد الحكم ولا يكتفي بمجرد الحكم على أبنائه بالموت، بل أن يشهد مقتلهم أيضا» ~~(424). لكنه يصر على أن هذه الصرامة لا غنى عنها في حقيقة الأمر؛ «لأن من يستفد من ~~استبداد ولا يقتل بروتوس، ومن يحرر دولة ولا يقتل أبناء بروتوس، فلن يؤمن نفسه ~~إلا لأمد قصير» (425). # ثمة خطر آخر على الاستقرار السياسي ينشأ من النزوع الشهير الممقوت لدى جمهوريات ~~الحكم الذاتي نحو تشويه سمعة مواطنيها القياديين ونكران حسن صنيعهم. يلمح مكيافيللي ~~إلى هذا العيب أولا في الفصل التاسع والعشرين، حيث يقول إن أحد أشد الأخطاء جسامة ~~التي يمكن أن ترتكبها أي مدينة في «حق الحفاظ على حريتها»، هو أن «تلحق الأذى بالذين ~~كان ينبغي لها أن تكافئهم.» وهذا مرض خطير إلى حد بعيد لا ينبغي أن يترك دون علاج؛ ~~لأن من يعانون هذه الأشكال من الظلم يكونون بوجه عام في مركز قوي يؤهلهم للأخذ ~~بثأرهم، ومن ثم يعيدون مدينتهم «بأسرع ما يمكن إلى الاستبداد، كما حدث في حالة روما ~~مع يوليوس قيصر، الذي أخذ بالقوة ما أنكر عليه بفعل الجحود» (259). # العلاج الوحيد الممكن لذلك هو وضع «قوانين» خاصة تهدف لصرف كل حاسد وناكر للجميل عن ~~تقويض سمعة الشخصيات البارزة، وأفضل طريقة لتنفيذ ذلك هو «إتاحة الفرصة لعرض الاتهامات» ~~الموجهة لشخص ما على القضاء؛ وبذلك فإن أي مواطن يشعر أنه وقع ضحية افتراء، يجب أن ~~يكون بمقدوره، «دون أدنى خوف أو تردد»، أن يطالب بمثول من اتهمه أمام المحكمة لتقديم ~~ما يبرهن على صحة مزاعمه، فإذا تبين عندئذ، بمجرد «توجيه الاتهام الرسمي والتحقيق ~~فيه جيدا»، أن التهم لا يمكن إثباتها، فيجب أن يفرض القانون معاقبة القاذف عقابا ~~شديدا (215-216). # وأخيرا، يناقش مكيافيللي ما يرى أنه أشد التهديدات خطورة على توازن الدستور ~~المختلط، والذي يتمثل في أنه ربما يحاول مواطن طموح تشكيل حزب على أساس الولاء لنفسه ~~لا الولاء للصالح العام. يبدأ مكيافيللي بتحليل مصدر الاضطراب هذا في الفصل الرابع ~~والثلاثين، ثم يخصص معظم ما تبقى ms76 من «المطارحة» الأولى للنظر في كيفية نشوء هذا ~~الفساد في أغلب الأحيان، ونوعية «القوانين» اللازمة للتأكد من أن تظل بوابة الاستبداد ~~هذه موصدة. # من الأمور التي تشجع على نمو الشقاق والانقسام السماح بطول أمد القيادة العسكرية، ~~بل إن مكيافيللي يشير إلى أن «السلطة التي اكتسبها المواطنون» بهذه الطريقة، هي التي ~~أدت في نهاية المطاف، أكثر من أي شيء آخر، إلى «استعباد روما» (267)، والسبب في أن ~~«منح امرئ سلطة مطلقة لفترة ما» دائما ما «يلحق الضرر بالحرية»، هو أن السلطة ~~المطلقة دائما ما تفسد الأشخاص بتحويلهم إلى «أصدقاء ومتحزبين» لها (270، 280)، وهو ما ~~حدث مع جيوش روما في ظل الجمهورية المتأخرة؛ «فعندما كان يتولى مواطن ما قيادة ~~الجيش فترة طويلة، كان يكتسب دعم هذا الجيش ويجعله مناصرا له»، إلى حد أن الجيش «في ~~وقت ما كان ينسى «مجلس الشيوخ» ويعتبر هذا المواطن قائده» (486). حينئذ، لم يكن ~~الأمر يتطلب سوى أن يعثر قادة مثل سولا، وماريوس، ثم يوليوس قيصر على «جنود يمكن أن ~~يتبعوا أوامرهم، بما يتعارض مع الصالح العام» كي يشهد توازن الدستور اختلالا عنيفا ~~لدرجة تجلب الاستبداد والطغيان في أعقابه (282، 486). # والرد المناسب على هذا الخطر ليس الخوف من فكرة السلطة الدكتاتورية نفسها؛ لأنها قد ~~تكون أحيانا ضرورة ملحة في حالات الطوارئ الوطنية (268-269)، وإنما ينبغي أن يكون ~~الرد بالتأكد - من خلال «القوانين» المناسبة - من أن هذه السلطات لن يساء ~~استخدامها، وهذا يمكن تحقيقه بطريقتين رئيسيتين: ضرورة أن تكون جميع السلطات المطلقة ~~«لفترة محدودة، لا مستديمة»، والتأكد من أن ممارسة هذه السلطات مقيدة على نحو لا ~~يتيح لأصحابها سوى «التصرف في الشأن الذي منحت من أجله» هذه السلطات. وما دامت هذه ~~«القوانين» تحترم وتطبق، فلن يكون هناك خطر من أن تتسبب السلطة المطلقة في ~~«إفساد الحكم وإضعافه على الإطلاق» (268). # المصدر الرئيسي الآخر للشقاق والانقسام هو التأثير الخبيث الذي يمارسه أصحاب الثروة ~~الشخصية الهائلة؛ فالأغنياء دائما في وضع يمكنهم من تقديم خدمات لغيرهم من ~~المواطنين، كأن «يقرضوهم المال، ويسهموا في زواج بناتهم، ويحموهم ms77 من رجال القضاء»، ~~ويقدموا لهم بوجه عام خدمات متنوعة. هذا النوع من الرعاية مفسد لأقصى حد؛ لأنه يميل إلى ~~«جعل الرجال أنصارا لأولياء نعمتهم» على حساب الصالح العام، وهذا بدوره يعمل على «منح ~~الرجل الذي يتبعونه شجاعة الاعتقاد بأنه يستطيع إفساد العامة وخرق القوانين» (493). من ~~هنا يصر مكيافيللي على أن «الفساد وضعف الاستعداد للعيش بحرية ينبعان من انعدام ~~المساواة في أي مدينة»، ومن هنا يأتي تحذيره الذي يتكرر مرارا من أن «طموح الأغنياء، ~~الذي لا تكبح المدينة جماحه بمختلف الوسائل والطرق، هو الذي ينزل بها الخراب سريعا» ~~(240، 274). # والسبيل الوحيد للخروج من هذا المأزق هو أن تحرص «الجمهوريات المنظمة تنظيما جيدا» ~~على أن «تبقي خزائنها عامرة بالأموال، ومواطنيها فقراء» (272). ومكيافيللي غامض إلى ~~حد ما فيما يتعلق بنوع «القوانين» اللازمة لتحقيق ذلك، لكنه واضح ومباشر فيما يتعلق ~~بالمكاسب المرجوة من هذه السياسة؛ فهو يذهب إلى أننا إذا استخدمنا القانون في «إبقاء ~~المواطنين فقراء»، فإن هذا سيفلح في منعهم - حتى إذا كانوا «عديمي الخير والحكمة» - من ~~أن يتمكنوا من «إفساد أنفسهم أو غيرهم بالأموال» (469). وإذا تأتى في الوقت نفسه أن ~~تظل خزائن المدينة عامرة، فستكون الحكومة قادرة على المزايدة على الأغنياء في أي «مخطط ~~لكسب تأييد الشعب»؛ لأنه سيكون بمقدورها تقديم دعم للخدمات العامة أكثر من الخدمات ~~الخاصة (300). وبناء على ذلك يخلص مكيافيللي إلى أن «أهم الأشياء المجدية التي يمكن أن ~~يفعلها مجتمع حر هو أن يبقي أفراده فقراء» (486). ويختتم نقاشه بملحوظة قوية في ~~تأثيرها حين يضيف أنه «كان سيسهب في بيان أن الفقر يؤتي ثمارا أفضل بكثير من الثراء»، ~~لو لم تكن «كتابات من كتبوا غيري قد أوضحت هذا الأمر جليا» (488). # بوصولنا إلى هذه النقطة في تحليل مكيافيللي، يسهل علينا أن ~~ندرك - كما في «مطارحته» الثالثة - أن ثمة ~~انشغالا دائما ينطوي عليه نقاشه العام بما حكمت به المقادير على مدينة فلورنسا مسقط ~~رأسه؛ فهو في أول الأمر يذكرنا بأن أي مدينة إذا أرادت الحفاظ على حريتها، فمن الضروري ~~أن يتضمن دستورها نصا ms78 معينا لمواجهة شيوع رذيلة الافتراء على المواطنين البارزين ~~والتشكيك في مصداقيتهم، ثم يشير إلى أن هذا الأمر «كان دائما ما يساء تدبيره في ~~مدينتنا فلورنسا»، فأي شخص «يقرأ تاريخ هذه المدينة سيرى كيف كان العديد من الافتراءات ~~دائما ما ينشر ضد المواطنين الذين يتولون شئونها المهمة»؛ وهذا أسفر عن «مشكلات لا ~~تعد ولا تحصى»، ساعدت كلها على تقويض الحريات في المدينة، وكان من السهل تلافيها ~~كلها لو جرى فقط في وقت ما وضع «نظام لإمكانية رفع دعوى ضد من يروجون شائعات ~~تشوه السمعة، ومعاقبتهم إن تبين كذب افتراءاتهم» (216). # خطت فلورنسا خطوة أخرى نحو العبودية عندما لم تمنع كوزيمو دي مديتشي من تأسيس حزب ~~كرس جهوده لإعلاء المصالح الخاصة لعائلته. كان مكيافيللي قد بين الاستراتيجية ~~التي ينبغي لأي مدينة أن تتبناها إذا حاول مواطن ذو شأن أن يفسد الناس بثروته، إذ ~~يقول: من الضروري أن تنافسه بأن تجعل خدمة الصالح العام أكثر نفعا للمواطن العادي. ~~لكن ما حدث أن منافسي كوزيمو اختاروا أن يجبروه على الخروج من فلورنسا، مما أثار ~~قدرا كبيرا من الاستياء وسط أتباعه لدرجة أنهم في نهاية المطاف «دعوه للعودة وجعلوه ~~أميرا للجمهورية، وهذه منزلة لم يكن ليبلغها لولا تلك المعارضة الصريحة» (266، ~~300). # ثم حانت فرصة فلورنسا الأخيرة لضمان حرياتها عام 1494، عندما أجبر حكام عائلة ~~مديتشي مجددا على الخروج إلى المنفى واستعيدت الجمهورية كاملة. لكن عند هذه ~~المرحلة، ارتكب قادة المدينة الجدد، بقيادة بييرو سوديريني، أشد الأخطاء جسامة على ~~الإطلاق بعدم تبني سياسة، وصفها مكيافيللي بأنها ضرورية ضرورة مطلقة عند حدوث تغير ~~كهذا في النظام الحاكم؛ فكل من «قرأ التاريخ القديم» يعرف أنه بمجرد تحول نظام «من ~~الاستبداد إلى الجمهورية»، يكون من الضروري قتل «أبناء بروتوس» (424-425)، لكن سوديريني ~~«اعتقد أنه بالصبر والإحسان يستطيع التغلب على لهفة أبناء بروتوس على العودة في ظل ~~حكم آخر»؛ لأنه اعتقد أنه «يستطيع أن يقضي على الفصائل الشريرة» من دون إراقة دماء، ~~«وأن يستأصل عداء بعض الأشخاص» بالعطايا والمكافآت (425). كانت نتيجة هذه السذاجة ms79 ~~الصادمة أن أبناء بروتوس - أي أنصار عائلة مديتشي - ظلوا على قيد الحياة إلى أن دمروه ~~واستعادوا استبداد مديتشي بعد هزيمة عام 1512. # لم يطبق سوديريني المبدأ المحوري لفن الحكم المكيافيللي؛ فقد تردد في ارتكاب ~~الشر الذي كان من شأنه أن يتمخض عن خير، ومن ثم رفض سحق خصومه؛ لأنه كان يدرك أنه ~~قد يحتاج إلى الاستحواذ على سلطات غير شرعية كي يفعل ذلك. لكن ما لم يدركه أن من ~~الحماقة أن يرضخ لمثل هذا التردد عندما تكون حريات المدينة في خطر حقيقي. كان ينبغي ~~له أن يدرك أن «أعماله ونواياه لن يحكم عليها إلا وفقا لنتائجها»، وأن يدرك أنه «ما ~~دام يملك «الحظ» والحياة معه، فهو يستطيع إقناع الجميع بأن ما فعله كان في سبيل الحفاظ ~~على مدينته وليس لخدمة طموحه الشخصي» (425). لكن ما حدث أن عواقب «عدم تمتعه بالحكمة ~~التي تجعله يكون مثل بروتوس»، كانت كارثية إلى أقصى حد، فهو لم يخسر «منصبه ~~وسمعته» فحسب، بل خسر أيضا مدينته وحرياتها، وسلم مواطني مدينته «ليصبحوا عبيدا» ~~(425، 461). ينتهي نقاش مكيافيللي، كما حدث في «المطارحة» الثالثة له، إلى تنديد عنيف ~~بالزعيم وبالحكومة التي كان هو نفسه يعمل فيها. # السعي نحو الإمبراطورية # يكشف مكيافيللي في بداية «المطارحة» ~~الثانية له عن أن نقاشه لموضوع «القوانين» لم يكتمل سوى نصفه فقط؛ فهو حتى ذلك الحين، ~~ذهب إلى أن أي مدينة إذا أرادت تحقيق العظمة، فعليها أن تؤسس القوانين والتشريعات ~~المناسبة كي تضمن أن مواطنيها يتصرفون بأكبر قدر من «القوة» في تسيير شئونهم ~~«الداخلية». ثم أشار الآن إلى أن ما لا يقل عن ذلك أهمية هو وضع مجموعة أخرى من ~~«القوانين» تهدف لتشجيع المواطنين على التصرف بقدر مماثل من «القوة» في شئونهم ~~«الخارجية»، قاصدا بذلك العلاقات العسكرية والدبلوماسية مع الممالك والجمهوريات الأخرى ~~(339). وتفسير هذه الحجة الأخيرة هو شغله الشاغل على مدى الجزء الأوسط من كتابه. # تنشأ الحاجة إلى هذه القوانين والتشريعات الإضافية من حقيقة أن جميع الجمهوريات ~~والإمارات توجد في حالة من المنافسة العدائية بعضها مع بعض؛ ms80 فالبشر «لا يقنعون أبدا ~~بالعيش على مواردهم الخاصة»، بل دائما ما «يميلون إلى محاولة حكم غيرهم» (194)، وهذا ~~يجعل من «المستحيل على أي جمهورية أن تنجح في الثبات على حالها والتمتع بحرياتها» ~~(379)، وأي مدينة تحاول سلوك هذا المسار المسالم تسقط سريعا ضحية للتغير المستمر ~~في الحياة السياسية، التي دائما ما تكون حظوظ الجميع فيها عرضة لأن «تزدهر أو تنعدم» ~~دون أن يتمكنوا أبدا من البقاء «ثابتين على حالهم» (210). والحل الوحيد لذلك هو ~~اعتبار الهجوم خير وسيلة للدفاع، وتبني سياسة توسعية من أجل ضمان قدرة أي مدينة على ~~«أن تدافع عن نفسها ضد من يغيرون عليها، وأن تسحق كل من يعترض سبيلها إلى العظمة» ~~(194). وهكذا فإن السعي إلى الهيمنة في الخارج يعتبر شرطا لازما لتحقق الحرية على ~~أرض الوطن. # يتحول مكيافيللي، كما فعل من قبل، لتأييد هذه المزاعم العامة بأحداث من تاريخ روما ~~المبكر، فيذكر في الفصل الافتتاحي أنه «ما من جمهورية أخرى سوى روما» امتلكت هذا الكم ~~الهائل من «القوانين» الداعمة للتوسع والغزو (324). كانت روما تدين بالفضل في هذه ~~القوانين إلى رومولوس، أول مشرعيها، الذي تصرف بقدر كبير من بعد النظر جعل ~~المدينة تتمكن منذ بداية أمرها من ممارسة «قدر استثنائي وهائل من «القوة»» في تسيير ~~شئونها العسكرية (332)، وهذا بدوره مكنها، بما تتمتع به من حسن «حظ» استثنائي، ~~من أن تتبوأ في نهاية الأمر - من خلال سلسلة من الانتصارات الباهرة - مكانتها من ~~«العظمة الفائقة» و«القوة الهائلة» (337، 341). # كان رومولوس مصيبا إذ أدرك ضرورة اعتماد إجراءين أساسيين إذا أرادت المدينة ~~تنظيم شئونها «الخارجية» على نحو مقبول؛ ففي المقام الأول، من الضروري توفير أكبر عدد ~~ممكن من المواطنين لأغراض التوسع والدفاع أيضا، ولتحقيق ذلك يجب اتباع سياستين ~~مرتبطتين بهذا الأمر: الأولى - نوقشت في الفصل الثالث - وهي تشجيع الهجرة؛ إذ لا شك ~~أن من المفيد لمدينتك، لا سيما لقوتها العاملة، أن تجعل «الطرق مفتوحة وآمنة للأجانب ~~الراغبين في المجيء للعيش فيها» (334). والاستراتيجية الثانية - نوقشت في الفصل ~~الرابع - «أن تكتسب شركاء لك»؛ فأنت بحاجة لأن تحيط ms81 نفسك بالحلفاء، وأن تجعلهم في وضع ~~التبعية لك، على أن تحميهم بقوانينك مقابل أن يكون بمقدورك طلب خدماتهم العسكرية إذا ~~دعت الضرورة (336-337). # الإجراء الحاسم الآخر مرتبط بهذا التفضيل لتجميع أكبر قدر ممكن من القوى؛ فلكي ~~تحقق أفضل استفادة من هذه القوى، ومن ثم تخدم مصالح مدينتك بأفضل درجة من ~~الفعالية، من الضروري أن تجعل حروبك «قصيرة وكبيرة»، وهذه كانت سنة الرومان في ~~حروبهم؛ لأنهم كانوا «حالما تعلن الحرب»، دائما ما «يقودون جيوشهم لملاقاة العدو ~~ويخوضون معركة على الفور». وهكذا يستنتج مكيافيللي بوضوح أنه ما من سياسة يمكن أن تكون ~~«أكثر أمنا أو أقوى أو أفضل مردودا» من هذه؛ لأنها تمكنك من أن تتصالح مع خصومك من ~~موقع قوة، وبأقل قدر من التكلفة أيضا (342). # وبعد أن يوجز مكيافيللي هذه «القوانين» العسكرية، فإنه يتجه للنظر في سلسلة من ~~دروس أكثر تحديدا عن سير الحرب، يعتقد أن من الممكن استخلاصها من دراسة إنجاز روما. ~~هذا الموضوع، الوارد في الفصل العاشر، يشغل بقية «المطارحة» الثانية، ثم يتعرض له ~~أيضا - بأسلوب أكثر تأنقا لكنه مشابه في جوهره - في الأجزاء الوسطى من أطروحته ~~التالية «فن الحرب». # ربما يدلل على تشاؤم مكيافيللي المتنامي حيال فرص إحياء «القوة» العسكرية القديمة ~~في العالم المعاصر، أن كل استنتاجاته في هذه الفصول مقدمة بصيغة سلبية، فهو بدلا من ~~أن ينظر في ماهية السبل التي تشجع «القوة» وتعزز العظمة، يركز كليا على ~~التكتيكات والاستراتيجيات التي تتضمن أخطاء، ومن ثم تجلب «الموت والخراب» لا النصر ~~(377-378)، وهذا أنتج قائمة طويلة من العبر والمحاذير، منها أنه من الحمق أن نوافق ~~على المبدأ الشائع الذي يرى أن «الثروات هي عصب الحرب» (348-349). كذلك من الضرر اتخاذ ~~«قرارات مترددة» أو «بطيئة ومتأخرة» (361)، ومن الخطأ تماما أن نفترض أن «أسلحة ~~المدفعية هي التي ستتحكم في مسار الحرب مع تطور الزمن» (367، 371)، ومن غير المجدي ~~استخدام جنود مساعدين أو مرتزقة، وهي حجة يذكرنا مكيافيللي بأنه سبق أن عرضها ~~«تفصيليا في عمل آخر» (381). ومن غير المجدي في وقت الحرب، ms82 والمضر ضررا بالغا في ~~وقت السلم، الاعتماد على الحصون باعتبارها نظاما رئيسيا للدفاع (394). ومن الخطورة ~~أن تجعل من المستحيل على المواطن أن ينال «انتقاما شافيا» إذا شعر بالإهانة أو لحق به ~~أذى (405)، وأسوأ الأخطاء على الإطلاق في حال تعرضك لهجوم من قوات متفوقة عليك «أن ~~ترفض أي اتفاق»، وتحاول بدلا من ذلك أن تلحق بها الهزيمة رغم أن الظروف غير مواتية ~~(403). # والسبب الذي يقدمه مكيافيللي لإدانة هذه الممارسات يتكرر في كل الحالات؛ إذ تشترك ~~جميعها في العجز عن إدراك أن تحقيق المجد المدني مرهون بأهم صفة يجب أن يغرسها المرء في ~~جيوشه - وتتحسب لها جيوش أعدائه - وهي صفة «القوة»؛ أي استعداد المرء لتنحية جميع ~~اعتبارات السلامة الشخصية والمصلحة في سبيل الدفاع عن حريات وطنه. # ويعتقد مكيافيللي أن الخطر الذي قد ~~تنطوي عليه بعض السياسات التي يسردها يتمثل في إثارة «قوة» استثنائية ضد من يمارسون ~~هذه السياسات. وهذا، على سبيل المثال، هو السبب في أنه من الخطأ الاعتماد على الحصون؛ ~~فالأمن الذي توفره لك يدفعك لأن تكون «أسرع في قمع رعيتك وأقل ترددا حيال ذلك»، ~~لكن هذا بدوره «يثير حنقهم على نحو لا يصبح معه حصنك، الذي هو سبب ذلك الحنق، قادرا ~~على حمايتك» من كراهيتهم وغضبهم منك (393). ونفس الأمر ينطبق على معارضة أن يثأر من ~~لحق بهم ضرر لأنفسهم؛ لأن المواطن إذا شعر بأنه أهين إهانة بالغة، فإنه قد يستمد ~~«قوة» كبرى من هذا الشعور بالإساءة إلى حد أنه قد يلحق بمهينه أذى في تهور على ~~سبيل الثأر، كما حدث في حالة بافسانياس، الذي اغتال فيليب ملك مقدونيا لأنه كان قد حرمه ~~من أن يثأر لإهانة تعرض لها (405-406). # والخطر الذي تنطوي عليه حالات أخرى هو أن مصيرك قد يكون في أيدي أشخاص ليس لديهم أي ~~قدر من الاهتمام بالصالح العام، وهذا هو ما يحدث إذا سمحت بأن تتخذ القرارات ~~السياسية بوتيرة بطيئة أو على نحو متردد؛ لأن من الأسلم عموما أن تفترض أن من ~~يرغبون في الحيلولة دون التوصل ms83 إلى قرار «مدفوعون بشعور أناني»، ويحاولون في حقيقة ~~الأمر «إسقاط الحكم» (361). وينطبق الأمر نفسه على استخدام قوات مساعدة أو مرتزقة، ~~فنظرا لأن هذه القوات دائما ما تكون فاسدة تماما، فهي «عادة ما تنهب من استأجرها ~~بقدر ما تنهب من استؤجرت للحرب ضدهم» (382). # الأخطر من ذلك كله هو عدم إدراك أن صفة «القوة» أهم من أي شيء آخر في الشئون ~~العسكرية والشئون المدنية على حد سواء؛ ولذلك من المدمر جدا أن تزن أعداءك ~~بثرواتهم، بل ما يجب عليك أن تزنه هو «قوتهم»؛ لأن «الحرب عتادها الحديد لا الذهب» ~~(350). من الخطر أيضا الاعتماد الكلي على المدفعية لكسب المعارك. صحيح أن مكيافيللي ~~يقر بأن الرومان «كانوا ليحققوا انتصاراتهم بوتيرة أسرع لو توفرت في زمانهم مدافع ~~وأسلحة نارية» (370)، لكنه يصر على الاعتقاد بأنه من الخطأ البالغ الافتراض بأن ~~«الرجال لا يستطيعون استخدام «قوتهم» أو إظهارها كما كانوا يفعلون في العصور القديمة ~~بسبب ظهور هذه الأسلحة النارية» (367). وبناء على ذلك، يتوصل مكيافيللي إلى استنتاج ~~متفائل بعض الشيء مفاده أن «المدفعية مفيدة لأي جيش إذا صاحبتها «قوة» القدماء»، لكنها ~~تكون «عديمة الجدوى تماما أمام أي جيش «قوي»» (372). وأخيرا، تفسر هذه الاعتبارات ~~نفسها السبب في أنه من بالغ الخطورة رفض المفاوضات في حال مواجهة قوات متفوقة؛ فمن ~~غير الواقعي أن تطلب هذا حتى من أكثر الجيوش «قوة»، وكأنك تحاول أن «تبدل النتيجة» - كي ~~«تنال رضاء «الحظ»» - بطريقة «لا يخاطر بأن يستخدمها أي رجل حكيم إلا إذا اضطر لذلك» ~~(403). # كما حدث في «المطارحتين» الأخريين لمكيافيللي، نجد أن بحثه في التاريخ الروماني يدفعه ~~لأن ينهي حديثه بمقارنة بائسة بين الفساد التام الذي عانته مدينته، و«القوة» المثالية ~~التي اتسم بها العالم القديم. فقد كان من السهل على الفلورنسيين أن «يدركوا الوسائل ~~التي استخدمها الرومان» في شئونهم العسكرية، و«كان من الممكن أن يحذوا حذوهم» (380)، ~~لكنهم في الواقع لم يستفيدوا بأي قدر من الأساليب الرومانية، ونتيجة لذلك وقعوا في كل ~~ما يمكن تصوره من مآزق (339). فقد كان الرومان يدركون تماما ما كان ms84 ينطوي عليه ~~التصرف على نحو متردد من مخاطر، لكن قادة فلورنسا لم يستوعبوا هذا الدرس الواضح من دروس ~~التاريخ، وهذا جعلهم يجلبون «الخراب والعار على جمهوريتنا» (361). وكان الرومان دائما ~~يدركون عدم جدوى القوات المرتزقة والمساعدة. لكن الفلورنسيين، شأنهم شأن العديد من ~~الجمهوريات والإمارات الأخرى، لا يزالون يعانون إذلالا لا داعي له جراء اعتمادهم على ~~هذه القوى الفاسدة والجبانة (383). وكان الرومان يرون، فيما يتعلق بمراقبة مواطنيهم، ~~أن سياسة «تشييد الحصون لتكون بمنزلة لجام يضمن ولاءهم» لن تولد إلا السخط وانعدام ~~الأمن. لكن، على النقيض من ذلك، «المثل الدارج في فلورنسا على لسان حكمائنا، أن بيزا ~~ومثيلاتها من المدن يجب أن تؤمن بالحصون» (392). وأخيرا يأتي مكيافيللي بمنتهى ~~الحسرة على ذكر المناورة التي كان قد وصمها بأنها تفتقر لأي قدر من التعقل على ~~الإطلاق، والتي تتمثل في رفض التفاوض عند مواجهة قوات متفوقة في قوتها الحربية؛ فجميع ~~الشواهد المستمدة من التاريخ القديم تشير إلى أن هذه هي أكثر الطرق تهورا لنيل ~~رضا «الحظ»، لكن هذا هو تحديدا ما فعله الفلورنسيون عند اجتياح جيوش فرديناند في صيف ~~عام 1512؛ فبمجرد أن عبر الإسبان الحدود، وجدوا أنهم يعانون نقصا في المؤن ~~الغذائية، وحاولوا أن يعقدوا هدنة، لكن «شعب فلورنسا، الذي أصابه ذلك بالغرور، لم يقبل ~~بالهدنة» (403)، فكانت النتيجة المباشرة طرد براتو واستسلام فلورنسا، وسقوط الجمهورية ~~وعودة طغيان مديتشي، وهي عواقب كان من الممكن تلافيها كلها. وهكذا يجد مكيافيللي نفسه ~~مدفوعا - كما حدث من قبل - لأن ينهي حديثه بتعليق يكلله الغضب اليائس من حماقات ~~النظام الذي كان هو نفسه يخدمه. # الفصل الرابع # | مؤرخ فلورنسا # الغرض من تسجيل التاريخ # عقب انتهاء مكيافيللي من كتابة «المطارحات» بوقت قصير، ضرب الحظ ضربته أخيرا وعلى ~~نحو مفاجئ، حيث وهب مكيافيللي الدعم الذي طالما رغب فيه من حكام عائلة مديتشي. فقد ~~حدث أن لورنزو دي مديتشيتو الذي كان مكيافيللي قد أعاد إهداء كتاب «الأمير» له بعد وفاة ~~جوليانو عام 1516، توفي فجأة بعد ثلاث سنوات، وخلفه في السيطرة على شئون فلورنسا ابن ~~عمه، ms85 الكاردينال جوليو، الذي سرعان ما انتخب لمنصب بابا الكنيسة الكاثوليكية باسم ~~كليمنت السابع، وتصادف أن الكاردينال على صلة بأحد أقرب أصدقاء مكيافيللي، وهو لورنزو ~~ستروتسي، الذي أهداه مكيافيللي فيما بعد كتاب «فن الحرب». ونتيجة لهذا الاتصال، ~~تمكن مكيافيللي من الحصول على فرصة تقديم نفسه في البلاط المديتشي في مارس من عام ~~1520، وبعد ذلك بوقت قصير تلقى تلميحا بأن ثمة وظيفة ما - وإن كانت أدبية وليست ~~دبلوماسية - ربما تكون متاحة له. ولم تخب توقعاته؛ ففي نوفمبر من نفس العام تلقى ~~تفويضا رسميا من حكومة مديتشي بكتابة تاريخ فلورنسا. # ظلت عملية كتابة «تاريخ فلورنسا» تشغل مكيافيللي طوال ما تبقى من حياته تقريبا، ~~كان ذلك هو أطول أعماله وأكثرها تأنيا، فضلا عن كونه العمل الذي حرص فيه مكيافيللي ~~أشد الحرص على اتباع العادات الأدبية ~~لمن يفضلهم من الأدباء الكلاسيكيين. كان المذهبان الأساسيان لعلم التأريخ الكلاسيكي ~~- وبالتالي الإنساني - أن تتضمن الأعمال التاريخية تلقين دروس أخلاقية، ومن ثم أن ~~تختار موادها وتنظم على نحو يسلط الضوء على الدروس الأخلاقية بأقصى قوة. وقد ~~قدم سالوست، على سبيل المثال، إفادة مؤثرة عن هذين المبدأين، فقد قال في كتاب «حرب ~~يوغرطة» إن هدف المؤرخ يجب أن يتمثل في التفكر في الماضي على نحو «مفيد» و«نافع» ~~(4: 1-3). وفي كتاب «حرب كاتيلين» توصل إلى الاستدلال على أن النهج الصحيح يجب، ~~تبعا لذلك، أن يتضمن «اختيار الأجزاء» التي تبدو «جديرة بأن تسجل»، وعدم محاولة ~~تقديم سرد كامل لما وقع من أحداث (4 : 2). # شكل 4-1: مكتب مكيافيللي في بيته في «سانت أندريا» في ضاحية بيركوسينا بجنوب ~~فلورنسا، حيث ألف كتاب «الأمير» عام 1513. ~~(© AKG ~~London/Eric Lessing) # التزم مكيافيللي التزاما شديدا بهذين المطلبين وهو يسرد، لا سيما في تناوله مختلف ~~نقاط التحول وذرى الأحداث. فالكتاب الثاني، على سبيل المثال، ينتهي برواية مفيدة تحكي ~~كيف صار دوق أثينا يحكم فلورنسا كطاغية عام 1342، وكيف أسقط من السلطة خلال السنة ~~التالية. بعد ذلك يتحول الكتاب الثالث على نحو يكاد يكون فوريا إلى الحلقة التالية ~~الكاشفة من ثورة ms86 «التشومبي» عام 1378، عقب وصف بسيط يعرض الخمسين سنة التي تخللها ~~هذا الحدث. وبالمثل، ينتهي الكتاب الثالث بوصف لرد الفعل الذي تلا ثورة عام 1378، ثم ~~يبدأ الكتاب الرابع، مسقطا فجوة زمنية قوامها أربعون عاما، بمناقشة كيفية نجاح عائلة ~~مديتشي في ارتقاء سدة الحكم. # من مذاهب الكتابة التاريخية الإنسانية الأخرى أن المؤرخ إذا أراد نقل أكثر الدروس ~~إفادة بأكثر الطرق انطباعا في الذاكرة، فعليه أن يستخدم أسلوبا بلاغيا قويا. وقد ~~أعلن سالوست في بداية «حرب كاتيلين» أن الصعوبة الخاصة التي ينطوي عليها التاريخ تكمن ~~في حقيقة أن «أسلوب الكلام ووقعه يجب أن يكونا على مستوى الأفعال المسجلة» (3 : 2). ~~ومكيافيللي يأخذ أيضا هذا المبدأ على محمل الجد، لدرجة أنه قرر في صيف عام 1520 أن ~~يصوغ «أنموذجا» أسلوبيا لسرد تاريخي، ووزع صيغته التمهيدية على أصدقائه في أورتي ~~أوريتشلاري بهدف التماس تعليقاتهم على النهج الذي سلكه. كان الموضوع الذي اختاره ~~مكيافيللي لهذا النموذج هو سيرة حياة كاستروتشو كاستراكاني، طاغية بدايات القرن الرابع ~~عشر الذي كان يحكم مدينة لوكا، لكن مكيافيللي لم يكن مهتما بتفاصيل حياة كاستروتشو - ~~التي كان بعض تفاصيلها من اختلاق مكيافيللي - بقدر ما كان مهتما بالعمل على اختيارها ~~وترتيبها بطريقة راقية ومفيدة. فالوصف الافتتاحي لميلاد كاستروتشو وتقديمه على أنه ~~لقيط، ليس سوى وصف مختلق، لكنه يمنح مكيافيللي الفرصة لكتابة كلام حماسي طنان عن ~~نفوذ «الحظ» في الشئون الإنسانية (533-534). وحينما يبدأ كاستروتشو - الذي تلقى ~~تعليمه على يد كاهن - في شبابه في «شغل نفسه بالأسلحة»، هذا أيضا يمنح مكيافيللي فرصة ~~ليقدم شكلا من الجدل الكلاسيكي حول الهوايتين المتعارضتين المتمثلتين في الأدب ~~والقتال (535-536). أما الخطاب الذي يلقيه الطاغية بأشد الندم لحظة موته، فيمثل هو ~~الآخر أفضل تقاليد أسلوب التأريخ القديم (553-554). ثم تختتم القصة بأمثلة عديدة على ~~ذكاء كاستروتشو اللامع، وإن كانت أغلب الأمثلة مسروقة مباشرة في حقيقة الأمر من «حياة ~~الفلاسفة» لديوجينس لارتيس، وجرى إدراجها لمجرد إضفاء طابع بلاغي (555-559). # عندما أرسل مكيافيللي كتاب «حياة كاستروتشو» إلى صديقيه ألاماني وبونديلمونتي، ~~لاقى الكتاب ms87 منهما استحسانا كبيرا باعتباره بروفة للعمل التاريخي الضخم الذي كان ~~مكيافيللي يأمل في أن يكتبه في ذلك الوقت. فقد رد بونديلمونتي على مكيافيللي في رسالة ~~كتبها له في سبتمبر عام 1520، تحدث فيها عن كتاب «حياة كاستروتشو» بوصفه «نموذجا ~~لسردك التاريخي»، وأضاف أنه لهذا السبب يعتقد أن من الأفضل التعقيب على النص «من حيث ~~اللغة والأسلوب في المقام الأول»، وأعرب عن بالغ إعجابه بانطلاقاته البلاغية، قائلا ~~إنه استمتع بخطبة فراش الموت المبتكرة «أكثر من أي شيء آخر». ثم قال لمكيافيللي أكثر ~~أمر يظن أنه كان يرغب في سماعه وهو يتأهب لخوض هذا المعترك الأدبي الجديد، وهو: ~~«يبدو لنا جميعا أنك الآن لا بد أن تشرع في العمل على كتابة سردك التاريخي بمنتهى ~~الاجتهاد» (م 394-395). # حينما عكف مكيافيللي كما ينبغي على كتابه سرده التاريخي بعد بضعة أشهر، استخدم هذه ~~الأدوات الأسلوبية في عمله على نحو مدروس، فقد صيغ الكتاب بأكثر أساليبه توظيفا ~~للأقوال المأثورة ولطريقة المقابلة والتضاد، وتتكرر فيه كل الموضوعات الرئيسية ~~لنظريته السياسية لكن في ثوب بلاغي. في الكتاب الثاني، على سبيل المثال، يقدم ~~مكيافيللي مشهدا يقف فيه أحد «السادة» في مواجهة دوق أثينا ليلقي على مسامعه خطابا ~~مؤثرا عن «اسم الحرية، الذي لا تسحقه أي قوة، ولا يبليه طول الدهر مهما طال، ولا ~~يضارعه أي منال» (1124). وفي الكتاب التالي يلقي أحد المواطنين العاديين خطابا ساميا ~~بالقدر نفسه على مسامع «السيد» عن موضوع «القوة» والفساد، وعن ضرورة أن يخدم كل ~~مواطن الصالح العام دائما (1145-1148). وفي الكتاب الخامس يحاول رينالدو ديجلي ~~آلبيتزي أن يلتمس عون دوق ميلانو ضد نفوذ عائلة مديتشي المتنامي بخطاب آخر عن «القوة» ~~والفساد، وواجب المواطن أن يقدم ولاءه للمدينة التي «تحب كل مواطنيها بالقدر نفسه»، ~~لا للمدينة التي «تخضع إلى قلة قليلة من مواطنيها وتتجاهل كل الآخرين» ~~(1242). # كان أهم مبدأ تعلمه الفلاسفة الإنسانيون من أساتذتهم الكلاسيكيين أن المؤرخين يجب ~~أن يركزوا اهتمامهم على أرقى إنجازات أسلافنا، وبذلك يشجعوننا على محاكاة أنبل ~~أعمالهم وأكثرها مجدا. ورغم أن ms88 كبار المؤرخين الرومان كانوا يميلون إلى التشاؤم في ~~استشراف التوقعات، وكانوا يستفيضون كثيرا في ذكر الفساد المستشري في العالم، كان هذا ~~عادة ما يدفعهم إلى التحمس في إصرارهم على أن المؤرخ يجب أن يذكرنا بأيام أفضل حالا. ~~والمؤرخ سالوست يشرح في كتاب «حرب يوغرطة» أن استبقاء «ذكر الأعمال العظيمة» هو الذي ~~يمكننا من أن نأمل في أن نلهب «في صدور الرجال النبلاء» ذلك النوع من الطموح، «الذي ~~لا يمكن أن تنطفئ شعلته حتى يبلغوا مجد أجدادهم وحسن سمعتهم من خلال «قوتهم» هم ~~أنفسهم» (4: 6). يضاف إلى ذلك أن هذا الشغف بالطابع التمجيدي في عمل المؤرخ هو أهم ما ~~استمده الفلاسفة الإنسانيون في عصر النهضة من دراستهم لأعمال ليفيوس وسالوست ومن ~~عاصرهما. ويمكن رؤية هذا بوضوح، على سبيل المثال، فيما كتب عن الغرض من سرد التاريخ، ~~في إهداء كتاب «تاريخ الشعب الفلورنسي» الذي أنهى المستشار بوجو براتشوليني كتابته في ~~خمسينيات القرن الخامس عشر. هذا يؤكد أن «الفائدة العظيمة المستمدة من التاريخ ~~الصادق حقا» هي «أننا نستطيع أن نرى ما يمكن أن تحققه «قوة» أكثر الرجال تميزا.» ~~فنحن نرى كيف حفزهم وحركهم الحرص على «المجد، وعلى حرية بلادهم، وعلى صالح أبنائهم، ~~وعلى آلهتهم، وعلى جميع الأمور الإنسانية»، ونجد أنفسنا «نتأثر أشد التأثر» بقدوتهم ~~الرائعة وكأنهم «يحثوننا» على منافستهم في عظمتهم. # 1 # ما من شك في أن مكيافيللي كان يعي تماما هذا المظهر الأكثر عمقا من مظاهر تأريخ ~~الفلاسفة الإنسانيين؛ لأنه يشير في إعجاب إلى عمل بوجو في افتتاحية كتابه «تاريخ ~~فلورنسا» (1031)، لكن عند هذه المرحلة - بعد أن سار على النهج الإنساني بهذا القدر ~~الكبير من الالتزام - إذا به يحطم فجأة التوقعات التي أثارها من قبل؛ ففي بداية ~~الكتاب الخامس، عندما يتحول إلى دراسة تاريخ فلورنسا خلال القرن السابق، يعلن أن ~~«الأمور التي فعلها أمراؤنا، في الخارج والداخل، لا يمكن أن يقرأها المرء بنفس قدر ~~الإعجاب «بالقوة» والعظمة، الذي يقرأ به عن الأمور التي فعلها القدماء». ببساطة ليس من ~~الممكن «أن نحكي عن شجاعة ms89 الجنود أو عن «قوة» القادة العسكريين أو عن حب المواطنين ~~وطنهم»، وإنما يمكننا فقط أن نحكي عن عالم يزداد فسادا نشهد فيه «نوعية الحيل ~~والمخططات التي أدار بها الأمراء والجنود وزعماء الجمهوريات شئونهم، من أجل الحفاظ على ~~السمعة التي لم يكونوا جديرين بها.» وهكذا يحدث مكيافيللي تغييرا تاما للافتراضات ~~السائدة بشأن الغرض من سرد التاريخ؛ فبدلا من سرد رواية «تلهب الأرواح الحرة لتحفزها ~~على التقليد»، هو يأمل أن «يلهب هذه الأرواح ليحفزها على تجنب مفاسد الحاضر ~~والتخلص منها» (1233). # وهكذا فإن مجمل كتاب «تاريخ فلورنسا» يدور حول موضوع الاضمحلال والسقوط؛ إذ يصف ~~الكتاب الأول انهيار الإمبراطورية الرومانية في الغرب، وزحف البرابرة على إيطاليا. وتصف ~~نهاية الكتاب الأول وبداية الكتاب الثاني كيف أن «المدن والولايات الجديدة التي ولدت ~~من بين الرفات الروماني تميزت بقدر من «القوة» جعلها تحرر إيطاليا من البرابرة، ~~وتصد عنها أذاهم» (1233). لكن بعد هذه الفترة الزمنية الوجيزة من النجاح المتواضع، ~~يقدم مكيافيللي بقية سرده - من وسط الكتاب الثاني إلى نهاية الكتاب الثامن، الذي ~~ينتهي عند تسعينيات القرن الخامس عشر - على صورة سنوات من الفساد والانهيار المتصاعد، ~~ثم يصل إلى الحضيض عام 1494، عندما تحدث المهانة المطلقة: حيث «تخضع إيطاليا للعبودية ~~من جديد» تحت حكم البرابرة الذين كانت إيطاليا قد نجحت في إجلائهم من قبل ~~(1233). # اضمحلال فلورنسا وسقوطها # إن الموضوع الغالب على كتاب «تاريخ فلورنسا» هو الفساد، حيث يصف مكيافيللي كيف تملك ~~نفوذه الخبيث من فلورنسا، فخنق حريتها، وانتهي بها أخيرا إلى الطغيان والعار. ومثلما ~~فعل مكيافيللي في «المطارحات» - التي يتبع ~~نفس نهجها اتباعا دقيقا - يرى أن هناك مجالين رئيسيين تميل روح الفساد لأن تنشأ ~~فيهما. وبعد أن يميز بينهما في تمهيد الكتاب، يستخدم ذلك في تنظيم كل ما سيرويه فيما ~~بعد. أولا، التعامل على صعيد السياسات «الخارجية» دائما ما ينطوي على خطر الفساد، ~~والأعراض الرئيسية لذلك تتمثل في نزوع نحو إدارة الشئون العسكرية بقدر متزايد من ~~التردد والجبن. وثانيا، ثمة خطر مماثل فيما يتعلق بالأمور «التي تجرى في الداخل على ms90 ~~أرض الوطن»، حيث يتمثل نمو الفساد في المقام الأول في شكل «صراع أهلي وتشاحن داخلي» ~~(1030-1031). # يتناول مكيافيللي أولى هاتين القضيتين في الكتابين الخامس والسادس، اللذين يتناول ~~فيهما في المقام الأول تاريخ الشئون الخارجية الفلورنسية، لكنه لا يتكفل - كما سبق ~~وفعل في «المطارحات» - بأن يقدم تحليلا مفصلا عما شهدته المدينة من أخطاء وسوء ~~تقدير في المجال الاستراتيجي، بل يكتفي بتقديم سلسلة من الأمثلة الساخرة على القصور ~~العسكري الفلورنسي؛ وبهذا يتمكن من الحفاظ على الشكل المتعارف عليه للسرد التاريخي ~~الإنساني - الذي كان دائما ما يحوي روايات مستفيضة عن أشهر المعارك - بينما في الوقت ~~نفسه يحاكي مضمونه على نحو ساخر. فأهمية ما يورده مكيافيللي من روايات عن الأحداث ~~العسكرية هو أن جميع الاشتباكات العسكرية التي يصفها تبعث على السخرية، ولا تتسم ~~بالشجاعة أو المجد على الإطلاق. على سبيل المثال، حينما يكتب عن معركة «زاجونارا» ~~الكبرى، التي دارت رحاها عام 1424 في بداية الحرب ضد ميلانو، أشار أولا إلى أن هذه ~~الحرب اعتبرت في حينها هزيمة نكراء لفلورنسا، وأنها «حكيت أخبارها في كل أنحاء ~~إيطاليا.» ثم يضيف أنه ما من أحد مات في الحرب عدا ثلاثة فلورنسيين «سقط كل منهم من فوق ~~صهوة جواده، وغرق في الوحل» (1193). بعد ذلك، يضفي نفس الطابع الساخر على الانتصار ~~الشهير الذي حققه الفلورنسيون في معركة «أنجياري» عام 1440، فهو يشير إلى أنه طوال ~~هذه المعركة الممتدة، «لم يمت إلا رجل واحد، لم يهلك متأثرا بجراح أو بأي ضربة ~~مشرفة، بل لأنه سقط من فوق صهوة حصانه وداسته الأقدام» (1280). # يخصص ما تبقى من «تاريخ فلورنسا» للحكاية البائسة التي تدور حول ازدياد فلورنسا ~~فسادا على الصعيد الداخلي، وعندما يتحول مكيافيللي إلى هذه النقطة في بداية الكتاب ~~الثالث، يوضح في بادئ الأمر أنه، بالحديث عن الفساد الداخلي، يقصد في المقام الأول - ~~كما هي الحال في «المطارحات» - اتجاه قوانين المدينة وتشريعاتها لأن تكون «غير هادفة ~~للنفع العام»، وإنما للنفع الفردي أو الطائفي (1140). # وينتقد مكيافيللي اثنين من أسلافه العظام، هما بروني وبوجو؛ لأنهما ms91 لم يتنبها ~~بالقدر اللازم لهذا الخطر في سردهما لتاريخ فلورنسا (1031) ويبرر انشغاله الشديد ~~بهذا الموضوع بأنه مصر على أن العداوات التي تنشأ عندما يفقد المجتمع «قوته» بهذه ~~الطريقة «تجلب مفاسد تستشري في المدينة»، والحالة البائسة التي انتهت إليها فلورنسا خير ~~مثال على ذلك (1140). # في بادئ الأمر يسلم مكيافيللي بأن أي مدينة ستحوي دائما «عداوات شديدة وطبيعية بين ~~الشعب والنبلاء»، بسبب «رغبة النبلاء أن يحكموا ورفض الشعب أن يستعبد» (1140). لكنه، ~~كما فعل في «المطارحات»، لم يفترض أنه من الممكن تجنب جميع هذه العداوات، ويكرر ~~رأيه السابق بأن «بعض الانقسامات تضر بالجمهوريات وبعض الانقسامات تفيدها»؛ ~~فالانقسامات تلك التي تضرها يصحبها وجود فصائل وموالين؛ وتلك التي تفيدها لا يصحبها ~~وجود فصائل وموالين، «ومن ثم فإن هدف المشرع الحصيف لا ينبغي أن يكون «منع وجود ~~عداوات»، وإنما أن يضمن «ألا تكون هناك فصائل» قائمة على العداوات التي ستنشأ لا محالة ~~(1336). # لكن العداوات التي نشأت في فلورنسا كانت دائما يصحبها وجود «فصائل» (1337)، ونتيجة ~~لذلك، كانت المدينة من بين المجتمعات السيئة الحظ التي حكم عليها بأن تتأرجح بين ~~قطبين مدمرين على حد سواء، متذبذبة بين «العبودية والانفلات» وليس «الحرية والعبودية»؛ ~~فقد كان عامة الناس هم «المروجون للانفلات»، في حين كان النبلاء هم «المروجون ~~للعبودية»، وبالتالي كانت المدينة المغلوبة على أمرها تترنح «من النموذج الاستبدادي إلى ~~المنفلت، ومن المنفلت إلى الاستبدادي»، وكان كل طرف يشكل عدوا قويا بالنسبة ~~للآخر، الأمر الذي جعل أيا منهما لا يتمكن من فرض الاستقرار في المدينة لأي فترة ~~من الزمن (1187). # وهكذا يبدو تاريخ فلورنسا الداخلي منذ القرن الثالث عشر بالنسبة لمكيافيللي على هيئة ~~سلسلة من الانتقالات المحمومة بين هذين النقيضين، تمزقت خلالها المدينة وحرياتها ~~إربا في نهاية المطاف. يستهل الكتاب الثاني ببداية القرن الرابع عشر حينما كان ~~النبلاء ممسكون بزمام السلطة، هذا أدى مباشرة إلى طغيان دوق أثينا عام 1342، حينما ~~رأى المواطنون «هيبة حكومتهم تتحطم، وقواعدها تكسر، وقوانينها يضرب بها عرض ~~الحائط» (1128)؛ لذلك هبوا ضد الطاغية ونجحوا في تأسيس نظامهم الشعبي، لكن ms92 - حسبما ~~روى مكيافيللي في الكتاب الثالث - هذا النظام بدوره تفسخ وتحول إلى الانفلات عندما ~~تمكن «العامة النزقون» من السيطرة على الجمهورية عام 1378 (1161-1163)، ثم تأرجح ~~البندول تارة أخرى عائدا إلى «الأرستقراطيين ذوي الأصول الشعبية»، وبحلول منتصف القرن ~~الخامس عشر كان هؤلاء أيضا يسعون إلى تقليص حريات الشعب، مما ساعد على ظهور شكل جديد ~~من أشكال الحكم الاستبدادي (1188). # من الصحيح أن مكيافيللي، بوصوله إلى هذه المرحلة النهائية من سرده في الكتابين السابع ~~والثامن، يبدأ في تقديم سرده بأسلوب أكثر التفافا وتحفظا؛ حيث يصبح موضوعه الرئيسي ~~هو لا شك صعود عائلة مديتشي، ويبدو واضحا أنه يشعر بوجوب إفساح بعض المجال لحقيقة أن ~~نفس العائلة هي التي منحته فرصة كتابة «تاريخ فلورنسا». لكن رغم أنه يتجشم عناء كثيرا ~~كي يخفي عداءه لهم، يسهل علينا أن نستبين مجددا شعوره حيال دور عائلة مديتشي في تاريخ ~~فلورنسا، إذا ربطنا أجزاء بعينها من نقاشه الذي يحرص على أن يبقيها منفصلة. # الكتاب السابع يبدأ بنقاش عام عن أخبث الوسائل التي يستطيع مواطن بارز من خلالها أن ~~يأمل في إفساد الجماهير بحيث يشجع ظهور الفصائل المنقسمة، ويكتسب لنفسه سلطة مطلقة. ~~وهذه مسألة جرى تناولها بالفعل تناولا مكثفا في «المطارحات»، ويكتفي مكيافيللي في ~~الأغلب بتكرار ما قدمه من حجج سابقة؛ إذ يقول إن الخطر الأكبر هو السماح للأغنياء ~~باستخدام أموالهم في كسب «أنصار يتبعونهم سعيا إلى تحقيق منفعة خاصة»، بدلا من السعي ~~إلى تحقيق الصالح العام. ويضيف بأن هذا يجري بطريقتين أساسيتين؛ الأولى: «من خلال تقديم ~~خدمات لمختلف المواطنين، كالحماية من رجال القانون والمساعدة بالمال والمساعدة في ~~الحصول على مناصب هم غير أهل لها.» والثانية: «من خلال إسعاد الجماهير بوسائل الترفيه ~~وتقديم الهبات الاجتماعية»، وهذا يتضمن تأدية عروض مكلفة من نوعية تهدف لكسب شعبية ~~زائفة وتسكين الشعب إلى أن يخسر حرياته (337). # إذا انتقلنا إلى الكتابين الأخيرين من ~~«تاريخ فلورنسا» آخذين هذا التحليل في الاعتبار، فلن يصعب علينا أن نتبين لهجة البغض ~~المستترة وراء ما يرويه مكيافيللي من سرد ms93 حار العاطفة عن حكومات مديتشي المتعاقبة. فهو ~~يبدأ بكوزيمو، الذي يغدق عليه مديحا راقيا في الفصل الخامس من الكتاب السابع، مشيدا ~~به على وجه الخصوص لتفوقه على «كل رجال عصره»، ليس فقط «في النفوذ والثروة، لكن في ~~السخاء أيضا.» لكن سرعان ما يتبين لنا أن ما كان مكيافيللي يقصده فعلا هو أن كوزيمو ~~حين مات «لم يكن هناك مواطن في المدينة، مهما كان مستواه، إلا وكان كوزيمو قد أقرضه ~~مبلغا ضخما من المال» (1342)، وقد أشار مكيافيللي من قبل إلى التأثير المفسد لهذا ~~السخاء المتعمد. بعد ذلك، ينتقل مكيافيللي إلى السيرة المهنية القصيرة لابن كوزيمو ، ~~بييرو دي مديتشي. في أول الأمر يوصف بأنه «فاضل ومبجل»، لكننا سرعان ما نعلم أن إحساسه ~~بالتبجيل شجعه على أن يقيم سلسلة من بطولات الفروسية والاحتفالات الأخرى، التي كانت ~~باذخة وفخمة إلى درجة كانت تجعل المدينة تظل منشغلة لأشهر في التحضير لها وعرضها ~~(1352). ومن جديد، ليست هذه المرة الأولى التي يحذرنا فيها مكيافيللي من التأثير الضار ~~الذي تلحقه هذه المغريات الصاخبة بالجماهير. وأخيرا، عندما يأتي مكيافيللي على ذكر ~~سنوات لورنزو العظيم - ومن ثم على ذكر فترة شبابه - نراه لا يكاد يتكلف عناء ~~إخفاء نبرة الكراهية المتصاعدة؛ فهو حينما يصل إلى هذه المرحلة، يعلن أن «حظ» عائلة ~~مديتشي وسخاءهم» لعبا دورا حاسما في تحقيق تأثيرهم المفسد، لدرجة أن «آذان الناس قد ~~صمت» عن فكرة التخلص من طغيان عائلة مديتشي، وبالتالي «لم تعد فلورنسا تعرف ~~الحرية» (1393). # المحنة الأخيرة # رغم نكوص فلورنسا إلى الطغيان، ورغم عودة البرابرة، كان مكيافيللي يشعر بأنه يمكن أن ~~يواسي نفسه بالاعتقاد في أن إيطاليا نجت من أحط أشكال الإذلال على الإطلاق؛ ذلك لأن ~~البرابرة رغم دخولهم إيطاليا، لم يفلحوا في تخريب أي من مدنها الكبرى. وقد ذكر ~~مكيافيللي في كتاب «فن الحرب» أن تورتونا خربت حقا، «لكن هذا لم يحدث مع ميلانو، ~~فقد حدث التخريب مع كابوا لكن لم يحدث مع نابولي، وحدث مع بريشا لكنه لم يحدث مع ~~البندقية.» وأخيرا «حدث مع رافينا ms94 لكنه لم يحدث مع روما» أهم رمز في إيطاليا على ~~الإطلاق (624). # كان يتعين على مكيافيللي أن يتعرف على طريقة أفضل لالتماس رضاء «الحظ» من هذا ~~الشعور بالثقة المفرطة؛ وذلك لأنه في مايو عام 1527 حدث ما لم يكن يخطر ببال. كان ~~فرانسيس الأول قد تآمر عام 1526 بالدخول في تحالف، كي يستعيد مستعمرات له في ~~إيطاليا كان قد اضطر لتسليمها بعد أن مني بهزيمة ساحقة على يد القوات الإمبراطورية عام ~~1525. وإزاء هذا التحدي، أمر شارل الخامس جيوشه بأن تدخل إيطاليا مجددا في ربيع عام ~~1527، لكن نظرا لأن القوات لم تكن قد حصلت على أجورها، ولأنها كانت تفتقر إلى التنظيم ~~والانضباط، فإنها بدلا من أن تهاجم الأهداف العسكرية، تقدمت مباشرة نحو روما، ~~فدخلت المدينة العزلاء في السادس من شهر مايو، وعاثت فيها فسادا خلال مذبحة دامت أربعة ~~أيام أرعبت وأذهلت العالم المسيحي بأسره. # بسقوط روما، اضطر كليمنت السابع للفرار كي ينجو بحياته، وبفقدان الدعم الذي توفره ~~البابوية، سرعان ما انهارت حكومة مديتشي التي كانت شعبيتها تشهد تدهورا متزايدا في ~~فلورنسا. وفي السادس عشر من شهر مايو اجتمع مجلس المدينة لإعلان استعادة الجمهورية، وفي ~~صباح اليوم التالي ارتحل شباب أمراء مديتشي من المدينة إلى المنفى. # بالنسبة لمكيافيللي، المعروف بتأييده القوي للنظام الجمهوري، كانت استعادة الحكم الحر ~~في فلورنسا لحظة انتصار ولا شك، لكن في ضوء علاقاته بعائلة مديتشي، التي كانت تدفع ~~راتبه على مدى السنوات الست الماضية، كان في نظر الجيل الأصغر سنا من الجمهوريين لا ~~يكاد يزيد عن كونه عميلا مسنا وعديم الأهمية للاستبداد السيئ السمعة. ورغم أن آماله ~~في استعادة منصبه القديم في البعثة الدبلوماسية الثانية كانت قد تجددت، لم يكن ثمة ~~شك في أنه لن يمنح أي منصب في الحكومة الجديدة المناهضة لعائلة مديتشي. # يبدو أن كل هذا القدر من سخرية القدر قد حطم معنويات مكيافيللي على نحو سرعان ما ~~عجل بإصابته بمرض لم يتعاف منه قط. ولعل قصة طلبه أن يحضر إليه كاهن وهو على فراش ~~الموت كي ms95 يسمع منه اعترافا أخيرا، كانت أكثر القصص التي أعاد كتاب السير ~~ذكرها، لكن هذا دون شك تلفيق ديني الطابع جرى اختلاقه في وقت لاحق. كان مكيافيللي ~~ينظر طوال حياته بعين الازدراء إلى الطقوس الكنسية، وما من شيء يشير إلى أنه غير ~~رأيه هذا لحظة موته. وقد توفي في الحادي والعشرين من يونيو، بين أفراد عائلته وأصدقائه، ~~ودفن في كنيسة سانتا كروتشي في اليوم التالي. # صار جليا أنه لا يمكن بوجه عام مقاومة إغراء تعقب مكيافيللي بعد مماته - أكثر من ~~تعقب أي منظر سياسي آخر - بهدف إيجاز فلسفته والحكم عليها. بدأت هذه العملية عقب ~~وفاته مباشرة، ولا تزال مستمرة حتى يومنا هذا، وقد شعر بعض أوائل نقاد مكيافيللي، ~~مثل فرانسيس بيكون، أنهم قادرون على أن يقروا بأنهم «مدينون بالشكر الجزيل لمكيافيللي ~~وغيره، ممن يكتبون ما يفعله البشر، لا ما يتعين على البشر فعله.» لكن غالبية ~~قراء مكيافيللي القدامى صدموا للغاية من رؤيته إلى حد أنهم نعتوه بأنه من عمل ~~الشيطان، بل إنه الشيطان نفسه. على النقيض من ذلك، كان الجزء الأكبر من المعقبين ~~المعاصرين على مكيافيللي يواجهون حتى أكثر مذاهبه كراهة بروح عملية واعية، لكن ~~بعضهم - لا سيما ليو ستراوس وتلاميذه - ظلوا ~~متمسكين بقوة بوجهة النظر التقليدية التي ترى أن مكيافيللي (بحسب تعبير ستراوس) لا يمكن ~~أن يوصف إلا بأنه «معلم الشر». # لكن مما لا شك فيه أن عمل المؤرخ يجب أن يكون مثل عمل الملاك المكلف بتسجيل ~~الأعمال، لا قاضي الإعدام؛ ومن ثم كان كل ما سعيت إليه في الصفحات السابقة هو ~~استعادة الماضي ووضعه أمام الحاضر، دون أن أحاول توظيف معايير الوقت الحاضر المحدودة ~~والزائلة في الإشادة بالماضي أو انتقاده. وقد نقشت على ضريح مكيافيللي عبارة تشي ~~بالفخر لتذكرنا بأن «ما من وصف يمكن أن يفي هذا الاسم العظيم حقه من التقدير.» # | أعمال مكيافيللي المقتبس منها في النص # The Art of War, # in # Machiavelli: The Chief Works and ~~Others, # trans. A. Gilbert, 3 vols (Durham, NC, 1965), ~~561-726. # Caprices ~~[ # Ghiribizzi ms96 ~~], in R. Ridolfi and P. ~~Ghiglieri, 'I Ghiribizzi al Soderini’, # La ~~Bibliofilia, # 72 (1970), 71-4. # Correspondence ~~[ # Lettere ~~], ed. F. Gaeta (Milan, ~~1961). # Discourses on the first Decade of ~~Titus Livius, # in # Machiavelli, # trans. Gilbert, 175-529. # The History of Florence, # in # Machiavelli, # trans. Gilbert, ~~1025-1435. # The Legations ~~[ # Legazioni e commissarie ~~], ed. S. Bertelli, ~~3 vols (Milan, 1964). # The Life of Castruccio Castracani of ~~Lucca, # in # Machiavelli, # trans. Gilbert, 533-59. # The Prince, # ed. Q. Skinner ~~and R. Price (Cambridge, 1988). # A Provision for Infantry, # in # Machiavelli, # trans. Gilbert, ~~3. # | قراءات إضافية # المراجع # Silvia Ruffo Fiore, # Niccolò Machiavelli: An ~~Annotated Bibliography of Modern Criticism ~~and Scholarship ~~(New York, 1990) covers the previous half-century ~~of studies. For an analysis of my own approach see Roberta Talamo, 'Quentin ~~Skinner interprete di Machiavelli’, # Croce Via # 3 (1997), pp. 80-101. # السيرة الذاتية # The standard work remains Roberto Ridolfi, # The Life of Niccolò Machiavelli, # trans. Cecil Grayson (1963). ~~Sebastian de Grazia, # Machiavelli in Hell ~~(Princeton, 1989) is an unusual intellectual biography. John M. Najemy, # Between Friends: Discourses of Power and Desire in ~~the Machiavelli-Vettori Letters of 1513-1515 ~~(Princeton, 1993) ~~concentrates on the period in which # The Prince # was written. For the most up-to-date account see Maurizio ~~Viroli, # Il sorriso de Niccolò: Storia di ~~Machiavelli ~~(Rome, 1998). # السياق السياسي # For the period of Machiavelli’s youth see Nicolai Rubinstein, # The Government of Florence under the Medici ~~1434-1494 ~~(Oxford, 1966). On the 1490s see Donald Weinstein, # Savonarola and Florence ~~(Princeton, ~~1963). On Machiavelli’s political and diplomatic career see the section ~~'Machiavelli and the Republican Experience’-essays by Nicolai Rubinstein, Elena ~~Fasano Guarini, Giovanni Silvano, Robert Black, and John M. Najemy-in # Machiavelli and Republicanism, # ed. Gisela Bock, ~~Quentin Skinner, and Maurizio Viroli (Cambridge, 1990), pp. 1-117. On the ~~vicissitudes of the Florentine republic during Machiavelli’s adult life see ~~Rudolf von Albertini, # Firenze dalla repubblica al ~~principato ~~(Turin, 1970), H. C. Butters, # Governors and Government in Early Sixteenth-Century Florence, ms97 ~~1502-1519 ~~(Oxford, 1985), and J. N. Stephens, # The Fall of the Florentine Republic, 1512-1530 ~~(Oxford, 1983). # السياق الفكري # The essays collected in P. O. Kristeller, # Renaissance Thought, # 2 vols (New York, 1961-65) remain ~~indispensable. For the fullest survey of the intellectual life of the period see # The Cambridge History of Renaissance Philosophy, # ed. Charles Schmitt, Eckhard Kessler, Quentin ~~Skinner, and Jill Kraye (Cambridge, 1988). For the classic account of 'civic ~~humanism’ see Hans Baron, # The Crisis of the Early ~~Italian Renaissance ~~(revised edn, Princeton, 1966). See also ~~Donald J. Wilcox, # The Development of Florentine Humanist ~~Historiography in the Fifteenth Century ~~(Cambridge, Mass., 1969) ~~and Peter Godman, # From Poliziano to Machiavelli: ~~Florentine Humanism in the High Renaissance ~~(Princeton, 1998). ~~For surveys of the political theory of the period see Quentin Skinner, # The Foundations of Modern Political Thought, # 2 vols ~~(Cambridge, 1978) and # The Cambridge History of Political ~~Thought 1450-1700, # ed. J. H. Burns and Mark Goldie (Cambridge, ~~1991). # دراسات عامة عن الفكر السياسي لمكيافيللي # The fullest outline is Gennaro Sasso, # Niccolò ~~Machiavelli I. Il pensiero politico ~~(Bologna, 1980). A classic ~~work is Felix Gilbert, # Machiavelli and Guicciardini: Politics and History in Sixteenth-Century Italy ~~(revised edn, New ~~York, 1984). Mark Hulliung, # Citizen ~~Machiavelli ~~(Princeton, 1983) stresses Machiavelli’s subversion ~~of classical humanism. Leo Strauss, # Thoughts on ~~Machiavelli ~~(Glencoe, Ill., 1958) views him as 'a teacher of ~~evil’. The place of religion in Machiavelli’s thought has been valuably ~~reappraised in a symposium-with contributions by John H. Geerken, Marcia ~~L. Colish, Cary J. Nederman, Benedetto Fontana, and John M. Najemy-in the # Journal of the History of Ideas # 60 ~~(1999), pp. 579-681. See also Anthony J. Parel, # The ~~Machiavellian Cosmos ~~(New Haven, 1992). # المفردات السياسية لمكيافيللي # J. H. Whitfield, 'On Machiavelli’s Use of # Ordini ~~’ in # Discourses on ~~Machiavelli ~~(Cambridge, 1969), pp. 141-62. J. H. Hexter, ~~'Il Principe # and # lo stato’ # in # The Vision of Politics on ~~the Eve of the Reformation ms98 ~~(London, 1973), pp. 150-78. Russell Price, 'The Senses of # Virtú # in Machiavelli’ ~~in # European Studies Review # 4 (1973), pp. ~~315-45. Russell Price, 'The Theme of # Gloria # in Machiavelli’ in # Renaissance Quarterly # 30 ~~(1977), pp. 588-631. Victor A. Santi, # La 'Gloria’ nel ~~pensiero di Machiavelli ~~(Ravenna, 1979). Quentin Skinner, ~~'Machiavelli on the Maintenance of Liberty’ in Politics, # 18 (1983), pp. 3-15. Hanna Fenichel Pitkin, # Fortune is a Woman: Gender and Politics in the Thought of ~~Niccolò Machiavelli ~~(Berkeley, Cal., 1984). Russell Price, ~~'Self-Love, “Egoism” and # Ambizione # in ~~Machiavelli’s Thought’ in # History of Political ~~Thought # 9 (1988), pp. 237-61. Harvey C. Mansfield, # Machiavelli’s Virtue ~~(Chicago, ~~1996). # أسلوب مكيافيللي البلاغي # This has recently become a major focus of research. For pioneering ~~studies see Nancy S. Struever, # The Language of History ~~in the Renaissance: Rhetoric and Historical Consciousness in Florentine ~~Humanism ~~(Princeton, 1970) and Brian Richardson, 'Notes on ~~Machiavelli’s Sources and his Treatment of the Rhetorical Tradition’, # Italian Studies # 26 (1971), pp. 24-48. The first ~~part of Victoria Kahn, # Machiavellian Rhetoric from the ~~Counter-Reformation to Milton ~~(Princeton, 1994) considers the ~~rhetoric of Machiavelli’s Prince # and # Discourses ~~. Quentin Skinner, 'Thomas ~~Hobbes: Rhetoric and the Construction of Morality’ in Proceedings of the British Academy # 76, pp. 1-61, highlights ~~Machiavelli’s use of rhetorical redescription. Virginia Cox, 'Machiavelli and ~~the # Rhetorica ad Herennium ~~: Deliberative ~~Rhetoric in # The Prince ~~’ in # Sixteenth Century Journal # 28 (1997) connects ~~Machiavelli’s vocabulary directly to the Roman # ars ~~rhetorica ~~. Maurizio Viroli, # Machiavelli ~~(Oxford, 1998) lays particular emphasis on the ~~rhetorical character of Machiavelli’s thought. # دراسات عن كتاب «الأمير» # Hans Baron, 'Machiavelli: The Republican Citizen and the Author of # The Prince ~~’ in # The English Historical Review # 76 (1961), pp. 217-53. Felix ~~Gilbert, 'The Humanist Concept of the Prince and # The Prince # of Machiavelli’ in # History: Choice ~~and Commitment ~~(Cambridge, Mass., 1977), pp. 91-114. Marcia ~~Colish, 'Cicero’s # De Officiis # and ~~Machiavelli’s Prince ~~’ in # Sixteenth Century Journal # 9 (1978), pp. 81-94. J. ~~Jackson Barlow, ms99 'The Fox and the Lion: Machiavelli Replies to Cicero’ in # History of Political Thought # 20 (1999), ~~pp. 627-45. # دراسات عن كتاب «المطارحات» # For a classic reading of the text and its context see J. G. A. Pocock, # The Machiavellian Moment: Florentine Political ~~Thought and the Atlantic Republican Tradition ~~(Princeton, 1975), Part II, 'The Republic and its Fortune’, pp. 81-330. On the broader setting of ~~Machiavelli’s republicanism see Maurizio Viroli, # From Politics to Reason of State: The Acquisition and Transformation of the ~~Language of Politics, 1250-1600 ~~(Cambridge, 1992). Harvey ~~Mansfield, # Machiavelli’s New Modes and Orders ~~(Ithaca, 1979) offers a chapter-by-chapter commentary. More specialized studies ~~include Felix Gilbert, 'The Composition and Structure of Machiavelli’s # Discorsi ~~’ in # History: ~~Choice and Commitment, # 1977, pp. 115-33; Felix Gilbert, 'Bernardo ~~Rucellai and the Orti Oricellari: A Study on the Origin of Modern Political ~~Thought’ in # History: Choice and Commitment, # 1977, pp. 215-46; Quentin Skinner, 'Machiavelli’s # Discorsi # and the Pre-humanist Origins of Republican Ideas’ in # Machiavelli and Republicanism, # ed. Bock, ~~Skinner, and Viroli, pp. 121-41. # دراسات عن كتاب «تاريخ فلورنسا» # The fullest analysis is Gennaro Sasso, # Niccolò Machiavelli II. La storiografia ~~(Bologna, 1993). The ~~following detailed studies are of particular importance: Felix Gilbert, ~~'Machiavelli’s # Istorie Fiorentine ~~: An Essay ~~in Interpretation’ in # History: Choice and ~~Commitment, # 1977, pp. 135-53; John M. Najemy ~~'Arti # and # Ordini # in Machiavelli’s # Istorie Fiorentine’ # in # Essays Presented to Myron P. Gilmore # ed. ~~Sergio Bertelli and Gloria Ramakus, 2 vols (Florence, 1978), pp. 161-91; Carlo ~~Dionisotti, 'Machiavelli storico’ in # Machiavellerie ~~(Turin, 1980), pp. 365-409 and Gisela Bock, ~~'Civil Discord in Machiavelli’s # Istorie ~~Fiorentine ~~’ in # Machiavelli and ~~Republicanism, # ed. Bock, Skinner and Viroli 1990, pp. ~~181-201. # | ملاحظات # الفصل الأول: الدبلوماسي # الفصل الثاني: مستشار الأمراء # الفصل الثالث: منظر الحرية # الفصل الرابع: مؤرخ فلورنسا ms100