######OpenITI# #META# URI: 1450RihabSalahDin.RaqsatZilalSacida.Hindawi69726069 #META# Tags: literature #META# ID: 69726069 #META# Title: رقصة الظلال السعيدة #META# AuthorID: 20803159 #META# Author: أليس مونرو #META# EditorID: 18393159 #META# Editor: ضياء ورَّاد #META# TranslatorID: 39241484 :: 30648375 #META# Translator: رحاب صلاح الدين :: مروة عبد الفتاح شحاتة #META# Related_books: 1450AliceMunro.DanceOfHappyShades (TRANSL) #META#Header#End# # من أفضل ما قيل عن الكتاب‏ # راعي بقر ووكر براذرز‏ # منازل مضيئة‏ # صور‏ # شكرا على النزهة‏ # المكتب‏ # العلاج‏ # وقت الموت‏ # يوم الفراشة‏ # صبيان وبنات‏ # بطاقة بريدية‏ # فستان أحمر - 1946‏ # بعد ظهيرة يوم الأحد‏ # رحلة إلى الساحل‏ # سلام أوترخت‏ # رقصة الظلال السعيدة‏ # من أفضل ما قيل عن الكتاب‏ # راعي بقر ووكر براذرز‏ # منازل مضيئة‏ # صور‏ # شكرا على النزهة‏ # المكتب‏ # العلاج‏ # وقت الموت‏ # يوم الفراشة‏ # صبيان وبنات‏ # بطاقة بريدية‏ # فستان أحمر - 1946‏ # بعد ظهيرة يوم الأحد‏ # رحلة إلى الساحل‏ # سلام أوترخت‏ # رقصة الظلال السعيدة‏ # | رقصة الظلال السعيدة # | رقصة الظلال السعيدة # تأليف # أليس مونرو # ترجمة # رحاب صلاح الدين # مروة عبد الفتاح شحاتة # مراجعة # ضياء وراد # | من أفضل ما قيل عن الكتاب # تحفة فنية ... مقدرة فائقة ... عبقرية فريدة كالماس ... بديعة؛ كلها أوصاف تليق بأليس ~~مونرو. # مجلة «كريستيان ساينس مونيتور» # أليس مونرو هي تشيكوف العصر، وستتفوق على معظم معاصريها. # سينثيا أوزيك # كيف يدرك المرء أنه أمام موهبة عظيمة وفن أصيل يخلب الألباب؟ إنه الفن الذي ينساب ~~من صفحات قصص أليس مونرو. # صحيفة «ذا وول ستريت جورنال» # إلى روبرت إي ليدلو # | راعي بقر ووكر براذرز # بعد العشاء يقول أبي: «أتودين الخروج ومشاهدة البحيرة؟» نترك أمي تحيك في ضوء حجرة تناول ~~الطعام، تصنع ملابس لي قبيل بدء العام المدرسي. كانت قد مزقت من أجل ذلك بذلة قديمة ~~وثوبا صوفيا مربع النقش من ثيابها، تقص القماش وتوائمه في براعة شديدة وتجعلني أقف ~~وأستدير لضبط المقاس مرات كثيرة، أتعرق وأشعر بحكة الصوف الساخن، غير ممتنة لذلك. ونترك ~~أخي في سريره في الرواق الصغير المطوق بالستائر والواقع في نهاية الشرفة الأمامية، ~~وأحيانا ما يجثو فوق سريره ويلصق وجهه بالستارة ويصيح في حزن: «أحضرا لي بعض الآيس كريم!» ~~لكنني أجيبه دون أن ألتفت إليه حتى: «ستكون نائما حين نعود.» # نمضي بعدها أنا وأبي شيئا فشيئا عبر شارع طويل حالته متردية نوعا ما، وتظهر على الرصيف ~~لافتات لسيلفروودز آيس كريم أمام متاجر ضيقة مضاءة. نحن في تابر تاون، بلدة عتيقة تطل على ~~بحيرة هورون ms001 ، ميناء عريق لتجارة الحبوب. تظلل أشجار القيقب الشارع في بعض أجزائه، والتي ~~صدعت جذورها الرصيف لينبعج سطحه، وانتشرت كالتماسيح في الأفنية الجرداء. يجلس الناس في ~~الخارج، لم يرتد الرجال سوى قمصان ومن تحتها فانلات، وارتدت النساء المآزر. لم نكن نعرفهم، ~~لكن إذا أبدى أي شخص استعدادا للإيماء برأسه وقول «ليلة دافئة»، يومئ أبي برأسه أيضا ~~ويرد بالعبارة نفسها. لا يزال الأطفال يلعبون بالخارج، ولم أكن أعرفهم أيضا؛ إذ لا تسمح ~~أمي لي ولأخي إلا بالبقاء في فناء منزلنا، معللة أن أخي صغير جدا على أن يلعب بالخارج ~~وأنا علي الاعتناء به. لم أشعر بالأسف الشديد وأنا أشاهد ألعاب الأطفال المسائية؛ حيث إن ~~ألعابهم نفسها خلت من النظام والتجديد. يتفرق الأطفال، بمحض إرادتهم، في جزر منعزلة من ~~اثنين أو حتى واحد تحت الأشجار الكثيفة، يشغلون أنفسهم بمثل هذه الطرق الانعزالية كما أفعل ~~طيلة اليوم، يغرسون الحصى في الطين أو يكتبون عليه بالعصي. # نواصل سيرنا متجاوزين تلك الأفنية والمنازل وراءنا، ونمر بمصنع سدت نوافذه بألواح ~~خشبية، كان مخزنا للأخشاب تغلق أبوابه الخشبية العالية ليلا. ثم تنتهي البلدة بمجموعة ~~عشوائية متهدمة من السقائف وبقاع مهملات صغيرة. يصل الرصيف إلى نهايته ثم نسير عبر طريق ~~رملي ويحيط بنا نبات الأرقطيون ولسان الحمل وأعشاب بسيطة لا أعرف لها اسما. نصل إلى قطعة ~~أرض خاوية، أشبه بالمتنزهات حقيقة، فقد كانت تخلو من المهملات، وثمة مقعد واحد كان لوح ~~خشبي مفقودا من مسنده الخلفي، كان مكانا نجلس عليه ونراقب المياه التي تبدو عادة ~~رمادية في المساء، تحت سماء ملبدة بالغيوم قليلا، لا نرى غروب الشمس، ويبدو الأفق معتما. ~~نسمع ضجيجا خافتا للغاية لارتطام المياه بصخور الشاطئ. وبعيدا جدا تجاه الجزء الرئيسي ~~للبلدة، توجد مساحة من الأرض مغطاة بالرمال، وأنبوب تزلج مائي، وعلى سطح منطقة السباحة ~~الآمنة تطفو العوامات، ويطل عليها المقعد الطويل المتداعي الخاص بعامل الإنقاذ. وكذلك ثمة ~~مبنى مرتفع أخضر قاتم، كأنه شرفة مسقوفة، يدعى السرادق، يعج بالمزارعين وزوجاتهم، مرتدين ~~ملابس أنيقة للغاية، أيام الآحاد. كنا ms002 نعرف ذلك الجزء من البلدة حينما كنا نعيش في ~~دانجانون، وكنا نأتي ثلاث أو أربع مرات خلال الصيف لنزور البحيرة. كنا نذهب إلى البحيرة ~~وأحواض السفن حيث نراقب مراكب الحبوب العتيقة والصدئة التي تتقاذفها الأمواج؛ مما يجعلنا ~~نتساءل كيف اجتازت حاجز الأمواج، ناهيك عن وصولها إلى فورت ويليام. # يتسكع المتسولون حول أحواض السفن وأحيانا ما يتجولون في تلك الأمسيات على الشاطئ ~~المتضائل ويتسلقون الطريق المعاكس والمتداعي الذي صنعه الصبية، متشبثين بالشجيرات الجافة، ~~ثم يقول المتسول شيئا لأبي - الذي كان يرتعد من المتسولين - لم أفهمه من شدة فزعي. يخبره ~~أبي أنه فقير أيضا ويقول: «سألف لك سيجارة إذا كان ذلك سينفعك بشيء.» ثم يخرج التبغ ~~بعناية فوق إحدى الأوراق الرقيقة المزخرفة، ثم يحركها سريعا فوق لسانه، ويحكم لفها ~~ليقدمها للمتسول الذي يأخذ السيجارة ويمضي بعيدا. يلف أبي أيضا سيجارة لنفسه ويشعلها ~~ويدخنها. # يحدثني عن نشأة البحيرات العظمى، يقول إن منطقة بحيرة هورون الآن كانت أرضا منبسطة، ~~سهلا مسطحا فسيحا، ثم زحف الثلج من الشمال نحوها، وشق طريقه بقوة إلى الأماكن المنخفضة ~~«هكذا»؛ موضحا لي بالضغط بيده مبسوطة الأصابع فوق الأرض الصلبة كالصخر حيث كنا نجلس، لكن ~~أصابعه لا تحدث تأثيرا على الإطلاق، فيقول: «حسنا، كان الغطاء الثلجي القديم يحمل قوة من ~~ورائه أكبر كثيرا من قوة هذه اليد.» ثم انحسر الثلج وتقهقر تجاه القطب الشمالي حيث أتى، ~~وترك أصابعه الثلجية في الأماكن العميقة التي شقها، وتحول الثلج إلى بحيرات، وها هي هنا ~~اليوم. كانت البحيرات جديدة، مع مرور الزمن. وأحاول تصور السهل ممتدا أمامي والديناصورات ~~تسير فوقه، لكنني لم أستطع تخيل شاطئ البحيرة عندما كان يعيش عليه الهنود الحمر، قبل تابر ~~تاون. إن القدر الضئيل من الزمن الذي نعيشه يفزعني، رغم أن أبي يبدو أنه ينظر إلى الأمر ~~بسكينة، حتى أبي، الذي بدا لي أحيانا مطمئنا إلى العالم ما دام باقيا، لم يعش حقا ~~فوق هذه الأرض سوى ما يزيد بقدر ضئيل عني، من منظور زمان العيش كله. لم يشهد أبي ms003 زمنا، ~~أكثر مني، لم تكن فيه السيارات والمصابيح الكهربية موجودة على الأقل. لم يكن على قيد الحياة ~~عند بداية هذا القرن، وسأكون على قيد الحياة بالكاد، طاعنة في السن للغاية، عند انتهائه. لا ~~أحب أن أفكر في هذا الأمر. ليت البحيرة تظل دائما بحيرة ليس إلا، تطفو عليها العوامات في ~~مكان السباحة الآمن مميزة إياها، وكذلك حاجز الأمواج وأضواء بلدة تابر تاون. ~~••• # يعمل أبي بوظيفة، فهو بائع بشركة ووكر براذرز، وهي شركة تبيع على مستوى البلد بأسره ~~تقريبا؛ أعني المناطق النائية من البلاد: صانشاين وبوليزبريدج وتيرناروند؛ هذه هي المناطق ~~التي يبيع أبي فيها، لا في دانجانون حيث كنا ~~نعيش؛ فدانجانون بلدة قريبة للغاية، وأمي ممتنة لذلك. يبيع أبي أدوية السعال، ومكملات ~~الحديد، ولاصق مسمار القدم، وملينا للأمعاء، وحبوبا للاضطرابات الأنثوية، وغسولا للفم، ~~وشامبوهات، ومراهم، ودهانات، ومركز الليمون والبرتقال والتوت لصنع مشروبات منعشة، ~~وفانيليا، ومكسبات اللون للأطعمة، وشايا أسود وأخضر، وزنجبيلا، وقرنفلا وغيرها من ~~التوابل، وسما للفئران. كان قد ألف أغنية لبضاعته من هذين السطرين: # لدي كل المراهم والزيوت، # تعالج كل شيء من مسمار القدم إلى البثور ... # لم تكن أغنية مضحكة في رأي أمي، كانت أغنية بائع متجول، وهكذا كان أبي، ~~بائعا متجولا يطرق أبواب المطابخ بالمناطق النائية. حتى الشتاء الماضي كان له مشروعه ~~الخاص: مزرعة ثعالب. ربى أبي الثعالب الرمادية وباع فراءها إلى أناس يصنعون منها العباءات ~~والمعاطف وقفازات الفراء لتدفئة اليدين. انخفضت الأسعار، وثابر أبي آملا أن تتحسن العام ~~التالي، لكنها انخفضت ثانية، فثابر عاما آخر ثم آخر، وأخيرا لم يكن في الإمكان الاستمرار ~~أكثر من ذلك، فأصبحنا مدينين بكل شيء لشركة العلف. سمعت أمي تشرح هذا الأمر، مرات عدة، ~~للسيدة أوليفانت، وهي الجارة الوحيدة التي تتحدث معها أمي. (فقدت السيدة أوليفانت أيضا ~~مكانتها الاجتماعية لكونها معلمة تزوجت بحارس.) أخبرتها أمي أننا وضعنا في التجارة كل ما ~~كنا نملك، ولم نجن منها شيئا. كثير من الناس يقولون الأمر نفسه هذه الأيام، لكن أمي لم ~~يكن لديها وقت للاهتمام بالمأساة ms004 الوطنية، فقط مأساتنا نحن. ألقت بنا الأقدار إلى شارع ~~يقطنه الفقراء (بغض النظر عن أننا كنا فقراء من قبل، فقد كان هذا نوعا مختلفا من الفقر)، ~~والسبيل الوحيد للتعامل مع الأمر - حسبما ترى أمي - هو التعامل معه بكبرياء ومرارة ودون ~~تصالح. لن تجد مواساة في حمام به حوض استحمام مزود بأربع أرجل أو مرحاض مزود بصندوق لطرد ~~المياه، أو وجود مياه بالصنبور وأرصفة أمام المنزل ولبن بالزجاجات، أو حتى دوري عرض الأفلام ~~ومطعم فينس ومتجر وولورز البديع للغاية حتى أنه يوجد به طيور تغرد في زواياه المبردة بهواء ~~المراوح، وأسماك صغيرة بحجم الظفر ومضيئة كالأقمار تسبح في الأحواض الخضراء. لا تأبه أمي ~~بذلك. # في فترات بعد الظهيرة غالبا ما تذهب أمي إلى بقالة سايمونز وتأخذني معها لأساعدها في حمل ~~الأشياء. ترتدي ثوبا أنيقا، كحلي اللون منقوشا بزهور صغيرة، وشفافا، ترتديه فوق لباس ~~داخلي كحلي اللون، وكذلك قبعة صيفية من القش الأبيض، تميلها إلى جانب رأسها، وحذاء أبيض كنت ~~قد لمعته توا باستخدام صحيفة على السلم الخلفي. أما شعري فقد صففته لي في تموجات ~~طويلة رطبة سيحلها الهواء الجاف سريعا لحسن الحظ، ووضعت في أعلى رأسي شريطا أبيض كبيرا ~~مشدودا بإحكام. كان الخروج مع أمي مختلفا أيما اختلاف عن خروجي مع أبي بعد العشاء؛ لا ~~نلبث أن نمر بمنزلين حتى أشعر بأننا أصبحنا هدفا للسخرية من الجميع، حتى الكلمات البذيئة ~~المكتوبة بالطباشير أعلى الرصيف تسخر منا، لا يبدو أن أمي تلحظ هذا. تسير في طمأنينة كسيدة ~~مجتمع تتسوق، «كسيدة مجتمع» تتسوق، تمر بربات البيوت اللاتي يرتدين ثيابا فضفاضة بلا حزام ~~وممزقة من تحت آباطهن. أما أنا فصنيعتها، بتموجات الشعر البائسة وشريط الشعر المبهرج ~~وركبتي النظيفتين والجوارب البيضاء؛ كل ما لم أكن أريده. أكره حتى اسمي عندما تقوله على ~~الملأ، بصوت مرتفع للغاية، متعال ورنان، مختلف بتعمد عن صوت أي أم أخرى بالشارع. # أحيانا ما تحضر أمي معها إلى المنزل الآيس كريم، على سبيل الترفيه، الذي يكون بطعوم ~~مختلفة، ولأننا لا نملك ms005 ثلاجة في منزلنا نوقظ أخي ونأكله في الحال في حجرة الطعام، التي كان ~~جدار المنزل المجاور يجعلها معتمة على الدوام. أتناول الآيس كريم بالملعقة على مهل وأترك ~~الشكولاتة إلى النهاية على أمل أن يكون لدي ما آكله عندما يفرغ أخي صحنه. تحاول أمي بعد ~~ذلك محاكاة الأحاديث التي كانت تدور بيننا عندما كنا في دانجانون، وتستعيد الأيام الأولى ~~الأكثر رفاهية قبل أن يولد أخي، عندما كانت تقدم لي قليلا من الشاي وكثيرا من اللبن في ~~كوب ككوبها ونجلس في الخارج فوق السلم في مواجهة مضخة المياه وأشجار الليلك وحظائر ~~الثعالب من ورائها، لم يكن بوسعها الامتناع عن ذكر تلك الأيام. «هل تذكرين عندما كنا نضعك ~~في المزلجة ويجذبك ميجور؟» (ميجور كان كلبنا واضطررنا إلى تركه مع الجيران عند انتقالنا)، ~~«هل تذكرين الصندوق الرملي الخاص بك أمام نافذة المطبخ بالخارج؟» أتظاهر بأنني أذكر أقل ~~كثيرا مما أذكره، حذرة من الوقوع في حصار الشفقة أو مشاعر غير مرغوب فيها. # تعاني أمي من نوبات صداع، غالبا ما تضطر إلى الاستلقاء، فترقد فوق سرير أخي الضيق في ~~الرواق المستر الصغير، الذي تظلله الفروع الكثيفة. تقول: «أنظر إلى الشجرة بالأعلى وأفكر ~~أنني في منزلي.» # يخبرها أبي: «إن ما تحتاجين إليه هو تنشق الهواء المنعش وجولة بالسيارة في الريف.» ويقصد ~~أن تأتي معه في جولة عمله بشركة ووكر براذرز. # لم تكن هذه فكرة أمي عن جولة بالسيارة في الريف. ~~«هل يمكنني المجيء؟» ~~«ربما تحتاجك أمك لتجربة الملابس.» # قالت أمي: «لست في حال تسمح لي بالحياكة اليوم.» ~~«سأصحبها معي، سأصحبهما هما الاثنين لتنعمي بقسط من الراحة.» # ما الذي بنا يجعل الناس بحاجة إلى نيل قسط من الراحة منا؟! لا بأس. كنت سعيدة للبحث عن ~~أخي وحثه على الدخول إلى المرحاض، بعد ذلك صعدنا سويا السيارة، دون أن ننظف ركبتينا ~~وشعري غير معقوص. أحضر أبي من المنزل حقيبتيه البنيتين الثقيلتين، المكتظتين بالزجاجات، ~~ثم وضعهما على المقعد الخلفي. كان يرتدي قميصا أبيض، يبرق تحت ضوء الشمس، ورباط عنق، ~~وبنطلون ms006 بذلته الصيفية الخفيف (كانت بذلته الأخرى سوداء، خاصة بالجنازات، وقد كانت لعمي قبل ~~وفاته) واعتمر قبعة من القش فاتحة اللون. كان هذا زي عمله كبائع، كما علق أقلاما رصاصية في ~~جيب قميصه. رجع إلى المنزل مرة أخرى، على الأرجح ليودع أمي، وليسألها ما إذا كانت متأكدة ~~أنها لا تود المجيء معنا، وسمعتها تقول: «كلا، كلا، شكرا لك، سأكون أفضل حالا بأن أستلقي ~~هنا وعيناي مغمضتان.» ثم رجع أبي بالسيارة إلى الخلف للخروج من الممر وبداخلنا أمل متصاعد ~~لخوض مغامرة، إنه ذلك الأمل الصغير فحسب الذي يصعد بك فوق المطب ومنه إلى الشارع، بدأ ~~الهواء الساخن في التحرك، وتحول إلى نسيم، وأخذت المنازل تبدو غير مألوفة شيئا فشيئا ونحن ~~نسلك الطريق المختصرة التي يعرفها أبي، المسار السريع للخروج من البلدة. مع ذلك، ماذا كان ~~بانتظارنا ساعات ما بعد الظهيرة كلها سوى ساعات حارة في أفنية المزارع، وربما التوقف عند ~~متجر ببلدة وشراء ثلاثة قراطيس من الآيس كريم أو ثلاث زجاجات مياه غازية، وغناء أبي؟ كانت ~~الأغنية التي ألفها أبي عن نفسه تحمل عنوان «راعي بقر ووكر براذرز»، وتبدأ بهذه ~~السطور: # نيد فيلدز العجوز، قد مات الآن، # وها أنا أتنقل بدلا منه ... # من نيد فيلدز هذا؟ لا بد أنه الرجل الذي حل أبي محله، وإن كان ذلك، فقد ~~مات حقا؛ إلا أن صوت أبي الذي يشوبه الحزن والفرح في الوقت نفسه يجعل من موته لغوا ~~فارغا نوعا ما، مأساة كوميدية. غنى أبي معظم الوقت أثناء القيادة: «صمتا، لقد عدت إلى ~~ريو جراندي، أغوص في الرمال المظلمة.» حتى وهو يتجه خارج البلدة، يعبر الجسر ويسلك المنعطف ~~الحاد إلى الطريق السريع، يهمهم بشيء، ويدمدم بأغنية ما لنفسه، مدخلا بعض التعديلات ~~عليها، مستعدا للارتجال، وعلى امتداد الطريق السريع، نمر بمخيم المعمدانيين، ومخيم مدارس ~~الكنيسة بالإجازات، لينطلق أبي في أغنيته: # أين المعمدانيون، أين المعمدانيون، # أين جميع المعمدانيين اليوم؟ # ها هم في المياه، تحت مياه بحيرة هورون، # جميع خطاياهم تزول عنهم. # يأخذ أخي هذا الكلام على محمل ms007 الجد وينهض على ركبتيه محاولا أن ينظر إلى ~~البحيرة، ويقول في شك: «لا أرى أي معمدانيين.» فيرد أبي: «ولا أنا أيضا يا بني. لقد أخبرتك ~~أنهم تحت مياه البحيرة.» # لم يعد هناك طرق ممهدة بعد أن تركنا الطريق السريع. اضطررنا إلى رفع زجاج النوافذ لتفادي ~~الغبار. كانت الأرض مسطحة، تسفعها أشعة الشمس سفعا، وخاوية. توفر الشجيرات في نهايات ~~المزارع الظل، أما ظلال الصنوبر السوداء فتبدو كالبرك لا يستطيع أحد الاقتراب منها. ترتفع ~~السيارة لنسير فوق ممر طويل، وفي نهايته، ماذا يمكن أن يبدو أكثر تنفيرا وأكثر وحشة من ~~منزل ريفي مرتفع غير مطلي، وحشائش نامية غير مشذبه عند الباب الأمامي، وستائر معتمة خضراء ~~مسدولة، وباب بالأعلى مفتوح على لا شيء سوى العدم؟ منازل كثيرة بها هذا الباب، ولم أستطع قط ~~اكتشاف السبب. أسأل أبي فيخبرني أنها للسير أثناء النوم. «ماذا؟!» حسنا إذا تصادف أنك سرت ~~أثناء النوم وأردت الخروج من المنزل. أشعر بالاستياء بعد أن تبينت متأخرة أنه يمزح كعادته، ~~لكن أخي يقول في شدة: «إذا فعل شخص ذلك فمن الممكن أن يدق عنقه.» # إنها ثلاثينيات القرن العشرين. إلى أي مدى يبدو لي هذا النمط من المنازل الريفية وهذا ~~النمط من فترات ما بعد الظهيرة أنه ينتمي إلى ذاك العقد من الزمان، شأنه شأن قبعة أبي، ~~ورباطة عنقه العريضة الزاهية، وسيارتنا بدرجها الجانبي العريض (من طراز إسكس، وقد فقدت ~~زهوها منذ زمن بعيد)؟ نرى سيارات تشبه سيارتنا بعض الشيء، كثيرة أقدم منها، وقطعا لم نر ~~إحداها مغطاة بالغبار كسيارتنا، تقف في أفنية المزارع. بعضها لم يعد يعمل، وانتزعت أبوابها ~~وأزيلت مقاعدها لاستخدامها في أروقة المنازل. لا توجد حيوانات في مجال رؤيتنا، دجاج أو ~~ماشية، لا يوجد سوى الكلاب، نرى كلابا ترقد في أي بقعة ظليلة تجدها، تستغرق بالأحلام، ~~جوانبها الهزيلة ترتفع وتنخفض سريعا، تنهض الكلاب عندما يفتح أبي باب السيارة، ويضطر إلى ~~التحدث معها: «كلب لطيف، هذا كلب لطيف، كلب كبير لطيف.» وتهدأ الكلاب، وتعود إلى البقعة ~~الظليلة. لا بد ms008 أن أبي يعرف كيفية تهدئة الحيوانات، فقد أمسك بثعالب مستقتلة باستخدام ~~كلابات حول رقابها. صوت رقيق لتهدئة الكلاب وصوت آخر مرتفع ومرح للصياح أمام الأبواب: ~~«مرحبا سيدتي، أنا مندوب شركة ووكر براذرز، ماذا نفد لديك اليوم؟» يفتح الباب، ويتوارى ~~أبي داخل المنزل. محظور علينا الذهاب خلف أبي، أو حتى مغادرة السيارة، لم يكن علينا سوى ~~الانتظار والتساؤل عما يقوله أبي. عندما كان أبي يحاول إضحاك أمي، كان يتظاهر بأداء ما يقوم ~~به في مطابخ أحد المنازل، فينثر حقيبة العينات، ويقول: «الآن يا سيدتي، هل تزعجك الطفيليات ~~(بفروة رأس أطفالك أقصد)؟ تلك الأشياء الصغيرة الزاحفة التي نعف عن ذكرها وتظهر في رءوس من ~~هم من أفضل العائلات؟ إن الصابون وحده عديم الفائدة، والكيروسين ليس بطيب العطر، لكن لدي ~~هنا ...» أو قد يقول: «صدقيني! بسبب جلوسي وقيادتي طيلة اليوم فإني «أعرف» حقا قيمة هذه ~~الأقراص الرائعة، راحة طبيعية، وهي مشكلة شائعة لدى كبار السن أيضا، ما إن تولي أيام ~~النشاط. ماذا عنك يا جدتي؟» وقد يلوح بعلبة الأقراص الوهمية أسفل أنف أمي التي تضحك في ~~النهاية، على مضض. وأتساءل أنا: «هو لا يقول ذلك حقا، أليس كذلك؟» فترد أمي: كلا بالطبع، ~~فهو رجل مهذب للغاية. # مررنا بعد ذلك بمنزل تلو الآخر، سيارات قديمة، مطبات طريق، كلاب، مشاهد لحظائر رمادية ~~وسقائف منهارة، وطواحين هوائية معطلة. الرجال، إذا كانوا يعملون في الحقول، فلا نراهم في أي ~~حقل في مرمى البصر، والأطفال بعيدون للغاية، يجرون على قيعان الجداول المائية الجافة، أو ~~يبحثون عن ثمار العليق، أو يختبئون في المنازل، يراقبوننا من بين فراغات الستائر المعتمة. ~~أصبح كرسي السيارة زلقا جراء العرق. تحديت أخي أن يضغط على بوق السيارة، أريد أن أفعل ذلك ~~بنفسي لكنني لا أريد أن ألام على ذلك، لكنه كان يدرك عاقبة الأمر. نلعب لعبة التخمين، إلا ~~أنه كان من الصعب العثور على ألوان كثيرة. الحظائر والسقائف والمراحيض والمنازل رمادية ~~اللون، والأفنية والحقول بنية، والكلاب سوداء أو بنية. أما السيارات الصدئة فعكست ألوان ms009 ~~قوس قزح، أعتصر عيني لأنتقي منها البنفسجي أو الأخضر؛ وبالمثل أدقق النظر في الأبواب ~~بحثا عن طلاء عتيق تقشر، كستنائي أو أصفر. ليس بوسعنا أن نلعب لعبة الحروف، وهو ما كان ~~أفضل؛ نظرا لأن أخي لم يتعلم الهجاء بعد. تفسد اللعبة على أية حال. يدعي أخي أنني ظالمة ~~في اختياري للألوان، ويرغب في أدوار إضافية من اللعب. # عند أحد المنازل، لا ينفتح أي باب، رغم أن هناك سيارة تقف في الفناء. يطرق أبي الباب ~~ويطلق صفيرا، ويصيح: «مرحبا! أنا مندوب شركة ووكر براذرز!» لكن لا يأتي أي رد على الإطلاق ~~من أية جهة. لا يوجد بهذا المنزل رواق، فقط بلاطة أسمنتية منحدرة يقف عليها أبي. يستدير أبي ~~باحثا في فناء الحظيرة، التي لا بد أن مخزن التبن بها فارغ لأنه يمكنك رؤية السماء من ~~خلاله، وفي النهاية انحنى أبي ليلتقط حقيبتيه. وحينئذ انفتحت نافذة بالأعلى، وظهر إناء أبيض ~~عند عتبة النافذة، ثم يميل الإناء لأسفل، وينسكب محتواه خارج الجدار. لم تكن النافذة فوق ~~رأس أبي مباشرة؛ لذا لم يمسسه سوى قطرات شاردة. يلتقط حقيبتيه دون عجلة، ويتجه نحو السيارة ~~وقد توقف عن الصفير. أقول لأخي: «أتعرف ماذا كان ذلك؟ إنه بول.» لينفجر أخي ضاحكا. # يلف أبي سيجارة ثم يشعلها قبل أن يدير ~~محرك السيارة. أغلقت نافذة المنزل بعنف وأرخيت الستارة المعتمة، ولم نر قط يدا أو وجها. ~~يغني أخي في طرب: «بول، بول، سكب أحدهم بولا!» فيقول أبي: «لا تخبر أمك فحسب، فليس من ~~المحتمل أن تراه مزحة.» فيسأل أخي أبي أمرا: «هل هذا الحدث في أغنيتك؟» يجيبه أبي بالنفي ~~لكنه سيرى ما في وسعه لإدخاله في أغنيته. # لاحظت بعد برهة أننا لا ندخل في أي ممرات، بيد أنه لا يبدو لي أننا نتجه إلى المنزل. سألت ~~أبي: «هل هذا الطريق يقودنا إلى صانشاين؟» فأجابني: «لا يا سيدتي، ليس كذلك.» «هل ما زلنا ~~في منطقة عملك؟» يهز رأسه نفيا. يقول أخي في استحسان: «نحن نسير بسرعة.» وفي واقع الأمر ~~كنا ms010 نثب فوق حفر طينية جافة بحيث كانت جميع الزجاجات في الحقيبتين تحدث صليلا وقرقرة على ~~نحو وعدنا بتجربة جديدة. # نصل إلى ممر آخر، منزل آخر، غير مطلي أيضا، بدا تحت أشعة الشمس فضي اللون. ~~«خلت أننا خرجنا من منطقة عملك.» ~~«وهو كذلك بالفعل.» ~~«إذن لم جئنا إلى هنا؟» ~~«سترين.» # تقف أمام المنزل امرأة قصيرة القامة وقوية البنية تلتقط الملابس المغسولة، والتي كانت ~~منثورة فوق الحشائش لتبييضها وتجفيفها. عندما توقفت السيارة حدقت فيها بنظرة حادة للحظة، ~~ثم انحنت لتلتقط منشفتين أخريين لتضعهما فوق الكومة الموجودة تحت إبطها، ثم تتجه نحونا ~~وتقول بصوت فاتر، لا هو بمرحب ولا هو بجاف: «هل ضللتم الطريق؟» # يترجل أبي من السيارة بأريحية ويقول: «لا أظن ذلك، أنا مندوب ووكر براذرز.» # تقول المرأة: «إن جورج كولي هو مندوب ووكر براذرز الذي يأتينا، وكان هنا منذ أقل من أسبوع ~~مضى. آه، يا إلهي!» تقول بصوت غليظ: «إنه أنت؟!» # يقول أبي: «أجل، هو كذلك في آخر مرة نظرت فيها في المرآة.» تجمع السيدة جميع المناشف ~~أمامها وتمسك بها جيدا، وتضمها إلى بطنها كما لو أنها تؤلمها. ~~«من بين كافة الأشخاص الذين لم أتوقع رؤيتهم قط، وها أنت تخبرني أنك مندوب ووكر ~~براذرز.» # يقول أبي في تواضع: «آسف إن كنت تتطلعين إلى رؤية جورج كولي.» ~~«يا لمظهري! كنت أستعد لتنظيف حظيرة الدجاج، ستعتقد أن هذه ذريعة، لكنها الحقيقة. لا ~~أتجول بهذا المظهر كل يوم.» كانت ترتدي قبعة مزارعين من القش، تتخلل من ثقوب فيها أشعة ~~الشمس لتطفو على وجهها، وترتدي ثوبا فضفاضا منقوشا ومتسخا، وحذاء رياضيا. وتسألني: ~~«من معك في السيارة، بن؟ ليسا طفليك؟» # فيرد أبي: «إنهما طفلاي بالفعل»، ثم يخبرها باسمينا وعمرينا. «هيا، بإمكانكما الترجل ~~من السيارة، هذه نورا؛ الآنسة كرونين. نورا، عليك أن تخبريني، هل ما زلت آنسة، أم لديك زوج ~~مختبئ في السقيفة الخشبية؟» # تخبره: «إذا كان لدي زوج فلن يكون هذا هو المكان الذي سأضعه فيه.» يضحك الاثنان، كانت ~~ضحكتها حادة وغاضبة بعض الشيء. «ستظنون أنني ms011 فظة، هذا إلى جانب مظهري الذي يبدو كالمتسولين. ~~تعالوا إلى الداخل بعيدا عن الشمس، الجو لطيف في المنزل.» # نعبر الفناء. («معذرة لأنني آخذكم من هذا الطريق لكنني لا أعتقد أن الباب الأمامي فتح ~~منذ جنازة أبي، أخشى أن تسقط المفصلات.») نعبر سلم الرواق، ثم إلى المطبخ، الذي كان الجو ~~فيه لطيفا حقا، كان بسقف مرتفع، والستائر المعتمة مسدولة بالطبع، حجرة بسيطة ونظيفة ~~ورثة، مشمع الأرض متآكل، زهور الغرنوقي موضوعة في أصيص، ودلو به مياه للشرب، ومغرفة، ~~وطاولة مستديرة مغطاة بمفرش نظيف. ورغم نظافة الحجرة، والأسطح الممسوحة والمكنوسة، ثمة ~~رائحة كريهة ضعيفة، لعلها منشفة الصحون أو المغرفة الصفيح أو المشمع، أو السيدة العجوز؛ إذ ~~كانت هناك سيدة عجوز تجلس على مقعد وثير تحت رف الساعة. تدير رأسها ببطء تجاهنا وتقول: ~~«نورا، هل معك رفقة؟» # تقول نورا بصوت مفسر سريع لأبي: «إنها ضريرة»، ثم تقول: «احزري من هنا يا أمي، اسمعي ~~صوته.» # يذهب أبي إلى أمام المقعد وينحني ويقول آملا أن تتعرف عليه: «مساء الخير سيدة ~~كرونين.» # تقول السيدة العجوز بلا دهشة: «بن جوردن، لم تأت لرؤيتنا منذ زمن بعيد، هل كنت خارج ~~البلاد؟» # يتبادل أبي ونورا النظرات. # تقول نورا في سرور وقوة: «إنه متزوج يا أمي، متزوج ولديه طفلان وها هما.» تجذبنا للأمام، ~~وتجعل كلا منا يلمس يد السيدة العجوز الجافة والباردة بينما تقول أسماءنا تباعا. ضريرة! ~~إنها أول شخص ضرير أراه عن قرب. كانت عيناها مغمضتين، وجفناها ساقطين لأسفل، بما لا يظهر ~~أي شكل لمقلتي العين، تجويفان فحسب. من أحد التجويفين، تظهر قطرة من سائل فضي، ربما دواء ~~أو عبرة تحدت إصابة عينيها. # تقول نورا: «دعني أرتد ثوبا لائقا. تحدث مع أمي، فهذه مفاجأة سارة لها، نادرا ما ~~نحظى برفقة، أليس كذلك يا أمي؟» # تقول العجوز في هدوء: «لا يمر الكثير من الناس من هذا الطريق، والأشخاص الذين اعتادوا أن ~~يكونوا في الجوار، الجيران القدامى، غادر بعض منهم.» # يقول والدي: «يحدث هذا بالفعل في كل مكان.» ~~«أين زوجتك إذن؟» ~~«بالمنزل ms012 ، لا تحب الأجواء الحارة، تصيبها بتوعك.» ~~«حسنا.» من عادات سكان الريف، كبار السن، قول «حسنا» قاصدين بها: «أهذا صحيح؟» بقليل من ~~الاهتمام والأدب الزائدين. # خرجت علينا نورا تخطو بقوة فوق السلم ~~بالردهة في حذاء له عقب عريض متوسط الارتفاع، وكانت ترتدي ثوبا مزينا بالزهور على نحو ~~مفرط أكثر من أي ثوب لدى أمي، كان أخضر اللون وأصفر مائلا إلى البنية، من الكريب الشفاف ~~الطري، وكان الثوب عاري الذراعين. كانت ذراعاها متينتين، وكل جزء مكشوف من بشرتها كان ~~مغطى بنمش داكن صغير كالحصبة. شعرها أسود وقصير، خشن ومجعد، وأسنانها قوية وناصعة ~~البياض. # قال أبي وهو ينظر إلى ثوبها: «إنها المرة الأولى التي أعلم فيها بوجود خشخاش أخضر ~~اللون.» # ردت نورا: «ستدهشك كافة الأشياء التي لم تكن تعلمها قط.» كانت تنثر رائحة الكولونيا هنا ~~وهناك مع تحركها، وتتحدث بصوت مختلف يتماشى مع الثوب، صوت أكثر ودا وشبابا. «إنها ليست ~~نبات الخشخاش، بل زهور فقط. اذهب وضخ لي بعض المياه الباردة لأصنع لهذين الطفلين ~~مشروبا.» تخرج من خزانة المطبخ عصير برتقال ووكر براذرز المركز. ~~«أخبرتني أنك مندوب ووكر براذرز!» ~~«إنها الحقيقة يا نورا، اذهبي وألقي نظرة على حقيبتي العينات في السيارة في حال أنك لم ~~تصدقيني. منطقة عملي في الجزء الجنوبي من هنا مباشرة.» ~~«ووكر براذرز؟ هل هذا صحيح؟ تبيع لصالح ووكر براذرز؟» ~~«أجل يا سيدتي.» ~~«لطالما سمعنا أنك تربي الثعالب في طريق دانجانون.» ~~«هذا ما كنت أفعله، لكن لم يعد يحالفني ~~الحظ في تلك المهنة نوعا ما.» ~~«إذن أين تعيش؟ ومنذ متى تعمل في البيع؟» ~~«انتقلنا إلى تابر تاون، وأعمل في هذه المهنة منذ شهرين أو ثلاثة، إنها تدفع عنا غائلة ~~الجوع، تدفعه بالكاد.» # تضحك نورا. «حسنا أعتقد أنك تعد نفسك محظوظا لعملك بهذه الوظيفة. زوج إيزابيل في ~~برانتفورد عاطل عن العمل منذ مدة طويلة. فكرت في أنه إذا لم يعثر على شيء في القريب فسأدعو ~~أسرتهما للمجيء إلى هنا للعيش، لكن حقيقة لم أتق لذلك، فهذا كل ما أستطيع تدبيره لي ms013 ~~ولأمي.» # قال أبي: «أتزوجت إيزابيل؟ هل تزوجت مورييل أيضا؟» ~~«كلا، غادرت لتعمل بالتدريس غربا. لم تعد إلى منزلها منذ خمسة أعوام. أعتقد أنها تجد ~~شيئا أفضل تفعله في عطلاتها. كنت سأفعل ذلك إن كنت محلها.» تخرج نورا بعض الصور ~~الفوتوغرافية من درج الطاولة وتبدأ في عرضها على أبي. «هذا ابن إيزابيل الأكبر، التحق ~~بالمدرسة، وها هي الطفلة الصغيرة تجلس في عربتها، إيزابيل وزوجها، مورييل، هذه رفيقتها التي ~~معها بالسكن، وهذا رجل كانت تواعده، وهذه سيارته، كان يعمل في مصرف هناك، وهذه المدرسة التي ~~تعمل بها، بها ثماني حجرات، تدرس لطلاب الصف الخامس.» يهز أبي رأسه. «لا أستطيع تخيلها ~~إلا وهي في طريقها إلى المدرسة، خجلة للغاية، كنت أقلها أثناء سيرها على الطريق - وأنا ~~في طريقي لرؤيتك - وهي لا تنبس ببنت شفة، ولا حتى توافقني الرأي بأنه يوم جميل.» ~~«لقد تغلبت على ذلك.» # تقول العجوز: «عمن تتحدثان؟» ~~«مورييل، أقول إنها تغلبت على خجلها.» ~~«كانت هنا في الصيف الماضي.» ~~«كلا يا إمي، كانت إيزابيل. إيزابيل وأسرتها كانوا هنا الصيف الماضي. سافرت مورييل ~~غربا.» ~~«قصدت إيزابيل.» # بعد ذلك بوقت وجيز تستغرق السيدة العجوز في النوم، وتميل رأسها جانبا، فاغرة فاها. تقول ~~نورا: «أستميحكم عذرا عن تصرفاتها. إنه كبر السن.» ثم تضع فوقها غطاء صوفيا مغزولا ~~وتقول: «بإمكاننا الجلوس بالحجرة الأمامية بحيث لا يزعجها حديثنا.» # توجه أبي بالحديث إلي وإلى أخي: «أنتما، هل تودان الخروج وتسلية نفسيكما؟» # كيف نسلي أنفسنا؟ على أية حال أردت البقاء. كانت الحجرة الأمامية أكثر تشويقا من المطبخ، ~~رغم أنها لم تكن تحوي الأثاث نفسه. كان هناك فونوغراف وبيانو عتيق، وصورة معلقة على الجدار ~~للسيدة مريم، أم يسوع - هذا كل ما أعرفه - ملونة بدرجات اللونين الأزرق والقرنفلي الزاهية ~~وطوق مدبب من الضوء حول رأسها، أعلم أن هذه الصور لا تتواجد إلا في بيوت الروم الكاثوليك؛ ~~إذن لا بد أن نورا كذلك. لم نعرف أحدا من الروم الكاثوليك على الإطلاق معرفة جيدة بدرجة ~~كافية تجعلنا نزورهم في منازلهم. أفكر فيما اعتادت ms014 جدتي والخالة تينا، في دانجانون، قوله ~~دائما للإشارة إلى أن شخصا ما كاثوليكي: «فلان متمسك بالجاروف العتيق.» هكذا كانتا ~~تقولان. «فلانة متمسكة بالجاروف العتيق.» كانتا ستقولان هكذا عن نورا. # تمسك نورا بزجاجة ممتلئة لنصفها من فوق البيانو العتيق، وتصب بعضا منها في كوبها وكوب ~~أبي بعد أن فرغا من عصير البرتقال. # يقول أبي: «أتحتفظين بها في حال مرضت؟» ~~«إطلاقا، أنا لا أمرض أبدا، أحتفظ بها فحسب. زجاجة واحدة تكفيني لوقت لا بأس به، لأنني ~~لا آبه بالشرب وحدي. ها أنا محظوظة!» تحتسي هي وأبي الشراب، أدري ما هو، إنه شراب الويسكي، ~~من بين الأشياء التي أخبرتني بها أمي في أحاديثنا معا أن أبي لا يحتسي الويسكي أبدا. ~~لكنني أراه يفعل ذلك. يحتسي أبي الويسكي ويتحدث عن أناس لم أسمع بأسمائهم قط، لكن بعد برهة ~~يتحدث عن حادثة مألوفة؛ يخبرها عن النونية التي سكبت من النافذة. يقول: «تصوري أنني أقف ~~هناك، وأصيح بأعلى صوتي: «يا سيدتي، أنا مندوب ووكر براذرز، هل يوجد أحد بالمنزل؟»» يصيح ~~بالفعل ويبتسم ابتسامة عبثية في ترقب سار ثم ... ينكس رأسه ويغطيه بذراعيه ويبدو كما لو أنه ~~يستجدي الرحمة (في حين أنه لم يفعل أيا من ذلك، فقد شاهدته)، وتضحك نورا ضحكة مجلجلة كما ~~فعل أخي حينئذ. ~~«هذا ليس صحيحا! لم يحدث أي من هذا!» # يقول في جدية: «بالطبع صحيح يا سيدتي. لدينا أبطال في صفوف ووكر براذرز. سعيد أنك ترينه ~~مضحكا.» # طلبت منه في خجل: «أنشد لنا الأغنية.» ~~«أية أغنية؟ هل تحولت إلى مغن إلى جانب سائر الأشياء الأخرى؟» # يشعر أبي بالإحراج، ويقول: «آه، إنها فقط أغنية ألفتها فيما كنت أتجول بالسيارة، فهي ~~تشغل وقت فراغي بنظم القوافي.» # لكن بعد بعض الإلحاح يغني أبي، ينظر إلى نورا ويرتسم على وجهه تعبير مضحك معتذر، وتنفجر ~~ضاحكة حتى أنه في بعض المقاطع كان يضطر إلى التوقف وانتظارها حتى تنتهي من الضحك كي يستأنف ~~الغناء، لأنها تدفعه إلى الضحك أيضا. ثم يخبرها بأجزاء متعددة من حديثه المنمق كرجل ~~مبيعات ms015 . عندما تضحك نورا تضغط بصدرها الكبير أسفل ذراعيها المطويتين. وتخبره: «أنت مجنون، ~~لست سوى مجنون.» ترى أخي يحدق في الفونوغراف فتنهض قافزة وتتجه نحوه. «ها نحن نجلس ونسلي ~~أنفسنا ولا نلقي لك بالا، أليس هذا بشعا؟ هل تود أن أضع أسطوانة لك؟ هل تود سماع أسطوانة ~~جميلة؟ هل تستطيع الرقص؟ لا بد أن شقيقتك تجيد الرقص، أليس كذلك؟» # أجيبها بالنفي. تقول نورا: «فتاة كبيرة وجميلة مثلك ولا تجيد الرقص! آن الأوان لتتعلمي. ~~أؤكد لك أنك ستكونين راقصة رائعة. سأضع أسطوانة اعتدت الرقص على أنغامها مع أبيك، أيام كان ~~يرقص، تعلمين أن أباك كان راقصا، أليس كذلك؟ حسنا، إنه رجل موهوب، أعني أباك!» # تغلق غطاء الفونوغراف وتمسكني على نحو مفاجئ من حول خصري، وتمسك بيدي الأخرى وتبدأ في حثي ~~على الرجوع للخلف. «هكذا الآن، هكذا يرقصون، حاكيني، هذه القدم، هكذا. واحد وواحد اثنان. ~~واحد وواحد اثنان. هذا رائع، هذا جميل، لا تنظري إلى قدمك! حاكيني، هذا صحيح، أترين كم هو ~~سهل؟ ستكونين راقصة رائعة! واحد وواحد اثنان. واحد وواحد اثنان. بن، أترى ابنتك وهي ترقص؟!» ~~واستمرت الأغنية: «نهمس حين تضمني إليك، نهمس فيما لا يستطيع أحد آخر سماعنا ...» # أخذنا ندور وندور فوق مشمع الأرض، أشعر بالفخر والعزم، ونورا تضحك وتتحرك بخفة شديدة، ~~تطوقني بفرحتها الغريبة، وأشم منها رائحة الويسكي والكولونيا ورائحة عرقها. ابتلت ثيابها من ~~تحت إبطها، وتتكون قطرات عرق صغيرة بمحاذاة شفتها العليا تعلق بالشعيرات السوداء الناعمة ~~عند زاوية فمها. ثم تلفني سريعا أمام أبي - مما أدى إلى تعثري، فأنا لست بتلميذة سريعة ~~التعلم بأية حال من الأحوال كما تدعي - لتتركني وأنا ألهث. ~~«ارقص معي يا بن.» ~~«أنا أسوأ راقص في العالم يا نورا، وأنت تعلمين ذلك.» ~~«قطعا لم أعتقد ذلك.» ~~«ستعتقدين الآن.» # تقف أمامه وذراعاها مرتخيتان في رجاء، ونهداها اللذان أشعراني بالخجل منذ لحظة لدفئهما ~~وضخامتهما، يعلوان ويهبطان أسفل ثوبها الفضفاض المزدان بالورود، ووجهها يلمع جراء المجهود ~~والبهجة. ~~«بن!» # ينكس أبي رأسه ويقول في هدوء: «ليس أنا يا نورا ms016 .» # لذا لا تجد أمامها سوى أن تخرج الأسطوانة، وتقول: «بمقدوري احتساء الشراب وحدي، لكن ليس ~~باستطاعتي الرقص وحدي، ما لم أكن أكثر جنونا مما أظن.» # يقول أبي مبتسما: «لست مجنونة يا نورا.» ~~«امكث حتى العشاء.» ~~«كلا، لن نزعجك بهذا.» ~~«ليس بإزعاج، سأسعد بذلك.» ~~«كما ستقلق أمهما، ستعتقد أن السيارة انقلبت بنا.» ~~«آه، حسنا، أجل.» ~~«لقد أخذنا كثيرا من وقتك الآن.» # تقول نورا في مرارة: «وقتي، هل ستأتي مجددا؟» # يقول أبي: «سآتي إن استطعت.» ~~«أحضر طفليك، أحضر زوجتك.» # يقول أبي: «أجل، سأحضرهم إن استطعت.» # عندما رافقتنا إلى السيارة، قال أبي: «عليك أن تحضري لزيارتنا أيضا يا نورا، نحن نعيش في ~~جروف ستريت، تسيرين على الجانب الأيسر شمالا، منزلنا من تلك الجهة - شرقا - من بايكر ~~ستريت.» # لم تكرر نورا تلك الاتجاهات. تقف بالقرب من السيارة بثوبها الباهر الرقيق. تلمس رفرف ~~السيارة تاركة علامة غامضة على الغبار هناك. ~~••• # في طريق عودتنا إلى المنزل لم يبتع أبي الآيس كريم أو المياه الغازية، لكنه دخل إلى متجر ~~ريفي واشترى عبوة عرقسوس، وتقاسمها معنا. يدور بخلدي عبارة «إنها متمسكة بالجاروف القديم»، ~~وتبدو الكلمات حزينة كما لم تكن من قبل، غامضة وضالة. لم يخبرني أبي بأي شيء حيال عدم ذكر ~~أي مما حدث في المنزل، لكنني أعلم - من شروده في التفكير، وصمته وهو يمرر لنا العرقسوس - ~~أن ثمة أشياء لا يجب ذكرها؛ الويسكي، وربما الرقص. ليس هناك داع للقلق من أخي، فهو لم يلحظ ~~الكثير، على أكثر تقدير ربما يذكر السيدة العجوز وصورة السيدة مريم. # يقول أخي في أمر لأبي: «أنشد أغنية»، لكن أبي يقول في جدية: «لا أدري، يبدو أنني استنفدت ~~جميع الأغاني توا. لتراقب لنا الطريق وأخبرني إن رأيت أي أرانب.» # يقود أبي السيارة ويراقب أخي الطريق بحثا عن أرانب، أشعر أن حياة أبي تنساب خلف السيارة ~~مع نهاية الظهيرة، تزداد قتامة وغرابة، وكأنها منظر طبيعي به سحر، يجعله عاديا ومألوفا ~~على نحو موات عندما تنظر إليه، لكنه يحوله ما إن تدير إليه ظهرك إلى ms017 شيء لن تعرفه أبدا، ~~في أجواء وأماكن بعيدة ليس بوسعك تخيلها. # عندما اقتربنا من تابر تاون أضحت السماء ملبدة بالغيوم على نحو طفيف، كما هي الحال دوما، ~~دوما تقريبا، في أمسيات الصيف بجانب البحيرة. # | منازل مضيئة # جلست ماري على السلم الخلفي لمنزل السيدة فولرتن، تتحدث - أو تستمع في واقع الأمر - مع ~~السيدة فولرتن، التي تبيع لها البيض. كانت قد مرت بها كي تعطيها ثمن البيض وهي في طريقها ~~إلى حفل عيد ميلاد ديبي ابنة إديث. لم تكن السيدة فولرتن تزورهم أو تدعوهم، لكن ما إن تنشأ ~~حجة عمل، حتى تحب أن تتحدث. وجدت ماري نفسها تستكشف حياة جارتها كما استكشفت من قبل حيوات ~~الجدات والخالات، بادعائها أنها تعرف أقل مما تعرفه في الواقع، وطلبها منهن حكاية بعض ~~القصص التي سمعتها من قبل؛ وبهذه الطريقة، تتذكر أحداثا تظهر في كل مرة مع اختلافات طفيفة ~~في المحتوى أو المغزى أو الصبغة، لكن بواقع خالص عادة ما تصاحبه أشياء أسطورية جزئيا ~~على الأقل. كانت قد نسيت تقريبا أن ثمة أناسا يمكن رؤية حياتهم هكذا؛ فهي لم تعد تتحدث ~~مع كثير من كبار السن، ومعظم الأشخاص الذين عرفتهم لا تختلف حياتهم عن حياتها؛ حياتها التي ~~لم تصنف فيها الأشياء بعد، ولم يعد من المؤكد أن هذا الشيء أم ذاك يجب أخذه على محمل ~~الجد أم لا. لم يساور السيدة فولرتن أية شكوك أو تساؤلات من هذا النوع. على سبيل المثال، ~~كيف كان من الممكن عدم التعامل جديا مع الغياب الطائش تماما للسيد فولرتن، الذي اختفى في ~~يوم من أيام الصيف، ولم يعد مجددا؟ # قالت ماري: «لم أكن أعلم ذلك، كنت أعتقد دوما أن السيد فولرتن وافته المنية.» # قالت السيدة فولرتن: «هو ما زال حيا يرزق مثلي.» واستقامت في جلستها. مرت دجاجة كبيرة ~~من فصيلة بليموث روك فوق درجة السلم الأولى، فنهض ابن ماري الصغير، داني، ليلاحقها بحذر. ~~«لقد انطلق في رحلاته فحسب، فهذا ما يفعله. ربما اتجه شمالا، وربما ذهب إلى الولايات ~~المتحدة، لا ms018 أدري، لكنه لم يمت، كنت سأشعر بذلك. وهو ليس عجوزا أيضا، ليس عجوزا ~~مثلي؛ فهو زوجي الثاني، وكان يصغرني سنا، لم أخف هذا الأمر. اشتريت هذا المنزل وربيت ~~أطفالي ومات زوجي الأول قبل أن يظهر السيد فولرتن في حياتي بكثير، ففي إحدى المرات ذهبنا ~~إلى مكتب البريد ووقفنا معا بجانب النافذة، ثم توجهت لأضع خطابا في الصندوق وتركت ~~حقيبتي، وتوجه السيد فولرتن ليلحق بي، فنادته فتاة وقالت: «خذ، لقد نسيت أمك ~~حقيبتها!»» # ابتسمت ماري استجابة لضحكة السيدة فولرتن العالية غير الواثقة. كانت السيدة فولرتن ~~متقدمة في العمر، كما قالت، أكثر مما يمكنك اعتقاده، بشعرها الأسود شديد التموج، وملابسها ~~الرمادية بفعل الاتساخ، ودبابيس الزينة الرخيصة المعلقة بسترتها ذات النسيج المنسول. ~~لكن عينيها كانتا تعكسان ذلك، فكانتا سوداوين كلون البرقوق ولهما بريق جامد خافت، تختفي ~~الأشياء فيهما ولا تتغير أبدا. لم ترتسم الحياة في وجهها إلا في أنفها وفمها اللذين كانا ~~دائمي الحركة والاهتزاز، مما جذب خطوط وجهها العابسة أسفل وجنتيها. عندما كانت تأتي كل ~~يوم جمعة لتحضر طلبيات البيض كان شعرها معقوصا، ومجموعة من الزهور القطنية تجذب طرفي ~~بلوزتها، وشفتاها مطليتين بخط أحمر ثقيل غير منتظم، فما كانت لتظهر أمام جيرانها الجدد بأي ~~مظهر فوضوي لسيدة عجوز حزينة. # قالت: «ظنت أنني أمه، لم آبه بذلك، بل ضحكت بشدة. لكن ما أخبرك به أنه في يوم من أيام ~~الصيف، كان زوجي في إجازة من العمل، فارتقى السلم ليجمع بعض ثمار الكرز من شجرة الكرز ~~الأسود. خرجت لأعلق بعض الملابس لتجفيفها لأجد رجلا لم أره من قبل في حياتي، يأخذ دلو ~~الكرز الذي ناوله زوجي إياه، متصرفا دون قيد أو خجل، جلس لتناول الكرز من الدلو خاصتنا. ~~سألت زوجي عمن يكون ذلك الشخص، فأجابني أنه عابر سبيل. أخبرته أنه إذا كان صديقا له، ~~فبإمكانه المكوث ليتناول العشاء معنا، فقال: عم تتحدثين؟ لم أره من قبل. لذا لم أنبس ~~بكلمة أخرى. اتجه السيد فولرتن وتحدث معه وهو يأكل الكرز الذي كنت أنوي استخدامه في ms019 صنع ~~كعكة، لكن ذلك الرجل كان يتحدث مع الجميع، متسولا كان أو أحد مبشري شهود يهوه، أي شخص - لم ~~يكن من الضروري أن يعني ذلك شيئا.» # واصلت حديثها: «بعد نصف ساعة، رحل ذلك الرجل. خرج السيد فولرتن بسترته البنية ~~معتمرا قبعته، وأخبرني أنه سيقابل شخصا ما في وسط المدينة، فسألته: هل ستطيل البقاء؟ ~~فقال: لن أتأخر. لذا خرج على الطريق، ومضى جنوبا إلى حيث اتجه المتسول العجوز - كنا ~~جميعا في الجنبة حينها - شيء ما جعلني أتتبعه بناظري. قلت في نفسي لا بد أنه يشعر بالحر ~~وهو يرتدي ذلك المعطف، وحينها عرفت أنه لن يعود. بيد أنني لم أكن أتوقع ذلك؛ فقد كان يحب ~~المكان هنا، وكان يتحدث عن تربية الشنشيلة في الفناء الخلفي. لن تعرفي أبدا ما يجول بخاطر ~~الرجل حتى وإن كنت تعيشين معه.» # قالت ماري: «هل حدث ذلك منذ زمن بعيد؟» ~~«اثني عشر عاما. أراد أولادي أن أبيع بيتي وأنتقل للعيش في الأحياء السكنية، لكنني رفضت، ~~فأنا أربي الدجاج هنا، وكان لدي عنزة حينذاك، كانت حيواني المدلل. كان لدي أيضا ~~راكون مدلل لفترة من الزمان، اعتدت إطعامه العلك. قلت حسنا، يأتي الأزواج ويرحلون، لكن ~~المكان الذي عشت فيه خمسين عاما شيء آخر. جعلت من الأمر مزحة مع عائلتي. إلى جانب هذا، ~~فكرت أنه إذا عاد السيد فولرتن، فسيأتي إلى هنا، فلا يدري مكانا آخر يذهب إليه. ~~بالطبع لن يعرف أين يعثر علي، فالطريق تغير الآن. لكن دائما ما كانت تراودني فكرة أنه ~~ربما أصيب بفقدان الذاكرة، وربما تعود إليه، فهذا يحدث. # أنا لا أتذمر. أحيانا ما يبدو لي أن الرجل الحكيم سيجد ما يجعله يرحل مثلما سيجد ما ~~يجعله يمكث. لا أنزعج من وقوع التغيرات أيضا، فهذا ساعدني في تجارتي في البيض. لكن مسألة ~~مجالسة الأطفال هذه ... طوال الوقت يطلب مني أحدهم مجالسة الأطفال. أخبرهم أنني أملك منزلي ~~الخاص لأجلس به وأخذت نصيبي من تربية الأطفال.» # نهضت ماري عندما تذكرت حفل عيد الميلاد ونادت على ابنها الصغير. قالت ms020 السيدة فولرتن: ~~«فكرت في عرض الكرز الأسود لدي للبيع في الصيف القادم. تعالي وانتقي لك منه، سيكون ~~الصندوق بخمسين سنتا. لم يعد بوسعي تعريض عظامي العجوزة للخطر بارتقاء السلم.» # قالت ماري مبتسمة: «هذا سعر غال جدا، إنه يباع بسعر أرخص من ذلك في المتجر الكبير.» ~~كانت السيدة فولرتن قد كرهت بالفعل المتجر الكبير لأنه خفض سعر البيض. أخرجت ماري آخر ~~سيجارة من العلبة وتركتها معها، وقالت إن لديها علبة أخرى في حقيبتها. كانت السيدة فولرتن ~~تعشق السجائر، لكن ما كانت ستقبل بواحدة إلا إذا قدمت إليها على حين غرة. كانت ماري ترى ~~أن مجالسة الأطفال ستغطي ثمنها. في الوقت نفسه أعجبت ماري إلى حد ما بأن السيدة فولرتن ~~لم تكن لينة العريكة للغاية. عندما خرجت ماري من ذلك المكان، دائما ما كانت تشعر كما لو ~~أنها تمر عبر حواجز. كان المنزل والمنطقة المحيطة يوفران الاكتفاء الذاتي بدرجة كبيرة، ~~فكانا يتألفان من ترتيب معقد يبدو أنه غير قابل للتغيير من أحواض الخضراوات والفاكهة، ~~وأشجار الكرز والتفاح، وحظيرة الدجاج المسيجة، وحديقة التوت والممرات الخشبية، وكومة ~~الحطب، وسقائفه الصغيرة المعتمة المبنية على نحو عشوائي للدجاج أو الأرانب أو العنزة. لا ~~يوجد هنا خطة صريحة أو مباشرة، لا وجود لنظام يتسنى لغريب فهمه، مع ذلك ما كان ~~عشوائيا جعله الزمن نهائيا؛ بات المكان ثابتا، ومنيعا، وجميع ما يتكدس به ضروري، حتى ~~بدا أن أوعية الغسيل والماسحات وزنبركات الأرائك وأكوام مجلات الشرطة العتيقة حتى في الرواق ~~الخلفي، قدر لها أن تبقى هناك. # مضى كل من ماري وداني بالطريق الذي كان يدعى في السابق ويكس رود، إبان شباب السيدة ~~فولرتن، لكنه أصبح الآن على خرائط التقسيم السكني يحمل اسم هيذر درايف. كان اسم التقسيم ~~السكني جاردن بليس، وسميت شوارعه على أسماء الزهور. على كل جانب من جانبي الطريق كانت ~~الأرض غير معبدة، ومصارف المياه ممتلئة على آخرها. وضعت ألواح خشبية فوق المصارف ~~المفتوحة، ووضعت ألواح خشبية بالقرب من أبواب المنازل الجديدة. تنتصب المنازل الجديدة ~~البيضاء والمضيئة ms021 بعضها إلى جانب بعض في صفوف طويلة على امتداد الطريق. لطالما رأتها ماري ~~على أنها منازل بيضاء، رغم أنها لم تكن بالطبع بيضاء تماما؛ فقد كانت من الجص ومكسوة ~~بالألواح الخشبية، وكان الجص فقط أبيض اللون، أما الكسوة الخارجية فكانت مطلية بدرجات ~~الأزرق والوردي والأخضر والأصفر، جميعها ألوان حديثة وزاهية. في العام الماضي، في هذا الوقت ~~تحديدا، في مارس، جاءت الجرارات لإزالة الجنبات والأشجار التي نمت مرة أخرى بعد قطعها ~~والأشجار الضخمة من غابة الجبل، بعد برهة وجيزة برزت المنازل بين جلاميد الصخور وجذوع ~~الأشجار الضخمة المقطوعة، وتضاريس الأرض البديعة. كانت المنازل واهية في البداية، هياكل ~~خشبية جديدة تقف في الظلام في أيام الربيع الباردة. لكن بنيت بعد ذلك الأسقف، سوداء ~~وخضراء، زرقاء وحمراء، ثم الجص والكسوة، وركبت النوافذ، وألصقت عليها علامات مكتوب ~~عليها: موري للزجاج، وفرنش للأرضيات الخشبية الصلبة. وتسنت رؤيتها كمنازل حقيقية. توافد ~~الأشخاص الذين سيقطنون بالمنازل يسيرون بتثاقل في الوحل أيام الآحاد. كانت المنازل لأناس ~~مثل ماري وزوجها وطفلهما، لا يملكون الكثير من المال لكن لديهم تطلعات كبيرة، استقرت جاردن ~~بليس، في أذهان الأشخاص الذين يفسرون العناوين، على أنها أقل ترفا من باين هيلز، لكن أكثر ~~جاذبية من ويلنجتون بارك. كانت الحمامات جميلة، بها مرايا من ثلاثة أجزاء، وبلاط خزفي، ~~ولوازم ملونة، وكانت خزانات المطابخ من الماهوجني أو خشب البتولا الفاتح، وكان هناك تركيبات ~~إضاءة نحاسية في المطبخ وفي زوايا تناول الطعام، كما تفصل أحواض نباتات من القرميد - تتوافق ~~مع المدفآت - بين حجرات المعيشة والردهات. والغرف جميعها رحبة وفاتحة اللون، وكانت الأقبية ~~جافة، ظهرت كل هذه المتانة والامتياز في وضوح وفخر في واجهة كل منزل، تلك المنازل المتشابهة ~~على نحو خلا من الإبداع، ينظر بعضها إلى بعض في هدوء، على امتداد الشارع. # ولما كان اليوم هو يوم السبت، كان جميع الرجال بالخارج يعملون حول منازلهم؛ يحفرون قنوات ~~لتصريف المياه، ويصنعون حدائق صخرية، ويزيلون الأغصان والشجيرات المقطوعة ويحرقونها. عملوا ~~بجد وجهد تنافسيين لم يألفوهما، حيث إنهم لم يكونوا ms022 رجالا يكسبون قوت يومهم بالجهد ~~البدني. عملوا طوال اليوم في أيام السبت والآحاد على هذا المنوال، بحيث يكون لديهم في غضون ~~عام أو عامين حدائق خضراء، وجدران صخرية، وأحواض زهور وشجيرات زينة بهية المنظر. لا بد أن ~~الأرض صعبة الحفر الآن، فقد كانت تمطر اللية الماضية وهذا الصباح، لكن اليوم يزداد إشراقا، ~~وانقشعت السحب كاشفة عن مثلث رفيع طويل من السماء، زرقتها لا تزال باردة ورقيقة؛ إنه لون ~~الشتاء. وقفت خلف المنازل على أحد جانبي الطريق أشجار الصنوبر، بتماثلها الرتيب الذي لم ~~تهزه الرياح كثيرا. ستتم إزالتها في أي يوم الآن لإخلاء مساحة لإقامة مركز تسوق كان ~~هناك وعد بإنشائه عندما بيعت المنازل. # وأسفل هيكل هذا التقسيم السكني الجديد، كان هناك شيء آخر يمكن تبينه؛ المدينة القديمة؛ ~~المدينة القديمة في البرية، والتي كانت تقع على جانب الجبل. كان من الضروري أن يطلق عليها ~~مدينة إذ تمر بها خطوط الترام إلى الغابات، وكانت المنازل تحمل أرقاما، وبها كافة المباني ~~العامة التي تتواجد في المدن، تقف إلى جانب المسطح المائي، لكن المنازل التي تشبه منزل ~~السيدة فولرتن انفصل أحدها عن الآخر بغابة غير مقطوعة الأشجار وأيكة من ثمار العليق البري ~~وشجيرات العليق الشوكي. كانت هذه هي المنازل المتبقية، التي ينبعث دخان كثيف من مداخنها، ~~وجدرانها غير مطلية ومرقعة وتعكس درجات مختلفة من القدم والظلمة، وسقائفها بدائية ~~والحطب وكومات السماد متكدسة حولها، وسياجها الخشبي رمادي اللون. وكثيرا ما كانت هذه ~~المنازل تظهر بين المنازل الجديدة الكبيرة في ميموزا وماريجولد وهيذر درايف. كانت مظلمة ~~ومطوقة وتوحي بشيء من الهمجية في فوضويتها، وزوايا أسطحها المنحدرة غير المتجانسة المستحيل ~~تواجدها في شوارع كهذه. كانت موجودة هناك وحسب. ~~••• # قالت إديث وهي تصب المزيد من القهوة: «ماذا يقولون؟» كانت محاطة في مطبخها ببقايا حفل ~~عيد الميلاد؛ قالب الحلوى والهلام المقولب والكعك الذي يحمل وجوه الحيوانات، ويتدحرج بالون ~~على الأرض. كان الأطفال قد تناولوا طعامهم، ووقفوا لالتقاط الصور الفوتوغرافية لهم، ولعبوا ~~ألعاب عيد الميلاد، والآن يلعبون في غرف النوم ms023 الخلفية والقبو، فيما يحتسي الآباء القهوة. ~~قالت إديث: «ترى ماذا يقولون هناك؟» # ردت ماري، وهي تحمل وعاء القشدة الفارغ: «لم أسترق السمع.» ثم توجهت نحو النافذة ~~أعلى حوض المطبخ، انقشعت السحب وتباعدت أكثر وكانت الشمس بارقة، وبدا المنزل حارا ~~للغاية. # قالت إديث وهي تسرع عائدة إلى حجرة المعيشة: «منزل السيدة فولرتن.» كانت ماري تعلم عما ~~يتحدثون؛ فجيرانها - الذين لا يتحدثون في العموم في موضوعات مزعجة - قد يخوضون في أية لحظة ~~في هذا الموضوع ويدور الحوار بشكل خطير في دوائر مألوفة من الشكوى، مما يقودها إلى النظر في ~~يأس خارج النافذة، أو في حجرها، في محاولة للعثور على كلمة تعليلية رائعة تنهي الحديث، ~~لكنها لم تنجح في ذلك. كان عليها العودة، فهم في انتظار القشدة. # جلس لفيف من سيدات الحي في حجرة المعيشة، يحملن دون اكتراث البالونات التي أعطاهن إياها ~~أطفالهن. ولما كان الأطفال الذين يلعبون في الشارع حديثي السن، ولما كان أي تجمع للأشخاص ~~الذين يعيشون هناك يعد أمرا إيجابيا في حد ذاته، كان معظم حضور حفلات أعياد الميلاد ~~هم الأمهات والأطفال أيضا. ارتدت الآن الأمهات اللاتي يقابل بعضهن بعضا بصفة يومية ~~الأقراط وجوارب النايلون والجونلات، وصففن شعرهن وتبرجن. حضر بعض الرجال أيضا؛ على ~~غرار ستيف زوج إديث، وآخرين ممن دعاهم لاحتساء الجعة، وكانوا جميعهم بملابس العمل. كان ~~موضوع الحديث الذي طرح توا واحدا من الموضوعات القليلة التي تحوز اهتمام الرجال ~~والنساء على حد سواء. # قال ستيف: «سأخبركم ماذا سأفعل إن كنت أعيش بجوار ذلك المنزل.» وتعلو وجهه ابتسامة ~~عريضة دمثة متوقعا إضحاكهم، «سأرسل أطفالي إلى هناك ليلعبوا بالثقاب.» # قالت إديث: «هذا مضحك، لقد تجاوز الأمر حد المزاح، أنت تمزح وأنا أحاول فعل شيء، حتى إنني ~~هاتفت المجلس المحلي.» # قالت ماري لو روس: «وماذا أخبروك؟» ~~«حسنا قلت لهم أليس بوسعكم حملها على طلاء منزلها، على الأقل، أو إزالة بعض من أكواخها؟ ~~لكنهم قالوا إنهم ليس بوسعهم ذلك. قلت لهم أعتقد أنه يوجد شيء من قبيل قانون محلي يطبق ~~على أناس ms024 مثلها، وقالوا إنهم يتفهمون «شعوري» وإنهم في غاية «الأسف» ...» ~~«لكن لم يفعلوا شيئا؟» ~~«لم يفعلوا شيئا.» ~~«لكن ماذا عن الدجاج، فكرت ...» ~~«آه، لن يسمحوا لك أو لي بتربية الدجاج، أما هي فتحظى بإعفاء خاص حيال ذلك أيضا، نسيت ~~كيف تسير الأمور.» # قالت جاني إنجر: «سأتوقف عن شراء البيض منها، فالمتجر الكبير يبيعه بثمن أرخص، ومن يعبأ ~~كثيرا بكونه طازجا؟ رباه! والرائحة أيضا. أخبرت كارل أنني مدركة أننا سننتقل إلى منطقة ~~نائية، لكنني لم أتصور أن نعيش بطريقة أو بأخرى بجوار حظيرة.» ~~«العيش على الجهة المقابلة من الشارع أسوأ كثيرا من العيش بجانبها، أتساءل لم تكبدنا ~~صنع نافذة كبيرة تطل على المنظر بالخارج، في حين أنه إذا حضر أي شخص لزيارتنا فإنني أرغب ~~في إسدال الستار كي لا يرى ما يوجد في الجهة المقابلة؟!» # قال ستيف: «حسنا، حسنا.» مقاطعا بصعوبة تلك الأصوات النسائية. «ما شرعنا أنا وكارل في ~~إخباركن إياه هو أنه إذا نجحنا في مسألة الممر تلك، فستضطر إلى الرحيل؛ فالأمر بسيط ~~وقانوني، وهنا روعة الأمر.» ~~«أي ممر؟» ~~«سنشرح الأمر. لقد كنت أنا وكارل نخطط لهذا الأمر منذ عدة أسابيع، لكننا لم نود أن ~~نذكر شيئا عن الأمر في حال لم يفلح ذلك. تول أنت الحديث يا كارل.» # كان كارل وكيل عقارات ناجحا، قصيرا ~~وقوي البنية، فقال: «حسنا، لقد تعدت على المساحة المسموح بها للممرات، هذا كل ما في ~~الأمر. طرأت لي فكرة أن يكون هذا هو الحل؛ لذا توجهت إلى المجلس المحلي وبحثت في ~~الأمر.» # قالت جاني بطريقة عفوية محبة: «ماذا يعني ذلك يا عزيزي؟» # قال كارل: «هذا كل ما في الأمر، هناك أماكن مخصصة للممرات، لطالما كان الأمر كذلك، ~~تتلخص الفكرة في أنه إذا شيدت منطقة ما يخططون لممر بها، لكنهم لم يعتقدوا أبدا أن هذا ما ~~سيحدث، فالناس تبني منازلها حيث يحلو لها، وهي بنت جزءا من منزلها وستة أكواخ فوق ~~المكان الذي ينبغي أن يجتازه الممر؛ لذا سنجعل المجلس المحلي يضع ممرا، فنحن بحاجة إلى ~~ممر ms025 على أية حال؛ ومن ثم ستضطر إلى الرحيل، فهذا هو القانون.» # قال ستيف ووجهه يشع بالإعجاب: «إنه القانون، يا لك من رجل ذكي! إن وكلاء العقارات هؤلاء ~~رجال أذكياء.» # قالت ماري لو: «هل ستحصل هي على أي شيء؟ لقد سئمت المنظر لكنني لا أود أن أرى أي شخص ~~يعيش في ملجأ للفقراء.» ~~«أوه، ستحصل على مبلغ مالي، أكبر مما يستحقه المكان. انظري، إن الأمر لصالحها. ستحصل على ~~مبلغ مالي، فليس بوسعها بيعه، وليس بوسعها وهبه.» # وضعت ماري قدح القهوة قبل أن تتحدث وتمنت أن يبدو صوتها منطقيا، ليس عاطفيا أو ~~مرتعدا. فقالت: «لكن تذكروا أنها تعيش هنا منذ زمن بعيد، عاشت هنا قبل أن يولد معظمنا.» ~~حاولت باستماتة التفكير في كلمات أخرى، كلمات تبدو سليمة ومنطقية أكثر من هذه، فليس ~~بمقدورها طرح أية فكرة، ربما ينظرون إليها على أنها واهية ورومانسية أمام هذا المد ~~الإيجابي، وإلا فستهدم حجتها. لكن لم يكن لديها حجة، لن تتمكن حتى وإن فكرت طوال الليل من ~~إيجاد كلمات تواجه كلماتهم، والتي انهالت عليها الآن من جميع الاتجاهات بصورة لا يمكن ~~دحضها: «كوخ، منظر قبيح، مشهد قذر، ملكية، قيمة.» # قالت جاني وهي تشعر أن خطة زوجها تتعرض للهجوم: «هل تظنين بصدق أن أولئك الأشخاص الذين ~~يدعون ممتلكاتهم تتعرض للإهمال على هذا النحو جديرون بأن ننظر إليهم بعين ~~الاعتبار؟» # قال كارل: «لقد عاشت هنا لأربعين عاما، ~~والآن نحن هنا. هكذا تسير الأمور، وسواء أدركت الأمر أم لا، فإن وجود ذاك المنزل هنا فحسب ~~يخفض قيمة إعادة البيع لكل منزل بالشارع. أنا أعمل في هذا المجال وأؤكد لك ذلك.» # انضمت إليهما أصوات أخرى، لم يهم كثيرا ماذا قالوا ما دام أنه كان مشبعا بالآراء ~~الشخصية وبالغضب. كان ذلك موطن قوتهم، برهانا على رشدهم، على أنفسهم وعلى جديتهم. ارتفعت ~~روح الغضب بينهم، تشجع أصواتهم الشابة، وتجتاحهم جميعا كطوفان سكر، وأعجب بعضهم ~~ببعض في هذا السلوك الجديد بوصفهم أصحاب ملكية مثلما يعجب بعض الناس ببعضهم لكونهم ~~سكارى. ~~••• # قال ستيف: «ربما ms026 يتعين علينا أيضا أن ندعو الجميع الآن، سنوفر على أنفسنا عناء ~~الذهاب إلى الكثير من المنازل.» # حان وقت العشاء، والظلام يسدل أستاره على المكان. تهيأ الجميع للعودة إلى المنزل، تغلق ~~الأمهات معاطف الأطفال بالأزرار، بينما يمسك الأطفال، دون سعادة كبيرة، ببالوناتهم ~~وصفاراتهم والدلاء الورقية تمتلئ بالحلوى الهلامية. توقفوا عن العراك، توقفوا تقريبا عن ~~ملاحظة بعضهم، وتفرق الحفل، كما ازداد الكبار صمتا وشعروا بالتعب. ~~«إديث، إديث، هل لديك قلم؟» # أحضرت إديث قلما وبسطوا عريضة المطالبة بممر - التي كتبها كارل - على طاولة تناول ~~الطعام، بعد إزالة الأطباق الورقية التي تحمل آثار آيس كريم جاف. بدأ الناس في التوقيع دون ~~تفكير أثناء توديع بعضهم بعضا. كان ستيف لا يزال متجهما قليلا، ووقف كارل واضعا إحدى ~~يديه على الورقة، متخذا هيئة رجل الأعمال، ولكن بفخر. جثت ماري على ركبتيها وحاولت بصعوبة ~~غلق سحاب بنطال داني، ثم نهضت وارتدت معطفها، وهذبت من شعرها، وارتدت قفازها ثم خلعته مرة ~~أخرى. وعندما لم يعد بمقدورها التفكير في شيء آخر لفعله، مرت بجانب طاولة تناول الطعام ~~في طريقها إلى الباب، فلوح كارل بالقلم نحوها. # قالت ماري: «لا أستطيع التوقيع على هذا.» احمر وجهها في الحال، وكان صوتها مرتعدا، ~~فوضع ستيف يده على كتفها. ~~«ما الأمر يا عزيزتي؟» ~~«لا أظن أننا نملك هذا الحق. نحن لا نملك هذا الحق.» ~~«ماري، ألا تكترثين بالشكل الذي تبدو عليه الأشياء؟ أنت تعيشين هنا أيضا.» ~~«كلا، أنا ... أنا لا أكترث.» أليس هذا غريبا؟ كيف أنه في مخيلتك؟ عندما تدافع عن شيء ما، ~~يكون صوتك مجلجلا، ويشعر الناس بالصدمة والخجل، لكن في الواقع يبتسم الجميع بطريقة خاصة ~~إلى حد ما، وتدرك أن ما فعلته حقا هو أنك قد جعلت من نفسك موضوع حديث ممتع في حفل ~~القهوة القادم. # قالت جاني: «لا تقلقي يا ماري، فهي لديها مال في البنك، لا بد أنها كذلك، لقد طلبت ~~منها أن تجالس أطفالي لكنها نهرتني فعليا؛ فهي ليست سيدة محبوبة، أنت تعلمين ~~هذا.» # قالت ماري: «أعلم أنها سيدة ms027 عجوز غير محبوبة.» # قال ستيف وهو لا يزال واضعا يده فوق كتف ماري: «كيف تريننا يا ماري، مجموعة من ~~الوحوش؟» # قال كارل: «لا يود أحد رحيلها على سبيل اللهو، فالأمر قاس، ندرك جميعا ذلك، لكن علينا ~~أن نفكر في مجتمعنا.» # قالت ماري: «أجل.» لكنها وضعت يدها في جيب معطفها والتفتت لتوجه الشكر لإديث على حفل ~~عيد الميلاد. جال في خاطرها أنهم على حق، لأنفسهم، لأي شيء كانوا عليه. والسيدة فولرتن ~~امرأة عجوز، عيناها فاترتان، لن يؤثر فيها شيء. خرجت ماري وسارت مع داني على امتداد ~~الطريق. رأت الستائر وهي تسدل فوق نوافذ حجرة المعيشة، ومتتاليات من الزهور والأغصان، ~~مصممة بطريقة هندسية، تعزل تلك الحجرات ليلا. كان الجو معتما تماما بالخارج، وازدادت ~~المنازل المضيئة قتامة، وأخذت السحب تنقشع أكثر فأكثر، والدخان يتصاعد من مدخنة السيدة ~~فولرتن. بدا الشكل الذي يتخذه جاردن بليس، والذي كان واضحا ومحدد المعالم وقت النهار، ~~أنه يتقلص ليلا إلى سفح الجبل القفر المعتم. ~~••• # أخذت ماري تفكر في أن الأصوات بحجرة المعيشة تبددت. ليتها تتبدد ويطوي خطتهم ~~النسيان، ليت شيئا واحدا يمكن تركه على حاله. لكن أولئك أشخاص يفوزون، وهم أناس طيبون، ~~يرغبون في منازل لأطفالهم، يساعد أحدهم الآخر وقت الضيق، يقيمون مجتمعا، قائلين هذه ~~الكلمة كما لو أنهم يجدون سحرا حديثا مناسبا تماما، لا يوجد احتمال فيه على الإطلاق ~~لوقوع خطأ. # لا شيء يمكن فعله حاليا سوى أن تضع يديها في جيبيها وتشعر بالسخط. # | صور # حضرت ماري ماكويد الآن، لكني تظاهرت بأني لا أتذكرها. بدا أنه من أحكم الأمور فعل ذلك. ~~فقد قالت هي نفسها: «إذا كنت لا تذكرينني، فأنت لا تذكرين الكثير.» لكن دعنا من هذه ~~المسألة، وأضافت ذات مرة: «لا بد أنك لم تحضري إلى بيت جدتك قط الصيف الماضي. لا بد أنك ~~لا تذكرين ذلك أيضا.» # كان يسمى، حتى ذاك الصيف، منزل جدتي، رغم أن جدي كان لا يزال على قيد الحياة حينها. ~~كان قد اعتزل الحياة في إحدى الحجرات؛ حجرة النوم الأمامية الكبرى ms028 . بها مصاريع خشبية في ~~الجهة الداخلية من النوافذ، مثل حجرة المعيشة وحجرة الطعام، أما حجرات النوم الأخرى فلم يكن ~~بها سوى ستائر معتمة. كما أن الشرفة كانت تحجب الضوء بحيث كان جدي يرقد طوال اليوم في شبه ~~ظلام، بشعره الأبيض - المغسول والمصفف والناعم كشعر طفل رضيع - ومنامته البيضاء على ~~الوسائد البيضاء، فبدا كجزيرة داخل الحجرة، يقترب منها الناس على استحياء، لكن بإصرار. كانت ~~ماري ماكويد بزيها تمثل الجزيرة الأخرى في الحجرة، جلست بلا حراك في أغلب الأحيان، حيث ~~كانت المروحة، كما لو كانت تعبة، تحرك الهواء كالحساء. لا بد أن الجو كان مظلما ~~للغاية بما لا يسمح بالقراءة أو الغزل، على فرض أنها أرادت فعل هذه الأشياء، ومن ثم ~~انتظرت وأخذت تتنفس فحسب، محدثة صوتا كالذي تصدره المروحة، مشبعا بشكوى قديمة لا تفصح ~~عنها. # كنت صغيرة جدا حينها، وكان يتم وضعي في مهد للخلود إلى النوم - ليس بمنزلي لكن هذا ~~المهد كان مخصصا لي بمنزل جدتي - في حجرة في الجهة المقابلة من الردهة. لم يكن بها ~~مروحة، وصنع الضوء المتلألئ بالخارج - جميع الحقول المنبسطة حول المنزل أضحت تتلألأ تحت ~~ضوء الشمس كالمياه - تشققات مضيئة في الستائر المعتمة المنسدلة. من عساه يستطيع النوم؟ ~~تناهت أصوات أمي وجدتي وخالاتي وهن يتحدثن حديثهن المعتاد المتكرر، في الشرفة أو في المطبخ ~~أو في حجرة الطعام (حيث كانت أمي تنظف بفرشاة مقبضها من النحاس المفارش البيضاء، ~~والثريا غير المضاءة ذات الفروع المصنوعة من الزجاج السميك البني الفاتح التي تعلو ~~الطاولة المستديرة.) إن كل الوجبات والطهي والزيارات والأحاديث حتى عزف إحداهن على ~~البيانو (كانت عمتي الصغرى - إديث - غير المتزوجة، تغني وتعزف بيد واحدة، «نيتا، جوانيتا، ~~يقترب قمر الجنوب في هدوء».) في هذا المنزل، كل هذا مستمر دون توقف. إلا أن أسقف الحجرات ~~كانت عالية للغاية، وأدناها جزء كبير من المساحة المهدرة المعتمة، وعندما أرقد في مهدي ~~شاعرة بالحر الشديد بدرجة تجعل النوم يجافي عيني، أنظر إلى أعلى وأرى ذلك الفراغ من ~~حولي، الزوايا الملطخة، وأشعر - دون ms029 أن أدرك ما هو هذا الشعور - بما لا بد وأن شعر به ~~جميع من في المنزل؛ تحت الحرارة الشديدة لاحت حقيقة الموت، ذلك المكعب الصغير من الثلج ~~السحري. كانت ماري ماكويد تنتظر في ثوبها الأبيض المتيبس، ضخمة الحجم وعابسة، كأنها جبل ~~جليدي عنود، تنتظر وتتنفس. حملتها مسئولية ذلك الشعور. # لذا تظاهرت بعدم تذكرها، لم تكن ترتدي زيها الأبيض، وهو ما لم يجعلها حقيقة أقل ~~خطورة، لكن ربما يعني - على أقل تقدير - أن وقت سيطرتها لم يحن بعد. في ضوء النهار ~~بالخارج، وهي لا ترتدي زيها الأبيض، اتضح أن جسدها كله مغطى بالنمش، بجميع الأجزاء ~~المكشوفة التي يمكنك أن تراها من جسدها، كما لو أن شوفانا منثور عليها، وكان شعرها ~~مجعدا لامعا بني اللون بصورة طبيعية. صوتها مرتفع وأجش، والشكوى على لسانها يوميا. ~~صاحت علي في الفناء: «هل سأضطر إلى تعليق الملابس المغسولة كلها وحدي؟» فتتبعتها إلى مكان ~~أحبال الغسيل حيث وضعت سلة الملابس المبتلة على الأرض وهي تتأوه. «أعطيني هذه المشابك. ~~واحدا في كل مرة، أعطيني إياها من ناحية جانبها الأيمن. لا ينبغي لي الخروج وسط هذه الرياح ~~على الإطلاق، فأنا أعاني مرضا بالشعب الهوائية.» أخذت أناولها المشابك ورأسي معلق كحيوان ~~مقيد إلى جانبها. خارج المنزل، في هواء شهر مارس البارد، فقدت شيئا من ضخامتها ~~ورائحتها. استطعت في المنزل دائما اشتمام رائحتها، حتى في الحجرات التي نادرا ما كانت ~~تدخلها. كيف كانت رائحتها؟ كانت تشبه رائحة المعدن ورائحة نوع من البهار الأسود (القرنفل؛ ~~فقد كانت تعاني بالفعل من آلام الأسنان)، ومثل المستحضر الذي يدلك به صدري عندما أصاب ~~بالبرد. ذكرت الأمر ذات مرة لأمي، التي أخبرتني: «كفاك سخفا، أنا لا أشم أي شيء.» لذا لم ~~أخبرها عن المذاق، فقد كان لها مذاق أيضا. كان مذاق ماري ماكويد في كافة الأطعمة التي ~~تعدها، وربما كافة الأطعمة التي تؤكل في حضورها: العصيدة في فطوري، والبطاطا المقلية في ~~الظهيرة، وشريحة الخبز والزبد والسكر البني التي كانت تعطيني إياها في الفناء؛ مذاق غريب ~~ورملي ms030 وكئيب. كيف لم يدرك أبي وأمي ذلك؟ لكن لأسباب خاصة بهما، ربما يتظاهران بذلك؛ فهذا ~~أمر لم أعرفه منذ عام مضى. # بعد أن علقت الملابس كان عليها أن تنقع قدمها. أخرجت ساقيها مباشرة - مستديرتين ~~كأنابيب الصرف - من الحوض الذي ينبعث منه البخار، ووضعت يدا على كل ركبة، ثم انحنت في ~~البخار وأطلقت صيحات الألم والرضى. # قلت في جرأة كبيرة: «هل أنت ممرضة؟» رغم أن أمي أخبرتني أنها كذلك. ~~«نعم، وأتمنى لو لم أكن كذلك.» ~~«هل أنت خالتي أيضا؟» ~~«لو كنت خالتك، لكنت ناديتني بالخالة ماري، أليس كذلك؟ حسنا أنت لا تنادينني كذلك، ~~أليس صحيحا؟ أنا قريبة لك، أنا قريبة أبيك؛ لذا أتوا بي بدلا من الإتيان بممرضة عادية، ~~فأنا ممرضة عملية، ودائما ما يمرض أحد أفراد هذه العائلة وأضطر إلى الذهاب إليه؛ لا أنعم ~~براحة أبدا.» # ارتبت في هذا الأمر. ارتبت في أنه طلب منها المجيء. كانت تأتي وتطهو ما يحلو لها وتعيد ~~ترتيب الأشياء بما يناسبها، وتشكو من لعب الداما، وتطلق العنان لسيطرتها على المنزل. لو لم ~~تأت قط، لما اضطرت أمي إلى ملازمة الفراش قط. # وضع سرير أمي في حجرة تناول الطعام، كي لا تضطر ماري إلى صعود السلم. صفف شعر أمي ~~في ضفيرتين طويلتين سوداوين، وكانت وجنتاها شاحبتين، ورقبتها دافئة وتنبعث منها رائحة ~~الزبيب كما الحال دوما، لكن باقي جسدها أسفل الأغطية تحول إلى شيء متضخم وهش وغامض، ~~من الصعب أن يتحرك. كانت تتحدث عن نفسها بحزن بضمير الغائب فتقول: «احترسي، لا تؤذي الأم، ~~لا تجلسي فوق ساق الأم.» وفي كل مرة تقول فيها «الأم» تنتابني قشعريرة، ويغمرني شيء من ~~البؤس والخزي، كما أشعر عند سماع اسم يسوع. إن هذه «الأم» التي جعلتها أمي الحقيقية ~~المطمئنة، الحادة المزاج، ذات الرقبة الدافئة بيننا كانت طيفا مجروحا بصورة أبدية، ~~حزينا مثل يسوع حيال كافة الشرور التي لم أعرف بعد أنني سأرتكبها. # غزلت أمي نسيجا على شكل مربعات لصنع غطاء صوفي، بجميع درجات اللون البنفسجي. كانت القطع ~~المغزولة تسقط بين ms031 أغطية السرير دون أن تهتم بذلك. وما إن تنتهي منها حتى تنسى أمرها. لقد ~~نسيت جميع قصصها التي كانت تدور حول أمراء البرج، والملكة التي قطع رأسها فيما كان كلب ~~صغير يختبئ تحت ثوبها، وملكة أخرى مصت السم من جرح زوجها، وأيضا قصص أخرى عن طفولتها، ~~وهو وقت لا أراه أسطوريا شأنه شأن غيره من الأوقات. بعد أن تولت ماري رعايتها، كانت ~~تئن على نحو طفولي: «ماري، أتوق شوقا لأن تدلكي لي ظهري.» «ماري، هل من الممكن أن ~~تصنعي كوبا من الشاي لي؟ أشعر أنني إذا احتسيت مزيدا من الشاي فسأثب من مكاني إلى السقف، ~~كبالون ضخم، لكن تعلمين أن هذا كل ما أريد.» قالت ماري: «أنت لن تثبي إلى أي مكان. نحتاج ~~إلى رافعة لتحريكك. هلمي الآن، انهضي، ستسوء حالتك قبل أن تتعافي!» ثم أبعدتني عن السرير ~~وبدأت في جذب الملاءات بحركات عنيفة. «أنت ترهقين أمك. ماذا تريدين إزعاج أمك به في هذا ~~اليوم الجميل؟» قالت أمي في دفاع واهن وغير صادق: «أظن أنها تشعر بالوحدة.» قالت ماري ~~بأسلوبها المهيب الغامض المتوعد: «ستشعر بالوحدة في الفناء تماما كما تشعر هنا. ارتدي ~~ملابسك واذهبي إلى الخارج!» # تغير أبي أيضا منذ أن جاءت ماري. عندما كان يأتي إلى الحجرة ليتناول وجباته كانت ~~تنتظره دائما، فمزحة مع أبي تجعلها تتورم كضفدع كبير، فتبدو بمظهر شرس ويحمر وجهها. كانت ~~تضع حبات الفاصوليا البيضاء غير المطهوة في حسائه، قاسية كالحصى، وتترقب لترى هل ستجعله ~~آداب الطعام يأكلها أم لا. كانت تلصق شيئا بقاع كوبه الزجاجي كي يبدو كالذبابة، وتعطيه ~~شوكة بسن ناقص وتتظاهر أنه من قبيل الصدفة. فيقذفها عليها، دون أن تصيب الهدف، مما أفزعني ~~على نحو هائل. كان أمي وأبي يتحدثان بهدوء وبجدية عندما يتناولان العشاء، لكن في عائلة أبي ~~حتى الراشدون يمارسون الحيل بالديدان والخنافس المطاطية، ودائما ما تدعى العمات ~~السمينات للجلوس على مقاعد متداعية، والأعمام يخرجون الريح على الملأ ويقولون: «ووه! إلى ~~أين؟» فخورين بأنفسهم كما لو أنهم عزفوا بالصفير لحنا ms032 مركبا. لا أحد قد يسأل عن عمرك ~~دون إغاظتك بلغو فارغ؛ لذا كان أبي يعود إلى السلوكيات العائلية مع ماري ماكويد، مثلما عاد ~~إلى تناول أكوام من البطاطا المقلية ولحم الخنزير المملح وفطائر الطحين السميكة، واحتساء ~~الشاي السادة والمركز كالدواء من إبريق الشاي المعدني، وهو يقول في امتنان: «ماري، تعلمين ~~ما يجب على الرجل تناوله!» مضيفا: «ألا تظنين أنه آن الأوان ليكون لك رجل تطعمينه؟» ~~وهو ما جلب عليه، ليس شوكة مقذوفة، بل منشفة تنظيف الأطباق. # دوما ما تتركز إغاظته لماري على الأزواج. كان يقول: «فكرت في زوج لك هذا الصباح! أنا لا ~~أخدعك الآن يا ماري، عليك أن تفكري في الأمر.» يبدأ ضحكها أولا في صورة نفخات غاضبة بسيطة ~~وزمجرات من بين شفتيها المغلقتين، فيما يزداد احمرار وجهها أكثر مما يمكن توقعه، وينتفض ~~جسدها، وتهمهم في توعد وهي جالسة على كرسيها. ليس ثمة شك أنها استمتعت بكل ذلك، كل هذه ~~الزيجات المتخيلة المستحيلة، رغم أن أمي كانت ستقول بالطبع إنه أمر قاس، قاس وغير لائق ~~مضايقة امرأة عانس بالرجال. في عائلة أبي بالطبع كان هذا محور المضايقات لها على الدوام، ~~ماذا كان هنالك بخلاف ذلك؟ وكلما ازدادت ماري فظاظة وخشونة وصعوبة، ازدادت المضايقات ~~الموجهة إليها أكثر. كان من قبيل السبة في هذه العائلة أن يوصف المرء بأنه «مرهف الحس»، ~~كما وصفت أمي. وجميع العمات والأقارب والأعمام ترعرعوا على أن يكونوا منيعين بصورة هائلة ~~أمام أي نوع من القسوة الشخصية، وطائشين وحتى فخورين - على ما يبدو - بأي نوع من الفشل أو ~~العاهات قد يكون من شأنه أن يتسبب في إضحاك الجميع. # في وقت العشاء، كان الجو معتما في المنزل، رغم أوقات النهار الطويلة. لم يكن لدينا حينها ~~كهرباء بالمنزل بعد. وصلتنا الكهرباء سريعا بعدها، ربما في الصيف التالي، لكن حينها كان ~~لدينا مصباح على الطاولة. وعلى ضوئه شكل أبي وماري ماكويد ظلالا ضخمة، تأرجح رأساهما ~~على نحو أخرق أثناء حديثهما وضحكهما. أخذت أراقب الظلال بدلا من الأشخاص. قالا: «بماذا ~~تحلمين ms033 ؟» لكنني لم أكن أحلم، كنت أحاول استيعاب الخطر وقراءة إشارات الهجوم. ~~••• # قال أبي: «هل تودين المجيء معي ورؤية المصائد؟» كان لديه مجموعة من مصائد فئران المسك على ~~امتداد النهر. عندما كان أصغر سنا اعتاد قضاء أيام وليال وأسابيع بين الأجمة، مسافرا ~~على امتداد الجداول شمال وجنوب مقاطعة واواناش، لم يصطد فقط فئران المسك حينئذ بل الثعالب ~~الحمراء والمنك البري والسمور، وجميع الحيوانات التي يبلغ فراؤها أوجه فصل الخريف. أما ~~فأر المسك فهو الحيوان الوحيد الذي يمكن صيده في الربيع. وبعدما تزوج أبي وامتهن مهنة ~~الزراعة، احتفظ بمجموعة مصائد واحدة؛ وهذا لبضع سنوات فقط، ربما كان هذا آخر عام ~~يمتلكها. # عبرنا الحقل الذي حرث الخريف الماضي. كان هناك قليل من الثلج يغطي الأخاديد، لكنه لم ~~يكن ثلجا حقيقيا، كان قشرة رفيعة تشبه الزجاج المثلج أستطيع تحطيمها بعقبي. أخذ الحقل ~~ينحدر ببطء نحو سطح النهر. كان السياج متهدما في بعض الأماكن من وطأة الثلوج، استطعنا أن ~~نخطو من فوقه. # سار أبي أمامي منتعلا حذاءه طويل الرقبة. كان حذاء أبي بالنسبة لي فريدا ومألوفا كسمة ~~مميزة له مثل وجهه. وعندما يخلع حذاءه ويضعه في زاوية المطبخ، تنبعث منه رائحة معقدة ~~من السماد، وزيت الماكينات، والكتل الطينية السوداء، والمادة كريهة الرائحة المتناثرة ~~الملتصقة بالنعل. كان حذاؤه جزءا منه، يقف منبوذا بصفة مؤقتة في انتظاره. كان مظهره ~~عنيدا، بل وقاسيا، فرأيته جزءا من مظهر أبي، الجزء المتمم لوجهه، بجاهزيته لإلقاء ~~النكات وكياسته. كما لم تفاجئني تلك القسوة أيضا؛ فقد كان أبي يأتينا دائما، أنا وأمي، من ~~مواضع لا نستطيع أن نكون آراء إزاءها. # ذات مرة، كان هناك فأر مسك في المصيدة. في بادئ الأمر رأيته يتموج عند ضفة المياه، ~~ككائن استوائي، كالسرخس الأسود. جذبه أبي فتوقف شعره عن التموج، والتصق ببعضه، اتضح أن ما ~~بدا كالسرخس هو ذيل الفأر الزلق الذي يتقطر منه الماء. كانت أسنانه ظاهرة، وعيناه مبتلتين ~~من أعلى، وكانتا متبلدتين وفاقدتين للحياة، وتلمعان كحصوات مغسولة. هزه أبي ولفه لينزل ~~منه رذاذ قليل ms034 من مياه النهر الجليدية. قال: «إنه فأر عجوز جيد، إنه ملك عجوز كبير، انظري ~~إلى ذيله!» ثم لعله ظن أنني أشعر بالقلق، أو لعله أراد أن يريني سحر الآلات الميكانيكية ~~المثالية البسيطة، رفع المصيدة من المياه وشرح لي آلية عملها، جاذبا رأس الفأر إلى أسفل ~~مرة واحدة وأغرقه بلا رحمة. لم أفهم أو أهتم. لم أرغب إلا في لمس الجسد المتيبس المبتل، ~~حقيقة الموت، لكنني لم أجرؤ. # وضع أبي الطعم في المصيدة مجددا مستخدما قطعا من التفاح الأصفر الذي تجعد في ~~فصل الشتاء. ووضع جثمان الفأر في كيس أسود وعلقه على كتفه، كأنه بائع متجول في إحدى ~~اللوحات. عندما قطع التفاحة رأيته ممسكا بسكين السلخ، بنصله الرفيع اللامع. # ثم سرنا على امتداد النهر، نهر واواناش، الذي ارتفع منسوبه وزخر بالماء عن آخره، واكتسى ~~باللون الفضي في منتصفه حيث صفعته أشعة الشمس، وحيث تتسارع حركة المياه في أقصى درجاتها. ~~حسبت أنه التيار المائي، تصورت أن التيار شيء منفصل عن المياه، مثلما أن الرياح منفصلة عن ~~الهواء ولها شكلها الخاص الذي تهب به. كانت ضفتا النهر منحدرتين وزلقتين وتصطف بطولهما ~~شجيرات الصفصاف، التي ما زالت جرداء ومنحنية وتبدو واهنة كالحشائش. لم يكن هدير مياه النهر ~~عاليا لكنه كان عميقا، وبدا أنه يأتي من بعيد من منتصفه، من مكان خفي حيث تخرج المياه من ~~تحت الأرض محدثة زئيرا. # اتخذ النهر مسارا منحنيا، وفقدت أنا حس ~~الاتجاه. وجدنا في المصائد مزيدا من الفئران، فأخرجها أبي وهزها وخبأها في الكيس، واستبدل ~~الطعم. ازداد شعوري بالبرودة في وجهي ويدي وقدمي، لكنني لم أخبر أبي بذلك، لم أستطع. ~~وهو لم يخبرني قط بأن أتوخى الحذر، وأن أبتعد عن حافة المياه، فقد افترض جدلا أنني أتمتع ~~بحس كاف يجعلني لا أسقط في المياه. لم أسأله إلى أي مدى سنبتعد، أو ما إذا كان لمجموعة ~~المصائد نهاية ما. بعد برهة كانت هناك شجيرات من خلفنا، واقتربت الظهيرة من نهايتها. لم ~~يطرأ على ذهني، إلا بعد فترة طويلة من ذلك ms035 ، أنها الشجيرات نفسها التي يمكن رؤيتها من فناء ~~منزلنا، برزت من بينها تلة على شكل مروحة بأشجار جرداء وقت الشتاء، بدت كأغصان صغيرة هزيلة ~~تتجه نحو السماء. # في ذلك المكان الآن نما على ضفة النهر، بدلا من الصفصاف، شجيرات كثيفة بارتفاع يفوق ~~رأسي. مكثت أنا على الطريق، في منتصف المسافة تقريبا أعلى ضفة النهر، فيما نزل أبي إلى ~~النهر. عندما انحنى فوق المصيدة، لم يعد باستطاعتي رؤيته. نظرت حولي ببطء ورأيت شيئا ~~آخر. بعيدا على امتداد ضفة النهر، ظهر رجل يشق طريقه باتجاهنا. كان يتحرك بخفة ولم يصدر ~~أي صوت أثناء مروره من بين الشجيرات، كما لو أنه يتتبع مسارا لم أتمكن من رؤيته. في بادئ ~~الأمر لم أر سوى رأسه والجزء العلوي من جسده. كان أسمر البشرة، بجبهة صلعاء طويلة، وشعر ~~طويل خلف أذنيه، وتجاعيد عمودية غائرة بوجنتيه، وحيثما قلت كثافة الشجيرات استطعت ~~تبين باقي هيئته: ساقيه الطويلتين الرشيقتين، نحافته، ملابسه المموهة باهتة اللون، وما ~~كان يحمله في يده، كان ما يحمله يلمع تحت أشعة الشمس - فأس صغيرة أو بلطة. # لم أتحرك قيد أنملة لأحذر أبي أو أنادي عليه. اجتاز الرجل الطريق الذي كنت أقف عليه ~~ومضى قدما، وهبط باتجاه النهر. يقول الناس إنهم أصيبوا بالشلل من شدة الخوف، لكنني ~~تسمرت في مكاني، وكأن البرق صعقني، وما انتابني لم يكن شعورا بالخوف بقدر ما كان ~~إدراكا. لم أتفاجأ؛ فهذا المنظر الذي لا يفاجئك، الشيء الذي طالما عرفت أنه موجود ويأتي ~~بصورة طبيعية للغاية، يتحرك برفق ورضى وعلى مهل، وكأنه جاء في المقام الأول لأمنية تمنيتها، ~~أو أمل في شيء ختامي ومرعب. طيلة حياتي عرفت أن هناك رجلا مثل هذا الرجل يقبع خلف الأبواب ~~وفي الزوايا في النهاية المظلمة بالردهة؛ لذا أراه الآن وأترقب فحسب، كطفل في صورة سلبية ~~قديمة، مصعوق تحت سماء الظهيرة القاتمة، بشعر متوهج وعينين مرهقتين كعيني آني اليتيمة. ~~تسلل الرجل بين الشجيرات باتجاه أبي، ولم أتوقع قط - أو أملت حتى - في حدوث أي شيء ~~سوى الأسوأ ms036 . # لم يعرف أبي بوجوده. عندما اعتدل واقفا، كان الرجل على بعد ثلاثة أقدام منه وحجبه عني. ~~سمعت صوت أبي بعد لحظة، بهدوء وود: ~~«مرحبا جو. حسنا جو. لم أرك منذ مدة طويلة.» # لم ينبس الرجل ببنت شفة، لكنه تحرك ببطء حول أبي ليدقق النظر فيه. قال أبي: «جو! أنت ~~تعرف من أكون، بن جوردن، كنت بالخارج أتفقد المصائد. هناك الكثير من الفئران السمينة في ~~النهر هذا العام يا جو.» # رمق الرجل المصيدة التي وضع أبي بها الطعم بنظرة سريعة مرتابة. ~~«عليك أن تنصب مصائد لنفسك أيضا.» # لم تأت أية إجابة. أمسك الرجل ببلطته وحركها بخفة في الهواء. ~~«لكن الوقت تأخر هذا العام، فقد بدأت مياه النهر في التراجع بالفعل.» # قال الرجل في دهشة كبيرة، وبجهد جهيد، كشخص يتجاوز تلعثمه: «بن جوردن!» ~~«ظننت أنك ستعرفني يا جو.» ~~«لم أعرف قط أنه أنت يا بن، ظننت أنك أحد السيلاسيس.» ~~«أخبرتك مرارا أنه أنا.» ~~«إنهم يأتون إلى هنا طوال الوقت يقطعون أشجاري ويخلعون سياجي. تعلم أنهم أشعلوا بي ~~النيران يا بن؟ كانوا هم من فعلوا ذلك.» # قال أبي: «سمعت بذلك.» ~~«لم أعلم أنه أنت يا بن، لم أعلم أنه أنت. جئت بهذه الفأس، أحملها معي لأرعبهم قليلا. ~~ما كنت سأحملها معي لو علمت أنه أنت. لتأت معي وتر أين أعيش الآن.» # ناداني أبي. «لقد أحضرت طفلتي الصغيرة معي اليوم.» ~~«حسنا، لتأت أنت وهي وتستدفئا قليلا.» # تبعنا ذاك الرجل، الذي كان لا يزال يحمل فأسه ويؤرجحها في طيش، وصعدنا المنحدر ومنه إلى ~~الشجيرات. زادت الأشجار من برودة الجو، وأدناها كان يوجد ثلج حقيقي خلفه فصل الشتاء، يصل ~~عمقه لقدم أو اثنين، وجذوع الأشجار تطوقها في حلقات، صانعة مساحة مظلمة غريبة كالدفء الذي ~~تصنعه بأنفاسك. # وصلنا إلى حقل من الأعشاب الهالكة، واتخذنا طريقا عبره ووصلنا إلى حقل آخر أفسح حيث ~~يوجد شيء يبرز من الأرض. كان سقفا يميل في اتجاه واحد وليس له قمة، وخرج من السقف أنبوب ~~يعلوه غطاء، والدخان يتصاعد منه. نزلنا درجات ms037 سلم قادتنا إلى قبو؛ وكان هذا كل شيء؛ قبو له ~~سقف. قال أبي: «يبدو أنك هيئت الأمور تماما لنفسك يا جو.» ~~«الجو دافئ، هذا هو حال العيش تحت الأرض، يكون الجو دافئا بطبيعة الحال. فكرت في الجدوى ~~من بناء منزل مجددا، فقد حرقوا لي منزلا مرة، وسيحرقونه مجددا. ولماذا أحتاج إلى ~~منزل على أية حال؟ لدي المساحة التي أحتاج إليها هنا، لقد صممته بحيث يبعث على ~~الراحة.» ثم فتح الباب عند قاع السلم قائلا: «خذ في اعتبارك يا بن أنني لا أقول إن على ~~الجميع العيش في حفرة تحت الأرض، رغم أن الحيوانات تفعل ذلك، وما يفعله الحيوان، على وجه ~~الإجمال، يحمل معنى ومغزى. لكن إذا كنت متزوجا، فهذا أمر مختلف.» ثم ضحك الرجل واستطرد: ~~«أما أنا فلا أخطط للزواج.» # لم يكن المكان مظلما تماما. كانت هناك نوافذ القبو العتيق، تسمح بدخول قليل من الضوء ~~المشبع بالسخام. إلا أن الرجل أشعل مصباحا يعمل بالكيروسين ووضعه فوق الطاولة. ~~«هكذا تستطيع رؤية مكانك.» # لم يحو المكان سوى حجرة واحدة، حجرة أرضية بها ألواح خشبية غير مثبتة بمسامير، لكنها ~~ممتدة على الأرض لتصنع ممرات للسير، وضع موقد على شيء أشبه بمنصة، وتوجد طاولة، وأريكة، ~~وكراسي، بل وخزانة مطبخ، وعدة أغطية سميكة متسخة للغاية من النوع المستخدم في زلاجات الجليد ~~لتغطية الخيول. ربما لولا تلك الرائحة المريعة التي تفوح من المكان - رائحة الكيروسين، ~~والبول، والهواء الثقيل الراكد - لكنت عرفت أنه المكان الذي أود العيش فيه، مثل البيوت ~~التي أصنعها بركام الثلوج في الشتاء، مستخدمة عصيا من الحطب كأثاث، مثل المنزل الذي ~~صنعته منذ مدة طويلة أسفل الشرفة، صنعت أرضيته من التراب العجيب الذي لا تطوله شمس أو ~~مطر. # لكنني توخيت الحذر، جلست فوق الأريكة المتسخة، وتظاهرت بعدم النظر إلى أي شيء. قال أبي: ~~«تنعم بالدفء والسكينة هنا يا جو، أليس كذلك؟» وجلس بجانب الطاولة حيث وضع الفأس. ~~«كان حريا بك أن تراني قبل بدء ذوبان الثلوج. لم يظهر شيء من المنزل سوى ~~المدخنة.» ~~«ولا ms038 تشعر بالوحدة أيضا؟» ~~«ليس أنا. لم أحبذ الوحدة قط. لدي هنا هر يا بن. أين ذاك الهر؟ ها هو ذا خلف ~~الموقد. إنه لا يستمتع بالصحبة، ربما.» ثم جذب الهر، كان هرا ضخما رمادي اللون بعينين ~~عابستين. «سأريك ما بإمكانه فعله»، ثم أخذ صحن فنجان من فوق الطاولة، وأخرج برطمانا من ~~الخزانة وصب شيئا منه في الصحن، ثم وضعه أمام القط. ~~«جو، هذا القط لا يحتسي الويسكي، أليس كذلك؟» ~~«انتظر وسترى.» # نهض القط وتمدد بصعوبة، ثم ألقى نظرة شريرة حوله ونكس رأسه ليشرب من الصحن. # قال أبي: «ويسكي غير مخفف!» ~~«من المؤكد أنك لم تر مثل هذا المشهد من قبل. وليس من المحتمل أن تراه مرة أخرى. فهذا ~~الهر يحتسي الويسكي قبل اللبن كل يوم. في واقع الأمر لم يعد يحصل على اللبن، لقد نسي ~~شكله. أتريد شرابا يا بن؟» ~~«لا أعلم من أين حصلت على هذا، ليس لدي معدة كمعدة هرك.» # بعد أن انتهى الهر سار على غير هدى بعيدا عن الصحن، وانتظر للحظة، ثم وثب بمخالبه وهبط ~~بغير ثبات، لكنه لم يسقط. تأرجح الهر، وضرب الهواء بمخالبه عدة مرات، وماء في يأس، ثم ~~اندفع نحو الأمام وانزلق تحت طرف الأريكة. ~~«جو، إن تماديت في هذا الأمر، فلن يعود لديك هر.» ~~«أنا لا أؤذيه، فهو يستمتع بالأمر. لنر ماذا لدينا للفتاة الصغيرة لتناوله» لا شيء، ~~هكذا تمنيت، لكنه أحضر علبة من حلوى الكريسماس، والتي بدا أنها ذابت ثم تجمدت ثم ذابت مرة ~~أخرى؛ لذا اختفت الخطوط الملونة من عليها، وكان لها مذاق المسامير. ~~«إن السيلاسيس يضايقونني يا بن. يأتون ليلا ونهارا. الناس لا تكف عن مضايقتي أبدا. ~~أستطيع سماعهم عند السطح ليلا. إذا رأيتهم يا بن، فلتخبرهم بما أعددت لهم.» ثم التقط ~~الفأس وضرب بها على الطاولة، فتمزق المفرش المتعفن. «لدي بندقية صيد أيضا.» ~~«ربما لن يعودوا لمضايقتك مجددا يا جو.» # تأوه الرجل وهز رأسه نافيا: «لن يتوقفوا أبدا. كلا، لن يتوقفوا أبدا.» ~~«حاول ألا تعيرهم أي اهتمام، سيسأمون ms039 ويرحلون.» ~~«سيحرقونني في سريري، لقد حاولوا من قبل.» # لم يقل أبي شيئا، لكنه فحص نصل الفأس بإصبعه. أما أسفل الأريكة، فأخذ الهر يضرب بمخالبه ~~ويموء في تشنجات متوهمة واهية أكثر. بعد أن استبد بي التعب، وشعرت بالدفء بعد البرودة، وقد ~~تجاوز شعوري بالحيرة حد الاحتمال، بدأ النعاس يغلبني وعيناي مفتوحتان. ~~••• # أجلسني أبي: «استيقظي الآن. قفي. أترين؟ لا أستطيع حملك وحمل كيس ممتلئ بالفئران ~~معا.» # وصلنا إلى قمة تلة مرتفعة وهناك استيقظت. كان الليل يرخي سدوله. كان حوض البلدة بأكمله ~~الذي نضب بفعل نهر واواناش ماثلا أمامنا؛ آثار شجيرات بنية مائلة إلى الخضرة أوراقها لم ~~تنم بعد، والنباتات دائمة الخضرة الداكنة التي أنهكها فصل الشتاء تظهر في حقول بنية؛ ~~وأخرى لا تزال قاتمة اللون بعد حرثها العام الماضي، بها طبقات رقيقة من الثلج تكونت ~~عليها هنا وهناك (مثل الحقل الذي مررنا عبره قبل ساعات عديدة بالنهار)، وسياج ضئيلة ~~ومستعمرات من الحظائر الرمادية، ومنازل متفرقة تبدو منخفضة وصغيرة. # سأل أبي وهو يشير بإصبعه: «منزل من هذا؟» # كان منزلنا، أدركت ذلك بعد دقيقة. لقد اتخذنا في سيرنا نصف دائرة، وكان هناك جانب المنزل ~~الذي لا يراه أحد في فصل الشتاء، والباب الأمامي الذي لم يفتح من شهر نوفمبر إلى إبريل، ~~ولا يزال محشوا بقطع القماش البالية حول حوافه لتقينا الريح الشرقية. ~~«إنه لا يبعد أكثر من نصف ميل نحو سفح التلة. يمكنك السير بيسر إلى المنزل. سرعان ما ~~سنرى الضوء في حجرة تناول الطعام حيث تمكث أمك.» # قلت في طريقنا إلى المنزل: «لماذا يحمل معه فأسا؟» # قال أبي: «أنصتي إلي، أتسمعينني؟ هو لا يقصد إيذاء أحد بتلك الفأس. إنها عادته فحسب، ~~أن يحملها معه في تجواله. لكن لا تذكري شيئا عن الأمر في المنزل. لا تذكريه لأمك أو ماري، ~~لأي منهما؛ لأنه من الممكن أن تشعرا بالفزع حيال ذلك الأمر. أنا وأنت لا نشعر بذلك، لكن ~~ربما تشعران هما بالخوف. ولن نجني شيئا من ذلك.» # بعد برهة قال: «ما الشيء الذي لن تذكريه ms040 هناك؟» قلت: «الفأس.» ~~«لم ينتبك الخوف، أليس كذلك؟» # قلت وأنا مفعمة بالأمل: «بلى، ولكن من سيحرقه ويحرق سريره؟» ~~«لا أحد، إلا إذا فعلها بنفسه مثلما فعلها في المرة الماضية.» ~~«من هو سيلاسيس؟» # قال أبي: «لا أحد، لا أحد فحسب.» ~~••• ~~«لقد وجدت الرجل المناسب لك اليوم يا ماري. ليتني أحضرته معي إلى المنزل.» # قالت ماري ماكويد بحنق: «ظننا أنك سقطت في نهر واواناش.» وقامت بخلع حذائي وجواربي ~~المبتلة على الفور. ~~«إنه جو فيبن العجوز الذي يعيش في العراء خلف الشجيرات.» # انفجرت ماري صائحة: «هو، إنه الرجل الذي أحرق منزله، أعرفه!» ~~«صحيح، والآن هو يتدبر أموره جيدا بدون منزله، يعيش في حفرة في الأرض. ستشعرين بالدفء يا ~~ماري مثل خنزير الأرض.» ~~«من المؤكد أنه يعيش في الطين، حسنا.» قدمت العشاء لأبي وأخبرها قصة جو فيبن، والقبو ~~المسقف، والألواح الخشبية فوق الأرضية الطينية، وذكر الويسكي والهر لكنه أغفل ذكر ~~الفأس. كان ذلك كافيا لماري. ~~«إن المرء الذي يقدم على شيء كهذا يجب حبسه.» # قال أبي: «ربما. أتمنى ألا يقبضوا عليه إلا بعد فترة. جو العجوز.» # قالت ماري وهي تنحني فوقي: «تناولي عشاءك.» لم أدرك لبعض الوقت أنني لم أعد أخشاها. ~~قالت: «انظر إليها، تكاد عيناها تخرجان من محجريهما، جراء كل ما مرت به وشاهدته. هل ~~قدم إليها الويسكي أيضا؟» # قال أبي: «ولا قطرة منه.» وظل متطلعا إلي عبر الطاولة. ومثل الأطفال في القصص ~~الخيالية، الذين رأوا آباءهم يعقدون معاهدات مع غرباء مروعين، والذين اكتشفوا أن مخاوفهم ~~لا ترتكز على شيء سوى الحقيقة، لكن عادوا مجددا من هروب مثير للعجب، وأمسكوا بالسكين ~~والشوكة بتواضع وتهذيب، مستعدين للعيش بسعادة من ذلك الحين فصاعدا؛ شأني شأنهم، أشعر ~~بالانبهار والقوة بما أحمل من الأسرار - لم أنبس ببنت شفة. # | شكرا على النزهة # جلست أنا وابن خالتي جورج في مطعم يدعى «كافيه بوب»، يقع في بلدة صغيرة بالقرب من ~~البحيرة. بدأ الظلام يخيم على المكان بالداخل، دون أن يشعلوا الإضاءة، مع ذلك كان لا يزال ~~بوسعك قراءة اللافتات الملصقة ms041 على المرآة بين قطع مثلجات الفراولة المصفرة قليلا وشطائر ~~الطماطم التي يقف عليها الذباب. # قرأ جورج: «لا تسأل عن معلومات، لو كنا ندري أي شيء لما مكثنا هنا.» و«إذا لم يكن لديك ما ~~تفعله، فقد انتقيت مكانا جيدا للغاية للقيام بذلك.» لطالما قرأ جورج كل شيء بصوت مرتفع: ~~الملصقات واللوحات الإعلانية، ولافتات كريم الحلاقة بورما شيف، «ميشن كريك، التعداد السكاني ~~1700، بوابة للوصول إلى بروس. نحن نحب أطفالنا.» # تساءلت: من ذاك صاحب حس الدعابة الذي كتب لنا هذه اللافتات؟ ظننت أنه الرجل الذي يجلس خلف ~~ماكينة تسجيل النقود. أيكون هو بوب؟ كان يمضغ عود ثقاب، وينظر إلى الشارع بالخارج، لا يترقب ~~أحدا سوى شخص تزل قدمه في صدع في الرصيف أو ينفجر إطار سيارته، أو يجعل من نفسه أضحوكة ~~بطريقة لا يحتمل مطلقا حدوثها معه هو، بوب الذي يقبع في رسوخ خلف ماكينة تسجيل النقود، ~~ضخم الجثة وساخر وغير مبال. بل ربما لا يكون الأمر كذلك، ربما يثبت باقي العالم سخافته عبر ~~التجول شمالا وجنوبا، وقيادة السيارة شمالا وجنوبا وارتياد مختلف الأماكن ليس إلا؛ إذ ~~تتبين عندها ذلك الحكم على وجوه الناس وهم ينظرون من النوافذ، أو يجلسون على السلالم ~~الأمامية للمنازل في بعض البلدات الصغيرة، تتبدى لامبالاتهم شديدة الترسخ، كما لو كان ~~لديهم منابع للإحباط يبقونها سرا، بقدر من الرضى. # لم يكن في المكان سوى نادلة واحدة؛ فتاة قصيرة وبدينة انحنت فوق المنضدة الطولية تخدش ~~طلاء أظافرها. وعندما قشرت معظم أجزاء الطلاء من ظفر الإبهام وضعت إبهامها في مواجهة ~~أسنانها وأخذت تحك الظفر للخلف وللإمام في انهماك. سألناها عن اسمها لكنها لم تجبنا. بعد ~~دقيقتين أو ثلاث أخرجت إبهامها من فمها وقالت وهي تتفحصه: «هذا ما عليك اكتشافه، فأنا ~~أحتفظ به لنفسي.» # قال جورج: «حسنا، هل تمانعين في مناداتك بميكي؟» ~~«لا أبالي.» # قال جورج: «لأنك تذكرينني بميكي روني، قولي لي أين يذهب الناس في هذه البلدة؟ أين يذهب ~~الجميع؟» أدارت ميكي ظهرها وبدأت في صب القهوة وبدا كأنها لم تعد ms042 ترغب في التحدث أكثر؛ لذا ~~شعر جورج بالتوتر قليلا، كما يشعر عندما يواجه تهديدا بضرورة التزام الصمت أو البقاء ~~وحده. قال في شبه أسى: «انتظري، ألا توجد أية فتيات في هذه البلدة؟ ألا توجد أية فتيات أو ~~قاعات رقص أو أي شيء؟ نحن غريبان عن البلدة. ألا ترغبين في مساعدتنا؟» # قالت ميكي في برود: «إن قاعة الرقص عند الشاطئ تغلق أبوابها في عيد العمال.» ~~«ألا توجد قاعات رقص أخرى؟» # قالت ميكي: «هناك حفل راقص الليلة في مدرسة ويلسون.» # قال جورج في حنق مبهم: «ذاك الرقص عتيق الطراز؟ كلا، كلا، أنا لا أحبذ ذلك الرقص العتيق. ~~من نوع «جميع الرجال جهة اليسار» وتلك الأمور، اعتدت الرقص هكذا في قبو الكنيسة. أجل، على ~~طريقة «فليتمايل الجميع»، لا أحبذ هذا. فقط في قبو الكنيسة.» ثم قال لي: «أنت لا تذكر ~~هذا، كنت صغيرا للغاية.» # كنت قد أنهيت توا دراستي الثانوية في ذاك الوقت، وكان جورج يعمل منذ ثلاثة أعوام في قسم ~~الأحذية الرجالي بمتجر متعدد الأقسام بوسط المدينة؛ لذا كان هناك ذلك الفارق بيننا. بيد ~~أننا لم نهتم أحدنا بالآخر قط حين كنا في المدينة. نحن الآن معا لأننا تقابلنا على نحو ~~غير متوقع في مكان غريب، ولأني أملك القليل من المال، فيما كان جورج مفلسا. كما كنت أقود ~~سيارة أبي، وكان جورج في إحدى الفترات التي لا يمتلك أثناءها سيارة، وهو الأمر الذي جعله ~~دائما ناقما وسريع الغضب قليلا. لكنه كان مضطرا إلى إعادة ترتيب تلك الحقائق بعض ~~الشيء، فقد جعلته مضطربا. استشعرت أنه يصطنع قدرا كافيا من المشاعر الطيبة، ومشاعر ~~الصداقة القديمة، ويجعلني أظهر بمظهر صديق العمر، ديك؛ الفتى الطيب، صاحب الشخصية المميزة، ~~وهو ما لم يهمني بطريقة أو بأخرى، رغم أني لم أعتقد - بينما كنت أتطلع إلى وسامته الشقراء ~~الفجة واللطيفة في ذات الوقت، وفمه الوردي الجذاب، وتجعيدات الغضب والدهشة التي بدأت الحيرة ~~المتكررة في طبعها على جبهته - أنني سأتكمن من إثارة حماسة شخصية مثل شخصية جورج. # كنت قد ذهبت ms043 بالسيارة إلى بحيرة هورون لإحضار أمي إلى المنزل من منتجع شاطئي للنساء، وهو ~~مكان يتناولن فيه عصائر الفاكهة والجبن القريش لخفض الوزن، ويمارسن السباحة بالصباح الباكر ~~في البحيرة، ويؤدين بعض الشعائر الدينية - على ما يبدو - إذ كان هناك كنيسة صغيرة ملحقة ~~بالمنتجع. كانت خالتي - والدة جورج - تمكث هناك في الوقت نفسه، ووصل جورج بعد ساعة تقريبا ~~من حضوري، لا ليأخذ أمه إلى المنزل، بل ليحصل على بعض المال منها. لم تكن الأمور على ما ~~يرام بينه وبين أبيه، ولم يجن الكثير من المال من العمل بمتجر الأحذية؛ لذا كان مفلسا في ~~أغلب الأحيان. أخبرته أمه أن بمقدورها إقراضه المال إذا مكث وذهب إلى الكنيسة معها في اليوم ~~التالي، أخبرها جورج بموافقته. ثم لذنا بالفرار معا وقدت السيارة لنصف ميل على امتداد ~~البحيرة إلى تلك البلدة الصغيرة التي لم يرها أي منا من قبل، والتي أخبرني جورج أنها ~~ستكون ممتلئة بالفتيات ومهربي المشروبات الكحولية الممنوعة. # كانت بلدة بشوارع فسيحة رملية غير ممهدة وأفنية جرداء. لم ينم في أرضها المتصدعة سوى ~~النباتات قوية التحمل كنبات أبي خنجر الأحمر والأصفر، أو شجيرات الليلك بأغصان بنية متجعدة. ~~كانت المنازل متباعدة عن بعضها، ملحقة بها من الخلف مضخات وسقائف ومراحيض خارجية؛ معظمها ~~بني من الخشب ومطلي بالأخضر أو الرمادي أو الأصفر. كانت الأشجار التي نمت هناك أشجار ~~الصفصاف أو الحور الضخمة، تحولت أوراقها الجميلة إلى اللون الرمادي بفعل الثرى. لم يكن ~~هناك أشجار على امتداد الشارع الرئيسي، لم يوجد سوى مساحات من الأعشاب الطويلة والهندباء ~~البرية ونبات الشوك المتطاير، ومساحات خضراء شاسعة تفصل بين مباني المحال التجارية. كان ~~مجلس البلدة كبيرا على نحو غير متوقع، ويضم برجا يحوي جرسا ضخما، وكان القرميد الأحمر ~~للمبنى يلمع إلى حد ما بين جدران البلدة الخشبية الذابلة وبين الطلاء الباهت. كانت ~~اللافتة بجوار الباب تقول إنه نصب تذكاري للجنود الذين لقوا حتفهم في الحرب العالمية ~~الأولى. وقد شربنا مياها من سبيل أمام هذا النصب التذكاري. # قدنا السيارة ذهابا وإيابا ms044 طوال الشارع الرئيسي لبرهة، بينما كان جورج يعلق قائلا: «يا ~~له من مكان قذر! يا إلهي، يا له من مكان قذر!» و«انظر، انظر هناك! لا، لا داعي، ليس مكانا ~~جيدا!» عاد الناس بالشارع إلى منازلهم لتناول العشاء بينما كانت ظلال المتاجر تمتد عبر ~~الشارع عندما دخلنا إلى مطعم بوب. # قال جورج: «قل لي، هل هناك مطعم آخر بالبلدة؟ هل رأيت أي مطعم آخر؟» # قلت: «كلا.» # قال جورج: «في أية بلدة أذهب إليها، تكون الخنازير معلقة خارج نوافذ المحلات، تتدلى ~~فعليا من الأشجار. لكن ليس هنا. يا إلهي! أعتقد أننا في وقت متأخر من الموسم.» ~~«هل تود الذهاب لمشاهدة استعراض فني؟» # فتح الباب ودخلت فتاة، سارت بالداخل ثم جلست فوق كرسي صغير، بينما تجمعت معظم تنورتها ~~أسفلها. كان لها وجه طويل ناعس، ونهد صغير للغاية، وشعر متجعد. كانت شاحبة الوجه، قبيحة ~~تقريبا، لكن تتمتع بتلك الهالة من الجاذبية الجنسية التي يتعذر تفسيرها. ابتهج ~~جورج - لكن ليس كثيرا - ثم قال: «لا بأس، هذه ~~ستفي بالغرض. هذه ستفي بالغرض إذا اقتضت الضرورة، صحيح؟ إذا اقتضت الضرورة.» # اتجه جورج إلى نهاية المنضدة الطولية وجلس بجانبها وبدأ يتحدث معها. وفي غضون خمس دقائق ~~عادا معا إلي، كانت الفتاة تحتسي زجاجة من عصير البرتقال. # قال جورج: «أقدم إليك أديليد، أديليد، أديلين ... أديلين الجميلة. سأناديها بالجميلة ~~إيه، الجميلة إيه.» # مصت أديليد من العصير بقصبة الشرب، دون أن تعيره الكثير من الانتباه. # قال جورج: «ليس معها رفيق، ليس معك رفيق، أليس كذلك يا حبيبتي؟» # هزت أديليد رأسها قليلا بمعنى: بلى. # قال جورج: «هي لا تسمع نصف ما تقوله لها. أديليد، الجميلة إيه، هل لديك أية صديقات؟ هل ~~تعرفين أية فتاة صغيرة جميلة لتخرج مع ديكي؟ أنا وأنت وهي وديكي؟» # قالت أديليد: «هذا يتوقف على المكان الذي تريدان الذهاب إليه.» ~~«أي مكان تختارينه. هل تودين الذهاب في نزهة بالسيارة، والذهاب حتى مدينة أوين ساوند، إذا ~~أحببت؟» ~~«هل لديك سيارة؟» ~~«أجل، أجل، لدينا سيارة. بربك، لا بد أن لديك صديقة ms045 صغيرة جميلة تصلح لديكي.» ثم لف ذراعه ~~حول الفتاة، وبسط أصابعه فوق بلوزتها. «هيا بنا إلى الخارج وسأريك السيارة.» # قالت أديليد: «أعرف فتاة يمكن أن تأتي معنا. الرجل الذي تخرج معه خاطب، وقد حضرت خطيبته ~~وتمكث في منزله عند الشاطئ، الذي هو منزل والديه، و...» # قال جورج: «هذا أمر شائق جدا بالطبع، ما اسمها؟ هيا بنا، لنذهب إليها ونحضرها. هل تودين ~~الجلوس هنا واحتساء العصير طوال الليل؟» # قالت أديليد: «لقد انتهيت من شرابي. ربما لا تأتي، لا أدري.» ~~«لماذا؟ ألا تسمح لها أمها بالخروج ليلا؟» # قالت أديليد: «لا، هي تفعل ما يحلو لها، لكن ثمة أوقات لا تود الخروج فيها. لا ~~أدري.» # خرجنا وركبنا السيارة، وجلس جورج وأديليد بالمقعد الخلفي. وبينما نتحرك في الشارع الرئيسي ~~بعد بناية واحدة من المقهى مررنا بفتاة نحيلة، شقراء، ترتدي بنطالا فضفاضا، صاحت أديليد: ~~«توقف! إنها هي! إنها لويس!» # أوقفت السيارة وأخرج جورج رأسه من النافذة وأطلق صفيرا. صاحت أديليد وجاءت الفتاة بغير ~~تردد، وعلى مهل إلى السيارة. ابتسمت، في برود وأدب إلى حد ما، عندما شرحت لها أديليد ~~الأمر. وطوال الوقت ردد جورج: «أسرعي، هلمي بنا، اصعدي إلى السيارة! بإمكاننا التحدث في ~~السيارة.» ابتسمت الفتاة، ولم تنظر حقا إلى أي منا، وفي غضون لحظات قليلة، ولدواعي ~~دهشتي، فتحت الباب ودخلت السيارة. قالت: «ليس لدي ما أفعله، فرفيقي خارج البلدة.» # قال جورج: «أحقا؟» ورأيت أديليد، في مرآة الرؤية الخلفية، تحذره بتعبير متجهم من وجهها، ~~لكن لم يبد أن لويس قد سمعته. # قالت: «يجدر بنا الذهاب إلى منزلي، فقد خرجت توا لأشتري بعض الكولا، لهذا السبب أرتدي ~~بنطالي الفضفاض؛ لذا يجدر بنا الذهاب إلى هناك وسأرتدي ثوبا آخر.» # قالت: «إلى أين سنذهب كي أعرف ماذا سأرتدي؟» # قلت: «إلى أين تودين الذهاب؟» # قال جورج: «حسنا، حسنا. الأهم فالمهم، علينا شراء زجاجة خمر، وبعدها سنقرر. أتعرفان ~~مكانا لشراء الخمر؟» قالت أديليد ولويس: أجل. ثم أخبرتني لويس: «بمقدورك الدخول معي إلى ~~المنزل وانتظاري فيما أبدل ملابسي، إذا أردت ذلك.» ms046 ألقيت نظرة خاطفة على مرآة الرؤية ~~الخلفية وفكرت أنه ربما يوجد اتفاق ما بينها وبين أديليد. # على الشرفة الأمامية بمنزل لويس كانت توجد أريكة عتيقة وبعض السجاجيد الصغيرة المعلقة فوق ~~سور المنزل. سارت أمامي عبر الفناء. كان شعرها الطويل الباهت مربوطا خلف رقبتها، وبشرتها ~~يتناثر عليها النمش، لكنها لم تكن مسمرة، حتى عيناها كانتا فاتحتي اللون. كانت فاترة ونحيلة ~~وشاحبة. ثمة سخرية، وجاذبية كبيرة أيضا، في فمها. اعتقدت أنها في نفس سني أو تكبرني ~~قليلا. # فتحت لويس الباب الأمامي ثم قالت بصوت واضح ورسمي للغاية: «أود أن أعرفك على ~~عائلتي.» # كانت الحجرة الأمامية الصغيرة مغطاة بمشمع الأرضية، بينما تنسدل ستائر ورقية مزينة ~~بالزهور على النوافذ. احتوت الغرفة كذلك على أريكة لامعة تحمل وسادة منقوشة عليها شلالات ~~نياجرا وأخرى منقوشا عليها «إهداء إلى أمي»، وموقد أسود صغير مطوق بغطاء لحمايته من حرارة ~~الصيف، وزهرية كبيرة تحوي أزهار التفاح الورقية. دخلت امرأة طويلة القامة وهزيلة إلى الحجرة ~~وهي تجفف يدها بمنشفة صحون قذفتها فوق أحد الكراسي. كان فمها مليئا بأسنان من البورسلين ~~بيضاء مائلة إلى الزرقة، بينما تهتز سلاسل طويلة حول رقبتها. قلت لها: كيف حالك؟ وأنا ~~أستشعر الحرج من إعلان لويس المفاجئ للغاية والتقليدي على نحو متعمد لحضورنا. تساءلت إن ~~كان لديها أية تصورات خاطئة عن هذا الموعد الغرامي، الذي دبره جورج لأغراض معينة؟! لكني ~~استبعدت ذلك. فلم يحمل وجهها أية سذاجة ظاهرة، بل كان ينم عن سعة معرفة وهدوء وعدائية. ~~ربما فعلت ذلك، إذن، لتستهزئ بي، لتجعلني أظهر في صورة كاريكاتورية ساخرة «للرفيق»، الصبي ~~الذي يبتسم ابتسامة واسعة ويمشي متثاقلا في الردهة الأمامية منتظرا تقديمه إلى أسرة ~~الفتاة الجميلة. لكن ذلك بعيد الاحتمال قليلا، لماذا سترغب في إحراجي في حين أنها وافقت ~~على الخروج معي دون أن تنظر إلى وجهي حتى؟ لماذا ستهتم بهذا الأمر لهذا الحد؟ # جلست أنا ووالدة لويس على الأريكة. وبدأت تتجاذب معي أطراف الحديث؛ مما جعل الموقف يتفق ~~مع سيناريو «الرفيق» الكاريكاتوري. لاحظت الرائحة المنتشرة بالمنزل؛ ms047 رائحة الحجرات الصغيرة ~~العتيقة، أغطية الأسرة، والقلي، والغسيل، والمراهم الطبية، ورائحة القذارة، رغم أن البيت لم ~~يبد قذرا. قالت أم لويس: «إنها سيارة جميلة تلك التي تقف بالخارج. هل هي سيارتك؟» ~~«إنها سيارة أبي.» ~~«أليس هذا رائعا! أن يمتلك أبوك مثل هذه السيارة الجميلة؟ لطالما اعتقدت أنه من الرائع ~~أن يقتني الناس الأشياء. لا أحتمل التعامل مع أولئك الناس الذين يملؤهم الحقد والحسد. إنه ~~لأمر رائع. من المؤكد أن أمك، في كل مرة ترغب في أي شيء، تتجه إلى المتجر فحسب وتشتريه، ~~سواء كان معطفا جديدا، ملاءة سرير، مقلاة أو وعاء. ماذا يعمل أبوك؟ أهو محام أم طبيب أم ~~شيء من هذا القبيل؟» ~~«هو محاسب قانوني.» ~~«آه، يعمل لدى مكتب، أليس كذلك؟» ~~«أجل.» ~~«شقيقي - خال لويس - يعمل في فرع شركة سي بي آر في لندن. إنه يتولى منصبا رفيعا هناك. ~~حسب علمي.» # ثم بدأت في إخباري عن ملابسات مقتل والد لويس في حادث عند الطاحونة. لاحظت وجود امرأة ~~عجوز - الجدة على الأرجح - تقف عند مدخل الحجرة. لم تكن نحيلة مثلهم، لكنها كانت رخوة وبلا ~~قوام مثل طبق من حلوى البودنج المنسكبة، تنتشر على وجهها وذراعها بقع بنية شاحبة متداخلة، ~~وتنمو شعيرات قصيرة خشنة حول الجزء المبتل المحيط بفمها. بدا أن جزءا من الرائحة في المنزل ~~ينبعث منها. كانت رائحة تعفن خفي، كما لو كان هناك حيوان ما صغير ميت أسفل الشرفة. ~~الرائحة، والصوت اللامبالي والمفعم بالثقة أعطياني انطباعا بأن ثمة خطبا ما في هذه الحياة ~~لم أعهده من قبل، ثمة خطب ما بهؤلاء الناس. خطر ببالي أن أمي وأم جورج ساذجتان. حتى جورج، ~~جورج ساذج. لكن أولئك الآخرين، ولدوا ماكرين وحزانى وواسعي الخبرة. # لم أسمع الكثير عن والد لويس فيما عدا أن رأسه قطع. ~~«انفصل رأسه تماما، لك أن تتخيل، وتدحرج فوق الأرض! لم أستطع فتح النعش. كان ذلك في شهر ~~يونيو، كان الجو حارا. وقد جرد جميع من في البلدة حدائقهم، جردوها من أجل الجنازة، قطفوا ~~زهور شجيرات الزينة ms048 وورود الفاوانيا والياسمين البري المتسلق. أعتقد أنه كان أسوأ حادث وقع ~~في هذه البلدة على الإطلاق. كان للويس رفيق لطيف هذا الصيف. اعتاد اصطحابها للخارج وأحيانا ~~ما كان يمكث للمبيت عندما لا يكون أهله في الكوخ الصغير وهو لا يرغب في قضاء الوقت هناك ~~وحده. كان يحضر الحلوى للأطفال وحتى أنا كان يحضر لي هدايا. هذا الفيل المصنوع من ~~البورسلين بالأعلى هناك، يمكن زراعة زهور به، لقد اشتراه لي. كما أصلح الراديو لنا ولم أضطر ~~إلى أخذه إلى محل التصليحات. هل يملك أهلك كوخا صيفيا هنا؟» # أجبتها بالنفي، دخلت لويس، ترتدي ثوبا ملونا بالأخضر والأصفر، مشدودا ولامعا كأوراق ~~تغليف هدايا الكريسماس، وحذاء ذا كعب عال، وحليا من الماس الزائف، بينما نثرت الكثير من ~~البودرة الداكنة فوق النمش. تحمست أمها لرؤيتها. # قالت: «أنت تحبين هذا الثوب، لقد قطعت المسافة إلى لندن كاملة وابتاعت ذاك الثوب، لم ~~تشتره من أي مكان من هنا!» # اضطررنا إلى المرور بجانب السيدة العجوز أثناء خروجنا. نظرت إلينا بإدراك مفاجئ، واستقرت ~~عيناها الشاحبتان الهلاميتان. ارتعد فمها فاغرا، ودفعت وجهها في مواجهتي. # ثم قالت بصوت عجوز قوي، صوت المرأة الريفية الأجش: «افعل ما يحلو لك مع حفيدتي، لكن عليك ~~توخي الحذر. أنت تعي ماذا أقصد!» # دفعت أم لويس الجدة خلفها، وهي تبتسم في تزمت وحاجباها مرفوعان وبشرتها مشدودة فوق صدغها، ~~ثم أخبرتني وهي عابسة الوجه في شرود ذهن: «لا عليك. لا عليك. خرف الشيخوخة.» ظلت الابتسامة ~~تعلو وجهها، وارتخت بشرتها، وبدا أنها تستمع طيلة الوقت إلى جلبة وضجة مستمرة برأسها. ثم ~~أمسكت بيدي أثناء سيري خلف لويس وهمست: «إن لويس فتاة طيبة، فلتحظ بوقت طيب، لا تدعها ~~تكتئب! عمتم مساء!» بينما اختلج حاجباها وجفونها في حركة سريعة غريبة يبدو على ما أظن أن ~~غرضها الأصلي هو المغازلة. # مضت لويس متخشبة أمامي، بينما تصدر تنورتها الرقيقة للغاية حفيفا. قلت: «هل تريدين ~~الذهاب إلى حفل راقص أو شيء من هذا القبيل؟» # قالت: «كلا، لا أهتم.» ~~«لكنك تأنقت في ملبسك ...» # قالت ms049 لويس بصوت خفيض ساخر: «دوما ما أتأنق في أمسيات السبت.» ثم بدأت في الضحك، ورأيت ~~لمحة من أمها بها، ذاك الطابع الفظ الهيستيري. همست: «يا إلهي!» فأدركت أنها تقصد ما جرى في ~~المنزل، فضحكت أيضا، إذ لم أدر شيئا آخر أفعله. وهكذا عدنا إلى السيارة ونحن نضحك كما لو ~~كنا أصدقاء، لكننا لم نكن كذلك. ~~••• # خرجنا من البلدة بالسيارة ووصلنا إلى منزل ريفي حيث باعت لنا امرأة زجاجة ويسكي تمتلئ ~~بخمر منزلية الصنع متعكرة، شيء لم نحتسه - أنا وجورج - من قبل قط. أخبرتنا أديليد أن هذه ~~المرأة ربما تسمح لنا باستخدام الحجرة الأمامية في بيتها، لكنها لم تسمح لنا في النهاية ~~بسبب لويس. فعندما حدقت المرأة بي من أسفل القلنسوة الرجالي التي كانت ترتديها فوق رأسها ~~وقالت للويس: «إن التغيير يجدد النشاط مثله مثل الراحة، أليس كذلك؟» لم تجبها لويس، ونظرت ~~إليها في برود. بعد ذلك أخبرتنا المرأة أنه إذا كنا متعالين لهذا الحد هكذا فإن حجرتها ~~الأمامية لن تليق بمقامنا، وأحرى بنا العودة إلى الأجمة. وطوال الطريق على امتداد الممر ~~أمام المنزل أخذت أديليد تردد: «بعض الأشخاص لا يقبلون المزاح، أليس كذلك؟ أجل، إن التعالي ~~...» حتى أعطيتها زجاجة الخمر لإبقائها صامتة. نظرت إلى جورج، فوجدت أنه لا يبالي، ظنا منه ~~أن هذا الأمر سيصرف ذهنها عن التفكير في الذهاب إلى أوين ساوند. # أوقفنا السيارة عند نهاية الممر وجلسنا فيها نحتسي الخمر. احتسى جورج وأديليد أكثر مما ~~احتسينا. لم يتحدثا، فقط كانا يمدان يديهما لأخذ الزجاجة ثم يعيدانها مرة أخرى. كان هذا ~~الصنف مختلفا عن أي شيء تذوقته من قبل؛ كان ثقيلا ويثير الغثيان في معدتي، ولم يكن له أي ~~تأثير آخر، وبدأ يتملكني شعور كئيب بأني لن أثمل. وكانت لويس كلما ناولتني الزجاجة تقول: ~~«شكرا لك.» بطريقة مهذبة تحمل احتقارا خفيا. وضعت ذراعي حولها، دون أن يكون لدي رغبة ~~كبيرة في ذلك، بل كنت أتساءل ما خطبها، هذه الفتاة التي تستلقي على ذراعي، متهكمة ومذعنة ~~وغاضبة وغامضة ، وبعيدة المنال. ms050 أردت التحدث معها أكثر مما أردت لمسها، لكن ذلك مستحيل، ~~فالحديث ليس أمرا تافها في نظرها كما اللمس. في تلك الأثناء أدركت أنه علي تخطي هذا؛ ~~تخطي المرحلة الأولى والدخول مباشرة في المرحلة الثانية، (إذ كان لدي دراية، رغم أنها لم ~~تكن شاملة تماما، بتتابع المراحل المنهجي، وبطقوس الإغواء المتبعة في المقاعد الأمامية ~~والخلفية للسيارات). تمنيت إلى حد بعيد أني قد رافقت أديليد. # قلت: «هل ترغبين في الذهاب في نزهة على الأقدام؟» # قال جورج من المقعد الخلفي: «هذه هي أول فكرة نيرة تقولها طيلة الليل.» ثم أخبرني أثناء ~~خروجنا: «لا تتعجلا.» كان هو وأديليد متدثرين ويضحكان معا. «لا تتعجلا في العودة!» # سرت أنا ولويس بمحاذاة طريق للعربات بالقرب من الأجمة. كانت الحقول مضاءة بضوء القمر، ~~باردة والنسيم يهب. شعرت الآن برغبة في الانتقام، فقلت بصوت خفيض: «حظيت بحديث شائق مع ~~أمك.» # قالت لويس: «أتصور ذلك.» ~~«حدثتني عن الشاب الذي كنت تواعدينه الصيف الماضي.» ~~«هذا الصيف.» ~~«لقد أصبح الآن الصيف الماضي، كان خاطبا أو شيئا من هذا القبيل، أليس كذلك؟» ~~«أجل.» # لم أنو تركها وشأنها. قلت: «هل أحبك أكثر من خطيبته؟ هل كان الأمر كذلك؟ هل أحبك ~~أكثر؟» # أجابت: «كلا، لن أقول إنه أحبني.» ظننت - مع اشتداد النبرة التهكمية في صوتها - أنها بدأت ~~تثمل. ثم قالت: «أحب أمي والأطفال أيضا لكنه لم يحبني. يحبني! ما هذا الذي تقوله؟» ~~«حسنا، ألم يكن يخرج معك ...» ~~«كان يتسكع معي فترة الصيف فحسب. هذا ما يفعله أولئك الشبان من منطقة الشاطئ على الدوام. ~~يأتون إلى هنا إلى الحفلات الراقصة ويصادقون فتاة يتسكعون معها لفترة الصيف. يفعلون هذا ~~دائما.» # ثم أضافت: «أما كيف عرفت أنه لا يحبني، فقد أخبرني أنني أتذمر دائما. إذ عليك التعامل ~~بامتنان مع أولئك الشبان، كما تعلم، وإلا فسيخبرونك أنك تتذمر.» # تملكني قليل من الفزع لأنني جعلتها تفصح عن كل هذه الأمور. قلت: «هل أحببته؟» ~~«آه، بالطبع! يجدر بي هذا، أليس كذلك؟ يجدر بي أن أجثو على ركبتي وأشكره. هذا ما تفعله ms051 ~~أمي. فقد ابتاع لها فيلا عتيقا ملطخا ورخيصا ...» # قلت: «هل كان ذاك الشاب هو العلاقة الأولى؟» ~~«العلاقة الأولى الجادة. أهذا ما تعنيه؟» # لم يكن ذلك ما أعنيه. سألتها: «كم عمرك؟» # فكرت وقالت: «سبعة عشر عاما تقريبا. لكني أبدو في الثامنة أو التاسعة عشرة، وأستطيع ~~دخول الحانات، فعلت ذلك مرة.» ~~«في أية مرحلة دراسية تدرسين؟» # تأملتني، متعجبة بعض الشيء. «هل ظننت حقا أنني ما زلت أرتاد المدرسة؟ لقد تركتها منذ ~~عامين. أعمل بوظيفة الآن في مصنع القفازات بالبلدة.» ~~«لا بد أن هذا مخالف للقانون. أعني عندما تركت الدراسة.» ~~«لا، بمقدورك الحصول على تصريح إذا كان أبوك ميتا أو شيئا من هذا القبيل.» # قلت: «ماذا تفعلين في مصنع القفازات؟» ~~«أدير ماكينة، ماكينة تشبه ماكينة الحياكة. سأحصل على أعمال بالقطعة عما قريب. سأجني ~~المزيد من المال.» ~~«هل تحبين عملك؟» ~~«لن أقول إني أعشقه، لكنه مجرد وظيفة ... أنت تطرح الكثير من الأسئلة.» ~~«هل تمانعين في ذلك؟» # عاد صوتها فاترا وخافتا وقالت: «لست مضطرة للإجابة عن تساؤلاتك، إلا إذا أردت ذلك.» ~~رفعت تنورتها وبسطتها فوق يدها قائلة: «يوجد نبتات شائكة بتنورتي.» ثم انحنت وأخذت تنزعها ~~واحدة تلو الأخرى وهي تكرر: «يوجد نبتات شائكة في ثوبي. إنه ثوبي الأنيق. هل ستترك أثرا؟ ~~إذا جذبتها جميعا - ببطء - فلن أنزع أية خيوط من الثوب.» # قلت: «ما كان يجدر بك ارتداء هذا الثوب؟ لماذا ارتديت هذا الثوب؟» # هزت تنورتها، فطرحت نبتة شائكة أرضا، مجيبة: «لا أدري.» وأخذت تستعرض قماش الفستان ~~المشدود واللامع برضى تشوبه آثار الثمل، ثم قالت في نوبة حقد صغيرة ومباغتة: «أردت ~~التباهي أمامكم أيها الشبان!» أصبح الآن ذلك الشعور بالرضى الذي يشوبه الازدراء وفقدان ~~الاتزان من أثر الثمل واضحا وضوح الشمس؛ إذ وقفت في سخف واستهزاء وتنورتها منبسطة مضيفة: ~~«أملك كنزة مقلدة من الكاشمير بالمنزل. كلفتني اثني عشر دولارا. ولدي معطف من الفراء، ما ~~زلت أسدد ثمنه للشتاء القادم. أملك معطفا من الفراء ...» # قلت: «هذا رائع، أعتقد أنه من الرائع أن يقتني الناس الأشياء .» # تركت تنورتها ms052 وصفعتني براحة يدها على وجهي، فاستشعرت براحة، كلانا شعر بذلك. إذ كنا طيلة ~~الوقت نستشعر صراعا يتزايد داخلنا. وقفنا بمواجهة أحدنا الآخر بحذر قدر استطاعتنا مدركين ~~أننا ثملان بعض الشيء. كانت تستعد كي تصفعني مجددا، بينما كنت أستعد لأمسكها أو أرد لها ~~الصفعة، كانت فرصة لنسوي الأمور بيننا، ونفصح عما نحمل داخلنا من ضغائن تجاه أحدنا الآخر، ~~لكن هذه اللحظة الاندفاعية مرت، والتقطنا أنفاسنا؛ إذ لم نتحرك في الوقت المناسب. وفي ~~اللحظة التالية - دون أن نعبأ بإزالة العداوة بيننا، أو نفكر في التسلسل المنطقي للأشياء - ~~تبادلنا القبلات. كانت أول مرة - بالنسبة لي - أقبل فيها أحدا دون تدبر، أو تردد، أو ~~تعجل زائد، ودون أن أشعر بالإحباط المبهم المعتاد الذي يلي القبلة. شرعت لويس في الحديث ~~ثانية وهي تضحك في انعدام ثقة قبالتي، وعادت إلى الجزء الأسبق من حديثنا وكأن شيئا لم ~~يقطعه. # قالت: «أليس الأمر مضحكا؟ أتعرف، طيلة الشتاء كل ما تفعله الفتيات هو التحدث عن الصيف ~~الماضي، يتحدثن ويتحدثن عن أولئك الفتية، وأراهنك أن أولئك الفتية لا يذكرون حتى أسماءهن ~~...» # لكنني لم أرغب في التحدث أكثر، بعد أن تجلى لي موطن قوة آخر بها يكمن جنبا إلى جنب مع ~~عدائيتها، والذي كان - في واقع الأمر - لا يقل تغلغلا وجمودا. بعد برهة همست إليها: «أليس ~~هناك مكان يمكننا الذهاب إليه؟» # أجابتني: «ثمة حظيرة في الحقل التالي.» # كانت على دراية بالريف؛ فقد ذهبت إلى هناك من قبل. ~~••• # بعد منتصف الليل قدنا السيارة في طريق العودة إلى البلدة. كان جورج وأديليد مستغرقين في ~~النوم بالمقعد الخلفي. لم أعتقد أن لويس كانت نائمة، على الرغم من أنها أبقت عينيها مغلقتين ~~ولم تنطق بكلمة. كنت قد قرأت في مكان ما عن العبارة اللاتينية: كل حيوان يشعر بالحزن بعد ~~الجماع، وكنت سأخبرها بها، لكنني فكرت بعد ذلك أنها لا تعرف كلمات لاتينية وستظن أنني مدع ~~ومتعال كما هو متوقع. بعد ذلك تمنيت لو أنني أخبرتها بها. كانت ستفهم معناها. # إنه ذلك الشعور بارتخاء الجسد ثم ms053 البرودة يليها الافتراق. عندما أخذنا نزيل بقايا القش ~~عنا ونهندم أنفسنا بحركات ثقيلة عشوائية، عندما خرجنا من الحظيرة لنجد القمر قد غاب، لكن ~~الحقول المسطحة بعد الحصاد وأشجار الحور والنجوم لا تزال هناك، أن نجد ذاتينا كما هي، باردة ~~ومرتعشة، ذواتنا التي ذهبت في تلك الرحلة الطائشة ولم تزل موجودة، أن نعود إلى السيارة ونجد ~~الآخرين متمددين ومستغرقين في النوم. هذا هو ما تعنيه حقا عبارة كل حيوان يشعر بالحزن بعد ~~الجماع. # تلك الرحلة الطائشة، هل كانت هكذا لأنها كانت المرة الأولى لي، أم لأني كنت ثملا قليلا ~~على نحو غريب؟ كلا. كانت كذلك بسبب لويس. ثمة أشخاص لا يسعهم سوى التمادي قليلا في علاقة ~~الحب وآخرون بإمكانهم التمادي كثيرا، وتقديم إذعان أكبر، كالزاهدين. ولويس - زاهدة الحب ~~تلك - جلست الآن في الجانب البعيد من مقعد السيارة، تبدو باردة وشعثة الشعر، ومنغلقة تماما ~~داخل نفسها. كل الأشياء التي أردت إخبارها بها أخذت تضطرب في رأسي بلا معنى: سأحضر لرؤيتك ~~مجددا ... اذكريني ... أحبك، لكني لم أنطق بأي كلمة من هذا. لن تبدو هذه الكلمات حتى شبه صادقة ~~عبر المسافة التي تفصل بيننا. كنت أفكر: سأتحدث إليها قبل أن نصل إلى الشجرة التالية، قبل ~~الهاتف التالي، لكنني لم أفعل. كل ما فعلته هو قيادة السيارة أسرع فأسرع مقتربا أكثر من ~~البلدة. # ومضت أنوار الشوارع من خلف الأشجار المظلمة أمامنا؛ كان هناك حراك بالمقعد الخلفي. # قال جورج: «كم الساعة الآن؟» ~~«الثانية عشرة وعشرون دقيقة.» ~~«لا بد أننا أفرغنا تلك الزجاجة. لا أشعر بأنني على ما يرام. يا إلهي، لا أشعر أنني على ~~ما يرام. كيف تشعر؟» ~~«بخير.» ~~«بخير، أليس كذلك؟ تشعر أنك أنهيت دراستك اليوم، أليس كذلك؟ أهذا ما تشعر به؟ هل فتاتك ~~نائمة؟ إن فتاتي نائمة.» # قالت أديليد في نعاس: «لست نائمة. أين حزامي؟ جورج ... يا إلهي. والآن أين فردة حذائي؟ ما ~~زال الوقت باكرا بالنسبة لليلة سبت، أليس كذلك؟ بإمكاننا الذهاب وإحضار شيء نأكله.» # قال جورج: «لست في مزاج يسمح لي بالأكل. ms054 أريد أن أنال قسطا من الراحة، علي النهوض ~~باكرا غدا لأذهب إلى الكنيسة مع أمي.» # قالت أديليد في ريبة، لكن دون غضب كبير: «أجل، أعلم هذا. كان بإمكانك على أية حال ابتياع ~~شطيرة هامبرجر لي!» # قدت السيارة حتى منزل لويس، التي لم تفتح عينيها حتى توقفت السيارة. # جلست ساكنة للحظة، ثم مررت يدها فوق تنورة ثوبها، لفردها. لم تنظر إلي. تحركت لتقبيلها، ~~لكن بدا أنها تبتعد قليلا للوراء، وشعرت بوجود شيء مخادع ومصطنع حيال تلك اللفتة الأخيرة ~~رغم كل شيء. فليس ذلك من طبعها. # قال جورج لأديليد: «أين تسكنين؟ هل تسكنين بالقرب من هنا؟» ~~«أجل، على بعد بنايات قليلة.» ~~«حسنا، هل يمكنك النزول هنا أيضا؟ علينا العودة إلى المنزل الليلة.» # قبلها، وترجلت الفتاتان من السيارة. # أدرت المحرك وبدأنا نبتعد بالسيارة، استقر جورج في المقعد الخلفي لينام، حينها تناهى ~~إلى سمعنا صوت أنثوي ينادي، صوت أنثوي غليظ ومرتفع، يهتف بنبرة مهينة وبائسة: ~~«شكرا على النزهة!» # لم تكن أديليد، بل كانت لويس. # | المكتب # لاح في خاطري - ذات مساء، فيما كنت أكوي قميصا - الحل لحياتي. كان حلا بسيطا لكنه ~~جريء. دخلت إلى حجرة المعيشة، حيث كان زوجي يشاهد التلفاز، وقلت: «أعتقد أنني بحاجة إلى ~~مكتب.» # بدت الفكرة عجيبة، حتى بالنسبة لي. لماذا أنا بحاجة إلى مكتب؟ فلدي منزل جميل ورحب، ~~ومطل على البحر، كما أنه يضم أماكن ملائمة لتناول الطعام والنوم والاستحمام وتجاذب أطراف ~~الحديث مع الأصدقاء، وبه حديقة؛ إنه منزل لا يفتقر إلى الرحابة. # هذا صحيح. لكني ها هنا أكشف لكم سرا، وهو ليس بالأمر الهين علي: أنا كاتبة. لا يبدو ~~هذا القول ملائما، يبدو غاية في العجرفة والزيف، أو على الأقل غير مقنع. فلأحاول مرة ~~أخرى: أنا أكتب. هل هذا أفضل؟ «أحاول» أن أكتب. هذا يزيد الطين بلة. تواضع زائف. ماذا ~~إذن؟ # لا يهم. بغض النظر عن الصياغة، تخلق الكلمات مساحتها من الصمت، تخلق لحظة المجاهرة الهشة ~~تلك. لكن الناس طيبون، فسرعان ما يبتلع الصمت اهتمام الأصوات الودودة، التي تصيح بأشياء ms055 ~~مختلفة من قبيل: يا له من أمر رائع! هنيئا لك، وهذا مثير للاهتمام. يسألونني في حماس: ماذا ~~تكتبين؟ فأجيبهم بأنني أكتب الأدب القصصي، حاملة خزيي حينئذ بهدوء، بل وبشيء من جسارة لم ~~تكن يوما من سماتي؛ ومجددا، تكسر مثل هذه الأصوات المهيأة اللبقة - والتي، مع ذلك، ~~تكون قد استنفدت ذخيرتها من العبارات المشجعة، ولم يعد بوسعها سوى قول: «أجل!» - دوائر ~~الهلع الملموسة. # قلت لزوجي: ها هو السبب الذي أود امتلاك مكتب من أجله؛ لأكتب فيه. أدركت على الفور أن هذا ~~بدا مطلبا صعبا، شيئا من ترف استثنائي. كي أكتب - كما يعلم الجميع - أحتاج إلى آلة كاتبة ~~أو على الأقل قلم رصاص وبعض الأوراق وطاولة وكرسي؛ وأنا لدي كل هذه الأشياء في ركن بغرفة ~~نومي، لكنني الآن أريد مكتبا أيضا. # إذا ما تطرقنا إلى هذا الأمر، لم أكن واثقة حتى أنني سأمارس الكتابة فيه. لعلي سأجلس هناك ~~وأحدق في الجدار؛ وحتى هذا الاحتمال لم يكن سيئا بالنسبة لي. في حقيقة الأمر، إن وقع ~~كلمة «مكتب» هو ما أعجبني، وقعها الذي يوحي بالوقار والسلام، والعزم والأهمية. لكنني لم ~~أهتم بذكر هذا الجانب لزوجي؛ لذا شرعت بدلا من ذلك في شرح بلاغي منمق دار - على ما ~~أذكر - على هذا النحو: # المنزل مكان ملائم ليعمل به الرجل؛ فهو يحضر عمله إلى المنزل، فتخلى له مساحة ليعمل بها، ~~ويعيد المنزل تنظيم نفسه على أفضل نحو ممكن حوله. يدرك الجميع أنه يعمل؛ فليس من المنتظر ~~منه أن يجيب على الهاتف، أو يبحث عن أشياء مفقودة، أو يتحقق من سبب بكاء الأطفال، أو ~~يطعم القطة. بإمكانه غلق بابه. (قلت) تخيل لو أن أما أغلقت باب حجرتها، وأطفالها ~~يعلمون أنها خلف ذلك الباب؛ يا إلهي! إن الفكرة في حد ذاتها مثيرة لحنقهم. أيضا تبدو ~~المرأة التي تجلس محدقة في الفراغ، في مكان ليس به زوجها أو أولادها، مخالفة للطبيعة ~~تماما. من ثم، المنزل لا يعني الشيء نفسه للمرأة، فهي ليست بشخص يأتي إلى المنزل، ~~يحقق منه نفعا، ثم ms056 يغادره مرة أخرى. إنها «هي» المنزل، يستحيل الفصل بينهما. ~~(وهذا حقيقي، بالرغم من أنني كعادتي حين أجادل حول شيء أخشى أنني لا أستحقه، أصوغ حديثي ~~بمصطلحات تأكيدية وعاطفية أكثر مما ينبغي. في أوقات بعينها - ربما في أمسيات الربيع ~~الطويلة، بينما الجو لا يزال مطيرا وكئيبا، وقد أزهرت بصيلات النبات الباردة، والضوء خافت ~~للغاية بما لا يمني بالسباحة في البحر - أفتح النوافذ وأشعر بالمنزل يتقلص عائدا إلى ~~الخشب والجص وتلك المواد البسيطة المصنوع منها، والحياة بداخله تهمد، فيتركني في العراء، ~~خالية الوفاض، لكنني أشعر حينها برجفة من الحرية عنيفة وجامحة، أشعر بوحدة غاية في القسوة ~~والمثالية لدرجة لا أتحملها في تلك اللحظة. ثم أدرك كم أنني طيلة الوقت محمية ومثقلة ~~بالأعباء، وكم أنني مستدفئة ومقيدة بإصرار.) # كل ما قاله زوجي: «إذن، لتمضي قدما، إذا ما استطعت العثور على مكان رخيص بالحد ~~الكافي.» إنه ليس مثلي، هو لا يرغب حقا في سماع تفسيرات. كثيرا ما تسمعه يردد - ودون ~~أدنى شعور بالندم: إن قلوب الآخرين كتب مغلقة. # حتى ذلك الوقت لم أعتقد أن رغبتي هذه شيء يمكن تنفيذه. ربما - في الواقع - بدا لي أنها ~~أمنية غير ملائمة إلى حد يتعذر معه تحقيقها. كان من الأيسر كثيرا أن أطلب معطفا من ~~المنك أو عقدا من الألماس؛ فهذه أشياء تحصل عليها النساء. استقبل أولادي مخططاتي، عندما ~~علموا بها، بأكثر أساليب اللامبالاة والارتياب إثارة، ومع ذلك ذهبت إلى مركز التسوق الذي ~~يبعد شارعين عن منزلي؛ حيث لاحظت على مدى عدة شهور، ودون أن أعتقد أن هذا يمكن أن يمت لي ~~بصلة، بضع لافتات مكتوب عليها «للإيجار» معلقة على نوافذ الأدوار العليا لمبنى به ~~صيدلية وصالون تجميل. تملكني شعور بالانعدام التام للواقعية وأنا أصعد الدرج؛ إن ~~الاستئجار بالتأكيد عملية معقدة، هذا في حالة استئجار المكاتب؛ فالمرء لا يطرق باب العقار ~~الشاغر ببساطة وينتظر السماح له بالدخول، فالأمر ينبغي أن يتم عن طريق وسطاء، بالإضافة إلى ~~ذلك، قد يطلبون مبلغا طائلا. # حسبما جرت الأمور، لم أضطر حتى إلى ms057 طرق الباب. خرجت امرأة من إحدى المكاتب الفارغة وهي ~~تجر مكنسة كهربائية، وتدفعها بقدمها نحو الباب المفتوح على الناحية الأخرى من الردهة، والذي ~~كان من الواضح أنه يؤدي إلى شقة في الجزء الخلفي من البناية. كانت المرأة تعيش مع زوجها في ~~هذه الشقة، وكان لقب العائلة «مالي»، وكانا بالطبع من يمتلكان البناية ويؤجران المكاتب. ~~أخبرتني المرأة أن الغرف التي كانت تنظفها للتو مجهزة لتلائم عيادة طبيب أسنان، ~~ومن ثم لن تثير اهتمامي، لكنها ستأخذني لأتفقد مكانا آخر. دعتني إلى شقتها في حين ~~وضعت المكنسة الكهربائية جانبا وجلبت مفتاحها. أخبرتني - بتنهد لم أستطع تفسيره - أن زوجها ~~ليس بالمنزل. # كانت السيدة مالي امرأة سوداء الشعر رقيقة المظهر، ربما كانت في أوائل الأربعينيات، متسخة ~~لكنها لا تخلو من مسحة جاذبية، مع تلك اللمسات العشوائية للأنوثة؛ كالخط الرفيع من طلاء ~~الشفاه اللامع، والخفين المكسوين بالريش الوردي اللذين يغطيان قدمين ناعمتين متورمتين. ~~كانت تتسم بالسلبية المتأرجحة، مع ذلك المظهر الموحي بالإرهاق والخوف الصامت، مما يعكس ~~حياة أفنيت في الاعتناء الشديد برجل قوي وسريع الغضب ومتواكل. من المستحيل تحديد مقدار ~~ما رأيته من هذه الملاحظات منذ الوهلة الأولى، ومقدار ما قررت بشأنه لاحقا، لكني اعتقدت ~~بالفعل أن ليس لديها أطفال، فضغوط حياتها - أيا كانت - لم تسمح بذلك. وفي هذا الأمر لم ~~أكن مخطئة. # كان واضحا أن الحجرة التي كنت منتظرة فيها مزيج ما بين حجرة معيشة ومكتب. كان أول ~~الأشياء التي لاحظتها نماذج لسفن - من طراز الغليون، وسفن شراعية سريعة، وعابرات محيطات ~~ضخمة - مرصوصة فوق الطاولات وأعتاب النوافذ والتلفاز. وفي الأماكن التي لا تتواجد بها نماذج ~~السفن يوجد أصص نباتات ومجموعة مما يسمى في بعض الأحيان بالتحف «الذكورية»؛ رءوس غزلان ~~من البورسلين، وخيول برونزية، وطفايات سجائر ضخمة من مادة معرقة براقة. وعلى الجدران، ~~علقت صور فوتوغرافية وأشياء ربما كانت شهادات علمية موضوعة في براويز. في إحدى الصور ~~يظهر كلب بودل وكلب بول دوج، يرتديان ملابس ذكورية وأنثوية، متخذين وقفة عاطفية بخجل ~~حزين، ومكتوب على الصورة «أصدقاء ms058 العمر». مع ذلك، كانت ثمة صورة تستحوذ على الحجرة بإضاءتها ~~وبروازها المطلي بالذهب؛ كانت الصورة لرجل وسيم أشقر في منتصف العمر، يجلس وراء مكتب، يرتدي ~~بذلة عمل رسمية وتشع منه سيماء النجاح والتفاؤل واللطف. وأيضا، ربما بالنظر للأمر الآن، ~~اتضح لي أن في الصورة شعورا واضحا بالارتباك كذلك، شيئا من فقدان الثقة تملك الرجل في ~~هذا الدور الذي يؤديه، لديه تلك النزعة للانبساط بإسهاب وإصرار بالغين، وهذا - برغم كل شيء ~~- ربما يؤدي إلى كارثة كما يعلم الجميع. # دعنا من آل مالي. ما إن رأيت ذلك المكتب حتى رغبت في استئجاره. كان أفسح مما أردت ~~ومقسما بطريقة تلائم عيادة طبيب. (أخبرتني السيدة مالي بأسلوبها النادم الذي يضن ~~بالمعلومات أن إخصائي تقويم العمود الفقري بالمعالجة اليدوية كان يعمل في هذا المكتب، لكنه ~~غادره.) كانت الجدران باردة وجرداء، بيضاء مع شيء من اللون الرمادي، لتقليل أثر حدة اللون ~~على العين. وبما أنه لا يوجد أطباء في المشهد، ولم يكن هناك لبعض الوقت، كما أخبرتني السيدة ~~مالي بصراحة، عرضت عليها دفع خمسة وعشرين دولارا شهريا، فأخبرتني أن عليها التحدث مع ~~زوجها. # عند قدومي في المرة التالية كان عرضي قد ~~حظي بالقبول، والتقيت السيد مالي شخصيا. شرحت له - كما فعلت مع زوجته سابقا - أنني لست ~~بحاجة إلى استخدام مكتبي أثناء ساعات العمل الاعتيادية، بل أثناء العطلات، وفي المساء ~~أحيانا. سألني عن سبب احتياجي للمكتب، فأخبرته دون أن أتساءل أولا عما إذا كان يتعين ~~علي قول إنني أمارس الكتابة الاختزالية. # استوعب الرجل المعلومة بروح مرحة وقال: «آه، أنت كاتبة.» ~~«حسنا. نعم، أنا أكتب.» # قال بأسلوب ودود: «إذن سنبذل قصارى جهدنا لنضمن لك الشعور بالراحة هنا، فأنا رجل أعشق ~~الهوايات أيضا، فكل نماذج السفن التي ترينها هذه أصنعها بنفسي في أوقات الفراغ، إنه أمر ~~رائع لتهدئة الأعصاب؛ فالناس بحاجة إلى شغل أنفسهم بشيء لتهدئة أعصابهم. أحسب أن الأمر نفسه ~~ينطبق عليك.» ~~«شيء من هذا القبيل.» قلتها له موافقة إياه في تصميم، بل وشاعرة بالارتياح لأنه نظر إلى ms059 ~~تصرفي في هذا الضوء المبهم المتسامح. على الأقل لم يسألني مثلما توقعت إلى حد ما ~~عمن سيعتني بالأطفال، وعما إذا كان زوجي قد وافق. عشرة أعوام - أو ربما خمسة عشر عاما ~~- أوهنت ذلك الرجل الذي يظهر بالصورة وزادته بدانة وهزمته بدرجة بالغة؛ فالآن تتراكم على ~~أردافه وفخذيه كمية هائلة من الدهون، مما يجعله يتحرك متأوها حاملا كومة من الشحم اللين ~~ومتثاقل الخطى في إرهاق أمومي، وقد بهت لون عينيه وشعره، وانطمست ملامحه، وتهافت التعبير ~~اللطيف النهم إلى تعبير يعكس هوانا مزعجا وارتيابا مزمنا. لم أنظر إليه، ولم أخطط عند ~~تفكيري في استئجار مكتب أن أحمل على عاتقي عبء التعرف إلى مزيد من الأشخاص. ~~••• # انتقلت إلى المكتب في العطلة، دون مساعدة من عائلتي التي كان من الممكن أن تكون من اللطف ~~لتقدم لي المساعدة. أحضرت آلتي الكاتبة وطاولة صغيرة قابلة للطي وكرسيا، إضافة إلى ~~طاولة خشبية صغيرة وضعت فوقها موقدا كهربيا، وغلاية، ووعاء به قهوة سريعة التحضير، ~~وملعقة وكوبا أصفر كبيرا بيد. هذا كل شيء. تأملت في رضى الجدران الجرداء، وقطع الأثاث ~~الأساسية زهيدة القيمة، والغياب الملحوظ للأشياء التي تحتاج إلى التنظيف أو الغسل أو ~~التلميع. # لم يكن المنظر سارا للغاية للسيد مالي، الذي طرق باب مكتبي بعد أن استقررت على الفور، ~~وقال إنه يود شرح بعض الأمور لي؛ أمور تتعلق بفك المصباح في الحجرة الخارجية، التي لن ~~أحتاجها، وعن جهاز التدفئة، وكيفية التعامل مع مظلة النافذة. تطلع في الأشياء حوله ~~بأسى وحيرة وقال إن المكان غير مريح إطلاقا لسيدة. # قلت: «إنه يناسبني تماما.» ليس بأسلوب ~~رادع كما أردت، لأنني دائما ما أميل إلى استرضاء الناس الذين لا أحبهم بغير سبب وجيه، أو ~~ببساطة لسبب لا أود معرفته. في بعض الأحيان أقدم لهم قرابين منمقة من المجاملات، على ~~أمل - ينم عن حماقة - أنهم سيرحلون ويتركونني وشأني. ~~«إن ما تحتاجينه هو مقعد جميل مريح تجلسين عليه، فيما تنتظرين الوحي ليأتيك. لدي مقعد ~~في القبو، لدي شتى الأشياء هناك منذ أن توفيت أمي ms060 العام الماضي. هناك أيضا سجادة ~~صغيرة مطوية في زاوية ما، لا أحد يحتاج إليها. بإمكاننا إجراء بعض التحسينات في هذا المكان ~~بحيث يكون أكثر راحة ودفئا لك.» # قلت له: لكن حقا، حقا أنا أحب هذا المكان على هذه الحال. ~~«إذا أردت أيضا وضع مزيد من الستائر، فسأسدد لك ثمن لوازمها. إن المكان بحاجة إلى ~~لمسة مبهجة، أخشى أن تصبحي سوداوية بجلوسك هنا.» # قلت: كلا، أنا واثقة من أن هذا لن يحدث. وضحكت. ~~«لو كنت رجلا، لكان الأمر مختلفا؛ فالمرأة ترغب الأشياء أكثر دفئا قليلا.» # نهضت، وسرت باتجاه النافذة، ونظرت من بين شرائح الستارة المعدنية إلى الشارع الخاوي ~~كعادته أيام الآحاد، لأتحاشى الضعف الاتهامي الذي يطل من وجهه السمين؛ وجربت الحديث بنبرة ~~باردة كثيرا ما أسمعها تتردد في ذهني لكنها تواجه صعوبة بالغة في الخروج من فمي الجبان. ~~«سيد مالي، من فضلك لا تزعجني بهذا الأمر أكثر من ذلك. أخبرتك أن المكان يلائمني. لدي كل ~~ما أحتاج إليه. شكرا لك على إخباري بأمر المصباح.» # كان أثر كلامي مدمرا بما يكفي ليشعرني بالخجل. رد بكلمات مقتضبة وبحزن متحفظ: «بالطبع ~~لم أتصور أنني أضايقك. لم أرغب عند تقديم تلك المقترحات إلا في راحتك الشخصية. لو أدركت ~~أنني أشكل عائقا لك، لغادرت قبل ذلك.» عندما غادر شعرت بأنني أفضل حالا، بل وبقليل من ~~البهجة لما حققته من نصر على الرغم من شعوري بالخجل للسهولة التي جرى بها الأمر. قلت في ~~نفسي إنني كنت سأردعه عاجلا أو آجلا، وكان من الأفضل حدوث ذلك في البداية. # في عطلة نهاية الأسبوع التالية، طرق بابي، وقد تعاظم تعبير الإهانة على وجهه بدرجة ~~كافية تقريبا ليبدو تعبيرا ساخرا - مع ذلك - من جانب آخر كان تعبيرا حقيقيا فشعرت ~~بانعدام الثقة في نفسي. # قال: «لن آخذ سوى دقيقة من وقتك. لم أقصد أبدا أن أكون مصدرا للإزعاج. أنا لم أرد ~~سوى إخبارك أنني آسف لمضايقتك في المرة الماضية وأعتذر لك. ليتك تقبلين هذه الهدية ~~البسيطة.» # كان يحمل نبتة لم أعرف اسمها؛ ms061 كانت لها أوراق سميكة ولامعة، ومزروعة في أصيص ملفوف بإسراف ~~في ورق قصديري وردي وفضي. # قال وهو يضع النبتة بتنسيق في إحدى زوايا الحجرة: «إذن، لا أريد أن يكون هناك أية مشاعر ~~سلبية بيننا. أعترف بمسئوليتي عما حدث. وفكرت في أنك قد لا تقبلين قطع أثاث، لكن ما المانع ~~من نبتة صغيرة جميلة، إنها ستضفي البهجة على المكان من حولك.» # كان من المستحيل في تلك اللحظة أن أخبره أنني لا أريد نباتا؛ إنني أكره النباتات ~~المنزلية. أخبرني كيفية الاعتناء بها، وكم مرة ينبغي ريها وما إلى ذلك؛ شكرته. لم يكن ~~بوسعي فعل شيء آخر، وترسخ لدي شعور منفر بأن وراء ما يقدمه من اعتذارات وهدايا ~~إدراكا جيدا لموقفي هذا، وأن هذا بطريقة ما أشعره بالرضى. واصل حديثه، مستخدما ~~كلمات «مشاعر سلبية»، «مستاءة»، «أعتذر». حاولت مرة مقاطعته، بنية أن أوضح له أنني قد ~~أعددت لمنطقة في حياتي لا تدخلها مشاعر سلبية أو إيجابية، وأن بيني وبينه - في واقع الأمر - ~~لا داعي لأية مشاعر من الأساس؛ لكن جال بخاطري أن هذه خطوة مستحيلة. كيف سأواجه علانية هذا ~~التوق للتودد؟ هذا إلى جانب أن النبتة في ورقها اللامع تثير في شعورا بالحيرة. # قال لي بأسلوب من يضع كافة الاختلافات التعيسة بيننا وراء ظهره: «كيف تبلين في ~~الكتابة؟» ~~«أبلي فيها كالمعتاد.» ~~«حسنا، إذا نفدت ذخيرتك من الأشياء التي تريدين الكتابة عنها يوما، فلدي مخزون هائل ~~منها.» صمت برهة ثم قال بشيء من الابتهاج الأليم: «لكن أعتقد أنني أستنفد وقتك هنا.» كان ~~ذلك اختبارا لي، لكني لم أجتزه. ابتسمت، محدقة في تلك النبتة، وقلت إنه لا ~~بأس. ~~«كنت أفكر توا في الرجل الذي مكث هنا قبلك. اختصاصي المعالجة اليدوية. كان بإمكانك ~~تأليف كتاب عنه.» # اعتدلت متخذة وضعية إنصات، وتوقفت يدي عن الحوم فوق المفاتيح؛ حيث إنه إذا كان ~~الجبن وعدم الصدق أسوأ عيوبي، فالفضول بالتأكيد عيب آخر. ~~«لقد أسس عيادة ناجحة هنا، لكن المشكلة الوحيدة أنه كان يجري تقويمات أكثر من تلك ~~المدرجة في كتاب ms062 تقويم العمود الفقري بالمعالجة اليدوية. أوه، كان يقوم جميع أجزاء الجسم. ~~جئت إلى هنا بعد أن رحل وماذا وجدت في ظنك؟ أجهزة عازلة للصوت! كانت هذه الحجرة بكاملها ~~مزودة بأجهزة عازلة للصوت، كي يجري عمليات التقويم دون أن يزعج أحد. هذه الحجرة التي ~~تجلسين فيها لكتابة قصصك. # علمنا بالأمر للمرة الأولى عندما طرقت سيدة بابنا ذات يوم، وطلبت أن أعطيها المفتاح ~~الرئيسي لعيادته؛ فقد أغلق الباب في وجهها. # أعتقد أنه قد سئم من معالجة حالتها. أعتقد أنه أدرك أنه أخذ يدق على عظامها لوقت طويل. ~~كانت سيدة متقدمة في العمر، وهو لا يزال شابا. كانت له زوجة شابة جميلة وطفلان من أجمل ~~الأطفال الذين يمكنك رؤيتهم. هذا جزء قذر من الأشياء التي تجري في هذا العالم.» # استغرقت بعض الوقت كي أدرك أنه لم يخبرني بتلك القصة من قبيل النميمة ببساطة، بل ~~باعتبارها شيئا سيهتم أي كاتب بالاستماع إليه. كانت ثمة صلة لذيذة غامضة بين الكتابة ~~والفسق في ذهنه. مع ذلك، حتى هذه الفكرة، بدت كئيبة للغاية، وطفولية للغاية، حتى إنه خطر ~~ببالي أن في انتقادها إهدارا للطاقة. أدركت حينئذ أنني يجب أن أتحاشى إيذاء مشاعره ~~إكراما لي، وليس له. لقد كان خطأ جسيما اعتقادي أن قليلا من الغلظة سيسوي ~~الأمور. ~~••• # كانت الهدية التالية إبريق شاي. أصررت على أنني لا أحتسي سوى القهوة، وطلبت منه أن يعطيه ~~لزوجته. قال إن الشاي أفضل لتهدئة الأعصاب، وإنه قد أدرك على الفور أنني شخص عصبي، مثله. ~~كان إبريق الشاي مطليا بالذهب ومزخرفا بالورود، أدركت أنه ليس زهيد الثمن، على الرغم من ~~قبحه الشديد، واحتفظت به فوق الطاولة. كذلك واظبت على الاعتناء بالنبتة التي ترعرعت إلى ~~حد مثير للاشمئزاز في زاوية حجرتي. لم أستطع تحديد ما يمكنني فعله أكثر من ذلك. ابتاع لي ~~سلة مهملات، سلة فاخرة نقشت فاكهة اليوسفي الصينية على جهاتها الثماني، وأحضر لي وسادة ~~مطاطية لأضعها على مقعدي. ازدريت نفسي لأنني استسلمت لهذا الابتزاز. إنني حتى لم أشفق عليه ~~في الحقيقة؛ كل ms063 ما في الأمر أنني لم أستطع صده، لم أستطع صد ذاك الاشتهاء الذليل. وقد أدرك ~~بنفسه أنه قد اشترى قدرتي على الاحتمال، بطريقة كان يجب أن يمقتني بسببها. # في ذلك الوقت، حينما كان يتلكأ في مكتبي، كان يخبرني قصصا عن نفسه، وتبادر إلى ذهني أنه ~~يكشف لي عن حياته على أمل أن أكتبها. بالطبع، ربما يكون قد كشف عنها أمام كثيرين من الناس ~~دون سبب معين، لكن في حالتي بدا أن ثمة ضرورة خاصة، بل وملحة. كانت حياته سلسلة من ~~النكبات، كما هي حياة الناس في الغالب؛ فقد خذله أشخاص وضع ثقته بهم، ورفض مساعدته أشخاص ~~اعتمد عليهم، وخانه نفس الأشخاص الذين أحسن إليهم وقدم لهم مساعدات مادية. وحمل ~~آخرون - ممن لم يكونوا سوى غرباء وعابري سبيل ~~- على عاتقهم تعذيبه بلا مبرر بأساليب جديدة ومبتكرة. بين الحين والآخر، تعرضت حياته ~~للتهديد، فضلا عن ذلك، كانت زوجته إحدى صعوبات حياته، مع صحتها المعتلة ومزاجها المتقلب؛ ~~فماذا كان بيده أن يفعل؟ قال لي وهو يرفع يده: «ها أنت ترين كيف تجري الأمور، لكني على قيد ~~الحياة رغم كل شيء.» ونظر إلي لأوافقه الرأي. # بدأت ألجأ لصعود الدرج على أطراف أصابعي، محاولة إدخال المفتاح دون إصدار صوت؛ كان ~~تصرفا أحمق بالطبع لأنني لا أستطيع كتم صوت الآلة الكاتبة. فكرت بالفعل في الكتابة بخط ~~اليد، وتمنيت مرارا وجود ذلك الجهاز العازل للصوت الذي كان يملكه إخصائي المعالجة اليدوية ~~البارع. أخبرت زوجي بالمشكلة، فقال إنها ليست بمشكلة على الإطلاق. قال لي: أخبريه بأنك ~~منشغلة. في واقع الأمر أخبرته بذلك فعلا؛ في كل مرة كان يأتي إلى بابي - مسلحا على ~~الدوام بهدية صغيرة أو عذر ما - ويسألني كيف حالي، أخبره أنني اليوم منشغلة، وحينها كان ~~يقول وهو يجتاز الباب في سلاسة إنه لن يأخذ من وقتي أكثر من دقيقة. وطيلة الوقت - كما قلت - ~~كان يعلم ما يدور بخلدي، وكم كنت أتوق في وهن إلى التخلص منه. كان يدرك ذلك لكنه لم يكن ~~يعبأ بالأمر . ~~••• # ذات مساء ms064 بعد أن عدت إلى المنزل اكتشفت أنني تركت في المكتب خطابا أنوي إرساله ~~بالبريد؛ لذا عدت إلى المكتب لأحضره. من الشارع رأيت النور مضاء في الحجرة التي أعمل ~~بها، ثم رأيته منحنيا فوق الطاولة القابلة للطي. بالطبع كان يأتي ليلا ويقرأ ما ~~أكتبه! # سمع خطواتي عند الباب، وعندما دخلت كان يلتقط سلة المهملات خاصتي، وقال إن كل ما هنالك ~~أنه فكر في ترتيب الأشياء هنا من أجلي، ثم خرج على الفور. لم أنبس ببنت شفة، لكنني وجدت ~~نفسي أرتجف في غضب ورضى. كان عثوري على سبب عادل أعجوبة، بل كان نجدة لا ~~تحتمل. # في المرة التالية التي أتى فيها عند بابي كنت قد أغلقته من الداخل. عرفت وقع أقدامه، ~~وطرقته المتزلفة الودودة. واصلت الكتابة على الآلة الكاتبة بصوت مرتفع، مع التوقف بين ~~لحظة وأخرى، كي يعلم أنني سمعته. ناداني باسمي، كما لو كنت أمارس عليه حيلة؛ عضضت على ~~شفتي كي لا أجيبه. لكن، كما الحال دوما، سطا علي ذلك الشعور غير العقلاني بالذنب، لكنني ~~واصلت الكتابة. في ذلك اليوم رأيت التربة قد جفت حول جذور النبتة؛ لكني تركتها. # لم أكن مهيأة لما حدث بعد ذلك. وجدت ورقة ملصقة على بابي، مكتوبا بها أن السيد مالي ~~سيكون ممتنا كثيرا إذا حضرت إلى مكتبه. ذهبت على الفور لأنتهي من هذه المسألة. كان ~~جالسا إلى مكتبه محاطا بدلائل مبهمة على نفوذه؛ تطلع إلي من بعيد، كما لو أنه مضطر ~~إلى رؤيتي في ضوء جديد غير محبب إلى حد مؤسف، وبدا أن الحرج الذي ظهر عليه ليس لنفسه، ~~بل لي أنا. بدأ حديثه قائلا - بتردد مصطنع إلى حد ما - إنه علم بالطبع عندما أجر لي ~~المكتب أنني كاتبة. ~~«لم أدع هذا الأمر يقلقني. على الرغم من أنني سمعت أمورا عن الكتاب والفنانين ومثل ~~أولئك الأشخاص لم تبد لي مبشرة كثيرا. تعلمين هذه الأشياء التي أقصدها.» # كان هذا كلاما جديدا؛ لم أستطع التفكير إلى ما سيقود إليه. ~~«لقد جئت إلي وقلت: سيد مالي أنا أريد ms065 مكانا أكتب فيه. صدقتك، وأعطيتك إياه. ~~لم أطرح عليك أية أسئلة؛ فهذه طبيعة شخصيتي، لكن أتدرين كلما فكرت في الأمر - حسنا - ~~زاد ميلي للتساؤل.» # قلت: «عم التساؤل؟» ~~«وكذلك طريقة تعاملك، التي لم تسهم في بث الطمأنينة في قلبي؛ فأن تغلقي الباب على نفسك ~~وترفضي الرد عمن يطرق باب مكتبك ليس بسلوك طبيعي يسلكه الشخص، ذلك إذا لم يكن هناك ما ~~يخفيه. وليس بسلوك طبيعي بالمثل لشابة - تقول إن لديها زوجا وأطفالا - أن تمضي وقتها في ~~القرع فوق آلة كاتبة.» ~~«لكنني لا أعتقد أن ...» # رفع يده بإشارة عفو. «كل ما أطلبه الآن أن تتحلي بالوضوح والصراحة معي - أعتقد أنني أستحق ~~هذا القدر منك - وإذا كنت تستخدمين هذا المكتب لأية أغراض أخرى، أو في أية أوقات أخرى غير ~~معروفة، وتستضيفين أصدقاءك أو أيا من كانوا يأتون لزيارتك ...» ~~«لا أدري ماذا تقصد.» ~~«ثمة أمر آخر، أنت تدعين أنك كاتبة. إنني أقرأ كثيرا، لكني لم أر اسمك منشورا ~~قط. ربما تكتبين تحت اسم آخر؟» # قلت: «كلا.» # قال بأسلوب ودود: «حسنا، لا أشك في أن هناك كتابا لم أسمع بأسمائهم. دعينا من هذا ~~الأمر. كل ما عليك أن تعديني به هو ألا يكون ثمة مزيد من الخداع أو الحماقات، أو ما إلى ~~ذلك، في ذلك المكتب الذي تشغلينه ...» # تأخر غضبي بعض الشيء، أعاقه حالة عدم التصديق الحمقاء التي كنت عليها. سمعت ما يكفي ~~لأنهض وأسير عبر الردهة، بينما صوته يلاحقني، وأغلقت الباب. فكرت أن لا بد أن أرحل. لكن ~~بعد أن جلست في حجرتي، ورأيت عملي أمامي، فكرت مجددا كم أحببت هذه الحجرة، وكيف ~~أديت فيها عملا جيدا، وقررت ألا يجبرني أحد على الرحيل. شعرت، رغم كل شيء، أن ~~الصراع بيننا وصل إلى طريق مسدود. بإمكاني رفض فتح الباب، ورفض النظر في الرسائل القصيرة ~~التي يتركها لي، ورفض التحدث معه عندما نلتقي. لقد دفعت الإيجار مقدما وإذا رحلت الآن ~~فمن المستحيل أن أسترد أي مبلغ متبق. عزمت على عدم الاكتراث. كنت أصطحب معي مخطوطتي كل ms066 ~~ليلة، لأمنعه من قراءتها، والآن بدا أيضا أن هذا الإجراء الاحترازي تافه. ما الضير إذا قرأ ~~المخطوط، هل هذا يزيد أهمية عن مرور فأر فوقه في الظلام؟ ~~••• # وجدت رسائل قصيرة منه عند بابي عدة مرات بعد ذلك. اعتزمت عدم قراءتها، لكني دائما ما ~~كنت أقرؤها. أضحت اتهاماته أكثر تحديدا. يقول إنه سمع أصواتا بحجرتي، وإن سلوكي يسبب ~~الإزعاج لزوجته عندما تحاول أخذ قيلولة في فترة الظهيرة، (لم أحضر قط في فترات الظهيرة ~~سوى في العطلة الأسبوعية!) وإنه عثر على زجاجة ويسكي في قمامتي. # تساءلت كثيرا حيال أمر إخصائي المعالجة اليدوية ذاك؛ فرؤية الكيفية التي تتشكل بها ~~أساطير حياة السيد مالي ليست مريحة. # مع ازدياد نبرة الشر في الرسائل، توقفت مصادفات التقائنا. مرة أو مرتين رأيت ظهره ~~المنحني - مكتسيا بإحدى كنزاته - يتوارى عند دخولي إلى الردهة. شيئا فشيئا تحولت ~~علاقتنا إلى شيء خيالي تماما. الآن يتهمني، عبر رسائله القصيرة، بأنني أقيم علاقات مع ~~أشخاص من «نوميرو سينك»؛ وهو مقهى يقع في الجوار، أعتقد أنه استحضر هذا المكان لأغراض ~~رمزية. شعرت بأن لا شيء أكثر من ذلك سيحدث في الوقت الحالي، ستستمر الرسائل، سيصير محتواها ~~أكثر بشاعة وعلى الأغلب أقل تأثيرا في. # وفي صبيحة أحد أيام الأحد، طرق بابي، في الحادية عشرة صباحا تقريبا. كنت قد وصلت توا ~~وخلعت معطفي ووضعت الغلاية فوق الموقد الكهربي. # هذه المرة كان وجهه مختلفا - باردا ومتعاليا - يشع منه ذلك الضوء البارد للفرحة ~~العارمة باكتشافه دلائل الخطيئة. # قال بانفعال: «ترى هل تمانعين أن تتبعيني إلى الناحية الأخرى من الردهة؟» # تبعته. كان النور مضاء في الحمام، كان هذا الحمام خاصا بي، ولم يكن أحد آخر يستخدمه، ~~لكن السيد مالي لم يعطني مفتاحه، وكان الحمام مفتوحا على الدوام. توقف أمام الحمام ودفع ~~الباب ووقف وهو ينظر إلى الأسفل، ويخرج زفيره بهدوء. # قال بصوت خالص الأسف: «الآن من فعل هذا؟» # كانت الجدران أعلى المرحاض وأعلى حوض الاستحمام مغطاة برسومات وتعليقات من قبيل تلك ~~التي تراها في الحمامات العامة على الشواطئ، ms067 وفي مراحيض المجلس المحلي في البلدات المضمحلة ~~الصغيرة كتلك التي نشأت فيها. كانت الرسوم والتعليقات مكتوبة بأحمر شفاه، كالعادة. دار ~~بخلدي أن لا بد من أن شخصا صعد إلى هنا الليلة السابقة، ربما يكون شخصا من المجموعة التي ~~تتسكع وتتجول دائما حول المركز التجاري في ليالي السبت. # قلت في برود وثبات كما لو أنني بذلك أتنصل من المشهد: «كان من المفترض أن يغلق، يا ~~لها من فوضى!» ~~«إنه مغلق بالفعل. إنها لغة بذيئة بالنسبة لي. ربما هي ليست سوى مزحة بالنسبة لأصدقائك، ~~لكنها ليست كذلك لي. ناهيك عن الرسوم. يا له من منظر جميل ترينه عندما تفتحين أحد الأبواب ~~في عقارك في الصباح!» # قلت: «أعتقد أن أحمر الشفاه سيزول بالغسيل.» ~~«إنني مسرور لأن زوجتي لم تر شيئا كهذا. إنه أمر يثير حنق امرأة حظيت بتربية حسنة. ~~الآن لم لا تطلبين من أصدقائك أن يقيموا حفلا هنا بالدلاء والفرش؟ أود أن أرى الأشخاص ~~الذين يتمتعون بهذا الحس الفكاهي.» # استدرت لأمضي بعيدا، فتحرك أمامي بثقل. ~~«لا أظن أن ثمة شكا حول الكيفية التي وصلت بها هذه النقوش إلى جدراني.» # قلت في فتور وضجر: «إذا كنت تريد أن تقول إن لي صلة بهذا الأمر، فلا بد أنك ~~مجنون.» ~~«كيف وصلت هذه النقوش إلى هنا إذن؟ لمن هذا المرحاض؟ لمن؟» ~~«إنه بلا مفتاح. أي شخص بإمكانه الصعود إلى هنا ودخوله. ربما صعد بعض الصبية من الشارع ~~إلى هنا وفعلوا ذلك الليلة الماضية بعد أن غادرت إلى المنزل، كيف لي أن أعرف؟» ~~«إنه لشيء مؤسف أن نلقي باللوم على الصبية في كل شيء بهذه الطريقة، في حين أن الكبار ~~هم من يفسدونهم. يمكنك تأمل هذا الأمر قليلا. هناك قوانين. قوانين مكافحة الفحشاء. تسري ~~على مثل هذه الأمور، وعلى المطبوعات أيضا حسبما أظن.» # هذه هي المرة الأولى في حياتي التي أذكر أنني تنفست فيها بعمق وبتعمد، لأغراض تتعلق بضبط ~~النفس. لقد أردت قتله حقا. أذكر كم بدا وجهه رخوا ومثيرا للاشمئزاز، وعيناه مغلقتين ~~تقريبا ، ومنخاره منفوشا ms068 مستنشقا رائحة الاستقامة المطمئنة، رائحة النصر. لو لم يحدث ذلك ~~الشيء الأحمق، ما انتصر أبدا. لكنه انتصر. ربما رأى شيئا في وجهي أوهن عزيمته - رغم لحظة ~~الانتصار هذه - إذ تراجع إلى الجدار، وبدأ يقول إنه حقيقة، في واقع الأمر، لم يشعر أنني ~~يمكن أن أفعل مثل هذه الأشياء شخصيا، بل ربما يفعلها أصدقاء معينون لي - فما كان مني إلا ~~أن دخلت حجرتي وأغلقت الباب. # كانت الغلاية تصدر ضجيجا مخيفا، فقد غلى الماء بها حتى تبخر كله تقريبا. جذبتها ~~سريعا بعيدا عن الموقد، وجذبت القابس ووقفت لبرهة أختنق من فرط الغضب. مرت نوبة ~~الانفعال هذه وفعلت ما توجب علي فعله من قبل؛ وضعت آلتي الكاتبة وأوراقي فوق المقعد ~~وطويت الطاولة. أغلقت غطاء القهوة السريعة الذوبان بإحكام، ووضعت الوعاء والكوب الأصفر ~~وملعقة الشاي في الحقيبة التي أحضرتها فيها؛ كانت لا تزال مطوية فوق الرف. تمنيت على ~~نحو طفولي أن آخذ بثأري من أصيص النبات الموضوع بالركن بجانب البراد المزخرف بالزهور ~~وسلة المهملات والوسادة، وأيضا - نسيت ذلك - مبراة أقلام بلاستيكية صغيرة موضوعة ~~خلفه. # وفيما كنت أنزل الأشياء إلى السيارة جاءت السيدة مالي. لم أرها كثيرا منذ أول يوم ~~جئت فيه إلى هنا. لم تبد منزعجة، بل بدت عملية ومذعنة. # قالت: «إنه مستلق. هو ليس على طبيعته.» # حملت الحقيبة التي بها القهوة والكوب. كانت هادئة للغاية لدرجة جعلتني أشعر بغضبي ~~يغادرني، ليحل محله كآبة غامرة. ~~••• # لم أعثر على مكتب آخر بعد. أظن أنني سأحاول مجددا يوما ما، لكن ليس الآن. علي ~~الانتظار على الأقل حتى تنزوي تلك الصورة التي أراها بوضوح شديد في ذهني، رغم أنني لم ~~أرها قط في الواقع: السيد مالي يحمل قطع قماش وفرشا ودلوا ممتلئا بالماء والصابون، ~~ينظف بطريقته الخرقاء، طريقته الخرقاء المتعمدة، جدران المرحاض، وينحني بصعوبة، ويتنفس في ~~أسى، ويرتب في ذهنه روايته الغريبة - التي لن يرضى عنها تماما بطريقة أو بأخرى - عن شخص ~~آخر خان ثقته. وفي الوقت نفسه أنظم أنا كلماتي، بينما يدور بخلدي أن من حقي ms069 التخلص ~~منه. # | العلاج # لم يحتس والداي الشراب، لكنهما لم يكونا متشددين حيال الأمر، بل أذكر حين وقعت على ~~عهد الامتناع عن الشراب وأنا في الصف السابع، مع بقية ذاك الصف الملقن على نحو ممتاز وإن ~~كان مؤقتا؛ قالت أمي: «إنه محض هراء وتعصب أن يقوم بذلك أطفال في ذلك العمر.» كان من ~~الممكن أن يحتسي أبي الجعة في يوم حار، لكن أمي لم تكن تنضم إليه في ذلك، إلى جانب أنه ~~دائما ما كان يحتسي هذا الشراب «خارج» المنزل، سواء كان ذلك عن غير قصد أو لدلالة رمزية. ~~أغلب الناس الذين عرفناهم كانوا على هذا المنوال، في البلدة الصغيرة حيث عشنا. لن أقول إن ~~هذا الأمر هو ما أوقعني في صعوبات؛ إذ إن الصعوبات التي واجهتها كانت تعبيرا صادقا عن ~~طبيعتي المثيرة للإزعاج؛ الطبيعة نفسها التي دفعت أمي للنظر إلي، في أية مناسبة تستدعي ~~على نحو تقليدي مشاعر الفخر والشعور بإنجاز الأم (أقصد عند مغادرتي لأداء أول رقصة ~~رسمية لي، أو التحضيرات المتعنتة للالتحاق بالكلية)، بتعبير يعكس يأسا يطاردها ولا تستطيع ~~الفكاك منه، كما لو أنه لم يكن بإمكانها أن تتوقع - ولم تتمن - أن تصير الأمور معي مثلما ~~صارت مع الفتيات الأخريات؛ فما تحلم به الفتيات من مغانم - أزهار الأوركيد، الشباب ~~الجذابين، الخواتم الماسية - هي أشياء من الممكن أن يحملها بنات صديقاتها إلى منازلهن في ~~الوقت المناسب، وليس أنا؛ كل ما بوسعها فعله هو تمني وقوع كارثة أخف وطأة من كارثة كبرى، ~~على سبيل المثال، هروبي مع شاب لن يستطيع أبدا كسب قوت يومه، بدلا من اختطافي ~~للاتجار بي في تجارة الرقيق البيض. # قالت أمي: لكن الجهل، أو السذاجة إن شئت، ليس شيئا طيبا على الدوام كما يعتقد الناس، ~~ولست واثقة من أنه قد يكون مأمون العواقب لفتاة مثلك. ثم أكدت وجهة نظرها، كعادتها، ~~باقتباس اتسم بتفاخر ساذج وطابع عتيق. لم أبد أية ردة فعل، مدركة تماما كيف أن أثر ~~ذلك لا بد وأنه كان بالغا على السيد بيريمان. # لا ms070 بد أن الأمسية التي جالست فيها أطفال آل بيريمان كانت في شهر إبريل. كنت أمر بقصة ~~حب طيلة العام، أو على الأقل منذ الأسبوع الأول من شهر سبتمبر، عندما ابتسم لي فتى يدعى ~~مارتن كولينجوود ابتسامة إعجاب متفاجئة، تنم عن رضى مبالغ فيه على نحو ينذر بسوء، وذلك ~~أثناء الاجتماع المدرسي. لم أعرف قط ما فاجأه، لم أكن بغير مظهري العادي؛ كنت أرتدي ~~قميصا قديما، وتصفيفة شعري المموجة الثابتة كانت سيئة للغاية. بعد بضعة أسابيع من ذلك ~~خرجت معه للمرة الأولى، وقبلني في الجانب المظلم من الشرفة الأمامية، يتعين علي قول ~~إنه قبلني في فمي، أنا واثقة من أن هذه كانت المرة الأولى التي يقبلني فيها أحدهم بمثل ~~هذه الطريقة المؤثرة على الإطلاق، وأعلم أيضا أنني لم أغسل وجهي تلك الليلة أو في صباح ~~اليوم التالي، كي أحافظ على آثار تلك القبلات كما هي. (أظهرت أكثر السخافات إيلاما في سير ~~هذه العلاقة برمتها، كما سترى.) بعد شهرين، وبعد بضع مراحل غرامية قطعناها، هجرني؛ فقد ~~وقع في غرام الفتاة التي لعبت دور البطولة معه في مسرحية عيد الميلاد «كبرياء ~~وتحامل». # قلت إنني لن أشارك في الإعداد لتلك المسرحية، وأتيت بفتاة أخرى لوضع مساحيق التجميل ~~بدلا مني، ومع ذلك ذهبت لمشاهدة المسرحية بالطبع، وجلست في الصف الأمامي مع صديقتي جويس، ~~التي كانت تشد على يدي عندما ينتابني الألم والبهجة لرؤية السيد دارسي في بنطاله الأبيض ~~الضيق، والصديري الحريري، وسالفتيه الطويلتين. كانت رؤية مارتن يؤدي دور السيد دارسي ما ~~أثر في بالتأكيد؛ فجميع الفتيات تحب السيد دارسي على أية حال، كما أضفى الدور على مارتن ~~غرورا ورونقا ذكوريا في عيني، الأمر الذي جعل من المستحيل تذكر أنه ليس سوى فتى في ~~السنة النهائية من المدرسة الثانوية، وسيم إلى حد مقبول، متوسط الذكاء (وله سمعة تشوبها ~~بعض الشوائب، بسبب تفضيله لنادي الدراما والفرقة الموسيقية العسكرية للمبتدئين)، تصادف أنه ~~أول فتى، أول فتى حسن المظهر حقيقة، يظهر اهتماما بي. في الفصل الأخير يحظى بفرصة ~~لعناق ms071 إليزابيث (ماري بيشوب، ذات البشرة الباهتة والقوام الدميم، ولكن لها عينين كبيرتين ~~نابضتين بالحياة)، وخلال ذلك اللقاء الواقعي غرست أظافري بمرارة في راحة جويس التي كانت ~~ممسكة بيدي. # مثلت تلك الليلة البداية لشهور من البؤس الحقيقي، الذي ألحقته بنفسي بطريقة أو ~~بأخرى. لماذا ننجذب إلى الإشارة إلى هذا الضرب من الأمور باستخفاف وتهكم بل وبدهشة، ~~لدى اكتشاف أن المرء مثقل بتلك المشاعر السخيفة في الماضي غير المسئول عنه؟ هذا ما ننزع ~~إلى فعله عند الحديث عن الحب؛ أما حب المراهقة، فبالطبع الأمر حتمي غالبا؛ ستظن أننا كنا ~~نجلس في فترات ما بعد الظهيرة المثيرة للضجر، نسلي أنفسنا بتلك الذكريات المثيرة من الألم. ~~لكن لا يشعرني بالسعادة حقيقة - بل والأسوأ، لا يدهشني فعلا - أن أتذكر تلك الأشياء ~~الحمقاء والحزينة والمخجلة إلى حد ما التي فعلتها، والتي يفعلها من يقع في الحب دوما. ~~تسكعت حول الأماكن التي ربما يوجد بها، ثم تظاهرت بعدم رؤيته، وفي محادثاتي اقتربت عدة ~~مرات بطرق غير مباشرة على نحو سخيف من ذكر اسمه عرضا، مستمتعة بما يصاحب ذلك من لذة ~~مريرة. رأيته في أحلام اليقظة مرات لا حصر لها، في واقع الأمر إذا أردت التعبير عن المسألة ~~حسابيا، فربما أمضيت من الساعات الطوال في التفكير في مارتن كولينجوود عشرة أمثال الوقت ~~الذي أمضيته معه على الإطلاق. أجل، أمضيتها أتحرق شوقا إليه وأذرف الدموع من أجله. هيمنت ~~فكرة وجوده على فكري بضراوة، وبعد برهة، رغما عني. فإذا كنت بالغت بشدة في مشاعري في ~~البداية، فقد أتى الوقت الذي سأشعر بسعادة الفرار من تلك المشاعر، فقد أضحت أحلام اليقظة ~~المبتذلة محزنة ولم تعد حتى تواسيني بصفة مؤقتة. وفيما أحل المسائل الرياضية كنت ~~أعذب نفسي - بصورة روتينية تماما وأنا مغلوبة على أمري - بذكرى مارتن بتفاصيلها وهو ~~يقبل عنقي. كانت لدي ذكرى تفصيلية عن «كل شيء». ذات ليلة اجتاحتني رغبة ملحة لابتلاع ~~كافة أقراص الأسبرين الموجودة بخزينة الحمام، لكنني توقفت بعد أن ابتلعت ستة ~~أقراص. ~~••• # لاحظت أمي أن ثمة خطبا ما ms072 وأعطتني بعض أقراص الحديد. قالت: «هل أنت واثقة أن كل شيء على ~~ما يرام بالمدرسة؟» المدرسة! وعندما أطلعتها بشأن انفصالي أنا ومارتن، كل ما قالته كان: ~~«حسنا، هذا أفضل كثيرا. لم أر مطلقا فتى مفتونا بنفسه هكذا.» قلت متجهمة: «إن مارتن ~~يملك من الغرور ما يكفي لإغراق سفينة حربية.» ثم صعدت إلى أعلى وأخذت أبكي. # كانت الليلة التي ذهبت فيها إلى آل بيريمان ليلة سبت. عملت كجليسة أطفال لديهم مرات ~~كثيرة ليالي السبت لأنهما أحبا التنزه بالسيارة إلى بايلي فيل - وهي بلدة أكبر كثيرا ~~ونابضة بالحياة أكثر، تبعد ما يقرب من عشرين ميلا - وربما تناولا العشاء وشاهدا عرضا ~~فنيا. عاش آل بيريمان في بلدتنا منذ عامين أو ثلاثة أعوام فقط؛ أحضر السيد بيريمان للعمل ~~كمدير وحدة بمصنع الأبواب الجديد، ومكث هو وأسرته، باختيارهم على حد اعتقادي، وعاشوا ~~غرباء على المجتمع؛ أغلب أصدقائهما كانوا أزواجا صغار السن مثلهما، ولدوا في أماكن أخرى، ~~وعاشوا في منازل على طراز منازل المزارع فوق تلة خارج البلدة حيث اعتدنا الذهاب للتزلج. ~~في ليلة السبت تلك كانا قد دعوا زوجين آخرين لاحتساء الشراب قبل أن يتوجهوا معا إلى ~~بايلي فيل لحضور افتتاح نادي عشاء جديد، كانوا جميعا مبتهجين إلى حد ما. جلست أنا في ~~المطبخ وتظاهرت بأنني أستذكر دروس اللاتينية. في الليلة الماضية كان «حفل الربيع الراقص» ~~بالمدرسة الثانوية. لم أذهب إلى الحفل، بما أن الفتى الوحيد الذي طلب مرافقتي كان ميلارد ~~كرومبتون، والذي طلب كذلك من الكثير من الفتيات مرافقته، حتى إننا شككنا في أنه يتقرب إلى ~~فتيات الصف بأكمله بترتيب الحروف الأبجدية. أقيم الحفل الراقص في أرموريز، والذي كان لا ~~يبعد سوى نصف شارع عن منزلنا، استطعت رؤية الأولاد وهم يرتدون البذلات الداكنة، والفتيات ~~يرتدين ثياب المناسبات الطويلة الفاتحة اللون تحت المعاطف، وهم يمرون برزانة أسفل مصابيح ~~الشارع، ويتجنبون آخر ندف الثلج. بل إنني تمكنت من سماع الموسيقى ولم أنس حتى هذا ~~اليوم أنهم عزفوا أغنية «راقصة الباليه»، وكذلك - أغنية قلبي المتألم - «قارب بطيء ms073 إلى ~~الصين». هاتفتني جويس هذا الصباح وأخبرتني بطريقتها السرية (كما لو كنا نتحدث عن داء ~~مستعص أعاني منه) أن إم كيه كان بالفعل برفقة إم بي بالحفل، وكانت ترتدي ثوب مناسبات لا ~~بد وأنه مصنوع من مفرش مائدة أحدهم بلونه الأصفر الباهت، وكان متهدلا عليها ليس ~~إلا. # عندما خرج آل بيريمان وأصدقاؤهم، دخلت أنا إلى حجرة المعيشة وقرأت مجلة. كنت يائسة ~~على نحو قاتل. كانت الحجرة الفسيحة خافتة الإضاءة، بألوانها الخضراء والبنية كأوراق الشجر، ~~خلفية بسيطة لتطور المشاعر، وكأنك ستصعد إلى خشبة المسرح مثلا. في المنزل كانت المشاعر على ~~ما يرام، لكن بدا دائما أنها تدفن تحت أكوام الملابس التي بحاجة إلى رتق، إضافة إلى ~~الكي، وترتيب أحجيات الصور وجمع الصخور مع الأطفال. كان المنزل من النوع الذي يحتك فيه ~~الأفراد دائما أحدهم بالآخر عند الدرج، ويستمعون إلى مباريات الهوكي وحلقات سوبرمان في ~~المذياع. # نهضت من مكاني ووجدت نسخة من «رقصة الموت» خاصة بآل بيريمان، فوضعتها على مشغل الموسيقى ~~وأطفأت ضوء حجرة المعيشة. كانت الستائر مسدلة جزئيا. لمع ضوء من الشارع على نحو مائل ~~على زجاج النافذة، مشكلا مستطيلا ذهبيا رفيعا خافت اللون، تتحرك داخله ظلال الأغصان ~~العارية التي أدركتها رياح الربيع العليلة القوية. كانت ليلة متوسطة العتمة حين تذوب آخر ~~الثلوج. منذ عام مضى كانت كل هذه الأشياء - الموسيقى، والرياح والظلمة، وظلال الأغصان - ~~تمدني بسعادة هائلة، لكنها لا تفعل ذلك الآن، بل تستدعي داخلي أفكارا مألوفة مللت ~~منها، وشخصية على نحو مهين، فيتملكني اليأس، وأدخل إلى المطبخ وأقرر أن أثمل. # كلا، لم يكن الأمر كذلك. دخلت إلى المطبخ لأبحث عن مشروب الكولا أو شيء من هذا القبيل في ~~الثلاجة، لأجد هناك فوق مقدمة الطاولة ثلاث زجاجات طويلة جميلة، جميعها ممتلئة إلى نصفها ~~تقريبا بمشروب أصفر، لكن حتى بعد أن نظرت إليها ورفعتها لاستشعار وزنها لم أكن قد قررت ~~أن أثمل بعد؛ وهنا قررت أن أحتسي شرابا. # في تلك اللحظة ظهر جهلي، سذاجتي الكارثية. صحيح أنني رأيت آل بيريمان وأصدقاءهم ms074 يحتسون ~~الخمر كما أحتسي أنا المشروبات الغازية، لكنني لم أطبق هذا السلوك على نفسي، بل نظرت إلى ~~المشروبات الكحولية باعتبارها شيئا يشرب في أوقات المحن، ويوكل إليه الوصول إلى نتائج ~~متهورة، بطريقة أو بأخرى. وما كان موقفي ليكون أقل عفوية حتى لو كنت الحورية الصغيرة التي ~~تحتسي الإكسير الشفاف الذي أعطته إياها الساحرة. وبعد نظرة إلى وجهي العازم بالنافذة ~~السوداء أعلى الحوض، صببت القليل من الويسكي من كل زجاجة (أعتقد الآن أن الزجاجات كانت تحوي ~~نوعين من ويسكي الجاودار ونوعا من الويسكي الاسكتلندي باهظ الثمن) حتى امتلأت كأسي، ولما ~~لم أر في حياتي أحدا يصب الخمر، لم تكن لدي فكرة أن الناس في العادة يخففون الشراب ~~بالماء أو الصودا وغير ذلك، وقد رأيت الكئوس التي يحملها ضيوف آل بيريمان ممتلئة تقريبا ~~عندما كنت أمر بحجرة المعيشة. # احتسيت الكأس كلها بأسرع ما يمكن، ثم وضعت الكأس ووقفت أنظر إلى وجهي في النافذة، في شبه ~~توقع أن أراه مختلفا. شعرت بحرقة في حلقي، لكنني لم أشعر بأي شيء آخر. كانت خيبة أملي ~~كبيرة، بعد أن هيأت نفسي للأمر، لكنني لم أكن لأدع الأمر يقف عند هذا الحد. صببت ~~كأسا ممتلئة أخرى، ثم ملأت كل زجاجة بالماء حتى المستوى الذي رأيتها عنده تقريبا عندما ~~أتيت. احتسيت الكأس الثانية على نحو أبطأ قليلا من المرة السابقة. أنزلت الكأس الفارغة ~~فوق الطاولة بعناية، ربما شعرت في رأسي بمجموعة متداخلة من الأشياء تحدث، فذهبت وجلست فوق ~~كرسي بحجرة المعيشة. مددت ذراعي وأشعلت ضوء أباجورة أرضية بجانب الكرسي، وشعرت بأن الحجرة ~~تنقلب فوقي. ~~••• # عندما قلت إنني توقعت نتائج متهورة لم أقصد أنني توقعت هذا. فكرت في حدوث تغير ~~عاطفي عارم، زيادة مفاجئة في الشعور بالسعادة وانعدام المسئولية، شعور بالجموح والانصراف عن ~~الواقع، يصاحبه دوار خفيف وربما رغبة في الضحك بصوت عال. لم يطرأ بذهني أن السقف سيدور ~~كأنه صحن ضخم قذفه أحدهم تجاهي، ولا أن تنتفخ البقع ذات اللون الأخضر الفاتح بالكرسي وتلتقي ~~لتتفتت، فتلعب معي لعبة ms075 حافلة بقدر هائل من العداء الجامد العديم المعنى. تراجع رأسي إلى ~~الخلف وأغلقت عيني. فتحتهما على الفور، فتحتهما محملقة بهما، ودفعت نفسي من فوق الكرسي ~~وعبرت الردهة ووصلت - حمدا لله! حمدا لله! - إلى حمام آل بيريمان، حيث شعرت بالإعياء ~~في كل أجزاء جسدي، في كل أجزاء جسدي، وسقطت على الأرض كالحجر. # ومنذ تلك اللحظة فصاعدا، لم يكن لدي تصور ثابت عما حدث؛ فذكرياتي عن الساعة أو ~~الساعتين التاليتين انقسمت إلى أجزاء حية وأخرى غير محتملة الحدوث، ولا شيء سوى ضبابية ~~وريبة بينهما. أتذكر بالفعل استلقائي فوق أرضية الحمام أنظر بزاوية جانبية إلى البلاط ~~الأبيض السداسي الجوانب، والذي امتد في نمط منطقي وجذاب للغاية، أنظر إليه بامتنان متقطع ~~مقتضب وبسلامة شخص مزقه القيء إلى أشلاء توا. ثم أذكر جلوسي أمام هاتف الردهة، أطلب ~~بوهن رقم هاتف جويس. لم تكن جويس بالمنزل. أخبرتني أمها (امرأة حمقاء إلى حد ما، لم ~~يبد أنها لاحظت أي شيء؛ الأمر الذي جعلني أشعر بامتنان تلقائي وواهن) أنها تمكث بمنزل كاي ~~سترينجر. لم أعرف رقم كاي لذا طلبته من عامل الهاتف؛ شعرت أنني لا أستطيع المجازفة بالنظر ~~في دليل الهاتف. # لم تكن كاي سترينجر صديقة لي، لكنها كانت صديقة جديدة لجويس. كانت لها سمعة غامضة عن ~~سلوكها الجامح، وكانت تضع ضفيرة طويلة ملونة، على نحو غريب للغاية، وإن كان طبيعيا، ~~بصفرة الصابون وبنية الكراميل. كانت تعرف الكثير من الشباب ممن هم أكثر إثارة من مارتن ~~كولينجوود، شباب انقطعوا عن الدراسة أو استقدموا إلى البلدة للعب ضمن فريق الهوكي. ~~ركبت هي وجويس في سيارات هؤلاء الشبان، وأحيانا ما ذهبتا برفقتهم - بعد أن كذبت كلتاهما ~~على أمهما بالطبع - إلى قاعة رقص «جاي لا» التي تقع على الطريق السريعة شمال البلدة. # تحدثت مع جويس على الهاتف، كانت متوترة للغاية، كما هي دوما عندما يكون هناك شباب من ~~حولها، وبدت أنها تسمع بالكاد ما أقول. # قالت: «لا أستطيع الليلة. بعض الشباب هنا. سنلعب الورق. تعرفين بيل كلاين؟ إنه هنا . روس ~~أرمور ms076 ...» # قلت وأنا أحاول أن أنطق الكلمات بوضوح: «أنا «مريضة».» لكنها خرجت كحشرجة غير آدمية، «أنا ~~ثملة يا جويس!» ثم تهاويت من فوق المقعد الصغير وسقطت سماعة الهاتف من يدي، وأخذت ~~ترتطم على نحو بائس بالجدار لبرهة. # لم أخبر جويس بمكاني؛ لذا بعد أن فكرت جويس في الأمر للحظة هاتفت أمي، وبعد ~~استخدامها لحيلة متقنة غير ضرورية تستمتع بها الفتيات الصغار، عرفت بمكاني. خرجت هي وكاي ~~والفتية - كان هناك ثلاثة فتيان - وأخبروا والدة كاي بقصة ما حول المكان الذي سيذهبون إليه ~~وصعدوا إلى السيارة وانطلقوا. عثروا علي ممددة فوق السجاد الواسع النسيج بالردهة. شعرت ~~بالغثيان مجددا، وفي تلك المرة لم أنجح في الوصول إلى الحمام. # اتضح أن كاي سترينجر، التي لم تصل إلى المكان إلا من قبيل المصادفة، هي الشخص الذي احتجت ~~إليه بالضبط. كانت تحب الأزمات، لا سيما الأزمات من هذا القبيل، التي تحمل سمة الشبهة ~~والفضيحة والتي يجب إخفاؤها عن الكبار. أضحت متحمسة وجريئة وفعالة، تلك الطاقة التي ~~اصطلح على تسميتها بالجموح كانت ببساطة فيضا لغريزة أنثوية هائلة لإدارة الأمور ~~والمواساة والتحكم. استطعت سماع صوتها موجها نحوي من الاتجاهات كافة، تخبرني بألا ~~أقلق، وتخبر جويس بأن تعثر على أكبر إبريق قهوة بالمنزل وتملأه بالقهوة (قهوة مركزة كما ~~أخبرتها)، وأخبرت الفتية بأن يمسكوا بي ويحملوني إلى الأريكة. فيما بعد، في ضبابية ~~الأحداث التي تتجاوز إدراكي، كانت تصيح في طلب فرشاة تنظيف. # بعد ذلك كنت مستلقية فوق الأريكة، ومغطاة بشيء يشبه الوشاح مصنوع من النسيج المحبوك ~~وجدوه بحجرة النوم. لم أرغب في رفع رأسي. امتلأ المنزل برائحة القهوة. دخلت جويس شاحبة ~~الوجه؛ قالت إن الأطفال استيقظوا لكنها أعطتهم الكعك المحلى وأمرتهم بالعودة إلى فراشهم، ~~وسار الأمر على ما يرام، كما لم تدعهم يخرجون من حجرتهم، ولا تعتقد أنهم سيتذكرون. قالت ~~إنها وكاي نظفتا الحمام والردهة إلا أنها تخشى من وجود بقعة على السجاد. # أصبحت القهوة جاهزة. لم أع شيئا بصورة جيدة. شغل الفتية المذياع وكانوا يقلبون في ~~مجموعة أسطوانات آل بيريمان، ms077 بعد أن وضعوها فوق الأرضية. شعرت بأن هناك شيئا غريبا حيال ~~هذا الأمر، لكنني لم أستطع التفكير في ماهيته. # أحضرت كاي كوبا كبيرا ممتلئا بالقهوة. # قلت: «لا أدري إن كان باستطاعتي احتساء القهوة. شكرا لك.» # قالت في حماسة وكأن التعامل مع أشخاص ثملين أمرا روتينيا «اجلسي.» ولم أكن بحاجة إلى ~~الشعور بالأهمية. (سمعت نبرة الصوت تلك وميزتها بعد سنوات في جناح الولادة.) وقالت: ~~«اشربي الآن.» شربت القهوة، وأدركت في الوقت نفسه أنني كنت أرتدي لباسي الداخلي فقط؛ فقد ~~نزعت جويس وكاي قميصي وتنورتي، ونظفتا التنورة وغسلتا القميص، لما كان قميصي من ~~النايلون، علقتاه في الحمام. جذبت الوشاح لأعلى تحت ذراعي فضحكت كاي. قدمت القهوة ~~للجميع. أحضرت جويس إبريق القهوة، وبأمر من كاي أخذت تملأ كوبي كلما شربت منه. أخبرني ~~أحدهم باهتمام: «لا بد أنك أردت أن تثملي.» # قلت بطريقة عابسة إلى حد ما وأنا أحتسي القهوة في إذعان: «كلا، لقد احتسيت كأسين ~~فقط.» # ضحكت كاي: «حسنا لا بد أنهما أثرا فيك. أؤكد ذلك. متى تتوقعين عودتهما؟» ~~«في وقت متأخر، بعد الساعة الواحدة حسبما أظن.» ~~«ستكونين على ما يرام حينها. احتسي المزيد من القهوة.» # بدأت كاي ترقص مع أحد الفتية على أنغام المذياع. رقصت كاي بطريقة مثيرة للغاية، لكن اعتلت ~~وجهها تلك النظرة المتساهلة والمتفوقة على نحو رقيق، والتي كانت باردة حين كانت ترفعني ~~لاحتساء القهوة. كان الفتى يهمس إليها فتبتسم وتهز رأسها. قالت جويس إنها تشعر بالجوع، ~~واتجهت نحو المطبخ لترى ماذا يوجد به؛ رقائق بطاطس أو مقرمشات، أو شيء من هذا القبيل، مما ~~يمكن تناوله دون ترك أثر ملحوظ. اتجه بيل كلاين نحوي وجلس فوق الأريكة إلى جانبي، وربت ~~على ساقي من فوق الوشاح المحبوك. لم ينطق بكلمة، فقط ربت فوق ساقي ونظر إلي بما ~~بدا لي تعبيرا أحمق للغاية، ومقززا إلى حد ما، وسخيفا ومفزعا. شعرت بالانزعاج ~~للغاية؛ وتساءلت كيف يقال إن بيل كلاين جذاب للغاية، بذلك التعبير على وجهه. حركت ~~ساقي في توتر فرمقني بنظرة ازدراء، دون ms078 أن يتوقف عن التربيت. جاهدت لأقوم من فوق ~~الأريكة بعد ذلك، وجذبت الوشاح حولي، عازمة على الذهاب إلى الحمام لأرى ما إذا كانت جفت ~~سترتي. ترنحت قليلا عندما بدأت السير، ولسبب ما - ربما لأظهر لبيل كلاين أنه لم يثر ~~ذعري - بالغت في الأمر على الفور، وصحت: «انظروا إلي وأنا أسير في خط مستقيم!» ترنحت ~~وتعثرت تجاه الردهة، تصاحبني ضحكات الجميع. كنت أقف بالمدخل بين الردهة وحجرة المعيشة ~~عندما استدار مقبض الباب بنقرة مقتضبة مألوفة، وساد الصمت كل شيء من خلفي باستثناء المذياع ~~بالطبع، وانزلق الوشاح المحبوك بإيعاز من خبث، من تلقاء نفسه، حتى قدمي، وهناك - أوه، لحظة ~~جذل في مسرحية هزلية محبوكة جيدا! - وقف آل بيريمان، السيد والسيدة بيريمان، يعلو وجهيهما ~~تعبير ملائم للموقف، كما سيتمنى أي مخرج عتيق الطراز للمسرحيات الهزلية أن يراه على وجوه ~~ممثليه. لا بد أنهما كانا متأهبين بتلك التعبيرات، فمن المؤكد أنهما لن يظهرا تلك ~~التعبيرات في لحظة الصدمة الأولى، فمع الضجيج الذي كنا نصدره، لا شك أنهما سمعونا حالما ~~ترجلا من السيارة، وهو السبب نفسه الذي حال دون سماعنا لهما. لا أظن أنني علمت قط سبب ~~حضورهما إلى المنزل في وقت مبكر للغاية - شعورهما بالصداع، نشوب شجار! - ولم أكن حقيقة في ~~موقف يؤهلني لسؤالهما. ~~••• # أقلني السيد بيريمان بسيارته إلى منزلي. لا أذكر كيف دخلت إلى السيارة، أو كيف عثرت ~~على ملابسي وارتديتها، أو كيف قلت طابت ليلتك، إن كنت قلتها في الأساس، للسيدة بيريمان. ~~لا أذكر ما حدث لأصدقائي، رغم ذلك أتصور أنهم جمعوا معاطفهم ولاذوا بالفرار، ويخفون ~~مهانة رحيلهم بأن عمدوا إلى الزوم في تحد. أذكر جويس وهي تحمل علبة المقرمشات في يدها، ~~تقول إنني أصبت بإعياء شديد من الطعام - أذكر أنها قالت الملفوف اللاذع - على العشاء، ~~وإنني اتصلت بها لنجدتي. (عندما سألتها فيما بعد ماذا فهموا من ذلك قالت: «كان بلا جدوى، ~~كان ينبعث منك «رائحة كريهة».») أذكر أيضا أنها قالت: «أوه، لا، سيد بيريمان، أتوسل ~~إليك، إن أمي شخص حاد المزاج ms079 بدرجة هائلة، لا أدري ماذا يمكن أن تسبب لها الصدمة. سأركع ~~لك إذا شئت لكن «لا تتصل بأمي».» لا أذكر أنها ركعت على ركبتيها - وكانت لتفعل ذلك على ~~الفور - لذا يبدو أن هذا التهديد لم ينفذ. # أخبرني السيد بيريمان: «حسنا، أعتقد أنك تدركين أن سلوكك الليلة هو أمر غاية في ~~الخطورة.» جعل الأمر يبدو وكأنني سأتهم بالإهمال الجنائي أو شيئا أسوأ من ذلك. وقال: ~~«سأكون مخطئا للغاية إن غضضت الطرف عما حدث.» أعتقد أنه إلى جانب شعوره بالغضب ~~والاشمئزاز مني، كان قلقا حيال أخذي إلى المنزل في هذه الحالة إلى والدي المتزمتين، ~~اللذين سيقولان إنني كنت أحتسي الخمر دوما بمنزله. الكثير من أرباب الاعتدال في شرب الخمر ~~سيظنون هذا ويلقون باللوم على السيد بيريمان، وكانت البلدة تعج بأرباب الاعتدال في شرب ~~الخمر. كانت العلاقات الطيبة مع أهل البلدة أمرا مهما للغاية له من الناحية ~~العملية. # قال: «أفكر في أنها ليست المرة الأولى، فإذا كانت المرة الأولى، فهل ستتمتع أي فتاة ~~بالذكاء الكافي لملء الزجاجات الثلاث بالماء؟ كلا. حسنا، في هذه الحالة، كانت ذكية بما ~~يكفي، لكن ليس بالقدر الكافي لمعرفة أنني سأكتشف الأمر. ما رأيك في هذا؟» فتحت فمي ~~للإجابة، ورغم شعوري بأنني في كامل وعيي، فإنه لم يخرج من فمي سوى صوت قهقهة عالية بطنين ~~بائس. توقف أمام منزلنا. قال: «الأضواء مشتعلة بالمنزل. الآن ادخلي وأخبري والديك ~~بالحقيقة الكاملة. وإذا لم تفعلي، فتذكري أنني سأفعل ذلك.» لم يذكر شيئا يتعلق بدفع ~~النقود مقابل خدمات مجالسة الأطفال عن هذه الأمسية، ولم يطرأ الأمر بذهني أيضا. # دخلت المنزل وحاولت أن أصعد مباشرة إلى الطابق العلوي، لكن أمي نادتني. دلفت إلى ~~الردهة الأمامية، حيث لم أشعل الضوء. لا بد وأنها اشتمت رائحتي على الفور لأنها هرعت إلى ~~الأمام مطلقة صرخة اندهاش تام، كما لو أنها رأت شخصا يسقط، وأمسكتني من كتفي حيث كنت ~~سأسقط بالفعل من فوق درابزين الدرج، وأنا يغمرني الشعور بتعاسة حظي العجيبة، وأخبرتها بكل ~~شيء من البداية ، دون أن ms080 أغفل ذكر اسم مارتن كولينجوود ومحاولة انتحاري غير الجدية ~~بالأسبيرين، والتي كانت خطأ. # في صباح يوم الإثنين استقلت أمي الحافلة المتجهة إلى بايلي فيل، وسألت عن متجر خمور ~~وابتاعت لي زجاجة من الويسكي الاسكتلندي، ثم اضطرت إلى انتظار حافلة تعيدها إلى المنزل، ~~والتقت ببعض الناس الذين تعرفهم ولم تكن قادرة تماما على إخفاء الزجاجة في حقيبتها؛ ~~شعرت بالحنق من نفسها لأنها لم تحضر حقيبة تسوق ملائمة. وبمجرد أن عادت، ذهبت إلى ~~منزل آل بيريمان؛ لم تتناول وجبة الغداء حتى. لم يكن السيد بيريمان قد عاد إلى المصنع. دخلت ~~أمي وتحدثت مع كليهما وتركت انطباعا ممتازا لديهما، ثم أقلها السيد بيريمان إلى ~~المنزل بسيارته. تحدثت معهما بأسلوبها الهادئ والصريح، والذي دائما ما كان يثير الدهشة ~~على نحو مستحب لدى أشخاص مهيئين للتعامل مع أم، كما أخبرتهما أنه رغم أنني فيما ~~يبدو أبلي بلاء حسنا في المدرسة، فقد كنت متأخرة للغاية - أو ربما غريبة الأطوار - في ~~تطوري العاطفي. تصورت أن هذا التحليل لسلوكي كان فعالا على نحو استثنائي للسيدة ~~بيريمان، التي كانت قارئة نهمة لكتب توجيه الأطفال. توطدت العلاقة بين أمي وآل ~~بيريمان إلى الحد الذي جعلها تثير مثالا محددا للصعوبات التي أمر بها، فروت على ~~نحو استرضائي قصة مارتن كولينجوود كاملة. # في غضون بضعة أيام انتشر خبر أنني حاولت الانتحار حزنا على مارتن كولينجوود في أرجاء ~~البلدة والمدرسة، وانتشرت بالفعل كذلك قصة حضور السيد بيريمان وزوجته إلى المنزل ليلة سبت، ~~وأنهما وجداني ثملة ومترنحة، ولا أرتدي شيئا سوى لباسي الداخلي، في حجرة بها ثلاثة فتية، ~~كان بيل كلاين من ضمنهم. أخبرتني أمي أنني سأسدد ثمن زجاجة الخمر التي أخذتها إلى آل ~~بيريمان من دخلي من مجالسة الأطفال، لكن عملائي تلاشوا كما تلاشت آخر ثلوج إبريل، وما كنت ~~سأسدد ثمنها إلى الآن لولا أن الوافدين الجدد إلى البلدة انتقلوا للسكنى قبالتنا في الشارع ~~في شهر يوليو، واحتاجوا جليسة أطفال قبل أن يتحدثوا إلى أي أحد من جيرانهم. # قالت أمي أيضا إنها ارتكبت ms081 خطأ فادحا بالسماح لي بالخروج برفقة الفتية، وإنني لن ~~أخرج مجددا حتى أتجاوز عامي السادس عشر بفترة طويلة. تبين أن ذلك لم يكن بمأزق حقيقي ~~مطلقا؛ نظرا لأنه لم يطلب أحد الخروج معي طيلة تلك الفترة على الأقل. إذا خلت أن أخبار ~~مغامرة آل بيريمان جعلت مني شخصا مطلوبا في حفلات اللهو والحفلات الماجنة التي كانت ~~تقام في البلدة ومن حولها، فأنت مخطئ للغاية، فالشهرة الاستثنائية التي صاحبت حفلتي ~~الماجنة الأولى ربما جعلتني أبدو موسومة بنوع خاص من سوء الحظ، مثل الفتاة التي تبين ~~أنها حبلى على نحو غير شرعي في ثلاثة توائم؛ فلا يود أحد أن تجمعه علاقة بها. على أية حال ~~لم يتصل أحد بي على الإطلاق، واكتسبت السمعة الأكثر إثما بالطبع في المدرسة الثانوية ~~بأكملها. اضطررت إلى تحمل الأمر حتى فصل الخريف التالي، عندما فرت فتاة شقراء سمينة ~~في الصف العاشر مع رجل متزوج، وشوهدت بعد شهرين وهي تعيش في الخطيئة - لكن ليس مع الرجل ~~نفسه - في مدينة سو سانت ماري. بعد ذلك نسي الجميع قصتي. # بيد أنه كان لذلك الشأن نتيجة إيجابية، وغير متوقعة على نحو رائع؛ تغلبت تماما ~~على مارتن كولينجوود. لم يكن الأمر فحسب أنه قال ذات مرة، على الملأ، إنه كان يعتقد دوما ~~أنني مختلة العقل؛ فمتى أتى ذكره لم أكن أشعر بالفخر، وكان بإمكان خيالي الرقيق إيجاد سبيل ~~للتغاضي عن ذلك قبلها بشهر أو بأسبوع. ماذا كان ذلك الذي أعادني إلى العالم مجددا؟ كان ~~الواقع المريع والمذهل للكارثة التي حلت بي؛ كان «الطريقة التي تجري بها الأمور». لا ~~أعني أنني استمتعت بما حدث، فقد كنت فتاة خجولة وعانيت كثيرا من تلك الفضيحة، لكن ~~تطور الأحداث في ليلة السبت تلك هو ما أثار اهتمامي؛ شعرت أنني أدركت لمحة من العبثية ~~السافرة والساحرة والمتشظية التي ترتجل بها الحبكات الدرامية للحياة، ولم تكن في الأدب ~~القصصي. لم أستطع التوقف عن تأمل هذا الأمر. # وبالطبع تقدم مارتن كولينجوود في شهر يونيو من ذلك العام للقبول في ms082 الجامعة، ورحل إلى ~~المدينة ليحضر دروة تدريبية عن دفن الموتى - كما أظن أنه اسمها - وعندما عاد عمل مع عمه في ~~دفن الموتى. عشنا في البلدة نفسها واستطعنا معرفة معظم الأمور التي وقعت لكل منا، لكنني ~~لا أعتقد أننا التقينا وجها لوجه أو رأى أحدنا الآخر، إلا من مسافة بعيدة، لسنوات. ذهبت ~~إلى حفل هدايا عرس الفتاة التي تزوج منها، ولكن بعدها ذهب كل منا إلى حفلات هدايا ~~العرس لأناس لم تجمعنا المعرفة بهم. كلا، لا أعتقد أنني رأيته فعلا مرة أخرى، حتى عدت ~~إلى بلدتي بعد أن تزوجت بعدة سنوات لحضور جنازة أحد أقاربي. ثم رأيته، لم يكن يشبه ~~السيد دارسي تماما، لكن كان وسيما للغاية مع ذلك في تلك الملابس السوداء. ورأيته ينظر ~~تجاهي بتعبير يشبه ابتسامة حافلة بالذكريات في حدود ما تسمح به المناسبة؛ علمت أنه اندهش ~~بذكرى، إما ذكرى وفائي أو كارثتي الصغيرة المدفونة. رمقته بنظرة رقيقة حائرة في المقابل. ~~أنا امرأة يافعة الآن؛ دعه يكشف هو عن كوارثه الخاصة. # | وقت الموت # بعد فترة، تمددت الأم، ليونا باري، فوق الأريكة، ملفوفة بلحاف، وأخذت النساء في وضع مزيد ~~من الحطب في المدفأة على الرغم من أن المطبخ كان ساخنا للغاية، ولم يشعل أحد الضوء. احتست ~~ليونا بعض الشاي ورفضت تناول أي طعام، وقالت بادئة حديثها كما يلي، بصوت أجش ومصر، ~~لكن ليس هيستيريا بعد: لم أكد أخرج من المنزل، لم أغب عن المنزل سوى عشرين دقيقة ~~... ~~(قالت آلي ماكجي في نفسها: ثلاثة أرباع الساعة على الأقل. لكنها لم تنطق بذلك؛ ليس في هذا ~~الوقت. لكنها تذكرت ذلك؛ إذ كانت هناك ثلاثة مسلسلات يبثها المذياع تحاول الإصغاء إليها، ~~والتي كانت تتابعها كل يوم، لكنها لم تتمكن من سماع نصفها؛ فقد كانت ليونا هناك في مطبخها ~~تتحدث عن باتريشيا. كانت ليونا تحيك زي راعية بقر من أجل باتريشيا على ماكينة خياطة آلي، ~~سرعت من حركة الماكينة وجذبت الخيط بشكل مباشر إلى الخارج لقطعه بدلا من أن تجذبه إلى ~~الخلف، على ms083 الرغم من أن آلي أخبرتها بألا تفعل ذلك حتى لا تتسبب في كسر الإبرة. كان من ~~المفترض أن ترتدي باتريشيا هذا الزي في الليلة التي ستغني بها في حفل بأعلى الوادي؛ فقد ~~كانت تنشد الأغاني الغربية الخاصة برعاة البقر. كانت باتريشيا تغني مع فرقة ميتلاند فالي ~~إنترتينرز التي كانت تجوب أرجاء البلاد لتقدم فقرات في الحفلات الموسيقية والراقصة، وكان ~~يتم تقديمها في تلك الحفلات على أنها «محبوبة ميتلاند فالي الصغيرة»، و«الشقراء الصغيرة»، ~~و«الطفلة ذات الجسم الصغير والصوت القوي». كانت تملك صوتا قويا بالفعل، مفزعا إلى حد ما ~~لأن يخرج من طفلة ضعيفة للغاية كباتريشيا. جعلتها ليونا تغني أمام الناس عندما بلغت الثالثة ~~من عمرها. # قالت ليونا وهي تنحني للأمام ضاغطة بقدميها على دواسة الماكينة: لا تخاف أي شيء قط، ~~فكان من السهل عليها أن تغني أمام الناس. فتحت بلوزتها الشفافة عن غير قصد، فانكشف صدرها ~~الهزيل، ونهداها الذابلان، بعروقهما الزرقاء الكبيرة التي تنحدر داخل القميص الداخلي ~~الرمادي المائل للون الوردي. لا يهمها أي شيء، حتى وإن كان ملك إنجلترا نفسه يشاهدها، ~~ستقف وتغني، وعندما تنتهي من الغناء، ستجلس، هذا كل ما يحدث فحسب. حتى إن لها اسما ملائما ~~لمغنية، باتريشيا باري، ألا يبدو لك كاسم سمعته يذكر بالمذياع؟ هناك أمر آخر وهو ~~شعرها الأشقر الطبيعي، يتعين علي أن أعقص شعرها كل ليلة، لكن ذلك الشعر الأشقر الطبيعي ~~ليس من المفترض أن يتم عقصه، كما أنه لا يتغير لونه للون الداكن أبدا؛ لدينا هذا النوع ~~من الشعر الأشقر الطبيعي في بعض أفراد عائلتنا والذي لا يصير داكنا أبدا؛ فقريبتي التي ~~أخبرتك عنها، التي فازت بلقب ملكة جمال سانت كاثرينز لعام 1936، كانت من بين هؤلاء، وكذلك ~~خالتي التي توفيت ...) # لم تقل آلي ماكجي أي شيء، والتقطت ليونا أنفاسها ثم قالت باندفاع: عشرون دقيقة. كان آخر ~~شيء قلته لها أثناء خروجي من الباب هو: عليك الاعتناء بالأطفال! إنها في التاسعة من عمرها، ~~أليس كذلك؟ سأذهب فقط إلى الجهة المقابلة من الطريق لأحيك لك ms084 هذا الزي، اعتني بالأطفال. ~~وخرجت من الباب ونزلت الدرج ووصلت حتى نهاية الحديقة، وما إن نزعت الخطاف من البوابة، حتى ~~أوقفني شيء ما، وحدثتني نفسي: «هناك خطب ما!» قلت في نفسي: ما الأمر؟ وقفت هناك وتطلعت خلفي ~~إلى الحديقة، وكل ما استطعت رؤيته هو سيقان الذرة والكرنب المتجمد، واللذين تأخرنا في ~~حصدهما هذا العام، ونظرت عبر الطريق ولم أر سوى كلب ماندي العجوز يتمدد أمام منزله، لا ~~توجد سيارات آتية من أي اتجاه، وجميع الأفنية خالية، وكان الجو باردا حسبما أظن، ولم يكن ~~هناك أطفال يلعبون بالخارج - وقلت في نفسي: يا إلهي! ربما اختلطت الأيام في ذهني وهذا ليس ~~صباح يوم السبت، ربما هو يوم خاص لا أستطيع تحديده - ثم فكرت في أن كل ما في الأمر هو أن ~~الثلوج على وشك التساقط؛ استشعرت ذلك في الهواء، وتعلمون كم يكون الجو باردا حينئذ، كانت ~~البرك الصغيرة في الطريق قد تجمدت وتباعدت - لكن الثلوج لم تبدأ في التساقط، أليس كذلك؟ لم ~~تتساقط الثلوج بعد - فركضت عبر الطريق، ثم توجهت نحو منزل ماكجي وصعدت الدرج الأمامي وقالت ~~لي آلي: ليونا، ماذا بك؟ تبدين شاحبة للغاية ... # سمعت آلي ماكجي ذلك أيضا دون أن تنطق بشيء؛ فلم يكن الوقت مناسبا لأي نوع من التدقيق. ~~ارتفع صوت ليونا أكثر فأكثر أثناء حديثها، وفي أية لحظة الآن من الممكن أن تتوقف عن الحديث ~~وتبدأ في الصراخ: لا تجعلوا هذه الطفلة تقترب مني، لا تدعوني أراها، لا تجعلوها تقترب مني ~~فحسب. # تحتشد النساء في المطبخ حول الأريكة، وقد أضحى من المتعذر تمييز أجسامهن الضخمة في شبه ~~الظلام السائد، وتبدو وجوههن كأطياف شاحبة وثقيلة، يرتدين أقنعة الحداد والتعاطف الطقسية. ~~يقلن لها: استريحي الآن، بالنبرات المهيبة للتهدئة والعزاء. استريحي يا ليونا، هي ليست ~~هنا، لا بأس. # وتقول الفتاة العضوة في جماعة جيش الخلاص الخيرية الدينية بصوتها الرقيق الرزين: يجب أن ~~تغفري لها سيدة باري، إنها مجرد طفلة صغيرة. أحيانا كانت هذه الفتاة تقول: إنها إرادة ~~الرب، نحن لا نفطنها. ms085 تقول المرأة الأخرى العضوة أيضا في جماعة جيش الخلاص، والتي كانت ~~أكبر سنا، وذات وجه دهني باهت وصوت ذكوري إلى حد بعيد: في جنات النعيم يتفتح الأطفال ~~كالزهور. احتاج الرب إلى زهرة أخرى، فأخذ طفلك. يا أختاه، عليك أن تشكريه وتفرحي. # أصغت النساء الأخريات في انزعاج حينما كانت تتحدث تلك الفتاة والمرأة؛ ارتسمت على وجوههن ~~لدى سماع تلك الكلمات نظرة إجلال طفولية مرتبكة. صنعن الشاي ووضعن فوق الطاولة الفطائر وكيك ~~الفواكه والكعك المحلى الذي أرسله الناس والذي صنعوه بأنفسهم، لم يأكل أحد أي شيء لأن ~~ليونا كانت ترفض الأكل. كان كثير من النساء يبكي، لكن لم تبك عضوتا جماعة جيش الخلاص، بكت ~~أيضا آلي ماكجي. كانت امرأة بدينة، ذات وجه هادئ وصدر كبير، ولم يكن لديها أطفال. ثنت ~~ليونا ركبتيها أسفل اللحاف وأخذت تهز نفسها للأمام والخلف وهي تنتحب، وتحرك رأسها لأسفل ثم ~~للخلف (مظهرة، كما لاحظت بعض النساء بشعور من الخزي، الخطوط المتسخة برقبتها)، ثم هدأت ~~وقالت بطريقة أشبه بالمفاجأة: لقد أرضعته حتى بلغ عشرة أشهر، كان طفلا رائعا للغاية، ~~أيضا، ما كنت أشعر بوجوده في المنزل قط، لطالما قلت إنه أفضل أطفالي على الإطلاق. # شعرت النساء في المطبخ المظلم شديد الحرارة بمهابة هذا الحزن من منظورهن كأمهات؛ كن ~~متواضعات أمام ليونا القذرة وغير المحبوبة والبائسة. عندما حضر الرجال - الأب وأحد الأقارب ~~وأحد الجيران، حاملين كومة من الحطب أو طالبين في استحياء شيئا يأكلونه - أدركوا على الفور ~~أن هناك شيئا يردعهم، ويوبخهم. خرجوا وقالوا للرجال الآخرين: أجل، ما زلن على حالهن. ~~وقال الأب - الذي بدا منفعلا وثملا قليلا؛ لأنه شعر بأن الناس كانوا يتوقعون منه أن ~~يتصرف بشكل معين في موقف كهذا، لكنه لم يفعل، ولم يكن هذا منصفا: أجل، لن يفيد هذا بيني ~~بأي شيء، حتى وإن بكين للأبد. ~~••• # كان جورج وآيرين يلعبان لعبة القص واللصق، يقصان الأشكال من أحد الكتالوجات، كانا قد ~~قصا صورا لأسرة: الأم والأب والأبناء، والآن يقصان لهم الثياب. شاهدتهما باتريشيا وهما ~~يقصان وقالت: ms086 انظرا إلى الطريقة التي تقصان بها! انظرا إلى كل هذه المساحة البيضاء الزائدة ~~حول الأطراف! كيف ستتناسب هذه الملابس مع الصور، ولم تقصا أي أجزاء زائدة مكافئة لها؟! ~~أمسكت هي بالمقص وقصت بدقة كبيرة، ولم تترك أية مساحات زائدة بيضاء حول الأطراف؛ كان وجهها ~~الصغير الشاحب والفطن مائلا إلى أحد الجانبين، وشفتاها مضمومتين معا. كانت تقوم بالأشياء ~~كما يقوم بها الكبار؛ لم تكن تدعي شيئا، لم تدع أنها مغنية، على الرغم من أنها كانت ~~تنوي أن تكون مغنية عندما تكبر، ربما في الأفلام، أو في الإذاعة. أحبت مطالعة مجلات الأفلام ~~والمجلات التي توجد بها صور الملابس والحجرات، أحبت النظر في نوافذ بعض المنازل في الجزء ~~العلوي من المدينة. # حاول بيني التسلق أعلى الأريكة، انتزع الكتالوج فضربته آيرين على يده؛ بدأ في البكاء، ~~فأمسكته باتريشيا بمهارة وحملته إلى النافذة، أوقفته فوق كرسي لينظر إلى الخارج، وقالت له: ~~باو-واو، بيني، أترى باو-واو؟ - كان هذا هو كلب ماندي الذي نهض وهز نفسه وانطلق بعيدا في ~~الطريق. # قال بيني بأسلوب استفهامي: باو-واو؟ وهو يبسط يديه وينحني في مقابل النافذة ليرى أين ذهب ~~الكلب. كان بيني يبلغ ثمانية عشر شهرا من العمر والكلمات الوحيدة التي كان يعرف أن ينطقها ~~هي باو-واو وبرام، ويقصد ببرام شاحذ المقصات والسكاكين الذي كان يمر من على الطريق أحيانا؛ ~~كان اسمه براندون، يتذكره بيني، ويركض إلى الخارج ليقابله عندما يحضر. كان الأطفال الآخرون ~~الأصغر ممن يبلغون ثلاثة عشر أو أربعة عشر شهرا يعرفون كلمات أكثر من بيني، وكان بإمكانهم ~~القيام بحركات أكثر منه، كالتلويح عند الوداع، والتصفيق، ومعظمهم كانوا أجمل وأذكى منه. كان ~~بيني طويلا ونحيفا وهزيلا، ووجهه مثل وجه أبيه - شاحب، وصامت، وغير آمل - لم يكن ينقصه ~~سوى قبعة مدببة متسخة. لكنه كان طفلا مطيعا؛ كان يقف لساعات ينظر فقط من النافذة ويقول ~~باو-واو، باو-واو، بنبرة استفهامية خافتة، وبدندنة، يضرب بيده على اللوح الزجاجي للنافذة. ~~كان يحب أن يرفعه الناس ويحملوه، وكأنه طفل رضيع؛ كان يستلقي ناظرا لأعلى ومبتسما، ms087 بشيء ~~من الحياء أو الريبة. علمت باتريشيا أنه أحمق؛ كانت تكره الحماقة، كان هو الشيء الأحمق ~~الوحيد الذي لم تكرهه. كانت تذهب وتمسح له أنفه ببراعة وجدية، كانت تحاول أن تجعله يتحدث، ~~وأن يكرر الكلمات وراءها، وتلصق وجهها بوجهه، وتقول بلهفة: أهلا يا بيني، أهلا. فكان ينظر ~~إليها ويبتسم بطريقته البطيئة المرتابة. كان يجعلها ذلك تشعر بشيء ما، شيء من الحزن والسأم، ~~ثم كانت تنصرف وتتركه، تذهب لتتصفح إحدى المجلات السينمائية. # كانت قد تناولت كوبا من الشاي وقطعة من كعكة محلاة بالسكر في الإفطار؛ والآن شعرت ~~بالجوع. فتشت بين الصحون المتسخة وخليط اللبن والعصيدة فوق طاولة المطبخ؛ التقطت كعكة، ~~لكنها كانت غارقة في اللبن، فتركتها مرة أخرى. قالت: إن هذا المكان مذر. لم يكترث جورج ~~وآيرين. خطت فوق كمية من العصيدة جفت فوق مشمع الأرضية. قالت: انظروا! انظروا! لماذا يبدو ~~المكان فوضويا هكذا دائما؟ تحركت في المكان وهي تخطو فوق الأشياء بلامبالاة، ثم أحضرت ~~الدلو المعدني والفرشاة من أسفل الحوض ومغرفة، وبدأت في غرف المياه من صهريج الموقد. # قالت: سأنظف هذا المنزل جيدا؛ فهو لا يحظى بالنظافة اللائقة أبدا كبقية المنازل ~~الأخرى. إن أول شيء سأفعله هو دعك الأرضية بالفرشاة، وعليكما يا أطفال مساعدتي ... # وضعت الدلو فوق الموقد. # قالت آيرين: بداية، هذه المياه ساخنة جدا. # ليست ساخنة بما يكفي، يجب أن تكون مياها مغلية ونظيفة؛ فقد رأيت السيدة ماكجي وهي تدعك ~~«أرضيتها» بالفرشاة. ~~••• # مكثوا في منزل السيدة ماكجي طيلة الليل، كانوا هناك منذ أن وصلت سيارة الإسعاف. رأوا ~~ليونا والسيدة ماكجي وجيرانا آخرين يبدءون في نزع ملابس بيني عنه، وبدا أن أجزاء من جلده ~~تخرج من جسمه، وكان بيني يصدر صوتا ليس كصوت البكاء، بل صوت يشبه صوتا سمعوا كلبا يصدره ~~بعد أن داست سيارة على رجليه الخلفيتين، لكن كان أسوأ، وأعلى، لكن السيدة ماكجي رأتهم؛ ~~فصاحت: ابتعدوا، ابتعدوا من هنا! اذهبوا إلى منزلي. بعد ذلك حضرت سيارة الإسعاف وأخذت بيني ~~إلى المستشفى، وجاءت السيدة ماكجي وأخبرتهم أن بيني سيمكث ms088 في المستشفى لفترة وأنهم سيبيتون ~~في منزلها. أعطتهم قطعة خبز بزبدة الفول السوداني وأخرى بمربى الفراولة. # كان الفراش الذي ناموا عليه له مرتبة من الريش وملاءات ناعمة مكوية؛ كانت البطانيات فاتحة ~~اللون وناعمة وتفوح منها قليلا رائحة النفتالين، فضلا عن ذلك كان يوجد لحاف نجم بيت لحم؛ ~~علموا أنه يسمى كذلك لأنه عندما كانوا يستعدون للخلود إلى النوم قالت باتريشيا: يا إلهي، ~~يا له من لحاف جميل! فبدت السيدة ماكجي مندهشة وحائرة إلى حد ما، وقالت: أوه، أجل، إنه ~~نجم بيت لحم. # كانت باتريشيا مهذبة للغاية بمنزل السيدة ماكجي. لم يكن المنزل جميلا مثل بعض المنازل ~~الموجودة في الجزء العلوي من المدينة، لكنه كان مكسوا من الخارج بطوب زخرفي وبداخله كان ~~يوجد مدفأة ديكورية، إضافة إلى نبات سرخس موضوع في سلة؛ لم يكن مثل المنازل الأخرى الممتدة ~~بمحاذاة الطريق السريع. لم يكن السيد ماكجي يعمل في المصنع كباقي الرجال الآخرين، بل في أحد ~~المتاجر. # كان جورج وآيرين خجولين وخائفين للغاية في هذا المنزل حتى إنهما لم يستطيعا الإجابة ~~عندما كان يوجه الحديث إليهما. # استيقظوا جميعا في ساعة مبكرة للغاية؛ استلقوا على ظهورهم، وهم يشعرون بالانزعاج على ~~الملاءات النظيفة، وشاهدوا الحجرة وهي تزداد نورا، كانت الحجرة بها ستائر معدنية وستائر ~~حريرية لونها بنفسجي زاه، وتوجد نقوش على هيئة زهور بنفسجية زاهية وصفراء على ورق الحائط؛ ~~كانت حجرة الضيوف. قالت باتريشيا: نحن ننام بحجرة الضيوف. # قال جورج: يجب أن أتبول. # قالت باتريشيا: سأرشدك إلى مكان الحمام، إنه عبر الردهة. # لكن جورج رفض النزول إلى الحمام، لم يحب المنزل. حاولت باتريشيا إقناعه، لكنه رفض. # قالت آيرين: لنر ما إذا كانت هناك مبولة أسفل السرير. # قالت باتريشيا في غضب: إن لديهم حماما هنا وليست لديهم أية مباول، لماذا سيحتفظون بمبولة ~~عتيقة كريهة الرائحة هنا؟ # قال جورج في تبلد إنه لن يذهب إلى الأسفل. # نهضت باتريشيا وسارت على أطراف أصابعها إلى التسريحة وأحضرت زهرية كبيرة . عندما تبول ~~جورج، فتحت النافذة بحرص بالغ بلا صوت تقريبا ms089 وأفرغت الزهرية وجففتها بسروال آيرين ~~التحتي. # قالت: لتصمتا الآن أيها الطفلان وترقدا في هدوء، لا تتحدثا بصوت عال، اهمسا فقط. # همس جورج: هل بيني لا يزال في المستشفى؟ # قالت باتريشيا بفظاظة: أجل، هو كذلك. # هل سيموت؟ # أخبرتك مئات المرات، كلا. # هل «سيموت»؟ # كلا! لقد احترق جلده فحسب، لم يحترق من الداخل، لن يموت بسبب حرق صغير بجلده، أليس كذلك؟ ~~لا تتحدث بصوت عال هكذا. # بدأت آيرين في إخفاء رأسها في الوسادة. # قالت باتريشيا: ما خطبك؟ # قالت آيرين ووجهها في الوسادة: كان يبكي على نحو مريع. # حسنا، ألمه شديد، ولهذا السبب كان يبكي. عندما وصل إلى المستشفى، أعطوه شيئا لتسكين ~~الألم. # قال جورج: كيف علمت بذلك؟ # أعلم ذلك. # صمتوا لبرهة ثم قالت باتريشيا: لم أسمع بحياتي قط عن شخص مات لاحتراق جلده، من الممكن أن ~~يحترق جلدك كله، إن هذا لن يهم؛ فسينمو لك جلد آخر. توقفي عن البكاء يا آيرين، وإلا ~~ضربتك. # رقدت باتريشيا في سكون، تنظر إلى أعلى نحو السقف، ينعكس جانب وجهها الشاحب على الستائر ~~الحريرية البنفسجية بحجرة الضيوف بمنزل السيدة ماكجي. # تناولوا في الإفطار عصير جريب فروت، الذي لم يتذكروا أنهم تذوقوه من قبل، ورقائق الذرة ~~والتوست والمربى. راقبت باتريشيا جورج وآيرين ثم أخبرتهما في حدة: قولا رجاء! قولا شكرا! ~~قالت للسيد والسيدة ماكجي: يا له من جو بارد اليوم! لن يكون من المدهش أن تتساقط الثلوج ~~اليوم، أليس كذلك؟ # لكنهما لم يجيبا عليها. كان وجه السيدة ماكجي متجهما. بعد الإفطار قالت: لا تنهضوا يا ~~أطفال، أعيروني السمع، إن شقيقكم الأصغر ... # شرعت آيرين في البكاء ودفع هذا جورج إلى البكاء أيضا؛ قال لباتريشيا وهو ينتحب، وعلى نحو ~~منتصر: لقد مات! لقد مات! لم تجب باتريشيا. قال جورج في نحيب: «هي المذنبة!» فقالت السيدة ~~ماكجي: أوه، كلا، أوه، كلا! لكن باتريشيا جلست في هدوء، بوجه حذر ومهذب، لم تنبس ببنت شفة ~~حتى هدأ البكاء قليلا ونهضت السيدة ماكجي وهي تتنهد وبدأت في تنظيف الطاولة، ثم أبدت ~~باتريشيا رغبتها ms090 في مساعدتها في غسل الصحون. # اصطحبتهم السيدة ماكجي إلى وسط المدينة لتشتري لهم أحذية جديدة من أجل الجنازة، لن تذهب ~~باتريشيا إلى الجنازة لأن ليونا قالت إنها لا ترغب في رؤيتها ثانية طيلة حياتها، لكنها ~~ستحصل على حذاء جديد أيضا؛ سيبدو الأمر فظا إن لم يشتر لها آل ماكجي حذاء. أخذتهم ~~السيدة ماكجي إلى المتجر وجعلتهم يجلسون وشرحت الموقف للرجل الذي يملك المتجر؛ وقفا معا ~~يومئان برأسيهما ويهمسان في جدية، طلب منهم الرجل أن يخلعوا أحذيتهم وجواربهم؛ فخلع جورج ~~وآيرين أحذيتهما وجواربهما وبدت أقدامهما، بأظافر سوداء شديدة القذارة. همست باتريشيا إلى ~~السيدة ماكجي لتخبرها بأنها تود الذهاب إلى الحمام، فأخبرتها السيدة ماكجي أنه في نهاية ~~المتجر، فاتجهت إلى هناك وخلعت حذاءها وجوربها، ونظفت قدمها قدر استطاعتها بالمياه ~~الباردة والمناشف الورقية، وعندما عادت، سمعت السيدة ماكجي وهي تقول بصوت خافت لصاحب ~~المتجر: كان عليك أن ترى الملاءات التي ناموا عليها. مرت باتريشيا من جانبهما ولم تتظاهر ~~بأنها سمعتهما. # حصل آيرين وجورج على حذاءين خفيضين برباط، في حين حصلت باتريشيا على حذاء من اختيارها، ~~بشريط. نظرت إلى حذائها في المرآة المنخفضة، وسارت جيئة وذهابا وهي تنظر إليه حتى قالت ~~السيدة ماكجي: يا باتريشيا لا يهم الحذاء الآن! قالت لصاحب المتجر بنفس الصوت الخافت أثناء ~~خروجهم: هل تصدق هذا؟ # بعد انتهاء الجنازة، عادوا إلى المنزل. كانت النساء قد نظفن المنزل ونحين جميع متعلقات ~~بيني جانبا. أصاب الأب الإعياء نتيجة لتناول الكثير من الجعة في السقيفة الخلفية بعد ~~الجنازة ومكث بعيدا عن المنزل. أما الأم، فقد وضعت بالفراش، مكثت بالفراش ثلاثة أيام ~~واعتنت شقيقة الأب بالمنزل. # أخبرتهم ليونا بألا يسمحوا لباتريشيا بالاقتراب من حجرتها. صاحت: لا تدعوها تقترب من هنا، ~~لا أريد أن أراها، لن أنسى ولدي الصغير. لكن باتريشيا لم تحاول الصعود إلى الطابق العلوي، ~~لم تكترث بأي من ذلك؛ فكانت تتصفح المجلات السينمائية وتعقص شعرها بقطع القماش، وإذا بكى ~~أحد، لم تكن تهتم؛ شعرت في داخلها وكأن شيئا لم يحدث. # حضر الرجل ms091 الذي كان يعمل مديرا لفرقة ميتلاند فالي إنترتينرز لمقابلة ليونا، أخبرها أنهم ~~يعدون برنامجا لحفل موسيقي وراقص ضخم بروكلاند، ويريدون أن تغني باتريشيا به، إن لم يكن ~~الأمر متعجلا للغاية بعد كل ما حدث. قالت ليونا إنه يتعين عليها التفكير في الأمر. نهضت من ~~الفراش وذهبت إلى الطابق السفلي، كانت باتريشيا تجلس على الأريكة تتصفح إحدى مجلاتها، أبقت ~~رأسها منخفضا. # قالت ليونا: إن شعرك يبدو جميلا، أرى أنك كنت تصففينه بنفسك، أحضري لي الفرشاة ~~والمشط! # قالت لأخت زوجها: أليست هذه هي الحياة؟ إنها لا تتوقف أبدا. # ذهبت إلى وسط المدينة واشترت النوتة الموسيقية لأغنيتين: «ليت الدائرة لا تنكسر»، و«ليس ~~خفيا: ما يمكن أن يفعله الرب». جعلت باتريشيا تحفظهما، وغنت باتريشيا هاتين الأغنيتين في ~~الحفل الموسيقي بروكلاند. بدأ بعض الحضور من الجمهور في التهامس، لأنهم سمعوا بما حدث ~~لبيني؛ فقد نشر الخبر في الصحف. أشاروا إلى ليونا، التي ارتدت الملابس الرسمية وجلست فوق ~~المسرح، وأبقت رأسها منخفضا، وأخذت تبكي. بكى بعض الناس من الحاضرين أيضا، لكن باتريشيا ~~لم تبك. ~~••• # في الأسبوع الأول من شهر نوفمبر (والذي لم تبدأ الثلوج فيه في التساقط بعد) حضر شاحذ ~~المقصات والسكاكين بعربته وسار بمحاذاة الطريق السريع، كان الأطفال يلعبون في الأفنية ~~وسمعوا صوته يقترب؛ على الرغم من أنه كان لا يزال بعيدا على الطريق، فإنهم سمعوا نداءه غير ~~المفهوم، الذي كان حزينا ورنانا، وغريبا للغاية لدرجة أنك قد تتصور - إن لم تكن تعرف ~~صاحبه - أن ثمة رجلا مجنونا طليقا يعوي في الطريق. كان يرتدي المعطف البني المتسخ ذاته، ~~والذي كانت حاشيته تتدلى مهترئة، ونفس القبعة المصنوعة من اللباد؛ اقترب على الطريق، يصيح ~~بصوته، فركض الأطفال إلى منازلهم لإحضار السكاكين والمقصات، أو ركضوا في الطريق يصيحون في ~~بهجة: براندون العجوز، براندون العجوز (إذ كان ذلك اسمه). # بعد قليل في فناء آل باري، بدأت باتريشيا في الصراخ: أكره هذا الرجل العجوز! ثم صرخت بصوت ~~عال: أكرهه ! أكره هذا الرجل العجوز، أكرهه! صرخت، ووقفت بلا حراك في الفناء ms092 ووجهها يبدو ~~ذابلا وشاحبا. تسبب هذا الصراخ العالي المرتعش في أن جاءت ليونا تركض نحو الخارج، وكذلك ~~الجيران؛ جذبوها داخل المنزل، وكانت لا تزال تصرخ، لم يتمكنوا من إقناعها بأن تخبرهم بما ~~بها؛ ظنوا أنها تعاني من نوبة ما. كانت عيناها مثبتتين لأعلى وفمها مفتوحا على آخره، ~~وأسنانها الصغيرة المدببة بارزة بالكامل تقريبا، ومتآكلة على نحو طفيف عند نهاياتها؛ جعلها ~~هذا تبدو أشبه بالنمس، حيوان صغير بائس ومجنون في نوبة غضب أو ذعر. حاولوا هزها، وصفعها، ~~وإلقاء الماء البارد على وجهها، وفي النهاية نجحوا في جعلها تبتلع جرعة كبيرة من شراب مهدئ ~~به الكثير من الويسكي، ثم وضعوها في الفراش. # قال الجيران بعضهم لبعض أثناء خروجهم من المنزل: هذه ابنة ليونا الغالية. قالوا: هذه ~~«المطربة»، ولأن الأمور عادت إلى ما كانت عليه الآن وعادوا يبغضون ليونا كما كانوا من قبل، ~~ضحكوا في كآبة وقالوا: أجل، نجمة السينما المستقبلية هذه، عندما تراها تصرخ في الفناء، تظن ~~أنها فقدت صوابها. ~~••• # كان هناك هذا المنزل، والمنازل الخشبية الأخرى التي لم تطل من قبل، بأسقفها المرقعة ~~المنحدرة وشرفاتها الضيقة المائلة، والتي ينبعث من مداخنها الدخان الناتج عن حرق الحطب، ~~ووجوه الأطفال الشاحبة وهي تلمس نوافذها، وخلفها مساحة صغيرة من الأرض، محروثة في بعض ~~الأماكن، وفي أماكن أخرى ينمو العشب، وتمتلئ بالصخور، ومن ورائها كانت توجد أشجار الصنوبر، ~~والتي ليست شديدة الارتفاع. في المقدمة كانت توجد الأفنية، الحدائق الهالكة، والطريق السريع ~~الكئيب يمر عبر البلدة. بدأت الثلوج تتساقط ببطء، وبانتظام، بين الطريق السريع والمنازل ~~وأشجار الصنوبر، في ندفات كبيرة في البداية ثم في ندفات أصغر فأصغر، والتي لم تذب فوق ~~الأخاديد الصلبة وصخور الأرض. # | يوم الفراشة # لا أذكر متى حلت مايرا سايلا بالبلدة، لكنها كانت - ولا شك - في صفنا في المدرسة منذ ~~سنتين أو ثلاث سنوات. بدأت أتذكرها في العام الماضي، حينما كان أخوها الصغير جيمي سايلا ~~في الصف الأول. لم يكن جيمي سايلا معتادا على الذهاب إلى الحمام بمفرده، وكان يأتي إلى باب ~~الصف ms093 السادس ينشد مايرا، فكانت تأخذه إلى الطابق السفلي. وفي كثير من الأحيان كان يأتي إلى ~~مايرا - بعد فوات الأوان - وبقعة داكنة كبيرة تغطي سرواله القطني المزرر. حينئذ كانت ~~مايرا تضطر لأن تسأل المعلمة: «إذا سمحت، هل لي أن آخذ أخي إلى المنزل، لقد بلل ~~نفسه؟» # كان هذا ما قالته أول مرة وسمعه جميع الجالسين في المقاعد الأمامية - رغم أن صوت مايرا ~~كان رخيما ومنخفضا للغاية - فصدرت منهم ضحكات مكتومة جذبت انتباه بقية تلاميذ الصف. ~~كتبت معلمتنا - فتاة رقيقة رزينة ترتدي نظارات يحدها إطار ذهبي رقيق، وتبدو في بعض اللحظات ~~من فرط الكبرياء التي تنم عنها وضعيات معينة كزرافة - شيئا ما على ورقة ثم أرتها لمايرا. ~~قرأت مايرا ما في الورقة في ارتباك: «من فضلك يا معلمتي، تعرض أخي لطارئ.» # كان الجميع يعرف فضيحة جيمي سايلا، وفي وقت الراحة (إذا لم يحدث ما كان يحدث في أكثر ~~الأحيان ومنع من الخروج لفعله أمرا لم يكن ينبغي له أن يفعله في المدرسة) لم يكن جيمي ~~يجرؤ على الخروج إلى فناء المدرسة حيث كان غيره من الأولاد الصغار، وبعض الأولاد الأكبر ~~سنا، ينتظرونه كي يطاردوه ويحاصروه قبالة السور الخلفي ليشرعوا في ضربه بفروع الشجر؛ لذا ~~كان عليه أن يظل مع مايرا. لكن في مدرستنا كان للفناء ناحيتان؛ ناحية للأولاد وأخرى للبنات، ~~وكان يعتقد أنك إذا خطوت فقط إلى الناحية المخالفة لناحيتك فستعرض نفسك للعقاب. ومن ثم؛ ~~لم يكن بمقدور جيمي الخروج إلى ناحية البنات، ولم يكن بمقدور مايرا الخروج إلى ناحية ~~الأولاد، ولم يكن يسمح لأي من التلاميذ بالمكوث داخل المدرسة إلا في حالة هطول المطر أو ~~تساقط الجليد؛ لذا كان الأخوان دائما ما يقضيان أوقات الراحة واقفين داخل رواق خلفي صغير ~~يتوسط الناحيتين. ربما كانا يرقبان مباريات البيسبول، والملاحقة والقفز وبناء منازل من ورق ~~الشجر في الخريف وبناء قلاع من الجليد في فصل الشتاء، وربما لم يرقبا أي شيء على الإطلاق . ~~كلما نظرت إليهما ترى رأسيهما مائلين قليلا، وجسديهما النحيلين منحنيين نحو ms094 الأمام، لا ~~يحركان ساكنا. كان لهما وجهان بيضاويان أملسان يشوبهما نوع من الحزن والتكتم، أما الشعر ~~فكان دهنيا لامعا قاتم السواد. كان شعر الصبي الصغير طويلا، يقص في المنزل، وكان شعر ~~مايرا معقوصا في ضفائر غليظة ملفوفة حول قمة رأسها على نحو كان يجعلها تبدو - من بعيد - ~~كما لو كانت ترتدي عمامة كبيرة للغاية بالنسبة لحجم رأسها. تعلو أعينهما السوداء أجفان لا ~~تنفتح بالكامل قط، لهما نظرة منهكة. كان الأمر أكثر من ذلك. لقد كانا كأطفال لوحات القرون ~~الوسطى، كتمثالين منحوتين من الخشب - لممارسة العبادة أو السحر - لهما وجهان ناعمان ~~ومسنان، وديعان، يتميزان بصمت يشوبه الغموض. ~~••• # كان معظم المعلمين في مدرستنا يدرسون منذ وقت طويل، وفي وقت الراحة كانوا يختفون في غرفة ~~المعلمين ولا يضايقوننا. لكن معلمتنا نحن - الشابة ذات النظارات المؤطرة بإطار ذهبي رقيق - ~~كانت تقف لترقبنا من النافذة، وكانت أحيانا تخرج وعليها علامات الغضب والانزعاج كي تنهي ~~عراكا بين الفتيات الصغيرات، أو تستهل لعبة «حقيقة أم أسرار» بين الفتيات الكبار، اللائي ~~يتجمعن معا للعب. ذات يوم خرجت صائحة: «يا فتيات الصف السادس، أود التحدث إليكن!» وابتسمت ~~ابتسامة مشجعة، جدية، يشوبها قلق يثير التوجس، كاشفة عن حواف ذهبية رفيعة تحيط ~~بأسنانها. قالت: «ثمة فتاة في الصف السادس تدعى مايرا سايلا، إنها في صفكم أنتم، أليست ~~كذلك؟» # صدرت منا غمغمة. لكن جلاديس هيلي قالت بصوت ناعم: «بلى يا آنسة دارلينج!» ~~«حسنا، لماذا لا أراها تلعب أبدا معكن؟ أراها يوميا تقف في الرواق الخلفي، لا تلعب ~~أبدا. هل تعتقدن أنها تبدو سعيدة للغاية بوقوفها هناك؟ هل تعتقدن أنكن ستسعدن للغاية إذا ~~ما تركتن وحيدات هناك؟» # قوبل سؤالها بالصمت. كنا نقف قبالة الآنسة دارلينج، في منتهى الاحترام والهدوء، شاعرات ~~بالضجر من غرابة سؤالها. عندئذ قالت جلاديس: «إن مايرا لا تستطيع الخروج معنا يا آنسة ~~دارلينج؛ لأن عليها أن تعتني بأخيها الصغير!» # ردت الآنسة دارلينج متسائلة: «أوه، حسنا، ينبغي أن تحاولن أن تكن أكثر لطفا معها على ~~أية حال، ألا تعتقدن ذلك؟ ستحاولن ms095 أن تكن أكثر لطفا معها، أليس كذلك؟ أعلم أنكن ~~ستفعلن.» يا للآنسة دارلينج المسكينة! سرعان ما اضطربت مناشداتها، وتحولت محاولاتها ~~لإقناعنا إلى ثغاء سخيف واستعطاف مرتبك. # حينما ذهبت همست جلاديس هيلي بصوت خافت: «ستحاولن أن تكن أكثر لطفا، أليس كذلك؟ أعلم ~~أنكن ستفعلن!» ثم مطت شفتها كاشفة عن أسنانها الكبيرة وصاحت في انفعال: «لا آبه إذا كان ~~المطر يهطل أو الجليد يتساقط.» ومضت تكمل بقية المقطع إلى آخره، واختتمته بدورة استعراضية ~~بتنورتها الاسكتلندية الصوفية ذات المربعات. كان والدها السيد هيلي يدير متجرا للأقمشة ~~وملابس السيدات، وكان السبب فيما نالته ابنته من زعامة في صفنا يعزى جزئيا إلى ما ~~ترتديه من تنورات زاهية ذات نقوش مربعة، وقمصان من «الأورجانزا»، وسترات مخملية ذات أزرار ~~نحاسية، ويعزى - إلى جانب ذلك - إلى النضج المبكر لنهديها، وإلى قوة شخصيتها التي تتميز ~~بالصرامة والرقي في الوقت نفسه. بعد ذلك ما لبثنا أن بدأنا جميعا نقلد الآنسة ~~دارلينج. # قبل ذلك لم نكن نعير كثيرا من الانتباه لمايرا. لكن الآن، ظهرت لعبة جديدة، كانت تبدأ ~~بقول: «فلنكن لطيفات مع مايرا!» ثم نبدأ في السير نحوها في مجموعات منظمة من ثلاث أو أربع ~~فتيات ونردد معا على إثر إيماءة ما من إحدانا: «مرحبا مايرا، مرحبا مايرا!» ثم نتبع ذلك ~~بشيء مثل: «بم تغسلين شعرك يا مايرا، إنه جميل ولامع يا ماي-را.» «أوه، إنها تغسله بزيت كبد ~~الحوت، أليس كذلك مايرا؟ إنها تغسله بزيت كبد الحوت، ألا تشمون رائحته؟» # وبصراحة كانت تنبعث من مايرا رائحة ما، لكنها كانت رائحة عفنة تميل إلى الحلاوة كرائحة ~~الفاكهة العطبة. كان هذا هو مصدر رزق عائلتها؛ متجر متواضع للفاكهة. كان والدها يجلس طوال ~~النهار فوق كرسي بلا ظهر بجانب النافذة، مرتديا قميصا مفتوحا يبرز كرشه الضخم وخصلات ~~الشعر الفاحم التي تؤطر سرته، ويلوك فصوصا من الثوم. لكن إذا دخلت المتجر فستجد السيدة ~~سايلا هي التي تقوم على خدمتك، وكانت تبرز في هدوء من بين الستائر المطبوعة المتهدلة التي ~~تغطي خلفية المتجر. كان شعرها جعدا ms096 مموجا أسود اللون، وكانت تبتسم وشفتاها مطبقتان تماما ~~وممطوطتان إلى أقصى مدى لهما، وكانت تخبرك بالسعر بصوت مقتضب، وكأنها تتحداك أن تتجرأ ~~وتتحداها، وعندما لا تفعل، تسلمك كيس الفاكهة وعيناها تشيان باستهزاء صريح. ~~••• # ذات صبيحة شتوية، وبينما كنت أرتقي الربوة التي تقبع فوقها المدرسة في وقت مبكر للغاية، ~~عرض علي أحد الجيران أن يقلني إلى داخل البلدة، التي كنت أسكن في مزرعة تبعد عنها نصف ~~ميل تقريبا. لم يكن يفترض أن أذهب إلى مدرسة البلدة على الإطلاق، وإنما إلى مدرسة ريفية ~~مجاورة يرتادها عدد من التلاميذ لا يتجاوز أصابع اليدين ومعلمة مصابة بشيء من الخبل إثر ~~بلوغها سن اليأس. لكن أمي - التي كانت امرأة طموحة - أقنعت أولي الأمر في البلدة بقبولي شرط ~~أن يدفع والدي مصروفات دراسية إضافية، فالتحقت بمدرسة البلدة. كنت التلميذة الوحيدة التي ~~تحمل معها علبة غداء وتأكل شطائر زبدة الفول السوداني في حجرة إيداع الملابس الخالية ذات ~~الجدران العالية واللون الخردلي، والوحيدة التي كانت تضطر لارتداء حذاء مطاطي ذي رقبة في ~~فصل الربيع، حينما تكون الطرق موحلة. كنت أشعر أنني أواجه خطرا ما جراء ذلك، لكنني لم ~~أستطع أن أدرك تحديدا ما هو. # رأيت مايرا وجيمي وقد سبقاني على الربوة، كانا دائما يذهبان إلى المدرسة في وقت مبكر ~~للغاية، إلى حد أنهما كانا في بعض الأحيان يضطران للوقوف خارج المدرسة في انتظار أن يفتح ~~لهما البواب. كانا يمشيان على مهل، وكانت مايرا تلتفت نصف التفاتة من آن إلى آخر. كنت في ~~كثير من الأحيان أتباطأ بتلك الطريقة آملة أن تلحق بي أي فتاة مهمة فأمشي بصحبتها، لكن لم ~~أجرؤ يوما على التوقف والانتظار. في هذه اللحظة خطر لي أن مايرا ربما تفعل الشيء نفسه معي. ~~لم أدر ما ينبغي لي فعله. لم أكن لأتحمل أن تراني الفتيات وأنا أمشي بصحبتها، ولم أكن ~~راغبة في ذلك أيضا، لكن من ناحية أخرى، لم تكن نفسي منيعة أمام هذا الالتماس الذي تشي به ~~التفاتاتها الآملة الذليلة. وكأن دورا ما كان ms097 يصاغ لي لم يكن بوسعي أن أحجم عن أدائه. فقد ~~غمرتني دفعة ممتعة من الرغبة في عمل الخير نابعة من إحساسي بذاتي، وقبل أن أفكر فيما أنا ~~مقدمة على فعله صحت: «مايرا! مرحى، مايرا، تمهلي، معي بعض الفشار المغطى بالكراميل!» وأسرعت ~~الخطو بينما توقفت هي عن السير. # انتظرت مايرا لكنها لم تنظر إلي، كانت في انتظاري ولكن بنفس الطريقة المنطوية المتحفظة ~~التي كانت تقابلنا بها دائما. ربما كانت تظن أنني سأحتال عليها، ربما كانت تتوقع أن أركض ~~بجانبها وألقي بعلبة الفشار خاوية في وجهها! فتحت العلبة ومددت بها يدي إليها. أخذت القليل. ~~توارى جيمي وراءها ولم يأخذ أي شيء من العلبة حين قدمتها له. # قلت في نبرة متفهمة مطمئنة: «إنه خجول. هذا حال كثير من الأولاد الصغار، لكنه سيكبر ~~ويتخلص من خجله هذا ولا شك.» # ردت مايرا: «أجل.» # قلت: «لي أخ في الرابعة. إنه خجول للغاية.» لم يكن كذلك في حقيقة الأمر. ثم قلت: «خذي بعض ~~الفشار. كنت لا أكف عن تناول الفشار المغطى بالكراميل طوال الوقت، ولكني لم أعد أفعل. أظن ~~أنه يضر البشرة.» # خيم الصمت ... ثم سألتني مايرا بصوت ضعيف: «هل تحبين الرسم؟» ~~«لا، أنا أحب الدراسات الاجتماعية والتهجئة ومادة التوعية الصحية.» قالت مايرا: «أنا أحب ~~الرسم والحساب.» # كانت مايرا أسرع من تستطيع إجراء عمليات الجمع والضرب في عقلها في الفصل. # قلت: «كم أتمنى أن أكون بمهارتك في الحساب!» وغمرني شعور بالنبل. # قالت مايرا: «لكنني لست ماهرة في التهجئة، فأنا أخطئ كثيرا جدا، ربما أرسب.» لم تبد ~~حزينة حيال ذلك، وإنما سعيدة لأن لديها ما تقوله. ظلت معرضة برأسها عني تحدق في تلال الجليد ~~المتسخة على جانبي شارع فيكتوريا، وكانت تصدر صوتا وهي تتكلم يوحي بأنها تبلل شفتيها ~~بلسانها. # قلت: «لن ترسبي، فأنت ماهرة للغاية في الحساب. ماذا ستصبحين حين تكبرين؟» # بدت حائرة، ثم قالت: «سأساعد أمي وأعمل في المتجر.» # قلت: «حسنا، أنا سأصبح مضيفة طيران ، لكن لا تذكري هذا لأحد. أنا لم أخبر بهذا أشخاصا ~~كثيرين.» قالت ms098 مايرا: «لا، لن أفعل. هل تقرئين لستيف كانيون في الجريدة؟» ~~«نعم.» من الغريب التفكير في أن مايرا، أيضا، تقرأ القصص الهزلية المصورة، أو تفعل أي ~~شيء أصلا، عدا دورها الذي تضطلع به في المدرسة. «هل تقرئين قصص ريب كيربي؟» ~~«هل تقرئين لأورفان آني؟» ~~«هل تقرئين «بيتسي والأولاد»؟» # قلت: «لم تأخذي شيئا يذكر من الفشار المحلى. تناولي المزيد. خذي ملء قبضتك.» # نظرت مايرا داخل العلبة وقالت: «ثمة هدية في الداخل.» ثم جذبتها إلى الخارج. كانت الهدية ~~عبارة عن «بروش» على شكل فراشة معدنية صغيرة، مذهبة ومرصعة بقطع من الزجاج الملون المثبت ~~عليها كي تبدو كالمجوهرات. أمسكته بيدها السمراء، وابتسمت ابتسامة صغيرة. # قلت: «هل يعجبك؟» # قالت مايرا: «أحبه مرصعا بالأحجار الزرقاء؛ الياقوت الأزرق.» ~~«أعرفه. إنه حجر يوم ميلادي. ما حجر يوم ميلادك؟» ~~«لا أدري.» ~~«متى يحين عيد ميلادك؟» ~~«إنه في شهر يوليو.» ~~«إذن، فحجرك هو الياقوت الأحمر.» # قالت مايرا: «أفضل الياقوت الأزرق. يعجبني حجرك أنت.» وناولتني البروش. # قلت: «يمكنك الاحتفاظ به. الشيء لمن يعثر عليه أولا.» # ظلت مايرا مادة يدها به وكأنها لم تفهم ما عنيت. فقلت: «الشيء لمن يعثر عليه ~~أولا.» # قالت في رهبة ووجل: «لكن العلبة كانت علبتك. أنت اشتريتها.» ~~«حسنا، وأنت عثرت على الهدية.» # قالت مايرا: «لا.» # قلت: «هيا، خذيه! هاك، سأعطيه لك.» وتناولت البروش من يدها ثم دفعته إليها ~~مجددا. # كان كلانا يشعر بالدهشة. نظرنا إحدانا إلى الأخرى، وتورد وجهي لكن وجه مايرا لم يتورد. ~~شعرت بالالتزام مع تلامس أصابعنا؛ كنت مذعورة، لكن لا بأس. وفكرت في أنني يمكن أن آتي ~~مبكرا وأمشي بصحبتها ثانية في صبيحة أيام أخرى. ويمكن أيضا أن أذهب وأتحدث إليها في وقت ~~الراحة. لم لا؟ ماذا يمنع؟ # دست مايرا البروش داخل جيبها ثم قالت «أستطيع أن أضعه فوق فستاني الأثير. إنه أزرق ~~اللون.» # كنت أعلم أنه كذلك. فقد كانت مايرا ترتدي فساتينها الأثيرة في المدرسة. حتى في منتصف ~~الشتاء وسط التنانير الصوفية ذات المربعات والسترات الصوفية، كانت تظهر بشكل حزين بقماش ~~تافتا سماوي ms099 اللون، أو كريب فيروزي مغبر، في ثوب نسائي جرى تعديله ليلائم مقاسها، محاط عند ~~فتحة العنق برباط كبير منعقد في ارتخاء فوق صدر مايرا الهزيل. # سعدت لأنها لم تضع البروش؛ إذ ماذا كنت سأقول لو سألها سائل من أين أتت به فأخبرته أنني ~~من أعطيتها إياه؟ # ثم حدث بعد يوم، أو بعد أسبوع، أن تغيبت مايرا عن المدرسة. كانت كثيرا ما تستبقى في ~~المنزل كي تساعد أبويها. لكنها لم تعد مجددا هذه المرة. ظلت متغيبة لأسبوع، ثم لأسبوعين، ~~وظل مقعدها خاويا. ثم حل يوم انتقلنا فيه إلى غرفة صف آخر في المدرسة، فأخذت كتب مايرا ~~من درج مقعدها ووضعت فوق أحد أرفف خزانة الصف. قالت الآنسة دارلينج: «سنجد لها مقعدا ~~حينما تعود.» وتوقفت عن مناداة اسم مايرا عند تسجيل الحضور. # لم يكن جيمي سايلا يأتي إلى المدرسة هو الآخر، لا سيما وأنه لن يجد من يأخذه إلى ~~الحمام. ~~••• # في الأسبوع الرابع أو الخامس من غياب مايرا، جاءت جلاديس هيلي إلى المدرسة وقالت: «هل ~~تدرون ... مايرا سايلا ترقد مريضة في المستشفى.» # كان ذلك صحيحا. كانت لجلاديس عمة تعمل ممرضة في المستشفى. رفعت جلاديس يدها في منتصف حصة ~~التهجئة وقالت للآنسة دارلينج: «اعتقدت أنك ربما ترغبين في معرفة الخبر.» قالت الآنسة ~~دارلينج: «آه، نعم، أنا أعرف بالفعل.» # سألنا جلاديس «ما خطبها؟» # وردت جلاديس: «أكيميا أو شيء من هذا القبيل. إنها تخضع لعمليات نقل دم.» ثم قالت للآنسة ~~دارلينج: «إن عمتي ممرضة.» # أمرت الآنسة كل تلاميذ الصف أن يكتبوا رسالة لمايرا، يقولون فيها: ~~«العزيزة مايرا، إننا جميعا نكتب إليك هذه الرسالة. نتمنى أن تتحسن صحتك سريعا وتعودي ~~إلى المدرسة، المخلص/المخلصة ...» وقالت الآنسة دارلينج: «فكرت في أمر ما. من منكم يود الذهاب ~~إلى المستشفى وزيارة مايرا يوم العشرين من مارس، كي نحتفل بعيد ميلادها؟» # قلت: «إن عيد ميلادها في يوليو.» # قالت الآنسة دارلينج: «أعرف ذلك، إنه في العشرين من يوليو. لكن يمكنها أن تحتفل به هذا ~~العام في العشرين من مارس؛ لأنها مريضة.» ~~«لكن ms100 عيد ميلادها يحين في شهر يوليو.» # قالت الآنسة دارلينج في نبرة حادة منذرة: «لأنها مريضة؛ سيصنع طاهي المستشفى كعكة ويمكنكم ~~جميعا أن تقدموا لها هدية صغيرة، بتكلفة خمسة وعشرين سنتا أو نحو ذلك. ينبغي أن تكون ~~الزيارة بين الثانية والرابعة؛ لأن هذه هي ساعات الزيارة. لكن لا يمكننا أن نذهب جميعا، ~~سيكون عددنا كبيرا للغاية. إذن من يود الذهاب ومن يود المكوث هنا وقراءة مواد ~~إضافية؟» # رفعنا جميعا أيدينا. فأخرجت الآنسة دارلينج سجل درجات التهجئة واختارت أول خمسة عشر ~~تلميذا في القائمة، اثنتي عشرة فتاة وثلاثة فتيان. عندئذ لم يرغب الفتيان الثلاثة في ~~الذهاب، فوقع الاختيار على الفتيات الثلاث التاليات في السجل. لا أدري متى حدث ذلك، لكني ~~أعتقد أنه في هذه اللحظة على الأرجح صار حفل عيد ميلاد مايرا سايلا موضة رائجة. # ربما كان ذلك لأن جلاديس هيلي كانت لها عمة ممرضة، وربما لما ينطوي عليه المرض ~~والمستشفيات من إثارة، أو ربما لمجرد أن مايرا قد تحررت تماما وعلى نحو مثير من كل القواعد ~~والأوامر التي تحكم حياتنا. بدأنا نتحدث عنها كما لو كانت ملكا لنا، وصار حفلها يشكل قضية، ~~ناقشناها بجدية نسوية في وقت الراحة، وقررنا أن مبلغ خمسة وعشرين سنتا متواضع ~~للغاية. ~~••• # توجهنا جميعا إلى المستشفى بعد ظهر يوم مشمس حين كان الجليد يذوب، حاملات هدايانا، ~~وقادتنا إحدى الممرضات إلى الدور العلوي، مصطفات في طابور مفرد، حيث مررنا عبر رواق على ~~جانبيه أبواب مواربة تسمع منها أحاديث خافتة. ظلت الممرضة والآنسة دارلينج تقولان لنا: «ششش ~~صه.» لكننا كنا نتحرك على أطراف أصابعنا على أية حال، وكان سلوكنا في المستشفى ~~مثاليا. # في هذا المستشفى الريفي الصغير لم يكن يوجد جناح للأطفال، ولم تكن مايرا طفلة في حقيقة ~~الأمر، فوضعوها بصحبة امرأتين مسنتين ذواتي شعر رمادي. كانت الممرضة تشد حولهما الستائر ~~أثناء دخولنا. # كانت مايرا تجلس منتصبة في السرير، في لباس مستشفيات ضخم مضجر. كان شعرها منسدلا، تتدلى ~~الضفيرتان الطويلتان على كتفيها وتمتدان حتى أسفل غطائها. لكن وجهها كان ms101 على حاله، دائما ~~على حاله. # كانت الآنسة دارلينج قد أخبرتها بشيء ما عن الحفل، حتى لا تزعجها المفاجأة، لكن كان يبدو ~~أنها لم تصدق، أو لم تستوعب ما سيحدث. كانت ترقبنا كما اعتادت أن تفعل في فناء المدرسة ~~حينما نلعب. # قالت الآنسة دارلينج: «حسنا، نحن هنا! ها قد أتينا!» # وقلنا في صوت واحد: «عيد ميلاد سعيد يا مايرا! مرحى يا مايرا! عيد ميلاد سعيد!» فقالت ~~مايرا: «عيد ميلادي في شهر يوليو!» كان صوتها واهنا أكثر من أي وقت مضى، هائما، يخلو من ~~كل تعبير. # قالت الآنسة دارلينج: «لا يهم ميعاده الحقيقي، تظاهري أنه الآن! كم عمرك يا ~~مايرا؟» # قالت مايرا: «أحد عشر عاما ... في شهر يوليو.» # ثم خلعنا جميعا معاطفنا وبدونا في ثياب الاحتفال، ثم وضعنا هدايانا، ذات الأغلفة المزهرة ~~الباهتة على سرير مايرا. كانت بعض أمهاتنا قد تفنن في صنع ربطات بارعة من أشرطة الساتان ~~الفخم، وبعضهن ثبتن باقات صغيرة من الزهور والزنابق الصناعية. قلنا: «تفضلي يا مايرا» ~~«تفضلي يا مايرا، عيد ميلاد سعيد.» لم تكن مايرا تنظر إلينا، وإنما إلى الأشرطة، وردية ~~وزرقاء ومرقطة باللون الفضي، وباقات الزهور المصغرة، وقد سرتها، كما سرتها الفراشة من ~~قبل. علت وجهها نظرة بريئة، وابتسامة بسيطة متوارية. # قالت الآنسة دارلينج: «افتحيها يا مايرا؛ إنها لك!» # جمعت مايرا الهدايا حولها، وجعلت تتحسسها، وعلى وجهها هذه الابتسامة، وإدراك حذر، ~~وكبرياء غير متوقعة. قالت: «سأذهب يوم السبت إلى مستشفى «سان جوزيف» في لندن.» # هتفت إحداهن: «كانت أمي في هذا المستشفى. ذهبنا ورأيناها هناك. كل العاملات هناك راهبات.» ~~قالت مايرا في هدوء: «أخت أبي راهبة.» # شرعت تفض أغلفة الهدايا، في خيلاء لم تكن جلاديس نفسها لتفوقها فيها، وتطوي الورق الرقيق ~~والأشرطة، فتخرج كتبا وأحاجي من الصور المجزأة وأشكالا مقطوعة، وكأن هذه الأشياء جوائز ~~ربحتها. أخبرتها الآنسة دارلينج أنه ربما ينبغي أن تشكر كل شخص باسمه مع كل هدية تفتحها، كي ~~تتحقق من شخصية مقدم الهدية، فقالت مايرا: «شكرا لك ماري لويز، شكرا لك كارول ...» وحينما ~~أتت ms102 على هديتي قالت: «شكرا هيلين.» راحت كل منا تعرض لها هديتها؛ فسرى حديث وحلت إثارة ~~وغمر الجو شيء من البهجة التي تصدرتها مايرا، مع أنها لم تكن مبتهجة. ثم جيء بكعكة نقش ~~عليها: «عيد ميلاد سعيد يا مايرا» باللونين الوردي والأبيض، وثبتت فيها إحدى عشرة شمعة. ~~أشعلت الآنسة دارلينج الشمع وأنشدنا جميعا: «عيلاد ميلاد سعيد.» ثم هتفنا: «هيا يا مايرا، ~~تمني أمنية، تمني أمنية.» ونفخت مايرا في الشمع فأطفأته. ثم تناولنا جميعا من الكعكة، ~~كما أكلنا آيس كريم الفراولة. ~~••• # في الرابعة دوى صوت أزيز فجاءت الممرضة وحملت ما تبقى من الكعكة، فضلا عن الأطباق ~~المتسخة، وارتدينا معاطفنا كي نعود إلى منازلنا. قال الجميع مودعا: «إلى اللقاء يا مايرا.» ~~وجلست مايرا في الفراش ترقبنا بينما كنا نغادر، وظهرها منتصب من دون أن تسنده أي وسادة، ~~ويداها رابضتان فوق هداياها. لكن عند الباب سمعتها تنادي: «هيلين!» لم يسمع نداءها إلا ~~اثنتان من الفتيات الأخريات، ولم تسمعه الآنسة دارلينج؛ لأنها كانت قد تقدمت الفتيات إلى ~~الخارج، فعدت إلى فراشها. # قالت مايرا: «لقد حصلت على أشياء كثيرة للغاية. خذي بعضا منها.» قلت: «ماذا؟ إنها هدايا ~~عيد ميلادك. والمرء دائما ينال أشياء كثيرة في عيد ميلاده.» # قالت مايرا: «حسنا، خذي شيئا.» والتقطت حقيبة جلدية بها مرآة ومشط ومبرد أظافر وأحمر ~~شفاه طبيعي اللون ومنديل صغير مؤطر بخيط ذهبي. كنت قد لاحظته قبل ذلك. قالت: «خذي ~~هذا.» ~~«ألا تريدينه؟» ~~«بل خذيه أنت.» ثم وضعته في يدي. وتلامست أصابعنا ثانية. # قالت مايرا: «حينما أعود من لندن، يمكنك أن تأتي وتلعبي في منزلي بعد المدرسة.» # قلت: «حسنا.» ومن خارج نافذة المستشفى تناهى صوت واضح لشخص ما يلعب في الشارع، ربما ~~يلاحق آخر ما تبقى من كرات الثلج في هذا العام. هذا الصوت غمر مايرا - بهجتها وكرمها، ~~والأهم من كل ذلك، مستقبلها الذي أوجدت لي فيه مكانا - بالكآبة والقتامة. كل الهدايا ~~الموضوعة فوق فراشها، والأوراق والشرائط المطوية، تلك العطايا المشوبة بالإحساس بالذنب، ~~غمرتها هذه الكآبة، وما عادت أشياء بريئة ms103 يمكن لمسها وتبادلها وقبولها دون خطر. لم أعد أرغب ~~في أخذ الحقيبة، لكنني لم أستطع أن أفكر كيف يسعني أن أتملص، وأي كذبة يمكن أن أختلق. فكرت ~~أن أهبها لأي شخص، لن ألهو بها أبدا. سأدع أخي الصغير يمزقها. # عادت الممرضة، حاملة كوبا من الحليب بالشوكولاتة. # قالت: «ما الأمر، ألم تسمعي أزيز الجرس؟» # هكذا أطلق سراحي، حررتني الحوائل التي باتت مغلقة حول مايرا، حررني عالم المستشفى الجليل ~~المجهول الذي يفوح برائحة الأثير المخدر، وحررني غدر قلبي. قلت: «حسنا، شكرا لك، شكرا لك ~~على هذا. وداعا.» # هل حدث أن قالت مايرا وداعا؟ على الأرجح لا. جلست في فراشها المرتفع، وعنقها الأسمر ~~النحيل يطل من لباس المستشفى الواسع جدا عليها، بينما وجهها الأسمر المنحوت غافل عن غدري، ~~وقد صارت هداياها - بعد أن دبر لها أن تستخدم استخدامات نبيلة - منسية مثلما كانت هي ~~تقبع منسية في الرواق الخلفي في المدرسة. # | صبيان وبنات # كان والدي مربي ثعالب؛ فكان يربي الثعالب الفضية في أقفاص، وفي الخريف وبواكير الشتاء، ~~حينما يغزر فراؤها، يقتلها ويسلخها ثم يبيع فراءها إلى شركة «هدسون باي» أو شركة ~~«مونتريال فير تريدرز». كانت هاتان الشركتان تقدمان لنا تقويمات عليها مشاهد بطولية كنا ~~نعلقها، واحدة على كل جانب من جانبي باب المطبخ. أمام خلفية من السموات الزرقاء الباردة ~~وغابات الصنوبر السوداء والأنهار الشمالية الغادرة، يقف مغامرون يرتدون قبعات مزينة بالريش ~~وهم يغرسون علم إنجلترا أو فرنسا، بينما ينحني أشخاص همج ضخام الجثث أمام عربات ~~الجر. # كان والدي يظل يعمل لعدة أسابيع قبل حلول «عيد الميلاد» في قبو منزلنا بعد وقت العشاء. ~~كان القبو مطليا باللون الأبيض، ومضاء بمصباح قوته مائة وات معلق فوق طاولة الشغل. وكنت ~~أنا وأخي ليرد نجلس على درجة السلم العليا ونراقبه. كان والدي يسلخ الفرو من فوق جثة ~~الثعلب، الذي كان يتبين حينئذ صغير الحجم على نحو غير متوقع، هزيلا كالجرذ، بعد أن ~~ينزع عنه فراؤه الذي يختال به. كانت الجثث الزلقة العارية تجمع في جوال وتدفن عند ~~المزبلة. ms104 حدث ذات مرة أن دفع الأجير الذي يعمل لدينا - هنري بيلي - الجوال نحوي مازحا وهو ~~يقول: «هدية عيد الميلاد!» ظنت أمي أن هذا أمر لا يبعث على الضحك. في الواقع كانت تكره ~~عملية السلخ برمتها - أعني القتل والسلخ وتجهيز الفراء - وكم تمنت ألا يكون ثمة اضطرار ~~لأن تجرى هذه العملية في المنزل. كانت تنبعث رائحة ما جراء ذلك. فبعد أن يسلخ والدي ~~الفراء ويفرده فوق لوح طويل، كان يكحته في حرص ليزيل تجمعات الدم المتخثر عليه، وكتل الدهن، ~~كانت رائحة الدم والدهن الحيواني - مصحوبة بالرائحة الأصلية للثعلب نفسه - تنفذ إلى كل ~~أرجاء المنزل. بالنسبة لي كانت هذه الرائحة رائحة موسمية، شأنها شأن رائحة البرتقال وأوراق ~~شجر الصنوبر. # كان هنري بيلي يعاني مرضا صدريا. فكان يظل يسعل ويسعل حتى يستحيل وجهه النحيل إلى ~~اللون القرمزي، وتمتلئ عيناه الساخرتان السماويتان بالدموع، فيرفع غطاء الموقد، ثم يقف على ~~مبعدة مناسبة منه، ثم يسدد كتلة عظيمة من البلغم مباشرة إلى قلب اللهب، فيسمع هسيس ~~انطفائها. كنا نعجب بأدائه هذا وبقدرته على جعل معدته تقرقر متى شاء ذلك، وبضحكه الذي كان ~~يضج بصوت صفير وقرقرة مرتفع، ويدل على البنية المتهالكة لصدره المريض. أحيانا كان من الصعب ~~معرفة سبب ضحكه، ودائما كان من الممكن أن نكون نحن السبب. # كنا نستطيع شم رائحة الثعالب وسمع ضحك هنري حتى بعد أن نؤمر بالذهاب إلى الفراش، لكن هذه ~~الأمور، التي تذكرنا بعالم القبو الدافئ الآمن ساطع الضوء، تبدأ في التلاشي والاضمحلال ~~طافية فوق هواء الطابق العلوي البارد العطن. كنا نشعر بالخوف في ليالي فصل الشتاء. لم نكن ~~نخاف مما هو في «الخارج» رغم أنه في هذا الوقت من العام كان الجليد يتكدس حول منزلنا فيبدو ~~كحيتان جاثمة، وكانت الريح تزعجنا طوال الليل، آتية من الحقول المدفونة، والمستنقع ~~المتجمد، يصاحبها «كورس» التهديدات والبؤس العتيق «البعبعي» المخيف. كنا نخاف مما هو في ~~«الداخل»، من الغرفة التي ننام فيها . ففي ذلك الوقت لم يكن الطابق العلوي من منزلنا قد ~~اكتمل بناؤه. كانت ms105 توجد مدخنة من الطوب ذات جدار واحد، وكانت توجد في منتصف الأرضية حفرة ~~مربعة، يحيط بها سور خشبي، ويبرز منها الدرج إلى الأعلى. وعلى الجانب الآخر من بئر السلم ~~كانت توجد الأشياء المهملة التي لم يعد يستخدمها أحد؛ لفة مشمع من أيام الجندية واقفة على ~~طرفها، عربة أطفال من الخيزران، وسلة من نبات السرخس، وأباريق وأحواض خزفية مشروخة، وصورة ~~لمعركة «بالاكلافا»، كئيبة المنظر للغاية. كنت قد أخبرت ليرد، بمجرد أن صار كبيرا كفاية ~~بحيث يفهم أمورا كهذه، أن ثمة خفافيش وهياكل عظمية تعيش هناك، وكنت كلما هرب رجل من سجن ~~المقاطعة، الذي يبعد عشرين ميلا، أتخيل أنه دخل من النافذة واختبأ خلف لفة المشمع. لكن ~~كانت هناك قواعد للحفاظ على سلامتنا. فحينما يكون النور مضاء نكون بأمان طالما لا نتخطى ~~محيط السجادة البالية التي تغطي مساحة غرفة نومنا، وحينما يكون النور مطفأ لم يكن أي مكان ~~آمنا سوى الفرش نفسها. كنت أضطر لإضاءة المصباح المتدلي فوق طرف فراشي، فأمط جسدي بأقصى ~~قدر ممكن كي أطال السلك. # في الظلام كنا نستلقي فوق فرشنا، أطواف نجاتنا الضيقة، ونثبت أعيننا على الضوء الخافت ~~المنبعث من بئر السلم، ونتغنى بأغان. كان ليرد يغني أغنية «جينجل بيلز»، كان يحب غناءها في ~~أي وقت، سواء وقت «أعياد الميلاد» أو غيره، وكنت أغني أغنية «داني بوي». كنت أحب وقع صوتي، ~~الذي كان ناعما مبتهلا يرتفع في الظلام. في هذا الوقت كنا نستطيع أن نتبين الأشكال ~~السامقة داكنة اللون التي يعلوها الجليد من خلف زجاج النافذة. وحينما كنت آتي على غناء ~~المقطع الذي يقول: «حينما أموت، لأنني سأموت بالضرورة.» تنتابني رعشة ليست ناجمة عن برودة ~~الأغطية وإنما عن شعور الغبطة الذي يكاد يسكت صوتي. «ستركع فوقي وتلقي صلاة العذراء مريم.» ~~ما صلاة العذراء مريم؟ كان اليوم يمر تلو الآخر وأنا أنسى السؤال عما تعنيه ~~الكلمة. # كان ليرد ينتقل من الغناء إلى النوم مباشرة. كنت أستطيع سماع تردد أنفاسه الطويلة ~~المطمئنة العالية. وفيما تبقى لي من وقت، هو الأكثر ms106 خصوصية وربما الأفضل في يومي كله، كنت ~~أحكم شد الأغطية فوق جسدي وأشرع في رواية إحدى القصص التي كنت أرويها لنفسي من ليلة إلى ~~أخرى. كانت قصصا عني حينما أكبر، أكبر أكثر قليلا، تقع أحداثها في عالم يدور حولي ~~بالأساس، لكنه عالم يمنحني فرصا أظهر فيها الشجاعة والجرأة والتضحية بالنفس، وهي فرص لم ~~أكن أنالها في عالمي الحقيقي قط. في هذه القصص أنقذت حياة أشخاص من مبنى مفخخ بالقنابل ~~(لخيبة أملي كانت الحرب الحقيقية قد اشتعلت بعيدا جدا عن بلدتي «جوبيلي»)، وأطلقت الرصاص ~~على ذئبين مسعورين هاجما فناء المدرسة (كان المدرسون منكمشين ذعرا من خلفي)، وامتطيت في ~~شجاعة جوادا بديعا سرت به عبر الشارع الرئيسي في «جوبيلي»، كي أتلقى شكر سكان البلدة ~~على عمل بطولي سوف أنجزه (لم يحدث أن قاد أحد جوادا هناك سوى الملك بيلي في المسيرة ~~الاحتفالية بيوم «البرتقاليين»). كانت هذه القصص دائما ما تتضمن امتطاء أحصنة وإطلاق ~~رصاص، رغم أنني لم أمتط جوادا من قبل سوى مرتين - ومن دون سرج لأننا لم نكن نملك واحدا - ~~وفي المرة الثانية انزلقت وسقطت تحت أرجل الحصان، الذي خطا فوقي برفق. أما إطلاق الرصاص ~~فكنت أتدرب عليه في الحقيقة، لكنني لم أكن أستطيع أن أصيب أي هدف بعد، ولا حتى علب الصفيح ~~فوق أعمدة السياج. ~~••• # كانت الثعالب الحية تسكن عالما من صنع أبي، محاطا بسياج مرتفع، كبلدة من العصور الوسطى، ~~له بوابة توصد بقفل عند حلول الليل، تتراص في شوارع هذه البلدة أقفاص محكمة ضخمة، لكل ~~منها باب حقيقي يتسع لمرور رجل، ومنحدر خشبي بطول أسلاك القفص، كي يتسنى للثعالب أن تتقافز ~~وتجري صعودا وهبوطا عليه، ووجار - شيء يشبه دولاب الملابس ومزود بفتحات تهوية - تلجأ إليه ~~عند نومها وفي الشتاء وتحمي فيه صغارها. كانت توجد أطباق للطعام والسقاية مثبتة إلى أسلاك ~~القفص على نحو يتيح إفراغها وتنظيفها من خارج القفص. كانت الأطباق مصنوعة من الصفيح القديم، ~~وكانت المنحدرات الخشبية والأوجرة مصنوعة من فضلات الخشب القديم وسقط المتاع. كان كل شيء ms107 ~~مرتبا ومنظما بإحكام؛ كان أبي يبدع دون كلل، وكان أفضل كتاب في العالم بالنسبة له هو ~~كتاب «روبنسون كروزو». كان قد أعد برميلا من الصفيح وتحايل بحيث نجح في تركيبه على عربة ~~يدوية، كي يستخدم في جلب الماء إلى الأقفاص. كانت هذه وظيفتي في الصيف حيث تحتاج الثعالب ~~لأن تشرب مرتين يوميا. فكنت أملأ البرميل عند الطلمبة مرتين، بين الساعة التاسعة والعاشرة ~~صباحا ثم مرة أخرى بعد العشاء، ثم أدفعه عبر فناء الحظيرة إلى الأقفاص حيث كنت أركن العربة ~~وأملأ وعاء السقاية الذي أستخدمه أنا، وأمضي عبر الشوارع الفاصلة بين الأقفاص. كان ليرد ~~يأتي هو الآخر، حاملا وعاءه الصغير ذا اللونين الأخضر والقشدي مملوءا عن آخره، يصطدم ~~بساقيه فتنسكب دفقات من الماء فوق حذائه القماشي. أما أنا، فكان معي وعاء السقاية الفعلي، ~~الذي يستخدمه أبي، ولو أنني لم أكن أستطيع ملأه إلا بمقدار ثلاثة أرباعه فقط. # كانت للثعالب أسماء، تطبع على لوحة من الصفيح تعلق بجانب أبواب الأقفاص. لم تكن ~~تمنح أسماءها تلك وهي حديثة الولادة، وإنما بعد أن تفلت من موسم السلخ في عامها الأول ~~فتلحق بثعالب سلالة التربية. كانت الثعالب التي يختار أبي أسماءها تحمل أسماء مثل «برينس» ~~و«بوب» و«والي» و«بيتي». والثعالب التي أختار أنا أسماءها تحمل أسماء مثل «ستار» أو «ترك» ~~أو «مورين» أو «ديانا». ثمة ثعلبة أسماها ليرد «مود» تيمنا باسم فتاة كانت تعمل لدينا ~~حينما كان صغيرا، وثعلب أسماه «هارولد» على اسم صبي في المدرسة، وآخر أسماه «مكسيكو» ولم ~~يذكر سبب ذلك. # لم تكن تسمية الثعالب تحيلها إلى حيوانات أليفة، أو أي شيء من هذا القبيل؛ إذ لم يكن أحد ~~يدخل إلى الأقفاص قط سوى والدي، الذي أصيب بتسمم في الدم مرتين جراء ما ناله من عضاتها. ~~أما أنا فكنت أراها حين أجلب لها الماء تجوس جيئة وذهابا على طول الدروب التي صنعتها داخل ~~الأقفاص، ولا تصدر ضباحا إلا نادرا - كانت تدخر ذلك لليل، حينما تشكل جوقة تجمعها نوبة ~~اهتياج - لكنها كانت دائما تراقبني، بأعينها ms108 المتوقدة، الصافية صفاء الذهب، فوق وجوهها ~~الحاقدة المدببة. كانت جميلة بأرجلها الرقيقة وذيولها الأرستقراطية الأنيقة، وفروها الفضي ~~البراق المنتثر فوق أسافل ظهورها الغامقة - سبب وصفها بالفضية - لكن جمالها كان يتجلى على ~~نحو خاص في أعينها الذهبية ووجوهها المسحوبة بحدة متقنة والتي توحي بعداء صرف. # إلى جانب حمل الماء، كنت أساعد والدي عندما يجز العشب الطويل، ويحش نبتات الزربيح الأبيض ~~والمسك المكسيكي المزهرة، التي كانت تنمو بين الأقفاص. كان هو يحش بالمنجل وأنا أجمع ما ~~يحشه في أكوام. ثم يأخذ مذراة وينشر العشب المقصوص لتوه فوق أسقف الأقفاص، كي تكون الثعالب ~~في جو ألطف ويحمي معاطفها الطبيعية التي كانت تستحيل إلى اللون البني من كثرة التعرض للشمس. ~~لم يكن أبي يتحدث إلي إلا في شيء يتعلق بالشغل الذي نقوم به. وهو في هذا يختلف كل ~~الاختلاف عن أمي التي كانت - حين تشعر بالابتهاج - تتحدث إلي عن كل شيء - اسم الكلب الذي ~~اقتنته حينما كانت فتاة صغيرة، أسماء الفتيان الذين خرجت بصحبتهم حينما كانت صبية يافعة، ~~وأشكال فساتين معينة كانت لديها - لكن لم يكن يسعها أن تتصور إلام وصل حال كل هذه الأشياء. ~~في المقابل، كانت كل أفكار أبي وقصصه خصوصية، وكنت أستحي منه فلا أطرح عليه أية أسئلة. مع ~~ذلك، كنت أعمل تحت ناظريه عن طيب خاطر، شاعرة بالفخر. حدث ذات مرة أن جاء بائع علف إلى ~~الأقفاص كي يتحدث إلى والدي، وسمعت والدي يقول: «أود أن أعرفك بعاملي الجديد.» استدرت وجعلت ~~أجمع العشب في همة، ووجهي يتورد سرورا. # قال البائع: «لا بد أنك تمزح، اعتقدت أنها مجرد فتاة.» # بعد أن قمنا بجز العشب، بدا فجأة أن السنة قد مر منها وقت طويل. كنت أسير فوق بقايا العشب ~~في وقت مبكر من المساء، بينما السماء مخضبة بالحمرة وسكون الخريف يعم الأرجاء. وحينما ~~انتهيت من دفع وعاء المياه إلى خارج البوابة وسكرتها بالقفل، كان الظلام على وشك أن يخيم. ~~في إحدى الليالي في هذا التوقيت، رأيت أمي وأبي واقفين يجمعهما حديث عند ms109 الممر الترابي ~~القصير الذي كنا ندعوه الممشى، أمام الحظيرة. كان والدي عائدا لتوه من المجزر، مرتديا ~~مريلته الفظة المخضبة بالدماء، يحمل في يده ملء دلو من قطع اللحم. # كان من غير المعتاد رؤية أمي في الأسفل عند الحظيرة؛ فهي لم تكن تخرج من المنزل إلا لأداء ~~أمر ما؛ نشر الغسيل أو استخراج ثمار البطاطا من بطن تربة الحديقة. بدت في غير مكانها ~~الصحيح، بساقيها العاريتين المكتنزتين اللتين لم تريا الشمس من قبل، وهي ما تزال مرتدية ~~مريلة المطبخ المبتلة حول بطنها من أثر غسل أطباق طعام العشاء. كان شعرها مربوطا تحت وشاح ~~تنفلت خارجه شعيرات بسيطة. كانت تربط شعرها على هذا النحو في الصباح، قائلة إنها لم يسعها ~~تصفيفه لضيق الوقت، فيظل مربوطا طوال اليوم. كان هذا صحيحا، أيضا، فقد كان الوقت ضيقا ~~بالفعل. في تلك الأيام كان رواقنا الخلفي يعج بأكوام من سلال الدراق والعنب والكمثرى، ~~جرى شراؤها من البلدة، إلى جانب البصل والطماطم والخيار الذي نزرعه في منزلنا، كل ذلك في ~~انتظار أن يتحول إلى جيلي ومربى ومحفوظات أخرى كالمخلل وصوص الفلفل. كانت نار الموقد تظل ~~موقدة طوال النهار، تعلوها أوعية يبقبق فيها الماء المغلي، وفي بعض الأحيان كان الكيس ~~القماشي المستخدم في صنع الجبن يعلق فوق عصا قائمة على كرسيين، وفيه العنب الأزرق يصفي ~~ماءه لنصنع منه الجيلي. كانت تحدد لي مهام معينة، فكنت أجلس إلى الطاولة أقشر ثمار الدراق ~~الذي سبق غمره في الماء الساخن، أو أقطع حبات البصل، فتلتمع عيناي وتدمعان. وبمجرد أن ~~أنتهي من عملي كنت أنطلق إلى خارج المنزل، محاولة أن أختفي من أمام ناظري أمي قبل أن تفكر ~~في المهمة التالية التي ستكلفني بها. كنت أكره المطبخ المعتم الحار في فصل الصيف، ~~والستائر الخضراء والورق الصمغي المخصص لصيد الذباب، والطاولة القديمة المكسوة بالقماش ~~«المزيت» التي لا تتغير، والمرآة المموجة والمشمع ذا الفقاعات. كان التعب والانشغال ~~ينالان من أمي كل منال بحيث لا تقوى على الحديث إلي، ويفتر فؤادها عن أن تحكي لي ms110 عن حفل ~~التخرج الراقص الذي أقامته كلية المعلمين. كانت حبات العرق تسيل فوق وجهها، وكانت دائما ~~تحصي عدد الأوعية هامسة وهي تشير إليها بسبابتها، ثم تفرغ بعددها أكوابا من السكر. كنت أرى ~~أن عمل البيت لا ينتهي، كئيب بدرجة استثنائية وممل، وأن العمل خارج المنزل، وفي خدمة أبي، ~~مقدس الأهمية. # وبينما كنت أدفع العربة أمامي وفوقها وعاء المياه متجهة إلى الحظيرة حيث كانت توضع، ~~سمعت أمي تقول: «انتظري ريثما يكبر ليرد قليلا، وعندئذ سيتوفر لك عون حقيقي.» # لم أسمع ما قاله أبي. كنت مسرورة من طريقة وقوفه منصتا، بالاحترام الذي قد ينصت به لبائع ~~أو لشخص غريب، لكن بشيء من الرغبة في متابعة عمله الحقيقي. شعرت أنه لا عمل لأمي في هذا ~~المكان في الأسفل ورغبت أن يراوده نفس الشعور. ماذا كانت تعني بما قالته عن ليرد؟ إن ليرد ~~لم يشكل أدنى عون لأي شخص. أين هو الآن؟ يتأرجح فوق الأرجوحة حتى يصاب بالغثيان، أو يجول في ~~دوائر، أو يحاول التقاط يرقات الفراشات. لم يحدث قط أن مكث معي حتى أفرغ من عملي. # سمعتها تقول: «وحينئذ يمكنني أن أستعين بها أكثر في المنزل.» كانت طريقتها في التحدث عني ~~متناهية الفتور، تنم عن الشعور بالحسرة ودائما تصيبني بالضيق. أضافت قائلة: «لقد انقصم ~~ظهري وهي تعاف شغل المنزل. وكأنني لم أنجب بنتا في هذه الأسرة.» # ذهبت وجلست فوق كيس من أكياس العلف عند زاوية الحظيرة، غير راغبة في الظهور أثناء ~~استمرار هذه المحادثة. كنت أشعر أن أمي ليست أهلا للثقة. كانت أكثر حنانا من أبي ويسهل ~~التحايل عليها، لكن لا يمكن الاعتماد عليها، ولم يكن من الممكن معرفة الأسباب الحقيقية وراء ~~ما تقوله وما تفعله. كانت تحبنا، وتظل حتى وقت متأخر من الليل تحيك لي ثوبا ذا قصة ~~صعبة كنت أرغبه، كي أرتديه عندما يبدأ العام الدراسي، لكنها كانت عدوتي أيضا، كانت تكيد ~~وتتآمر دائما. كانت تتآمر الآن بهدف أن تجعلني أقبع في المنزل لفترة أطول، رغم أنها تعرف ~~أنني أكره ذلك ms111 (بل ربما لأنها تعرف أنني أكره ذلك)، وتمنعني من العمل لدى والدي. خطر لي ~~أنها تفعل ذلك لمجرد المعاندة، ولكي تختبر سطوتها. لم يخطر لي أنها ربما كانت تشعر بالوحدة، ~~أو الغيرة. لم أتصور أن يشعر بهذا أي شخص من الكبار، الكبار محظوظون للغاية. جلست أركل كيس ~~العلف بعقبي قدمي في حركة رتيبة، تثير الغبار، ولم أخرج إلا بعد أن ذهبت. # لم أكن أتوقع بأية حال أن يعير أبي أي اهتمام لما قالته. من يتصور أن ليرد يستطيع أن يؤدي ~~عملي؟ هل يستطيع ليرد أن يتذكر وضع القفل أو أن ينظف أوعية السقاية من القاذورات بليفة من ~~السعف مربوطة في نهاية عصا طويلة، أو حتى أن يجر وعاء الماء دون أن يسقطه من فوق العربة؟ ~~بين لي هذا الموقف إلى أي مدى تفتقر أمي أي دراية تذكر بحقيقة الأمور. ~~••• # نسيت أن أخبركم عن طعام الثعالب. ذكرتني به مريلة أبي الملوثة بالدم. كنا نطعم الثعالب ~~لحم الجياد. ففي ذلك الوقت، كان معظم المزارعين لا يزالون يحتفظون بجياد في مزارعهم، وحينما ~~كان يشيخ أي جواد بحيث لا يعود قادرا على العمل، أو تنكسر رجله، أو تتدهور حالته ولا ~~يستعيد عافيته، كما كان يحدث في بعض الأحيان، كان صاحبه يستدعي والدي، فيذهب هو وهنري إلى ~~المزرعة بالشاحنة. كان المعتاد أن يطلقا النار على الجواد ويذبحاه هناك، مقابل مبلغ يدفعانه ~~للمزارع يتراوح بين خمسة دولارات واثني عشر دولارا. لكن عندما يكون لدينا بالفعل كمية ~~كبيرة من اللحم، كانا يأتيان بالجواد حيا، ويستبقيانه لبضعة أيام أو أسابيع في الإسطبل، ~~حتى ينتهي مخزون اللحم الموجود. عقب الحرب، صار الفلاحون يشترون الجرارات الزراعية وبدءوا ~~يستغنون شيئا فشيئا عن الجياد، ومن ثم، كان يحدث في بعض الأحيان أن نحصل على جواد قوي ~~معافى، لا عيب فيه إلا أنه لم تعد هناك حاجة إليه. إذا حدث شيء كهذا في الشتاء، كان من ~~الممكن أن نستبقي الجواد في الإسطبل حتى حلول الربيع؛ لأن العشب يكون موفورا، وإذا سقطت ~~كميات كبيرة ms112 من الجليد - لم تكن الجرافة تنجح دائما في إزالة الجليد من طريقنا - كان من ~~الملائم الذهاب إلى البلدة بجواد وزلاجة. # في شتاء العام الذي كنت فيه في الحادية عشرة من عمري كان لدينا جوادان في الإسطبل. لم نكن ~~نعلم اسميهما الأصليين، فأسميناهما ماك وفلورا. كان ماك حصان شغل مسنا، حالك السواد وفاتر ~~الطبع. أما فلورا فكانت فرسا صهباء تستخدم في جر العربات. أخذناهما معا بغرض الذبح. كان ~~ماك بطيئا تسهل السيطرة عليه. أما فلورا فانتابتها نوبات من الذعر العنيف، وراحت تجنح نحو ~~السيارات أو حتى الجياد الأخرى، لكننا أعجبنا بسرعتها وخطواتها الشماء، وما لها من طابع ~~عام يتسم بالنبل والترفع. يوم السبت نزلنا إلى الإسطبل، وما إن فتحنا الباب على عتمته ~~الدافئة العبقة برائحة حيوانية، حتى نفضت فلورا رأسها، وأدارت عينيها، وصهلت في قنوط، ~~وانتابتها حالة عصبية في موضعها. لم يكن من المأمون الدخول إلى حجيرتها، فربما ترفس. # في هذا الشتاء أيضا بدأت أسمع ما هو أكثر بكثير عن الموضوع الذي أثارته أمي حينما كانت ~~تتحدث أمام الحظيرة. لم أعد أشعر بالأمان. كان يبدو أن في عقول كل الأشخاص من حولي تيارا ~~ثابتا من الأفكار المتعلقة بهذا الموضوع، والتي لا سبيل لإثنائهم عنها. كانت كلمة «بنت» ~~تبدو لي من قبل بريئة خالية من أي مدلول، ككلمة «طفل»؛ لكن الآن تبين لي أنها ليست كذلك. ~~لم تكن صفة «بنت» تنطبق على الحال التي كنت عليها، كما كنت أعتقد، وإنما على الحال التي يجب ~~أن أصبح عليها. كانت تعريفا، دائما تقال بنبرة مؤكدة تنضح بالتوبيخ وخيبة الأمل. كانت ~~أيضا أداة للاستهزاء بي. فقد حدث ذات مرة أن كنا نتعارك أنا وليرد، حينئذ اضطررت لأول مرة ~~على الإطلاق أن أستجمع كل ما أملك من قوة كي أواجهه، ومع ذلك، قبض على ذراعي وشل حركتها ~~لوهلة، شعرت فيها بألم حقيقي. كان هنري يراقب ما يحدث، فضحك قائلا: «أوه ، ها هو ليرد ~~سيريك، يا له من يوم!» كان ليرد يزداد كبرا في الحجم. لكنني كنت ms113 أكبر أيضا. # جاءت جدتي لتمكث معنا لبضعة أسابيع، فسمعت أشياء أخرى. «البنت لا ينبغي لها أن تصفق ~~الباب هكذا.» «البنت ينبغي أن تضم ركبتيها معا عندما تجلس.» كان هناك ما هو أسوأ، كنت ~~حينما أطرح بعض الأسئلة يقال لي: «هذا أمر لا شأن للبنات به.» ظللت أصفق الأبواب وأجلس ~~بأخرق طريقة ممكنة، ظنا مني أنني سأستطيع من خلال هذه التصرفات أن أحافظ على ~~حريتي. # حينما حل الربيع، بات يسمح للجوادين أن يخرجا إلى فناء الحظيرة. وقف ماك قبالة جدار ~~الحظيرة محاولا حك عنقه وفخذيه، لكن فلورا هرولت جيئة وذهابا واشرأبت من السور، وجعلت ~~تركل السياج بحوافرها. سرعان ما تضاءل الجليد، كاشفا عن الأرض الصلبة السمراء الرمادية، ~~وعن وهادها ومرتفعاتها المألوفة، عارية مكشوفة عقب زوال المشهد الشتوي الرائع. كان ثمة شعور ~~بالانبساط والتحرر. لم نعد نرتدي فوق نعالنا إلا حذاء مطاطيا طويل الرقبة، وبتنا نشعر ~~بأرجلنا خفيفة على نحو لا يصدق. وفي أحد أيام السبت خرجنا إلى الإسطبل فوجدنا كل الأبواب ~~مفتوحة، على نحو جعل قدرا غير معتاد من أشعة الشمس والهواء المنعش يدخل إلى الداخل. كان ~~هنري موجودا هناك، يضيع الوقت في النظر إلى مجموعة التقاويم التي كانت معلقة خلف حجيرات ~~الجياد في جزء من الإسطبل لا أظن أن أمي رأته قط من قبل. # صاح هنري: «أجئت لتودع صديقك العجوز ماك؟ هيا أعطه بعضا من الشوفان.» ثم سكب بعض الشوفان ~~في يدي ليرد الذي ضمهما إلى بعضهما، وراح يطعم ماك. كانت حالة أسنان ماك مزرية. كان يأكل ~~على مهل، ويحرك الشوفان متأنيا في أنحاء فمه، محاولا أن يجد جذر ضرس كي يطحن به ما ~~يأكل. قال هنري في رثاء: «يا لماك العجوز المسكين! إن الحصان ينتهي أمره ما إن يفقد أسنانه، ~~هكذا هي الحال.» # سألت: «هل ستطلق عليه النار اليوم؟» كان ماك وفلورا قد ظلا لفترة طويلة في الإسطبل إلى ~~درجة أنني نسيت أنهما سيقتلان. # لم يرد هنري على سؤالي، وإنما راح يغني بصوت ساخر متهدج مرتفع: «أوه، لم يعد ms114 هناك عمل ~~إضافي للعم نيد المسكين، لقد ذهب إلى حيث يذهب الزنوج الطيبون.» كان ماك يحرك لسانه الغليظ ~~المائل إلى السواد بهمة في يد ليرد. خرجت قبل أن تنتهي الأغنية وجلست عند الممشى. # لم يسبق أن رأيتهما يطلقان النار على حصان، لكنني كنت أعرف أين يجري ذلك. في الصيف الماضي ~~عثرت أنا وليرد على أمعاء حصان لم تدفن بعد. للوهلة الأولى ظنناها حية ضخمة سوداء، ملفوفة ~~تحت أشعة الشمس. كان ذلك بالقرب من الحقل الممتد بجانب الحظيرة. فكرت أننا إذا دخلنا ~~الحظيرة وعثرنا على شق أو ثقب ننظر من خلاله، فسيتسنى لنا أن نراهما وهما يقتلانه. لم يكن ~~ذلك أمرا أحب رؤيته. مع ذلك، كنت أعتقد أنه إذا كان هناك أمر ما يحدث حقا، فمن الأفضل أن ~~أراه وأن أعرف. # خرج والدي من المنزل، حاملا البندقية. # سأل: «ماذا تفعل هنا؟» # أجاب: «لا شيء.» ~~«هيا اصعد والعب في المنزل.» # وأخرج ليرد من الإسطبل. قلت لليرد: «هل تود أن تراهما يطلقان النار على ماك؟» ودون أن ~~أنتظر ردا منه جذبته نحو باب الحظيرة الأمامي، وفتحته حذرة ودلفت إلى الداخل. قلت: «ابق ~~هادئا وإلا فسيسمعوننا.» كان باستطاعتنا أن نسمع هنري وأبي يتحدثان في الإسطبل، ثم صوت ~~الجلبة الثقيلة لخطوات ماك وهو يسحب من حجيرته. # في مخزن التبن، كان الجو باردا معتما رقيقا، وكانت خيوط من نور الشمس تدخل عبر الشقوق ~~وتتقاطع. كان التبن منخفضا. كانت الأرضية كأرض الريف غير الممهدة، التي تتخللها الوهاد ~~والهضاب، تنزلق تحت أقدامنا. على ارتفاع أربعة أقدام تقريبا كانت ثمة عارضة خشبية تحيط ~~بالجدران من الداخل. كومنا التبن في أحد الأركان وقمت أنا برفع ليرد عاليا ثم رفعت نفسي. ~~لم تكن العارضة الخشبية عريضة، زحفنا فوقها وأيدينا منبسطة فوق جدران الحظيرة. كانت هناك ~~ثقوب عديدة، عثرت بينها على واحد من شأنه أن يمنحني المنظر الذي أردت؛ زاوية من فناء ~~الحظيرة والبوابة وجزءا من الحقل. لم يعثر ليرد على أي ثقب وبدأ يتذمر. # أريته شقا متسعا بين لوحين. وقلت له: ms115 «اهدأ وانتظر، إذا سمعاك فستوقعنا في ~~مشكلة.» # ظهر أبي في المشهد حاملا البندقية. كان هنري يسوق ماك ممسكا زمامه. أسقط الزمام وأخرج ~~ورق لف السجائر والتبغ، وراح يلف سيجارتين واحدة له والأخرى لوالدي. في تلك الأثناء كان ماك ~~يمط أنفه ويتشمم العشب الميت القديم الموجود بجانب السياج. حينئذ فتح أبي البوابة وأخرج ~~ماك. ثم ساق هنري ماك بعيدا عن الممر إلى رقعة من الأرض وهما يتحدثان سويا بصوت لم يكن ~~مرتفعا بحيث نستطيع سماعه. بدأ ماك يبحث ثانية عن عشب طازج يلوكه في فمه، ولكنه لم يكن ~~ليجده هناك. مشى أبي مبتعدا في خط مستقيم، ثم توقف على مسافة قصيرة، بدت مناسبة له. كان ~~هنري يبتعد هو الآخر عن ماك، لكن في اتجاه جانبي، وهو ما يزال ممسكا في إهمال بالزمام. رفع ~~أبي البندقية ثم رفع ماك ناظريه إلى الأمام كأنه لاحظ شيئا ما، ثم أطلق والدي النار ~~عليه. # لم ينهر ماك على الفور، وإنما ترنح وتمايل من جانب إلى آخر ثم سقط أولا على جانبه، ثم ~~انقلب على ظهره، وللمفاجأة، ظل يرفس بأرجله في الهواء لبضع ثوان. أثار هذا ضحك هنري كما لو ~~كان ماك يؤدي حيلة لإضحاكه. أما ليرد، الذي سحب نفسا مفجوعا طويلا لدهشته عندما أطلقت ~~الرصاصة، فقال بصوت عال: «إنه لم يمت.» ظننت أن ذلك ربما يكون حقيقيا لكن أرجله توقفت، ~~وعاد فانقلب على جانبه ثانية، وانتابت عضلاته رجفة ثم خمد جسده تماما. تحرك الرجلان نحوه ~~وألقيا عليه نظرة عملية، ثم انحنيا وتفحصا جبهته حيث اخترقت الرصاصة رأسه، حينئذ رأيت دمه ~~على العشب البني. # قلت: «الآن سيسلخانه ويقطعانه، هيا نذهب.» كانت رجلاي ترتعشان قليلا، وقفزت في إثارة إلى ~~الأسفل فوق التبن. قلت لليرد بنبرة مهنئة: «ها قد رأيت كيف يقتلون جوادا.» وكأنني قد رأيت ~~هذا المشهد مرات كثيرة من قبل. ثم أردفت: «دعنا نر إذا كانت أي من قطط الحظيرة قد خبأت ~~قططا صغيرة في التبن.» قفز ليرد ورائي، وبدا صغيرا ومطيعا من جديد. حينئذ تذكرت ms116 فجأة ~~كيف، حينما كنت صغيرة، جلبته إلى الحظيرة وطلبت منه أن يتسلق السلم الخشبي إلى العارضة ~~العلوية. كان هذا أيضا في الربيع، حينما كان كوم التبن منخفضا. كنت قد فعلت ذلك رغبة في ~~الإثارة، رغبة في حدوث شيء ما يمكن أن أحكي عنه. كان ليرد يرتدي معطفا واسعا بالنسبة ~~إليه إلى حد ما، ذا مربعات باللونين الأبيض والبني. كان المعطف لي قبل أن يجري تصغيره كي ~~يرتديه. أخذ يتسلق ليرد صاعدا إلى الأعلى كما طلبت منه، وجلس فوق العارضة. كان التبن في ~~الأسفل بعيدا عنه في أحد جانبي الحظيرة، وكانت الأرضية وبعض الماكينات القديمة في الجانب ~~الآخر. عندئذ ركضت أنادي أبي صارخة: «ليرد صعد فوق عارضة الحظيرة!» جاء أبي وجاءت أمي، ثم ~~صعد أبي درجات السلم وهو يتحدث في هدوء وأنزل ليرد حاملا إياه تحت ذراعه، بينما اتكأت أمي ~~إلى السلم وأجهشت بالبكاء. قالا لي: «لماذا لم تحرصي على مراقبته؟» لكن لم يعرف أحد حقيقة ~~ما حدث. ولم يكن ليرد يعرف ما يكفي لأن يحكي ما حدث. لكنني كنت كلما رأيت المعطف ذا ~~المربعات البنية والبيضاء معلقا في دولاب الملابس، أو في قاع كيس الملابس البالية حيث ~~انتهى أمره، أشعر بثقل في معدتي، ندما على ذنب لم أتطهر منه. # نظرت إلى ليرد الذي كان لا يتذكر ذلك أصلا، لم أكن أحب تلك النظرة التي تعلو هذا الوجه ~~النحيل الشاحب شحوبا شتويا. لم يبد مذعورا أو متكدرا، وإنما بدا شاردا مركزا ~~تفكيره في أمر ما. قلت بصوت مرح وودود على غير المعتاد: «اسمع، لن تخبر أحدا، أليس ~~كذلك؟» # قال ذاهلا: «بلى!» ~~«أتعدني بهذا؟» # قال: «أعدك.» جذبت اليد التي خلف ظهره كي أضمن أنه لم يضع إصبعه الوسطى فوق السبابة ~~(دلالة على أنه لن يفي بالوعد). مع ذلك، ربما ينتابه كابوس، فينفضح الأمر بهذه الطريقة. ~~قررت أنني من الأفضل أن أعمل بهمة على انتزاع كل الأفكار المتعلقة بما رآه من عقله، الذي ~~بدا لي أنه لا يستطيع أن يستوعب قدرا كبيرا من ms117 الأشياء معا. كان لدي بعض النقود التي كنت ~~قد ادخرتها فأخذته ذلك المساء وذهبنا إلى «جوبيلي» وشاهدنا عرضا، للممثلة جودي كانوفا، ~~ضحكنا منه كثيرا. بعد ذلك فكرت أن الأمر سيكون على ما يرام. # بعد أسبوعين علمت أنهم سيقتلون فلورا. علمت ذلك في الليلة السابقة لقتلها، حينما سمعت أمي ~~تسأل أبي عما إذا كان مخزون التبن كافيا وعلى ما يرام، فقال أبي: «حسنا، بعد الغد لن يكون ~~لدينا إلا البقرة، وغالبا سنتمكن من إخراجها لترعى الكلأ الطازج بعد أسبوع.» فأدركت أن ~~دور فلورا سيحين في الصباح. # هذه المرة لم أفكر في مشاهدة ما سيحدث، فقد كان هذا أمرا ينبغي ألا يرى سوى لمرة ~~واحدة. وكنت مذ رأيت قتل ماك لا أفكر فيما رأيت كثيرا، لكن في بعض الأحيان حينما أكون ~~منشغلة، في المدرسة، أو واقفة أمام المرآة أمشط شعري وأتساءل عما إذا كنت سأصبح جميلة حين ~~أكبر، كان المشهد برمته يبرق في ذهني؛ فأرى طريقة أبي المسترخية المتمرسة في رفع البندقية، ~~وأسمع هنري يضحك لمرأى ماك يرفس بأرجله في الهواء. لم يترك هذا في نفسي قدرا كبيرا من ~~الشعور بالرعب والاعتراض، كالذي كان سيصيب أي طفل تربى في المدينة، فقد كنت معتادة جدا ~~على رؤية قتل الحيوانات مدركة أن ذلك ضرورة بالنسبة لمصدر رزقنا. ومع ذلك، كنت أشعر بالعار ~~إلى حد ما، وطرأ على موقفي من أبي وعمله شعور جديد بالتحفظ، وربما بالإحجام ~~والاتقاء. # كان جو اليوم التالي صحوا معتدلا، وكنا نمشي في أنحاء الفناء نلتقط أفرع الشجر التي ~~كانت عواصف الشتاء قد مزقتها. كانت هذه مهمة قيل لنا أن نقوم بها، فضلا عن أننا كنا نريد ~~استخدام الأفرع في صنع «تيبة» (خيمة مخروطية تشبه خيام الهنود الحمر). سمعنا صهيل فلورا، ثم ~~صوت أبي وصراخ هنري، فركضنا نحو فناء الحظيرة لنرى ما الأمر. # كان باب الإسطبل مفتوحا، وكان هنري قد أخرج فلورا للتو، فهربت منه . كانت تنطلق حرة في ~~فناء الحظيرة، من ناحية إلى أخرى. تسلقنا السياج. كان من المثير رؤيتها ms118 تركض وتصهل وترتفع ~~على رجليها الخلفيتين، تتبختر وتتوعد كخيل أفلام الغرب الأمريكي، الخيل البرية، مع أنها ~~لم تكن سوى فرس عجوز من خيل جر العربات، فرس صهباء عجوز. راح أبي وهنري يركضان ليلحقا بها ~~وحاولا أن يقبضا على زمامها المتدلي. حاولا أن يحاصراها في إحدى الزوايا، وكادا ينجحان لولا ~~أنها ركضت مفلتة من بينهما، يلوح في عينيها هياج، واختفت خلف زاوية الحظيرة. سمعنا صوت ~~طقطقة أعمدة السياج إثر اجتيازها السور، وصرخ هنري: «إنها في الحقل الآن!» # كان هذا يعني أنها في الحقل الممتد على شكل حرف # L # باللغة ~~الإنجليزية بجانب المنزل. كانت إذا وصلت بالقرب من المنتصف، واتجهت نحو الممر الضيق، فستجد ~~البوابة مفتوحة، فقد أدخلت الشاحنة إلى الحقل صباح ذلك اليوم. صرخ أبي في لأنني كنت على ~~الجانب الآخر من السور، في أقرب بقعة من الممر الضيق: «أسرعي وأغلقي البوابة!» # كان باستطاعتي أن أجري بسرعة، جريت عبر الحديقة، بجانب الشجرة المعلقة عليها أرجوحتنا، ~~ووثبت عابرة قناة الماء إلى الممر الضيق. ووصلت إلى البوابة المفتوحة. لم تكن فلورا قد ~~خرجت بعد، ولم أكن ألمحها في الطريق، لا بد أنها ركضت إلى الجانب الآخر من الحقل. كانت ~~البوابة ثقيلة. رفعتها من الحصى ودفعتها كي أغلقها. كنت قد أغلقتها حتى المنتصف حين ظهرت ~~في المشهد، تعدو مباشرة نحوي. كان لدي من الوقت ما يكفي لوضع الجنزير، وجاء ليرد يستبق عبر ~~قناة الماء كي يساعدني. # لكن بدلا من أن أغلق البوابة، فتحتها بأوسع ما استطعت. لم أتخذ قرارا بأن أفعل ما فعلت، ~~وإنما كان هذا ما فعلته وحسب. لم تبطئ فلورا قط، وجرت سريعا مارة من أمامي، بينما ليرد ~~يتقافز ويصيح: «أغلقيها، أغلقيها!» حتى بعد أن فات أوان ذلك. ظهر أبي وهنري في الحقل بعد ~~ذلك بدقيقة واحدة فلم يدركا ما فعلت. رأيا فقط فلورا تتجه صوب طريق البلدة. كانا يظنان أنني ~~لم أدرك البوابة في الموعد المناسب . # لم يضيعا أي وقت في سؤالي عن ذلك، وعادا إلى الحظيرة وأحضرا البندقية والسكاكين، ووضعا ms119 ~~هذه الأشياء في الشاحنة، ثم اتجها بها صوبنا وتقدما بسرعة ناحيتنا عبر الحقل. ناداهما ليرد: ~~«دعاني أذهب معكما، دعاني أذهب!» فأوقف هنري الشاحنة وأخذاه. أغلقت البوابة بعد أن ذهب ~~ثلاثتهم. # خمنت أن ليرد سيحكي ما حدث، وتساءلت عما سيحل بي. لم يسبق لي قط أن عصيت والدي، ولم ~~يسعني أن أفهم لماذا فعلت ذلك. لا سيما أن فلورا لن تتمكن من الهرب فعلا؛ فهم يستطيعون ~~اللحاق بها بالشاحنة. وحتى إذا لم يستطيعوا الإمساك بها هذا الصباح، فسيراها أحدهم ويتصل ~~بنا عصرا أو في الغد، فليست هناك منطقة برية هنا لتهرب إليها، لا شيء سوى المزارع. إلى ~~جانب أن أبي قد دفع ثمنها، ونحن بحاجة إلى اللحم كي نطعم الثعالب، ونحن بحاجة إلى الثعالب ~~كي نكسب عيشنا. كل ما فعلته هو أنني ألقيت بمزيد من الشغل على كاهل أبي الذي كان على كاهله ~~الكثير من الشغل بالفعل. ثم إنه حالما يكتشف أمر ما حدث لن يثق في بعد ذلك، وسيعلم أنني ~~لست إلى جانبه تماما. كنت إلى جانب فلورا، وهذا جعلني عديمة النفع لأي شخص، حتى لها. رغم ~~ذلك، لم آسف على ما فعلت حينما جاءت تعدو نحوي وفتحت لها البوابة؛ إذ لم يكن يسعني أن أفعل ~~غير ذلك. # عدت أدراجي إلى المنزل. سألتني أمي: «لم كل هذه الجلبة؟» أخبرتها أن فلورا حطمت السياج ~~وهربت. قالت: «يا لأبيك المسكين! الآن سيضطر لملاحقتها في كل أنحاء الريف. حسنا، لا جدوى ~~من تحضير طعام العشاء قبل الواحدة.» ونصبت طاولة الكي. أردت أن أخبرها، لكنني ظننت أن هذه ~~ليست فكرة سديدة، فصعدت إلى الأعلى وجلست على فراشي. # كنت في الآونة الأخيرة أعمل على تنميق الشطر الخاص بي من الغرفة، أفرش الفراش بستائر ~~«الدانتيل» القديمة، وأهيئ لنفسي منضدة للزينة فرشت فوقها بعضا من قماش الكريتون الذي ~~تبقى من حياكة تنورة. وخططت لأن أنصب ما يشبه الحاجز بين فراشي وفراش ليرد ، كي أجعل ~~شطري منفصلا عن شطره. تحت ضوء الشمس، لم تكن قطع ستائر «الدانتيل» سوى ms120 أسمال متربة. لم نعد ~~نغني ليلا مثلما كنا نفعل. فقد حدث ذات ليلة بينما كنت أغني أن قال لي ليرد: «تبدين ~~حمقاء وأنت تغنين»، فلم أحفل بما قال وواصلت الغناء، لكن في الليلة التالية لم أبدأ الغناء. ~~لم يكن هناك ما يستدعي ذلك على أية حال، فنحن لم نعد نشعر بالخوف. بتنا نعلم أن الأشياء ~~الموجودة في الركن ليست سوى أثاث قديم، ركام عتيق وفوضى. لم نعد نلتزم بالقواعد، لكنني كنت ~~أظل مستيقظة بعد أن ينام ليرد وأحكي لنفسي القصص، لكن حتى هذه القصص كان يحدث فيها شيء ~~مختلف، لقد طرأ عليها تغير غامض. كان من الممكن أن تبدأ القصة على النحو المعتاد بخطر ~~محدق، كحريق أو حيوانات متوحشة، ثم أشرع في إنقاذ أشخاص لبعض الوقت، ثم يتغير كل شيء، ويأتي ~~من ينقذني بدلا من أن أكون أنا من ينقذ. يمكن أن يكون المنقذ صبيا من صفنا في المدرسة، ~~أو حتى السيد كامبل معلمنا، الذي كان يدغدغ البنات تحت إبطهن. عند هذه المرحلة كانت القصة ~~تتمحور بقدر أكبر حول شكلي، مثلا، كم كان شعري طويلا وأي نوع من الفساتين كنت أرتدي، وما ~~إن تبدأ هذه التفاصيل في التطور حتى تتلاشى الإثارة الأصلية للقصة. # كانت الساعة قد تعدت الواحدة حينما عادت الشاحنة. وكان ثمة مشمع مفروش في خلفيتها، ما ~~يعني أن هناك لحما بداخلها. اضطرت أمي لتسخين الطعام ثانية، وكان أبي وهنري قد غيرا ~~رداءي العمل المخضبين بالدماء بآخرين خاصين بالعمل المعتاد في الحظيرة، وغسلا أذرعهما ~~ورقبتيهما ووجهيهما عند الحوض، ونثرا الماء على شعريهما ومشطاهما. رفع ليرد ذراعه ~~متباهيا بخط دقيق من الدم كان عليها وقال: «قتلنا فلورا، وقطعناها إلى خمسين قطعة.» # قالت أمي: «حسنا، لا أريد أن أسمع شيئا عن ذلك، ولا تأت لمائدتي بهذه الحال.» # أمره أبي أن يذهب ويغتسل من الدم. # جلسنا جميعا وشرع أبي يتلو صلاة ما قبل الأكل، وألصق هنري العلكة التي كان يلوكها على ~~نهاية شوكته كما اعتاد أن يفعل. كان حينما يخلعها يجعلنا نستحسن ms121 الطريقة التي يؤدي بها ذلك. ~~بدأنا نمرر سلطانيات الخضار المطبوخ أكثر من اللازم، التي يتصاعد منها البخار. صوب ليرد ~~نظره إلي عبر المائدة وقال في غطرسة ظاهرة: «على أية حال كان هروب فلورا غلطتها ~~هي.» # قال أبي: «ماذا!» ~~«كان بوسعها أن تغلق البوابة ولم تفعل، بل فتحتها على مصراعيها وهربت فلورا.» # تساءل أبي: «هل هذا صحيح؟» # كان جميع الجالسين إلى الطاولة ينظرون إلي. أطرقت، ورحت أزدرد الطعام في صعوبة بالغة. ~~ولخزيي الشديد، انهمرت الدموع من عيني. # ند من أبي صوت يوحي بالازدراء، وسألني: «لم فعلت ذلك؟» # لم أجب، ووضعت شوكتي وظللت جالسة في انتظار أن أصرف عن المائدة وأنا لا أزال أنظر إلى ~~الأسفل. # لكن هذا لم يحدث. لم ينبس أحد بكلمة لبعض الوقت، ثم قال ليرد بنبرة تخلو من أي عاطفة: ~~«إنها تبكي.» # قال أبي: «لا بأس.» ثم تحدث بنبرة تنم عن التسليم بالأمر الواقع، وربما بشيء من المرح، ~~فقال الكلمات التي أعفتني من مهامي إلى الأبد. قال: «ليست سوى فتاة.» # لم أحتج، حتى في نفسي. لعل ما قاله صحيح. # | بطاقة بريدية # بعد ظهر البارحة، بالأمس، كنت في طريقي إلى مكتب البريد، أفكر كم سقمت من الجليد، ومن ~~التهابات الحلق، ومن التثاقل الذي يجرجر به الشتاء أذياله، وتمنيت لو كنت أستطيع أن أشد ~~الرحال إلى فلوريدا، مثل كلير. كان ذلك بعد ظهر يوم الأربعاء، اليوم الذي أعمل فيه لمنتصف ~~النهار فقط. أنا أعمل في متجر كينج الشامل، الذي - بالرغم من اسمه - لا يزيد على كونه ~~متجرا للأقمشة والملبوسات الجاهزة. من قبل، كانوا يبيعون مواد البقالة، لكنني بالكاد أتذكر ~~ذلك. كانت ماما تأخذني إلى هناك وتجلسني على الكرسي المرتفع، وكان السيد كينج العجوز يعطيني ~~حفنة من الزبيب ويقول لي: «أنا لا أعطيها إلا للبنات الجميلات.» وحينما مات السيد كينج ~~العجوز أزالوا قسم البقالة، بل إن المتجر لم يعد متجر كينج، وإنما صار ملكا لشخص يدعى ~~كروبرج. لكن آل كروبرج أنفسهم لا يقربون المتجر أبدا، فقد اكتفوا بإرسال السيد هوز مديرا ms122 ~~له. أنا مسئولة عن الدور العلوي، قسم ملابس الأطفال، وعن نصب «أرض الألعاب» وقت عيد ~~الميلاد. طوال أربعة عشر عاما وأنا في ذلك المكان، وهوز لا يضايقني، لعلمه أنني ما كنت ~~لأتقبل ذلك. # ولما كان اليوم هو الأربعاء، كانت نوافذ مكتب البريد مغلقة، لكن كان معي مفتاحي. فتحت قفل ~~صندوقنا وأخرجت صحيفة جوبيلي، المرسلة باسم ماما، وفاتورة الهاتف وبطاقة بريدية كدت لا ~~أراها. نظرت إلى الصورة التي عليها أولا، فرأيت نخيلا وسماء زرقاء وشمسا دافئة، وواجهة ~~فندق صغير عليها لافتة على شكل امرأة ضخمة شقراء، أظن أنها تضاء بأنوار النيون في الليل. ~~كانت اللافتة تقول «اقض ليلتك عندي.» كان هذا مكتوب على بالون حوار يخرج من فم المرأة. ~~قلبت البطاقة وقرأت ما هو مكتوب: «مع ذلك لم أقض الليلة عندها، فقد كان الفندق غاليا ~~جدا. الطقس هنا غاية في الروعة. درجة الحرارة تتراوح حول منتصف السبعينيات بمقياس ~~فهرنهايت. ترى ما حال الشتاء معك في جوبيلي؟ أرجو ألا يكون سيئا. كوني فتاة عاقلة. ~~كلير» كان تاريخ البطاقة يعود لعشرة أيام مضت. حسنا، أحيانا تتأخر البطاقات البريدية في ~~الوصول، لكنني أراهن أن ما حدث هو أنه ظل يحملها في جيبه لبضعة أيام قبل أن يتذكر إرسالها ~~بالبريد. كانت هذه البطاقة الوحيدة التي أتسلمها منذ رحيله إلى فلوريدا منذ ثلاثة أسابيع، ~~بينما كنت أنا هنا أتوقع عودته شخصيا يوم الجمعة أو السبت. كان يذهب في هذه الرحلة كل ~~شتاء مع أخته بوركي وزوجها هارولد، اللذين يعيشان في مدينة ويندسور. كان لدي شعور بأني لا ~~أعجبهما، لكن كلير قال إنني أتصور ذلك فحسب. كنت كلما جمعني حديث ببوركي ارتكبت خطأ ما، ~~كأن أقول مثلا إن «كذا لا علاقة بي له» بالرغم من علمي أن العبارة الصحيحة هي «كذا لا ~~علاقة له بي»، فلا تدع ذلك يمر قط دون أن تثرثر بشأنه، لكنني كنت أظل أفكر في ذلك فيما بعد ~~وأتميز غيظا. مع أنني أعرف أن في صالحي أن أحاول التحدث بالطريقة التي لا يمكن ms123 أن أتحدث ~~بها عادة في جوبيلي، وأن أحاول نيل إعجابها لأنها من آل ماكواري، بالرغم من كل المحاضرات ~~التي ألقيها على مسامع أمي لأفهمها أننا لا نقل عنهم وجاهة ونبلا. # كنت أقول لكلير: اكتب لي رسالة حينما تكون مسافرا. فكان يقول: «ماذا تريدينني أن أكتب ~~لك؟» فطلبت أن يصف المناظر التي يراها والأشخاص الذين يقابلهم، أي شيء يمكن أن يكون مسليا ~~بالنسبة لي أن أعرفه، بما أنني لم يسبق لي قط أن أخرج لأبعد من بافالو للمتعة (لن أضع في ~~حسباني رحلة القطار التي اصطحبت فيها ماما إلى وينيبج لزيارة بعض الأقارب). لكن كلير قال: ~~«أستطيع أن أخبرك بكل ما تريدين معرفته حين أعود.» لكنه لم يكن يفعل ذلك قط. كنت حينما أراه ~~ثانية أقول: «حسنا، احك لي كل شيء عن رحلتك»، فكان يقول: «ماذا تريدينني أن أحكي؟» كان ~~هذا يغيظني جدا؛ إذ كيف لي «أنا» أن أدري؟ # رأيت ماما في انتظاري، تراقبني عبر النافذة الصغيرة في الباب الأمامي. فتحت الباب حينما ~~أصبحت في الممشى وصاحت: «احترسي لنفسك، الأرض زلقة. لقد كاد بائع الحليب يسقط على رأسه هذا ~~الصباح.» # قلت: «ثمة أيام أظن أنني لا أبالي فيها أن تنكسر لي رجل.» فقالت: «لا تتفوهي بأشياء كتلك، ~~كأنك تستنزلين لنفسك العقاب.» # قلت: «كلير أرسل لك بطاقة بريدية.» ~~«أوه، لا يمكن!» قلبت البطاقة على وجهها الآخر وقالت: «إنها موجهة إليك، كما توقعت ~~تماما.» لكنها تجاوزت ذلك بابتسامة. «أنا لا آبه للصورة التي اختارها، لكن ربما لا يتسنى ~~للمرء مجال واسع للاختيار هناك.» # على الأرجح كان كلير محل إعجاب السيدات المتقدمات في السن منذ أن استطاع المشي. كان في ~~نظرهم ما يزال ولدا سمينا ظريفا، دمث الخلق، ولا يبدي أي غرور مع أنه من آل ماكواري، وله ~~طريقة في الممازحة ترفع معنوياتهن وتحمر لها وجناتهن خجلا. كان لماما وكلير طرق كثيرة ~~للمزاح لم أستطع أبدا أن أجاريها. منها أنه كان يأتي فيطرق الباب ويقول شيئا مثل: «عمت ~~مساء سيدتي، كنت أتساءل فقط إن ms124 كان يمكنني أن أقنعك بدورة لتحسين لياقة الجسم أسوق لها ~~كي يتسنى لي دفع مصاريف الكلية.» فتتظاهر أمي بكظم غيظها وتعبس في وجهه وتقول: «اسمع أيها ~~الشاب، هل أبدو بحاجة إلى دورة لتحسين لياقتي البدنية؟» أو يمكن أن يبدو محزونا ويقول: ~~«سيدتي، أنا هنا لأنني قلق على روحك.» فكانت أمي تنفجر ضاحكة وتقول: «يجدر أن تقلق على ~~روحك أنت.» ثم تطعمه كفتة الدجاج وفطيرة مارينج الليمون، وهما من أكلاته المفضلة. كان يقول ~~لها على المائدة نكتا لم أكن أتصور أن تستمع لها؛ مثل «هل سمعت عن ذلك الرجل المحترم ~~المسن الذي تزوج من زوجة شابة ثم ذهب إلى الطبيب؟ دكتور أواجه بعض المتاعب ...» فتقول أمي «لا ~~تكمل.» لكنها كانت تنتظر إلى أن يتم النكتة، وتقول: «أنت تحرج هيلين لويز.» كنت قد تخلصت من ~~اسم لويز الذي يلتصق باسمي في كل مكان ما عدا في المنزل. علم به كلير من ماما، أخبرته أنني ~~لا أحب هذا الاسم لكنه ظل يناديني به. أحيانا كنت أشعر بأنني صغيرتهما، حينما كنت أجلس ~~بينه وبين ماما بينما يمزحان ويستمتعان بطعامهما ويخبرانني بأنني أسرف في التدخين وأنني إذا ~~لم أستقم في جلستي فسيتحدب كتفاي للأبد. كان كلير - ولا يزال - يكبرني باثني عشر عاما، ولا ~~أذكره أبدا إلا في صورة رجل كبير. ~~••• # كنت أراه في الشارع وكان يبدو كبيرا بالنسبة لي حينئذ، على الأقل كما كان كل الكبار ~~يبدون بالنسبة لي. إنه من أولئك الذين يبدون أكبر سنا وهم صغار ويبدون أصغر سنا وهم ~~كبار. كان دائما يوجد في فندق كوينز. فلأنه من آل ماكواري لم يكن مضطرا لأن يعمل بجد. ~~وكان له مكتب صغير ويعمل أحيانا كموثق عقود، أو يؤدي بعض مهام التأمين أو العقارات. وهو ما ~~يزال يملك هذا المكان، الذي دائما ما ترى نافذته الأمامية غائمة ومتربة، ويوجد نور متقد ~~في خلفيته، صيفا وشتاء، حيث تجلس سيدة في الثمانين من عمرها تقريبا، تدعى الآنسة ~~ميتلاند، تقوم بما يأمرها به من الطباعة على الآلة الكاتبة ms125 أو غيرها من المهام التي يكلفها ~~بها. وحينما لا يكون في فندق كوينز، يكون برفقة صديق أو اثنين من أصدقائه يجلسون حول ~~المدفأة الكهربائية ويلعبون بأوراق اللعب، بينما يحتسون الشراب في هدوء، وغالبا يتحدثون ~~فحسب. ثمة نوع من الرجال في جوبيلي، وفي كل بلدة صغيرة على ما أظن، يمكنك أن تصفه بأنه ~~مشهور. لا أعني بذلك «شخصيات» بارزة عامة، ذات شأن يؤهلها للترشح لانتخابات البرلمان أو حتى ~~لمنصب العمدة (مع أن كلير يستطيع ذلك إن أراد أن يأخذ الأمر على محمل الجد)، وإنما أعني ~~رجالا موجودين دائما في الشارع الرئيسي ولهم وجوه معروفة. إن كلير وأصدقاءه من هذا ~~النوع. # قالت ماما: «أهو هناك برفقة أخته؟» وكأنني لم أخبرها بذلك من قبل. إن كثيرا من حديثي مع ~~ماما يكون معادا. سألت: «ما ذلك الاسم الذي ينادونها به؟» # أجبت: «بوركي.» ~~«نعم، أذكر أنني ظننت أن هذا اسم امرأة كبيرة. وأذكر أن اسمها عند التعميد كان إيزابيل. ~~كان هذا قبل أن أتزوج بوقت طويل، كنت لا أزال أنشد في جوقة الكنيسة. حينئذ ألبسوها أحد ~~أثواب التعميد المستحدثة «المجرجرة»، تعرفينها؟» كانت أمي مغرمة بكلير لكن ليس بآل ماكواري. ~~كانت تعتقد أنهم يتكبرون حتى في التقاط أنفاسهم. أتذكر منذ سنة أو سنتين أننا كنا مارتين ~~بجانب مسكنهم، فقالت شيئا ما عن الحرص على ألا أطأ بقدمي فوق نجيل «القصر»، فقلت لها: ~~«ماما، في غضون بضع سنوات سأكون مقيمة هنا، سيكون هذا «منزلي أنا»؛ لذا من الأفضل أن ~~تكفي عن وصفه بالقصر بنبرة الصوت هذه.» نظرنا معا إلى أعلى المنزل بكل مظلاته ذات اللون ~~الأخضر الغامق والمزينة بحرفي # Ms # بخط أبيض كبير، وكل شرفاته ~~الواسعة ونوافذه ذات الزجاج المعشق المثبتة في الجدار الجانبي، كأنه كنيسة. ما من علامة تدل ~~على وجود حياة، لكن في الأعلى كانت السيدة ماكواري راقدة، وما تزال، مشلولة شللا نصفيا ~~جانبيا ولا تستطيع التكلم، تعتني بها ويلا مونتجومري نهارا ويعتني بها كلير ليلا. ~~تزعجها أصوات الغرباء في المنزل، وكل مرة يأخذني فيها ms126 كلير إلى هناك لا يسعني إلا الهمس كي ~~لا تسمع صوتي وتدخل في نوبة من نوبات الشلل. قالت أمي بعد أن نظرت طويلا: «هذا مضحك، لكنني ~~لا أتصور أن تحملي اسم ماكواري.» ~~«اعتقدت أنك مولعة بكلير.» ~~«حسنا، أنا كذلك، لكنني لا أستطيع أن أتصوره إلا آتيا لاصطحابك للخروج ليلة السبت، أو ~~لتناول عشاء يوم الأحد، ولا أتصوركما زوجين.» ~~«انتظري لتري ما سيحدث حينما تموت السيدة العجوز.» ~~«أذلك ما قاله لك؟» ~~«هذا مفهوم.» # قالت ماما: «حسنا، قد تكونين محقة!» ~~«إنك لست مضطرة لأن تتصرفي وكأنه يقدم لنا معروفا، لأنني أستطيع أن أخبرك أن كثيرا من ~~الناس يمكن أن يروا الأمر على نحو معاكس.» # قالت أمي بصوت لطيف: «ألا أستطيع أن أفتح فمي من دون أن تشعري بالإهانة؟» # كنت أنا وكلير ندلف من الباب الجانبي في ليالي السبت ونصنع قهوة وشيئا نأكله في المطبخ ~~عتيق الطراز ذي الجدران العالية، متسللين في منتهى الهدوء والسرية كأننا ولد وبنت ~~يلتقيان بعد المدرسة، ثم نخطو على أطراف أصابعنا صاعدين السلم الخلفي إلى غرفة كلير فنفتح ~~التلفاز بحيث تظن السيدة العجوز أنه وحده يشاهده. كنت إذا نادته استلقيت وحدي في الفراش ~~الواسع أشاهد البرامج أو أنظر إلى الصور القديمة المعلقة على الجدار، صوره في فريق هوكي ~~المدرسة الثانوية يلعب حارس مرمى، وصورة بوركي في لباس التخرج، وصورته مع بوركي في إحدى ~~العطلات مع بعض أصدقاء لا أعرفهم. وكنت إذا استبقته عندها طويلا أشعر بالملل فأهبط إلى ~~الدور السفلي مستترة بصوت التلفاز وأتناول المزيد من القهوة. (لم أشرب قط أي مشروب مسكر، ~~كنت أترك هذا لكلير.) في النور الوحيد المضاء، نور المطبخ، كان يتسنى لي أن أدخل حجرة ~~الطعام وأفتح الأدراج وأنظر إلى مفارشها، وأفتح خزانة الأواني الخزفية وصندوق أدوات المائدة ~~الفضية، فأشعر كأنني لصة. لكنني كنت أفكر، لم لا أستمتع بهذا وباسم ماكواري طالما أنني ~~أفعل هذا بالفعل على أية حال؟ قال لي كلير: «تزوجيني» بعد وقت قصير من بداية خروجنا معا، ~~فقلت له: «لا تزعجني، ms127 لا أود أن أفكر بشأن الزواج» فكف عن الحديث في هذا الموضوع. وحينما ~~أثرت أنا هذا الموضوع مجددا، بعد سنوات، بدا مسرورا. قال «حسنا، لا أعتقد أن ثمة كثيرا ~~من الذكور العجائز أمثالي يسمعون فتاة جميلة مثلك تقول إنها ترغب في الزواج منهم.» فكرت في ~~نفسي، انتظروا إلى أن أتزوج وأذهب إلى متجر كينج وأجعل هوز يهرع في كل الأرجاء ملبيا ~~طلباتي، ذلك العجوز السخيف. كم أود أن أذله وأضايقه، لكنني سأتمالك نفسي، من باب ~~التأدب. ~~••• # قلت لماما: «سآخذ تلك البطاقة البريدية الآن وأضعها في صندوقي، ولا يسعني أن أفكر في ~~طريقة أفضل نقضي بها عصر اليوم من أن نحظى بقيلولة.» صعدت إلى الدور العلوي وارتديت الروب ~~(صيني مطرز، كان هدية من كلير). وضعت شيئا من الكريم على وجهي ثم أخرجت الصندوق الذي أحفظ ~~فيه البطاقات البريدية والخطابات وغيرها من التذكارات، ووضعتها مع البطاقة البريدية التي ~~كانت قد وصلت من فلوريدا منذ سنوات، وبعض البطاقات من متنزهات بانف وجاسبر وجراند كانيون ~~ويلوستون. ثم لتضييع الوقت شرعت في مشاهدة صوري أيام المدرسة وشهادات درجاتي وصور برنامج ~~«إتش إم إس بينافور»، الذي عرضته المدرسة الثانوية وكنت أنا بطلته - ماذا كان اسمها؟ - ابنة ~~القبطان. أتذكر كلير حينما التقى بي في الشارع وهنأني على غنائي وروعة جمالي، وأذكر كيف كنت ~~أتغنج عليه بعض الشيء لا لشيء إلا لأنه كان يبدو كبيرا جدا ولا خطر منه، كنت أتغنج دون ~~أن ألقي بالا، كنت مزهوة بنفسي. ألم أكن لأفاجأ لو كنت علمت ما سيحدث؟ لم أكن حتى قد ~~التقيت بتيد فورجي بعد. # ميزت رسالته بمجرد أن رأيتها من الخارج، ولم أقرأها قط، لكن بدافع الفضول فتحتها وبدأت ~~القراءة: «عادة أكره أن أكتب رسالة بالآلة الكاتبة لأن الرسالة تفتقر بذلك اللمسة الشخصية، ~~لكنني في غاية الإنهاك الليلة إلى جانب كل الضغوط الطارئة هنا؛ لذا آمل أن تعذريني.» كان ~~مجرد النظر إلى الرسالة، مكتوبة بالآلة الكاتبة أو غير ذلك، يمنحني شعورا بالحب، إن كان ~~لكم أن تسموه حبا، ms128 قويا إلى حد أنه يكاد يعتصر قلبي ويطرحني أرضا. تيد فورجي كان ~~مذيعا في محطة إذاعة جوبيلي لمدة ستة أشهر في الوقت الذي كنت فيه على وشك أن أنهي دراستي ~~الثانوية. كانت ماما تقول إنه كبير السن للغاية بالنسبة لي - لم تقل ذلك قط عن كلير - لكنه ~~لم يكن إلا في الرابعة والعشرين من عمره. كان قد قضى سنتين في إحدى المصحات مصابا بمرض ~~السل، وهذا جعله يبدو أكبر من عمره الحقيقي بسنوات. كنا نصعد معا إلى تل سوليفان فيحكي كيف ~~كان يعيش والموت يحدق في وجهه، وكيف أدرك قيمة أن يكون قريبا من إنسان واحد، لكنه لم يجد ~~إلا الوحدة. كان يقول إنه يرغب في أن يدس رأسه في حضني ويبكي، لكن طوال الوقت كان ما ~~«يفعله» أمرا آخر. وحينما رحل صرت كمن يسير وهو نائم. لم أكن أستيقظ إلا بعد الظهر حين ~~أذهب إلى مكتب البريد وأفتح الصندوق بينما ركبتاي لا تكادان تحملانني، كي أرى إن كنت قد ~~تلقيت رسالة. ولم يحدث قط أن تلقيت منه رسالة بعد تلك. صارت أماكن تصيبني بالضيق؛ تل ~~سوليفان ومحطة الإذاعة ومقهى فندق كوينز. لا أدري كم ساعة قضيتها في ذلك المقهى، أسترجع في ~~عقلي كل حديث دار بيننا وأتصور كل نظرة علت وجهه، غير مدركة بعد أن التمني لم يكن ليجره ~~عبر ذلك الباب ثانية. صارت علاقتي ودية بكلير هناك. كان يقول إنني أبدو كأنني بحاجة إلى من ~~يبهجني، وراح يحكي لي بعضا من قصصه. لم أصارحه قط بمشكلتي، لكن حينما بدأنا نخرج معا وضحت ~~له أن الصداقة هي كل ما يمكن أن أقدمه له. قال إنه يقدر ذلك وإنه سينتظر الوقت المناسب. ~~وقد فعل. # قرأت الرسالة حتى آخرها وفكرت، ليس للمرة الأولى، أن أي أبله سيقرأ هذه الرسالة سيستطيع ~~أن يدرك أنها الأخيرة. «أريدك أن تعلمي كم أنا ممتن لكل لطفك وتفهمك.» كانت كلمة «لطف» هي ~~الوحيدة التي التصقت بذهني حينئذ، كي تمنحني الأمل. فكرت أنني سأتخلص من رسالته حين ms129 أتزوج ~~أنا وكلير. إذن، لم لا أفعلها من الآن؟ مزقتها إلى نصفين ثم مزقت النصفين إلى نصفين وبدا ~~الأمر سهلا كتمزيق الكراسات بعد انتهاء أيام الدراسة. ولما لم أكن أريد أن تعلق ماما على ~~ما في سلة مهملاتي دسست الرسالة الممزقة في حقيبة يدي. وبعد أن انتهيت استلقيت على فراشي ~~وفكرت في عدة أمور. مثلا، لو لم أكن في سكرة بسبب رحيل تيد فورجي، فهل كانت نظرتي لكلير ~~ستتغير؟ هذا احتمال ضعيف. فلولا تلك السكرة ما كنت لأحفل بكلير على الإطلاق، كنت سأنطلق ~~وأفعل شيئا مختلفا، لكن لا جدوى من التفكير في ذلك الآن. الجلبة التي أثارها كلير جعلتني ~~آسف له في أول الأمر. كنت أزدري رأسه المستدير الأصلع، وأسمع تأوهه وهياجه وأفكر، ماذا ~~يسعني الآن إلا أن أكون مهذبة؟ لم ينتظر مني أكثر من ذلك، لم ينتظر قط ما هو أكثر، فقط أن ~~أستلقي وأتركه يفعل ما يشاء، وقد اعتدت على ذلك. تذكرت ذلك وتساءلت عما إذا كنت عديمة ~~الشعور، فقط لأنني استلقيت هناك وتركته يجذبني ويجامعني ويتأوه حول عنقي ويقول ما قال، دون ~~أن أنطق في المقابل بكلمة حب واحدة له؟ لم أرد قط أن أكون امرأة بلا قلب ولم أكن خسيسة مع ~~كلير، وتركته يفعل ما يشاء، ألم أفعل ذلك، في أغلب الأحيان؟ ~~••• # سمعت ماما تنهض من قيلولتها وتذهب لتشغيل غلاية الماء كي تعد لنفسها فنجانا من الشاي ~~وتقرأ الصحيفة. بعد وقت قصير أطلقت صرخة، ظننت أن أحدا مات فقفزت من فراشي وركضت إلى ~~الردهة، لكنها كانت هناك في الأسفل تقول: «عودي إلى قيلولتك، أعتذر لأنني أخفتك. لقد ~~أخطأت.» عدت بالفعل ثم سمعتها تجري مكالمة تليفونية، على الأرجح تتصل بإحدى صديقاتها ~~القديمات لتخبرها بشأن خبر ما في الصحيفة، بعد ذلك أظن أنني غلبني النعاس. # استيقظت على صوت توقف سيارة، وترجل شخص ما منها واتجه نحو الممشى الأمامي. تساءلت، أيكون ~~هذا كلير قد عاد باكرا؟ وعندئذ، بينما أنا مشوشة ونصف نائمة، فكرت أنني قد مزقت الرسالة ~~بالفعل، هذا ms130 جيد. لكن لم يكن ذلك وقع خطواته. فتحت ماما الباب دون أن تمنحه فرصة لقرع ~~الجرس، وسمعت صوت آلما ستونهاوس، التي تدرس في مدرسة جوبيلي الحكومية وهي أقرب صديقاتي. ~~خرجت إلى الردهة وانحنيت للأمام وصحت: «مرحبا آلما، هل ستأكلين هنا ثانية؟» كانت تتناول ~~طعامها في مطعم بيلي حيث يكون الطعام جيدا في بعض الأحيان ورديئا في أحيان أخرى، لكن كانت ~~حينما تشم رائحة «فطيرة الراعي» التي يعدونها هناك، كانت تتجه رأسا إلى منزلنا دون ~~دعوة. # صعدت آلما مباشرة إلى الدور العلوي دون أن تخلع معطفها، ووجهها الأسمر النحيل يتوهج ~~إثارة، فأدركت أن شيئا ما وقع. ظننت أنه لا بد يتعلق بزوجها، فهما منفصلان وهو يكتب لها ~~رسائل فظيعة. قالت لي: «هيلين، أهلا، كيف حالك؟ هل استيقظت للتو؟» # قلت: «سمعت صوت سيارتك، ظننت لوهلة أنه صوت سيارة كلير لكنني لا أتوقع عودته قبل عدة أيام ~~أخرى.» ~~«هيلين، هلا جلست؟ تعالي ندخل حجرتك حيث يمكنك الجلوس. هل أنت مهيأة لصدمة؟ كم كنت أتمنى ~~ألا أكون من يخبرك بهذا. تمالكي نفسك.» # رأيت ماما تقف خلفها مباشرة، فقلت: «ماما، أهذه مزحة؟» # قالت آلما: «كلير ماكواري تزوج.» # قلت: «إلام ترميان أنتما الاثنتان؟ إن كلير ماكواري في فلوريدا وقد وصلتني منه اليوم فقط ~~بطاقة بريدية كما تعلم ماما جيدا.» ~~«لقد تزوج في فلوريدا. اهدئي يا هيلين.» ~~«كيف يمكن أن يتزوج في فلوريدا؟ إنه يقضي إجازته هناك؟» ~~«إنهما في طريق عودتهما إلى جوبيلي الآن وسيعيشان هنا.» ~~«آلما، أينما سمعت بهذا فإنه محض هراء. لقد لقيت منه اليوم فقط بطاقة بريدية. ماما ~~...» # حينئذ رأيت ماما تنظر إلي كأنني في الثامنة من عمري وأصبت بالحصبة وكانت درجة حرارتي ~~تتجاوز المائة والخمس فهرنهايت. كانت ممسكة بصحيفتها فمدتها إلي كي أقرأ. قالت: «الخبر ~~هنا.» وهي غير مدركة على الأرجح أنها تهمس. «الخبر مكتوب هنا في صحيفة باجل هيرالد.» # قلت: «لا أصدق ذلك البتة.» وبدأت أقرأ وأقرأ الخبر كله وكأن الأسماء المكتوبة لأشخاص لم ~~أسمع بهم قط من قبل. بعضهم كان كذلك ms131 فعلا. في احتفال بسيط في كورال جيبلز بفلوريدا، تزوج ~~كلير ألكسندر ماكواري، من مدينة جوبيلي، ابن السيدة جيمس ماكواري من نفس المدينة، والراحل ~~السيد جيمس ماكواري، وهو رجل أعمال محلي مرموق وعضو البرلمان لفترة طويلة، من السيدة ~~مارجريت ثورا ليسون، ابنة الراحلين السيد والسيدة كلايف تيبوت من لينكن بولاية نبراسكا. لم ~~يضم الحفل سوى السيدة هارولد جونسون شقيقة العريس وزوجها. ارتدت العروس بدلة أنيقة باللون ~~الأخضر الزيتوني مزينة بإكسسوارات ذات لون بني قاتم وسوارا من زهور الأوركيد البرونزية. ~~وارتدت السيدة جونسون بدلة باللون البيج مزينة بإكسسوارات سوداء اللون وسوارا من زهور ~~الأوركيد الخضراء. العروسان في طريقهما الآن بالسيارة إلى منزل المستقبل في جوبيلي. # قالت آلما في حدة: «ألا تزالين تعتقدين أن هذا هراء؟» # قلت إنني لا أدري. ~~«هل أنت بخير؟» ~~«بخير.» # قالت ماما إننا سنشعر جميعا بتحسن إذا نزلنا إلى الدور السفلي وتناولنا فنجانا من الشاي ~~وبعض الطعام، بدلا من حبس أنفسنا في حجرة النوم الضيقة هذه. كان الوقت يقترب من موعد ~~العشاء على أية حال. فنزل ثلاثتنا، وكنت لا أزال مرتدية الروب، وراحت ماما وآلما تعدان وجبة ~~من تلك النوعية التي يمكن أن تأكلها كي تقيم أودك عندما يدخل مرض ما المنزل ولا يسعك أن ~~تتذمر كثيرا بشأن الطعام؛ شطائر اللحم البارد مع أطباق صغيرة من مختلف أنواع المخلل وشرائح ~~من الجبن وفطائر مربعة محشوة بالبلح. قالت لي ماما: «دخني سيجارة إن شئت.» هذه أول مرة ~~تقول لي ذلك في حياتها. ففعلت، وكذلك فعلت آلما. قالت آلما: «جلبت بعض المهدئات معي في ~~حقيبة يدي، إنها ليست من النوع القوي المفعول ويمكنك أن تتناولي حبة أو اثنتين.» قلت: لا، ~~شكرا، ليس الآن على أية حال. قلت إنه يبدو أنني لست بحاجة بعد لتناولها. ~~«هو يذهب إلى فلوريدا كل سنة، صحيح؟» # قلت: «نعم.» ~~«حسنا، أظن أن ما حدث هو أنه التقى هذه المرأة من قبل - قد تكون أرملة أو مطلقة أو أيا ~~ما كانت - وأنهما كانا يتراسلان ويخططان لهذا طوال الوقت.» ms132 # قالت ماما إن من الصعب أن نظن هذا بكلير. ~~«أنا فقط أقول لكما كيف يبدو الأمر لي. وأراهن أنها صديقة لشقيقته. أخته دبرت كل شيء. ~~كانا حاضرين في الحفل، الشقيقة وزوجها. لم تكن على وفاق معك قط يا هيلين، أذكر أنك قلت لي ~~ذلك.» ~~«كنت بالكاد أعرفها.» # قالت ماما: «هيلين لويس، قلت لي إنكما تنتظران فقط موت السيدة العجوز، ألم يكن هذا ما ~~قاله لك؟ كلير؟» # قالت آلما بانفعال: «يستخدم السيدة العجوز كعذر له.» # قالت ماما: «أوه، لا أظنه يفعل. من الصعب استيعاب ذلك ... كلير!» # قالت آلما: «الرجال دوما لا يتوانون عن نيل ما يمكنهم نيله.» مرت برهة من الصمت، نظرت ~~فيها الاثنتان إلي. لم أستطع أن أخبرهما أي شيء. لم أستطع أن أخبرهما بما كنت أفكر فيه، ~~بشأن ما دار في آخر ليلة سبت قضيناها في الدور العلوي بمنزله، قبل أن يسافر، كان عاريا كما ~~ولدته أمه، راح يجذب شعري ويمرره فوق وجهه وخلال أسنانه ويتظاهر بأنه سيمزقه. لم أكن أستحسن ~~لعاب أي شخص على شعري لكنني تركته يفعل ما يفعل، لكن حذرته من أن يمزقه وإلا فسيدفع لي ثمن ~~ذهابي إلى مصفف الشعر لتسويته. في تلك الليلة لم يتصرف كشخص ينوي أن ينهي العلاقة ~~ويتزوج. # مضت ماما وآلما تتحدثان وتخمنان بينما بدأ النعاس يتملك مني أكثر فأكثر. سمعت آلما تقول: ~~«كان من الممكن أن يحدث ما هو أسوأ. لقد عشت جحيما لأربع سنوات.» فقالت ماما: «لطالما كان ~~طيب الروح وكان مولعا بتلك الفتاة.» تعجبت كيف لي أن أكون نعسانة إلى هذا الحد، في هذا ~~الوقت المبكر من المساء وبعد ما نلته من قيلولة بعد الظهر. قالت آلما: «جيد جدا أنك ~~نعسانة، إنه أسلوب الطبيعة. أسلوب الطبيعة مثل المخدر تماما.» تعاونتا على إيصالي إلى ~~فراشي في الدور العلوي ولم أسمعهما تنزلان إلى الدور السفلي. ~~••• # لم أستيقظ مبكرا أيضا. استيقظت في الموعد الذي أستيقظ فيه عادة ، وتناولت إفطاري. ~~استطعت أن أسمع الجلبة الصادرة عن نشاط ماما في المنزل لكنني صحت ms133 عاليا، كما أفعل كل صباح، ~~طالبة منها أن تتوقف. ردت علي: «أمتأكدة من أنك ترغبين في الذهاب إلى العمل؟ يمكنني أن ~~أتصل بالسيد هوز وأخبره أنك مريضة مرضا شديدا.» قلت: «ولماذا ينبغي لي أن أمنح أيا منهم ~~هذا الشعور بالرضى؟» وضعت زينتي أمام مرآة الردهة في غياب الإضاءة، وخرجت ومشيت حتى وصلت ~~إلى متجر كينج على بعد نحو ثلاثة مربعات سكنية، دون أن ألحظ طقس ذلك الصباح، لا سيما أن ~~الطقس لم يكن قد تحول إلى ربيع بين عشية وضحاها. داخل المتجر كانوا في انتظاري، أوه، يا ~~للطف! صباح الخير يا هيلين، صباح الخير يا هيلين. أصواتهم حنونة مفعمة بالأمل في انتظار أن ~~يروا ما إذا كنت سأهوي أرضا وأبدأ في الدخول إلى نوبة هستيرية. السيدة ماكول، بيريل آلن ~~وخاتم خطوبتها، والسيدة كريس التي هجرت حبيبها منذ خمس وعشرين سنة ثم ارتبطت بشخص آخر غيره ~~- السيد كريس - ثم اختفى هذا الشخص. ما الذي يجعلها تنظر إلي؟ هوز العجوز الذي يعض على ~~لسانه بأسنانه حينما يبتسم. قلت صباح الخير بمنتهى الابتهاج وصعدت إلى الدور العلوي شاكرة ~~الرب على أن لي مرحاضي الخاص، قلت في نفسي: أراهن أن هذا اليوم سيشهد مبيعات هائلة في قسم ~~ملابس الأطفال. وقد كان. لم أشهد صباحا قط فيه كل هذا العدد من الأمهات اللائي أتين لشراء ~~شريط للشعر أو زوج من الجوارب الصغيرة، وهن على استعداد لصعود تلك السلالم من أجل ذلك ~~فحسب. # اتصلت بماما لأخبرها بأنني لن أكون في المنزل وقت الظهيرة. فكرت أنني سأمر فقط على فندق ~~كوينز وأتناول الهامبرجر، مع كل فريق العاملين بمحطة الإذاعة الذين لا أكاد أعرفهم. لكن في ~~الثانية عشرة إلا الربع جاءت آلما. «لم أكن لأدعك تأكلين وحدك في هذا اليوم!» لذا اضطررنا ~~للذهاب إلى فندق كوينز معا. كانت تنوي أن تجعلني أتناول شطيرة بيض، لا هامبرجر، وكوبا من ~~اللبن لا المياه الغازية، لأنها قالت إن معدتي على الأرجح لن تكون بحالة مستقرة، لكنني ~~اعترضت على ذلك. انتظرت إلى ms134 أن حصلنا على طعامنا وجلسنا لنتناول الطعام قبل أن تقول: ~~«حسنا، لقد عادا.» # استغرقت برهة قبل أن أعلم من الذي عاد. ثم قلت: «متى؟» # أجابت: «الليلة الماضية في ميعاد العشاء تقريبا. حينما كنت آتية بسيارتي إلى منزلك كي ~~أنقل إليك الخبر. كان من الممكن أن ألتقيهما في طريقي.» ~~«من أخبرك؟» ~~«حسنا، إن آل بيتشر يسكنون بالقرب من آل ماكواري، أليس كذلك؟» كانت السيدة بيتشر تدرس ~~للصف الرابع، وآلما تدرس للصف الثالث. «جريس رأتهما. كانت قد قرأت الصحيفة قبل ذلك ~~فعرفتها.» # سألت رغما عني: «كيف تبدو؟» ~~«قالت جريس إنها ليست شابة. في مثل سنه على أية حال. ألم أقل لك إنها صديقة لشقيقته؟ ولن ~~تحظى بأي ترتيب في مسابقة الجمال. يمكنك أن تقولي إنها لا بأس بها.» # لم أستطع أن أكبح نفسي الآن: «هل هي ضخمة أم صغيرة الحجم؟ سمراء أم شقراء؟» ~~«كانت معتمرة قبعة فلم تتمكن جريس من رؤية لون شعرها لكنها حسبته غامقا. إنها امرأة ضخمة ~~الجسم. قالت جريس إن لها مؤخرة بحجم بيانو ضخم. ربما هي غنية.» ~~«هل قالت جريس ذلك أيضا؟» ~~«لا لم تقل، أنا أخمن فقط.» ~~«كلير ليس بحاجة للزواج من أي امرأة ذات مال؛ فهو يملك المال.» ~~«هذا وفقا لمعاييرنا نحن، لكن ربما الأمر ليس كذلك بالنسبة له.» ~~••• # ظللت أفكر طوال فترة ما بعد الظهر في أن كلير قد يأتي، أو على الأقل يتصل بي. حينئذ ~~يمكنني أن أسأله عما فعله. صور لي عقلي بعض التبريرات الجنونية التي قد يقدمها لي، كأن ~~يقول إن هذه المرأة المسكينة مصابة بالسرطان ولم يتبق لها على قيد الحياة سوى ستة أشهر، ~~وإنها عاشت حياتها في فقر مدقع (ربما عاملة نظافة في الفندق الذي يرتاده) فأراد أن يمنحها ~~أياما من يسر العيش، أو إنها كانت تبتز زوج شقيقته بسبب ارتباط غير شريف فتزوجها كي ~~يسكتها. لكن لم يتسن لي الوقت لتصور عدد كبير من القصص بسبب تيار الزبائن الذي لم ينقطع. ~~كانت السيدات المسنات يصعدن السلالم لاهثات بحجة رغبتهن ms135 في شراء هدايا عيد ميلاد للأحفاد. ~~لا بد أن يكون لكل حفيد في جوبيلي عيد ميلاد في شهر مارس. فكرت أن عليهن أن يشعرن بالامتنان ~~لي، ألم أضف إلى يومهن شيئا من الإثارة؟ حتى آلما، كانت تبدو أفضل حالا من حالتها طوال ~~الشتاء. أنا لا ألومها، لكن هذه هي الحقيقة. ومن يدري، قد أكون أفضل حالا أنا أيضا إذا ~~ظهر دون ستونهاوس كما يهدد واغتصبها وترك على جسدها مجموعة من الكدمات البنفسجية - هذه ~~كلماته لا كلماتي أنا - من رأسها حتى أخمص قدميها. سأشعر بمنتهى الأسف، وأفعل أي شيء ~~لمساعدتها، لا شك في ذلك، لكنني قد أفكر حسنا، أن حدثا كهذا - بالرغم من فظاعته - هو على ~~الأقل حدث وقع في هذا الشتاء الطويل الممل. # لم يكن هناك داع للتفكير في عدم العودة للمنزل بحلول ميعاد العشاء، أمر كهذا كان سيقضي ~~على ماما. كانت في انتظاري وقد أعدت رغيف السالمون وسلطة الملفوف والجزر ووضعت فيها الزبيب، ~~الذي أحبه، وحلوى براون بيتي. لكن وسط هذا كله بدأت دموعها تنساب فوق أحمر شفاهها. قلت: ~~«أظن أنه إذا كان لأحد أن يبكي، فهو بالتأكيد أنا. ما الخطب الجلل الذي حل بك؟» # قالت: «حسنا، كنت أحبه جدا، كنت أحبه إلى هذا الحد. ففي مثل سني هذه لا تتطلعين لزيارة ~~الكثيرين طوال الأسبوع.» # قلت: «حسنا، أنا آسفة.» ~~«لكن بمجرد أن يفقد الرجل احترامه لفتاة، فمن المتوقع أن يسأم منها.» ~~«ماذا تعنين بقولك هذا يا ماما؟» ~~«إذا كنت لا تعرفين، فهل يفترض بي أن أخبرك؟» # قلت وقد بدأت أجهش بالبكاء أيضا: «ينبغي أن تشعري بالخجل، لأنك تتحدثين هكذا إلى ابنتك.» ~~هأنذا! وكنت أظن طوال الوقت أنها لا تدري. بالطبع لن تلوم كلير أبدا، ستلقي كل اللوم ~~علي. # استأنفت حديثها وهي تنتحب: «لا، لست أنا من ينبغي أن تشعر بالخجل. أنا امرأة مسنة لكنني ~~أعرف. إذا فقد رجل احترامه لفتاة فإنه لا يتزوجها.» ~~«لو كان هذا صحيحا لما تمت زيجة واحدة في هذه البلدة.» ~~«أنت من ضيعت فرصك.» # قلت: ms136 «لم تقولي أي كلمة من حديثك هذا طالما كان يأتي إلى هنا، ولست على استعداد لأن اسمع ~~هذا الآن.» ثم صعدت للأعلى. لم تأت ورائي. جلست أدخن، ساعة بعد أخرى. ظللت بثيابي ولم ~~أخلعها. سمعتها تصعد للأعلى وتأوي إلى الفراش. بعد ذلك نزلت للأسفل وشاهدت التلفاز لفترة، ~~أخبار عن حوادث سيارات. ثم ارتديت معطفي وخرجت. ~~••• # أملك سيارة صغيرة أهداها لي كلير العام الماضي في عيد الميلاد؛ سيارة «موريس» صغيرة. لا ~~أستخدمها في الذهاب إلى العمل لأنه على بعد حوالي ثلاثة مربعات سكنية فحسب، وتبدو القيادة ~~هذه المسافة القصيرة أمرا سخيفا، وكأنني أتباهى، وإن كنت أعرف أشخاصا يفعلون ذلك. ذهبت ~~إلى المرأب وأخرجت السيارة. كانت هذه أول مرة أقودها منذ يوم الأحد الذي أخذت فيه ماما إلى ~~تابرتاون لتزور العمة كاي في دار المسنين. أستخدمها أكثر في فصل الصيف. # نظرت إلى ساعتي واندهشت من الوقت؛ الثانية عشرة وعشرون دقيقة. شعرت برعشة ووهن بسبب ~~الجلوس لفترة طويلة. تمنيت لو كان معي أحد تلك الأقراص التي جلبتها آلما. لقد طرأت لي فكرة ~~الخروج، والانطلاق بالسيارة، لكنني لم أدر إلى أين أذهب. قدت في أنحاء شوارع جوبيلي ولم ~~أر سيارة أخرى إلا سيارتي. كل المنازل تبدو مظلمة، والشوارع سوداء، والأفنية تبدو شاحبة ~~بسبب ما تبقى فوقها من الثلج. بدا لي أن داخل كل منزل من هذه المنازل يعيش أشخاص يعلمون ~~أمرا لا أعلمه. فهموا ما جرى، وربما كانوا يعلمون أنه سيجري، وكنت أنا الوحيدة التي لم تدر ~~عن ذلك شيئا. # مضيت أقود إلى شارع جروف ثم إلى شارع ميني ورأيت منزله من الخلف. لا أنوار مضاءة بالداخل ~~أيضا. درت حول المنزل كي أراه من واجهته. تساءلت، هل يضطران للتسلل إلى الدور العلوي ~~وتشغيل التلفاز؟ لا امرأة لها مؤخرة بضخامة البيانو ستحتمل ذلك. أراهن أنه صعد بها مباشرة ~~إلى حجرة السيدة المسنة وقال لها: «هذه السيدة ماكواري الجديدة.» وهذا ما كان وقضي ~~الأمر. # ركنت السيارة وأنزلت زجاج النافذة. ودون أن أفكر فيما سأفعل اتكأت على ms137 بوق السيارة ~~وأطلقته بأشد وأطول ما يمكنني أن أحتمل. # منحني الصوت حرية أن أصيح. ففعلت: «هاي، كلير ماكواري، أود أن أتحدث إليك!» # ما من إجابة. «كلير ماكواري!» صرخت في مواجهة هذا المنزل المظلم. «كلير اخرج إلي!» ~~وأطلقت البوق، مرة ثانية وثالثة، لا أدري كم مرة. كنت أنادي صارخة أثناء ذلك. شعرت كأنني ~~أراقب نفسي، هنا في الأسفل، تافهة للغاية، أدق بقبضتي وأصرخ وأضغط على البوق. مصابة بهياج، ~~أفعل كل ما يخطر بذهني. كان هذا ممتعا، على نحو ما. كدت أنسى سبب فعلي ذلك وبدأت أضغط على ~~البوق بوقع منتظم وأصيح في الوقت نفسه. «كلير، ألن تخرج أبدا؟» ورحت أنشد باسمه بصوت عال ~~وأطلب منه الخروج. كنت أبكي وأنا أصيح، علنا في الشارع، ولم يزعجني ذلك على ~~الإطلاق. # قال بادي شيلدز وهو يدخل رأسه من نافذة السيارة المفتوحة: «هيلين، هل تريدين إيقاظ كل من ~~في البلدة؟» بادي شرطي وردية الليل، وكنت أدرس له في صفوف أيام الآحاد. # قلت: «كنت فقط أنشد أنشودة للعروسين، ماذا في ذلك؟» ~~«أنا مضطر لأن أطلب منك أن تكفي عن إحداث تلك الضوضاء.» ~~«لا أشعر أني راغبة في ذلك.» ~~«أوه، هيلين، بل ترغبين، أنت فقط منزعجة قليلا.» # قلت: «لقد ناديته وناديته ولم يخرج، كل ما أريده هو أن يخرج إلي.» ~~«حسنا، ينبغي أن تكوني فتاة عاقلة وتكفي عن إطلاق ذلك البوق.» ~~«أريده أن يخرج.» ~~«توقفي. لا تطلقي ذلك البوق ثانية.» ~~«هل ستجعله يخرج إلي؟» ~~«هيلين، أنا لا أستطيع أن أجعل رجلا يخرج من منزله إذا لم يكن راغبا في ذلك.» ~~«ظننت أنك تمثل السلطة، يا بادي شيلدز.» ~~«أنا كذلك، لكن هناك حدود لما يمكن أن تفعله السلطة. إذا كنت تريدين رؤيته فلماذا لا ~~تعودين في النهار وتطرقين بابه بلطف، كما يمكن أن تفعل أي آنسة مهذبة؟» ~~«لقد تزوج. ألا تعرف ذلك؟» ~~«حسنا هيلين، إنه متزوج بالليل وبالنهار أيضا.» ~~«أيفترض أن يكون هذا مضحكا ؟» ~~«لا، يفترض أن يكون صحيحا. والآن لم لا تفسحين وتدعينني أقود لأقلك إلى منزلك؟ ms138 ها ~~أنت ترين الأنوار التي أضيئت في المنازل على امتداد الشارع. وها هي جريس بيتشر تراقبنا، ~~وبوسعي أن أرى آل هولمز يفتحون نوافذهم. لا أظنك تريدين منحهم المزيد ليثرثروا بشأنه، أليس ~~كذلك؟» ~~«هؤلاء لا عمل لهم إلا الثرثرة على أية حال، لا يهمني أن يثرثروا بشأني.» # ثم انتصب بادي في وقفته وابتعد قليلا عن نافذة السيارة، فلمحت شخصا في الظلام بملابس ~~قاتمة آتيا من حديقة منزل ماكواري، كان ذلك كلير. لم يكن مرتديا الروب أو أي شيء من هذا ~~القبيل، كان بكامل هيئته، مرتديا قميصا وسترة وبنطالا. اتجه صوب السيارة مباشرة بينما ~~أنا جالسة في انتظار ما يمكن أن أقوله له. كان على حاله؛ رجلا بدينا ناعس الوجه مرتاح ~~البال. لكن نظرته فقط، نظرته المعتادة الهادئة، أزالت رغبتي في البكاء. كان من الممكن أن ~~أصرخ وأبكي حتى يحتقن وجهي، ولم يكن ذلك ليغير تلك النظرة أو يجعله يقوم من فراشه ويمشي عبر ~~حديقته بأسرع مما فعل بثانية واحدة. # قال: «هيلين، عودي إلى المنزل.» وكأننا كنا نشاهد التلفاز طوال المساء معا ثم حان موعد ~~العودة إلى المنزل والذهاب إلى فراشي كما ينبغي. وأضاف: «بلغي حبي لأمك، هيا امضي إلى ~~المنزل.» # كان هذا كل ما أراد قوله. نظر إلى بادي وسأله: «هل ستقود سيارتها وتقلها إلى المنزل؟» ~~رد بادي بالإيجاب. كنت أنظر إلى كلير ماكواري وأفكر، هذا رجل يفعل ما يحلو له. لم يكن ~~يعنيه كثيرا ما كنت أشعر به حينما كان يفعل ما يفعل وهو يعتليني، ولم يكن يعنيه كثيرا أي ~~نوع من الصخب أحدثت في الشارع حينما تزوج. كان رجلا لا يقدم تبريرات، ربما لأنه لا يملك ~~أيا منها. وإذا كان ثمة شيء لا يستطيع تفسيره، حسنا، ينسى أمره وحسب. ها هم كل جيرانه ~~يراقبوننا، لكن في الغد، إذا قابلهم في الشارع، فقد يخبرهم قصة مضحكة. وماذا عني؟ ربما إذا ~~قابلني في الشارع في يوم ما ، فقد يقول «كيف حالك يا هيلين؟» ويقول لي نكتة. آه لو كنت فكرت ~~حقا ms139 في حقيقة كلير ماكواري، لو كنت أعرت ذلك اهتماما، لكنت بدأت معه بداية مختلفة كل ~~الاختلاف أيضا، ولربما كنت سأشعر بمشاعر مختلفة أيضا، ولكن الرب وحده يعلم ما إذا كان ذلك ~~سيحدث أي فرق في نهاية المطاف. # قال بادي: «الآن، ألست نادمة على إحداثك كل هذه الجلبة؟» انزلقت إلى المقعد ورحت أراقب ~~كلير وهو عائد إلى منزله، أقول في نفسي: نعم، هذا ما كان ينبغي لي أن أفعله، أن أعير ~~اهتماما. قال بادي: «لن تعودي لمضايقته هو وزوجته ثانية يا هيلين، أليس كذلك؟» # قلت: «ماذا؟» ~~«لن تعودي لمضايقة كلير وزوجته بعد الآن، أليس كذلك؟ إنه رجل متزوج الآن، انقضى الأمر. ~~غدا صباحا ستشعرين بضيق بالغ حيال ما فعلته الليلة، لن تعرفي كيف ستواجهين الناس. لكن ~~دعيني أقل لك إن مثل هذه الأمور يحدث طوال الوقت، والأمر الوحيد الذي ينبغي للمرء أن يفعله ~~هو أن يواصل حياته، تذكري أنك لست الوحيدة التي تتعرض لذلك.» لم يبد عليه أنه فكر أن من ~~المضحك أنه يوجه الوعظ لي، ذلك الذي كنت أسمعه يتلو آيات الكتاب المقدس وأمسكت به يقرأ «سفر ~~اللاويين» خلسة. # قال: «دعيني أحك لك ما حدث الأسبوع الماضي.» بينما كان يبطئ السير عبر شارع جروف، غير ~~متعجل وصولي إلى المنزل قبل أن ينهي محاضرته، «الأسبوع الماضي تلقينا مكالمة واضطررنا ~~للذهاب إلى مستنقع دانوك حيث كانت هناك سيارة عالقة. كان ذلك المزارع العجوز يلوح ببندقية ~~محشوة، ويتحدث عن إطلاق النار على هذين الاثنين بتهمة التعدي على أرضه إذا لم يخرجا من أرضه ~~حالا. كانا قد اتخذا أحد طرق الشاحنات بعد حلول الظلام، حيث يمكن لأي أبله أن يدرك أن ~~السيارة سوف تعلق في هذا الوقت من العام. إذا قلت لك اسميهما فستعرفينهما وستعرفين أنه ما ~~من شأن يمكن أن يجمع بينهما في تلك السيارة معا. أحدهما امرأة متزوجة. والأسوأ أنه بحلول ~~ذلك الوقت كان زوجها يتساءل عما منعها من العودة من تدريب جوقة الكنيسة - كلاهما يغني في ~~الجوقة، لن أخبرك من هما ms140 - وبلغ عن غيابها. اضطررنا لأن نأتي بجرار كي نسحب السيارة، ~~وتركناه «هو» يتصبب عرقا ويهدئ غضب ذلك المزارع العجوز، ثم أخذناها إلى المنزل في وضح ~~النهار، وهي تبكي طوال الطريق. هذا ما أعنيه بأن ثمة أشياء كهذه تحدث. رأيت ذلك الرجل ~~وزوجته في الشارع يشتريان بقالتهما بالأمس، لم يبدوا سعيدين لكنهما ماضيان في حياتهما. لذا، ~~كوني فتاة عاقلة هيلين وواصلي حياتك كبقيتنا جميعا، وفي القريب العاجل سنشهد ~~الربيع.» ~~••• # أوه، يا بادي شيلدز، يمكنك أن تواصل الكلام، وكلير يلقي نكات، وماما تبكي إلى أن تتجاوز ~~الأمر، لكن ما لن أفهمه هو لماذا، الآن تحديدا، حينما رأيت كلير ماكواري، رجلا لا يقدم ~~تبريرات، شعرت لأول مرة أنني أرغب في أن أمد يدي وألمسه؟ # | فستان أحمر - 1946 # كانت أمي تحيك لي فستانا. طوال شهر نوفمبر كنت أعود من المدرسة فأجدها في المطبخ، حولها ~~قطع من قماش المخمل الأحمر وقصاصات «باترون» من الورق الشفاف. كانت تعمل على ماكينة خياطة ~~قديمة ذات دواسة، موضوعة إلى الجدار الذي فيه النافذة؛ كي يتوفر لها الضوء، وكي يتسنى ~~لها أيضا أن تنظر للخارج، إلى الحقول المجزوزة وبستان الخضر العاري من النباتات، وترى ~~الرائح والغادي في الطريق. لكن نادرا ما كان يمر أي شخص لتراه. # كان العمل على قماش المخمل صعبا؛ لأن نسيجه «ينسل»، فضلا عن أن القصة التي ~~اختارتها أمي لم تكن سهلة. لم تكن خياطة ماهرة في الواقع. لكنها كانت تحب حياكة الأشياء؛ ~~وهذا أمر مختلف. كانت تحاول تخطي خطوتي «التسريج» والكي متى تسنى لها ذلك، ولا تحفل ~~كثيرا بالتفاصيل الدقيقة للخياطة، و«تشطيب» عرى الأزرار، ولفق الثنيات، مثلا، مثلما كانت ~~تفعل خالتي وجدتي. بل كانت - على عكسهما - تبدأ من الإلهام، من فكرة مبهرة جريئة؛ ومن تلك ~~اللحظة فصاعدا، يتراجع ابتهاجها شيئا فشيئا. بادئ ذي بدء، لم تكن تستطيع قط أن تجد ~~موديلا مناسبا. ولا عجب من ذلك؛ لأنه ما من موديل كان يمكن أن يوافق الأفكار التي يتفتق ~~عنها ذهنها. كانت قد صنعت لي - في مناسبات عدة ms141 حينما كنت أصغر سنا - فستانا من قماش ~~الأورجانزا المنقوش بالورود برقبة مرتفعة على الطراز الفيكتوري يحيطها شريط من الدانتيل ~~المشرشر، مع قبعة بحافة مرتفعة كي تلائمه؛ كما صنعت لي طقما من القماش المنقوش بالمربعات ~~اسكتلندي الطراز مع سترة مخملية وقلنسوة صوفية؛ وبلوزة مطرزة ريفية الطراز، أرتديها مع ~~تنورة حمراء بالكامل وصديرية من الدانتيل الأسود. كنت أرتدي هذه الملابس مذعنة - وربما ~~مسرورة - في الأيام التي لم أكن فيها على دراية برأي الناس. أما الآن وقد صرت أكثر فطنة، ~~فصرت أتمنى أن يكون لدي فساتين كتلك التي لدى صديقتي لوني، والتي اشترتها من متجر ~~«بيل». # كان لا بد أن أجربها. فقد كانت لوني في بعض الأحيان تأتي معي من المدرسة إلى منزلي وتجلس ~~على الأريكة تراقب ما يحدث. كنت أشعر بالحرج من الطريقة التي تتحرك بها أمي ببطء من حولي، ~~بركبتيها اللتين تطقطقان، وأنفاسها التي تخرج ثقيلة. كانت تتمتم بأشياء لنفسها، ولم تكن ~~ترتدي في البيت مشدا للخصر أو جوارب طويلة، وكانت ترتدي حذاء ذا كعب من قطعة واحدة، ~~وجوارب كاحل تكشف عن ساقين تعلوهما تكتلات من العروق الخضراء المزرقة. كنت أرى أن منظرها في ~~وضع القرفصاء مخز، بل فاحش؛ فكنت أظل أتحدث إلى لوني كي أحول انتباهها عن أمي قدر ~~المستطاع. كانت لوني ترسم على وجهها تعبيرا هادئا مهذبا ممتنا كانت تتصنعه في حضور ~~الكبار. عدا ذلك، كانت تهزأ منهم وتقلدهم بسخرية لاذعة، لكنهم لم يعلموا بذلك قط. # أخذت أمي تجذبني يمينا ويسارا، وتغرس الدبابيس في الفستان. وجعلتني أستدير حول نفسي، ~~وأسير أمامها، وأقف ثابتة. ثم قالت والدبابيس بفمها: «ما رأيك في الفستان يا لوني؟» # قالت لوني بطريقتها الوديعة المخلصة: «إنه جميل.» كانت أم لوني متوفاة. وكانت تعيش مع ~~والدها الذي لم يكن يراقبها قط، وهذا في نظري، كان يجعلها محظوظة ومعرضة للأذى في الوقت ~~نفسه. # قالت أمي: «سيكون جميلا، إذا استطعت فقط أن أضبط المقاس.» ثم قالت بطريقة مسرحية: «آه، ~~حسنا، أشك في أنها ستقدر قيمته.» قالتها وهي تهب واقفة، ms142 وتصدر منها تنهيدة بائسة وصوت ~~طقطقة مروع. غاظني أن تتحدث هكذا إلى لوني، وكأن لوني ناضجة وأنا ما زلت طفلة. قالت: «قفي ~~ثابتة.» بينما كانت تخلع الفستان المسرج والمشبك بالدبابيس فوق رأسي. انكتم رأسي داخل ~~المخمل، وظهر جسمي في قميص تحتاني مدرسي قطني قديم. شعرت أنني كتلة ضخمة عارية، خرقاء ~~ومقشعرة الجلد. كم تمنيت لو كنت مثل لوني، رقيقة البنية، واهنة ونحيلة؛ حتى إنها كانت حين ~~ولادتها «طفلة مزرقة». # قالت أمي: «حسنا، لم يحك لي أحد فساتين قط حينما كنت أرتاد المدرسة الثانوية، كنت ~~أحيكها لنفسي، أو أستغني عنها.» كنت أخشى أن تبدأ ثانية قصة مشيها سبعة أميال إلى البلدة ~~وعثورها على وظيفة نادلة في بنسيون، كي يتسنى لها أن تلتحق بالمدرسة الثانوية. كانت كل ~~القصص عن حياة أمي - والتي كانت من قبل تثير اهتمامي - قد بدأت تبدو ميلودرامية وغير واقعية ~~ومملة. # أخذت تروي: «ذات مرة أهديت فستانا، كان من صوف الكشمير القشدي اللون مزينا بشريط ~~أزرق غامق من الأمام، وأزرار رائعة من الصدف، ترى إلام انتهى به الحال الآن؟» # حينما انتهينا أنا ولوني صعدنا للدور العلوي إلى حجرتي. كانت باردة، لكننا مكثنا فيها. ~~كنا نتحدث عن الصبيان في الفصل، فنذكرهم واحدا واحدا في كل صف ونحن نسأل إحدانا الأخرى: ~~«هل أنت معجبة به؟ حسنا، نصف معجبة؟ هل «تكرهينه»؟ هل كنت ستخرجين برفقته إن طلب منك ~~ذلك؟» ولم يحدث قط أن طلب أحدهم من إحدانا أن تخرج برفقته. كنا ثلاثة عشر طالبا وطالبة، ~~نرتاد المدرسة الثانوية منذ شهرين. وكنا نقضي الوقت في الإجابة على الاستبيانات بالمجلات، ~~لتعرف الواحدة منا إذا كانت تتمتع بحضور وإذا كانت محط إعجاب. وكنا نقرأ مقالات عن كيفية ~~وضع أدوات التجميل بطريقة تبرز مواطن الجمال، وعن كيفية إدارة الحديث في أول موعد مع فتى، ~~وعما ينبغي فعله عندما يحاول فتى ما تجاوز حدوده. كنا نقرأ أيضا مقالات عن الفتور الجنسي ~~في فترة انقطاع الطمث، وعن الإجهاض وعن أسباب بحث الرجل عن الإشباع خارج المنزل. وحينما لا ms143 ~~نعمل على أداء الواجب المدرسي، كنا ننشغل معظم الوقت بجمع المعلومات الجنسية وتبادلها ~~ومناقشتها. تعاهدنا على أن تخبر إحدانا الأخرى كل شيء. لكن ثمة أمر أخفيته، بشأن حفل الرقص، ~~حفل عيد الميلاد المدرسي الراقص، الذي كانت أمي تحيك لي فستانا من أجله؛ أخفيت أنني راغبة ~~عن الذهاب. ~~••• # في المدرسة الثانوية لم أشعر بالراحة لدقيقة. لم أكن أدري إن كان هذا حال لوني أيضا. قبل ~~الامتحان، كانت يداها تكتسبان برودة الثلج ويزداد وجيب قلبها، أما أنا فكنت أقرب إلى اليأس ~~في كل الأوقات. وحينما كان يوجه إلي سؤال في الفصل، أي سؤال في منتهى البساطة والسهولة، ~~كان صوتي يميل لأن يخرج حادا رفيعا، أو أجش ومتهدجا. وحينما كنت أضطر للذهاب إلى ~~السبورة كان يراودني شعور يقيني - حتى في أيام الشهر التي لا يمكن أن يحدث فيها ذلك - بأن ~~ثمة دما على تنورتي. كانت يداي تصيران زلقتين بفعل العرق عندما ينبغي أن أستخدمهما على ~~نطاق السبورة. كنت لا أستطيع ضرب الكرة في لعبة الكرة الطائرة؛ لأنني كنت حينما يطلب مني ~~أن أؤدي أي حركة أمام الآخرين تتعطل كل ردود أفعالي. كنت أكره مادة أخلاقيات العمل؛ لأنني ~~كنت أطالب بتسطير صفحات لدفتر حسابات، باستخدام قلم قائم، وحينما كان المعلم ينظر - من خلف ~~كتفي - على ما أفعل، كانت كل الخطوط الدقيقة تميل وتتداخل. وكنت أكره مادة العلوم؛ فقد ~~كنا نجلس منتصبين على كراسي بلا ظهر تحت أضواء مزعجة خلف طاولات عليها معدات غريبة سهلة ~~الكسر، وكان يدرسنا مدير المدرسة، وهو رجل له صوت رزين مزهو - كان يتلو آيات من الكتاب ~~المقدس كل صباح - وصاحب موهبة كبيرة في الإذلال وتوجيه الإهانة. وكنت أكره مادة اللغة ~~الإنجليزية؛ لأن الفتيان كانوا يلعبون لعبة «البينجو» في مؤخرة الفصل بينما المعلمة - وهي ~~فتاة سمينة مهذبة، في عينيها حول خفيف - تقرأ شعر ووردز وورث في مقدمة الفصل. كانت ~~تتوعدهم، وترجوهم، بينما يحمر وجهها ويستحيل صوتها مضطربا كاضطراب صوتي. وكانوا هم ~~يقدمون اعتذارات مطعمة بالسخرية، وحينما تبدأ في القراءة ثانية يتخذون ms144 وضعيات توحي ~~بالافتتان، وترتسم على وجوههم علامات الوجد، ويحركون أعينهم بحيث تصبح محولة، ويضعون ~~أيديهم فوق قلوبهم. أحيانا كانت تجهش بالبكاء، شعورا بالعجز حيال ما يحدث؛ فتضطر لأن تهرع ~~إلى الخارج نحو الردهة. عندئذ كان الفتيان يصدرون صوتا عاليا كخوار البقرة، بينما ~~ضحكاتنا الجائعة - أه، وضحكتي أنا أيضا - تلاحقها. كان يسود الصف جو كرنفالي من الوحشية ~~بالفصل في تلك الأوقات، يخيف الأشخاص الضعفاء المهزوزين أمثالي. # لكن ما يجري في المدرسة في حقيقة الأمر لم يكن يتعلق باللغة الإنجليزية والعلوم وأخلاقيات ~~العمل، ثمة شيء آخر كان يضفي على الحياة إثارتها وبهجتها. ذلك المبنى العتيق، بأقبيته ~~الرطبة ذات الجدران الحجرية وحجرات الملابس المظلمة وصور موتى الأسرة المالكة والمستكشفين ~~المفقودين، كان حافلا بإثارة التنافس الجنسي وتوتره؛ وفي هذا الشأن، ورغم أحلام يقظتي ~~الحافلة بنجاحات باهرة، كانت تنتابني هواجس هزيمة محققة. لا بد من وقوع أمر ما يمنعني من ~~الذهاب إلى ذلك الحفل الراقص. # مع حلول شهر ديسمبر جاء الجليد، وخطرت لي فكرة؛ كنت قد فكرت من قبل في السقوط من فوق ~~دراجتي ولي كاحلي، وحاولت أن أحتال بذلك بينما كنت أقود دراجتي إلى المنزل على طرق البلدة ~~التي كانت مليئة بالأخاديد ويكسوها الجليد المتصلب. لكن كان الأمر صعبا للغاية. مع ذلك، ~~كان حلقي وشعبي الهوائية يتسمان بالضعف، فلم لا أعرضهما للهواء البارد؟ بدأت أقوم من ~~الفراش ليلا وأفتح نافذتي قليلا. كنت أجثو وأدع تيار الهواء، الممزوج بوخزات الصقيع، ~~يندفع إلى حلقي المكشوف. كنت أخلع قميص البيجاما، وأقول لنفسي «تجمدي من البرد!» بينما ~~أنا جاثية مغمضة العينين، أتصور صدري وحلقي يستحيلان إلى الزرقة، وأتخيل البرد، والعروق ~~الرمادية المزرقة تحت البشرة. ظللت جالسة حتى لم أعد أحتمل الجلوس أكثر، وعندئذ تناولت ~~حفنة من الجليد من فوق عتبة النافذة ومسحت بها على صدري كله، قبل أن أغلق أزرار البيجاما ~~فوقها. كان الجليد سيذوب في نسيج «الفانيلا» لقميصي القطني الداخلي فأنام وأنا مرتدية ~~ثيابا مبللة، وهو ما يفترض أن يكون أخطر الأمور على الإطلاق. في الصباح، ما ms145 إن صحوت، حتى ~~حمحمت بحلقي لأتحقق من الشعور بأي وجع، وسعلت سعلة تجريبية، مفعمة بالأمل، ولامست جبهتي ~~كي أرى إن كنت قد أصبت بالحمى. ولكن خاب أملي. في كل يوم - بما في ذلك يوم الحفل الراقص - ~~كنت أصحو مهزومة، وفي أتم صحة وعافية! # يوم الحفل الراقص صففت شعري بالاستعانة ~~ببكرات حديدية كي أجعله مموجا. لم أفعل ذلك قط من قبل؛ لأن شعري كان بطبيعته مموجا، ~~لكن اليوم كنت بحاجة لكل ما يمكن أن توفره الطقوس الأنثوية من حماية. كنت مستلقية فوق ~~الأريكة الموجودة في المطبخ، أقرأ «آخر أيام بومبي»، وأتمنى لو كنت أعيش أحداثها. وكانت أمي ~~- الساخطة أبدا - تحيك «ياقة» من الدانتيل الأبيض في الفستان، فقد رأت أن مظهره يفوق سني ~~بكثير. كنت أعد الساعات، وكان هذا أحد أقصر أيام السنة. أعلى الأريكة، على ورق الحائط، ~~كانت هناك رسومات قديمة للعبة «إكس أو»، ورسومات وشخبطات كنت أنا وأخي قد رسمناها حينما كنا ~~مريضين بالالتهاب الشعبي. نظرت إليها واشتقت للعودة إلى الشعور بالأمان وراء حدود ~~الطفولة. # حينما فككت البكرات طفر شعري، المثار طبيعيا وصناعيا، كأنه أجمة لامعة غزيرة الأوراق. ~~بللته ومشطته بالفرشاة وجذبته نحو الأسفل لأجعله بمحاذاة وجنتي، ووضعت بودرة الوجه، التي ~~ظهرت بمظهر طباشيري، على وجهي الحار. أخرجت أمي «كولونيا رماد الورد» التي لم تستعملها قط، ~~وجعلتني أرش منها على ذراعي، ثم أغلقت لي سحاب الفستان، وأدارتني نحو المرآة. كان ~~الفستان من طراز «برينسيس»؛ أي محكما جدا أسفل الصدر مباشرة. رأيت كيف ظهر ثدياي، في ~~الصدرية الصلبة الجديدة، ناهدين على نحو غير متوقع، لهما مظهر ناضج، تحت الكشكشة الطفولية ~~التي تحيط الياقة. # قالت أمي: «حسنا، أتمنى أن ألتقط لك صورة. أنا بالفعل فخورة حقا بذلك التوافق. وأنت ~~ينبغي أن تشكريني على هذا.» # قلت: «شكرا.» # كان أول ما قالته لوني حين فتحت لها الباب: «يا إلهي! ماذا فعلت بشعرك؟» ~~«رفعته.» ~~«تشبهين أحد أفراد قبيلة الزولو. حسنا، لا تقلقي. ائتيني بمشط وسوف أصفف مقدم شعرك في ~~شكل لفيفة. سيبدو مضبوطا تماما، بل ms146 سيجعلك تبدين أكبر سنا.» # جلست قبالة المرآة ووقفت لوني خلفي، تصفف شعري. بدت أمي عاجزة عن تركنا. وددت لو ~~تركتنا. كانت تراقب تصفيف اللفيفة قائلة: «أنت مدهشة يا لوني. ينبغي أن تحترفي تصفيف ~~الشعر.» # قالت لوني: «فكرة.» كانت ترتدي فستانا من قماش الكريب الأزرق الفاتح، مكشكشا حول الخصر ~~وبه أنشوطة، كان ثوبها يفوق ثوبي من حيث كونه أكثر ملاءمة للكبار، حتى إذا أزلت من ثوبي ~~الياقة المكشكشة. وكان شعرها يبدو أملس كشعر الفتاة الموجودة على صورة بطاقات دبابيس ~~الشعر. لطالما كنت أفكر في قرارة نفسي أن لوني لا يمكن أن تبدو جميلة بسبب أسنانها ~~المعوجة، لكن الآن رأيت أنها - بتلك الأسنان المعقوفة أو من دونها، وبفستانها الأنيق وشعرها ~~الأملس - تجعلني أبدو إلى حد ما مثل دمية «جوليووج» محشورة في ثوب مخملي أحمر، فاغرة ~~العينين، ومشعثة الشعر، في منظر يوحي بالهذيان. # تبعتنا أمي حتى الباب وصاحت في الظلام بالفرنسية: «إلى اللقاء!» كانت هذه هي طريقتي ~~المعتادة أنا ولوني لقول وداعا؛ لكن أمي قالتها بوقع أحمق وبائس. ولشدة غضبي من استخدامها ~~هذه الكلمة لم أرد عليها. لوني فقط هي التي ردت مشجعة إياها في مرح: «طابت ~~ليلتك!» ~~••• # عبقت صالة الجمنازيوم برائحة الصنوبر وخشب الأرز. تدلت الأجراس الخضراء والحمراء ~~المصنوعة من الورق المحزز من حلقات كرة السلة، وحجبت النوافذ العالية ذات القضبان بأغصان ~~خضراء كبيرة. وبدا أن جميع من في الصفوف العليا قد أتوا أزواجا. بعض فتيات الصفين الثاني ~~عشر والثالث عشر اصطحبن خلانا تخرجوا مسبقا، من رجال الأعمال الشباب في البلدة. كان ~~هؤلاء الشباب يدخنون في الجمنازيوم، لم يستطع أحد منعهم، كانوا أحرارا يفعلون ما طاب لهم. ~~وكانت الفتيات يقفن إلى جانبهم، مريحات أيديهن دون تكلف فوق أذرع الرجال، ووجوههن مرتسم ~~عليها الملل، والسأم، والجمال. تقت لأن أكون هكذا. كانوا يتصرفون - الأكبر سنا - كما ~~لو كانوا هم الوحيدين الموجودين في الحفل الراقص، وكأننا - نحن الواقفين وهم يتحركون وسطنا ~~ويرمقوننا بأطراف أعينهم - جمادات، إن لم نكن غير مرئيين. حينما أعلن بدء الرقصة الأولى ms147 - ~~رقصة بول جونز الجماعية - تحركوا بتثاقل، يبتسم بعضهم لبعض وكأنهم طلب منهم أن يشاركوا في ~~لعبة طفولية كادوا ينسونها. شبكنا أيدينا ونحن نرتجف، وتزاحمنا سويا - أنا ولوني وفتيات ~~الصف التاسع الأخريات - ولحقنا بهم. # لم أجرؤ على النظر نحو الحلقة الخارجية وهي تمر بي، خشية أن أشهد تسارعا فظا. وحين ~~توقفت الموسيقى ظللت حيث أنا، ورأيت وأنا أرفع عيناي بنصف نظرة فتى يدعى مايسون ويليامز ~~آتيا نحوي على مضض. بدأ يراقصني وهو بالكاد يلمس خصري وأصابعي. كانت ساقاي ترتجفان، ~~وذراعاي ترتعشان من مبتدأ كتفي، لم أستطع التكلم. كان مايسون ويليامز أحد الأبطال في ~~المدرسة، يلعب كرة السلة والهوكي ويمشي في الردهات بخيلاء يكللها تجهم ملكي وازدراء قاس. ~~ومن ثم كان اضطراره للرقص مع نكرة مثلي أمرا مؤذيا كأذى اضطراره لحفظ نصوص شكسبير. شعرت ~~بذلك بقوة تضارع قوة شعوره به، وتخيلته يتبادل نظرات الهلع مع أصدقائه. ساقني - وأنا ~~أتعثر - حتى حافة حلبة الرقص، ورفع يده عن خصري وأسقط ذراعي قائلا: ~~«إلى لقاء!» وذهب. # استغرقت دقيقة أو اثنتين كي أستوعب ما حدث وأدرك أنه لن يعود. مضيت فوقفت وحيدة إلى جانب ~~الحائط. رمقتني معلمة التربية البدنية، التي كانت ترقص بحماس بين ذراعي فتى في الصف ~~العاشر، بنظرة متسائلة. كانت المعلمة الوحيدة في المدرسة التي تستخدم تعبير «التكيف ~~الاجتماعي»، كنت أخشى من أنها إذا شاهدت ذلك، واكتشفت ما حدث، فقد تقدم على محاولة علنية، ~~علنية على نحو مريع، لجعل مايسون ينهي رقصته معي. أنا نفسي لم أكن غاضبة أو مندهشة مما ~~فعله مايسون، كنت أتفهم وضعه، ووضعي، في عالم المدرسة، وكنت أرى أن ما فعله هو التصرف ~~الواقعي الذي كان ينبغي فعله. كان «بطلا بالسليقة»، ليس من نوعية بطل «اتحاد الطلبة» ~~المقدر له النجاح بعد المدرسة؛ فأي واحد من هؤلاء كان سيرقص معي بلطف وتسامح ويتركني في ~~سرور لا يفوقه سرور. ومع ذلك، تمنيت ألا يكون عدد كبير من الأشخاص قد رأى ذلك. كنت لا ~~أحب أن يرصد الآخرون ما يحدث. ورحت أقرض الجلد ms148 الناتئ حول إبهامي. # حينما توقفت الموسيقى انضممت إلى حشد الفتيات في طرف الجمنازيوم. قلت لنفسي: تظاهري بأن ~~ذلك لم يحدث. تظاهري بأن الحفل يبدأ، الآن. # بدأت الفرقة تعزف مجددا. اعترت الحشد الكثيف الموجود ناحيتنا حركة، كان يتضاءل سريعا؛ ~~فقد جاء الفتيان لدعوة الفتيات، اللائي ذهبن لمراقصتهم. ذهبت لوني، وذهبت الفتاة التي كانت ~~تقف إلى جانبي الآخر. لم يطلب مني أحد أن أراقصه. تذكرت مقالة قرأتها في مجلة، كانت تقول: ~~«كوني مرحة! دعي الفتيان يرون عينيك تتألقان، دعيهم يسمعون الضحك في وقع صوتك! هذا أمر ~~بسيط وواضح، لكن كم من فتاة تنسى ذلك!» كان هذا صحيحا، لقد نسيت. كان حاجباي معقودين من ~~التوتر، لا بد أنني كنت أبدو مذعورة وقبيحة. سحبت نفسا عميقا وحاولت أن أرخي وجهي. ~~ابتسمت، لكنني شعرت بالسخف وأنا أبتسم للا أحد. لاحظت أن الفتيات في حلبة الرقص - الفتيات ~~المحبوبات - لم يكن يبتسمن، كثير منهن كانت وجوههن بليدة، متجهمة، ولم يكن يبتسمن ~~مطلقا. # كانت الفتيات لا يزلن ينصرفن إلى حلبة الرقص. منهن من ذهبن - يأسا - برفقة فتيات مثلهن، ~~لكن معظمهن ذهب برفقة فتيان. فتيات بدينات، فتيات ببثور، فتاة فقيرة لم تكن تملك ثوبا ~~لائقا واضطرت لارتداء تنورة وسترة لحضور حفل الرقص؛ كلهن دعين للرقص، ورقصن دون تردد. ~~لماذا دعين ولم أدع أنا؟ لم كل الفتيات ما عداي؟ أنا أرتدي فستانا مخمليا أحمر، ~~وموجت شعري بالبكرات، واستخدمت مزيل رائحة العرق، ووضعت الكولونيا. قلت في نفسي متضرعة: ~~«يا إلهي!» لم أستطع أن أغمض عيني أثناء ذلك، لكني رحت أردد في نفسي: «أرجوك يا إلهي! ~~أنا! أرجوك!» وشبكت أصابعي خلف ظهري بطريقة أكثر فعالية من شبك السبابة والوسطى، كانت هي ~~نفسها الطريقة التي كنت أنا ولوني نستخدمها كي نتحاشى إرسالنا إلى السبورة في حصة ~~الرياضيات. # لم تنجح تلك الطريقة، وحدث ما كنت أخشاه. سأظل منبوذة. كان ثمة أمر غامض بشأني، أمر لا ~~يمكن علاجه مثل رائحة النفس الكريهة أو أمر لا يمكن إغفاله كبثور الوجه، والجميع كان يعلم ~~بذلك، أنا أيضا ms149 كنت أعلم، طوال الوقت. لكنني لم أكن متأكدة، كنت آمل أن أكون مخطئة. تصاعد ~~اليقين بداخلي كالمرض. مررت بفتاة أو اثنتين كانتا هما الأخريان منبوذتين، وذهبت إلى حمام ~~الفتيات، واختبأت داخل إحدى الكبائن. # هناك مكثت. بين الرقصات كانت الفتيات يدخلن ويخرجن على عجل. كانت الكبائن كثيرة، فلم تلحظ ~~إحداهن أنني لست شاغلة مؤقتة لتلك الكابينة. أثناء الرقصات، استمعت للموسيقى التي أحبها ~~لكني لم أشارك بأكثر من ذلك؛ لأنني لم أكن أنوي المحاولة ثانية. كنت أرغب فقط في الاختباء ~~هنا، والخروج دون أن أرى أي شخص، ثم العودة للمنزل. # ثم حدث في مرة من المرات بعد أن بدأت الموسيقى العزف أن تخلفت إحداهن. تركت الماء يجري ~~وقتا طويلا، وهي تغسل يديها وتمشط شعرها. كان مكوثي في الكابينة كل هذا الوقت سيبدو مدعاة ~~للضحك في نظرها. من الأفضل أن أخرج وأغسل يدي لعلها تغادر أثناء ذلك. # كانت تلك هي ماري فورتشن. كنت أعرفها اسما؛ لأنها كانت مرشدة في «جماعة الفتيات ~~الرياضية» وكانت على لوحة الشرف ودائما تنظم فعاليات. كانت مشاركة على نحو ما في تنظيم هذا ~~الحفل الراقص، فقد جالت على كل الفصول تنشد متطوعين للمشاركة في أعمال التزيين. كانت في ~~الصف الحادي عشر أو الثاني عشر. # قالت: «الجو هنا لطيف ومنعش، دخلت هنا ليهدأ جسمي؛ فقد شعرت بحر شديد.» # كانت لا تزال تمشط شعرها حينما انتهيت من غسل يدي. فسألتني: «هل تعجبك الفرقة ~~الموسيقية؟» ~~«إنها على ما يرام.» لم أدر حقا ما ينبغي أن أقول. كنت مستغربة منها، فهي مع كونها ~~فتاة كبرى، تستغرق هذا الوقت في التحدث إلي أنا. ~~«أنا لا تعجبني الفرقة، لا أطيقها. أكره أن أرقص إذا لم تعجبني الفرقة. استمعي إليهم! ~~موسيقاهم متداخلة للغاية وغير متناغمة. لا أحب الرقص على موسيقى كهذه.» # مشطت شعري، واستندت هي إلى أحد الأحواض، تراقبني. ~~«لا أود أن أرقص ولا أود أن أظل هنا تحديدا. دعينا نخرج لندخن سيجارة.» ~~«أين؟» ~~«تعالي، سأريك.» # في نهاية الحمام كان ثمة باب. لم يكن مغلقا بمفتاح، ms150 وكان يؤدي إلى حجرة صغيرة مظلمة ~~مليئة بالمماسح والدلاء. جعلتني أبقي الباب مفتوحا، كي يتسنى لنا رؤية ضوء الحمام، ~~إلى أن عثرت على مقبض باب آخر. كان هذا الباب ينفتح على عتمة. # قالت: «لا يمكنني أن أضيء النور وإلا فسيرانا أحدهم. هذه غرفة البواب.» خطر لي أن الطلبة ~~الرياضيين دائما ما يعرفون أكثر من بقية الطلبة عن المدرسة من حيث مبناها، كانوا على دراية ~~بأماكن الاحتفاظ بالأشياء، وكانوا دائما يخرجون - في جرأة وشيء من الانشغال - من أبواب ~~أماكن لا يسمح لأي طالب بالدخول إليها. قالت: «احترسي لموطئ قدمك. هناك في الطرف الآخر ثمة ~~سلالم. إنها تصعد إلى حجرة صغيرة في الدور الثاني. الباب موصد من الأعلى، لكن يوجد ما يشبه ~~الحجيرة بين السلالم والحجرة. ومن ثم، لن يتمكنوا من رؤيتنا إذا جلسنا فوق السلالم، حتى ~~إذا حدث وجاء أحد إلى هنا.» # قلت: «هل سيشمون رائحة السجائر؟» ~~«حسنا. عيشي الخطر.» # كانت ثمة نافذة عالية أعلى السلالم منحتنا بصيصا من الضوء. وكانت ماري فورتشن تحتفظ في ~~حقيبة يدها بسجائر وثقاب. لم أكن قد دخنت من قبل إلا السجائر التي كنا أنا ولوني نلفها ~~بأنفسنا، من الورق والتبغ المسروق من والدها، كانت تلك السجائر تتفكك عند منتصفها. أما ~~هذه السجائر فأفضل كثيرا. # قالت ماري: «السبب الوحيد الذي جعلني آتي الليلة هو أنني مسئولة عن التزيين، فأردت أن ~~أرى، أنت تعرفين، كيف سيبدو الأمر حالما يدخل الناس هناك وما إلى ذلك. عدا ذلك، ما الذي ~~كان سيدفعني لأتجشم المجيء؟ لست مهووسة بالفتيان.» # على ضوء النافذة العالية استطعت أن أرى وجهها الساخر النحيل، وبشرتها السمراء المنقرة ~~بحب الشباب، ومطبقة أسنانها الأمامية، على نحو يجعلها تبدو بالغة ومسيطرة. ~~«معظم الفتيات مهووسات بالفتيان. ألم تلحظي ذلك؟ أضخم مجموعة يمكن أن تتخيليها من الفتيات ~~المهووسات بالفتيان موجودة هنا في هذه المدرسة.» # كنت ممتنة لاهتمامها، ولصحبتها ولسجائرها. ووافقتها الرأي. ~~«مثل ما حدث ظهيرة يومنا هذا . كنت أحاول ظهيرة اليوم أن أجعلهن يعلقن الأجراس وتلك ~~الأشياء. كن يتسلقن السلم ويمزحن ms151 مع الفتيان. لم يكن يعنيهن الانتهاء من أمر التزيين ... ~~فالتزيين مجرد ذريعة. كانت تلك غايتهن الوحيدة في الحياة، ممازحة الفتيان. في نظري، هن ~~بلهاوات.» # تكلمنا عن المدرسين، وكل الأمور في المدرسة. قالت إنها تود أن تكون مدرسة للتربية ~~البدنية وإن ذلك يتطلب منها ارتياد الجامعة، لكن والديها لا يملكان ما يكفي من المال لذلك. ~~وإنها تخطط لأن تعمل كي يتسنى لها الحصول على المال اللازم لمصاريف الجامعة، تريد أن تكون ~~مستقلة على أية حال، وإنها ستعمل في الكافيتيريا وحين يحل الصيف ستعمل في أعمال زراعية، ~~كأن تعمل في جني التبغ مثلا. شعرت وأنا أصغي إليها أن جزءا كبيرا من تعاستي ينقشع. ها هي ~~فتاة أخرى تعاني ما أعانيه من هزيمة - أحسست هذا - لكنها مفعمة بالهمة والاعتزاز بالنفس. ~~فقد فكرت في اللجوء لحلول أخرى، كجني التبغ. # ظللنا هناك نتحدث وندخن أثناء الاستراحة الموسيقية الطويلة بينما كان الباقون، بالخارج، ~~يتناولون الفطائر المحلاة والقهوة. وحينما استؤنفت الموسيقى مجددا قالت ماري: «اسمعي، هل ~~ينبغي أن نظل هنا لأطول من ذلك؟ دعينا نحضر معطفينا ونذهب. يمكننا أن نقصد مقهى «لي»، ~~نتناول شراب الشوكولاتة الساخن ونتحدث على راحتنا، لم لا؟» # تحسسنا طريقنا عبر حجرة البواب، حاملتين الرماد وأعقاب السجائر في أيدينا. وفي الحجرة ~~الصغيرة توقفنا وأرهفنا السمع لنتأكد من عدم وجود أي أحد في الحمام. عدنا إلى الضوء ~~ورمينا بالرماد في المرحاض. كان علينا أن نخرج ونعبر حلبة الرقص نحو غرفة الملابس، التي ~~كانت بجانب الباب الخارجي. # كانت إحدى الرقصات قد بدأت للتو، قالت ماري: «امشي حول حافة حلبة الرقص، لن يلحظنا ~~أحد.» وتبعتها. لم أنظر إلى أي شخص، لم أبحث عن لوني. ثمة احتمال بأن لوني لن تكون صديقتي ~~بعد الليلة، على الأقل ليس بقدر ما كانت صديقتي قبل الليلة. كانت من النوع الذي وصفته ماري ~~بالمهووس بالفتيان. ~~••• # وجدت أنني لست خائفة للغاية، بعد أن عقدت العزم على أن أغادر الحفل . لم أكن في انتظار أي ~~فتى ليختارني. صارت لي خططي الخاصة. لم أكن مضطرة ms152 لأن أبتسم أو لأن آتي بحركات تجلب الحظ. ~~لم يعد للأمر أهمية بالنسبة لي. كنت في طريقي لتناول شراب الشوكولاتة الساخن برفقة ~~صديقتي. # حينئذ قال لي أحد الفتيان شيئا ما. كان يقف في طريقي. ظننت أنه يقول لي إنني أسقطت شيئا ~~ما، أو إنني لا يمكنني المرور من هنا، أو إن غرفة الملابس مغلقة. لم أفهم أنه طلبني للرقص ~~إلا بعد أن كررها ثانية. كان ذلك هو رايموند بولتينج من فصلنا، والذي لم يسبق لي قط أن ~~تحدثت إليه في حياتي. اعتقد هو أنني قصدت الموافقة على دعوته، فوضع يده على خصري وبدأت ~~أرقص وأنا لا أكاد أقصد ذلك. # تحركنا إلى منتصف الحلبة. كنت أرقص. نسيت ساقاي التعثر وودعت يداي التعرق. كنت أرقص مع ~~فتى طلبني للرقص. لم يطلب منه أحد أن يفعل، لم يكن مضطرا، طلبني وحسب. هل هذا ممكن؟ هل ~~لي أن أصدق؟ أما كان هناك أي أمر كريه يعيبني في نهاية المطاف؟ # فكرت أن علي أن أخبره بأن ثمة خطأ ما، وأنني كنت منصرفة للتو لأتناول شراب ~~الشوكولاتة الساخن برفقة صديقتي، لكنني لم أقل أي شيء. كان وجهي يتخذ تغيرات رقيقة معينة، ~~لترتسم عليه دون أي مجهود على الإطلاق تلك النظرة التي لا تلقي بالا على وجوه من جرى ~~اختيارهن، الفتيات اللائي رقصن. كان هذا هو وجهي الذي رأته ماري فورتشن، حينما نظرت إلي ~~من باب حجرة الملابس، ووشاحها ملفوف بالفعل حول رأسها. لوحت لها بحركة خفيفة باليد ~~الموضوعة على كتف الفتى، في إشارة إلى أنني أعتذر عن الخروج، وأنني لم أدر ما حدث، وأيضا، ~~أن لا جدوى من انتظاري. ثم أشحت برأسي بعيدا، وحينما نظرت ثانية كانت قد ذهبت. # أوصلني رايموند بولتينج إلى المنزل وأوصل هارولد سايمونز لوني إلى منزلها. مشينا جميعا ~~معا حتى ناصية منزل لوني. كان الفتيان في جدال بشأن مباراة هوكي، لم نستطع أنا ولوني أن ~~نجاريه. بعد ذلك انفصلنا إلى زوجين وواصل رايموند معي الحديث الذي كان يخوضه مع هارولد. لم ~~يبد ms153 عليه أنه لاحظ أنه صار يتحدث إلي لا إلى هارولد. قلت مرة أو اثنتين: «حسنا، لا ~~أدري، لم أر المباراة.» لكن بعد وهلة قررت أن أكتفي بقول: «هممم هممم.» وبدا أن هذا هو كل ~~ما يلزم فعله. # قال لي شيئا آخر: «لم أكن أظن أنك تسكنين بعيدا هكذا.» ونشق بصوت مسموع. كان البرد قد ~~جعل أنفي يسيل أنا أيضا، فأخذت أجول بأصابعي خلال أغلفة الحلوى داخل جيب معطفي إلى أن عثرت ~~على منديل ورقي بال. لم أدر إن كان ينبغي لي أن أعرضه عليه أم لا، لكنه كان ينشق بصوت عال ~~إلى حد جعلني أقول له في نهاية المطاف: «ليس لدي سوى هذا المنديل الورقي، ربما لا يكون ~~نظيفا حتى، قد يكون ملوثا بالحبر، لكن إذا مزقته شطرين يمكننا أن نتقاسمه.» # قال: «شكرا، طبعا يمكنني أن أستخدمه.» # جيد أنني فعلت ذلك، هذا ما خطر لي؛ لأننا حين وصلنا إلى باب منزلنا وقلت: «حسنا، تصبح ~~على خير.» وبعد أن قال «أه، حسنا، تصبحين على خير.» مال ناحيتي وطبع قبلة، قبلة خاطفة، على ~~زاوية فمي، بطريقة توحي بأنه شخص يعلم مهمته حين يحين وقتها. ثم استدار عائدا إلى البلدة، ~~دون أن يدري بأنه كان منقذي؛ لأنه أعادني من عالم ماري فورتشن إلى العالم الطبيعي. # درت حول المنزل إلى الباب الخلفي وأنا أفكر في أنني ذهبت إلى حفل راقص، وأن فتى أوصلني ~~إلى المنزل وقبلني. كان هذا حقيقيا. حياتي ممكنة. مررت بجانب نافذة المطبخ ورأيت أمي. ~~كانت تجلس واضعة قدميها على باب الفرن المفتوح، تشرب الشاي من فنجان بدون الصحن المخصص له. ~~كانت فقط تجلس في انتظار أن أعود إلى المنزل وأخبرها بكل ما حدث. لم أكن لأفعل ذلك، أبدا. ~~لكن حين رأيت انتظارها بالمطبخ وهي في «روبها» الفضفاض، المشجر المزغب باهت الألوان، ~~ووجهها الذي كان ناعسا لكنه مترقب في لهفة؛ أدركت حجم الالتزام الملح الذي لا يمكن ~~تفسيره المفروض علي: أن أكون سعيدة، وكيف أنني كدت لا أفي به، وكيف من الممكن ms154 ألا أفي ~~به، دون أن تدري هي عن ذلك شيئا. # | بعد ظهيرة يوم الأحد # دخلت السيدة جانيت المطبخ تخطو بخفة على وقع لحن يعزف في رأسها، وتلوح بذيل ثوبها ~~الصيفي من القطن المصقول الموشى بالورود. كانت ألفا بالداخل تغسل الأكواب. كانت الساعة ~~الثانية والنصف، وكان الناس قد بدءوا يدخلون لاحتساء الشراب في حوالي الثانية عشرة والنصف. ~~كانوا الأشخاص المعتادين؛ فقد سبق لألفا أن رأت معظمهم عدة مرات من قبل، خلال الأسابيع ~~الثلاثة التي عملت فيها لدى آل جانيت. كان هناك أخو السيدة جانيت، وزوجته، وآل فانس وآل ~~فريدريك. وحضر والدا جانيت لمدة قصيرة، بعد أدائهما الصلاة في كنيسة سان مارتن، مصطحبين ~~معهما ابن أخ، أو ابن عم، شابا ظل ماكثا بعد مغادرتهما إلى المنزل. كان فرع العائلة من ~~ناحية السيدة جانيت يشكل الجانب القويم من العائلة؛ فقد كان لها ثلاث أخوات، كلهن جميلات، ~~ومحترمات وغير طائشات، وأكثر نشاطا إلى حد ما من السيدة جانيت. ولها أيضا هذان الأبوان ~~اللذان يتسمان بدرجة عظيمة من بهاء المنظر والبيان في الكلام، واللذان اكتسى شعرهما ~~باللون الأبيض الناصع. كان والد السيدة جانيت هو صاحب الجزيرة الواقعة في خليج جورجيا، التي ~~بنى فيها منزلا صيفيا لكل بنت من بناته؛ إنها الجزيرة التي كانت ألفا ستراها في غضون ~~أسبوع. من ناحية أخرى، كانت والدة السيدة جانيت تعيش في شطر من البيت المبني بالآجر الأحمر ~~في شارع يخلو من الشجر ويحوي منازل مماثلة مبنية بالآجر الأحمر، بالقرب من قلب المدينة. ~~كانت السيدة جانيت تمر عليها مرة في الأسبوع، فتأخذها في جولة بالسيارة ثم تأتي بها إلى ~~المنزل لتناول طعام العشاء، ولا يشرب أحد حينئذ إلا عصير العنب إلى أن تعود إلى منزلها. ~~حدث ذات مرة، حينما اضطر السيد والسيدة جانيت للخروج مباشرة بعد العشاء، أن جاءت إلى ~~المطبخ ورتبت الأطباق بدلا من ألفا. كانت حادة وفاترة معها إلى حد ما، مثلما كان نساء ~~عائلة ألفا يتصرفن مع أية خادمة. لكن لم تلق ألفا بالا لذلك مثلما تعنى ms155 بما تجده من ~~عذوبة العشرة ومراعاة المشاعر لدى أخوات السيدة جانيت. # فتحت السيدة جانيت الثلاجة ووقفت أمامها ممسكة ببابها، ثم قالت أخيرا، بما يشبه القهقهة: ~~«ألفا، أظن أننا ينبغي أن نتناول الغداء ...» # قالت ألفا: «حسنا.» فوجهت السيدة جانيت ناظريها نحوها. لم تتفوه ألفا قط بأي خطأ، خطأ ~~حقيقي، شيء فظ، ولم تكن السيدة جانيت خيالية بحيث تنتظر من فتاة في المرحلة الثانوية، بل ~~وريفية، أن ترد: «أمرك سيدتي» مثلما كان يفعل الخدم المسنون في مطبخ والدتها؛ لكن نبرة ~~ألفا كانت تحمل دائما طبيعية مصطنعة، نغمة عدم اكتراث مفرط وود يبعث على الانزعاج أكثر من ~~أي شيء آخر لأنه كان لا يتيح للسيدة جانيت أن تفكر على الإطلاق في أن تعترض على ذلك. لكنها ~~توقفت عن ضحكها على كل حال. وفجأة، ارتسمت الجدية والوجوم على وجهها الذي اكتسب سمرة وكانت ~~تعلوه مساحيق التجميل. # وقالت: «سلطة البطاطا وخلاصة المرق واللسان، ولا تنسي أن تسخني اللفائف. هل قشرت ~~الطماطم؟ حسنا ... أوه، اسمعي ألفا، لا أظن أن ذلك الفجل يبدو جذابا بأية حال، أليس كذلك؟ ~~من الأفضل أن تقطعيه إلى شرائح، كانت جين تقطعه في شكل وردات، تعرفين كيف يقطعون البتلات في ~~شكل دائري، كان يبدو رائعا.» # بدأت ألفا تقطع الفجل بغير إتقان. كانت السيدة جانيت تجول في المطبخ، عابسة، تمرر أطراف ~~أصابعها فوق مناضد المطبخ الزرقاء والمرجانية. كانت قد رفعت شعرها ولفته فوق قمة رأسها، ~~مما جعل رقبتها تبدو نحيفة للغاية، سمراء وخشنة إلى حد ما بفعل لفح الشمس، وكانت قتامة ~~سمرتها تجعلها تبدو مشدودة البدن وصلبة العود. رغم ذلك، فإن ألفا - التي لم تحمل بشرتها أي ~~قدر تقريبا من سمرة الشمس لأنها كانت تمضي الوقت الحار من اليوم داخل المنزل، والتي كانت ~~وهي في السابعة عشرة من عمرها أكثر سمنة مما تتمنى عند الساقين والخصر - كانت تحسد سيدتها ~~على هذه السمرة وهذا القوام الرفيع، فقد كانت للسيدة جانيت هيئة تجعلها تبدو كأنها قدت ~~من مواد صناعية وراقية تماما. ~~«قطعي كعكة الملاك بخيط ms156 رفيع، تعرفين هذا، وسأخبرك بعدد الحلوى المثلجة وعدد حلوى شراب ~~القيقب. فانيليا فقط للسيد جانيت، موجودة في المجمد؛ ثمة الكثير منها، حتى ما يكفي ~~لتحليتك أنت ...» ثم هرعت إلى الفناء صائحة «أوه، ديريك، يا عفريت، ديريك، ديريك!» بنبرة من ~~الحدة والغضب الجذل. عندئذ تذكرت ألفا - التي كانت تعرف أن ديريك هو السيد فانس، وهو سمسار ~~أسهم - في الوقت المناسب ألا تسترق النظر من النصف العلوي للباب الهولندي كي ترى ما ~~يجري. كان هذا أحد الصعوبات التي تواجهها أيام الآحاد، حينما كانوا جميعا يحتسون الشراب، ~~ويستحيلون إلى حالة من الاسترخاء والإثارة؛ فقد كان عليها أن تتذكر أنه يحظر عليها أن تبدي ~~أي قدر من الاسترخاء والإثارة هي الأخرى. بطبيعة الحال لم تكن تحتسي الشراب، إلا من قعور ~~الأكواب بعد أن تعاد إلى المطبخ، على أن يكون الشراب من نوع «الجن» وأن يكون باردا ~~ومحلى. ~~••• # لكن بحلول منتصف فترة ما بعد الظهيرة، صار الشعور بالانفصال عن الواقع، الإحساس بتعاقب ~~مشاعر اللامبالاة والطيش، قويا جدا في البيت. كانت ألفا تلتقي أشخاصا خارجين من ~~الحمام، مهمومين ومغتمين، وتلمح نساء في غرف النوم خافتة الإضاءة يملن ناحية انعكاس ~~صورهن في المرآة، ويطلين شفاههن بأحمر الشفاه في بطء شديد، وقد يغلب شخصا ما النعاس فوق ~~الأريكة الطويلة في حجرة التلفاز. بحلول هذا الوقت تكون الستائر قد أسدلت فوق الحوائط ~~الزجاجية لحجرتي المعيشة والطعام، لتقيها حرارة الشمس، فتبدو تلك الحجرات المفروشة ~~بالسجاجيد والستائر الطويلة المسدلة بألوانها الباردة كأنها سابحة في إضاءة تحت سطح الماء. ~~أحست ألفا أنه يصعب عليها أن تتذكر أن حجرات البيت، هذه الحجرات الصغيرة، يمكن أن تحوي هذا ~~الكم الكبير من الأشياء؛ فهنا، حيث توجد هذه الأسطح الملساء الخاوية، هذه المساحات: رواق ~~واسع وطويل وخال، إلا من مزهريتين طويلتين على الطراز الدانمركي واقفتين قبالة الجدار ~~الأبعد، وسجادة، وجدران وأسقف كلها بدرجات زرقاء من اللون الرمادي؛ هنا تمشي ألفا عبر هذا ~~الرواق، دون أن تحدث أي صوت، تتمنى لو تجد مرآة، أو أي شيء تصطدم ms157 به، كي تتأكد من أنها ~~موجودة هنا بالفعل. # قبل أن تحمل طعام الغداء إلى الفناء مشطت شعرها أمام مرآة صغيرة في طرف رف المطبخ، وجعلت ~~تلف خصلات من شعرها تحيط وجهها. حلت رباط ميدعتها وربطته من جديد، وشدت الرباط العريض ~~بإحكام. كان هذا كل ما ينبغي لها أن تفعله، كان هذا اللباس يخص جين من قبل، وقد علقت ~~ألفا، عندما ارتدته لأول مرة، بأنه قد يكون كبيرا جدا بالنسبة لمقاسها، لكن السيدة جانيت ~~لم توافقها الرأي. كان اللباس أزرق - اللون الغالب في المطبخ - بياقة وأطراف أكمام بيضاء ~~اللون ومئزر ذي حافة مزينة بفستونات مدورة. كان عليها أن ترتدي جوارب أيضا، وحذاء أبيض ~~متوسط الكعب كان له وقع صاخب وهي تخطو فوق حجارة الفناء، وهذا ما جعل صوته متناقضا مع وقع ~~الصنادل والأحذية الرياضية، صوت ثقيل عازم يوحي بفقدان الكياسة. لكن أحدا لم يكن ينظر ~~إليها، وهي تحمل الأطباق ومناديل المائدة وألوان الطعام إلى طاولة طويلة من الحديد المشغول. ~~لم يأت إلا السيدة جانيت وأعادت ترتيب الأشياء؛ فقد كانت طريقة ألفا في وضع الأشياء تبدو ~~أنها تفتقر أمرا ما، رغم أنها في هذا الأمر، أيضا، لم ترتكب أي خطأ حقيقي. # وبينما كانوا يتناولون غداءهم كانت هي أيضا تتناول غداءها، جالسة إلى طاولة المطبخ ~~تطالع نسخة قديمة من مجلة «تايم». لم يكن ثمة جرس في الفناء بالطبع؛ فكانت السيدة جانيت ~~تصيح منادية «حسنا، ألفا!» أو فقط «ألفا!» بنبرات متحفظة ونافذة كوقع الجرس. كان من الغريب ~~أن أسمعها تصيح على هذا النحو، بينما تتحدث إلى شخص ما، ثم تعود فتبدأ الضحك؛ بدا الأمر ~~وكأنها تملك صوتا آليا، أو مزودة بزر تضغط عليه فتنادي: ألفا. # بعد انتهائهم من تناول الطعام حملوا جميعا ما أكلوا فيه من أطباق التحلية وفناجين القهوة ~~إلى المطبخ. قالت السيدة فانس إن سلطة البطاطا كانت لذيذة؛ وقال السيد فانس، الذي كان ثملا ~~تماما، إنها لذيذة لذيذة . كان يقف خلف ألفا مباشرة عند الحوض، قريبا جدا منها بحيث ~~كانت تشعر بأنفاسه ms158 وتحس موضع يديه، لم يلمسها تماما. كان السيد فانس ضخما جدا، بشرته ~~ضاربة إلى الحمرة، أجعد الشعر، أشيبه. كانت ألفا تجده مقلقا؛ لأنه كان من نوعية الرجال ~~الذين اعتادت أن تظهر الاحترام لهم. كانت السيدة فانس تتحدث طوال الوقت، وتبدو، حين تتحدث ~~إلى ألفا، أقل اعتدادا بنفسها، لكن أكثر ودا، من أي من النساء الأخريات. كان ثمة ~~اضطراب ما في وضع آل فانس، لم تكن ألفا تدرك ما هو تحديدا، ربما كان أنهم ليسوا بثراء ~~الآخرين. على أية حال، كانوا دائما مسلين جدا ومتحمسين جدا، وكان السيد فانس دائما ~~يفرط في السكر. # قال السيد فانس: «هل ستصحبيننا نحو الشمال يا ألفا، إلى خليج جورجيا؟» وأضافت السيدة ~~فانس: «أوه، سيعجبك المكان، عائلة السيد جانيت تملك مكانا رائعا هناك»، وقال السيد فانس: ~~«لم لا تحظين ببعض الشمس على بشرتك هناك، ها؟» ثم ذهبوا. استدارت ألفا، التي صار بمقدورها ~~أن تتحرك الآن، لتجمع بعض الأطباق المتسخة، ولاحظت أن ابن عم السيد جانيت، أو أيا كان من ~~أقربائه، ما زال موجودا. كان نحيلا، ذا هيئة خشنة، مثل السيدة جانيت، وإن كان أكثر سمرة ~~منها. سألها: «ألم يتبق لديك بعض القهوة هنا؟» صبت ألفا له ما تبقى من القهوة؛ نصف ~~فنجان. وقف يحتسيه، وراح يراقبها وهي تكدس الأطباق، ثم قال: «الجو مرح للغاية، أليس كذلك؟» ~~وحين رفعت بصرها، ضحك وذهب. # لم يكن لدى ألفا ما تفعله بعد أن أنهت غسل الأطباق، فالعشاء سيكون في ساعة متأخرة. لم يكن ~~باستطاعتها فعلا أن تترك البيت، فقد تحتاجها السيدة جانيت في أمر ما. ولم يكن باستطاعتها ~~أن تخرج إلى الخارج، فقد كانوا جميعا هناك. صعدت إلى الأعلى، ثم حين تذكرت أن السيدة جانيت ~~كانت قد سمحت لها أن تقرأ أيا من الكتب الموجودة في حجرة التلفاز، نزلت للأسفل ثانية كي ~~تحضر أحدها. قابلت في الردهة السيد جانيت، الذي نظر إليها بجدية كبيرة، وبتفرس، وبدا أنه ~~على وشك أن يمر بها دون أن يتفوه بشيء، لكنه قال: «اسمعي ألفا، ms159 انظري ... هل تحصلين على ما ~~يكفيك من الطعام؟» # لم يكن يمزح، لأن السيد جانيت لم يكن معتادا على المزاح معها. في الواقع، كان قد سألها ~~هذا السؤال مرتين أو ثلاثا من قبل. بدا أنه يحس بمسئولية نحوها، وكان حينما يراها في البيت ~~يشعر أن الشيء المهم هو أنها ينبغي أن تغذى جيدا. طمأنته ألفا، وقد تصاعد الدم إلى ~~وجهها من الضيق. فكرت: هل هي بقرة صغيرة؟ قالت: «كنت ذاهبة إلى ركن التلفاز لأحضر كتابا. ~~قالت لي السيدة جانيت إنها لا تمانع ذلك.» # فقال السيد جانيت: «نعم، نعم، أي كتاب يعجبك» وفتح لها، على نحو غير متوقع، باب حجرة ~~التلفاز وأخذها نحو أرفف الكتب، حيث وقف مقطبا. سألها: «أي كتاب ترغبين؟» ومد يده نحو رف ~~الروايات التاريخية والبوليسية ذات الأغلفة البديعة، لكن ألفا قالت: «لم تسبق لي قراءة ~~«الملك لير».» # فقال «الملك لير! أوه.» لم يكن يدري أين يبحث عنها، فأتت به ألفا بنفسها، ثم قالت: «ولم ~~أقرأ أيضا رواية «الأحمر والأسود».» لم تعجبه هذه الرواية كثيرا، لكنها كانت رواية يمكن ~~أن تقرأها بالفعل؛ لم تكن لتعود إلى حجرتها ومعها «الملك لير» فحسب. خرجت من الحجرة شاعرة ~~بسرور بالغ، فقد أرته أنها تفعل شيئا آخر إلى جانب أكل الطعام. إن مسرحية «الملك لير» قد ~~تعجب الرجال أكثر مما تعجب النساء. لكن لا شيء كان ليحدث فرقا في نظر السيدة جانيت، ~~فبالنسبة لها، الخادمة خادمة. ~~••• # لكن في حجرتها، لم ترغب في القراءة. كانت حجرتها أعلى الجراج، وحارة للغاية. كان الجلوس ~~على الفراش يجعد لباسها، ولم يكن لديها لباس آخر مكوي؛ فخلعته وجلست مرتدية قميصها ~~التحتاني، لكن السيدة جانيت قد تناديها، وتطلب مجيئها فورا. وقفت عند النافذة، تتطلع إلى ~~ناحيتي الشارع. كان الشارع هلالي الشكل، عريضا ومتدرج الانحناء، من دون رصيف للمشاة. ~~شعرت ألفا في المرة أو المرتين اللتين مشت فيهما في هذا الشارع أنها تجذب الانتباه إليها ~~بعض الشيء؛ إذ لم يشاهد أي شخص يمشي فيه قط. كانت المنازل متباعدة عن بعضها ms160 للغاية، ~~ومتراجعة مسافة بعيدة عن الشارع، خلف مروج وحدائق صخرية وأشجار زينة باهرة؛ وفي هذه المساحة ~~الموجودة أمام كل منزل، لم يكن ثمة أحد عدا الجنائنيين الصينيين؛ وكانت المقاعد بالمروج، ~~والمراجيح، وطاولات الحدائق موضوعة في المروج الخلفية، المحاطة بسياجات من الشجيرات أو جدر ~~من الحجارة أو أسوار على الطراز شبه الريفي. كانت السيارات مصطفة على طول الشارع عصر هذا ~~اليوم؛ وكانت تنبعث من خلف المنازل أصوات حديث وضحك كثير. ورغم حرارة الجو، ما من سديم ~~أثناء النهار، هنا في الأعلى؛ كل شيء - البيوت المبنية بالحجارة والجص، والأزهار، والسيارات ~~زاهية الألوان - كان يبدو متماسكا ولامعا، متقنا ومثاليا. ما من شيء عشوائي في المشهد. ~~كان الشارع، كأنه إعلان، يحمل منظرا حيا لأجواء الصيف الساطعة، وهذا بهر ألفا، بهرها ~~الضحك، وبهرها الناس الذين تتلاءم حياتهم مع الشارع. جلست على كرسي صلب قبالة طاولة أطفال ~~عتيقة الطراز؛ كل الأثاث بهذه الغرفة جاء من فضلة الغرف الأخرى التي جددت ديكوراتها؛ كانت ~~المكان الوحيد في البيت الذي يمكنك أن تجد فيه أشياء غير منسجمة مع بعضها، لا علاقة بينها، ~~وقطعا خشبية ليست ضخمة، قصيرة وغير جذابة. ثم شرعت تخط رسالة لأسرتها. ~~••• ~~«... والبيوت، وكل الأشياء الأخرى أيضا، عظيمة حقا، غالبا على أحدث طراز. ليس هناك عشب ~~ضار واحد في حدائق البيوت، كل بيت هنا به جنائني يقضي يوما كاملا من كل أسبوع في تنظيف ما ~~يبدو مثاليا بالفعل. أعتقد أن هؤلاء الرجال حمقى بعض الشيء، نظرا للعناية المفرطة التي ~~يولونها لحدائق البيوت وما شابهها من الأشياء. صحيح أنهم يخرجون ليعيشوا حياة تخلو من ~~الرفاهيات المعتادة بين الفينة والفينة، لكن الأمر يكون معقدا جدا ويجب أن يكون كل شيء ~~مرتبا بدقة. هذه حال كل ما يفعلونه وكل مكان يقصدونه. # لا تخشي من أن أكون وحيدة أو مضطهدة أو ما إلى ذلك من الأمور التي تتعرض لها الخادمات؛ ~~فأنا لم أكن لأتهاون مع أي أحد يفعل أي شيء من هذا القبيل. علاوة على أنني لست خادمة ~~بالمعنى الحقيقي، أنا ms161 أعمل في الصيف وحسب. لا أشعر بالوحدة، ولم ينبغي لي؟ أنا أراقب فقط ~~وأتسلى. أمي، بالطبع لا يمكنني أن آكل معهم. لا تكوني مضحكة. وضعي ليس مثل وضع عاملة أجيرة، ~~فضلا عن أنني أفضل أن آكل بمفردي. وإذا حدث وكتبت رسالة للسيدة جانيت بهذا الشأن فلن ~~تفهم عما تتحدثين أصلا، ثم إنني لا أبالي بهذا الأمر. فلا تبالي أنت أيضا به! # أعتقد أيضا أنه سيكون من الأفضل عندما تحضر ماريون أن أقابلها في وسط المدينة، إذا ~~تمكنت من أخذ إجازة في فترة ما بعد الظهيرة؛ فأنا لا أرغب تحديدا في حضورها هنا. لا أعلم ~~كيف يتعاملون مع حضور أقارب الخادمات. بالطبع إذا كانت ترغب ذلك فلا بأس. لكني لا يمكنني أن ~~أعلم دائما كيف سيكون رد فعل السيدة جانيت، هذا ما في الأمر، وأنا أحاول أن أهون على ~~نفسي هنا من دون أن أجعل السيدة جانيت تأخذ علي أي مأخذ. لكنها رغم ذلك امرأة ~~طيبة. # في غضون أسبوع سنسافر إلى خليج جورجيا، وبالطبع أنا أتطلع لذلك؛ إذ سيتسنى لي أن أذهب ~~للسباحة كل يوم، هذا ما قالته (السيدة جانيت) و...» # كانت غرفتها حارة للغاية. وضعت الرسالة غير المكتملة أسفل النشافة فوق المنضدة. ثمة ~~صوت مذياع كان ينبعث من حجرة مارجريت. اتجهت عبر الردهة نحو باب حجرة مارجريت، آملة أن ~~تجده مفتوحا. لم تكن مارجريت قد أتمت الرابعة عشرة من عمرها بعد، لكن الاختلاف في السن كان ~~يعوض عن اختلافات أخرى، ولم يكن من السيئ جدا التواجد مع مارجريت. # كان الباب مفتوحا، وعلى الفراش كانت فساتين مارجريت الصيفية والتنانير التحتانية مفروشة. ~~لم تكن ألفا تعرف أن لديها كل هذا الكم من الفساتين. # قالت مارجريت: «أنا لا أحزم حقيبتي فعلا. أعلم أن هذا جنوني، أنا أرى فقط ما لدي. آمل ~~أن تكون حاجياتي على ما يرام. آمل ألا تكون مفرطة ال ...» # لامست ألفا الملابس المفروشة فوق الفراش، شاعرة بسرور عظيم بهذه الألوان الرقيقة، ~~وبالصدارات الصغيرة الناعمة، فخمة التصميم والتشطيب، والتنانير التحتانية بشبكاتها ms162 المموجة ~~والرائعة؛ كانت هذه الملابس تحمل براءة صناعية غاية في الجمال. لم تكن ألفا تحسدها، لا، ~~فهذا أمر بعيد كل البعد عنها؛ إن ذلك جزء من عالم مارجريت، ذلك النمط الصارم للمدارس ~~الداخلية (السترات القصيرة والجوارب السوداء الطويلة)، والهوكي، والكورس، والإبحار في ~~الصيف، والحفلات، والفتيان الذين يرتدون السترات الرياضية ... # سألتها ألفا: «أين سترتدينهم؟» ~~«في فندق «أوجيبواي»، إنهم يقيمون حفلات راقصة في نهاية كل أسبوع، الجميع يرتادون يخوتهم. ~~ليل الجمعة للأولاد وليل السبت للآباء وغيرهم من الناس.» ثم أضافت في شيء من خيبة الأمل: ~~«هذا هو الذي سوف أقصده، إذا لم أكن فاشلة اجتماعيا. إن ابنتي عائلة ديفيس ~~ستقصدانه.» # قالت ألفا مشجعة: «لا تقلقي، ستبلين حسنا.» # قالت مارجريت: «لا أحب الرقص حقيقة، لا أحبه قدر حبي للإبحار مثلا. لكن المرء يضطر ~~للرقص.» # قالت ألفا: «ستحبينه.» إذن ستكون هناك حفلات رقص، سيرتادون اليخوت، وستراهم يغادرون ~~المنزل وتسمعهم حين يعودون له. وكل هذه الأمور، التي كان ينبغي لها أن تتوقعها ... # بينما مارجريت جالسة القرفصاء على الأرض، نظرت إليها بنظرة بليدة، ووجه بريء، وقالت: «هل ~~تظنين أن علي أن أبدأ التقبيل والمداعبات الغرامية هذا الصيف؟» # قالت ألفا: «نعم.» ثم أضافت بشيء من الحقد: «لو كنت مكانك لفعلت.» بدت مارجريت متحيرة، ~~ثم قالت: «قيل لي إن هذا كان السبب في عدم دعوة سكوتي لي في عيد الفصح ...» # لم يسمع أي صوت، لكن مارجريت انتفضت واقفة على قدميها. قالت بشفتيها فقط من دون صوت: ~~«أمي قادمة»، وعلى الفور دخلت السيدة جانيت الحجرة، وبذلت جهدا لترسم ابتسامة على وجهها، ~~وقالت: «أوه، ألفا. إذن فأنت هنا.» # قالت مارجريت: «كنت أخبرها عن الجزيرة، مامي.» ~~«أوه، ثمة كم رهيب من الأكواب موجود في الأسفل يا ألفا، هلا غسلتها كلها فورا كي تنتهي ~~منها حينما ترغبين في تناول طعام العشاء و... ألفا، هل لديك مئزر آخر نظيف؟» # قالت مارجريت: «الأصفر ضيق للغاية مامي، لقد جربته ...» ~~«اسمعي عزيزتي ، لا داعي الآن لإخراج كل ما لديك من «هلاهيل»، ما زال أمامنا أسبوع قبل ms163 أن ~~نسافر ...» ~~••• # نزلت ألفا للأسفل، ومرت عبر الردهة المائلة للزرقة، فسمعت أشخاصا يتحدثون في جدية، وشيء ~~من السكر، في حجرة التلفاز، ورأت باب غرفة الحياكة يغلق برفق، من الداخل، مع اقترابها ~~ناحيته. دخلت المطبخ. صارت تفكر في الجزيرة الآن. جزيرة بأكملها يملكونها هم، لا شيء فيها ~~على مرمى البصر لا يملكونه: الصخور والشمس وأشجار الصنوبر ومياه الخليج الباردة العميقة. ما ~~الذي يمكن أن تفعله هناك؟ ماذا يمكن أن تفعل الخادمات هناك؟ ربما يمكنها أن تسبح، في ساعات ~~فراغها، أو تخرج لتتمشى وحدها، وقد يمكنها أحيانا - ربما عندما يذهبون لشراء البقالة - ~~أن تركب اليخت. لن يكون هناك عمل كثير ينبغي إنجازه مثلما هي الحال هنا، هكذا قالت السيدة ~~جانيت. قالت إن الخادمات دائما ما يستمتعن بوقتهن هناك. فكرت ألفا في الخادمات الأخريات، ~~اللائي يفقنها مهارة، الفتيات اللائي يفقنها لياقة ولطفا، هل يستمتعن حقا هناك؟ أي ~~نوع من الحرية أو السرور وجدنه هناك، ولم تجربه هي من قبل؟ # ملأت الحوض بالماء، وأخرجت رف تجفيف الصحون والأكواب ثانية وبدأت تغسل الأكواب. لم يكن ~~ثمة ما يهم خاطرها، لكنها شعرت بأن صدرها يضيق، يضيق من الحرارة، وأنها متعبة وغير عابئة، ~~تسمع من حولها ثرثرة غامضة غير مفهومة - عن حياة أناس آخرين، عن يخوت وسيارات وحفلات رقص ~~- وترى هذا الشارع، وتلك الجزيرة الموعودة، تحت إبهار الشمس الطاغي والمتواصل. لم يكن ~~بوسعها أن يكون لها صوت هنا، ولا همسة. # وعليها أن تتذكر، قبل ميعاد العشاء، أن تصعد لترتدي مئزرا نظيفا. # سمعت الباب يفتح، جاء شخص ما من الفناء. كان ابن عم السيدة جانيت. # قال: «إليك كوبا آخر. أين يمكنني وضعه؟» # قالت ألفا: «في أي مكان.» ~~«قولي شكرا.» هكذا قال ابن عم السيدة جانيت بينما استدارت ألفا وهي تنشف يديها في ~~مئزرها، في استغراب، سرعان ما زال عنها. توقفت، وظهرها مستند إلى طاولة المطبخ، حينما جذبها ~~ابن عم السيدة جانيت إليه برفق، كما يحدث في أي لعبة جماعية مألوفة، وأمضى بعض الوقت يلثم ~~فمها. # قال: «لقد طلبت ms164 مني أن أذهب إليهم في الجزيرة في إحدى عطلات الأسبوع في شهر ~~أغسطس.» # استدعاه نداء من الفناء، فخرج بالرشاقة، والانسلال المضحك إلى حد ما، اللذين يميزان بعض ~~الأشخاص صغيري البنية. وقفت ألفا لا تحرك ساكنا وظهرها مستند إلى طاولة المطبخ. # أراحتها لمسة هذا الشخص الغريب. كان جسدها ممتنا ومتلهفا، فشعرت بسعادة وثقة لم ~~تعرفهما من قبل في هذا البيت. وهكذا، كانت هناك أمور لم تكن قد أخذتها في الحسبان، عن ~~نفسها، وعن أساليب العيش معهم التي لم تكن مبهرة إلى الحد الذي حسبته. إنها لا تضيق من ~~التفكير في الجزيرة الآن، في الصخور العارية المغمورة بأشعة الشمس وفي أشجار الصنوبر ~~الصغيرة المعتمة. صارت تراها بعين أخرى الآن، بل لعلها صارت ترغب في أن تذهب إليها. لكن ~~الأمور تأتي دائما مجتمعة، ثمة أمر لم تكن قد تبينته بعد؛ نقطة حساسة، نوع جديد وغامض من ~~الإذلال والمهانة. # | رحلة إلى الساحل # «بلاك هورس»، بقعة موجودة على الخريطة، لكن لا شيء في هذا المكان سوى متجر وثلاثة بيوت ~~ومقبرة قديمة وسقيفة إسطبل يخص كنيسة احترقت عن آخرها. المكان حار في الصيف، يخلو من أي ظل ~~على الطريق وأي جدول بالقرب منه. البيوت والمتجر مبنية بآجر أحمر، تشوبه صفرة باهتة، ~~ومزينة عشوائيا بطوب رمادي أو أبيض على المداخن وحول النوافذ. خلفها تمتلئ الحقول بنباتات ~~الصقلاب والقضبان الذهبية والقصوان. والأشخاص الذين يمرون على المكان، في طريقهم إلى بحيرات ~~موسكوكا والأجمة الشمالية، يمكنهم أن يلاحظوا هنا المناظر الطبيعية الوارفة تضيق وتتسع، ~~والقباب الصخرية البالية تظهر في الحقول المتآكلة، وأحراج الدردار والقيقب الكثيفة ~~المتناغمة وهي تنفتح على أحراش أكثر كثافة وأقل رحابة من أشجار البتولا والحور، والراتنج ~~والصنوبر، في حرارة ما بعد الظهيرة تستحيل الأشجار المدببة الموجودة عند نهاية الطريق ~~شفافة، زرقاء اللون، منسحبة في الأفق مثل صحبة من الأشباح. # كانت ماي مستلقية في غرفة كبيرة في خلفية المتجر مليئة بالصناديق. كانت تلك الغرفة مكان ~~نومها في الصيف، حينما تشتد الحرارة في الطابق العلوي. وكانت هيزل تنام في ms165 الغرفة الأمامية ~~على الأريكة وتشغل المذياع طوال نصف الليل؛ أما جدتها فظلت تنام في الدور العلوي، في حجرة ~~صغيرة ضيقة مزدحمة بقطع أثاث كبيرة وصور فوتوغرافية قديمة، وعبقة برائحة قماش مشمع حار ~~ورائحة جوارب النساء العجائز الصوفية. لم تستطع ماي أن تميز أي وقت كان ذلك لأنها لم ~~تستيقظ من قبل قط في وقت مبكر كهذا. فقد كانت تستيقظ في معظم الأصباح فتجد رقعة من الشمس ~~الحارة على الأرض عند قدميها، وتسمع رجرجة شاحنات المزارعين التي تنقل الحليب وهي مارة على ~~الطريق السريع، بينما جدتها تسرع الخطى جيئة وذهابا من المتجر إلى المطبخ، حيث تكون قد ~~وضعت فوق الموقد براد القهوة ومقلاة فيها لحم الخنزير المقدد الثخين. وحينما كانت الجدة ~~تمر على الأريكة القديمة التي تنام عليها ماي والتي كانت فيما مضى مخصصة للشرفة (ما تزال ~~وسائدها تفوح بنذر يسير من رائحة العفن والصنوبر)، كانت تكبش قبضتها بحركة أوتوماتيكية ~~جاذبة الملاءة، وهي تقول: «هيا استيقظي الآن، أفيقي، أتظنين أنك ستظلين نائمة حتى ميعاد ~~العشاء؟ ثمة رجل يريد بنزينا.» # وإذا لم تستيقظ ماي وراحت تتشبث بالملاءة، وتتمتم في غضب، تأتي جدتها مرة أخرى حاملة ~~قليلا من الماء البارد في مغرفة، تصبه فوق قدمي حفيدتها. فتنتفض ماي، وهي تدفع خصلات شعرها ~~الطويل عن وجهها، الذي يكون عابسا عبوس الوسن لكنه ليس حانقا؛ كانت ترتضي سيطرة جدتها كما ~~ترتضي الرياح المطيرة أو ألم المعدة، بيقين أساسي وقوي من أن مثل هذه الأشياء ستمر. كانت ~~ترتدي كل ملابسها تحت لباس النوم، وذراعاها متحررتان أسفل هذا كله من كميهما، وكانت وهي ~~في الحادية عشرة قد دخلت مرحلة احتشام جنوني؛ إذ كانت ترفض أن تأخذ حقن التطعيم في مؤخرتها ~~وتصرخ ثائرة إذا دخلت هيزل أو جدتها الغرفة التي ترتدي فيها ملابسها؛ لأنها كانت تظن أنهما ~~تفعلان ذلك بغرض التسلية والاستهزاء بخصوصيتها. كانت تخرج وتضع البنزين في السيارة ثم تعود ~~في منتهى اليقظة جائعة؛ وتأكل في إفطارها أربع أو خمس شطائر من خبر «التوست» مع المربى، ~~وزبدة ms166 الفول السوداني ولحم الخنزير المقدد. # لكنها حينما استيقظت هذا الصباح كان الصبح لا يزال يبدأ نشر ضوئه في الغرفة الخلفية، لم ~~تكن تستطيع أن تتبين إلا الكتابة المطبوعة على الصناديق الكرتونية. قرأت «حساء طماطم هاينز» ~~و«مشمش جولدن فالي». راحت تمارس طقسا خاصا اعتادته، بأن تقسم الحروف إلى ثلاثات؛ فإذا ~~نتجت في نهاية ذلك مجموعات متساوية، كان هذا يعني أنها ستتمتع بحسن الحظ في ذلك اليوم. ~~وبينما كانت تفعل ذلك، خالت أنها سمعت جلبة، وكأن شخصا ما يتحرك في الفناء، فاعترى جسدها ~~اضطراب مريع حتى أخمص قدميها جعلها تثني أصابع قدميها وتمط ساقيها حتى لامست طرف الأريكة. ~~كان الشعور الذي اجتاح جسدها كله كالشعور الذي يستولي على دماغها حين تكون على وشك العطس. ~~نهضت بأبطأ ما يمكنها وسارت في حذر فوق الألواح الخشبية للغرفة الخلفية، التي شعرت بها تحت ~~قدميها رملية رطبة، إلى المشمع الخشن الذي يغطي أرضية المطبخ. كانت ترتدي لباس نوم ~~قطنيا قديما يخص هيزل، يموج من خلفها في خفة وانسيابية. # كان المطبخ خاليا، والساعة تتكتك بانتظام فوق الرف الذي يعلو الحوض. إحدى الحنفيات كانت ~~تقطر باستمرار، وأسفلها قماشة مسح الصحون مطوية في شكل لفافة صغيرة. كانت واجهة الساعة تكاد ~~تكون مخفية وراء حبة طماطم صفراء، لم تنضج بعد، وعلبة بودرة كانت جدتها تضع منها على طقم ~~أسنانها. كانت الساعة السادسة إلا الثلث. تحركت نحو الباب السلكي، وبينما هي مارة بصندوق ~~الخبز امتدت إحدى يديها بحركة عفوية داخله وخرجت بكعكتين من كعك القرفة راحت تأكلهما دون أن ~~تنظر إليهما، كانتا جافتين بعض الشيء. # في هذا الوقت من اليوم كان الفناء الخلفي غريبا ومقبضا ومظلما، والحقول رمادية، وكل ~~الأجمات الشعثاء المتشابكة على طول الأسوار كثيفة بما عليها من الطير، والسماء باهتة ~~باردة، تنبسط عليها أذرع الضوء في نعومة وتتوهج حوافها، كأنها باطن محارة. سرها أن جدتها ~~وهيزل كانتا بمعزل عن هذا، لأنهما ما زالتا نائمتين . لم يكن أحد قد رأى هذا اليوم بعد، ~~أدهشها نقاؤه. راودها إحساس قوي بالتحرر والخطر، ms167 كشعاع فجر يخترق تلك السماء. عند ركن ~~المنزل، حيث يوجد ركام الحطب، سمعت صوت قعقعة خشن واهن. # قالت ماي بصوت مرتفع: «من هناك؟» بعد أن ازدردت ملء فمها من كعك القرفة. قالت: «أعرف أنك ~~هناك.» # جاءت جدتها من المنزل حاملة بعض الأعواد لإشعال النار ملتحفة بميدعتها، وهي تتمتم بتمتمات ~~ساخطة خافتة غير مفهومة. رأتها ماي قادمة، دون أن تشعر بالمفاجأة وإنما بشعور غريب ~~بالخذلان، شعور بدا أنه ينتشر على نحو لم تنجح في إخفائه من اللحظة الراهنة إلى كل أرجاء ~~حياتها، السابقة والقادمة. بدا لها أن أي مكان تذهب إليه ستسبقها جدتها إليه، وأن أي شيء ~~تكتشفه ستكون جدتها قد عرفت بأمره قبلها، أو تبين أنه غير ذي قيمة. # قالت مدافعة: «حسبت أحدا ما في الفناء.» نظرت إليها جدتها بلا اكتراث واتجهت إلى ~~المطبخ. # قالت ماي: «لم أكن أظن أنك يمكن أن تستيقظي في ساعة مبكرة كهذه. ما الذي يجعلك تستيقظين ~~في ساعة مبكرة كهذه؟» # لم تجب جدتها. كانت تسمع لكل ما تقوله لها لكن لا تجيب إلا إذا شاءت ذلك. بدأت العمل بأن ~~أشعلت نار الموقد. كانت ترتدي أثناء النهار فستانا مطبوعة عليه رسومات، وميدعة زرقاء ~~مهترئة ومتسخة من عند بطنها، وسترة حائلة اللون منسلة غير مزررة كانت لزوجها من قبل، ~~وزوجا من الأحذية القماشية. كانت الملابس تتهدل عليها، بالرغم من محاولاتها أن تصلح من ~~هندامها وتغلق ملابسها، وذلك لأن جسمها لم يكن صحيح الشكل بحيث تتماسك الملابس فوقه؛ فقد ~~كانت ضعيفة التضاريس ونحيلة الجسم، عدا تقبب صغير في بطنها، كامرأة حامل في شهرها الرابع، ~~يبرز على نحو يتناقض مع صدرها الهزيل. كانت ساقاها نحيلتين، وركبتاها بارزتين، وذراعاها ~~سمراوين معرقتين ومعقوفتين كأنهما سوطان، وكان رأسها كبيرا بعض الشيء بالنسبة لجسمها، ~~ومع شعرها المسحوب بإحكام أعلى جمجمتها، كانت تبدو كطفل سيئ التغذية لكنه خبيث ~~الذكاء. # قالت لماي: «عودي أنت للنوم.» لكن ماي اتجهت ناحية مرآة المطبخ وبدأت تمشط شعرها وتلفه ~~حول إصبعها كي ترى إن كان سيبدو لائقا في قصة ms168 شعر «بايج بوي». تذكرت أن اليوم هو موعد قدوم ~~بنت عم يوني باركر. كانت ستأخذ بكرات الشعر التي تخص هيزل لترفع بها شعرها، في حال رأت أنها ~~يمكنها فعل ذلك من دون أن تدري جدتها. # أغلقت جدتها باب الغرفة الأمامية حيث تنام هيزل. أفرغت براد القهوة وملأته بماء وقهوة ~~جديدين، ثم أحضرت إبريق الحليب من الثلاجة، وشمته كي تتأكد من أنه ما يزال صالحا، وانتشلت ~~بملعقتها نملتين من سلطانية السكر، ولفت لنفسها سيجارة على ماكينة كانت لديها لهذا الغرض، ~~ثم جلست إلى الطاولة وراحت تقرأ جريدة اليوم السابق. لم تتفوه بكلمة أخرى إلى ماي إلا بعد ~~أن نضجت القهوة وهدأت هي نار الموقد وصارت الغرفة مضاءة بنور أقرب إلى ضوء النهار. # قالت: «هاتي فنجانك إن كنت تريدين بعض القهوة.» # عادة كانت تقول إن ماي صغيرة للغاية على شرب القهوة. جاءت ماي لنفسها بفنجان جميل عليه ~~طيور خضر. لم تقل جدتها أي شيء. جلستا إلى الطاولة تحتسيان القهوة، وماي مرتدية لباس النوم ~~السابغ وشاعرة بأنها نالت امتيازا وأنها مضطربة. كانت جدتها تنظر إلى أرجاء المطبخ بجدرانه ~~وتقاويمه المبقعة كما لو كان عليها أن تحفظ المنظر في ذهنها، كانت نظرتها متأملة أريبة ~~نوعا ما. # قالت ماي محاولة بدء حديث: «ابنة عم يوني باركر آتية اليوم. اسمها هيذر سو ~~موراي.» # لم تعر الجدة حفيدتها أي انتباه، ثم سرعان ما سألتها: «أتعلمين كم عمري؟» # ردت ماي: «لا.» ~~«حسنا، خمني.» # فكرت ماي ثم قالت: «سبعون؟» # تأخرت الجدة في الرد كثيرا إلى حد أن ماي اعتقدت أن هذا الحديث لم يكن سوى واحد آخر من ~~أزقة حديثها المسدودة. قالت، على سبيل الإحاطة: «هيذر هذه كانت تمارس الرقص الاسكتلندي منذ ~~أن كانت في الثالثة. إنها ترقص في المسابقات وما إلى ذلك.» # قالت جدتها: «ثمانية وسبعون. لا أحد يعلم بهذا، فأنا لم أخبر أحدا قط، وليس لي شهادة ~~ميلاد، ولم أحصل قط على معاش حكومي، أو إعانة.» فكرت قليلا ثم استطردت: «لم أرقد قط في ~~المستشفى. ادخرت ما ms169 يكفي في البنك لتغطية مصاريف الجنازة والدفن. أما شاهد القبر فينبغي أن ~~يأتي حسنة من مؤسسة خيرية أو عن طريق ما سيشعر به أقاربي من وخز للضمير.» # قالت ماي مكتئبة وهي تنتف القماش المشمع من بقعة بالية فيه: «وما حاجتك إلى الشاهد؟» ~~كرهت هذا الحديث؛ كان يذكرها بخدعة لئيمة نوعا ما كانت جدتها قد مثلتها عليها منذ ثلاث ~~سنوات. حينها كانت عائدة للتو إلى المنزل من المدرسة، فوجدت جدتها مستلقية على نفس أريكة ~~الحجرة الخلفية التي صارت ماي تنام عليها فيما بعد. كانت الجدة راقدة ويداها ساقطتان إلى ~~جانبيها، ووجهها بلون الحليب المتخثر، وعيناها مغلقتان؛ وعلى وجهها فتور البراءة والمسالمة. ~~فحاولت ماي إيقاظها وقالت أولا: «مرحبا»، ثم نادتها بنبرة صوتها المعتادة: «جدتي.» لم تكن ~~جدتها تحرك أي عضلة في وجهها الذي عادة ما يكون متوهجا وعصبيا. قالت ماي ثانية، ~~بمزيد من التوقير: «جدتي» ومالت عليها فلم تسمع أدنى صوت لأنفاسها. فمدت يدها لتلامس خد ~~جدتها، لكن صدمها أمر غير مطمئن لم تتوقعه في هذا التجويف البارد المتهدل. ثم راحت تبكي، ~~بالطريقة الجزعة المتقطعة لمن يبكي دون أن يسمعه أحد. كانت تخاف أن تذكر اسم جدتها ثانية، ~~خائفة أن تلمسها، وفي الوقت نفسه خائفة أن تشيح بعينيها عنها. لكن جدتها فتحت عينيها. من ~~دون أن ترفع ذراعيها أو تحرك رأسها، نظرت إلى ماي ببراءة مفرطة زائفة وبريق ظافر مستفهم، ~~قائلة: «ألا يمكن للمرء أن يستلقي قليلا هنا؟ من العار أن تكوني طفولية هكذا.» # ردت الجدة على سؤال ماي عن شاهد القبر: «لم أقل قط إنني «أريد» شاهدا.» ثم قالت في برود، ~~بعد أن رأت ماي مخرجة إحدى كتفيها من الرقبة الواسعة للباس نومها: «الآن اذهبي وارتدي بعض ~~ثيابك، إلا إذا كنت تظنين نفسك إحدى ملكات مصر.» # قالت ماي: «ماذا؟» وهي تنظر إلى كتفها الموسومة ببقعة مزعجة من أثر حرق شمس ~~تقشر. ~~«أوه، أرى أنهم أحضروا إحدى ملكات مصر لمهرجان مدينة كينكايد.» # حينما عادت ماي إلى المطبخ كانت جدتها ما تزال تحتسي ms170 القهوة وتنظر إلى قسم «مطلوب» من ~~الإعلانات المبوبة في جريدة المدينة، وكأنها لا تملك متجرا ينبغي أن يفتح أو طعام إفطار ~~ينبغي أن يعد أو أي شيء ينبغي عمله على الإطلاق. كانت هيزل قد استيقظت وبدأت تكوي فستانا ~~لتذهب به إلى العمل. كانت تعمل في متجر في مدينة كينكايد التي تبعد ثلاثين ميلا، وكان ~~عليها أن تغادر إلى العمل في ساعة مبكرة. حاولت أن تقنع والدتها بأن تبيع المتجر وتنتقل ~~للعيش في كينكايد التي تحوي دارين لعرض الأفلام السينمائية، والكثير من المحال والمطاعم ~~وفرعا من فروع «رويال دانس بافيليون»، لكن المرأة العجوز لم تكن لتتزحزح. وأخبرت هيزل أن ~~تذهب لتعيش حيثما طاب لها ذلك، لكن هيزل لم تفعل لسبب ما. كانت فتاة طويلة واهنة في ~~الثالثة والثلاثين من عمرها، ذات شعر أشقر، ووجه متحفظ طويل، يرتسم عليه دائما تعبير ساخط ~~يبرزه حول خفيف، شرود متعمد في إحدى العينين. كان لديها صندوق مليء بأغطية وسائد مطرزة ~~وفوط وأوان فضية. واشترت طقما من الأطباق وطقما من القدور ذات القعور النحاسية وأودعتهما ~~ذلك الصندوق؛ وظلت هي والمرأة العجوز وماي يأكلن في أطباق متكسرة الحواف ويطبخن في قدور من ~~كثرة ما تخبطت كانت تتأرجح فوق الموقد. # كانت المرأة العجوز تقول: «هيزل لديها كل ما يلزمها لتتزوج لكن يعوزها فقط أمر ~~واحد.» # كانت هيزل تطوف البلدة لحضور حفلات راقصة مع فتيات أخريات يعملن في كينكايد أو يدرسن في ~~المدرسة. وفي صباح يوم الأحد كانت تصحو تعبة من آثار الإفراط في الشراب، فتتناول قهوة ~~وأسبرينا، وترتدي فستانها الحريري المطبوعة عليه رسومات وتركب سيارتها وتولي مغادرة كي ~~تغني ضمن جوقة المنشدين بالكنيسة. أما أمها، التي كانت تقول إنها لا تدين بدين، فتفتح ~~المتجر وتبيع البنزين والآيس كريم للسائحين. # علقت هيزل طاولة الكي وهي تتثاءب وتفرك برفق وجهها بينما المرأة العجوز تقرأ بصوت ~~مرتفع: «رجل مجتهد طويل القامة، في الخامسة والثلاثين، يرغب في التعرف إلى امرأة حسنة ~~الخلق، لا تدخن ولا تشرب الخمر، تحب حياة المنزل، العابثات يمتنعن ms171 رجاء.» # قالت هيزل: «أوه، لا يا أمي.» # سألت ماي: «ماذا يعني بالعابثات؟» # راحت المرأة العجوز تقرأ في عناد: «رجل في أوج رجولته، يرغب في صداقة امرأة صحيحة ~~البنية، لا أعباء لديها، برجاء إرسال صورة فوتوغرافية في أول رسالة.» # قالت هيزل: «أوه، أمي كفي عن هذا.» # سألت ماي: «ما هي الأعباء؟» ~~«ماذا سيحدث لك إذا تزوجت أنا؟» قالتها هيزل على نحو كئيب وعلى وجهها ارتضاء ~~ممتعض. ~~«متى شئت أن تتزوجي، يمكنك أن تفعلي.» ~~«لدي أنت وماي.» ~~«أوه، دعك من هذا. هذا ليس صحيحا.» ~~«حسنا هذه هي الحقيقة.» ~~«أوه، أنت تمزحين» قالتها المرأة العجوز بقرف، واستطردت: «أنا أتولى شئوني بنفسي. ~~ودائما ما كنت كذلك.» كانت ستردف بالمزيد، لأن هذا الحديث كان في حقيقة الأمر علامة ~~توجيهية فارقة في مسار حياتها، لكن في اللحظة التي أعقبت استحضارها ذلك المشهد الذي كان ~~زاهي الألوان وبريئا كرسم طفل بألوان الشمع، ثم أحدثت مثل هذه التحريفات الماهرة، أغمضت ~~عينيها كما لو كان الشعور بالزيف كبتها، ثمة شك معقول بأن أيا من هذا لم يكن له وجود قط. ~~دقت بملعقتها على الطاولة وقالت لهيزل: «حسنا، لا أعتقد أن حلما كالذي راودني ليلة الأمس ~~راودك قط.» # قالت هيزل: «أنا لا أحلم بالمرة على أية حال.» # جلست المرأة العجوز تدق بملعقتها وتنظر في تركيز إلى لا شيء سوى واجهة الموقد. # ثم قالت: «حلمت أنني أسير في الطرق. كنت أسير في الطريق المار على بوابة آل سيمونز وشعرت ~~كأن سحابة تغشي الشمس، وأحسست بالبرد. فنظرت إلى الأعلى ورأيت طائرا ضخما، أوه، أضخم ~~طائر يمكن أن ترينه، أسود اللون سواد غطاء الموقد هذا، كان فوقي تماما حاجبا الشمس عني. ~~هل سبق لك أن حلمت بشيء كهذا؟» ~~«لا أحلم بأي شيء على الإطلاق.» قالتها هيزل بشيء من الغطرسة. # قالت ماي: «هل تذكران الكابوس الذي راودني حينما كنت نائمة في الغرفة الأمامية عقب إصابتي ~~بالحصبة؟ هل تذكرانه؟» # قالت المرأة العجوز: «لا أتحدث عن أية كوابيس.» ~~«كنت أرى أشخاصا يرتدون قبعات ملونة يغدون ويروحون ms172 في أرجاء الغرفة، ثم صاروا يتحركون ~~أسرع فأسرع حتى صرت أرى قبعاتهم تتداخل معا. كانت بقية أجسامهم جميعا غير مرئية، ولم أكن ~~أرى منهم إلا هذه القبعات الملونة.» # أخرجت الجدة طرف لسانها لتلعق بضع شذرات جافة من التبغ كانت عالقة بشفتيها، ثم قامت ورفعت ~~غطاء الموقد وبصقت في النار. قالت: «ربما أتحدث إلى الجدار.» ثم أردفت: «ماي، ضعي بعض أعواد ~~الحطب في هذه النار، سأقلي لنا بعض لحم الخنزير المقدد. لا أرغب أن أبقي الموقد مشتعلا ~~اليوم أكثر من ذلك فيصعب علي إطفاؤه.» # قالت هيزل في هدوء: «الجو سيكون أكثر حرارة من جو الأمس. اتفقنا أنا ولويز على ألا ~~نرتدي أية جوارب. وإذا وجه لنا السيد بيبلز كلمة فسنقول له: لم في اعتقادك عينوك هنا؟ كي ~~تجول الأرجاء وتتفحص سيقان الجميع؟ فيصاب بالخجل.» اختفى رأسها الأشقر في تنورة فستانها وهي ~~تطلق قهقهة تشبه صوت جرس قرع مرة واحدة بالصدفة، ثم سكت. # قالت المرأة العجوز في استهجان: «هه.» ~~••• # جلست ماي ويوني باركر وهيذر سو موراي عصرا على الدرجات الأمامية للمتجر. كانت الشمس قد ~~اكفهرت خلف الغيوم خلال وقت الظهيرة لكن اليوم بدا أنه يزداد حرارة مع ذلك. لم يكن بالإمكان ~~سماع صرصور أو طير، لكن كانت ثمة ريح خفيفة، ريح ساخنة زاحفة تهب من أعشاب البلدة. ولأن ~~اليوم كان السبت، لم يتوقف أي شخص تقريبا عند المتجر، بل كانت سيارات المنطقة تولي عابرة ~~في طريقها إلى المدينة. # قالت هيذر سو: «ألا تحظين يا بنات بأية توصيلات مجانية من هذه السيارات المارة؟» # قالت ماي: «لا.» # قالت يوني باركر صديقة ماي المقربة منذ سنتين: «أوه، لم تكن ماي ليسمح لها بذلك. أنت لا ~~تعرفين جدتها. ماي لا تستطيع فعل أي شيء.» # جرت ماي قدميها في التراب وسحقت بعقبها بيتا للنمل، ثم قالت: «ولا أنت أيضا تستطيعين ~~فعل شيء.» # قالت يوني: «بل أستطيع. أستطيع أن أفعل ما يحلو لي .» نظرت إليهما هيذر سو بطريقة تشي ~~بشعورها كضيف لا يعلم شيئا عن المكان وقالت: «ما ms173 الذي يمكن فعله هنا في هذا المكان؟ أعني ~~ما الأنشطة التي تمارسنها أنتن يا بنات»؟ # كان شعرها مقصوصا قصيرا يحيط بوجهها، وكان خشنا، أسود، مموجا. وكانت تضع أحمر شفاه ~~بلون أحمر قان كلون حلوى التفاح، وبدت كأنها حفت شعر ساقيها. # قالت ماي في جمود: «نذهب إلى المقابر.» وقد كانت ماي ويوني تذهبان إلى المقابر بالفعل، ~~فقد كانتا تذهبان للجلوس في المقابر بعد ظهيرة كل يوم تقريبا؛ لأن هناك كان يوجد ركن ظليل ~~تنأيان فيه عن إزعاج الأطفال الأصغر سنا، ويتسنى لهما الحديث عما يدور بخلديهما بمأمن من ~~أن يستمع أحد إلى ما تقولانه. # قالت هيذر: «تذهبان إلى «أين»؟» قطبت يوني حاجبيها وهي تنظر إلى التراب تحت قدميهما ~~وقالت: «أوه، لا نذهب إلى هناك، أكره تلك المقابر السخيفة.» لكن في بعض الأحيان كانت هي ~~وماي تقضيان طوال فترة ما بعد الظهيرة تنظران إلى شواهد القبور وتنتقيان الأسماء التي ~~تعجبهما وتؤلفان قصصا عن الأشخاص المدفونين تحت تلك الشواهد. # قالت هيذر سو: «يا إلهي! لا تخيفيني هكذا. الجو حار بدرجة رهيبة، أليس كذلك؟ أحسب أنني لو ~~كنت في منزلي في هذا الوقت، لذهبت أنا وصديقتي إلى بركة السباحة.» # قالت يوني: «يمكننا أن نذهب للسباحة عند «ثيرد بريدج».» ~~«وأين يقع هذا؟» ~~«على مقربة من هنا. نصف ميل.» # قالت هيذر سو: «في هذا الحر؟» # قالت يوني: «سآخذك معي على دراجتي.» ثم قالت لماي بمرح وود زائدين: «أنت أيضا أحضري ~~دراجتك، هيا.» # فكرت ماي للحظة ثم قامت ودخلت المتجر، الذي كان معتما في كل أوقات النهار، وحارا ~~أيضا، ويحوي ساعة خشبية كبيرة على الجدار، وسلالا مليئة بفتات بسكويت محلى وبرتقال ~~رخو وبصل. ذهبت نحو الخلفية حيث تجلس جدتها فوق كرسي بلا ظهر إلى جانب مجمد الآيس، أسفل ~~لافتة كبيرة عليها إعلان عن مسحوق خبيز خلفيتها من ورق القصدير الرقراق، كبطاقات عيد ~~الميلاد. # قالت ماي: «هل يمكنني أن أذهب للسباحة مع يوني وهيذر سو؟» # سألت الجدة بنبرة تكاد تكون محايدة: «أين ستذهبن للسباحة؟» كانت تعلم أن لا ms174 مكان يصلح ~~للسباحة إلا مكان واحد. ~~«ثيرد بريدج.» # كانت يوني وهيذر سو قد دخلتا المتجر ووقفتا عند الباب. ابتسمت هيذر سو برقة وأدب إلى ~~المرأة العجوز. ~~«لا، لا يمكنك.» # قالت ماي: «المياه ليست عميقة هناك.» # بدرت عن الجدة غمغمة غير مفهومة، ثم جلست منحنية، مرفقها فوق ركبتها وذقنها مستند على ~~إبهامها. لم تكلف نفسها رفع ناظريها. # قالت ماي بعناد: «لم لا يمكنني الذهاب؟» # لم تجب الجدة. بينما يوني وهيذر سو تراقبان المشهد من عند الباب. # قالت ثانية: «لم لا يمكنني؟ جدتي، لم لا؟» ~~«تعلمين السبب.» ~~«لماذا؟» ~~«لأن هذا هو المكان الذي يرتاده كل الفتيان. أخبرتك هذا من قبل. لقد صرت الآن كبيرة بما ~~يحول دون هذا.» أطبقت فمها بشدة، وارتسمت على وجهها تجعدات تحفظ راض وكريه، ثم سددت نظرة ~~طويلة إلى ماي حتى علا وجهها توهج خزي وغضب، ثم اعترى وجهها هي حيوية ما وأضافت: «دعي ~~الأخريات يلاحقن الفتيان، وانظري ما سيجلبه عليهم ذلك.» لم تكن قد وجهت أية نظرة إلى يوني ~~وهيذر سو لكن حينما قالت ذلك استدارتا وهرعتا إلى خارج المتجر. كان بالإمكان سماعهما تجريان ~~بجانب مضخة البنزين وتنفجران في نوبة مجلجلة، ويائسة نوعا ما، من الضحك. لم يبد على المرأة ~~العجوز أنها سمعت ذلك. # لم تقل ماي أي شيء. كانت تستكشف في العتمة بعدا آخر للشعور بالمرارة. كانت تشعر بأن ~~جدتها لم تعد «مقتنعة» بالأسباب التي تسوقها هي نفسها، وأنها لا تكترث لذلك، لكنها تخرج نفس ~~تلك الأسباب من جعبتها، وتلوح بها بخبث، لا لشيء سوى أن ترى كم الأذى الذي يمكن أن تحدثه. ~~قالت الجدة: «البنت هيذر ... ماذا كان اسمها؟ رأيتها تترجل من الحافلة صباح اليوم.» # سارت ماي خارجة من المتجر إلى الغرفة الخلفية مارة بالمطبخ إلى الفناء الخلفي. ذهبت ~~وجلست إلى جانب المضخة. ثمة قناة خشبية عتيقة، تعلوها خضرة العفن، ممتدة من صنبور المضخة ~~إلى جزيرة من الطين المبتل وسط مجموعات من الأعشاب الجافة. كانت تجلس هناك، وبعد وهلة رأت ~~علجوما ضخما، حسبته هي مسنا ms175 ومنهكا، يتقافز متعثرا وسط العشب، فأوقعت به بين ~~يديها. # سمعت الباب السلكي يغلق، فلم تنظر، ثم ~~رأت حذاء جدتها، وكاحليها النحيلين يتحركان نحوها فوق العشب. أمسكت بالعلجوم بإحدى يديها ~~والتقطت باليد الأخرى عصا صغيرة، وبدأت تنخسه بوتيرة منتظمة في بطنه. # قالت الجدة: «توقفي عن هذا.» فرمت ماي العصا. قالت لها الجدة: «أفلتي هذا المخلوق ~~البائس.» ففتحت ماي أصابعها ببطء شديد. وفي الوقت الذي يعقب الظهيرة مباشرة كانت ماي ~~تستطيع أن تشم الرائحة المميزة المنبعثة من جسم جدتها التي كانت واقفة تراقبها؛ كانت رائحة ~~مائلة إلى الحلاوة والعطب كرائحة قشر التفاح القديم الذي بات رخوا، وكانت تنفذ فتغطي على ~~الروائح المعتادة أكثر للأشياء التي كانت تحملها معها دائما كالصابون الصلب والقماش القطني ~~المكوي والتبغ. ~~«أراهن بأنك لا تعرفين.» قالتها الجدة بصوت مرتفع. «أراهن بأنك لن تتوقعي ما كان يجول ~~بخاطري في المتجر.» لم ترد ماي لكنها انحنت وبدأت تقشر في اهتمام قشرة جرح في ~~ساقها. ~~«كنت أفكر في بيع المتجر.» قالتها جدتها بنفس الصوت المرتفع الرتيب وكأنها تتحدث إلى شخص ~~أصم أو إلى سلطة ما عليا. كانت واقفة تنظر إلى الأفق الأزرق الصنوبري غير المنتظم، تشد ~~ميدعتها إلى الأسفل بيديها المنبسطتين في حركة من حركات النساء العجائز، وقالت: «أنا وأنت ~~يمكننا أن نستقل القطار ونذهب لرؤية لويس.» كان لويس هو ابنها الذي يعيش في كاليفورنيا، ~~والذي لم تره منذ نحو عشرين عاما. # عندئذ كان لا بد أن ترفع ماي عينيها لترى ما إذا كانت جدتها تمارس خدعة ما. فالمرأة ~~العجوز كانت دائما تقول إن السائحين حمقى لاعتقادهم أن أي مكان أفضل من سواه وأنهم كانوا ~~أفضل حالا في موطنهم. # استطردت الجدة: «يمكنا أنا وأنت أن نذهب في رحلة إلى الساحل، لن تكلفنا الكثير جدا، ~~نستطيع أن نسهر ليالي ونصر بعض الطعام لنأخذه معنا. من الأفضل أن تصري طعامك بنفسك، ~~فأنت أدرى بما سيكفيك.» # قالت ماي بفظاظة : «لكنك مسنة للغاية. أنت في الثامنة والسبعين.» ~~«من في سني يسافرون إلى بلداتهم الأصلية في ms176 الأرياف وإلى كل مكان، اقرئي الجريدة ~~لتعلمي.» # قالت ماي: «قد تصابين بأزمة قلبية.» # قالت المرأة العجوز: «حينئذ يمكنهم أن يضعوني في تلك السيارة التي ينقلون فيها الخضار، مع ~~الخس والطماطم، ويشحنوني إلى بلدتي الأم مبردة.» في تلك الأثناء، كانت ماي تتخيل الساحل ~~أمام عينيها؛ فرأت الرمال الممتدة مثل الشاطئ الطويل عند البحيرة ولكنه أكثر اتساعا ~~وإشراقا؛ إن كلمة «الساحل» نفسها خلقت شعورا بالانتعاش والسرور في نفسها، ولكنها لم ~~تصدقه، فلم تفهم ما يجري؛ فمتى حدث أن وعدتها جدتها بشيء جميل من قبل؟ ~~••• # ثمة رجل كان واقفا عند واجهة المتجر يتناول مشروبا غازيا بطعم الليمون. كان رجلا ~~صغير البنية في أواسط العمر ذا وجه ممتلئ تعلوه لمعة الحر؛ كان يرتدي قميصا أبيض، غير ~~نظيف، وربطة عنق حريرية باهتة. وكانت المرأة العجوز قد حركت كرسيها إلى النضد الأمامي ~~وجلست هناك تتحدث إليه. وكانت ماي واقفة وظهرها لكليهما تنظر من الباب الأمامي. كانت الغيوم ~~رمادية، والدنيا يملؤها ضوء كريه مغبر عتيق بدا أنه لا يأتي من السماء فحسب، وإنما يأتي ~~أيضا من جدران الآجر الجامدة، والطرق البيضاء، ومن حفيف أوراق الأجمة الرمادية، ومن صفع ~~رفرفة اللافتات المعدنية في مهب الريح الرتيبة الحارة. كانت ماي قد شعرت، منذ أن تبعتها ~~جدتها إلى الفناء الخلفي، بأن شيئا ما تغير، شيئا ما انبلج؛ نعم، إنه النور الجديد الذي ~~رأته في الدنيا. وشعرت بشيء ما حيال نفسها، كأنه قوة، قوتها العدائية التي لم تتصور أنها ~~تملكها لكنها لم تستكشفها بعد، فأرادت أن تحتفظ بها لفترة لحين استخدامها. # سألت الجدة: «لحساب أي شركة تسافر؟» فأجاب الرجل: «شركة روج.» ~~«ألا يسمحون للمرء أن يعود لأسرته في عطلة نهاية الأسبوع؟» # قال الرجل: «لست مسافرا في مهمة عمل حاليا، على الأقل لست مسافرا في عمل لشركة «روج». ~~يمكنك أن تقولي إنني مسافر في مهمة عمل خاصة.» ~~«أوه، حسنا.» قالتها المرأة العجوز بنبرة من لا يريد أن يحشر أنفه فيما يخص أي شخص آخر ~~من عمل خاص، وأردفت: «هل تعتقد أنها ستمطر؟» ms177 # قال الرجل: «ممكن.» وتناول شربة كبيرة من مشروب الليمون ووضع الزجاجة جانبا ثم مسح فمه ~~بمنديله في أناقة. كان من النوع الذي يمكن أن يتحدث عن عمله الخاص على أية حال، بل إنه لم ~~يكن ليتحدث عن أي شيء سوى هذا. قال: «أنا في طريقي لرؤية شخص من معارفي، يقيم في كوخه ~~الصيفي. إنه يعاني من أرق حاد إلى حد أنه لم ينل نوما هانئا لليلة واحدة منذ سبع سنوات.» ~~قالت المرأة: «أوه، حسنا.» ~~«وأنا ذاهب لأرى إن كان بإمكاني أن أعالجه. سبق أن حققت نجاحا عظيما مع بعض حالات ~~الأرق، ليس بنسبة مائة بالمائة، لكنه نجاح جيد جدا.» ~~«هل تمارس الطب أيضا؟» # قال الرجل القصير: «لا، لا أفعل. أنا منوم مغناطيسي. هاو، ولا أعتبر نفسي إلا ~~هاويا.» # نظرت إليه المرأة العجوز لعدة لحظات دون أن تقول شيئا. لكن هذا لم يثر استياءه، بل ~~تحرك نحو واجهة المتجر وراح يلتقط أشياء وينظر إليها بطريقة مزهوة ومفعمة بالنشاط. «أراهن ~~بأنك لم تري أي شخص في حياتك يقول إنه منوم مغناطيسي.» قالها ممازحا المرأة العجوز. ~~«أنا أبدو كأي شخص آخر، أليس كذلك. أبدو أليفا تماما.» # قالت: «أنا لا أومن بأي من هذه الأمور.» # أجابها بضحكة. ثم سألها: «ماذا تعنين بأنك غير «مؤمنة» به؟» ~~«لا أومن بأي نوع من الأمور الخرافية.» ~~«سيدتي، هذا ليس خرافيا، إنه حقيقة واقعة.» ~~«أدري ما هو في الحقيقة.» # قال: «حسنا الآن ثمة عدد كبير من الأشخاص يوافقونك الرأي، كبير بدرجة مذهلة. لعلك لم ~~تقرئي مقالا نشر منذ نحو سنتين في مجلة «دايجست» بشأن هذا الموضوع؟ كنت أتمنى لو كان معي. ~~كل ما أعرفه هو أنني عالجت رجلا من إدمان الشراب. عالجت أشخاصا من كل أنواع الحكة والطفح ~~الجلدي والعادات السيئة، ومن العصبية. لا أدعي أن في استطاعتي علاج كل الناس من عاداتهم ~~العصبية، لكن أستطيع أن أقول إن عددا من الأشخاص كانوا ممتنين للغاية لي. في غاية ~~الامتنان.» # رفعت المرأة العجوز يديها إلى رأسها ولم تجب. ~~«ما الأمر ms178 سيدتي، هل أنت بخير. هل تعانين الصداع؟» ~~«أنا على ما يرام.» # سألته ماي في جرأة: «كيف عالجت هؤلاء الأشخاص؟» مع أن جدتها طالما حذرتها قائلة: إياك أن ~~أجدك تتحدثين إلى أشخاص غرباء في المتجر. # التفت الرجل القصير في اهتمام، ثم سألها: «لماذا أنومهم مغناطيسيا، آنستي الصغيرة؟ أنا ~~أنومهم مغناطيسيا. هل تطلبين مني أن أشرح لك ما هو التنويم المغناطيسي؟» # احمر وجه ماي التي لم تكن تعلم عم تسأل، ولم تدر ما ينبغي أن تقول. رأت جدتها تنظر ~~إليها مباشرة. كانت المرأة العجوز قد وجهت ناظريها من رأسها إلى ماي بنظرة حادة وكأن ~~نيرانا اشتعلت ولم يكن بوسعها أن تفعل شيئا حيال ذلك، لم تكن تستطع حتى أن تخبرهما ما ~~الأمر. # قالت الجدة: «إنها لا تدري عم تتحدث.» ~~«حسنا، الأمر بسيط.» هكذا قال الرجل لماي مباشرة، بصوت بالغ الحنو، لا بد أنه اعتقد أنه ~~يناسب التحدث إلى الأطفال. «الأمر يشبه أن تنومي شخصا. إلا أنهم لا ينامون نوما حقيقيا، ~~هل أنت منتبهة إلى ما أقول عزيزتي؟ يمكنك أن تتحدثي إليهم. واسمعي، اسمعي هذا، يمكنك أن ~~تتوغلي داخل عقولهم وتكتشفي أشياء ما كانوا ليتذكروها وهم مستيقظون. وتكتشفي ما خفي من ~~مخاوفهم ومصادر قلقهم التي تسبب لهم المتاعب. والآن، أليس هذا شيئا رائعا؟» # قالت المرأة العجوز: «لن تستطيع أن تفعل ذلك معي. سأعلم ما يجرى. لن تستطيع فعل ذلك ~~معي.» # فقالت ماي: «أراهن أنه يستطيع.» قالتها وهي مندهشة من نفسها إلى حد أنها ظلت فاغرة فاها. ~~لم تكن تدري لماذا قالت ذلك. كانت مرارا وتكرارا قد شهدت جدتها تواجه العالم الخارجي، لا ~~تواجهه بكبرياء بقدر ما تواجهه بقناعة أساسية صلبة بأن المرأة العجوز ستنتصر. الآن، ولأول ~~مرة بدا لها ثمة احتمال بأن تنهزم جدتها، رأت ذلك على وجه جدتها لا على وجه الرجل القصير ~~الذي اعتقدت أنه لا بد أن يكون مجنونا، والذي جعلها ترغب في الضحك. ملأتها الفكرة بخوف ~~وبإثارة موجعة لا تقاوم. ~~«حسنا، لا يمكنك الحكم ما لم تجربي.» قالها الرجل ms179 كما لو كانت نكتة، ونظر إلى ماي. اتخذت ~~المرأة العجوز قرارها وقالت في ازدراء: «الأمر ليس مهما بالنسبة لي.» ووضعت كوعيها فوق ~~النضد وأمسكت برأسها بين يديها كما لو كانت تضغط شيئا ما بداخلها. قالت: «أشفق أن ~~أضيع وقتك.» ~~«عليك أن تستلقي كي تسترخي أكثر.» ~~«الجلوس ...» قالتها ثم بدت للحظة أنها تلهث، ثم أردفت: «الجلوس جيد جدا بالنسبة ~~لي.» # عندئذ أخذ الرجل فتاحة قناني من على بطاقة حلي صغيرة رخيصة كانوا يبيعونها في ~~المتجر، ومشى خطوات كي يقف أمام النضد. لم يكن في عجلة من أمره. وعندما بدأ يتكلم، كان ~~بصوت طبيعي لكنه مختلف بعض الشيء، فقد بات صوته أهدأ ولا يحمل أي انفعالات. قال بهدوء: ~~«الآن، أعرف أنك تقاومين هذه الفكرة. أعلم أنك تقاومينها وأعلم السبب. السبب هو أنك ~~خائفة.» ندا عن المرأة العجوز صوت ينم عن احتجاج أو انزعاج، فرفع هو يديه، لكن برفق. ثم ~~واصل: «أنت خائفة. كل ما أرغب أن أريك إياه، كل ما أقصد أن أريك إياه، أن لا شيء ينبغي أن ~~تخشيه. ليس هناك ما ينبغي أن تخشيه. لا شيء. لا شي ينبغي أن تخشيه. أريدك فقط أن تثبتي ~~نظرك على هذا الشيء المعدني اللامع الذي أمسكه بيدي. هذا جيد، فقط أبقي عينيك مثبتتين ~~عليه. لا تفكري. لا تقلقي. فقط قولي لنفسك: ليس هناك ما ينبغي أن أخشاه، ليس هناك ما أخشاه، ~~ليس هناك ما أخشاه ...» ثم أصبح صوته عميقا، ولم يعد باستطاعة ماي أن تتبين ما يقول. مكثت ~~مستندة إلى ثلاجة المشروبات الغازية. أرادت أن تضحك، لم يكن يسعها أن تمنع نفسها من ذلك، ~~وهي ترى مؤخر رأس هذا الرجل المتواضع المظهر بعض الشيء وكتفيه المستديرتين المنتفضتين ~~البيضاوين. لكنها لم تضحك لأنها كانت يجب أن تنتظر رؤية ما ستفعله جدتها. إذا حدث واستسلمت ~~جدتها للأمر فسيكون هذا حدثا مزلزلا شأنه شأن الزلازل أو الفيضانات، سيحدث تصدعا في ~~أساسات حياتها ويمنحها حرية مهولة. حملقت المرأة العجوز في فتاحة القناني في يد الرجل في ~~طاعة ms180 هائلة دون أن يرمش لها جفن. # قال: «الآن أريدك فقط أن تخبريني، إذا كنت ما تزالين تستطيعين رؤية ... إذا كنت تستطيعين ~~رؤية ...» وانحنى للأمام لينظر في وجهها. «أريدك أن تخبريني إذا كنت ما تزالين تستطيعين ~~رؤية ...» كان وجه المرأة العجوز بعينيه الباردتين الكبيرتين وهيئته الضارية المتيبسة في بعد ~~خاص وحده. توقف الرجل وتراجع بظهره. # قال: «مهلا، ما الأمر؟» لم يقلها بصوته المنوم بل بصوته العادي، بل بصوت أكثر حدة من ~~العادي، ما جعل ماي تقفز معتدلة. راح يقول: «ما الخطب سيدتي؟ هيا، استيقظي.» ولمس كتفها ~~ليهزها هزة خفيفة. فسقطت المرأة إلى الأمام، ونظرة ازدراء مفرط ما تزال على وجهها، مرتطمة ~~بالطاولة بصوت عال، ومبعثرة على الأرض عددا من علب المناديل الورقية والعلكة الفقاعية ~~وزينة الكعك. أسقط الرجل فتاحة القناني ونظر إلى ماي مصدوما وهو يصيح: «لست المسئول ... هذا ~~لم يحدث من قبل.» وركض خارجا من المتجر إلى سيارته. حين سمعت ماي صوت تشغيل محرك السيارة ~~هرعت خلفه، كما لو كانت تريد أن تطلب شيئا ما، كما لو كانت تريد أن تقول: «ساعدني» أو «لا ~~تذهب.» لكنها لم تطلب أي شيء، بل وقفت فاغرة فاها وسط سحابة الغبار أمام مضخة البنزين، ولم ~~يكن هو ليسمعها على أية حال؛ فقط انعطف بحركة عنيفة نحو الطريق ملوحا بيده في استنكار من ~~نافذة السيارة، وزمجر محرك السيارة وهو يبتعد نحو الشمال. # وقفت ماي خارج المتجر ولم تمر أية سيارات أخرى على الطريق السريع، ولا واحدة. كانت كل ~~الأفنية خاوية في «بلاك هورس». كانت حبات المطر قد بدأت تتساقط قبل ذلك بوهلة قصيرة، ~~وتتقاطر حولها منفصلة، ومحدثة صوت طقطقة جراء ارتطامها بالتراب. أخيرا، عادت وجلست على ~~عتبة المتجر التي يتساقط المطر عليها أيضا. كان الجو دافئا للغاية ولم تكن تشعر بانزعاج ~~من المطر. جلست وساقاها مطويتان تحتها تتطلع إلى الطريق، إلى حيث يمكنها أن تذهب الآن في أي ~~اتجاه تشاء ، وإلى العالم الذي بدا مبسوطا ومتاحا وغارقا في الصمت أمامها. كانت تجلس في ~~انتظار أن ms181 تأتي تلك اللحظة، اللحظة التي لن يسعها فيها أن تنتظر أكثر، والتي ستضطر فيها ~~للنهوض والدخول إلى المتجر حيث المكان أكثر عتمة من أي وقت مضى، بسبب المطر، وحيث ترقد ~~جدتها ملقاة فوق الطاولة ليست ميتة فحسب، بل ومنتصرة أيضا. # | سلام أوترخت # 1 # لي ثلاثة أسابيع حتى الآن في منزل العائلة ولم يكن الأمر موفقا. فأنا ومادي، مع أننا ~~نتحدث بمرح عن بهجتنا بزيارة طويلة وحميمة كهذه، سنرتاح من حمل يثقلنا حين تنتهي هذه ~~الزيارة. الصمت يربكنا؛ لذا نضحك على نحو مبالغ فيه. أخشى - وأغلب الظن أن كلتينا تخشى ~~- حين تأتي لحظة قول إلى اللقاء، إذا لم تسارع إحدانا بتقبيل الأخرى وتعصر إحدانا كتف ~~الأخرى بحرارة زائفة، أن نضطر لأن نواجه المسافة الشاسعة بيننا ونعترف بأن كلا منا ~~ليست فقط غير مكترثة للأخرى، بل يضاف إلى ذلك أننا في صميم قلبينا ترفض إحدانا الأخرى؛ ~~وبالنسبة لذلك الماضي الذي نبالغ في الحديث عن تشاركنا إياه، فنحن لم نتشاركه على ~~الإطلاق، بل تحتفظ به كل منا لنفسها في غيرة وحرص، تفكر في نفسها بأن الأخرى صارت ~~غريبة عنها، وخسرت ما لها من حقوق عليها. # وعندما يهبط الليل، كثيرا ما نجلس في الخارج على سلالم الشرفة، نشرب الجين وندخن ~~بشراهة كي نهزم الناموس ونرجئ وقت الذهاب إلى النوم إلى ساعة متأخرة. الجو حار، والمساء ~~يستغرق طويلا حتى ينبلج الصبح، والمنزل القرميدي المرتفع، الذي يظل باردا إلى حد ما ~~حتى منتصف ما بعد الظهيرة، يبقي حرارة النهار حبيسة فترة طويلة بعد حلول الظلام. كانت ~~هذه هي الحال دائما؛ وأتذكر أنا ومادي كيف كنا نجر مرتبتنا إلى الشرفة في الدور ~~السفلي، حيث نستلقي ونعد النجوم التي تتهاوى ونحاول أن نظل مستيقظتين حتى طلوع الفجر. ~~لكننا لم نفعل قط؛ لأن النعاس كان يغلبنا كل ليلة في الوقت الذي ينسم فيه تيار هواء ~~بارد قادم من ناحية النهر، حاملا رائحة البوص ورائحة الطين الأسود في قاع النهر. في ~~العاشرة والنصف تمر حافلة عبر المدينة، لا تبطئ كثيرا، ms182 نراها مارة عند طرف شارعنا. ~~إنها الحافلة نفسها التي كنت أستقلها عند عودتي من الكلية إلى المنزل. وأتذكر وأنا أدخل ~~جوبيلي في إحدى الليالي الحارة، رؤية الأرض عارية حول الجذور الضخمة للأشجار، ونافورة ~~الشرب محاطة ببريكات ماء صغيرة في الشارع الرئيسي، ولافتات صعبة القراءة مكتوب عليها ~~بالأضواء الزرقاء والحمراء والبرتقالية «بلياردو ومقهى»، شاعرة وأنا أتبين هذه ~~اللافتات بإحساس غريب من القمع والتحرر، وأنا أستبدل بعالم المدرسة الترويحي كله - عالم ~~الأصدقاء، وفيما بعد، عالم الحب - العالم المظلم لمحنة لا تنتهي، عالم المنزل. لا بد أن ~~مادي التي كانت تقطع نفس الرحلة منذ أربع سنوات راودها هذا الشعور أيضا؛ أود أن ~~أسألها: هل يمكن لأطفال في مرحلة نشأتهم، مثلما كنا، أن يفقدوا القدرة على أن يصدقوا ~~وجود - أن يألفوا - أي واقع مستقر وعادي؟ لكنني لا أسألها، فنحن لا نتحدث عن أي شيء من ~~هذا. لا سلوى هنا! هكذا قالت مادي بصوتها المبتهج الرفيع بطابع اللهجة العامية التي كنت ~~نسيتها، لن تكئب إحدانا الأخرى. وهذا ما فعلناه. # ذات ليلة أخذتني مادي إلى حفلة عند البحيرة، التي تبعد نحو ثلاثين ميلا إلى الغرب من ~~هنا. كانت الحفلة مقامة في كوخ استأجرته امرأتان من جوبيلي لهذا الأسبوع. معظم النساء ~~هناك بدا أنهن أرامل أو عزبات أو منفصلات أو مطلقات؛ أما الرجال فكان أغلبهم ~~شبانا غير متزوجين، من كانوا من جوبيلي من بينهم كانوا صغار السن إلى درجة أنهم ~~ذكروني بفتيان الصفوف الأولى. كان هناك رجلان أو ثلاثة أكبر سنا، من دون زوجاتهم. ~~أما النساء فمن المستغرب أنهن كن يذكرنني بنساء كنت أعرفهن في طفولتي، مع أنني بطبيعة ~~الحال لم أكن أرى قط شخصيات هؤلاء النساء في الحفلات، لم أكن أرى إلا عملهن في المتاجر ~~والمكاتب، وفي كثير من الأحيان، في مدارس الأحد في جوبيلي. كن يختلفن عن النساء ~~المتزوجات في كونهن أكثر دراية بوضعهن في الدنيا، وأنشط وأذكى وأغلظ قليلا (مع أنني ~~أكن لهن جميعا الاحترام عدا واحدة أو اثنتين). كن يرتدين ملابس لا شك ms183 في أناقتها ~~وإن كانت وقورة، وكثيرا ما كانت تهف وترف فوق كورسيهاتهن المطاطية المشدودة بإحكام، ~~ويضعن العطور، قدرا كبيرا منها، على أزهارهن الصناعية. وكانت صديقات مادي متمدينات ~~إلى حد كبير، فقد كن يستخدمن على شعورهن غسول اللون النحاسي، ويصبغن جفونهن باللون ~~السماوي، ويتمتعن بقدرة عاتية على ألا يسكرن من احتساء الشراب. # كنت أرى أن مادي لا تبدو واحدة منهن، بجسدها الضئيل وشعرها الداكن الذي ما زالت تصففه ~~دون عناية، ووجهها الذي صار نحيلا ومشدودا من دون أن يفقد تماما نظرة الفتاة التي ~~تعلوه والتي تشي بالصفاقة والزهو. لكنها ما زالت تتكلم بالخنة الفجة للهجة المحلية، ~~التي كنا في الماضي نسخر منها. وكانت رابطة الجأش وهي تعربد وتشرب. فقد بدا لي أنها لا ~~تدخر جهدا كي تبدو واحدة من هؤلاء الأشخاص وأنها قد تنجح في ذلك سريعا. بدا لي أيضا ~~أنها كانت تود أن أراها تنجح، أراها تتنكر لتلك الخيلاء السرية المبهجة الرهيبة بحق، ~~التي كانت فينا حينما كنا طفلتين معا، وكنا نمني نفسينا، بطبيعة الحال، بأمور أكبر ~~بكثير من جوبيلي. # أثناء اللعبة التي تضع فيها كل واحدة من النساء قطعة من الملابس - يبدأ الأمر بفردة ~~حذاء من باب الاحتشام والتأدب - في سلة، ثم يأتي كل الرجال ويتنافسون في محاولة ملاءمة ~~كل قطعة على صاحبتها الأصلية، خرجت للخارج ومكثت في السيارة، حيث شعرت بوحشة لزوجي ~~وأصدقائي، واستمعت إلى أصوات الجذل الصادرة من الحفل وإلى الأمواج وهي تتهاوى على ~~الشاطئ، ثم غلبني النعاس. جاءت مادي بعد ذلك بفترة طويلة جدا وقالت: «بحق السماء!» ثم ~~ضحكت وقالت بعبث سيدة في فيلم سينمائي إنجليزي: «ألا تروق لك هذه الفعاليات؟» ضحكنا ~~نحن الاثنتان، وشعرت برغبة في الاعتذار، وبشيء من الاعتلال لأنني شربت ولم أثمل. «قد ~~لا تكون لهم قدرة تذكر على خوض حوار فكري لكن قلوبهم بيضاء، كما يقول المثل.» لم أجادل ~~في هذا، وقطعنا رحلة العودة من إنفرهورون إلى جوبيلي بسرعة ثمانين ميلا في الساعة. ~~ومنذ ذلك الحين لم نذهب إلى أي حفل آخر. ms184 # لكننا لا نكون وحدنا دائما حين نجلس على السلم؛ ففي كثير من الأحيان ينضم إلينا رجل ~~يدعى فريد باول. كان موجودا في الحفل، جالسا في الخلفية في استرخاء يحاول أن يتذكر ~~صاحب كل كأس من كئوس الشراب، بينما يقف بالقرب من سور الشرفة المتهالك. كان قد نشأ في ~~جوبيلي مثلنا لكنني لا أتذكره، ربما لأنه ارتاد المدرسة قبلنا ببضع سنوات ثم ذهب بعد ~~ذلك إلى الحرب. فاجأتني مادي بدعوته إلى العشاء في أول ليلة وصلت فيها هنا، وبقضائه ~~الأمسية معنا، وأمسيات عديدة بعد ذلك، جاعلة هذا الغريب شاهدا على طفولتنا، أو على ~~نسخة طفولتنا المحفوظة في أمان في حكي النوادر، في شيء يشبه السيلوفان الفكري. كم كانت ~~الخيالات التي نسجناها حول صورتينا الواهيتين ونحن طفلتين رائعة، إلى حد أنهما ظهرتا ~~مرحتين وتغيرتا تغيرا جعلهما صورتين أخريين لا نعرفهما. إننا ماهرتان في سرد القصص ~~معا. فريد باول يقول: «لديكما ذكريات رائعة أيتها الفتاتان» ويجلس يراقبنا بإعجاب ~~وبشيء آخر - تحفظ واضطراب واستهجان - كالذي يبدو على وجوه الأشخاص المتروين الهادئين ~~وهم يشاهدون المهازل المثيرة للممثلين الكوميديين. # الآن وأنا أفكر في فريد باول، أعترف بأن ردة فعلي إزاء هذا - هذا «الوضع»، كما أسميه ~~- كانت أكثر تقليدية بكثير مما توقعت، بل كانت حمقاء. أنا لا أدري حتى ما هو الوضع في ~~الواقع. أعلم أنه متزوج؛ فمادي أخبرتني بذلك في الأمسية الأولى، بطريقة من تريد إخباري ~~بالأمر وحسب. لكن زوجته عليلة، ومادي تقول إنه يأخذها إلى البحيرة في الصيف، وإنه بار ~~بها للغاية. أنا لا أدري إن كان عشيقا لمادي، وهي لن تخبرني أبدا. لكن لماذا ينبغي أن ~~يعنيني هذا الأمر؟ إن مادي تعدت سن الثلاثين منذ زمن. لكنني لا أكف عن التفكير في ~~الطريقة التي يجلس بها على سلالمنا ويداه منبسطتان فوق ركبتيه الممدودتين، ووجهه الهادئ ~~الممتلئ متجه باستغراق شبه تام ناحية مادي وهي تتحدث. إن له نظرة رجولية محببة توحي ~~بأنه مستمتع لكنه غير مهتم. تغيظه مادي مازحة، فتخبره بأنه بدين جدا، أو أنه ms185 لن يدخن ~~سيجارته، أو تقحمه في جدالات لطيفة ذات طبيعة خاصة تحتدم بينهما، ولا معنى لها ولا ~~نهاية. وهو لا يمانع في ذلك. (وهذا ما يخيفني، أعلم الأمر الآن: هو لا يمانع، «وهي ~~محتاجة لذلك».) حين تكون مادي ثملة قليلا تقول بنبرات تهكمية تحمل ما يشبه التبرير إنه ~~صديقها الحقيقي الوحيد. وتقول عنه إنه يفهمها ولا أحد غيره قادر على ذلك. ليس لدي رد ~~على هذا. # ثم أبدأ أتساءل ثانية: هل هو «وحده» صديقها؟ لقد نسيت قيودا معينة مفروضة على ~~الحياة في جوبيلي - وهذا واقع حقيقي بصرف النظر عما تقوله روايات الجيب عن الحياة في ~~المدن الصغيرة - ونسيت أيضا كيف يمكن أن تزدهر في ظل هذه القيود صداقات محترمة قوية، ~~لا يقال صراحة أبدا إنها جنسية، بل وتتغذى على هذه القيود أيضا، إلى حد أن العلاقات ~~من هذا النوع تستحوذ في نهاية المطاف على نصف حياة المرء. أكأبتني هذه الفكرة كثيرا ~~(العلاقات التي لا تكلل بالزواج قد تخيب أمل من ليسوا طرفا فيها أكثر من أي شخص آخر) ~~لدرجة أنني وجدت نفسي أتمنى أن يكونا في حالة حب حقيقي. ~~••• # إيقاع الحياة في جوبيلي موسمي بإيقاع ثابت؛ فالوفيات تحدث في الشتاء، والزيجات تعقد ~~في الصيف. لكن ثمة سبب وجيه لهذا، هو أن الأشتية طويلة وحافلة بالعناء، ومن ثم، قد لا ~~يقوى الضعفاء والمسنون دائما على اجتيازها. فالشتاء الماضي كان كارثيا، على نحو يمكن ~~توقع حدوثه كل عشر سنوات أو اثنتي عشرة سنة؛ كان من الممكن أن ترى كيف كانت أرصفة ~~الشوارع مكسرة، كما لو كانت المدينة قد خرجت لتوها من قصف مدفعي على هامش حرب. في هذه ~~الأوقات، يتعامل الناس مع الموت في خضم صعوبات بالغة؛ ثم يأتي في الصيف وقت للتفكير في ~~الأمر، والحديث عنه. فأنا أرى الناس يستوقفونني في الشارع للحديث عن أمي. سمعت منهم عن ~~جنازتها؛ نوع الزهور التي حظيت بها وحالة الطقس في ذلك اليوم. والآن وقد ماتت، لم أعد ~~أشعر حين يقولون كلمة «أمك» أنهم يتعمدون ms186 توجيه ضربة ماكرة لكبريائي. كنت من قبل ~~أشعر بهذا، حين أسمع هذه الكلمة كنت أشعر أن كياني كله، ذلك الصرح الفتي الزائف، يتداعى ~~وينهار. # الآن أسمعهم يتحدثون عنها، بلطف ولياقة، فأدرك أنها صارت من ممتلكات المدينة ~~وعجائبها، من أساطيرها الموجزة. وقد حققت هذا رغما عنا، لأننا كنا نحاول، بفجاجة ~~وبدهاء، أن نبقيها في المنزل، بعيدا عن تلك السمعة المحزنة؛ لا لصالحها، بل لصالحنا، ~~فنحن اللتان كانتا تعانيان من مثل هذا الخزي العظيم من منظر مقلتيها اللتين كانتا ~~تنقلبان لأعلى في محجريهما نتيجة شلل مؤقت في عضلات العين، ومن وقع صوتها المتثاقل، ~~الذي كانت وظيفتنا أن نترجم للغرباء منطوقاته المحرجة. كانت التأثيرات التي يحدثها ~~مرضها غريبة بدرجة جعلتنا نشعر أننا نضج ~~بالاعتذار (مع أننا كنا نحتفظ بصلابتنا ~~وتحفظنا) كأننا ضمن أحد العروض البالغة الرداءة التي تقام في الشوارع أثناء الكرنفالات. ~~كل هذا قضى على كبريائنا؛ تخلصنا من حدة حنقنا من خلال رسم صور كاريكاتورية جامحة كانت ~~إحدانا تعدها للأخرى (لا، ليست صورا كاريكاتورية، إنما محاكاة، لأنها كانت نفسها ~~صورة كاريكاتورية). كان ينبغي لنا أن نتركها لرعاية أهل المدينة، كانت ستلقى معاملة ~~أفضل. # إنهم لا يتحدثون عن مادي وسهرها على رعاية أمي طوال عشر سنوات إلا بأقل القليل، ربما ~~رغبة منهم في الحفاظ على مشاعري، غير ناسين أنني أنا التي رحلت، وها هما طفلاي أمارة ~~على ذلك، بينما مادي وحيدة ولا شيء لديها الآن سوى ذلك المنزل الكئيب. لكنني لا أعتقد ~~ذلك، ففي جوبيلي لا تراعى المشاعر بهذه الطريقة. فهم يسألونني مباشرة عن السبب وراء ~~عدم مجيئي المدينة لحضور الجنازة. أنا مسرورة أن العاصفة الثلجية العنيفة التي تسببت في ~~وقف حركة الطيران في ذلك الأسبوع وفرت لي عذرا لعدم الحضور، لأنني لا أدري ما إذا كنت ~~سأحضر هذه الجنازة على أية حال، بعد أن كتبت إلي مادي رسالة ملتهبة المشاعر تحثني ~~فيها على أن أظل بعيدة. راودني شعور قوي بأن من حقها أن تنفرد بهذه المناسبة، إذا شاءت ~~ذلك، بعد مرور كل ms187 هذه الفترة. # بعد مرور كل هذه الفترة، مادي هي التي بقيت. كانت هي من رحل أولا للالتحاق بالكلية، ~~ثم رحلت أنا. قالت لي: امنحيني أربع سنوات، ثم أمنحك أنا بعد ذلك أربعا مثلها. لكنني ~~تزوجت. لم تتفاجأ؛ كانت حانقة علي بسبب ما أشعر به من شعور بائس وغير مجد بالذنب. ~~قالت إنها دائما كانت عازمة على البقاء. وإن أمي لم تعد تشكل مصدر «ضيق» لها. قالت: ~~«لقد فاض الكيل بي من أمنا غريبة الأطوار الآن، ولم أعد أفعل شيئا حيالها. كففت عن ~~محاولاتي المستمرة أن أجعل منها «إنسانة»، كما تعلمين.» لكن من قبيل التبسيط المفرط أن ~~أفترض بأن مادي متدينة، وأنها كانت تشعر بمباهج التضحية بالذات، بالجاذبية الروحانية ~~القوية لنكران الذات التام. لكن من ذا الذي يمكن أن يقول ذلك عن مادي؟ في مراهقتنا، ~~عندما كانت خالتانا، الخالة آني والخالة لو، تتحدثان إلينا عن أحد الأبناء أو البنات ~~البررة الذين ضحوا بكل شيء في سبيل رعاية أحد الأبوين في مرضه، كانت مادي تستشهد بآراء ~~الطب النفسي الحديث على نحو لا يدل على تدين. لكنها بقيت. كل ما يمكنني قوله عن هذا - ~~كل ما أمكنني أن أفكر فيه على الإطلاق - لتعزية نفسي إنها ربما كانت قادرة على ذلك، بل ~~وربما اختارت أن تعيش بمعزل عن الزمن في حرية تامة متخيلة، كما يفعل الأطفال، مستقبل لا ~~يعبث به أحدهم، حيث كل الخيارات متاحة دائما. ~~••• # يسألني الناس - كي يغيروا الموضوع - عن شعوري حيال العودة إلى جوبيلي، لكنني لا ~~أدري، ما زلت أنتظر شيئا يخبرني بذلك، يجعلني أدرك أنني عدت. ففي اليوم الذي وصلت فيه ~~من تورونتو بصحبة طفلي في المقعد الخلفي للسيارة كنت في غاية التعب في آخر مراحل رحلة ~~طولها ألفان وخمسمائة ميل. كنت مضطرة للسير خلال منظومة معقدة من الطرق السريعة ~~والفرعية، لأن ما من طريق سهل للوصول إلى «جوبيلي» من أي مكان على الأرض. ثم في حوالي ~~الساعة الثانية بعد الظهر رأيت أمامي القبة المبهرجة المقشرة، المألوفة والمفاجأة، ~~لمجلس المدينة، ms188 التي لا تمت بأي صلة على الإطلاق إلى معمار أبنية المدينة المبنية على ~~نحو بسيط، بالقرميد الأحمر والرمادي المتسخ. (معلق أسفل هذه القبة جرس هائل الحجم، ~~يقرع في حال حدوث كارثة لن تحدث.) قدت سيارتي نحو الشارع الرئيسي - مركز خدمة جديد، ~~وواجهة زخرفية جديدة لفندق كوينز - وانعطفت نحو الشوارع الجانبية المتهالكة تماما التي ~~تعيش فيها العزبات المسنات، اللائي لديهن في حدائقهن فسقيات الطيور وزهور نباتات ~~العائق الزرقاء. كانت البيوت الكبيرة المبنية بالقرميد التي عرفتها، بشرفاتها الخشبية ~~ونوافذها ذات الأسلاك الداكنة، تبدو لي حقيقية لكن غير واقعية. (كان كل من أتحدث إليه ~~عن الجو العام المقبض الشبيه بجو الأحلام لهذه الشوارع يرغب في أخذي إلى الجانب الشمالي ~~من المدينة حيث يوجد مصنع جديد لتعبئة زجاجات المياه الغازية، وعدد من البيوت على طراز ~~بيوت المزارع وفرع من فروع تيستي فريز.) أوقفت سيارتي في بقعة ظليلة صغيرة أمام المنزل ~~الذي كنت أسكن فيه. تساءلت ابنتي الصغيرة مارجريت بصوت هادئ حمل قدرا من عدم التصديق: ~~«أمي! هل هذا منزلك؟» # شعرت في صوت ابنتي بخيبة أمل مضاعفة - بدت أنها، كعادتها، تصالحت معها، أو فعلت ذلك ~~«سلفا» قبل أن ترى المنزل - احتوت كل فتور وغرابة اللحظة التي انكشفت فيها الحقيقة، ~~المحبطة، المؤسفة، المستعصية لمنبع الأساطير. بدا القرميد الأحمر للبيت قاسيا وحارا ~~تحت الشمس، يعلوه في موضعين أو ثلاثة شقوق طويلة تشوه منظره؛ أما الشرفة، التي كانت ~~دائما فقيرة الزينة، فكانت مائلة متداعية على نحو جلي. كانت هناك - ولا تزال - ~~نافذة وهمية ذات زجاج ملون إلى جانب الباب الأمامي. ظللت أحدق فيها، متحيرة لا أدرك ما ~~أحس به. ظللت أنظر إلى البيت ولم تتحرك مصاريع النوافذ، ولم ينفتح الباب بغتة، ولم يخرج ~~أحد إلى الشرفة؛ لم يكن ثمة أحد بالمنزل. كان هذا ما توقعته، لأن مادي تعمل الآن في ~~مكتب مجلس المدينة، لكنني فوجئت من استحالة البيت إلى هذا المنظر الفقير الأجرد الموصد ، ~~لمجرد عدم وجود أحد به. وأدركت، وأنا أمشي عبر الباحة الأمامية إلى السلالم، أنني ms189 قد ~~نسيت، بعد قضائي كل هذه الأصياف على الساحل، ما تتسم به المدن الداخلية من حر قائظ، ~~يجعلك تشعر وكأنك تحمل فوق رأسك السماء المحرقة برمتها. # ثمة لافتة، مكتوبة بخط مادي المنمق والطفولي بعض الشيء، معلقة على الباب الأمامي ~~تقول: «مرحبا بالزوار، الأطفال مجانا، والأسعار سنتفق عليها لاحقا (ستندمون) تفضلوا ~~بالدخول.» فوق طاولة الردهة توجد باقة من زهور الفلوكس الوردية، عبقت بعبيرها الناعم ~~الهواء الحار لمنزل مغلق بعد ظهيرة يوم صيفي. قلت للطفلين: «إلى الدور العلوي!» آخذة ~~بيد طفلتي وأخيها الأصغر، الذي كان قد نام في السيارة، وأخذ يتمسح في، ناشجا، وهو ~~يسير. ثم توقفت، وإحدى قدمي على أولى درجات السلم، واستدرت لأستقبل، دونما قصد مني، ~~صورة امرأة على وجهها علامات طول السهر، مسمرة، نحيلة، لها ملامح أم شابة، شعرها ~~معقود فوق قمة رأسها، لها صدغان لم يعودا لحيمين انسيابيين، ورقبة سمراء تطل بمنظر ~~مشدود من العقد العظمية الحادة للترقوة؛ كان هذا في مرآة الردهة التي كنت قد طالعت ~~فيها، آخر مرة نظرت إليها، صورة فتاة عادية الجمال، وجهها غير متأثر بما يجيش داخلها، ~~وناعم كثمرة التفاح، مهما كان ما يخبئ وراءه من ذعر أو اضطراب. # لكنني لم أكن قد استدرت لهذا الغرض؛ أدركت أنني ربما كنت أنتظر أن تنادي أمي، من فوق ~~أريكتها في غرفة الطعام، حيث ترقد والستائر مسدلة لحجب حر الصيف، تحتسي فناجين الشاي ~~التي لم تنه أيا منها قط، وتأكل - كانت، كطفل سقيم، ليس لها مواعيد للوجبات على ~~الإطلاق - سلطانيات صغيرة فيها فاكهة محفوظة وفتات الكعك. تراءى لي أنني لا يمكن أن ~~أغلق الباب ورائي دون أن أسمع صوت أمي الضعيف ينادي، فأشعر بنفسي متثاقلة تماما وأنا ~~أهم بإجابتها. كانت تصيح: «من هناك؟» # أخذت طفلي إلى غرفة النوم الكبيرة في خلفية المنزل، حيث كنت أنام أنا ومادي. كانت ~~تحوي فوق نوافذها ستائر بيضاء رقيقة، تكاد تكون ناحلة بالية، ومشمعا مربعا فوق ~~الأرضية ؛ كان بالحجرة سرير يتسع لشخصين، وطاولة عليها حوض وإبريق للاغتسال كنت أنا ~~ومادي نستخدمها ms190 كطاولة حينما كنا في المدرسة الثانوية، ودولاب للملابس ذو مرايات صغيرة ~~في الجوانب الداخلية لأبوابه. وأنا أتحدث إلى طفلي كنت أفكر - لكن بإمعان، ودون ~~استعجال - فيما كانت تفكر فيه أمي وهي تصيح «من هناك؟» كنت أسمح لنفسي - وكأنني لم أجرؤ ~~على فعل ذلك من قبل - بأن أسمع التماس المساعدة - السافر، آه، السافر والفج والمتضرع ~~على نحو مهين - في نبرة صوتها. كانت الصيحة تتردد كثيرا، ولا يتغير شيء، دون أي جدوى، ~~حتى صرت أنا ومادي نعتبرها مجرد صوت من الأصوات التي يصدرها المنزل ويتعين معالجة ~~سببها، كي لا تنتهي إلى ما هو أسوأ. كانت إحدانا تقول للأخرى: «اذهبي لتتعاملي مع أمي» ~~أو «علي أن أتعامل مع أمي، لن أستغرق أكثر من دقيقة.» # قد يتضمن الأمر أن نقوم ببعض الخدمات البسيطة والكريهة التي لا تكف عن احتياجها، أو ~~أن نضطر لمنحها خمس دقائق من حديث مبهج على نحو مقتضب، وكنا نفعل ذلك بعدم اكتراث لا ~~يعرف الرحمة لدرجة أننا لم نكن ندرك للحظة حقيقة الأوضاع، من دون أية بارقة شفقة تفك ~~ولو لمرة حصار دموعها المضني الطويل. لكن الشفقة لم تعرف طريقها إلى قلبينا، والدموع ~~كانت لتسيل على أية حال، بحيث كنا ننهزم، فنضطر - رغبة في إيقاف هذه الضوضاء - للتظاهر ~~بإبداء الحب. لكننا صرنا أكثر دهاء، وصرنا نقدم العناية الفاترة؛ فنزعنا غضبنا وفراغ ~~صبرنا واشمئزازنا، نزعنا كل المشاعر من تعاملنا معها، كما يحدث عندما يمنع اللحم عن ~~سجين رغبة في إسقامه، حتى الموت. # كنا نأمرها أن تقرأ، أن تستمع إلى الموسيقى وتستمتع بتعاقب الفصول وتشعر بالامتنان ~~لأنها لم تصب بالسرطان، وأنها أيضا لا تعاني من أية آلام، وهذا صحيح؛ إن لم يكن ~~الحبس في حد ذاته ألما من الآلام. في الوقت نفسه كانت هي تطلب حبنا بكل طريقة تخطر على ~~بالها، دون خجل أو حساسية، بتشبث كتشبث الأطفال. قلت في نفسي: كيف لنا أن نحبها، كانت ~~منابع الحب داخلنا شحيحة، وكان قدر الحب المطلوب منا هائلا أكثر مما يمكن. ثم إن هذا ms191 ~~لم يكن ليغير أي شيء. # كانت تقول: «لقد سلب مني كل شيء.» كانت تقولها للغرباء، ولأصدقائنا الذين كنا نفشل ~~دائما في محاولاتنا أن نعزلهم عنها، ولصديقاتها القديمات اللائي كن يأتين، مدفوعات ~~بالشعور بالذنب، لرؤيتها على فترات متباعدة، كانت تتكلم بنفس الطريقة، بنفس الصوت ~~الثقيل الحزين الذي لم يكن مفهوما أو لم يكن بشريا تماما؛ وكنا نضطر لترجمة ما ~~تقول. كانت هذه السلوكيات المسرحية تشعرنا بإذلال يكاد يقتلنا، لكني الآن أرى أنها لولا ~~إصرارها على تغذية تلك الأنانية حتى وهي على شفا كارثة، كانت ستغرق سريعا في حياة ~~مضجرة كئيبة. ظلت تجعل نفسها على صلة بالعالم قدر ما استطاعت، دون أن تعبأ بمدى تقبل ~~الناس لها؛ كانت لا تكف عن الطواف في المنزل وفي شوارع جوبيلي. أوه، لم تكن تستسلم؛ لا ~~بد أنها ذرفت الدمع وكافحت حتى النهاية في ذلك المنزل الحجري (كما أستطيع أن أتخيل، ~~لكني لن أفعل). # لكني لا أزال أرى الصورة ناقصة؛ صورة أمنا الغريبة الأطوار، وراء ما يمثله الشلل ~~الرعاش من قناع مريع بارد جاثم فوق ملامحها، بتثاقلها وبكائها وشرهها لأن تحظى ~~بالاهتمام متى تسنى لها أن تناله، بعينيها الميتتين الحمراوين، المطلتين بثبات على داخل ~~نفسها؛ وليس هذا كل شيء. فهذا المرض عشوائي وبطيء في تدهوره، فقد كانت في بعض الأصباح ~~(التي أخذت تقل شيئا فشيئا وتتباعد فيما بينها) تصحو في حال أفضل، وتخرج للفناء وتسوي ~~نبتة من النباتات بالطريقة البسيطة لربة المنزل، وتقول لنا كلاما رصينا وواضحا ~~ومفهوما، وتنصت في اهتمام إلى الأخبار. وتحاول، كمن استيقظ من حلم مزعج، أن تعوض ما ~~ضاع من الوقت، فترتب المنزل، وتجبر يديها المتيبستين المرتجفتين على العمل قليلا على ~~ماكينة الخياطة، وتصنع لنا أحد أطباقها المميزة؛ كعك الموز أو فطيرة كريمة الليمون. ~~منذ أن ماتت، أحلم بها من آن لآخر (لم أكن أحلم بها قط حينما كانت على قيد الحياة) ~~وأراها تفعل شيئا من هذا القبيل ، وأفكر: لماذا أضخم لنفسي الأمر؟ انظري، إنها على ما ~~يرام، جل ما هنالك أن ms192 يديها ترتجفان ... # في نهاية فترات الهدوء هذه كان يعتريها نوع من الطاقة الهدامة، فتتحدث على نحو ملح ~~بترابط منطقي يقل شيئا فشيئا، وتطلب منا أن نضع لها أحمر الخدود ونصفف شعرها؛ وقد ~~تستأجر في بعض الأحيان خياطة لتأتي وتحيك لها بعض الملابس في غرفة الطعام حيث يمكنها ~~أن تراقبها وهي تعمل، وتعود لتمضي وقتها أكثر فأكثر فوق الأريكة. كان هذا زائدا عن ~~الحد، ومبالغا فيه من أي وجهة نظر عملية (إذ ماذا كانت حاجتها إلى هذه الملابس، أين ~~كانت سترتديها؟) ومرهقا للأعصاب لأن الخياطة لم تكن تفهم ما تريده أمي، ولا كنا نحن ~~أيضا نفهم في بعض الأحيان. أتذكر بعد أن رحلت أنا أنني تلقيت من مادي عدة رسائل حائرة، ~~ومسلية، وعصبية تماما، تصف فيها هذه الجلسات مع الخياطة. قرأتها متعاطفة لكن دون أن ~~أقدر على دخول مناخ الإحباط والخبل الذي ألفته يوما ما والذي كانت طلبات أمي كفيلة ~~بصنعه. على أرض الواقع، لم يكن من الممكن بعثها من جديد، وبدت لي صورة وجهها التي ~~يحملها عقلي مروعة للغاية، وغير حقيقية. بالمثل، كان التوتر المضاعف الناجم عن العيش ~~معها، ومشاعر الهستيريا التي كنت أنا ومادي نبددها في الماضي من خلال قدر هائل من الضحك ~~المر، كل هذا قد بدأ الآن يبدو لي خياليا إلى حد ما؛ وشعرت ببوادر إحساس مذنب وسري ~~بالوحشة. ~~••• # جلست في الغرفة مع طفلي فترة قصيرة لأنها كانت مكانا غريبا، فبالنسبة لهما لم تكن ~~سوى مكان غريب آخر ليناما فيه. حينما نظرت إليهما في هذه الغرفة شعرت أنهما محظوظان ~~للغاية وأن حياتهما آمنة وسهلة. أظن أن معظم الآباء يفكرون على هذا النحو في وقت من ~~الأوقات. نظرت في دولاب الملابس لكنه كان خاويا، إلا من قبعة مزينة بزهور من متجر ~~السلع الرخيصة، لا بد أن إحدانا صنعتها لأحد أعياد الفصح المبهجة. حينما فتحت درج طاولة ~~الاغتسال رأيت أنه مكتظ بصفحات من مفكرة مفكوكة الأوراق. قرأت: «سلام أوترخت، عام 1713، ~~وضع حدا لحرب الخلافة الإسبانية.» وتبين لي أن الخط ms193 المكتوب كان خطي. من الغريب أنه ~~لا يزال هنا منذ عشر سنوات، والأكثر غرابة، أنه بدا وكأنني كتبته اليوم. # لسبب ما، كان لقراءة هذه الكلمات تأثير غريب علي؛ فقد شعرت كأن حياتي القديمة ~~مبعثرة حولي، في انتظار أن ألتقط شتاتها ثانية. لم يراودني هذا الشعور إلا حينها ~~وللحظات قليلة في غرفتنا القديمة. تكشفت أمامي صورة القاعات البنية للمدرسة الثانوية ~~القديمة (مبنى متهالك منذ ذلك الحين)، وتذكرت ليالي السبت في فصل الربيع، بعد أن يذوب ~~الجليد وتعج المدينة بكل أهل الريف. تذكرتنا ونحن نمشي جيئة وذهابا في الشارع ~~الرئيسي، متشابكي الأذرع بصحبة فتاتين أو ثلاث أخريات، إلى أن يخيم الظلام، ثم نذهب ~~إلى مرقص آل كي نرقص، تحت مجموعة من الأضواء الملونة الخافتة. كانت نوافذ قاعة الرقص ~~مفتوحة، تسمح بدخول هواء الربيع المنعش وما يحمله من رائحة الأرض والنهر. كانت أيدي ~~الفتيان الذين يعملون في المزارع تجعد بلوزاتنا البيضاء وتوسخها عندما نراقصهم. من ~~الغريب أن تجربة لم تكن جديرة بالتذكر على الإطلاق ~~حينها (في الواقع، كان مرقص آل مكانا ~~كئيبا، وكنا نعتبر طقس المشي جيئة وذهابا في الشارع لاستعراض أنفسنا حماقة وسخفا، ~~مع أننا لم نكن نستطيع مقاومته) تحولت الآن إلى شيء ذي معنى بالنسبة لي، ومكتمل؛ كان ~~الأمر يتضمن أكثر من مجرد رقص الفتيات والشارع الوحيد، فقد امتد للمدينة برمتها، نمط ~~شوارعها البدائية وأشجارها العارية وأفنيتها الموحلة بعد زوال الجليد عنها، إلى الطرق ~~الترابية حيث كانت أضواء السيارات تبدو مسددة نحو المدينة، تحت غلالة سماوية شديدة ~~الشحوب. # كنا أيضا نرتدي أحذية «باليرينا»، وتنورات واسعة ضيقة من الخصر من قماش التافتا ~~الأسود، ومعاطف قصيرة بألوان مثل الأزرق الفيروزي، أو الأحمر الزاهي، أو الأخضر ~~الليموني. وكانت مادي ترتدي قوسا جنائزيا كبيرا حول رقبة بلوزتها وإكليلا من ~~الزهور اللؤلؤية الاصطناعية في شعرها. كانت هذه موضات إحدى السنوات التي تلت الحرب، أو ~~هكذا كنا نظن. مادي، هذه نظرتها المتشككة المتألقة ، أختي. ~~••• # سألت مادي: «ألا تتذكرين كيف كانت قبل المرض؟» # فأجابت: «لا، لا أستطيع.» # فأقول ms194 في تردد: «أظن أنني أستطيع أحيانا، ليس كثيرا.» حنين هش جبان، يحاول العودة ~~إلى حقيقة ألطف. # قالت مادي: «أعتقد أنك كان لا بد أن تبتعدي. كان لا بد أن تبتعدي خلال تلك السنوات ~~الأخيرة - القليلة - كي يتأتى لك الحصول على هذه الذكريات.» # كان هذا الموقف الذي قالت فيه: «لا سلوى هنا.» # لم تقل شيئا آخر سوى أن أمي «كانت تمضي الكثير من الوقت في فرز الأشياء. كل أنواع ~~الأشياء؛ بطاقات التهاني، الأزرار والخيوط. كانت تفرزها وتضعها في أكوام. كان ذلك ~~يجعلها هادئة على مدار الساعة.» # 2 # ذهبت لزيارة الخالة آني والخالة لو. هذه ثالث مرة أذهب إليهما منذ عودتي، وفي كل مرة ~~كانتا تمضيان فترة ما بعد الظهيرة في صنع سجاجيد من الخرق المصبوغة. إنهما هرمتان الآن. ~~تجلسان في شرفة صغيرة حارة تظللها ستائر من الخيزران. تشيع حولهما الخرق والسجاجيد ~~التي لم تكتمل بعد نوعا مبهجا من الفوضى يحمل ألفة المنازل. لم تعودا تخرجان من ~~البيت، لكنهما تستيقظان مبكرا، ثم تغتسلان وتضعان المساحيق على وجهيهما ثم ترتدي كل ~~منهما أحد فساتينها المطبوعة العديمة الشكل والمزينة بأشرطة متعرجة وجديلة بيضاء. ثم ~~تعدان القهوة والعصيدة وتنظفان المنزل. تعمل الخالة آني في الطابق الأعلى وتعمل ~~الخالة لو في الأسفل. بيتهما نظيف للغاية، معتم ومنمق، وعبق برائحة الخل والتفاح. بعد ~~الظهيرة تستلقيان ساعة ثم ترتديان فستانيهما لفترة ما بعد الظهيرة، وتضعان بروشين عند ~~الرقبة، ثم تجلسان لمباشرة العمل. # إنهما من النساء اللائي يذوب لحمهن أو يتبدد لسبب غير معلوم مع تقدمهن في السن أكثر ~~فأكثر. لا يزال شعر خالتي لو أسود، لكنه يبدو قاسيا وجافا من غطائه الشبكي مثل شوشات ~~الشعر الميتة التي تكون في نهاية كوز ذرة ناضج. تجلس منتصبة وتحرك ذراعيها اللتين نحلتا ~~حتى ظهر عظمهما بحركات وئيدة وشديدة الإتقان؛ تبدو مثل مصرية فرعونية، برقبتها الطويلة ~~ووجهها الحاد الصغير وبشرتها شديدة السمرة والتجعد. أما خالتي آني - ربما بسبب ما تتمتع ~~به من طابع ألطف، بل ولعوب - فتبدو أكثر هشاشة وتدهورا. سقط شعرها ms195 كله تقريبا، وباتت ~~ترتدي نوعا من أغطية الرأس اللطيفة التي ترتديها الزوجات الشابات فوق بكرات الشعر عند ~~ذهابهن للنوم. وهي تلفت نظري لهذا وتسألني: ألا ترينه جذابا؟ إن كلتيهما بارعة في ~~هذه الملاحظات الساخرة الصغيرة، وتجذلان قليلا من الإشارة إلى كل ما هو بشع فيهما. ~~صحبتهما مرحة إلى أقصى حد، وحديث إحداهما مع الأخرى يتخذ إطارا بارعا من الإغاظة ~~والاحتجاج. لقد تراءت لي لمحات رائعة رأيت فيها نفسي ومادي، وقد تقدم بنا العمر، ~~وجمعتنا ثانية علاقة الأخوة بعد أن تبدد كل شيء آخر، ونحن نعد الشاي لقريبة من ~~القريبات، شابة ومحبوبة ولا تمثل أهمية كبيرة لنا، ونتظاهر بنفس هذه العلاقة الممتازة. ~~ما الذي سيعلمه عنا أي شخص؟ أتساءل، وأنا أراقب خالتي المسنتين المسليتين: هل يؤدي ~~الأشخاص المسنون مثل هذه الأدوار النموذجية المبسطة معنا لأنهم يخشون من أن أي شيء آخر ~~أكثر صدقا سيستنفد صبرنا، أم يفعلون ذلك من باب اللطف - لشغل الوقت الاجتماعي - بينما ~~في الحقيقة هم يشعرون بأنهم بعيدون كل البعد عنا، إلى حد عدم وجود أي إمكانية على ~~الإطلاق للتواصل معنا؟ # على أية حال، شعرت أنهما تبقيانني على مسافة منهما، على الأقل حتى هذه الزيارة ~~الثالثة، حينما أظهرتا أمامي بعض علامات الخلاف بينهما. أعتقد أن هذه أول مرة يحدث فيها ~~ذلك؛ فأنا بالتأكيد لم أرهما تتجادلان قط طوال كل السنوات التي اعتدت أنا ومادي أن ~~نزورهما خلالها؛ ليس من قبيل الواجب فحسب، بل أيضا لأننا كنا نجد عندهما جو التعقل ~~والسكينة مقابل الفوضى التي نعيش فيها، الميلودراما الرهيبة، في بيتنا بالمدينة. # كانت الخالة آني تريد أن تأخذني إلى الأعلى لتريني شيئا. فاعترضت خالتي لو، في رفض ~~واستياء، كما لو كان الموضوع برمته مصدر حرج لها. كان هذا الشعور بالرغبة في الكتمان، ~~أسلوب المراوغة المتبع في ذلك البيت، هو الذي جعل من غير الوارد أن أسألهما عما ~~تتحدثان بشأنه. # قالت خالتي لو: «أوه، دعيها تتناول شايها .» فردت خالتي آني: «حسنا، «بعد» أن تتناول ~~شايها.» ~~«افعلي ما طاب لك إذن. ms196 هذا الطابق العلوي حار.» ~~«هل ستأتين للأعلى يا لو؟» ~~«ومن الذي سيراقب الطفلتين إذن؟» ~~«أوه، الطفلتان، لقد نسيت.» # وهكذا انسحبنا أنا وخالتي آني إلى الأجزاء الأكثر عتمة من المنزل. من الحمق أن خطر لي ~~أنها سوف تعطيني ورقة مالية من فئة الخمسة دولارات. فقد تذكرت حينما كانت معتادة على أن ~~تأخذني إلى الردهة الأمامية بهذه الطريقة التي يلفها الغموض ثم تفتح كيس نقودها وتفعل ~~ذلك. لا أظن أن خالتي لو كانت تعلم شيئا عن هذا السر أيضا. لكننا ذهبنا إلى الأعلى، ~~وفي غرفة نوم الخالة آني، التي بدت مرتبة للغاية كما لو لم يستخدمها أحد من قبل، ومغطاة ~~بورق حائط مزهر هادئ، كانت طاولة الزينة مفروشة بأوشحة بيضاء. وكان الجو حارا للغاية، ~~كما قالت خالتي لو. # قالت الخالة آني وهي لاهثة الأنفاس قليلا: «الآن، ائتيني بذلك الصندوق الموضوع على ~~الرف العلوي للدولاب.» # ففعلت. ثم فتحته وقالت بمرح المتآمر المتلهف: «الآن، أراهن أنك تتساءلين عما حل بكل ~~ملابس أمك.» # لم يكن هذا الأمر قد خطر على ذهني من قبل. جلست فوق السرير، ناسية أن الأسرة يجب ~~ألا يجلس عليها في هذا المنزل، وأنه كان يوجد في كل غرفة نوم كرسي مستو لهذا الغرض، ~~لكن خالتي آني لم تمنعني، وراحت تخرج الملابس وهي تقول: «لم تذكر مادي شيئا عنها، أليس ~~كذلك؟» # قلت: «لم أسألها قط.» # قالت: «لا، وما كنت أنا لأسألها. ما كنت لأقول أي كلمة بشأن ملابس أمك لمادي، لكنني ~~رأيت أنني يمكن أن أريها لك، ولم لا؟ انظري، لقد غسلنا وكوينا كل ما أمكننا غسله وكيه، ~~أما ما لم نستطع فأرسلناه لمحل التنظيف. دفعت أجرة التنظيف من جيبي. ثم أصلحنا كل ما ~~كان بحاجة منها للإصلاح. إنها جميعها بحالة جيدة. هل ترين؟» # ظللت أنظر وأنا مغلوبة على أمري بينما أخذت هي تعرض علي الملابس الداخلية التي كانت ~~على السطح. أرتني أشياء جرى رفيها وإصلاحها بمهارة وجرى تجديد أشرطتها المطاطية. ~~أرتني سروالا تحتيا قالت إنه كان باليا قبل ذلك. ثم أخرجت ms197 ملابس النوم، وروبا، ~~وشالا ذا رباط يلبس للنوم. قالت: «هذا ما كانت ترتديه آخر مرة رأيتها. أظن ذلك، ~~نعم.» ميزت في شجو هذا الشال الدراقي اللون الذي كنت قد أرسلته إليها بمناسبة عيد ~~الميلاد. ~~«كما ترين، تكاد تكون جديدة. كأنها لم تستعمل بتاتا.» # قلت: «نعم.» # قالت: «في أسفل الصندوق توجد فساتينها.» وراحت تجيل يديها في الأسفل خلال تلك الحرائر ~~المزهرة والمزركشة - التي تزداد غرابة عاما بعد عام - التي كانت أمي تتمنى أن ترتديها. ~~حتى الخالة آني كانت تبدي ترددا في ارتداء هذه الألوان الطاوسية الزاهية بعدما تخيلت ~~نفسها فيها. سحبت بلوزة من الأسفل وقالت: «غسلت هذه غسيلا يدويا. تبدو كالجديدة. ثمة ~~معطف معلق في الصوان، في حالة ممتازة؛ فهي لم ترتد معطفا قط، ارتدته فقط حين حجزت في ~~المستشفى. ألن يكون مقاسك؟» # قلت: «لا.» كررت «لا» لأن الخالة آني كانت تتحرك بالفعل نحو الصوان، فأردفت: «لقد ~~اشتريت مؤخرا واحدا جديدا. لدي عدة معاطف يا خالة آني!» # قالت الخالة آني بطريقتها لطيفة العناد: «ولم تشترين، بينما توجد أشياء بجودة ~~الأشياء الجديدة تماما؟» # قلت: «أفضل أن أشتري.» أسفت فور شعوري بالفتور في صوتي. ومع ذلك أردفت قائلة: ~~«حينما أحتاج شيئا، أذهب وأشتريه.» هذا الإيحاء بأنني لم أعد فقيرة جعل نظرة عتاب ~~وتحفظ تعلو وجه خالتي. لكنها لم تقل شيئا. رحت أنظر إلى صورة كانت معلقة فوق المكتب ~~للخالة آني والخالة لو وإخوانهما الكبار وأمهم وأبيهم. كانوا يحدقون في هم أيضا ~~بوجوه رزينة علتها نظرة اتهامية محتجة، لأنني اجتزت الحالة المادية المتواضعة التي كانت ~~تشكل العقبة الكئود في حياتهم. يجب أن يستخدم كل شيء، يستخدم إلى أن يبلى، ويدخر ~~ويصلح ويصنع منه شيء جديد ليستخدم ثانية؛ كان لا بد أن تسمل الملابس. شعرت أنني جرحت ~~مشاعر الخالة آني، والأكثر، أنني على الأرجح أكدت ما توقعته خالتي لو، لأنها كانت ~~حساسة إزاء بعض المواقف الدنيوية التي كانت أعقد من أن تهتم بها الخالة آني، وربما ~~قالت إنني لن أرغب في ملابس أمي. # قالت الخالة ms198 آني: «لقد رحلت بأسرع مما توقع أي أحد.» استدرت مندهشة. فأضافت: «أمك.» ~~تساءلت عما إذا كانت الملابس هي الشيء الأهم الباقي، لعل الملابس كانت مجرد مقدمة ~~للحديث عن موت أمي، وهو أمر ربما شعرت الخالة آني أنه جزء ضروري من زيارتنا. أما الخالة ~~لو فستشعر شعورا مختلفا؛ فهي لديها كره نابع من الخرافات لبعض طقوس التأثر بتذكر ~~الموتى، وحديث كهذا لم يكن ليجري قط في وجودها. # قالت الخالة آني: «بعد شهرين من دخولها المستشفى. رحلت بعد شهرين.» رأيتها تبكي ~~ذاهلة، كعادة كبار السن، بدموع زهيدة بائسة. ثم سحبت من ثوبها منديلا ومسحت ~~وجهها. # قالت: «لم تقل لها مادي سوى أنها ستدخل لتجري فحصا طبيا، وأن الأمر سيستغرق نحو ~~ثلاثة أسابيع. دخلت أمك وهي تظن أنها ستخرج في غضون ثلاثة أسابيع.» كانت الخالة آني ~~تهمس كما لو كانت خائفة من أن يسمعنا أحد. واصلت: «هل تعتقدين أنها كانت راغبة في ~~البقاء هناك حيث لا أحد يستطيع أن يفسر ما تقول، وحيث لن يسمحوا لها بأن تبرح فراشها؟ ~~كانت تريد العودة إلى المنزل.» # قلت: «لكن مرضها كان أشد من أن يسمح لها بذلك.» ~~«لا، هذا ليس صحيحا، كانت على حالها المعتادة، تتدهور قليلا شيئا فشيئا بمضي ~~الوقت. لكن بعد أن دخلت هناك شعرت بأنها سوف تموت، كل شيء من حولها كان مغلقا، فتدهورت ~~سريعا.» # قلت: «لعل هذا كان سيحدث على أية حال. ربما عاجلا أو آجلا.» # لم تعرني الخالة آني اهتماما، وأكملت: «ذهبت لرؤيتها، ولشد ما سرت لرؤيتي ~~لأنني كنت أستطيع تفسير ما تقوله. قالت: خالتي آني، إنهم لن يبقوني هنا إلى الأبد، أليس ~~كذلك؟ فقلت لها: بلى. # فقالت أمك: «خالتي آني، اطلبي من مادي أن تعيدني إلى المنزل ثانية وإلا فسأموت.» لم ~~تكن ترغب في الموت. ألم يخطر على بالك قط أن إنسانا يمكن أن يرغب في الموت لا لسبب سوى ~~أن الجميع من حوله يرون أنه لا داعي لبقائه على قيد الحياة؛ لذلك أخبرت مادي أن ~~تخرجها، لكنها لم تقل ms199 شيئا. كانت تذهب إلى المستشفى يوميا وترى أمك، ولا تأخذها إلى ~~المنزل. قالت لي أمك إن مادي قالت لها: «لن آخذك إلى المنزل.»» # قلت: «لم تكن أمي تقول الحق في بعض الأحيان. تعلمين هذا خالتي آني.» ~~«هل نما إلى علمك أن أمك خرجت من المستشفى؟» # أجبتها: «لا.» لكنني لم أشعر بالمفاجأة، لم أشعر إلا بشعور بالخوف يسري في جسدي، توق ~~إلى ألا أعرف؛ وفوق هذا شعور بأنني أعلم مسبقا ما سيجري إخباري به، دائما كنت ~~أعلمه. ~~«مادي، ألم تخبرك؟» ~~«لا.» ~~«حسنا لقد خرجت. خرجت من الباب الجانبي الذي تدخل منه سيارة الإسعاف، إنه الباب ~~الوحيد الذي لا يغلق. حدث ذلك ليلا حينما لم يكن هناك عدد كبير من الممرضات لمراقبة ~~المرضى. ارتدت روبها وخفها - كانت هذه أول مرة ترتدي شيئا بنفسها منذ سنوات - وخرجت ~~من المستشفى. كان ذلك في يناير، فوجدت الجليد يتساقط، لكنها لم تعد إلى الداخل. كانت قد ~~توغلت مبتعدة في الشارع حينما أمسكوا بها. وبعد ذلك ثبتوا لوحا على فراشها.» ~~«الجليد، الروب والخف، لوح فوق الفراش!» صورة كنت أميل كثيرا إلى مقاومتها. ومع ذلك ~~لم يكن لدي ثمة شك بأنها حقيقية، كل هذا كان حقيقيا وكما حدث تماما. كان هذا ما يمكن ~~أن تفعله، فكل حياتها التي كنت أعرفها خلالها أدت إلى ذلك الهروب. # قلت: «إلى أين كانت ذاهبة؟» لكني كنت أعلم أن هذا السؤال لم تكن له إجابة. ~~«لا أدري. ربما لم يكن ينبغي أن أخبرك. أوه، هيلين، حينما عثروا عليها حاولت أن تركض. ~~حاولت أن «تركض».» # الهروب الذي يكدر الجميع. حتى وراء وجه خالتي المألوف الناعم، توجد امرأة أخرى مسنة ~~وأكثر بدائية، يمكن أن ترتعب في مكان لم يمسه إيمانها قط. # بدأت تطوي الملابس وتضعها ثانية في الصندوق. وقالت: «ثبتوا لوحا بالمسامير فوق ~~فراشها. لقد رأيته. لا يمكنك أن تلومي الممرضات. إنهن لا يستطعن مراقبة الجميع. ليس ~~لديهن وقت لذلك. # قلت لمادي عقب الجنازة: «مادي، أتمنى ألا يحدث لك مثل هذا أبدا.» لم أستطع منع ms200 ~~نفسي، فكان هذا ما قلته.» جلست هي الأخرى على الفراش الآن، وراحت تطوي الملابس وتعيدها ~~إلى الصندوق، وهي تبذل جهدا كي تعيد صوتها إلى نبرته العادية؛ وسرعان ما نجحت في ذلك. ~~فمن ذا الذي يمكن أن يعيش عمرا مديدا كهذا من دون أن يكون قد اكتسب حنكة في اللوعة ~~وتمالك النفس؟ # قالت أخيرا: «وجدنا الأمر صعبا. أنا ولو وجدنا أن هذا الأمر كان صعبا.» # أهذه آخر وظيفة يمكن أن تؤديها امرأة عجوز، بعد صنع سجاد الخرق وإعطائنا ورقات ~~الخمسة دولارات؛ أن تطمئن إلى أن هواجس العذاب التي انتابتنا موجودة معنا، لم يفلت منها ~~أحد؟ # كانت تخشى مادي؛ ومن خلال هذا الخوف نبذتها للأبد. فكرت فيما كانت مادي قد قالته: لا ~~يفكر الجميع بالطريقة نفسها. ~~••• # حينما عدت إلى البيت كانت مادي في المطبخ الخلفي تعد سلاطة، وكانت مستطيلات من ضوء ~~الشمس ساطعة فوق مشمع الأرضية الخشن. كانت مادي قد خلعت حذاءها ذا الكعب العالي، ووقفت ~~هناك حافية القدمين. المطبخ الخلفي عبارة عن غرفة كبيرة لطيفة غير مرتبة تطل، من وراء ~~الموقد ومناشف تجفيف الأطباق، على الفناء الخلفي المنحدر، ومركز إنعاش القلب والرئتين، ~~والنهر السبخي اللامع الذي يكاد يتحلق حول مدينة جوبيلي. طفلاي اللذان كانا قد شعرا ~~بشيء من الكبت في البيت الآخر بدآ على الفور يلعبان تحت الطاولة. # قالت مادي: «أين كنت؟» ~~«لا عليك. كنت أزور الخالتين.» ~~«كيف حالهما؟» ~~«بخير. لا شيء يقهرهما.» ~~«حقا؟ نعم، أظن أنهما كذلك. لم أرهما منذ فترة. في الواقع لم أعد أرهما ~~كثيرا.» # قلت: «حقا.» وعلمت مادي حينئذ ما أخبرتاني به. ~~«كانتا قد بدأتا تضغطان على أعصابي قليلا، بعد الجنازة. فريد وفر لي هذه الوظيفة ~~وكل شيء وكنت مشغولة للغاية ...» ثم نظرت إلي، تنتظر في صبر ما سأقول، وعلى وجهها ~~ابتسامة تشي بشيء من الاستهزاء. # قلت في رفق: «لا تشعري بالذنب مادي.» طوال هذا الوقت كان الطفلان يركضان جيئة ~~وذهابا ويتصايحان بين أرجلنا . # قالت: «لا أشعر بالذنب. من أين أتيت بهذا؟ أنا لا أشعر بالذنب.» وذهبت ms201 لتشغل ~~المذياع، وهي تتكلم وظهرها إلي. «سيتناول فريد الطعام معنا ثانية لأنه وحيد. لقد ~~أحضرت بعض توت العليق للتحلية بعد الطعام. موسم التوت هذا العام انتهى تقريبا. هل تبدو ~~لك الحبات جيدة؟» # قلت: «جيدة تماما. هل تريدين مني أن أعدها؟» # قالت: «لا بأس. سأذهب لأحضر السلطانية.» # دخلت حجرة الطعام وعادت حاملة سلطانية زجاجية كبيرة للتوت. # قالت: «لم أستطع التحمل. أردت حياتي.» # كانت تقف على الدرجة الصغيرة الموجودة بين المطبخ وحجرة الطعام، وفجأة انزلقت منها ~~السلطانية، إما لأن يدها بدأت ترتجف أو لأنها لم تكن قد أمسكتها من البداية على النحو ~~الصحيح؛ كانت السلطانية قديمة وفاخرة وثقيلة للغاية. انزلقت من يديها وحاولت أن تمسك ~~بها لكنها تهشمت على الأرض. # بدأت مادي تضحك. وقالت: «أوه، يا للجحيم! أوه، اللعنة، أوه هيل ... ين» مستخدمة واحدة ~~من عبارات اليأس الحمقاء القديمة التي كنا نستخدمها. «انظري ماذا فعلت الآن. وأنا ~~حافية القدمين أيضا. ائتيني بمقشة.» ~~«استردي حياتك يا مادي. اقتنصيها.» # قالت مادي: «نعم، سأفعل. سأفعل.» ~~«ارحلي. لا تمكثي هنا.» ~~«حاضر، سأفعل.» # ثم انحنت وراحت تلتقط جذاذات الزجاج المكسر، ووقف طفلاي إلى الخلف يرقبانها في خشية ~~بينما كانت هي تضحك وتقول: «لم أخسر شيئا. لدي رف كامل مليء بالسلطانيات الزجاجية. لدي ~~من السلطانيات الزجاجية ما يكفيني لبقية عمري. أوه، لا تقفي هناك تنظرين إلي، اذهبي ~~وأتيني بمقشة!» فذهبت إلى المطبخ أبحث في أنحائه عن مقشة وقد بدا أنني نسيت مكان ~~وضعها. وقالت مادي: «لكن لم لا أستطيع يا هيلين؟ لماذا لا أستطيع؟» # | رقصة الظلال السعيدة # الآنسة مارسيللا ستقيم حفلة أخرى. (وهي لا تدعوها «عزفا»، إما من باب الالتزام الموسيقي ~~أو لعشقها الجارف للاحتفال.) لكن أمي ليست مبتكرة أو مقنعة في الكذب، والأعذار التي تخطر ~~لها واهية دون شك؛ فهي قد تقول أعذارا من عينة: سيحضر عمال الطلاء، أو أصدقاء من أوتاوا، ~~أو كاري المسكينة ستستأصل لوزتيها. وفي نهاية المطاف، لا يسعها إلا أن تقول: أوه، ألن يسبب ~~كل هذا الكثير من المشكلات، الآن؟ و«الآن» هذه تحمل ms202 عدة تفسيرات مزعجة، ولك أنت أن تختار؛ ~~الآن وقد انتقلت الآنسة مارسيللا من الكوخ المبني بالقرميد والخشب في شارع بانك، حيث أقيمت ~~الحفلات الثلاث الأخيرة في حيز ضيق، إلى مكان أصغر - لو كان وصفها له صحيحا - في شارع ~~بالا. (شارع «بالا»، أين يقع هذا؟) أو، الآن وقد أصبحت الأخت الكبرى للآنسة مارسيللا طريحة ~~الفراش، عقب إصابتها بسكتة دماغية؛ الآن وقد صارت الآنسة مارسيللا نفسها - علينا أن نواجه ~~هذه الأمور، كما تقول أمي - مسنة «للغاية». # تتساءل الآنسة مارسيللا في دهشة: «الآن؟» وهي تتظاهر بالتحير، أو ربما هذا شعورها حيال ~~هذا الأمر. فهي تسأل كيف يمكن أن تشكل حفلتها لشهر يونيو كثيرا من التعب، في أي زمان، وأي ~~مكان؟ إن هذه هي التسلية الوحيدة التي ما زالت تقدمها (وبحسب معلومات أمي، هذه هي التسلية ~~الوحيدة التي كانت تقدمها على الإطلاق، لكن صوت الآنسة مارسيللا المسن الناعم، الثابت ~~العزم، الفياض الود، يمنح روحا لحفلات الشاي، وحفلات الرقص الخاصة، وفي المنازل، وولائم ~~عشاء العائلات الضخمة العدد). وإذا حدث واضطرت لعدم إقامتها فقد تصاب بخيبة الأمل بالقدر ~~نفسه الذي يصيب الأطفال. تقول أمي لنفسها ما هو أكثر من ذلك، لكنها بالطبع لا يمكن أن تعلنه ~~على الملأ؛ فهي تعرض بوجهها عن الهاتف بتلك النظرة الممتعضة - وكأنها رأت شيئا متسخا لم ~~تتمكن من تنظيفه - التي تمثل تعبيرها الخاص عن الشفقة، فتعدها بالحضور. وقد تخطر لها قصص ~~واهية للتملص من الذهاب خلال الأسبوعين التاليين، لكنها تعلم أنها ستذهب. # تتصل بمارج فرنش، وهي مثلها من تلميذات الآنسة مارسيللا القديمات، والتي أرسلت ولديها ~~التوءمين لتلقي الدروس لديها، فتتعاطفان لوهلة وتتواعدان على الذهاب سويا كي تؤازر ~~إحداهما الأخرى. وتتذكران السنة قبل الماضية حينما كان المطر يهطل وكانت القاعة الضيقة ~~مليئة بمعاطف المطر، مكومة فوق بعضها لأنه لم يكن ثمة متسع لتعليقها؛ وكانت على الأرضية ~~الداكنة برك صغيرة كونتها قطرات الماء التي كانت تتقاطر من المظلات. تكسرت فساتين البنات ~~بسبب اضطرارهن للتكدس، ولم تكن نوافذ الغرفة تفتح. والعام الماضي أصيب أحد ms203 الأطفال ~~بالرعاف. ~~«بالطبع لم تكن هذه غلطة الآنسة مارسيللا.» # تقهقهان في يأس. «لا، لكن مثل هذه الأمور لم تكن تحدث من قبل.» # وهذا صحيح، هذا هو الأمر برمته. ثمة شعور لا يمكن التعبير عنه بالكلمات حيال الحفلات التي ~~تقيمها الآنسة مارسيللا؛ فالأمور تزداد خروجا عن السيطرة، وقد يحدث أي شيء. بل إن المرء في ~~لحظة ما - وهو مستقل سيارته إلى حفلة كهذه - يراوده سؤال مثل: هل سيتواجد أي شخص غيري هنا؟ ~~فأحد أكثر الأمور إثارة للقلق بشأن الحفلتين أو الثلاث الأخيرة كان يتمثل في التناقص ~~المستمر في أعداد مرتادي هذه الحفلات؛ أي التلاميذ القدامى الذين يبدو أن أطفالهم هم ~~التلاميذ الجدد الوحيدون الذين تنالهم الآنسة مارسيللا. ويكشف حلول شهر يونيو من كل عام ~~عددا جديدا وكبيرا دون شك من المتخلفين عن الحضور. فابنة ماري لومبر لم تعد تأخذ ~~دروسا لدى الآنسة مارسيللا، وكذلك ابنة جون كريمبل. ماذا يعني هذا؟ هكذا تتساءل أمي ومارج ~~فرنش؛ وهما المرأتان اللتان انتقلتا إلى ضواحي المدينة واعتراهما في بعض الأحيان شعور ~~بأنهما تخلفتا عما يحدث؛ لدرجة أن قدرة كل منهما على تمييز الصواب صارت مشوشة. إن دروس ~~البيانو الآن لم تعد ذات أهمية كبرى مثلما كانت في السابق، والجميع يعرف ذلك. بل يعتقد أن ~~الرقص أكثر نفعا لتطور الطفل تطورا كاملا؛ والأطفال - البنات منهم على الأقل - لا ~~يمانعون في تعلمه قدر ممانعتهم في تعلم دروس البيانو. لكن كيف لك أن توضح ذلك للآنسة ~~مارسيللا، التي تقول: «كل الأطفال بحاجة للموسيقى. كل الأطفال يحبون الموسيقى في صميم ~~قلوبهم»؟ من المعتقدات الراسخة لدى الآنسة مارسيللا أنها تستطيع رؤية ما في قلوب الأطفال، ~~وأنها تجد فيها كنزا من النوايا الطيبة والحب الفطري لكل ما هو خير. إن الخداع الذي ~~تمارسه عاطفيتها، بوصفها عانسا، على حكمها السليم، خيالي ومبالغ فيه، فهي تتحدث عن قلوب ~~الأطفال كما لو كانوا من القديسين؛ وأمام هذا لا يدري أي أب أو أم ما يقول. # في الأيام الخوالي، حينما كانت أختي وينفريد تأخذ دروسا ms204 في البيانو، كان المنزل يقع في ~~حي روسدل، حيث كانت تقام الحفلة دائما. منزل ضيق، مبني بالقرميد باللونين الأسود ~~والتوتي، ذو شرفات زخرفية صغيرة كئيبة المنظر، تبرز في تقوس من نوافذ الطابق الثاني، من ~~دون أبراج في أي جزء منه، لكن له طابعا مبرجا بعض الشيء؛ منزل معتم، مبهرج، سيتفنن ~~الشعراء في وصف قبحه؛ إنه منزل العائلة. وفي روسدل لم تكن الحفلة السنوية تجري على غير ما ~~يرام. كانت دائما ما تسبق تقديم الشطائر فسحة قصيرة مثيرة للحرج؛ لأن المرأة التي كانت ~~قائمة لديهم على إعدادها في المطبخ لم تكن معتادة على الحفلات، وكانت بطيئة إلى حد ما، لكن ~~عندما تظهر الشطائر كانت دائما ما تكون لذيذة للغاية، وتحتوي أشياء صحية ومألوفة مثل: ~~الدجاج ولفائف الهليون؛ طعام دور حضانات لكنه معد جيدا. وكان العزف على البيانو، ~~كالعادة، عصبيا ومتقطعا أو نكدا وكئيبا، يصاحبه بث شعور بالمفاجأة والإثارة ~~المصاحبتين لكارثة مثيرة. من المفهوم أن النظرة المثالية التي كانت الآنسة مارسيللا ترى بها ~~الأطفال، ورقتها وسذاجتها في هذا الصدد، كل هذا جعلها تكاد تكون مدرسة عديمة الجدوى؛ فهي ~~لم تكن تستطيع أن تنتقد أي طفل إلا بأكثر الطرق رقة واعتذارا، أما مديحها لأحدهم فكان غير ~~حقيقي على نحو يتعذر تبريره، فكان التعامل معها يتطلب أن يتمتع التلميذ بجد وحرص استثنائيين ~~كي يخرج من تحت يديها يعزف بأداء مشرف. # لكن في المجمل، كانت المسألة في تلك الأيام تتسم بالإحكام، كان لها نسق تسير عليه، وطابع ~~خاص لا يعكر صفوه أي شيء والذي عفى عليه الزمان. كان كل شيء يجري على النحو المتوقع؛ فكانت ~~ميس مارسيللا بنفسها تنتظر في رواق المدخل ذي الأرضية المبلطة والرائحة المكتومة التي تشبه ~~رائحة غرف تخزين الأردية الكهنوتية في الكنيسة، واضعة مساحيقها، ومصففة شعرها في تسريحة ~~عتيقة لا تتخذها إلا لهذه المناسبة فحسب، ومرتدية فستانا يصل للأرض، مرقطا بلطخات خوخية ~~ووردية ربما أخذت من قماش تنجيد قديم؛ كانت بهيأتها هذه لا تدهش أحدا سوى أصغر الأطفال. ~~لم يكن الظل ms205 الذي يقبع خلفها لآنسة مارسيللا أخرى - تزيد عنها قليلا في الحجم والسن، ~~وتفوقها كآبة بعض الشيء، كان وجودها يغدو منسيا بين يونيو من كل عام إلى يونيو الذي يليه ~~- ظلا كريها، ولو أنه كان - ولا شك - يمثل حقيقة دامغة بأن من المستحسن ألا يحوي ~~العالم وجها آخر بهذا الشكل سوى هذين الوجهين فقط، كلاهما طويل بلون الحصى، يوحي بالطيبة ~~والقبح في الوقت نفسه، ذو أنف ضخم، وعينين حمراوين خرزيتين حانيتين وضعيفتي البصر. لا بد أن ~~هذا القبح صار في نهاية المطاف من قبيل حسن الحظ بالنسبة لهما، حماية لهما من أن تترك صروف ~~الحياة أثرها عليهما بطرق عديدة، و«مستحيلة»، فقد كانتا تبدوان مرحتين وطفوليتين كأنهما ~~منيعتان أمام الهموم؛ بدتا عديمتي الجنس، مخلوقتين بريتين ولطيفتين في نفس الوقت، غريبتين ~~لكنهما أليفتان، تعيشان في منزلهما الواقع في روسدل بعيدا عن تعقيدات العصر. # في الحجرة التي تجلس بها الأمهات، على الأرائك الصلبة وبعضهن على الكراسي التي تطوى، ~~لسماع الأطفال وهم يعزفون مقطوعات مثل «أغنية الغجر» و«الحداد الطروب» و«المسيرة ~~التركية»، ثمة صورة للملكة ماري، ملكة اسكتلندا، مرتدية ثوبا مخمليا وسترا حريريا، ~~أمام «قلعة هوليرود». كانت توجد أيضا صور ضبابية بنية اللون لمعارك تاريخية، ومجموعة كتب ~~«كلاسيكيات هارفرد»، وأحصنة حديدية لسند حطب المدفأة، وتمثال برونزي للحصان المجنح ~~«بيجاسوس». لم تكن أي من الأمهات تدخن، ولم تكن هناك منافض لرماد السجائر. كانت هذه هي ~~نفس الغرفة، هي نفسها، التي كن يعزفن فيها حينما كن صغيرات؛ هذه الغرفة الكئيبة الموحشة ~~الطراز (كانت الباقة المنسقة من زهور الفاوانيا والاسبيريا المتساقطة منها البتلات فوق ~~البيانو هي لمسة الآنسة مارسيللا الشخصية والخالية من البهجة) كانت لا تبعث على الراحة ~~لكنها في الوقت نفسه تبعث على الطمأنينة. هنا وجدن أنفسهن - عاما تلو الآخر - مجموعة من ~~النساء الشابات المشغولات اللائي قدن سياراتهن على مضض عبر شوارع روسدل المهملة، وظللن ~~يتذمرن لأسبوع قبل الحفلة بسبب الوقت الذي سيضيع، والجلبة التي ستصحب تنسيق ملابس الصغار، ~~وفوق هذا كله، الملل الذي سيلاقينه، لكنهن اجتمعن معا ms206 بدافع من الولاء الزائف نوعا ما، لا ~~للآنسة مارسيللا نفسها بقدر ما هو لطقوس طفولتهن، لنمط حياة أكثر انضباطا كان يتفكك حتى ~~في ذلك الوقت لكنه ظل باقيا، باقيا على نحو غير مفهوم، في غرفة معيشة الآنسة مارسيللا. ~~أخذت البنات الصغيرات في فساتينهن ذات التنانير اليابسة كالأجراس يتحركن أمام الجدران ~~الداكنة التي عليها أرفف الكتب، وبداخلهن إدراك طبيعي لقواعد هذا الطقس الاحتفالي، بينما ~~تطل من وجوه أمهاتهن نظرة ضجرة مزعجة توحي بالإذعان، وشيء من الحنين الأحمق والمتصنع نوعا ~~ما الذي يعينهن على اجتياز أي طقس عائلي طويل المدة. كن يتبادلن ابتسامات تبدي أنهن لا ~~تعدمن لياقة السلوك، لكنها تعبر عن دهشة هزلية مألوفة من تكرار الأمور على نفس النحو، بما ~~في ذلك حتى: مجموعة المقطوعات المختارة التي ستعزف على البيانو، ونوعية الحشو داخل ~~الشطائر؛ وهكذا، فإنهن يدركن ما تعيشه الآنسة مارسيللا وأختها وما تنطوي عليه حياتهما من ~~ثبات غير معقول وتكرار غير واقعي بالمرة. # بعد عزف المقطوعات على البيانو، يأتي وقت طقس قصير دائما ما يشيع شيئا من الحرج. فقبل ~~أن يسمح للأطفال بأن يفروا إلى الحديقة - الضيقة جدا، حديقة منزل ببلدة، لكنها تظل ~~حديقة، لها سور شجري وظلال ولها حد من زهور السوسن الصفراء - توضع طاولة طويلة مغطاة بورق ~~الكوريشة بلوني هدايا الأطفال حديثي الولادة، الوردي والسماوي، وتبدأ المرأة المسئولة عن ~~المطبخ في رص أطباق الشطائر، والآيس كريم، وبعض مشروبات معلبة عديمة الطعم أنيقة التعليب؛ ~~كان الأطفال يضطرون، واحدا واحدا، إلى قبول هدايا نهاية العام، الملفوفة كلها والمربوطة ~~بشرائط، من الآنسة مارسيللا. لم تكن هذه الهدية تحرك أي حماسة لدى الأطفال عدا الجديد ~~الساذج منهم الذي لا دراية له بما تحوي هذه الهدايا. كانت عادة ما تحوي كتبا، وكان السؤال ~~الذي يطرأ على الذهن هو: أين عثرت على هذه الكتب؟ كانت تأتي بها من حصيلة الكتب العتيقة ~~التي توجد في مكتبات مدارس الأحد، وفي عليات متاجر الأشياء المستعملة وأقبيتها، لكنها ~~كانت جميعها متيبسة التغليف، لم تقرأ قط من قبل، ms207 جديدة كليا، ذات عناوين من نوعية: ~~«البحيرات والأنهار الشمالية»، «معرفة الطيور»، «حكايات أخرى من جراي آول»، «أصدقاء ~~الإرسالية الصغار». كانت أيضا تقدم صورا مثل: «كيوبيد نائما ومستيقظا»، «بعد الحمام»، ~~«حراس الأمن الصغار»، معظمها كان يمثل ذلك العري الطفولي اللطيف الذي كان اهتمامنا المتشدد ~~بالاحتشام واللياقة يجعلنا نجده في منتهى السخف وإثارة الاشمئزاز. حتى اللعب الموضوعة داخل ~~صناديق صغيرة كان يتبين أنها مملة ولا يمكن اللعب بها؛ حافلة بالقواعد المعقدة وتتيح ~~للجميع الفوز. # لم يكن الحرج الذي تستشعره الأمهات في تلك اللحظة ناجما عن نوعية الهدايا بقدر ما كان ~~ناجما عن معرفتهن برقة حال الآنسة مارسيللا المادية وتشككهن حيال قدرتها على تحمل كلفة ~~هذه الهدايا. وتذكر أن أجرتها لم تشهد زيادة خلال عشر سنوات إلا مرة واحدة فقط لم تحدث ~~فارقا (رغم ذلك، سحبت اثنتان أو ثلاث من الأمهات أبناءهن من دروسها). كانت الأمهات دائما ~~ما يستنتجن أنها لا بد وأن لها مصادر دخل أخرى. كان ذلك واضحا، وإلا لما عاشت في منزل ~~كهذا. ثم إن أختها كانت مدرسة، أو لم تعد تدرس، بل يعتقد أنها تقاعدت لكنها تعطي دروسا ~~خاصة في اللغتين الفرنسية والألمانية. لا بد أن لديهما ما يكفيهما هما الاثنتين. فامرأة مثل ~~الآنسة مارسيللا وأختها ستكون احتياجاتهما بسيطة بالضرورة ولن تحتاجا كثيرا من النقود ~~للإنفاق على معيشتهما. # لكن بعد زوال منزل روسدل، وانتقالهما إلى الكوخ المبني بالقرميد والخشب في شارع بانك، لم ~~تعد تدور هذه الأحاديث حول مصادر الآنسة مارسيللا المادية، وصار هذا الجانب من حياتها يشكل ~~موضوعا جارحا، من الفظاظة وعدم التهذب التحدث بشأنه. ~~••• # قالت أمي: «سأموت إن أمطرت، سأموت من الإحباط إن أمطرت في هذه المناسبة.» لكنها لا تمطر ~~يوم الحفلة، بل إن الطقس يكون حارا للغاية. وجدنا اليوم صيفيا حارا مغبرا ونحن نسير ~~بالسيارة عبر شوارع المدينة وضللنا الطريق بحثا عن شارع بالا. # وحينما عثرنا عليه وجدناه أفضل مما صورت لنا توقعاتنا. هذا في الأغلب لأنه كان يحوي ~~صفا من الشجر، بينما كانت الشوارع الأخرى ms208 التي سرنا فيها بالسيارة، بجانب سور السكك ~~الحديدية، جرداء عديمة الظلال وقذرة. البيوت هنا من النوع المقسوم إلى قسمين، ومزودة بحاجز ~~خشبي فاصل ذي ميل يقسم المدخل الأمامي؛ وفيها درجتان خشبيتان وفناء ترابي. والظاهر أن ~~الآنسة مارسيللا تعيش في أحد أنصاف تلك البيوت. كلها مبنية بالقرميد الأحمر، وأبوابها ~~ونوافذها الأمامية متناسقة الشكل، ومداخلها مطلية بألوان: القشدي والرمادي والأخضر الزيتوني ~~والأصفر. تبدو أنيقة ومتناغمة. الجزء الأمامي للمنزل المجاور لمنزل الآنسة مارسيللا تحول ~~إلى متجر صغير، تعلوه لافته كتب عليها «بقالة وحلويات». # الباب مفتوح، والآنسة مارسيللا محشورة بين الباب وعلاقة المعاطف والسلالم؛ لا متسع ~~تقريبا للمرور من جانبها إلى غرفة المعيشة، وسيكون من المستحيل - في ظل الوضع الحالي - على ~~أي شخص الخروج من غرفة المعيشة إلى الدور العلوي. كانت الآنسة مارسيللا قد وضعت مساحيق ~~التجميل، وكان شعرها مصففا في التسريحة المعتادة لهذه المناسبة، وارتدت فستانها المقصب، ~~الذي يصعب ألا يدوس عليه أحد بقدمه. كانت تبدو في هذا الضوء السابغ كإحدى شخصيات الحفلات ~~التنكرية، كمحظية مهتاجة فاقعة البهرجة صنعتها مخيلة متزمتة بغيضة. لكن الاهتياج لا يتجسد ~~إلا في زينتها المبهرجة فحسب؛ لأنك إذا أمعنت النظر في عينيها فستجدهما كما عهدتهما دائما؛ ~~محمرتي الحواف، مرحتين، خاليتين من الهموم. قبلتنا أنا وأمي - وحيتني أنا، كالمعتاد، ~~كما لو كنت في الخامسة من عمري - ومررنا إلى الداخل. بدا لي أن الآنسة مارسيللا تنظر إلى ما ~~وراءنا وهي تقبلنا، متطلعة إلى الشارع تبحث بعينيها عمن لم يأتوا بعد. # في البيت غرفة طعام وغرفة معيشة، بينهما بابان من خشب البلوط مفتوحان، وهما غرفتان ~~صغيرتان. على الحائط صورة عملاقة للملكة ماري ملكة اسكتلندا. لا توجد مدفأة، ومن ثم لا وجود ~~للأحصنة الحديدية التي يستند إليها حطب المدفأة، لكن البيانو موجود، علاوة على باقة فاوانيا ~~واسبيريا يعلم الرب وحده من أين قطفت. ولأن غرفة المعيشة ضيقة، فهي تبدو مزدحمة، لكن عدد ~~من فيها لم يبلغ العشرة، بمن فيهم الأطفال. راحت أمي تتحدث إلى الموجودين وتبتسم لهم ثم ~~جلست. قالت لي: مارج ms209 فرنش لم تأت بعد، ترى هل ضلت الطريق هي الأخرى؟ # لا نعرف المرأة الجالسة إلى جانبنا. هي متوسطة العمر وترتدي فستانا من التافتا المتموج ~~اللون عليه مشبك من حجر الراين، تفوح منه رائحة مواد التنظيف. قدمت نفسها لنا بصفتها السيدة ~~كليج، جارة الآنسة مارسيللا في النصف الآخر من المنزل. كانت الآنسة مارسيللا قد سألتها إن ~~كانت تحب سماع عزف الأطفال، فرأت أن هذا سيكون ممتعا، فهي مغرمة بالموسيقى على اختلاف ~~أنواعها. # سألت أمي - التي بدت مسرورة وإن كانت منزعجة بعض الشيء - عن أخت الآنسة مارسيللا: هل هي ~~في الطابق العلوي؟ ~~«أوه، نعم إنها بالأعلى. المسكينة، صارت امرأة أخرى.» # قالت أمي: هذا مؤسف للغاية. ~~«نعم، إنه لأمر مخجل. أعطيتها شيئا لتنام فترة ما بعد الظهيرة. لقد فقدت قدرتها على ~~الكلام، كما فقدت قدرتها على التحكم بشكل عام.» كان صوت المرأة وهو يتخافت على نحو بالغ ~~ينذر أمي بأنها ستسترسل في قول المزيد من التفاصيل الخاصة، فكررت ثانية: هذا مؤسف ~~للغاية. ~~«آتي هنا لأعتني بها بينما تذهب الأخرى لتعطي دروسها.» ~~«هذا كرم منك. لا بد أنها تقدر لك هذا.» ~~«حسنا، أشعر بنوع من الرثاء لامرأتين مسنتين مثلهما. إنهما كالأطفال، الاثنتان.» # ردت أمي بتمتمة ما دون أن تنظر للسيدة كليج، لوجهها المعافى الذي تعلوه حمرة القرميد أو ~~للفرج الهائلة - كما أراها - الموجودة بين أسنانها. كانت تحدق إلى جانبها نحو غرفة الطعام ~~بقدر من الوجل تحكمت به جيدا. # رأت هناك طاولة مفروشة، معدة تماما لمأدبة حفلة، لا ينقصها شيء. أطباق الشطائر ~~مرصوصة، ربما منذ عدة ساعات؛ لأنك تستطيع أن تلاحظ أن حواف الشطائر العلوية المكشوفة للهواء ~~قد اتخذت التواء خفيفا. الذباب يطن فوق الطاولة ويحط فوق الشطائر ويزحف دون عائق داخل ~~أطباق الكعك المجلوب من المخبز والمغطى بطبقة من السكر. والسلطانية الزجاجية، قابعة كالعادة ~~في وسط الطاولة، مليئة بشراب البنش البنفسجي، الواضح أنه آسن وخال من الثلج . # همست السيدة كليج: «حاولت أن أنصحها بألا تضع كل شيء على الطاولة قبل الحفلة بوقت ~~طويل.» قالت ms210 ذلك وهي تبتسم في حبور كأنها تتحدث عن نزوات وأخطاء طفلة جامحة. وواصلت: ~~«تعلمين، لقد استيقظت في الخامسة صباحا كي تعد الشطائر. لا أدري كيف سيكون طعمها الآن. ~~كانت تخشى ألا يسعفها الوقت لتجهيز كل شيء، تخشى أن تنسى أي شيء. إنهما تكرهان ~~النسيان.» # قالت أمي: «كان ينبغي ألا يترك الطعام خارجا في الطقس الحار.» ~~«أوه، حسنا، لا أعتقد أن الطعام سيسممنا هذه المرة. كنت أفكر فقط كم من المخزي أن ~~تقدم الشطائر يابسة. وحينما أضافت شراب الزنجبيل الغازي إلى شراب «البنش» عند الظهيرة لم ~~يسعني أن أمنع نفسي من الضحك. يا له من تبديد!» # استدارت أمي وعدلت تنورتها المصنوعة من قماش الفوال، وكأنما أدركت فجأة قبح، بل شناعة، ~~أن تتحدث عن ترتيبات مضيفتها بهذه الطريقة وهي جالسة في غرفة معيشتها. قالت لي بصوت جامد: ~~«مارج فرنش ليست موجودة. لقد قالت إنها آتية.» # قلت في قرف: «أنا أكبر بنت هنا.» ~~«صه! هذا يعني أنك يمكن أن تكوني آخر من تعزف. حسنا، سيكون برنامج الحفلة هذا العام ~~طويلا للغاية، أليس كذلك؟» # مالت بيننا السيدة كليج، فانطلقت من بين ثدييها هبوة دافئة من ريح عطنة، وقالت: «سأذهب ~~لأرى إن كانت قد رفعت درجة تبريد البراد بما يكفي لتجميد الآيس كريم. ستنزعج كثيرا لو ذاب ~~كله.» # سارت أمي عبر الغرفة وراحت تتحدث إلى امرأة تعرفها. أكاد أجزم أنها تقول لها إن مارج فرنش ~~«قالت إنها آتية» ولم تأت. بدأت تظهر على وجوه النساء - اللائي وضعن عليها الزينة قبلها ~~بوقت طويل - آثار الحر وحالة عامة من التململ. رحن يتساءلن فيما بينهن: متى ستبدأ ~~الحفلة؟ سريعا ولا شك، لا سيما وأن أحدا لم يحضر في ربع الساعة الأخيرة. كن يقلن: كم ~~من الخسة ألا يأتي الباقون، مع أن هذا المكان - في هذا الحر الشنيع بدرجة استثنائية ~~- سيكون أسوأ مكان في المدينة بلا شك. فيتفهمن إلى حد ما سبب عدم مجيء من لم يحضروا. نظرت ~~حولي في الغرفة وحسبت الأعمار فوجدت أن لا أحد قريب من ms211 سني بسنة أكثر أو أقل. # بدأ الصغار العزف. وكانت الآنسة مارسيللا والسيدة كليج تصفقان في حماس، بينما تصفق ~~الأمهات تصفيقة أو اثنتين بعد كل أداء، يغمرهن شعور بقرب الانفراج. بدت أمي عاجزة، رغم ما ~~تبذله من جهد جهيد، عن إبعاد عينيها عن الطاولة في غرفة الطعام وعن الطلعات الجسورة للذباب ~~المغير. أخيرا، نجحت في تثبيت عينيها في نظرة بعيدة حالمة على مكان ما أعلى سلطانية شراب ~~البنش، مكنتها من أن تبقي رأسها ملتفتة نحو هذا الاتجاه دون أن ينفضح ما تحس به بأي طريقة ~~معبرة. الآنسة مارسيللا أيضا كانت تواجه مشكلة في إبقاء عينيها على الأطفال العازفين، وهي ~~تنظر من آن لآخر نحو الباب. هل ما زالت تتوقع إلى الآن ظهور أحد ممن تغيبوا عن الحضور؟ هناك ~~أكثر بكثير من نصف دستة هدايا في الصندوق المحتوم الموجود إلى جانب البيانو، ملفوفة كلها ~~بورق أبيض ومربوطة بشريط فضي، لم يكن الشريط من النوع الأصلي، بل من النوع الرخيص الذي ~~ينسل ويتهرأ. # بينما أعزف على البيانو موسيقى رقصة «بيرنيس»، حدث الحدث الاستثنائي ووصل من لم ينتظر ~~حضورهم أحد عدا الآنسة مارسيللا. لأول وهلة، بدا وكأن في الأمر خطأ ما؛ فقد لمحت بطرف عيني ~~موكبا كاملا من الأطفال، ثمانية أو عشرة، بصحبة امرأة صهباء مرتدية ما يشبه اللباس ~~الرسمي، وهم يخطون جميعا من العتبة الأمامية للبيت. بدوا كأنهم مجموعة أطفال من إحدى ~~المدارس الخاصة في رحلة ما (كانت ملابسهم متماثلة الشكل واللون) لكنهم دخلوا بقدر كبير من ~~التدافع والفوضى بالنسبة لمجموعة مدرسية يفترض أن تكون منظمة. أو هكذا بدا لي؛ لم أكن ~~أستطيع أن أنظر جيدا. لا بد أنهم ضلوا ودخلوا هنا بطريق الخطأ، ربما كانوا في طريقهم ~~للطبيب ليعطيهم حقنا، أو إلى أحد الفصول الدراسية الكنسية التي تقيمها الكنيسة في ~~الإجازات؟ لا! فقد صدر من الآنسة مارسيللا همس يحمل أسفا مسرورا، وذهبت لاستقبالهم. من ~~خلفي ، كنت أسمع صوت أشخاص يتجمعون متقاربين، وصوت فتح الكراسي القابلة للطي، وقهقهة غامضة ~~غريبة لا أدري لها ms212 سببا. # وفوق كل هذا الاضطراب الذي صاحب هذا الوصول - أو بالأحرى وراءه - خيم صمت مهيب على نحو ~~غامض. أمر ما حدث، أمر غير متوقع، ربما أمر كارثي؛ يستطيع المرء أن يدرك أمورا كهذه وإن ~~حدثت وراء ظهره. واصلت العزف. ملأت الصمت المبدئي الصارم بمحاولاتي الخرقاء بالغة العناد ~~لعزف موسيقى هاندل. وحينما انتهيت وقمت من أمام البيانو كدت أتعثر فوق أحد الأطفال الجالسين ~~على الأرض. # كان أحدهم - صبي في التاسعة - هو التالي من بعدي في العزف على البيانو. أخذت الآنسة ~~مارسيللا بيده وابتسمت له. لم تتشنج يده، ولم تكن حركة رأسها هي مضطربة حرجا بحيث تتنكر ~~لابتسامته. كم هذا غريب، لا سيما أنه ولد، وليس بنتا. التفت برأسه نحوها وهو يجلس، وتحدثت ~~هي إليه مشجعة. لكن انتباهي كان مركزا على صورة ملامحه الجانبية وهو ينظر نحوها: ملامح ~~غليظة ينقصها شيء ما، وعينان صغيرتان ومسحوبتان بدرجة غير طبيعية. نظرت إلى الأطفال ~~الجالسين على الأرض فرأيت نفس الملامح الجانبية مكررة في اثنين أو ثلاثة منهم؛ ورأيت صبيا ~~آخر ذا رأس ضخم وشعر قصير مزغب كشعر حديثي الولادة، وأطفالا آخرين لهم ملامح عادية وغير ~~شاذة، لا يميزها إلا انفتاح طفولي وسكينة. كان الأولاد يرتدون قمصانا بيضاء وسراويل رمادية ~~قصيرة، وكانت البنات يرتدين فساتين قطنية لونها أخضر رمادي ذات أزرار وأحزمة حمراء. # قالت السيدة كليج: «هذا النوع من الأطفال يمتاز في بعض الأحيان بموهبة موسيقية ~~كبيرة.» # همست أمي متسائلة: «من هؤلاء؟» وهي غير مدركة لما يشي به صوتها من ضيق. ~~«إنهم من ذلك الفصل الذي تدرس له الآنسة مارسيللا في مدرسة جرين هيل. مخلوقات صغيرة ~~لطيفة وبعضهم يتمتع بموهبة موسيقية عظيمة، لكن بالطبع ليس كلهم كذلك.» # أومأت أمي برأسها في شرود، ثم نظرت حولها في أرجاء الغرفة فضبطت أعين غيرها من النساء ~~متحفزة، لكن دونما اتخاذ قرار ما. لا شيء يمكن عمله. وهؤلاء الأطفال سيعزفون. عزفهم ليس ~~أسوأ - ليس أسوأ بكثير - من عزفنا، لكنهم يعزفون ببطء شديد، ومن ثم لا مكان يمكن أن ينظر ~~المرء ms213 نحوه؛ لأنه من قبيل التهذيب عدم التحديق في هذا النوع من الأطفال، لكن إلى من يمكن أن ~~ينظر المرء أثناء عزف على البيانو إلا إلى العازف نفسه؟ يسود الغرفة جو كأنه جو حلم مرعب لا ~~يستطيع المرء أن يفيق منه. يكاد صوت أمي والأخريات يسمع وهن يحدثن أنفسهن قائلات: «لا، ~~أعلم أن من الخطأ أن أنفر من أطفال كهؤلاء، أنا لا أشعر بالنفور. لكن أحدا لم يخبرني أنني ~~سآتي هنا لأستمع لعزف مجموعة من الأطفال ... الأطفال المعتوهين، فهذا هو الوصف الفعلي لهم ... ~~أي نوع من الحفلات هذه؟» رغم ذلك زاد تصفيقهن، وصار أكثر نشاطا، وكأن لسان حالهم يقول: ~~دعونا على الأقل نتلهى بهذا التصفيق حتى ننتهي من هذا الأمر. لكن لا أمارات تدل على أن ~~البرنامج سينتهي. # تذكر الآنسة مارسيللا اسم كل طفل كما لو كان سببا للاحتفال. الآن تذكر اسم دولوريس بويل! ~~فتاة في سني، طويلة الساقين، نحيفة إلى حد ما ولها نظرة حزينة وشعر أشقر مائل للبياض، ها ~~هي تقوم من تكومها على الأرض. جلست إلى البيانو وبعد أن التفتت لفتة خفيفة وأزاحت شعرها ~~الطويل إلى خلف أذنيها، بدأت تعزف. # اعتدنا أن ننتبه للعزف، في حفلات الآنسة مارسيللا، لكن هذا لا يعني أن أحدا من الموجودين ~~كان يتوقع أن يستمع إلى موسيقى حقيقية. لكن هذه المرة كانت الموسيقى تفرض نفسها بسلاسة، دون ~~أن تبذل جهدا كبيرا في شحذ الاهتمام، لدرجة أننا لم نندهش. لم يكن ما تعزفه هذه البنت ~~مألوفا. كان شيئا رقيقا ولطيفا ومرحا، يحمل في طياته الحرية الموجودة في سعادة ليست ~~مشبوبة العاطفة. جل ما تفعله هذه البنت - وهو الشيء الذي لم يكن المرء يتوقع أن أحدا ~~سيفعله - هو أنها كانت تعزف على نحو يجعل هذه الأشياء محسوسة. كل هذا أحسسناه، حتى في غرفة ~~معيشة الآنسة مارسيللا في شارع بالا ذات عصر سخيف. كل الأطفال كانوا هادئين، أطفال مدرسة ~~جرين هيل والآخرون أيضا. وكانت الأمهات جالسات، تستحوذ على وجوههن نظرة احتجاج، وقلق أشد ~~من ذي قبل، ms214 وكأن شيئا ما ذكرهن بشيء كن قد نسينه. كانت جلسة الفتاة الشقراء الشعر ~~إلى البيانو تفتقر إلى الرشاقة، رأسها متدل للأسفل، بينما كانت موسيقاها تسبح عبر الباب ~~والنوافذ المفتوحة إلى الشوارع الرمادية الحارة. # جلست الآنسة مارسيللا إلى جانب البيانو وهي تبتسم للكل ابتسامتها المعتادة. لم تكن ~~ابتسامة انتصار أو تواضع. لم تكن تبدو مثل ساحر يرقب وجوه الأشخاص كي يشاهد عليها ما أحدثه ~~أحد العروض المبتكرة من تأثير. لا! لم تكن من هذا النوع؛ لكن يمكن أن تقول إنها، وقد شارفت ~~حياتها على النهاية، ووجدت من تستطيع أن تعلمه - بل من يجب أن تعلمه - العزف على ~~البيانو، فإن من شأنها أن تتوهج إشراقا من أهمية هذا الاكتشاف. لكن يبدو أن عزف البنت بهذا ~~المستوى كان دائما أمرا متوقعا بالنسبة لها، تراه طبيعيا ومرضيا، فالأشخاص الذين ~~يؤمنون بالمعجزات لا يحدثون الكثير من الهرج والجلبة انبهارا برؤيتهم إحداها في الواقع. بل ~~إنها لا يبدو عليها أنها تنظر لهذه البنت نظرة أكثر تعجبا من نظرتها لبقية أطفال مدرسة ~~جرين هيل، الذين يحبونها، أو بقيتنا نحن، الذين لا نحبها. بالنسبة للآنسة مارسيللا، ما من ~~هدية غير متوقعة، وما من احتفال يشكل مفاجأة. # انتهت البنت من العزف. كانت الموسيقى تملأ الغرفة ثم ذهبت، وبطبيعة الحال لم يدر أحد ما ~~ينبغي أن يقول؛ لأنها حالما انتهت تبين واضحا أنها نفس البنت التي كانت قبل العزف، مجرد ~~بنت من مدرسة جرين هيل. إلا أن الموسيقى لم تكن من نسج الخيال. لا مجال للهروب من الحقائق. ~~وهكذا بعد دقائق قليلة بدأ العزف يبدو - برغم براءته - مثل خدعة، خدعة في غاية النجاح ~~والتسلية، بالطبع، لكن ربما - كيف يمكن قول ذلك؟ - ربما ليست «ملائمة» تماما؛ لأن موهبة ~~البنت، التي لا سبيل لإنكارها، عديمة الفائدة رغم كل شيء، في غير محلها، ولا تشكل في حقيقة ~~الأمر شأنا يحب أي شخص أن يتحدث عنه. بالنسبة للآنسة مارسيللا هذا أمر مقبول، أما بالنسبة ~~للأشخاص الآخرين، الذين يعيشون في العالم، فهو ليس كذلك. لكن ms215 لا بأس، عليهم أن يقولوا شيئا ~~ما، وهكذا راحوا يشيدون بالموسيقى نفسها: يا لروعتها! يا لجمال المقطوعة! ما اسمها؟ # قالت الآنسة مارسيللا: «رقصة الظلال السعيدة» ثم كررتها بالفرنسية، وهو ما لم يضف أي ~~شيء لأي أحد من الحضور. ~~••• # بعد ذلك، ونحن في طريقنا بالسيارة عبر الشوارع الحارة ذات القرميد الأحمر، تاركين ~~المدينة، تاركين وراءنا الآنسة مارسيللا وحفلاتها التي لم تعد محتملة بعد الآن، ولن نحضرها ~~ثانية للأبد، أخذت أتساءل: لماذا كنا عاجزتين عن أن نقول ما كان يفترض بنا أن نقوله: «يا ~~للآنسة مارسيللا المسكينة!»؟ إن رقصة الظلال السعيدة هي التي منعتنا، تلك الرسالة البليغة ~~من ذلك العالم الآخر الذي تحيا فيه الآنسة مارسيللا. ms216