######OpenITI# #META# URI: 1450RiyadHammadi.LaYaftahunTabwibat.Hindawi96293159 #META# Tags: literature #META# ID: 96293159 #META# Title: لا يفتحون التوابيت #META# AuthorID: 19315353 #META# Author: رياض حمَّادي‎ #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # لا يفتحون التوابيت‏ # لا يفتحون التوابيت‏ # | لا يفتحون التوابيت # | لا يفتحون التوابيت # تأليف # رياض حمادي # إلى سفيتلانا أليكسييفيتش # وإلى الذين دفنوا توابيت فارغة دون أن يعلموا ما بداخلها. # | لا يفتحون التوابيت # نصوص جديدة # عتبة الوصول # عندما كانت أمي تهز مهدي في الأيام الخوالي # علمتني أن أغني، # نادرا ما كان هناك دموع في عينيها، # الآن أعلم أطفالي أن كل لحن شجي # يقاس بقدر ما يذرفون من دموع، # أو بما يذرفون مما ادخرته أمي. ~~(من فيلم كوليا 1996م) # روضة # وقفت الأم مكان روضة أطفال تحولت إلى ركام، # بحثت عن ابنتها لكن لم تعثر عليها. # قالت الأمهات، وهن يلتقطن الأحذية: ~~«لعلهم نقلوا الأطفال إلى مكان آخر!» # وبينما هي تجمع الأحذية وجدت فردة حذاء واحدة. # تساءلت: ~~«كيف ستسير في الجنة بفردة واحدة؟» # سبعة كراس وطاولة # عدد الملاعق بعدد أفراد العائلة، ~~«لكن بعد الحرب لم أعد أغسل سوى ملعقة واحدة.» # تلك الأيام # حين يروي ذكرياته، يتذكر كلمة واحدة فقط، # ثم يبدأ بذكر الأهوال التي شاهدها، # بعينين دامعتين ينظر إلى الأعين التي تحدق فيه، # فيعرف أنهم لا يصدقونه. # هم لا يدركون أن كلمة واحدة يتذكرها طفل عمره ثلاث ~~سنوات # تكفي لكتابة رواية كاملة حقيقية لما جرى. # تلك القصة لم تعد تثير فيهم الحزن والألم؛ # لأنهم لم يكونوا أطفالا وقتها. # الأطفال لا ينسون؛ لأن الحرب سرقت طفولتهم. ~~«من تسرق طفولته، يستطيع أن يروي بالتفصيل كيف حدث ~~ذلك، # ليس لأن الأطفال لا يكذبون، ولكن لأن الحرب لا ~~تتغير.» # وما زالت الكاميرا تدور # عندما انطلقت أول رصاصة، # كانوا يصورون مشهدا في فيلم سينمائي طويل. # سقط الممثل؛ فانبهر المخرج وطاقم العمل بأدائه ~~المذهل. # لم يتمكن أحد من إيقاظه بعدها. ~~«في اللحظة التي أوقف فيها المخرج التصوير، # انطلقت رصاصات أخرى.» # حقيقة # عذبوه ولم ينطق بحرف، # كانوا يعلمون أن وراء صمته سرا. ~~«لم يعلموا أنه أخرس، # إلا بعد موته من التعذيب.» # خلية نائمة # يعرف أنه لن يصمد تحت التعذيب، # تمنى لو أنه يعرف شيئا ليعترف به، # سأله المحققون عن أسماء أعضاء الخلية ms1 النائمة ، ~~«فتح كتاب «التعداد السكاني» وسرد لهم ثلاثين مليون ~~اسم.» # حذاء # داس على لغم، # ربطه في قدمه، # ومن يومها لم يخلعه. # أسماء # نادتني. # كانت تلك آخر مرة أسمع فيها اسمي، # عشت بعدها بأسماء جديدة لم أعتد عليها. # بعد عشرين عاما تعرفت علي خالتي، # نادتني؛ فتذكرت اسمي القديم، # لكني لم أجب. ~~«منذ مقتل أمي في الحرب وأنا طفلة، # لم أعد أجيب النداء.» # ذكرى مفتوحة # البعض أعيد في تابوت مغلق، # أما أبي فلا! # اختفى اسمه من سجلات الحرب والميداليات! # ولأن أمي عاشت على أمل عودته؛ لم تتقبل التعازي. # أنا الذي لا أعرف شكله، # ألتقي بأي رجل في الشارع وأسير خلفه. ~~«حتى بعد أن ماتت أمي، # ما زالت صورته في أحاديثها الطازجة حية.» # أبوة # أخذت الحرب أبي، # ومنحتنا عددا من الأمهات، # لكن ولا واحدة تجيب عندما نناديهن: «بابا»! # تزوجت فقط كي أنجب طفلا وأسميه «بابا». ~~«مسكين جارنا العقيم.» # دمية # أيقظتنا أمي فجرا # قالت: «اجمعوا حاجياتكم.» # كان الوقت مبكرا للقيام بنزهة، فلم آخذ معي شيئا. # مر زمن طويل، ومن يومها لم أكبر أبدا. # لو عرفت أننا لن نعود، لأخذت معي دميتي فقط. # اليوم لا يعرف أطفالي ذلك، فلديهم في أجهزتهم الكثير من ~~الألعاب الحربية. # إن أيقظتهم فجرا، فلن أخبرهم أن يجمعوا ألعابهم. # لو عدت إلى بيتنا القديم لوجدت دميتي، ~~«لكني أخشى أنقاض ذكرياتي هناك». # روح وجسد # يعلم من بقي حيا أن المنازل أجساد لا تتحول إلى بيوت إلا ~~بالذكريات، # وبيوتهم التي دمرتها الحرب # أصبحت ذكرى يحملونها معهم. # الذين سكنت أجسادهم في شقق منحتها لهم الدولة نظير ~~تضحياتهم، # سيلزمهم وقت طويل ليحولوها إلى بيوت. ~~«لولا أن الأرواح التي تصنع الذكريات والبيوت قتلتها الحرب ~~أيضا!» # صمم # انتهت الحرب، لكن البكاء استمر! # قلنا: لنطرد الدموع بالنكات. # سردنا الكثير منها. # بعد كل نكتة تنهمر الدموع. ~~«لقد أفقدتنا الحرب حاسة السمع!» # قبر # تركت الطفلة حراسة المرمى وعادت لتحرس البيت. # قالت لأمها التي ماتت: ~~«أخشى أن يعود أبي وأنا ألعب في الشارع مع الأطفال ولا ~~يعرفني.» ~~«لم تخرج بعدها من ms2 البيت .» # وطنية # كانوا يشاهدون التليفزيون عندما سمعوا الخبر. # نهض الأب على غير عادته إلى غرفة النوم، # تبعته الأم، ثم أبناؤهما: ولدان وبنت. # في الصباح كانت الأسرة فارغة. # لم يخبر أي منهم الآخر بنيته في الذهاب إلى ~~الجبهة. # لم يقولوا سوى عبارة واحدة: «ليلة سعيدة.» ~~«ظنوا أنهم سيعودون من المعركة قبل انبلاج الصباح.» # شهداء # منح عدة ميداليات، ~~«لكنه لم يشاهدها.» # مائدة # أرسلوا أبي في اتجاه وأمي في اتجاه آخر. # طوال عام كامل حاولت الانضمام لأحدهما لكنهم لم يقبلوا ~~لصغر سني. # في البيت كنت أعد ثلاثة أطباق. # عندما شاخت الحرب زوجوني بها. # عدت بعد عامين والأطباق على المائدة، ~~«عند كل وجبة أملؤها بالطعام وأنتظر.» # قطط السلام # قبل الحرب لم نكن نأمن على الطعام فوق المائدة؛ # كانت القطط تلتهمه. ~~«أتت الحرب؛ فالتهمت الطعام، # والقطط!» # وعد # ما زلت أذكر كيف حملت أصيص الورود من غرفتي إلى جارتي ~~ورجوتها: ~~«اسقيها، من فضلك، سأعود قريبا.» # عدت بعد أربع سنوات، # وجدت الورود يابسة، أما جارتي فلم أعثر عليها. ~~«لم تعد لأنها تعلم أن الورود قد يبست.» # من يومها وهو يحمل مجرفة # لو أن البحر لم يلفظ طفله إلى الشاطئ، # لتعلل بأمل عودته ذات يوم؛ ~~«لهذا قرر الانتقام من البحر.» # جواب # وهو يضحك بشدة وسط معركة حامية، # تذكر طفله حديث الولادة. # حين شخ على بندقيته الرشاشة وبدلته العسكرية؛ # شم الجندي بدلته وتساءل: ~~«هل سأحمل طفلي من جديد؟» # أخطاء غير إملائية # وضعوه عند المدخل وانصرفوا؛ لم يعد الضباط قادرين على تحمل ردود ~~أفعال الآباء. وضعوه في مدخل البيت وانصرفوا كاللصوص. في تلك ~~الأثناء كانت الأم تكتب له رسالة، ذهبت لتفتح الباب، رأت التابوت ~~فعرفت كل شيء، لكنها عادت لتكمل رسالتها: # ولدي الحبيب، طالعت رسالتك الأخيرة وسررت بها كثيرا، ~~لقد تحسنت لغتك كثيرا، ثمة أخطاء بسيطة في الصياغة: ~~لفظة «باعتقادي» بادئة، بينما تركيب «بما أن» معقد، وفي ~~جملة «سأفعل كما قال أبي» يجب وضع فاصلة، وفي الجملة ~~الثانية «باعتقادي أنكما لن تشعرا بالخجل بسببي» يجب وضع ~~فاصلة أيضا. لا تنزعج ms3 من تصويبات أمك، تعرفني لا أطيق ~~الأخطاء الإملائية. الجو حار عندك، حاول ألا تصاب ~~بالبرد! أنت غالبا ما تصاب بالبرد حتى في الجو القائظ! # 1 # وضعت الأم رسالتها في مظروف واتجهت إلى المقبرة، لم تذرف الدموع، ~~وعندما عادت من المقبرة فتحت المظروف وأضافت ملاحظة: «لو عدت لي ~~سالما يمكنك أن تقترف ما تشاء من الأخطاء، لن أكلفك بواجب، وسأمحو ~~من ذاكرتك كل ما علمتك عن التضحية وحب الوطن.» # وضعت معلمة اللغة العربية الرسالة في مظروف جديد، وانطلقت إلى ~~البريد. # وفي رسائلها التالية أصبحت تقترف الكثير من الأخطاء. # كانوا يحدقون في الجدران طويلا # يذهبون فتية إلى الحرب؛ طمعا في الميداليات، وكأن الحرب ~~مسابقة للجري، الرابح فيها من تصل جثته أولا! يعودون في توابيت، ~~وعلى جدران البيت يعلق الآباء ميداليات الشجاعة. كلما نظروا إلى ~~ساعة الحائط تصطدم أعينهم بها، كأن كل حائط قبر عليه جثة ~~معلقة. ~~- «انظري، لقد فاز ابننا بميدالية.» يقول الأب. ~~- «لكنه لم يرها.» ترد الأم. # معجزة كل يوم # مذ علمت بمقتله وغلاية الشاي تصدر صفيرا إلى أن يتبخر ~~الماء. لكي تشرب الشاي من جديد عليها أن تفقد ذاكرتها أو أن تحدث ~~معجزة؛ فيعودان لشرب الشاي معا كما كانا يفعلان من قبل. ~~«تحدث المعجزة كل يوم، # تتبخر المحيطات # وتعود إلى غلاية الشاي التي تظل تصفر، # بينما هي ساهمة # تحدق في صورته على الجدار.» # سنعود بعد قليل # وقف حائرا مرتبكا أمام صفوف التوابيت وهو يفكر في طريقة يخفف ~~بها وقع الموت على نفوس الآباء والزوجات، خطرت للقائد فكرة، قال في ~~نفسه: «الأمل أفضل علاج لآلام الروح.» لم يكتشف القائد العسكري هذا ~~العلاج، لكنه أعاد تدويره فقط. على غلاف التوابيت كان مكتوبا: ~~«ممنوع الفتح»؛ لذلك كانوا يدفنون التوابيت دون معرفة محتوياتها. ~~استغل القائد عودة جندي كانوا قد دفنوا تابوته. أشيع الخبر ~~فأشرقت وجوه بقية المنتظرين بالأمل. توقفوا عن العمل وعادوا إلى ~~بيوتهم؛ فربما يعود البقية في أي وقت. قسمت كل عائلة نفسها إلى ~~ورديات، بعضهم ينتظر العائدين وبعضهم يذهبون إلى أعمالهم، وحين ms4 ~~يكونون مضطرين للخروج جميعا كانوا يتركون أبواب البيوت مفتوحة حتى ~~إذا عاد الأبناء المفقودون لا يضطرون للوقوف. كتبوا على كل باب: ~~«سنعود بعد قليل.» ~~«لم يكونوا يعلمون أن الجندي العائد # كان الناجي الوحيد.» # فخ # كانت تحلم بعائلة كبيرة لكنها تخاف أن تسرقهم الحرب. من بين كل ~~قوانين الحرب لم تكن الأم تعرف سوى قانون واحد: «وحيد أمه يعفى من ~~الخدمة العسكرية». من أجل ذلك لم تنجب سوى طفل واحد. هناك من لم ~~ينجب على الإطلاق، ولأن الحروب تعطل كل القوانين، لم يتزوج ~~البعض خوفا من أن تسن الدولة قانونا جديدا يجبرهم على الإنجاب. ~~الكل ينتظر نهاية حقيقية للحرب. ~~«يعتقدون أن السلام مجرد هدنة لإنجاب المقاتلين.» # تحديد نسل # عندما عاد أبي من الحرب لم يتكلم، # ولكي أفهم سر صمته # ذهبت إلى الحرب التالية ففهمت. ~~«وددت لو أعود لأقول لطفلي - الذي لم يولد بعد - ~~عبارة واحدة فقط.» # من مفكرة عائد # في البداية يكون الغضب هو الدافع للقتل، الكراهية وحدها لا تكفي. ~~يحرص القتلة وتجار الحروب أن تبقى نار الغضب والكراهية مشتعلة. ~~انطفاء شعلة الحرب سيعني اشتعال نار أخرى أشد، هي جحيم الضمير. ~~الضمير سجن لا يمكن الفرار من أسواره. الاعتراف بالذنب يكون حلا ~~وسطا، فربما تخفف زنزانة السجن من الحصار الذي يفرضه سجن ~~الضمير. # في ميادين المعارك يمنحونه الأوسمة؛ لأنه قتل المئات، أما هنا ~~فيحاكمونه لأنه قتل شخصا عن طريق الخطأ. كل ميدالية مشنوقة على ~~الحائط بمثابة جريمة يطلقون عليها بطولة. تنتهي الحرب لكن جحيمها ~~يستعر في داخله. الحرب وسيلة لإدمان القتل، والعودة إلى الوطن ~~منتصرين لا تضع حدا له إلا بعلاج الإدمان في مصحة السلام ~~الدائم. # الجنود يقهقهون لأتفه الأسباب، حتى على نكتة قديمة سمعوها عشرات ~~المرات. يقهقهون لأنهم يعلمون أنها قد تكون ضحكتهم الأخيرة، ومن ~~يضحك أخيرا في الحرب لا ينتصر بالضرورة. الحرب لا تعد بالنصر، ~~حتى لو كانت نتيجتها محسومة سلفا. ~~«كيف ينجب النصر والحرب عقيمة؟!» # جثة # أرسله أبوه للحرب؛ # لكي يصبح رجلا. ~~؟ # علموهم في العسكرية: «نفذ ثم استفهم.» ms5 # بعد انتهاء الحرب، أغلبهم لم يسأل. ~~«الذين عادوا لم يعودوا قادرين على طرح الأسئلة.» # حب # للمرة الثانية ينقذ ابنه من الموت، # في المرة الثالثة فجر الجسر كي يمنعه من القفز من ~~فوقه. # في الرابعة عصرا وجده أشلاء؛ # فجر الابن نفسه بما تبقى من بارود أبيه. ~~«عند الخامسة فقط فكر الأب في أولئك العالقين بين ~~الضفتين.» # أبناء # لم يحزن عندما زفوا إليه الخبر. # كان قد جهز صورة ببرواز. # لم يبق سوى تعليقها إلى جوار خمس صور أخرى تعلوها لوحة ~~«ولا تحسبن ...» # على الحائط المقابل علق بندقيته. ~~«كل بندقية على الحائط تساوي شهيدا في الجبهة.» # أخطاء قاتلة # من يومها لم يعد يأبه بالأخطاء الإملائية الشنيعة التي ~~يرتكبها الكتاب. # يكتبون التاء المربوطة هاء، لا يهم. # ترك وظيفته كمصحح لغوي. # لم يعد يطالع الكتب، أغلق حساباته في مواقع ~~التواصل، # ولزم البيت. # البيت يذكره بابنه المتوفى، لكنه أهون من كل ما ~~سبق. # خروجه من البيت يعني أن يذكر ابنه مع كل خطأ يقابله ~~في لوحات الشوارع والصحف والمواقع ... # مع كل كلمة خاطئة كان يقول لهم: ~~«ابني الصغير يعرف كيف يكتبها أفضل منكم.» # ابنه الصغير راح ضحية خطأ من نوع آخر. ~~«الطبيب الذي عمل له العملية كان يكتب التاء المربوطة ~~هاء.» # كاتم صوت # بمجرد أن تقتل ستقبض عليك الشرطة. # لن تستطيع الهرب، # ستفضحك أجهزة التعقب عن بعد. # الشريحة المزروعة في جسدك لم تمنع الجريمة، # لقد وضعت حدا للجريمة الكاملة فقط. # أنت لا تخشى القبض عليك، # وضميرك ميت إلى درجة يمكنك فيها قتل الجميع. # لكنك لا تريد أن تقتل الجميع، # تريد أن تقتل شخصا واحدا كتم صوتك، # ومات قبل أن تصل إليه. # كل ما كتبته أعلاه يسجله النظام الجديد، # لكنهم لن يقبضوا عليك. # لا شك أنهم يقهقهون الآن وأنت تذرع الغرفة جيئة ~~وذهابا، # وتأكل نفسك؛ لأنك لن تتمكن من القتل. ~~«لم يعد الانتحار بالمنومات شائعا إلا لأولئك الذي ~~يريدون أن يتم إنقاذهم.» # شاهد على ضريح # تتنازعني رغبتان: الرغبة في حرق جسدي بعد الموت، والرغبة في ~~شاهد رخامي ms6 على قبري . لكن القبر يحتاج إلى جثة، والجثة ستكون قد ~~أكلتها النيران وطيرتها الرياح. تعارض الرغبتين ليس العقبة ~~الوحيدة. السفر إلى بلد يحرقون فيه الموتى صعب جدا، لكن إلى يوم ~~يأتي الموت ربما أكون قد وجدت حلا وتمكنت من الهجرة ولو قبل ~~يوم من موتي. خلو القبر من جثتي لن يشكل عقبة مهمة، فالكثير من ~~الموتى يعيشون خارج قبورهم، مع ذلك لديهم شواهد رخامية محفور عليها ~~عبارة بليغة مقتبسة من رواية أو قصيدة أو كتاب مقدس، متبوعة بتاريخ ~~ميلاد ووفاة. بعضهم لديهم تاريخ واحد فقط: 21 أكتوبر 2016م. هذا ~~يجعلك تتساءل: لماذا لم يكتبوا تاريخ الوفاة؟! لكن مشاهدتك لبرامج ~~الحياة البرية على التليفزيون تجعلك تدرك السبب وأنت تستعيد صورة ~~صوص يخرج من بيضة إلى فم ثعبان دون أن يتمكن من استنشاق الهواء ~~وتجريب جناحيه. العقبة الأهم هي في الشاهد الرخامي، ماذا ستكتب ~~عليه؟! # أرغب بشاهد قبر دون تاريخ ميلاد أو وفاة، محفور عليه عبارة ~~خالدة. قد تقولون بإمكاني أن أقتبس عبارة مثلما يفعل كثيرون، لكن ~~تلك العبارات ملك لأصحابها، وبها يظلون على قيد الشفاه، كما أنني ~~لا أستسيغ العبارات المقدسة، ثم إنها تذكر الناس بالموت، وأنا ~~أبحث عن عبارة تذكرهم بالأبدية، عبارة بليغة لم يكتبها أحد قبلي، ~~هذا ما أحتاجه. لم أكتشفها حتى الآن، كأني قرد على آلة كاتبة لم ~~يفلح في كتابة جملة مترابطة على الرغم من استبدال الآلة بأحدث ~~الكمبيوترات. يحتاج القرد أن يستنشق الهواء ويجتاز الغابة وتجريب ~~الفصول الأربعة ملايين المرات قبل أن يكتب جملة واحدة عن ذاكرة ~~الموز. ~~«هل عرفتم الآن لماذا امتهنت الكتابة؟!» # أولاد تسعة # لم تكن الأرض على الشكل الذي تعرفونه من خلال الخرائط. كانت نسبة ~~الماء أكبر، ونسبة اليابسة أقل بكثير. من تلك اليابسة ظهرت الجزر، ~~لكنها لم تظهر هكذا فجأة أو كما علموكم في دروس الجغرافيا. ~~أنصتوا إلى القصة الحقيقية: # على يابسة كانت أشبه بقبضة وسط محيط ضخم عرف الناس الحرب. أثناء ~~إحدى الهدن توصلوا إلى فكرة سلام، قال صاحب الفكرة: «لنبن ms7 أرضا ~~أخرى وسط المحيط لتكون مكانا آمنا يسكن فيه كل من ينبذ ~~الحرب.» # رفع الجميع أصابعهم، وهنا عرفوا التصويت لأول مرة، قال المفكر: ~~«إذا كان الجميع يبحث عن الأمن والسلام، فلماذا تتحاربون؟!» ثم عرض ~~فكرة أخرى للتصويت عبر القرعة. كتب أسماء المتحاربين على ورقتين ~~ووضعهما في سلة ثم طلب منهم اختيار إحداهما ليكون أصحابها سكان ~~الأرض الجديدة. # كانوا بحاجة إلى وسيلة لنقل التربة إلى مكان قصي فوق المحيط، ~~من هنا خرجت فكرة السفن. قبلها لم يكونوا بحاجة للذهاب إلى أي ~~مكان. بعد أن صنعوا الجزيرة الأولى، انتقل أحد الفريقين إليها. ~~كانوا يعتقدون أن الجزر ستقلل من تواصلهم وستنتهي الحروب. لكن ~~الحرب لم تنته، وهكذا ظهرت الجزر واحدة تلو الأخرى إلى أن التصقت ~~ببعضها في يابسة كبيرة تسمونها اليوم: قارات. # أدرك الجميع أن الجزر لا تمنع الحروب؛ فجلسوا في هدنة يفكرون في ~~وسيلة لإيقافها. كان عدد القارات وقتها تسعا، فخطرت للتسعة ~~المجتمعين فكرة تبادل الأبناء، بمجرد أن يولد الطفل يحمل إلى أسرة ~~أخرى، والمولود في هذه الأسرة يؤخذ إلى أسرة أخرى، وهكذا. عم ~~السلام طويلا؛ إذ لم يكن يجرؤ أحد على قتل ابنه أو أخيه أو أبيه، ~~إلى أن قتل قابيل هابيل. من يومها والناس يفكرون بوسيلة لمنع ~~الحمل. # انقلاب # أعجبته تجربة المعتقل التي قرأ عنها كثيرا في سير ~~الكتاب، # أحب أن يخوضها، لكن لم يعد هناك معتقلات. # لم يعد هناك مظاهرات وثورات إلا عبر صناديق ~~الاقتراع. ~~«التحق بالجيش؛ فمن هناك يستطيع أن يعيد عقارب الساعة ~~إلى الوراء.» # تخطيط # الشوارع كلها بأسماء الشهداء، # ولأنها لم تعد كافية، توقفت الحرب. # ولأننا نخشى أن تخطط الدولة شوارع جديدة، ~~«توقفنا عن الإنجاب، # إلى أن صارت الشوارع فارغة.» # بتر # عند دخوله لاحظ أن سقف البيت عال، ~~«لم يكن بذلك العلو قبل الحرب!» # قذيفة # ذهبت إلى الحرب كممرضة، # لكن لم تسنح لها الفرصة لإسعاف أحد. # قبل الحرب # لم يكن أخرس. # محطة نوبل # في الطريق إلى محطة الباصات، # التقيت مراهقا يهذي بأمل: ~~«ماذا لو امتطيت شعاعا من ms8 الضوء؟» # همست في أذنه : ~~«جرب وسيلة نقل أخرى، # سبقك من امتطى الضوء إلى محطة نوبل.» # تركته وهو يهذي، كأم تنادي أطفالها المفقودين: ~~«تشيرنوبل ... هيروشيما ... ناجازاكي.» # حديث الروح # تبقى لدينا تلفاز وثلاجة وكرسي، هذه الأشياء البسيطة، ~~وملابسك التي عليك بالطبع تنقذ حياتك، لو أن قطاع الطرق يقتلون ~~الناس من أجلها فقط، في الأخير تصبح عاريا، ولا يعود لديك شيء ~~لتعطيه لهم. ~~«هكذا سلبوا حياتنا.» # تصفيق بيد واحدة # قبل أن تسلبه الحرب يديه وسمعه لم يكن يصفق في حفلات ~~الموسيقى، # كان يصغي بروحه ويصفق بقلبه. # لم يعد أحد يسأله: لماذا لا تصفق؟ # فجوابه القديم لم يتغير: ~~«يد واحدة لا تصفق، ولا يدان كذلك.» # اقتصاد # بعد فشل محاولة الانتحار استجوبني الضابط، لم يسألني: لماذا ~~تحاول قتل نفسك؟ سأل: «كيف تجرؤ على قتل نفسك دون أن تبلغنا؟» لم ~~أفهم السؤال فأعاد طرحه بصيغة أخرى: «جسدك غال علينا ومن السرف ~~إهداره هكذا بحبل مشنقة أو حبوب منوم.» بعد أسبوع أرسلوني إلى ~~الجبهة، قال لي المسئول عن التجنيد: «قد تعود بميدالية أو ~~ميداليتين أو في تابوت.» لم يضع في الحسبان أني قد أعود ~~مبتورا. # هجرة # وجده ملقى على الطريق، قال له: سأسعفك. # أسعفه إلى مكان. # خدروه. # لم يفق، لكن أمنيته في الهجرة تحققت. # إحدى كليتيه سافرت إلى باريس والأخرى إلى أمريكا، # وجزء من كبده إلى إيطاليا، # وهكذا استقرت أعضاؤه في أصقاع الأرض. # وحده قلبه ظل في الوطن، # استقر في صدر رجل وطني طالما أحب وطنه حد ~~الاستنزاف. # تيتا وتيتو ~~(سأل تيتو جدته عن الله؛ فدار بينهما هذا الحوار.) # تيتا: الله رحيم وقلبه كبير يا روح تيتا. # تيتو: كبير! كم حجمه؟! # تيتا: بحجم الدنيا. # تيتو: إذا كان كبيرا بهذا الحجم فلماذا لا نراه؟! # تيتا: لأنه بعيييييد! # تيتو: إذا كان قلبه كبيرا فدقاته كبيرة، لماذا لا ~~نسمعها؟! # تيتا: الضوضاء من حولنا تمنعنا من سماعها! # تيتو: طيب لماذا لا يرفع صوته أو يستعمل مكبرات صوت مثل ~~المسجد؟! # تيتا: الأهم هو أنه يسمعنا! # تيتو: إذا كان يسمعنا فلماذا لا يتدخل؟! ms9 # تيتا: كل شيء مسجل عنده في دفتر كبيييير، وسيأتي اليوم الذي ~~يتدخل فيه. # تيتو: طيب لماذا لا نرى صورته؟! هل هو خجلان منا؟! # تيتا: الله لا يخجل يا روح تيتا. # تيتو: صحيح، وإلا لم أخذ ماما وبابا وأصحابي الذين ألعب ~~معهم؟! # تيتا: ... # واصلت الجدة وحفيدها تيتو ذو الخمس سنوات طريقهما إلى مخيم ~~اللاجئين صامتين. كانت أصوات القذائف تطغى على أصوات مكبرات المآذن ~~وأجراس الكنائس. # فكر تيتو: «لعلها أصوات الله!» # حرب خفية # نظرات أسرته إليه وهو يغادر إلى الجبهة كانت تقول بأنه ~~لن يعود. # نجا من الحرب وعاد معاقا، لكنه لم يجد أحدا في ~~البيت. # جيش غير مرئي غزا المكان وقتل الجميع. # عتبة الرحيل # قصص ضحايا الحروب لا تصدق، # ولأن الحقيقة لا تقوى على الصمود أمام الفظائع ~~المرتكبة، # يلجأ الشهود على وحشية الإنسان إلى الكذب. # القليل من الكذب في مثل هذه الظروف يكون ~~ضروريا، # لا لتجميل الحقيقة ولا لتشويهها، # بل لطمس بعض معالم بشاعتها؛ # كي لا تصبح مألوفة في أنظار الأبرياء. # كلما كبرت المأساة ازداد الإنسان خرسا. ms10