######OpenITI# #META# URI: 1450SafiyaMukhtar.FalsafaHindiyyaMuqaddimaQasira.Hindawi60946246 #META# Tags: philosophy #META# ID: 60946246 #META# Title: الفلسفة الهنديَّة: مقدمة قصيرة جدًّا #META# AuthorID: 62971585 #META# Author: سو هاميلتون #META# EditorID: 46097241 #META# Editor: هبة عبد العزيز غانم #META# TranslatorID: 25135729 #META# Translator: صفية مختار #META# Related_books: 1450SueHamilton.IndianPhilosophyShortIntro (TRANSL) #META#Header#End# # مقدمة‏ # ملاحظة على اللغات المستخدمة‏ # 1 - التفكير والاعتقاد‏ # 2 - البدايات البرهمية‏ # 3 - هجر المنظومة البرهمية‏ # 4 - الموضوعات والمبررات‏ # 5 - الفئات والطريقة‏ # 6 - الأشياء واللاأشياء‏ # 7 - الشاهد والمشهود: يوجا وسانكيا‏ # 8 - الكلمة والكتاب‏ # تعقيب من الفكر الكلاسيكي إلى الوقت الحاضر‏ # قراءات إضافية‏ # مصادر الصور‏ # مقدمة‏ # ملاحظة على اللغات المستخدمة‏ # 1 - التفكير والاعتقاد‏ # 2 - البدايات البرهمية‏ # 3 - هجر المنظومة البرهمية‏ # 4 - الموضوعات والمبررات‏ # 5 - الفئات والطريقة‏ # 6 - الأشياء واللاأشياء‏ # 7 - الشاهد والمشهود: يوجا وسانكيا‏ # 8 - الكلمة والكتاب‏ # تعقيب من الفكر الكلاسيكي إلى الوقت الحاضر‏ # قراءات إضافية‏ # مصادر الصور‏ # | الفلسفة الهندية # | الفلسفة الهندية # | ‏‏مقدمة قصيرة جدا # تأليف # سو هاميلتون # ترجمة # صفية مختار # مراجعة # هبة عبد العزيز غانم # | مقدمة # الفلسفة الهندية في حوالي 35 ألف كلمة؟! كثيرون قد يرون هذا الأمر مستحيلا، ومن ~~المؤكد أن الأشخاص الذين قد يقتنعون ويحاولون تأليف مثل هذا العمل، لن يتناول اثنان منهم ~~الموضوع بالطريقة نفسها. وقد شرحت في الفصل الأول المنهج الذي اتبعته لتطويع هذه ~~المادة المتنوعة لتناسب أغراض هذا الكتاب. وعلى أية حال، فالأهداف الأساسية من سلسلة «مقدمة ~~قصيرة جدا» هي إعطاء نبذة، وتوجيه القارئ المهتم إلى موضوع أكبر وأكثر تعقيدا مما يمكن ~~للكتاب تغطيته على نحو شامل، وجعل مثل هذا الموضوع في متناول الشخص المبتدئ. كانت هذه هي ~~الخطة التي سرت على هداها، وآمل أن يثير هذا الكتاب تفكير القارئ أيضا؛ أولا من ~~ناحية تقديم أساليب تفكير مختلفة جدا للعالم الذي نعيش فيه، وثانيا من ناحية دفع ~~المهتمين بالموضوع إلى مزيد من التحقيق فيه. ومن أجل هذا الهدف توجد قائمة بالكتب الإضافية ~~الموصى بقراءتها في نهاية الكتاب. # عند تناول فكر فلسفي بطريقة تمهيدية، وعند العمل بالاستعانة بنصوص مكتوبة بغير لغة ~~المؤلف، يواجه المؤلف مشكلتين عمليتين؛ ألا وهما الحاجة إلى استخدام مصطلحات تقنية ~~مرتبطة بالموضوعات الفلسفية، وكذلك الطريقة المثلى لترجمة الكلمات المفتاحية والاقتباسات ~~النصية. وقد حاولت استخدام المصطلحات التقنية في أضيق الحدود، لكني وضعت مربعات ~~نصية مفسرة لمعناها في الأجزاء التي يكون من المهم للغاية استخدام المصطلح ms001 فيها حين ~~يتطلب الأمر تعريف المبتدئ به. وعلى أية حال، يجب أن نتذكر أن معرفة المصطلحات نفسها أقل ~~أهمية من فهم ما تشير إليه. # وفيما يتعلق بالترجمة، ففي بعض الأحيان تكون الكلمة المفتاحية لا يمكن ترجمتها إلى اللغة ~~المستهدفة على نحو واضح المعنى، وفي مثل هذه الحالات ~~تركتها بصيغتها الأصلية المكتوبة باللغة السنسكريتية أو البالية. وأود أن أطلب من القارئ ~~ألا ينزعج من غرابة تلك الكلمات؛ فمعظم المجالات المعرفية والعلوم - كما هو الحال في ~~اللاتينية والإغريقية والأعمال التراثية الكبرى اللغوية أو الثقافية، والرياضيات والفيزياء، ~~والتكنولوجيا المعاصرة وعلوم الكمبيوتر - تتطلب قبول وتعلم القليل من المصطلحات ~~الأساسية التي قد تبدو غريبة في البداية. والكلمات غير المترجمة قليلة العدد في هذا ~~الكتاب، وفي كل حالة من حالات ورود هذه الكلمات أعتقد أن السياق الواضح المستخدمة فيه هذه ~~الكلمات سوف يساعد القارئ على فهمها. # وعندما يتطلب الأمر اقتباس مقتطفات طويلة من نصوص أولية تظهر مشكلة أكبر تتعلق بكيفية ~~الترجمة الحرفية لهذه المقتطفات، والفكرة ليست فقط في أن الالتزام بالقواعد النحوية وطريقة ~~صياغة النص الأصلي يؤدي في أغلب الأحيان إلى لغة صعبة ومتكلفة، ولا في أن كثيرا من كلمات ~~النص ببساطة ليس لها مرادف ذو معنى في اللغة المترجم إليها، بل أيضا في أن الترجمة ~~الحرفية تفشل في الغالب في إيصال المعنى المقصود. وبعد أخذ كل هذه الأمور بعين الاعتبار، ~~وجدت أنه يفضل نقل الفقرات الأصلية إلى اللغة المستهدفة بأسلوب مفهوم كلما أمكن ذلك؛ ~~ولهذا السبب حاولت استخدام أسلوب عادي معاصر، وحرصا على وضوح المعنى لم أحجم في بعض ~~الحالات عن إعادة الصياغة بدلا من الترجمة على نحو رسمي للغاية. وفي العموم، كان هدفي هو ~~توصيل النقاط المفاهيمية التي ينطوي عليها الجزء المقتطف بأكبر قدر ممكن من الوضوح. ويمكن ~~للقراء - إذا شاءوا - أن يستعينوا بترجمات أخرى منشورة لهذه النصوص؛ إما بغرض المقارنة، ~~أو الاطلاع على معالجات بديلة للنص. وكل الترجمات أو المعالجات النصية الواردة في هذا ~~الكتاب خاصة بي ما لم أذكر خلاف ذلك. # أود ms002 أن أتوجه بالشكر إلى جورج ميلر من مطبعة جامعة أكسفورد لتشجيعه لي على تأليف هذا ~~الكتاب، ولتوجيهه اللطيف واقتراحاته. وأوجه الشكر أيضا إلى تريسي ميلر على نصائحها التي ~~لا تقدر بثمن خلال عملية التحرير. وأتقدم بوافر الامتنان إلى كلية كينجز كوليدج في لندن ~~لسماحها لي بأخذ إجازة لمدة سنة لتأليف هذا الكتاب في وقت كان فيه كل الأكاديميين تحت ضغط ~~هائل لنشر قدر ضخم من «الأبحاث الأولية». # وأتوجه بكثير من الشكر أيضا إلى مورييل أندرسون، وسيسيليا ستور، وجاي واتسون؛ على ~~وقتهم الثمين الذي قضوه في قراءة المسودة الأصلية ~~للكتاب والتعليق عليها، كما أنني أتحمل كامل المسئولية عن النسخة النهائية. إلى ريتشارد ~~جومبريتش، الزميل والصديق: شكرا لك على القدر الهائل من النصح والنقد والدعم، ليس فقط في ~~سياق هذا المشروع وحده. وأدين أيضا بالشكر لكلير بالمر التي طالما كانت آراؤها مقياسا ~~رائعا لنجاح أعمالي، وتبادلت معها الأفكار والخواطر، وإليها أهدي الفصل السابع. # | ملاحظة على اللغات المستخدمة # يتناول الكتاب لغتين مستخدمتين من قبل التراث الهندي، وهما: اللغة السنسكريتية واللغة ~~البالية. وكما هو موضح في الفصول الأولى، بدأ التراث عندما هاجر أناس أطلقوا على أنفسهم ~~اسم الآريين من وسط أوراسيا إلى شمال الهند، عن طريق باكستان الحالية، منذ مئات السنوات ~~قبل الميلاد، وكانت اللغة التي استخدموها في حفظ ممارساتهم الشعائرية هي السنسكريتية، وقد ~~نظمت هذه اللغة في وقت لاحق في شكلها «الكلاسيكي» على يد نحوي يدعى بانيني (انظر ~~الفصل الرابع). وتعرف اللغة السنسكريتية في تاريخ اللغات باللغة «الهندو- آرية القديمة»، ~~وهي اللغة المدون بها معظم المواد الفلسفية الهندية. وبمرور الوقت ~~ظهرت - بالإضافة إلى السنسكريتية الكلاسيكية - ~~صور أخرى متنوعة وأكثر شيوعا من اللغة، وتعرف حاليا إجمالا باسم اللغات «الهندو-آرية ~~الوسطى». وإحدى هذه اللغات هي اللغة البالية، وهي اللغة المحفوظ بها كثير من النصوص البوذية ~~الأولية. ويتضح الارتباط الوثيق بين اللغتين في الكلمة السنسكريتية «دارما» التي ترادفها ~~كلمة «داما» في اللغة البالية، وكذلك كلمة «نيرفانا» التي تصبح «نيبانا» في اللغة ~~البالية (أو نيرفانا كما تستخدم في ms003 الإنجليزية). # اللغة السنسكريتية واللغة البالية كلتاهما لغتان صوتيتان تعتمدان على الأبجدية نفسها، ~~وهذه الأبجدية أطول إلى حد ما من الأبجدية الرومانية المعروفة، وكثير من الحروف الإضافية ~~يمثل بإضافة ما يعرف باسم «علامات التشكيل»؛ فمثلا بعض الحروف تختلف طريقة نطقها ~~باختلاف علامة التشكيل، ونجد في بعض الأحيان أن الأعمال المترجمة تنقل هذه الكلمات وفقا ~~لصوت الحرف لا لشكله، ورغم ذلك فالنطق يصبح أكثر دقة في حالة وجود علامات التشكيل؛ ~~ولذلك اخترت استخدام الأبجدية السنسكريتية والبالية كاملة في هذا الكتاب. # إن التعود على طريقة النطق يمكن أن يساعد في التغلب على الشعور بالغرابة الذي قد ~~يراود المرء في البداية عند نطق هذه الكلمات. # إن التمرن على نطق الأمثلة القليلة التالية سوف يساعد في التعود على طريقة النطق، ~~فجرب نطق الكلمات التالية: # ريشي، هيمالايا، داما، سانسارا، ناجارجونا، بهارتريهاري، أنفيكشيكي، أتمان، ميمانسا، ~~دارشانا، موكشا، فايشيشيكا، شانكارا، سانكايا، فيشيشتا أدفايتا فيدانتا. # الفصل الأول # | التفكير والاعتقاد # الثراء والتنوع في الفكر الهندي # تزخر الهند بتراث طويل وثري ومتنوع من الفكر الفلسفي يمتد لما يقرب من ألفيتين ~~ونصف الألفية، ويتضمن العديد من التقاليد الدينية الكبرى. ويحظى الدين في السياق الفلسفي ~~بأهمية كبيرة؛ لأن العادة في الهند جرت على اعتقاد أن دور الفلسفة - أو بالأحرى محاولة ~~فهم طبيعة ما يركز المرء عليه - يرتبط ارتباطا مباشرا بالمصير الشخصي للفرد؛ ومن ثم ~~فإن الفلسفة لا تعتبر نشاطا فكريا احترافيا يمكن ممارسته في نهاية يوم العمل، بل ~~محاولة لفهم الطبيعة الحقيقية للواقع باعتبارها مطلبا داخليا روحيا. ويمكن القول إن ما ~~يطلق عليهما الغربيون الدين والفلسفة يجتمعان في الهند في محاولات الأشخاص فهم معنى ~~وتركيبة الحياة بالمعنى الأوسع. وتشبه هذه المحاولات طريقة سقراط أكثر مما تشبه الدين بصفته ~~إيمانا بالوحي، وأكثر مما تشبه الفلسفة بصفتها مادة أكاديمية. # التفكير والإيمان # إن مسألة طبيعة الفلسفة الهندية من ~~المسائل التي يهمنا فهمها من البداية؛ ومن ثم فهي تستحق الاستفاضة فيها بعض ~~الشيء. في الغرب، بالتأكيد منذ أن فصل ~~الفيلسوف الألماني العظيم إيمانويل كانط بين الرب وبين ms004 ما اعتقد أنه من الممكن معرفته ~~عن طبيعة الأشياء من خلال التفكير، أصبح يوجد فرق واضح بين الفلسفة والدين، وأصبح ~~الدين يعتبر مجالا لا يسمح فيه فحسب ب «الإيمان بالغيبيات»، بل يطلب هذا الأمر في ~~بعض الأحيان، وقد تعطى الأولوية لما يزعم صحته أشخاص معينون فقط بسبب مواقعهم ~~وهوياتهم (وهذا يعني الإيمان بصحة كلامهم بغض النظر عما إذا كانت صحته ممكنة الإثبات ~~أو حتى مثيرة للجدل)؛ وأصبحت توجد مستويات متفاوتة من «الغيرية»؛ مثل وجود إله متعال، ~~أو كائنات ذات مكانة أو معرفة تفوق البشر أو تخرق الطبيعة، أو وجود أنواع مختلفة من ~~مصادر القوى الفائقة للبشر أو الخارقة للطبيعة، وكل هذه العوامل أو أي منها «يؤمن» ~~بها معتنقو التقاليد الدينية المختلفة؛ إما إيمانا مطلقا لا يخالطه شك، أو في إطار ~~الشك والتساؤل، ويسمى هؤلاء الأشخاص ب ~~«المؤمنين». # وتوجد نقطة أساسية لهؤلاء المؤمنين تتمثل في أنهم يعتقدون أيضا أن ممارسة دينهم ~~ترتبط ارتباطا مباشرا بمصيرهم. وتختلف تفاصيل هذه العلاقة؛ فبعضهم يعتقدون أن حياتهم ~~في المكان والزمان الحاليين تتأثر بمعتقداتهم وممارساتهم الدينية، وبعضهم يعتقدون ~~أنهم يحصدون نتائج تلك المعتقدات والممارسات بعد الموت فقط، وبعضهم يعتقدون أن ما يحدث ~~لهم في الحياة الحالية وكذلك بعد الموت ينتج مباشرة عن معتقداتهم وممارساتهم الشخصية، ~~بينما يعتقد آخرون أن مصائرهم تحددها تماما القوة «الغيرية» المتعالية الفائقة للبشر ~~التي يؤمنون بها، وأخيرا يعتقد البعض أن مصائرهم يحددها مزيج من الاثنتين. وبغض ~~النظر عن التفاصيل المفهومة، فإن وجود هذه العلاقة بين المعتقدات والممارسات الدينية ~~ومصير الفرد - خاصة بعد الموت - هو السبب في أن يشار إلى الأديان بأنها سوتريولوجيا ~~أو «أنظمة خلاص». ~~«الدين باعتباره سوتريولوجيا»: # كلمة ~~سوتريولوجيا مشتقة من كلمة إغريقية هي «سوتر» وتعني «المخلص». وفي الاستخدام ~~الشائع، ليس من الضروري لأحد النظم العقائدية أن يكون لديه شخصية مخلص ~~فعلية كي يوصف النظام نفسه بأنه سوتريولوجيا؛ فالنقطة الأساسية هي أن مصير ~~المؤمنين بهذا النظام العقائدي يعتقد أنه يرتبط ارتباطا مباشرا بمعتقداتهم ~~وممارساتهم. # وعلى النقيض من هذه النظرة، فمنذ كانط ms005 ~~أصبح مبحث الفلسفة مهتما على نحو أساسي بالبحث عما يمكن معرفته عن طبيعة وتركيبة ~~الحقيقة من خلال النقاش العقلاني وحده، وهذا يعني أنه أيا كانت الموضوعات المحددة ~~التي يشغل الفلاسفة أنفسهم بها، فإنه يجب أن تكون طريقتهم في مناقشتها شديدة المنطقية؛ ~~بمعنى أنه لا يسمح بالإيمان بما لا يمكن إثباته، ولا توجد كلمة تعلو على كلمة العقل، ~~وليس ثمة جزء في هذه الممارسة يعتبر أي شيء غير كونه محاولة فكرية بشرية. علاوة ~~على ذلك، يعتبر التفلسف، بغض النظر عن الموضوع الذي يناقشه، محض غاية فكرية في حد ~~ذاته، وليس له أي أثر على الفرد مطلقا؛ فالفلسفة ببساطة ليست لها علاقة ~~بالسوتريولوجيا، وفي واقع الأمر هذه سمة مهمة تميزها عن الدين. # توجد ملاحظتان مهمتان عن الفرق بين الدين والفلسفة؛ أولى هاتين الملاحظتين هي أنه ~~على الرغم من الاختلاف بين الدين والفلسفة، فإن كلا المجالين يتشاركان في عدد من ~~الاهتمامات المشتركة، والملاحظة الثانية هي أنه حتى في الغرب لم يكن هذا الفرق واضحا ~~دائما. وتكمن أوجه التشابه في أن كلا من الدين والفلسفة يهتمان في الأساس بطبيعة ~~الحقيقة؛ فعلى سبيل المثال، لنفترض أن أحد الأديان يقر التعاليم التالية: هناك رب ~~يقره هذا الدين، وهذا الرب متعال تماما عن الكون الذي نعرفه، وهو خالق كل شيء، ~~والعالم المخلوق يشمل بشرا بأرواح خالدة، وسلوك الفرد يؤثر على حياته الآخرة. حتى من ~~هذا القدر القليل من المعلومات يمكننا أن نعرف أنه وفقا لهذا الدين فإن الحقيقة ~~تتكون من نوعين من الكائنات المستقلة تماما بعضها عن بعض (وهما في هذه الحالة الإله، ~~وغير الإله)، وأنه لا يمكن أن يوجد أي شيء آخر؛ لأن الرب هو خالق كل شيء. ونعلم أيضا ~~أن جزءا على الأقل من الكائنات غير الإلهية يتسم بأنه جماعي (أي يجمع كل الأرواح ~~الفردية) وأنه خالد كذلك. وببساطة، فهذه النقطة الأخيرة تخبرنا بشيء مهم عن طبيعة ~~البشر، فهم في أنفسهم جزء من الحقيقة يمكن أن يتكون بأي عدد من الطرق. وبالإضافة إلى ~~ذلك، فإننا ms006 نعلم أن نوعا من الأنظمة السببية يربط السلوك الحالي بشكل مجهول من أشكال ~~الوجود المستقبلي . # وعلى الرغم من وجود جوانب أخرى كثيرة عن طبيعة الحقيقة قد يهتم المرء بمعرفتها، وقد ~~يكون للدين ما يقوله عنها أيضا، وعلى الرغم من أن هذا المثال يتسم بالعمومية؛ فإن ما ~~يذكره يتناول اثنين من الموضوعات الأساسية التي تهم الفلسفة أيضا، وهما: كيفية ~~تكون الحقيقة في الأساس، وطبيعة البشر. # ومن الاهتمامات الأخرى المشتركة بين الدين والفلسفة طريقة توصل المرء لمعرفة ~~إجابات مثل هذه الأسئلة الرئيسية؛ ففي حالة ذلك الدين المفترض، لو كانت التعاليم ~~تعطى عن طريق رب يفوق البشر يسلم المؤمنون بكلامه بوصفه الحقيقة، فإن هذه ~~المعرفة مكتسبة من خلال «الوحي» أو ما يمكن أن نسميه «الشهادة اللفظية». وفي ~~الحقيقة، كلنا نعتمد على الشهادة اللفظية إلى حد كبير في حياتنا اليومية؛ فالأشخاص ~~الذين لم يسافروا مطلقا إلى قارة أنتاركتيكا، على سبيل المثال، يسلمون بصحة روايات ~~الأشخاص الذين رأوا القارة في المكان الذي تحدده الخريطة. وكون المخاض عملية مؤلمة ~~يعد أمرا مسلما به لدى الأشخاص الذين لم ينجبوا؛ اعتمادا على كلام أولئك الذين ~~خاضوا هذه التجربة. وجميعنا نطلع على كل أنواع الأشياء على نحو منتظم على أساس شهادة ~~المراسلين الصحفيين والمعلمين والكتاب والعلماء والباحثين الخبراء وغيرهم. وفي ~~المواقف اليومية، من الممكن التأكد من صحة المعلومات المكتسبة بهذه الطريقة ولو ~~مبدئيا على أقل تقدير. وما يجعل الموقف الديني مختلفا ليس وسيلة المعرفة إنما هو ~~استحالة التأكد من صحة المعلومات المكتسبة؛ فالمعلومات التي يقدمها معلم الدين لا ~~يمكن سوى التسليم بصحتها على أساس الثقة أو «الإيمان بها». والفيلسوف سيعتبر عدم ~~القدرة على التحقق من المعلومة أمرا غير مقبول، ولن يعتبر المعلومة التي تتحدث عن ~~طبيعة الحقيقة صحيحة. وعند تناول الموضوعات نفسها، سوف يعتمد الفيلسوف فقط على عمليات ~~المعرفة العقلانية أو المنطقية. والفلسفة بهذه الطريقة تهتم على وجه التحديد بما ~~يعرف باسم «حدود المعرفة»، وهذا يعني أن الفلسفة تسعى إلى وضع معايير يمكن وفقا ~~لها تحديد ما إذا كان ms007 من الممكن اعتبار أن البيانات معرفة مقبولة على أساس مشروع ~~أم لا. ويشار إلى نظريات المعرفة (الطريقة التي نعرف بها) باسم الإبستيمولوجيا. # شيء يهم كلا من الدين والفلسفة # تتعلق «الميتافيزيقا» (ما وراء الطبيعة) بطبيعة الحقيقة ككل؛ فهي تتساءل ~~عن طريقة تكوين الحقيقة في الأساس، وعن أنواع وطبيعة المكونات التي قد تكون ~~موجودة، وعلاقة بعضها ببعض. ومن الموضوعات المهمة فيها: العالم/الفضاء/الكون؛ ~~البشر، وغيرهم من الكائنات، والسببية. ~~«إبستيمولوجيا» (مشتقة من الكلمة الإغريقية «إبستيمي»، وتعني «المعرفة») تهتم ~~بوسائل المعرفة، وتتضمن وسائل المعرفة الشائعة: النقاش المنطقي أو التفكير، ~~والاستنتاج، والشهادة، والإدراك الحسي. # وفيما يخص النقطة الثانية المذكورة آنفا المتمثلة في أنه لم يوجد دائما ذلك الفصل ~~واضح المعالم بين ما هو دين وما هو فلسفة؛ فلقد بدأ التراث الفلسفي الغربي في اليونان ~~في فترة ما قبل المسيحية، في مكان وزمان كان فيهما كثيرون يسعون إلى معرفة المزيد ~~عن طبيعة الحقيقة، وكان الهدف والغرض من ذلك آنذاك تحقيق الحكمة في هذا الصدد، وأي ~~معلومة ذات علاقة بحقيقة الحقيقة كانوا يرونها في ضوء اكتساب الحكمة؛ ومن ثم أصبحت ~~الفلسفة هي «حب الحكمة». ولم تكن الفلسفة تتضمن أي مفهوم متعلق بالسوتريولوجيا كما ~~نفهمها، ورغم ذلك، فإن الافتراضات المختلفة المتعلقة بطبيعة الحقيقة التي قدمها ~~الفلاسفة الإغريق القدماء شملت موضوعات يمكن أن نجدها أيضا جزءا من التعاليم ~~الدينية. لقد شغلوا أنفسهم بطبيعة العالم والبشر، وأهمية سعي البشر وراء الحصول على ~~الحكمة، ورأوا أن هذا هو أسمى نشاط ممكن للبشر، وأنه من الضروري أن يطمح إليه البشر، ~~إذا أمكن ذلك. وقدم البعض أيضا - لا سيما سقراط - اقتراحات حول كيفية الجمع بين ~~السعي وراء الحكمة وعيش حياة جيدة على نحو مثالي. # وبعد الإغريق، ظلت الفلسفة الغربية في ~~الحقبة المسيحية واقعة لقرون عديدة تحت سيطرة أشخاص كانوا أيضا غاية في التدين، ~~وكانوا يسعون لفهم المزيد عن «عالم الرب». وكان الفلاسفة أصحاب القدرة الهائلة على ~~الاستبصار والتأثير العظيم، أمثال أوغسطين وأنسلم وتوما الأكويني وديكارت وهيجل، كلهم ~~مسيحيين ممارسين للشعائر، وسعوا لحل المشاكل الدينية ms008 والفلسفية بدلا من الفصل بينها. ~~وفي حين أن اهتمامات هؤلاء المفكرين العظماء كانت واسعة النطاق للغاية، فقد كان من ~~الموضوعات ذات الأهمية الكبيرة بالنسبة لهم كيفية وجود الرب ضمن منظومة الحقيقة. لقد ~~كان وجود الرب، كما هو مفهوم في التراث المسيحي، مقبولا كحقيقة بديهية باعتباره عقيدة ~~راسخة، لكن هؤلاء الفلاسفة حاولوا أيضا إثبات وجود الرب بالاستعانة بالنقاش ~~العقلاني؛ وبهذه الطريقة سيصبح الإيمان متوافقا مع العقل بدلا من أن يكون متناقضا ~~معه. وقالوا أيضا - لا سيما ديكارت - إن طبيعة الرب تتمثل في أنه يمكن للمرء أن ~~يعتمد بأمان على مساعدته وحدها في التغلب على جوانب القصور في التفكير. بذلك انضم ~~الإيمان إلى التفكير في السعي الهادف للفهم، وبالفعل وسع نطاق احتمالات الفهم. لقد ~~كان هؤلاء الفلاسفة واعين جيدا لما يفعلون، لكنهم ظنوا أن طريقتهم طريقة مشروعة ~~تماما، وكان أول فيلسوف في الغرب المسيحي يشكك جديا في مشروعية الخلط بين ~~الإيمان والتفكير في السعي وراء المعرفة هو كانط، وأكد كانط على أن ما يمكن للمرء أن ~~يعرفه معرفة يقينية يقتصر تماما على ما يمكن تأكيده من خلال التفكير، وأن هذا لا ~~يشمل أي شيء له علاقة بالرب. وكان كانط - بصفته مسيحيا ورعا - مؤمنا بوجود ~~الرب، ورغم ذلك، فصل هذا الإيمان بالرب عن المنطق الفلسفي، وقال إن المرء لا يمكنه ~~أبدا الوصول لمعرفة يقينية عن المسائل الإيمانية، وإن هذه المسائل كانت وستظل دائما ~~معتقدات، وإن المعرفة اليقينية تخص الفلسفة. # وبهذه الطريقة يزعم التراث الفلسفي ~~الغربي في الوقت الحاضر أنه يهتم فقط بالمعرفة اليقينية ويحقق فقط في تلك الموضوعات ~~التي يمكن التفكير فيها من خلال أساليب النقاش المنطقي. وأصبح هذا المعيار المنهجي ~~مفروضا على نحو صارم، لدرجة أنه منذ أوائل القرن العشرين لم يشغل غالبية الفلاسفة ~~أنفسهم بأسئلة ميتافيزيقية كبيرة مثل: ماذا يوجد هناك؟ وما الموجود؟ وما الحقيقة ~~المطلقة فيما يتعلق بطبيعة الحقيقة؟ ويقول البعض إن الإجابة عن مثل هذه الأسئلة تتضمن ~~استنتاجات تخمينية للغاية على نحو يجعلها غير مقبولة على نحو آمن ضمن ms009 حدود الفهم ~~الممكن؛ ولذلك من الأفضل الإعراض عن تلك الموضوعات. وقال البعض الآخر إن الأسئلة ~~المتعلقة بأي شيء قد يتجاوز التجربة البشرية التجريبية هي أسئلة عبثية بطبيعتها. ~~وعلى هذا النحو يبدو أن الفلسفة الحديثة تشغل نفسها بالأسئلة المفصلة والتقنية ~~المتعلقة بكافة أنواع التحليلات المنطقية واللغوية. أما الموضوعات على شاكلة ~~الأخلاقيات والخير التي ناقشها الفلاسفة الأوائل في سياق الطريقة التي يجب أن يعيشوا ~~بها حياتهم أثناء سعيهم إلى الحكمة أو الفهم، فتتناولها الفلسفة المعاصرة وتناقشها ~~باعتبارها مجردات فكرية. وأصبحت الفلسفة الاحترافية منفصلة عن السعي الشخصي، وبالنسبة ~~للكثيرين أصبحت الفلسفة في حد ذاتها مفهومة فقط بهذا المعنى الحديث. # عند تناول أصول وتطور التراث الفلسفي الهندي، يحتاج المرء إلى فهم دور الفلسفة ~~بقدر أكبر بمعناها التقليدي أو الأصلي، كما ذكرنا في السابق، بدلا مما أصبح مفهوما ~~عنها في العصر الحديث. وتعنى الفلسفة في الهند بالسعي إلى فهم طبيعة الحقيقة. علاوة ~~على ذلك، فالهدف من القيام بذلك هو اعتقاد أن فهم الحقيقة له أثر عميق على مصير ~~الفرد. ويعد هذا الهدف سوتريولوجيا على نحو مباشر بالنسبة للبعض، بينما يراه البعض ~~الآخر غير ذي صلة بالسوتريولوجيا، لكنه بالنسبة للجميع مهمة روحية ونشاط مرتبط ~~بالتراث الديني. وفي واقع الأمر، فإن الفصل الذي نتحدث عنه بين الدين والفلسفة لم يكن ~~مفهوما في الهند حتى الفترات الأخيرة، عندما بدأت الإرساليات الغربية وبدأ الأكاديميون ~~الغربيون في الفصل الجبري بين السمات المختلفة للموروثات الهندية من أجل أن تصبح مقبولة ~~على نحو أيسر ضمن إطار التصور الغربي. # وقبل تناول بعض ملامح الإطار الهندي بمزيد من التفصيل يلزم توخي الحذر مما يلي: ~~ربما بسبب التداخل بين الفلسفة والدين في الهند يوجد ميل في الغرب إلى اعتبار الفكر ~~الهندي «صوفيا» بل «سحريا»، على النقيض من «عقلانية» الغرب، وهذا خطأ؛ فهذه النظرة ~~جاءت من إضفاء صورة خيالية على الأنظمة الفكرية التي نشأت في مكان آخر وقدمت نفسها ~~على نحو مختلف، فضلا عن نعت كل ما هو غير مألوف بالغرابة والشذوذ. ويوجد في واقع ~~الأمر ms010 تراث قوي من النقاش العقلاني في الهند، وكان هذا التراث مهما لمناصري ~~الأنظمة الفكرية المتعددة في الهند مثلما كان مهما لفلاسفة الغرب الكبار. # عندما يتناول الغربيون التراث الهندي لأول مرة، سواء أكان مقصدهم دينيا في ~~الأساس أم فلسفيا، فإنهم يواجهون مشكلتين متساويتين ومتناقضتين؛ تتمثل الأولى في ~~إيجاد شيء قابل للإدراك وسط هذه التعددية المحيرة على نحو واضح، وتتمثل المشكلة ~~الثانية في عدم فرض مثل هذا القيد على المادة بحيث نغفل جوانب مهمة في هذه ~~التعددية. والمثال التقليدي للمشكلة الثانية هو «الهندوسية»؛ فبسبب هذا الاسم ~~(الهندوسية) توقع الغربيون وجود فكرة موحدة مثلها مثل بقية «المعتقدات» الأخرى، ~~وظلوا في حيرة مما وجدوا، إلى أن اكتشفوا أن الهندوسية هي مصطلح أطلق في القرن ~~التاسع عشر على مجموعة أنظمة فكرية معقدة ومتعددة للغاية، وكان من أطلقه هو غيرهم ~~من الغربيين الذين لم يقدروا ذلك التعقيد. فكر في المنطقة التي تغطي أوروبا ~~والشرق الأوسط في وقت بداية التقويم الميلادي، وافترض أن غرباء أطلقوا مصطلحا واحدا ~~على «دين» هذا الزمن وهذه المنطقة. هذا التصور سوف يعطي فكرة عما حدث عندما أطلق على ~~«دين» الهند اسم الهندوسية، وعدد الأمور اللازم تفسيرها كي نفهم هذا التراث وفقا ~~لمفاهيمه الخاصة. # لكن مثلما يتشارك الكثير من جوانب دين وفكر أوروبا والشرق الأوسط في أصول ~~وموضوعات وأنظمة معينة، ومثلما تتشارك إلى حد كبير في رؤية العالم والإطار التصوري؛ ~~فإن الأمر نفسه ينطبق على الهند؛ ومن ثم فما يجب على المرء فعله لفك هذا التعقيد ~~وجعله قابلا للإدراك هو العثور على تلك الأصول والموضوعات والأنظمة المشتركة، وأن يألف ~~رؤية العالم والإطار التصوري اللذين يدور في فلكهما الفكر الهندي. ولحسن الحظ فإن الهند ~~لديها فترة تعد نظيرة للفترة الإغريقية القديمة، وتلك هي الفترة التي بدأ فيها التراث ~~الفلسفي الهندي. وعلى الرغم من أن المفكرين الهنود القدماء كانوا يستعينون حتى بأفكار ~~وتصورات أكثر قدما ويطورونها، وبعض هذه الأفكار والتصورات معروفة لنا، فإنه خلال ~~القرن الخامس قبل الميلاد بدأت مدارس فكرية يمكن تحديدها على نحو ms011 واضح في اعتراف ~~بعضها ببعض، والتفاعل والجدل والسعي إلى تفنيد الرؤى، والاندماج في بعض الأحيان. ~~وبداية من هذه الفترة عاشت المناهج المختلفة جنبا إلى جنب، وظل بعضها داخل إطار ~~التراث الذي أطلق عليه الغربيون بعد ما يقرب من ألفي سنة اسم «الهندوسية»؛ اعتمادا ~~على فهمهم القديم له، والبعض الآخر أسس تعاليم أخرى مثل البوذية والجاينية. وستكون ~~هذه الفترة القديمة موضوع الفصلين الثاني والثالث. # استبصار الحقيقة # كان يشار إلى الفلسفة الهندية قديما باسم «دارشانا»، وهذا المصطلح نفسه يعطينا ~~إشارة إلى رؤية العالم والإطار التصوري اللذين تعمل الفلسفة الهندية خلالهما، فالمعنى ~~الحرفي لمصطلح «دارشانا» هو «الرؤية»؛ أي امتلاك «البصيرة» المعرفية لشيء، أما المعنى ~~الضمني الذي ينطوي عليه هذا المصطلح فهو أن ما «يرى» أو «يبصر» هو حقيقة طبيعة ~~الحقيقة، وهذا يوضح أن فهم طبيعة الحقيقة هو هدف الفلسفة في الهند. وكان يشار إلى ~~المعلمين الأوائل المرتبطين بأنواع محددة من فلسفة الدارشانا باسم «ريشي»؛ وتعني ~~«الناظرين». # ومن هذا المنطلق فإن مصطلح «دارشانا» يشير أيضا إلى شيوع التسليم بأن البشر قادرون ~~على اكتساب رؤية فعلية، بمعنى معرفة تجريبية للحقيقة الميتافيزيقية؛ فالبصيرة، أو ~~الحكمة، لا تقتصر في الفكر الهندي على المعرفة الفكرية. وبينما يلعب النقاش العقلاني ~~والنقاش الفكري دورا غاية في الأهمية في الفلسفات الهندية - في بعضها على حساب بعض ~~العوامل الأخرى تقريبا - فإنه من المقبول أيضا في هذه الفلسفات اعتقاد أنه من خلال ~~تمارين الضبط الذهني مختلفة الأنواع يمكن أن يتحسن الإدراك المعرفي للمرء وأن ~~يتغير، بحيث يستطيع المرء الرؤية بطرق تفوق ما يستطيع رؤيته «على نحو طبيعي». وسوف ~~نرى أن أنواعا محددة من الدارشانا تقوم تعاليمها وحججها على ما أقره الناظرون ~~القدماء من واقع رؤاهم الماورائية، وتعتبر شهادة هؤلاء الناظرين صحيحة على نحو مطلق؛ ~~صحيحة كما لو كان المرء رآها بنفسه، أو كما لو كانوا توصلوا لهذه الفكرة عن طريق ~~النقاش المنطقي وحده. وبالنسبة للأنواع الأخرى من الدارشانا، ترى أن الهدف من تعليم ~~الدارشانا هو أن كل من يتبعها يجب أن يكون قادرا ms012 بنفسه على «رؤية» الحقيقة. ومن ~~الناحية النظرية، يعتقد أن القدرة على اكتساب بصيرة ميتافيزيقية هي سمة بشرية عامة، ~~ولا تعني أن الأشخاص الذين يزعمون اكتسابها يعتبرون خارقين بأي حال. إن إعادة توجيه ~~الملكات المعرفية، كي تصبح هذه البصيرة ممكنة، هي السبب وراء ممارسة اليوجا، ويطلق ~~على البصيرة الناتجة عنها الإدراك اليوجي. # هذه من أكبر الاختلافات بين رؤية العالم التي يقوم عليها الفكر الهندي وبين رؤية ~~العالم لدى الغرب، وربما هذه هي نقطة الخلاف التي يجدها الغربيون من أصعب النقاط من حيث ~~إمكانية التفهم، وربما بسببها يميل فلاسفة الغرب إلى التركيز فقط على الجوانب الأخرى من ~~الفلسفة الهندية المتعلقة بموضوعات النقاش المنطقي، وربما أسهمت هذه النقطة أيضا في ~~جعل الآخرين ينسبون صفات سحرية أو صوفية للفكر الهندي. ورغم ذلك، وفقا لرؤية العالم ~~من المنظور الهندي، فإن إمكانية تغيير الإدراك المعرفي للفرد هي أمر يعتبر ممكنا من ~~الناحية المنهجية، من خلال تمارين الضبط الذهني المنتظمة على نحو لا يختلف إطلاقا عن ~~الاكتساب المنهجي للقدرة على العزف على إحدى الآلات الموسيقية؛ فكلتا العمليتين تتطلب ~~مثابرة وممارسة طويلة الأجل، وتتضمن إتقان جوانب عديدة من التنسيق البدني ~~والذهني، ولا يوجد أي شيء سحري في كلتا العمليتين؛ فكلتاهما تعتبر مهارات. # الكارما والميلاد المتكرر # الكارما والميلاد المتكرر من السمات المميزة لرؤية العالم في الفلسفة الهندية، ~~والكارما مشتقة من الكلمة السنسكريتية «كارمان»، ومعناها الحرفي «الفعل». وتوحي طريقة ~~استخدام المصطلح بوجود عواقب لكل فعل، وتشير الكارما إلى آليات عواقب الفعل التي ~~تعد أحد قوانين الطبيعة. والمصطلح نفسه حيادي، لكن الثقافات باختلاف أنواعها تربط ~~القيم بهذا المصطلح بطرق مختلفة. وعلى نحو مشابه، يختلف مركز آلية عواقب الفعل ~~باختلاف الثقافات. أما عن أسباب ارتباط كلمة كارما بعواقب الفعل، فهي مرتبطة بطقوس ~~تقديم القرابين؛ إذ كان يعتقد أن القيام بتقديم القرابين يحقق عواقب محددة بعينها ~~تجعل الكون يسير على أفضل وجه. وكانت الأفعال الشعائرية المرتبطة بها عواقب معينة إما ~~مادية أو لفظية (فقد كان يعتبر إصدار الأصوات «فعلا» من الأفعال)، وكانت الدقة ms013 ~~ضرورية كي تكون الآليات فعالة. وعلى هذا النحو، فالذي كان يجعل أحد الأفعال سليما أو ~~صالحا هو دقته، وكانت القيم المرتبطة بهذا الفهم للكارما ليست قيما متعلقة ~~بالأخلاقيات. # وفي القرن الخامس قبل الميلاد، بالإضافة إلى الفهم السابق للكارما، ساد أيضا مبدأ ~~يقول إن عيش المرء لحياته وفقا للواجبات التي يذكرها المعلمون الدينيون - «تنفيذ» ~~الواجبات التي تشمل أداء طقوس القرابين ولا تقتصر عليها - سوف يكون ذا نتائج نافعة ~~للمرء. وعند هذه المرحلة أصبحت الكارما مرتبطة بفكرة الميلاد المتكرر؛ إذ ساد الاعتقاد ~~بأن العواقب الإيجابية أو السلبية لطريقة أداء الفرد لواجباته قد تلحق به في أي حياة من ~~حيواته الكثيرة المستقبلية، التي تتحدد حالة كل منها على هذا النحو. وفيما يتعلق ~~بالكارما كفعل شعائري، فإن ربط العواقب بأداء الواجبات الموصوفة حمل أيضا ~~معيار قيمة الدقة وليس قيمة الأخلاق. وفي مرحلة لاحقة من تطور هذا الفرع من التراث ~~الديني الهندي تأكدت هذه النقطة، عندما كرر معلمون مهمون قول إنه من الأفضل للمرء أن ~~ينجز واجباته على نحو سيئ بدلا من أن ينجز واجبات غيره على نحو جيد؛ وإنه من الأفضل ~~بلا شك أن يقوم المرء بواجبه، بغض النظر عن أن ذلك الواجب قد يبدو غير أخلاقي، بدلا من ~~إهمال إنجازه بسبب مبدأ أخلاقي. # ومن ضمن التفسيرات الأخرى لآلية عمل الكارما التي كانت تعلم في القرن الخامس قبل ~~الميلاد؛ تفسيرات الجاينيين والبوذيين؛ فقد قال الجاينيون إن كل الأفعال - التي ~~صنفوها إلى لفظية ومادية وذهنية - تسبب جزيئات مادية تلتصق بروح الشخص، وتثقلها ~~وتجعلها تبعث باستمرار في دائرة الميلاد المتكرر. ونظرا لأن الجاينيين آمنوا أيضا ~~بضرورة سعي المرء لتحرير روحه من مأزق الولادة المتكررة، فقد تضمنت تعاليمهم أن كل ~~الكارما هي كارما سيئة، وأنه لا يمكن أن توجد عاقبة «جيدة» لفعل ما. على النقيض من ~~ذلك، يرى بوذا أن عمل الكارما أخلاقي في الأساس؛ إذ إن ما يأتي بالعاقبة هو نية ~~المرء. وقال بوذا فيما يتعلق بالكارما إن نوايا المرء «هي» أفعاله، فليس المهم هو ما ms014 ~~يفعله المرء خارجيا وظاهريا، بل المهم هو حالته الذهنية؛ ولذلك في هذا الصدد لا ~~تكمن آلية الكارما فيما يقصد عادة ب «الأفعال». # وعلى هذا النحو فإن الكارما هي تطبيق لآليات امتلاك أي فعل لعواقب. وعلى الرغم من ~~اختلاف تفسيراتها في المدارس الفكرية المختلفة فإنها تعد جزءا أساسيا من الرؤية ~~الهندية للعالم في العموم، يلقى قبولا من الجميع باستثناء مدرسة فكرية صغيرة نسبيا ~~تضم الماديين المتطرفين. ومنذ القرن الخامس قبل الميلاد، أصبحت فكرة الكارما مرتبطة ~~عموما بمعتقد أن الأفراد يشهدون ولادات متكررة متعاقبة. وتعمل آلية امتلاك أي فعل ~~لعواقب بمثابة الوقود الذي يؤدي إلى استمرار الميلاد المتكرر، وترتبط الظروف المميزة ~~لكل ولادة جديدة بتفاصيل الأفعال في الحيوات السابقة. # ومن الضروري أن نفهم هذا الجانب في الرؤية الهندية للعالم؛ والسبب الأساسي لذلك هو ~~طريقة ارتباط الكارما برؤية طبيعة الواقع الحقيقية. وتقول معظم أنظمة الفكر الهندية إن ~~اكتساب تلك الرؤية يؤدي إلى تحرير الفرد من استمرار الكارما. وهذا هو الهدف والغرض ~~الأساسي من مهمة الفلسفة، وهو أيضا السبب الذي يجعل «الفلسفة» مرتبطة ب «الدين». وعند ~~تقديم الدارشانا «لرؤيتها» للحقيقة، يكون كل نوع منها كما لو كان يصف الحقيقة التي ~~سوف «يراها» ممارسو هذا النوع من الدارشانا. وأهمية الهدف من فلسفة الدارشانا - الذي ~~يسميه الغربيون «الخلاص» - تفسر لماذا تعتقد كل المدارس الفكرية أنه من المهم للغاية ~~تحقيق التجانس والصحة والكفاءة في تعاليمها. # التعقيد والتنوع: اختيار محتوى الكتاب # كانت البيئة الجدلية التي تطورت مع مرور الوقت ونوقشت فيها عدة رؤى متنافسة عن ~~العالم؛ بيئة متنوعة، وشديدة التعقيد والابتكار، ومتعددة الجوانب. وهذا يعني أنه في ~~هذا الكتاب الذي يمثل مقدمة قصيرة جدا كان من الضروري اتخاذ قرارات صعبة بشأن ~~الموضوعات التي سيتضمنها والموضوعات التي ستحذف منه. ومن أبرز الموضوعات التي ~~حذفتها من هذا الكتاب الديانة الجاينية الفلسفية التي ذكرتها سالفا. وكان ~~ماهافيرا - مؤسس الجاينية - معاصرا لبوذا، ~~وكانت تعاليمه مبتكرة ومثيرة، وترك التقليد أثرا بالفعل على التراث الهندي الديني ~~الفلسفي، ورغم ذلك يمكن حذف الحديث عن الجاينية ms015 دون التأثير على الفلسفة الهندية الأشمل ~~في مجملها. وحذفت أيضا تقليد الكارفاكا، الذي كون مدرسة فكرية مادية، ولم أذكرها ~~إلا ذكرا عارضا. وتكمن أهمية هذا التقليد في أنه كون تحديات للمدارس الفكرية ~~المعارضة، وقدم إسهامات مثيرة لمناخ الجدل الفلسفي. ورغم ذلك، وكما هو الحال مع ~~الجاينية، فإن حذف الحديث المطنب عن الكارفاكا لا يثير مشاكل في فهم الصورة الكاملة ~~للفلسفة الهندية. ومن أبرز الموضوعات التي حذفتها الشيفية، وتمثل الشيفية جانبا ~~من جوانب الفلسفة الهندية مهما ومعقدا ومؤثرا للغاية، لكنه يتضمن مجالا متشعبا ~~للغاية ومتنوعا في ذاته لدرجة تجعل تناوله على نحو موجز للغاية لن يسهم إلا في ~~تشويهه فحسب. # بالإضافة إلى حذف هذه التقاليد المهمة، فإن طبيعة هذا الكتاب الموجز لا تسمح بسرد ~~مفصل للطرق التي تطورت بها كل مدرسة من مدارس الفكر الفلسفي المختلفة والطريقة التي ~~تفرعت بها داخليا كل منها على مر الزمان، وعادة ما يكون هذا التفرع نتيجة ~~للتفسيرات المختلفة للأفكار الأساسية والنصوص الرئيسية للمدرسة الفكرية. وكان هذا ~~التفرع شائعا للغاية في هذا المناخ الجدلي الذي ازدهرت فيه هذه التقاليد؛ لأن أتباع كل ~~مدرسة سعوا إلى طرق جديدة لرفض مزاعم الآخرين دون الانحراف عن مصادرهم الأساسية. ~~وكانت طبيعة تلك النصوص تعني أيضا أن التفسيرات المختلفة لها كانت محتملة على أية ~~حال. وفي الغالب، كان ذلك بسبب أن تلك المصادر كانت مدونة باقتضاب شديد وبأسلوب ~~مبهم، يتطلب خبيرا أو معلما لينقل لطالبه المعنى الكامل لهذه النصوص. وأحيانا، ~~كما في حالة المدارس الفكرية القائمة على تأويلات نصوص مقدسة تسمى كتابات ~~الأوبانيشاد، كان سبب اختلاف التفاسير هو أن المادة النصية نفسها كانت متشعبة ~~للغاية لدرجة أن المناهج المختلفة واختلاف الاهتمامات أدى كلاهما إلى تفسيرات مختلفة ~~تماما في المجمل. وعندما أجد أن السمات الأساسية للفروع الكبرى للتقليد من الممكن ~~تقديمها على نحو واضح ومختصر فإنني أقدمها في الكتاب. أما إذا أراد القارئ سردا ~~للغالبية العظمى من التطورات المفصلة للتقليد؛ فأوصيه في هذه الحالة بالاستعانة بكتاب ~~آخر أكثر شمولية. ~~«التأويلات» هي تفسير ms016 المادة النصية، وقد يفسر المؤولون المختلفون ~~النص نفسه على نحو مختلف، وهذا يعني أن كلا منهم قد يزعم معنى مختلفا ~~للنص نفسه أو للفقرة نفسها، وهذا يؤدي إلى أن يستنتجوا، فيما بعد، تفسيرات ~~شديدة الاختلاف أحيانا من المصدر الأساسي نفسه. # أما ما يركز عليه الكتاب فهو أولا سرد للفترة التي بدأ خلالها التراث الديني ~~الفلسفي الهندي على نحو محدد الملامح، وكان ذلك في القرن الخامس قبل الميلاد، ويركز ~~أيضا على السمات الرئيسية للأفكار والممارسات السائدة في ذلك الوقت. ويناقش الكتاب ~~السبب الذي جعل موضوعات معينة تبدو ذات أهمية حتمية لمدارس فكرية معينة، وهذا يساعد في ~~معرفة السياق الذي جعل المدارس الفكرية المختلفة إما تركز على أمور مختلفة أو تتشارك ~~الاهتمام بالعوامل المشتركة عند تفسيرها على نحو مختلف. وهذا يمهد الطريق لفهم كيف ~~ولماذا أصبح الجدل محوريا في طريقة ازدهار التقليد لاحقا. وسوف نرى أيضا الغرض من ~~الجدل، ونقاط الجدل والخلاف، وطريقة وضع المعايير المنهجية للجدل، وأهمية أن يطرح كل ~~تقليد حجته. # ويقدم النقاش التالي ترتيبا زمنيا عاما للأفكار المطروحة؛ كي يمكن أن تفهم ~~التطورات في سياقها. أما التقاليد والمدارس الفكرية القديمة التي يناقشها الكتاب على ~~نحو مفصل فهي ديانة الفيدا القربانية والأفكار والممارسات المدونة في كتابات ~~الأوبانيشاد القديمة. ولا تعد ديانة الفيدا القربانية والأفكار والممارسات المدونة ~~في الأوبانيشاد «الذراعين» - إن جاز التعبير - لدين كهنة البراهما في الهند القديمة ~~فحسب، بل هما أيضا تمثلان المصدر الأساسي للعديد من المدارس الفكرية الفلسفية ~~التالية، وتمثلان أيضا الأساس الذي قامت عليه الحاجة إلى وضع أساسيات للجدل الفلسفي. ~~علاوة على ذلك، فقد عارض الآخرون المرجعية المهيمنة التي أسسها هذا التقليد منذ وقت ~~مبكر، وقدم هؤلاء أفكارا وتعاليم معارضة له. وكان بوذا من أشهر هؤلاء المعارضين، وقد ~~عاش لمدة ثمانين عاما خلال القرن الخامس قبل الميلاد. ونظرا لقلة تواجد البوذية في ~~الهند في الوقت الحاضر، وعدم تواجدها في الوقت الذي أطلق فيه على التقاليد الدينية في ~~الهند مصطلح «الهندوسية»؛ فإن دور البوذية في التراث الديني الفلسفي ms017 الهندي ككل في ~~الغالب لا يلقى تقديرا. ازدهرت البوذية في الهند، ومنذ البداية لعبت دورا مهما على ~~قدر هائل ومؤثرا أيضا في تحدي وجهات نظر الآخرين وتطوير أفكار مختلفة. ولاقت ~~البوذية بدورها انتقادا شديدا من قبل الآخرين. وتوجد في الكتاب فصول مخصصة للتحدث ~~عن كل من الفترة الأولى للبوذية والطريقة التي قدمت بها الأفكار البوذية لأول ~~مرة، والتطورات المنهجية أكاديميا وفلسفيا في الفكر البوذي التي ظهرت على مدار ~~القرون التالية. # ومع مرور الوقت، غلب الطابع المنهجي واضح المعالم على العديد من المدارس الفكرية التي ~~ترتبط أصولها وعلاقاتها، بطريقة أو بأخرى، بالتراث الفيدي الأوبانيشادي للبرهمية ~~ارتباطا مباشرا. وأصبحت ست من هذه المدارس الفكرية هي السائدة، وأصبحت تعرف باسم ~~الأنواع الستة الكلاسيكية لفلسفة الدارشانا الهندية. وفي أغلب الأحيان يطلق عليها ~~مدارس الدارشانا «الهندوسية» الست، وعلى الرغم من أن استخدام مصطلح «الهندوسية» في ~~الإشارة لهذه المدارس الست يعد مغالطة تاريخية فضلا عن أننا لن نستخدمه في هذا ~~الكتاب؛ فإنه يفيد في تمييز تلك المدارس عن التراث البوذي وغيره من التقاليد الأخرى، ~~مثل الجاينية، التي لا تشترك معها في السلالة المباشرة نفسها. أما ما جعل البوذية ~~والجاينية نوعين منفصلين من التراث في حد ذاتهما فهو رفضهما الصريح والتام لسلطة ~~وتعاليم كهنة البرهمية والمزاعم التي قالها كهنة البرهمية حول مكانة مصادرهم الأولية. ~~وعلى النقيض من البوذية والجاينية، نجد أن أصحاب مدارس الدارشانا الست، على الرغم من ~~انخراطهم في المحاجة والجدل وتقديم تعاليم ووجهات نظر تختلف أحيانا اختلافا ~~كبيرا، قبلوا الهيمنة البرهمية؛ ومن ثم ظلوا تحت مظلتهم. # علم الوجود # يهتم علم الوجود بالموجودات؛ فهو يتعلق بالأمور الموجودة، ويمكن أن يكون ~~جوابا على كافة المستويات من المستويات بالغة الصغر وحتى بالغة الكبر على ~~سؤال: ماذا يوجد؟ ومهما كانت طريقة المرء في تناول الموضوعات الوجودية (ماذا ~~يوجد؟) فالهدف هو إثبات «حالة وجود» الشيء الموجود، ويطلق على ذلك «الحالة ~~الوجودية». فإذا تأمل المرء، على سبيل المثال، حديقة رآها في الحلم وأخرى في ~~المتجر الذي يتسوق منه، فمن الممكن أن ms018 يرى المرء بسهولة أن كلتيهما لديها ~~حالة وجود مختلفة؛ فالحالة الوجودية مختلفة. وبالمثل ، فالواحة التي يراها المرء ~~في السراب حالتها الوجودية مختلفة عن الواحة التي يمكن أن يحدد المرء موقعها ~~على الخريطة. فأي شيء موجود له حالة وجودية، ولا يشترط أن تكون هذه الحالة ~~واضحة على الفور؛ فأثناء الحلم وأثناء تجربة السراب تبدو الحالتان الوجوديتان ~~للحديقة والواحة مماثلتين لحالتيهما الوجوديتين عند رؤيتهما في المتجر أو على ~~الخريطة، أما في واقع الأمر فإن وضعهما مختلف، ويمكن أن يفهم هذا الاختلاف في ~~ضوء الحقيقة أو الواقعية. إن حديقة المتجر «أكثر واقعية» من الحديقة المرئية في ~~الحلم، والواحة المبينة على الخريطة «أكثر واقعية» من الواحة المرئية في ~~السراب، لكن الحديقة في الحلم وواحة السراب لديهما أيضا نوع من الواقعية أو ~~الحالية؛ فالمرء يشعر «أنهما واقعيتان»، وفقط من خلال الإدراك المتأخر يمكن ~~للمرء أن يدرك أنهما «أقل واقعية» من الحديقة والواحة المرئيتين في المتجر ~~وعلى الخريطة. أما في سياق رؤية العالم أو النظام الفلسفي، فالحالة الوجودية هي ~~ما تحدد الأمر الموجود في الواقع - حتى لو كنا لا نستطيع رؤيته على الفور - ~~دون الارتباط بالتفسيرات الخاطئة المحتمل أن نأتي بها كما فعلنا في حالة الحلم ~~والسراب. وعلى مدار العصور في الشرق والغرب، قدم الكثير من الحالات الوجودية ~~المختلفة، وبعض هذه الحالات أقر أن ما نراه هو الموجود في واقع الأمر؛ والبعض ~~الآخر قال إن حالة اليقظة العادية تشبه حالة الحلم، وإن الموجود فعلا يختلف عن ~~ذلك. # يطلق على أنظمة الدارشانا الستة الكلاسيكية التي يتناولها الكتاب: نيايا، فايشيشيكا، ~~يوجا، سانكيا، ميمانسا، فيدانتا. وجرت العادة على التعامل مع هذه الأنظمة الستة على ~~أنها ثلاثة أزواج، كل زوج منها يتسم بسمات أساسية متوافقة أو متشابهة؛ فنجد أن ~~الزوج الأول المتمثل في نيايا وفايشيشيكا يتشارك في الحالة الوجودية (انظر المربع ~~السابق) التي يقدمها النظام الثاني (فايشيشيكا) وتتوافق معها طريقة الأول (نيايا)؛ ونجد ~~أن الزوج الثاني المتمثل في يوجا وسانكيا يتشارك إلى حد كبير في الحالة الوجودية ~~التي يقدمها النظام ms019 الثاني (سانكيا)، ومرة أخرى يتوافق معها منهج الأول (يوجا)؛ والزوج ~~الثالث هو ميمانسا وفيدانتا، ويتشاركان في المنهج التأويلي للأجزاء المختلفة من صلب ~~المادة النصية نفسها، التي ينسبان إليها نفس الحالة الأساسية. ويتبع الكتاب هذا ~~الأسلوب التقليدي المتمثل في تقسيمها إلى أزواج، ويخصص فصولا منفصلة لكل زوج. ورغم ~~ذلك، فعندما يكون الأمر مناسبا من ناحية الترتيب الزمني، فسوف تضم الفصول إشارات إلى ~~مراحل رئيسية في التقاليد الأخرى؛ كي يظل القارئ مستوعبا كيف تطورت المدارس الفكرية ~~المختلفة من خلال تفاعل بعضها مع بعض. # الفصل الثاني # | البدايات البرهمية # القرابين والتأمل الكوني ووحدة الوجود # ستكون بداية القرن الخامس قبل الميلاد نقطة الانطلاق التي سنتناول من عندها الفكر الفلسفي ~~الهندي من خلال إلقاء نظرة على الأفكار والممارسات التي أسس لها كهنة البرهمية في وسط ~~شمال الهند في ذلك الوقت. وتعد هذه نقطة انطلاق جيدة لعدة أسباب؛ أولا: كان التقليد ~~البرهمي يسود في شمال الهند في هذه الفترة، وقد ظل التقليد الوحيد الذي فرض هيمنته ~~على التركيبة الاجتماعية الدينية للبلاد لفترة طويلة. وعلى الرغم من زيادة نفوذ أفكار ~~وممارسات التقاليد الأخرى في فترات معينة، فقد ظل التقليد البرهمي يسيطر على المعايير ~~المحددة لقيم المجتمع. ثانيا: في بداية القرن الخامس قبل الميلاد، وجد منهجان ~~محددا المعالم على نحو واضح داخل هذا التقليد، ونحن نعلم معلومات كافية عن هذين ~~المنهجين على نحو يمكننا من إبراز السمات والمساوئ الرئيسية في كل منهما. أما السبب ~~الثالث، ولعله السبب الأهم بالنسبة لأغراضنا، فهو أننا من خلال مناقشة هذين المنهجين يمكننا ~~أن نرى كيف أسهم كلاهما في انتشار التشكيك والجدل ومحاولات تفنيد أفكار الآخرين. وعند توضيح ~~هذه النقاط، سوف نرى أيضا كيف ظهر هذان المنهجان في المراحل الأولية من هذا ~~التقليد. # القرابين # كان كهنة البرهمية في القرن الخامس قبل الميلاد منحدرين من شعب اسمه الشعب الآري، ~~جاءوا من أوراسيا الوسطى واستقروا في شمال غرب الهند منذ عدة قرون، وجلبوا معهم ~~ممارساتهم وأفكارهم. كان لديهم لوقت طويل جدا ديانة تقوم على القرابين والطقوس، ms020 ~~وكانوا يحفظون التفاصيل المقدسة لهذه القرابين والطقوس ويدونونها في «صحف» الطقوس. ~~ونظرا لأن الكتابة كانت غير معروفة لهم في ذلك الوقت، فقد تولت عائلات مختلفة من ~~الكهنة البرهميين، أسهمت كل منها في الطقوس، مسئولية الحفظ الشفهي للنصوص ~~المتعلقة بواجباتهم الشعائرية، وتعاملوا مع هذه المسئولية بجدية بالغة؛ لأن فعالية ~~القربان كانت تعتمد على دقة الحفظ، وأتقنوا أساليب متعددة للحفظ، وفي ضوء الأدلة ~~الموجودة لدينا الآن، نعتقد أنه من المحتمل أنهم حققوا درجة عالية جدا من ~~الدقة. # تأريخ زمني # 2000-1500 قبل الميلاد تقريبا: # دخل تقليد ~~تقديم القرابين الفيدي، القائم على الأفعال الشعائرية، إلى شمال غرب الهند على ~~يد الآريين. وحافظ كهنة البرهمية على هذا التقليد وتولوا مهمة ~~تنفيذه. # 800-500 قبل الميلاد تقريبا: # اعتنق ~~التقليد البرهمي التعاليم المدونة في كتابات الأوبانيشاد القديمة، التي قالت ~~إن المعرفة ذات أهمية مطلقة. # بحلول عام 500 قبل الميلاد: # وجود الفرع ~~الشعائري والفرع المعرفي من التقليد البرهمي جنبا إلى جنب. # وعلى الرغم من أن طقوس تقديم القرابين الفيدية تعتبر الآن نشاطا دينيا، فإن هذه ~~الطقوس كانت تؤدى إلى حد كبير لأهداف دنيوية، وهذا يعني أن الغرض الأساسي من ~~القربان كان أن يستمر الكون في العمل بأفضل مستوى كفاءة في الوقت الراهن. وكانت ~~تقدم القرابين إلى عناصر النظام الطبيعي للكون مثل الشمس والمطر والبرق والرياح ~~وغيرها، وكانت تقدم أيضا لمبادئ مجردة مثل العهود والنذور. وفي العموم كان يطلق ~~على ما يقدم له القربان «ديفا». وكان المنطق وراء هذه الممارسة هو أنه إذا أدى ~~الإنسان طقوس تقديم القربان على نحو صحيح، فإن «الديفا» سوف يرد بأداء وظيفته ~~الكونية على أكمل وجه. وبهذه الطريقة استمر النظام الكوني، الذي أصبح معروفا فيما ~~بعد باسم «دارما». أما ما فرض على كهنة البرهمية ضرورة القيام بالطقوس فهو صحف ~~الطقوس، وتمثل هذه الصحف الأجزاء القديمة من مجموعة النصوص المعروفة باسم فيدا؛ ولذلك ~~يمكن الإشارة إليها باسم صحف الطقوس الفيدية، وأحيانا يشار لهذا الدين القرباني باسم ~~الدين الفيدي القرباني. # كانت «طقوس تقديم القرابين» التي جلبها الآريون ms021 تتم على يد أشخاص متخصصين ~~(كهنة البرهمية)، نيابة عن أشخاص يحق لهم ويجب عليهم توظيف كهنة البرهمية ~~للقيام بالطقوس. وكان تقديم القرابين يتم في مكان معد خصوصا لذلك، منظم ~~حول نار أو نيران موجودة في المنتصف. وبالإضافة إلى الكلمات والأصوات التي ~~يتمتمون بها أو يتحدثون بها أو ينشدونها، كانوا يستخدمون أيضا أدوات معدنية ~~عند وضع القربان في النار، وكان القربان من مواد مثل الحبوب المطهوة والزيت. ~~وكانت كل الأمور المتعلقة بالقربان، بداية من مساحة المكان إلى نوع القربان ~~الواجب تقديمه والكلمات المستخدمة، موصوفة في صحف الطقوس. # كلمة «فيدا» تعني «المعرفة»؛ فهي تشير إلى اعتقاد أن الأسلاف القدماء للكهنة ~~البرهميين في القرن الخامس قبل الميلاد عرفوا أو «رأوا» الحقيقة التي تتضمنها الفيدا ~~(ولهذا السبب أطلق عليهم الناظرون). وهذا المعتقد لم يكن مفهوما مطلقا على أنه حقيقة ~~مكتشفة خاصة بالمعلمين، بل فهموا أنها حقيقة كونية أبدية وغير مرتبطة بشخص بعينه، وأن ~~الناظرين كانوا مجرد أداة لتدوينها للأجيال القادمة. وبهذه الطريقة أصبحت مكانة نصوص ~~تقديم القرابين الفيدية ذات أهمية بالغة، واعتبر أي شيء مفروض على الإنسان بموجب ~~مجموعة هذه النصوص صحيحا لذاته؛ إذ يجب تنفيذه لأنه يجب تنفيذه؛ فهذا جزء من الحقيقة ~~الأبدية. وعلى هذا الأساس فإن الاهتمام بالدقة لضمان الفعالية عززه الاعتقاد الذي ~~يقول إن الأداء الصحيح لكل طقس من الطقوس هو جزء من الواجب الكوني. # شكل : أدوات الطقوس المستخدمة في القربان الفيدي. # شكل : ما زالت طقوس القربان الفيدي تقام إلى يومنا الحالي، ولم تتغير عن ~~الأوقات القديمة إلا قليلا. # بالإضافة إلى الأفعال الشعائرية البدنية، وصفت صحف الطقوس مجموعة من الكلمات ~~والأصوات التي يمكن أن يشار إليها جميعا بأنها صيغ لا بد من نطقها أو التمتمة بها ~~أو إنشادها عند تقديم القربان. وكان كل من الفعل البدني والصوت يسهمان في نتائج ~~التضحية؛ فقد كانا من «الأفعال» ذات العواقب، أو ما يطلق عليه كارما. وكانت اللغة ~~السنسكريتية هي اللغة المكونة لهذه الصيغ، ونتيجة لذلك اعتبرت اللغة أداة مقدسة ذات ~~قدرة هائلة أكثر من ms022 كونها مجرد وسيلة للتواصل. وفي واقع الأمر، لقد اعتبرت تجسيدا في ~~صورة صوتية لتجلي الكون. # اللغة السنسكريتية # تشترك كلمة «سنسكريت» مع كلمة كارما في جذر الفعل «كري»، أما البادئة «سنس» ~~فتعطي معنى «المكونة جيدا» أو «المبنية جيدا»، وهذا يوضح الارتباط بين ~~النطق الصحيح الواضح للكلمات السنسكريتية وبين الكون المتجلي الذي تشير ~~إليه. # شكل : مقتطف من ريج فيدا، مخطوطة يعود تاريخها إلى عام 1434 ~~للميلاد. # ونظرا لمكانة وقوة النصوص الفيدية واللغة السنسكريتية، فقد كان كهنة البرهمية يحرصون ~~على معرفتهما معرفة وثيقة دون غيرهم من الناس، وأراد كهنة البرهمية إضفاء الشرعية على ~~هذه المعرفة الحصرية فتعللوا بأن مثل هذه النصوص تحتاج إلى الحماية، لكن هذا في الوقت ~~نفسه وضع الكهنة أنفسهم في موقع السيطرة المطلقة على المجتمع في ذلك الوقت، وكان ~~المجتمع نفسه منظما بطريقة تحافظ على هذه السيطرة. أما أصول ما يعرف الآن بالنظام ~~الطبقي الهندي فهي مدونة في صحف الطقوس الفيدية، وفيها كان الناس يقسمون وفقا ~~لتسلسل هرمي على حسب النقاء الشعائري، وكان كهنة البرهمية، الأنقى، يحتلون القمة. إن ~~نقاء كهنة البرهمية جعلهم مستحقين ومخولين بالتعامل بأمان وكفاءة مع الطقوس المقدسة ~~ولغة القربان. # وهكذا فقد كانت السمات الأساسية للدين القرباني الفيدي تقوم على الطقوس الشعائرية، ~~البدنية واللفظية أيضا، وكانت الدقة والإتقان في أداء هذه الطقوس ضروريين لضمان ~~فعاليتها، وكان كهنة البرهمية يحفظون هذه الطقوس ويشرفون على القيام بها بالكامل، ~~وكان الهدف من أداء هذه الممارسات الشعائرية هو الحفاظ على استمرار الكون، وكانوا ~~يعتقدون أن الأفعال القربانية المختلفة - البدنية واللفظية - ترتبط بنتائجها ~~بالتبعية. # التأمل الكوني # على الرغم من أن هذا النظام كان دنيويا إلى حد كبير، فإن كثيرا من النصوص ~~الفيدية تسجل أن بعض القدماء المتخصصين في الطقوس كانوا يتأملون على نحو معقد في ~~طبيعة الكون الذي يسعون إلى استمراره، وأدركوا أن الأدوار التي يلعبها الديفات التي ~~يقدمون إليها القرابين كانت أدوارا مقتصرة على المكان المحدد والدور المحدد لكل منها ~~في هذا الكون، وتفكروا أيضا في احتمالية وجود ما هو أعظم ms023 من الديفات. كما أرادوا ~~أيضا معرفة المزيد عن أصول الكون نفسه؛ كيف بدأ كل هذا؟ من أو ماذا (إذا كان يوجد ~~شخص أو شيء) خلقه؟ هل بدأ كجنين ذهبي؟ هل شيد على يد مهندس سماوي؟ هل نشأ عن ~~قربان كوني؟ ما الدور الذي لعبه الكلام (أي صوت اللغة المقدسة)؟ هل النفس هو ما منح ~~الحياة لكل شيء؟ أم كان الزمن هو ما بدأ كل شيء؟ ماذا كان يوجد من قبل؟ وربما السؤال ~~الأهم هو: من يعلم ذلك؟ # لم يكن يوجد عدم ولا وجود في ذلك الوقت، ولم يكن يوجد الفضاء ولا السماء ~~التي وراءه. ما الذي بدأ كل شيء؟ وأين؟ وفي حماية من؟ هل كان يوجد ماء سحيق ~~العمق؟ # لم يكن يوجد موت ولا خلود في ذلك الوقت، لم تكن توجد علامة مميزة لليل أو ~~النهار، أحدهم كان يتنفس ذاتيا، بلا هواء، وفيما عدا ذلك لم يكن يوجد ~~شيء. # كان الظلام يخفيه الظلام في البداية، ولم توجد علامة مميزة، وكان كل شيء ~~ماء. قوة الحياة التي كانت مغطاة بالخواء، أيقظها ذلك الكيان من خلال قوة ~~الحرارة ... # من يعلم حقا؟ من سيعلن هنا؟ من أين جاء العالم؟ من أين جاء الخلق؟ الديفات ~~أتت فيما بعد، مع خلق هذا الكون، فمن إذن يعلم من أين نشأ العالم؟ # من أين نشأ هذا الخلق؟ ربما خلق نفسه، وربما لم يفعل ... الكيان الذي ينظر ~~مراقبا من السماء العليا وحده يعلم، أو ربما لا يعلم. ~~«ريج فيدا»، المجلد 10، من كتاب «مقتطفات من الريج فيدا»، # تحرير وترجمة ويندي دونيجر أوفليرتي، هارموندسوورث: بنجوين، 1981 # تاريخ «الريج فيدا» غير مؤكد، لكن يعتقد أنها كانت قبل القرن الخامس قبل ~~الميلاد بوقت كبير، ومن الممكن أن يعود تاريخها إلى قرابة 1500 قبل ~~الميلاد. # يعد تأمل القدماء استثنائيا في مداه وعمقه، ويشير إلى قدر هائل من التفكير ~~التحليلي من جانب ممارسي الطقوس عن طبيعة ما كانوا يقومون به. ولا يوجد لدينا دليل ~~على ما إذا كان هذا التأمل قد أثر على الطقوس ms024 نفسها؛ وفي واقع الأمر سيكون من غير ~~المحتمل أن يكون هذا التأمل قد أثر عليها؛ لأن الطقوس كانت مدونة بدقة صارمة، لكن ~~من الممكن أن يكون هذا التساؤل المستمر قد أسهم في ظهور مجموعة ثانية من الأفكار ~~والممارسات الدينية التي تبناها التقليد البرهمي. وإلى جانب استمرار غالبية الكهنة في ~~ممارسة طقوس القربان الظاهرة والمرئية، تسجل النصوص الفيدية أن بعض الكهنة بدءوا ~~يعتكفون للتأمل في طبيعة القربان بمزيد من العمق، وفي النهاية توصل بعض هؤلاء إلى ~~اعتقاد أن القربان يمكن أن «يصبح باطنيا»؛ أي أن يمارس من خلال وسائل التركيز ~~والتخيل. # والتطور التدريجي لهذا الاتجاه مسجل في كتب مجموعة النصوص الفيدية، المعروفة باسم ~~البراهمانات والأرانياكات (انظر المربع التالي)، لكن في كتابات الأوبانيشاد توجد ~~التعاليم التي قد تمثل، على نحو محدد، ذروة هذا الاتجاه. وتكون كتابات الأوبانيشاد ~~الجزء الأخير من الشريعة الفيدية - ويطلقون عليها «نهاية الفيدا» - وجمعت محتوياتها في ~~العائلات البرهمية نفسها التي جمعت النصوص الشعائرية. # كانت النصوص الفيدية محفوظة في عائلات برهمية مختلفة، ومع مرور الزمن أكملت ~~«الأجزاء» الأربعة من «الصحف الشعائرية»، التي كان يستخدمها مختلف أنواع كهنة ~~البرهمية، بكل من «البراهمانات» و«الأرانياكات» وأخيرا كتابات ~~«الأوبانيشاد». # وكانت الأجزاء الشعائرية الأربعة هي: # ريج فيدا # ساما فيدا # ياجور فيدا # أتهارفا فيدا # ودمجت هذه العائلات نصوص «البراهمانا» و«الأرانياكا»، التي كانت تضم أفكارا ~~حول طبيعة القربان و«تحويل القربان إلى قربان باطني». # وتمثل كتابات «الأوبانيشاد» ملحقات للنصوص القديمة، وتضم ما يلي: ~~«كاوشي تاكي» ~~«تشاندوجيا» ~~«تايتيريا» ~~«مونداكا» ~~«براشنا» ~~«بريهادارانياكا» ~~«كينا» ~~«كاتها» ~~«إيشا» ~~«شفيتاشفاتارا» # تحتوي كتابات الأوبانيشاد على الكثير من الأحاديث التأملية والتعليمية، حول ~~طبيعة أداء الطقوس القربانية والهدف منها وضرورتها. أما ما يميزها عن النصوص البرهمية ~~الأولى فهو أنها تحتوي أيضا على تعاليم وأفكار تقلل من مكانة الهدف من الطقوس ~~وتجعله مجرد التزام بالسعي لفهم طبيعة البشر. بالإضافة إلى ذلك، فالمعرفة التي كانت ~~تسعى إليها كانت معرفة شخصية وباطنية - معرفة «روحانية» داخلية - في مقابل معرفة ~~القربان الطقسية العلنية. وهذا يمثل تحولا في التقليد من اهتماماته السابقة ~~التي ms025 كانت متمحورة حول الكون إلى الاهتمام بموضوعات متمحورة حول الإنسان على نحو أكبر؛ ~~أو أنه يركز على الفرد على نحو أكثر تحديدا داخل إطار الصورة الكونية الأوسع ~~نطاقا المتعلقة بالفترة القديمة التي كانت خالصة للطقوس. تضم كتابات الأوبانيشاد ~~أول تسجيل لفكرة أن البشر يولدون مرارا وتكرارا في ظروف تتوقف على أفعالهم في ~~الحيوات السابقة. وتقول الكتابات إن الأداء المتقن والصحيح للقرابين لن يحقق ~~العواقب التي من أجلها قدمت القرابين فحسب، بل سوف يؤثر تأثيرا مفيدا على ظروف ~~الحياة التالية للشخص، وهذا هو قانون الكارما (الفعل) الذي لا ينطبق على آليات الطقوس ~~فحسب، بل ينطبق أيضا على آليات التجربة البشرية. # ورغم ذلك، فأهم شيء يجب أن يطمح المرء إليه هو اكتساب معرفة طبيعة ذاته الجوهرية ~~أو روحه، التي تسمى «أتمان» باللغة السنسكريتية. وتقول نصوص الأوبانيشاد إن الذات ~~والكون شيء واحد، وتقول على نحو متكرر إن أتمان المرء لا تنفصل عن كل الموجودات. ويعرف ~~ذلك على نحو مشهور بهذه الجملة: «تات تفام أسي»: «أنت [كل] ذلك» («تشاندوجيا ~~أوبانيشاد»، المجلد 6). ويجب السعي إلى اكتساب معرفة تجريبية عن هذه الهوية؛ لأن مثل ~~هذه المعرفة تؤثر على خلاص المرء (الخلاص يعني «موكشا» بالسنسكريتية) من الميلاد ~~المتكرر. ويقدم هذا المبدأ فكرة الخلاص إلى التقليد البرهمي لأول مرة، وعلى الرغم من ~~استمرار ممارسة طقوس تقديم القرابين حتى الوقت الراهن، فإن تجربة الموكشا سرعان ما ~~أصبحت الهدف الأسمى للوجود البشري. لقد أصبحت تعتبر معرفة إيجابية تماما مكنت ~~المرء من الهروب من دوامة الميلاد المتكرر وجعلته يشهد الخلود: «إن المرء الذي يرى ذلك ~~لا يشهد الموت أو المرض أو الضيق [بعد الآن].» («تشاندوجيا أوبانيشاد»، المجلد ~~7). # وحدة الوجود # إذا نظرنا من وجهة النظر العامة بدلا من وجهة النظر الخاصة وجدنا أن المبدأ القائل ~~بتطابق الذات والكون يجيب أيضا عن التأمل الأولي المتعلق بطبيعة الكون. في كتابات ~~الأوبانيشاد القديمة يشار إلى الكون بالمصطلح المحايد «براهمان» (لا تخلط بينه وبين ~~صيغته المذكرة «براهما» الذي هو اسم ديفا مهم في هذا التقليد). ويعد ms026 براهمان ~~المرادف لثابت غير شخصي يمكن أن يطلق عليه أيضا وحدة الوجود أو الوجود. وفي فقرة ~~مهمة يعلم فيها أحد الآباء ابنه، فيقول: # في البداية، كان هذا الكون مجرد وجود؛ واحد فقط دون ثان. وصحيح أن بعض ~~الناس يقولون إنه «في البداية كان هذا العالم مجرد لاوجود - واحد فقط دون ثان ~~- ومن اللاوجود ظهر الوجود.» لكن كيف يمكن أن يكون هذا هو واقع الأمر؟ كيف يمكن ~~أن يأتي الوجود من اللاوجود؟ على النقيض من ذلك، في البداية، كان هذا العالم ~~مجرد وجود - واحد فقط دون ثان. ~~«تشاندوجيا أوبانيشاد»، المجلد 6 # يشار إلى المبدأ القائل إن ~~الكون واحد بالمصطلح الوجودي «واحدية»، وهذا يعني أنه يوجد موجود واحد فقط، ~~ولا يوجد شيء مغاير لهذا الموجود؛ إذن فكل ما هو موجود هو في النهاية شيء واحد، ~~حتى إذا لم يبد لنا أن الأمر كذلك؛ فليس بالضرورة أن نكون قادرين على رؤية ~~ذلك ليكون صحيحا. الواحدية مصطلح عددي وليس نوعيا. ويلزمنا معلومات إضافية ~~لمعرفة طبيعة وسمات وحدة الوجود، في حال وجود تلك السمات. # الواحدية ليست مصطلحا إيمانيا أيضا، ويجب ألا يخلط بينها وبين مفهوم ~~«التوحيد»؛ فالتوحيد ينص على وجود إله واحد، لكنه لا يخبرنا أي شيء آخر عن ~~ذلك الموجود في حد ذاته، ولا ينص على أنه لا يوجد سوى وحدة الوجود. فإذا ~~كان الكون واحديا، ففي إطار وحدة الوجود من الممكن أن يعتقد أنه يوجد شيء ~~يبدو كإله - أو عدة آلهة في واقع الأمر - لكن ذلك لن يكون له علاقة بوحدة ~~الوجود الأساسية سوى ذلك التعدد الظاهر في العالم التجريبي. # وتزخر كتابات الأوبانيشاد القديمة ~~بجمل تفسر نتائج وحدة الوجود: «إنه من خلال الرؤية، والسمع، والتفكر، والتركيز ~~على الذات الجوهرية للمرء (أتمان) يعرف العالم كله» («بريهادارانياكا أوبانيشاد»، ~~المجلد 2). «الأتمان أسفل وأعلى، وفي الغرب والشرق والشمال والجنوب. الأتمان بالفعل هي ~~العالم كله» («تشاندوجيا أوبانيشاد»، المجلد 7). وعلى نحو مباشر إلى حد كبير، ~~فالتعبير «أتمان هي براهمان» يوحد على نحو واضح تماما بين الذات الجوهرية والكون، ~~ويجعلهما ms027 في النهاية شيئا واحدا لا شيئين. # إن التركيز على هوية الذات الباطنية والكون يشير إلى أن التعاليم المذكورة في كتابات ~~الأوبانيشاد يمكن اعتبارها ذروة تحويل القربان إلى قربان باطني، كما قلنا في السابق. ~~إن الممارسات الخارجية والمرئية الموجهة نحو العالم الخارجي تحولت ببساطة إلى فهم ~~شخصي داخلي للعالم. وتدعم كتابات الأوبانيشاد أيضا تقليد طقس القربان؛ إذ إنها ~~لا تذكر في أية نقطة ما يشير إلى ضرورة هجر تلك الطقوس. على العكس من ذلك، فإن ~~كتابات الأوبانيشاد تؤكد على الحاجة إلى أداء الطقوس وعلى النظام الاجتماعي الطبقي، ~~القائم على النقاء الشعائري الذي من خلاله تؤدى تلك الطقوس، وبذلك كان ممكنا أن ~~توجد كل من الطقوس وتعاليم الأوبانيشاد جنبا إلى جنب داخل التقليد البرهمي. أما ~~المكانة العليا المخصصة لصحف الطقوس الفيدية فهي مخصصة بالمثل لكتابات الأوبانيشاد؛ إذ ~~تعتبر كلتاهما متضمنة لتعاليم متعلقة بالحقيقة. # يمكن للمرء أن يلاحظ على الفور أيضا كيف أن هذين الفرعين من التقليد يتضمنان موضوعات ~~ووجهات نظر من المحتمل أن تسبب الخلاف والنزاع بين أتباع التقليد؛ فالتركيز والتأكيد ~~في كتابات الأوبانيشاد لم يتحولا فحسب من الاهتمامات الدنيوية المتمثلة في الطقوس إلى ~~الاهتمام بطبيعة ومصير الإنسان، كما وصفنا في السابق، بل أيضا اعتبر اكتساب المعرفة ~~الباطنية ذا أهمية عليا، كما اعتبر هدفا أسمى من أداء الأفعال الشعائرية. علاوة على ~~ذلك، وربما في غاية الأهمية، فإن ممارسة الطقوس الفيدية وسعي كتابات الأوبانيشاد إلى ~~اكتساب المعرفة كليهما مدعومان بفهم مختلف لطبيعة الحقيقة؛ فكتابات الأوبانيشاد توضح أن ~~تلك الطقوس، على الرغم من أهميتها، يجب أن تمارس فحسب وفق رؤية تفترض أن العالم ~~المتعدد يتسم بالحقيقة المتسامية، وفي واقع الأمر فإن الغرض من الطقوس هو الحفاظ على ~~العالم المتعدد. ورغم ذلك، ترى كتابات الأوبانيشاد أن تلك التعددية حقيقية فقط من ~~الناحية التجريبية (أو من الناحية العرفية)، وأن معرفة الحقيقة الكبرى المتمثلة في ~~وحدة الوجود الكامنة للعالم هي ما تؤدي إلى هدف الخلود الأعلى. # لا توجد تعددية هنا. إنه ينتقل من موت إلى موت من ms028 يؤمن بالتعددية في هذا ~~الصدد. يجب أن يرى المرء واحدا فقط ... ومن خلال معرفة ذلك الواحد بعينه ، يمكن ~~للبرهمي الحكيم أن يكتسب البصيرة بنفسه. ~~«بريهادارانياكا أوبانيشاد»، المجلد 4 # يطلق على الأشخاص الذين يقرون أن تعددية العالم من حولنا حقيقة مطلقة ~~مصطلح «التعددين»، أما المصطلحات الأخرى التي تطلق على هذا المفهوم الوجودي ~~فهي «الواقعية التعددية» و«الواقعية المتسامية»؛ وهذا يعني أن ما نراه - تعددية ~~العالم التجريبي - حقيقي في حد ذاته، ومتسام (أو «خارج») عن أي شيء له ~~علاقة بالإدراك البشري. # أما الأشخاص الذين يقولون إن ~~التعددية التجريبية ليست حقيقية من جهة التسامي (وهذا سيشمل أولئك الذين يقولون ~~إن الحقيقة واحدة) فإنهم لا ينكرون الحقيقة التجريبية، بل ما يقولونه هو أنه ~~يوجد قدر أكبر من الحقيقة - الحقيقة المطلقة - يختلف عما نراه على السطح، ~~والحقيقة التجريبية في هذا الصدد تكون «اصطلاحية». # في العقود الأولى من القرن الخامس قبل الميلاد لم يبد أن هذين المنهجين تعارضا ~~فيما بينهما أو أنهما طرحا رؤيتين غير متوافقتين للعالم تتنافسان على السيادة، لكن هذا ~~الوضع سرعان ما تغير، كما سنرى في الفصول المقبلة. فهذا القرن لم يشهد فحسب وجود بوذا ~~وغيره من الذين تحدوا التعاليم البرهمية القائمة على كتابات الأوبانيشاد، بل سرعان ما ~~أصبح من الضروري للمتخصصين في الطقوس أن يدافعوا عن رؤيتهم الواقعية للعالم ضد أولئك ~~الذين سعوا إلى دحض الغرض من القربان أو السخرية منه، وفي سبيل القيام بذلك كانوا ~~مضطرين إلى دحض أية فكرة متعلقة بالمكانة العرفية فحسب للعالم التجريبي كما تقول ~~كتابات الأوبانيشاد، وكما يقول آخرون. وكان معنى ذلك أن أصبح التقليد البرهمي مضطرا ~~للتصارع مع النقد الخارجي، وأيضا أصبح معرضا على نحو متزايد للتباين في الرأي بين ~~أتباع التقليد استنادا إلى فرعي النصوص الأولية. # وفيما بعد، حاول أولئك المهتمون بعدم التشكيك في مشروعية وجود كلا المنهجين داخل ~~التقليد نفسه التغلب على عدم التوافق بين المنهجين؛ عن طريق اقتراح ضرورة أداء ~~الواجبات الشعائرية خلال فترة من حياة الفرد هي فترة زواجه وإنجابه للأطفال؛ وهذا يعني ms029 ~~استمرار الحفاظ على العالم المعتمد على الطقوس، وكذلك إنتاج الأجيال المتعاقبة من ~~الأبناء الذين يعتمد عليهم استمرار النظام الاجتماعي الطبقي الذي يقوده كهنة البرهمية. ~~وبمجرد انقضاء هذه المرحلة من حياة المرء، يمكن تركيز الانتباه على السعي إلى تحرير ~~المعرفة. وإلى وقتنا هذا، يرى الأشخاص الذين يهتمون في المقام الأول بالممارسة الدينية ~~بدلا من النقاش الفلسفي أن هذا هو طريق الأرثوذكسية البرهمية التي تقر بالمكانة ~~الجوهرية للفيدا ككل. # ومع ازدياد تطور النقاش الفلسفي والجدلي، شارك في النقاش مفكرون من تقاليد متنوعة، ~~لكن من هذه النصوص الأولية مباشرة، بنت مدرستان من مدارس الدارشانا الفلسفية ~~الكلاسيكية - هما ميمانسا وفيدانتا - تعاليمهما ورؤيتهما المختلفة للعالم على تأويلات ~~نصوص تقديم القرابين الفيدية وعلى كتابات الأوبانيشاد على الترتيب. وأصبحت هاتان ~~المجموعتان من النصوص، اللتان على أساسهما تعايش الفرعان الشعائري والمعرفي للتقليد ~~البرهمي خلال أوائل القرن الخامس قبل الميلاد؛ معروفتين باسم «قسم الأفعال» («كارما ~~كاندا») و«قسم المعرفة» («جنيانا كاندا») للفيدا لدى كل من الأشخاص الذين تحدوا ~~التقليد، والأشخاص الذين وفقوا بين منهجي التقليد، والأشخاص الذين فسروا نصوص ~~التقليد. # الفصل الثالث # | هجر المنظومة البرهمية # الطريق الوسطي لبوذا # المارق في مواجهة المعتنق # إن ارتباط السلطة الدينية بالتسلسل الهرمي الاجتماعي الذي يتولى كهنة البرهمية إدارته ~~وحراسته بالقدر نفسه من الصرامة التي يديرون بها الطقوس القربانية ويحرسونها؛ جعل ~~البعض يرون أن العيش وفق قيود المنظومة البرهمية سيكون قهريا، وسعى هؤلاء الناس إلى ~~إيجاد طرق اجتماعية دينية بديلة، وأصبح يطلق عليهم في مجملهم المارقون («شرامانا»). ~~وكان ما رفضه هؤلاء هو كل ما يتعلق بسلطة كهنة البرهمية ومبادئهم التوجيهية، لكن ما ~~فهمه الآخرون على وجه التحديد عن «المارقين» هو أنهم على طرف نقيض من «المعتنقين» ~~المنصوص عليهم في التقليد البرهمي بهدف ضمان استمرارية ذلك التقليد. فواجب المعتنق لا ~~يتمثل في تقديم القرابين فحسب، بل يتمثل في وجوب أن يكون منتجا اقتصاديا وتناسليا ~~داخل السلالات الجماعية التي كانت تستبعد الأشخاص الذين لا ينتمون للمستوى نفسه من ~~النقاء الشعائري. على الجانب الآخر، كان المارقون متجولين ومتسولين ms030 ومتبتلين، ~~وبعضهم تجمع حول قادة وقبل تعاليمهم ورؤاهم واتفق معها، بينما كان كثير منهم ~~متجولين معزولين ، وكثير منهم مارسوا أيضا أساليب تقشف قاسية، وأخضعوا أنفسهم ~~لمستويات متطرفة من درجات الحرارة والجوع والعطش وأشكال مؤلمة من التشويه الجسدي، ~~بالإضافة إلى أنواع أخرى متعددة من نكران الذات. وكان المارقون يرون أن ذلك الزهد له ~~هدف؛ إذ كانوا يعتقدون أنه يسهم في اكتساب البصيرة الروحانية من خلال التركيز الذهني ~~المكتسب بطرق معينة غير معتادة. # خريطة 1: المركزان الحضريان الأساسيان لحضارة وادي السند؛ موهينجو ~~دارو وهارابا. منظر لموقع موهينجو دارو الأثري. # تأريخ زمني # عام 2000 قبل الميلاد تقريبا: # التقليد ~~القرباني الفيدي. # 800-500 قبل الميلاد تقريبا: # كتابات ~~الأوبانيشاد القديمة. # بحلول عام 500 قبل الميلاد: # وجود الفرع ~~الشعائري والفرع المعرفي من التقليد البرهمي جنبا إلى جنب. # مجتمع القرن الخامس قبل الميلاد: # في تناقض ~~صارخ مع معتنقي الدين البرهمي كان المارقون - المتجولون والمتسولون ~~والمتبتلون - يسعون إلى اكتساب المعرفة عن العالم وعن أنفسهم، ورفض ~~المارقون كافة الأعراف البرهمية. # 485-405 قبل الميلاد تقريبا: # تمثل هذه ~~الفترة حياة بوذا. تسجل النصوص أن بوذا تحدى الممارسات والتعاليم البرهمية ~~ومزاعمها القائلة بسلطة كهنة البرهمية، وأنه لم يجد بديلا مرضيا بين ~~تعاليم المارقين. واعتمادا على رؤى اكتسبها من خلال تنويره شخصيا، تعلم ~~بوذا طريقة وسطى بين طريقة المعتنقين وطريقة المارقين. # لا نعلم على وجه التحديد كيف أو متى أصبح وجود المارقين واضحا في مجتمع شمال ~~الهند، الذي أخذت تزدهر فيه الرؤية البرهمية للعالم وأصبحت سائدة في الفترة السابقة ~~للقرن الخامس قبل الميلاد. وخلال القرن العشرين، قدمت اكتشافات لحضارة موغلة في ~~القدم كانت موجودة في السابق في وادي السند أدلة ترجح وجود تقليد قديم للغاية ~~للسكان الأصليين للمنطقة ازدهر قبل وصول الآريين بفترة طويلة، وهذا يعني أن المارقين هم ~~على الأرجح ورثة هذا التقليد، وأن منهج وممارسات هؤلاء المارقين على الأرجح لم ينشآ ~~أثناء ازدهار التقليد الآري. وأيا كان المصدر، فإنه من المحتمل أن يكون الأمر متمثلا ~~في أن بعض الأشخاص الذين كانوا يعيشون داخل ms031 المجتمع البرهمي سعوا إلى جعل هدف الشعائر ~~القربانية وممارستها هدفا وممارسة باطنية، وأنهم سعوا أيضا إلى تجاوز القيود التي ~~يفرضها تدخل الكهنة في إطار نظام اجتماعي محدد القواعد سلفا. ومن الممكن أيضا أن ~~يكون الاتجاه نفسه إلى جعل القربان باطنيا قد أثاره الاحتكاك بممارسات السكان ~~الأصليين. # شكل : منظر لموقع موهينجو دارو الأثري. # أما ما نعلمه، من مصادر متعددة يؤكد بعضها ~~بعضا، فهو أنه في الوقت الذي كان فيه التقليد البرهمي يتبنى التعاليم الجديدة ~~المدونة في كتابات الأوبانيشاد، كان يوجد عدد كبير من المارقين المتجولين الذين ~~يسعون إلى اكتساب إجابات خاصة بهم لأسئلتهم الدينية الفلسفية. وكانت الأسئلة نفسها ~~متعلقة، من عدة أوجه، بالموضوعات نفسها التي تناولتها النصوص التأملية الفيدية ~~وكتابات الأوبانيشاد. وهذا يعني أن المارقين لم يكونوا يسعون إلى حقيقة مختلفة النوع ~~كليا، بل كانوا فحسب يسعون إلى أجوبة بالاستعانة بوسائلهم الخاصة بدلا من ~~الوسائل التي يعلمها كهنة البرهمية. وكان هدف الجميع تقريبا هو فهم طبيعة العالم ~~وطبيعة الوجود البشري ممثلا في طبيعة الذات. # طبيعة الذات # تشير مصادرنا إلى وجود مجموعة كبيرة من النظريات المتعلقة بطبيعة الذات والعالم، ~~ويختلف التأكيد على أحدهما أو كليهما باختلاف كل وجهة نظر. وتلخص هذه الأسئلة ~~الكثيرة المتعلقة بالذات في النصوص البوذية القديمة على النحو التالي: # هل كنت موجودا في الماضي؟ ألم أكن موجودا في الماضي؟ ماذا كنت في الماضي؟ ~~كيف كنت في الماضي؟ إذا كنت شيئا ما في الماضي، فماذا أصبحت في الماضي؟ هل ~~سأكون موجودا في المستقبل؟ كيف سأكون موجودا في المستقبل؟ إذا كنت شيئا ما ~~في الماضي، فماذا سأصبح في المستقبل؟ هل أنا موجود الآن؟ هل أنا لست موجودا ~~الآن؟ ماذا أكون؟ كيف أكون؟ من أين أتى هذا الكيان؟ إلى أين سيذهب هذا ~~الكيان؟ # ويكمل النص فيقدم إجابات مقبولة على هذا النحو: # لي ذات. ليس لي ذات. أنا أدرك ذاتي من خلال ذاتي. أنا أدرك عدم وجود ذاتي ~~من خلال ذاتي. أدرك ذاتي من خلال عدمية ذاتي. ذاتي هذه التي تتحدث وتشعر، ~~والتي ms032 تشهد عواقب الأفعال الجيدة والسيئة أحيانا هنا وأحيانا هناك، هذه الذات ~~دائمة ومستقرة وأبدية وغير متغيرة، وهي كما هي دائما . ~~«ماجيما نيكايا»، المجلد 1 # لقد كانت الأسئلة التأملية عن الذات والكون متعددة للغاية، لدرجة أن كافة الاحتمالات ~~أصبحت مدرجة في إحدى الصيغ في النصوص البوذية؛ على النحو التالي: # هل الكون أبدي أم لا؟ هل الكون نهائي أم لا؟ هل الذات مختلفة عن الجسد أم ~~لا؟ عند اكتساب التحرر من الميلاد المتكرر، هل يكون المرء موجودا أم غير ~~موجود، أم موجودا وغير موجود، أم ليس موجودا وليس غير موجود؟ ~~«ساميوتا نيكايا»، المجلد 2، (مثال معادة صياغته) # من هذا الدليل وغيره من الأدلة المعممة يمكن استنتاج بعض الأنماط الفكرية ~~المتنوعة، فقد تبنى بعض الأشخاص نظرة مادية للغاية تنادي بالمادية المتأصلة للبشر ~~في عالم نهائي تماما ومحدود زمنيا. وقال البعض إنه على الرغم من احتمالية وجود ذات ~~غير مادية إلى حد ما مرتبطة بالجسم المادي خلال فترة حياة المرء؛ فإن هذه الذات تنتهي ~~للأبد عند الموت. وتطلق المصادر البوذية القديمة على الأشخاص الذين تبنوا هذه ~~النظرة اسم العدميين؛ حيث إن الموت يتضمن «انعدام» الذات. ولم يجد العدميون ولا ~~الماديون المتطرفون أهمية للتعامل الجدي مع فكرة ~~وجود قانون كارمي يحكم البشر، ورغم ذلك فكثير من المارقين، ومن الممكن أن يكون ~~معظمهم، قد درسوا رؤاهم في إطار يفترض أن البشر يشهدون سلسلة من الحيوات. وبعض هؤلاء، ~~بالإضافة إلى كهنة البرهمية المتبعين لكتابات الأوبانيشاد، اعتقدوا أن الذات دائمة ~~وغير متغيرة، وأطلق عليهم البوذيون اسم الأبديين، وكان الآخرون غير أبديين، لكنهم ~~اعتقدوا في استمرارية الذات بشكل أو بآخر. وكل هؤلاء الأشخاص اعتقدوا أن الأفعال لها ~~عواقب في الحيوات المستقبلية، وبالنسبة لهم كانت الفكرة كلها من السعي وراء إجابات لهذه ~~الأسئلة هي اعتقاد أن هذه المعرفة بعينها - معرفة طبيعة الذات وسياقها الوجودي - تؤدي ~~إلى التحرر (موكشا) من الميلاد المتكرر؛ ولهذا السبب كان بحثهم عن الإجابات حتميا، ~~وظل اهتمامهم منصبا على الأسئلة المتعلقة بهذه الموضوعات. # من المهم فهم هذه النقطة؛ ms033 لأنها تمثل سمة أساسية للمجتمع الذي نحاول فهمه، ~~ولشرحها على نحو أكثر وضوحا قد يكون من المفيد تناول الصورة من زاوية مختلفة نسبيا. ~~وفي العموم، فإن لدينا مجتمعا يمكن للمرء أن يرى فيه أن الممارسات والاهتمامات ~~المختلفة مرتبطة ارتباطا مباشرا برؤى للعالم مناسبة لكل منها. # فمن ناحية، كان يوجد أتباع التقليد ~~البرهمي القديم المتعلق بالدين القرباني الفيدي، وفيه كان أداء الطقوس يرتبط ارتباطا ~~مباشرا بالحفاظ على كون إن لم يكن تجريبيا تماما، فهو بالتأكيد متعدد وحقيقي. ~~وتركز الاهتمام على دقة القربان؛ نظرا لارتباط الفعل بالنتيجة، وكان هذا التقليد ~~القديم في ذلك الوقت على وشك أن ينازعه مكانته مناهج أخرى ممثلة في تعاليم كتابات ~~الأوبانيشاد واهتمامات المارقين غير الماديين. ورغم ذلك، فقد كان التقليد البرهمي قد ~~أصبح بالفعل حامل لواء التقليدية، وواضع الأعراف الاجتماعية التي ما زالت مستمرة حتى ~~وقتنا هذا. ولم يكن وجود وتأثير ذلك التقليد لينحى جانبا مهما بلغت قوة ادعاء ~~أفضلية المناهج البديلة. # أما الآخرون، مثل الماديين والعدميين، فقد تمسكوا برؤية للعالم استبعدت التركيز على ~~أي شيء بخلاف المكان والزمان الحاليين. واهتم هؤلاء الأشخاص، في المقام الأول، بالدفاع ~~عن وجهات نظرهم ومحاولة تفنيد كل ما رأوا أنه مزاعم وممارسات سخيفة لدى كل من ~~الشعائريين وغير الماديين على حد سواء. # وعلى النقيض، كان يوجد أولئك الذين ~~اعتقدوا أن الحياة عبارة عن دورة ميلاد متكرر تحكمها الكارما، وأن العالم ليس ~~تجريبيا كما يتراءى لنا، أو على الأقل يحمل في ~~ثناياه أكثر من هذا المظهر. وكان اهتمام هؤلاء منصبا على اكتساب المعرفة ~~المتعلقة بالتركيبة الدقيقة للعالم في حقيقة الأمر وموقع البشر داخله. وهذا الاهتمام لم ~~يمكنهم فحسب من قول ادعاءات متعالية تزعم معرفة الحقيقة الماورائية، بل منحهم ~~أيضا واجبا وجوديا لإدراك وسائل تحقيق الخلاص من قيد الميلاد المتكرر. وكانوا يرون ~~أنهم إذا أرادوا الحصول على ذلك الخلاص الذي يمثل أعلى المنح، فإن أهم ما عليهم ~~معرفته أكثر من أي شيء آخر هو طبيعة الذات، وهكذا سيطر هذا المسعى على منهجهم، مستبعدا ms034 ~~أي اهتمامات أو موضوعات أخرى. # جوتاما - بوذا # هذه هي البيئة التي ولد فيها، حوالي عام 485 قبل الميلاد، رجل يسمى سيدهارتا ~~جوتاما ، الذي أصبح فيما بعد معروفا باسم بوذا. وتعني كلمة بوذا حرفيا «اليقظ»، ~~وتشير إلى مناسبة تنوير بوذا. وتصف النصوص المقدسة التنوير بأنه اكتساب الرؤية (ثلاث ~~رؤى بالأحرى) التي كانت مهمة بما يكفي لأن تماثل اليقظة بعد النوم. وهذه النقطة ~~تلفت الانتباه إلى الطريق البوذي، الذي يتفق مع تعاليم كهنة البرهمية أتباع كتابات ~~الأوبانيشاد وكثير من المارقين في أنه يمثل الانتقال من الجهل إلى المعرفة. إن الجهل ~~هو العامل الشرطي الأول الذي يدعم استمرار الميلاد المتكرر، الذي تتسم فيه كل حياة ~~بعدم الرضا العميق المرتبط بالطبيعة المؤقتة لكل شيء يمكن للمرء أن يعايشه. أما ~~المعرفة فهي العامل التمكيني الذي يمكن المرء من الوصول إلى إنهاء ذلك الميلاد ~~المتكرر. ونظرا لأن المعلمين الأوائل لتلك التقاليد زعموا أنهم توصلوا لهذه ~~المعرفة، فإن لدينا عددا هائلا من النظريات الميتافيزيقية المختلفة المتعلقة بهذه ~~الفترة. # على الرغم من تداول الكثير من القصص ~~الشعبية المستندة إلى التراث البوذي، الذي تقص أعماله الأدبية السردية سيرة حياة ~~بوذا على نحو مبالغ في المديح، وتروي تعاليمه؛ فإننا لا نملك أية حقائق مؤكدة عن ~~الحياة المبكرة لبوذا، فيما عدا أنه ولد لعائلة تعيش في مدينة كابيلافاتو ~~(الموجودة في نيبال حاليا) ويبدو محتملا أن عائلته كانت ثرية وتتمتع بالنفوذ. ~~وتروي النصوص أنه ترك منزله في أوائل الثلاثينيات من ~~عمره بحثا عن إجابة لأسئلته المتعلقة بالطبيعة الوجودية للمصير البشري، وهذه الأسئلة ~~هي: لماذا الوجود البشري على هذه الحال؟ لماذا يتسم بالمرض والشيخوخة والموت؟ أليس ~~ثمة مفر من حالته تلك؟ هل يمكن للمرء فعل أي شيء حيال ذلك؟ هل يمكن للمرء حقا ~~الهروب من مثل هذا الوجود؟ # خريطة 2: المواقع المرتبطة ببوذا. # وسواء أكان لدى بوذا أي معرفة متعلقة بأي من التعاليم المذكورة في النصوص التي ~~أشرنا إليها سابقا قبل مغادرته للمنزل أم لا (ونحن لا نعلم هذا)، فإن النصوص البوذية ~~القديمة تخبرنا ms035 أنه بمجرد أن انطلق بوذا في سعيه قابل أشخاصا لديهم وجهات نظر ~~شديدة التنوع. وفي واقع الأمر، تعد هذه النصوص واحدا من أهم مصادر المعلومات، ~~بالإضافة إلى النصوص الجاينية المتعلقة بوجهات النظر المتعددة التي انتشرت في هذا ~~المجتمع. وفي أثناء سعيه الباحث عن أجوبة ~~لتلك الأسئلة المهمة، كان بوذا مهتما على نحو عملي بمقابلة الأشخاص المنطلقين في ~~سعي مشابه، وتعلم ما ظنوا أن له علاقة بالموقف الإنساني وما يمكن أن يفعل ~~حياله. ويبدو أنه أمضى بعض سنوات في الاستماع إلى نظرياتهم والتعلم منها واختبارها، ~~من خلال السير على خطاهم في مختلف أنواع الممارسات التي مارسوها. ولم يشعر بوذا بأن ~~أيا من هذه الممارسات تقدم الأجوبة الشافية التي كان يبحث عنها، وفي النهاية ~~قرر أن يجرب أسلوبه الخاص في محاولة اكتساب الرؤى شديدة العمق التي كان يسعى ~~إليها. # شكل : راهب بوذي يتأمل. # وباستخدام نوع من التأمل الثاقب قام بتعليمه للآخرين فيما بعد، زعم بوذا أنه اكتسب ~~ثلاث معارف مكنته من فهم طبيعة الوجود البشري وسبب كونه على هذه الحال. وزعم أيضا ~~أنه من خلال هذه المعارف الثلاث قد حقق الخلاص من أسر استمرار الوجود البشري، ~~وتتمثل أولى هذه المعارف في أنه تمكن من رؤية حيواته السابقة، وطريقة تأثير كل ~~منها على جودة وظروف الحيوات التالية؛ وهذا يعني أنه تمكن من رؤية تاريخ ميلاده ~~المتكرر. وثانية هذه المعارف هي أنه رأى طريقة ولادة الموجودات الأخرى وطريقة ميلادها ~~ثانية، وهذا أيضا وفقا لنتائج الأفعال التي قامت بها في الحيوات السابقة، وأثرت ~~هذه النتائج بدورها على حيواتها التالية. وعلى هذا النحو فإن قبول بوذا لمبدأ الميلاد ~~المتكرر والكارما وتدريسه كلا منهما لم يكونا قائمين على تبنيه لسمات رؤية ~~العالم التي كانت سائدة آنذاك، بل كان قبول هذين ~~المبدأين وتدريسهما قائمين على تجربته الشخصية. أما ثالثة تلك المعارف التي اكتسبها ~~بوذا فكانت كيف يزيل من هذا الإطار المتصور ذهنيا تلك العوامل التي كان قادرا على أن ~~يرى أنها تربطه بمنتهى القوة بالاستمرارية في هذا العالم؛ ms036 وتمثلت تلك العوامل المراد ~~التخلص منها فيما يلي: الرغبات الشهوانية، والرغبة في الوجود المستمر، والجهل بالطبيعة ~~الحقيقية للحقيقة، وتبني «وجهات نظر» متعنتة . # شكل : صورة بوذا وهو يلقي تعاليمه. # تنوير بوذا ~~«بذهن مركز، وصاف، ونقي، وخال من التشتيت، ومرن ومحدد الهدف، وجهت ~~عقلي نحو معرفة كيفية التخلص من «ميول الاستمرارية». تمكنت من رؤية ~~السمة الأساسية للوجود البشري على حقيقتها، وكيف تنشأ، وعرفت أنها من الممكن أن ~~تتوقف، وكيف السبيل إلى إيقافها، وعرفت ميول الاستمرارية على حقيقتها؛ نشأتها، ~~وتوقفها، وكيفية إيقافها. ومن خلال هذه المعرفة وهذه الرؤية حقق عقلي التحرر ~~من الآثار المقيدة لكل هذه الرغبات الشهوانية، ومن الآثار المقيدة للرغبة في ~~استمرار الوجود، ومن الآثار المقيدة للتمسك بالآراء المتعنتة، ومن الآثار ~~المقيدة للجهل. وبعد ذلك عرفت على نحو مؤكد أنني تحررت من الميلاد ~~المتكرر، وأنني مارست ما كان من الضروري ممارسته، وفعلت ما كان من الضروري ~~فعله، وأن حالتي الحالية لن تؤدي إلى استمرارية أخرى.» ~~«فينايا»، المجلد 3 (فقرة معادة الصياغة) # انظر أيضا: «ماجيما نيكايا»، المجلد 1، # و«أنجوتارا نيكايا»، المجلد 2 والمجلد 4 # وفقا للنصوص المتاحة (انظر المربع ~~السابق)، قبل أن يصف بوذا المعرفة الثالثة التي اكتسبها لخص ما تمكن من رؤيته في ~~صيغة رباعية على النحو التالي: (1) الوجود البشري في ~~حد ذاته له صفات جوهرية معينة. (2) توجد عوامل محددة تعزز استمراريته. (3) من ~~الممكن إيقاف تلك الاستمرارية. (4) توجد طريقة تؤدي لهذا الإيقاف. إن رؤية وفهم ~~السمات الأساسية لهذا الموقف لأمران ضروريان إذا كان ما يسعى المرء إليه هو التحرر ~~من أسره. وكان هذا الفهم أساسيا إلى حد كبير؛ لدرجة أنه أصبح أول مبدأ فعلي ~~يعلمه للآخرين، ويعرف باسم الحقائق الأربعة النبيلة، ويقال إنه تحدث عن تلك ~~الحقائق في حديقة أيائل في فاراناسي. # الحقائق الأربعة النبيلة # تركيبة الحقائق الأربعة النبيلة بسيطة وواضحة؛ فهي تقول إن «س» هي الحالة القائمة ~~بسبب «ص»، وسوف تتوقف «س» إذا توقفت «ص»، في حين أن «س» متأصلة في الوجود البشري. ~~وما تشير إليه تلك الحقائق بالمصطلحات المفاهيمية ليس ms037 من السهل استنتاجه؛ والسبب في ذلك ~~يعود، إلى حد ما، إلى الطبيعة الغامضة لتلك الحقائق، والسبب الآخر يتمثل في أن ~~مصطلح «دوكها»، ذلك المصطلح المأخوذ من اللغة البالية المستخدم في الإشارة إلى السمة ~~المتأصلة في الوجود البشري المحددة في الحقيقة النبيلة الأولى؛ معناه غير واضح إلى حد ~~كبير. لطالما ترجم مصطلح دوكها إلى «معاناة»، أو «ألم»، أو «مرض»، لكن في الوقت الحاضر ~~أدرك قطاع عريض من الناس أن هذه الترجمة تنسب لبوذا على نحو خاطئ رؤية سلبية ~~للغاية عن الوجود البشري، ويسهل دحضها. والترجمة الأفضل هي «عدم الرضا» التي تربط مصطلح ~~دوكها، من الناحية المفاهيمية، بمبدأ بوذا القائل إن كل عوامل عالم الوجود الظاهري ~~غير دائمة. وفي تناقض مباشر مع مزاعم معلمي الأوبانيشاد في عصره، التي قالت إنه على ~~الرغم من التعددية الواضحة في الكون فإنه من الممكن إدراك أن الكون عبارة عن وحدة ~~جوهرية دائمة وغير متغيرة؛ علم بوذا أتباعه أن كل العوامل المدركة غير دائمة. ~~ونظرا لأن تلك العوامل غير دائمة، فإنها غير مرضية في نهاية المطاف (فحتى أفضل ~~التجارب والمواقف لا تدوم) على النقيض من نعيم الخلود المفترض، أو الديمومة المطلقة. ~~ومن هذا المنطلق يفهم أن الحقائق النبيلة الأربعة تصنف عدم الإشباع الناجم عن ~~الزوال بأنه السمة الأساسية للحياة المتكررة. ونظرا لأن المرء لا يقبل بعدم الدوام ~~ويسعى ويرغب دائما في أن تكون الأشياء دائمة - الشباب والصحة والأحباء والممتلكات ~~النفيسة وهكذا - فإن هذا السعي وهذه الرغبة يدعمان استمرار عدم الرضا؛ لأن كل رغبات ~~الإنسان مصيرها خيبة الأمل. وتأكيدا على الحقيقة النبيلة الثانية، توضح البوذية أن ~~آلية عملية الكارما تكمن في رغبات المرء الشهوانية؛ أي تكمن في الحالة الذهنية ~~المتعمدة للمرء. # تعاليم بوذا # الحقائق النبيلة الأربعة # يتسم الوجود البشري بسمة متأصلة هي «دوكها». # تنشأ «دوكها» عن التوق والرغبات الشهوانية (سواء ~~أكانت إيجابية أم سلبية). # من الممكن إيقاف «دوكها»، ويعرف هذا الإيقاف باسم ~~«نيرفانا». # تتحقق «نيرفانا» من خلال اتباع الطريق الثماني ~~النبيل. ~~«ساميوتا نيكايا»، المجلد 4، (مثال معادة ~~صياغته) # تعني ms038 كلمة نيرفانا «الإطفاء»، وتشير إلى إيقاف وقود الاستمرارية. # النشأة المعتمدة ~~«ما أعلمه هو النشأة المعتمدة؛ إن كل الأشياء المعروفة يعتمد ~~بعضها على بعض في نشأتها، وهذه هي طبيعة الأشياء، الطبيعة المعتادة ~~للأشياء.» ~~«ساميوتا نيكايا»، المجلد 2 # عندما يكون هذا، يكون ذاك. # عندما يحدث هذا، يحدث ذاك. # عندما لا يحدث هذا، لا يحدث ذاك. # عندما يتوقف هذا، يتوقف ذاك. ~~«ماجيما نيكايا»، المجلد 3، (مثال) # سمات الوجود الثلاث # كل الأشياء معتمدة النشأة غير دائمة. # كل الأشياء معتمدة النشأة [نتيجة لذلك] غير ~~مرضية. # كل الأشياء الممكنة معرفتها ليست هي الذات. ~~«دامابادا»، (مثال) # إن الصيغة التي وصلت إلينا بها تعاليم البوذية القديمة الأساسية تعكس ~~حقيقة أنه، حتى وقت تدوين تلك التعاليم في عام 40 قبل الميلاد تقريبا، كان ~~الحفاظ القدماء لهذا التقليد يستخدمون أدوات تذكيرية لتساعدهم على الحفظ ~~الشفهي لهذه التعاليم. # أما السبب وراء استمرار رغبة المرء وتوقه لما لا يمكنه الحصول عليه فهو جهله ~~بالطبيعة الحقيقية للحقيقة. وفي الواقع، فإن كل شيء في دورة الحيوات مشروط بشيء آخر، ~~ووضع بوذا هذه النقطة في مبدأ أو تعليم آخر من تعاليمه الأساسية؛ فقال إنه توجد «طبيعة ~~للأشياء»، أو «نمط معتاد للأشياء»، وهذه الطبيعة أو هذا النمط المعتاد يتمثلان في أن كل ~~الأشياء «نشأت معتمدة على غيرها». وهذا ينطبق عموما على كل عوامل تجربتنا المتكررة؛ ~~فلا شيء على الإطلاق، مهما كانت طبيعته - ماديا أو ذهنيا، حسيا أو متصورا، ~~ملموسا أو مجردا، عضويا أو غير عضوي - يحدث مستقلا عن عوامل شرطية. وبالفعل هذا ~~هو سبب عدم دوام كل الأشياء. # النشأة المعتمدة # النشأة المعتمدة هي تعليم ميتافيزيقي متطرف، إلى حد كبير، من تعاليم بوذا، وهي لا ~~تنص على عدمية الوجود، بل تقول إن طريقة حدوث كل الأشياء تختلف عن كل من: ~~الوجود الذي ينطوي على الاستقلالية، وعدم الوجود ~~الذي ينطوي على إنكار حدوث الأشياء. والهدف من هذا التعليم عن النشأة المعتمدة هو سلوك ~~«طريق وسطي» بين الوجود وعدم الوجود، والإقرار بالوجود وعدم الوجود، وإنكار الوجود ~~وعدم الوجود. إن هذه ms039 الصيغة المتحدية للمنطق، التي رأيناها بالفعل في السابق، مصممة ~~لتضم وترفض كل أنواع التباديل الممكنة للمواقف الميتافيزيقية التي يتخذها ~~الآخرون. ~~«الطريق الوسطي» لبوذا # قال بوذا إن تعاليمه اتخذت طريقا وسطيا بين تعاليم وممارسات معتنقي ~~التقليد البرهمي والمارقين منه، ويمكن رؤية ذلك بوضوح شديد في ثلاثة جوانب ~~كالتالي: ~~(1) كان مجتمع الرهبان البوذي بين طرفي نقيض؛ تمثل أحدهما في التمسك ~~التام بالنظام الاجتماعي، وتمثل الآخر في الرفض التام لذلك النظام الاجتماعي، ~~فكان أعضاء مجتمع الرهبان يعيشون منفصلين عن المجتمع لكنهم معتمدون على ~~العوام على نحو متبادل. ~~(2) النظام اليومي وأسلوب حياة الرهبان البوذيين كانا بين الانغماس الحسي ~~المرتبط بالحياة الأسرية وبين أساليب التقشف القاسية المفروضة ذاتيا التي ~~كان يمارسها المارقون من التقليد البرهمي؛ فقد كان الرهبان البوذيون ~~متبتلين، لكن كل احتياجاتهم الأخرى كانت مجابة من أجل الحفاظ على السلامة ~~الصحية التي اعتقدوا أنها مهمة من أجل الالتزام الكامل بالتقليد البوذي. ~~(3) ميتافيزيقية النشأة المعتمدة سلكت طريقا وسطيا بين كل التباديل ~~الممكنة للنظريات الوجودية المطروحة من قبل الآخرين؛ فلا يمكن التعبير عنها ~~باستخدام أية مجموعات مصطلحات متعلقة بالوجود أو بعدم الوجود. # كثيرا ما يقال إن ما كان يعلمه ~~بوذا في هذا السياق، في تناقض مباشر مع كهنة الأوبانيشاد وغيرهم، هو أنه لا توجد ذات. ~~ونشأت وجهة النظر تلك من استخدام المصطلح البالي (من اللغة البالية) «أناتا» ~~(«أناتمان» بالسنسكريتية)، الذي يتضمن إضافة بادئة نفي للكلمة التي تعني «ذات». ~~والذات، كما رأينا في السابق، كانت تشغل اهتماما محوريا لمعظم مجتمع بوذا. وكانت ~~المجموعة البرهمية المسيطرة، التي كانت تتلقى تعاليمها من كتابات الأوبانيشاد، تزعم أن ~~معرفة الهوية الخالدة للذات مع جوهر الكون تحقق التحرر. وعلى النقيض من ذلك، قال ~~بوذا إن كل الأشياء التي يمكن معرفتها («داما») هي «أناتا»؛ أي «غير ذاتية». واعتبر ~~البوذيون والأكاديميون، على حد سواء، أن ذلك إنكار تام للذاتية؛ أي إنه لا يوجد ~~ذات. # ورغم ذلك أوضحت إحدى الدراسات الأكاديمية الحديثة أن السياق يطبق على نحو عام ~~وليس فقط على نحو خاص؛ فالفكرة تتمثل ms040 في أنه إذا كانت كل الأشياء تنشأ معتمدة بعضها ~~على بعض، بين كل تباديل الوجود وعدم الوجود، فهذا يعني أن الطريقة التي توجد بها ~~الأشياء - بما فيها الذوات، وكذلك درجات السلم الموسيقي، وأظافر القدم، والأفكار، ~~والضحك، والروائح، والقطط، والأشجار، والكراسي، والأحجار - هي طريقة واحدة في العموم، ~~وليس أنها غير موجودة. وفي واقع الأمر، عدم الوجود أمر مرفوض تماما. ونظرا للدلالات ~~الذاتية لمصطلح «أناتا»، فإنه من الممكن أن يصرف الانتباه عن المعنى المقصود. لم يكن ~~بوذا ينفي وجود ذوات الأشخاص، بل كان ينفي وجود أي شيء مستقلا عن باقي الأشياء، وهذا ~~يتعارض على نحو واضح مع مزاعم الآخرين القائلة بديمومة الذات، لكن كون هذا المبدأ ينص ~~على عدم وجود الذات هو في الحقيقة أمر محل تشكيك. # ويدعم هذا التشكيك حقيقة أن بوذا حث على ضرورة ابتعاد المرء عن تبني أي موقف من ~~هذه المواقف الوجودية المتعلقة بالذات أو بالكون. وقال إن كل هذه المواقف أو أيا منها ~~هي «مجرد آراء» تعزز عوامل الاستمرارية القسرية إلى حد كبير، وهي العوامل التي ~~ينبغي التخلص منها من أجل اكتساب رؤية تمكننا من معرفة طبيعة الحقيقة. ورفض بوذا نفسه ~~الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بمثل هذه الموضوعات، وصمته عند التساؤل عن صيغة «المنطق ~~الرباعي» المشار إليها في السابق أدى إلى تسميتها بالأسئلة غير المجابة في البوذية. ~~وفي تعارض كبير مع معاصريه ومع معظم المعلمين الآخرين، لم يقدم بوذا أية معلومات ~~عن الوضع الوجودي للذات والكون، أو على الأقل لم يقدم تلك المعلومات على نحو مباشر. ~~أما ما كان يعلمه بوذا في واقع الأمر - من أجل «رؤية الأشياء على حقيقتها» كما ~~تقول المصادر البوذية - فهو ضرورة ألا يكون الاستقصاء والفهم من جانب المرء مركزين ~~على الموضوعات الوجودية، بل يجب أن يركزا على عمل الملكات المعرفية للمرء. # ويشار إلى هذه الملكات في المصادر البوذية بمجموعة العوامل الخماسية المتفاعلة، ~~ويطلق عليها الكاندات الخمس، وكلمة «كاندا» ليس لها مرادف دقيق في هذا السياق. وإذا ~~بدا أن السائل يصرف الانتباه إلى ms041 موضوع آخر، كان بوذا يؤكد على نحو متكرر أن آلية ~~عمل الكاندات هي اللازم فهمها. علاوة على ذلك، وعلى قدر كبير من الأهمية، فإن النصوص ~~القديمة تنص على نحو متكرر على أن الكاندات الخمس هي ما تكون الدوكها، تلك الدوكها ~~التي تعد السمة الأساسية للوجود البشري المحددة في الحقيقة النبيلة الأولى. ويشير ~~هذا الارتباط إلى أن الأهمية الكاملة للحقيقة لا تقتصر، من هذا المنطلق، على الحالة ~~النفسية لعدم الرضا، بل تشمل أيضا فكرة أن نقطة الانطلاق التي يجب أن يبدأ من ~~عندها الاستقصاء عن الوجود البشري هي الملكات المعرفية للمرء. إنها الوسيلة التي يدرك ~~المرء من خلالها التجارب في العموم، ومن ثم فمن غير الممكن استقصاء أي شيء ~~محدد أو معرفته دون أن نفهم أولا الوسيلة التي من خلالها يدرك المرء الشيء، أو ~~يكون تصورا عنه في المقام الأول. # ومن الناحية «الدينية»، فإن الغرض من استقصاء الملكات المعرفية للمرء هو فهم الرابط ~~بين طريقة عملها المعتادة وبين الطريقة التي تؤثر بها شهوات المرء ورغباته على هذه ~~الملكات؛ فالاستجابة الرامية إلى الإشباع تعتمد على العمليات المعرفية التي تعمل على ~~حسب القواعد المتعارف عليها، لكنها في واقع الأمر، ونظرا للطبيعة الحقيقية للحقيقة، ~~تعمل على نحو خاطئ. وعلى وجه التحديد، فإن الفشل في فهم نتائج النشأة المعتمدة يقود ~~الشخص إلى الاستمرار في الاستجابة كما لو كان راغبا مستقلا لديه رغبات مستقلة لأشياء ~~مرغوبة متفرقة. وبهذه الطريقة تعزز الاستمرارية من خلال تضافر الجهل والرغبات ~~الشهوانية. وبالعكس، سوف تضمر الرغبات الشهوانية إذا استبعد الجهل وحل محله فهم ~~أن تصور الاستقلالية والفردية هو تصور زائف. # من طبيعة الوجود إلى طبيعة التجربة # من الناحية «الفلسفية» كل ما يفعله هذا المبدأ هو تحويل مركز الاستقصاء من الوجودية ~~إلى الإبستيمولوجيا (نظرية المعرفة)، وهذا يعني أن بوذا أدخل في هذا المجتمع، الذي ~~يزخر بتساؤلات ميتافيزيقية كثيرة ونظريات وجودية عميقة عن الذات والكون، زعما يقول إن ~~كل ما يمكن للمرء الوصول إليه هو العملية المعرفية الذاتية للمرء؛ فالمرء لا يستطيع ~~الخروج ms042 خارج هذا النطاق لرؤية أو للتحقق مما قد يكون الحال خارج نطاقه المعرفي، ~~لكن يمكنه على الرغم من ذلك فهم آلية عمل ما يدور خارج نطاقه . وهذا يتضمن فهم ~~دور الملكات المعرفية في تكوين طريقة إدراكنا للعالم من حولنا. وتشير النصوص إلى طريقة ~~معالجة الملكات الإدراكية للشخص للبيانات «الخام» المتعلقة بالتجارب وتقسيمها إلى ~~فئات مميزة ومنقحة ومتطورة إلى حد كبير، فالعملية برمتها تتضمن «تعديد الأشياء ~~غير المتعددة في واقع الأمر» («أنجوتارا نيكايا»، المجلد 2). # العملية المعرفية # يحدث الإحساس البصري عند حدوث تواصل بين الوعي والعين والشيء المرئي، ~~وبعد ذلك يصبح هذا الإحساس المبدئي مميزا ومتصورا ومتعددا. ~~«ماجيما نيكايا»، المجلد 1، (فقرة معادة الصياغة) # ينطبق هذا النسق على السمع، والشم، ~~والتذوق، واللمس والتفكير (تعترف البوذية وغيرها من مدارس الفكر الهندي بوجود ~~ست حواس، من ضمنها حاسة متعلقة بالنشاط الذهني غير الحسي). # النشأة المعتمدة مرة أخرى ~~«إن فهم النشأة المعتمدة يعني أن المرء «لن يطرح بعد ذلك» أسئلة عن وجود ~~الذات أو الماضي أو المستقبل أو الحاضر من قبيل: هل الشيء موجود؟ أو هل ~~الشيء غير موجود؟ أو ماذا يوجد؟ أو لماذا يوجد؟ أو هذا الشيء الذي على هذه ~~الحالة، من أين أتى؟ وإلى أين سيذهب؟» ~~«ساميوتا نيكايا»، المجلد 4، (فقرة معادة الصياغة ~~بتصرف) # تتجلى نتيجتان من هذا التعليم، وهاتان النتيجتان لم تعبر عنهما النصوص على نحو ~~صريح (في واقع الأمر، عبرت عن قدر قليل منهما على نحو صريح). إحدى هاتين النتيجتين ~~هي أنه إذا كانت الملكات المعرفية الإدراكية هي ما تعالج كل البيانات التجريبية، فهذا ~~إذن ما يكون منبت النشأة المعتمدة؛ أي إن كل ما يشهده المرء ينشأ على نحو اعتمادي في ~~عمليات تجريبية ذاتية. وهذا لا يعني فحسب وجود ارتباط مباشر بين الذاتية والموضوعية، بل ~~يعني أيضا أن السبب في كون ظواهر الوجود المتكررة التي تعتمد في نشأتها بعضها على ~~بعض ظواهر غير دائمة هو الطبيعة التجريبية لتلك الظواهر. وكان مقدرا لهذه النتيجة ~~أن تخضع لمزيد من التفسير والنقاش الكامل في البوذية المتأخرة، ms043 لا سيما في بوذية اليوجا ~~كارا، لكن خلال الفترة المبكرة للبوذية ظلت هذه النتيجة مستترة التفاصيل إلى حد ~~كبير. # أما النتيجة الثانية فتتمثل في أنه إذا كان التركيز يكمن في فهم طبيعة المعرفة ~~خلافا لفهم طبيعة الأشياء، كما كان الأمر في السابق، بغض النظر عن ملكاتنا المعرفية، ~~فهذا يعني أن لا شيء مما يعرفه المرء يمثل ذات المرء. وأيا كانت طبيعة المرء، ذلك ~~الفاعل العارف، أو مكانته الوجودية فإنه لا يستطيع أن يجعل نفسه مفعولا به كي يعرف ~~نفسه بنفسه؛ ولذلك نقرأ في السطر الأخير من الصيغة المعروفة باسم سمات الوجود الثلاث ~~(الموضحة في المربع المذكور سابقا) ما يلي: «كل الأشياء الممكنة معرفتها («الداما») ~~ليست هي الذات (أناتا).» وهذه النتيجة أيضا ظلت مستترة إلى حد كبير، وفي هذه ~~الحالة، كان السبب يعود إلى المزاعم المناقضة التي كانت تقول إن مبدأ «أناتا» يقضي بعدم ~~وجود الذات. # كان بوذا ناقدا لاذعا لآراء ومزاعم الآخرين في نواح كثيرة، فإذا كان مبدأ أناتا ~~يقر بعدم وجود الذات، فهذا وحده سيكون متناقضا تماما مع مزاعم المجموعة البرهمية ~~المسيطرة التي تتلقى تعاليمها من كتابات الأوبانيشاد على أقل تقدير. وفي واقع الأمر، ~~لو كانت فحوى المبدأ أن لا شيء مما يعرفه المرء يمثل ذات المرء، إذن لقضى، إلى حد ~~كبير، ليس فقط على معتقد المجموعة البرهمية المسيطرة، بل أيضا على الهدف نفسه من السعي ~~كما تراه الغالبية العظمى من معاصريه. وعلى أية حال، فعند تعليم الآخرين معتقد النشأة ~~المعتمدة، رفض بوذا كل المواقف الوجودية المختلفة التي تبناها الآخرون رفضا ~~صريحا. # وعند استعراض السمات المختلفة لتعاليم بوذا، من المهم تذكر أنه في ذلك الوقت كان ~~هدفه من إعطاء تعاليمه ورفض تعاليم الآخرين موجها تماما إلى مساعدة الآخرين في اكتساب ~~الرؤية لتحقيق التحرر من تقلبات الوجود البشري. ولا يمكن للمرء قراءة النصوص البوذية ~~القديمة دون أن يتذكر باستمرار هذا الهدف، كما أن تجاهله أو التغاضي عنه سيضر بالطريقة ~~المحفوظة بها هذه التعاليم. لقد كان بوذا مهتما بتقليل نفوذ كهنة ms044 البرهمية، ليس لأنه ~~تمنى تحقيق نصر فلسفي، بل لأنه رأى أن مزاعم أحقيتهم في احتكارية القيام بالطقوس ~~والسلطة المطلقة تضر بصالح الناس. علاوة على ذلك، لقد اعتبر اعتمادهم على التقليد ~~البرهمي في معرفة ما زعموا أنه طبيعة الأشياء بدلا من الاستفادة من فهمهم التجريبي ~~المستقل الخاص؛ أمرا لا يعتمد عليه إلى حد كبير، لدرجة أنه يعد أمرا غير فعال ~~بطبيعته؛ فهو لم ير أي سبب وجيه يلزم أي شخص بالإيمان بمبدأ قدمه شخص آخر لم ~~يشهد مطلقا المزاعم التي يدعيها. واعترض بوذا أيضا على شعور الكهنة بأهميتهم ~~الذاتية وعدم اهتمامهم بتحرر الآخرين. واعتبر بوذا كل الأنشطة الشعائرية التي كان ~~يزاولها الكهنة عبثية، وقال إن آلية الفعل والنتيجة تكمن في الحالة الذهنية للمرء، ~~ولا يمكن لأي شخص التحكم فيها سوى المرء نفسه. ورأى بوذا أن التركيز على تذكر الصيغ ~~المقدسة بدقة وحجب اللغة المقدسة عن الآخرين يصرف الانتباه عن الحاجة إلى فهم نظام ~~آليات الوجود ويوجهه نحو التفاصيل المتعلقة بالأصوات والصيغ المنطوقة، وأكد على أن ~~المهم ليس الحرف بل الروح، وما يهم ليس التفاصيل بل الصورة الكلية، فليس المهم أن يحفظ ~~المرء بل أن يفهم. # كان طابع النصوص البوذية القديمة طابعا «دينيا» ولم يكن تقليدا «فلسفيا»، وكانت ~~الموضوعات التي تناولتها البوذية في تلك الفترة، والتي قد تهمنا فلسفيا على الصعيد ~~الفكري، ذات طبيعة وجودية إلى حد كبير وليست اهتمامات مجردة. وفي واقع الأمر، كان من ~~الممكن أن يشعر بوذا وأتباعه المباشرون، ومعاصروه الآخرون الباحثون عن الحقيقة، بالحيرة ~~من أية محاولة تهدف ببساطة إلى وضع أفكارهم في قالب عقلاني. ورغم ذلك، فقد كان القرن ~~الخامس قبل الميلاد هو البوتقة التي تشكلت فيها أفكار ومناهج كثير من مدارس الفكر ~~المختلفة وتحددت على نحو واضح علاقاتها بعضها ببعض. علاوة على ذلك، بداية من ذلك ~~القرن فصاعدا زادت الحاجة إلى مسوغات أكثر منهجية تبرهن على صحة ادعاءات المناهج ~~الأكثر تأثيرا في ذلك المجتمع. وعلى الرغم من أن مجتمع القرن الخامس قبل الميلاد لم ~~يكن يرى ms045 ضرورة لوجود أية تفسيرات رسمية للأسس النظرية للتعاليم المختلفة المتعددة، ~~فإنه لم يمر وقت طويل حتى أصبحت التفسيرات الرسمية تتنافس فيما بينها على الأفضلية ~~والقبول، وأصبحت الأمور التي كانت تعلم، إما بسبب توجيهات تقليد راسخ منذ فترة طويلة ~~أو لمجرد أهداف خلاصية عملية، تتطلب صياغات وتفسيرات أكاديمية ونظرية إلى حد ~~كبير. # الفصل الرابع # | الموضوعات والمبررات # اللغة والقواعد اللغوية والجدل # تهديد كهنة البرهمية # من وجهة نظر كهنة البرهمية، مثلت التطورات التي حدثت خلال القرن الخامس قبل الميلاد ~~تهديدا خطيرا؛ فعلى مدار زمن طويل نجح أحفاد الآريين نجاحا كبيرا في أن يجعلوا ~~لأنفسهم منصبا سياديا على كل من الصعيدين الثقافي والديني، لكن تحديات الآخرين ~~للنفوذ البرهمي خلال تلك الفترة جعلتهم في حاجة إلى اتخاذ خطوات جادة للدفاع عن ~~ممارساتهم ورؤيتهم للعالم. وكان تقليد تقديم القرابين أكثر الممارسات تعرضا لهذا ~~التهديد؛ فالرؤى المنافسة التي تبناها الآخرون لم توضح فحسب أن الطقوس المرتبطة ~~بالقربان عبثية، بل إن هذه الرؤى في حالة تحقيقها لقبول لدى الناس على نطاق كبير سوف ~~تجعل كهنة البرهمية أنفسهم بلا عمل؛ ومن ثم تطيح بهم من قمة التسلسل الطبقي. وكان من ~~ضمن مظاهر محاولة كهنة البرهمية حماية كل ما يتعلق بمكانتهم القيادية تعزيز وصياغة ~~مجموعة من الحجج الفنية الرامية إلى إظهار فعالية القرابين ومكانتها. # وعلى غرار تطورات القرن الخامس قبل الميلاد التي تحدثنا عنها في الفصول السابقة، ~~فقد استندت صياغة «الحجج المدافعة» عن التقليد الفيدي القرباني إلى نزعات قديمة. كان ~~التقليد الشعائري ينظم ويحفظ وينفذ على نحو متخصص؛ إذ كانت كل عائلة مسئولة عن جانب ~~من الجوانب المختلفة من عملية تقديم القرابين ~~وخبيرة فيه، وبهذه الطريقة فإن صياغة حجج تفصيلية دفاعا عن طقس تقديم القرابين كان من ~~الممكن أن تستعين بالحجج الموجودة، وتطور حججا جديدة تستند إلى التخصص: كانت عملية ~~الدفاع عن طقس تقديم القرابين متداخلة على نحو معقد مع كل من الدراسات الجارية ~~وقتها ومع الحجج الداعمة للممارسة في التقليد البرهمي ككل. # تأريخ زمني # عام 2000 قبل الميلاد تقريبا: ms046 # التقليد ~~القرباني الفيدي. # 800-500 قبل الميلاد تقريبا: # كتابات ~~الأوبانيشاد القديمة. # بحلول عام 500 قبل الميلاد: # وجود الفرع ~~الشعائري والفرع المعرفي من التقليد البرهمي جنبا إلى جنب. # مجتمع القرن الخامس قبل الميلاد: # معتنقو ~~التقليد البرهمي والمارقون منه. # 485-405 قبل الميلاد تقريبا: # تمثل هذه ~~الفترة حياة بوذا. # من القرن الرابع إلى القرن الثاني قبل ~~الميلاد: # في مواجهة انتشار المزاعم المناهضة لمعرفتهم الحقيقة، ~~كان كهنة البرهمية مضطرين إلى توضيح الموضوعات التي تبرر ممارساتهم وتؤكد ~~سلطتهم في الوقت نفسه من أجل الحفاظ على مكانتهم السيادية. ونظرا لكونهم ~~الحراس القدماء للطقوس القربانية واللغة السنسكريتية، فقد سعوا إلى وضع ~~المعايير التي بموجبها تصبح ممارساتهم واهتماماتهم مشروعة، ليس فقط من أجلهم، ~~بل أيضا من أجل دحض مزاعم الآخرين. وفي أثناء القيام بذلك وضعوا قائمة بالأمور ~~التي تحتاج كل مدرسة من مدارس الفكر إلى إثباتها لتدعم موقفها. # من بين الشخصيات الرئيسية: # القرن الرابع قبل الميلاد: # النحوي ~~بانيني. # من القرن الثالث إلى القرن الثاني قبل ~~الميلاد: # كاتيايانا وباتانياجالي، قاما بالتعليق على القواعد ~~اللغوية التي وضعها بانيني. # القرن الثاني قبل الميلاد: # جايميني، مؤلف ~~أول نص تأويلي مشهور حول قسم الأفعال - كارما كاندا - من الفيدا. # القرن الثاني قبل الميلاد: # بادارايانا، مؤلف ~~نص «براهما سوترا»، وهو نص تأويلي مهم حول كتابات الأوبانيشاد المتعلقة ~~بالقسم الفلسفي - جنيانا كاندا - من الفيدا. # خطوط الدفاع # ببساطة، كان كهنة البرهمية يرون في الأساس أن تهديد الطقس القرباني يمثل تهديدا ~~للفيدا نفسها؛ تحديدا القسم «الأصلي» السابق لكتابات الأوبانيشاد، الذي يعرف باسم ~~(كارما كاندا)؛ ومن ثم كان من الضروري الاستعانة بخطي دفاع؛ تمثل الخط الأول في ~~تعزيز وحماية استمرارية النظام الاجتماعي الطبقي القائم على النقاء الشعائري، والذي ~~يعتمد عليه مستقبل الفيدا. وتوجد أدلة هذا التعزيز الاجتماعي في الأطروحات المعروفة ~~باسم «دارما شاستراس» و«أرتا شاستراس»، التي تدون على نحو مفصل كل فرد من أفراد ~~المجتمع وتحدد له مكانه وأدواره وواجباته وحقوقه وأهدافه وقدرته وهكذا. وبهذه الطريقة ~~أصبح النظام الاجتماعي راسخا، وعلى الرغم من أن الصرامة القاسية والحصرية الشديدة يمكن ~~أن ms047 تكون مآخذ على هذا النظام، فإنه حقق نجاحا مذهلا إلى حد كبير فيما يتعلق ببقاء ~~التقليد واستمراره كما هو حتى يومنا الحاضر. (وربما تجدر بنا الإشارة إلى أن أحد أسباب ~~ذلك هو إيمانهم بأنه في أية حياة من حيوات الشخص تكون مكانته في النظام الطبقي ~~الاجتماعية محددة من قبل أعماله في حيواته السابقة (الكارما). وهذا يعني بالنسبة ~~لأبناء المجتمع أن النظام يقوم على عمل أحد قوانين الطبيعة وأنه ليس نظاما نخبويا ~~يقوم على المصادفة كما يراه الغربيون.) # أما خط الدفاع الثاني فكان الحفاظ على المحتوى الكامل للنصوص المتعلقة بأداء الطقوس ~~والدفاع عنه؛ ولذلك كانت التخصصات التي تطورت في هذا المجال قائمة على فروع معروفة ~~باسم «فيدانجات» - أي «أطراف الفيدا» - وكانت ستة أطراف؛ كان فرع «الصوتيات» مهتما ~~بالنطق الصحيح للأصوات الصادرة أو المنشدة أو الملفوظة أثناء عملية القربان، وكان ~~«العروض» يصنف الأوزان الشعرية للتراتيل أو الصيغ المختلفة المستخدمة في عملية ~~تقديم القرابين، ووضع «النحو» العلاقات بين الأجزاء المكونة للجملة، وكان «التحليل ~~التأصيلي» يسعى لشرح معنى كل كلمة على حدة داخل الجملة، وحدد «الفلك» اليوم ~~الميمون والزمان الميمون لأداء الطقوس، ووضعت «القواعد الشعائرية» الطريقة المثلى ~~لأداء مختلف طقوس تقديم القرابين. # وإذا نحينا الفلك والقواعد الشعائرية جانبا، فقد كانت الفيدانجات مناسبة أيضا ~~لأمور أخرى تهمنا إلى حد كبير، أهمها ربط محتوى الفيدا بفهم الحقيقة بواسطة «اللغة»، ~~وهذا يعني أنه من خلال إرساء قواعد لغة الفيدا تصبح طريقة تأثير تلك اللغة في العالم ~~الذي يستمد بقاءه من خلال طقس تقديم القرابين؛ راسخة هي الأخرى. وكان معنى ذلك أيضا ~~شرح طبيعة العالم، وأن العلاقة بين اللغة ومعرفة ذلك العالم يمكن تحديدها - حتى وإن كان ~~ذلك من وجهة النظر هذه فحسب. والفقرات التالية سوف توضح، كما آمل، كيف نتجت هذه ~~النقاط عن النقاش اللغوي. # اللغة والحقيقة # كما شاع في كثير من أنواع التقاليد الهندية، على مر القرون، طرحت نظريات وحجج ~~مختلفة داخل التقليد الفيدي تدعم النقاط الأكثر أهمية في النقاش الدائر حول اللغة؛ ~~ونحتاج هنا فقط ms048 إلى ذكر بعض من أبرزها. لعل من أكثر الشخصيات تأثيرا النحوي ~~الهندي العظيم بانيني، الذي عاش في القرن الرابع قبل الميلاد. كتب بانيني كتابا من ~~أكثر كتب القواعد اللغوية شمولا وتعقيدا في تاريخ اللغويات، وما زال الكتاب يحظى ~~بقدر كبير من الاحترام حتى يومنا الحاضر. ويضم هذا العمل الرائد - «أشتاديايي» - ~~ثمانية فصول تضم أربعة آلاف قاعدة. يضم الكتاب والملاحق كل ما يتعلق بعلم الدلالات ~~اللغوية وقواعد تركيب الجملة والاشتقاقات وقواعد النطق وتصنيف جذور الأسماء والأفعال، ~~والقواعد المتعلقة بالحالات الخاصة. وبهذه الطريقة، ضم بانيني علم تاريخ الألفاظ ~~والصوتيات إلى كتابه الشامل لكل القواعد اللغوية، على الرغم من أنها تعد فيدانجات ~~بذاتها، يدرسها الآخرون ويكتبون عنها كل منها على حدة. # كانت اللغة التي وصفتها القواعد اللغوية التي وضعها بانيني هي اللغة السنسكريتية، لغة ~~الفيدا ولغة الطقس. وكانت السنسكريتية تعتبر كلاما «نقيا من الناحية الشعائرية»، ~~وكان الجانب الإبداعي لهذه اللغة يحظى بأهمية محورية؛ إذ كانوا يعتقدون أن صوت اللغة ~~السنسكريتية الملفوظ أثناء تقديم القربان هو ما يحقق النتائج المرجوة من القربان. ~~ووصف بانيني هذه العملية بأنها نشاط له ميزة تتمثل في القيام بالفعل. وبهذه الطريقة، ~~وعلى سبيل المثال، تتضح القيمة الإبداعية لجملة مثل «الماء يبلل الحبوب» من خلال ~~فهمها على هذا النحو: «الحبوب المبللة تنتج عن الماء.» وبالنسبة لنا، يوجد أمران ~~جديران بالملاحظة في هذا الصدد؛ الأمر الأول هو أن الاسمين (كلمتي التسمية) - وهما في ~~هذه الحالة الحبوب والماء - مفهوم أنهما حقيقيان؛ أي أشياء أو كائنات فعلية. الأمر ~~الثاني أن الفاعل - الماء في هذه الحالة - لا يحتاج إلى أن يكون فاعلا واعيا أو ~~متعمدا؛ لأن أصوات أداء طقس تقديم القربان فعالة على نحو مبدع؛ لأنها تلقائية، ~~وبالتأكيد غير شخصية؛ فدور الكهنة في «ترديد الآيات الفيدية» يشبه دور الماء في تبليل ~~الحبوب. وبهذه الطريقة أوضحت اللغة نفسها حقيقة العالم المتعدد الذي يتم فيه تقديم ~~القربان، وتأكد الدور الأساسي الذي يلعبه الكهنة في حفظ وحماية نصوص الطقس القرباني؛ ~~فاللغة التي يستخدمها الكهنة كانت أداة الإبداع. ms049 # ومن الأمور ذات الأهمية الهامشية إلى حد ما أنه عند وضع القواعد النحوية للغة ~~السنسكريتية، لعب بانيني دورا مهما في «ختم» اللغة. وهذا عامل غريب في تاريخ أي لغة ؛ ~~لأن معظم اللغات تستمر في التغير والتكيف مع سياق التطورات الثقافية. أما اللغة ~~السنسكريتية، على النقيض من ذلك، فلها صيغة «كلاسيكية» محددة، تعطي دليلا واضحا حول ~~الصحيح والخطأ، وكيفية أو إمكانية استخدامها، وهكذا. وعلى الرغم من أن اللغة ~~السنسكريتية لها تراث غني في استخدامها في أدب ودراما الهند وكذلك في الكتابات ~~«الدينية» الأخرى، فإن الهدف من الطبيعة المقيدة بالقواعد الخاصة باللغة السنسكريتية ~~ومبرر ذلك التقييد هما المكانة الفريدة للغة في عملية تقديم القربان ~~الإبداعية. # كان من أهم أتباع بانيني ~~والمعلقين عليه باتانياجالي وكاتيايانا، وقد عاش كلاهما في القرن الثاني قبل الميلاد، ~~وتمثل إسهامهما في ربط قواعد بانيني النظرية بطريقة استخدام اللغة السنسكريتية ~~عمليا. وقالا إن استخدام اللغة مثل سلطة نحوية إضافية. وفي واقع الأمر، إن استخدام ~~اللغة مثل وسيلة موثوقة للوصول إلى المعرفة. وكان هذا الأمر من الأهمية بمكان؛ فمعنى ~~ذلك أنه حتى الجمل التي تبدو مكونة على نحو غير مكتمل أو على نحو غير مثالي يمكن ~~فهمها بواسطة الروابط النحوية. وهذا يعني أنه إذا كانت إحدى الجمل أو إذا كانت مجموعة ~~من الكلمات لا تتفق على نحو دقيق مع القواعد النحوية الدقيقة، يمكن اعتبار أن تلك ~~الجملة أو هذه المجموعة من الكلمات ذات معنى من خلال الاستخدامات المتعارف عليها. وكان ~~هذا تأكيدا مهما ليس فقط في توسيع نطاق المعايير التي تستخدم اللغة وفقها، بل كان ~~أكثر أهمية على وجه الخصوص للمدافعين عن الفيدا؛ والسبب في ذلك هو أن بعض الكلام ~~الموجود في النصوص الشعائرية لم يكن واضحا أو متسقا. وجزء كبير من هذا الكلام كان ~~مكونا من أوامر (أو نواه في واقع الأمر) محددة بوضوح لأغراض أداء الطقس، وقد كانت ~~إمكانية تطبيق القواعد النحوية واضحة في هذا الجزء. ورغم ذلك، احتوت النصوص أيضا على ~~أوصاف تكميلية متعددة ذات معنى إما ms050 أنه غير واضح في حد ذاته أو قد يبدو متعارضا مع ~~الجمل المذكورة في أجزاء أخرى من النصوص. وبالاستعانة بمعايير الاستخدام يمكن تفسير تلك ~~الفقرات على أنها استعارات مجازية ، أو طريقة أخرى غير حرفية للتعبير، مما يضمن تمام ~~الصحة والتماسك للغة المقدسة التي دونت بها تلك النصوص. # دفاع جايميني عن الفيدا # في نهاية المطاف، أدى وضع النظريات حول اللغة ودورها إلى قيام مدافعين آخرين ~~بمحاولات أكثر تحديدا لتأكيد معنى محتوى الفيدا وإثبات صحته. ومكنهم عمل النحويين ~~مبدئيا من ضمان دقة حفظ النص والدقة في تقديم القربان نفسه. ولكن كان من الضروري ~~أيضا أن يكونوا قادرين على إثبات أن مجموعة النصوص بأكملها لها معان ومترابطة. وكان ~~أول مؤول مهم ومعروف للنصوص الفيدية هو جايميني، الذي عاش في القرن الثاني قبل ~~الميلاد، والذي حاول فهم طبيعة الطقس القرباني والهدف منه. وكان هذا بداية تقليد ~~«ميمانسا» («ميمانسا» تعني «التأويل»). وأصبح اسم ميمانسا مرتبطا بتأويل النصوص ~~الشعائرية، وقسم الأفعال من الفيدا المعروف باسم كارما كاندا، والتقليد الفلسفي القائم ~~على هذا التأويل. # المعنى والنحو ~~«النار تطهو الأرز.» هذه جملة واضحة، بها اسمان من الأسماء هما النار والأرز، ~~ونشاط هو الطهي، وفاعل هو النار التي تنتج الأرز المطهو. يمكن للمرء أن ~~يفهم الجملة على أنها «إيجاد» الأرز المطهو بواسطة التفاعل بين الاسمين ~~والنشاط. # ويرتبط معنى كل كلمة من هذه الكلمات بالصيغة النحوية للجملة ككل؛ فعلى سبيل ~~المثال، لو كانت الجملة سالفة الذكر هكذا: «النيران تطهو الجاودار»، فالمعنى ~~المختلف لكلمة «نيران» (أكثر من نار واحدة) وكلمة «جاودار» (مادة مختلفة توضحها ~~كلمة مختلفة) يعني أن تلك الجملة في مجملها تنص على أمر مختلف عن جملة ~~«النار تطهو الأرز»؛ ولهذا السبب كان من المهم معرفة أمرين: أولهما هو معنى ~~كل كلمة، وهذه هي وظيفة علم أصول الكلمات، وثانيهما هو طريقة عمل القواعد ~~النحوية؛ كي نفهم الجملة بأكملها. ~~«شعرها كان ضوء شمس رائقا.» هذه الجملة لا يمكن فهمها فهما حرفيا؛ لأنه ~~من غير الممكن أن يكون الشعر فعليا ضوء شمس. ms051 وإذا حللنا الجملة وفقا ~~لقواعد علم أصول الكلمات وقواعد التراكيب اللغوية (معنى الكلمات المرتبطة بصيغة ~~لغوية)، أصبحت الجملة مرفوضة باعتبارها خاطئة. ورغم ذلك، فمن الممكن فهم هذه ~~الجملة بواسطة قواعد «الاستخدام»، وعندها ستفهم باعتبارها استعارة. وعند هذه ~~الحالة سيعرف أن المقصود هو أن الشعر في هذه الجملة كان أصفر اللون ~~وساطعا ولامعا، يتوهج أو يتلألأ في الضوء على الأرجح، وأن الجملة لا تزعم ~~أن الشعر يتحول إلى ضوء الشمس. # سنناقش تقليد ميمانسا بشكل أساسي في ~~الفصل الثامن؛ لأن ازدهار التقليد جاء في مرحلة لاحقة، لكن فهم بدايات التقليد ~~سيكون مفيدا بالنسبة لنا في هذه المرحلة؛ نظرا لتأثيره على مدارس الفكر الأخرى في ~~القرون اللاحقة. وكان هدف جايميني، المدون في ميمانسا سوترا، هو فهم النصوص الشعائرية ~~الفيدية باعتبارها واضعة قوانين الدارما. وكما ذكرنا في الفصل الأول، فإن الدارما هي ~~النظام الكوني الذي يستمر من خلال الأداء الصحيح للقربان، ذلك القربان الذي يعتمد ~~بدوره على الحفاظ على النظام الاجتماعي الطبقي المطلوب. وباعتبار جايميني، مؤول نصوص ~~الدارما، فإنه عرف الدارما بأنها ذات طبيعة آمرة، وهذا يعني أنه فسر النصوص الفيدية ~~على أساس معناها الإلزامي في المقام الأول؛ فهذه النصوص تخبر المرء بما يجب أن يفعله، ~~أو ما يجب ألا يفعله في واقع الأمر، أثناء تقديم القربان. والفكرة الأساسية هنا أنه رأى ~~النصوص في ضوء أنها المحرض الوحيد على الفعل (الأفعال)؛ ولذلك فكل ما هو موجود في تلك ~~النصوص يجب أن يفهم حرفيا على أنه تعليمات لفعل أمور معينة، أو يفهم على أنه ~~يمثل شيئا مرتبطا بهذا الغرض. ووفقا لذلك استخدم معايير نحوية لشرح الطريقة التي ~~يجب أن تفهم بها الجمل كي يكون لها معنى إلزامي، وشكك في وجود معنى لأي شيء لا ~~يمكن تفسيره بهذه الطريقة، وبالتأكيد شكك في المرجعية المتعلقة بالهدف من القربان ~~الفيدي. # الدارما # تحظى الدارما بأهمية محورية في التقليد البرهمي، ومن الصعب ترجمة هذه الكلمة ~~دون أن نخطئ في التعبير عن معناها الحقيقي؛ ولذلك فمن الأفضل محاولة فهمها ~~كمفهوم. ويمكن ms052 فعل ذلك على «مستويين»؛ فمن الناحية الكونية المكبرة تشير ~~الدارما إلى النظام الكوني كله، فكل ما هو موجود يعد جزءا من الدارما على هذا ~~النحو. وإذا لم تكن الأمور كما ينبغي لها أن تكون، أو غير منظمة على أفضل نظام ~~ممكن، فهذا يعني وجود حالة اضطراب أو «أدارما»؛ أي خلل في الدارما. # والحفاظ على الدارما يتم من خلال طريقتين؛ إحداهما: أداء طقوس تقديم ~~القرابين وفقا للتعاليم الفيدية. والأخرى تتمثل في الأفراد الذين يعيشون ~~وفقا لمكانتهم الاجتماعية الشعائرية وأداء ما ينبغي لهم فعله للحفاظ على ~~المستوى الأمثل من الوضع الحالي في التسلسل الطبقي الاجتماعي. وتشكل هاتان ~~الطريقتان «المستوى» الثاني لفهم الدارما؛ حيث يمكن للمرء رؤية الجانب الإنساني ~~المصغر من الدارما، الذي يشير إلى واجبات الفرد. ويطلق على الدارما الفردية ~~«سفا دارما»، وتعني «الدارما الشخصية» للفرد؛ ولذلك يعد الأداء الصحيح للدارما ~~الشخصية للمرء ضروريا من أجل الحفاظ على الدارما الكونية والحيلولة دون حدوث ~~الخلل (أدارما). # وضعت قواعد الدارما الشخصية بقدر عال من التفصيل بداية من القرن الثاني ~~قبل الميلاد في نصوص تعرف باسم «دارما شاستراس»، وتعني أطروحات حول واجب ~~الدارما. # وعلى مستوى فلسفي أكثر عمقا، شهد القرن الثاني قبل الميلاد التأويل الذي ~~ساقه مؤول النصوص الفيدية جايميني للنصوص المبكرة للدارما، وهي النصوص الأكثر ~~قدما التي تدون الطقوس الفيدية. وقال جايميني إن كل النصوص الفيدية ~~تتكون من تعليمات حول الأمور الواجب فعلها، وعرف الدارما في هذا السياق ~~بأنها «الأمور الواجب فعلها.» # ومن ناحية «دينية» أكثر تخصصا في التقليد الهندوسي، فإن الخلل في الدارما ~~(أي «أدارما») يوجب ويحفز التدخل الإلهي. وعلى سبيل المثال، في النص المعروف ~~باسم «بهاجافاد جيتا» يقول أحد الأشكال المجسدة للإله الأعلى: «في أي وقت يحدث ~~خلل في الدارما سوف أبرز في حيز الوجود، عصرا بعد آخر.» ~~«بهاجافاد جيتا»، المجلد 4، (مثال معادة صياغته) # لقد فهم جايميني أن الأوامر ترتبط ارتباطا مباشرا بالأسماء الموجودة في العالم ~~المتعدد. واعتمادا على أعمال النحويين، فهم جايميني أن معنى الكلمة يرتبط بوجود الشيء ~~الذي تشير إليه؛ ms053 فعلى سبيل المثال، إذا قال المرء: «بقرة»، فمن أجل أن يكون لهذه الكلمة ~~معنى لا بد أن يوجد ذلك الشيء المسمى بقرة. وعلى هذا النحو، فإن الأوامر الموجودة في ~~الفيدا تعني ضرورة وجود المكونات الضرورية لتنفيذ تلك الأوامر؛ فعلى أقل تقدير يجب وجود ~~الفاعل والمنتج في كل حالة، وهذا يعني أن النصوص الفيدية أثبتت، على نحو يعتمد ~~عليه، كلا من حقيقة الكون الذي تشير إليه تلك النصوص، وأيضا صحة الأوامر اللازم ~~تنفيذها من أجل الحفاظ على استمرارية ذلك الكون. # وبخصوص تعليم الأوبانيشاد الذي ينص على أن التحرر يتأثر بمعرفة الهوية الجوهرية ~~للذات وللكون، قال جايميني إنه يجب اعتبار معرفة المرء لذاته، كمؤد للقربان في إطار ~~علاقته بالكون الذي يستمد بقاءه من أفعال المرء، بمثابة أمر من أوامر الفيدا. وفسر ~~الفقرات التي تنص بوضوح على وحدة الوجود بأنها استعارات، وبذلك يكون جايميني قد نفى ~~عدم توافقها مع واقعية النصوص الشعائرية. وفي واقع الأمر، قال جايميني إن كتابات ~~الأوبانيشاد أثبتت حقيقة تعددية الذوات الفردية، التي تحتاج كل ذات منها إلى معرفة ~~أنها توجد كفاعل. # أفضلية كتابات الأوبانيشاد # إلى جانب محاولات جايميني التأويلية التي ركزت على نحو أساسي على النصوص ~~الشعائرية، كانت كتابات الأوبانيشاد نفسها خاضعة على نحو محدد للتفسير على يد ~~الأشخاص الأكثر اهتماما بتعاليم «اعرف نفسك» غير الشعائرية، المذكورة في كتابات ~~الأوبانيشاد، وكان هؤلاء الأشخاص مهتمين أيضا بإثبات هيمنة وأفضلية النصوص الفيدية على ~~أية نصوص. وكتب أحد معاصري جايميني، ويدعى بادارايانا، نسخة قديمة من نص في غاية ~~الأهمية (خضعت لاحقا للتعديل على يد آخرين)، تزعم تلخيص التعاليم الأساسية لكتابات ~~الأوبانيشاد بالشكل الذي يجب فهمها عليه. ويعكس نص بادارايانا المعروف على نطاق واسع ~~باسم «فيدانتا سوترا» حقيقة أن كتابات الأوبانيشاد تمثل «نهاية الفيدا» (فيدانتا). ~~ويعرف النص أيضا باسم «براهما سوترا»؛ مما يوضح أن اهتمامها الأبرز ليس الجانب ~~الشعائري بل فهم ما تقوله كتابات الأوبانيشاد عن البراهمان، الذي يعد أساس الكون. ~~وتقول أول آية من هذا النص: «ثم [هناك] الاستفسار حول براهمان»، وتستطرد ms054 الآية الثانية ~~فتقول: «الذي من خلاله [تحدث] النشأة والاستمرار والفناء [لكل ما هو موجود].» وهذا النص ~~لا يشير إلى اختلاف نقطة التركيز فحسب، بل يشير أيضا إلى فهم مختلف كلية لطبيعة ~~الحقيقة؛ فبدلا من التعددية الكونية التي أكدها جايميني في عمله، توضح «فيدانتا ~~سوترا» أن كل الأشياء جزء من البراهمان الواحد. وهذا يشير إلى ضرورة عدم اعتبار أن ~~الأوامر الشعائرية تدل على حقيقة ما تشير إليه، فقد كان بادارايانا يرى أن اللغة لا ~~تمتلك تلك الطبيعة الدلالية الجوهرية. علاوة على ذلك، نظرا لأن كتابات الأوبانيشاد ~~نصوص أوامر في حد ذاتها، فإنها تنص على أن معرفة البراهمان هي ما يجب أن «يفعله» ~~المرء. # النص والشهادة # أصبحت أعمال جايميني وبادارايانا النصوص التي انبثقت منها لاحقا ميمانسا دارشانا ~~وفيدانتا دارشانا على الترتيب؛ ولهذا السبب يشار أحيانا إلى ميمانسا وفيدانتا باسم ~~بورفا ميمانسا (الأولى) وأوتارا ميمانسا (الأخيرة)، وميمانسا تعني التأويل؛ ومن ثم ~~فمعنى اسميهما على الترتيب هو تأويل القسم الأول وتأويل القسم الأخير من الفيدا. وقد ~~وضع جايميني وبادارايانا فيما بينهما أيضا سمتين مهمتين للتقليد الهندي ككل؛ أولى ~~هاتين السمتين كانت أسلوبهما في الكتابة الذي تمثل في شكل «السوترا» شديد الغموض، فكل ~~آية تتكون من كلمات قليلة كثيرا ما يكون معناها وسياقها أبعد ما يكون عن الوضوح ~~الذاتي، فضلا عن أن النصوص تتطلب تفسيرا إضافيا من أجل فهمها. ومن الممكن أن يكون ~~ذلك الأمر انعكاسا لحقيقة أن التقليد كان في الأساس تقليدا شفهيا، وأن النقاط ~~الأساسية التي ناقشتها الشخصيات المهمة دونت على هيئة مذكرات فحسب. وقد يعكس هذا ~~أيضا الميل إلى الفهم الحصري في كل تقليد؛ مما يشير إلى أفضلية الأشخاص «أصحاب ~~المعرفة». وبغض النظر عن السبب الذي حث على استخدام ذلك الأسلوب الغامض، فمن أهم ~~نتائجه أنه على مر الزمان نشأت أكثر من مدرسة فكرية داخل كل تقليد؛ لأن ~~المؤولين المتأخرين أضافوا تعليقاتهم الخاصة على النصوص القديمة. # الطبيعة الغامضة للسوترا # يجب أن تكون في واقع الأمر أبدية؛ لأنها مذكورة من أجل شخص آخر. ms055 ~~ويوجد اتساق دائم؛ لأنه لا يوجد عدد؛ لأنها مستقلة. ~~«ميمانسا سوترا»، المجلد 1، عن طبيعة اللغة # وبعد ذلك يوجد التساؤل عن البراهمان، ومنه نشأة هذا. هذا يشكل كونها ~~مصدر النصوص ؛ وذلك لأنها مرتبطة بالهدف منها. ~~«فيدانتا سوترا»، المجلد 1، عن موضوع ~~السوترا # أما السمة الثانية التي رسخها هذان المؤولان القديمان فكانت بدايات ما سيصبح ~~معيارا إبستيمولوجيا (معرفيا) مهما للغاية ومثيرا للجدل إلى حد كبير في ~~التقليد الهندي؛ ألا وهو الشهادة؛ وهذا يعني أن جايميني وبادارايانا كليهما رفضا رفضا ~~مطلقا تعاليم بوذا وغيره، وأكدا على أن المصادر الفيدية تمثل مصدر معرفة صحيحا ~~لا يرقى إليه الشك، وأن كل ما يقوله يجب أن يعتبر موثوقا به تماما. أصبحت معايير ~~المعرفة الإبستيمولوجية معروفة بالمصطلح السنسكريتي «برامانا»، وتعني «وسيلة المعرفة»، ~~وأطلق على الشهادة كلمة «شابدا برامانا»؛ وتعني حرفيا «المعرفة بواسطة الكلمة». ومنذ ~~ذلك الوقت فصاعدا، أصبح لزاما على كل مفكر منهجي مراجعة مدى إمكانية قبول الشهادة ~~كوسيلة معرفة صحيحة، سواء أكان المصدر محل الدراسة هو الفيدا، أو أي شيء آخر، أو ~~«كلمة» شخص آخر. وأولئك الذين رفضوا مصداقية الشهادة، أو قللوا من أولويتها المعرفية، ~~كانوا مضطرين لإثبات أولوية وأفضلية معيار معرفي واحد - على الأقل - آخر غير ~~المعايير المذكورة؛ مثل الإدراك، أو الاستنباط، أو التفكير أو الحجة المنطقية. وأما ~~الموضوعات الوجودية المتعلقة، فكان لزاما أيضا مراجعتها والدفاع عنها، لا سيما طبيعة ~~الذات و«مكانتها الحقيقية»، في إطار علاقتها بالمعرفة والقيام بالفعل، وطبيعة الكون ~~و«مكانته الحقيقية» فيما يتعلق بالأمور التي عرفت وخضعت لتأثير الفعل. وفي بعض ~~الحالات، كانوا يفكرون فيما إذا كانت هذه الأمور متعلقة باستخدام اللغة أو يمكن تحديدها ~~من خلالها. # وأصبح الاستقصاء عن الموضوعات المتعلقة بالذات معروفا بمصطلح «أتما فيديا» - «معرفة ~~الذات». أما نشاط التفلسف نفسه فكان يشار إليه في العموم بمصطلح «أنفيكشيكي» الذي يعني ~~شيئا من قبيل «النظر إلى»، أو حتى «الأمور اللازم النظر إليها». وفي العادة يفهم هذا ~~المصطلح على أنه مصطلح تقني مرادف لمصطلح «التفكير المنطقي»، لكن المصطلح في حقيقة ~~الأمر يعكس المراحل الأولى ms056 التي كان التقليد خلالها يقرر ويحدد حرفيا الموضوعات ~~الواجب «النظر إليها»، و«فحصها»، وجعلها «موضوع الاستقصاء». وأية نظرية مقدمة كان ~~لزاما أن تكون مترابطة ومتسقة في حد ذاتها، أو تزعم ذلك على الأقل، فيما يتعلق ~~بهذه الأمور. علاوة على ذلك، ركزت الأعمال المنتقدة لآراء الآخرين على طريقة تناولهم ~~وفهمهم لهذه الموضوعات. وكان مجال «أنفيكشيكي» مهتما بكيفية مزاولة هذا ~~النشاط. # وفي مثل هذه البيئة التي انتشر فيها الجدل والنقاش، كان من الشائع أن يقوم مؤيد ~~إحدى النظريات بطرح رؤية بديلة أولا ليقوم بنفيها فيما بعد. وكان يشار إلى الرؤية ~~البديلة (في بعض الأحيان كان النقاش الواحد يطرح أكثر من رؤية لنفيها) بأنها رؤية ~~«بورفا باكشين»؛ أي رؤية «المؤيد السابق للنظرية». وعادة كان يعبر المقترح عن ~~نظريته على النحو التالي: «إذا قيل [أي قال البورفا باكشين] س (أو ص أو ع)، فهذا خطأ.» ~~ورغم اختلاف التفاصيل الدقيقة من نظام إلى آخر، يأتي بعد ذلك النفي والنقاش، ولا يقتصر ~~التركيز على الرؤى البديلة في حد ذاتها، بل يتناول المعايير المعرفية ~~(الإبستيمولوجية) التي تم التوصل من خلالها إلى تلك الرؤى. ويعرض المؤيد الحالي ~~موقفه الشخصي أيضا مستعينا بكافة الأدلة الداعمة التي تناسب موقفه ورؤيته، ويشرح ~~معاييره المعرفية. # الفصل الخامس # | الفئات والطريقة # فايشيشيكا ونيايا # فكر فايشيشيكا: الفئات الكونية # من أول الأنظمة الفكرية التي نشأت في بيئة تقرير «الأمور اللازم النظر إليها» كان ~~نظام كانادا الفكري، كما هو مدون في «فايشيشيكا سوترا»، التي كتبها خلال القرن ~~الثاني قبل الميلاد. وعلى الرغم من أن أصول كانادا وخلفيته غير مؤكدة العقيدة، فإنه مثل ~~جايميني كان مهتما بفهم الدارما. وبالنسبة لكانادا كانت الدارما هي الأهم، لدرجة أنه ~~على النقيض من جايميني، الذي اعتقد أن الفيدا نفسها تتمتع بالسمو لذاتها؛ فإن كانادا ~~اعتنق الفيدا (فقط) لأنها تتضمن الدارما. وهذا يعني أنه بينما كان جايميني مؤولا ~~للفيدا ومدافعا عنها في الأساس، كان كانادا مهتما للغاية بطبيعة الحقيقة، التي فهم ~~أنها الدارما، التي كان الحفاظ عليها يتم من خلال تنفيذ التعاليم الفيدية؛ ولذلك ms057 ~~فالآيات الافتتاحية من «فايشيشيكا سوترا» تقول: # يجب أن نتناول الآن طبيعة الدارما. # فمن الدارما يتحقق الصالح الأعلى والأسمى. # والفيدا تتمتع بهذه السيادة نظرا لاهتمامها بالدارما. ~~«فايشيشيكا سوترا» 1-3 # تمثل فلسفة «فايشيشيكا سوترا» نظاما ~~للواقعية التعددية؛ الحقيقة المستقلة لكل شيء في العالم المحيط بنا، الموجود خارجنا ~~والمستقل عن أنفسنا. وتهتم هذه السوترا باستقصاء تلك التعددية من أجل تصنيفها وفقا ~~لأنواع الكيانات المختلفة التي تتكون منها. ومن هنا اكتسب النظام اسمه؛ لأن «فايشيشيكا» ~~توضح المكونات «فايشيشا» محل الفحص، أما التأثير المستمر لمنهج فايشيشيكا وموقفها ~~الوجودي فنشعر به بفضل ارتباطها الوثيق بالنظام الفكري المسمى نيايا، الذي قدمه لأول ~~مرة رجل اسمه جوتاما، غير معروف على وجه التحديد الفترة التي عاش فيها، لكنه عاش في ~~القرن الثالث قبل الميلاد على الأرجح. وتضافرت فايشيشيكا ونيانا مكونتين ما يعرف ~~الآن باسم نيايا فايشيشيكا، ولعبتا دورا مهما للغاية وبالغ التأثير بين أنواع ~~الدارشانات التقليدية، وقدمتا إسهامات كبيرة للفكر الهندي. وعلى الرغم من أن النيايا ~~الأكثر شيوعا كثيرا ما يشار إليها وتدرس على نحو مستقل، فإن مثل هذا المنهج يفترض ~~تبنيه لواقعية فايشيشيكا؛ ولذلك فمن المفيد أن نفهم بعض الأمور عن موقف فايشيشيكا ~~ومزاعمها قبل تناول نيايا، بالإضافة إلى معرفة قدر التفصيل الذي قدم به على نحو ~~تحليلي زعمهما القائل بالواقعية. # تأريخ زمني # عام 2000 قبل الميلاد تقريبا: # التقليد ~~القرباني الفيدي. # 800-500 قبل الميلاد تقريبا: # كتابات ~~الأوبانيشاد القديمة. # بحلول عام 500 قبل الميلاد: # وجود الفرع ~~الشعائري والفرع المعرفي من التقليد البرهمي جنبا إلى جنب. # مجتمع القرن الخامس قبل الميلاد: # معتنقو ~~التقليد البرهمي والمارقون منه. # 485-405 قبل الميلاد تقريبا: # تمثل هذه ~~الفترة حياة بوذا. # من القرن الرابع إلى القرن الثاني قبل ~~الميلاد: # حدد النحويون والمؤولون القدماء الموضوعات ~~الواجب «النظر إليها». # من القرن الثالث إلى القرن الثاني قبل ~~الميلاد: ~~«فايشيشيكا سوترا» لصاحبها كانادا؛ اهتمت تلك ~~السوترا بالوضع الوجودي «لمكونات» («فايشيشا») الحقيقة. وسعى كانادا إلى تحديد ~~«المكونات» أو أنواع الكيانات التي يتكون منها العالم. # القرن الثالث قبل الميلاد تقريبا: ~~«نيايا ~~سوترا» ms058 لصاحبها جوتاما؛ تبنت نيايا سوترا الواقعية التعددية الوجودية التي ~~قال بها كانادا، واهتمت بالطريقة التي يمكن للمرء من خلالها التوصل إلى ~~معرفة مؤكدة حول تلك التعددية، وتساءل الكتاب: ما أساليب المعرفة المشروعة؟ ~~وكان أهم إسهاماتها طريقة إبستيمولوجية تقوم على التفكير الاستدلالي. # وتصنيف المكونات محل اهتمام فلسفة فايشيشيكا كان يتم عن طريق تحديد «الفئات» ~~الأساسية لكل الكيانات الموجودة. وكان المصطلح السنسكريتي المستخدم للإشارة لهذه ~~الفئات هو: «بادارتا»، الذي يعني حرفيا: «الأمر المتوقع من الكلمة.» وكان هذا ~~المصطلح نفسه يعتبر إشارة للحقيقة الغيبية للكيانات قيد الفحص، وهذا يعني أنه بموجب ~~الإشارة الشفهية للشيء يدرك المرء أن الشيء له وجود مستقل. ووفقا لفلسفة فايشيشيكا، ~~فإنه توجد سبع فئات هي: المادة، والصفة، والفعل، والخصائص العامة، والخصائص الخاصة، ~~وعلاقة التأصل، والغياب أو النفي (وقد أضيفت تلك الفئة فيما بعد). # المادة والصفة # تعد المادة أهم تلك الفئات؛ لأن كل الفئات الأخرى ترتبط بها بطريقة أو بأخرى. وكل ~~المواد أيا كانت طبيعتها تعود إلى واحد أو أكثر من الأنواع التسعة المختلفة التالية: ~~الأرض والماء والنار والهواء والأثير والمكان والزمان والذات والعقل. وتتسم الأرض ~~بصفات مختلفة، وعن الصفات الخمس الأول تقول «فايشيشيكا سوترا» ما يلي: # تمتلك الأرض اللون والطعم والرائحة والملمس (بالإضافة إلى الصلابة). # يمتلك الماء اللون والطعم والملمس والسيولة. # تمتلك النار اللون والملمس (بالإضافة إلى الحرارة). # يمتلك الهواء الملمس (بالإضافة إلى الحركة). # لا يمتلك الأثير صفة قابلة للإدراك. ~~«فايشيشيكا سوترا»، المجلد 2 (فقرة معادة الصياغة) ~~«علم الوجود في فايشيشيكا» يتسم بواقعية تعددية؛ فهو يقسم المكونات ~~الأساسية للواقع إلى سبع «فئات» هي: المادة، والصفة، والفعل، والخصائص العامة، ~~والخصائص الخاصة، وعلاقة التأصل، والغياب أو النفي. ~~«المادة» تنقسم بدورها إلى تسعة أنواع مختلفة من «الذرات» هي: الأرض والماء ~~والنار والهواء والأثير والمكان والزمان والذات والعقل. # تعد الأرض والماء والنار والهواء ذرات «مواد مادية»، أما المكان ~~والزمان والذات والعقل فهي ذرات «مواد غير مادية»، وكل الذرات أبدية. # تتجمع ذرات الأرض والماء والنار والهواء معا لتكوين أشياء قابلة للإدراك، ~~بالاشتراك مع ذرة ms059 أو أكثر من أنواع الذرات الأخرى في حالة كون ذلك مناسبا. ~~وذرات الأثير والزمان والمكان والذات والعقل بالإضافة لكونها أبدية، فإنها ~~منتشرة في كل مكان. أما العقل فهو ذري فقط في حجمه ، وترتبط ذرة العقل ~~الواحدة بذرة ذات واحدة في كل إنسان على حدة. ~~«المادة» هي الفئة الأهم؛ لأن الفئات الأخرى لا تتحقق إلا من خلال علاقتها ~~بالمادة. # يوجد 24 «صفة»، و5 أنواع من «الفعل»، «متأصلة» في «المواد». وكل حدوث فردي ~~«للمادة» هو مثال «خاص» على شيء «عام». «الغياب» يسمح بإدراك أن أنواعا مختلفة ~~من النفي، أو عدم الحضور، أو عدم الوجود، تعد جزءا من الواقع. # وعلى الرغم من أن الأثير لا يمتلك صفة قابلة للإدراك، فإن صفته الأساسية هي أنه ~~الوسط الذي ينتقل من خلاله الصوت، على سبيل المثال، ويصل إلى الحواس. وبهذه الطريقة ~~يعتبر مادة في حد ذاته. # تحدث كل المواد في شكل ذري، وتكون كل ذرة أبدية وغير قابلة للتدمير، وعند اندماج ~~تلك الذرات بنسب متباينة تنتج تلك الذرات كافة الأشياء المختلفة الموجودة في ~~الكون، والتي بدورها تكون منتهية ويمكن تحليلها إلى ذراتها المكونة لها. وعلى النقيض من ~~ذرات الأرض والماء والنار والهواء التي تكون المادة المادية، فإن ذرات الأثير ~~والمكان والزمان والذات والعقل غير مادية. ومن بين تلك المواد غير المادية الخمس، يعد ~~العقل شيئا خاصا بكل ذات فردية، وهو نفسه ذو حجم ذري، بينما المواد الأربع المتبقية، ~~بالإضافة إلى كونها أبدية، فإنها مواد كلية الوجود، موجودة في كل مكان ~~وزمان. # وتتضح تعددية الذوات في التجسيد المتعدد لصفة الوعي (أو المعرفة)، وكل ذات تتسم ~~بعدة صفات هي: الرغبة، والنفور، والمتعة، والألم، والجهد. أما الدور الذي يلعبه العقل، ~~والذي يستنتج وجوده من نشاطه، فهو معالجة المعلومات الحسية؛ ويعد هذا الدور مهما ~~أيضا في السماح بإدراك الذات على نحو داخلي. وهذا الفصل الواضح بين الذات والعقل شائع ~~في الفكر الهندي. # عند استعراض فئة المادة، أشرنا بالفعل إلى أمثلة من الفئة الثانية في القائمة وهي ~~فئة الصفة. والصفات يمكن ms060 أن توجد فقط في المواد، ولا يمكن أن توجد مستقلة بذاتها. ~~وتوجد ما بين 17 و24 صفة مدونة في نصوص مختلفة من نصوص فلسفة فايشيشيكا، وتنقسم تلك ~~الصفات إلى صفات يمكن أن توجد في المواد المادية ، وصفات يمكن أن توجد في الأشياء ~~غير المادية، وصفات يمكن أن توجد في كلتيهما. وعلى هذا، فاللون والمذاق والرائحة ~~والملمس والميوعة والصلابة، على سبيل المثال، توجد في المواد المادية المتمثلة في ~~الأرض والماء والنار والهواء، والصفات المتمثلة في الإدراك والسعادة والتعاسة والرغبة ~~والنفور توجد فقط في الأشياء غير المادية، والعدد والحجم والارتباط على سبيل المثال ~~توجد في أية مادة. وفي بعض الأحيان يلزم وجود أكثر من مادة لتأصل صفة معينة، مثل ~~الارتباط والغيرية والعدد الدال على الجمع. # وتكمن أهمية الصفات في أنها تميز المواد بطريقة تجعلنا نميز المادة باعتبارها ~~هذا الشيء أو ذاك، وبدون الصفات لن يمكن تمييز المادة على النحو الذي نعرف به العالم. ~~وعلى هذا النحو، فالمادة دائما ما تتسم بصفة واحدة على الأقل متأصلة فيها، وهذا ~~التأصل في حد ذاته هو فئة أخرى في مخطط فايشيشيكا، ويمثل ما يمكن أن نطلق عليه ~~نوعا من «الصمغ» بين فئتين أخريين، بدونه لا تتمكن هاتان الفئتان من الوجود على نحو ~~مستقل. ويوجد مثال يذكر في الغالب لتوضيح هذه الفكرة؛ وذلك المثال يتمثل في استحالة ~~وجود صفة «اللون» من تلقاء نفسها، أو استحالة حدوث المادة المركبة المتمثلة في ~~«الزهرة» دون وجود صفة اللون. وعلى هذا النحو، إذا تناولنا زهرة حمراء في هذه الحالة، ~~فسنجد أن اللون الأحمر متأصل بالضرورة كصفة في مادة الزهرة. وعلى الرغم من أن هذه ~~العلاقة حتمية، فإن الصفة (اللون في هذه الحالة) والمادة (الزهرة في هذه الحالة)، ~~بالإضافة إلى التأصل؛ هي سمات من سمات الواقع منفصلة من الناحية الفئوية. ويمكن ~~استخدام اللون الأحمر أيضا لتوضيح فئة الخصائص العامة والخصائص الخاصة؛ فاللون الأحمر ~~المتأصل في إحدى الزهور الحمراء يعد مثالا خاصا على «الحمرة» العامة. والخاصية ~~العامة يمكن أن يشترك فيها أي عدد ms061 من الأشياء الخاصة، وخصوصية الحدوث الفردي للخاصية ~~العامة هي ما تميز إحدى الزهور مثلا من غيرها. بالإضافة إلى ذلك، فإنه فقط من خلال ~~الخصائص الخاصة يمكن ظهور الخصائص العامة. بل إن الذرات الفردية المتماثلة من الناحية ~~الوجودية، على نحو يتراوح بين كل ذرات الأرض وكل ذرات الذوات، تتمايز بالخصائص الخاصة ~~في هذا المخطط التعددي إلى حد جذري؛ وعلى الرغم من تماثلها من الناحية الفئوية، ~~وتشاركها في الخصائص العامة المشتركة، فإن كل ذرة تعد فريدة إلى حد ما، وهذا ~~التفرد يصنف على نحو منفصل بأنه خصوصية تلك الذرة. وتكمن أهمية الخصائص العامة في ~~أنه بدونها لن يوجد سبيل لمعرفة تلك الخصائص المعينة؛ فعلى سبيل المثال، تتشارك كل ~~الزهور في الهوية الزهرية المشتركة (أي كونها زهرة)، وعلى هذا النحو، فعلى الرغم من أن ~~كلا منها له ذات خاصة، فكلها في واقع الأمر زهور. # وتبقى فئتان من الفئات اللازمة مناقشتها، وهاتان الفئتان هما الفعل والغياب، ويعد ~~الفعل هو الأهم بينهما؛ لأنه يمثل السمة النشطة والفعالة للمادة، في حين أن الصفات ~~سلبية وخاملة. والفعل هو المسئول عن كافة الأنشطة الواضحة، بالإضافة إلى كونه مسئولا ~~عن طريقة تحول الذرات إلى أشياء مركبة، وطريقة توقفها عن التحول لأشياء مركبة. وفي ~~هذه السمة الأخيرة، يعد الفعل مطلوبا بالإضافة إلى التأصل؛ لأنه يمثل العامل ~~«المسبب»؛ فالفعل هو المسئول عن السببية ككل، ويمكن للمرء أن يبدل من الناحية ~~المفاهيمية «السببية» ليحل محلها «الفعل» ليكون هو اسم هذه الفئة؛ على الرغم من أن ~~أتباع فلسفة «فايشيشيكا» أنفسهم لم يفعلوا ذلك مطلقا. # إن اعتبار الغياب فئة مستقلة يمكن أن يعد أمرا مفاجئا في مدرسة فكرية واقعية عن ~~ظهر قلب كمدرسة فايشيشيكا. وقد أضيفت هذه الفئة إلى القائمة الأصلية المكونة من ست ~~فئات لإضافة توضيح يقول إن الغياب أو عدم الوجود يعد حالة حقيقية و«واقعية» في نظام ~~يعتبر فيه الوجود صفة متأصلة للشيء قيد الفحص المتمثل في الواقع. وعلى هذا النحو، فقد ~~سمحت صفة «الغياب» لجمل على شاكلة: «لا توجد زهرة هنا» ms062 و«الأثير لا يمتلك أية صفة ~~قابلة للإدراك»، بأن تكون ذات معنى حقيقي. وفي هاتين الجملتين تحدد خمسة أنواع من ~~الغياب هي: عدم وجود زهرة هنا (الغياب)، الزهرة ليست بقرة (اختلاف)، لا توجد زهرة بعد ~~على شجيرة الزهور (عدم وجود سابق للوجود)، الزهرة لم تعد موجودة (عدم وجود يعقب ~~الوجود)، صفة الزهرية لا توجد مطلقا في البقرة (شيء لا يوجد أبدا). ونظرا لأن ~~الغياب كان في حد ذاته جزءا من الواقع على هذا النحو فقد خصصت له فئة منفصلة ~~خاصة به. # ولا يعرف بالضبط كيف توصل أتباع مدرسة فايشيشيكا لهذا النظام الوجودي؛ إذ إنه ليس ~~واضحا إذا ما كانوا يحاولون وصف الواقع أم يحاولون تكوين نظام قائم على الواقع؛ ومن ~~ثم فإنه من غير المعروف من أين حصلوا على هذه الصيغة المتمثلة في النظام الفئوي، أو ~~المعايير المستخدمة في تحديد العوامل المختلفة التي ضموها في هذا النظام. وعندما تبنى ~~أتباع مدرسة نيايا النظام الوجودي لمدرسة فايشيشيكا، فإنهم لم يشككوا به أيضا. أما ~~ما يمكننا قوله عن هاتين المدرستين فهو أن أتباعهما سعوا إلى وضع حقيقة مطلقة لعالم ~~الحس العام التعددي، وأنهم اعتبروا أن تصورات الحس العام تقدم تمثيلا حقيقيا ~~لذلك العالم، ورغم ذلك فقد اختاروا بعد ذلك تقسيمه إلى فئات. وبهذه الطريقة منحوا ~~أولوية فائقة للتصورات الحسية باعتبارها وسيلة للمعرفة، على النقيض من اعتماد جايميني ~~وبادارايانا على الشهادة. ورغم ذلك، فإن هذا القبول لصحة التصورات الحسية للعالم اليومي ~~قد تبنى الموقف الوجودي الذي أقره مؤولو النصوص الفيدية، لكن هذا القبول تعرض ~~لتشكيك الآخرين فيما بعد، وكان البوذيون أبرز المشككين، كما سنرى في الفصل ~~التالي. # إسهام نيايا # أضاف مفكرو نيايا، بداية بجوتاما في «نيايا سوترا»، عاملين في غاية الأهمية إلى ~~نظام فايشيشيكا؛ أول هذين العاملين هو أنهم وضعوا معيارا واضحا يمكن وفقا له التوضيح ~~على نحو منطقي أن حقيقة كل عامل من عوامل النظام هي تلك الحقيقة الموصوفة في النظام؛ ~~وهذا يعني أنهم قدموا «طريقة» معينة، تقوم على قواعد فكرية محددة، يمكن ms063 من خلالها ~~التوصل لمعرفة مؤكدة حول الشيء محل الاستقصاء، وهذا سمح لهم أن يزعموا أنهم «أثبتوا» ~~الواقعية التعددية التي تقدمها لنا تصوراتنا. وجدير بالذكر أنه بالإضافة إلى التصورات ~~الحسية فقد قبلت مدرسة نيايا صحة التصورات اليوجية المذكورة في الفصل الأول، ~~بالإضافة إلى كافة أنواع التصورات الممكن أن نطلق عليها في العموم تصورات «حدسية». ~~بيد أنه من بين كل هذه التصورات نجد أن التصورات الحسية تلعب الدور المعرفي ~~(الإبستيمولوجي) الأهم بالنسبة لأتباع مدرسة نيايا. وكانت الطريقة الرسمية لمدرسة نيايا ~~هي أقدم طريقة تظهر في مجتمع الجدل المزدهر في الهند القديمة، وكان للقواعد التي وضعتها ~~أثر دائم على التقليد في مجمله. كما أنها أسهمت أيضا في قواعد الجدل على نحو عام إلى ~~حد كبير؛ إذ أوضحت الأمور التي تجعل الحجة غير صحيحة أو غير مقبولة. # أما العامل المهم الثاني، الذي أضافه مفكرو نيايا إلى نظام فايشيشيكا، فهو قولهم إن ~~المعرفة المكتسبة بهذه الطريقة كانت فعالة من الناحية السوتريولوجية (أي إن اكتساب ~~هذه المعرفة يؤثر على مصير المعتنقين)؛ وهذا أمر لم يهتم به مفكرو فايشيشيكا على ~~نحو واضح، وربما السبب في ذلك هو أن كانادا كان مهتما بالدارما (بوصفها تركيبة ~~الكون) أكثر من اهتمامه بالموكشا (الخلاص أو التحرر). وعند تقديم طريقة التوصل للمعرفة ~~المؤكدة قال جوتاما إن هذه الطريقة يجب استخدامها في حالات معينة. وقدم قائمة توضح ~~«الأشياء ذات المعرفة الحقيقية»، وتضم هذه القائمة تلك الأشياء المشروع التساؤل عن ~~وجودها وطبيعتها؛ لأن المعرفة المتعلقة بوجودها وطبيعتها تسهم في الوصول إلى «الصالح ~~الأعلى»، ذلك الصالح المفهوم في هذا التقليد أنه يعني التحرر. # سوف نناقش طريقة نيايا مع الإشارة أولا إلى المعايير التي وضعتها لإجراء الاستقصاء، ~~ثم الإشارة ثانيا إلى قائمة الأشياء المشروع الاستفسار عنها، وهذا سيقودنا إلى مناقشة ~~طريقة تناولها، مع أمثلة محددة من تلك القائمة. # المعرفة المؤكدة المتعلقة بالوسائل المناسبة لاكتساب المعرفة الصحيحة وتلك ~~الأشياء المشروع التساؤل عنها ... (والعوامل الأخرى وثيقة الصلة المتعلقة بطريقة ~~ومنهج النقاش)؛ تؤدي إلى الوصول إلى الصالح الأعلى. # إن ms064 التخلص من المعرفة الزائفة ... [في نهاية الأمر، بعد عدة مراحل] هو ما يؤدي ~~إلى التحرر. ~~«نيايا سوترا»، المجلد 1 # متابعة التقدم # تقول فلسفة نيايا إن الاستقصاء يجب إجراؤه فقط في حالة وجود بعض الشكوك حول الأمر ~~المستقصى عنه، وهذا يعني أنه لا جدوى من إجراء استقصاء إذا كان الشيء معلوما بالفعل ~~على وجه التأكيد؛ ولذا فالأمر اللازم الاستقصاء عنه لا بد أن يكون أمرا قد يفهم على ~~عدة أوجه مختلفة. علاوة على ذلك، يجب أن يكون من المحتمل التوصل لنتيجة مؤكدة لهذا ~~الاستقصاء، فالهدف من الاستقصاء هو الحصول على معرفة مؤكدة، وهي تمثل «خاتمة» ~~الاستقصاء، وإذا كان من المستحيل التوصل إليها فسيكون إجراء الاستقصاء في حد ذاته ~~عبثيا. إن احتمال التوصل إلى يقين غير معروف حتى لحظة إجراء الاستقصاء يوضح ~~الحالة السابقة المطلوبة المتمثلة في عدم اليقين أو الشك، ويعد أيضا هذا الاحتمال ~~أحد الأمور الأساسية التي تجعل إجراء الاستقصاء مشروعا. # ورغم ذلك، فالشك واحتمالية التوصل لليقين، في حد ذاتهما، ليسا كافيين لإضفاء ~~الشرعية على إجراء الاستقصاء، وإذا كانا كافيين، فربما تحفز المرء بدافع الفضول، ~~وهذا «العبث» مناقض «للسلوك العقلاني» للإنسان، كما يقول جوتاما. وبدلا من ذلك، يجب أن ~~يوجد أيضا «هدف» وجيه لإجراء الاستقصاء. وعلى الرغم من اختلاف التفسيرات على مدار ~~المراحل المتعددة للتقليد، فإن نتيجة هذا التصريح الموجود في نيايا سوترا الذي يقول إن ~~الاستقصاء لا بد أن يسهم في اكتساب «الصالح الأعلى»؛ تتمثل في أن الهدف لا بد أن ~~يسهم في الوصول إلى التحرر من الميلاد المتكرر. # ومن المتطلبات الأخرى لإجراء الاستقصاء ضرورة وجود بيانات ناتجة عن الملاحظة والرصد ~~يمكن استخدامها لدعم الافتراض المقدم في بداية الاستقصاء، وأيضا لدعم المعايير ~~الداعمة للحجة التي تثبت اليقين. وفي هذا الصدد يربط نظام نيايا نفسه على نحو بالغ ~~التحديد باستخدام كل ما يلزم كي يكون واقع العالم التعددي الموجود حولنا؛ فالأمر ~~بالنسبة للمؤمنين بنظام نيايا هو أنهم عند استخدام البيانات الناتجة عن الملاحظة والرصد ~~مثل: «حيثما يكون الدخان، توجد النار»، ms065 فإنهم يزعمون ترسيخ دليل لا جدال فيه، وبذلك ~~يؤكدون على صحة وقطعية نتيجة الجدل القائم. وهذه السمة في النظام تشير أيضا إلى أنه ~~من المهم للمؤمنين بنيايا الربط بين البيانات الناتجة عن الملاحظة، أو بين العالم ~~التجريبي، وبين نظام الجدل المنطقي الخاص بهم، فلا مجال للمجردات الفلسفية القائمة ~~فقط على المنطق الرياضي، على سبيل المثال، كما هو الحال في الفلسفة الغربية المعاصرة. ~~وبدلا من ذلك، فطريقتهم المنطقية مرتبطة على نحو راسخ بالعالم من حولهم، وبالبشر ~~الموجودين فيه، على نحو وجودي أو تجريبي إلى حد كبير. # الطريقة نفسها # يقودنا هذا إلى الطريقة نفسها التي تطرح في صورة حجة ذات خمس مراحل أو «أطراف» تقود ~~الاستقصاء إلى استنتاج مؤكد. والمراحل الخمس هي كالتالي؛ أولا: ذكر الأطروحة اللازم ~~إثباتها، ثانيا: ذكر سبب الأطروحة، ثالثا: إعطاء مثال يمثل «قاعدة» يمكن الاستناد ~~إليها للمساعدة في إثبات الأطروحة، رابعا: ذكر علاقة «القاعدة» بالأطروحة، خامسا: ~~إعادة ذكر الأطروحة على النحو الذي أثبتت به. ~~والمثال الذي قدمه جوتاما في «نيايا سوترا» هو: (1) توجد نار على التل؛ (2) لأنه يوجد ~~دخان هناك. (3) حيثما يوجد الدخان توجد النار (مثل ما يمكن للمرء رؤيته في المطبخ). ~~(4) يوجد دخان، مرتبط بالنار، على التل؛ (5) لذلك توجد نار على التل. # من هذه الطريقة خماسية الأطراف يمكن أن نرى الأهمية الحتمية التي تعزوها نيايا ~~للاستنباط؛ حيث يمكن استنباط وجود «س» (النار على التل)، وهذا الاستنباط قائم على ~~الدليل الملاحظ «ص» (الدخان) والقاعدة «ع» (حيثما يوجد الدخان توجد النار). ويمثل ~~التفكير الاستنباطي واستخدام البيانات التي تم الوصول إليها من خلال وسائل الإدراك ~~السبيل الرئيسي للتوصل إلى معرفة مؤكدة بالنسبة لنيايا. وفي وقت لاحق في التقليد ~~الهندي ككل، لا سيما على يد علماء المنطق البوذيين ومفكري نيايا المتأخرين، زاد ~~الاهتمام بتأكيد مصداقية الأمثلة أو «القواعد» التي يقوم على أساسها الاستنباط، كما إذا ~~كان الدخان في واقع الأمر إشارة صادقة على وجود نار. كان هذا التطور مهما؛ لأن ~~القاعدة كان لزاما أن تصبح ثابتة بحيث تمثل دعما يعتمد عليه ms066 بشكل مطلق في إثبات ~~المسألة المطروحة. وعلى الرغم من الثغرة الموجودة في نظامه، كان مؤلف كتاب «نيايا ~~سوترا» القديم - جوتاما - بالإضافة إلى تقديمه لأول طريقة فلسفية رسمية أول من جعل ~~للاستنباط هذه المكانة المحورية في الجدل المنطقي بهذه الطريقة. # يمكننا الآن الالتفات إلى الأشياء المشروع الاستقصاء عنها التي دونها جوتاما في ~~قائمته. وتعد القائمة إضافة إلى فئات المادة التي تذكرها فلسفة فايشيشيكا، ومذكورة في ~~«نيايا سوترا»، المجلد 1، على النحو التالي: النفس (الذات)، والجسم، وأعضاء الحواس، ~~والأشياء المحسوسة، والإدراك، والعقل، والفعل، والميلاد والموت المتكرران، والعواقب، ~~والمعاناة، والتحرر. ويعلق فاتسيايانا - أحد الأشخاص المهمين الذين خلفوا جوتاما - ~~في رغبة واضحة لتحقيق الترابط في القائمة، فيقول التالي: # في هذا الصدد، تعد الذات هي رائي كل الأشياء، المستمتع بكل الأشياء، وهي ~~محيطة، شاهدة على كل الأشياء، والجسم هو محل المتعة والألم للذات، وأعضاء ~~الحواس هي الوسائل التي من خلالها يتم التعرف على المتعة والألم، والحاسة ~~الداخلية «العقل» هي تلك التي تعرف كل شيء، والفعل هو سبب كل المتع والآلام، ~~والأمر نفسه ينطبق على العيوب المتمثلة في الرغبة والحسد والتعلق. كان للذات ~~أجساد سابقة على هذا الجسد، وسيكون لها أجساد أخرى بعد هذا الجسد، إلى أن يتحقق ~~التحرر، وهذه هي دائرة الميلاد والموت التي ليست لها بداية. «العاقبة» هي ~~الشعور بالمتعة والألم، مع وسائل الشعور بهما، والألم يرتبط ارتباطا وثيقا ~~بالمتعة. ومن أجل تحقيق التحرر، يجب أن يفهم المرء أن كل أشكال السعادة تماثل ~~الألم؛ وهذا يؤدي إلى انتهاء التعلق، ويؤدي في نهاية الأمر إلى التحرر. ~~«نيايا سوترا بهاشيا»: ~~تعليق على «نيايا سوترا»، المجلد 1 # في سياق المعايير التي قدمها جوتاما لإجراء أي استقصاء، تخبرنا هذه القائمة عن ~~تلك الأمور التي اعتقد أن الرغبة في التوصل إلى معرفة مؤكدة عنها تعد أمرا مبررا، ~~وأنه يوجد قبل إجراء الاستقصاء عنها عنصر شك فيما يتعلق بوجودها أو طبيعتها. إن معرفة ~~هذه الأمور سوف تسهم فيما بعد في الوصول إلى «الصالح الأعلى» الذي يعد الهدف الأساسي ~~من البحث. # إثبات ms067 وجود الذات # كمثال على كيفية تطبيق جوتاما للطريقة التي أسس لها في «نيايا سوترا» على الأشياء ~~المشروع الاستقصاء عنها التي دونها في قائمته؛ دعونا نلق نظرة على «إثباته» لوجود ~~الذات الجوهرية (أتمان). إن هذا الشيء محل الاستقصاء - الذات - يلبي بوضوح معيار الشك؛ ~~إذ لم يكن يوجد إجماع على وجوده وطبيعته، بل على العكس، كان هذا الشيء يتصدر قائمة ~~أعمال الأشخاص المنخرطين في هذا السعي الديني الفلسفي. لقد اعتقد مفكرو نيايا أن تطبيق ~~طريقتهم سوف يسفر عن معرفة مؤكدة حاسمة عن وجود الذات الجوهرية، وأن الوصول إلى تلك ~~المعرفة سيكون مفيدا في السعي الهادف للوصول إلى الصالح الأعلى. ومن خلال التمعن في ~~هذا المثال، يمكننا أيضا أن نرى كيف استخدم مفكرو نيايا نظام فايشيشيكا المتعلق ~~بالمادة والصفات. # يقدم جوتاما أطروحة تقول بوجود تعددية للذوات، والسبب الذي يعطيه لذلك هو وجود ~~تعددية في الوعي، وأيضا وجود صفات الرغبة والكراهية ~~والجهد والمتعة والألم على نحو تعددي. أما المثال أو القاعدة التي يسوقها فهو أن تعددية ~~الوعي - بالإضافة إلى تلك الصفات المعينة - تشير إلى ذوات أبدية غير مادية منفصلة عن ~~كل من العقل والجسد؛ وهذا يعني على وجه التحديد أن تلك هي سمات هذا النوع من الذوات. ~~وكل هذه السمات هي حالة تشير إلى تعددية الذوات؛ ولذلك توجد تعددية للذوات. وتتسم ~~السوترا التي تقر بوجود الذات («نيايا سوترا»، المجلد 1) بالغموض الشديد، كما أن ~~التعليق عليها الموضحة فيه هذه الحجة على نحو كامل لا يتسم بالوضوح؛ ولذا فإن كل ~~نقطة منهجية تتطلب درجة من درجات الاستنتاج. ورغم ذلك، فهذا هو شكل «الإثبات» الذي ~~قدمه جوتاما لهذا الشيء محل الاستقصاء. وتقول السوترا أيضا إن الصفات تتأصل فقط في ~~الذات قبل التحرر من الميلاد المتكرر، وبعد ذلك الميلاد تكون كل ذات خالية من كل ~~الصفات لكنها تحتفظ بخصوصيتها، تلك الخصوصية الأبدية. وفي إشارة واضحة إلى تراث تأويل ~~النصوص الفيدية، تزعم نيايا أن هذه طريقة مؤكدة لاكتساب المعرفة حول الذات بدلا من ~~الاعتماد على الشهادة. # ولسنا في حاجة ms068 إلى القول إن هذا الدليل وغيره من «الأدلة» المقدمة في «نيايا سوترا» ~~وتعليقاتها، مثل تلك المتعلقة بالتعددية وطبيعة «العقول» المنفصلة، تعرضت لكافة أشكال ~~النقد على يد المفكرين المعاصرين والمتأخرين. ورغم ذلك، فهذه الطريقة قد حظيت ~~بالاهتمام حتى وقتنا الحالي داخل التراث الهندي وأيضا في الأوساط الفلسفية الغربية، ~~فقد قدمت جانبا من أسهل جوانب التراث الهندي الممكن استقراؤها كي يخضع للدراسة في ~~سياق الفكر الغربي. وإلى جانب أمور أخرى فقد ناقش الباحثون المعاصرون تركيبتها ومزاياها ~~المنهجية النسبية بالمقارنة بالقياس المنطقي لأرسطو، الذي يمثل في الغالب بهذا ~~المثال: «كل البشر فانون، سقراط إنسان؛ لذلك سقراط فان.» # وتلخيصا لما قلنا، فإن رؤية نيايا فايشيشيكا للعالم هي رؤية تتصف بالواقعية ~~التعددية. ويرى أصحاب هذا الفكر أن إدراك أحد الأشياء ينقل للشخص المدرك معرفة الوجود ~~المستقل لذلك الشيء؛ فعلى سبيل المثال، إذا رأى الشخص زهرة، فمن الممكن أن يعتبر أن تلك ~~الزهرة حقيقية على نحو متسام، وهذا يعني أن الصفات المتأصلة في الزهرة، مثل الحمرة ~~والرائحة الزكية، هي وحدها الممكنة معرفتها عن طريقة الإدراك الحسي، بل من الممكن ~~إدراك الزهرة نفسها كمادة موجودة على نحو مستقل. وهذه الواقعية على قدر كاف من ~~المصداقية كي تكون أساسا لنظام نيايا للتفكير ~~الاستنباطي من أجل اكتساب معرفة معينة عن وجود وطبيعة أشياء أخرى أكثر أهمية وقيمة ~~من الناحية الخلاصية، أشياء مثل العقول والذوات الأبدية، تلك الأشياء غير الممكنة ~~معرفتها عن طريق الإدراك وحده. وعلى هذا النحو، فإن وسائل المعرفة الأساسية المستخدمة ~~في دارشانات نيايا فايشيشيكا هي: الإدراك، والتفكير، والاستنباط. # الفصل السادس # | الأشياء واللاأشياء # تطورات في الفكر البوذي # رأينا في الفصل الرابع كيف دفع ظهور تعاليم وأفكار بديلة متحدية البرهميين ~~التقليديين إلى محاولة الدفاع عن صحة وسيادة النصوص الفيدية المتمثلة في كل من النصوص ~~الشعائرية وكتابات الأوبانيشاد. ورأينا كيف كان لهذا أثر على الواقعية التعددية في خطابات ~~نيايا فايشيشيكا الأكثر منهجية. وإلى جانب تلك التطورات التي حدثت تحت مظلة التقليد ~~البرهمي، كان الفكر البوذي والتعاليم البوذية أيضا يخضعان للفحص ms069 والتعديل والدراسة ~~والمراجعة. وقبل الشروع في مناقشة هذه الأمور، يجدر بنا ذكر أنه على الصعيد الداخلي وعلى ~~صعيد العلاقة بمدارس الفكر الأخرى، فإن كثيرا من الأفكار والفرضيات التي قدمها ~~المفكرون البوذيون يمكن أن تبدو صعبة الفهم للغاية بالنسبة للمبتدئين. ورغم ذلك، آمل أن ~~يساعد هذا السياق المتسع الذي يتناوله الفصل في توضيح أية مشاكل قد تقابل القارئ. إن ~~عمق الفلسفة البوذية يستحق أيضا المثابرة؛ فهي تضم بعض الافتراضات الأكثر راديكالية في ~~تاريخ الفكر البشري. # أنواع الفكر البوذي # اهتم أول النقاشات الجادة داخل التقليد البوذي بالقواعد الرهبانية الانضباطية ~~الصارمة، وقد أدت هذه النقاشات إلى قبولها وتقنينها من قبل البعض، ~~وإلى رفضها وتعديلها من قبل البعض الآخر. وبهذه ~~الطريقة، التي يمكن أن نطلق عليها «انشقاقية»، بدأ التشظي الأول للبوذية إلى «مدارس» ~~مختلفة، وتلك الاختلافات المبدئية في القواعد الانضباطية الصارمة لتلك المدارس مهدت ~~الطريق لظهور اختلافات في النظرة العقائدية وترسخها في المجتمعات المتماثلة الفكر. ~~وتشير النصوص إلى حوالي 18 مدرسة وجدت في الهند خلال مراحل مختلفة أثناء الفترة التي ~~تقدر بنحو 800 عام أو ما يقرب من ذلك التي أعقبت وفاة بوذا. ومن بين هذه المدارس ~~التي يمكن أن نشير إليها في مجملها بأنها تمثل البوذية «القديمة» أو بوذية «ما قبل ~~الماهايانا»، وحدها بوذية التيرافادا التي بقيت حتى يومنا الحاضر، لكن المدارس الأخرى ~~التي لدينا بعض المعلومات عنها تشمل لوكوتارافادا، وساماتيا، وسوترانتيكا، ~~وسارفاستيفادا. # تأريخ زمني # عام 2000 قبل الميلاد تقريبا: # التقليد ~~القرباني الفيدي. # 800-500 قبل الميلاد تقريبا: # كتابات ~~الأوبانيشاد القديمة. # بحلول عام 500 قبل الميلاد: # وجود الفرع ~~الشعائري والفرع المعرفي للتقليد البرهمي جنبا إلى جنب. # مجتمع القرن الخامس قبل الميلاد: # معتنقو ~~التقليد البرهمي والمارقون منه. # 485-405 قبل الميلاد تقريبا: # تمثل هذه ~~الفترة حياة بوذا. # من القرن الرابع إلى القرن الثاني قبل ~~الميلاد: # وضع النحويون والمؤولون الأوائل معايير الأمور التي ~~يجب «النظر إليها». # من القرن الثالث إلى القرن الثاني قبل ~~الميلاد: # فايشيشيكا ونيايا يجمعان بين النظرة الوجودية للواقعية ~~التعددية وبين طريقة رسمية يمكن من ms070 خلالها الوصول للمعرفة المؤكدة. # من القرن الرابع إلى القرن الأول قبل ~~الميلاد: # شهد التقليد البوذي القديم انقساما إلى مدارس مختلفة. ~~بدأ الانشقاق على أساس اختلاف القوانين الرهبانية الصارمة، وتدريجيا بدأت تلك ~~المدارس تتبنى وجهات نظر عقائدية مختلفة على نحو مميز. # من القرن الثالث قبل الميلاد إلى القرن الثاني ~~الميلادي: # تطور في تقليد بوذية «أبهيدارما» («أبهيداما» ~~باللغة البالية)؛ تبنت المدرسة نشاط التحقيق وتصنيف ظواهر (الدارما/الداما) ~~إلى فئات من أجل فهم طبيعة الواقع. # من القرن الأول قبل الميلاد إلى القرن الأول ~~الميلادي: # ظهور بوذية ماهايانا وسوترات «براجنياباراميتا» ~~(«كمال الحكمة»). # القرن الثاني الميلادي تقريبا: # اعتمادا ~~على نصوص براجنياباراميتا، تركز فلسفة مادياماكا كاريكا لصاحبها ناجارجونا ~~على «خواء» (شونياتا) كل الظواهر، وتضع الأساس لمدرسة فكرية تعرف باسم ~~مادياماكا (الطريق الوسطي). ويحظى مبدأ «النشأة المعتمدة» الذي قال به بوذا ~~بأهمية محورية في تعاليم ناجارجونا. # القرن الرابع الميلادي تقريبا: # وضعت إحدى ~~المدارس البوذية المعروفة باسم شيتاماترا («العقل فقط») أو يوجاكارا («ممارسة ~~اليوجا») تفسيرا بديلا لفحوى تعاليم براجنياباراميتا؛ في محاولة لتقليل ~~العدمية الواضحة لمدرسة «الخواء». وكما يوحي المصطلحان «يوجا» و«العقل» فهذه ~~الطريقة تركز على فهم العمليات التأملية أو «أحداث الوعي». # وكانت المعايير التي على أساسها تنقسم المدارس وفقا للعقائد مرتبطة بالمكانة ~~الوجودية للبشر (سواء لبوذا على وجه التحديد في هذه الحالة أو للبشر أجمعين) ~~والعالم، وهذه موضوعات شائعة في المجتمع الهندي الأوسع نطاقا. وكان لكهنة البرهمية ~~ومفكري نيايا فايشيشيكا نقطة انطلاق أكثر بساطة من عدة جهات؛ لأن موقفهم كان متفقا مع ~~نظرة الفطرة السليمة للواقع، إلا أن البوذيين كانوا مضطرين لمواجهة التعاليم ~~الأولية التي ركزت على العمليات العقلية بدلا من العالم الخارجي، وكذلك مع مبدأ ~~«اللاذات» الذي يعد أكثر صعوبة في التناول. # بالنسبة لأتباع لوكوتارافادا، كان الموضوع الرئيسي هو مكانة بوذا. ومعظم البوذيين ~~يتفقون على أنه كان رجلا يحمل مكانة مماثلة لمكانة أي شخص آخر، لكن أتباع ~~لوكوتارافادا يعتقدون أنه بطريقة ما تسامى فوق البشرية العادية؛ ومن ثم لم يكن خاضعا ~~للمعيار الماورائي البوذي المتمثل في عدم الديمومة. ms071 (تتكون «لوكوتارافادا» من كلمة ~~«لوكا» وتعني «العالم»، وكلمة «أوتارا» وتعني «وراء» أو «فوق»). وأصبح كثير من البوذيين ~~اللاحقين يؤمنون بتسامي بوذا، وكذلك بتسامي الشخصيات العظيمة الأخرى التي تتسم ~~بالشفقة والبصيرة المعروفة باسم البوديساتفات، لكن أتباع لوكوتارافادا كانوا هم ~~الوحيدين الذين تبنوا وجهة النظر تلك بين البوذيين القدماء. وتتمثل أهمية هذا ~~المعتقد بالنسبة لأتباعه في أن الهدف الذي يأملون في تحقيقه من خلال اتباع التعاليم ~~كان هدفا يرمي إلى التسامي فوق العالم البشري. # المدارس والنصوص البوذية # تشير المصادر النصية إلى أنه خلال فترة 500 سنة أعقبت حياة بوذا، تأسس ~~نحو 18 مدرسة بوذية مختلفة. كان «الانشقاق» المبدئي في جماعة الرهبان أساسه ~~الخلاف حول القواعد الانضباطية، وفيما بعد فسرت الجماعات المتشابهة في وجهات ~~النظر التعاليم البوذية على نحو مختلف. أما المدرسة البوذية القديمة الوحيدة ~~التي استمرت حتى وقتنا المعاصر فهي بوذية التيرافادا. ومن بين المدارس ~~البوذية القديمة مدارس «لوكوتارافادا»، و«ساماتيا»، و«سوترانتيكا»، ~~و«سارفاستيفادا». # والنصوص التي تضم القانون البوذي أو الشريعة البوذية تندرج تحت ثلاثة أنواع هي: # أطروحات عقائدية - «سوتات» أو «سوترات». # قوانين انضباطية للرهبان - «فينايا». # تفسيرات فلسفية اسكولاستية للتعاليم - «أبهيدارما». # وتعود «الأبهيدارمات» المتبقية حاليا إلى مدرستي «تيرافادا» ~~و«سارفاستيفادا». # ويتمسك أتباع مدرسة «سوترانتيكا» بنصوص «السوترات» فقط ويرفضون المنهج ~~الاسكولاستي للمدارس الأخرى. # وزعم مفكرو مدرسة ساماتيا أنه على الرغم من مبدأ «اللاذات» (الذي يفسر في الغالب ~~على أنه «عدو وجود الذات»)؛ فإن كل البشر لديهم ذاتية خاصة بهم إلى حد ما. ولا يوجد ~~دليل على كيفية تكون هذا الفكر، لكن أفكار مدرسة ساماتيا كانت مرفوضة تماما من ~~قبل المدارس البوذية الأخرى. # أبهيدارما # يشير اسم مدرسة سوترانتيكا («سوترا-أنتيكا») ~~إلى أن مجموعة التعاليم التي اعتبرتها هذه المدرسة الأكثر موثوقية هي تلك التعاليم ~~الموجودة في الأطروحات العقائدية أو السوترات. ولقد رأوا أن هذا التمييز ضروري في ~~ظل تطوير أطروحات تفسيرية أكثر أكاديمية مضمنة في الأعمال المعروفة باسم ~~الأبهيدارمات. فقد كان لكل من مدرسة تيرافادا ومدرسة سارفاستيفادا أبهيدارما خاصة ~~بهما؛ وأبهيدارما تيرافادا مدونة باللغة البالية («أبهيداما بيتاكا»)، أما ~~أبهيدارما ms072 سارفاستيفادا فمكتوبة باللغة السنسكريتية. (عندما انخرط البرهميون مع آخرين ~~في الدفاع عن نصوصهم، أصبحت اللغة السنسكريتية هي اللغة المشتركة للجدل ولغة تدوين ~~النصوص في الهند، لكن كل أعمال التيرافادا الباقية، المحفوظة في سيلان (سريلانكا ~~حاليا) بدلا من البر الرئيسي الهندي؛ مكتوبة باللغة البالية.) # كان اهتمام تقليد أبهيدارما منصبا ~~على (أبهي) دارما، وهذا «الاهتمام بالدارما» نشهده في أمرين؛ أولا: ارتباطه بالفهم ~~والتفسير القاطع للتعاليم (الدارما) ككل. وكانوا يرون أن هذا الأمر ضروري بسبب ~~الطبيعة المبهمة أو الغامضة التي قدمت بها تلك التعاليم في أول مرة؛ مما أدى إلى ~~شعور البعض أن التقليد يحتاج إلى بعض التوضيح المنظم، فخضعت الكلمات والعبارات والجمل ~~والتعاليم العقائدية لتحليل دقيق ودونت التعريفات والتفسيرات «الصحيحة». ثانيا: ~~حقق مفكرو أبهيدارما في طبيعة الواقع فيما يتعلق «بالدارمات»؛ فأي شيء موجود، أيا ~~كانت طبيعته، يمكن أن يشار إليه بحيادية وبلا إسناد على أنه دارما، وهذا يعني أن مصطلح ~~دارما في حد ذاته لا يخلع على الأشياء التي يشير إليها أية صفة أو حالة على ~~الإطلاق. في الفصل الثالث رأينا المصطلح مستخدما بهذه الطريقة (باللغة البالية) في ~~السطر الثالث من صيغة سمات الوجود الثلاث: «كل الدامات (الأشياء الممكنة معرفتها) ~~ليست هي الذات.» وسعى مفكرو أبهيداما بعد ذلك إلى تحديد طبيعة الواقع في سياق تعاليم ~~بوذا إلى حد كبير، على غرار ما سعت لتنفيذه «فايشيشيكا سوترا» لصاحبها جوتاما في ~~سياق الدارما الفيدية (واستخدام كلمة دارما في هذا الصدد يعد مثيرا للالتباس، ~~لكنه يمثل أحد المعاني الأخرى المستخدمة لكلمة دارما). # الدارما مرة أخرى # في الفكر البرهمي، تعني الدارما كلا من النظام الكوني والواجب الشخصي ~~للفرد، كما شرحنا في الفصل الرابع. وفي البوذية، للدارما («الداما» باللغة ~~البالية) معنيان مهمان؛ أولا: تشير إلى تعاليم بوذا؛ فلكي يصبح المرء ~~بوذيا، فإنه يوافق على «الالتجاء» إلى بوذا (أي قبوله واحترامه والولاء له) ~~وتعاليمه (الدارما) وجماعته. ثانيا: وعلى قدر أكبر من الأهمية بالنسبة لنا ~~في هذا السياق، يستخدم مصطلح الدارما للإشارة بشكل عام وغير محدد إلى «كل ~~شيء»، ms073 دون تحديد أي شيء عنه. إنه مصطلح مظلي، ينطبق على الملموس أو المجرد، ~~والحاضر أو الماضي، والحسي أو التصوري، والذاتي أو الموضوعي، والحي أو الجماد، ~~والعضوي أو غير العضوي، وهكذا. وقد ظهر المصطلح لأول مرة بهذه الطريقة في ~~المبدأ البوذي القديم الذي يقول: «كل الدارمات أناتا (ليست ذات).» الذي ناقشناه ~~في الفصل الثالث. # لم يرفض أتباع مدرسة سوترانتيكا مشروعية الجهود التي بذلها أتباع الأبهيدارما، ~~لكنهم منحوا الأولوية لتحليل وفهم طبيعة الواقع كما هو موضح في التعاليم الموجودة ~~في الأطروحات العقائدية القديمة (المعروفة باسم السوترات)، بدلا من تطوير تقليد ~~اسكولاستي. وركز تحليلهم على شرح العلاقة بين الإدراك المعرفي للعالم من منظور الشخص ~~وبين الاستمرارية الكارمية. وقالوا إن مكونات هذه العملية التجريبية (الدارمات) غير ~~دائمة، ومتغيرة، و«لحظية»، وليس لها أي نوع من الوجود المتأصل. وبتبني هذا الموقف ~~اشتبك أتباع مدرسة سوترانتيكا مع أتباع مدرسة سارفاستيفادا على وجه الخصوص، الذين ~~تستند رؤيتهم للعالم إلى الأبهيدارما الخاصة بهم استنادا تاما، تلك الأبهيدارما التي ~~تمثل عملا شاملا يسعى إلى إثبات أن «كل شيء موجود»، وهذا هو معنى «سارفا ~~أستي». # واستكمالا للتحقيقات فقد ربط أتباع الأبهيدارما لكلتا المدرستين مبدأ «اللاذات» ~~عمليا وعلى نحو حصري بالبشر بدلا من كل أشكال الدارما على حد سواء. وفعلوا ذلك من ~~خلال قول إن البشر لا يتكونون من ذات مستقلة بل يتكونون من خمسة أجزاء مكونة ~~متعايشة معا تسمى «سكاندات» («كاندات» باللغة البالية)؛ وهي التركيبة الخماسية ~~نفسها التي فسرناها في الفصل الثالث باعتبارها الملكات المعرفية. تلك المكونات نفسها ~~كانت خاضعة لتحليل الدارما، لكنها كونت المبدأ الذي بموجبه رفض البوذيون أي زعم من ~~قبل الآخرين يقول بوجود أي نوع من الذاتية البشرية المستقلة أو الدائمة. # وكان أتباع مدرسة سارفاستيفادا منشغلين أيضا بالتفكير على وجه الخصوص في حالة ~~واقعية الدارما فيما يتعلق بالاستمرارية؛ فانشغلوا بعدة أسئلة من قبيل: كيف يمكن أن ~~يوجد أي رابط سببي بين دارمات غير دائمة؟ كيف يمكن للمرء فهم العلاقة التبادلية بين ~~عدم الديمومة والاستمرارية؟ وأجابوا عن هذه الأسئلة ms074 بأن زعموا أنه على الرغم من أن كل ~~الدارمات مؤقتة، وأنها توجد لوقت يكفي فقط لإحداث الاستمرارية، فإنها توجد أيضا ~~بالفعل في كل «الأنماط الزمنية»؛ في الماضي، وفي الحاضر، وفي المستقبل. وعزوا إلى ~~الدارما «جوهرا» مستمرا أساسيا («سفابهافا»، «وجود ذاتي»)، وتمادوا حتى وصفوها ~~بأنها «مواد». # وأجرى أتباع أبهيدارما تيرافادا تحقيقهم عن الدارمات ليس فيما يتعلق بالأنماط الزمنية ~~ولكن من خلال تصنيف كل جوانب التجارب فيما يتعلق بأنواع الدارمات. وبهذه الطريقة سعوا ~~إلى فهم سبب وجود فوارق مهمة، من الناحية الظواهرية، بين الجوانب المادية والمعنوية ~~للتجربة على سبيل المثال. وفي العموم، يصنف مفكرو التيرافادا الدارمات إلى حوالي 28 ~~فئة «مادية» و52 فئة «ذهنية»، بالإضافة إلى الوعي. وكان هدف الممارسين هو تعلم ملاحظة ~~وتحليل تلك الدارمات في حالات التأمل، وبهذه الطريقة يصبح اكتساب البصيرة أكثر ~~سهولة. # تراجع البوذية في الهند # على مدار ما يقرب من ألف سنة بعد وفاة بوذا، ازدهرت البوذية في الهند. وخلال ~~حكم الملك الماوري أشوكا، في القرن الثالث قبل الميلاد، أصبحت البوذية الدين ~~الرسمي للهند، وأغدق المال ببذخ على جماعات الرهبان البوذيين؛ وأدى هذا ~~إلى تشكيل قاعدة قوية لجماعات الرهبان مكنت من تكاثر الأفكار فيها وانتشار ~~التعاليم البوذية منها. وعلى مدار قرون، لعب الفكر البوذي دورا كبيرا في ~~الحياة الدينية الفلسفية في الهند، وأسهم بمجموعة من الأفكار الجديدة والمعقدة، ~~وكذلك الآراء النقدية ووجهات النظر، ونقل الكثير من هذه الأفكار والآراء ~~النقدية ووجهات النظر إلى دول أخرى مثل سيلان (سريلانكا حاليا)، والصين، ~~والتبت (ومن خلال هذه البلدان وصلت إلى جنوب شرق آسيا وإلى الشرق الأقصى)؛ مما ~~جعل البوذية إحدى الديانات الكبرى في العالم، ولا يعرف على وجه التحديد كيف أو ~~لماذا انتهت البوذية فعليا في الهند. ويوجد عدد من الاحتمالات؛ من بينها أن ~~عدد الرهبان البوذيين قد أضحى أكبر بكثير من عدد العوام الذين يعتنقون الديانة؛ ~~ومن ثم لم تعد قادرة على الاستمرار، ومن المحتمل أن يكون انتشار الطوائف ~~الدينية داخل ما نطلق عليه حاليا الهندوسية قد جذب الكثيرين ms075 بعيدا عن ~~البوذية، ومن المحتمل أن تكون حياة الرهبان في الأديرة قد شهدت نوعا من ~~التدهور استمر لفترة طويلة؛ مما أدى إلى تدمير الديانة ذاتيا. ومن المؤكد ~~أنه عندما استقر المسلمون في الهند، من القرن الثامن الميلادي فصاعدا ، ~~تمكنوا دون صعوبة من إزالة بقايا البوذية في الهند، وفي ذلك الوقت كانت ~~الأديرة البوذية عرضة للدمار الشامل الذي عانت منه على يد محطمي الأصنام ~~المسلمين. # وعلى الرغم من أن تيرافادا لم تنسب مطلقا أي نوع من الجوهر للدارمات بأي شكل من ~~الأشكال، مثلما فعلت مدرسة سارفاستيفادا؛ فإن كلتا المدرستين ذواتي الأبهيدارمات ~~تحدتا أتباع نيايا فايشيشيكا فيما يتعلق بطريقة فهمهم للعلاقة بين المظهر المعرفي ~~للأشياء وحالتها الوجودية، بالإضافة إلى حالة الصفات، والخصائص العامة والخاصة، وهكذا. ~~وركز نقد الأبهيدارما على الطبيعة والكمية الوافرة من الذرات التي يفترضها أتباع ~~نيايا فايشيشيكا. وقال أتباع المدرستين إنه من الخطأ ومن غير الضروري تصنيف عدد كبير من ~~العوامل كأنواع منفصلة من الذرات، فالصفات والخصائص العامة على سبيل المثال كانت جزءا ~~من الحدث المعرفي - جزءا ضروريا بالنسبة له، لكنها ليست فئات وجودية منفصلة. وفي ~~نقدهم للاستقلالية والأبدية المطلقة للذرات، ركزت إحدى الحجج الأساسية لأتباع ~~أبهيدارما على استحالة انضمام ذرات غير مكونة من أجزاء بعضها مع بعض لتكوين الأشياء ~~المختلفة التي نشهدها، فإذا كانت الذرات غير مكونة من أجزاء، فكيف يمكن لجزء من الذرة ~~س أن يلتصق أو ينضم إلى جزء من الذرة ص؟ علاوة على ذلك، فقد نفوا الزعم بأن الإدراك ~~هو ما يكون الحقيقة الأبدية للمدركات، وكذلك نفوا أن المدركات عبارة عن ذرات تندمج ~~معا لتكوين كيانات كلية «خاصة» منفصلة على نحو واضح، أما الزعم الآخر الذي أوضحه ~~أتباع أبهيدارما فقد نفى إمكانية إدراك الأجزاء بالإضافة إلى الكليات نفيا مطلقا. ~~وعلى أي حال، فأي شيء ندركه لديه حالة ظواهرية مؤقتة فحسب. ويضم تراث كتابات نيايا ~~فايشيشيكا ردودا على تلك الآراء النقدية وغيرها، ويوضح الطريقة التي عدلوا بها أو ~~أكدوا بها على بعض النقاط العقائدية الخاصة بهم بناء ms076 على ذلك. # ونظرا لأن مفكري الأبهيدارما ورثوا من المراحل الأولية للبوذية تعاليم كانت أبعد ما ~~تكون عن الوضوح الفلسفي، وكانت على أية حال مهتمة في المقام الأول بالفعالية الخلاصية ~~التي تحققها؛ فقد تعامل مفكرو الأبهيدارما مع موقفين متلازمين ، تمثل الموقف الأول في ~~اعتقادهم أن التقليد البوذي الذي يتسع نطاق انتشاره كان في حاجة إلى أن يقدم ~~لأعضائه الممارسين تمثيلا لتعاليمه يتسم بقدر أكبر من التفصيل والمنهجية؛ لتحل ~~التفسيرات القاطعة محل الغموض العقائدي، وفعلوا ذلك من خلال الاستعانة بمجموعة معايير ~~تقنية بداية من التحليل اللغوي وحتى الممارسات التأملية. أما الموقف الثاني فكان ~~اكتساب الميل إلى تقديم التعاليم على نحو منهجي لإثبات صحة وترابط تلك المعايير ~~بالنسبة لهم، وليمكنهم أيضا من التعامل على نحو أسهل مع المزاعم المعارضة التي يطرحها ~~الغرباء حول موضوعات مشابهة. وإلى حد ما، كان مفكرو الأبهيدارما مجبرين تقريبا على ~~اتباع نظام معين يقوم على تحليل وتصنيف الدارمات إلى فئات كي تصبح تعاليمهم من ~~الممكن مقارنتها بتعاليم مفكري نيايا فايشيشيكا. # الخواء وكمال الحكمة # لذا فمن المحتمل، إلى حد كبير، أن يكون طابع نصوص الأبهيدارمات يظهر تفاعل مدارس ~~فكرية مختلفة، والطريقة التي انتهجتها لتقديم وجهات نظرها بطريقة متفقة مع طرق عرض ~~الآخرين. وعلى الرغم من أن البوذيين قدموا بالفعل نقدا لآراء نيايا فايشيشيكا، فما ~~حدث مع مرور الوقت هو أن دارمات الأبهيدارمات أصبحت واقعية على نحو متزايد؛ فالأشياء ~~التي كانت مفهومة في البداية بطريقة مجردة إلى حد ما اكتسبت تدريجيا مكانة «الأشياء» ~~المتعددة والواقعية. وفي ضوء عدم الواقعية التي ميزت التعاليم البوذية القديمة، فإن ~~هذا التجسيد قدم دعوة مفتوحة لرأي ناقد جاد لموقف الأبهيدارمات. وعندما ظهر ذلك، ~~جاء من داخل التقليد البوذي، وأسهم في ظهور ما أطلق عليه بوذية الماهايانا، وهي حركة ~~بوذية شاملة سعت إلى وضع فهم لتعاليم بوذا يكون أقل مراوغة ويمثل فهما قاطعا ~~مقارنة بما قدمته الأبهيدارمات. والمراحل الأولى لهذه الحركة نجدها ممثلة في ~~الأدبيات المعروفة باسم «أطروحات حول كمال الحكمة» («سوترات براجنياباراميتا»). ~~واستهدفت تلك النصوص نظريات ms077 الدارما الخاصة بالأبهيدارمات، وأوضحت أنها مناقضة للمبدأ ~~الذي ينص على أن كل الأشياء نشأت معتمدة بعضها على بعض؛ ولذلك فإنها تفتقر تماما إلى ~~الجوهر. واعترف كتاب كمال الحكمة بأن أسلافهم فهموا على نحو صحيح الطبيعة غير ~~الجوهرية للذات البشرية، لكنهم زعموا أنهم فشلوا تماما في فهم الطبيعة العامة لمعتقد ~~«اللاذات». وعلى هذا النحو، فقد زعم كتاب كمال الحكمة امتلاكهم لقدر «أعلى» و«أكثر ~~صحة» من البصيرة أو الحكمة؛ ولذلك زعموا أن تعاليمهم تمثل «الطريق الأعلى»، وهذا هو ~~معنى ماهايانا. # وعندما قدموا نقدهم للأبهيدارمات، كان كتاب كمال الحكمة أوفر حظا من بوذا؛ ~~حيث إنهم لم يزاولوا نقدهم في ظل مجتمع يسوده مبدأ البرهميين الجديد الذي يزعم أن ~~البشر لديهم ذات جوهرية (أتمان) متطابقة مع جوهر الكون (براهمان)؛ ولذلك أصبح هؤلاء ~~البوذيون المتأخرون أحرارا في تقديم صياغتهم لمبدأ بوذا بطريقة لم تذكر الذات، بل ~~قالوا إن كل الأشياء (الدارمات) خاوية («شونيا») من «الوجود الذاتي» (سفابهافا). وهذا ~~المصطلح الحيادي («الخواء») جعل المبدأ أقل عرضة للتخصيص الذاتي، وجعل إمكانية ~~تطبيقه على نطاق عام ممكنة الفهم إلى حد كبير من الناحية المفاهيمية. # الطريق الوسطي لنارجارجونا # لم يمر وقت طويل بعد أن بدأت نصوص كمال الحكمة في الظهور حتى قدم ناجارجونا نقده ~~المدمر تماما لأي نوع من أنواع الواقعية أو التعددية، وناجارجونا هو مفكر بوذي ~~نجيب عاش في القرن الثاني الميلادي. ويطلق على عمل ناجارجونا الرائد «مادياماكا ~~كاريكا»، وتعني «كتابات حول الطريق الوسطي»، ومن هذا الاسم أيضا اشتق اسم مدرسة ~~مادياماكا الفكرية المرتبطة به. ومنذ الآيات الافتتاحية للمادياماكا كاريكا يتضح أن ~~ناجارجونا كان يعتقد أنه يقدم تفسيرا لتعاليم بوذا بدلا من وضع نظرة فلسفية خاصة ~~به، ويتضح أيضا أنه يعتقد أن المعنى المحوري لتعاليم بوذا يوجد في مبدأ النشأة ~~المعتمدة؛ وهذا المبدأ يلخص المقصود ب «الطريق الوسطي». ويوضح ناجارجونا أن هذا ~~مرتبط بتعاليم كمال الحكمة؛ لأن «النشأة المعتمدة هي تلك التي نشير إليها باسم ~~«الخواء»، وهذا هو الطريق الوسطي» («مادياماكا كاريكا»، المجلد 24). وهذا يعني (كما ~~يمكن للمرء ms078 أن يرى كيف أن هذا الكلام يعد تكرارا لتعاليم بوذا المذكورة في الفصل ~~الثالث) أن الأشياء معتمدة النشأة تكون «خاوية» من «الجوهر الذاتي» (أي الوجود ~~المستقل). # يمكن تطبيق رأي ناجارجونا الناقد للتعددية على ذرات نيايا فايشيشيكا بقدر ما يمكن ~~تطبيقه على الحالة الوجودية الغامضة لفئات الدارما التابعة للأبهيدارمات (ولا سيما ~~أبهيدارمات سارفاستيفادا التي أعزي إليها جوهر أو «وجود ذاتي» - سفابهافا). ومع ذلك، ~~فمن المرجح أن هدفه الأساسي كان تعديل ما رآه انحرافا لدى متبعي المدرسة الأخيرة في ~~تقديمهم للتعاليم البوذية. وفي تناوله لاهتمامهم بالدارما، ذكر أن الدارما ليست فقط غير ~~مالكة لأي نوع من «الوجود الذاتي»، ولكن أيضا من المستحيل أن يوجد أي نوع من الدارما ~~له «وجود ذاتي». ويبدأ نقده بالعبارة الراديكالية: «لا توجد أي كيانات في أي مكان وبأية ~~طريقة تنشأ من تلقاء نفسها، أو من شيء آخر، أو من الاثنين، أو تنشأ تلقائيا.» ~~(«مادياماكا كاريكا» 1). في هذه العبارة لم يكن ناجارجونا يقول أو يرغب في إثبات عدمية ~~الوجود، وإنما كان اهتمامه منصبا على إثبات التداعيات الوجودية للنشأة المعتمدة من ~~أجل فهم حالة الموجودات على نحو سليم. وكان ناجارجونا مؤمنا بأن ثمة مصطلحات مثل ~~«الوجود» (كما في «الوجود الذاتي» - والذي يمكن أن نطلق عليه «الكيان» أو «الشيء») كانت ~~تستخدم بحيث تلمح خطأ إلى الوجود المستقل لما تشير إليه، وأن فكرة وجود قانون سببي ~~يعمل بين الكيانات كانت فكرة مغلوطة. وكان نقده موجها لتوضيح هذه النقاط. ما قاله ~~ناجارجونا في هذا الصدد يمكن فهمه على نحو أفضل على أربع مراحل كالتالي: (1) ليس الأمر ~~أن الشيء «ذاتي الوجود» ينتج من تلقاء نفسه. (2) ليس الأمر أن ذلك الشيء «ذاتي الوجود» ~~ينتج من شيء آخر غير نفسه. (3) ليس ممكنا بالطبع أن ينتج من كل من نفسه ومن غيره. ~~والمعنى الضمني لهذه المراحل هو أنه من غير المنطقي اعتقاد أن أي شيء «ذاتي الوجود» ~~يمكن أن يأتي من خلال أسباب أو شروط؛ لأن الكيان المسبب أو المشروط سيكون تابعا؛ ~~ووجود «كائن تابع ذاتي ms079 الوجود» هو أمر غير منطقي، ولا يوجد مسبب «آخر» مستقل الوجود ~~على أية حال (وهذا أمر مكرر في مادياماكا كاريكا في المجلد 15). (4) والمرحلة الأخيرة ~~هي استحالة النشأة العفوية للأشياء «ذاتية الوجود»؛ لأنه لو كان هذا هو الحال لكان ~~العالم فوضى عشوائية، وهو ليس كذلك. وأضاف المعلقون على ناجارجونا تفسيرات إضافية ~~فقالوا لو أن شيئا أنتج نفسه في هذا العالم فسوف يؤدي ذلك إلى سلسلة إنتاج مستمرة لا ~~يمكن إيقافها تنتج الشيء نفسه، ومن المستحيل أن شيئا «ذاتي الوجود» ذا طبيعة ~~محددة ينتج شيئا آخر «ذاتي الوجود» ذا طبيعة مختلفة تماما؛ فأين يمكن أن يكمن ~~الرابط المسبب؟ كما أن مزيجا من هذين النمطين من الإنتاج سوف يعاني من كلا النوعين من ~~المشاكل. # وعلى هذا النحو فالنشأة المعتمدة ليست ~~نظرية عن السببية متعلقة بنشأة عالم واقعي على نحو تعددي، فالعالم الذي تكون فيه ~~النشأة المعتمدة عاملا فعالا لديه حالة وجودية مختلفة؛ هو عالم «الخواء». ولا يمكن ~~فهم ذلك العالم في ضوء الوجود أو عدم الوجود؛ لأن أيا من هاتين الحالتين لا تنطبق ~~عليه؛ فالوجود لا ينطبق عليه لأن المعنى التصوري للوجود يفترض عالما واقعيا على نحو ~~تعددي، ولو كان العالم على هذه الشاكلة لكان ثابتا وغير متغير للأبد. وكما يشير ~~ناجارجونا فهذا يرجع، إلى حد كبير، إلى عدم إمكانية عمل أي قانون سببي في مثل هذا ~~العالم؛ فالمكونات المستقلة لا يمكن أن تكون تابعة على نحو سببي. ولا ينطبق عدم الوجود ~~على العالم؛ لأنه من خلال النشأة المعتمدة نشهد العالم الظواهري. وهنا يقدم ناجارجونا ~~فكرة «الحقيقتين»؛ الحقيقة الاصطلاحية أو العرفية والحقيقة المطلقة، وترتبط الحقيقة ~~الاصطلاحية بالعالم التجريبي الذي نعيش فيه، أما الحقيقة المطلقة فترتبط بالأشياء «كما ~~هي في واقع الأمر». # حقيقتان ومنطق الخواء # العالم التجريبي الذي نشهده ليس عالما غير واقعي؛ فنحن نشهده في واقع الأمر. ورغم ~~ذلك، فإن لم يتمكن المرء إلا من رؤيته من زاوية «الأشياء كما هي في واقع الأمر» أو من ~~زاوية الحقيقة المطلقة (وهذا بالطبع هو المقصود ms080 تحقيقه من خلال اتباع الطريق البوذي؛ ~~الوصول إلى التنوير)؛ فسوف يعرف المرء أن طبيعة حقيقته - حالته الوجودية - ليست تعددية ~~مستقلة كما تبدو لنا. وبدلا من ذلك، فما نرى أنه تعددية مستقلة هو في واقع الأمر عالم ~~مشروط وتابع - وهذا يعني في المطلق أنه اصطلاحي - ولذلك فهو «خاو» من أي نوع من الجوهر ~~أو «الوجود الذاتي». ومن هذا المنطلق فالعالم التجريبي الذي نألفه، والذي يتسم بمكونات ~~تبدو منفصلة ومن ثم موجودة، هو كله جزء من المستوى الذي اصطلح عليه للحقيقة؛ وهذا ~~سبب آخر يفسر لماذا من الخطأ أن نسعى لفهم الأشياء كما هي في واقع الأمر (أي حقيقتها ~~المطلقة) في ضوء أي معايير متعلقة ب «الوجود». ويستطرد ناجارجونا فيقول إن إساءة فهم ~~هذا الأمر، وافتراض أن الخواء يعني عدم الوجود، يؤديان إلى عدم فهم المبدأ العميق الذي ~~أقره بوذا، وهذا سوف يدمر الأشخاص ضعاف العقول («مادياماكا كاريكا»، المجلد 24). ~~ويكمل قائلا إن الخواء هو الاحتمالية الوجودية المنطقية الوحيدة لعالم الوجود التجريبي ~~في واقع الأمر، فالتمسك بالواقعية التعددية يعد أمرا غير منطقي تماما؛ لأنه يحول دون ~~وجود أية سببية وأي تغيير. # إن موقف ناجارجونا من الخواء كثيرا ما يشار إليه عن طريق الصيغة الرباعية (الموجودة ~~فيما سبق في النصوص المنسوبة لبوذا نفسه كما ذكرنا في الفصل الثالث)، تلك الصيغة التي ~~تقول إن من الخطأ التفكير في أن أي شيء إما أنه موجود أو غير موجود، أو أنه موجود ~~وغير موجود معا، أو أنه ليس موجودا وليس غير موجود. وقد كتب البوذيون والأكاديميون ~~على حد سواء الكثير من الكتابات حول الطريقة التي يجب فهم هذا المنطق بها بالضبط، ~~ونتائج هذا الفهم، وما إذا كان سيقود على نحو لا يمكن تغييره إلى قدر من العدمية، أو ~~ما إذا كان يجب أن يعتبر مجرد نقد لمواقف الآخرين، وأنه لا يتخذ موقفا خاصا به. ~~وفيما يخص أهدافنا، أعتقد أنه من الأكثر إفادة أن نرى ذلك المنطق بمثابة طريقة للرفض ~~الشامل لأي موقف محتمل للخصوم، ذلك الرفض الذي ms081 يستند إلى فكرة أساسية تتمثل في أن ~~الشرط الأساسي لأية نظرية وجودية مقدمة حول الوجود أو عدم الوجود؛ هو الاستناد إلى ~~إطار مفاهيمي يقوم على الحقيقة المعتادة فحسب. ومن وجهة نظر الحقيقة المطلقة فمن ثم ~~هذا لا يمكن أن يكون صحيحا؛ لأن مجرد قول هذه الفكرة يجعلها مناقضة لنفسها. ووفقا ~~لناجارجونا فإن أفضل طريقة، وما يجب أن يتطلع المرء إلى تحقيقه إذا أراد أن يفهم طبيعة ~~الحقيقة هو «إيقاف كل التفريقات اللفظية». فكل ما نتلفظ به من ألفاظ حول الحقيقة ~~محتوم عليه بأن يكون زائفا بسبب زيف أطروحات العالم المعتاد الذي تعمل فيه هذه ~~التعبيرات اللفظية؛ ولذلك يجب أن يسعى المرء إلى اكتساب الرؤية غير المنظمة على ضوء تلك ~~المصطلحات (وهذا هو هدف مبادئ التأمل). ومن هذا المنطلق، يدرك الناس أن «الخواء» نفسه ~~أمر معتاد وليس كيانا غير لفظي متساميا مستقل الوجود. # الخواء يؤكد العالم كما نعرفه # وردا على المعترض الذي يقول ~~إنه إذا كانت كل الأشياء خاوية فلا شيء موجود، وإن ناجارجونا في طرح وجهة نظر ~~الخواء ينكر وجود بوذا وتعاليمه؛ يقول ناجارجونا: # عند قول هذا، يبدو واضحا أنك لا تفهم الخواء، وأنك تعذب نفسك بلا ~~داع حول عدم الوجود. يجب أن يفهم المرء طبيعة الواقع في ضوء حقيقتين: ~~حقيقة اصطلاحية وحقيقة مطلقة. وهذا هو المبدأ العميق لبوذا، الذي سوف ~~يدمر أصحاب الذكاء الضعيف الذين يفهمون ذلك المبدأ على نحو خاطئ. ~~فقط إذا كان الخواء منطقيا يكون العالم التجريبي منطقيا؛ وبدون ~~الخواء سيصبح العالم التجريبي عبثيا. وإذا قلت إن الكيانات واقعية ~~على نحو مستقل فإنك تنكر احتمالية الظروف والعلاقات السببية. ولا شيء ~~من الأشياء المألوفة بالنسبة لنا يمكن حدوثه إن لم تكن كل الأشياء تنشأ ~~معتمدة بعضها على بعض (أي خاوية)؛ فلا شيء يمكن أن ينشأ أو يتوقف، ولا ~~يمكن اكتساب معرفة أو التخلص من جهل، ولا يمكن ممارسة نشاط، ولا يمكن ~~حدوث ميلاد أو موت، وسيكون كل شيء ثابتا؛ إذا لم يغير الشيء حالته. ~~أنت، وليس أنا، من ms082 يفترض عدم وجود العالم كما نعرفه، وإذا أنكرت الخواء ~~فإنك تنكر العالم. لكن الذين يرون حقيقة النشأة المعتمدة يرون العالم ~~على حقيقته، ويفهمون مبدأ دوكها الذي قاله بوذا، ويفهمون نشأة تلك ~~المعاناة وكيفية إيقافها. ~~«مادياماكا كاريكا»، الفصل 24 (فقرة معادة ~~صياغتها) # ملحوظة: # النقطة الأخيرة تمثل تطابقا في ~~معنى ما يقوله ناجارجونا مع ما قاله بوذا في الحقائق النبيلة. # ويكتب ناجارجونا عن «خواء الخواء»؛ وهو وصف وليس مستوى أساسيا. علاوة على ذلك، لا ~~يوجد فرق وجودي بين مستويات الحقيقة؛ فالفارق الوحيد هو فارق تجريبي. ولأنه طالما ظل ~~الفرد جاهلا بطبيعة الأشياء، سيظل خاضعا للتجارب ولمعايير الحقيقة الاصطلاحية. وعندما ~~يكتسب المرء البصيرة، سيرى الاصطلاحية ويفهم الخواء. وفي تناقض كامل مع مؤولي النصوص ~~الفيدية ومع كتابات نيايا فايشيشيكا، يرى ناجارجونا أن ما تفترضه اللغة ليس حقيقة ~~تعددية على نحو متسام، بل إنها تفترض عالما يجب «النظر إلى ما وراءه» إذا أراد المرء ~~أن يدرك الحقيقة المطلقة. # إيقاف التفريق اللفظي # فكرة «الكيان» و«عدم الكيان»، و«الوجود» ~~و«عدم الوجود»، في حد ذاتها جزء من توجه خاطئ تجاه العالم التجريبي ~~للحقيقة الاصطلاحية؛ ولذلك فليس الإيجابي ولا السلبي حقيقيا. وليس من الممكن ~~أن يكون لأي شيء هويتان في الوقت نفسه تحت أي ظرف، فكونه شيئا يتعارض مع ~~كونه شيئا آخر. وكون الشيء «ليس الشيء الأول وليس الآخر» يكون له معنى فقط ~~إذا كانت الفرضيات الأولية صحيحة، وهي ليست كذلك في هذه الحالة. وليس صحيحا ~~تحت أي مستوى من مستويات الصحة التفكير في الأشياء باعتبار أنها موجودة أو غير ~~موجودة، أو موجودة وغير موجودة، أو ليست موجودة وليست غير موجودة؛ فمثل هذه ~~القناعات خاطئة على المستوى الاصطلاحي وغير ممكنة التطبيق على المستوى المطلق. ~~ونظرا لأن كل الدارمات خاوية، فماذا يمكن أن يوجد ويتسم بأنه نهائي أو غير ~~نهائي أو كلاهما، أو ليس أيا منهما؟ ماذا يمكن أن يوجد ويتسم بالأبدية أو ~~الوقتية، أو كلتيهما أو لا شيء منهما؟ إن البصيرة المحررة تأتي مع إيقاف مثل ~~هذه التفريقات اللفظية، فبوذا ms083 لم يدرس مطلقا أي شخص عن هذه «الأشياء»، بل ~~درس التفريق اللفظي فقط. ~~«مادياماكا كاريكا»، المجلد 11 (فقرة معادة ~~صياغتها) # إن تطبيق «وسيلة المعرفة» الخاصة بناجارجونا يعد محفوفا بالمخاطر إذا حاول المرء ~~أن يكون متسقا مع مستويي الحقيقة؛ فكل الأنشطة الحسية والفكرية تحدث فقط على ~~المستوى الاصطلاحي؛ ولذلك فلا شيء يأتي لنا من خلال هذا الإطار يمكن الاعتماد عليه. لكن ~~ناجارجونا مصر على أن مستوى الحقيقة الاصطلاحي هو النطاق الذي فيه أو من خلاله ~~نكتسب البصيرة، وأن واقعية ذلك المستوى هي ذات معنى وفقا للمعايير الخاصة لهذا ~~المستوى. وفي هذا السياق، يمكن للمرء أن يرى أهمية المنطق بالنسبة له، إلا أن ~~ناجارجونا، على النقيض من المنهجية المنطقية لمدرسة نيايا، يستخدم المنطق للتقليل من ~~شأن الفرضية الأساسية التي تستند إليها كل وسائل المعرفة الخارجية الأخرى؛ أي الحقيقة ~~الخارجية للعالم التجريبي. وسواء أكان ناجارجونا يحاول فقط التقليل من وجهات نظر ~~غيره ويجعلها سخيفة على هذا النحو، أم أنه استخدم المنطق أيضا لإثبات فرضيته القائلة ~~بالخواء؛ فقد كان هذا إشكالا قسم أتباعه. وعلى هذا الأساس تأسست مدرستان ~~فكريتان من مدرسة مادياماكا، وتناول هذين الموضوعين النقاد المتأخرون، من داخل ~~التقليد البوذي وخارجه. # الرؤى التنويرية لبوذا (تذكير) ~~(1) رؤية استمرارية حيواته السابقة التي قادت إلى حياته الحالية. ~~(2) رؤية ميلاد وتكرار ميلاد الكائنات الأخرى في ظروف تحددها ~~أفعالهم. ~~(3) رؤية كيفية التخلص من أعمق الميول الاستمرارية المقيدة، وهذه ~~الميول هي التالية: ~~(أ) كل الرغبات الحسية. ~~(ب) الرغبة في استمرار البقاء. ~~(ج) الجهل. ~~(د) «التمسك بالآراء». (بتصرف من المؤلف.) # العقل فقط # بعد قرنين من حياة ناجارجونا، ظهرت مدرسة مهمة لا تنتمي لفكر مدرسة المادياماكا، ~~وكانت هذه المدرسة هي شيتا ماترا («العقل فقط») أو يوجا كارا («ممارسة اليوجا»). ارتبطت ~~في مراحلها الأولى بأخوين اسماهما أسانجا وفاسوباندو، عاشا في القرن الرابع الميلادي، ~~وسعى منهج هذه المدرسة إلى تصحيح تجسيد الدارمات التي قالت بها الأبهيدارما، لكنها ~~اختلفت عن المادياماكا في أمرين واضحين: تمثل الأول في تركيزها على وجه التحديد على ~~تحليل العمليات ms084 العقلية، وتمثل الأمر الثاني في اهتمامها بتقديم البوذية بطريقة رأت ~~أنها أقل سلبية؛ فقد اعتقد البعض أن مبدأ الخواء الذي قدمته سوترات كمال الحكمة ~~ومفكرو مادياماكا كان غير جذاب، ومن المحتمل أن يحمل دلالات عدمية خادعة ، وأنه يصرف ~~الانتباه عن الممارسة الفعلية المتمثلة في فهم حالات التأمل بغية اكتساب البصيرة ~~المحررة. # وعمد منهج يوجا كارا، كما هو واضح في أطروحتي «فيمشاتيكا» و«تريمشيكا» لصاحبهما ~~فاسوباندو، إلى تحليل الأنواع المختلفة من «الحالة الذهنية»، أو «مجريات الوعي»، التي ~~تمثل العالم التجريبي السابق لتنوير الفرد. وأجاب المنهج عن عدة أسئلة من بينها: ما ~~الذي يحقق الاستمرارية في تلك الحالات الذهنية؟ كيف تعمل العملية الكارمية المتعلقة ~~بتحمل عواقب أفعال الفرد؟ ما الذي يجعلنا جهلاء؟ ماذا يجب أن يحدث «كي يرى المرء ~~الأشياء على حقيقتها»؟ # وقالوا لنا إن المشكلة الأساسية تتمثل في أن العالم الذي يتشارك البشر في العيش فيه ~~متمثلا في ثنائية الذات والآخر، والذاتية والواقع المادي، و«المدرك» و«المدرك»؛ هو ~~تكوين ذهني، كونته «تحولات الوعي»، وهذا التكوين مفروض على واقع حقيقته ليست كما ~~تبدو عليه. وتسري الاستمرارية؛ لأن تحولات الوعي تبدو كما لو كانت تزرع «بذورا» في ~~«مخزن الوعي»، وتلك البذور تثمر في وقت لاحق في المستقبل، عندما تنتج التكوين الذهني ~~الذي يكون في ذلك الوقت مشروطا على نحو مترابط. وعندما يكون المرء غير متنور يكون ~~لتجربة هذه العملية تركيبة الذاتية والواقع المادي المألوفة بالنسبة لنا، ويسري هذا ~~التصور لأن مخزن الوعي «ملوث» بالجهل؛ الجهل بالطبيعة الحقيقية للواقع. وتشكل هذه ~~الملوثات، ذات الأنواع الكثيرة، السمات المختلفة لتجربتنا المشتركة، بالإضافة إلى ~~السمات الخاصة بالفرد؛ نظرا لإثمار «بذور» الكارما الخاصة به. # ومن أجل التغلب على الاستمرارية، واستنفاد وقود مخزن الوعي، إن جاز التعبير، يجب أن ~~يخترق المرء التركيبة المعتادة للعمليات الذهنية المتمثلة في ثنائية الذاتية والواقع ~~المادي، ويتم ذلك من خلال المبادئ التأملية («يوجا كارا»)، ومن خلال فهم أن التجربة ~~لها «ثلاثة جوانب»: الجانب الأول المألوف للغاية بالنسبة لنا هو الجانب «المكون»؛ ~~عالم الذاتية والواقع المادي المكون ms085 ذهنيا، وفي هذا المستوى تكون السمة الأساسية هي ~~سمة التجسيد، فهو عالم «واقعي على نحو مكون». وجانب «التبعية» هو النشاط الذهني ~~الأساسي الذي يمكن القول إن «البيانات الخام» للتجربة تخضع فيه للتحول، وهذا الجانب لا ~~يمكن إنكاره؛ فالتجربة هي الأرضية المشتركة أو الحقيقة الأساسية المقبولة لدى كل البشر ~~التي لا يمكن لأي قدر من الحجج الفلسفية أن يدحضها. والجانب «المحسن» هو الغياب ~~التام لأي تكوينات ذهنية تعمل في ظل «تدفق» التجربة. # جوانب التجربة الثلاثة لفاسوباندو ~~(1) «الجانب المكون»: عالم الذاتية والواقع المادي اليومي، الذي يضفيه ~~نشاطنا الذهني على الواقع، ذلك الواقع الذي ليست حقيقته كما تبدو عليه؛ لأن ~~عملياتنا الذهنية الخاصة هي ما تفسر هذا التكوين على أنه الحقيقة نفسها. ~~(2) «الجانب التابع»: «البيانات الخام» الأساسية لتجربة الذاتية والواقع ~~المادي التي تخضع للتحولات الذهنية وتصبح الجانب المكون. ~~(3) «الجانب المحسن»: تدفق البيانات التجريبية غير المتأثرة بالتحولات ~~الذهنية. وهذا يجعل استبصار الواقع يظهر على حقيقته دون أي تكوين من الذاتية ~~والواقع المادي. # ومن المهم ملاحظة عدة سمات في هذا التفسير؛ أولا: عن طريق شرح كيفية نشأة عالم ~~الموضوعية من خلال تحولات الوعي، ينكر التفسير ادعاءات مفكري نيايا فايشيشيكا وغيرهم ~~ممن يقولون بأن إدراك الشيء هو ما يصنع الوجود المتسامي لهذا الشيء. ثانيا: أنه يشرح ~~حقيقة الاستمرارية التجريبية بطريقة «إيجابية» ومقبولة نفسيا؛ وذلك من خلال التأكيد ~~على أن نقطة بداية حقيقة التجربة مألوفة بالنسبة لنا وليست مجردة. وكان هذا الأمر ~~مهما في هذا السياق المحير نفسيا (وغير المقبول بالنسبة للبعض)؛ سياق مبدأ «الخواء» ~~كما قدمته مدرسة مادياماكا على نحو أساسي. ثالثا: من وجهة النظر الوجودية، يمكن ~~فهم هذا الأمر إما على نحو مجرد أو على نحو واقعي، وهذا يعني أن «بذور» الكارما ~~و«مخزن الوعي» من الممكن اعتبارهما إما استعارات أو كيانات فعلية، والأمر نفسه ~~ينطبق على فكرة «العقل فقط» ككل. ويمكن أن تتضمن البصيرة المحررة مجرد إيقاف الأنشطة ~~الذهنية التي، نظرا لاستمرارها وقتا طويلا، توضح مجازيا بهذا التعبير «مخزن ~~الوعي»؛ كما لو كانت عملية قيد ms086 الإنجاز؛ أو ربما تعني أن الكيان الفعلي «لمخزن الوعي» ~~قد أصبح مطهرا، وأصبح لديه وجود مطهر مستمر. وبالمثل، فإن «تحولات الوعي» قد تعني ~~آليات عمل الأنشطة الذهنية التي يشهدها كل شخص، تلك الأنشطة التي تنتمي لنوع غير محسوس ~~تماما، أو ربما تشير إلى الوعي بوصفه، إلى حد ما، «مادة ذهنية» تتحول إلى عالم ~~التجربة على نحو أكثر واقعية، لتصبح أساسا واقعيا. ومصطلح «العقل فقط» مناسب لكلا ~~المنهجين المتمثلين في الحاجة إلى فهم الأنشطة الذهنية للفرد من أجل اكتساب البصيرة ~~المحررة؛ وكذلك الزعم القائل إن العالم التجريبي يتكون من مادة ذهنية. # التصورية # يقضي المذهب التصوري، كنوع من الوجودية، بأن «كل ما هو موجود هو العقل». وهذا ~~يعني أن نوعا من «المادة العقلية» يشكل الطبقة الأساسية للواقع، وأن هذا ~~الواقع «يتحول» بطريقة ما عن طريق الأنشطة العقلية؛ ولذلك فإن كل ما نراه ليس ~~هو الحقيقة؛ لأن ما نراه يتجسد في هيئة أشياء متفاوتة في درجات الكثافة؛ فنحن ~~غير مدركين «للمادة العقلية» فحسب. ونظرا للوجود الفعلي «للمادة العقلية»، فإن ~~المدرسة التصورية لا تقول: «لا يوجد أي شيء.» ولهذا السبب قد يكون من التضليل ~~وصفها بأنها «وهم». إن التصورية هي النقيض التام لكل أشكال الواقعية التعددية؛ ~~فالواقعية التعددية تؤكد أن تعددية ما نراه هي حقيقة متسامية، بينما تنفي ~~التصورية أن تكون هذه هي حقيقة الأمر. # وانقسم بوذيو يوجا كارا أنفسهم، وكذلك الأكاديميون المتخصصون في البوذية، حول هذا ~~الموضوع الأخير. وفي إطار التقليد أدى اختلاف المناهج إلى تأسيس مدارس مختلفة من ~~بوذية يوجا كارا. واختلف الأكاديميون حول ما إذا كان التقليد تصوريا دائما في نظرته ~~الوجودية (يوجد مادة ذهنية فحسب)، أم أنه بدأ كاستقصاء للأنشطة الذهنية منحيا ~~الموضوعات الوجودية جانبا، وتطور إلى مدرسة تصورية لاحقا. والنصوص الأولية غامضة، ~~وقابلة للتأويل على أي من الوجهين وعلى نحو مقنع منطقيا. ورغم ذلك، فجدير ~~بالملاحظة أنه لو كان فاسوباندو يشير إلى استقصاء غير وجودي لعمليات معرفية ذاتية، ~~لأصبح مشتركا في أمور كثيرة مع تعاليم البوذية القديمة ومع زعم ms087 ناجارجونا القائل ~~بالتفريق اللفظي، رغم تقديم فاسوباندو له بطريقة مختلفة. وعلى النقيض من ذلك، فلو كان ~~فاسوباندو يسعى إلى تأسيس وجودية تصورية، فسوف يمثل هذا تغييرا كبيرا في ~~الاتجاه. # تطورات في الفكر البوذي # من تعاليم «بوذا»: «كل الدارمات «ليست ذوات»، توجد طبيعة معتادة للأشياء، فكل ~~الأشياء تعتمد في نشأتها بعضها على بعض.» # حاول مفكرو «الأبهيدارما» فهم مزيد من الأمور المتعلقة بطبيعة الواقع ~~فيما يتعلق بالدارمات. # صنف مفكرو «أبهيدارما تيرافادا» الدارمات إلى 28 نوعا «ماديا» و52 ~~نوعا «ذهنيا»، بالإضافة إلى الوعي. وكانوا يهدفون إلى أن يساعد هذا التصنيف ~~في تحليل الدارمات أثناء التأمل. # قال «مفكرو مدرسة سارفاستيفادا» إن كل الدارمات موجودة في حالات الماضي ~~والحاضر والمستقبل. وعلى هذا النحو، فإن للدارمات نوعا من الوجود اللحظي، أو ~~نوعا من «الكيان الذاتي». # مع مرور الوقت أصبحت دارمات مفكري «الأبهيدارما» مجسدة؛ إذ اكتسبت كيانا ~~واقعيا ومستمرا بوصفها «أشياء». # قال «ناجارجونا» إن كل الأشياء ليست «خاوية» فحسب، بل إنه من غير الممكن أن ~~ينشأ أو يحدث أي كيان مستقل بأي طريقة على الإطلاق؛ ولذلك فإن «الخواء» طريقة ~~أخرى للإشارة إلى النشأة المعتمدة. علاوة على ذلك، فالعالم كما نعرفه تدعمه فقط ~~النشأة المعتمدة؛ وإنكار ذلك يعد إنكارا للعالم. # سعى فكر «يوجا كارا» إلى تقديم ماورائيات الخواء المتعلقة بالعمليات الذهنية ~~«التكوينية» للعالم كما نعرفه. # قدم فاسوباندو وأتباعه في تقليد يوجا كارا إسهاما عظيما للفترة التي ازدهر فيها ~~الخطاب البوذي، فبداية من ناجارجونا وعلى مدار عدة قرون، قدم المفكرون البوذيون بعض ~~الأفكار والآراء النقدية المبدعة والمعقدة للغاية في المجتمع الهندي. وبصفة خاصة، فقد ~~قدموا تحديا جادا لأولئك الذين ينسبون الواقعية إلى العالم كما يبدو لنا من خلال ~~تصوراتنا الحسية، وكما يبدو للوجود المستقل لذواتنا كمدركين. وبدلا من ذلك، كان ~~البوذيون مستعدين لاتباع النتائج المنطقية للبدء بالتشكيك في مصداقية العملية ~~المعرفية كوسيلة للمعرفة المؤكدة مهما كانت تلك النتائج غريبة. وبعيدا عن الأسلوب ~~بالغ التعقيد والكتابة المبتكرة عن الخواء، عند الدفاع عن المبدأ الذي رأى أنه المبدأ ~~الصحيح لبوذا، فما ms088 أسسه ناجارجونا للبوذية هو قوة الحجة المنطقية في دعم موقفها وآرائها ~~الناقدة للآخرين. وأدى هذا إلى ازدهار تقليد ما يطلق عليه «المنطق البوذي»، وفيه تناقش ~~البوذيون مع الآخرين وساقوا الحجج المنطقية والتفنيدات حول أمور متعلقة بالدارمات ~~وطبيعة الوجود على مستوى تقني وبالغ التخصص في الناحية الفكرية. وكان من أبرز علماء ~~المنطق البوذيين ديناجا، ودارماكيرتي، النابغة الذي وضع قواعد الجدل المنطقي في ~~النقاش مع مفكري نيايا المتأخرين وغيرهم. وعلى الرغم من أن «المسلمات» والأهداف قد ~~تكون متناقضة تناقضا جذريا بين البوذيين وأتباع المدرسة الواقعية، فإن المناظرات ~~الخاصة بكل منهما كانت ذات معنى واهتمام متبادلين؛ لأن كلا منهما اتبع القواعد ~~الموضوعة بينهما. # الفصل السابع # | الشاهد والمشهود: يوجا وسانكيا # اليوجا: التناغم والسيطرة # منذ مرحلة مبكرة للغاية في التقليد الهندي والناس يمارسون أنواعا مختلفة من التمارين ~~الذهنية أو التدريبات التأملية، كثيرا ما يشار إليها بمصطلح عام هو «اليوجا». ~~وتوجد أقدم الإشارات البرهمية الدالة على اليوجا في كتابات الأوبانيشاد، ولكن حتى في ~~ذلك الوقت كانت هذه الكتابات تشير إلى ممارسة مرت في الغالب بمراحل تطور على ~~مدار فترة كبيرة. ومع مرور الوقت، تعلم الأشخاص أنواعا مختلفة من اليوجا، لكن هذه ~~الأنواع تشترك في المبدأ نفسه. وكلمة «يوجا» مشتقة من الجذر الفعلي السنسكريتي ~~«يوجي» ويعني «الربط»؛ أي ربط شيء بآخر. والفكرة بالنسبة لكثير من الأشخاص تكمن في ~~«دمج» أو «توحيد» إما الذات/الروح (أتمان) مع الجوهر الشامل (براهمان)، أو الروح مع ~~الرب في الأنظمة الإيمانية. ويمكن أن تكمن الفكرة أيضا على نحو أكبر في المفاهيم ~~المرتبطة المتمثلة في «السيطرة» أو «التناغم»، أو «النظام» على الصعيد الداخلي، أو ما ~~يمكن أن نطلق عليه «وحدة البصيرة»؛ ~~فالوجودية العامة يمكن أن تختلف من نظام إلى آخر، لكن المبدأ الأساسي المشترك هو أن ~~الحياة العادية تتسم بأنها «مضللة» بسبب حواسنا، وبسبب النشاط المعرفي اليومي الصاخب ~~المخادع؛ ولذلك فإن ممارسة اليوجا تكون بهدف اكتساب السيطرة والهدوء، وفي بعض الأنظمة ~~تكون بهدف اكتساب البصيرة المعرفية. # تأريخ زمني # عام 2000 قبل الميلاد تقريبا: # التقليد ms089 ~~القرباني الفيدي. # 800-500 قبل الميلاد تقريبا: # كتابات ~~الأوبانيشاد القديمة. # بحلول عام 500 قبل الميلاد: # وجود الفرع ~~الشعائري والفرع المعرفي من التقليد البرهمي جنبا إلى جنب. # مجتمع القرن الخامس قبل الميلاد: # معتنقو ~~التقليد البرهمي والمارقون منه. # 485-405 قبل الميلاد تقريبا: # تمثل هذه ~~الفترة حياة بوذا. # من القرن الرابع إلى القرن الثاني قبل ~~الميلاد: # النحويون والمؤولون الأوائل يضعون معايير لما يجب ~~«النظر إليه». # من القرن الثالث إلى القرن الثاني قبل ~~الميلاد: # فايشيشيكا ونيايا يجمعان بين نظرة وجودية تتصف ~~بأنها واقعية تعددية وبين طريقة رسمية للتوصل للمعرفة المؤكدة من ~~خلالها. # من القرن الرابع إلى القرن الأول قبل ~~الميلاد: # ظهور مدارس بوذية مختلفة. # من القرن الثالث قبل الميلاد إلى القرن الثاني ~~الميلادي: # تطور أبهيدارما البوذية. # من القرن الأول قبل الميلاد إلى القرن الأول ~~الميلادي: # ظهور بوذية الماهايانا والسوترات القديمة ~~«براجنياباراميتا» («كمال الحكمة»). # القرن الثاني الميلادي تقريبا: # تركيز ~~مدرسة مادياماكا كاريكا لصاحبها ناجارجونا على «خواء» (شونياتا) كل ~~الظواهر. # القرن الرابع الميلادي تقريبا: # المدرسة ~~البوذية شيتاماترا/يوجا كارا تركز على العمليات الذهنية. # القرن الثالث الميلادي: # سوترات اليوجا ~~تمثل ما يعرف باسم «اليوجا الكلاسيكية». وعلى الرغم من أنه يقال إن هذه ~~السوترات كتبت على يد أحد الأشخاص الذين يحملون اسم باتانياجالي، فإنه لا ~~يعرف مؤلفها على نحو مؤكد في واقع الأمر. وتمثل «سوترات اليوجا» منهج ~~تدريب ذهني مفصلا يهدف لاكتساب البصيرة المحررة، فهو منهج متطابق مع ~~وجودية سانكيا. # من القرن الرابع الميلادي إلى القرن الخامس ~~الميلادي: # إيشفاراكريشنا يدون سانكيا الكلاسيكية في كتاباته ~~«سانكيا كاريكا». والبشر محكوم عليهم بالميلاد المتكرر؛ لأنهم لا يدركون أن ما ~~يعتبرونه وعيا هو لاوعي، وأن الوعي يكمن فقط في «الذوات» (بوروشا) المنفصلة ~~وجوديا وغير النشطة. والهدف هو اكتساب البصيرة في هذه الثنائية. # تمثل دارشانا اليوجا الكلاسيكية في نص يعرف باسم «سوترات اليوجا». وتنسب هذه ~~السوترات عادة إلى رجل باسم باتانياجالي، وفي واقع الأمر، فإن مؤلف «سوترات اليوجا» ~~غير معروف. وعلى أية حال يوجد العديد من الأشخاص الذين كانوا يحملون اسم باتانياجالي ~~(من بينهم عالم ms090 النحو المذكور في الفصل الرابع)، ويضم النص منهج يوجا شاملا. وفي ~~واقع الأمر، يبدو أن المنهج كان الهدف الأساسي للنص، وقد تضمن إشارات إلى الوجودية ~~التي تعتنقها هذه الفلسفة فقط من أجل تبرير أو تفسير غرض ونظام المنهج. وعلى الرغم من ~~أن اهتمام اليوجا الكلاسيكية بموضوعات مشابهة وتفاصيل مماثلة، فتقريبا لم ترد في النص ~~أية إشارة لأنظمة الفكر الأخرى، ولو كان أنصار اليوجا الكلاسيكية قد دخلوا في جدل مع ~~الآخرين، فالنص لا يسجل تلك المواجهات. إن النص في المقام الأول هو كتيب إرشادات عن ~~ممارسة اليوجا، وبلا شك فقد توصل إلى المعايير والصيغ المختلفة للممارسة من داخل ~~تقليد ممارسة طويل على النقيض من الجدل. فالأفكار الفلسفية المجردة تعد أقل إثارة ~~لاهتمام ممارسي اليوجا مقارنة بالرؤى التأملية، وتعد الكفاءة في الممارسة أهم بالنسبة ~~لهم من إقناع الآخرين. وربما تعد هذه الدارشانا أكثر من غيرها مثالا على أن «الفلسفة» ~~الهندية جزء من تقليد كان هدفه وغرضه الأساسي الحصول على الخلاص. # هدف اليوجا الكلاسيكية # تستهل سوترات اليوجا بذكر هدفها فتقول: # والآن مع تفسير اليوجا: اليوجا هي إيقاف كل أنشطة العقل («شيتا فريتي ~~نيرودا»: إيقاف نشاط العقل). ~~«يوجا سوترا»، المجلد 1 # أنشطة العقل («شيتا فريتي») لها أنواع كثيرة مختلفة تندرج تحت فئات عامة؛ هي: المعارف ~~الصحيحة، والمفاهيم الخاطئة، والتصورات، والنوم والذاكرة. ووسيلة معرفة المعارف الصحيحة ~~هي الإدراك الحسي، والاستنباط، وشهادة التقليد. والمفاهيم الخاطئة هي معارف غير صحيحة، ~~غير مبنية على أي حقيقة واقعية. والتصورات هي معارف مبنية فقط على أنشطة ذهنية ~~مجردة، ويمكن القول إنها الميل إلى تصور الحقيقة فقط من خلال «تجسيد الألفاظ». وهذا ~~الأمر يتداخل بشدة مع رؤية الحقيقة كما هي في واقع الأمر. والنوم أيضا له نشاطه الذهني ~~الخاص به، والذاكرة هي أن نحمل معنا كل ما شهدناه، وتتضمن قدرا أكبر من النشاط ~~الذهني. ويتحقق إيقاف كل هذه الأنشطة من خلال ممارسة اليوجا والانفصال (أي السيطرة)؛ ~~فالتجارب والحالات الذهنية من قبيل المرض والشك واللامبالاة والكسل والزيف والفشل وعدم ~~الاستقرار كلها تشتت ms091 الوعي وتشكل عوائق أمام تحقيق إيقاف أنشطة العقل، ويصاحب الألم ~~والاكتئاب وارتعاش الأطراف وسوء التنفس تلك العقبات. والطريق للتخلص من هذه العقبات ~~يكمن في تركيز الذهن على شيء واحد، وممارسة النظر للخارج (أي عدم التركيز على الذات ~~بالمعنى الأناني) واللطف تجاه الآخرين، والتنفس السليم، والرزانة العقلية. (هذا ~~التفسير معادة صياغته من «يوجا سوترا»، المجلد 1.) # من هنا يمكن أن نرى أن مؤلف النص ينفي أن الحقيقة المطلقة مرتبة بالطريقة التي ~~ندركها بها تبعا لتجربة العالم الظاهر. والأنشطة الذهنية في العموم تخلق مشتتات ~~تشوه على نحو بالغ الإدراك الواضح للحقيقة وتصرفنا بعيدا عنه. ويدعم منهجية اليوجا ~~ذلك الهدف المتمثل في التفريق بين أن «الناظر» الحقيقي أو «الذات» الحقيقية، المعروفة ~~في هذا النظام باسم «بوروشا»، منفصل تماما عن العالم «المرئي» أو «الظاهر» الذي يعرف ~~باسم «براكريتي». وإلى حين تحقق ذلك التفريق يعتقد كل شخص على نحو خاطئ أن «الناظر»، ~~حيث يكمن الوعي، يعد جزءا من الظاهر. إننا نخلط بين «ذاتنا» الظاهرة غير الواعية وبين ~~«ذاتنا العليا»، في حين أن الذات العليا مختلفة تماما؛ فالعالم الظاهر هو عالم نشاط ~~غير واع، والوعي ينتمي إلى ذوات «بوروشا»، وهي أيضا ذوات خاملة. إن «الربط» بين ~~بوروشا وبراكريتي هو ما يسبب الوهم؛ والتفريق الذي يحدث عند إيقاف أنشطة الذهن المشتتة، ~~يؤدي إلى انفصالها. وبهذه الطريقة تتحرر الذات الحقيقية من أسر الميلاد المتكرر، ~~الذي يستمر ما استمر ذلك الربط قائما. إن الذات الحقيقية (بوروشا) هي تلك الحقيقة ~~العليا و«الأصدق»، وإدراك هذه الحقيقة هو «الصالح الأعلى» الذي يمكن لكل البشر أن ~~يطمحوا إلى تحقيقه. ومعرفة الطبيعة الحقيقية للذات وحقيقة البوروشا الجوهرية للمرء هي ~~الاهتمام المحوري «لسوترات اليوجا». وعلى الرغم من جهلنا بالمكان الذي يكمن فيه الوعي، ~~فإن اليوجا الكلاسيكية ترى أن العالم الظاهر ليس حقيقيا. إن براكريتي - العالم الظاهر ~~- موجود على نحو مستقل من الناحية الوجودية، كما هو الحال مع الذوات. إلا أن ~~براكريتي هو عالم التشتت عن الحالة الحقيقية و«الأعلى» للأشياء، وعالم عبودية الميلاد ~~المتكرر؛ ولذلك فالهدف هو ms092 التفريق بين الذاتية وبين براكريتي. وممارسة الشخص المضلل ~~لليوجا ضرورية لسببين؛ أولا: يحدث الجهل فقط على المستوى الظاهري. ثانيا: في المستوى ~~الظاهري يحدث التفريق. ونظرا لأن بوروشا خاملة فإنها لا تفعل شيئا ولا تستطيع فعل ~~شيء؛ لأن دورها هو دور الشاهد فحسب. # إيشفارا - الإله - في اليوجا الكلاسيكية # تخبرنا اليوجا سوترا الموجودة في المجلد الأول بأن هدف التفريق يمكن أيضا ~~تحقيقه من خلال «عبادة الإله (إيشفارا)». ويقال عن هذا الإله إنه «بوروشا ~~مميزة»، لا يتأثر بأنشطة الكارما، عليم بكل شيء، ومعلم الحكماء القدماء. أما ما ~~تعنيه هذه الآيات بالضبط فهو أمر غير واضح، ولطالما ثار الخلاف بين ~~الأكاديميين حول مكانة هذا الإله؛ فهل هو كيان متسام على نحو يمنح اليوجا ~~الكلاسيكية جانبا إيمانيا؟ هل تشير الآيات إلى حقيقة أن منهج اليوجا ~~الكلاسيكية سار على خطاه أتباع من طوائف دينية؟ هل إيشفارا نموذج مجرد؟ هل توضح ~~الآيات على نحو ميتافيزيقي ما سيجده كل فرد إذا «نظر داخل نفسه»؛ لأن ~~بوروشا كل شخص هي «إلهه»؟ في التقاليد الدينية الهندية يمكن أن يعني التعبد ~~في بعض الأحيان «الإصرار على تحقيق الهدف» وليس «العبادة»؛ ولذلك ليس بالضرورة ~~أن يكون معنى التعبير في هذا الصدد هو عبادة إله فعلي معين. # تتضمن معظم «سوترات اليوجا» معلومات وصفية عن الحالات الذهنية المختلفة، والطرق ~~المختلفة للسيطرة على الأنشطة الذهنية، والمستويات المختلفة لاكتساب تلك الحالات ~~الذهنية، والأمور التي تسهم في إيقاف هذه الأنشطة والأمور التي لا تسهم في إيقافها، ~~وهكذا. وتتحدث بعض هذه المعلومات عن طريقة إدراك الذات، باعتبارها «الذات» المزيفة في ~~مستوى براكريتي الظاهري، وكذلك باعتبارها بوروشا العليا المميزة عن الذات الظاهرية. ~~وكثير من هذه المعلومات معلومات تقنية في سياقها، ولا تعني الكثير للأشخاص الذين ليس ~~لديهم خبرة في الحالات التأملية. وقد وصف أحد الأكاديميين الغربيين المتخصصين في اليوجا ~~الكلاسيكية هذه السوترات بأنها: «في المقام الأول خرائط مفيدة لعملية الرحلة الداخلية»، ~~فهي توضح على نحو تفصيلي أن النص لا يمثل في الأساس موقفا فلسفيا أو وجوديا ~~واضحا، بل هو ms093 سرد لممارسات تأملية من خلالها يمكن السيطرة على كافة الأنشطة الذهنية ~~التي تعيق التمييز بين الذات الظاهرية والذات العليا الحقيقية. # سانكيا: الأدلة التي تشير إلى الثنائية # على النقيض من اليوجا الكلاسيكية، يتضمن النص الأساسي لسانكيا الكلاسيكية على نحو ~~أكثر وضوحا تفسيرا مفصلا لموقفها الوجودي ومناقشة واضحة لوسائلها في اكتساب المعرفة. ~~ويقال إن هذا النص المعروف باسم «سانكيا كاريكا» كتبه إيشفاراكريشنا بين عام 350 ~~وعام 450 ميلاديا. ويتضح من الأدلة المأخوذة من مصادر متنوعة أن فكر سانكيا له ~~تاريخ قديم طويل يعود إلى وقت كتابات الأوبانيشاد، وأن هذا النص ربما اختلف في التفاصيل ~~اختلافا كبيرا من وقت لآخر مقارنة بما يعتبر حاليا النص الرئيسي للتقليد. ورغم ~~ذلك، فلم تبق أية نصوص قديمة لفكر سانكيا. # وللمصطلح السنسكريتي «سانكيا» عدة معان، لكنه في سياق هذا التقليد يعني شيئا من ~~قبيل «العد»؛ فهو يشير إلى فكرة أن الحقيقة التي تزعم المدرسة أنها تعلمها تعرف من ~~خلال عد؛ بمعنى تحليل وتمييز الفئات التي تكون العالم الظاهر. وتستهل سانكيا ~~كاريكا بقول ما يلي: «بسبب ألم المعاناة تنشأ الرغبة في معرفة كيفية التغلب عليها.» ~~وبعد الإفصاح على نحو واضح عن هذا الهدف الخلاصي، تستطرد لتوضح أن المطلوب هو نوع ~~خاص من المعرفة التمييزية، التي يمكنها إدراك «الظاهر وغير الظاهر والعارف». وتبين ~~الآيات التالية الفرق الوجودي بين البوروشات (العارفين، وهم متعددون من الناحية ~~العددية، ومنفصلون من الناحية الفردية، لكنهم متطابقون بعضهم مع بعض من الناحية ~~الوجودية) وبين براكريتي (كل من العالم الظاهر والعالم غير الظاهر، لكنهما من الناحية ~~العددية واحد). وعلى غرار اليوجا الكلاسيكية، فإن سانكيا ذات وجودية ثنائية على هذا ~~النحو؛ فالواقع يتكون من بوروشات (ذوات) وبراكريتي (عالم). ويعد براكريتي في حالته ~~غير الظاهرة «مسلمة» وجودية غير مخلوقة، ويصبح ظاهرا (نسخته «المخلوقة») عند ~~ارتباطه ببوروشا (ولا تشرح السوترات كيفية حدوث ذلك). ومن النقاط المهمة التي تدعم ~~ثنائية سانكيا قولها إن الشيء الذي يصبح ظاهرا كان موجودا في السابق في عالم براكريتي ~~على نحو غير ظاهر؛ وهذا يعني ms094 عدم خلق أي شيء جديد. ويشار إلى وجهة النظر تلك، التي ~~سنراها مرة أخرى في هذا الفصل، بمصطلح «ساتكاريافادا»، وهي نظرة تقول إن النتيجة توجد ~~مسبقا في المسبب. وفي سانكيا كاريكا تقول هذه النقطة إن العالم الظاهر ~~موجود فعليا من الناحية الوجودية وإنه عالم واحد ~~فقط من الناحية الوجودية. والأسباب المبررة لمبدأ ساتكاريا موجودة في الآية التاسعة ~~على النحو التالي: # لأن عدم الوجود يعني عدم الإنتاج؛ # لأن المسبب المادي ضروري؛ # لأن الأشياء لا يمكن أن تنشأ عبثا من أشياء مختلفة؛ # لأن الأشياء يمكن فقط إنتاجها من الأشياء القادرة على إنتاجها؛ # لأن هذه هي طبيعة السببية. # تضرب الآية مثالا على أهمية الاستنباط كوسيلة للمعرفة لدى مدرسة سانكيا. والمثال ~~الآخر هو استنباط ضرورة وجود تعددية للبوروشات؛ «نظرا لوجود تنوع في الولادات ~~والوفيات والأنشطة؛ نظرا لحدوث أشياء مختلفة في أوقات مختلفة؛ نظرا لأن الناس لديهم ~~سمات بنسب مختلفة» (سانكيا كاريكا، المجلد 5). # تركيبة الحقيقة لدى سانكيا ~~«براكريتي» ~~«بوروشا» # غير ظاهر/ ~~«بودي» ~~«أهانكارا» # العقل # ظاهر ~~(المميز) ~~(الصانع الذاتي) # 5 أعضاء حسية ~~(«ساتفا»/ # 5 أعضاء للفعل ~~«راجاس»/ # 5 عناصر دقيقة ~~«تاماس») # 5 عناصر ضخمة # ذوات بوروشا: # متطابقة من الناحية الوجودية ~~لكنها متعددة من الناحية العددية؛ إنها أبدية، غير متغيرة، خاملة، وهي شهود ~~واعية. # براكريتي: # يختلف من الناحية الوجودية عن ~~ذوات بوروشا؛ فهو أبدي ومتغير ونشط وغير واع. # براكريتي: # يتسم بثلاث صفات هي: الخير، ~~والطاقة أو الشغف، والجمود. وتجتمع هذه الصفات بنسب مختلفة في كل أشكال ~~العالم الظاهر. # أما وسائل المعرفة الأخرى التي تقبلها فهي الإدراك والشهادة الموثوقة. وتعرف ~~الإدراك بأنه «التيقن الانتقائي من أشياء حسية معينة» (سانكيا كاريكا، المجلد 5)؛ ~~وهذا يعني أن أوجه الإدراك «العادية» ليست كلها صحيحة. وترتبط الشهادة الموثوقة بالتراث ~~المتخصص للتقليد الذي يعود إلى كتابات الأوبانيشاد باعتبارها المصدر الأساسي. ورغم ذلك، ~~فإن الاستنباط والإدراك لهما الأسبقية على الشهادة الموثوقة، وعندما تبدو الشهادة ~~الموثوقة غير منطقية تكون الغلبة للاستنباط والإدراك. ومثال ذلك يمكن رؤيته في استخدام ~~الاستنباط لإثبات تعددية ذوات بوروشا، بدلا من قبول ms095 زعم كتابات الأوبانيشاد القائل بأن ~~الذات (أتمان) متوحدة مع الجوهر الشامل المسمى «براهمان»، كحقيقة مسلم بها. # الصفات والفئات والتمييز # عالم «براكريتي» كله «يخضع لتأثير» ثلاث صفات أساسية؛ «سمات» سانكيا كاريكا المذكورة ~~في المجلد الخامس، وهي مترجمة ترجمة غير دقيقة عن السنسكريتية ، فأصبح معنى هذه الصفات ~~هو: الخير، والطاقة أو الشغف، والجمود. وهذه الصفات الممزوجة بنسب متفاوتة والموجودة ~~في كل كائن أو شيء، تؤدي إلى «الإظهار»، و«التنشيط»، و«التقييد»؛ من أجل السيطرة، ~~والدعم، والتفاعل، على التوالي، بعضها مع بعض. وعلى هذا النحو فإنها توضح كيف توجد فئات ~~أو أنواع مختلفة، وكيف توجد اختلافات بين الناس وبين الأشياء المنتمية للنوع نفسه. ومن ~~أجل حدوث التمييز المؤدي للتحرر، لا بد ألا يوجد عدم توازن في هذه الصفات. # بالإضافة إلى هذه الطبيعة الثلاثية لعالم براكريتي، فإن تجليه منظم وفقا للفئات ~~المختلفة التي تتطلب تمييزا تحليليا من أجل التغلب على المعاناة. وأولى هذه الفئات ~~هي «بودي»، وتؤدي كلا من دور «إرادة» الفرد، ودور ملكة التمييز؛ فهي التي سوف ~~«تتيقن على نحو انتقائي من أشياء حسية معينة» في أثناء السعي للتحرر، وتميز ~~البوروشا في نهاية الأمر. والفئة التالية هي «أهانكارا»، ومعناها الحرفي «الصانع ~~الذاتي». إنها الذات، تلك الذات التي عندما تكون جاهلة ببوروشا تعتقد على نحو خاطئ ~~أنها الذات الواعية للفرد. وبعد هاتين الفئتين الكبيرتين يأتي العقل، كفئة في حد ~~ذاته، متبوعا بسلسلة من «المجموعات»: الأعضاء الحسية (العين، الأذن، الأنف، اللسان، ~~الجلد)، وأعضاء الفعل (الصوت، اليدين، القدمين، أعضاء الإخراج، أعضاء التناسل)، ~~و«العناصر الدقيقة» (الصوت، الملمس، الشكل، الطعم، الرائحة)، و«العناصر الضخمة» ~~(الفضاء، الرياح، النار، الماء، الأرض). # إن «عد» («سانكيا») هذه الفئات يوضح كيف أن البشر المكونين من براكريتي (عالم ~~ظاهر) غير واع يعتقدون أنهم واعون، ويوضح أيضا كيف يحدث التمييز داخل تلك الحالة ~~غير الواعية. والصانع الذاتي هو المكون الذي يجعلنا نعتقد أننا واعون؛ فمن الناحية ~~الظواهرية نشعر بهذا الصانع الذاتي كما لو كان هو مفكر الأفكار، وفاعل الأفعال، ~~والفاعل المستقل في هذا العالم التجريبي. ورغم ذلك، فإن ms096 هذا الصانع الذاتي مغلف في ~~براكريتي، وهذا الصانع الذاتي يعمل كما لو كان غمامة على العين تحجب عنا رؤية الحالة ~~الحقيقية. وينجذب بودي، الذي يمثل إرادة الفرد وملكة التمييز لديه، نحو الصانع ~~الذاتي القوي بصفته محل تركيز الحياة التجريبية للفرد، ذلك الصانع الذاتي البعيد ~~تماما عن ذات البوروشا الموجودة دائما لكنها خاملة. وسيتطلب الأمر تضافر جهود ~~ملكات الفرد (ويعتقد أن هذا سيكون على مدار الكثير من الحيوات) لإعادة توجيه اتجاه ~~الأنشطة التمييزية للبودي. وينص «سانكيا كاريكا» في مرات عديدة على أن الهدف ~~المتأصل للنظام بأكمله هو السعي إلى تمييز بوروشا. إلا أن هذا الأمر يتطلب التغلب ~~على التأثير والمشتتات الناجمين عن الصفات غير المتوازنة، لا سيما سيطرة الشغف أو ~~الجمود. وهذه الأمور تسبب كل أنواع الجهل والنقصان والتعلق والخنوع. ورغم ذلك، ففي ~~نهاية المطاف من الممكن أن يحرر بودي الفرد نفسه من التعلق بتقلبات الحياة المتكررة ~~على نحو كاف لأن يدرك أن ما يخلقه الصانع الذاتي هو مجرد ذات مزيفة أو ذات أقل ~~شأنا، وأن الذات الحقيقية هي بوروشا، تلك الذات المنفصلة التي تنتظر في صمت أن تسنح ~~الفرصة. وهذا الإدراك يحقق انفصال بوروشا عن براكريتي ويحرر الفرد من الميلاد ~~المتكرر. # ونظرا لأن براكريتي يتصف بأنه أدنى شأنا من بوروشا، وحيث إن مفهوم الصانع الذاتي ~~عن الذات يتسم بالضلال؛ فإنه مكتوب في «سانكيا كاريكا» حقيقة تتمثل في أن: «لا شيء ~~مقيد؛ ولا أحد يولد مرة أخرى، ولا أحد يتحرر» (سانكيا كاريكا، المجلد 5). والسبب في ~~ذلك هو أن براكريتي فقط هو من يخضع للتجربة المتكررة، وأن «ذوات» براكريتي الواعية إنما ~~هي متوهمة، وفي واقع الأمر فميلاد مثل هؤلاء «الأفراد» لا يمثل ميلادا متكررا ~~لذوات حقيقية؛ فذوات بوروشا تشهد فحسب. # ولا يقدم «سانكيا كاريكا» أية منهجية مفصلة لتحقيق ذلك التمييز. وثمة ذكر ~~للحاجة إلى ممارسة التفكير السليم والدراسة السليمة، والحصول على التعليمات المناسبة، ~~بالإضافة إلى الصفات الأخلاقية المثالية (سانكيا كاريكا، المجلد 5). وبدلا من ذلك ~~المنهج، يقدم ذلك النظام الفكري هيكلا متوافقا مع ms097 ممارسة التمارين التأملية الخاصة ~~باليوجا الكلاسيكية؛ فالمصطلحات المختلفة التي تستخدمها سانكيا للإشارة إلى الأوهام ~~المشتتة عن إدراك الذات الحقيقية يمكن أن نراها بلا صعوبة في الجزء الذي يتحدث عن ~~«أنشطة العقل» في «سوترات اليوجا». # تعقيب على براكريتي # ما يدعو للتساؤل هو ما إذا كان تجلي براكريتي الموصوف في «سانكيا كاريكا» يمكن أن ~~يفهم على نحو مشروع باعتباره تجليا لعالم حقيقي ومتعدد، كما نراه في أغلب الأحيان. ~~وقد اخترت ألا أترجم كلمة براكريتي في هذا الكتاب، لكن الترجمات الشائعة لهذه الكلمة ~~تشمل كلا من: «الطبيعة» و«المادة» ~~(بافتراض أنها تقف على النقيض من بوروشا التي تمثل «الروح» أو «الوعي»). وتشمل فئات ~~التجلي كل العناصر الكلية التي ترتبط عادة بالمادة، ولا تستثني أي شيء يمكن أن ~~يربطه المرء بالعالم التجريبي المحيط بنا. إلا أن الترتيب الذي يحدث به هذا التجلي ~~يعد مناقضا لما يمكن للمرء توقعه إذا كان ذلك التجلي هو العالم التجريبي المأهول ~~بأفراد بالمعنى الواقعي والتعددي، كما هو موصوف. وفي نص «سانكيا كاريكا» تأتي الملكات ~~المعرفية أولا، ومن الصانع الذاتي تنبع تباعا سمات العالم الطبيعي. علاوة على ذلك، ~~فإن الصفات الثلاث التي يتكون منها كل شيء - الخير، والطاقة أو الشغف، والجمود - هي ~~صفات يمكن أن تعتبر إلى حد كبير صفات نفسية أكثر منها صفات مادية؛ ولذلك يتساءل ~~المرء إذا ما كان ما تصفه السوترات هو عالما يعتمد على الإدراك - «عالم التجربة» ~~الشخصية لكل فرد - كما هو موصوف في سياق التعاليم البوذية القديمة المذكورة في الفصل ~~الثالث. إن تفسير سوترات «سانكيا كاريكا» على هذا النحو قد يسبب إشكالا في سياق ~~الثنائية الوجودية التي تقول بها سانكيا - بالتأكيد لأن الثنائية مفهومة على نحو ~~تقليدي تماما مثل وجهة النظر المعروفة في سوترات سانكيا كاريكا باسم ساتكاريا (التي ~~تقول إن النتيجة موجودة مسبقا في المسبب) - ذلك لأن الثنائية الوجودية في هذا الصدد ~~تفهم عادة على أنها تحول براكريتي بصفته مادة. بيد أن هذا التفسير قد يكون ~~ملائما على نحو جيد للمشكلة الوجودية البشرية الموضحة، ومع ms098 الهدف الخلاصي المذكور ~~في النص، كما أن توافق هذا التفسير مع طريقة اليوجا الكلاسيكية لن يتأثر. ومن الممكن أن ~~يكون أصل غموض النص فيما يتعلق بهذا الموضوع يكمن في تقليد سانكيا الطويل القديم الذي ~~لا نعلم عنه سوى القليل. # الفصل الثامن # | الكلمة والكتاب # بهارتريهاري، وميمانسا، وفيدانتا # من القرن الرابع قبل الميلاد فصاعدا، أكمل ~~المفكرون البرهميون التقليديون تراث أعمال القواعد اللغوية والتأويلية لمجموعة نصوص ~~الفيدا التي وضعها شخصيات مثل بانيني وباتانياجالي، وجايميني، وبادارايانا. ومع تطور فروع ~~مختلفة من الفكر الهندي، سعى كثير من هذه الفروع إلى الحفاظ على هيمنة الممارسات والنظرات ~~العالمية شديدة التقليدية - سواء كان هدفها الأساسي هو طقوس وواقعية الكارما كاندا (القسم ~~الفعلي) من الفيدا، أو كان هدفها هو المعرفة والجوهرية الكونية التي تقول بها كتابات ~~الأوبانيشاد، التي مثلت كلا من نهاية الفيدا (فيدانتا) وجنيانا كاندا (القسم المعرفي ~~منها). ورغم ذلك، لم يقدم أسلوب نحوي جديد ومختلف على نحو مميز إلا في القرن ~~الخامس الميلادي، وأيضا تأسست في وقت لاحق أهم فروع الدارشانات الفلسفية وهما ميمانسا ~~وفيدانتا. ومع مرور الوقت، ضمت كل من دارشانا ميمانسا ودارشانا فيدانتا تحت مظلتهما بعض ~~التطورات المميزة التي قدمها مختلف المفكرين المهمين في تراثيهما، بالإضافة إلى أفكار تلك ~~الشخصيات الرئيسية المذكورة فيما يلي. # بهارتريهاري، النحو مرة أخرى # خلال القرن الخامس الميلادي، قدم النحوي بهارتريهاري وجهة نظر تمثلت في أن فهم ~~العلاقة بين اللغة السنسكريتية الكلاسيكية وبين الواقع ليس فقط طريقة للدفاع عن ~~المبادئ الأساسية - يقصد في حالته هذه صحة الفيدا والعالم الذي تمثله - لكنه أيضا ~~طريقة لاكتساب البصيرة المحررة. ورأى بهارتريهاري في الجمع بين هذين العاملين أن النحو ~~ودراسة اللغة هما أسمى الأنشطة الدينية الفلسفية كلها، وزعم أنه من خلال فهم طريقة ~~ارتباط اللغة السنسكريتية بالعالم الظاهر، من خلال الألفاظ الفيدية، يمكن للمرء التوصل ~~إلى معرفة المطلق الشامل (براهمان)؛ فاللغة نفسها، بالمعنى الواقعي للغاية، هي صوت ~~الحقيقة. # تأريخ زمني # عام 2000 قبل الميلاد تقريبا: # التقليد ~~القرباني الفيدي. # 800-500 قبل الميلاد تقريبا: # كتابات ~~الأوبانيشاد القديمة. ms099 # بحلول عام 500 قبل الميلاد: # وجود الفرع ~~الشعائري والفرع المعرفي من التقليد البرهمي جنبا إلى جنب. # مجتمع القرن الخامس قبل الميلاد: # معتنقو ~~التقليد البرهمي والمارقون منه. # 485-405 قبل الميلاد تقريبا: # فترة حياة ~~بوذا. # من القرن الرابع إلى القرن الثاني قبل ~~الميلاد: # النحويون والمؤولون الأوائل. # من القرن الثالث إلى القرن الثاني قبل ~~الميلاد: # فايشيشيكا ونيايا. # من القرن الرابع إلى القرن الأول قبل ~~الميلاد: # ظهور مدارس بوذية مختلفة. # من القرن الثالث قبل الميلاد إلى القرن الثاني ~~الميلادي: # تطور في الأبهيدارما البوذية. # من القرن الأول قبل الميلاد إلى القرن الأول ~~الميلادي: # بوذية الماهايانا وسوترات «كمال الحكمة». # القرن الثاني الميلادي تقريبا: # فلسفة ~~«مادياماكا كاريكا» لصاحبها ناجارجونا. # القرن الرابع الميلادي تقريبا: # المدرسة ~~البوذية شيتاماترا/يوجاكارا. # القرن الثالث الميلادي: ~~«سوترات اليوجا» ~~الخاصة باليوجا الكلاسيكية. # من القرن الرابع إلى القرن الخامس ~~الميلادي: # إيشفاراكريشنا يدون الوجودية الثنائية لفلسفة ~~سانكيا الكلاسيكية. # القرن الخامس الميلادي: # النحوي بارتريهاري ~~يطور دارشانا تقليدية إلى جانب نشاطه الفلسفي المتمثل في التحليل اللغوي. ~~وصرح بارتريهاري أن فهم دور اللغة يؤدي إلى معرفة البراهمان المحررة، ~~وهذا هو جوهر الكون الموحد. # القرن السابع الميلادي: # ازدهار تقليد ~~ميمانسا الذي يتكون من تأويلات الكارما كاندا (الجزء الفعلي) من نصوص الفيدا. ~~والمكونات الرئيسية للتقليد تضم كوماريلا وبرابهاكارا. # القرن الثامن الميلادي: # مدرسة أدفايتا ~~فيدانتا لصاحبها شانكارا، وتقوم هذه المدرسة على التأويلات «غير الثنائية» ~~(أدفايتا) لكتابات الأوبانيشاد، «نهاية الفيدا» (والقسم المعرفي منها) المعروف ~~باسم جنيانا كاندا. # القرن الحادي عشر الميلادي: # مدرسة ~~فيشيشتادفايتا فيدانتا، «عدم ثنائية محدودة»، تقوم أيضا على تأويلات لكتابات ~~الأوبانيشاد. # كان بهارتريهاري يعمل في وقت كان فيه الشاغل الأساسي للنحويين هو تحليل طبيعة مكونات ~~الجملة بوصفها وسيلة تكتسب من خلالها المعرفة. ووفقا لبهارتريهاري، فإن الجملة ~~الكاملة تتضمن وحدة معنى؛ فنطق الجملة ينقل على الفور معرفة صحيحة على نحو لا ~~تستطيع فعله الكلمات والعبارات المستقلة؛ فتلك الكلمات والعبارات تنقل فحسب أجزاء ~~جزئية وغير كاملة من المعرفة، وتلك الأجزاء سهلة التحريف ومخادعة. علاوة على ذلك، ~~فنظرا لأن المعنى والكلمات موحدان في الطريقة التي ms100 نفهمهما بها من خلال الجمل؛ فلا ~~يمكن أن توجد معرفة إلا من خلال اللغة؛ فمعرفة أحد الأمور تعني معرفته بالطريقة التي ~~تعبر بها اللغة عنه؛ ومن ثم يمكن رؤية أن الحقيقة نفسها قابلة للمعرفة من خلال ~~فهم طريقة التعبير عنها في الجمل، بل طريقة التعبير عنها في جملة واحدة. وقال ~~بهارتريهاري إنه على الرغم من أن المرء يستطيع تقسيم اللغة إلى وحدات تتكون من جمل ~~ومن الأجزاء المكونة لتلك الجمل، بغرض تحليلها نحويا، فإن اللغة في واقع الأمر، ~~بصفتها صوت الكون، هي في حد ذاتها مستمرة وغير قابلة للتقسيم. وفي هذا الصدد فإنه ~~يستنتج ما يرى أنه نتيجة منطقية للنظرة الفيدية التي ترى أن الكون يستمر على نحو ~~فعال من خلال الأصوات المنطوقة في الطقوس المرتبطة ~~بالقربان. ويقول إن التبصر في هذا «الصوت الواحدي» («شابدا براهمان») هو الهدف الذي ~~يجب أن يسعى المرء لتحقيقه. # ذلك الواحد، المقسم بطرق مختلفة بسبب اختلافات البناء؛ إنه البراهمان، ~~الواحد الأعلى، الذي يعرف عندما يكتسب المرء فهم النحو. # أطروحة «فاكياباديا» لبهارتريهاري، المجلد 1 # ونظرا لأن تعاليم بهارتريهاري سعت لفهم طريقة توافق اللغة مع الواقع، فقد كانت ~~محط اهتمام جاد من قبل علماء المنطق البوذيين، لا سيما ديناجا. واختلفت النظرة ~~الكونية التي يتعامل بها كل منهما مع جدل اللغة والواقع؛ وكانت وجهة نظر بهارتريهاري ~~تتضمن فكرة أن الكون يستمد بقاءه من الطقوس الفيدية، بينما كان يعتقد البوذيون أن ~~البناء اللفظي يخلد عالم الجهل والاستمرارية المتكررة. وعلى الرغم من اختلاف رؤية ~~التعامل، فإن موضوع الجدل نفسه ظل واحدا بالنسبة لكلا الجانبين، وما يمكن أن نطلق ~~عليه توحيد بهارتريهاري للنشاط الصوتي للطقوس الفيدية مع الواحدية الظاهرية لكتابات ~~الأوبانيشاد جعله شخصية مهمة في التقليد البرهمي، ذلك التقليد الذي مال إلى الفصل بين ~~المدرستين الفكريتين وبين الممارسة نفسها. وعلى الرغم من أنه لا أحد من مفكري ميمانسا ~~أو مفكري فيدانتا تبنى آراءه على نحو كامل، فإن كلتا المدرستين تشتركان معه في عدة ~~نقاط، وبعض مفكري ميمانسا المتأخرين على وجه الخصوص ms101 تأثروا بما قاله بهارتريهاري عن ~~النتائج الوجودية للطريقة التي تعمل بها اللغة. # ميمانسا: فلسفة الطقوس # بالنسبة لمفكري ميمانسا أمثال كوماريلا وبرابهاكارا، وهما مؤولان لنصوص الطقوس ~~الفيدية أكثر من كونهما نحويين، كان الهدف الأساسي من عملهم هو الفهم الصحيح لطبيعة ~~الطقوس ، لا سيما أوامر القربان. وفي الواقع، كان من الضروري بالنسبة للأتباع المتعصبين ~~أن يفهموا طبيعة الطقوس؛ حيث كان هذا جانبا أساسيا في «سفا دارما» خاصتهم ~~(«واجبهم»)؛ لأن دراسة الفيدا هي جزء أساسي من النظام لضمان توريثه عبر الأجيال. وقبل ~~مفكرو ميمانسا، كحقيقة مسلم بها، فكرة التعددية الواقعية للعالم من حولنا الذي فيه ~~يؤدى القربان، واعتبروا القربان وسيلة للحفاظ على استمرارية ذلك العالم. وعلى نحو ~~أكثر تحديدا، كان القربان وسيلة للحفاظ على استمرارية الدارما؛ أي الطريقة التي ينبغي ~~أن تكون عليها الأشياء؛ فهذا كان الهدف الأساسي لأوامر طقوس القربان. ونظرا لأن ~~الأوامر نفسها كانت موجودة في النصوص التي تمثل حقيقة أبدية، فقد اعتبرت صحيحة ~~لذاتها، واعتبرت جزءا جوهريا من الدارما بكل متعلقاتها، إن جاز التعبير. # وفي محاولة لفهم طبيعة الطقوس على نحو أكثر فلسفية، وجد مفكرو ميمانسا المتأخرون ~~(الذين جاءوا بعد جايميني) أن أعمال النحويين التقليديين وثيقة الصلة على نحو قاطع ~~بالطريقة التي ترتبط بها اللغة بطبيعة العالم، ورأوا أن نطق إحدى الكلمات يدل على ~~وجود الشيء الذي تشير إليه، وساعدهم هذا الاعتقاد؛ لأنهم سعوا إلى إظهار حقيقة وطبيعة ~~العالم المتعدد، ذلك العالم الذي ضم تعددية «ذوات» مستقلة وذاتية متمثلة في ~~الأشخاص الذين يؤدون القربان. وأنكروا مزاعم الواحدية التي قدمها مؤولو كتابات ~~الأوبانيشاد القدماء، متعللين بأن تلك المزاعم فشلت في مراعاة خصائص الأفراد وعاداتهم ~~الغريبة فضلا عن الجهل والشر والفضيلة لديهم، كما قالوا إن أوامر كتابات الأوبانيشاد ~~التي تحض على معرفة المرء لذاته لم يكن هدفها التحرر، بل كان تحسين أداء الطقوس ~~الفيدية. وبالمثل، فقد أنكروا موقف فلسفة سانكيا القائل بالذوات الخاملة التي «تضيع» ~~هويتها عند اتحادها ببراكريتي، وبدلا من ذلك قال مفكرو ميمانسا إن طبيعة الذات تتمثل ~~في أنها فاعلة ms102 واعية (ولذلك فإنها مؤدية طقوس نشطة). وكما قال كوماريلا في تفسيره ~~المعروف باسم «شلوكافارتيكا»: «إن الأمر الذي ينص على أن من واجب المرء فهم ذاته لا ~~يهدف إلى تحرير المرء؛ فمعرفة المرء لذاته هدفها الواضح هو تحفيز أداء الطقوس.» # التعددية والواقعية: نظرة أخرى على الفئات # دافع مفكرو ميمانسا أيضا عن تعددية ~~وواقعية العالم من خلال تأكيد طبيعة سماتهما، وفعلوا ذلك بطريقة مماثلة للتحليلات التي ~~قام بها مفكرو فايشيشيكا والتصنيف الفئوي الذي أجروه، كما وصفنا في الفصل الخامس. ~~وقبل مفكرو ميمانسا الفئات الخمس التي تمثلت في: المادة، والصفة، والفعل، والخصائص ~~العامة، والغياب. وأضافوا إلى الأنواع التسعة للمادة التي حددها مفكرو فايشيشيكا ~~(الأرض، الماء، النار، الهواء، الأثير، المكان، الزمان، الذات، العقل) كلا من الظلام ~~والصوت. وخضعت العلاقة بين المادة والصفات والفئات الأخرى إلى تحليل أسفر عما يسمى ~~مبدأ «الهوية في الاختلاف»؛ فعند اجتماع فئتين معا، مثل اجتماع فئة اللون ممثلة في ~~الأحمر وفئة المادة ممثلة في هيئة الزهرة، فإنهما تختلفان فقط في قدر إسهام كل ~~منهما في الهوية المتمثلة في الزهرة، فلا يمكن أن توجد الفئتان على نحو منفصل. وفي ~~الواقع، لا شيء من الأمور القابلة للإدراك يمكن وصفه بأنه مختلف تماما أو متطابق ~~تماما، بل إن كل الأشياء إما أنها مختلفة من حيث علاقتها بعضها ببعض، أو أنها متطابقة ~~بعضها مع بعض رغم انتمائها لفئات مختلفة. وكل الأشياء التي ندركها تتضمن مبدأ «الهوية ~~في الاختلاف» المتعلق بالجوانب المتعددة للفئات المندمجة في هذا الشيء. # النظرية المعرفية (الإبستيمولوجية) لمفكري ميمانسا # بالنسبة لمفكري ميمانسا، مثل الإدراك وسيلة معرفة صحيحة وموثوقة في حد ~~ذاتها للعالم المحيط بنا و«لذواتنا» كأفراد عارفين. وفعل المعرفة «يكشف» ~~الوجود الخارجي «الواقعي على نحو متسام» لكل من المعروف والعارف؛ وهذا يعني ~~أنه لا أحد منهما يعتمد بأية طريقة على عمل العملية الإدراكية. وبدلا من ذلك، ~~فإن المعرفة تحقق حالة «معلومية» للشيء المعلوم، وتؤكد وجود العارف ~~المستقل؛ ولذلك فإن عملية المعرفة تكشف «الحقيقة»، وفي هذه الحالة تؤكد رؤية ~~العالم الخاصة بالفيدا الأبدية. ms103 # وتبنى مفكرو ميمانسا أيضا نظرية أخرى تقضي بأن كل المواد يمكن اختزالها إلى ~~جزيئات ذرية. لكن على النقيض من الذرات المجهرية التي قال بها مفكرو فايشيشيكا، تلك ~~الذرات التي كان من غير الممكن إدراكها على حدة ويعرف وجودها فقط من خلال الاستنباط، ~~فقد أولى مفكرو ميمانسا أولوية كبرى للاعتماد على الإدراك، واعتقدوا أن الذرات ليست ~~أصغر مما يمكن رؤيته بالعين المجردة، مثل ذرة الغبار في شعاع الشمس. وعلى هذا النحو، ~~فقد تمسكوا بنظرة للواقع تعتمد بقوة على الحس العام، وهذه السمة يؤكدها قبولهم ~~للإدراك في حد ذاته كوسيلة مشروعة وموثوقة في حد ذاتها لاكتساب المعرفة المتعلقة ~~بالعالم، ذلك العالم الخارجي والمستقل عن ذلك الإدراك، فالمعروف موجود، والمدركات يجب ~~أن تفهم باعتبارها أفعالا تنتج صفة المعلومية في أشيائها، وبذلك تكشف أفعال المعرفة ~~حقيقة العالم التعددي فقط بموجب حدوثها. # الفيدا حقيقية # لم تكن هذه النظرية المعرفية تتطلب ضرورة إثبات صحة الإدراك - على غرار المنهج ~~المتبع من قبل الآخرين، الذين كان أبرزهم البوذيون - بل كانت تقضي بضرورة إثبات ~~زيف ذلك الإدراك عند خضوعه للتشكيك من قبل أحد الخصوم. وهذه النظرية وضعت مفكري ~~ميمانسا في موقف قوي فيما يتعلق بصحة كتابات الفيدا وتعاليم الطقوس التي سعوا ~~للدفاع عنها. وبالمثل فقد ثبتت صحة موقف المؤدين للقربان؛ حيث قيل إن فعل المعرفة ~~يوضح وجود الذات الأبدية بصفتها عارفة بالعالم التجريبي، وهذا يعني أنه ليس فقط ~~إدراك أداة القربان هو ما يكشف الوجود المستقل لهذه الأداة، بل إن ذلك الإدراك أيضا ~~يكشف وجود الشخص المدرك؛ حيث إن الإدراك المتمثل في جملة «أنا أعرف س» هو الوسيلة ~~التي من خلالها يعرف أن كلا من س والذات لديهما وجود مستقل. # وكانت هاتان النقطتان الأخريان المرتبطتان إحداهما بالأخرى - ~~إثبات الذات وإثبات العالم من خلال الإدراك ~~- تحتلان أهمية كبرى لدى مفكري ميمانسا؛ نظرا لاعتقادهم أن الفيدا كانت حقيقة ~~أبدية مجسدة في اللغة. وتمسكوا بالرؤية التقليدية القائلة إن الفيدا ليس لها ~~مؤلف، وبدلا من الاعتقاد بوجود مؤلف، اعتقدوا أن الفيدا حقيقة ذاتية ms104 الوجود، وأن ~~معرفتها هي عملية كشف لصحتها؛ لأن الإدراك في حد ذاته موثوق على الإطلاق. وعلى غرار ~~طبيعة الفيدا بصفتها مجموعة من التعاليم متعلقة بالأفعال الواجب تنفيذها، فإن المعرفة ~~في حد ذاتها نشاط كاشف - والذات، بصفتها عارفة، ترتبط بالعالم الخارجي، بصفته ~~معروفا، من خلال مثل هذه الأفعال الإدراكية. وبالإضافة إلى إثبات صحة الفيدا، فقد سعى ~~هذا الموقف إلى تمييز عارف الفيدا بصفته وسيلة الحفاظ على ديمومة الواقع؛ ذلك الزعم ~~الذي طالما كان ذا أهمية حاسمة بالنسبة لهذا التقليد الأصيل. # عدم الثنائية في فكر شانكارا # أما المفكرون الأصوليون الآخرون، ~~الذين اتبعوا منهج بادارايانا واستعانوا بتلخيصه لكتابات الأوبانيشاد في «براهما ~~سوترا»؛ فقد رأوا تعاليم الفيدا في سياق ضرورة اكتساب المعرفة المتعلقة بجوهر ~~الكون، براهمان، بدلا من أداء طقوس القرابين. ويوجد دليل على سلالة طويلة من هؤلاء ~~المفكرين الذين يطلق عليهم المفكرون «الفيدانتيون» (كتابات الأوبانيشاد هي فيدانتا، أو ~~«نهاية الفيدا»). إلا أن أكثرهم تأثيرا كان شانكارا، الذي عاش في القرن الثامن ~~الميلادي، وجمع فكر فيدانتا على نحو منظم بقدر يكفي للاشتراك في الجدل الهجومي ~~الجاد ضد الآخرين. وكان أبرز أعمال شانكارا تعليقه على «براهما سوترا» لصاحبها ~~بادارايانا، مفسرا ما رأى أنه تأويل قاطع لرسالة الأوبانيشاد. أما أهم أعماله التي لا ~~تنتمي لفئة التعليقات فهو «أوباديشا ساهاسري»؛ أي «التعاليم الألف». واستخدم شانكارا ~~«براهما سوترا» وكتابات الأوبانيشاد نفسها و«بهاجافاد جيتا» كثلاثة نصوص رئيسية، وسعى ~~هذا العمل التأويلي إلى تقديم تعاليم هذه المصادر الثلاثة في هيئة موحدة، يطلق عليها ~~«الأساس الثلاثي» للحقيقة المكشوفة. # ولفهم موقف شانكارا من أدفايتا ~~فيدانتا، ذلك التفسير «غير المثنوي» للوجودية المعبر عنها على نحو أساسي في كتابات ~~الأوبانيشاد، يمكن أن تكون نقطة انطلاقنا هي هذه الفقرة من «تشاندوجيا أوبانيشاد»، التي ~~تقول: # في البداية، كان هذا الكون مجرد وجود [أي براهمان] - واحد فقط، دون ثان - ~~وقال لنفسه: «لأصبح متعددا؛ لأضاعف نفسي.» ~~«تشاندوجيا أوبانيشاد»، المجلد 6 # بالإضافة إلى: # من خلال قطعة صلصال واحدة فحسب، يمكن معرفة كل شيء مصنوع من الصلصال؛ فأية ~~تعديلات هي ms105 مجرد فروق لفظية، أسماء؛ فالحقيقة هي فقط الصلصال. ~~«تشاندوجيا أوبانيشاد»، المجلد 6 # هاتان الفقرتان تثبتان نقطتين أساسيتين بالنسبة لشانكارا؛ أولاهما: وجود كون غير ~~مثنوي، كون واحدي، جوهره البراهمان، وثانيتهما: حقيقة أن كل أشكال التغيير ظاهرية ~~فقط؛ فالبراهمان لا يتغير في واقع الأمر. وهذا النوع من الواحدية هو شكل من أشكال ~~«النتيجة الموجودة مسبقا في المسبب» («ساتكاريافادا») يختلف عما رأيناه في سياق ~~سانكيا في الفصل السابع. وفي هذا الصدد، لا تتضمن النتيجة أية تحولات فعليه في ~~المسبب المادي، لكنه مجرد تجل ظاهر للتعددية. ويطلق على هذا «فيفارتا فادا»: ~~«التجلي» عن طريق المظهر. # ورغم ذلك، بذل شانكارا قصارى جهده ~~لإثبات أن مظهر التعددية لديه حقيقة اصطلاحية حتى وإن لم تكن حقيقية على نحو مطلق. ~~وقدم «نوعين من الحقيقة» - حقيقة اصطلاحية وحقيقة مطلقة - وأثناء فعل ذلك جعل نفسه ~~عرضة لاتهام الآخرين له بأنه «بوذي مستتر». وأنكر شانكارا هذه الاتهامات إنكارا ~~قاطعا، واستنكر مبدأ الخواء ومبدأ عدم الجوهرية اللذين تقول بهما البوذية، وأعلن أن ~~الحقيقة الأساسية للبراهمان، جوهر «تشاندوجيا أوبانيشاد»، هي المادة المكونة للكون. ~~وقال شانكارا إن معرفة البراهمان الموجود هي الهدف التجريبي المطلق للإنسان وليس (فقط) ~~معرفة عدم واقعية العالم التجريبي المؤسس بناء على الإدراك. # عدم ثنائية شانكارا # إن تأويلات «أدفايتا» المتعلقة بمدرسة أدفايتا فيدانتا لصاحبها شانكارا ~~تمثل تفسيرا لكتابات الأوبانيشاد، ذلك التفسير الذي يقدم وجودية «غير ~~ثنائية» أو وجودية واحدية؛ فكل شيء براهمان، ومن هذا المنطلق فإن ذات المرء، ~~أتمان، هي أيضا براهمان. ومن هنا جاء التعبير الشهير: «أتمان هي براهمان.» ~~وبالنسبة لشانكارا، فإن براهمان هو جوهر مطلق غير متغير. وكل أشكال التعددية ~~هي ظاهرية فحسب، وليست فعلية. ورغم ذلك، فهذا لا يعني أنه من الصحيح قول إن ~~تعددية العالم التجريبي هي تعددية غير واقعية أو غير موجودة على الإطلاق، بل ~~هي واقعية «تقليدية» فحسب. ومن التشبيهات شائعة الاقتباس ذلك التشبيه المتعلق ~~برؤية ثعبان في حين أنه حبل ملفوف في واقع الأمر. إن الرؤية المزيفة «حقيقية» ~~بالنسبة لنا عند حدوثها، ولها آثار ms106 «حقيقية» علينا، إلا أن الحبل الملفوف ظل ~~كما هو لم يتغير، ويمكن إدراكه على النحو «الأكثر واقعية» عند إدراك طبيعة ~~الإدراك الزائف. ويوجد تشبيه آخر مرتبط على نحو أكثر تحديدا بالذات باعتبارها ~~جزءا من البراهمان غير المتغير، وهذا التشبيه على النحو التالي: ~~... إن فكرة أن الذات تتعرض للميلاد المتكرر والتغيير تشابه ~~التجربة «الزائفة» التي يشهدها المرء عند الانتقال عبر النهر في قارب ~~ويعتقد أن الأشجار الموجودة على الضفة تتحرك. ومثلما تبدو الأشجار ~~متحركة على الجانب المقابل للشخص الموجود في القارب، يبدو أن الذات ~~أيضا تولد مرات متكررة. ~~«أوباديشا ساهاسري»، المجلد 5 # وانتقد شانكارا بشدة ثنائية سانكيا، واصفا إياها بالزائفة، واستطرد قائلا إن ~~الواقعية التعددية التي قال بها مفكرو نيايا وميمانسا نشأت عن اعتقادهم على نحو خاطئ ~~أن التعددية التقليدية هي الحقيقة المطلقة. علاوة على ذلك، فإن كل هذه المواقف الخاطئة ~~تتعارض مع التفسير الصحيح للأوبانيشاد (أي تفسير شانكارا)؛ وأيا كانت الحجج التي قد ~~يسوقها الآخرون دعما لموقفهم، سواء كانت منطقية أو غير منطقية، فكلها تصبح غير صحيحة ~~في مواجهة تفسير شانكارا لكتابات الأوبانيشاد. # دعما لعدم ثنائية شانكارا # الذات (أتمان)، هي حقا هذا العالم كله. ~~«تشاندوجيا أوبانيشاد»، المجلد 7 # براهمان حقا هو هذا العالم كله، هذا المدى الأوسع. ~~«مونداكا أوبانيشاد»، المجلد 2 # يجب ألا يشكك المرء اعتمادا على قوة المنطق فحسب في أحد الأمور اللازم ~~تأكيدها من كتابات الفيدا. ~~«بهاشيا براهما سوترا لصاحبها شانكارا»، المجلد 2 # ويرى شانكارا أن تجربة الحقيقة التقليدية تنشأ بسبب الجهل بالطبيعة الحقيقية للحقيقة ~~المطلقة؛ فليس براهمان غير المتغير هو مصدر وسبب التعددية التجريبية بل الجهل. والتغلب ~~على الجهل واكتساب معرفة هوية الذات الجوهرية للمرء (أتمان) والجوهر الشامل (براهمان) ~~يؤديان إلى التحرر من دائرة الميلاد المتكرر الناشئة عن الجهل. وعن سؤال: «من أين يأتي ~~الجهل إذا كان كل شيء براهمان؟» يقول شانكارا إنه من ناحية المعرفة لا يوجد شيء اسمه ~~جهل كي نسأل عن مصدره؛ فالمعرفة في حد ذاتها «تلغي» كل الأفكار المتعلقة بالجهل، ومن ~~ناحية الجهل، ms107 فلا يمكن الإجابة عن السؤال؛ لأن فكرة بداية الجهل تصبح مطروحة وذات معنى ~~فقط من خلال الجهل نفسه. # شكل : جزء مقتطف من «أوباديشا ساهاسري» لشانكارا، يعود تاريخه لعام 1636 ~~ميلاديا. # ويحظى العالم التقليدي بأهمية بالغة لدى شانكارا لسببين؛ أولا: في هذا المستوى تكشف ~~الفيدا الحقيقة الأبدية، وثانيا: في هذا المستوى يمكن للمرء أن يسعى لاكتساب البصيرة ~~المحررة. وعلى نحو مشابه، وإن كان أكثر توضيحا من الناحية العملية، لتشبيهات الحبل ~~والثعبان وضفة النهر التي قدمها شانكارا (انظر المربع التالي)، فإن مفكري أدفايتا ~~فيدانتا المعاصرين يفسرون ذلك العالم التقليدي على النحو التالي: افترض أنك تحلم بأنك ~~مطارد من قبل نمر آكل للبشر، وأنك في خوف شديد وتجري لتنجو بحياتك. وأثناء شعورك ~~بما يبدو خوفا حقيقيا للغاية سوف يخضع جسمك لكل أنواع التغيرات الفسيولوجية بما فيها ~~زيادة نبضات القلب والتعرق، وبعد ذلك، في أثناء حلمك سيأتي أحد أصدقائك غير المطاردين ~~ويطلق النار على النمر ويقتله، وسوف يوقظك صوت الطلقة في الحلم، وعند هذه النقطة سوف ~~تدرك أن مستوى الواقعية في الحلم ليس على مستوى واقعية حالة اليقظة. ورغم ذلك، فإن ~~التجربة على صعيد المطاردة وعلى صعيد التحرر من المطاردة نابعة في الحالتين من مستوى ~~«أقل واقعية». # مايا - الوهم - ومستويا الحقيقة لدى شانكارا # يستخدم مصطلح «مايا» في بعض الأحيان في سياق أدفايتا فيدانتا على نحو يشير ~~إلى أن الحقيقة الاصطلاحية «غير حقيقية» أو «وهمية». وعلى الرغم من أن بعض ~~مفكري أدفايتا استخدموا هذا المصطلح، فإن شانكارا لم يستخدمه، وبدلا من ~~استخدام هذا المصطلح، افترض شانكارا وجود «مستويين من الحقيقة»؛ أحدهما مطلق ~~والآخر اصطلاحي. والحقيقة الاصطلاحية هي نتيجة الجهل، «أفيديا». وهذا يعني أن ~~العالم الذي نعيش فيه ونحن جهلاء هو عالم «حقيقي» عند هذا المستوى، لكن عندما ~~تحل المعرفة محل الجهل، فإننا نرى أن الحقيقة تختلف عن العالم ~~الاصطلاحي. # وبلغة كتابات الأوبانيشاد - إذ ينبغي أن نتذكر دائما أن شانكارا كان ~~مؤولا في المقام الأول - فإن الحقيقة الاصطلاحية هي «براهمان ذو صفات» ~~(«ساجونا براهمان») والحقيقة المطلقة ms108 هي «براهمان بلا صفات» («نيرجونا ~~براهمان»). ويوجد هذان التعبيران في كتابات «شفيتاشفاتارا أوبانيشاد». ووفقا ~~لهذه الأوبانيشاد فإنه بالإضافة إلى «البراهمان ذي الصفات»، وكذلك العالم ~~الاصطلاحي، فإنه يوجد إله شخصي. وكثيرا ما تغفل حقيقة أن شانكارا كان مؤمنا ~~بالواحدية؛ فقد كان يعبد إلها شخصيا وفي الوقت نفسه يعتقد بوحدة الوجود في ~~نهاية المطاف. إن افتراض وجود إله شخصي لا يمثل مشكلة كبيرة بالنسبة لشخص ~~يؤمن بالواحدية أكثر مما تمثله له التعددية الموجودة حولنا؛ ففي نهاية ~~المطاف، الإله الشخصي والناس والأشياء كلها براهمان. # إن فلسفة أدفايتا فيدانتا لصاحبها شانكارا هي على الأرجح أشهر «الفلسفات» الهندية؛ ~~فلقد كانت أولى الفلسفات التي صدرت وقدمت إلى الغرب؛ حيث قدمها الممارس ~~الفيدانتي فيفيكاناندا في المجلس العالمي للأديان في شيكاجو في عام 1893 تحت مسمى ~~«الهندوسية»، وأصبحت فيما بعد رائجة في مراكز مختلفة، مثل «بعثات راماكريشنا» في ~~العديد من البلدان الغربية. ومنذ ذلك الحين، اكتسبت شهرة كبيرة في أنحاء العالم، لدرجة ~~أنه ليس الغرباء وحدهم هم الذين لا يدركون في الغالب أنها مجرد واحدة من بين العديد ~~من مدارس الفكر الهندي، بل في بعض الأحيان تروج داخل شبه القارة الهندية نفسها على ~~أنها «التراث الديني الفلسفي التقليدي للهند». # رامانوجا: المؤمن والفيلسوف # في واقع الأمر، يعد فكر رامانوجا، ~~الذي عاش في القرن الحادي عشر الميلادي، أكبر تجسيد للمعتقدات المعاصرة لكثير من ~~الهندوس. وكان رامانوجا عضوا متحمسا في إحدى الطوائف شديدة التعبد تعرف باسم طائفة ~~شري فايشنافا، وكان معبودهم هو الإله الشخصي الممثل في النص المقدس الخاص ~~بالطائفة، ذلك النص الذي يسمى «بهاجافاتا بورانا». إلا أن رامانوجا أراد أيضا تأسيس ~~مكانة أرثوذكسية لطائفته، بموجبها تكتسب الهيمنة على الطوائف الأخرى و«يوثق» بها ~~معتقداته وممارساته الدينية، وسعى لفعل ذلك من خلال مطابقة العقيدة الدينية للنص المقدس ~~«بهاجافاتا بورانا» مع النظرة الوجودية والتعاليم الفلسفية «للأساس الثلاثي» للنصوص ~~المرجعية التي استخدمها شانكارا وهي: «براهما سوترا» لصاحبها بادارايانا، وكتابات ~~الأوبانيشاد، وكتابات «بهاجافاد جيتا». # كان رامانوجا في هذا الصدد ليس مؤولا فحسب، بل كان أيضا ms109 مدافعا عن موقف ديني ~~محدد؛ ولذلك كانت تعاليمه في حاجة إلى التوفيق بين هذين الجانبين لهذا المنهج ~~المتبع. ويعرف نظامه الفكري، الذي يعتبر فرعا من فروع دارشانا فيدانتا في مجملها ~~بسبب الموقف المحوري الذي خصه لكتابات الأوبانيشاد، باسم فيشيشتادفايتا فيدانتا؛ أي ~~فيدانتا غير ثنائية (أدفايتا ) لكنها محدودة («فيشيشتا»). وعلى النقيض من الواحدية ~~المطلقة التي قال بها شانكارا، فإن وحدة براهمان لدى رامانوجا هي وحدة محدودة؛ حيث توجد ~~ضمن هذه الوحدة علاقة بين براهمان بصفته إلها (الواحدية ذات طبيعة إيمانية قوية في ~~أدبيات فيشيشتادفايتا فيدانتا) وبين الذات الفردية بصفتها متعبدا. واعتمادا على مثال ~~الزهرة واللون الأحمر المستخدم من قبل الأسلاف، قال رامانوجا إن من طبيعة البراهمان ~~أن يوجد «محدودا» على النحو التالي: إن مثل الزهرة لحمرتها كمثل البراهمان ~~للذوات الفردية، وكما أن الزهرة لا يمكن أن توجد دون حمرتها (أو دون أي لون آخر)، فإن ~~البراهمان لا يمكن أن يوجد دون الذوات. إن كلا منهما متأصل في الآخر تماما مثل ~~طبيعة البراهمان. علاوة على ذلك، فهذان الجانبان، على الرغم من أنهما ليسا الأمر ~~نفسه على وجه التحديد، لا يختلفان أحدهما عن الآخر، ولم يفصل رامانوجا بينهما فصلا ~~فئويا كما فعل مفكرو فايشيشيكا وميمانسا. وبدلا من ذلك، قال رامانوجا إنهما متلازمان ~~على نحو متأصل وأبدي، على الرغم من أنهما مختلفان أيضا. وهذا هو معنى فيشيشتادفايتا؛ ~~أي «عدم الثنائية المحدودة». # ساتكاريافادا، «النتيجة موجودة مسبقا في المسبب» ~~«ساتكاريافادا» هي نظرية تقول إنه لا شيء يأتي من العدم؛ أي إن «الخلق من ~~العدم» مستحيل. علاوة على ذلك، أي شيء موجود لا بد أن يكون موجودا مسبقا في ~~مسببه المادي؛ لأن المسببات المادية لا تستطيع أن تخلق أي شيء خلافا ~~لما كان موجودا في المقام الأول. ويمكن تفسير هذه النظرية بطرق مختلفة؛ فعلى ~~سبيل المثال، تقول سانكيا إن براكريتي الظاهر موجود مسبقا في براكريتي غير ~~الظاهر، لكنها تقول أيضا إن تعددية البوروشات موجودة أيضا على نحو منفصل ~~عنه. هذه هي ساتكاريافادا مرتبطة بالثنائية الوجودية. أما بالنسبة ms110 لشانكارا، ~~المؤمن بالواحدية المطلقة، فلا شيء ليس براهمان غير متغير، وكل أشكال التجلي ~~والتعددية ما هي إلا مظهر من مظاهر المادة وليس تغيرا في المادة. ويعرف ~~هذا الرأي بنظرية «فيفارتا فادا»؛ أي نظرية التجلي عن طريق «المظهر». وعلى ~~النقيض من النظريتين السابقتين، فإن نظرية ساتكاريافادا لصاحبها رامانوجا على ~~الرغم من أنها تقر بالواحدية مثل نظرية شانكارا، فإنها تقول إن براهمان ~~يحول نفسه في واقع الأمر إلى العالم المتعدد. ويعرف هذا الرأي باسم ~~«باريناما فادا»؛ أي نظرية التجلي عن طريق «التحول». # ومرة أخرى، على النقيض من شانكارا، يرى رامانوجا أن براهمان ليس لديه جانب خال من ~~الصفات، بل إنه كله صفات. والسبب في هذا الموقف يعود جزئيا بلا شك إلى أن ضروريات ~~الطائفة تستلزم التأكيد على صفات مثل الشفقة واللطف وغيرهما، كجوانب في البراهمان. ~~وذكر مثل هذه الصفات وارد في بعض كتابات الأوبانيشاد، وقد ضمها شانكارا في مستوى ~~الإيمان «التقليدي» في إطار واحدية مطلقة للغاية. إلا أن رامانوجا رأى أنها صفات ~~حقيقية ونشطة من النوع المكون منه الكون؛ فالعالم التجريبي هو تحول حقيقي ~~للبراهمان، والصفات والظواهر المتعددة الظاهرة وغيرها كلها من المادة نفسها من الناحية ~~الوجودية. وانتقد رامانوجا بشدة نظرية فيفارتا فادا لصاحبها شانكارا (نظرية التجلي عن ~~طريق المظهر)، وقال إن براهمان في واقع الأمر هو المسبب المادي للعالم التجريبي، وإنه ~~الموصوف في إحدى الفقرات في كتابات «تشاندوجيا أوبانيشاد» على هذا النحو: «لقد فكر في ~~نفسه وقال: لأجعل نفسي متعددا»، وهو التجلي عن طريق التحول المعروف باسم «باريناما ~~فادا». إن براهمان يتغير في واقع الأمر، وهو نشط، ولديه علاقة بالأفراد. # وفقا لرامانوجا، فإن براهمان يمتلك صفات: # إن أولئك الذين يتبنون معتقدا يقوم على أساس عدم التفريق (يشير ~~رامانوجا هنا إلى شانكارا) لا يمكنهم تقديم أي دليل صحيح حول ذلك ~~الاعتقاد؛ لأن كل الأشياء الممكنة معرفتها بوسائل صحيحة يختلف بعضها عن ~~بعض ... ولذلك فالواقع مختلف ولديه صفات ... (وبالمثل) فإن وجهة النظر ~~القائلة إن كل أشكال الاختلاف غير واقعية هي وجهة نظر خاطئة ms111 تماما ... ~~والتعبيرات على شاكلة «تات تفام أسي» (أنت كل ذلك) الواردة في النصوص ~~ليس الهدف منها أن تعني وحدة مادة غير متمايزة، بل الأمر نقيض ذلك؛ ~~فكلمة «أنت» وكلمة «ذلك» توضحان أن براهمان يتسم بالاختلاف. ~~«بهاشيا براهما سوترا» لرامانوجا، المجلد 1 # إن براهمان الأعلى - ذلك النبع الزاخر بصفات واضحة على نحو فائق لا ~~تعد ولا تحصى، ذلك الذي لا تشوبه نقيصة، ويمتلك عالما هائلا لا حدود له ~~يظهر فيه مجده، ذلك الفيض من التعطف فائق الكرم، والجمال والحب المتسامح - ~~هو الكيان الأساسي، والذات هي الكيان التابع. # كتابات «فيدارتهاسانجراها» لرامانوجا، مقتبسة من كتاب ~~«العقيدة الدينية لدى رامانوجا» للمؤلف جون كارمان # منطق المؤولين # كل مؤولي النصوص الفيدية، سواء أكانوا مهتمين في المقام الأول بطبيعة وأفضلية ~~الطقوس أو كانوا مهتمين بتعاليم كتابات الأوبانيشاد، واجهوا مشكلة عدم الاتساق في هذه ~~المجموعة الهائلة من النصوص التي كانوا يعملون على تأويلها. وعلى الرغم من أن ~~المؤولين اعتقدوا أن تلك النصوص سجلات لحقيقة أبدية، فإن مخطوطات الطقوس وأطروحات ~~الأوبانيشاد قد تكونت على مدار فترة كبيرة من الزمن، من الممكن أن تزيد عن الألف سنة؛ ~~ولذلك سيبدو من الغريب ألا تحتوي تلك النصوص على اختلافات كبيرة، بل إن مجرد دراسة ~~خاطفة لهذه النصوص ستؤكد أن الحالة تبدو كذلك بالتأكيد. وهذه الحقيقة سمحت بقبول مناهج ~~تأويل مختلفة، ومنحت تفسيرات مختلفة القدرة على إقناع الآخرين في مناطق مختلفة. كما أن ~~نسب مكانة اليقين المعرفي (من خلال الشهادة) لتلك النصوص على يد كل أمثال هؤلاء ~~المؤولين أدى إلى إظهار جانب مهم يتمثل في أن معظم أفكار الفكر الفلسفي الهندي لا ~~يمكن أن ينفصل عما يمكن تسميته في الغرب الرؤية الدينية للعالم. وفي أغلب الأوقات قدم ~~الآخرون انتقاداتهم من ناحية منطقية، لكن تلك الانتقادات كانت في الغالب تقوم على منطق ~~خاص بنظام فكر معين، وكانت الحجج متوجهة للدفاع عن وجهة نظر تجاه العالم (تعرف باسم ~~دارشانا) ذات أهداف خلاصية في نهاية المطاف. وعلى الرغم من أن الحجج المنطقية المختلفة ~~من الممكن استنباطها ms112 وحذفها من سياق التقليد ككل من أجل المصلحة الفكرية ولأهداف ~~المقارنة بأنماط المنطق الغربي؛ فإن السياق الهندي الكلاسيكي كان واحدا من السياقات ~~التي لم يكن بها مثل هذا النوع من الفصل الرسمي. # | تعقيب من الفكر الكلاسيكي إلى الوقت الحاضر # مثلما حدث مع الأيام الذهبية للفلسفة الإغريقية في فترة ما قبل المسيحية بكل ما تميزت ~~به تلك الفترة من تقليد ثري بالجدل عندما أفل نجمها على مدار القرون التالية؛ وصلت ~~الفترة «الكلاسيكية» للفكر الهندي إلى نهاية تدريجية. وإذا ضممنا المراحل الأولى للتقليد، ~~مثلما فعلت في هذا الكتاب، وجدنا أن هذه الفترة الكلاسيكية ازدهرت على مدار فترة مدهشة ~~تقدر بنحو 1500 عام، شهدت فيها القرون الخمسة الأولى الميلادية أكبر قدر من النشاط ~~والتنوع. إن النصوص والسجلات التي بقيت حتى يومنا الحاضر تشهد على وجود العديد والعديد من ~~النصوص والسجلات الأخرى التي فقدت أو ما زالت غير مكتشفة أو غير مفحوصة؛ مما يدل على ~~تراث من الفكر والجدل الأصلي غني ومتنوع على نحو استثنائي. إن فقدان كثير من هذه ~~النصوص هو بلا شك يعود إلى حد كبير إلى افتقار الهند، جزئيا أو كليا، إلى تقليد ~~تدوين تفاصيل عن الشخصيات أو الحقائق أو الأحداث التاريخية أو حفظ المعلومات كسجل تاريخي ~~في حد ذاته. وقدر كبير من المعلومات التي بحوزتنا ظل باقيا دون وجود أية معلومات ~~تقريبا حول مؤلفه أو مصدره ما عدا وجود اسم المؤلف؛ مما جعل الأكاديميين أمام مهمة ~~كبيرة، بالإضافة إلى مهمتي التحرير والترجمة، وهذه المهمة هي محاولة وضع هذه الأعمال ~~في السياق الدقيق لهذا التقليد. وعلى الرغم من ~~بذل الكثير من الجهود الأكاديمية في محاولة لتجميع الحقائق المتعلقة بالسير الذاتية ~~وتواريخ الأحداث الزمنية، فإنه ما زال من الصعب للغاية التأكد من الموقع الجغرافي الذي نشأت ~~فيه تلك المدارس الفكرية وحفظ فيه علمها ودرس للآخرين، أو في تحديد كيفية انتشارها ~~وأماكن انتشارها، أو معرفة التواريخ إلا على نحو تقريبي، أو معرفة مؤلفي الأعمال على نحو ~~دقيق. وفي بعض الأحيان يكون الاسم المدون ms113 على النص لا يعدو كونه مجرد اسم؛ ولذلك فثمة ~~أمور كثيرة لا نعلمها ببساطة عن الأسئلة المتعلقة باستمرارية التقليد الهندي، أو عما حدث ~~«بين» الأجزاء التي نعرفها، أو «قبل» أو «بعد» مراحل أو أحداث رئيسية معينة نعلمها بقدر ~~أكبر من التأكد. # جزء كبير من عملية تجميع مخطط التأريخ الزمني الذي اتبعته في هذا الكتاب قامت به ~~مجموعة من الرواد الأكاديميين المتخصصين في علم الهنديات. وقد بدأ هذا الفرع المعرفي في ~~القرن التاسع عشر عندما تعلم أفراد الإرساليات الغربية والأكاديميون المسافرون اللغة ~~السنسكريتية، وبدءوا يحررون ويترجمون النصوص الهندية. وقد اقترفوا الكثير من الأخطاء - ~~لا سيما أخطاء من نوعية «النظر إلى النصوص الهندية من منظور العين الغربية/المسيحية» - ورغم ~~ذلك فإن هذا العمل الأولي قد قدم إسهاما كبيرا في جعل الفكر الهندي سهل الفهم ~~بالنسبة للغرب. وعلى الرغم من أن هذا العمل الأولي ما زال موجودا في أنحاء العالم، فإنه ~~يظل فرعا معرفيا صغيرا نسبيا، وما زال أمامنا قدر هائل من المعلومات اللازمة ~~دراستها على نحو صحيح. # وفي الهند نفسها، وإلى أن تعلم الغرباء اللغة السنسكريتية، كانت قلة فقط من الصفوة ~~هم الذين يتمتعون بمعرفة النصوص الدينية الفلسفية؛ فاللغة السنسكريتية كانت أولا لغة كهنة ~~البرهمية، وأصبحت فيما بعد لغة «المفكرين» المتعلمين، وهذا يجعلها شبيهة باللغة اللاتينية ~~في أوروبا في العصور الوسطى. وبعد تراجع الفترة الكلاسيكية، كانت توجد بعض المناطق التي ~~ظلت فيها تقاليد فلسفية معينة، ولو على أساس تفاعلي أقل نطاقا. ومن تلك التقاليد التي ~~نعرفها كانت تلك المدرسة الفكرية الجديدة المسماة «نيايا»؛ حيث تطورت النيايا الكلاسيكية، ~~وخضعت للنقد وإعادة التفسير، وكتب عنها الكثير من النصوص الإضافية. واستمر حفظة التقليد ~~البرهمي في دراسة القواعد اللغوية التي وضعها بانيني وحفظها. أما ما ازدهر على نحو أكبر ~~وكان له تأثير أكبر فكان معاقل التقاليد التعبدية؛ مثل ذلك التقليد الذي كان رامانوجا عضوا ~~فيه. وبعض هذه المجموعات (لا سيما مجموعات عبدة شيفا) قدموا معتقداتهم الإيمانية بصفتها ~~أنظمة ميتافيزيقية شديدة التعقيد، ورغم ذلك فقد تمثل الأمر في ms114 أن راقت الاهتمامات ~~العقلانية لأقلية صغيرة جدا فحسب. وعلى الرغم من أن شانكارا ترك تراثا من المراكز التي ~~يمكن للناس تطبيق فلسفته فيها، فقد كان هذا لغرض الممارسة الدينية بدلا من كونها منتديات ~~للجدل أو للتأويل. وبقيت البوذية في خارج الهند فقط، في دول مثل الصين والتبت واليابان ~~وسريلانكا وميانمار (بورما) وتايلاند. واستمر البوذيون الأكاديميون، لا سيما من في ~~التبت، في الانخراط في مناقشات ذات مستوى فلسفي رفيع داخل المدارس البوذية الخاصة بهم، لكن ~~التقليد استمر إلى حد كبير بصفته ديانة. # ومن عدة نواح، كان اهتمام الغرباء هو ما أثار الهنود لإحياء التقاليد الهندية الأقل ~~«رواجا» من منطلق الوعي بالذات، فرؤية الآخرين الذين يتعلمون اللغة السنسكريتية ويبحثون في ~~النصوص ويحررونها، ويرغبون في معرفة تاريخ أفكار الهند؛ حفزت الهنود على استئناف ~~اهتمامها الحثيث على نحو أكبر بتقاليدهم الكلاسيكية، وبعضهم فعل ذلك بهدف ترويج تقليدهم ~~المميز الخاص بهم مثلما كان يحدث في الماضي. وكان هذا هو الحال، وخصوصا مع فلسفة أدفايتا ~~فيدانتا لشانكارا، تلك الفلسفة التي نجحت كثيرا في تقديم نفسها على هيئة نموذج مبسط ~~للاستهلاك الغربي. وهذا النموذج يلقى اهتماما في الأساس لدى الغربيين المهتمين بالناحية ~~الخلاصية لهذه الفلسفة. وفي الهند أيضا ظلت نقطة تركيز شانكارا متمحورة في الأساس حول ~~الجانب العملي إلى حد كبير. # لقد كانت المؤسسات التعليمية في الهند (التي أسس البريطانيون عددا كبيرا منها في القرن ~~التاسع عشر) هي التي وفرت المناخ الذي ازدهرت فيه الفلسفة الهندية مرة أخرى خلال القرن ~~العشرين. وانضم الباحثون الهنود المحترفون إلى الأكاديميين الغربيين في دراسة النصوص ~~الكلاسيكية، في أقسام الجامعات في الهند والغرب على حد سواء، واستأنفوا الجدل حول المزايا ~~النسبية لأنظمة الفكر المختلفة، وترابطها الداخلي، وصحة حججها، ونقاط القوة أو نقاط الضعف ~~في منهجياتها. وفي العموم، فقد درسوا هذه الأمور من خلال مجموعة متنوعة من فروع المعارف، ~~حيث تناول الباحثون النصوص من زوايا مختلفة. وأثار اللغويون والمؤرخون وطلاب الدين ~~والفلاسفة أنواعا مختلفة من الأسئلة وأسهموا في الجدل المعاصر بطرق مختلفة. # وبسبب ms115 التأثر بالأسلوب الغربي في التعامل مع الأمور، أصبح هناك ميل لفصل الفلسفة ~~بمعناها الجدلي العقلاني عن أي سياق يتضمن موضوعات مصطبغة بصبغة دينية إلى حد كبير؛ ~~ولذلك ففي الهند، وكذلك في الغرب، أصبحت الفلسفة الهندية على نحو أكثر تحديدا فرعا ~~معرفيا أكاديميا يهتم في المقام الأول بالمنطق والتحليل اللغوي. ومن أجل أن تحظى ~~الفلسفة الهندية بتعامل جدي على الصعيد الدولي للفلسفة الغربية المعاصرة، كان لزاما أن ~~تنافس فقط من خلال هذين المجالين المتمثلين في المنطق والتحليل اللغوي، فهما ما يشغلان ~~اهتمام فلاسفة الغرب المعاصرين. واعتمادا في المقام الأول على أعمال مفكري فلسفة نيايا ~~وكذلك أعمال المفكرين البوذيين، كرس بعض الباحثين حياتهم المهنية للترويج للفلسفة ~~الهندية على أساس الجدل المنطقي فحسب؛ من أجل التغلب على التصورات المسبقة لدى الغرب التي ~~ترى الفكر الهندي «صوفيا» و«سحريا» ولا يمت للمنطق بصلة. وكان كثيرون يعتقدون ~~(وكثيرون ما زالوا يعتقدون) أن العقلانية حكر على الغرب فحسب. وعلى الرغم من ضرورة الاحتفاء ~~بأي نجاح في التغلب على تلك التصورات الخاطئة، فإنه يرجى أيضا ألا يمر وقت طويل حتى ~~يصبح الفلاسفة المحترفون أقل ترددا في بذل الاهتمام الواجب تجاه السياق الأوسع نطاقا ~~الذي تطور فيه المنطق الهندي، وأن يلتفتوا إلى الأسباب المبررة لتطور ذلك المنطق؛ حيث ~~إن تجريد المنطق الهندي تجريدا كاملا من سياق تطوره هو ظاهرة ثقافية غربية فحسب ~~انتهجوها عند التعامل معه. لقد كانت رؤية العالم في الهند الكلاسيكية أعمق كثيرا من ذلك ~~التصور الموجود لدى الغرب؛ إذ كانت تركز في الأساس على طبيعة الحقيقة نفسها. # | قراءات إضافية # الفصل الأول # Simon Blackburn, # Think, # Oxford: OUP, 1999. # Sarandranath Dasgupta, # A History ~~of Indian Philosophy, # Delhi: Motilal Banarsidass, ~~1975. Paul Dundas, # The ~~Jains, # London: Routledge, 1992. # Eric Frauwallner, # History of ~~Indian Philosophy, # Delhi: Motilal Banarsidass, ~~1993. # John Hospers, # Introduction to Philosophical Analysis ~~(3rd edn), London: Routledge, ~~1990. # The chapter on Śaivism in S. Sutherland et al. (eds) # The World’s Religions ~~, ~~London: Routledge, 1988. # الفصل الثاني # J. L. Brockington, # The Sacred ~~Thread, # Edinburgh: Edinburgh ms116 University Press, ~~1981. # Thomas J. Hopkins, # The Hindu ~~Religious Tradition, # Belmont, CA: Wadsworth Publishing Company, 1971. # R. E. Hume, Introductory essay in # The Thirteen Principal Upanishads ~~(2nd edn), Delhi: ~~Oxford University Press, 1931. # Wendy Doniger O’Flaherty, (ed. and trans.) # The Rig Veda: An Anthology ~~, ~~Harmondsworth: Penguin, 1981. Patrick Olivelle, (trans.) # Upanisads ~~, Oxford: Oxford University Press, ~~1996. # B. K. Smith, # Classifying the ~~Universe: The Ancient Indian Varna System and the Origins of ~~Caste, # Oxford: Oxford University Press, ~~1994. # الفصل الثالث # Rupert Gethin, # The Foundations of ~~Buddhism, # Oxford: Oxford University Press, ~~1998. # Richard Gombrich, # Theravāda ~~Buddhism: A Social History from Benares to Colombo, # London: Routledge and Kegan Paul, 1988. # Sue Hamilton, Early Buddhism-A New Approach: # The I of the Beholder, # Richmond: Curzon Press, 2000. # Damien Keown, # Buddhism: A Very ~~Short Introduction, # Oxford: Oxford University Press, ~~1996. # Walpola Rahula, # What the Buddha ~~Taught ~~(2nd edn), London: Gordon Fraser, ~~1967. # Andrew Skilton, # A Concise History ~~of Buddhism, # Birmingham: Windhorse Publications, ~~1994. # Complete translations of the texts of early Buddhism are published by ~~the Pali Text Society. Alternatives for some sections are: # Bhikkhu Ňāņamoli and Bhikkhu Bodhi, (translation of the # Majjhima Nikāya ~~) # The Middle Length Discourses of ~~the Buddha, # Boston: Wisdom Publications in ~~association with the Barre Centre for Buddhist Studies, ~~1995. # Maurice Walshe, (translation of the # Dīgha Nikāya ~~) # Thus Have I Heard, # London: Wisdom Publications, ~~1987. # الفصل الرابع # There is almost no non-specialist reading material on this period. ~~Some general references are made in: # Harold G. Coward and K. Kunjunni Raja, # Encyclopedia of Indian Philosophies, # Vol. V: # The Philosophy of the ~~Grammarians, # Delhi: Motilal Banarsidass, ~~1990. # W. Halbfass, # India and Europe: An ~~Essay in Understanding, # Albany, NY: State University ~~of New York Press, 1988. # Richard King, # Indian Philosophy: ~~An Introduction to Hindu and Buddhist Thought, # Edinburgh: Edinburgh University Press, 1999. # J. N. Mohanty, # Classical Indian Philosophy, # New York: Rowman and Littlefield, ~~2000. # More specialized: # George Cardona, 'Indian Linguistics’, in Giulio Lepschy ~~(ed.) ms117 # History of Linguistics ~~, ~~Vol. I: # The Eastern Traditions of ~~Linguistics, # London Longman, 1994. # B. K. Matilal, # Logic, Language ~~and Reality, # Delhi: Motilal Banarsidass, ~~1985. # الفصل الخامس # E. Frauwallner, # History of Indian Philosophy, # Vol. II, Delhi: Motilal Banarsidass, ~~1973. # M. Hiriyanna, # The Essentials of ~~Indian Philosophy, # London: George Allen & Unwin, ~~1985. # Richard King, # Indian Philosophy: ~~An Introduction to Hindu and Buddhist Thought, # Edinburgh: Edinburgh University Press, 1999. # J. N. Mohanty, # Classical Indian Philosophy, # New York: Rowman and Littlefield, ~~2000. # More specialized: # Wilhelm Halbfass, # On Being and ~~What There Is: Classical Vaiśeşika and the History of Indian ~~Ontology, # Albany, NY: State University of New York Press, 1992. # B. K. Matilal, Perception: An ~~Essay on Classical Indian Theories of Knowledge, # Oxford: Clarendon Press, 1986. # الفصل السادس # Stefan Anacker, # Seven Works of ~~Vasubandhu: The Buddhist Psychological Doctor, # Delhi: ~~Motilal Banarsidass, 1984. # Ian Harris, # The Continuity of ~~Madhyamaka and Yogācāra in Indian Mahāyāna Buddhism, # Leiden: E. J. Brill, 1991. # C. W. Huntingdon, # The Emptiness ~~of Emptiness. An Introduction to Early Indian ~~Mādhyamika, # Honolulu: University of Hawaii Press, ~~1989. # Richard King, # Indian Philosophy: ~~An Introduction to Hindu and Buddhist Thought, # Edinburgh: Edinburgh University Press, 1999. # Thomas A. Kochumuttom, # A Buddhist ~~Doctrine of Experience, # Delhi: Motilal Banarsidass, ~~1982. # F. Th. Stcherbatsky, # Buddhist ~~Logic, # New York: Dover Publications, ~~1962. # Frederick Streng, # Emptiness. A ~~Study in Religious Meaning, # Nashville, TN: Abingdon Press, 1967. Paul Williams, # Mahāyāna Buddhism: ~~The Doctrinal Foundations, # London: Routledge, ~~1989. # More specialized: # Shoryu Katsura, (ed.), # Dharmakīrti’s Thought and its Impact on Indian and Tibetan Philosophy. Proceedings of the Third International ~~Dharmakīrti Conference, Hiroshima, November 4-6, 1997. Vienna: ~~Österreichische Akademie der Wissenschaften, 1999. # الفصل السابع # Georg Feuerstein, # The Yoga-Sūtra ~~of Patañjali: A New Translation and Commentary, # Folkestone: Dawson, 1979. # Georg Feuerstein, # The Philosophy ~~of Classical Yoga, # Manchester: Manchester University Press, 1980. # Richard King, # Indian Philosophy: ~~An Introduction to Hindu and Buddhist Thought, # Edinburgh: Edinburgh University Press, 1999. # Gerald Larson, # Classical ~~Sāmkhya ~~(2nd edn), Delhi: Motilal Banarsidass, ~~1979. # Ian Whicher, ms118 # The Integrity of the ~~Yoga Darśana: A ~~Reconsideration of Classical ~~Yoga, # Albany, NY: State University of New York Press, ~~1998. # J. H. Woods, # The Yoga System of Patañjali, # Cambridge, MA: Harvard University Press, ~~1983. # الفصل الثامن # A. J. Alston, (trans.) # The ~~Thousand Teachings of śańkara ~~, London: Shanti Sadan, ~~1990. # Ashok Aklujkar, 'Summary of Bhartŗharі’s Vākyapadīya’ in ~~Karl H. Potter (ed.) # Encyclopedia of Indian Philosophies ~~, Delhi: Motilal Banarsidass, ~~1991. # John Carman, # Theology of ~~Rāmānuja, # New Haven, CT: Yale University Press, ~~1974. # Eliot Deutsch, # Advaita Vedānta: A Philosophical ~~Reconstruction, # Honolulu: University of Hawaii Press, 1968. # M. Hiriyanna, # Essentials of ~~Indian Philosophy, # London: George, Allen & ~~Unwin, 1985. # Richard King, # Indian Philosophy: ~~An Introduction to Hindu and Buddhist Thought, # Edinburgh: Edinburgh University Press, 1999. # J. N. Mohanty, # Classical Indian Philosophy, # New York: Rowman and Littlefield, ~~2000. # George Thibaut, (trans.) # The ~~Vedānta-Sūtras with the ~~Commentary of ~~Śańkarācārya, # ed. Max Mϋller, # Sacred Books of the East Series, # Vols. XXXIV and ~~XXXVIII, Oxford: Clarendon Press, 1890 and 1896. # George Thibaut, (trans.) # The ~~Vedānta-Sūtras with the Commentary of Rāmānuja ~~, ed. ~~Max Mϋller, Sacred Books of the East Series, Vol. XLVIII, Oxford: ~~Clarendon Press, 1904. # كتب مقترحة أخرى # A. L. Basham, # The Wonder that was ~~India: A Survey of the Indian Subcontinent before the Coming of ~~the Muslims, # London: Sidgwick and Jackson, ~~1954. # Franklin Edgerton, # The Beginnings ~~of Indian Philosophy: Selections from the Ŗg Veda, Atharva Veda, ~~Upanişads, and Mahābhārata, # London: Allen and Unwin, ~~1965. # Jonardon Ganeri, (ed.) # Indian ~~Logic: A Reader, # Richmond: Curzon Press, ~~2000. # J. N. Mohanty, # Reason and ~~Tradition in Indian Thought, # Oxford: Clarendon Press, ~~1992. # Wilhelm Halbfass, # Tradition and ~~Reflection: Explorations in Indian Thought, # Albany, ~~NY: SUNY Press, 1991. # Karl Potter, Presuppositions of ~~India’s Philosophies, # Delhi: Motilal Banarsidass, ~~1991. # Karl Potter, (ed.) # Encyclopedia ~~of Indian Philosophies, # Delhi: Motilal Banarsidass, ~~1970-93. # S. Radhakrishnan and C. A. Moore, # A Sourcebook in Indian Philosophy, Princeton, NJ: Princeton University Press, ~~1957. # Ninian Smart, # Doctrine and ~~Argument in ms119 Indian Philosophy, # London: George Allen ~~& Unwin, 1964. # | مصادر الصور # (2-1) Photo courtesty of C. Minkowski. ~~(2-2) Photo courtesty of C. Minkowski. ~~(2-3) Bodleian Library, University of Oxford, MS Max Mueller ~~Memorial d.8. ~~(3-2) © MacQuitty International Collection. ~~(3-4) © Chris Lisle/Corbis. ~~(3-5) © Ann & Bury Peerless. ~~(8-1) © Bodleian Library, University of Oxford, MS ~~Sansk.d.152. ms120