######OpenITI# #META# URI: 1450SafiyaMukhtar.SufiyyaNashathaWaTarikhha.Hindawi27195297 #META# Tags: history :: social.sciences #META# ID: 27195297 #META# Title: الصوفية: نشأتها وتاريخها #META# AuthorID: 73950692 #META# Author: نايل جرين #META# EditorID: 73586958 #META# Editor: مصطفى محمد فؤاد #META# TranslatorID: 25135729 #META# Translator: صفية مختار #META# Related_books: 1450NileGreen.Sufism (TRANSL) #META#Header#End# # تمهيد وشكر وتقدير‏ # مقدمة‏ # 1 - الأصول والأسس والمنافسون (850-1100)‏ # 2 - إسلام الأولياء والطرق (1100-1400)‏ # 3 - الإمبراطوريات والحدود والمجددون (1400-1800)‏ # 4 - من الاستعمار إلى العولمة (1800-2000)‏ # مسرد المصطلحات الصوفية‏ # ملاحظات‏ # قراءات إضافية‏ # تمهيد وشكر وتقدير‏ # مقدمة‏ # 1 - الأصول والأسس والمنافسون (850-1100)‏ # 2 - إسلام الأولياء والطرق (1100-1400)‏ # 3 - الإمبراطوريات والحدود والمجددون (1400-1800)‏ # 4 - من الاستعمار إلى العولمة (1800-2000)‏ # مسرد المصطلحات الصوفية‏ # ملاحظات‏ # قراءات إضافية‏ # | الصوفية # | الصوفية # | نشأتها وتاريخها # تأليف # نايل جرين # ترجمة # صفية مختار # مراجعة # مصطفى محمد فؤاد # إلى كارين # أختي وصديقتي الأولى. # | تمهيد وشكر وتقدير # على الرغم من كثرة الكتب التمهيدية التي تتحدث عن الصوفية، والتي من بينها العديد من ~~الكتب الرائعة التي تتناول فترات محددة أو معتقدات وممارسات معينة، والتي ~~تجاوزت أخطاء نموذج التصوف القديم الذي تنتقده مقدمة هذا الكتاب؛ فإنه لا توجد ~~دراسة شاملة عن الصوفية تخصص القدر نفسه من القيمة والتركيز لكل فترة من تاريخها. ~~ونظرا لأن هذا الكتاب يستهدف طلبة التاريخ والدراسات الدينية، وكذلك القارئ العادي، ~~فإنه عمل سردي عام ومفسر، يتتبع الصوفية منذ ظهورها وحتى العصر الحديث. وإلى حد ~~كبير، إن النطاق العالمي المتزايد للسرد المقدم في هذا الكتاب يعكس وفرة المعرفة ~~المتاحة حاليا في هذا المجال. ونظرا لأن هذا الكم المعرفي الهائل تتزايد صعوبة ~~تناوله، فقد قدمت مراجع وافية في الملاحظات النهائية؛ كي تسمح للقراء الأكثر اهتماما ~~بالحصول على مزيد من التفاصيل عن أي جزء يهمهم من التاريخ الصوفي. والأهم من ذلك أن ~~محاولة إعادة توزيع الاهتمام على كل الفترات والمناطق تبرز رفضا لفكرة أن الصوفية ~~استقرت في واقع الأمر في «موطن» واحد أو في عصر «كلاسيكي» واحد دون غيره. أوضح في ~~المقدمة أنه من الأفضل فهم الصوفية في ضوء مظلة «التقليد» بدلا من «التصوف»؛ فنظرا ~~لأن التقليد بطبيعته هو كل ما يتوارث عبر الزمان والمكان، فإن أي محاولة صادقة ~~لتتبع تاريخ أي تقليد لا بد أن تقبل طبيعة الممارسة المتغيرة عبر الزمن، ~~والموزعة مكانيا. وعلى الرغم من أن الأعمال السردية التزامنية أو المنزوعة من ms001 السياق ~~التاريخي، التي تحدثت عن «جوهر» الصوفية، قدمت نفسها في الغالب على أنها أكثر اتساقا ~~مع روح الصوفية؛ فقد توصلت إلى وجهة نظر، بعد عقدين من دراسة كتابات الصوفيين، تتمثل ~~في أن مشكلة مرور الزمن وتغير المكان ليست محورية فحسب لاهتمامات الصوفيين، بل ~~مكون أساسي في تكوينهم للتقليد الذي توارثوه أو نقل إليهم. فلم يسع الصوفيون إلى ~~الاتحاد مع الله ونبيه محمد من خلال الخروج من دائرة الزمن، وإنما من خلال ربط أنفسهم ~~بسلاسل المعرفة والبركة التي تنقلهم عبر القرون إلى لحظة نزول الوحي على النبي وترك ~~آدم لمعية الله. وفي صراعاتهم الكثيرة مع المعضلات الوجودية للحياة البشرية، رجعوا ~~مرارا وتكرارا إلى دروس الشيوخ الصوفيين الأحياء، وكتب الأولياء الأموات الذين ~~أوضحت لهم تعاليمهم الطريق إلى الخلود. # وبالرغم من أن هذا الكتاب يعد بأن يكون «سردا تاريخيا»، فقد اضطر في أحيان كثيرة ~~إلى الاعتماد على معرفة غير تاريخية (هي مع ذلك ذات صلة كبيرة بالموضوع). وبالرغم من ~~إدراك أن هذا قد يؤدي إلى تفاوت منهجي في أجزاء معينة في الكتاب، فإنه في الدراسة ~~التمهيدية توجد فرصة قليلة لتناول المشاكل التأريخية المتضمنة؛ ومن ثم فإن تقييماتي ~~كامنة في الأساس في استخدامي لبيانات أو حجج معينة. ففي عمل موجز نسبيا كهذا، كانت ~~تأكيداتي على فهم الصوفية من منظور التقليد والمجتمع والسلطة تعني أيضا أنني أوليت ~~اهتماما أقل - مقارنة بالأعمال التمهيدية الأخرى - بالعوالم الخاصة المتعلقة بالنشوة ~~والحب والتجربة. بالرغم من ذلك، فإن هذا التحول للاهتمام من الخاص إلى العام قائم على ~~الإيمان بالقيمة التفسيرية لهذه التأكيدات في فهم مكان الصوفية في السياقات المحيطة في ~~التاريخ الإسلامي والعالمي. في هذا الصدد، فإن هدف هذا الكتاب هو معايرة تاريخ الصوفية، ~~من خلال وضعه في سياق التاريخ الاجتماعي والسياسي والفكري للشعوب الإسلامية؛ ومن ثم ~~إزالة الهالة التي يشوبها الغموض، والتي أحاطت بدراسة الصوفية منذ بدء محاولات التأريخ ~~العلماني للعالم الإسلامي في أوائل القرن العشرين. بهذه الطريقة، وبدلا من تقديم سرد ~~تاريخي عن الصوفية منفصل على نحو ذاتي، ms002 فإن هدف السرد هنا في مجمله هو ربط التاريخ ~~الصوفي بحدود التاريخ العالمي الأوسع نطاقا، من خلال الإشارة إلى رسوخ الصوفية في التجربة ~~التاريخية الإسلامية الأشمل. ~~••• # فيما يتعلق بكتابة هذه الدراسة، أدين بالشكر لعدد كبير من الباحثين، وأود أن أتوجه ~~بالشكر هنا إلى أعمال هؤلاء الذين أثروا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة على كتابة هذا ~~العمل الذي يعد بطبيعته عملية تجميع. نشأت إمكانية تأليف هذا الكتاب من أعمال شبكة ~~عالمية واسعة من الباحثين في الصوفية، يمكنها أن تنافس من حيث الحجم حتى أكبر الطرق ~~الصوفية. وعلى الرغم من استحالة شكر كل مؤرخ، واختصاصي نصوص، وعالم أنثروبولوجيا على ما ~~تعلمته منه، فإن وافر شكري وتقديري الحقيقيين يكمن، كالعادة، في الملاحظات والاقتباسات. ~~على الرغم من ذلك، أود أن أشكر على وجه التحديد عدة باحثين أثروا أكبر الأثر على فهمي ~~للصوفية على مدار سنوات الدراسة، وكذلك عدة زملاء تحلوا بكرم كبير لقراءة مسودة الكتاب ~~والتعليق عليها. أتوجه بالشكر أولا إلى جوليان بالديك، وكارل دبليو إرنست، وأحمد تي قره ~~مصطفى على تشكيل أفكاري حول الصوفية على نحو غير مباشر في مراحل مختلفة من حياتي المهنية؛ ~~وإلى كريستوفر ميلكرت على كرمه الفكري المثالي. وفيما يتعلق بالتعليقات التفصيلية ~~والمقترحات المقدمة لمسودة الكتاب، أقدم شكري الخاص إلى علي أنوشهر (جامعة كاليفورنيا، ~~ديفيز)، وديفين دويز (جامعة إنديانا، بلومنجتون)، ومايكل كوبرسون (جامعة كاليفورنيا، لوس ~~أنجلوس)، وأحمد تي قره مصطفى (جامعة واشنطن بسانت لويس)، وكريستوفر ميلكرت (جامعة أكسفورد)، ~~وأظفر موين (جامعة ساوثرن ميثوديست)، واثنين من القراء المجهولين لي. إن كل المبالغات ~~وحالات إساءة الفهم والأخطاء مرجعها إلي. وأتوجه بالشكر أيضا إلى جيليان أندروز على ~~تحرير النص، وإلى هيزيل هاريس لتولي عملية الإنتاج. وللسماح بنشر الصور، أدين بالامتنان ~~إلى معرض سميثسونيان فرير للفنون، ومعرض آرثر إم ساكلر (الشكل # 1-1 # والشكل # 3-3 ~~)، وإلى مكتبة جامعة لايدن (الشكل # 1-2 ~~)، ~~والمكتبة البريطانية (الشكل # 3-2 ~~)، ومتحف الإثنولوجيا الوطني في ميونيخ ~~(الشكل # 3-2 ~~)، ومعرض بريدجمان للفنون (الشكل # 4-1 ~~)، ~~وإلى ألين إف روبرتس وماري نوتر روبرتس (الشكل ms003 # 4-2 ~~). كل الصور الأخرى ~~من تصويري أو من مقتنياتي الخاصة. # إذا كنت قد تعلمت الكثير من أساتذتي الأكاديميين ورفقاء الدرب، فإن تصوري ~~الشامل عن الصوفية ومكانتها في الحياة الاجتماعية لممارسيها ليس إلا نتاج تفاعلاتي مع ~~التراث الحي للتقليد الصوفي في أشكاله المتعددة التي اكتسبها في مناطق كثيرة مختلفة. ~~وعلى مدار العشرين سنة التي اخترت فيها دراسة تقليد الصوفيين، قابلت بعضهم وألقيت ~~نظرة على تراثهم في أماكن بعيدة مثل المغرب، وإسبانيا، ومصر، وسوريا، واليمن، وتركيا، ~~وإيران، وأفغانستان، والهند، وباكستان، وسنغافورة، وماليزيا، وجنوب أفريقيا، وأوروبا. إن ~~التصور المقدم في هذا الكتاب للصوفية باعتبارها «تقليدا» مأخوذ في الأساس مما رأيته ~~عمليا بين هؤلاء الصوفيين، الذين يزعمون أنهم ورثة النبي محمد. # شكر أخير أوجهه إلى والدي ووالدتي، جيفري وأوليفيا جرين، على تشجيعهما لي على مدار ~~حياتي، وعلى إيصالي إلى «الرباط» الموجود في جواردامار، وذلك في المحطة الأخيرة من رحلات ~~هذا الكتاب. # نايل جرين # لوس أنجلوس، يوليو 2011 # والآن وصلوا أخيرا إلى فارس، # داخل حدود بلد الصوفي العظيم. # مسرحية «رحلات الإخوة الإنجليز الثلاثة» (1607) # | مقدمة # (1) من التصوف إلى التقليد: وضع تصور للصوفية # عادة ما تعرف الصوفية بأنها «تصوف» إسلامي يضم مجموعة أساليب يسعى من خلالها ~~المسلمون إلى التواصل الشخصي المباشر مع الله. وعلى الرغم من صحة أن الصوفية تتضمن ~~كثيرا من عناصر التصوف، فإن المدى الاجتماعي الواسع الذي وصلت إليه على مدار قرون ~~توسعها جعلها أكثر من مجرد طريق لنخبة باطنية. أدرك إيه جيه آربري، أستاذ الاستشراق ~~في جامعة كامبريدج، هذه المشكلة في مقدمته للصوفية التي كانت ذات أثر كبير، ورأى أن ~~الصوفية تضمنت طريقا دينيا لكل من جمهور المسلمين من العوام وعدد أصغر من ~~المتصوفين المتسامين. # 1 # ويرى آربري وكثير من المعلقين المتأخرين أن التوتر فيما بين الصوفية ~~«التصوفية» والصوفية «الشعبية» تكشف من خلال سرد تدهورها؛ فما بدأ كحركة «تصوف» ~~حقيقية لأفراد يسعون إلى الاتحاد الشخصي مع الله، فسد في فترة العصور الوسطى، ~~وتحول إلى تقديس لأولياء أصحاب معجزات لا يمت بصلة للتصوف الصوفي «الحقيقي». ms004 ~~وفي هذا الشأن، كتب آربري بنبرة مزدرية فقال: «بمجرد أن أصبحت أساطير المعجزات ~~مرتبطة بأسماء الصوفيين العظماء، كان حتميا أن يستحسن العوام السذج الدجل ~~أكثر من التعبد الحقيقي.» # 2 # وبالنسبة إلى آربري وكثير ممن كتبوا من بعده، فإن نتيجة هذا النموذج ~~المتدهور أنه بداية من أواخر فترة العصور الوسطى وما بعدها أصبحت الصوفية غير جديرة ~~بالدراسة. وهذا لم يكن على الأرجح إلا مفارقة؛ ففترة العصور الوسطى وفترة أوائل ~~العصر الحديث اللتان شهدتا بلوغ الصوفية أوج التأثير والنجاح، هما بالضبط الفترتان ~~اللتان كانتا موضع تجاهل بوصفهما عصري تدهور ما بعد الفترة الكلاسيكية. # على مدار الثلاثين سنة الماضية، تعرض نموذج الكلاسيكية والتدهور هذا إلى الرفض ~~الكامل، وأسهمت الدراسات الحديثة عن الصوفية إلى حد كبير في الإطاحة بالسرد الكبير ~~الذي قدمه آربري ومنظرو التدهور اللاحقون من أمثال جيه إس تريمينجهام. # 3 # وعلى الرغم من ذلك، ففي كثير من المناقشات المتعلقة بالصوفية، تظل ~~السمات الأساسية للتوجهات القديمة حاضرة، لا سيما المشكلة المحورية المتعلقة ~~بمدرسة التفسير القديمة المتمثلة في نموذج «التصوف» نفسه. فوفقا لفهم الباحثين ~~الأوروبيين والأمريكيين في أوائل القرن العشرين، اعتمدت فكرة التصوف على تصور ~~للدين؛ عالمي من الناحية الفكرية، وحداثي من الناحية الزمنية، وبروتستانتي من ~~الناحية الثقافية. كانت سلطة التجربة المباشرة التي لا وسيط فيها للفرد المنعزل ~~تعتبر منبع التدين الحقيقي في كل الثقافات وكل الفترات الزمنية. # 4 # وعلى نسق بروتستانتي مشابه، كان «الدين» نفسه يعتبر فئة منفصلة على نحو ~~صائب (أو على نحو مفضل على أقل تقدير) عن عالم «السياسة» الفاسد. وعندما طبق ~~هذان النموذجان على دراسة الإسلام، كان الصوفي النموذجي في رأي كثير من الباحثين هو ~~النقيض التام للمؤسسة الحاكمة الإسلامية الملتزمة بالشريعة، سواء أكان يعيش في عزلة ~~هادئة بعيدا عن شئون الدنيا، أم كان يقود ثورات تنتهي باستشهاد حماسي. # 5 # إن نموذج التصوف هذا - التوجيهي وليس الوصفي - مثل في بعض الأحيان ~~معتقدا في حد ذاته. وعند تطبيق ذلك النموذج على سياقات ثقافية أو زمنية أكثر ~~بعدا عن مكان نشوئه، فإنه ms005 يميل إلى انتقاد أو استبعاد كثير من الأمور المفترض أن ~~يفسرها. وفي حالة الصوفية، طال هذا الاستبعاد أو الانتقاد أبعادا كثيرة مهمة في ~~التاريخ الصوفي لم تلائم نموذج السالك المنفرد الذي يسعى إلى الله؛ مثل الطرق الصوفية ~~الهرمية، والطقوس المعقدة المتعلقة بالتوسل بالأولياء للتأثير على قرارات ~~السلاطين. # إلا أنه على النقيض من فكرة الغرب عن التصوف، فقد كانت جوانب كثيرة من الصوفية ~~جماعية وعلنية، وليست فردية وخاصة. فتوضح محورية العلاقة بين الشيخ أو المرشد ~~(المعلم) والمريد (التابع)، التي بدت أنها حجر الأساس في الممارسة الصوفية، أن ~~الممارسات «التصوفية» مثل تدمير الأنا لم تكن نتيجة تجارب خاصة من الاتصال المباشر ~~مع الله، بل كانت عمليات اجتماعية قائمة على علاقة توجيهية مع طرف ثالث بشري. ومع ~~نمو حجم الطرق الصوفية، أصبحت هذه العلاقات (والتحولات الاجتماعية والنفسية ~~المشتركة التي تدعمها) أكثر شيوعا؛ بحيث أصبحت آثارها أكثر انتشارا وجماعية. وفي ~~كثير من المناطق حول العالم، أسفر ذلك عن تحويل الصوفية نظم السلطة الاجتماعية ~~إلى نماذج سلطوية، تناولها بالدراسة عبد الله حمودي، عالم الأنثروبولوجيا المولود في ~~شمال أفريقيا. # 6 # وبالإضافة إلى إهمال مفهوم التصوف للجانب الاجتماعي، فقد قلل أيضا من ~~الجانب المادي، واضعا الصوفية على نحو صارم في نطاقات الروحانية، في حين أن الصوفيين ~~كانوا منغمسين في نطاقات المادية الملموسة بالقدر نفسه، بداية من طقوسهم الجسدية ~~وتقديسهم لآثار الأولياء، وحتى مباني الأضرحة خاصتهم، والقدرات المباركة التي يعتقدون ~~أنها موجودة فيهم. وإلى حد كبير، لم تكن الصوفية «تصوفا» عاما قائما على ~~التجارب الدينية المتاحة على نحو ديمقراطي للجميع، بل كانت في كثير من الأماكن ~~تجسيدا للإسلام السلطوي القائم على القدرات المباركة المتوارثة من خلال أنساب ~~مرموقة؛ ولهذا السبب، عرف أحد علماء الأنثروبولوجيا شيوخ الصوفية بأنهم: «الأشخاص ~~الذين يتدفق في دمهم (المدون في سجل أنسابهم) بركة النبي محمد.» # 7 # كذلك، يميل مفهوم التصوف إلى الارتباط بالأمور العفوية وغير المتدرب ~~عليها، بدلا من الأمور المنهجية والسياسية. غير أن الكتب القديمة عن الممارسة الصوفية ~~أظهرت اهتماما كبيرا بمسائل آداب ms006 السلوك والطقوس التعبدية. والصوفيون ليسوا على ~~الإطلاق روادا «طليعيين» روحانيين زاهدين؛ فقد كانوا في كثير من المناطق أطرافا ~~سياسية أساسية استمتعت بأسباب الراحة المكتسبة من الأراضي الشاسعة المملوكة لهم، ~~ودعم جيوش أتباعهم المخلصين. ومن خلال سلسلة من التطورات التي يتتبعها هذا الكتاب، ~~أصبحت الصوفية سلطوية ومعادية للفردية على نحو كاف، لدرجة أنه في العصر الحديث ~~أدت النزعات الداعية إلى الديمقراطية والفردية بين المسلمين إلى هجر ملايين منهم ~~لتعاليم الصوفيين. # بالإضافة إلى ميل نموذج التصوف إلى تضييق النطاق والتوجيه، فإنه يثير أيضا تحديات ~~معينة عند كتابة التاريخ؛ فلو كان جوهر الصوفية - كما هو الحال بالنسبة إلى التصوف - ~~يكمن في التجربة الخاصة المتسامية، لاضطر المؤرخون حتما إلى تسجيل قشورها الخارجية ~~التافهة فقط من خلال النصوص والمؤسسات والأفعال. توجد بالتأكيد طرق مختلفة للتعامل مع ~~هذه المعضلة؛ تتمثل إحدى هذه الطرق (والتي اتبعها على نحو بالغ الدقة الباحث ~~الفرنسي هنري كوربين) في الحفاظ على نموذج التصوف من خلال استخدام منهج ظواهري ~~(فينومينولوجي) في التعامل مع الوثائق التاريخية، في محاولة ل «إعادة تقديم» الشخصية ~~الداخلية للتجارب التصوفية الماضية على نحو مفسر. # 8 # طبق هذا المنهج الظواهري بدرجات وأساليب متعددة في عدد من الكتب ~~التمهيدية الناجحة للصوفية. # 9 # هناك طريقة أخرى تتمثل في الابتعاد عن نموذج التصوف، وتصور الصوفية ~~بطريقة تتناسب على نحو أفضل مع مجموعة خصائصها المعقدة، وتجعلها أيضا أكثر قابلية ~~للوصف التاريخي. فبالتقليل من فكرة الصوفية باعتبارها تصوفا لجماعة هامشية من ~~السالكين، يرى المنهج المتبع في هذا الكتاب الصوفية باعتبارها «تقليدا» في المقام ~~الأول من المعرفة القوية، والممارسات القوية، والأشخاص الأقوياء. # 10 # وكما ستوضح الفصول التالية، فإن الصوفية منذ لحظة ظهورها كانت متجذرة ~~في نموذج إسلامي أوسع قائم على المعرفة الموثوق فيها، التي كانت تحظى فيها موافقة ~~السلطة القديمة (سواء أكانت سلطة النبي محمد أم أولياء الله) بأهمية بالغة. وهذه ~~الحساسية التاريخية شكلت جزءا كبيرا من التجارب التصوفية الصوفية من خلال المقابلات ~~الرؤيوية التي لا تعد ولا تحصى، التي دونها الصوفيون مع الأولياء السابقين ms007 ~~والأنبياء؛ تلك المقابلات التي أشبعت رغبتهم في ربط أنفسهم برواد تقليدهم ~~السابقين. # 11 # يحظى هذا الارتباط بممثلي التقليد القدوة المحبوبين بأهمية كبيرة؛ فهو ~~لا يوضح فحسب الاستراتيجية التي من خلالها تمكن الصوفيون من تقديم أنفسهم على ~~نحو مقنع باعتبارهم الورثة الأحياء للنبي محمد، بل يوضح أيضا الطبيعة «الناظرة ~~إلى الماضي»، الواضحة جليا لتعاليمهم التي ظهرت نتيجة لتلك الحاجة إلى موافقة ~~السلطة القديمة والرغبة الوجودية في العودة إلى حالة الوجود البشري، التي كان يتمتع بها ~~آدم والنبي محمد. وكما بين ستيفن تي كاتس على نحو فطن، فإن التجارب التصوفية ~~ليست عفوية ومبتكرة، بل هي غالبا أفعال محافظة، ويمكننا أن نضيف أنها أفعال ساعية ~~إلى الحفظ. # 12 # إن هذا الإدراك بأن كلمات وأفعال الصوفية متجذرة على نحو متعمد في تراث ~~المسلمين الأوائل، ساعد أيضا في معرفة الطابع الإسلامي المتغلغل في الصوفية الذي ~~ميزها - باستثناء حالات عالمية معينة - عن «التصوف» العالمي الذي صنفت ضمن فئاته ~~في بعض الأحيان. وكما أوضح الباحث الفرنسي ماريجان مول ذات مرة، فحتى إذا تبنى ~~الصوفيون دون علم، أو عن علم، مقومات من جماعات دينية أخرى، فإنهم «لم يأملوا ~~مطلقا في أن يكونوا إلا مسلمين؛ فكل المعتقدات التي يؤمنون بها، وكل أفعالهم ~~وعاداتهم وأعرافهم، قائمة على تفسير للقرآن والسنة النبوية». # 13 # هذه نقطة رئيسية؛ فلقد تطورت الصوفية كمجموعة تعاليم وممارسات ومؤسسات ~~نشأت مع تفكر المسلمين - من القرن التاسع فصاعدا - في تراث حياة النبي محمد، التي ~~تمثل القدوة الأولى، ولحظة نزول الوحي بالقرآن. وفي محاولات نقل الصوفيين لمعرفة ~~وراحة وسلطة الله (وأنبيائه وأوليائه) إلى حياتهم الخاصة والعامة، بنوا تقليدهم ~~أولا من خلال تأمل حياة النبي، وفترة نزول الوحي عليه، ثم تأمل تعاليم وأفعال ~~من رأوا أنهم أولياء الله، والذين بدورهم أعادوا ربطهم باتحاد النبي مع الله. إن ~~«أولياء الله» الصالحين الكثيرين، الذين ظهروا في كل قرن، هم من أنشئوا التقليد ~~الذي نطلق عليه الصوفية، سواء أكان من ناحية النصوص التي كتبوها، أم الطقوس التي ~~وضعوها، أم الطرق التي أسسوها. وباستثناء ms008 بعض الصياغات الحداثية للصوفية، فمن دون ~~هؤلاء الأولياء لا توجد صوفية. # بناء على زعم الصوفيين بأنهم ورثة النبي محمد، وبمرور الوقت، طوروا تدريجيا ~~أسس تقليدهم من خلال أنساب الأولياء والشيوخ الذين كانت لموافقتهم سلطة تكميلية في ~~حد ذاتها. وكما سنرى في الفصل الأول؛ ففي القرون الأولى من التاريخ الصوفي، تضمن ~~هذا التطوير للتقليد في بعض الحالات زعما بأثر رجعي يقول إن الأسلاف الصالحين الذين ~~عاشوا قبل استخدام مصطلح «صوفي» كانوا صوفيين. إن التركيز في هذا الكتاب على كون ~~الصوفية تقليدا أكثر منها تصوفا، لا يعني إنكار أن كثيرا من الصوفيين مروا ~~بتجارب تصوفية أولوها قيمة بالغة فيما بعد، بل إن الهدف هو توضيح أن هذه ~~التجارب الخاصة اكتسبت معنى ومصداقية فقط من خلال استيعابها في السعي الجمعي ~~والتعاوني لأجيال مختلفة من المسلمين، الذين كان كل منهم - على مر الزمان - على ~~وعي كبير بالطبيعة النموذجية لأفعال وتعاليم غيره من الصوفيين. إن هذا الإدراك ~~التاريخي للتجربة التصوفية لا يهدف إلى التقليل منها، بل يهدف إلى وضعها في إطار ~~الطبيعة الزمنية للوجود البشري. في هذا الصدد، أتفق بوجه عام مع ستيفن تي كاتس الذي ~~كتب يقول: «الروايات التصوفية لا توضح فحسب الوصف ما بعد الحضوري لتجربة غير قابلة ~~للرواية باللغة المتاحة، بل إن هذه التجارب نفسها صاغتها على نحو لا مفر منه ~~تأثيرات لغوية سابقة، لدرجة أن التجربة المعاشة تتفق مع نسق سابق الوجود تم ~~تعلمه، ثم قصده، ثم تحققه في الواقع التجريبي للمتصوف.» # 14 # وكما توضح مئات الكتابات الصوفية، وبالرغم من التركيز الكبير على التجربة ~~الفردية العفوية في نموذج تصوف القرن العشرين، فإن الصوفيين لطالما كانوا على قدر ~~بالغ من الوعي بالروابط الخطابية التي تربطهم بأسلافهم، وهذا الوعي بالتقليد هو الذي ~~جعلهم «مسلمين» صوفيين بدلا من كونهم روادا جذابين أو مؤسسين لأديان جديدة. ~~وهكذا، فإن هذا الوعي الذاتي للصوفيين بأنهم أعضاء في مجتمع أكبر، يتكرر عبر الزمان ~~من خلال موافقة الشيوخ السابقين الموثوق فيهم؛ هو ما جعلهم أعضاء في تقليد ومحافظين ~~على ms009 استمراريته. والسبب في ذلك كما يقول عالم الاجتماع إدوارد شيلز هو أن التقليد ليس ~~فقط «ما ينقل أو يتوارث من الماضي»، لكنه أيضا «كل ما له نماذج تمثيلية أو ~~حراس.» # 15 # بالمثل، وكما هو الحال مع نماذج القدوة المقدمة من قبل أولياء الصوفية في ~~الأزمان الماضية، الذين ما زالوا في الذاكرة، فإن «هناك سمة معيارية كامنة في أي تقليد ~~اعتقادي مطروح للقبول.» # 16 # على النقيض من نموذج التصوف القديم للأفراد المنعزلين الهامشيين، فإن نموذج ~~التقليد الجمعي القوي مفيد في فهم التاريخ الصوفي من عدة نواح؛ أولا: أنه يدرك أهمية ~~دور السلطات الخارجية والماضية للأطراف الثلاثة في إعطاء قيمة كبيرة للتجارب والقرارات ~~والتعاليم والكتابات الفردية. ثانيا: أنه يدرك أبعاد الصوفية الكثيرة غير العفوية ~~والسلطوية والمناهضة للفردية في بعض الأحيان. ثالثا: أنه يناسب أغراض الدراسة ~~التاريخية؛ لأنه على النقيض من انعدام القيمة الزمنية الذي يصاحب التركيز «الآني» ~~الشديد للتصوف، فإن نموذج التقليد يوضح كيف أن متلقي التقليد يمتلكون وعيا ~~ذاتيا تاريخيا خاصا بهم كأفراد يعيشون في علاقة مستمرة (إن لم تكن مفسرة ~~ومبتكرة غالبا) مع ماضيهم. رابعا وأخيرا: أنه يأخذ بعين الاعتبار الطبيعة ~~التراكمية للصوفية خلال ظهورها التدريجي كمنتج ثقافي متعدد الأجيال ظهر في نهاية الأمر؛ ~~ومن ثم فإنه يفسح مجالا أمام التطوير والتنوع. بالإشارة إلى هذه الدينامية التي ~~يغطيها غالبا التماسك الظاهري للتقليد، يصف شيلز كيف أنه «من المحتمل أن يمر ~~التقليد بتغيرات كبيرة جدا، ومع ذلك، قد يرى المتلقون أنه لم يتغير على نحو ~~كبير.» # 17 # إن هذه الاستمرارية القائمة على النظر للماضي فيما يتعلق بالتعاليم التي ~~يعتقد الصوفيون أنها ميراث النبي محمد لورثته الصالحين؛ هي ما جعلتنا نعرف ~~الصوفية باعتبارها تقليدا وفقا للمعايير التي حددها إدوارد شيلز. ~~(2) من الهامشية إلى القوة: تحديد سياق الصوفية # بعد تناول مسألة التقليد كمفهوم ومحتوى، يجب أن نلتفت الآن إلى التركيز السياقي ~~لهذا الكتاب، الذي يقدم الصوفيين باعتبارهم لاعبين اجتماعيين مؤثرين وأقوياء، ~~وليس باعتبارهم معارضين للحياة الاجتماعية؛ ومن ثم يعيشون على الهامش في المجتمع. ms010 وكما ~~هو الحال مع تحول تركيز الكتاب من التصوف إلى التقليد، فعند تركيز الكتاب على قوة ~~الصوفيين بدلا من هامشيتهم، فإننا نتناول مسألة إعادة التأكيد بدلا من مسألة ~~الرفض. فعلى الرغم من أنه بالتأكيد كان يوجد الكثير من الصوفيين الهامشيين (والخارجين ~~كذلك عن الأعراف على نحو كامل)، فإن الفكرة المقدمة في هذا الكتاب هي أنه بفضل ~~الأتباع الأقوياء للصوفية وليس الهامشيين، تمكنت من ترك بصمة قوية جدا في المجتمعات ~~التي انتشرت في ربوعها. ونتيجة للعمليات التاريخية والاستراتيجيات الجمعية الموضحة ~~في الفصول التالية، فإن هذا الاكتساب للقوة كان تدريجيا بالتأكيد. إلا أنه بحلول ~~فترتي العصور الوسطى وأوائل العصر الحديث، كان هذا الاكتساب حقيقيا على نحو كاف؛ ~~بحيث يسمح لنا بالحديث عن «مؤسسة» صوفية اجتماعية ودينية في أجزاء كثيرة من العالم ~~الإسلامي. وعلى الرغم من وجود الكثير من الصوفيين الهامشيين والمنحرفين الذين عاشوا ~~في هذه الفترة، فإن المؤسسة الصوفية حققت مكانتها وحافظت عليها بنجاح أفرادها في ~~تقديم أنفسهم باعتبارهم مجسدين للإسلام الحنيف الذي جاء به النبي محمد، وبالتأكيد ~~باعتبارهم ورثته الأحياء. وحتى في حالة ازدهار المجموعات الصوفية الرافضة للأعراف ~~المجتمعية والهامشية اجتماعيا (كما في حالة الحركة «القلندرية» التي ظهرت في فترة ~~العصور الوسطى)، فإنه من المنصف على الأرجح القول بأن قدرتهم على الإفلات من العقاب ~~على انتهاكهم للأعراف الاجتماعية، كانت في حد ذاتها انعكاسا لما حظيت به الصوفية من ~~قوة ومكانة في وقت هذه المجموعات. # عند التحدث عن قوة الصوفيين، يجب أن نميز بين ثلاثة أنواع رئيسية من القوة التي ~~سنرى اكتسابهم إياها في الفصول التالية؛ وهذه الأنواع هي: القوة الخطابية، والقوة ~~الإعجازية، والقوة الاقتصادية. تشير القوة الخطابية إلى السلطة التي حصلت عليها ~~الصوفية كخطاب يتضمن مجموعة مشروعة من الكلمات والمفاهيم، والنماذج المجتمعية ~~والكونية المؤثرة، والنماذج السلوكية والخلقية التي يقتدى بها. كان خطاب الصوفية ~~نفسه أحد مقومات التقليد؛ لأنه استمد سلطته من ربط نفسه بالقرآن والسنة؛ وهي ~~النموذج النبوي الذي قدمه النبي محمد. إن القوة الخطابية التي اكتسبتها الصوفية من ~~ربط نفسها ms011 بالسنة الحنيفة تشير إلى الطريقة التي لم يقتصر فيها دور الصوفية على ~~كونها نوعا من التجارب أو حتى المعتقدات، بل كانت فيها خطابا له القدرة على تشكيل ~~أفعال الآخرين من خلال تقليدهم للنماذج القدوة التي يقدمها. وبإبعادنا عن التركيز ~~على التجربة التي لا وسيط فيها في نموذج التصوف، فإن هذه القدرة القوية على تشكيل ~~السلوك والتصرف كانت أيضا من مقومات التقليد، من حيث قدرة التقاليد على تعزيز «أنماط ~~أو صور للتصرفات»، وكذلك «المعتقدات التي تتطلب أو تزكي أو تنظم أو تبيح أو ~~تحظر إعادة القيام بتلك الأنماط.» # 18 # النوع الثاني من القوة الذي سنعرض كيفية اكتساب الصوفيين له، هو القوة الإعجازية، ~~التي تتمثل في قدرتهم - حسبما يرى الكثيرون - على اجتراح المعجزات والعجائب نتيجة ~~لقربهم الخاص من الله. يرى إيه جيه آربري وكثير من المعلقين المسلمين الإصلاحيين ~~في القرن العشرين أن هذا التعاطي الكبير مع الجانب الإعجازي مثل «الجانب المظلم من ~~الصوفية في مرحلتها الأخيرة»، عندما «كان تأثيرها في أكثر فتراتها انحطاطا شرا ~~بالكامل.» # 19 # إلا أنه في دراسة تاريخية مثل هذه يجب أن يكون الهدف هو الوصف والفهم ~~بدلا من الوعظ. وعلى الرغم من أن نموذج تصوف القرن العشرين المتحرر علميا من ~~الأوهام والبروتستانتي الثقافة يفرق على نحو قاطع بين التصوف وصانعي المعجزات، ~~فإن الحقيقة التاريخية للأمر هي أن زعم الصوفيين المتعلق بصنع المعجزات كان غير قابل ~~للانفصال عن زعمهم القرب التصوفي من الله. مرة أخرى، إن الأولياء الذين كونت ~~أقوالهم وأفعالهم التقليد الصوفي هم من يجب أن يكونوا محور الاهتمام؛ فالمتصوف البارز ~~هو الذي يصنع المعجزات. وعلى الرغم من أنه دائما ما كان يظهر المسلم العادي الذي ~~يتحدى قدرة الصوفيين على إظهار تلك القدرات، فإنه - كما توضح الفصول التالية - كان ~~يوجد عدد أكبر من الأشخاص - بداية من السلاطين والتجار وحتى الفلاحين ورجال القبائل - ~~الذين سعوا إلى الاستفادة من هذه القدرات، من خلال تكوين علاقات مع الصوفيين. ونظرا ~~لأن هذه العلاقات، سواء فيما يتعلق بالمحتالين أو الملوك، كانت عادة علاقات ms012 تتلمذ، ~~فإن القدرة على اجتراح المعجزات تحولت بدورها إلى سبيل للتأثير الاجتماعي. # إن البناء على هذا التأثير الاجتماعي ودعمه نتج عنهما ثالث أنواع القوة التي ~~اكتسبها الصوفيون، ألا وهو القوة الاقتصادية. فلقد بدأ الصوفيون البارزون، بداية ~~من فترة العصور الوسطى، في تلقي هبات كبيرة (وهائلة في حالات قليلة) من الأراضي ~~والعقارات من المريدين المنتمين إلى الطبقة الحاكمة، وكذلك تلقي عطايا نقدية أو ~~عينية أقل من الأتباع الأقل غنى. وعلى الرغم من حديث هؤلاء الصوفيين البارزين ~~المطول عن الزهد، فإن أشكال تبادل العطايا هذه وضعتهم ضمن النخبة الضئيلة المميزة ~~في المجتمعات ما قبل الصناعية، التي كانت الصوفية نشطة فيها حتى العصور الحديثة. في ~~هذا الصدد أيضا، نرى عمل الصوفية كتقليد؛ لأن الحاجة إلى نقل الأملاك عبر السلالات ~~الأسرية جعلت الورثة الماديين للصوفيين الأقوياء اقتصاديا هم في الوقت نفسه ~~ورثة التقليد الصوفي؛ لذلك ورثت السلالات الأسرية الصوفية الأملاك إلى جانب ~~التعاليم والقدرات المباركة. ونظرا لأنه لا يمكن أن يوجد أي شكل من أشكال المعرفة ~~القوية بمعزل عن أشكال القوة المادية، فقد كانت القوة الاقتصادية للصوفية مهمة ~~للصورة العامة التي اكتسبتها؛ ولذلك أصبحت القوى الخطابية والإعجازية والاقتصادية ~~للصوفيين في حالة اعتماد متبادل في نهاية المطاف. وإذا كان هناك يوما اتجاه ~~لاعتبار ظهور امتلاك هذه القوة انتقاصا من ورع الرسالة الصوفية، فيمكن الرد بأن ~~رؤية التاريخ الديني من هذا المنظور المحمل بالمعتقدات الشخصية رؤية عاطفية ~~ورومانسية. في هذا الصدد أيضا، من المفيد النظر للصوفية باعتبارها تقليدا؛ لأنه لا ~~يوجد تقليد يستطيع مطلقا الاستمرار وتكرار نفسه عبر الزمن دون الاستعانة بالموارد ~~المادية التي تقيم البيوت، والمقررات المالية لتأليف الكتب وممارسة الطقوس، ودعم ~~الأتباع الذين يكونون «التقليد» «الذي يتوارث.» # ومقارنة بالكثير من الأعمال السابقة التي تناولت الصوفية، إذا كان تحويل التركيز ~~هنا نحو القوة والتقليد يوحي بتحول هوبزي، فإن هذا على الأرجح إجراء تصحيحي ~~ضروري؛ إذ إن تلك الرؤية المتعلقة بوجود تقليد قوي تجعل زيادة أتباع الصوفية أمرا ~~مفهوما على نحو أكبر، وكذلك الحال بالنسبة إلى ms013 المعارضة التي أثارتها على نحو ~~متزايد مع تزايد تأثيرها، سواء أكانت من السلطات الدينية المنافسة في فترة العصور ~~الوسطى، أم من بناة الدول في أوائل العصر الحديث، أم من الإصلاحيين المسلمين في ~~العصر الحديث. ففي نهاية المطاف، القوة والنفوذ والامتياز هي التي أدت إلى ظهور ~~استراتيجيات الاستحواذ والدمج والمعارضة التي كثيرا ما أعاقت مسيرة الصوفية. وإذا ~~كانت الفصول القادمة ستسلط الضوء على الصوفيين، بوصفها تأريخا للصوفيين وليس ~~لمنافسيهم، فإنه يجب النظر إلى عرضنا لبعض منافسيهم على أنه يعكس المكانة العالية ~~التي اكتسبها الصوفيون، الذين زعموا أنهم «القطب» أو المحور الذي يدور حوله الكون ~~كله. ~~(3) من السياقات إلى الخصائص: تعريف الصوفية # عند تقديم نبذة عن الخصائص الأساسية للصوفية، من الضروري في مثل هذه الدراسة ~~التاريخية الإشارة أولا إلى أن الوصف التعريفي، الذي نحن بصدد قراءته، ظهر على ~~نحو تدريجي فحسب من خلال سلسلة من التطورات التي أتتبعها في الفصلين الأول ~~والثاني. وبعد قبول هذا التحذير التاريخي، يمكننا الآن تقديم تعريف أساسي للصوفية ~~بوصفها تقليدا قويا من المعرفة والممارسة الإسلاميتين يحقق القرب من الله أو ~~الوساطة لديه، ويعتقد أنه متوارث عن النبي محمد من خلال ورثته من الأولياء ~~الصالحين الذين تبعوه. ومنذ بداية ظهور الصوفيين، نادرا ما اعتبروا أنفسهم سوى مسلمين. ~~ومع زيادة نفوذ التقليد الصوفي، وبالنسبة إلى أعداد كبيرة من المسلمين، بدا أن ~~الإسلام لا يمكن فصله عن الصوفية. وعلى الرغم من أن العرف يمنع ذلك، فقد يكون من ~~الأفضل الحديث عن «الإسلام الصوفي» بدلا من «الصوفية»؛ إذ باستثناء بعض المجموعات ~~الخارجة عن الأعراف، فإن الصوفيين في العموم اتبعوا أساليب التقليد الإسلامي، ~~فواظبوا على الصلاة التي تعد العبادة الأساسية التي تمارس كل يوم، وأدوا صيام ~~شهر رمضان المعظم، والتزموا بكافة أنواع الأحكام الشرعية المتبعة في مجتمعهم. ~~والأكثر أهمية أنهم اتبعوا كذلك مجموعة من الممارسات النافلة، أهمها: ذكر الله ~~الذي كانوا يؤدونه بطريقة إنشادية؛ و«المراقبة» وهي تأمل جوانب مختلفة من النفس ~~والله؛ و«الإحسان» وهو إثراء الفضائل الأخلاقية من خلال اتباع «الآداب» (قواعد ms014 ~~السلوك) الشرعية؛ و«الصحبة» أي التفاعل المحترم مع شيوخهم. واستخدمت بعض مجموعات من ~~الصوفيين (لكن ليس كلها على أي حال) ما يعرف ب «السماع»؛ أي الاستماع الطقسي ~~للموسيقى والشعر كوسيلة للوصول لما يعرف ب «الأحوال»، وهي حالات النشوة التي تجعلهم ~~أكثر قربا من الله أو من الأولياء الصالحين. # لطالما شدد الصوفيون على ضرورة القيام بكل هذه الممارسات تحت إشراف شيخ مرشد ~~تلقى هذا التقليد؛ ومن ثم فهو (من الناحية النظرية على الأقل) سلك هذا المسلك ~~من قبل. وعلى نطاق واسع، اعتبرت الطاعة الكاملة للشيخ من أساسيات حياة الصوفي. ومنذ ~~فترة العصور الوسطى، جمع هؤلاء الشيوخ والمريدون أنفسهم في جماعات تعرف ب ~~«الطرق»، ومثلت هذه الطرق القنوات المفاهيمية - والمؤسسية في نهاية الأمر - عبر ~~الزمان والمكان، التي ساهمت في تأسيس الصوفية كتقليد يعتبره أتباعه التراث السري ~~للنبي محمد. مثلت طقوس الالتحاق بإحدى هذه «الطرق» وما يصاحبها من «بيعة» - أي ~~تعهد بالولاء للشيخ - اكتساب الشخص الرسمي لصفة المريد. وعلى الرغم من أن طقوس ~~الالتحاق تلك كانت غالبا ما تمارس من قبل مسلمين بالغين ساعين إلى التنوير ~~الروحاني، فإنه من الناحية العملية خضع كثير من المسلمين لتلك الطقوس وهم أطفال؛ كي ~~يتأكدوا من حصولهم على الحماية الاجتماعية والروحانية لشيوخهم في مسارهم عبر ~~الحياة. # من الناحية النظرية، إن الهدف من الالتحاق بطريقة صوفية ما هو إلا تعلم ممارسات ~~الآداب والذكر والمراقبة المتوارثة من شيوخها؛ بهدف الوصول إلى «فناء» النفس (أي ~~الذات الدنيا) الذي يقود إلى «بقاء» الروح (أي الذات العليا). تلك التجارب يراها ~~الصوفيون باعتبارها «مقامات» (أي محطات) في رحلة الصعود إلى الله، ويعتقدون أنها تمنحهم ~~سلطة توجيه المسلمين الآخرين؛ أي توبيخهم أو حتى معاقبتهم. إن زعم المرور بهذه ~~المقامات أثناء الطريق إلى الله يعني أن هؤلاء الشيوخ الكبار اعتبروا أولياء الله ~~أثناء حياتهم وبعد مماتهم. أما الذين يحظون بأكبر قدر من التبجيل والهيبة من هؤلاء ~~الشيوخ، فقد اعتبروا أنهم «برازخ» حية بين العالم البشري والعالم الإلهي (أي في ~~مكانة وسطى)، ويعملون كوسطاء بين المؤمن العادي ms015 والهرمية السماوية المكونة من ~~الأولياء والأنبياء والله. # بنسب متفاوتة، اعتبر أن كل هؤلاء الأولياء يعلمون صفات الله الإلهية من خلال ما ~~يمتلكونه من «معرفة» خاصة، هذا بالإضافة إلى قدرتهم على صنع المعجزات أو ما يطلق ~~عليه «الكرامات». وإذا كان زعما التنبؤ بالمستقبل وصنع الطلاسم الحامية (الأحجبة) ~~يعتبران في العصور الحديثة منتميين لعالم «الشعوذة» أكثر من انتمائهما لعالم ~~«التصوف»، فإن كلا الأمرين كانا من الخدمات المهمة التي كان يطلبها المريدون من ~~شيوخهم الصوفيين. ونظرا لأن القدرات الإعجازية للأولياء كانت تتراوح بين شفاء ~~الأطفال المرضى وتحديد نتائج المعارك الحربية، فقد كان السلاطين من ضمن مريدي هؤلاء ~~الأولياء بقدر ما كان الفلاحون. وبالرغم من ذلك، لم يكن هؤلاء المريدون أقل أهمية ~~من شيوخهم الأولياء فيما يتعلق باستمرار التقليد الصوفي؛ فمن خلال استقبالهم ~~التعاليم والمعجزات وتقديمهم المناصرة والدعم، سمحوا بالاحتفاء بأفعال وتعاليم ~~شيوخهم وتوارثها. ونظرا لكون الشيوخ والمريدين يمثلان شقي التقليد الصوفي ~~المتلازمين، فقد اعتبرا لأغراض هذا الكتاب شريكين متساويين فيه. # ونظرا لمحورية هذه الروابط بين المريدين والشيوخ، وبعيدا عن كونها السعي الفردي ~~للحصول على الخلاص الشخصي، فإنه من الممكن اعتبار الصوفية محصلة مجموعات مشابهة من ~~العلاقات؛ وذلك على النحو التالي: العلاقة بين الأولياء وأتباعهم، والعلاقة بين قراء ~~وكتاب النصوص الصوفية، والعلاقة بين النبي محمد والشيخ الوسيط والمؤمن البسيط، ~~والعلاقة بين الشيخ ومن يطيعونه؛ حيث إن الطاعة الكاملة لطالما كانت الأساس العاطفي ~~للتقليد الصوفي. وفيما يتعلق بمساعي الصوفيين الشخصية للخلاص، فقد فعلوا ذلك عادة ~~من خلال إدارة تلك العلاقات بين الحي والميت، والمادي والنصي، والمرئي وغير المرئي. إن ~~هذا الوصف للصوفية القائم في جوهره على العلاقات، هو ما جعل تعبيراتها ومكوناتها ~~المتنوعة حاضرة في قلب كثير من المجتمعات المسلمة التي في حد ذاتها ترابطت معا ~~بمجموعات من العلاقات التي تشربت هذه الروابط الصوفية المباركة، وتضافرت معها. إن ~~نتائج هذه العلاقات التي أسفرت عن التقليد الصوفي الذي تراكم في أماكن كثيرة عبر ~~قرون كثيرة، هي ما يركز عليه هذا الكتاب. ~~(4) نظرة عامة على السرد المقدم ms016 في الكتاب # تقدم الفصول القادمة سردا تاريخيا لظهور التقليد الصوفي والانتشار الاجتماعي ~~والجغرافي الذي صاحب استحواذه التدريجي على السلطة والمكانة. وقد اقتضت الحاجة ~~لتقديم سرد متماسك وسلس وجود تقييم غير معلن على نحو كبير للمصادر الأساسية أو ~~الثانوية المختلفة؛ ومن ثم، يجب على الطلاب الراغبين في تقييمات تأريخية دقيقة ~~الرجوع إلى المقالات النقدية الحديثة التي كتبها باحثون مثلي ومثل ألكسندر كنيش ودينا ~~لي جال. # 20 # ولمساعدة القراء في وضع الصوفيين في إطار مفاهيم أكبر خاصة بالتاريخ ~~الإسلامي، والتاريخ المقارن، والتاريخ العالمي في نهاية المطاف، قسم سرد الكتاب إلى ~~أربع فترات تقليدية إلى حد كبير، لكنها فترات يعتقد أنها تشتمل على تطورات مميزة ~~في التاريخ الصوفي نفسه. وهذه الفترات التي يتناولها الكتاب في أربعة فصول هي كالتالي: ~~فترة أوائل العصور الوسطى (800-1100)، وفترة العصور الوسطى (1100-1400)، وفترة أوائل ~~العصر الحديث (1400-1800)، وفترة العصر الحديث (1800-2000). الفصول مؤلفة بطرق ~~مختلفة على نحو تدريجي؛ فبينما يركز الفصل الأول على المفكرين الأوائل والنصوص ~~الأولى اللذين قدما الأسس والمصادر اللاحقة للتقليد الصوفي، يركز الفصل الثاني ~~على العمليات التي تمكن من خلالها هذا التقليد من التكيف والتوسع في سياقات ~~جغرافية واجتماعية مختلفة. ونظرا لتناول الفصل الثالث لفترة التوسع الصوفي «ذي ~~الطابع العالمي» في أفريقيا وجنوب شرق آسيا وحتى الصين، فإنه يتناول جوانب جغرافية، في ~~حين أن الفصل الرابع يلتفت إلى التأريخ السياسي ليتتبع أحوال التقليد الصوفي في ~~العصر الحديث، فيما يتعلق بفترتين مترابطتين، هما فترة الاستعمار وفترة عولمة ما بعد ~~الاستعمار. # ونظرا للطابع المتغير للمصادر التي تناولت هذه الفترات المختلفة، واختلاف أنواع ~~الخبرات والمناهج الأكاديمية التي انجذبت إلى تلك المصادر، فإنه لا بد من وجود تحول ~~في التركيز مع تقدم هذه الفصول؛ من التركيز على كتابات «الرجال العظماء» الحضريين ~~المستقلين في الفصل الأول، إلى العرض التدريجي لمجموعات اجتماعية وتطورات أخرى ~~بدلا من التركيز على التطورات الفكرية. إن معظم القراء الأكثر حصافة سيدركون بسهولة ~~أن هذا جزء من مسعى البحث التاريخي والتاريخ الصوفي نفسه؛ فمع ترك الكثير ms017 من ~~الصوفيين، على اختلاف طرقهم، أنواعا مختلفة من التراث - سواء النصي، أو المادي، أو ~~الطقسي - لورثتهم، تمكن الباحثون من تكوين صور أكمل لعوالمهم. على الرغم من ذلك، ~~وعلى النقيض من الدراسات السابقة للصوفية، فقد خصصت في هذا السرد مساحات متساوية ~~تقريبا لكل فترة من الفترات الأربع، هذا بالرغم من أنه من الجائز القول إن المتخصصين ~~سوف يجدون الكثير من الأمور المألوفة حقا بالنسبة إليهم في أجزاء من الفصلين الأول ~~والثاني؛ نظرا لأن الفترات الأولى قد حظيت بتناول أكبر بكثير. بالرغم من ذلك، عند ~~تناول التوسع العالمي المتزايد تدريجيا للصوفيين، يقدم الفصل الثاني، والفصلان ~~الثالث والرابع بصفة خاصة، تغطية لمناطق في أفريقيا ووسط آسيا وجنوبها الشرقي وجنوبها، ~~وأخيرا أوروبا التي اعتبرت عادة هامشية بالنسبة إلى «مواطن» الصوفية، المفترض ~~أنها واقعة في الشرق الأوسط. وحتى إذا وجد بعض القراء في بعض المواضع أن الموضوع ~~مألوف بالنسبة إليهم، فإنني آمل أن يضفي نطاق التناول والنموذج الشامل لتقليد ~~يتطور ويتوزع تدريجيا في سياقات كثيرة مختلفة؛ الأصالة على السرد ككل. # تتمثل خطورة تناول هذا القدر الكبير من الموضوعات في كتاب واحد في فقدان الوضوح ~~وسط هذا الكم الكبير من البيانات، خاصة في الفترات التي شهدت التوسع السريع ~~للصوفية بداية من أوائل العصر الحديث. لهذا السبب، قد يكون من المفيد في هذه المرحلة ~~أن نوضح بأبسط طريقة التفسير الكلي للتاريخ الصوفي الكامن في هذا السرد. تتمثل ~~الحجة باختصار في أن التقليد الصوفي تشكل على نحو تدريجي في أوائل فترة العصور ~~الوسطى، داخل الدوائر نفسها التي تكونت فيها الفكرة الإسلامية المعيارية الخاصة ~~بالسنة التي تمثل النموذج النبوي؛ ففي القرنين التاسع والعاشر، كتبت مجموعة ~~متنوعة من المفكرين المقيمين في العراق وإيران سلسلة من الأعمال باللغة العربية، أصبحت ~~أساسية في تقديم المصادر الاصطلاحية والمفاهيمية التي ستورث إلى الأجيال التالية. ~~نقلت مصطلحات هذا المعجم الصوفي على هيئة كلمات مقترضة إلى اللغات الإسلامية ~~المتعددة، ومثلت مع النماذج الخطابية التي طورتها الإطار المفاهيمي للصوفيين في ~~العصور الحديثة. # 21 # ومنذ أوائل القرن الحادي ms018 عشر، بني الجيل الثالث والجيل الرابع من ~~الصوفيين على أفكار المنظرين الأوائل، هذه الأفكار التي تكون متناقضة في بعض ~~الأحيان؛ من خلال وضع سجلات أنساب وتواريخ لتعاليمهم تربطها بوقت قديم يعود إلى عصر ~~النبي محمد. منذ هذه اللحظة فصاعدا، أصبح هذا الميل إلى النظر إلى الماضي ضروريا ~~للوعي الذاتي التاريخي الذي قدم تعاليم الصوفيين كتقليد يمكنهم أن يقدموه على ~~أنه العقيدة الأسمى التي توارثوها دون انقطاع عن النبي محمد نفسه. # بالتمسك بما حوله الصوفيون في فترة العصور الوسطى من بلاغة خطابية إلى تقليد راسخ ~~ملموس، تمكنوا من الحفاظ على وضعهم المعياري المحترم عندما جعلهم انهيار السلطة ~~الإسلامية المركزية ممثلين مهمين للكيانات القبلية الضعيفة التي ناصرتهم في ~~المقابل. ومع توسعهم حينها في مناطق حدودية جديدة في جنوب شرق آسيا، وأيضا في ~~أفريقيا في أوائل العصر الحديث، تمكنوا من الحفاظ على مكانتهم هذه حتى بالرغم من ~~اندماجهم المتزايد في دول إمبريالية أكثر قوة، وحملة التصحيح التي أعقبت بداية ~~الألفية الإسلامية عام 1591. وأثناء الانهيار الكبير للقوة التجارية والسياسية ~~الإسلامية في العصر الحديث، كانت الصوفية من بين المؤسسات الإسلامية القليلة الموجودة ~~فيما قبل العصر الحديث، التي نجت من الاستعمار الأوروبي بلا تأثر إلى حد كبير. ~~وباعتبار الصوفيين تجسيدا للتقليد النبوي، وكذلك للتقليد الصوفي في المجتمعات الكثيرة ~~جدا، التي ظلوا يمتلكون فيها الأراضي ويسيطرون على شبكات التعليم والالتحاق بالطرق ~~الصوفية؛ فإن استمرار مكانتهم البارزة في القرن التاسع عشر جعلهم ينجذبون إلى ~~اتجاهات مختلفة بسبب مطالب كل من المريدين المحليين والحكام ~~الاستعماريين. # إن سياسات الإصلاح الإسلامي المعارضة للصوفية، التي دخلت القرن العشرين وهي واثقة ~~في حالات كثيرة من مكانتها العالية المكتسبة من تحالفاتها الحديثة مع الدول ~~الاستعمارية والدول الإسلامية على حد سواء؛ جعلت هذا الكيان الصوفي هدفا طبيعيا ~~للمنافسة والهجوم. ومنذ بداية القرن العشرين تلقت الصوفية الهجوم الأقوى والأكثر ~~نجاحا، سواء على يد إصلاحيين صعدوا إلى طبقة اجتماعية أعلى، وكانوا قادمين من ~~خلفيات غير تقليدية مثل تعليم المدارس الحكومية أو الصحافة، أو على يد أتباع التيار ms019 ~~الحداثي الحاصلين على تعليم علمي، الذين رفضوا الصوفية لكونها رمزا للتقليدية ~~المنحطة التي أدت إلى وقوع المسلمين في قبضة الاستعمار. وعلى الرغم من أنه في ~~نهاية القرن العشرين حافظ عدة ملايين من المسلمين على الروابط التي تربطهم بالأولياء ~~الأموات والشيوخ الأحياء للتقليد الصوفي، وسمحت العولمة لرواد نشر التقليد الصوفي ~~بالعثور على أتباع جدد في أمريكا وأوروبا؛ فقد أصبحت الصوفية بالنسبة إلى المسلمين ~~المتعلمين بصفة خاصة تمثل الفساد والخرافة والتخلف. # أخيرا، ينبغي توضيح المقصود من استخدام الكتاب للفظة «عالمي». الأمر «العالمي» ~~في السرد التاريخي المقدم هنا ليس له علاقة مباشرة بما كتب عن نظرية العولمة، بل ~~هو محاولة لتقديم تناول لكل منطقة على الكوكب انتشرت فيها الصوفية على مدار فترة ~~تزيد عن ألف سنة. علاوة على ذلك، فإن هذا التناول العالمي التدريجي مقدم كسرد ~~تاريخي من الترابط، يوضح أن الصوفية وسيلة ثقافية للترابط والتبادل بين المناطق. ~~ونظرا لامتداد الصوفية من شرق البحر المتوسط وغربه، إلى وسط آسيا وجنوبها في فترة ~~العصور الوسطى، لتصل تدريجيا إلى جنوب شرق آسيا والصين وأفريقيا في أوائل العصر ~~الحديث، وفي النهاية إلى أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية وحتى أستراليا في بداية القرن ~~العشرين؛ فمن المعقول الزعم أن نطاق الانتشار الصوفي كان حقا عالميا. والأهم من ~~ذلك، أن هذا السرد يحاول تحديد بعض العمليات التي تغير من خلالها هذا التقليد ~~الديني الذي تكون في سياق مكاني وزماني (وأيضا لغوي وخطابي) معين؛ تغير من ناحية ~~التكيف واستيعاب اللغات والعادات المحلية، عبر تقديمه إلى بيئات جديدة على نطاق عالمي ~~تدريجي. وعلى الجانب الآخر، يتتبع السرد المشاكل التي سببها ذلك التوسع ~~العالمي للصوفية نتيجة لتكيفها مع الكثير من البيئات المختلفة، خاصة أثناء توسعها ~~الجغرافي الأسرع أثناء فترة أوائل العصر الحديث وفترة العصر الحديث اللتين اتسمتا ب ~~«الطابع العالمي». من المهم على نحو خاص في هذا الصدد معرفة الطريقة التي أدت بها ~~عمليات التكيف - التي انتشرت بمقتضاها الصوفية بداية من القرن السابع عشر في مناطق ~~جديدة - إلى انتشار صور محلية متنوعة من ms020 التقليد الصوفي. وعندما صاحب استراتيجية ~~التكيف العالمية تلك التقلبات الاقتصادية والسياسية لعصور الرأسمالية والاستعمار ~~العالميين، أدى ذلك إلى حملة تصحيح إسلامية سعت إلى إصلاح التقليد الذي اعتز ~~به الصوفيون ونشروه على مدار الألفية الماضية، وسعت إلى قمعه في نهاية المطاف. لذلك، ~~فإن التكيف الثقافي للتقليد الصوفي ، الذي حدث من خلال استيعاب اللغات والعادات ~~المحلية في التقليد، نقض على يد الصوفيين والمعادين للصوفيين في نهاية المطاف، ~~الذين سعوا إلى إنهاء الزخم «التراكمي» للتقليد من خلال تجديد الاهتمام بتعلم اللغة ~~العربية والسنة النبوية. ومع بداية القرن العشرين، عندما أصبح المسلمون أكثر ~~احتكاكا بأنواع المعرفة الأوروبية، أصبحت الصوفية، التي ركبت موجة الانتشار العالمي ~~للإسلام في بداية العصر الحديث، ضحية نجاحها السابق على نحو متزايد؛ ومن ثم أصبحت ~~توجد دينامية دفع وجذب متأصلة تكشف عن نفسها من خلال هذه الدراسة المطولة ~~والموزعة على نطاق عالمي. # في حين أن هذا الاستعراض لمحتوى الكتاب قدم فقط أقصر توضيح للتطورات الأساسية ~~التي ستتناولها الفصول القادمة، فإنه يجب أن يكون واضحا أن الهدف الأساسي للسرد هو ~~تقديم تاريخ الصوفية وفقا لتكوينها على يد مجموعة من العمليات «الطويلة الأمد»، التي ~~من خلالها تشكل التقليد تدريجيا وانتشر، وأعيد تشكيله، وبالنسبة إلى كثيرين، ~~رفض أخيرا في القرن العشرين بسبب المنافسة مع الأشكال البديلة الكثيرة من الإسلام، ~~المطروحة في السوق الدينية العالمية. # الفصل الأول # | الأصول والأسس والمنافسون (850-1100) # (1) السياق # المكان: بغداد في حوالي عام 850 ميلادية. إننا على بعد ما يزيد عن ثمانمائة ميل في ~~الصحراء عن مكان إعلان النبي محمد نزول الوحي عليه في مكة، وقد مضى ما يزيد عن ~~مائتي سنة على موته. وعلى الرغم من أن كلمة «صوفي» (أي مرتدي الصوف) كانت ~~مستخدمة منذ سنوات كثيرة، باعتبارها لقبا أو حتى توبيخا للنساك الموجودين في ~~البرية المحيطة، فإنها استخدمت هنا لأول مرة للإشارة إلى أشخاص في المدينة نفسها. ~~وعلى النقيض من المنعزلين ساكني الجبال والصحراء الذين يكتنفهم الغموض ويعيشون على ~~الهامش، فإن رجال المدينة هؤلاء لم يكتبوا فحسب كتبا تخبر ms021 الآخرين عن كيفية التصرف، ~~لكنهم أيضا حققوا شهرة كافية في أعين المعاصرين والتابعين جعلتهم يناقشون كتبهم ~~ويحافظون عليها. وفي إحدى المفارقات المألوفة في التاريخ الديني، تخبرنا الحقيقة ~~الخالصة التي نعلمها عن هؤلاء الرجال أنهم لم يكونوا شخصيات منعزلة أو غير اجتماعية ~~تنأى بأنفسها عن العالم، بل كانوا شخصيات عامة لديهم حياة عامة في مدينة ربما تكون ~~الأغنى والأكثر عالمية في العالم. بحلول منتصف القرن التاسع كان قد عاش ثمانية ~~أجيال من الآباء والأبناء منذ أن أسس النبي محمد مجتمع المسلمين، وفي العاصمة ~~الثالثة لذلك المجتمع، كان العباد والعلماء من ورثة هذا المجتمع المؤسس أكثر وعيا ~~من ذي قبل بمسئوليات الحفاظ على رسالة النبي محمد في غيابه. إنه وقت إنتاجية غير ~~مسبوقة من الناحية التشريعية والأخلاقية، والروحانية والفكرية؛ فمن خلال تراث النبي ~~والأجيال الأولى من المسلمين، ابتكرت معاني كثيرة للإسلام (ونوقشت وقمعت في بعض ~~الأحيان). وعبر الجيل السابق، وجد المتعلمون وسيلة جديدة لنشر أفكارهم وتبادلها؛ إذ ~~جلبت الطرق التجارية الكبرى للمدينة الورق من الصين ليحل محل الرق والبردي؛ ~~فبدأ الكثير من الكتب يكتب (وينسخ ويباع)، ووجدت الأفكار الجديدة مؤيدين ومنتقدين ~~لها، واكتسب الإسلام نفسه المعاني والأشكال المختلفة للتدين والمؤسسات التي سوف ~~ترثها الأجيال القادمة وينسبونها إلى زمن النبي أو كلمات القرآن الذي جاء به. إذا كان ~~التراث الورقي الذي تركه الصوفيون الأوائل لا ينقل المؤرخ إلى فترة أبكر من فترة ~~أوائل القرن التاسع هذه، فإنه يمكن قول الأمر نفسه عن تدوين التقاليد الإسلامية ~~الأساسية الأخرى مثل الشريعة والسنة النبوية؛ ففي حوالي عام 850، لم تكن المجموعة ~~الصغيرة من الأشخاص الذين يدعون صوفيين منفصلة كليا في اهتماماتها عن الرجال الذين ~~درسوا المبادئ الشرعية، أو بحثوا عن طرق لتمييز الروايات الصادقة عن الكاذبة الواردة ~~عن أقوال وأفعال النبي. وعلى الرغم من أن كلمة صوفي يمكن أن تعني أمورا مختلفة عديدة ~~في أزمنة لاحقة وأماكن أخرى، فهنا حيث انتشر المصطلح لأول مرة، كان يشير إلى الأفراد ~~الذين لهم طريقة خاصة في سلوكهم وتقواهم. تمثلت تلك ms022 الطريقة في تقربهم الشديد إلى ~~الله، وعزوفهم عن متع الحياة، لدرجة أنهم ارتدوا فعليا في البداية - ومع مرور ~~الوقت مجازيا - الملابس الصوفية الثقيلة والخشنة، والمنتنة الرائحة، التي منحتهم ~~اسم الصوفيين، الذي يعني «مرتدي الصوف». # نظرا لحقيقة أن الأكاديميين منذ منتصف القرن التاسع عشر بدءوا يبحثون عن ~~«أصول» الصوفية في الفترة السابقة عن الفترة المذكورة آنفا، فالأمر يتطلب إعادة ~~التأكيد على الأمور التي نجدها (وتلك التي لا نجدها) في بغداد في منتصف القرن التاسع، ~~الذي ظهرت فيه أول بيانات موثوق فيها عن الصوفية. لدينا في الأساس لقب أو اسم وصفي ~~(صوفي) يطلق على أشخاص معينين في منطقة بغداد (بعضهم ترك آثارا مكتوبة)، وسنرى ~~أيضا فيما بعد أنه من المحتمل أنه كان يطلق أيضا على أشخاص خارج بغداد (لم ~~يتركوا آثارا مكتوبة). أما الأمور غير الموجودة بعد في تلك الفترة، فهي الحركة ~~الصوفية، ومجموعة المعتقدات المميزة لها، وبالتأكيد التقليد الصوفي؛ فكل هذه ~~الأمور سوف تتطور لاحقا فحسب؛ ولهذا السبب ليس من الحكمة الحديث عن «الصوفية» كما لو ~~كانت كيانا لديه وجود ذو معنى في ذلك الوقت، بل يمكننا القول إنه في منتصف القرن ~~التاسع كان يوجد أشخاص يطلق عليهم صوفيون ستخضع تعالميهم تدريجيا (وبأثر رجعي ~~كذلك) إلى التمحيص والاستيعاب على يد الأجيال التالية، مع تزايد أعداد الأشخاص الذين ~~يطلقون على أنفسهم لقب صوفيين ويصيغون طقوسا ومعتقدات وزيا لتمييز أنفسهم عن ~~غيرهم، ويؤسسون سجلا تاريخيا قائما على الوعي الذاتي، ليمنح وزنا لأطروحاتهم ~~التي يزعمون أنها صحيحة. ومن خلال الحفاظ على هذا الفرق بين اللقب والشخص، وبين الكلمة ~~وما تشير إليه، سنكون مؤهلين على نحو أفضل للتعامل مع أولى المشكلات التاريخية ~~اللازم مواجهتها هنا؛ ألا وهي: أصول الصوفية. ~~(2) مشكلة أصول الصوفية # لن تكون مبالغة إذا قلنا إن الأكاديميين تناولوا مسألة أصول الصوفيين أكثر مما ~~تناولوا أي مسألة أخرى في التاريخ الصوفي. إلا أن أهمية المسألة نسبية وليست ~~مطلقة؛ إذ إنها تعتمد على نموذج العملية التاريخية التي نستخدمها في فهم الماضي. إن ~~التركيز الأكاديمي على ms023 «الأصول»، الموجود منذ أمد بعيد، نشأ عن وجهة نظر ترى أن العملية ~~التاريخية رأسية بالضرورة؛ أي أنها مجموعة «موروثات» و«مؤثرات» أثرت على كل جيل من ~~الأجيال الماضية، وتلقاها أبناء كل جيل على نحو أعطى شكلا تراكميا لأفكارهم ~~وأفعالهم وإنتاجهم. كان هذا النموذج مؤثرا بصفة خاصة في تطور مجالي الدراسات الدينية ~~والدراسات الشرقية أثناء القرن التاسع عشر، الذي حدثت فيه اكتشافات أثرية ونصية جديدة ~~متعلقة بالتاريخ المسيحي واليهودي القديم، وكان لهذا الأمر أثر كبير؛ إذ جعل أي ~~ممارسة للفحص العلماني لأي تاريخ ديني فحصا «أثريا» يقوم على إزالة طبقات المؤثرات ~~والموروثات المتراكمة، من أجل الكشف على ما يمكن وصفه بأنه «أسس» أي كيان تاريخي. ~~إلا أن العملية التاريخية ليست مجرد عملية رأسية (ولا حتى في الأساس)، واستنادا إلى ~~قرن ماض من التفكير القائم على علم الاجتماع، فقد زادت الآن احتمالية التفكير في ضوء ~~التاريخ الذي يتكون داخل الطبقة الأفقية التي نرى أنها تتمثل في «السياق» ~~و«المعاصرين». وفي هذا الصدد لا ينظر إلى الماضي على أنه أمر غير قابل للتغيير، ~~بقدر ما يعتبر مجموعة من الموارد الثقافية التي يمكن أن تستمر أو تخضع للتعديل أو ~~تنبذ بحسب الرغبة. وكما سنرى لاحقا في مناقشتنا للأدلة المكتوبة التي تركها ~~الصوفيون الأوائل أنفسهم، فقد كانوا حذرين جدا في توجهاتهم تجاه ماضي مجتمعهم ~~الإسلامي، وكذلك مجتمعات الأشخاص غير المسلمين الموجودين في الإمبراطورية ~~الإسلامية. # لهذا السبب ولأسباب غيره، فإنه من الأفضل فهم الصوفيين وكتاباتهم على أنهم نتاج ~~لزمنهم «الأفقي». وهذا لا يعني أن الممارسات أو الأفكار أو حتى المصطلحات المميزة التي ~~استخدمها الصوفيون لم تنشأ قبل القرن التاسع. على النقيض من ذلك، فإنه في المجتمع ~~العالمي للعراق وغيره من السياقات الكثيرة المختلفة التي زاول فيها الصوفيون نشاطهم ~~لاحقا؛ كانت القدرة على الاقتباس الانتقائي من الماضي من العوامل التي منحت الصوفيين ~~جاذبيتهم. إلا أن اقتباس عناصر ثقافية معنية لا يعني التنازل عن تكامل المنتج ~~النهائي؛ فكما يبدو أن المشرعين المسلمين الأوائل اقترضوا عناصر من قانون الولايات ~~الخاص بالرومان ms024 المتأخرين عند وضع أنظمتهم القانونية، وأن الخوارج المسلمين صنعوا من ~~أنفسهم نماذج سردية للعنف أو الاستشهاد لأغراض دينية، وهو الأمر الذي ظهر لأول مرة في ~~الإمبراطورية البيزنطية؛ فإنه يبدو أن بعض الصوفيين الأوائل قد اقتبسوا مثلهم عناصر من ~~الفكر المسيحي والممارسات المسيحية من أجل أهداف خاصة بهم. # 1 # إن هذه الاقتباسات النقدية والانتقائية لا تقلل بالضرورة من كون ~~الإبداعات النهائية ناتجة عن الدوائر الإسلامية العالمية في العراق في القرن التاسع، ~~إلا إذا كنا نعمل وفقا للمعيار الديني لا التاريخي، ذلك المعيار الذي ينص على أن كل ما ~~هو إسلامي يجب أن يكون نابعا من القرآن. وبدلا من التفكير من منظور «الاقتباسات»، من ~~الأفضل أن نعتبر أوجه التشابه جزءا مما وصف بأنه «لغة سيميائية مشتركة» كانت مألوفة ~~لدى كل من المسلمين والمسيحيين واليهود في القرون الأولى من الحكم الإسلامي. # 2 # من الأمثلة الجيدة على هذه المصطلحات الرمزية (واللغوية بالتأكيد) مصطلح «صوفي» نفسه؛ ~~فعلى الرغم من وجود مجموعة أصول لغوية بديلة مزعومة (بما فيها الكلمة اليونانية # sophia # التي تعني الحكمة)، فقد أصبح المصطلح ~~مقبولا في العموم الآن باعتباره اشتقاقا من الكلمة العربية «صوف»، مما يجعل «الصوفي» ~~هو الشخص الذي يرتدي الملابس الصوفية كما رأينا. أما الباحث الأكثر دقة في تاريخ ~~المصطلح، فيرى أن هذا المصطلح ظهر لأول مرة في بيئة مسيحية وليس في بيئة إسلامية، ~~للإشارة إلى اتجاه مخالف ظهر في أواخر القرن السادس بين المسيحيين النسطوريين في ~~سلوقية-قطسيفون، على بعد حوالي عشرين ميلا جنوب المكان الذي شهد عام 762 تأسيس ~~بغداد. # 3 # وعلى الرغم من أن اللغة الرسمية للكنيسة النسطورية كانت السريانية، فمع ~~مرور العقود بعد الفتوحات العربية للمنطقة في الأعوام التي أعقبت وفاة النبي محمد عام ~~632، فقد كثير من النسطوريين قدرتهم على فهم اللغة السريانية، وطالبوا بكتابة ~~المراسيم الكنسية باللغة العربية. لقد كانت اللهجة المسيحية العربية هذه هي التي نشرت ~~مصطلح «لابس الصوف»، ومن ثم مصطلح «صوفي»؛ للإشارة إلى مجموعة من الزهاد المسحيين ~~في العراق، الذين تشارك معهم الزهاد المسلمون ms025 الأوائل في كل من الكلمة والممارسة ~~بصفتهما «ارتباطا بالمكانة البسيطة والمتواضعة، واهتماما بالقيم وليس ~~الماديات.» # 4 # تتمثل نقطة الضعف في هذا الزعم في أن الأجزاء الرئيسية من الدليل إما مفترضة معتمدة ~~على استخدامات نظرية للكلمة قائمة على التخمين، وإما معتمدة على الاستخدامات الأولية ~~المزعومة المدونة فقط في مصادر متأخرة. لكن توجد مشكلات أكبر تخص هذا الزعم أيضا؛ ~~أولا: توجد المسألة الخاصة بقدر الأهمية الذي نود أن نمنحه للاسم، والمسألة الفرعية ~~المتمثلة فيما إذا كان هذا الاسم ومعنى أصله «الأصلي» لهما علاقة مباشرة أو اعتباطية ~~بالأشخاص أو الأفكار أو النشاطات التي أصبحا يشيران إليها في السياقات الإسلامية ~~اللاحقة. في دراسة كلاسيكية لثمانية وسبعين تعريفا من التعريفات الإسلامية القديمة ~~لمصطلح «صوفي» ومصطلح «تصوف» المشتق منه، والذي يعني «لبس الصوف» أو «اتباع الصوفية»، ~~وجدنا تعريفا واحدا فقط يشير إلى لبس الصوف، وقليلا من التعريفات الأخرى التي تشير ~~إلى ممارسات الزهد في العموم، وكانت الغالبية العظمى من التعريفات تشير إلى القيم ~~المعنوية والنزعات الأخلاقية. # 5 # يبدو أن هذا الدليل ينقض الارتباط بين المعنى الإسلامي والمعنى المسيحي ~~المزعوم لكلمة «صوفي»، بحيث يشير إلى أنه في سياقات الاستخدام المختلفة كانت «الأمور» ~~التي تشير إليها الكلمة مختلفة تماما. إلا أن المشكلة في هذا الصدد أيضا تتمثل في ~~أنه على الرغم من أن هذه التعريفات الثمانية والسبعين منسوبة إلى شخصيات في أوائل ~~القرن التاسع، فإنها ظلت فقط باعتبارها اقتباسات في المصادر المتأخرة. مرة أخرى، ~~نواجه مشكلة تتمثل في أننا كلما أوغلنا في الفترة السابقة على الانتشار الكبير ~~للأعمال المكتوبة في القرن التاسع، أصبحت المصادر إما غير مباشرة وإما غير موجودة على ~~الإطلاق؛ ومن ثم لا يصبح لدينا إلا اقتباسات متأخرة من شخصيات قديمة، أو تخمينات ~~افتراضية للأنماط الكلامية القديمة. # ثانيا: إذا نظرنا إلى ما وراء موضوع اللغة، فإننا سنجد المسألة الأكثر جوهرية ~~المتمثلة فيما إذا كان يوجد اقتباس من جانب المسلمين للممارسات المسيحية إلى جانب ~~المفردات المسيحية، بالإضافة إلى المسألة الفرعية المتمثلة فيما إذا كان هذا الاقتباس ~~قد ms026 شكل الأنشطة الفعلية لهؤلاء المسلمين الذين سيطلق عليهم اسم «صوفيين» في القرن ~~التاسع. في هذا الصدد، من المفيد العودة إلى نموذج المصطلحات السيميائية واللغوية في ~~بعض الحالات التي اشترك فيها المسلمون والمسيحيون، وليس النموذج الذي امتلكه كل منهم ~~على نحو حصري. ومن المهم أيضا هنا أن نأخذ في اعتبارنا السياق؛ ففي القرون الأولى من ~~التاريخ الإسلامي كان عدد المسيحيين في البيئات التي عاش فيها المسلمون في مناطق مثل ~~سوريا والعراق ومصر يفوق عدد المسلمين. كان الهلال الخصيب في منطقة الشرق الأوسط، الذي ~~كان مسيحي الطابع حتى أكثر من أوروبا الغربية في ذلك الوقت، ساحة تعج بالكنائس ~~والأديرة وأضرحة القديسين. لم تنل هذه المواقع وقاطنوها الحماية القانونية ~~للإمبراطوريات الإسلامية الجديدة فحسب، بل استوعبها أيضا الحكام المسلمون بعدة طرق ~~مختلفة؛ فقد اعتبرت أضرحة الأنبياء والقديسين المسيحيين مزارات دينية للمسلمين، ~~وأصبحت الأديرة بالنسبة إلى المسلمين أندية تقدم الخمر، ويتجمع فيها الشعراء، ~~ومكتبات للمثقفين المهتمين بالأدب، وساعد الباحثون المسيحيون في ترجمة التراث ~~الفكري اليوناني والروماني إلى العربية، الذي حفظه على نحو انتقائي الأسلاف ~~المسيحيون. # 6 # وهكذا، لا يوجد أي شك في أنه كان هناك تنوع في أشكال تفاعل المسلمين مع ~~المسيحيين، على الأقل حتى عام 850 تقريبا. # لطالما اعتبر أن لبس الصوف يشير إلى أوجه الشبه مع الممارسات الزهدية لمسيحيي ~~الشرق، خاصة في سوريا؛ حيث كانت عاصمة المسلمين في دمشق في الفترة ما بين عامي 661 ~~و750، قبل أن تنتقل إلى العراق بقيام الدولة العباسية. وكرد فعل على نزعات البحث عن ~~أصول الصوفيين في الفكر الهندي التي ظهرت في القرن التاسع عشر، كشف الباحثون في ~~ثلاثينيات القرن العشرين عن أدلة تفصيلية عن أوجه التشابه بين «الزهاد» المسيحيين ~~والمسلمين؛ وقيل إن هذا التراث الزهدي المشترك مهد الطريق لتحول الصوفيين إلى ~~«زهاد» ناضجين مهتمين بالتجربة والمعرفة بدلا من تعذيب الجسد. # 7 # إن هذا الوضع للمسلمين الأوائل في سياقاتهم التعددية رأيناه أيضا في ~~الاتجاه الحديث الساعي إلى رؤية كل من التطورات المسيحية والإسلامية القديمة في إطار ~~بيئتهما ms027 الاجتماعية المشتركة. وتمثلت هذه الطريقة في أبسط صورها في وضع الأدلة الخاصة ~~بالأنشطة المسيحية والإسلامية جنبا إلى جنب، والإشارة إلى أوجه التشابه وأدلة التفاعل ~~المباشر بينهما كلما أمكن، واستخدام ذلك كأدلة على تأثير المسيحيين على المسلمين، ~~بالإشارة إلى أوجه التشابه من أمثال أنماط الصلاة، والأقوال والتوجهات، بالإضافة إلى ~~الملابس. # 8 # إلا أن الجدل حول الأصول يتحرك في هذا الصدد في اتجاهين يجب الفصل بعناية ~~بين نتائجهما المختلفة. بالنسبة إلى الباحثين الذين كتبوا في ثلاثينيات القرن العشرين، ~~في الحالتين الإسلامية والمسيحية على حد سواء، كان الانعزال وتعذيب الجسد الخاصان بحياة ~~الزهد مهدا طبيعيا (وعالميا في واقع الأمر) لتطور «التصوف». كان التصوف بدوره ~~يعتبر حاجة عالمية تهدف إلى «معرفة الحقيقة المطلقة، وفي النهاية تكوين علاقة ~~واعية مع الحق تتوحد من خلالها الروح مع الله.» # 9 # بعبارة أخرى، إن هذا التفسير يقدم نموذجا تطوريا للتاريخ لا يكون فيه ~~الزهد غاية في حد ذاته، بل لا بد أن ينضج ويتحول إلى تصوف، وهذا التصوف هو ما يقول ~~المؤلف إن الصوفيين يمارسونه. إن هذا الانهيار للاختلافات (وبالطبع التعارض ~~المحتمل) بين فئة الزهاد وفئة المتصوفين يقدم - نوعا ما - سردا خاليا من ~~الصراع؛ ومن ثم، يعتبر الزهاد المسلمون القدماء الذين بدوا متأثرين بممارسات ~~جيرانهم المسيحيين هم المسئولون المباشرون عن ظهور الصوفيين الذين احتاجوا بدورهم مرة ~~أخرى - أثناء تطويرهم للنماذج الماورائية الأكثر تعقيدا للتفاعل البشري والإلهي الذي ~~يتطلبه «التصوف» - إلى الأخذ عن المسيحيين الذين كانوا موجودين من قبلهم، وكانوا ~~متقدمين عن المسلمين في المسعى العالمي نفسه للتطور الروحاني. # شكل 1-1: أساليب حياة الزهد: كشكولان (أي وعاءان للتسول)؛ أحدهما مصنوع من ~~الخشب، والآخر من جوز الهند البحري (تصوير: نايل جرين). # تتمثل المشكلة في أنه عند النظر إلى الأدلة الموجودة في الجانب الإسلامي لا يبدو ~~هذا التحول المبكر من الزهد إلى التصوف مباشرا على نحو واضح؛ لذلك، بدلا من رؤية ~~الزهاد المسلمين باعتبارهم الأسلاف الطبيعيين للصوفيين، سيكون من الأفضل رؤيتهم ~~باعتبارهم منافسين لهم؛ ففي العقود الحديثة، أثار الفحص الأكثر دقة ms028 للمناقشات ~~المتعلقة بالزهد الإسلامي المبكر شكوكا جادة حول هذه الفكرة المتعلقة بوجود تدفق ~~مباشر بين «الزاهد» و«الصوفي»، من خلال إظهار إلى أي مدى أدين تعذيب الجسد، ~~والانعزال، وفوق كل ذلك التبتل، باعتبارها انحرافات عن السنة النبوية. # 10 # وكما سنرى عند تناول أقدم الأدلة الواضحة المتعلقة بآراء الأشخاص الذين ~~يطلق عليهم الصوفيون، فإن كثيرا منهم كانوا واضحين في إدانة ممارسات الزهد ، واصفين ~~إياها بأنها مظاهر علنية غير ضرورية لما يعد من قبيل التقوى الزائفة. (وعلى الرغم من ~~الاستحسان الكبير الذي لاقاه العديد من زهاد العصور القديمة المتأخرة، فقد كانت ~~النتيجة المثيرة للسخرية هي أن هؤلاء الزهاد كانوا في الواقع يتخذون الزهد حرفة ~~ويتعالون به على غيرهم.) وللتعبير عن الأمر بمزيد من الوضوح، فإنه حتى لو كان الزهاد ~~المسلمون قد قلدوا أسلوب الزهاد المسيحيين، فهذا لا يشير بالضرورة إلى وجود «أصل» ~~مسيحي للصوفيين؛ لأنه نظرا لكون الصوفيين أبعد ما يكونون عن كونهم ورثة مباشرين ~~للزهاد، فإنه من الأفضل فهم الصوفيين على أنهم منافسون ومنتقدون لهم. و«الزاهد» لا ~~يتطور وينضج ليصبح «صوفيا»، بل لقد أخرست أصوات «الزهاد» من خلال تهميش الصوفيين ~~الأكثر نجاحا لهم، وحلولهم محلهم في نهاية المطاف. # حتى الآن شككنا في أهمية أوجه التشابه في المسميات والممارسات بين الزهاد ~~المسيحيين والصوفيين المسلمين. المشكلة الرئيسية في مثل هذه الدراسات الهادفة إلى ~~تتبع الأثر هي أنه على الرغم من وجود الكثير من الأدلة على أوجه التشابه وحتى عمليات ~~التواصل بين المسلمين والمسيحيين، فإنه لا يكاد يوجد أي دليل مباشر على «الاقتباس» ~~الفعلي المفترض أن يكون أساسا لأوجه التشابه. يمكن القول إن هذا ليس بالأمر ~~المفاجئ؛ فنظرا لأن المسلمين كانوا يدركون جيدا ثراء الفكر والممارسة المسيحية ~~في القرون الأولى للإسلام، فقد كان من غير المحتمل أن يعلنوا عن حاجتهم إلى اقتباس ~~أفكار وأساليب من دين من المفترض أن دينهم قد حل محله. ويمكن قول الأمر نفسه عن ~~الأدلة الخاصة بالانتقال الأكثر غموضا للمعتقدات الماورائية والكتابات التي تسرد سير ~~الأشخاص. في هذه المنطقة الأكثر ضبابية، ms029 اقترحت طريقة بديلة لتقييم التأثير المسيحي ~~المحتمل، والتي لم تكن تبحث عن تكرار مسألة الانعزال أو اقتراض الكلمات، بل تبحث عن ~~إعادة إنتاج «نسق أو تركيب أو بنية»، وهذا أمر أكثر تعقيدا، ولذلك يقل احتمال كونه ~~عشوائيا. # 11 # فمن خلال نوع من البنيوية التاريخية، قيل إن تأثر الصوفيين بالمسيحية ~~النسطورية يمكن تتبعه عبر تكرار أنماط العقيدة أو السير الموجودة أولا في الأعمال ~~المسيحية، ولاحقا في الكتابات الصوفية. # 12 # ومن أمثلة ذلك كتابات المسيحي العراقي المنتمي للقرن السابع، إسحاق ~~النينوي؛ إذ ساد اعتقاد يرى أن نموذجه الثلاثي المتعلق بارتقاء الروح من خلال ~~سلسلة مجموعات ثلاثية من الأنشطة والفضائل، ظهر مرة أخرى لاحقا في توضيحات ~~الصوفيين لفكرهم. # 13 # وفي محاولة للخروج من مأزق توثيق أوجه التشابه فحسب والاختيار بين ما كان ~~من قبيل الصدفة وما كان دليلا على الاقتباس المباشر، تزعم طريقة البنيوية التاريخية ~~تلك وجود تكرار لأنماط معقدة بالغة التفاصيل على نحو يحول دون تكرارها دون نقل ~~مباشر. إن أكمل ممارسة على هذا المنوال أجريت على الروايات التي تسرد سيرة رابعة ~~العدوية (المتوفاة عام 801)، تلك الزاهدة المسلمة الشهيرة التي عاشت في البصرة في ~~جنوب العراق، التي يزعم الصوفيون أنها واحدة من أسلافهم، وأوضحت بقدر من النجاح كيف ~~أن الأساطير الإسلامية عن رابعة العدوية اعتمدت على روايات سردية مسيحية أقدم عن ~~غانيات تائبات. # 14 # إلا أننا حتى لو سلمنا بانتقال صور أفكار معينة، فإنه في نهاية المطاف لن ~~يكون لدينا فهم أكثر وضوحا لطريقة حدوث ذلك، وبالنسبة إلى المؤرخين فإن تلك الحاجة إلى ~~تفسير واضح لطريقة حدوث الأمر تعادل أهمية وجود دليل على حدوثه. وكما هو الحال مع ~~النوع الأقدم من التاريخ الفكري الذي سيطر يوما ما على دراسة الصوفية، فإننا دون ~~فهم العملية تصبح أمامنا نصوص من المفترض أنها مترابطة، لكن دون أن يكون لدينا أي فكرة ~~عن القراء الذين من المفترض أنهم يربطونها معا. وحتى في حالة إمكانية تحديد هذه ~~التشابهات البنيوية المباشرة، فهذا مرة أخرى يمكن تفسيره بعملية على ms030 أنه نتيجة ~~لمتخيل رمزي أفقي مشترك - «لغة سيميائية مشتركة» - أكثر من كونه نتيجة للنقل ~~الأحادي الجانب المتمثل في أخذ المسلمين عن المسيحيين. # إذا كانت الدراسات الحديثة لا تقدم صورة واضحة عن أصول الصوفية، فهذا يثير تساؤلا ~~حول ما إذا كانت كتابات الصوفيين عن أنفسهم تقدم صورة أفضل. فمع مرور الزمن أصبح ~~الصوفيون بالتأكيد أكثر اهتماما بماضيهم، وأثناء تكوينهم لتقليدهم قدموا كل أنواع ~~قصص السير المتعلقة بأسلافهم التي تعود للماضي لتربط تعاليمهم بالنبي محمد. وكما ~~سنرى بمزيد من التفصيل فيما يلي، فإن المشكلة تتمثل في أن المصادر الرئيسية التي ~~تتناول هؤلاء الأسلاف يعود تاريخها إلى فترة متأخرة إلى حد كبير عن وقت حياتهم (وفي ~~كثير من الأحيان، تكون قد كتبت بعدهم بعدة قرون). وعلى غرار حالة رابعة العدوية، فإن ~~سير أسلاف الصوفيين المزعومين هؤلاء من أمثال إبراهيم بن أدهم (المتوفى عام 777)، ~~وفضيل بن عياض (المتوفى عام 803)، وبشر بن الحارث (المتوفى عام 841) - الذين ينتمون ~~جميعا لوسط آسيا - وذي النون المصري (المتوفى عام 861)؛ أصبحت واقعة في شرك ~~المجازات والموضوعات المكررة المعتمدة على الموروثات الشعبية قدر اعتمادها على ~~الحقيقة. # 15 # وكما سنرى في الفصل الثاني عندما نأتي لمناقشة السير التي دونت قصص ~~الحياة المفترضة لهؤلاء الأسلاف، سنجد أن الزعم الذي يقول بوجود سلسلة منظمة من ~~الأسلاف يخبرنا عن الترابط النصي للتراث في القرن الحادي عشر أكثر مما يخبرنا عن حياة ~~وظروف الصوفيين الأوائل، الذين عاشوا قبل ذلك بثلاثمائة عام. وكما رأينا بالفعل، ففي ~~منتصف القرن التاسع لم يكن يوجد بعد تقليد صوفي، ولا حتى حركة متماسكة، بل مجرد ~~مجموعة أشخاص في الغالب مميزين جدا يطلق عليهم صوفيون؛ لذلك، فالمسألة إلى حد ~~كبير ليست وجود أشخاص مثل إبراهيم بن أدهم من عدمهم، ولا معرفة إن كانوا جزءا من ~~اتجاه قديم نحو الزهد أم لا، بل تتمثل المسألة أولا: فيما إذا كان من الممكن اعتبار ~~أنهم كونوا بأية طريقة مجموعة متماسكة عبر هذه المسافات الشاسعة. وثانيا: ~~فيما إذا كان من الممكن اعتبار أنهم كونوا اتجاها أو ms031 مسارا ورثه الصوفيون لا ~~قمعوه. # من الناحية التاريخية، إن هذه المشاكل المتعلقة بأصول الصوفية تتضخم من ثم من ~~خلال التأكيد على وجود انتقال رأسي قائم على السبب والتأثير، يقدم وراثة الأفكار ~~على رفضها، وانتقال الحركات على قمعها. بيد أن حقيقة الأمر هي أنه على غرار التاريخ ~~المبكر للمسيحية، فقد كانت القرون الأولى للإسلام فترة منافسة شديدة بين مقدمي ~~نسخ دينية متعارضة جذريا في الغالب ، كانت فيها أنماط الولاء السياسي، والنشاط ~~الاقتصادي، وقواعد السلوك اليومية، والقيود القانونية؛ خاضعة لجدل شديد وعنيف في بعض ~~الأحيان. وبدلا من البحث عن انتقال منظم ومتعدد الأجيال من الزهد إلى التصوف، الذي ~~لطالما ميز دراسة التاريخ المبكر للصوفية، فمن خلال إلقاء النظر على كل طبقة زمنية ~~على حدة يمكننا رؤية الانقطاعات والاختلافات التي تسمح لنا بتقييم ما إذا كان مصير ~~أفكار وأفعال الجيل السابق الاستمرار أم الرفض. # دعونا نتناول حالة «الزهاد» باعتبارها مثالا توضيحيا؛ فبدراسة السير اللاحقة ~~التي كتبها الصوفيون أنفسهم، عادة ما اعتبر المؤرخون «الزهاد» «صوفيين منتظرين»، ~~إلا أننا إذا وضعنا هؤلاء الزهاد في سياق ظروف زمنهم، فإننا يمكن أن نرى كيف أنهم ~~خدموا مقاصد مختلفة للغاية، وسعوا نحو أهداف مختلفة تماما مقارنة بالصوفيين ~~الذين ظهروا في القرون اللاحقة. كان القرن الثامن الذي يمثل أوج انتشار «الزهاد» ~~فترة كان فيها المسلمون لا يزالون أقلية في أراضي إمبراطوريتهم، وجعل توسيع فتوحاتهم ~~المناطق الحدودية مهددة باستمرار بإعادة الغزو. # 16 # في مثل هذه المناطق الحدودية انتشر الكثير من «الزهاد»، مثل إبراهيم بن ~~أدهم، حيث شاركوا في الحروب الحدودية، وجلب لهم ورعهم الديني وزهدهم الشديد النصر في ~~تلك المعارك، وجلب كذلك الشهرة التي ستنقل أسماءهم إلى الأجيال التالية. وعند تناول ~~هؤلاء الزهاد في ضوء واقعهم القاسي في زمنهم، سندرك أنهم كانوا المعادل الإسلامي ~~للمناصرين البيزنطيين الأشداء أتباع القديسين المحاربين المسيحيين، الذين حمت ~~أضرحتهم الجانب الآخر من المناطق الحدودية الإمبراطورية نفسها، أكثر من كونهم مجرد ~~سالكين ساعين إلى الله غير مرتبطين بزمن معين. # 17 # ونظرا لعمل هؤلاء الزهاد المسلمين المحاربين ms032 في هذه المناطق الحدودية ~~الثقافية المتصارع عليها، فقد تأثروا في كتاباتهم السردية وأفعالهم بنظام قيمي ~~متجاوز للعقائد، تشاركوا فيه مع الزهاد المحاربين المسيحيين الموجودين في تلك ~~الفترة. # 18 # مرة أخرى، إننا ربما لا نركز هنا على مسألة أخذ المسلمين عن المسيحيين ~~بقدر تركيزنا على مسألة وجود ساحة ثقافية ومنطقة جغرافية مشتركتين، تنافس فيهما ~~المسلمون والمسيحيون داخل مجموعة من الأطر المتداخلة، سواء أكانت هذه الأطر سردية ~~أم أخلاقية أم ماورائية. # بطبيعة الحال، لم يكن كل «الزهاد» المسلمين الأوائل محاربين على الحدود، بل على ~~الأرجح قضى كثير منهم وقتا أكبر في التحاور مع المسيحيين بدلا من محاربتهم. لكن ~~ما يتضح عند النظر إلى هذه الشخصيات في ضوء أوقاتهم العصيبة، هو أن الزهاد المسلمين ~~في القرن الثامن لم يكونوا فقط شخصيات أكثر تعقيدا مما كان سيجعلهم الدور الغائي ~~«للمتصوف البدائي»، بل كانوا أيضا شخصيات مميزة على نحو واضح، ولديهم أدوار ~~اجتماعية وأهداف أخلاقية مختلفة تماما عن أدوار وأهداف الأشخاص الذين سيطلق عليهم ~~صوفيون في منتصف القرن التاسع في مدن العراق الأكثر هدوءا، بدلا من المناطق الحدودية ~~في سوريا أو آسيا الوسطى. وكما توضح الكتابات التاريخية اللاحقة للصوفيين أنفسهم، ~~التي سعوا فيها إلى تقديم الزهاد الأوائل باعتبارهم أسلافا لهم، فإن البحث عن نماذج ~~سابقة لهم عادة ما يخبرنا عن السعي إلى اكتساب الشرعية أكثر مما يخبرنا عن العمليات ~~التي من خلالها تشكلت الأفكار والحركات. # 19 # وبدلا من محاولة تتبع التطورات في إحدى الفترات وفقا لظروفها المختلفة ~~تماما عن الفترات السابقة، دعونا نظل في الفترة والظروف «الأفقية» التي في ظلها ~~اكتسب عدد صغير من المسلمين لقب صوفيين، ونرى ما إذا كنا سنستطيع أن نشرح على نحو ~~أفضل أصولهم في طبقتهم الزمنية بدلا من الطبقات السابقة عليهم. ~~(3) صوفيو العراق (800-900) # في أوائل القرن التاسع، خضع الزهد لجدل موسع بين الدارسين الحضريين الذين ~~تزايدت أهميتهم في المجتمع المسلم أثناء هذه الفترة. وفي تلك الفترة حل محل نموذج ~~المجتمع المسلم القديم الذي يقوده فرد واحد ينتمي إلى آل ms033 النبي محمد (أي الخليفة أو ~~الإمام)؛ أفكار جديدة عن السلطة أعطت صياغاتها المختلفة وزنا متفاوتا لكل من العقل ~~والتقوى، ممثلين في الفهم الكامل للنصوص الدينية والقرب الشديد من الله. وكان ~~الفلاسفة المسلمون وعلماء الدين العقلانيون المسمون ب «المعتزلة» - الذين استمدوا ~~ريادتهم من منطلق قراءاتهم في الفلسفة اليونانية الرومانية التي تولي الصدارة للعقل ~~- مؤثرين بنحو خاص في بغداد في القرن التاسع. # 20 # وفي العقود الأولى من ذلك القرن، كان الفريق العقلاني مؤثرا على نحو كاف ~~فيما يتعلق بتقديمه للعقل على النقل؛ بحيث أقنع قائد الإمبراطورية الإسلامية، ~~الخليفة المأمون (الذي حكم من عام 813 إلى عام 833)، ببدء «محنة» (أي تحقيق تعسفي) ~~في محاولة استمرت على مدار ثماني عشرة سنة لفرض معتقد يقول إن القرآن ليس نصا ~~أبديا، بل مخلوق في زمن سياقي تاريخي. # 21 # على الجانب الآخر من الجدل، كان يوجد علماء متعددون سعوا إلى الدفاع ~~عن سلطة الوحي، لا سيما أنه بدا أنه يقدم أسسا أكثر ثباتا (أو دستورية إن ~~جاز التعبير) للتشريع، ووجد الكثيرون أنه أقل عرضة للتلاعب به من قبل الطبقة ~~الحاكمة مقارنة بالعقل. واعترضوا بصفة خاصة على مزاعم الخليفة المأمون المتعلقة ~~بموثوقية رؤيته لمعنى النص القرآني. وبالإضافة إلى الدفاع عن مكانة القرآن، كان هؤلاء ~~العلماء مهتمين أيضا بالدفاع عن آلاف الروايات الخاصة بأقوال وأفعال محمد ~~المعروفة بالحديث، وإبراز مكانتها. ووسط هذه الجدالات التي تجمعت بطبيعة الحال في ~~بغداد بصفتها عاصمة الخلافة العباسية، بدأ في الظهور ما يعرف اليوم بالإسلام ~~السني. إن تلك «الكتلة الدستورية» القائمة على افتراض أن المسلمين يمثلون ~~مجتمعا معنويا أكثر منه سياسيا، يربط بين أفراده التزام تجاه رسالة القرآن ~~والسنة النبوية كما هي مدونة في الحديث؛ أعطت بالرغم من ذلك مكانة خاصة لعلماء الدين ~~الذين كانت لديهم خبرة في فهم النصوص الدينية تمكنهم من تحديد ماهية الرسالة ~~الفعلية للقرآن والحديث. # 22 # على الجانب الآخر، كان يوجد أشخاص ظلوا أوفياء للفكرة الإسلامية ~~القديمة التي ترى تمثل السلطة والمعرفة الدينية في شخص واحد، وعلى الرغم من أن ms034 ~~أفكارهم استغرقت أيضا عقودا طويلة حتى تبلورت، فقد احتفظوا بلقبهم القديم وهو الشيعة؛ ~~حيث إنهم كانوا أنصار الإمام علي، قائدهم الأول وصهر النبي محمد. وبعد قرنين من رحيل ~~النبي محمد عن مجتمع المسلمين الذي أسسه، كانت هذه الجدالات محاولات لفهم المصادر ~~التي تركها لذلك المجتمع؛ سواء تلك التي مصدرها الوحي المتمثل في القرآن، أو سنته ~~المتمثلة في الحديث، أو أسرته المتمثلة في نسل علي. # يحظى سياق الجدالات المستمرة والمصادر الثقافية هذا بالأهمية؛ إذ إنه يمنعنا من ~~الوقوع في شرك اعتقاد أن الصوفيين بصفتهم «متصوفين» كانوا في الأساس أشخاصا يسعون ~~إلى تكوين علاقة مباشرة مع الله؛ ومن ثم لم يكونوا في حاجة كبيرة إلى إرشاد ~~القرآن أو السنة النبوية. وسوف يمنعنا هذا السياق أيضا من افتراض أن الصوفيين منذ ~~نشأتهم كانوا في منافسة مع علماء الدين. # 23 # على النقيض من ذلك، فمن خلال أقدم المصادر التي لدينا عنهم، بدا أنهم ~~كانوا مهتمين بشدة بالقرآن والسنة النبوية، وهذا الاهتمام بالنصوص المكتوبة هو ما ~~مكننا من كتابة تاريخهم. ونظرا لأنه في هذه الفترة كانت تعاملات معظم هذه الشخصيات ~~مع القرآن والحديث من خلال الحفظ الشفهي بدلا من اللجوء المنتظم إلى الكتب المكتوبة ~~بخط اليد، فإن التركيز يجب أن يتحول من الجانب المكتوب إلى الجانب الشفهي، لكن ستظل ~~الفكرة العامة هي أن الصوفية وعلماء الدين كانوا على حد سواء في اهتمامهم بالنصوص ~~الشفهية والنصوص المكتوبة، مع مجادلة الصوفيين في مدى تبيان التجربة للمعاني الحقيقية ~~لهذه النصوص. # 24 # ربما كان يوجد في هذه الفترة أشخاص كثر كانت لهم حالات تواصل مباشرة ~~مع الله لم تكن لها علاقة بالقرآن، وكان يوجد بالتأكيد بين الصوفيين الأوائل من زعم ~~أن مسعاهم التجريبي المعروف باسم «التحقيق» قد جعل مزاعمهم المعرفية مقدمة على تلك ~~المعتمدة فقط على النص القرآني. وباستثناء شخصية بارزة سوف نتناولها في القسم ~~القادم، فإننا إلى حد كبير لا نعلم إلا قليلا عن مثل هؤلاء الشخصيات، إما لأنهم لم ~~يكونوا ضمن أعضاء الطبقة المنتجة للنصوص، وإما لأنهم ms035 كانوا غير قادرين على كسب ~~دعمهم. # عند وضع الصوفيين الأوائل في سياق زمنهم «الأفقي»، سنحتاج إلى إدراك أن ظهورهم ~~ينتمي إلى عملية تكوين طبقة علماء أوسع نطاقا، لم تكن مزودة فحسب بمعرفة القرآن ~~والحديث والمهارات الخاصة بتفسيرهما، بل كانت أيضا تكتسب نفوذا اجتماعيا متزايدا ~~بسبب امتلاكها لهذه المعرفة النصية أو الشفهية وتطبيق نموذجها القويم. ونظرا لعيشهم في ~~المدن الكبرى، فإنهم لم يكونوا هؤلاء الزهاد المنعزلين ساكني الجبال أو المناطق ~~الحدودية. ولم يكونوا من ساكني الأبراج العاجية المنعزلين عن الواقع في المدينة نفسها؛ ~~لأن معرفة الحلال والحرام والقدرة على إقناع الآخرين من خلال الفتوى أو السلطة ~~الأخلاقية الشخصية كانت لهما تأثيرات عملية هائلة. وعلى الرغم من وجود استثناءات، فإن ~~الحكم العام سيظل كما هو في الأجيال التالية، وهو يتمثل في أن الصوفيين الناجحين، ~~سواء أكانوا علماء أم شعراء أم علماء في الماورائيات أم علماء في الأخلاق، نادرا ما ~~كانوا بمعزل عن العلم والتأليف أو عن الحديث والقرآن؛ تلك الأمور التي وضعت أسس التعلم ~~الإسلامي. وبالرغم من ذلك، فإن الصوفيين الأوائل لم يكونوا مؤلفين فحسب، ويجب أن ~~نرى أن مزاعمهم حول المعرفة التجريبية لا تجعلهم مختلفين بالكامل عن طبقة علماء ~~الدين الناشئة، بل تجعلهم مجموعة فرعية خاصة أو حتى مجموعة منشقة تشترك في الكثير ~~مع هؤلاء العلماء، باستثناء زعم واحد يتمثل في سلطة التواصل المباشر مع العوالم ~~الإلهية. # إذا كان القرآن والحديث هما مصدرا الأشخاص الذين يسمون بالصوفيين، فكيف إذا ~~استخدموا هذين المصدرين في تكوين معتقداتهم وممارساتهم وفي فهم تجاربهم؟ باختصار، ~~فعلوا ذلك عن طريق الحفظ والتطبيق؛ فقد حفظوا كل آيات القرآن عن ظهر قلب، وطبقوا ~~كل ما جاء في الحديث من أخلاق في سلوكهم. # 25 # والأهم أنهم تبنوا أيضا ألفاظا من القرآن لخلق مصطلحات يجيزها النص ~~القرآني لوصف الممارسات وأشكال التجربة الروحانية التي أضافوها إلى الطقوس الدينية ~~للأعضاء الآخرين في طبقة العلماء؛ لذلك فهذا النوع من المعرفة ليس سلبيا، وإذا كنا ~~قد أكدنا على علاقة الصوفيين بالكتب، فإننا يجب أن نوضح ms036 طريقتهم في استخدامها؛ فالكتب ~~بالنسبة إليهم أدوات للتأمل من ناحية، والعمل من ناحية أخرى. # 26 # وعلى الرغم من أننا أوضحنا أنه بظهور الورق تزايد على نحو كبير إنتاج ~~الكتب في بغداد مقارنة بما كان يحدث في العالم الغربي، فإن هذه الكتب كانت لا تزال ~~تكتب بخط اليد، وتعتبر من المقتنيات الثمينة. وهذه العوامل المادية أثرت على ~~ثقافة القراءة التي نشأت بسببها، لكن كان يوجد عائق واحد يتمثل في أن النصوص الدينية ~~كانت تستغرق وقتا أطول في كتابتها على الورق أكثر مما تستغرقه النصوص غير الدينية؛ ~~كالقصائد والأعمال العلمية وكتب الطهي. وكما هو الحال في مجتمعات المخطوطات الأخرى التي ~~وجد فيها استخدام الكتب داخل إطار أشكال تعلم شفهية أوسع نطاقا، كانت الكتب ~~تقرأ بتعمق وعلى نحو متكرر، وهي عملية كانت تتعقد في بعض الأحيان بالحاجة إلى أن ~~يكتب المرء نسخته الخاصة من الكتاب، أو أن يحفظه عن ظهر قلب كي يحصل عليه. وفي حين كان ~~العلماء أنفسهم يجيدون القراءة والكتابة، فإن بعض أتباعهم لم يكونوا كذلك؛ ومن ثم ~~كانوا يستمعون إلى الكتب في كل مرة تقرأ فيها. وبدلا من تمييز صفحة بقلم تظليل، ~~كان هؤلاء القراء السمعيون معتادين على حفظ واستيعاب المحتويات ذهنيا. وكما سنرى ~~لاحقا، فإن ثقافة القراءة الجهرية للكتب أثرت أيضا على شكل المحتويات؛ فبعد عدة ~~قرون لاحقة كانت معظم كتب الصوفية تشتمل على السرد القصصي الشخصي، أو ذكر النقاط ~~الرئيسية للموضوع بطريقة مسجوعة؛ بحيث يتمكن السامعون من تذكرها بسهولة. إلا أنه ~~قبل اعتياد الصوفيين على تدوين كتبهم، فإنهم كانوا يقرءون القرآن والحديث بهذه الطريقة ~~النشطة والذاتية مثل بقية المتعلمين في هذه الفترة. # هذا المعنى للقراءة باعتباره نوعا من التفاعل النشط مع النص القرآني يمكننا من ~~تناول أحد الجدالات الرئيسية الأخرى المثارة حول أصول الصوفية. إن فكرة نشأة الصوفية ~~عن القرآن لاقت أكبر قدر من المؤيدين لها بين الباحثين الفرانكوفونيين، ومؤخرا ~~بين الأمريكيين، ورأوا غالبا أنها نظير «النزعة الداخلية» لروايات «النزعة الخارجية» ~~التي ترجع أصول الصوفية إلى مؤثرات مسيحية ms037 أو غير مسلمة. # 27 # أظهر تتبع أصول المفردات الخاصة أو المعجم الصوفي الذي طورته ~~الأجيال الأولى من الصوفية في كتاباتها؛ أنها كانت إلى حد هائل مفردات مردها ~~القرآن. واستخدم ذلك بدوره في القول بأن الصوفية كانت منتجا إسلاميا «داخليا» ~~يتميز بالتماسك والترابط، وليست نتيجة لمؤثرات خارجية. # 28 # بطبيعة الحال، تنطوي الحجة على بعض العيوب الأساسية المتعلقة بالتفريق ~~المسبق بين الكلمات والأمور؛ فمجرد اختيار الصوفيين وصف ممارساتهم أو معتقداتهم ~~بمصطلحات قرآنية لا يعني بالضرورة أن الممارسات أو المعتقدات الفعلية نفسها مصدرها ~~القرآن. استخدم نقاد هذه النظرية أسلوب القرآن الذي رأوا أنه جاف أو طائفي أو ~~سردي، لتوضيح أن القرآن كدليل في حد ذاته لا يمكن أن يكون مصدر معتقدات الصوفيين: ~~«فالنص [القرآني] يتميز بالصرامة والإحكام، وقد اضطر متصوفو الإسلام إلى أن ~~يعملوا جاهدين من أجل استنباط معان باطنية تعكس تواصلهم الشخصي مع الله.» # 29 # بيد أن جواب هذه المسألة يمكن أن يكمن في كلمات النقد نفسه؛ فقد اضطر الصوفيون ~~بالفعل إلى العمل بكد في معالجة النص القرآني؛ لأن هذا التعاطي التأملي والنشط ~~مع معانيه هو بالضبط طريقة معالجتهم له. وبدلا من صياغة الجدل حول ما يمكن أن نراه ~~كقراء متأخرين في القرآن (الصرامة والإحكام)، والمطالبة بامتلاك النص نفسه بطريقة أو ~~بأخرى للقدرة على خلق معتقدات وحركات في العالم الخارجي، فإنه من الأفضل أن نحول ~~منظورنا نحو التساؤل عما رآه الصوفيون الأوائل أنفسهم في القرآن، وأن نسأل أنفسنا ~~كيف أنتجت أساليب القراءة الفعالة التي اتبعوها تلك المعاني من خلال التفاعل ~~الإبداعي بين حياتهم وظروفهم وبين النص القرآني؛ ومن ثم، لا تصبح المسألة متمثلة ~~فيما إذا كانت «الصوفية» قد نشأت عن القرآن أم لا، بل تصبح متمثلة فيما إذا كان ~~صوفيو القرن التاسع قد استخدموا القرآن باعتباره مصدرا لفهم العالم من حولهم ولخلق ~~طرق تعامل أخلاقي وفكري وعملي مع العالم. # 30 # لا يوجد خطأ في التساؤل حول ما إذا كان الصوفيون قد جعلوا أفكارهم تنبع من ~~كتاب الإسلام المقدس؛ لأن هذا بالضبط هو ms038 طريقة قراءة الكتب المقدسة. استخدم الحديث ~~بطرق مشابهة، واستخدمت جماعات مختلفة آلافا من الروايات المتناقضة غالبا التي تروي ~~أقوال أو أفعال النبي محمد للدفاع عن أفعالهم أو لانتقاد أفعال الآخرين. وكما هو ~~الحال مع القرآن، لم يكن الحديث في حد ذاته «أداة» أو «مصدرا» بالضرورة للحركات ~~الدينية، بل كان مصدرا استخدمه الصوفيون مثلما فعل معاصروهم الآخرون في تكوين ~~تعاليمهم والدفاع عنها. أخيرا، استخدم القرآن أيضا بين الصوفيين باعتباره مصدرا ~~للعبارات المغناة التي كونت ممارسة الإنشاد الصوفي الخاصة بذكر الله (وهو مصطلح ~~مأخوذ أيضا من القرآن). في مثل هذه السياقات، كانت كلمات القرآن ليست مجرد مصدر للمعنى ~~اللغوي، بل كانت مثيرا صوتيا لحالات ذهنية مختلفة. # شكل 1-2: تأمل القرآن: صحيفة للآيتين 199-200 من سورة البقرة تعود للعراق ~~في القرن التاسع (معرض فرير للفنون، مؤسسة سميثسونيان، واشنطن: ~~بيرتشيس، إف194217، إف1937. 6. 7ب). # بهذه الطريقة، يمكننا أن نرى كيف استخدم الصوفيون الأوائل مصادر الماضي الخطابية ~~المميزة (القرآن والسنة النبوية) لتطوير «طريقتهم الدينية» وتأسيسها اعتمادا على ~~مصادر السلطة الشرعية المعترف بها لدى معاصريهم. إن للكلمات تاريخا، ومن ثم ~~تتغير معانيها مع مرور الزمن، وفي الأزمان والأماكن المختلفة التي تقرأ فيها كلمات ~~النص القرآني المحفوظة، تستخدم للإشارة إلى أمور مختلفة في العالم عن تلك التي أشارت ~~إليها في زمان ومكان نزوله؛ ولذلك استخدم القرآن في بغداد في منتصف القرن التاسع ~~باعتباره مصدرا لغويا لمصطلحات كانت لها معان مختلفة وأشارت إلى أنشطة وفضائل ~~ومشاعر مختلفة عما أشارت إليه للقراء المسلمين من الأجيال السابقة. ونظرا لأن العراق ~~في هذه الفترة كان مجتمعا أكثر تعقيدا وعالمية إلى حد كبير عن شبه الجزيرة ~~العربية التي نزل فيها القرآن؛ فقد كانت الأفعال والأفكار التي ارتبطت بمصطلحاته ~~مختلفة بالضرورة في هذا الزمن المتأخر. ونظرا للتبادلات الثقافية اليومية التي ~~حدثت في العراق في القرن التاسع، فإنه سيكون من المفاجئ لو أن بعض الأفعال أو ~~الأفكار التي ارتبطت بكلمات القرآن لم تقتبس من قبل سكان المنطقة غير المسلمين ~~الكثيرين. فعندما تكتب مسيحية أمريكية معاصرة ms039 - استجابة لتوصية الكتاب المقدس ~~بالإحسان - شيكا لإحدى المنظمات الخيرية، فإنها لا تعد أقل تدينا لأن مثل هذه ~~الإجراءات المصرفية ابتكرت في الجمهورية الهولندية، وليس في فلسطين الرومانية. إذا، ~~في نهاية المطاف، فإن مسألة ما إذا كانت الصوفية قد نشأت عن القرآن أم عن أمور ~~مقتبسة من المسيحية، هي مسألة زائفة تبسط الطريقة التي قرئ بها النص القرآني، ~~والتي أنتجت بها الأفكار والأفعال الدينية. # بين أوساط مفسري القرآن والحديث المتخصصين، كان الصوفيون الأوائل أقرب إلى ~~اتجاه الدفاع عن الوحي والتقليد وتقديمهما على العقل؛ فقد كانوا بعيدين كل البعد عن ~~كونهم زنادقة منتهكين لأحكام الشريعة، أو راديكاليين روحانيين؛ لذلك، فإننا على ~~الأرجح يجب أن نراهم باعتبارهم جماعة محافظة بوجه عام. وبدلا من الهروب من المجتمع ~~مثل الزهاد الأوائل، كانوا في الغالب داعمين بشدة للنظام الأخلاقي والقانوني الناشئ. ~~وعلى غرار الحركة السنية الناشئة التي اشتركوا فيها، اتبعوا الأمر القرآني الذي ~~ينص على «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، حتى لو أزعج ذلك من لا يرغبون في ~~التحلي بالأخلاق. # 31 # وكما هو الحال مع كثير من المفكرين الإسلاميين البارزين الآخرين في هذه ~~الفترة، فقد كان الصوفيون الأوائل مهتمين كثيرا بالأفعال والتوجهات الصحيحة للبشر ~~في هذا العالم الاجتماعي، أكثر من اهتمامهم بمعرفة البشر بما يكمن وراء ذلك العالم ~~وتفاعلهم معه. # ربما يعد المحاسبي البغدادي (المتوفى عام 857) الأهم - وبالتأكيد الأكثر شهرة ~~- بين هذه الشخصيات التي رفضت رياء الزهاد مفضلة سيادة الذات الأخلاقية على ~~الذات الجسدية. # 32 # يرى البعض أن المحاسبي لا يمكن أن يكون صوفيا؛ لأنه كان عالم دين ~~مهتما بالجانب الأخلاقي وليس متصوفا، وبالفعل في كتاباته التي وصلت إلينا لم ~~يشر إلى نفسه مطلقا بلفظة صوفي. # 33 # إلا أن هذا يعد إغفالا لسياق الاهتمامات القوية بالاستقامة الظاهرة (إن ~~لم تكن المرائية) الذي ظهر فيه الصوفيون واستمدوا منه معاشهم. علاوة على ذلك، فقد ~~لعب المحاسبي دورا مهما في توفير المصادر الفكرية لتكوين التقليد الصوفي؛ حيث ~~سيزعم صوفيو الأجيال التالية أنه كان واحدا منهم. كان هذا جزءا مهما ms040 جدا من ~~العملية التي نتتبعها، الخاصة بتطور «التقليد» الصوفي الذي كان في بعض الأحيان ~~عملية استرجاعية قائمة على الانتساب إلى أشخاص مرموقين وأفكار محترمة أو مفيدة على ~~نحو ما. لهذه الأغراض، كان المحاسبي مهما في تطوير الممارسة الأساسية التي ستميز ~~تدريجيا الصوفيين عن غيرهم من الصالحين الذين وضعناهم في مصافهم. وهذه الممارسة - ~~أي المحاسبة التي منها اكتسب اسمه - تمثلت في المراقبة الدقيقة للذات الدنيا ~~الجسدية التي أشار إليها القرآن باسم «النفس» (لاحظ اللجوء للمصطلحات ~~القرآنية). # 34 # في هذا الصدد الخطابي والعملي يكمن «الالتفات الداخلي» الذي ميز ~~الصوفيين عن منافسيهم الأكثر ميلا إلى الإظهار الخارجي، سواء أكان هؤلاء ~~المنافسون هم الزهاد أم أهل الحديث المهتمون بالأخلاق. وكما سنرى الآن عندما ~~نلتفت إلى تعاليم الصوفيين الأوائل على نحو كامل، فقد كان هذا التطوير لإطار ~~مقنع لفهم الذات وطرق فعالة لاستكشافها هو ما أكسب الصوفيين الشهرة والتبعية ~~اللتين ستنشران طريقتها الجديدة على نطاق واسع على مدار الأجيال القادمة. ونظرا ~~لأن معتقدات صوفيي بغداد في القرن التاسع والقرن العاشر ستشكل أسس التقليد ~~الصوفي اللاحق، فإن الصفحات القادمة سوف تتبع تلك المعتقدات بقدر من التفصيل؛ لأن ~~المفاهيم الأساسية والمصطلحات العربية التي ارتبطت بها ستنتقل لاحقا إلى الصوفيين ~~في أماكن بعيدة مثل واحات الصحراء الكبرى وجزر التوابل في المحيط الهندي. ~~(4) الخراز البغدادي (المتوفى عام 899) # في منتصف القرن التاسع، في بغداد وكذلك جنوبا في البصرة، كان يوجد عدد كبير من ~~الأشخاص الذين يطلق عليهم الصوفيون، إلا أن أبا سعيد الخراز كان من أهمهم من حيث ~~الشهرة في عصره أو الاقتداء به بعد مماته. # 35 # ما نعلمه على وجه التأكيد عن حياة الخراز قليل جدا، باستثناء أنه كان ~~كثير الترحال؛ حيث زار مدنا مقدسة مثل القدس ومكة (التي مكث فيها أحد عشر عاما)، ~~وكذلك زار مصر ومدينة القيروان الموجودة فيما أصبحت الآن تونس. ويخبرنا اسمه أنه على ~~الأقل في مرحلة من حياته عمل كإسكافي، وهذا يشير إلى البيئة الحرفية الحضرية التي ~~سنلاحظ تكرارها بين الصوفيين الأوائل الآخرين. إلا ms041 أننا في العموم لا يتوافر ~~لدينا إلا قليل جدا من المعلومات المتعلقة بسيرته الذاتية كي يمكننا الاستعانة ~~بها، ومن ثم فما من طريقة ممكنة لوضع الخراز وغيره من شخصيات هذه الفترة المشابهة ~~له في السياق، إلا طريقة خطابية متمثلة في وضع أفكاره وكتاباته وسط الأنماط الأوسع ~~نطاقا، الخاصة بالجدل وإنتاج الكتب التي شهدنا ظهورها في بغداد في تلك الفترة، لكن مع ~~الوضع في الاعتبار أننا ما زلنا في فترة كانت فيها تلك «الكتب» مكونة من شيء أشبه ~~بملاحظات مدونة في مخطوطات، وليست كتبا مخطوطة باليد مرتبة على نحو رسمي. كان ~~الكتاب الأساسي للخراز هو «كتاب الصدق» الذي يبدو أنه ألفه لنطاق أوسع، وليس لنطاق ~~مذهبي ضيق من القراء، على الرغم من أنه كتب أيضا عددا من الأطروحات الأقصر، أو ~~ما يعرف بالرسائل المخصصة للمسائل الأكثر تحديدا وتعقيدا، وكانت على الأرجح ~~موجهة إلى عدد أقل من القراء الذين يتشابهون معه أكثر في التفكير. # ونظرا لميل كثير من الروايات التي تتناول الفكر الصوفي إلى التخلص من القشرة ~~الثقافية بحثا عن النواة التصوفية، فإنه تجدر الإشارة أولا إلى الطابع الإسلامي ~~المميز لكتابات الخراز. وكما في الأعمال الصوفية التي لا تعد ولا تحصى، التي كتبها ~~الصوفيون في الأجيال التالية، أثبت الخراز وجهات نظره من خلال تقديم اقتباسات مؤيدة ~~من مراجع إسلامية قديمة، سواء أكانت من القرآن أم الحديث أم من علماء وزهاد من ~~القرنين السابقين؛ ومن ثم فقد استخدم الماضي الذي وصفناه بالفعل بأنه كان موردا ~~استخدمه هؤلاء الكتاب. وعلى الرغم من أنه لم يكن يوجد بعد تقليد صوفي مميز يمكن ~~الاعتماد عليه - إذ إن كتابات جيل الخراز ستكون هي نفسها المصادر الأولى لتكوين مثل ~~هذا التقليد المميز على مدار الأجيال القليلة التالية - فقد كان يوجد بالفعل تقليد ~~إسلامي زاخر يمكن أن يعتمد عليه المرء في دعم أفكاره. إن إدراك هذا السياق الخطابي ~~الإسلامي أمر مهم؛ إذ يمنعنا من الانسياق بسهولة وراء الميول القديمة المتعلقة ~~بفهم الصوفيين الأوائل، التي ترى أنهم زهاد يبحثون عن ms042 تجربة خام. فمن ناحية، إن ~~النظر بعين الاعتبار إلى المحتوى الإسلامي في كتابات الخراز، يمنعنا أيضا من الانسياق ~~بسهولة وراء التخلص من الأمور التي مثلت للخراز وقرائه الأسس الإسلامية ~~لتعاليمه؛ كي نقدم عمله كبنية أفكار مجردة، كي يكون ممكنا الزعم أن «عمله يشبه ~~كثيرا الأطروحات المسيحية التي كتبها إسحاق النينوي.» # 36 # ومن ناحية أخرى، من خلال إدراك عملية التناص التي عن طريقها طور ~~الخراز وغيره من الصوفيين نصوصهم، عن طريق الاعتماد على النصوص القديمة الموثوق فيها ~~(أو انتحال بعض أفكارها على نحو سافر في بعض الحالات كما سنرى لاحقا)، فإنه ~~يمكننا تجنب افتراض أن الصوفيين بوصفهم «زهادا» قد ألفوا كتاباتهم في الأساس ~~من هذه المادة الخام المستمدة من تجاربهم المتسامية. والسبب في ذلك يكمن في أن تلك ~~التجارب فسرت واكتسبت معانيها من خلال اللجوء للمصطلحات والمفاهيم التي تكونت من ~~خلال قراءة الصوفيين النشطة للقرآن والحديث؛ بحيث كونت تلك التجارب والنصوص ~~جزءا من التسلسل الإبداعي. # إلا أننا نرى الاهتمام بالدفاع عن سلطة التقليد الإسلامي الجمعي في مقابل التجارب ~~الحضورية الفردية في كثير من أعمال الخراز، التي لم تحاول إطلاقا تجاهل المتطلبات ~~الأساسية للشعائر الإسلامية، بل اشتملت على كتاب قديم مخصص لطريقة الأداء الصحيح ~~للعبادات الأساسية. في نفس الإطار، دافع الخراز عن سلطة الأنبياء (الذين كانوا ~~أمواتا) على أولئك الذين زعموا أنهم أولياء الله (الذين كان كثير منهم أحياء). سوف ~~نتحدث بتفصيل أكبر عن هذه الشخصيات الغامضة - ولكن الأساسية لاحقا - لكن في هذه ~~المرحلة هدفنا هو إدراك تقليدية وامتثالية الخراز. وفي حين اعتمد الخراز على هذه ~~الخلفية الملتزمة بالعرف، ووضع نفسه في إطارها، فقد قدم إسهامات مهمة لتطوير ما ~~سيصبح عما قريب الطريقة المميزة الخاصة بالصوفيين؛ ففي «كتاب الصدق»، حدد ~~الخراز مجموعة من الصفات الأخلاقية اللازم على المسلم الحق اكتسابها إذا كان (وفقا ~~لكلمات القرآن كما اقتبسها الخراز) «يرجو لقاء ربه.» # 37 # وكان اهتمام الخراز ب «الصدق» صدى لنقد الزهد الريائي الذي رأينا ظهوره ~~بالفعل، وأثناء تسجيل ذلك بنفسه كان هدفه توضيح ms043 أن الصدق «علم» (أي معرفة نظرية) وفي ~~الوقت نفسه «فقه» (أي معرفة عملية)، مع فهم هذين الجانبين في إطار التصنيفات ~~الإسلامية التي كانت تظهر في ذلك الوقت بين العلماء المسلمين على اختلاف معتقداتهم، بما ~~فيهم الفقهاء. # 38 # على الرغم من أننا أصبحنا الآن أكثر تعودا على التحدث في ضوء «التطور الروحاني»؛ ~~فإنه من الأفضل على الأرجح تدبر المبادئ التي حددها الخراز شروطا أخلاقية؛ لأن ~~الحديث عن التطور «الروحاني» في غياب عمل مبذول في العالم يعد إساءة فهم للمعنى ~~الكامل لرسالة الخراز التي يوضح فيها أن التطور الروحاني لا معنى له، إن لم يكن ~~مصحوبا بالعمل الصالح. لا بد أن يكون العمل الخارجي والنية الداخلية متناغمين كل ~~منهما مع الآخر، والصدق الحقيقي يساعد على ذلك. إلا أن هذه كانت بداية الأمر فحسب، ~~وكان «كتاب الصدق» مخصصا لبسط المضامين والجوانب الدقيقة الغامضة لتطبيق هذا المبدأ ~~الدال وإجادته. وبقيامه بهذا، استخدم الخراز ما سيصبح الاستعارة المحورية للمعتقد ~~الصوفي، والتي تتمثل في أن المنهج الصوفي يمكن اعتباره «طريقا»؛ أي دربا يرشد ~~المرء بأمان في رحلته نحو حالة التناغم مع الله، التي هي الإسلام. ومثل أي رحلة طويلة ~~أخرى، فعلى مدار الدرب يمر المسافر بمجموعة من الأماكن أو المحطات التي تسمى ~~«المقامات»، ومن أجل أن يكون المرء صادقا في النية وفي الفعل أيضا، فإنه يجب أن ~~يمر عبر العديد من هذه «الأماكن» المجازية، التي قد يكتسب فيها الجوانب المختلفة من ~~الصدق؛ وهي: التوبة، ومعرفة النفس، وضبط النفس، ومعرفة حيل الشيطان، ومعرفة الحلال ~~والحرام، والزهد، والتوكل على الله، والخوف من الله، والحياء، والشعور بالعرفان تجاه ~~الخالق، وحب الله غير المحدود، والإيمان بالقضاء والقدر، والشوق إلى الله، وأخيرا ~~مقام القرب من الله. # كانت هذه الاستعارة مهمة؛ لأنه كما هو الحال مع أي رحلة، من غير الممكن الوصول ~~لأي مكان دون المرور أولا بالأماكن السابقة عليه بطول هذا الطريق. إن هذا الأسلوب ~~القائم على رسم هذه «الأماكن» على الطريق نحو القرب من الله سيصبح واحدا من الخصائص ~~الكلاسيكية ms044 لكتابات الكتاب الصوفيين، ودليلا - كما يجب أن نفترض - على امتلاك ~~هؤلاء الكتاب لنوع من المعرفة الخاصة بهذه الرحلة جعل المريدين يقبلون عليهم. على ~~الرغم من ذلك، يجب أن نفترض أن هذه التعاليم لم تكن نظرية فحسب، كما تبدو في أعمال ~~تقديمية من أمثال هذا الكتاب، بل لقد كانت أيضا عملية وفاعلة. وعلى غرار الطب، فإنها ~~لم تكن مجرد فرع رسمي من فروع المعرفة، بل كانت وسيلة تجلب الشفاء؛ فالصوفيون لم ~~يدلوا الناس فحسب على طريقة فعل الخير، بل دلوهم أيضا كيف يشعرون بالاطمئنان ~~والسعادة من خلال الرضا الذي يجلبه التوكل الكامل على الله. # إذا كانت الطريقة والمحطات المتعلقة بها أحد العناصر الأساسية للمنهج الصوفي التي ~~قدمها الخراز، فقد قدم عنصرا آخر، وهو المفهوم الثنائي المتمثل في «الفناء» ~~و«البقاء». وكما هو الحال مع أي معتقد صوفي آخر، فقد كان دعم فكرة موت الأنا قبل ~~الجسم موجودا في حديث للنبي محمد، الذي قيل إنه نصح أصحابه فيه قائلا: «موتوا قبل أن ~~تموتوا.» وإذا كان السير على الطريقة هو المنهج، فإن الإجراء نفسه هو كبت الغرائز ~~الدنيئة والمتدنية للنفس؛ كي لا يبقى في نهاية الرحلة إلا الروح، التي تكون في حالة ~~من القرب من خالقها. # ناقش الخراز خصائص حالة القرب هذه ونوع الأشخاص الذين وصلوا إليها؛ وذلك في ~~رسائله الأكثر تخصصا. وكانت لغة هذه الرسائل أكثر عمقا وغموضا مما يشير إلى ظهور ~~اللغة الاصطلاحية المتخصصة الموجهة لمجتمعات مغلقة من القراء، والتي تتطلب أيضا ~~وجود تعليق شفهي من معلم لتوضيح المعنى. وفي دائرة الخراز على الأقل، يجب ألا ~~نتخيل أن الصوفيين الأوائل كانوا يخاطبون العامة؛ فمثل «إخوان الصفا» المتأثرين ~~بالأفلاطونية الحديثة، والداعين لاستخدام السحر - الذين ظهروا في البصرة بعد ذلك بنصف ~~قرن - كان الصوفيون الأوائل مولعين بما هو غامض ومعقد التفاصيل. إن انتقادهم للزهاد ~~الذين من المؤكد أن تقشفهم الريائي والمريع في بعض الأحيان قد نال تأييد العامة، ~~يشير إلى أن أمثال الخراز والمحاسبي من قبله مثلوا دائرة من النخبة المثقفة ~~المتحضرة المتخصصة على ms045 نحو واضح، التي سعت إلى تحقيق المكانة من خلال الإبداع في ~~الكتب بدلا من السيطرة على الأجساد. # في رسائل الخراز، تمثلت رغبته في التصنيف التي رأيناها بالفعل في عمله «كتاب ~~الصدق»، في تقديمه ل «الطبقات» السبع الموجودة بين النخبة الروحانية، التي وصف رموزها ~~بأنهم «أهل الارتباك والحيرة». سعت كل طبقة من هذه الطبقات إلى الله بطريقة مختلفة، ~~بداية من التفكر في «الإشارات» المبهمة من قبل أصحاب الطبقة الدنيا وحتى الأرواح ~~العليا الذين وصلوا إلى درجة من «القرب» من الجوهر الإلهي؛ بحيث أفنوا صفاتهم تماما ~~في صفات الله. # 39 # وعلى الرغم من كل محاولات الخراز لتجنب إثارة الجدل، من خلال تأييد أهمية ~~الحفاظ الظاهري على الأعراف الاجتماعية الإسلامية، فقد عجز عن تجنب إثارة الجدل في ~~تخفيفه للفرق بين الله والبشر، ولو لنخبة قليلة منهم. وعلى الرغم من توضيحه وجود سبع ~~طبقات نخبوية من البشر، ففي جوانب أخرى، سعى إلى تقليل مكانة الأشخاص الذين قادهم ~~قربهم من الله وانشغالهم به إلى اعتبار أنفسهم «أولياء» له. # 40 # وفي حين قبل الخراز بالتأكيد مثل بقية المسلمين في وقته وجود مثل هؤلاء ~~الأولياء، فإنه كان حريصا على ألا تتجاوز مكانتهم مكانة الأنبياء. وكان معنى ذلك ~~أنه بصرف النظر عما كشفه الله لأوليائه، فقد كان هذا الكشف أقل في السلطة والمكانة ~~عما كشفه لأنبيائه؛ فحتى ولي الله لا يمكنه أن يأمر أي شخص بانتهاك قاعدة شرعية، ~~أو إنكار ما أوحى الله به إلى الأنبياء. ونظرا لأن الخراز وسع طرق وأعداد الأشخاص ~~المحتمل أن يكون لديهم تواصل مباشر مع الله، فقد كان من ثم في الوقت نفسه يقلل ~~من السلطة التي منحها ذلك التواصل لهؤلاء الأولياء على بقية أفراد المجتمع. ~~(5) التستري البصري (المتوفى عام 896) # بحلول النصف الثاني من القرن التاسع، كانت مسألة العلاقة بين الأنبياء والأولياء (ومن ~~ثم، المسلمين العاديين الذين كانوا يدينون لهم بالولاء) مسألة ملحة بالفعل. ~~وعلى بعد نحو ثلاثمائة وخمسين ميلا جنوب بغداد في مدينة البصرة، كانت هذه المسألة ~~يواجهها أحد معاصري الخراز، وهو ms046 سهل بن عبد الله التستري (المتوفى عام 896). ~~ومثل الخراز وكثير من علماء المسلمين الآخرين في هذه الفترة، فقد كان التستري كثير ~~الأسفار في حياته، وعلى الرغم من أنه نشأ في مدينة تستر الإيرانية التي اكتسب منها ~~اسمه، فقد حج إلى مكة، وأقام في العديد من المدن في العراق، ومن المحتمل أن يكون قد ~~زار ربوع مصر أيضا. # 41 # وعلى الرغم من أن المؤرخين لديهم النصوص التي تركها الرجال من أمثال ~~التستري كأدلة، فإنه من الصعب جدا تقييم مدى تأثير الحوارات والاجتماعات - التي ~~لا بد أن تكون قد حدثت أثناء أسفارهم - على فكرهم. إن المزاعم اللاحقة التي تقول إن ~~التستري تعلم من الشيخ شبه الأسطوري، ذي النون المصري (المتوفى عام 861)، غير ~~مستبعدة في الأساس، بل فقط من الصعب إثباتها. فنحن نعلم الكثير عن تكون الأفكار في ~~البصرة على مدار العقود السابقة على وصول التستري إليها عام 877، عندما كان بالفعل ~~رجلا عجوزا يناهز الستين، حتى لو بدا من المحتمل أن أفكاره كانت ناضجة بالفعل ~~في هذه المرحلة. # 42 # وبينما يمكننا الإشارة إلى ارتباطه بمناقشات وأنماط كتابة الجيل أو ~~الجيلين السابقين عليه، وفي حين يبدو محتملا أنه تأثر بتفسير قديم للقرآن لم يعد ~~موجودا الآن، قدمه الإمام الشيعي جعفر الصادق (المتوفى عام 765)؛ فإنه ربما من ~~الأفضل أن نرى أنه كان مبدعا في حد ذاته، ولم يكن يبحث لأفكاره عن مصادر بين ~~الغنوصيين وأتباع الأفلاطونية الحديثة. # 43 # الأكثر إدهاشا في مصدر إبداع التستري كان ظهور ذلك الإبداع في بيئة تفسيرية خصبة ~~جمعت بين القرآن وتجارب التستري الخاصة. ومن المهم ألا نتجاهل أيا من شقي هذه ~~البيئة؛ لأن التستري لم يكن مجرد متصوف حر التفكير يعتمد على أفكاره ~~المتسامية، ولا مجرد مفسر ناقل يعتمد على تأويلات بسيطة للنص القرآني، بل كان ~~مسلما رأى أن كلمات الله المذكورة في القرآن مصدر معرفة لا ينضب للقارئ المتأمل ~~المتفاعل مع النص القرآني. وبالاستعانة بالقرآن كمرشد له، تفكر في معنى تجاربه التي ~~كانت نتاج سنوات قضاها في إنشاد صيغ ms047 الذكر، مثل تلك التي تعلمها أثناء شبابه من ~~خاله الذي كان من علماء الحديث المشهورين. وعلى الرغم من البحث في الصلوات اليسوعية ~~المطولة لدى المسيحيين النسطوريين عن نظائر ومصادر لممارسة الإنشاد تلك؛ فقد كان ~~مصدر هذه الممارسة بالنسبة إلى المسلمين أمثال التستري وخاله إسلاميا تماما. لم ~~تكن الصيغ وحدها مكونة في الغالب من كلمات من القرآن، بل كان المصطلح العام لهذه ~~الممارسات - أي الذكر - هو نفسه مأخوذ من عدة وصايا قرآنية بذكر الله. كان التستري ~~أول شخص نعرف عنه أنه ربط بين ممارسة إنشاد الذكر ومفهوم القلب باعتباره عضو المعرفة، ~~الذي يسمح تطهيره باستضافته لنور الله الأزلي. # على الرغم من أن تفسير التستري للقرآن عبارة عن مجموعة غير منظمة من الملاحظات ~~أكثر من كونه تفسيرا تدريجيا، فإنه يعطي فكرة عامة عن تعاليم التستري، وكذلك ~~لمحة عن دور النص القرآني فيها. وبين النص القرآني والتأمل، طور التستري الفكرة ~~القرآنية القائلة بوجود «ميثاق» أزلي بين الله وعباده؛ حيث استدعيت كل أرواح البشر ~~الذين سيخلقون أمام الله وقبلوا به ربا لهم. # 44 # إلا أن نسخة التستري من هذا الميثاق امتدت إلى ما قبل فجر الخليقة، ~~فقال إنه قبل أن يخلق الله البشر خلق محمدا أولا. # 45 # لم يكن محمد ذاك النبي محمد المعروف تاريخيا، بل كان محمدا كونيا ~~خلق من نور صاف نابع عن نور الله الأزلي نفسه. من هذا «النور المحمدي»، خلق الله ~~بعد ذلك بقية البشر بالترتيب التالي: الأنبياء، فأولياء الله الصالحين، فبقية الأرواح ~~البشرية العادية. وليس كل البشر الذين خلقهم الله متساوين. إن أولياء الله ليسوا مقربين ~~من الله بفضل جهودهم الخاصة، لكن بفضل مكانتهم التي قدرها الله سلفا عند لحظة خلقهم، ~~وهذا لا يقلل من شأنهم على الإطلاق. وعلى الرغم من أن المسلمين العاديين بإمكانهم ~~بالتأكيد القرب من الله باستخدام أساليب مثل إنشاد الذكر لتطهير أنفسهم من مشتتات ~~النفس، فإنه لا توجد فرصة لهم للترقي في هرمية الولاية السماوية تلك. في واقع الأمر، ~~قدم التستري هرمية أولياء الله هذه ms048 في صورة جماعة مغلقة يسيطر عليها عدد ~~ثابت من «الصديقين» و«الأبدال» و«الأوتاد». وكما سنرى في الفصل الثاني، فمن الناحية ~~الاجتماعية والمكانية، فإن عقيدة الولاية تلك سوف تؤدي مع مرور الزمن إلى تقديس قوي ~~للأولياء الصوفيين الذين ستحول أضرحتهم - مثل ضريح الشيخ يوسف أبي الحجاج في معبد ~~الأقصر الفرعوني القديم في مصر - تدريجيا منطقة الشرق الأوسط إلى منطقة إسلامية ~~مقدسة. # شكل 1-3: استعراض للمناطق الإسلامية المقدسة: ضريح من فترة العصور الوسطى ~~للشيخ يوسف أبي الحجاج في معبد الأقصر، مصر (تصوير: نايل ~~جرين). # على الرغم من أن التستري أوضح صراحة أنه توجد أربعة مستويات لفهم معاني القرآن ~~(الحرفي، والرمزي، والأخلاقي، والأخروي )، فإن أولياء الله فقط هم من يستطيعون حقا ~~فهم القرآن. وفي حين نرى مرة أخرى الاهتمام بالترتيب والإحصاء الذي ميز أيضا كتابات ~~الخراز؛ فقد حاز أولياء الله بلا شك على حيز كبير في عالم التستري. وفي الوقت ~~الذي كان يشكل فيه الكثير من العلماء المسلمين إسلاما يتسم بالمساواة (أو على ~~الأقل قائم على الجدارة)، كانت فيه المعرفة والسلطة تكتسبان من خلال الفهم الصحيح ~~للقرآن واتباع السنة النبوية؛ فإننا نرى في دائرة التستري ظهور الإسلام الهرمي ~~القديم مرة أخرى، الذي أودعت فيه المعرفة والسلطة في عدد صغير من الناس؛ من خلال ~~الاختيار الإلهي. ونظرا لأن أولياء الله ليسوا نخبة محددة بالنسب كما هو الحال في ~~تكوين السلطة لدى الشيعة المحصور في أولئك المنحدرين من نسل النبي محمد، فقد ~~مثلوا نموذجا أكثر تغيرا، ومن ثم أكثر قابلية للتحوير، كان من المحتمل أن يجذب ~~عددا أكبر من المؤيدين نتيجة لذلك. ولأن أولياء الله هم وحدهم من يعلمون أنهم ~~أولياؤه، فلم توجد من الناحية النظرية طريقة للتأكد مما إذا كان من يزعم أنه من ~~أولياء الله وليا له فعلا أم لا. وكما هو متوقع، فقد زعم التستري أنه نفسه ~~«قطب» الكون الذي يقف في قلب الهرمية الكونية هذه لأولياء الله الذين اختارهم الله منذ ~~الأزل. # على الرغم من أن تفسير التستري للقرآن يعج بالرؤى والاستنباطات ms049 الغريبة، فقد ~~مثلت تعاليمه أيضا مصدرا عقائديا للتوجهات البالغة التسلط، التي سنشهد كيف أنها ~~ازدهرت مع سعي الصوفيين إلى كسب مزيد من النفوذ في القرون التالية. وفي زمن ~~التستري، أكسبه زعم كونه من أولياء الله استحسان الآخرين ودعمهم، ويبدو أنه ~~اضطر للهروب من مدينة واحدة على الأقل نتيجة لذلك. وبينما تمكن التستري من كسب ~~عدد كبير من الأتباع في البصرة، انتقل أتباعه بعد وفاته إلى اتجاهات مختلفة، وأسس ~~بعضهم مدرسة عقائدية مميزة أكثر من كونها مدرسة صوفية، تسمى السالمية، وانتقل ~~البعض الآخر إلى بغداد للالتحاق بالحلقة المتجمعة حول الصوفي التالي الذي سوف ~~نتطرق إليه، وهو الجنيد صاحب فكرة «الصحو »؛ ومن ثم، فما نشهد لم يصبح بعد ~~حركة صوفية متماسكة على نحو كامل، بل مجموعة من الحلقات المتمايزة، لكن المتقاطعة ~~المجتمعة حول شيوخ منفردين. وكما نرى في حالة أتباع التستري والجنيد، ففي العراق ~~على أقل تقدير كانت تحظى هذه الحلقات بقدر معقول من التفاعل الاجتماعي بعضها مع بعض، ~~وهذا التفاعل سيخلق تدريجيا على مدار القرنين التاسع والعاشر حركة صوفية أكثر ~~تماسكا، تتشارك في بعض الأفكار والممارسات. # بحلول القرن العاشر، نكون قد تجاوزنا بالتأكيد المرحلة التي كان يمثل فيها مصطلح ~~صوفي مجرد لقب لخليط متنوع من السالكين، وأصبح كثير من الأفكار والمصطلحات ~~والممارسات الأساسية التي ستكون تقليدا صوفيا خاصا قيد التكوين. إلا أننا سنرى ~~من خلال تناولنا للشخصيات القليلة التالية أن وجود الجدالات والخلافات يوضح أننا لم ~~نصل بعد إلى وجود حركة متماسكة، وأنها ما زالت لا ترقى لمنزلة التقليد. ~~(6) الجنيد البغدادي (المتوفى عام 910) # على النقيض من الخراز والتستري اللذين سافرا كثيرا على الرغم من قضاء أكثر فترات ~~حياتهما المهنية نشاطا في العراق، فقد كان الجنيد إلى حد كبير مواطنا طويل ~~الإقامة في بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية. # 46 # اشتهر الجنيد بلقب الخزاز، وهذا يخبرنا أنه كان يكسب قوته من العمل ~~كتاجر للحرير، وهذا يشير مرة أخرى إلى الخلفية المهنية الحضرية. إن دراسته المبكرة ~~للفقه الإسلامي - الذي كان فرعا معرفيا ناشئا في ذلك ms050 الوقت - جعلته بحق في قلب ~~الاتجاه الفكري السائد في بغداد في زمنه أكثر من غيره من الشخصيات التي تناولناها. ~~وتتضح هذه المؤهلات العلمية من عدد الرسائل التي كتبها - التي تزيد عن ثلاثين ~~بحسب إحدى الروايات - ومعرفته بالنقاشات الواسعة النطاق التي كشفتها. سعى الجنيد مثل ~~الخراز والتستري إلى بناء تعاليمه (واستقائها في واقع الأمر) من المصدرين أنفسهما ~~اللذين استخدما لوضع قواعد الشريعة، وهما القرآن والحديث. # 47 # ومثلما يؤكد الكثير من كتابات الصوفيين المتأخرين الذين أتوا من بعده ~~على التناغم بين البعد «الباطني» أو الداخلي، والبعد «الظاهري» أو الخارجي للوجود، ~~فقد كانت تعاليم الجنيد المتعلقة بطبيعة الروح متممة لقواعد الشريعة، وليست بديلة ~~لها . فبالنسبة إليه، لم تكن «الطريقة» أو المنهج سوى التحقيق الكامل للمبدأ الأساسي في ~~الإسلام المعلن في أذان الصلاة، ألا وهو: «لا إله إلا الله.» ذلك المبدأ المعروف ~~بمبدأ «التوحيد» - أي وحدانية الله في مقابل «التثليث» عند المسيحيين - الذي يعد ~~المبدأ الأكثر أساسية في المبادئ الإسلامية، والذي كان في نظر الجنيد أساس مسعى كل ~~الصوفيين. ولم يكن كافيا مجرد الشهادة بوحدانية الله باللسان، أو القبول بها ~~بالعقل، بل كان لازما العيش بها واختبارها كواقع. # 48 # واعتمادا على الفكرة القرآنية نفسها القائلة بوجود الميثاق، التي ~~ناقشها التستري في البصرة في الوقت نفسه، زعم الجنيد أن الأرواح البشرية تتوق ~~إلى حالة الوجود الأصلية؛ حيث كانت في حالة وجود سابق لفرديتها في الله. # 49 # وعلى غرار التستري مرة أخرى، قال الجنيد إن الطريق إلى استعادة هذه ~~الحالة الأصلية يتمثل في عملية «فناء» الروح الفردية الدنيا أو النفس. ويقول الجنيد ~~متحدثا عن تجربته الشخصية فيما يتعلق بهذا الفناء: «استحوذت علي رؤية طاغية، ~~ووهج براق، حفزا في حالة فناء؛ مما جعلني أخلق من جديد بالطريقة نفسها التي ~~خلقني الله بها عندما لم يكن لي وجود.» # 50 # وتطويرا لمفهوم أساسي آخر سيصبح منسجما لاحقا مع نموذج الطريقة الذي رأيناه ~~بالفعل، والذي يتكون من مجموعة من «الأماكن» التي تميز السبيل إلى «الفناء»؛ أوضح ~~الجنيد أن السالك سيمر ms051 بمجموعة من «الأحوال» (أي الحالات) المؤقتة، ولكن التصاعدية. ~~لكن في الفكر الذي سيجعل الجنيد في منزلة مميزة لدى الأجيال التالية من الصوفية، أوضح ~~أيضا أنه على الرغم من أن حالات النشوة والذهول كانت جزءا من الطريقة، فإن السالك ~~الذي شهد «البقاء» بعد أن أفنى نفسه في الله لم يبق في حالة الإثارة المؤقتة تلك، بل ~~تجاوزها وصولا لحالة «صحو» أعلى ودائمة. # 51 # لذلك، كانت أعلى حالات القرب من الله مصحوبة بالسلوك الخارجي المحافظ، ~~الذي يستطيع المسلمون العاديون تمييزه بوضوح عن حالات النشوة المتسمة بالهذيان ~~أو مظاهر التقشف التي تميز الأشخاص الأقل قربا من الله. # كان الجنيد، مثل غيره من الصوفيين في زمنه، يضع تعاليمه في سياق الجدالات ~~المحتدمة حول الاعتقاد والسلوك الصحيحين. كان أحد أطراف تلك الجدالات الواعظ البغدادي ~~أحمد غلام خليل (المتوفى عام 888)، الذي قيل عنه إنه في عام 877 وجه اتهامات ~~صريحة بالزندقة إلى ما يزيد عن سبعين من أتباع الصوفيين من أمثال الجنيد؛ مما مثل ~~عقبات كبيرة أمام انتشار تعاليمهم التي بدت معارضة لكلمات القرآن أو الحديث بصفة ~~خاصة. # 52 # وتعود أهمية تقديم معتقد الصحو - الذي يعني الالتزام بالشريعة وضبط النفس ~~ورباطة الجأش - جزئيا على الأقل أيضا إلى كونه ردا على القصص الشائعة عن السالكين ~~وأقوالهم فيما يتعلق بحالة النشوة الدينية التي كانوا يصلون إليها، والتي كانت تصل ~~بغداد من أقاليم الإمبراطورية الإسلامية. وكثير من هذه الشائعات المتعلقة بالعمالقة ~~الروحانيين الجذابين والغامضين كان متعلقا بشخص يقال له أبو يزيد (المتوفى عام ~~875) من مدينة بسطام، الواقعة في الريف الإيراني البعيد أقصى شرق بغداد. إن ما ~~نعرفه عن أبي يزيد (الذي يعرف أيضا باسم بايزيد) قليل نسبيا، إلا أن كثيرا من ~~«العبارات الخاصة بالنشوة» التي تندرج تحت ما يسمى «الشطح»، والتي زعم أنه قالها ~~أثناء قربه النشوان من الله؛ جمعه أتباعه، ونقل إلى المسافرين على طريق التجارة ~~عبر بسطام، ونوقش في النهاية في الحلقات الدينية الرفيعة في بغداد. ومن الناحية ~~الجغرافية والروحانية أيضا، كان المفكرون الحضريون في العاصمة يرون ms052 أن أبا يزيد ~~البسطامي يمتلك جاذبية ساكن الحدود غير المتقيد بأعراف المدينة، والذي لا يخشى ~~المجاهرة بإثارة اكتشافاته. مثلت نوعية العبارات التي زعم أنه قالها - مثل: ~~«سبحوني كما لو كنت أنا الله.» و«انسلخت من نفسي كما تنسلخ الحية من جلدها، ثم ~~نظرت إلى نفسي فإذا أنا هو!» - ملخصات بليغة لما كان يقوله تقريبا صوفيو بغداد ~~الأكثر مبالغة وحذرا في نظرية الفناء والبقاء في الله خاصتهم، لكنهم كانوا ~~يتجنبون قوله بهذه الصراحة. # إن قصة تعلم أبي يزيد البسطامي على يد رجل يدعى السندي (نسبة إلى بلاد ~~السند الواقعة في شمال الهند)، ستقود أحد الباحثين المعاصرين إلى الزعم بأن تعاليم أبي ~~يزيد كانت «واحدية» مأخوذة من مصادر هندية - أي إنها «فلسفة فيدانتا في عباءة إسلامية» ~~- وكذلك الزعم بأن هذا التأثير الهندي غير إلى الأبد اتجاه الفكر ~~الصوفي. # 53 # ومن الراجح إلى حد كبير أن صوفيي بغداد لم يتأثروا كثيرا بمعتقدات ~~الآخرين، وأنهم أدركوا (لا سيما الجنيد) أن هذا الرجل الجامح البسطامي لن يساعدهم في ~~قضيتهم بين أوساط النخبة المثقفة الحضرية. وإذا كانت الفكرة التي روجها الصوفيون ~~المتأخرون، القائلة بأن أبا يزيد والجنيد أسسا مدرستين مختلفتين هما مدرسة ~~«السكر» ومدرسة «الصحو»؛ مبالغا فيها على نحو مؤكد، فإننا يمكننا على الأقل ~~رؤية الاختلافات الناشئة عن طريق الاتجاهات العقائدية والأنماط السلوكية. # 54 # مرة أخرى، نذكركم بأن الصوفيين لم يكونوا مجرد متصوفين يبنون تعاليمهم على ~~التجربة المتسامية، بل كانوا أيضا مفكرين عامين يشاركون في الجدالات البارزة في ~~زمنهم. كانت الأعمال المكتوبة التي تركها لنا الصوفيون الأوائل عبارة عن إنتاجات خطابية ~~تكونت من اشتراكهم في الجدالات الشفهية واقتباساتهم من المراجع المكتوبة، إلا أنها ~~كانت أيضا نتيجة لمحاولات ربط كلمات هذا الخطاب وأفكاره بالتجارب الفردية ~~بطريقة توضح تلك التجارب، لكنها ترفض (على الأقل في حالة المحافظين مثل الجنيد) أن ~~تسمح لهذه التجارب الخاصة بزعزعة الأسس الشرعية والسياسية للحياة الاجتماعية الجمعية. ~~واتباعا لهذا التوسط الحكيم، فقد كان الجنيد حذرا في مناقشة موضوع أولياء ~~الله. وعلى غرار التستري، كان الجنيد ms053 يرى أن هذه النخبة موجودة بالفعل، وتحظى ~~بسلطة على عوام المسلمين العاديين. إلا أن الجنيد رأى أن الصحو المقترن بحالة ~~«البقاء» في الله جعل الصوفي المتحقق متشابها خارجيا مع عالم الشريعة: # إنه أحد الخبراء في الشريعة، والحلال والحرام، ومن أفضل العارفين بكل الأمور ~~المتعلقة بالإسلام. إنه يسير على خطى الأنبياء ويتبع أسلوب حياة ~~الأولياء والصالحين، ولا يضل ويتبع البدع (تلك البدع التي لاقت قدرا ~~من الرواج في الإسلام على الرغم من كونها مناقضة له)، ولا يمتنع عن قبول ~~التقليد الإسلامي المجمع عليه ... ويرى أنه لا بد من طاعة المرجع، وإلا فإنه ~~سيعزل نفسه عن جماعته. ويرى أن التمرد على المرجع من أفعال الجاهل ... # 55 # إن هذا الموقف المحافظ لا يعني أن مسيرة الجنيد كانت خالية من الخلافات، لكن بدلا ~~من أن نرى أن تطوير الصوفيين الأوائل لطريقتهم كان معارضا في جوهره للمدافعين عن ~~الشريعة والدين الإسلامي الحنيف، يجب أن ندرك أنه لم يكن هناك اتفاق إلا على أمور ~~قليلة (حتى إنه كان هناك اختلاف كبير حول الطرق التي كانت تتشكل الشريعة من خلالها). ~~وفي سياق كون فيه المدافعون عن فكرة المجتمع المسلم المتماسك بفضل الالتزام بالسنة ~~النبوية مفهوم «الإجماع» (أي الموافقة الجماعية للعلماء) باعتباره نوعا من أنواع ~~السلطة القائمة على شبه المساواة؛ حاول الجنيد التوفيق بين فكرة السلطة المأخوذة من ~~العلاقة الخاصة مع الله التي يتبناها نخبة الأولياء، وبين التيار الفكري السني ~~الناشئ. فمن خلال تصرف أولياء الله تماما مثل بقية أفراد طبقة العلماء، وعدم مخالفة ~~إجماعهم، سيكون دورهم مقتصرا فقط على نصح الناس بالوفاء بالتزاماتهم الاجتماعية ~~والشرعية العادية، وعدم الإخلال بها. لم يكن الصوفيون من أمثال الجنيد متصوفين ~~منعزلين ومستغرقين في تأمل ذواتهم، بل كانوا مشاركين فاعلين في تكوين المجتمع ~~الإسلامي؛ ومن ثم اشتركوا في جدالات عامة عنيفة تدور حول العلاقة بين السلطة ~~والمسئولية، والسلوك والرضا. لكن وكما سنرى عندما نتناول بعضا من معاصري الجنيد ~~الأقل تبنيا لمبدأ الصحو، سنجد أن تجربة الشعور بالقرب من الله وما تتضمنه من ms054 شعور ~~بالاختيار الإلهي لم تكن في كل الأحوال سهلة الترويج. ~~(7) الحلاج البغدادي (المتوفى عام 922) # أشهر صور هذا التوتر الناشئ بين السلطة القائمة على الإلهام الشخصي والسلطة القائمة ~~على الإجماع، هو ما نراه في حياة حسين بن منصور، المعروف بالحلاج (وكلمة حلاج تعني ~~الشخص الذي يندف الصوف). # 56 # ولد الحلاج في جنوب إيران حوالي عام 857، وأصبح تابعا للتستري، ثم ~~لشيخ صوفي آخر في البصرة يدعى عمرو بن عثمان المكي قبل التحاقه بحلقة الجنيد في ~~بغداد. يبدو أنه كان عاجزا عن الالتزام بأن يصبح مريدا لأي من هؤلاء الشيوخ؛ ~~ربما بسبب أنه كان يطمح في جذب أتباع لنفسه. لقد كان الحلاج كثير الترحال للغاية ~~حتى مقارنة بأكثر معاصريه ارتحالا؛ فلم يتجول عبر إيران فحسب، بل وصل أيضا إلى ~~أقاصي التوسعات الإسلامية في آسيا الوسطى والهند. في هذه الرحلات اختفى الحلاج من ~~آفاق التوثيق التاريخي المحدودة، لكنه معروف لنا على نحو أساسي من خلال وجوده في ~~عاصمة الأدب والفكر في العالم الإسلامي في هذا الوقت؛ حيث أثار جدلا كبيرا حول آرائه ~~في بغداد، وأعدم هناك في النهاية عام 922. ومثل بقية ضحايا الفكر، كان إعدامه تتويجا ~~لمسيرته؛ إذ ضمن تخليده على يد كثير من كتاب السير الذاتية والشعراء ~~الصوفيين في القرون اللاحقة، الذين سيتذكرونه فيما بعد باعتباره شهيدا عظيما ~~أعدم بسبب الحديث عن حقيقة الحب الإلهي. # في الواقع الأليم، كانت الصورة بالتأكيد أكثر تعقيدا وربما أقل جاذبية؛ فعلى ~~الرغم من أن الحب الإلهي النشوان كان جزءا من تعاليم الحلاج، ويظهر على نحو جلي ~~في الشعر المؤثر الذي كتبه، فإن كتاباته النثرية - التي ظلت لفترة قصيرة - تشير ~~إلى قدرة فكرية أكبر على الاستفادة من الأفكار التي طورها شيخه السابق التستري. ~~وكما رأينا، فقد حازت فكرة الفناء في الله على انتشار كبير في حلقات الصوفيين التي ~~تردد عليها في بغداد والبصرة، وكذلك فكرة وجود علاقة خاصة بين الله ونخبة تعرف ب ~~«الأولياء». ورأينا بالفعل كيف كون معتقد الأولياء نموذج سلطة خاصا؛ إذ ~~قدم الولي على أنه ms055 يتمتع بقرب خاص من الله، لا يمكن أن يحققه أي قدر من ~~حفظ القرآن أو الحديث. أما من ناحية الاستفادة الاجتماعية من هذا المعتقد، فإن من ~~زعموا أنهم أولياء مثل التستري لم يستخدموا المكانة التي وصلوا إليها من خلال ~~الاختيار الإلهي إلا في جمع حلقات صغيرة من السالكين المتشابهين معهم في التفكير حولهم؛ ~~أما في حالة الحلاج، فقد بدأنا نرى الاستفادة من المقدرة الاجتماعية الكاملة لهذا ~~المعتقد، من خلال تطوير زعم الولاية بالإظهار الخارجي له عن طريق صنع الكرامات. ~~وعندما تعلق الأمر بجذب عدد أكبر من المريدين، كان لتلك الأدلة القائمة على صنع ~~المعجزات لإثبات المكانة الخاصة قدرة أكبر على الحشد، وقد حقق صنع الحلاج العلني ~~لهذه المعجزات هذا الأمر بالضبط. لم يكن الحلاج أول مسلم يعتقد أنه يمتلك القدرة ~~على صنع المعجزات، وكان يوجد بالفعل عدد كبير من الحكايات عن المعجزات التي صنعها ~~الأولياء السابقون والأنبياء، إلا أن الحلاج كان أول صوفي بارز يضم هذه المهارة ~~إلى سجل مهاراته. وعلى غرار الماركسي الذي ينتقل من قاعة ندوات إلى منصة في ~~تجمهر خلوي، فإنه في جمعه للكثير جدا من الأتباع في هذه الأثناء قد غير ~~جذريا الأمور التي كانت مثار جدل في تعاليم الصوفيين. # وكما هو متوقع، فإن الأتباع الكثيرين جدا الذين جذبهم الحلاج إليه جعلوه ~~محط اهتمام سلطات الدولة في بغداد، التي كانت مزاعم شرعيتها - التي أصبحت مبتذلة ~~نسبيا - في ذلك الوقت تتضاءل مع كل جيل من الأفكار الجديدة. وعلى الرغم من أن أسباب ~~القبض على الحلاج وإعدامه في النهاية تضمنت مزيجا كارثيا من المواقف السياسة ~~الحكومية والصراع مع النخب المثقفة، فإن ما جعل الموقف أكثر سوءا كان عبارات ~~الحلاج المتجاوزة، التي ظل بعضها موجودا في كتاباته، وظل بعضها الآخر في ~~اقتباسات موجودة في أعمال كتبها غيره. في هذا الصدد، تجاوز الحلاج النقاش السابق ~~المتعلق بفناء النفس في الله، ليزعم أنه نظرا لأنه لم يتبق شيء الآن من منصور ~~الحلاج، فإن من يتحدث من خلال شفتيه هو الله؛ فنفس ms056 الحلاج قد فارقته لتترك فقط ~~روح الله تسكن جسده أثناء سيره بين الشوارع والناس في بغداد. في أكثر مزاعمه شناعة ~~- التي تكتسب قدرا أكبر من الأهمية بسبب اعتقاد المتأخرين أنه قالها بالفعل، وليس ~~لوجود دليل مؤكد على قوله لها - استخدم واحدا من أسماء الله الحسنى التسعة والتسعين ~~ليقول عن نفسه: «أنا الحق.» ليعلن نفسه فعليا أنه الله. بل الأغرب من ذلك أنه أعرب ~~عن تعاطفه مع الشيطان، الذي رأى رفضه للسجود لآدم فيه نوع من الولاء البطولي لله؛ ~~نتيجة لرفضه الانحراف عن استغراقه في عبادة الله الواحد. # 57 # على الرغم من ذلك، فإن السبب الرسمي لإعدام الحلاج كان أحد التعاليم ~~المنسوبة إليه، الذي يقضي بأن الحج إلى مكة، الواجب على كل المسلمين القادرين على ~~أدائه، يمكن أيضا أداؤه رمزيا حول طاولة في المنزل. ومن الناحية الضمنية، فإنه ~~كان يقول إن البعد الرمزي أو الباطني للواجبات الدينية أكثر أهمية من الأداء الفعلي ~~أو الظاهري لها. كان هذا المبدأ في حال تعميمه يهدد النسيج الكامل للتكاليف ~~والواجبات التي على أساسها كان يتطور المجتمع الإسلامي على مدار القرون الثلاثة ~~السابقة. ومع تزايد عدد الأتباع، أصبحت آراء الصوفيين تحمل أهمية كبرى. ~~(8) الصوفية في العراق في أواخر القرن العاشر # مع مرور القرن العاشر تزايد عدد الشيوخ المعروفين بالصوفيين، الذين كانوا يجذبون ~~أتباعا لهم في العراق، وقد كتبوا أعمالا استفاضوا فيها في شرح المصطلحات والمفاهيم ~~التي شهدنا تطورها في كتابات الخراز وغيره. وكما هو الحال مع الشيوخ الذين تناولناهم، ~~والذين كانوا يطلعون السالكين على كيفية القرب من الله ومشاركته في علمه وفي قوته في ~~بعض الأحيان، كان لهذه المعتقدات تبعات اجتماعية وسياسية هائلة، حتى لو أنها في ذلك ~~الوقت لم تكن قد تحققت إلا بالمعنى السلبي المتمثل في إعدام الحلاج. ولعل أوضح ~~مثال على ذلك العراقي محمد بن عبد الجبار، المعروف باسم النفري (نسبة لمدينة ~~نفر) المتوفى بعد عام 977، والذي لا يتوافر عن سيرته الذاتية إلا القليل. # في كتاب «المواقف» اعتمد النفري على النزعة الصوفية - التي ms057 شهدنا نشأتها فيما سبق ~~- إلى تأويل «المقامات» أو «الأحوال» الكثيرة الموجودة على الطريقة الصوفية. طور ~~النفري فكرة تقول إن الطريقة تحتوي أيضا على «مواقف» (أي نقاط توقف)، وهي على ~~الرغم من أن بعض المسافرين من الممكن أن يتجاوزوها، فإنها في الواقع أماكن يكشف فيها ~~الله جوانب مختلفة عن نفسه للسالكين الشديدي التقوى، الذين يتحلون بالصبر. وفي ~~إشارة إلى أن السالكين الآخرين فاتتهم تلك «المواقف»، أخذ النفري يصف بتفاصيل ~~مدهشة الكشوف التي منحها الله له في كل موقف من هذه المواقف، التي لا تقل عن ~~سبع وسبعين، بادئا مناقشة كل «موقف» بزعم صريح يقول: «أوقفني الله وقال لي ~~...» # 58 # بالنسبة إلى النفري، كانت هذه التجربة الرؤيوية المكتسبة في تلك ~~المواقف أعلى من تعلم الكتب، وكذلك من المعرفة المباشرة المكتسبة على عجل، التي ~~يزعم الصوفيون الآخرون أنهم حصلوا عليها من الله. في هذه العروض المتزايدة ~~التفاصيل لطبيعة ومدى الرحلة إلى الله، لن يكون من المستبعد رؤية نوع من محاولة ~~إظهار الأفضلية الروحانية على الغير. ويرى النفري أن التمكن في المواقف في هذه ~~الرحلة له مكافأة عظيمة؛ إذ يستطيع السالك أن يكتسب من هذه المواقف قدرة الله على ~~الخلق، فيأتي بالأشياء إلى الوجود. وحتى في هذه المرحلة المبكرة لم تكن القدرة على ~~صنع المعجزات - أي القدرة على صنع أشياء لا يستطيع فعلها حتى أقوى الرجال - بعيدة ~~مطلقا عن اهتمامات الصوفيين. # قبل أن ننتقل لاستعراض المنطقة الجغرافية الرئيسية الأخرى التي تكونت فيها ~~الصوفية، جدير بنا الانتظار قليلا لإلقاء نظرة على التطورات التي حدثت في العراق في ~~نهاية القرن العاشر. بداية، لقد رأينا تطورا من فترة كان فيها مصطلح «صوفي» أو ~~«لابس الصوف» مجرد لقب لخليط غامض من السالكين، إلى فترة استخدم فيها المصطلح ~~للإشارة إلى طريقة محددة لاكتساب المعرفة أطلق عليها صوفية؛ وهذا يعني أن ~~المصطلحات اكتسبت معنى جوهريا ومحددا أكثر؛ ففي السابق كان يوجد فحسب أشخاص ~~يطلق عليهم صوفيون، والآن أصبحت توجد طريقة عملية ونظرية يطلق عليها الصوفية. كانت ~~العوامل التي أتاحت هذا ms058 التطور عديدة، بعضها اتضح بعد قرون، وبعضها كان أكثر غموضا. ~~أما العامل الأكثر وضوحا، فكان إنتاج نصوص طور فيها الصوفيون المصطلحات ~~المفاهيمية التي فسرت أفكارهم وأوضحت تجاربهم وتجارب مريديهم، وربطتهم بمصادر ~~المعرفة الشرعية المتمثلة في القرآن والحديث. وبحلول القرن العاشر تقريبا، تراوحت ~~أنواع النصوص الصوفية ما بين تفسيرات للقرآن، ورسائل حول موضوعات معينة، وشعر ~~عاطفي، وخطابات توجيهية، وأقوال مأثورة موحية، وسرد لتجارب رؤيوية. وفي كثير من ~~الحالات، كانت تلك الأعمال البالغة التعقيد والإيحاء، في أغلب الأحيان، إبداعات ~~نخبة مثقفة تكتب لأتباعها. وفي فترة كانت السلطة الشرعية والأخلاقية على المجتمع ~~الإسلامي يكتسبها تحديدا أولئك المتعلمون الذين أطلقوا على أنفسهم لقب «علماء»، كانت ~~هذه المكانة الاجتماعية للمنهج الصوفي الجديد مناسبة للغاية. # هذا لا يعني أن الأتباع الأوائل للصوفيين كانوا كلهم أعضاء في هذه النخبة المثقفة ~~الحضرية؛ لأن كثيرا من الأشعار والأقوال المأثورة والقصص التي ظهرت في الكتابات ~~انتشرت بسهولة بين غير المتعلمين من خلال الحفظ والكلام. بل المقصود أنه لولا مساعدة ~~هذه النخبة المثقفة ذات النفوذ المتزايد، لأصبح استمرار الصوفية بعد هذه الفترة ~~وتوسعها خارج العراق أكثر صعوبة. إن الكتابات التي أنتجها مثقفو العراق كانت ~~فعالة في حد ذاتها في العملية التي من خلالها انتشرت واستمرت الصوفية؛ فهي لم تنقل ~~الأفكار عبر الزمن فحسب (حيث اكتسبت تلك الإنتاجات مكانة أكبر مع مرور كل جيل من ~~الأجيال، باعتبارها من نتاج عصر روحاني ذهبي)، بل نقلتها عبر المكان أيضا (حيث نشرت ~~طريقة بغداد الجديدة الرائجة في أقاليم إمبراطوريتها). وبقدر ما يمكن اعتبار الصوفية ~~نوعا من «التصوف» تحظى فيه التجربة بأهمية بالغة دائما، فعند تحديد سبب نجاحها لا ~~بد أن ندرك أن الأمر كان أيضا يرجع إلى حد كبير للكتابات. وبالنسبة إلى المؤرخين ~~على الأقل، فإن تلك الأعمال أكثر أهمية؛ لأنه عند انقضاء هذه التجربة الخاطفة يبقى ما ~~يكتب عنها؛ فكما يقال: «الحروف المكتوبة تبقى.» # وفي حين أننا يجب ألا نتجاهل أهمية التجربة الروحانية الفردية ومحاولات التفسير ~~الإبداعي، فقد كانت عمليات الكتابة «الخطابية» بالغة الأهمية؛ ms059 لأن الصوفيين ~~الأوائل حرصوا عند بناء معتقدهم الصوفي على المصطلحات والنصوص التي كانت مفهومة ~~للمسلمين الآخرين في هذه الفترة، على أن تكون تعاليمهم محترمة ومن الممكن فهمها على ~~نحو كاف كي تستمر في الأجيال المستقبلية، وتكون مرتبطة بفروع المعرفة المعترف ~~بها الأوسع نطاقا. وعندما دخلت التجربة إلى المعادلة، لم يكن مسموحا لها أن تظل ~~نقية وغير قابلة للوصف، بل كان لزاما تفسيرها وفهمها من خلال المصطلحات الخاصة التي ~~صاغها الصوفيون الأوائل في كتاباتهم وكان مصدرها القرآن بصفته وحيا معبرا عنه ~~بالكلمات. # 59 # إن هذا التطوير المبكر للمصطلحات الخاصة بالمعتقد والممارسة التي تكتسب ~~قوتها من كونها شرعية، سنرى أهميته الصرفة لاحقا في عملية «الازدواجية اللغوية» ~~المتكررة، التي من خلالها اقترضت المصطلحات العربية الأصلية هذه ، واستمرت في ~~كثير من اللغات الأخرى التي سيتحدث ويكتب بها الأجيال اللاحقة من الصوفيين. إن ~~الإنتاج النصي للصوفيين الأوائل في بغداد، سواء أخذ ككتب كاملة أو كعناصر مكونة ~~من خلال المصطلحات الشرعية الواسعة النطاق، قد أوجد أحد المصادر الأساسية التي من ~~خلالها ستكون الأجيال اللاحقة من الصوفيين «تقليدا»؛ أي مجموعة من المعتقدات ~~والممارسات تستمد الشرعية والمكانة من علاقتها بالماضي المقدس. وإذا كانت النصوص ~~هي أحد المصادر، فإن شخصية منتجي هذه النصوص تعد مصدرا آخر، وكما سنرى ~~لاحقا، فسوف تستخدم الأجيال اللاحقة من الصوفيين حياة الصوفيين الأوائل في العراق ~~لتكوين سلاسل تراجم نسبية، من خلالها يمكن لأي صوفي من الأجيال اللاحقة أن يزعم ~~أنه وريث لواحد أو أكثر من شيوخ بغداد والبصرة؛ لذلك، فإن الصوفيين في العراق في ~~القرن التاسع لم يكونوا مهمين بسبب ما قدموه في عصرهم فقط، بل لأنهم كانوا أيضا ~~مصادر لتكوين التقليد الصوفي؛ ومن ثم، كانوا مهمين نظرا لما تركوه للعصور التالية ~~عن طريق النصوص وهيئة الأسلاف. # بالنظر إلى الاتجاه الزمني المعاكس ومقارنة صوفيي هذه الفترة بحركة الزهاد في ~~القرن السابق، يمكننا أن ندرك أيضا أن إضفاء الطابع الاجتماعي على الزهد كان على ~~الأرجح أهم إنجازاتهم الأخرى، إلى جانب بحثهم عن طريقة تعبير مشروعة. ms060 فمن خلال تقديم ~~طريق مقنع إلى الله بدلا من تعذيب الجسد والانصراف عن الحياة الاجتماعية والزواج ~~وحيازة الأملاك، الذي كان يروجه «الزهاد»؛ قدم الصوفيون منتجا دينيا لديه ~~فرصة أكبر كثيرا للتكرار والبقاء. ولم يكن الأمر هكذا فقط بسبب البديهيات العامة ~~المتمثلة في أن أي مجتمع لا يستطيع إعالة سوى عدد محدود من الزهاد غير المنتجين ~~اقتصاديا، وأن حياة الزهد لن تلقى إلا قبولا اجتماعيا محدودا؛ بل كان الأمر ~~كذلك نظرا لسبب محدد ثقافي على نحو أكبر؛ ففي هذه الفترة وهذا المكان كانت «سنة» ~~النبي محمد آخذة في تشكيل أساس النظرية الاجتماعية والأخلاقية، وبدأت تتضاءل مشروعية ~~حياة الزهد الانعزالية من المنظور الإسلامي. لقد كان النبي محمد رب أسرة، وقائدا ~~لمجتمعه، وتاجرا ناجحا، ولم يمنع أي من ذلك اختياره ليكون نبي الله. وعلى مدار ~~القرون اللاحقة، أثبت التراث الذي خلفته عملية إضفاء الطابع الاجتماعي على الصوفية ~~المبكرة هذه - والتي منحت الصوفيين القدرة على محاكاة النبي من خلال زعم أنهم ~~أولياء لله، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بالفرص التي أتاحتها لهم حيازة الأملاك، ~~وتكوين العلاقات الاجتماعية، والتناسل - أنه كان ضروريا في منحهم القدرة على ترسيخ ~~أنفسهم في كل جانب تقريبا من جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ~~لمجتمعاتهم. # حتى الآن لا نعلم إلا القليل عن النسق التنظيمي للصوفيين في هذه الفترة المبكرة، ~~الذين يبدو أنهم تجمعوا في حلقات صغيرة حول شيوخهم على نحو مثل انعكاسا لتجمعات ~~العلماء المسلمين الآخرين في هذا الوقت. # 60 # ولا نرى دليلا على التحول من «حركة» صوفية تضم شيوخا ومريدين ~~متشابهين في التفكير - والتي تكونت بحلول القرن الحادي عشر في العراق - إلى «تنظيم» ~~صوفي يمتلك قواعد جماعية مميزة، وهياكل بنيوية خاصة به؛ إلا عند الالتفات إلى ~~التطورات التي حدثت في أقصى الشرق. ~~(9) البدائل الشرقية: التنافس والاندماج في خراسان # لم يكن الصوفيون على الإطلاق المسلمين الوحيدين الذين طوروا أساليب معرفية باطنية ~~وتصوفية في العراق، إلا أن ما شاهدناه كان بداية صعودهم التدريجي والمحسوب هناك ~~عندما حلوا محل حركة زهدية هامشية (كانت ms061 تستمد سلطتها من السيطرة على الجسد)، ~~وانحازوا إلى حركة العلماء السائدة (التي تستمد سلطتها من الفهم الصحيح للكتاب ~~والسنة). وعندما نلتفت إلى المنطقة الشرقية من الدولة العباسية، المعروفة باسم ~~خراسان (وهي كلمة تعني «الأرض التي تشرق منها الشمس»)، سنرى الاحتكاك التدريجي بين ما ~~كان في البداية مجموعة من التطورات الدينية المتوازية والمنفصلة تماما، وبين الحركة ~~الصوفية النابعة من مركز الإمبراطورية في العراق، واستحواذ الصوفية على تلك التطورات ~~في نهاية المطاف. ومن المهم أن نميز بين تلك الحركات المختلفة، وأن ندرك عمليات ~~التنافس والتوافق التي تفاعلت خلالها تلك الحركات، وإلا فسنقع في الفخ نفسه الذي ~~قاد الكثير من الأعمال السابقة التي تناولت الصوفية إلى تصوير أنها ظهرت في الوقت ~~نفسه تقريبا، في نطاق عريض من الأماكن المتباينة جغرافيا. وعلى غرار الأعمال الحديثة ~~الأخرى التي تحدثت عن بدايات الصوفية، فإن الصورة المقدمة في هذا الكتاب هي عموما ~~صورة انتشار الأفكار والممارسات والمؤسسات الدينية (وفي هذا الصدد قدمت خراسان ~~إسهامها الخاص). # وقعت خراسان - التي تضم مناطق تقع اليوم في شرق إيران وأفغانستان وجمهوريات آسيا ~~الوسطى - في أيدي المسلمين خلال العقود الأولى من الفتوحات التي أعقبت وفاة النبي محمد ~~عام 632. وعلى النقيض من العديد من المناطق الغربية من الدولة العباسية الإسلامية التي ~~كانت في السابق واقعة تحت الحكم المسيحي البيزنطي؛ فقد كانت خراسان خاضعة للحكم ~~الزرادشتي الفارسي، وضمت أيضا جيوبا ذات وجود بوذي ومسيحي. وكما هو الحال في الغرب، ~~فقد كانت عملية التحول إلى النظام الإسلامي وإعادة الاستيطان طويلة، وعلى الرغم من ~~وصول نخبة حاكمة جديدة من المسلمين، فقد احتفظ كثير من ملاك الأراضي الناطقين ~~بالفارسية الكبار في الريف بنفوذهم. ومع انهيار القوة المركزية لبغداد في القرن ~~العاشر، شعرت بعض المدن أيضا بهذا التأثير الثقافي الفارسي. # 61 # ولم يحل ذلك دون تطوير أنماط حياة اجتماعية وفكرية إسلامية على نحو ~~صحيح في مدن الواحات الزراعية والتجارية الغنية في خراسان، وبقاء أي نوع من الثقافة ~~الفارسية الصرفة التي لا يشوبها شائبة ينتمي إلى تصور القومية الحديثة. ms062 وإذا كانت ~~مدن ودولة خراسان بعيدين عن مستنبت الإنتاج والجدل الديني للإمبراطورية الإسلامية في ~~بغداد، فإنه من خلال بذر الأفكار الإسلامية في التربة الثقافية الخراسانية المميزة ~~تمكنت مدن ودولة خراسان - بالرغم من ذلك - من إنتاج أنواع جديدة خاصة بها من الحركات ~~الإسلامية. والسؤال الآن هو: ما علاقة هذه الحركات الخراسانية بالحركة الصوفية الناشئة ~~في العراق، وكيف تفاعلت معها؟ # على الرغم من أن كتب السير اللاحقة، من القرن الثاني عشر فصاعدا، ضمت الكثير ~~من الشيوخ الخراسانيين الأوائل إلى التقليد الصوفي الذي كانوا يحاولون تطويره في ~~منطقتهم، فإن الأبحاث المعاصرة أظهرت أنه قليلا ما كان يوجد شخص يطلق عليه «صوفي» ~~في خراسان نفسها في القرن العاشر، وأن القلة الذين كانوا يطلق عليهم هذا اللقب ~~كانوا إما قد هاجروا من العراق وإما سافروا إلى العراق. # 62 # وإذا كان الزهاد الخراسانيون القدماء في القرن التاسع لم يسموا أنفسهم ~~صوفيين، فإن هذا الأمر ليس مفاجئا على الإطلاق نظرا لبعدهم عن المناطق الغربية ~~التي انتشر فيها هذا اللقب، خاصة إذا قبلنا الفرضية التي تقول إن مصطلح «صوفي» ~~استخدم في الأصل باعتباره جزءا من مصطلحات المسيحيين العراقيين. # 63 # إن الميل إلى الانصراف عن المجتمع الذي ميز الحركتين الأهم من الحركات ~~الخراسانية المبكرة جعلهما متشابهتين مع حركة الزهاد في سوريا والعراق (لكن غير ~~مرتبطتين بها). كانت الحركة الأولى يطلق عليها الكرامية نسبة لاسم مؤسسها أبي ~~عبد الله محمد بن كرام (المتوفى عام 874)، وفي أغلب الأحيان كان معاصرو أتباع هذه ~~الحركة يسخرون منهم بسبب شدة زهدهم، ناعتين إياهم بلقب «المتقشفة». # 64 # لقد جمعت معتقداتهم بين الفهم الحرفي للنص القرآني، وزعم أن العمل ~~والكسب المادي عقبتان في طريق الوصول إلى الله. أكسبهم المزيج الناتج من تكوين صورة ~~مجسمة جذابة لله، ووجود قيادة تضاهي في فقرها أفقر فلاح من أتباعهم؛ قاعدة ~~تأييد شعبية كبيرة في خراسان. وعلى الرغم من أن قادة هذه الحركة تشابهوا مع علماء ~~العراق في امتلاك قدر كاف من المعرفة بالقرآن، تسمح لهم بجعل مصدر معتقداتهم ~~القرآن والاشتراك ms063 في بعض الحالات في النقاشات العقائدية النابعة من بغداد؛ فقد كانت ~~الحركة في نهاية المطاف حركة للطبقات الدنيا التي ضمت سكانا محليين معتنقين ~~للإسلام، بدأ دخولهم إلى الأمة الإسلامية يتحدى التركيبة الاجتماعية للإسلام في خراسان، ~~التي كانت موجودة سابقا، باعتباره دين النخبة الإمبراطورية المهاجرة. # 65 # ومنذ القرن التاسع وحتى القرن الثاني عشر، ظلت الكرامية قوة مهمة في ~~الحياة الاجتماعية والدينية في خراسان. كان السبب في هذه الاستمرارية والتأثير تكوين ~~مجتمعات رهبنة كبيرة في أراض خصصها أصحابها لهذا الغرض، حتى يتمكن قاطنوها من ~~اتباع أمر ابن كرام بتجنب العمل وتكريس النفس للزهد والصلاة فحسب. ونظرا لأن ~~عدد قاطني هذه الأراضي كان يصل في بعض الأحيان إلى أربعة آلاف، فقد كانت الأماكن ~~مؤثرة على نحو واضح. وعلى الرغم من أنه بحلول القرن الثاني عشر سيؤدي بزوغ نجم ~~الصوفيين في خراسان إلى أفول نجم الكرامية في نهاية المطاف، فإنه سيثبت التأثير ~~البالغ للنموذج، وكذلك لأسماء المؤسسات المبتكرة - التي أشاروا إليها تارة باسم ~~«خانقاوات» (وهي كلمة فارسية الأصل)، وباسم «مدارس» تارة أخرى - على تطوير الصوفيين ~~لمؤسساتهم. # 66 # الحركة المنافسة الثانية في خراسان التي يجب أن نتناولها هي «الملامتية»؛ أي ~~«الساعون للوم أنفسهم»، والتي نشأت حول مدينة نيسابور في حلقة حمدون القصار ~~(المتوفى عام 885). # 67 # بالإضافة إلى كون الملامتية مناهضة للصوفيين الذين ظهروا في بغداد، ~~فإنها على النطاق الأكثر محلية كانت معارضة على نحو أساسي للكرامية الذين ~~اعتبرتهم (تماما مثل رأي الصوفيين في «زهاد» العراق) مروجين مرائين للزهد، ~~يقف استحسان الناس لهم عقبة أمام التقوى الحقيقية. على النقيض من ذلك، فقد سعى ~~الملامتية إلى تقريب أنفسهم من الله، عن طريق تدمير الذات من خلال تجنب أي إظهار ~~علني للتقوى من المحتمل أن يجذب الثناء المثير للفخر، ومن خلال جعل الذات تتذكر ~~الذكريات المستحقة للملامة والمهينة للذات. وفي حين بدا أن الكرامية راقت للطبقات ~~الدنيا من المجتمع، فقد بدا أن الملامتية لقيت رواجا بين الطبقات الحرفية الحضرية؛ ~~حيث أتاحت لهم إمكانية العيش بتقوى دون التخلي عن ms064 العمل أو الحياة ~~الاجتماعية. # 68 # اشترك الملامتية بالتأكيد مع الصوفيين في بغداد في تلك الفترة في كثير من ~~المصطلحات والأفكار، مثل تجنب «الرياء» والسيطرة على النفس، إلا أنه كانت توجد ~~اختلافات حتى وسط هذه التشابهات؛ فعلى النقيض من الصوفيين، اعتقد الملامتية أن النفس ~~لا يمكن تدميرها، وزعموا أن أي تعبير علني عن الإنجاز الروحاني يبطله على الفور. ~~وإذا كان الملامتية يشكون - نتيجة لذلك الاعتقاد - في مزاعم الصوفية بتدمير أنفسهم، ~~ومن ثم إعلان أنفسهم أولياء مقربين لله، فإن تجنب الملامتية إظهار التقوى ~~العلنية تركهم أيضا غير راغبين في الاشتراك في الوعظ العلني و«الأمر بالمعروف» اللذين ~~ربطا الصوفيين بالتيار السني الناشئ. # الحركة الثالثة من الحركات الخراسانية اللازم تمييزها عن الصوفيين الأوائل في العراق ~~كانت حركة الحكماء التي نشأت في مدينتين من مدن الواحات ؛ هما بلخ وترمذ، حول ما ~~يعرف حاليا بالحدود الشمالية لأفغانستان. ونظرا لنجاح الصوفيين لاحقا في ضم ~~قادة تلك الحركة إليهم، فإن مزاعم أن أعضاء تلك الحركة كانوا صوفيين على نحو صريح، ~~وليسوا حركة محلية منفصلة، عادة ما كان يقبلها الباحثون المعاصرون كما هي دون ~~تحقيق. إلا أنه يوجد سبب لتصنيف مجموعة الرجال المعروفين باسم «الحكماء» باعتبارها ~~حركة منفصلة في حد ذاتها، وإن كانت أقل تأثيرا وانتشارا من حركة الكرامية وحركة ~~الملامتية. # 69 # فعلى الرغم من أن الحركتين السابقتين اجتذبتا في العموم الفلاحين ~~والحرفيين، ففي ضوء المعلومات القليلة التي نعرفها يبدو أن حركة الحكماء كانت ذات ~~طابع «أرستقراطي» إلى حد كبير؛ فلم يكن قادتها من ملاك الأراضي بالوراثة فحسب، بل ~~أعلنوا أيضا أنهم من أولياء الله. في واقع الأمر، كان القادة فقط يعتبرون حكماء، ومن ~~الواضح أن هذا اللقب كان لقبا للقادة وليس لقبا للأتباع. ومن أجل أغراضنا، فإن ~~الشخصية الأكثر أهمية بينهم هي أبو عبد الله محمد، المعروف باسم الحكيم الترمذي، الذي ~~توفي في الفترة ما بين عام 905 وعام 910. # 70 # ومن الأسباب التي جعلت الترمذي يحظى بأهمية كبيرة في ذاكرة الأجيال ~~اللاحقة، حقيقة أنه استطاع أن يترك طابعه ms065 الخاص على التاريخ من خلال كتابة سيرته ~~الذاتية؛ تلك السيرة التي تعتبر أمرا غير لائق بالنسبة إلى المسلمين في فترة ما قبل ~~العصر الحديث، بل تعتبر أيضا متناقضة على نحو شديد مع القيود المهينة للذات، ~~التي وضعها معاصروه من الملامتية والكرامية. # 71 # وعلى غرار الصوفيين البارزين في بغداد، فقد حفظ الترمذي القرآن في سن ~~مبكرة، وأجاد دراسة الفقه الإسلامي والحديث، وزار كذلك البصرة ومكة. وعلى غرار ~~«كتاب المواقف» للنفري في العراق في الجيل اللاحق، فإن سيرة الترمذي المكتوبة ~~بالعربية تصور تجاربه الرؤيوية الخاصة بتفصيل مدهش، بداية بحلمه بالنبي محمد وهو ~~يدله على الطريق في مدينته. # 72 # الأمر الأكثر إثارة في سيرته الذاتية هو طريقة وصف الأحلام التي رأت فيها زوجة ~~الترمذي وأصدقاؤه المرتبة الروحانية العالية التي وصل إليها؛ بحيث قدمت أحلام ~~الآخرين باعتبارها دليلا من طرف ثالث على مكانة الترمذي كولي، وهذه وسيلة يبدو ~~أنها كانت ردا على منتقديه الكثيرين الذين نعرف أنهم كانوا موجودين في مدينته. في ~~الواقع، فيما يتعلق بتقديم مصادر أساسية للتكوين اللاحق للتقليد الصوفي، كان الترمذي ~~في غاية الأهمية بسبب تطويره للنظرية الرسمية المعروفة باسم نظرية «الولاية». # في «كتاب سيرة الأولياء» استخدم الترمذي الأسلوب التصنيفي نفسه الذي رأيناه في ~~معالجة الصوفيين في بغداد لمقامات وأحوال الطريقة الصوفية، وعمل فيه على تصنيف ~~وترتيب الطبقات والأنواع المختلفة لأولياء الله؛ فقدم فكرة أنه مثلما يوجد «خاتم ~~الأنبياء» (وهي المكانة التي يحتلها النبي محمد)، فإنه يوجد أيضا «خاتم الأولياء» ~~(وهي مكانة يبدو أن الترمذي نفسه احتلها). وعلى الرغم من أنه سلم بأن الأنبياء ما ~~زالوا أعلى مكانة من الأولياء، فإن الأولياء من الناحية العملية لم يمتلكوا فحسب ~~معظم صفات الأنبياء الخارقة للطبيعة، بل أصبح لزاما أيضا - بسبب انتهاء النبوة ~~بالنبي محمد بصفته خاتم الأنبياء - أن يهتدي البشر الآن بالأولياء الأحياء. إلا أن ~~وجود الأولياء على الأرض ليس الهدف منه مساعدة أتباعهم، بل ليؤدبوهم ويعاقبوهم؛ ~~فالولي هو «موضع نظر الله المتسامح، وسوطه في خلقه.» # 73 # وفي كتابات الترمذي، نرى أن مزاعم ms066 التجربة الرؤيوية لم تكن مجرد شهادات ~~عن الخلاص الشخصي، بل كانت أيضا دليلا بني عليه نموذج هرمي على نحو صارخ للبشرية ~~وقادتها الشرعيين. # لقد تكونت حركات الكرامية والملامتية والحكماء بعيدا عن بغداد على نحو كاف؛ ~~بحيث استمرت قائمة بذاتها حتى القرن الحادي عشر، قبل دمجها وقمعها فعليا مع ~~انتشار الحركة الصوفية شرقا من خلال تأسيسها لمواقع ارتكاز وإعدادها لدعاة لها في ~~خراسان. ولدراسة كيف حدثت عملية التنافس والدمج هذه، يجب أن نلتفت إلى أحد الأزمنة ~~والأماكن الأخرى المهمة في التاريخ الصوفي؛ ألا وهو مدينة نيسابور في الفترة ما بين ~~القرن العاشر والقرن الثاني عشر. # 74 # كانت نيسابور من أكبر المدن التجارية والواحية، فيما يعرف الآن بالركن ~~الشمالي الشرقي من إيران، ومع ضعف سيطرة الخلافة في بغداد عليها وسقوطها في يد ~~البويهيين الشيعة عام 945، تزايدت أهميتها باعتبارها مركزا للإنتاج الأخلاقي ~~والديني. وعلى غرار عاصمة الخلافة في أوج مجدها، فقد كان هذا المتجر الصحراوي الكبير ~~سوقا وجد فيها منتجو وموردو النماذج المختلفة للإسلام أنفسهم في منافسة بعضهم ~~بعضا منافسة شرسة. # من العمليات الواسعة النطاق التي يمكن الزعم بحدوثها في هذا الصدد عملية استبدال ~~حركات الدمج الداخلي، بما يمكن أن يطلق عليه: حركات التوسع الحدودي. وكما رأينا، فقد ~~كان من أهم سمات حركة الكرامية الدور الذي لعبته في دخول الرعايا غير المسلمين ~~المعروفين باسم «الذميين» إلى الإسلام. إن زيادة الفهم التاريخي للحدود الشرقية ~~لخراسان في القرنين التاسع والعاشر أشارت أيضا إلى دور شيوخ الحدود المحاربين، ~~الذين جمعوا بين «الجهاد» و«الدعوة» لتوسيع الحكم الإسلامي عبر أراضي السهوب في آسيا ~~الوسطى، التي كان يحتلها البدو الأتراك في ذلك الوقت. # 75 # وبطرق ما، تعكس تلك الصورة للحدود الشرقية ما رأيناه بالفعل في الغرب؛ حيث ~~استقر على الأقل بعض الزهاد في الحدود المضطربة مع الأراضي البيزنطية. ومع اتجاه ~~الحدود الخارجية إلى أقصى الشرق، وتلاشي الحدود الاجتماعية الداخلية، مع زيادة التحول ~~إلى الإسلام وتبني سماته الثقافية؛ انفتح المجال في النسيج الاجتماعي أمام حركات دمج ~~جديدة مهتمة بإضفاء قدر ms067 أكبر من الطابع الإسلامي على المجتمع، من خلال «استيطان دائم» ~~يؤكد على القانون والإنتاج الاقتصادي والحياة الاجتماعية القابلة للاستمرار، التي لم ~~تعد مناسبة لها حركة زهاد الكرامية ولا مجاهدي الحدود. وعلى الرغم من أن الحدود ~~الدقيقة لتلك العمليات الريفية الأكبر تظل غير واضحة، فإن الطابع الأكمل للمصادر ~~الحضرية يعني أن لدينا صورة أوضح عن التطورات التي حدثت في مدن مثل نيسابور. في هذا ~~الصدد، سننظر إلى عمليتين منفصلتين لكن متداخلتين، إحداهما خطابية والأخرى مؤسسية. ~~ونظرا لأننا ناقشنا بالفعل الطرق التي من خلالها ساعدت النصوص والجدالات في ازدهار ~~الصوفيين في العراق، فإننا سوف نلتفت أولا إلى المسألة الخطابية المتمثلة في كيف ~~ساعدت الكتب والمناقشات في توسع الصوفية على نحو مشابه في خراسان. # كما رأينا، فإن كثيرا من النصوص والمصطلحات، وحتى الأساليب، التي كانت مستخدمة من ~~قبل الحركات «المحلية» في خراسان؛ كانت متشابهة في كثير من الأمور مع تلك ~~المستخدمة من قبل الصوفيين في العراق؛ فقد كان القرآن والحديث مصدرين مشتركين ~~لهما، وكان يوجد انتشار واسع لمفهومي «الأولياء» و«الطريقة»، وكانت الصلاة وإنشاد ~~الذكر والسماع - بالنسبة إلى البعض - من الممارسات المشتركة. ليست المسألة اشتراك ~~كل السالكين الخراسانيين المحليين في كل هذه الأمور المشتركة، ولا حتى اتفاقهم على ~~المعنى الدقيق للمصطلحات المشتركة أو الأداء الصحيح للأساليب المشتركة، بل تمثلت ~~المسألة المهمة في الوضوح المتبادل للأساليب المتنوعة المتاحة؛ ذلك الوضوح الذي أتاح ~~المناقشات والتفاعلات المثمرة بين أعضاء الحركات المختلفة، والأهم على الأرجح بين ~~«المؤيدين المذبذبين» من أعضائها المحتملين. وعلى مستوى أكثر أساسية، مكن هذا ~~الوضوح وجود أدوات تواصل مشتركة - بما في ذلك اللغة العربية باعتبارها لغة تواصل ~~بين المتعلمين - وتوفر الورق لإنتاج الكتب وحتى لكتابة الخطابات. وعلى الرغم من ~~المسافة الشاسعة بين العراق وكثير من مدن خراسان (فالمسافة من بغداد إلى نيسابور ~~تقريبا هي المسافة بين لندن ووارسو)، مكنت أدوات التواصل تلك المتعلمين من هذه ~~المناطق المختلفة للغاية من مشاركة الأفكار على نحو غير مباشر عن طريق الكتابة. وكما ~~هو الحال بالنسبة إلى دور اللاتينية ms068 في العالم المسيحي في العصور الوسطى، فلا بد أن ~~نتوخى الحذر كيلا نعتبر أدوات التواصل المشتركة تلك من المسلمات؛ فعندما سعى ~~الصوفيون لاحقا إلى التوسع في سياقات جغرافية واجتماعية أخرى، احتاجوا إلى اكتساب ~~أدوات ثقافية أخرى مثل اللغات المحلية والأغاني الشعبية. أما في سياق التفاعل الحالي ~~بين سكان المدن في خراسان والعراق، فإننا نلقي النظر على العملية التي من خلالها ~~سافر الصوفيون العراقيون أو أرسلوا كتاباتهم شرقا، وسافر «المؤيدون المذبذبون» ~~الخراسانيون للحركات الصوفية غربا (عادة في طريقهم إلى مكة)، وعادوا إلى وطنهم حاملين ~~في الحالتين ما يمكن أن نطلق عليه الآن وسائل تواصل محمولة في أمتعتهم، متمثلة ~~في الكتب التي أحضروها من أسفارهم (أو على الأرجح نسخوها). # 76 # إذا كان هذا يساعدنا على معرفة كيف تفاعلت الحركة الصوفية الأصلية مع الحركات ~~المحلية البديلة لها في خراسان، فإن التعرف على سبب تفضيلها في نهاية المطاف على تلك ~~الحركات المحلية أمر أكثر صعوبة. إن السبب في ذلك ليس أننا نتعامل في النهاية مع ~~الكثير من الاختيارات الفردية، التي على الرغم من أنها تسهم في رسم نسق تفضيل شامل، ~~فإن أسبابها المحددة جعلت دوافعها في طي النسيان منذ وقت بعيد. ونظرا لأن دوافع ~~الأفراد من المعروف أنها صعبة التقييم على المؤرخين، فإن الدليل المقدم على دمج ~~الملامتية والكرامية في الصوفية دليل على العداوات والتحالفات الأكثر عمومية. تقول ~~إحدى النظريات الأكثر إقناعا على الأرجح إن الصوفيين في نيسابور والمدن المحيطة ~~ربطوا أنفسهم بالفقه الشافعي، وهذا منحهم «إطارا مؤسسيا يمكن من خلاله تقديم ~~التصوف وممارسته.» # 77 # إلا أننا قبل الانتقال إلى الأبعاد «المادية» المتمثلة في المؤسسات، ~~دعونا أولا نتناول الأبعاد «المعنوية» أو الخطابية. # كما رأينا، فمنذ فترة ظهور الصوفيين المبكر في بغداد، كانوا إلى حد كبير جزءا ~~من حلقات القرآن والحديث والشريعة؛ ولهذا السبب، يجب أن نحذر من التأويلات الأقدم التي ~~رأت التطورات التي ندرسها الآن باعتبارها عملية شهدت في النهاية التحاق الصوفيين ب «التيار السائد»؛ إذ يعتمد هذا التأويل على مغالطة ثنائية تتمثل أولا ms069 في أن ~~الصوفيين كانوا خارج «التيار السائد»، وأنه كان يوجد «تيار سائد» معين يتدفق ~~بالتساوي عبر أماكن مختلفة خلال القرون السابقة. # 78 # إذا كان الفقه الشافعي على وجه الخصوص، والفقه الإسلامي في العموم، لا ~~يمثلان «تيارا سائدا» طويل الأمد انضم إليه الصوفيون لأول مرة في نيسابور، فإن ~~ما قدمه العلم الفقهي كان طريقة أكثر فاعلية لاكتساب المعرفة بالنص القرآني ~~واستخدامها عمليا، تلك المعرفة التي لطالما اهتم بها المتخصصون من الصوفيين ومن ~~غيرهم، وجعلت هذه الفاعلية الصوفيين والملامتية يلزمون أنفسهم بممارساتها. تمثلت ~~طبيعة هذه الفاعلية في الطريقة التي منح من خلالها المذهب الشافعي لطلابه نظام ~~«إجازة»، كان الشاهد الاجتماعي فيه على مرجعيتهم شهادة مكتوبة من شيوخهم، ومنهجا ~~شرعيا واضحا يمكن تطبيقه، بدلا من حفظ عدد هائل من الأحاديث وتكوين طرق خاصة ~~متفردة لفهمها. # 79 # هذه الفاعلية الجديدة، التي جعلت ممارسة الفقه أيسر ، وضمنت أيضا التعامل ~~الجدي مع أحكام الفقهاء، كانت نتيجة مكانة معترف بها على نطاق نظام بأكمله، وليس ~~نتيجة سمعة شخصية، وجذبت مختلف الأفراد والحركات ليتبنوا المذهب الشافعي؛ مما ~~أدى إلى اجتماع كل من الصوفية والملامتية على اتباع هذا المذهب وأوساطه ~~الاجتماعية وحلقاتها الدراسية. # بعد أن جذبت الشافعية هاتين الحركتين، أمدت كلتيهما بمزيد من الأدوات الخطابية. ~~كان إحدى هذه الأدوات نموذج نقل المعرفة من خلال التسلسل من الشيخ إلى المريد، الذي ~~أطلق عليه الصوفية «السلسلة»، وهذا ما سوف نناقشه بمزيد من التفصيل لاحقا. وهذا ~~بدوره شجع المريدين على الاقتداء بسلوك شيوخهم بطريقة مثلت محاكاة لفكرة ~~السنة النبوية. # 80 # وحاز أيضا الفهم التام للحديث الشريف على أهمية متزايدة؛ حيث استخدم ~~الصوفيون الشافعيون في هذه الفترة، أمثال أبي عبد الرحمن السلمي (المتوفى عام ~~1021)، هذه المعرفة الخبيرة في وضع كتب تجميعية وتفسيرية للسنة النبوية تدعم ~~الصوفية بدلا من الطريقة الكرامية. # 81 # وهذا لا يعني على الإطلاق قول إن كل الصوفيين في خراسان، أو في غيرها من ~~الأماكن، أصبحوا منذ هذه الفترة أتباعا للمذهب الشافعي. إلا أنه في نيسابور وما حولها ~~خلال القرنين العاشر ms070 والحادي عشر أدى اختراق الصوفية للمؤسسة المحلية الصاعدة، ~~المتمثلة في الفقهاء الشافعيين، إلى حصولهم على نقطة انطلاق مهمة في منطقة خراسان، ~~التي كان يسيطر عليها في السابق الكرامية والملامتية. # يوجد أمران واضحان إلى حد كبير بصرف النظر عن مدى إمكانية ارتباطهما المباشر ~~بتوسع المذهب الشافعي في خراسان، وهما أن الصوفيين في المنطقة كانوا إلى حد كبير ~~من أتباع المذهب الشافعي، وظهر بين هؤلاء الصوفيين نموذج لنقل المعرفة وتوثيقها يشبه ~~في فاعليته النموذج الشافعي في هذا الصدد. في نهاية المطاف، إن عواقب هذا التطور - ~~لا أسبابه - هي الأكثر أهمية. فما رأينا ظهوره في نيسابور وما حولها، وانتقاله منها ~~إلى خراسان ونحو الغرب أيضا إلى العراق، وصولا إلى الأندلس؛ كان علاقة جديدة بين ~~الشيخ والمريد، ستغير إلى الأبد طبيعة منهج الصوفية وتربطه بمجموعة قوية من ~~العلاقات الاجتماعية الجديدة. وصف «نموذج نيسابور» هذا بأنه نموذج «يلزم فيه الشيخ ~~المبتدئ، بموجب تعهد، بالطاعة المطلقة، وتنفيذ كل الأوامر، والكشف عن كل أفكاره ~~السرية وحالاته الداخلية دون استثناء ... وفي الوقت نفسه لن يتغاضى الشيخ عن أي خطأ من ~~جانب المبتدئ، ويمكنه أن يوقع في حقه أي نوع يرغب من العقاب.» # 82 # سيكون من الغباء التاريخي اتباع تأويل أخلاقي قديم يقارن بين فترة ~~مبكرة «صحية»، كان فيها أتباع الصوفيين في بغداد أشبه بطلاب يحضرون دروس ~~الأساتذة، وبين فترة لاحقة «فاسدة» من اتباع الخرافة وتقديس الشيوخ. فأي تناقض ~~صارخ بين «شيخ التعليم» و«شيخ التربية» هو على الأرجح تبسيط للأمور، على الرغم من وجود ~~قدر قليل من الشك في تزايد قوة العلاقة بين الشيخ والمريد. # 83 # أصبح هذا الارتباط بين المريد والشيخ مصحوبا في ذلك الوقت بيمين مغلظة، ~~أو ما يعرف ب «البيعة»، على غرار تعهدات الولاء الرسمية التي قدمها المسلمون ~~الأوائل إلى النبي محمد. وكما سنرى فيما يلي عندما نتناول الأشكال الأكثر مادية ~~المتمثلة في الجانب المؤسسي؛ فقد كان نموذج «التتلمذ» الجديد يتضمن، بالنسبة إلى ~~كثير من المريدين، التخلي عن حياتهم الأسرية من أجل فترة يحددها الشيخ كي ms071 يعيشوا ~~في مأوى صوفي، ويتضمن أيضا قص الشعر، وارتداء ملابس معينة تميزهم ~~كصوفيين. # 84 # باختصار، لقد دخلنا مرحلة أصبح من الأجدى فيها تقديم الصوفيين ~~باعتبارهم حركة جماعية مميزة داخل المجتمع، يميز أفرادها أنفسهم عن غيرهم، ~~وبعضهم عن بعض، بطقوس الالتحاق، وعهود البيعة، والمظهر الخارجي، واستخدام لغة ~~غامضة. ومن الناحية الاجتماعية والنفسية، بحلول القرن الحادي عشر والقرن الثاني عشر ~~أصبح تحول المرء إلى الصوفية تجربة شاملة إلى حد كبير. # عندما أصبحت الصوفية تعني أمورا لم تكن تعنيها قبل تحولها في خراسان، صارت ~~المتطلبات الرسمية على نحو متزايد المتعلقة بكل من الالتحاق بطريقة والعضوية في ~~حركة؛ يعبر عنها في نوعين جديدين من أنواع الكتب ظهرا بنحو أساسي في خراسان ~~أثناء القرنين الحادي عشر والثاني عشر. تمثل هذان النوعان في الكتيبات وكتب الطبقات، ~~وهما نوعان أدبيان متداخلان كثيرا من الناحية العملية. أشهر الأمثلة المبكرة على ~~الكتيبات هي «كتاب اللمع في التصوف» لأبي نصر السراج (المتوفى عام 988)، ~~و«التعرف لمذهب أهل التصوف» لأبي بكر الكلاباذي (المتوفى عام 990 أو عام 995). ومن ~~الأمثلة الأخرى للكتيبات التي أنتجت في القرن التالي كتاب «الرسالة القشيرية في علم ~~التصوف» لأبي القاسم القشيري (المتوفى عام 1074)، وكتاب «كشف المحجوب» لعلي بن عثمان ~~الهجويري (المتوفى تقريبا عام 1075). # 85 # كل هذه الكتيبات كتبها مؤلفون في خراسان أو من خراسان. ونظرا لأن أوضح السمات ~~المشتركة لهذه الكتيبات كانت شرعية الصوفيين المؤكدة من خلال التركيز على موافقة ~~معتقداتهم وممارساتهم للقرآن والسنة؛ فقد كان من المألوف وصفها بالأعمال ~~«الدفاعية»، التي كان أكبر إنجازاتها إقناع حراس العقيدة الإسلامية الحنيفة بأن ~~الصوفيين ليسوا زنادقة. أصبح هذا الدفاع ينظر إليه على أنه أكثر إلحاحا بعد إعدام ~~الحلاج عام 922. إلا أن وجهة النظر تلك خاطئة على الأرجح؛ لأن الصوفيين أنفسهم ~~كانوا في أغلب الأحيان هم علماء الحديث والمدافعين عن الشريعة. لكن بالرغم من ذلك، فإن ~~هذه الكتب الجديدة وأغراضها المميزة تحتاج إلى تفسير. في هذا الصدد، تتأكد قيمة ~~معرفتنا السياقية بالحركات المنافسة والإنتاج الديني الوافر، خاصة عندما يتضافر ذلك ~~مع ms072 حداثة عهد الصوفيين في خراسان وعدم معرفة الناس بهم في القرن العاشر على الأقل ~~مقارنة بالكرامية والملامتية الأكثر شيوعا والأكثر رسوخا. وبسبب ما قدمته تلك ~~الكتيبات من خطاب مدافع، وشروح وافرة للمعتقد الصوفي، وتفسيرات مفصلة للممارسة؛ ~~فمن الأفضل على الأرجح اعتبارها إعلانات وبيانات عامة موجهة إلى علماء المسلمين ~~في خراسان، الذين كانوا لا يعرفون الوافدين الجدد الصوفيين، ويتوخون الحذر منهم ~~أيضا. # ربما شجعت نية الدعوة تلك على حدوث تطور مهم آخر في نقل الصوفية، نشهده في آخر ~~الكتيبات التي ذكرناها سالفا، وهذا التطور هو استخدام الهجويري الفارسية بدلا من ~~العربية في كتابه «كشف المحجوب». بالإضافة إلى ذلك، فإن علاقة الصوفيين بحركة ~~الحرفيين الحضريين المغمورة المسماة حركة «الفتوة»، من الممكن اعتبارها ~~استراتيجية ذات صلة معنية باستيعاب المنافسين في المنطقة، لعب فيها إنتاج النصوص ~~دور «تغيير المظهر» الذي يشبه الدور الذي رأيناه في حالة «كتاب الفتوة» الذي ~~كتبه السلمي الصوفي النيسابوري. # 86 # وكما هو الحال في التوجه نحو إضفاء الطابع الاجتماعي على زهاد الحدود ~~المحاربين والكرامية الزاهدين في الدنيا؛ ففي محاولة الصوفيين إعادة توجيه عنف ~~الطبقة الدنيا الخاص بالفتوة وعصابات «العيارين» المرتبطة بهم في مدن وريف خراسان، ~~يمكن أن نرى انعكاسا للحل الوسط المتمثل في الدعوة للأخلاق التي سعى لها صوفيو ~~بغداد، وهذا الانعكاس يتلاءم جيدا مع حقيقة أن كثيرا من كبار الصوفيين في خراسان ~~كانوا أعضاء في الطبقة الحاكمة الحضرية الفقهية وصاحبة الأملاك. # 87 # النوع الآخر المهم من الكتب التي ظهرت في هذه الفترة كان ما يعرف باسم «كتب ~~الطبقات». # 88 # وسواء أكان هذا النوع من النصوص في صورة كتاب منفصل، أم في صورة جزء من ~~كتاب أكبر، فقد شهدنا فيه أخيرا ظهور «تقليد» صوفي كامل التطور، محدد بالوعي الذاتي ~~التاريخي لأفراده؛ إذ كانت تلك الكتب وسيلة نصية اكتسبت من خلالها الأنواع الحاضرة ~~من المعرفة الصوفية وممارسيها الشرعية والمكانة؛ من خلال تقديمهم باعتبارهم ورثة ~~لتقليد تسلسلي يصل بسلسلة غير منقطعة عبر الأجيال إلى النبي محمد. من الناحية ~~النصية، تضمنت تلك الكتب ms073 تجميعا (وفي بعض الأحيان، يمكن أن نقول اختلاقا) لأخبار ~~الشخصيات التي تربط كل «طبقة» (جيل). في هذا الصدد، كان يوجد عملية ابتكار لتقليد ~~تطلبت تقديم الزهاد والصالحين شبه الأسطوريين المنتمين للقرنين السابع والثامن على ~~أنهم صوفيون، وإظهار أن التعاليم الصوفية نفسها هي المعتقد الأصلي للنبي محمد، ~~المنقول عبر العصور. # وكما هو متوقع، فقد مال كتاب كتب الطبقات هذه إلى إنهاء سلسلة التلقي عند شيوخهم ~~ومن ثم أنفسهم. ومنذ ابتكار هذا النوع الأدبي أخذت تتكرر تلك العملية في كل مرة ~~تكتب فيها نسخ جديدة من تلك النصوص. وهذا الإجراء المتكرر جعل التقليد يمثل ~~نوعا من رأس المال الرمزي المنقول، الذي يستطيع ربط النبي محمد والصوفيين الأوائل في ~~بغداد بخراسان في القرن الحادي عشر، بالسهولة نفسها التي يربطهما بها بالهند في القرن ~~التاسع عشر، أو بأي زمان ومكان يكتب فيه شخص عن سيرة التقليد. إلا أنه في القرنين ~~الحادي عشر والثاني عشر، عندما كتب أبو عبد الرحمن السلمي في خراسان وأبو نعيم ~~الأصفهاني (المتوفى عام 1038) في وسط إيران أقدم كتب طبقات خاصة بالصوفية باقية، ~~قامت كتب الطبقات بعمليتين أساسيتين؛ أولا: نتيجة لمعرفة الصوفيين بأساليب تعلم ~~النصوص الدينية، فقد اقترضوا من علماء الحديث الطريقة التي من خلالها تحققوا من ~~المعرفة الموثوق فيها بكلام محمد، من خلال «سند» الرواة الذي يعود للنبي محمد نفسه. وقد ~~استنسخ الصوفيون هذا السند في سلاسل السند التي استخدموها لتوثيق كلمات أسلافهم، وفي ~~تصورهم عن «سلسلة» تضم قائمة بشيوخ كل طريقة. ثانيا: كانت تلك الكتب حلقة ~~الوصل بالماضي المبجل للتطور الأحدث عهدا لروابط الولاء والالتحاق بين الشيوخ ~~والمريدين. ومن خلال تكوين سلاسل سير تربط الصوفيين في الأزمان اللاحقة والأماكن ~~البعيدة بالرجال الذين يعتبرونهم أسلافهم الأتقياء، طمأنت كتب الطبقات الصوفيين على ~~أن معتقداتهم وممارساتهم هي تلك التي وصى بها النبي محمد بنفسه، لا أحد غيره. وبين ~~النبي محمد في مكة وأمثال السلمي في نيسابور، كان هناك أمثال الجنيد في بغداد قبل بضعة ~~أجيال، الذين أضحت سيرهم وكتبهم المتذكرة الآن مصادر ms074 لتكوين التقليد ~~الصوفي. # 89 # في هذا الإطار أيضا، وبالكتابة في خراسان التي كان الملامتية فيها ما زالوا يحظون ~~بقدر كبير من الاحترام، أمكن دمج ذكريات الملامتية المحلية الممتعة في هذا الماضي ~~المتذكر، الذي طمست فيه المنافسة بين الحركات المختلفة. ونتيجة لذلك، أضيف ~~شيوخ الملامتية في سلاسل الصوفية، وأسقط تاريخهم المميز؛ حيث أصبحت النصوص لا ترى ~~الملامتية إلا كمجموعة فرعية منبثقة عن الصوفية. # 90 # وحتى في حالة عدم القراءة الكاملة لنصوص السير، كان الصوفيون يحفظون ~~عن ظهر قلب الهيكل الأساسي لسلاسل المعرفة والتحقق خاصتهم، التي أصبحت بدورها ~~تعتبر موصلات مهمة لا تنتقل خلالها المعرفة المدركة فحسب، بل أيضا قوة البركة ~~الغامضة من النبي محمد لشيوخ الصوفية في كل جيل. من خلال هذه الوسائل الخطابية، فإن هذا ~~التطوير في الخلفية لتقليد متخيل جزئيا على الأقل سمح بالتطوير الفعلي لأشكال ~~تقليد ملموسة أكثر عن طريق تطوير سلاسل النسب، التي سوف نشهد تكونها الكامل في الفصل ~~الثاني عندما نتناول الطرق الصوفية. يعد الارتباط بمذهب فقهي صاعد، وطرح أفكارهم ~~بطرق جديدة، وترويج الأفكار من خلال أنواع جديدة من الكتب، ومحاولة ربط الأنصار ~~الأحياء بماضي مبجل؛ بعضا من الطرق «المعنوية» أو الخطابية التي حاز من خلالها ~~الصوفيون على أتباع في خراسان. وساعد الصوفيين في عملية التوسع والدمج هذه ~~حقيقة أنه في ذلك الوقت أصبح يوجد «كيان» اجتماعي صوفي ملموس أكثر، يمكن أن يندمج ~~فيه الأتباع الجدد عن طريقة المدرسة أو الخانقاه. ويجب أن نلتفت الآن إلى هذا الجانب ~~«المادي» المتمثل في تكوين المؤسسات الصوفية. # لا تقتصر الإثارة في هذا الصدد على اكتساب وتكوين هذه المساحات الملموسة المميزة ~~المخصصة للنشاط الصوفي في خراسان، وحدوث ذلك من خلال اقتباس المؤسسات التي ابتكرها ~~منافسوهم الكرامية، بل تكمن أيضا في أنه مع الانتشار غربا فيما بعد، كانت هذه ~~المساحات بمنزلة قوة موازنة مؤسسية لحركة المعتقدات والأشخاص القادمة من الشرق منذ ~~جيل أو جيلين. هذا يعني أننا يمكننا أن نرى نسقا من التداول؛ فالصوفية التي بدأت في ~~العراق أصبحت شيئا مختلفا ms075 بعد انتقالها إلى خراسان، قبل أن تعود بعد ذلك إلى موطنها ~~في الغرب في صورة معدلة إلى الأبد. أولى هذه المؤسسات الجديدة لا تعتبر عادة ~~مؤسسة صوفية على الإطلاق. وإن كانت المدرسة ليست على الإطلاق مؤسسة صوفية على نحو ~~مميز، فقد كانت مؤسسة عمل من خلالها الصوفيون منذ أول ظهور لها في القرن الحادي ~~عشر وحتى يومنا الحاضر. وعلى الرغم من أنه يبدو أن أقدم المدارس كانت مرتبطة ~~بالكرامية؛ حيث كانت أماكن لدراسة «العلوم الإسلامية»، فإن المدارس تدين فعليا ~~بانتشارها إلى توافق طبقة علماء المسلمين مع الأتراك السلاجقة البدو، الذين شنوا ~~غزوا منتظما في منتصف القرن الحادي عشر لمدن خراسان، قبل أن يسقطوا بغداد عام 1055 ~~في نهاية المطاف. # 91 # ونظرا لحاجة دولة السلاجقة العظام (1037-1157) إلى بيروقراطية متعلمة ~~وعالمة بالشريعة لإدارة الأراضي الشاسعة التي استولوا عليها، وللحصول على الشرعية التي ~~تأتي من الدعم العام للأعراف الاجتماعية الإسلامية، فقد خصصت جزءا من مواردها ~~المادية لإنشاء شبكة كبيرة من تلك المدارس في أنحاء أراضيها؛ ومن ثم ضموا أنفسهم ~~إلى تقليد ديني عبر إقليم كونوه بأنفسهم إلى حد كبير (أو كونوه من الناحية ~~المؤسسية على الأقل). # 92 # وعلى الرغم من أن المدارس تعتبر عادة أماكن لدراسة القرآن والشريعة، ~~فقد كان الصوفيون البارزون أنفسهم يعتبرون خبراء في هذين المجالين، وذلك كما رأينا ~~بالفعل في معظم الحالات. مرة أخرى، إن وصف الصوفيين ب «المتصوفين» يسلبهم العديد ~~من المهارات التي ساعدتهم في النجاح. # نتيجة للكتب والرسائل التي تضمنها «علم الصوفية» في القرن الحادي عشر، أصبح من ~~الممكن اعتباره الآن في حد ذاته أحد العلوم الدينية إلى جانب النحو العربي، وتفسير ~~القرآن، والأساليب الفقهية. وعلى هذا النحو، أصبح هذا العلم قادرا على أن يجد مكانا ~~بين قراءات المرتبطين بهذه المدارس الجديدة، وإن كان على الأرجح لا يدرس رسميا ~~داخلها. بطبيعة الحال، كانت هذه النسخة الأستاذية من الصوفية من النوعية المعتمدة على ~~الكتب اعتمادا كبيرا، إلا أنه من خلال الارتباط بطبقة رسمية من البيروقراطيين ~~والعلماء الذين يتقاضون ms076 رواتب، اكتسبت طريقة المعرفة الصوفية المحترمة هذه (لقد أصبحت ~~محترمة الآن بسبب مكانتها باعتبارها «تقليدا») الزخم الذي سيمكنها في النهاية من ~~دمج منافسيها أو قمعهم. # 93 # كان أبرز رواد هذه «الصوفية المدرسية» أبا حامد الغزالي (المتوفى عام ~~1111)، ذلك المفكر العام الذي أوصله تمكنه من العلوم السياسية الأكاديمية ~~والاتجاهات الفكرية إلى أن يكون العالم الأول بالمدرسة النظامية الكبيرة التي تأسست ~~عام 1065 في بغداد. # 94 # وإذا لم يعد من الضروري اعتبار الغزالي الرجل الذي أدخل الصوفية ~~أخيرا في «التيار السائد» - كما لو أنها كانت من قبل في أي مكان آخر - فإنه يعد ~~مثالا للقوة التي أتت من ارتباط الصوفيين بمؤسسات التعليم الجديدة المدعومة من ~~الحكومة. وعلى الرغم من أن كتابه الرائع «إحياء علوم الدين» ليس أكثر كتب الصوفية ~~أصالة، فقد أدى وظيفة مهمة تتمثل في التنظيم المنهجي لكثير من الأفكار التي ~~كونها الصوفيون الأوائل في شكل متماسك وممكن الفهم. نتيجة لذلك، أصبح الكتاب ~~مقروءا لعدة قرون بعد وفاته وحتى يومنا الحاضر. ومن ضمن مؤلفاته الأخرى الكثيرة ~~(التي تضمنت رسالة قصيرة مؤثرة وافق فيها بين آية النور في القرآن - الآية ~~الخامسة والثلاثين من سورة النور - وأفكار الصوفيين حول النور المحمدي الكوني)، كان ~~أكثر هذه الأعمال فاعلية في ترويج الصوفية سيرة ذاتية بديعة مكتوبة بالعربية، وصف ~~فيها هذا العالم، الأكثر شهرة في زمنه، رحلته إلى الحقيقة بأنها رحلة جرب فيها كل ~~فروع الفلسفة والتعلم من الكتب قبل أن يدرك في النهاية أن الصوفيين هم من يملكون ~~المفاتيح الحقيقية للحكمة. # 95 # بينما كانت «المدرسة» بالتأكيد منطقة مهمة للتأثير الصوفي، فقد كانت الخانقاه (أي ~~المكان الذي يقيم فيه الصوفيون) هي المؤسسة الصوفية الأشد تميزا، والتي تشكلت في ~~خراسان خلال هذه الفترة، وسيدعمها لاحقا في القرنين الحادي عشر والثاني عشر السلاجقة ~~أيضا. وعلى الرغم من أنه في كل من الحدود الشرقية والغربية للحكم الإسلامي، سكن في ~~السابق زهاد الحدود في أماكن محصنة عرفت باسم «الرباطات» (وهو مصطلح سوف ~~يستخدم لاحقا أيضا في بعض المناطق للإشارة إلى ms077 مساكن الصوفيين)، ففي أغلب الأحيان ~~كان الصوفيون الأوائل في العراق وخراسان يتقابلون في منازل شيوخهم أو في الجوامع ~~العامة. # 96 # تكونت تجمعاتهم - التي تشبه تجمعات علماء الدين، الذين لم يختلفوا عنهم اختلافا واضحا - من خلال مفهوم «الحلقة» المجتمعة حول عالم معين. وكما رأينا، فإنه ~~يبدو أن معظم الصوفيين الأوائل كانت لديهم وظائف نهارية، سواء أكانوا حرفيين أم ~~علماء. وعلى الرغم من أن بعض الصوفيين الأوائل (مثل الحكيم الترمذي) كانوا أثرياء، ~~فإنهم لم يكونوا أثرياء بسبب تعاليمهم أو بسبب مزاعم مكانتهم الروحانية. وعلى مدار ~~القرون، ما بين القرن الحادي عشر والقرن الرابع عشر تقريبا، تغيرت هذه الصورة ~~جذريا، وأول خطوة في هذا الاتجاه كانت تكوين مؤسسات مخصصة تحديدا للنشاط الصوفي. ~~وعلى الرغم من أننا سنشهد النتائج الأكمل لهذه التطورات في الفصل الثاني، فإن أسسها ~~وضعت بالفعل قبل القرن الثاني عشر. # شكل 1-4: أولى المؤسسات الصوفية: رباط في جواردامار، إسبانيا (تصوير: ~~نايل جرين). # على الأرجح، توجد أقدم النسخ الباقية لأحد هذه المساكن الصوفية في أقصى غرب العالم ~~الإسلامي في فترة العصور الوسطى في إسبانيا؛ وذلك بفضل الاكتشافات القائمة على المصادفة ~~الخاصة بعمليات الحفظ والبحث الأثري أكثر من أي أولوية تاريخية كامنة. هذا هو الرباط ~~الذي يعود للقرن العاشر، والذي استخرج في أواخر ثمانينيات القرن العشرين من الكثبان ~~الرملية الساحلية في جواردامار في المقاطعة الإسبانية المعاصرة فالنسيا، التي كانت ~~جزءا من الخلافة الإسلامية في قرطبة وقت إنشاء ذلك الرباط. # 97 # تأسس هذا الرباط عام 944 وفقا للكتابة العربية المكتوبة على حجر الأساس ~~خاصته، وكان يتكون من مسجد للصلاة، ومنطقة استقبال كبيرة، وغرف لإقامة الزائرين، ~~وثلاث عشرة صومعة للزهاد المقيمين. # 98 # وفي إشارة للممارسات الدينية التي كانت تقام في هذا الرباط، كانت تحتوي ~~كل صومعة على محراب صلاة خاص بها، وبقيت الكتابة العربية على الجدران التي تعود إلى ~~أواخر القرن الحادي عشر وأوائل القرن الثاني عشر، والتي طلب فيها الزائرون الدعوة ~~لهم. # 99 # يوجد كثير من الجدل حول مدى انتشار هذه الرباطات في الأندلس ms078 ومناطق شمال ~~أفريقيا وجنوب صحراء أفريقيا الكبرى، التي كانت الأندلس متصلة بها. # 100 # على الرغم من ذلك، تشير مصادر عربية من الأندلس إلى وجود شبكة واسعة من ~~الرباطات بحلول القرن الحادي عشر، تمتد من دانية والمرية على الساحل الشرقي وصولا ~~إلى طليطلة وبطليوس في الداخل، وحتى شلب على الأطراف الغربية لشبه الجزيرة ~~الإيبيرية. # 101 # وعثر أيضا على رباط يعود إلى القرن الحادي عشر في جزر البليار المعروفة ~~حاليا بكونها مكانا تقام فيه حفلات حمام الشمس الصاخبة، وليس كمعتزل للزهاد. وقد ~~عثر على رباط ثالث في صقلية. # 102 # وفقا لبعض الباحثين، فقد كانت الرباطات مرتبطة بروحانية عسكرية كانت تميز ~~الأندلس، على الرغم من أننا أشرنا بالفعل إلى وجود مثل هؤلاء الزهاد المحاربين على ~~الحدود البيزنطية المسيحية الشرقية، وعلى حدود آسيا الوسطى البوذية المتاخمة للدولة ~~الإسلامية. # 103 # وما زال من غير الواضح إلى أي مدى كان مرتبطا جهاد الرباطات الحدودي ~~هذا بالتيارات الدينية الأخرى في الأندلس، بما في ذلك الصوفية. بالرغم من ذلك، تشير ~~معاجم السير العربية الخاصة بالأندلس على نحو متكرر إلى الرباطات بوصفها أماكن ~~للزهاد وما شابههم، وشكلت هذه الأماكن على نحو واضح الحياة اليومية للمقيمين ~~فيها، حتى في حالة اشتراكهم في بعض الأحيان في الجهاد. # 104 # وكما كان الحال في خانقاوات خراسان الناشئة، فقد كانت الأدبيات الدينية ~~تنتج أيضا في الرباطات، كما في حالة شعر الزهد الذي كتبه ابن طاهر الزاهد (المتوفى ~~عام 988). # 105 # في صدى آخر لما سنراه بعد قليل فيما يتعلق بالروابط التجارية للرباطات ~~التي ظهرت في إيران في نحو ذلك الوقت، قيل أيضا إن الرباطات الساحلية في إسبانيا ~~والمغرب كانت مؤسسات متعددة الأغراض خدمت التجار البحريين وكذلك ~~الزهاد. # 106 # وفي الغالب، فإن ما نراه في رباطات الأندلس هو مؤسسة دينية إقليمية، ~~أصبحت - بالرغم من ارتباطها بالمحاربين المجاهدين على الحدود البيزنطية الشرقية - ~~مميزة للغرب الإسلامي وكونت ثقافة فرعية دينية خاصة بها هناك. يعكس هذا حقيقة ~~أن الصوفية انتهجت نسقا مختلفا في الأندلس في العموم؛ حيث تعرض منظروها ms079 هناك ~~للهجوم بسبب الابتعاد الشديد عن الفهم الحرفي للنصوص الدينية الذي انتهجه المذهب ~~المالكي. بالرغم من ذلك، وحتى في حالة عدم القدرة على التأكد من مدى الارتباط الوثيق ~~بين «الروحانية العسكرية» لهذه الرباطات القديمة وبين الصوفيين الكثر في الأندلس؛ ~~فإن اكتشاف رباط جواردامار يمكننا من أن نفحص بالتفصيل على المستوى الأثري كيف كان ~~يبدو مأوى الزهاد المسلمين الأوائل (وربما يكونون صوفيين بالاستدلال). والسبب في ذلك ~~يرجع إلى أنه مع مرور الزمن فقدت الرباطات أبعادها العسكرية القديمة، وأصبحت في الغالب ~~أماكن لتعبد الصوفيين. وحتى إن لم نتمكن بسهولة من ربط الأجيال الأولى من ساكني ~~الرباطات بالصوفيين في الأندلس، فإن رباط جواردامار يظل اكتشافا قيما على نحو ~~هائل في تقديم أقدم آثار مادية لمساكن جماعية للصوفيين - أو أشباه الصوفيين - متاحة في ~~أي مكان آخر في العالم، في فترة كانت تظهر فيها لأول مرة هذه المساكن المبنية لغرض ~~معين في عدة أماكن إسلامية. # بالعودة إلى الشرق الأوسط، سنجد أن أقدم الشخصيات البارزة التي يمكن ربطها بتطور ~~المساكن الجديدة الصوفية على نحو واضح، عاش في جنوب إيران، التي بسبب قربها الكبير ~~من بغداد كونت على مدار القرن العاشر شكلا من الصوفية يشترك في كثير من الصفات مع ~~الوعظ الأخلاقي، القائم على فكرة الصحو الخاص بالجنيد. # 107 # هذه الشخصية هي أبو إسحاق الكازروني (المتوفى عام 1035)، الذي سمي ~~بهذا الاسم نسبة إلى مدينة كازرون - الموجودة جنوب إيران - التي عاش فيها، ودونت ~~أفعاله في سيرة باللغة الفارسية ألفها ابن خليفته. # 108 # وفي حين أن الكازروني، مثل بقية الصوفيين الأوائل في إيران، يبدو أن ~~تعاليمه تركز أكثر بعض الشيء على موضوع الحب بين البشر والله؛ فقد كان أيضا مهتما ~~بالوعظ الأخلاقي على نحو كبير. بيد أنه فيما يخص أغراضنا الحالية، فإن أهمية ~~الكازروني تكمن في أنه أسس شبكة مكونة مما لا يقل عن خمسة وستين مسكنا صوفيا ~~عبر جنوب إيران. وفي حين يبدو أن مجموعة صغيرة من مريديه الأساسيين كانوا يسكنون على ~~نحو دائم في هذه المساكن، فإن ms080 هذه المباني كان الهدف الأساسي منها أن تكون ملاجئ ~~خيرية للمسافرين والفقراء. وعلى هذا النحو، يجب اعتبارها تطورا مميزا نسبيا عن ~~نموذج الرباط الذي تطور في وقت أبكر في الغرب الإسلامي، وعن نموذج الخانقاه الذي ~~تطور في خراسان في الوقت نفسه تقريبا؛ إذ إن الخانقاوات كانت في الأساس مساكن تربوية ~~للصوفيين، كان يتعهد المقيمون فيها بالالتزام بمجموعة قواعد للإقامة بها، والتي كانت ~~معقدة على نحو متزايد. لم يترك الكازروني مثل هذا النوع من نظام القواعد، إلا أن ~~شبكة المساكن التي تركها تشير إلى تطور مهم في علاقة الصوفيين بالمجتمع الأوسع ~~نطاقا؛ حيث نرى واحدة من أوائل عمليات المبادلة الكثيرة التي تفاوض من خلالها ~~الصوفيون مع مجموعات اجتماعية مختلفة، من أجل تحقيق فائدة متبادلة. فنظرا لوقوع مساكن ~~الكازروني على بعض من أهم طرق التجارة في الشرق الأوسط، كان كثير من ضيوفه المسافرين ~~من التجار (وهذا يحاكي الوضع في إسبانيا)، وهؤلاء بدورهم قدموا نظير ضيافته لهم ~~تبرعات جعلت التوسع الإضافي في شبكة المساكن ممكنا. وخلال فترة قصيرة، امتدت مساكن ~~الكازروني من وسط إيران حتى مدن الموانئ في شرق الصين. ومع الكازروني، كان الصوفيون ~~يجذبون لأول مرة استثمارا ماليا كبيرا لأنفسهم كصوفيين، ذلك الاستثمار الذي مول ~~بدوره مزيدا من الدعاية لحركتهم. ونظرا للوعظ الأخلاقي المميز للكازروني ونشأته بين ~~وعاظ مسلمين للزرادشتيين المحليين، فإنه يبدو من المعقول اعتبار شبكته نوعا من ~~المساعدة الاجتماعية التي يقدم فيها الطعام مقابل ترديد بعض الأدعية. ومع تراجع ~~الحاجز الثقافي، برزت هنا حركة دمج داخلي أخرى عمقت بدورها الالتزامات الإسلامية ~~للسكان الريفيين والتجار العابرين في صحاري وجبال إيران. # كان أبو سعيد بن أبي الخير (المتوفى عام 1049) من الشخصيات الأخرى التي لا تقل ~~أهمية، والتي ساهمت في هذه التطورات المؤسسية «المادية»، وهو شيخ خراساني أقام لبعض ~~الوقت في نيسابور، لكنه قضى معظم حياته في مكان شبه ريفي في ميهنة، فيما يعرف الآن ~~بتركمانستان. # 109 # وفي ذلك المكان أسس خانقاه، لكن على النقيض من خانقاوات الكازروني، كانت ~~التربية الروحانية للنزلاء هي ms081 هدفها الأساسي؛ ولهذا الغرض أعد أبو سعيد قائمة من ~~عشر قواعد يتوجب على مريديه النزلاء الالتزام بها. لم تكن هذه القواعد جديدة في حد ~~ذاتها على الإطلاق - فقد تضمنت على سبيل المثال: الحفاظ على الطهارة، وأداء كل ~~الصلوات المفروضة، وأداء صلوات إضافية ليلا، وتلاوة القرآن وأداء الذكر يوميا - لكن ~~اجتماعها معا أشار إلى التحول إلى مؤسسة «التربية» الصوفية الأكثر رسمية التي ~~شهدنا تطورها بالفعل. كان هذا التحول مهما؛ لأن قواعد التربية هذه مع أبي سعيد ~~أصبحت مرتبطة أيضا بمؤسسة سكنية. ولم يكن أبو سعيد حالة فريد من نوعها في خراسان حتى ~~في ذلك الوقت؛ ففي أقصى الجنوب في مدينة هراة الموجودة فيما يعرف اليوم بأفغانستان، ~~حدد معاصره عبد الله الأنصاري (المتوفى عام 1089) مجموعة قواعد مشابهة باللهجة ~~الفارسية المحلية، كان الهدف منها - على ما يبدو - أن تكون سهلة الحفظ على ~~أتباعه. # 110 # بالرغم من ذلك، كان أبو سعيد شخصية مثيرة أكثر من الأنصاري أو الكازروني؛ ~~فهو لم يكن رجلا ثريا فحسب (إذ إن هذا الأمر لم يكن فريدا في حد ذاته مقارنة ~~بالخلفية الخراسانية التي تضم شخصيات مثل الترمذي)، بل كان رجلا لا يرى تعارضا بين ~~التباهي بهذه الثروة مع الاستمرار كصوفي. وهو يرى أن «الفقر» الذي منحه الصوفيون ~~السابقون أهمية كبيرة كان حالة داخلية ورمزية؛ ومن ثم فإن امتلاك الأصول المادية، ~~بل والاستمتاع بها، ليسا عقبة أمام التقدم الروحاني. في هذا الصدد، يوضح أبو سعيد ~~التناقضات الأخلاقية والمجابهات الاجتماعية التي كانت لا تزال تميز الإسلام كثيرا ~~في خراسان في هذه الفترة. # في حين كان أبو سعيد سعيدا باقتراض مؤسسة الخانقاه من الكرامية، فإن استمتاعه ~~بالحياة الطيبة كان مناقضا على نحو مباشر لتركيزهم الشديد على الفقر. وعلى الرغم من ~~أنه بوضع مجموعة قواعد دينية لنزلاء الخانقاوات كان يعكس الامتثالية الظاهرية مع ~~الاتجاه السني، التي رأيناها بين الصوفيين في نيسابور وفي بغداد، فإن اهتمامه بالعروض ~~الموسيقية وحفلات العشاء الفاخرة أكسبه سمعة سيئة بين كثير من معاصريه. وعلى الرغم من ~~أن بعضا من ms082 القصائد الماجنة عن الخمر وحب الغلمان والأغاني قد يكون منسوبا إليه ~~زيفا، فإنه بلا شك أولى اهتماما كبيرا بممارسة «السماع»، التي تضمنت في هذا الصدد ~~أغاني حب منشدة بمصاحبة الطبول والنايات، التي تجعل الجمهور يشعرون بنشوة ~~يعبرون عنها بالرقص الجامح. ويمكننا أن نرى في هذه الممارسات دمجا مهما يحدث بين ~~الكلمات وما تشير إليه، توسع من خلاله - مع انتقال الكلمات إلى مواقع اجتماعية جديدة ~~- المدى الدلالي للمصطلحات الفنية القديمة المحترمة التي تطورت في العراق، ليشير ~~إلى الممارسات التي من المحتمل أنها لم تخطر قط على بال المستخدمين الأصليين لهذه ~~الكلمات؛ ومن ثم، يكسب تلك الممارسات الاحترام. على سبيل المثال: على الرغم من ~~مناقشة كلمة ومفهوم السماع في بغداد منذ وقت طويل، فإن الممارسات الفعلية التي شهدنا ~~تطورها حول أمثال أبي سعيد في خراسان القرن الحادي عشر، لم تكن على الأرجح مقترضة ~~من صوفية العراق على الإطلاق، بل كانت مقترضة من الهوايات العلمانية للطبقة ~~الأرستقراطية الريفية في خراسان، الذين كان يشبههم أبو سعيد كثيرا في أسلوب الحياة ~~والمكانة. # 111 # إن هذه العملية الخاصة بإضفاء بنية فوقية لغوية ومفاهيمية على الهياكل ~~الاجتماعية الأكثر عمقا للحياة في بيئات مختلفة؛ ساعدت الصوفية في ترسيخ نفسها في ~~المجتمعات الجديدة التي انتشرت فيها منذ القرن العاشر، في خراسان أولا، ولاحقا في ~~الهند والأناضول وغيرهما من الأماكن. # توجد أنشطة على نحو وافر في السيرتين اللتين تناولتا أبا سعيد وكتبتا في ~~القرن الذي تلا وفاته؛ منها: الإقامة في مسكن صوفي كان هو السيد فيه، والعيش وسط مجموعة ~~من الرجال الذين أقسموا على طاعة كل أوامره، وحماية الفقراء الذين سعوا للعيش تحت ~~مظلته، واستقبال علية القوم والأمراء كما لو كان واحدا منهم، والاستمتاع بمتع ~~بلاط الملوك المتمثلة في الموسيقى والشعر. # 112 # من ناحية، في القصص الكثيرة الموجودة في السيرتين، التي تروي المساعدة ~~الشديدة للفقراء، نجد أن الصوفية - أو الصوفيين الأقوياء على الأقل - قد اكتسبوا ~~استحسانا جديدا من قبل الجماعات الاجتماعية الريفية. ومن الناحية الأخرى، نرى ~~الصوفي باعتباره مؤسسا لمسكن ms083 سيتوارثه خلفاؤه (من عائلته في الغالب)، ويبقى حتى ~~الأجيال المستقبلية عندما يموت الصوفي ويتحول إلى ولي. لقد رأينا بالفعل تكون مفهوم ~~«أولياء الله»، وفي هذه الفترة كان هذا المفهوم يكتسب رأس المال المؤسسي الذي سوف ~~يحوله من الفئة الخطابية إلى الفئة الاجتماعية؛ بحيث يصبح الولي الحي أرستقراطيا ~~روحانيا، ويبجل الولي الميت لدرجة التقديس. # مرة أخرى، كان التفاعل بين النصوص والمصادر المادية لسياقاتها ضروريا جدا لهذا ~~التطور؛ ففي السير التي كتبها من ورث رأس المال والمكانة من مؤسسي مساكن ~~الصوفية، كان الصوفيون أمثال أبي سعيد والكازروني يحظون بالتبجيل من حيث وصفهم ~~بأولياء الله، وأوضحت هذه السير أن مكانتهم الروحانية وقدرتهم على صنع المعجزات ~~تورثان بالإضافة إلى أملاكهم. وإذا كانت هذه التطورات لم تكتمل بعد بنجاح في القرن ~~الحادي عشر نفسه، عندما كان كل ما نراه فحسب هو تأسيس مساكن الصوفية لأول مرة؛ فمن ~~المهم أن ندرك من هذه المرحلة المبكرة العلاقات الخفية والسببية بين تأسيس المساكن ~~وتأسيس الأضرحة. لم تصبح المساكن أضرحة للأولياء من خلال عملية تدهور و«أزمة روحانية» ~~طويلة الأمد مثلما اعتقد جيل سابق من المؤرخين، بل كانتا - أي المساكن والأضرحة - ~~منذ بدايتهما مظاهر مرتبطة للمؤسسات نفسها. # 113 # فلقد دفن رجال مثل أبي سعيد والكازروني والأنصاري في المساكن التي ~~أسسوها، وحتى أثناء حياتهم في القرن الحادي عشر وصف معاصرهم الهجويري زياراته ~~التي قام بها لقبور الصوفيين الأوائل في كتيبه - المحافظ على نحو حذر - عن ~~الممارسة الصوفية. # 114 # إذا فما نراه في إنشاء المساكن هو مزج مثير بين رأس المال الرمزي ~~المتمثل في الولاية، ورأس المال المادي المتمثل في المساكن الصوفية. في الفصول ~~القادمة، سوف نتتبع التبعات الهائلة لهذا التطور مع انتشار هذه المساكن والأضرحة ~~من خراسان إلى كل أرجاء العالم الإسلامي. # ملخص # ما لدينا منذ القرون الأولى للتاريخ الصوفي هو تقريبا أدلة نصية فحسب، معظمها غامض ~~للغاية ولا يشير إلا يسيرا إلى السياقات المحددة التي كتبت فيها. وفي سعينا لإيجاد ~~طرق يمكننا من خلالها ربط تلك الأدلة المكتوبة بالعالم الذي ms084 نشأت فيه، كانت مهمتنا ~~إلى حد ما تتمثل في محاولة فهم جاذبية الكتابات التي سمحت للصوفية بالتطور ~~والانتشار بعيدا عن أتباعها الأوائل. ومن أجل فعل ذلك، تتبعنا على مدار الصفحات ~~السابقة سلسلة من التطورات التي ما بين منتصف القرن التاسع والقرن الثاني عشر، ~~ضمنت أن مصطلح «صوفي» كان يشير إلى نطاق من الأشخاص والأفكار والأنشطة والمؤسسات، ~~بحلول القرن الثاني عشر، يفوق كثيرا ما كان يشير إليه عند استخدامه لأول مرة من قبل ~~المسلمين قبل ذلك بثلاثة قرون. # أول هذه التطورات الكبرى التي شهدناها يمكن أن نصفه بأنه خطابي، ومن خلاله استخدم ~~الصوفيون الأوائل المصادر النصية المتمثلة في القرآن والسنة من أجل تطوير ~~مصطلحات صوفية مبجلة يصفون بها الأفكار والأنشطة التي روجوها. وسواء أشارت هذه ~~المصطلحات الصوفية إلى أشخاص معينين مثل «أولياء الله»، أم إلى أنشطة محددة مثل ~~«الذكر»، أم إلى توجهات اجتماعية معينة مثل «التوكل على الله»، فإنها ربطت ~~الصوفيين منذ بدايتهم بالتطورات الأوسع نطاقا في الاتجاه السائد في الفكر الإسلامي. ~~وبالإضافة إلى كون هذه المصطلحات مبجلة، يجب أيضا أن نستنتج أن الأتباع الذين ~~التفوا على نحو متزايد حول الشيوخ الصوفيين وجدوا هذه المصطلحات مفهومة ومفيدة؛ مما ~~سمح لهم بفهم تجاربهم الخاصة أثناء التأمل والصلاة؛ ومن ثم تعميق التزامهم بالرؤى ~~النفسية والاجتماعية الأوسع نطاقا، التي كان يكونها المسلمون في هذه القرون. وكما ~~رأينا، فإن هذه المصطلحات وأنواع النصوص المختلفة التي استخدمتها لشرح المعتقدات ~~المتعلقة بالطريقة الصوفية والأولياء كانت مفهومة في كل من خراسان والعراق؛ مما ساعد ~~في اكتساب الحركة - العراقية الأصل - أتباعا في المناطق الشرقية التي قد كونت في ~~السابق حركات دينية خاصة بها. وفي هذه المناطق الشرقية وجدنا أكمل الأدلة النصية على ~~تحول الصوفية من فكرة إلى تقليد، وهذه عملية رأينا فيها دورا محوريا في أواخر ~~القرن العاشر وأوائل القرن الحادي عشر لأعمال السير التي استخدمت إطارا من النسب، ~~لتوضح أن المعتقد الصوفي توارثته الأجيال (الطبقات) منذ وقت النبي محمد وحتى وقت ~~كاتب السيرة. وفي هذا الصدد، نشهد عملية ms085 كانت فيها الكتابات والسير المتذكرة ~~للصوفيين الأوائل في العراق (بالإضافة إلى الزهاد شبه التاريخيين في فترة سابقة) ~~بمنزلة «ماض قابل للاستخدام»؛ أي تاريخ يمكن توظيفه استراتيجيا لبناء تقليد مرموق ~~وشرعي. # ساعدت هذه المكانة المرموقة والشرعية الصوفيين على كسب المزيد من المؤيدين وحمايتهم ~~من إمكانية انتقادهم بسبب ابتداعهم المنحرف. وبالإضافة إلى ذلك، وضعتا طرقهم مباشرة ~~في إطار معرفي سائد اعتبر فيه التقليد والوحي أعلى مكانة من الابتكار ~~والعقل. # 115 # إن محاولات الصوفيين المتكررة لربط أنفسهم بالماضي الموثوق فيه - سواء ~~أكان ذلك من خلال استخدامهم للقرآن والحديث أم من خلال أنساب شيوخهم - تشير مرة أخرى ~~إلى خطر فكرة رؤية الصوفيين باعتبارهم «متصوفين» يهتمون في الأساس بالسعي وراء ~~التجربة. وعلى الرغم من أن السعي وراء التجربة - الذي أصبح يشير إليه كثير من الصوفيين ~~في نهاية هذه الفترة باسم «الذوق» - كان سمة مهمة في النشاط الصوفي، فإننا يجب أن ~~نتذكر أن الصوفيين كانوا منهمكين في صراع دائم لربط هذه التجارب بمفاهيم التقليد ~~المشروعة، التي تعبر عنها المصطلحات القديمة. هذا لا يعني أن الصوفيين أصبحوا ~~«عالقين» بعض الشيء في هذه المصطلحات وهذا التقليد؛ لأننا في الفصول القادمة سوف نرى ~~أنه على الرغم من بقاء المصطلحات القديمة، فإن معناها وما تشير إليه قد توسعا كثيرا ~~على يد الكتاب المتأخرين؛ فالتقليد في النهاية مصدر قابل للتعديل. # في أثناء عملية التنافس والدمج، التي من خلالها توسع الصوفيون من ساحتهم الأولى ~~في العراق، ساعدهم أيضا اندماجهم في الأطر المؤسسية الأوسع نطاقا للتيار ~~السني (مثل: المذهب الشافعي والمدارس)، وكذلك تطويرهم لآليات مؤسسية خاصة بهم ~~(مثل: العلاقة السلطوية بين الشيخ والمريد والخانقاوات). ومقارنة بمتطلبات المتصوفين ~~القاسية مثل الزهاد والكرامية، فإن جاذبية الرسالة الصوفية ربما ساعدها أيضا ~~الاهتمام بالامتثال الاجتماعي والاعتدال؛ إذ على الرغم من أنه كان هناك بالتأكيد صوفيون ~~زهاد اكتسبوا شهرة في هذه الفترة، بين أوساط العلماء وبين العوام، فقد كانت مواءمة ~~الصوفيين لتعاليمهم الروحانية مع الهياكل الدنيوية للحياة الاجتماعية والاقتصادية ~~والأسرية؛ هي ما منحهم الدعم اللازم للاستمرار والانتشار على ms086 نحو يفوق حركات ~~الزهد والحركات الباطنية الأخرى التي ازدهرت في وقتهم واضمحلت. # في نهاية الفترة ما بين منتصف القرن التاسع والقرن الثاني عشر، نرى أيضا أن فكرة ~~كون الصوفيين أولياء لله، يستطيعون بصفة خاصة التمتع بقوة الله، قد مكنتهم من ~~اكتساب طيف أكبر من الأتباع بين صفوف العوام، الذين كانت التدخلات الإعجازية في ~~حياتهم العادية ذات أهمية أكثر إلحاحا من رؤيتهم المباشرة لله. إن هذا الانتشار ~~للفكر الصوفي - الذي شهدناه في سير رجال مثل أبي سعيد الميهني - خارج دائرة ~~العلماء والحضر ليصل إلى الأميين والريفيين؛ يجب ألا نعتبره عملية «تدهور»، بل ~~شهد ذلك الانتشار النتائج الاجتماعية لأفكار الولاية التي استعرضها بعض المنظرين ~~الصوفيين الأوائل. وكما سنرى في الفصل الثاني، فعلى الأرجح كان إطلاق العنان الكامل ~~لهذا الانتشار للفكر الصوفي هو التطور الأهم في التاريخ الصوفي. وعلى الرغم من أننا لم ~~نصل بعد إلى نهاية القصة، نتيجة لما سلف ذكره، فإننا يمكننا في الوقت الحاضر على ~~الأقل القول في العموم إن الفترة ما بين منتصف القرن التاسع والقرن الثاني عشر شهدت ~~تطور الصوفية من مجرد لفظة مستخدمة محليا للإشارة إلى «لابسي الصوف»، إلى طريقة ~~معرفية مفصلة في عدد متزايد من النصوص، وأخيرا إلى تقليد حاز على التمكين من خلال ~~الآليات المؤسسية المتمثلة في الانتساب الجماعي وإعادة الإنتاج. # الفصل الثاني # | إسلام الأولياء والطرق (1100-1400) # (1) سياقات متغيرة # في القرون ما بين منتصف القرن التاسع والقرن الثاني عشر، شهدنا ظهور الصوفيين ~~باعتبارهم مجموعة من مجموعات إسلامية كثيرة تعمل في العراق وتكتسب أتباعا، وأيضا ~~إحساسا واعيا بالتقليد، وأسلوبا تنظيميا مؤسسيا أكبر من خلال توسعهم شرقا ~~في إيران وآسيا الوسطى. وفي حين ركز الفصل السابق على المنطقتين الأساسيتين للإنتاج ~~الصوفي المبكر، المتمثلتين في العراق وخراسان، فإنه بحلول القرن الثاني عشر أصبح ~~للصوفيين وجود كبير أيضا في الغرب الإسلامي في إسبانيا وشمال أفريقيا، بالإضافة إلى ~~بدايات توسعهم المؤثر على نحو هائل في الهند. وبعد أن أسس الصوفيون نقاط ~~الانطلاق المؤسسية خاصتهم عبر منطقة واسعة، شهدت الفترة ما ms087 بين القرن الثاني عشر ~~والقرن السادس عشر - التي سوف نتطرق إليها الآن - تحقيق الصوفيين صعودا هائلا ~~لمكانة تمثلت في أنهم كانوا من المغرب إلى البنغال محاور اجتماعية وفكرية، في مختلف ~~المجتمعات التي اخترقوها عبر هذه المنطقة الشاسعة. وبحلول القرن السادس عشر، كان ~~الصوفيون حماة للملوك وتابعين لهم في آن واحد، وكانوا كذلك مهمين لحياة المجموعات ~~المنتمية للطبقة الدنيا في المدن وفي الريف أيضا، وقد عزز تلك المكانة الدور الذي ~~لعبوه في تحويل جماعات البدو والمزارعين إلى الإسلام عند توسيعهم للمناطق ~~الحدودية. # لقد رأينا بالفعل كيف أن دراسة القرآن والحديث كانت المنهج المؤسس للصوفيين ~~الأوائل، وكيف أن الصوفيين مع مرور الوقت حرصوا على التوافق مع أعراف الإسلام السني ~~الناشئة. وفي حين كان الاتجاه السائد هو البيئة الطبيعية للصوفية، كان المتمردون ~~أمثال الحلاج الذي حكم عليه بالإعدام هم الاستثناء وليسوا القاعدة. لكن إذا كان ~~الصوفيون نادرا ما يخالفون أعراف الفترة، فقد عجزوا عن أن يكونوا سلطات دينية مسيطرة ~~في قرونهم الأولى، لكنهم تمكنوا من أن يصبحوا كذلك في مناطق متعددة في الفترة ما ~~بين القرن الثاني عشر والقرن السادس عشر. جزئيا، كان هذا ثمرة المزج الفكري والمؤسسي ~~الذي شهدنا بدايته في القرن الحادي عشر، عندما تكون علم رسمي للصوفية إلى جانب ~~المناهج الدراسية والمدارس التي ظهرت من خلال العقيدة الإسلامية الحنيفة التي دعمها ~~الأتراك السلاجقة، وهي عملية تجسدها تعاليم الغزالي (المتوفى عام 1111) وحياته ~~المهنية. # 1 # إن التوسع المستمر لنظام المدارس والخانقاوات ساعد بالتأكيد الصوفيين في ~~القرون التي تلت القرن الثاني عشر، ليس فقط في الأراضي العديدة التي بسط عليها ~~السلاجقة نفوذهم بين الأناضول وخراسان، بل أيضا كجزء من عملية «إحياء المذهب السني» ~~المتعمدة في مصر وسوريا، بعد سقوط حكم الشيعة الإسماعيلية فيهما لصالح الحكم الأيوبي ~~عام 1171. # 2 # وبينما ظل هذا الرابط بين الصوفيين والسلاطين والمؤسسات السنية عاملا ~~مهما، فإن التوسع غير المسبوق للنفوذ الصوفي في القرون التالية يعود أيضا إلى ~~حد كبير لحدوث تطورات جديدة. إن هذه التطورات - المتمثلة في التنويع وإنشاء ms088 ~~المؤسسات، واكتساب القداسة، وإضفاء الطابع المحلي على تعاليم الصوفية - هي التي ~~يركز عليها هذا الفصل من أجل أن نفهم السبب وراء هذا العدد المتزايد من الأشخاص ~~والأماكن، المنضم تحت لواء الإسلام الصوفي، في الفترة ما بين القرن الثاني عشر والقرن ~~السادس عشر. ونظرا لأن المؤرخين رأوا في السابق أن هذه الفترة كانت فترة «انحطاط» ~~صوفي، كان فيها التصوف الحقيقي قربانا على مذابح الولاية، فمن المهم أن ندرك علاقة ~~كل عملية من هذه العمليات بما حدث قبلها. لقد كانت مؤسسات الطرق الصوفية الأكثر ~~رسمية، ومعتقدات الولاية الأكثر تعقيدا التي ميزت هذه الفترة الثانية؛ تعتبر في ~~السابق أعراض انحدار روحاني، إلا أننا عندما نرى علاقتها بالأفكار والممارسات التي ~~كونها الصوفيون قبل القرن الثاني عشر، سوف نستطيع أن نرى كيف نشأت التطورات الجديدة ~~عن استخدام الصوفيين المتأخرين لمصادر تقليدهم، أثناء محاولتهم الجاهدة فهم الظروف ~~الاجتماعية الجديدة التي كانوا يعملون في ظلها والاستفادة منها. # قبل الالتفات إلى هذه التطورات، من المهم التأكيد على مدى الاختلاف بين الظروف ~~القديمة والظروف الجديدة؛ فلقد رأينا بالفعل كيف أن الأتراك السلاجقة في منتصف القرن ~~الحادي عشر اكتسحوا غربا في سلسلة من الغزوات امتدت من آسيا الوسطى حتى الأناضول. ~~وكما هو الحال مع الكثير من الأسر الحاكمة التركية في الفترة ما بين القرن الثاني عشر ~~والقرن الخامس عشر؛ فقد دخل السلاجقة البدو في الأصل في تحالف مع طبقة علماء المسلمين ~~المستقرة، الذين عملوا موظفين في إدارة الدولة، فحموا وناصروا في النهاية الأسس ~~الشرعية والعلمية للحياة الإسلامية الحضرية. لم ينطبق الأمر نفسه على المجموعة البدوية ~~الرئيسية التالية التي توسعت غربا؛ ففي عهد جنكيز خان وأبنائه، ما بين عشرينيات ~~وستينيات القرن الثالث عشر، دمرت فعليا الجيوش المغولية الشامانية كثيرا من مدن ~~خراسان (بما فيها نيسابور)، وغزت بغداد في نهاية المطاف؛ حيث وضعوا نهاية لنظام ~~الخلافة الذي كان قد منح القيادة الرمزية على الأقل للمجتمع الإسلامي منذ وفاة النبي ~~محمد. وقد تجاوز الشعور بما خلفته غزوات المغول من رعب ودمار المناطق التي ms089 ~~تعرضت لهذا التأثير مباشرة؛ ففي كل من الحدود الغربية والشرقية للتوسع المغولي، ~~استحوذ الجنود العبيد المعروفون باسم المماليك - الذين كانوا مكلفين بحماية ~~سلاطينهم - على سوريا ومصر والهند. واستقبل الشرق والغرب على حد سواء تدفقات ~~هائلة من اللاجئين، كان من بينهم الكثير من عائلات العلماء والصوفيين. # وحتى في الوقت الذي دمر فيه جزء كبير من مهد الصوفية في العراق وخراسان، كانت ~~توجد فرص جديدة. إن رغبة الحكام المماليك في إثبات شرعيتهم الدينية جعلتهم يرعون ~~الكثير من المساكن الصوفية الجديدة في المدن، أو يمنحون الأراضي في الريف، في حين زاد ~~تدفق اللاجئين من سرعة انتشار التعاليم الصوفية. وقد استغرق الحكام المغول الجدد ~~للأراضي الإسلامية الوسطى قرابة قرن حتى يدخلوا في الإسلام، وعندما اعتنقوه وجدوا في ~~الصوفيين حماة وشيوخا لهم. وإذا كانت قرون الاضطراب تلك قد أسفرت عن مجتمعات ~~مختلفة جدا عن تلك التي ظهرت فيها الصوفية لأول مرة، فإنها أتاحت أيضا فرصا ~~للصوفيين لربط أنفسهم بنطاقات من المؤيدين أكبر من أي وقت مضى؛ فكسبوا قلوب وأموال ~~الحكام البدويين «الخانات»، وأيضا سكان الحضر والفلاحين الذين حكموهم؛ فقد وصل ~~الصوفيون من خلال تنويع معتقدهم، وإضفاء الطابع المحلي على تعاليمهم، وتكوين ~~الطرق والطوائف، وتبجيل الأولياء؛ إلى نقطة أصبح فيها الإسلام فعليا لا يمكن فصله ~~عن رموزهم وأفكارهم ومؤسساتهم. ~~(2) تنويع المعتقد الصوفي # النجاح يولد نجاحا، وما حققه الصوفيون بحلول القرن الثاني عشر والقرن الثالث عشر ~~من مكانة راسخة، شجع عددا أكبر من المسلمين على ترديد أفكارهم الدينية؛ باستخدام ~~المصطلحات المحترمة التي ابتكروها على مدار القرون السابقة. وقد أصبحت الصوفية الآن ~~في حد ذاتها تقليدا له نسب يعود إلى زمن النبي محمد، في حين عززت علاقات كثير ~~من ممثليها البارزين بالطبقة الحاكمة تأثيرهم في الوقت الحاضر ودورهم في تشكيل ~~مستقبل مجتمعاتهم. إن المكانة الراسخة التي وصلوا إليها لا تعني أن حركتهم استنفدت ~~طاقة استمراريتها، بل يمكن أن نرى أن الاحترام الذي اكتسبه الصوفيون في الفترة ~~الأولى قد أتاح عملية التنويع التي نراها في القرون ما بين القرن ms090 الثاني عشر والقرن ~~الرابع عشر. وبالنسبة إلى الصوفيين، كانت هذه القرون ذات إنتاج نصي هائل، ليس فقط ~~بسبب وجود عدد أكبر من الصوفيين، بل لأنهم كانوا يوسعون أيضا نطاقهم الأدبي خارج ~~حدود الكتابة باللغة العربية. كانت مجموعة الأفكار المتنوعة التي استعرضت في هذه ~~الفترة مذهلة في حد ذاتها، فضلا عن الردود والاستجابات، والتأملات والتعليقات التي ~~أثارها كل عمل من هذه الأعمال البارزة. ولفهم ما كان جديدا وسط هذا العدد الهائل ~~من المؤلفات، سوف نلقي نظرة على الطريقة التي تنوع من خلالها إرث القرون ~~الأولى، من خلال فحص موضوعات أساسية مثل النور والوجود والولاية، بالإضافة إلى ~~الشخصيات الأساسية التي ارتبطت بها. لقد أصبحت هذه الموضوعات والمعتقدات، والنصوص ~~التي فصلت فيها، مواد مهمة في الترسيخ الخطابي للتقليد الصوفي. # شكل 2-1: تنويع المعتقد: مخطوطة من العصور الوسطى لكتاب «المشارع والمطارحات» ~~ليحيى السهروردي (المتوفى عام 1191) (تصوير: حسين ضيائي، بإذن من ~~مكتبة جامعة لايدن). # كان «النور» أول هذه الموضوعات؛ وكما رأينا في الفصل الأول، كان النور بالفعل موضع ~~نقاش بين الصوفيين أمثال التستري والغزالي، أما في كتابات شهاب الدين السهروردي ~~(المتوفى عام 1191)، فقد خضعت الأفكار السابقة للتنظيم والمراجعة، وقدمت في صورة ~~رؤية فلسفية متماسكة كان النور فيها أساسا لعلم الوجود وعلم المعرفة؛ فكل شيء في ~~الكون موجود على هيئة نور، وكل عمل معرفي يعد تعبيرا عن النور. # 3 # ونظرا لميلاد السهروردي في شمال إيران، فقد كان يرى نفسه وريثا لتقاليد ~~عديدة من «الحكمة»، وقدم نظامه على أنه توضيح لما كان معروفا في السابق للإغريق ~~الوثنيين والإيرانيين الزرادشتيين وأيضا الصوفيين الأوائل. # 4 # وعلى الرغم من أن احتمالية اعتباره هو نفسه صوفيا مسألة محل شك، فإنه ~~بالتأكيد قد قضى وقتا كبيرا بصحبة الصوفيين، واستفاد من أفكارهم السابقة، وأثر على ~~أفكارهم اللاحقة. # 5 # كان أعظم أعمال السهروردي هو «كتاب حكمة الإشراق»؛ في هذا الكتاب، وضع ~~إطار ما أطلق عليه حكمة «الإشراق» (في إشارة إلى فكرة النور الأساسية)؛ حيث إن ~~الشرق هو المكان الذي تشرق منه الشمس على الأفق ms091 الداخلي والأفق الخارجي؛ حيث يشرق ~~نور المعرفة. # 6 # يرى السهروردي أن الكون وكل سكانه يتكونون في الأساس من النور ~~المنبعث من الله، الذي هو نفسه ليس إلا نورا صافيا ذاتي الوجود. وأسفل الله يوجد ~~الكون في صورة هرمية مكونة من كائنات نورانية، نورها (ومن ثم وجودها) نابع ~~تماما من نور الله ومعتمد عليه. وكل كائن نوراني في هذه الهرمية السماوية يستمد ~~النور من فوق ويعكسه لأسفل؛ أي يستمده من الله من خلال العوالم الملائكية إلى عالم ~~البشر، ثم يرسله لأسفل إلى مستويات الحيوانات والنباتات والجمادات، كما أن كل شيء في ~~الكون يوجد كدرجة من النور المستمد من الله، المنقول عبر هرمية الأنوار الكونية. ويرى ~~السهروردي أن الهدف البشري - سواء أكان هدف أفلاطون في أثينا أم هدف الجنيد في ~~بغداد - هو ارتقاء هذه الهرمية من خلال التواصل مع كل كائن من كائناتها النورانية ~~واحدا تلو الآخر. وهذه الكائنات النورانية هي ما يطلق عليها الأشخاص العاديون ~~ملائكة، وأهم ملك فيهم - بحسب رأي السهروردي - هو جبريل الذي نزل بالقرآن على النبي ~~محمد، وهو «العقل الفعال» الذي ناقشه الفلاسفة. في هذا الصدد، نجد إعادة تشكيل ~~لنموذج الطريقة الصوفية المكونة من أماكن على طريق رحلة عبر مراحل الوجود، التي هي ~~نفسها عبارة عن أشكال من النور المتزايد النقاء الموصوف في آية النور في القرآن، ~~والتي كتب الغزالي فيها رسالة قصيرة قبل ما يقل عن قرن. # وضع السهروردي بين العالم المادي والعالم الملائكي عالما وسيطا أطلق عليه ~~«عالم المثال». كان هذا العالم الذي يمتلك شكلا ولا يمتلك جوهرا هو مكان التقاء ~~البشر والكائنات الملائكية، وكان أيضا المكان الذي يذهب إليه البشر عندما يشاهدون ~~الرؤى والأحلام. وكان لمكان الالتقاء الشفقي هذا بين الملائكة النورانية والأرواح ~~الظلية للبشر أهمية محورية في نظام السهروردي؛ ففي هذا المكان يمكن للبشر أن ~~يبدءوا في جمع «العلم الحضوري» (أي: المعرفة الناتجة عن التجربة)، الذي اعتبره أعلى من ~~«العلم الحصولي» (أي: المعرفة المحصلة من الكتب والدروس)؛ لأن المعرفة في الرؤي ~~لم تكن معلومات ms092 مكتسبة على نحو سلبي، بل تجربة حدثت على نحو نشط. # 7 # وعلى نحو يجمع ما بين وصف التجارب الشخصية والقصص الرمزية لنظامه ~~الفلسفي، وفي بعض من الأمثلة المبكرة لكتابات نثرية مكتوبة بالفارسية، كتب السهروردي ~~سلسلة من «الرسائل الرؤيوية» وصف فيها اجتماعاته مع الكائنات الملائكية ~~النورانية. # 8 # وعلى الرغم من أن كتاباته المذهلة قدمت إسهامات في مجالات متنوعة مثل ~~المنطق وطب العيون، فإن أهم هذه الإسهامات هي إعلاؤه المعرفة المكتسبة عن طريقة ~~التجربة التصوفية على المعرفة الأقل شأنا المكتسبة من الكتب، وهذا على الأرجح ~~انحراف جذري عن محاولة المنهج الصوفي السائد إخضاع التجربة الشخصية إلى سلطة التقليد، ~~على النحو المبين في القرآن والحديث وتفسيرهما النصي عن طريق الشريعة. ونظرا لإعلانه ~~هذه المزاعم في حلب، إحدى القواعد الرئيسية للإحياء السني، حيث كان كثير من ~~الصوفيين سعداء بامتثاليتهم، فعلى الأرجح ليس بالأمر المفاجئ أن السهروردي حكم ~~عليه بالإعدام وهو في سن الثامنة والثلاثين؛ فنموذجه الخاص بالمعرفة، ومن ثم ~~السلطة، مثل تهديدا لمركزية النص القرآني الموحى به والعلماء والصوفيين ~~التقليديين الذين كانوا مفسريه. # على الرغم من ذلك، ومنذ وقت السهروردي نجد عددا متزايدا من الصوفيين يتجرءون على ~~وصف تجاربهم الرؤيوية بتفاصيل واضحة وصادمة على الأرجح في زمنها. # 9 # صحيح أن بعض الصوفيين الأوائل قد وصفوا تجاربهم التصوفية، كما رأينا في ~~العراق في «كتاب المواقف» للنفري، وفي روايات أحلام زوجة الترمذي، إلا أن هذه الأوصاف ~~كانت عادة إما مختصرة (كما في حالة الترمذي) وإما مراوغة للغاية (كما في حالة ~~النفري)، أما الروايات النادرة الأكثر جرأة (مثل روايات عروج أبي اليزيد البسطامي ~~إلى السماء)، فيشوبها الجدل. لكن بداية من القرن الثاني عشر، فإننا نجد أوصافا ~~لهذه التجارب ليست فقط أكثر وضوحا، لكنها اكتسبت أيضا مكانة كافية بحيث تستخدم ~~كدليل على كون صاحبها من أولياء الله. وقد وصفت روايات هذه الأحلام والرؤى على ~~نحو صحيح بأنها «خطاب ولاية» جديد، عزز عملية تقديس الأولياء الأوسع نطاقا التي ~~سنتناولها فيما يلي. # 10 # على سبيل المثال: في كتاب «كشف الأسرار» ms093 الذي كتبه روزبهان البقلي (المتوفى عام ~~1209) في جنوب إيران، يرى القراء مجموعة من الرؤى المجسمة لله على نحو مذهل. ~~في إحدى هذه الرؤى، يظهر الله أمام روزبهان في صورة تركي فاتح البشرة يعزف على ~~الناي نغمات بكى روزبهان من حلاوتها. # 11 # وفي رؤية أخرى، يقابل روزبهان النبي محمدا ويراه مرتديا رداء ذهبيا ~~وعمامة ذهبية، يجلس سكران وسط بحر خمر أحمر، يغترف قدحا تلو الآخر، وقد سقى ~~روزبهان حتى جلسا ثملين معا. # 12 # كتب الكثير من اليوميات التي تسرد مثل هذه الأحلام والرؤى، من بينها ~~الأحلام المائة والتسعة، التي كتبت بعد قرنين على يد الصوفي الجزائري محمد الزواوي ~~(المتوفى عام 1477). # 13 # الأمر المثير في أحلام الزواوي هو علاقتها بالعالم المادي الذي تنقل ~~خلاله؛ لأن الفترة الأشد تأثيرا في هذه الأحلام حدثت أثناء رحلة لمصر، وفي هذه الرحلة ~~لعبت هذه الأحلام دورا في إضفاء السمو على تجاربه الواعية في الأماكن التي زارها، ~~والتأكيد على حقيقتها بطريقة ما. وفي هذه الفترة كانت مصر تعج بأضرحة الصوفيين، ~~وكان الزواوي بعد زيارة تلك الأضرحة نهارا، يعود ليلا في أحلامه للتحاور مع ~~سكانها من الأموات، الذين يؤكدون له مكانته العالية ويعطونه حلل المكانة ~~السماوية. # بهذه الطرق، شكل الوصف والتنظير المتزايدان للأحلام والرؤى وسيلة لاكتساب المعرفة ~~والسلطة، يمكن على نحو بديل أن تكمل أو تعارض المعرفة والسلطة المكتسبتين ~~من خلال التمكن من التراث النصي للتقليد. وهذا لا يعني أن الصوفيين من خلال هذه ~~الأحلام والرؤى رفضوا تأكيدهم على التقليد، بل يعني أن هذه التجارب كونت وسيلة ~~بديلة وأعلى في الغالب للوصول للتقليد، وبالطبع التفاعل معه. وكما سيشهد عدد متزايد ~~من الصوفيين في كتاباتهم، فقد كان من الممكن لقاء أي شيخ من شيوخ الصوفية السابقين، ~~وحتى الأنبياء، عن طريق تلك الوسائل الرؤيوية. إن ما نراه يحدث في هذا الصدد هو ~~استخدام الحلم والرؤية باعتبارهما تقنية ثقافية تمكن الصوفيين من تجاوز حدود ~~الزمن ومعرفة الأمور الغامضة في النص القرآني، من أجل أن يطرحوا بوضوح الأسئلة ~~على رسل الله وجها ms094 لوجه. أما المشكلة المعرفية لهذه الأحلام - المتمثلة في أن ~~الطبيعة الشخصية لهذه التجارب جعلت مزاعم المعرفة التي قالوها بطبيعتها من الصعب ~~التأكد منها - فتغلبوا عليها من خلال الاستناد إلى حديث قال فيه النبي محمد: «من ~~رآني فقد رآني حقا.» واعتبر معنى هذا الحديث أن الشيطان لا يستطيع أن يتمثل في ~~صورة النبي؛ وهذا يعني أن مشاهدة النبي في أي رؤية أو حلم هي حقيقية بالضرورة، ~~وباستخدام السلطة النصية لهذا الحديث، أصبحت هذه الأحلام والرؤى ذاتية التأكيد. لقد ~~رأينا زوجة الحكيم الترمذي تحلم بأن زوجها أصبح من أولياء الله في وقت مبكر في ~~القرن التاسع، وفي الأدبيات الرؤيوية الأكثر عددا التي تعود للقرن الثاني عشر فصاعدا، ~~قدم قليل من الصوفيين على أنهم مفتقرون إلى هذه البراهين الرؤيوية المبينة ~~لمكانتهم العالية وحكمتهم الكبيرة. # كان هذا ينطبق بصفة خاصة على المنظر الصوفي الأكثر تأثيرا في فترة العصور ~~الوسطى، وربما في أي فترة أخرى، محي الدين بن عربي، المولود في الأندلس، والذي (توفي عام 1240). ولد ابن عربي في مرسية لأسرة عربية من النخب تعمل في مجال القضاء، وقضى ~~سنوات تكوينه بين الصوفيين في الأندلس ومنطقة شمال أفريقيا الملاصقة لها ثقافيا، ~~قبل الانتقال إلى منطقة شرق البحر المتوسط في أواخر ثلاثينياته. # 14 # واستقبل هناك بجدل بين العلماء وبحفاوة بين الأمراء، ونظرا لوصوله إلى ~~سوريا بعد عقد من إعدام السهروردي، فقد كان أوفر حظا في صداقاته، وتوفي في دمشق ~~في سن كبيرة ناهزت الخامسة والسبعين. زعم ابن عربي - الشيخ الأعظم بين كل ~~الصوفيين أصحاب الرؤى - أنه يمتلك القدرة على استحضار أي روح من أرواح الأموات ~~أمامه في أي لحظة، وزعم أنه تحدث بانتظام إلى أرواح الأنبياء عيسى ومحمد وموسى. ~~وفي صدى واع لنزول الوحي بالقرآن على محمد، زعم ابن عربي أنه قد أوحي إليه بكتابه ~~الرائع «الفتوحات المكية» في أثناء طوافه بالكعبة في مكة المكرمة. # 15 # ظهرت هذه الجرأة في كل أفكاره، وكما سنرى لاحقا، فإن كتابته المطولة عن ~~نزول الوحي على محمد، ظهر صداها عندما ms095 زعم أن الولاية أعلى مكانة من النبوة، ~~ولبت هذه النظرية جيدا الحاجة إلى إعادة إنتاج سلطة دينية في عصر كان يرى ~~فيه أن النبوة انتهت للأبد. # 16 # ومن جانبه، رأى ابن عربي نفسه «خاتم الأولياء» الذي تحقق في كيانه ~~المحيطي إبداع الله اللانهائي تحققا كاملا. # بينما تمثلت أهمية السهروردي في التنظيم المنهجي لأفكار النور في الجيل السابق، فإن ~~أكبر إسهامات ابن عربي هي فكرة «الوجود». فبسبب تأثيره، اندرج الاهتمام الصوفي السابق ~~بالأخلاق العامة والتقوى النافلة والبحث عن معرفة معينة داخل رؤية أوسع للوجود ~~الكوني، كان محور الاهتمام فيها التحقيقات اللانهائية للكائن المبدع. لم يقدم ابن ~~عربي بالضرورة مفاهيم جديدة، ومثل غيره من الصوفيين قبله وبعده، كتب داخل الإطار ~~الخطابي للتقليد الإسلامي، وكانت المواد الخام لأعماله هي القرآن والحديث والمصطلحات ~~الخاصة التي وضعها أجيال الصوفيين الأوائل، وباستخدام هذه المصادر استكشف مضامين ~~«الحديث القدسي» الذي قال الله فيه: «كنت كنزا مخفيا فخلقت الخلق.» وباستخدام ~~المصطلح القرآني «برزخ» - الذي أخذه ابن عربي على الأقل بمعنى «حائل» أو «حاجز» - ~~كون فكرة أن الوجود البشري كان في حد ذاته هذا الحائل بين المادة والروح اللتين ~~كانتا المحورين البعيدين للخلق. # 17 # ومن ثم، كان الإنسان المكان القرآني المسمى «مجمع البحرين» الذي يمكن أن ~~تجتمع فيه كل مستويات الوجود، وكل أشكال المعرفة، وكل التجارب الممكنة، على نحو لم ~~يكن ممكنا حتى للملائكة (ولهذا السبب، أمر الله الملائكة بالسجود لآدم). # 18 # وبينما لا يمتلك كل البشر هذه الإمكانيات الرفيعة - التي تفرق العوام عن ~~الأولياء والأنبياء - فإن الأشخاص الذين يمتلكون تلك الإمكانيات هم سبب الخلق؛ ~~لأنهم وفقا لكلمات الحديث القدسي هم من اكتشفوا الكنز الإلهي من خلال إدراك كل ~~إمكانيات أسماء الله الحسنى التسعة والتسعين. واعتمادا على فكرة السهروردي المتمثلة ~~في عالم المثال الذي يلتقي فيه الصوفي مع عوالم الوجود الأخرى، تحدث ابن عربي على ~~نحو مطول في الفكرة القائلة: إنه من خلال القدرة الخلاقة للخيال وصل الله ~~والبشرية كل منهما للآخر. # 19 # ونظرا لأنه قيل عنه إنه كان ms096 يملأ دفترا في كل يوم من حياته الراشدة، وإن ~~كتاب «الفتوحات المكية» وحده يقع فيما يزيد عن 15 ألف صفحة، فإن حياته المهنية كانت ~~تعبيرا حقيقيا عن الإيمان بالقوة الخلاقة للخيال. وكانت فكرة «أن كل الوجود هو في ~~نهاية المطاف وجود الله» في صميم فكره؛ تلك الفكرة التي تجمع معا الاستقصاءات ~~المتعلقة بالوجود الإلهي، التي رأى أن التاريخ البشري بأكمله يشتمل عليها. أصبحت ~~هذه الرؤية ملخصة في مصطلح «وحدة الوجود»، على الرغم من أن ابن عربي نفسه لم ~~يستخدم هذا التعبير مطلقا، وهذا المفهوم نوع من الواحدية الكونية التي سيلخصها ~~كثير من الصوفيين الفارسيين لاحقا في عبارة: «الكل هو الله!» # وعلى الرغم من أن هذه الأفكار قد تبدو غامضة، فربما كان لها الكثير من الفوائد ~~الاجتماعية الملموسة؛ على سبيل المثال: اعتقد أن فكرة وحدة الوجود آلية تمكين ~~للتناغم بين الأديان مع المجموعات المختلفة التي صادفها المسلمون. وكثير من الشعراء ~~(بمن فيهم ابن عربي نفسه) قالوا إنه إذا كان الله موجودا في كل مكان، فإنه يمكن أن ~~يوجد في مكان عبادة الأصنام مثلما يوجد في المسجد. # 20 # بطبيعة الحال، كان الخطر الواضح لفكرة أن البشر مكونون مما مكون ~~منه الله هو هدمها للفرق بين الخالق والمخلوق، بالإضافة إلى هدم التهديد بالعقاب ~~الإلهي الذي يقوم عليه النظام الأخلاقي. وفي حين كان ابن عربي في نظر أتباعه «الشيخ ~~الأكبر»، كان في عيون منتقديه «الشيخ الأكفر». # 21 # على الرغم من ذلك، فقد انتشر فكر ابن عربي انتشارا واسعا على نحو مذهل؛ ~~من ناحية بسبب الزيادة التدريجية لتأثيره، ومن ناحية أخرى بسبب جهود مجموعة من ~~أتباعه المجتهدين، الذين ضموا صدر الدين القونوي (المتوفى عام 1274) في الأناضول، ~~وفخر الدين العراقي (المتوفى عام 1289) في الهند، ومحمود الشبستري (المتوفى عام ~~1340) في إيران، ومحمد وفا (المتوفى عام 1363) في مصر، وعبد الكريم الجيلي (المتوفى ~~عام 1408 أو 1428) في العراق، ومحمد بن سليمان الجزولي (المتوفى عام 1465) في ~~المغرب. # 22 # ومن ناحية الأفكار النظرية، إن لم يكن بالضرورة من ناحية التنظيم ~~الاجتماعي ms097 ووسائل التواصل، فإن الصوفية بعد القرن الرابع عشر كانت مدينة على نحو ~~هائل لعمق تفكير وإنتاجية ابن عربي، ابن الأندلس. # حدثت هجرة ابن عربي إلى منطقة شرق البحر المتوسط على خلفية سقوط مسقط رأسه مرسية ~~في يد مملكة قشتالة، ومن المناسب القول بأن العقود الأخيرة من حياته قضاها بأمان في ~~عاصمة صلاح الدين الأيوبي، قاهر الصليبيين العظيم. وكانت الحياة المبكرة للعظماء ~~الآخرين من منوعي الفكر الصوفي في هذه الفترة شاهدة على نحو مشابه على تراجع ~~القوة الإسلامية؛ ففي مقابل هروب ابن عربي إلى الشرق، هرب جلال الدين الرومي (المتوفى ~~عام 1273) في صباه إلى الغرب، بسبب التقدم المغولي باتجاه خراسان، ليعيش في أمان ~~قونية عاصمة السلاجقة في الأناضول. وإذا كان ابن عربي عادة ما يعتبر أعظم منظري ~~الصوفية، فإن الرومي يعتبر عادة أعظم شعرائها. # 23 # وبينما سنتطرق إلى الجوانب الأكثر أدبية في عمل الرومي، عندما نناقش ~~لاحقا موضوع إضفاء الطابع المحلي على الصوفية، فالمهم هنا هو الطريقة التي من ~~خلالها جعل الحب محوريا في نسخته من الطريقة الصوفية. صحيح أن الرومي لم يكن على ~~الإطلاق أول الصوفيين الذين طرحوا فكرة أهمية الحب بين البشر، بيد أننا لا نتعامل ~~مع سياق ثقافي كانت تعتبر فيه الأصالة والابتكار من الفضائل. هذا لا يعني أن الناس ~~كانوا غير قادرين على ابتكار أفكار جديدة، بل يعني أنهم كمشاركين في تقليد يتمتعون ~~بالوعي الذاتي قدموا أنفسهم في صورة من يستخلص الحقائق نفسها التي أدركها ~~الأنبياء والشيوخ الصوفيون السابقون. هذا ما حدث في حالة تصوف الحب الذي قدمه الرومي ~~الذي نشأ عن مناقشات قديمة عن الحب قدمها صوفيون؛ مثل أبي الحسن الديلمي (المتوفى ~~في القرن العاشر)، وأبي الفتوح أحمد الغزالي (المتوفى عام 1126). # 24 # يمكن تلخيص هذا التحول في الأفكار على أنه تحول للحب من صفة مكتسبة لا بد أن ~~يكنها السالك إلى الله، إلى صفة مطلقة لله نفسه، التي من خلال الانهماك فيها يصل ~~السالك إلى أبعد نقطة في الطريقة الصوفية. وعلى النقيض من السهروردي وابن عربي، ms098 لم يكن ~~الرومي منظرا، والسبب في شهرته يعود إلى حد كبير إلى إنتاجه الشعري مقارنة ~~بإنتاجه الفكري، على الرغم من أنه عندما استخدم أشكال الشعر السردي، كما سنرى ~~لاحقا، أصبح الشعر نفسه وسيلة لنقل تعاليمه. وبينما لا يعدو الرومي عن كونه واحدا من ~~عدد من الصوفيين الذين طرحوا، بداية من القرن الثاني عشر، فكرة الحب باعتباره ~~وسيلة وغاية للطريقة الصوفية، فإنه من خلال تكوين خلفائه طائفة صوفية أصبح الأكثر ~~تأثيرا بين متصوفي الحب هؤلاء. وحتى بعيدا عن التأثير المباشر لطائفته، فإن انتشار ~~نسخ وإنشاد مخطوطات قصيدته السردية الرائعة - التي سيطلق عليها لاحقا «القرآن ~~الفارسي» - جعل كثيرا من الصوفيين من الأناضول حتى الهند وآسيا الوسطى يعتبرون طريقة ~~الرومي في الحب الطريقة الأسمى (وإن كانت الأكثر غرابة) من بين الطرق العديدة ~~للوصول إلى الله. # ومع تنويع الصوفيين لأفكارهم في القرون التالية للقرن الثاني عشر، استمروا على نحو ~~واع في الاعتماد على التقليد القديم الذي اعتبروا أنفسهم ورثة له. كان الصوفيون ~~دءوبين للغاية في محاولات السير على الطريقة التي وضعتها الأجيال السابقة التي ~~عرفوها من خلال سلاسلهم وسيرهم، لدرجة أن صوفيي فترة العصور الوسطى كانوا غالبا ~~ما يدرسون معاجم خاصة تسرد المصطلحات الفنية المقدسة. # 25 # وكما سنرى لاحقا، فحتى عندما بدءوا الكتابة بلغات أخرى غير العربية - لغة ~~القرآن ولغة الصوفيين الأوائل في العراق - استخدموا المصطلحات العربية هذه بصفتها ~~كلمات مقترضة في اللغات التي تتنوع في نهاية الأمر من الفارسية والتركية إلى اللغة ~~الولوفية واللغة الملايوية. مرة أخرى، فإن هذا التوجه التقليدي لم يمنع حدوث ~~تطورات جديدة، ولا يظهر ذلك على نحو أكثر وضوحا إلا في جماعات «القلندريين» (وكلمة ~~«قلندر» تعني «الخارج عن الأعراف»)، التي تكونت تقريبا منذ القرن الثالث عشر على ~~صورة مجموعات من الصعاليك الصوفيين المتجولين. # 26 # وسواء من خلال التجول عرايا، أو تعاطي المخدرات والخمر علنا، أو تعذيب ~~الأجساد بالمسامير والجنازير، رفض القلندريون عمدا كل الأعراف الاجتماعية بطريقة ~~كانت مناقضة تماما للتيار الصوفي السائد الملتزم. وعلى الرغم من زعمهم أن الطريقة ms099 ~~الصوفية الحقيقية تكمن في التخلي عن كل شيء، بداية من الممتلكات والاحترام وحتى ~~العائلة والقانون، فقد استخدموا أيضا مصطلحي الفقر وإذلال الذات، اللذين قد أصبحا في ~~ذلك الوقت من المصطلحات الصوفية التقليدية، كي يزعموا أنهم الصوفيون الوحيدون الذين ~~ينفذون الأفكار النظرية عمليا. إذا كانت المجازات والمصطلحات نفسها تتوارث، ~~فمن الممكن أن تتغير على نحو كبير السبل التي تستخدم بها؛ فالتقليد عبارة عن ~~مصدر مرن. وأوضح مثال على ذلك هو تغير الطريقة الصوفية نفسها، التي أصبحت منذ ~~القرن الثاني عشر تشير إلى تكوينات اجتماعية لم تكن موجودة في السابق. في الفصل الأول، ~~شهدنا بالفعل حدوث تطورات مؤسسية معينة في خراسان ستجعل التقليد مصدرا أكثر ~~استقرارا وقابلية لإعادة الإنتاج. إلا أنه ما بين القرن الثاني عشر والقرن الرابع عشر ~~ستكتمل هذه العملية من خلال الدمج المفاهيمي والتنظيمي للطريقة في مجموعة من «الطرق ~~أو الطوائف» الصوفية. وإلى هذه المؤسسات الجديدة لا بد أن نلتفت الآن. ~~(3) إضفاء الطابع المؤسسي على الطريقة الصوفية # رأينا في الفصل الأول كيف قدم الصوفيون الأوائل منهجهم في صورة «طريقة»، وكيف ~~اكتسبت تلك الطريقة على مدار القرن الحادي عشر سمتا رسميا على نحو أكبر من خلال ~~وضع قواعد لها، وكيف اكتسبت طابعا مؤسسيا على نحو أكبر من خلال تأسيس الخانقاوات. ~~سوف نلتفت هنا إلى العملية التي من خلالها ترسخت وتوسعت هذه التطورات، لا سيما ~~التطورات التنظيمية والمفاهيمية ذات الصلة، التي واجه قادة الصوفيين من خلالها ~~العقبات الأساسية المتمثلة في إعادة الإنتاج عبر الزمان والمكان، مع الاحتفاظ في ~~الوقت نفسه بقدر من الاتساق؛ من خلال تكوين آليات لتوحيد الممارسة ~~والمعتقد. # 27 # رأينا بالفعل كيف أن تكوين إحساس بوجود «تقليد» قد شجع الصوفيين على ~~أن ينظروا إلى طريقتهم باعتبارها شيئا موروثا عن شيوخهم، الذين عاشوا في أزمنة سابقة ~~وفي أماكن أخرى. إلا أن إدراك وجود تقليد ليس مثل وجود آلية فعلية له؛ فمن الممكن ~~أن يعتقد المرء أنه ينقل تعاليم القدماء دون أن ينقلها في واقع الأمر. ما نشهد ~~ظهوره بين منتصف ms100 القرن الثاني عشر والقرن الخامس عشر هو آليات التقليد الأكثر ~~رسمية. # هذا لا يعني القول إن تلك الآليات لم تكن موجودة تماما بين الصوفيين الأوائل، ~~الذين كانوا غالبا مهتمين جدا بوسائل نقل المعرفة التي طورها حفظة القرآن ~~وجامعو الحديث. إلا أن وسائل نقل المعرفة تلك لم تكن آليات تقليد صوفية مميزة؛ ~~فبينما كانت السبل الرسمية للتعليم والانتساب والتنظيم، التي شهدنا ظهورها حول ~~نيسابور، مميزة إلى حد كبير (على الرغم من أنها لم تكن كذلك على نحو كامل)، فقد ~~كانت على الرغم من ذلك وسائل محددة نسبيا مختصة بشيوخ معينين في أماكن معينة؛ ~~فهي لم تكن قد تطورت بعد لمستوى آليات التقليد القادرة على إعادة إنتاج الطريقة ~~الموحدة والخاصة بأحد الصوفيين عبر الزمان والمكان. ومن أجل فعل ذلك سيحتاج الصوفيون ~~إلى تكوين شبكة توزيع جغرافي أكثر رسمية، ونظام توارث عابر للأجيال، بالإضافة إلى ~~آليات «وسم» مميزة على نحو أكبر قادرة على تمييز تقليد كل شيخ عن تقليد ~~الشيوخ الأخرى. وكان تكوين هذه الآليات هو السبب وراء ما يراه المؤرخون عادة تكوينا ~~ل «الطرق» أو «الطوائف» الصوفية، ذلك التكوين الذي كان إدراكه صعبا بسبب استخدام ~~الصوفيين أنفسهم مصطلح «الطريقة» للإشارة إلى كل من الطريقة الصوفية المصاغة على ~~نحو غير محكم في القرون الأولى، وإلى الطرق الصوفية المنظمة التي تعود للفترات ~~اللاحقة. # ونظرا لأن المؤرخين قد اختلفوا حول وقت ظهور تلك «الطرق» ذات الطابع الرسمي (وربما ~~حول ظهورها من الأساس)، فمن المفيد الانتباه إلى أننا نتناول في الأساس تكوين آليات ~~إعادة إنتاج التقليد، ووفقا لأغراضنا على الأقل، فإن تلك الآليات الثقافية هي التي ~~نشير إليها عند الحديث عن الطرق الصوفية؛ إذ على الرغم من أن بعض جوانب هذه الآليات ~~كانت تنظيمية ومؤسسية على النحو الذي يوحي به عادة مصطلح الطريقة الصوفية، فإنها ~~حازت على التمكين، وخضعت لتأثير عمليات التقليد غير الملموسة والأكثر تأثيرا في نهاية ~~المطاف على أنها آلية مفاهيمية ورمزية؛ ومن ثم، يجب ألا نتوقع أن تكون الطرق ~~الصوفية في تلك الفترة ms101 مؤلفة من منظمات معقدة ذات أعضاء رسميين وهرميات ~~إدارية فعالة. وبينما كانت تلك الطرق بكل تأكيد أفضل تنظيما في بعض المناطق عن ~~غيرها، فإن هذه الأنواع من التنظيمات الصوفية الأكثر تعقيدا كانت تنتمي في الغالب ~~للإمبراطوريات البيروقراطية في فترة أوائل العصر الحديث، التي سأتناولها في الفصل ~~الثالث. إن غياب هذا التعقيد لا يعني أننا لا نستطيع الحديث عن طرق صوفية على الإطلاق ~~في الفترة ما بين القرن الثاني عشر والقرن الخامس عشر، ولا يعني عدم حدوث تطورات ~~تنظيمية في هذه السنوات؛ بل يعني أن السبب في تماسك أعضاء تلك الطرق عبر الأجيال ~~والمسافات الفاصلة بينهم كان روابط ارتباط مفاهيمية بقدر ما كانت مادية. وفي فترة ~~العصور الوسطى، عملت تلك الطرق بالأساس كمجتمعات تنظيمية على المستوى المحلي، أو على ~~مستوى المنطقة التي كان للسلطة القانونية أو لسلطة الاتصال المباشر فيها فرصة نجاح ~~واقعية. وعندما احتاجوا إلى تقليل المسافات الكبيرة الفاصلة، سواء زمنيا أو مكانيا، ~~اضطروا إلى العمل إلى حد كبير كمجتمعات مفاهيمية كانت فيها التبعية قائمة على روابط ~~الذاكرة والخيال على نحو يفوق الروابط البيروقراطية والاتصال المباشر. # ونظرا للمدى المحدود للجوانب التنظيمية لآليات إعادة إنتاج وتوحيد التقليد، تلك التي ~~أطلقنا عليها طرقا، دعونا نتطرق إليها أولا. # 28 # شهدنا بالفعل تكوين رؤية رسمية جديدة للطريقة الصوفية في خراسان في أواخر ~~القرن العاشر وفي القرن الحادي عشر، والتي منها انتشر كثير من سماتها غربا بسبب إدارة ~~السلاطين السلاجقة والسلاطين الأيوبيين من ناحية، وبسبب حركة الأفراد الصوفيين من ~~ناحية أخرى. في واقع الأمر، في الفترة ما بين القرن الثاني عشر والقرن الخامس عشر، ~~كانت المساكن والأضرحة - التي جمعت منها الطرق الصوفية أتباعها في المدن والقرى - ~~وسيلة مؤسسية لنشر المذهب السني؛ إذ منحت الديمومة للسياسات الدينية للحكام ~~السلاجقة والأيوبيين والمماليك، الذين سعوا من الأناضول حتى مصر لتثبيت فتوحاتهم في ~~أراضي المسيحيين البيزنطيين والشيعة الفاطميين، من خلال رعاية مؤسسات دائمة وسنية ~~على نحو واضح، كان من بينها المساكن الصوفية. # 29 # ما بدأ في خراسان باعتباره تحالفا ms102 مؤقتا بين السلاجقة البدو الحديثي ~~العهد في السلطة، وبين طبقة صاعدة من علماء الصوفية؛ أصبح تحالفا دائما ومتكررا ~~بين الدين والدولة، سيصل في النهاية إلى منطقة تمتد من شواطئ البحر المتوسط حتى ~~غابات البنغال. وحتى مع انهيار الكيانات السياسية الواسعة النطاق مع ظهور السلطنات ~~الإقليمية والاضطرابات المتكررة الناجمة عن غزوات البدو، كون النسيج المفاهيمي ~~والتنظيمي للطرق الصوفية شبكة مميزة، ستسمح للرحالة أمثال ابن بطوطة الشمال ~~أفريقي (المتوفى عام 1368) بالعثور على رفقاء يشبهونهم في التفكير، ومساكن مرحبة ~~في بيئات مختلفة على نحو مذهل بين المغرب والهند. # 30 # ومن خلال الأدلة المعمارية المحدودة الباقية، يمكننا أن نعلم أنه بحلول ~~القرن الثاني عشر كانت بعض هذه المساكن تشيد بالفعل على طراز فخم، كما نرى في ~~التزيين الجصي الرائع الذي بقي على المسكن المهيب المسمى رباط علي بن كرماخ ~~(المتوفى تقريبا عام 1180)، والموجود بالقرب من مدينة ملتان في دولة باكستان ~~حاليا. # 31 # كانت عناصر هذه الصوفية القائمة على الطرق الأكثر رسمية متعددة، ولم يكن يعاد ~~بالضرورة إنتاجها كلها معا. كانت أهم تلك العناصر هي «العقدة» (أي رابطة الولاء) ~~بين الشيخ والمريد التي تعقد عن طريق القسم، وهي علاقة اكتسبت صفة رسمية في بعض ~~الحالات، من خلال وجود ميثاق «قواعد» يتعين على المريد طاعتها. وقد ارتبطت سلطة ~~الشيخ وقواعد المريد بإنشاء مجمعات سكنية معينة، أصبحت مع انتشارها في مناطق مختلفة ~~تعرف بأسماء متعددة هي «الخانقاوات»، و«الرباطات»، و«الزوايا»، و«التكايا». وبدأ ~~يظهر بين مريدي الشيوخ أو ساكني المساكن الصوفية في السابق إحساس بالهوية الجمعية، ~~دعمته قواعد الرفقة الاجتماعية أو «الصحبة» وطقس الانضمام «البيعة». وحاز كل ~~تطور من هذه التطورات بدوره على الإجازة من خلال ارتباطه بالتقليد، ذلك التقليد الذي ~~كان فيه الماضي المتذكر من خلال النصوص المكتوبة والروايات المتناقلة دعامة ~~للحاضر. ما نرى حدوثه هنا من خلال تأسيس الطرق في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، كان ~~إلى حد ما ترسيخا وتوسيعا ل «نموذج نيسابور» للطريقة الصوفية، الذي رأيناه في الفصل ~~الأول. وبوجه أكثر خصوصية، فإننا نشهد عملية ms103 «وسم» لنسخ متميزة من هذه الطريقة ~~الأكثر رسوخا، وإعادة إنتاجها من خلال «كيانات» تحمل أسماء مؤسسيها المزعومين، ~~وتوزيعها على «العملاء المناصرين». # انطوت عملية «الوسم» أو التمييز التخصيصي للطرق المميزة على مكونات عديدة؛ ~~فأصبحت القواعد أكثر تفصيلا وتعقيدا، مما أدى إلى تكوين نوع جديد من الكتب، وهو ~~«كتب آداب المريدين»، الذي لم يقتصر الهدف منه على ضمان التربية الصحيحة للملتحقين ~~بالطرق، بل عمد أيضا من خلال تقديمه في صورة دليل تربوي إلى توحيد هذه ~~التربية. # 32 # وتكونت ممارسات الطرق المختلفة عن طريقة اختيار وسائل معينة للذكر ~~(بعضها جهري، والبعض الآخر سري)، وأساليب محددة للمراقبة، وطقوس محددة للانضمام ~~إليها. ووضعت آليات جديدة لتمييز الهوية الجماعية للأعضاء من خلال تعديل المظهر ~~الخارجي، سواء من خلال ارتداء رداء ملون يعرف باسم «الخرقة»، أو حلق الرأس، أو ~~ارتداء أقراط، أو حمل أشياء مميزة. وهكذا، فإن غياب الوسائل غير الشخصية والرسمية ~~للتنظيم الجماعي عوضته مظاهر التعريف الشخصي وغير الرسمي، التي كان يقوم بها أعضاء ~~طريقة معينة. وفي مظاهر تعريف ذاتي مشابهة، أدرج المريدون أنفسهم في سلاسل البدء التي ~~امتدت من شيوخهم وحتى الأجيال الموصوفة في كتب الطبقات؛ ومن ثم إلى النبي محمد ~~نفسه. أما الحدود مع الطرق الصوفية الأخرى فلم يحددها المظهر الخارجي فحسب، بل ~~حددتها أيضا التوجهات المختلفة تجاه المال أو الموسيقى أو حتى تعاطي المخدرات. ~~وارتبطت الممتلكات المكتسبة من خلال الرعاية بطرق صوفية معينة، كونت أماكن إقامة أو ~~اجتماع لمريديها، وأصبحت في المدن الكبرى تشمل مساكن خاصة بالصوفيات. # 33 # وبدأ الشيوخ في تعيين «خلفاء» (أي نواب) لهم لزيادة نشر طريقتهم الخاصة. ~~ومع رأس المال الرمزي المتمثل في السلطة، ورأس المال المادي المتمثل في الممتلكات، ~~بدأت أنظمة التوارث في الظهور أيضا، وفيها نافس حق الميلاد الانتساب كوسيلة ~~مناسبة للإرث. # منحت هذه التطورات الصوفيين آليات التناسخ الأفقي والرأسي التي سمحت لهم ~~بالتوسع في مناطق جغرافية جديدة، وسمحت أيضا بالاستمرار بعد وفاة شيوخ معينين. ~~أما تكوين شبكات من النواب فقد مكن الطرق الصوفية من الانتشار في مناطق ms104 جديدة، في ~~حين سمح التعرف على ورثتها بالاستمرارية من جيل إلى آخر. ومن الناحية النظرية - ~~لكن ليس دائما من الناحية العملية - حقق أسلوب التعلم القائم على العلاقة بين ~~الشيخ والمريد وقراءة ما يعرف بكتب آداب المريدين، قدرا من التوحيد في المعتقدات ~~التي كان يعتنقها أعضاء الطريقة الواحدة، وكذلك الممارسات التي كانوا يمارسونها؛ ~~وذلك عبر المسافة الفاصلة بين الأجيال والمناطق الجغرافية. مرة أخرى، إن ما نشهده في ~~هذا الصدد هو التطور المستمر لتقليد يتسم بالوعي الذاتي، كان فيه اتباع الماضي ~~والجماعة معيارا أكثر أهمية من الابتكار والفردية. وحتى عند السعي وراء التجربة ~~التصوفية، كان السعي لها وفهمها يتمان داخل إطار ما فهم الصوفيون أنه يمثل ~~الممارسات والأطر المفاهيمية الراسخة منذ زمن طويل. لم يحقق أي من هذه التطورات ~~تأثيرا فوريا، ونظرا لكونها نشأت في أزمنة مختلفة بين طرق مختلفة، فلا يمكن تحديد ~~تاريخ محدد لظهور أي منها. ونظرا لكون الطرق الصوفية آليات للتقليد في الأساس، فقد ~~تطورت بالضرورة عبر الزمان؛ ومن ثم كان كل من ترسيخها وتوسعها عملية ~~متعددة الأجيال بطبيعتها، اعتمدت فيها الأجيال المختلفة بعضها على بعض في لعب أدوار ~~مميزة لكنها ضرورية، كمؤسسين ومحافظين وورثة وموزعين. وسيكون من السهل اعتبار ~~الرجال الذين سميت كبرى الطرق الصوفية على أسمائهم المؤسسين الحقيقيين لتلك ~~الطرق؛ ومن ثم تأريخ ظهورها وفقا لحياتهم الفعلية، وهؤلاء الرجال هم: أبو نجيب ~~السهروردي (المتوفى عام 1168)، وعبد القادر الجيلاني (المتوفى عام 1166)، وأحمد ~~بن الرفاعي (المتوفى عام 1182)، وأحمد يسوي (المتوفى نحو عام 1166)، ونجم الدين ~~الكبرى (المتوفى عام 1221)، ومعين الدين الجشتي (المتوفى عام 1236)، وأبو الحسن ~~الشاذلي (المتوفى عام 1258)، وجلال الدين الرومي (المتوفى عام 1273)، وبهاء الدين ~~نقشبند (المتوفى عام 1389). وفي حالة بعض هؤلاء الرجال، نمتلك أدلة على وجود أنواع ~~جديدة من الأنشطة التنظيمية، لكننا في العموم نرى رجالا حققوا من خلال الكتابة أو ~~الوعظ شهرة وتبعية في حياتهم ورثهما مريدوهم، وفي أغلب الأحيان عائلاتهم، وحافظوا ~~عليهما بعد وفاتهم. # 34 # فهم ليسوا مجرد مؤسسين لطرق دام بعد ذلك وجودها المستمر عبر الزمان، ms105 ~~بل من الأفضل رؤية هؤلاء «المؤسسين» باعتبارهم رجالا جمعوا المصادر - سواء الرعاة ~~والممتلكات أو التعاليم والجاذبية - التي يمكن توارثها واستخدامها من قبل خلفائهم ~~لتأسيس الطرق التي سميت على أسمائهم؛ ولذلك أصبحوا مؤسسين فقط عبر الزمن عندما ~~حدث الربط بينهم وبين ما تكون من إرثهم، وما بقي بعد وفاتهم على يد الأجيال اللاحقة ~~التي رأى أفرادها أنهم أتباع طريقة «الشيخ المؤسس». # 35 # على سبيل المثال: دعونا نلقي نظرة على إحدى أهم الطرق التي ظهرت في القرن الثاني ~~عشر من التربة الخصبة في بغداد. هذه الطريقة هي الطريقة السهروردية، التي سميت على ~~اسم أبي نجيب السهروردي (المتوفى عام 1168)، الذي يعد أحد الصوفيين المهمين ~~العديدين، الذين نشئوا في بلدة سهرورد الإيرانية. الأمر المدهش على نحو مباشر في هذا ~~الشيخ هو شبهه بالشيخ الغزالي الذي رأيناه في الفصل الأول يستفيد من رعاية السلاجقة ~~للمدارس؛ ليروج علنا لنموذج ملتزم من الصوفية مكث بأريحية في إطار الأعراف الفكرية ~~والمؤسسية لزمنه. # 36 # وعلى الرغم من أن الحياة العامة لأبي نجيب كانت أكثر تقلبا من حياة ~~الغزالي، فقد شغل منصبا مهما كان يدرس فيه الفقه في المدرسة النظامية الكبيرة في ~~بغداد، وبعد أن فقد منصبه بسبب خلاف سياسي استمر في تدريس دراسات الفقه والحديث في ~~مدرسة أسسها هو بالقرب من المسكن الصوفي خاصته في المدينة. كان أبو نجيب شخصية عامة ~~مشهورة في زمنه (فقد كان واعظا مشهورا ورفيقا للخلفاء أيضا)، وبالإضافة إلى كتاباته ~~عن الحديث، فقد اشتهر بسبب نسخته من نوعية كتب آداب المريدين الصوفية التي شهدنا ~~تكونها في الفصل الأول؛ ففي كتابه الذي حمل عنوان «كتاب آداب المريدين»، أظهرت ~~مقدمته لحياة الصوفيين اهتماما قليلا بالصوفية كمعتقد ما ورائي وتجربة تصوفية، ~~وركزت بدلا من ذلك على السلوك الخارجي أو الآداب المفترض أن يتبعها ~~المريدون. # 37 # وبالنسبة إليه، كان جمع حلقة من المريدين في الأساس وسيلة للتربية على ~~أعراف السلوك الإسلامي التقليدية، وهذا لا يشير إلى تاريخ التصوف قدر ما يشير إلى تاريخ ~~الأخلاق. وبينما سيعتبر المريدون المتأخرون أبا ms106 نجيب مؤسس الطريقة السهروردية، ~~فإن تلك الطريقة كانت حقا إلى حد كبير مشروع ورثته (لا سيما ابن أخيه أبو حفص ~~عمر السهروردي المتوفى عام 1234)، الذين استطاعوا الاستفادة من المصادر التي تركها ~~لهم أبو نجيب في صورة حلقة من المؤيدين المؤثرين، وكتاب للآداب، وسمعة ذائعة ~~الصيت بالتقوى. ونظرا لوراثة عمر السهروردي لجزء من الشهرة العامة من عمه، فقد ~~دخل مثله الأوساط السياسية، وأصبح كاتم أسرار مقربا جدا من الخليفة العباسي ~~الناصر (الذي حكم من عام 1180 إلى عام 1225)، ورسوله السياسي الرسمي، واستعان به في ~~تنفيذ مشروعه الخاصة بتربية شباب بغداد الجامح في تنظيمات «فتوة» كانت تشبه كثيرا ~~في طابعها الطرق الصوفية الناشئة نفسها. # 38 # عندما وجد عمر نفسه محاطا بحلقة كبيرة من الأتباع، ومدعوما بالمعجبين في ~~البلاط الملكي، كتب مثل عمه كتابا عن آداب المريدين، كانت فيه الواجبات ~~والمعتقدات الواجبة على المريدين مذكورة بقدر أكبر بكثير من التفصيل، مقارنة ~~بما كان عليه الحال في الآداب القديمة التي وضعها أبو سعيد والأنصاري منذ قرن ونصف ~~مضيا في خراسان. # 39 # وكان عمر، وليس عمه أبا نجيب، هو من وضع الأسس التنظيمية والمفاهيمية ~~للطريقة السهروردية؛ من خلال تأسيس شبكة من المساكن، والدفاع عن الصوفيين بصفتهم ~~الورثة الشرعيين الوحيدين للنبي محمد. # 40 # بالرغم من ذلك، كان التأسيس في بدايته فحسب، واحتاج إلى الجيل التالي من ~~الأتباع، لا سيما نجيب الدين برغش (المتوفى عام 1279)، وبهاء الدين زكريا (المتوفى ~~عام 1262)؛ لنشر الطريقة شرقا إلى إيران وشمال الهند. # 41 # وسيلعب كل جيل من الأجيال المتعاقبة دورا في ترسيخ المصادر الرمزية ~~والمادية للطريقة والمساهمة فيها، فيكبرون جاذبية مؤسسها، ويحشدون الرعاة من أجل ~~تأسيس مساكن جديدة. # عندما أدى استيلاء المغول على بغداد عام 1258 إلى إنهاء نظام الخلافة الإسلامية بعد ~~ستة قرون من ترسيخه، كانت شبكة المريدين المنتسبين لطريقة السهروردي تنتشر بالفعل ~~انتشارا واسعا، وعلى الرغم من أن عمر السهروردي لم يشر بنفسه إلى خلفائه بلقب ~~«خليفة»، فإنه في طريقته وغيرها من الطرق المشابهة، وفي غضون بضعة أجيال، سوف يطلق ms107 ~~نواب ورثته على أنفسهم هذا اللقب بالتأكيد. # 42 # وعلى الرغم من أنه لم يعد يوجد خليفة واحد في بغداد، فقد أصبح يوجد الآن ~~الكثير من هؤلاء الخلفاء في عدد متزايد من المدن، من المغرب إلى الهند، وانتساب هؤلاء ~~إلى «سلسلة» طرقهم قدمهم في صورة ناقلين جذابين يرتبطون مباشرة بالنبي محمد، ~~وقد كانت سلطتهم تظهر من خلال ارتداء أردية مميزة. # 43 # وعلى الرغم من أن سياق «المؤسس» كان مكونا مهما لأي طريقة، فإن ~~سياقات أجيال الورثة القليلة الأولى، التي أعادت إنتاج تراث المؤسس وشكلته ~~بفاعلية، كانت من ثم أكثر أهمية، في إشارة إلى السبيل الذي من خلاله ظهرت الطرق ~~المنتشرة في عدة مناطق، والممتدة لعدة أجيال مثل الطريقة السهروردية نتيجة للتفاعل ~~التنظيمي والمفاهيمي بين أزمنة وأمكنة مختلفة؛ على سبيل المثال: عند تأسيس أحد مريدي ~~عمر السهروردي، الذي يدعى بهاء الدين زكريا، الطريقة التي ينتمي إليها في مدينة ~~ملتان البعيدة، الواقعة في شمال الهند، جلب معه مكانة بغداد، التي كانت أكثر قوة، على ~~الرغم من بعد المسافة الجغرافية الشاسعة. ومن خلال أدوات طريقته، جلب معه أيضا ~~آليات الالتحاق والتربية من أجل إعادة إنتاج بركة وسلوك أشهر الأولياء في سلسلة ~~الطريقة. # إن النظر للطرق الصوفية باعتبارها نتاج عمل فرد عبقري، وليس نتاج عملية جماعية، ~~لا يقلل منها، بل هو إشارة إلى الطبيعة الجماعية للاستثمارات العاطفية والعملية ~~التي سمحت للطرق بالعمل بكفاءة شديدة في نشر الصوفية في مناطق جديدة. والسبب في ذلك ~~يرجع إلى أن عمليات الالتحاق والطقوس والتعاليم - التي يدخل من خلالها أي مريد ~~جديد إلى طريقة ويتماهى معها - كانت بطبيعتها قابلة للنقل وإعادة الإنتاج، مما سمح ~~لخلفاء الطرق بالانتقال إلى مناطق جديدة، وتأسيس ما يمكن أن نسميه «فروعا» جديدة ~~للطرق. في بعض الحالات، عندما كانت توجد أنماط اتصال منتظمة امتلكت تلك الشبكات ~~قدرا من التماسك التنظيمي الملموس، خاصة عبر طرق التجارة والحج، أو داخل المناطق ~~الجغرافية أو السياسية المحددة بدقة. إلا أنه في معظم الحالات كان مؤسسو وورثة ~~تلك الفروع هم شيوخ ms108 أنفسهم، وكانت الطريقة بالنسبة إليهم مصدرا لإعادة إنتاج أنفسهم ~~أكثر مما كانت تسلسل قيادة تنظيمية يخضعون لها. مرة أخرى، يلزم أن نتذكر أنه ~~في هذه الفترة قدمت الطرق آلية ثقافية مفاهيمية بالقدر نفسه الذي قدمت به هيكلا ~~تنظيميا ملموسا. ومن خلال وسائل مشابهة خاصة بتوافق الأجيال المتعددة، ظهرت ~~الطريقة القادرية المسماة نسبة إلى واعظ عام صوفي يدعى «عبد القادر الجيلاني» ~~(المتوفى عام 1166)، والذي كان من بغداد، التي كانت متخيلة قدر ما كانت حقيقية، ~~وانتشرت بعد قرن من نهاية الخلافة إلى سوريا ومصر واليمن، ثم انتشرت في القرون ~~اللاحقة في الهند وجنوب شرق آسيا وأفريقيا. # 44 # نظرا لأن «السلسلة» التي كان ينتسب إليها المريد الجديد عند التحاقه بالطريقة كان ~~يعتقد أنها تكون قناة ما ورائية تنقل بركة النبي محمد، سواء في أدغال الهند أو في ~~سهوب تركستان؛ فقد قدمت الطرق وسيلة للمريدين كي يعتبروا أنفسهم - على نحو ذي ~~مغزى - مرتبطين بتعاليم وبركة نبي عاش منذ قرون بين أشخاص غرباء أقاموا على بعد ~~آلاف من الأميال. وحتى في المناطق القريبة من المدن المقدسة في شبه الجزيرة العربية ~~مثل مصر وسوريا، جعلت الأمية الجماعية تحصيل المعرفة الدينية منشودا من خلال الأشخاص ~~وليس من الكتب، وقدمت الطرق الآليات التي من خلالها يستطيع الناس أن يقرروا أي ~~المسلمين هم الورثة الشرعيين للنبي محمد. وإذا كانت النظرية القائلة بظهور الطرق ~~الصوفية ردا على إنهاء المغول للخلافة عام 1258 تولي أهمية كبيرة لما كان بالفعل ~~مؤسسة خلافة غير فعالة منذ زمن، وبالنسبة إلى معظم المسلمين بعيدة للغاية، فإنه ~~في ظل غياب مؤسسة تضاهي الكنيسة في المسيحية منحت الطرق الصوفية المسلمين العاديين ~~المنضمين لها كلا من الإطار المفاهيمي والإطار المؤسسي، اللذين من خلالهما ربطوا ~~أنفسهم بمجتمع المؤمنين المعاصر، وبتقليد الأسلاف المباركين الماضي. # 45 # ومن خلال تجسيد جاذبية وتعاليم النبي محمد في الوجود المادي لشيخ حي ~~يمكن للمرء التحدث معه ومصافحة يده عند التعهد بالالتحاق بطريقة ما، ومن خلال ~~توفير أضرحة للزيارة كانت أقرب كثيرا من مكة، تمكن ممثلو ms109 الطرق الصوفية ~~المحليون من إلغاء المسافة الزمنية والمكانية والثقافية التي فصلت مسلمي فترة القرون ~~الوسطى عن زمن النبي محمد وموطنه البعيدين. إن ما كانت تنقله الطرق في نهاية المطاف ~~هو الإسلام نفسه، وهي عملية تصبح أكثر وضوحا عندما نضع في اعتبارنا أن أولى ~~متطلباتها كانت في الغالب هي الالتزام بالمعتقدات والممارسات الرسمية ~~للإيمان. # شكل 2-2: بناء الطرق الصوفية: صورة تعبدية لعبد القادر الجيلاني ~~(المتوفى عام 1166) (الصورة من مجموعة صور المؤلف). # من العناصر المذهلة في عملية نقل التقليد هذه الأسلوب الذي من خلاله نشرت الطرق ~~المعتقدات والممارسات التي نشأت في الأصل في «مراكز الإنتاج» الصوفية المبكرة في ~~العراق وخراسان، وأعادت إنتاجها في أماكن بعيدة مثل الهند وأفريقيا وتركستان وأرخبيل ~~الملايو. لم تكن هذه العملية سريعة على الإطلاق (إنها في الواقع مستمرة حتى يومنا ~~الحاضر)، ولم تكن كذلك عملية موحدة. ولكي نأخذ فكرة عن طريقة عملها، دعونا نلقي ~~نظرة على مثال انتشار الطريقة الجشتية في الهند. تكونت هذه الطريقة المسماة على ~~اسم بلدة جشت الخراسانية (الموجودة في أفغانستان حاليا)، التي نشأت فيها على نحو ~~فعال من التراث الذي تركه معين الدين الجشتي (المتوفى عام 1236)، الذي هاجر في ~~أعقاب غزوات الغوريين في تسعينيات القرن الثاني عشر إلى أجمير في منطقة راجستان ~~الواقعة غرب الهند. # 46 # وفي غضون قرن بعد وفاة معين الدين نشر ورثته في الأجيال القليلة ~~التالية طريقته على نطاق جغرافي هائل، متبعين توسع سلاطين دلهي ليكونوا فروعا ~~من طريقتهم في أماكن بعيدة ؛ مثل: راجستان والبنجاب ودلهي والبنغال وهضبة ~~الدكن. # 47 # هذا النسق من التوسع الحدودي جعل الجشتيين يتمركزون ليس فقط في ~~المناطق التجارية والإدارية في المدن الهندية، ولكن أيضا - بعد حصولهم على منح على ~~هيئة أراضي زراعية - في البيئة الزراعية المتزايدة في الغابات التي أزيلت. # 48 # وكان تأثير الجشتيين في هذه البيئات المتنوعة متنوعا بالتبعية؛ فبين ~~غير المسلمين من السكان القبليين وساكني الغابات في المناطق الزراعية، أثار تقديم ~~الجشتيين للمؤسسات الإسلامية - كجزء من حزمة جمعت بين الزراعة في الأراضي المملوكة ~~لهم ms110 والتجارة في موالد شيوخهم - عملية تحول إلى الإسلام؛ من خلال التكيف الثقافي ~~التدريجي للمزارعين مع الأعراف الإسلامية في المأكل والملبس والقانون والتسمية وكذلك ~~العبادة. # 49 # وعلى النقيض من ذلك، في أوساط النخب من التجار والإداريين المسلمين في ~~المدن، قدم لهم الجشتيون الإرشاد الأخلاقي باعتبارهم علماء في القرآن والحديث، علاوة ~~على ذلك، وكما سنرى في القسم القادم، فقد شجعوا الشعراء والبيروقراطيين في سلطنة دلهي ~~على كتابة تعاليمهم وتحويل المفاهيم الإسلامية إلى مصطلحات مفهومة محليا. # 50 # وقد خلدت أضرحة الشيوخ الجشتيين الراحلين، التي كانت تستمد ~~استمراريتها من الخانقاوات الخاصة بها، وجودهم المادي عبر الزمن، وجعلتهم قبلة ~~للزيارة. وبوضع تلك الأضرحة لأساس أشكال تعبدية جديدة من الإسلام، فإنها جعلت ~~الصوفيين في بعض النواحي أكثر أهمية في موتهم عنهم في حياتهم. ومع مرور الأجيال ~~تكونت هذه الممارسات التعبدية، ليس فقط حول أضرحة الصوفيين الجشتيين، بل أيضا ~~حول أضرحة الكثير من الطرق الأخرى في الهند. وأسفر ذلك عن تكوين نسخة محلية مميزة ~~من الإسلام كانت مدينة في وجودها إلى الطرق التي منحت الصوفيين - من خلال الحفاظ على ~~الأضرحة، وإقامة الموالد، وتخليد سير الأولياء - وجودا دائما في المشهد الاجتماعي، ~~حتى بعد موتهم. ولقد أثرت الطريقة الجشتية في البيئة الهندية وتأثرت بها أيضا، ~~وقدمت طريقتها باعتبارها نوعا مميزا من الصوفية جعلته السمات التي تميزه ~~مختلفا عن الطرق الأخرى التي دخلت الهند. وفي هذا الإطار، استخدموا الموسيقى، وكرهوا ~~تكوين علاقات مع السلطة، وأظهروا انفتاحا في التعامل مع الهندوس، مما جعل طريقتهم ~~جذابة لبعض المسلمين في الهند وغير جذابة للبعض الآخر. # 51 # وعلى الرغم من أن الطريقة الجشتية في القرن الثاني عشر كانت تتكون مما ~~لا يزيد عن تجمع من الرجال في قرية جشت الجبلية نفسها، فمن خلال تناسخها بين أجيال ~~خلفائها المهاجرين تمكنت في منتصف القرن الخامس عشر من إنشاء مراكز لها تقريبا ~~في كل المدن والبلدات الصغيرة الموجودة في شبه القارة الهندية. # تبدو صورتنا عن الطريقة الصوفية مختلفة كثيرا إذا التفتنا إلى حالة الطريقة ~~الخواجكانية النقشبندية في ms111 آسيا الوسطى. # 52 # وبينما ظهرت الطريقة الجشتية في الهند في فترة توسع الحكم الإسلامي، ~~فإن شيوخ الخواجكانية (الذين سيدمج تقليدهم لاحقا في الطريقة النقشبندية الأكثر ~~شهرة) ظهروا على النقيض من ذلك بعد وفاة الشخص «المؤسس» للطريقة؛ عبد الخالق ~~الغجدواني (المتوفى عام 1220)، في القرن الذي شهد حكم المغول الوثنيين لآسيا الصغرى ~~في الفترة ما بين عشرينيات القرن الثالث عشر وأوائل القرن الرابع عشر. وفي حين كان ~~الجشتيون يؤسسون مساكن رسمية بارزة اجتماعيا مدعومة من النخب المسلمة في البلدات ~~الهندية؛ فإنه نظرا لعمل الأعضاء الأوائل في الطريقة الخواجكانية في منطقة يحكمها ~~غير مسلمين، فقد كانوا يضمون على الأرجح «الفقراء المهذبين»، الذين تربوا على ~~مقت أصحاب الثروات والمناصب العليا واتباع ممارسة «الخلوة في الظاهر»؛ أي اعتزال ~~الناس إلى حد كبير. # 53 # سعت الخواجكانية إلى زيادة أتباعها من خلال النقد الشديد للجماعات الصوفية ~~الأخرى؛ فقدمت منافسيها في صورة المنحلين أخلاقيا، وقالت إن امتلاك الخانقاوات ~~يعد دليلا على الاهتمام بالأمور المادية. # 54 # وبطبيعة الحال، يجب أن ندرك أن ادعاءات الخواجكانية النقشبندية على ~~منافسيها كانت استخدامات استراتيجية خطابية وليست أوصافا حقيقية موضوعية، وقد بذل ~~المؤرخون محاولات مضنية لوضع تسلسل للأحداث من المصادر المشكك فيها على نحو ~~متبادل، الخاصة بهذه الفترة. على الرغم من ذلك، يبدو في العموم أنه مع تحسن الظروف ~~بعد تحول المغول إلى الإسلام، ووسط ازدهار وانهيار سلسلة مضطربة من الدول الإسلامية ~~القبلية، ظهرت طريقة أكثر تنظيما وتفاعلا اجتماعيا استحوذت تدريجيا على أتباع ~~الخواجكانية ومكانتها، واحتوتها بطريقة مماثلة لتلك التي احتوى بها الصوفيون في السابق ~~الكراميين في خراسان. # 55 # وتحت قيادة «المؤسس الثاني» للطريقة بهاء الدين نقشبند (المتوفى عام ~~1389)، وبصفة خاصة تحت قيادة ورثته في الأجيال القليلة التالية، غيرت الطريقة ~~الخواجكانية النقشبندية الجديدة هذه موقفها العقائدي جذريا، وأصبحت تسعى حثيثا إلى ~~تكوين علاقات مع القادة السياسيين، وتشجع على اكتساب الثروة، وأصبحت ترى هذا الأمر ~~علامة على فضل الله على أوليائه. # 56 # ومن خلال مجموعات علاقات مع حكام آسيا الوسطى الضعفاء، الذين كانت تقاليدهم ~~وشرعيتهم ms112 في ذلك الوقت أقل عمقا من تقاليد وشرعية شيوخ الطريقة الخواجكانية ~~النقشبندية الموجودة منذ أمد طويل؛ وصل فرع الطريقة الذي يقوده عبيد الله أحرار ~~(المتوفى عام 1490) إلى مكانة هائلة؛ حيث أصبح أكبر مالك للأراضي في آسيا الوسطى. وفي ~~إجراء عملي لصناعة التقليد خضع ضريح «المؤسس الثاني» بهاء الدين نقشبند للتجديد في ~~هذه الأثناء. # 57 # وفي الوقت نفسه، حافظت الطريقة على «أسلوبها» المميز؛ إذ اعتمدت على ~~نحو كبير على الشريعة، وانتقدت الاستخدام الديني للموسيقى، وروجت الأشكال الخاصة ~~بها من الذكر السري. # كانت الجشتية والنقشبندية الخواجكانية طريقتين صوفيتين مختلفتين؛ وقد تبنتا نتيجة ~~لذلك مناهج مختلفة جدا في التعامل مع المسائل الأساسية المتمثلة في الثروة ~~والتنظيم والممارسة والمعتقد. فتجنبت الأولى الحكام، وسعت إلى الله من خلال ~~الموسيقى، وتقبلت الهندوس؛ في حين كونت الأخرى علاقات مع الحكام، وأدانت ~~الموسيقى، وحثت بانتظام على الجهاد ضد الكفار. وفي الوقت نفسه، فقد اشتركت هاتان ~~الطريقتان في النسيج التنظيمي والمفاهيمي الأساسي، المتمثل في وجود سلسلة ذات ~~جاذبية كبيرة منحدرة من النبي محمد. في كلتا الحالتين، كانت تستخدم تلك السلسلة ~~لتكوين رابطة من «المريدين المتبعين لشيخ»؛ من خلال طقوس الالتحاق، والبيعة للممثل ~~الحي للنبي محمد، والأولياء الذين تدفقت بركتهم عبر مئات السنوات وآلاف الأميال من ~~خلال السلاسل الخاصة بهم لتصل إلى مريديهم، سواء في الهند أو في آسيا الوسطى. # فيما بين القرنين الثاني عشر والخامس عشر، اخترقت الطرق الصوفية مجتمعات بعيدة؛ مثل ~~إسبانيا وموريتانيا في الغرب، والبنغال وتركستان في الشرق، مع تركزها الشديد في ~~المناطق الوسطى التجارية الثرية في مصر وسوريا . # 58 # وفي المناطق الكثيرة التي ازدهرت فيها تلك الطرق، قادتها الظروف المحلية ~~إلى تبني طرق وأساليب متنوعة؛ مثل طرق وأساليب الخواجكانية النقشبندية والجشتية. إلا ~~أن كل طريقة تشاركت في السمات الأساسية نفسها التي وصفناها، المتمثلة في آليات ~~التناسخ والتوحيد التي مكنتها من الاستمرار والتوسع، مع الحفاظ على الاتساق ذي المعنى ~~الذي تعتز به باعتبارها تقليدا خاصا بها. وعلى الرغم من الاختلاف الشديد لتاريخ كل ~~طريقة، فمن الممكن القول ms113 إنه في الفترة ما بين القرن الثاني عشر والخامس عشر أدت ~~عملية تكوين الطرق المتعددة الأجيال إلى نسق عام من التنظيم الأكبر والأكثر مركزية ~~بحلول القرن الخامس عشر، يفوق ما كان موجودا في القرون الأربعة السابقة عليه. في الفصل ~~التالي، سوف نعاود الالتفات إلى الطرق الصوفية؛ لنرى كيف استجابت للتطور المتمثل في ~~المجتمعات الأكثر تنظيما ومركزية في ظل إمبراطوريات فترة أوائل العصر الحديث التي ~~غزت معظم العالم الإسلامي بعد القرن السادس عشر. أما الآن، فلا بد أن نلتفت إلى ~~ثاني أكبر عملية ميزت فترة العصور الوسطى بعد تنظيم الطرق، وهي عملية تبجيل الشيوخ ~~الصوفيين باعتبارهم أولياء. ~~(4) تقديس الأولياء # كان شائعا في السابق أن يناقش المؤرخون تطور الفكر الصوفي، والطرق والمساكن ~~الصوفية التي نما من خلالها، دون الإشارة إلى تحول الصوفيين البارزين إلى أولياء. في ~~الواقع، كانت هذه العملية تعتبر في وقت ما عملية منفصلة تماما تنتمي لفترة تدهور ~~لاحقة، تحول فيها «التصوف» إلى «دجل». # 59 # لكن نتيجة لأبحاث جديدة أجريت على مدار العقود القليلة المنصرمة، فإنه ~~من الواضح أن القول بالتدهور لا يناسب الحقائق كما تظهر حاليا. فكما رأينا في الفصل ~~الأول، ومن حيث النسيج العقائدي للفكر الصوفي، كانت فكرة كون صوفيين بعينهم «أولياء» ~~لله - وهي علاقة مقدرة سلفا على الأرجح، وتمنح بالتأكيد معرفة وقدرات خاصة - مثار ~~جدل منذ الفترة المبكرة، وفي بعض الأحيان كان يحتدم الجدل القائل بوجود خطر كبير ~~بالفعل في اكتساب هذه المكانة في هذه الفترة المبكرة. # 60 # وقد كتبت شخصية مثل الجنيد البغدادي الذي يتسم بالصحو والمحافظة عن ~~نظرية الولاية، وسيكون من الأفضل ملاحظة أن الجنيد، من بين كل الصوفيين الأوائل، كان ~~الشخصية الأكثر دمجا في سلاسل الأسلاف التي تكونت لاحقا على يد الطرق. # 61 # أما من ناحية النسيج المؤسسي للطرق، فقد كانت فكرة الولي محورية للطرق ~~باعتبارها كيانات مفاهيمية ومادية؛ من خلال تبجيل الشيوخ السابقين لسلاسلها، وتشييد ~~الأضرحة في وسط المساكن الصوفية. # على الرغم من أن نظرية الولاية كانت موجودة منذ زمن بعيد، فما أضحى ms114 جديدا بحلول ~~القرن الثاني عشر هو عملية تقديس متعددة الطبقات لم تتضمن فحسب نموذجا نظريا ~~للولاية، بل تضمنت أيضا مجموعة أدوات أكثر اكتمالا تمثلت في بناء الأضرحة، وكتابة ~~السير الذاتية، وزيارة أضرحتهم. فما كانت في السابق فكرة بين أوساط المثقفين ~~تحولت إلى أماكن وقصص وأفعال بين أوساط العوام؛ وهذه العملية هي ما نطلق عليها ~~«التقديس». # 62 # ونظرا لوجود الكثير من مؤسسات القديسين المسيحيين في الغرب الإسلامي، ~~واعتبار المسلمين لها أماكن للزيارة منذ فترة مبكرة، فمن الممكن أن يكون لهذه ~~الممارسات التقديسية وجود في الإسلام منذ فترة مبكرة جدا. # 63 # وأوضحت الأبحاث الجديدة التي تناولت التاريخ المبكر للإسلام أن تبجيل ~~الأضرحة وآثار الموتى والأشخاص الصالحين له تاريخ طويل لدى المسلمين أكثر مما كان ~~متخيلا في السابق. # 64 # إلا أنه حتى في حالة وجود تلك الممارسات القديمة، التي من خلالها أولى ~~المسلمون تبجيلا للأضرحة وذكرى القديسين المسيحيين ومؤسسي المجتمع الإسلامي، فما ~~يهمنا - فيما يخص أهدافنا - هو الطريقة التي أصبحت من خلالها هذه الممارسات بداية ~~من القرن الثاني عشر متعلقة على نحو متزايد بالصوفيين. وعند محاولة فهم كيفية ~~حدوث ذلك، نجد أنفسنا مرة أخرى في مواجهة دور الطرق الصوفية كآليات للتناسخ؛ فنظرا ~~لكونها سلاسل نسب ومؤسسات لجمع المال، فقد كانت قادرة على إعادة إنتاج شيوخ جدد في ~~كل جيل، وإمدادهم بساحات عامة يدفنون فيها عند وفاتهم. كان يوجد بطبيعة الحال مجموعات ~~عديدة من المقومات في هذه العملية، وتضمنت إحدى هذه المجموعات المقومات ~~المفاهيمية التي من خلالها كان ينتسب أحد الصوفيين إلى «سلسلة» روحانية، ويعتبر أحد ~~أولياء الله؛ وكانت مرتبة الولاية تتحقق إما من خلال الإنجازات الشخصية (الوعظ، ~~والصلاة، والكتابة) وإما ببساطة بالوراثة من خلال الانتساب لأسر تضم قادة الطرق. ~~وضمت مجموعة مقومات أخرى نشر شائعات متعلقة بالمعجزات التي كانت كثيرا ما تمنح ~~الدعم الرسمي، من خلال كتابة السير التي كان ينقل سردها إلى الوسط الشفهي من خلال ~~عمل المرشدين المحترفين، الذين كانوا يصطحبون الزائرين لزيارة عدد متزايد من ~~الأضرحة. # 65 # هناك مجموعة مقومات ms115 ثالثة تضمنت تكوين طقوس تمكن من خلالها الزائرون ~~من الحصول على «البركة» التي يعطيها الولي، تلك الطقوس التي قد تأخذ - اعتمادا على ~~مدى دمج ضريح معين في شبكات زيارة أوسع نطاقا - طابعا محليا أو عبر إقليمي. ~~وتضمنت مجموعة مقومات أخيرة الآليات المالية التي من خلالها جمع المال لتأسيس ~~الأضرحة التي كانت مركز نشاط التبجيل، والتي بحلول القرن الخامس عشر بدأت تنافس ~~الأضرحة المشيدة للمسئولين السياسيين والحكام. # نظرا لامتلاك الطرق الصوفية قدرا وافرا من المقومات الضرورية المتمثلة في ~~الجاذبية وإحياء الذكرى ورأس المال؛ فقد كانت مؤسسات بالغة الفاعلية في صناعة ~~الأولياء؛ فبعد الدليل المفصل المبكر الذي عرضناه على تجمع تلك المقومات لدى ~~أشخاص مثل أبي سعيد في خراسان القرن الحادي عشر، نجد أنه بعد توسع الطرق، على مدار ~~بضع مئات من السنين التالية، أعيد إنتاج النمط نفسه ليصل إلى مرحلة أدى فيها ~~تقديس الأولياء إلى تخصيص ضواح بأكملها لدفنهم فيها - مثل القرافة في مصر، وشاه زنده ~~في آسيا الوسطى، وخلد أباد في جنوب الهند - حيث تنافس الأثرياء على بناء أضرحتهم ~~بالقرب من أضرحة الأولياء. # 66 # وعلى الرغم من أنه في إسلام العصور الوسطى لم يكن كل ولي نال التبجيل ~~صوفيا، مثلما لم يكن كل صوفي وليا، فقد أصبحت أفكار ومؤسسات الصوفية متداخلة على ~~نحو معقد مع الممارسات المتعلقة بالأولياء التي أصبحت تلعب دورا محوريا في إسلام ~~المؤمن العادي. وكما هو الحال مع تكوين الطرق الصوفية، فقد كانت عملية التبجيل هذه ~~مشروعا متعدد الأجيال بطبيعة الحال، فاكتسبت الأضرحة المكانة ورأس المال على نحو ~~متزايد مع مرور القرون. # 67 # وعلى الرغم من فشل الكثير من عمليات تبجيل الأضرحة الأخرى أيضا، فإن ~~المعنى الأكثر عمومية لهذه العملية المتعددة الأجيال هو أن الأضرحة القديمة كانت تميل ~~لأن تكون أكثر شهرة وثراء من الأضرحة الأحدث. بعبارة أخرى: إن كثيرا من الأضرحة ~~التي ظهرت في فترة العصور الوسطى التي نتناولها سيطر على الأضرحة الأحدث في مناطق ~~نفوذها، منذ تلك الفترة وحتى يومنا الحاضر. # 68 # وعلى الرغم من ms116 أن الهيكل التنظيمي والمفاهيمي للطرق لعب دورا محوريا في انتشار ~~تبجيل الأولياء الصوفيين، فإنهما لم يكونا عاملي التمكين الأساسيين الوحيدين؛ فقد ~~حظي عاملان آخران بأهمية حيوية؛ وهما زيادة تفصيل المعتقد الذي كون أيديولوجية ~~قوية تقوم على الهرمية البشرية المحددة إلهيا، وتكوين التحالفات السياسية التي ~~منحت كبار الصوفيين المال من خلال علاقات الرعاية. أشهر المتحدثين عن هذا الإعلاء ~~لشأن أولياء الله كان الصوفي الأندلسي الكبير ابن عربي (المتوفى عام 1240)، الذي ~~نشرت كتاباته المطولة ونشر مريدوه المتنوعون أفكاره عبر شبه الجزيرة العربية، ~~وسوريا، والأناضول، وإيران، والهند، وجنوب شرق آسيا. وفيما يتعلق بأهدافنا الحالية، ~~فإن أهمية ابن عربي تكمن في ترويج أفكار تقول إن الولاية في نهاية المطاف أهم من ~~النبوة، وإن الكون يقوم على هرمية من الأولياء، وإنه يدين بسبب وجوده ووجوده المستمر ~~إلى وجود «قطب» يسمى «الإنسان الكامل». # 69 # لم يكن ابن عربي على الإطلاق الشخص الوحيد الذي روج مثل هذه الأفكار، ~~وعلى مدار القرن التالي روجت أفكاره عن الولاية والإنسان الكامل، وفصلت على يد ~~الكثير من الصوفيين الآخرين، لا سيما محمد وفا (المتوفى عام 1363) في مصر، وعبد الكريم الجيلي (المتوفى عام 1408 أو 1428) في العراق. وسرعان ما أصبح في كل بقعة في ~~العالم الإسلامي من ادعى أنه القطب الكوني الحي الذي يحفظ الكون، وبعضهم حظي باعتراف ~~الناس بأنهم كذلك، بينما لم يحظ بهذا البعض الآخر. أما الذين عدوا أقطابا في ~~حياتهم من قبل جهات متمتعة بالنفوذ، فقد صارت أضرحتهم في أغلب الأحيان مزارات ~~بعد وفاتهم. # إلى جانب عملية زيادة تفصيل المعتقد هذه، كانت توجد وتيرة متزايدة من التحالفات بين ~~الصوفيين وأعضاء النخبة الحاكمة، وهم الأشخاص الذين يمتلكون الموارد المالية اللازمة ~~لتوصيل أحد مدعي الولاية إلى المكانة والشهرة العريضة اللتين يتطلبهما التقديس. من ~~نواح كثيرة، كان هذا الأمر استمرارية لممارسة رعاية الصوفيين العلماء عن طريق ~~المدارس، ورعاية الصوفيين أصحاب الجاذبية عن طريق الخانقاوات التي انتهجها السلاجقة. ~~وعندما دخل المغول الإسلام أخيرا في ثلاثينيات القرن الرابع عشر، أدركوا أيضا ~~الفوائد المحتملة لتلك ms117 الرعاية. # 70 # وفي القرنين الرابع عشر والخامس عشر شيد في المناطق الشرقية من العالم ~~الإسلامي، في إيران وآسيا الوسطى تحت حكم المغول وخلفائهم القبليين، بعض من أكبر ~~الأضرحة الصوفية المزينة بالزخارف وأكثرها إثارة للدهشة على الإطلاق، والتي كانت في ~~بعض الأحيان مؤسسات الإقامة الوحيدة التي تتعامل معها الجماعات البدوية. # 71 # ويعد مجمع أضرحة الشيخ محمد بن بكران (المتوفى عام 1303، والمعروف ~~أيضا باسم بيربكران) - الذي اكتمل تشييده نحو عام 1312، ويقع على بعد عشرين ميلا ~~تقريبا من مدينة أصفهان الإيرانية - واحدا من أجمل المباني الباقية التي شيدت في ~~إطار رعاية المغول للصوفيين. # 72 # عندما أصبحت تلك العلاقات مع الجماعات الحاكمة أكثر شيوعا، وأصبحت مزاعم ~~الصوفية بالعلو الكوني أكثر مبالغة، بدأت أضرحة الأولياء الصوفيين تقتبس طراز ~~المقابر الملكية، بل في بعض الحالات بدأ الحكام يتركون مقابر أسلافهم كي يدفنوا ~~بالقرب من الأولياء. # 73 # وبعد أن كان الصوفيون جماعة من جماعات مسلمة كثيرة تزعم القيادة الدينية ~~قبل القرن الحادي عشر، أصبحوا فيما بين القرن الثاني عشر والخامس عشر المتحدثين باسم ~~الله على الأرض، وفي الوقت نفسه بطانة الملوك. # شكل 2-3: من البداوة إلى الإسلام: ضريح برعاية مغولية للشيخ محمد بن ~~بكران (المتوفى عام 1303) (تصوير: نايل جرين). # لا داعي لرؤية هذا التطور من منظور الندم أو التدهور؛ فتحول الصوفيين إلى أولياء ~~يبدو منطقيا جدا عندما ينظر إليه المؤرخ - إن لم يكن بالضرورة عالم الدين - في ~~ضوء السياق الاجتماعي الذي حدث فيه. ويصبح هذا الأمر أكثر وضوحا عندما ننظر إلى أنواع ~~المعتقدات والأفعال والعواطف التي جعلها تقديس الصوفيين ممكنة، ليس فقط بالنسبة إلى ~~النخب الحاكمة، بل أيضا إلى الأشخاص العاديين في وقتهم. دعونا نتطرق لعواقب هذه ~~الولاية بالترتيب، أولا من خلال رؤية كيف تأثرت حياة النخب ثم حياة العوام بعلاقتهم ~~مع الصوفيين كأولياء. كما رأينا في السابق، فمنذ عهد السلاجقة فصاعدا، دخل الصوفيون في ~~علاقات رعاية مع حكام زمانهم، اكتسبوا من خلالها الموارد المادية اللازمة لتشييد ~~مؤسسات مادية يعيشون فيها ويتربون. إلا أنه من المهم فهم ms118 جانبي تلك العلاقات، ~~وكي نرى ما حصل عليه السلاطين والنخب الأخرى في مقابل رعايتهم للصوفيين، يجب أن نلتفت ~~إلى النوع الخاص من الموارد الذي اعتقد أن كبار الصوفيين يمتلكونه في حياتهم ومماتهم. ~~ونظرا لأن دور الصوفيين لم يقتصر على كونهم أدوات لإعطاء الشرعية الدينية للحكام من ~~خلال العمل العام في مدارسهم أو قبول الهدايا في خانقاواتهم، فقد كان على القدر نفسه من ~~الأهمية المعتقد المتمثل في أن الصوفيين البارزين بصفتهم أولياء الله يمتلكون ~~قوة غامضة فعالة على نحو هائل تسمى «البركة»، والتي يستطيعون توجيهها لأي ~~اتجاه يختارونه من خلال قدرتهم على صنع الكرامات. # إذا كانت العلاقة بين الولي والسلطان علاقة أخذ وعطاء، لكنها مبادلة لموارد ~~غير متشابهة متمثلة في الأموال والأراضي في مقابل المعجزات والبركة. وبداية من ~~القرن الثاني عشر فصاعدا، بدأنا نسمع في كل أرجاء العالم الإسلامي تقريبا عن الكثير ~~والكثير من القصص، التي نرى فيها استخدام الأولياء الصوفيين بركتهم كوسيلة للتدخل ~~فيما يمكن اعتباره من الناحية العلمانية أمورا سياسية؛ فقد شفوا الملوك وأعضاء ~~حاشيتهم من أمراض خطيرة، وكانوا يقررون نتائج المعارك الحاسمة، وكانوا يعدون ~~ورثة الحكام الذين ليس لديهم أبناء بتولي الحكم، وكانوا يتسببون في انهيار أو ~~ازدهار المدن، وكانوا يجلبون الوباء أو الرخاء إلى الإقطاعيات الخاضعة للضرائب. وكما ~~هو متوقع، فإن أغنى مصادرنا عن هذه القصص هي سير الأولياء التي كتبها أتباعهم ~~(وفي كثير من الأحيان ذريتهم)، لكن لا يمكن القول إن هؤلاء الورثة الذين نشروا ~~القصص كانوا - ولو بقدر قليل - «متعهدين» (بلفظ بيتر براون الذي استخدمه لوصف تبجيل ~~القديسين في المسيحية) لأعمال أقاربهم وشيوخهم. ولقد رأينا بالفعل هذا التطور في سير ~~الأولياء التي كتبتها عائلة أبي إسحاق الكازروني (المتوفى عام 1035)، وقد كانت قصصا ~~ناجحة على نحو كان كافيا لجذب الحكام المحليين. نتيجة لذلك، سمى شرف الدين محمود ~~شاه حاكم جنوب إيران - الذي كان من بني إينجو (المتوفى عام 1336) - ابنه الأصغر ~~أبا إسحاق على اسم الولي أبي إسحاق الكازروني، وفي عام 1334 دفع الحكام الإينجويون ~~لبناء مدرسة ms119 بجوار قبر الكازروني. # 74 # ولم يكن هذا التعامل مع الملوك مثار خجل؛ فقد سجلت بكل فخر عائلة ~~أبي سعيد بن أبي الخير (المتوفى عام 1049) في خراسان الكثير من القصص التي تروي ~~التدخلات الخارقة لجدهم الولي في شئون الدولة. # 75 # والأكثر إثارة ربما هو أن هذه القصص لم تنتشر عن طريق سير الأولياء ~~التي كتبتها أسرهم، بل انتشرت عن طريق كتب التاريخ التي ألفت برعاية القصر الملكي ~~وليس المسكن الصوفي. وليس المقصود هنا الإشارة إلى وجود حد فاصل بين حاشية الملوك ~~والصوفيين؛ لأن الصورة الأكثر ثراء التي يكونها الباحثون عن التفاعل الاجتماعي في ~~عواصم فترة القرون الوسطى، المتمثلة في شيراز وهراة وقونية ودلهي، تشير إلى أنه لم ~~تكن توجد جبهة قوية من المشتغلين بالصوفية طوال الوقت، بل كانت توجد كيانات أكبر من ~~الأتباع الذين كانوا يتنقلون ما بين البلاط الملكي والخانقاه. # 76 # عندما نشر هذا العدد المتزايد من الأتباع المؤثرين تلك القصص المبالغ ~~فيها؛ بسبب القيل والقال والتوقعات، زادت مكانة الصوفيين والإيمان بقدراتهم؛ فإذا ~~كان معروفا عن أحد الأولياء قدرته على إلحاق الهزيمة بجيوش كاملة نيابة عن السلطان، ~~فإن المسلم العادي المنتمي لطبقة اجتماعية أقل من الممكن أن يكون واثقا، على نحو ~~معقول، بأن هذا الولي لديه القدرة على شفاء ابنته المريضة. وعلى الرغم من أن أدلتنا ~~معتمدة في الأساس على نصوص الكتاب المنتمين لمجموعات صغيرة نسبيا من النخب ~~الدينية أو السياسية، فإن محتويات تلك النصوص استمدت أيضا من نطاق أوسع من القصص ~~الشفهية، وأضافت إليها كي تصل إلى عدد أكبر من الناس. # 77 # شكل 2-4: تسلسل التقليد: «سلسلة» شيوخ إحدى الطرق الصوفية (تصوير: نايل ~~جرين). # إن نتائج هذا الاعتقاد بأن الصوفيين أولياء يصنعون المعجزات لم تقتصر على إنتاج ~~القصص؛ فعلى غرار عمر السهروردي في بغداد، وفي الكيانات القبلية الانقسامية في أقصى ~~الشرق، فإن انتساب العائلات الصوفية للأولياء جعلهم رجالا مباركين محصنين مناسبين ~~تماما للعمل كدبلوماسيين ووسطاء. # 78 # أما في الأماكن الأخرى، كما هو الحال مع الأسرة النعمتلاهية الإيرانية ~~المهاجرة في ms120 عاصمة السلاطين البهمنيين في جنوب الهند (الذين حكموا فيما بين عامي 1347 ~~و1527)، نجد أن الصوفيين كانوا يختارون الملوك رمزيا في طقوس التنصيب الملكية. وكان ~~السلاطين البهمنيون مرتبطين في الموت كما في الحياة بالأولياء التابعين لهم؛ إذ كانوا ~~يدفنون في أضرحة كبيرة متجاورة في ضواحي العاصمة بيدار. # 79 # وفي تلك السياقات، يمكن اعتبار قصص المعجزات مفيدة قدر إفادة نصوص ~~المديح؛ فهي بمنزلة مواثيق سردية توضح شتى أنواع العلاقات بين الصوفيين وحلفائهم من ~~الحكام وحاشيتهم؛ فهي تفسر، على سبيل المثال، لماذا تزوج سلالة حاكمة معينة ~~بناتها لأبناء ولي معين، ولماذا تبجل قبيلة معينة ضريحا معينا دائما. قدم ~~كثير من قصص المعجزات أجوبة لهذه الأسئلة، مانحا المصداقية والإجازة لتحالفات ~~معينة استمرت عبر فترة طويلة بين الأولياء ومناصريهم، بحيث يمكن أن يرث التحالف بين ~~أمير معين وصوفي معين ورثة الطرفين، حتى في حالة انتقالهم إلى مناطق جديدة؛ فبين ~~القرن الثاني عشر والقرن الخامس عشر قدمت الروابط التي تكونت في آسيا الوسطى بين ~~القبائل التركية القوية وأولياء الطريقة اليسوية إلى الأناضول، مع اتجاه أسلاف كل من ~~الأولياء ورجال القبائل نحو الغرب، إلا أن هذا التفسير لهذه الهجرة المزدوجة أصبح ~~مؤخرا محل شك. # 80 # وفي القرن الخامس عشر تكونت الروابط نفسها بين أولياء الطريقة النقشبندية ~~والحكام التيموريين في آسيا الوسطى، وكما سنرى في الفصل التالي فقد تكررت هذه ~~الروابط عبر المكان والزمان عندما غزا فرع من السلالة التيمورية (المعروف عادة باسم ~~المغول) الهند عام 1526، ودعوا الأولياء الذين حموا أسلافهم كي ينضموا إليهم ~~في أراضيهم الجديدة. # 81 # عززت قصص المعجزات، من خلال ارتباطها بهذه المجتمعات الأكبر حجما، الآليات ~~الأوسع نطاقا، التي من خلالها تمكنت الصوفية من تخليد نفسها عبر الزمن؛ نظرا لأن ~~تلك القصص الخاصة بالأولياء السابقين لا تحقق أهدافها في ظل غياب ورثة أحياء ~~لقوة الأولياء عبر أجيال المستقبل، أو عدم وجود موقع زيارة دائم يمكن من خلاله الحصول ~~على هذه القوة، أو جماعة أو أسرة باقية مرتبطة منتسبة لهؤلاء الأولياء. كل هؤلاء ~~الورثة كانوا ms121 مهتمين بضمان تذكر وتوارث تلك القصص. إلا أنه على الرغم من المزايا ~~المحتملة للروابط بين الصوفيين والسلاطين، فقد كانت تلك الروابط أيضا مدمرة في بعض ~~الأحيان؛ إذ إن القرب الشديد من إحدى الأسر الحاكمة جعل أسرة الولي على نحو حتمي ~~محل شك في عيون الأسرة الحاكمة التي تحل محلها. وتعامل الصوفيون على اختلافهم ~~بطرق مختلفة مع تلك المعضلة المتمثلة في الحاجة الحتمية إلى الرعاية المادية، ~~والمخاطر الكامنة في الارتباط الشديد بإحدى الأسر الحاكمة. وكما رأينا في حالة ~~الطريقة الجشتية والطريقة النقشبندية؛ فإنه في بعض الحالات اتخذت الطرق المختلفة ~~أساليب مميزة للتعامل مع المشكلة. أما بالنسبة إلى الطرق التي تأسست على كراهية ~~صحبة الملوك، فقد كان وجودهم المؤسسي يقتضي الحاجة إلى ميزانية تشغيلية أساسية على ~~الأقل. # 82 # ومن ثم فإن الجشتيين - الذين كانوا يتجنبون صحبة الملوك نظريا في ~~شمال الهند في فترة العصور الوسطى - وجدوا أنفسهم يضعون إرشادات أخلاقية معقدة ~~أملوا من خلالها (سدى على الأرجح) أن يتجنبوا انتهاك مبادئهم؛ فازدروا كسب القوت ~~لصالح نظام من العطايا، أو ما يسمى «الفتوح» التي يمكن قبولها حتى من الملوك، ~~شريطة عدم طلبها، وشريطة توجيهها إلى الأنشطة الجماعية للخانقاه. # 83 # مع ذلك، وعلى الرغم من اهتمام الجشتيين الكبير بتجنب ذكر الملوك في ~~كتاباتهم العامة، فإننا نعرف من سجلاتهم الخاصة أنهم لم يتجنبوا على الإطلاق تلقي ~~العطايا الملكية التي سمحت لمؤسساتهم بالعمل. # 84 # على الرغم من ذلك، لم يكن الملوك المصدر الوحيد للدعم المادي لتوسيع المؤسسات ~~الصوفية في هذه الفترة؛ إذ توجد أدلة كافية على زيادة ثراء بعض الخانقاوات على الأقل ~~من خلال رعاية التجار لها، وإن كانت هذه العملية ما زالت غير مفهومة على نحو كبير. ~~ففي حالة ضريح أبي إسحاق الكازروني الذي يقع على أحد أهم طرق التجارة في إيران في فترة ~~العصور الوسطى، نعلم أن التجار القادمين من مناطق بعيدة مثل الهند والصين، أقاموا في ~~الخانقاه أثناء مرورهم في المنطقة. ووفقا لابن بطوطة الرحالة ابن شمال أفريقيا، في ~~منتصف القرن الرابع عشر ms122 كانت قواعد المسكن الصوفي تلزم هؤلاء التجار بالبقاء لمدة ~~ثلاثة أيام على الأقل، وفي هذه الأثناء، كانوا يطعمون يخنة تسمى «كيشكيك» مصنوعة ~~من اللحم والقمح ونكهات دهن الضأن الغنية. وعندما منح التجار نوعا من الضمان ~~الماورائي للمرور الآمن لبضاعتهم، تعهدوا بتقديم مبالغ مالية للولي، والتي كانوا ~~يرسلونها عند عودتهم لموطنهم بأمان إلى كازرون مع التاجر التالي المسافر إلى ~~هناك. # 85 # وفي المناطق الأكثر جفافا حول مدينة يزد التجارية المركزية الإيرانية بعد ~~ذلك بقرن، كان معروفا بالمثل عن خانقاوات الطريقة النعمتلاهية استضافتها للتجار من ~~بلاد بعيدة، مثل شبه الجزيرة العربية وآسيا الوسطى. وتعويضا عن حقيقة أن الولي ~~المؤسس للطريقة كان مدفونا في مدينة ماهان البعيدة وليس في إحدى الخانقاوات الموجودة ~~في سهل يزد، فقد حاول النعمتلاهيون جذب هؤلاء التجار من خلال تأسيس حدائق مريحة ~~في الخانقاوات للاحتماء من شمس الصحراء، وشيدوا أيضا ضريحا آخر للولي نفسه، الذي ~~كان يمنحهم بركات بالوكالة. # 86 # وعلى الرغم من أن تلك الأساليب المستخدمة في جذب التجار كانت منتشرة على ~~الأرجح، فإنه يبدو أن المصادر المكتوبة تحدثت أكثر عن رعاية الحكام مقارنة برعاية ~~التجار. مرة أخرى، يجب عدم الحكم على المسألة حكما أخلاقيا؛ فلا توجد مؤسسة دينية ~~يمكنها الاستمرار طويلا دون مصدر منتظم للدعم المالي، وفي الفترة التي نتناولها كانت ~~الثروة مركزة في فئات قليلة في المجتمع. بالطبع، كان يوجد صوفيون تجنبوا أي ~~اتصال مع جماعات النخب، وكانت قبورهم في الأساس ملجأ للفقراء من الحضر والريف، إلا ~~أن هؤلاء الصوفيين المحدودين كانوا يفتقرون القدرة على القراءة والكتابة اللازمة ~~لكتابة النصوص، وكذلك المال اللازم لتشييد الأضرحة؛ ومن ثم كان من النادر أن يظهر ~~هؤلاء الأولياء المناصرون للفقراء في صفحات التاريخ، إلا إذا جذب أحدهم مجموعة ~~جديدة من الأتباع. وحتى عند معرفتنا بأفراد من الصوفيين في هذه الفترة سطروا أنفسهم ~~في التاريخ من خلال جهودهم الأدبية - سواء شهاب الدين السهروردي (المتوفى عام 1191)، ~~أو ابن عربي (المتوفى عام 1240)، أو علاء الدولة السمناني (المتوفى عام 1336) - فإن ~~هذا كان في الغالب ms123 نتيجة لقبولهم رعاية وحماية الحكام. # 87 # وحتى إن لم تكن هذه المساعدة منشودة أو مقبولة، فقد كان من النادر أن ~~يتجرأ أحد الصوفيين على تحدي حكام زمانه على نحو علني. ومن الحالات النادرة في ~~هذا الشأن عين القضاة (المتوفى عام 1131) من بلدة همدان بغرب إيران، الذي كتب من ~~محبسه - إثر اتهامه بالهرطقة - كتاب «شكوى الغريب»، ودافع فيه عن تعاليمه. # 88 # ولو كان تحدي الحكام إحدى طرق تخليد الذكرى، فإن قليلا من الصوفيين قد ~~اختاروا سلوك هذا الطريق. # إذا كان التمرد أكثر ندرة من التحالف مع الطبقات الحاكمة، فقد كان يوجد مجال كبير ~~لطريق وسط وهو المنافسة. # 89 # فعلى الرغم من عدم وضوح الأصول الدقيقة لممارسة المنافسة، فإنه بداية من ~~القرن الخامس عشر في المنطقة التي تمتد ما بين الأناضول والهند، نجد الكثير والكثير ~~من الأولياء يوصفون بمصطلحات تخص الملوك؛ فقد أطلق عليهم «شاهات» (أي أباطرة)، ~~وأطلق على أضرحتهم «دارجا» (أي البلاط الملكي)، واعتبرت عمائمهم «تيجانا»، وهذه ~~أوصاف من المحتمل أن تكون قد نشأت بين أتباع «شاه» نعمة الله ولي (المتوفى عام 1431) ~~في شرق إيران. ومع اكتساب مجتمعات الأضرحة الكبرى في فترة العصور الوسطى مزيدا من ~~المكانة، مع مرور الأجيال، أصبحت سلالات الأولياء في كثير من المناطق طبقة «صاحبة ~~نفوذ» أكثر ديمومة وأطول عمرا من سلالات الملوك الأقصر أجلا. وفي الفصل القادم، سوف ~~نرى كيف أنه بعد القرن السادس عشر ظهر هذا الصراع على المكانة في عدة اتجاهات مختلفة، ~~بدءا من إطاحة الصوفيين بالسلاطين حتى يتقلدوا الحكم، وحتى أنواع جديدة من الدول في ~~أوائل العصر الحديث الساعية إلى سيطرة أكثر صرامة للصوفيين على أراضيهم. أما في فترة ~~العصور الوسطى التي نتناولها الآن، فقد كانت الصورة الكلية تمثل صعودا كبيرا ~~للصوفيين، باعتبارهم أولياء يكتسبون من خلاله النفوذ والثروة في بعض الحالات على نحو ~~جعل وصف أتباعهم لهم بالشاهات ليس مبالغة من باب التقوى على الإطلاق. # وراء نظرية ومصطلحات الولاية المعروفتين عبر المناطق الشاسعة، يبدو من المحتمل وجود ~~اختلافات جوهرية في طريقة تصرف ms124 الأولياء وذرياتهم ومؤسساتهم في الشرق التركي الفارسي ~~وفي الغرب التركي العربي، خاصة مع بلوغ الأولياء أوج تأثيرهم الاجتماعي والاقتصادي في ~~مناطق الشرق التركي الفارسي، إلا أنه حتى الآن لم يؤلف عمل مقارن حقيقي بين عملية ~~تقديس الأولياء في الشرق والغرب الإسلاميين. وإلى حد ما على الأقل، يعزى جزء من ~~تفسير هذا الاختلاف إلى التأثير الأكبر على مجتمعات الشرق الإسلامي من قبل الجماعات ~~القبلية والبدوية التي كانت تولي أهمية بالغة للأولياء الصوفيين. وظهر ذلك على نحو ~~بالغ الوضوح في تحول قبائل بأكملها إلى الإسلام نتيجة تحالف شيخ القبيلة مع أحد ~~الصوفيين. في هذا الصدد، لا بد أن نضع في اعتبارنا أنه باستثناء شمال أفريقيا فقد ~~كان العالم الإسلامي من الأناضول إلى الهند في معظم فترة العصور الوسطى تحكمه ~~الجماعات القبلية التركية والمغولية. وفي كثير من الحالات، يكون ما نتناوله في حديثنا ~~عن العلاقات بين الولي والقبيلة قصصا عن الولي قدر ما هي أفعال قام بها، وهي روايات ~~سردية من النوع الذي رأيناه بالفعل يؤثر على نحو هائل على التوجهات الشعبية تجاه ~~أضرحة وعائلات الأولياء. أما ما يحظى بأهمية خاصة هنا، فهو روايات التحول إلى الإسلام، ~~التي عن طريقها كون نطاق كامل من الجماعات القبلية عبر آسيا الوسطى وإيران والهند ~~هويتهم العرقية، على أساس قصص تحول أسلافهم المؤسسين إلى الإسلام على يد ~~أحد الصوفيين. # 90 # وحتى في البيئات الزراعية في مناطق مثل مصر، كان القرويون الذين عاشوا حول ~~أضرحة الأولياء الصوفيين يعتبرون هؤلاء الأولياء أسلافا مؤسسين لقراهم. # 91 # وبالانتقال من قصص الأولياء إلى أعمالهم، فإن الأدلة الموجودة تشير إلى أن هذه ~~التفاعلات بين الأولياء والقبليين كانت بعيدة كل البعد عن «الروحانية» الصرفة، وفي ~~أحيان كثيرة، كانت تتضمن تفاعلات مادية متمثلة في الزواج والجنس والتوالد، فنجد أن ~~كثيرا من الجماعات القبلية تسرد أصولها العرقية على أساس اعتمادها على ذرية أحد ~~أكابر القبيلة وابنة أحد الأولياء الصوفيين، أو ولي صوفي وابنة أحد أكابر القبيلة، ~~هذا على الرغم من أن هذه العملية ليست مفهومة على ms125 نحو كامل، ليس فقط لأن القبائل لا ~~تنتج وثائق مكتوبة إلا بعد استقرارها وتعرضها لتأثيرات حضرية، ورعايتها لآخرين كي ~~يكتبوا تاريخها نيابة عنها؛ لذلك، يعتبر الفرع التيموري من قبيلة جهار أيماق - ~~الموجودة في غرب أفغانستان حاليا - أنفسهم من سليل زواج سيد أمير كلال النقشبندي ~~(المتوفى عام 1370 تقريبا) وابنة الغازي القبلي العظيم تيمور (المتوفى عام ~~1405)، ويدعم هذا التقليد في هذا الصدد ظهوره في السيرة الفارسية المكتوبة في فترة ~~العصور الوسطى «مقامات أمير كلال». # 92 # وبين قبائل المغول التابعة للقبيلة الذهبية فيما يعرف حاليا بجنوب ~~روسيا وكازاخستان، كان يوجد على نحو مماثل صوفي مغمور ينتمي للقرن الرابع عشر يعرف ~~باسم بابا توكلاس، والذي اعتبر السبب في دخول القبيلة الذهبية في الإسلام، بل ~~اعتبر أيضا مؤسسها. # 93 # إن ما نتناوله في أي من الحالتين السابقتين ليس تصوف ماورائيات ~~معقدة مجردا، بل صوفية زواج وتناسل وبناء مجتمعات، تنتقل فيه «البركة» وحماية الجد ~~الولي من خلال الوسائل المادية، وكذلك عن طريق الميلاد والقرابة. بهذه السبل، حصل ~~الصوفيون على التقديس من خلال دمجهم في أساطير التكوين العرقي وهياكل الحياة القبلية، ~~وأصبحوا أولياء من خلال إحياء ذكرى وتبجيل القبليين الذين اعتبروا أنفسهم منحدرين من ~~نسلهم. ويجب ألا نتخيل بالضرورة أن هؤلاء الصوفيين كانوا تلك الشخصيات المهتمة ~~بالعلم التي رأيناها في مدارس الغرب الإسلامي، بل إننا في كثير من الحالات نتعامل في ~~هذا الصدد مع شخصيات ذات جاذبية أكثر جموحا، من المحتمل أكثر رؤيتها ترتدي جلود ~~وقرون الحيوانات بدلا من عباءة وعمامة العلماء. وقد قيل كثيرا إن هؤلاء الصوفيين ~~كانوا أقرب إلى شامانية السهوب التقليدية من إسلام المدن، وإن «إسلامهم الشاماني» ~~ساعد في جعل التحول إلى الإسلام مستساغا لدى أتباعهم القبليين. # 94 # إلا أنه على الرغم من أن هذه النظرية تتمتع بالقبول بكل تأكيد، فإن الفحص ~~الدقيق لأنواع الصوفيين المرتبطين بالقبائل أظهر أن كثيرا منهم كانوا في واقع الأمر ~~منتسبين رسميين لطرق صوفية، مما يشير إلى أن إسلامهم كان أكبر من التنكر الظاهري في ~~مظهر الشامانات. # 95 ms126 # لم تكن كل سمات عملية التقديس محصورة داخل النطاق التركي المغولي فحسب؛ فقد ربط ~~انتشار الإسلام في عالم الملايو في القرنين الرابع عشر والخامس عشر بتحول حكام ~~الملايو المحليين إلى الإسلام، على يد الصوفيين البحارة القادمين من شبه الجزيرة ~~العربية والعراق. بالرغم من ذلك، يقال إن الروايات متأخرة كثيرا عن الأحداث؛ ولذلك ~~فإنه من المحتمل مرة أخرى أننا نتعامل مع الأولياء كفاعلين على الجانب السردي وليس ~~الفعلي. # 96 # وحتى بين الكيانات السياسية الأكثر استقرارا في الغرب الإسلامي، نجد أن ~~فكرة انتقال البركة عن طريق القرابة تجد طريقها في النهاية إلى الهيكل الاجتماعي ~~لملاك الأراضي الزراعية على طول حافة الصحراء الكبرى؛ لأنه بالنسبة إليهم أدت ~~الأنساب المباركة هذه إلى تعزيز الحاجز العرقي بين العرب ملاك الأرض وبين العبيد ~~الأفارقة. # 97 # وإذا كانت جاذبية الأولياء تعتبر في أغلب الأحيان موردا غير ملموس ~~ورمزيا، فإنه من خلال ربط البركة بالقرابة في كثير من هذه البيئات من آسيا الوسطى إلى ~~أفريقيا، أصبحت البركة من الأصول المادية القابلة لإعادة الإنتاج. # وإذا ابتعدنا عن النخب ونظرنا إلى العوام، فسنجد أن الأثر الأكبر لتبجيل الصوفيين ~~تمثل في وضعه أسس إسلام تعبدي وفر فيها تبجيل الأولياء - الذي عد أكثر ~~سهولة من تبجيل إله بعيد - وسيلة للتعبير الديني الشعبي. وكما هو الحال مع المظاهر ~~الأخرى للثقافة الشعبية في فترة العصور الوسطى، فإن مصادرنا مقتصرة إلى حد كبير ~~على الملاحظات المدونة عن الممارسات الشعبية التي كتبها المتعلمون، سواء المنتقدون ~~المزدرون للعوام، مثل عالم الفقه الصوفي ابن تيمية (المتوفى عام 1328)، أو كتاب ~~السير الصوفية المهتمون بخصائص السكان المحليين. # 98 # على الرغم من ذلك، فإن حقيقة أن وجود الأولياء كان جزءا من دين الشعب ~~قدر ما كان جزءا من دين النخبة؛ تعني أننا يجب ألا نتخيل وجود أي تناقض صارخ ~~بين إسلام «العوام» وإسلام «النخب»، كان فيه تبجيل الأولياء مقتصرا فقط على ~~العوام. # 99 # فإن ما رأيناه عن تكون المعتقدات والمؤسسات المتعلقة بالأولياء بين ~~العلماء والسلاطين يشير إلى أن تبجيل الأولياء ظهر ms127 في قمة الهرم الاجتماعي، وانتقل ~~إلى ما دون ذلك. على الرغم من ذلك، فإن آليات إعادة الإنتاج الخاصة بالطرق الصوفية ~~أدت إلى الانتشار التدريجي لشبكة هائلة من الأضرحة المشيدة لتبجيل الممثلين ~~المحليين لمختلف الطرق الصوفية. وسمح تشييد هذه الأضرحة بالتواصل مع الله من خلال ~~التفاعل مع أماكن مادية، وليس فقط من خلال النص القرآني أو حتى الأشخاص المقدسين أو ~~الأماكن المقدسة؛ فلقد خلق إسلاما حلوليا وملموسا في بيئاته المحلية. وإن تبجيل ~~الأولياء الصوفيين قد سمح باستخدام مجموعة كاملة من الأشياء المادية باعتبارها وسائل ~~وأدوات للإسلام، بداية من أجزاء من كسوة ضريح، والتراب المكنوس من المقابر، إلى ~~التذكارات المجلوبة من زيارات الأضرحة؛ مثل ماء الورد، أو الزهور، أو حتى ريش الطاووس ~~الذي كان يعتقد أنه يحمل البركة من خلال احتكاكه بالضريح. ومن خلال هذا التوسيع ~~لنطاق طرق التعبير عن الإسلام والتفاعل معه، زادت مشاركة الجماعات الاجتماعية الأقل ~~اطلاعا نسبيا على القرآن الكريم، لا سيما النساء. # لم تكن النساء وحدهن اللاتي تعرفن على الإسلام بهذه السبل، فعلى الرغم من أنه ~~لطالما سادت حالة من الجدل حول ما إذا كان الإسلام دينا حضريا في الأساس، فإن ~~ممارسة منح الأراضي الزراعية للصوفيين من المغرب وحتى فلسطين وآسيا الوسطى والهند، ~~في فترة العصور الوسطى، جعلت أول تواصل لكثير من الريفيين مع المؤسسات الإسلامية ~~يحدث من خلال القنوات الصوفية؛ # 100 # ففي الريف وليس دائما في المدن، كان الإسلام فعليا هو الصوفية، وكانت ~~الصوفية بدورها إسلاما يتم التواصل فيه مع الله من خلال وساطة الأولياء المحليين ~~الممثلين لله. وفي هذه السياقات، اتخذ تبجيل الأولياء أشكالا محلية مميزة من خلال ~~دمج المفاهيم الإسلامية العامة مع المصطلحات اللغوية والطقوس المحلية إلى حد كبير. ~~وعلى الرغم من أن التعبير عن هذا التبجيل للأولياء كان يتم بالتأكيد من خلال اللغات ~~المحلية، فلم يبق من هذا الأدب الشعبي إلا القليل، أو لم يبق منه شيء مطلقا قبل ~~القرن الخامس عشر. إلا أنه من خلال ما نعرفه يبدو أن الأولياء كانوا مصورين بطرق ms128 ~~مناسبة بدقة للأعراف السائدة لمناصريهم؛ ففي جنوب الهند - على سبيل المثال - نجد ~~المحليين يعبرون عن تبجيلهم للأولياء من خلال التهويدات المحلية الريفية، وأغاني ~~العمل المبهجة الخاصة بطحن القمح. # 101 # في حالات أخرى، أدى القرب الشديد بين المسلمين والمسيحيين والهندوس إلى تطوير أشكال ~~«توفيقية» للطقوس والكلام، مكنت غير المسلمين من المشاركة في تبجيل الأولياء دون ~~الدخول رسميا في الإسلام. # 102 # فعندما انتقلت الأناضول من حكم البيزنطيين إلى حكم السلاجقة في القرنين ~~الثاني عشر والثالث عشر، كانت المساكن الصوفية ساحات للتأمل لكل من المجتمعات ~~المسيحية الأقدم والبدو التركمان الوافدين حديثا. # 103 # وفي الأماكن المرتبطة بمناطق أخرى عن طريق طرق التجارة المكتظة، نجد ~~عادة أن التعبير عن هذه التوفيقية والمحلية يحدث دون إغفال ارتباطات الأولياء ~~بممارسات الإسلام الأوسع نطاقا. أما في المناطق الأكثر بعدا أو غير المتصلة بغيرها ~~على نحو جيد، فكان شائعا أن نجد مستويات هائلة من الاختلاف عن الأعراف الإسلامية ~~السائدة، ومع انتشار الصوفيين في هذه المناطق الريفية فقدوا في بعض الأحيان هم أو ~~أتباعهم التزامهم الصوفي السابق بالشريعة والقرآن والحديث. وفي بعض الحالات، كما في ~~حالة تبجيل الشيخ عدي بن مسافر من قبل اليزيديين في جبال كردستان، فإن إضفاء ~~الطابع المحلي المنفصل عن الإسلام جعل تبجيل أضرحة الصوفيين يعزز تدريجيا تكوين ~~أديان جديدة مستقلة. # 104 # على الرغم من ذلك، في أغلب الأحيان كانت نتيجة تحول الصوفيين إلى أولياء، الذين ~~أصبح وجودهم دائما في مجتمعاتهم المضيفة من خلال بناء الأضرحة، أن أصبحوا يمثلون ~~وسيلة لعدد لا يحصى من الأشخاص العاديين للتعبير عن تبجيلهم لله وطلب خدمات من ~~أوليائه. في النهاية، كان التبجيل وطلب الخدمات وجهين لعملة واحدة؛ فمن خلال توفير ~~الصوفيين كأولياء سبيلا لصنع المعجزات، حققوا أهدافا عملية للغاية. وبينما توسل ~~الأمراء إليهم من أجل الانتصار في المعارك، توسل الفلاحون من أجل عودة المياه إلى ~~الآبار. ومع اكتساب معتقد الولاية القديم زخما مؤسسيا، بداية من القرن الحادي ~~عشر فصاعدا، أدت نتائجه العملية إلى نيل الصوفيين استحسانا واسع النطاق على كل ~~مستويات ms129 الطبقات الاجتماعية. وعلى الرغم من أن مكانة الأولياء الصوفيين سوف تتغير ~~بالتأكيد في القرون التالية (بصفة خاصة في فترة العصر الحديث التي سنتناولها في الفصل ~~الرابع)، فمن المهم أن ندرك أن تبجيل الأولياء الصوفيين ما زال يشكل أساس الحياة ~~الدينية لملايين كثيرة من المسلمين حتى يومنا الحاضر. ~~(5) إضفاء الطابع المحلي على التعاليم الصوفية # تناولنا في هذا الفصل حتى الآن عمليتين تمكن من خلالهما الصوفيون في الفترة ما ~~بين القرن الثاني عشر والخامس عشر من رفع مكانتهم وزيادة أتباعهم على نحو هائل؛ من ~~خلال التأسيس المفاهيمي والتنظيمي للطرق، وتحولهم لأشخاص محل تبجيل بصفتهم أولياء. ~~وانعكاسا للنطاق الجغرافي والاجتماعي الشاسع الذي كان يعمل فيه الصوفيون في ذلك الوقت، ~~شهدت فترة العصور الوسطى أيضا تطورا مهما ثالثا تمثل في تزايد إضفاء الطابع ~~المحلي على الأفكار الصوفية، فاصطبغت بلغات المناطق الكثيرة التي كان الصوفيون قد ~~دخلوها في تلك الفترة. وبلا استثناء تقريبا، كتب كل المنظرين الصوفيين ~~المؤسسين - الذين تحدثنا عنهم في الفصل الأول، سواء أكانوا في العراق أم في خراسان ~~- أعمالا باللغة العربية. وحتى إذا نحينا جانبا قيود الأمية، فإننا يجب أن نتذكر ~~أن التحدث باللغة العربية كان مقتصرا على المناطق الموجودة جنوب العراق، وحتى في هذه ~~المناطق تنافست العربية خارج المدن مع لغات أخرى تراوحت ما بين الكردية والتركية ~~والأمازيجية. وبالاتجاه إلى أقصى الشرق، كانت اللغة العربية لغة المتعلمين فحسب، وكانت ~~الغالبية العظمى من المسلمين تتحدث لغات كانت مختلفة في بنيتها عن العربية قدر اختلاف ~~الإنجليزية عنها، على الرغم من اقتراضها لقدر كبير من مصطلحاتها من اللغة العربية ~~وحروفها من الأبجدية العربية (عندما بدأت في النهاية تستخدم في الكتابة). ومن الواضح ~~أنه من أجل أن تتطور الصوفية لتصبح شيئا أكبر من مجرد إسلام النخبة، كان لزاما أن ~~تحرز تقدما في عوالم اللغات المحلية التي كان يعيش ويفكر فيها الغالبية العظمى من ~~المسلمين شرق العراق، خاصة في جنوب وجنوب شرق آسيا. وعبر عملية الترجمة هذه للتعاليم ~~الصوفية إلى نطاق من اللغات التي تتحدثها مجتمعات ms130 المسلمين الجدد، انتقلت مجموعة ~~من المصطلحات الدينية، إما باللغة العربية الأصلية وإما بتعديل في اللغة العربية ~~يتفق مع علم الأصوات الخاص باللغة المحلية؛ ومن ثم تكونت «مصطلحات إسلامية ~~معيارية عبر إقليمية في مجتمعات المسلمين في جنوب وجنوب شرق آسيا.» # 105 # وبالإضافة إلى المصطلحات القرآنية الأساسية الخاصة بالصلاة والألوهية، فقد ~~تكونت المصطلحات المعيارية هذه إلى حد كبير من كلمات مأخوذة من المعجم الصوفي ~~العربي الذي شهدنا تكونه في الفصل الأول. # 106 # ونظرا لأن الصوفيين كانوا محوريين في تكوين المجتمعات الإسلامية الجديدة ~~في مناطق مختلفة في هذه الفترة، فقد زعم مؤخرا أنه يجب اعتبار هذه الأعمال ~~المتعلقة بالترجمة المحلية جزءا لا يتجزأ من عملية التحول إلى الإسلام ~~الموازية لها؛ لأنه «من خلال الترجمة، تدريجيا، أنشأت وتبنت وراكمت المجتمعات ~~الجديدة الموارد الثقافية، التي جعلت الحديث عن الماضي الإسلامي والوجود الإسلامي ~~المعاش ممكنا.» # 107 # شكل 2-5: تعبيرات باللغات المحلية: مخطوطة صوفية باللغة الملايوية (صفحة ~~نصية واحدة غير مرقمة لإحدى المخطوطات، من مجموعة مخطوطات اللغة ~~الملايوية 106 (مجموعة ماكسويل، الجمعية الآسيوية الملكية). صفحة أولى ~~غير مرقمة من المخطوطة منشورة بإذن الجمعية الآسيوية ~~الملكية). # على الرغم من ذلك، لم تكن عملية إضفاء الطابع المحلي هذه هي إنجاز الصوفيين وحدهم؛ ~~فإذا كان يبدو في بعض المناطق أن الصوفيين كانوا رواد الكتابة باللغات المحلية، ~~فإنهم في مناطق أخرى كانوا يقلدون أساليب الحكام في تبني اللغات المحلية. في ~~المجمل، يمكننا لهذا السبب الإشارة إلى ثلاثة أنماط عامة من هذه العملية، وهي: نمط ~~الحكام الذي ظهر من خلال رعاية السلالات الحاكمة للإنتاجات الأدبية الراقية، ونمط ~~أكاديمي اعتمد على ترجمة الصوفيين للأعمال التي تتناول المعتقد والآداب للأتباع ~~المحليين، ونمط فولكلوري ظهر من خلال اقتباس أجناس أدبية فولكلورية منخفضة ~~المستوى. في القرون السابقة على القرن السادس عشر، اعتمد النمط الأول على اللغة ~~الفارسية (وعلى اللغة الهندية في إحدى الفترات القصيرة)، واعتمد النمط الثاني على اللغة ~~الأردية الدكنية وربما لغة الملايو، واعتمد النمط الثالث على عدة لغات أخرى تواصل بها ~~بعض الصوفيين على ms131 الأقل مع أتباعهم، لكن الأدلة الوحيدة المتبقية على هذا النمط ~~مكتوبة بأشكال معينة من اللغة التركية والأردية الدكنية مرة أخرى، وربما لغة ~~الملايو. وجعلت تلك العلاقة بين اللغة والسلطة والنص اللغة الفارسية الأكثر ~~استخداما إلى حد كبير في النصوص المكتوبة؛ لذلك فهناك المئات من الكتب الصوفية ~~المكتوبة بالفارسية، التي تعود إلى ما قبل القرن السادس عشر، في حين أننا لا نجد نصوصا ~~مكتوبة باللغات المحلية الأخرى إلا مجموعة من أشعار المناسبات. # كان الاستخدام الأدبي للغة الفارسية التي كانت في ذلك الوقت لغة محلية غير مكتوبة ~~موجودا بالفعل قبل القرن الثاني عشر؛ إذ بدأ في وقت مبكر في القرن التاسع أو العاشر في ~~الدول الإسلامية المحلية التي ظهرت مع تفتت الإمبراطورية العباسية في ~~خراسان؛ # 108 # ففي عام 1010 كان الشاعر أبو القاسم الفردوسي (المتوفى عام 1020) قد أكمل ~~ملحمته «الشاهنامة» (أي «كتاب الملوك»)، الذي روى فيها الأعمال البطولية لحكام إيران ~~القدماء، مستخدما نظما مزدوجا فارسيا سهل الحفظ. وعلى الرغم من أن الشعر ~~الفارسي تكون أولا، فسرعان ما تبعه النثر، فقد كان الصوفيون في إيران وخراسان ~~يستخدمون الفارسية بالفعل في زمن الفردوسي. في الفصل الأول ذكرنا بالفعل أول كتاب ~~نثري بالفارسية، وهو «كشف المحجوب» الذي كتبه الهجويري في العاصمة التركية الجديدة في ~~شمال الهند في لاهور. وبعد إدراك ملاءمة هذه اللغة المحلية الرائدة، اختار المزيد ~~والمزيد من الصوفيين على مدار القرون اللاحقة الكتابة بها، مقترضين كلا من الأنواع ~~الأدبية واللغة المتخصصة لأسلافهم الصوفيين الذين كتبوا باللغة العربية، لغة القرآن ~~والعلوم الدينية الأخرى الأعلى مكانة. وبينما أدى تكوين الأدب النثري الفارسي إلى ~~اتساع النطاق الاجتماعي للأفكار الصوفية، وقدم وسيلة أيسر استطاع من خلالها الصوفيون ~~في شرق العالم الإسلامي نشر أفكارهم، فمن أجل شرح النجاح المتزايد للصوفيين في ~~فترة العصور الوسطى، يجب أن نلتفت إلى وسيلة الشعر الذي كان أكثر رواجا وأكثر ~~تذكرا. فعلى الرغم من أن الصوفيين كانوا بالتأكيد يؤلفون القصائد بالفارسية في زمن ~~الفردوسي، فإننا لدينا أدلة قليلة نسبيا، باستثناء الرباعيات المنسوبة إلى ms132 شخصيات ~~مثل بابا طاهر (المتوفى نحو عام 1020) الذي كان من همدان غرب إيران، وأبي سعيد بن أبي ~~الخير (المتوفى عام 1049)، الذي كان من ميهنة والذي رأيناه في السابق ينظم حفلات ~~موسيقية مسائية في الخانقاه خاصته في خراسان. # 109 # وكانت هذه القصائد تشبه ما يمكن أن نعتبره اليوم شعرا غنائيا؛ حيث ~~كان مقصودا أن تغنى بصحبة الموسيقى، وقد شكلت أساس ممارسة السماع الصوفية التي ~~رأينا بالفعل أنها كانت مثار جدل. وتصبح الطبيعة المثيرة للجدل للسماع أكثر ~~وضوحا عندما ننظر إلى الموضوعات والأفكار التي تناولها الكثير من هذه الرباعيات؛ مثل: ~~السكر، والوجد، والارتحال، والجنون، وبصفة خاصة، الجمال الجسدي للغلمان ~~والسقاة. # على الرغم من أنه لاحقا أصبح من المعتاد أن يقول المعلقون الصوفيون إن المعاني ~~«الحقيقية» للشعر الفارسي المبكر هذا كانت معاني باطنية وروحانية - فالسكر كان ~~معناه الانشغال بالله لا بالخمر، والشباب الجميل كان مجازا للكمال الإلهي، وهكذا - ~~فإنه لا يبدو من الوجيه إلى حد كبير الشك في أن كثيرا من جمهور هذه الأغاني في فترة ~~العصور الوسطى (إن لم يكن معظمهم) كانوا يستمتعون بها بمعناها الظاهر؛ إذ كانت ~~تمثل احتفاء بالخمر والجنس والغناء. وعند مقارنة موضوعات المتع الدنيوية التي ~~ميزت الأجيال الأولى من الشعر الفارسي، بالموضوعات الباطنية التي سيطرت لاحقا على ~~كل أنواع الشعر الفارسي، باستثناء شعر المديح؛ ذهب أحد الباحثين بعيدا إلى حد ~~الحديث عن «استعمار صوفي للأدب الفارسي». # 110 # فمن الناحية الاجتماعية، كان هذا الشعر يستخدم في تبرير سلوك الشعراء ~~الصوفيين الغريب الأطوار في بعض الأحيان؛ من خلال مواراة أفعالهم في لباس بلاغة ~~الماورائية الباعثة على الغموض والمحترمة على الرغم من ذلك. # 111 # الأمر الأهم هو أن القوة الجمالية وكذلك الاجتماعية لهذه القصائد ترجع إلى ~~السبل المتعددة التي يمكن بها فهم معانيها؛ إذ إن الغموض والتورية اللذين اتسم ~~بهما الأداء الحماسي لهذا الشعر المغنى قد منحا الصوفيين وسيلة فعالة للوصول ~~إلى المجتمع والدعاية لنفسها. في هذا الصدد، يجب أن نضع في اعتبارنا أنه في المجتمعات ~~ما قبل الصناعية التي كانت ms133 الموسيقى فيها عروضا مباشرة بالضرورة، كانت فرصة سماع ~~الموسيقى متعة نادرة بالنسبة إلى معظم الناس؛ ومن ثم، فإن تزايد ميل الخانقاوات ~~إلى رعاية الحفلات الموسيقية، أو ما يطلق عليه «محافل السماع»، شكل عامل جذب ~~مهما لمجتمعاتها المحيطة. # بطبيعة الحال، فإن الهوس بالآداب الرسمية الذي رأينا أنه سمة مميزة للغاية ~~للصوفيين، كان معناه وضع قواعد رسمية للاستماع اللائق للموسيقي (التي كانت تتضمن ~~غالبا منع النساء من الحضور)، بالرغم من أنه يبدو معقولا استنتاج أن بعض التجمعات ~~كانت أقل رسمية عن غيرها. وفي إيران وخراسان في الفترة ما بين القرن الثاني عشر ~~والقرن الثالث عشر، اقتبس الصوفيون من البلاطات الملكية النوع الأدبي المعروف باسم ~~«الغزل»، الذي كانت العلاقة فيه بين المسلم والله مقدمة في شكل علاقة بين المحب ~~والمحبوب، مما سمح للشعراء بتخيل الله في صورة مادية واضحة؛ مثل غلام أشقر، أو ~~امرأة لعوب ذات قبعة مائلة، أو فتى أمرد مخنث. وباقتباس الشعر الرومانسي الذي ~~كان رائجا في البلاط الملكي، قدم الصوفي نفسه في مظهر جديد مشابه؛ فقدم نفسه ~~في صورة المحب أو الأبله أو المجنون الذي يتأرجح ما بين التمني والعذاب بسبب حضور ~~الحبيب تارة وغيابه تارة أخرى. وتزايد تقديم الصوفي في صورة القلندر، وهي شخصية ~~مشبوهة وخارجة على القانون سنتحدث عنها بتفصيل أكبر لاحقا. # 112 # ونظرا لبذاءة الصور المجازية الموجودة في أجود أمثلة الغزليات «الصوفية» ~~هذه في أعمال شعراء؛ مثل: السنائي الغزنوي (المتوفى عام 1131)، وسعدي الشيرازي ~~(المتوفى عام 1292)، وحافظ الشيرازي (المتوفى عام 1390)، فإن من الصعب تحديد ما ~~إذا كان الغرض من أشعارهم هو التفسير الباطني أم مجرد إمتاع الأمراء الشباب. في حالات ~~أخرى، مثل تلك الأشعار الغنائية التي كتبها صوفيون خالصون؛ مثل: فخر الدين العراقي ~~(المتوفى عام 1289)، وجلال الدين الرومي (المتوفى عام 1273)، يوجد قدر أقل من ~~الغموض حول نوايا الشاعر. إلا أننا في نهاية المطاف نجد أن مسألة نية المؤلف أقل ~~أهمية من حقيقة أن الصوفيين استخدموا لأغراضهم الخاصة النوع الأدبي والتصوير ~~الشعري المميزين لشعراء البلاط الملكي . مرة أخرى، نرى ms134 كيف تمكن الصوفيون من دمج ~~الناس وكتاباتهم في تقليدهم الخاص، ومنحوا بهذه الطريقة لأعمال الآخرين معاني ~~متوافقة مع معتقداتهم الصوفية. ومثلما صنع الصوفيون القدماء معاني تصوفية من ~~القرآن، فقد وجدوا لاحقا تأكيدا مشابها في أغاني الحب المثيرة في فارس في فترة ~~العصور الوسطى. # منذ عصر الرومي في القرن الثالث عشر، أصبحت الاحتمالات الغامضة التي يثيرها الشعر ~~الغنائي الفارسي راسخة باعتبارها الوسط المفضل للتعبير عن الأفكار الجريئة. وفي حالة ~~الرومي، تضمنت هذه الأفكار الجريئة بصفة أساسية إعلان أن جلال الله يشرق من وجه ~~صديقه الحميم، شمس الدين التبريزي. إلا أنه على الرغم من لوعة وإثارة غزليات الرومي ~~التي يقدم فيها طريقة الصوفية على أنها طريق حيرة ونشوة الحب، فإنه في قصيدته ~~السردية الضخمة والمطولة المسماة «مثنوي» (أي: النظم المزدوج المقفى) قدم ~~أكبر إسهام في نشر الأفكار الصوفية. وعلى الرغم من أن أنواع النظم الأقصر ~~المتمثلة في الرباعيات والشعر الغنائي كانت مناسبة للأجواء الغنائية التي كانت تهدف ~~إلى استحضار «التواجد»، الذي يؤدي إلى حالة النشوة المرتبطة بالوصول لله، فإن هذا ~~النظم القصير كان وسيلة ضعيفة لعرض المعتقد الصوفي؛ ولهذا السبب، استخدم الصوفيون ~~القصيدة السردية الفارسية. ومثل بقية أنواع الشعر الفارسي، ظهر الشعر السردي في قصور ~~حكام خراسان، وفيما يتعلق بتطور السرد الديني - وبصفة خاصة الصوفي - فقد كانت ~~الشخصية المحورية هي أيضا السنائي في بلاط السلاطين الأتراك في غزنة (أفغانستان ~~حاليا) في أوائل القرن الثاني عشر. # 113 # وعلى الرغم من أنه من الأفضل اعتبار السنائي شاعر بلاط عن اعتباره من ~~المتصوفين - إذ تراوحت قصائده ما بين الاحتفاء بالخمر إلى تقديم المواعظ حول السلوك ~~الجيد؛ نظرا لأنها كانت تغنى وفقا للحالة المزاجية لأسياده - فإن قصائده المطولة ~~وضعت أسس استخدام الشعر كوسيلة تعليمية؛ ففي أعمال مثل «حديقة الحقيقة وشريعة ~~الطريقة» و«سير العباد إلى المعاد»، حول السنائي القوافي إلى خرائط رمزية للكون ~~تكشف رحلة الروح عبر العوالم الكونية المتعددة. # 114 # في أغلب الأحيان، أدى ثراء المفاهيم والمصطلحات الصوفية المتخصصة في قصائد ~~السنائي إلى اعتبارها «موسوعة» المعتقد ms135 الصوفي، إلا أنه نظرا لكون السنائي فنانا ~~ماهرا ومبدعا، فقد كان متنوعا أكثر مما كان منهجيا. وعلى الرغم من أن الصوفيين ~~أخذوا قصائده ومنحوها تفسيرات باطنية، فإن مصادره كانت أكثر تنوعا؛ إذ كانت تعكس ~~مزيجا من الفلاسفة والعلماء والمتصوفين الذين ترددوا على البلاط الغزنوي. وبعد ~~قرن، وفي خراسان أيضا، منح فريد الدين العطار (المتوفى عام 1220 تقريبا) مزيدا من ~~الاتساق العقائدي للقصيدة السردية التعليمية الفارسية التي كتب منها العديد من النماذج ~~المهمة. # 115 # وكان «منطق الطير» أبرز هذه القصائد، وفيها ضربت أنواع مختلفة من الطيور ~~مثلا لأنواع البشر، وكان بحثها عن «سلطان الطير» عبر الوديان السبعة التي حملت أسماء ~~مثل «العشق» و«الحيرة» يرمز إلى المقامات الموجودة على طريق الوصول إلى الله. وربما في ~~أشهر التوريات في الأدب الفارسي كله على الإطلاق، يدرك الثلاثون طائرا (سي مرج ~~بالفارسية) التي تصل إلى وجهتها النهائية أنها نفسها كانت متطابقة مع الكائن الأسطوري ~~الجرفين الذي سماه «سيمرج» الذي كان ملكها؛ أي إنه عندما يدمر الصوفي نفسه ~~الدنيا من خلال اتباع الطريقة، فإنه لا يبقى في نهاية الرحلة إلا الله. # من منظور قياس الانتشار الناجح للصوفيين، الذي كان سمة محورية للغاية في إسلام ~~فترة العصور الوسطى، من المهم أن ندرك أنه في ظل السياقات الثقافية في عصر ما قبل ~~التصنيع مثلت تلك القصائد نوعا من أنواع الترفيه؛ فهذه القصائد التي كان يحفظها ~~الشعراء المحترفون شكلت ساعات من الترفيه التي يمكن بسهولة نقلها وإعادة إنتاجها ~~للجمهور الذي سيكتسب فكرها بالإضافة إلى التسلية. وإذا نظرنا إلى جلال الدين الرومي ~~من منظور زمنه، فسنجد أن هذا الأمر ينطبق عليه بصفة خاصة، فهو أعظم شعراء السرد ~~الصوفيين، الذي اعتمد في عمله «مثنوي» بأريحية كبيرة على التراث والحكم والفكاهة ~~الشعبية؛ بحيث بلغ به الأمر أن ارتكزت إحدى قصصه الرمزية على افتتان جارية بقضيب ~~حمار. # 116 # وكما في حالة القصائد الغنائية المعدة لأن تكون مصحوبة بالموسيقى، فمن ~~خلال النكات والقصص التي نسجها الصوفيون في شعرهم تمكنوا من ربط رسالتهم بوسائل ~~رحب ms136 بها العوام وغير المتعلمين في قراهم. ومقارنة بالكتيبات العقائدية، وحتى ~~بالرسائل المتهورة وإن كانت معقدة، فقد كانت تلك القصائد تلقى قدرا أكبر من ~~الاستحسان والفهم الفوريين. وإذا كان الأدب النثري العربي الذي رأينا الصوفيين ~~يكتبونه منذ أوائل أيامهم في بغداد قد ساعدهم في الحفاظ على مكانتهم في الطبقة ~~الدينية المسيطرة، فإن استخدامهم لأنواع الترفيه المحلية هذه مكنهم من الوصول إلى ~~جمهور عام أكثر. وإذا كان تقديس الأولياء قد أكسبهم تبعية هائلة قائمة على القوة ~~والاحترام، فإن إضفاء الطابع المحلي على تعالميهم ضمن أن تكون هذه العلاقة أيضا ~~علاقة تملؤها العاطفة ويغذيها على الأقل قدر من الفهم. # إن الحياة الفعلية لشعراء مثل العطار والرومي تؤدي بنا إلى سمة أخرى مهمة من سمات ~~انتشار الفارسية، مع خروج اللاجئين الهاربين من خراسان في أعقاب الغزو ~~المغولي. # 117 # لم يكن العطار محظوظا للغاية؛ ففي وقت ما قرب عام 1220 اختفى الشاعر في ~~مجزرة عظيمة لا يعرف فيها أسماء الضحايا، مثله مثل آلاف غيره من رفاقه القرويين في ~~نيسابور. أما الرومي الصغير الذي قضى طفولته في بلدة فخش ثم بلدة بلخ في خراسان، فقد ~~كان أوفر حظا، وكان والده العالم يتمتع بعلاقات مكنته من الحصول على منصب في ~~عاصمة الأتراك السلاجقة الجديدة في أرض الروم أو الأناضول، التي منها اكتسب الرومي ~~اسمه. وعندما ذبح المغول المنظر الصوفي صاحب رؤى النور و«مؤسس» الطريقة الكبروية ~~نجم الدين الكبرى، هرب بعض أتباعه إلى الأناضول أيضا، وفي مدينة قيصري لخص تلميذه ~~نجم الدين الرازي (المتوفى عام 1256) تعاليم شيخه في رسالة نثرية باللغة الفارسية، ~~حملت عنوان «مرصاد العباد من المبدأ إلى المعاد». # 118 # أما بقية أتباع نجم الدين الكبرى، فهربوا إلى الهند، ونشروا التعاليم ~~والطريقة التي تحمل اسمه لجمهور كان متحمسا لحكمة خراسان، التي أصبحت مشهورة في ~~ذلك الوقت. # 119 # وهكذا، لم يضع المغول نهاية للصوفيين ولا لولعهم الجديد باللغة الفارسية. ~~وكما رأينا، فعندما بدأ المغول اعتناق الإسلام منذ نهاية القرن الثالث عشر، أصبحوا ~~أيضا مناصرين مثابرين للصوفيين، مثل البدو ms137 السلاجقة السابقين الذين كانوا من ~~قبلهم. إلا أنه في الفترة ما بين ظهور المغول في آفاق خراسان في عشرينيات القرن الثالث ~~عشر، وتكيفهم مع الإسلام بعد دخول القائد المغولي محمود غازان خان في الإسلام عام ~~1295، أثاروا أزمة لاجئين عززت الشتات الخراساني الذي أدت عاداته وثقافته إلى ~~تكوين صيغ إبداعية للغاية في أوطانهم الجديدة المتعددة. وهرب آلاف من الأشخاص سواء ~~إلى الغرب حيث الأناضول، أو إلى الجنوب حيث الهند، فارين من خراسان التي نمت تقاليد ~~الصوفية المميزة، وكانت رائدة الاستخدام الأدبي للغة الفارسية أيضا. # على الرغم من أن الفارسية كانت موجودة بالفعل في شمال الهند، فإن الدور الذي لعبته ~~دلهي بوصفها «قبة الإسلام» الحارسة التي تحمي هؤلاء اللاجئين، جعلها تكون أدبا ~~نثريا فارسيا ثريا يشبه كثيرا أدب خراسان. مرة أخرى، ليس من الحكمة اعتبار ذلك ~~الأمر افتقارا للإبداع؛ فبقدر ما كان الإبداع مفهوما معروفا لدى الناس، فقد كان ~~مكروها وكانوا يفضلون عليه التقليد، وإلى حد كبير اعتبر صوفيو الهند أتباع ~~الطريقة الجشتية والطريقة الكبروية أنفسهم ورثة تقليدي خراسان اللذين تأسست ~~فيهما هاتان الطريقتان المميزتان. على الرغم من ذلك، فقد دفع الهنود ورثة هذا ~~الخروج الخراساني بالأنواع الأدبية التي ورثوها إلى اتجاهات جديدة، ونخص بالذكر منها ~~توسيع نطاق الممارسة القديمة المتمثلة في اقتباس أقوال الشيوخ، لتصبح نوعا أدبيا ~~جديدا تماما يقوم على «تدوين الحوارات»، وعرف هذا النوع باسم «الملفوظات». ومنذ عصر ~~الصوفي الجشتي نظام الدين أولياء الذي أقام في دلهي (المتوفى عام 1325) فصاعدا، ~~أصبحت الملفوظات تقنية ورقية لإعادة إنتاج الكلمات الحية الدقيقة للشيخ الملهم بعد ~~وفاته بزمن طويل. ومع انتشار صوفيي سلطنة دلهي في جنوب وشرق الهند وأيضا شمالها، ~~أصبحوا أيضا مروجين حكماء للغة الفارسية، ومنتجين متحمسين لأعمال مكتوبة بها. ~~وعن طريق إلهام شعراء بلاط مثل أمير خسرو (المتوفى عام 1325)، نجح الصوفيون في تطويع ~~الصيحات الأدبية في بلاط دلهي وفقا لأهدافهم، بطريقة ماثلت ما حدث في السابق في ~~البلاطات الملكية في خراسان قبل غزو المغول. # 120 # وبهذه الوسيلة، وضعوا أساس مجموعة ثرية ms138 من الأعمال الأدبية تنوعت ما بين ~~سير الأولياء والرسائل المتخصصة ومجموعات الخطابات المعروفة باسم «المكتوبات»، ~~والتي أعادت إنتاج أنواع التعبير الصوفي الفارسي التي تشكلت في السابق في إيران ~~وآسيا الوسطى في البيئة الجديدة. # 121 # على الرغم من أنه من الناحية الأدبية كانت الفترة السابقة على القرن الثاني عشر ~~تنتمي في الأساس إلى اللغة العربية، وأن الفترة ما بين القرن الثاني عشر والقرن السادس ~~عشر تنتمي في الأساس إلى العربية والفارسية، فإنه في مواقف معينة استخدمت في الكتابة ~~والتأليف لغات أخرى. فإن كانت الفارسية قد استخدمت كلغة محلية في أجزاء كبيرة من ~~آسيا الوسطى وإيران، وكانت مفهومة على نحو كبير بين أوساط المتعلمين أو المهاجرين في ~~الأناضول والهند، فإنها في المنطقتين الأخيرتين لم تكن لغة محلية على الإطلاق. ~~ومثلما استغرقت الفارسية عدة قرون لتثبت أهليتها كلغة أدبية خارجة من ظل اللغة ~~العربية، استغرقت الأشكال المختلفة من اللغتين التركية والهندية/الأردية وقتا للخروج ~~من ظل الفارسية. وعلى الرغم من أن المرحلة الثانية هذه من عملية إضفاء الطابع ~~المحلي على الفكر الصوفي كانت قيد التنفيذ بالتأكيد منذ فترة العصور الوسطى، فإنها لم ~~تكتمل إلا متأخرا في القرن السابع عشر. وحتى إذا لم يدون استخدام الصوفيين للغات ~~الهندية والتركية إلا نادرا في هذه الفترة المبكرة، فإنه يوجد لدينا دليل كاف يسمح ~~لنا برؤية أن أسلوب الصوفيين في نشر أفكارهم بلغات العوام قد بدأ بالفعل في التوسع ~~من الفارسية إلى الهندية والتركية وحتى الملايوية. وبطبيعة الحال، احتاجت الفارسية إلى ~~رعاية الحكام كي تستخدم في الكتابة، وفي النهاية سيكون السلاطين والدول - لا الصوفيون ~~والفلاحون - هم المسئولون عن استخدام اللغتين التركية والهندية في الكتابة. على الرغم ~~من ذلك، فإننا نمتلك أمثلة كافية على استخدام الصوفيين لهاتين اللغتين المحليتين ~~الأقل مكانة، ليشيروا إلى استعدادهم لتبني أي لغة ضرورية للوصول إلى نطاق أكبر من ~~الجمهور، وإن كانت عادة هذه الأمثلة متمثلة فقط في الأجزاء المضافة المقحمة ~~في النصوص الفارسية. في أغلب الأحيان كان ينطوي الأمر على تسوية لغوية، وتمثلت تلك ms139 ~~التسوية في أننا نجد الصوفيين، في كثير من الحالات، يدخلون في هذه اللغات الأخرى ~~المصطلحات العربية الدالة على مفاهيمهم التي شهدنا تكونها كمصطلحات متخصصة ~~للصوفيين في بغداد. كانت هذه التسوية انعكاسا لعلاقة تبادل النفوذ على صعيد ~~الازدواجية اللغوية بين اللغة العربية واللغات المحلية الأخرى - بداية من الفارسية، ~~ووصولا إلى الهندية والتركية والملايوية وغيرها في نهاية المطاف - التي حملت مصطلحات ~~مؤسسي التقليد الصوفي، التي أصبحت تحظى بالتقدير في ذلك الوقت. # 122 # على الرغم من ذلك، لم يقتصر استعداد كثير من الصوفيين على استخدام اللغات ~~المحلية فحسب، بل كانوا مستعدين أيضا لاستخدام المصطلحات والقصص المألوفة لجماهير ~~تلك اللغات؛ ففي الهند يرتبط أقدم الأدلة على ذلك بشيخ الطريقة الجشتية فريد الدين كنج ~~شكر (المتوفى عام 1265)، الذي انتقلت أشعاره المكتوبة بشكل قديم من اللغة البنجابية ~~شفهيا عبر الأجيال، قبل أن تجد لنفسها في نهاية المطاف موطنا غير متجانس معها ~~تمثل في الكتاب المقدس لدى السيخ، المعروف باسم «أدي جرانت» # 123 # في الجيل التالي، بدا شاعر البلاط المنتمي للطريقة الجشتية أمير خسرو ~~(المتوفى عام 1325) يكتب أغاني صوفية تعبدية بلغة هندية مبكرة، إلا أن هذه ~~الأشعار ظلت غير مكتوبة لقرون أيضا. # 124 # وبين الجشتيين أيضا ظهر أول عمل نثري عن الصوفية مكتوب ~~بالهندية/الأردية، وكان هذه المرة في جنوب الهند، وحمل اسم «معراج العاشقين»، وكتبه ~~محمد الحسيني «كيسو دراز» (أي طويل الشعر) الذي هاجر من شمال الهند إلى جنوبها. ~~وألف الحسيني الكتاب في عاصمة السلاطين البهمنيين، الذين بنوا له بعد وفاته عام ~~1422 ضريحا ضخما من الحجر. # 125 # ولعب البلاط الملكي دورا أكثر مباشرة في أول قصيدة سردية صوفية أو ~~«مثنوية» مكتوبة باللغة الهندية قبل القرن السادس عشر؛ لأن مؤلفها كان شاعرا من ~~شعراء الحاشية الملكية يحظى برعاية حاكم إقليمي في شرق الهند. وفي محاكاة لاستخدام ~~الرومي للحكايات الشعبية المحلية في الأناضول، في منطقة أوده اقتبس المريد الجشتي ~~وشاعر البلاط الملا داود واحدة من أكثر القصص الغرامية شعبية في المنطقة، وكذلك لهجة ~~المنطقة، ليكتب عام 1379 عمله ms140 «تشاندايانا». # 126 # في ذلك الوقت، لم تقتصر نافذة الاطلاع على المسعى الصوفي على قصص الطيور ~~الرمزية التي ألفها العطار بالفارسية، بل امتدت لتشمل حكايات غراميات ومغامرات ~~حظيت باستحسان القادة المحاربين ساكني القصور، وفهمها أيضا العوام في الريف؛ حيث من ~~الممكن افتراض أن هذه القصائد انتشرت حاملة معها عبق البلاط الملكي. وعلى الرغم من ~~أنه لم يبق مثنويات هندية أخرى من هذه الفترة، فقد شهد القرن السادس عشر والقرن ~~السابع عشر كتابة الكثير من قصائد المثنويات الغرامية الصوفية باللغة ~~الهندية. # 127 # ونظرا لانغماس الصوفيين في المناظر الطبيعية الهندية وأبطال الهند والخيال ~~الهندي الجامح، فقد بلغوا بحلول القرن الخامس عشر مبلغا استثنائيا في إضفاء الطابع ~~المحلي على تعاليمهم، ورأى كثير من الصوفيين أن هذه العملية تعد خلطا للإسلام ~~بالوثنية. ولكن في ظل القدر الكبير من التكيف الذي أظهرته الطريقة الجشتية مع ~~بيئتها الثقافية، أبدى أمثال أمير خسرو والملا داود استعدادهم لخوض غمار هذه ~~المخاطرة. # كان استخدام اللغة التركية ثالث أكبر توجه فيما يتعلق باستخدام اللغات المحلية ~~الذي نجده في هذه الفترة. ونظرا للقوة السياسية التي تمتعت بها الجماعات التركية على ~~تنوعها، فإنه من المفاجئ مبدئيا أنهم لم يرعوا إلا قدرا قليلا من الأعمال ~~الأدبية المكتوبة بالأشكال المختلفة للغتهم. إلا أن العلاقات التي تكونت بين ~~المحاربين الترك وطبقة المتعلمين - الأقدم منهم - صاحبة النفوذ، جعلت الترك يختارون ~~في الغالب دعم استخدام اللغتين العربية والفارسية الأرقى مكانة. ويعد ابن الرومي ~~نفسه، الذي أقام في قونية عاصمة السلاجقة في الأناضول، المثال الأبرز في هذا الشأن، ~~وبالرغم من ذلك فإنه توجد بعض الأدلة على استخدام الصوفيين اللغة التركية في فترة ~~العصور الوسطى، حتى إن كانت هذه الأشعار لم تدون لعدة قرون. وأهم هذه الأمثلة ~~الرباعيات، المعروفة باسم «حكمت» (أي الحكمة) المنسوبة إلى الصوفي أحمد يسوي - الذي ~~كان يقطن آسيا الوسطى (المتوفى عام 1166 تقريبا) - والتي ناصرت حياة الزاهد واحتفت ~~بمعجزات الأولياء. وإذا كان كثير من مجموعة أشعار اليسوي المزعومة يعود على الأرجح إلى ~~فترة لاحقة ومنسوبة زورا ms141 لهذا الولي، فإنه يبدو على الرغم من ذلك أن الهدف ~~الجمعي لهذه الأشعار كان نشر الإسلام (لكن بنسخته الصوفية) بين الأتراك البدو ساكني ~~السهوب، الذين كانوا آنذاك لم يعتنقوا الإسلام بعد، ودعم القصائد في هذه العملية ~~ارتباطها بالضريح العظيم المشيد حول قبر أحمد يسوي في كازاخستان الحالية. # 128 # وبعد قرن ونصف قرن عندما ثبت الأتراك أقدامهم في الأناضول، ساهم شعر ~~يونس إمره (المتوفى عام 1321 تقريبا) في نشر صوفية تقوم على الإنسانية والحب، عن ~~طريق أنواع الشعر الشفهي المعقدة غالبا، التي قدمها هو إلى التركية ~~الأناضولية. # 129 # ومن الأمثلة المهمة الأخرى عاشق باشا (المتوفى عام 1333) صاحب الكتاب ~~البارز «غريب نامه» (أي كتاب الغريب)، المكون من نحو 12 ألف بيت شعري مكتوب ~~بالتركية، والذي ساهم في نقل المعتقد الصوفي المعقد إلى النطاق المحلي. # 130 # وعلى الرغم من أن يونس بدا درويشا متجولا أكثر منه شيخا مقيما ذا ~~مكانة رسمية مرموقة، فقد كانت اللغة التركية تستخدم أيضا من حين لآخر من قبل ~~رعاة الأضرحة الأثرياء؛ تلك الأضرحة التي كانت تشيد في الأناضول كجزء من رعاية ~~السلاجقة والعثمانيين الأوائل للمؤسسات الإسلامية. وكان المثال الأهم في هذا الشأن هو ~~سلطان ولد (المتوفى عام 1312) ابن جلال الدين الرومي ومروج أعماله، والذي ضمت ~~إنتاجاته المدونة العديد من القصائد المكتوبة بالتركية، وعددا أقل من الأشعار ~~المكتوبة باليونانية، التي ما زال ينشدها معظم المسيحيين في المنطقة. # 131 # وعلى الرغم من أن عدد القصائد التركية التي كتبها سلطان يتضاءل أمام أشعاره ~~المكتوبة بالفارسية، التي تناهز أربعين ألف بيت شعري، فإن وجود هذه القصائد التركية ~~يعد دليلا على أن الصوفيين في فترة العصور الوسطى سعوا حثيثا إلى الوصول إلى ~~الجماهير التي لا تتقن اللغة العربية أو الفارسية. وكانت هذه الاستراتيجية ناجحة؛ ~~لأنه من خلال التحول إلى أنماط التعبير المحلية - لا سيما أنواع الشعر والغناء ~~الشفهية والمعتمدة على الأداء - تمكن الصوفيون من الوصول إلى قطاع أكبر من الجمهور ~~يفوق ما كان من الممكن أن يصلوا إليه دون استخدام هذه الطريقة؛ فاكتسبوا ms142 أتباعا ليس ~~فقط من سكان المدن ومن المتعلمين، وإنما أيضا من الأميين البدو والفلاحين الذين ~~تعرفوا على الإسلام أولا من خلال كلمات الصوفيين. # ملخص # في الوقت الذي تزايد فيه استخدام الصوفيين للغات المحلية الأكثر سهولة لاستعراض ~~التفاصيل الأدق لأفكارهم، استمر الصوفيون المتعلمون في كل المناطق في استخدام اللغة ~~العربية. وبعد فترة مبكرة سيطرت عليها الرسائل القصيرة والكتيبات الأكثر طولا، ~~ندخل بعد القرن الثاني عشر فترة توسع فيها الإنتاج الأدبي الصوفي المكتوب بالعربية ~~من حيث الطول والأنواع الأدبية؛ ففي اللغة العربية واللغة الفارسية المساعدة لها، ~~أسفر التوسع في اللغات المحلية غير المكتوبة عن غزارة أدبية هائلة تمثلت، على ~~سبيل المثال لا الحصر، في السير، وأدلة زيارة المقامات، والمكتوبات، والملفوظات، ~~والقصائد الملحمية، واليوميات الخاصة بالأحلام. وعلى صعيد الأنواع الأدبية والصعوبة، ~~وكذلك الطابع العام والموضوع، فإنه فيما بين القرن الثاني عشر والقرن الخامس عشر أصبحت ~~المصطلحات والمفاهيم الأساسية، التي تكونت في أولى فترات تطور الصوفية، أكثر ~~تنوعا على نحو كبير، بحيث صارت تلبي احتياجات نطاق أكبر بكثير من المسلمين عبر ~~المناطق والطبقات الاجتماعية المختلفة وتعكس عوالمهم. إلا أن الصوفيين عند ~~التوسع من الاستخدام المبكر للعربية إلى استخدام الفارسية واللغات الأكثر محلية ~~غيروا أيضا، على نحو فعال، متطلبات الالتحاق بطرقهم، من المعرفة الدقيقة بالقرآن ~~وطرق الذكر والخلوة الخاصة إلى منهج أكثر سهولة بكثير، تطور من غناء الأغاني ~~المحلية التي كتبها يونس إمره، ووصل إلى التفكير في تفسيرات للقصص الرمزية التي ~~كتبها العطار. وعلى غرار شائعات المعجزات التي انتشرت بين زوار أضرحة الأولياء ~~الصوفيين، فمع مرور الوقت تمكنت الأنواع الشعرية هذه المنقولة شفهيا من اختراق ~~خيال العوام، وتشكيله على نحو لم يستطعه القرآن. ونظرا لأنه مع مرور الوقت أصبحت ~~العربية لغة القرآن أكثر بعدا عن لغات الإسلام الكثيرة المتحدث بها، فقد ساهمت ~~الأغاني وأضرحة الصوفيين في رأب المسافة المتزايدة بين المؤمن وزمن نزول الوحي على ~~النبي محمد. وبالنسبة إلى أعداد المسلمين المتزايدة في مناطقهم البعيدة، فقد كان ما ~~يعرفونه عن الإسلام هو ما نقل لهم ms143 عبر ألسنة الصوفيين في مجتمعاتهم ~~ومقابرهم. # ومن ثم، كان تبجيل الأولياء - الذي من خلاله تميز الصوفيون في العمارة والطقوس ~~والسرد - الجسر الأساسي بين الصوفية كطريقة باطنية تنتمي لحركة محدودة حتما، ~~مكونة من متطلعين روحانيين ملتزمين، وبين الصوفية كمنهج متجدد يفي ~~بالاحتياجات الدينية لمناصرين عددهم هائل. ولما كان الأولياء الصوفيون «المقدسون» ~~ذوي مكانة عالية ومن الممكن التواصل معهم عبر أضرحتهم التي يسهل الوصول إليها، فمن ~~الممكن أن يكونوا وسطاء بين القوة البشرية المحدودة النطاق وبين قوة الله غير المحدودة. ~~وهذا الترتيب الذي أعيد إنتاجه في أبنية الأضرحة من المغرب حتى تركستان كان مفيدا ~~للفلاحين قدر ما كان مفيدا للسلاطين؛ حيث أسهم كل منهما في نفقات الأضرحة، مما ~~وضع الصوفيين في أنماط المبادلة التي ربطتهم بجماعات المناصرين لهم، عن طريق شبكة ~~جمائل متبادلة. ونظرا لبعد هذه التطورات عن نموذج الصوفية كمسعى تصوفي شخصي ~~للاتحاد مع الله؛ فقد اعتبرت في وقت ما إيذانا بنهاية الصوفية «الحقيقية» في فترة ~~العصور الوسطى. إلا أن هذا التفسير يعد إغفالا للفكرة الأساسية للولاية ~~والاستراتيجيات الاجتماعية التي من خلالها تمكن الصوفيون من البقاء وإعادة إنتاج ~~تقليدهم عبر الزمن؛ فالأضرحة لم تكن مؤسسات منفصلة عن غرف التربية ومساكن الإيواء ~~وأماكن الخلوة التي كان يحدث فيها «التصوف»، بل كانت عنصرا في مجمعات أكبر ~~يشترك فيها الزوار اليوميون والصوفيون الدائمو الإقامة. ومن المنطقي أن نعتقد أن ~~هذه الأضرحة المقدسة الموجودة في تلك المجمعات مثلت الواجهة العامة الجامعة ~~للزوار للمجتمعات الأوسع نطاقا، التي اعتمد عليها الصوفيون في الحصول على الدعم ~~المادي. # كما رأينا، فإن تقديس الصوفيين لم يأت من فراغ بل استند إلى أسس عقائدية في ~~النظرية التي نوقشت في كتابات الصوفيين المبكرة، التي تقول إن لله أولياء. وفيما بين ~~القرن الثاني عشر والقرن الخامس عشر، استخدمت هذه الأفكار القديمة، بصفتها مصادر ~~للتقليد، من أجل تفسير طريقة اجتماعية دينية قائمة على «حكومة خفية» هرمية محددة، ~~مكونة من الواجدين الأولياء. ومن المنطقي اعتقاد أن تطور تبجيل الأولياء نتيجة ~~منطقية للاستثمار المادي المتزايد في ms144 هذه الأيديولوجية، الذي حدث مع اكتساب الصوفيين ~~أتباعا كثيرين من النخب بداية من القرن الثاني عشر فصاعدا، من خلال تحالفهم مع ~~الحكام البدويين المستقرين في الشرق، ومناصري حركة الإحياء السنية من الحكام ~~في الغرب. وهذا التقديس لم يحدث في حالة فراغ مؤسسي، بل رافق الخدمات العامة ~~للصوفيين كأولياء خدمات أخرى أكثر خصوصية للطرق الجديدة التي حدث فيها التقديس ~~كجزء من النتيجة المباشرة للبناء المؤسسي، الذي من خلاله نال مؤسسو الطرق ~~التقديس عن طريق تبجيل أعضاء الطرق لهم. وعملت آليات التقديس والتقليد على نحو ~~متوافق؛ حيث تطلبت المكانة المرموقة للمعرفة والبركة المتوارثتين عبر سلاسل شيوخ ~~الطرق أن تعتبر كل شخصية في السلسلة من الأولياء، وإلا فستصبح سلسلة الأولياء ~~غير كاملة، وتصبح المعرفة والبركة المنقولة عبرها غير ذات قيمة؛ ومن ثم، فإن منطق ~~التقليد - واستخدامه للأساس المفاهيمي للطرق - أصبح في حد ذاته دافعا لإنتاج ~~الأولياء. # مثلت الطرق الصوفية - باعتبارها مؤسسات تنظيمية ومفاهيمية مرتبطة بمجمعات ~~الأضرحة الذائعة الصيت والمدرة للمال - وسيلة لربط أفكار وممارسات الصوفيين ~~بالجماعات الفعلية التي يمكن زيادة توسيع عضويتها من خلال طقوس الالتحاق البسيطة التي ~~تتم على يد شيخ. وعلى الرغم من أنه سيكون من الخلط الزمني اعتبار أن هذه الطرق ~~تشبه المؤسسات الحديثة ذات الهرميات المتكاملة، التي تتمتع بوسائل اتصال فعالة ~~بين مراكزها الجغرافية العديدة، فإن هذه الطرق في عملها كشبكات مفاهيمية (وإن لم تكن ~~تنظيمية دائما)، تمكنت من تكوين مؤسسات متماثلة (وإن لم تكن مترابطة بالضرورة) ~~في البيئات الكثيرة المختلفة التي عاش فيها مسلمو فترة القرون الوسطى. ومن خلال إعادة ~~إنتاج هذه المؤسسات المتماثلة عبر مسافات تقدر بآلاف الأميال، خلقت هذه الطرق ~~آليات تفاعل وترابط ومزاملة بين المسلمين، الذين كان سيتزايد تفرقهم بسبب ~~الخلاف السياسي والاختلاف العرقي لولا هذه الطرق. ومن خلال صنع هؤلاء الأولياء ~~والطرق ووصفهم بالمصطلحات العربية نفسها في مناطق بعيدة، مثل خليج البنغال وساحل ~~شمال أفريقيا المطل على المحيط الأطلنطي، جعل الصوفيون الإسلام ملموسا في بيئاتهم ~~المحلية ومتسقا عبر العالم الأوسع نطاقا. وبهذه الطريقة، جعلت ms145 هذه التطورات ~~الصوفية جزءا لا يتجزأ من الإسلام نفسه، بالنسبة إلى ملايين عديدة من مسلمي فترة ~~القرون الوسطى . # الفصل الثالث # | الإمبراطوريات والحدود والمجددون (1400-1800) # (1) تمهيد # في الفصل الثاني، رأينا نفوذ وامتداد الصوفيين ينتشر في عدة اتجاهات اجتماعية ~~وجغرافية. ونظرا لأن الصوفية تراوحت ما بين سلاسل من النظم الماورائية والأغاني ~~المؤلفة باللغات المحلية والشبكات الاجتماعية والحماية عن طريق المعجزات، فإن ~~الأمور المختلفة التي كانت تعنيها في فترة العصور الوسطى ضمنت قبولها بين أوساط ~~الأمراء والفلاحين، والبدو والحضريين، والمتعلمين والأميين. وبطبيعة الحال، فإن هذا ~~الانتشار المؤثر للأشخاص والممارسات كان يعني وجود منتقدين لأنواع معينة من الصوفية ~~وممارسيها، وكان أشهر هؤلاء المنتقدين العالم الشامي ابن تيمية (المتوفى عام ~~1328). إلا أن هذه الانتقادات كانت إلى حد كبير موجهة لجوانب معينة - ومتعلقة ~~بالجماهير بصفة خاصة - من تبجيل الأضرحة، وليس إلى البناء الماورائي والأخلاقي الكامل ~~المرتبط بالأولياء. كان ابن تيمية عنيفا بصفة خاصة في انتقاده للموالد التي تقام حول ~~مقابر الأولياء الصوفيين؛ إذ اعتبرها «بدعة» منحرفة عن السنة ~~النبوية. # 1 # بالرغم من ذلك، من الممكن أن يكون ابن تيمية نفسه من الصوفيين، وقد كان من ~~محبي عبد القادر الجيلاني (المتوفى عام 1166)، الذي كان أعظم صوفي في ~~بغداد. # 2 # أما الانتقادات التي وجهها الآخرون، فكانت على الأرجح حالات هجوم ~~«شخصي» على صوفيين بعينهم، وليست على مجموعات متحدة من الصوفيين في العموم، وكانت ~~الانتقادات في شكل هجوم من قبل مسلمين معينين (غالبا ما كانوا صوفيين) على ~~مسلمين معينين آخرين. # على الرغم من أنه في أحيان قليلة جاءت حالات الهجوم تلك من جهات مؤثرة بدرجة كافية ~~على نحو يمكنها من استخدام سلطات الدولة (كما في حالة إعدام شهاب الدين ~~السهروردي في حلب عام 1191)، فقد شهدت فترة العصور الوسطى في أغلب الأحيان ممثلين ~~للدولة يدعمون بقوة الصوفيين والمؤسسات الصوفية. وإلى حد كبير، فإن النفوذ الهائل ~~الذي تحقق للصوفية جاء من خلال تحالف ممثليها مع السلطنات الإقليمية التي كانت ~~شرعيتها معتمدة على الدعم العام للإسلام؛ وأدى هذا إلى استثمار كبير في ms146 الأضرحة ~~والمساكن الصوفية، جعل الصوفية طوال فترة العصور الوسطى راسخة مكانيا في المدن ~~والقرى، بدءا من ساحل أفريقيا المطل على المحيط الأطلنطي، حتى خليج البنغال. وإذا ~~كان انتقاد صوفيين معينين جزءا من إيقاع الجدل الديني في فترة العصور الوسطى، فإنه ~~لم يكن يوجد هجوم كامل على الصوفية، وما كان يمكن أن يوجد هجوم؛ لأن «الصوفية» لم يكن ~~لها وجود محدد كفئة بالمعنى المعاصر، وهذا يعني أن مهاجمة الصوفية ككل ستكون ~~هجوما على الإسلام نفسه؛ ومن ثم فمن المهم أن ندرك أن الصوفية إلى حد كبير ~~جدا كانت تمثل صورة الإسلام في فترة العصور الوسطى؛ أي إسلام الأولياء والمعجزات ~~المدعوم ليس فقط بالجهود الفكرية المقدمة من العلماء، وإنما أيضا بالحماس الشديد ~~تجاهه من قبل رجال القبائل. وبالرغم من الاستخدامات المعتادة لمصطلح «الصوفية» من ~~قبل الأكاديميين والناشرين، فإن مصطلح «الإسلام الصوفي» أكثر فائدة على الأرجح ~~منه. # على الرغم من أنه سيكون من التبسيط المخل تقديم مسار واحد للمصائر التي لاقتها ~~الصوفية في المناطق المختلفة تماما، التي انتشر فيها ذلك «الإسلام الصوفي»، فإنه من ~~الممكن ملاحظة حدوث تطورات معينة شائعة أو واسعة النطاق في القرون ما بين القرن ~~الخامس عشر والقرن التاسع عشر. وإلى حد كبير، تتعلق هذه التطورات بتغيرات كبرى في ~~العلاقة بين الصوفية والدولة، وكانت هذه التغيرات نفسها معتمدة على ظهور أنواع ~~جديدة من الدول المنتمية لأوائل العصر الحديث، التي كانت أكثر بيروقراطية ومركزية ~~وثقة في سلطتها. ومع التداول السريع للحكم بين الأسر الحاكمة في قرون غزو ~~القبائل في الفترة ما بين القرن الثاني عشر والقرن السادس عشر تقريبا، لم تكن سمة ~~تفاعلات الدولة مع الدين التقلب فحسب، بل كانت هذه التفاعلات أيضا مؤيدة في ~~الغالب لاستقلال الطبقات الدينية؛ لأن الأسر الحاكمة القبلية الوافدة حديثا سعت ~~إلى اكتساب الشرعية من خلال رعايتها للصوفيين، الذين كانوا يتمتعون بتأثير كبير على ~~الشعب. وبالإضافة إلى استخدام هبات «الوقف» التي ضمنت استمرار هذا الاستثمار في ~~دعم العائلات الصوفية عبر الأجيال في المستقبل، فقد كان أثر ms147 ذلك من الناحية العملية أن ~~كانت المؤسسات الصوفية أكثر استقرارا في الغالب من مؤسسات الدولة؛ فقد كانت هذه ~~الأسر الحاكمة القبلية تعتلي سدة الحكم وتسقط من الحكم بقصورها وسياساتها في ~~تعاقب سريع، إلا أن الأضرحة والمساكن التي منحتها للصوفيين استمرت بعد رحيل تلك ~~الأسر لتكون السمة الأكثر ديمومة على الصعيدين المادي والاجتماعي. ومن خلال ~~العمارة المهيبة والمعمرة في أغلب الأحيان لأضرحة الصوفيين، اكتسبوا نوعا من ~~الخلود الحجري؛ إذ تحولت أجسادهم إلى أحجار الأضرحة التي أصبحت جزءا دائما من ~~المناطق الحضرية والريفية التي عاش ومات فيها المزيد من المسلمين الفانين. # في ضوء هذه الخلفية، ليس من العجيب انتشار فكرة أن الصوفيين هم الحكام الحقيقيون ~~للمناطق المحيطة بأضرحتهم؛ لأن «ولاية» الولي تعني أيضا سلطته الروحانية على النطاق ~~أو «الولاية» الإقليمية خاصته، وقد اتضحت هذه الأيديولوجية في العديد من الأعمال ~~السردية التي تصف الأولياء وهم يمنحون ممالك للسلاطين الذين كانوا مجرد حكام ~~مرئيين لهذه الممالك. وتظهر أيضا الاستمرارية النسبية للصوفيين مقارنة بالسلاطين ~~في أمور متعلقة بالسلالة؛ فلقد رأينا بالفعل الطرق الصوفية تدعم نموذج سلسلة ~~نسب الشيوخ؛ حيث يرث كل شيخ البركة والمعرفة والسلطة من أسلافه. وفي ظل عصر ~~كانت فيه سلسلة النسب (سواء المختلقة أو الحقيقية) ضرورية للمطالبة بأي سلطة، ~~سواء سياسية أو دينية، استطاعت أسر الأولياء الكبيرة - التي ظهرت في فترة العصور ~~الوسطى - زعم امتلاك سلاسل نسب لا يمكن انتقادها. واستخدم للإشارة إلى هذه ~~السلاسل المصطلحات نفسها التي استخدمها السلاطين؛ إذ يمكن استخدام المصطلح الصوفي ~~«سلسلة» للإشارة إلى «سلالة» ملكية ودينية على حد سواء. وقد لعبت الأسر والطرق ~~الصوفية الكبيرة - التي ظهرت في فترة العصور الوسطى، واتسمت بالثراء بسبب ممتلكاتها، ~~وأثارت خشية الناس بسبب قدراتها الغريبة - أدوارا محورية في مجتمعاتها؛ فقد كانوا، ~~باختصار، طبقة متحكمة ذات نفوذ واسع. وكما هو الحال مع كل الطبقات أصحاب النفوذ، فقد ~~كانوا يحافظون على مكانتهم من خلال مكانهم المحوري في شبكة العلاقات التي ربطتهم ~~بأتباعهم في كل قطاعات المجتمع. # سنرى في هذا الفصل التخلي التدريجي عن ms148 هذه الأوضاع القديمة؛ نظرا لظهور كيانات ~~دولية أكبر وأكثر نجاحا، سمح طول بقائها وسيطرتها الأكثر فاعلية على مواردها بفرض ~~تغييرات مؤسسية في الهياكل الدينية لمجتمعاتها على مدار فترات أطول. وعلى الرغم من ~~أن كل إمبراطورية من الإمبراطوريات التي ظهرت في أوائل العصر الحديث طبقت هذه ~~السياسات لأهداف مختلفة، فإنها في كل حالة أحدثت تغييرا في العلاقة بين الصوفيين ~~والدولة. وأدت هذه التغييرات، التي كانت مصحوبة في الوقت نفسه بتقوية الروابط بين ~~الدولة والمجتمع، التي كانت ضعيفة في السابق مقارنة بالروابط بين الصوفيين والمجتمع، ~~التي كانت أقوى في السابق؛ إلى تحول تدريجي في ميزان القوة بين النخب الدينية والنخب ~~الحاكمة، ولم يضعف هذا بالضرورة الصوفيين؛ لأنهم، كما سنرى، أصبحوا في حالات كثيرة ~~أكبر المستفيدين من السيطرة الأكثر كفاءة للدولة على مواردها. ونظرا لأن هذه الموارد ~~تضمنت توظيف أعداد أكبر من الموظفين الحكوميين، فسنرى في سياقات عديدة أن الطرق ~~الصوفية أصبحت مرتبطة ارتباطا وثيقا بسلطات معينة في الدولة. ونرى أحد الأبعاد ~~المهمة لهذه العملية في تزايد دور الصوفيين في سكن الحدود؛ حيث لعبوا دورا كبيرا في ~~توسيع الأراضي الجديدة الواقعة على أطراف نطاق سيطرة الدولة واستيطانها. ولم يحدث ذلك ~~فقط على الحدود في فترة العصور الوسطى، مثل جبال جنوب شرق أوروبا وغابات البنغال، بل ~~امتد في ذلك الوقت نحو الحدود الجديدة الآخذة في الاتساع في أفريقيا وجنوب شرق آسيا؛ ~~نظرا لأن الدول الإسلامية الجديدة التي ظهرت كسماسرة للتجارة العالمية المزدهرة ~~في الذهب والتوابل والرقيق استخدمت الصوفيين كمستوطنين ومديرين لأراضيهم الجديدة؛ ومن ~~ثم، إذا كانت الصورة الجديدة تتمثل في تغيير مكانة الصوفيين بين الدولة والمجتمع ~~أكثر من كونها تحولا بسيطا في المصائر، فإنها شهدت دخولهم في علاقات جعلتهم أكثر ~~اعتمادا على الدول، وأكثر تأثرا بالتغيرات في سياسات أو مصائر الدول المرتبطين ~~بها في نهاية المطاف. # في الصفحات التالية، سوف نتتبع الدور المتناقض الذي لعبته الصوفية في ~~الإمبراطوريات والسلطنات الإقليمية البارزة في فترة أوائل العصر الحديث، من خلال فحص ~~الطرق التي من خلالها كانت ms149 الصوفية لهذه الدول وسيلة لتحقيق السيطرة العقائدية، ~~والترابط الاجتماعي، والتوسع الإمبراطوري، وفي الوقت نفسه وفرت سبلا للتحريض على ~~التمرد وتحديد نطاق الانقسامات. أول نسق عام نستنتجه هو استخدام الأفكار الصوفية ~~والصوفيين كموارد لبناء الدولة، وأوضح تمثيل لهذا النسق نجده في استخدام أنماط ~~السلطة الصوفية من قبل الحكام، واستخدام أنماط السلطة السياسية من قبل الصوفيين. ~~ونظرا لأن الأباطرة أنفسهم سعوا إلى تقديم أنفسهم في صورة صوفيين، فربما من الجائز ~~قول إن القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر شهدا أعلى ذروة للتأثير الصوفي حتى ~~وقتنا الحاضر؛ حيث اقترضت اللغة الإنجليزية كلمة # sophy ~~(المأخوذة من اسم الطريقة ~~الصفوية)، وتسربت هذه الكلمة حتى إلى معجم شكسبير ومؤلفي مسرحية «رحلات الإخوة ~~الإنجليز الثلاثة»، واستخدمت كلقب للملوك الفرس، وليس للشخصيات الدينية. إلا أن هذا ~~النجاح الكبير انطوى على الحاجة إلى التقليل من تأثيره؛ لأن الأشخاص الموجودين خارج ~~زمر الصوفيين أصحاب النفوذ قلقوا من اطلاعهم على الموارد المالية للدولة ومعارفها؛ ~~لذلك مع مرور الوقت أصبح هذا التواطؤ بين السلطة السياسية والسلطة الصوفية يعتبر ذا ~~نتائج عكسية، بل مهددا أيضا لاستمرارية سلطة الدولة على المدى الطويل مقارنة ~~بالاستيلاء الأصلي على السلطة، واتضح ذلك الأمر من خلال تزايد قدرة دول معينة على ~~تكوين نموذج ل «العقيدة الإسلامية الحنيفة» وفرضه على مواطنيها. # النسق العام الثاني الذي سوف نناقشه يتعلق بازدياد انتقاد الفقهاء لأشكال معينة ~~من الصوفية، وهذا الانتقاد إن كان يعود إلى حد كبير إلى التحاق الفقهاء بمناصب في ~~الدولة، فإنه يعد أيضا انعكاسا ل «حملة تصحيح» أكبر لازمت بداية الألفية ~~الإسلامية عام 1591. وعزز التأثير الثقافي لهذا الحدث الأخير ارتباطه بخطاب طويل ~~الأمد، يحتفي ب «التجديد» الديني و«المجددين» الدينيين الذين يأتون مع مرور كل قرن ~~ومع مرور الألفية بصفة خاصة. # 3 # بطبيعة الحال، كانت بداية هذه الألفية أكثر أهمية؛ من حيث الزمن الثقافي ~~مقارنة بالزمن الطبيعي أو العملياتي الذي يهتم به المؤرخ. أما ما أكسب هذه ~~الألفية الأهمية، فتمثل في أن القرن الذي أعقبها - أول قرن في الألفية الثانية ms150 ~~بالزمن الثقافي الإسلامي - تزامن مع مجموعة تطورات في الزمن العملياتي الذي يهتم ~~به المؤرخ. أثرت هذه التطورات على مناطق إسلامية مختلفة بطرق متعددة ومميزة، ~~والتي شملت زيادة عدد السكان، التي غيرت العلاقات الديموغرافية بين المجموعات ~~الاجتماعية المختلفة؛ وزيادة التحضر، الذي أدى إلى ازدياد التفاعل بين أهل الحضر ~~والفلاحين والبدو؛ وتوسع التجارة، الذي مكن مجموعات التجار وأدى إلى تزايد ~~التعاملات مع الشعوب غير المسلمة؛ والتغيرات البيئية الطبيعية أو البشرية الصنع؛ ~~التي أسفرت عن عمليات هجرة واستيطان لمناطق جديدة، وفترة جديدة من المواجهات ~~العسكرية مع كيانات وثنية ومسيحية في أوراسيا وأفريقيا، هذا بالإضافة إلى أمر آخر لا ~~يقل أهمية على الإطلاق؛ ألا وهو تكوين دول إمبراطورية جديدة لها أجندات بيروقراطية ~~جندت القادة الدينيين والخطابات الدينية في خدمة الحكم على نحو متزايد. كان لكل ~~من هذه التطورات على صعيد التاريخ الاجتماعي أثره على تطورات أخرى على صعيد التاريخ ~~الديني، مما جعل أفرادا معينين أو جماعات معينة من الصوفيين - الذين يعملون في ~~نطاق متنوع من المناطق - يشعرون أن المسلمين من حولهم فقدوا مبادئهم الأخلاقية أو ~~الروحانية الأساسية. وعلى الرغم من أن قدوم الألفية الإسلامية الجديدة لم يكن سلسا، ~~وكان سيرها معقدا، فإن تزامن الزمن الثقافي للألفية الإسلامية الجديدة مع الزمن ~~العملياتي للحداثة المبكرة كان له أهمية كبرى. وعلى الرغم من كون مصطلح «حملة تصحيح» ~~مثيرا للجدل، فقد استخدمناه في هذا الفصل في محاولة لإدراك أهمية هذا التزامن العام ~~والمتنوع الجوانب بين المسارين الزمنيين على الصعيدين العام والمقارن. # في معظم الأحيان، لم يعبر على نحو صريح عن حملة التصحيح التي رافقت التغيرات ~~الاجتماعية المتعددة الجوانب التي حدثت في أوائل العصر الحديث، فيما يتعلق بالألفية ~~الجديدة، بل عبر المطالبات العديدة بالتأمل الذاتي أو التجديد التي انطلقت من ~~جنوب شرق آسيا وحتى غرب أفريقيا. ولم تحدث تلك الحملة في وقت واحد في كل المناطق، بل ~~اعتمد توقيتها على عوامل محلية متعلقة بالتغيير الاجتماعي والتحرك الفردي. وعند ~~استحضار الألفية على نحو صريح استخدمت أهميتها الدلالية لأهداف استراتيجية وبلاغية؛ ms151 ~~سعيا لتحقيق أجندات معينة. وعلى الرغم من ذلك، يمكن استنتاج بعض الاتجاهات العامة. ~~وفي كل المجالات تقريبا، شهدت حملة التصحيح محاولات لتقليل تأثير الأفراد أو الحركات ~~التي اعتبرت على نحو متزايد «متعارضة مع العقيدة الإسلامية الحنيفة» في نظر ~~الدولة، لا سيما الحركات ذات الجاذبية، التي كانت قادرة على تأجيج التمردات ضد ~~السلطة الحاكمة. وللأسباب نفسها، عندما كان حماس الفقهاء الزائد يهدد السلام ~~الاجتماعي، لم تكن الدول في هذه الفترة أقل رغبة في قمع الفقهاء المنتقدين ~~للصوفيين. وسواء أتعلق الأمر بالحركات ذات الجاذبية أم بالفقهاء، فقد تمثل النسق ~~الأكبر في تزايد سيطرة الدولة على الساحة الدينية التي استحسنت أو استهجنت ~~بالتبادل جماعات مختلفة صوفية أو مناهضة للصوفية في الفترات والأماكن المتنوعة ~~التي سوف نتناولها في هذا الفصل. في العموم، ما سنراه في هذا الفصل هو تصوير ~~للإمبراطوريات الإسلامية في أوائل العصر الحديث، والتي ربطت نفسها في البداية بأشكال ~~الصوفية الجذابة في القرن السادس عشر، ثم تزايد ابتعادها عنها مناصرة للإسلام الأكثر ~~التزاما بالشريعة (سواء الصوفي أو غيره) في القرن السابع عشر. # على الرغم من ذلك، إذا نظرنا إلى الجانب الآخر من «منظور الدولة» هذا، فسنتعلم ~~الكثير من الأمور من المنظور الأصغر نطاقا، المتعلق بأفعال الجماعات الصوفية الصغيرة ~~والأفراد الصوفيين. فبينما كانت الدول في أوائل العصر الحديث تلعب دورا أكثر تأثيرا ~~في تاريخ الصوفيين مقارنة بالقرون السابقة، فهذا لا يعني أن الصوفيين كفوا عن كونهم ~~عناصر فاعلة في صناعة تاريخهم. وإذا غيرنا المنظور كي ننظر إلى أنشطة الطرق الصوفية ~~وحتى العائلات الصوفية (إذ يبدو من الممكن أننا نستطيع أيضا تمييز شخصيات صوفية ~~باعتبارهم أفرادا وليسوا أنماطا في ذلك الزمن)، فإننا نستطيع أن نرى كيف تكيف ~~الصوفيون مع الظروف الجديدة في فترة أوائل العصر الحديث. مرة أخرى، كان التناقض هو ~~السمة السائدة؛ فمن ناحية، تواطأ الصوفيون مع الدول، وعملوا بإرادتهم ك «إمبرياليين» (وإن كان ذلك في الغالب على نحو غير رسمي) في خدمة الدولة، ومن ناحية ~~أخرى استخدموا الفرص الوفيرة للغاية المتاحة لهم ms152 في هذه الفترة لتكوين نطاقات خاصة ~~بهم ذات نفوذ يفوق نفوذ الدولة، بصفتهم نخبا متنقلة تتجاوز حدود الإقليم. # وأخيرا، في سياق تقلص الإمبراطوريات وانتشار الاضطرابات الاجتماعية منذ منتصف ~~القرن الثامن عشر، سوف نتتبع في هذا الفصل ظهور سلسلة من الطرق الصوفية الفرعية ~~الجديدة، التي سعت إلى فرض النظام على المجتمعات التي رأت أنها تنهار. وكان نجاح تلك ~~الطرق الفرعية في فعل هذا في حد ذاته نتيجة للحركة المتزايدة في أوائل العصر الحديث، ~~والشرعية المنتقلة من فترة العصور الوسطى للتقليد المستمر الذي زعم الصوفيون نقله، إلى ~~القرن الثامن عشر المتسم بالاضطراب. مرة أخرى، فإن فكرة الصوفية كآلية «تقليد» قادرة ~~على التكيف وإعادة إنتاج نفسها عبر الزمان والمكان، تساعدنا على فهم كيف كانت الصوفية ~~ردا فعالا للغاية على انهيار أشكال التنظيم الاجتماعي اللوجستية والأيديولوجية ~~الأخرى. ~~(2) العلاقات المتناقضة بين الإمبراطوريات والطرق الصوفية فيما بين عامي 1400 و1600 ~~تقريبا # في الفترة ما بين القرن الثاني عشر والقرن الخامس عشر، سيطرت القبائل الرحل أو ~~الاتحادات القبلية على تكوين الدول في معظم الشرق الأوسط ووسط وجنوب آسيا. وكانت معظم ~~هذه الجماعات القبلية لديها ارتباطات مميزة مع عائلات أو طرق صوفية معينة، وعلى الرغم ~~من ذلك، كان ثمة اختلاف في نوع الصوفيين الذين اختار حكام تلك القبائل الارتباط بهم ~~في فترات مختلفة من مسيرتهم؛ فمن خلال ارتباط الصوفيين بالمرحلتين اللتين كانت تمر بهما ~~أي قبيلة تنجح في تكوين دولة، يمكننا تقسيمهم على نحو فضفاض إلى صوفيين ~~«قبليين» وصوفيين «مستقرين». في الفصل الثاني، رأينا جلال الدين الرومي (المتوفى ~~عام 1273)، الذي يعد أشهر مثال على «الصوفي المستقر» المتعلم والمثقف، الذي يلقى ~~مناصرة من كيان قبلي في أثناء فترة استقراره؛ حيث بزغ نجمه بدعم من الأتراك ~~السلاجقة بعد استقرارهم في عاصمتهم قونية. أما في هذا الفصل، فاهتمامنا منصب أكثر ~~على «الصوفي القبلي» الذي ارتبط بالجيل التالي من القبائل، الذين كانوا لا يزالون في ~~مرحلة البداوة. لقد قابلنا بالفعل هذا النوع من الصوفيين على نحو وجيز في الفصل ~~الثاني، عندما ناقشنا ms153 كيف تمثل أحد جوانب إضفاء الطابع المحلي على الصوفية في ظهور ~~أولياء ذوي شخصيات جذابة، كانوا يرتدون جلود وقرون الحيوانات، ويعملون على حماية ~~عشائر أو قبائل بعينها. كان هذا الارتباط مناسبا؛ حيث تخصص كثير من هؤلاء الصوفيين ~~في توظيف قدراتهم الخارقة للطبيعة لصالح متطلبات قبلية تقليدية؛ مثل اكتشاف مصادر ~~المياه، أو التدخل في الصراعات المتعلقة بأراضي الرعي. # 4 # ونظرا لأن هذه القبائل الناجحة كانت ثرية بثرواتها المتنقلة المتمثلة ~~في الماشية والعبيد وسبائك الذهب أو الفضة، فقد كانت هذه الارتباطات مفيدة للطرفين. ~~وفي حالات عديدة، وجدنا هؤلاء القبليين يعطون البيعة لهؤلاء الحماة الصوفيين، ~~الذين استطاعوا نتيجة لذلك الإطاحة بسلطة شيوخ القبائل. ونظرا لكون هذه العملية ~~نتيجة للتركيب الاجتماعي الانفصالي للقبائل أكثر منها نتيجة لعمليات الجاذبية ~~المستقلة، فإنها قد اكتسبت أهمية خاصة من خلال قدرتها على توحيد جماعات قبلية ~~مختلفة تحت لواء قائد صوفي مشترك؛ إذ إن الصوفي، بصفته «غريبا» مولودا خارج الجماعات ~~التي تنتسب لها القبائل، كان قادرا على توحيد أعضاء القبائل المختلفة المتنافسة ~~بفاعلية أكبر، مقارنة بما يستطيع أن يفعله أي عضو ينتمي لأي منها. وحتى عندما لم ~~يدخل الصوفيون القبليون في تلك التحالفات، فإن كثيرا منهم برزوا كقادة للجماعات ~~القبلية البدوية، أو لمجتمعات المرتفعات شبه الرعوية التي سكنت السهوب والجبال فيما ~~بين الأناضول وآسيا الوسطى. # من المهم أن ندرك العواقب التي لحقت بالحياة الاجتماعية لدين بهذه الخلفية ~~القائمة على وحدات اجتماعية مقطعة ومستقلة؛ ذلك لأن في مثل هذه البيئات لم يكن يوجد ~~شخص أو مؤسسة تتمتع بسلطة دينية مهيمنة، ولا أساس عقائدي مشترك، وفي كثير من الحالات ~~لم تكن توجد وسيلة عامة للاطلاع على القرآن. ونظرا لأن كل جماعة قبلية امتلكت ~~راعيا دينيا خاصا بها، فما ظهر وسط هذه المجتمعات المتناثرة والمتفرقة كان ~~نظاما من اللاسلطوية الدينية، كان فيه ولي كل قبيلة هو مصدر السلطة. إذا كيف ~~أصبحت المعتقدات والطرق الصوفية التي شهدنا تطورها في السابق جزءا من هذا السياق؟ ~~يمكننا مرة أخرى أن نعثر على إجابة هذا السؤال ms154 في نموذج الصوفية باعتبارها ~~«تقليدا»، والطرق الصوفية لا باعتبارها منظمات في الأساس، بل آليات لإعادة إنتاج ~~التقليد وتوثيقه. وعلى الرغم من أن مفهوم التقليد يقدم محتواه في صورة المحتوى الذي ~~لا يتغير (وهذا هو الهدف منه في واقع الأمر)، فإن اختصاصيي علم الاجتماع لطالما ~~أدركوا أن التقليد في الحقيقة مورد يتسم بالمرونة الشديدة. وعند استخدام هذا ~~النموذج في المجتمعات القبلية المتنقلة والمنقسمة الموجودة خارج المدن، فإن ما ~~سيوضحه هو أنه على الرغم من أن الأولياء في القبائل اشتركوا في التقليد الصوفي فيما ~~يتعلق باستخدام مصطلحاته، وتكييف طقوسه، ومنح الانتساب إلى طرقه؛ فلقد فعلوا ذلك على ~~طريقتهم، وليس تحت قيادة شيخ يوجد في مكان آخر، وفعلوا ذلك بما يتفق مع احتياجات ~~مناصريهم القبليين. وعلى أي حال، فإنه في مثل هذه البيئة «اللاسلطوية» لم يكن يوجد ~~ما يمنع الصوفيين القبليين من تكوين أشكال من الصوفية متفردة خاصة بهم من مصادر ~~التقليد التي ورثوها؛ نظرا لأنه لم يكن يوجد كيان صوفي يماثل «الفاتيكان» يضمن وجود ~~تعاليم عقائدية عامة يلتزم الجميع بها. # 5 # وعلى الرغم من أن كثيرا من العلماء وصفوا الصوفيين القبليين بأنهم «غير ~~متبعين للعقيدة القويمة» أو «مبتدعون»، فإنه في الحقيقة لم توجد في زمنهم عقيدة ~~قويمة ذات سلطة مركزية يمكن مقارنتهم بها. وكما سنرى لاحقا في هذا الفصل، فإن هذه ~~«العقائد القويمة» (التي تغيرت مقوماتها في كل دولة إمبراطورية) لم تظهر إلا كنتيجة ~~فرعية لمركزية إمبراطوريات أوائل العصر الحديث، التي أعقبت الحقبة القبلية الأكثر ~~تقلبا في القرن الخامس عشر. # عانى مؤسسو الدول الجديدة القبليون، من البلقان إلى الهند في الفترة بين منتصف ~~القرن الخامس عشر ومنتصف القرن السادس عشر، من أجل تحويل أنفسهم من غزاة إلى حكام. ~~وتضمن هذا التحول أيضا تغيرا في أشكال الإسلام التي دعموها؛ لأنهم لم يصبحوا ~~مسئولين عن مصائر أتباعهم القبليين فحسب، بل أصبحوا مسئولين أيضا عن السكان الذين ~~يحكمونهم، الذين يتسمون بتركيبة أكثر تعقيدا وتنوعا؛ فقد كان لزاما أن تجري ~~النخب الحاكمة في الإمبراطورية الصفوية، والإمبراطورية ms155 العثمانية، والإمبراطورية ~~المغولية؛ هذا التحول، وكان للأساليب المختلفة التي حققوا بها هذا التحول عواقب ~~مهمة على مصائر الصوفية في بلادهم. إن بيئة السهوب والجبال التي تتسم بالترحال، ~~والتمرد، واللاسلطوية الدينية، وكثرة القبائل الطموحة، والتعاقب السريع للكيانات ~~السياسية المستقرة؛ هي ما أسفر عن كل من الإمبراطورية العثمانية والإمبراطورية ~~الصفوية. لقد كانت بيئة اضطر حكامها الجدد في نهاية المطاف إلى مواجهة أشكالها ~~الدينية في إطار محاولاتهم السيطرة على الأراضي الجامحة التي نشئوا منها. وعلى الرغم ~~من أن حالة المغول أكثر تعقيدا؛ لأنهم عندما صعدوا إلى السلطة انطلقوا من السهوب ذات ~~الطبيعة المترحلة إلى مجتمع الهند الزراعي المستقر، فإنهم عندما حكموا منطقة الهند ~~ذات الطبيعة التعددية إلى حد كبير، واجهوا أيضا مشكلة كيفية الانفصال عن ولائهم ~~القديم في السهوب للطريقة النقشبندية. ~~(3) منطقة البحر المتوسط: الإمبراطورية العثمانية المبكرة # لكي نرى كيف حدث هذا التحول المضطرب من دعم الصوفيين «القبليين» إلى دعم الصوفيين ~~«المستقرين»، ينبغي أن نلتفت أولا إلى الحالة العثمانية؛ ففي الفترة ما بين القرن ~~الرابع عشر والقرن السادس عشر، تضمن تطور الدولة العثمانية من زعامة قبلية قليلة ~~الشأن إلى إمبراطورية بيروقراطية معقدة تربط جنوب أوروبا بالأناضول ومصر وفي نهاية ~~المطاف شبه الجزيرة العربية؛ تحولا مضطربا عن أنواع الولاء الديني القبلي ~~والمستقر. وكما رأينا في الفصول السابقة، فإن البعد التعليمي والبعد الأدبي للصوفية ~~تطورا بارتباط وثيق بدراسة القرآن وتطبيق الشريعة الإسلامية. وقد اعتبر الحكام ~~العثمانيون - مثل الحكام السلاجقة والأيوبيين والمماليك السابقين عليهم - النسيج ~~المؤسسي للطرق الصوفية في المدن عاملا مهما في الحفاظ على النظام ~~الاجتماعي. # 6 # ونتيجة لذلك، شهد التوسع العثماني إعادة تأكيد على دور الطرق الصوفية ~~المتعلمة والمسالمة في الحياة الحضرية، سواء أكان ذلك من خلال دعم الطرق الموجودة ~~قبلهم، أم من خلال تقديم طرق أو طرق فرعية جديدة تتمتع بعلاقات وثيقة على نحو كبير ~~مع العثمانيين أنفسهم. وتعد الطريقة الخلوتية مثالا على الطريقة المتفقة مع ~~الشريعة، التي لا يربطها بالأناضول إلا أقل القليل. # 7 # فكونت الطريقة الخلوتية علاقات وثيقة مع كل من ms156 السلاطين العثمانيين ~~وكبار مسئوليهم؛ مما أدى إلى تأسيس مقر كبير للطريقة عام 1574 في قلب إسطنبول على ~~يد الصدر الأعظم صقللي محمد باشا. # 8 # بالإضافة إلى ذلك، دعمت الإمبراطورية الجديدة توسع طريقة الرومي ~~المولوية ذات «الدراويش الدوارة»، التي أصبحت الطريقة المفضلة لدى البيروقراطيين ~~العثمانيين. وهذا بدوره جعل تنظيم الطريقة المولوية متمركزا بمزيد من الفاعلية ~~حول مجمع الضريح المشيد حول قبر الرومي في قونية. بطبيعة الحال، لم تحدث رعاية ~~الطرق المفضلة هذه في خواء اجتماعي، وشهد تزايد تأثير هذه الطرق المفضلة تضاؤلا ~~مصاحبا في تأثير الطرق التي فضلها الحكام السابقون على العثمانيين؛ فقد شهد ~~استيلاء العثمانيين على سوريا ومصر من أيدي المماليك فيما بين عامي 1516 و1517، ~~على سبيل المثال، الاستبدال التدريجي للصوفيين البارزين المرتبطين بالمماليك لتحل ~~محلهم طريقة صوفية جديدة أكثر ارتباطا بالنظام الجديد. # 9 # واتضحت هذه الأجندة «الاستعمارية» عندما أعلن حسن الرومي - بعد أن ترك ~~الأناضول متوجها إلى مصر في أعقاب الغزو العثماني - شروط الوقف لمسكن صوفي جديد ~~مشيد في القاهرة على الطراز العثماني؛ حيث أكد على ألا يكون أي من موظفيه ~~من العرب المحليين. # 10 # ومن خلال رعاية تشييد مساكن وأضرحة صوفية جديدة، اكتسبت الجغرافية المقدسة لهذه ~~الأراضي التي غزاها العثمانيون «الطابع العثماني» تدريجيا. # 11 # في واقع الأمر، إن رعاية الإمبراطورية العثمانية للمؤسسات الصوفية الجديدة ~~في الأراضي التي غزوها حديثا في جنوب شرق أوروبا وفي الشام، جعلت العديد من ~~المؤرخين يصفون الصوفيين بأنهم لعبوا دور «المستعمرين» و«المستوطنين». # 12 # وفي البيئات الحضرية مثل حلب أو القاهرة، تضمنت هذه العملية تفضيل ~~مجموعة من المسلمين على غيرها، مثلما حلت طرق صوفية أو أفراد صوفيون مرتبطون ~~بالعثمانيين محل أولئك الذين كانوا محل تفضيل من المماليك. أما في السياقات الأخرى ~~(خصوصا الريفية)، فيبدو أن هذا الأمر تضمن تكوين ما يمكن وصفه بنقاط انطلاق ~~صوفية عن طريق المستوطنات الإسلامية في الأراضي المسيحية في الأساس. كانت الوسيلة ~~الأساسية لسياسة الاستيطان تلك هي نظام «الوقف»، الذي من خلاله كان يعطي السلطان أو ~~أي مسئول بارز في ms157 الإمبراطورية للشيخ الصوفي أرضا كافية لإعالة نفسه ولجذب ~~جماعة أتباع أكبر. # ونظرا لأن الصوفيين بصفتهم متبعين للسنة النبوية، كان من المتوقع منهم أن ~~يتزوجوا ويتناسلوا، فقد عنى هذا تزايد أعداد المستوطنين الأصليين هؤلاء ~~تدريجيا مع مرور الزمان. ونرى مثالا على ذلك في عام 1516، عندما وهب السلطان سليم ~~الأول لأحد الصوفيين أحد الأديرة المسيحية وما حوله من مزارع عنب وبساتين زيتون ~~في قرية دير البعنة في الجليل، التي شكل المسيحيون السواد الأعظم من ~~سكانها. # 13 # وحيث إن المساكن الصوفية كانت تحتوي في الغالب على أماكن إقامة، ~~وتمثل في بعض المناطق شبكة رسمية بنحو أو بآخر لدعم المسافرين، فقد جذبت أيضا ~~التجار المسلمين الذين عززوا اقتصاد المنطقة المحيطة. # 14 # لم تكن تلك السياسة موجهة فقط للمناطق المسيحية، وكما في حالة فروع ~~الطريقة البكتاشية في الأناضول، فقد كانت تستخدم أيضا للسيطرة على المناطق الريفية ~~التي يسكنها قبائل مسلمة غير مستقرة. # 15 # ومن ثم، لم تقتصر رعاية الإمبراطورية العثمانية للصوفية على كونها ~~مسألة دعم لمؤسسات جعلت السكان أكثر نظاما وطواعية للحكم بسبب دورها في «عملية ~~التحضر»، بل كانت أيضا مسألة دعم لمؤسسات ساعدت في استيطان أراض جديدة في ~~أعقاب غزوها، وسيكون من الخطأ اعتبار هذه المستوطنات جزءا من مسار طويل الأمد من ~~الصراع بين المسلمين والمسيحيين؛ فعلى الرغم من أنه على الأرجح كان يوجد في حالات كثيرة ~~مسيحيون استاءوا وحرموا من حقوقهم كمواطنين، بسبب وصول الصوفيين الذين تجمعهم ~~صداقات بأشخاص أصحاب مناصب رفيعة، كما حدث بالفعل في حالة المستوطنات الصوفية ~~المبكرة في فترة العصور الوسطى، فإنه مع مرور الوقت أصبحت المجتمعات الدينية المختلفة ~~يتقبل بعضها بعضا، وتخلق تراكيب جديدة من الممارسات الدينية. # 16 # وكما سنرى مرة أخرى في حالة الإمبراطورية المغولية، فإن فترة أوائل العصر ~~الحديث لم تكن لهذا السبب فترة مواجهات فقط، بل أنتجت أيضا أنواعا جديدة من المزج ~~الديني الذي لعب فيه الصوفيون دورا مهما. # على الرغم من أن محاولة العثمانيين تعيين صوفيين مختارين في المدن والقرى كانت في ~~جزء منها صدى ms158 لنسق سابق تمثل في دعم الدولة للمذهب السني الذي رأيناه في ~~الفصل الثاني؛ فقد تطورت هذه المحاولة في حالة العثمانيين إلى سياسة أكثر جدية، ~~تهدف إلى تحقيق مركزية في التعيينات الدينية، والسيطرة على الجماعات الصوفية ~~الهدامة، لا سيما القبلية منها. ويقال إن العثمانيين شجعوا توطين الصوفيين ~~النقشبنديين المهتمين بالشريعة في أراضيهم كجزء من محاولة نشر الالتزام ~~بالإسلام السني المعياري إلى حد كبير، والقائم على أحكام الشريعة بين القبائل ~~التركمانية في الريف. # 17 # وعلى الرغم من تشكيك الأبحاث الحديثة في هذا الأمر، فإنه لا يوجد مجال ~~كبير للشك في أن رعاية العثمانيين للنقشبنديين أسهمت في الطابع السني الأكثر ثباتا ~~للمجتمع العثماني الذي ظهر على المدى الطويل. # 18 # والسبب في ذلك يعود إلى أنه في الفترة ما بين القرنين الخامس عشر والسابع ~~عشر ظهرت بيروقراطية دينية رسمية، كانت التعيينات فيها - سواء كمدرسين في المدارس، ~~أو وعاظ في المساجد، أو شيوخ في المساكن الصوفية - تتحكم فيها إدارة مركزية تعود ~~إلى مركز الحكم في إسطنبول عاصمة الإمبراطورية العثمانية. # وبفضل وجود هذه الإدارة، تمكن المؤرخون من استخدام سجلات الإمبراطورية العثمانية ~~في جمع بيانات إحصائية عن الحياة الاقتصادية في المساكن الصوفية في كل من إسطنبول ~~والمقاطعات الريفية؛ حيث بدا أن الأراضي والثروة - اللتين كانتا مملوكتين لتلك ~~المساكن - كانتا أكبر بكثير مما كان عليه الحال في المدن. # 19 # لقد توسع جمع البيانات توسعا كبيرا لدرجة أن جماعات الدراويش ~~المتجولين الخارجين عن الأعراف وجدوا أن مساكنهم أصبحت ضمن نطاق البيروقراطية ~~العثمانية، بل حتى أنشطة الزهد في الدنيا المتمثلة في التسول والتجول أصبحت أيضا ~~مقننة نسبيا في هذه العملية. # 20 # إلا أن تلك الدولة المتقدمة نسبيا لم تتمكن مطلقا من السيطرة على كل ~~المساكن الصوفية في أراضيها، ولا على كل الأفراد الصوفيين. وربما نظرا لوصول الطريقة ~~النقشبندية متأخرا نسبيا إلى الأناضول، فقد عملت في العموم في الأراضي العثمانية ~~ضمن إطار مؤسسي أقل تنظيما؛ من خلال حلقات غير رسمية في المساجد أو في المساكن الصوفية ~~الممولة من قبل تجار من ms159 وسط آسيا، وليست من قبل الأوقاف الممنوحة لهم من قبل ~~الإمبراطورية. # 21 # وعلى المستوى الفردي، تظهر مسيرة نيازي المصري (المتوفى عام 1694) أنه ~~كان يوجد صوفيون مستعدون لاستخدام نفوذهم الاجتماعي في التعبير عن انتقادهم الواضح ~~للحكام العثمانيين. # 22 # وعلى الرغم من أن السلطات الحاكمة قررت أنه ليس من الحكمة إعدام هؤلاء ~~المنتقدين، فقد كانت تمتلك القدرة على فعل ذلك؛ ففي حالة نيازي المصري اختارت ~~استخدام نفوذها من خلال آلية أكثر تحفظا تمثلت في نفيه إلى جزيرة رودس، ثم إلى ~~جزيرة ليمنوس؛ ومن ثم كانت نتيجة اعتماد الدولة العثمانية على حنكتها التنظيمية وطول ~~بقائها أن حققت في العموم قدرا غير مسبوق من السيطرة على المجالس الصوفية الهرمية ~~في المدن والمساكن الصوفية، التي تمكنت من خلالها من السيطرة على القرى. ومن ثم، ~~فلا عجب في أن بالي أفندي (المتوفى عام 1553) - ذلك الصوفي البارز التابع للطريقة ~~الخلوتية، الذي تربطه علاقات قوية بالنظام الإمبراطوري - قد اكتسب لقب «جاسوس ~~المشايخ». # 23 # لم يكن العثمانيون أولى السلالات الحاكمة التي تدعم جماعات صوفية متعلمة ومسالمة ~~في الأراضي التي حكمتها، إلا أنهم من خلال محاولات السيطرة على الحماس الديني الريفي ~~والقبلي قد أعربوا عن الطموحات الجديدة للدولة (إن لم تكن دائما القدرات). وفي هذه ~~السياقات القبلية، يكشف التفاعل الغامض بين الصوفية والمؤسسة الإمبراطورية الحاكمة ~~عن نفسه على أفضل وجه؛ ذلك أن العثمانيين في فترة توسعهم المبدئي في القرنين الرابع ~~عشر والخامس عشر كانوا سعداء كثيرا بالاعتماد على مساعدة جماعات المحاربين ~~الرحل التي يقودها «الصوفيون القبليون» الذين وصفناهم. وقد أوكل العثمانيون إلى ~~تلك الجماعات غزو معظم الأراضي التي غزوها في البلقان والروملي (أي وسط اليونان ~~وتراقيا الشرقية في العصر الحديث) على هذا النحو بالضبط. # 24 # اعتمد هؤلاء المحاربون الصوفيون على فكرة «غزو» أراضي المسيحيين ~~الكفار، وهي أيديولوجية للعنف المشروع كانت أكثر مرونة من معتقد «الجهاد» المحكوم ~~بضوابط شرعية أكثر. # 25 # وفي بعض الحالات، نشهد ضم هذه الغارات الصوفية على نحو رسمي إلى ~~الجيوش العثمانية الأكثر تنظيما، مع إلحاق صوفيين معينين ms160 بوحدات الجيش؛ من خلال ~~تعيينهم في منصب «شيخ الجيش». # 26 # ولم يكن هؤلاء الصوفيون شخصيات حدودية مؤثرة في حياتهم فقط، بل كانوا ~~كذلك بعد موتهم؛ حيث دونت أساطيرهم، وتحولت قبورهم إلى مراكز للزيارة، وساعد هذا ~~في نشر شهرتهم خارج حدود زمان ومكان المجتمعات الحدودية التي حققوا فيها هدف ~~الإمبراطورية الأصلي؛ ومن ثم خلدوا تصوراتهم العنيفة والغريبة عن الإسلام في فترة ~~الاستيطان التي روجت فيها الدولة العثمانية الصوفية الأكثر مسالمة، التي كانت ~~موحدة كثيرا في كل أراضيها. # 27 # إن هذه المحاولة لاحتواء العوامل نفسها التي ساعدت في تأسيس الإمبراطورية العثمانية ~~كانت إحدى المعضلات المستمرة في التاريخ العثماني، ولم يكن الأمر على الإطلاق مقتصرا ~~فقط على حدودها مع أوروبا المسيحية، وأوضح مثال على ذلك نراه في تاريخ الطريقة ~~البكتاشية، التي سميت نسبة لصوفي قبلي تقليدي يدعى الحاج بكتاش ولي (المتوفى ~~عام 1337). # 28 # ومثل بقية منتجات البيئة التي تنتهج اللاسلطوية الدينية الموجودة خارج ~~المدن، فقد كانت الصوفية التي روجها الحاج بكتاش تتكون من مزيج فريد من عناصر ~~متعددة مأخوذة من التقليد الصوفي وبيئته القبلية؛ فقد كانت خليطا من الأفكار ~~الصوفية، والتراث الشاماني للقبائل التركمانية، والشيعية الشعبية، والمسيحية الريفية ~~للأناضول. # 29 # وعلى غرار الطرق الحدودية لشخصيات مشابهة؛ مثل صاري صالتق (المتوفى عام ~~1298) في البلقان، فقد كانت طريقة الحاج بكتاش مرتبطة في البداية بالمستوطنين الجدد ~~المتحدثين بالتركية فحسب، سواء أكانوا محاربين قبليين أم مزارعين حديثي ~~الاستيطان. # 30 # ومع مرور الوقت، ومنذ أواخر القرن السادس عشر فصاعدا، حافظت طريقة ~~الحاج بكتاش على ارتباطها بالعسكرية (أو اكتسبته) من خلال علاقاتها بالجيش العثماني ~~الأكثر تنظيما. وعلى الرغم من ذلك، فقد بدأت محاولات فرض المركزية والسيطرة على ~~البكتاشيين فيما بعد في وقت مبكر، يعود إلى عام 1501 عندما عينت الدولة بالم ~~سلطان (المتوفى عام 1516) الموالي للعثمانيين كرئيس للبكتاشيين، والذي عين في ~~منصب «الشيخ الثاني» كوريث رسمي ل «الشيخ المؤسس» الحاج بكتاش. # 31 # وقد اتخذت هذه المحاولة لسيطرة الدولة على البكتاشيين - التي لم تكن ~~تسعى لقمع هذه الطريقة (إذ لو ms161 حدث هذا، لكان أمرا بالغ الخطورة) - شكل تقنين ~~تنظيمها لتنتقل من كونها جماعة صوفية قبلية إلى طريقة صوفية رسمية لها قيادة ~~معينة، بطريقة مركزية، ولها مساكن في المدن وليس في الريف. وبينما كان السلاطين ~~الأوائل مناصرين كرماء، ومتحمسين لضريح الحاج بكتاش، فبعد حكم بايزيد الثاني ~~(الذي حكم من عام 1481 إلى عام 1512) أصبح دعم الإمبراطورية للضريح أقل انتظاما إلى ~~حد كبير. # 32 # وعلى نحو ينطوي على مفارقة نسبيا، فإنه في الفترة التي حاولت فيها ~~الدولة العثمانية ترويج إسلام موحد ومسالم إلى حد كبير، ضمنت هذه السياسة انتشار ~~وتخليد كثير من سمات إسلام القبائل اللاسلطوي القديم، عن طريق المساكن البكتاشية التي ~~أنشئت في كل مدينة في الإمبراطورية العثمانية. أما على صعيد الإطار الأوسع للتاريخ ~~الصوفي، فقد أدى تدخل الدولة العثمانية المركزية في الشئون الصوفية إلى تحول ~~الطريقة البكتاشية من مزيج متنوع من القبلية والتقليد إلى منظمة ذات تقليد ~~تتسم بقدر أكبر من البيروقراطية، وسيتكرر هذا النسق من القرن السادس عشر فصاعدا في ~~محاولات فرض التنظيم والبيروقراطية التي سوف تنتهجها الدولة العثمانية مع الطرق ~~الصوفية البارزة الأخرى في أراضيها. # شكل 3-1: ولي وإمبراطور إيراني: ضريح صفي الدين في أردبيل (تصوير: نايل ~~جرين). # لم تكن محاولات السيطرة هذه على سلطة واستقلال الصوفيين القبليين ببساطة ~~جزءا من مسار محدد لبناء الدولة، وقد شكلتها على نحو كبير أحداث الفترة. وعلى ~~الرغم من أن القرن الخامس عشر شهد قيادة الصوفيين القبليين لحملات عسكرية كثيرة ~~ناجحة لتوسيع نطاق الدولة العثمانية، فقد شهد أيضا محاولات تمرد منهم (تعد ~~محاولة الشيخ بدر الدين التي قام بها عام 1416 الأبرز من بينها)، ومع مرور القرن ~~أصبحت محاولات التمرد تلك أكثر تكرارا. # 33 # وكان الحراك المكاني والحماس الديني اللاسلطوي لهذه الحركات يعني أن ~~إمكانية مقاومتهم لأهداف الإمبراطورية تساوي إمكانية مساعدتهم في تحقيقها، بل إنه ~~في عام 1493 حاول أحد الصوفيين المنتسبين للطريقة الحيدرية الخارجة عن الأعراف أن ~~يغتال الإمبراطور بايزيد الثاني. # 34 # وكان التوتر بين الصوفية القبلية والصوفية المستقرة انعكاسا للعناصر ms162 ~~المتعددة لمجتمع غير متجانس يضم جماعات مختلفة من البدو والحضر. وفي مثل هذه ~~السياقات، كانت الطرق الصوفية أدوات مهمة للترابط الاجتماعي والتفاعل بين الجماعات ~~المختلفة؛ ولهذا السبب كانت الحكومة المركزية ترى فكرة تعيين قادة صوفيين، ودعم ~~هياكل تنظيمية أكثر تماسكا للطرق التي يقودها هؤلاء الصوفيون، جذابة على نحو واضح. ~~وحتى إذا ظلت هذه المحاولات جزئية وغير كاملة، فإنها على مدار القرن السادس عشر ~~والقرن السابع عشر جعلت الطرق ترتبط بعلاقات وطيدة أكثر مع الدولة العثمانية، حتى إن ~~لم تتصف هذه العلاقات مطلقا بالولاء التام. ~~(4) إيران: الإمبراطورية الصفوية المبكرة # لم تكن أقدار الصوفية داخل الأراضي العثمانية انعكاسا للشئون الداخلية فحسب، بل ~~شكلتها أيضا الحاجة إلى الرد على التطورات الواقعة في المناطق المجاورة. في هذا ~~الصدد وفي غيره، لم يوجد حدث في فترة أوائل العصر الحديث أكثر أهمية من الغزو السريع ~~لإيران، على يد جماعة صوفية قبلية نشأت في الحدود الشرقية الجبلية للحكم العثماني؛ ~~ففي عام 1501، غزا مراهق أصبح شيخا صوفيا بالوراثة مدينة تبريز الإيرانية ~~بمساعدة جيش من أتباعه القبليين، وعلى مدار العقد التالي، غزا بقية إيران ليضع ~~أسس إمبراطورية ستمتد في أوج اتساعها من شرق الأناضول إلى حدود الهند. وحملت ~~الإمبراطورية الحاكمة التي أسسها المراهق إسماعيل الصفوي (1487-1524) حتى انهيارها ~~عام 1722 اسم أسرته الصوفية الصفوية. # اكتسبت الأسرة والطريقة الصفوية أتباعها في الأساس من قبائل المناطق المحيطة بضريح ~~مؤسس الطريقة، الشيخ صفي الدين (المتوفى عام 1334)، الموجودة في المرتفعات بشمال ~~غرب إيران حاليا، على الرغم من أن ثروتها ومكانتها اعتمدتا أيضا على ما تمتلكه من ~~أراض، وعلى أتباعها أصحاب النفوذ من أبناء الحضر، إلا أن أتباع الصفوية من القبليين ~~كانوا الأكثر تأثيرا في ظهور الدولة الصفوية. وعلى غرار الحركات الصوفية القبلية ~~الأخرى؛ ففي القرن الخامس عشر اكتسب جنيد وحيدر حفيدا الشيخ صفي الدين عددا متزايدا ~~من الأتباع التركمان القبليين، الذين سخروا طاقاتهم في الغزو المصحوب بمباركة ~~دينية، الذي رأينا أنه كان أيضا سمة الحدود العثمانية في الفترة نفسها. # 35 # وكان الأتباع القبليون، ms163 الذين عرفوا باسم «القزلباش» أو «أصحاب ~~العمائم الحمراء»، يدينون بالولاء الشديد لشيوخهم الصفويين. وعلى الرغم من أننا ليس ~~لدينا أي مصادر تعطينا معلومات عن هؤلاء القبليين، كما هو الحال مع غيرهم من ~~القبليين، فمن خلال شعر مؤسس الإمبراطورية الصفوية الشاه إسماعيل، يبدو أنهم ~~بجلوه بصفته التجسد الحي لله. # 36 # ونظرا لأن المشروع التنظيمي والعاطفي، المتمثل في تأسيس دولة جديدة ~~وتوحيد شعبها حول حاكم صاحب شخصية جذابة ، لم يكن أمرا مقتصرا على الدول الإسلامية ~~في فترة أوائل العصر الحديث، فربما من المفيد مقارنة «اللاهوت السياسي» للصفويين ~~الأوائل بالتصورات الأوروبية في الفترة نفسها المتمثلة في جسد الملك ~~المقدس. # 37 # لم يكن تصور الملوك صانعي المعجزات مقتصرا على التجربة الأوروبية فحسب، ~~وظهر بناء على مطالبات سياسية جماعية لقادة المجتمعات الأكثر تعقيدا التي نشأت عبر ~~منطقة أوراسيا في هذه الفترة، واستمر من خلال الأداء الطقسي، وكذلك المعتقد المكتوب، ~~وانتشر من خلال الشائعات التي تتحدث عن القدرات الشفائية الإعجازية للمسة الملكية، ~~وخلد من خلال بناء أضرحة دينية خاصة بالسلالات الحاكمة. واعتراضا على وجهة النظر ~~القائلة إن الشاه إسماعيل زعم أنه الله في صورة بشرية، قيل إن شعره ليس استحضارا ~~لمعتقد جديد متعمد متمثل في التجسد أو «الحلول»، قدر ما هو مجاز شعري ~~لمعتقد قديم أكثر قبولا، متمثل في وصول الصوفي إلى حالة اتحاد مؤقت مع الله من ~~خلال تدمير صفاته الشخصية، فيما يعرف بمفهوم «الفناء». # 38 # وعلى الرغم من أن أفكار الشاه إسماعيل كانت مشابهة بالتأكيد لأفكار ~~الفترات المبكرة، فإن السياق الريفي والقبلي الذي استخدمت فيه كان مختلفا كثيرا ~~عن السياق الذي شهدنا فيه ظهور المصطلحات والأفكار الصوفية في السابق. # سمحت البيئة الدينية غير المحكومة بالقوانين، التي ظهر فيها الصفويون، باستخدام موارد ~~فكرية من التقليد الصوفي مثل المصطلحات الخاصة بولاية الشيوخ وقدرات الأولياء لخدمة ~~أهداف تعظيم الذات هذه دون وجود معارضة حقيقية. وفي واقع الأمر، يبين عدد من ~~الروايات شبه المعاصرة كيف أن القبليين القزلباش في حالات عديدة التهموا لحوم أعداء ~~شيخهم الشاه إسماعيل. # 39 ms164 # وقد قال أحد السفراء الهنود المسلمين للبلاط الصفوي: «لقد تقرر أنه يجب ~~على كل مؤمن معتقد بين صفوف الغزاة العظماء أن يتناول قطعة من الجسم البشري ~~المشوي كنصيب له. واحتشد جمع مخيف من آكلي لحوم البشر، والتهم الجسم لدرجة أنه ~~لم تبق منه أي قطعة لحم أو عظمة.» # 40 # كان هذا دليلا ماديا على الولاء الذي لا يتزعزع، الذي يكنه القبليون ~~لإله لم يكن هو نفسه أقل مادية في الهيئة عند التجسد في جسم الشاه إسماعيل. وفي ~~السياقات التي قدم فيها الشاه إسماعيل نفسه على أنه أداة الله في الأرض، لم تكن ~~ثمة سلطة مركزية للدولة أو للدين تمنعه من فعل ذلك، وإذا كان أتباعه القبليون قد ~~اختاروا تفسير قصائده باعتبارها تأكيدات على ألوهيته التي سوف تحميهم في ساحة الحرب؛ ~~فهذا يعني أنه لم يكن يوجد ممثلون للعقيدة الصوفية أو غيرها من العقائد الإسلامية ~~«القويمة» ليخبروهم أن معتقداتهم «ضالة». ومن الناحية التاريخية، كانت الحركة ~~الصفوية إلى حد كبير نتيجة بيئتها القبلية والجبلية التي لم توجد بها مؤسسات دولة ~~لوضع ضوابط للإسلام المرتكز على الأولياء الصوفيين ذوي الشخصيات الجذابة. # في هذا الصدد، يتشابه الصفويون الأوائل كثيرا مع البكتاشيين الأوائل والحركات ~~القبلية المشابهة التي رأيناها في أراضي العثمانيين، وكانت هذه هي المشكلة بالتحديد؛ ~~والسبب في ذلك لا يقتصر على ظهور الطريقة الصفوية على التخوم الشرقية المنفلتة ~~للإمبراطورية العثمانية، بل يتمثل أيضا في أن استحسانها من قبل القبليين - الذين ~~يدينون اسميا بالولاء للعثمانيين - أسفر عن انتفاضات من جانبهم، مناهضة ~~للعثمانيين ومؤيدة للصفويين، وزاد ذلك من احتمالية انفصال المقاطعات العثمانية ~~الشرقية وانضمامها إلى الكيان الصفوي الجديد المجاور. ونظرا لأن الشاه إسماعيل أعلن ~~أيضا عام 1501 أن دولته سوف تتبع تعاليم الإسلام الشيعي وليس الإسلام السني، فقد ~~منح التنافس بين العثمانيين والصفويين أيضا لكل إمبراطورية منهما مسوغات ~~التحدث بحماسة عن دفاعها عن الإسلام الحقيقي ضد مخربيه من السنة أو من الشيعة. ~~وأدى نجاح الأسرة الصفوية في توجيه ولاء القبليين القزلباش إلى تأسيس الدولة الجديدة؛ ~~إلى ms165 محاولة مقابلة لم تهدف فقط إلى قمع المتعاطفين مع الصفويين على نحو مباشر، بل ~~أيضا إلى قمع كل الحركات المشابهة الموجودة بين قبائل الأناضول العثمانية. وكجزء من ~~محاولة احتواء التهديد الصفوي، أقدم كل من السلطان العثماني بايزيد الثاني (الذي ~~حكم من عام 1481 إلى عام 1512)، والسلطان العثماني سليم الأول (الذي حكم من عام 1512 ~~إلى عام 1520) على عدة محاولات لقمع وجود القبليين القزلباش في أراضيهم. # 41 # إلا أننا عند مقارنة مساري الصوفية في ظل الإمبراطورية العثمانية ~~والإمبراطورية الصفوية، سنجد أن الأمر لا يتمثل فحسب في انتصار للصوفية القبلية في ~~الأراضي الصفوية أدى إلى قمع مقابل للصوفية القبلية ودعم للصوفية المستقرة في ~~الإمبراطورية العثمانية؛ والسبب في ذلك يعود إلى أنه مثلما رأينا في السابق معاناة ~~الدولة العثمانية نفسها في احتواء جماعات الصوفية القبلية التي أسهمت بفاعلية في كل ~~توسعاتها؛ فقد كان لزاما على الصفويين، من أجل تأسيس نظام مستقر للدولة ~~الصفوية، إعادة تقييم جدوى أتباعهم الصوفيين القبليين. وفي حالة الدولة الصفوية، كانت ~~عاقبة الصوفيين أكثر كارثية على نحو هائل من محاولة العثمانيين تحجيم الطرق ~~الصوفية من خلال فرض قدر أكبر من التنظيم عليها؛ ذلك لأنه على مدار القرن السادس عشر ~~حول هذا التغيير إيران الصفوية من دولة أوصلتها الصوفية إلى سدة الحكم إلى ~~دولة تضطهد الصوفيين حتى شفا الانقراض. # شكل 3-2: الصوفي كجندي: بلطة درويش إيراني من أوائل العصر الحديث ~~(بلطة درويش (إيران، القرن الثامن عشر تقريبا)، رقم القطعة: 3376. ~~الصورة منشورة بإذن متحف الإثنولوجيا الوطني في ميونيخ (تصوير: ماريتا ~~فايدنر)). # وعلى الرغم من أن القزلباش أثبتوا كفاءتهم في تقديم العنف اللازم لتوصيل كبار ~~الطريقة الصفوية إلى العرش، فإنهم على المدى الطويل كانوا أقل فائدة في الحفاظ على ~~الحكم المستقر للإمبراطورية الصفوية؛ إذ إنه كما أدركت كل إمبراطورية جديدة من ~~إمبراطوريات هذه الفترة، ليست عوامل الترحال والعنف والولاء المطلوبة لغزو الأراضي ~~كافية مطلقا لحكم تلك الأراضي؛ وهذا بدوره تطلب تعديل العلاقات الدينية عند ~~التحول من غزو الأراضي إلى حكمها؛ ففي بداية الفترة ms166 الصفوية كان القزلباش آمنين ~~بنحو أو آخر في مكانتهم الخاصة باعتبارهم المريدين الروحانيين للرجل الذي جعلوه ~~ملكا. أما في العقود التالية، فقد رأى الحكام الصفويون أن علاقتهم الخاصة بالقزلباش ~~تبعد عنهم الأعيان المقيمين وأصحاب النفوذ الآخرين، الذين كانوا في حاجة إلى كسب ~~ولائهم، وأدركوا أيضا أن إطار الطريقة الصوفية لم يكن كافيا في نهاية الأمر للحفاظ ~~على تلاحم الشعب. # 42 # وأدى ذلك إلى تضاؤل دور القزلباش القبليين تدريجيا في الحكم، إلى أن ~~وجدوا أن ولاءهم للدولة في نهاية الأمر قد أسيء استغلاله، لدرجة أنهم أصبحوا ~~جلادي الدولة، الذين يلتهمون أنوف وآذان المحكوم عليهم بالإعدام. # 43 # أما انعكاس ذلك على إيران في العموم، فقد تمثل في إقرار الإسلام الشيعي ~~تدريجيا باعتباره «دين الدولة»، وهو مصطلح بدأ يتبلور منذ فترة أوائل العصر ~~الحديث. # ونتيجة لذلك، فقد تعرض الصوفيون الذين رفضوا قبول الإسلام الشيعي لقمع وحشي ~~أدى، على سبيل المثال، إلى قتل ما يقرب من أربعة آلاف عضو من الطريقة الكازرونية في ~~جنوب إيران في بداية القرن السادس عشر. وخلال عقود قليلة ظهرت عقيدة جديدة مدعومة من ~~الدولة؛ نظرا لتغير نوع الإسلام المدعوم من الدولة الصفوية إلى نوع الإسلام الشيعي ~~الأكثر اعتمادا على الفقه والعلماء، وهاجمت طبقة العلماء الصاعدة حماس وعنف ~~القزلباش وتبجيلهم للأسرة الصفوية، واعتبرت صوفيتهم القبلية نوعا من «التطرف» أو ~~«الغلو». وعلى النقيض من صوفية القزلباش القبلية - التي كغيرها من الأنواع الناتجة عن ~~المرتفعات الحدودية، بدت بدائية بل مهرطقة أيضا بالنسبة إلى النخب الحضرية التي ~~كان يتعامل معها الصفويون في ذلك الوقت - فقد امتلك الإسلام الشيعي العلماء الفقهاء، ~~والرؤية المنهجية للنظام الاجتماعي، والاحترام الدولي؛ مما منح الإمبراطورية، التي ~~أصبحت مستقرة في ذلك الوقت، بديلا يحظى بقدر أكبر من الاحترام للإرث ~~الحدودي. ~~(5) الهند: الإمبراطورية المغولية المبكرة # عندما نلتفت إلى الإمبراطورية الإسلامية المنتمية لفترة أوائل العصر الحديث، التي ~~أسسها الحكام المغول في الهند، سنجد أوجه تشابه واختلاف مع وضع الصوفيين في ظل ~~العثمانيين والصفويين في القرن السادس عشر؛ فعلى الرغم من أن المغول ms167 أنفسهم لم يصلوا ~~إلى الحكم كأسرة صوفية مثلما حدث مع الصفويين، فإنهم مثل غيرهم من الحكام المغول ~~الأتراك، كونوا في تاريخهم المبكر في آسيا الوسطى تحالفات مع أولياء الطريقة ~~النقشبندية. # 44 # وفي تشابه مع العثمانيين والصفويين، فإن المنطقة التي آل حكمها إلى ~~المغول بعد غزوات مؤسسها بابر (الذي حكم من عام 1526 إلى عام 1530) ضمت جماعات ~~صوفية ترتبط بعلاقات مؤثرة مع السكان، لم يكن من السهل تهميشها لصالح حلفاء المغول ~~النقشبنديين. ونظرا لإدراك قوة المؤسسة الصوفية التي كانت موجودة بالفعل في الهند ~~منذ قرون، فقد كانت أول خطوة لبابر في غزو دلهي هي القيام بزيارة رسمية إلى أضرحة ~~أوليائها الصوفيين الجشتيين. # 45 # وعلى الرغم من ذلك، فإنه توجد أدلة على الدور الفعال الذي لعبه الصوفيون، ~~عندما أطيح بهمايون بن بابر، عن طريق انتفاضة الأفغان الذين لاقوا تهميشا في ظل ~~النظام الجديد بسبب ارتباطهم بالنظام الحاكم السابق؛ حيث كانوا سببا في فترة الحكم ~~الأفغاني الذي تبع الانتفاضة، ثم كانوا سببا في إنهائه في نهاية المطاف. # 46 # ولذلك، إذا مثلت بداية الحكم المغولي استمرارية للأمر الذي شهدنا ظهوره ~~في الفصل الثاني المتمثل في وقوف الأولياء الصوفيين على قدم المساواة مع السلاطين، ~~فإنه مع استقرار حكم المغول في الهند تغير ميزان القوة لصالح الدولة. وعلى الرغم من ~~أن المغول لم يحاولوا مطلقا فعل أي شيء فيما يتعلق بالتنظيم المركزي للطرق ~~الصوفية الذي وجدناه لدى العثمانيين، فإن المغول يجمعهم أوجه شبه مهمة مع ~~العثمانيين والصفويين تتعلق بطريقة تعامل المغول مع الصوفيين والرموز الصوفية. وكما ~~هو الحال مع دول تلك الفترة الأخرى، فقد مثل التقليد الصوفي موردا قيما يمكن ~~للدولة الاستحواذ عليه. وأبرز مثال تتجلى فيه الصوفية كمورد للدولة هو المعجم ~~الجغرافي العظيم للإمبراطورية المغولية، الذي يحمل عنوان «الدستور الأكبري» (الذي كتب ~~تقريبا عام 1590)، والذي صنفت فيه أضرحة الصوفيين وأوليائهم في الأراضي المغولية ~~ضمن الممتلكات الإمبراطورية الأخرى. # 47 # شكل 3-3: النفوذ الصوفي: تجمع الصوفيين والعلماء أمام الإمبراطور ~~المغولي، عام 1635 تقريبا (معرض فرير للفنون، مؤسسة ms168 سميثسونيان، ~~واشنطن: بيرتشيس، إف194217، إف1937. 6. 7ب). # يمثل الإمبراطور جلال الدين أكبر (الذي حكم من عام 1556 إلى عام 1605)، الذي رعى ~~هذا العمل، أجرأ محاولة مغولية لتوجيه الصوفية نحو تحقيق أهداف تخدم الإمبراطورية. ~~وأول مظاهر ذلك يتمثل في قراره بناء عاصمة جديدة للإمبراطورية في فتح بور سيكري ~~حول منزل سليم الجشتي (المتوفى عام 1572) - الذي سرعان ما أصبح قبره - ذلك الصوفي ~~الذي منح «أكبر» ابنا ووريثا من خلال معجزاته. # 48 # وفي صدى لرعاية الصفويين لمجمع ضريح وقصر حول قبر الشيخ صفي الدين خلال ~~العقود السابقة، كان تأسيس المغول لمجمع مشابه حول قبر أحد الأولياء من بعض النواحي ~~علامة على المكانة الرفيعة للصوفيين. # 49 # إلا أن إحاطة الضريح بجدران عالية من الحجر الرملي كان يمثل أيضا نوعا ~~من الحصار؛ ومن ثم إشارة صريحة على سياسة احتواء ودمج الصوفيين الأكثر أهمية في ~~الإمبراطورية. وعلى الرغم من غزو أكبر للبنغال وراجبوتانا وكجرات وكشمير، فإن طموحه كان ~~أكبر من ذلك؛ ما قاده (أو قاد وزيره أبا الفضل) إلى ترويج نظام ديني اجتماعي جديد، ~~امتزجت فيه عناصر من الدين الإسلامي والدين الهندوسي لتكوين «دين إلهي» ~~جديد. # 50 # وكان هذا الدين الإلهي في جوهره عبارة عن دين إمبراطوري استخدمت فيه ~~المصطلحات الصوفية التي أصبحت راسخة منذ أمد طويل؛ للإشارة إلى الإمبراطور نفسه، الذي ~~وصف بأنه «الإنسان الكامل» و«المرشد» لحلقة من المريدين الصوفيين الأوفياء، الذين ~~لم يكونوا سوى أفراد حاشيته. # 51 # ونظرا لاهتمامات أكبر المتنوعة المتعلقة بالألفية الإسلامية، فإنه ~~يوجد أيضا سبب لربط تصوره للدين الإلهي ببداية تلك الألفية في منتصف عهده. وعلى ~~الرغم من أن كثيرا من المسلمين الآخرين سوف يرون الألفية الجديدة فرصة للعودة إلى ~~السنة النبوية؛ فقد كانت بالنسبة إلى أغنى إمبراطور في هذا العصر فرصة لخلق ~~تركيبة دينية جديدة تماما. # على الرغم من ذلك، فقد كانت توجد عدة سوابق للأيديولوجية الصوفية الإمبراطورية ~~للمغول، خاصة في إيران؛ فقبل قرن، كتب الجامي الهراتي (المتوفى عام 1492) قصة ~~رمزية صوفية شعرية بعنوان «سلامان وأبسال»، قالها في نصيره السلطان يعقوب ms169 سليل أسرة ~~آق قويونلو (المتوفى عام 1490)، قدم فيها أيضا الحاكم القبلي في صورة «الإنسان ~~الكامل» الصوفي، الذي كان على هذا النحو حاكما مثاليا لغيره من المسلمين الأقل ~~مكانة. # 52 # ومن السوابق الأخرى طقس «عصا الطريق»، وهو طقس كان يقام في بلاط الحكام ~~الصفويين الأوائل في إيران؛ حيث كان القبليون القزلباش يضربون رمزيا؛ تعبيرا عن ~~الامتثال لشيخهم الملكي والروحاني. # 53 # وفي صدى للقصائد والطقوس الموجهة إلى الحكام، فقد كان الهدف من الدين ~~الإلهي المغولي ونموذج المرشد والمريد خاصته أن يكونا وسيلة لتعزيز الولاء في البلاط ~~الملكي، أكثر من أن يكونا نظاما يروج في المجتمع الهندي في العموم. وعلى الرغم من ~~أن قصر أمد استمرار الدين الإلهي قلل من شأنه لدرجة اعتباره نزوة ملكية، فإن ~~اللغة الصوفية التي وصفت الإمبراطور ب «المرشد» ووصفت الحاشية ب «المريدين» سوف ~~تستمر في ظل الحكام المغول اللاحقين؛ # 54 # فعلى سبيل المثال: في عهد جهانكير (الذي حكم من عام 1605 إلى عام 1627) ~~الذي خلف أكبر، جمع شخص من الحاشية يدعى عبد الستار حوارات الإمبراطور في صورة ~~كتاب ملفوظات من النوع المخصص عادة لحوارات الشيوخ الصوفيين. # 55 # وباستخدام المصطلحات الصوفية أشار عبد الستار على نحو معبر إلى مجموعة ~~الحوارات هذه باسم «ملفوظات جهانكيري»، هذا بالإضافة إلى وصف جهانكير بصانع معجزات ~~يحمل اللقبين الصوفيين «المعلم والمرشد». # 56 # ولم يكن المغول الحكام الوحيدين في جنوب آسيا في فترة أوائل العصر ~~الحديث الذين استخدموا نماذج السلطة الصوفية هذه لأغراض البلاط الملكي خاصتهم، فبعد ~~قرن من حكم جهانكير كون الحاكم الهندوأفغاني محمد خان بنكش (الذي حكم من عام 1713 ~~إلى عام 1743)، من مملكته الجبلية الصغيرة إلى شمال دلهي، لنفسه شخصية مشابهة، مزجت ~~ما بين صورة الشيخ الصوفي وصورة الغازي، وشجع كل فرد من أفراد حاشيته على اعتبار ~~نفسه من مريديه الصوفيين؛ ومن ثم، كانت نماذج السلطة الصوفية من السهل نقلها إلى ~~حد كبير. # 57 # وكما هو الحال مع الصفويين والعثمانيين، فقد عبرت الثقة الجديدة لدولة المغول عن ~~نفسها، في أوائل العصر الحديث، ms170 في استعدادها لمواجهة واحتواء الجماعات التي هدد ~~استخدامها للتقليد الصوفي السلطة الإمبراطورية. ومثلما سعى العثمانيون والصفويون في ~~نهاية المطاف إلى قمع الصوفية القزلباشية القبلية، ففي عهد جلال الدين أكبر قوبلت ~~بقمع شديد الحركة الروشنية الموحدة للقبائل التي قادها الصوفي صاحب الشخصية الجذابة ~~بايزيد الأنصاري (المتوفى عام 1585) وسط القبائل الأفغانية على الحدود ~~الشمالية. # 58 # في العموم، تعكس تعاملات البلاط المغولي مع الصوفية الأدوار المختلفة التي ~~لعبتها الصوفية في المجتمع الهندي في العموم خلال فترة الحكم المغولي. # 59 # وتفوقت الإمبراطورية المغولية على غيرها من الإمبراطوريات الأخرى في هذه ~~الفترة، في تجميع عدد من الجماعات العرقية والدينية المتنوعة معا، وعلى الرغم من ~~خضوع هويات هذه الجماعات للتغير على مر الزمان، فقد وجدت اختلافات وتحزبات ~~واضحة فيما بينها. وأدت تعددية المجتمع المغولي وتعقيده إلى توجيه الطرق والطوائف ~~الصوفية إلى اتجاهين مختلفين، كان أحدهما يرى أن الانتماءات الصوفية تضاهي وتحاكي ~~أشكال الارتباط العرقي أو اللغوي أو الطبقي، والاتجاه الآخر كان يرى أنها بمنزلة ~~وسيط للتفاعل بين الجماعات المختلفة يؤدي إلى لم الشمل الاجتماعي. من ناحية، نجد ~~أن الأشخاص الذين تجمعوا حول أحد الصوفيين كانوا في الأساس من الجماعة العرقية ~~التي ينتمي إليها الصوفي نفسه، وقد ظهر هذا العامل من سياق الهجرة والتهجير، الذي كان ~~من سمات المجتمع الإمبراطوري. # 60 # ومن الناحية الأخرى، نجد حالات كثيرة يكون فيها الشيوخ الصوفيون الأحياء أو ~~أضرحتهم وسائل للاندماج الاجتماعي، من خلال تجميع أعضاء من جماعات عرقية وحتى دينية ~~مختلفة معا. # 61 # ويقال إن معتقد «وحدة الوجود» لعب الدور الأساسي في هذا الصدد، والذي قد ~~رأيناه في الفصل الثاني ينشأ في الأساس من تعاليم ابن عربي (المتوفى عام 1240). وفي ~~السياق الهندي، ربما كان هذا المعتقد أداة تمكين للوحدة الاجتماعية، جعلت ~~المسلمين والهندوس يعتقدون أن آلهتهم وممارساتهم المختلفة تمثل جزءا من وحدة ~~كونية أكبر. # 62 # على الرغم من صعوبة معرفة كيفية إثبات هذا التعميم، فإن معتقد وحدة الوجود مكن ~~كثيرا من الشعراء المسلمين (ومستمعيهم) من تخيل أنفسهم يدخلون المعابد ويسجدون ~~أمام ms171 تماثيلها، وحيث إنه من الممكن أن نعزو هذا الدور الأيديولوجي إلى هذا المعتقد ~~في الهند، فإن الدعم الذي تمتع به هذا المعتقد أيضا في الإمبراطورية العثمانية ~~التي تشبه الهند في تعددية الأديان كان له أثر كبير. إلا أن هذه التسوية بين أعضاء ~~الجماعات الدينية المختلفة لم تكن ناتجة عن الفكرة فحسب، بل كانت ناتجة أيضا عن ~~الوسيلة؛ فيجب ألا نقلل من الدور الذي لعبته اللغة الفارسية في تمكين نشر المصطلحات ~~الصوفية بين الجماعات المختلفة التي اطلعت على ثقافتها الأدبية في الهند المغولية؛ ~~حيث كانت الفارسية تروج بين كل الجماعات المرتبطة بالدولة، بما في ذلك الكثير من ~~الهندوس من طبقات الكتاب الذين مثلوا دعامة البيروقراطية المغولية. # 63 # وبعيدا عن الفارسية، فقد رأينا بالفعل كيف أدى إضفاء الطابع المحلي على ~~التعاليم الصوفية إلى انتشارها، ولم يختلف الأمر في الهند. وفي حالة شعراء البنجاب، ~~أمثال شاه حسين (المتوفى عام 1599)، وسلطان باهو (المتوفى عام 1691)، وبلهى شاه ~~(المتوفى عام 1757)؛ وشعراء السند أمثال شاه عبد اللطيف (المتوفى عام 1752)، شهدت ~~فترة المغول انتقال المصطلحات الصوفية إلى المستوى الريفي، تلك التي كانت حكرا إلى ~~حد كبير على الطبقات الحضرية قبل القرن السادس عشر. # 64 # وهذا الانتشار الريفي لم يقدم الأفكار الدينية فحسب إلى الجمهور الريفي، ~~بل قدم أيضا آليات التحكيم والسيطرة؛ حيث أصبح الصوفيون دعائم مهمة للنظام ~~الاجتماعي الريفي، سواء فيما يتعلق بتعنيف ووعظ مخالفي القانون، أو تسوية ~~النزاعات، أو تعليم السلوك اللائق. وعلى الرغم من أن الصوفيين في الهند المغولية لم ~~يكونوا قريبين على الإطلاق من الدولة كما حدث في عهد الإمبراطورية العثمانية، وحتى إن ~~كانوا بعيدين جدا عنها، فقد حافظوا كثيرا على النظام والتناغم الاجتماعيين في ~~الهند. # 65 # وعلى الرغم من أنه كان يوجد الكثير من الصوفيين الفقراء الذين عاشوا على ~~هامش المجتمع والدولة أيضا، فإنه لن يكون من المبالغة القول بأن الصوفية في الغالب ~~كانت إلى حد كبير جزءا من المؤسسة المغولية الحاكمة. # نرى تشابها مهما آخر بين علاقة الصوفيين بالدولة في الأراضي العثمانية والأراضي ms172 ~~المغولية، في الدور الذي لعبه الصوفيون في توسيع الحدود الإمبراطورية. لقد رأينا بالفعل ~~أهمية الصوفيين «المستوطنين» في التوسع العثماني في جنوب شرق أوروبا والشام، وفي ~~الهند المغولية كانت توجد عملية مشابهة. ولم تكن العملية نفسها بجديدة على الهند؛ فقد ~~ساعد الصوفيون في توسيع رقعة الاستيطان الإسلامي على طول سهل نهر الجانج الخصب ~~طوال فترة سلطنة دلهي (1206-1526)، سواء في صورة ساكني الحدود الذين يساعدون أنفسهم أو ~~عن طريق حصولهم على الأراضي الممنوحة من السلطان. # 66 # واستمر النمط القديم هذا المتمثل في توظيف الصوفيين في توسيع الحدود ~~الزراعية في ظل المغول، الذين منحهم غزوهم لمنطقة غابات البنغال الشاسعة عام 1574 ~~قدرا هائلا من الأراضي يمكن منحها للرعايا الأتقياء والموالين لهم. وعندما تسلم ~~الصوفيون هبات الأراضي الممنوحة لهم في الغابات، وظفوا الحطابين المحليين ~~لإزالة الأشجار لتصبح الأراضي صالحة للزراعة؛ وبهذه الطريقة، قدموا لسكان الغابات ~~الأصليين الإسلام في صورته الصوفية؛ مما أدى إلى توسيعهم لحدود الإمبراطورية، وكذلك ~~تنفيذ عملية «الدعوة للإسلام عن طريق المحراث». # 67 # وبينما وسع هذا الأمر جزئيا نطاق التعليم الإسلامي الرسمي، فإنه أيضا ~~دفع عملية إضفاء الطابع المحلي على التعاليم الصوفية إلى مستويات دمج جديدة؛ فأصبحت ~~موضوعات الأدب الصوفي البنغالي مأخوذة من التنترية وأساطير الغابات القديمة. # 68 # لم يكن هذا النسق المتعلق بالاستحواذ على الأشخاص الصوفيين والمصطلحات الصوفية ~~وإعادة توجيههم من قبل الدول في أوائل العصر الحديث؛ مقتصرا على الإمبراطوريات ~~الثلاث الكبرى في هذه الفترة، ويمكن رؤيته في عدد من البيئات الأخرى. وفي كثير من ~~الحالات، تضمن هذا الأمر انتقال أسر صوفية من النخبة من المراكز القديمة المرموقة ~~إلى البيئات الحدودية، التي كان فيها علمهم ومكانتهم الوجودية كأولياء لله - اللذان ~~يمثلان رأسمالهم الرمزي - موردين نادرين. ويساعدنا دمج هؤلاء الأولياء المتنقلين في ~~الدول الجديدة الموجودة على الحدود البحرية للمحيط الهندي في ربط تاريخ الصوفية في ~~المناطق المختلفة بعضه ببعض. وتعد السلطنات الإقليمية في منطقة الدكن الواقعة جنوب ~~الهند أحد الأمثلة في هذا الشأن؛ فقد جذب السلاطين البهمنيون في منطقة الدكن أسرة ms173 ~~الصوفي الإيراني المقدس شاه نعمة الله (المتوفى عام 1431) إلى عاصمتهم في بيدار، كجزء ~~من سياسة أكبر تفضل النخب المهاجرة على النخب المحلية. # 69 # ونظرا للدعم الهائل الذي تلقاه النعمتلاهيون من قبل الأسرة الحاكمة ~~نفسها، وتحالفها معهم عن طريق الزواج، فقد أصبحوا شخصيات أساسية في البلاط الملكي، ولم ~~يقتصر دورهم على قيادة مراسم تتويج السلاطين، بل منحوا أيضا السلطان أحمد شاه (الذي ~~حكم من عام 1422 إلى عام 1436) مرتبة «الولي» الصوفية؛ كي يضيفها إلى ألقابه الرسمية ~~الملكية الأخرى. وتصف سيرة فارسية نادرة لشاه نعمة الله، تعود إلى فترة السلاطين ~~البهمنيين، كيف أن أحمد شاه قبل أن يصل إلى الحكم رأى شاه نعمة الله في الحلم يضع تاجا ~~على رأسه، وبعد أن استيقظ استلم خطابا منه يزيد طمأنته على نجاحه في ~~المستقبل. # 70 # واستكمالا لهذه العلاقات بين الأولياء والسلاطين في الأجيال التالية، ~~كرر هذه القصة مؤرخ جنوب الهند العظيم فرشته (المتوفى عام 1620)، في حين أهديت ~~سيرة أخرى لشاه نعمة الله للسلطان البهمني التالي، علاء الدين أحمد شاه الثاني (الذي ~~حكم من عام 1436 إلى عام 1458)، الذي وصف في الإهداء بأنه «سلطان العرفاء». # 71 # وشهدت أيضا سلطنات أخرى في جنوب الهند تقوية للعلاقات بين الصوفيين ~~والدولة، كما في حالة الزيادة الكبيرة في منح هبات الأراضي، أو ما يعرف ب «الإنعام» ~~والمعاشات، أو ما يعرف ب «اليوميات» للصوفيين على يد سلاطين سلالة عادل شاه الذين ~~حكموا بيجابور في القرن السابع عشر. # 72 # وعلى غرار السياقات الأخرى في أوائل العصر الحديث، فإنه يبدو أن الهدف من ~~ذلك كان خلق مؤسسة دينية مستقرة وموحدة موالية لمناصريها الذين يمثلون الدولة؛ ~~نظرا لاعتمادها عليهم. # 73 ~~(6) جنوب شرق آسيا: سلطنات الملايو # إذا كان الوضع في هضبة الدكن يشبه كثيرا النموذج العثماني، فقد كانت توجد أيضا ~~أمثلة على كيانات إقليمية أصغر انتهجت الاستحواذ الكامل على المصطلحات الصوفية، ~~الذي شهدناه في حالة الشاه إسماعيل في إيران وجلال الدين أكبر في الهند؛ فقد حدث أيضا ~~أن قدم الملك في صورة الولي أو ms174 في صورة الإنسان الكامل في السلطنات الموجودة في جنوب ~~شرق آسيا؛ مما أسفر عن ملوك صناع معجزات في جزيرتي جاوة وسومطرة اللتين ~~تشتهران بالتوابل. وتظهر المصادر الملايوية المبكرة مثل «حكايات ملوك باساي» كيف ~~أنه حتى في السلطنات الإسلامية المبكرة التي تأسست في المنطقة، كان يصور السلاطين ~~على أنهم يتشاركون في القدرة على صنع المعجزات مع الصوفيين. # 74 # ومثلما استضافت الهند نفسها الصوفيين الرحالين القادمين من المراكز ~~المرموقة القديمة في آسيا الوسطى وإيران، فإن الممالك الصغيرة في أرخبيل الملايو ~~الإندونيسي رحبت بدورها بالصوفيين الذين كانوا تجسيدا للمكانة المرموقة وقوة تلك ~~الأماكن الروحانية البعيدة. وعلى الرغم من أن جنوب شرق آسيا لطالما وصف بأنه الطرف ~~السلبي في هذه الشراكة؛ نظرا لاستقباله هذه الهجرات الصوفية، فإنه يلزم الانتباه إلى ~~الأخبار التي تقول إن العلماء المسلمين من جنوب شرق آسيا كانوا يدرسون في شبه الجزيرة ~~العربية منذ وقت مبكر يعود للقرن الرابع عشر، كما هو الحال مع أبي عبد الله بن مسعود ~~الجاوي. # 75 # وفي قصائد المديح المتأخرة استخدمت «جاوة»، وطن ابن مسعود المفهوم على ~~نحو غامض، الذي كان يعتبر بالغ الثراء بالنسبة إلى المدن البعيدة في شبه الجزيرة ~~العربية، لربطه مجازيا بالتوابل والعطور الباهظة الثمن التي يشتهر بها جنوب شرق ~~آسيا على نحو أساسي. # 76 # إن هذه الارتباطات الخيالية ليست مبالغة تبجيلية فحسب، بل إنها تشير إلى ~~الاعتماد المتبادل بين الدين والتجارة، الذي أفسح مجالا أمام «الواردات» الصوفية في ~~أوائل العصر الحديث. وعلى الرغم من أن هذه العملية يمكن لمحها فقط في الأعمال السردية ~~التي تتحدث عن المعجزات المحفوظة في السجلات الملكية، فإن تحول الحكام الملايويين ~~في الدول التجارية الحديثة، التي ظهرت في جنوب شرق آسيا في القرنين الخامس عشر والسادس ~~عشر، إلى الإسلام؛ عزي كثيرا إلى بركة وتعاليم هؤلاء الصوفيين الرحالين، الذين ~~أبحروا إلى المنطقة من مراكز قديمة مثل بغداد، على الرغم من أن الأبحاث الأحدث تظهر ~~أن الهند كانت المصدر المرجح أكثر لهؤلاء الأولياء. # 77 # والروايات التي تسرد قصص التحول إلى ms175 الإسلام المحفوظة في السجلات ~~الملايوية تتسم عادة بالإثارة البالغة؛ حيث تروي ختان الملوك بطريقة إعجازية أثناء ~~نومهم، أو إنقاذهم أثناء سكرهم من الشياطين التي تتبول في كئوسهم. وتظهر أدلة ~~انتشار الإسلام في أعماق جنوب شرق آسيا وجود تطورات مشابهة؛ حيث ارتبط تحول ~~جاوة إلى الإسلام بقصص «الأولياء التسعة» المشهورين وأضرحتهم. وبالمثل، فإن أقدم الأدلة ~~الأدبية المهمة على الإسلام الجاوي، مثل كتيب «بريمبون» الجاوي الذي يعود إلى القرن ~~السادس عشر، يوثق انتشار إسلام صوفي النوع في جوهره في جاوة. # 78 # ومن جنوب شرق آسيا في القرن السادس عشر، توجد أدلة من كتابات الصوفيين أنفسهم، الذين ~~كانت أعمالهم شاهدة على إدراكهم الشديد التعقيد للتفاصيل الدقيقة الماورائية في حدود ~~المحيط الهندي هذه. وعكس هذا التعقيد ظهور طبقة من العلماء الصوفيين المتنقلين في ~~المنطقة؛ # 79 # ففي حالة حمزة الفنصوري (المتوفى عام 1527 أو 1590)، نجد صوفيا ولد ~~في جنوب شرق آسيا يسافر إلى مكة وبغداد وحتى فلسطين، قبل أن يعود إلى التدريس في وطنه؛ ~~مما يشير مرة أخرى إلى نموذج التداول الثنائي الجانب، أكثر مما يشير إلى مجرد ~~الانتقال من المركز إلى الحدود، # 80 # فترجح إعادة تقييم حديثة للأدلة المتعلقة بالحياة المهنية لحمزة ~~الفنصوري أنه كان عضوا في الطريقة القادرية التي تأسست في بغداد، وكان يستقطب ~~المريدين في بلاط ملوك باساي في سومطرة؛ حيث إن حاكمها في حوالي عام 1270 اعتنق ~~الإسلام. # 81 # وقد عكس وجود الفنصوري الكونية التي تسببت فيها معدلات التجارة في ~~المنطقة؛ فعندما زار الرحالة الشمال أفريقي ابن بطوطة (المتوفى عام 1368) مملكة ~~باساي، تحدث عن أنه وجد عالمين إيرانيين خبيرين في الفقه الإسلامي يعملان في ~~خدمة السلطان. # 82 # وفي عصر الفنصوري؛ أي بعد قرن من هذه الزيارة، كانت باساي قد أصبحت ملتقى ~~دينيا وتجاريا نقل منه الفنصوري ومريدوه التقليد الصوفي إلى مناطق جغرافية جديدة. ~~ومن خلال استخدامهم اللغة الملايوية لغة للكتابة، وصلت تعاليم الصوفي الأندلسي ~~الكبير ابن عربي (المتوفى عام 1240) إلى جماهير لم يكن ليحلم بها مطلقا؛ مما أدى ~~إلى توسيع نطاق ms176 عملية إضفاء الطابع المحلي على التعاليم الصوفية التي شهدناها في ~~الفصل الثاني إلى آفاق جديدة. وتعد كتابات الفنصوري الشعرية والعقائدية الغزيرة ~~المكتوبة باللغة الملايوية أهم الأمثلة المبكرة في هذا الشأن. # 83 # وفي الوقت الذي بحث فيه الفنصوري عن مرادفات ملايوية للمصطلحات الصوفية ~~أثناء عملية إضفاء الطابع المحلي على التعاليم الصوفية، اقترض المصطلحات الأساسية ~~العربية الأصلية التي استخدمها الصوفيون الأوائل في بغداد ليستخدمها في الصوفية ~~الملايوية؛ مما ساعد في الحفاظ على صلة هذه الصوفية الجديدة بالتقليد الصوفي ~~القديم. # 84 # وفي وقت متأخر نسبيا، اقترضت أيضا كلمات أساسية مثل «ولي» إلى ~~اللغة الجاوية نقلا من المصطلحات الصوفية العربية. # وعلى غرار الصورة الأكبر للتفاعل بين الدول والصوفيين في أوائل العصر الحديثة، فقد ~~حدث تكييف للتقليد الصوفي وفقا للسياق الثقافي الملايوي الجديد هذا، في إطار أجندات ~~أيديولوجية أوسع نطاقا. ونظرا لأن الصوفيين من أمثال الفنصوري كانوا مدعومين من ~~مناصريهم من الحكام، فإنه ليس من المفاجئ أن الصوفية التي دعمها هؤلاء المناصرين ~~كانت تعزز سلطتهم ولا تقلل منها. وعلى الرغم من ذلك، فإنه يجب القول إن ظروف ~~الفنصوري وكذلك زمن حياته المهنية يبقيان محل خلاف؛ ومن ثم، يمكننا الحديث ~~بمزيد من الوضوح عن التفاعل بين الصوفيين والدولة في جنوب شرق آسيا في القرن السابع ~~عشر فقط، كما سنرى فيما يلي. ~~(7) آسيا الوسطى: مجتمعات الأضرحة # إذا كانت الصورة في جنوب شرق آسيا ضبابية أثناء القرن السادس عشر، فإننا نمتلك ~~توثيقا أكثر كمالا للعلاقة بين الطرق الصوفية والدولة في آسيا الوسطى. كما رأينا في ~~الفصل الثاني، في منطقة كانت الهياكل التنظيمية للسلالات القبلية الحاكمة فيها ترتبط ~~مع المجتمع الأوسع نطاقا بروابط ضعيفة نسبيا؛ فقد شهد القرن الخامس عشر ظهور قائد ~~ينتمي لأحد فروع الطريقة النقشبندية، أصبح أكبر مالك للأراضي في آسيا الوسطى، وأيضا ~~حاكما لدولة موازية استمرت بعد زوال حكام الدولة التيمورية والدولة الشيبانية، ~~وفاقت حدودهما في المنطقة. وتمثل الطريقة النقشبندية حالة مهمة؛ لأنها تظهر كيف ~~يمكن أن تصبح الطريقة نفسها مختلفة للغاية في الأماكن المتعددة الموجودة ms177 بها؛ مما ~~يشير إلى التفاعل بين التقليد والمشاركين فيه وبيئته. وإذا ظلت النقشبندية في الأراضي ~~العثمانية شبه منظمة طوال فترة أوائل العصر الحديث، فإنه لم يكن من الممكن أن يصبح ~~حالها أكثر اختلافا في المدن الواحية في آسيا الوسطى؛ فبعد تكوينها هيكلا تنظيميا ~~مركزيا تحت قيادة عبيد الله أحرار (المتوفى عام 1490)، أسست (أو بالأحرى أسس ~~أتباع عبيد الله أحرار) فعليا دولة خاصة بها، وانتهجت نظام «الحماية» الذي تلقى ~~من خلاله أعضاؤها البركات الروحانية، وكذلك مساعدة ملموسة متمثلة في العمل في ~~الأراضي الزراعية الشاسعة التي يمتلكها أحرار. # 85 # وروج السلاطين التيموريون (لا سيما حسين بايقرا الذي حكم من عام 1469 إلى ~~عام 1506) لتلك السياسة القائمة على التوسع الزراعي، من خلال استخدام الوقف لمنح ~~الأراضي الزراعية غير المستغلة على نحو كاف لأسر الأولياء، وعندما انهارت الدولة ~~التيمورية نفسها، تمسكت أسر الأولياء بمواردها الزراعية الثرية. # 86 # وعلى مدار القرنين الخامس عشر والسادس عشر، منحت الطريقة النقشبندية ~~أعضاءها الكثر الموجودين بين الفلاحين والحضريين المستقرين الخدمات التي ~~تقدمها الدول لرعاياها مثل الحماية من غارات الغزاة البدو، أو امتيازات مثل ~~الإعفاء من الضرائب. # 87 # ونظرا لامتلاك شيوخ الطريقة ونوابهم قدرات روحانية ومادية، فقد ~~احتفي بهم في الحكايات التي صورتهم وهم يعاقبون على نحو خارق للطبيعة أعداء ~~الأتباع الموجودين تحت «حمايتهم». # 88 # وبعد أن ظهرت تلك الطريقة في القرن الثاني عشر كطريقة هادئة وفقيرة وشبه ~~منظمة، أصبحت في القرن السادس عشر تنظيما فاحش الثراء، وشديد المركزية، تربطه ~~صلات قوية بكل أسرة حاكمة صادفته. وتوثق الخطابات الباقية التي كتبها عبيد الله ~~أحرار وأعضاء تنظيمه البيروقراطية البالغة الكفاءة التي ضاهت - بل فاقت أيضا في ~~بعض الحالات - سلطة حكام المنطقة الرسميين. # 89 # وتظهر الخطابات الكثيرة الباقية، العملية الطابع على نحو مذهل، أن ~~الطريقة كانت آلية لحل نزاعات الملكية والنزاعات القانونية؛ إذ كانت تقدم «تصاريح ~~سفر» للمسافرين، وتقدم هبات نقدية للفلاحين وتخفيضات ضريبية للتجار. # على الرغم من أن عبيد الله أحرار وورثته النقشبنديين كانوا أنجح من انتهج نظام ~~«مجتمعات الأضرحة» هذا، ms178 فإنهم بالتأكيد لم يكونوا الوحيدين؛ فقد شهدت فترة أوائل العصر ~~الحديث انتشار هذا النظام في كل أنحاء أراضي سهوب آسيا الوسطى الشاسعة، وكان لطول بقاء ~~المؤسسة الصوفية أثره في تمكين الصوفيين من إدارة نظام بيئي زراعي ضعيف بفاعلية ~~أكبر بكثير، مقارنة بسلالات السلاطين القصيرة الأجل. # 90 # وفي أقصى الشرق على طول طريق الحرير، كانت ذرية عبيد الله النقشبندية أكثر ~~نجاحا في مساعيها لتأسيس الدول؛ فقد وسع أحمد الكاساني (المتوفى عام 1543)، أحد ~~أبناء عبيد الله نفسه، نطاق الطريقة، فامتدت إلى قشغر في الصين الغربية في الوقت ~~الحاضر، وإلى التبت في نهاية المطاف، محاولا تكرار النجاح الذي حققته الطريقة في ~~السابق عندما قدمت للقبائل التركية في السهوب الضوابط الأخلاقية الشرعية. وفي عام ~~1531، وفي إطار ما بدا أنه مزاوجة مناسبة بين التوسع التبشيري للطريقة ومزايا ~~طرق التجارة الثرية التي عبرت جبال الهيمالايا، أعلن أحد مريدي الكاساني المنتمي ~~للسلالة الشيبانية الجهاد ضد التبت . # 91 # ولاحقا في هذا الفصل سوف نتناول تأسيس أحد أحفاد الكاساني دولة نقشبندية ~~جديدة، فيما أصبح الآن الصين الغربية. ~~(8) شمال أفريقيا: المملكة المرينية والمملكة السعدية # في عهد السلالة المرينية (1215-1465) والسلالة السعدية (1509-1659) اللتين حكمتا ~~المغرب، شهدت منطقة شمال أفريقيا شغل الصوفيين مكانة مرموقة أيضا. وعلى الرغم من أن ~~الصوفية واجهت في السابق الكثير من المنتقدين في شمال أفريقيا، فقد شهدت فترة ~~المملكة المرينية مكاسب مستمرة صبت في جانب مكانة صوفيي المنطقة. ومن ~~ناحية، تحقق هذا الأمر من خلال ارتباط الصوفيين بالعلماء الذين تلقوا تعليمهم في ~~مدرسة القرويين التي مولها المرينيون في عاصمتهم فاس كي تمد حكومتهم ~~بالإداريين. # 92 # بالرغم من ذلك، لم يكن الصوفيون أداة طيعة في يد الدولة، وأدى عجز ~~الدولة المرينية عن الدفاع عن أراضيها ضد الإمبراطوريتين الإسبانية والبرتغالية ~~الناشئتين؛ إلى ظهور جبهة داعمة للحرب يقودها الصوفيون الرافضون للأسرة الحاكمة، ~~الذين دعوا أتباعهم للجهاد ضد المسيحيين؛ على سبيل المثال: عندما غزا البرتغاليون ~~طنجة، ساعد محمد بن سليمان الجزولي أحد أتباع الطريقة الشاذلية (المتوفى عام ~~1465) في الدفاع عن الأراضي ms179 الإسلامية، حاشدا اثني عشر ألف صوفي وقبلي تحت ~~قيادته. # 93 # وأدت الانتفاضة إلى الإطاحة بالسلالة المرينية على يد الجبهة الداعمة ~~للحرب، التي كانت تتكون من السلالة الوطاسية المنحدرة من نسل النبي محمد وحلفائهم ~~الصوفيين أتباع الطريقة القادرية. ولم يكن كل الصوفيين سعداء بتولي الوطاسيين ~~الحكم، لا سيما أولئك الذين كانوا يشغلون مناصب في الإدارة المرينية، مما أدى إلى ~~مغادرة الصوفيين من غير أتباع الطريقة القادرية مدينة فاس، مثلما تركها أحمد الزروق ~~(المتوفى عام 1493) وقضى مدة طويلة في القاهرة. # 94 # لعب نموذج السلطة السياسية للجزولي، المعتمد على الاتحاد ما بين الأولياء الصوفيين ~~والسلاطين الذين كانوا من «الأشراف» (أي من نسل النبي محمد)؛ دورا أساسيا في إضفاء ~~الشرعية على السلالة السعدية (1509-1659) التي حلت محل الدولة الوطاسية. # 95 # وعلى غرار الدولة العثمانية والدولة الصفوية في الوقت نفسه، تمكنت الدولة ~~السعدية من السيطرة على سكان الحدود القبليين الواقعين تحت إمرتها لدرجة غير مسبوقة؛ ~~فقد كان رجال مثل الجزولي مساعدين مهمين في تكوين ما سيصبح في نهاية المطاف ~~الدولة القومية المغربية، من خلال الحصول على ولاء القبليين ورفع مكانة مواقع ~~الزيارة الصوفية في الأراضي السعدية (مقارنة بتلك الموجودة في مصر وشبه الجزيرة ~~العربية). وبحلول القرن السادس عشر، أصبح صوفيو شمال أفريقيا يمتلكون قدرا بالغا من ~~الوعي الذاتي بنفوذهم السياسي كورثة للنبي محمد، لدرجة أنهم كانوا يشيرون إلى ~~أنفسهم علنا بلقب «أقطاب الدولة»، وهو مصطلح يدمج بين المصطلحات الصوفية والمصطلحات ~~السياسية. # 96 # وكون الجزولي وخلفاؤه فكرة أن الصوفي هو «البديل» الذي يمتلك السلطة ~~شرعيا في غياب النبي محمد؛ ومن ثم حصلوا لأنفسهم على مكانة مهمة، ليس فقط في ~~البلاط الملكي، لكن أيضا في المجتمعات الريفية في شمال أفريقيا. # وعلى غرار السلالة الصفوية في إيران في الفترة نفسها؛ فقد استعملت السلالة السعدية ~~عند صعودها إلى السلطة التوقعات الألفية الخاصة بالفترة، واعتمدت على الموضوعات ~~الأخروية الموجودة في كتابات الجزولي بصفة خاصة. وكما هو الحال في المناطق الأخرى؛ فقد ~~شهدت العقود القريبة من بداية الألفية الإسلامية في عام ms180 1591 هموما ألفية في المغرب، ~~سعى كل من الصوفيين والسلاطين إلى توجيهها لخدمة مزاعمهم بأنهم المخلصون الذين ~~سيؤدون إلى سعادة العالم. # 97 # وصيغت شرعية السعديين الأوائل في هذا الإطار تحديدا؛ فقد اعتمد اسم ~~الدولة السعدية (أي الدولة المخلصة) على فكرة «السعادة» (أي النعمة والخلاص) في ~~تعاليم الجزولي، وتضمن الوعد الألفي المتمثل في تكوين مجتمع إسلامي مثالي يقوم ~~على طرد البرتغاليين الكفار، والحكم المشترك للسلالة المنحدرة من نسل النبي ~~محمد والأقطاب الأولياء أتباع الجزولي. # 98 # ومنذ وقت مبكر في عهد السعديين، تجلت الأهمية التي أولوها للصوفيين ~~في التبجيل الذي أولاه مؤسس الدولة السعدية محمد القائم بأمر الله (الذي حكم من عام ~~1509 إلى عام 1517) للجزولي نفسه؛ الذي بلغ به الأمر أن طلب أن يدفن بجواره؛ وأدى ~~هذا إلى قيام أحمد الأعرج (الذي حكم من عام 1517 إلى عام 1544) خليفة القائم بأمر الله ~~باستخراج جسد الجزولي بعد وفاته وإعادة دفنه في ضريح شيد خصوصا في مراكش عاصمة ~~السعديين، جنبا إلى جنب مع مؤسس الدولة السعدية ، في رمز واضح لاتحادهما. # وتضمن صعود السعديين إلى السلطة أيضا الصراع من أجل السيطرة على الحدود الجنوبية ~~شبه الإسلامية التي يسكنها قبائل البربر وتمر بها طرق القوافل المزدهرة. وهنا أيضا ~~لعبت المساكن الصوفية الريفية دورا مهما في زعم انتماء المنطقة للإسلام؛ ومن ثم ~~أحقية السعديين في حكمها بصفتهم من سلالة النبي محمد. # 99 # وعلى غرار الأراضي الزراعية الغنية في آسيا الوسطى، فإن هذه المزاعم ~~شجعت محاولات إضفاء المركزية على فرع الجزولي من الطريقة الشاذلية، فطالب عبد ~~الله الغزواني (المتوفى عام 1529) خليفة الجزولي بعقد اجتماعات في الجنوب القبلي ~~لتوحيد قادة المساكن الجزولية المختلفة وراء الأسرة السعدية. # 100 # ولم يقتصر دور المراكز التعليمية الكثيرة، التي أسسها أتباع الجزولي في ~~الريف والمدن على حد سواء، على نشر القراءة والكتابة من خلال الأهمية التي أولتها ~~لدراسة القرآن والفقه، بل منحت أيضا أتباع الجزولي المؤهلات التي مكنتهم من ~~الالتحاق بالبيروقراطية السعدية على نحو مناظر لمكانة الصوفيين المتعلمين في ~~البيروقراطية العثمانية. # 101 # على ms181 الرغم من ذلك، وكما شهدنا في بيئات أخرى في الفترة نفسها، فإن المشاركة ~~في البلاط الملكي لها مخاطرها؛ فعلى نحو مشابه لمصير الصوفيين الصفويين وأتباعهم ~~القزلباش في إيران، رأى الحكام السعديون عام 1550 تقريبا أن مزاعم السلطة التي يزعمها ~~الجزوليون تمثل تهديدات أكثر مما تحمله من فوائد؛ ومن ثم تحركوا لاضطهاد ~~شركائهم الصوفيين السابقين. # على الرغم من ذلك، فإن سلطة الصوفيين العاملين في الدولة الآخذة في التوسع هذه، ~~تحققت ليس فقط في البيئات الحضرية في «بلاد المخزن» المغربية (أي المناطق الخاضعة ~~للدولة)، بل تحققت أيضا من خلال تأسيس مساكن صوفية ريفية بين قبائل البربر في ~~«بلاد السيبة» الحدودية (أي المناطق التي لم تكن للدولة سيطرة كبيرة عليها). وكما هو ~~الحال مع المناطق الأخرى التي تناولناها، فقد ازداد نفوذ الصوفيين الريفيين من خلال ~~الممتلكات الزراعية التي سيطر عليها الصوفيون. ووسط ترك الأراضي الزراعية ~~والمجاعات اللاحقة التي صاحبت حروب القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قدم ملاك ~~الأراضي الصوفيون هؤلاء العمل والمساعدة المادية للفلاحين والقبليين المهجرين. ~~وفي هذه الأثناء، أعادوا زراعة الأراضي المتروكة، التي لم تكن مزروعة في السابق، وكانت ~~هذه التطورات مشابهة لدور النقشبنديين في المناطق القبلية والزراعية المضطربة في ~~آسيا الوسطى في الوقت نفسه، التي جعلت الصوفيين قادة لما بلغ منزلة الإقطاعيات ~~الحدودية الصوفية الزراعية. # 102 # وستشهد أيضا سياسية التنمية هذه التي حدثت في أوائل العصر الحديث شراء ~~عبيد أفارقة للعمل في الأراضي؛ مما أسفر عن تكوين اقتصاد ديني طويل الأمد، ~~قائم على الأولياء العرب والعبيد الأفارقة، استمر حتى الأوقات المعاصرة. # 103 ~~(9) أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى: إمبراطورية سونجاي وسلطنة الفونج # شهد القرن الخامس عشر والقرن السادس عشر أيضا دخول الصوفية إلى الدول الإسلامية ~~الحديثة الناشئة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. وعلى الأرجح كان ذلك هو الوضع في ~~الدولة الإسلامية الأفريقية الأقدم في هذه الفترة؛ وهي إمبراطورية سونجاي (1464-1591)، ~~الواقعة غرب أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى؛ حيث استخدمت الرموز الإسلامية لتبجيل ~~الإمبراطور الذي منح قدرات إعجازية. # 104 # وعلى الرغم من أن دور الصوفيين ms182 في هذه التطورات غير واضح بسبب عدم توفر ~~مصادر مبكرة عن إمبراطورية سونجاي، فإننا نعرف أن كثيرا من صوفيي شمال أفريقيا ~~استقروا في مركز العلم والتجارة الرئيسي المتمثل في تمبكتو أثناء عصر إمبراطورية ~~سونجاي. وسواء في الطرف الغربي أو الطرف الشرقي لأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، فقد كان ~~اتجاه انتشار الصوفية من الشمال إلى الجنوب، خاصة بطول طرق التجارة والهجرة الرعوية ~~التي وصلت شمالا من خلال الصحراء الكبرى إلى المغرب ومصر؛ ونتيجة لذلك، فقد كانت ~~الطرق الصوفية ذات الوجود الكبير في شمال أفريقيا، مثل الشاذلية والقادرية، هي نفسها ~~التي نقلت جنوبا. # 105 # على سبيل المثال: قدمت الطريقة الشاذلية إلى السودان النيلي على يد ~~حمد أبو دنانة (الذي ازدهر نشاطه عام 1450)، التابع للجزولي الصوفي الشمال ~~أفريقي. # 106 # إننا في هذا الصدد نتحدث فعليا عن مسافرين من التجار أو العلماء على ~~حد سواء، جلبوا من الشمال مرة أخرى الانتساب إلى الطرق الصوفية وأفكارها. ومن هذا ~~المنطلق، فقد كان وجود الصوفية الشاذلية والقادرية المبكر ممثلا في أفراد ~~مهاجرين منتسبين لها وليس طرقا منظمة؛ ومن ثم، فما نشهده يتكون في أفريقيا هو ~~«طرق» عائلية؛ أي عائلات مقدسة ذات نفوذ محلي، مرتبطة من حيث النسب بالطرق الأوسع ~~نطاقا، المنتشرة في العديد من المناطق؛ مثل طريقة القادرية التي اكتسبت منها تلك ~~العائلات المكانة في بيئاتها المحلية، مع استقلالها عنها من الناحية ~~التنظيمية. # 107 # وكما هو الحال عند أسلمة المناطق الأخرى في العالم في أوائل العصر ~~الحديث؛ فقد لعب دورا مهما في هذه العملية الصوفيون المهاجرون المنتمون إلى ~~السلاسل الصوفية المرموقة، التي تربطهم بطرق منطقة البحر المتوسط الإسلامية، لا سيما طرق المغرب ومصر. ويصف أحد المؤرخين الأمر قائلا: # كانت السمة المميزة للوجود الإسلامي في دولة الفونج ودولة دارفور (في ~~السودان في أوائل العصر الحديث) هي السلالة المقدسة التي كانت تعود عادة إلى ~~مهاجر تزوج من المحليين. احتكرت هذه السلالة التعليم والطب ~~والسحر في منطقتها المحلية، وعززت قوتها باستمرار بالحصول على «الجاه»؛ ~~تلك المكانة التي تجعلها معفاة من الضرائب، ms183 أو بالحصول على «حاكورة» أو ~~«إقطاع» (أي أراض خاصة الملكية) من الحكام. # 108 # وفي أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، كما هو الحال في غيرها من المناطق في الفترة نفسها، ~~تفاوض الملوك والصوفيون، وعقدوا تحالفات عملية. كانت الصوفية في تلك المنطقة تمتاز ~~أيضا بالتركيز الشديد على التعليم المكتوب، وهذا يمثل من ناحية انعكاسا للصوفية ~~الفقهية التي شهدنا ازدهارها في شمال أفريقيا في هذه الفترة، ومن ناحية أخرى انعكاسا ~~لندرة معرفة القراءة والكتابة في السياق الأفريقي في هذه الفترة، وفي كثير من ~~المناطق، كان يطلق على الصوفيين «فقهاء»، في إشارة إلى المجال المرموق الذي تخصصوا ~~فيه أيضا. # شكل 3-4: واحات الأولياء: مستوطنة ضريح زراعية، شمال غرب الصحراء الكبرى ~~(تصوير: نايل جرين). # على الرغم من وصول بعض الحكايات إلينا، التي ترى أن الصوفيين تنقلوا عبر منطقة ~~السودان خلال هذه الفترة، فإن صورة الأنشطة الصوفية لم تصبح أكثر وضوحا إلا بظهور ~~سلطنة الفونج (1504-1821)؛ فقد ظهر الإسلام لأول مرة في السودان النيلي من خلال تدفق ~~الرعاة العرب أثناء القرنين الثالث عشر والرابع عشر؛ مما أدى إلى انهيار مملكتي ~~مقرة وعلوة المسيحيتين. وأثناء فترة حكم الفونج، كان العلماء من مدارس مصر وشمال ~~أفريقيا وشمال السودان منتسبين على نحو كبير إلى الطرق الصوفية، وقدمت الطبقة ~~الحاكمة في سلطنة الفونج فرص رعاية ثرية للعلماء الراغبين في الارتحال جنوبا عبر ~~الصحراء. وفي السودان، عمل هؤلاء الصوفيون المسلحون ب «بركة» أنسابهم المقدسة ~~وإجادتهم للكتابة كشخصيات وسيطة جعلتهم مكانتهم المرموقة أعمدة النظام الاجتماعي ~~في دولة كان نفوذها على سكانها ضعيفا. # 109 # وكان حكام الفونج يمنحون رعايتهم عادة في صورة أرض شاسعة غير مستغلة، ~~وهكذا، على غرار محاولات الحكام التي رأيناها لاستيطان المناطق الحدودية، منح ~~الصوفيون في السودان الأراضي، وأسسوا قرى زراعية عرفت باسم «الخلوات»؛ ومن هناك، ~~ومن خلال توظيف المحليين والزواج منهم، تسببوا في تحولهم تدريجيا إلى الإسلام، ~~الذي كان لا ينفصل عن الصوفيين الذين نقلوه لهم. # 110 # وكما هو الحال في المناطق الأخرى، فقد صاحب نمط التأقلم التدريجي مع ~~أساليب ms184 الحياة الإسلامية من جانب الأفارقة عملية تكيف إسلامي موازية مع أساليب الحياة ~~الأفريقية. # 111 # ومن خلال قدرات الصوفيين الإعجازية، ومهارتهم في كتابة الأحجبة العربية، ~~وتحول قبورهم بعد وفاتهم إلى أضرحة مقدسة، كانوا محوريين في تنفيذ نسق الأسلمة ~~الثنائي الجانب هذا. ~~(10) حملة تصحيح: الفقهاء والمجددون، من القرن السابع عشر حتى القرن التاسع عشر ~~تقريبا # سواء من حيث الأشخاص أو المؤسسات أو الأفكار، رأينا في هذا الفصل حتى الآن كيف أن ~~الصوفية بلغت قدرا من التأثير جعلها مندمجة في أساليب الحكم التي تنتهجها الدولة، أو ~~جعلها حتى تحل محل الدولة تماما. لقد تغلغلت الأفكار والمؤسسات الصوفية في كل ~~مستويات المجتمع في أوائل العصر الحديث في معظم أنحاء العالم الإسلامي، لدرجة أنه أصبح ~~من الصعب في الغالب التمييز بين الصوفي وغير الصوفي. مارس المسلمون العاديون ~~الصوفية، سواء عن طريق تبجيل الأضرحة أو غناء أغنية صوفية رائجة، أو الانتساب لطريقة ~~صوفية انتسابا رسميا على يد شيخ حي، وأصبحت الصوفية إلى حد كبير لا يمكن تفريقها ~~عن الإسلام في العموم. وبحلول القرن السابع عشر أصبح التقليد المدعوم من الصوفيين - ~~ذلك التقليد الذي يزعمون أنه منقول عن النبي محمد من خلال الصوفيين الأوائل أمثال ~~الجنيد ومؤسسي الطرق حتى وقتهم - متنوعا على نحو كاف، لدرجة أنه أصبح ثمة مجموعة ~~متنوعة محيرة من الممارسات والمعتقدات والمنظمات الصوفية. كان الصوفيون على ~~اختلافهم يفعلون أمورا مختلفة على نحو مدهش للغاية في أغلب الأحيان، وأثار نطاق ~~المعتقدات والممارسات هذا التساؤل حول إمكانية أن تكون كل هذه الممارسات والمعتقدات ~~التقليد الحقيقي الذي تركه النبي. وفي القرن السابع عشر، درس الفقهاء الصوفيون في كل ~~أرجاء العالم الإسلامي، وكان أول الأسئلة الأساسية في هذه الدراسة هو: أي طريقة تربط ~~المسلمين على أفضل وجه بالسنة المحمدية؟ ونظرا لأنه كان واضحا أن كثيرا من ~~الصوفيين كانوا يقومون بأمور لم يفعلها النبي قط، فكان السؤال الثاني هو: أي ~~ممارسات الصوفيين التي تعد «بدعا حسنة» مقبولة، حتى إن لم تكن جزءا من السنة ~~النبوية، وأيها يعد «بدعا سيئة» ms185 يجب قمعها؟ كانت فكرة «البدعة» هذه أداة ~~النقد الأساسية التي استخدمها الصوفيون وغير الصوفيين في نقد من يرون أنه منحرف عن ~~سنة النبي وتقليد الصوفيين الأوائل الذين تبعوه. # توجد أسباب كثيرة لحدوث «حملة تصحيح» القرن السابع عشر في ذلك الوقت، فكما رأينا في ~~تمهيد هذا الفصل، فإنه على الرغم من أن توقيت هذه الحملة يمكن إرجاعه جزئيا إلى ~~بداية الألفية الإسلامية عام 1591 (أي عام 1000 في التقويم الإسلامي)، فإن الزمن ~~الثقافي للتقويم الإسلامي لم يكن العامل الوحيد، بل يجب الأخذ في الاعتبار أيضا الزمن ~~العملياتي الذي يستخدمه المؤرخون. وكما رأينا في السابق، فقد تزامن القرن الأخير في ~~الألفية الإسلامية الأولى، والقرن الأول في الألفية الإسلامية الثانية، مع الزمن ~~العملياتي الذي حدثت فيه مجموعة تغيرات اجتماعية واقتصادية وسياسية، جعلت ~~المؤرخين يشيرون إلى هذه الفترة بأنها تنتمي لأوائل العصر الحديث. والآثار الكبيرة ~~لهذا التزامن بين الزمن الثقافي والزمن العملياتي هي ما تجعلنا نقول إن هذه الفترة ~~تميزت بحملة تصحيح أثرت على جماعات كثيرة، وليس على الصوفيين وحدهم. # إلا أن مرور الوقت أثر على الصوفيين أيضا من نواح أكثر تحديدا، خاصة من خلال ~~التوتر بين حملة التصحيح الأكثر عمومية هذه، وبين نتاج مرور الوقت المتمثل في ~~تكوين فيض من الأفكار والممارسات والمؤسسات، التي تزعم جميعها أنها تمثل التقليد ~~الصوفي الحقيقي. وقد وصفنا في السابق هذا التطور بأنه عملية تنويع. وأثناء حملة ~~التصحيح في هذه الفترة، وصفت أشكال كثيرة من هذ التقليد الصوفي المتنوع بأنها ~~«بدع» منحرفة عن السنة النبوية، وكان ذلك جزءا من نقد تدريجي وتراكمي، بدافع ~~الرغبة في التصحيح، ظهر في القرن السابع عشر، وازدهر بوضوح بالغ في القرن الثامن عشر، ~~عندما أدت الضغوط المتزايدة في أوائل العصر الحديث إلى انهيار كثير من الدول ~~الإسلامية؛ ومن ثم، فإن أحد الأسباب التي جعلت العلماء الصوفيين وغير الصوفيين ~~ينتقدون كثيرا من الممارسات التي كانت موجودة في القرن السابع عشر، هو أنه في هذه ~~الفترة كان يوجد ببساطة أشكال من الممارسات الصوفية أكثر تنوعا ms186 بكثير من تلك ~~التي تطورت في القرون السابقة؛ وذلك عن طريق عمليات إضفاء الطابع المحلي على ~~الصوفية، التي تناولناها في الفصل الثاني. وأيا كانت الأبعاد الدينية لحملة التصحيح، ~~فإنه يمكن اعتبارها من الناحية التاريخية نتيجة ل «النجاح» الهائل لعملية الأسلمة، ~~وليست نتيجة لفشلها، كما زعم العديد من علماء الدين المنتقدين للصوفيين في اتهاماتهم؛ ~~فالكثير من الطقوس التي انتقدت باعتبارها ذات أصول «وثنية» تعود لفترة ما قبل ~~الإسلام، كانت نسخا محلية من الإسلام، أو ممارسات إسلامية قديمة أصبحت محل جدل ~~في أوائل العصر الحديث؛ ومن ثم، يمكن جزئيا توصيف ممارسة انتقاد «البدع» على ~~أنها رد فعل ديني تجاه عملية إضفاء الطابع المحلي التاريخية التراكمية، ذاك الذي ~~اكتسب زخما من حملة التصحيح الأكثر عمومية، التي أثرت على نطاق عريض من المسلمين ~~أثناء التغيرات العنيفة التي حدثت في تلك الفترة. # إن انتشار انتقاد «البدع» منذ القرن السادس عشر حتى القرن الثامن عشر يمكن أن يكون ~~مرتبطا بدوره بزيادة «الوعي» بهذا التنوع في الممارسات. وقد حدث هذا الوعي المتزايد ~~بالتنويع المزعج للتقليد مع سفر أعداد متزايدة من العلماء المسلمين إلى مناطق ~~إسلامية أخرى (لا سيما خارج الشرق الأوسط) كجزء من التفاعلات الأوسع نطاقا بين المناطق ~~المختلفة التي ميزت تلك الفترة. كذلك من الممكن أن نربط بين انتشار انتقاد البدع ~~والتفاعل المتزايد بين مناطق معينة، الذي ميز هذه الفترة أيضا. فمع انتقال أهل ~~الريف إلى المدن الناشئة في إمبراطوريات تلك الفترة، جلبوا معهم إسلامهم المحلي ~~المميز. ومع انتقال أهل الحضر المتعلمين في بعثات حكومية إلى المناطق الإقليمية أو ~~الريفية، فإنهم صادفوا بدورهم أشكال الإسلام الصوفي المتنوعة الموجودة في الريف. ~~وفي هذا الصدد أيضا، كانت التفاعلات الاجتماعية هي السبب في إثارة المشاكل الدينية؛ ~~حيث استخدم العلماء المسلمون (سواء أكانوا صوفيين أم غير صوفيين) مفهوم «البدعة» ~~أثناء محاولة فهم المشكلة المفاهيمية المتمثلة في عدم إمكانية أن تكون كل ممارسة ~~إسلامية حافظوا عليها نابعة من تعاليم النبي محمد. ويمكن مقارنة العواقب الدينية ~~لهذا الحراك المتزايد بين مسلمي الحضر ms187 ومسلمي الريف بظهور نظرية قامعة ل «ممارسة ~~السحر» في أوروبا المسيحية في الفترة نفسها، كرد فعل على تفاعلات مشابهة بين أهل ~~الريف وأهل الحضر. ومثلما كان ممكنا استخدام الاتهام بممارسة السحر والعلم به ~~لإدانة ممارسات وأحوال متنوعة على نحو مدهش في عدد من الأماكن المختلفة، كان ~~مفهوم «البدع» على نحو مماثل قابلا للنقل من حيث تطبيقه، وسلطويا من حيث تناسقه. ~~وعلى الرغم من أن حملة التصحيح الجديدة هذه أدت من ثم إلى انتقاد البدع على نطاق ~~جغرافي واسع، فإنها باستثناء حالات قليلة (أبرزها في إيران) لم تتضمن هجوما كاملا ~~على قدرة الصوفية بشكلها هذا على نقل تراث النبي محمد، بل كانت في القرن الأول من ~~الألفية الإسلامية الجديدة تدور حول تحديد سمات التقليد الصوفي المفيدة، وتلك ~~الهادمة للحياة الإسلامية الصحيحة. وتطلب الأمر انتظار حركة الإصلاح الإسلامي ~~الكبيرة، التي حدثت في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، حتى ترى أعداد ~~كبيرة من المسلمين أن الصوفية بكل صورها عاجزة عن ربطهم بالنبي. # على الرغم من أن الباحثين الغربيين كانوا يعتبرون الصوفيين خصوما متصوفين لعلماء ~~الإسلام - كما أوضح الفصلان الأول والثاني - فإنه في كثير من الحالات كان الصوفيون ~~والعلماء الأشخاص أنفسهم، وحتى عندما لم يكونوا كذلك، فقد كانت توجد بينهم اهتمامات ~~متشابهة متمثلة في الشريعة والقرآن والسنة. وعلى الرغم من ذلك، ظهر في القرن السابع ~~عشر توجه جديد نحو الالتزام بالشريعة في كل إمبراطورية من إمبراطوريات أوائل العصر ~~الحديث. إلا أنه بدلا من البحث عن التوترات الكامنة بين المعرفة التصوفية والمعرفة ~~الشرعية المجردة، اللتين تمثلان السلطة الشرعية والسلطة التصوفية، فإنه من المفيد ~~أكثر من الناحية التاريخية أن ندرك أن هذا التحول نحو الالتزام بالشريعة وحملة ~~التصحيح المسببة له، ينطويان على جماعات معينة تتخذ رد فعل تجاه ظروف معينة. ~~وعندما نرى المعرفة التصوفية والعلم الشرعي كنوعين من السلطة يمكن توحيدهما في شخص ~~واحد، أو مناصرتهما على نحو منفصل من قبل أشخاص متنافسين، سيساعدنا هذا النهج ~~المعتمد على السياق في التعامل مع تناقضات الصورة ms188 القديمة الثابتة المتمثلة في ~~«التعارض بين المتصوفين والعلماء»؛ إذ ما ننظر إليه في الغالب هو صورة الصوفيين الذين ~~يستخدمون الشريعة، إما لانتقاد بعضهم البعض، أو لانتقاد العوام (على الرغم من أننا ~~سنرى أمثلة مهمة لعلماء ليست لديهم علاقة بالصوفيين يستخدمون الشريعة لانتقاد الصوفيين ~~في العموم). في الصفحات المقبلة، سوف نلتفت إلى دراسات حالة لما وصل في القرن ~~السابع عشر إلى منزلة المعارضة الواسعة النطاق للصوفية من قبل علماء الشريعة في كل ~~أنحاء العالم الإسلامي تقريبا. وإذا كان كثير من هؤلاء العلماء هم أنفسهم صوفيون يسعون ~~إلى التقليل من شأن إخوتهم الذين استخفوا بالشريعة، فإننا سنرى في حالات أخرى تزايد ~~مكانة طبقة العلماء الذين لا يرتبطون بصلة بالصوفيين على الإطلاق. ~~(11) منطقة البحر المتوسط: العثمانيون المتأخرون # دعونا نلتفت أولا مرة أخرى إلى الإمبراطورية العثمانية في استعراضنا هذا لحملة ~~التصحيح التي حدثت في القرن السابع عشر، سنجد أنه على الرغم من اعتناء الإمبراطورية ~~العثمانية بتدريب طبقة من علماء الشريعة، فقد شهدت الفترة تقريبا ما بين عام 1620 وعام ~~1685 استخدام جماعة من هؤلاء العلماء لمكانة علمهم في نشر بذور الشقاق في المجتمع ~~الذي كانوا يعتبرونه فاسدا أخلاقيا ، بدلا من جعل علمهم مسخرا لتحقيق التناغم ~~الاجتماعي، وانتقدت هذه الجماعة المعروفة باسم «حركة قاضي زاده» الصوفيين الذين كانوا ~~جزءا لا يتجزأ من المجتمع العثماني. وعلى هذا النحو؛ فقد مثلت المجادلات التي دخلها ~~هؤلاء مع الخصوم الصوفيين صراعا بين أطراف مختلفة داخل النظام العثماني. # 112 # إن المسألة أبعد بكثير من كونها مجرد مثال بسيط على الخلاف بين الصوفيين ~~والعلماء؛ إذ احتفظ كثير من العلماء بعضويتهم في الطرق الصوفية، لا سيما تلك الأكثر ~~التزاما بالشرعية؛ مثل الطريقة الخلوتية، والطريقة النقشبندية. ونظرا لأن حركة «قاضي ~~زاده» جعلت العلماء ينقسمون على أنفسهم، فقد وصفت الخلافات التي أثارتها وصفا ~~مناسبا هو: «انقسام قلب المؤسسة الدينية ... على نفسه.» # 113 # كان قاضي زاده محمد (المتوفى عام 1635)، مؤسس حركة قاضي زاده الذي سميت ~~الحركة على اسمه، ابنا لقاض بسيط في إحدى المقاطعات جاء ms189 إلى إسطنبول بحثا عن وظيفة ~~في البيروقراطية الدينية الإمبراطورية المعروفة باسم «العلمية»، وعلى الرغم من أن قاضي ~~زاده محمد حاول الارتباط بالطريقة الخلوتية صاحبة العلاقات القوية، فإنه لاحقا ~~حمل الصوفيين مسئولية إضلال سكان الدولة وإبعادهم عن السنة النبوية، وبعد أن ~~تدرج في هرمية الوعظ الرسمية، وأصبح «واعظا» (وهي إحدى المراتب الدنيا في ~~«العلمية»)، استخدم تأثيره كواعظ في أكبر مساجد إسطنبول لنشر رؤيته عن العصر المنحط ~~أخلاقيا، الذي يحتاج إلى «تجديد الإيمان»، وكان نطاق انتقاده واسعا؛ إذ لم يقتصر على ~~معتقد وحدة الوجود، بل امتد ليشمل الحفلات الموسيقية الصوفية، والطقوس الشائعة ~~المتعلقة بتبجيل الأولياء الصوفيين، ومجموعة من الأنشطة المنحطة (مثل: تدخين التبغ، ~~وشرب الخمر أو القهوة) التي اعتبر الصوفيين المنحلين أخلاقيا مسئولين عنها. وكما ~~أشرنا بالفعل، فقد كانت فكرة «البدع» هي الأداة النقدية الأساسية التي استخدمها لتقديم ~~تقليد الصوفيين باعتباره انحرافا عن الإيمان الحقيقي. ونظرا لأنه كان خطيبا مشعلا ~~للحماسة، فقد أثار قدرا كافيا من الغضب الديني في نفوس مستمعيه، لدرجة أن الجماعة ~~التي كان ملهمها أصبحت فعليا ميالة إلى الاقتصاص الأخلاقي؛ مما أدى إلى تخريب ~~الممتلكات الصوفية، وضرب الصوفيين أنفسهم، وقتلهم في بعض الأحيان أثناء عشرينيات ~~وثلاثينيات القرن السابع عشر (وبين الحين والآخر على مدار نصف القرن التالي). وبطبيعة ~~الحال، رد الصوفيون ودافعوا عن الممارسات التي أدانتها تلك الجماعة، إلا أنه لا ~~يمكن إخفاء حقيقة أنه بعد قرون من تزايد النفوذ الصوفي في كل من المجتمع والدولة، ~~نشأت جماعة اجتماعية جديدة أو حتى حزب اجتماعي جديد، استخدم تهمة البدعة ونفوذ ~~الشريعة ليمكن أعضاءه من معارضة سلطة الصوفيين، الذين كانوا في كثير من الحالات ~~أعضاء مميزين في الطبقة الحاكمة العثمانية. # 114 # شكل 3-5: «دراويش المولوية»: طقوس موسيقية لورثة الرومي في ~~الإمبراطورية العثمانية (الصورة من مجموعة الصور الخاصة ~~بالمؤلف). # الأمر المثير في جماعة قاضي زاده هو الطريقة التي أظهرت بها الانقسامات داخل ~~البيروقراطية الدينية في الإمبراطورية العثمانية، وكذلك الأساليب التي استخدمت بها ~~أشكال معينة من الإسلام كوسائل لتحقيق مصالح جماعات معينة. فكما ms190 رأينا، كان كثير من ~~كبار مسئولي الدولة والعلماء منتسبين لطرق صوفية. علاوة على ذلك، كانت النخبة الحاكمة ~~ترى أن مهمة البيروقراطية الدينية ليست فرض الإسلام فرضا صارما، بل الحفاظ على ~~النظام الاجتماعي من خلال التفسير العملي وليس الحرفي للشريعة الإسلامية. وقد كان ~~يرى في البداية أن جماعة قاضي زاده لا تحافظ على الإطلاق على التناغم الاجتماعي، بل ~~كانت تعكر صفوه، لكن مع مرور الوقت أدى ازدياد أتباعها إلى أن أصبح أعضاؤها ~~لاعبين سياسيين مهمين، وحاول بعض كبار المسئولين استخدامهم لخدمة أهدافهم ~~الخاصة. ولم يكن الصراع بين أتباع تلك الجماعة والصوفيين صراعا عقائديا فقط حول ما ~~يمثل السنة المحمدية الحقيقية، بل كان أيضا صراعا على فرص التوظيف؛ فقد كان ~~الصوفيون في العموم يعملون في كثير من الوظائف السهلة المريحة للغاية في النظام ~~العثماني؛ فمثلا: على النقيض من أصحاب المراكز الأقل من الوعاظ والقضاة، الذين كانوا ~~يحتفظون بوظائفهم عن طريق نظام يشبه العقد القصير الأجل الحديث، كان شيوخ المساكن ~~الصوفية يعينون عادة في وظائف يستمرون فيها طوال حياتهم، وتظهر الإحصائيات أن ~~فترة ازدهار جماعة قاضي زاده ما بين عام 1621 وعام 1685، كان يمنح فيها ما يقرب من ~~نصف وظائف الوعاظ إلى أعضاء الطرق الصوفية المفضلة لدى كبار المسئولين الذين ~~يقومون بالتعيينات. # 115 # وفي المستويات الدنيا من السلم الوظيفي، كان أتباع الجماعة يتقلدون ~~المراتب الدنيا في وظائف الوعظ في البيروقراطية الدينية، وكان الصوفيون المميزون ~~يحصلون على أفضل وظائف الوعظ؛ ومن ثم، فلا عجب من أن الصوفيين كانوا مكروهين ~~ومنتقدين بسبب كونهم مترفين خارجين عن الدين الصحيح. # على الرغم من ذلك، كانت هناك مشكلات أخرى غير الوظائف الحكومية؛ فالتعاطف الذي ~~وجدته جماعة قاضي زاده في الشوارع يشير إلى أنهم لم يكونوا مجرد طائفة ساخطة، ~~وأنهم جزء من حملة التصحيح الأوسع نطاقا، المهتمة بالشاغلين المتلازمين ~~المتمثلين في التدهور الأخلاقي والحاجة إلى التجديد؛ فقد كان كثيرون يعتبرون ~~الصوفيين أساس المشكلة، بالإضافة إلى ذلك، فإن شعبية الحركة الماشيحانية بين يهود ~~الإمبراطورية العثمانية، التي تركزت حول اليهودي شبتاي ms191 تسيفي (المتوفى عام 1676)، ~~الذي زعم أنه الماشيح (المسيح المخلص) تشير إلى أن الرغبة في التجديد لم تكن مقتصرة ~~على المسلمين، وأنها ربما نجمت عن توترات اجتماعية وسياسية أعمق أثرت على كل ~~الجماعات في الإمبراطورية. # 116 # وحتى بعدما وهنت قوة جماعة قاضي زاده في ثمانينيات القرن السابع عشر، ~~عاودت حملة التصحيح هذه الظهور في مناطق عديدة في الإمبراطورية العثمانية. وربما ~~يكون هذا الانتشار مرتبطا بالمناطق الإسلامية الأخرى التي انتشرت فيها تلك الحملة، من ~~خلال شبكات الكتب والمعلمين التي لم يتتبعها المؤرخون بعد؛ فعلى سبيل المثال: ~~في عام 1711 أعلن أحد الوعاظ في القاهرة أن الأولياء الصوفيين غير قادرين على صنع ~~المعجزات، وأنهم مفتقرون إلى أي معرفة خاصة محجوبة عن بقية المسلمين؛ ومن ثم، ~~شجع مستمعيه على منع حلقات الذكر الصوفية، وتدمير أضرحة الأولياء الصوفيين، ~~وتحويل المساكن الصوفية إلى مدارس؛ # 117 # ونتيجة لذلك، تعرضت جماعة من الصوفيين العرب إلى الضرب، ودمر العديد ~~من الأضرحة على يد مجموعة مكونة من ألف جندي تركي مسرح، كانوا من بين مستمعي ~~الواعظ. وعلى غرار جماعة قاضي زاده، فإن ذلك الهجوم على الصوفية لا يمكن فصله عن ~~مصالح من شنوه، سواء أنظرنا للهجوم من منظور المطالبة بتحويل الممتلكات ~~الصوفية إلى مدارس، أم من منظور الصراعات حول رواتب الجند التي أدت إلى وفاة أربعة ~~آلاف شخص في القاهرة في العام نفسه الذي حدث فيه الهجوم. # 118 # على الرغم من ذلك، وكما في حالة عمر الفؤادي (المتوفى عام 1636) الصوفي ~~الأناضولي المنتمي إلى الطريقة الخلوتية، فقد تمكن الصوفيون في الأراضي العثمانية من ~~التغلب إلى حد كبير على هجمات جماعة قاضي زاده، ووجدوا مناصرين للطرق ومؤسسات ~~الأضرحة الجديدة التي أسسوها في القرن السابع عشر. # 119 # إلا أنه على الرغم من أن انتقادات العلماء للبدع والتجاوزات الصوفية لم ~~تكن مقتصرة على تلك الفترة، فإنها بداية من القرن السابع عشر وجدت لها صدى ~~اجتماعيا أعمق؛ لأن جماعات معينة في المجتمع اختارت الارتباط بحركة نقد عقائدي، ~~كانت لها عواقب ملموسة مرتبطة بتوزيع النفوذ والمنافسة ms192 والفرص، وإذا كنا رأينا في ~~سلطنة مغول الهند كيف أن صوفية الترابط الاجتماعي استطاعت الجمع بين الهندوس ~~والمسلمين، فإننا في هذا السياق العثماني نرى كيف أن بروز الأضرحة الثرية، ونفوذ ~~الطرق ذات العلاقات القوية، كانا من مسببات التفسخ الاجتماعي؛ حيث أصبحا ملاذ ~~الجماعات الساخطة والمحرومة. # في مصر في القرن الثامن عشر، كان الصوفيون العثمانيون أتباع الطريقة الخلوتية ~~يروجون صوفية كانت تجربة «الحقيقة» المطلقة فيها متناغمة بدقة مع أحكام ~~الشريعة، # 120 # وبدلا من حدوث انفصال بين الصوفيين والعلماء، كانت نتيجة ذلك أنه بحلول ~~منتصف القرن الثامن عشر أصبحت الخلوتية الانتماء المفضل لدى علماء الجامع الأزهر، ~~الذي يعد أهم جامعة دينية للعلماء السنيين في الشرق الأوسط. # 121 # ولم تكن حملة التصحيح مقتصرة على مدن مثل القاهرة وإسطنبول، بل وصلت إلى ~~الحدود القبلية للحكم العثماني في منطقة نجد في شبه الجزيرة العربية. شهد أيضا النصف ~~الثاني من ذلك القرن ظهور منتقد البدع الصوفية الأكثر تأثيرا على الإطلاق محمد بن ~~عبد الوهاب (المتوفى عام 1787). # 122 # كان الاهتمام الرئيسي لابن عبد الوهاب هو مهاجمة كل أنواع البدع ~~وأشكال الوثنية، التي أبعدت المسلمين عما رآه التعاليم الأصلية للنبي محمد، وهذا ~~بدوره جعله يدين ممارسات مثل تبجيل الأضرحة، واعتبار الأولياء الصوفيين وسطاء بين ~~الإنسان والله . وعلى الرغم من أن اتجاه «الوهابية» الأوسع نطاقا (والفضفاض كثيرا) ~~سيصبح في نهاية المطاف هجوما على كل أنواع الفكر الصوفية، وكذلك كل أنواع الممارسات ~~الصوفية، فإن نقد ابن عبد الوهاب نفسه كان أضيق نطاقا؛ فنظرا لأن الصوفية في أوائل ~~العصر الحديث كانت جزءا لا يتجزأ في العديد من الجوانب من الإسلام نفسه، فلم يكن ~~الرفض الفوري والكامل لكل ما يقوله ويفعله الصوفيون ممكنا، وابن عبد الوهاب على أي ~~حال لم يستخدم مصطلح «الصوفيين» في انتقاداته. # 123 # وعلى الرغم من أن صعود آل سعود إلى سدة الحكم في شبه الجزيرة العربية ~~سيؤدي فيما بعد إلى تطوير أفكار ابن عبد الوهاب إلى أجندة كاملة مناهضة ~~للصوفية، فإن فترة ابن عبد الوهاب نفسها كانت جزءا ms193 من حملة التصحيح الأوسع نطاقا، ~~المطالبة بالعودة إلى السنة النبوية ورفض البدع. وإذا كان ابن عبد الوهاب ~~يعد الأكثر تطرفا في هذا الاتجاه (مما جلب له كثير من المنتقدين، والمؤيدين ~~أيضا)، فإنه على الرغم من ذلك كان رجلا من عصر كان من الممكن فيه إصلاح الصوفية، ~~وكان من الصعب رفضها بالكامل. ~~(12) إيران: الصفويون المتأخرون # بينما شهد القرن السابع عشر في الإمبراطورية العثمانية تزايد وتضاؤل نفوذ العلماء ~~المناهضين للصوفية، على حسب التحالفات التي عقدوها ضد الصوفيين الذين وصفوهم ~~بالأعداء، فقد شهدت إيران تطورات مماثلة في الوقت نفسه. لقد رأينا بالفعل كيف أن ~~السلالة الصفوية، بعدما وصلت إلى الحكم كحركة صوفية قبلية مدعومة بالقزلباش القبليين، ~~وجدت نموذج الطريقة الصوفية مقيدا للغاية، لدرجة تحول دون تحقيق الترابط بين ~~شعوب الإمبراطورية المتنوعين، وعلى مدار العقود اللاحقة، جلب الصفويون علماء شيعة من ~~منطقة جبل عامل في لبنان، الذين نشروا نقدهم للصوفيين على نطاق واسع في المجتمع ~~الإيراني من خلال جذب الطلبة، وكتابة كتب فقهية بلغة فارسية بسيطة. # 124 # وكان لدعم الدولة الرسمي لهذا النوع الفقهي من الشيعية تبعات متنوعة على ~~الصوفيين، وعلى الرغم من أن المصطلحات الصوفية ظلت تتردد في الثقافة الشعبية والأدبية ~~في إيران، فقد تزايد تهميش الطرق الصوفية نفسها باعتبارها وسيلة للنفوذ ~~الديني ؛ # 125 # ففقدت الأضرحة التي كانت محورية للغاية في شعبية الصوفيين وثروتهم ~~الرعاية وزيارة الأتباع لها، وحلت محلها تدريجيا الأضرحة المنافسة، ولا سيما ~~الأضرحة الشيعية المعروفة باسم «إمام زاده» (أي ذرية الإمام)، # 126 # وتعرضت الطرق ذات الارتباطات السنية الشديدة (مثل: القادرية ~~والنقشبندية) إما للقمع أو النفي على أطراف الإمبراطورية. وأما قادة الطرق الذين لم ~~يمانعوا إعلان أنهم من الشيعة (مثل النعمتلاهيين)، فلقوا معاملة أفضل. إلا أنه في ~~حالة الطريقة النعمتلاهية أيضا، كان مصير شيوخها إما التعيين كحكام إقليميين، وإما ~~التقاعد في العزب الريفية، وعلى هذا النحو حدث تحجيم لهم كمصدر سلطة بديل ~~للعلماء الشيعة. # 127 # على الرغم من أن الصوفيين الشيعة الجدد هؤلاء نجحوا في البقاء أثناء معظم القرن ~~السادس عشر، ms194 وازدهروا في بعض الأحيان في إيران، فإنهم في عهد الشاه عباس الأول (الذي ~~حكم من عام 1587 إلى عام 1629) تضاءل نفعهم السياسي شيئا فشيئا؛ ومن ثم بدأت ~~دورة قمعهم. وعن طريق تكوين جيش من العبيد حرر الصفويون أنفسهم من الاعتماد ~~العسكري على القزلباش القبليين المنتمين للصوفيين، في حين أدى استجلاب العلماء ~~الشيعة من لبنان إلى منح السلالة الحاكمة السلطة التي لم تعد معتمدة على الأصول ~~الصوفية لأسرتهم الصفوية. وفي حين استمرت الدولة العثمانية في النظر إلى الطرق الصوفية ~~باعتبارها أدوات مفيدة في الحكم والتوسع، أصبحت التنظيمات نفسها غير ضرورية في ~~إيران. وفي عام 1593 تفاقمت الأمور عندما تمرد أتباع الحركة النقطوية على الحكم ~~الصفوي، تلك الحركة التي كونت تركيبة ألفية من عناصر التقليد الصوفي والميول ~~التناسخية لدى سكان الحدود. وكان إخماد هذا التمرد وحشيا ومطولا، ولم يسفر فقط عن ~~تدمير النقطويين، بل أسفر أيضا عن إعدام آخر بقايا الطريقة الصوفية القزلباشية ~~الصفوية القديمة عام 1615. وعلى الرغم من أن الشاهات احتفظوا باللقب الصوفي «المرشد ~~الكامل»، فمنذ ذلك الحين أصبحت سلطتهم كحكام شيعة في الأساس متحالفة مع العلماء ~~الذين كانوا متحمسين للغاية لتشويه منافسيهم الصوفيين المهزومين. # 128 # قرابة مطلع القرن الثامن عشر، أدى تقلد كل من محمد باقر المجلسي (المتوفى ~~عام 1699) الفقيه المناهض للصوفيين على نحو متعصب، وخليفته محمد حسين الخاتون ~~آبادي (المتوفى عام 1739)، منصب كبير الفقهاء في الدولة؛ إلى طرد الصوفيين من ~~العاصمة أصفهان. # 129 # ولما كانت حملات الطرد هذه قاصرة في النهاية على الصوفيين المنتمين إلى ~~الطرق في المدن، فقد أنهت التدهور الطويل للنفوذ الصوفي في إيران وما صاحبه من ~~ظهور نوع فقهي من الشرعية الشيعية، الذي تميز بعدد هائل من الأضرحة والممارسات ~~الشعبية الجديدة، التي حلت محل الأضرحة والممارسات الصوفية. على الرغم من ذلك، ~~منح انهيار الإمبراطورية الصفوية في عشرينيات القرن الثامن عشر فرصا جديدة ~~للصوفيين، وشهدت العقود الأخيرة في القرن الثامن عشر عودة العديد من شيوخ الطريقة ~~النعمتلاهية لإيران بعد حوالي ثلاثة قرون من طلب أسلافهم الرعاية من ms195 بلاط سلاطين ~~بهمن في الهند. # 130 # وكما سنرى لاحقا في أفريقيا وجنوب شرق آسيا على حد سواء، فإنه على الرغم ~~من تزايد قوة الدولة، فقد ظلت فترة أوائل العصر الحديث فترة امتلكت فيها النخب ~~الصوفية المتنقلة قدرا كافيا من المكانة والجاذبية، مكنها من التغلب على أصعب ~~المحن التي تعرضوا لها. ~~(13) حدود آسيا الوسطى والصين # في النصف الأول من هذا الفصل، رأينا الدور السياسي المهم الذي لعبه النقشبنديون ~~في آسيا الوسطى تحت قيادة شخصيات مثل عبيد الله أحرار (المتوفى عام 1490) وأحمد ~~الكاساني (المتوفى عام 1543)، وفي القرن السابع عشر، نجد واحدا من ذرية الكاساني ~~يدعى آفاق خواجه (المتوفى عام 1694) يجعل النقشبنديين يلعبون دورا أكثر تأثيرا في ~~المنطقة. فعندما رأى آفاق خواجه توسع سلالة تشينج الصينية نحو الغرب منذ أربعينيات ~~القرن السابع عشر، وتفكك خانات جغتاي المغولية، استخدم دور النقشبنديين الأقدم ~~كوسطاء سياسيين للسفر إلى منطقة التبت، والدخول في مفاوضات مع الدالاي لاما ~~الخامس، نجوانج لوبسانج جياتسو (المتوفى عام 1682)، الذي جعلته مصادر القوة العسكرية ~~التي يمتلكها حاكما لتبت موحدة. # 131 # ومن خلال تلقي المساعدة الدبلوماسية من التبت البوذية، وتلقي الدعم ~~العسكري من أفراد قبيلة القلميق، تمكن آفاق خواجه عام 1680 من انتزاع السلطة من ~~الحكام الجغتائيين، وتأسيس نظام حكم سياسي نقشبندي في منطقة قشغر، استمر حتى ~~سقوطه في عام 1760، على إثر غزوات إمبراطورية تشينج الصينية. وكانت تلك الدولة الصوفية ~~تعرف باسم «إيشانات»، وهي كلمة فارسية تعني «هم» الدال على الاحترام الذي كان ~~يستخدم للإشارة إلى قادتها، وفي أوج ازدهارها أدارت «اقتصادا روحانيا ~~حقيقيا»، تولت فيه هرمية الطريقة إدارة الضرائب وامتلاك الأراضي في الوقت نفسه ~~الذي تولت فيه الإرشاد الأخلاقي والروحاني لأتباعها، عن طريق النسق النقشبندي ~~المميز المعروف باسم «الصحبة»، التي تعني ملازمة الشيخ. # 132 # في الوقت نفسه، كان لوجود دولة صوفية على أطراف النطاق الثقافي للصين أثره في نقل ~~أعمال مثل «مثنوي معنوي» للرومي و«نفحات الأنس» للجامي إلى الشرق، تلك الأعمال التي قد ~~أصبحت في ذلك الوقت تمثل الأعمال الكلاسيكية من الشعر والنثر ms196 الصوفي ~~الفارسي. # 133 # وفي القرن السابع عشر، كان العلماء المسلمون الصينيون الذين يعملون في أقصى ~~الشرق في قلب الصين الثقافي لا يترجمون الأعمال الصوفية إلى الصينية فحسب، بل ~~يكتبون أيضا كتبا أصلية عن النظرية الصوفية باللغة الصينية الأدبية. وفي تجسيد ~~صيني لعملية إضفاء الطابع المحلي، التي شهدنا حدوثها في البيئات التركية والملايوية ~~والهندية، وجد العالم وانج داي يو (المتوفى عام 1657 أو 1658)، من محل إقامته في ~~نانجينج عاصمة سلالة مينج الجنوبية، صعوبة في استخدام المصطلحات المفاهيمية الصينية ~~الموجودة مثل مصطلح «تشن» (أي حق) للتعبير عن أفكار إسلامية؛ مثل التوحيد ووحي القرآن ~~الفريد؛ ونتيجة لذلك، كون مصطلحات جديدة مثل «تشن شو» (الإله الحق) و«تشن تشينج» ~~(الفريد الحق) في عمله الرائد «العلم الشامل للنقي والحق». # 134 # وكان ليو تشي (المتوفى عام 1730) من الكتاب المسلمين الصينيين الآخرين ~~في هذه الفترة المقيمين في نانجينج، وبالإضافة إلى تأليفه كتاب «عرض خفاء العالم ~~الحق» - الذي يعد النسخة الصينية من كتاب «اللوائح» الفارسي الذي كتبه الشاعر ~~النقشبندي عبد الرحمن الجامي (المتوفى عام 1492) - كتب أيضا سيرة شهيرة للنبي محمد ~~باللغة الصينية. # 135 # ما نشهده في هذه الكتب ليس فقط طريقة انتقال الصوفية إلى الصين عبر كتب ~~آسيا الوسطى من المراكز الصوفية القديمة في خراسان، لكن نرى أيضا أنه في زمن ليو تشي ~~كان تعلم المعتقد الصوفي يعتبر جزءا لا يتجزأ من تعلم الإسلام في العموم. ~~ويعد هذا الترويج لصوفية مرتبطة ارتباطا وثيقا بحياة النبي محمد القدوة صدى ~~لأنماط يمكن رؤيتها في القرن الثامن عشر في كل أنحاء العالم الإسلامي. ~~(14) الهند: المغول المتأخرون # بالرجوع إلى الهند تحت حكم المغول، رأينا في القرن السابع عشر سمات معينة من الفكر ~~الصوفي (لا سيما معتقد وحدة الوجود) تتيح إمكانية تفسير الأفكار الدينية لغير ~~المسلمين على أنها جزء من تجليات الله غير المحدودة، على سبيل المثال: في كتاب «حقائق ~~هندية» جمع عبد الواحد بلجرامي (المتوفى عام 1608) قاموس أغان تعبدية للإله ~~فيشنو منحت فيها التراتيل الهندية معاني إسلامية كي تصبح مناسبة للحفلات ~~الموسيقية الصوفية. ms197 وبعد قرن، ظهر في كتاب «مرآة الحقائق» لعبد الرحمن الجشتي ~~(المتوفى عام 1683) ترجمة فارسية متعاطفة للبهاجافاد جيتا السنسكريتية، رأت رسالة ~~كريشنا متوافقة مع تعاليم الإسلام. # 136 # وأبدى صوفيون كثر آخرون، مثل ولي العهد المغولي الأمير دارا شكوه ~~(المتوفى عام 1659)، اهتماما بتعاليم الحكماء الهندوس، الذين اعتبروهم «موحدين ~~هنودا»، إلا أن هذا التكيف الصوفي مع البيئة الهندية خلف توترات في حد ذاته، ~~ولاقى هجوما واسعا في الجزء الأخير من هذه الفترة. والسبب في ذلك أننا نرى في الهند ~~أيضا ظهور نقد العلماء، الذي يرى بعض الممارسات الصوفية «بدعا» منحرفة عن ~~السنة النبوية. مرة أخرى، لقد كان السياق السائد هو سياق حملة التصحيح التي أعقبت ~~بداية الألفية الإسلامية. # ظهر توجه التصحيح الألفي هذا بوضوح بالغ في حالة الصوفي النقشبندي الهندي أحمد ~~السرهندي (المتوفى عام 1624). ولد السرهندي المعروف لدى أتباعه باسم «مجدد الألف ~~الثاني» في مقاطعة البنجاب المغولية عام 1564 تقريبا، وانتسب للطريقة النقشبندية في ~~دلهي على يد مروجها خواجه باقي بالله (المتوفى عام 1603) المهاجر من آسيا ~~الوسطى. # 137 # وعندما علم السرهندي بدوره بعض مريديه، وأرسلهم إلى أماكن مهمة في ~~الإمبراطورية المغولية، شهدت العقود الأولى من القرن السابع عشر اكتساب النقشبنديين ~~مكانة ثابتة في المجتمع الهندي؛ حيث كون المريدون أمثال هاشم الكشمي (المتوفى عام ~~1644) علاقات مع النخبة الحاكمة. # 138 # ولم يكتب السرهندي أي عمل كبير، وانتشرت أفكاره في الأساس من خلال ~~الخطابات التي كتبها لأتباعه عن نطاق مدهش من الموضوعات. وجمع ما يزيد عن خمسمائة ~~خطاب في أحد «المكتوبات»، الذي حاول من خلاله العلماء إعادة تكوين معتقد عام ~~متماسك. وعلى الرغم من ذلك، توجد موضوعات أساسية واضحة في هذا العمل، أحد هذه ~~الموضوعات التي وجدناها بالفعل في أماكن أخرى هو نقد البدع والحاجة إلى العودة إلى ~~السنة النبوية، وهذا الموضوع متعلق بالأهمية الكبرى التي أولاها السرهندي ~~للشريعة. وقد رأى السرهندي أن الأخلاق في عصره أصبحت منحلة بسبب ترك السنة ~~والشريعة؛ ومن ثم فإنه يتطلب مجددا ليعيد المسلمين إلى طريق الخلاص. ولم ~~يقلق السرهندي مطلقا ms198 من إعلان أنه هذا المجدد، وعندما زعم لنفسه هذا الدور الكبير ~~اكتسب الكثير من المريدين. # كان خطر إساءة فهم تعاليم ابن عربي من المواضيع الأخرى المهمة التي تناولتها ~~خطابات السرهندي. وعلى الرغم من أن السرهندي اعتبر نفسه مفسرا على نحو صائب ~~لأعمال ابن عربي وليس مهاجما لها، فإنه كان مدركا لمخاطر إساءة تفسيرها. وكانت هذه ~~هي الحالة بصفة خاصة فيما يتعلق بمعتقد وحدة الوجود، الذي زعم محقا أنه شجع ~~بعض المسلمين على تقليل الفرق بين الإسلام والأديان الأخرى، أو الفرق بين الله ~~وأنفسهم، وبدلا من ذلك المعتقد، روج السرهندي لمعتقد «وحدة الشهود»، الذي يقول ~~إن الصوفي في أعلى درجات النشوة قد يشعر كما لو أنه أصبح متوحدا مع الله؛ لأنه ~~بالنسبة إلى الأشخاص (أمثال السرهندي) الذين قطعوا شوطا كبيرا في سيرهم على ~~الطريقة، قد كان واضحا أن الله مغاير دائما لمخلوقاته، وأن وحدة الوجود ليست إلا ~~محض وهم كبير على طريق الإدراك الأكمل لغيرية الله. وعلى النقيض من الشخصيات التي ~~رأيناها تساوي التعاليم الإسلامية بالتعاليم العليا للهندوس، فقد كان السرهندي يرى ~~دائما فارقا واضحا بين الإسلام وأديان الكفار. # واعتمادا على الخطابات التي كتبها السرهندي لأعضاء البلاط المغولي، فقد ساد اعتقاد ~~يقضي بأنه كان مسئولا عن تحول في سياسة الإمبراطورية، تمثل في التخلي عن ~~تجارب الامتزاج الديني التي قام بها جلال الدين أكبر، وحلول الالتزام المجدد بالشريعة ~~في عهد أورنجزيب (الذي حكم من عام 1658 إلى عام 1707) محلها. # 139 # وكما في حالة جماعة قاضي زاده، فقد كان الوضع في واقع الأمر أكثر تعقيدا؛ ~~حيث اعتبر حماس السرهندي الفقهي وانتقاده للأغلبية غير المسلمة تهديدا لاستقرار ~~الدولة الذي اعتمد على ولاء الأعداد الشاسعة من رعاياها الهندوس، بالإضافة إلى ~~الموظفين الحكوميين والمحاربين المسلمين. وفي عام 1619، بلغ الحد بالإمبراطور جهانكير ~~جد أورنجزيب إلى سجن السرهندي. وفي عام 1679، منع أورنجزيب نفسه تداول خطاباته، ~~ودعم حقه في ذلك بطلب الدعم الفقهي من مكة. # 140 # إذا كانت أفكار السرهندي قد أثارت جدلا، فإنها كانت جذابة على نحو كاف ms199 لاكتساب عدد ~~كبير من الأتباع. وعلى غرار جماعة قاضي زاده في الإمبراطورية العثمانية؛ ففي القرن ~~الأول من الألفية الجديدة، كان انتقاد الطريقة النقشبندية للمجتمع الضال يلقى ~~رواجا بين قطاع كبير من النخبة الإسلامية الهندية. واعتبر إدخال أورنجزيب لجوانب ~~متعددة من الشريعة إلى الحكم المغولي مرتبطا بسياسات الحكم أكثر من ارتباطه ~~بتأثير السرهندي. # 141 # إلا أن التحول الفقهي الجديد في عهد أورنجزيب يمكن أيضا أن يكون ~~مرتبطا بحملة التصحيح التي سادت هذا العصر، والتي دعمها أيضا رجال مثل السرهندي ~~والقاضي الإيراني المؤثر المناهض للصوفية محمد باقر مجلسي (المتوفى عام 1699)، ~~الذي زار الهند عدة مرات ما بين ستينيات وتسعينيات القرن السابع عشر، ومن المحتمل أن ~~يكون قد تراسل مع أورنجزيب. # 142 # وعلى الرغم من انجذاب كثير من المسلمين في الهند إلى الصوفية التي تجعل ~~الإسلام متكيفا مع التعددية الدينية في البيئة الهندية، فقد كان يوجد أيضا ~~مسلمون راقت لهم مطالبة السرهندي بمعاملة الهندوس كالكلاب، وإهانتهم من خلال ذبح ~~أبقارهم المقدسة، وفرض الجزية عليهم. # 143 ~~(وشهدت السنوات الأولى من عهد أورنجزيب الإعدام العلني للصوفي العاري ~~المناهض للأعراف، والمتحول عن اليهودية كما يقال؛ سرمد كاشاني.) # 144 # وعلى غرار الخلافات المشابهة بين العثمانيين، فإنه يجب فهم انتقاد ~~السرهندي للهندوس في ضوء سياق كان يمنح فيه العديد من المناصب الرئيسية، في ~~البيروقراطية التي اعتبرها السرهندي إمبراطورية إسلامية، للهندوس بدلا من المسلمين. ~~وعلى الرغم من كل مزاعم السرهندي الكبيرة بأنه «مجدد العصر»، فإنه لم يتوان عن ~~إرسال خطابات يطلب فيها رواتب ومناصب حكومية لأتباعه. وعلى الرغم من انتقادات ~~السرهندي للصوفيين الذين عجزوا عن اتباع الشريعة، فقد كان على الرغم من ذلك مؤمنا ~~بفكرة أن الصوفية تقليد يربط المسلمين بتعاليم النبي محمد؛ مما يعكس اتجاهات أوسع ~~نطاقا في أجزاء أخرى من العالم الإسلامي؛ ومن ثم، فإن رسالة تجديد الألفية الجديدة ~~خاصته لم تكن طريقة نقشبندية خاصة ضيقة النطاق، بل كانت جزءا من حملة تصحيح ~~أوسع نطاقا، تشاركها مع معاصريه في أماكن أخرى. # ونظرا لأن البيروقراطية المغولية لم تكن ms200 مطلقا على القدر نفسه من المركزية أو ~~«الإسلامية» مثل البيروقراطية الدينية العثمانية، فإن المهارات العملية المتمثلة في ~~إجادة القراءة والكتابة والتشريع، التي امتلكها كثير من الصوفيين، مكنتهم من ~~الالتحاق ببيروقراطية الإمبراطورية المغولية التي كانت - مثل نظيرتها العثمانية - ~~تفضل بطبيعتها صوفية مستقرة ومتوقعة، تقدم الشريعة على الوحي. وعندما انهارت ~~الإمبراطورية المغولية أثناء القرن الثامن عشر، أصبحت هذه المهارات الفقهية أكثر ~~أهمية، والسبب في ذلك يعود جزئيا إلى أن تضاؤل دور الدولة كمصدر للنظام ~~الاجتماعي أبرز أهمية مصادر السيطرة الاجتماعية المنبثقة عن الدولة. وإلى حد ما، ~~كان السبب في ذلك هو تفسير انهيار الإمبراطورية التي تسيطر عليها نخبة مسلمة على أنه ~~عقاب إلهي على انحلال أخلاق المسلمين، إلا أنه عندما صور المسلمون على أنهم ~~ضالون، كانت الطريقة الصوفية لا تزال ترى على أنها تمثل الحل، لكنها الصوفية في ~~صورتها الملتزمة بالشريعة، التي روجها ورثة السرهندي وعبد الحق الدهلوي، ~~وورثتهم. ونظرا لأن القرن الثامن عشر شهد نهب العاصمة الإمبراطورية القديمة على ~~يد مجموعة من الغزاة الهندوس والمسلمين، فإن الصوفيين البارزين أمثال شاه ولي ~~الله الدهلوي (المتوفى عام 1763)، وميرزا مظهر جان جانان (المتوفى عام 1781) من ~~أتباع طريقة النقشبندية في دلهي، والجشتي البنجابي نور محمد مهاروي (المتوفى عام ~~1791)؛ استمروا في دفع الانتقادات الفقهية التي ظهرت في القرن السابع عشر، خاصة من ~~خلال تأسيس مدارس من أجل نشر تعاليمهم. # 145 # كان تفضيل هؤلاء الصوفيين الإحيائيين في القرن الثامن عشر لتأسيس المدارس ~~على الخانقاوات، وكذلك الأسس الفقهية لتعاليمهم، دالا على تمسكهم بجذورهم في القرن ~~السابق. كان شاه ولي الله الدهلوي مهتما بصفة خاصة بالبدع، وعلى مدار عصر تعرضت ~~فيه دلهي على نحو متكرر للتدمير على يد الغزاة، تزايد انتقاده الصارم لتبجيل ~~الناس للأضرحة الصوفية، # 146 # ولم يعتبر ذلك رفضا للتقليد الصوفي؛ لأن الدهلوي كان مدركا تماما لمنصبه ~~كوريث لسلالة من الشيوخ الصوفيين السابقين، # 147 # بل تمثل الأمر في كونه جزءا من النسق الأوسع نطاقا الذي شهدناه، والذي ~~أثار فيه تنوع الممارسات الصوفية الكبير المشكلة المنطقية المتمثلة في ms201 عدم ~~إمكانية كون كل هذه الممارسات على القدر نفسه من المشروعية. كان الدهلوي يرى أيضا ~~أن الشريعة هي الأساس الأكيد الذي يميز التقليد المشروع عن الإضافات غير المبررة. ~~والمنطق نفسه كان موجودا في دلهي في حلقات خواجه محمد ناصر عندليب (المتوفى عام ~~1759) وابنه مير درد (المتوفى عام 1785)، الذي سعى بالمثل، عند تأسيس شكل من ~~الصوفية أشاروا إليه ب «الطريقة المحمدية»، إلى إعادة توجيه الممارسات الصوفية؛ ~~بحيث تتناغم مع سلطة وسنة النبي محمد. وعلى غرار التركيز المتزايد على دراسة ~~الحديث، تزايد دور النبي نفسه في الممارسة الروحانية؛ إذ أصبح المريد يسعى إلى ~~الفناء فيه قبل الوصول إلى الله. # 148 # كانت التطورات في الهند أيضا جزءا من الصورة العالمية الأوسع نطاقا، التي شهدت ~~كذلك نشر فكرة «الطريقة المحمدية» في شمال أفريقيا على يد أشخاص مثل أحمد التيجاني ~~(المتوفى عام 1815) بعد بضعة عقود، لكن بدلا من أن تكون هذه الصوفية ظاهرة جديدة ~~في القرن الثامن عشر، أو «صوفية جديدة» مميزة كما أطلق عليها بعض العلماء، فإن ~~التركيز على النبي محمد والسنة النبوية كان ذروة صحوة التجديد العامة، التي ~~ظهرت في القرن السابق. # 149 # وتظهر الأمور المرتبطة بحملة التصحيح الأوسع نطاقا هذه في حقيقة أن ~~مصطلح «الطريقة المحمدية» نفسه استخدم لأول مرة على يد العالم العثماني محمد البركلي ~~(المتوفى عام 1573) في كتابه «الطريقة المحمدية والسيرة الأحمدية»، الذي ألهم أيضا ~~جماعة قاضي زاده بسبب هجومه على تبجيل الناس للأضرحة، وحثه على التمسك بالسنة ~~النبوية . # 150 # وعلى الرغم من ذلك، فإن هذه الأنماط المنتشرة في عدة مناطق ظهرت فقط من ~~خلال استحسان رسالتها في سياقات محلية محددة. ومثلما دعم الانتشار الواسع للأفكار ~~والمؤسسات الصوفية مجموعة من الممارسات أزعجت الدولة العثمانية المحافظة ~~شرعيا، فإنه بالمثل في الهند أدى التكيف المحلي للصوفية لتتناسب مع الأنماط ~~الأوسع نطاقا للحياة الاجتماعية، وحتى الترفيه، إلى وضع أصبحت الأضرحة الصوفية ~~تستضيف فيه عروضا لشعر الغزل الصوفي، تقدمها مغنيات عاهرات من الطبقة الدنيا، ~~عرفن باسم «الطوائف» (أي الغجر). ويحفظ كتاب «مرقعة دهلي» - الذي ms202 يتناول الفترة ~~قرابة عام 1750 - أوصافا لثقافة أضرحة أصبحت فيها الخدمات الثقافية للصوفية لا ~~تنفصل عن مكان مشبوه يقدم حفلات موسيقية في وقت متأخر من الليل، بالإضافة إلى ~~أوصاف للأفعال الطائشة الممتعة لعاصمة إمبراطورية في مرحلة الأفول. # 151 # ولهذا السبب، من المهم عدم تضخيم تأثير العلماء الصوفيين، خاصة على الصعيد ~~المحلي للصوفية، الذي استمر في التطور في الهند طوال هذه الفترة. وفي البيئات ~~الريفية في السند والبنجاب تضمنت أشعار شاه عبد اللطيف (المتوفى عام 1752)، وبلهي ~~شاه (المتوفى عام 1757)، الكثير من التعليقات الساخرة من العلماء المسلمين. وقد ~~غنى شاه عبد اللطيف ساخرا من دارسي الكتب الكلاسيكية في الشريعة والنحو، فقال: # إذا قرأت كنز الدقائق، ومختصر القدوري، والكافية، وفهمتها كلها، ~~فحالك يشبه نملة عرجاء سقطت في حفرة وأخذت تنظر إلى السماء. # 152 ~~(15) جنوب شرق آسيا: التجديد في دول الملايو # عندما نلتفت إلى الوضع في جنوب شرق آسيا في القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر، سنجد ~~الكثير من الأمور المشتركة مع صورة الصوفية الفقهية الهندية هذه، التي انتشرت أيضا في ~~البلاط الملكي لحكام الملايو. لقد رأينا من قبل حمزة الفنصوري ينشر أفكار ابن عربي ~~باللغة الملايوية في بلاط آتشيه عند الطرف الغربي للأرخبيل الإندونيسي. وفي القرن ~~السابع عشر، تقلد تلميذه شمس الدين السومطراني (المتوفى عام 1630)، الذي كان من ~~باساي في شمال سومطرة، منصب «شيخ الإسلام» (مما جعله في المكانة التالية مباشرة ~~للسلطان) في بلاط السلطان علاء الدين رعاية شاه (الذي حكم من عام 1588 إلى عام 1604)، ~~وعمل كالشيخ الصوفي للسلطان إسكندر مودا (الذي حكم من عام 1607 إلى عام 1636)، الذي ~~صحبه عادة في كل المناسبات التي تخص الدولة. # 153 # هكذا كانت مكانة هؤلاء الصوفيين أصحاب النفوذ المؤثر، لدرجة أنهم ~~ذكروا في روايات أسفار البحارة الأوروبيين في المحيط الهندي. ويبدو أن المستكشف ~~الإنجليزي جون دافيس كان يشير إلى شمس الدين السومطراني، عندما وصف عام 1599 بلاط ~~آتشيه الملكي قائلا: «هناك نبي في آتشيه يجلونه كثيرا، ويقولون إنه يمتلك روح ~~النبوة مثلما امتلكها الأقدمون. وهو ms203 يتميز عن البقية في ملابسه، ولديه حظوة كبيرة عند ~~الملك.» # 154 # وفي مصادر من سلطنة آتشيه نفسها، نجد فكرة «الإنسان الكامل»، التي ظهرت في ~~تعاليم ابن عربي وحمزة الفنصوري على حد سواء، مستخدمة في تعظيم السلطان إسكندر ~~مودا. # 155 # وعلى غرار ما رأيناه بالفعل في إيران والهند، فإن هذا الاستخدام من جانب ~~الملوك للمصطلحات الصوفية، يمكن أن نراه في إحدى قصائد مديح السلطان إسكندر مودا ~~المكتوبة بالملايوية، التي اقترضت من المصطلحات الصوفية العربية الأصلية لتصف ~~السلطان بأنه «القطب الملكي، الكامل تماما، الولي المتحد تماما مع الله، والملك ~~العارف.» # 156 # ومثلما بدا إسكندر مودا متأثرا بالألقاب الصوفية التي استخدمها معاصروه ~~المغول، أمثال جلال الدين أكبر وجهانكير، كان هذا التقديم للملك على أنه «القطب» أو ~~«ولي الله» الصوفي معمولا به أيضا في الدول الإسلامية الجديدة الناشئة على حدود ~~الأرخبيل، سواء في ماتارام في جاوة، أو في جاوا في سولاويسي. # 157 # ونظرا لأن شمس الدين السومطراني كان واحدا من أوائل السومطريين الذين يكتبون باللغة ~~العربية، فقد أوضحت كتاباته بالمثل تأثير الأفكار الهندية على الخيال الملايوي، لا ~~سيما أفكار محمد بن فضل الله (المتوفى عام 1620) المولود في برهان بور في وسط الهند، ~~صاحب كتاب «التحفة المرسلة إلى روح النبي»، الذي انتشر لاحقا على نحو أعمق في جنوب ~~شرق آسيا بسبب ترجمته إلى اللغة الجاوية. # 158 # وعلى الرغم من أن محور الاهتمام الأساسي لهذا الكتاب هو الأفكار الوجودية ~~المتعلقة بالطبيعة الحقيقية للوجود البشري والوجود الإلهي، فقد هدف فيه فضل الله ~~أيضا إلى التأكيد على أهمية الشريعة في السيطرة على أفعال حتى أقرب أولياء الله. وكما ~~هو الحال في المناطق الأخرى التي تناولناها؛ فقد شهد القرن السابع عشر في جنوب شرق آسيا ~~أيضا محاولات لكبح سلطة أولياء الله الصوفيين الجامحة والعنيدة، من خلال نسخة ~~من المعتقد الصوفي أكثر تقييدا من الناحية الشرعية. وكما ظهر هذا التوجه بالفعل في ~~انتشار كتابات فضل الله، رأيناه أيضا في تعاليم صوفيين من جنوب شرق آسيا مثل نور الدين ~~الرنيري (المتوفى ms204 عام 1658)، الذي استغل توليه منصب شيخ الإسلام في آتشيه ~~لمهاجمة العديد من الصوفيين الذين اعتبرهم متهمين بالزندقة، ووثق هذه ~~الاتهامات في كتابه المثير للجدل «حجة الصديق لدفع الزنديق»، وتشير نشأة الرنيري ~~في منطقة كجرات الهندية إلى ضرورة رؤية أفكاره أيضا في ضوء التيارات الأكبر التي ~~كانت تجتاح الهند في عصره، فمن الممكن أن يكون انتقاد الرنيري لتعاليم سلفه الصوفي ~~في آتشيه حمزة الفنصوري (لا سيما ما يتعلق برؤية الفنصوري لوحدة الوجود) معتمدا على ~~الهجوم على المعتقد نفسه، الذي رأينا أحمد السرهندي يشنه في الهند أثناء شباب ~~الرنيري. # 159 # والأدلة على ارتباط الرنيري بالطريقة العيدروسية أكثر من واضحة، وتنتمي ~~هذه الطريقة إلى منطقة حضرموت في اليمن، وأدى انتشارها عبر المحيط الهندي إلى نشر ~~صوفية ملتزمة بالشريعة. # 160 # لم يكن العيدروسيون أمثال الرنيري الصوفيين الوحيدين الذين يروجون للصوفية ~~الشرعية هذه في جنوب شرق آسيا في القرن السابع عشر؛ فبعد أن درس الصوفي الآتشي عبد ~~الرءوف السنكيلي (المتوفى عام 1693) في المدينة على يد الصوفي الكردي إبراهيم ~~الكوراني (المتوفى عام 1690)، عاد إلى سومطرة ليدرس منهجا كانت فيه الصوفية غير ~~منفصلة عن دراسة الشريعة والقرآن. # 161 # وأدت تقوية علاقات جنوب شرق آسيا بشبه الجزيرة العربية في أوائل العصر ~~الحديث أثناء القرن الثامن عشر؛ إلى انتشار هذه الصوفية الشرعية أكثر من خلال حركة ~~مزيد من الصوفيين من حضرموت، ونقل تعاليمهم حتى شمال أفريقيا. وكان هؤلاء الصوفيون ~~الرحالة هم من ربطوا مسلمي الملايو بتيارات العصر الأوسع نطاقا. # 162 # ويبدو ممكنا أن تكون زيادة تداول هذه الأفكار مرتبطة بزيادة حركة ~~الملاحة البحرية التي صاحبت نمو التجارة في تلك الفترة. وأدى أيضا ازدهار القوة ~~التجارية الهولندية في جنوب شرق آسيا إلى تقديم الإسلام إلى جنوب أفريقيا، عن طريق ~~نفي الصوفي الملايوي الشهير يوسف التاج الخلوتي المقاسري (المتوفى عام 1699) إلى ~~المستعمرة الهولندية في كيب تاون. # 163 # وحتى في أغلال الأوروبيين، استمر الصوفيون في اختراق الحدود الجديدة ~~نشرا للإسلام. ~~(16) الشريعة في الصحراء الكبرى # يمكن رؤية أنماط مشابهة في شمال أفريقيا وفي ms205 أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى أثناء ~~هذه الفترة، ولقد رأينا حقا كيف شهد القرن الخامس عشر في المغرب ظهور صوفية شرعية ~~تمتلك وعيا ذاتيا بفضل جهود شخصيات مثل الجزولي وأحمد الزروق. وعلى الرغم من ~~ضرورة وضع هؤلاء الرجال في سياق بيئاتهم المحلية في المقام الأول، فإن اهتماماتهم ~~كانت صدى للمشكلة الأكبر المتمثلة في التنوع الكبير في الممارسات الصوفية، الذي ~~ظهر في أوائل العصر الحديث؛ ما أثار مخاوف حول عدم إمكانية أن تكون جميعها متفقة مع ~~السنة النبوية؛ فعلى سبيل المثال: كتب أحمد الزروق كتابا بعنوان «الرد على أهل ~~البدع»، هاجم فيه البدع الصوفية المعيبة مثل: حلق الرأس، وارتداء عباءات معينة، ~~وتفاخر الحشم الذين يتبعون الشيوخ الصوفيين المشهورين. # 164 # وفي أعمال الجزولي مثل كتاب «العقيدة»، أعرب أيضا عن اهتمامه بإظهار ~~السلوكيات الحميدة، مطالبا المجتمع برفع معاييره الأخلاقية. وعلى الرغم من أن ~~الجزولي كانت له تعريفاته الخاصة بمعنى الطريقة المحمدية، فإنه كان واحدا من ~~الصوفيين الكثيرين في هذه الفترة الذين تحدثوا عنها، والتي كان يجب أن تتقيد فيها ~~كل الممارسات الصوفية بمثال أفعال النبي. وفي شمال أفريقيا في القرنين السابع عشر ~~والثامن عشر، استمرت محاولات توحيد مزاعم المرجعية الصوفية والفقهية من خلال نموذج ~~«الصوفي الفقيه»، الذي جمعت معرفته وسلوكه بين تقاليد الصوفيين وتقاليد النبي، ونرى ذلك ~~بصفة خاصة في سيرة شخصيات مثل أحمد التيجاني (المتوفى عام 1815)، وأحمد بن عجيبة ~~(المتوفى عام 1809)، اللذين أكملا نموذج الصوفية المقيدة بالشرع. وفي إطار ~~محاولة إرجاع الممارسات الصوفية إلى السنة النبوية، زعم التيجاني أن بعض ~~الأغاني الخاصة التي يعلمها للمريدين ألفها النبي نفسه ونقلها له من خلال ~~رؤية، # 165 # وعن طريق توسيع التيجاني لدائرة أتباعه، من خلال ضم المسافرين الذين كانوا يأتون إلى مركزه التعليمي ~~في مدينة فاس المغربية، تمكن من توسيع نطاق مريديه غربا ليمتد ~~إلى غرب أفريقيا، وهناك سوف تتكون واحدة من أكثر المنظمات الإسلامية تأثيرا في ~~القرن التاسع عشر. # 166 # وفي شمال أفريقيا نفسه، كان لهذا التوسع في الصوفية الملتزمة بالشريعة، ~~التي لا مكان ل ms206 «البدع» فيها، صدى في سياسات حكام مغاربة أمثال سيدي محمد بن عبد ~~الله (الذي حكم من عام 1757 إلى عام 1790)، ومولاي سليمان (الذي حكم من عام 1792 إلى ~~عام 1822) الذي اعتبر كثيرا من الطرق الصوفية عقبات تقف في طريق التجديد الديني ~~الذي سعى إلى تحقيقه في مملكته. # 167 # وعلى الرغم من ذلك، شهدت تلك الفترة في شمال أفريقيا اكتساب الطرق الصوفية ثروة ~~جديدة عندما لعبوا دورا بارزا في التجارة المزدهرة بين أوروبا وشمال أفريقيا ~~والصحراء الكبرى؛ مما جعل قادتها من أكثر الشخصيات ثراء ونفوذا في مجتمعاتهم. ~~ولما كانت الطريقة النصيرية تتمتع بأعضاء تجمع بينهم الثقة المتبادلة، فضلا عن ~~انتشارهم على نطاق واسع، فقد استخدمتهم كشبكة لها، وأدارت جزءا كبيرا من التجارة ~~الأوروبية عن طريق فرض رسوم لحماية القوافل التجارية، ونشر معلومات حول السوق وظروف ~~السفر، والتحكم في التواصل مع النخب السياسية؛ واستثمرت الثروة التي جنتها ~~بدورها في شراء الأراضي أو إقراض الأموال. # 168 # وعن طريق توفير شبكات ثقة وتواصل وائتمان واسعة النطاق - سواء عن ~~طريق الطريقة النصيرية في شمال الصحراء الكبرى، أو عن طريق تجار قبيلة كنتة في ~~مناطق جنوب الصحراء الكبرى المنتسبين إلى الطريقة القادرية - عملت الطرق الصوفية ~~كآليات تمكين للتجارة المتزايدة عبر الصحراء الكبرى التي ربطت أفريقيا ~~بأوروبا. # 169 # وفي الوقت نفسه، كانت طرق التجارة هذه طرقا للمعرفة أيضا، نقل من ~~خلالها الصوفيون تعلم اللغة العربية، ومناهج الطريقة النصيرية المتمثلة في الدراسة ~~الفقهية والصوفية، إلى مستوطنات الواحات التي أصبحت حاليا موريتانيا ومالي والنيجر ~~والسودان. # 170 # وفي صحراء السودان الكبير ومناطق ضفاف النيل بها، نجد بعضا من أبرز تفاعلات الصوفيين ~~مع بيئاتهم المحيطة في هذه الفترة؛ إذ شهد القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر توسعا ~~كبيرا في النفوذ الصوفي في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، الذي من خلاله أصبح التراث ~~القديم للصوفيين المتعلمين والأولياء المستقلين مندمجا في الشبكات والأنساب الممتدة ~~عبر مناطق متعددة، التي تخص طرقا مثل الطريقة القادرية. # 171 # وعلى الرغم من أن هذه الشبكات كانت عشوائية بعض الشيء، ms207 فقد كانت قادرة على ~~ربط أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بالممارسات والجدالات الناشئة في شمال أفريقيا ومصر ~~وأفريقيا. وحدث هذا التوسع للطرق نحو الجنوب عن طريق دمج أنسابها وتعاليمها في ~~الهياكل الاجتماعية والجماعات التعليمية الموجودة، وخضعت الانتماءات الصوفية ~~المتعددة المناطق للتعديل بما يتماشى مع السياقات المحلية، عن طريق الجماعات ~~القبلية وعائلات العلماء، وزاد انتشار الانتماءات الصوفية عبر طرق التجارة التي عبرت ~~الصحراء الكبرى وربطت سكانها بشمال البحر المتوسط. وكما هو الحال بالنسبة إلى الطرق ~~الأخرى المتعددة المناطق مثل الطريقة النقشبندية، لم تكن هذه العلاقات الجديدة ~~مركزية، وظلت فعليا حتى القرن التاسع عشر فروعا مستقلة. وخلال منتصف القرن السابع ~~عشر، انتشرت الانتماءات الأفريقية للطريقة القادرية على يد تاج الدين البهاري، الذي كان ~~من بغداد في الأصل، وحاول ضم العائلات السودانية الكبيرة الموجودة إلى الطريقة ~~القادرية. # 172 # أسس فرع مستقل آخر من الطريقة القادرية في هذا الوقت تقريبا على يد ~~إدريس بن محمد الأرباب (المتوفى عام 1650)، الذي نجح في جذب نخب سلطنة الفونج، وعمل ~~أيضا مثل بقية الصوفيين في هذه الفترة كوسيط دبلوماسي، في هذه الحالة في الخلافات بين ~~الفونج وأعدائهم. # 173 # وفي إطار نشر عملية التقديس في أفريقيا، شيد ضريح على قبر إدريس في ~~مدينة العيلفون جنوب الخرطوم حاليا في السودان، وتحولت المدينة إلى مركز زيارة ~~يقصده سكان المنطقة المتأثرون نسبيا بالإسلام. ومن خلال خلط زيارة الأضرحة ~~والزراعة والتعليم معا، أصبح صوفيون آخرون أمثال حسن ولد حسونة (المتوفى عام 1665) ~~- الذي هاجر جده عبر الصحراء الكبرى مما يعرف حاليا بتونس - مؤسسين للقرى. ~~وعلى مدار فترة تقدر بعدة أجيال، أصبحت هذه القرى الواقعة في قلب أفريقيا عوالم ~~إسلام صوفية صغيرة، يجمع سكانها المترابطين السلف المشترك، المتمثل في الشيخ ~~الصوفي وأتباعه الأوائل. # ومع توسع فروع الطرق المستقلة هذه عبر القرن الثامن عشر، نجد في بعض الحالات أن ~~العضوية فيها كانت تقوم على معيار العرقية أو القرابة المشتركة. وفي حالات أخرى، ~~أوجدت الطرق أنماط تآلف جديدة تجاوزت الحواجز العرقية. وفي كل الحالات، ربطت ~~الطرق الأشخاص بالمجتمعات ms208 اعتمادا على رؤية مشتركة يحددها شيوخها. وكان كثير من ~~هؤلاء القادة ينتمون إلى العائلات المقدسة نفسها؛ مما جعل الطرق آليات سيطرة ~~تمكنت من خلالها عائلات أو جماعات عرقية معينة من تخليد مكانتها عبر الزمن. وفي ~~أفريقيا الإسلامية كما في غيرها من الأماكن، كون هؤلاء القادة الصوفيون طبقة حاكمة ~~اكتسبت الثراء من خلال الأراضي التي تمتلكها، والهدايا الممنوحة لها من الأتباع. ~~وبهذه السبل، منح التقليد الصوفي شعوب الصحراء الكبرى مجموعة موارد قابلة ~~للتعديل لتأسيس سلام اجتماعي، بداية من نماذج للسلطة والتنظيم، إلى الطقوس الجماعية ~~الباعثة على الوحدة، وتقديس تراث تاريخي ربط المؤسسة الصوفية الأفريقية بمراكز ~~حضرية مرموقة مثل القاهرة وبغداد ومكة. # شكل 3-6: هل هي صوفية قبلية؟ الصوفي الرحال في مقاطعات الإمبراطورية ~~العثمانية أو الصفوية، تقريبا في القرن السابع عشر (بإذن مجلس المكتبة ~~البريطانية). # وكما هو الحال في المناطق الأخرى في الفترة نفسها، أولى العديد من الصوفيين البارزين ~~في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى أثناء القرن السابع عشر، والقرن الثامن عشر بصفة خاصة، ~~اهتماما خاصا بالشريعة؛ ففي سلطنة الفونج في السودان، أدى اغتصاب نبلاء الهمج ~~السلطة عام 1762 إلى أزمة شرعية حاول الهمج حلها من خلال سياسة الترويج للشريعة، ~~وهذا بدوره تطلب منهم عرض مناصب في البلاط الملكي والبيروقراطية على الصوفيين، ~~أو على غيرهم من العلماء المؤهلين لتطبيق هذه السياسة. # 174 # ونتيجة لذلك، زاد نفوذ الصوفيين الفقهاء، وفي نهاية القرن الثامن عشر ~~انتشر عبر السودان هجوم كبير على الممارسات الصوفية أو الممارسات الشعبية الأخرى ~~التي تنطوي على بدع. وعلى نحو محاك لأجندات الصوفيين النقشبنديين بين سكان ~~الواحات وقبائل آسيا الوسطى، تظهر المخطوطات العربية المتبقية من الجيوب الحضرية في ~~الصحراء الكبرى أن صوفيي هذه الفترة كانوا المروجين الأساسيين للشريعة، ومن أمثلة ~~هؤلاء السوداني أحمد الطيب البشير (المتوفى عام 1824)، الذي انتسب خلال رحلاته إلى ~~شبه الجزيرة العربية في أواخر خمسينيات القرن الثامن عشر إلى الطريقة السمانية، ~~المنبثقة عن الطريقة الخلوتية ذات التوجه الشرعي الصارم، التي سبق أن رأينا نفوذها ~~الكبير في الإمبراطورية العثمانية. وقد ms209 روج البشير تعاليم الطريقة السمانية عند ~~عودته إلى وطنه، وهناك منحه واحد من أواخر حكام سلطنة الفونج عزبة زراعية في ~~الأراضي المطيرة الخصيبة السودانية. # 175 # نظرا لتزايد العلاقات هذا بين الصوفيين في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وأفريقيا ~~البحر المتوسط في القرنين السابع عشر والثامن عشر، فإن دور الصوفيين كمقدمين ~~للشريعة ومؤسسين للمجتمعات يشير إلى الأساليب التي من خلالها اشتركت أفريقيا في ~~تطورات توحيد السلوك الأوسع نطاقا في هذه الفترة، من خلال تعويد الجماعات المختلفة ~~على مجتمعات الطقوس المشتركة، التي مكنت بدورها تأسيس وحدات اجتماعية أكبر. وبحلول ~~النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وصلت هذه التطورات مستويات جديدة، عندما ~~تجاوز صوفيون بارزون من شمال أفريقيا مثل أحمد التيجاني (المتوفى عام 1815)، ~~وأحمد بن إدريس الفاسي (المتوفى عام 1837)، شعوب الصحراء الكبرى المستعربة، ~~وأدخلوا أعدادا كبيرة من الأفارقة السود في طرقهم الجديدة. وعلى الطرف الغربي ~~لأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى فيما يعرف اليوم بموريتانيا، شهدت الفترة أيضا سفر ~~محمد الحافظ الشنقيطي (المتوفى عام 1830) إلى مكة وفاس؛ حيث انتسب إلى الطريقة ~~التيجانية على يد التيجاني، قبل أن يعود عبر الصحراء الكبرى لينشر نوعا من الصوفية ~~حازت فيه دراسة الحديث والسنة النبوية على مكانة محورية. # 176 # وفي أواخر القرن السابع عشر، استخدم الصوفيون في كل أنحاء أفريقيا جنوب ~~الصحراء الكبرى السنة النبوية لوصف الحكام والأخلاق والقوانين العرفية في هذه ~~المنطقة الشاسعة بأنها من صور الكفر الوثني والبدع. وغالبا كان هذا الانخراط الصوفي ~~الشديد للغاية في الإصلاح الاجتماعي جزءا لا يتجزأ من الإصلاح السياسي، مما قاد الصوفي ~~ابن الطريقة القادرية عثمان دان فوديو (المتوفى عام 1817) إلى دعوة رفاقه من قبيلة ~~الفولاني إلى سلسلة من عمليات الجهاد المشروع، التي أسفرت عام 1809 عن تأسيس «خلافة» ~~سوكوتو. # 177 # وعلى الرغم من أنه قيل إن فوديو اعتبر الصوفية وسيلة للتطهير الشخصي ~~التي كانت منفصلة عن مصادر رؤيته السياسية، تظل حقيقة أن الصوفيين - وإن لم تكن ~~الصوفية في كل الأحوال - كانوا مسئولين عن تأسيس دول جديدة بارزة في أفريقيا. # 178 # على الرغم ms210 من ذلك، يجب ألا نرى ذلك بمثابة صورة فحسب للتأثير الصوفي على أفريقيا، ~~بل يجب أن نراه أيضا صورة للتأثير الأفريقي على الصوفية، وعلى نحو أكثر تحديدا يجب ~~أن ندرك العملية التي من خلالها زودت الصوفية الأفارقة بالمصطلحات الدينية، ~~والنموذج التنظيمي، ووسائل نقل المعرفة التي مكنتهم من تصدير سمات من الممارسة ~~الدينية الأفريقية إلى العالم الإسلامي الأوسع نطاقا. وإلى حد كبير، كان هذا ممكنا ~~بسبب التهجير الجبري للعبيد إلى شمال أفريقيا وشبه الجزيرة العربية والهند؛ حيث مثلت ~~الصوفية وسيلة مفهومة ومشروعة لاستمرار الممارسات الأفريقية التقليدية، المتمثلة ~~في الغشية الموسيقية واستحضار الأرواح. ويمكن ملاحظة هذه العملية بين أوساط ~~السيديين الذين كانوا عبيدا في السابق ومنحدرين من نسل أفريقي، الموجودين في الهند ~~وفي الطريقة الحمدوشية والطريقة الكناوية في المغرب. # 179 # وجعل السيديون ذكرى ماضيهم الأفريقي حية من خلال طقوس تؤدى أمام ضريح ~~سلفهم الأفريقي المزعوم، بابا جور، في كجرات. # 180 # وشرحت الطريقة الحمدوشية طقوسها المميزة في استحضار الأرواح من خلال ~~أساطير مؤسسها سيدي حمدوش (المتوفى عام 1718)، الذي سافر إلى السودان وأحضر لدى ~~عودته الناي الذي يستخدمونه في الطقوس، المعروف باسم «العواد»، وكذلك الدف والجنية ~~عيشة قنديشة. # 181 # وفي كلتا الحالتين، ظلت الجذور الأفريقية لمجتمعات أو ممارسات الشتات ~~حية، من خلال التقاليد المتذكرة للأسلاف في المدن البعيدة في المغرب أو في الهند. ~~وإذا كانت أعداد الصوفيين الرافضين لهذه الأنشطة قد تزايدت في أواخر القرن الثامن ~~عشر، ووصفوها بالبدع المذمومة، فإن الشعبية الهائلة لهذه الطقوس الموسيقية والسلوى ~~التي منحوها للمكتئبين والمهجرين، كان معناها أنها سوف تستمر إلى العصر الحديث، على ~~الرغم من كل انتقادات المصلحين. # ملخص # في هذا الفصل، شهدنا فترة من العلاقات الغامضة بين الصوفيين والدول، أسس فيها ~~الصوفيون أنفسهم دولا تارة، وجذبتهم الدول تحت قبضة سيطرتها الشديدة تارة أخرى. ~~وفي فترة كان فيها الإسلام لا يزال يتوسع في أجزاء كبيرة من العالم، لعب الصوفيون ~~أيضا دورا في استيطان الحدود، وأدت المؤسسات الصوفية دور الدول البديلة عندما ~~تكونت المجتمعات الإسلامية حولها. وعلى الرغم ms211 من أنه بطبيعة الحال ظل بين الصوفيين ~~أعداد كبيرة من الدراويش المتجولين الفقراء، فإن العلامة الفارقة في التاريخ حدثت ~~على يد النخب الصوفية الرحالة، الذين مكنهم علمهم، وأنسابهم المرموقة، وقدراتهم ~~على صنع المعجزات، وفي بعض الحالات خلفيتهم العرقية، من توظيف الموارد لتأسيس الدول ~~أو لتولي المناصب المهمة داخل الكيانات السياسية القائمة. وعلى الرغم من أن الفترة ~~ما بين القرنين الخامس عشر والتاسع عشر يوحدها الانتشار المستمر للنفوذ الصوفي بين ~~عدد متزايد من الشعوب، فإنها يمكن تقسيمها إلى فترتين تفصل بينهما بوجه عام بداية ~~الألفية الإسلامية عام 1591. وعلى الرغم من أن هذه التطورات كانت تدريجية، فإنه في أول ~~قرنين من الألفية الجديدة حازت الاستقامة الأخلاقية الملتزمة بالشريعة التي أبداها ~~الصوفيون على الاهتمام، وأصبحوا قدوة اجتماعية تروق للقائمين على إدارة الدولة. وإذا ~~كان الصوفيون والسلاطين قد كونوا في أول الأمر تحالفات في فترة العصور الوسطى، فإن ~~الصوفيين في قرون فترة أوائل العصر الحديث ركنوا إلى الأمان المستمد من كونهم لاعبين ~~أساسيين في النظام الاجتماعي والسياسي على حد سواء، خاصة في الإمبراطوريات الأطول ~~أجلا. وإذا كانت الفترة قد شهدت تزايد محاولات تنظيم الأبعاد الأكثر انحرافا في ~~السلوك الصوفي من خلال معايير شرعية موحدة، فإن هذا في نهاية الأمر، فيما عدا في ~~بيئات استثنائية مثل إيران الشيعية، كان علامة على النفوذ الهائل الذي اكتسبه ~~الصوفيون في هذه الفترة، من خلال الإشارة إلى الأمور العديدة التي أصبحت محفوفة ~~بالمخاطر عندما أضل الصوفيون أتباعهم أخلاقيا. # إذا تناولنا فترة أوائل العصر الحديث في مجملها، فسنجد أنها شهدت جذب التقليد ~~الصوفي في اتجاهين متعارضين لكنهما متداخلين. فمن ناحية، شهدت الفترة توظيف ~~واستخدام التقليد على نحو تنافسي على يد العديد من القادة مؤسسي القبائل أو الدول، ~~الذين استخدم الكثير منهم عناصر مميزة منه على نحو انتقائي على حسب متطلبات ~~وضعهم. وعلى أي حال، فإنه نظرا لما تدعيه الصوفية من مزاعم السلطة، بالإضافة إلى ما ~~تمتلكه من آليات الولاء والانتماء، فقد أصبحت وسيلة قوية للتنظيم الجماعي والتضامن ~~المجتمعي. ومن الناحية ms212 الأخرى، شهدت الفترة عملية مقابلة (لكنها وثيقة الصلة في ~~نهاية المطاف)، تمثلت في زيادة دمج مصطلحات ورموز التقليد القوية هذه في طرق ~~صوفية منظمة ومقننة، والتي أصبح سلوكها على هذا النحو أكثر استقرارا، ومن الممكن ~~توقعه على نحو أكبر. وعلى الرغم من أن هذه العملية كانت متقطعة بالتأكيد، فإنه منذ ~~هذه الفترة أصبحت الطرق أشبه بالمنظمات الأكثر ترابطا منها بآليات إعادة إنتاج ~~التقليد التي ميزت فترة العصور الوسطى. وما دام القدر الأكبر من تنظيم الطرق ~~نتج جزئيا من تفاعلها الوطيد مع الدول الأكثر طموحا وتنظيما في هذه الفترة، ~~فإن الهدف من ترويج الحكومات لها كمؤسسات اجتماعية مستقرة ومستوطنة وملتزمة ~~بالشريعة، والتقليل من شأن الصوفية البدوية «اللاسلطوية» القائمة على المعجزات ~~والمرتبطة بالجماعات القبلية الريفية؛ كان واضحا. وحتى في أبرز حالات قمع الصوفية في ~~إيران الصفوية، كان العامل الأساسي هو استبدال الصوفية القبلية الانفصالية القديمة، ~~وأن يحل محلها نموذج الإسلام الشيعي الموحد والفقهي الذي يستطيع توحيد كل ~~السكان، على النقيض حتى من أكبر الطرق الصوفية. # في أغلب الأحيان، قدم القرن الثامن عشر على أنه «عصر إصلاح» مميز، روجت فيه ~~طرق صوفية أجندة جديدة، محورها النبي محمد، لصوفية ملتزمة بالشرع، إلا أن ما ~~شهدنا في هذا الفصل يشير إلى أن الألفية الإسلامية التي بدأت عام 1591 مثلت نقطة ~~التحول الأكثر أهمية. بطبيعة الحال، إن انتشار محاولات تصحيح التردي وانتقاد ~~البدع تقريبا في كل منطقة من المناطق الإسلامية لم يكن ناتجا عن التاريخ وحده، وكان ~~نجاح العلماء في كل منطقة في هذا الشأن معتمدا على الظروف الاجتماعية والسياسية ~~المحلية. وعلى الرغم من أن جماعات مثل قاضي زاده استخدمت الاتهام بالابتداع المنحرف عن ~~السنة النبوية كوسيلة لانتقاد منافسيها الصوفيين أصحاب الامتيازات، فقد كان ~~الصوفيون أنفسهم هم عادة من استخدموا السنة والشريعة لانتقاد صوفيين آخرين. وفي ~~بعض الحالات، كان هذا جزءا من أشكال عقائدية أطول عمرا مدعومة من طرق معينة لطالما ~~أكدت على أهمية الالتزام بالشريعة مهما كان تواصل الفرد الخاص مع الله باعثا على ~~النشوة. ms213 وبدلا من أن تشهد فترة أوائل العصر الحديث ككل تلاشي الصوفيين تحت وطأة ~~هجوم طبقة منفصلة من العلماء، على الرغم من المواءمات مع أنظمة الدول الأكثر قوة ~~(أو حتى بسببها أيضا)، فقد شهدت من تمبكتو إلى سولاويسي تزايدا في انتشار النفوذ ~~الصوفي على حياة المسلمين بدلا من تضاؤله. وبينما لم يكن الصوفيون بلا معارضين، فإنهم ~~كانوا على الرغم من ذلك الطبقة الدينية المسيطرة إلى حد كبير. # الفصل الرابع # | من الاستعمار إلى العولمة (1800-2000) # (1) تمهيد # ليست الصوفية باستثناء للقاعدة العامة التي تقضي بضرورة وضع تأثير الاستعمار ~~الأوروبي في الاعتبار عند فهم أي جانب من جوانب التاريخ الإسلامي الحديث. ففي حين ~~شهد النصف الثاني من القرن الثامن عشر وقوع أعداد كبيرة من المسلمين تحت السيطرة ~~الأوروبية في شبه جزيرة القرم والبنغال في حالة الإمبراطورية الروسية، و«إمبراطورية ~~الشركة» المتمثلة في شركة الهند الشرقية البريطانية، فإن القرن التاسع عشر شهد ~~أكبر توسع أوروبي في المناطق الإسلامية. ومن المهم إدراك نطاق هذه ~~التطورات. # 1 # فتحت أسماء إدارية مختلفة، تضمن الاستعمار البريطاني الاستحواذ ~~التدريجي على ما يعرف اليوم بالهند وباكستان وبنجلاديش، وماليزيا وسنغافورة، ~~ونيجيريا والسودان والصومال، وزنجبار وكينيا، وأوغندا وجنوب أفريقيا، ومصر، ولفترة ~~أقصر فلسطين والأردن. وتحت أسماء متنوعة مماثلة، تضمن الاستعمار الفرنسي ~~الاستحواذ على الجزائر وتونس والمغرب، والسنغال وموريتانيا ومالي، وتشاد والنيجر، ~~ولفترة أقصر سوريا ولبنان. وتضمن الاستعمار الهولندي غزو أرخبيل الجزر ~~الشاسع الذي يضم إندونيسيا حاليا. وتضمن الاستعمار الروسي غزو شبه جزيرة القرم ~~ومناطق الفولجا، والقوقاز (لا سيما الشيشان)، والتوسع الهائل في وسط آسيا فيما ~~يشكل الآن جمهوريات كازاخستان، وتركمانستان، وأوزبكستان. علاوة على ذلك، عاشت أعداد ~~أصغر من المسلمين تحت الحكم النمساوي المجري في البلقان، وتحت الحكم الإسباني في شمال ~~وغرب أفريقيا، بينما شهد التوسع الغربي لإمبراطورية تشينج في وسط آسيا حكم أسرة هان ~~الصينية للمسلمين في المنطقة التي ظلت حتى يومنا الحاضر منطقة سنجان أويغور ذات ~~الحكم الذاتي، التي يسيطر عليها الصينيون. وفي عشرينيات القرن العشرين، كانت أفغانستان ~~وإيران والدولتان القوميتان الجديدتان المتمثلتان ms214 في تركيا والسعودية، هي المناطق ~~الكبيرة الوحيدة التي نجت من الحكم الاستعماري، وإن كانت القوة الأوروبية فيها أيضا ~~محسوسة بقوة، وإن كان على نحو غير مباشر. # في الفصل الثالث رأينا كيف كانت الصوفية عند تكوين الدول الجديدة والأوسع نطاقا في ~~أوائل العصر الحديث كامنة في عدة مستويات في الحياة الاجتماعية والسياسية. وهذا ~~الإسلام الصوفي الذي لم يكن ظاهرة «تصوفية» محدودة النطاق، أصبح من الناحية ~~المؤسسية والعقائدية أساس المجال الإمبراطوري والزراعي والتجاري والبيروقراطي بجانب ~~الديني. ورأينا أيضا كيف أنه بعد قرنين من الألفية الإسلامية الجديدة في عام 1591 ~~انتشرت حملة تصحيح تطالب بالتجديد الديني، استخدمت فيها السنة النبوية ~~والشريعة لمواجهة عملية التنويع التي حدثت في القرون السابقة. في بعض الحالات (كما ~~في حالة الإمبراطورية العثمانية)، حدث انتشار هذه الصوفية الأكثر التزاما بالشريعة ~~داخل إطار مؤسسات الدولة القائمة، بينما في حالات أخرى (مثل حالة أفريقيا جنوب ~~الصحراء الكبرى)، أسهمت هذه الصوفية في تكوين دول حدودية جديدة. ولم يسفر تدهور أو ~~انهيار الكثير من تلك الدول، وحلول الإمبراطوريات الأوروبية الممتدة عبر مناطق ~~إقليمية متعددة محلها؛ عن تقليل النفوذ الصوفي على نحو فوري، بل على النقيض من ~~ذلك، كانت التغيرات في السلطة مصحوبة بإعادة توزيع الموارد، وتكوين تحالفات ~~جديدة؛ حيث سعت القوى الجديدة، سواء الاستعمارية أو المحلية، إلى كسب الشرعية النابعة ~~من التعاون مع ورثة النبي الصوفيين. وفي فترة شهدت تغيرات اجتماعية وسياسية ~~سريعة، اكتسبت استمرارية التقليد الذي يمثله الصوفيون رأسمالا رمزيا أكبر ~~قدرا. وحتى عندما بدأ العلم الحديث يهدد مزاعم صحة أنماط المعرفة الإسلامية ~~والمسيحية القديمة، كان يوجد الكثير من الصوفيين الذين رأوا فرصا في التقنية العملية ~~للعلوم الجديدة. وفي مثالين من أبرز الأمثلة على ذلك، أدى ظهور الطباعة في العالم ~~الإسلامي منذ عشرينيات القرن التاسع عشر، والتوسع في السفر منذ خمسينيات القرن ~~التاسع عشر عن طريق السفن والقطارات التي تعمل بالمحركات البخارية؛ إلى وصول الصوفيين ~~إلى جماهير جديدة في أمريكا الشمالية وأوروبا، بالإضافة إلى مناطقهم القديمة. # على الرغم من ذلك، كانت توجد ms215 على المدى الطويل عدة نتائج للتغيرات الاجتماعية ~~والسياسية الهائلة التي صاحبت الاستعمار التدريجي لمعظم أجزاء العالم الإسلامي. ~~لقد كان الاستعمار مشروعا خطابيا إلى جانب كونه مشروعا مؤسسيا؛ ومن ثم ~~تضمن مواجهة عنيفة مع أشكال المعرفة المحلية التي قابلها الأوروبيون. ولم تكن ~~أشكال المعرفة الصوفية - بما في ذلك أسسها المعرفية القائمة على الرؤى والطقوس ~~والوساطات - استثناء في هذا الشأن. وفي هذا السياق الاستعماري صاغ الإنجليز لأول مرة ~~المقابل الإنجليزي لمصطلح «صوفية»، وذلك عندما زاد تفاعل الأوروبيين مع المسلمين في ~~أماكن مثل البنغال. # 2 # في البداية كانت التعريفات والصفات التي أعزيت لهذا المصطلح إيجابية؛ ~~وذلك بين ورثة التنوير المتحمسين أمثال السير ويليام جونز (1746-1794)، ويوهان ~~فولفجانج فون جوته (1749-1832)؛ حيث كان يعتبر الصوفيون واحديين متسامحين لديهم ~~ذوق رفيع في الشعر والموسيقى والخمر. # 3 # وحتى المسيحيون الإنجيليون أمثال المبجل هنري مارتن (1781-1812) - ~~الذي يعد أول المبشرين في إيران - رأوا الصوفيين بطريقة إيجابية؛ إذ اعتبروهم ~~متنورين على نحو كاف، يجعل تحولهم إلى المسيحية ممكنا. إلا أنه مع توسع ~~الاستعمار مع مرور القرن التاسع عشر، أصبح من المحتمل وجود التفاعلات الأوروبية مع ~~الصوفيين في ساحة المعارك، مثلما من المحتمل وجودها على صفحات الشعر الفارسي؛ ونتيجة ~~لذلك، اكتسب مصطلح «الصوفية» - وبصفة خاصة المصطلحات المقترضة الدالة على المنتسبين ~~لها مثل «فقير»، و«درويش» و«مرابط» و«مريد»، التي دخلت لغات مثل الإنجليزية ~~والفرنسية والروسية - دلالات سلبية تمثلت في التعصب والاحتيال. # 4 # وعلى الرغم من ذلك، حتى في أوج العصر الاستعماري لم تكن التوجهات ~~الأوروبية تجاه الصوفية سلبية على نحو موحد، وفي أواخر القرن التاسع عشر، أسفرت ~~الاختلافات بين مختلف الأوروبيين حول الإسلام عن خلق تعريف للصوفية استمر حتى ~~يومنا الحاضر. والسبب في ذلك يرجع إلى أنه بينما نظر السواد الأعظم من ممثلي ~~الاستعمار إلى المسلمين كمتعصبين ، استخدم الجناح الأكثر ليبرالية - المتمثل ~~في مفكري أواخر العصر الفيكتوري والعصر الإدواردي - خطاب التصوف الجديد الرائج ~~لتصوير الصوفيين على أنهم المقابل الإسلامي لحكماء اليوجا والبوذية الأكثر مسالمة. ~~وبهذا الأسلوب، سلط هؤلاء الباحثون الاستعماريون المتعاطفون ms216 الاهتمام على الأمور ~~محل المقارنة والعامة، بدلا من التركيز على الأمور السياقية والخاصة. بالإضافة إلى ~~ذلك، سعوا في ظل البيئة الجدلية المناهضة للإسلام التي كانوا يكتبون فيها إلى إثارة ~~التعاطف مع المسلمين من خلال تهميش الأبعاد الإسلامية في الصوفية على نحو ينطوي على ~~التناقض، وهذا التركيز على الجانب التصوفي والمتسامي في الصوفية تضمن أيضا تهميش ~~الطقوس والمؤسسات الصوفية التي بدت «مرتبطة بالخرافات» أو «باباوية» على نحو ~~مستهجن في عين البروتستانت أو غيرهم من الأوروبيين المناهضين للمؤسسات الدينية. ~~وعلى نحو ينطوي على مفارقة، كانت العوامل التي همشها هؤلاء المدافعون عن الصوفية ~~بنية حسنة لجعل الصوفية أكثر استحسانا لدى الجمهور الأوروبي والأمريكي، هي نفسها ~~بالضبط تلك التي أبرزها في الوقت نفسه المصلحون المسلمون المناهضون للصوفية كأسباب ~~تدفع المسلمين أنفسهم للتخلي عن التقليد الصوفي. والسبب في ذلك هو أنه في بداية ~~القرن العشرين وجد كل من البعد المنتقد للصوفية والبعد المدافع عنها في التصور ~~الاستعماري للصوفية صداه بين المصلحين المناهضين للصوفية من ناحية، وبين المجددين ~~الصوفيين المحدثين من ناحية أخرى. # إذا كانت الفرص التي جاءت مع التعاون الاستعماري والتقنيات الصناعية تشير إلى ضرورة ~~عدم اعتبار أن الصوفيين هم الخاسرون الواضحون في عصر الاستعمار والحداثة، فإنهم ~~بالتأكيد ليسوا الجماعة الإسلامية الوحيدة التي انتهزت الفرص التي قدمتها الظروف ~~الجديدة. فالنسق الذي بدأ كإصلاح صوفي فقهي التوجه في أوائل العصر الحديث نأى ~~بنفسه تدريجيا مع مرور القرن التاسع عشر عن أصوله الصوفية تحت ضغوط الاستعمار، وأصبح ~~حركة إصلاح مناهضة بشدة للصوفية، قدمت الصوفيين على أنهم العقبة الأساسية في ~~سبيل تجديد الإيمان وليسوا الوسيلة له. # 5 # وتزايد الهجوم القديم على البدع في أواخر القرن التاسع عشر ليتحول ~~إلى مطالبة بإصلاح كامل للإيمان، وكان هذا إلى حد ما استجابة لقراءة دينية ~~للتاريخ رأت أن الاستعمار وانهيار القوة الإسلامية عقاب على الانحراف عن طريق ~~الإسلام الحق. وفي كثير من الحالات السابقة كان قادة حركات الإصلاح هذه هم أنفسهم من ~~الصوفيون، وكانت وسائلهم التنظيمية هي الطرق الصوفية، واعتمادا على تطورات ms217 القرن ~~الثامن عشر من خلال مزايا السفر بوسائل النقل البخارية، أصبحت بعض هذه الطرق ~~الإصلاحية عالمية النطاق حقا؛ فربطت أفريقيا وشبه الجزيرة العربية وجنوب شرق آسيا ~~وأوروبا داخل إطار سيرة أفراد منفردين. # 6 # ونظرا لأن الأنماط الاستعمارية المتغيرة للتجارة العالمية خلقت حالات تدهور ~~مقابلة في المناطق الخارجة عن السيطرة الاستعمارية، أو نظرا لأن ظروف الحكم ~~الاستعماري عززت التحرر من سطوة القادة الصوفيين المتمرسين؛ تمكنت الطرق ~~الإصلاحية من الاستفادة من المطالبة الجديدة بالتغيير الديني، مع التعهد في الوقت ~~نفسه بتقديم النسخة الأصلية من التقليد الصوفي. # 7 # على الرغم من ذلك، وبالنظر في التجربة التاريخية المتمثلة في انهيار ~~القوة الإسلامية، فإنه في أوائل القرن العشرين اتخذ المتحدثون الرسميون للحركات ~~الإصلاحية الأخرى، والأكثر نجاحا في نهاية المطاف، خطوة كارثية تتمثل في ترك ~~التقليد الصوفي بالكامل. ونظرا للخلفية الصوفية لكل كبار مؤسسي حركات الإصلاح ~~المناهضة للصوفية، يمكن الزعم بأن الطرق الإصلاحية التي ظهرت في القرن التاسع عشر ~~كانت بمنزلة حصان طروادة، الذي سمح بتفريغ الصوفية تدريجيا من الداخل؛ ففي فترة ~~شهدت ظهور الحركات «الأصولية» في عدد من أديان العالم، زعمت حركات التجديد التي ~~ظهرت في مناطق إسلامية مختلفة أن العودة إلى أسس الإسلام المتمثلة في الكتاب ~~والسنة تتطلب التخلص من كل ما يقف بين المسلم المعاصر وبين القرآن والحديث. ~~ونظرا لأن الصوفية هي مجموع الطقوس والتأملات والمؤسسات التي تكونت أثناء هذه ~~القرون المتخللة - أي أنها تقليد - فقد كانت الضحية المطلوبة للعودة الإصلاحية ~~المباشرة هذه إلى الأصول. # وجد هذا الرفض للتقليد مؤيدين كثر، خاصة بين الطبقة الوسطى من الحضريين ~~والمتعلمين الذين مقتوا ما اعتبروه أبهة وامتيازات وفتورا وكسلا من جانب ~~الصوفيين الذين عاشوا معتمدين على الشحاذة في الشوارع أو على المعاشات في عزبهم. وفي ~~أوائل القرن العشرين، كانت تحولات الحداثة تخلق سكانا مسلمين جددا ، إما معزولين عن ~~المؤسسات الصوفية القديمة المتمثلة في الأضرحة والطرق، وإما غير مرتبطين بها. وعن ~~طريق المدارس الحديثة والأفكار العلمية، كانت تنتشر أيضا بين المسلمين المؤسسات ~~وأنواع المعرفة الجديدة التي تجاهلت ms218 الصوفيين أو تحدت الأسس المعرفية ~~لتعاليمهم، وكان هذا راجعا جزئيا إلى تأثير الاستعمار. وبالنسبة إلى كثير من ~~المسلمين الذين نشئوا في هذه الظروف الجديدة مثل الصوفيون نوعا من الإسلام غير ~~مناسب، إن لم يكن زائفا. ومع ظهور الحركات القومية المناهضة للاستعمار عزز قرب ~~كثير من الصوفيين البارزين من القوى الاستعمارية أو من النخب غير المؤتمنة في المناطق ~~الإسلامية القليلة المستقلة؛ الأبعاد المناهضة للصوفية، المميزة لهذا النوع من ~~التدين المتحرر من الوهم. # على الرغم من ذلك، لم يكن هذا المسار المألوف بعض الشيء للحداثة المناهضة للتصوف ~~سوى جزء من القصة، وعلى الرغم من التوقعات العلمانية لمنظري الحداثة في منتصف ~~القرن العشرين، فإن الصوفية لم تختف في النصف الثاني من القرن في أعقاب نهاية ~~الاستعمار؛ فعن طريق الحوار الجدلي للصوفيين مع منتقديهم الإصلاحيين والحداثيين ~~ظهرت أيضا حركة مناهضة للإصلاح، حاولت إصلاح أو تحديث الصوفية بدورها. وفي ~~حالات كثيرة، اختار المنتسبون لهذه الحركات المناهضة للإصلاح عدم وصف أنفسهم ~~بالصوفيين المنتمين للطرق الصوفية، بل وصفوا أنفسهم - كما هو الحال مع الحركة البريلوية ~~البالغة النجاح في الهند وباكستان - بالمسلمين الملتزمين المنتمين إلى «أهل السنة ~~والجماعة»، الذين تعلموا في المدارس بدلا من المساكن الصوفية المميزة. # 8 # ومن ثم عند تتبع الورثة المعاصرين للتقليد الصوفي الذي يعود لقرون ~~طويلة، يجب أن نضع في اعتبارنا أن كثيرا من هؤلاء الورثة اختاروا عدم وصف أنفسهم ب ~~«الصوفيين». ومع تحول العصر الاستعماري إلى عصر عولمة ما بعد استعماري، لم تبق ~~فقط المؤسسات الصوفية القديمة التي قاومت عواصف القرنين الماضيين من خلال ~~التحالفات الذكية والاستثمارات المربحة، بل ظهرت أيضا في كاليفورنيا وكذلك في ~~القاهرة أشكال جديدة من الصوفية راقت للاحتياجات والأذواق الحديثة، وكان من السمات ~~الجذابة الضرورية لهذه الصوفية الجديدة تقديمها في صورة جديدة كممارسة «تصوفية» ~~صرفة، متمثلة في مجموعة أساليب يحقق الفرد من خلالها التواصل الشخصي مع الله، ~~دون المشتتات المتمثلة في الطقوس والمعتقدات؛ ومن ثم فإن هذه الصوفية المعزولة ~~عن السياسة وعن جذورها الأصلية، والتي أصبحت تصوفا صرفا من ms219 خلال قطع علاقاتها ~~بطوائف تبجيل الأولياء القائمة على الخرافة والدول الراعية «الفاسدة»، كانت نفسها ~~نتيجة لعملية تاريخية متمثلة في الاستمرارية التراكمية للتقليد، التي طالها الرفض في ~~النهاية هي وتأثير الأيديولوجيات الحديثة من قبل النقد الاستعماري والإصلاح ~~الإسلامي. وكما سنرى في الصفحات المقبلة، فإنه فيما يتعلق برفض الصوفية وإعادة ~~اختراعها، كان ظهور كل منهما في القرنين التاسع عشر والعشرين ردا على التجربة ~~التاريخية في الفترة المعاصرة والسابقة له. ~~(2) من المقاومة إلى التوافق: الصوفية تحت حكم الاستعمار، منذ حوالي عام 1800 إلى عام ~~1950 # نظرا لأن تأثير الاستعمار على الصوفية يمكن تتبعه فعليا من خلال تفاعلات ~~الإمبراطوريات الاستعمارية مع المؤسسات الصوفية والصوفيين، فإن الصفحات المقبلة ~~ستركز كثيرا على هذه التفاعلات الملموسة إلى حد كبير قبل الالتفات إلى توجهات ~~كل من الأوروبيين والمسلمين الذين استولوا على الصوفية أو رفضوها، أو أعادوا اختراعها ~~بطرق مختلفة في عصر ما بعد الاستعمار. في العموم، يمكن رؤية تاريخ التفاعلات ~~الاستعمارية مع الصوفيين على أنه نسق ثنائي الاتجاه، يقوم على الثورات على الاستعمار ~~والتحالفات المؤيدة له، وهذا النسق يمكن رؤيته في حالات كثيرة كتطور تدريجي لثورات ~~فاشلة سمحت بتحالفات قائمة على التفاوض. # 9 # لذلك، في أوقات مختلفة لم تقمع الإمبراطوريات الأوروبية الصوفيين فقط، بل ~~ناصرتهم أيضا في بعض الأحيان. وكما هو الحال مع التفاعلات السابقة التي تتبعناها ~~بين الصوفيين والإمبراطوريات الإسلامية السابقة للاستعمار، فمن أجل فهم نوعي السياسات ~~التي انتهجهما الاستعمار يجب أن ندرك الاختلافات الداخلية بين الصوفيين أنفسهم، ~~نظرا لاختلاف ردود أفعال الصوفيين باختلاف أنواعهم تجاه الوجود الاستعماري، ~~واختلاف معاملة الحكام الاستعماريين لهم في المقابل. في العموم، بدأ سياسة ~~التمرد والمقاومة صوفيون هامشيون نسبيا، كانوا يقودون أتباعا قليلين أو يحظون ~~بسلطة قليلة موروثة قبل قيادة التمردات التي قاموا بها. واستمرارا لنهج القرن ~~الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، مال أيضا هؤلاء الصوفيون المتمردون للانتماء ~~إلى الاتجاه الشرعي الذي كان في الغالب مهما للمسلمين وللطبقة الاستعمارية الحاكمة ~~على حد سواء. وعلى النقيض من ذلك، كانت سياسة التحالف والتوافق ms220 ينتهجها صوفيون ~~راسخون يمتلكون بالفعل السلطة والمكانة في مجتمعاتهم المضيفة، بالإضافة إلى ~~الأراضي الممنوحة لهم من قبل القوى ما قبل الاستعمارية. وفي بعض الأحيان، يمكن ~~ملاحظة عملية تحول بين هذين الطرفين؛ نظرا لأن ورثة الصوفيين - الذين ~~اكتسبوا الأتباع والمكانة من خلال قيادة التمردات التي كانت غير ممكنة الاستمرار ~~في نهاية المطاف - كونوا تحالفات مع القوى الاستعمارية نفسها التي هزمت آباءهم أو ~~أجدادهم. ~~(2-1) الإمبراطورية البريطانية # مع زحف الإمبراطورية البريطانية على المناطق الإسلامية في شمال الهند في بداية ~~القرن التاسع عشر، كانت أبرز حركات «المقاومة» التي واجهتهم على نحو مباشر هي ~~حركة الجهاد بقيادة سيد أحمد بريلوي (1786-1831)، وعلى الرغم من أن بريلوي يعتبر ~~أحيانا مناهضا للصوفية، أو «وهابيا»، فقد تلقى تعليما صوفيا على يد ~~الصوفي النقشبندي شاه عبد العزيز الدهلوي (المتوفى عام 1823)، ابن شاه ولي الله ~~الدهلوي (المتوفى عام 1763)، الذي رأيناه في الفصل الثالث يدعم مكانة الشريعة في ~~الحياة الصوفية. # 10 # الأمر المهم في بريلوي هو تبنيه مصادر التقليد الصوفي من أجل تأسيس ~~حركة جديدة سماها «الطريقة المحمدية» (في محاكاة للاستخدامات السابقة للاسم ~~المذكور)، وعلى الرغم من أن بريلوي انتسب إلى العديد من الطرق الصوفية التي كانت ~~موجودة من قبل (مثل الجشتية والنقشبندية)، فيبدو أن هدفه من تأسيس الطريقة ~~المحمدية كان إنشاء مؤسسة جامعة قادرة على جذب الأتباع من أي من الطرق الموجودة، ~~عن طريق زعم أنها «الطريقة» النبوية الأصلية. وعلى الرغم من إعلان بريلوي ~~انفصاله عن الطرق القائمة، والاتهامات الشرسة بالابتداع التي وجهها هو ~~وأتباعه إلى منافسيهم الصوفيين، فإن الطريقة المحمدية تبنت الكثير من ~~الأساليب التنظيمية والمعتقدات الصوفية، فكان أعضاؤها ينتسبون لها عن طريق البيعة ~~الصوفية المعروفة، ويدرجون في السلسلة الروحانية. وإذا كانت تلك المؤسسة تقدم ~~الشريعة على أنها أساس التقوى الإسلامية، فقد ظلت تعلم أنماط الذكر ~~الصوفية. # 11 # ومن الناحية التنظيمية، كانت هذه الطريقة تحاكي هيكل الطرق الموجودة ~~سابقا؛ من حيث إنها كانت تدار من قبل الولي المحوري صاحب الشخصية الجذابة سيد ~~أحمد بريلوي، وخلفائه المعينين المعروفين. ونظرا ms221 لفرض السيطرة البريطانية على ~~دلهي عام 1803، وأسفار بريلوي وأتباعه البارزين إلى كبرى المدن الاستعمارية مثل ~~كلكتا وبومباي، أدرك أتباع الطريقة المحمدية تمام الإدراك غلبة السلطة ~~«المسيحية» الجديدة على الأراضي المغولية القديمة، وفي منتصف مسيرة بريلوي، أصبحت ~~خسارة السلطة الإسلامية هذه تحتل مكانة محورية في فكره. وعندما عاد ~~بريلوي من الحج في مكة في أوائل عشرينيات القرن التاسع عشر، مشبعا بحماس جديد ~~لقمع «البدع» التي تسللت إلى الإيمان، تعهد بتأسيس دولة إسلامية جديدة قائمة ~~على الالتزام بالشريعة. وأثناء وجوده في مكة، كان اثنان من أتباعه قد سافرا بالفعل ~~إلى كلكتا لاستخدام التقنية الاستعمارية التي كانت تتطور هناك من أجل الطباعة ~~باللغات الإسلامية، وفي عام 1823 نشرا كتاب «الصراط المستقيم» الذي ضم تعاليم ~~بريلوي. # 12 # ولما كانت الطباعة تمثل تحولا في وسائل نقل المعرفة الصوفية من ~~الأنماط القديمة المتمثلة في التلقين والتداول المحكوم للمخطوطات، فإن طباعة هذا ~~الكتاب تشير إلى التفاعل المعقد بين الصوفيين المناهضين للاستعمار، والفرص ~~الجديدة التي أتاحها الحكم الاستعماري للجماعات الدينية. ونظرا لأن معظم الكتاب ~~كان مخصصا لمهاجمة البدع الآثمة للصوفيين الأكثر شهرة من منافسي بريلوي، ~~فقد كانت توجد مفارقة معينة في الاستخدام الاستراتيجي للتقنية الجديدة التي ~~اعتبرها علماء مسلمون آخرون بدعة في حد ذاتها. وعلى الرغم من سعادة بريلوي ~~باقتباس تقنية الطباعة هذه، فإن الموقف الذي اتخذه تجاه التوسع البريطاني ~~(وظهور مملكة رانجيت سينج السيخية في البنجاب)، كان موقف مواجهة وليس موقف ~~مواءمة. وعلى غرار دول «الجهاد» الأخرى التي سنشهد فيما يلي تكونها في ~~الوقت نفسه على حدود الحكم الفرنسي والحكم الروسي، فإن بريلوي في منتصف عشرينيات ~~القرن التاسع عشر وطد أقدامه على حدود سلطة الدولة الاستعمارية في الأطراف ~~الشمالية الغربية من شبه القارة الهندية، ومن هناك شن حربا على المملكة السيخية، ~~وكان هدفه النهائي الوصول إلى الأراضي البريطانية التي كانت تضم حينها دلهي ~~العاصمة القديمة للمغول . مني هذا الجهاد بالفشل، وفي عام 1831 استشهد بريلوي ~~في معركة ضد قوات رانجيت سينج. وعلى الرغم من ذلك، اعتقد أتباعه ms222 أنه لم يمت بل ~~انسحب إلى أحد الكهوف التي سيعاود الظهور منها سريعا في صورة «المهدي المنتظر»، ~~الذي يدل على نهاية العالم. ونجد أن تحولات بريلوي في حياته وفي مماته من صوفي ~~نقشبندي إلى مؤسس الطريقة المحمدية ومحارب مجاهد، وإلى مهدي منتظر في نهاية ~~المطاف، تظهر الاتجاهات الجديدة التي يمكن أن يتوجه إليها التقليد الصوفي ~~على أطراف التوسع الاستعماري. # وعلى مدار العقود التالية، وجدت روح مقاومة حكم «الكفار» للمسلمين - التي ~~أوجدها بريلوي - العديد من المنافذ الأخرى لها (وإن كانت هامشية على نحو ~~متزايد) في الهند، وعلى الرغم من أن الانتفاضة الهندية الكبرى عام 1857 ضمت ~~نطاقا من المشاركين الهندوس والمسلمين، أصحاب الأهداف المختلفة للغاية، فقد كان من ~~بينهم أيضا مشاركون صوفيون. وفي حين أن المعلومات المتعلقة بحجم اشتراك الصوفيين ~~في هذه الانتفاضة فقدت في خضم الحرب والدعاية، فإن أبرز الصوفيين المؤكد أنهم ~~شاركوا في القتال في هذه الانتفاضة كان الشيخ الجشتي الحاج إمداد الله (المتوفى ~~عام 1899)، الذي لجأ إلى مكة بعد فشل الانتفاضة على غرار عدد من المتمردين ~~الآخرين، وفي المنفى كتب رسائل بالفارسية عن التأمل الصوفي مثل «ضياء القلوب». ~~وفي إشارة إلى تحول المقاومة إلى الداخل نحو المساحة الشخصية المتمثلة في ~~الجسد المسلم، كتب إمداد الله قصائد بالأردية تمدح «الجهاد الداخلي» ضد جسد ~~وروح المرء. # 13 # وفي الهند نفسها، نجد أن الكثير من الصوفيين البارزين المرتبطين بشاه ~~ولي الله والحاج إمداد الله والنقشبنديين الدهلويين، الذين رأيناهم يؤسسون ~~الطريقة المحمدية في الفصل الثالث، تبنوا استراتيجية التجنب بدلا من ~~التعاون. لحق بعضهم بالحاج إمداد الله في مكة، أو انتقلوا إلى الولايات الأميرية ~~الهندية الإسلامية الحكم؛ مثل ولاية حيدر أباد، وكون البعض الآخر نظريات تفصل ~~الشريعة (ومن ثم، حياة المسلم في العموم) عن كل ما يتعلق بالدولة ~~الاستعمارية، وذهب البعض إلى حد بعيد تمثل في منع أتباعهم من ارتداء القبعات ~~والأحذية ذات العنق الطويلة البريطانية الطراز. # 14 # وفي حالة شبكة المدارس الديوبندية في جنوب آسيا، التي تطورت ~~تدريجيا عن المدرسة التي أسسها ms223 أتباع المصلح الصوفي المناهض للاستعمار ~~الحاج إمداد الله عام 1867، حذفت الأصول والانتماءات الصوفية لمؤسسي المدارس ~~تدريجيا من تاريخها؛ كنوع من الهجوم على جوانب الاحتفالات الشعبية والجوانب ~~القائمة على الأضرحة من التقليد الصوفي، والذي قد تطور تدريجيا ليصبح هجوما ~~على الصوفية ككل. # 15 # وإذا كان التجنب أكثر جدوى من التمرد في بلدات السهول، ففي الأطراف ~~الجبلية لشبه القارة الهندية، تمكن الشيخ الصوفي عبد الغفور (المتوفى عام ~~1877) من مقاومة التوسع البريطاني لمدة أربعين سنة تقريبا في الأراضي التي ~~تمكن من تحويلها إلى إقطاعية صوفية خاصة به في سوات. وفي وقت متأخر في ~~ثلاثينيات القرن العشرين، قاد الصوفي الجذاب «فقير إيبي» تمردا ضد قبائل ~~وزيرستان على حدود الهند البريطانية مع أفغانستان، # 16 # أما في المنطقة الهندية الوسطى المسيطر عليها أكثر من قبل ~~الاستعمار البريطاني، فلم توجد أي مقاومة صوفية بارزة معتمدة على العنف بعد عام ~~1858، وبدلا من ذلك سار الصوفيون الهنود على خطى الحاج إمداد الله في مكة، ~~فأحكموا سيطرتهم على النطاق الخاص المتمثل في أجساد مريديهم وعقولهم. # 17 # إذا كانت المقاومة المباشرة أو غير المباشرة أحد جوانب الصورة في الهند، فإن ~~التعاون كان الجانب الآخر؛ ففي منطقة متعددة الأديان كانت فيها العائلات الصوفية ~~المتوارثة، التي ترعى أضرحة أسلافها الأولياء، تتلقى بسعادة الرعاية من ~~الحكام الهندوس والسيخ، فإنه قبل ظهور الوعي القومي الهندي الجديد منذ بداية ~~القرن العشرين لم يكن يوجد شيء استثنائي في استعداد تلك العائلات لتلقي الرعاية ~~المباشرة أو الحماية المباشرة لمصالحها من البريطانيين المسيحيين. # 18 # ونظرا لأن كل الدول الاستعمارية بحثت عن وسطاء محليين متمتعين ~~بالنفوذ ليكونوا وسيلة لبسط سلطتها على الشعوب، بدت عائلات الأضرحة الصوفية ~~المتوارثة في شمال الهند بصفة خاصة مرشحا مثاليا، وعن طريق ممارسة البيعة ~~المميزة للصوفية، حصلت تلك العائلات الصوفية المتوارثة على ولاء آلاف الأشخاص؛ ~~نظرا لأن عائلات بأكملها جعلت تلك البيعة جزءا من نسيج ممارسة الأسلاف. وفي حالات ~~كثيرة، عزز روابط الولاء تلك أن العديد من الشيوخ الصوفيين كانوا أيضا ~~يتحكمون في أقوات كثير من ms224 أتباعهم؛ حيث كان هؤلاء الأتباع موظفين في ~~ممتلكاتهم الزراعية؛ ففي أواخر القرن التاسع عشر، كان ضريح بابا فريد كنج شكر الشيخ ~~الجشتي، الذي يعود لفترة القرون الوسطى في باكباتان في البنجاب، يسيطر على ما لا ~~يقل عن 43 ألف فدان من الأراضي في منطقة واحدة فقط؛ # 19 # ومن ثم، فإن حاجة هؤلاء الصوفيين الملحة إلى الحفاظ على ~~الأراضي المملوكة لهم، عن طريق استمرار اعتراف الدولة بشرعيتهم، جعلتهم يحتاجون إلى ~~البريطانيين قدر احتياج البريطانيين لهم. ثبت أن هذه الشراكة ممتازة لكلا الطرفين ~~(وإن لم تكن كذلك بالضرورة للفلاحين الموجودين في الخلفية). ومع مرور الوقت، وصل ~~الأمر بهذا التحالف إلى تعيين الصوفيين المتوارثين في المجالس الإقليمية ~~الاستعمارية، وتعليم ورثة الصوفيين في أرفع المعاهد وكليات الحقوق الاستعمارية، ~~ودخولهم إلى السياسة الحزبية الحديثة عندما التحق كثير من العائلات الصوفية ~~بالحزب الاتحادي الداعم للحكم البريطاني. # 20 # وعلى غرار الدول الإسلامية السابقة، في هذه التحالفات فضلت الإمبراطورية ~~البريطانية في الهند نوعا معينا من الصوفيين، وكانت توجد مواصفات معينة لأنواع ~~الصوفيين الذين ستشجعهم الإمبراطورية من أجل الوصول إلى العوام المزارعين في ~~البنجاب، أو الحفاظ على الروح المعنوية للجندي المسلم في جيش الاستعمار، وهذه ~~المواصفات هي أن يكونوا متسمين بالصحو، بالإضافة إلى إمكانية توقع ~~تصرفاتهم، وكذلك اعتمادهم على المعرفة المأخوذة عن الكتب الصوفية. # 21 # وإذا كانت الصوفية المرتكزة على الأضرحة تمثل تدهورا متدنيا من ~~عصر ذهبي مثالي للتصوف الحقيقي بالنسبة إلى كثير من المعلقين الاستعماريين ~~(وبالنسبة إلى المصلحين المسلمين الذين حذوا حذوهم)، فإن حقيقة الأمر ~~تمثلت في أن الأضرحة والأراضي المملوكة كانت الأسس المؤسسية الأساسية اللازمة ~~لنقل التقليد الصوفي؛ # 22 # فقد كانت الأضرحة - والمكتبات والمساكن والمدارس التي كانت ملحقة ~~بها عادة - هي الترسيخ الفعلي للتقليد في البيئة الحضرية السكنية. إلا أن ~~التقليد كان يتسم بالهشاشة؛ ومن ثم، فعندما نزعت ملكية بعض الأضرحة ~~الهندية أو دمرت - سواء من خلال أحداث العنف عام 1857، أو التدهور التدريجي في ~~قيمة الأوقاف - اختفت معها قرون من المعرفة الصوفية المحلية التي نقلتها عبر ~~الأجيال. ms225 وعندما كتب أحد أصدقاء الشاعر الذي يكتب بالأردية ميرزا غالب (المتوفى ~~عام 1869) خطابا يطلب منه الكتب الصوفية التي كتبها شاه كليم الله، أجابه غالب ~~قائلا: إنه لا يجد من يطالبه بإرسال كتابات هذا الولي؛ نظرا لنهب ضريحه أثناء ~~حصار دلهي عام 1858، وهروب ساكنيه في ظل هذه الفوضى. # 23 # وكما كان يعلم غالب جيدا، فإن تقاليد الصوفيين كانت تحفظ وتنقل ~~من خلال الأحياء، ومن أجل فعل ذلك كان يحتاج هؤلاء الأشخاص إلى تأمين مؤسساتهم؛ ~~ولذلك، فيما بين العنف الذي صاحب إعادة الاستيلاء على دلهي عام 1858، وإبرام ~~التحالفات مع الصوفيين ملاك الأراضي في الريف، أطاح الاستعمار بعناصر مختلفة من ~~التقليد الصوفي في الهند تارة، وعززها تارة أخرى. # وحتى في الأماكن التي لم يساعد فيها الاستعمار الصوفيين أو يعيقهم على نحو ~~مباشر، أوجدت مجموعة كبيرة من الظروف الاجتماعية التي تسبب فيها الحكم ~~الاستعماري فرصا جديدة كبيرة للصوفيين. كان انتشار الطباعة من الأمثلة التي ~~ذكرناها سابقا، وقد ساعد كثيرا في التغلب على توقف بعض أشكال التواصل ~~الشخصي ونسخ المخطوطات التي كانت تتم فيما سبق في مؤسسات الأضرحة، وكانت من ~~خلالها تنقل التعاليم الصوفية في عصر ما قبل الاستعمار. ونظرا لأن الناشرين ~~الهنود وجدوا أنهم يستطيعون جني المال من طباعة الأعمال الصوفية الكلاسيكية، فقد ~~أصبحت نسخ شعر الرومي أو السير الذاتية للأولياء التي كتبها الجامي تباع ~~بسعر زهيد، مقارنة بتكلفة المخطوطات اليدوية التي كانت تكتب سابقا. وبسبب هذا ~~القدر الهائل من الأرباح، أصبح رجال الأعمال من كل الخلفيات مستعدين ~~للاستثمار في هذا المجال، وكان أهم من طبع الأعمال الصوفية في الهند في القرن ~~التاسع عشر (وربما في العالم الإسلامي كله) هو الناشر الهندوسي نوال كيشور ~~(1836-1895)، الذي كانت تصدر أعماله أيضا إلى أماكن بعيدة مثل إيران وأفريقيا ~~وآسيا الوسطى. # 24 # ومع مرور الوقت، خلق الصوفيون في الهند (وفي كل مكان في النهاية) ~~أنواعا أدبية جديدة مطبوعة لنشر أفكارهم إلى جماهير المجال العام الجديدة، التي ~~تقرأ الأعمال المطبوعة، وكانت «المجلة» الصوفية أحد هذه الأنواع الجديدة، والتي ms226 من ~~أمثلتها المجلة المكتوبة بالأردية «أنوار القدس» التي نشرت فيما بين عامي 1925 ~~و1927 على يد محمد ذوقي شاه (المتوفى عام 1951)، رائد الأعمال الصوفي ~~الجشتي. # 25 # عززت منافذ المناقشة الجديدة الرخيصة هذه انتشار الأفكار ~~والممارسات الجديدة؛ فلم يتوارث فحسب تقليد الشيوخ القدماء، بل أعيد أيضا ~~تفسيره وأضيف إليه، فوجدت ممارسات هامشية في السابق مثل ممارسة «تصور ~~الشيخ»، القائمة على تأمل صورة شيخ المرء، رواجا غير مسبوق بسبب انتشار ~~الصور الفوتوغرافية للشيوخ الصوفيين. # 26 # بالإضافة إلى ذلك، استخدمت محاولات المبشرين المسيحيين لتحويل ~~المسلمين الهنود إلى المسيحية لصالح الصوفيين؛ حيث إن آلة الأرغن المحمولة ذات ~~المفاتيح التي استخدمها المبشرون في غناء تراتيلهم، استخدمها الصوفيون في غناء ~~أغاني «القوالي» الصوفية؛ مما أدى إلى بث حياة جديدة في «محافل السماع» التي ~~شهدنا ظهورها في خراسان منذ ألف سنة. وفي عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، وصلت ~~موسيقى القوالي الصوفية إلى عدد أكبر من الجماهير، من خلال تسجيل الأسطوانات ~~واستخدامها في السينما الغنائية الهندية الناشئة. # 27 # وبسبب السمات الجذابة للموسيقى ورغبة الغرب في التعرف على «الشرق ~~التصوفي»، التي كانت نتيجة فرعية لتكوين الإمبراطورية، نجد في حالة عنايت خان ~~(1882-1927) موسيقيا صوفيا هنديا يستخدم طرق السفر الصناعية الجديدة ~~للإبحار من بومباي إلى لندن ثم إلى نيويورك، وفي نيويورك أصبح من أوائل من حملوا ~~المعتقدات الصوفية إلى الجمهور الأمريكي. # 28 # وتعد مدينة بومباي الصناعية الكبرى نموذجا للفرص التي نالها الصوفيون؛ بسبب ~~التغيير الذي أحدثه الاستعمار، فقد تزامنت هجرة عدد هائل من القوى العاملة ~~الريفية المسلمة للعمل في مصانع وترسانات بومباي، مع وصول شيوخ صوفيين إليها من ~~كل أنحاء المحيط الهندي، وتوفر السفر عبر وسائل النقل البخارية والطباعة ~~باللغات المحلية لنشر رسالتهم. # 29 # ومكنت البنية التحتية الصناعية لبومباي الشيوخ الصوفيين ~~الإيرانيين، وكذلك العرب والهنود، من الإنتاج الواسع النطاق لملخصات تعاليمهم، ~~والإعلانات الخاصة بقدراتهم الإعجازية، وذلك باللغات المحلية؛ فكان ذلك عامل جذب ~~لتبعية العمال متقاضي الأجور في بومباي نفسها، وكذلك جماهير مسلمة أكبر عددا ~~كان سبيل الوصول إليها هو شبكات الاتصال ms227 الخاصة بمدينة بومباي في أماكن بعيدة؛ مثل ~~جنوب أفريقيا وإيران. وسواء من بومباي أو من غيرها من موانئ الاستعمار البريطاني ~~كما في حالة سنغافورة، نجد أن الصوفيين استغلوا هذه التقنيات الصناعية، ومن ~~خلالها حصلوا على ولاء أتباع جدد (وتنافسوا على نحو متزايد على كسبه). وفي ~~عصر بلغت فيه هجرة العمالة مبلغا هائلا، كان تأسيس فروع لأضرحة الأسلاف ~~الصوفيين أو طباعة قصص معجزاتهم الباعثة على الطمأنينة، يقدم السلوى التي ~~تهون معاناة العمل الشاق التي كان يتكبدها هؤلاء الأتباع الجدد، الذين كان ~~من بينهم مزارعون وعمال مناجم هنود هاجروا بعيدا عن وطنهم. ونرى أمثلة ذلك في ~~تأسيس ضريح في بينانج في ماليزيا في أوائل القرن العشرين لشاه عبد الحميد، الصوفي ~~الشهير ولي المسلمين التاميليين، وتأسيس ضريح لصوفي صاحب (المتوفى عام 1911) في ~~ديربان، ذلك المبشر الصوفي المبعوث إلى العمال الهنود العاملين بعقود طويلة ~~الأجل في ناتال. # 30 # وعلى هذا النحو، خلق انتشار الرأسمالية تحت الإدارة الاستعمارية ~~متطلبات وفرصا جديدة للصوفيين؛ لأن التغيرات السريعة في حياة الأشخاص ~~العاديين زادت من تعطشهم لاستقرار التقليد، والروابط التي يمنحها للتراث الذي ~~بدا وكأنه يفلت من بين أيديهم مع بعد المسافات. # وإذا انتقلنا إلى المستعمرات البريطانية في أفريقيا، فسنجد أنماط مقاومة ~~وتعاون مشابهة، خلقت بدورها فرصا للشيوخ الصوفيين الجدد؛ فعلى سبيل المثال: في ~~الصومال، أدى تمرد محمد بن عبد الله حسن (1856 / 1864؟-1920) إلى تأسيس «دولة ~~دراويش» قصيرة الأجل، استخدمت فيها - على غرار دول الجهاد في المناطق الأفريقية ~~الأخرى في فترة ما قبل الاستعمار - مؤسسات وسلطة الطريقة الصوفية في تكوين ~~نظام دولة هرمي ومركزي حول الشيخ الصوفي، تقوم إدارته على تفسير هذا الشيخ ~~للشريعة. # 31 # ولم يكن النفوذ البريطاني هو فقط ما عارضه محمد بن عبد الله حسن؛ ~~فنظرا لأنه أثناء حجه إلى مكة انتسب إلى الطريقة الصالحية الجديدة، التي أسسها ~~الصوفي السوداني المنفي محمد بن صالح (المتوفى عام 1917 أو 1919)، فقد كان ~~معارضا أيضا للمؤسسة الصوفية القادرية التي كانت قائمة من قبل، وكان يرى أن ~~أعضاء هذه ms228 الطريقة متهاونين في التمسك بالشريعة، ويبالغون في قبول تأمل ~~الأولياء الأموات. # 32 # ونظرا لأن أويس محمد البراوي (1847-1909)، الذي كان الهدف الأساسي ~~في الطريقة القادرية لانتقادات محمد بن عبد الله حسن، كان يجمع أتباعه لقيادة ~~المقاومة ضد الاستعمار الألماني في تنجانيقا (تنزانيا حاليا)، فربما يبدو هذا ~~العداء المدمر ذا نتائج عكسية، إلا أنه كان جزءا من الصراعات العرقية المحلية ~~والمنافسة على الأتباع، التي شكلت خلفية النضال ضد الأوروبيين. # 33 # وعلى الرغم من ذلك، لم تكن جاذبية محمد بن عبد الله حسن كافية في ~~النهاية للصمود في وجه هجوم استعماري جديد نقلت فيه أسلحة طورت أثناء الحرب ~~العالمية الأولى - تمثلت في البنادق الآلية من طراز فيكرز، وقاذفات القنابل من ~~طراز هافيلاند دي إتش 9 - إلى الساحة الترابية الموجود بها هذا «الملا المجنون»، ~~وعلى الرغم من هزيمته، فإن الشعر الذي ألفه باللغة الصومالية جعل ذكراه ~~وإلهامه يلعبان دورا قياديا في تكوين القومية الصومالية. # 34 # وعلى نسق سنراه واضحا فيما يلي في سياقات استعمارية أخرى، فإن ~~التوترات السياسية التي سببها الاستعمار قدمت فرصا للشيوخ الصوفيين ~~الجدد، هؤلاء الساعين إلى تحدي الطبقة الدينية المسيطرة؛ فعلى سبيل المثال: ~~أفرز أيضا التغير الاجتماعي السريع الذي شهدته الموانئ العالمية إلى حد ~~كبير على الساحل الصومالي، وكذلك انتشار طرق التجارة في الداخل؛ جماهير جديدة ~~للشيوخ الصوفيين الطموحين، الذين قدموا «حلولا إيمانية» لحالات الانهيار ~~الاجتماعي التي صاحبت دخول الأفارقة إلى معترك الرأسمالية العالمية. # 35 # في شمال وغرب أفريقيا نجح التوافق بين البريطانيين والصوفيين أصحاب ~~النفوذ في تجنب حدوث تمرد، من خلال انتهاج مسعى المصالح المشتركة على ~~نحو محاك لما رأيناه في الهند؛ ففي مصر وحتى قبل وصول البريطانيين، أسس ~~الحاكم المصري محمد علي، في وقت مبكر يعود لعام 1812، هرمية رسمية مدعومة من ~~الدولة من الصوفيين البارزين، # 36 # وفي فترة شبه استعمار مصر من قبل البريطانيين عام 1882، نجد أن ~~عبد الباقي البكري الرئيس الرسمي لهرمية الطرق الصوفية المصرية، الذي كان معتادا ~~بالفعل على العمل مع القوى الحاكمة بدلا من مناهضتها، ms229 أقام مأدبة كبيرة على شرف ~~الجنرال السير جارنت ولسلي، قائد القوات البريطانية. # 37 # وعام 1903 على مكانة أعضاء الهرمية الصوفية وامتيازاتهم، وأسفرت هذه ~~الامتيازات الناتجة عن هذه المكانة الراسخة عن أنواع جديدة من التفاعلات بين ~~النخب الصوفية ونظرائهم الاستعماريين، وعلى غرار ما حدث في الهند، أدت هذه ~~التفاعلات إلى ظهور وسائل جديدة للتعبير عن التقليد الصوفي. وفي حالة قوت القلوب ~~(1899-1968)، وهو اسم الشهرة لوريثة العائلة الدمرداشية الصوفية المصرية، أدت ~~هذه التفاعلات إلى تأليفها عددا من الروايات الفرنسية من منفاها في أحد الفنادق ~~الفاخرة في روما، وفي روايات مثل «ليلة القدر» (في إشارة إلى ليلة القدر ~~المذكورة في القرآن)، احتفت قوت القلوب بالموالد الصوفية الشعبية بصفتها جوهر ~~الثقافة القومية المصرية النابض بالحنين. # 38 # وعلى الرغم من كل حنينها، فإن ارتباطاتها بالمؤسسة الصوفية القديمة ~~تسببت في نفيها على يد رفاقها من القوميين المصريين، الذين اعتبروها مثالا ~~راقيا ولكن فاسدا على التدهور الصوفي الهائل. # شكل 4-1: الدراويش والإمبرياليون: المعركة بين المهدي السوداني ~~والبريطانيين، عام 1885 (الوقفة الأخيرة للجنرال جوردون، صورة من ~~كتاب كاسيل «تاريخ إنجلترا المصور لكاسيل» (نقش) (صورة بلون البني ~~الداكن)، المدرسة الإنجليزية (القرن العشرين)/مجموعة الصور ~~الخاصة/مجموعة ستابليتون/مكتبة بريدجمان للفنون). # وفي السودان المجاور، أصبح كثير من الصوفيين من أتباع الحركة المهدية الألفية، ~~التي أسست في الفترة ما بين عامي 1881 و1898 دولة جديدة هرمية اعتمدت على ~~بركة مؤسسها والشريعة. وهكذا نجد في هذا المثال الأفريقي على عملية دمج ~~الاستعمار للمتمردين الصوفيين تدريجيا؛ أن الهزيمة والاستسلام جعلا ورثة ~~الحركة المهدية في الجيل التالي يتفاوضون على قدر أكبر من النفوذ في المرحلة ~~السياسية النهائية الخاصة بإنهاء الاستعمار والحكم المستقل في السودان. # 39 # على النقيض من ذلك، في غرب أفريقيا، عندما غزا البريطانيون خلافة ~~سوكوتو عام 1903 في نيجيريا حاليا، نجد أن الصوفيين أتباع الطريقة التيجانية ~~ساعدوا بالفعل البريطانيين في المعركة قبل أن يتقلدوا المناصب في الإدارة ~~الاستعمارية من خلال نظام الحكم غير المباشر. # 40 # وبينما رأينا في الجانب الشرقي من الصحراء الكبرى محمد ms230 بن عبد الله حسن ~~يعتمد على معتقد الجهاد في التحريض على التمرد في الصومال، اعتمد الصوفي ~~التيجاني سيدو نورو تال في نيجيريا في الغرب على معتقد «المصلحة» البديل، ليقول إن ~~التمرد على الغازي البالغ القوة لا يصب في مصلحة المسلمين؛ ومن ثم، يعد ~~اعتراضا على إرادة الله. # 41 # في هذا الصدد، لا نرى فحسب أن الصوفيين كانوا قادرين على حماية مصلحة ~~مجتمعاتهم الأوسع نطاقا، وليس فقط مصالحهم الشخصية، بل نرى أيضا أن الإسلام ~~يقدم مجموعة كبيرة بالقدر الكافي من المعتقدات التي استخدمتها المرجعيات ~~الصوفية في الدفاع عن التعاون مع الاستعمار أو مقاومته. وفي حين كانت توجد ~~عمليات مشتركة في ردود الأفعال الصوفية تجاه الاستعمار، فإنه لم يوجد موقف ~~عقائدي صوفي واحد في مسألة الاختيار ما بين مقاومة الحكم الاستعماري ~~وقبوله. ~~(2-2) الإمبراطورية الفرنسية # واجهت الإمبريالية الفرنسية في شمال وغرب أفريقيا نطاقا مشابها من المواقف ~~الصوفية؛ # 42 # ففي عام 1830 قوبل غزو فرنسا للجزائر بحركة مقاومة قوية بقيادة ~~الصوفي المنتمي للطريقة القادرية عبد القادر الجزائري (1808 -1883)، # 43 # وعلى غرار كثير من قادة المقاومة الصوفية الآخرين، بدأ عبد القادر ~~حياته المهنية كشخصية هامشية بدلا من أن ينشأ في أسرة صوفية ذات نفوذ، ولم ~~يكتسب الشهرة إلا أثناء العقد الذي قضاه في تحدي الفرنسيين. إن عبد القادر في ~~استخدامه هياكل الطريقة الصوفية في تأسيس إدارة قائمة على الشريعة في الأراضي ~~النائية الصحراوية، الواقعة تحت السيطرة الفرنسية، عكس أنماطا أوسع نطاقا ~~للصوفيين الذين أسسوا دولا في بيئات الحدود القبلية، التي لم تنجح ~~الإمبراطوريات الإسلامية في أوائل العصر الحديث في استيعابها، وبعد استسلام عبد ~~القادر في النهاية في عام 1847، قضى خمس سنوات مسجونا في فرنسا، وخلال هذا الوقت ~~تراسل مع باحثين فرنسيين بارزين، ومن خلالهم عرف الكثير عن أوجه التقدم العلمي ~~في أوروبا، وبعدما أقسم على عدم التمرد مرة أخرى أطلق سراحه عام 1852 ~~وأعطي معاشا كبيرا، وسمحت له السلطات العثمانية بالاستقرار في دمشق؛ حيث سيكون ~~أقل إثارة للمتاعب بدلا من الإقامة في العاصمة إسطنبول ms231 التي تتوفر بها وسائل ~~الاتصال على نحو أفضل. وفي دمشق خصص العقود المتبقية من حياته لتأليف عمله ~~«كتاب المواقف»، الذي سعى فيه إلى إحياء تعاليم منظر الصوفية الكبير المنتمي ~~لفترة العصور الوسطى ابن عربي، وتقديمها لزمن كانت فيه حتى المعرفة المستلهمة ~~من الله تحتاج إلى أدلة مادية لتأكيد صحتها. # 44 # وعندما مات عبد القادر عام 1883 دفن بجوار ابن عربي في الضريح الذي ~~شيده الإمبراطور العثماني سليم الأول قبل ثلاثة قرون، وكان أتباعه في الجيل ~~التالي - الذين أضافوا إلى تعاليمه وعكسوها في النهاية - من ضمن مؤسسي الحداثة ~~الإسلامية الجديدة، الذين نبذوا في النهاية التقليد الذي حاول عبد القادر أن ~~يجعله مستساغا بالنسبة إلى العصر الحديث. # 45 # وعلى الرغم من هزيمة عبد القادر ونفيه، فإنه لم يكن على الإطلاق آخر ~~صوفي من شمال أفريقيا يناهض الاستعمار الفرنسي في المنطقة؛ ففي المغرب المجاور ~~الذي تفادى الحكم الفرنسي حتى عام 1912 بدأ الصوفي محمد الكتاني (1873-1909)، في ~~منتصف تسعينيات القرن التاسع عشر، برنامجا دعائيا للمقاومة المعنوية والمادية ~~للتدخل الفرنسي، # 46 # وعندما رأى الكتاني أن السلطان عبد الحفيظ بن الحسن أصبح بسبب الديون ~~والتحالفات أكثر اعتمادا على الفرنسيين على نحو أدى إلى معاهدة فاس في عام ~~1912، التي قبل بمقتضاها الحكم الفرنسي للمغرب؛ أصبح الكتاني صوتا بارزا ~~للمعارضة الدينية والسياسية لكل من الفرنسيين وتابعيهم من العائلة المالكة ~~المغربية، ووسع الكتاني أتباعه من خلال طباعة سبعة وعشرين عملا من أعماله، حتى ~~إنه أسس صحيفة بعنوان «الطاعون»، وبهذه الطريقة حول تقنية الطباعة - التي لم ~~تقدم إلى المغرب من خلال أوروبا إلا في منتصف ستينيات القرن التاسع عشر - إلى ~~أداة فعالة لترويج معارضة الاستعمار، # 47 # وإلى حد ما، كانت تلك استراتيجية تعبئة عالية الكفاءة؛ حيث شجعت ~~أعدادا كبيرة من المغاربة على الاستعداد للجهاد، إلا أن حركة المقاومة تلك ~~التي تقودها الصوفية انهارت في النهاية بعد إعدام الكتاني بأوامر ملكية عام 1909، ~~واختيار خليفته في قيادة الطريقة الكتانية المتعاون مع الحكام الفرنسيين ~~الجدد. # 48 # إذا كان عبد القادر والكتاني مثلا ms232 الجبهة المقاومة للفرنسيين؛ فقد اختارت ~~شخصيات صوفية أخرى مثل خليفة الكتاني جني ثمار التعاون مع الاستعمار الفرنسي. ~~ومن خلال النجاح في التعاون مع الفرنسيين دون الظهور بمظهر الخاضع للفرنسيين، نجح ~~في تونس سيدي محمد بن أبي القاسم (1823-1897) في تأسيس مجمع زاوية كبير عند ~~ملتقى طرق التجارة العابرة للصحراء الكبرى على أطراف الحكم الفرنسي، وضم المجمع ~~مدرسة ودار إيواء كبيرين لأتباعه، الذين كان الكثير منهم يعملون في الأراضي ~~الزراعية المروية جيدا، التابعة للزاوية في مقابل تنويرهم الروحاني. # 49 # ونظرا لانتساب سيدي محمد بن أبي القاسم للطريقة الرحمانية الجديدة ~~نسبيا، فإنه لم يكن مجرد أحد الصوفيين الآخرين الذين ارتفعت مكانتهم في الحراك ~~السياسي؛ فقد مثل أيضا اتجاهات جديدة في نقل التقليد الصوفي، فبدلا من نقل ~~التراث الصوفي من خلال الطباعة أو كتابة الروايات، تمثل الاتجاه الجديد هنا في ~~الزعامة النسائية؛ فعندما سمح سيدي محمد بن أبي القاسم لابنته لالة زينب (تقريبا ~~1850-1904) بخلافته كرئيسة للزاوية، اتخذ خطوة عملية، إن لم تكن كبيرة، في ~~تحدي أنماط الزعامة الأبوية الصوفية القديمة. ومن خلال نقل هذا التوارث النسائي ~~من الحدود إلى مركز الثقافة الاستعمارية الفرنسية، نقلت لالة زينب بدورها تعاليم ~~صوفية معينة إلى الفنانة الرحالة السويسرية إيزابيل إيبرهارت (1877-1904)، ~~التي مثلت القصص القصيرة التي كتبتها بالفرنسية النظير الأوروبي لروايات قوت ~~القلوب الدمرداشية. # 50 # لم تكن لالة زينب وإيزابيل إيبرهارت على الإطلاق المثال الوحيد في الإمبراطورية ~~الفرنسية على نقل المعتقدات الصوفية إلى المتعاطفين الأوروبيين مع الصوفية أو ~~المتحولين منهم إليها؛ ذلك أن الحداثة الرأسمالية أنتجت متحمسين جددا ~~للرسالة الصوفية في العواصم العالمية في أوروبا وفي الموانئ الصناعية المطلة على ~~المحيط الهندي، ومثلما تحولت وسيلة نقل الرسالة الصوفية إلى الكتب المطبوعة ~~القابلة للشراء في الهند، لعبت صناعة النشر في أوروبا أيضا دورا مهما في هذه ~~العملية من خلال مكتبات مثل «مكتبة الروائع»، التي كان يديرها في باريس السويدي ~~إيفان آجيلي (1869-1917)، الذي تحول إلى الصوفية، وأصبح اسمه الشيخ عبد الهادي ~~عقيلي؛ فقد تجمع حول مكتبة آجيلي ms233 في أوائل القرن العشرين مجموعة رومانسية من ~~السالكين الأوروبيين، الذين وجدوا تعاليم الصوفيين متشابهة مع تعاليم الفيدانتا ~~الهندوسية والتاو تي تشينج. ومن خلال تأملاتهم الكونية والمشوشة في بعض الأحيان، ~~ظهر هناك نوع من الصوفية يتسم بأنه هجين و«منسلخ عن الإسلام» في بعض الحالات ، ~~نقل التقليد القديم إلى جمهور غربي جديد. # 51 # في بعض الحالات، كان يوجد نوع من النقل المباشر للتقليد إلى ~~الأوروبيين، كما في حالة اللقاءات التي تمت بين إيبرهارت ولالة زينب، وبين مروج ~~الصوفية السويسري فريتجوف شوان (1907 -1998) والصوفي الجزائري أحمد العلاوي (1869 ~~-1934). وفي حالات أخرى أشهرها حالة الكاتب الفرنسي التابع للمدرسة «التقليدية» ~~رينيه جينو (عبد الواحد يحيى 1886-1951)، كان التفاعل المباشر مع الصوفيين غير ~~الأوروبيين قليلا جدا، ومثلت الكتب المطبوعة مصادر فكره الصوفي الأساسية. ~~في جزء لاحق من هذا الفصل سنناقش مسارات هذه «الصوفية الغربية» في فترة ما بعد ~~الاستعمار، أما النقطة الأساسية هنا فهي كيف أسفر دمج المجتمعات الإسلامية ~~والمسيحية، في ظل الاستعمار الفرنسي في الأراضي التي سيطر عليها في شمال ~~أفريقيا، عن زيادة الوعي بالصوفيين في أوروبا، من خلال إتاحة فرص جديدة تمثلت ~~في السفر والتفاعل. وإذا كان يوجد قدر كبير من الرومانسية (وحتى «الاستشراق») ~~في توجهات السالكين الأوروبيين، فقد كان يوجد أيضا قدر كبير من الصدق، وفي بعض ~~الحالات التعاطف السياسي المناهض للاستعمار؛ فالرسام السويدي آجيلي لم يعتنق ~~الإسلام اعتناقا كاملا فحسب، بل أيضا عندما انتقل إلى القاهرة التي كانت واقعة ~~تحت الاستعمار البريطاني في أوائل القرن العشرين، انضم إلى اللاسلطوي الإيطالي ~~إنريكو إنساباتو، وأحد القوميين المصريين الموالين للثائر الجزائري عبد القادر ~~الجزائري يسمى عبد الرحمن عليش، وأسسوا مجلة ثنائية اللغة تصدر باللغتين ~~العربية والإيطالية سموها «النادي»، وعلى صفحاتها الممنوعة، امتزجت تعاليم ابن ~~عربي مع النظرية اللاسلطوية والسياسات المناهضة للبريطانيين. # 52 # وفي غرب أفريقيا الذي كان تحت الاستعمار الفرنسي، كان أحمدو بامبا مباكي ~~(1853-1927) في السنغال المثال الأكثر إثارة على هذا التفاعل بين المقاومة ~~والتوافق؛ # 53 # فنظرا لأن مباكي ولد في أسرة صوفية تنتمي ms234 للطريقة القادرية في ~~منطقة رأينا في الفصل الثالث كيف أسس فيها الصوفيون سلسلة من دول الجهاد، في ~~العقود نفسها التي كان الفرنسيون يوسعون فيها سيطرتهم على الداخل السنغالي؛ فقد ~~اكتسب ولاء مجموعة من الزعماء القبليين والأكابر المحليين. وفي أعقاب الثورة ~~الجزائرية ونظام جمع المعلومات السرية المشبوه الذي اتبعه الحكم الفرنسي ، ~~تعود المسئولون الاستعماريون على رؤية القادة «المرابطين»، قادة الطرق الصوفية ~~الوراثية في الغالب، في صورة أعداء لدودين للحكم الفرنسي؛ ونتيجة لذلك، نفي ~~مباكي في تسعينيات القرن التاسع عشر إلى موريتانيا، وفي العقد الأول من القرن ~~العشرين إلى الجابون، # 54 # وزادت مكانته إثر ذلك. وفي القصيدة البالغ عدد أبياتها 1344، المعروفة ~~باسم «جزاء الشكور» المكتوبة في أوائل القرن العشرين باللغة الولوفية على يد «موسى ~~كا» أحد أتباع مباكي، نجد قصص المعجزات القديمة - التي رأيناها تتكون في السابق ~~من خلال النوع الأدبي العربي المعروف باسم «مناقب الأولياء» - تستخدم في سياق ~~أفريقي استعماري جديد للحديث عن مباكي. # 55 # ومثلما انتشرت في الهند البريطانية شائعات عن هروب الصوفيين على نحو ~~إعجازي من أماكن احتجازهم الاستعمارية، فقد تحولت أخبار سجن مباكي إلى قصص، مثل ~~قصة إثارته غضب الحراس عندما قفز من أعلى ظهر السفينة التي كان محتجزا ~~فيها ليؤدي الصلاة على سجادة كانت تطفو على الأمواج، أو قصة احتسائه الشاي ~~بعفوية أثناء وجوده في الفرن المشتعل الذي ألقاه فيه الفرنسيون ~~الأشرار. # 56 # إلا أن قصة مباكي لم تكن فقط قصة عن المقاومة المنطوية على معجزات، ~~بل كانت أيضا قصة تنطوي على توافق براجماتي استفاد فيه هو وسجانه من مزايا ~~التعاون مع الحكام الفرنسيين؛ فبعد أن عاد مباكي من منفاه عام 1912، قاد أتباعه ~~في الطريقة المريدية من أجل تأسيس مركز ديني في الداخل السنغالي في مدينة توبا، ~~وهي مدينة جديدة اكتسبت الثراء من خلال زراعة الفول السوداني وتصديره عبر ~~السكك الحديدية التي ربطت المزارع باقتصاد الاستعمار الفرنسي. # 57 # لم تكن هذه استراتيجية بسيطة للإثراء الذاتي، بل مشروعا يضع المثل ~~الصوفية في صورة عملية، وتضمنت هذه العملية حتما ms235 بعض التسوية، وتمثلت ~~النتيجة العامة في تقديم مباكي بديلا جذابا ل «مهمة التمدين» الفرنسية؛ ففي ~~الوقت الذي سمح فيه الفرنسيون للزعماء المحليين، الذين تحكموا من خلالهم في ~~الريف، بالاستمرار في الاحتفاظ بالعبيد، قدم المجتمع الريفي الذي أسسه مباكي ~~في مدينة توبا ملاذا للعبيد الهاربين؛ وبهذه الطريقة قدم بديلا دينيا جديدا ~~وعمليا لنماذج الحكم المحلي والاستعماري. # 58 # شكل 4-2: متمرد وولي: صورة فوتوغرافية تعود لعهد الاستعمار الفرنسي ~~لأحمدو بامبا السنغالي. ~~(2-3) الإمبراطورية الروسية # يمكن أن نرى أنماطا مشابهة في تاريخ الصوفيين في الإمبراطورية الروسية؛ ففي ~~الفترة نفسها التي كان يواجه فيها الفرنسيون في الجزائر تمرد عبد القادر ~~الجزائري، شهد التوسع الروسي في القوقاز في عشرينيات وثلاثينيات القرن التاسع عشر ~~مقاومة شرسة من الأتباع النقشبنديين للإمام غازي محمد الغيمراوي (تقريبا ~~1795-1832)، والإمام شامل الداغستاني (1797-1871). ومثل عبد القادر الجزائري في ~~شمال أفريقيا، فإن قائدي المقاومة القوقازية لم يكونا من أبناء المؤسسة ~~الصوفية الدينية ذات النفوذ في وطنهم الجبلي، وبعد أن جذبا الأتباع عن طريق ~~نجاحهم السابق في منع تقدم الروس والتحكم في إحباطات وطاقات شباب الوديان، ~~تمكنا من تأسيس دولة جهاد قصيرة الأجل ازدهرت في الفترة ما بين عامي 1828 ~~و1859 على أطراف الإمبراطورية الروسية. وباستخدام النظام الهرمي الخاص بالطريقة ~~الصوفية أسس الإمام شامل نظام إدارة ناجحا، يقوم على تفويض السلطة المعروف ~~لستة عشر نائبا خصصت لهم السيطرة على المناطق الأربع التي قسمت إليها الدولة ~~الجبلية الصوفية. # 59 # لم يكن مشروع الإمام غازي محمد الغيمراوي والإمام شامل الداغستاني ~~نوعا من المقاومة البسيطة من جانب ثقافة محلية جامدة، بل كان مشروعا مبتكرا ~~سعى إلى فرض سلطة الشريعة على القوانين المحلية العرفية؛ مما أدى إلى ظهور عدد ~~كبير من المعارضين له بين المسلمين المحليين وبين الروس أيضا. # 60 # قابل الحكام العثمانيون والإيرانيون المبعوثين الذين أرسلهم ~~الإمام شامل إلى كافة الأنحاء من معقله الجبلي بالرفض؛ حيث نظروا إليه نظرة ~~الريبة، ولم يحظ على قدر من الدعم من بين كل القوى الإسلامية الراسخة إلا من ~~الحاكم ms236 المصري محمد علي (الذي حكم من عام 1805 إلى عام 1848)، الذي كان مثله ~~يناضل من أجل منع تقدم الأوروبيين. # 61 # وعلى الرغم من أنه في منتصف القرن التاسع عشر بدأت السياسة الروسية في دمج ~~المؤسسات الدينية الإسلامية في النسيج البيروقراطي ل «دولتها الطائفية» قدر ~~الإمكان، فإن الهزيمة التي ألحقتها روسيا في النهاية وبشق الأنفس بالإمام ~~شامل خلفت إرثا من عدم الثقة في الطرق الصوفية لدى السلطات الروسية. # 62 # إلا أنه في كثير من الحالات، كانت محاولات روسيا - الرامية إلى ~~تشجيع المحافظة الدينية كجزء من دور الدولة الطائفية في جعل الرعايا أكثر نظاما ~~وقابلية للسيطرة - تصب في مصلحة الصوفيين الساعين إلى توسيع نطاق الالتزام ~~بالشريعة. # 63 # وعلى نحو مشابه لما رأيناه في الأقاليم الزراعية في الهند البريطانية ~~وإن كان مميزا عنه، فإن كثيرا من الأئمة المحليين المعينين من قبل الروس ~~كانوا صوفيين (أو من أتباع الصوفيين) أيدوا كلا من الالتزام الشديد بالشريعة ~~والدولة الروسية بصفتها المسئولة عن تطبيقها؛ ومن ثم حققوا اتحادا بين أجندة ~~الصوفيين وأجندة الإمبرياليين المتباينتين. # 64 # وعلى غرار الهند البريطانية مرة أخرى، كان أحد أهم إسهامات الحكم الروسي في ~~الحياة الفكرية الصوفية والإسلامية في العموم هو تقديم الطباعة؛ ففي وقت مبكر يعود ~~لعام 1797 أسست مطبعة لنشر الكتب الإسلامية في قازان؛ العاصمة الإدارية لمنطقة ~~الفولجا والأورال. # 65 # وتحت قيادة مسئول الطباعة أبي الغازي بوراس أوغلي المعين من ~~قبل الروس، شهد عام 1802 على الأرجح أول حالة نشر لعمل صوفي على يد ناشر ~~مسلم، تمثلت في نشر القصيدة السردية المكتوبة باللغة الجغتائية التركية «ثبات ~~العزيزين»، التي كتبت في الأصل قبل قرن على يد صوفي الله يار (المتوفى عام ~~1712)، أحد أتباع الطريقة النقشبندية في آسيا الوسطى. # 66 # وفي القرن التاسع عشر، وحتى بعيدا عن الطباعة، شهد حكم الروس لمنطقة ~~الفولجا والأورال تجدد نسخ وتأليف السير التاريخية الإقليمية على يد ~~المسلمين التتار والباشكير. وفي تلك الأعمال التي تناولت الأرض وسكانها مثل كتاب ~~«تاريخ البلغار»، الذي ألفه تاج الدين يالتشيجول أوغلي (1768-1838) ms237 في عام 1805، ~~استخدمت قصص الأضرحة الصوفية القديمة لربط سكان منطقة الفولجا والأورال بالأرض ~~التي سكنوها، من خلال قصص الأولياء القدماء الذين اعتنقوا الإسلام، المدفونين في ~~مدينة بلغار التي تضم أضرحتهم، والتي سمي السكان على اسمها. # 67 # وفي فترة شهدت فيها الخانات الإسلامية السابقة في الإمبراطورية ~~الروسية تدفق المستوطنين الألمان والروس، وكان فيها المسيحيون الأرثوذوكس الروس ~~يكتبون سيرا تاريخية مقدسة مشابهة استخدمت أضرحة مسيحية مهجورة كدليل ~~مزعوم على قدم ملكية المسيحية الأرثوذوكسية للمقاطعات الإسلامية الجنوبية في ~~الإمبراطورية؛ استخدمت قصص الأضرحة المؤلفة في القرن التاسع عشر هذه تراث ~~المنطقة الصوفي المعماري والسردي لتأكيد ملكية المسلمين للأرض في مواجهة ~~المستوطنين المسيحيين الجدد. # 68 # وفي هذا الصدد، كان يوجد أيضا نوع من المقاومة الصوفية. واعتمادا ~~على مزاعم ملكية الأرض القائمة على هذه النصوص، اتخذ الصوفيون في أواخر القرن ~~التاسع عشر موقفا قوميا أكثر بالمعنى الحديث؛ حيث احتفى شعر المفكر النقشبندي ~~محمد علي الشقوري (1826-1889) بوطنية «بلغار الفولجا» الجديدة، ومن منطلق عدم ~~الرغبة في إغضاب النظام الروسي الحاكم المتخوف، فإن الشاعر بالرغم من ذلك ربط ~~الوطنية بحكم القياصرة السلمي. # 69 # وفي حين أحكم الروس قبضتهم على منطقة الفولجا والأورال ومنطقة القوقاز في ~~النصف الثاني من القرن التاسع عشر، فإنهم غزوا أيضا مدن وسهوب آسيا الوسطى التي ~~رأيناها سابقا معاقل للطريقة النقشبندية العريقة في أوائل العصر الحديث. وفي هذه ~~الأماكن، أسفرت سياسات الغزو عن زعم مجموعة من الصوفيين المحليين أنهم ~~الأسلاف الحقيقيون لأحمد يسوي (المتوفى عام 1166 تقريبا)؛ ومن ثم، فإن لهم ~~حصة في الأراضي الشاسعة المحيطة بضريحه. # 70 # وعلى الرغم من أن الأراضي التابعة لأضرحة المنطقة ظلت مصونة في ~~العقود الأولى من الحكم الروسي، فإن الثروة المحبوسة في هذه الأوقاف التي تعود ~~لفترة العصور الوسطى جعلت الحكام الجدد يشرعون في التحقيق في الأمر، الذين ~~كانوا حريصين على إخلاء الأراضي للمستوطنين الروس والألمان الذين رأوا أنهم مهمون ~~لتحقيق أقصى استفادة اقتصادية من المنطقة. # 71 # وعندما تحولت الإمبراطورية الروسية إلى الاتحاد السوفييتي بعد عام ~~1917، انتزعت أخيرا هذه ms238 الأراضي الشاسعة من مالكيها الصوفيين، وبالإضافة إلى ~~القمع السوفييتي الرسمي للطرق الصوفية، وحظر الأدب الصوفي «الإقطاعي»، فإن خسارة ~~موارد الدعم المادي تلك تسببت في توقف تام لنقل التقليد الصوفي في آسيا ~~الوسطى. # 72 # ومع تحول أضرحة الأولياء النقشبنديين الكبيرة إلى متاحف ذات ~~دعاية مناهضة للدين، انفصل المسلمون في الاتحاد السوفييتي عن تراثهم الصوفي ~~بدرجة أكبر بكثير من إخوانهم في الإمبراطوريات الأوروبية الأخرى. ~~(3) تراجع المؤسسة الصوفية: ما وراء نطاق الاستعمار، من عام 1800 تقريبا إلى عام ~~1950 # على الرغم من التأثير الهائل للاستعمار على كل من الصوفيين ومنافسيهم أثناء القرن ~~التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، فإننا يجب أن نحذر المبالغة في المدى ~~العالمي للقوة الاستعمارية؛ ففي جبال بامير الشاهقة البعيدة، التي توجد على أطراف ~~الحكم الروسي، عاش الشاعر الصوفي مبارك الوخاني (تقريبا 1840-1903) في عزلة، لدرجة ~~أنه اخترع عودا ضخما يشبه آلة الرباب مكونا من تسعة عشر وترا ليصاحبه في غناء ~~قصائده، واضطر إلى صنع آلة لتصنيع الورق كي يكتب قصائده عليه. لقد كان الاستعمار ~~الروسي بعيدا كل البعد عن تفكيره، وتظهر معاناته في أبيات مثل: «أحاسيسي وأفكاري ~~متعلقتان بالورق.» # 73 # وعلى الرغم من أن أعضاء الطرق الصوفية الذين عقدوا تحالفات مع الحكام ~~الاستعماريين كانوا بالتأكيد تحت مراقبة سلطات الاستعمار، فإن هذا لم يمنع الصوفيين ~~في نهاية المطاف من الاستفادة من شبكات السفر الجديدة، التي اعتمد عليها أيضا ~~الحكم والتجارة الأوروبيان؛ فافتتاح طرق عبر إقليمية مكن المسلمين في المناطق ~~البعيدة من التواصل حول العالم بعضهم مع بعض بمزيد من السهولة والانتظام. # 74 # في بعض الحالات، ساعدت البنية التحتية الجديدة هذه، المتمثلة في طرق السفر، ~~في تأسيس طرق صوفية جديدة نشطة، ونشرها سريعا من المناطق الإسلامية التي كانت ~~نائية في السابق. وفي حالة الطريقة الرشيدية الأحمدية، نجد أن الشيخ السوداني إبراهيم ~~الرشيد (1813-1874) جدد التقليد الذي ورثه عن شيوخه، من خلال طريقة جديدة سرعان ما ~~انتشرت في شبه الجزيرة العربية وسوريا ومصر والسودان وليبيا وغرب أفريقيا ودول الملايو ~~وبورنيو وسنغافورة، ms239 وفي نهاية المطاف تايلاند وكامبوديا. # 75 # وإلى حد ما كان هذا الانتشار الهائل ناجما عن توفر آلات الطباعة، التي ~~من خلالها أصبح من الممكن طباعة كتب الطرق الجديدة بأعداد كبيرة لتوزيعها على نطاق ~~عالمي. وفي الغالب كانت توجد تلك المطابع في مراكز النقل الرئيسية، مثل إسطنبول أو ~~بومباي أو سنغافورة، وكانت الكتب توزع في مقاصد الحج العالمية مثل مكة. # 76 # تظهر تلك التحركات عبر المناطق الواقعة تحت الاستعمار أن الصوفية ~~قدمت أشكالا من الإلهام والتنظيم قوية على نحو كاف لمقاومة الضغوط الاستعمارية، ~~ولعل الأهم من هذا الانتشار لطرق جديدة عبر المناطق الواقعة تحت الاستعمار أن أجزاء ~~من العالم الإسلامي ظلت بمنأى عن الاستعمار الأوروبي. فمن المهم أن نقارن ما ~~رأيناه من التجربة الاستعمارية بمصائر الصوفيين في تلك المناطق غير الخاضعة للاستعمار؛ ~~ذلك لأنه بالنظر إلى تاريخ الصوفيين في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين في ~~الإمبراطورية العثمانية وإيران وأفغانستان، نجد أنه توجد عدة أنماط عامة تشبه سياسات ~~الدول الاستعمارية من أوجه معينة. وهذا بدوره يشير إلى ضرورة وضع السيناريوهات ~~الاستعمارية التي تناولناها في إطار الأنماط التاريخية الأطول أجلا، المتعلقة ~~بالتفاعل بين الصوفيين أصحاب النفوذ القوي والقوى الدولية، سواء أكانت قوى ~~«استعمارية» أم قوى «محلية». # من بين أهم المناطق الإسلامية التي لم تطلها يد الاستعمار إلا بعد الحرب العالمية ~~الأولى، ظلت الإمبراطورية العثمانية، التي بدأت أراضيها في التضاؤل وإن ظلت ~~مساحتها شاسعة بالرغم من ذلك، تمثل ساحة مهمة للصوفيين، وكانت أيضا من المناطق ~~التي تشابهت فيها تفاعلات الصوفيين مع الدولة وتفاعلاتهم في المناطق الواقعة تحت ~~سيطرة الاستعمار. كان الحدث الصوفي الأهم في أوائل القرن التاسع عشر هو الإلغاء ~~الرسمي للطريقة الصوفية البكتاشية عام 1826، بالإضافة إلى فرقة الإنكشارية العسكرية، ~~التي لطالما كانت قاعدة الدعم الأساسية لها على مدار ما يزيد عن ثلاثة ~~قرون، # 77 # وجاء في صيغة «الفرمان» الذي أعلنت فيه الإمبراطورية العثمانية الإلغاء ~~المشترك ما يلي: «الأولى عدو للدولة، والأخرى عدو للدين.» # 78 # ونظرا لأن طقوس البكتاشية لطالما ضمت ممارسات مشبوهة ms240 مثل شرب الخمر، ~~فإن قرار الإلغاء يمكن أن يعتبر - إلى حد ما - جزءا من التوجه الطويل الأمد، الذي ~~يهدف إلى ترويج أشكال الصوفية الأكثر التزاما بالشريعة، ويؤكد وجهة النظر تلك ~~تزامن سقوط البكتاشية مع الظهور السريع للفرع الملتزم بالشريعة الجديد من الطريقة ~~النقشبندية المجددية، التي أسسها الصوفي الكردي الرحالة الشيخ خالد النقشبندي ~~(المتوفى عام 1827) في أوساط النخبة العثمانية. # 79 # وكانت العوامل السياسية المتعلقة بتغير المكانة هذا، ما بين البكتاشية ~~والنقشبندية المجددية، متعلقة بحملات الغزو الاستعماري التي رأينا أنها أدت ~~إلى زيادة مكانة الطرق الصوفية الملتزمة بالشريعة في شمال الهند والجزائر والقوقاز ~~في العقد نفسه؛ ذلك أن ما أدى مباشرة إلى قمع البكتاشية كان اندلاع الثورة ~~اليونانية عام 1821، ومجموعة الهزائم التالية التي لحقت بالجيوش العثمانية، التي ~~انتهت باستقلال اليونان بعد ذلك بعقد. ونظرا لأن أجزاء من اليونان كانت تحت السيطرة ~~العثمانية لما يزيد عن أربعة قرون، فقد أثارت الخسارة المفاجئة للأجزاء الغربية من ~~الإمبراطورية العثمانية غضبا عارما، ليس فقط على الجيوش، بل على التردي الأخلاقي ~~الذي اعتقد الكثيرون أنه أضعف الإمبراطورية من الداخل. وبسبب طقوس البكتاشيين ~~المريبة، وثرائهم المؤسسي، وعلاقاتهم بصفوة جنود الإمبراطورية العثمانية، فقد ~~كانوا أهدافا واضحة للسخط الشعبي، ولسخط البلاط الإمبراطوري أيضا، وبالإضافة إلى ذلك، ~~منح القضاء على البكتاشية الفرصة للدولة للاستيلاء على الأملاك الوقفية العديدة ~~التي جمعتها الطريقة على مدار قرون. # 80 # وفي محاكاة عثمانية لردود الأفعال تجاه التوسع الأوروبي في المناطق ~~الإسلامية الأخرى، شهدت العقود التالية ظهور صوفيين أدانوا علنا التدني الأخلاقي ~~للبكتاشية، كان أبرزهم أعضاء طريقة النقشبندية المجددية التي أسسها الشيخ خالد ~~النقشبندي. وحتى سبعينيات القرن التاسع عشر، ظل ورثة الشيخ خالد النقشبندي يتقلدون ~~منصب «شيخ الإسلام» الذي يعد أعلى منصب ديني في البيروقراطية الإمبراطورية، ~~بالإضافة إلى تقلد مناصب الوعاظ في أكبر مساجد إسطنبول. # 81 # في خمسينيات القرن التاسع عشر ساعدت أزمة عثمانية أخرى - حرب القرم في هذه المرة - ~~في ظهور جماعة إصلاحية أخرى لم تجد حتى أن الصوفيين الملتزمين بالشريعة يقدمون ~~حلا كافيا لها في ms241 مواجهة الانتصارات الأوروبية التي أتاحها العلم. # 82 # إلا أن الازدهار الوجيز لمصلحي تلك «التنظيمات»، الذي حدث ما بين عام ~~1839 وعام 1876، لا يدل على الإطلاق على انتهاء النفوذ الصوفي في الأراضي العثمانية؛ ~~إذ إن الهزيمة التي ألحقها الروس بالعثمانيين في الفترة ما بين عامي 1877 و1878 ~~سحبت البساط من تحت أقدام مصلحي التنظيمات أيضا، مما أدى إلى الحكم الرجعي ~~للسلطان عبد الحميد الثاني (1876-1909). وبعد الإصلاحات الدستورية في العقود السابقة، ~~دفعت حاجة السلطان عبد الحميد الثاني إلى الشرعية، أثناء محاولة احتكار السلطة ~~في يديه بصفته السلطان، إلى طلب المساعدة من الصوفيين، وكان أبو الهدى الصيادي ~~(1850-1910) شيخ الطريقة الرفاعية رئيس مراسم سياسة إضفاء الشرعية هذه، من خلال ~~رعاية المؤسسات الإسلامية الصوفية القديمة. وقد أشرف الصيادي على عملية حشد بالغة ~~الكفاءة للصوفيين من خلال «سياسة الدمج»، وفيها تمكن السلطان عبد الحميد الثاني من ~~الاعتماد على التطورات الدينية المركزية التي انتهجتها الإمبراطورية العثمانية في ~~السابق، والتي تناولناها في الفصل الثالث. # 83 # وبالإشراف على ما يمكن أن نطلق عليه «مجلسا استشاريا» - الذي كان ~~مؤلفا من ثلاثة شيوخ صوفيين آخرين، تربطهم علاقات بشمال أفريقيا وجنوب الهند - ~~نظم الصيادي مشروعا دعائيا عابرا للقوميات، قدم فيه السلطان عبد الحميد ~~الثاني في صورة خليفة كل مسلمي العالم، أو قائدهم. # 84 # وكان يوسف النبهاني (1850-1932) الصوفي الفلسطيني التابع للطريقة القادرية من ~~الشخصيات البارزة الأخرى في هذا التجديد للتحالف القديم بين الصوفيين والحكام؛ حيث ~~تدرج سريعا في مناصب الخدمة القضائية العثمانية في ثمانينيات القرن التاسع عشر، ~~بعد أن قضى عامين في القضاء في إسطنبول. # 85 # ومن منصبه في بيروت كتب أعمالا دعائية تحتفي بإنجازات السلطان وتدافع ~~عن أهدافه الاستبدادية، وتهاجم في الوقت نفسه المناهضين للصوفية ومناصري الحداثة، ~~واصفا إياهم بمعول أوروبا الذي سوف يضعف الأسس الإسلامية للمجتمع العثماني. وفي ~~سلسلة من الأعمال الجدلية، هاجم قادة الفكر في حركة الإصلاح السلفية الناشئة ~~المناهضة للصوفية، ووصف جمال الدين الأفغاني بأنه «مرتد»، ومحمد عبده بأنه ~~«شيطان»، ومحمد رشيد رضا بأنه «شرير»، # 86 ms242 # إلا أن النبهاني لم يكن ألعوبة بيد سلطان حكمه غير مستقر، ومن خلال ~~مطبوعاته الكثيرة صاغ استجابة محافظة لكن متماسكة للتغيرات الاجتماعية والدينية ~~التي صاحبت تقلص الإمبراطورية العثمانية. وفي حين كان يرى الإصلاحيون أمثال عبده ~~أن الاستجابة المناسبة لهذه الظروف هي ترك التقليد الصوفي، من خلال «الاجتهاد» ~~وتقديم تفسير جديد كامل للنصوص المقدسة التي تمثل أسس الإسلام؛ كان يرى النبهاني ~~أن «إعادة فتح أبواب التفسير» في هذه الأوقات العصيبة يعد أخطر من أي وقت ~~مضى. # ولم يكن النبهاني فقط هو الذي تبنى هذا الموقف؛ ففي العديد من المدن الإقليمية في ~~كل أنحاء ملك عبد الحميد الثاني كانت توجد كتلة محافظة أكبر من الصوفيين ~~العثمانيين المتأخرين ، المدعومين بالتعيينات الحكومية أو بالمعاشات المالية، والذين ~~لم يكن التقليد بالنسبة إليهم مجرد أمر واقع يدافعون عنه بكل غال ونفيس، بل كان ~~مجموعة موارد عقائدية ومؤسسية يمكن أن تواجه تحديات العصر الحديث وكذلك تعاليم ~~الحداثيين. لكن لم يحل هذا التوجه المحافظ دون حدوث تطورات جديدة؛ فمنذ ~~ثمانينيات القرن التاسع عشر في دمشق، كان أتباع الثائر الجزائري السابق المنفي عبد ~~القادر الجزائري مضطلعين بإحياء الاهتمامات الأدبية والتاريخية التي ستسفر في النهاية ~~عن «النهضة» العربية. # 87 # أما على صعيد الحركة السلفية التي ظهرت في سوريا ومصر العثمانيتين، في ~~بداية القرن العشرين تقريبا، فكان ثمة رجال - مثل محمد عبده (1849-1905) الذي كان من ~~طنطا، وأتباع عبد القادر الجزائري في دمشق - أداروا ظهورهم لنشأتهم الصوفية عندما ~~نضجوا، مفضلين إسلاما عقلانيا رفضوا فيه الطقوس والمعجزات الصوفية؛ لأنها غير ~~متوافقة مع عالم المعرفة العلمية الحديث، الذي يجب أن يكون فيه الدين قائما على ~~تفسيرات عقلانية للنص، وليس على قبول تقليد محرف. # 88 # وكان التحول السريع من الإسلام الصوفي إلى الإسلام السلفي في مناطق كثيرة ~~من العالم (لا سيما الشرق الأوسط)، من أكبر التغيرات الاجتماعية والدينية في التاريخ ~~الإسلامي الحديث. # وبقدوم الجيل الثاني من السلفيين، أصبحت الشخصيات السلفية البارزة أمثال محمد رشيد ~~رضا (1865-1935) منذ أوائل القرن العشرين أكثر ضراوة في إدانة ms243 الفساد وفرط التمجيد ~~في الذات والفسق لدى الصوفيين العثمانيين، وفي واحدة من أكثر المقالات المنشورة ~~تأثيرا، وصف رضا الشهوانية المنحطة في أحد العروض الصوفية، فقال عنهم: «غلمان ~~مرد حسان ... يلبسون ملابس ناصعة البياض كملابس العرائس، ويرقصون بها على نغمات ~~الناي المثيرة للمشاعر.» # 89 # ومن المراكز الرئيسية للسلفيين في الشرق الأوسط، نشروا نقدهم المناهض ~~للصوفيين في كل الأنحاء، من خلال أسفار تلاميذهم وإصدار صحف مثل صحيفة ~~«المنار». # 90 # وبسبب أن تلك الحقبة قد تميزت بالصراع الشديد، فعندما كانت الغلبة ~~للإصلاحيين من خلال ثورة تركيا الفتاة عام 1908، اعتبروا الصوفيين أكثر من أي وقت مضى ~~أعداء للتقدم يخدمون مصالحهم فحسب، ومدمرين لتعاليم النبي الصحيحة؛ لذا في عام ~~1909 طرد النبهاني من منصبه القضائي. على الرغم من ذلك، فإن القومي التركي المتحمس ~~بشدة للحداثة ضياء جوك ألب (1876-1924) استطاع أن يرى أن الأبعاد الفكرية وكذلك ~~الاجتماعية للصوفية تمثل أصولا قيمة، زاعما أن تعاليم ابن عربي (المتوفى عام ~~1240) سبقت فلسفة بيركلي وكانط ونيتشه، # 91 # وبحلول عام 1918 كان كل شيخ صوفي في إسطنبول قد تلقى نموذجا مطبوعا ~~يطالبه بذكر مؤهلاته، وتاريخه الوظيفي، وعدد الأتباع والبيعات. # 92 # وعندما سقطت الإمبراطورية العثمانية رسميا عام 1922، كنتيجة للقتال في ~~الصف الخاسر في الحرب العالمية الأولى، أخذ مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال ~~أتاتورك (1881-1938) في النهاية الخطوة الجذرية التي تمثلت في حظر الطرق الصوفية ~~عام 1925 حظرا كاملا. # 93 # وعلى الرغم من أن كثيرا من الصوفيين قبلوا نظام الحكم الجديد، فقد تحدى ~~غيرهم أتاتورك وجمهوريته العلمانية الجديدة، من خلال رفض تقلد الوظائف الحكومية ~~وممارسة طقوسهم سرا في منازلهم. وكان أحد هؤلاء الصوفيين الشيخ سعيد البالوي، الذي ~~قاد تمرد قبائل الزازا الكردية قبل أن يلقى القبض عليه ويعدم عام 1925 إثر ~~ذلك. # 94 # لكن بالرغم من الدفاع القوي عن علمانية الجمهورية التركية، فإن اختفاء ~~الصوفية من الحياة العامة في ذروة العصر الجمهوري لم يسفر على الإطلاق عن انتهاء ~~التأثير الصوفي في الحياة التركية. # بالعودة إلى إيران، رأينا في الفصل الثالث كيف ms244 أدى ظهور طبقة رجال الدين الشيعة ~~في الإمبراطورية الصفوية إلى قمع الصوفيين في إيران في نهاية المطاف، وبالرغم من ذلك، ~~شهدت السنوات الأخيرة من القرن الثامن عشر عودة ورثة الطريقة النعمتلاهية من الهند ~~إلى إيران، وكانت تلك الطريقة قد انتشرت في السابق من إيران في القرن السادس عشر إلى ~~السلطنة البهمنية في جنوب الهند، # 95 # ومن خلال الشيوخ الرحالة أمثال نور علي شاه (المتوفى عام 1797) ~~وأتباعهم في الجيل التالي، أشرف هؤلاء الصوفيون المهاجرون على حدوث إحياء صوفي كبير ~~في إيران، ولفعل ذلك، اقترحوا عقيدة جذابة ترتكز على تجارب النشوة القائمة على ~~مشاعر رفيعة مثل «الحب»، و«العشق»، و«الود»، و«الهوى»، يمكن استحضارها بغناء قصائد ~~الحب الفارسية القديمة التي كتبها الرومي وبابا طاهر بمصاحبة الموسيقى. # 96 # وبلغت جاذبية الصوفيين مبلغا كبيرا، لدرجة أنهم في ثلاثينيات القرن ~~التاسع عشر اكتسبوا أتباعا من المجتمع اليهودي في مدينة مشهد، وهناك استخدم الحاخامات ~~اليهود الأفكار الصوفية في تفسيراتهم للتوراة، ومن خلال رؤى أبي القاسم القشيري ~~(المتوفى عام 1074) ابتدعوا روابط متخيلة مع التقليد الصوفي الخاص بفترة العصور ~~الوسطى في منطقة خراسان المجاورة. # 97 # على الرغم من أن الإحيائيين الصوفيين في إيران قوبلوا بمعارضة شديدة من المؤسسة ~~الدينية الشيعية، مما أدى إلى إعدام العديد من «المبشرين» بالطريقة النعمتلاهية، ~~فقد وجد الصوفيون دعما كافيا من التجار الأثرياء؛ بحيث انتشروا سريعا عبر المدن ~~التجارية داخل إيران. وبحلول منتصف القرن التاسع عشر، وجد الصوفيون الدعم أيضا من ~~البلاط الملكي الإيراني، وبصفة خاصة من خلال تقلد الصوفي المنتمي إلى الطريقة ~~النعمتلاهية حاج ميرزا أقاسي (1783-1848) منصب الصدر الأعظم في عهد الحاكم القاجاري ~~محمد شاه (الذي حكم من عام 1834 إلى عام 1848)، وتحت رعاية أقاسي حدث ترميم وتوسيع ~~للأضرحة المتداعية المقامة لكبار الصوفيين في إيران في فترة العصور الوسطى - أمثال ~~أبي يزيد البسطامي وشاه نعمة الله ولي - بالإضافة إلى منح الصوفيين معاشات أو تمليكهم ~~للأراضي. # 98 # ومن خلال عقد هذه التحالفات الاستراتيجية مع السلالة القاجارية الجديدة، ~~المنحدرة من القبائل التركمانية السابقة، التي لم تكن ms245 مختلفة تماما عن القوى ~~الاستعمارية في فقدان الشرعية، استعاد أبناء الطريقة النعمتلاهية للصوفيين حصة في ~~المجتمع الإيراني لم يتحصلوا عليها منذ مائتي سنة. ومع مرور القرن، تمسك ~~الصوفيون بهذه المكانة المستعادة من خلال الحفاظ على علاقاتهم بالتجار الإيرانيين، ~~وبصفة خاصة مجتمع التجار الإيرانيين الثري، الذي ظهر في بومباي المستعمرة. # 99 # وعلى غرار القرون السابقة، فقد استغل الصوفيون الشبكات العالمية ~~الدولية لتجاوز سيطرة القوى الوطنية. # ومن ثم أسفرت التغيرات في المناطق الاستعمارية عن نتائج غير مباشرة تصب ~~في صالح الصوفيين الموجودين في مناطق خارج السيطرة الاستعمارية، وكانت تلك النتائج في ~~بعض الحالات تصب في صالح جماعات صوفية معينة؛ فبعد أن نشأ الصوفي الإيراني البارز ~~صافي علي شاه (المتوفى عام 1899) التابع للطريقة النعمتلاهية في أصفهان، أطلق حياته ~~المهنية من خلال فترة إقامته في بومباي، التي اكتسب منها دعم التجار الإيرانيين في ~~الشتات هناك، وكذلك طبع فيها قصيدته الواقعة في كتاب بعنوان «زبدة الأسرار»، التي ~~رسخت سمعته لدى عودته إلى الوطن. # 100 # وفي عصر الطباعة الجديد مثلت أشعار صافي علي شاه استيلاء على التقليد ~~الصوفي القديم وامتدادا له، من خلال المحاكاة المتعمدة لأسلوب أشعار العظيم جلال ~~الدين الرومي التي تعود لفترة العصور الوسطى. # 101 # إلا أنه بعد شهور من وفاة صافي علي شاه عام 1899، تحولت طريقته إلى ~~منظمة تميل إلى الحداثة على نحو متعمد، تعرف باسم «أنجمان أخوت» (أي جمعية ~~الأخوة)، مزجت التقليد الصوفي بالتصوف المأخوذ من الماسونية. # 102 # ومن خلال حفلات العشاء الخيري التي كانت تقيمها تلك الجمعية، ومن خلال ~~وسائل الحداثة الأخرى مثل المجلات والأكاديميات الفلسفية، نجد أن الصوفيين الإيرانيين ~~في أوائل القرن العشرين ربطوا أنفسهم في عصر الحداثة بطموحات نخبة قومية جديدة. وعن ~~طريق توجيه إرثهم المتمثل في الكتابة بالفارسية وفقا للأيديولوجية الجديدة ~~المتمثلة في القومية الإيرانية، وعن طريق تعديل الدور الصوفي القديم المتمثل في ~~الوعظ الأخلاقي لمواجهة مخاوف العصر الحديث المتعلقة بتعاطي المخدرات وحقوق ~~المرأة؛ ظل الشيوخ الصوفيون في إيران حتى الثورة الإسلامية عام 1979 يجدون الرعاية ~~لدى أعلى ms246 المستويات في الدولة، بما في ذلك الإمبراطورة فرح ديبا. # 103 # شكل 4-3: أولياء الموانئ البحرية الاستعمارية: ضريح أحمد بن علي في نقطة ~~التقاء البواخر، عدن (الصورة من مجموعة صور المؤلف). # وفي الوقت نفسه، في جنوب آسيا وآسيا الوسطى، أدى بقاء الولايات الأميرية والدول ~~«الحاجزة» على أطراف الهند البريطانية إلى استمرار التحالفات القديمة بين الحكام ~~المسلمين والمؤسسة الصوفية في القرن العشرين أيضا، ونجد أنه في حيدر أباد (وهي ولاية ~~أميرية هندية في حجم فرنسا تقريبا) أدى وجود طبقة مسلمة حاكمة إلى استمرار تقديم ~~الرعاية للأنشطة الصوفية، خاصة أثناء حكم نظام محبوب علي خان (الذي حكم من عام 1869 ~~إلى عام 1911)، الذي أدى كرمه إلى استضافة حيدر أباد لصوفيين من أماكن بعيدة عن ~~سواحل الهند. وفي ظل الحماية من التغيير الذي أحدثه الاستعمار في النظام الاجتماعي، ~~أكمل الصوفيون في حيدر أباد تقليدهم الأدبي القديم من خلال كتابة كتب طبقات مثل ~~«مشكاة النبوة» المكتوب بالعربية، للمؤلف غلام علي قادري (المتوفى عام 1842)، الذي ~~ربط الصوفيين الأحياء في حيدر أباد بالأولياء القدماء في خراسان وبغداد من خلال سلاسل ~~الانتساب. # 104 # وعندما تسللت حركات الإصلاح المناهضة للصوفية السائدة في الهند ~~البريطانية عبر الحدود إلى حيدر أباد، استطاع صوفيو حيدر أباد كما في حالة معين الله ~~شاه (المتوفى عام 1926)، بمساعدة أصحاب المصانع المحليين، تكييف أنفسهم مع مفهوم ~~الإصلاح الجديد وتمرير تعاليمهم، حتى بعد اندماج حيدر أباد عام 1948 في الهند ~~المستقلة. # 105 # شكل 4-4: ولاءات أفغانية: مسكن وضريح صوفي في كابل (تصوير: نايل ~~جرين). # في أفغانستان الواقعة شمال غربي الهند البريطانية، كان الحكام الأفغان المناصرون ~~للحداثة يجاهدون في أوائل القرن العشرين لتأكيد سلطتهم الهشة على القبائل الجامحة ~~ورجال الدين المعارضين، مما دفعهم إلى عقد اتفاق مشابه مع الصوفيين ~~البارزين. # 106 # وفي منطقة كان فيها الولاء القبلي للأسلاف من الأولياء الصوفيين أقوى ~~من الولاء لملك بعيد يقيم في كابل، وجد حكام أفغانستان المركزيون في أوائل القرن ~~العشرين أنه من الحكمة استخدام الصوفيين كجسور للوصول إلى رعاياهم ~~الممانعين. # 107 ms247 # وفي عام 1919، تضمن هذا السعي الملكي إلى السلطة أيضا إعلان الجهاد ~~على الإمبراطورية البريطانية، التي كانت في أعقاب الحرب العالمية الأولى أضعف من أن ~~ترد ردا كاملا. وعندما أعلن الملك أمان الله (الذي حكم من عام 1919 إلى عام ~~1929) رسميا هذا الجهاد غير المحتمل بعد صراع عائلي على السلطة أعقب اغتيال ~~أبيه الحاكم، حرص على وقوف الشيخ النقشبندي الجليل شاه أغا (المتوفى عام 1925) إلى ~~جانبه قبل أن يبعث هذا الشيخ وأخاه شير أغا بصحبة قواته إلى المعركة، # 108 # ومقابل ما قدمه الأخوان من دعم، حصلا على أراض كبيرة في ضواحي كابل، ~~وألقاب شرفية مثل «شمس المشايخ»، وعندما أطيح بالملك أمان الله في انقلاب، عين ~~خلفه نادر شاه (الذي حكم من عام 1929 إلى عام 1933) شير أغا رئيسا للجنة القومية ~~لعلماء الدين الجديدة، وأرسل أخاه الصوفي الثالث جول أغا سفيرا لمصر. # 109 # وعلى الرغم من أن النفوذ الصوفي كان لا يزال كبيرا في ثلاثينيات القرن ~~العشرين، فقد شهدت العقود التالية تراجع النفوذ الصوفي في أفغانستان؛ فكما هو الحال ~~في مناطق أخرى، فضل آخر الملوك الأفغان زاهر شاه (الذي حكم من عام 1933 إلى عام ~~1973) الحداثة العلمانية على التحالف مع الأولياء الأحياء، وفي الوقت نفسه بدأ ~~المفكرون في الطبقة الوسطى الأفغانية الصغيرة يتأثرون بالأفكار الشيوعية القادمة ~~من آسيا الوسطى السوفييتية المجاورة؛ ومن ثم اعتبروا الصوفيين عملاء للملوك، ~~وبالرغم من ذلك كانت الصوفية لا تزال راسخة على نحو كاف في النظام الاجتماعي الأوسع ~~نطاقا، لدرجة جعلت تحجيم النفوذ الصوفي أجندة للمصلحين الأفغان الدينيين ~~والعلمانيين على السواء، # 110 # إلا أن الريف الجبلي الأفغاني ظل محتفظا بكثير من سمات الأشكال ~~الإقليمية المحلية من التقليد الصوفي التي كانت اختفت في ذلك الوقت، في ظل ضغوط ~~التحديث أو الإصلاح التي أعادت تشكيل البلدان الإسلامية الأخرى في القرن ~~العشرين. # 111 # وفي مدينة تاشقرغان (المعروفة أيضا باسم خلم) الواقعة في شمال أفغانستان، ~~بقيت أشكال محلية من التقليد الصوفي توارثتها الأجيال عبر كتيبات باللغتين ~~الفارسية والأوزبكية، ربطت النجارين والدباغين وغيرهم ms248 من الحرفيين بطقوس ~~وسلالات أولياء معينين، وربطت صناع الحلوى ببابا فريد كنج شكر، ابن مدينة ~~ملتان. # 112 ~~(4) التوسع والرفض: الصوفيون فيما بعد الاستعمار وفي ظل العولمة، تقريبا من عام 1950 ~~إلى عام 2000 ~~(4-1) الصوفيون في العالم الإسلامي «القديم» # من نواح كثيرة، شهد القرن التاسع عشر بلوغ الصوفيين ذروة التوسع الاجتماعي ~~في تاريخهم؛ حيث استعانوا بتقنيات السفر والطباعة الحديثة، وحافظوا على مكانتهم ~~المؤثرة، من خلال تحالفاتهم الماكرة التي عقدوها مع الأطراف الحاكمة في البيئات ~~الاستعمارية وغير الاستعمارية. وشهدت العقود الافتتاحية من القرن العشرين اكتساب ~~الإصلاحيين المناهضين للصوفية والحداثيين المسلمين نفوذا متزايدا، وكان ذلك ~~من ناحية رد فعل تجاه رغد العيش الذي تميزت به الطبقة الصوفية وإذعانها ~~للاستعمار، ومن ناحية أخرى رد فعل على المتطلبات الدينية التي ظهرت من ~~جراء التعرض لأفكار علمية جديدة. لقد شاهدنا في الأقسام السابقة كيف أن ~~الصوفية في أوائل القرن العشرين كانت تقمع للمرة الأولى في مناطق معينة لصالح ~~تكوين الدول القومية. وكما رأينا بالفعل ، في مناطق آسيا الوسطى التابعة للاتحاد ~~السوفييتي، وكذلك في تركيا الجمهورية، كانت الصوفية تتعرض للقمع باسم الحداثة ~~الاشتراكية أو القومية. وفي مناطق أخرى، خاصة في الشرق الأوسط العربي، اشتدت ~~هجمات الحداثيين الأيديولوجية على الصوفيين، معتبرين إياهم فاسدين أو ~~عملاء أو دجالين، أما من الناحية المؤسسية فقد شهدت سياسات القومية في ~~العديد من الدول العربية في فترة ما بعد الاستعمار توسع عملية طويلة الأجل، ~~تمثلت في تقنين الدولة أوضاع الطرق الصوفية. # 113 # وفي شبه الجزيرة العربية فسر النظام السعودي الجديد تعاليم ابن عبد ~~الوهاب، المصلح الذي ظهر في القرن الثامن عشر، على أنها تدين الصوفية إدانة ~~كاملة، واتخذ هذه التعاليم كأيديولوجية للدولة الجديدة. وسبق أن رأينا كيف أن ~~مصطلح «الصوفية» نفسه ابتكره الباحثون الأوروبيون في الفترة الاستعمارية، وكيف ~~اكتسب في نقاشاتهم معاني كانت في كثير من الأحيان متعارضة مع فهم الصوفيين ~~لتقليدهم، وعندما بدأ المسلمون في بيئات أواخر الفترة الاستعمارية مثل الهند ومصر ~~يعرفون ما كتبه الباحثون الأوروبيون عن الصوفيين، أصيب الذين ms249 أخذوا فهم ~~الأوروبيين بجدية بصدمة من مبالغات الصوفيين، في حين غضب الذين نظروا بعين ~~الريبة إلى الخبرة الأوروبية من إساءة تفسير روح التعليم الصوفي؛ ولذلك نجد ~~في الهند في نهاية الفترة الاستعمارية أن الشاعر الإصلاحي السير محمد إقبال ~~(1877-1938)، عندما كتب مجموعة من الأشعار الفارسية والأردية ملهمة بكل ~~المقاييس، استوعب انتقاد الباحثين الاستعماريين عندما وصفوا الصوفيين المعاصرين ~~بأنهم دجالون كسالى، وفي الوقت نفسه قبل مديحهم للصوفيين في فترة العصور ~~الوسطى، الذي وصفهم بأنهم آخر «المتصوفين» المسلمين الحقيقيين. # 114 # ستصبح أفكار محمد إقبال شديدة التأثير على التوجهات نحو الصوفية ~~في دولة باكستان، فيما بعد الاستعمار، التي ساعد في إنشائها. وبالمثل، في مصر في ~~أواخر فترة الاستعمار وما بعد الاستعمار تأثر الباحثون العرب باعتقاد الباحثين ~~الأوروبيين القائل إن الصوفية نشأت بين «مؤثرات» خارجية مسيحية وهندوسية، ~~وأنها على أي حال تجل إسلامي لفئة «التصوف» العالمية؛ مما دفعهم إلى ~~«إعادة أسلمة» الصوفية كوسيلة لاستعادة السيطرة على تراثهم الديني. # 115 # كما هو الحال مع المحاولات الكثيرة الأخرى التي جرت فيما بعد الاستعمار لاسترجاع ~~تراث ما قبل الاستعمار؛ فقد تضمن مشروع إعادة أسلمة الصوفية قدرا من ~~إعادة الابتكار للتقليد يفوق مجرد نقله؛ ذلك لأنه قبل أن يشير الباحثون ~~الاستعماريون إلى وجود مصادر هندوسية أو حتى بوذية للأفكار الصوفية، كانت فكرة ~~«الصوفية الإسلامية» إسهابا غير ضروري. علاوة على ذلك، شهد القرن العشرين في كل ~~أرجاء العالم الإسلامي تنوعا غير مسبوق في أشكال السلطة الدينية والمعتقد ~~الديني، من خلال تزايد فرص الالتحاق بالتعليم (سواء العلماني أو الديني)، ~~واستخدام الوسائل الإعلامية الجديدة (سواء الطباعة أو البث الإذاعي وخلافه)، ~~والانضمام إلى الأشكال التنظيمية الجديدة (سواء الجمعيات الدينية أو الأحزاب ~~السياسية). وساهم النطاق المتزايد من أنواع الإسلام المتاحة أمام المسلمين في ~~جعل تعاليم الصوفيين نسبية، وتهميش طرقهم الصوفية في المناطق التي لطالما كانوا ~~فيها لاعبين مسيطرين أو بارزين. باختصار، بحلول منتصف القرن العشرين كانت توجد ~~أساليب كثيرة يمكن من خلالها أن يكون المرء مسلما، وعندما وجد المسلمون خيارات ~~كثيرة بديلة عن ms250 اتباع أحد شيوخ الصوفية، اختار الملايين منهم عبر العالم إما ~~اتباع أحد الشيوخ الجدد غير الصوفيين، وإما التخلي عن السلطة الخارجية ~~واتباع ضميرهم وحده. # وعلى الرغم من أن التأثير الصوفي تراجع على نحو لا يمكن إنكاره، فقد ظل ~~تقليد القرون السابقة يتوارث من خلال الكثير من الأشكال المختلفة، وإن كانت في ~~بعض الأحيان حديثة على نحو مميز. وكما شاهدنا من قبل، فقد كان يوجد صوفيون ~~إصلاحيون عدلوا تعاليمهم استجابة لمنتقديهم المناهضين للصوفية، وفي المواقف ~~التي وصف فيها هؤلاء النقاد جوانب كثيرة من التقليد الصوفي بأنها ليست إلا ~~«خرافة»، نجد أن الإصلاحيين الصوفيين تخلوا عن كثير من جوانب الممارسة ~~الصوفية، لا سيما ممارسة عمل الأحجبة أو المعالجة بالقرآن والأدعية النبوية، التي ~~قل عليها الطلب على أي حال بسبب ظهور الطب الحديث. وفي المناطق الإسلامية الأكثر ~~حداثة وثراء تقلصت الأنشطة الصوفية كثيرا؛ لأن الناس بدءوا يرفضون مجموعة ~~كبيرة من الممارسات الصوفية - من تبجيل الأضرحة إلى قصص المعجزات وطلاسم التحصين ~~- لأنها أمور منفصلة عن الحداثة، إلا أنه بصرف النظر عن التوقعات الموثوق فيها ~~النابعة عن نظريات العلمانية، التي صاغت المناقشات التي تناولت الصوفية في منتصف ~~القرن العشرين، فإن الحداثة لم تسفر عن تحرر كامل من تلك الممارسات الصوفية. ~~وفي مناطق عديدة، لا سيما تلك التي نجح فيها الصوفيون في الاحتفاظ بمكانتهم ~~الاجتماعية ورأسمالهم المتمثل في المؤسسات، استمر نقل التقليد الصوفي بالرغم ~~من تزايد هجمات الإصلاحيين المناهضين للصوفية. وحتى في أكثر المناطق حداثة في ~~العالم، شهد النصف الثاني من القرن العشرين استجابة الصوفيين للتحولات الذاتية ~~وتحولات المجتمع، من خلال تكوين أنماط تنظيمية أو نماذج مفاهيمية جديدة، ~~لينقلوا من خلالها تعاليمهم. ومع دنو القرن العشرين من نهايته ظهرت أشكال ~~جديدة من الصوفية في بلدان أوروبا وأمريكا الشمالية، حققت تفاعلا وتداولا ~~متزايدا مع المناطق الإسلامية القديمة. # دعونا نتفقد بعض دراسات الحالة لهذه الطرق المختلفة لتطور الصوفية، بداية ~~من خمسينيات القرن العشرين فصاعدا، فبينما أضعفت الحكومات في الهند وباكستان في ~~فترة ما بعد الاستعمار المؤسسة الصوفية؛ من ms251 خلال فرض سيطرتها على الأراضي ~~الكثيرة المملوكة للصوفيين، استمر نقل التقليد بطريقة أقل تقلصا بكثير ~~مما حدث في الشرق الأوسط، الذي اكتسبت فيه القومية العلمانية والإصلاح الديني ~~تأييدا اجتماعيا أوسع نطاقا. # 116 # وعلى الرغم من ذلك، فقد استعانت كل من الهند وباكستان بالصوفية في ~~تكوين الكيان القومي الجديد خاصتها في فترة ما بعد الاستعمار؛ فعلى سبيل المثال: في ~~الهند حظيت أشكال معينة من الصوفية (لا سيما العروض الموسيقية وأضرحة الطريقة ~~الجشتية التي تجمع مختلف الطوائف) بالترويج؛ لأنها تمثل الأسلاف المتسامحة ~~للجمهورية الهندية العلمانية المتعددة الطوائف، وحظيت موالدها بالتغطية على ~~التليفزيون الوطني، وناصر تاريخها أساتذة الجامعات. أما في باكستان، فنظرا ~~للشرعية المحدودة لحكومات ما بعد الاستعمار فيها، فقد اعتمدت مجموعة كبيرة من ~~السياسيين على مكانة وعلاقات الصوفيين في محاكاة للسياسات الاستعمارية القديمة ~~في المنطقة، ووفقا للأيديولوجيات المتباينة للأحزاب السياسية المعنية، فقد كان ~~الصوفيون يقدمون في باكستان على أنهم إما وعاظ إسلاميون مبشرون، وإما ~~مناصرون اشتراكيون للفلاحين، وألحقت «مراكز بحثية» أو منافذ طبية بالأضرحة ~~المشيدة في فترة العصور الوسطى، كتعبير مادي عن التحالف الجديد بين الصوفيين ~~والرئيس الباكستاني. # 117 # وفي كتابات القائد العسكري والشيخ الصوفي الباكستاني السابق النقيب ~~وحيد بخش رباني (المتوفى عام 1995)، وجهت ذكرى الأولياء الصوفيين المنتمين ~~لفترة العصور الوسطى لخدمة أهداف قومية على نحو أكثر صراحة؛ ففي كتابه «القوة ~~الدفاعية الباكستانية العظيمة الشأن» المكتوب بالأردية، قدم دراسة رومانسية ~~الطابع عن التاريخ العسكري والثقافي لباكستان بصفتها أمة إسلامية أسسها في ~~الأصل الصوفيون، ومقدرا لها من خلال عظمة هؤلاء الأولياء الصوفيين والجنود ~~الذين يحمونهم أن تكون منارة للعالم الإسلامي أجمع. # 118 # ومثلما أدت النماذج التي قدمها الأوروبيون عن الصوفية إلى «إعادة ~~أسلمة» الأفكار الصوفية في مصر، نجد أن وحيد بخش رباني رد بالمثل في باكستان ~~على صور الصوفية التي قدمها الأوروبيون، في عمل كتبه بالإنجليزية حمل عنوان ~~«الصوفية الإسلامية»، وفي هذا الكتاب نفى أفكار المستشرقين القائلة بالأصول ~~الخارجية للصوفية كي يظهر توافق التعاليم الصوفية مع القرآن والشريعة، وفي الوقت ~~نفسه اعتمد على ms252 مجموعة مختارة غير معتادة من العلماء الفرنسيين والكتاب ~~الأمريكيين من أتباع حركة العصر الجديد؛ ليثبت تناغم الصوفية مع ~~العلم. # 119 # وفي حين ابتكر الصوفيون في كل من الهند وباكستان تصورات عقائدية ~~جديدة، ردا على المخاوف الكثيرة التي سادت في فترة ما بعد الاستعمار، فقد ظلت ~~تعاليم الصوفيين وأضرحتهم في المنطقة تحظى بأهمية بالغة لدى ملايين كثيرة من ~~المسلمين (والهندوس أيضا) حتى اليوم، وعلى الرغم من هجوم الأصوليين الهندوس ~~والمسلمين على حد سواء على الممارسات القديمة المتمثلة في تبجيل الأضرحة ~~الصوفية من قبل الهندوس والمسلمين، فما زال مئات الآلاف من الزوار من كل ~~الخلفيات الدينية يتوافدون كل عام على ضريح معين الدين الجشتي (المتوفى عام ~~1236)، الذي يعود إلى فترة العصور الوسطى والموجود في الهند. # 120 # وفي جنوب شرق آسيا، كان لمثل هذه المشاريع الهادفة إلى تأسيس أمم حديثة أثرها ~~على الصوفية في الدول الجديدة التي تكونت بعد الاستعمار مثل إندونيسيا وماليزيا؛ ~~فعقب تحقيق الاستقلال من هولندا عام 1949، فرض على إندونيسيا في الفترة ما بين ~~عامي 1965 و1998 «نظام جديد» غير متهاون أسفر عن نشأة مواطنين عصريين ~~متعلمين، وانتقلت الصوفية إلى اتجاهات محددة أثناء هذه السنوات؛ فاتجهت نحو ~~الساحة العامة الجديدة المتمثلة في الأحزاب السياسية الإسلامية، أو انسحبت نحو ~~الساحة الخاصة المتمثلة في الجماعات «الباطنية» التي وعدت أتباعها بالقوة ~~الخفية بدلا من القوة السياسية. # 121 # إلى جانب انتقادات الإصلاحيين المناهضين للصوفية، فإن هذا التحديث جعل ~~النسق التنظيمي الصوفي القديم غير جذاب في أعين الأجيال الجديدة من ~~الإندونيسيين، الذين أصبحوا يعتبرون الطرق الصوفية القديمة سرية على نحو مريب، ~~وغير ديمقراطية وسلطوية؛ # 122 # ونتيجة لذلك قطع الشيوخ الصوفيون في إندونيسيا صلتهم على نحو جذري ~~بالمؤسسات القديمة منذ سبعينيات القرن العشرين، من خلال تكوين أنماط تنظيمية جديدة ~~للوصول إلى بني جلدتهم المتعلمين العصريين، فأقاموا الندوات والورش ~~والخلوات. وبحلول تسعينيات القرن العشرين أصبحت تعاليم الصوفية متاحة من خلال ~~العروض التقديمية المعتمدة على برامج عرض الشرائح، التي يقدمها صوفيون يرتدون ~~بذلات، ويؤكدون على حداثة تعاليمهم من خلال ms253 استخدام مصطلحات مثل «الصوفية ~~الجديدة» و«الصوفية العملية» و«التصوف الإيجابي»؛ ونتيجة لذلك، وبالرغم من الجدل ~~المناهض للصوفية، نجح الصوفيون في استعادة أعداد متزايدة من الإندونيسيين ~~المنتمين للطبقة الوسطى ومن النساء، إلى شكل من الإسلام يعد بمزيج جذاب من ~~السعادة الشخصية والنجاح المهني. بالإضافة إلى ذلك، فإن تلك «الصوفية العصرية» ~~تتمتع بصفة جذابة أخرى تتمثل في تجنب الانتماء للإسلام السياسي، على عكس ~~المنظمات الدينية الأخرى في إندونيسيا. # حتى في آسيا الوسطى التي شهدت فيها الصوفية قمعا وحشيا على مدار سبعة عقود من ~~الحكم السوفييتي بصفتها «إقطاعا إسلاميا»، أسفر ظهور الجمهوريات الجديدة في ~~تسعينيات القرن العشرين عن إحياء هائل للنشاط الصوفي الذي كان مدعوما من الدولة ~~والأفراد أيضا. # 123 # ونظرا لأن حكم الإمبراطورية الروسية والحكم السوفييتي من بعده قطعا ~~الصلات على نحو حاسم مع التراث القديم، فإن ما عاود الظهور إلى السطح في ~~تسعينيات القرن العشرين كان مزيجا غريبا من التقاليد الشعبية الريفية ~~المتذكرة، وابتكارات قومية جديدة لطوائف الأولياء. # 124 # وعزز انقطاع الصلة بالتقليد استخدام السوفييت للحروف السيريلية ~~بدلا من الحروف العربية، وترويجهم للغة الأوزبكية كلغة قومية؛ مما جعل - على ~~غرار ما حدث في تركيا المعاصرة - الكتابات الصوفية القديمة التي ألفت في ~~المنطقة، والمكتوبة بالفارسية والعربية، من غير الممكن قراءتها إلا من خلال ~~محاولات ترجمتها التي لا تتم كثيرا، ونظرا لتعرض معظم العائلات الصوفية ~~القديمة للاضطهاد، وسلب تراثهم منهم، فإن من عملوا على إحياء التقليد الصوفي ~~من جديد بعد سقوط الحكم السوفييتي كانوا أساتذة جامعات متدينين، أمثال الكاتب ~~الأوزبكي صدر الدين سالم بخاري، الذي كان متخصصا في دراسة أعمال الشاعر ~~الألماني جوته. # 125 # منذ بداية سبعينيات القرن العشرين، شهدت تركيا ظهور الطريقة النقشبندية في ~~الحياة التركية من جديد، خاصة تحت الستار المؤسسي للأحزاب السياسية المحافظة ~~اجتماعيا. # 126 # وعلى غرار المناطق الأخرى، اتخذت التقاليد الروحانية والفكرية وكذلك ~~المؤسسية للصوفيين أشكالا جديدة - كما هو الحال مع الحركة النورسية التي ~~أسسها سعيد النورسي (1878-1960) المسجون المؤيد للطريقة النقشبندية - ~~تجنبت وصف نفسها بأنها صوفية؛ بسبب الوصمة التي ms254 اكتسبتها الصوفية من ~~جراء انتقادات القوميين العلمانيين والإصلاحيين الدينيين لها. # 127 # وفي تركيا كون فتح الله جولن (1941-...) تقاربا أكثر انفتاحا مع ~~الصوفية، من خلال التأكيد على أهمية المعتقدات الصوفية وليس مؤسساتها، # 128 # وبسبب ارتباط حركة جولن برجال الصناعة المتدينين، وليس المعاشات ~~والأراضي التي كانت تمنحها الإمبراطوريات للصوفيين في السابق، وتأسيسها مدارس ~~كان فيها الإسلام الصوفي متوافقا تماما مع التعليم العلمي، توسعت بحلول ~~تسعينيات القرن العشرين وجاوزت أصولها القومية، ودخلت الأسواق الدينية التي ~~فتحت في آسيا الوسطى بسقوط الاتحاد السوفييتي الذي قمع الطرق الصوفية لمدة سبعين ~~عاما. # 129 # نظر قادة تركيا إلى نجاح حركة جولن نظرة متضاربة، وفي عام 1998 ~~هاجر جولن إلى الولايات المتحدة، ومثل هذا القرار لحظة عالمية جديدة في ~~عملية نشر تعاليمه، وعلى غرار الأمثلة الإندونيسية، إذا كانت حركة جولن في ~~صورها المادية تمثل كيانا مختلفا تماما عن الطرق والأضرحة الصوفية التي ظهرت ~~في العصور السابقة، فمن حيث جاذبيتها للطبقة الوسطى المسلمة المتعلمة ~~والليبرالية، فإنها تنقل إلى الوقت الحاضر نقلا بالغ الكفاءة لتقليد صوفي ~~مبتور. # في الشرق الأوسط العربي، شهد النصف الثاني من القرن العشرين جدلا مستمرا بين ~~الصوفيين والإصلاحيين المناهضين للصوفية، وعلى الرغم من ذلك يرى كثير من أتباع ~~الطرق الصوفية أن القرون التي تمتعت فيها الصوفية بالمنزلة الرفيعة مكنت ~~شيوخها من الحفاظ على مكانتهم كناقلين للتقليد. # 130 # وعلى الرغم من توقعات الزوال الحتمي للصوفية في الشرق الأوسط أثناء ~~ذروة القومية العربية، وعلى الرغم من المشروع الإصلاحي الطويل المتمثل في السلطة ~~الدينية الفردية، فإن شيوخ الطرق الصوفية في الشرق الأوسط ظلوا حتى نهاية القرن ~~العشرين يحظون بتقدير كاف لجذب أتباع من خلفيات مختلفة. ويتراوح أتباع ~~الطرق الصوفية في شمال سوريا ما بين أساتذة جامعيين ورجال صناعة أثرياء وبين عمال ~~يدويين فقراء يقودهم شيوخهم عبر طقوس انضمام شاقة، تتضمن حمل ثعابين ~~حية، وأكل فحم مشتعل، وطعن أجسادهم بأسياخ. # 131 # وفي حين سعت قوانين الدولة في مصر إلى منع مثل هذه الممارسات ~~الشنيعة من موالد الأولياء، فإن حكومة الرئيس ms255 مبارك ما زالت تستخدم هذه الموالد ~~كمنصات للنشرات السياسية والتنظيم الشعبي؛ إذ إنها كونت تحالفات مع القادة ~~الصوفيين الإصلاحيين أصحاب مصانع الكيماويات، والحاصلين على مؤهلات علمية من دول ~~أوروبا الشرقية الشيوعية، # 132 # أما خلف الأبواب المغلقة، فقد ظلت العروض الصوفية القائمة على النشوة ~~جزءا مهما من حياة المسلمين في مصر. وكما هو الحال مع الطريقة الجديدة التي ~~تأسست عام 1952، بعد أن ظهر النبي محمد في المنام للموظف الحكومي جابر حسين ~~الجزولي (1913-1992)، فقد استمرت التنظيمات الجديدة في الظهور، والتي تنقل ~~التقليد حاليا من خلال وسائل رخيصة، تتمثل في الأشرطة الصوتية، والأقراص ~~المدمجة، ومواد الدراسة المنزلية المعدة للاستخدام في حلقات الذكر الجماعي ~~التي ظهرت لأول مرة منذ ما يزيد عن ألف سنة. # 133 # وفي كل أنحاء الشرق الأوسط نجحت الصوفية في الحفاظ على جاذبيتها، من خلال تسجيل ~~موسيقاها. وعلى الرغم من أن هذه الأمر يحول التقليد إلى سلعة، فإنه سمح بوصول ~~الشعر المكتوب منذ قرون إلى جماهير الشباب الحضري، الذين أقدم بعضهم بدورهم على ~~خطوة الانتساب رسميا إلى إحدى الطرق الصوفية. # 134 # وعلى الرغم من تزايد القوانين الحكومية التنظيمية، فقد ظلت موالد ~~الأولياء بالنسبة إلى كثير من المصريين العاديين مناسبات للترفيه والتنفيس ~~العاطفي، وإذا لم تكن العروض والممارسات المصاحبة لتلك الموالد هي الإسلام الصوفي ~~المتخيل في كثير من الروايات الغربية عن الصوفية، فإن هذه الأمور تمثل عناصر ~~مهمة من عناصر الصوفية بالرغم من كل ذلك. وبالنسبة إلى الكثير من المسلمين في ~~المدن الصغيرة والقرى في مصر والمغرب، ما زالت أضرحة الأولياء الصوفيين مزارات ~~للاستجمام والتبرك؛ حيث تصطحب النساء أقاربهن للتنزه، ويشترين في الوقت نفسه ~~وصفات علاجية شعبية رخيصة الثمن، ويطلبن من الولي المساعدة في التغلب على ~~مصاعب الحياة اليومية. # 135 # وكنوع مشابه للتحالفات القديمة بين الدولة والصوفيين، دعمت أنظمة ~~عربية عديدة في العقود الأخيرة من القرن العشرين الجماعات الصوفية كقوة مضادة ~~لتنظيمات الإسلام السياسي الحديثة المعارضة لحكمها مثل جماعة الإخوان المسلمين، ~~وفي بعض الحالات أدى ذلك إلى ظهور أشكال جديدة لنقل ms256 التقليد الصوفي، فضلت، ~~كما في الأمثلة السابقة في أماكن أخرى، ألا توصف بأنها صوفية؛ وذلك كي تقدم ~~نفسها في صورة إسلامية صرفة، أو ربما في صورة عصرية، ومن أمثلة هذه الأشكال في ~~لبنان «جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية»، التي أسسها الشيخ الإثيوبي المنفي عبد الله الهرري الحبشي، والتي قد لاقت استحسانا كبيرا بين المسلمين اللبنانيين ~~الذين ضاقوا ذرعا بالإسلام السياسي. # 136 # والمخاطر في هذه المنافسة شديدة حاليا، ومثلما أدت المعارضة ~~الصوفية للجبهة الإسلامية للإنقاذ الأصولية في الجزائر أثناء تسعينيات القرن ~~العشرين، إلى قتل الكثير من المسلمين الصوفيين وأتباعهم، فإنه بعد تقديم تلك ~~الجمعية لمرشحين لها لخوض الانتخابات الوطنية في لبنان عام 1992، أسفرت ~~معارضتها الصريحة للجماعات الإسلامية عن اغتيال رئيسها. # إن التنافس مع تنظيمات الإسلام السياسي كان أيضا إحدى سمات التاريخ الصوفي في ~~أفريقيا فيما بعد عصر الاستعمار، ولقد رأينا بالفعل صوفيين بارزين يلعبون دورا ~~قياديا في الحياة السياسية في السنوات التي أعقبت استقلال السودان عام 1956. ~~إلا أنه منذ سبعينيات القرن العشرين أدى ظهور تنظيمات إسلام سياسي، مثل ~~الإخوان المسلمين والجبهة الإسلامية القومية، إلى تهميش دور الصوفيين السودانيين ~~في الحياة العامة، وفي حين جذب الإسلاميون السودانيون استثمارات أموال النفط ~~الثرية، من خلال آليات الصيرفة الإسلامية العالمية الجديدة، لم يبق مع ~~الصوفيين الذين ازدهروا في ظل الإمبراطورية الفونجية والإمبراطورية البريطانية على ~~حد سواء إلا موارد مستنزفة، متمثلة فيما يمتلكونه من أراض زراعية، وأتباع ~~مهمشين اقتصاديا. # 137 # وتبدو الصورة مختلفة كثيرا في مناطق أخرى من أفريقيا، فنجد في غرب ~~أفريقيا أن ورثة الطرق الصوفية التي كانت موجودة من قبل استمروا في الازدهار من ~~خلال تكوين تحالفات استراتيجية مع التنظيمات السياسية الحديثة، ويعد فرع ~~الطريقة التيجانية الذي يقوده الشيخ إبراهيم نياس (1900-1975) أحد الأمثلة على ~~ذلك؛ فقد كون الشيخ تحالفات ماكرة مع الكثير من قادة الاستقلال الأفارقة ~~والعرب في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، وأصبح نائب رئيس رابطة العالم ~~الإسلامي، وجمع تعاليمه في كتاب «كاشف الإلباس»، التي ثبت في النصف الثاني من ~~القرن العشرين مدى تأثيرها ms257 الهائل في غرب أفريقيا. # 138 # وفي بقية الأماكن في المنطقة، واكب أتباع السجين السابق في سجون الاحتلال ~~الفرنسي أحمدو بامبا مباكي التغيرات التي حدثت في مجتمع غرب أفريقيا في العقود ~~الحديثة، من خلال جذب أتباع جدد بين الفلاحين الذين هاجروا إلى مدن السنغال ~~النامية، # 139 # وفي ظل خلفاء مباكي، واكبت الحركة المريدية السنغالية أيضا ~~التطورات الحادثة في تكنولوجيا الاتصالات للحفاظ على ولاء أتباعها، حتى في مجتمع ~~الشتات التجاري الكبير الذي خلقته العولمة في أوروبا وأمريكا. # 140 # وفي حين تدهور وضع الصوفيين في السودان مقارنة بمنافسيهم ~~الإسلاميين بسبب قلة استثماراتهم مقابل استثمارات الإسلاميين، فإن الطريقة ~~المريدية في السنغال جذبت تدفقات مالية متزايدة عندما روجت لمفهوم متدين ~~للعمل، يشجع الأتباع على اعتبار رحلات العمل الدولية التي يقومون بها جزءا لا ~~يتجزأ من تقدمهم الروحاني. # 141 # وفي تسعينيات القرن العشرين ظلت الصوفية حية بالقدر نفسه في مالي ~~المجاورة للسنغال، عن طريق ظهور قادة صوفيين شباب جذابين، حققوا نجاحا ~~هائلا في الترويج لأنفسهم بين غيرهم من الشباب الحضري في مدن مثل باماكو ~~وسيجو. # 142 # وفي حالة الشيخ صوفي بلال، تضمن الأمر عمل جدائل شعر الراستا ~~الرائجة، ونشر كتيبات عن تعاليمه، وشراء أوقات بث للترويج لنفسه في محطات ~~الإذاعة المحلية. وكما هو الحال في بيئات ما بعد الاستعمار الأخرى، التي انفصل فيها ~~المواطنون العصريون عن التقاليد الأدبية لأسلافهم بسبب سياسات اللغة التي فرضها ~~الاستعمار، نجد أن كتابات الصوفيين أمثال صوفي بلال كانت باللغة الفرنسية، وليست ~~باللغة العربية التي كتب بها الصوفيون قاطنو الصحراء الكبرى في العصور السابقة. ~~لكن إذا كان هذا ينطوي بالتأكيد على إعادة صياغة للتقليد، فإن الحقيقة الذرائعية ~~للأمر تتمثل في أن اللغة الفرنسية، لا اللغة العربية، هي ما جعلت هؤلاء ~~الصوفيين جذابين في أعين جماهيرهم الحضرية العريضة. وكنوع من إضفاء الطابع ~~المحلي في فترة ما بعد الاستعمار، أصبحت لغات مثل الفرنسية والإنجليزية من لغات ~~الإسلام الصوفي الجديدة، لتحلا محل اللغتين الفارسية والتركية، اللتين كانت ~~لهما القيادة في السابق. ~~(4-2) الصوفية في الغرب ms258 # في سياق العولمة نجد أن ظهور اللغات الأوروبية كوسيلة للتعبير الصوفي يمكن رؤيته ~~أيضا في انتشار الطرق الصوفية في العصر الحديث في أوروبا وأمريكا. وعند انتقال ~~الصوفية إلى هذه السياقات الاجتماعية الجديدة، تغيرت هي نفسها في بعض الأحيان ~~بسبب احتياجات السكان المختلفين الذين خاطبتهم؛ إذ كانت لدى بعضهم رغبة في ~~«تصوف» عالمي وليس الإسلام. وكما رأينا في السابق، فإن الصوفيين كانوا قد بدءوا ~~بالفعل في الانتقال إلى أوروبا وأمريكا أثناء فترة الاستعمار، سواء من خلال رحلات ~~شمال أفريقيا التي قام بها الباطنيون السويسريون أمثال فريتجوف شوان، أو الرحلات ~~الأمريكية التي قام بها الصوفيون الهنود أمثال عنايت خان. لقد تزايد هذا ~~الانتشار الجديد في النصف الثاني من القرن العشرين المتأثر بالعولمة تأثرا ~~شديدا. # يمكن ملاحظة ثلاثة أنماط عامة وسط هذا العدد المتزايد من الجماعات الصوفية التي ~~تكونت في الغرب في فترة ما بعد الاستعمار؛ أما النمط الأول الذي كان يضم ما ~~يمكن وصفهم بأنهم «الصوفيون المهاجرون»، فتضمن جلب جماعات صوفية كجزء من ~~عملية أكبر متمثلة في تأسيس مجتمعات المهاجرين. وفي هذه الحالات، تنوعت ~~أشكال الصوفية وفقا للخلفيات الإقليمية والطبقية والتعليمية لمجتمع المهاجرين ~~ذي الصلة، وخضعت للتعديل مع تغير التفضيلات الدينية للمهاجرين أنفسهم نتيجة ~~لتجاربهم في أوطانهم الجديدة. وعلى الرغم من أن البيئات نفسها التي وجد فيها ~~هؤلاء الصوفيون كانت جديدة في حد ذاتها كما رأينا في الفصول السابقة، فإن نمط ~~هجرة الصوفيين في أعقاب التحركات السكانية الواسعة ليس بالجديد وإنما أكثر قدما. ~~أما النمط الثاني الذي كان يضم ما يمكن وصفهم بأنهم «الصوفيون الرياديون»، ~~فتضمن صوفيين لم يكن لديهم مجتمع هجرة مضيف موجود من قبل، وجمعوا أتباعا ~~كانوا في الأساس إما من مناطق إسلامية مختلفة عن مناطقهم وإما غربيين متحولين ~~حديثا إلى الإسلام. مرة أخرى، على الرغم من أن البيئة كانت مختلفة، فإن النمط ~~نفسه كانت له سوابق متعددة، خاصة في القرن التاسع عشر الذي اتسم بالحراك ~~بسبب السفن البخارية والسكك الحديدية؛ حيث شهدنا صوفيين روادا مشابهين قادمين ~~من أفريقيا وشبه ms259 الجزيرة العربية، يجمعون أتباعا من مجموعات عرقية مختلفة في ~~جنوب آسيا وجنوب شرقها. أما النمط الثالث الذي يضم ما يمكن وصفهم بأنهم ~~«الصوفيون المندمجون»، فتضمن صوفيين من أصول مسلمة أو من أصول غير مسلمة ~~تربوا في دول غربية، وجذبوا أتباعا كانوا مثلهم إما متحولين إلى الإسلام وإما ~~مسلمين مولودين في الغرب. ونظرا لكون هؤلاء الصوفيين متأثرين كثيرا بالأفكار ~~والتوقعات الأوروبية الأمريكية، فقد تشكلوا في كثير من الحالات من خلال حركة ~~العصر الجديد، أو الاتجاهات الباطنية الرائجة في السوق الديني. وعلى الرغم من أن ~~هذا النمط الأخير ظهر بالتأكيد بسبب التفاعلات الاستعمارية التي رأيناها بين ~~السالكين الأوروبيين وشيوخ شمال أفريقيا أو شيوخ الهند في بعض الأحيان في أوائل ~~القرن العشرين، فإنه لم تكن له سوابق مهمة قديما. # 143 # وتعرض الصفحات التالية أمثلة على كل نمط من هذه الأنماط الثلاثة؛ ~~لندرك تنوع الجماعات الصوفية المتضمنة في هذا التوسع الغربي الثلاثي ~~الأشكال. # إذا التفتنا إلى النمط الأول، فسنجد أننا رأينا بالفعل أحد الأمثلة المهمة على ~~الصوفيين المهاجرين عندما تناولنا أتباع الطريقة المريدية في غرب أفريقيا، ~~الذين حملت تجارتهم المتنقلة حول العالم ممارساتهم إلى مجتمع الشتات السنغالي ~~المنتشر بأعداد قليلة في كل الدول الأوروبية تقريبا. وعندما انتشر المريديون ~~في فرنسا وما وراءها بعد ذلك، استمرت شبكة التجارة التي أسسها في الأصل مباكي ~~وأسرته مع اقتصاد الاستعمار الفرنسي حتى فترة ما بعد الاستعمار، على يد أتباع ~~الطريقة المريدية الذين جلبوا معهم - إلى جانب مصنوعاتهم اليدوية الأفريقية ~~والساعات المقلدة - تقليدهم، بما في ذلك إنشاد الذكر، وتعليق ملصقات مباكي ~~أينما عملوا. # 144 # وفي حالة الصوفيين المهاجرين من جنوب آسيا، أدت هجرة ~~الباكستانيين إلى بريطانيا إلى ظهور أنماط معقدة من التداول الديني؛ لأن الطرق ~~الصوفية التي نشأت في الأصل في الوطن الآسيوي اتخذت أشكالا جديدة في بريطانيا ~~قبل تصديرها بدورها مرة أخرى إلى باكستان. # 145 # ومن أمثلة ذلك طريقة زنده بير التي ظهرت عند التلال السفحية لجبال ~~الهيمالايا القاحلة في مدينة كوهات الباكستانية، في خمسينيات القرن العشرين، ~~وانتشرت ms260 تدريجيا بين الباكستانيين البريطانيين من خلال جهود الجندي السابق ~~وعامل المسبك صوفي صاحب في برمنجهام. وفي ثمانينيات القرن العشرين، نجد أن الطريقة ~~التي كانت في الأصل مهمشة اجتماعيا في كل من باكستان وإنجلترا تطورت إلى ~~شبكة شتات باكستاني عالمية، يتدفق من خلالها الزوار والأموال، وكذلك التقاليد ~~الطقسية، وطلاسم التحصين، والممارسات التأملية. وعلى الرغم من أن تلك الطريقة ~~كانت مقتصرة على مجتمع الشتات الباكستاني على وجه الخصوص، شأنها شأن بقية أشكال ~~الصوفية المهاجرة الأخرى في الغرب، فإنها من خلال تقديم عقيدة تصوفية ~~متماسكة، وكذلك جلسات لطرد شياطين «الجن»، حازت على إعجاب الأطباء المتعلمين، ~~وكذلك ربات البيوت غير المتعلمات، الذين مثلوا الجالية الباكستانية ~~العالمية في نهاية القرن العشرين. # يمكن أن نجد أشكالا مشابهة لهذا التبادل القائم على التداول في صوفية مجتمع ~~المهاجرين الأتراك في ألمانيا؛ حيث إن نشأة هؤلاء المهاجرين في الريف الأناضولي ~~في الأساس جعلت ارتباطهم بالتقليد الصوفي أكثر قوة مقارنة بالأتراك ~~الحضريين الأكثر علمانية؛ ومن أمثلة ذلك طريقة الشيخ النقشبندي سليمان حلمي ~~طوناخان (المتوفى عام 1959)، وخليفته كمال كاتشار (المتوفى عام 2000)، وعلى ~~الرغم من تعرض تلك الطريقة للتمييز من جانب كل من الحكومة التركية والحكومة ~~الألمانية، فقد شهدت انتشارا هادئا لكنه سريع ومتزامن في كلا البلدين؛ بسبب نسق ~~«الهجرة والعودة» المنتظم، الذي ميز نموذج هجرة العامل الوافد في ألمانيا، ~~الذي يعد في حد ذاته نوعا من العولمة. # 146 # أما إذا تطرقنا إلى الصوفيين المهاجرين في إيطاليا، فسنجد أن عملية ~~الهجرة أعادت تشكيل الممارسات الصوفية لغجر الروم المقدونيين، أعضاء ~~الطريقة الخلوتية، الذين هاجروا إلى إيطاليا في تسعينيات القرن العشرين. لقد واجه ~~هؤلاء انتقادات من المسلمين العرب المتأثرين بالإسلام الوهابي المناهض ~~للصوفية، الذين كانوا مقيمين بالفعل في إيطاليا؛ حيث قالوا إن أسلوب الصوفية ~~«الغجري» ليس هو الإسلام الحقيقي؛ ونتيجة لذلك هجروا ممارسات معينة مثل تقبيل ~~يد شيخهم. # 147 # وفي هذه الحالات، أصبحت أوروبا نفسها مكانا لتغيير التقليد الصوفي قدر ~~ما أصبحت مكانا لنشره. # إذا تطرقنا إلى النمط الثاني من الصوفيين في الغرب، فسنجد ms261 أن أحد أنجح الأمثلة ~~على الصوفيين الرياديين هو شيخ الطريقة النقشبندية الجذاب الشيخ ناظم الحقاني. ~~ولد الشيخ ناظم في جزيرة قبرص عام 1922، واكتسب العلم الصوفي في إسطنبول ودمشق ~~بعد أن درس أولا الهندسة الكيميائية. # 148 # وإلى حد ما كانت الظروف تستثير الطابع المتجاوز للقوميات الذي ~~يميز أتباعه لدرجة أنه ربما طرد من تركيا نفسها في ذروة التوجه الجمهوري ~~العلماني خاصتها في منتصف ستينيات القرن العشرين. وفي حين حقق الشيخ ناظم نجاحا ~~هائلا في تكوين أتباع له في تركيا وسوريا ومصر، فقد كان مميزا للغاية بسبب ~~نجاحه في أوروبا والولايات المتحدة، الأمر المدهش بصفة خاصة فيه هو قدرته على جذب ~~أتباع له على مستوى عالمي؛ فهم لم يكونوا فقط من بلاد مختلفة، بل من مناطق ~~ثقافية مختلفة وأصحاب لغات مختلفة أيضا. وفي أوروبا كان ناجحا بصفة خاصة في جذب ~~الألمان المتعلمين من الطبقة الوسطى، بينما في الولايات المتحدة نجح كثيرا في جذب ~~الأمريكيين ذوي الأصول اللاتينية والأفريقية، الذين شكلوا في العقود الأخيرة ~~الكتلة الأساسية من الأمريكيين المتحولين إلى الإسلام. # 149 # وعلى النقيض من بعض «الصوفيين المندمجين» الذين سنتطرق إليهم فيما ~~يلي، ظل الشيخ ناظم ملتزما بالتقليد النقشبندي في التمسك بأهمية الشريعة في ~~حياة الصوفي، إلا أنه كان في الوقت نفسه منفتحا على نحو مدهش مع غير المسلمين؛ ~~حيث قبل أتباعا دون اشتراط دخولهم المبدئي في الإسلام. وعلى الرغم من أن ~~توقعاته بنهاية العالم التي لم تتحقق على نحو متكرر في أعوام 1996 و1997 ~~و1998 قللت من مصداقيته، فإن ريادته الجذابة جعلته يستخدم نطاقا من وسائل ~~الإعلام الحديثة لجذب الأتباع، وعن طريق السماح للمريدين الجدد بأخذ قسم البيعة ~~التقليدي له عبر الإنترنت، والسفر حول العالم لإعطاء دروس الصحبة البالغة ~~التنظيم، وبيع مجموعة من المنتجات الصوفية المنتجة على نطاق واسع؛ سعى بدهاء ~~إلى إعادة إنتاج التقليد باستخدام آليات العولمة، وأثبت أيضا عبقريته كمدير ~~لجماهيره المختلفة، وقد حقق ذلك من خلال تعديل درجة الاختلاط بين الذكور ~~والإناث، وصرامة أعراف اللبس، وتجنب القضايا السياسية (أو ms262 الترويج لها)، على حسب ~~مجموعة الأتباع التي يخاطبها. وشأن الأشكال الأخرى من الثقافة المتسمة ~~بالعولمة، فمن الممكن الاعتقاد بأن التقليد الصوفي تعرض للإضعاف أو للدقرطة، ~~إلا أن ما يبدو واضحا هو زيادة مصداقية التقليد في زمن المستحدثات ~~الزائفة. # حصرت المجموعات الصوفية الريادية الأخرى انتشارها في الغرب في مناطق معينة؛ مثل ~~الطريقة البودشيشية المغربية، فتحت رعاية سيدي حمزة بن العباس بودشيش (المولود ~~عام 1922) استخدم قادة الطريقة البودشيشية ندوات شبيهة بندوات عالم الأعمال؛ ~~لتسويق الطريقة على أنها بديل حقيقي للإسلام السياسي لكنه بديل تقدمي. # 150 # لم تجذب الطريقة المواطنين الفرنسيين من أصل شمال أفريقي فقط، بل ~~جذبت أيضا السالكين الروحيين الفرنسيين في العموم، وعلى هذا النحو نجحت في ~~زيادة شهرتها عن طريق الأنشطة الثقافية للأتباع المشاهير؛ ومن أمثلة هؤلاء ~~المشاهير: المفكر العام الفرنسي فوزي الصقلي الذي ساعد في تأسيس مهرجان فاس ~~السنوي للموسيقى الروحانية، ونجم الراب الفرنسي - الكونغولي المولد - عبد الملك، ~~الذي أرخ من خلال موسيقى الهيب هوب والسيرة الذاتية رحلته إلى الصوفية من ~~المخدرات والجريمة في ضواحي المدن. # 151 # وأثناء ثمانينيات القرن العشرين تكونت بالمثل في ألمانيا فروع ~~محلية من الطرق الصوفية الأقدم على يد ألمان متحولين إلى الإسلام على دراية ~~واسعة بالمتطلبات النفسية لزملائهم من بني وطنهم، # 152 # ومن أمثلة هذه الطرق طريقة لها اسم باللغتين العربية والألمانية ، ~~وهي «طريقة السفينة» أو «شيفس فيك»، التي تأسست بعد أن أقام بشير أحمد دولتس ~~(المولود عام 1935) - الألماني الذي اعتنق الإسلام - لفترة طويلة في ليبيا، وبعد ~~العودة إلى بون عام 1983 أسس دولتس العديد من المؤسسات المخصصة للحوار بين ~~الأديان. # 153 # بالإضافة إلى تأسيس تلك الجماعات الصوفية الألمانية مؤسسات متأثرة ~~بالعلاج النفسي، مثل معهد الأبحاث الصوفية الموجود في برلين، فقد حققت نجاحا ~~هائلا في جذب الأتباع السابقين للحركات الدينية الجديدة المنبثقة من الهندوسية، ~~لدرجة أن صحيفة التابلويد الألمانية التي تحمل اسم «بيلد» كتبت في عنوانها ~~الرئيسي: «ذهب الإله بهاجوان الهندوسي، وحل محله الله.» # 154 # أما في سياق أمريكا الشمالية، فقد كان محمد رحيم ms263 باوا محيي الدين (المتوفى عام ~~1986) واحدا من أهم الصوفيين الرياديين، # 155 # فبعد أن انتقل إلى الولايات المتحدة من موطنه سريلانكا عام 1971، جذب ~~إلى خلوته الريفية التي أسسها خارج فيلادلفيا أتباعا كانوا في الأساس من البيض ~~المنتمين للطبقة الوسطى، واستخدم النمط الجذاب الرائج المتمثل في نمط الحياة ~~النباتي، وتسجيل ألبوم لصالح شركة فوكواي ريكوردز للتسجيلات، وتقديم نفسه في صورة ~~معلم روحاني - كما في الهندوسية - تصادف أنه مسلم. وفي أول أعماله بالإنجليزية ~~«الحكمة الإلهية المضيئة المبددة للظلام»، المنشور في الولايات المتحدة عام ~~1972، جمع بين التعاليم الإسلامية والروحانية المقتبسة عن الهندوسية التي كانت ~~رائجة في الثقافة المضادة الأمريكية. # 156 # إلا أنه حتى هذه الصوفية الريادية ذات الحراك العالمي كانت خاضعة ~~للعولمة أيضا، ومع مرور الوقت اكتسبت فيلادلفيا سكانا من المهاجرين المسلمين، ~~الذين شجعوا محيي الدين على إبراز الجوانب الإسلامية الأكثر رسمية في تعاليمه، ~~وفي عام 1984 انضم المتحولون إلى الصوفية الذين كانوا بين صفوف أتباعه القدماء ~~المولودين في أمريكا إلى المهاجرين المسلمين المستجدين، وأسسوا مسجدا ~~لمجتمع المسلمين في فيلادلفيا، الذي أصبح في ذلك الوقت مجتمعا كبيرا. ومنذ ~~ستينيات القرن العشرين اكتسب الكثير من هؤلاء الصوفيين الرياديين أتباعا من كل ~~أنحاء الولايات المتحدة، ووصفت دراسة حديثة ثلثي المؤسسات الصوفية البارزة ~~بالنشطة هناك، وكان يقود معظم هذه المؤسسات قادة صوفيون مهاجرون، لكن بعضها ~~كان يقوده متحولون إلى الإسلام ينتمون إلى نمط «الصوفيين المندمجين» الذي ~~سنتطرق إليه الآن. # 157 # أما النمط الأخير للتوسع الصوفي في أوروبا وأمريكا الشمالية، فيتمثل في ~~«الصوفيين المندمجين». بوجه عام، نشأ هؤلاء في البلاد الغربية (سواء لعائلات مسلمة ~~أو غير مسلمة) وجذبوا أتباعا كانوا مثلهم، إما متحولين إلى الإسلام أو مسلمين ~~تربوا في بلاد غربية، وفي بعض الحالات كان القادة الصوفيون المندمجون هؤلاء ~~هم أنفسهم من المتحولين إلى الإسلام؛ ونظرا لأن الكثير من هؤلاء الصوفيين كانوا ~~أكثر تأثرا من غيرهم من الحركات الصوفية بالتركيز على «الروحانية» و«الباطنية» ~~في أعقاب ستينيات القرن العشرين، فقد تطرف العديد منهم لدرجة فصل الصوفية ~~تماما عن إطارها ms264 الإسلامي، مع استمرار الاعتماد على سمات معينة من التقليد ~~الصوفي. # 158 # وبينما يمكن على هذا النحو أن يزعم الصوفيون المهاجرون والرياديون ~~في عصر العولمة أنهم لم يتخلوا تماما عن التقليد الصوفي؛ فإن الصوفية ~~المندمجة المنسلخة عن الإسلام تمثل بوضوح ردا جديدا على انتقائية السوق ~~الدينية العالمية. ويعد إدريس شاه (1924-1996) أقدم الأمثلة وأكثرها إبهارا ~~في هذا الإطار؛ حيث تربى في إنجلترا بعد أن ولد لأم اسكتلندية وأب هندي من ~~أصل أفغاني، وبعد نشره كتابا عن السحر بعنوان «سحر الشرق» في عام 1956، وكتاب ~~رحلات إلى مكة كانت شخصيته فيه تشبه كثيرا شخصية البريطاني الاستعماري ~~المتعجرف؛ أصبح في أوائل الستينيات سكرتيرا لجيرالد جاردنر؛ متعهد سحر ~~الوثنية الجديدة. # 159 # ومع انصراف حماس الحركة الهيبية عن الامتزاج بالثقافة المغربية ~~والهندية وتحوله إلى الأديان الشرقية، اعتمد إدريس شاه على خلفيته الأسرية، ~~ليعيد تقديم نفسه كوريث لسلالة قديمة من الأرستقراطيين والشيوخ الصوفيين ~~الأفغان، تعود إلى ماضي بلاد فارس القديم. ومن خلال أخذ أجزاء سهلة الفهم من ~~المعتقدات الموجودة في الأعمال الصوفية الكلاسيكية وتحويلها إلى كتيبات حققت ~~أعلى مبيعات، ومن خلال جذب مساعدين طليعيين مثل الروائية دوريس ليسينج والشاعر ~~روبرت جريفز؛ اكتسب إدريس شاه في نهاية ستينيات القرن العشرين نطاقا كبيرا من ~~الأتباع، بالإضافة إلى قاعدة مؤسسية عن طريق إنشاء دار نشر، وكذلك مؤسسة خيرية ~~سماها معهد الأبحاث الثقافية. وعلى الرغم من الانتقادات الواسعة التي طالت إدريس ~~شاه، فقد كان - نظرا لبراعته في الترويج لنفسه - مسئولا أكثر من غيره عن زيادة ~~وعي الغرب بالصوفية (وإن لم يكن دائما زيادة فهم الغربيين لها). وبالاعتماد على ~~الطرق الاستعمارية والعولمة، نجد على الأقل في العالم الناطق باللغة الإنجليزية أن ~~الصوفيين الذين لديهم أصول عائلية في مناطق كانت واقعة تحت الحكم البريطاني، هم ~~من استطاعوا في كثير من الحالات تكوين شبكات في الغرب، كما حدث مع إدريس شاه، ~~وينطبق ذلك بصفة خاصة على الصوفيين الذين تربطهم علاقات بالأراضي الهندية التي ~~كانت واقعة تحت الاستعمار، سواء إدريس شاه أو سلالة عنايت خان ms265 (1882-1927) الذي ~~رأيناه سابقا في هذا الفصل ينتقل من الهند إلى بريطانيا ثم إلى أمريكا. وعلى الرغم ~~من أن سيرة عنايت خان بصفته مهاجرا صوفيا يعظ الجماهير الغربية تماثل ~~سير الصوفيين الرياديين في الغرب، ففي الأجيال التالية لموته انتقل التراث ~~الذي خلفه إلى أستراليا على يد الصوفيين المندمجين. وبحلول التسعينيات كان ~~ورثة عنايت خان هؤلاء، الذين كانوا من أصل أوروبي لا من أصل آسيوي، قد ~~عدلوا تعاليم شيخهم الهندي الراحل لتناسب أعراف مجتمعهم، وأكدوا على ~~العفوية والمساواة والنسوية، لدرجة سببت توترات مع نسل عنايت خان، الذين ~~زعموا أيضا أنهم ورثته الروحانيون. # 160 # وهكذا يتضح أن الصوفية المندمجة، التي ظهرت نتيجة لقاء الصوفية ~~بالسوق الدينية المعتمدة على العولمة في أواخر القرن العشرين، اختبرت مبادئ ~~النظام والانضباط الأساسية التي مثلت الأساس التنظيمي للتقليد الصوفي على مدار ~~قرون. # إلا أن العولمة لم تقدم مسارا واحدا للتطور الديني؛ فلقد أتاحت أيضا ~~فرصا جديدة لوصول تعاليم الصوفيين إلى جماهير جديدة بلغات جديدة، سواء من خلال ~~ترجمة تعاليم أعمدة التقليد - أمثال الرومي وابن عربي - إلى اللغات الغربية، أو ~~من خلال تأليف أعمال صوفية جديدة تماما بهذه اللغات. وأسهمت كل الجماعات ~~الصوفية العاملة في الغرب في تكوين تراث صوفي ثري باللغات الأوروبية، وساعدت ~~في جعل اللغة الإنجليزية بصفة خاصة لغة الإسلام العالمي، إلا أن الصوفيين ~~المندمجين، أمثال إدريس شاه، والصوفي الإنجليزي المقيم في كاليفورنيا لويلين فون لي ~~(1953-...)، كانوا هم الأكثر كفاءة في دخول سوق النشر التجاري. # 161 # وإذا كان يمكن القول إن تلك الكتابات تمثل محاولة للاستيلاء على ~~التقليد أكثر مما تمثل سعيا لاستمراريته، فإن عملية تكوين التقليد التي ~~رأيناها على مدار القرون المنصرمة كانت أيضا في بعض الأوقات عملية استيلاء ~~وإعادة بناء، بل كانت أيضا ابتكارا. وأيا كان تقييمنا لكتابات الصوفيين ~~المندمجين الغربيين هؤلاء، فإنها الآن تعد قنوات مبدئية مهمة لكثير من ~~المواطنين العالميين الساعين إلى استكشاف تراث الصوفية الثري. # ملخص # وسط الانهيار المدوي للقوة الإسلامية في العصر الاستعماري، وجدت جماعات صوفية ~~كثيرة، من غرب أفريقيا ms266 حتى آسيا الوسطى والهند، نفسها في مواجهة التوسع الأوروبي؛ ~~لذا استفادت من ولاء الأتباع والتنظيم اللوجستي المميزين للطرق الصوفية، لتكوين ~~أنواع من المعارضة المسلحة للغزو الاستعماري في بعض الأوقات. وعلى الرغم من ذلك، ~~في أغلب الأحيان كان قادة المقاومة الصوفية هذه شخصيات ليس لديها سلطة كبيرة. ومثلما ~~كان الصوفيون مرتبطين بالدول الحاكمة من خلال مفاوضاتهم السابقة مع الإمبراطوريات ~~الإسلامية في عصر ما قبل الاستعمار، كان أعضاء المؤسسة الصوفية في كثير من المناطق ~~أكثر استعدادا لإيجاد وسيلة توافق مع حكامهم الاستعماريين الجدد، على الرغم ~~من أن بعض الحكام الاستعماريين (لا سيما الفرنسيين والروس) قد أبدوا عدم الثقة ~~في الطرق الصوفية؛ ولذلك تمكن الصوفيون، في كثير من البيئات الاستعمارية وأيضا في ~~المناطق المستقلة مثل إيران والإمبراطورية العثمانية، من الحفاظ على روابطهم مع ~~الحكام الاستعماريين وتوسيعها في بعض الحالات، ليدخلوا القرن العشرين في زمرة ~~المؤسسات الإسلامية القليلة المنتمية لعصر ما قبل الحداثة، التي نجت من الاستعمار ~~دون أن يمسها أذى على نحو كبير. وسواء أكانت هذه التحالفات مع الطبقات الحاكمة ~~تتم في ظل حكم إسلامي أو حكم أوروبي، فقد كانت في النهاية تحقق نتائج عكسية، ~~ومنذ أواخر القرن التاسع عشر جعلت سياسات الإصلاح الإسلامي المعارضة هذه المؤسسة ~~الصوفية هدفا طبيعيا للانتقاد، وفي الوقت نفسه، تعرضت مكانة الصوفيين للتهميش ~~على يد مزاعم المرجعية الدينية من قبل مؤسسات جديدة وأفراد جدد رافضين للتقليد ~~الصوفي، ونموذجيه البركة والسلطة المتوارثين. وكثير من هؤلاء القادة الإسلاميين ~~الجدد انتموا لمهن الطبقة الوسطى الجديدة، مثل التدريس في المدارس أو الصحافة أو ~~الطب، وهذه المجموعة المتنوعة من الإصلاحيين والحداثيين رفضت الصوفية؛ لأنها مثال ~~للتقليدية المتدنية، التي سمحت باستعمار المسلمين؛ ومن ثم وضعوا الصوفية بداية ~~من أوائل القرن العشرين تحت الهجوم الأكثر استمرارية ونجاحا في تاريخها. # وعلى الرغم من توقعات الباحثين في منتصف القرن العشرين باختفاء الصوفية سريعا في ~~ظل موجة أشكال الإسلام الأكثر «حداثة» هذه، فمن خلال سلسلة من التكيفات مع ~~التقنيات والمجتمعات السكانية الجديدة في القرن العشرين، نجت الصوفية من ms267 هجوم ~~منتقديها، حتى وإن فقدت عددا هائلا من أتباعها في هذه العملية. أما في بيئات ~~العولمة في القرن الحادي والعشرين، فما يربط كل الحركات الصوفية النشطة الآن في ~~أوروبا وأمريكا الشمالية، بالإضافة إلى المناطق الإسلامية القديمة، هو استخدامها ~~الفعال للتقنيات الحديثة والأنماط التنظيمية الجديدة لنشر رسالتها؛ ففي مدن المغرب، ~~يقابل الشيوخ الصوفيون مريديهم في أغلب الأحيان في أماكن أكثر شبها بقاعات ~~المؤتمرات، التي تعقد فيها ندوات عالم الأعمال، منها بالتجمعات الطقسية التي كانت ~~تميز الفترات القديمة، في حين أصبح من الأرجح أن تجد تجمعات طقوس الموسيقى ~~والغناء الصوفيين في لوس أنجلوس وليس في شيراز. وفي بيئة تتأثر بالعولمة على ~~نحو متزايد، تتضاءل جدوى فكرة التفريق بين صوفية العالم «الغربي» وصوفية العالم ~~«الإسلامي»؛ فنظرا لأن الطريقة الحقانية النقشبندية الخاصة بالشيخ ناظم القبرصي ~~وحركة القائد الروحاني التركي فتح الله جولن، تعملان بصفتهما مشاريع متجاوزة ~~للقوميات في جوهرها، فإنه توجد دلائل كثيرة على أن الصوفية سوف تحتفظ بحصة معقولة ~~في السوق الدينية العالمية. وإذا كانت حركات الإصلاح الإسلامي المناهضة للصوفية في ~~القرن العشرين قد جعلت ورثة التقليد الصوفي لا يقدمون دائما أنفسهم على نحو ~~رسمي في الوقت الحاضر باعتبارهم «صوفيين»، فإن إعادة استيعاب هذه الصوفية غير ~~المميزة في تصور أكبر للإسلام في العموم، تمثل من جوانب كثيرة عودة إلى ~~الفكرة القديمة المتمثلة في كون التقليد الصوفي جزءا لا يتجزأ من دين ~~الإسلام. # شكل 4-5: الغناء مدحا في الأولياء: مداحون يستخدمون تقليد القوالي ~~الموسيقي في الهند (تصوير: نايل جرين). # على الرغم من فترات توقف نقل التقليد التي تسببت فيها الحداثة، وعلى الرغم من ~~توجهات الدمج الرائجة في السوق الدينية العالمية، فمن خلال التأكيد على مرجعية ~~الشيوخ القدماء وتعاليمهم التي أورثوها عبر العصور، يعد كثير من الصوفيين في ~~العالم في الوقت الحاضر الحملة الحقيقيين لتقليد تكون من ذكرى وتراث ~~الصوفيين الأوائل في بغداد. وفي حين يقدم بعض الصوفيين «الرياديين» أو ~~«المندمجين» نسخا من التقليد مبتكرة أو مستولى عليها على نحو واضح للغاية، ~~فإنهم ما زالوا ms268 يعتمدون على منطق التقليد ليربطوا أنفسهم بأقوال وممارسات الشيوخ ~~الصوفيين القدماء. وعلى الرغم من أنه يوجد بلا شك أكثر من شكل متاح من الإسلام ~~ليختار من بينها المسلمون، وأن المؤسسة الصوفية القديمة لا توجد بين هذه الأشكال إلا ~~في صورة متضائلة للغاية، فإنه بالنسبة إلى ملايين كثيرة من المسلمين ما زالت تعاليم ~~الصوفية تنير الطريق إلى التناغم مع الإله الذي خلقهم. وفي حين تغيرت السياقات ~~الاجتماعية للصوفية جذريا على مدار تاريخها الذي يزيد قليلا عن ألف سنة، فإن ~~الصوفية كتقليد ظلت متماسكة عن طريق روابط النصوص والمصطلحات، والأنساب والشيوخ، ~~والطقوس والعهود التي من خلالها تعهد الصوفيون الأحياء في كل جيل بالالتزام ~~بالأخلاقيات والممارسات والمعتقدات التي يحافظون عليها بوصفها المعتقد السري ~~للنبي. ونظرا لأن هذا الكتاب عمل تاريخي يعتمد فقط على الأدلة المكتوبة والآثار ~~المعمارية، فقد افتقر بلا شك إلى التطرق للتجربة الشخصية التي يعيشها الصوفيون، ~~والنشوة التي يشعرون بها، اللتين تمثلان شريان التقليد بالنسبة إليهم. إلا أن ~~الكلمات والأماكن التي تناولناها هنا لم تكن مجرد الوسائل الثقافية التي ربطت ~~الصوفيين بالعالم من حولهم؛ فقد كانت أيضا أدوات التقليد التي سمحت لهم بتجاوزه. ~~وإذا كنا لم نستطع تتبعهم في أفعال التسامي تلك، فهذا بسبب أننا قرأنا أعمالهم ~~بطريقة مادية لا بطريقة تأملية، فعندما طالعنا النصوص العديدة المنتمية إلى ~~فترات متعددة، وقعنا في خطر عدم التطرق إلى الفعل الأول الذي انطلق من خلاله ~~الصوفيون في عمليات صعودهم وتساميهم، وهو: تأمل حرف الباء في البسملة (بسم الله)، ~~التي تمثل الكلمة الافتتاحية في القرآن، وإذا كانت النقطة الموجودة تحت حرف الباء ~~هنا تمثل للصوفيين إشارة تتجاوز التاريخ لتدل على التفرد الكوني الذي تبدأ ~~وتنتهي فيه كل الأشياء، فإن ما تناولناه في هذه الصفحات هو القصة المتعددة ~~الأوجه والبشرية للغاية للصوفيين في العالم. # | مسرد المصطلحات الصوفية # آداب: # قواعد السلوك الرسمية للحياة الصوفية. # الإنسان الكامل: # معتقد عن الولي الكامل الذي يمتلك معرفة كاملة عن الله. # أولياء: # الشيوخ الصوفيون البارزون المبجلون وهم أحياء أو أموات. # باطن: # البعد ms269 الخفي أو غير المرئي من الحياة. # بدعة: # فعل أو معتقد ليس له سند في «السنة» (انظر «السنة»). # برزخ: # الشخص أو نقطة الوجود التي يلتقي فيها العالم الإلهي بالعالم ~~البشري. # البركة: # قوة الأولياء المقدسة. # البقاء: # تجربة الوجود المطلق بعد «الفناء» (انظر «الفناء»). # بيعة: # عهد بالولاء للشيخ الصوفي. # تجديد: # الإحياء الدوري للإسلام كل قرن وكل ألفية بصفة خاصة. # تذكرة: # سيرة لأحد الأولياء. # تصوف: # أن يصبح المرء صوفيا، أن يلبس المرء الصوف، الصوفية. # تفسير: # أحد تأويلات القرآن. # تكية: # مسكن صوفي. # توحيد: # معتقد يرى أن الله واحد غير قابل للانقسام. # حال (الجمع: أحوال): # تجربة تصوفية. # الحديث: # الروايات الشفهية عن أقوال النبي محمد وأفعاله. # خانقاه: # مأوى وسكن صوفي (عادة في إيران وآسيا الوسطى والهند). # خرقة: # عباءة صوفية طقسية، ذات لون أو تصميم مميز غالبا. # خلوة: # ممارسة الانعزال عن العالم. # خليفة: # نائب يعينه الشيخ الصوفي له. # ذكر: # طقس الإنشاد الصوفي. # ذوق: # التجربة الروحانية المباشرة. # رباط: # مسكن محصن للزهاد المحاربين أو للتجار في شمال أفريقيا والأندلس، ~~وأصبح لاحقا مصطلحا دالا على المسكن الصوفي. # رسالة: # كتاب قصير أو أطروحة. # روح: # ذات عليا. # زاهد (الجمع: زهاد): # ناسك، ممارس «الزهد» (انظر «زهد»). # زاوية: # مكان إيواء وسكن الصوفيين (عادة في شمال أفريقيا وأفريقيا جنوب ~~الصحراء الكبرى). # زهد: # إنكار صارم للذات، وكبح الجسد. # زيارة: # الحج إلى أحد الأضرحة الصوفية. # سلسلة: # تسلسل نسب طريقة صوفية أو سلالة ملكية. # سماع: # ممارسة صوفية تتمثل في الاستماع إلى الموسيقى أو الشعر ~~المغنى. # السنة: # مجموعة الروايات التي تصف حياة النبي محمد. # سيد: # سليل آل النبي محمد. # الشريعة: # القانون الإسلامي المصاغ من تفسيرات القرآن والحديث (انظر «القرآن» ~~و«الحديث»). # شطح: # العبارات الحماسية أو حتى المهرطقة التي يطلقها الصوفي أثناء الحال ~~(انظر «حال»). # شيخ: # لقب لاحترام المرشد الصوفي. # طبقات: # مراتب النخبة الروحانية أو أجيال الصوفيين المسرودة في نصوص ~~السير. # طريقة (الجمع: طرق): # الطريق الصوفي، والطائفة الصوفية. # ظاهر: # البعد الواضح أو المرئي من الحياة. # عرس: # ذكرى وفاة أحد الأولياء. # عقدة: # رابطة الولاء بين شيخ صوفي وأحد مريديه، التي تتم عن طريق ms270 ~~القسم. # علماء: # ممثلو الشريعة وغيرها من تقاليد العرف الإسلامي. # فقير: # زاهد، صوفي. # الفناء: # تجربة تلاشي الهوية الشخصية. # القرآن: # الكتاب المقدس للمسلمين الذي أوحي به إلى النبي محمد. # قطب: # ولي يمثل محور الكون بأكمله، ويوجد على قمة هرمية «الأولياء» ~~(انظر «أولياء»). # قلندر (كلمة فارسية): # صعلوك صوفي متنقل. # كتاب: # نص مكتوب بالعربية أو بغيرها من اللغات الإسلامية. # كرامة: # معجزة يقوم بها ولي صوفي. # مثنوي: # قصيدة تقوم على نظم مزدوج مقفى، مكتوبة بالفارسية بصفة ~~خاصة. # مدرسة: # مكان لدراسة العلوم الإسلامية. # مرشد: # شيخ صوفي. # مريد: # تابع لشيخ صوفي. # مقام (الجمع: مقامات): # محطة على الطريق الروحاني الموصل إلى الله. # ملفوظات: # كتاب عن التعاليم الشفهية لشيخ صوفي. # نفس: # ذات دنيا. # نور (الجمع: أنوار): # ضوء، لا سيما نور الله. # وحدة الوجود: # معتقد وضعه ابن عربي (المتوفى عام 1240). # ولاية: # معتقد قداسة الولي. # ولي (الجمع: أولياء): # شيخ صوفي. # | ملاحظات # مقدمة # الفصل الأول: الأصول والأسس والمنافسون (850-1100) # الفصل الثاني: إسلام الأولياء والطرق (1100-1400) # الفصل الثالث: الإمبراطوريات والحدود والمجددون (1400-1800) # الفصل الرابع: من الاستعمار إلى العولمة (1800-2000) # | قراءات إضافية # التاريخ الصوفي المبكر # Julian Baldick, # Mystical ~~Islam ~~(London: I.B. Tauris, 1989). # Ahmet Karamustafa, # Sufism: The ~~Formative Period ~~(Berkeley: University of California Press, 2007). # التاريخ الصوفي في العصور الوسطى وأوائل العصر الحديث # Vincent Cornell, # Realm of the ~~Saint: Power and Authority in Moroccan Mysticism ~~(Austin: ~~University of Texas Press, 1999). # Carl W. Ernst, # Eternal Garden: ~~Mysticism, History, and Politics at a South Asian Sufi ~~Center ~~(Albany: State University of New York Press, ~~1992). # التاريخ الصوفي الحديث # Arthur F. Buehler, # Sufi Heirs of ~~the Prophet: The Indian Naqshbandiyya and the Rise of the Mediating ~~Sufi Shaykh ~~(Columbia: University of South Carolina Press, 1998). # Itzchak Weismann, # Taste of Modernity: Sufism, ~~Salafiyya, and Arabism in Late Ottoman Damascus ~~(Leiden: E.J. ~~Brill, 2001). # الصوفية المعاصرة # Martin van Bruinessen & Julia Day Howell (eds), # Sufism and the “Modern” in Islam ~~(London: I.B. Tauris, 2007). Pnina Werbner & Helen Basu (eds), # Embodying Charisma: Modernity, Locality and the Performance ms271 of Emotion in Sufi Cults. ~~(London: Routledge, ~~1998). # الصوفيون في الغرب # Jamal Malik & John Hinnells (eds), # Sufism in the West ~~(New York: Routledge, ~~2006). Pnina Werbner, Pilgrims of Love: ~~The Anthropology of a Global Sufi Cult ~~(London: Hurst ~~& Co., 2003). # الطرق الصوفية # J.M. Abun-Nasr, # Muslim Communities ~~of Grace: The Sufi Brotherhoods in Islamic Religious ~~Life. ~~(New York: Columbia University Press, ~~2007). # Carl W. Ernst & Bruce B. Lawrence, # Sufi Martyrs of Love: The Chishti Order in South Asia ~~and Beyond ~~(New York: Palgrave Macmillan, ~~2002). # العقيدة الصوفية # William C. Chittick, # The Sufi Path ~~of Knowledge ~~(Albany: State University of New York Press, ~~1989). # Henry Corbin, # Creative Imagination in ~~the Sūfism of Ibn al-'Arabī ~~(Princeton: Princeton ~~University Press, 1969). # كتابات نقدية مناهضة للصوفية # F. de Jong & Bernd Radtke (eds), # Islamic Mysticism Contested: 13 Centuries of ~~Controversies and Polemics ~~(Leiden: E.J. Brill, ~~1998). # Elizabeth Sirriyeh, # Sufis and ~~Anti-Sufis: The Defence, Rethinking and Rejection of Sufism in the ~~Modern World ~~(Richmond: Curzon Press, ~~1999). # الشعر الصوفي # Franklin D. Lewis, # Rumi: Past and Present, East and West ~~(Oxford: Oneworld, ~~2000). # Annemarie Schimmel, # As Through a ~~Veil: Mystical Poetry in Islam ~~(New York: Columbia ~~University Press, 1982). # الموسيقى والفنون الصوفية # Regula Burckhardt Qureshi, # Sufi Music ~~of India and Pakistan ~~(Cambridge: Cambridge University Press, 1986). # Raymond Lifchez (ed.), # The Dervish ~~Lodge: Architecture, Art, and Sufism in Ottoman Turkey ~~(Berkeley: University of California Press, 1992). ms272