######OpenITI# #META# URI: 1450SafiyaMukhtar.UsusThaqafiyyaLiUmam.Hindawi26080506 #META# Tags: history :: social.sciences #META# ID: 26080506 #META# Title: الأسس الثقافية للأمم: الهرمية والعهد والجمهورية #META# AuthorID: 27461913 #META# Author: أنتوني دي سميث #META# EditorID: 75847252 :: 86352036 #META# Editor: سارة عادل :: هبة عبد المولى أحمد #META# TranslatorID: 25135729 #META# Translator: صفية مختار #META# Related_books: 1437AnthonyDavidSmith.EthnicOriginsOfNations (TRANSL) #META#Header#End# # ثناء على الكتاب‏ # نبذة عن الكتاب‏ # تمهيد‏ # مقدمة: الجدل النظري‏ # 1 - مفهوم الأمة وأشكالها المتنوعة‏ # 2 - الجذور العرقية والدينية‏ # 3 - المجتمع في العصور القديمة‏ # 4 - الأمم الهرمية‏ # 5 - الأمم العهدية‏ # 6 - الأمم الجمهورية‏ # 7 - مصائر بديلة‏ # الخاتمة‏ # الملاحظات‏ # المراجع‏ # ثناء على الكتاب‏ # نبذة عن الكتاب‏ # تمهيد‏ # مقدمة: الجدل النظري‏ # 1 - مفهوم الأمة وأشكالها المتنوعة‏ # 2 - الجذور العرقية والدينية‏ # 3 - المجتمع في العصور القديمة‏ # 4 - الأمم الهرمية‏ # 5 - الأمم العهدية‏ # 6 - الأمم الجمهورية‏ # 7 - مصائر بديلة‏ # الخاتمة‏ # الملاحظات‏ # المراجع‏ # | الأسس الثقافية للأمم # | الأسس الثقافية للأمم # | الهرمية والعهد ~~والجمهورية # تأليف # أنتوني دي سميث # ترجمة # صفية مختار # مراجعة # سارة عادل # هبة عبد المولى أحمد # | ثناء على الكتاب # يظل أنتوني سميث الباحث صاحب الريادة في مجال القومية. في هذا الكتاب المهم، يلقي ~~ضوءا جديدا على تقاليد الأمة خلال فترة ما قبل العصر الحديث؛ ويقدم تأريخا جديدا ~~لظهور القومية. # جون هتشينسون، كلية لندن للاقتصاد # مرة أخرى يثبت سميث أنه عميد الدراسات القومية. في هذا الكتاب - المكتوب بنحو ~~يعكس معرفته الواسعة وبأسلوب واضح، وهما أمران معتادان منه - يكشف عن مجموعة الأشكال ~~المختلفة التي كانت تتخذها القومية عبر العصور. إن هذا الاستقصاء الذي يحدد «متى ~~تكونت» و«كيف تشكلت» الأمم لهو عرض قوي لعلم الاجتماع التاريخي في أفضل ~~صوره. # جون ستون، جامعة بوسطن # عمل فكري رائع، جريء ومثير ودقيق الحجة. يحدد سميث أنواعا تاريخية مختلفة من ~~الأمم، وثقافات عامة مميزة، نشأت منذ العصور القديمة وحتى عصر العولمة، ويستعرض تراث ~~الهرمية والعهد والجمهورية على الأمم المعاصرة، ويقدم تحليلا شائقا عن القوميات ~~كأنواع من الدين العلماني للناس تطورت بالتوازي مع الأديان التقليدية أو بنحو ~~مناهض لها. # مونسيرات جيبيرناو، كلية كوين ماري كوليدج، جامعة لندن # حدث تطور مهم بنشر هذا الكتاب الذي بين يديك؛ لقد دعم سميث وعمق على نحو كبير ~~فهمنا للأمم وللقومية من خلال تحليل تاريخي لثلاثة أنماط من العلاقات الاجتماعية - ~~الهرمية، والعهد، والجمهورية - يقر حقا الاستقلالية النسبية للثقافة. لقد أجرى ~~التحليل باختلاف واسع النطاق وتاريخي على نحو مثير ms001 للإعجاب. إنه تحليل قوي لا ~~يقتصر فحسب على السماح على نحو مناسب بالعديد من الأمور الغامضة والمعقدة، بل يرحب ~~بها أيضا كما يجب أن يكون أي استقصاء جاد عن الأمم. بنشر هذا الكتاب أصبح كل ~~الباحثين في مجال الأمم والقومية يدينون بالشكر لأنتوني سميث مرة أخرى، لكن بقدر أكبر ~~من أي وقت مضى. # ستيفين جروسبي، جامعة كليمسون، مؤلف كتاب «القومية: مقدمة قصيرة ~~جدا» # تخليدا لذكرى جدتي # عند قبول التراث فإنه يصبح لمن يقبلونه على القدر نفسه من الوضوح والأهمية كأي جزء ~~آخر من أفعالهم ومعتقداتهم. إنه الماضي في حاضرهم، لكنه جزء من حاضرهم لا يعدوه أي ~~ابتكار آخر مهما بلغ من الحداثة. # إدوارد شيلز # يختص النوع الثاني (من الدين) بدولة واحدة فقط؛ فيمنح تلك الدولة الرعاة والآلهة ~~الحارسة الخاصة بها. وينص القانون على عقائدها، وطقوسها، وعباداتها الظاهرية، ويعتبر ~~كل شيء خارج الأمة الواحدة التي تتبعه كافرا، وغريبا، وبربريا، ولا تتجاوز حقوق ~~الإنسان وواجباته مذابح معابدها. # جان جاك روسو # تمنى الرب أن تكون الأمم كيانات فردية مستقلة، كما البشر، كي تكون وسيلة ~~للتأثير على الجنس البشري كله، ولتحقيق التناغم الضروري في العالم. # كاجيميرش برودجينيسكي # | نبذة عن الكتاب # متى تنشأ الأمة؟ لقد شغلت الباحثين مؤخرا مسألة التحقيب الزمني لتاريخ الأمم والقومية ~~منذ أن أثارها ووكر كونور عام 1990، وذلك بما تعنيه هذه المسألة من تقسيم هذا التاريخ إلى ~~فترات واضحة ومحددة. وقد خلص إلى أن فكرة أنه من غير الوارد أن تكون الأمم الحديثة قد ~~نشأت في وقت سابق على أواخر القرن التاسع عشر؛ تتجاوز الرؤية الحداثية التقليدية التي ترى ~~أن الأمم والقومية ظهرت مع الثورة الفرنسية والثورة الأمريكية. إن هذا الاستنتاج يأخذ ذلك ~~الافتراض، الذي يؤمن فيه عديد من الباحثين في أن الأمم والقوميات ظواهر سياسية ذات ثقافات ~~جماهيرية موحدة، إلى ذروته القصوى؛ ومن ثم لا يمكننا الحديث عن الأمم والقومية إلا ~~بداية من ظهور الحداثة - أيا كان تعريفها. وهذه الافتراضات فقط هي ما يعزم هذا الكتاب ~~تفنيدها، وسيفند معها منظومة الفكر ms002 الحداثي بأكملها. # في كتاب «الأصول العرقية للأمم»، أوضحت أسباب اعتبار أن الأمم الحديثة تكونت، في ~~الغالب، على أساس روابط عرقية وتوجهات موجودة من قبل. وعلى الرغم من أن وجهة النظر تلك ~~تنطبق على عدد كبير من الحالات، فإن ثمة أمثلة كافية لحالات لعبت فيها العرقية دورا ~~ثانويا، أو لاحقا، في نشأة الأمم الحديثة. كانت الروابط العرقية ذات أهمية مؤكدة في ~~فترات مختلفة، مثل الشرق الأدنى القديم وفجر أوروبا الحديثة، لكن الأشكال السياسية الأخرى ~~للمجتمع الجمعي، والهوية الجمعية مثل الدول المدن، والاتحاد القبلي، وحتى الإمبراطورية؛ ~~أسهمت في تكوين الأمم. # لعل الأهم من ذلك أنها تركت علامة أيضا على السمات اللاحقة للأمم والقوميات، وهذا يقدم ~~حلا للمشكلة الأولى المتمثلة في التحقيب الزمني للتاريخ؛ فبدلا من تحديد تاريخ واحد أو ~~فترة واحدة للنشأة، تظهر أشكال تاريخية مختلفة للتصنيف التحليلي للأمم في فترات متعاقبة، ~~تبين كل منها أنواعا مختلفة من الثقافات العامة المميزة، وتلك الثقافات بدورها ~~متأثرة بقوة بأحد التقاليد الحضارية الأساسية الثلاثة في العصور القديمة المتمثلة في ~~الهرمية والعهد والجمهورية المدنية. من خلال نموذج روما والإمبراطوريات والجمهوريات المدنية ~~التي خلفتها، وكذلك من خلال المعتقدات والممارسات اليهودية والمسيحية، ظلت تلك التقاليد ~~الثقافية محكمة قبضتها على الطبقات الأوروبية المتعلمة من إنجلترا إلى روسيا، ومن ~~السويد إلى إسبانيا. # نتيجة لذلك، فإن المسائل المتعلقة بالتسلسل الزمني لنشأة الأمم هي أيضا في حقيقة الأمر ~~موضوعات متعلقة بالأسس الثقافية للأمم، وب «تكون» الأمة و«تحديد تاريخ تكونها». إلا أن ~~هذا أيضا يثير موضوع التعريف وموضوع التصور النظري؛ من ثم، يبدأ هذا الكتاب بمناقشات ~~عن الخلفية النظرية، وتعريفات المفاهيم، والعمليات الاجتماعية والرمزية الأساسية، والموارد ~~الثقافية لتكوين الأمم واستمراريتها. أما في بقية الكتاب، فتتوغل المناقشات في علم الاجتماع ~~التاريخي للأمم والقومية في العالم القديم، والعصور الوسطى في أوروبا، وأوائل العصور ~~الحديثة، والعصور الحديثة، ويختتم بنقاش عن المصائر البديلة التي تواجه الأمم المعاصرة ~~نتيجة لشخصياتها المتعددة الجوانب في الغالب. ~~(1) خطة الكتاب # المقدمة: # توضح المشاكل الأولية المتمثلة في «تأريخ الأمة» في أعقاب مناقشات ووكر ms003 ~~كونور، والنماذج النظرية الأساسية - الحداثة، وفلسفة الحكمة الخالدة، ~~والبدائية - التي سيطرت على مجال دراسات القومية ويمكنها أن تسلط الضوء ~~على مسألة التحقيب الزمني لتاريخ الأمم. # الفصل الأول: # هنا أحلل مشاكل التصور الحداثي للأمة، وأوضح كيف أنه مقتصر على ~~نحو مناسب على التعامل مع جزء واحد فقط من المجال، ألا وهو «الأمة ~~الحديثة». ومن الضروري وجود تصور أشمل للأمة؛ تصور يميز بين الأمة ~~باعتبارها فئة تحليل عامة وبين الإحصاء الوصفي للأنماط التاريخية للأمم. ~~ومن خلال تعريف الأمة بطريقة مثالية نموذجية يصبح من الممكن الربط بين ~~مجموعة من الأنماط التاريخية للأمم في فترات مختلفة؛ ومن ثم نتجنب ~~القيود التعسفية للمنظور الحداثي ونعزز فهمنا للأمم بوصفها موارد ~~ثقافية ومجتمعات محسوسة. # الفصل الثاني: # قبل الاستطراد في بحث لعلم الاجتماع التاريخي للأمم، نحتاج إلى استكشاف ~~العوامل الأساسية لتكوين الأمم واستمراريتها. أفضل طريقة لرؤية الأمم هي ~~رؤيتها من منظور الأنواع السالفة للهويات الثقافية والسياسية الجمعية مثل ~~الدول المدن، والإمبراطوريات، والاتحادات القبلية، وفوق ذلك كله، ~~الجماعات العرقية والعرقية الدينية. إلا أنه مع تطور عمليات اجتماعية ~~ورمزية أساسية مثل تعريف الذات، وغرس الرموز، والأقلمة، ونشر الثقافة ~~العامة، وتوحيد القوانين والأعراف بحيث تتمكن الجماعات من الاقتراب من ~~النموذج المثالي للأمة، وفقط من خلال موارد ثقافية معينة مثل أساطير الشعوب ~~المختارة، وذكريات العصور الذهبية، ومثل الواجب والتضحية؛ يصبح الاحتمال ~~قائما في أن تستمر الجماعات على مر الزمان. # الفصل الثالث: # يجب أن يبدأ بحث علم الاجتماع التاريخي للأمم بالشرق الأدنى القديم. على ~~الرغم من عدم وجود أمثلة للأمم، فإن العالم القديم كان يتميز بوجود الفئات ~~والجماعات العرقية على نطاق واسع. وكانت العرقية متداخلة مع أشكال أخرى ~~من الهوية السياسية والثقافية الجمعية، مثل الإمبراطوريات القديمة، والدول ~~المدن، والاتحادات القبلية. ورغم ذلك، ففي حالات قليلة فقط - مصر ~~القديمة، ومملكة يهوذا، وأرمينيا لاحقا - يمكننا أن نعثر حقا على مقومات ~~الأمم. حتى في اليونان القديمة، على الرغم من كل التوجهات العرقية القوية ~~على مستوى اليونانيين كافة وعلى مستوى «الدول المدن»، كانت الأبعاد ~~الإقليمية والقانونية للأمة ms004 المستقلة منعدمة. # الفصل الرابع: # إلا أن العالم القديم ترك أيضا لخلفائه الأوروبيين أمرا أكثر أهمية؛ ~~ألا وهو ثلاثة أنواع من التراث والتقاليد الثقافية المهمة، وهي: الهرمية ~~والعهد والجمهورية، والتي تعود بالترتيب إلى بلاد الرافدين ومصر الفرعونية، ~~ويهوذا القديمة، واليونان القديمة. كانت هذه التقاليد الثقافية - التي ~~انتقلت عبر كل من روما الجمهورية والإمبراطورية، وكذلك عبر الكتاب المقدس ~~والمسيحية - تشهد صحوات مستمرة في أوروبا مع محاولة ممالك العالم المسيحي ~~إضفاء الشرعية على حكمهم وتقوية دولهم، لا سيما في دوقية موسكو وفرنسا ~~وإنجلترا وإسبانيا. وفي أواخر العصور الوسطى، شهدنا ظهور أمم «هرمية» ~~تراتبية أظهر فيها الحكام وطبقات النخبة في دول الغرب توجها وهوية ~~وطنيين قويين. # الفصل الخامس: # بحلول القرن السادس عشر، كانت ثمة أدلة كثيرة على انتشار مشاعر ~~القومية لدى النخب في عدة دول أوروبية، بدءا من روسيا وبولندا وحتى ~~إنجلترا وفرنسا والدنمارك. إلا أن «الطفرة» التي أدت إلى نشوء الأمم ~~الشعبية والقوميات الأولى، حدثت في أعقاب الإصلاح البروتستانتي. وبالعودة ~~إلى العهد القديم وعهد إسرائيل، وسع المصلحون المتطرفون، لا سيما ~~الكالفينيين، فكرة الاختيار الإلهي لتشمل كنائس وجماعات بأكملها وأمما. ~~في اسكتلندا وإنجلترا وهولندا، وأيضا في المدن السويسرية والمستعمرات ~~الأمريكية، أدى تزايد ارتباط المجتمع القومي بفكرة الشعب المختار المحتمل ~~بين البيوريتانيين إلى حشد أعداد أكبر من الأشخاص ومنحهم رؤية فعالة ~~للخلاص الجماعي من خلال الوحدة السياسية، والحكم الذاتي، وهوية المصير. ~~وأصبحت القوميات والأمم «العهدية» الناتجة مهودا ونماذج للأشكال ~~العلمانية اللاحقة. # الفصل السادس: # بدلا من قطع العلاقة بكل ما حدث من قبل، تكونت الأمة «الجمهورية» ~~العلمانية اعتمادا على تأثير وإلهام الأمم العهدية. وعلى نحو مشابه، فعلى ~~الرغم من العلمانية الراديكالية للأمة الجمهورية، فإن قوميتها غالبا ما ~~كانت محاكاة لطقوس الأديان التقليدية وليتورجياتها وممارساتها. وتمكنت ~~القومية بوصفها «دينا علمانيا للشعب» أن تجمع بين ميثاق مواطنة إنساني ~~وأرضي صرف وبين عبادة الشعب للأمة. وأثناء «مهرجانات» الاحتفاء بالثورة ~~الفرنسية، تمكن هذا الجمع بين الروح العلمانية والروح الدينية، ~~ممثلتين في وطنية الدول المدن القديمة المبعوثة من جديد، وفي العقود ms005 ~~المقدسة لأساطير الاختيار الإلهي والعهد؛ من تعبئة جيوش هائلة وبث مشاعر ~~حماسية على نطاق واسع. إن انتصار القومية الجمهورية داخل أوروبا والغرب، ~~وفي الخارج أيضا، يعود بقدر كبير إلى أبعادها «المقدسة» والشعبية. # الفصل السابع: # على الرغم من ذلك، بدلا من التخلص من النماذج السابقة من الأمم، فإن ~~القومية الجمهورية العلمانية تجد نفسها باستمرار في تحد مع ما تبقى من ~~سمات ثقافية لهذه النماذج السابقة. ويتمثل ذلك في التاريخ الحديث لليونان؛ ~~حيث واجه المشروع اليوناني الجمهوري تحديا من قبل النموذج القومي ~~«البيزنطي»، ثم اندمج معه لاحقا، ذلك النموذج الذي كان يتكون من ذكريات ~~هرمية (إمبراطورية) ومعتقدات عهدية أرثوذكسية يونانية بالمقدار نفسه. ~~فعلاوة على أننا نجد آثارا للسمات الهرمية، في ملكية بريطانيا على سبيل ~~المثال، فإن جمهوريات مثل الولايات المتحدة وإسرائيل وفرنسا ما زالت تعج ~~بأساطير ومعتقدات نابعة من الأمم والقوميات العهدية السابقة؛ ومن ثم ~~تقدم لكل جيل من أجيال الجماعة تواريخ عرقية ومصائر قومية بديلة. وعلى ~~الرغم من أن هذه التقاليد الثقافية المختلفة يمكن أن تسفر عن صراع ~~أيديولوجي داخل المجتمعات القومية، فإن تنافسها وتضافرها يمكن أيضا أن ~~يقويا الوعي القومي، ويحافظا على نسيج الأمة. # الخاتمة: # يختتم الكتاب بملخص لما سردته عن علم الاجتماع التاريخي للأمم، ويوضح ~~باختصار بعض الآثار الأطول أمدا التي من المحتمل أن تؤثر على الأمم ~~والقومية في العالم المعاصر. # | تمهيد # انبثق هذا الكتاب عن بحث قدمته للمؤتمر السنوي الرابع عشر لجمعية دراسة العرقية ~~والقومية في كلية لندن للاقتصاد في أبريل 2004. وأصبح موضوع المؤتمر: «متى تنشأ الأمة؟» ~~موضوعا لكتاب حمل الاسم نفسه، حرره الدكتور أتسوكو إيتشيجو والدكتورة جوردانا أوزيلك، ~~اللذان نظما أيضا هذا المؤتمر البالغ النجاح. وإني لأدين لهما بوافر الشكر على ~~تكريمهما الرائع لي عند تقاعدي، وأيضا على التحفيز المبدئي والدعم المستمر. # إلا أنني سرعان ما وجدت أن ما بدأ كإسهام في النقاش الدائر حول تحديد تاريخ نشوء الأمم ~~تحول إلى استقصاء أكبر عن «الشخصيات» المختلفة للأمم؛ فالأمم فريدة بطبيعة الحال - من ~~ناحية أن أفرادها يميلون إلى ms006 اعتقاد أنها كذلك، ومن ناحية أخرى يمكننا كذلك أن نفصل ~~السمات المتكررة في النماذج التاريخية للمجتمعات والهويات المصنفة ك «أمم» و«هويات قومية» ~~- بوصفها مغايرة للمجتمعات والهويات الأخرى. ورغم ذلك، فإن بين طرفي النقيض المتمثلين ~~في الخصوصية والعمومية، من الممكن أيضا اكتشاف أنماط متكررة متمثلة بوضوح شديد في أنواع ~~معينة من الثقافات العامة للأمم. لقد وجدت أن تلك الأنماط متأثرة تأثرا قويا بالتقاليد ~~الثقافية الراسخة التي تعود إلى العالم القديم، وأنها، في أشكالها المتغيرة، استمرت في جعل ~~تأثيرها ملموسا، حتى في ظل عالم غاية في المدنية قائم على الاعتماد المتبادل. # من الواضح أن هذا الموضوع شاسع، ووجدت أنه من الضروري تقييد نطاقه إلى حد بالغ؛ وذلك ~~لافتقاري إلى الكفاءة في الكثير من المجالات التاريخية؛ ولذلك ركزت على المجالات التي أحيط ~~بها علما إلى حد بعيد - العالم القديم وأوروبا في بداية الحداثة وفي عصر الحداثة - ~~تاركا للآخرين تناول الموضوعات المتعلقة بالفترات والحضارات التي تحظى بالقدر نفسه من ~~الأهمية، مثل تلك المتعلقة بالشرق الأقصى. وفي هذا الصدد، فإن المقالات الواردة في كتاب ~~«الأنماط الآسيوية من الأمم»، الذي حرره ستاين تونسين وهانز أنتلوف، ترتبط ارتباطا ~~مهما ببعض موضوعات هذا الكتاب، في حين أن مجموعة المقالات التي حررها لين سكيلز وأوليفر ~~تسيمر تحت عنوان «السلطة والأمة في التاريخ الأوروبي»؛ ترتبط ارتباطا مهما بالقدر نفسه ~~بفترة العصور الوسطى. # أثناء إعداد هذا الكتاب، وجدت أنه من الضروري مراجعة أفكاري في موضوعين رئيسيين؛ يتعلق ~~الموضوع الأول ب «الأصول العرقية» للأمم. مع الاستمرار في اعتبار العرقية والروابط العرقية ~~أساس تكوين الأمم، فإن رؤية أشمل للأسس الحضارية للأمم أبرزت أهمية أنواع أخرى سياسية ~~ودينية من المجتمعات والهويات؛ ينعكس ذلك في الأهمية الممنوحة لكل من «الهرمية» ~~و«الجمهورية» باعتبارها تقاليد حضارية لها أصولها في الشرق الأدنى القديم وعالم العصور ~~الكلاسيكية. أما الموضوع الثاني، فيتعلق بتحديد تاريخ ظهور أيديولوجية «القومية». مرة ~~أخرى، على الرغم من التمسك برؤية أن القومية باعتبارها معتقدا نشأت في القرن الثامن عشر، ~~فقد وجدت أن عديدا من سماتها نشأ ms007 في وقت أسبق بكثير، وبوجه أكثر تحديدا، فإنه بالنظر ~~إلى القومية من حيث كونها برنامجا سياسيا، فإنه يمكن العثور على نوع معين من القومية ~~الشعبية والعامية في بعض دول القرن السابع عشر، مثل إنجلترا واسكتلندا وهولندا، وربما في ~~دول أخرى أيضا. وهذا بدوره كان يعني مراجعة التسلسل الزمني الحديث ل «القومية»، بالإضافة ~~إلى التسلسل الزمني الحديث للأمم. # تتأكد هذه الرؤية بمحورية فكرة الميثاق الغليظ أو العهد الغليظ، وهو نوع من الالتزام أقوى ~~وأكثر استمرارية من العقد المعتاد. لطالما كان حلف اليمين والمواثيق العامة مرتبطين ~~بفكرة الأمة الشعبية وتاريخها، ولهذا السبب يتحدث كثير من الطبقات المتعلمة عن نماذج العهد ~~والميثاق في العالم اليوناني الروماني القديم وفي العهد القديم. ومن هنا كان اختيار مجلس ~~أوصياء أمستردام لموضوع أسطورة باتافيا ذات الأصول الهولندية للقصر الملكي في أمستردام، ~~ولوحة «مؤامرة كلاديوس سيفيليس» ضد الرومان عام 70 قبل الميلاد للرسام رامبرانت الناتجة ~~عن هذا الاختيار؛ على الرغم من أن لوحة رامبرانت الواقعية والمشعة بالضوء هذه لم تنل ~~استحسانا، وسرعان ما أنزلت ومزقت، ولم يتبق منها في وقتنا الحاضر سوى قطعة معروضة ~~في متحف استوكهولم القومي، ومخطط لتصميم اللوحة بالكامل في ميونخ. على الرغم من ذلك كله، ~~تنقل تلك القطعة المتبقية من لوحة رامبرانت الرائعة لمحة خافتة عن ميثاق غليظ من العصور ~~القديمة أبرمه المشاركون فيه لمقاومة الحكم الأجنبي وتحرير بلادهم، مثلما فعل الهولنديون ~~المعاصرون قبل عدة سنوات. # يتمحور الحديث في بقية الكتاب على علم الاجتماع التاريخي للأمم والقومية، إلا أن هذا أثار ~~حتما موضوعات معقدة متعلقة بالتعريف والنموذج النظري. في الواقع، من المستبعد أن تؤلف ~~كتابا عن القومية لا يثير هذه الموضوعات بشكل أو بآخر؛ لذلك، حاولت تناول هذه الموضوعات ~~في المقدمة وفي أول فصلين، فوضحت وصفي الخاص لما أصبح معروفا باسم منظور «الرمزية ~~العرقية». أرى أن مثل هذا المنظور مكمل مفيد ومصحح للمعتقد الحداثي السائد، لكنه ليس نظرية ~~بأي حال من الأحوال؛ لذلك جعلت النقاش مقتصرا على الفصل الثاني. ونظرا أيضا لأن الهدف ~~من ms008 الكتاب هو تقديم سرد اجتماعي تاريخي لنشأة وتكون أنواع مختلفة من الأمم، فقد جعلت ~~النقد، باستثناء الاختلاف المبدئي مع المفهوم الحداثي للأمة، في أدنى مستوى ممكن، لا ~~سيما في الملاحظات. # أتوجه بعميق ووافر الشكر إلى الباحثين، وأخص بالذكر منهم ووكر كونور لتحفيزه المستمر ~~وحجته السديدة، بالإضافة إلى لطفه الكبير. وأود أن أعبر عن امتناني لجون هتشينسون على ~~نقاشاته الكثيرة المثيرة وعلى دعمه المستمر. وأدين بالشكر أيضا لطلاب الدراسات العليا ~~السابقين وطلاب جمعية دراسة العرقية والقومية، بالإضافة إلى أصدقائي في فريق التحرير في ~~دورية الأمم والقومية «نيشنز آند ناشوناليزم»، على الاهتمام، وأخص بالشكر سيتا بيرصاد على ~~مساعدتها الدائمة. وأتقدم بعظيم الامتنان بصفة خاصة لزوجتي، ديانا، لدعمها المستمر في ~~الأوقات العصيبة الكثيرة، وإلى جوشوا على البهجة البالغة التي يمدنا بها. # أتحمل وحدي مسئولية الآراء التي عبرت عنها في هذا الكتاب، وكذلك الأخطاء ~~والسهو. # أنتوني دي سميث # لندن # | مقدمة: الجدل النظري # الهدف من هذا الكتاب مزدوج؛ فهو يرمي إلى تتبع الأسس الثقافية للأمم في فترات مختلفة ~~من التاريخ عن طريق تحليل عملياتها الاجتماعية والرمزية ومصادرها الثقافية، بالإضافة إلى ~~تسليط الضوء على بعض المسائل المعقدة المتمثلة في تعريف «الأمة» وتحديد تاريخ ظهورها. ~~وهاتان المسألتان مرتبطتان ارتباطا وثيقا؛ لأن كلتيهما تتعلق بموضوع أكثر جوهرية يتمثل ~~في إمكانية الحديث عن وجود مفهوم واحد للأمة، وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يرتبط ذلك المفهوم ~~بالأشكال المتعددة للأمة في فترات مختلفة من التاريخ. # سأوضح أن أنماط المجتمع القومي تعتمد على تقاليد ثقافية معينة نابعة من العصور القديمة ~~التي كونت الأخلاقيات وحس الهوية القومية لدى أفرادها. بيد أننا قبل أن نتمكن من ~~استعراض تلك التقاليد نحتاج إلى التركيز على مسألتي تعريف الأمة والتحقيب الزمني لتاريخها. ~~وهاتان المسألتان، بدوريهما، جزء لا يتجزأ من مناهج نظرية مختلفة؛ لذلك، في هذه المقدمة، ~~سوف أوضح أولا في اقتضاب المناهج الأساسية في هذا المجال وحلولها لإشكالية «تأريخ ظهور ~~الأمة». وسيمثل هذا مدخلا لموضوعين أساسيين، هما: تعريف فئة «الأمة»، والتكوين ~~الاجتماعي للأشكال التاريخية للأمم. وهذا بدوره ms009 سوف يسمح لنا بالبدء في إجراء دراسة علم ~~اجتماع تاريخي على تكوين المجتمعات القومية واستمرارها، في فترات مختلفة من التاريخ. # تعد مقالة ووكر كونور القصيرة التي نشرت عام 1990 تحت عنوان «متى تنشأ الأمة؟» نقطة ~~انطلاق جيدة؛ إذ قال في هذه المقالة إن الباحثين طالما ركزوا على سؤال «ما الأمة؟» لكنهم ~~أهملوا سؤالا عل القدر نفسه من الأهمية والإثارة، ألا وهو «متى تنشأ الأمة؟» حتى لو كان ~~السؤال الأول له الأسبقية منطقيا، فإنه في حد ذاته، باعتباره تعريفا لمفهوم الأمة، لا ~~يمكنه حسم إشكالية تحديد الوقت الذي تكونت فيه أمم بعينها. بالإضافة إلى ذلك، تطلب هذا ~~الأمر بيانات تاريخية وأيضا نموذجا أو نظرية لتكون الأمة. وقدم كونور كلا من ~~تعريف الأمة والنموذج الذي يوضح، على أقل تقدير، كيفية تكون الأمم الحديثة. # 1 # يرى ووكر كونور أن الأمم جماعات عرقية تتمتع بوعي ذاتي حقيقي. وتشكل الأمة أكبر ~~جماعة مؤسسة على اعتقاد أفرادها أن بينهم صلات قرابة تعود إلى سلف مشترك. إن احتمالية عدم ~~وجود صلة قرابة تعود إلى سلف مشترك فيما بينهم، أو احتمالية نشوئهم أيضا من سلالات عرقية ~~مختلفة، كما هي الحال في أغلب الأحيان؛ من الاحتماليات غير المطروحة من الأساس. إنه ليس ~~تاريخا وقائعيا، بل تاريخ محسوس يشمل عملية تكوين الأمم؛ ولهذا السبب يشبه القوميون ~~المعاصرون الأمة بأسرة كبيرة، ولهذا السبب فإن توسلهم ب «صلة الدم» يثير دائما تعاطف ~~أعضاء الأمة. كيف تتكون الأمة من أساسها العرقي؟ يرى كونور أن هذه العملية قد تكون مطولة ~~للغاية؛ لأن الأمم تنشأ على مراحل. إلا أن التحديث (التحول إلى الحداثة) يعمل محفزا ~~قويا يسرع من هذه العملية؛ نظرا لأنه يجعل الكثير من الجماعات يتواصل عن كثب ~~وبانتظام، بالإضافة إلى أنه منذ الثورة الفرنسية حرضت أفكار السيادة الشعبية واعتبار حكم ~~الأجنبي حكما غير شرعي جماعات عرقية متعاقبة على التطلع إلى تكوين أمم مستقلة. رغم ذلك، ~~لا يمكننا حقا الحديث عن نشوء أمم إلا بعد أن يكون لدى غالبية أعضائها وعي بمن يكونون ~~ومن ms010 لا يكونون، والأهم من ذلك أن يكون لديهم شعور بالانتماء إلى الأمة وأن يشتركوا في ~~حياتها. ومن منظور الديمقراطية، يكون معنى ما سبق أننا لا يمكننا الحديث عن أمة قبل أن ~~يمنح غالبية أفرادها حق التصويت كأحد حقوق المواطنة، وهذا أمر لم يشرع حدوثه إلا مع نهاية ~~القرن التاسع عشر أو بداية القرن العشرين. وقد تكون الجماعات العرقية «من ثوابت التاريخ»، ~~وموجودة في كل حقبة، لكن الأمم القائمة أمم حديثة، وقريبة العهد تماما. # 2 ~~(1) الحداثة # يتوافق تأريخ كونور لظهور الأمم مع التاريخ الذي حدده غالبية الباحثين في الوقت ~~الحاضر، هؤلاء الباحثون الذين من الممكن أن يطلق عليهم «حداثيون» لهذا السبب. من ~~منظور الحداثيين، فإن كلا من الأمم والقوميات قريبة العهد وحديثة، وكلتاهما ثمرة ~~«التحديث». ويختلفون بطبيعة الحال في الأسباب الدقيقة التي تجعل الأمم قريبة العهد ~~وحديثة؛ فالبعض يبحث عن الأسباب في الرأسمالية الصناعية، والبعض الآخر يبحث عن الأسباب ~~في نشأة الدولة المركزية المحنكة، وغيرهم يبحث عن الأسباب رغم ذلك في طبيعة وسائل ~~الإعلام الحديثة والتعليم العلماني. إلا أن ما يهمني في هذا الصدد ليس أسبابهم، بل ~~طريقة تقسيمهم للفترات والافتراضات التصنيفية التي أرخوا تكون الأمم على ~~أساسها. # 3 # من منظور الحداثيين، فإن الأمم لا توجد ولا يمكن أن توجد قبل نشأة الحداثة، أيا كان ~~تعريف الحداثة. وهذا يعني من الناحية العملية أننا لا نستطيع الحديث عن الأمم أو ~~القومية قبل أواخر القرن الثامن عشر، وليس قبل ذلك. وحسب ما ذكره إرنست جيلنر، فمن غير ~~الممكن أن تكون الأمم قد ظهرت قبل فجر الحداثة. في المجتمعات التي يطلق عليها ~~المجتمعات «الماهرة في الزراعة»، كانت قلة نخبوية تحكم قاعدة هائلة من منتجي الطعام، ~~وكانت الثقافة المكتوبة لهذه النخب مختلفة تماما عن الثقافات الكثيرة «المتدنية» ~~والشفهية والعامية لعوام الفلاحين. ولم يكن لدى النخب رغبة في نشر ثقافتهم، ولا ~~اهتمام بذلك، وحتى رجال الدين الذين كان لديهم اهتمام بنشر الثقافة كانوا يفتقرون إلى ~~وسائل القيام بذلك. لم يخلق الحاجة إلى «الثقافات الرفيعة» المكتوبة المتخصصة ms011 التي ~~يجعلها جيلنر مناظرة لظهور الأمم إلا سهولة الحركة والنقل التي تتطلبها المجتمعات ~~الصناعية. # 4 # بالنسبة إلى الحداثيين الآخرين، أمثال جون بروييه وإريك هوبزبوم، فقد كان لدى العوام ~~في فترة ما قبل الحداثة ولاء محلي وديني صرف. وعلى أحسن تقدير، من الممكن أن نصف بعض ~~مجتمعاتهم بأنها مجتمعات «قومية بدائية». إلا أنه - كما يحاول هوبزبوم أن يوضح - لم يكن ~~يوجد رابط حتمي بين تلك المجتمعات المحلية أو اللغوية أو الدينية وبين الأمم الإقليمية ~~الحديثة. ليس بإمكاننا التفكير في احتمالية وجود صلة في العصور السابقة بأي هوية قومية ~~حديثة، باستثناء تلك الحالات القليلة التي كان بها علاقة مستمرة على نحو ما بدولة أو ~~كنيسة في العصور الوسطى. لكن في العموم، لم يكن من الممكن انتقال كتلة السكان وشعورهم ~~بالولاء لمجتمعات قومية أوسع نطاقا إلا مع نشأة الدولة الحديثة والتحضر والنمو ~~الاقتصادي. # 5 # في حقيقة الأمر، إذا أردنا البحث عن الأسباب المباشرة لتوقيت نشوء الأمم، فإن بحثنا ~~يجب ألا يتجاوز النخبة المثقفة القومية. إن القوميين هم من يخلقون الأمم، وليس العكس، ~~كما يقول جيلنر، مثلما كان التنوير - وفقا لما ذكره إيلي كيدوري - هو ما شكل ~~الثقافة العلمانية للأمم وأسفر عن النخبة المثقفة المقلدة والمتفاعلة في أنحاء أوروبا ~~أولا ثم حول العالم. وهذا يمثل نقطة التحول في تاريخ القومية. ونظرا لأن التنوير ~~خلق خارج البلاد التي نشأ فيها جيلا من الشباب المنعزل والمحبط - «رجالا مهمشين» ~~- شعروا بأن الرفض الأرستقراطي أو الاستعماري حرمهم فرصهم في وظيفة ومكانة قيمتين ~~متوافقتين مع تعليمهم العلماني؛ ومن ثم أدت حالة السخط الناجمة عن ذلك إلى أن ~~يبحثوا في القومية عن حل سياسي يمتد لآلاف السنين. وكانت النتيجة مناشدات من موجات ~~متعاقبة من المفكرين القوميين ل «جماعاتهم» التي يشاركهم أفرادها نفس الثقافة من أجل ~~تكوين الأمة السياسية التي يكون للمفكرين في ظلها دور قيادي مضمون. لم تتمكن تلك ~~المناشدات من البدء في إثارة العوام إلا بعد الثورة الفرنسية، بداية بالرومانسيين في ~~ألمانيا، وهو ما سيرجع مجددا تاريخ تكون الأمم ms012 إلى القرن التاسع عشر. # 6 # يتضمن تحليل بينيدكت أندرسون لدور «رأسمالية الطباعة» في نشأة الأمم والقومية ~~إشارة لرؤية مشابهة عن تاريخ تكون الأمم وطريقة تكونها. يرى أندرسون أن ~~الاتحاد بين الطباعة والرأسمالية في إنتاج الكتب ربما بدأ في أواخر القرن الخامس عشر. ~~إلا أن دخول أعداد كبيرة من الناس إلى معترك السياسة، وتمكنهم من البدء في «تخيل» ~~الأمة باعتبارها تضامنا له حدود وسيادة ويضم طبقات مختلفة، لم يكن إلا في القرن ~~الثامن عشر، مع الإنتاج الشامل للصحف (مطبوعات اليوم الواحد). وساعدهم في ذلك حدوث ثورة ~~في تصوراتنا عن الزمن؛ إذ تحول من إدراك سابق مسيحاني كوني للزمن قبل ظهور الحداثة، ~~فأصبحنا الآن نرى أن الزمن يتحرك حركة خطية، من خلال «زمن فارغ متجانس» يقاس بالساعة ~~والتقويم. # 7 ~~(2) فلسفة الحكمة الخالدة الجديدة # بطبيعة الحال، فإن هذه الحداثة الواثقة لا يشترك فيها العالم أجمع؛ فمثلما عارض ~~الحداثيون عقيدة ما قبل الحرب السابقة التي مالت إلى اعتبار الأمم، إن لم تكن القومية، ~~خالدة ومتكررة في كل حقبة تاريخية وفي كل قارة، فقد شن تيار صاعد من مؤرخي فلسفة ~~الحكمة الخالدة الجديدة، لا سيما في بريطانيا، هجوما مضادا قويا على افتراضات ~~الحداثيين. # وقد طرح الراحل أدريان هستنجز حجتهم العامة بمنتهى الإقناع؛ فقد أوضح أننا يمكن أن ~~نجد الأمم نابعة عن عرقيات شفهية موجودة منتشرة، لكنها متغيرة، نتجت بدورها عن تقديم ~~أعمال أدبية مكتوبة باللغة العامية؛ ذلك أن الأدب يثبت اللهجة العامية، ويحدد ~~الجمهور القارئ أو الأمة القارئة لها. في الحقيقة، يزعم هستنجز أن الأمم والقوميات كانت ~~سائدة في العالم المسيحي. وكان ذلك نتيجة لسمتين من سمات المسيحية؛ تمثلت السمة ~~الأولى في أن المسيحية، على النقيض من الأديان الأخرى، سمحت باستخدام اللغات والترجمات ~~العامية. بينما تمثلت السمة الثانية في أن المسيحية تبنت العهد القديم بسرده لنموذج ~~أمة وحدوي في إسرائيل القديمة؛ نموذج مزج الأرض بالشعب باللغة بالدين. # 8 # بالنسبة إلى هستنجز، وكذلك بالنسبة إلى باتريك ورمالد، وجون جيلينجهام، وحتى سوزان ~~رينولدز، توجد أدلة كافية، لا ms013 سيما في حالة إنجلترا، لتقويض الزعم القائل بأن الأمم ~~وكذلك القومية ناتجتان عن «الحداثة». وعلى الرغم من أنهم قد يختلفون في التاريخ المحدد ~~الذي نشأت فيه الأمة الإنجليزية، فإنهم جميعهم يتفقون على أن تحديد أواخر القرن الثامن ~~عشر أو التاسع عشر كتاريخ لظهور الأمة يعد تاريخا متأخرا جدا؛ ذلك أن إحساسا ~~قويا بالهوية القومية وجد قبل ذلك بفترة طويلة في إنجلترا، وربما أيضا في ~~اسكتلندا وأيرلندا وربما ويلز، وفي الحالة الإنجليزية، كان ذلك الإحساس بالقومية واضح ~~المعالم في إنجلترا في أواخر العهد النورماني والعصور الوسطى بداية من القرنين الثالث ~~عشر والرابع عشر على أقل تقدير وما بعدهما، إن لم يكن واضح المعالم مع أواخر الفترة ~~الأنجلوساكسونية بالفعل. بالنسبة إلى مؤيدي فكرة ظهور الأمة في العصور الوسطى، فإن ~~المصادر واضحة إلى حد بعيد؛ فمصطلح «أمة» كان مستخدما على نطاق واسع في العصور ~~الوسطى، ليس فقط في المجالس الكنسية ولفيف الطلاب في الجامعات، بل أيضا في الوثائق ~~القانونية والكنسية، والمراسيم الملكية وقصص الرحلات، وأيضا في المراسلات العامة. ~~وحقا، كانت كل هذه الأعمال نتاج قلة نخبوية؛ إذ لم يترك السواد الأعظم من الناس، ~~الفلاحون الأميون والمعزولون، أي سجلات مكتوبة. ورغم ذلك، كم عدد السجلات التي تركها ~~الفلاحون في القرن التاسع عشر، ذلك القرن الذي يمثل ذروة التكون السريع للأمم، وفقا ~~لمعظم الحداثيين؟ # 9 # هذا يعيدنا إلى الزعم الأساسي لووكر كونور الذي يقول إن الأمم والقومية «ظواهر ~~جماهيرية»، وإنه نظرا لأن جماعات الفلاحين في حقب ما قبل الحداثة كانت أمية و«صامتة»، ~~فلا مجال للحديث عن وجود أمم في الفترات التي سبقت دخول الفلاحين المعترك السياسي ~~للأمة، وذلك لم يحدث في حالة الأمم الحالية إلا مع نهاية القرن التاسع عشر؛ يقر كونور ~~باحتمالية وجود أمم في فترات سابقة من التاريخ نظرا لوجود أدلة كافية على ذلك. ~~ثمة العديد من الردود على حجة كونور. بداية، إن غياب الدليل ليس كدليل الغياب، ~~وحجة عدم وجود الوثائق تكون في الغالب سلاحا ذا حدين. بالنسبة إلى أتباع فلسفة ~~الحكمة ms014 الخالدة الجديدة، فإن هذا الصمت يمكن أن يفسر إما على أنه قبول، أو تسليم، ~~من جانب الفلاحين بروابطهم العرقية أو الوطنية، أو على أنه افتقار تام للشعور بالانتماء ~~الوطني. علاوة على ذلك، فإننا إذا زعمنا، مثلما فعل كونور، أن «تصورات النخب عن ~~الأمة في أغلب الأحيان لا تبلغ العوام»، فإن هذا الزعم يتجاوز ما لدينا من أدلة، ويوحي ~~بأن معرفتنا بمعتقدات العوام في فترة ما قبل الحداثة تفوق معرفة النخب المعاصرة لها. ~~في هذا الزمن السحيق، لا يمكننا ببساطة أن نجزم بما إذا كان عوام الفلاحين في العصور ~~الوسطى أو ما قبلها يشاركون النخب في تصوراتهم. ومثل هذه الحجج العامة لا تسمح لنا ~~باستنتاج أن السواد الأعظم من الفلاحين لم يستطيعوا امتلاك، أو لم يمتلكوا، هذا النوع ~~من المشاعر العرقية أو حتى الوطنية في أزمنة بعينها. # 10 # كخيار بديل، فإنه من الممكن التشكيك في علاقة شعور عوام الفلاحين بتأريخ نشأة الأمة؛ ~~إذ يمكن على النحو نفسه أن نزعم أنه نظرا لغياب الفلاحين من التاريخ والسياسة في معظم ~~الحقب، فإن مسألة ما إذا كان الفلاحون قد حملوا مشاعر أو أفكارا تجاه الأمة، وماهية ~~تلك المشاعر أو الأفكار، غير ذات أهمية إلى حد بعيد؛ فالثقافات والسياسات تكونها ~~الأقليات التي تكون في العادة نخبة من نوع ما أو آخر. كل ما يهم هو ضرورة أن يشعر عدد ~~كبير من الناس خارج نطاق الطبقة الحاكمة بأنهم ينتمون إلى أمة معينة، كي يقال إن تلك ~~الأمة موجودة. من ناحية أخرى، يمكننا أيضا الإشارة إلى حقيقة أننا نعرف بالفعل بعض ~~الأمور عن المعتقدات الأعم ل «بعض» الفلاحين في أوقات متعددة، مثل ميلهم إلى النهوض ~~دفاعا عن الدين، مثلما حدث في فونديه عام 1793، أو إعجابهم بذكريات فيلهلم تل في حرب ~~الفلاحين السويسريين عام 1653؛ ومن ثم، إذا لم يكن الفلاحون «صامتين» دائما، فإنه ~~يجب أن نحذر من أن نرفض مسبقا «اعتمادا على استنتاج مفترض» احتمال أن بعضهم ربما شعر ~~بنوع من الارتباط ب «جماعة عرقية» أو أمة محلية ms015 جامعة كما كانت الحال على نحو واضح في ~~القبائل الإسرائيلية القديمة في أزمان مختلفة، أو بين الأعداد المتزايدة لسكان الوادي ~~السويسريين ، على الرغم من احتفاظهم بالولاء لكانتوناتهم. # 11 # مرة أخرى، من الممكن معارضة فكرة أن الأمم والقومية «ظواهر جماهيرية» من خلال تذكر ~~أن معظم القوميات، أيا كانت طريقة تعبيرها عن دعواها، كانت على نحو واضح شئونا خاصة ~~بأقليات حتى وقت كبير من القرن العشرين. على سبيل المثال، يمكن أن نحصي عدد القوميين ~~عند متاريس ثورات ربيع الأمم التي اندلعت عام 1848 بالمئات على أفضل تقدير، كما أن جل ~~أعمال العنف السياسي المرتكبة في جزر البلقان - على سبيل المثال - في أوائل القرن ~~العشرين ارتكبتها كوادر قليلة مخلصة من القوميين المتحمسين. أما فيما يخص الأمم نفسها، ~~فعلى الرغم من أنه وفقا لنظرية الأمم، كل عضو مواطن أو ينبغي أن يكون مواطنا، فإن ~~هذا الشرط في كثير من الحالات لم يكن مستوفى إلا في بعض أماكن دون غيرها، وفي العقود ~~الأخيرة. ومن الناحية العملية، نحن على استعداد للتحدث عن أمم موجودة قبل تجسدها ~~الجماهيري بوقت طويل، وما نشير إليه غالبا هو دخول «الطبقات الوسطى» الأكثر ثراء إلى ~~المعترك السياسي، وهذا أمر يمكن أن يعود إلى القرن السابع عشر في أجزاء من أوروبا ~~الغربية. وهذا اتجاه آخر للحجج سأعود إليه. # 12 # إن مسألة «المشاركة الجماهيرية» ليست إلا إحدى مسائل عديدة تفصل الحداثيين عن أتباع ~~فلسفة الحكمة الخالدة الجديدة. ومن المسائل الأخرى مسألة الاستمرارية المؤسسية. وحتى ~~الحداثيون أمثال إريك هوبزبوم، كما رأينا، على استعداد لإضفاء قيمة على فرضية أنه في ~~حالات قليلة - تتمثل في روسيا وصربيا وإنجلترا وفرنسا حسبما يذكر هوبزبوم - كان يوجد ~~أساس للدولة القومية الحديثة في فترة ما قبل الحداثة؛ لأنها استطاعت احتضان ~~الاستمرارية المؤسسية للدولة أو الكنيسة أو كلتيهما منذ العصور الوسطى، وعلى نحو أكثر ~~تحديدا فإن هوبزبوم مستعد، نتيجة لذلك، للتحدث عن إمكانية وجود شعور بالوطنية تجاه ~~أسرة تيودور المالكة في إنجلترا. بالنسبة إلى جون بروييه أيضا، فإن استمرارية المؤسسات ~~تلك ms016 من الممكن أن تمثل أساسا ما قبل حداثي للأمم الحداثية، لكن هذا أمر استثنائي. ~~وفي العموم، يؤكد بروييه، أن الهوية خارج الوسائط المؤسسية (التي يزعم أن معظمها ~~حديث) «مشرذمة ومتقطعة ومراوغة بمقتضى الحال.» وفيما يخص الهوية العرقية في فترة ~~ما قبل الحداثة، فإن «دورها ضئيل فيما يتعلق بالتجسد المؤسسي إذا تجاوزنا المستوى ~~المحلي.» # 13 # في الحقيقة، حسبما يميل مؤرخو العصور الوسطى إلى الإشارة، كان يوجد قدر كبير من ~~الاستمرارية المؤسسية في حقب ما قبل الحداثة، وبعضها كان مرتبطا بالعرق والدين. على ~~سبيل المثال، لفتت سوزان رينولدز الانتباه إلى العديد من «الممالك» البربرية التي خلفت ~~الإمبراطورية الكارولينجية في أوروبا الغربية، ووصفتها بأنها مجتمعات يجمعها القانون ~~والتقاليد والنسب، ومرتبطة بالبيت الحاكم وسلالته؛ مشيرة إلى الأنجلوساكسونيين، ~~والفرنجة، والقوط الغربيين، والنورمانديين، والساكسونيين. أصبحت أساطير النسب، التي ~~تشير عادة إلى إينياس الطروادي أو إلى نوح، مهمة كمسوغات تكسب الشرعية لمزاعم ~~الانتساب إلى سلالة الزعماء البربريين وعائلاتهم. إلا أنه على النقيض من فترة ما بعد ~~الإمبراطورية الرومانية السابقة، التي شهدت عمليات سياسية وعرقية أكثر تغيرا، فإن ~~القرن العاشر وما بعده شهد عملية تأصل سياسي وعرقي، وبدايات تلك الانقسامات العرقية ~~السياسية التي أسفرت لاحقا عن الدول القومية القائمة على العرق في أوروبا الغربية. ~~وعلى الرغم من أن سوزان رينولدز تفضل استخدام مصطلح «ممالك» بدلا من «أمم» معتبرة ~~أن من المحتمل جدا إساءة التفسير الغائي للمصطلح الأخير ودمج أفكار العصور الوسطى ~~بالتصورات الحديثة المألوفة إلى حد بعيد عن الأمة، فإنه واضح أنها وغيرها من مؤرخي ~~العصور الوسطى يشيرون إلى أشكال من الاستمرارية العرقية السياسية، التي قد تمثل أو لا ~~تمثل أساسا للدول القومية اللاحقة. يشبه ذلك - إلى حد ما - الحال مع تحليل جوسيب ~~إيوبيرا للنطاقات الجغرافية والإدارية لبريطانيا، وبلاد الغال، وجيرمانيا، وإيطاليا، ~~وهسبانيا في العصور الوسطى. ذلك أنه على الرغم من تأكيد إيوبيرا على الطبيعة المؤقتة - ~~بل الوهمية - لما قد يبدو أنه استمراريات قومية في تلك النطاقات، فإنه لا يألو جهدا ~~أيضا ليوضح أن القوميات الحديثة «جذورها متأصلة ms017 في ماضي العصور الوسطى، حتى إذا وجد ~~احتمال أن تكون روابطها بذلك الماضي معقدة وملتوية على الأغلب.» # 14 # توجد نقطة إضافية: إن مصطلح «مؤسسة» قد لا يشير فقط إلى الأشكال الاقتصادية والسياسية ~~والقانونية المألوفة لنا في العالم الحديث، بل أيضا إلى الأشكال الثقافية التي حللها ~~جون أرمسترونج في كتابه الرائد عن العرقية في الإسلام والمسيحية في العصور الوسطى، ~~ويتمثل جانب من تلك الأشكال في أساليب الحياة، والارتباط ب «الوطن»، و«الأساطير ~~المحركة» الإمبراطورية، والأنماط واللغة والتعليم الخاصة بالحضر، والمؤسسة الدينية ~~والطقوس الدينية، والتقاليد الفنية. وهذا يعني أن تصور المؤسسات لدى الحداثيين أمثال ~~جون بروييه وإريك هوبزبوم مقيد جدا، ويحتاج إلى أن يشمل أي مجموعة من الأدوار ~~المتبادلة القائمة على توقعات عرفية وثقافية نمطية. # 15 # الأمر الثالث الذي يفرق الحداثيين عن أتباع فلسفة الحكمة الخالدة الجديدة يتعلق ~~بدور الدين. بالنسبة إلى كثير من الحداثيين، فإن الدين فئة متبقية في العالم الحديث، ~~ومرتبطة بطريقة عكسية بالأمم والقومية. حتى بينيدكت أندرسون، الذي بدأ بالتوضيح غير ~~المباشر لأهمية الأمة باعتبارها طائفة تقوم على فضيلة كامنة قادرة على أن تظل خالدة ~~ولا يطويها النسيان، يدير ظهره للدين كمتغير تفسيري. ومع تطوير حجته، يصبح من الواضح أن ~~الدين لا يمكن أن يلعب دورا في أمر يمثل في نهاية المطاف تفسيرا ثقافيا للقومية ~~قائما على أساس مادي. # 16 # الآن، على الرغم من أن الرؤية الحداثية الضيقة لدور الدين قد تكشف عن تفسير معين ~~للثورتين الفرنسية والأمريكية، وكذلك تأثير أطروحة العلمنة التي سادت عقود ما بعد ~~الحرب، فإنه لا يمكن أن يمثل دليلا على مكان الدين في حقب ما قبل الحداثة ذات التكوين ~~العرقي والقومي، أو على الإحياء الحديث ل «القوميات الدينية» خارج الغرب وداخله. في ~~كلتا الحالتين، لعب الدين و«المقدسات» دورا حيويا، ومن المستحيل فهم معاني الأمم ~~والقومية دون فهم الروابط بين الموضوعات الدينية المتكررة والطقوس الدينية وبين ~~الأساطير والذكريات والرموز العرقية والقومية اللاحقة. ومن الواضح أنه لا يكفي أن نقول ~~إن الأمم والقوميات نشأت من رحم الأنظمة ms018 الثقافية الدينية العظيمة في عالم العصور ~~الوسطى، ومناهضة لها. يجب أن ندرك تعقيد العلاقات المستمرة بين الأديان وأشكال ~~المقدسات من ناحية، والرموز والذكريات والتقاليد القومية من ناحية أخرى، والطرق التي ~~من خلالها ما زالت الأمم المعاصرة ممزوجة بالمعاني المقدسة. وهذا موضوع آخر سأعود ~~لتناوله في الفصول القادمة. ~~(3) البدائية # على غرار الحداثيين، يسعى أتباع فلسفة الحكمة الخالدة الجديدة إلى بناء حججهم ~~وأطروحاتهم على أساس الدليل التاريخي، ويحذرون التفسيرات التي تقدم مستويات شرح ~~أخرى أبسط كثيرا. حتى الروايات الأكثر تعميما من بين رواياتهم، مثل اعتقاد هستنجز أنه ~~يوجد أساس مسيحي للأمم والقومية، تظل على مستويات التفسير من منظوري التاريخ وعلم ~~الاجتماع. رغم ذلك، يرى آخرون أن هذا التكتم المنهجي لا يمكن أن يتوافق مع الانتشار ~~الواسع للموضوعات التي تثيرها العرقية والقومية وقوتها الصرفة، ولا سيما تلك ~~الموضوعات التي يثيرها السؤال الذي يتجنبه الحداثيون، المتمثل في السبب الذي يجعل ~~كثيرا من الأشخاص، ولو على نحو نسبي، على استعداد للتضحية بأنفسهم حتى يومنا الحاضر ~~من أجل الأمة، مثلما كانوا على استعداد للتضحية بأنفسهم من أجل دينهم. # يكمن الجواب عن هذا السؤال في مفهوم «البدائية». كان إدوارد شيلز هو من قدم هذا ~~المفهوم من الأساس، وقد حدد أنواعا مختلفة من الروابط - الشخصية والمقدسة والمدنية ~~والبدائية، ثم تولى فكرة الروابط البدائية كليفورد جيرتس، الذي سعى لتفسير سبب المشاكل ~~التي تؤرق الدول الجديدة في أفريقيا وآسيا من ناحية الصراع بين رغباتهم في نظام ~~فعال عقلاني يقوم على «الروابط المدنية» وبين انشقاقاتهم المستمرة وارتباطاتهم ~~«البدائية» ب «مسلمات» اجتماعية وثقافية معينة - متعلقة بالقرابة والعرق والدين ~~والعادات واللغة والأرض؛ مما أسفر عن انقسام الكيانات السياسية الجديدة انقساما ~~تاما. كان جيرتس نفسه حريصا على التأكيد على أن الأفراد هم من نسبوا إلى مثل هذه ~~الروابط البدائية صفات ملزمة ومسيطرة وأقوى وأجل كثيرا من أن يمكن وصفها. إلا أن ~~هذا لم يمنع بعض النقاد من انتقاد «البدائية» (وهو مصطلح لم يستخدمه جيرتس مطلقا) ~~باعتبارها تمويها غير اجتماعي للتفاعلات بين البشر. # 17 # رد ms019 ستيفين جروسبي مدافعا عن شيلز وجيرتس، وكان جروسبي حاول أن يبني منهجا ل ~~«الروابط البدائية» يقوم على أساس معتقدات البشر وإدراكهم للخواص المعززة للحياة التي ~~تختص بها سمات ثابتة معينة تميز حالتهم. يرى جروسبي أن اثنتين من تلك السمات ~~ضروريتان، وهما: القرابة والأرض، وربما تكون الأرض ضرورية أكثر من القرابة، نظرا ~~للاعتقاد الشائع المتعلق بصفات الأرض ومنتجاتها التي تدعم الحياة وتحافظ عليها. بالنسبة ~~إلى جروسبي، فإن المجموعات العرقية والقوميات موجودة «بسبب وجود تقاليد عقائدية وفعلية ~~متعلقة بالأشياء البدائية مثل السمات البيولوجية والموقع الإقليمي بصفة خاصة»؛ ومن ~~ثم، فإن «الأسرة، والموقع، و«قوم» المرء وعشيرته يصنع كل منها الحياة وينقلها ~~ويحفظها.» لهذا السبب، يخلع البشر صفة القداسة على الأشياء البدائية، ولهذا السبب ~~ضحوا في الماضي وما زالوا يضحون بحياتهم من أجل الأسرة والأمة. ويسعى جروسبي إلى ~~توضيح أن مثل هذه الخواص لا تزال جوهرية إلى وقتنا الحاضر؛ ومن ثم يمكننا أن نتحدث ~~عن عنصر البدائية المستمر حتى في المجتمعات الحديثة المعقدة، وهذا العنصر من الحماقة ~~أن نغفل عنه، ومن الضلال السعي إلى تفكيكه. # 18 # حقيقي أن «البدائية» «في حد ذاتها» لا يمكن أن تخبرنا إلا بالقليل عن أصول الأمم ~~وشكلها الثقافي (على الرغم من أنها تشرح عمليات التكون العرقي والتفكك العرقي). وندرك ~~ذلك عندما نتأمل عمل «بيير فان دن بيرج» الأكثر راديكالية من بين من شرحوا وجهة ~~النظر تلك. على الرغم من أنه حاول مؤخرا الإجابة عن سؤال أصل «الأمم»، فإنه يصوغ ~~نظريته الأساسية المتعلقة بدوافع التناسل الجينية على المستوى البيولوجي، وتضم النظرية ~~كل مجموعات القرابة الممتدة. علاوة على ذلك، نظرا لأن هذه المقاربة متعلقة بالأفراد، ~~فإنها تؤدي إلى صرف الانتباه عن الأسئلة التاريخية الأسمى حول تكوين الأمم. ومع ذلك، ~~يخصص فان دن بيرج كذلك جزءا للثقافة، في صورة علامات مثل الملبس واللون والكلام، ~~وهذه العلامات تميز بين الأجناس والجماعات العرقية، وتقدم أدلة على القرابة ~~الجينية، وتصاحبها أساطير سلف السلالة التي يزعم أنها تعكس خطوط نسب فعلية. على الرغم ~~من ذلك، فإنه ms020 يعبر عن نظريته الأساسية من ناحية سمات بيولوجية مثل زواج الأقارب، ~~ومحاباة الأقارب، و«الأهلية الشاملة»، والإجابات عن الأسئلة المتعلقة بأصول «الأمم» ~~وأنماطها هي عامة بالضرورة ومأخوذة من عوامل خارجية إضافية مثل ظهور الدولة. # 19 # يتمثل الإسهام الفريد الذي قدمه أتباع الفلسفة البدائية في تركيز انتباهنا على ~~الحماس والشغف الذي تثيره في أغلب الأحيان العرقية والقومية؛ هذان الأمران اللذان يفشل ~~الحداثيون في مواجهتهما حتى عند إدانتهم لهما. من ناحية أخرى، تترك البدائية أسئلة ~~أخرى مثل تلك المتعلقة بوقت نشوء الأمم وطابعها دون جواب، بالإضافة إلى أن تركيزها ~~الضيق الأفق وإصرارها العام على أن العرقية والأمة توجد «ببساطة» في الطبيعة البشرية؛ ~~يحولان دون إجراء تحليل تاريخي يهتم على نحو أكبر بأسباب وتاريخ تكون الأمم ~~وشكلها. # 20 # يمثل العمل التاريخي لستيفين جروسبي استثناء لهذا التعميم. إن أبحاثه الأكاديمية ~~المتعلقة بوجود «الجنسية» في العالم القديم، لا سيما في إسرائيل القديمة، التي سوف ~~أتناولها بمزيد من التفصيل لاحقا، تكشف كيف يمكن للاهتمام بالروابط البدائية أن يكون ~~مصدر إلهام، وتوضيحا لتحليل تاريخ مفصل لأمثلة واقعية، متعلقة في هذه الحالة ~~بالجماعات العرقية والجنسيات في الشرق الأدنى القديم. في رأي جروسبي، فإن «الجنسية» ~~(كما يفضل أن يطلق عليها) واحدة من فئات تحليلية عديدة، بالإضافة إلى ~~الإمبراطورية، والدولة المدينة، والاتحاد القبلي. وعلينا أن نفرق جيدا بينها وبين ~~تلك الفئات الأخرى، من الناحية العامة ومن ناحية السياق الواقعي الغامض - في الغالب - ~~للشرق الأدنى القديم. في هذا الصدد، يوضح جروسبي نقطة جوهرية يمكن أن تمثل دليلا ~~وتحذيرا - من تأكيدات الحداثيين العقائدية وناقديهم - بقدر ما تذكرنا بالصعوبات ~~الكامنة المتعلقة بربط تصنيفاتنا وتعريفاتنا بالأدلة المأخوذة من الهويات الثقافية ~~الجمعية في سجلاتنا التاريخية، والتي غالبا ما تكون أدلة ضئيلة؛ وذلك لأن من بين ~~أهدافه الأساسية في أبحاثه في التاريخ وعلم الاجتماع توضيح الحقيقة المتمثلة في أنه ~~حتى في العالم المعاصر تكون الحدود التي تفصل بين تصنيفات الدراسات التي تجرى على ~~الجماعات التاريخية المتنوعة قابلة للاختراق. ويعبر عن هذا قائلا: «نادرا ما ~~تتلاءم الجماعة بدقة ms021 مع فئة تحليلية معينة. وهذا الأمر لا ينطبق فقط على جماعات ~~العصور القديمة، بل على الدولة القومية الحديثة أيضا.» # 21 # خاتمة # يعيدنا هذا مرة أخرى إلى موضوع التعريف الذي لا مفر منه؛ إذ يبدو أنه عند محاولة ~~تقديم إجابة لسؤال: «متى تنشأ الأمة؟» ذلك السؤال الذي يبدو بريئا، فتح ووكر كونور ~~الباب لإجراء مزيد من الأبحاث المتعلقة بعدد هائل من المسائل، وهي مسائل متعلقة ~~بموارد النخب، ومشاركة العوام، والاستمرارية المؤسسية، والدين، والمقدسات، ~~والبدائية، والأقاليم. لكن لعل المسألة الأصعب من بين هذه المسائل هي تلك المتعلقة ~~بالتصنيفات والتعريفات نفسها التي نوظفها، وعلاقتها غير المؤكدة بالجماعات التي ~~نسعى إلى دراستها. وهذا يعني أننا لا يمكننا التهرب من المسألة المألوفة المتمثلة في ~~تحديد مفهوم الأمة. إن سؤال «متى تنشأ الأمة؟» في حد ذاته يتطلب محاولة سابقة لحل ~~السؤال المعقد والمألوف الخاص بعلم الاجتماع المتمثل في «ما الأمة؟» عندها فقط يمكننا ~~أن نلتفت إلى الموضوع المحوري المتعلق بالظروف التي نشأت الأمم في ظلها، وندرس التقاليد ~~الثقافية التي شكلت ظهورها. # الفصل الأول # | مفهوم الأمة وأشكالها المتنوعة # قبل الشروع في دراسة موضوعية لعلم الاجتماع التاريخي للأمم والقومية، يجب أن يكون لدينا ~~أولا فكرة واضحة عن الموضوعات التي ندرسها. ثانيا: ينبغي علينا دراسة العمليات الاجتماعية ~~والموارد الثقافية لتكون الأمم واستمراريتها. ثالثا: تتطلب مسألة أمم ما قبل الحداثة ~~نظرة تاريخية عميقة ودراسة ثقافية في علم أنساب الأمم تعود إلى الشرق الأدنى القديم والعالم ~~الكلاسيكي، إذا كنا سنقيم التقاليد التي تكونت من خلالها أنواع مختلفة من الهويات ~~القومية في أوائل العصر الحديث. تلك إذن مهام كل فصل من الفصول الثلاثة القادمة. # يرى التصور الحداثي للأمة أنها الشكل السياسي الأساسي للمجتمع البشري الحديث. بالنسبة ~~إلى معظم الحداثيين، فإن الأمة تتصف بما يلي: ~~(1) # إقليم واضح المعالم، ذو مركز ثابت وحدود مرسومة بوضوح ومراقبة. ~~(2) # نظام قانوني موحد، ومؤسسات قانونية مشتركة داخل إقليم معين، تخلق مجتمعا ~~قانونيا وسياسيا. ~~(3) # مشاركة من قبل كل الأعضاء أو «المواطنين» في الحياة الاجتماعية وسياسات ~~الأمة. ~~(4) # ثقافة عامة جماهيرية ms022 تنشر من خلال نظام تعليمي جماعي موحد عام. ~~(5) # حكم ذاتي جماعي راسخ في دولة إقليمية ذات سيادة لأمة معينة. ~~(6) # عضوية الأمة في نظام «دولي» لمجتمع الأمم. ~~(7) # إقرار شرعية الأمة ، إن لم يكن خلقها، من خلال أيديولوجية القومية. # هذا، بطبيعة الحال، نوع خالص أو مثالي لتصور الأمة الذي تتشابه معه ~~أمثلة بعينها، ويمثل معيارا للأمة في حالات محددة. وعلى هذا النحو، أصبح تقريبا وعلى ~~نحو مسلم به «المعيار» الحاسم الذي يمثل أي تصور آخر غيره انحرافا عنه. # 1 ~~(1) مشاكل التصور الحداثي # إلا أن الاستقصاء بمزيد من الكثب يكشف أن التصور الحداثي للأمة ذو خصوصية ~~تاريخية. وعلى هذا النحو، فإنه يتعلق فقط بشكل واحد من الأشكال التاريخية للمفهوم، وهو ~~«الأمة الحديثة». وهذا يعني أنه شكل مختلف معين من المفهوم العام للأمة، له سماته ~~الاستثنائية، التي قد يشترك في بعضها فقط أنواع أخرى أو أشكال مختلفة من المفهوم ~~العام. # هل يمكن أن نكون أكثر تحديدا فيما يخص أصل النوع المثالي ل «الأمة الحديثة»؟ إن ~~إلقاء نظرة على سماته البارزة - الإقليمية، والوحدة القانونية، والمشاركة، والثقافة ~~الجماهيرية والتعليم الجماعي، والسيادة، وغيرها - يضع هذا التصور مباشرة فيما يطلق ~~عليه التقليد «الإقليمي المدني» لأوروبا الغربية وأمريكا الشمالية في القرن الثامن عشر ~~وأوائل القرن التاسع عشر. لم يصبح تصور الأمة الذي تميز بالثقافة المدنية ~~العقلانية لعصر التنوير - لا سيما المرحلة الأخيرة منه المتعلقة بالاختيار ما بين ~~الأسلوب «الأسبرطي» وأسلوب «الكلاسيكية الحديثة» المرتبطة بالفلاسفة روسو وديدرو وديفيد ~~- شائعا إلا في عصر الثورات والحروب النابليونية. وكما وثق هانز كون منذ سنوات ~~عديدة، فإن هذا التصور للأمة ازدهر أساسا في تلك الأجزاء من العالم التي تولت فيها ~~الطبقة البرجوازية القوية مهمة الإطاحة بالحكم الملكي المتوارث والامتياز الأرستقراطي ~~من أجل «الأمة». ليس هذا هو نوع الأمة المتخيلة، ولا حتى المكونة، في أجزاء أخرى ~~كثيرة من العالم، كانت فيها تلك الظروف الاجتماعية أقل اكتمالا أو غائبة ~~تماما. # 2 # الآن، إذا كان مفهوم «الأمة الحديثة» وسماته الاستثنائية مستمدا من ظروف القرن ~~الثامن عشر وأوائل ms023 القرن التاسع عشر في الغرب، فإن النموذج المثالي الحداثي متحيز ~~حتما؛ لأنه يشير إلى نوع فرعي محدد من المفهوم العمومي للأمة، وهو نوع «الأمة ~~الحديثة»، وإلى نوع واحد فقط من القومية ، وهو نوع القومية الإقليمية المدنية. وهذا ~~يعني أن نسخة معينة من مفهوم عام تمثل النطاق الكامل من الأفكار التي يشملها ذلك ~~المفهوم؛ نسخة تحمل كل سمات الثقافة الخاصة بزمان ومكان معينين. وهذا يعني أيضا ~~أن التأكيد على حداثة الأمة ليس إلا إطنابا، وهو إطناب يستبعد أي تعريف منافس للأمة ~~يخرج عن إطار الحداثة والغرب. لقد أصبح التصور الغربي للأمة «الحديثة» مقياسا ~~لإدراكنا مفهوم الأمة «في حد ذاتها»؛ مما أسفر عن جعل كل التصورات الأخرى غير ~~مشروعة. # بعيدا عن الأسباب المنهجية، فإن ثمة عددا من الأسباب التي تستوجب رفض مثل هذا ~~الشرط التعسفي. في المقام الأول، مصطلح أمة باللاتينية «ناشيو» مشتق في نهاية الأمر ~~من فعل «ناشي» الذي يعني «يولد»، ولمعنى هذا المصطلح تاريخ طويل، إن لم يكن معقدا، ~~يعود إلى قدماء الإغريق والرومان. وكما رأينا، له استخدامه الذي لم يكن مقتصرا على ~~طلاب في جامعات العصور الوسطى يوصفون بناء على موقعهم الجغرافي، أو على أساقفة ~~مجتمعين في المجالس الكنسية ولدوا في أجزاء مختلفة من العالم المسيحي. إنه مستمد ~~من ترجمة الفولجاتا اللاتينية للعهد القديم والعهد الجديد، ومن كتابات آباء الكنيسة ~~الذين جعلوا اليهود والمسيحيين في مواجهة مع الأمم الأخرى الذين يطلق عليهم في ~~مجملهم «تا إثني» وتعني الأمميين. استخدمت الإغريقية القديمة نفسها مصطلح «إثنوس» لكل ~~أنواع الجماعات المشتركة في صفات متشابهة (وليس البشر فقط)، لكن المؤلفين أمثال هيرودوت ~~استخدموا أحيانا المصطلح الشبيه «جينوس». وفي هذا الصدد، لم نكن مختلفين عن اليهود ~~القدماء، الذين استخدموا في العموم مصطلح «آم» للإشارة إلى أنفسهم - آم إسرائيل - ~~واستخدموا مصطلح «جوي» للإشارة إلى الشعوب الأخرى، لكن هذا النمط لم يكن متسقا إلى ~~حد بعيد. كان الرومان أكثر اتساقا؛ إذ خصوا أنفسهم بتسمية «بوبيولوس رومانوس» - ~~وتعني الشعب الروماني - وخصصوا المصطلح الأقل أهمية «ناشيو» - ويعني أمة ms024 - للإشارة ~~إلى غيرهم، لا سيما القبائل البربرية البعيدة. إلا أنه مع الوقت أصبحت كلمة «ناشيو» ~~تشير إلى كل الشعوب، بما فيهم قوم المرء وعشيرته. لا يمكننا اعتبار استخدامات ما قبل ~~الحداثة لكلمة «ناشيو»/أمة استخدامات خاصة بوصف الأجناس البشرية على نحو صرف؛ فهي ~~على النقيض من المفهوم السياسي للاستخدام الحديث؛ لأن هذا لا يمثل على نحو كاف مجموعة ~~حالات العالم القديم وعالم العصور الوسطى التي جمعت بين كلا الاستخدامين، بداية من ~~إسرائيل القديمة. على الرغم من أن معاني المصطلحات تمر غالبا بتغيير كبير مع تعاقب ~~الأزمنة، فإننا ما زلنا عاجزين عن صرف النظر بسهولة عن التاريخ الطويل للاستخدامين ~~السابقين للمصطلح قبل ظهور الحداثة. # 3 # تتعلق مشكلة أخرى بالتصور الحداثي ل «أمة العوام». لقد تناولنا ذلك جزئيا فيما ~~يتعلق بفرضية ووكر كونور التي تقول إن مشاركة العوام في حياة الأمة هي معيار وجودها؛ ~~ومن ثم، في ظل الحكم الديمقراطي، فإنه توجد حاجة إلى منح حق التصويت لأغلبية السكان ~~كشرط لوصفها بالأمة. إلا أن الأمر يتجاوز هذا الموضوع بعينه. يعتبر الحداثيون أمثال ~~كارل دويتش، وإرنست جيلنر، ومايكل مان «أمة العوام» الشكل الأصلي فقط للأمة؛ ونتيجة ~~لذلك يتعاملون مع الأمة على أنها ظاهرة حديثة تماما. وبطبيعة الحال، فإن واضعي ~~النظريات مؤهلون على نحو تام لوصف ظاهرة معينة - «أمة العوام» في هذه الحالة - بأنها ~~«الحقيقة» السياسية الوحيدة، واعتبار كل نسخة أخرى ثانوية وغير حقيقية، إن لم تكن مضلة. ~~إلا أنه إذا استطاع مؤرخو العصور الوسطى إظهار الأساس التاريخي والأهمية التاريخية ~~للنسخ الأخرى، وهذه بالضبط نقطة محل بحث من قبل أتباع فلسفة الحكمة الخالدة الجديدة، ~~فإن موقف الحداثيين يصبح مرة أخرى متعسفا ومقيدا على نحو غير ضروري. وهذا ينطبق ~~أيضا على الزعم الأضعف القائل إن أمة العوام الحديثة هي النسخة «الأكثر تطورا» للأمة، ~~وأن كل النسخ الأخرى ناقصة إلى حد ما، هل هذا يعني أننا لا يمكننا التفكير في أنواع ~~أخرى من الأمم استبعد منها العوام؟ على أي حال، حتى وقت طويل في الحقبة المعاصرة ~~قليل ms025 من الأمم المعروفة يمكن وصفه بأنه «أمم عوام»؛ لأن أعضاء كثيرين من سكانها، لا ~~سيما الطبقة العاملة والنساء والأقليات العرقية، ظلوا فعليا مستبعدين من ممارسة ~~الحقوق المدنية والسياسية؛ لذلك، يجب على الأقل أن نكون مستعدين لقبول احتمالية وجود ~~أنواع أخرى من «الأمم» بعيدا عن «أمم العوام». # 4 # ثمة مشكلة أخرى تنبع من التأكيد الحداثي الشائع القائل إن الأمم ناتجة عن ~~القوميات (بمساعدة الدولة أو دون مساعدتها)، ونظرا لأن «القومية»، باعتبارها حركة ~~أيديولوجية، لم تظهر قبل القرن الثامن عشر، فالأمم لا بد أن تكون حديثة أيضا. إلا أننا ~~حتى لو قبلنا أن القومية، باعتبارها أيديولوجية منهجية، لم تظهر قبل القرن الثامن عشر، ~~فإن افتراض أن القوميين فقط هم من يكونون الأمم هو افتراض مشكوك فيه، وهذا صحيح حتى ~~لو عرفنا حركة القومية «الأيديولوجية»، بالإضافة إلى الأيديولوجيات الأخرى بمصطلحات ~~«حداثية» نسبيا، وأعتقد أننا يجب أن نفعل ذلك فقط من أجل تجنب الخلط بينها وبين ~~مفاهيم أكثر عمومية مثل مفهوم «الحس الوطني» أو مفهوم «الوعي الوطني». # الآن، عند قول «القومية» فإنني أقصد «حركة أيديولوجية للحصول على الاستقلال الذاتي ~~والوحدة والهوية والحفاظ عليها نيابة عن سكان يعتقد بعض أفراد منهم أنهم يكونون ~~أمة فعلية أو محتملة.» وبالمثل، أعتقد أننا نستطيع تحديد «عقيدة أساسية» للقومية؛ أي ~~مجموعة مبادئ عامة يتمسك بها القوميون، على النحو الآتي: ~~(1) # العالم مقسم إلى أمم، لكل منها تاريخها، ومصيرها، وشخصيتها. ~~(2) # الأمة هي المصدر الوحيد للسلطة السياسية. ~~(3) # من أجل الحرية لا بد أن ينتمي كل فرد إلى الأمة ويمنحها ولاء ~~أساسيا. ~~(4) # يجب أن تمتلك الأمم أقصى قدر من الاستقلال الذاتي والتعبير عن ~~الذات. ~~(5) # العالم العادل والسلمي يجب أن يكون قائما على تعددية من الأمم الحرة. # على هذا النحو، لم يتبن الكتاب والمفكرون في أوروبا الغربية ~~وأوروبا الوسطى من روسو وهيردر إلى فيشته وماتسيني أيديولوجيات «القومية» إلا في أواخر ~~القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر؛ ومن ثم، فإن القومية مذهب حديث، والعلامة ~~الأيديولوجية المميزة لتلك الحداثة تكمن في الافتراضات الحديثة نسبيا المتعلقة ms026 ~~بالاستقلال السياسي والأصالة التي يقوم عليها هذا المذهب، وطريقة تضافرها مع ~~الأنثروبولوجيا السياسية. # 5 # إلا أن هذا لا يجعلنا ننكر أن بعض عناصر ذلك المذهب تعود إلى أبعد من ذلك ~~بكثير. على سبيل المثال، كانت أفكار الأمة والمجاملات الدولية حاضرة بوضوح في مجمع ~~كونستانس عام 1415، ويمكننا العثور على الكثير من الإشارات إلى الأمم وعلاقاتها في ~~قرون سابقة، تعود إلى العصر القديم، حتى لو كان تفسيرها يمثل مشاكل خطيرة. هذا يعني ~~أن بعض التصورات عن الأمة تسبق بعدة قرون ظهور القومية وتفسيراتها الخاصة للأمة؛ ~~ونتيجة لذلك فإن مفهوم الأمة لا يمكن أن يكون مشتقا ببساطة من أيديولوجية ~~«القومية». إن قصر مفهوم الأمة وممارسته على عصر القومية، واعتبارهما من نتائج هذه ~~الأيديولوجية الحديثة، هو مرة أخرى تعسف وتقييد زائد عن الحد. # 6 # إلا أن أخطر عيوب النوع المثالي الحداثي ل «الأمة الحديثة» قد يكون التعصب ~~العرقي المتأصل. وقد أدرك كثير من أصحاب النظرية هذا الأمر بطبيعة الحال. ورغم ذلك، فقد ~~استمروا في التعامل مع النوع الإقليمي المدني من الأمة الحديثة وقوميتها على أنها ~~المعيار، واعتبروا الأنواع الأخرى انحرافات. وكان هذا هو أساس تقسيم القوميات إلى ~~«غربية» و«غير غربية» المذكور سابقا الذي قدمه هانز كون ولاقى احتفاء. القوميات غير ~~الغربية، على النقيض من نظائرها العقلانية، المستنيرة، الليبرالية، تميل إلى أن تكون ~~عضوية، وصاخبة، وسلطوية، وصوفية غالبا، وتلك مظاهر تقليدية لنخبة مثقفة ضعيفة ~~ومعزولة. وكان من بين المنظرين الذين اتبعوا تقسيم كوهن جون كل من بلاميناتس، ~~وهيو سيتون واتسون، ومايكل إيجناتياف، وكثير غيرهم ممن يرون أن الفرق الشائع بين ~~القوميات «المدنية» والقوميات «العرقية» يتضمن هذا التقليد المعياري. # 7 # الآن، على الرغم من أن هؤلاء المنظرين قد يعترفون بأن القوميات «العرقية» تتشارك ~~مع القوميات «المدنية» في بعض سمات مثل الارتباطات الجماعية ب «الوطن»، بالإضافة إلى ~~مثل الاستقلال الذاتي والمواطنة بالنسبة إلى «الشعب»، فإنهم يسلطون الضوء أيضا ~~على اختلافات كبيرة جدا. في النسخة «العرقية» من القومية، تعتبر الأمة ممتلكة لما ~~يلي: ~~(1) # روابط النسب: على نحو أكثر ms027 تحديدا، هي روابط مفترضة بسلالة عرقية تعود ~~عبر الأجيال إلى سلف مشترك واحد أو أكثر؛ ومن ثم وجود عضوية في الأمة من ~~ناحية الأصل المفترض. ~~(2) # ثقافة محلية: ثقافة ليست عامة ومميزة فحسب، بل أيضا أصيلة في الأرض ~~والشعب من ناحية اللغة والتقاليد والدين والفنون. ~~(3) # تاريخ للسكان الأصليين: إيمان بفضائل التاريخ الأصلي وتفسيره الخاص ~~لتاريخ الأمة ومكانتها في العالم. ~~(4) # الحشد الشعبي: إيمان بأصالة «الشعب» وطاقته وقيمه، والحاجة إلى إثارة ~~الشعب وتحفيزه لخلق ثقافة وطنية وكيان سياسي وطني حقا. # هذا يدل على أن الأمة، من منظور القوميين العرقيين، موجودة بالفعل ~~عند ظهور كل من الحداثة والقومية في شكل جماعات عرقية قائمة من قبل متاحة وجاهزة ~~لدفعها إلى عالم الأمم السياسية، إن جاز التعبير؛ لذلك، في ظل نظرة أتباع فلسفة الحكمة ~~الخالدة الحديثة على سبيل المثال، فإن الأمة العربية، المنحدرة من قبائل تتحدث العربية ~~في شبه الجزيرة العربية، استمرت عبر التاريخ، على الأقل منذ وقت النبي، وتظهر السمات ~~التقليدية للأمة «العرقية» المتمثلة في روابط الأصل النسبي المفترض، وثقافة محلية أصلية ~~تقليدية (أبرزها الثقافة العربية القرآنية)، وتاريخ عرقي عربي أصيل، ومثال «العرب» ~~المسلمين الذين يحتذى بهم بوصفهم مصدر الحكمة والفضيلة والذين يجب تعبئتهم فحسب من أجل ~~تحقيق الاستقلال السياسي. في هذه الحالة والحالات المشابهة، نشهد فشل الحداثة في تضمين ~~هذا التصور العرقي للأمة المختلف كثيرا، وهذا الفشل بدوره نابع من رفضها النظري لأي ~~ربط ضروري بين العرقية والأمة. # 8 ~~(2) الفئة والوصف # من المشاكل الرئيسية للتصور الحداثي فشله في إدراك أن مصطلح «الأمة» يستخدم ~~بطريقتين مختلفتين تماما؛ فهو، من ناحية، يدل على فئة تحليلية تميز بين الأمة ~~وغيرها من فئات الهوية الثقافية الجمعية الأخرى المشابهة، ومن ناحية أخرى، يستخدم ~~باعتباره مصطلحا وصفيا يعدد سمات نوع تاريخي من المجتمع البشري. ويزيد من صعوبة ~~هذه المشكلة حقيقة أن النوع التاريخي من المجتمع البشري الذي يدل عليه مصطلح «الأمة» ~~إما ثقافي أو سياسي أو كلاهما، وهذا يعني أنه يصف نوعا من المجتمعات البشرية يعتقد ~~أنه يملك هوية ثقافية ms028 جمعية أو هوية سياسية جمعية، أو كلتيهما. # 9 # بالطبع لا يوجد شيء غير صحيح في استخدام مصطلحات مثل «الأمة» لوصف سمات أنواع معينة ~~من المجتمع التاريخي. بل تنشأ المشكلة عندما يقيد الوصف على نحو تعسفي نطاق الأمثلة ~~التي يمكن إدراجها تحت النوع المثالي للأمة الذي يعتبر فئة تحليلية. وبطبيعة الحال، ~~فإن تحديد إلى أي مدى تبلغ خطورة هذا العيب هو مسألة خاضعة للتقدير الشخصي. إلا أنني ~~أعتقد أن معظم الحداثيين، من منطلق موقفهم النظري، قد بالغوا في التوجه نحو التقييد ~~التعسفي وغير الضروري للمصطلح. فلو أنهم اكتفوا بوصف مجموعة فرعية من الفئة العامة ~~للأمة، أي «الأمة الحديثة»، لما وجدت مشكلة. إلا أنهم يواصلون التأكيد على أن هذه ~~المجموعة الفرعية تمثل الكل، وهنا يصبح المصطلح التاريخي الوصفي متداخلا مع فئة ~~تحليلية عامة. وهذا لا يعني تبني منهج فلسفة الحكمة الخالدة الجديدة الذي قد يصعب ~~علينا التمييز بين النوع القومي وغيره من أنواع الهوية الثقافية أو السياسية الجمعية ~~الأخرى، أو تحديد أمثلة المجتمعات والهويات التي تندرج تحت وصف «قومي». وهذه هي بالضبط ~~نوعيات الفروق التي قد يمكننا تمييزها من خلال محاولة إبقاء «الأمة» باعتبارها فئة ~~تحليلية منفصلة عن استخدامها كمصطلح وصفي. # 10 # نظرا للتبعات المعقدة لمفهوم الأمة، فإن فصل الفئة التحليلية عن الوصف التاريخي ~~للأمة ليس بالمهمة السهلة؛ فالاستخدام الوصفي للمصطلح سيكون ضروريا كي نعدد سمات ~~الأنواع الفرعية المختلفة للأمة باعتبارها فئة عامة. إلا أننا قبل الشروع في هذا الوصف ~~التاريخي نحتاج إلى فهم واضح للأمة باعتبارها فئة تحليلية عامة مختلفة عن الفئات ~~الأخرى ذات الصلة. # ومن ثم، فالخطوة الأولى هي تحديد مفهوم الأمة في إطار نموذجي مثالي؛ ومن ثم ~~إدراك الطبيعة الثابتة للفئة التحليلية بصفتها نموذجا مثاليا يتجاوز الحدود ~~التاريخية. في هذا الصدد، يمثل مصطلح «أمة» فئة تحليلية تقوم على عمليات اجتماعية ~~عامة «يمكن» من الناحية النظرية أن تتمثل في أي فترة من فترات التاريخ. من خلال التمييز ~~بين الأمة باعتبارها فئة تحليلية وفئات الهوية الجمعية الأخرى، يمكن أن نتجنب وصف ms029 كل ~~أنواع المجتمعات والهويات بأنها «أمم». وفي الوقت نفسه، يتيح هذا الإجراء فرصة لتخليص ~~فئة الأمة هذه من القيود غير الضرورية، وتتيح إمكانية العثور على أمثلة للأمة قبل العصر ~~الحديث وخارج نطاق الغرب، إذا أشارت الأدلة إلى ذلك؛ ومن ثم، فإن مفهوم الأمة، مثل ~~مفهوم الجماعة الدينية والانتماء العرقي، يجب أن يعامل في المقام الأول كفئة تحليلية ~~عامة، من الممكن تطبيقها من الناحية النظرية على كل القارات وكل الفترات التاريخية. من ~~ناحية أخرى، فإن مضمون «الأمة»، كنوع تاريخي من المجتمعات البشرية، ممثل في سمات ~~محددة لأنواعها الفرعية، سوف يختلف باختلاف السياق التاريخي. فمع كل حقبة يمكننا أن ~~نتوقع اختلافات مهمة في سمات الأمم، لكنها سوف تتفق رغم ذلك مع النوع الأساسي للفئة. ~~ونظرا لأن النموذج المثالي للأمة يمثل في الوقت نفسه فئة تحليلية قائمة على عمليات ~~اجتماعية عامة، وأيضا نوعا تاريخيا من المجتمعات البشرية يتميز إما بهوية ثقافية ~~جمعية أو هوية سياسية جمعية أو كلتيهما معا، فمن المحتم أن يكون هذا النموذج ~~المثالي من الأمة معقدا وإشكاليا؛ ولهذا السبب يكون بناؤه مهمة صعبة محاطة بالشكوك، ~~ويتضمن بالضرورة عنصرا اشتراطيا. # 11 # من هذا المنطلق، أقدم التعريف النموذجي المثالي التالي ل «الأمة»؛ إنها «مجتمع بشري ~~له تسمية وتعريف ذاتي، يبني أفراده أساطير وذكريات ورموزا وقيما وتقاليد مشتركة، ~~ويقطنون موطنا تاريخيا يتماهون معه، ويخلقون ثقافة عامة مميزة وينشرونها، ويلتزمون ~~بأعراف وقوانين عامة مشتركة.» وعلى نحو مشابه، من الممكن أن نعرف «الهوية القومية» ~~بأنها «إعادة إنتاج وإعادة تفسير مستمرتان لنمط القيم، والرموز، والذكريات، والأساطير، ~~والتقاليد التي تكون التراث المميز للأمم، وتماهي الأفراد مع ذلك النمط وذلك ~~التراث.» # 12 # ثمة ثلاثة افتراضات هي التي أدت إلى اختيار سمات النموذج المثالي؛ الافتراض ~~الأول هو: محورية العمليات الاجتماعية والمصادر الرمزية في تكوين الأمم واستمراريتها، ~~ومنحها شخصيتها المميزة والمرنة. الافتراض الثاني هو: أن كثيرا من سمات النموذج ~~المثالي مشتق من رموز، وتقاليد، وأساطير عرقية، وعرقية دينية سابقة، وأن الذكريات ~~المشتركة بين السكان لا بد أن تكون متشابهة أو ms030 مترابطة. وكلا الافتراضين معا يجيبان ~~عن سؤال: «ما الأمة؟» أي ما الشخصية الفريدة للأمة التاريخية؟ أما الافتراض الثالث، فهو ~~أن تلك العمليات الاجتماعية والمصادر الرمزية، رغم خضوعها للتغيير الدوري، فإن صداها ~~يمكن أن يتردد بين الجماعة السكانية على مدار فترات طويلة من الزمن. وهذا يعني أن ~~تحليلنا لتكون الأمم واستمرارها يتطلب، كما بين جون أرمسترونج جيدا، دراسة ~~تدقيقية للعمليات الاجتماعية والرمزية عبر الحقب التاريخية المتعاقبة على «المدى ~~الطويل». # 13 # إن الإصرار على تحليل العناصر الاجتماعية والثقافية على المدى الطويل يعني، في المقام ~~الأول، معاملة الأمم على نحو منفصل عن «القومية»، وأن تكوين الأمم ينبغي أن يدرس ~~بمعزل عن نشأة الحركة الأيديولوجية المتمثلة في القومية. ثانيا: من خلال الجمع بين ~~الماضي (التاريخ)، والحاضر، والمستقبل (المصير)، يصبح الطريق مفتوحا أمام تحليل طويل ~~المدى لظاهرتي العرقية والقومية عبر حقب مختلفة. وهذا بدوره قد يشير إلى طرق مختلفة ~~يمكن من خلالها ربط السمات الاجتماعية والثقافية ل «العرقيات» (الجماعات العرقية) ~~والأمم. # توجد ثلاث طرق أساسية يمكن من خلالها تحقيق هذه الروابط. أوضح هذه الطرق، وهي الطريقة ~~التي ينتهجها معظم مؤرخي الأمم والدول، هي من خلال «استمرارية» الشكل، إن لم يكن ~~المضمون. في هذا الصدد، نتحدث عادة عن الروابط بين مجتمعات العصور الوسطى (نادرا ما ~~تكون مجتمعات العصور القديمة) وبين «الأمم الحديثة». وكما سنرى، حتى مؤرخو مجتمعات ~~العصور الوسطى والقديمة يميلون إلى قياس مستوى «الأمة» بمقياس خصائص «الدولة الحديثة»؛ ~~وذلك فقط من أجل إنكار وجود الأمم في فترة تلك المجتمعات. يتضمن هذا نوعا آخر من ~~«القومية الاسترجاعية»، وفيها يعتبر الماضي مرآة للحاضر كما يقول بروس روتليدج؛ ومن ~~ثم، فالطريقة العادية لزعم استمرارية أمم معينة هو تتبع أنساب الشكل الحديث للأمة ~~وجذوره حتى العصور الوسطى، بالطريقة التي نصح بها أدريان هستنجز وأتباع فلسفة الحكمة ~~الخالدة الجديدة لأوروبا الغربية. وكبديل آخر، يمكن للمرء أن يزعم أن بعض هذه الأمم ~~الحديثة اعتمدت على السمات والمصادر الاجتماعية والرمزية ل «عرقيات» سابقة يزعمون أن ~~صلة قرابة تربطهم بها، ويشعرون أنهم أسلافهم؛ ms031 ذلك الزعم الذي زعمه أنصار السلافية ~~وغيرهم في أواخر عهد روسيا القيصرية عندما أعربوا عن وجود صلة قرابة قوية تجمعهم بدوقية ~~موسكو القديمة (قبل عصر بطرس الأكبر)، وجماعة إحيائيي الغال الذين عثروا على مصادر ~~الأمة الأيرلندية الحديثة ممثلة في ثقافة الرهبنة المسيحية في أيرلندا في العصور ~~الوسطى المبكرة. في مثل هذه الحالات، يشكل فهم الماضي العرقي تصورات الحاضر ~~اللاحقة بقدر ما يختار الحاضر من سمات ذلك الماضي، ومهمة المحلل هي محاولة إجراء نوع ~~من التقييم للروابط التاريخية الموثقة، وكذلك الانقطاعات. # 14 # يتطرق النوع الثاني من الارتباط على «المدى الطويل» لفكرة «تكرر» الأشكال العرقية ~~والقومية، بالإضافة إلى عناصرها الثقافية الاجتماعية الأساسية، على كل من المستوى ~~الخاص والمستوى العام. ومن هذا المنظور، فإن كل الأمم وكذلك «العرقيات»، بالإضافة إلى ~~الأنواع الأخرى من الهويات الجمعية الثقافية أو السياسية، هي ظواهر متكررة الحدوث؛ ~~بمعنى أنها نماذج من المجتمع الثقافي والتنظيم السياسي الذي يمكن أن يوجد في كل فترة ~~وفي كل قارة، والمعرضة لمد وجزر لا يتوقفان، فتظهر وتزدهر، ثم تتدهور وتختفي مرة أخرى، ~~لتظهر مرة أخرى في بعض الحالات (بمساعدة القوميين أو دون مساعدتهم). مرة أخرى، يجب أن ~~نلتفت إلى صفحات جون أرمسترونج من مجلده الهائل وعرضه الشامل للهويات العرقية والعناصر ~~المكونة لها في العالم المسيحي والعالم الإسلامي في العصور الوسطى؛ لكي نفهم كلا من ~~استمرارية وتكرر الهويات العرقية والقومية على «المدى الطويل». # 15 # أخيرا، يمكن تحقيق الروابط بين الماضي والحاضر من خلال «اكتشاف» التاريخ العرقي ~~و«الاستحواذ» عليه. وهذا موضوع مألوف في الأدبيات التي تناولت القومية، يوجد عادة في ~~الفصول التي تتحدث عن «الصحوة القومية» أو «الإحياء». إن المفكرين، بصفتهم كهنة الأمة ~~الجدد وكتبتها، يوضحون فئة المجتمع القومي؛ ولهذا السبب يختارون السمات الرمزية ~~والاجتماعية من الثقافات العرقية السابقة التي من المفترض أنها «مرتبطة» بمجتمعاتهم ~~وسكانهم المحددين. ويحدث هذا غالبا من خلال اختيار لهجات أو تقاليد أو تراث شعبي أو ~~موسيقى أو شعر من العناصر المحلية البارزة الخاصة لتمثل الأمة كلها، كما حدث في أجزاء ms032 ~~من أوروبا الشرقية. المعيار هنا هو مذهب «الأصالة»، فمن أجل إعادة بناء المجتمع كأمة ~~أصيلة صرف، يصبح من الضروري اكتشاف واستخدام السمات الثقافية التي يبدو أنها أصيلة ~~وأصلية تماما، وغير متأثرة بالتراكمات الأجنبية أو التأثير الأجنبي، والتي تمثل ~~المجتمع «في أفضل صوره». الأمر المثير هو أن مثل هذه المذاهب لها مثيلاتها في فترة ما ~~قبل الحداثة. سعت معظم حركات ما قبل الحداثة إلى خلق مجتمعات تحاكي رؤى من ثقافات ~~عرقية دينية سابقة، مثل: رغبة آشور بانيبال الشديدة في إعادة خلق حضارة بابلية عظمى في ~~أواخر عهد الإمبراطورية الآشورية، أو استحضار كسرى الثاني للأسطورة والطقوس والتقاليد ~~الإيرانية الأصلية في أواخر عهد الدولة الساسانية في بلاد فارس. إلا أننا وجدنا أيضا ~~في أواخر عهد الجمهورية الرومانية أكثر من مجرد رغبة نابعة من الحنين إلى الماضي ~~لاسترجاع الطرق الأصلية والعقيدة البسيطة الخاصة بالأسلاف والأجيال السابقة، إلى أشخاص ~~من أمثال كاتو الأصغر وسكيبيو الأفريقي، من أجل اكتشاف ماض عرقي مبجل وفضيل والاستحواذ ~~عليه. # 16 ~~(3) الأمة باعتبارها موردا ثقافيا # سألتفت الآن للاستخدام الرئيسي الثاني لمفهوم «الأمة»، كمصطلح وصفي لشكل من أشكال ~~المجتمعات البشرية التاريخية. تتمثل السمة البارزة للأمة بوصفها شكلا من المجتمعات ~~يتسم بالهوية الثقافية أو السياسية أو كلتيهما معا في دورها كنموذج لتنظيم اجتماعي ~~ثقافي. إذا كان يتعين اعتبار الأمة فئة تحليلية على المستوى المفاهيمي، فمن الممكن ~~اعتبارها أيضا على المستوى التاريخي المجرد موردا اجتماعيا وثقافيا، أو من الأفضل ~~اعتبارها مجموعة مصادر ونموذجا يمكن استخدامهما بطرق مختلفة وفي ظروف متنوعة؛ فكما ~~كانت إمبراطورية هان في الصين والإمبراطورية الأكدية في بلاد الرافدين نموذجين ~~ومصدرين ثقافيين لمحاولات لاحقة لبناء إمبراطوريات في تلك المناطق وغيرها، فإن ~~مملكتي إسرائيل ويهوذا، والدول المدن في أثينا القديمة وأسبرطة والجمهورية الرومانية ~~مثلت جميعا نماذج وأدلة يهتدى بها لمجتمعات لاحقة. وهذا ليس من أجل الحكم مسبقا على ~~سؤال ما إذا كانت تلك المجتمعات نفسها من الممكن وصفها بأنها مجتمعات «قومية»، أو إلى ~~أي مدى يمكن وصفها بذلك، فقط من أجل القول بأن ms033 كثيرا من الأمم اللاحقة نظر إلى تلك ~~الأمثلة كنماذج للأمة وأخذ منها مصادر معينة: مثلا ومعتقدات وانتماءات، واعتبرها ~~أيضا نماذج للتنظيم الاجتماعي والثقافي. # لعل أفضل مثال على ما يجول في خاطري هو القبول الأوروبي لروايات الكتاب المقدس عن ~~إسرائيل القديمة، وهذه نقطة أوضحها هستنجز لكنه لم يستفض فيها على نحو كاف. إن ~~المسيحية لم تأخذ فحسب نموذج الكيان السياسي في العهد القديم - مملكة إسرائيل القديمة ~~كما زعم - بل إن حكام العصور الوسطى ونخب الإمبراطوريات، والممالك، والإمارات في ~~أوروبا من إنجلترا وفرنسا إلى بوهيميا ودوقية موسكو، وأيضا الكنائس والجامعات؛ أخذوا ~~واستخدموا الأفكار والمعتقدات والارتباطات الخاصة بمجتمع بني إسرائيل القديم الذي ~~«أصبحوا» يدركون أنه مجتمع «قومي». وقبل الإصلاح البروتستانتي بوقت طويل، أصبحت ~~إسرائيل القديمة تمثل النموذج والدليل نحو خلق جماعاتهم المختارة وأقاليمهم التاريخية، ~~ونشر ثقافاتهم المميزة. # 17 # كيف يمكن - من الناحية العملية - إثبات أن المجتمعات السابقة تمثل مصادر ونماذج ~~للمجتمعات اللاحقة؟ توضح حالة إسرائيل القديمة أهمية النصوص المقدسة، وتوضح أيضا أهمية ~~القوانين والطقوس والمراسم والصلوات الموصوفة في تلك النصوص. من أنواع المصادر الثقافية ~~الأخرى التقاليد والأعراف، والرموز مثل الكلمات والألقاب، واللغات وأنظمة الكتابة، ~~والأعمال الفنية مثل المسلات والمعابد، والرايات والشارات، والأيقونات والتماثيل، ~~والموضوعات والأساليب الفنية الأكثر عمومية، مثل تلك التي تخص الحضارتين الإغريقية ~~والرومانية، اللتين شهدتا إحياء وتجديدا في حقب لاحقة. على الرغم من أن هذه المصادر ~~العامة يمكن أن تستخدم في مجموعة متنوعة من المجتمعات وليس الأمم، فإن الفكرة ~~الأساسية هي أنها كانت موجودة بالفعل، وبعضها كان مرتبطا بمجتمعات بدت، من بعد، ~~مشابهة لأمم أوروبا اللاحقة الطموحة واستطاعت أن تكون نماذج يقتدى بها لهذه الأمم. ~~ربما لم تكن الرسائل المرتبطة بتلك النصوص والطقوس والرموز والأعمال الفنية هي الرسائل ~~الأصلية لمن ابتدعوها أو لمستخدميها الأصليين، وربما كان تذكر هذه الموارد انتقائيا ~~إلى حد بعيد. ورغم ذلك، فإن صداها ظل يتردد بين نخب الأجيال المتعاقبة كموروثات ~~ثقافية وعناصر اجتماعية قادرة على أن تمثل مصادر مقدسة للهوية الجمعية للأمم. # 18 ~~(4) الأمة باعتبارها «مجتمعا ماديا» ms034 # ما قلته حتى الآن هو ضرورة التمييز بين «الأمة» باعتبارها فئة عامة وبين المظاهر ~~التاريخية للأمة باعتبارها مجتمعا بشريا يتخذ أشكالا مختلفة، ويكشف عن سمات متعددة ~~في حقب مختلفة بالإضافة إلى السمات الأساسية للنموذج المثالي. في هذا الاستخدام الثاني ~~لمصطلح الأمة، باعتبارها نوعا من أنواع المجتمعات البشرية يتميز بهوية ثقافية أو ~~سياسية أو كلتيهما، يمكن أن نعتبرها مجموعة من المصادر الاجتماعية والثقافية التي يمكن ~~أن يوظفها أفرادها، فتمكنهم - بدرجات متفاوتة - من التعبير عن اهتماماتهم ~~واحتياجاتهم وأهدافهم؛ وهذا يعني أننا يمكننا أيضا أن نصف الأمة بأنها «مجتمع» ~~يتخيله أفراده ويريدونه ويحسونه. # مثل هذه اللغة تثير الشكوك حتما في الجوهرية والتشيؤ، حتى عندما ندرك أنها تمثل ~~اختصارا لجمل عن أعداد كبيرة لأفراد وسياقاتهم المعيارية. يقال إن الأمم لا تمثل ~~مجتمعات كبيرة متجانسة مستمرة ذات سمات ثابتة واحتياجات أساسية، بل مجرد فئات عملية ~~تفرضها دول حريصة على تصنيف أعداد كبيرة من سكانها والإشارة لهم بطرق مناسبة، مثل ما ~~حاولت سياسات الجنسيات السوفييتية السابقة فعله وحققته إلى حد ما. في الحقيقة، وفقا ~~لوجهة النظر التي قدمها روجرز بروبيكر، فإننا يجب ألا نحلل الأمم على الإطلاق في ~~حقيقة الأمر، بل نحلل القوميات، ونعامل «الأمم» على أنها ممارسات مؤسسية، وفئات، وأحداث ~~محتملة الوقوع. # 19 # إلا أن هذا يجعلنا نغفل عن أمر مهم أثناء تغاضينا عن أمر غير مهم؛ فبعيدا عن ~~محاباة الدولة (بوصفها في حد ذاتها فكرة في وجدان شعبها)، فإن هذا إغفال تام عن ~~تصورات ومشاعر والتزامات أعداد كبيرة من الناس تجاه «أممهم»؛ مما يصعب مثلا شرح ~~السبب وراء استعداد كثير من الأشخاص لتقديم تضحيات كبيرة (بما فيها التضحية بحياتهم ~~نفسها) من أجل أممهم، إلا لو كان ذلك بسبب الإكراه الجماعي. لكي نحاول استبيان السبب في ~~أن الأمم والهويات القومية تبدو مميزة وملزمة وراسخة في قلوب وعقول كثير من أفرادها، ~~لسنا مضطرين لتبني تصورات ومشاعر أعضاء الأمم كفئات لتحليلنا، فضلا عن استخدامها ~~بطبيعة الحال، ولسنا مضطرين لافتراض أن الأمم متجانسة، وبالتأكيد لسنا مضطرين لافتراض ~~أن ms035 لها «جوهرا» أو «مقومات أساسية» أو «طبيعة ثابتة». بيد أننا يجب أن ندرك أن ~~أفراد الأمم المتماثلين هم من يتخيلون، ويريدون، ويشعرون بالمجتمع، على الرغم من أنهم ~~يفعلون ذلك في الغالب داخل حدود اجتماعية وثقافية معينة. وبحسب ما وثق مايكل بيليج، ~~نظرا لأن المؤسسات والتقاليد والطقوس والخطابات القومية تستمر عبر الأجيال، فإن كثيرا ~~من الناس يميلون إلى قبول الضوابط والتصورات الأساسية لمجتمعاتهم المأخوذة عن ~~أسلافهم. # 20 # ليس المقصود الإيحاء بأن الأمم التاريخية لم تمر بكثير من الصراعات والتغييرات، أو ~~أن «مصائرها» لم تكن مركز تنافس النخب وتسابق العامة؛ فمثل كل المجتمعات ~~والهويات، تخضع الأمم والهويات القومية بصورة دورية إلى إعادة تفسير لمعانيها وإلى ~~تغييرات في الهياكل والحدود الاجتماعية، وهذا بدوره يغير محتويات ثقافاتها. ويجب ألا ~~نتخيل أن الهويات القومية لا تقف في تحد مستمر مع أنواع أخرى من الهويات ~~الجمعية؛ كهوية الأسرة، والمنطقة، والدين، والطبقة، والنوع، بالإضافة إلى الانتماءات ~~فوق القومية والحضارات الدينية. بيد أن هذين التحذيرين لا يلهيان عن التأثير ~~التاريخي للأمم باعتبارها مجتمعات «نعيشها ونحسها». مما لا شك فيه أن القومية على ~~المستوى «الفردي» ليست إلا مجرد واحدة من عدد من الهويات، لكنها الهوية التي يمكن ~~أن تكون الفاصلة والحاسمة في الغالب. قد يمتلك الأفراد «هويات متعددة» وينتقلون من دور ~~لآخر ومن هوية لأخرى، حسبما يتطلب الموقف، إلا أن الهويات «القومية» يمكن أيضا أن ~~تكون «متغلغلة» فتتضمن، وتشمل، وتصبغ كل الأدوار والهويات الأخرى، ولا سيما في ~~أوقات الأزمات. علاوة على ذلك، لا يبدو أن أي نوع آخر من الهويات - باستثناء الدين - ~~أو المجتمعات يثير قدرا أكبر من الشغف والالتزام، بما في ذلك التضحية الجماعية ~~بالأرواح، أكثر من مجتمع الأمة. # 21 # على المستوى «الجمعي»، فإن دور الأمة وتأثيرها لأكثر إثارة للدهشة. في هذا الصدد، ~~يمكن أن نتحدث عن الصمود على المدى الطويل في وجه التغيرات في كل من «العرقيات» ~~والأمم، وهذا أمر لا يمكن أن ينبع ببساطة من اختيارات أفراد هذه الأمم والعرقيات ~~وميولهم؛ وذلك أننا مثلما لا نستطيع ms036 قراءة شخصية أفراد الأمة من ثقافتها السياسية، ~~فإننا كذلك لا نستطيع استنتاج الثقافة السياسية للأمة من الناتج الإجمالي لاختيارات ~~أفرادها أو طباعهم؛ لأن الثقافات السياسية ل «العرقيات» والأمم لها أعرافها وتقاليدها، ~~ورموزها وقوانين التواصل الخاصة بها. وهذا يساعد في تفسير حقيقة أن المجتمعات العرقية ~~والأمم يمكن أن تصمد عبر فترات طويلة، على الرغم من هجرة أعداد كبيرة من أفرادها، أو ~~تعرضهم للإبادة الثقافية، أو الإبادة الجماعية، ولماذا يمكن أن تستمر الثقافات حتى في ~~غياب معظم ممارسيها. فبعد وقت طويل من تدمير قرطاجة في نهاية الأمر عام 146 قبل ~~الميلاد وبيع سكانها في سوق العبيد، استمرت الثقافة البونيقية في شمال أفريقيا، حتى ~~القرن الخامس الميلادي. # 22 ~~(5) مجتمع سياسي؟ # يمكننا الآن العودة إلى نقطة البداية المتمثلة في التصور السياسي للأمة الذي طرحه ~~كثير من الحداثيين، ونسأل: هل يمكن اعتبار الأمم مهمة فقط لكونها تعتبر أول وأهم ~~أشكال المجتمع السياسي والهوية السياسية، أم هل يجب أن نعتبرها أنواعا أساسية من ~~المجتمعات والهويات الثقافية؟ # بالنسبة إلى معظم الحداثيين، كما رأينا، فإن الأمة فئة سياسية من الطراز الرفيع، ليس ~~فقط من ناحية المعنى العام لمجتمع السلطة، بل من الناحية الأكثر تحديدا المتمثلة في ~~المجتمع الذاتي الحكم المؤسس في دولة إقليمية ذات سيادة. وفي هذا الصدد، فإنهم ~~يستمدون الإلهام من اعتقاد ماكس فيبر في أولوية الإجراء السياسي والمؤسسات السياسية في ~~تشكيل العرقية والأمة. بالنسبة إلى فيبر: # الأمة مجتمع وجداني يمكن أن يظهر نفسه على نحو ملائم في صورة دولة خاصة ~~به؛ ومن ثم، فإن الأمة مجتمع يميل عادة إلى إنتاج دولة خاصة به. # 23 # على النحو نفسه، يرى الحداثيون أمثال جون بروييه ومايكل مان أن ~~«القومية» حركة سياسية في الأساس ويعتبرون بعديها الاجتماعي والثقافي أمرين ~~ثانويين. والسبب في ذلك يرجع إلى أن الأمم بالنسبة إلى الحداثيين هي ثمار الدول ~~والقوميات؛ ومن ثم فإنها ظواهر سياسية بطبيعتها، وتكتسب أهميتها بحسب درجة استغلالها ~~لصالح الدول. وفيما يخص صفاتها الثقافية، فإنها في جوهرها تسبق وجود السياسة، وذات ~~أهمية خاصة ms037 في وصف الأعراق البشرية. # 24 # إذا، فإنه لحقيقي أن الأمم، شأنها شأن الأنواع الأخرى من الهويات الثقافية ~~الجمعية، عبارة عن مجتمعات من القوة والطاقة، ويمكنها جذب ولاء واستقطاب طاقات أعداد ~~كبيرة من الرجال والنساء. ويمكن أيضا رؤية الأمم باعتبارها مجموعات صراع، وحدتها ~~الحرب ضد الجموع الأخرى، لا سيما الأمم والدول القومية الأخرى. إلا أن هذا لا يعني ~~أن كل الأمم تسعى إلى تكوين دول خاصة بها، أو أن الدولة ذات السيادة هي محل تركيز وهدف ~~كل مساعي الأمة. لا تنطبق هذه الحالة، على سبيل المثال، على الشعب الفلمنكي والشعب ~~البريتوني، والاسكتلنديين والشعب الكتالوني، والويلزيين والباسكيين، على الرغم من ~~الظهور (المتفاوت) لأحزاب وحركات فيما بينهم تسعى إلى إقامة دولة مستقلة لهذه الأمم؛ ~~ففي كل من هذه الحالات، يكون التطلع المحموم للحصول على الاستقلال الداخلي أو «الحكم ~~الداخلي» مصحوبا بالتزام بالبقاء جزءا من دولة متعددة القوميات أوسع نطاقا ما دامت ~~تلك الشعوب مستقرة في كنفها على مدار التاريخ؛ وذلك إما لأسباب اقتصادية أو لأسباب ~~سياسية. في الواقع، إن تطلع تلك الشعوب إلى الاستقلال الداخلي أمر ذرائعي إلى حد ~~ما؛ فهو يمثل وسيلة لتحقيق أهداف أخرى اجتماعية واقتصادية وأخلاقية وثقافية محل قيمة ~~في حد ذاتها، بل تفوق قيمتها قيمة السيادة السياسية. ووفقا لما حرره جون هتشينسون، ~~فإن هذا ينطبق بصفة خاصة على القوميين الثقافيين المصرين على إحياء مجتمعاتهم ~~القومية بعد قرون من الخمول والتدهور. # 25 # مرة أخرى، صحيح أن بعض الأمم نشأت في بوتقة الدولة، أو بالتوازي مع تكونها. وهذه ~~هي الحال بصفة خاصة في أوروبا الغربية في أوائل العصر الحديث؛ حيث في كل من إنجلترا ~~وفرنسا، وإلى حد أقل إسبانيا، يمكن أن نتتبع ظهور مجتمعات قومية جنبا إلى جنب مع ~~نشأة قوى المركزية والبيروقراطية للدولة. مجددا، يمكننا أن نرى كيف ساعد سياق جغرافي ~~تاريخي بعينه في تحديد وتشكيل التصور الحداثي للأمة، مستبعدا السياقات والتصورات ~~التاريخية الأخرى. # 26 # إلا أننا على القدر نفسه، ينبغي ألا نبالغ في التعميم استنادا إلى هذا السياق ~~وتصور ms038 الأمة المرتبط به؛ ففي السياقات التاريخية الأخرى - سياقات ما قبل الحداثة أو ~~السياقات غير الغربية - تكون محتويات المجتمع التاريخي للأمة، ومن ثم تصوراتنا ~~عنها، مختلفة تماما. في هذه السياقات، كانت العناصر الاجتماعية والثقافية والدينية ~~ذات تأثير وأهمية أكبر في الغالب من الأبعاد والتصورات السياسية المفضلة في ~~الغرب. وإذا تعاملنا معها على أنها أقل أهمية نوعا ما، فإن هذا يكشف مرة أخرى عن ~~التعصب العرقي الذي كان سمة مميزة للتصور الحداثي للأمة، والذي ثبت أنه يحول دون ~~تكوين فهم أوسع نطاقا للأمم والهويات القومية. # لهذه الأسباب يجب اعتبار الأمم التاريخية المنتمية إلى أنواع مختلفة من الفئة العامة ~~للأمة أنماطا من المجتمعات البشرية التي تتصف بهوية جمعية ثقافية أو سياسية أو ~~كلتيهما. بصياغة أخرى، إذا كان من الممكن اعتبار بعض الأمم في الأساس أشكالا من ~~المجتمع السياسي، تتطلع إلى أن تصبح دولا ذات سيادة أو منضمة إلى تلك الدول بالفعل، ~~فإن أفضل توصيف للأمم الأخرى هو أنها أشكال من المجتمعات الثقافية والإقليمية التي لا ~~تتمتع بمثل هذه الشراكة السياسية أو الطموح السياسي، المتعلقين على وجه التحديد بمطالب ~~إقامة دولة ذات سيادة. إن دافعها إلى الحصول على الحكم الذاتي يركز على أهداف ~~اجتماعية واقتصادية وثقافية ويتطلع إلى السيطرة على إقليم معين، دون اللجوء إلى ~~الاستقلال والسيادة المطلقين. يجب أن نحذر من اعتبار تلك «الأمم التي ليس لها دول» ~~وقومياتها أقل شأنا من تلك التي لها دولها الخاصة أو تتطلع إلى ذلك؛ حيث إن تلك الأولى ~~تكون في الغالب بوتقة تسييس العرقية في المستقبل. # 27 # الفصل الثاني # | الجذور العرقية والدينية # ينطوي البحث في أصول الأمم وأنواعها على مبحثين من نوعين مختلفين. يتعلق المبحث الأول ~~بعلم الاجتماع. وفي هذا الصدد، يتطلب منا الأمر أن نعرف الظروف التي نشأت الأمم في ظلها، ~~وكيف تتكون الأمم. وهذا يتطلب إجراء تحقيق حول العمليات الاجتماعية والثقافية والسياسية ~~الأساسية المطلوبة لنشأة الأمم. ويتعلق المبحث الثاني بالتاريخ، ويتمثل في تتبع «الأصل» ~~الاجتماعي والثقافي للأنواع المختلفة للأمم، وذلك من خلال الاستفسار عن ms039 وقت وكيفية نشأة ~~الأنواع التاريخية من المجتمعات البشرية التي نطلق عليها أمما، وماهية أنواعها المحددة، ~~وماهية العوامل التي شكلت طابعها المميز. # في هذا الفصل، سوف أستعرض فئة الأمة من حيث العمليات الاجتماعية والرمزية المتعلقة بتكوين ~~الأمم، ولا سيما جذورها العرقية والسياسية ومصادرها الثقافية. وفي الفصول القادمة، ~~سأتناول بعض الموضوعات التي تنشأ أثناء محاولة اكتشاف الأسس الثقافية والتقاليد و«الأصول» ~~الخاصة بالأنواع المختلفة من الأمة، وفقا لانعكاسها في السجل التاريخي. ~~(1) العمليات الاجتماعية لتكون الأمة # يجب أن يبدأ أي بحث من منظور علم الاجتماع لأصول وأشكال الأمم بأخذ أمرين في ~~الاعتبار، وهما: الأنواع المختلفة من المجتمع البشري، والهوية الثقافية أو السياسية ~~الجمعية التي تشكل الأمة من كلتيهما فئة واحدة، والعمليات الاجتماعية والرمزية ~~الأساسية التي يقوم عليها تكوين أنواع مختلفة من الأمم. # في الفصل السابق، ذكرت الاتحادات القبلية، والجماعات الدينية، والجماعات العرقية ~~كأشكال للهويات «الثقافية» الجمعية، وذكرت الدول المدن، والممالك، والإمبراطوريات ~~باعتبارها أشكالا للهويات «السياسية» الجمعية. والآن، في حين لعبت الدول المدن ~~والممالك أدوارا مهمة في تكوين الأمم، لا سيما في ظهور أيديولوجيات القومية وطابعها ~~لاحقا، فإننا في المقام الأول، يجب أن نبحث عن أصول كثير من الأمم وأسباب استمرارية ~~هويتها القومية في الجماعات العرقية والجماعات العرقية الدينية. حتى تلك الأمم القائمة ~~في الأصل على أساس الهويات السياسية الجمعية احتاجت إلى نوع من الأساس الثقافي يتمثل ~~في أسطورة، وذكرى، ورمز، وتراث من أجل خلق وحدة أعمق بين شعوبها التي غالبا ما تكون ~~متنوعة، وتكتشف هذه الأمور في الغالب في المصادر الثقافية ل «العرقيات» أو الجماعات ~~العرقية؛ ولذلك، سوف أبدأ بالعلاقة بين الجماعات العرقية والأمم، وبعدها سأفحص دور بعض ~~العمليات الاجتماعية والرمزية الأساسية والمصادر الثقافية للهوية القومية. # بالنسبة إلى معظم الحداثيين، لا تؤدي الروابط والهويات العرقية إلا دورا ضئيلا، أو ~~لا تؤدي دورا على الإطلاق، فيما يتعلق بنظرية الأمم والقومية. وهذا يعكس إلى حد ما ~~رغبتهم في عدم الخلط بين موضوع معقد بالفعل وأمور أخرى غير يقينية، لدرجة استخدام ~~مصطلحات مثل «عرقي» و«عرقية» بطرق مختلفة ms040 للغاية. فلا يمكن اعتبار العرقية، كما هي ~~الحال مع الأمة، من المسلمات الاجتماعية والثقافية أو من «ثوابت التاريخ». فالجماعات ~~العرقية، رغم كل شيء، تتكون عبر عمليات التكون العرقي، مثل توحيد فئات وشبكات ~~عرقية أصغر، وتأثيرات الغزو والاستعمار على الفئات الثقافية الموجودة من قبل، وأنشطة ~~الطبقات المتعلمة، لا سيما الإرساليات والمثقفين، في إمداد الفئات العرقية ب ~~«قوانينها ورموزها» المشتركة. بالإضافة إلى ذلك، لعبت عوامل خارجية دورا كبيرا في ~~بلورة المجتمعات والشبكات العرقية التي تلت ذلك. وربما كان أبرز هذه العوامل تأثير ~~الحروب المطولة بين الدول، تلك الحروب التي لا تزيد الحدود بين الدول ومجتمعاتها ~~وضوحا فحسب، بل أيضا تنقل أعضاء من طبقات عرقية مختلفة وتجمعهم معا، وتمد ~~الأفراد بالأساطير البطولية والذكريات القوية. ومن العوامل الأخرى التي تساعد في تشكيل ~~الجماعات العرقية أثر الدين المنظم، وبصفة خاصة أنشطة رجال الدين المتمثلة في حفظ ~~السجلات، وممارسة الطقوس، ووضع مجموعة من النصوص المقدسة ونشرها، بالإضافة إلى المنافسة ~~بين مختلف أنواع النخب - السياسية والدينية والاقتصادية والتعليمية، وغيرها - على ~~أهمية التقاليد الرمزية والموارد الثقافية وامتلاكها، وأيضا على الموارد التنظيمية ~~والمادية بطبيعة الحال. # 1 # إلا أنه على الرغم من أهمية هذه الاعتبارات في حد ذاتها، فإن أيا منها لا يلغي ~~الضرورة الملحة لدراسة العلاقة المحورية بين الجماعات العرقية والأمم؛ لأنه من دون ~~محاولة فهم طبيعة الروابط العرقية وعلاقتها بالأمم، فإن فهمنا للأمم والقومية سيظل ~~محصورا في إشكاليات الحداثة التي عددتها في الفصل السابق، وأبرزها التقييد ~~التعسفي والتعصب العرقي غير المأخوذ في الحسبان من الأساس. # أعتقد أن باستطاعتنا تقليل بعض الالتباس الذي يكتنف مفهوم العرقية من خلال التمييز ~~بين استخدامين حاليين؛ أحدهما ضيق النطاق، والآخر واسع النطاق. يركز الاستخدام ~~الضيق النطاق على الأصل، الفعلي أو المفترض، ويترجم مصطلح «عرقي» بمعنى «قائم على ~~الأصل». وعلى الرغم من أن الاستخدام الواسع النطاق ينطوي على «أسطورة» تتعلق بالسلف ~~المشترك (الأصل المفترض في مقابل الأصل الفعلي، الروابط المحسوسة بدلا من الروابط ~~البيولوجية)، فإنه يركز على عناصر ثقافية أخرى مشتركة: اللغة والدين والتقاليد ms041 وما ~~شابه ذلك. وسأتبنى هنا استخداما واسع النطاق، استخداما تفهم فيه كلمة «عرقي» ~~بمعنى أكثر اتصالا ب «العرقية الثقافية». # 2 # المفهوم الأساسي لفهم أصول الأمة هو ذلك المفهوم المتعلق بالجماعة العرقية أو بمصطلح ~~«العرقية». بالتأكيد لا تنتمي كل الهويات العرقية إلى هذا النوع. على النقيض من ذلك، ~~فإن النوع الأكثر تعددا يمكن أن نطلق عليه على الأرجح مصطلح «الفئات العرقية». وهي ~~تصورات، غالبا ما يشكلها أفراد من خارج الجماعة؛ حيث يصنفون جماعة سكانية معينة ~~من حيث السمات الثقافية المشتركة، التي تتمثل عادة في اللغة أو العادات أو الممارسات ~~الدينية. وعادة ما يكون هؤلاء مجموعات سكانية متقلبة ومتغيرة لها ثقافة شفهية. ~~ويتشارك أفراد هذه الفئات عناصر معينة من ثقافة مشتركة، وربما يتشاركون أرضا معينة، ~~لكن من الممكن ألا يتشاركوا اسما جمعيا، أو تجمعهم أسطورة أصل مشترك، أو تجمعهم ~~ذكريات مشتركة، وقد لا يحمل بعضهم لبعض سوى قليل من الإحساس بالتضامن، وقد لا يحمل ~~بعضهم لبعض مثل هذا الإحساس على الإطلاق. من ناحية أخرى، فالتصنيفات الأكثر وضوحا ~~التي يمكن أن نسميها «انتماءات عرقية» أو «شبكات عرقية» - تبنيا لعمل هاندلمان ~~وإريكسون - أيا كان تقسيمها من الناحية الاجتماعية، تظهر أنماطا من الأنشطة ~~والعلاقات المشتركة، وعادة ما يكون لها أيضا اسم جمعي، وأسطورة سلف مشترك، وقدر من ~~التضامن، على الأقل بين النخب. أخيرا، توجد جماعات عرقية أو «عرقيات» تمتلك كل خصائص ~~العرقيات، فأفرادها، علاوة على كل هذه الخصائص، توحدهم الذكريات والتقاليد المشتركة، ~~التي غالبا ما تكون مكتوبة، وقد يظهرون قدرا كبيرا من التضامن، على الأقل بين ~~النخب. مثل هذه «العرقيات» يمكن وصفها، وفقا للنموذج المثالي، بأنها «جماعات سكانية ~~بشرية مسماة وتملك إدراكا محددا عن نفسها، وتتشارك أساطير عن الأصول المشتركة، ~~وذكريات تاريخية مشتركة، وعناصر ثقافة مشتركة، وقدرا من التضامن العرقي.» وبمجرد ~~تكونها، فإنها تصبح مرنة ومستمرة، حتى إن لم تكن مستقرة ومتجانسة كما يميل قادتها ~~إلى تصويرها؛ لأن عضوية هذا المجتمع أيضا تراتبية ويتفاوت الأفراد في الاطلاع على ~~الموارد النادرة المادية وكذلك الرمزية. # 3 # كيف ms042 ترتبط فئات «العرقية» والأمة؟ إن مقارنة السمات الرئيسية للنموذج المثالي لكل ~~منهما تكشف قدرا من التداخل بينهما، لكنها تكشف أيضا اختلافات كبيرة جدا؛ أولا: ~~فيما يخص السمات المشتركة، ففي كل من «العرقيات» والأمم نجد قدرا هائلا من تعريف ~~الذات، وهذا يشمل وجود اسم جمعي، والأهم من ذلك وجود رصيد مشترك أو إرث من الذكريات ~~المشتركة والأساطير والرموز والتقاليد التي تشمل أساطير الأصل والانتخاب العرقي، ~~وذكريات الهجرة والعصور البطولية، ومثلا وتقاليد المصير والتضحية. أما الاختلافات ~~فهي أكثر وضوحا. إن أفراد «العرقيات» يكون لديهم في العادة صلة، رمزية في بعض الأحيان، ~~تربطهم بأرض معينة ربما يكونون متعلقين بها و/أو يعتقدون أنهم نشئوا منها، لكن في ~~حالات أخرى ربما يكون كثيرون من أفرادها مشتتين في الخارج. وعلى النقيض من ذلك، فإن ~~معظم أفراد الأمم يحتلون ويقيمون في «أوطان» تاريخية تضم مراكز معترفا بها وحدودا ~~مرسمة بوضوح: أراضي يزعمون أنها «ملك» لهم بحق كونها منشأهم الأصلي أو بموجب ~~التاريخ أو كليهما؛ ومن ثم يشعرون بارتباط عميق ب «مناظرها الشاعرية». ثانيا: في ~~حين يتشارك أفراد «العرقيات» عنصرا أو أكثر من العناصر الثقافية، فإن أفراد الأمة ~~توحدهم ثقافة عامة مميزة، تتمثل في طقوس عامة وشفرات رمزية تنتشر عبر أرجاء الإقليم ~~من مركز واحد أو أكثر إلى أفراد المجتمع، وهذه عملية عادة ما ترعاها نخب دينية أو ~~قضائية أو عسكرية أو تعليمية متخصصة، ويمكن أن نجدها في الأمم التي لا دول لها بقدر ما ~~نجدها في الأمم التي لها دولها الخاصة. ثالثا: بينما يمكن أن نجد في الغالب بعض ~~العادات المشتركة بين أفراد «العرقيات»، فإن أفراد الأمم يوحدهم كل من العادات ~~المشتركة والقوانين العامة، المنتشرة عبر أبناء الوطن وتتزايد درجات احترام أفراد ~~المجتمع لها، وهذه عملية عادة ما تدعمها، بل تسنها، نخب دينية وسياسية من خلال ~~إطار عمل مؤسسي وحيد للعرف والقانون. # 4 # تدل تلك التشابهات والاختلافات على أننا من ناحية يمكننا اعتبار الأمة تطورا ~~محددا من انتماء عرقي، ويمكننا اعتبار أمم معينة تطورات ل «عرقيات» خضعت ms043 للأقلمة ~~والتسييس. وهذا لا يشير إلى أننا نستطيع دائما أن ننسب أمما تاريخية معينة إلى عرقية ~~أو أكثر من «العرقيات»، ولا حتى إلى «عرقياتها» السابقة، كما كان القوميون سيدفعوننا ~~إلى الاعتقاد. على الرغم من ذلك، وكما سنرى، فإن تطور السمات الرئيسية ل «العرقيات» ~~مثل امتلاك تصور محدد للذات - بما في ذلك التسمية الجمعية، وأسطورة السلف المشترك، ~~وبناء الذكريات التاريخية ونشرها - إلى جانب إدراك عناصر الثقافة المشتركة (اللغة، ~~والأعراف، والدين، وما إلى ذلك)، كلاهما ضروري لتكوين الأمم. إلا أن هذا مجرد جزء من ~~الأمر؛ فمفهوم الأمة موجه، إن جاز القول، في اتجاهين: اتجاه تعريف الذات الثقافي ~~العرقي من ناحية، واتجاه التضامن الإقليمي والقانوني والسياسي من ناحية أخرى. هنا تكشف ~~الهويات السياسية الجمعية عن تأثيرها (ولطالما مارست ذلك التأثير عبر التاريخ)، لا ~~سيما من خلال مثال الدول المدن ومثال المملكة (العرقية). تمثل الروابط القوية ~~والعلاقات المباشرة التي غالبا ما تقوم في الدول المدن نماذج مصغرة للولاء والتضامن ~~السياسي الشديدين اللذين ينشدهما قادة الأمم، لا سيما القوميين في عصرنا الحديث؛ ~~حيث تعتبر مدن أثينا وأسبرطة وروما أمثلة تلهم سلسلة طويلة من المفكرين الوطنيين منذ ~~عصر النهضة وحتى الثورة الفرنسية وما بعد ذلك. في واقع الأمر، كان يبدو في بعض الأحيان ~~كما لو أن بعض الدول المدن الكبرى مثل أثينا والبندقية قد كونت أمما أولية. وعلى ~~القدر نفسه من الأهمية كان النموذج التاريخي لمملكة العقد القائمة على «عرقية» مهيمنة، ~~كما هي الحال في فرنسا وإنجلترا في أواخر العصور الوسطى وأوائل العصر الحديث. ونتيجة ~~للنزعة الإقليمية وإطار العمل السياسي لبعض الأمم، فإنها قد تتمكن من التفوق على أساسها ~~الثقافي العرقي. أما مدى حدوث ذلك عمليا، فسوف يعتمد على مجموعة من العوامل. عند ~~اتباع هذا التوجه، فمن المحتمل أن تصبح الأمة نموذجا للمجتمع القانوني السياسي، من ~~النوع الذي كتب عنه الحداثيون في نموذجهم المثالي للأمة المدنية الإقليمية، وفي دولة ~~تضم عددا من الجماعات العرقية، قد تصبح الثقافة العامة للأمة بعيدة على نحو متزايد ~~عن «العرقية» المسيطرة، ms044 رغم أن هذا نادرا ما يكون دون شقاق أو ضغط شديدين. # 5 ~~(2) العمليات المؤدية لتكون الأمة # تشير هذه الاعتبارات إلى أن الأمم باعتبارها مجتمعات تاريخية متقلبة وخاضعة للتغيير ~~المستمر. في الفصل السابق، قدمت صورة ثابتة بعض الشيء عن الأمة باعتبارها فئة تحليلية ~~وباعتبارها نموذجا مثاليا. أما هنا، فأود أن أصحح ذلك من خلال التأكيد على ~~الطابع «العملياتي» للأمم. وهذا يعني أن الأمم باعتبارها أشكالا تاريخية للمجتمع ~~البشري تكون غالبا في حالة تغير، حتى عندما تستمر الأسماء والرموز والحدود؛ ذلك أنها ~~نتاج عمليات اجتماعية ورمزية معينة. # ماذا يسعنا أن نقول عن العمليات الأساسية التي ينتج عنها تكون الأمم؟ رغم أن هذه ~~العمليات يمكن أن تظهر في أي فترة من التاريخ، فإنه لا يوجد أمر محدد بشأنها. ~~وبوصفها عمليات «اجتماعية»، فإن عملها يكون في الغالب على فترات متقطعة، ويمكن أن ~~يرد إلى الحالة الأصلية، وتعتمد هذه العمليات - كعادتها - على الفعل البشري ~~والتفسير الشخصي. رغم ذلك، فإن حدوث هذه العمليات واندماجها، ومن ثم تكون الأمم، ~~رغم عدم اقتصارهما على حقب تاريخية محددة، فإنهما على الأرجح لا يحدثان إلا في ظل ظروف ~~تاريخية معينة. تشمل تلك العمليات المكونة للأمم ما يلي: تعريف الذات، وتنمية العناصر ~~الرمزية، والأقلمة، ونشأة ثقافة عامة مميزة، وتوحيد القوانين والأعراف. ~~(2-1) تعريف الذات # في حين أن تعريف آخرين للجماعة قد يميز فئتها العرقية، فإن الجماعات العرقية ~~والأمم تحتاج إلى تعريف ذاتي واضح ل «ذواتها». وهذا يتضمن اتخاذ جماعة سكانية ~~بعينها اسما جمعيا يعرف به المجتمع نفسه ويعرفه به الآخرون، وتماهي الأفراد ~~مع هذا المجتمع المسمى ورموزه. ومن الممكن أن يبدأ ذلك بطريقة عكسية، كما يزعم ~~ووكر كونر؛ بحيث تتمثل العملية في معرفة أفراد المجتمع بمن وما لا يمثلونه، مقارنة ~~بالآخرين من هنا وهناك، الذين يميز المجتمع نفسه عنهم. رغم ذلك، لا يمكن للمرء ~~التحدث عن عملية تعريف ذاتي للمجتمع وتحديده لهويته الخاصة الجمعية إلا عندما ~~يبدأ الأفراد في معرفة من «يكونون» إجمالا، ويشعرون أنهم يكونون مجتمعا مميزا ~~له اسم محدد، ms045 وسيؤدي ذلك إلى تقديم واحدة من السمات الأساسية للنموذج المثالي ~~للأمة. # يمكننا أن نميز هذه العملية في كل من الفترات السابقة والمعاصرة. على سبيل ~~المثال، في حين أطلق على الفينيقيين هذا الاسم من قبل آخرين مثل الإغريق الذين ~~تاجروا معهم، ميز الإغريق أنفسهم عن الفرس وغيرهم من الشعوب التي تعاملوا معها ~~بأن أطلقوا على أنفسهم اسم «الهيلينيين ». وعلى نحو مشابه، ميز الإنجليز في ~~العصور الوسطى أنفسهم منذ وقت مبكر عن جيرانهم الاسكتلنديين، والويلزيين، ~~والأيرلنديين، وأطلقوا عليهم أسماءهم (وهؤلاء أيضا أطلقوا على الإنجليز اسمهم)؛ في ~~حين أنه في عصرنا الحديث يجب ألا تتخذ كل أمة لنفسها اسما مميزا فحسب، إن لم يكن ~~لها اسم بالفعل، بل يجب على أفراد تلك الأمم أن يميزوا أنفسهم عن جماعات ~~المهاجرين التي تملك تعريفا ذاتيا لذواتها، كما فعل الإيطاليون مع الألبان، وكما ~~فعل الألمان مع المهاجرين الأتراك. في كل حالة من هذه الحالات، يعد الاسم الجمعي ~~الذي يعرف به المجتمع نفسه عنصرا ضروريا في هذه العملية. # 6 # إذا كانت الأسماء الجمعية ضرورية لعملية تعريف الجماعات العرقية والأمم لذواتها، ~~فإن عدم وجود اسم علم مسجل قد يشير إلى غياب روح العرقية المشتركة، فضلا عن ~~غياب حس الأمة. يبدو أن ذلك كان الوضع بين الفرنسيين والألمان حتى القرنين الثاني ~~عشر والثالث عشر عندما أصبحت أسماء تعريفية مثل «فرنسا» و«الفرنسيين» و«الألمان» ~~أكثر انتشارا بين السكان غرب وشرق نهر الراين. # 7 # إن الأسماء ضرورية أيضا لممارسة السلطة؛ ولذلك، شعر الجنرالات والأباطرة ~~الرومان، أمثال قيصر وتراجان، أنه من الضروري تمييز تجمعات الرؤساء وأتباعهم التي ~~غالبا ما تكون متغيرة بأسماء عرقية ساعدتهم في تحديد الحلفاء والأعداء، والسيطرة ~~لاحقا على «القبائل البربرية» التي أخضعوها. وما من أحد يعلم إلى أي مدى تقبلت ~~تلك المجموعات المذكورة عملية التسمية الخارجية تلك. حدثت عملية مشابهة في ظل الحكم ~~الاستعماري الحديث، عندما سعت القوى الأوروبية إلى تحديد السكان الذين استولت على ~~أراضيهم، ووصف التجار والمسئولون والمبشرون الجماعات السكانية المختلفة التي ~~التقوها بتصنيفات عرقية أوروبية، وأحيانا ما ms046 كانت تلك الجماعات السكانية تقبل ~~التصنيفات والأسماء التي خلعها عليها المجتمع العرقي الحاكم في المستعمرة، كما حدث ~~مع المجموعة العرقية باجاندا في أوغندا خلال حكم البريطانيين لها. # 8 ~~(2-2) تنمية العناصر الرمزية # إن خلق الذكريات والرموز والأساطير والقيم والتقاليد وتنميتها يحدد التراث ~~الثقافي المميز لكل جماعة عرقية وكل أمة. فيما يتعلق ب «العرقيات»، تمثل ~~«أسطورة» النسب ضرورة، إلا أن الأساطير والذكريات والرموز والتقاليد الأخرى من ~~الممكن أن تتراكم عبر الزمن وتميز التراث الثقافي للعرقيات عن تراث جيرانها، لا ~~سيما عند وجود نصوص مقدسة مميزة متوارثة عبر الأجيال. ورغم أن امتلاك هذا ~~التراث الثقافي وتنميته «شرط لازم» لأي أمة في نظر القوميين، فمثل هذا التراث ~~الثقافي موجود بالمثل لدى الجماعات العرقية والجماعات العرقية السياسية المختلفة، ~~بداية من مصر القديمة وحتى روسيا في أوائل العصور الوسطى. تقدم روما القديمة ~~وحلفها اللاتيني مثالا جيدا على ذلك. فعلى الرغم من الأصول العرقية المختلطة في ~~روما القديمة تحت حكم الملوك، نشأ نوع من الانتماء العرقي الروماني اللاتيني ~~المشترك عبر الحروب مع السامنيت والإغريق والإتروسكان. وربما كانت اللحظة الفاصلة ~~هي تجربة منطقة ماجنا جراسيا في القرن الثالث قبل الميلاد، والأزمة الكبيرة ~~المتمثلة في الحرب البونية الثانية، عندما سحق القرطاجيون بقيادة حنبعل جيوشا ~~رومانية متلاحقة في إيطاليا. كانت تلك الفترة هي التي شهدت ظهور أدب لاتيني أصلي في ~~مسرحيات بلاوتوس وترنتيوس، ونثر نافيوس وإنيوس، بالإضافة إلى الأسطورة التي ميزت ~~الفضيلة الرومانية المتشددة المجسدة في الصورة العابسة لكاتو الرقيب. ونتيجة ~~لذلك، كان للرومان أسطورة نسب مزدوجة - من رومولوس وريموس وأنثى الذئب، ومن إنياس ~~الطروادي ولاتيوم - وعدد من الرموز والتقاليد والذكريات التي تدل على صحة جدلية ~~ووكر كونر التي تقول إن الإيمان بوجود علاقة بين الأسلاف هي العنصر المميز للانتماء ~~العرقي، حتى لو كانت سلاسل النسب خيالية، كما هي الحال في الغالب. # 9 # حتى في يومنا الحاضر، قد يستمر إحساس أواصر الارتباط بين الأسلاف، حيث يظهر مثلا ~~أن موجات المهاجرين المغتربين ثقافيا «تهدد» الجماعة العرقية السائدة في الأمة ~~وطريقة ms047 حياتها التقليدية. إذا كان الأمر كذلك، فلربما لا تكون أسطورة النسب أسطورة ~~مندثرة، حتى لو كانت أقل أهمية في تعريف المجتمع، وتمثل عنصرا واحدا فحسب ضمن ~~مجموعات عديدة من التقاليد والأساطير والذكريات التي تميز الأمة. # 10 ~~(2-3) الأقلمة # يمكن ملاحظة عملية أقلمة المجتمعات عبر التاريخ، ولا تقتصر هذه العملية على ~~«العرقيات» أو الأمم. ومع ذلك، أصبح الارتباط بأماكن محددة ورسم حدود مكانية لتمييز ~~«الوطن» عن «خارجه» عمليات مميزة للانتماء العرقي، وللأمة بصفة خاصة. لقد ثبت أن ~~هاتين العمليتين ضروريتان لتكوين «المنظور العرقي» وظهور الأمم عند حدوثهما في صورة ~~«أقلمة» للذكريات؛ أي ربط الذكريات بمناطق معينة وبمجتمع بعينه. ويمكن للمرء أن يرى ~~ذلك جليا في العمليات التي ترتبط عبرها ذكريات مجتمع بعينه وتاريخه بأماكن ~~معينة، وهذه العمليات هي «تطبيع المجتمع» و«تأريخ الطبيعة». # 11 # في أولى هاتين العمليتين، تصبح «العرقيات» أجزاء لا تتجزأ من بيئاتها التاريخية، ~~حيث تعتبر أنها «امتدادات طبيعية» من الأراضي التي تقطنها، وتصبح آثارها «ثوابت» في ~~مشهدها العام، لتذكر بالعصور القديمة شبه البدائية للمجتمع، كما هي الحال مع ~~أهرامات المصريين القدماء أو المكسيك. في العملية الثانية، تصبح الطبيعة نفسها ~~مؤرخة؛ فتصبح أرض المجتمع وموطنه جزءا لا يتجزأ من تاريخه وثقافته، وتصبح المكان ~~الذي عاش ومات فيه القديسون والأبطال والحكماء، وحلبة الأزمات ونقاط التحول ~~التاريخية، والنصب التذكاري للأعمال البطولية للأجداد. هذه هي العمليات التي يمكن ~~ملاحظتها قبل ظهور الحداثة بوقت طويل. نجد أمثلة ذلك في السجلات التي تحدثت عن ~~جمال الريف المحيط بروما مدونة في شعر هوراس وفيرجيل، وفي تصور حديقة فرنسا ~~التي تزايد انتشارها بين الكتاب الفرنسيين في أواخر العصور الوسطى، وفي تشكيل وجه ~~هولندا من خلال صراعات سكانها مع بحر الشمال، وفي قصائد المدح السويسرية في أوائل ~~العصر الحديث لمناظر جبال الألب في سويسرا. # 12 # ابتداء من القرن الثامن عشر، أصبحت أقلمة الذكريات وتنمية الانتماءات الجمعية ~~للمشاهد الطبيعية القومية تجري بنحو أكثر تعمدا وعلى نطاق أوسع انتشارا. وكان ~~ذلك يعزو بدرجة كبيرة إلى طائفة تبجيل الطبيعة المنبثقة عن ms048 النزعة الرومانسية، ومن ~~التعبير اللائق عن العواطف في وجودها، كما هي الحال مع الانبهار المتزايد بجمال ~~الألب. لقد حول الرومانسيون الأرض إلى مناظر طبيعية شاعرية، وجعلوها مكونا ~~أساسيا لتصور الأمة نفسه. في اعتقاد القوميين، لا وجود للأمة إن لم تكن جماعة ~~لها أرض؛ حيث تمثل الأرض والمناظر الطبيعية كلا من القاعدة «الموضوعية» والقاعدة ~~«الذاتية» - الأساس - لمجتمع قومي حقيقي. وكان ذلك يعني أن الأمة لا بد أن تكون ~~موحدة ومجتمعة داخل حدود «طبيعية» معروفة، حتى لو ظلت تلك الحدود «غير مستوية» ~~من الناحية العملية؛ فمن الممكن عندها أن تأخذ الأمة مكانها باعتبارها عضوا ~~شرعيا في «مجتمع دولي» من الأمم. ومن الممكن أيضا أن يشعر أفرادها أنهم ~~«نشئوا من ترابها» - حتى لو كان معظم أفرادها فعليا (أو أسلافهم) قد هاجروا ~~إلى هذا التراب من مكان بعيد. إن حقيقة أن كثيرين جدا من القوميين استطاعوا، ~~على الرغم من «ابتكاراتهم» التي لا ريب فيها، البناء على انتماءات وذكريات ~~سابقة؛ قد سهلت مهمتهم إلى هذا الحد البعيد. # 13 ~~(2-4) نشأة ثقافة عامة مميزة # ما أقصده بمصطلح «ثقافة عامة» هو خلق نظام طقوس ورموز ومراسم عامة من ناحية، ~~وتكون قواعد وأدبيات عامة مختلفة من ناحية أخرى. # في حين أنه فيما يخص «العرقيات» يكفي أن يكون أفرادها متمايزين عن الأغيار من ~~خلال تحدث لغة مشتركة والالتزام بتقاليد مختلفة، وعبادة آلهة خاصة بهم، فإن مثل ~~هذه السمات الثقافية المشتركة - فيما يخص الأمم - يجب أن تكون ملكية عامة مشتركة، ~~وتمثل معيارا محددا للتميز الثقافي. ولا بد أن تصبح جزءا من ثقافة عامة قومية ~~مميزة. علاوة على ذلك، فإن أي اختلافات في اللهجة أو في العبادة لا بد أن تكون ~~تابعة لتلك الثقافة العامة المؤدلجة، وإلا فلا بد من استئصالها. # بالطبع، لا تميز الشعائر أو القواعد العامة في حد ذاتها «العرقيات» أو الأمم عن ~~الهويات الثقافية الجمعية الأخرى؛ فقد كان أداء الشعائر العامة سمة لكثير من ~~المجتمعات منذ بلاد بابل القديمة ومصر القديمة وحتى فرنسا والبندقية ودوقية موسكو ~~في العصور ms049 الوسطى. وبالمثل، يمكن العثور على تكوين لهجات وأدبيات عامة مميزة في ~~أنواع كثيرة من المجتمعات في الحقب القديمة وحقب العصور الوسطى، من أثينا القديمة ~~وصولا إلى بروفنس وفلورنسا في العصور الوسطى. أما ما يعنيه ذلك فيما يخص تكوين ~~الأمم، فهو أن تلك «المواد» الثقافية كانت حاضرة لقرون كثيرة في مجتمعات مختلفة، ~~لكنها في ظل ظروف معينة وحالات معينة فقط «جمعت» وتضافرت مع عمليات أخرى لخلق ~~هذا النوع «القومي» تماما من المجتمعات البشرية. # في هذا الصدد، تمثل الشعائر العامة، والمراسم، والرموز أهمية كبرى لظهور الأمم ~~مقارنة بأهمية اللهجات والأدبيات العامية؛ فالأدبيات المكتوبة بالعامية، ظهرت ~~بوجه عام في أوائل العصر الحديث، على الرغم من مزاعم أدريان هستنجز بظهور كل من ~~اللهجات والأدبيات العامية في أوائل العصور الوسطى في إنجلترا وجيرانها. في العموم، ~~ظل الأدب مأثرة نخبة من الحاشية أو من الكهنوت، على الأقل حتى «رسخت» الدولة في ~~أوائل العصر الحديث اللغة وقراءتها، ونشرت رأسمالية الطباعة منتجاتها لدوائر أوسع ~~نطاقا. وعلى النقيض، انتشرت الشعائر العامة، والمراسم، والرموز على نطاق واسع منذ ~~وقت أسبق كثيرا، بل إنها ترى جوهرية لغرس حس الانتماء إلى مجتمع سياسي وثقافي ~~أوسع نطاقا لدى قطاعات كبيرة من السكان، سواء أكان جماعة عرقية أو كنيسة أو دولة ~~مدينة أو مملكة، ولتأكيد نشاط المجتمع وشرعيته. ومن هنا انبثقت الأهمية التي كانت ~~تحظى بها المراسم الدينية التي كانت تقام في المعابد مثل مهرجانات العام الجديد في ~~بلاد الرافدين، وموكب عموم أثينا في أثينا، وشعائر اختيار عذارى فيستال في روما، ~~والمراسم المختلفة التي ربطت الملكية بالكنيسة في أوروبا العصور الوسطى، مثل ~~مراسم التتويج، وطقوس دخول المدن، والجنازات. مرة أخرى، كانت هذه المظاهر نماذج ~~لطقوس «قومية» لاحقة، مثل: رفع العلم، وغناء الأناشيد، والاحتفال بالعطلات ~~القومية. # 14 # كما سنرى، فإن الثقافات العامة المميزة تلعب دورا محوريا في نشأة أنواع ~~تاريخية مختلفة من الأمم؛ إذ تساعد على تكوين عناصر أساسية في تشكيلها على فترات ~~متعاقبة. لقد تمكنت التراثات الثقافية الأساسية خلال العصور القديمة، من خلال ~~طقوس ms050 ومراسم ورموز وقواعد الثقافات العامة إلى حد بعيد، من تكوين التقاليد ~~المميزة للمجتمع القومي والهوية القومية اللذين سأفرد لهما في الفصل ~~الرابع. ~~(2-5) توحيد القوانين والأعراف # إن الأنظمة القانونية العامة والأعراف المشتركة في حد ذاتها لا تميز ~~«العرقيات» والأمم عن الأنواع الأخرى من الهويات الجمعية الثقافية أو السياسية. ~~قبل التاريخ الحديث بوقت طويل، كانت التشريعات القانونية تنتمي بصفة عامة إلى ~~الدول المدن والإمبراطوريات، بداية من التشريعات القانونية الخاصة بكل من ~~أوروكاجينا وحمورابي في سومر وبابل، حتى التشريعات القانونية الرومانية والبيزنطية ~~العظيمة. على الناحية الأخرى، كانت تلك الأنظمة القانونية والعادات المشتركة وليدة ~~مجتمعات دينية كبرى والنصوص المقدسة لتلك المجتمعات كالشريعة الإسلامية والقانون ~~الكنسي. # رغم ذلك، كانت عمليات نشر الأعراف وتوحيد القوانين والتشريع عناصر محورية في ~~تكوين كل من «العرقيات» والأمم. فيما يتعلق بمعظم «العرقيات»، فإنه بمجرد اكتساب ~~أفرادها لغة عامية مكتوبة، وامتلاك مجموعات عديدة من الأعراف والطقوس والتقاليد ~~والقوانين، راحت تلك الأعراف والطقوس والتقاليد والقوانين تتحكم بدرجات متزايدة في ~~علاقاتهم فيما بينهم وعلاقاتهم بالأغيار. وأصبحت الروابط بين التشريع القانوني ~~الموحد وبين الأمة أكثر قربا. بل من الممكن تمييز الأمم، جزئيا، على أنها ~~مجتمعات قائمة على القانون والعرف، يتمتع أفرادها بحس الصالح العام، ويؤدون ~~مجموعة من الحقوق والواجبات المتبادلة. وهذا يعني أنه حتى لو كانت عضوية المجتمع ~~القومي محدودة؛ إذ عادة ما كانت تقتصر على الذكور البالغين أو رؤساء العائلات في ~~الحقب التي سبقت العصر الحديث، فإن علاقات هؤلاء بعضهم ببعض وبالأغيار كانت محكومة ~~على نحو متزايد بالأسس القانونية المشتركة والقواعد العمومية للقوانين العامة، ~~والأعراف المشتركة، والوصفات الرمزية التي تميزهم عن غيرهم. في الحقيقة، قد يحدد ~~القانون والعرف والطقس الحدود الرمزية للأمم بوضوح أكبر مقارنة بالعادات ~~والتقاليد المرسلة إلى حد بعيد التي تميز «العرقيات». لكن لا يمكن وضع خط فاصل ~~صارم بينهما. وهذا موضح جليا من خلال المحورية التي منحها اليهود للقانون الموسوي ~~في تعريف اليهودية في فترة الهيكل الثاني. # 15 # برؤية أكثر عمومية، يمكن القول إن العملية التي بموجبها باتت الجماعات ms051 العرقية ~~محكومة بدرجات متزايدة بتشريعات قانونية موحدة ومؤسسات قانونية موحدة تعد ~~محورية لتكوين الأمم؛ لأنها توفر «سقفا» للوحدة وتخلق إحساسا بالتضامن ~~الاجتماعي من خلال الأعراف المشتركة وإدراك الحقوق والواجبات المشتركة لأفراد ~~المجتمع. حقيقي أن هذه العملية، في الأغلب، كانت تحدث تحت رعاية الدولة، بصرف ~~النظر عن بساطتها، التي عادة ما كانت تتمثل في مملكة أو إمارة عرقية. رغم ذلك، ~~فإننا نجد أيضا تشريعات قانونية ومؤسسات قانونية معقدة مطبقة ، إن لم تكن مسنونة، ~~في غياب الدولة، على سبيل المثال، من خلال مؤسسات دينية عامة نشأت في مجتمع مشتت، ~~كما كان شائعا بين كل من الأرمن واليهود طوال حقبة العصور الوسطى. توضح هذه ~~الحالات الحاجة إلى الفصل بين عملية سن القوانين والأعراف المشتركة وبين البعد ~~السياسي البحت، وبخاصة الدولة الحديثة، التي اعتاد الحداثيون غالبا ربطها ~~به. # 16 ~~(3) الموارد الثقافية للهوية القومية # حتى الآن تناولت بعضا من العمليات الاجتماعية والرمزية التي ينطوي عليها «تكوين» ~~الأمم. لكن كيف تحافظ المجتمعات القومية على نفسها، ولماذا تكون معمرة في الغالب؟ ~~يتضمن هذا الأمر التفكر في طبيعة وقوة الإحساس بالهوية القومية لدى جماعة سكانية ~~معينة ومصادر «استمرار» الأمم من خلال فحص بعض الموارد الثقافية الأساسية للأمة. # بالنسبة إلى أعضاء أي مجتمع، تكون هذه الموارد الثقافية ملموسة ومتاحة إلى حد أبعد ~~كثيرا من العمليات العامة التي ينطوي عليها تكوين الأمم التي أوضحتها؛ فهذه الموارد ~~تكون أكثر تحديدا، ومن ثم أكثر قابلية للاستخدام، وتستخدم، بصفة خاصة، لبلوغ ~~غايات سياسية. وهذه المصادر من الممكن أيضا أن يختارها الأفراد والجماعات المصرون ~~على التدخل الفعال في حياة الأمة، على سبيل المثال، يستغلها القادة الذين يسعون ~~إلى إحياء ثروات الأمة، أو الكهنة والمفكرون الذين يصنعون رموزا جديدة وتراثا قصصيا ~~جديدا للأمة. # 17 # لكن، الاعتبار الأهم على الأرجح هو أن بعضا من هذه الموارد الثقافية للهوية القومية ~~على الأقل يمكن أن يصبح «أسسا مقدسة» للأمة؛ فيتخذ مكانة مميزة، ويبجل، ويعامل ~~كما لو كان قانونا مقدسا، من خلال عملية إضفاء القداسة على العناصر الاجتماعية ~~والرمزية ms052 الأساسية؛ عملية كثيرا ما تشتق بدورها من عمليات منح القداسة التي ميزت ~~التقاليد الدينية القديمة، إن لم تكن مصممة على غرارها عمدا؛ إذ إنه في حقب ما قبل ~~العصر الحديث، وما قبل القومية، نادرا ما كان الانتماء العرقي ينفصل عن الدين. نتيجة ~~لذلك، فإن الموارد الثقافية التي من الممكن أن يكون القادة والجماعات العرقية أو ~~القومية خلال حقب ما قبل العصر الحديث قد استخدموها، وسعوا وراءها بحماس، وقدسوها ~~تأتي مصحوبة بهالة دينية واضحة تشبع التصورات العلمانية الأخرى للأمة بصفة ~~«مقدسة» واضحة. حتى في عصر «القومية» الحديث، نادرا ما تغيب تلك الصفة المقدسة، وهنا ~~فقط تحل الأصالة محل العقيدة الدينية، وتمثل عقيدة الأصالة الأساس الجديد ل «دين سياسي ~~يدين به الشعب»، بشعاراته وأناشيده، وأعياده ومراسمه، كما كان مشهودا إبان الثورة ~~الفرنسية. # 18 # لهذا السبب، قد تعتبر الموارد الثقافية التي تحافظ على الإحساس بالهوية القومية لدى ~~أي جماعة سكانية أيضا «أسسا مقدسة» للأمة، بمعنى أنها «تدعم» الأبعاد الأربعة ~~الأساسية للأمة، وهي: الجماعة، والأرض، والتاريخ، والمصير. دعوني أتناول هذه الأمور ~~تباعا بإيجاز. ~~(3-1) أساطير الأصول وأسطورة الاختيار الإلهي للشعوب # تمثل أساطير الأصول وأساطير الاختيار العرقي موردين من الموارد الثقافية ~~الأساسية يمكن وصفهما بأنهما يدعمان البعد المجتمعي في حس الهوية القومية لدى ~~الجماعة السكانية، وكلاهما يبرز أهمية هذا البعد المجتمعي. ~~(1) ~~«أساطير الأصول»: تناولت بالفعل أهمية هذه الأساطير. يغطي المصطلح ~~نفسه نطاقا عريضا، يتراوح بين الوصف التفصيلي للكونيات وأساطير الخلق ~~وصولا إلى أساطير التأسيس وأساطير السلف المشترك. على سبيل المثال، في ~~مصر القديمة وفي اليابان قديما كانت أساطير خلق الآلهة مرتبطة ~~بحكايات عن أصول شعب معين، وأسر معينة، ومملكة معينة؛ حكايات تضع ~~الشعب وحكامه في مركز الكون، وتكون غالبا خاضعة لشرح دوري من قبل ~~الكهنة والمفكرين. من ناحية أخرى، يمكن أن تكون أسطورة الخلق منفصلة ~~من حيث التأريخ الزمني عن أصل الشعب، كما هي الحال في قصيدة «أصول ~~الآلهة» للشاعر هسيود، وكما يشهد أول أحد عشر إصحاحا من سفر ~~التكوين. # 19 # على الجانب الآخر، ترتبط ms053 أساطير التأسيس عادة بالمدن والدول المدن؛ ~~فعلى سبيل المثال، نذكر أسطورة التنافس بين أثينا وبوسيدون على رعاية ~~مدينة أثينا لمؤسسها إيريخثيوس، وموضوع المنحوتات على إحدى قوصرات ~~البارثينون. أما الأسطورة الأكثر شيوعا، فتمثلها أسطورة أنثى الذئب ~~التي أرضعت رومولوس وريموس مؤسسي روما؛ أو أسطورة نقل جثمان القديس ~~مرقس - الذي يرمز له بأسد يطلق عليه «أسد القديس مرقس» - إلى ~~مدينة البندقية. إلا أن أساطير التأسيس يمكن أن توجد أيضا في الممالك ~~العرقية، ومن أشكالها الأكثر شيوعا تحول المملكة إلى دين عالمي، ~~كما حدث في عهد الملك تريداته الثالث ملك الأرمن، وكلوفيس في بلاد ~~الغال الفرنكية، وفلاديمير الأول في روس الكييفية. ومن الأشكال الأخرى ~~إبرام معاهدة مع ممثلي سكان مجاورين وأصحاب ثقافة مشتركة، مثل المعاهدة ~~أو قسم الوحدة الذي أنشأ «الاتحاد السويسري القديم» عام 1291، وإحياء ~~المجتمع الاسكتلندي في إعلان أربروث عام 1320، وبالطبع قسم ملعب ~~التنس عام 1789. # 20 # لكن، لعل النوع المألوف إلى أقصى درجة هو أسطورة السلف المشترك، بما ~~تتضمنه من سلاسل نسب زاخرة وحس العرقية المشتركة. لطالما كانت ~~أساطير السلف المشترك النوع الأكثر شيوعا بين أساطير أصول الشعوب في ~~حقب ما قبل العصر الحديث، واستجداؤها بصلات القرابة يساعد في تفسير ~~استمرارية كثير من «العرقيات». إلا أنه كما أوضح ووكر كونر، التاريخ ~~«المحسوس» لا التاريخ الفعلي هو الضروري للشعور بالهوية الجمعية؛ ومن ~~ثم فما يهم هو الإيمان بالأصل المشترك مهما كان هذا الإيمان مناقضا ~~للحقيقة. تلك الأساطير قدمت أيضا النموذج الأكثر إثمارا بالنسبة ~~إلى القوميين اللاحقين، بقدر ما تمثل أساسا لتصوير القوميين الشائع ~~للأمة بأنها أسرة ممتدة كثيرا، «عائلة كبيرة مكونة من عائلات»؛ وهو ~~وصف ذاتي يساعد بلا شك في توحيد الشعوب المقصودة وتحريكها من أجل ~~تحقيق أهداف جماعية. ومن هنا جاء الإعجاب بالتصور العرقي للأمة، ~~وارتباط الانتماء العرقي لاحقا ب «النقاء» و«الأصالة». # 21 ~~(2) ~~«أساطير الاختيار الإلهي للشعوب»: من بين كثير من العناصر الرمزية ~~التي تشكل جزءا من تراث المجتمع، لا توجد أسطورة أكثر قوة ومرونة ~~من أسطورة الاختيار العرقي؛ فالاعتقاد في «اختيار» ms054 الإله شعبا أو ~~جماعة بعينها لمهمة معينة أو هدف محدد له تاريخ طويل؛ إذ يمكن أن ~~يعود هذا التاريخ إلى بلاد الرافدين القديمة ومصر الفرعونية، إلا أن ~~«المثال التقليدي» لذلك هو التوراة، التي جاء بها موسى من جبل سيناء ~~إلى بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر. في التوراة نقرأ عهدا مشروطا ~~مفاده أنه إذا أطاع بنو إسرائيل وصايا الرب وطبقوا شريعته، فسوف ~~يباركهم الرب، وسيمتلكون أرض كنعان الموعودة، هم وذريتهم. وإذا لم ~~يفعلوا، فسوف يعاقبون وينفون. إن هدفهم هو أن يصبحوا أمة مقدسة، ~~ومملكة من الكهنة؛ ومن ثم يصبحون بركة لكل الأمم. القداسة هنا ~~تعني الانفصال عن عالم الأمم (الوثنية) المدنس، كي يستطيع بنو ~~إسرائيل تطبيق قواعد أخلاقية وشعائرية دون تشتيت الرغبة الأنانية ~~وإغراءاتها. # 22 # ظهرت أساطير الانتخاب الإلهي القائم على العهود بالتحديد في مجتمعات ~~متعددة، بداية من الأرمن الجريجوريين في القرنين الرابع والخامس، ~~والإثيوبيين «السليمانيين» في القرن الثالث عشر وحتى القرن الخامس عشر، ~~وصولا إلى الاسكتلنديين والهولنديين الكالفينيين في القرن السادس عشر، ~~والاسكتلنديين الأولستر والمستوطنين البيوريتانيين في نيو إنجلاند في ~~القرن السابع عشر، وحتى الأفريكان البروتستانت بعد الرحلة الكبرى، ~~بينما اتخذت مظهرا أكثر علمانية لدى الصهاينة في فلسطين خلال أوائل ~~القرن العشرين. في هذه الحالات، كان السعي وراء الفضيلة الأخلاقية ~~وترسيخ القداسة والروحانية، غالبا من خلال الانفصال وتطهير مجتمعاتهم، ~~مدعوما بإيمان قوي بالعهد الجمعي وبالعناية الإلهية. # 23 # يوجد نوع آخر من أساطير الاختيار الإلهي، أكثر شيوعا وأقل تطلبا، ~~يرى المجتمع مكلفا بمهمة مقدسة أو واجب مقدس، لكن دون وجود التزام ~~مرتبط به سوى استمرار التمسك بالدين أو التقليد المحدد. توجد أنواع ~~مختلفة من المهام مثل: الدفاع عن الأرض المقدسة، ورد الكفار إلى ~~حظيرة الدين، وحماية الدين الحقيقي، أي العقيدة، ونشر «الحقيقة» ~~والأخلاق، وأن يكونوا «نورا للأمم». هذا النوع من أساطير الاختيار ~~التبشيرية كان بارزا بصفة خاصة في ممالك «حصن المسيحية» و«الجماعات ~~العرقية»، على سبيل المثال، بين ملوك ونبلاء المجر وبولندا وكتالونيا، ~~على حدود العالم المسيحي الكاثوليكي. إلا أننا نجده ms055 أيضا في ممالك ~~عرقية كانت أقل عرضة للمخاطر - في إنجلترا، وفي فرنسا، وفي دوقية ~~موسكو الروسية بعد تحررها من سيطرة التتار - ونجده في شكل أكثر ~~علمانية في الدول القومية الحديثة نظيرة تلك الدول، إلى جانب سعيها ~~إلى إدراك النجاح الاقتصادي، والقوة العسكرية، والشهرة الثقافية ~~نسبيا. ولا يقتصر النوع التبشيري من أسطورة الانتخاب العرقي على ~~التراثين اليهودي والمسيحي، فيمكن العثور على عناصر حس الاختيار ~~الإلهي والإيمان بالتكليف بمهمة جماعية في الدولة الصفوية في القرن ~~السادس عشر ، وفي مصر الحديثة مع حركتها الفرعونية، وفي اليابان من حركة ~~«كوكوجاكو» في القرن الثامن عشر وحتى الحركة الرومانسية في القرن ~~العشرين. # 24 ~~(3-2) الأوطان والمناظر الطبيعية الشاعرية # كما رأينا تتمثل إحدى العمليات الأساسية التي يقوم عليها تكون الأمم في عملية ~~«الأقلمة»، ويقصد بها إقامة غالبية الجماعة في الوطن، وتكوين ذكريات جمعية ومشاعر ~~الانتماء لأراض تاريخية تقع داخل حدود معترف بها. في هذه العملية، ينبثق ~~«التوزع العرقي» من خلال تضامن «الجماعة العرقية» ومحيطها الطبيعي. وكما شرحت، ~~فإن هذا يتحقق من خلال تطبيع التاريخ العرقي، وفيه يرى التاريخ كجزء من الطبيعة، ~~ومن خلال تأريخ البيئة الطبيعية، بجعلها تبدو متأصلة في تاريخ الجماعة العرقية ~~وتطورها. نتيجة لهذه العملية التبادلية، تبدو الجماعات العرقية، كما لو كانت ~~«مغروسة» في «أوطانها» التاريخية، وبحسب وصف ستيفين جروسبي: «شعب له أرضه وأرض لها ~~شعبها.» # 25 # إلا أن هذا ليس إلا بداية لعملية «أقلمة الذكريات» الطويلة الأمد، تلك العملية ~~الضرورية لتكوين الأمم واستمراريتها، وهي بدورها ترتبط بفكرة «الأرض المقدسة» أو ~~تقديس الوطن. من أين يأتي تقديس الأرض، ولماذا يشعر الشعب في الغالب أن مشاهدها ~~الطبيعية ليست ملكا «لهم» فحسب، بل «مقدسة» كذلك؟ ربما الأمر الأكثر شيوعا هو أن ~~الأرض التي «رأت» خطوات النبي والحكيم والقديس، و«سمعت» خطبهم، تصبح مقدسة؛ ومن ~~ثم تصبح مميزة عن الأراضي المحيطة وعن الحياة اليومية. عملية التقديس هذه يمكن ~~أن تمتد إلى نماذج وأفعال أبطال وبطلات وعباقرة عرقيين؛ فتثير لدى نسلهم مشاعر ~~التبجيل والرغبة في أن يحذوا حذوهم. وليس الأبطال ms056 فحسب، بل من الممكن أن يعتبر ~~الشعب كله مقدسا، ومن ثم مميزا، كما كانت الحال في إسرائيل القديمة؛ فالأرض لم ~~تصبح فقط أرض الميعاد، بل أصبحت نفسها محل تعبد وتبجيل نظرا لقدسية شعبها. وداخل ~~الوطن أيضا يمكن أن تحمل مواقع معينة قدرا معينا من القداسة، كما هي الحال في ~~فكرة الوقوف على «أرض مقدسة» أو أرض معجزات مأثورة. هذه المواقع المقدسة من الممكن ~~أن تكون أنهارا وجبالا، ومدنا ومعابد وساحات معارك، وحفريات ومتاحف، لكن أبرز ~~حالاتها هي مقابر «أسلافنا»، ومقابر الأبطال الوطنيين الذين سقطوا قتلى؛ لأن قبورهم ~~تحثنا على التفكر في قداسة «ماضينا» و«وطننا». بمجرد تقديس الوطن بهذه الطريقة، ~~فإنه يصبح في حد ذاته موردا ثقافيا قويا لدعم الإحساس بالهوية القومية، وتصبح ~~مشاعر الولاء المشتركة التي يولدها حس الهوية القومية معززة في الغالب ~~بالحاجة إلى الدفاع عن المساحة المقدسة، من خلال التضحيات الكثيرة المقدمة في ~~سبيل صالح الجماعة والوطن. # 26 ~~(3-3) التاريخ العرقي والعصر الذهبي # يوجد النوع الثالث من الموارد الثقافية في «التاريخ العرقي» للمجتمع. في هذا ~~الصدد، تروي الأجيال المتعاقبة الذكريات المشتركة من الماضي العرقي لأمتها ~~وتورثها. إنه حكايات يرويها الأفراد بعضهم لبعض؛ ولذلك، فالتاريخ العرقي أبعد ~~ما يكون عن الاتساق والثبات؛ إذ عادة ما يوجد أكثر من رواية للتاريخ العرقي في ~~الجيل الواحد والجماعة الواحدة، وكل من هذه الروايات السردية عرضة للتنقيح. إلا ~~أنه على النقيض من الدراسات المهنية التي يجريها المؤرخون، يقدم التاريخ العرقي ~~قصة تطورية تبرز بلغة سهلة الحفظ «الأحداث الرئيسية» و«نقاط التحول» في ~~الماضي العرقي للمجتمع. # تعد «العصور الذهبية» الأكثر حضورا في الذاكرة من بين الروايات المصورة ~~للتاريخ العرقي؛ إذ تتحدث عن عصور كانت الجماعة خلالها عظيمة ومجيدة من الناحية ~~السياسية والعسكرية، أو كانت ثرية ومزدهرة، أو عندما كانت في أوج الإبداع الفكري ~~والفني، أو الديني والروحاني. بعيدا عن النوع الأدبي والأسطوري الخالص من العصور ~~الذهبية، ذلك الذي نجده في سفر التكوين أو في شعر هسيود، نرى نموذج النوع التاريخي ~~من العصور الذهبية متجسدا في ms057 عصر أثينا الكلاسيكية، الذي كان يعتبر بالفعل عصرا ~~ذهبيا خلال العصور القديمة. إلا أنه لم يكن أول عصر ذهبي من نوعه؛ ففي أواخر عهد ~~الإمبراطورية الآشورية بالفعل، سعى بلاط الملك آشور بانيبال إلى محاكاة ثقافة بابل ~~القديمة. ربما وقعت الحالة الأكثر شهرة لمثل هذا الإجراء خلال العصور القديمة في ~~عصر الإمبراطور أغسطس، حيث نظر الكتاب ورجال الدولة إلى الفضائل والعقائد ~~المسلم بها المزعومة في الجمهورية الرومانية القديمة في عصر كاتو وسكيبيو ~~الأفريقي وقارنوها بترف الإمبراطورية الرومانية وفسادها . وفي عالم العصور الوسطى، ~~ثمة حالة السلالة الملكية «السليمانية» الإثيوبية التي سعت إلى استعادة الثقافة ~~الدينية و«السامية» القديمة لمملكة أكسوم التي كانت قائمة قبلها بألف عام؛ ومن ~~ثم يحدثون إصلاحا جذريا في المجتمع الإثيوبي والثقافة الإثيوبية. # 27 # كانت العودة إلى عصر ذهبي جماعي أحد الأهداف الرئيسية لحركات الإحياء القومية. ~~وكان ذلك يعني من الناحية العملية تجديد المجتمع في ضوء وروح العصر الذهبي الذي كان ~~يعتبر مبجلا، إن لم يكن مقدسا. كان هذا هو المنظور الذي رأى منه القوميون ~~اليونانيون علاقة اليونان الحديثة بتراثها الكلاسيكي البالغ القيمة، الذي يرمز له ~~البارثينون، كما كان فهم أتباع تيار الفرعونية المصرية في أوائل القرن العشرين ~~الذين حثوا المصريين على أن يتخلصوا من خمول دام لآلاف السنين، وأن يحاكوا مجد ~~أسلافهم العظماء وإنجازاتهم البطولية، الممثلة على نحو واضح في مجمع معابد الكرنك ~~الهائلة. يتجلى الطابع المقدس لذكريات العصر الذهبي ووظائفها بوضوح في هذا ~~المثال وفي أمثلة أخرى. في عصر اتسم بالتغير السياسي والاجتماعي لبت تلك ~~الذكريات الاحتياجات المشتركة إلى الرسوخ، والعراقة، والاستمرارية، بالإضافة إلى ~~الأصالة والكرامة. # 28 ~~(3-4) التضحية والمصير # البعد الرابع والأخير من أبعاد الأمة هو «المصير»، ولطالما كان مرتبطا ارتباطا ~~وثيقا بمثل الكفاح والتضحية، حتى قبل عصر القومية. يمكن أن نجد مثل الكفاح ~~والتضحية في الكتاب المقدس وفي أسفار المكابيين، بل نجدها واضحة في اليونان ~~القديمة وفي روما القديمة، حيث كانت الشهرة والمجد الشخصيان والجمعيان، مثل شهرة ~~ومجد الأسبرطيين في ترموبيل وبلاتيا، مدونة للأجيال القادمة في ms058 صورة شعرية. يوجد ~~أيضا التراث القوي المتمثل في الاستشهاد الجماعي من أجل الدين والجماعة، الذي ظهر ~~في أرمينيا في القرنين الرابع والخامس أثناء صراعاتها الكثيرة ضد إيران التوسعية ~~ودياناتها الزرادشتية التي خضعت للإصلاح. في العصور الوسطى، يتجلى مثال الاستشهاد ~~من أجل المجتمع بمزيد من الوضوح، فنجد موت المحاربين البطولي من أجل الدين الصحيح ~~في الحروب الصليبية، وبالعكس نجده بين «الغزاة» العثمانيين، ونجده مصورا بشكل ~~شديد الاختلاف في كتب رثاء الجماعات اليهودية التي تعرضت لمذابح في راينلاند وفي ~~أماكن أخرى في هذه الفترة. ثم يجب أن نتحول إلى العصر الحديث، إبان صراع ~~المقاطعات الهولندية مع إسبانيا، حيث نجد مزيدا من الأدلة على مثال الاستشهاد، ~~وخصوصا في إحياء ذكرى وفاة ويليام الصامت. إلا أن مثال تحقيق المصير القومي ~~بالتضحية الفردية أو الجماعية لم يترسخ ويتسع انتشاره إلا مع عصر القومية، فأصبح ~~موردا ثقافيا ضروريا للهوية القومية. # 29 # اليوم تلعب عقيدة التضحية هذه دورا محوريا في انتشار الثقافة العامة المميزة ~~لأفراد المجتمع. وكمثال للاحتفاء العمومي جدا بالأمة وعبادتها، أصبحت عقيدة ~~التضحية مرتبطة عن كثب بمثال التجديد والإحياء القومي. بحلول منتصف القرن التاسع ~~عشر، لم يكن الأبطال القتلى وحدهم هم من تحيى ذكراهم، بل صارت مثل هذه الاحتفالات ~~تشمل جيوشا كاملة وكل الذين سقطوا من أجل «الوطن». في وقت مبكر من تلك الفترة، ~~أصبح البانثيون مستودع رفات كل رجال فرنسا العظماء، في حين أن قوس النصر الذي ~~صممه المهندس شالجرين، وبدأ بناؤه عام 1806، وكان إهداء في البداية لنابليون ~~وجيشه الكبير، فإنه بدأ يضم بداية من ثلاثينيات القرن التاسع عشر رفات كل الذين ~~ماتوا من أجل الوطن، بحيث أصبح من المنطقي والملائم أن يضم عام 1919 مقبرة الجندي ~~المجهول. وفي أوائل القرن العشرين، بدأت الأنصاب التذكارية للجنود القتلى في ~~الانتشار، ووصلت ذروتها مع المقابر الهائلة، والأضرحة، والقبور الجوفاء التي بنيت ~~إبان الحرب العالمية الأولى. في هذا الصدد، اندمجت فكرتان متلازمتان، هما: البعث ~~الديني والتجديد القومي في عقيدة «الميت المجيد» الذي قدم هذه التضحية الكبرى من ms059 ~~أجل الأمة، والذي تتجدد ذكراه للأبد، مثل الأمة نفسها. وأصبحت بعض هذه الأنصاب ~~التذكارية مواقع تقام فيها احتفالات مصممة وتؤدى فيها طقوس منظمة من أجل ~~الجنود الوطنيين وكل الذين سقطوا قتلى، مبدلين بذلك وجه هول المذابح الجماعية من ~~خلال مثال التضحية القومية بالذات الرافعة للمعنويات. ومن خلال مثل هذه الطقوس ~~والمراسم، وأعلامها وأناشيدها، ظهرت الثقافات العامة المميزة للأمم الجماهيرية ~~الحديثة فيما أطلق عليه جورج موسى «الدين المدني» للعوام، وهو دين عباداته وطقوسه ~~مصممة على غرار أشكال سابقة من العبادة المسيحية. # 30 # كل من هذه الموارد الثقافية، بصرف النظر عن طريقة اختيارها واستخدامها، يصبح مع ~~الوقت مقدسا ولا يمكن استبداله. إنها، مجازا، دعائم الأمة، التي تدعم الإحساس ~~بالهوية القومية أثناء الفترات الحرجة. كلما زادت هذه الموارد وازداد تطورها ~~وتوسعها، أصبح الإحساس بالهوية القومية أكثر قوة وأكثر استمرارية، وزاد احتمال ~~التغلب على آثار التفكك الناتجة عن التشظي المحلي والكوزموبوليتانية المعولمة. ~~ويتمثل التأثير الشامل لهذه الموارد في تدعيم الأمة كاجتماع مقدس للناس، والدفاع ~~عن «الدين السياسي» للقومية، وإثبات صحته من خلال إمداده بالموارد الثقافية ~~والعناصر المقدسة المتمثلة في الأساطير والذكريات والتقاليد والرموز العرقية، التي ~~تؤدى في الطقوس والمراسم الشعبية، والمنشورة في المدارس ووسائل الإعلام. بهذه ~~الطريقة، فإن القومية بوصفها شكلا سياسيا للدين المدني تمثل نموذجا للأمة التي ~~تعتبر جماعة مقدسة من المواطنين؛ ذلك أن في هذه الصورة يكون الناس متوافقين ~~«فعلا» رغم خلافاتهم وصراعاتهم الكثيرة الكامنة، ويعكس نموذج الأمة تلك الوحدة ~~الداخلية في اللحظة المقدسة المتمثلة في الاجتماع الشعبي. # 31 # خاتمة # في هذا الفصل، عددت بإيجاز بعض العمليات الأساسية لتكوين الأمة، وهي: تعريف الذات، ~~وتنمية الموارد الرمزية، والأقلمة، ونشر ثقافة عامة متميزة، وتوحيد القوانين العامة ~~والأعراف والالتزام بها. إلا أن جل ما تفعله هذه العمليات هو توفير الظروف الضرورية ~~ل «ظهور» الأمم؛ فهي في حد ذاتها لا تفسر طول بقاء الأمم، ولا الطرق التي من خلالها ~~يمكن لأفراد تلك الأمم النجاة من مخاطر الوجود الاجتماعي. إن ضمان صمود الأمم ~~و«استمراريتها» يتطلب، بالإضافة إلى ms060 تلك العمليات، إنماء موارد ثقافية معينة للهوية ~~القومية، وهذه الموارد هي: أساطير الأصل والانتخاب العرقي، والانتماء إلى أوطان مقدسة، ~~وذكريات العصور الذهبية، ومثل التضحية والمصير. هذه الموارد الثقافية، كما سنرى، ~~مشتقة في الأساس من موارد ثقافية لجماعات عرقية سالفة وتقاليد دينية قديمة؛ ومن ثم، ~~يصبح من الضروري تفسير استمرارية الأمم وشكلها من حيث التقاليد الثقافية الطويلة الأمد ~~النابعة في الأساس من أنواع معينة من تراث العالم القديم. # الفصل الثالث # | المجتمع في العصور القديمة # إن أي محاولة لفهم التقاليد التي تكونت من خلالها مختلف أنواع الأمم والهويات ~~القومية في أواخر العصور الوسطى وأوائل العصر الحديث؛ لا يمكن أن تتجنب وجهة نظر تاريخية ~~عميقة تعود إلى الشرق الأدنى القديم والعالم اليوناني الروماني القديم، ويمكن لوجهة النظر ~~تلك وحدها أن تمدنا بإطار تاريخي مقارن لدراسة «التاريخ السلالي» الثقافي للأمم. ~~(1) الغائية و«الأمم القديمة» # رغم ذلك، فإن مناقشة احتمالية وجود أمم فيما قبل العصر الحديث تتطلب عناية فائقة حتى ~~نتجنب، قدر الإمكان، أي عواقب للقراءة الغائية للسجل التاريخي. # في آخر نقاش جدلي في مدينة ووريك، قال إرنست جيلنر مازحا إن الأمم مثل آدم لا تحتاج ~~إلى رحم للخروج منه. كل ما كان يلزم لتفنيد اعتقاد القوميين القائل بوجود أمم فيما قبل ~~العصر الحديث، بل دحض زعم أن للأمم أصولا عرقية، هو إثبات تشكل ولو أمة واحدة فقط ~~في العصر الحديث. وقدم حالة إستونيا، كمثال على الأمة بوصفها اختراعا حداثيا صرفا. ~~ربما كانت توجد خيارات أفضل؛ لأن الإستونيين كانوا في الأصل شعبا من المزارعين يتكلمون ~~لغة محلية في العصور الوسطى، وبعد الإصلاح البروتستانتي، الذي تمثل في الأدب ~~والتعليم القائمين على التعاليم البروتستانتية، تعرضوا لغزو أخوية السيف تحت قيادة ~~الأسقف ألبرت في القرن الثالث عشر، وحكمهم بعد ذلك كبار اللوردات الألمان حتى أوائل ~~القرن العشرين. رغم ذلك، فالفكرة المقصودة فكرة جادة؛ إذ تسعى إلى تحجيم القراءة ~~الغائية للأمم الشائعة لدى القوميين وما يلازم ذلك من ميل كثير من الباحثين إلى ~~«القومية الرجعية»، وهذا أمر انتقدته أيضا سوزان ms061 رينولدز وجون بروييه بقوة. # إلا أن كلا من القراءة القومية للأمم والميل إلى القومية الرجعية ليسا ضروريين ~~للحجة القائلة بأن كثيرا من الأمم الحديثة، لكن «ليس كلها»، ينطوي أساسه التاريخي على ~~روابط عرقية من نوع أو آخر يمكن استخدامها كمصادر قوية لتكوين الأمة واستمراريتها، ~~وليسا ضروريين أيضا للزعم الذي يقول إننا يمكننا الحديث عن وجود «بعض» الأمم فيما ~~قبل العصر الحديث، سواء في العصور القديمة أو في أوائل الفترة الحديثة على نحو أكثر ~~تأكيدا وإلى حد أبعد، وإن هذا لم يحدث بمحض صدفة. يتفق كلا الزعمين إلى حد بعيد ~~مع موقف حداثي معتدل يرى أن معظم الأمم، في الواقع التاريخي، ظهرت بعد الثورة ~~الفرنسية، مستعينة في حالات كثيرة بروابط ثقافية موجودة سابقا، لكن في حالات قليلة ~~مشهورة (إنجلترا، وفرنسا، واسكتلندا، وغيرها) كان الإحساس بالهوية القومية، على الأقل ~~بين النخب، واضحا قبل ذلك التاريخ بكثير. وهذا إلى حد بعيد هو الزعم الذي أرغب في ~~طرحه في هذا الصدد. # نحتاج أيضا إلى أن نضع في اعتبارنا أننا في التاريخ المقارن وفي العلوم الاجتماعية ~~نتعامل مع ممكنات واحتمالات، وليس مع فرضيات شبه ثابتة؛ لذلك، يجب نبذ المواقف البالغة ~~التعصب التي يتبناها القوميون البدائيون (ليس كلهم بالمناسبة)، والحداثيون الراديكاليون ~~في مثل مجالاتنا التي لا تعترف باليقين إلى حد بعيد. سيفهم موقفي على أنه القول ~~بالاحتمالية، وليس الضرورة الغائية، وهذا ما يمكننا أن نطالب به في مجالات البحث تلك؛ ~~لذلك، لا يوجد اتهام بالقومية الرجعية عند استقصاء أهمية العوامل العرقية في تكون ~~الأمم والقومية واستمراريتهما. # في الفصل الأول قلت إن مفهوم الأمة باعتبارها فئة تحليلية يمكن، من الناحية النظرية، ~~أن يشمل كل الفترات وكل القارات. هل هذا يوحي بأننا من الممكن أن نكتشف أشكالا تاريخية ~~من المجتمعات القومية في أقدم سجلاتنا، أي في الشرق الأدنى القديم وفي العالم ~~اليوناني الروماني القديم؟ # في واقع الأمر، يشير السؤال إلى اتجاهين للبحث: أحدهما في تحديد الفترة، والآخر عن ~~دراسة الأصول الثقافية. يتعلق الاتجاه الأول بمعايير وأدلة لتحديد تاريخ ms062 «أولى الأمم». ~~المسألة في هذا الصدد مباشرة نسبيا؛ فإما أنه لا توجد سجلات تاريخية للهوية القومية ~~- أو المجتمع القومي في هذه الفترة - وأن مفهوم الأمة لم يكن معروفا في العصور ~~القديمة، أو أننا يمكننا أن نجد على الأقل بعض الأدلة على وجود شكل قومي من الجماعة ~~والهوية، إلى جانب بعض عمليات تكوين الأمة. في كلتا الحالتين نحتاج إلى الانتباه إلى ~~عدم السماح لفهمنا الحالي لمفهوم الأمة الحديثة بتوجيه تقييمنا لذلك الدليل بأثر ~~رجعي. # أما الاتجاه الآخر من البحث في التراثات والأصول الثقافية، فهو أكثر تعقيدا؛ إذ ~~يتطلب دراسة الأنواع المختلفة من الهويات الجمعية السائدة في العالم القديم لمعرفة إلى ~~أي مدى وبأي طريقة قدمت تلك الهويات تراثا ثقافيا لعب دورا جوهريا لتكوين ~~الأمم فيما بعد. هذا هو البحث الذي أعتقد أنه سيكون أكثر فائدة، وهو الاتجاه الذي سوف ~~أتبعه في هذا الفصل وفي الفصول التالية. رغم ذلك، ثمة شيء لا بد وأن يقال فيما ~~يتعلق بتحديد فترة نشوء الأمم، وسأتناول أيضا المسائل التي يثيرها هذا ~~الأمر. # 1 # بالنسبة إلى الحداثيين، يمثل مصطلح «الأمة القديمة» تضاربا في المصطلحات؛ فنظرا ~~لارتباط الأمم والقومية بعمليات التحديث الأكثر عمومية، فإن أي مثال على أمم وجدت قبل ~~ظهور الحداثة هو محض صدفة. يتسم إرنست جيلنر - الأكثر صراحة بين الحداثيين في هذا ~~الصدد - بالوضوح القاطع؛ إذ يقول إنه يحتمل وجود كل أنواع الهويات الثقافية والسياسية ~~الجمعية قبل نشأة الحداثة، لكن لم تكن ثمة حاجة أو مجال للأمم. وصحيح أن سجلاتنا ~~عن العصور القديمة تتحدث، في الغالب، عن كل أنواع الهويات الجمعية باستثناء الأمة. في ~~الواقع، من المحتمل أن تكون قوة وصمود تلك الأنواع الأخرى من الهويات الجمعية - ~~العشيرة والقرية، والدولة المدينة، والدين والإمبراطورية - قد حالت دون تطور تلك ~~العمليات الاجتماعية والموارد الثقافية بعينها التي تساعد في إنتاج الأنواع القومية من ~~الجماعة وتحافظ عليها. وهذا لا يعني القول إنه لا يوجد قدر كاف من الأدلة على وجود ~~ثقافات مشتركة ونوع من الانتماء العرقي المشترك بين الجماعات السكانية ms063 في الشرق الأدنى ~~القديم والعالم اليوناني الروماني القديم، حتى في بعض حالات تسييس الثقافة والانتماء ~~العرقي القريبة الشبه بالنوع القومي للهوية والجماعة. # 2 # في هذا الفصل، سأستعرض بإيجاز ثلاثة أنواع من الهوية الجمعية والمجتمع الجمعي في ~~العالم القديم، ألا وهي: الإمبراطورية، والدولة المدينة، والاتحاد القبلي، وسأوضح، في ~~كل حالة، كيف أصبحت متشابكة بالاختلافات العرقية وتنمية حس الانتماء العرقي المميز. في ~~الفصول التالية، أتمنى أن أوضح كيف قدمت هذه الأنواع الثلاثة من الهوية والجماعة ~~التقاليد الثقافية والدينية التي ساعدت في تكوين الأنواع التاريخية المختلفة من الأمم ~~وتشكيلها، في أوروبا والغرب على نحو أساسي. ~~(2) الإمبراطورية والعرقية # أبدأ هنا بأيديولوجيات الإمبراطوريات القديمة. في الدعاية الملكية في مصر القديمة، ~~كان يوجد تركيز قوي على الجماعة العرقية المحدودة وفروق واضحة بين النخبة المصرية وكل ~~الأجانب. يوجد بلا شك قدر كبير من الحقيقة في رؤية عالم الآثار ستيوارت تايسون سميث ~~التي تقول إن هذا كان إلى حد بعيد موضوعات أدبية وبلاغية، جزءا ضروريا من ~~الدعاية الفرعونية موجها إلى الداخل، إلى النخبة المصرية وإلى الشعب المصري. رغم ~~ذلك، اعتمادا على الأدلة التي عرضها، فإن المصريين ميزوا الحد العرقي بينهم وبين ~~شعوب مثل جيرانهم النوبيين في الفنون والعمارة، واللغة والأدب، والملبس، والمأكل، وطقوس ~~الدفن، بالإضافة إلى مجموعة الآلهة الخاصة بكل من المصريين وتلك الشعوب. في دراسة ~~تايسون سميث للعلاقات المصرية بالنوبة، جارتها الجنوبية، أظهر تايسون سميث إلى أي مدى ~~بلغ وضوح الفروق بين الخزف المصري والخزف النوبي في حصن أسكوت الحدودي، وإلى أي مدى ~~بلغت أهمية المقبرة الكبيرة المزخرفة التي تعود إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد ~~المدفون فيها المراقب سي أمون في تومبوس في النوبة العليا. هذا يشير إلى أن فروقا ~~عرقية أساسية ظلت ثابتة على مدار قرون عديدة، رغم تكرر زواج المصريين بالنوبيين ~~والكميات الهائلة من المجوهرات النوبية، وأدوات التجميل، وتماثيل الإناث، وأيضا التحف ~~والمباني المصرية التي وجدت في أسكوت. أي كما أوضحت مقاربة شون جونز الثقافية لعلم ~~الآثار العرقي، فإن التبادل المستمر عبر الحدود أسهم ms064 في تقوية الفاصل العرقي لا إضعافه، ~~والدعاية الفرعونية عن تفوق المصريين على «رؤساء كوش (النوبة) البائسين ... الذين ~~يحملون جزيتهم على ظهورهم» - كما يقول أحد نقوش الفرعون أمنحتب الثالث - كانت تعزز ~~ذلك الفاصل العرقي باستمرار. # 3 # في حقيقة الأمر، مع حكم الدولة الوسطى، كانت عملية تمصير النوبة قد بدأت. وأصبحت هذه ~~العملية أكثر شدة بتعيين مراقب مسئول عن كوش في المملكة الجديدة في منتصف الألفية ~~الثانية قبل الميلاد. كان السبب في إعادة الغزو يعود في جزء منه إلى رغبة الفراعنة في ~~عدم وجود مملكة مشاكسة على جبهة ثانية أثناء حملتهم على فلسطين وسوريا، بينما يعود في ~~جزء آخر إلى الرغبة في الاستيلاء على موارد النوبة الثمينة من الذهب والعاج والأبنوس ~~وكذلك العبيد الأسرى. # 4 # لا تتفرد مصر بذلك التناقض بين الممارسة العرقية عن الأيديولوجية السياسية؛ حيث يمكن ~~إيجاد نفس هذه الازدواجية في الإمبراطورية الآشورية الحديثة في القرنين الثامن والسابع ~~قبل الميلاد؛ فقد كان يوجد قدر كبير من التواصل والتبادل بين الأعراق في الحياة اليومية ~~وفي التجارة والتزاوج. # شكل 3-1: القناع الذهبي لتوت عنخ آمون، يعود إلى عام 1350 تقريبا قبل الميلاد ~~(المتحف المصري بالقاهرة). # شكل 3-2: رجال يجلبون الجزية من أفريقيا السوداء لتقديمها للفرعون تحتمس ~~الرابع، تعود تقريبا إلى ما بين 1425 إلى 1417 قبل الميلاد (المتحف ~~البريطاني). # كما هو معروف جيدا، كانت «لغة التواصل الوسيطة» في أواخر عهد ~~المملكة الآشورية هي الآرامية، وليست الآشورية، وكان ثمة تأثير قوي للعبادات ~~والنصوص الدينية البابلية في نينوى، وكانت القصور الآشورية تعج بمشغولات فينيقيا ~~العاجية وأثاثها. بالإضافة إلى ذلك، فإن تهجير الشعوب المدحورة وتوطينها في ~~الإمبراطورية الآشورية في آخر عهدها جعلها مدينة كوزموبوليتانية في تركيبتها بدرجة ~~متزايدة. وينعكس هذا الأمر في النحت الآشوري؛ حيث أظهر النحت، وفقا لقول جوليان ريد، ~~اختلاف مظهر الشعوب التي أخضعوها وثقافاتها، و«قد كانت هناك عناية فائقة في تسجيل ~~الملبس والخصائص الأخرى المميزة للشعوب الأجنبية.» # 5 # مع ذلك، على الرغم من كل الدمج والاقتراض على مستوى الدولة فإن ملوك آشور ms065 ونخبتها لم ~~يغفلوا مطلقا عن الهدف الأسمى للإمبراطورية، ذلك الهدف الذي يقول عنه ماريو ليفيراني ~~إنه تحت غطاء الشكل المقدس «يكون أساس الأيديولوجية بالكامل (أي أساس الإمبريالية ~~الآشورية) هو نظرية التنوع كمبرر لعدم الاتزان والاستغلال.» # 6 # شكل 3-3: جيحو ملك إسرائيل يقدم الجزية لملك آشور، مسلة شلمنصر الثالث ~~السوداء، تعود إلى عام 825 تقريبا قبل الميلاد (المتحف ~~البريطاني). # يسرد ليفيراني أنواعا مختلفة من التنوع - التنوع في المكان والزمان والبضائع ~~والرجال، لا سيما التناقض بين قاطني الأراضي الداخلية وقاطني الأراضي المحيطة - بين ~~الآشوريين المتحضرين وبين البربريين غير المتحضرين. في حين كان الآشوريون يرون أنفسهم ~~بشرا كاملين وعاديين يمكن فهم لغتهم، بدا الأجانب غرباء ويتحدثون لغات غير مفهومة؛ ~~ومن ثم فإن مثلهم كمثل الحيوانات. وفي نسق العلاقات المألوف بين الشعوب المهيمنة ~~والشعوب الخاضعة، يتشابه النموذج الآشوري مع كل من النماذج البابلية والسومرية ~~والأكدية السابقة؛ ومن ثم كان الحكم السياسي والمجتمع الذي بناه الملوك الآشوريون ~~دولة عرقية هرمية في جوهرها، دولة كونتها ونظمتها «عرقية» مهيمنة، حكمت الشعوب التي ~~أخضعتها واستغلتها. # 7 # حتى في ظل الحكم الفارسي الأقل وطأة، كان عدم التوازن في الهرمية العرقية واضحا. ~~حقا إن الفن الدعائي للإمبراطورية الأخمينية يخلو من أي شكل من أشكال إهانة الأجانب ~~المعهودة في الفن المصري الذي يظهر الأجانب متذللين، أو النقوش الآشورية البارزة التي ~~تصورهم راكعين أو مقبلين قدم الملك. فعلى خلاف ذلك، نرى النقوش البارزة الشهيرة ~~المنحوتة على سلم أبادانا في بريسبوليس تصور ممثلي مجموعات عرقية مختلفة يجلبون ~~الهدايا لملك الفرس العظيم، وليس الجزية، في موكب هادئ محترم. في رأي كارل نيلاندر، ~~يعبر هذا عن «فكرة خالدة تتمثل في التراتبية العالمية والكونية التي يحفظها الدعم ~~الإلهي والولاء المتبادل بين الملك والرعية.» وهذه نقطة تدعمها إلى حد ما دراسة حديثة ~~لجوزيف فيزاهوفر: # يقدم كل شعب للملك بعضا من المنتجات التي يتميز بها، أو منتجاته ~~الفاخرة، ويرمز ذلك إلى التضامن بين الملك والرعايا، سواء كان هذا نابعا من ~~إحساس صادق، أو كان بموجب أمر من الملك. ms066 # 8 # على الناحية الأخرى، كما يشهد نقش دارا الأول الشهير الذي يعود تاريخه إلى عام 519 ~~قبل الميلاد الموجود على الواجهة الصخرية لجبل بيستون، فقد كانت الإمبراطورية الأخمينية ~~قائمة على هرمية عرقية واضحة. ويؤكد دارا الأول نفسه على أصوله الفارسية، ويخبرنا ~~هيرودوت أن الإمبراطورية كان يحكمها ملك مستبد ينحدر من أرستقراطية تراتبية من ~~مقاطعة برسيس وقبيلتها باسارجاد، و«عشيرة (أخوية) الأخمينيين، التي ينحدر منها ملوك ~~فارس.» تبرز الطبيعة العرقية لهرمية الإمبراطورية الفارسية التراتبية حقيقة أن عوام ~~الفرس، صغار المزارعين بصفة أساسية، كانوا معفين من الجزية (أو «فوروس»)، التي كانت ~~معظم الشعوب الخاضعة للفرس مطالبين بدفعها، باستثناء قليل من الشعوب ~~المحيطة. # 9 # شكل 3-4: السلم الشرقي، قصر أبادانا، برسبوليس، يعود إلى عام 500 تقريبا قبل ~~الميلاد. # إذا تأملنا النقوش والمنحوتات الملكية، فسنجد أن المزج نفسه بين التسامح والبنية ~~الهرمية التراتبية واضحا؛ إذ إننا نعلم بفرمانات مختلفة انطوت على تعاطف ملكي مع ~~الاستقلال الديني والثقافي للشعوب الخاضعة للفرس؛ فأخذ قورش الكبير بيد بعل بابل، ~~وفرمانات قورش الكبير ودارا الأول بإعادة اليهود المنفيين إلى أورشليم، ما هي إلا ~~الفرمانات الأكثر شهرة. من ناحية أخرى، يمكننا أن نفسر نقش دارا الأول في شوشان الذي ~~يتحدث عن بناء قلعة شوشان بعمالة أجنبية بتفسيرين؛ فإما أنه تفاخر بالتناغم العرقي، ~~وإما استباحة للاستغلال العرقي. إلا أننا حتى إذا ما تبعنا التفسير الذي يحظى بتفضيل ~~أكبر، فسنجد أن أي اهتمام ملكي بشأن التنوع العرقي والاستقلالية الثقافية كانت توازنه ~~المسافة السياسية والاجتماعية التي كان ملك الفرس العظيم وطبقته الأرستقراطية يبقونها ~~بينهم وبين الشعوب الخاضعة لحكمهم، وقد عززت الطبيعة المغلقة للغة الفارسية القديمة ~~وكتابتها وللدين الفارسي القديم المدون باللغة «الأفستية» هذه المسافة. ولم تسهم ~~الصورة الرسمية للتناغم العرقي الهرمي في حماية الإمبراطورية من كثير من الثورات ~~العرقية، كان أبرزها في مصر وإيونية. # 10 # في الممارسات اليومية، كان يوجد قدر كبير من التدفق العرقي والتعاملات المتكررة عبر ~~الحدود، كما أوضح فريدريك بارت. إلا أن هذا ناهضه الثقل الأيديولوجي والعمل السياسي. ~~وفي هذا ms067 الصدد، نجد أن الفروق العرقية متغلغلة في نسيج الأنظمة الهرمية للإمبراطوريات، ~~والأجانب يعاملون عادة على أنهم مختلفون، وغير مفهومين، وأقل شأنا في الغالب. ~~وعادة ما كان هذا النموذج ينسخ نفسه في فترات مختلفة وقارات مختلفة، وفي وقت لاحق ~~أثبت أنه مصدر خصب لتكوين الممالك القومية. ~~(3) الدولة المدينة والهوية العرقية # بالفعل في الألفية الثالثة قبل الميلاد، في السهول الرسوبية لسومر القديمة، كانت ~~الدولة المدينة قد تطورت تماما كبؤرة للولاء الحصري. وفي عصر فجر السلالات، تنافس ~~على السيادة عدد من الدول المدن مثل إريدو، وأور، وأوروك، ولاجاش، ونيبور، التي كانت ~~كل منها تحت حماية واحد أو أكثر من آلهة السومريين، ومحكومة من قبل سيدها المحلي أو ~~من قبل مجلس «إنسي»، ذلك المجلس الذي يضم كبار القوم وكهنة المعبد، لتقع في النهاية ~~فريسة لطموحات سرجون الأكدي الذي أسس أول إمبراطورية في بلاد الرافدين حوالي عام 2350 ~~قبل الميلاد. بعد سقوط الإمبراطورية الأكدية، حدث ازدهار قصير الأجل للثقافة السومرية ~~في عهد سلالة أور الثالثة في نهاية الألفية الثالثة التي شهدت محاولة لإحياء «العصر ~~الذهبي» في عصر فجر السلالات، قبل فترة جديدة من الغزو القبلي من قبل الجوتيين، ~~واللولوبيين، والتدنوميين، والعيلاميين، وتبعه تنافس جديد بين الدول المدن وظهور بابل ~~في نهاية المطاف. على مدار تلك الفترة، على الرغم من وجود مركز للطائفة السومرية في ~~نيبور، وعلى الرغم من أن الدول المدن السومرية كونت شبكة من النشاط الثقافي ~~والاقتصادي، فإننا في ريب من تحديد مدى إمكانية التحدث عن نوع واضح من العرقية ~~السومرية، فضلا عن الوحدة العرقية. ربما كانت الثقافة هي الأمر المشترك الوحيد بين ~~سكان تلك الدول المدن السومرية، وكانت متمثلة في اللغة السومرية وآدابها الثرية، وما ~~تنطوي عليه من أساطير الأصول المشتركة، ومجموعة الآلهة السومرية التي عبدتها الدول ~~المدن اللاحقة في بلاد الرافدين من أكاد إلى بابل، بل أضافت إليها. # 11 # وقعت تنافسات مشابهة بين الدول المدن «الكنعانية» الممثلة في سوريا ولبنان وفلسطين ~~في العصرين البرونزي والحديدي. مرة أخرى، كانت السمات المشتركة لغوية وثقافية، ms068 وكانت ~~أبرزها مجموعة الآلهة المشتركة، وطقوس التعبد في «الأماكن المرتفعة»، والمدن ~~المحصنة الهائلة، بالإضافة إلى تطور اللهجة الكنعانية والكتابة الأبجدية ~~الكنعانية. ورغم أننا نسمع عن «أرض كنعان»، ذلك الاسم الذي كان مألوفا عند المصريين في ~~حكم الدولة الحديثة، والسوريين مثل الملك إدريمي، وكذلك في الكتاب المقدس، فإننا لا ~~يمكننا أن نحدد الآن «ما إذا كان «كنعان» اسم إقليم أم اسما يشير إلى شعب في المقام ~~الأول.» # 12 # الأمر المؤكد هو أن الدولة المدينة كانت مركز الولاء وحلبة النشاط السياسي ~~والتجاري، لا سيما الدول المدن التالية: أوغاريت، وبيبلوس، وصور، وصيدا، وحاصور، ~~ومجدو، وتل الجزر. ولم ينشأ أي مركز طائفي أو سياسي كنعاني، للسيطرة على الدول المدن ~~المتحاربة في أغلب الوقت أو لتوحيدها، والأمر نفسه ينطبق على المدن الفينيقية، لقد كان ~~الإغريق هم من أطلقوا اسم «فينيكس» على الكنعانيين الساحليين نسبة إلى الصبغة ~~الأرجوانية المستخدمة هناك. ولم يعترف «الفينيقيون» أنفسهم أو العهد القديم بمصطلح ~~«فينيقيا»؛ فالعهد القديم تحدث عن «الصيدونيين» وعن «ملك صور»، وما إلى ذلك. # 13 # إلا أن الدول المدن بلغت في الإمبراطورية الإغريقية أكثر أشكالها تطورا. حتى بين ~~الأسلاف المسينيين، نجد أن ثمة بعضا من الدول المدن - مثل تيرنز وآرجوس وموكناي، ~~التي كانت تحكم الريف المحيط - وضعت المعيار السياسي. وبطبيعة الحال، كما هو الوضع في ~~كل مكان آخر، كانت صلات القرابة ضرورية في كل من الحياة اليومية والحكم السياسي، ولا ~~سيما من أجل الخلافة النظامية على العرش الملكي. وكذلك كانت الحال في تتبع أنساب ~~المجموعات الفرعية الإغريقية المختلفة التي ضمت الأيونيين والدوريين والأيوليين ~~والبيوتيين. واستمر صدى هذه الانقسامات الثقافية والسلالية في العصر الكلاسيكي، بل ~~استغلت حتى القرن الخامس كذرائع لسياسات الأثينيين «الأيونيين» والأسبرطيين ~~«الدوريين» في الحرب البيلوبونيسية. # 14 # في العصر القديم (من القرن الثامن قبل الميلاد حتى القرن السادس قبل الميلاد) بعد ~~الإطاحة بالحكم الأرستقراطي، كونت «المدينة المستقلة» الإغريقية أخلاقياتها ومؤسساتها ~~المميزة، لا سيما تحت حكم الطغاة الذين يقرنون في الغالب بنهوض «طبقة» محاربي ~~الهوبليت أصحاب الأملاك. في هذه الفترة، ms069 كان أي حس بالهوية «الإغريقية» المشتركة ~~ناتجا عن أساطير الأصل، والأنساب، والطقوس الصادرة عن مجموعات تزعم أنها انحدرت من ~~نسل «هيلين» ملك ثيساليا، ذلك المكان الذي قال المؤرخ ثوسيديديس إن الإغريق الأوائل ~~جاءوا منه. لربما عجلت حقوق المواطنة الجديدة المحصورة في الدول المدن الناشئة مع ~~تشديدها المتزايد على الأرض والإقامة، وكذلك الأصل، في تحديد المواطنة. وعزز هذه ~~العملية بالتأكيد الحروب الفارسية في أوائل القرن الخامس عندما أصبح شائعا التناقض ~~النمطي بين رعايا ملك الفرس العظيم «البربريين» الأذلاء وبين الدول المدن الإغريقية ~~«الحرة»؛ ذلك التناقض الظاهر بالفعل في مسرحية «الفرس» للروائي المسرحي إسخيلوس (472 قبل الميلاد). # 15 # إلا أن هيرودوت، مرة أخرى، كان من حدد وصاغ الهوية الإغريقية المشتركة، على ألسنة ~~المبعوثين الأثينيين إلى أسبرطة عام 479 قبل الميلاد، تلك الهوية القائمة على: # تماثيل الآلهة والمعابد التي حرقت ودمرت ... والدم واللسان المشتركين بيننا ~~نحن الإغريق، بالإضافة إلى أماكن التعبد المشتركة، والقرابين والعادات ~~المتشابهة ... # 16 # شكل 3-5: مجموعة من الفرسان الشباب، الإفريز الشمالي للبارثينون، أثينا، يعود ~~تقريبا إلى الفترة ما بين عامي 442 إلى 438 قبل الميلاد (المتحف ~~البريطاني). # مع ذلك، وعلى الرغم من كل الأفكار التقليدية المتعلقة بالهوية الهيلينية (التي تضم ~~كل الإغريقيين تحت مظلتها)، كان ولاء الإغريقيين الأول للدولة المدينة التي ينتمي كل ~~منهم إليها. وعلى أي حال، لم يكن عدد المدن التي آلت إلى الفرس عام 480 قبل الميلاد ~~قليلا، وقد كان التنافس التجاري والسياسي الشديد بين تلك الدول المدن، لا سيما ~~التنافس بين أثينا وكورنثوس وأسبرطة، هو ما زج بالعالم الإغريقي إلى الحرب ~~البيلوبونيسية (431-404 قبل الميلاد) الطويلة المريرة التقسيمية. وفي القرن التالي، لم ~~تتمكن فكرة الهيلينية الجمعية لصاحبها الفيلسوف إيسقراط، ولا حملة الملك أجيسيلوس ملك ~~أسبرطة على الفرس، من توحيد الدول المدن الإغريقية، واستلزم الأمر انتصار فيليب ~~المقدوني في معركة خيرونيا لفرض الوحدة، ولو مؤقتا على الأقل. وعلى الرغم من معتقداتهم ~~وممارساتهم الثقافية والدينية الكثيرة - في اللغة والأدب، والفن والعمارة، والمهرجانات ~~والألعاب، بالإضافة إلى مجموعة الآلهة الأولمبية ms070 - فإن محاولات توحيد الهيلينيين ~~سياسيا تحطمت على صخرة الولاء والوطنية الحصريين للدولة المدينة التي ينتمي إليها ~~الفرد. # 17 # بالنسبة إلى كثير من الإغريق، كانت الدولة المدينة تمثل عالما منفصلا، وفي حالة ~~أثينا، ربما مثلت في واقع الأمر صفة أكبر من مجرد صفة «الدولة المدينة». من حيث ~~المساحة، وحجم السكان، والعدد الكبير ل «المتوطنين» - المقيمين الذين يتمتعون بحقوق ~~اجتماعية مهمة، لكنها ليست حقوقا سياسية - شكلت أثينا ما أطلق عليه أرسطو «جماعة ~~عرقية». ووفقا لإدوين كوهين، فإن الأثينيين في القرن الخامس اكتسبوا أيضا أسطورة تقول ~~إنهم من سلالة السكان الأصليين المتحدرين من الملك إيريخثيوس. هل يسمح لنا هذا بأن نشير ~~إلى أثينا وريفها المحيط بها المعروف باسم أتيكا بوصف «أمة» قديمة يعادل حجمها حجم ~~أيسلندا؟ فعلى أي حال، كان لدى أعضائها إحساس واضح بالذاتية الجمعية «في مواجهة» الدول ~~المدن الأخرى، وكانت لديهم أسطورة أصول مشتركة (تكونت لاحقا)، بالإضافة إلى انتماء ~~قوي إلى الأرض، وثقافة عامة، وقوانين وأعراف موحدة. ورغم ذلك، إلى أي مدى كانت ~~تلك الثقافة العامة مميزة وإلى أي مدى كانت مجموعة أساطيرها وذكرياتها ورموزها ~~فريدة؟ ففي النهاية، كثير من هذه الأمور كان مشتركا مع بقية الإغريق، لا سيما مع ~~الدول المدن المنتمية إلى نفس مجموعتهم العرقية الفرعية الأيونية. بالتأكيد، حاول ~~بيركليس في خطاب التأبين الشهير الذي ألقاه، كما نقله ثوسيديديس، أن يغرس في نفوس ~~مواطنيه الإحساس بالتفوق الثقافي لأثينا وبقيادتها السياسية لليونان، بالإضافة إلى ~~مثال التضحية النبيلة بالحياة نفسها فداء لمدينتهم في الحرب البيلوبونيسية، إلا أن ~~الحرب التي قتل فيها هؤلاء الأثينيون كانت حربا بين الهيلينيين، ولم تكن حربا ~~يقاتلون فيها الفرس، والقيادة التي طمح إليها الأثينيون الذين خاطبهم بيركليس كانت على ~~حساب حلفائهم في الحلف الديلي إلى حد بعيد. علاوة على ذلك، لم يقل بيركليس إن على ~~مواطنيه أن «يحبوا» اليونان أو الهيلينيين، بل قال عليهم أن يحبوا دولة أثينا ~~وحدها. # 18 # إلا أنه سواء اتفقنا مع اعتقاد إدوين كوهين وأفييل روشولد بأن أثينا يمكن أن تعتبر ~~أمة ودولة ms071 قومية، فإن «الدولة المدينة» الإغريقية تركت تراثا ثقافيا مهما للعصور ~~والدول اللاحقة. ويرجع السبب وراء ذلك من ناحية إلى طريقة استخدام الإسكندر المقدوني ~~وخلفائه للدولة المدينة كنموذج لنشر الثقافة الهيلينية في الشرق الأدنى، ويرجع من ~~ناحية أخرى إلى أن الولاء الشديد ل «الدولة المدينة» قد تشكل من شبكات هيلينية ~~ثقافية ودينية مشتركة أوسع نطاقا؛ ونتيجة لذلك، أصبح مثال التضامن السياسي والحرية ~~السياسية في «الدولة المدينة» جزءا من التراث الأدبي والفني الأوسع نطاقا لليونان ~~القديمة؛ ذلك التراث الذي نقله الباحثون العرب والبيزنطيون إلى أوروبا الغربية في ~~العصور الوسطى وفي أوائل العصر الحديث؛ مما قدم نموذجا للمجتمع الجمهوري القائم على ~~شكل صارم من الوطنية والمساواة بين المواطنين. ومع العودة إلى العصور الكلاسيكية ~~القديمة والإحياء الإغريقي، أصبح هذا النموذج مصدر إلهام لمثل الحكم الذاتي والوحدة ~~اللذين سيجعلهما القوميون الحداثيون مبدأين أساسيين للدين العلماني الجديد للشعب؛ ومن ~~ثم، فإن الدولة المدينة، بعيدا عن كونها النقيض التام للجماعات القومية والعرقية أو ~~معيقة لها، أصبحت في واقع الأمر تمثل إحدى دعائم الأمة وقوالبها الأوسع انتشارا؛ حيث ~~تمدها ببعض سماتها الخالدة وأشكالها التاريخية الأهم. ~~(4) الهوية العرقية والاتحاد القبلي # للوهلة الأولى، قد يبدو النوع الثالث من الهويات الجمعية الثقافية والسياسية، ممثلا ~~في الاتحاد القبلي، أكثر ارتباطا بالأشكال العرقية والقومية من المجتمع المدني. في ~~واقع الأمر، يرى البعض أن «القبيلة» و«الجماعة العرقية» مصطلحان مرتبطان ارتباطا ~~وثيقا، بل من الممكن استعمال أحدهما محل الآخر. إلا أننا إذا التزمنا بالمعنى الذي ~~يرى أن القبيلة ليست مجرد جماعة ثقافية بل إنها التعبير السياسي عن تقسيم الأنساب، ~~فإننا نستطيع أن نرى أن القبائل والاتحادات القبلية تستطيع أيضا أن تضعف أي حس ~~بهوية عرقية أكبر نطاقا وتقوضه، فضلا عن إعاقة نشأة الأمم، كما تشير العداوات ~~القبلية المتكررة. # من الأمثلة القديمة على مثل هذه الاتحادات القبلية «العمورو» أو «العموريون» الذين ~~ظهروا لأول مرة في شمال سوريا في الوثائق الأكدية والسومرية في أواخر الألفية الثالثة ~~قبل الميلاد. كانوا عمالا مهاجرين في مدينة سومر ومدينة أكاد، وكانوا ms072 معروفين باسم ~~المارتو في اللغة السومرية، وبدا أن ترحالهم يشكل تهديدا للحياة الحضرية. وقد ~~وصف هؤلاء القوم شبه الرحل على النحو الآتي: # المارتو الذي لا يعرف المنازل، الذي لا يعرف المدن، ذلك الرجل الهمجي الذي ~~يعيش في الجبال ... المارتو، شعب من الغزاة، ذوو غرائز حيوانية، مثلهم كمثل ~~الذئاب. # 19 # وفي وقت لاحق، اخترق العمورو الجدار الدفاعي الذي بني بالقرب من ~~بابل لصدهم عن المدينة، وتولى أفراد من العموريين السلطة في المدن السومرية، وأخذ ~~حمورابي ملك بابل لقب «لوجال عمورو» أي ملك عمورو. إلا أنه في هذه الفترة كانت القبائل ~~«الأمورية» مثبتة كلا بصفتها الفردية على النحو الآتي: الهانيون، والسوتيون، وقبيلة ~~أمنانو، وقبيلة رابو، وهكذا. ومن الواضح أنه نظرا لتفرقهم في القرى، وعملهم ~~كفلاحين، وكرعاة شبه رحل، فقد فشلوا في التجمع في اتحاد يضم كل القبائل العمورية، ~~وبعيدا عن مملكة أمورو في وسط سوريا في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، فقد أصبح اسمهم ~~مجرد ذكرى أو مصطلحا جغرافيا في سجلات التاريخ الآشوري. # فيما يتعلق بمثال الاتحاد الآرامي الذي تشكل لاحقا، فإنا نقف على أرض أكثر صلابة. ~~في بداية الألفية الأولى قبل الميلاد، سجل عديد من الممالك الآرامية، كان أبرزها آرام ~~صوبا، وآرام دمشق، وأرفاد في سوريا، وآرام النهرين، وبيت عديني، وبيت زماني في شمال ~~بلاد الرافدين، وبيت داكوري، وبيت أموكاني في جنوب بابل بالقرب من الخليج الفارسي. ولو ~~كانت تلك الممالك قد شكلت تهديدا للمملكة الآشورية في القرن الحادي عشر والقرن ~~العاشر قبل الميلاد، ولمملكة إسرائيل في القرن التاسع قبل الميلاد، فمن المحتمل أن ~~الانتشار الجغرافي الواسع لتلك الممالك وتنظيمها غير المتجانس قد حال دون تحقيق وحدة ~~ثقافية مستقرة، فضلا عن تحقيق وحدة سياسية. حتى الهجمات الآشورية المتعاقبة على ~~الممالك الآرامية في سوريا من القرن التاسع وحتى القرن السابع فشلت في استنفار مشاعر ~~الآرامية الجمعية، على الرغم من أنها وحدت قطاعات من الآراميين تحت قيادة الدولة ~~المدينة المسيطرة في تلك الفترة؛ دمشق في القرن التاسع وأرفاد في القرن التاسع قبل ~~الميلاد. ms073 # 20 # هذا لا يعني القول إن الآراميين لم يتشاركوا ممارسات ثقافية مشتركة؛ فمع ذلك كله، ~~كانت توجد لغة آرامية وكتابة آرامية. وكانت هناك أيضا الأهمية المتزايدة لعبادة إله ~~العواصف الآرامي، هدد، في سوريا على الأقل. وبعد ذلك، كانت توجد التحالفات المتكررة ~~للممالك الآرامية ضد المملكة الآشورية. ولهذه الأسباب، كما قال ستيفين جروسبي، كان من ~~الممكن أن يكون الآراميون في سوريا جنسية ناشئة؛ وهذا استنتاج معقول من نقوش لوح قرية ~~سفيرة البازلتي الذي يعود إلى حوالي عام 750 قبل الميلاد، والتي تسجل معاهدة بين ~~اثنين من الملوك الآراميين، متع أيل (ملك أرفاد) وبرجاية - ملك كتك (مملكة غير معروفة) ~~- والتي تتحدث عن «كل آرام»، وهو ما قد يشمل «آرام العليا» و«آرام السفلى». # 21 # من ناحية أخرى، قيل إن اللغة الآرامية المشتركة، ونظام كتابتها، أصبحت منتشرة على ~~نطاق واسع حتى إنها كانت تمثل «لغة التواصل الوسيطة» في الشرق الأدنى في الألفية ~~الأولى، وسبب ذلك يعود جزئيا إلى عمليات تهجير الآراميين الواسعة النطاق على يد ملوك ~~آشور، وكان الحكام الآشوريون يستخدمونها في مخاطبة رعاياهم؛ لذلك، بدلا من المساعدة ~~في تمييز «عرقية» آرامية، قال البعض إن اختلاط الشعوب قسريا واعتيادهم على اللغة ~~المشتركة كانا من العوامل الرئيسية لظهور الدولة القومية «الآشورية». وكيفما كانت ~~الحال، لم تتمكن اللغة الآرامية المشتركة ولا صدارة عبادة الإله هدد من تكوين وحدة ~~أوسع نطاقا ولا إزاحة آلهة المدن الآرامية المحلية عن عرشها، أو منع النزاعات المتكررة ~~على الحدود بين الممالك الآرامية المختلفة. # 22 # ربما توجد أدلة أقوى على اعتبار قبائل الأدوميين شبه الرحل وحدة ثقافية، إن لم ~~تكن سياسية. يوضح جروسبي أنه في رواية الكتاب المقدس، يظهر الأدوميون كمملكة موحدة ~~تعيق مرور بني إسرائيل المشردين بعد خروجهم من مصر. ويشير سفر العدد إلى شعب يسمى ~~«أدوم» (الأدوميين) وإلى أرض «كل أدوم»، لها حدود تسيج جبل سعير (سفر العدد 20: ~~16، 23). ونعلم أيضا أنهم في القرن التاسع قبل الميلاد انخرطوا في تحالفات سياسية ~~وصراعات مع حماة، وصور، وصيدا، وكذلك مع مملكة إسرائيل ومملكة ms074 يهوذا. مرة أخرى، يبدو ~~أنه كان يوجد رب أعلى هو قوش، أو ربما مجموعة من الآلهة ضمت إلهة اسمها أدوم، لكنه ~~من غير المعلوم إلى أي مدى كانت عبادة قوش مهمة لهوية الشخص الأدومي. بالنسبة إلى ~~مؤلفي الكتاب المقدس، فإن أدوم والأدوميين كانوا قريبين من مملكة يهوذا، من ناحية الأرض ~~والأنساب القبلية، وتوجد تلميحات على أن عبادة يهوه نشأت في أراضي الأدوميين، على ~~الرغم من أنهم تحولوا قسريا بعد ذلك بكثير إلى اليهودية على يد السلالة الحشمونية ~~الملكية. إلا أنه من غير الواضح إلى أي مدى كونوا مجتمعا عرقيا منفصلا (عرقية) ~~يمتلك أسطورة أصل مشترك وذكريات وثقافة مشتركتين. # 23 ~~(5) حالة «إسرائيل القديمة» # لا تتوافر لدينا أدلة كافية تجعلنا نقدر إلى أي مدى يمكننا التحدث على نحو ~~مشروع عن جماعة وهوية قوميتين وعرقيتين إلا عندما نتناول الاتحاد القبلي ~~الإسرائيلي. ربما تكون هذه الأدلة كافية، لكنها ليست قاطعة، كما تشهد كل الآراء ~~المتصارعة الكثيرة التي تتناول كل جوانب «إسرائيل القديمة». من ناحية أخرى، فإن ~~الأهمية الطويلة الأمد لتجارب مملكة إسرائيل القديمة ومملكة يهوذا القديمة في تكوين ~~الأمم لاحقا تتمتع بأهمية لا تدع مكانا للمغالاة. # وجد اسم «إسرائيل» لأول مرة على اللوحة التذكارية للفرعون مرنبتاح (حوالي عام 1210 ~~قبل الميلاد) التي تسجل الأماكن والمجموعات العرقية التي يزعم أنه غزاها أو دمرها ~~في كنعان. إلا أنه ليس واضحا ما إذا كانت إسرائيل المذكورة في هذا الصدد وصفا ~~إقليميا أم وصفا عرقيا أم كليهما. تظهر إسرائيل بعد ذلك على اللوحة التذكارية ~~للملك ميشع ملك مؤاب (حوالي عام 830 قبل الميلاد) وفي سجلات التاريخ الآشورية على أنها ~~مملكة الشمال المذكورة في الكتاب المقدس، بالإضافة إلى مملكة يهوذا الجنوبية. في سفر ~~يشوع وسفر القضاة، نقرأ سلسلة من الصراعات بين الأسباط الإسرائيلية والعديد من ~~«القبائل» والدول المدن الكنعانية، والفلسطينيين، والأدوميين، والعمونيين، والمؤابيين. ~~قد يشير ذلك إلى قدر من الوحدة السياسية، بل ربما إلى حلف يشبه ذلك الحلف الذي طرحه ~~مارتن نوث ذات مرة. إلا أن سفر القضاة يبرز ms075 أيضا الانشقاقات بين الأسباط الإسرائيلية ~~المختلفة، أولئك الموجودين في الجنوب، وأولئك الموجودين في الشرق قبالة الأردن، في ~~المنطقة الجبلية الوسطى، وبقية الأسباط الشمالية المنفصلة، ولم يبد أن العبادة ~~الرئيسية للإله يهوه قد حققت تأثيرا سياسيا كبيرا. # 24 # مسألة أصول إسرائيل وإيمانها الفريد بيهوه - وهذه مسألة لا يزال الباحثون ينقسمون ~~حولها - مرتبطة بأصول وطبيعة العهد الذي يميز أسباط بني إسرائيل عن غيرهم، العهد ~~الذي كان له عميق الأثر على تكوين الأمم لاحقا. حتى إذا كانت «إسرائيل» تشير في الأصل ~~إلى جماعة مختلطة الأعراق تضم البدو الآراميين من الشرق والفلاحين الكنعانيين الذين ~~هربوا إلى المنطقة الجبلية في أعقاب سقوط الحكم المصري بعد عام 1300 قبل الميلاد، فإن ~~محورية قبيلة أفرايم الواقعة في منطقة الجبل، تلك القبيلة التي ينتمي إليها يشوع خادم ~~موسى، واندماج عبادة يهوه بعبادة «إيل» الإله الأعلى عند الكنعانيين تدريجيا؛ ~~مثلت بداية عملية طويلة لبناء وحدة أيديولوجية، إن لم تكن وحدة سياسية دائمة. ~~بالإضافة إلى ذلك، في حين يتعامل بعض الباحثين أمثال يوستا آلستروم مع رواية سفر ~~الخروج وروايات أسفار موسى على أنها ثانوية، يجد غيرهم مثل إيرفينج زايتلين توافقا ~~كبيرا بين سرد الكتاب المقدس في أسفار موسى الخمسة والعادات والأعراف في الشرق الأدنى ~~في تلك الفترة. وعلى الرغم من هذه الاختلافات، تظل الحقيقة متمثلة في أنه بحلول عصر ~~شاول الملك (حوالي عام 1000 قبل الميلاد)، حققت أسباط بني إسرائيل التي تقطن المنطقة ~~الجبلية، مع سبط بنيامين وسبط يهوذا، قدرا كبيرا من الوحدة السياسية، جعلت أحد ~~الباحثين على الأقل يزعم أن عددا من أسباط بني إسرائيل أقروا فعليا بعلاقتهم ~~الوثيقة، بل ب «اتحاد قومي متلاحم قائم على الدين»، لكن دون تعريف معنى مصطلح «قومي» ~~تعريفا واضحا في تلك الفترة، أو في غيرها. # 25 # إن جدل الباحثين حول مملكة إسرائيل الموحدة يثير القدر نفسه من الشقاق؛ إذ يرفض بعض ~~الباحثين هذه الفكرة باعتبارها دعاية حدثت بعد النفي البابلي، بينما بعض آخر من ~~الباحثين على استعداد لقبول نسخة مختصرة من الرواية الواردة ms076 في سفر الملوك الأول. ~~مرة أخرى، فالأمر المهم هو أسطورة المملكة المجيدة التالية، مملكة داود الشجاع وسليمان ~~الحكيم، وهما المؤلفان المفترضان لكثير من المزامير والحكم. أصبحت مملكة إسرائيل ~~الموحدة تمثل «عصرا ذهبيا»، إلا أن الانقسام المرير للمملكة الموحدة الذي حدث ~~لاحقا إلى مملكة إسرائيل ومملكة يهوذا جعل ذكراها مدعاة للحسرة. ورغم ذلك، فمنذ ~~البداية كانت النظرة إلى الملكية في إسرائيل نظرة متناقضة - فقد كانت ترى على أنها ~~مقدسة، بل مسيحانية، لكن في الوقت ذاته، كان يرى أن الشبهات والفساد ضاربان في جذورها، ~~كما أجزل الأنبياء في توضيح ذلك - مثل هذا التناقض سيتكرر في الحضارة الغربية ~~ويلازمها. # 26 # على الرغم من الانقسامات اللاحقة، فباختيار أورشليم عاصمة وبناء الهيكل هناك، وفر ~~داود ومملكة إسرائيل الموحدة أساسا لنشأة الانتماءات الإقليمية وثقافة عامة مميزة ~~ترتكز على عبادة يهوه. وفيما شهدت مملكة إسرائيل الشمالية صراعا مستمرا بين عبادة ~~الإله بعل الفينيقية السائدة وبين عبادة يهوه، كما هو مدون في مجموعة قصص إلياس، فإن ~~مملكة يهوذا الجنوبية الأصغر مساحة، رغم ما واجهته هي أيضا من متاعب مع العبادات ~~الدخيلة، تمكنت من اتباع سياسة وحدة دينية أكثر اتساقا تقوم على تقديس الهيكل ومثال ~~العهد. وحتى في هذه المملكة، لم تتمكن عملية الإصلاحات الدينية الكاملة من البدء إلا ~~بعد دمار المملكة الشمالية على يد الإمبراطورية الآشورية عام 722 قبل الميلاد وهروب ~~الكثير من لاجئي الشمال حاملين معتقداتهم الدينية إلى مملكة يهوذا. ومنذ عهد حزقيا في ~~أواخر القرن الثامن وحتى عهد الملك يوشيا في أواخر القرن السابع، بدا أن مملكة يهوذا ~~وشعبها قد أصبحوا أكثر وعيا بأنفسهم كمجتمع عرقي يعبد إلها واحدا دون إنكار إمكانية ~~وجود آلهة أخرى، مع وجود إحساس أكثر وضوحا بالأصول والذكريات التاريخية المشتركة. ساعد ~~على هذا التطور أربعة عوامل، هي: تأثير ملوك لينين سهلي الانقياد مثل حزقيا، ~~وتأثير النشاط التنبئي لإشعياء وميخا وصولا إلى إرميا وحزقيال، واكتشاف سفر الشريعة ~~في الهيكل عام 621 قبل الميلاد، والتحرير المحتمل لسفر التثنية والأسفار التاريخية. ~~وفي المقام الأول، كان ms077 ذلك نتيجة لظهور الثقافة النصية التي انتشرت من البلاط الملكي ~~والهيكل في العاصمة، بعد التوسيع السريع لأورشليم في أعقاب تدمير المملكة الآشورية ~~لمدينة السامرة عام 722 قبل الميلاد وغزو سنحاريب لمملكة يهوذا عام 701 قبل الميلاد. ~~وساعدت رغبة البلاط الملكي في استعراض القوة والشرعية من خلال تأسيس مكتبة، كتلك ~~الموجودة في مصر وفي آشور - وما ارتبط بذلك من زيادة في معرفة القراءة والكتابة - في ~~تدوين وتشكيل الذكريات والأساطير والتقاليد لكل من لاجئي الشمال وقبائل الجنوب في ~~صورة تاريخ عرقي متماسك يتمحور حول العصر الذهبي لداود. # 27 # يعتبر كثير من الباحثين أن إصلاحات الملك يوشيا (639-605 قبل الميلاد) كانت ضرورية ~~لتكوين الكتاب المقدس ونشأة الوعي اليهودي العرقي. على الرغم من انقسام الأثريين حول ~~«التوافق» بين كثير من الملاحظات الجغرافية والعرقية في أسفار موسى الخمسة وتوسع ~~مملكة يوشيا في أعقاب الانسحاب الآشوري بعد عام 628 قبل الميلاد، فالخلاف ضئيل حول ~~أهمية حملة يوشيا الدينية ضد العبادات الأجنبية والأماكن المرتفعة («أشيرة» و«باموت»)، ~~واكتشاف شريعة التثنية في الهيكل، والقراءة العامة لتلك الشريعة التي نظمها الملك على ~~هذا النحو: # وصعد الملك إلى بيت الرب وجميع رجال يهوذا ~~وكل سكان أورشليم معه، والكهنة والأنبياء وكل ~~الشعب من الصغير إلى الكبير، وقرأ في آذانهم كل ~~كلام سفر الشريعة الذي وجد في بيت الرب. (سفر الملوك ~~الثاني 23: 2) # يرى ستيفين جروسبي أن هذه الأحداث تشهد على نمو إحساس بالمجتمع القومي والهوية ~~القومية: يوجد مشاركة من عوام الناس، ونشر للثقافة العامة، والتزام بالقوانين العامة ~~والعادات المشتركة، وارتباط متزايد بأرض مشتركة «من دان إلى بئر سبع»، التي سعى يوشيا ~~إلى استردادها. # 28 # وحتى إذا قبلنا زعم جروسبي القائل بأن فكرة القومية يمكن إدراكها في هذه الفترة، ~~فإننا نحتاج إلى توخي الحذر؛ فأولا: كان هذا الأمر على الأرجح متعلقا بالنخبة، ~~وكان مقتصرا على أورشليم وضواحيها المتاخمة. ويكشف استمرار عبادة الأوثان في الريف ~~حدود أي إحساس بالمجتمع القومي القائم على تعاليم دينية مشتركة. ثانيا: كان ظهور فكرة ~~القومية لفترة قصيرة للغاية؛ فبعد موت ms078 يوشيا في إحدى المعارك عام 609 قبل الميلاد، ~~وتهجير نخب مملكة يهوذا إلى بابل على يد نبوخذ نصر عام 597 قبل الميلاد، وأخيرا سقوط ~~القدس عام 586 قبل الميلاد، يكاد يكون من المؤكد أن سكان الريف المتبقين استمروا في ~~عباداتهم الوثنية السابقة. مرة أخرى، كان إحياء الإحساس بالهوية العرقية اليهودية ~~والتوحيد الديني مقتصرا على النخب، الذين جمعوا كتابات ما قبل النفي البابلي ~~وعدلوها في بابل، وعاد بعضهم وأعادوا بناء الهيكل في أورشليم بعد عدة سنوات من قرار ~~التسامح الديني الذي أصدره قورش عام 538 قبل الميلاد. ومع ذلك، فإن مقاطعة يهوذا ~~الفارسية الصغيرة والمهجورة لم تزدهر مجددا إلا من خلال تدخل نحميا كمبعوث للملك ومن ~~خلال إصلاحات عزرا الكاتب، لا سيما حظره للزواج من السكان المجاورين. ولم يساعد في ~~تحديد العضوية في المجتمع إلا القراءة العامة للتوراة على يد عزرا وتبجيله شريعة موسى، ~~كما يقول بيتر أكرويد : # توجد قيود مفروضة على الزواج، ويوجد تأكيد على النقاء، وعلى تحديد المجتمع من ~~حيث قبوله للإله؛ فالزيجات الأجنبية، ومن ثم الدين الأجنبي، يمثلان تهديدا ~~لحياة المجتمع. # 29 # هل يمكننا الحديث عن مجتمع قومي «متجدد»، لكنه صغير ومحفوف بالمخاطر، على الرغم من ~~هذا الدليل الذي يشير إلى مجتمع عرقي مزدهر محدد من الناحية الدينية والشعائرية، مجتمع ~~استمر يجمع وينظم أساطير الأصل والتاريخ العرقي المقدس ويسن الشعائر باللغة العبرية ~~المقدسة؟ للأسف، لا توجد أدلة كثيرة تشير إلى الفترة الفارسية وبداية الفترة ~~الهلينستية، باستثناء استنباطات من أواخر عهد الفريسيين إلى أوائل عهد رجال الكنيس ~~العظيم. ولا يمكننا البدء في إدراك سمات المجتمع القومي - رغم كونه مجتمعا مقسما ~~وخاضعا لضغوط متصارعة - إلا مع الانقسام بين اليهود الهلينستيين والحسيديين في أورشليم ~~في عهد السلوقيين في أوائل القرن الثاني قبل الميلاد، وثورة المكابيين اللاحقة عام 167 ~~قبل الميلاد على الظاهر أنطيوخوس الرابع إثر محاولاته الضالة للنيل من الاتساق الديني ~~والثقافي من خلال ترسيخ عبادة زيوس في الهيكل. ونظرا لأن اليهود كانوا يدورون في فلك ~~التوحيد، والتوراة، والهيكل، وبدءوا يعرفون ms079 معنى الانتماء إلى اليهودية في ضوء الجانب ~~الديني والجانب الطقسي، فقد أصبح اليهود يعتبرون على نحو متزايد أمة منفصلة لها ما ~~يميزها من ثقافة عامة وقانون ولغة وأرض، على الرغم من أنهم تشاركوا في جوانب ~~كثيرة من ثقافتهم المادية مع العالم الهلينستي من حولهم. # 30 ~~(6) هل من أمم في العصور القديمة؟ # من واقع تلك الدراسة البالغة الإيجاز لحالات مختارة من الهويات الجمعية الثقافية ~~والسياسية والمجتمعات في العالم القديم، يمكننا الآن أن نتساءل إلى أي مدى كان الإحساس ~~بالانتماء العرقي المشترك سائدا، وهل كان من المنطقي الحديث عن «الأمم» في العصور ~~القديمة. في هذا الصدد، لا يسعني سوى طرح بعض الاستنتاجات المؤقتة: # أولا: يبدو أن أكثر أشكال الهويات الثقافية والسياسية الجمعية شيوعا وانتشارا - ~~فوق مستوى العشيرة والقرية - كانت الدولة المدينة والاتحاد القبلي. حتى الهويات ~~الإمبراطورية نشأت في أحد هذين النوعين من المجتمعات (الدول المدن في بلاد الرافدين ~~والتجمعات القبلية في حالة الميديين والفرس) وظلت تعتمد على هذين الأساسين. وتمثل مصر ~~استثناء جزئيا من هذا التعميم، على الرغم من أن مدنا مثل منف وطيبة لاحقا كانت ~~أساسا لقيام أسر متعاقبة. # ثانيا: ما لم يتبن المرء تعريفا لمفهوم «القبيلة» يجعلها مساوية لمفهوم المجتمع ~~العرقي أو «الجماعة العرقية»، فسنجد أن الروابط العرقية نادرا ما كانت أساسا لمجتمع ~~كامل وحصري في العالم القديم. بل نجد أنها تتضافر عادة مع كل أنواع الهويات ~~والمجتمعات الثقافية والسياسية. بالإضافة إلى ذلك، في أغلب الأحيان، يبدو أن الآخرين هم ~~من كانوا ينسبون العرقية لغيرهم من الشعوب، ولم تكن تلك الشعوب تنسبها لنفسها بالضرورة، ~~كما في حالة الدول المدن «الفينيقية» التي تعرضنا لها سابقا. # ثالثا: عندما تكون الروابط العرقية واضحة، يمكننا أن نميز ثلاثة مستويات ~~للمجتمع؛ في المستوى الأول، الذي أطلقت عليه «الفئة العرقية» في الفصل الثاني: نجد ~~تجمعات غير مترابطة لديها بعض ممارسات ثقافية متشابهة من منطقة معينة، فئة إقليمية ~~وثقافية لها اسم سجله الغرباء، مثل الجوتيين واللولوبيين الذين ساعدوا في الإطاحة ~~بسلالة أور السومرية نحو عام 2000 قبل ms080 الميلاد. وفي المستوى الثاني، الذي وصفته ب ~~«الشبكة العرقية»: فإن تلك المجموعات التي تتمثل عادة في قبائل أو دول مدن، تكون ~~مجالا من النشاط الثقافي يظهر قدرا من التشارك الثقافي، لكنه نادرا ما يظهر أي ~~وحدة سياسية، وفي هذا الصدد أشرت إلى الاتحادات القبلية الآرامية والدول المدن ~~السومرية. وليس من السهل دائما التمييز بين الشبكات العرقية والفئات العرقية، لكن على ~~النقيض من الفئات العرقية، فإن أفراد النخبة في الشبكات العرقية يميلون إلى امتلاك ~~أساطير الأصل المشترك والذكريات المشتركة، وربما قليل من التضامن. # أعتقد أن ما يميز «الجماعة العرقية» هو تطوير ذكريات مشتركة لتأخذ صورة «تاريخ ~~عرقي» مركب من النوع الذي نجده في اليونان القديمة، في كتابات هيرودوت وثوسيديديس، ~~وكذلك في إسرائيل القديمة. في حالة اليونان القديمة، على الرغم من تأثيرات القوى ~~المناهضة للولاء للدول المدن، كانت المجتمعات الناطقة بالإغريقية والعابدة لآلهة ~~الأوليمب تدرك صلة قرابتها وأساطير السلف المشترك الخاصة بها (على الرغم من ~~الاختلافات الكثيرة بين تلك الأساطير)، وكانت تفتخر باختلافها عن «البربريين» من غير ~~الإغريق، وتفوقها عليهم، وهذا أمر ميز على نحو واضح مستعمراتها عن جيرانها من ~~شعوب البحر المتوسط. لهذا السبب، حذا موزيس فينلي حذو ماينيكه وأطلق على الإغريق مصطلح ~~«أمة ثقافية» - وهو وفق مصطلحاتي يعني «مجموعة عرقية» تجمع بينها أساطير السلف المشترك، ~~والذكريات التاريخية المشتركة، وثقافة مشتركة، وقدر من التضامن - بسبب عدم وجود وحدة ~~سياسية وإقليمية. وتنطبق اعتبارات مماثلة على بني إسرائيل. ذات مرة، قضت مواجهة الهجمات ~~الفلسطينية على انشقاق القبائل الإسرائيلية، لكن بعد أن تخلص الملك داود من هذا ~~التهديد، عاودت الخلافات الظهور بين القبائل الشمالية والقبائل الجنوبية وانقسمت مملكة ~~إسرائيل. ومع ذلك، لم يؤد هذا إلى تدمير الروابط الثقافية الوثيقة بين القبائل، ~~ودون تاريخ مملكة إسرائيل جنبا إلى جنب مع تاريخ مملكة يهوذا، وضمن كلاهما في ~~سفري الملوك الأول والثاني. # 31 # لكن أخيرا، هل يمكننا الحديث عن وجود «أمم» في العالم القديم؟ هل يمكن أن نلاحظ على ~~الأقل بعضا من العمليات المحفزة لتكوين مجتمعات شبيهة ms081 بالنوع المثالي للأمة؟ إذا ~~قبلنا التعريف الذي طرحته في الفصل الأول الذي عرف الأمة بأنها مجتمع بشري له اسم ~~ووصف ذاتي يكون أفراده أساطير، وذكريات ورموزا، وقيما، وتقاليد مشتركة، يقيم في ~~موطن تاريخي، وينشر ثقافة عامة، ويراعي قوانين وعادات مشتركة؛ فإنني أعتقد أننا يمكن ~~أن نبين أن بعض هذه العمليات الأساسية كانت فاعلة، وأنه في حالات قليلة للغاية ~~شجعت تلك العمليات تكون الأمم، على الأقل في بعض فترات من وجودها. ومن أجل هذا، ~~يمكن تناول أربع حالات من العالم القديم؛ ثلاث إمبراطوريات ومملكة: الإمبراطورية ~~الآشورية الجديدة، والإمبراطورية الفارسية، والإمبراطورية المصرية القديمة، ومملكة ~~يهوذا، التي أصبحت لاحقا مملكة يهودية الرومانية. # في ضوء التعارض المنطقي، قد يبدو غريبا افتراض أن الإمبراطورية يمكن أيضا أن ~~تكون أمة أو تكون امتدادا لها، أو العكس. إلا أنه يسعدنا تماما الاعتراف بأن الأمة ~~الفرنسية في القرن التاسع عشر، على سبيل المثال، كانت لها «إمبراطوريتها»، أو على نحو ~~أكثر تحديدا، القول إن الدولة الفرنسية التي حازت إمبراطورية قد أصبحت مجتمعا ~~قوميا، أو كانت في طريقها لأن تصبح كذلك. ألا يمكن إذا أن ينطبق الأمر نفسه على ~~العالم القديم؟ # 32 ~~(6-1) الإمبراطورية الآشورية الجديدة # إن وصفنا للإمبراطورية الآشورية الجديدة بوصف الأمة يمكن أن يعني أن ~~الآشوريين كونوا أمة بأنفسهم، أثناء حكمهم لعدد من المجتمعات الأخرى، أو أن ~~الإمبراطورية الآشورية بأكملها، في مراحلها اللاحقة، قد أصبحت أمة واحدة أو كانت ~~في طريقها لأن تصبح كذلك. # أوضحت من قبل الطبيعة الهرمية والاستغلالية للحكم الآشوري، لكن ماذا عن ~~الآشوريين أنفسهم؟ لقد كانوا مجتمعا له اسم وتعريف ذاتي، وله أسطورة أصل ~~أرستقراطية نابعة من مدينة آشور وإلهها الذي تحمل اسمه، وتشاركوا في ذكريات إنجازات ~~ملوكهم المدونة في السجلات الملكية، وتشاركوا في اللغة، وساد في وسط النبلاء ~~الشعور بالفخر بالمكانة والإحساس بالتفوق على العوام في طبقاتهم وعلى الشعوب ~~الخاضعة لهم. نظرا لهذا التضامن النخبوي، يمكننا التحدث على نحو مشروع عن ~~مجتمع عرقي آشوري. # من ناحية أخرى، من النادر وجود أدلة على وجود مشاعر ms082 خاصة تجاه الوطن الآشوري أو ~~شعور بقدسية الأرض خارج «أرض آشور» نفسها، ولم تكن توجد عاصمة واحدة منفردة. فيما ~~عدا بعض عبادات الآلهة الآشورية، وبعض فنون القصر الآشوري والدعاية الملكية، يبدو ~~أنه لم يبذل جهد كبير في نشر الثقافة الآشورية العامة في أرجاء الإمبراطورية. من ~~المحتمل أن الأسرى أو زوار مدينة النمرود أو مدينة نينوى كانوا يشعرون بالرهبة، ~~لكننا لا نسمع إلا القليل عن نشر الثقافة الآشورية العامة إلى عوام الآشوريين، ~~فضلا عن الشعوب الأجنبية الخاضعة للإمبراطورية. علاوة على ذلك، فكما ذكرت من قبل، ~~كانت الثقافة الآشورية الجديدة مدينة إلى حد بعيد للنصوص الدينية المكتوبة ~~بالمسمارية وللثقافة الأدبية الأكدية لبلاد بابل؛ تلك النصوص التي كانت تمثل ~~المرجعية وتلك الثقافة التي مثلت العصر الذهبي اللازم إحياؤه. أما عن توحيد ~~القوانين والعادات العامة، فبعيدا عن الجزية المعتادة، والتجنيد العسكري، وبعض ~~المراسيم الملكية، سمح على نحو ضمني لغالبية الرعايا الذين ظلوا في أراضيهم ~~بالاحتفاظ بعاداتهم وقوانينهم المحلية . # 33 # على صعيد آخر، هل يمكننا وصف الأراضي التي ضمتها الإمبراطورية الآشورية الجديدة ~~والمجتمع الذي أنشأته بالدولة القومية، على الأقل في مراحلها الأخيرة؟ هذه فرضية ~~قدمها مؤخرا سيمو باربولا. مع وضع النموذج الأمريكي في الاعتبار، زعم باربولا أن ~~عمليتي التهجير المنتظم والاستيعاب الثقافي ساعدتا في تكوين مجتمع جديد أكثر ~~تماسكا وتجانسا؛ فعن طريق إجبار شعوب الشرق الأدنى القديم على الاختلاط مع ~~غيرهم، ومنحهم الكثير من حقوق المواطنة، واستيعابهم عن طريق لغة مشتركة تمثلت في ~~الآرامية، وعن طريق كتابة مشتركة تمثلت في الأبجدية الآرامية، كان الآشوريون لأول ~~مرة في التاريخ يكونون أمة قومية على نحو واع. إنها فرضية جذابة. لا شك أن تلك ~~التوجهات ساعدت بالفعل في تعزيز مجتمع جديد أكثر عالمية وتنوعا من خلال تحطيم ~~عزلة شعوب الشرق الأدنى القديم. ومن ناحية أخرى، فإن النظير الأمريكي مضلل. لقد ~~كانت الولايات المتحدة، وما زالت، مجتمع مهاجرين يختار أعضاء مجموعاته العرقية ~~المختلفة الدخول فيه ويتبنون طواعية أسلوب الحياة الأمريكي مع احتفاظهم بكثير ~~من تقاليدهم ومعتقداتهم وعاداتهم. بالإضافة إلى ms083 ذلك، كانت الولايات المتحدة منذ ~~البداية جمهورية شعبية قائمة على الأيديولوجية القومية المدنية لآبائها المؤسسين. ~~ومثل هذه الأيديولوجية القومية لا يمكن العثور عليها في الإمبراطورية الآشورية؛ ~~فالهجرة كانت قسرية إلى حد بعيد، وعلاقة الحكام الآشوريين بالشعوب الخاضعة لهم ~~كانت استغلالية في العموم، كما رأينا. في جوهر الأمر، ظلت الإمبراطورية الآشورية ~~حالة هرمية عرقية قائمة على القوة العسكرية والهيمنة الاقتصادية. إن الابتهاج ~~العام شبه العالمي الذي صاحب انهيار الإمبراطورية الآشورية، والاختفاء شبه الكامل ل ~~«العرقية» الآشورية مع انهيار الدولة، يؤكدان فشل المشروع «القومي» الآشوري، إن ~~كان ثمة مثل هذا المشروع. # 34 ~~(6-2) فارس الأخمينية # كثير من الاعتبارات نفسها ينطبق على فارس الأخمينية. يمكننا أن نتفق عند وصف ~~«العرقية» الفارسية؛ فهي مجتمع بشري له اسم وتعريف ذاتي، وأسطورة أصل مشترك منسوبة ~~إلى البيت الحاكم الذي يتشارك فيه النبلاء (بتتبع سلالة الزعماء الأخمينيين ~~المنتمية إلى قبيلة باسارجاد)، وذكريات مشتركة متعلقة بإنجازات الملك والمعارك ~~التي انتصروا فيها (مثلما يفتخر دارا الأول على نقش ضريحه في برسبوليس)، ولغة ~~فارسية قديمة مشتركة، واعتقاد مشترك في نعمة «أهورامزدا» على ملوك ونبلاء الفرس، ~~في نظام كوني أبدي ومتجانس. # لكن، مرة أخرى، فإن هذا يصف هرمية عرقية متعارضة مع فكرة المجتمع القومي؛ لذا، ~~فعلى الرغم من أن أرض بارس في جنوب غرب إيران، مقر حكم الإمبراطورية الأخمينية، ~~كانت تتلقى الثناء بسبب وفرة إنتاجها الزراعي، فإنها لم تتمتع بأي مكانة خاصة أو ~~مقدسة، كما لم توجد عاصمة واحدة للإمبراطورية على مدار القرنين اللذين استمرت ~~فيهما. وكانت ثقافتها العامة أيضا محصورة إلى حد بعيد على النبلاء الفارسيين ~~والمبعوثين الأجانب المهمين، وأيضا كان يوجد انقسام لغوي؛ حيث كانت الآرامية هي ~~«لغة التواصل الوسيطة» المستخدمة في المحادثات العامة مع الشعوب الخاضعة ~~للإمبراطورية. وعلى الرغم من أن الحكم الفارسي كان بالتأكيد أقل وحشية، فإن دور ~~الشعوب الخاضعة له كان موضحا جيدا، كما رأينا، في مواكب المجموعات العرقية التي ~~تحمل الهدايا إلى الملك العظيم على سلم أبادانا في برسبوليس، أو على النقش الملكي ~~في شوشان ms084 الذي مدح عمالة وموارد الشعوب الخاضعة للإمبراطورية. وكلا العملين الفنيين ~~يعطي إحساسا بالعظمة والتباعد بين الحكام والمحكومين في إمبراطورية مترامية ~~الأطراف. الاختلاف الوحيد الذي يفرق الإمبراطورية الأخمينية عن الإمبراطوريات ~~السابقة هو تسامحها الأكثر وضوحا مع القوانين والعادات المحلية، وهذا التسامح كان ~~نابعا من سياسة قورش؛ ومن ثم كانت الرغبة في دمج الشعوب الخاضعة لهم في مجتمع ~~واحد متعدد العرقيات أقل وضوحا. ومثلت المحاولات اللاحقة التي قامت بها السلالة ~~البارثية والسلالة الساسانية للعودة إلى نموذج فارس الأخمينية تناقضا مثيرا ~~للاهتمام مع مصير الإمبراطورية الآشورية. # 35 ~~(6-3) مصر القديمة # حالة مصر القديمة أكثر تعقيدا. إن عزلة مصر بسبب جغرافيتها ووحدتها بسبب ~~النيل قد جعلت المجتمع المصري والهوية المصرية يتطوران على مدار ألف سنة تقريبا ~~في ظل المملكة المصرية القديمة الموحدة. وساعد هذا في تكوين أساطير الأصل، بأساطير ~~الخلق المتعددة المتعلقة بها، لكن انعدام التواصل النسبي مع الآخرين قبل المملكة ~~الوسطى ربما تسبب في تأخر ظهور الشعور بتعريف الذات. لكن كما نرى في حالة ~~العلاقات مع النوبة، ففي بداية الألفية الثانية كونت الأرستقراطية معتقدا واضحا ~~بالتفوق المصري على الأجانب، بالإضافة إلى الكثير من الأساطير والذكريات والرموز ~~والحنين للعصر الذهبي للأسرة الرابعة المجيدة التي اختار فيها أمنمحات الأول إطلاق ~~المنشور الدعائي المعروف باسم «نبوءة نفرتي» لتبرير اغتصابه للعرش عام 1991 قبل ~~الميلاد. ولعل تعلق المصريين ب «الأرض السوداء» التي أكسبها النيل خصوبتها يخبرنا ~~المزيد عن الشخصية المصرية. في الحكاية الخيالية الشهيرة «قصة سنوحي» التي تدور في ~~الفترة نفسها، يروي مسئول رفيع المستوى من الحاشية، هرب إلى سوريا تجنبا لاتهامه ~~ظلما بالتورط في مؤامرة قتل أمنمحات، قصة رحلته، وإقامته الطويلة في المنفى، ~~ورغبته في أن يدفن في مصر أرض آبائه على طقوس الدفن المصرية، وقد تحققت تلك ~~الرغبة لاحقا. في مرحلة ما، يعرب سنوحي عن حزنه قائلا: # أنا رغم ذلك غريب لا يحبه أحد، تماما كما لا يحظى بدوي بحب أحد في ~~الدلتا ... وهل من أمر أهم من أن تدفن جثتي في الأرض التي ولدت ms085 ~~فيها؟ # من مرحلة لاحقة، يمكن أن نقتبس أيضا رغبة الفرعون كامس في طيبة ~~في أن «ينقذ مصر التي دنسها الآسيويون»، والإحساس الواضح لدى الحكام المصريين ~~بالحدود التاريخية لمصر من الدلتا إلى جزيرة إلفنتين في الجنوب، ورغم ذلك فمن غير ~~الواضح إلى أي مدى كانت تعتبر الأرض مقدسة وليست فقط مباركة. # 36 # إنها لحقيقة لا تنكر أن النخب المصرية القديمة خلقت ثقافة عامة مميزة ~~ودائمة تكونت من الطقوس، والمراسم، والرموز، ومدعومة بلغة وكتابة هيروغليفية، ~~ونظام تعليمي. لقد كانت على الأرجح أكثر الثقافات العامة إبهارا وشمولا. كانت تلك ~~الثقافة ترتكز على أيديولوجية الملكية الإلهية التي زعمت أن الفرعون كان تجسيدا ~~للإله حورس الذي يشبه الصقر وابنا لرع إله الشمس، وأن من واجبه، من خلال أداء ~~الطقوس العامة والحكم الرشيد، ضمان انتصار «ماعت» (الحق والعدل) في عالم البشر. ~~ووفقا لما يقوله باري كيمب، فإن هذه الأيديولوجية كانت: # تعزز باستمرار في التجمعات الإقليمية من خلال الطقوس وتصوير الطقوس، ~~مثل ذلك الطقس الذي يجعل الملك مسئولا عن مراسم المعابد الإقليمية. # على الرغم من أن أبناء النبلاء والكتبة كان لهم تعليم منفصل، ~~فإن المنتمين إلى الطبقات الدنيا كان بإمكانهم الالتحاق بالثقافة التي دعمت هذه ~~الأيديولوجية. وعلى الرغم من أننا لا نستطيع تحديد إلى أي مدى كانت تلك الثقافة ~~منتشرة خارج نطاق النخب، فإنه من المفيد تذكر أن ذلك كان النوع الوحيد من ~~الثقافة العامة الذي تعرض له المصريون على مدار ألفين وخمسمائة عام (باستثناء ~~الفاصل القصير من «الهرطقة» الإخناتونية). # 37 # في الغالب توصف مصر القديمة بأنها مجتمع بالغ التنظيم. ربما كان هذا نتيجة ~~لتراث طويل من السلطة المركزية التي تكونت منذ فترة مبكرة، عندما كانت مصر ~~بعيدة إلى حد كبير عن التهديدات الخارجية؛ ومن ثم تمكنت من تكوين مجتمع أكثر ~~تكاملا لعب فيه القانون الموحد والتشريع البيروقراطي دورا كبيرا، بسبب الحاجة ~~إلى الاستفادة من تأثيرات الفيضان السنوي للنيل. وإلى حد ما، انتقل هذا النموذج ~~إلى فلسطين وسوريا، عندما أقامت مصر إمبراطورية في عهد المملكة الحديثة، وفي ms086 الوقت ~~نفسه يبدو أن الشعوب التي خضعت لمصر هناك تمكنت من الاحتفاظ ببعض عاداتها ~~وقوانينها المحلية. وربما لأن مصر ظلت لفترة طويلة جدا مجتمعا مستقلا بذاته، ~~دون إمبراطورية، فقد أصبحت تشبه لدرجة كبيرة النوع القومي من الهوية الجمعية ~~والمجتمع الجمعي، حتى لو كانت تلك الهوية تتجسد على نحو بالغ الوضوح لدى ~~النخب. في هذا الصدد، كانت العمليات الأساسية المتمثلة في التعريف الذاتي، ~~وتأسيس الأساطير والذكريات والرموز والقيم، وأقلمة الارتباطات، ونشر ثقافة عامة ~~مميزة، وتكوين قوانين وعادات موحدة، واضحة في أبلغ صورة. ومن ناحية أخرى، كان ~~هناك غياب لبعض المصادر الثقافية الأساسية الأخرى؛ فقد فشل المصريون في تكوين ~~أسطورة للاختيار الإلهي للشعب - مقارنة بالفضل الإلهي على الفرعون وسلالته - وعلى ~~الرغم من أن النخب في الفترات التالية استحضروا «العصور الذهبية» السابقة، فإنهم ~~فشلوا في تكوين تاريخ عرقي هادف، أو إحساس بالمصير الجمعي المصري الذي يتطلب كفاحا ~~وتضحية من جانب أفراده. ~~(6-4) مملكة يهوذا ومملكة يهودية # هذه الموارد الثقافية فحسب هي ما تطور ببطء في فترات معينة من التاريخ القديم ~~لإسرائيل، أو تحريا للدقة، في فترات معينة من التاريخ القديم لمملكة يهوذا ~~ولكومنولث يهودية لاحقا. # حاولت سابقا أن أوضح نمو المجتمع العرقي في مملكة يهوذا في أواخر القرن الثامن ~~أو القرن السابع قبل الميلاد. حينئذ، كان المجتمع مجتمعا بشريا له اسم وتعريف ~~ذاتي وأساطير عن الأسلاف، وذكريات تاريخية تفصيلية مشتركة، وثقافة أدبية عبرية ~~قائمة على محورية عبادة يهوه، وتوراة موسى، والهيكل. وفي عهد ملوك الإصلاح الأقوياء ~~أمثال حزقيا ويوشيا، والمطالبات التنبئية القوية المنادية بالتطهير، حفز هذا ~~التراث بين النخب السياسية والدينية وعيا عرقيا قويا مرتبطا ارتباطا ~~وثيقا بمعتقد العهد الإلهي، في وقت كانت تهدد فيه الإمبراطورية الآشورية استقلال ~~مملكة يهوذا. # لكن هل يمكننا أن نبالغ ونرى في مملكة يهوذا القديمة مثالا أوليا لنوع من ~~المجتمعات القومية، قد يكون بالفعل نموذجا أوليا للأمة كما يزعم أدريان هستنجز؟ ~~من الصعب تحديد قدر الارتباط بأرض مملكة يهوذا. لقد ظلت بالتأكيد أرض الميعاد، ~~وأوضح بعض الباحثين أن ms087 الأرض لم تصبح مقدسة إلا في تلك الفترة من خلال احتلالها من ~~قبل شعب مختار. لدينا سجل حافل بهذا التعلق المحموم الذي تكون لاحقا في ~~المنفى «على أنهار بابل». وفي مزامير داود وفي أقوال الأنبياء يمكننا أن نرى شيئا ~~من الفرح والحب للأرض وتضاريسها - جبال الكرمل، وجمال وادي شارون، وتلال يهوذا، ~~ولا سيما مدينة أورشليم المقدسة نفسها، العاصمة الوحيدة لمملكة يهوذا - وللأرض ~~ذات الحدود؛ تلك الحدود المذكورة في التوراة. # 38 # كثير من الباحثين سيتفق أيضا على الطبيعة المميزة على نحو متزايد للثقافة ~~العامة لمملكة يهوذا. ورغم ذلك، فنظرا لاستمرار عبادة الأصنام في ريف يهوذا، حتى ~~في أيام يوشيا، فمن المحتمل أن الوعي القومي القوي - لو كان موجودا - كان مقتصرا ~~على أورشليم والبلدات القريبة منها. هناك، كما رأينا، اشترك الناس المجتمعون في ~~تجديد عهد سفر الشريعة الذي عثر عليه في الهيكل عام 621 قبل الميلاد، واشتركوا في ~~إصلاحات يوشيا الدينية المصاحبة لذلك. بالتأكيد حاول الملك توسيع نطاق إصلاحاته من ~~خلال تحطيم الأماكن المرتفعة والأصنام في الريف . في هذه الحالة، كانت الثقافة ~~العامة المميزة هي كلا من «كلمة الرب» والشريعة، المنطبقة على الجميع. كانت ~~المشكلة في ضمان التمسك بها على نطاق واسع، وهنا كان الموت المبكر ليوشيا في إحدى ~~المعارك هو ما أوقف برنامجه الإصلاحي. ولم يستأنف البرنامج جزئيا إلا في المنفى ~~البابلي، من خلال مزيد من التعديل للقوانين والتواريخ في أسفار موسى الخمسة وفي ~~سفر التثنية، ولم يتمكن عزرا ونحميا من البدء في وضع أساس مجتمع قومي مجدد ~~ومطهر إلا في مجتمع أورشليم وهيكله بعد النفي البابلي. # 39 # كل هذا يؤيد تصنيف ستيفين جروسبي لمملكة يهوذا في أواخر القرن السابع على أنها ~~«جنسية» - وأقول «أمة» - لكنها أمة سرعان ما انمحت. ورغم ذلك، فقد أصبح نموذج تلك ~~الأمة رائجا. فحتى دون وجود الملوك وحتى تحت الحكم الأجنبي تمكن يهود أورشليم ~~من البدء في بناء مجتمع عرقي ديني مستقل تحت قيادة مرجعياته الدينية المرتكزة على ~~الهيكل وثقافته العامة، ومستحضرا العصر الذهبي للعهد الموسوي. ms088 وفي اللحظة التي ~~فتحت فيها الظروف الطريق أمام قدر من النشاط السياسي المستقل، أضيفت لمحة ~~جديدة من النضال والتضحية من أجل التوراة والمجتمع إلى الثورة المكابية الناجحة ~~التي قامت عام 167 قبل الميلاد، وسعى قادة أمثال سمعان المكابي إلى تعضيد مناصبهم ~~العسكرية بمكانة الكاهن الأكبر الدينية من خلال الحصول على تصديق المجتمعين. في ~~القرن التالي، نرى تأكيدا مجددا على نطاق أرض إسرائيل، ذروة ثقافة الهيكل، ~~مصحوبا بزيادة الكنس، والتزام أكبر بالتوراة. وعلى الرغم من انفصال الأسينيين ~~والصراع بين الصدوقيين والفريسيين، فلم يسفر الاحتلال الروماني إلا عن تقوية ~~العمليات التي عززت تكوين مجتمع قومي بين اليهود في هذه الفترة، وعبر الفريسيون ~~وحزب زيلوت عن الحس الوطني المتزايد المنتشر بين أعداد غفيرة من السكان اليهود في ~~فلسطين الرومانية. # 40 # خاتمة # على الرغم من أن أي استنتاج بشأن وجود الأمم في الشرق الأدنى القديم هو استنتاج غير ~~مؤكد وضعيف للغاية، فيبدو أنه - على الرغم من انتشار الروابط والشبكات العرقية - لا ~~يمكن العثور على أدلة كافية تسمح لنا بالحديث عن وجود أمم في العصور القديمة إلا في ~~مصر القديمة وفي مملكة يهوذا. في هاتين الحالتين فقط أصبحت العمليات الاجتماعية ~~والرمزية الضرورية متطورة بالقدر الكافي لتكوين الظروف المناسبة التي من شأنها أن تجعل ~~تلك المجتمعات قريبة الشبه بالنموذج المثالي للأمة، وفي فترات معينة فقط من تاريخها. ~~من ناحية أخرى، في حالة الإمبراطورية الآشورية الجديدة والإمبراطورية الفارسية، لم يكن ~~يوجد سوى بعض العمليات ذات الصلة، وكانت كافية لتحفيز ظهور «عرقيات» ذاتية التعريف، لا ~~لتكوين ظروف نشأة الأمم. علاوة على ذلك، لم تكن المصادر الثقافية المتعلقة بأساطير ~~الاختيار الإلهي للشعوب، والعصور الذهبية، والمصير من خلال التضحية، والمصادر التي ~~تساعد في الحفاظ على الإحساس بالهوية القومية؛ متطورة جيدا إلا في حالة مملكة يهوذا، ~~وهذا قد يساعدنا في تفسير سبب استمرار كونها ذات صلة وتأثير «على المدى الطويل». # من الممكن استنتاج أمرين إضافيين؛ الاستنتاج الأول هو: الأهمية الحيوية للسياسة ~~والكيانات السياسية؛ فكل حالة من الحالات التي تناولناها نشأت من ms089 رحم أحد الأنظمة ~~السياسية - إما إمبراطورية بيروقراطية وإما ملكية متوارثة عن الأسلاف - وكانت ~~الأيديولوجية السياسية والعمل السياسي ضروريين لتكوين «العرقيات»، والأمم بصفة أخص. ~~ومن جانب آخر، ففي اليونان القديمة حال دون تكوين أمة إغريقية ضعف الأيديولوجية ~~الهيلينية الجامعة وعدم وجود إطار سياسي واحد في مواجهة الوطنية الحصرية والتضامن ~~الحصري ل «الدول المدن»، ومن باب أدعى أن يكون ذلك ما حال أيضا دون تكوين أمة فينيقية ~~أو أمة سومرية؛ لذلك، لا بد من إبراز أهمية الأيديولوجية السياسية والمؤسسات في تكوين ~~الأمم. # لكن الأمر نفسه لا بد أنه ينطبق بالمثل على المعتقدات والعبادات الدينية. فعلى الرغم ~~من أن الفرس والآشوريين كانت لديهم، بطبيعة الحال، عبادات ومثل خاصة بهم، فإنهم ~~فشلوا إما في توحيد الشعوب الخاضعة لهم حول تلك المعتقدات والعبادات، وإما في التسامح ~~العلني مع وجود الآلهة والعبادات المحلية. وعلى أي حال، لا يمكن أن يكون الدين هو ~~لحمة التضامن الاجتماعي. من ناحية أخرى، في مصر ومملكة يهودية كانت التصورات ~~والأخلاقيات والطقوس الدينية العناصر التي ربطت بين الوعي القومي والتماسك الاجتماعي. ~~وإنه لصحيح أن عامة الشعب في مصر في الفترات الأخيرة من الحكم الأجنبي كانوا بعيدين ~~عن دين المعبد ولغة الكهنة والنبلاء، وكانت النتيجة أنه في الفترة الرومانية أحرزت ~~ديانات منافسة مثل المسيحية تقدما هائلا على حساب الدين المصري التقليدي الذي كان ~~يعتمد على قوة الفرعون الإله. ومن ناحية أخرى، ففي مملكة يهودية، كان الدين الأصلي ~~المتمثل في الرب والتوراة والهيكل - مضافا إليه معتقد العهد وما يرتبط به من أساطير ~~الاختيار الإلهي وأرض الميعاد - من الممكن تجديده باستمرار من خلال التفسيرات الجديدة ~~المتنوعة وتزايد احتواء الشعب، لا سيما بعد ثورة المكابيين وظهور الفريسيين. وقد كان ~~هذا الشكل من الدين المتجدد ذاتيا - في الديانات التوحيدية الثلاث - هو ما أثر ~~تأثيرا قويا على تكوين الأمم لاحقا. # الفصل الرابع # | الأمم الهرمية # إذا كان الشرق الأدنى القديم لم يقدم للأمم إلا القليل، فإنه كان ثريا في أنواع ~~التراث الثقافي التي خلفها للمجتمعات والحقب التالية. وانعدام العمليات ms090 والمصادر المفضية ~~إلى تكوين الأمم لا يسمح لنا برفض التجربة الاجتماعية والثقافية للشرق الأدنى والعالم ~~اليوناني الروماني القديم باعتبار أنها غير مثيرة للاهتمام وغير مهمة. وبعيدا عن ذلك، فقد ~~كانت التجربة مهمة؛ لأنها قدمت مثالا ونموذجا للمجتمع العرقي الذي تكون في تلك الحقبة، ~~ولأنها تركت أنواعا من التراث الثقافي أدى إلى تكون الأمم. كما رأينا، كانت العرقية ~~منتشرة وكان دورها مزدوجا. من ناحية، كانت متداخلة مع أنواع أخرى من الهويات الجمعية ~~والمجتمعات، ومن ناحية أخرى، أصبحت في حد ذاتها نوعا مهما، بل أساسيا، من الهويات ~~والمجتمعات، تتكون في أغلب الأحيان الاتحادات «القبلية». لقد ناقشت الأسس العرقية للأمم ~~سابقا في الكتاب؛ لذلك أريد أن أركز هنا على الجانب الثاني لتجربة العصور القديمة، ~~والمتمثل في «أشكال التراث» في الثقافة الجمعية التي كان لها أثر كبير للغاية في تكوين ~~الأمم في الحقب التالية وتشكيلها. ~~(1) الأنواع الثلاثة للثقافة العامة # يمكننا البدء بالتمييز بين الأنواع الثلاثة الرئيسية للثقافة العامة الجمعية على ~~النحو التالي: النوع الهرمي، والنوع العهدي، والنوع الجمهوري المدني. # إن «الهرمية» - في معناها العام - باعتبارها نوعا من التسلسل المقدس، يمكن أن تشير ~~إلى معظم أنواع المجتمعات والدول، لكن بمعناها الأكثر تحديدا فإنها تشير إلى تسلسل ~~مقدس إلى حد يصل إلى الاعتقاد في أنها تعكس وتجسد التسلسل السماوي على الأرض. ~~يوجد نوعان فرعيان لهذا النوع من التسلسل المقدس؛ في النوع الأول يكون الحاكم نفسه ~~إلها، ويعاونه مجموعة من الكهنة والنبلاء الذين يشاركونه بعضا من قداسته. تمثل مصر ~~القديمة النموذج الأولي في هذا الصدد؛ إذ كان الفرعون يعتبر إلها وتجسيدا للإلهة ~~«ماعت» التي تمثل الحق والصدق، وعلى مدار فترات طويلة أثر الكهنة، لا سيما كهنة ~~آمون رع، تأثيرا هائلا في المجتمع المصري. في النوع الفرعي الثاني والأكثر شيوعا، ~~كان الملك مندوب الإله على الأرض، يتلقى سلطة حكمه من الإله، ويصدر الأوامر باسمه، ~~ومع ذلك كانت ثمة إمكانية ترسيم ذلك الملك نفسه إلها. وكان هذا النوع من ~~التراتبية الهرمية يميز الإمبراطوريات المتعاقبة في مجتمع بلاد الرافدين من ms091 سرجون ~~الأكدي وحتى الفرس الأخمينيين، وترمز له مسلة حمورابي الشهيرة التي تظهر ملك بابل ~~يتلقى شريعته من شماش: إله الشمس. # 1 # سيكون من الخطأ تخيل أن المجتمع المحكوم بمبدأ الهرمية كان مجتمعا ثابتا. حتى في ~~حالة مصر، كان الوضع يتأرجح ما بين حقب يشتد فيها عضد الإدارة المركزية، وفترات ~~«وسطى» من الحكم المركزي الضعيف، متمثلا على الأغلب في الأسر المتنافسة والسلطة ~~الممزقة الموضوعة في يد حكام الأقاليم. علاوة على ذلك، استطاعت فترات حكم الأسر ~~القوي أن تخلق توسعا جديدا؛ فقد خالط مفهوم الهرمية شعور قوي بالعرقية المصرية، ولا ~~سيما بين النخبة، واتخذ ذلك الشعور شكل التوسع الاقتصادي وحتى الغزوات، في النوبة ~~وفلسطين. وكما نرى، فالأمر نفسه ينطبق على بلاد الرافدين، فالآشوريون بصفة خاصة - من ~~خلال الجمع بين الهرمية والإحساس القوي بالهوية العرقية المشتركة - تمكنوا من توسيع ~~أراضيهم، في حين زودت النخبة الآشورية مواردها الاقتصادية وتقدمها الثقافي بصورة ~~أساسية من خلال الاقتراض والتطويع الثقافيين. في كلتا الحالتين، يمكننا استنتاج تزايد ~~اعتقاد النخبة بالتفوق العرقي والسياسي، على الأقل كمبرر لغزو الأجانب واستغلالهم، ~~على الرغم من أنه لم يكن كافيا على المدى الطويل لتأمين بقاء هذا النوع من الدولة ~~العرقية والحضارة العرقية. ورغم ذلك، ثبت أن مبدأ الهرمية سيمثل نوعا مهما من أنواع ~~الثقافة العامة العرقية في حقب لاحقة، وأثبت تأثيره الحيوي في تشكيل الأمم. # 2 # تقدم الثقافات العامة القائمة على فكرة «العهد» تصورا أكثر مساواة للنظام ~~الاجتماعي، وتقدم شكلا أكثر حميمية للشراكة المقدسة بين أعضاء المجتمع. في هذا ~~التصور المرتبط في الأساس بالتقاليد التوحيدية، يختار الرب جماعة لتنفيذ مشيئته من ~~خلال فصلها عن الآخرين ومطالبة أعضائها بأداء طقوس وواجبات معينة في مقابل فضله ~~ونعمته. وعلى الرغم من اختلاف المهام، فإنها تتضمن عموما تنظيم حياة الأفراد في إطار ~~قانون أخلاقي وروحاني يقدس المجتمع والعالم. ويوجد هنا أيضا أكثر من شكل للثقافة ~~العامة القائمة على فكرة «العهد». ففي الحالات التي تتضمن هيكلا هرميا، يكون متلقي ~~العهد كنيسة أو جماعة تتصرف نيابة عن المجتمع ككل. ms092 كان هذا هو الوضع في أرمينيا في ~~القرن الرابع والقرن الخامس، حيث نفذت الكنيسة الرسولية الأرمينية «العهد» بين ~~المسيح وشعبه، وهي علاقة دعمتها بقوة القرابة الوثيقة بين المؤسس التبشيري ~~القديس جريجوري الأول، وسلالة أرساسيد الحاكمة، ومحاولات خلفاء جريجوري الساعية إلى ~~الحفاظ على الوحدة بين أثرياء أرمينيا العظماء أصحاب الأراضي. ووفقا لما دونه ~~المؤرخون الأرمن الأوائل أمثال إيليشي وبوستوس بوزاند، فقد كانت النسخة الأرمينية من ~~«العهد» ملتزمة التزاما شديدا بنموذج العهد القديم ونموذج المكابيين في الاختيار ~~العرقي واستشهاد الشعب من أجل الإيمان والوطن. # 3 # إلا أن العهد يمكن أن يوثق مباشرة مع عشيرة بأكملها. وكانت هذا هي الحال مع ~~العهد الذي عقد بين الرب و«شعب» بني إسرائيل عند جبل سيناء. ربما قام موسى بدور ~~الوسيط، لكن يقال إن الشعب كله شهد وجود الرب ووافق على مشيئته وعلى التوراة: # وأخذ (موسى) كتاب العهد وقرأ في مسامع الشعب، ~~فقالوا: «كل ما تكلم به الرب نفعل ونسمع له». ~~(سفر الخروج 24: 7) # كان الهدف من هذا العهد أن يصير بنو إسرائيل «مملكة كهنة ~~وأمة مقدسة» (سفر الخروج 19: 6)، ولهذا السبب أبرم العهد مع شعب بني ~~إسرائيل بأكمله، وشملت شريعته كل فرد. حتى في هذا العهد يظهر عنصر الهرمية ظهورا ~~مبكرا؛ فبعد أن خان شعب بني إسرائيل الرب بعبادة العجل الذهبي، عين موسى هارون ~~وذريته كبارا للكهنة، وكلف اللاويين بحراسة خيمة الاجتماع ومجموعة القواعد الخاصة ~~بطريقة ممارسة الشعائر؛ وبذلك مهد الطريق لكهنة الهيكل. # 4 # تقدم إثيوبيا العصور الوسطى مثالا بالغ الوضوح عن الطرق التي من خلالها يمكن مزج ~~مبدأ العهد مع الثقافة العامة الهرمية؛ فقد كانت الممالك والسلالات الإثيوبية الحاكمة ~~المتعاقبة تمثل الثقافة العامة الهرمية لمملكة مسيحية تعتنق عقيدة الطبيعة الواحدة ~~وتغلب عليها ثقافة التجرية العرقية. إلا أن قدوم سلالة «سليمانية» حاكمة جديدة تصطبغ ~~بالهوية السامية في عام 1270 مثل نوعا من الانفصال عن هذا التقليد. فعلى الرغم من ~~احتفاظها بمبدأ الهرمية وتقويتها له، حاكت في إطار سعيها لاكتساب الشرعية نموذج مملكة ~~أكسوم المسيحية السابقة عنها بكثير، وتبنت ms093 في إطار بحثها عن «أسطورة ملهمة» أسطورة ~~الخلافة السليمانية. وفقا لأسطورة السلالة، التي دونت لأول مرة في الملحمة القومية ~~«كبرانجشت» (كتاب جلال الملوك) في القرن الرابع عشر، فإن منليك الأول، أول ملوك ~~إثيوبيا، كان ابن ملكة سبأ والملك سليمان. بينما يذكر الكتاب المقدس (سفر الملوك الأول ~~10: 1-14) أن ملكة سبأ زارت سليمان لتسأله، وبعد أن اقتنعت بحكمته وثرائه، تعجبت ~~وعادت إلى بلدها، فإن كتاب «كبرانجشت» يذكر أنها تنجب، منه، ولدا، وهو منليك الذي يعود ~~بعد سنوات كثيرة إلى أورشليم رجلا راشدا، ويأخذ تابوت العهد الأصلي، وبمغادرته إلى ~~إثيوبيا تنتقل أيضا نعمة الرب على إسرائيل إلى الشعب المختار الجديد وأرض إثيوبيا ~~المختارة الجديدة. استخدم الملوك الأقوياء في السلالة الحاكمة الجديدة هذه الأسطورة من ~~أجل توسيع حدود إثيوبيا وأيضا من أجل دعم مجموعة من الإصلاحات الثقافية والاجتماعية ~~الكبرى؛ وبذلك يحدثون تطهيرا تاما للمجتمع الإثيوبي يتوافق مع العناصر اليهودية ~~العهدية في عقيدة الطبيعة الواحدة المسيحية. # 5 # شكل 4-1: موسى يتلقى الألواح ويعلمها لبني إسرائيل، نسخة تورز من الكتاب ~~المقدس، تعود إلى عام 834 بعد الميلاد (المكتبة ~~البريطانية). # يرتبط ثالث الأشكال الرئيسية من الثقافة العامة، وهو الشكل «الجمهوري المدني»، ~~ارتباطا وثيقا ب «الدول المدن» الإغريقية والدول المدن الرومانية التي خلفتها. ~~للوهلة الأولى، يظهر هذا النوع تناقضا صارخا مع كل من النوع الهرمي والنوع ~~العهدي؛ لأن فكرة المجتمع الذاتي الحكم، مهما كان حق التصويت فيه حصريا، وفكرة النظام ~~المستقل الذي لا يخضع لمساءلة أي قوة خارجية، مثلتا مرحلة جديدة من مراحل تطور ~~المجتمع السياسي الجمعي. إلا أن هذا النوع كان متناقضا من نواح كثيرة؛ فمن ناحية، كان ~~مواطنو المجتمع مرتبطين بعقد مدني، وليس بعهد مع الرب، وكانت عقيدتهم هي الحرية في ظل ~~قانون مدني، وليس بتزكية النفس النابعة من السعي إلى القداسة، فضلا عن الإذعان لنظام ~~سلالي مقدس. وانبثقت من هذا العقد واجبات مدنية ومسئوليات عامة قائمة على قوانين مزعوم ~~أنها متوارثة عن المؤسسين والمشرعين القدماء أمثال ليكرجوس، وصولون، ونوما ~~بومبيليوس. في الديمقراطيات الكلاسيكية بصفة ms094 خاصة، حلت مبادئ الحرية المدنية ~~والمساواة القانونية محل التراتبيات الهرمية الأرستقراطية، وحلت الإقامة والسلف ~~العرقي محل المولد النبيل كمعايير للمواطنة واعتلاء المناصب. من ناحية أخرى، كان أيضا ~~الشكل الجمهوري شكلا من المجتمعات المقدسة قائما على الدين المدني؛ فقد كان لكل دولة ~~من الدول المدن آلهة حامية وأساطير أصل مقدس خاصة بها، وكانت كل منها تفتخر بطقوسها ~~ومراسمها الخاصة، مثل مهرجان عموم أثينا في أثينا القديمة أو الألعاب البرزخية في ~~كورينث. وكما رأينا، كانت المعابد، والتماثيل، وعبادة آلهة المدن، محورية في التعريف ~~الذاتي للإغريق والرومان، وكذلك لحضارة العالم اليوناني الروماني الذي اكتنفهما، وكانت ~~أقسامهم العمومية تتخذ صياغة دينية، وتشهد عليها آلهة المدينة. # 6 ~~(2) روما ويهوذا # على الرغم من أن النموذج الجمهوري المدني مثل انفصالا جذريا عن النوع الهرمي ~~السائد من الثقافة العامة، فإنه نادرا ما كان يخلو من عناصر الهرمية. ويؤكد تاريخ ~~روما هذا الأمر على نحو مثير وبالغ الدهشة. بدأت روما كمدينة صغيرة في الحلف اللاتيني ~~يحكمها ملوك متعاقبون، وسرعان ما بدأت تدور في الفلك الإتروسكاني وتبنت الكثير من ~~سمات الثقافة الإتروسكانية. إلا أنه في عام 510 قبل الميلاد، طرد آخر ملوكها؛ ومن ~~ثم حكم المدينة شيوخ وقناصل من طبقة الباتريكيان، في ظل منافسة مضطربة من جانب ~~الأطربونات المدافعين عن طبقة العوام المسماة «بليبس». بالنسبة إلى المؤرخين ~~المتأخرين أمثال سالوست وليفيوس وتاكيتوس، فإن تلك الفترة كانت تقريبا فترة أسطورية ~~ضمت «الأبطال الجمهوريين» أمثال بروتس القنصل، وسنسيناتوس، وموسيوس إسكافولا، ~~وكيوريوس دنتاتوس، الذين تتناقض فضائلهم وشجاعتهم وأمانتهم واقتصادهم وبساطتهم تناقضا ~~صارخا مع بزخ وفساد أواخر عهد الجمهورية وأوائل عهد الإمبراطورية. وعلى مدار القرنين ~~التاليين، حققت روما تفوقا عسكريا في وسط وجنوب إيطاليا، وقد أكد هذا الموقف ~~مقاومتها الناجحة في أوائل القرن الثالث لغزو بيروس الإبيري وهزيمتها التالية ~~للقرطاجيين في الحرب البونية الأولى (265-241 قبل الميلاد). وفي الوقت نفسه واجهت ثقافة ~~ماجنا جراسيا الأكثر تعقيدا في الجنوب، وقد ساعدت تلك المواجهة في تكوين الإحساس ~~بالهوية الجمعية وأسطورة السلف الطروادي لروما. وتبع ذلك الحروب ms095 الملحمية ضد حنبعل، ~~وانتصار روما على قرطاجة عام 202 قبل الميلاد، وتوسعها باتجاه الشرق في القرن التالي ~~لتصبح قوة بارزة في البحر المتوسط، قبل أن تسقط فريسة لطموحات الجنرالات المتنافسين ~~وجيوشهم. # 7 # على مدار هذين القرنين، مزقت المدينة - على فترات منتظمة - صراعات بين طبقة ~~الباتريكيان الحاكمة وطبقة البليبس التي تمثل العامة، وتوترات بين المبدأين ~~المتنافسين المتمثلين في مبدأ الهرمية القائمة على المولد والثروة المكونة من ~~الأراضي، ومبدأ المشاركة الشعبية والحرية المدنية في ظل القوانين العامة، وقد أدت تلك ~~التوترات إلى ظهور انتفاضات شعبية خطيرة في عهد اثنين من الأطربونات، هما الأخوان ~~جراكوس. ورغم ذلك، فقد كانت الأجيال في العصور اللاحقة تنظر بعين تحن إلى المبادئ ~~المدنية والجمهورية، وقللت من أهمية الصراعات الفئوية والطبقية، ذلك الشعور الذي ~~عززه التحول المضطرب نحو بداية الإمارة. وردا على ذلك إلى حد ما، كان أغسطس ~~حريصا على الاحتفاظ بالمؤسسات والطقوس ورموز الثقافة العامة الجمهورية، في حين استأثر ~~شعراؤه بشعار «الحرية» والوطنية الرومانية والإيطالية، على النقيض من «الترف» ~~و«العبودية» في الشرق ممثلين في حكم أنطونيو وكليوباترا. رغم ذلك، ظهرت بالفعل في ~~أعمال فيرجيل فكرة «مهمة» روما الإمبراطورية التي تمثلت في أن مصير روما هو الإطاحة بكل ~~أبي والإبقاء على كل مذعن. وفي الوقت نفسه، التف نوع جديد من الهرمية ~~الإمبراطورية المبادئ الجمهورية للمدينة، وسرعان ما محاها، واحتفظ في الوقت نفسه ~~بأشكال من بقاياها. على الرغم من أن الإمبراطور كان ببساطة «أول النظراء»، فإن سيطرته ~~وسيطرة أسرته داخل الدولة عكست سيادة روما على شعوب إمبراطوريتها. على الرغم من أنه في ~~فترات الأزمات التي واجهت السلالات الحاكمة، كان الحرس البريتوري الإمبراطوري والجيوش ~~المتنافسة يوزعون السلطة، فقد ظلت الإمبراطورية موحدة لفترات طويلة بثقافة عامة هرمية ~~ترتكز على رموز وطقوس عبادة الإمبراطور وتأليهه. # 8 # اتبعت كيانات جمعية مختلفة كلا النموذجين الرومانيين، الجمهوري والإمبراطوري، في ~~فترات مختلفة من التاريخ الأوروبي، ونظرا لمكانة روما الراسخة، فقد كان للنموذجين ~~نتائج مهمة في تشكيل الأمم. بوجه عام، ساد النموذج الإمبراطوري خلال العصور الوسطى، ~~بينما ms096 شهد عصر النهضة إحياء مميزا للشكل الجمهوري المدني من الثقافة العامة. إلا أن ~~هذه مجرد مقاربة. في إيطاليا العصور الوسطى، وكذلك في المجتمعات الأوروبية الشمالية منذ ~~القرن الثاني عشر، كان يوجد استحضار واع للمبادئ الجمهورية والمؤسسات المدنية، بما ~~فيها منصب القنصل، في إطار نظام إقطاعي هرمي صرف وداخل حدود عالم مسيحي تسيره ~~سلالات حاكمة. من ناحية أخرى، خلال بداية فترة الحداثة عندما شهدت المدن وسكانها ~~زيادة هائلة في الثروة والقوة ظهر أن مبدأ الحكم المطلق يجسد نوعا من الهرمية أكثر ~~حماسة إلى حد بعيد، دعمته فكرة الحق الإلهي للملوك. وأسهم كلا النوعين من الثقافة ~~العامة في تشكيل الأشكال المختلفة من المجتمع القومي في فترات مختلفة. # 9 # لم تكن روما المصدر الوحيد للثقافات العامة الذي ساعد في تشكيل المجتمعات القومية، ~~ولا المصدر الوحيد الذي خلف تراثا مزدوجا؛ فقد نشأت بضعة مثل من تراث الكتاب ~~المقدس. بعد سقوط مملكة يهوذا، أعادت إصلاحات ما بعد النفي البابلي التي قام بها عزرا ~~ونحميا ترسيخ النوع السائد من الثقافة العامة لإسرائيل القديمة القائم على العهد ~~الموسوي، وظل قائما على مدار القرنين الرابع والثالث قبل الميلاد من خلال رجال ~~الكنيس العظيم والفريسيين. عام 167 قبل الميلاد عندما وضع اليهود متبعو الثقافة ~~الهلينستية ومراسيم أنطيوخس أبيفانيوس العهد والهيكل في خطر داهم، لم يستعد حزب ~~المكابيين عبادة الهيكل فحسب، بل حافظوا على قوانين العهد وضمنوا قدرا من الاستقلال ~~لدولتهم اليهودية تحت حكم الملوك الحشمونيين. في هذه الفترة، كان اليهود متحدين في ~~العموم حول نظام عقائدي يرتكز على الرب الواحد الحق، وتوراته، وهيكله. إلا أنهم احتفظوا ~~أيضا بالتقليد المسيحاني المتمثل في ملوك سلالة داود كمخلصين ممسوحين للشعب، ولم ~~يقبلوا بالملوك الحشمونيين إلا قبولا جزئيا؛ ومن هنا كانت جهود سمعان المكابي ~~الساعية إلى الحصول على منصب كبير الكهنة من خلال الثناء الشعبي عام 140 قبل ~~الميلاد. # 10 # شكل 4-2: المسيح والإمبراطور قسطنطين التاسع، والإمبراطورة زوي، لوحة زوي، ~~فسيفساء، (1028-1034)، (1042-1055) بعد الميلاد (الجدار الشرقي، المعرض ~~الجنوبي، آيا صوفيا، القسطنطينية). # عندما ms097 حجم الاستقلال اليهودي في أواخر القرن الأول، في البداية على يد هيرودس ~~الأول وأسرته، ثم على يد الوكلاء الرومان المتعاقبين، لينتهي أخيرا بعد سقوط أورشليم ~~عام 70 بعد الميلاد، حفظ الحاخامات الذين خلفوا الفريسيين المثال العهدي والتوراة في ~~أكاديمياتهم في يبنا والجليل. إلا أن تقاليد المسيحانية وملوك سلالة داود، التي روج ~~لها حزب زيلوت بين الآخرين، أصبحت بحكم الضرورة أكثر خفية ورمزية، لا سيما بعد فشل ~~ثورة بار كاخبا في يهودا في الفترة ما بين 132-135 بعد الميلاد. في الوقت نفسه، أصبحت ~~عناصر من مثال العهد والتقليد المسيحاني المتمثل في ملوك سلالة داود شائعة في المسيحية ~~القديمة جنبا إلى جنب مع الكتاب المقدس العبري الذي اعتبرته الكنيسة القديمة «العهد ~~القديم» وأعادت تفسيره وفقا لمعتقداتها الدينية. وبصفة خاصة، أخذت الكنيسة دور الشعب ~~المختار ورأت نفسها «إسرائيل الحقيقية»؛ لأن الرب الآن سحب نعمته من الشعب اليهودي؛ ~~لأنهم رفضوا الزعم المسيحاني الذي جاء به المسيح. إلا أنه بسبب عدم وجود نموذج سياسي ~~واضح للمجتمع في العهد الجديد عادت الكنيسة، فضلا عن الأمراء المسيحيين فيما بعد، إلى ~~معتقد الملوك المقدسين الممسوحين، لا سيما بعدما اعتنق قسطنطين وخلفاؤه المسيحية، ~~وعدلوا فيها، لتكون الدين السائد في الإمبراطورية الرومانية؛ لذلك، أمكن من خلال ~~المسيحية في الأساس استخدام تقاليد الكتاب المقدس في تكوين الثقافات العامة والمجتمعات ~~في العصور الوسطى. # 11 # كما رأينا، لم يظل النموذج العهدي منفردا؛ فإمكانية دمجه مع التقاليد الهرمية واضحة ~~تماما، لكن هل من الممكن أيضا مزجه بالشكل الجمهوري من الثقافة العامة؟ من الناحية ~~النظرية، بدا أن ثمة هوة لا يمكن رأبها بين العهد الإلهي الذي وجد في يهوذا ~~القديمة وبين عقد المواطنة المدني الذي يميز النموذج الجمهوري. أما من الناحية ~~العملية، فقد تمكنت مجتمعات مختلفة من تكوين ثقافات عامة قائمة على أكثر من مبدأ. ~~وبالفعل في إسرائيل القديمة ويهوذا القديمة ظهرت فكرة العهد المزدوج، بين الرب وشعبه، ~~وبين الملك والشعب، واستخدمت مرة أخرى بعد حوالي ألفي سنة في أوروبا في بداية ~~الحداثة. يمكن أن ms098 تشمل هذه الفكرة العقود بين المواطنين والحكام على سبيل المثال في ~~كثير من المجتمعات المستقلة في الإمبراطورية الرومانية المقدسة. بالمثل، كان لأداء ~~القسم بين الكانتونات داخل «الاتحاد السويسري القديم» بعد مقدس، وكما سنرى، حتى ~~الجمهوريات الحديثة لم تتخل بالكامل عن عناصر العهد المقدسة. # 12 # إلا أنه حتى لو لم تكن الأشكال الثلاثة الرئيسية للثقافة العامة متعارضة، فإن معظم ~~الحالات التاريخية التي صادفناها كانت نوعا «مختلطا»، والتمييز التحليلي يظل مفيدا ~~في التصنيف المبدئي للأشكال الثقافية للأمم؛ ذلك أنه يطلعنا على الخصائص السائدة في كل ~~حالة. لذلك، وعلى الرغم من هذه المحاذير، فإنه من الممكن ومن المفيد الحديث عن «الأمم ~~الهرمية»، و«الأمم العهدية» و«الأمم الجمهورية المدنية»، وتحديد انتشارها في فترات ~~معينة، حتى لو كانت الأمثلة التي توضح النوع الخالص للأمة قليلة، وحتى لو كان نوع ~~الثقافة العامة المذكور لا يمكن حصره في فترة تاريخية معينة. في هذا الفصل، سأركز على ~~الشكل الهرمي من الثقافة العامة، وسوف أتساءل إلى أي مدى يمكننا البدء في الحديث عن ~~«الأمم الهرمية» في العصور الوسطى، مقارنة بالحقبة الحديثة. وفي الفصول اللاحقة، ~~سأتناول نشأة الأمم الهرمية والأمم الجمهورية وشخصيتها في الفترات اللاحقة، ودور ~~القومية في تطوير كل منهما . ~~(3) الهرمية والأمة في الشرق الأدنى وروسيا # في الشرق الأدنى، شهدت أواخر العصور القديمة صراعا مطولا على السلطة بين القوى ~~الهلينستية والإمبراطورية البارثية، وبين الإمبراطورية الرومانية وإيران الساسانية فيما ~~بعد. وجميعها إمبراطوريات أرستقراطية كلاسيكية قائمة على مبادئ هرمية واضحة، وعلى هذا ~~النحو تبدو بعيدة عن أي مفهوم للأمة، سواء كان مفهوما عرقيا ثقافيا أو عرقيا ~~سياسيا. إلا أننا حتى في هذا الصدد يمكننا ملاحظة تطور بعض العمليات المؤدية إلى ~~تكون الأمة، لكن في نطاق محدود للغاية، وفي فترات معينة فحسب. # في نقش في حاجي آباد، كما في ذلك النقش الموجود على النحت البارز الصخري في نقش رجب، ~~يبين سابور الأول الملك الساساني العظيم، الذي عاش في القرن الثالث، الهرمية على نحو ~~واضح في أوج إمبراطوريته، فيقول: # هذا هو مدى السهم الذي ms099 أطلقناه، نحن الإله سابور عابد مازدا، ملك ملوك إيران ~~وغير إيران، سليل الآلهة، ابن الإله أردشير عابد مازدا، ملك ملوك إيران، سليل ~~الآلهة، وحفيد الإله بابك الملك. وعندما أطلقنا هذا السهم، كنا نرمي أمام ~~الملوك (أصحاب الأراضي؛ «سرداران»)، والأمراء (فاسبوران)، وكبار النبلاء ~~(فوزوران)، والنبلاء (آزادان). # بعيدا عن مبدأ الهرمية الواضح المتمثل في الطبقات الأربع المتمثلة ~~في الكهنة والمحاربين والكتبة والعوام، ميز سابور حكمه عن حكم والده وسلفه أردشير من ~~ناحية امتداد إمبراطوريته؛ فبينما كان حكم أردشير مقصورا على إيران، شملت إمبراطورية ~~سابور بلدانا غير إيرانية، أي أقاليم أخرى. ويوضح فيزهوفر أن هذه هي المرة الأولى التي ~~يرتبط فيها اللقب المعتاد للحاكم الإيراني «ملك الملوك» بإيران: # اخترع الساسانيون فكرة إيرانشهر (إمبراطورية الآريين) كمفهوم سياسي يرمي - ~~ضمن مجموعة من الأهداف الأخرى - إلى ترسيخ شرعيتهم كورثة للإمبراطورية ~~الإيرانية الكبيرة القديمة التي كانت ل «أسلافهم» (الأخمينيين)، وكخلفاء للملوك ~~الأسطوريين القدماء، وكأتباع للعقيدة الزرادشتية التي كان لها جذورها في إيران. ~~أما الهدف الآخر، فكان تكوين «هوية» جديدة لأنفسهم وللشعوب الخاضعة لهم ~~باستخدام مفهوم إيرانشهر كموطن سياسي وثقافي لكل الذين يعيشون هناك، ومن خلال ~~ربط ذلك المفهوم بماض سحيق للغاية. # 13 # إيران ليست مفهوما عرقيا، بل اسم ذو أبعاد إقليمية وسياسية، لكن ~~حتى في هذه الحالة فإنه ليس واضحا إلى أي مدى عكس ذلك قدرا من انتساب الذكريات ~~والروابط العاطفية إلى إقليم محدد. في الوقت نفسه، ترجح رغبة الساسانيين في ربط ~~حكمهم بالملوك الأسطوريين وبالأخمينيين وجود تصور لديهم عن أرض تاريخية موجودة ضمن ~~مجموعة الأقاليم والشعوب التي غزوها. ويعد هذا أيضا نوعا من تعريف الذات الجمعي، ~~وإن كان من جانب النخبة فحسب، ويعتبر أيضا محاولة لترسيخ الأساطير والرموز ~~والذكريات المتعلقة بالماضي البطولي. كان بناء الأساطير والرموز والذكريات سائدا بصفة ~~خاصة في أواخر عهد الملوك الساسانيين؛ لذلك دعم كسرى الأول (531-579) إحياء المأثورات، ~~وكذلك كتب بروتوكول السلوك الأرستقراطي وقواعده، بالإضافة إلى توطيد البيروقراطية على ~~حساب النبلاء العظام. يعتقد ريتشارد فراي أنه من المحتمل إلى حد بعيد أن ms100 تكون «قصائد ~~وأساطير إيران القديمة قد جمعت معا» في أيام كسرى الأول وأن الملحمة القومية التي ~~كتبها الفردوسي «كانت هيئتها آنذاك مشابهة إلى حد بعيد لهيئتها الحالية.» رغم ذلك، ف ~~«الماضي الذي أحيته الملحمة، والتقاليد، والعادات ... كان ماضيا بطوليا لعائلات كبيرة ~~ونبيلة ولممارسات إقطاعية، ولم يكن ماضيا يعكس دولة بيروقراطية مركزية كالتي أراد كسرى ~~تأسيسها.» ومن ثم، في ذلك الوقت، أجريت تعديلات على مجموعات الأساطير القديمة على ~~اختلافها - وكان كثير منها يعود أصله إلى شرق إيران - لتتوافق مع المثل المعاصرة كي ~~تصبح أساسا ل «شاهنامه» (كتاب الملوك) الذي ألفه الفردوسي لاحقا. # 14 # وكذلك في عهد الملوك اللاحقين تزايد توحيد القوانين بالتوافق مع إقرار مركزية الدولة. ~~إلا أن هذا الأمر، على حسب ما يمكننا أن نرى، امتد بالقدر نفسه ليشمل كل أقاليم ~~الإمبراطورية وشعوبها، كما هي الحال مع الثقافة الدينية العامة المتمثلة في معابد النار ~~الخاصة بالزرادشتية الأرثوذكسية بعد إصلاحات «كرتير» رئيس «الموابذة» في أواخر القرن ~~الثالث. يبدو أن كرتير كان تبشيريا، لدرجة أنه حاول تأسيس معابد النار والزرادشتية ~~الأرثوذكسية بين المجوس المتأثرين بالحضارة الهلينستية وبين الوثنيين خارج إيران. ورغم ~~ذلك، يقول جوزيف فيزرهوفر إنه في عهد كرتير: # كانت إيران الساسانية متأثرة بالديانة الزرادشتية إلى درجة أكبر من أي وقت ~~مضى في تاريخ الدولة. ويشهد على هذه الحقيقة التأثير الديني على الثقافة ~~القانونية، والأدب، والرمزية الصورية، وكذلك تقاليد الدفن في هذه الفترة (تعريض ~~الجسم للهواء ودفن العظام). كانت السلطات الدينية موجودة في أماكن كثيرة، من ~~القرية ومركز العبادة المحلي وحتى البلاط الملكي، لمراقبة «الخدمة الإلهية»، ~~وتنفيذ الطقوس والحفاظ على التقاليد الدينية. # يوضح هذا أن إيران احتلت مكانة مميزة في دين الدولة وفي الثقافة ~~العامة الدينية للإمبراطورية، وأنه داخل إيران حظيت منطقة فارس الجنوبية الغربية ~~بالتميز، ولو بقدر محدود، بفضل مواقعها المقدسة و«أسلاف» الساسانيين، والذكريات التي ~~حافظ عليها رجال الديانة الزرادشتية. وعلى نحو واضح تماما، لا يمكننا التحدث عن ~~وجود أمة أو هوية قومية في ظل حكم الساسانيين. ورغم ذلك، فمن ناحية ms101 الثقافة العامة ~~وترسيخ الأساطير والرموز والذكريات والتقاليد الإيرانية تكون خلال هذه الفترة أساس ~~عرقي سياسي لتطورات قومية لاحقة إلى حد بعيد في الهوية الإيرانية الجمعية في ظل ~~القيادة الثقافية الفارسية. # 15 # هل يمكن قول الأمر نفسه، «مع إجراء ما يلزم من تعديلات»، عن الإمبراطورية البيزنطية؟ ~~من الناحية الظاهرية، فإن أوضح مثال على مبدأ الهرمية كان أبعد مما يمكن تخيله عن ~~مفهوم المجتمع القومي وممارسته، وكما يقول سيريل مانجو: «لم تكن توجد مطلقا «أمة» ~~بيزنطية.» كان يعرف سكان بيزنطة باسم «الرومان»، وشعروا أنهم ينتمون إلى الإمبراطورية ~~الرومانية الشرقية، لكنهم عرفوا أنفسهم في الأساس من الناحية الإقليمية أو العرقية، ~~بل عرفوا أنفسهم أكثر كمسيحيين. لقد كانت الإمبراطورية التي مثلوا جزءا منها ~~كيانا أرثوذكسيا تكمل فيه الدولة والكنيسة كل منهما الأخرى في تناغم مثالي تحت ~~قيادة «الإمبراطور المقدس»، خليفة الرب على الأرض؛ مما يعكس نظاما عالميا مقدرا ~~إلهيا. ولما كانت الإمبراطورية تضم قدرا هائلا من المجتمعات العرقية والدينية في ~~أراض مترامية الأطراف ومتنوعة ثقافيا، فقد كانت موحدة من خلال الولاء للإمبراطور ومن ~~خلال الدين الرسمي الذي تدعمه الدولة. بالإضافة إلى ذلك، على غرار إيران الساسانية، كان ~~رجال الدين الرسمي للدولة غير راغبين في التسامح مع الأقليات الدينية المتنوعة ~~الموجودة داخل حدود الإمبراطورية، هذا في حالة عدم اضطهادهم لهم. # 16 # رغم ذلك، فإن التطورات التي حدثت في القرون اللاحقة، في أعقاب هزيمة بيزنطة من قبل ~~الأتراك السلاجقة في معركة ملاذكرد عام 1071، ونهب الصليبيين القسطنطينية عام 1204؛ ~~جلبت لبيزنطة - التي كانت تقلصت كثيرا بعد استعادتها عام 1261 - شعورا متزايدا ~~بالهوية السياسية العرقية اليونانية وبكونها مجتمعا سياسيا يونانيا. يرى ألكسندر ~~فاسيلييف أن الازدهار الأخير لبيزنطة أدى إلى «ظهور مشاعر الوطنية بين الشعب ~~اليوناني، تصاحبها العودة إلى أمجاد اليونان القديمة.» يتحدث جون أرمسترونج عن «قومية ~~مبكرة» في هذه الفترة، قائمة على الإحساس بالاختيار الإلهي والحماية الإلهية في وقت ~~الصعوبات والمحن. ونظرا لأن الكنيسة والشعب أصبحا «إسرائيل الحقيقية»، فقد تمتعا بنعمة ~~الرب الخاصة، وعزز هذا الشعور العداء الشديد من ms102 جانب رجال الدين والعوام المتحدثين ~~باليونانية تجاه كل من اللاتينيين المهرطقين والأتراك الكفار. في الواقع، كانت ~~الثقافة اليونانية واللغة اليونانية قد انتعشتا من جديد بالفعل في البلاط الملكي وفي ~~إطار البيروقراطية في القرن التاسع، في وقت استعيدت فيه اليونان نفسها من السلاف ~~والألبان، وأصبحت ذات أهمية أكبر للهوية الأرثوذكسية البيزنطية وللمجتمع الأرثوذكسي ~~البيزنطي بسبب غزو البلغار والسلاف والأتراك لبلاد الشرق الأدنى والمقاطعات الغربية. ~~بطبيعة الحال، كانت الأرثوذكسية في حد ذاتها شاملة في نطاقها ومهمتها. إلا أنه نظرا ~~لازدهار الكنائس العرقية في أراضي البلقان التي كانت منتمية إلى الإمبراطورية في ~~السابق، ونظرا لأن العهد الجديد اليوناني عززته الليتورجية اليونانية الأرثوذكسية، ~~أصبحت اللغة اليونانية والثقافة اليونانية الوسيلتين الضروريتين، وقدمتا هوية راحت ~~تزداد أهمية يوما بعد الآخر لبقية المسيحيين الأرثوذكس في الإمبراطورية البيزنطية ~~التي تقلصت تقلصا شديدا. في الوقت نفسه، كانت بيزنطة مدينة أكثر منها أرضا تاريخية، ~~وكانت ثقافة عامة عالمية أكثر من كونها مجموعة رموز وأساطير وذكريات سياسية عرقية ~~كونت أساس هذا المجتمع الثقافي. ولم تتخذ الهوية الثقافية والدينية للسكان الناطقين ~~باليونانية في الإمبراطورية الرومانية الشرقية السابقة في البلقان (وفي الشتات) شكلا ~~جديدا على نحو تدريجي لتمثل أساسا لمجتمع يوناني سياسي عرقي إلا بعد سقوط ~~القسطنطينية وقضاء قرون تحت الحكم التركي وتقوية نظام الملل في الإمبراطورية العثمانية ~~لها. # 17 ~~(4) الاستثناء الروسي # تعود سلالة روسيا الموسكوفية، التي تعتبر فرعا من بيزنطة وخليفتها الروحية، إلى روس ~~الكييفية؛ تلك الدولة الإقطاعية التي تأسست في القرن التاسع على يد خليط من كبار ~~لوردات ريوريكيد الإسكندنافيين والفلاحين السلاف، والتي استلهمت من بيزنطة مبدأ الهرمية ~~المسيطر وتعريفها الأيديولوجي لذاتها. وفقا للسجل التاريخي الروسي الأساسي («قصة ~~السنين الغابرة»، المؤلف عام 1115 تقريبا)، فإن اعتناق فلاديمير الأول المسيحية ~~الأرثوذكسية عام 988 كان سببه الإعجاب الروسي بجمال الليتورجية والطقوس الأرثوذكسية، ~~على الرغم من أن الأمور الجغرافية السياسية والتجارة كانت على الأرجح أكثر حسما. ورغم ~~ذلك، دعمت الرمزية الأرثوذكسية قوة كبار دوقة كييف، وساعد الطقس الأرثوذكسي تدريجيا ~~في توحيد المجتمع الروسي، في ms103 حين أن عقيدة المعاناة والفداء المسيحية سريعا ما اندمجت ~~مع الاعتقاد القوي بالاختيار العرقي. يرى مؤلف السجل التاريخي الروسي الأساسي وهو يكتب ~~عن معاناتهم في عام 1093 أن الرب اختار الشعب الروسي، لكن الشعب الروسي أخطأ؛ ولذلك خضع ~~للتطهير من خلال الهزيمة والأسر: # لقد أطلق علينا غضبه أكثر من أي وقت مضى؛ لأننا على ما نحظى به من تفضيل عن ~~غيرنا، فقد ارتكبنا خطيئات تفوق ما ارتكبه غيرنا، ولأننا على الرغم من كوننا ~~أكثر استنارة من البقية، نظرا لمعرفتنا بإرادة الرب، فقد ازدريناها وازدرينا ~~كل ما هو جميل؛ فحق علينا عقاب لم ينزل بالآخرين. # هذه العقيدة الأرثوذكسية المتمثلة في معاناة الجماعة العرقية ~~وخلاصها امتدت إلى الريف على يد حركة الرهبنة التي قادها تبشيريون مثل القديس سرجيوس ~~والقديس إسطفانوس في القرن الرابع عشر، اللذين مثل مسعى حياة القديسين بالنسبة إليهما ~~مثالا روسيا خالصا، وغطاء للاتحاد الناشئ بين الكنيسة الأرثوذكسية وسلطة السلالة ~~الحاكمة المتمركزة حاليا في دوقية موسكو الكبرى؛ ذلك لأن سقوط القسطنطينية في القرن ~~التالي شجع على تكوين اتحاد أكثر وثاقة بين الدولة والكنيسة، بالإضافة إلى تعزيز ~~فكرة أن روسيا هي المعقل الأخير للإيمان الحقيقي؛ لذلك، في اللحظة التي اكتسبت فيها ~~الكنيسة الروسية مكانة الكنيسة القومية المستقلة، أصبح المجتمع الديني مطابقا للمجتمع ~~السياسي، وراحت الدولة تتحول بمعدل مطرد إلى دولة أوتوقراطية وهرمية، وتبنى ~~حكامها على نحو واع ألقابا بيزنطية مثل «أوتوقراط» و«قيصر»، بالإضافة إلى تبني ~~مراسم ورموز البلاط البيزنطي، مثل النسر البيزنطي المزدوج الرأس. # 18 # في ظل هذه الظروف، لم يكن متوقعا إلا ضرورة أن يسفر المعتقد الديني عن معتقد ~~سياسي. وفي المجلس الكنسي - الذي عقد عام 1504 - أكد الأباتي جوزيف أحد رهبان دير ~~فولوكولامسك مبدأ أوتوقراطية وسيادة القيصر الذي يتسلم صولجانه من الرب. إلا أن مفهوم ~~روسيا الأرثوذكسية بصفتها «روما الثالثة» صيغ في تعبير كلاسيكي في خطاب يعود لعام ~~1506 بعثه الأباتي فيلوثياس أحد رهبان دير بسكوف إلى الحاكم فاسيلي الثالث؛ ذلك الخطاب ~~الذي أعلن أن روما الأولى سقطت بسبب ms104 هرطقتها، وأن روما الثانية سقطت بسبب الترك الكفار، ~~وخلص إلى التالي: # سقطت روماتان، لكن الثالثة ما زالت ثابتة المكانة؛ ولن توجد روما رابعة. لن ~~يحصل أحد آخر على مملكتك المسيحية. # واتخذ مبدأ الهرمية أبلغ صوره في الطقس البيزنطي المعقد المتمثل في ~~تتويج القيصر إيفان الرابع عام 1547، وكان الأساس الأرثوذكسي الخالص لهذا المبدأ واضحا ~~في الحرب الصليبية التالية التي أعلنت على قازان التترية عام 1552. وتوج ذلك ~~بالمجالس الكنسية مثل مجلس ستوجلاف عام 1551، الذي فرض مزيدا من الانضباط في الكنيسة، ~~وبتأليف كتب على يد المطران مكاريوس ركزت على موضوع روما الثالثة وموضوع القيصر كحاكم ~~للأرثوذكس؛ تلك المفاهيم التي انتشرت بين قطاعات كبيرة من الناس من خلال الطقوس ~~الدينية اليومية والمراسم الملكية. # 19 # ولم يصبح تعبير «روسيا المقدسة»، الذي ينطبق على الأرض والناس، منتشرا كرمز لتقوى ~~وورع شعب يعاني إلا في أواخر القرن أثناء وقت الأزمات (1598-1613)، لا سيما أثناء ~~تعرض السويديين والبولنديين للغزو. إلا أن هذه الأسطورة العرقية ل «الشعب الروسي» لم ~~تنفض عن نفسها أبدا مفهوما أكثر قوة، ألا وهو مفهوم القيصر المعصوم، أبو الشعب؛ ومن ~~ثم لم تتخلص من أسطورة اختيار السلالة الحاكمة. وفي الانشقاق العظيم الذي حدث لاحقا ~~في ستينيات القرن السابع عشر، بدا أن الأسطورة العرقية الروسية تصف على نحو أفضل ~~مستوطنات المؤمنين القدامى، في حين راحت أسطورة اختيار السلالة الحاكمة تزداد انفصالا ~~عنها، وارتباطا بالإمبراطورية الروسية الناشئة، لا سيما بعد بطرس الأكبر ~~وخلفائه. # 20 # من هذه المناقشة المختصرة، يتكون لدينا انطباع واضح يتمثل في أن إمبراطوريات أواخر ~~العصر القديم والعصور الوسطى كانت بعيدة عن فكرة الأمة وممارساتها، وأن عددا قليلا ~~من العمليات الضرورية لتكون الأمم كان موجودا خلال تاريخها الطويل؛ ولهذا السبب ~~أيضا لا يمكننا توقع وجود أي إحساس بالهوية القومية بين سكان تلك الإمبراطوريات. ~~وكان ذلك ينطبق على بيزنطة وإيران الساسانية بصفة خاصة. بالتأكيد، كان لدى النخب في ~~كل إمبراطورية من تلك الإمبراطوريات إحساس بالهوية الجمعية في مقابل الآخر، بالإضافة ~~إلى أساطير الأصل المشترك، لكن تلك ms105 الهوية كانت إما دينية خالصة - سواء أرثوذكسية أو ~~زرادشتية - وإما سياسية متمثلة في دولة تكتلية بدلا من أمة موحدة. كلتا ~~الإمبراطوريتين بنت كذلك مجموعة معقدة من الأساطير، والذكريات، والتقاليد، والرموز، ~~وفي حالة بيزنطة نمت الإمبراطورية البيزنطية إحساسا قويا بالاختيار الإلهي، لكنه ~~اختيار إلهي مرتبط بإيمان ديني، وحاكم مقدس، وليس مرتبطا بشعب أو أرض. ولعل ما هو ~~أكثر أهمية أنه لا يوجد إلا أدلة قليلة على انتماء الذكريات والروابط إلى أقاليم ~~محددة. وجد بين النخبة الساسانية إحساس غامض بتفوق إيران، ووجد ذلك الإحساس ~~أيضا داخل إيران الفارسية، لكن الإمبراطورية كانت في واقع الأمر تحالفا مكونا من ~~أمراء المقاطعات وطبقات النبلاء، وكانت حالات الولاء الإقليمية المشهودة تلك ذات طابع ~~محلي. وكما رأينا، فقد كان الأمر نفسه ينطبق على الإمبراطورية البيزنطية. من ناحية ~~أخرى، فقد كانت مدينة القسطنطينية هي ما ولد إحساسا بالانتماء الإقليمي. # إلا أن هذه ليست القصة كاملة؛ فكما رأينا، كانت توجد محاولات لنشر ثقافة عامة ~~دينية في كل من إيرانشهر وبيزنطة، وكان رجال الدين في كلتا الحالتين نشطين في ~~معارضة الأديان الأخرى وقمع الهرطقات. ونظرا لارتباط الدين بالعرقية في أغلب الأحيان، ~~فقد أدى هذا إلى تمييز «الانتماء العرقي» السائد على حساب الأقليات العرقية الثقافية. ~~علاوة على ذلك، كانت المراسم العامة للإمبراطورية وطقوس العبادة فيها مرتبطة بالدين ~~السائد، ويحددها رجال الدين، ورغم ذلك، نجد مجددا أننا في حالة الإمبراطورية ~~البيزنطية نتعامل مع دين للناس كافة. في هاتين الإمبراطوريتين، اتبع نشر القوانين ~~والعادات تقاليد الشرق الأدنى القديم، لكن الإمبراطورية البيزنطية اعتمدت أيضا على ~~تراث روما، لا سيما تحت حكم جستنيان. # لكن الحالة الروسية مختلفة بعض الشيء؛ فلم يقتصر الأمر على وجود تعريف ذاتي واضح ~~للمجتمع منذ وقت مبكر، بالإضافة إلى تنمية الكثير من الأساطير والقصص المتوارثة ~~والتقاليد والذكريات الروسية، بل وجد أيضا ارتباط قوي بالوطن الروسي. بطبيعة الحال، ~~كانت المستوطنات الناطقة بالروسية موزعة على نطاق كبير يمتد إلى الشمال الغربي نحو ~~نوفجورود، وإلى الشمال الشرقي نحو فلاديمير، وسوزدال، وتفير، وموسكو. افتقرت عملية ms106 ~~الأقلمة البطيئة غير المتعادلة إلى الحدود الواضحة ل «أمة العهد» التي ستصبح النموذج ~~القومي الغربي. إلا أنها على الصعيد الشعوري قدمت أساسا وافرا لترسيخ النطاقات ~~العرقية، وفي نهاية المطاف، ولا سيما في العصر الحديث، تقديم هوية قومية مرتبطة ب ~~«الطبيعة» الروسية ومناظرها بصفة خاصة. # 21 # علاوة على ذلك، فكما رأينا، شهدت فترة روسيا الموسكوفية تكون ثقافة عامة ~~أرثوذكسية أصبحت بعد سقوط الإمبراطورية البيزنطية ثقافة دينية روسية حصرية لمملكة ~~الإيمان «الحقيقي» الوحيدة المتبقية. من ناحية أخرى، ليس من المؤكد إن حدث توحيد ~~للقوانين في القرنين السادس عشر والسابع عشر، ومدى ذلك التوحيد، نظرا لامتداد ~~الإمبراطورية، وعادات مجتمعاتها العرقية المختلفة، والأملاك الكبيرة للطبقة ~~الأرستقراطية. ولم تؤسس بيروقراطية مركزية متمتعة بالقوى الكافية لنشر قوانين موحدة ~~عبر هذه المساحة الشاسعة إلا بعد إصلاحات بطرس الأكبر، على الرغم من أن الإحساس ~~بالمجتمع الروسي كان في ذلك الوقت قد أضعفه نوعا ما دمج الشعوب المجاورة في ~~إمبراطورية روسية أكثر اتساعا. ورغم ذلك، فإنه بداية من القرن الخامس عشر وحتى القرن ~~السابع عشر، من الممكن أن نتبين معالم أمة هرمية ترتكز على القيصر، والكنيسة، ~~والمجتمع الأرثوذكسي، وتجمع بين ارتباط واضح بالأرض وثقافة عامة أرثوذكسية مع أعتاب ~~فجر العصر الحديث. # 22 ~~(5) هل شهد الغرب أمم ما قبل الحداثة خلال العصور الوسطى؟ # إن بحثنا عن مقومات الأمة في أعقاب انقسام المملكة الرومانية الغربية يعد هباء ~~ولا جدوى منه، بحسب الافتراضات الواردة في السجلات التاريخية لقوميي القرن التاسع عشر ~~التي تنسب أصول الأمم الأوروبية إلى كلوفيس الأول أو أرمنيوس أو هينجيست. بالفعل، تسجل ~~مصادرنا تلاحقا سريعا لفئات عرقية نشطة، إلا أنه، باستثناء أمثلة قليلة، يبدو مفهوم ~~تلك الفئات للتعريف الذاتي متغيرا على نحو محير، فضلا عن أن أساطير الأصل لتلك ~~المجموعات غالبا ما تكون سريعة الزوال. يقول باتريك جيري إن هذه الأساطير والرموز هي ~~في الغالب من اختلاق أمراء الحروب ورؤساء القبائل الساعين إلى إضفاء الشرعية على ~~مناصبهم من خلال النسب النبيل، في حين أن تلك التحالفات الهشة التي يتزعمونها ms107 كانت ~~تبلغ علم الرومان عن طريق مخبريهم تحت أسماء قبلية، فما كان من الرومان إلا أن منحوا ~~تلك الفئات العرقية والجماعات الإقليمية المتغيرة المقسمة - في الغالب - قدرا أكبر ~~من الموضوعية والرسوخ يفوق ما تستحقه، وذلك بما يتوافق مع النماذج والتوقعات العرقية ~~الخاصة بهم. ومرة أخرى، باستثناء بعض الأمثلة الشهيرة، لا نجد قدرا كبيرا من مظاهر ~~ارتباط الذكريات ومشاعر الانتماء الجمعية بمنطقة أو إقليم بعينه، أو تنمية الإحساس ~~بالوطن. أما بالنسبة إلى العمليات الأخرى الأساسية لتكوين الأمة، التي تتمثل في نشر ~~ثقافة عامة وتوحيد الممارسات القانونية، فيبدو أنها كانت إلى حد بعيد من اختصاص ~~خلفاء روما من الأباطرة في الإمبراطورية الكارولنجية والإمبراطورية الرومانية المقدسة، ~~وكذلك من اختصاص القوة البابوية الصاعدة. # 23 # كانت الاستثناءات من هذه الصورة العامة في النصف الثاني من الألفية الأولى في أوروبا ~~موضوع جدال محتدم؛ فقد أوضحت سوزان رينولدز أن بعض ممالك العصور الوسطى الأكثر ~~استقرارا التي ظهرت في القرنين التاسع والعاشر، أبرزها مملكة الأنجلوسكسونيين، ومملكة ~~الفرنجة، ومملكة النورمان، «مرتبطة بجماعة» (عشيرة، أمة، شعب)، ومفترض أن تلك الجماعة ~~مجتمع طبيعي قديم له تقاليد وعادات وقانون وأصل مشترك. ومن خلال وصفها ب «الممالك» ~~مقارنة بالأمم (الحديثة)، ومن خلال وصف شعورهم بالولاء بأنه «ملكي» بدلا من قومي، ~~انتقدت رينولدز وجهة النظر القديمة التي تبناها هيو سيتون واتسون بسبب أنها وضعت رؤية ~~غائية للتطور السياسي، وترى هذه الرؤية أن الأمة السابقة الوجود تتحرك حتما من خلال ~~اكتساب «الوعي القومي» نحو الحالة النهائية وحدود الدولة القومية. هذا النوع من وجهات ~~النظر يمنعنا من فهم مثل ومشاعر مجتمعات العصور الوسطى على حقيقتها فهما واضحا ~~خاليا من الافتراضات الحداثية المسبقة التي غالبا ما تكون قومية. # 24 # ورغم ذلك، زعمت رينولدز مؤخرا أن «مفهوم الأمة الذي يمثل أساس كل أشكال القومية كان ~~منتشرا قبل القرن الثامن عشر بفترة كبيرة.» رغم أن ذلك كان يبدو بديهيا ولم يكن ~~يتطلب أيديولوجية أو حركة كتلك التي رأيناها في العصر الحديث. وجمع هذا المفهوم بين ~~فكرة المجتمع الطبيعي الذي ms108 يملك نسبا مشتركا، وعرفا، وثقافة، وبين فكرة المجتمع ~~السياسي الذي يتمتع بحقوق سياسية، حتى إن لم يكن ذلك المجتمع مستقلا. بالإضافة إلى ~~ذلك، عندما يستمر الاسم الجمعي، مثل ذلك الذي يربط بين الفرنجة وفرنسا، فعادة ما تستمر ~~أيضا أساطير الأصل، وفي هذه الحالة المذكورة، تتمثل أسطورة الأصل في أن الفرنجة أو ~~الفرنسيين ينحدرون من نسل الطرواديين رغم التغير الكبير الذي طرأ على السكان وعلى ~~الحدود. ترى سوزان رينولدز أن الأمم والقومية مفهومان ينتميان إلى عالم النظرية ~~السياسية، أو على الأحرى ينتميان إلى الأفكار الشائعة التي يرى المشتركون في تبنيها ~~أنها بديهية؛ ولذلك فإنها نادرا ما تظهر بوضوح في السجل التاريخي. إلا أن الحداثيين ~~أمثال جون بروييه يرون أن هذا ليس كافيا لدعم حجة وجود أمم خلال ما قبل العصر ~~الحديث، فضلا عن وجود قومية. ربما كانت مثل هذه الأفكار رائجة في أوروبا العصور ~~الوسطى، وربما كانت سياسية وإثنوغرافية، لكننا نحتاج إلى أدلة مباشرة أخرى قبل أن ~~يمكننا التأكد من أن الشعوب في العصور الوسطى شعرت بانتمائها إلى أمة، وكلمة «شعب» هنا ~~يقصد بها معظم أفراد سكان كيان سياسي بعينه. # 25 ~~(6) هل إنجلترا أول أمة؟ # من نواح عديدة تمثل إنجلترا نموذجا للأمم السابقة للحداثة. كان أدريان هستنجز قد ~~أوضح بالفعل أن إنجلترا كانت تتصدر قائمة أمم ما قبل العصر الحديث (سبقتها أرمينيا ~~وإسرائيل القديمة لكنهما حالتان منفردتان)، مشيرا إلى أن نصوص القرن الرابع عشر تكشف ~~عن مفهوم للأمة يتشابه كثيرا والمفاهيم المعاصرة، وأنه نظرا لازدهار الأدب ~~الإنجليزي واستخدام اللغة الإنجليزية في البلاط الملكي وفي الإدارة اللذين تزامنا مع ~~ارتفاع روح «القومية» في حرب المائة عام، يكون لدينا مبرر لاعتبار الإنجليز أمة في ~~العصور الوسطى. إلا أن هستنجز اعتبر أيضا إنجلترا في أواخر عهد الأنجلوسكسونيين منذ ~~القرن العاشر «دولة قومية» كاملة التكوين. وفي هذا الصدد، اتبع وجهة النظر المتطرفة ~~للمؤرخين، أمثال جيمس كامبل وباتريك وورمالد، الذين زعموا أنه على الرغم من أن بيدا لم ~~يطرح سوى رؤية الأمة الإنجليزية المسيحية (على الرغم ms109 من ولائه الشديد لمملكة ~~نورثمبريا)، فإن الملك ألفريد - من خلال حكومته وقوانينه وإنجازاته الأدبية والتعليمية ~~- هو من أسبغ على أفكار بيدا معنى نظاميا، وبدأ عملية دمج ممالك وشعوب عديدة في ~~أمة واحدة. ورغم ذلك، لم يتمكن خلفاؤه، لا سيما أثيلستان وإدجار، من ترسيخ فكرة ~~وواقع الأمة الإنجليزية وتوحيد جماعاتها وكياناتها السياسية المختلفة في مملكة واحدة ~~إلا في القرن العاشر والقرن الحادي عشر. # 26 # على النقيض من وجهة النظر تلك، تحدث كريشان كومار عن غياب أي نوع حقيقي من المشاعر ~~القومية لدى الإنجليز في هذه الفترة، حتى لو أصبحت إنجلترا الأنجلوسكسونية: # واحدة من أكثر الدول تكاملا ومركزية في أوروبا، إن لم تكن أكثرها تكاملا ~~ومركزية على الإطلاق، وهذا إنجاز عادة ما يعزى في الأساس إلى الملك ألفريد ~~العظيم. وورث ويليام الفاتح دولة جيدة التنظيم، تدار بنظام إدارة موحد، ~~وهيكل قوانين ملكية بالغ التطور، وعملة مركزية، ونظام ضرائب فعال. # إلا أن هذا، كما يقول كومار، يعد مختلفا كثيرا عن «الأمة» ~~المتكاملة، أو النوع المتطور من «الهوية القومية». إن محاولة إحياء مملكة مرسيا في ~~القرن العاشر، وعالمية الكنيسة الرومانية، والعلاقات مع إسكندنافيا، وتحزب نبلاء ~~الإنجليز؛ يعارض أي نوع حقيقي من الهوية القومية بين الطبقات العليا في هذه الفترة. ~~إن كل أمر من هذه الأمور إذا تعاملنا معه على حدة فقد لا يبدو خطيرا للغاية؛ فعلى أي ~~حال، في وقتنا المعاصر توجد أكثر من أمة مقبولة، لدى كنيستها علاقات تتجاوز حدودها، ~~ويرتبط أفرادها بعلاقات مع مناطق أو «عرقيات» أو دول أخرى، وتعاني من الحزبية، وغيرها. ~~ورغم ذلك، فإن تضافر هذه المعوقات يبدو أنه يضعف من حجة وجود أمة إنجليزية في هذه ~~الفترة، حتى إذا كنا في حاجة إلى التشكيك في اعتراض كومار الحداثي الأساسي (والعبثي) ~~المتمثل في أن إنجلترا في عهد الأنجلوسكسونيين فشلت في إظهار «أي شكل لعلاقة بين ~~النخب والعوام، أي الأشخاص العاديين في المجتمع؛ فالأمة التي تتكون من النخب ~~وتعبر فقط عن وعي النخبة ليست أمة بالمعنى المقبول للكلمة في الوقت ~~الحاضر.» ms110 # 27 # من ناحية أخرى، سواء أقبلنا وجهة النظر المتطرفة القائلة بوجود «دولة» ~~أنجلوسكسونية تحت حكم «ملك الإنجليز» قبل عام 1066 أم لم نقبلها، فمن الممكن تقديم حجة ~~أخرى منفصلة تتحدث عن تكون نوع من العرقية الأنجلوسكسونية المشتركة؛ ففي القرن العاشر ~~كانت النصوص أمثال ملاحم «الخروج»، و«معركة مالدون»، و«وقائع الأنجلوسكسونيين»، ~~و«التاريخ الكنسي للشعب الإنجليزي» الذي كتبه بيدا قبل ذلك؛ تشير بقوة إلى أن النخب ~~الأنجلوسكسونية بالإضافة إلى سيطرتها على مجتمع إنجليزي له اسم وتعريف ذاتي وأسطورة ~~أصل مشترك، فقد كانت لها أيضا مجموعتها الخاصة من الأساطير والذكريات والرموز ~~والتقاليد المشتركة، أبرزها أسطورة قدرية للاختيار العرقي من قبل الرب، مصوغة على غرار ~~نموذج الشعب الذي يجمع العهد بين أفراده في العهد القديم. علاوة على ذلك، وفرت ~~اللغة الأنجلوسكسونية وسيلة فعالة للتواصل مع الطبقات الأخرى، بالإضافة إلى أنها أدت ~~إلى ظهور أدب ثري ومتنوع. كذلك ساعدت اللغة المشتركة في نشر القوانين والمؤسسات ~~الملكية في معظم أنحاء المملكة، حتى إذا لم يكن لدينا «دليل مستقل» مباشر، حسب قول ~~بروييه، على أن الأشخاص الذين كانوا يستخدمون محاكم المقاطعات، على سبيل المثال، كانوا ~~يرون أنها مؤسسات «إنجليزية» وأصبحوا مرتبطين من خلال هذه المؤسسات بالأمة ~~«الإنجليزية». ورغم ذلك، فالتمتع بقدر كبير من الترابط والوحدة على الصعيد الإقليمي هو ~~ما كان يفتقر إليه، هذا إذا استثنينا بعض فترات قصيرة. وعلى الرغم من تحدث بعض ~~المصادر عن ارتباطات الجزر البريطانية بأرض الإنجليز «إنجلا لوند»، فإنه ليس من الواضح ~~إلى أي مدى ينطبق ذلك على إنجلترا أو بريطانيا ككل (في الوقت الراهن تقريبا)، وهذا ~~أمر ما زال يعرقل التحليل حتى يومنا الحاضر. وفيما يتعلق بالثقافة العامة المشتركة ~~والمميزة، فلا يمكننا الجزم بمدى انتشارها في هذه الفترة، حتى عن طريق الكنيسة، على ~~الرغم من تحقق «التبعية المتبادلة بين الملك وأمة سياسية واسعة النطاق بالتأكيد» في ~~الحكم المحلي (المقاطعات ومجالس المقاطعات) ومن خلاله، حسبما أوضح وورمالد. # 28 # تشير حجة وورمالد إلى أن المملكة الأنجلوسكسونية، مثل بقية الممالك الأخرى في أوروبا ~~الشمالية، كانت ms111 غير هرمية في جوهرها، واعتمدت في الأساس على التجمعات المحلية لتحقيق ~~ترابطها. على النقيض من ذلك، بدا أن النورمان قد اقتبسوا لحكمهم طابعا هرميا مميزا، ~~من ناحية كل من الروابط الإقطاعية الخاصة بالأراضي الزراعية، وكذلك إضافة طبقة من ~~الفرسان المتحدثين بالفرنسية على النظام الاجتماعي الإنجليزي السابق. علاوة على ذلك، ~~فقد كانت اهتماماتهم أوروبية على نحو قاطع؛ فقد قضى معظم الملوك النورمان الذين حكموا ~~إنجلترا قدرا كبيرا من الوقت خارج البلاد يدافعون عن ممتلكاتهم في الأنحاء الأخرى ~~فيما يعرف بفرنسا حاليا أو يوسعون تلك الممتلكات، في حين كان رؤساء الأساقفة من ~~أوروبا القارية في أغلب الأحيان. وكانت ثقافة النخبة في تلك الفترة ثقافة قارية ~~أيضا؛ في عمارتها، ولغتها، وأدبها، وكانت إما فرنسية وإما مشتقة من الثقافة الفرنسية. ~~من الناحية الأخرى، بحلول أواخر القرن الثاني عشر، وصف الحكام النورمان أنفسهم بملوك ~~إنجلترا، وتزوج فرسانهم من الإنجليز واندمجوا معهم لدرجة كبيرة. في ذلك الوقت أيضا، ~~كان النورمان يميزون أنفسهم بوضوح عن كل من الويلزيين والأيرلنديين؛ إذ كانوا ~~يعتبرون ثقافاتهم وعاداتهم «منحطة». بالإضافة إلى ذلك، ساعد مؤرخو القرن الثاني عشر ~~أمثال ويليام المالمسبوري، وجون ورشستر، وأورديريك فيتاليس، وهنري الهنتينجتوني، في ~~إحياء التاريخ الأنجلوسكسوني وروح الماضي الإنجليزي، فقط لإضفاء الشرعية على حكم ~~النورمان، وبدا أيضا أنهم سعوا إلى تحقيق تصالح بين الإنجليز والنورمان. علاوة على ~~ذلك، من خلال تبني وجهة نظر جيفري المونموثي التي طرحها في كتاب «تاريخ ملوك ~~بريطانيا»، طالب الملوك الإنجليز، لا سيما إدوارد الأول، بحق الإنجليز في حكم ~~بريطانيا بأكملها على غرار حكم آرثر؛ ذلك «الإمبراطور» البريطاني الأسطوري الذي سبق ~~حكمه عهد السكسونيين. # 29 # وهذا يشير إلى أن ثمة عملية إحياء كانت تجري على قدم وساق لهوية «عرقية» ~~إنجليزية (أنجلونورمانية) ذات تعريف ذاتي جديد، وأساطير أصل جديدة، وتاريخ مشترك مرتبط ~~بأرض معينة، ومختلفة على نحو واضح عن الويلزيين والأيرلنديين. من جانب آخر، فإن ~~الهوية «القومية» كانت بدأت في الظهور لتوها في هذه الفترة. ولم يوجد إلا قدر قليل ~~من الثقافة العامة المميزة ms112 واللغة المميزة (إذ ظلت اللاتينية اللغة الرسمية، بينما ~~كانت الفرنسية اللغة المتحدث بها في البلاط الملكي)، وكان يوجد فقط قدر من الترابط ~~الإقليمي (ظل الشمال، بصفة خاصة، منفصلا بوجه عام). أما التطور الذي حدث في هذه ~~الفترة، فكان وجود دولة إنجليزية قوية نسبيا، ذات موارد مالية مركزية، وقانون إنجليزي ~~واحد مكتوب تنظمه المحكمة ونظام من المحاكم الدورية التي تقام فيها محاكمات أمام ~~المحلفين، ويعمل بها قضاة محترفون. وكما يعلق ريس دافيس فإنه: «بحلول القرن الثالث ~~عشر، كان القانون الإنجليزي يعتبر إحدى العلامات المميزة للهوية الإنجليزية وجزءا لا ~~يتجزأ من الثقافة السياسية الإنجليزية.» # 30 # بدأت الأمور في التغير في أواخر القرن الرابع عشر، حين شهدنا عناصر ثقافة عامة ~~مميزة، مثل ظهور الملكية المقدسة، ورمزيتها السياسية في عهد الملك ريتشارد الثاني ~~والملك هنري الخامس، وتأسيس مجلسي البرلمان، وتزايد استخدام اللغة الإنجليزية بين ~~موظفي السجلات، وبدايات الأدب الإنجليزي (باللغة الإنجليزية الوسطى) في شعر جاور، ~~ولانجلاند، وتشوسر، والترجمات العامية للكتاب المقدس في عهد ويكليف. بلا شك أدى ~~قرار تشوسر بالكتابة بالإنجليزية في الأساس إلى عزله عن القراء الأوروبيين، لكنه أيضا ~~قربه أكثر من الوعي الإنجليزي الخالص؛ مما يشير إلى أنه «رأى أن قراءه «هم» ~~الإنجليز، وكانت هذه الرؤية مهمة من عدة نواح.» # 31 # كان لهذه التطورات جذورها في القرن السابق، في الأخبار التي رواها المؤرخ ويندوفر ~~مثل ذلك الخبر الذي رواه عام 1233 مناهضا فيه البواتفيين، ومناديا فيه بمنح الأولوية ~~للشعب الإنجليزي الأصلي وليس للأجانب، أو في قصائد مثل قصيدة «أغنية لويس» التي تحتفي ~~بحرية الإنجليز أثناء احتفالها بانتصار البارونات في حرب البارونات الثانية عام 1264. ~~وعلى الرغم من أن سلسلة الحروب ضد ويلز واسكتلندا وفرنسا التي بلغت ذروتها في حرب ~~المائة عام كان دافعها الأساسي مصالح الأسر الحاكمة، فإنها هي ما كان يثير مشاعر ~~الولاء القومي لشخص الملك كرمز للأمة بدرجة متزايدة، وبخاصة الولاء للملك هنري ~~الخامس. والسبب في ذلك أننا حتى إذا صرفنا النظر عن الوصف المثالي والمستوحى من الكتاب ~~المقدس الذي قدمه ms113 شكسبير للملك هنري الخامس، فسوف يظل لدينا ملك يسعى إلى ترويج ~~اللغة الإنجليزية، والتغلب على الانقسامات الكبيرة بين الأرستقراطية الإنجليزية التي ~~تسبب فيها اغتصاب والده للعرش، بالإضافة إلى دمج المجموعات العرقية والطبقات ~~المختلفة لتحارب تحت لوائه. بطبيعة الحال، من الممكن أن نرى في أفعاله مجرد استخدام ~~للشعور القومي من أجل أهداف تخدم الأسرة الحاكمة وتكوين الإمبراطورية، حسبما يرجح ~~كريشان كومار، لكن هذا يفترض وجود قدر من «الشعور القومي» في المقام الأول. علاوة على ~~ذلك، يزعم العديد من مؤرخي العصور الوسطى أنه لا يمكن العثور على حس الهوية القومية ~~إلا في هذين القرنين، على الأقل بين النخب، لكن ربما وجد أيضا ذلك الحس بين ~~العوام المزارعين. # 32 # تشير كل هذه الأمور إلى أن الإحساس بالهوية القومية في أواخر عهد إنجلترا العصور ~~الوسطى كان يتنامى لدى كثير من أفراد الطبقة العليا ولدى بعض أفراد الطبقة المتوسطة. ~~وعلى الرغم من أنهم ظلوا يشعرون بقوة الهويات الجمعية الأخرى وصور الولاء الأخرى، ~~المحلية والكاثوليكية معا، فقد كان نموذج الأمة الإنجليزية العرقية السياسية ومصيرها ~~داخل حدودها تقريبا قد بدأ في السيطرة عليهم سيطرة كبيرة؛ نظرا لأن الممتلكات ~~الملكية في فرنسا في ذلك الوقت كانت متنازعا عليها وضائعة. وساعد في ظهور هذا ~~التوجه وجود ثقافة عامة مميزة ترتكز على الملك، ووجود نظام قانوني أكثر مركزية. من ~~جانب آخر، باستثناء بعض مصادر العصور الذهبية المقدسة، مثل التضحية وما شابه ذلك، كانت ~~الهوية الإنجليزية مفتقدة الصفة «الدينية»؛ ومن ثم الصفة الملزمة والقائمة ~~بذاتها، التي نربطها بالأمة؛ فتضحية الصليبيين نيابة عن العالم المسيحي استغرقت بعض ~~الوقت كي تنتقل إلى «الوطن». وما عاود الظهور هو الاعتقاد بالاختيار العرقي للشعب ~~الإنجليزي؛ لذلك، في عام 1377، ألقى المستشار آدم هوفتون، خطابا في افتتاح البرلمان ~~أثنى فيه على انتصارات الملك إدوارد الثالث، وعلى ازدهار المملكة، التي «أظهرت أن ~~إنجلترا تتمتع بتفضيل الرب، وأن الإنجليز هم شعب إسرائيل الجديد، وأن مملكتهم هي «ميراث ~~الرب».» ولم يكن ذلك تعبيرا فرديا عن فكرة اختيار الشعب لمهمة تبشيرية؛ فقد ms114 صاحب ~~آمال الحرب الصليبية الأنجلو فرنسية قدر كبير من «الوطنية الإقليمية» الإنجليزية، ~~خصوصا خلال احتفالات الانتصار التي أعقبت معركة أجينكورت. # 33 ~~(7) فرنسا: المملكة الأكثر مسيحية # لخص الوصف الشهير «مملكة فرنسا المقدسة» الذي أطلقته جان دارك تراثا طويلا من ~~الملكية الهرمية في فرنسا قائما على إحساس واضح بالمجتمع الفرنسي العرقي السياسي. ~~نبعت قداسة المملكة الفرنسية من الأسلاف الأتقياء لملوكها ومن طائفة القديس لويس، ومن ~~تقوى وورع شعبها، وعدد قديسيها ومقامهم الرفيع، لا سيما القديس دينيس، بالإضافة إلى ~~كمية البقايا الأثرية، والشهداء والجثامين المقدسة الموجودة بها، وكنائسها ~~وكاتدرائياتها، والكهنة والجامعات، وفوق ذلك كله نقاء إيمان شعبها، وعدم هرطقتهم ودعمهم ~~المستمر للكنيسة. ولا عجب أن الملوك الفرنسيين منذ عهد فيليب الرابع، حوالي عام 1300، ~~وصفوا أنفسهم بلقب «الملوك الأكثر مسيحية»، ورأوا أن شعبهم هو الجزء الأكثر حظوة من ~~«إسرائيل الحقيقية»، أي الكنيسة الكاثوليكية، التي حلت محل الشعب المختار الأصلي. ~~ونظرا لمعارضة الملك فيليب الرابع لبابا الكنيسة الكاثوليكية في ذلك الوقت، بونيفاس ~~الثامن، فقد اعتبر فيليب نفسه «درع الإيمان وحامي الكنيسة». # 34 # قامت مزاعم الملوك الفرنسيين على أساس نسب يكافئ نسب الملوك الإنجليز ويساويه في ~~القدم والنبل. انطلاقا من توحيد كلوفيس الأول لمقاطعة الغال الرومانية وتحوله إلى ~~المسيحية الكاثوليكية عام 496، في معارضة القوطيين الغربيين الأريوسيين، تتحدث ~~مزاعمهم عن سمو: # أمة الفرنجة المجيدة، المختارة من قبل الرب، الباسلة في الحروب، الوفية في ~~السلم ، العميقة في الحكمة، الكبيرة في الجسم، الطاهرة في النقاء، العظيمة بلا ~~نظير، الجسورة والسريعة والشرسة، المتحولة حديثا إلى الإيمان الكاثوليكي، ~~والخالية من الهرطقة. # هذا ما ورد في تمهيد القرن الثامن لنصوص القانون السالي القديم. وبعد ~~فترة ليست بطويلة، مسح الأساقفة بيبان، ابن تشارل مارتيل، بالزيت المقدس، بمباركة ~~البابا، وأعلن أن مملكة الفرنجة هي مملكة داود الجديدة وأن شعبها يشابه شعب إسرائيل ~~القديم في الترتيب الإلهي، وقد أكد البابا هذه المكانة في حفل تتويج شارلمان كإمبراطور ~~عام 800. # 35 # تجدد الاعتقاد بأولوية المملكة الفرنسية بالقداسة في أوائل القرن الثاني عشر في ~~عهد لويس السادس، عندما ms115 تأسست جماعة تبجيل القديس دينيس، القديس الحامي للمملكة. وكان ~~القديس يمدح في القصيدة الملحمية «أغاني البطولة»، وكانت «رايته البرتقالية» ترفع في ~~المعركة. إلا أن نصوص هذه الفترة المبكرة استخدمت مصطلح «الأكثر مسيحية» للإشارة إلى ~~الشعب الفرنسي بدلا من المملكة الفرنسية أو الأرض الفرنسية، وأطلقت بقدر أقل على ~~الملوك نظرا لأنه قبل لويس السادس لم يذهب أي ملك فرنسي إلى الحروب الصليبية. وبدأ ~~هذا الأمر يتغير في أوائل القرن الثالث عشر عندما استعاد فيليب أغسطس نورماندي، وأصبح ~~«الفرنجة» يقودون الحملات الصليبية، وأصبحت مملكة عائلة كابيه معروفة باسم «المملكة ~~الفرنسية»، وأصبحت جملة «الدفاع عن المملكة» شائعة الاستخدام على نحو متزايد، حيث ~~استحضرها الملك فيليب أغسطس والملك فيليب الرابع لتبرير حروبهما. # 36 # رغم ذلك، منذ منتصف القرن الثالث عشر، عززت جماعة لويس التاسع المقدس ورجال الدين ~~في كنيسة القديس دينيس وكنيسة فلوري الاعتقاد بالحماية الإلهية للمملكة الفرنسية ~~والمكانة الرفيعة لملكها وشعبها. في عام 1239 وفي عام 1245، كان المقر البابوي يخاطب ~~لويس التاسع باسم «الأمير الأكثر مسيحية، حاكم الشعب الأكثر تقوى»، في حين بدأ ~~الفرنسيون المتعلمون يرون أنفسهم «أمة مباركة»، مخلصين للكنيسة والبابوية. وكانت تلك ~~أيضا الحقبة التي ترجم فيها «التاريخ الفرنسي الكبير» إلى الفرنسية نقلا عن النصوص ~~اللاتينية القديمة التي مدحت حماس ونقاء الكاثوليكية الفرنسية وتقوى ملوكها. وكتب جوزيف ~~ستراير عن هذه الفترة، فقال إن الكابيتيين «اضطروا إلى اختراع فرنسا التي زعموا أنهم ~~يحكمونها. كان عليهم أن يجعلوا الرجال فخورين بالبلد وموالين كذلك للملك، وكان عليهم ~~توسيع فكرة فرنسا لتتوافق مع توسيع نطاق نفوذهم.» ويستطرد ستراير قائلا إنه من أجل هذه ~~الغاية اندمجت فكرتان، ألا وهما: فكرة الملك المقدس والبلد المقدس، وساعد اندماجهما في ~~التعجيل بظهور دولة فرنسية مركزية نحو عام 1300. # 37 # وترى كوليت بون أيضا أن الأرض والشعب والملك كانوا يعتبرون على القدر نفسه من ~~القداسة بداية من عهد فيليب الرابع الملقب بفيليب الوسيم. عام 1302، وصف الراهب ~~جيوم دو ساكفيل الفرنسيين بأنهم شعب الرب الذي اختاره الرب كما اختار إسرائيل، أرض ~~العهد ms116 الجديد، أرض الميعاد، الأرض المقدسة: «اختار الرب مملكة فرنسا على كل الشعوب ~~الأخرى.» وأكدت أيضا دعاية نوجاغيه على أن الرب اختار فرنسا مملكة خاصة به: «اختار ~~الرب مملكة فرنسا وباركها على كل الممالك الأخرى في العالم.» وعبر عن هذه الفكرة ~~أيضا المرسوم البابوي في ذلك الوقت، المعروف باسم «ملك المجد»، الذي نص على ما ~~يأتي: # كون ملك المجد ممالك مختلفة داخل نطاق هذا العالم وكون حكومات للشعوب ~~المتنوعة وفقا لاختلافات اللغة والعرق. وبين تلك الممالك، وعلى غرار شعب ~~إسرائيل ... (فإن) مملكة فرنسا، كشعب خاص اختاره الرب لتنفيذ أوامر السماء، تتميز ~~بأمارات معينة من الشرف والنعمة. # 38 # فيما بعد، عبر جورج شاستيلان عن هذا الشعور تعبيرا موسويا، ~~فقال: «يشرق الرب بوجهه عليكم، وتستقر يد الرب على الشعب الذي اختاره.» كان هذا ~~مشهودا بعلامات نعمة خاصة: القارورة المقدسة لمسح الملوك، والزنبق، و«الراية». ويلزم ~~ذكر تعليق بون المتعلق بفكرة أن مفهوم الأمة الهرمية لا يربط النخب بعامة الشعب: # تكونت فكرة الأمة في المملكة منذ فترة مبكرة في تاريخها؛ ومن ثم ~~استلهمت أكثر من الأمم الأخرى لتستمد قيمتها من إيمانها والتزامها بالإرادة ~~الإلهية. واستخدم مصطلح «الأكثر مسيحية» دون تمييز للإشارة إلى الملك الفرنسي ~~وللإشارة إلى الشعب والأرض. # 39 # في القرنين التاليين توسع مفهوم فرنسا بعدة نواح؛ في البداية، كان المفهوم ~~سياسيا، يتمثل في «مملكة فرنسا» التي يحكمها الملك فيليب أغسطس، وفي منتصف القرن ~~الثالث عشر، توسع المفهوم ليشمل كل المملكة، «أرض محددة، أرض عاش فيها عرق الفرنجة ~~منذ زمن سحيق.» وبعد ذلك، أصبحت مشخصة، فهي: «المرأة الفرنسية» اللطيفة، الجميلة، الحرة ~~(من الضرائب)، الباسلة، الموالية، المخلصة، المتعلمة، الأكثر مسيحية. ويرى آلان ~~كارتييه، عندما كتب حوالي عام 1420، أن شخص فرنسا مثل مجموعة من الصفات الطبيعية ~~والثقافية كان لكل شخص واجب تجاهها يماثل واجب الطفل تجاه أمه. وبحلول عام 1484، ~~استطاع مستشار فرنسا استخدام موضوع فرنسا كحديقة، وأكد على أن «جمال البلد، وخصوبة ~~تربته، وسلامة هوائه تتفوق على كل البلدان الأخرى حول العالم.» وصاحب ذلك مطالبات ~~حماسية للدفاع ms117 عنها. وفي تسعينيات القرن الخامس عشر، نقرأ في «عقيدة النبلاء» أنه: «يجب ~~أن يكرس كل شخص نفسه للدفاع عن أرضه؛ فالشرف والمجد الحقيقيان يتوجان أولئك ~~الذين يموتون من أجل بلدانهم. لا يوجد شيء بالغ الصعوبة لدرجة تحول دون إنقاذ مكان ~~ميلاد المرء.» ولكيلا يخطئ المرء ويظن أن هذه دعوة للدفاع عن المنطقة الأهلية للشخص ~~فقط، تقتبس بون صلاة قالها اللورد جون دو بويي في ذلك العصر، نصها كالتالي: # صلوا من أجلي أيها الشعب الطيب، صلوا لأجل اللورد بويي الذي قتل في الحرب ~~العظيمة، مقاتلا من أجل فرنسا ومن أجلكم. (وتضيف كوليت بون: «الذي مات من ~~أجل فرنسا.») # 40 # لم يكن مفهوم فرنسا شائعا ومنتشرا على نطاق واسع بين الطبقات المتعلمة فحسب، بل ~~ارتبط بالمملكة، والأرض، والشعب؛ ومن ثم جسد المبدأ الهرمي المتمثل في نظام ~~اجتماعي موحد في أرض معينة. إلا أن الهرمية لم تتضمن (ولا تتضمن) عزل النخب عن ~~غالبية السكان؛ فعلى الرغم من الاختلافات الإقليمية في المملكة الفرنسية، والثقافة ~~المختلفة جدا في الجنوب، فقد انتشرت المعرفة بمفهوم أوسع لفرنسا وانتشر التعلق بهذا ~~المفهوم تدريجيا، وإن كان على نحو متقطع وغير متساو، من باريس وإيل دو فرانس إلى ~~المناطق الأخرى من خلال العمليات المختلفة لتكون الأمة المتمثلة في تعريف الهوية ~~الفرنسية المختلفة من خلال معارضة القوى الخارجية، لا سيما الدولة الإنجليزية، وتداول ~~أساطير الأصول (الطروادية)، والذكريات، ورموز المملكة الفرنسية، وتزايد أقلمة الذكريات ~~والارتباطات ب «فرنسا»، ونشر القوانين والعادات من المركز إلى المناطق الأخرى، وخلق ~~ثقافة عامة ملكية ومسيحية ونشرها، بما في ذلك مراسم تتويج الملوك، ودخول الملوك ~~للمدن، والقوى الشفائية للملك، ودور المجالس القضائية. # 41 # وكان ما ساعد في تقوية الهوية القومية الفرنسية بحلول أوائل القرن السادس عشر هو ~~تكوين بعض المصادر الثقافية المقدسة. وكان أهم تلك المصادر بلا شك أسطورة قوية ~~للانتخاب العرقي، ركزت على الملك، لكنها امتدت أيضا لتشمل الأرض وشعب المملكة. وعلى ~~الأرجح لا يمكننا أبدا أن نعرف على نحو مؤكد إلى أي مدى انتشر ذلك الاعتقاد ms118 بين ~~الأشخاص العاديين، لا سيما أولئك المقيمين في الريف. إلا أنه في القرن الخامس عشر، ~~ربما شجع القتال المطول ضد الأعداء الإنجليز والبرجنديين كثيرا من أهل البلدات، ~~وربما بعض الفلاحين، على التعاطف مع دعوة جان دارك للدفاع عن مملكة فرنسا ~~المقدسة. ~~(8) اسكتلندا # نجد تركيبات مشابهة من الهرمية، والارتباط الإقليمي، والمشاركة الأوسع نطاقا في ~~مكان آخر. تمثل مملكة اسكتلندا أثناء حروب الاستقلال وبعدها مثالا توضيحيا لذلك. ~~والدليل الأهم في ذلك الصدد هو إعلان أربروث (1320). إلا أن هذه الوثيقة ليست سوى وثيقة ~~ضمن سلسلة من الحركات الدبلوماسية الهادفة إلى مجابهة مزاعم سيادة الملك الإنجليزي ~~إدوارد الأول على اسكتلندا. وجابه تأكيد إدوارد الأول على حقوقه المفترضة التعليمات ~~التي أرسلت إلى المندوبين الاسكتلنديين في البلاط البابوي للبابا بونيفاس الثامن في ~~مدينة أناني عام 1301، وكذلك وثائق لاحقة مثل إعلان رجال الدين عام 1309، والاعتراض ~~الأيرلندي عام 1317، وانتهت بإعلان أربروث. يقول إدوارد كوين إنه لم يكن من الممكن أن ~~يعجز مستقبلو هذه التوسلات عن فهم أنها «صادرة عن شيء أكبر من أفواه الرعايا الإنجليز ~~المنشقين أو المتمردين الإقطاعيين المحبطين من حاكمهم الجبار. لقد كان ما يعبر عنه ~~هو صوت أمة.» # 42 # يوجد في كل وثيقة من هذه الوثائق إشارة إلى «مجتمع المملكة»، وفي بعض الأحيان إلى ~~«موافقة كل الشعب»؛ لذلك، فإن إعلان رجال الدين عام 1309 يتحدث عن كل الشعب الذي ~~يعاني من العبودية والعذاب والذبح، تماما مثل الاعتراض الأيرلندي عام 1317 (الذي يتحدث ~~بمصطلحات أكثر تطرفا) وكذلك إعلان أربروث. هل يمثل هذا ما هو أكثر من مجرد مصطلحات ~~تقليدية معتادة في هذه الفترة؟ يبدو أن الحروب المطولة ضد الملك إدوارد قد أبرزت ~~طبقة من الملاك الأحرار تحت الطبقة المكونة من التسعة والثلاثين إيرل وبارون الذين ~~وقعوا بأختامهم على الإعلان. وظهر أيضا في هذه الفترة البرلمان الاسكتلندي، لكنه ~~لم يحصل مطلقا على المحورية والأهمية اللتين حصل عليهما نظيره الإنجليزي. وفي هذه ~~الحالة، فإن التوسلات المتكررة الموجهة إلى «العرق» الاسكتلندي و«الأمة الاسكتلندية» ~~تمثل توسعا للأمة السياسية داخل النظام ms119 الاجتماعي الأرستقراطي التقليدي. # 43 # ورغم ذلك يبقى السؤال: هل يمكننا استنتاج وجود نوع من الهوية القومية الاسكتلندية في ~~هذه الفترة اعتمادا على تلك الوثائق الثقافية المطروحة على نحو مقنع، يتجاوز حدود ~~نخبة البارونات الصغيرة؟ في حقيقة الأمر، لا نعرف سوى القليل عن شعور الجنود العاديين، ~~ولا يتوافر لدينا إلا الحقيقة التي يذكرنا بها بروس ويبستر المتمثلة في أنهم: ~~«قاتلوا، مثل قادتهم، في ظروف كان من الأسهل والأكثر أمنا ألا يقاتلوا ~~فيها.» # 44 # علاوة على ذلك، تستخدم كل الوثائق السالفة الذكر المصطلحات المتعلقة بالطغيان، ~~وتزعم أن الشعب انتخب أميرا، مثل يهوذا المكابي، يعتبر أداة للرب للتخلص من الطغيان ~~وتحرير الشعب من العبودية. توضح وثيقة تعليمات عام 1301 هذه الفكرة بتشبيه الملك ~~إدوارد بأنطيوخوس الرابع الذي أشعل الثورة المكابية بتدنيسه للهيكل. كثير من هذا ~~الكلام المتعلق بالحرية والطغيان كان بطبيعة الحال منتشرا لدى غيرهم في أوروبا، ~~ونابعا إلى حد ما من كتابات تشابه كتاب «بوليكراتيكوس» لصاحبه جون سولزبري الذي كتبه ~~في القرن الثاني عشر، لكنها جاءت في الأساس من العهد القديم وكتاب أبوكريفا. في حالة ~~اسكتلندا، ولا سيما في إعلان أربروث، كان يوجد أيضا تأثر بالكلاسيكية؛ حيث نجد ~~فقرات معروفة تتحدث عن الموت في سبيل الحرية تستحضر على نحو حرفي تقريبا «المؤامرة ~~الكاتلينية» للمؤرخ سالوست (63 قبل الميلاد). # 45 # من ثم، فإن الادعاء مع كومار أن أحداث ووثائق تلك الفترة «تحمل طابع الحرب الأهلية ~~أكثر من طابع الحرب القومية في المنطقة الحدودية» بين مؤيدي الملك جون باليول ومؤيدي ~~الملك روبرت بروس، وأن «ما ينطبق على المنطقة الحدودية كان منطبقا على الدولتين في ~~المجمل»؛ يجعلنا نغفل عن فكرة أن الحروب ضد الملوك الإنجليز، إدوارد الأول وإدوارد ~~الثاني وإدوارد الثالث، ساعدت أيضا في تكوين الهوية السياسية الاسكتلندية. في حقيقة ~~الأمر، هذه ليست هوية قومية بالمعنى المفهوم لدى الرومانسيين الألمان أو المفكرين ~~مناصري النزعة السلافية، على الرغم من إثراء التراث السلتي في ذلك الوقت. ولم تكن تلك ~~الهوية القومية شاملة الشعب كله، على الرغم من ms120 اشتراك فئات أخرى بالإضافة إلى الطبقة ~~الأرستقراطية. وصحيح أيضا أن ثقافة ولغة معظم الأراضي المنخفضة في اسكتلندا تأثرت على ~~نحو هائل بالطابع الإنجليزي، وأن التأثيرات الثقافية عبر الحدود كانت متغلغلة؛ ففي ~~النهاية، حارب معظم النبلاء الاسكتلنديين ضد الإنجليز (بعضهم حاربوا على نحو متقطع ~~نسبيا) وتصاعدت المقاومة، ونشرت الجيوش، وتكونت أساطير وذكريات عن المعارك والحرية ~~وتوارثتها الأجيال. وهذا هو جوهر الأمر؛ ففي أغلب الأحيان، يكون ما حققته الأجيال ~~اللاحقة من الحروب (وإعلان الاستقلال بعد ذلك بكثير) هو المهم. # 46 # في الحقيقة، لقد كان القرن الخامس عشر تقريبا هو الفترة التي شهدت تكون نوع من ~~الهوية القومية الاسكتلندية. وبالفعل في سبعينيات القرن الرابع عشر، كانت ملحمة جون ~~باربر، التي حملت اسم «الملك بروس»، قد أرست تاريخا مناهضا للإنجليز يتناول حروب ~~الاستقلال، واحتفت بالحرية كهدف ومعنى للهوية الاسكتلندية. وأكمل ذلك التاريخ ~~النثري الذي قدمه جون فوردن بعد ذلك بفترة قصيرة، وقد صاغ هذا العمل أسطورة سكوتا، ~~التي تتناول قصة الهجرة من مصر الفرعونية إلى إسبانيا ومن ثم إلى اسكتلندا، وكذلك ~~تاريخ سلسلة الملوك الاسكتلنديين غير المنقطعة. وتبع ذلك كتاب «الوقائع التاريخية ~~الأصلية لاسكتلندا» للكاتب أندرو وينتون في عشرينيات القرن الخامس عشر، وهو سرد تاريخي ~~شعري طويل يتناول تاريخ العالم وتاريخ اسكتلندا، وأعقبه في أربعينيات القرن الخامس عشر ~~السرد الأكثر رواجا بين الأعمال السردية القديمة التي تناولت التاريخ الاسكتلندي، وهو ~~كتاب «وقائع الاسكتلنديين» للكاتب والتر باور، وعمد هذا العمل إلى إبراز أهمية التاريخ ~~للهوية الاسكتلندية وأهمية وجود ملك قوي لدعم تلك الهوية. وأصبح ازدهار الأعمال ~~السردية التاريخية الشعرية والنثرية أساسا لمظاهر التأكيد على الهوية الاسكتلندية ~~التي حدثت لاحقا، فضلا عن أن تلك الأعمال غذت عداوة الشعب تجاه الإنجليز، وبلغت ~~تلك العداوة ذروتها في كارثة معركة فلودن عام 1513 التي أسفرت عن موت جيمس الرابع. ورغم ~~ذلك، شهد القرن الخامس عشر تكون هوية اسكتلندية مميزة قائمة على أسطورة الأصل ~~والتاريخ الاسكتلندي. # 47 ~~(9) هل هي أمم هرمية؟ # هل تقدم تلك الحالات الثلاث أدلة داعمة كافية على ms121 ظهور أمم في فترة ما قبل الحداثة ~~في دول القرنين الرابع عشر والخامس عشر؟ هل تسمح لنا بالحديث عن أمم «هرمية»؟ # بطبيعة الحال، وفقا للمعايير التي وضعها الحداثيون، فإن هذه الحالات لا يكاد ينطبق ~~عليها معيار الأمم «الحديثة»؛ فأعضاؤها ليسوا مواطنين، ومعظمهم لا يشاركون في الحياة ~~السياسية. بل ليس واضحا أنهم يشعرون بالانتماء إلى أمة معينة، ورغم ذلك فليس واضحا ~~أيضا أنهم لا يشعرون بالانتماء. نحن ببساطة لا نعلم. (ولكننا أيضا لا نعلم عدد ~~الأفراد الذين يشعرون بالانتماء إلى «أممهم» في كثير من الأمم الحديثة). بالإضافة إلى ~~ذلك، فهي ليست أمما «قومية» بالمعنى الأيديولوجي. على صعيد آخر، فإن ممالك إنجلترا، ~~وفرنسا، واسكتلندا في العصور الوسطى تتفق جيدا مع بعض معايير الحداثة الأخرى؛ فقد كانت ~~مجتمعات ذات طابع إقليمي، وكانت مجتمعات قانونية سياسية، وكانت مجتمعات مستقلة وذات ~~سيادة كاملة حقا. وكانت تلك المجتمعات أيضا مشاركة في نظام «دولي»؛ نظام حقيقي من ~~التحالفات والعداوات اتخذ شكلا محددا في أواخر العصور الوسطى. # والأهم من ذلك أنها كانت متقدمة جدا من ناحية العمليات الاجتماعية والرمزية ~~المتعلقة بتكون الأمم؛ فقد كان لدى نخبها إحساس واضح بالهوية الجمعية، والتعريف ~~الذاتي الجمعي المحدد في مقابل الآخرين. وامتلكوا أيضا أساطير مألوفة شائعة للغاية عن ~~الأصل والسلف، بالإضافة إلى مجموعة من الأساطير والرموز والذكريات والتقاليد الأخرى ~~التي عززوها والتي ميزتهم عن جيرانهم. وبداية من القرن الثالث عشر فصاعدا (وأبكر ~~من ذلك الوقت في حالة المملكة الإنجليزية)، أصبحت هذه المجتمعات الملكية ذات طابع ~~إقليمي على نحو متزايد. وعلى الرغم من أن الارتباطات المحلية والمناطقية ظلت قوية، فقد ~~كانت تلك الممالك تمتلك مركزا سياسيا، وفضاء سياسيا كبيرا ومحددا وإن كان ~~متغيرا في بعض الأوقات، وإحساسا بالملكية الإقليمية، بالإضافة إلى ذكريات وارتباطات ~~متزايدة بأرض المملكة، من جانب النخبة على أقل تقدير. وشهدت تلك الفترة أيضا تزايدا ~~سريعا في المركزية وتوحيد القواعد القانونية والمؤسسات القانونية، بالإضافة إلى ~~محاولات متكررة لتطبيق مجموعة قوانين واحدة لمراعاة القانون والتقاليد في كل أنحاء ~~مقاطعات ومناطق المملكة، وقد ms122 تفاوت النجاح في تحقيق ذلك. وأخيرا، في كل الممالك الثلاث ~~كان يوجد تكون واضح لثقافة عامة مميزة. وشمل ذلك الرمزية السياسية للملكية المقدسة، ~~وطقوس المجالس البرلمانية، والطبقات الاجتماعية، والجمعيات، وظهور القواعد اللغوية ~~العامية في الشئون القانونية والسياسية، وظهور الأدب العامي، والارتباط الوثيق بين ~~الطقوس العامة والرمزية وبين المعتقد المسيحي والطقوس المسيحية. # قد يبدو أنه من باب التسرع بناء حجتنا على وجود أمم هرمية في فترة ما قبل الحداثة ~~اعتمادا على ثلاثة أمثلة فحسب - على الرغم من أنه كانت توجد في أوروبا، كما سنرى، ~~حالات أخرى أقل تقدما - لكن من ناحية معايير تكوين الأمم التي أوضحتها في البداية، ~~فإن هذه المجتمعات الملكية الثلاثة تمثل أسسا كافية لاعتبارها أمما في فترة ما قبل ~~الحداثة في القرن الخامس عشر، ما دمنا ميزنا بوضوح بينها وبين الأمثلة التاريخية ~~اللاحقة التي تمثل فئة الأمة. إننا نواجه في هذا الصدد نوعا من الأمم يختلف من نواح ~~عديدة عن الأمم الديمقراطية الغربية، نوعا من الأمم يتسم بالتراتبية الهرمية بدلا من ~~المساواة، يتسم بالتقليد بدلا من التحديث. ولكن الكثير من الأمم الحديثة غير ديمقراطي ~~أيضا، ويتمسك عدد ليس بالقليل من تلك الأمم بتقاليد تعود لأزمان سحيقة. # ما إن نقبل أن «الأمة» و«الحداثة» لا تربطهما إلا علاقة مشروطة، فسوف نستطيع عندها ~~أن نرى أنه من الممكن أن توجد أمم مختلفة جذريا عن المفهوم الغربي التقليدي، وسندرك ~~أيضا أن المفهوم الغربي الحديث للأمة في حاجة لمراجعة هائلة. ارتبط هذا المفهوم ~~بفكرة طرحها وتابعها بعض القوميين (لكن ليس كلهم)، وتقول هذه الفكرة إن الأمة ~~متجانسة ثقافيا أو يجب أن تكون كذلك، وإن الفروق الداخلية التاريخية يجب محوها. ومن ~~الواضح أن مثل هذه التقسيمات الفرعية المناطقية والثقافية كانت، ولا تزال، سمة طبيعية ~~من سمات الأمم الهرمية. في الحقيقة، لقد استمرت إلى يومنا هذا في أغلب الأحيان. وعلى ~~الرغم من المركزية الشديدة للثورة الفرنسية، فإنها فشلت في محو المناطق التاريخية في ~~فرنسا، ومن ناحية أخرى فقد استمر الفرق بين الأراضي المنخفضة والأراضي المرتفعة ms123 في ~~اسكتلندا حتى يومنا الحاضر، بالإضافة إلى الولايات والكانتونات في ألمانيا وسويسرا. لقد ~~أصبحنا أيضا أكثر تعودا بكثير على اعتقاد أن الأمة هي مجتمع شامل يئوي ثقافات ~~ومجتمعات عرقية مختلفة، ويربط بينها أيضا من خلال الرمزية المشتركة وشبكة من ~~المؤسسات. في هذا الصدد، ربما تكون الأمم الهرمية، على أقل تقدير، أول ما أشار إلى وجود ~~نوع من المجتمعات القومية أقل ترابطا وينتمي إلى «ما بعد الحداثة». # الفصل الخامس # | الأمم العهدية # بالنسبة إلى الحداثيين، فإن الأمم والقومية ظهرتا في أواخر القرن الثامن عشر وليس قبل ذلك ~~على أقصى تقدير. وحتى إذا لم يقبلوا رأي إيلي كادوري الذي يقول إن أيديولوجية القومية بدأت ~~مع الرومانسيين الألمان، لا سيما فيشته في كتابه «خطابات إلى الأمة الألمانية» ~~(1807-1808)، فإن كثيرا منهم سيرجع نشأة القومية إلى الثورة الفرنسية، وأعقاب الثورة ~~الأمريكية، والتقسيم الأخير لبولندا. ورغم ذلك، عندما يتعلق الأمر بنشأة الأمم وظهورها، فإن ~~الحداثيين يبدون قدرا أكبر من الغموض. إذا كانت القومية والدولة هما سبب تكون الأمم ~~كما يقول جيلنر وهوبزبوم، فلا بد من إرجاع تاريخ نشأتها إلى القرن التاسع عشر على نحو ~~قاطع، بل ربما لفترة لاحقة. أما إذا كان يعتقد أن الأمم تتكون على مدار فترة زمنية ~~أطول، فمن الأفضل النظر إليها باعتبارها نتاجا لظروف أوروبا الغربية في القرن الثامن عشر؛ ~~تلك الظروف التي تشمل المنافسة التجارية والعسكرية بين دول أوروبا وتكون الاتحادات ~~البرجوازية وجماهير القراء في معارضة متزايدة للدولة الاستبدادية البيروقراطية. # 1 # يثير موضوع «الهوية القومية» أسئلة جديدة. وفي هذا الصدد، ينقسم الحداثيون؛ فيميل بعضهم ~~إلى اعتبار كل ما سبق القرن الثامن عشر، بما في ذلك أي أدلة على وجود شعور قومي، غير ذي ~~عواقب على تكوين القومية والأمم في فترة لاحقة، والسبب في ذلك أن الأمم في الأساس نتاج ~~للثورة العلمية والثورة التكنولوجية المرتبطتين بأوائل عصر التصنيع. أما البعض الآخر، ~~فإنهم على الرغم من قبول هذا الموقف العام، يقرون بوجود الأفكار والمشاعر القومية في ~~الفترات السابقة للحداثة، لكنهم يعتبرونها وصفية ومفتقرة ms124 كثيرا إلى النشاط السياسي ~~المميز للقوميات اللاحقة. ولا يظهرون استعدادا لقبول وجود قدر أكبر من المشاعر القومية ~~المستمرة والمنتشرة في فترة ما قبل الحداثة إلا في حالة واحدة أو حالتين، أبرزهما هي ~~إنجلترا في بداية عصر الحداثة. في حاشية سفلية لكتاب «الأمم والقومية»، يقر إرنست جيلنر ~~ب «الظهور المبكر للشعور القومي في إنجلترا» قبل قرنين من ظهور التصنيع، وفي رأيه أن هذا ~~ربما يكون نتيجة لظهور الفردية وروح الحراك الاجتماعي. وبالمثل، فإن إريك هوبزبوم في كتابه ~~«الأمم والقومية منذ عام 1780» بعد إخبارنا أن روابط «الأمم الأولى» المتمثلة في الأرض ~~واللغة والدين ليست مرتبطة «بالضرورة» بظهور الدولة القومية الإقليمية الحديثة، يقر بأن ~~الانتساب إلى دولة تاريخية، كما هي الحال في روسيا وصربيا، قد يؤثر مباشرة «على وعي الناس ~~العاديين لتكوين قومية بدائية، بل ربما لتكوين شيء قريب من الوطنية الحديثة، كما في حالة ~~إنجلترا في عهد أسرة تيودور.» # 2 # في هذا الفصل، سوف أوضح أنه في بعض أجزاء من أوروبا في أوائل عصر الحداثة نشهد ظهور ~~الإحساس بالهوية القومية لدى النخبة (وليس فقط في الدول الهرمية)، وكذلك ظهور شعور قومي ~~أوسع نطاقا لدى «الطبقة الوسطى» في حالات قليلة. ثانيا: أود أن أقدم فكرة أكثر تحديدا ~~تتمثل في أن هذه الفترة قد شهدت ظهور شكل من القومية الأيديولوجية ساعد بدوره في ترسيخ ~~كل من هوية ومجتمع الأمة. ~~(1) الهويات القومية في أوائل عصر الحداثة # رأينا بالفعل بعض الأدلة على وجود إحساس محدود بالهوية القومية بين النخب قائم على ~~كل من الأساسيات العرقية الدينية والسياسية، لا سيما في دول أوروبا الغربية. وعادة ~~ما يستشهد بالنموذج الألماني كمثال أولي على عدم وجود أي إحساس بالهوية القومية، ~~بل عن استحالة وجود تلك الهوية حتى القرن التاسع عشر. ولا يبدو أن السكان الذين لديهم ~~عدد هائل من اللغات المحلية، بالإضافة إلى اللهجات والمؤسسة الإمبراطورية التي اضمحلت ~~قوتها سريعا بعد موت فريدريك الثاني، يتمتعون بالحس المجتمعي المطلوب كي يشعر المجتمع ~~أنه أمة. رغم ذلك، حتى في هذه الأجواء ms125 غير المبشرة، أوضح لين سكيلس أنه كان ثمة ~~إحساس بين الطبقات المتعلمة في القرنين الرابع عشر والخامس عشر بالهوية الألمانية بين ~~متحدثي اللغة الألمانية مرتبط بإمبراطورية ذات جذور ألمانية على وجه الخصوص. حتى ~~قدماء الإيطاليين أشاروا إلى أتباع الأباطرة السكسونيين والساليين بالتوتونيين ~~والتيوتونيين، ومع نزاع التنصيب ومبدأ نقل قيادة الإمبراطورية الرومانية المقدسة إلى ~~الألمان بإذعان من البابا، وهو المبدأ الذي صاغه البابا إينوسنت الثالث في مرسوم ~~«فينرابيلم» أي «إلى أخي المبجل» (1202)، أصبح مقبولا على نحو كبير وجود إحساس ~~بالهوية الألمانية المرتبطة بالإمبراطورية الألمانية المسيطرة وعزز تلك الهوية ~~الأدب الغنائي الألماني المعروف باسم «مينيسانج». ودعم هذا الارتباط أسطورة الأصل ~~الطروادي لكل من الفرنجة والشعب الألماني ككل لاحقا. ووفقا لسكيلس، فإن الطابع ~~العرقي للإمبراطورية يمكن العثور عليه في الوثائق المأخوذة من خزانة الوثائق ~~الإمبراطورية، بل أيضا في «الوقائع والحوليات المكتوبة بالعامية واللاتينية، وفي ~~الأغاني السياسية والنثر السياسي اللذين كان القرنان الثالث عشر والرابع عشر يزخران ~~بهما.» ورغم ذلك، فإننا نجد في الأطروحات والمنشورات والكتيبات السياسية في تلك الفترة ~~تعبيرا كاملا عن العرقية الألمانية المشتركة، حتى مع تدهور السلطة الألمانية ~~المركزية، وكان كتاب تلك الوثائق ينتمون عادة إلى الأقاليم والطبقة الوسطى. وفي ظل ~~هذه الثقافة السياسية، ظهر الإحساس بالهوية الألمانية والهوية السياسية، حتى في غياب ~~سلطة موحدة حقيقية. وبحلول القرنين الخامس عشر والسادس عشر، لا سيما بعد استعادة ~~مخطوطة كتاب «جرمانيا» لكاتبه تاكيتوس، استطاع أتباع النزعة الإنسانوية أمثال كونراد ~~سيلتس وأولريش فون هوتن ولورنس فريس أن يمدحوا أصالة ونقاء اللغة الألمانية وتفوق ~~الثقافة الألمانية، وربطوا كلا الأمرين بالماضي الإمبراطوري الألماني المجيد. # 3 # في أوروبا الشرقية أيضا توجد أدلة على المشاعر القومية المتقدة، على الأقل بين ~~الطبقات الحضرية المثقفة. في بوهيميا، أدت الحرب المناهضة للهوسيين إلى إظهار المشاعر ~~القومية لشعب التشيك. وفي أوائل القرن الخامس عشر، أصبح ربط بوهيميا بالأرض المقدسة ~~وربط التشيكيين بالأمة المقدسة مكونا جوهريا في الحماس الإصلاحي الذي تبناه ~~الهوسيون، وهو الارتباط الذي عبر عنه المعلم جيروم الذي يعمل أستاذا في ms126 جامعة براغ ~~عام 1409 بالألفاظ التالية: «أمة بوهيميا المقدسة»، «الأمة المقدسة»، «المجتمع المقدس». ~~وبلغ هذا الأمر ذروته في دعوة التشيكيين عام 1420 «للاحتشاد من أجل الدفاع عن مملكة ~~بوهيميا «الأكثر مسيحية»، مدعومين من قبل ظهيرهم القديس فينسيسلاوس.» # 4 # وعلى نحو مماثل، بعد أن وحدت بولندا في القرن الخامس عشر تاجها مع تاج ليتوانيا، ~~وبعد هزيمة الفرسان التيوتونيين، أصبح لدى البلاط الملكي والمثقفين تأييد متزايد لفكرة ~~المجتمع القومي البولندي الحصري، المناهض لكل من التجار الألمان واليهود. وعلى الرغم ~~من حماية اليهود من قبل الملوك، فقد صدرت على نحو متزايد قوانين إقصائية ضد اليهود، ~~سببها رجال الدين وكذلك الإحساس بأن الكاثوليكية لديها مهمة تتمثل في أن تكون حصنا ~~ضد التتار والأرثوذكسية الموسكوفية. لكن في القرون التالية، مع هجمات الكنائس ~~البروتستانتية، وعلى الرغم من أن الكنيسة الكاثوليكية البولندية ظلت تلعب دورا ~~محوريا في المملكة، فإن الكاثوليكية أصبحت في حقيقة الأمر الدين الذي يدين به ما ~~يقل عن نصف سكان بولندا وليتوانيا تقريبا. # 5 # في بعض الأحيان، تذكر إسبانيا كمثال على الدولة والهوية القومية المبكرتين. إلا أنه ~~خلال قرون حروب الاسترداد الممتدة، من الصعب العثور على مشاعر قومية إسبانية ثابتة، ~~مقارنة بالمشاعر القومية القشتالية أو البرتغالية أو النافارية أو الأراجونية، على ~~الرغم من أن بعض المؤرخين الإسبانيين المتأخرين قد أسبغوا على تلك القرون التي اتسمت ~~بالولاء المشوش والثقافات (المسيحية واليهودية والإسلامية) المختلطة إطارا من ~~الهوية الكاثوليكية الخاصة بشبه الجزيرة الإيبيرية، كما أذاع ملوك مملكة ليون في بعض ~~الأوقات. ونظرا للاختلاف الشديد في الهياكل التنظيمية لهذه الممالك الأربع، فإنه من ~~غير المفاجئ أن لحظات العمل الموحد النادرة، كما في الحملة التي أدت إلى الانتصار ~~في معركة لاس نافاس دي تولوسا (معركة العقاب) عام 1212 على دولة الموحدين؛ قد فشلت في ~~تعزيز هوية سياسية هسبانية أوسع نطاقا. # 6 # من ناحية أخرى، فإنه بحلول القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر كان الشعور ~~بالاختيار الإلهي المشروط لقشتالة الذي كان بمنزلة كفارة عن خطايا القوط الغربيين ~~وعقابهم على ms127 يد المسلمين الغزاة قد تزايد ارتباطه بفكرة «الجغرافيا المقدسة» التي رأت ~~أن «أرضهم هدية خاصة من الرب». كذلك في مملكة أراجون، ركز ملوك تراستامارا على نبوءات ~~مسيحانية بخصوص «داود الجديد» الذي سيخرج من إسبانيا ويعيد بناء «قلعة جبل صهيون» ويعيد ~~غزو أورشليم، وقد انتهت هذه النبوءات المسيحانية بالنبوءات الكثيرة المتعلقة بحكم الملك ~~فرناندو الثاني. ومن الصعب تقييم إلى أي مدى كان هذا التوجه مسئولا عن توليد إحساس ~~عرقي وإقصائي بالهوية الإسبانية على نحو متزايد استهدف اليهود المتحولين حديثا ~~إلى الكاثوليكية (الكونفرسوس) وأدى في نهاية المطاف إلى طرد اليهود والموريين على يد ~~الملكية الإسبانية الموحدة. أما ما يبدو مؤكدا، فهو أنه بعيدا عن النخبة ~~الصغيرة للغاية، فإن الهوية الإسبانية التي كانت منطوية في الحكم الإمبراطوري للملكية ~~الإسبانية كانت عاجزة عن أن تتكون وتتحدى المشاعر الوطنية القائمة المتعلقة بالممالك ~~والمجتمعات العرقية التقليدية في إسبانيا. # 7 # تمثل إيطاليا مثالا مبهرا بصفة خاصة على ظهور إحساس بالهوية القومية لدى ~~النخب، ومرة أخرى كان هذا الإحساس عاجزا عن تحدي الهويات المحلية التقليدية ~~الراسخة بقوة المتعلقة بالممالك والدوقيات والدول المدن في إيطاليا، فضلا عن ~~احتوائها. يرى البعض أمثال جيمس سترجيوس أن الولاء لهذه الجهات والمشاعر الكثيرة ~~المرتبطة بها لم يتركا مجالا للشعور بالهوية القومية الإيطالية، وفي واقع الأمر كانت ~~مصطلحات مثل «الأمة» و«الوطن» تكاد تشير حصريا إلى الدول المدن والمجتمعات المحلية ~~التي طالما كانت شبه الجزيرة الإيطالية منقسمة إليها. وبالنسبة إلى المفكرين أمثال ~~ميكيافيلي، فإن مصطلح «الأمة»، بصفة خاصة، يشير إلى محل الميلاد أو منطقة جغرافية، ~~على الرغم من أن هذا الوصف شمل أيضا «الأمم» الألمانية والإيطالية والفرنسية ~~والإسبانية. وخلال القرن السادس عشر، تراجع أيضا استخدام كلمة «وطن» ذات المفهوم ~~الأكثر بطولية، التي كانت مرتبطة في السابق بمثال «الفضيلة»، وهذا لصالح الدولة، ومثال ~~«المصلحة الوطنية» الذي لا يهتم بالمعايير الأخلاقية. # 8 # إلا أن هذا جزء فقط من القصة؛ فعند التطرق إلى مناقشة موضوع «الإيطالية»، يوضح ~~جوزيب لوبيرا أنه إبان عصر النهضة كان يوجد وعي متزايد بالوحدة ms128 الثقافية والتاريخية ~~الإيطالية، وهو وعي قائم على الوعي بالتراث الروماني. من ناحية أخرى، كان الإحساس ~~بالانتماء إلى «إيطاليا» مقتصرا إلى حد بعيد على المفكرين الإنسانويين، وكان أقل ~~وضوحا وقوة بالمقارنة بولاء المرء للدولة المدينة التي ينتمي إليها، سواء أكانت ~~ميلانو أو فلورنسا أو روما أو نابولي أو فينيسيا. وبالمثل، بينما يوافق أندرس توفتجارد ~~على أن مصطلحات مثل «أمة» كانت تستخدم كمرادفات لكلمة «ناس» وكلمة «شعب» وتتعلق ~~بالأصول السلالية والجغرافية، فإنه يذكرنا أن المفكرين الإنسانويين الإيطاليين أمثال ~~أريوستو وبيترو بيمبو تحدثوا كثيرا عن «الإيطاليين» وعن «إيطاليا». وعلى الرغم من ~~أنه يتفق على أننا لا يمكننا - بطبيعة الحال - التحدث عن أمة إيطالية قائمة، فإن مثل ~~هذه التعبيرات يخبرنا بوضوح أن فكرة إيطاليا والإيطاليين لم تكن ببساطة من الاختراعات ~~الحديثة. # 9 # لذلك، في أطروحة «عن البلاغة في العامية» (دي فولجاري إيلوكونشيا)، تلك الأطروحة التي ~~ظلت مفقودة لفترة، والتي يعود تاريخها إلى عامي 1304-1305 وتتحدث عن اللغة ~~الإيطالية، يكشف دانتي: # مفهوما واضحا لأرض اسمها إيطاليا يتشارك سكانها في نوع من الثقافة. يشترك ~~هؤلاء السكان، الذين يطلق عليهم دانتي «لاتينيين» أو «إيطاليين»، في ثقافة ~~مشتركة، وتراث مشترك، ولغة مشتركة؛ ومن ثم فهم مختلفون عن الشعوب الأخرى ~~أمثال الفرنسيين والهسبانيين. يوضح دانتي أن إيطاليا موحدة ثقافيا ويجب أن ~~تسعى إلى أن تكون موحدة سياسيا. ورغم ذلك، فإن هذا المجتمع «الإيطالي» هو ~~فقط أحد المجتمعات التي تخيلها دانتي الذي أحب دولة مدينة فلورنسا لكنه ~~طالب بشدة في «مملكته» بإعادة تكوين الإمبراطورية الرومانية ~~المقدسة. # 10 # في هذا الصدد، نرى كلا من ميوعة الهويات السياسية في العصور ~~الوسطى والوجود المتخيل للهوية القومية. في الحقيقة، كان مفهوم الشخصية الإيطالية ~~القومية، الذي يعد واحدا من شخصيات قومية كثيرة على هذه الشاكلة، قائما على اللغة ~~والأصول المشتركة، وكذلك على القمع والاحتلال الحالي لإيطاليا من قبل القوى الأجنبية، ~~رائجا لدى كثير من مفكري النهضة الإيطاليين في مناقشاتهم حول طبيعة اللغة الأدبية ~~الإيطالية وجاذبيتها، مثلما كان رائجا عند معظم الأجانب. وهذا يعني أنه في ms129 بداية عصر ~~الحداثة دار حوار استمر طويلا حول الهوية القومية الإيطالية التي نظرا لافتقارها ~~إلى إطار سياسي موحد لم تتمكن إلا بعد وقت طويل من تقديم مقومات ثقافية للحركة ~~السياسية الساعية إلى توحيد إيطاليا في فترة توحيد إيطاليا. # 11 # في فرنسا خلال القرن السادس عشر، كان ذلك الإطار السياسي موجودا بالفعل منذ عدة ~~قرون؛ فمنذ القرن الثالث عشر، كانت فرنسا المكونة من إمارات تتوحد تدريجيا تحت ~~التاج وتحت حكم ملكها «الأكثر مسيحية»، على الرغم من احتفاظ العديد من المناطق بعاداتها ~~وقوانينها وثقافاتها، لا سيما في بريتاني وفي الجنوب. في القرن التالي، بدأ بعض ~~المفكرين والمحامين في الفصل بين المملكة والأمة وبين شخصية الملك، وبحلول القرن الخامس ~~عشر بدءوا يتصورون «فرنسا» كشخص؛ ففي العمل الأدبي الذي قدمه آلان شارتيه بعنوان ~~«الحوار الرباعي المهين» نرى فرنسا سيدة من الأسرة المالكة، وأما حزينة توبخ ~~أبناءها الثلاثة (الولايات المتنازعة)، بينما بالنسبة إلى جيرسون، كما رأينا في الفصل ~~الأخير، فإن فرنسا تشبه حديقة منعزلة وخصبة وجميلة. في أواخر القرن الخامس عشر، تحت ~~تأثير الإنسانونية الإيطالية، تزايد امتزاج فكرة «الأمة» الفرنسية بالمفهوم الكلاسيكي ~~المتمثل في «الوطن»، وأعطيت كلتا الفكرتين محتوى ثقافيا وأدبيا وسياسيا أيضا. ~~وبالفعل في سبعينيات القرن الرابع عشر، كان الإنسانويون أمثال جون دو إيدان، عند عودة ~~البابوية من أفينيون إلى روما، قد عارضوا تأكيد بترارك على أنه خارج إيطاليا ليس ~~ضروريا البحث عن الشعراء والخطباء. وبعد ذلك بقرن، أنتج روبرت جوجيان، متأثرا بحب ~~بلده، مجموعة من الشخصيات الأدبية الفرنسية تعود إلى الغاليين الرومان والقديس ~~جريجوريوس التوري. ورغم ذلك، فقد ظلت اللاتينية لهؤلاء الكتاب هي اللغة الأعلى ~~المستخدمة في الأعمال الجادة. ولم يبدأ اعتبار اللغة الفرنسية الأدبية مكافئة لنظيرتها ~~الإيطالية، ومن ثم ظهور الحاجة إلى الكتابة بالفرنسية (الأدبية)، إلا مع ظهور عمل ~~«تناغم لغتين» عام 1511 للكاتب جون لومير المولود في بيلجي. وفي هذا النص، تصور ~~فرنسا كأمة تضم أمما فرعية (بريتاني، وبورجونيا، إلخ)، تشبه كثيرا إيطاليا وأممها ~~الفرعية، لكن في الحالة الفرنسية دعمت الوحدة ms130 السياسية الإحياء المرغوب للغة الفرنسية ~~وثقافتها. # 12 # يعكس جواكيم دو بيليه في مقال «الدفاع عن اللغة الفرنسية وإبراز بيانها اللغوي» الذي ~~كتبه عام 1549 موقفا سياسيا مشابها. في ذلك الوقت، كانت فكرة «نقل التعليم» التي ~~سادت في القرون الوسطى، والمقصود بها نقل التعلم من أثينا إلى روما، وإلى باريس فيما ~~بعد، مرتبطة بالقوة السياسية والعسكرية المتنامية، وفي مقال دو بيليه كانت فرنسا بصدد ~~أن تشهد ازدهارا في القوة الثقافية متزامنا مع قوتها السياسية، وتزامنت فكرة «حب ~~الوطن» مع فكرة «حب لغة الوطن». وفي الحروب الدينية اللاحقة، عندما اشتدت المشاعر ~~المعادية للإيطاليين، لا سيما من الجانب البروتستانتي، أصبح المصطلح الفرنسي «وطن» ~~منتشرا، واستخدم بدلا من المصطلح القديم «بلد»، أو استخدم إلى جانبه، ليشمل كل ~~سكان مملكة فرنسا. وعلى الرغم من أن دو بيليه رأى أن مقال «الدفاع عن اللغة الفرنسية ~~وإبراز بيانها اللغوي» مشروع ثقافي للنخبة مصمم من أجل أن يروق للملك الجديد هنري ~~الثاني، فإن حججه الموضحة للتكافؤ الثقافي مع إيطاليا ومدحه المتحمس للفرنسيين ~~وأخلاقهم وعاداتهم العليا دعم تأكيد النخبة للهوية القومية والارتباط ب «الوطن» ~~الفرنسي، ذلك التأكيد النخبوي المدعوم من الدولة. # 13 # لا يمكن أن تمثل حروب الوردتين في إنجلترا في القرن الخامس عشر، وخسارة الأملاك في ~~فرنسا، لحظة مواتية لإظهار المشاعر القومية الإنجليزية، فضلا عن التأكيد على الهوية ~~القومية الإنجليزية. إلا أن الصراع والانقسام يمكنهما أيضا دعم المشاعر القومية، وتبقى ~~حقيقة أنه على الرغم من عقود التشوش والمجازر التي تسببت فيها عائلة يورك وعائلة ~~لانكستر المتحاربتان، فقد تماسكت المملكة الإنجليزية وخرجت أكثر مركزية وقوة تحت حكم ~~أسرة تيودور. رغم ذلك ، فإن الانسحاب الطويل من أوروبا القارية ساعد في واقع الأمر في ~~تعزيز الإحساس بالهوية الإنجليزية الصرفة التي أصبحت واضحة بالفعل في الأفكار النمطية ~~المتعلقة بالأمم الأجنبية التي تصارعت معها المملكة الإنجليزية. وبطبيعة الحال، فإننا ~~نتناول شكلا هرميا من الهوية القومية، كما هي الحال في أجزاء كبيرة من أوروبا، ~~وشكلا مقتصرا على نخبة صغيرة. ورغم ذلك، فإنه يشمل الطبقة ms131 السياسية التي يمثل لها ~~نطاق إنجلترا، كما يقول الملك هنري الثالث: «إمبراطورية» مستقلة عن سيطرة الإمبراطورية ~~البابوية أو سيطرة الإمبراطورية «الرومانية المقدسة». وكما يوضح لوبيرا فإنه: «يوجد ~~دليل على التماهي القوي بين الملك والأمة، لكن هذا هو المتوقع من هذه الفترة.» ويقتبس ~~مستحسنا رأي هانز كون الذي يقول إن اعتلاء أسرة تيودور للعرش «وضع أسس التجانس القومي ~~الذي كان شرطا ضروريا لتكون القومية لاحقا» في القرن السابع عشر. # 14 ~~«التجانس» مصطلح قوي إلى حد بعيد، وحتى كلمة «وحدة» لا تبدو مناسبة في مثل هذه ~~الفترة العاصفة. ورغم ذلك، فمن الصعب التفكير في أي فترة في القرن التاسع عشر أو القرن ~~العشرين - عصر القومية الحديثة - يمكن أن يقال إن الوحدة، فضلا عن التجانس، كانت ~~السمة المميزة لمعظم الأمم خلالها. وما نجده في إنجلترا في أوائل عصر الحداثة هو دليل ~~على شعور متزايد بالهوية القومية بين أقلية صغيرة من السكان، لكنها انتشرت تدريجيا ~~خارج النخبة الحاكمة لتصل إلى البلدات. وارتكز هذا الشعور بالهوية القومية، أكثر من ~~ذي قبل، على الملكية القوية، لا سيما بعد انشقاق الملك هنري الثامن عن روما واضطلاعه ~~بمنصب الحاكم الأعلى لكنيسة إنجلترا. لهذا السبب، يوضح كريشان كومار - في نقد أطروحة ~~ليا جرينفيلد التي تقول إن إنجلترا في عهد أسرة تيودور «اخترعت» «القومية» - أن ما ~~نجده في هذه الفترة في فرنسا وفي إنجلترا وفي كل مكان آخر هو «وطنية ترتكز على التاج» ~~وليس «قومية». ويعارض كومار لسبب وجيه وجهة نظر جرينفيلد التي تقول إن إنجلترا إبان ~~القرن السادس عشر قد شهدت ظهور قومية شعبية، بل حتى ديمقراطية قائمة على الثورة ~~الاجتماعية للحراك الاجتماعي الجديد. إلا أن كومار برفضه لفكرة القومية الإنجليزية ~~المبكرة يرفض أيضا الاعتراف باحتمالية وجود شعور متزايد ب «الهوية القومية» ~~الإنجليزية في هذه الفترة، وهذا أمر اعترف به جزئيا في تحليله لإنجلترا في أواخر ~~العصور الوسطى. وطوال الوقت، يتأرجح كومار ما بين الإحساس ب «الهوية القومية» ~~و«القومية»، ولا يعرف أيا من المصطلحين تعريفا رسميا. ولا يوجد بالتأكيد ms132 أي ~~دليل على وجود حركة أيديولوجية للقومية في إنجلترا خلال القرن السادس عشر وأوائل القرن ~~السابع عشر. إلا أن هذا لا يتضمن غياب الإحساس ب «الهوية القومية» الإنجليزية أو ~~«الشعور القومي» الإنجليزي، وإن كان شعورا مقتصرا على أقلية. وكما رأينا، فإن نخب ~~المجتمع الهرمي يمكن أن تكون مشبعة بإحساس بالهوية القومية، بل حتى بالشعور القومي، ~~وأعتقد أن هذا ما تشير إليه مظاهر الإنجليزية الكثيرة، والقوية غالبا، إبان هذه ~~الفترة. والسبب في ذلك أنها على الرغم من تركيزها على التاج، فإنها تضمنت غالبا ~~تعبيرا عاما عن «حب الوطن» والأمة، في مقابل الأمم الأخرى. # 15 ~~(2) تفكك العالم المسيحي # ما الذي يمكن أن نستخلصه من هذا الاستعراض المختصر لوجود أو غياب «الهويات القومية» ~~في أوروبا في أواخر العصور الوسطى؟ هل يمكن دعم صحة أطروحة ماركو السابقة التي تقول ~~بوجود موجة من القوميات الأوروبية في القرن السادس عشر؟ لا يمكننا العثور إلا على ~~القليل من الأدلة المؤيدة لوجود حركة أيديولوجية داعمة للحكم الذاتي والوحدة والهوية ~~لسكان مقدر لهم أن يكونوا أمة. بل ما لدينا هو مظاهر نخبوية للمشاعر القومية، ~~وإحساس بالهوية القومية بين بعض المفكرين الإنسانويين، والمحامين، والبيروقراطيين، ~~ومشاعر وتوجهات يمكن إثراؤها أو استغلالها أحيانا من قبل الحكام عندما يكون ذلك في ~~مصلحتهم. # 16 # من السهل رفض تلك المظاهر الأولية للهوية القومية. إلا أن تلك المظاهر، كما رأينا في ~~حالة إيطاليا وحالة فرنسا، قدمت مفاهيم للأمة ونقاشا عن الأمة تمكن القوميون ~~المتأخرون من استخدامها لتوثيق الأمور التي يطمحون فيها ولتحريك مواطنيهم؛ لكنها كانت ~~مهمة أيضا في حد ذاتها. تشهد أفكار ومشاعر المجتمع القومي، عبر أجزاء عديدة في ~~أوروبا ، على الأهمية المتزايدة للأرض المحررة من النفوذ المحلي والمبينة الحدود في ~~الوقت نفسه، وبسط النفوذ السيادي داخلها، في مواجهة المزاعم الإمبراطورية أو البابوية. ~~كانت تلك العملية جارية منذ القرن الثالث عشر على أقل تقدير، لا سيما في فرنسا، ~~وعجلت بها خسارة سلطة الإمبراطور الروماني المقدس بعد وفاة فريدريك الثاني عام 1250 ~~والأسر البابوي والانقسام البابوي الغربي ms133 في القرن الرابع عشر. وقت انعقاد مجمع ~~كونستانس (1414-1418)، تدخلت الممالك والأقاليم المتنافسة في مداولات الكنيسة. ومنذ ~~منتصف القرن الرابع عشر، قسمت الكنيسة لأغراض إدارية إلى أربع مناطق جغرافية، هي: ~~إيطاليا وجرمانيا وهسبانيا وفرنسا. وعندما تغيب الوفد الإسباني مؤقتا عن مجمع ~~كونستانس، أصبح مسموحا للإنجليز بتكوين «أمة»، كما كانوا في السابق في مجمع بيزا. إلا ~~أنه عندما وصل وفد أراجون وطالب بمكانة الأمة أسفر ذلك عن جدالات حادة حول معنى مصطلح ~~«أمة». وأوضح الوفد الفرنسي أن الإنجليز يجب، مرة أخرى، أن يعودوا ليصبحوا جزءا من ~~الأمة الجرمانية. إلا أنهم قدموا أيضا فكرة الأمم الرئيسية والأمم أو الممالك ~~الفرعية، المماثلة لحجم إنجلترا، في وقت كانت فيه حرب المائة عام في ذروتها. وكما هو ~~متوقع، رد الوفد الإنجليزي قائلا إن الأمة الإنجليزية تمتلك من القوة والسلطة قدر ~~ما تمتلك أمة الغال المشهورة: # سواء أفهمتم الأمة كشعب تميزه عن الآخرين رابطة الدم وعادة الوحدة، أو ~~خصائص اللغة التي تعد العلامة الأكثر تأكيدا وإيجابية على صفة الأمة وفقا ~~للقانون الإلهي والبشري، فضلا عن كونها جوهرها ... # إن ما يكشفه هذا الجدال وغيره من الجدالات المتعددة في المجالس ~~الكنسية ليس ظهور القومية اللغوية الرومانسية في العصور الوسطى قبل هيردر، بل أن وحدة ~~العالم المسيحي القديمة أصبحت ضعيفة، وأن المبدأ الجديد المتمثل في الممالك الإقليمية، ~~المعترف بشرعيتها كنوع من أنواع «الأمم»، بدأ يحظى بالقبول. وبطبيعة الحال، كان ~~تعريف الأمة لا يزال مائعا؛ فمن الممكن أن يتضمن مملكة ذات لغة واحدة (فرنسا)، أو ~~مملكة ذات مجموعات لغوية متعددة (إنجلترا أو بريطانيا)، أو مجرد مقاطعة (فلورنسا أو ~~جاسكونيا). وفي الواقع، أوضح الوفد الإنجليزي أن أمتهم ينطبق عليها وصف الأمة أكثر من ~~انطباقه على الأمة الفرنسية؛ لأن فرنسا تتحدث في الأساس لغة واحدة فقط، في حين أن: # الأمة الإنجليزية أو الأمة البريطانية المشهورة تتضمن داخلها وتحت لوائها ~~خمس لغات أو خمس أمم، وكل لغة من تلك اللغات غير مفهومة من قبل البقية ... # 17 # إلا أن هذا الأمر كان أكثر من ms134 مجرد خلاف عرقي جغرافي بسيط؛ فكما ~~أوضحت المناورة في المجالس، كان أيضا مبدأ سياسيا ووسيلة لكسب النفوذ نيابة عن ~~الممالك. ولم تكن الممالك نفسها هي الجديدة، بل كان الجديد هو تفتت العالم المسيحي، ~~وازدواجية سلطته، الروحانية والدنيوية، المتعلقة بنطاق الكنيسة والإمبراطورية؛ مما ~~أسفر عن تزايد القوة التي آلت إلى الأجزاء والإمارات والممالك والدول المدن المكونة ~~للعالم المسيحي. # 18 # ومع خسارة النفوذ الكنسي المقيد، أصبح التنافس بين الدول الأوروبية أكثر شدة ~~واتساعا، لا سيما عندما فتحت الرحلات البحرية الاستكشافية آفاقا جديدة شاسعة ~~للاستغلال والغزو الأوروبي. وداخل أوروبا، لم يتزايد الصراع بين إنجلترا وفرنسا فحسب، ~~بل بين الدنمارك والسويد وإسبانيا وهولندا، ولاحقا بولندا وروسيا، وكانت إيطاليا ~~المقسمة وألمانيا ساحتي قتال لتدخل القوى الكبرى. وتطلبت هذه الحرب الممتدة قدرا ~~أكبر من تركيز الموارد من قبل الدول التي يحكمها الأمراء، بالإضافة إلى المزيد من ~~الجيوش المحترفة والتكنولوجيا الحديثة، وهذا تطلب بدوره مزيدا من التمويل الطويل ~~الأجل، من قبل التجار المصرفيين الجدد بالأساس، أمثال عائلة ميديتشي وعائلة فوجر. ~~وعلى الصعيد السياسي، تطلب ذلك أيضا أن يمارس الملوك قدرا أكبر من السيطرة على ~~أراضيهم، ومن ثم تقوية الدولة المتوارثة في المقام الأول، وهذا هو ما حدث في إنجلترا ~~في عهد الملك هنري الثامن وفي روسيا في عهد إيفان الرابع. بل يستطرد أنتوني ماكس أكثر ~~فيوضح أن الملوك اضطروا إلى دعم حكمهم ليس فقط من خلال أفكار الملكية المقدسة والحق ~~الإلهي للملوك، بل أيضا من خلال حشد الرعايا نيابة عن الدولة، وذلك لكي يحتفظوا ~~بالسلطة في مواجهة المعارضة العنيدة غالبا من قبل النبلاء ورجال الدين الأقوياء. وهذا ~~بدوره كان يعني اتباع سياسات تحقق التجانس بين سكان المملكة، ونظرا لأن الدين ~~كان المحور الأساسي للوحدة والشقاق في مجتمع أوائل عصر الحداثة، فقد سعى الملوك إلى ~~استبعاد كل أولئك الذين لا يدينون بالدين السائد ودين الأغلبية في الدولة، على أمل أن ~~يجعلوا مجتمعاتهم أكثر تماسكا من خلال مبدأ «القومية» الاستبعادية؛ ومن ثم، كان طرد ~~اليهود والمسلمين من إسبانيا والبرتغال ms135 في بداية القرن السادس عشر، والحروب الدينية في ~~فرنسا، وطرد البروتستانت في نهاية المطاف بعد إبطال مرسوم نانت عام 1685، والعداوة ~~المستمرة تجاه الكاثوليك واضطهادهم على فترات متقطعة في إنجلترا في الفترة من أواخر ~~القرن السادس عشر وحتى القرن الثامن عشر. # 19 # تبدو هذه الأطروحة جذابة من الوهلة الأولى؛ إذ يبدو أنها مرتبطة بالمظاهر المتعددة ~~التي تبين إحساس النخبة بالهوية القومية التي رأينا ظهورها في أجزاء مختلفة من ~~أوروبا في أواخر العصور الوسطى وأوائل عصر الحداثة، وتبين احتياجات واستراتيجيات ~~النخب الحاكمة في هذه الفترة التي تميزت بالاضطراب الديني والانقسام السياسي. ~~بالإضافة إلى ذلك، فإنها تبرز تزايد أقلمة الارتباطات والقوة من خلال ربطها بمناطق ~~معينة ومجتمع بعينه، وكذلك النتائج المختلفة في الدول الثلاث - إسبانيا، وفرنسا، ~~وإنجلترا - التي يحللها أنتوني ماركس. بالتأكيد، فإن بعض العمليات على الأقل ~~المسئولة عن تكون الأمم، التي تتضمن تكوين ثقافات عامة مميزة، وبناء أساطير ~~مختلفة للأصل المشترك وللاختيار الإلهي للشعوب، كانت متقدمة كثيرا في هذا العصر. ورغم ~~ذلك، فإن زعم ماركس القائل إن كل هذه الأمور أسفرت عن «قومية استبعادية» لأول مرة، قبل ~~الثورة الفرنسية بقرنين، يبدو أقل مصداقية؛ فمن ناحية لم يكن استبعاد الأقليات، سواء ~~المنشقون المسيحيون أو اليهود، بجديد؛ فقد كان الاضطهاد والطرد شائعين في أوروبا في ~~العصور الوسطى منذ الحروب الصليبية. كذلك فإن إثارة حماس الأغلبية الدينية لها تاريخ ~~طويل، وكانت تلبي مجموعة من الاحتياجات السياسية، لدى الملك والكنيسة والنبلاء ~~والتجار الحضريين والفلاحين. ومن ناحية أخرى، فإن الحالات التي يقارنها ماركس مختلفة ~~كثيرا في سياقاتها ونتائجها. لا يبدو أن إسبانيا، على وجه الخصوص، قد حققت «التجانس» ~~القومي، ولا قدرا كبيرا من الوحدة بعد طرد اليهود والمسلمين، ولا يبدو أن عمليات ~~الطرد نفسها أثارت قدرا أكبر من الهوية القومية والترابط القومي في شبه جزيرة لطالما ~~كانت مقسمة بين الممالك التاريخية والمجتمعات العرقية. وربما يرتبط ذلك أيضا بنجاح ~~البيت الحاكم في تكوين إمبراطورية على نحو سريع «قبل» أن يتمكن الإحساس الواسع ~~الانتشار بالهوية القومية من أن يصبح ms136 راسخا بين النخب. # 20 # إلا أنه ثمة اعتراض أكثر جدية على أطروحة ماركس. يعرف ماركس القومية بأنها: ~~«شعور جمعي أو هوية جمعية تجمع وتربط الأفراد الذين يتشاركون في إحساس بتضامن سياسي ~~واسع النطاق يهدف إلى خلق دول أو إكسابها الشرعية أو تحديها»، مضيفا أن هذا في ~~الغالب يكون «مدركا أو مبررا بإحساس بالشراكة التاريخية التي تحقق التماسك بين ~~السكان داخل الأرض وتميز المنتمين إليها عن غير المنتمين.» وهذا التعريف المدني ~~والسياسي في جوهره يربط الهويات والمشاعر الشعبية بالدولة، وليس الأمة؛ لأن القومية ~~بالنسبة إلى أنتوني ماركس - وبالنسبة إلى كثير من الحداثيين - لا تكون مهمة إلا بقدر ~~ارتباطها بدولة ما، سواء أكانت تدعم تلك الدولة أم تعارضها. ومن ناحية أخرى، فبينما ~~يشير مفهوم الدولة إلى مجموعة «مؤسسات» مستقلة تمارس احتكارا لسلطة القهر وانتزاع ~~الموارد على نحو شرعي في أرض معينة، فإن مفهوم الأمة يشير إلى فئة من الهوية ~~الثقافية الجمعية وعلى نموذج تاريخي ل «مجتمع» (متخيل، لكن يشعر به أفراده ويرغبون ~~فيه). ونتيجة لذلك، فإن القومية تتعلق بأمر فعال وشمولي وهادف ومتنوع بثراء كبير ~~مقارنة بما يصفه ماركس. وهذا يشير إلى أننا نحتاج إلى البحث عن عوامل أيديولوجية ~~إضافية، علاوة على منافسة الدول أو استراتيجيات النخب أو تنافس الدول على الأسواق ~~الخارجية، لتفسير الرؤية الفعالة والقوة المحركة للقومية. # 21 ~~(3) الإصلاح والعهد # أين يمكننا أن نبحث عن هذه العوامل الأيديولوجية؟ بالنسبة إلى بعض المنظرين، فإن ~~تلك العوامل توجد ضمن تقاليد الإيمان المسيحي. أوضح إيلي كادوري أن القوة الهدامة ~~الثورية للقومية يمكن أن ترجع إلى تراثها الألفي في العصور الوسطى، إلى حركات ~~اللاناموسية المتعلقة بالنبوءة الرؤيوية المسيحية، بداية من يواكيم الفيوري وحتى حركة ~~تجديد العماد. وفي هذا الصدد، تتمثل المشكلة في أن الحركات الألفية تميل إلى الاختفاء ~~من هذا العالم، وتكون قصيرة الأجل على نحو يحول دون تكوين أيديولوجية وثقافة للقومية ~~الدنيوية. وعلى صعيد آخر، يبحث أدريان هستنجز عن أصول القومية في قبول المسيحية ~~للعامية، لا سيما في ترجمات الكتاب المقدس، بالإضافة إلى ms137 ميل المسيحية إلى تبني ~~النموذج السياسي للأمة الأحادية من العهد القديم، الذي قبلته، رغم كل شيء، وعدلته ~~وفقا لأغراضها. رغم ذلك، فعلى مدار معظم القرون الوسطى وما بعدها، كانت الطقوس ~~المسيحية تقام باستخدام اللغات العالمية، اللاتينية واليونانية، مع وجود استثناءات ~~كما في حالة الأرمن والجورجيين، ولم تبدأ ترجمات الكتاب المقدس في الظهور في الغرب إلا ~~في أواخر العصور الوسطى. # 22 # إلا أن استشهاد هستنجز بالنموذج السياسي المذكور في العهد القديم، رغم عدم تطويره له، ~~يصب في صميم الموضوع إلى حد بعيد. إن روح الأناجيل عالمية، على أي حال، والكنيسة ~~المسيحية تتجاوز الحدود الإقليمية؛ فعلى مدار جزء كبير من تاريخها استفادت من مفكرين ~~وليتورجيات ولغات من جنسيات مختلفة. وعلى النقيض من ذلك، تقوم الأمم والقومية على ~~مبادئ التنوع الثقافي والفردية والأرض المقدسة، وتتطلبان مصادر ونماذج مختلفة لا ~~سيما في المراحل المبكرة من القومية. وهذا يعني أننا نحتاج إلى أن ننصرف عن المسيحية ~~ذات التوجه العالمي ونعود إلى أصلها اليهودي على وجه التحديد في الكتاب المقدس ~~العبري. # هنا بدأ الإصلاح مرحلة جديدة في عمليات تكوين الأمم، وفي ظهور حركة القومية ~~الأيديولوجية في نهاية المطاف. وعلى الرغم من أن الإصلاح بدأ كحركة رؤيوية أوروبية ~~مناهضة للبابوية، وكانت رسالتها الأساسية متعلقة بالتبرير بالإيمان من خلال النعمة لا ~~من خلال أعمال الفرد، فإن التطور اللاحق للإصلاح، لا سيما تحت تأثير كالفين ~~وزفينجلي وكنائسهما المصلحة، شهد انشغالا أكبر بالعالم وسعيا للاختيار الإلهي من ~~خلال علامات الانتماء إلى الجماعة، والانضباط الأخلاقي الجمعي، والأعمال ~~العامة. # 23 # قدم الإصلاح اللاحق سياقا للعودة إلى العهد القديم، وتحديدا إلى روايات وقوانين ~~أسفار موسى الخمسة، من جانب أعضاء كثيرين في الكنائس المصلحة غير اللوثرية، أبرزهم ~~أتباع زفينجلي وكالفين، وقدم كذلك سياقا لإعادة تقييم مكانتها في الشريعة المسيحية. ~~ويقارن سيمون شاما طابع «القداسة الكلية» للعهد الجديد مع الطبيعة «الدنيوية» للعهد ~~القديم، في نظر الكنائس المصلحة، ويوضح التالي: # كانت نتيجة ذلك كله إنقاذ العهد القديم من مكانته في الثيولوجيا الكاثوليكية ~~كمقدمة ضرورية، و«مرحلة ثانية» ms138 في غائية الخطيئة الأصلية والفداء النهائي، ~~واستعادة نوع من التماثل المكمل إلى العلاقة بين الكتابين. في النظرة ~~الكاثوليكية إلى العالم، طمست طبيعة العهد القديم الرمزية الإسقاطية بالتفرقة ~~بين المسيحيين واليهود الذين قتلوا الرب في البداية، إن جاز التعبير. وفي ~~العقلية الكالفينية، فإن الوقائع المسيحانية النهائية «لا يمكن» فهمها إلا من ~~خلال تاريخ اليهود الذين من خلالهم نفذ الرب مشيئته. # 24 # ماذا كانت هذه الطبيعة الرمزية الإسقاطية التي راقت جدا لأعضاء ~~الكنائس المصلحة؟ لم يكن أبطال العهد القديم محل تجاهل كما كان يبدو؛ فقد كانت توجد ~~إشارات كثيرة إلى إبراهيم وموسى ويشوع وداود وسليمان والأنبياء، سواء في الأدب أو ~~النصوص السياسية، أو فن العصور الوسطى، وهي إشارات تجدها في الكثير من النوافذ ذات ~~الزجاج الملون والمنحوتات التي تصور أبطال الكتاب المقدس في الكنائس والكاتدرائيات ~~والأبرشيات. إلا أن هذه الطبيعة الإسقاطية كانت من نواح عديدة جزءا من التقليد ~~الهرمي، وعندما سعت إلى تقديس الملكية أصبحت على نحو متزايد عنصرا أساسيا في رمزية ~~الأمم الملكية و«الوطنية التي مركزها التاج». وقد سعى عدد كبير من الملوك الإنجليز ~~بدءا من ألفريد وحتى هنري الثامن وإليزابيث إلى أن يتخذوا من ملوك يهوذا القديمة ~~نموذجا لهم؛ ربما كانوا مدركين أيضا لاعتمادهم على سخط الرب، كما يعبر عنه النبي ~~هوشع: # أنا أعطيتك ملكا بغضبي وأخذته بسخطي. (هوشع 13: ~~11) # لم تكن الملكية المقدسة مكونا مهما في تراث العهد القديم في ~~الكنائس المصلحة، على الرغم من أنهم من وقت لآخر كانوا يطلبون حماية وقيادة الأمراء ~~البروتستانت أمثال ويليام أمير أورانج. وما جذبهم حقا إلى الكتاب المقدس العبري كان ~~سرد الخروج والوحي عند جبل سيناء، بالإضافة إلى الرحلة إلى أرض الميعاد ونبوءات الخلاص ~~التي حققها. وهذا يعني أنهم كانوا منجذبين للتوراة اليهودية والأنبياء اليهود، وإلى ~~سفر المزامير، وكلها أمور تشهد على الاختيار الإلهي لشعب إسرائيل القديم، ومعاناتهم ~~في التيه، ووعد الخلاص في أرضهم. # 25 # من الضروري الآن في التوراة - كما هو موضح في أسفار موسى الخمسة - الاعتقاد بوجود ~~عهد خاص بين الرب ms139 وشعبه، بما يتضمنه ذلك من الاختيار الإلهي لليهود، وذلك العهد يتمثل ~~في اختيار الرب لليهود وتخليصهم من العبودية في مصر من خلال معجزاته وذراعه الممدودة. ~~أما ما كان محل اهتمام خاص من المصلحين البروتستانتيين فكان النوع الشرطي للعهد، ذلك ~~العهد الذي يعد فيه الرب موسى على جبل سيناء بأنه في حالة التزام بني إسرائيل ~~بشرائعه وفرائضه فإنهم سوف يزدهرون في أرض إسرائيل، أما إذا نبذوا شريعته واتبعوا أصنام ~~جيرانهم، فسوف يعاقبون ويطردون من أرض الميعاد. وفي هذا الصدد، كان غرض الرب، كما ~~رأينا في الفصول السابقة، هو تكوين «مملكة كهنة وأمة مقدسة» (سفر ~~الخروج 19: 6)، ووسيلة تحقيق ذلك كانت الفصل بين بني إسرائيل وجيرانهم عبدة الأوثان، ~~ومنعهم من أي تواصل معهم كي لا يغووهم للاشتراك في ممارساتهم «الشنيعة»، من أجل أن ~~يجعلهم يسيرون في طريق البر والرحمة. # 26 # أصبح هذا النوع من العهد المشروط يلقى استحسانا خاصا لدى الكنائس المصلحة؛ لأنه ~~بدا محاكيا لنصيبهم. فمع التحرك السريع لكل من البابا والإمبراطور لإدانة وحظر ~~الهرطقات البروتستانتية وحرق «المهرطقين» البروتستانت في النهاية، اضطر المصلحون ~~مرارا وتكرارا إلى الهروب والعثور على ملاذ في المدن المستقلة أمثال جنيف وزيورخ ~~وإمدن وأمستردام. كانت محنتهم تحاكي على نحو واضح رحلات ومحن الشعب المختار الأصلي. ~~ولم يكن ذلك مجرد تشبيه مجازي أو مطمئن؛ فقد ظهرت فكرة العهد على نحو بارز في تفكير ~~زفينجلي وخليفته هاينريش بولينر، في حين ظل أمل «الاختيار الإلهي»، رغم كل شيء، ~~مسألة محورية لكل المصلحين. ونشأت هذه الفكرة من اعتقادهم أنه نظرا للطبيعة الفاسدة ~~للإنسان - وهذا تراث فكر القديس أوغسطينوس وقراءته لرسالة القديس بولس الرسول إلى أهل ~~رومية - فإنه من خلال الإيمان بالمسيح فقط وليس أعمال الإنسان يمكن الأمل - من خلال ~~نعمة الرب - في منع القرار الفظيع المتمثل في الهلاك الأبدي. يرى كالفين أن العناية ~~الإلهية أصبحت حقا أكثر أهمية. والسبب في ذلك يرجع إلى أنه على الرغم من قرار التعيين ~~السابق المزدوج الذي بموجبه يحدد مصير البشر مسبقا منذ الميلاد أو قبل ذلك، ms140 ~~فالاحتمال قائم دائما في اختيار المرء ليحصل على الخلاص عن طريق نعمة الرب، ويصبح ~~واحدا من المختارين. # 27 # بطبيعة الحال، فإن «الاختيار» في العقيدة الكالفينية لا يحمل المعنى نفسه الموجود في ~~مفهوم «الاختيار» المذكور في الكتاب المقدس. إلا أنه مع مرور الوقت، ساهمت الضغوط ~~الخارجية، بالإضافة إلى المخاوف الداخلية، في جعله أكثر قربا من المثال المذكور في ~~الكتاب المقدس؛ فمن ناحية، رأى المصلحون البروتستانت، لا سيما كالفين، في الكتب ~~المقدسة - العهد القديم والعهد الجديد - كلمة الله الكاملة. وهذا يعني أنه فقط من خلال ~~القراءة الدقيقة لكلمة الله، كما أوحاها في الكتاب المقدس، يمكن للمسيحي الحقيقي فهم ~~العالم والحفاظ على إيمانه، وتضمن هذا على نحو واضح التاريخ المقدس لمعاملات الرب مع ~~شعبه المختار. انجذب كالفين نفسه إلى تشبيه إسرائيل القديمة بأنها أمة مختلطة صاحبة ~~عهد، أي أنها أمة تضم أولئك الذين استمعوا لكلمة الرب وأولئك الذين رفضوها. ومن خلال ~~التوبة عن خطاياهم وعيش حياة الإيمان والتقوى في مجتمع يطيع شريعة الرب الموضحة في ~~أسفار موسى الخمسة، يمكن لأعضاء الكنائس المصلحة أن يأملوا في أن يجدوا علامات نعمة ~~الرب وحتى الاختيار الإلهي. بالإضافة إلى ذلك، فأولئك الذين ظنوا أنفسهم من المختارين ~~سوف يرغبون، كنوع من الامتنان والحب للرب، في أداء أفعال فاضلة؛ لذلك، فإن حياة العهد ~~يمكن أن تمنع الناس من اللاناموسية التي أحاطت بقرار التعيين السابق، وتجيب عن سؤال ~~محير يتمثل في السبب في ضرورة أن نكون أتقياء من الأساس. من ناحية أخرى، فإن ما ~~كان في الأصل إصلاحا موجها لإيمان الأفراد أصبح أيضا على نحو متزايد مهمة لتكوين ~~مجتمعات مصلحة - كنائس، واجتماعات سرية، ومدن، بل حتى أمم - وهذا كما قلت نتيجة ~~لحملات الاضطهاد والمحاكمات التي طالما واجهها المصلحون وكنائسهم، والتي بدت مشابهة ~~كثيرا لمعاناة ومحن اليهود القدماء المدونة في أسفار موسى الخمسة. ومن هنا كان ~~الاهتمام المتزايد بالاختيار الجمعي وبمكانة الأمة المختارة، حتى لو كان ذلك الاختيار ~~مجرد «اختيار عام» كما سماه كالفين، وحتى داخل تلك الأمة، والأتقياء وحدهم قد ms141 يحققون ~~«قدرا ثانيا من الاختيار أكثر محدودية». ورغم ذلك، في هذا الصدد أيضا، كانت توجد ~~سابقة واضحة في الكتاب المقدس. ألم يندد أنبياء إسرائيل القديمة ويهوذا القديمة بخطايا ~~الشعب وتحدثوا عن فداء وإعادة بقية من الشعب هم فقط الذين سينجون من غضب الرب إذ ~~يعتقد أنهم من الأبرار؟ استخلص المصلحون من هذا أنه على الرغم من أن كل الشعب قد ~~يدخلون أرض الميعاد، فإن أولئك فقط الذين التزموا بشريعة الرب على نحو صارم وخضعوا ~~لقانون عام للانضباط الأخلاقي يمكنهم أن يأملوا في علامات الاختيار الأكثر ~~«محدودية». # 28 ~~(4) العهد والإصلاح في اسكتلندا وإنجلترا # أصبحت هذه هي حال الكثير من المصلحين الكالفينيين في أواخر القرن السادس عشر وفي ~~القرن السابع عشر. على سبيل المثال، تأسس أول عهد في اسكتلندا في أواخر عام 1557، إلا ~~أن الإصلاح لم يتمكن من القيام بثورة ضد حكومة الملكة الكاثوليكية الغائبة ماري ~~ستيوارت، وتبني اعتراف الإيمان الكالفيني وكتاب مبادئ الإصلاح الكنسي حتى عامي 1559 ~~و1560. يقول نوكس في كتابه «تاريخ الإصلاح في اسكتلندا» الذي كتبه في ستينيات القرن ~~السادس عشر إن الكنيسة الاسكتلندية كانت «أنقى وأفضل كنيسة بروتستانتية مصلحة.» ومن ~~ناحية أخرى، تحسر على فشل البروتستانت في إنجلترا واسكتلندا في التوحد تحت قيادة ~~أمير تقي مثل الملك داود، مستخدما تشبيه انحدار مملكة إسرائيل القديمة وانقسامها إلى ~~مملكتي إسرائيل ويهوذا. # 29 # رغم ذلك، فإن عقيدة العهد لم تحصل على ما تستحق إلا بحلول ثمانينيات وتسعينيات القرن ~~السادس عشر من خلال الكتابات السياسية لروبرت بروس وجون ديفيدسون. وقد قدم روبرت ~~رولوك عميد جامعة إدنبرة نسخة من العهد أكثر عقائدية وكالفينية من خلال كتابه «عهد ~~الأعمال». وفي هذين العقدين أيضا تجدد العهد القومي عدة مرات، وفي القرن التالي أصبح ~~سمة أساسية في الحياة السياسية الاسكتلندية؛ لذلك، جرى تجديد العهد القومي عام 1638، ~~ردا على محاولات الملك تشارلز الأول لإحداث توافق في الممارسة الدينية في اسكتلندا ~~وإنجلترا، بقسم عام للغاية لمواجهة دفاع الملك «دفاعا وحفاظا على ما جاء ذكره ~~آنفا عن قوانين المملكة ms142 وحرياتها ودينها الحقيقي.» وفي الوقت نفسه، كان لزاما على كل ~~من أقسم اليمين أن يتصرف «بما يليق بالمسيحيين الذين جددوا عهدهم مع ~~الرب.» # 30 # لعل أشهر التجديدات الكثيرة التي أجريت للعهد كانت اتفاقية التحالف والعهد ~~الوثيقين التي كانت جزءا من معاهدة عقدت مع البرلمان الإنجليزي عام 1643 أثناء الحرب ~~الأهلية، للحفاظ على الدين المصلح «وفقا لكلمة الرب والأمثلة الخاصة بأفضل الكنائس ~~المصلحة.» وكان السبيل لتحقيق ذلك من خلال القضاء على ممارسات البابوية والأسقفية، ~~والحفاظ على السلام بين اسكتلندا وإنجلترا، وإقرار الطرفين بعيوبهما والإعراب عن ~~رغبتهما في إصلاح حياتهما. في أواخر القرن السابع عشر، أصبح الملك ملتزما بعهد قومي ~~مزدوج بين الرب والشعب وبين الملك والشعب، كما هو مبين في العهد القديم. # 31 # كانت عملية الإصلاح أكثر تعقيدا في الجنوب؛ فالأمر الذي بدأ بخلاف متعلق بزواج ~~الملك هنري الثامن، سليل أسرة تيودور الحاكمة في إنجلترا، تفاقم في منتصف ثلاثينيات ~~القرن السادس عشر ليصل إلى انفصال المملكة الإنجليزية انفصالا تاما عن روما، وتنصيب ~~الملك هنري الثامن لنفسه حاكما أعلى لكنيسة إنجلترا. ورغم ذلك، لم يكن الملك هنري ~~الثامن بيوريتانيا؛ فهو على أي حال قد كتب كتابا يدافع فيه عن الإيمان (الكاثوليكي). ~~كان دين هنري تأكيدا للسيادة الملكية، السياسية والاقتصادية، من خلال إثراء التاج عن ~~طريق حل الأديرة. وفي الواقع، شهدت سنوات هنري الأخيرة محاولة من جانبه لاختيار طريق ~~محافظ إلى حد بعيد في مواجهة الشعور البروتستانتي المتزايد، وإن كان خفيا في أغلب ~~الأحيان. # في عهد ابنه إدوارد السادس، ذلك الملك الصبي الذي تلقى تعليما بروتستانتيا ~~وشبهه الكثيرون بالملك يوشيا ملك يهوذا، تمكن المصلحون أمثال كرانمر من القضاء على ~~الكثير من الطقوس الكاثوليكية وأحلوا محلها كتابهم المعروف باسم كتاب الصلاة المشتركة ~~المصلح المكتوب بالعامية عام 1552، على الرغم من أن ذلك لم يخل من معارضة شعبية في ~~أجزاء من إنجلترا. وبهذه الطريقة، أصبحت إنجلترا لبعض الوقت جزءا من الحركة ~~البروتستانتية الأوروبية، وملاذا للاجئين البروتستانت. والعودة إلى الكاثوليكية في عهد ~~ماري وحملات اضطهاد الأقلية البروتستانتية ms143 في ذلك الوقت كانت أساس الشعور بأن إنجلترا ~~مملكة بروتستانتية محاصرة، وتلخص ذلك الأمر في صلاة مكتوبة في منشور مجهول المؤلف ~~يعود لعام 1554: # يا إلهي، دافع عن شعبك المختار - شعب إنجلترا - من أيدي أعدائك الكاثوليك ~~وقوتهم. # إلا أن يأس الذين نفتهم الملكة ماري وازنه اعتقاد ديني راسخ يقضي ~~بأن إنجلترا لها هوية ورسالة فريدة حتى إن جون إلمر، الذي أصبح أسقف لندن فيما بعد، ~~تمكن من إدخال تعبير هامشي عام 1559 يقول إن: «الرب إنجليزي.» # 32 # بالطبع، كانت تلك هي السنة التي عقدت فيها تسوية إليزابيث الدينية التي شهدت عودة ~~المنفيين. وكان من بين هؤلاء المنفيين جون فوكس الذي نشر عام 1563 الطبعة الأولى من ~~كتابه البالغ التأثير «الأعمال والآثار»، المعروف عموما ب «كتاب الشهداء»، ذلك الكتاب ~~التي كانت شعبيته في إنجلترا تحتل المرتبة الثانية بعد الكتاب المقدس. وعلى النقيض من ~~تفسير قديم رأى أن هذا الكتاب عمل تقليدي للقومية الدينية الإنجليزية تصور فوكس فيه ~~إنجلترا على أنها «الأمة المختارة»، فإن المؤرخين المحدثين أشاروا إلى الطبيعة العالمية ~~لسجله الرؤيوي للشهداء البروتستانت، وهذا يليق بعمل من أعمال حركة الإصلاح ~~البروتستانتي الأوروبية. وفي الوقت نفسه، أفرد فوكس مساحة كبيرة للحديث عن معاناة ~~الشهداء البروتستانت الإنجليز على خلفية الصراع البروتستانتي ضد البابوية التي تمثل ~~«ضد المسيح». ويرى الكثيرون في إنجلترا أن هذه هي أبرز سمات عمله، وكما يقول ديرميد ~~ماكولوك فقد: «أصبح الكتاب الهائل الذي ألفه فوكس ووسعه مرارا وتكرارا إحدى ركائز ~~الهوية البروتستانتية الإنجليزية؛ فهو تذكرة قوية بالطابع النضالي للإصلاح ~~الإنجليزي.» # 33 # في الحقبة الأخيرة من عهد الملكة إليزابيث، خلقت سلسلة من المؤامرات الكاثوليكية ~~التي استهدفت الملكة، وكان آخرها محاولة الغزو من قبل الأسطول الإسباني المعروف باسم ~~أرمادا عام 1588؛ بيئة مواتية إلى حد بعيد للأقلية البيوريتانية التي أصبحت بدورها ~~أكثر كالفينية في توجهها وتنظيمها. واستمر قادة تلك الأقلية في تعزيز اعتقاد أن ~~إنجلترا أصبحت أمة «مختارة»؛ ولذلك تخبرنا أطروحة «الوعظ الإلهي» لجون فيلد عام 1583 أن ~~«الرب منحنا نفسه»، في حين تعلن ms144 أطروحة «رد على خطاب السيد هاريسونز» لتوماس ~~كارترايت أن «الرب على عهد مع الشعب الذي يعطيه ختوم عهده (أي أسرار عهده المقدسة)» ~~مثلما «فعل مع جماعاتنا في إنجلترا.» # 34 # على الرغم من قمع القيادة البيوريتانية في تسعينيات القرن السادس عشر، فقد واصلت ~~البيوريتانية النمو طوال عهد جيمس الأول، وشجعت على ذلك المشاعر المناهضة للإسبان ~~والكاثوليكية، لا سيما بعد اكتشاف مؤامرة البارود. وبحلول ثلاثينيات القرن السابع عشر ~~بدأ عدد متزايد من المثقفين يربطون بين الشعور القومي الإنجليزي والاعتقاد ~~البروتستانتي القوي، والسبب في ذلك يعود جزئيا إلى محاولات حكومة تشارلز الأول لفرض ~~السياسات «الأرمنيوسية» لصاحبها عالم اللاهوت جاكوب أرمينيوس، التي رأوا أنها بمنزلة ~~حصان طروادة «مستعد لفتح البوابات أمام طغيان الكاثوليكية الرومانية والملكية ~~الإسبانية.» وأصبح هذا الاتجاه في مزج الدين بالشعور القومي الإنجليزي شائعا في برلمان ~~عام 1642؛ ومن ثم أصبحت «الحرب الأهلية مهدا للهوية القومية» كما قال أنتوني ~~فليتشر. # 35 # ما نوع الأمة التي سعى إليها البيوريتانيون الأتقياء؟ كانت أمتهم أمة كومنولث؛ فبعد ~~عام 1649 رفضوا أي مفهوم للهرمية. إلا أنها كانت جمهورية أشبه إلى العهد القديم منها ~~إلى النماذج الكلاسيكية، وكانت قائمة على قوة جيش تقي مناضل ومنتصر، يسير إلى ~~المعركة مرددا المزامير. كان الكتاب المقدس الذي حملته جيوش كرومويل يتكون من ~~مجموعة من تلك المزامير المقتبسة التي تتناول في معظمها الحرب وروح الجندية، وكما هو ~~متوقع فإن الغالبية العظمى من المقتطفات مأخوذة من العهد القديم، لا سيما من سفر ~~التثنية وسفر المزامير وسفر أخبار الأيام الأول وسفر أخبار الأيام الثاني. خاض جيش ~~النموذج الجديد بقيادة كرومويل معارك الرب في سبيل قضية مزدوجة تتمثل في إنجلترا الرب ~~ورب إنجلترا، من أجل تحقيق سيادة وسيطرة الكومنولث الإنجليزي البيوريتاني. وقد حث ~~كرومويل البرلمان عام 1653 قائلا: «حقا، الرب يطالبكم مثلما طالب يهوذا أن تحكموا ~~معه، ومن أجله.» لم يفرق كرومويل بين مصالح المسيحيين ومصالح الأمة؛ فهما يمثلان «أكبر ~~اهتمامين للرب في هذا العالم.» # 36 # كذلك كانت وجهة نظر جون ميلتون، على الرغم من ms145 عالميتها، مشبعة تماما بالشعور القومي ~~والصور المجازية والمثل الواردة في العهد القديم، لا سيما تلك المتعلقة بالشعب ~~المختار. في إحدى الفقرات المشهورة، يتناول قرب إنجلترا من الرب فيقول: # فكر في ماهية الأمة التي تنتمي إليها، والتي ينتمي إليها الحكام؛ فالأمة ~~ليست بطيئة وخاملة، بل هي ذات روح سريعة ومبتكرة وثاقبة، هذه الأمة مختارة ~~على غيرها ... (عندما) يقرر الرب بدء فترة جديدة وعظيمة ... فما الذي يفعله إذا ~~سوى أنه يكشف عن نفسه ... كطريقته، لشعبه الإنجليزي أولا؟ # 37 # بطبيعة الحال، كانت رؤية ميلتون البروتستانتية أوروبية أيضا؛ فقد ~~رأى إنجلترا تقود الإصلاح وحركة الحرية المدنية بصفتها أمة «مختارة»، «أمة من الأنبياء ~~والحكماء والفاضلين»، ويعود إلى واقعة في سفر الأعداد عندما وبخ موسى يشوع حين ~~رغب في منع ألداد وميداد من التنبؤ في محلة بني إسرائيل في التيه، وصاح بلغة شبه ~~تنبئية، فقال: # في الوقت الحالي يبدو أن الوقت قد حان ليجلس النبي العظيم موسى في الجنة ~~مبتهجا لرؤية تحقق أمنيته الجديرة بالذكر والمجيدة؛ حيث لم يصبح السبعون ~~شيخا فقط أنبياء، بل أصبح كل شعب الرب أنبياء. # رغم ذلك، تركزت آماله على التجربة الكبرى المتمثلة في الجمهورية ~~الإنجليزية المصلحة، وتوقع أن يدعم الرب شعبه الخاص - إنجلترا عادة، لكنه ~~أحيانا يشمل الاسكتلنديين في «بريطانيا». وهذا يعني أن إنجلترا، مثل إسرائيل القديمة، ~~كانت أمة ذات عهد، وفي هذا الصدد يعبر ميلتون وكرومويل عن كثيرين في معسكر ~~الأتقياء. وعلى مدار عقد من الزمان، تمكنا من فرض رؤيتهما القومية البيوريتانية ~~لإنجلترا على الشعب، وحاولا خلق «أمة عهد» جديدة على أساس هوية قومية إنجليزية راسخة ~~منذ زمن طويل لدى النخب، وحاولوا نشرها من خلال المنابر والمطبوعات لقطاع أكبر من ~~السكان، وإن كان قطاعا حضريا في الأساس. # 38 ~~(5) إسرائيل جديدة في هولندا # لم تكن إنجلترا أول مثال على أمة عهدية ناشئة، ولعلها لم تكن أنجح تلك الأمثلة. ~~بالتأكيد، نافستها في شدة التعبير عن ذلك المقاطعات المتحدة الهولندية في القرن ~~السابع عشر. وبالفعل في فترة البطولة المبكرة في الثورة الهولندية على ms146 جيوش أسرة ~~هابسبورج بقيادة دوق ألبا في أواخر ستينيات القرن السادس عشر وسبعينيات القرن السادس ~~عشر، كان تشبيه المتمردين أنفسهم بإسرائيل القديمة معبرا على نحو واضح. ويمكن رؤية ~~ذلك في «أغاني المتسولين» التي شبهت ويليام أمير أورانج بموسى وداود، وشبهت ملك ~~إسبانيا بفرعون. ووصف الشعب الهولندي بأنه «المختار من قبل الرب» و«شعب الرب»، في حين ~~وصف الإسبان ب «الأمة الأجنبية» المتغطرسة والقاسية. وفي الإعلانات الرسمية لأيام ~~الصلاة والصيام في سبعينيات القرن السادس عشر، كان الإله الذي يدعونه هو إله العهد ~~القديم. والمثال الذي اقتبسه فيليب جورسكي هو إعلان ويليام أمير أورانج لعام 1575: # يحذو جلالته حذو الأمراء المسيحيين الذين في أوقات الخطر والكرب التجئوا ~~إلى الرب القهار، ومع شعبهم تواضعوا أمام يده القهارة وتابوا وأعرضوا عن حياتهم ~~السابقة والآثمة ... (عالمين أن) الرب لم يترك مطلقا شعبه في وقت الحاجة، لكنه ~~وقف دائما بجانبهم وخلصهم. # 39 # في محنتهم يعود الهولنديون إلى سرد سفر الخروج كما نرى في إعلان ~~آخر للصلاة والصيام يعود لعام 1580 يرجو الرب أن: # يبعد الأوبئة الرهيبة، والدمار الكبير والحرب الطويلة الأمد، عن هذه الأراضي ~~... ويحرر هذه الأراضي وسكانها الصالحين من كل ما يؤدي إلى التحكم فيهم ومن ~~عبوديتهم الملعونة والأبدية. # 40 # كان الالتفات إلى خروج اليهود من مصر والموضوعات الشائعة في قصة موسى كثيرا ما ~~يتكرر في القرن التالي، واستحضر الوعاظ والخطباء والكتاب والفنانون الهولنديون ~~هذا المثال كثيرا؛ فقد اضطر كثير من الهولنديين البروتستانت إلى الهروب من اضطهاد ~~دوق ألبا وتقدم جيوشه في الأجزاء الجنوبية من هولندا عابرين الحواجز المائية ليصلوا ~~إلى الجمهوريات الحرة في الشمال؛ ومن ثم، كان هروب بني إسرائيل عبر البحر الأحمر ~~وتخليص الرب لهم من جيوش فرعون يحمل تشابها مدهشا مع حالتهم. وخلال عام 1612، نشر ~~يوست فون فوندل، أعظم روائي هولندي في هذه الفترة، مسرحية «عبور أو خلاص بني إسرائيل من ~~مصر»، تلك المسرحية التي شبه فيها أمير أورانج بموسى: # يا للقدر العجيب الذي يجمع موسى بأمير أورانج # أحدهما يحارب من أجل الشريعة، والآخر ms147 يروجها # وبذراعه يحرر الإنجيل # أحدهما يقود العبرانيين عبر فيضان البحر الأحمر # والآخر يقود شعبه عبر بحر ... الدموع والدم. # 41 # كذلك تبنى العديد من الفنانين الهولنديين هذه الموضوعات، بالإضافة ~~إلى الكثير من الموضوعات الأخرى المأخوذة من العهد القديم، لا سيما بطاركة العهد ~~القديم، وداود، وإستير ومردخاي. وصور أيضا هندريك خولتسيوس، وإبراهام بلومارت، ~~وكورنيليس فون هارليم، وفرديناند بول أحداثا درامية من حياة موسى، بما في ذلك تلقي ~~العهد وكسر الألواح. يوضح سايمون شاما أن شعبية سرد الخروج وسرد التيه في أسفار موسى ~~الخمسة كانت بلا شك انعكاسا للتشابه الذي أدركه الهولنديون بين محنة وتكون الشعب ~~اليهودي القديم وبين حالهم؛ إذ كانوا يتشكلون ويتفردون كشعب مميز بفعل الوحشية ~~والتعصب اللذين أظهرهما دوق ألبا وسيده فيليب الثاني ملك إسبانيا، بالإضافة إلى سنوات ~~الحرب والمحنة الطويلة. # 42 # موضوعات الكتاب المقدس المتعلقة بالخروج والعهد حاضرة أيضا على نحو واضح في الصلاة ~~الختامية في قصيدة «النشيد التذكاري الهولندي» للشاعر أدريان فاليريوس ابن مقاطعة ~~زيلاند، وجزء من تلك القصيدة التي تعود لعام 1626 يقول: # يا إلهي، عندما كان الجميع يعاملوننا معاملة سيئة أحضرتنا إلى أرض وأصبحنا ~~فيها أغنياء بفعل التجارة، وتعاملت معنا بعطف، وفي الوقت نفسه أخرجت بني ~~إسرائيل من سجن بابل، وانحسرت الأنهار أمامنا وأخرجتنا وأقدامنا جافة، وفي ~~الوقت نفسه أحضرت ناس الأيام الخوالي، مع موسى ويشوع، إلى أرض الميعاد. يا ~~إلهي، لقد فعلت لنا أمورا رائعة. وعندما لم نتبعك، عاقبتنا بقوة شديدة لكنها ~~أبوية؛ بحيث كانت ابتلاءاتك التي أنزلتها علينا دائما مثل عقاب الأطفال. لم ~~تؤاخذ شعبك بخطاياه، بل حررتنا من قيد المؤابيين، وفي الوقت نفسه حررتنا ~~من خلال دبورة وباراق اللذين ظهرت قوتهما أمامنا في الحقل، ومن خلال قوة ~~جدعون الجسور الذي قاتل ضد عنف المديانيين. # 43 # يصاحب النص نقش للمقاطعات السبع الشقيقة وأمراء ناساو أورانج ~~راكعين في تبجيل وصلاة أمام قبعة الحرية الهولندية الموضوعة على سارية أسفل راية مكتوب ~~عليها اسم الرب المقدس المذكور في الكتاب المقدس في سحابة من المجد. في ذلك الوقت، ms148 أصبح ~~التناظر بين «هولندا وإسرائيل» على المستوى الوطني سمة أساسية في سياسة هولندا، ونشر ~~إلى العامة على نحو موسع من خلال المطبوعات والمنشورات الرخيصة. وفي منتصف القرن، ~~كون الحزب الكالفيني، بدعم من أسرة أورانج الحاكمة، برنامجا سياسيا يقوم على ~~قومية العهد لم يتضمن فقط التحرر من السيطرة الأجنبية، بل تضمن كذلك وحدة المجتمع ~~من خلال التوافق الديني والانضباط الأخلاقي القوي، بما في ذلك وصية حفظ السبت الصارمة، ~~وقوانين الترف، وحرية الكنيسة، والحكم القوي الملتزم بإكمال الحرب على إسبانيا وأعداء ~~الجمهورية الآخرين في أوروبا أو خارجها وتطهير الجمهورية من أعدائها ~~الداخليين. # 44 # لم تكن إنجلترا، واسكتلندا، وهولندا بأي حال الأمثلة الوحيدة على الإصلاح الذي ~~يغذي نوعا حيويا من قومية «العهد»، بل يمكننا العثور على أمثلة أخرى في مستوطنات ~~الاسكتلنديين الموجودين في أولستر في شمال أيرلندا، وفي مستعمرات أمريكا الشمالية، ~~ولاحقا بين الأفريكان بعد الرحلة الكبرى. كان ذلك الجزء من الاتحاد السويسري الذي يضم ~~زيورخ وبيرن وبازل يحظى بأهمية خاصة؛ إذ اتفقت فكرة العهد مع التقاليد السويسرية ~~المتمثلة في اتفاقيات الدفاع المشترك بين الكانتونات التي تعود إلى أواخر القرن الثالث ~~عشر، وكانت الوصايا العشر وشريعة موسى تلقى احتراما كبيرا في ذلك الجزء من الاتحاد. ~~ورغم ذلك، نجح المصلحون هنا وفي ألمانيا وبولندا والمجر في الاستحواذ على أجزاء من ~~المجتمع اللغوي والسياسي، وفي بعض الأحيان كان نجاحهم هذا لفترة مؤقتة فحسب، بينما ~~هزموا وطردوا في نهاية المطاف في بوهيميا وفرنسا. # 45 # في الأماكن الأخرى، ساد «الإصلاح المدعوم من الحكام» الذي يمثل الجناح اللوثري الأقل ~~حدة من الناحية السياسية. في إسكندنافيا كان الملوك مسئولين عن هذه المبادرة، فكان ~~الملك فريدريك الثاني والملك كريستيان الثالث هما المسئولين في الدنمارك والنرويج، ~~وكان الملك جوستافوس فاسا هو المسئول في السويد. وكما هو متوقع، فقد أسفر ذلك عن ~~تأكيد أقوى للسيادة الملكية وللدولة المطلقة، إلا أن هذا كان له مقابل في تلك البلاد؛ ~~ففي الدنمارك حدث قبول سريع للوثرية الإنجيلية مدعوم بترجمة للكتاب المقدس إلى اللغة ~~الدنماركية عام ms149 1550، وفي السويد ظهرت حركة للتعليم اللوثري تدريجية إلى حد بعيد، كان ~~يرأسها أولويس بيتري ولاورنسيوس بيتري اللذان مهدت كتاباتهما الدينية وقوانينهما ~~الكنسية الصادرة عام 1562 وعام 1571 الطريق أمام الموافقة على اللوثرية باعتبارها ~~دينا قوميا في أحد المجالس الكنسية العامة عام 1593. # 46 ~~(6) أمم عهدية، قومية عهدية؟ # بحلول أوائل القرن السابع عشر كان العديد من عمليات تكون الأمم يسير بإعداد جيد في ~~شمال ووسط وغرب أوروبا. وتضمن ذلك التعريفات الذاتية والاعتراف بالأسماء الرسمية ~~للممالك وسلالات شعوبها، وترسيخ الذكريات والرموز والأساطير والتقاليد بدرجات متفاوتة، ~~وتزايد أقلمة الذكريات العرقية والارتباطات الشعبية بالممالك والمقاطعات الإقليمية، ~~وخلق ثقافة نخبوية عامة ونشرها مبدئيا بين الطبقات الأخرى، وتكوين عادات مشتركة ~~وتوحيد الأنظمة القانونية عبر الممالك والمقاطعات المستقلة. وكما رأينا، فإن هذه ~~العمليات أسفرت عن قدر معين من الهوية القومية والمشاعر القومية بحيث أصبح من الممكن ~~التحدث عن الأمم الهرمية، لكن تلك الهوية والمشاعر كانت مقتصرة على النخب الحاكمة ~~والمثقفة. # أصبح الآن الشعور بالهوية القومية أكثر قوة وانتشارا بين قطاع أكبر من النخب من ~~خلال تأكيد السيادة الملكية في الدول التي انشقت عن البابا والنظام الديني الكاثوليكي ~~وتبنت أحد الأنواع المختلفة للبروتستانتية. حتى في البلاد التي تبنت عقيدة ~~وليتورجية إنجيلية أقل حدة من الناحية السياسية لم يتمكن السكان في مجملهم من الإحجام ~~عن التورط أو التحرك إلى حد ما لدعم التغيرات العقائدية والليتورجية أو مناهضتها، ~~ودعما لملوك وأمراء بروتستانتيين معينين أو معارضة لهم؛ لذلك، كما هو مفهوم، اجتاح ~~الالتزام المحموم بالأفكار والممارسات اللوثرية الصادرة عن المدن الألمانية الشمالية ~~المجاورة منذ فترة مبكرة، تعود إلى أواخر عشرينيات القرن السادس عشر؛ أعدادا كبيرة من ~~الفلاحين وسكان الحضر، وكانت تلك الحركة هي ما ساعدت أولا فريدريك الثاني وبعده ~~كريستيان الثالث في كسر شوكة النبلاء ورجال الدين الكاثوليك، وساعدت أيضا في دعم ~~السيادة الملكية، ومن ثم إرساء أسس الدولة المطلقة لاحقا. # 47 # في حالات مثل الدنمارك، والسويد وإن كانت لدرجة أقل، كانت نتيجة الإصلاح هي تقوية ~~الأمة الهرمية وتوسيع نطاقها، دون أن ms150 يسفر ذلك عن أي حركة شعبية أو منتمية إلى الطبقة ~~الوسطى الواسعة النطاق ساعية إلى استقلال ووحدة وهوية الدولة البروتستانتية. ورغم ذلك، ~~في حالات أخرى مثل اسكتلندا وهولندا وشمال سويسرا وترانسلفانيا تضمن تبني أحد أنواع ~~الإصلاح البروتستانتي الأكثر راديكالية، سواء إصلاح زفينجلي أو كالفين، قدرا أكبر من ~~الحراك الشعبي الذي وصل في بعض الحالات إلى حركة محددة للقومية البروتستانتية. وكان ~~هذا راجعا إلى عدة عوامل، منها: تكون مفهوم الاستقلال القومي والنضال من أجله في ~~فترة سابقة، وطابع النظام الحاكم والإداري، وطبيعة النخب المتنافسة، ومكان المملكة ~~أو الدولة المدينة أو المقاطعة داخل شبكة الكيانات السياسية والنظم الاقتصادية ~~المتنافسة التي تضم تلك الدول. لكن لعل العامل الحاسم في تكوين قومية بروتستانتية شعبية ~~واسعة النطاق هو النشاط السياسي لكنائس المصلحين التي نشأت عن القمع الذي لاقاه ~~المصلحون على يد الملوك والكنيسة الرومانية الكاثوليكية، وكذلك عن الإلهام الذي ~~استوحوه من العودة إلى العهد القديم وسرده لقصة الخروج والعهد لإسرائيل ~~القديمة. # يكشف تاريخ بني إسرائيل القدماء واليهود في الكتاب المقدس معاملات الرب مع شعبه ~~المختار، ويقدم كذلك نماذج للمجتمع السياسي، سواء في حالة وجود ملك تقي أو عدم وجوده. ~~ونتيجة لذلك، ظهر نموذجان من الأمم العهدية في القرن السابع عشر، أحدهما ملكي والآخر ~~جمهوري. النموذج الأول تمثله اسكتلندا وإنجلترا في الجزء الأول من القرن السابع عشر، ~~والنموذج الثاني تمثله المقاطعات المتحدة السبع الهولندية بعد معاهدة اتحاد أوترخت ~~(1579)، بل على الأحرى بعد الهدنة مع إسبانيا منذ عام 1609، والكومنولث الإنجليزي في ~~خمسينيات القرن السابع عشر. في النوع الأول كانت الأمة موحدة على أساس مثال العهد ~~المزدوج بين الرب والشعب وبين الملك والشعب، في النوع الثاني كان يوجد عهد واحد يربط ~~المجتمع مع الرب في كل جماعات المجتمع. وفي الحقيقة، كان يوجد تداخل بين هذين النوعين ~~كما يوضح مثال الاسكتلنديين. على أي حال، تعايش العهد القومي مع الأمة العهدية الملكية، ~~وسعى ذلك العهد القومي إلى دعمها، وعلى الرغم من الصراعات الكثيرة، فمن الممكن العثور ~~على شيء من هذا ms151 القبيل في هولندا فيما يتعلق بأمراء أورانج. وقدم كلا النوعين من ~~الأمة العهدية، لكن بدرجات متفاوتة، عنصرا رائجا في المجتمع السياسي، وهو أمر ~~استبعد في النوع الهرمي الأول. ومن المؤكد أنه من الناحية العملية لم يكن عادة ~~بإمكان أحد ضمان الدخول إلى الأمة السياسية سوى سكان المدن والتجار الأكثر ثراء، إلى ~~جانب النبلاء ورجال الدين والمثقفين، وكذلك من الناحية العملية كان يوجد قدر قليل من ~~الاختيار بالنسبة إلى الشخص المعهود إليه، مثلما لم يكن لبني إسرائيل اختيار مطلقا بعد ~~الاتفاق المبدئي في سيناء. علاوة على ذلك، فمن الناحية العملية أيضا كان للمعيار ~~العرقي المضمر دور مؤثر؛ فالمعهود إليهم كانوا ينتمون إلى مجتمع عرقي سياسي محدد، ~~ولديهم إحساس بالهوية القومية النخبوية على أقل تقدير؛ فنجد أن رغبة المقاطعات ~~الشمالية السبع الهولندية في استعادة المقاطعات الجنوبية الهولندية ترجع إلى التاريخ ~~العرقي السياسي، بقدر ما ترجع إلى الدين أو إلى الصراع السياسي المباشر ضد أسرة ~~هابسبورج. # 48 # لعل الأهم من الامتداد الاجتماعي لأمة العهد هو قوة الروابط التي دعمتها المعتقدات ~~والممارسات الدينية لهذه الأمة. لقد كانت تلك الروابط غاية في القوة في بعض الحالات، ~~حتى إننا يمكننا التحدث حقا عن تأثير «قومية العهد» في هذه الفترة. أنا لا أشير ~~فحسب إلى تكوين اتحادات الكومنولث من خلال المعاهدات والتعهدات، على الرغم من أهميتها، ~~بل يجب أن ننظر إلى الحركات المستمرة والشديدة الداعية إلى الاستقلال والوحدة والهوية ~~التي ظهرت في هذه الفترة بحثا عن أمثلة مبكرة ل «القومية». تتمثل أهمية هذه الحركات ~~لفهمنا للتقاليد الثقافية وسلالات الأمم في أمرين؛ يتعلق الأمر الأول بالأمثلة المبكرة ~~للحركات القومية، والأمر الثاني يتعلق بالقنوات التي من خلالها انتقل تضامن دول العهد ~~وتجدد. # ما الذي يمكننا قوله عن سمات «قوميات العهد» أو «القوميات العهدية»؟ نحتاج إلى أن ~~نتذكر أنه على الرغم من اشتراكها في «المعتقد الأساسي»، فقد عبرت الأيديولوجيات ~~والحركات القومية عن نفسها بطرق متنوعة في فترات تاريخية ومناطق ثقافية مختلفة. إذا ~~يجب ألا نندهش إذا كانت قوميات العهد دينية ms152 ليس فقط شكلا من المنظور العام المتمثل في ~~أن كل القوميات تأسست كنوع من الدين العلماني وكدين دنيوي للشعب، بل مضمونا من ~~الناحية الجوهرية المتمثلة في تضمنها لدين روحاني معين قائم على الخلاص «من الخارج»، ~~كما هي الحال بلا شك مع أنواع كثيرة من البروتستانتية. في هذا الصدد، كان الرب، وليس ~~الأمة، هو صاحب السيادة في الكومنولث، حتى لو كان ذلك على نحو متزايد. كان الرب يعمل ~~من خلال الكنائس الإلهية والأمم المختارة. علاوة على ذلك، لقد كانت المساواة بين ~~المؤمنين، وليس المواطنين، هي ما يحظى بفائق الأهمية. رغم ذلك، فكما رأينا مع معتقد ~~«الاختيار العام» لكالفين، فقد كان من المفيد بلا شك انتماء المؤمنين إلى مجتمع ~~تاريخي واحد أوسع نطاقا - دولة مدينة، أو كانتون، أو مملكة، أو جمهورية - وقدرتهم ~~جميعا على قراءة الكتاب المقدس نفسه وكتاب الصلاة نفسه بلغة محلية واحدة واتباع ~~ليتورجية محلية واحدة، ومن ثم تكوين كنيسة واحدة ذات عهد، لكنها مختلطة، على غرار ~~إسرائيل. ومعنى ذلك أن كل من ينتمي إلى مجتمع عرقي سياسي معين كانوا أعضاء محتملين ~~من الأمة المختارة، لكن الأتقياء منهم فقط هم من كانوا من المحتمل خلاصهم من خلال ~~هبة النعمة. وهم فقط من سيصبحون «البقية الصالحة» من إسرائيل الذين سوف يخلصهم الرب ~~ويعيدهم إلى أرض الميعاد، وفقا للأنبياء القدماء. وهذا أيضا له نظيره في القوميات ~~اللاحقة، حيث كان قادة وأعضاء الحركات القومية في المعتاد يرون أنفسهم (أو الفلاحين ~~الذين يرونهم مثاليين) أكثر نقاء وأكثر «مصداقية» عن بقية سكان المدينة المشتركين ~~معهم في العرق، والذين يمثلون في الغالب المكون الأساسي لهم. # من ناحية التركيبة الاجتماعية، فقد كانت قوميات العهد لا تختلف عن نظيرتها العلمانية ~~اللاحقة. وهنا من المهم أن نتذكر أن قوميات القرن التاسع عشر كانت على نحو مميز حركات ~~تقودها الأقلية؛ فخارج باريس كانت متاريس ثورات 1848 المعروفة باسم «ربيع الشعوب» يقف ~~خلفها بعض مئات من المتمردين القوميين. وقارن ذلك بجيوش المتحمسين والأتقياء في ~~اسكتلندا وإنجلترا وهولندا في القرن السابع عشر، ms153 حيث حاربت تلك الجيوش من أجل الأمة ~~المختارة انطلاقا من المعتقد الأيديولوجي على أقل تقدير. بالإضافة إلى ذلك، فوجه ~~الاختلاف بين المشاعر والحركات القومية النخبوية في فترة ما قبل الحداثة وبين ~~القوميات الشعبية الحديثة لا ينطبق على قوميات العهد؛ فعلى الرغم من أن قيادات قوميات ~~العهد كانت بلا شك تنتمي إلى الطبقة الوسطى في طبيعتها، كما هي الحال مع الحركات ~~العلمانية اللاحقة، فقد جذبت قوميات العهد معتنقين من كل الطبقات، ربما باستثناء ~~الفقراء الشديدي الفقر (الذين كانوا غائبين أيضا عن القوميات اللاحقة). ويمكن أن نأخذ ~~فكرة عن تركيبة حركات المصلحين من تحقيق جيفري باركر عن الخلفية الاجتماعية ل ~~«المهرطقين» المدانين في المقاطعات الخاضعة لحكم أسرة هابسبورج في جنوب هولندا في ~~منتصف القرن السادس عشر؛ ذلك التحقيق الذي اكتشف أن حوالي خمسين في المائة منهم كانت ~~أصولهم تعود إلى الطبقة الدنيا. # 49 # بالمثل، كانت البرامج والأهداف السياسية لقوميات العهد لا تقل تحديدا ووضوحا عن ~~مثيلتها في القوميات الأكثر علمانية التي خلفتها لاحقا. ورأينا أن تلك البرامج ~~والأهداف تتضمن أيضا التحرر من التدخل الخارجي والدفاع عن الكومنولث، وخلق مجتمع ~~موحد يضم الأتقياء ويقوم على قانون واحد للانضباط الأخلاقي بما في ذلك حفظ السبت ~~وقوانين الترف، واستعادة الكنيسة الحرة والحقيقية، وتطهير الكومنولث من أعدائه ~~الداخليين، وتشجيع الحكم القوي الذي لديه القدرة والرغبة في شن الحرب ضد الفجار وكذلك ~~الذين يهددون الكومنولث، اقتصاديا وعسكريا، بما فيهم الدول البروتستانتية الأخرى. ~~بهذه الطريقة، تمكن قوميو العهد من تحفيز الناس من خلال الوعد بالاستقلال القومي ~~والوحدة والهوية القومية كأمة مختارة لديها عهد مع الرب. وكان تركيز قوميات العهد على ~~الجانب «السياسي» هو بالضبط ما جعل النموذج السياسي المذكور في أسفار موسى الخمسة وثيق ~~الصلة للغاية؛ فهو اختيار غير مقيد من الرب لشعبه، إسرائيل الجديدة، وقبولهم له ~~كرب لهم وقبولهم لأنفسهم كشعبه وموافقتهم على طاعة شريعته والالتزام بوصاياه، بوصفهم ~~مجتمعا سياسيا للمؤمنين، وبوصفهم مؤمنين فرادى. بطبيعة الحال ، لم تكن هذه الأهداف ~~السياسية موضحة في برامج مطبوعة أو في ms154 بيانات حزبية، بل كانت متداولة عبر الأطروحات ~~والمنشورات، ويوعظ بها عبر المنابر، لكنها رغم ذلك لم تكن أقل قوة في التأثير أو ~~في الانتشار الواسع. وعلى هذا النحو، مثلت برامج قومية العهد نوعا مبكرا من السياسة ~~الشعبية في أوروبا في وقت كانت فيه شرعية الحكام تخضع للفحص والتدقيق على نحو ~~متزايد، وكان الحق في التمرد يناقش على نطاق واسع. وبدأت «مصالح الأمة» كما يقول ~~كرومويل تحظى بالأولوية على كل الاعتبارات الأخرى باستثناء تلك المتعلقة بالعناية ~~الإلهية، وتزايد إدراك وجود تناغم متزايد بينها. وهذا يعني أننا يمكن أن نرى في هذا ~~النوع من القومية ليس فقط طليعة وباكورة القوميات العلمانية اللاحقة، بل نرى أيضا ~~مرحلة أولى ونموذجا أوليا للحركات التالية. ولهذه الأسباب، استمر التشبيه ~~بإسرائيل لفترة طويلة؛ إذ امتد بالفعل إلى القرن الثامن عشر في دول بروتستانتية مثل ~~إنجلترا وهولندا والسويد، وانتقل أيضا - كما سنرى - نموذج العهد المتمثل في إسرائيل ~~القديمة، بمثله المتعلقة بالوحدة والمهمة والأرض المقدسة، إلى الحركات القومية ~~اللاحقة في أنحاء أوروبا، بالإضافة إلى غيره من التقاليد الثقافية. # 50 # في الوقت نفسه، عززت هذه الانطلاقات الأولية للحماس القومي الديني الإحساس ~~بالهوية القومية ووسعت كثيرا نطاق المشاعر القومية الموجودة بين السكان الذين لديهم ~~تعريف ذاتي، ووضعت مثال الأمة التقية في طليعة التصورات والأفعال السياسية. وحتى إذا ~~كانت اتحادات الكومنولث التي كونتها فشلت أو اختفت بعد فترة قصيرة، فإن ما دعمته ~~تلك الاتحادات من إحساس بالاختيار القومي، ومثال الوحدة، والارتباط بالأرض؛ كانت له ~~آثار مستمرة على الشعب المختار المقدور له تعزيزها؛ مما ساعد في إمدادهم بالثقة في ~~النفس كقومية وبروح المبادرة والابتكار. # الفصل السادس # | الأمم الجمهورية # في عصر الرابع عشر من يوليو عام 1790، في ساحة مارس في باريس، أمام حشد مكون من ~~أربعمائة ألف، وخمسين ألفا من الحرس الوطني، وممثلي كوميونة باريس، ومندوبي الإدارات، ~~وأعضاء الجمعية الوطنية؛ بدأ تاليران مراسم القداس والمباركة على «مذبح الوطن»، وقال للحشد ~~رافعا ذراعيه على الرايات : «غنوا ولتدمعوا دموع الفرح؛ لأنه في هذا اليوم صنعت فرنسا ms155 من ~~جديد.» بعد ذلك، امتطى لافايت جوادا أبيض، وسار بين صفوف الحرس وطلب إذن الملك في «إلقاء ~~القسم على مسامع الممثلين الفيدراليين المجتمعين». انتقل القسم عبر الساحة، وقابله ~~«ترديد المحتشدين لقول «أقسم» بصوت مدو»، وتبعه وابل من القذائف المدفعية. بعد ذلك، ~~استخدم لويس السادس عشر لقبه الجديد «ملك الفرنسيين» وقال: «أقسم أن أستخدم كل القوى ~~الموكلة إلي بموجب الدستور في دعم قرارات الجمعية الوطنية.» # 1 ~~(1) حلف اليمين في أوروبا الغربية # يشير شاما إلى أن هذه ليست المرة الأولى التي يؤدى فيها مثل هذا اليمين؛ ففي ~~4 فبراير من ذلك العام، أقسم لويس على أن «يدافع عن الحرية الدستورية ويحافظ عليها؛ تلك ~~الحرية التي وافقت عليها إرادة الأمة التي وافقت إرادتي.» وحتى قبل ذلك، في الخريف ~~السابق، كان لافايت الذي ساعد في تكوين الحرس الوطني قد ترأس مراسم مشابهة لأداء ~~اليمين. بل يمكن القول إن تلك الأيمان كانت الحافز المباشر للثورات. في 21 يونيو عام ~~1789، عندما منع نواب الطبقة الثالثة من ~~دخول مكان الاجتماع المعتاد لمجلس الطبقات العامة في قصر فرساي نظرا لأعمال إعادة ~~البناء، التجأ النواب إلى ملعب تنس قريب وأدوا اليمين متعهدين: «أمام الرب وأمام ~~الوطن ألا نتفرق أبدا حتى نصوغ دستورا محكما وعادلا كما طالبنا الناخبون.» في تلك ~~الأثناء، وقف النواب الستمائة كجسد واحد، ومدوا أذرعهم اليمنى على نحو مشدود، ~~مقلدين على نحو واع الطريقة التي أقسم بها الإخوة هوراتي الرومانيون على سيف والدهم ~~الذي علقه في الهواء متعهدين بالغزو أو الموت في سبيل الوطن، وهذا مشهد لم يكن في ~~القصة الأصلية التي ذكرها المؤرخ تيتوس ليفيوس، لكن اخترعه جاك لوي ديفيد في رسمته ~~الشهيرة، «قسم الإخوة هوراتي»، قبل خمس سنوات. وقد طلب من ديفيد رسم قسم ملعب ~~التنس المذكور في وقت لاحق، لكنه لم يتمكن إلا من ترك تسجيل لهذا القسم في مخطط ~~رائع غير مكتمل بعد ذلك بسنوات قليلة. # 2 # لم يكن النموذج الروماني الذي قدمه ديفيد سوى واحد من سلسلة من هذه الأيمان؛ فلقد ~~سبقه ms156 تصوير قوي ل «قسم روتلي» رسم في الفترة ما بين 1779-1781 لمجلس مدينة زيورخ. ~~وفي هذه الرسمة، جسد هاينريش فوسلي أول قسم لتحالف الاتحاد السويسري القديم عام ~~1291 في صورة ثلاثة رجال ضخام البنية. في هذه الصورة المدهشة، يجعل فوسلي ممثلي ~~كانتونات الغابات الثلاث الأصلية أوري وشفيتس وأونترفاليدين، يؤدون قسم الحرية على ~~سيف مرفوع في الهواء على مرج روتلي بجوار بحيرة لوسيرن التي جاءوا عبرها في قوارب ~~يحركونها بمجاديف، كما هو موضح في رسوم فوسلي. وكما نعلم من مصادر أخرى، فإن ممثلي ~~الكانتونات أقسموا على تكوين اتحاد دائم لمقاومة طغيان أسرة هابسبورج واستعادة حقوقهم ~~السابقة من خلال تحرير وديانهم من القضاة الظالمين والضرائب الجائرة. في هذه الصورة، ~~يؤدى قسم التحدي بثلاثة رجال حازمين ومفتولي العضلات مادين أذرعهم، على غرار ~~أسلوب التكلفية الذي ابتكره مايكل أنجلو الذي كان فوسلي معجبا به للغاية أثناء إقامته ~~الطويلة في روما. # رغم ذلك، وكما أوضح روبرت روسنبلوم في البداية، فإن هذه واحدة فقط من سلسلة من ~~رسومات «الكلاسيكية الحديثة» التي توضح حلف اليمين وأداء القسم، تعود لفترة أسبق من ~~لوحة «قسم بروتوس» لأنطوان بوفور التي رسمها عام 1771؛ إذ تعود إلى لوحة «قسم ~~بروتوس» التي رسمها جافين هاميلتون عام 1764، والتي تعد على الأرجح الأولى من هذه ~~السلسلة. في اللوحة الثانية المرسومة على قماش مسرحي كبير، يظهر بروتوس الذي سيصبح ~~لاحقا أول قنصل للجمهورية الرومانية، وهو يقسم مع أصدقائه على الانتقام لانتحار ~~لوكريشا من خلال طرد الطاغية تاركوينيوس الذي اغتصبها خارج المدينة. وتظهر لوكريشا ~~نفسها على نحو واضح في الجانب الأيسر من اللوحة وهي تموت بعد أن طعنت نفسها، وفي ~~الجانب الأيمن يؤدي الأصدقاء الثلاثة القسم على سيف بروتوس. لقد تناول الفنانون هذا ~~الموضوع منذ عصر النهضة؛ وعلى الرغم من أن اهتمامهم الأساسي حينها، من الناحية الأدبية ~~والفنية، انصب في الماضي على نبل تضحية لوكريشا، فلقد تحول الآن إلى العواقب ~~السياسية لتصرفها. وهذا قدم الموضوع الجديد نسبيا المتمثل في التحرر من الطغيان ~~ومنح دورا محوريا لمراسم حلف ms157 اليمين، وهذه حقيقة أكدتها ضخامة اللوحة القماشية ~~وضخامة أبطال هاميلتون، بالإضافة إلى قربهم من عين المشاهد. # 3 # علام يدل هذا الشغف الجديد بالأيمان ومراسم حلف اليمين؟ ألا يمكن القول إنه يمثل ~~العلاقة العهدية التي ناقشناها في الفصل السابق؛ أي إنه نسخة علمانية مما كان في الأصل ~~ممارسة دينية؟ إن أداء اليمين والعهود كانا على أي حال من الأعراف العامة على نحو ~~قاطع، وكانا يستخدمان لتحقيق الالتحام بين عدد كبير من الأشخاص من خلال طريقة تقديس ~~مهيبة يشهدها الجميع. في العهد الأصلي في سيناء، عندما تلقى شعب إسرائيل الوصايا ~~العشر من الرب عن طريق موسى قالوا: «كل الأقوال التي كلم بها الرب ~~نفعل» (سفر الخروج 24: 3). بالمثل، وافق الملك والشعب أثناء الثورة الفرنسية على ~~طاعة القوانين والدفاع عن حرية الأمة والوطن، وأن يخضعوا مصالحهم الشخصية للإرادة ~~العامة. # إلا أن هذا ليس إلا جزءا من القصة. بالتأكيد، كان شكل مراسم حلف اليمين، على الأقل ~~في السنوات الأولى من الثورة، ديني الطابع، وكان يثير التبجيل إن لم يكن الهيبة، ~~بيد أن محتوى المراسم ومضمونها لم يعد دينيا في الأساس، وأصبح أقل تأثرا ~~بالمسيحية على وجه التحديد، وبدأ يصبح هكذا عندما تقدمت الثورة وبدأت تؤثر على أجزاء ~~أخرى من أوروبا. لم تعد إرادة الرب، أو أمة العهد، أو السعي للقداسة؛ هي المثل ~~المنشودة، بل أصبح قانون الأمة والمواطنون المستقلون والمتساوون ومثل الحرية والإخاء ~~هي مصادر إلهام أيمان الثورة التي تقود الأمة نحو التجدد القومي ونحو عصر علماني ~~جديد. ومن هذه المثل والوقائع الجديدة نبع تدمير كل أشكال الملكية وكل الأشخاص ~~الملكيين، والعداء المرير لرجال الدين الذي ظهر في الثورة لاحقا، ومظاهر الوحدة ~~الشعبية الواضحة في المهرجانات الكبرى، والإسراف في العنف ضد كل المقاومين، لا سيما ~~في فونديه، والحماس التبشيري الذي سعى إلى أن يقدم للشعوب الأخرى فوائد الوطنية ~~والثورة. # 4 ~~(1-1) سلالة الوطنية # في صميم هذه الأيديولوجية الجديدة يكمن الاعتقاد التنويري الذي يؤمن بقوة المنطق ~~البشري الموجهة، وقدرة البشر على تكوين مجتمع متوافق مع مبادئه. ms158 يرى إيلي كادوري ~~أن الشخصية الأساسية في التطور الفكري للقومية العلمانية الثورية كان إيمانويل كانط ~~الذي قال إن الأخلاق الإنسانية، وليست إرادة الرب، هي وحدها المصدر المشروع للعمل ~~السياسي، وإن الإرادة الجيدة هي الإرادة الحرة والمستقلة؛ أي المتحررة من قوانين ~~الرب والطبيعة. وعلى الرغم من نموذج النشاط السياسي الذي مثلته الثورة الفرنسية، ~~فقد كان المفكرون الألمان أمثال كانط وهيردر، وأتباعهم الرومانسيون: فيشته، ~~وشلايرماخر، وشليجل، وآرنت، وشليجل، ومولر، ويان؛ هم من قدموا الأساس المنهجي ~~لنظرية السياسة القومية. في هذه النظرية، تندمج الدولة والأمة في كيان مرض ولا ~~يجد الفرد الحرية الحقيقية إلا في الذوبان في الدولة القومية التي تجسد إرادة ~~شعب مطهر ثقافيا ولغويا. إن تلك الإرادة الشخصية هي التي تقلل في نهاية ~~المطاف من نظام التفكير المستنير المنهجي، وتحدد لنفسها حياتها ومصيرها. # 5 # كان من شأن هذه السلالة الفكرية أن تبين أن ميلاد القومية في الدول الناطقة ~~بالألمانية أعقب هزيمة بروسيا في معركة يينا عام 1806. أشارت إلى وصول تلك القومية ~~«خطابات إلى الأمة الألمانية» لفيشته التي كتبها في عامي 1807 و1808، التي يرى ~~كادوري أنها تمثل أول نص مفصل على نحو كامل لمعتقد قومي أصيل وصاف. ورغم ~~ذلك، فقبل حوالي ثلاثين عاما، قدم جون جاك روسو سليل جنيف شغفا شديدا بالوطن ~~مشابها لخطابات فيشته في نصيحته للبولنديين في أعقاب أول تقسيم لبلدهم، وكان عنوان ~~تلك النصيحة «اعتبارات متعلقة بحكومة بولندا». في هذا العمل، سبق روسو فيشته في ~~معتقد تحمس له للغاية، تمثل ذلك المعتقد في الإيمان بقوة التعليم القومي ~~العلماني القادرة على القولبة لتشكيل شخصية الشباب: «إن التعليم هو ما يجب أن يمنح ~~الأرواح التكوين القومي، ويوجه آراءهم وأذواقهم بحيث يكونون وطنيين ميلا ~~وشغفا وضرورة.» وفي حديث روسو عن حب «الوطن» يجمع بين السمات والمشاعر المميزة ~~للثورة الكلاسيكية الحديثة فيقول: # هذا الحب هو وجوده كله؛ فهو لا يرى شيئا إلا الوطن، إنه يعيش له وحده، ~~وعندما يكون وحيدا يكون لا شيء، وعندما لا يكون له وطن يصبح غير موجود، ~~وإن ms159 كان غير ميت فحاله أسوأ من الموت. التعليم القومي ملائم فقط للرجال ~~الأحرار؛ فهم فقط من يستمتعون بالوجود الجمعي ويخضعون حقا ~~للقانون. # 6 # الحرية، والقانون، والمساواة، والتعليم القومي، والمواطنة وحب ~~«الوطن»؛ تلك هي الموضوعات المتكررة أثناء الثورة، وفي الواقع أثناء كل الثورات ~~التي شهدتها تلك الفترة؛ وكلها أدت إلى رؤية الأخوة، والرابطة الذكورية المتمثلة في ~~الإخوة الذين يحركهم الحب نفسه وتربط بينهم المثل نفسها، فهم أقارب وأصدقاء في ~~الوقت نفسه، مثل الإخوة هوراتي. لقد كانت تلك الرؤية مستوحاة من قراءة للعالم ~~اليوناني الروماني، لا سيما أسبرطة والجمهورية الرومانية، تأثرت ببلوتارخ أكثر من ~~ثوسيديديس وبليفيوس أكثر من تاكيتوس. في هذه الصورة المثالية للعالم القديم، ~~قدمت الأعمال البطولية والأخلاق الصارمة المتمثلة في الاقتصاد والعفة والتضحية ~~بالنفس «أمثلة الفضيلة» لمجتمعات كانت الطبقة الوسطى فيها تشعر ببغض متزايد تجاه ~~«النظام القديم» الواهن والمستبد المكرس لملذات وتفاهات الأقلية المنعزلة في ~~البلاط الملكي وفي القصور. وكان يوجد قدر أكبر من الاشمئزاز تجاه ما شعروا به من ~~تعصب وخرافة من جانب الكنيسة التي سمحت منذ بضعة أجيال فحسب بأكثر المذابح وحشية ~~ودموية في واقع الأمر أثناء الحروب الدينية في أوروبا. مناهضة للبلاط الملكي ~~والكنيسة، ومناهضة لكل أشكال الهرمية، وتناسيا للانشقاقات والصراعات التاريخية ~~الكثيرة في روما وأثينا وغيرها من الدول المدن القديمة الأخرى، أعلنت ثورة ~~«الكلاسيكية الجديدة» للطبقات الوسطى مثل الدولة المدينة القديمة، وقلدت ~~نموذجها بما يتضمنه من قلة عدد المواطنين، والحدود الإقليمية الواضحة، والتمسك ~~بالقانون، والوطنية الشديدة. وكان هذا الصدد ينطوي على نوع من التضامن السياسي ~~الذي يمكن أن يسمح به العقل وتلهمه الأخلاق، وهذا التضامن بدوره عن طريق التعليم ~~المدني والثقافة الشعبية من الممكن أن يخلق رجالا أحرارا ومتساوين، ومخلصين ل «الوطن» وقوانينه، ومشاركين في الكومنولث ويتصرفون بتناغم من أجل مصلحة الجميع. ~~ألم يكن ذلك هو هدف كل الطقوس والمراسم الوطنية التي صممها ديفيد لليعاقبة في ~~ذروة الثورة، ولموسيقى جوسيك، ولشعر شينيه، تلك الطقوس والمراسم التي بلغت ذروتها ~~في قسم المواطنة الذي يدلى به على مذبح ms160 «الوطن»، وفوق كل ذلك، في مهرجان الكائن ~~الأسمى الذي دعا إليه روبسبيير في يونيو 1794؟ # 7 # على الرغم من أن المفكرين الأوروبيين في القرن الثامن عشر استرجعوا تراث العالم ~~اليوناني والروماني القديم، حسبما أعلنوا على نحو واضح، فإن هذا الاسترجاع لم يكن ~~غير مسبوق؛ فعلى أي حال، وكما رأينا، بحلول عام 1100 كان كثير من الدول المدن ~~الإيطالية قد أحيا أشكال المؤسسات السياسية الرومانية وطبقها، وكانت تلك الدول ~~نفسها مؤسسة على أساس مستوطنات أو مدن رومانية قديمة. وفي أوائل القرن الخامس ~~عشر كان المفكرون ورجال الدولة الإنسانويون في فلورنسا قد سعوا إلى استعادة ~~«فضيلة» الوطنية الرومانية وتطبيقها بالإضافة إلى التصور العلماني والعملي ~~للتاريخ، واستمر النموذج الجمهوري لروما ومثلها يجذبان دعما قويا حتى بعدما ~~رضخت الجمهورية نفسها لحكم أسرة ميديتشي المسمى «سنيورية»، مثلما حدث في معظم ~~الدول المدن الإيطالية باستثناء البندقية. # 8 # لم تكن إيطاليا الوحيدة في إحياء الأخلاقيات الجمهورية؛ فيمكننا سماع أصداء ~~الوطنية الرومانية، أو صورتها المثالية، في الكانتونات السويسرية، والمدن ~~الألمانية، والمقاطعات الهولندية. وبالتأكيد، أصبح أداء القسم جزءا لا يتجزأ من ~~تكوين «الاتحاد السويسري القديم». بعد الانتصارات السويسرية على جيوش هابسبورج في ~~زيمباخ عام 1386 وفي نيفيلس عام 1388، جذب الاتحاد إلى عصبته دولا مدنا قوية مثل ~~لوسيرن وبيرن وزيورخ ومن بعدها جنيف، ومع توسع الاتحاد أصبحت توجد أنواع جديدة ~~من القسم أكثر شمولية من سابقتها، مثل قسم ميثاق الكهنة الذي يعود لعام 1370، ~~وقسم ميثاق زيمباخ الذي يعود لعام 1393، وكان الهدف من أداء هذه الأنواع من ~~القسم هو الدفاع المشترك لصد انتهاكات هابسبورج، وبحلول القرن السادس عشر كان ~~الغرض من أداء القسم هو رفاهة هيلفيتيا. وكان لهذا التراث تأثيراته على كل من ~~المؤرخين السويسريين أمثال إيجيديوس تشودي والإصلاح السويسري؛ إذ نجد أن السياسيين ~~والباحثين الإنسانويين أمثال يوهانيس شتومف وهاينريش بولينر «حاولوا تعريف الاتحاد ~~السويسري بأنه كيان سياسي وثقافي مستقل داخل «الرايخ».» علاوة على ذلك، ارتبطت ~~الأيمان والمعاهدات ارتباطا جيدا بمثل العهد الذي كان المصلحون السويسريون، كما ~~رأينا، محايدين تجاهه من الناحية ms161 العملية. وتبنت المقاطعات الهولندية أيضا ~~التقاليد «الرومانية ». ورغم قلة الفعالية والقوة مقارنة بتراث العهد، فإن أسطورة ~~الجمهورية الباتافية القديمة والمقاومة الشعبية ومؤامرة كلاوديوس سيفيليس على روما ~~كانت ذات تأثير لبعض الوقت بين المفكرين والفنانين الهولنديين، وتوافقت جيدا مع ~~استخدام مصطلح «أمة» للهولنديين ومع روح حروب الاستقلال الهولندية؛ مما يرمز إلى ~~الوعي الوطني الناشئ والإحساس بالهوية القومية المنفصلة. # 9 # رغم ذلك، عندما نظر المفكرون والمحترفون الفرنسيون إلى الوراء من أجل استرجاع ~~تراث الجمهوريانية المدنية وتعديله وفقا لأهدافهم، وجدوا أنه من الضروري العودة ~~إلى مصادره في العالم اليوناني الروماني وتشكيل تلك المصادر من جديد. إعادة اكتشاف ~~التراث وتعديله هما على الأرجح أقل طرق ارتباط الماضي بالحاضر قوة؛ ولهذا السبب ~~بالتحديد تكون عملية الاسترجاع في أغلب الأحيان مرهقة، وواضحة، وقوية. بالإضافة إلى ~~ذلك، ربما نظرا لأن التراث الجمهوري والمدني للعالم اليوناني والروماني لم «ينتقل» ~~من خلال مؤسسة واحدة قوية ومستمرة مثل الكنيسة، بل استرجع على فترات متقطعة على ~~يد المدن والدول المدن والكانتونات الساعية إلى الشرعية والمعنى فيما كان معروفا ~~ومرويا عن العالم اليوناني الروماني في ذلك الوقت، فإن تراث الجمهوريانية المدنية ~~لم يظهر مجددا على نحو كامل إلا في أواخر القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر. ~~الأهم من ذلك أن إحياءه تأخر طويلا بسبب تضافر العقيدة الدينية والحكم الهرمي ~~لاستبعاد كل ما اعتبر تراثا علمانيا ومؤسسات علمانية. ولم يتمكن التراث ~~العلماني المتمثل في الجهورية المدنية من البدء في الظهور إلا بعدما بدأت الدولة ~~الحديثة والمهنية والعلمية تتحرر من سيطرة الحكم الفردي وأشكال التنظيم الهرمي. ~~وحتى عند تحقيق ذلك، كانت الأمثلة الأولية للأنماط السياسية الجمهورية خارج الدول ~~المدن في هولندا وإنجلترا ذات الكومنولث؛ ناشئة عن المؤسسات الدينية والحماس ~~البيوريتاني في أمم العهد. ولم يبدأ أي من أشكال الجمهوريانية القومية الجديدة في ~~الازدهار إلا بعد أن بدأ تراجع جاذبية الأنواع الدينية التقليدية وسيطرتها. في ~~هذا الصدد، تمثل إنجلترا القرن الثامن عشر الدولة العلمانية الأكثر «تقدما»؛ ~~فحتى الخطب العامة لكبار رجال الدين تشهد على تراجع ms162 أفكار الكتاب المقدس المتعلقة ~~بالأممية ونموذج إسرائيل القديمة بعد منتصف القرن الثامن عشر، وتشهد كذلك على ظهور ~~التصورات العلمانية والكلاسيكية والوطنية. # 10 # فكرة أن القومية الجمهورية العلمانية لا يمكن أن تظهر إلا بعد تراجع المشاعر ~~والمثل الدينية «العامة»؛ هي واحدة من الموضوعات الأساسية في تحليل ديفيد بيل ل ~~«عبادة الأمة» في فرنسا القرن الثامن عشر. يقول بيل إن مصطلحات مثل «الأمة» ~~و«الوطن» انتشرت في فرنسا القرن الثامن عشر بسبب التحولات الأساسية في الطرق التي ~~بدأ الفرنسيون يفكرون من خلالها في علاقاتهم بكل من الرب والعالم المادي. لم ~~يتمثل الأمر في أنهم كفوا عن الإيمان بالرب، حتى لو كان ترددهم على الكنيسة قد ~~انخفض إلى حد ما، بل تزايد ابتعاد الرب، تاركا العالم وشأنه، أو على الأحرى ~~تاركا العالم لبشر أصبحوا الآن قادرين وجاهزين لإعادة تشكيله وفقا لاحتياجاتهم ~~واهتماماتهم الإنسانية؛ ونتيجة لذلك، ازداد الاتجاه إلى خصخصة الدين التقليدي. ~~وبعبارة أخرى، شغلت المساحة الشاغرة مفاهيم جديدة تتمثل في المجتمع والحضارة ~~والأمة، وطرق جديدة للتفكير في العالم المادي والسياسي وتنظيمه، متحررة من ~~القرارات الدينية على الأقل بين النخب. وكمثال مبكر على المفاهيم والطرق ~~الجديدة، يقدم لنا بيل سرد روسو عن عمل المشرعين القدماء ليكروجوس، ونوما ~~بومبيليوس، وموسى. وفي حالة موسى، لم يقتصر روسو على تدمير التاريخ المقدس لليهود ~~وإحلال تاريخ سياسي علماني محله، بل طرح أيضا أول أمثلة على فكرة البناء ~~الاجتماعي، أي «بناء الأمة» في هذه الحالة، ومدح موسى لأنه كون ونفذ ~~«المبادرة المذهلة المتمثلة في تكوين كيان قومي من مجموعة من الهاربين التعساء ~~... لقد كان موسى جريئا لدرجة كافية مكنته من تحويل هذه الجماعة المتجولة ~~والمستعبدة إلى كيان سياسي وأشخاص أحرار.» # 11 # كان يوجد سبب آخر أكثر تحديدا في السياق الفرنسي لزيادة خصخصة الدين بين ~~النخب، وهذا السبب هو الذكرى المؤلمة للمذابح المريعة التي خلفتها الحروب ~~الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت في فرنسا في أواخر القرن السادس عشر. تلك ~~الذكريات كانت لا تزال حاضرة في القرن الثامن عشر، لا سيما بين المهنيين ms163 ~~والمفكرين، وتسببت في كراهية متزايدة للتعصب الديني. وبالفعل في القرن السادس ~~عشر كان التوسل ب «الوطن» المشترك والمصالح المشتركة لكل الفرنسين مسموعا في ~~الغالب، لكنه لم يحقق إلا قدرا قليلا من الجدوى. وبحلول عام 1600، حل محل ~~هذه المناشدات تركيز جديد على السلالة الحاكمة والدولة الملكية. إلا أنه نظرا ~~للدور المشبوه الذي لعبته الدولة في الحروب الدينية، وتراجعها الواضح أثناء القرن ~~الثامن عشر، فقد تزايد اتجاه الرجال والنساء إلى مفاهيم حيادية وأكثر أملا، كما ~~يرى بيل، وهي مفاهيم الأمة والمجتمع والحضارة والشعبية و«الوطن» التي من خلالها ~~فهموا وأعادوا بناء فرنسا. # 12 # رغم ذلك كله، فقد كانت علمانية التنوير أحد العوامل التي جعلت مفهوم الأمة يحظى ~~بالصدارة؛ فعلى الرغم من عداء المفكرين ل «النظام القديم»، فإن آثار قوة ومركزية ~~الدولة المتزايدة على فكرة المجتمع القومي لا يمكن إنكارها. وفي حين احتفظت مناطق ~~عديدة بهوياتها الثقافية المستقلة، فقد كانت السيطرة الثقافية والسياسية لباريس ~~يوميا أكثر وضوحا، وكذلك كان الإحساس بفرنسا كمجتمع إقليمي مستقل. ويمكن رؤية ~~ذلك في خرائط فرنسا في القرن الثامن عشر، ولوحات فنية مثل سلسلة اللوحات التي رسمها ~~كلود جوزيف فيرنيه لمناظر الموانئ في بداية الفترة الرومانسية. عززت المنافسة مع ~~بريطانيا هذا الإحساس بالهوية الناشئة، لا سيما أثناء حرب السنوات السبع، وحروب ~~الاستقلال الأمريكية التي ساعدت فرنسا في تمويلها. وعزز هذا الإحساس بصفة خاصة ~~حاجة النخب القوية إلى استرجاع القيادة السياسية والثقافية التي كانت تمتلكها ~~الدولة في القرن السابع عشر المعروف ب «القرن العظيم»؛ تلك القيادة التي شعروا أنها ~~تتراجع في ظل نظام ضعيف ومستبد. # أخيرا، يجب ألا نغفل أهمية النماذج الجمهورية والعهدية التي قدمتها الجمهورية ~~الهولندية، والكومنولث الإنجليزي وإن كان قصير العهد، والثورة المجيدة في وقت ~~لاحق؛ فهذه ليست مجرد مسألة تأثير مارسته إنجلترا وحرياتها على المفكرين الفرنسيين ~~المستقلين بصفة خاصة، بل هي مسألة أسلوب سياسة جديد قدمته قومية العهد: فكرة أن ~~مجموعة من الرجال يمكن أن يدخلوا في عهد مع الرب والملك بإرادتهم الحرة، ~~ويتخلون عن الهيئات الوسيطة، وأن ms164 هذه المجموعة تستطيع من خلال جماعاتها ~~التشريعية سن قوانين وإبطالها، والتعبير عن الإرادة العامة للمجتمع السياسي داخل ~~إقليم معين. وهنا يكمن حافز جديد قوي لتكوين أمة فرنسية مستقلة وموحدة لا تخضع ~~لمساءلة أحد إلا أفرادها. ومن هذا المنطلق، يمكننا أن نرى أن مفهوم الأمة ~~الجمهورية المدنية لم ينشأ فقط من تقليد الوطنية الكلاسيكية في بلاد الإغريق وروما ~~وإيطاليا العصور الوسطى والكومونات والكانتونات الشمالية الحرة، بل قام أيضا على ~~معتقدات وسير الكتاب المقدس بدرجة أكبر من اعتماده على المعتقدات والسير ~~الكلاسيكية، حتى مع العلم بأن تلك المعتقدات نفسها قد تعرضت للإنكار في مراحل ~~لاحقة مع الإطاحة بها في بعض الحالات. ~~(2) القومية الجمهورية # بطبيعة الحال، فإن هذه التطورات، المتمثلة في مركزية الدولة، وخصخصة الدين، وتأثير ~~النموذج العهدي من الأمم؛ لم تزدهر أو تجتمع معا على الفور؛ ونتيجة لذلك، فلا يمكننا ~~إدراك بدايات أيديولوجية الأمة الجمهورية المدنية «في حد ذاتها» إلا في أواخر القرن ~~الثامن عشر. ونظرا لمحورية الثورة الفرنسية والثورة الأمريكية في تاريخ الغرب، فإن هذا ~~النوع من الأيديولوجية القومية بمنزلة المعيار لكل أشكال الأيديولوجيات القومية ~~اللاحقة، حتى تلك التي تجعل نفسها مناهضة على نحو واع لكل من الغرب ومختلف أنواع ~~قومياته. # إن هذه الأيديولوجية المعنية هي أيديولوجية جمهورية شكلا ومدنية موضوعا. لقد ~~نشأت من البيئة الاجتماعية والثقافية المحددة في إنجلترا وفرنسا القرن الثامن عشر ~~بصفتهما القوتين الرائدتين والنموذجين الثقافيين لتلك الفترة. في جوهر الأمر، كما رأينا ~~في الفصل الأول، تطرح الأيديولوجية نموذجا إقليميا مدنيا، تعتبر فيه الأمة مجتمعا ~~متماسكا ومحددا من الناحية الإقليمية، يتبع مجموعة واحدة من القوانين وله مؤسسات ~~قانونية موحدة، ويتسم بالمشاركة الجماعية في الحياة السياسية، ويتمتع بثقافة عامة ~~شعبية، وحكم ذاتي جمعي، ودولة، ويشارك في المجاملات الدولية بين الأمم، وتمثل ~~أيديولوجية القومية مصدر شرعيته إن لم تكن مصدر إلهامه الإبداعي. إنه تصور لا يعكس ~~فقط رؤية التنوير للمثالية العقلانية، بل يعكس أيضا صورتها المثالية عن الوطنية ~~والفضيلة مضرب المثل في العصر الكلاسيكي. إنه أيضا مثال يسعى لتكوين المجتمع ms165 السياسي ~~والتضامن من خلال المشاركة الفعالة للمواطنين، وامتثالهم للقوانين ، وترسيخ الفضيلة ~~المدنية، وهذا يتطلب نشر ثقافة عامة مميزة، وأفضل طريقة لتحقيق ذلك هو التعليم العام ~~الموحد الجماهيري ومحاكاة «النماذج» البطولية التي كانت في الماضي. وهكذا أصبحت ~~المواطنة والقانون والتعليم العلماني السمات المميزة للأمة التي تعتبر مجتمعا ~~سياسيا مكونا من وطنيين. # 13 # في بعض الأحيان، يعتقد أن الوطنية المدنية مختلفة عن القومية، بل مناقضة لها. ومن ~~تقاليد ومنطلقات مختلفة جدا، يوضح ماوريتسيو فيرولي ووكر كونر أن مصطلح الوطنية يجب ~~أن يستخدم فقط لوصف المشاعر والولاء الموجهين نحو الدولة أو «الجمهورية» ~~وإقليمها، في حين أن القومية توجه مشاعرها صوب الأمة كمجتمع ثقافي عرقي. وعلى ~~النقيض من ذلك، فإن الوطنية جزء من تراث الدول المدن منذ العصر القديم وحتى جنيف في ~~عصر روسو، ويجب عدم الخلط بينها وبين القومية العرقية التي روجها الرومانسيون ~~وأتباعهم. على سبيل المثال، شهد القرن الثامن عشر انتشار كل أنواع «الجمعيات الوطنية» ~~من أجل تحسين الأخلاق والصحة والزراعة وما شابه ذلك. وفي بعض الأحيان، كان يقال عن هذه ~~الجمعيات الأخوية المنتمية إلى الطبقة الوسطى، التي لها أهداف جمعية، إنها مختلفة ~~كثيرا في الشكل والمضمون عن الجمعيات القومية اللاحقة، التي كانت أهدافها فيلولوجية ~~وتاريخية وفلكلورية، رغم وجود بعض التداخل في حالات عديدة؛ لذلك، فإن كثيرا من ~~الجمعيات الوطنية التي ظهرت في الدنمارك أثناء القرن الثامن عشر كانت مخصص ل ~~«الإصلاح» القومي في مجالات عملية مثل الزراعة والصحة والتجارة، مقارنة بالحركة ~~القومية في القرن التاسع عشر التي هدفت إلى تجديد النسيج الثقافي والاجتماعي للأمة، ~~ورغم ذلك يمكننا بالقدر نفسه أن نقول إن هذا لم يمثل إلا مرحلة أولى من مراحل تطور ~~الإحساس بالهوية القومية، حتى وإن تطلب الأمر حركة تاريخانية لاحقة متمثلة في ~~«القومية» كي تكتمل تلك العملية بنجاح. # 14 # ينبغي بلا شك توضيح فرق مهم ومفيد بين مفهوم الدولة ومفهوم الأمة؛ فكما رأينا في ~~البداية، فإن مفهوم الدولة يشير إلى مجموعة من المؤسسات المستقلة في إقليم معين، في ~~حين أن ms166 الأمة تشير إلى أحد أنواع المجتمعات الثقافية والتاريخية. وصحيح أيضا أنه على ~~مدار قرون كان مصطلح «الوطنية» يشير إلى التعلق إما بمكان ميلاد المرء - سواء أكان ~~حيا أم منطقة أم أرضا - أو بالدولة المدينة، كما في إيطاليا العصور الوسطى، ومؤخرا ~~أصبح يشير إلى الولاء للدولة الإقليمية في حد ذاتها. من ناحية أخرى، في الحالتين ~~الأخريين قد تتطابق الدولة ومجتمعها السياسي مع المجتمع الثقافي للأمة، ومن الصعب ~~عمليا التمييز بين هذين النوعين من الولاء؛ فكثير من الأعضاء، لا سيما «العرقية» ~~المسيطرة، لا يهتمون إلا قليلا بالفرق التحليلي بين الدولة ومجتمعها السياسي وبين ~~الأمة كمجتمع ثقافي عرقي. وهذا هو الوضع إلى حد بعيد في حالة فرنسا، فمع مرور الوقت ~~اندمجت الدولة والأمة، بالإضافة إلى المجتمع السياسي والمجتمع الثقافي العرقي، لتصبح ~~كلها وجهين لعملة واحدة، على الرغم من أن هذا كان على نحو متزايد على حساب المجتمعات ~~العرقية والأمم الأصغر حجما مثل البريتانيين والألزاسيين في «أمة فرنسا الكبرى»، أو ~~الكتالانيين والباسكيين (البشكنج) في إسبانيا. # 15 # إلا أن عدم الاكتفاء بالتمييز بين التصور «العرقي» والتصور «المدني» للأمة والميل ~~إلى معارضة أحدهما بالآخر يجعل هذا الفرق مربكا؛ فالتصور العرقي يرى أن الأمة مجموعة ~~ممتدة من ذوي القرابة، تربطهم روابط النسب، ويشتركون في ثقافة سلفية مشتركة. في حين ~~يرى التصور المدني أن الأمة مجتمع سياسي يضم مواطنين يعيشون في ظل الحكومة والقوانين ~~نفسها في إقليم معين، ويشتركون في القيم والمثل المشتركة، وهذا هو نوع التعريف ~~الموجود في «الموسوعة». في أغلب الأحيان، تعتبر فرنسا نموذجا أوليا للأمة المدنية ~~كمجتمع سياسي. إلا أنه في حقيقة الأمر، امتزج في فرنسا كلا النوعين من الارتباطات ~~الجمعية، السياسية والثقافية التاريخية، وبحلول القرن الثامن عشر استهدفت الدولة ~~الأرستقراطية والملكية، وساعدت أساطير السلف المشترك المتمثل في بلاد الغال في إرساء ~~«الوطن» على أساس أمة عرقية واحدة. بالإضافة إلى ذلك، فإن الحاجة المتزايدة إلى التجانس ~~الثقافي والتركيز الجديد على توحيد اللغة على أساس الفرنسية الباريسية أثناء الثورة، في ~~محاولة لإضعاف اللهجات والعادات المحلية، أرسيا ms167 قواعد «الوطن» المدني وكونا الأمة ~~الفرنسية على أساس «العرقية» الواحدة الموحدة سياسيا . إن وجود قدر من الهندسة ~~الثقافية والاجتماعية لا يقلل من الامتزاج الفريد بين الهويات والمجتمعات الجمهورية ~~المدنية والعرقية القومية. # 16 # حتى الفرق بين وطنية الدول المدن والقومية العرقية الثقافية الذي وضحه فيرولي ليس ~~واضحا كما يقول؛ فكما رأينا في الفصل الرابع، كانت البندقية وفلورنسا تعتبران في ~~الغالب أمتين، داخل إيطاليا وخارجها، وحتى أثينا القديمة - كما أوضح إدوين كوهين - كان ~~يرى أرسطو أنها تمثل أمة بناء على حجمها ومساحتها بالإضافة إلى أساطير أصلها ~~ونشأتها. والسبب في ذلك يرجع جزئيا إلى عامل يظهر في سرد فيرولي، ألا وهو التركيز ~~الشديد على التاريخ والأسلاف الأبطال وتضحيتهم في الصور الذاتية لمواطني الدول المدن. ~~وهذا أيضا سمة شائعة في معظم القوميات، وصفة بارزة في تعريف إرنست رينو الكلاسيكي ~~للأمة. # 17 # ومن ثم، في ظل القومية الجمهورية تندمج الأمة السياسية والثقافية لخدمة مجتمع ~~إقليمي يضم مواطنين ينصاعون للقوانين نفسها ويشتركون في القيم والمثل نفسها المتمثلة ~~في الفضيلة وحب «الوطن». من وجهة نظر القوميين الجمهوريين، فإن الأرض مقسمة إلى أمم، ~~لكل منها شخصيتها، وتاريخها، ومصيرها، وتسكن كل منها في وطنها التاريخي وتسعى إلى ~~الوحدة والاستقلال الكامل كمجتمع سياسي يضم مواطنين متساوين. تكون الأمة وقوانينها ~~المصدر الوحيد للسلطة السياسية، ولا يوجد وجود خارج الأمة. ولا يمكن تحقيق الحرية ~~الحقيقية إلا من خلال الانتماء للأمة والمشاركة في حياتها ومن خلال التعليم العلماني ~~الذي سوف يغرس في النفوس الحب الشديد للوطن، وتاريخه، ورموزه، وقيمه ومثله. إرادة ~~الأمة هي أعلى محكمة استئناف، وهي مصدر كل الخيرات؛ وهذا يعني أن نوع الحكم يجب أن ~~يكون جمهوريا وديمقراطيا في نهاية المطاف كي يجسد ويعبر عن سيادة الشعب ~~ومجتمع المواطنين بأكمله. ~~(3) دين علماني؟ # إذا لقد قدمت القومية الجمهورية سردا علمانيا صرفا للمواطنة والتضامن ~~السياسي. إن إصرارها على تأسيس مجتمع الأمة على أساس المصالح والاحتياجات البشرية ~~وحدها، على النقيض من القانون الإلهي أو قوانين الطبيعة، دعم مثلها المدنية ~~والجمهورية. ولعل الأهم من ذلك ms168 أنها أكدت على الحاجة إلى الثورة من خلال التحرر ~~الذاتي الجمعي وقدرة البشر في كل مكان على تنظيم نوع من المجتمع عقلاني وأكثر مثالية. ~~ومن هذا المنطلق، فإن كل الأفراد في كل مجتمع يستطيعون إعادة تشكيل المجتمع، وينبغي أن ~~يشكلوه على أساس المبادئ العلمانية الجديدة المتمثلة في الحرية والسيادة الشعبية ~~والوطنية. ومن الناحية العملية، كان معنى ذلك أن كل الشعوب تستطيع - ومنوط بها - ~~الإطاحة بالحكام الطغاة و«الأنظمة القديمة»، والقضاء على الجهل وخرافات رجال الدين، ~~وتعليم شبابها فضائل الإخاء والوطنية، وتحفيز مواطنيها على المشاركة السياسية ~~الفعالة، وغرس الرغبة في تجديد المجتمع والدفاع عنه ضد أعدائه الخارجيين وأعدائه في ~~الداخل. # من ثم، ظهرت أيديولوجية الأمة الفاعلة - إن لم تكن المقاتلة - وهي تلك الأمة التي ~~تأسست كما قلت على مبادئ علمانية بحتة تتمثل في عقلانية البشر وإرادتهم وتضامنهم. ~~ومع ذلك، فعلى الرغم من أن المعتقد قد يكون علمانيا، فإن تطبيق هذه الأيديولوجية ~~يتشابه للغاية مع الأديان التي من المفترض أن تحل محلها. ولم يكن الأمر مجرد استحضار ~~هذه المبادئ العلمانية للورع والخشية المرتبطين ب «الدين»، أو أن الأيديولوجية ~~العلمانية في بداية عهدها، كما رأينا، كانت ترتدي عباءة دينية مقترضة. لقد كان الأمر ~~أعمق من ذلك بكثير؛ فالقوميون الجمهوريون في إطار سعيهم لاستبدال المسيحية التقليدية ~~التي تمثل أساس المجتمع، تبنوا إلها إقصائيا ومتطلبا مثل الرب الذي سعوا إلى ~~الإطاحة به. وأثناء تحويل الأمة نفسها إلى المعبود والمبجل الوحيد، خلقت القومية ~~الجمهورية دينا علمانيا جديدا يقوم على التجمع المقدس للشعب ويعج برموزه الخاصة ~~المتعلقة بالشرف والتعبد، مثل: الشعارات، والأعلام، والعملات المعدنية، والتقاويم، ~~والأناشيد، والمواكب، والأقسام، والقوانين، ومراسم إحياء الذكرى والاحتفال، ~~والأكاديميات القومية، والمتاحف والمكتبات القومية، وكل لوازم المؤسسات والتصنيفات التي ~~توحد المواطنين وتميزهم عن الغرباء. وكما تقول عريضة مثيري الاضطرابات الصادرة عام ~~1792 فإن: «الأمة هي الإله الوحيد المسموح بعبادته.» # 18 # هذا الدين القائم على العمل الجمعي العلماني كانت تدعمه افتراضات أساسية معينة ~~متعلقة بنوع المجتمع الذي يمكن أن يكون مقصدا لأفراده العاملين. في البداية، ms169 بناء ~~على قول روسو المأثور الذي ينص على أن كل شعب لا بد أن تكون له شخصيته المميزة، فقد ~~أصبح من الأمور المسلم بصحتها أن سيادة الشعب لا يمكن ترقبها إلا من شعب يتسم ~~بأنه مجتمع بشري خاص ومميز، وهذا أحد التقسيمات الأساسية للبشر. بطبيعة الحال، كل شعب ~~لا بد أن يملك سيادته وأن يصبح المصدر الوحيد للقانون والمواطنة، لكن الشعب يصبح فرعا ~~إنسانيا تاريخيا ومستقلا من خلال ترسيخ التقاليد والأعراف والعادات الخاصة به، ~~ومن خلال بطولة الأجيال المتعاقبة من أفراده وتضحيتهم بأنفسهم. وعبر هذان الأمران ~~معا عن «عبقرية» الشعب، وهذه فكرة تعود على الأقل إلى اللورد شافتسبيري وبولينجبروك، ~~وطورها مونتسكيو لتصبح (روح) الأمة. وفي حين أن الروح التبشيرية ل «الوطنيين» ~~الفرنسيين عقب عام 1792 أصرت على استنساخ نموذج ثورتها بمفاهيمها عن السيادة الشعبية ~~والمواطنة في الأراضي والشعوب التي احتلتها الجيوش الثورية، فإنها رغم ذلك قبلت ~~الاختلافات بين الشعوب والأمم، وشخصياتهم وأعرافهم وعاداتهم وتواريخهم المميزة. وكل ما ~~رغب فيه هؤلاء الوطنيون هو منح «الشعوب الخاضعة لهم» الحرية والسيادة التي حرمهم إياها ~~الملوك والكهنة والنبلاء. # 19 # عززت الاختلافات في اللغة والثقافة الشخصية المميزة للشعوب والأمم. ولم يكن ~~الاهتمام باللغة ناتجا عن الرومانسية الألمانية فحسب على الرغم من تأثير هيردر في ~~أوروبا الشرقية وجزر البلقان؛ فمنذ الترجمات الأولى للكتاب المقدس التي زادت في القرن ~~السادس عشر من خلال انتشار الطباعة بين العوام، أصبحت اللغة شأنا سياسيا، وإن كان ~~ذلك على نحو غير مباشر في البداية. بالتأكيد، بحلول القرن السابع عشر، أسهمت نسخ ~~الكتاب المقدس المكتوبة وكتب الصلاة المكتوبة باللغات العامية في إبراز وتحديد الشخصيات ~~المميزة للأمم، لا سيما في الدول البروتستانتية. أكمل التحول إلى العامية في ~~النصوص الدينية بنشأة قانون أدبي أكثر علمانية على يد الشعراء والمسرحيين والمؤرخين ~~والفلاسفة المحليين. وكان انتشار الأدب المحلي والجمهور القادر على قراءته جزءا من ~~تقدير أوسع نطاقا للتراث والأعمال الفنية والذكريات والقيم والمؤسسات القومية ~~المميزة، باختصار كان تقديرا للثقافة الخاصة بكل أمة. وكانت اللغة قد برزت ms170 بالفعل ~~كعامل في المقاطعات الشمالية المقسمة في هولندا، بتمييزها بين الهولنديين الشرقيين ~~والغربيين، لكنها مثلت مشكلة خاصة بالنسبة إلى اليعاقبة الذين سعوا إلى تكوين ~~فرنسا موحدة مكونة من مقاطعاتها المختلطة؛ الجمهورية الموحدة غير القابلة ~~للتقسيم داخل «حدودها الطبيعية»؛ ومن ثم، كان تقرير أبي جريجوار عن اللهجات ~~الفرنسية، حيث قال بضرورة التخلص من اللهجات لأنها تدعم التقاليد والأعراف والمؤسسات ~~المحلية لمقاطعات فرنسا المختلفة؛ ومن ثم تعيق الوحدة اللغوية والثقافية ~~للجمهورية. وهذا يعني أنه نظرا للافتراض القائل إن العالم مكون من أمم ودول قومية ~~مستقلة، فسرعان ما أصبح واضحا أن الوحدة القومية في الجمهورية تعتمد على الوحدة ~~الثقافية والتجانس اللغوي. # 20 # إن سعي القومية الجمهورية الحثيث للتخلص من وجود «الأمم داخل الأمم» كان موضحا على ~~نحو بين في معاملة الثورة الفرنسية ونابليون لليهود في فرنسا؛ إذ كانوا يرون أن ~~اليهود مجتمع عرقي أجنبي ومنحط؛ ولذلك فقد كان واضحا أنهم إذا منحوا مزايا وفوائد ~~«الحضارة» الفرنسية فإنهم سوف يحررون من معوقاتهم التقليدية وكذلك من هويتهم ~~العرقية المقيدة و«الضيقة». ولكي يصبح اليهود مواطنين في الجمهورية كان لزاما أن ~~يخلصوا «دينهم» من «الهوية العرقية» التي طالما كان مرتبطا بها، بصفته دين بني ~~إسرائيل (أو يعقوب)، ويمارسوه فقط كأفراد في حياتهم الخاصة منذ تلك اللحظة، وكان لزاما ~~عليهم أيضا أن يتخلوا عن وجودهم المستقل إلى حد بعيد، إن لم يكن غير المتكافئ ~~والبائس، كمجتمع يهودي مستقل، ليحصلوا على المساواة العامة «كأفراد» ومواطنين داخل ~~الدولة القومية الفرنسية، ومن ثم يصبحوا مواطنين فرنسيين من النوع «الإسرائيلي». ~~علاوة على ذلك، فإن التاريخ الذي سوف يتعلمونه ويعتنقونه، ومن بعدهم كثير من الشعوب ~~الخاضعة للاستعمار الفرنسي، لن يكون التاريخ المقدس لشعبهم بداية من إبراهيم وحتى راشي ~~وموسى بن ميمون، بل التاريخ الفرنسي بداية من فيرسانجيتوريكس - أو ربما كلوفيس - وحتى ~~نابليون. ومع الوقت، كان مأمولا أن يرى أحفادهم أنهم منحدرون من نسل الغاليين، وتحل ~~محل هويتهم العرقية التقليدية هوية قومية علمانية جديدة. والصراعات الحديثة ~~المتعلقة بالمهاجرين المسلمين تؤكد الالتزام الفرنسي الواضح بالعلمانية، ms171 وكذلك ~~الأساس العرقي الثقافي المضمر للقومية الجمهورية المدنية. # 21 # وهذا يوضح أن القومية الجمهورية، في بدايتها على الأقل ، لم تعتمد فقط على الوحدة ~~الثقافية للأمة التي تسعى إلى تحريرها من الطغيان والخرافة، بل اعتمدت أيضا على الأساس ~~العرقي لتلك الأمة. وكان هذا الأمر ينطبق على الأمريكيين مثلما كان ينطبق على ~~الفرنسيين؛ فالسود، سواء أكانوا عبيدا أم أحرارا، اعتبروا أنهم يكونون فئة عرقية ~~- عنصرية في هذه الحالة - منفصلة، واستغرق الأمر قرونا من الصراع والتظاهر لقبولهم ~~كأمريكيين كاملين. علاوة على ذلك، فحتى في صفوف البيض كان الأساس العرقي الأنجلوسكسوني ~~والسيطرة الأنجلوسكسونية على الأمة الأمريكية الناشئة مقبولا إلى حد بعيد. تعكس هذه ~~الأمثلة أهمية العنصر العرقي في القومية الجمهورية، ومن ثم تقلل من التناقض الشائع ~~بين القومية «المدنية» والقومية «العرقية» (لكن ليس الفرق بينهما). # 22 # توجد صفتان إضافيتان للقومية الجمهورية توضحان طابعها كدين «يهتم بالعالم المادي» أو ~~ك «دين علماني»؛ الصفة الأولى: هي عبادة أتباعها للأرض كإقليم تاريخي، وكأرض «الأسلاف» ~~وأرض الميلاد. كما رأينا، فإن المشاعر المرتبطة بأرض الوطن لها تاريخ طويل يعود إلى ~~«قصة سنوحي» في مصر القديمة، والمزامير، لا سيما المزمور 137، وفي الأغاني التي تتحدث ~~عن جمال جوقات اليونان القديمة المعروفة باسم «هيلاس» في مآسي سوفوكليس ويوريبيديس. ~~والاعتراف بالسمات المميزة للمناظر الطبيعية الحضرية والريفية يظهر مجددا في النهضة ~~الإيطالية، لا سيما في الرسومات الفلمنكية والهولندية؛ حيث بدأت تتخذ طابعا قوميا. ~~وفي الرسم والشعر البريطاني والفرنسي والسويسري في القرن الثامن عشر، بدأ الطابع القومي ~~للمناظر الطبيعية لتلك الدول يبرز على سبيل المثال من خلال شعر هالر عن جبال الألب، ومن ~~خلال الشعراء الإنجليز أمثال جراي وطومسون وأوائل الرسامين البريطانيين الذين ~~استخدموا الألوان المائية؛ كوزنز وجيرتن وساندبي. ولا شك أن الرومانسية جعلت هذه ~~التوجهات والمشاعر رائجة ومنتشرة في مطلع القرن، وعززت الاهتمام القومي ومجدت ~~الفلاحين وأسلوب حياتهم الريفي. # 23 # على الرغم من ذلك، فإن الحاجة المصاحبة إلى الوحدة القومية أسهمت أيضا في عبادة ~~الوطن. من ناحية، فقد مالت إلى أن تجمع داخل نطاق ms172 الجمهورية مناطق مختلفة غالبا، من ~~خلال كل من إدارة المسئولين ومشاركة الأفراد من كل المقاطعات في الجيش والمدارس ~~والمهرجانات العامة وسياسة المركز. ومن ناحية أخرى، فقد أسست رمزية «فرنسا» على سبيل ~~المثال، ومفاهيمها المتعلقة ب «الحدود الطبيعية» للأمة، ومن ثم إدراك الأهمية ~~السياسية للجبال والأنهار والسواحل وما شابه ذلك في تحديد الحدود وطبيعة الأمة نفسها. ~~ونظرا لميوعة مثل هذه التصورات، بالإضافة إلى الظروف السياسية المتغيرة باستمرار، ~~فمن غير المفاجئ أن تلك الحاجة إلى الوحدة القومية قدمت ذرائع ومحفزات أخرى للصراعات ~~والحروب على الحدود، كما في حالة الألزاس واللورين وفي حالة مدينتي تريستى وفيومى. إلا ~~أن القبول السريع الذي حازته تلك الصراعات لدى كثير من الناس يشهد على الطابع شبه ~~المقدس للتصور القومي للوطن وحدوده، وهذا موضوع قدمه قوميون جمهوريون مؤمنون ~~بأفكار حسية وعقلانية متعلقة بالمجتمع القومي ومكانته في عالم من الأمم ~~المتجانسة. # 24 # كانت صفة التقديس للوطن واضحة بصفة خاصة في ارتباطها ببطولة قتلى الحرب: الأرض ~~والأموات. وعلى الرغم من أن موضوعات التضحية الجماعية ليست بجديدة بالمرة، فحتى عصر ~~الإصلاح كانت التضحية البطولية ترى إلى حد بعيد في الملوك والفرسان المجاهدين ~~الفرادى أو في القديسين الشهداء، باستثناء حالات التضحية الجماعية في اسكتلندا وسويسرا ~~وإسبانيا. وبدأت أفكار حب «الوطن» والتضحية من أجله تتسلل إلى الشعر والنثر الفرنسي في ~~القرن الخامس عشر، وتبنت إنجلترا وهولندا تلك الأفكار، لا سيما في تبجيل ويليام ~~الصامت في القرن السابع عشر في هولندا. وبحلول القرن الثامن عشر، بدأت عبادة تقليد ~~الأبطال تربط المجتمع القومي بقائمة أسماء الرجال العظماء، لا سيما محاربي العصور ~~الوسطى ورجالها الوطنيين أمثال دو جيكلان، وبايارد، وتيل، وألفريد، وأكملت تلك ~~القائمة بالأبطال المعاصرين مثل الجنرال وولف. إلا أن القومية الجمهورية هي من طورت ~~هذا التفسير ووسعت أهميته الشعبية إلى حد بعيد. ومنذ منتصف القرن، طالب الفلاسفة ~~والمروجون والنقاد الفرنسيون كلا من القادة والشعب على حد سواء أن يحاكوا شجاعة ~~ووطنية الأبطال القدماء أمثال ليونيداس وسقراط وسكيفولا وسكيبيو، واقتبسوا علاوة على ~~ذلك أعمال الفضائل ms173 المدنية والتضحية بالذات التي قام بها هؤلاء الأبطال. وأضافت الثورة ~~أعدادا من شهدائها المعاصرين - رجالا أمثال لو بيلتييه ومارا - وابتكرت تكريما لهم ~~مراسم ورموزا وعبادات شبه دينية، استخدمها «الوطنيون» ليبثوا في نفوس الشعب الأخلاق ~~الصارمة المطلوبة من المواطنين في المجتمع القومي الذي ولد من جديد. وأصبح تبجيل تجربة ~~الحرب والتضحية القومية لكل من الأفراد والجماعات شريان الحياة للأمة الجمهورية الذي ~~من خلاله يمكن لمجتمعات معينة ولأديانها المدنية أن تتجدد باستمرار؛ مما يحول ~~الهزيمة والنكسة إلى فوز وانتصار. # 25 # بطبيعة الحال، لم يكن تبجيل الأموات المجيدين مقتصرا على الجمهوريات أو القوميات ~~المدنية؛ ففي أعقاب مذبحة الحرب الكبرى، شعر كثير من أبناء الشعب البريتوني أنهم في ~~حاجة إلى نصب تذكاري دائم لقتلى الحرب، وحرصوا على أن يظل النصب التذكاري الذي ~~صممه لاتيونز وشيد لموكب 1919 تكريما دائما لذكرى قتلى الحرب. على هذا النحو، يمكن ~~أن تتضح الدلالة الرمزية للشخصية الشعبية لأمم بريطانيا ويعبر عنها على نحو مبجل من ~~خلال المراسم السنوية ليوم إحياء الذكرى. ورغم ذلك، فقد سارت بريطانيا في هذا الصدد على ~~خطى فرنسا وغيرها من الدول التي حملت راية القيادة، بعد أن أقرت الديمقراطية لاحقا ~~في أمتها التي كانت هرمية وعهدية في السابق. إن النموذج الجمهوري المدني من القومية هو ~~ما ساعد في خلق رموز ومراسم لإحياء ذكرى الوطنيين الذين قتلوا في الحروب من أجل الأمة ~~الجمهورية، وكان أول من عبر عن شخصيتها الشعبية والعلمانية، ومن ثم خلق نوعا ~~جديدا من الدين «العلماني» المناسب لمجتمع المواطنين المقدس، نوعا كان من الممكن ~~تصديره إلى الأمم الجمهورية الأخرى المحتملة. # 26 ~~(4) الاختيار الشعبي: المهمة العلمانية # تمثل القومية الجمهورية نوعا من التناقض؛ فمن ناحية، نجد أن محتوى عقيدتها علماني ~~على نحو جذري، ويركز على احتياجات المواطنين، والتزامهم بالقانون، وترسيخ الفضيلة ~~والوطنية. ومن ناحية أخرى، فإن ممارسة أيديولوجيتها دينية على نحو حماسي. إن نمط ~~ثقافتها العامة، وتبجيلها للوطن، وتبجيلها لقتلى الحرب؛ تقدم جميعا صورة شركة مقدسة ~~يقوم بها المواطنون في طقوس ومراسم عامة، وكذلك من ms174 خلال قوانين وتقاليد ورموز ومؤسسات. ~~وبالمثل، فيما يخص القومية الجمهورية، فإن «الأمة» (مقارنة ب «دولتها») تعتبر شركة ~~علمانية ذات أعراف وتقاليد، ولغة وثقافة محليتين ، ووطن متوارث عن الأسلاف، وتاريخ وطقس ~~عام يتمثل في بطولة التضحية بالذات؛ بيد أن هذه الصفات نفسها تساعد أيضا في تحويلها ~~إلى فئة دينية، وشركة مقدسة للشعب؛ ومن ثم تصبح شيئا محل تبجيل ديني وعبادة ~~شعبية. # كان هذا التحول متأثرا بقوة بتقليد الاختيار العرقي الطويل والمؤثر. لقد رأينا ~~ذلك بالفعل في القرن السابع عشر، حيث نقلت البروتستانتية الراديكالية صفة الاختيار من ~~الملك ومملكته إلى مجتمع الأمة المؤمنة والمختارة. والآن، أصبح مثال السيادة الشعبية ~~ممتزجا بمثال الاختيار العرقي للأمة الجمهورية المكونة من كل أفرادها بصرف النظر عن ~~المكانة أو الثروة؛ ونتيجة لذلك سعت القومية الجمهورية إلى رفع منزلة كل من الأشخاص ~~العاديين أو «عامة الشعب» وشعب بعينه، أي مجتمع مقدس محدد، وهذه شخصية مزدوجة وضحها ~~جيدا تصور جروندفيج عن الشخصية الشعبية للشعب الدنماركي في القرن التاسع عشر، أو عن ~~مثال أنصار السلافية المتمثل في الشركة المقدسة للشعب الروسي. وهذا يساعد أيضا في ~~تفسير الشخصية الانعكاسية الذات للقومية الجمهورية، وإصرارها على العبادة الجمعية ~~لذاتها كمجتمع حصري، ومتفوق غالبا على غيره، واثق من شخصيته وصفاته الفريدة. # 27 # كشف هذه الشخصية المثالية للأمة الجمهورية وعززها دورها الفريد ومهمتها الفريدة ~~اللذان يكملان عادة ذكرياتها الأسطورية عن العصور الذهبية. ومن المحتمل أن تتمثل ~~مهمتها في أن تسطع كمنارة للحضارة أو كمجمع للثقافة، أو أن تجسد مثالا للتفوق ~~العسكري، أو أن تقدم مثالا للتكامل الاجتماعي أو التقدم الصناعي. وأيا كان مجال ~~تميز الأمة، فإن كل أمة يمكنها أن تبرر - ولو في نظرها على أقل تقدير - مكانتها ~~الخاصة في الإطار الأخلاقي للعالم بأسره من خلال أسطورة عن شخصيتها الفريدة ودورها ~~الفريد في التاريخ، كما هي الحال مع أسطورة الثورة الفرنسية التي تقدم فرنسا على ~~أنها أمة الحرية والإخاء التي تجلب لغيرها بركات النظام الجديد. والأهم من ذلك أن أفراد ~~الأمة من الممكن أن يجدوا ms175 الراحة والفخر في مهمتها الخاصة، ومن المحتمل أن يكونوا ~~واثقين من مصيرها الجمعي؛ مما يحقق قدرا من الخلود من خلال معرفة أن الأجيال القادمة ~~ستستمر في إكمال الدور المميز للأمة مع «تقدمها» عبر الزمن إلى المستقبل غير المعلوم. ~~وفي كل الأوقات، سواء الجيدة أو السيئة، ستنكشف القيمة الأساسية للأمة من خلال مهمتها ~~الممنوحة من الرب أو الموكلة من التاريخ. # 28 # انطلاقا من هذا، ليس من الصعب معرفة السبب في ضرورة أن تصبح الأمة محل عبادة، أو في ~~ضرورة أن تتخذ المراسم العامة طابعا مقدسا ومبجلا بصفتها «أفعال عبادة»، كتلك ~~الواضحة للغاية في مهرجانات الثورة الفرنسية الكبيرة أو في الاحتفالات القديمة بيوم ~~الطالب الألماني. إلا أنه مع تكون أمم جديدة في القرنين التاسع عشر والعشرين، شعر ~~قادة تلك الأمم ومناصرو أيديولوجياتها بأنهم يحتاجون إلى تكوين طقوس عامة مشابهة، وأن ~~يبثوا في نفوس أفراد الأمة مشاعر العبادة والتبجيل الدينية المشابهة لمشاعر الأديان ~~التقليدية. ومن خلال الرموز السياسية والمراسم الجماعية المصممة، وتماثيل الأبطال، ~~ومواقع الاحتفال وإحياء الذكرى، سعوا إلى خلق نوع من التاريخ الجمعي والمصير الجمعي ~~لأمة خالدة، وفي الوقت نفسه متطورة، عبر الزمن من أجل تحقيق مهمتها التاريخية. وهذه هي ~~الحال إلى حد بعيد في ألمانيا القرن التاسع عشر التي وثق جورج موسيه مهرجاناتها ~~وآثارها، لكننا نجد طقوسا واحتفالات مشابهة في فرنسا وإيطاليا وبريطانيا والولايات ~~المتحدة وغيرها في أواخر القرن التاسع عشر. وتحقيقا لتلك الغاية، لقي المعماريون ~~والفنانون والموسيقيون والشعراء تشجيعا على خلق صور وآثار حية للأمة تستحضر جلالها ~~وحقيقتها الخيرة والموجودة في كل مكان، بحيث يجعلون ما هو عام ومجرد بالضرورة محددا ~~وملموسا. وفي هذا الصدد أيضا، قلدت القومية الأديان التقليدية؛ فمثلما كشفت الأديان ~~عن الرب من خلال القوانين الإلهية والأيقونات، كذلك رأى القوميون أن الأمة يمكن إدراكها ~~من خلال قوانين الأشخاص أصحاب السيادة، ومن خلال الصور التي يقدمها الفنانون والكتاب ~~في هذه الأمة. ومثلما دمجت الأديان التقليدية الأفراد في مجتمع المؤمنين، سعى أيضا دين ~~القومية العلماني إلى استيعاب الفرد في ms176 مجتمع المواطنين المقدس وثقافته التاريخية ~~المدنية. # 29 ~~(5) سلف القومية الجمهورية # لا يظهر هذا الارتباط الوثيق بين إعلاء مكانة الشعب صاحب السيادة والمهمة العلمانية ~~للأمة على نحو أكثر وضوحا إلا في فرنسا الحديثة. بطبيعة الحال، كانت فكرة أن ~~الفرنسيين «شعب مختار» شائعة في العصور الوسطى وما بعدها. أما ما كان جديدا فهو ~~انتقال هذا المعتقد من مملكة فرنسا إلى الشعب الفرنسي المتمثل في مواطني الجمهورية ~~المتآخين؛ فبينما مثل الشعب الفرنسي في العصور السابقة أمة مختارة، من حيث إنهم ~~يشكلون الجزء الرئيسي من المملكة الفرنسية ورعايا «الملك الأكثر مسيحية» وليس أكثر ~~من ذلك، فأثناء الثورة الفرنسية لم يصبح الشعب والأمة كفكرة منفصلين عن الملك والمملكة ~~فحسب، بل أعلى منهما مكانة، وبعد عام 1792 أصبحوا وحدهم من يحملون صفة «الاختيار» في ~~النموذج العلماني الحديث من الإرادة والحرية والفضيلة القومية. ولم يكن هذا التحول ~~مفاجئا. بالفعل في عهد لويس الرابع عشر، كانت فكرة فرنسا كأمة حضارة ومجد مرتبطة ~~بعبادة ملك الشمس؛ مما وضع معايير الذوق والثقافة لغيرها من دول الملكية المطلقة في ~~أوروبا. وخلال القرن الثامن عشر، كانت فكرة الأمة ك «شعب» و«مجتمع» قد اكتسبت شعبية، ~~وتحررت من ارتباطاتها بالإله والملك على حد سواء. إلا أنه على الرغم من هذا الإعداد ~~المفاهيمي، فإن الأيديولوجية القومية الجمهورية المتعلقة بالإرادة القومية والحرية ~~الشعبية كانت جديدة في محتواها ونطاقها؛ إذ إنها رأت أن الأمة هي المصدر الوحيد ~~والأصلي لكل القوانين والسيادة، أو كما قال القس سييس في أوائل 1789: # توجد الأمة قبل كل الأشياء وهي أصل كل شيء. إرادتها قانونية دائما، وهي ~~القانون نفسه ... الأمم على الأرض يجب أن تعتبر أفرادا خارج الرباط الاجتماعي، ~~أو كما يقال، أفرادا في وضع الطبيعة. إن ممارستها لإرادتها حرة ومستقلة عن كل ~~الأنواع المدنية. ونظرا لوجود إرادتها في النظام الطبيعي فقط، فإنها تحتاج ~~فحسب إلى امتلاك الخصائص «الطبيعية» للإرادة كي تؤثر تأثيرها الكامل. وأيا ~~كانت طريقة تعبير الأمة عن إرادتها، فإنه يكفي أنها تريد؛ فكل الأشكال مشروعة ~~وإرادتها هي دائما القانون الأعلى. ms177 # 30 # كان اليعاقبة، بصفة خاصة، يعتبرون مثل الحرية والفضيلة و«الوطن» ~~مثلا مقدسة. لكنهم لم يكونوا هم الوحيدين؛ فمن وجهة نظر كثير من الأشخاص، كانت ~~الأمة جزءا من النظام الطبيعي وأساس الحياة الاجتماعية والسياسية، والنظير العلماني ~~للإله، وكانت الثورة تمكن الرجال من التكريم والعبادة على مذبح ذلك الإله المقلد. ~~لاحظ ماركيز دو كوندورسيه في ذلك الوقت الصفة الدينية للثورة فقال: # ثورتنا دين، وروبسبيير قائد طائفة دينية في هذا الصدد. إنه كاهن مسئول عن ~~عباده. # 31 # ومن هنا كانت الحاجة إلى التخلص من الأديان المنافسة، وسحق أي علامات ~~لإحياء الكاثوليكية، لا سيما في ثورة فونديه الممتدة. إلا أن روبسبيير في بداية عام ~~1794 كان قد بدأ، للسبب نفسه، في تحجيم حملته المسعورة الهادفة إلى اجتثاث المسيحية ~~التي شنها أتباعه الأكثر تطرفا، وحاول ترسيخ الثورة من خلال تأسيس دين علماني للكائن ~~الأسمى الذي يرى كل شيء، على أن يحتفل به في مهرجان شعبي مصمم بعناية في يونيو ~~1794. # 32 # على مدار القرن التالي، شهد الدين العلماني للقومية الجمهورية الفرنسية دعما على ~~نحو متكرر، على الرغم من تحدي النزعة المحافظة الكاثوليكية له في أغلب الأحيان، وفي ~~البداية كان هذا الدعم منبثقا عن سياسات نابليون ومؤسساته، ولاحقا كان نابعا من ~~الحملة العلمانية الصارمة للجمهورية الثالثة، وتحديدا في مجال التعليم الجماعي ~~والتماثيل الأثرية والطقوس العامة. وكما وثق إريك هوبزبوم على نحو واضح، ففي هذه ~~الفترة كان مثال الأمة الفرنسية العلمانية التي تضم كل مواطنيها يروج له من خلال ~~العلم، ومن خلال تبني النشيد الوطني الفرنسي «لامارسييز»، وتأسيس مقبرة العظماء ~~«البانثيون»، واختيار يوم الباستيل كإجازة قومية. وعلى الرغم من الصراعات الشديدة بين ~~المحافظين الملكيين والكاثوليك والجمهوريين العلمانيين الراديكاليين، فقد ظل نموذج ~~القومية الغالب في فرنسا أثناء الفترة الحديثة علمانيا وجمهوريا بالأساس، لا سيما ~~أثناء قضية دريفيوس وفي منتصف القرن العشرين. وحتى وقتنا الحاضر، يمكننا رؤية سعي ~~النخبة السياسية وراء هذه المثل من خلال التوجه العدائي تجاه العرض العام ~~للممارسات الإسلامية وغيرها من الممارسات الدينية، لا سيما في المدارس. ms178 وما زالت ~~مثل اليعاقبة المتمثلة في العلمانية والحرية و«الوطن» تجد أصداء قوية في الصعيد ~~السياسي والاجتماعي والرمزي، كما تذكرنا المراسم العلمانية الصرفة ليوم ~~الباستيل. # 33 # في كل أنحاء أوروبا خلال القرن التاسع عشر، ساعد مثال أوروبا ودينها العلماني ~~المتمثل في القومية الجمهورية في تحويل مزيج من دول الملكية المطلقة وإمارات صغيرة ~~الشأن إلى جمهوريات قومية سيادية متشابهة ظاهريا تقوم على مبادئ القانون والمواطنة ~~والتعليم العلماني. كان نجاح نابليون يعود جزئيا إلى جاذبية تلك المبادئ الجمهورية ~~الثورية، وما تبع ذلك من إصدار لدساتير علمانية تقوم على المواطنة والحرية المدنية ~~وحكم القانون، لا سيما في الولايات الألمانية والبلدان المنخفضة وسويسرا. وفي ~~سويسرا، تأسست الجمعية الهيلفيتية عام 1762، وبتأثير من يوهان ياكوب بودمر وتلميذيه ~~ألبرشت فون هالر ويوهان ياكوب برايتينجر، ازداد ربط أعضاء هذه الجمعية مثل التنوير ~~والتقدم بشخصية «الاتحاد السويسري القديم» ومصيره. # لذلك، فإن فرض فرنسا الثورية للجمهورية الهيلفيتية عام 1798 - على ~~الرغم من أنه مثل تحولا اجتماعيا بارزا عند حلول الوطنيين الراديكاليين ~~المنتمين للطبقة الوسطى محل حكومات الأقلية في بيرن وزيورخ وغيرهما من المدن - يمكن ~~النظر إليه على أنه النهاية المنطقية لتاريخ طويل من مقاومة سويسرا للطغيان وإيمانها ~~بالحرية. وكنتيجة جزئية للمناخ الدولي بعد سقوط نابليون، وأيضا بسبب افتقار الجمهورية ~~الهيلفيتية للدعم الشعبي الكافي، فسرعان ما حل محلها أنظمة محافظة، لكن «امتزاج ~~الدستورية الديمقراطية والقومية الشعبية» منذ ثلاثينيات القرن التاسع عشر أدى في ~~نهاية المطاف، بعد الحرب الأهلية القصيرة بين الكانتونات البروتستانتية والكانتونات ~~الكاثوليكية عام 1847، إلى انتصار الجمهوريين الراديكاليين وتبني الدستور الفيدرالي ~~السويسري لعام 1848. # 34 # وعلى النحو نفسه اتبعت غالبية النخبة المثقفة اليونانية، وكذلك كثير من التجار ~~والمهنيين اليونانيين، إيوسيبوس مويسيوداكس وأدامانتيوس كورائيس رغبة في جمهورية قومية ~~علمانية لليونان المجددة التي تستحق أسلافها القدامى، والتي شبهت كثيرا بأثينا ~~القديمة وديمقراطيتها؛ ومن ثم، كانت الرغبة في لغة يونانية نقية مجردة من الإضافات ~~الأجنبية، والعودة إلى التعليم العلماني المعتمد على الكلاسيكيات القديمة، من أجل ~~تأهيل اليونانيين المعاصرين للمشاركة السياسية في جمهورية ديمقراطية واستعادة اليونان ms179 ~~لموقعها الثقافي الريادي. لقد كان أملا بدا من الممكن تحقيقه من خلال مواطنة الدولة ~~الهيلينية الصغيرة التي كونتها القوى العظمى عام 1832، على الرغم من مكانتها السابقة ~~كمملكة دستورية؛ لأن نخبتها كانت ملتزمة بمثل التنوير المتمثلة في العقل والحرية ~~وحكم القانون، وببرنامج تعليم يوناني علماني. # 35 # لم يكن التأثير الجمهوري مقتصرا على أوروبا؛ فبعد قرن في تركيا المجاورة ظهرت ~~مجددا وبشدة الروح الجمهورية في الدستور العلماني والسياسات العلمانية اللذين ~~اقترحهما مصطفى كمال أتاتورك في عشرينيات القرن العشرين. وبالإضافة إلى إلغاء كل من ~~السلطنة والخلافة، فرضت حكومة أتاتورك برنامجا للتحديث متوافقا كثيرا مع الحضارة ~~الغربية التي كانت فرنسا الجمهورية تعتبر المثال الريادي فيها. وكان ضياء جوكالب ~~المنظر الرئيسي للنظام متأثرا كثيرا بالفلسفة الوضعية لأوجست كونت والعلمانية ~~الراديكالية المرتبطة بها. وكان التعليم يعتبر مفتاحا لكل من المواطنة والمجتمع ~~القومي المتماسك القادر على أن ينافس على قدم المساواة القوى الغربية الرائدة. وكانت ~~المبادئ الجمهورية قوية بصفة خاصة بين العسكريين المهنيين الذين ظلوا حراسا للقومية ~~العلمانية الراديكالية وللدولة حتى اليوم الحاضر، وظلوا يشتبهون في أي تعاليم إسلامية ~~بين الأحزاب السياسية. واتبعوا بدقة المثال الفرنسي، على الرغم من الوضع الاجتماعي ~~والثقافي المختلف، واضعين الدولة فوق المجتمع واختلافاته الدينية والعرقية، وأثبتوا في ~~ذلك نجاحا كبيرا حتى وقتنا الحاضر، ربما بسبب غياب التقليد الثوري، وأيضا بسبب ~~القيود الدولية المساهمة. # 36 # أخيرا، كان التأثير الفرنسي، لا سيما نموذجه الجمهوري العلماني، متغلغلا في كثير ~~من الدول الناطقة بالفرنسية الموجودة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. ولا شك أن هذا ~~حفزه إلى حد بعيد الاستعمار الفرنسي والتقاليد الثقافية لنخبته. إلا أنه أثناء ~~عصر الحركات القومية النخبوية الساعية إلى الاستقلال، كانت خطابات الرجال أمثال سيكو ~~توري وليوبولد سنجور، وشعارات وأهداف الحركات السياسية في المستعمرات الفرنسية، تعج ~~بمثل روسو واليعاقبة المتمثلة في العقد الاجتماعي والحرية والديمقراطية والمساواة ~~والمواطنة. مرة أخرى، ارتبطت تلك المثل ببرنامج تعليمي (رغم أنه كان للنخبة فقط ~~عادة)، وكان تعليما علمانيا وإنسانيا على الرغم من التأثير القوي للبعثات ~~المسيحية في هذا ms180 المجال. علاوة على ذلك، فإن الحاجة إلى تأسيس «الأمة المزمعة» على ~~الأرض التي كانت مستعمرة في السابق، والتغلب على الانقسامات العرقية العميقة في الدول ~~الجديدة؛ جعلت القومية الجمهورية العلمانية الأساس الأيديولوجي الوحيد الممكن ~~والواقعي للدول الأفريقية الجديدة، وجعلت الأمة الجمهورية المدنية النموذج الوحيد ~~الشمولي والمشروع للمجتمع السياسي الحديث. وعلى الرغم من أن الوعي العرقي والوحدة ~~الأفريقية (وأيديولوجية الزنوجة في بعض الأراضي الفرنسية) مثلا عوامل جذب، فإن أشكال ~~التضامن القومي والمثل السياسية السائدة في دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى الجديدة ~~اقتبست في الأساس من تقاليد روسو والثورة الفرنسية التي روجتها الجمهورية الثالثة ~~(أو اقتبست من لوك وميل في المستعمرات البريطانية)، وخضعت للتعديل مع مرور الوقت ~~بتأثير من الرموز والطقوس والمعتقدات الأفريقية. # 37 # خاتمة # اخترقت الأمة الجمهورية المدنية - بوصفها نموذجا للمجتمع السياسي الحديث - معظم ~~أنحاء الكوكب، وأصبح نموذج القومية العلمانية مرجعا تقريبا - لكل من المجتمعات ~~القومية ودولها ولكثير من منظري الأمم والقومية. ومن وجهة نظر المشاركين، فإن السبب ~~في ذلك لا يقتصر على قوة الأمة الجمهورية المدنية وأفكارها وممارساتها وارتباطها ~~بالمجتمعات الحديثة، لكنه يعود أيضا إلى قوة صفتها الدينية وجاذبيتها العاطفية. وكما ~~أوضحت في الفصل الرابع، فإن التراث الجمهوري المدني للعالم اليوناني الروماني جمع بين ~~البعد العلماني والبعد الديني في «الدولة المدينة» القديمة، وهما البعدان المتمثلان ~~في العقد المبرم من قبل البشر ولأجلهم، والمحروس والمقدس من قبل الآلهة، والمحتفى ~~به في الأساطير المدنية والطقوس والمهرجانات؛ تلك الثنائية الواضحة أيضا في نظائرها ~~الإيطالية والشمالية في العصور الوسطى. حدث إحياء التراث القديم على نحو متعمد إلى ~~حد ما، على يد «الفلاسفة» أثناء بحثهم عن نماذج لمجتمع غير هرمي وللتضامن العلماني. ~~وتبنوا هم وأتباعهم في فرنسا وغيرها من الدول دينا علمانيا يقوم على التقدم ~~البشري والحرية والفضيلة وإعمال العقل، ذلك الدين الذي تمثل مظهره السياسي الطبيعي في ~~الجمهورية الحرة التي تضم مواطنين متساوين تربطهم المثل المشتركة وتقاليد الولاء ~~بالأمة صاحبة السيادة؛ وهذا بدوره تطلب من أعضاء الأمة خلق ثقافة قومية مشتركة ~~ومميزة، وتأسيس «دين مدني» ms181 للوطنية يتكون من المعتقدات والممارسات المشتركة، مع ~~التعبير عن الرموز السياسية والذكريات والأساطير والقيم من خلال التماثيل التذكارية، ~~والأدب، والموسيقى الوطنية، وفوق ذلك كله من خلال المهرجانات والمراسم العامة. في هذه ~~المظاهر السياسية والثقافية والمؤسسية القوية، يكمن السبب وراء القدر الكبير من ~~الجاذبية والاستمرارية اللتين تتمتع بهما الأمة الجمهورية وقوميتها العلمانية ~~والإقليمية. # 38 # السبب الثاني لنجاحها العالمي هو سهولة نشرها لكل أنواع المجتمعات من خلال النخبة ~~المثقفة العلمانية. كثير من المنظرين لاحظوا الدور الريادي للمفكرين والمهنيين في ~~نشر القومية العلمانية وفكرة الأمة الجمهورية المرتبطة بها، ولعل السبب في ذلك يرجع ~~إلى أنها تقدم بيئة مواتية لطموحاتهم ومواهبهم التي لم تظهر المجتمعات التقليدية ~~أي اهتمام أو استخدام لها. إلا أن العملية الفعلية المتمثلة في «وضع الأيديولوجية» ~~للأمة الجمهورية العلمانية من خلال التحديد المميز لمثلها المميزة المتمثلة في ~~الاستقلال والوحدة والهوية وتكوين نموذج جاهز يمكن نقله؛ كانت هي أساس الدور التحويلي ~~الذي لعبه كل من القومية العالمية وناقليها الرئيسيين المتمثلين في النخبة المثقفة ~~في تحديث المجتمعات. وفي تلك الأثناء، أصبحت أيديولوجية «القومية» منفصلة عن أشكال ~~تاريخية معينة من المجتمع القومي، بما في ذلك الأمة الجمهورية نفسها في نهاية ~~المطاف. # 39 # رغم ذلك كله، يجب أن نتذكر أن هذه الأيديولوجية الجمهورية كانت مجرد نوع من أنواع ~~القوميات الحديثة، وأنها قدمت نوعا واحدا فحسب من النماذج القومية، وعلى الرغم من ~~نجاحها، فإنها لم تكن خالية من المشاكل والنواقص. وفي هذا الصدد، كان من الممكن أن ~~تقدم قوميات العهد القديمة بديلا لها. وحتى الأيديولوجية غير المفصلة المتمثلة في ~~الأمة الهرمية، كان من الممكن تبنيها في مجتمعات سياسية في العالم الحديث. وهنا ~~تكمن أسباب الاختلاف والصراع، وهذه البدائل الحديثة هي ما ألتفت إليه في الفصل الأخير ~~من الكتاب. # الفصل السابع # | مصائر بديلة # عندما اقتطعت القوى العظمى من الإمبراطورية العثمانية مملكة هيلينية صغيرة على الأراضي ~~اليونانية عام 1832، عززتها بملك بافاري ومستشارين ألمانيين، وتوقعت منها أن تتبع ~~النموذج الغربي المتمثل في الاندماج الفريد بين الدولة والأمة المفترض أنه ms182 يميز المجتمعات ~~المتحضرة. ولم يخب أمل تلك القوى العظمى في البداية. منحت الدولة الجديدة دستورا، ~~وحريات مدنية، وبرلمانا، بالإضافة إلى المؤسسات الأساسية الأخرى للدول، ومن ذلك التبعية ~~للكنيسة الأرثوذكسية التي أصبحت منفصلة عن بطريركية القسطنطينية. كانت المواطنة والتعليم ~~العلماني وحكم القانون، ولو نظريا على الأقل، هي السمات الأساسية لما كان فعليا أمة ~~جمهورية. بالإضافة إلى ذلك، كانت أيديولوجية الدولة وبرنامجها الأساسيان نوعا من القومية ~~الجمهورية التي كان من المفترض أن تترجم إلى سياسات عملية رؤية التنوير التي تبناها ~~قادة النخبة المثقفة اليونانية، من ريجاس فالستنليس إلى أدامانتيوس كورائيس، وهي رؤية ~~اعتبرها المثقفون اليونانيون مأخوذة من إنجازات أسلافهم البطولية في أثينا القديمة. ونرى ~~هذه الرؤية موضحة بجلاء في كل من خريطة اليونان التي رسمها ريجاس، وفي دستور عام 1797 ~~الذي وضعه لجمهورية هيلاس التي اقترحها، وأعلن فيه مساواة كل المواطنين قائلا: # الناس المتمتعون بالسيادة هم كل أناس هذه الدولة دون تمييز بسبب الدين أو ~~اللهجة، يونانيين، وبلغاريين، وألبانيين، وفلاخيين، وأرمن، وأتراكا، وكل عرق ~~آخر. # 1 # إلا أنه، منذ البداية، لم يتشارك الجميع هذه الرؤية. وبينما استطاعت ~~الدولة اليونانية الحديثة، ولا شك، بدعم من القوى العظمى، تقديم إطار سياسي ومجموعة من ~~المؤسسات للأمة اليونانية الحديثة التكوين، كانت نخبها عاجزة عن بث الروح الهيلينية ~~والرؤية التنويرية بين غالبية السكان الناطقين باليونانية. لم يتبن السكان الناطقون ~~باليونانية الأيديولوجية القومية الجمهورية التي تبنتها نخب المهنيين والتجار، ولم ~~يقبلوا علمانيتهم المتزمتة، وبالتأكيد، لم يقبلوا شغفهم بالتعليم الكلاسيكي. لم يكن هذا ~~الأمر مسألة طبقة أو مصلحة اجتماعية، أو حتى افتقار إلى القدرة على القراءة والكتابة ~~والتعليم على الرغم من أهمية تلك الأمور، ولم يكن الأمر مجرد جهل بالتراث الكلاسيكي ~~المجيد، أو عجز عن تقدير فوائد الحضارة الغربية؛ فالواقع أن الفلاحين والرعاة وقطاع ~~الطرق في موريا وروملي - الذين كان لزاما أن يعبئوا لمقاومة العثمانيين، وأن ~~يمثلوا بعد ذلك السواد الأعظم من مواطني الدولة الجديدة - كانت تلهمهم مثل ورؤى ~~بديلة، حتى إن مصالحهم وهوياتهم لم تكن محلية على نحو ms183 صرف. وما حدث أنهم، بوصفهم ~~مسيحيين أرثوذكسيين يونانيين، ثاروا على الطغاة العثمانيين المسلمين؛ وأنهم، بوصفهم متحدثين ~~باليونانية من بين أتباع المذهب الأرثوذكسي، كان من الواجب تعبئتهم ودمجهم في مملكة يونانية ~~معبأة على هذا النحو للتوسع من أجل تحقيق ذلك ؛ ومن ثم، فمنذ البداية، واجهت الرؤية ~~الهيلينية التي تبنتها النخبة المثقفة وطبقات التجار تحديا فرضته المثل المنافسة ~~التي تبناها شعب الأمة نفسه الذي تأسست الدولة القومية الجديدة وأيديولوجيتها ~~باسمه. # 2 # كان المثال البديل الذي تبناه غير المنتمين إلى النخب يقوم على خرافة اصطفاء ~~اليونانيين الأرثوذكس، وهذه نسخة من فكرة الشعب المختار الشائعة. بالطبع، كانت المسيحية ~~الأرثوذكسية دينا عالميا، ومجتمعها ومملكتها لا ينتميان في نهاية المطاف إلى هذا العالم. ~~رغم ذلك، كما رأينا، فإن الكنيسة الأرثوذكسية، في شكلها البشري والدنيوي، رأت نفسها الإيمان ~~المسيحي الحق الوحيد، ومن ثم، الخليفة الحقيقي لإسرائيل القديمة؛ ذلك الشعب المختار ~~الأصلي الذي نبذه الرب عندما رفض المسيح. إلا أن هذا الدين العالمي ازداد ارتباطا بخصوصية ~~ثقافية يونانية، شجعتها حقيقة أن لغة العهد الجديد كانت اليونانية، وأن لغة المناسك ~~والطقوس الأرثوذكسية كانت يونانية، وأن كهنة الكنيسة كانوا يتحدثون باليونانية. كانت هذه ~~العملية موجودة بالفعل خلال القرون الأخيرة من الإمبراطورية البيزنطية، عندما أدى ~~الإحياء الهيليني بين النخب البيزنطية - ممتزجا بكراهية الرهبان الشديدة للكنيسة ~~اللاتينية، وخسارة الأراضي غير اليونانية النائية - إلى انشقاق ثقافي يوناني قوي عن ~~الإمبراطورية والكنيسة. وبعد كارثة عام 1453، أصبحت «الملة الرومية» الأرثوذكسية اليونانية، ~~التي سماها الحكام العثمانيون ووضعوها تحت الإدارة الكهنوتية والمدنية لبطريرك ~~القسطنطينية، مشبعة بالإحساس بالاختلاف والهوية المسيحية الأرثوذكسية، لكن باعتبارهم ~~«روميين» (رومانا شرقيين)، في مقابل كل من الهيلينيين القدماء والفرنجة اللاتينيين. ~~وتعززت هويتهم بالذكريات المشتركة المتعلقة بالماضي البيزنطي المجيد، حينما كان شعب الله ~~المختار يعيشون في مملكته في ظل نائبه على الأرض؛ الإمبراطور البيزنطي. كما استمرت في ~~التجدد من خلال تقليد رؤيوي قائم على نبوءة تتصور انبعاث الإمبراطور البيزنطي الأخير، ~~قسطنطين الحادي عشر، واستعادة إمبراطوريته بعد اكتمال مدة عقاب الرب شعبه على خطاياهم، ~~وطرد الكفار ms184 من المدينة المقدسة. # 3 # هذه الرؤية، على النقيض الصارخ من المثال الجمهوري الهيليني، جمعت بين تقليد عهدي ~~وتصور هرمي قوي للمجتمع الأرثوذكسي اليوناني. من الناحية الظاهرية، فإن هذا المصير ~~البديل المعد للمجتمع اليوناني، والمتأثر قليلا، أو غير المتأثر على الإطلاق، بالحداثة ~~الغربية التي تدعمها النخبة المتحدثة باليونانية، لم يكن من المحتمل أن يؤثر على مصير ~~المملكة اليونانية الحديثة التكوين، فضلا عن تشكيل مصيرها؛ ففي نهاية الأمر، أصرت القوى ~~الغربية على تأثير أوروبي قوي متمثل في الوصاية، متضمنا فصل الكنيسة الأرثوذكسية ~~اليونانية في الأراضي اليونانية عن البطريركية الموجودة في القسطنطينية الخاضعة لسيطرة ~~العثمانيين، وحل كثير من أديرتها، وتبعية تراتبيتها الهرمية للدولة اليونانية. إلا أنه ~~سيكون من الخطأ الاعتقاد بأن الكنيسة كفت بهذه الطريقة عن ممارسة أي نوع من النفوذ؛ فعلى ~~غرار الكنيسة الجاليكانية في فرنسا، أصبحت الكنيسة مؤسسة يونانية قومية على نحو متزايد، ~~واعترفت بها هكذا في نهاية المطاف بطريركية أصبحت تقبل أخيرا «تنظيم الكنائس على أساس ~~عرقي»، أي تقسيم الكنيسة العالمية إلى كنائس عرقية وقومية، مثل تلك التي كانت (أو ظلت) ~~مؤسسة في بعض الدول الناشئة في جزر البلقان مثل صربيا وبلغاريا. # 4 # في اليونان، لم تحافظ الكنيسة فقط على احتكارها الديني داخل ما كان يعترف بأنه مجتمع ~~سكاني شبه متجانس، بل أصبح نموذجها «البيزنطي»، إن لم تكن دعائمها التراتبية الهرمية، ~~ابتداء من عام 1844، بعد خطاب كوليتيس في الجمعية الوطنية، أكثر توافقا مع اللغة ~~والأهداف المتضمنين في السياسة اليونانية المتمثلة في «فكرة ميغالي»؛ تلك الأيديولوجية ~~الاسترجاعية الهادفة إلى استرداد أراضي الأرثوذكسية اليونانية ومجتمعاتها السكانية ~~المتناثرة عبر بحر إيجة، وشمال اليونان، وما يعرف حاليا بغرب تركيا. وفي هذه الحالة، كان ~~من المفترض أن تتوسع المملكة الصغيرة التي كونتها القوى العظمى من جزء من الأرض ~~اليونانية، لتشمل جزر الدوديكانيز، وثيساليا، وإبيروس، وكريت، وتراقيا، وغيرها من المناطق ~~التاريخية التي كانت غالبية سكانها من أتباع المذهب الأرثوذكسي اليوناني الناطقين ~~باليونانية. وهذا يعني أنه، بدلا من الأيديولوجية العلمانية الصرف لأمة المواطنين ~~الإقليمية، أصبحت المعايير الدينية ms185 واللغوية العرقية هي ما يحدد الأمة اليونانية ومواطنيها، ~~وهي معايير أدت على نحو شبه حتمي إلى إعادة تفسير التاريخ اليوناني، وإلى حركة وبرنامج ~~سياسيين راديكاليين. # البرنامج السياسي معروف جيدا: أسفرت «فكرة ميغالي» عن المحاولة الكارثية التي جرت عام ~~1922 لتسترجع من الإمبراطورية العثمانية شبه المنقرضة المجتمعات السكانية الناطقة ~~باليونانية والأرثوذكسية في الأناضول، والأراضي التي سكنوها، ورأى القوميون العرقيون ~~اليونانيون أنها تضم سلالات المستعمرات الأيونية القديمة وأراضيها في آسيا الصغرى. إلا أن ~~إعادة التفسير التاريخية كانت على القدر نفسه من الأهمية. لم تستتبع رفضا محضا للرؤية ~~الهيلينية، ولكنها حاولت دمج العالم القديم الكلاسيكي والإمبراطورية البيزنطية في سرد واحد ~~متماسك عن «الأمة اليونانية» منذ عصر المسينيين وحتى اليونان الحديثة. وقدر لكل من ~~عالم الفلكلور، سبريديون زامبليوس، الذي نشر عام 1852 مجموعته من الأغاني الفلكلورية ~~مصحوبة بمقدمة مطولة، وكذلك المؤرخ، كونستانتينوس باباريجوبولوس، في كتابه «تاريخ الأمة ~~اليونانية» (1860-1877) المكون من خمسة مجلدات؛ أن يقدما تفسيرا ركز على الأمة ~~اليونانية باعتبارها الفاعل الجمعي الأساسي في كل الحقب الرئيسية الثلاث المكونة لسرد ~~واحد للتاريخ اليوناني: القديمة، والقروسطية، والحديثة. وباستخدام تعبيرات شخصية مثل ~~«إمبراطوريتنا في العصور الوسطى»، و«أسلافنا في العصور الوسطى»، تمكن باباريجوبولوس، ~~بصفة خاصة، من إعادة دمج الإرث البيزنطي وتراثه ووعده المجيدين في رؤيته للأمة ~~اليونانية ومصيرها الألفي. وفعل ذلك بإعطاء معان سياسية جديدة للمناسك والطقوس الأرثوذكسية ~~ذات الأسس الراسخة، وما يرتبط بها من ذكريات مشتركة عن الأباطرة المسيحيين والمدينة ~~المقدسة - شعر كثير من الناس أن استرجاعها إن لم يسفر عن إعادة الإمبراطورية البيزنطية ~~الأرثوذكسية، فسيسفر، على الأقل، عن إرجاع اليونان إلى سموها الثقافي والسياسي السابق. ~~من الناحية العملية، حاول هذا النوع من إعادة التفسيرات تحقيق المثال المسيحي القديم بشأن ~~«عالم مسكون» أرثوذكسي، لكنه مجرد من المجتمعات والأراضي غير اليونانية (الصرب، والألبان، ~~والبلغار، إلخ)، داخل سياق مملكة يونانية حديثة موسعة، سعت إلى جمع كل المجتمعات السكانية ~~الأرثوذكسية الناطقة باليونانية «غير المسترجعة» ومناطق إقامتهم. # 5 ~~(1) الانشقاق وإعادة التفسير # تقدم لنا الحالة اليونانية مثالا مختصرا لعدد من ms186 الموضوعات العامة المعنية ~~بتكوين الأمم المعاصرة. # أولا: لم تمح الأمة الجمهورية وقوميتها، على الرغم من قابليتهما للتأثر بالطابع ~~الغربي والحداثة، أشكال المجتمع التاريخية الأخرى. على النقيض من ذلك، ووجهت ~~القومية الجمهورية المدنية بتحديات على نحو متكرر، وأجبرت على قبول التصورات ~~والتقاليد التاريخية الأخرى الأسبق. وحتى في «موطن» الجمهورية والقومية، اضطرت فرنسا ~~إلى النضال من أجل الحفاظ على سلطتها، وفرض شكلها المميز على الأمة كلها، ليس فقط عام ~~1848 وعام 1871، وأثناء قضية درايفوس، ولكن أثناء القرن العشرين كذلك، منذ حكومة فيشي ~~وحتى حركة لوبن. داخل الأمم، وكذلك فيما بينها، عادت الأشكال العهدية والهرمية من ~~الهويات القومية إلى الظهور على نحو متكرر في صورة تباديل معقدة مناهضة للأشكال ~~الجمهورية أو متوافقة معها. # 6 # في الحالة اليونانية، ووجه تصور هرمي أسبق - وإن كان عالميا - بشأن ~~الإمبراطورية والأرثوذكسية، وفي القلب منه عنصر التبعية للكرسي الرسولي، بتحد، وحل ~~محله مبدئيا تصور إقليمي وجمهوري حصري لأمة يونانية صرف. إلا أن مفاتن رؤية «العالم ~~المسكون» الأرثوذكسي المتمركز على القسطنطينية ظلت تمثل مصيرا بديلا ذائعا لأمة ~~يونانية متوسعة، ولم يمر وقت طويل حتى شجعت فسيفساء جزر البلقان، الدينية واللغوية ~~العرقية المعقدة على ترجمة هذه الرؤية البديلة إلى حركة سياسية وسياسة عامة. في هذه ~~الأثناء، كان التراث البيزنطي يعاد تفسيره ويلحق بتصور شامل عن الأمة اليونانية ~~الألفية، بحيث أصبح العصر الذهبي للإمبراطورية البيزنطية وعقيدتها الأرثوذكسية، على ~~غرار العصر الذهبي لأثينا الكلاسيكية، نتاج العبقرية المبدعة لتصور مستلهم من ~~الماضي بشأن الأمة اليونانية. # 7 # ثانيا: كانت تلك التصورات الأسبق في كثير من الأحيان متغلغلة في الطبقات الأقل ~~تعرضا للأفكار الغربية والتغيير الاجتماعي؛ ولذلك، غالبا ما كان الصراع الأيديولوجي ~~داخل أمة أو دولة قومية ما مصحوبا بانشقاق اجتماعي، محلي الطابع ومفتت في بعض ~~الأحيان، وسياسي الطابع وانفجاري في أحيان أخرى. إلا أنه على الرغم من أن هذا الانقسام ~~غالبا ما تجلى في صورة نفور العامة من المثال الجمهوري أو معارضتهم له، فإنه كان ~~مصحوبا بصراعات علنية داخل أوساط النخبة المثقفة الأكثر تأثرا ms187 بالغرب؛ إذ كان ~~أنصار قضية الأمة الجمهورية يتعرضون لهجوم من المفكرين الآخرين المرتبطين بمثل الأمة ~~القائمة بقدر أكبر على مبدأ الهرمية أو العهد. وبخلاف النخبة المثقفة اليونانية، ربما ~~تكون أشهر هذه الانقسامات العامة هي الصراعات الطويلة الأمد بين المحافظين والجمهوريين ~~الراديكاليين في فرنسا القرن التاسع عشر، والمعارك الكلامية المحتدمة بين أنصار النزعة ~~السلافية وأنصار النزعة الغربية في روسيا القرن التاسع عشر في الفترة نفسها. وخارج ~~أوروبا أيضا، يمكننا أن نوضح مثل هذه الصراعات بين النخب المثقفة في مصر في أوائل ~~القرن العشرين؛ حيث تحدت الحركة الفرعونية تفوق الهوية العربية الإسلامية، ونجد ذلك ~~في الهند حيث أعلن الإحيائيون الهندوس، منذ حركة أريا ساماج وحتى حزب بهاراتيا جاناتا، ~~للهند مصيرا بديلا من ذلك الذي رسمته القومية ذات الطابع الجمهوري والاجتماعي ~~المسيطرة التي تبناها حزب المؤتمر الوطني الهندي. # 8 # ثالثا: عندما لا تسفر تلك الصراعات الأيديولوجية عن ثورة كاملة، فغالبا ما يكون من ~~الممكن حلها جزئيا على الأقل من خلال عملية انتقاء وإعادة تفسير جيلية. في كل جيل، ~~خضعت التصورات المتناقضة عن الهوية القومية للتعديل على نحو متعاقب، وخضعت التقاليد ~~والأساطير والذكريات والقيم القومية التي تحظى بالقبول العام إلى تدقيق شديد واقتطاعات ~~وإعادات تفسير راديكالية بقدر أو آخر، كان الهدف منها هو التأليف بين عناصر من ~~التصورات المختلفة في كيان كلي أكبر وأكثر تماسكا. وشهدت اليونان في القرن التاسع ~~عشر محاولة لتقديم شيء من قبيل هذه التركيبة، حتى إن النزعة الجمهورية الهيلينية ~~امتزجت بالمعايير الدينية العرقية المأخوذة من مثال للأمة هو أقرب إلى المثال ~~«البيزنطي»، لا سيما في النموذج الأيديولوجي الذي قدمه المؤرخ كونستانتينوس ~~باباريجوبولوس. ويمكننا أن نزعم أنه على الرغم من رفض التصور الفرعوني في مصر، فإن ~~بعضا من افتراضاته الأساسية - مثل التأكيد على أرض معينة وبيئة معينة، وتمييز أمة ~~قديمة منفصلة عن غيرها من العرب - أدمج في النظرة القومية السائدة لدى النخب ~~الحاكمة. # رابعا: تساعد آليات الانشقاق الاجتماعي، والصراع الأيديولوجي، والانتقاء وإعادة ~~التفسير عبر الأجيال هذه في شرح كل من الحافز ms188 على التغيير الاجتماعي واحتوائه النسبي ~~ضمن الضوابط الاجتماعية والثقافية للدولة القومية. وفي هذا الصدد، لا يكفي استحضار ~~الضغوط الخارجية؛ ذلك أنه بمجرد وجود الدولة القومية الحديثة فإنها تصبح «بطبيعة الحال» ~~جزءا لا يتجزأ من النظام «الأممي» الذي يتكون من الدول القومية التي تحتفظ بالضرورة ~~بشكلها، كما كانت الحال، بلا شك، داخل المملكة اليونانية. في هذه الحالة، كانت العوامل ~~المقابلة، الثقافة الداخلية النابعة من التقاليد الثقافية المشتركة اليونانية ومن ~~الأرثوذكسية، حاسمة بالقدر نفسه، وساهمت هذه العوامل في تحديد نطاق التغيير في الأشكال ~~والتصورات المتعلقة بالأمة اليونانية وتقييد درجته. # أخيرا: فإنني أود أن أوضح أن هذه التقاليد المشتركة هي في العموم متداخلة، بما ~~أنها كلها نابعة من تقاليد ثقافية مشتركة الأصل، تعود في نهاية المطاف إلى العصور ~~القديمة، ويدعمها اعتقاد طويل الأمد بوجود عرقية مشتركة ونموذج نظام اجتماعي عرقي. لا ~~يقتصر الأمر على تداخل أشكال الأمة: الجمهوري، أو العهدي، أو الهرمي في أي لحظة ~~تاريخية معينة؛ فغالبا ما تتمازج هذه الأشكال، ويكثر حدوث ذلك عندما تنتظم في مجتمعات ~~عرقية موحدة بقدر ما أو بآخر، وعلى الرغم من أن نسبة كل شكل من هذه الأشكال يمكن أن ~~تتنوع وأن تنوع، ففي حالة معينة وأثناء فترة معينة، نادرا ما تختفي هذه ~~الأشكال تحت الغطاء الرسمي للخطاب السياسي؛ لذلك، يمكن اعتبار التشكيلات المتغيرة ~~للهويات القومية الحديثة، في أغلب الأحيان، تنويعات كثيرة للتقاليد الثقافية الثلاثة ~~الكبرى وتباديلها. # في هذا الصدد، تعتبر اليونان مثالا يحتذى. كان لزاما أن يعقد نموذجها الجمهوري ~~المسيطر تسوية مع المصير البديل الذي خططه المفكرون الذين اعتمدوا على التقاليد ~~الثقافية للكنيسة الأرثوذكسية والتراث البيزنطي، وهي تقاليد مختلفة، لكنها نابعة من ~~الأصل نفسه. ومما جعل ذلك أسهل أنه لم يكن من الصعب في تلك الأيام الزعم بوجود تراث ~~يوناني ثقافي عرقي طويل الأمد، عمره آلاف السنوات في واقع الأمر، قائم على صمود أشكال ~~اللغة اليونانية، وقائم، بصفة خاصة، على الاعتقاد اليوناني المنتشر بانحدار اليونانيين ~~المعاصرين من أسلافهم اليونانيين القدماء. لقد سبب التحول إلى المسيحية ms189 ~~الأرثوذكسية انفصالا اجتماعيا وثقافيا كبيرا عن العصور القديمة الكلاسيكية لدى ~~كثير من اليونانيين المتأخرين، إلا أن المفكرين والسياسيين في القرن التاسع عشر لم ~~يعتبروا ذلك أساسا كافيا لتقويض التسوية مع النزعة البيزنطية التي شجعت على اتباع ~~القوميين الجمهوريين المؤيدين للمشروع الهيليني «فكرة ميغالي». # 9 # وفيما يتعلق بالصراع الأيديولوجي وإعادة التفسير ، تتشابه سويسرا القرن التاسع عشر ~~واليونان تشابها مثيرا. في سجلات الوقائع القديمة التي تتحدث عن تأسيس «الاتحاد ~~السويسري القديم»، عزيت أصول الاتحاد إلى انتفاضة فلاحين بقيادة فيلهلم تل ضد طغاة ~~أسرة هابسبورج وقلاعهم في خريف عام 1307. كانت خرافة التمرد والتحرر هذه هي التراث ~~المقبول الموجود في «كتاب سارنين الأبيض» الذي يعود إلى عام 1471، وفي كتاب إيجيديوس ~~تشودي الذائع الأثر «الوقائع الهيلفيتية»، وكانت هي أيضا الحكاية المقبولة والمستخدمة ~~من قبل الفلاحين في انتفاضتهم عام 1653 (حرب الفلاحين) ضد حكومات الأقلية الحضرية. حتى ~~يوهانس فون مولر، في كتابه «تاريخ الاتحاد السويسري» الذي يعود إلى عام 1786 - ولذلك ~~فهو مكتوب بعد اكتشاف يوهان جليسر «ميثاق الاتحاد» الأصلي الذي يعود إلى عام 1291 - ~~التزم تقليد تشودي الرائج و«كتاب سارنين الأبيض». ومع ذلك، فإن اكتشاف «ميثاق الاتحاد ~~السويسري» الأصلي في شفيتس الذي وثق ميثاق كانتونات الغابات الثلاث: شفيتس، وأوري، ~~وأونترفالدين، المتفق عليه، وفقا للتقاليد، على مرج روتلي على ضفاف بحيرة لوسيرن؛ أشار ~~إلى تفسير جد مختلف للأصول الاجتماعية والسياسية للاتحاد السويسري؛ فبدلا من الإشارة ~~إلى انتفاضة فلاحين جماهيرية، أشار الميثاق إلى حاجة العائلات البارزة في كانتونات ~~الغابات الداخلية إلى الحفاظ على حقوقهم القديمة التي كان ينتهكها كبار اللوردات ~~الإقطاعيين من أسرة هابسبورج، في وقت فتح فيه ممر سانت جوتهارد الذي يقطع جبال الألب ~~أمام الحركة التجارية المربحة. لم يورد ذلك الميثاق، الذي يعد الأول من بين ~~مواثيق كثيرة بين هذه الكانتونات والكانتونات المجاورة، أي ذكر لفيلهلم تل، أو ~~لانتفاضات جماهيرية وحرائق لقلاع الإقطاعيين، لكنه أكد الحق الحصري للكانتونات، ~~وللمولودين على أرضها، في الحكم على زملائهم الأعضاء، وأبرز الحاجة المطلقة إلى ~~التعاون بين الكانتونات، شاملا الدفاع ms190 العسكري، للحفاظ على حرياتهم القديمة. كان هذا ~~موضوعا تكرر في كثير من مجتمعات العصور الوسطى، على سبيل المثال، أبرم البارونات ~~الاسكتلنديون ميثاقا مشابها في «إعلان أربروث» عام 1320. # 10 # بطبيعة الحال، لم تكن المكونات المختلفة ل «الأصول السويسرية» متباعدة، من حيث ~~الزمان والمكان والدافع العام، لدرجة تحول دون إعادة جمعها في سرد أكثر «شمولا ». ~~على سبيل المثال، كان فريدريش شيلر في مسرحيته «فيلهلم تل» (عام 1805) قادرا على ~~الجمع بين عناصر من خرافتي الأصول السويسرية كلتيهما، وتوضيح الطريق إلى مصير سويسري ~~قائم على الحرية وفضيلة الفلاحين. وعلى الرغم من أن «قسم روتلي» بين شتاوفاخر ورفاقه ~~حاز على أولوية تأريخية هامشية، فقد صاحبه في المسرحية رفض تل الاعتراف بحاكم ~~هابسبورج، جيسلر، ورمي التفاحة بالسهم، وتبعه سريعا ذبح جيسلر وتحرك الفلاحين ضد ~~الطغاة الإقطاعيين؛ تأكدت هذه القراءة على نحو واضح بدنو انتصار الكانتونات ~~الحاسم على فرسان هابسبورج في مورجارتن (1315)، وكذلك بالانتصارات اللاحقة في زيمباخ ~~(1386) ونيفيلس (1388). وبحلول احتفالات الذكرى الستمائة عام 1891، استطاع هذا الخليط ~~من التقاليد أن يصبح النسخة الرسمية، وأن يحتفى به، بتوجيهات من الحكومة الفيدرالية، ~~على مدار يومين في أوائل أغسطس في كل من شفيتس وعلى مرج روتلي على ضفاف بحيرة ~~لوسيرن. # مرة أخرى، يوضح المثال كلا من التقاليد والذكريات المتعددة المصادر بشأن «الماضي ~~القومي»، والطرق التي يمكن من خلالها احتواء تلك الصراعات الأيديولوجية والاجتماعية. ~~بطبيعة الحال، لم تكن هذه عملية تغيير تطوري سلسة؛ فالواقع أن صراعات القيمة ~~والنظرة القومية التي كانت شائعة في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ما زالت ~~قائمة حتى في وقتنا الحاضر. في سويسرا الحديثة، ما زالت الكانتونات الداخلية الريفية ~~الموجودة في الوديان الجبلية (معظم سكانها كاثوليك أيضا) ذات الأخلاقيات الأكثر ~~محافظة؛ تتوجس قلقا من الرأسمالية العلمانية التحديثية التي تنتهجها البلدات والمدن، ~~ولا سيما زيورخ وبيرن، التي تزايدت سيطرتها منذ زمن الجمهورية الهيلفيتية عام 1798، ~~ثم مرة أخرى أثناء الجمهورية الفيدرالية عام 1848، على السياسة والمجتمع الحضري ~~السويسريين. وطفت هذه المصائر البديلة القائمة على نمط القومية الجمهورية المدنية ~~المعززة، ونمط ms191 قومية أكثر «عهدية» كانتوني الأساس، على السطح أثناء النقاشات التي ~~أثارتها الذكري السبعمائة لوثيقة التأسيس السويسرية، كما ظهرت في استجابات السويسريين ~~لضغوط العولمة والهجرة. # 11 ~~(2) الأمم الهرمية الحديثة # قد يعتقد أنه ما دامت الكانتونات السويسرية الريفية لم تظهر بصفة خاصة أي رغبة ~~في التراتبيات الهرمية التقليدية، فلا متسع في العالم الحديث لتراث التراتبية الهرمية ~~القديم. إلا أنه على الرغم من صحة أن مفهوم «الأمة الهرمية» كتلك التي رأيناها في ~~أوروبا القروسطية قد ولى زمانه، مع وجود بعض الاستثناءات القليلة، فإن التقاليد ~~المحافظة، وحتى عناصر من المجتمع الهرمي، ما زالت موجودة على نحو مناهض غالبا ~~للقومية الجمهورية السائدة في الدول القومية الحديثة. # في القرن التاسع عشر، أسس عدد من المجتمعات القومية في هيئة جمهوريات ذات ملكيات ~~دستورية، واستمر عدد قليل من الدول الكبرى في هيئة دول قومية هرمية أو أعيد تشكيلها ~~على هذا النحو، وأبرزها ألمانيا واليابان. الحالة الألمانية معقدة؛ فهي تتضمن تباديل ~~من كل تقاليد المجتمع الثلاثة في آخر قرنين. لكننا نجد في اليابان تقليدا هرميا ~~مسيطرا، نراه أولا في شوجونية توكوجاوا التي منحت بموجب إجراءاتها الاستبعادية ~~المجتمع الإقطاعي الياباني طابعا قوميا على نحو متزايد، بعضه مستعار من الأمثلة ~~الغربية، مع إضافة خرافات عن الأصل والاصطفاء القوميين شابهت تلك الموجودة في ~~أوروبا، ونراه ثانيا في إصلاح ميجي عام 1868، بعد تغلغل القوة الأمريكية. في العملية ~~اللاحقة، كانت ثورة بعض عشائر الساموراي على حكم الشوجون، واستعادة الإمبراطور ميجي ~~الحكم وانتقاله إلى إيدو (طوكيو) بعد أن ظل بلاطه الإمبراطوري في العاصمة القديمة ~~كيوتو طوال تلك القرون الماضية؛ ثورة محافظة في جوهرها، استخدمت أشكالا تقليدية ~~جديدة لإضفاء الشرعية والقداسة على رغبة هؤلاء النخب في تحقيق التكافؤ بين اليابان ~~والغرب من خلال برنامج للتحديث السريع. كان تضافر الدين الشعبي، والتعليم الجماهيري، ~~وعبادة الإمبراطور ضروريا لنجاح هذا البرنامج؛ فلو كان على المجتمع الياباني أن ~~يشرع في تطبيق إصلاحات عميقة تمكنه من البقاء ومنافسة الغرب المتدخل، لكان لزاما ~~توعية أعضائه بقواسمهم المشتركة ومجتمعهم الحميم بصفته «أمة عائلية»، ms192 لم تكن موجودة حتى ~~تلك اللحظة إلا نظريا، أي في عقول بعض المفكرين والساسة الذين كانوا يستلهمون من ~~النصوص القديمة. من أجل ذلك، هدفت نخب ميجي إلى تعزيز طقوس الشينتو العائلية، ~~والتقديس الشنتوي الوطني لقتلى الحرب، لا سيما في ضريح ياسوكوني المجدد، كما سعت ~~أيضا إلى ربط هذه الطقوس بكل من الدين الشعبي لجموع الفلاحين، وعبادة الإمبراطور ~~بصفته أبا «الأمة العائلية» وحاميها. وكان لزاما، من أجل تحديث أمة الإمبراطور ~~«العائلية»، فرض النظام الجديد للتعليم الإلزامي الجماهيري، الموضح في المرسوم ~~الإمبراطوري بشأن التعليم عام 1890 المحتفى به، مع توقع أن يكون ذلك النظام محرك ~~التنمية الاجتماعية والاقتصادية اليابانية. # 12 # على هذا النحو، ألحقت مرة أخرى الأشكال اليابانية من التراتبية الهرمية بأفكار ~~الغرب عن الأمة، من أجل تحقيق تطوير متأخر ل «الأمة الهرمية» في شكل بدا أكثر تأثرا ~~بالتقاليد الأصلية منه بالتقاليد والنماذج النابعة من الغرب، وإن لم يكن خاليا من ~~التأثر بأشكال المجتمع الغربية الحديثة. وليس واضحا إلى أي مدى كانت القومية ~~الرومانسية في ثلاثينيات القرن العشرين، التي سبقت مباشرة النظام الفاشي، مدينة ~~للأفكار الرومانسية الألمانية، وإلى أي مدى أثرت على الفاشيين. إلا أنه في النظام ~~اللاحق، كان التركيز على القوة الإمبراطورية والقرابة الوطنية في ظل الإمبراطور مدعوما ~~بلا شك بحرب الغزو والدفاع الطويلة في آسيا، والدعاية الرسمية التي صاحبتها. بدا لبعض ~~الوقت أن الهزيمة اليابانية اللاحقة والمعاناة المنقطعة النظير التي عاناها الشعب ~~الياباني تتضمنان انتهاء المبدأ الهرمي نفسه، وتقوضان معه الترابط القومي الياباني، ~~لكن القرار الأمريكي بالاحتفاظ بالإمبراطور وعائلته وإخضاع اليابان للاحتلال الأجنبي ~~ساعد في إحياء الروابط القومية حول فكرة كون اليابانيين ضحية جمعية في «حرب المحيط ~~الهادئ». وكشفت استعادة المؤسسات والسياسة اليابانيتين المستقلتين مدى الاحتفاظ ~~بالأشكال الاجتماعية المحافظة المتميزة السابقة، كما كشفت عن استمرارية مركزية العائلة ~~الإمبراطورية لمفهوم القومية اليابانية. # 13 # يجسد المثال الرائع الآخر للأشكال الهرمية المدمجة في تكوين المؤسسات القومية ~~نمطا من العلاقات الثقافية مختلفا للغاية. في إنجلترا، ظلت الهرمية ممزوجة بقومية ~~عهدية قوية نابعة من فترة ms193 الكومنولث البيوريتاني العنيفة على قصرها. وعلى الرغم من ~~إلغائه سريعا، فإن تأثيره الديني والثقافي على تطور الهوية القومية الإنجليزية، ~~والأنجلو-بريطانية لاحقا، كان هائلا. كما رأينا في الفصل الخامس، فإن نوع «العرقية» ~~الهرمية الذي كان الأنجلوسكسونيون رواده، وطوره النورمان، ثم رسخه ملوك أسرة ~~تيودر لاحقا بعد تقلبات عديدة، في إحساس بالهوية القومية الإقليمية، إلى جانب ~~القوانين والعادات المشتركة والثقافة العامة المميزة، قطعه لفترة قصيرة لكن مضطربة ~~ظهور أنواع عهدية من الهوية والمجتمع القوميين في ظل البيوريتانيين. كانت إنجلترا، ~~من وجهة نظر كرومويل، وكذلك من وجهة نظر ميلتون، أمة مختارة من الرب، والمولود الأول ~~للرب، وجديرة بأن تكون خليفة لإسرائيل القديمة، وسوف تتحقق في الكومنولث الجديد الذي ~~ألغى الملكية، ومجلس اللوردات، والكنيسة الأنجليكانية. وبعد فشل الحكم العسكري، ~~استعيدت هذه الأنواع الهرمية من الثقافة الشعبية بعد عام 1660، لكنها وضعت في سياق ~~أيديولوجي جديد يتمثل في الحرية السياسية، وفي نسق ديني جديد يتمثل في الاختيار القومي ~~- للإنجليز بوصفهم أمة مختارة تتمتع بالحرية المدنية والتقدم - وساعد هذا المفهوم في ~~دعم مثل «الثورة المجيدة» عام 1688، وكذلك أمة اتحاد القرن الثامن عشر ~~الأنجلو-بريطانية البروتستانتية إلى حد بعيد، وإلى حد ما الحركات الاجتماعية ~~والمسيحية في العصر الفيكتوري. # 14 # لم تختف تماما هذه الأنواع الهرمية والمحافظة، حتى في مناخ التدهور ما بعد ~~الإمبراطوري والجمهورية الوشيكة. فعلى الرغم من أن الملكية نالت بغض العامة من وقت ~~إلى آخر، فإنها نجحت إلى حد بعيد في إعادة تجديد أسلوبها، ومثلت، في أوقات الأزمات، ~~كما في الحرب العالمية الثانية، مركز ثقل للمجتمع القومي المضطرب. وما زالت عراقتها ~~الواضحة، ومحوريتها للثقافة الشعبية القومية، واحتفالاتها المثيرة، وتسليط الأضواء ~~الإعلامية عليها باستمرار، تسهم في قدرتها على البقاء، إضافة إلى افتقار أي بديل منها ~~للتأييد الجماهيري. على النقيض من الكنيسة الأنجليكانية، نجحت الملكية، على الرغم من ~~انفصالها بثرائها وتقاليدها عن غالبية البريطانيين الكاسحة، نجاحا كبيرا في الاحتفاظ ~~بإحساس التفرد القومي، على النقيض المدرك من جمهوريات أوروبا القارية؛ ذلك التناقض ~~الذي ربما عززه تبجيل الشعب للبرلمان والتقليد البرلماني ms194 العريق، وكذلك تبجيلهم ~~للعرف. تعتبر هذه المؤسسات كلها جزءا من اختلاف بريطانيا في واقع الأمر، وإنجلترا ~~بصفة خاصة، عن دول المجتمع الأوروبي، بل تفردها، ودليلا عليه - ذلك الاختلاف الذي ~~يمكن إرجاع بدايته إلى الانفصال عن روما في عهد الملك هنري الثامن، وتبلور في عهد ~~الملكة إليزابيث، ولا سيما بفعل النزعة العهدية القومية البيوريتانية، وهو اختلاف ~~يثبت المفاهيم والأشكال الهرمية داخل تقليد عهدي أنجلو-بريطاني واسع النطاق حتى ~~يومنا الحاضر. # 15 ~~(3) الأمم العهدية الحديثة # لمثل هذا السبب، قد يسأل المرء: أين توجد الأمم العهدية في وقتنا الحاضر؟ ألم تختف ~~مع انهيار أولستر ونظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا؟ # بالتأكيد، بدا أن كلا المجتمعين يعكسان مرحلة من التحديث والتصنيع المبكرين، شاع ~~فيها الفصل بين القوى العاملة على أساس عنصري أو ديني عرقي. في كلا المجتمعين، انفصل ~~عن الأغلبية مجتمع أقلية مسيطر ليؤسس دولته الخاصة التي كانت هرمية سابقا في السياق ~~الأوسع نطاقا، وعهدية داخل كل مجتمع. في حالة أولستر، أدى انفصال المقاطعات الست ~~عام 1921 إلى وضع أقلية كاثوليكية داخل أولستر الاتحادية، حتى حينما مثل «الاتحاديون ~~البروتستانت» أقلية في جزيرة أيرلندا. ثم أضفي الطابع المؤسسي على حافز عهدي قوي ~~نابع من المستوطنين البروتستانت الأصليين في التنظيم البرتقالي، وفي المسيرات السنوية ~~التي تحيي ذكرى انتصار البروتستانت في معركة بوين عام 1690. وفي حالة جنوب أفريقيا، ~~اعتبر هروب الكثير من الأفريكان من «مستعمرة الكيب» التي كان يسيطر عليها البريطانيون ~~في ثلاثينيات القرن التاسع عشر «خروجا» في آخر الزمان، هربا من «فرعون» ظالم، بحثا ~~عن أراض موعودة في مرعى الفلد. بحلول أواخر القرن التاسع عشر، رافق إحياء اللغة ~~الأفريكانية تقديس متزايد، ولا سيما في جمهورية ترانسفال التي كان رئيسها بول كروجر، ~~للرحلة الكبرى وانتصار جيش البوير الإعجازي على شعب الزولو بقيادة دينجان في معركة ~~«بلد ريفر» (نهر الدم) عام 1838. وبحلول عام 1938 أعاد الحزب الوطني برئاسة الدكتور ~~مالان ترسيخ التقديس في الاحتفالات المئوية بيوم العهد (أوساواتريك)، وفي الإفريز الذي ~~يسجل أبطال الرحلة وكبرى مناقبهم في نصب فورتراكر ms195 المهيب الموجود خارج بريتوريا، ~~وكذلك في الاحتفالات التذكارية التي أقامها نظام الفصل العنصري القومي لاحقا. # 16 # إذا، كانت هذه أمثلة لأمم عهدية تتبع بروتستانتية آخر الزمان، جمعت بين رغبتها ~~الانفصالية الأصلية النابعة من الكتاب المقدس، وبين السيطرة على أشخاص مختلفين عنها في ~~المعتقدات الدينية أو الأصول العرقية. في حالة الولايات المتحدة، كانت هذه الرغبة ~~المنبثقة من الكتاب المقدس متمازجة في الأصل أيضا مع عناصر هرمية واضحة في الثقافات ~~الإقليمية القوية الموجودة سابقا في المستعمرات. إلا أنه أثناء الصراع ضد بريطانيا، ~~وفي حين احتفظت تلك المستعمرات بحقوقها كدولة، فإنها نجحت أيضا في التوحد على أساس ~~خرافة تأسيس مشتركة، موضحة في إعلان الاستقلال وفي الدستور، وهما نصان يجمعان ~~بين كل من العناصر العهدية وعناصر الجمهورية-المدنية. من ناحية تزايد تهميش ~~الولايات البروتستانتية الأنجلوسكسونية المتنوعة للشعوب الأصلية، حيث لم تبدهم، وفي ~~الوقت نفسه مارست السيطرة والاستغلال (لا سيما في المزارع الجنوبية مالكة العبيد) على ~~المجتمعات السكانية السوداء المجلوبة إلى أمريكا الشمالية عنوة ومن ثم عزلتهم عن ~~مناطق البيض المسيطرين ومواردهم. من الناحية الأخرى، قدمت الثورة والجمهورية ~~الأمريكيتان في ثوب روماني بوصفها أمة مدنية وجمهورية من الرجال (البيض) الأحرار ~~والمتساوين، ولا شك أن «آباءها المؤسسين» استمدوا كثيرا من إلهامهم من أسلافهم ~~الكلاسيكيين، ومن مثل التنوير أيضا. # 17 # في الوقت نفسه، شهدت الرؤية البروتستانتية الأصلية المقتبسة من الكتاب المقدس التي ~~يتبعها المستوطنون الأكثر بيوريتانية إحياءات دورية، وما زالت تقود عددا كبيرا من ~~التابعين في أجزاء مختلفة من الولايات المتحدة. وأدى هذا، أحيانا، إلى ضغوط من أجل ~~الانعزال عن العالم الأوسع، وتركيز على فرادة التجربة الأمريكية، ورحابها الواسعة، أو، ~~بدلا من ذلك، إلى شن «حملات صليبية إنجيلية» باسم الحرية، بوصفها زعيمة العالم الحر، ~~ضد الشيوعية السوفييتية في بداية الأمر، ثم ضد أشكال التطرف العنيف فيما بعد. رغم ذلك، ~~فإن الروح العهدية التي رفضت أشكال الهرمية التقليدية وفتحت الباب أمام تبني الحريات ~~السياسية والمدنية الجمهورية ساعدت في تشكيل أمة منفتحة وتعددية ومتحمسة ملتزمة بحكم ~~القانون والديمقراطية؛ أمة تتذبذب ms196 بين موقف نقاء عرقي أكثر انفصالية يذكرنا بعهد ~~إسرائيل القديمة، وبين مواجهة أكثر توسعية وتبشيرية لهذا العالم «الدنس». # 18 # يمكننا أن نجد في إسرائيل المعاصرة مزيجا لا يختلف عن ذلك، يجمع بين الرؤية العهدية، ~~والأشكال الجمهورية، والهرمية العرقية. على الرغم من أن إسرائيل تعتبر في بعض أوساط ~~المفكرين الغربيين مجتمعا استيطانيا استعماريا، فإن الرغبة الأصلية والرؤية ~~الموجهة كانت عملية ونابعة من الكتاب المقدس أيضا؛ وهي فصل اليهود المشردين ~~والمضطهدين عن مجتمعاتهم المضيفة، وإعادتهم إلى وطنهم القديم، وفقا لوعد النبوءة؛ ومن ~~ثم، على النقيض من الأفريكان الذين احتفظوا بعبيدهم في مستعمرة الكيب، على سبيل ~~المثال، سعى الرواد الصهاينة الأوائل إلى الجلاء عن أوروبا المعادية وتكوين مجتمع جديد ~~منفصل يقوم على الاعتماد على الذات، وكرامة العمل اليدوي، ومحرر من الامتهان الذي ~~خضعوا له هم وأسلافهم. # 19 # رغم ذلك، فمنذ فترة مبكرة نسبيا، تسببت الحاجة المدركة إلى توظيف العمالة ~~العربية الأرخص، والظروف الاجتماعية الصعبة المديدة لكل من الأقلية العربية داخل ~~إسرائيل، بعد إنشاء دولة إسرائيل، واليهود الشرقيين أيضا؛ في حدوث تفاوتات عرقية غير ~~مرغوبة. إلا أن ذلك عادله إطار جمهوري-مدني قوي، والتزام بالديمقراطية، والحريات ~~المدنية، والخطاب الحر، وكذلك حكم القانون الموروث من الانتداب البريطاني؛ لذلك، على ~~الرغم من أن إسرائيل في بدايتها يمكن وصفها على نحو مستحق بأنها أمة عهدية تسعى إلى ~~خلق مجتمع ريادي متساو فريد، فإن عملية «تطبيعها»، بوصفها دولة ومجتمعا قوميا، ~~أولت عنايتها الأولى على نحو متزايد إلى تقليدها الجمهوري-المدني؛ ذلك التقليد الذي ~~أضعفته التراتبيات الهرمية العرقية الناتجة إلى حد بعيد من الضغوط الخارجية المعادية، ~~ولكن يشجعها أيضا مثال اصطفاء قومي ديني عرقي دائم. # 20 ~~(4) الأمم الجمهورية الحديثة # على الرغم من تساوي مثال المجتمع الجمهوري المدني في العراقة مع التقاليد الثقافية ~~الأخرى، فلم يصبح منتشرا إلا بعد القدوم الكامل للحداثة والعلمانية. وحتى تلك اللحظة ~~كانت البنى الهرمية المهيبة التي كافحها أتباع المثل الجمهورية وتحرروا منها في ~~النهاية تلقي بظلها على المثل الجمهورية وتكتنفها. ويرجع حماس الأمة الجمهورية إلى ~~حد بعيد ms197 إلى قسوة انفصالها المبدئي عن التراتبيات الهرمية التقليدية، الأصلية منها ~~والاستعمارية. # في تلك الأيام، ظهر أكثر هذه الاضطرابات تأثيرا، وإن لم يكن أولها، في فرنسا ~~أثناء الثورة، ورسخ المثل المدنية والعلمانية للأمة الجمهورية على نحو يفوق حتى ما ~~في أمريكا. منذ العصور الوسطى، جسدت مملكة فرنسا المثال النموذجي للمجتمع الهرمي ~~المقدس في ظل «ملكها الأكثر مسيحية». حقق هذا النموذج وضوحا لا نظير له من خلال ~~إقليم المملكة المتماسك - الذي يطلق عليه السداسي - في بدايات العصر الحديث، بل حتى ~~قدرا من التماثل بين سكان الحضر بسبب تزايد تغلغل الإدارة الملكية المركزية ولغة ~~باريس وثقافتها، على الرغم من استمرار المناطقية والثقافات واللهجات المحلية الريفية. ~~إلا أنه مع أواخر القرن السابع عشر، استلهاما من الوطنية الليبرالية في ثورة إنجلترا ~~وأشكال التضامن السياسية في الدول المدن القديمة، بدأت مجموعة متعاقبة من المفكرين ~~المؤمنين بالتحديث يشكلون إحساسا علمانيا جديدا بالهوية القومية الفرنسية. ~~تبنت مفهوم الأمة الجمهورية حركة ثورية متنامية مكونة من الطبقة الوسطى، داعمة ~~مثل «السيادة الشعبية» و«إرادة الأمة»، من أجل نزع الشرعية عن هرمية «النظام القديم» ~~الملكية الكاثوليكية، والإطاحة بها. وأثناء مجريات الثورة، ما بين عامي 1789 و1794، ~~ظهر لوقت وجيز نوع من العهدية الشعبية يعج بالقسم الجماعي، والطقوس، والمهرجانات، ~~والشهداء، والتقويم الجديد. في هذه المراسم، تبنى الممثلون الشعبيون رمزية دراما خلاص ~~الأمة وحركاتها الاستعراضية في عروض جماعية تعبر عن العبادة الدينية العلمانية ل «الوطن» الذي أصبحت أشكاله وعلاماته المميزة علمانية ورومانية وجمهورية على نحو ~~متزايد. # 21 # إذا كان نظام نابليون اللاحق سعى إلى نظام جديد متسق قائم على مثل جمهورية ~~مدنية، فإن انهياره أعطى الفرصة لقوى الرجعية الكاثوليكية والملكية لإعادة تشكيل ~~فرنسا بوصفها مملكة كاثوليكية تتبع النزعة المحافظة الجديدة، وعلى النحو الذي روج ~~له بونالد. إلا أن المحاولة باءت بالفشل، ومنذ ذلك الحين وحتى نظام فيشي، تذبذبت ~~السياسة الفرنسية، على نحو عنيف في بعض الأحيان، ما بين نزعة جمهورية متزايدة ~~العلمنة والراديكالية، وبين نزعة محافظة عسكرية ملكية كاثوليكية قوية. وأقرت ~~هذه المصائر البديلة ms198 ل «فرنسا» على نحو واضح في الجمعية الوطنية، وفي المحاكم، وفي ~~الشوارع أثناء قضية درايفوس (1894-1899) التي سبقت حل الكنيسة الكاثوليكية عام 1905. ~~إلا أن الانتصار الجمهوري كان مؤقتا وحسب. ويمكن أن نشهد الازدواجية والانشقاق اللذين ~~ظهرا أثناء تطور الهوية القومية الفرنسية في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ~~في آثارها وتماثيلها وعمارتها المميزة، وكذلك في المناقشات المتعلقة بدخول البانثيون ~~واستخدامه. ويدل على هذا الانشقاق على نحو مماثل تنامي تقديس القديسة جان دارك التي ~~طوبت عام 1920، وأصبحت أيقونة للقومية الكاثوليكية المتأصلة، بينما يعتبرها اليسار ~~في الوقت نفسه بطلة شعبية للحرية والمقاومة الفرنسيتين. كما تجلت مصائر فرنسا ~~البديلة مرة أخرى في القرن العشرين في الصراع بين قادة يتسمون بالقوة والسلطوية ~~والكاريزمية، أمثال بيتان وديجول اللذين بدا أنهما يجسدان الرابطة بين التراب الفرنسي ~~وموتى الأمة الأبطال الذين كانوا بمنزلة «آباء الأمة»، والحركات الشعبية الساعية إلى ~~الحرية، والمساواة، والثورة، أمثال حركة الماكيز التي واجهت طغيان الاحتلال الألماني، ~~أو ثورة الطلبة عام 1968 التي كانت موجهة ضد النظام البيروقراطي للدولة الرأسمالية. ~~إلا أن هذه الصراعات، على الرغم من عنفها، احتويت ضمن الأشكال القوية للأمة ~~الجمهورية الفرنسية الملتزمة بالقيم والمثل المدنية لقومية فرنسية علمانية مهيمنة، ~~قائمة مع ذلك على إحساس قوي بهوية ثقافية عرقية مشتركة. # 22 # كانت الاضطرابات التي أتت بجمهورية ألمانيا الحديثة إلى الوجود على القدر نفسه من طول ~~الأمد، وربما كانت حتى أكثر عنفا. رأينا في الفصل الرابع أنه بالفعل بحلول أواخر ~~العصور الوسطى، اعتبرت الطبقات المتعلمة الألمانية أن الإمبراطورية الرومانية المقدسة ~~هي إمبراطورية من الألمان في المقام الأول، وأن الإحساس الناشئ بالهوية القومية ~~المدعوم بالأفكار النمطية الخارجية واستعادة «جرمانيا» تاكيتوس، وبانتشار اللغة والأدب ~~الألمانيين؛ تجلى وسط النخبة المثقفة ذات النزعة الإنسانية في عصر النهضة. ورغم ~~ذلك، فإن هذا الإحساس النخبوي بهوية سياسية وثقافية ألمانية أوسع نطاقا عجز عن ~~الاستمرار بعد مذبحة حرب الأعوام الثلاثين وانقسام الأراضي الناطقة بالألمانية خارج ~~النمسا إلى دول مطلقة، قليل منها عظيم، وكثير منها صغير. وبحلول القرن الثامن عشر، ms199 ~~بدا أن تفتت الهرمية، بالإضافة إلى نفوذ الثقافة الفرنسية المتغلغل، يضعان معا ~~نهاية لأي أحلام بدولة أو أمة ناطقة بالألمانية على غرار النموذج الإنجليزي أو الفرنسي ~~المعاصر لها، إلا ربما في قليل من الأوساط المحلية الغائمة. # رغم ذلك، شجع نموذج الثورة الفرنسية وصدمة الهزيمة في معركة يينا إجراء إصلاحات ~~مدنية في بروسيا، والمقاومة القومية من أجل ألمانيا من جانب المفكرين والطلبة الذين ~~ازدادوا تأثرا بعقائد البطولة الرومانسية؛ الأمر الذي أسفر في النهاية عن مناقب «قوات ~~المتطوعين» وذكرياتهم الخرافية في الانتصار على نابليون في لايبتسيج عام 1813. وتبع ذلك ~~مظاهر عهدية مثيرة، وإن كانت محدودة نوعا ما، للأخوية الألمانية في قلعة فارتبورج ~~عام 1817، وفي قلعة هامباخ عام 1832، أثناء فترة عامة من الرجعية الهرمية في أوروبا. ~~ولو أن حركة الإصلاح العهدي هذه تمكنت من التغلب على الانقسامات العميقة بين ممثلي ~~برلمان فرانكفورت حول تعريف الأراضي الألمانية والهوية الألمانية، لشهد عام 1848 ~~الثوري ميلاد أمة ألمانية جمهورية وليبرالية. وكما حدث، كانت هذه الدول الهرمية ~~القديمة قادرة على التجمع مجددا، وكان الطريق مفتوحا أمام تقوية بروسيا قبضتها على ~~الأراضي الشمالية الناطقة بالألمانية، وأمام إمبراطورية «رايخ» ألمانية تسيطر عليها ~~بروسيا في نهاية المطاف. # 23 # من الناحية الظاهرية، بدا أن الهرمية الملكية بقومية «ألمانيا الصغرى» غير ~~الليبرالية انتصرت. إلا أن فشل احتفالاتها الرسمية بيوم الانتصار في معركة سيدان في ~~أسر خيال العامة، واستمرار التوجهات الخفية المتمثلة في الحركات الشعبية التي تستحضر ~~الدساتير الليبرالية من فترة الثورة الفرنسية، بالإضافة إلى تنامي الحركة الاشتراكية؛ ~~كل ذلك كشف عن استمرار وجود مصائر بديلة للقومية الجمهورية الألمانية. مرة أخرى، يمكن ~~أن نرى ذلك في الآثار التي جاء تمويلها من الاكتتاب العام، وأشهرها تمثال هيرمان ~~الشيروسكي في غابة تويتوبورج، وفي ظهور العديد من مذاهب القروسطية القوطية و«العبقرية» ~~الألمانية، لا سيما عبقرية لوثر ودورر، وفي كثير من روايات «الفولكيش» الشعبية في ~~هذه الفترة، وفي مهرجان فاجنر المجتمعي للفنون في بايروث الذي يستحضر الميثولوجيا ~~الجرمانية والأيسلندية القديمة، ولاحقا في العنصرية الروحانية غالبا لدى أوساط ms200 ~~«الفولكيش» الشعبية المتطرفة ونظيرتها السياسية المقاتلة «رابطة الشعوب ~~الجرمانية». # 24 # إذا كانت الهزيمة في الحرب الكبرى وتعويضات معاهدة فرساي فرضتا جمهورية على أمة منهكة ~~ومحرومة، فسرعان ما اكتسحت منطقة فايمار حركة حاسمة، ربطت عناصر العهد بهرمية عنصرية ~~وعسكرية بمستوى غير مسبوق وعنف مدو. وإذا كان «اتحاد القبائل الجرمانية الألمانية» ~~الذي اقترحه هيملر لخص جوهر رؤية هتلر العنصرية، فإن هذه الرؤية ضمنت، مع ذلك، في ~~بنية قيادة عسكرية برئاسة الفوهرر، دمجت التراتبيات الهرمية العديدة المتنافسة لكل من ~~الدولة والحزب والجيش ووحدة إس إس الوقائية. وقدمت النازية صورة مزدوجة؛ فهي من ~~ناحية مواكب حاشدة، وأغاني مسيرات، وأعلام صليب فاستيكا المعقوف، ورايات، وتأثيرات ~~إضاءة، ومراسم جماعية مصممة بدقة، جدد فيها الألمان «العرقيون» عهد الطاعة للفوهرر، ~~والموت في سبيل «الوطن»، في توافق أخوي كان أشبه بمحاكاة علمانية للعهد الديني، وهي ~~من ناحية أخرى دولة إمبريالية ذات نزعة عنصرية تديرها بيروقراطية مركزية متضخمة ~~ونخبة قوية من وحدة إس إس الوقائية، سعت إلى مواجهة الانقسامات العميقة بفعل الطبقة ~~والدين والمنطقة. # 25 # قد يعتقد المرء أن تلك الهزيمة الكاملة كان من الممكن أن تفتت اندماج الهرمية ~~السياسية ونزعة العهد الأيديولوجية، لكن كلتيهما تجددتا في ألمانيا الشرقية، وإن ~~كان ذلك لأهداف متناقضة كليا. اتضح هذا في المراحل الأخيرة من النظام الشيوعي في ~~جمهورية ألمانيا الديمقراطية، حينما حاولت تحقيق أهدافها الماركسية باستخدام وقائع ~~وأبطال يحظون بالشعبية، مختارين بعناية من التاريخ الألماني، ليكونوا «أمثلة ~~للفضيلة»، من أجل تعزيز شرعيتها وارتباطها مع «الشعب». إلا أن الهرمية والعهد لم يجدا ~~مكانا لهما في الغرب في جمهورية ألمانيا الاتحادية. تضمن السعي إلى التجديد ~~الاقتصادي والديمقراطية السياسية رفض الشعبية الكاريزمية والهرمية الإمبريالية، شكلا ~~وروحا، لصالح الرشادة الاقتصادية، وأمة جمهورية مدنية داخل اتحاد الأمم الأوروبي. ~~والواقع أن مثال التكامل الأوروبي بدا أنه يمنح نخبة ألمانيا الغربية احتمالية ~~التحرر من أعباء الماضي القريب ومنغصاته في ظل دولة مدنية جيدة التنظيم. رغم ذلك، فإن ~~حماس هؤلاء القادة أنفسهم في السعي إلى الاتحاد السياسي مع ألمانيا الشرقية بعد ms201 انهيار ~~جمهوريتها الشيوعية عام 1990؛ كشف عن استمرار الروابط العرقية الألمانية الطويلة الأمد ~~وقوتها، وأوضح أن مثال إغراق الخصوصيات الماضية في دولة دستورية صرف ربما لم يكن ~~مضمونا بالقدر الذي أمل فيه أشخاص مثل يورجن هابرماس الذي امتدح فضيلة «الوطنية ~~الدستورية» الصرف. # 26 # قد تكون انعكاسات شبيهة وثيقة الصلة في حالة روسيا المعاصرة. هنا أيضا نجد أمة ~~جمهورية مدنية قيد التكوين، لكن مع وجود المزيد من المشاكل والأمور غير المؤكدة . في ~~الحالة الروسية، نشهد مسارا مشابها من الهرمية الإمبراطورية إلى القومية الجمهورية، ~~مع وجود فترة وجيزة من الأخوية العهدية في أوائل عشرينيات القرن العشرين. كما رأينا ~~في الفصل الرابع، تطورت الدولة الموسكوفية على هيئة هرمية أبوية، مع اعتماد متبادل ~~قوي بين الدولة والكنيسة في ظل قيادة القيصر، بوصفه حاكما مقدسا وأبا لشعبه. إلا أن ~~الانقسام الكبير الذي أعقب الإصلاحات الكنسية التحديثية التي أجراها البطريرك نيكون في ~~ستينيات القرن السابع عشر؛ أدى إلى مقاومة شديدة في مختلف مجتمعات الشهداء وطوائف ~~«المؤمنين القدامى» العهدية التي استمر بعضها في القرن التاسع عشر، وأبرزت الانقسام ~~المتزايد بين بلاط ودولة بيروقراطية هادفين إلى التغريب، ومجتمع روسي عرقي ~~أرثوذكسي، لا سيما في الريف. # 27 # في أواخر القرن التاسع عشر، قوضت الإصلاحات الاجتماعية القيصرية والتحديث «من ~~أعلى» المثال التراتبي الهرمي، وهيأت الظروف للمجموعات الشعبية والماركسية للترويج ~~لأخوية الجماهير، ومساواة الأمم الخاضعة في «سجن الشعوب» القيصري. إلا أن رسالتها لم ~~تترجم إلى فعل إلا بعد أن دمرت كوارث الحرب الكبرى التراتبيات الهرمية التقليدية ~~بالإضافة إلى القيصرية. مع وجود حركات راديكالية مناوئة تتنافس على السلطة، قدر ~~للبلاشفة الأفضل تنظيما الذين خرجوا منتصرين من الحرب الأهلية أن يقودوا الحركة ~~الثورية. وإذ أعلنت ثورة لينين أن الأرض للفلاحين وحكم العمال السوفييت، أعلت من قيمة ~~«الشعب»، وتصورت ظاهريا ميلاد أمة عهدية جديدة مكونة من الجماهير المتآخين، لم ~~تلبث أن أخضعتها لنسخة من الهرمية العلمانية التاريخية أكثر صرامة واستبدادا، في ظل ~~اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، ومكتبه السياسي، البوليتبورو، وسكرتيره العام في نهاية ~~المطاف. واصطنع ms202 دين مدني علماني جديد للحكم البروليتاري المتعدد الجنسيات، من أجل ~~شحذ طاقات الشعوب، وتغطية مصالح الحزب والدولة الجبارين. رغم ذلك، في «الحرب الوطنية ~~العظمى»، وجد ستالين أنه من الضروري الاستعانة بروح القومية العرقية الروسية وأبطالها ~~الروسيين القدماء أمثال ألكسندر نيفسكي، وفي عام 1941، كان أكثر استعدادا «في الظروف ~~العصيبة» لاستخدام طقوس الكنيسة الأرثوذكسية المنتهكة وأيقوناتها من أجل توحيد الروس ~~وتعبئتهم لمواجهة الغزو النازي. وعلى الرغم من الانتقاد الرسمي المستمر لشوفينية روسيا ~~العظمى، فلا شك تقريبا أن قومية الدولة الروسية كانت مكونا متأصلا، وإن كان غير ~~رسمي، في أيديولوجيات القيادة السوفييتية وسياساتها اللاحقة. # 28 # مع انهيار الشيوعية السوفييتية أدار القادة ظهورهم لكل من التراتبيات الهرمية ~~التقليدية والمثل الأخوية من أجل بناء نوع من الدولة الجمهورية أكثر مدنية، وأمة ~~روسية على وجه أكثر تحديدا. وكان معنى ذلك الاستعانة بعلمانية النظام السابق، وتأكيد ~~سماته الوطنية الكامنة، وتجديد بنية قيادته وسيطرته على الدولة، مع رفض أيديولوجيته ~~الاشتراكية. وخلال عقود قليلة، أتم المجتمع الروسي انتقاله من تراتبية هرمية تقليدية، ~~وإن كانت تحديثية، من خلال حركة ثورية للتضامن العهدي الشعبي، إلى: شكل شيوعي جديد من ~~المجتمع الجمهوري والاقتصادي الذي توجهه دولة وحزب بيروقراطيان مركزيان قويان، ~~وأخيرا إلى: أمة جمهورية أكثر مدنية وأقل أيديولوجية وأكثر روسية على نحو واضح، ~~وذات قدر أكبر من السيطرة الدولانية. ~~(5) انتصار الأمة الجمهورية؟ # ليست هذه هي الأمثلة الوحيدة لمسار تحولت فيه الأمم الهرمية والإمبراطورية غالبا، ~~بقليل أو كثير من السرعة والعنف، إلى أمم جمهورية-مدنية. ولا تقتصر هذه الأمثلة على ~~أوروبا والغرب. تقدم تركيا الحديثة مثالا مثيرا بصفة خاصة لهذا التحول. انتهى ~~التدهور الطويل الذي عانته القوة الإمبراطورية العثمانية، وما صاحبه من خسارة أراضيها، ~~بتصدعين تسببا في قطع الاستمرارية العثمانية؛ تمثل الأول في ثورة الضباط في ~~«جمعية الاتحاد والترقي» عام 1908، وكان الثاني الذي يعد الثورة الأكثر راديكالية ~~بعد هزيمة الغزو اليوناني عام 1922 وتأسيس الجمهورية التركية على يد مصطفى كمال أتاتورك ~~عام 1932؛ حين ألغيت السلطنة والخلافة كلتاهما. ألهمت هذين التصدعين الرؤية الجديدة ~~للأتراك باعتبارهم ms203 أمة عرقية منفصلة. أما ضباط «جمعية الاتحاد والترقي»، فرأوا أن ~~الأتراك هم الأمة المسيطرة في إمبراطورية عثمانية متعددة القوميات، لكنها إمبراطورية ~~مدركة في إطار قومي على نحو متزايد. وأما مصطفى كمال وأتباعه، فكان الأمر من وجهة ~~نظرهم يتخطى ذلك إلى أمة جمهورية تركية منفصلة ليس فقط عن رعاياها السابقين، ولكن عن ~~الأمم الأخرى الناطقة بالتركية أيضا خارج الإمبراطورية السابقة. كانت الأيديولوجية ~~الكمالية إقليمية وتغريبية على نحو صارم. وبما أن منظرها ضياء جوك ألب كان يتطلع ~~إلى فرنسا الجمهورية نموذجا، فقد تبنت الأيديولوجية الكمالية تصورا مدنيا ~~تحديثيا للأمة بوصفها مجتمعا قائما على النظام والتقدم، كان مأمولا أن تتمكن تركيا ~~من خلاله من مضاهاة الغرب من خلال الانضمام إلى عصبة الأمم «المتحضرة». وظل هذا هو ~~هدفها الأهم حتى وقتنا الحاضر. ويقدم طلبها المعطل للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ~~أحدث دليل على نزعة جمهورية ذات طابع أيديولوجي، تعارض فيها القومية العلمانية ~~الدولانية والإقليمية التي يتبناها معظم النخبة العسكرية والسياسية كلا من النزعة ~~الإسلامية الحداثية السياسية التي يتبناها الحزب الحاكم حاليا، والمعتقد الإسلامي ~~لدى الأغلبية الريفية. إلا أنه في كلتا الحالتين، تظل مسلمة المجتمع التركي العرقي ~~القومي المميز تقدم المجال والأساس لهذه المصائر البديلة. # 29 # حدثت اضطرابات وتحولات مشابهة في كثير من الدول التي حكمتها فيما سبق بيروقراطيات ~~إمبراطورية وكبار إقطاعيين، من الصين والهند حتى مصر وإثيوبيا. في الغالبية العظمى من ~~الحالات، أسفرت الثورة الاجتماعية والقومية عن قادة كاريزميين وأعداد كبيرة من ~~التابعين في فورة من الأخوية العهدية. إلا أن هذه اللحظة سرعان ما انحسرت، وتبعها ~~الظهور المؤلم بقدر ما أو آخر لنظام مدني جديد في الدولة القومية الجمهورية. على نحو ~~مختلف، قدم الغزو الأجنبي والحكم الاستعماري، لا سيما في أفريقيا، أنواع النزعة ~~الجمهورية المدنية والإقليمية، بالإضافة إلى النموذج القومي الذي عدله «الآباء ~~المؤسسون» القوميون وفقا لأعراف الشعوب الأصلية وتقاليدها. نرى ذلك واضحا بصفة خاصة ~~في الجيل الأول من القادة في غرب أفريقيا الذين سعوا إلى الاحتفاظ بالحدود ~~الاستعمارية لدولهم، بدلا من التهديد بالتفتت العرقي، ms204 لكنهم مثلوا في الغالب ~~«عرقيات» معينة مسيطرة عادة، حتى أثناء تطلعهم إلى تكوين أمة جمهورية مدنية ~~موحدة. وفي أي من الحالتين، وبصرف النظر عن طريق الوصول، يبدو أن نقطة النهاية كانت ~~واحدة. # 30 # يطرح ذلك مسألة حتمية التقدم العلماني إلى الأمة الجمهورية المدنية. أشرت إلى بعض ~~الحالات النقيضة؛ اليابان وبريطانيا، وبدرجة أقل الولايات المتحدة وإسرائيل، لكن هل ~~من المحتمل أن تكون هذه الحالات «الشاذة» ظاهرية أكثر منها حقيقية؟ أم من غير المحتمل ~~أن تسلك الطريق نفسه الذي سلكه الأفريكان والبروتستانت في أيرلندا الشمالية؟ على أي ~~حال، تخلى المجتمع الإسرائيلي إلى حد بعيد عن أخلاقياته المسيحانية الريادية، ~~باستثناء ما بين الأقلية الأرثوذكسية التي تعبر عن آرائها بقوة، وتشهد حركة الإحياء ~~المسيحي في الولايات المتحدة الأمريكية مقاومة مستمرة من النخبة المثقفة الليبرالية ~~وأصحاب النفوذ السياسي في الساحل الشرقي. وكما هي حال اليابان وبريطانيا، فالتحديث ~~السياسي المستمر للأعراف والمؤسسات يقلل تدريجيا من الدور السياسي للتراتبيات الهرمية ~~التقليدية، من العائلة وحتى الملكية. # رغم ذلك، تبقى النزعة الجمهورية المدنية مجرد نوع من أنواع كثيرة من المصائر ~~القومية. وبين الحين والآخر، يسفر المزيد من الاضطرابات عن أشكال ومصائر قومية جديدة، ~~وما إيران المعاصرة إلا أوضح هذه الحالات. هنا، بعد سقوط السلالة القاجارية في الثورة ~~الدستورية عام 1905، انتزعت السلطة سلالة بهلوي، ونصب رضا بهلوي نفسه في منصب ~~الشاه. مرة أخرى عام 1953، سحقت القوى الكبرى محاولة تكوين جمهورية علمانية بقيادة ~~الدكتور مصدق، وسلمت السلطة إلى ابن الشاه. وأطلق برنامج تحديث سريع وقومية «آرية» ~~تستحضر ماضي الدولة الأخمينية السابقة للإسلام، مستخدما السيطرة الصارمة للدولة ~~والشرطة لتحقيق أهدافه، لكن هذا لم ينجح إلا في عزل تجار البازار ورجال الدين. وعند ~~سقوط الشاه عام 1979 لم تعد إيران إلى مسار مصدق، ولكنها سقطت على نحو متزايد تحت ~~سيطرة آية الله الخميني وتابعيه من رجال الدين في ثورة أعادت شريعة إسلامية مرشدة ~~وتراتبية هرمية شيعية داخل إطار الأمة الجمهورية وقوميتها الجديد نسبيا. # 31 # ربما يكون المثال الإيراني هو الأشهر، لكنه لم يكن ms205 الحالة الوحيدة لأمة هرمية حديثة. ~~في خمسينيات القرن العشرين، حاول أو نو، رئيس وزراء بورما، الجمع بين البوذية ~~والاشتراكية، مستخدما المثل الهرمية القديمة للحكام المخلصين ليمثل الشعب. وفي ~~تايلاند، يجمع الحكم السياسي الحالي بين تقاليد الحكم الشخصي العريقة والمثل البوذية. ~~وفي المملكة العربية السعودية، قلب الإسلام، جدد آل سعود أنفسهم وحكمهم السياسي ~~الأبوي من خلال الترويج المتحمس للإسلام الوهابي المتشدد، في محاكاة لرسالة النبي ~~العهدية الأصلية. # 32 # إلا أننا نجد، فيما وراء هذه الأمثلة الفردية، السمات الهرمية والعهدية متمازجة في ~~أغلب الأحيان مع القومية الجمهورية حتى يومنا الحاضر. ولا تقتصر صحة ذلك على بريطانيا ~~واليابان وإسرائيل والولايات المتحدة، لكن يمكن أن نشهد هذا أيضا في دول قومية تمتد من ~~أيرلندا وبولندا إلى صربيا واليونان والمكسيك، حيث تحتفظ الكنيسة بتبعية قوية. في تلك ~~البلدان، ما زالت المثل العهدية المتمثلة في الاصطفاء والرسالة العرقيين تثير ~~حماسة شرائح من سكانها؛ ومن ثم تقدم بدائل للمصائر القومية العلمانية التي حددتها ~~النخب الليبرالية والاشتراكية، أو تستمر في مزج هذه المصائر بقدر من البديل ~~العهدي. # خاتمة # في ضوء هذه الاعتبارات، ستكون أي محاولة للتنبؤ بشكل الأمم الحديثة محاولة ~~مبتسرة ومفتقرة إلى الحكمة، ومن الممكن أن تعرضنا لخطر الالتباس بين أشكال الحكم ~~السياسي الظاهرة وبين المحتويات الاجتماعية والثقافية الأكثر تغيرا. كل ما يمكن ~~قوله بقدر من اليقين هو أن الإحساس بالهوية العرقية المشتركة ظل مكونا قويا ~~ومرنا حتى في أكثر المجتمعات القومية مدنية وجمهورية، وأنه منذ العصور القديمة وحتى ~~العصر الحاضر، ظل تأثير الروابط والمشاعر والنماذج العرقية محسوسا باستمرار، حتى في ~~الفترات التي سادتها أشكال السياسة والمجتمع المنتمية إلى الإمبراطورية والإقطاع ~~والدول المدن. # 33 # سعيت، في هذه الدراسة الاستقصائية الموجزة، إلى توضيح أن مقاربة النموذج الحداثي ~~السائد مقاربة مختلفة لا تكشف عن استمرارية الهويات والنماذج العرقية فقط، ولكنها ~~تكشف كذلك عن استمرارية تلك العمليات الاجتماعية والرمزية التي تشجع على تكوين ~~الأمم. ويمكن تتبع تلك العوامل حتى في العالم القديم، رغم أنها لم تتضافر إلا في ~~حالات قليلة ms206 جدا لتخلق الظروف التي تمكن المجتمعات البشرية من الاقتراب من ~~النموذج المثالي للأمة بدلا من الأنواع الأخرى من الهويات والمجتمعات الجمعية ~~الثقافية و/أو السياسية. # والواقع أنه لم يحدث إلا في أواخر الحقبة القروسطية، مع تفتت وحدة العالم المسيحي، ~~أن خلقت تلك الظروف من جديد في أوروبا، وأن بدأ نوع قومي من الهوية يرتبط بالدول ~~الملكية، خالقا بين النخب ما أطلقت عليه مصطلح «الأمم الهرمية». غير أننا لا ~~نستطيع الحديث عن «القومية» بوصفها أيديولوجية أو حركة أثناء هذه الفترة. استلزم هذا ~~الأمر الانتظار حتى القرن السابع عشر، بعدما اتخذ الإصلاح البروتستانتي اتجاها ~~راديكاليا، فظهرت في دول قليلة، مثل إنجلترا واسكتلندا وهولندا، قومية «عهدية» تستمد ~~إلهامها من سرد الكتاب المقدس عن إسرائيل القديمة، لا سيما في أسفار موسى الخمسة. على ~~الرغم من المنظور الرؤيوي والأوروبي، فإن هذا النوع البروتستانتي الراديكالي من القومية ~~بدأ يرى العناية الإلهية في كنائس الرب وفي الأمم المختارة، وبدأ يستنتج الاستنتاجات ~~السياسية المنطقية. من جوانب عدة، يمثل هذا النوع مركز تاريخ اجتماعي لتكون الأمم ~~والقومية، بمعنى أن البروتستانتية العهدية الراديكالية شكلت وسيلة «الاختراق» إلى ~~الأمم والقومية الحديثة، ولولا إلهامها وإنجازاتها، لانتابنا الشك فيما إذا كان للأمم ~~كما أصبحنا نعرفها أن تشكل، أو ما إذا كان للقومية أن تصبح حركة أيديولوجية بهذا ~~القدر من الفعالية والقوة. وإلى هذا الحد، لا بد من مراجعة التأريخ والفهم الحداثيين ~~للقومية. # من ناحية أخرى، فإن ظهور القومية الجمهورية المدنية الراديكالية، لا سيما في ~~فرنسا، وتأسيس أول أمة ودولة متحولتين إلى العلمانية، يؤكدان الفرضية الحداثية ~~المتمثلة في «الأمة الحديثة» شريطة فهمها على أنها مجرد شكل، وإن كان مؤثرا، من ~~مختلف أشكال الأمة. في هذا الصدد، تقف الأيديولوجية القومية مستقلة بنفسها، لكنها لا ~~تنفصل تماما عن أيديولوجيات أخرى مثل الليبرالية والاشتراكية. في المقابل، واجه نوع ~~الأمة الجمهوري المدني تحديات متكررة من أنواع الهويات الأخرى المؤسسة على تقاليد ~~الهرمية والعهد القديمة، أدرك معها سريعا أنه لا بد من السعي إلى شيء من التكيف؛ ~~وهذا يوضح أننا ms207 لا يمكننا فصل مسألة التحقيب الزمني والتأريخ لمفهوم الأمة عن المسائل ~~الأوسع المتعلقة بالأشكال التاريخية للأمم الفردية، ولا عن التقاليد الثقافية الأساسية ~~التي قامت على أساسها تلك الأشكال، وما زالت تطرح مصائر قومية بديلة. # | الخاتمة # كانت نقطة الانطلاق في هذا البحث هي مسألة التحقيب الزمني للأمم: أي الحقبة أو الحقب ~~التي ظهرت فيها وازدهرت المجتمعات التاريخية التي نسميها «أمما». وسرعان ما اتضح أن ~~أنواعا مختلفة من الأمم أو المجتمعات القومية ظهرت في فترات مختلفة؛ ومن ثم ، أصبحت ~~المشكلة تتعلق بتفسير العلاقة بين فترات ظهورها وأشكالها الثقافية المتنوعة: أي العلاقة بين ~~ما يمكن أن نسميه «التأريخ» للأمم و«تشكيلها». # افترضت هذه الصياغة استمرار استخدام مصطلحات مثل «الأمة» و«الهوية القومية» بوصفها فئات ~~تحليلية إلى جانب فئات الهوية الثقافية الجمعية الأخرى. ومن أجل الوضوح والتحديد، أصبح ~~تعريف مفهوم الأمة وفقا لمصطلحات نموذجية مثالية خطوة أولية ضرورية؛ وسمح لنا هذا، ~~بدوره، بتعريف أنواع مختلفة من الأمة بوصفها مجتمعا تاريخيا يفترض أنه يمتلك هوية ~~ثقافية و/أو سياسية. ووفقا لذلك، عرفت فئة الأمة بأنها مجتمع إنساني له اسم وتعريف ~~ذاتي، يبني أفراده خرافات وذكريات ورموزا وقيما وتقاليد مشتركة، ويقيمون في وطن ~~تاريخي يتحدون معه، ويخلقون ثقافة عامة مميزة وينشرونها، ويراعون تقاليد وقوانين ~~عامة مشتركة. في هذا السياق، كان من المهم الفصل بين فئة «الأمة» وفئة «القومية» التي ~~عرفناها بأنها حركة أيديولوجية للحصول على الاستقلالية والوحدة والهوية والحفاظ عليها من ~~قبل مجتمع سكاني إنساني يرى أفراده أنه يكون أمة فعلية أو محتملة. والسبب في ذلك أن ~~نظرية القومية وأيديولوجيتها حديثتان نسبيا على الرغم من أن بعض عناصر القومية ظهرت قبل ~~وقت طويل من تأريخها التقليدي المحدد بأواخر القرن الثامن عشر. من ناحية أخرى، على ~~الرغم من أن غالبية الأمم الحالية ظهرت في القرنين الأخيرين، فإن كلا من مفهوم الأمة وبعض ~~الأمثلة المعروفة من المجتمعات القومية والمشاعر القومية يعود تاريخه إلى وقت أقدم بكثير ~~من وقت ظهور الحداثة. # من خلال تبني مقاربة تؤكد أهمية الروابط العرقية، والرموز والخرافات والذكريات ms208 ~~والتقاليد العرقية، يمكننا تدوين العمليات والموارد الثقافية التي شجعت تشكيل الأمم ~~واستمرارها، بالإضافة إلى تتبع أشكالها التاريخية المختلفة؛ نتيجة لذلك، أصبح من الممكن ~~إبراز الفترات والمواقع التي أصبحت فيها الأمم والهويات القومية واضحة ومنتشرة، ليس فقط ~~في ضوء العمليات المتمثلة في التعريف الذاتي، وبناء الرموز، والأقلمة، والثقافة العامة، ~~وما شابه ذلك، لكن أيضا من خلال وجود الموارد الثقافية المختلفة واستخدامها؛ خرافات ~~الاصطفاء العرقي، وذكريات العصر الذهبي، ومثل التضحية، وتقديس الأوطان. # في العالم القديم ، في العالم اليوناني والروماني الكلاسيكي وفي الشرق الأدنى، كانت ~~الروابط والهويات العرقية سائدة، بالإضافة إلى الارتباطات بدول مدن وقبائل، ~~وبإمبراطوريات بدرجة أقل، لا سيما في اليونان القديمة وبلاد فارس. وفي المقابل، كانت ~~العمليات المفضية إلى نشأة الأمم (فضلا عن القومية) غائبة في العموم. رغم ذلك، وجدت ~~استثناءات قليلة: مصر القديمة، وأرمينيا المسيحية القديمة، ومملكة يهوذا بصفة خاصة قبيل ~~النفي البابلي وبعده. وفي الحالتين الأخيرتين، ساعد خلق الموارد الرمزية والثقافية ~~المختلفة في ضمان بقاء المجتمع المعياري، وإن كان في أشكال بديلة، بعد نفي كثير من ~~أفراده من أوطانهم. # ربما كان العامل الأهم في تكوين الأمم لاحقا هو تلك الموروثات التي تركها العالم القديم ~~للفترات اللاحقة. وفي هذا الصدد، اخترت ثلاثة تقاليد ثقافية أساسية من الثقافة العامة، هي: ~~تقليد الهرمية، وتقليد العهد، وتقليد الكومنولث أو الجمهورية المدنية. كان النوع الأول، ~~بطبيعة الحال، مسيطرا ومنتشرا في أنحاء الشرق الأدنى القديم والبحر المتوسط، من المملكة ~~المصرية القديمة وإمبراطورية سرجون الأكدي، وحتى الممالك الهلينستية والإمبراطورية ~~الرومانية. قدم تقليد الهرمية مثالا للتفاوت المقدس والحكم المقدس، وعند ارتباطه ب ~~«عرقية» مسيطرة، وذكرى ملوك إسرائيل ويهوذا المنحدرين من نسل الملك داود، استخدم مثال ~~للملكية المقدسة، كما في فرنسا القروسطية؛ ذلك التراث الذي انتقل من الإمبراطورية ~~الرومانية، واستخدم مرارا وتكرارا طوال العصور الوسطى منذ عصر بيبان وشارلمان وحتى عصر ~~شارل الخامس وهنري الثامن. # كان النوعان الآخران من التقاليد الثقافية على القدر نفسه من الأهمية على المدى الطويل. ~~نشر مثال إسرائيل القديمة العهدي من خلال الكتاب المقدس ms209 العبري والترجمة السبعينية ~~أولا، ثم من خلال الكنيسة في الشرق الأرثوذكسي اليوناني والغرب الكاثوليكي اللاتيني، ولا ~~سيما الإيمان بالاصطفاء العرقي والوحدة وبالرسالة الإلهية. على نحو مشابه، استقى النموذج ~~المدني للجمهورية أو الكومنولث إلهامه من وطنية المدينة الإغريقية وتضامن مواطنيها، لا ~~سيما أثينا القديمة، ومن البساطة البطولية والتضحية بالذات الموجودتين في الجمهورية ~~الرومانية المصورة بطريقة مثالية. ومع إحياء هذا النموذج في جمهوريات المدن الإيطالية ~~القروسطية، تبنته كوميونات حرة كثيرة في ألمانيا وسويسرا والفلاندرز في العصور ~~الوسطى. # رغم ذلك، فإن أجزاء كبيرة من الكتلة الأرضية الأوروبية، وكذلك الشرق الأدنى، كانت في ~~أغلب الأحيان ساحة للإمبراطوريات المتعاقبة. وهنا، لم تطور العمليات الأساسية لتشكيل ~~الأمم، ونادرا ما كانت الهرمية مرتبطة بمجتمع عرقي منعزل أو مسيطر. وحيث أصبحت الهرمية ~~مرتبطة ب «العرقية» المسيطرة، بعد تفتت العالم المسيحي الأوروبي وظهور الدول المركزية، ~~كما حدث في دول مثل موسكوفي، وإسبانيا، وفرنسا، وإنجلترا، والدنمارك، والسويد، ساعدت في ~~توفير الأساس لنوع هرمي من الأمم، نجد فيه أنه على الرغم من حقيقة أن مشاعر جمهور السكان ~~لم تدون إلى حد بعيد، فقد تجلى إحساس قوي وحصري بالهوية القومية بين الحكام ~~والنخب. هذه المشاعر القومية، بدورها، شجعتها المنافسة التجارية والحرب، كما ساعدت في ~~تأجيجهما، بين الدول الأوروبية المتنافسة التي عبأت الجيوش بدورها، وبثت فيهم فضيلة ~~التضامن والحاجة إلى الدفاع عن «أراضيهم» القومية، وأمدتهم بخرافات المعارك والأعمال ~~البطولية. وبهذا المعنى، يمكننا الحديث عن وجود «أمم هرمية» في أواخر العصور الوسطى، بدأت ~~فيها «الوطنية المرتكزة على التاج» تنتقل إلى الطبقات الوسطى الحضرية، مقدمة نقطة ارتكاز ~~لمشاعر قومية قوية داخل إطار إقليم قومي يزداد تحديدا ومركزية، ونظام قانوني موحد ~~المعايير، وثقافة شعبية متميزة. # كان الإصلاح البروتستانتي هو ما قدم «الاختراق» إلى كل من الأمم الشعبية وأول أنواع ~~«القومية». وأعاد رجوعه إلى العهد القديم في النسخ الإصلاحية الراديكالية، لا سيما ~~الكالفينية، تقديم النموذج العهدي، ذلك المفهوم الديني العريق، إلى الاتجاه السياسي ~~السائد. في اسكتلندا وإنجلترا وهولندا، وفي كثير من المستعمرات الأمريكية والمدن السويسرية ~~أيضا، في ms210 أواخر القرن السادس عشر والقرن السابع عشر، أصبح المثال العهدي وسرد الخروج ~~المذكور على نحو بالغ الوضوح في الكتاب المقدس المكتوب بالعامية، هو المحرك للتغيير ~~الجذري سعيا للخلاص الفردي والاصطفاء الإلهي الجمعي، شاملا اصطفاء الأمم. من جوانب عدة، ~~هذه الفترة محورية في نشأة كل من الأمم والقوميات. وبالبناء على المشاعر القومية الموجودة ~~سابقا بين النخب، تمكنت «الأمم والقوميات العهدية» من تقديم تصورات للأمة ومثلها ~~أوسع نطاقا وأكثر فعالية - بل كونتا كومنولثات جمهورية - ومن ثم تمكنتا من تعبئة ~~أعداد كبيرة من الأشخاص من أجل برامج سياسية وعمل عسكري. # للوهلة الأولى، يبدو أن «الأمة الجمهورية المدنية» العلمانية الحديثة تمثل انشقاقا عن ~~كل الأشكال التاريخية السابقة للأمة، مثلما بدت قوميتها مختلفة تماما، في الطابع والأسلوب، ~~عن القومية العهدية السابقة. وهذا مشابه للطريقة التي قدمت بها الوطنية الجمهورية في ~~العالم اليوناني الروماني القديم تقليدا ثقافيا، ومشاعر جمعية، ونموذجا مجتمعيا تختلف ~~كثيرا عما حولها. إلا أن الأشكال والأيديولوجيات الجمهورية الحديثة تعتمد في واقع الأمر ~~على الأمثلة، وتستخدم الكثير من رموز الأمم والقوميات العهدية السابقة وقيمها وتقاليدها. ~~وبهذا المعنى، أفضل تصور للقوميات الحديثة، بداية بالثورة الفرنسية، هو أنها نوع من ~~أنواع الدين العلماني للشعب، إلى جانب التقاليد الدينية أو مقابلها. أما ما يعطيها طابعها ~~الراديكالي فهو تنصلها من الهرمية، وما يصاحب ذلك من برنامج ثوري مناهض ل «النظام ~~القديم» الذي أسهمت فيه الملكية المقدسة إسهاما كبيرا. إلا أنه لم يوجد عداء تجاه ~~الأمم والقوميات العهدية على النحو الذي أظهرته صيحة مراسم أداء القسم والعهود المقدسة. ~~والواقع أن كثيرا من العناصر المشتقة في النهاية من زمن العهد القديم ظل متأصلا في كثير ~~من القوميات الأوروبية والغربية. وحتى بعض تقاليد الأمم الهرمية مثل الملكية أبقيت، ~~ولو في صورة مضعفة، وهي تفرض، إلى جانب التقاليد العهدية، تحديا للتقدم العالمي للأمة ~~الجمهورية. على نحو مشابه، قد تلهم الخرافات والذكريات المتعلقة ب «عصور ذهبية» هرمية ~~أو عهدية مصائر بديلة بين قطاعات عريضة في المجتمع؛ ومن هنا ينبثق الطابع المتعدد ~~المصادر غالبا ms211 في كثير من الأمم التي يمكن اعتبارها ألواحا كثيرة كتبت عليها مواض ~~وتقاليد ثقافية جمعية مختلفة. # ما الدروس التي يمكن أن نستقيها للعالم المعاصر من هذا السرد للأمم والقوميات؟ الدرس ~~الأول هو: استمرار قدرة المجتمع والهوية العرقيين على أن يشكلا أحد أسس التضامن ~~الاجتماعي والسياسي الراسخة على مدار التاريخ وحتى يومنا هذا. وحتى في هذه اللحظة، لا توجد ~~أي إشارة على انحسار الروابط العرقية الذي تنبأ به كثير من المراقبين الليبراليين. بل ~~لعل ضغوط العولمة، من خلال الهجرة الواسعة النطاق ووسائل الاتصال الجماهيري، أحيت ~~الروابط والمشاعر العرقية عبر العالم. # الدرس الثاني هو: الطبيعة المتعددة الأوجه لمعظم الأمم والقوميات، والطابع المتعدد ~~الطبقات غالبا لتقاليدها الثقافية، الذي يعد نتيجة للتطور التدريجي أو للتغيير الجذري ~~والثورة. ويعكس هذا، بدوره، الأهمية المستمرة للتقاليد الثقافية المختلفة، لا سيما تلك ~~المتعلقة بالعهد والجمهورية؛ إذ إنها تمنح المجتمعات القومية ثراء وتنوعا يتعارضان غالبا ~~مع محاولات القوميين خلق ثقافات موحدة ومواطنين متماثلين. إلا أن هذا التنوع لا ~~يقلل من الطبيعة المميزة للثقافة الشعبية الأساسية لأمة ما، أو تفرد مخزونها ~~الخرافي والرمزي؛ لأن التقاليد الثقافية الثلاثة الرئيسية تحول أساسها السياسي العرقي ~~إلى تباديل وتسلسلات مختلفة. # الدرس الثالث هو: طول عمر الأمم وصمود التصورات القومية. حتى إذا لم نتمكن إلا من ~~العثور على أمثلة قليلة للأمم في العالم القديم، فإن فكرة الأمة المعبر عنها على نحو ~~بالغ الوضوح في الكتاب المقدس العبري ظلت جزءا من المفردات السياسية للنخب الأوروبية ~~على مدار ما يزيد على ألف سنة، وكانت موجودة قبل ذلك بكثير في الشرق الأدنى. ربما كان ~~الواقع ثقافيا عرقيا (أو إمبراطوريا أو حضريا) لكن الطموح كان قوميا في الغالب. ~~ويبدو أن ما كان ناقصا، حتى بين المجتمعات العرقية، كان بعض هذه العمليات والموارد التي ~~تشجع تشكيل الأمم - أو كلها - وهي: أقلمة الذكريات والارتباطات، وتكوين ثقافة شعبية ~~مميزة ونشرها، ومراعاة قوانين موحدة المعايير وتقاليد مشتركة، وكذلك تقاليد العصر ~~الذهبي أو الرسالة والتضحية. إلا أن هذا لم يقلل من جاذبية نموذج الأمة؛ ms212 لأنه كان ~~ممثلا ومنقولا في الكتاب المقدس العبري من خلال التقاليد المسيحية، عبر قرون كثيرة من ~~الاضطراب والتغير. وهذا يعني أن الفكرة والنموذج القوميين يسبقان الثورة الفرنسية ~~بزمن طويل، ويمتلكان استمرارية لا بد أن تحذرنا من حكم مبتسر للغاية بزوالهما ~~المبكر. # أخيرا، وربما على نحو بالغ الأهمية، فإن حقيقة أن القومية، بصفتها أيديولوجية وحركة، ~~نشأت في أعقاب الإصلاح البروتستانتي، بوصفها جزءا من ثورة شعبية أكبر ومحفزا لها ضد ~~سلطة الكاهن والملك المتأصلة؛ يجب أن تنبهنا إلى دورها المحوري والمستمر في العالم الحديث. ~~وعلى الرغم من أن تعبيرات القومية والهوية القومية زادت ونقصت بفعل الحربين العالميتين ~~وغيرهما من الأحداث الكبرى، فإن جوهر الأيديولوجية القومية ظل سليما منذ دخولها لأول مرة ~~في سياسة أوروبا الغربية في القرن السابع عشر. ومنذ ذلك الحين، عززت تصورات ومشاعر ~~قومية قديمة، وقدمت نموذجا للمجتمعات العرقية لكي تتحول إلى أمم سياسية. وبانفصال ~~القومية عن مواطنها التاريخية المبكرة، أصبحت متاحة لأغراض التحفيز الشعبي وإضفاء الشرعية ~~في كل قارة، ومن المحتمل أن تستمر في فعل ذلك ما دامت الحاجة مستمرة إلى الهوية الثقافية ~~ممزوجة بالسعي إلى السيادة الشعبية. # | الملاحظات # مقدمة: الجدل النظري # الفصل الأول: مفهوم الأمة وأشكالها المتنوعة # الفصل الثاني: الجذور العرقية والدينية # الفصل الثالث: المجتمع في العصور القديمة # الفصل الرابع: الأمم الهرمية # الفصل الخامس: الأمم العهدية # الفصل السادس: الأمم الجمهورية # الفصل السابع: مصائر بديلة # | المراجع # Aberbach, David (2005): “Nationalism and the Hebrew Bible,” # Nations and Nationalism # 11, 2, ~~223-42. # Aberbach, Moses (1966): # The ~~Roman-Jewish War (66-70 AD), # London: The Jewish ~~Quarterly/Golub Press. # Ackroyd, Peter (1979): “The History of Israel in the Exilic and Post-Exilic Periods,” in G. W. Anderson (1979, ~~320-50). # Agnew, Hugh (1993): “The Emergence of Czech National ~~Consciousness: A Conceptual Approach,” # Ethnic ~~Groups # 10, 1-3, 175-86. # Agulhön, Maurice and Bonte, Pierre (1992): # Marianne: Les Visages de la République, Paris: ~~Gallimard. # Ahlstrom, Gosta (1986): # Who Were the ~~Israelites?, # Winona Lake, IN: ~~Eisenbrauns. # Akenson, Donald (1992): # God’s Peoples: ~~Covenant and Land in South Africa, Israel and Ulster, # Ithaca, ~~NY: ms213 Cornell University Press. # Alty, J. H. (1982): “Dorians and Ionians,” # Journal of Hellenic Studies # 102, ~~1-14. # Anderson, Benedict (1991): # Imagined ~~Communities: Reflections on the Origins and Spread of ~~Nationalism, # London: Verso. # Anderson, Benedict (1999): “The Goodness of Nations,” in van ~~der Veer and Lehmann (1999, 197-203). # Anderson, G. W. (ed.) (1979): # Tradition ~~and Interpretation, # Oxford: Clarendon Press. # Andrewes, Antony (1971): # Greek ~~Society, # Harmondsworth: Pelican. # Antal, Frederick (1956): # Fuseli ~~Studies, # London: Routledge and Kegan Paul. # Ap-Thomas, D. R. (1973): “The Phoenicians,” in Wiseman (1973, ~~259-86). # Argyle, W. J. (1976): “Size and Scale as Factors in the ~~Development of Nationalism,” in A. D. Smith (1976, 31-53). # Armstrong, John (1982): # Nations before ~~Nationalism, # Chapel Hill: University of North Carolina Press. # Armstrong, John (1995): “Towards a Theory of Nationalism: ~~Consensus and Dissensus,” in Periwal (1995, 34-43). # Aston, Nigel (2000): # Religion and ~~Revolution in France, 1780-1804, # Basingstoke: ~~Macmillan. # Atiyah, A. S. (1968): # A History of ~~Eastern Christianity, # London: Methuen. # Bacon, H. (1961): # Barbarians in Greek ~~Tragedy, # New Haven: Yale University Press. # Barth, Fredrik (ed.) (1969): # Ethnic ~~Groups and Boundaries, # Boston: Little, ~~Brown. # Bartlett, J. R. (1973): “The Moabites and Edomites,” in Wiseman ~~(1973, 229-58). # Beaulieu, Paul-Alain (2002): “The God Amurru as Emblem of ~~Ethnic and Cultural Identity,” Proceedings of the ~~48th Rencontre Assyriologique Internationale on Ethnicity in Ancient ~~Mesopotamia, # Leiden, 1-16. # Beaune, Colette (1985): # Naissance de la ~~Nation France, Paris: Editions ~~Gallimard. # Beaune, Colette (1991): # The Birth of an ~~Ideology: Myths and Symbols of the Nation in Late Medieval ~~France, # trans. Susan Ross Huston from # Naissance de la Nation France ~~(1985), ed. Fredric L. ~~Cheyette, Berkeley and Los Angeles: University of California Press. # Bell, David (2001): # The Cult of the ~~Nation in France, 1680-1800, # Cambridge, MA: Harvard ~~University Press. # Benbassa, Esther (1999): # The Jews of ~~France: A History from Antiquity to the Present, # trans. M. B. ~~DeBevoise, Princeton, NJ: Princeton University Press. # Berlin, Isaiah (1976): # Vico and ~~Herder, # London: Hogarth Press. # Berlin, Isaiah (1999): # The Roots of ~~Romanticism, # ed. Henry Hardy, London: Chatto and ms214 ~~Windus. # Beyer, W. C. (1959): “The Civil Service in the Ancient World,” Public Administration Review # 19, ~~243-9. # Bhabha, Homi (ed.) (1990): # Nation and ~~Narration, # London and New York: ~~Routledge. # Bhatt, Chetan (2001): # Hindu ~~Nationalism: Origins, Ideologies and Modern Myths, # Oxford and ~~New York: Berg. # Billig, Michael (1995): # Banal ~~Nationalism, # London: Sage. # Blackbourn, David (2003): # History of ~~Germany, 1780-1918: The Long Nineteenth Century, # 2nd edition, ~~Oxford: Blackwell. # Blacker, Carmen (1984): “Two Shinto Myths: The Golden Age and ~~the Chosen People,” in Sue Henny and Jean-Pierre Lehmann (eds.), # Themes and Theories in Modern Japanese History, # London: Athlone Press. # Bolgar, R. R. (1954): # The Classical ~~Heritage and its Beneficiaries, # Cambridge: Cambridge ~~University Press. # Bracher, Karl D. (1973): # The German ~~Dictatorship: The Origins, Structure and Effects of National ~~Socialism, # Harmondsworth: Penguin. # Brandon, S. G. F. (1967): # Jesus and the ~~Zealots, # Manchester: Manchester University Press. # Brass, Paul (ed.) (1985): # Ethnic Groups ~~and the State, # London: Croom Helm. # Brass, Paul (1991): # Ethnicity and Nationalism, # London: ~~Sage. # Breton, Raymond (1988): “From Ethnic to Civic Nationalism: ~~English Canada and Quebec,” # Ethnic and Racial ~~Studies # 11, 1, 85-102. # Breuilly, John (1993): # Nationalism and ~~the State, # 2nd edition, Manchester: Manchester University Press. # Breuilly, John (1996): “Approaches to Nationalism,” in Gopal ~~Balakrishnan (ed.), # Mapping the Nation, # London and New York: Verso, 146-74. # Breuilly, John (2005a): “Dating the Nation: How Old is an Old ~~Nation?,” in Ichijo and Uzelac (2005, 15-39). # Breuilly, John (2005b): “Changes in the Political Uses of the ~~Nation: Continuity or Discontinuity?,” in Scales and Zimmer (2005, ~~67-101). # Briggs, Robin (1998): # Early Modern ~~France, 1560-1715, # Oxford: Oxford University Press. # Brinkman, J. A. (1979): “Babylonia under the Assyrian Empire, ~~745-627 BC,” in Larsen (1979a, 223-50). # Brookner, Anita (1980): # Jacques-Louis ~~David, # London: Chatto and Windus. # Brubaker, Rogers (1996): # Nationalism ~~Reframed: Nationhood and the National Question in the New ~~Europe, # Cambridge: Cambridge University Press. # Brucker, Gene (1969): # Renaissance ~~Florence, # New York: John Wiley. # Burleigh, Michael (2001): # The Third ~~Reich: A New History, # Basingstoke and Oxford: Pan ~~Macmillan. ms215 # Calamy, Edmund (1997) [1643]: # Cromwell’s Soldier’s Bible ~~(Reprint in Facsimile), ~~Whitstable, Walsall, and Winchester: Pryor Publications. # Cambridge Ancient History ~~(1973): Vol. 2, Part 1, # The Middle East and the ~~Aegean Region, 1800-1380 BC, # Cambridge: Cambridge University Press. # Cambridge Ancient History ~~(1975): Vol. 2, Part 2, # The Middle East and the ~~Aegean Region, 1380-1000 BC, # Cambridge: Cambridge University Press. # Cambridge History of Iran ~~(1983): Vol. 3, Parts 1 and 2, # The Seleucid, Parthian and Sassanian Periods, # ed. E. Yarshater, Cambridge: ~~Cambridge University Press. # Cambridge History of Judaism ~~(1989) Vol. 2, # The Hellenistic Age, # eds. ~~W. D. Davies and Louis Finkelstein, Cambridge: Cambridge University Press. # Campbell, John and Sherrard, Philip (1968): # Modern Greece, # London: Ernest ~~Benn. # Canefe, Nergis (2005): “Turkish Nationalism and Ethno-Symbolic ~~Analysis: The Rules of Exception,” # Nations and ~~Nationalism # 8, 2, 135-55. # Carr, Edward H. (1945): # Nationalism and ~~After, # London: Macmillan. # Cartledge, Paul (1987): “The Greek Religious Festivals,” in ~~Easterling and Muir (1987, 98-127). # Cauthen, Bruce (1997): “The Myth of Divine Election and ~~Afrikaner Ethno-Genesis,” in Hosking and Schöpflin (1997, ~~107-31). # Cauthen, Bruce (2004): “Covenant and Continuity: ~~Ethno-Symbolism and the Myth of Divine Election,” in Guibernau and ~~Hutchinson (2004, 19-33). # Cazelles, H. (1979): “The History of Israel in the Pre-Exilic Period,” in G. W. Anderson (1979, 274-319). # Charlton, D. G. (1984): # New Images of ~~the Natural in France, # Cambridge: Cambridge University Press. # Chatterjee, Partha (1986): # Nationalist ~~Thought and the Colonial World: A Derivative Discourse, # London: Zed Books. # Cherniavsky, Michael (1975): “Russia,” in Ranum (1975, ~~118-43). # Cinar, Alev (2005): # Modernity, Islam ~~and Secularism in Turkey, # Minneapolis: University of ~~Minnesota Press. # Citron, Suzanne (1989): # Le Mythe ~~National, Paris: Presses Ouvrières. # Clanchy, M. T. (1998): # England and Its ~~Rulers, 1066-1272, # 2nd edition, Oxford: ~~Blackwell. # Clark, J. C. D. (2000): “Protestantism, Nationalism and ~~National Identity, 1660-1832,” # Historical ~~Journal # 43, 1, 249-76. # Cobban, Alfred (1963): # A History of ~~Modern France, # Vol. 1: # 1715-99, # 3rd edition, Harmondsworth: Penguin. # Cohen, Edward (2000): # The Athenian ~~Nation, Princeton: Princeton University Press. # Cohen, Shaye (1998): # The Beginnings of ~~Jewishness: Boundaries, Varieties, Uncertainties, # Berkeley ~~and Los Angeles: University of California Press. ms216 # Colley, Linda (1992): # Britons: Forging ~~the Nation, 1707-1837, # New Haven: Yale University Press. # Connor, Walker (1990): “When is a Nation?,” # Ethnic and Racial Studies # 13, 1, ~~92-103. # Connor, Walker (1994): # Ethno-Nationalism: The Quest for Understanding, Princeton: Princeton University Press. # Connor, Walker (2004): “The Timelessness of Nations,” in ~~Guibernau and Hutchinson (2004, 35-47). # Conversi, Daniele (1997): # The Basques, ~~the Catalans and Spain: Alternative Routes to Nationalist ~~Mobilization, # London: C. Hurst. # Conversi, Daniele (ed.) (2002): # Ethno-Nationalism in the Contemporary World: Walker Connor and the ~~Study of Nationalism, # London: ~~Routledge. # Cook, J. M. (1983): # The Persian ~~Empire, # London: Book Club Associates. # Cowan, Edward (2003): ~~“For Freedom ~~Alone”: The Declaration of Arbroath, 1320, # East Lothian: ~~Tuckwell Press. # Crummey, Robert (1987): # The Formation ~~of Muscovy, 1304-1613, # London and New York: ~~Longman. # Dakin, Douglas (1972): # The Unification ~~of Greece, 1770-1923, # London: Ernest ~~Benn. # David, A. Rosalie (1982): # The Ancient ~~Egyptians: Religious Beliefs and Practices, # London, Boston, ~~and Henley: Routledge and Kegan Paul. # Davies, Norman (1979): # God’s Playground: A History of Poland, # 2 vols., Oxford: Clarendon Press. # Davies, Philip (1992): # In Search of ~~“Ancient Israel,” # Sheffield: Sheffield Academic Press. # Davies, Rees R. (2000): # The First ~~English Empire: Power and Identities in the British Isles, ~~1093-1343, # Oxford: Oxford University Press. # Davies, W. D. (1982): # The Territorial ~~Dimension of Judaism, # Berkeley and Los Angeles: University of ~~California Press. # Day, John (ed.) (2004): # In Search of Pre-Exilic Israel, # London: T. and T. Clark ~~International. # Detroit (1974): # French Painting, ~~1774-1830: The Age of Revolution, # Detroit, MI: Wayne State ~~University Press. # Deutsch, Karl (1966): # Nationalism and ~~Social Communication, # 2nd edition, New York: MIT Press. # Dever, William (2003): # Who Were the ~~Early Israelites and Where Did They Come From?, # Grand Rapids, ~~MI, and Cambridge: W. B. Eerdmans. # Dever, William (2004): “Histories and Non-Histories of Ancient ~~Israel: The Question of the United Monarchy,” in Day (2004, ~~65-94). # Dieckhoff, Alain and Jaffrelot, Christophe (eds.) (2005): # Revisiting Nationalism: Theories and Processes, # London: C. Hurst. # Doak, Ken (1997): “What is a Nation and Who ms217 Belongs? National ~~Narratives and the Ethnic Imagination in Twentieth-Century Japan,” # American Historical Review # 102, 4, ~~282-309. # Doumanis, Nicholas (2001): # Italy: ~~Inventing the Nation, # London: Arnold. # Duncan, A. A. M. ~~(1970): # The Nation of Scots and the Declaration of ~~Arbroath, # London: Historical ~~Association. # Dunlop, John B. (1985): # The New Russian ~~Nationalism, # New York: Praeger. # Easterling, P. E. and Muir, J. V. (eds.) (1987): # Greek Religion and Society, # Cambridge: ~~Cambridge University Press. # Edwards, John (1985): # Language, Society ~~and Identity, # Oxford: Blackwell. # Eissfeldt, O. (1975): “The Hebrew Kingdom,” in # Cambridge Ancient History ~~(1975, ~~537-605). # Elgenius, Gabriella (2005): “Expressions of Nationhood: ~~National Symbols and Ceremonies of Contemporary Europe,” unpublished PhD ~~thesis, University of London. # Eller, Jack and Coughlan, Reed (1993): “The Poverty of Primordialism: The Demystification of Attachments,” # Ethnic and Racial Studies # 16, 2, ~~183-202. # Ely, Christopher (2002): # This Meager ~~Nature: Landscape and National Identity in Imperial Russia, # DeKalb, IL: Northern Illinois University Press. # Emerton, J. A. (2004): “The Date of the Yahwist,” in Day (2004, ~~107-29). # Engelhardt, Juliane (2007): “Patriotism, Nationalism and ~~Modernity,” # Nations and Nationalism # 13, ~~2, 205-23. # Eriksen, Thomas H. (1993): # Ethnicity ~~and Nationalism, # London: Pluto Press. # Finkelberg, Margalit (2005): # Greeks and Pre-Greeks: Aegean Prehistory and Greek Heroic Tradition, # Cambridge: Cambridge University Press. # Finkelstein, Israel and Silberman, Neil (2001): # The Bible Unearthed: Archaeology’s New Vision of Ancient ~~Israel and the Origin of its Sacred Texts, # New York: Free Press. # Finkelstein, Louis (1989): “The Men of the Great Synagogue ~~(circa 400-170 BCE)” and “The Pharisaic Leadership after the Great ~~Synagogue,” in # Cambridge History of ~~Judaism ~~(1989, 229-44, 245-77). # Finley, Moses (1986): # The Use and Abuse ~~of History, # London: Hogarth Press. # Fishman, Joshua (1980): “Social Theory and Ethnography: ~~Neglected Perspectives on Language and Ethnicity in Eastern Europe,” in ~~Sugar (1980, 69-99). # Flacke, Monica (ed.) (1998): # Mythen der ~~Nationen: Ein Europaisches Panorama, # Berlin: German ~~Historical Museum. # Fletcher, Anthony (1982): “The First Century of English Protestantism and the Growth of National Identity,” in Mews (1982, ~~309-17). # Fondation Hardt (1962): # Grecs et ~~Barbares, Entretiens sur l’Antiquité Classique ms218 # VIII, ~~Geneva. # Foot, Sarah (2005): “The Historiography of the Anglo-Saxon ~~Nation-State,” in Scales and Zimmer (2005, 125-42). # Forde, Simon, Johnson, Lesley, and Murray, Alan (eds.) (1995): # Concepts of National Identity in the Middle ~~Ages, # Leeds: School of English, Leeds Texts and Monographs, ~~new series 14. # Frame, Robin (2005): “Exporting State and Nation: Being English ~~in Medieval Ireland,” in Scales and Zimmer (2005, ~~143-65). # Frankfort, Henri (1948): # Kingship and ~~the Gods, # Chicago: Chicago University Press. # Franklin, Simon (2002): “The Invention of Rus(sia)(s): Some ~~Remarks on Medieval and Modern Perceptions of Continuity and Discontinuity,” ~~in Smyth (2002a, 180-95). # Fraschetti, Augusto (2005): # The ~~Foundation of Rome, # trans. Marian Hill and Kevin Windle, ~~Edinburgh: Edinburgh University Press. # Frazee, C. A. (1969): # The Orthodox ~~Church and Independent Greece, 1821-52, # Cambridge: Cambridge ~~University Press. # Freeden, Michael (1998): “Is Nationalism a Distinct Ideology?,” Political Studies # 46: ~~748-65. # Frendo, Anthony (2004): “Back to Basics: A Holistic Approach to ~~the Problem of the Emergence of Ancient Israel,” in Day (2004, ~~41-64). # Friedman, Richard E. (1997): # Who Wrote ~~the Bible?, # 2nd edition, San Francisco: ~~HarperCollins. # Frye, Richard (1966): # The Heritage of Persia, # New York: Mentor. # Frye, Richard (1978): # The Golden Age of Persia: The Arabs in the East, # London: Weidenfeld and ~~Nicolson. # Fulbrook, Mary (1997): “Myth-Making and National Identity: The ~~Case of the GDR,” in Hosking and Schöpflin (1997, ~~72-87). # Gallant, Thomas (2001): # Modern ~~Greece, # London: Hodder Arnold. # Galloway, Andrew (2004): “Latin England,” in Lavezzo (2004, ~~41-95). # Gans, Herbert (1979): “Symbolic Ethnicity,” # Ethnic and Racial Studies # 2, 1, ~~1-20. # Garsoian, Nina (1999): # Church and ~~Culture in Early Medieval Armenia, # Aldershot: Ashgate ~~Variorum. # Geary, Patrick (2001): # The Myth of ~~Nations: The Medieval Origins of Nations, Princeton: Princeton University Press. # Geertz, Clifford (1973): “The Integrative Revolution,” in ~~Geertz, # The Interpretation of Cultures, # New York: Fontana. # Geiss, Immanuel (1974): # The PanAfrican ~~Movement, # London: Methuen. # Gellner, Ernest (1964): # Thought and ~~Change, # London: Weidenfeld and ~~Nicolson. # Gellner, Ernest (1973): “Scale and Nation,” Philosophy of the Social Sciences # 3, ~~1-17. # Gellner, Ernest (1983): # Nations and ~~Nationalism, # Oxford: Blackwell. # Geopolitics ms219 ~~(2002): Special ~~Issue on “When is the Nation?,” 7, 2. # Gershoni, Israel and Jankowski, Mark (1987): # Egypt, Islam and the Arabs: The Search for Egyptian ~~Nationhood, 1900-1930, # Oxford: Oxford University Press. # Giddens, Anthony (1984): # The ~~Nation-State and Violence, # Cambridge: Cambridge University Press. # Gildea, Robert (1994): # The Past in ~~French History, # New Haven and London: Yale University Press. # Gillingham, John (1992): “The Beginnings of English ~~Imperialism,” # Journal of Historical ~~Sociology # 5, 392-409. # Gillingham, John (1995): “Henry Huntingdon and the Twelfth ~~Century Revival of the English Nation,” in Forde et al. (1995, ~~75-101). # Gillis, John R. (ed.) (1994): # Commemorations: The Politics of Identity, Princeton: Princeton University Press. # Goldstein, Jonathan (1989): “The Hasmonean Revolt and the ~~Hasmonean Dynasty,” in # Cambridge History of ~~Judaism ~~(1989, 292-351). # Goodblatt, David (2006): # Elements of ~~Ancient Jewish Nationalism, # Cambridge: Cambridge University Press. # Gorski, Philip (2000): “The Mosaic Moment: An Early Modernist ~~Critique of Modernist Theories of Nationalism,” # American Journal of Sociology # 105, 5, ~~1428-68. # Grant, Susan-Mary (2005): “Raising the Dead: War, Memory and ~~American National Identity,” # Nations and ~~Nationalism # 11, 4, 509-29. # Green, V. H. H. (1964): # Renaissance and ~~Reformation: A Survey of European History between 1450 and ~~1660, # London: Edward Arnold. # Greenfeld, Liah (1992): # Nationalism: ~~Five Roads to Modernity, # Cambridge, MA: Harvard University Press. # Grimal, Pierre (1968): # Hellenism and ~~the Rise of Rome, # London: Weidenfeld and ~~Nicolson. # Grosby, Steven (1991): “Religion and Nationality in Antiquity,” # European Journal of Sociology # 33, ~~229-65. # Grosby, Steven (1994): “The Verdict of History: The ~~Inexpungeable Tie of Primordiality - A Reply to Eller and Coughlan,” # Ethnic and Racial Studies # 17, 1, ~~164-71. # Grosby, Steven (1995): “Territoriality: The Transcendental, Primordial Feature of Modern Societies,” # Nations and ~~Nationalism # 1, 2, 143-62. # Grosby, Steven (2002): # Biblical Ideas ~~of Nationality, Ancient and Modern, # Winona Lake, IN: ~~Eisenbrauns. # Grosby, Steven (2006): # A Very Short ~~Introduction to Nationalism, # Oxford: Oxford University Press. # Gruen, Erich (1994): # Culture and ~~National Identity in Republican Rome, # London: ~~Duckworth. # Guibernau, Montserrat (1999): # Nations ~~without States, # Cambridge: Polity. # Guibernau, Montserrat (2004): “Anthony D. Smith on Nations and ~~National Identity: A Critical Assessment,” ms220 in Guibernau and Hutchinson ~~(2004, 125-41). # Guibernau, Montserrat and Hutchinson, John (eds.) (2004): # History and National Destiny: Ethno-symbolism ~~and its Critics, # Oxford: Blackwell. # Hall, Edith (1992): # Inventing the ~~Barbarian: Greek Self-Definition through Tragedy, # Oxford: ~~Clarendon Press. # Hall, Jonathan (1997): # Ethnic Identity ~~in Greek Antiquity, # Cambridge: Cambridge University Press. # Haller, William (1963): # Foxe’s Book of ~~Martyrs and the Elect Nation, # London: Jonathan ~~Cape. # Handelman, Don (1977): “The Organization of Ethnicity,” # Ethnic Groups # 1, ~~187-200. # Hankey, Teresa (2002): “Civic Pride versus Feelings for Italy ~~in the Age of Dante,” in Smyth (2002a, 196-216). # Harootunian, Harry (1999): “Memory, Mourning and National ~~Morality: Yasukuni Shrine and the Reunion of State and Religion in Post-War ~~Japan,” in van der Veer and Lehmann (1999, 144-60). # Hastings, Adrian (1997): # The ~~Construction of Nationhood: Ethnicity, Religion and ~~Nationalism, # Cambridge: Cambridge University Press. # Hastings, Adrian (1999): “Special Peoples,” # Nations and Nationalism # 5, 3, ~~381-96. # Hastings, Adrian (2003): “Holy Lands and their Political ~~Consequences,” # Nations and Nationalism # 9, ~~1, 29-54. # Hatzopoulos, Marios (2005): “ 'Ancient Prophecies, Modern Predictions’: Myths and Symbols of Greek Nationalism,” unpublished PhD ~~thesis, University of London. # Hayes, William (1973): “Egypt: Internal Affairs from Tuthmosis ~~I to the Death of Amenophis III,” in # Cambridge ~~Ancient History ~~(1973, 313-416). # Hearn, Jonathan (2006): # Rethinking ~~Nationalism: A Critical Introduction, # Basingstoke: Palgrave ~~Macmillan. # Henze, Paul B. (2000): # Layers of Time: ~~A History of Ethiopia, # London: C. Hurst. # Herbert, Robert (1972): # David, ~~Voltaire, Brutus and the French Revolution, # London: Allen ~~Lane. # Herzfeld, Michael (1982): # Ours Once ~~More: Folklore, Ideology and the Making of Modern Greece, # Austin: University of Texas Press. # Highet, Gilbert (1959): Poets in a ~~Landscape, # Harmondsworth: Pelican. # Hill, Christopher (1994): # The English ~~Bible and the Seventeenth-Century Revolution, # Harmondsworth: Penguin. # Hobsbawm, Eric (1983): “Mass-Producing Traditions: Europe, ~~1870-1914,” in Hobsbawm and Ranger (1983, 263-307). # Hobsbawm, Eric (1990): # Nations and ~~Nationalism since 1780, # Cambridge: Cambridge University Press. # Hobsbawm, Eric and Ranger, Terence (eds.) (1983): # The Invention of Tradition, # Cambridge: ~~Cambridge University Press. # Hodgkin, Thomas (1964): “The Relevance of 'Western’ Ideas in ~~the Derivation of African Nationalism,” ms221 in J. R. Pennock (ed.), # Self-Government in Modernising Societies, # Englewood Cliffs, NJ: Prentice-Hall. # Hofer, Tamas (1980): “The Ethnic Model of Peasant Culture: A ~~Contribution to the Ethnic Symbol Building on Linguistic Foundations by East ~~European Peoples,” in Sugar (1980, 101-45). # Hooson, David (ed.) (1994): # Geography ~~and National Identity, # Oxford: ~~Blackwell. # Horowitz, Donald (1985): # Ethnic Groups ~~in Conflict, # Berkeley and Los Angeles: University of ~~California Press. # Horowitz, Donald (2002): “The Primordialists,” in Conversi ~~(2002, 72-82). # Hosking, Geoffrey (1985): # A History of ~~the Soviet Union, # London: Fontana Press/Collins. # Hosking, Geoffrey (1993): # Empire and ~~Nation in Russian History, # Baylor University, Waco, TX: ~~Markham University Press. # Hosking, Geoffrey (1997): # Russia: People and Empire, 1552-1917, # London: ~~HarperCollins. # Hosking, Geoffrey and Schöpflin, George (1997): # Myths and Nationhood, # London: ~~Routledge. # Housley, Norman (2000): “Holy Land or Holy Lands? Palestine and ~~the Catholic West in the Late Middle Ages and Renaissance,” in Swanson ~~(2000, 234-49). # Howard, Michael (1976): # War in European ~~History, # London: Oxford University Press. # Howe, Nicholas (1989): # Migration and ~~Myth-Making in Anglo-Saxon England, # New Haven: Yale ~~University Press. # Hroch, Miroslav (1985): # Social Preconditions of National Revival in Europe, # Cambridge: ~~Cambridge University Press. # Hubbs, Joanna (1993): # Mother Russia: ~~The Feminine Myth in Russian Culture, # Bloomington, IN: ~~Indiana University Press. # Huntington, Samuel (2004): # Who Are We? ~~The Cultural Core of American National Identity, # New York: ~~Simon and Schuster. # Hupchik, Dennis (2002): # The Balkans: ~~From Constantinople to Communism, # Basingstoke: Palgrave ~~Macmillan. # Hutchinson, John (1987): # The Dynamics ~~of Nationalism: The Gaelic Revival and the Creation of the Modern Irish ~~Nation State, # London: George Allen and ~~Unwin. # Hutchinson, John (1994): # Modern ~~Nationalism, # London: Fontana. # Hutchinson, John (2000): “Ethnicity and Modern Nations,” # Ethnic and Racial Studies, # 23, 4, ~~651-69. # Hutchinson, John (2005): # Nations as ~~Zones of Conflict, # London: Sage. # Hutchinson, William and Lehmann, Hartmut (eds.) (1994): # Many Are Chosen: Divine Election and Western ~~Nationalism, # Minneapolis: Fortress Press. # Ichijo, Atsuko (2002): “The Scope of Theories of Nationalism: ~~Comments on the Scottish and Japanese Experiences,” # Geopolitics, # 7, 2, 53-74. # Ichijo, Atsuko (2004): # Scottish ms222 ~~Nationalism and the Idea of Europe: Concepts of Europe and the ~~Nation, # London and New York: ~~Routledge. # Ichijo, Atsuko and Uzelac, Gordana (eds.) (2005): # When is the Nation? Towards an Understanding of Theories ~~of Nationalism, # London and New York: ~~Routledge. # Ignatieff, Michael (1993): # Blood and ~~Belonging: Journeys into the New Nationalisms, # London: Chatto ~~and Windus. # Ihalainen, Pasi (2005): Protestant ~~Nations Redefined: Changing Perceptions of National Identity in the ~~Rhetoric of the English, Dutch and Swedish Public Churches, ~~1685-1772, # Leiden and Boston: Brill. # Im Hof, Ulrich (1991): # Mythos Schweiz: ~~Identitat-Nation-Geschichte, 1291-1991, # Zürich: Neue Verlag ~~Zürcher Zeitung. # Jacobsen, Thorkild (1976): # The ~~Treasures of Darkness: A History of Mesopotamian Religion, # New Haven and London: Yale University Press. # Jaffrelot, Christophe (1996): # The Hindu ~~Nationalist Movement and Indian Politics, 1925 to the 1990s, # London: C. Hurst. # James, Edward (1988): # The Origins of ~~France: From Clovis to the Capetians, 500-1000, # Basingstoke: ~~Macmillan Education. # James, Harold (2000): # A German ~~Identity: 1770 to the Present Day, # London: Phoenix Press. # Jesperson, Knud (2004): # A History of ~~Denmark, # trans. Ivan Hill, Basingstoke: Palgrave ~~Macmillan. # Jones, A. H. M. (1978): # Athenian ~~Democracy, # Oxford: Blackwell. # Jones, Howard M. (1974): # Revolution and ~~Romanticism, # Cambridge, MA, and London: Harvard University Press and Oxford University Press. # Jones, Sian (1997): # The Archaeology of ~~Ethnicity: Constructing Identities in the Past and the Present, # London and New York: ~~Routledge. # July, Robert (1967): # The Origins of ~~Modern African Thought, # London: Faber and ~~Faber. # Just, Roger (1989): “The Triumph of the # Ethnos, ~~” in Tonkin et al. (1989, ~~71-88). # Kaufmann, Eric (2002): “Modern Formation, Ethnic Reformation: ~~The Social Sources of the American Nation,” # Geopolitics, # 7, 2, 99-120. # Kaufmann, Eric (ed.) (2004a): # Rethinking Ethnicity: Majority Groups and Dominant ~~Minorities, # London and New York: ~~Routledge. # Kaufmann, Eric (2004b): “The Decline of the WASP in the United ~~States and Canada,” in Kaufmann (2004a, 63-83). # Kaufmann, Eric and Zimmer, Oliver (1998): “In Search of the ~~Authentic Nation: Landscape and National Identity in Canada and ms223 ~~Switzerland,” # Nations and Nationalism # 4, ~~4, 483-510. # Keddie, Nikki (1981): # Roots of ~~Revolution: An Interpretive History of Modern Iran, # New ~~Haven: Yale University Press. # Kedourie, Elie (1960): # Nationalism, # London: Hutchinson. # Kedourie, Elie (ed.) (1971): # Nationalism in Asia and Africa, # London: Weidenfeld and ~~Nicolson. # Keen, Maurice (1973): # The Pelican ~~History of Medieval Europe, # Harmondsworth: Penguin. # Keeney, Barnaby (1972) [1947]: “Military Service and the ~~Development of Nationalism, 1272-1327,” # Speculum # 22, 534-49, partly reprinted in Tipton (1972, ~~87-97). # Kemilainen, Aira (1964): # Nationalism: Problems concerning the Word, the Concept and Classification, # Yvaskyla: Kustantajat Publishers. # Kemp, Barry (1983): “The Old Kingdom, the Middle Kingdom and ~~Second Intermediate Period, 2686-1552 BC,” in Trigger et al. (1983, 71-182). # Kennedy, Emmet (1989): # A Cultural History of the ~~French Revolution, # New Haven and London: Yale University Press. # Kershaw, Ian (1989): # The Hitler Myth: ~~Image and Reality in the Third Reich, # Oxford: Oxford ~~University Press. # Kidd, Colin (1993): # Subverting ~~Scotland’s Past: Scottish Whig Historians and the Creation of an ~~Anglo-British Identity, 1689-c. 1830, # Cambridge: Cambridge ~~University Press. # Kitromilides, Paschalis (1979): “The Dialectic of Intolerance: ~~Ideological Dimensions of Ethnic Conflict,” # Journal ~~of the Hellenic Diaspora # 6, 4, 5-30. # Kitromilides, Paschalis (1989): “ 'Imagined Communities’ and ~~the Origins of the National Question in the Balkans,” # European History Quarterly # 19, 2, ~~149-92. # Kitromilides, Paschalis (1998): “On the Intellectual Content of ~~Greek Nationalism: Paparrigopoulos, Byzantium and the Great Idea,” in Ricks ~~and Magdalino (1998, 25-33). # Kitromilides, Paschalis (2006): “From Republican Patriotism to ~~National Sentiment: A Reading of # Hellenic ~~Nomarchy, ~~” # European Journal of Political Theory # 5, 1, 50-60. # Knapp, Peggy A. (2004): “Chaucer Imagines England (in ~~English),” in Lavezzo (2004, 131-60). # Knoll, Paul (1993): “National Consciousness in Medieval Poland,” # Ethnic Groups # 10, 1-3, ~~65-84. # Kohn, Hans (1940): “The Origins of English Nationalism,” # Journal of the History of Ideas # 1, ~~69-94. # Kohn, Hans (1944): # The Idea of ~~Nationalism, # New York: Macmillan. # Kohn, Hans (1967): Prelude to Nation-States: The French and German ~~Experience, 1789-1815, # New York: Van ~~Nostrand. # Koliopoulos, John and Veremis, Thanos (2004): # Greece: The Modern Sequel, 1821 to the Present, # London: Hurst. # Kreis, ms224 Jacob (1991): # Der Mythos von ~~1291: Zur Enstehung des Schweizerisches Nationalfeiertags, # Basel: Friedrich Reinhardt Verlag. # Kreis, Jacob (1998): “Schweiz,” in Flacke (1998, ~~446-60). # Kristof, Ladis (1994): “The Image and the Vision of the ~~Fatherland: The Case of Poland in Comparative Perspective,” in Hooson (1994, ~~221-32). # Kuhlemann, Ute (2002): “The Celebration of Dürer in Germany ~~during the Nineteenth and Twentieth Centuries,” in Giulia Bartrum (ed.), # Albrecht Dürer and His Legacy: The Graphic Work ~~of a Renaissance Artist, # London: British Museum Press. # Kumar, Krishan (2003): # The Making of ~~English National Identity, # Cambridge: Cambridge University Press. # Kumar, Krishan (2006): “English and French National Identity: ~~Comparisons and Contrasts,” # Nations and ~~Nationalism # 12, 3, 413-32. # Larsen, Mogens Trolle (ed.) (1979a): Power and Propaganda: A Symposium on Ancient Empires, # Copenhagen: Akademisk Forlag. # Larsen, Mogens Trolle (1979b): “The Traditions of Empire in ~~Mesopotamia,” in Larsen (1979a, 75-103). # Lartichaux, J.-Y. (1977): “Linguistic Politics in the French ~~Revolution,” # Diogenes # 97, ~~65-84. # Lavezzo, Kathy (ed.) (2004): # Imagining ~~a Medieval English Nation, # Minneapolis and London: University ~~of Minnesota Press. # Le Goff, Jacques (1998): “Reims, City of Coronation,” in Nora ~~(1997-8), Vol. 3, 193-251. # Lehmann, Jean-Pierre (1982): # The Roots ~~of Modern Japan, # London: Macmillan. # Leith, James (1965): # The Idea of Art as Propaganda in France, 1750-99: A Study in the History of ~~Ideas, # Toronto: Toronto University Press. # Levine, Donald (1974): # Greater ~~Ethiopia: The Evolution of a Multiethnic Society, # Chicago: ~~Chicago University Press. # Levine, Lee I. (1998): # Judaism and ~~Hellenism in Antiquity: Conflict or Confluence?, # Seattle and ~~London: University of Washington Press. # Lewis, Bernard (1968): # The Emergence of ~~Modern Turkey, # Oxford: Oxford University Press. # Linehan, Peter (1982): “Religion, Nationalism and National ~~Identity in Medieval Spain,” in Mews (1982, 161-99). # Liverani, Mario (1973): “The Amorites,” in Wiseman (1973, ~~100-33). # Liverani, Mario (1979): “The Ideology of the Assyrian Empire,” ~~in Larsen (1979a, 297-317). # Llobera, Josep (1994): # The God of ~~Modernity: The Development of Nationalism in Western Europe, # Oxford and Providence: Berg. # Loades, David (1982): “The Origins of English Protestant ~~Nationalism,” in Mews (1982, 297-307). ms225 # Loades, David (1992): Politics and the ~~Nation, 1450-1660, # 4th edition, London: Fontana Press. # Loomis, Louise (1939): “Nationality at the Council of ~~Constance: An Anglo-French Dispute,” # American ~~Historical Review # 44, 3, 508-27. # Luz, Efraim (1988): Parallels Meet: ~~Religion and Nationalism in the Early Zionist Movement, # trans. Lenn J. Schramm, Philadelphia: Jewish Publication Society of ~~America. # Lydon, James (1995): “Nation and Race in Medieval Ireland,” in ~~Forde et al. (1995, 103-24). # Lyons, F. S. L. (1979): # Culture and ~~Anarchy in Ireland, 1890-1939, # Oxford and New York: Oxford ~~University Press. # MacCulloch, Diarmaid (2004): # Reformation: Europe’s House Divided, 1490-1700, # London: Penguin. # MacDougall, Hugh (1982): # Racial Myth in ~~English History: Trojans, Teutons and Anglo-Saxons, # Montreal ~~and Hanover, NH: Harvest House and University Press of New ~~England. # Machinist, Peter (1997): “The Fall of Assyria in Comparative ~~Ancient Perspective,” Proceedings of the 10th ~~Anniversary Symposium of the Assyrian Text Corpus Project, # eds. S. Parpola and R. M. Whiting, Helsinki: University of Helsinki, ~~179-95. # Mackie, John (1976): # A History of ~~Scotland, # Harmondsworth: Penguin. # Malamat, A. (1973): “The Arameans,” in Wiseman (1973, ~~134-55). # Mallowan, Max (1978): # The Nimrud ~~Ivories, # London: British Museum Publications. # Mango, Cyril (1980): # Byzantium: The ~~Empire of New Rome, # London: Weidenfeld and ~~Nicolson. # Mann, Michael (1993): # The Sources of ~~Social Power, # 2 vols., Cambridge: Cambridge University Press, ~~Vol. 2. # Mann, Michael (1995): “A Political Theory of Nationalism and ~~its Excesses,” in Periwal (1995, 44-64). # Marcu, E. D. (1976): # Sixteenth-Century ~~Nationalism, # New York: Abaris Books. # Martin, Ronald (1989): # Tacitus, # London: Batsford. # Martines, Lauro (2002): Power and ~~Imagination: City-States in Renaissance Italy, # London: Pimlico. # Marx, Anthony (2003): # Faith in Nation: ~~Exclusionary Origins of Nationalism, # Oxford and New York: ~~Oxford University Press. # Marx, Steven (2000): # Shakespeare and ~~the Bible, # Oxford: Oxford University Press. # Mason, R. A. (1983): “Scotching the # Brut ~~: The Early History of Britain,” # History Today # 35 (January), 26-31. # Mendels, Doron (1992): # The Rise and ~~Fall of Jewish Nationalism, # New York: ~~Doubleday. # Mendes-Flohr, Paul (1994): “In Pursuit of Normalcy: Zionism’s ~~Ambivalence towards Israel’s Election,” in Hutchinson ms226 and Lehmann (1994, ~~203-29). # Merridale, Catherine (2001): # Night of ~~Stone: Death and Memory in Russia, # London: ~~Granta. # Mews, Stuart (ed.) (1982): # Religion and ~~National Identity, # Ecclesiastical History Society, Oxford: ~~Blackwell. # Michalski, Sergiusz (1998): Public ~~Monuments: Art in Political Bondage, 1870-1997, # London: ~~Reaktion Books. # Millard, A. R. (1973): “The Canaanites,” in Wiseman (1973, ~~29-52). # Miller, David (1993): “In Defence of Nationality,” # Journal of Applied Philosophy # 10, 1, ~~3-16. # Miller, David (1995): # On ~~Nationality, # Oxford: Oxford University Press. # Milner-Gulland, Robin (1999): # The ~~Russians, # Oxford: Blackwell. # Minogue, Kenneth (1976): “Nationalism and the Patriotism of ~~City-States,” in A. D. Smith (1976, 54-73). # Moore, R. I. (1987): # The Formation of a Persecuting Society: Power and Deviance in Western Europe, ~~950-1250, # Oxford: Blackwell. # Moscati, Sabatino (1973): # The World of ~~the Phoenicians, # London: Cardinal, Sphere ~~Books. # Mosse, George (1964): # The Crisis of ~~German Ideology, # New York: Grosset and ~~Dunlap. # Mosse, George (1975): # The ~~Nationalization of the Masses: Political Symbolism and Mass Movements ~~from the Napoleonic Wars through the Third Reich, # Ithaca, NY: ~~Cornell University Press. # Mosse, George (1990): # Fallen ~~Soldiers, # Oxford: Oxford University Press. # Mosse, George (1994): # Confronting the ~~Nation: Jewish and Western Nationalism, # Hanover, NH: ~~University Press of New England. # Mundy, John and Woody, Kennerly (eds.) (1961): # The Council of Constance: The Unification of the ~~Church, # trans. L. Loomis, New York and London: Columbia ~~University Press. # Nairn, Tom (1977): # The Break-up of ~~Britain: Crisis and Neo-Nationalism, # London: ~~Verso. # Nations and Nationalism ~~(1999): Special Issue on “Chosen Peoples,” 5, 3. # Nations and Nationalism ~~(2003): “Religion ~~and Nationalism: Symposium in Honour of Professor Adrian Hastings,” with ~~essays by Steven Grosby, Josep Llobera, Branka Magas, and Anthony D. Smith, ~~9, 1, 5-28. # Nations and Nationalism ~~(2007): Debate on Krishan Kumar’s # The Making of ~~English National Identity, # 13, 2, ~~179-203. # Nersessian, Vrej (2001): # Treasures of ~~the Ark: 1700 Years of Armenian Christian Art, # London: ~~British Library. # Newman, Gerald (1987): # The Rise of ~~English Nationalism: A Cultural History, 1740-1830, # London: ~~Weidenfeld and Nicolson. # Nicholson, Ernest (1988): # God and His People: Covenant and Theology in ms227 the Old Testament, # Oxford: ~~Clarendon Press. # Nora, Pierre (ed.) (1997-8): # Realms of ~~Memory: The Construction of the French Past, # 3 vols., ed. ~~Lawrence Kritzman, New York: Columbia University Press (orig. # Les Lieux de Mémoire, Paris: Gallimard, 7 ~~vols., 1984-92). # Noth, Martin (1960): # The History of ~~Israel, # London: Adam and Charles ~~Black. # Novak, David (1995): # The Election of ~~Israel: The Idea of the Chosen People, # Cambridge: Cambridge ~~University Press. # Nylander, Carl (1979): “Achaemenid Imperial Art,” in Larsen ~~(1979a, 345-59). # Oakes, Lorna and Gahlin, Lucia (2005): # The Mysteries of Ancient Egypt, # London: Hermes House, Anness Publishing. # O’Brien, Conor Cruise (1988a): # God-Land: Reflections on Religion and Nationalism, # Cambridge, MA: Harvard University Press. # O’Brien, Conor Cruise (1988b): “Nationalism and the French ~~Revolution,” in G. Best (ed.), # The Permanent ~~Revolution: The French Revolution and Its Legacy, 1789-1989, # London: Fontana, 17-48. # Odisho, Edward (2001): “The Ethnic, Linguistic and Cultural ~~Identity of Modern Assyrians,” in # Mythology and ~~Mythologies ~~(Melammu Symposium II), ed. R. M. Whiting, ~~Helsinki: University of Helsinki, 137-48. # Ogilvie, R. M. (1976): # Early Rome and ~~the Etruscans, # London: Fontana. # Oguma, Eiji (2002): # A Genealogy of ~~“Japanese” Self-Images, # trans. David Askew, Melbourne: Trans Pacific Press. # Okamura, J. (1981): “Situational Ethnicity,” # Ethnic and Racial Studies # 4, 4, ~~452-65. # Oppenheim, A. Leo (1977): # Ancient ~~Mesopotamia: Portrait of a Dead Civilization, # revised ~~edition, Chicago and London: University of Chicago Press. # Ossowski, Stanislav (1962): # Class ~~Structure in the Social Consciousness, # London: Routledge and ~~Kegan Paul. # Ostergård, Uffe (1996): “Peasants and Danes: The Danish ~~National Identity and Peasant Culture,” in Geoff Eley and Ronald Suny ~~(eds.), # Becoming National: A Reader, # Oxford and New York: Oxford University Press, ~~179-201. # Ozouf, Mona (1982): # L’Ecole, l’Eglise ~~et la République, 1871-1914, Paris: Editions Cana/Jean ~~Offredo. # Ozouf, Mona (1998): “The Pantheon: The Ecole Normale of the ~~Dead,” in Nora (1997-8, Vol. 3, 325-46). Panossian, Razmik (2002): “The Past as Nation: Three Dimensions ~~of Armenian Identity,” in # Geopolitics ~~, ~~121-46. Parker, Geoffrey (1985): # The Dutch ~~Revolt, ms228 # revised edition, Harmondsworth: Pelican. Parpola, Simo (2004): “National and Ethnic Identity in the ~~Neo-Assyrian Empire and Assyrian Identity in Post-Empire Times,” # Journal of Assyrian Academic Studies # 18, 2, ~~5-40. Pavlov, Andrei and Perrie, Maureen (2003): # Ivan the Terrible, # Harlow: Longman, Pearson ~~Education. Pearson, Raymond (1993): “Fact, Fantasy, Fraud: Perceptions and Projections of National Revival,” # Ethnic ~~Groups # 10, 1-3, 43-64. Periwal, Sukumar (ed.) (1995): # Notions ~~of Nationalism, # Budapest: Central European University Press. Perkins, Mary Ann (1999): # Nation and ~~Word: Religious and Metaphysical Language in European National ~~Consciousness, # Aldershot: Ashgate. Perkins, Mary Ann (2005): # Christendom ~~and European Identity: The Legacy of a Grand Narrative since ~~1789, # Berlin and New York: Walter de ~~Gruyter. Perrie, Maureen (1998): “The Cult of Ivan the Terrible in ~~Stalin’s Russia,” in Geoffrey Hosking and Robert Service (eds.), # Russian Nationalism, Past and Present, # Basingstoke: Macmillan. Petrovich, Michael (1980): “Religion and Ethnicity in Eastern ~~Europe,” in Sugar (1980, 373-417). Pilbeam, Pamela (1995): # Republicanism ~~in Nineteenth-Century France, 1814-1871, # Basingstoke: ~~Macmillan. Pinard, Maurice and Hamilton, Richard (1984): “The Class Bases ~~of the Quebec Independence Movement,” # Ethnic and ~~Racial Studies # 7, 1, 19-54. Piscatori, James (1989): “Ideological Politics in Sa’udi ~~Arabia,” in James Piscatori (ed.), # Islam in the Political Process, # Cambridge: Cambridge University Press. Plamenatz, John (1976): “Two Types of Nationalism,” in Eugene ~~Kamenka (ed.), # Nationalism: The Nature and Evolution ~~of an Idea, # London: Edward Arnold, ~~22-36. Poliakov, Leon (1975): # The Aryan ~~Myth, # New York: Basic Books. Pomian, Krzysztof (1997): “Franks and Gauls,” in Nora (1997-8, ~~Vol. 1, 27-75). Pongratz-Leisten, Beate (1997): “The Other and the Enemy in the ~~Mesopotamian Conception of the World,” in # Mythology ~~and Mythologies ~~(Melammu Symposium II), ed. R. M. Whiting, ~~Helsinki: University of Helsinki, 195-231. Poole, Ross (1999): # Nation and ~~Identity, # London and New York: ~~Routledge. Potter, David (2003): # France in the ~~Later Middle Ages, # Oxford: Oxford University Press. Poulton, Hugh (1997): # Top Hat, Grey ~~Wolf and Crescent: Turkish Nationalism and the Turkish ~~Republic, # London: Hurst. Pritchard, James (1975): # The Ancient ~~Near East: A ms229 New Anthology of Texts and Pictures, # 2 vols., Princeton: Princeton University Press, Vol. 2. Prost, Antoine (1998): “Monuments to the Dead,” in Nora ~~(1997-8, Vol. 2, 307-30). Prost, Antoine (2002): # Republican ~~Identities in War and Peace, # trans. Jay Winter with Helen ~~McPhail, Oxford and New York: Berg. # Ranum, Orest (ed.) (1975): # National ~~Consciousness, History and Political Culture in Early Modern ~~Europe, # Baltimore, MD: Johns Hopkins University Press. # Reade, Julian (1979): “Ideology and Propaganda in Assyrian ~~Art,” in Larsen (1979a, 329-43). # Reade, Julian (1984): # Assyrian ~~Sculpture, # London: British Museum Publications. # Redgate, Ann (2000): # The ~~Armenians, # Oxford: Blackwell. # Renan, Ernest (1882): # Qu’est-ce qu’une ~~nation?, Paris: Calmann-Levy. # Reuter, Timothy (2002): “The Making of England and Germany, ~~850-1050: Points of Comparison and Difference,” in Smyth (2002a, ~~53-70). # Reynolds, Susan (1983): “Medieval # origines gentium # and the Community of the Realm,” # History # 68, 375-90. # Reynolds, Susan (1984): # Kingdoms and ~~Communities of Medieval Europe, 900-1300, # Oxford: Clarendon Press. # Reynolds, Susan (2005): “The Idea of the Nation as a Political ~~Community,” in Scales and Zimmer (2005, 54-66). # Richter, Michael (2002): “National Identity in Medieval Wales,” ~~in Smyth (2002a, 71-84). # Rickard, Peter (1974): # A History of the ~~French Language, # London: Hutchinson. # Ricks, David and Magdalino, Pauls (eds.) (1998): # Byzantium and Modern Greek Identity, # Centre for ~~Hellenic Studies, Kings College, Aldershot: Ashgate Publishing. # Robertson, Martin (1987): “Greek Art and Religion,” in ~~Easterling and Muir (1987, 155-90). # Rose, Paul L. (1996): # Wagner: Race and ~~Revolution, # London and Boston: Faber and ~~Faber. # Rosenberg, Jakob (1968): # Rembrandt, ~~Life and Work, # London and New York: Phaidon. # Rosenblum, Robert (1961): “Gavin Hamilton’s # Brutus # and its Aftermath,” # Burlington Magazine # 103, ~~8-16. # Rosenblum, Robert (1967): # Transformations in Late Eighteenth Century Art, Princeton: Princeton University Press. # Rosenblum, Robert (1985): # Jean-Dominique-Auguste Ingres, # London: Thames and ~~Hudson. # Roshwald, Aviel (2006): # The Endurance ~~of Nationalism: Ancient Roots and Modern Dilemmas, # Cambridge: ~~Cambridge University Press. # Roudometof, Victor (1998): “From # Rum # Millet to Greek Nation: Enlightenment, Secularization ~~and National Identity in Greek Society, 1453-1821,” # Journal of Modern Greek Studies # 16, 1, ~~11-48. # Roudometof, ms230 Victor (2001): # Nationalism, ~~Globalization and Orthodoxy: The Social Origins of Ethnic Conflict in ~~the Balkans, # Westport, CT: Greenwood Press. # Routledge, Bruce (2003): “The Antiquity of Nations? Critical ~~Reflections from the Ancient Near East,” # Nations and ~~Nationalism # 9, 2, 213-33. # Roux, Georges (1964): # Ancient ~~Iraq, # Harmondsworth: Penguin. # Rublack, Ulinka (2005): # Reformation ~~Europe, # Cambridge: Cambridge University Press. # Sacks, Jonathan (2002): # The Dignity of ~~Difference: How to Avoid the Clash of Civilizations, # London: ~~Continuum. # Sarkisyanz, Emanuel (1964): # Buddhist ~~Backgrounds of the Burmese Revolution, # The Hague: ~~Nijhoff. # Scales, Len (2000): “Identifying 'France’ and 'Germany’: ~~Medieval Nation-Making in Some Recent Publications,” # Bulletin of International Medieval Research # 6, ~~23-46. # Scales, Len (2005): “Late Medieval Germany: An Under-Stated ~~Nation?,” in Scales and Zimmer (2005, 166-91). # Scales, Len and Zimmer, Oliver (eds.) (2005): Power and the Nation in European History, # Cambridge: Cambridge University Press. # Schama, Simon (1987): # The Embarrassment ~~of Riches: An Interpretation of Dutch Culture in the Golden ~~Age, # London: William Collins. # Schama, Simon (1989): # Citizens: A ~~Chronicle of the French Revolution, # New York and London: ~~Knopf and Penguin. # Schama, Simon (1995): # Landscape and ~~Memory, # London: HarperCollins ~~(Fontana). # Scheuch, Erwin (1966): “Cross-National Comparisons with ~~Aggregate Data,” in Richard Merritt and Stein Rokkan (eds.), # Comparing Nations: The Use of Quantitative Data in ~~Cross-National Research, # New Haven: Yale University Press. # Schniedewind, William (2005): # How the ~~Bible Became a Book, # Cambridge: Cambridge University Press. # Schwartz, Seth (2004): # Imperialism and ~~Jewish Society, 200 BCE to 640 CE, Princeton: Princeton ~~University Press. # Scott, Franklin D. (1977): # Sweden: The ~~Nation’s History, # Minneapolis: University of Minnesota Press. # Scurr, Ruth (2006): # Fatal Purity: ~~Robespierre and the French Revolution, # London: Chatto and ~~Windus. # Seton-Watson, Hugh (1977): # Nations and ~~States, # London: Methuen. # Shafir, Gershon (1989): # Land, Labour ~~and the Origins of the Israeli-Palestinian Conflict, ~~1882-1914, # Cambridge: Cambridge University Press. # Shiiyama, Chiho (2005): “Nationalism and Supranational Regional ~~Solidarity: The Case of Modern Japanese Nationalism and Its Perception of ~~Asia, 1868-2001,” unpublished PhD thesis, University of ~~London. # Shils, Edward (1957): “Primordial, Personal, Sacred and ms231 Civil ~~Ties,” # British Journal of Sociology # 7, ~~13-45. # Shimoni, Gideon (1995): # The Zionist ~~Ideology, # Hanover, NH: Brandeis University Press. # Smith, Anthony D. (ed.) (1976): # Nationalist Movements, # London and Basingstoke: ~~Macmillan. # Smith, Anthony D. (1979): # Nationalism ~~in the Twentieth Century, # London: Martin ~~Robertson. # Smith, Anthony D. (1981): “War and Ethnicity: The Role of ~~Warfare in the Formation, Self-Images and Cohesion of Ethnic Communities,” # Ethnic and Racial Studies # 4, 4, ~~375-97. # Smith, Anthony D. (1983) [1971]: # Theories of Nationalism, # 2nd edition, London and New York: ~~Duckworth and Holmes and Meier. # Smith, Anthony D. (1986): # The Ethnic ~~Origins of Nations, # Oxford: Blackwell. # Smith, Anthony D. (1991a): # National ~~Identity, # Harmondsworth: Penguin. # Smith, Anthony D. (1991b): “The Nation: Invented, Imagined, ~~Reconstructed?,” # Millennium, Journal of ~~International Studies # 20, 3, 353-68 (also in A. D. Smith ~~2004). # Smith, Anthony D. (1997): “The Golden Age and National ~~Renewal,” in Hosking and Schöpflin (1997, 36-59) (also in A. D. Smith ~~2004). # Smith, Anthony D. (1998): # Nationalism ~~and Modernism: A Critical Survey of Recent Theories of Nations and ~~Nationalism, # London and New York: ~~Routledge. # Smith, Anthony D. (1999a): # Myths and ~~Memories of the Nation, # Oxford: Oxford University Press. # Smith, Anthony D. (1999b): “Sacred Territories and National ~~Conflict,” # Israel Affairs # 5, 4, ~~13-31. # Smith, Anthony D. (2000a): # The Nation ~~in History: Historiographical Debates about Ethnicity and ~~Nationalism, # Jerusalem: Historical Society of Israel; ~~Hanover, NH: University Press of New England; and Cambridge: Polity Press. # Smith, Anthony D. (2000b): “The 'Sacred’ Dimension of ~~Nationalism,” # Millennium, Journal of International ~~Studies # 29, 3, 791-814. # Smith, Anthony D. (2001): # Nationalism: ~~Theory, Ideology, History, # Cambridge: Polity Press. # Smith, Anthony D. (2003): # Chosen Peoples: Sacred Sources of National Identity, # Oxford: Oxford ~~University Press. # Smith, Anthony D. (2004): # The Antiquity ~~of Nations, # Cambridge: Polity Press. # Smith, Anthony D. (2005): “Nationalism in Early Modern Europe,” # History and Theory # 44, 3, ~~404-15. # Smith, Anthony D. (2006): “'Set in the Silver Sea’: English ~~National Identity and European Integration,” # Nations ~~and Nationalism # 12, 3, 433-52. # Smith, S. Tyson (2003): # Wretched Kush: ~~Ethnic Identities and ms232 Boundaries in Egypt’s Nubian Empire, # London and New York: Routledge. # Smyth, Alfred P. (ed.) (2002a): # Medieval Europeans: Studies in Ethnic Identity and National Perspectives in Medieval Europe, # Basingstoke: Palgrave. # Smyth, Alfred P. (2002b): “The Emergence of English Identity, ~~700-1000,” in Smyth (2002a, 24-52). # Staab, Andreas (1998): # National ~~Identity in Eastern Germany: Inner Unification or Continued ~~Separation?, # Westport, CT and London: Praeger. # Steinberg, Jonathan (1976): # Why ~~Switzerland?, # Cambridge: Cambridge University Press. # Stergios, James (2006): “Language and Nationalism in Italy,” # Nations and Nationalism # 12, 1, ~~15-33. # Sternhell, Zeev (1999): # The Founding ~~Myths of Israel: Nationalism, Socialism and the Making of the Jewish ~~State, # trans. David Maisel, Princeton: Princeton University Press. # Strath, Bo (1994): “The Swedish Path to National Identity in ~~the Nineteenth Century,” in Oystein Sorenson (ed.), # Nordic Paths to National Identity in the Nineteenth Century, # Oslo: Research Council of Norway, 55-63. # Strayer, Joseph (1971): # Medieval ~~Statecraft and the Perspectives of History, Princeton: Princeton University Press. # Sugar, Peter (ed.) (1980): # Ethnic ~~Diversity and Conflict in Eastern Europe, # Santa Barbara, CA: ~~ABC-Clio. # Sugar, Peter and Lederer, Ivo (eds.) (1969): # Nationalism in Eastern Europe, # Seattle: ~~University of Washington Press. # Suleiman, Yasir (2003): # The Arabic ~~Language and National Identity, # Edinburgh: Edinburgh ~~University Press. # Swanson, Robert (ed.) (2000): # The Holy ~~Land, Holy Lands and Christian History, # Ecclesiastical ~~History Society, Woodbridge: Boydell Press. # Tadmor, Hayim (1991): “On the Role of Aramaic in the Assyrian ~~Empire,” # Near Eastern Studies, Bulletin of the ~~Middle Eastern Cultural Centre in Japan, # Vol. 5, 419-26, ~~Wiesbaden: Otto Harrassowitz. # Tadmor, Hayim (1997): “Propaganda, Literature, Historiography: ~~Cracking the Code of the Assyrian Royal Inscriptions,” in Simo Parpola and ~~R. M. Whiting (eds.), # Assyria 1995, # Helsinki: University of Helsinki, 325-7. # Talmon, Shmaryahu (1986): # King, Cult ~~and Calendar in Ancient Israel, # Jerusalem, Hebrew University: ~~Magnes Press. # Templin, J. Alton (1999): “The Ideology of a Chosen People: ~~Afrikaner Nationalism and the Ossewa Trek,” # Nations ~~and Nationalism # 5, 3, 397-417. # Thaden, Edward (1964): # Conservative ~~Nationalism in Nineteenth-Century Russia, # Seattle: ms233 University ~~of Washington Press. # Thompson, Leonard (1985): # The Political ~~Mythology of Apartheid, # New Haven: Yale University Press. # Thomson, Robert (1982): # Elishe: History ~~of Vardan and the Armenian War, # trans. R. Thomson, Cambridge, ~~MA: Harvard University Press. # Tipton, C. Leon (ed.) (1972): # Nationalism in the Middle Ages, # New York: Holt, Rinehart, ~~and Winston. # Tilly, Charles (ed.) (1975): # The ~~Formation of National States in Western Europe, Princeton: Princeton University Press. # Toftgaard, Anders (2005): “Letters and Arms: Literary Language, Power and Nation in Renaissance Italy and France, 1300-1600,” unpublished PhD thesis, University of Copenhagen. # Tonkin, Elisabeth, McDonald, Maryon, and Chapman, Malcolm ~~(eds.) (1989): # History and Ethnicity, # London and New York: Routledge. # Tønnesson, Stein and Antlöv, Hans (eds.) (1996): # Asian Forms of the Nation, # Richmond: Curzon Press. # Triandafyllidou, Anna (2001): # Immigrants and National Identity in Europe, # London and New ~~York: Routledge. # Trigger, B. G., Kemp, B. J., O’Connor, D., and Lloyd, A. B. ~~(1983): # Ancient Egypt: A Social History, # Cambridge: Cambridge University Press. # Tudor, Anthony (1972): Political ~~Myth, # London: Pall Mall Press. # Tuveson, E. L. (1968): # Redeemer Nation: ~~The Idea of America’s Millennial Role, # Chicago: Chicago ~~University Press. # Ulker, Erol (2005): “Contextualising 'Turkification’: ~~Nation-Building in the Late Ottoman Empire, 1908-1918,” # Nations and Nationalism # 11, 4, ~~613-36. # Ullendorff, Edward (1988): # Ethiopia and ~~the Bible, # Oxford: Oxford University Press. # Uzelac, Gordana (2002): “When is the Nation? Constituent ~~Elements and Processes,” # Geopolitics, # 7, ~~2, 33-52. # Van den Berghe, Pierre (1995): “Does Race Matter?,” # Nations and Nationalism # 1, 3, ~~357-68. # Van den Berghe, Pierre (2005): “Ethnies and Nations: ~~Genealogies Indeed,” in Ichijo and Uzelac (2005, ~~113-18). # Van der Veer, Peter and Lehmann, Hartmut (eds.) (1999): # Nation and Religion: Perspectives on Europe and ~~Asia, Princeton: Princeton University Press. # Vasiliev, A. A. (1958): # History of the ~~Byzantine Empire, 324-1453, # 2 vols., Madison: University of ~~Wisconsin Press, Vol. 2. # Viroli, Maurizio (1995): # For Love of ~~Country: An Essay on Patriotism and Nationalism, # Oxford: ~~Clarendon Press. # Vital, David (1990): # The Future of the ~~Jews: A People at the Cross-roads?, # Cambridge, ms234 MA, and ~~London: Harvard University Press. # Waley, Daniel (1969): # The Italian ~~City-Republics, # London: Weidenfeld and ~~Nicolson. # Walzer, Michael (1984): # Exodus and ~~Revolution, # New York: HarperCollins, Basic ~~Books. # Warner, Marina (1983): # Joan of Arc: The ~~Image of Female Heroism, # Harmondsworth: Penguin. # Watkins, Frederick M. (ed.) (1953): # Rousseau, Political Writings, # Edinburgh and London: ~~Nelson. # Weber, Eugene (1991): # My France: Politics, Culture, Myth, # Cambridge, MA: Harvard University Press. # Weber, Max (1948): # From Max Weber: ~~Essays in Sociology, # eds. Hans Gerth and C. Wright Mills, ~~London: Routledge and Kegan Paul. # Weber, Max (1968): # Economy and ~~Society, # 3 vols., eds. G. Roth and C. Wittich, New York: ~~Bedminster Press. # Webster, Bruce (1997): # Medieval ~~Scotland: The Making of an Identity, # Basingstoke: ~~Macmillan. # Welsby, Derek and Anderson, Julie (eds.) (2004): # Sudan: Ancient Treasures, # London: British ~~Museum Press. # Westermann, Mariet (2004): # The Art of ~~the Dutch Republic, 1585-1717, # London: Laurence ~~King. # Widengren, Geo (1973): “The Persians,” in Wiseman (1973, 312-57). # Wiesehofer, Josef (2004): # Ancient Persia from 550 BC ~~to 650 AD, # London and New York: I. B. ~~Tauris. # Wilkinson, L. P. (1976): # The Roman ~~Experience, # London: Paul Elek. # Williamson, Arthur (1979): # Scottish National Consciousness in the Age of ~~James VI, # Edinburgh: John Donald. # Wilmsen, Edwin and McAllister, Patrick (eds.) (1995): # The Politics of Difference: Ethnic Premises in a World of Power, # Chicago: University of Chicago Press. # Wilton, Andrew and Barringer, Timothy (eds.) (2002): # American Sublime: Painting in the United States, ~~1820-1880, # London: Tate. # Winichakul, Thongchai (1996): “Maps and the Formation of the ~~Geobody of Siam,” in Tønnesson and Antlöv (1996, ~~67-91). # Winter, Irene (1997): “Art in Empire: The Royal Image and the ~~Visual Dimensions of Assyrian Ideology,” in Simo Parpola and R. M. Whiting ~~(eds.), # Assyria 1995, # Helsinki: ~~University of Helsinki, 359-81. # Winter, Jay (1995): # Sites of Memory, ~~Sites of Mourning: The Great War in European Cultural ~~History, # Cambridge: Cambridge University Press. # Wiseman, D. J. (ed.) (1973): Peoples of ~~Old Testament Times, # Oxford: Clarendon Press. # Wormald, Patrick (1984): “The Emergence of Anglo-Saxon ms235 ~~Kingdoms,” in Lesley Smith (ed.), # The Making of ~~Britain: The Dark Ages, # Basingstoke: ~~Macmillan. # Wormald, Patrick (2005): “Germanic Power Structures: The Early ~~English Experience,” in Scales and Zimmer (2005, ~~105-24). # Yack, Bernard (1999): “The Myth of the Civic Nation,” in Ronald ~~Beiner (ed.), # Theorising Nationalism, # Albany, NY: State University of New York, 103-18. # Young, Crawford (1985): “Ethnicity and the Colonial and Post-Colonial State,” in Brass (1985, 57-93). # Zacek, Joseph F. (1969): “Czechoslovakia,” in Sugar and Lederer ~~(1969, 166-206). # Zadok, Ran (1991): “Elements of Aramean Prehistory,” in # Ah, Assyria, Scripta Hierosolymitana # 33, 104-17. # Zeitlin, Irving (1984): # Ancient ~~Judaism, # Cambridge: Polity Press. # Zeitlin, Irving (1988): # Jesus and the ~~Judaism of His Time, # Cambridge: Polity Press. # Zernatto, Guido (1944): “Nation: The History of a Word,” # Review of Politics # 6, ~~351-66. # Zernov, Nicolas (1978): # Eastern ~~Christendom: A Study of the Origin and Development of the Eastern ~~Orthodox Church, # London: Weidenfeld and ~~Nicolson. # Zimmer, Oliver (1998): “In Search of Natural Identity: Alpine ~~Landscape and the Reconstruction of the Swiss Nation, 1870-1900,” # Comparative Studies in Society and History # 40, ~~4, 637-65. # Zimmer, Oliver (2000): “Competing Memories of the Nation: ~~Liberal Historians and the Reconstruction of the Swiss Past, 1870-1900,” Past and Present # 168, ~~194-226. # Zimmer, Oliver (2003): # A Contested ~~Nation: History, Memory and Nationalism in Switzerland, ~~1761-1891, # Cambridge: Cambridge University Press. # Zubaida, Sami (1978): “Theories of Nationalism,” in G. ~~Littlejohn, B. Smart, J. Wakeford, and N. Yuval-Davis (eds.), Power and the State, # London: Croom ~~Helm. ms236