######OpenITI# #META# URI: 1450SaharKhawatimi.Say.Hindawi80508137 #META# Tags: novels #META# ID: 80508137 #META# Title: ساي #META# AuthorID: 40493752 :: 38696461 :: 40493752 #META# Author: سحر خواتمي :: هبة اعرابي :: سحر خواتمي #رسوم# #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء‏ # شكر‏ # مقدمة الرواية‏ # 1 - كواحة في صحراء‏ # 2 - ربيع مزهر!‏ # 3 - فصول لا تنسى‏ # 4 - أهو شتاء جديد؟!‏ # إهداء‏ # شكر‏ # مقدمة الرواية‏ # 1 - كواحة في صحراء‏ # 2 - ربيع مزهر!‏ # 3 - فصول لا تنسى‏ # 4 - أهو شتاء جديد؟!‏ # | ساي # | ساي # تأليف # سحر خواتمي وهبة اعرابي # | إهداء # إلى كل قلب تألم حزنا وعانى فراقا. # إلى كل روح انتظرت قربا وتعبت اشتياقا. # إلى كل كسر لم يلق جبرا. # سحر وهبة # | شكر # كل الامتنان لعلياء وحلا ورولا ومزنة لمساهمتهن في مراجعة سياق أحداث الرواية، ولفادي ~~لدعمه التقني والإداري الدائم لنا. # سحر وهبة # | مقدمة الرواية # ليست وحدها الأرض من تتعاقب عليها الفصول، لكنها وحدها من تملك فصولا بتوقيت منتظم ~~ونمط متكرر. فمهما طال شتاؤها، فالربيع سيقبل، ومهما جف صيفها، فالخريف سيحل. # أما أنا، فآه لشتاءات قلبي، لا موعد لها ولا توقيت، لا مدة لها ولا تمهيد. شتاءاتي ~~لا يعقبها ربيع، بل خريف طويل، أرمم خلاله ما أستطيع ترميمه، لأعيد التوازن لروحي، ~~فيحل بعده صيف جاف، بنهار طويل وليل أطول، بوحدة دافئة وسكون مزعج. # مرت سنوات كثيرة ولم يفارقني صيفي، حتى إني نسيت بقية الفصول. لكنه أتاني فجأة ~~ومن غير سابق إنذار، مزهرا وعاصفا في آن معا! أمطر قلبي بملايين الزهور، وأغرق روحي ~~بمروج واسعة. # حاولت جاهدة الهرب منه، لكنه حاصرني من كل الاتجاهات. لم يطرق بابي ولم يستأذن، لم ~~يسأل ولم يسمع جوابا، بل اقتحم قلبي اقتحاما، مجيبا كل الإجابات، على كل الأسئلة. # الفصل الأول # | كواحة في صحراء # هيروكي # درست علوم الاقتصاد في جامعة طوكيو، منذ صغري وأنا أهوى العمليات الحسابية، الإدارة، ~~والتخطيط. لذا حينما أنهيت دراستي لم يكن صعبا علي أي اتجاه سأختار، فمن الواضح أني ~~سأتابع عملي في المجال البحثي، فبعد حصولي على شهادة الدكتوراه في العلوم الاقتصادية، قمت ~~بافتتاح مركز بحوث خاص بي، ومع الأيام أصبح هذا المركز أحد أكبر المراكز البحثية في ~~مجال العلوم الاقتصادية على مستوى العالم، وما زلت أحاول الإشراف قدر الإمكان على كل ~~تفاصيل البحوث المقامة في ms01 مركزي البحثي. # حيث إنه مع زيادة التخصص، أصبح لدينا في المركز العديد من الأقسام، ومنها ما هو بعيد ~~كل البعد عن اختصاصي الخاص. لذا في بعض الأحيان أحتاج إلى مدربين خاصين في مجالات معينة ~~ليقوموا بتدريب الباحثين والطلاب والمشرفين، وأولهم أنا البروفيسور هيروكي. # لم أشعر يوما أني اكتفيت من التعلم والقراءة والبحث، كما لم أشعر يوما أني سأكتفي أو ~~سأصل لمرحلة الإشباع، ساعدني على ذلك، شغفي المبالغ فيه، وتفرغي التام له. فأنا الآن في ~~الخمسين من عمري وما زلت عازبا من غير شريكة أو ولد؛ لذا كان وقتي ملكا لي، واستطعت ~~الإبحار في مجال عملي وتحقيق أغلب ما خططت له في حياتي. # أنا هنا أقطن مع عائلة من نوع آخر، فأغلب الطلاب والباحثين يقضون أيام الأسبوع ويبيتون ~~في المبنى التابع للمركز، فلهم شقق صغيرة هنا، يسافر أغلبهم في عطلة نهاية الأسبوع ليعودوا ~~إلى منازلهم وعائلاتهم. أما أنا فيقع منزلي الخاص في الشارع المجاور للمركز. اعتدت أن ~~أمضي ليلتي الجمعة والسبت أطالع الكتب في مكتبة المركز، بينما يخلد من بقي في المركز للنوم. ~~كل شيء هادئ هنا، لا صوت ولا إزعاج ولا تدخل ولا أسئلة. فأنا أجلس وحدي، أنتقي الكتب ~~التي أريدها بهدوء وعندما أشعر بالتعب أغفو معظم الأحيان في المكتبة. لكن الأمور لم تعد كما ~~كانت سابقا، فقد أصبح هناك شخص آخر يشاركني مكتبتي التي كانت هادئة، إنها الدكتورة ساي ~~شوجا. # عندما قرأت السيرة الذاتية للدكتورة ساي من بين العديد من المتقدمين لفت انتباهي طريقة ~~كتابتها لها، لدي طريقة خاصة باختيار الموظفين والباحثين في مركزي، فأنا لا أعتمد فقط على ~~ما يتم كتابته من مهارات وتاريخ طويل من الخبرة، هناك شيء أراه بين السطور، لكن في ~~حالتها لم يكن هناك سطور أصلا، هي بضع كلمات كما لو أنها تعرف بها عن نفسها في موقع ~~تواصل اجتماعي مع قليل من الأمور المهنية. # ما حدث هو أنه قد أبدى بعض الباحثين والطلاب في قسم الاقتصاد السلوكي حاجتهم لخبراء ~~وعلماء نفس، فلم أكتف ms02 بمختصي المجال النفسي والاجتماعي، بل قمت بوضع إعلان لأطباء ~~نفسيين أيضا، فأنا أحب التكامل بين العلوم وضم بعضها مع بعضها الآخر. قمت بانتقاء ~~ثلاثة ملفات من بين مائة ملف قام أصحابهم بالتقدم لتلك الوظيفة، كان ملف الدكتورة ساي ~~أحدهم. حين أتت الدكتورة ساي إلى المقابلة كدت أن أطردها من المكتب لولا الآداب العامة ~~للظرف الذي نحن فيه. بدأت المقابلة بطريقة غريبة وانتهت بطريقة أغرب، وكنت على وشك رفضها ~~إلا أنني ترويت قليلا. خلال العشرين عاما الماضية، قمت بإجراء أكثر من ألف مقابلة مع ~~موظفين، باحثين، دكاترة، وطلاب، لم أر في حياتي أحدا منهم أتى إلى المقابلة بملابس ~~رياضية وحذاء رياضي! لكن تلك الطبيبة فعلت! لا أحكم على الأشخاص من خلال مظهرهم، لكن ~~ليس إلى هذا الحد! ألا تستطيع أن ترتدي ملابس عادية، أمن الضروري أن تختبر عدم انحيازي ~~للشكل إلى هذا الحد! # حاولت أن أكون حياديا قدر الامكان، فقد علمت عن مدى مهارة الدكتورة ساي في اختصاصها ~~وتميز أسلوبها وانفراده عن غيرها من الأطباء النفسيين. وهذا كان واضحا من المقابلة، لا ~~أعلم ما هي الصفة الأنسب لتلك المرأة، حقا هي متفردة بطيشها مع أنها في الأربعين من ~~عمرها، إنها شخص مرح جدا، صوتها مرتفع أغلب الوقت ولا أعلم لم كل هذا المرح ~~والفرح! # بعد طول تفكير، وجدت نفسي أختار ملفها من بين الثلاثة، أعتقد أن هناك شيئا جديدا ~~تستطيع إضافته لنا. تواصل معها الموظفون المسئولون عن الأمور الإدارية وتم الاتفاق على أن ~~تعمل بدوام جزئي في المركز لأنها لا تستطيع الاستغناء عن العمل في عيادتها. دوامها ~~الجزئي سيكون في أيام العطل، ستأتي إلى المركز يوم الجمعة مساء وتغادر يوم الأحد؛ أي ~~إنها ستبيت في المركز ليلتين لأن بلدتها بعيدة عن المركز. فالدكتورة ساي تستطيع التفرغ ~~أيام العطل فهي غير ملتزمة مع عائلة أو أطفال، فقد علمت أنها كانت متزوجة ولكنها ~~انفصلت عن زوجها منذ مدة طويلة. لكن لم أعلم أنها أيضا تمضي ليلها بين الكتب، المشكلة ~~ليست هنا، المشكلة أن ms03 الدكتورة ساي لا تستطيع الجلوس بهدوء حتى في المكتبة. في الليلة ~~الأولى، اعتقدت أن كل شيء سيكون على ما يرام، لكن ما حدث هو أنني لم أستطع أن أقرأ ولا ~~حتى صفحة واحدة! بينما هي قرأت كتابها، واستمتعت بوقتها، وأفسدت علي كل شيء! لم ~~أبد استيائي مباشرة، لكني قررت أن أنبهها إن تكرر الأمر، سأخبرها أن المكتبة ليست ~~مكانا لتبادل الأحاديث والأكل، إنها لا تكف عن التهام رقائق البطاطا والحلويات واحتساء ~~الشاي طيلة فترة مكوثها في المكتبة. سأجد لها حلا إن عاودت ما فعلته الليلة ~~القادمة. # وكما توقعت في اليوم التالي، حل الليل، وفي الساعة العاشرة، ذهبت إلى المكتبة لأراها قد ~~سبقتني إلى هناك واحتلت مكاني أيضا، يا للوقاحة! تجاهلت الأمر، وألقيت التحية وجلبت ~~كتبي. بينما بدأت هي بالكلام والمضغ والضحك. ~~- دكتورة شوجا، أود التركيز، هل لي بذلك؟ ~~- أوه! لقد أزعجتك، أنا آسفة حقا، لكن أرجوك نادني باسمي الأول، لا أحد يناديني باسم ~~شوجا أبدا ولم أعتد عليه طيلة حياتي. ~~- حسنا كما تشائين! # عاد كل منا إلى كتابه، استطاعت أن تجلس لمدة ساعتين بشكل هادئ ثم عادت إلى حركتها ~~المفرطة. مضت تلك الليلة وكنت سعيدا أنها في الليلة القادمة ستكون قد عادت إلى ~~بلدتها. # خلال شهرها الأول في المركز، كنت أراها في المكتبة، لكنني لم أكن ألاحظها أبدا في ~~المركز. شيئا فشيئا بدأت أراها في حديث الجميع. الجميع هنا في المركز يتحدثون عنها، عن ~~أسلوبها المتميز. عندما سمعت ذلك اطمأن قلبي أنني اخترت لهم الشخص المناسب. أصابني بعض ~~الفضول لأرى أداءها، وليتني لم أره! # هيروكي # كان انطباعي سيئا جدا، لن أنسى ذاك المشهد ما حييت. عندما كنت أتجول بين قاعات المركز ~~تذكرت أنها تكون في القاعة الكبيرة للمركز في يوم الجمعة. طرقت باب القاعة ودخلت، فرأيتها ~~وهي واقفة على الطاولة في قمة حماسها كما لو أنها تقدم عرضا مسرحيا! لا أعلم عن ماذا ~~كانت تتحدث، ولا أعلم ضرورة وأهمية ومبرر حماسها ووجودها فوق الطاولة في تلك اللحظة، لكن ~~هذا المشهد ms04 لم يعجبني بتاتا! # ما أزعجني أكثر هو أنها حين رأتني ألقت السلام وبقيت على حالها، بل إنها دعتني للدخول ~~وحضور المحاضرة وهي بهذا الشكل المزعج، بلا أي شعور بخطأ الموقف. لم أطل وقوفي، أجبتها ~~أن لدي أعمالا أخرى وعدت إلى مكتبي غاضبا جدا. ومنذ ذلك اليوم، وأنا أرى تصرفات ~~طائشة هنا وهناك، بينما الجميع يمتدحها. هذا الشيء الوحيد الذي جعلني أطيل من صبري عليها. ~~أما في المكتبة فبت أتجنبها كي لا تزعجني، فإن كانت في الجناح اليميني للمكتبة، كنت ~~أنتقل إلى اليساري أو العكس. أنا في المركز لا أتسامح إطلاقا مع أي شيء قد يعطل عملنا ~~وإنجازاتنا، وطالما أن تأثيرها إيجابي، فلا بأس! أنا لا أدع الأشياء الشخصية تؤثر على ~~قرارتي، فطبيعة عملي تجبرني على التعامل مع كافة أنواع الناس، فاعتدت التعامل مع الجميع ~~بشكل دبلوماسي، وصارت لدي خبرة لا بأس بها في معالجة هذا النوع من الأمور. إلا أنها ~~رغم تجنبي رؤيتها ما زالت تصر على اختبار صبري! # في المركز نقوم بشكل أسبوعي تقريبا بإرسال أوراق بحثية لمجلات علمية عالمية ~~ومؤتمرات وورش عمل. لذا بالمقابل، نستقبل ردودا فيما يتعلق بتلك البحوث بشكل أسبوعي ~~أيضا، مفادها فيما إذا ستتم الموافقة عليها أم لا، وعن التعديلات التي علينا أن نجريها في ~~حال تم اعتماد البحث وقبوله للنشر. أما أنا فتصلني النتيجة النهائية حينما يتم قبولها ~~بشكل نهائي عن طريق رسالة ترسل إلى بريدي الإلكتروني من قبل الكاتب الأساسي للورقة ~~البحثية سواء أكان طالبا أم باحثا، وذلك لكي أقلل قدر الإمكان عدد الرسائل التي تصلني ~~في اليوم، فيتسنى لي قراءة الرسائل التي تتطلب ردي بشكل شخصي. لكن كيف ستستطيع تلك ~~المرأة المندفعة أن توقف حماسها وألا ترسل الورقة البحثية التي شاركت بها والتي تم ~~قبولها بشكل مبدئي؟ كلما تقدمت الدكتورة ساي خطوة في عملها كانت ترسل لي نسخة عن تلك ~~الرسائل، وبذلك باتت تظهر لي في بريدي الإلكتروني حتى إن لم تظهر لي في الواقع! # بعد مرور شهرين على هذه الحال، قمت ms05 بإرسال رد على إحدى تلك الرسائل ومفاده: # السيدة الدكتورة شوجا # شكرا على رسائلك، لكن لا داعي لإعلامي بكل الخطوات التي تقومين بها، يكفي أن يتم ~~إعلامي حالما تنتهي كل المراحل بأن العمل تم قبوله وسيقدم في التاريخ والمكان ~~المحدد. # أنا أثق بكل الباحثين في مركزي، وأنا هنا المدير ولست على اطلاع كامل بكل التفاصيل، ~~كما أن بريدي الإلكتروني لا يتسع لكل هذا العدد من الرسائل. # أشكر تفهمك، تحياتي، # هيروكي # لم ترد على رسالتي أبدا، ولم تعد ترسل أي معلومات ورسائل بعد ذلك. تجاهلتها فهذا جيد، ~~لا أريد أن أرى اسمها يوميا في صندوق البريد الإلكتروني. مضى عدة أسابيع وهي مختفية ~~تماما، لم أعلم أين هي، فافترضت أن لديها إجازة، فلست أنا من يشرف على الإجازات، وأنا لا ~~أعلم متى يكون الموظف في إجازة، إلا إن قمت بسؤال مشرفه. ثم يبدو أنه مر وقت طويل ~~وأنا لا أراها في الأرجاء حتى إني نسيت وجودها هنا. # هيروكي # مضى على وجود الدكتورة ساي معنا أكثر من شهرين، أعتقد أنه قد حان الوقت لأعلمها بالمهمة ~~الأخرى التي كنت أتطلع لها؛ فقد كان أحد أهم الأسباب الأخرى التي دفعتني لتوظيف طبيب ~~نفسي في المركز هو أن يرى خفايا لا أستطيع أن أراها أنا بين الموظفين، أريده أن يتحدث ~~إليهم، يساعدهم حينما يرى أن هناك خللا ما في وضعهم النفسي. كنت أود الإفصاح عن تلك ~~الرغبة حالما أجد الفرصة المناسبة؛ لذا قررت أن أحتك مع الموظفين أكثر لأرى مدى تقبلهم ~~للدكتورة ساي بشكل عام. في معظم الأحيان أتناول طعام الغداء في مكتبي الخاص نظرا لضيق ~~الوقت، فأطلبه إلى مكتبي ونادرا ما أذهب إلى المطعم الخاص بالمركز، لذا صرت أتردد على ~~المطعم أكثر وأحاول أن أتحدث أكثر مع الموظفين بين ساعات العمل، وعندما سألتهم عن الدكتورة ~~ساي من خلال حديثي معهم اكتشفت أنه لا داعي لإخبارها بهذه المهمة أبدا! فقد قامت ~~الدكتورة ساي بالمهمة وحدها. جميع الموظفين اعتادوا أن يزوروا مكتبها ويتحدثوا إليها عن ~~أمورهم ومشاكلهم بانفتاح ms06 شديد، شعرت مجددا بفخر لمهارتي في اختيار الشخص المناسب للمكان ~~المناسب، هذا جيد، لكن ما عكر صفوي مجددا حولها هو أن الجناح الأيمن للقراء في مكتبة ~~المركز سيتم إصلاحه؛ أي إنني سأضطر للجلوس في الجناح نفسه مع تلك المشاكسة، وأنا حقا لا ~~أحبذ ذلك، فهي امرأة مفرطة الحركة، وأنا لا أنعم بجلسة قراءة صافية إلا إن كانت ~~المكتبة هادئة جدا. أذكر أنها كانت قد كتبت في سيرتها الذاتية أنها تحب ممارسة اليوغا، ~~أشك أنها تستطيع الجلوس ولو لدقيقة واحدة بهدوء، فكيف لها أن تمارس اليوغا؟ لا بد ~~أنها يوغا على طريقتها الخاصة! # أتى الأسبوع المقبل، وبدأت المعاناة: تدخل الدكتورة إلى المكتبة فتحدث كل أنواع الضجيج ~~والفوضى وتزعجني. ذات ليلة أتت راكضة وهي تحمل أكوابا من الشاي والعصائر، وكعادتي تمتمت ~~في نفسي: ستوقعها، وستتلف الكتب حولها! وما إن أنهيت جملتي تلك حتى رأيت كتابي ملطخا ~~بالقهوة، لكن ليس مما في يديها، بل مما في يدي. فلقد سكبت قهوتي على أحد الكتب القيمة. ~~ذعرت وبدأت بنفض القهوة عن الكتاب بطريقة عشوائية، فصرخت الدكتورة ساي: مهلا توقف! # وضعت أغراضها ثم أتت بمنديل خاص وبدأت بتجفيف الكتاب بخفة شديدة. راقبت حركات ~~يديها وهي تقوم بتجفيفه بعناية فائقة، لقد كانت طريقتها بارعة ونظراتها للكتاب كانت ساحرة. ~~في قلبي لمت نفسي على الظن السيئ بها دوما، وهذه المرة أنا الذي سكبت قهوتي على الكتاب ~~وهي من قامت بتنظيفه. ثم قامت، بحسها الأنثوي، بتنظيف الطاولة والأرضية مع أنها ليست ~~مضطرة لفعل ذلك، ثم نظرت إلى قميصي وقالت: بروفيسور، قم بتبديل قميصك حالا! # عندما قالت لي ذلك بصيغة الأمر، أعادت لي ذكريات كنت قد نسيتها تماما، فمنذ سنين لم ~~أسمع صيغة الأمر من أنثى! كان ذلك قبل عشرين سنة، حين قالت لي والدتي قبل وفاتها ~~بسويعات: آكي! وأنت تعيش حياتك، لا تنس أن تحياها، لا تنس أن تكون لك عائلة. # كيف تنبأت والدتي أنني لن أكون عائلة طوال تلك السنين؟ لا أعلم. نعم، لقد نسيت صيغة ~~الأمر ونسيت ms07 ذاك الأمر ونسيت أمورا كثيرة. مر ذاك الشريط من الأفكار أمامي بينما كانت ~~الدكتورة ساي تنظف الأرضية ونسيت حتى أن أشكرها، نظرت إلي مجددا وقالت: بروفيسور هل ~~تسمعني؟ ~~- نعم، سأقوم بتبديله، شكرا. # عدت إلى غرفتي وأنا ما زلت أرى وجه والدتي، ومدين لتلك المشاكسة، لكن من حسن حظي أني ~~قمت برد الدين في الأسبوع الذي تلاه مباشرة. وذلك حين وصلت الدكتورة ساي من بلدتها ~~وكانت تود القيام بركن سيارتها. حين رأيتها أصبت بالدهشة، فهي لا تمتلك أدنى فكرة عن ~~كيفية المناورة لركن السيارة بطريقة صحيحة، رغم أن مواقف السيارات عريضة في مرآب المركز ~~ومع ذلك كانت تصارع المقود والمرايا. كنت أراقبها وهي لا تعلم أن أحدهم في المرآب. ظلت ~~تحارب ما حولها عشر دقائق إلى أن أشفقت عليها، تركت سيارتي وتوجهت نحوها: دكتورة ساي، أأساعدك؟ ~~- لا مانع لدي، فقد انتهت طاقتي تماما، منذ الساعة الخامسة وأنا خارج المنزل، وعندما ~~أكون مرهقة، لا أستطيع التركيز إطلاقا، تفضل المكان لك. # وانتقلت إلى المقعد المجاور من غير أن تخرج من السيارة بحركة رشيقة جدا لتعطيني ~~المجال. كانت سيارتها صغيرة مقارنة على ما اعتدت عليه، عدلت وضع الكرسي الأمامي كي ~~يناسبني. كان صوت الأغاني عاليا جدا وكانت الدكتورة ساي تكمل انسجامها مع تلك الأغاني مع ~~أننا على وشك النزول. تفوح من سيارتها رائحة لطيفة على عكس الكثير من سيارات أصدقائي ~~التي تفوح منها رائحة السجائر أو الطعام السريع. على المرآة الأمامية هناك أشكال صغيرة ~~تتراقص هنا وهناك. كل شيء في هذه المساحة الصغيرة كان لطيفا، وبه تفاصيل لطيفة لم أعتد ~~أنا شخصيا عليها. عندما ألقيت نظرة سريعة على الحائط الذي خلف السيارة كي لا نصطدم به، ~~لاحظت وجود كثير من الأشياء على المقاعد الخلفية، يبدو أنها مثلي، لا تستخدمها أبدا، أو ~~بالأحرى لا أحد يستخدمها، فأنا لا أذكر أن أحدهم قد جلس على المقاعد الخلفية لسيارتي، ومن ~~لا يعلم هذا الشعور لا يستطيع تمييزه في سيارات الآخرين. # على أي حال، قمت بركن السيارة في ms08 مكان مناسب فشكرتني جدا، نزلنا من السيارة فسمعت ~~صوتا كما لو أنه صوت انفجار، لا أعلم لم أغلب السيدات يقمن بإغلاق أبواب السيارة بهذه ~~الطريقة! فقد لاحظت هذه الملاحظة منذ بدأت التعامل مع زملائي وزميلاتي في العمل أكثر. نعم ~~فقد بدأت مشاركتهم العديد من النشاطات يوميا. بت أتردد أكثر على مطعم المركز لمشاركة ~~الموظفين طعام الغداء، أحتسي فنجان قهوة مع بعضهم، أتنزه قليلا بين ساعات العمل مع ~~الطلاب، أشاركهم أحاديثهم العامة التي لا علاقة لها بالعمل أو الأبحاث. # بدأت بحفظ وجوههم أكثر وربطها مع أسمائهم، فسابقا لم أكن أعلم إلا الأسماء وهي مرتبطة ~~بالإنجازات، كما لو أننا آلات! أما الآن فأنا مستمتع جدا بمعرفة تفاصيل عن حياتهم ~~الشخصية، عن طريقة كلامهم وتعابيرهم، عن شخصياتهم وآرائهم. هكذا يكون حالي في كل أيام ~~الأسبوع، ما عدا يومي الجمعة والسبت. فهناك موظف واحد يسرق انتباهي، تلك الابتسامة، هاتان ~~العينان، وتلك الحركات العفوية، التعابير الطفولية، حركة اليدين، الثواني القليلة التي ~~تسكن بها، ثم الانفجار العظيم حين يحل حماس الكون عليها، لمعة عينيها حين تتحدث عن شيء ~~تحبه كما لو أنها برق يضرب في السماء. بت أستمتع بمراقبتها رغم انزعاجي الدائم منها في ~~المكتبة، فما زالت تلك المرأة تحدث الكثير من الضجة هنا وهناك، وما زالت تزعجني في ~~المكتبة في الليالي التي تقضيها في المركز. مضت عدة شهور على هذه الحال. لن أنسى ذاك ~~اليوم حين نفد صبري، فقلت لها بينما هي منهمكة في التهام أطعمتها غير الصحية: سيدتي، هل ~~تعلمين ضرر ما تفعلين؟ # أجابتني بصوت بالكاد يفهم وما زال فمها ممتلئا بالطعام: عن أي ضرر تتحدث حضرة ~~المدير؟ # كان ذاك واضحا، حضرة المدير، إنها تسخر مني! تمالكت أعصابي وأجبتها: هذه الأشياء المبتذلة التي لا تتوقفين عن تناولها، سيدتي، عليك أن تذكري أنها مضرة ~~بالصحة. عليك الاهتمام بصحتك في هذه المرحلة من عمرك! ~~- عمري؟ # ضحكت بصوت عال، اقتربت مني وقالت لي بصوت خافت: سيدي، عليك أن تتذكر أن الغليون ~~مضر بالصحة، عليك الاهتمام بصحتك خاصة ms09 في هذه المرحلة المتقدمة من عمرك! # وكأننا في نزال، ما هي إلا نصيحة أردت أن أسديها لها. لقد طفح الكيل حقا، أخذت كتبي، ~~نهرتها بنظرة ازدراء وخرجت من المكتبة. بعد أن رميت هذه الكلمات: لقد أصبح هذا المكان غير صالح للمطالعة! # عدت إلى غرفتي وأنا غاضب وحانق عليها. كانت تلك ليلة الأحد، أي في صباح الأحد ستغادر ~~ولن أراها للأسبوع المقبل، وذلك أفضل! # مضت أيام ذلك الأسبوع بثقل، كنت وبلا شعور أنتظر عودة يوم الجمعة. لم أعر ذلك ~~الشعور اهتماما. لكن حين أتى يوم الجمعة، أتت الدكتورة ساي في ذلك اليوم إلى الاجتماع ~~الدوري حيث كان علينا أن نجلس معا في مهام بعد الاجتماع. كانت الدكتورة ساي على غير ~~طبيعتها، فقد بدت هادئة جدا، تبتسم بين الحين والآخر بينما في حالتها الطبيعية تملأ ~~المكان بالضحك. ابتسامتها كانت مصطنعة وجافة. هل ذلك بسبب ما حصل الأسبوع الماضي؟ سألت ~~نفسي، لكن هذا أفضل، عليها أن تلتزم الهدوء أكثر وتحترم المكان. مضى ذلك اليوم وحين حل ~~الليل، ذهبت إلى المكتبة، لم تكن الدكتورة ساي قد أتت بعد. وضعت كتبي، وبدأت بالقراءة، ~~لم أكن أستطيع التركيز مطلقا فقد كنت أنظر إلى الساعة والباب طيلة الوقت، أين هي؟ لقد ~~انتصف الليل ولم تأت بعد! # بقيت بعدها أكثر من ساعتين في المكتبة لكنني لم أقرأ شيئا. هل حقا كنت أنتظر تلك ~~المزعجة؟ هل اعتدت على التركيز بوجود ضجيجها اللامتناهي؟ أم أني قلق عليها؟ # هيروكي # أرسل في كل عام دعوة لحفل نقيمه في المركز في آخر الصيف في التوقيت نفسه الذي يقام ~~فيه المهرجان في البلدة، فيتسنى لنا أن نرى الألعاب النارية من شرفات المركز معا، فبعض ~~الموظفين ليس لديهم عائلات أو شركاء، وبالعادة نتشارك تلك اللحظات أفضل من أن يقضيها كل ~~واحد منا وحيدا. أرسل تلك الدعوات عبر البريد الإلكتروني فيقوم الجميع إما بقبول الدعوة ~~أو رفضها إن لم يكونوا يستطيعون حضورها. لا أذكر أني راجعت أسماء من قبلوا الدعوة في يوم ~~من أيام حياتي، لكن ms10 هذه المرة هي الوحيدة التي كنت أنتظر ردا من أحدهم. مضى أسبوع على ~~إرسالي الدعوات، وقد رد معظم الموظفين في المركز ما عدا البعض منهم ومن بينهم تلك التي ~~أنتظر ردها. أفتح يوميا صندوق البريد الوارد، وأبحث عن رسالة تخبرني هل ستأتي أم لا! وفي ~~آخر المطاف أرسلت الرد، بأنها لن تأتي! أغلقت غطاء جهاز الحاسوب بغضب ثم مضيت إلى ~~أحد المخابر، لا أريد أن أرى هذه الرسالة مجددا! # عزيزي البروفيسور هيروكي # أشكرك على الدعوة، لكني لن أستطيع القدوم. # تحياتي # ساي # منذ متى والدكتورة ساي ترد بطريقة مهنية؟ توقعت أنها ستشرح سبب عدم مجيئها، فهي ~~دائما تشرح وتسترسل، ألم تدرك معنى المهنية إلا الآن! # أتى يوم الحفل وكان يوم السبت، لا أعلم ما هو سبب رفضها للمجيء، لا بد أن لديها أصدقاء ~~تشاركهم المهرجان. كنت أتخيل كم ستكون فوضوية في المهرجان وكيف ستقوم بتجربة كل الألعاب ~~وكل أنواع الطعام، وسيكون صوت ضحكتها أعلى ما في المهرجان. وبينما كنت أتخيل مدى اندفاعها ~~بدأت الألعاب النارية بالانطلاق. وفجأة لاحظت أن أحدهم يقف في شرفة الطابق السفلي، ~~استغربت جدا، من ذاك الذي يأتي إلى المركز ويجلس وحيدا في ساعة كهذه؟ دققت أكثر فإذا ~~هي ساي! تركت المكان من فوري وانطلقت إلى الطابق السفلي، فقد دفعني الفضول لأرى ما بها. ~~عندما اقتربت من باب الشرفة سمعت صوتا وكأنه صوت بكاء. ~~- دكتورة ساي؟ # قامت بمسح دموعها مباشرة. ~~- أهلا بروفيسور هيروكي، عمت مساء، كيف حالك؟ ~~- بخير، ما بك؟ ولم أنت هنا وحدك؟ ~~- لا شيء، أنا بخير، شعرت أنني أود استنشاق هواء طلق فخرجت، تصبح على خير. ~~- انتظري قليلا، أود أن أسألك سؤالا واحدا فحسب. ~~- تفضل. ~~- لم لم تأتي إلى الحفل؟ لم لم تعودي ترتادين المكتبة؟ هل بسبب ما صدر مني من كلمات ~~في المكتبة المرة الماضية؟ # ابتسمت ثم قالت: لا أبدا، ليس هذا هو السبب. ثم أليس هذا أفضل؟ تستطيع الآن مطالعة ~~كتبك بهدوء. # ثم مضت. ما تزال ليست بمزاجها الطبيعي وتهربت من مواجهتي وهي تبكي. ms11 لم أرد أن ~~أتدخل في شئونها أكثر. انتهت الحفلة فعدت إلى المكتبة، لكنني لم أقرأ شيئا، ظللت أفكر: ~~لماذا هي حزينة؟ في الأسبوع التالي لم تأت أيضا إلى المكتبة ليلة السبت. كما لم أستطع ~~القراءة، كنت أنظر إلى كتبها وأطعمتها التي كانت تحتفظ بها في حال احتاجت إليها على أحد ~~رفوف المكتبة، لا أعلم لماذا أفتقدها؟ لكن حينما حلت ليلة الأحد، أتت ساي إلى المكتبة ~~وجلست لفترة قصيرة جدا. كأنها تؤكد لي ألا علاقة لما حدث بتوقفها عن ارتياد المكتبة، ~~ثم مضت. كانت أشد حزنا من الأسبوع الذي مضى، مع أنها كانت تحاول أن تكون على طبيعتها ~~وتضحك وتتحدث. لكن في عينيها حزنا عميقا أستطيع أن أراه بسهولة. لحقت بها فرأيتها في ~~الشرفة تنتحب بصوت خافت جدا، لا بد أنها من ذلك النوع الذي يخفف آلام الناس ولا يرغب ~~في أن يشاركه أحد أحزانه. ساي تخفي شيئا في قلبها، أردت أن أجبرها على إخباري بما ~~يزعجها، لكن كيف أستطيع أن أتحول إلى ذلك الشخص العفوي الفضولي وأسألها بشكل مباشر، لا ~~أستطيع ذلك حقا. وجدت طريقة أخرى لأتمكن من سؤالها من غير أن تراودها أي شكوك حول غايتي ~~الحقيقة، غايتي الحقيقة؟ لم أنا مهتم جدا؟ أبدو غريبا بعض الشيء! ~~- دكتورة ساي! ~~- بروفيسور هيروكي منذ متى وأنت هنا؟ ~~- الآن، دكتورة ساي هناك أمر علي أن أخبرك به غدا؛ لذا من فضلك تعالي إلى مكتبي في ~~الصباح. ~~- حسنا! ~~- الجو بارد قليلا الليلة، لا تبقي هنا في الخارج. ~~- شكرا، سأكون بخير. ~~- كما تشائين. # ساي # ككل عام، وكطقس من طقوس أشهر الصيف الجاف، تثقلني ذكرياتي، ويمر هذان الأسبوعان ~~بمرارة شديدة. منذ عشرين سنة، تماما في بداية الصيف، بدأ حبنا أنا وهاك. كنا في السنة ~~الثالثة في أثناء دراسة الطب. أخبرني هاك أنه قد وقع في حبي منذ المرة الأولى التي رآني ~~فيها في المختبر بينما كنت أصرخ وألاحق الضفدع الذي كان علينا أن نشرحه. في ذلك اليوم ~~اشتهر اسمي في أرجاء الكلية، ساي التي أفسدت ms12 المختبر، فلقد أفسدت المختبر بأكمله وأنا ~~ألاحق الضفدع الذي أضعته، حيث إنني أزلت المثبتات من عليه بدافع الفضول! يا لها من شهرة ~~وسمعة سيئة. لم يتوقف الأمر عند ذلك، فقد كنت أطرد في بعض الأحيان من المحاضرات بسبب ~~ثرثرتي المتواصلة. أذكر أنه في يوم من الأيام قام المسئول عن المختبر بتأنيبي بشدة، لكني ~~حقا لم أكن قد فعلت شيئا خاطئا. دافع هاك عني في لحظتها بشراسة ونبل. أحببت هاك، ~~أحببته ليس بسبب هذا الموقف، بل لأنه كان حولي ويدعمني دائما. يساعدني على التركيز ~~ويعطيني ملاحظات مهمة لم أكن لأسمعها في حياتي، كان لطيفا وحنونا جدا. عشنا قصة حب ~~رائعة، كان هاك هادئا يحب أن يراني وأنا أقفز في كل مكان، كان يقول لي دائما: إن كل ~~أحزانه وهمومه تزول حينما يرى ابتسامتي. توجنا حبنا بالزواج، عشنا خمس سنوات من الانسجام ~~والتناغم. كلانا بقي كما هو، وكلانا أحب الآخر كما هو. لكن شيئا فشيئا بات هاك يبدي ~~استياءه من تصرفاتي، رغم أنني لم أتغير مطلقا. بدأت مشاكل لم تكن موجودة بالظهور، شعرت ~~أنه يختلق المشاكل من لا شيء، لم أكن أفهم ما يود الوصول إليه تماما. أذكر في ذلك اليوم ~~حين اقترحت عليه فكرة إنجاب طفل، كانت ردة فعله عنيفة جدا وأبدى رفضه للفكرة. بعد مرور ~~سنة وصل بنا الأمر إلى حد لا يطاق، كنت أرى في عينيه أنه لم يعد راضيا عن أي شيء ~~صادر من قبلي، وبدأت أنا بفقدان كل طاقة الحب التي امتلكتها له. # الطلاق! كيف وصلنا إلى هذا الحد، لا أعلم. لكني أعلم أنني لغاية ذلك الصيف، كنت أحاول ~~كل جهدي ألا أخسره. لكن لا بد أنه قد اتخذ قراره وانتهى الأمر. # أنا في مزاج سيئ الآن، كان علي أن آخذ إجازة من عملي وألا آتي إلى المركز. أشعر كما ~~لو أن تلك الذكريات تخنقني، بدأ حبنا بالصيف وانتهى بالصيف، والآن مضى على طلاقنا عشر ~~سنين. ما زلت أذكر كلمات وداعه الأخيرة حين قال لي «عليك أن ms13 تنضجي أكثر ساي، أتمنى لك ~~حياة سعيدة.» رائحة أشجار الفاكهة تشعل كل الذكريات في قلبي. لذا حين أخرج إلى شرفة ~~المركز أرى دموعي تذرف من غير شعور. لست نادمة على شيء، لكنني أرثي ذكريات عشتها وعشت ~~تفاصيلها. # ولكي يزداد الأمر سوءا، رآني البروفيسور هيروكي مرتين وأنا أبكي. أضحكني عندما سألني إن ~~كنت لا أرتاد المكتبة بسبب ما قاله لي فيها عن إزعاجي له، هل هذا سؤال يسأل لساي؟ لا بد ~~أننا سنصبح صديقين في المستقبل. رغم أنه لا يتحملني مطلقا، إلا أنه لطيف ومحترم، ~~وأنا أقدره جدا، سأخبره عندما يتحسن مزاجي إن كان يقبل صداقتي، سأعتز به حقا إن أصبحنا ~~أصدقاء. # هيروكي # لم أستطع النوم جيدا تلك الليلة وأنا أحاول أن أنمق ما أود أن أقوله لها، من غير أن ~~تشعر حيال فضولي بأي شيء. مشكلتي أنها خبيرة نفسية وعلي أن أكون أبرع منها في ذلك ~~المجال. مرت ساعات الليل ثم طلعت الشمس أخيرا، توجهت إلى مكتبي لانتظار تلك المشاكسة ~~التي باتت تزعجني حتى في عدم وجودها حولي. خطتي كانت بأن أخبرها أنها وبصفتها الطبيبة ~~النفسية للمركز فعليها أن تكون بمزاج جيد لأنها ستؤثر على البقية. حينها سأجبرها على ~~الاعتراف وأن تخبرني بالذي يزعجها. تبدو الخطة ساذجة جدا، لكن لا بد أن أجعلها تضعف ~~فتخبرني لم هي حزينة. أود حقا أن أعلم لم هي حزينة، وأن أساعدها. طرقت ساي باب ~~المكتب ودخلت، كانت تبدو أكثر إشراقا عن ذي قبل، وهي بحالة جيدة وبمزاج جيد جدا. فقد ~~حيتني تحية عسكرية وهي تقول: صباح الخير سيدي. ~~- أهلا دكتورة ساي تفضلي. ~~- شكرا. # وجدت نفسي مع مزاجها الجيد في مشكلة، فلقد أفسدت الخطة بالكامل، كيف سأبدأ الحوار وما ~~الذي علي قوله؟ فأنا من استدعاها. حاولت أن أختلق موضوعا متعلقا بالعمل أتحدث فيه، لكن ~~تلك المرأة لم تكن لتقتنع أنني جلبتها منذ الصباح الباكر لأخبرها بمعلومات ثانوية عادة ~~ما أرسلها عبر البريد الإلكتروني في نهاية كل أسبوع. ازداد الأمر سوءا أنها في مزاجها ~~الاعتيادي، هذا ms14 يعني أنني لن أنتهي منها بسهولة، حين أنهيت كلامي معها وقلت لها: حسنا ~~دكتورة ساي هذا كل ما في الأمر! # اقتربت مني، وحدقت في عيني وهي تقطب حاجبيها، شعرت بإحراج شديد، ثم قالت: بروفيسور ~~هيروكي! هل تريد أن تقنعني أنك قد استدعيتني لتقول لي هذه الأمور فقط؟ ~~- نعم! ~~- كن معي صريحا، أشعر أن هناك شيئا آخر تود أن تقوله، هذا واضح تماما. كما أن ~~هذا الشيء يبدو محرجا لذا حاولت التراجع عنه وبدأت بالحديث عن شيء آخر. بروفيسور هيروكي، ~~إن كنت تفكر بالاستغناء عن خدماتي في المركز بسبب الضجة التي أحدثها هنا، فاعلم أنني أحب ~~هذا المكان ولا أريد أن أتخلى عن عملي. أخبرني إن كانت لديك أي ملاحظات وسأكون عند حسن ~~ظنك، لا تقلق. أما أن تفكر بإقصائي فلن أسمح بذلك مهما كلف الأمر. # ارتحت عندما اعتقدت ساي أن الأمر كذلك، فأجبتها: ملاحظات! نعم لدي الكثير ~~منها، على أي حال لا تقلقي لن نستغني عنك. وبالمناسبة جلبت مجموعة كتب جديدة، لا ~~تفوتيها. ~~- بالطبع لا، عند العاشرة، لكن لدي طلب! ~~- ما هو؟ # نظرت إلي بخجل، شعرت أنها ستطلب أمرا محرجا جدا. ~~- هل أستطيع أن أجلب معي القليل من الحلويات إلى المكتبة؟ # تلك المرأة لا تفكر إلا بالطعام مع أنها رشيقة جدا. أومأت لها بالإيجاب، ثم خرجنا ~~لتفقد العمل في الخارج. وأخيرا عادت ساي إلى حالتها الطبيعية، مع أنني ما زلت أود أن ~~أعلم ما كان بها، وأن أشعر بأنني قريب منها. لا أفهم نفسي، لكنني بت مهتما ~~لأمرها. # هيروكي # مرت عدة أسابيع صعبة من العمل الشاق في المركز، كان الفريق بأكمله يعمل بجد شديد. ~~كنا نصل الليل مع النهار، إلى أن خفت وطأة العمل قليلا. حينها عدنا إلى نقاشاتنا ~~الأسبوعية أنا وساي. فلقد أصبحنا أصدقاء، ووجدت أن النقاش معها ليس إزعاجا كما كنت أظن ~~سابقا، بل كان يغني طريقة تفكيري جدا. كنت أستمتع بمناقشة المواضيع التاريخية والنفسية ~~والعملية معها، فهي تمتلك معارف واسعة الطيف، أحببت نظرتها إلى الأمور، نظرتها ليست ms15 ~~إيجابية فحسب، بل كانت ملهمة جدا. فهمت الآن طريقتها بالطب النفسي، وكيف أنها تداوي ~~الناس بفهم أعماقهم وإعطائهم ما ينقصهم، لا بما يقوله الطب النفسي؛ لأن لكل شخص ~~احتياجاته الخاصة حتى لو تماثلت الأعراض. حدثتني كثيرا عن أمور كنت غافلا عنها. أحسد ~~ساي، لأنها تمتلك الشجاعة بأن تكون الطبيبة والعالمة والمرأة بطريقتها الخاصة. إنها لا ~~تضع نفسها بأي قالب يفرضه عليها المجتمع؛ لذا فهي صادقة ومحبوبة، نعم محبوبة! # مع الأيام، بدأ قلبي يخفق عند سماع اسمها، دقاته تتسارع حين أراها، وأتعرق حين أتحدث ~~معها. وكثيرا ما أنسى المكان وأتأملها حين نكون في قاعة واحدة. أنتظر الأيام التي تأتي ~~بها بفارغ الصبر، وألاحقها حيث أكون متذرعا بألف سبب. وصل بي الحد أن قمت بالبحث عنها على ~~شبكة الإنترنت، لأقرأ كل ما تقوم بتدوينه. كل ما يصدر منها لطيف وجميل، جميل كجمال ~~عينيها، لم تعد رؤيتها عن بعد خلال تلك الدقائق أو الساعات القليلة كافية لي. تفكيري يدور ~~حولها: متى ستأتي؟ ماذا تحب؟ ماذا ستقول؟ ماذا ستقرأ؟ متى ستضحك؟ أجلس في المكتبة تائه ~~الفكر، حين لا تأتي أضيع، وأفقد صوابي في انتظارها، أما حين تأتي فأضيع في التفكير فيها. ~~هل تفكر بي؟ أم أنا وحدي الذي لا أملك تركيزي منذ أن رأيتها؟ # ليتني بقوتها! تلك الواثقة من نفسها تقتحم بضوضائها سكينتي وتتركني مذهولا على أنقاض ~~مكتبتي. أدركت أن قلبي متعلق بها كثيرا، بل أدركت أن هذا ما يسميه البشر، حبا! وفقا ~~لما تؤمن به من أفكار، على الإنسان أن يعبر عما يشعر، هذا يعني أنه علي أن أعلمها بما ~~أشعر من غير تحفظات، أي أن أخبرها بمشاعري الحقيقية نحوها! لا أدري ماذا ستكون ردة ~~فعلها. لكنني تعلمت منها أن أكون مبادرا وألا أخشى العواقب حين أومن بما أفعل. # أتى اليوم التالي، الساعة العاشرة، ها هي ساي قد أتت. سأكون شجاعا الليلة وأخبرها ~~بالأمر، لكن المشكلة أنني أشعر بتوعك صحي. لست على ما يرام وأخشى أن يزداد الأمر سوءا. ~~فإن كان كذلك فسأؤجل ms16 الموضوع ليوم الغد. فأنا أريد أن أكون بكامل تركيزي. ~~- بروفيسور هيروكي كيف حالك؟ ~~- هيروكي، أخبرتك أن تناديني هيروكي وحسب. ~~- حسنا لا بأس، هيروكي الوسيم كيف حالك؟ ~~- وسيم؟ قلت لك هيروكي فقط! ~~- فقط؟ ألم يخبرك أحد قبلي أنك وسيم؟ ~~- عدنا لمزاحك! ~~- لا أمزح، انظر إلى المرآة، لكن دقيقة، أنت لست على ما يرام! ~~- ما الذي تعنينه؟ ~~- هل تشعر بالتعب؟ فوجهك شاحب جدا. أي إنك حقا لست وسيما في هذه اللحظة لذا لا تنظر ~~إلى المرآة الآن. أخبرني ما الذي يؤلمك؟ ~~- لا شيء، توعك طفيف لكني بصحة جيدة. # دنت مني ووضعت يدها على جبهتي لتتحسس حرارتي، لكن كان ذلك محرجا جدا. وازداد الأمر ~~سوءا حين طلبت مني أن تجري لي فحصا عاما. أعلم أنها طبيبة وتمارس عملها، لكن المشكلة ~~أنها تعتقد أني أنظر إليها كصديقة لا أكثر، لكن الحقيقة ليست كذلك. لذا لم أكن أود أن ~~تقترب مني أبدا، شعرت أن ذلك خيانة لمشاعرها. لذا كان لا بد أن أبعدها عني في تلك ~~اللحظة. ~~- ساي، أرجوك أنا بخير، لا أحتاج شيئا. # نهضت من مكاني، بينما نظرت إلي باستغراب شديد: هيروكي؟ ما الذي دهاك؟ ألا تثق بي؟ ~~- ساي، ليس الأمر كذلك، لا تسيئي فهمي. ~~- إذن ما الأمر؟ ~~- سألتني ما الأمر! حسنا! أنستطيع التحدث في الشرفة؟ ~~- نعم بالتأكيد! # ساي # عندما أخبرني هيروكي بمشاعره الحقيقية تجاهي، صعقت حقا. فأنا لم أتنبه إطلاقا لمشاعره، ~~كيف حدث ذلك من غير علمي؟ على أي حال، فلقد كان جوابي له سريعا جدا: هيروكي اعذرني ~~أرجوك، أنا لا أريد أن أقحم نفسي في هذه المواضيع مجددا. ~~- لست مضطرة لإعطاء أي إجابة الآن، لكن وجب علي أن أوضح لك طريقة نظرتي إليك. لم ~~أكن مرتاحا وأنت تعاملينني بعفوية بينما أكن لك مشاعر خاصة، فكان لا بد أن تعلمي ~~بذلك وبعدها تستطيعين أن تتصرفي معي بالطريقة التي تحلو لك. ~~- هيروكي أقدر صراحتك، وأشكرك عليها. لكن أرجوك، لا تهدر مشاعرك في مكان غير ~~مناسب. ~~- ساي، لن نتحدث اليوم أكثر. أراك غدا، اعتني بنفسك. ms17 ~~- بل أنت اعتن بنفسك، حرارتك مرتفعة جدا. اذهب إلى المركز الطبي حالا. ~~- حسنا. # ابتسمت ومضيت إلى غرفتي، أفكر مجددا بما قاله وأفكر بالذي سأفعله الآن. لا حاجة ~~للتفكير بهذا الأمر، فحتما لن أغير شيئا في حياتي. هيروكي رجل محترم، خلوق وذو طباع ~~حسنة، لكنه رجل وأنا يكفيني ما لقيت من الرجال. لا أود أن أكرر تجربتي السابقة. هاك ~~أيضا، أحبني بشدة ولمدة أطول، وعشنا ذكريات جميلة جدا. أحبني كما أنا بجنوني، بغبائي ~~وبجميع عيوبي. ثم ماذا؟ ثم شيئا فشيئا تراجع عن كل ذلك. هل هو الملل؟ لا أدري حقا، ~~لكن ما أعلمه الآن أني قاسيت الكثير إلى أن التأم جرحي القديم. أعيش الآن باستقرار مع ~~نفسي، ولست أرغب في أن أضع نفسي مجددا في خطر جديد، لا أشعر أني بحاجة لأن أبقى بجانب ~~رجل، يكفيني أصدقائي وتكفيني بالدرجة الأولى، ساي، كما هي. لكن كيف سأتعامل مع الأمور من ~~الآن وصاعدا. علي أن أرتب أفكاري من جديد، فأنا لن أترك المركز مهما كلف الأمر، كما ~~أنه ليس من المريح على الأقل في هذه الفترة أن أبقى أمامه، لا بد أن الحل الوحيد هو ~~ألا آتي إلى المركز، وأن أقوم بمهامي من غير المجيء إلى المركز وإرسال نتائجي عبر البريد ~~الإلكتروني والقيام بالاجتماعات عبر وسائل الاتصال، وسنرى بعدها ماذا سأفعل! # هيروكي # لم أكن أتوقع أن تتهرب مني، ليست ساي من تتصرف بهذه الطريقة. قمت بالموافقة على طلبها ~~بأن تعمل من بلدتها عن بعد من غير المجيء إلى المركز، لكن بعد أن تنهي بعض الأعمال هنا. أي ~~أنها ما زالت مضطرة إلى المجيء إلى المركز خلال الأسبوعين القادمين. وهنا بدأت المشاكل، ~~كانت ساي تتصرف معي بغرابة. لقد ضايقني الموضوع بشدة، ربما لم تعد مرتاحة بالتعامل معي، ~~أتفهم ذلك. بالتأكيد لم تكن تأتي إلى المكتبة، بل كانت تقضي معظم أوقاتها بعد العمل في ~~حديقة المركز الخارجية. في أحد الأيام، لم أستطع منع نفسي من اللحاق بها للحديث حول ما ~~تفعله بنا. لحقت بها وناديتها: ms18 ساي. ~~- بروفيسور هيروكي أهلا بك! ~~- بروفيسور؟ هل عدنا للألقاب من جديد، هل يعني أنك تفضلين أن أناديك بالدكتورة ~~ساي؟ ~~- لا أبدا، نادني بما شئت أنت تعلم أني لا أحب الألقاب والمراسم والبروتوكولات مع كل ~~الناس، فكيف مع أصدقائي! ~~- جيد، ما زلت تذكرين أننا صديقان! ~~- نعم ومن قال غير ذلك؟ ~~- أفعالك وتصرفاتك. ~~- هيروكي أرجوك، لا تتحدث عن هذا الموضوع مجددا. # استدارت وكادت ترحل إلا أنني ناديتها مجددا: ساي! لكن هذا ليس عدلا منك، ترغمينني على أن أرضى بجوابك. أنت حرة بقرارك، لكن لست ~~حرة بجعلي أتراجع أو أستسلم. عليك أن تفهمي ذلك، ثم إن هروبك من أمامي لن يفيدك في ~~شيء، لا تحسبي أني سأغير رأيي بعد أسبوعين، شهرين أو حتى عشرين سنة. ساي! أنا شخص عشت ~~حياة مكرسة للعلم والأبحاث، لم أتزوج ليس لأني لم أجد الوقت لذلك كما يظن معظم الناس، ~~لا! أنا لم أتزوج لأنني طيلة السنين لم أجد تلك المرأة التي تدخل قلبي عنوة، ترغمني بأن ~~أعشقها بكل صفاتها وبكل ما فيها. وأود أن أعلمك بأمر ربما لا تعلمينه عن البروفيسور ~~هيروكي، هو أنه عنيد جدا، ولا يستسلم! # سكتت طويلا ولم تجبني بأي رد، بل بقيت تنظر إلي كمن يستجدي الآخر ليتركه وشأنه، ~~سألتها بهدوء: ساي! هل ستبقين صامتة؟ ألا من رد؟ طيلة الشهرين الماضيين كنت أحدثك عن ~~الكثير من أموري الشخصية، حدثتك عن مشاكلي في حياتي بعفوية تامة ولم أشعر أنني أتكلم ~~أمام شخص غريب. لكن أنت، وحتى حين يكون الأمر متعلقا بنا، فإنك تفضلين الصمت. هل تجدين ~~ذلك منطقيا؟ أنت لا تبدين بحالة جيدة منذ أن حدثتك في الأمر. لم لا تصارحينني بما ~~تشعرين وتصارحينني بسبب رفضك لإعطاء فرصة لنا؟ لم تسمحين لنفسك أن تواسي الجميع، بينما ~~تمنعين الناس عن إسداء حتى لو قليلا من المساعدة لك؟ لم لا تقبلين أن يكون أحد بجانبك ~~بينما أنت بجانب الجميع دوما؟ لم لا تسمحين لمشاعر الناس أن تغمرك بينما تغمرين الجميع ~~بكل ما تستطيعين من مشاعر ونصائح ms19 ووقت وتعاطف؟ ~~- هيروكي، أنا لست من ذاك النوع الأناني، كل ما في الأمر أن تجربة زواجي السابقة كان ~~لها تأثير سلبي على حياتي. لا أحب الحديث عنها، لا لأنني أود أن أحتفظ بالألم لنفسي، لا، ~~بل لأن الحديث عنها يؤلمني بشدة. هناك جانب ضعف في حياة كل إنسان، وأنا أمتلك هذا ~~الجانب. ما آلمني حقا ليس أننا افترقنا أنا وزوجي السابق، بل أتألم لأنه لم يبرر، لم ~~يتكلم، لم يكن صريحا، لم بدأ يكرهني؟ لم لم يخبرني أنني صرت بغيضة لديه في وقت ~~مبكر؟ لم تغير فجأة؟ لم بات يكره المرأة التي كان قد أحبها؟ ~~- ساي لا أريد أن تتألمي أكثر، أنا أعتذر على إصراري بجعلك تتحدثين عن هذا الأمر، لكن ~~أرجوك، أعطينا فرصة، لا أود أن أزعجك أكثر من ذلك. ~~- أرجوك هيروكي، سأقوم بأعمالي من بلدتي بدءا من الغد، سأتواصل مع الجميع عبر الإنترنت، ~~لا أود المجيء مجددا إلى هنا. ~~- كما تشائين. # رأيت في عينيها خوفا وقلقا، لا أعلم كيف يتمكن رجل في هذا العالم أن يؤذي امرأة لهذا ~~الحد. مضيت إلى مكتبي ووافقت على طلبها، لكنني لن أتركها وشأنها، سأدعها ترتاح قليلا ~~فحسب. ساي، كوني بخير وعودي لي بسرعة. # هيروكي # أتت حفلة آخر السنة، ومجددا، أرسلت الدعوة إلى جميع الموظفين، هذه المرة جاءت الإجابة ~~بنعم. علمت فيما بعد أن الجميع قد أرسل لها وطلب منها أن تكون موجودة في الحفل، فالجميع ~~قد اشتاق إليها. فمنذ شهرين وهي لا تأتي إلى المركز، بل تقوم بأعمالها من بلدتها، فترسل ~~وتستقبل كل المعلومات وتقوم بمقابلاتها مع الجميع عبر وسائل الاتصال. لم أزعجها طيلة هذه ~~الفترة، علها تعود إلى المركز فأراها. كنت أرسل إليها رسالة واحدة فقط كل أسبوع لأطمئن ~~عليها، من غير أن أطيل عليها أو أضايقها بمشاعري. كنت أتساءل: إن كان الموظفون قد اشتاقوا ~~إليها، فماذا أقول أنا؟ # حين علمت أنها ستأتي إلى حفل آخر السنة، بدأت أعد الأيام عدا، إلى أن أتى يوم ~~الحفل. عندما ذهبت إلى القاعة التي ms20 سنجتمع بها، رحت أنظر في كل الاتجاهات لأراها ، لكني ~~لم أرها في أي مكان. بدأ الحفل وفجأة لمعت القاعة بضوء رآه قلبي قبل عيني، إنها ساي ~~قد أتت. منذ شهرين لم أرها، كدت أترك كل شيء وأتوجه نحوها لأراها عن قرب وأتحدث ~~إليها، لكني لم أرغب بإزعاجها. وكنوع من أنواع البروتوكولات توجهت ساي نحوي لتلقي ~~السلام، فأنا المدير وصاحب الدعوة. ~~- شكرا بروفيسور على دعوتك، أتمنى لك عاما جميلا. ~~- شكرا لحضورك ساي، أسعدتني رؤيتك بصحة جيدة. # لم أطل حديثي معها أكثر، فلا المكان ولا الظرف يسمحان بذلك، جلست ساي على طاولة بعيدة ~~عن المكان الذي أجلس فيه، لم تكن تتحاشاني كما لم تكن تود الحديث معي. تصرفت بشكل ~~طبيعي. أما أنا فكنت أراقبها، فقد اشتقت إلى كل ما يصدر عنها، وعزمت أن أتحدث معها ~~حالما ينتهي الحفل. كانت ساي بمزاج رائع، جعلت الحفل أجمل وأروع، ألقت الكثير من النكات، ~~وأقامت العديد من المسابقات، وأشعلت القاعة حماسا، ثم لاحظت أنها على وشك الرحيل، كانت ~~متجهة نحوي: بروفيسور، شكرا مجددا على الدعوة، أستأذنكم جميعا فعلي الرحيل الآن. ~~- ساي، تمهلي قليلا، هناك بعض الأوراق التي أود أن أسلمك إياها. ~~- سأتلقاها عبر البريد لا تزعج نفسك وتخرج من القاعة الآن. # شعرت أنها لا تود الحديث معي إطلاقا، فلم أشأ أن أزعجها بإصراري: حسنا كما تشائين. ~~- وداعا! # ساي # عندما تلقيت دعوة البروفيسور هيروكي للحفل، وتلقيت عشرات الرسائل من زملائي في ~~المركز، لم أشأ أن أخيب ظنهم جميعا، فقبلت الدعوة، كما أنه لا يوجد سبب لعدم قبولها؛ ~~فالبروفيسور هيروكي يراعي مشاعري تماما ولا يزعجني إطلاقا، كل ما في الأمر أني أحاول ~~أن أختفي من أمامه لأساعده على نسيان ما يفكر به حولي. سأكذب إن قلت إنني لا أشعر بالإحراج ~~أمامه، بلى أشعر، خاصة أنه بات يرسل لي رسالة كل أسبوع ليطمئن علي من بريده ~~الإلكتروني الخاص. كان ردي دائما مختصرا «أنا بخير» من غير أن أسهب أكثر. # في يوم الحفل، لاحظت أنه يود أن يحدثني؛ لذا تذرع ms21 ببعض الأوراق التي يود تسليمها لي، ~~أظهرت له بشكل مباشر عدم رغبتي في أن أتيح له فرصة التحدث إلي، فلم يصر أكثر. لكن بعد ~~أن ودعته ومضيت، جلست في سيارتي عدة دقائق ولم أنطلق. شعرت أني أود أن أسمع ما الذي ~~ينوي قوله، فهو صديق عزيز علي ومنذ مدة طويلة لم أتحدث معه، وأنا سأسافر بعد يومين ~~لقضاء أيام العطلة في جنوب أفريقيا، لكن ماذا سأفعل الآن بعد أن قمت بتوديع ~~الجميع! # بقيت في سيارتي أفكر، ثم عرفت ماذا سأقول له، فاتصلت به. ~~- ساي؟ ~~- نعم هيروكي، لقد تذكرت أنني سأسافر بعد يومين؛ لذا سأعود للمركز الآن لأستلم تلك ~~الأوراق إن لم يكن ذلك مزعجا! ~~- مزعجا! أنت تعلمين أنه ليس كذلك، سأراك أمام مكتبي، متى تستطيعين الوصول؟ ~~- بعد عشرين دقيقة. ~~- سأكون بانتظارك. # تظاهرت كما لو أنني سأعود إلى المركز مع أنني ما زلت في المرآب. خلال تلك المهلة ~~أخرجت مرآتي ورحت أتأكد من مظهري، لم أعتد أن أفعل ذلك أبدا، لكن هذا طبيعي، فنظرته لي ~~مختلفة عن نظرة أي شخص آخر. شعور المرأة في تلك الحالة يكون مضطربا وأنا أكثر من ~~يستطيع تحليله. بعض النسوة قد يعتقدن أنهن وقعن في الحب بسبب ردة فعلهن تلك، لم أرد ~~أن أطفئ ذلك الشعور، تركت لنفسي حرية التصرف من غير أن أكبت حقيقة أنني سعيدة بإعجاب ~~أحدهم بي، وليس أي أحد! إنه البروفيسور هيروكي. # ولكيلا أتأخر قطعت سلسلة أفكاري تلك وتوجهت نحو مكتب هيروكي. هناك رأيته ينتظرني، ألقيت ~~السلام عليه، سلمني الأوراق وبدأ يماطل في حديثه معي، يبدو أنه فعلا يود أن يقول لي ~~شيئا. كنا نمشي بينما هو يحدثني، إلى أن وصلنا إلى الشرفة، ورغم أن الطقس كان باردا جدا ~~إلا أنني كنت أود مشاهدة نثرات الثلج. خرجنا إلى الشرفة وعندما لامس الثلج وجهي، لم أشعر ~~ببرودته، فأنا أحبه كثيرا، كانت النسمات لطيفة جدا، صمتنا لعدة دقائق. ~~- ساي، أتسمحين لي أن أسألك سؤالا؟ ~~- تفضل. ~~- إلى متى ستصرين على تجاهل الموضوع؟ ~~- هيروكي، ليس تجاهلا ms22 صدقني، لكنني أنتظرك إلى أن تسأم من مشاعرك تلك، فأنت ستسأم منها ~~عاجلا أم آجلا. ~~- ومن أين لك بتلك الثقة؟ ~~- من كل القصص التي سمعت عنها خلال حياتي المهنية، والاجتماعية، وأولها قصتي ~~الشخصية. ~~- أتعممين كل الحالات لكل الناس؟ ~~- لا، أبدا. لكن هناك بعض العلاقات التي باستطاعتي أن أتنبأ عن مستقبلها منذ ~~البداية. ~~- وما هو العامل المشترك للعلاقات التي ستفشل في نظرك؟ ~~- ليس عاملا واحدا فحسب، هي مجموعة عوامل. ~~- وفي حالتنا، لنفرض جدلا أننا ارتبطنا، لم تعتقدين أننا سنفشل؟ ~~- في حالتي، ليس الفشل هو السبب الأهم لتجنبي أي علاقة، إنما عدم رغبتي في ذلك. ~~- سألتك في حالتنا وليس في حالتك وحدك، عندما أنا أكون طرفا في تلك العلاقة، لم ~~تعتقدين أننا سنفشل؟ ~~- وأجبتك أني لا أريد أن أفترض ذلك أصلا! ~~- لم كل هذا العناد ساي، أرجوك أجيبيني بعفوية، وتنازلي عن تلك الفكرة لعدة ~~دقائق. ~~- حسنا، أعتذر عن تصرفي هيروكي، لكن دعني أفكر أولا. # صمت قليلا ورحت أفكر بسؤاله لأول مرة. بينما كنت أفكر كان هيروكي ينتظر بهدوء وهو ~~ينظر إلى الأفق ويفرك يديه ببعضهما فالجو بارد جدا. رتبت أفكاري وأنا أتأمل حركاته ثم ~~أجبته: في حالتنا، سأحلل لك الموضوع كما أراه أنا، أنا لا أتكلم نيابة عنك إنما أعرض ~~وجهة نظري فحسب. أنت رجل ناضج، اعتدت أن تقضي أيام حياتك بروتين هادئ، ليست سنة أو ~~سنتين، أو عشرا، بل خمسين عاما. الآن بدأت تشعر بالوحدة، لأنك قد حققت معظم ما تصبو ~~إليه، وتجاوزت مرحلة ضيق الوقت وقلة المال. لديك سعة من كليهما الآن مع صحة جيدة وبدأت ~~تمتلك الوقت لتسمع مشاعرك أكثر. في هذه الأثناء ظهرت امرأة غريبة الأطوار، جعلتك تراقبها ~~بسبب غرابتها مقارنة بما تعودت عليه سابقا. أنت لأول مرة تتعامل مع امرأة لا تكترث ~~لأمور كثيرة، بت تراقبها لتكتشف لأي مدى هناك أناس غريبون ويتصرفون بطريقة مختلفة ~~عما تعودت عليه خلال حياتك كلها. مع الوقت بدأت تظن أن هذا الاهتمام ينبع من مشاعر ~~الإعجاب، ولأن هذه الحالة هي من ms23 المرات القلائل التي حدثت معك في حياتك، ولأنك تشعر ~~بوحدة بعض الشيء، ولأنك تود أن تكتشف طباعا جديدة وتسمع كلاما مختلفا، وترى مشاهد ~~غير مألوفة، قمت بتحويل هذا الإعجاب إلى حب بمحض إرادتك. أنت تمتلك الصبر لتنتظر ~~كثيرا، فيكفيك أنك تعيش تلك الحالة التي ملأت لك بضع سويعات من كل يوم. لذا فأنا أعلم ~~أنك لن تسأم مع مرور الوقت من الانتظار، لكن في المقابل، مع مرور الوقت ستكتشف أن وجودي ~~ليس بتلك الضرورة التي تتخيلها الآن. لنفرض أننا سنرتبط قبل أن تكتشف هذا الاكتشاف، ولنفرض ~~أنني قررت خوض هذه المغامرة، هذا يعني أني سأنجرف بكامل قوتي العاطفية، سأبني أحلاما ~~كثيرة، سأرهق قلبي وعقلي وروحي بأمور لا أنت ولا أي رجل في العالم يستطيع أن يتخيلها. ~~ثم ماذا، ثم سيأتي يوم تضيق ذرعا من حماقاتي التي ظننت أنك أحببتني بسببها، ستكره بعضا ~~من تصرفاتي التي خيل إليك أنها كانت أجمل ما يميزني، ستسأم من كلماتي التي كنت سابقا ~~تنتظرها بفارغ الصبر، والكثير الكثير. ستجد نفسك متورطا في علاقة كنت تظنها الجنة ~~لكنها أضحت ... # لم يدعني أكمل جملتي وقاطعني مباشرة: توقفي ساي، توقفي أرجوك، لم أعد أريد أن أسمع أكثر، لقد ظلمتني جدا. ~~- لكنك سألتني وأنا أجيبك بما أفكر به. ~~- أعلم، لكن لم أتوقع أنك تنظرين لهذه الأمور بهذه الدرجة من التشاؤم، أخبريني إن كانت ~~العلاقات تسير هذا المسرى، إذن متى تنجح؟ متى ومن يستطيع تكوين العلاقات الصحيحة والناجحة ~~برأيك؟ ما هو العامل الفارق والذي يجرف العلاقة تلك من الطريق التشاؤمي ذاك الذي قمت بوصفه ~~إلى الطريق الطبيعي والصحيح؟ ~~- الحب، العطاء، والوفاء. ~~- وكيف سأثبت لك أني أمتلكها؟ المشكلة أني حقا لا أستطيع برهنة ذلك من خلال الكلام، ~~فلا أسهل من الكلام، ولا أستطيع إلا أن أعدك بهذه الخصال، خاصة أننا ما عدنا نلتقي ~~أبدا، أشعر بحيرة كبيرة حيال ما علي فعله. ساي! لقد صعبت الأمور علي جدا. ~~- مهلا، أنا لم أصعبها. ليس من الضرورة أن تمتلك تلك الصفات أنت فقط، علي ms24 أن أمتلكها ~~أنا أيضا. فحتى لو تأكدت من تحليك بها، فأنا لا أضمن نفسي أن أكون محبة ومعطاءة ~~دائما. وهنا تكمن مشكلتي هيروكي؛ ولذلك أنا أحكم على أي علاقة قد أفكر الخوض فيها بالفشل. ~~أعتذر هيروكي على صراحتي، على أي حال علي أن أغادر الآن لقد تأخر الوقت وما زال أمامي ~~طريق طويل لأصل إلى المنزل. ~~- حسنا! أسعدني وجودك اليوم، ساي! أتمنى لنا عاما جديدا جميلا كجمالك، عاما نجتمع به ~~معا، أنا متأكد من ذلك، لن أطيل عليك أكثر من ذلك، أود أن أطلب منك طلبا بشكل رسمي، ~~ساي، أتقبلين الزواج بي؟ # صدمني حين قال طلبه وقد أمسك بيدي وكاد يضمني إليه، أبعدته عني بهدوء من غير أن أزعجه ~~ووجدت نفسي أجيبه حالا: هيروكي! أنت حقا غريب الأطوار، أهذه نتيجة حوارنا؟ # اقترب مني مجددا وقال لي: ساي، خذي كل وقتك للتفكير، لا أريد أن أسمع جوابك الآن. ~~واعلمي أنك في كل مرة تجيبين بها بالرفض، سأجدد الطلب؛ أي إن هذا الطلب سيبقى مفتوحا ~~للأبد؛ لذا لا فائدة بأن ترهقي نفسك برفضه، لأني لن أقبل الرفض. # تنهدت وكنت على وشك البكاء، فقال لي: أعلم أنك لن تأتي مجددا إلى المركز، أرى ذلك في ~~عينيك، أعلم أني تماديت في التعبير عن مشاعري وهذا قد يسبب الألم لك. كوني سعيدة فحسب، ~~لا تبتئسي، أنا على ثقة بأننا سنلتقي مجددا، وليس كأي لقاء. # الفصل الثاني # | ربيع مزهر! # هيروكي # مضى على يوم الحفل شهر كامل وساي لم ترسل أي إجابة، لم تتصل، ولم تأت إلى المركز. ~~أرسلت لها عدة رسائل وكعادتها كانت ترد فقط «أنا بخير». لن ينفد صبري، لكنني تعبت من ~~الانتظار، وتعبت من شعور الاشتياق. هذه المشاعر جديدة حقا علي ولا أستطيع التأقلم ~~معها بشكل جيد. يبدو أنها حقا لن تكترث بي، مع الأيام بدأ ذلك الشعور يتسرب إلى ~~قلبي: إنها ستبقى على عنادها هذا إلى الأبد. ومع أني لم أعتد الاستسلام إطلاقا لكني إن ~~بقيت على هذا المنوال وهذه الطريقة فلن أستفيد، ms25 ولن أصل إليها أو إلى قلبها، فقررت أن ~~أحاول اللقاء بها، لكنها كانت تتذرع بمشاغلها. بدأت أرسل لها الورود عل تلك الورود تعبر ~~عن مشاعري إن كانت كلماتي تعجز عن ذلك. قمت بدعوتها عدة مرات إلى بعض المعارض الفنية، ~~والمسرحيات، والمعارض العلمية، وسوى ذلك، لكنها رفضت مرافقتي واعتذرت بشدة. بعد مرور ~~شهر آخر على هذه الحال بدأ شعوري ينحاز نحو الاضطراب والمرارة. أذكر أني في ذاك اليوم، ~~كنت سأرسل لها رسالتي الأسبوعية المعتادة، بدأت بكتابة كلماتها، فوجدت لهجتي مختلفة. ~~فقد اعتدت مسبقا أن أسألها عن حالها وأخبرها قليلا عن أخباري وأختم الرسالة بجملة واحدة ~~قصيرة تعبر عن مدى اشتياقي إليها وانتظاري لردها، أما هذه المرة فقد كان مضمون الرسالة ~~يتحدث عن إرهاقي مما تفعله بي، وتعب روحي وقلبي. # ما إن أنهيتها وعاودت قراءتها قبل إرسالها، حتى قررت أني لن أرسلها بهذا الشكل، ~~وفضلت الاحتفاظ بها لي من غير أن أزعجها بها. فأنا لا أحب أن أضغط عليها بما أشعر، فلا ~~ذنب لها بشيء، سوى أنني أحببتها. ولأول مرة في حياتي، تواجهني مشكلة أعجز عن حلها. ~~فكرت كثيرا، ولم أجد وسيلة أو طريقة تقربني إليها، كنت أتساءل: أيعقل أن أستسلم حقا ~~كما تنبأت ساي! # أتى الأسبوع التالي ومجددا، أتى موعد رسالتي لها. ومجددا لم أستطع أن أرسل لها رسالة ~~عادية ومقتضبة. استرسلت كثيرا بالتعبير لها عن كمية الألم الذي بدأ يتسلل إلى قلبي ~~بسبب عدم اكتراثها بي، كان هناك الكثير من اللوم والعتاب الموجه إليها مع أنني أعلم أن ~~ذلك ليس من حقي. استجمعت قواي، لم أقرأها أو أراجعها مجددا لكيلا أغير رأيي، ثم ~~أرسلتها وأغلقت جهاز الحاسوب مباشرة. حاولت أن أشغل نفسي بأمور عدة، توقعت أن يأتيني ~~رد مختلف هذه المرة، كنت راضيا حتى إن وبختني، لكن على الأقل أن يأتي الرد مفصلا ~~أكثر. لكن يبدو أنني قد حصلت على النتيجة المعاكسة، فلم يأت هذه المرة أي رد منها. ~~انتظرت ثلاثة أيام، كانت تلك الأيام متعبة لي بحق. فقد كنت ms26 أتفقد بريدي الإلكتروني ~~كل خمس دقائق، علي أرى رسالة أو ردا منها، ثم قررت أن أرسل لها رسالة اعتذار ما إن ~~يهدأ قلبي. # ساي # أصبح موعد رسالة هيروكي الأسبوعية هو موعدي الخاص الذي أتهيأ له بوضع كوب القهوة، ~~والجلوس على أريكتي المفضلة في غرفة الجلوس في منزلي، وإغلاق هاتفي النقال والأنوار، ~~وإغلاق كل ما يمكن إغلاقه وفتح قلبي لسماع كلماته، كان ذلك بإرادتي، لا أعلم لم أجرف ~~نفسي في هذا الاتجاه مع أنني على يقين أنني لن أستسلم ولن أرتبط ثانية بأحد. إنها ليست ~~المرة الأولى التي يسألني بها أحدهم الزواج بعد أن انفصلت عن هاك. في كل مرة كنت أرفض ~~من غير أن أشعر بأي اضطراب. ما خطبي الآن؟ لم أتصرف بهذه الطريقة؟ # كنت أقرأ رسائله بشغف، ربما لأن كلماته صادقة جدا، مختصرة، وأنيقة. أقرأ رسالته ثم ~~أجلس بهدوء إلى أن أغفو. أستيقظ صباحا وقد استرجعت قوتي وعدم رغبتي في التفكير بأي ~~أحد. اعتدت على هذا السيناريو على مدى أكثر من شهرين إلى أن أتى ذاك الأسبوع. جلبت كوب ~~قهوتي، أغلقت كل شيء حولي عدا قلبي وجلست أمام شاشة جهازي الحاسوب. قمت بتحميل رسائلي ~~وأنا أنتظر رؤية اسمه، لكن لا شيء منه، أعدت النظر بين الرسائل التي لم تتم قراءتها، فلم ~~أجد اسمه، تأكدت أن الإنترنت يعمل بشكل جيد، ثم أعدت تحميل بريدي الإلكتروني، لكن لم ~~أر اسمه ولم أر رسالته، لم أستطع أن أفهم سبب تأخر رسالته، ولم أستطع أن أفهم سبب ~~انزعاجي من عدم رؤيتها. انتظرت قرابة الساعة، ثم ذهبت إلى سريري، فلم أستطع النوم. بعد ~~ساعتين أمسكت هاتفي النقال وأعدت تحميل بريدي الإلكتروني علي أجد رسالة منه، لم أجد ~~شيئا، رميت هاتفي على الجانب الآخر من سريري وأنا مستاءة ونمت. عندما استيقظت كان مزاجي ~~سيئا، تمتمت بصوت مرتفع وبدأت أتحدث مع نفسي: قلت له إنه سيسأم، وادعى أنه لن ~~يسأم أبدا، هي عدة أشهر ولم يستطع الاحتمال، ثم يدعون أنهم أحبوا وسيعطون ويضحون، ~~كم هذا مضحك! ms27 # ضحكت بصوت مرتفع، ثم ساد الهدوء شقتي من جديد، وعلت على وجهي ملامح الاستياء من كل ~~شيء حولي. ثم مرت عدة أيام واعتدت على فكرة تخلي هيروكي عني. كنت أدرك تماما أن ~~مشاعري تلك طبيعية، فأنا امرأة تراجع أحد معجبيها عن إعجابه بها. كنت أبحث عن رسالته ~~الغائبة طيلة أيام الأسبوع، أمني نفسي أنه قد يكون مسافرا، قد يكون مشغولا، ولا يملك ~~وسيلة لإرسال الرسالة، والكثير من الأعذار، والكثير من محاولات البحث عن تلك الرسالة، لكن ~~لا شيء. # في الأسبوع التالي، وفي موعد رسالته، لم أرغب في انتظارها، ولم أشأ أن أجلس جلستي القديمة ~~على أريكتي المعتادة، بل شعرت برغبتي في القراءة فأنا لم أطالع الكتب منذ فترة. ذهبت إلى ~~مكتبتي الصغيرة المتواضعة، كنت أرى وجه هيروكي في جميع صفحات الكتب، كنت أسمع صوته حولي، ~~حاولت تناسي ذلك فلم أفلح. ذهبت إلى سريري وحاولت الخلود للنوم، فلم أفلح أيضا. ثم ~~خطرت لي فكرة جيدة، هي أن أرسل له رسالة لأتفقد حالته، ربما هو مريض أو أي شيء من ~~هذ القبيل. أمسكت هاتفي وما إن فتحته، حتى رأيت رسالة من هيروكي! لقد أثلجت قلبي ~~وأشعلته في الوقت نفسه، لقد كان يعاتبني على كل ما يصدر مني من عدم مبالاة واكتراث، كان ~~يحكي بإسهاب عن مشاعره وعن حيرته، ومن عادتي أن أرسل له جوابا مقتضبا أني بخير، لكني ~~هذه المرة لم أكن أعلم بم أجيبه، فلم أرسل له أي رد، لم يكن هدفي أن أتلاعب بعواطفه، ~~لكنني حقا لا أعلم بم سأجيبه، فهو لم يسألني كيف حالي كما يفعل دائما، بل كان يحكي لي ~~عما يشعر به فحسب. شعرت بألم تجاهه وبت أقرأ رسالته كل ساعة، إلى أن حفظتها ~~تماما. # مر يومان وأنا على هذه الحالة، وصادف اليوم الثالث يوم زفاف إحدى صديقاتي المقربات، ~~أقيم حفل الزفاف في مدينتها التي تقع بين بلدتي والمركز، فارتديت فستاني، وصففت شعري، ~~ووضعت قليلا من مساحيق التجميل، بدوت أكثر جمالا وأنوثة عما أبدو عليه في العادة. ms28 ~~تأملت مظهري أمام المرآة، وجدت أني ما زلت أبدو جميلة ورشيقة. خطر في بالي في تلك ~~اللحظة هيروكي، هو لا يعلم إلا ساي بملابس العمل. لا أعلم لم نحب أن يرانا من نعلم بإعجابه ~~بنا ونحن في أجمل صورة؟ ما الفائدة من ذلك؟ إن كان هو في حالاتي العادية قد أعجب بشكلي! ~~هل لنثبت لهم أننا أكثر جمالا، لذا رجاء أحبونا أكثر! لم هذا التصرف اللئيم؟ على أي ~~حال فهو لن يراني ولن أراه. ذهبت إلى الزفاف وعندما وصلت كان أغلب المدعوين بصحبة أحد ~~ما: زوج، أو شريك، أو خطيب، أو صديق، إلا أنا هنا وحدي. شعرت بشعور سيئ حيال ذلك، فلم ~~أجد من أجلس معه أغلب الوقت. وأنا منذ انفصالي عن هاك لم أراقص رجلا ولم أسمح لأحدهم أن ~~يتقرب مني أيا كان، فقد نشأت في بيئة متحفظة جدا، وتطبعت بطباع قد تكون مختلفة ~~عن السلوك العام للفتيات ممن حولي، فأنا لا أتساهل كثيرا في تعاملي مع الرجال، ألتزم ~~حدودا رسمتها لنفسي منذ أن كنت في عمر الرابعة عشر. # أمضيت وقتي في المراقبة والتأمل ولأول مرة أكون هادئة في حفل، كنت أراقب المدعوين ولا ~~طاقة لي أن أجامل أي أحد. اشتقت أن أكون محور حياة أحدهم من جديد، اشتقت أن أشعر بدفء ~~مشاعر أحدهم تجاهي، أن أسمع كلاما جميلا ورقيقا. ومن الطبيعي أن أرى وجهه في كل مكان ~~هنا، نعم كنت أرى وجه هيروكي حولي، أعلم مجددا أنه ليس شعور الحب، إنما شعور الوحدة، ~~وسيختفي كل هذا حالما أعود إلى منزلي. فمن الطبيعي أن أشعر بكل تلك المشاعر وأنا أرى ~~صديقتي تزف إلى زوجها، وحين أرى نظراته لها ونظراتها له، وحين أرى رقصتهما معا. شعرت ~~بتعب ولم أستطع إكمال حفل الزفاف، قمت بتوديع الجميع وانطلقت نحو سيارتي فأمامي طريق ~~ليس بالقصير لكي أصل إلى بلدتي. # عندما كنت في طريق العودة، كانت جميع الأغاني التي تصدر من مسجل الصوت في السيارة غاية ~~في الرومانسية، بت أتخيل نفسي عروسا أزف له، ms29 سرحت في تفكيري كثيرا، ثم بدأت أضحك! ~~كم كان هذا غبيا! كم أنا حمقاء! شعرت بعطش شديد، فركنت سيارتي في أحد المواقف العامة ~~على الطريق السريع وبينما كنت أنتظر كوب قهوتي من الماكينة، شعرت بأحدهم يلاحقني من خلفي ~~بهدوء، كانت سيارتي بعيدة وكانت أمامي دورة المياه، ركضت مسرعة فدخلت إحداها وأقفلت ~~الباب، من حسن الحظ أن هاتفي النقال كان بيدي. كدت أتصل بالشرطة لكني تراجعت لعدة ~~أسباب، أولا أني لست متأكدة من أن أحدهم يلاحقني حقا، ثانيا كانت فرصة ذهبية ~~لأطلب المساعدة من هيروكي. أريد أن أراه، أريد أن أرى كيف ستكون ردة فعله حين أطلب منه ~~المساعدة، مدى شهامته ومدى تجاوبه، فالموقع الذي أنا فيه الآن أقرب إلى المركز من بلدتي، ~~فهو ليس بعيدا ويحتاج إلى ربع ساعة فقط. كم أنا شقية! فقد اتصلت به وأخبرته أن يحضر ~~حالا: هيروكي أحتاج مساعدتك أرجوك. ~~- ساي! أخبريني حالا ما بك؟ وكيف أستطيع مساعدتك؟ ~~- سأرسل لك المكان الذي أنا فيه الآن، وسأشرح لك التفاصيل فيما بعد. لكن باختصار أشعر أن ~~أحدهم يلاحقني وأنا عالقة الآن في إحدى دورات المياه على الطريق السريع ولا أجرؤ على ~~الخروج منها لأنني أعتقد أنه ما زال في الخارج. المكان موحش جدا وبدأت أطرافي ~~تتجمد. ~~- ساي! لا عليك سآتي حالا، أرسلي لي العنوان مباشرة، لا تقلقي وابقي حيث أنت. ~~- بانتظارك. # هيروكي # عندما رن هاتفي الخاص تلك الليلة كان آخر من كنت أتوقع رؤية اسمه هو ساي! كان صوتها ~~مضطربا للغاية، ذهبت حالا أنا وسائقي الخاص إلى تلك المنطقة. لقد كان الظلام دامسا ~~والبرد شديدا، وقد كانت على حق، فقد رأيت أحدهم ينتظر في سيارته في هذا الموقف العام على ~~الطريق السريع، ما إن رآنا حتى أسرع بالهروب في الظلام، فلم نستطع تمييز رقم سيارته أو ~~نوعها. على أي حال ركضت مسرعا خارج سيارتي واتصلت بها لأعلمها أني هنا وبأنها ~~تستطيع الخروج بأمان. خرجت ساي وكانت فعلا على وشك التجمد، فملابسها لم تكن دافئة، ~~أعطيتها وشاحي ومعطفي وسألتها ms30 فيما إن كانت تفضل أن يقلها السائق إلى منزلها أم أنها ~~تفضل الذهاب في سيارتها وقيادتها بنفسها، فأجابتني: هيروكي، أرجوك أتستطيع أن توصلني ~~أنت إلى منزلي؟ ~~- بالطبع! # مضينا بسيارتها وقمت أنا بقيادتها، ولحق سائقي بنا كي يقلني معه حين عودتنا إلى المركز. ~~جلست ساي في المقعد المجاور لي، هذه المرة الثانية التي أقود بها سيارتها، ما زالت كما ~~هي منذ أشهر، ما زالت تلك الأشكال الصغيرة تتراقص على المرآة، وما زالت أغراض ساي متراكمة ~~على المقاعد الخلفية للسيارة. حاولت ألا أحرجها وألا أنظر إليها بشكل مباشر، إلا ~~أن ضوء القمر كان يعكس كل جميل في عينيها. كانت ساي متعبة جدا، ولم يكن طريقنا بهذا ~~الطول، ولم أتحدث معها كثيرا. عندما وصلنا أوصلتها إلى باب شقتها، ودعتها وقبل أن أمضي ~~قالت لي: هيروكي! أشكرك كثيرا لمساعدتك لي، وأنا آسفة جدا لأني اعتمدت على مشاعرك كي ~~أضمن مجيئك، أشعر أني قد قمت باستغلال ذلك كي أجعلك تساعدني في هذه الساعة المتأخرة من ~~الليل. ~~- ساي! لا تقولي هذا الكلام، فأنا لا يمكن أن أتخاذل عن مساعدة أي أحد، فكيف إذا كان ~~أنت! لا تفكري بهذه الطريقة أرجوك! ~~- شكرا مجددا هيروكي، تصبح على خير. # كانت مضطربة للغاية ويبدو أنها خشيت أن أعبر لها عما يجول في خاطري في لحظة شاعرية ~~كهذه، أو أن أتهور بتصرف ما؛ فقد كان من الواضح أن ساي لا تود أن أقترب منها، فقامت ~~بتبديد اندفاعي نحوها ونظراتي إليها بنبرة صوتها الذي كانت تتصنع به حالة الاستقرار، لكنني ~~كنت متأكدا من اضطرابها وضعفها. # وبينما كانت تودعني وتذكرني بأن السائق بانتظاري وأن علي ألا أتأخر عليه، أعادت لي ~~معطفي فارتديته حالا، أردت أن يلتصق المعطف بجسدي مباشرة بعد أن كانت ترتديه. هممت أن ~~أقترب منها، لكنها ابتعدت عني بسرعة وتوجهت إلى باب شقتها، لم تدخل إنما استدارت لتنظر ~~إلي، كنت ما أزال واقفا أنتظر منها أن تودعني بشكل لائق، لكننا لم نفعل، ولم نتكلم، ~~بقينا ربما عشر دقائق ونحن على هذه ms31 الحال، كانت نظراتها غامضة لم أستطع أن أقرأ منها ~~شيئا، إلا أنها تشعر بالوحدة فقد كان هذا الشعور واضحا، لم أشأ أن أستغل شعورها ذلك بأي ~~تصرف مني؛ إذ يبدو أن روحها متعبة جدا. لم تشح بوجهها عني، بل بقيت نظراتها مصوبة نحو ~~عيني، كادت تعود باتجاهي، لكنها ترددت، ثم قالت لي: «هيروكي، أود أن أقابلك غدا، تصبح ~~على خير.» ودخلت شقتها وأغلقت الباب. # عدت إلى السيارة، وأنا أفكر مليا بما حدث، ساي طلبت أن تراني، ترى ماذا تريد أن تقول؟ ~~ماذا تشعر الآن؟ وهل تطورت مشاعرها نحوي؟ هل تحرك قلبها تجاهي؟ أم العكس تماما؟ هل ستطلب ~~مني ألا أراها ثانية؟ لكن ثقتها بي، وطلبها المساعدة مني أنا بالتحديد، وشعورها ~~بالاطمئنان حيال ذلك، ولد في قلبي كثيرا من الأمل الذي كنت على وشك فقده. لم أستطع أن ~~أنام في تلك الليلة، كانت نظرات ساي الغامضة نحوي تؤرق قلبي، فلست متأكدا، أهي علامة ~~إيجابية أم سلبية! فساي ليست كبقية النساء اللواتي تعاملت معهن، وأنا لا أستطيع قراءة وفهم ~~ردود أفعالها الحالية. # ساي # حين رن هاتفي وأخبرني هيروكي أن باستطاعتي الخروج الآن، لأنه وسائقه أمام سيارتي ~~وينتظرانني، خرجت ورأيته، كنت سعيدة جدا، يا لي من ماكرة! حققت حلمي بأن يراني ~~بفستاني الجميل ومظهري اللائق، لم أظهر له اهتمامي بشيء، رأيت على وجهه علامات الإعجاب ~~لكنه لم يعلق أبدا. طلبت منه أن يقود سيارتي بنفسه، فأنا حقا لا أقوى على قيادتها فقد ~~تجمدت أطرافي تماما. كانت مشاعري مضطربة وقلبي يخفق بقوة خاصة أنه أعطاني معطفه ~~لأتدفأ به. كان هادئا وصامتا طيلة الطريق، أجمل ما في هيروكي أن مشاعره ثابتة، فهو لا ~~ينفعل كثيرا في المواقف الحرجة، ولا يخمد حبه في المواقف العادية، هو لا يستغل المواقف ~~ليرمي بالكلمات هنا وهناك. هذا الثبات كان يعطيني مع الوقت الكثير من الأمان، شعرت بدفء ~~شديد لم أشعر به منذ زمن بعيد. لكن عندما وصلت إلى منزلي اختلف الوضع قليلا، فقد شعرت ~~أن مشاعره ستغلبه، تهربت منه ms32 وابتعدت عنه، واضعة مسافة أمان بيننا، فوقفت أمام باب شقتي ~~محتمية به، لكنني لم أستطع ألا أراقب نظراته التي كانت تستجدي بقائي معه، كنت مترددة بين ~~أن أتوجه نحوه مرة أخرى أو أن أودعه وأغلق باب شقتي. أنهيت ذاك التردد وتلك النظرات ~~بطلب غريب مني: هيروكي، أود أن أقابلك غدا، تصبح على خير. ~~- حسنا، أرسلي لي الزمان والمكان، تصبحين على خير. # لم يجادلني عن المكان أو الزمان، فقط قال حسنا، كأنني أملك حرية العبث بوقته كما أشاء، ~~وجلبه من مكان إلى آخر. كم أنا لئيمة، لم أطلب أن أراه أصلا؟ لا أعلم، لقد تفوهت بهذا ~~الطلب وأنا مضطربة، ماذا أود أن أقول له، لا أدري حقا! # بقيت طيلة الليل أفكر في غبائي وتسرعي، ثم أرسلت له رسالة حددت له مطعما صغيرا في ~~بلدتي وذلك عند الساعة السادسة مساء، ولم أحدد لنفسي ماذا أود أن أقول له. # ذهبت إلى الموعد بهيئتي المعتادة، لم أبالغ بشيء، فأنا لست في موعد غرامي أو ما شابه ~~ذلك. أنا سأذهب لسبب أجهله، ربما أود أن أحدثه عما يدور في ذهني. وصلت فرأيته جالسا ~~على إحدى الطاولات، تلك الطاولة تم تزيينها بالورود، لا بد أنه قد طلب من صاحب المطعم أن ~~يجهز الورود. شكرته وجلست، ولم أبالغ في مدح ما فعل، مع أن قلبي طار من فرحته. كم هو جميل ~~أن يهتم أحدهم بتفاصيل صغيرة فقط لأجلك! لكن في الوقت نفسه لم أستطع ألا أعبر له عن مدى ~~حبي للورود. فأنا حقا أحب الورود بشكل كبير، ثم بدأت حديثي معه: هيروكي، أنا أشعر ~~بحيرة شديدة، أرجوك، لا أريد أن تسيء فهم موعد اليوم، لا أريد أن أتلاعب بمشاعرك، أنا لست ~~هنا لأخبرك أن هناك أملا لعلاقتنا، لست هنا لأخبرك أنني سأفكر أو أوافق، أنا هنا فقط ~~لأحكي لك عما في داخلي، أشعر بالاختناق! ~~- ساي! لا تقلقي، أخبريني ما بك؟ ~~- لا أعلم ماذا علي أن أفعل، أشعر بالاضطراب والخوف من أن أنجرف بسعادتي حيال مشاعرك، ~~أنا لست ms33 مرتاحة لفرحتي بأن أراك، أن أقرأ رسائلك، أن أسمع كلماتك. لم تفعل هذا هيروكي؟ ~~لقد كنت مرتاحة لمدة عشر سنوات، كنت أعيش بهدوء وسلام. # قاطعني وهو يضحك بصوت منخفض، وقال لي: لومي نفسك أولا قبل أن تلوميني، أنا كنت أعيش ~~في هدوء لخمسين عاما، ثم جئت واستطعت أن تستحوذي على تفكيري، وقلبي، ومشاعري. إذن من ~~عليه أن يلوم الآخر؟ ساي! أرجوك لا تنظري للأمر على هذا النحو، ما علاقة تلك السنين ~~بارتباط جديد؟ ~~- أنا حقا لست مستعدة لأي شيء، ليست المشكلة في مشاعرك فحسب، أود أن أتأكد إن كان ~~قلبي مستعدا لخوض تجربة جديدة، تجربة قد تحمل السعادة له أو التعاسة، فكلا الاحتمالين ~~وارد، أنا لا أعلم كيف سأتصرف حيال الأمر. ~~- أتودين نصيحتي؟ ~~- نعم أرجوك. ~~- على الأقل، عودي إلى المركز، دعينا نتقابل بشكل أكبر، حينها على الأقل تستطيعين تقدير ~~الأمور بناء على حقائق وليس على تخيلات ورسائل عن بعد. # أعجبتني فكرة هيروكي، هو محق، كيف سأتخذ أي قرار سواء بالنفي أو بالإيجاب إن كنا لا ~~نرى بعضنا؛ لذا قررت أن أعود إلى المركز، وحين عدت عرفت تماما، كيف يولد الحب! لم يكن ~~إدراكي لحقيقة مشاعري سريعا، بل أخذ الأمر مني عدة شهور إلى أن اكتشفت حقيقة مشاعري تجاه ~~هيروكي. في الأسابيع الأولى بت أراقب تحركاته، أراقب كل ما يثبت لي أنه ينظر اتجاهي، ~~يفكر بي، يود أن يرضيني، يتحايل لمحادثتي. كل تلك الأمور كانت ترضي الأنثى التي في داخلي. ~~في المركز عدت كما أنا ساي الشقية، العفوية، ذات الصوت العالي والضحكة التي لا تتوقف. ~~وهو يراقبني، يراقب كل تحركاتي وأرى عينيه كم ترسل كلمات حب لي. في المقابل، منذ أن رجعت ~~إلى المركز لم يرسل لي أي رسالة خاصة ولم يتحدث معي فيما يتعلق بنا أبدا، أعلم أنه لا ~~يود إزعاجي، ويريدني أن أعيد ثقتي بنفسي، وأن أبني ثقتي به بهدوء وبشكل تدريجي، وهذا ما ~~حدث، بدأت أشتاق إليه أكثر فأكثر، أفكر فيه طيلة الوقت، وأحب رؤيته. أما المكتبة، فكانت ms34 ~~ملاذي الآمن، كي أراه وهو مبتسم، لم نكن نتحدث كثيرا في المكتبة، فلم تعد كما كانت من قبل، ~~فقد صار الطلاب يترددون عليها صباحا ومساء وفي أيام العطل، وفي وجود الطلاب لا فرصة لي ~~حتى أن أجلس في مكان قريب منه، فمن عادة الطلاب أن يتقربوا منه كثيرا وينتهزوا الفرصة ~~لرؤية ما يقرؤه، وما يفعله، وما يقوله. هيروكي يمثل قدوة مثالية لهم، هم يحبونه ~~كثيرا، وعلاقتهم به ليست علاقة مدير بموظفيه، بل علاقة معلم حنون، لم أشعر أبدا أن ذلك ~~يزعجني، على العكس، كان يعطيني شعورا جميلا وأنا أرى الجميع ملتفين حوله، ونظرات الود ~~والاحترام والمحبة كانت نابعة من قلوبهم جميعا تجاهه. كل ذلك كان رائعا وكان يزيد من ~~مشاعر الأمان لدي لكن ليس حينما أرى نظرات واضحة من الحب من امرأة تجاهه! # الدكتورة بريجيت، دكتورة في علم الاقتصاد، التحقت بالعمل هنا منذ عدة أشهر أي في أثناء ~~غيابي. لم أكن قد تنبهت لوجودها إلا عندما أصبحت تبالغ بوجودها معه في كل الأماكن: في ~~المكتبة، وفي مكتبه، وفي المطعم، وفي الحديقة، وفي ساعات الفراغ، لم تكن نظرات تلك المرأة ~~نظرات إعجاب واحترام وتقدير وحسب، بل تجاوزت ذلك. إنها جريئة جدا، لا تهتم أن تلتصق ~~به حيثما يكون متذرعة بعملها وأبحاثها. لا أعلم مدى أهمية أن يتابع معها كل تفاصيل بحثها. ~~أفكر بتلك الرسالة التي أنبني بها حينما أرسلت له تفاصيل ورقتي البحثية، ثم أراها وهي ~~تستشيره في كل صغيرة وكبيرة فيزداد غيظي. أنا ساي لا يسمح لي أن أشاركه أمور البحوث وهي ~~تستطيع! أنا التي يحبها وينتظر جوابها لطلبه منذ أكثر من ستة شهور، وهي تسمح لنفسها أن ~~تقتحم عليه حياته في كل لحظة من أجل ذلك البحث المشئوم! من تظن نفسها؟ ثم لا أفهم لم ~~لا يخبرها أنه مشغول ولا يتدخل بكل تفاصيل العمل ومراحله؟ هنا بدأت الوساوس تصل إلى قلبي، ~~فعلا لم لا يضع لها حدا كما كان يفعل مع كل الموظفين؟ هل تعجبه نظراتها وملاحقتها له؟ ~~طبعا ms35 فقد فتح قلبه للحب وبات يستسيغه، فما المانع أن يتناسى مشاعره الحقيقية التي هي ~~أصلا لي ويغطيها بمشاعر لتلك المرأة؟ كم أشعر بالغيظ! كما لو أن أحدهم يسرق أشياء هي من ~~حقي وملكي أنا! اهتمامه ووقته ليس من حقها! كيف ستفهم ذلك! بقيت أراقبهما معا وبدأت ~~النيران تشتعل في قلبي، ماذا لو أحبها بالفعل؟ نعم، فهو لم يعد يحدثني بموضوعنا بتاتا! ~~أهذا جزائي لأني أتحت له المجال وصارحته بحيرتي؟ أهكذا هم الرجال، حين يشعر أن المرأة ~~ستصبح ملكا له، يسأم منها؟ أكان شعوره ضحلا إلى هذه الدرجة؟ بدأ الحزن يتسلل إلى قلبي مرة ~~أخرى، هذا تماما ما كنت أخشاه، أن أفتح قلبي مجددا للحب وأن يخذل ذاك القلب! لم فعلت ~~هذا بنفسي؟ كم أنا ضعيفة! حمقاء وغبية! كيف سأعود مجددا فارغة القلب، كيف سأرتاح من غير ~~التفكير بمشاعري الغبية تلك؟ علي أن أسيطر على مشاعري قدر الإمكان. كنت أحاول جاهدة ألا ~~أدخل بدوامة الحزن والألم، لكن مهما حاولت السيطرة على نفسي، فأنا لا أستطع أن أكون لطيفة ~~معه أبدا، بدأت أعامله بطريقة غليظة، أتحدث معه بأسلوب جاف هذا إن تحدثت. كنت أراه ~~وهو مستغرب مني، وكنت أدعه في حيرته تلك، أريده أن يشعر بتأنيب الضمير نتيجة تصرفاته تلك، ~~كنت أعلم بداخلي أني أتوهم كثيرا لكن لا شيء كان يثبت لي العكس. فما زالت نظرات الدكتورة ~~بريجيت له واضحة جدا، وهو إلى الآن لم يوقفها عند حدها، كما لم يعد يريد الحديث معي أو ~~سؤالي عن أخباري، أو عن وضعي، ولم أتعامل معه بتلك الطريقة؟ مضت عدة أسابيع على هذه ~~الحال، وأنا لم أعد أحتمل بريجيت تلك إطلاقا. # هيروكي # منذ أن عادت ساي إلى المركز، عادت الألوان إلى حياتي، ألوان تفوق ألوان الطيف كلها. ~~عاهدت نفسي ألا أفاتحها بالموضوع أبدا، فأنا أخشى أن تترك المركز مجددا، وهذا ما لن ~~يحتمله قلبي من الآن فصاعدا. # في الأسابيع الأولى التي قضتها في المركز كانت تماما كما هي، ساي النشيطة، المرحة، ~~ابتسامتها لا تفارق ms36 وجهها الحسن، أسمع ضحكتها في كل زاوية في المركز، فأشعر كما لو أني ~~أسمع لحنا بل أغنية حب، لكن لم يطل حالها كذلك، فقد مرت عدة أسابيع لم تكن فيها ساي ~~على طبيعتها أبدا، فسلامها وكلامها كانا جافين جدا، لم أعلم ما بها، خشيت أنها كانت ~~تتخذ قرارها، وأن تعاملها الجاف هذا مؤشر سيئ، أنا فعلا انجرفت بحبي لها ولا أستطيع ~~أن أتخيل أن تخبرني بقرار الرفض، لكن لم أكن أود أن أسألها فأعجل سماعي لهذا النبأ، ~~فتغاضيت تماما عما أراه من تصرفاتها تجاهي. حين صادفتها ذات يوم في مطعم المركز، لم ~~أستطع أن أمنع نفسي من مناداتها ودعوتها للجلوس معي على الطاولة نفسها، لقد اشتقت إليها ~~وقلبي لم يعد يقوى على بعدها عني أكثر، جلست وحيتني ثم قالت لي وهي مغتاظة وتتصنع ~~عكس ذلك: شكرا بروفيسور، لكن أخشى أن ذلك سيزعج حبيبتك! ~~- أنا لا أملك حبيبة بعد، فالتي أحبها ما زلت أنتظر جوابها منذ أشهر وهي ما زالت تفكر، ~~لا أعلم ربما نسيت طلبي، ربما نسيت أمري، أو حتى اسمي. هي وحدها من أفكر فيها ليلا ~~نهارا، مع كل يوم يمضي أزداد تعلقا بها، وهي لا تبادلني شيئا من تلك المشاعر؛ لذا لا ~~أعتقد أني أستطيع أن أسميها حبيبتي بعد! # لقد فهمت مباشرة من تقصد، إنها بريجيت، لم أكن أتخيل أن تشعر ساي بالغيرة منها، لكن ~~يبدو أن ذلك قد حصل بالفعل، تظاهرت بعدم اكتراثي وفهمي لما ترمي إليه وأدرت الحديث لصالحي ~~وعبرت لها عن بعض الكلمات التي في قلبي، علي أخفف عنه حمل هذا الحب. لم تستطع أن تخفي ~~ابتسامتها حين سمعت كلماتي، كانت تجاهد ظهورها لكني رأيتها. أعلم أني أحبها وأن قلبي ~~متعلق بها كثيرا، لكن لم أكن مدركا مدى هذا الحب، فأنا لم أتصور يوما في حياتي أني ~~سأخلط بين مشاعري الخاصة وقرارتي في العمل. فبحث الدكتورة بريجيت مرتبط باختصاصي، ومن ~~عادتي أن أشرف على هذه البحوث بكل تفاصيلها بنفسي لأني الأكثر خبرة بها، لكن يبدو ms37 أن ~~غاليتي ساي تشعر بالغيرة من وجودي مع الدكتورة بريجيت. هل علي أن أشكر الدكتورة بريجيت على ~~ذلك؟ لأنها جعلت مشاعر ساي تتحرك باتجاهي؟ أعتقد أن بعد مشاعر الغيرة تلك لم يعد الطريق ~~طويلا لسرقة قلبها بالكامل. # بعد حديثي المقتضب مع ساي في المطعم ذلك اليوم، عدت إلى مكتبي واستدعيت البروفيسور هاندا ~~والدكتورة بريجيت وأخبرتهما أنه من اليوم فصاعدا سيكون البروفيسور هاندا المشرف الأساسي ~~لبحث الدكتورة بريجيت أما أنا فيتم إعلامي فقط في المراحل الأخيرة وفي الحالات الخاصة. لم ~~أتردد إن كنت سأفعل هذا أم لا، فأنا طبعا سأفعل، نعم أريد أن أرضيها، لا أريدها أن تجرح ~~أو تتضايق مني أو من غيري. أريد أن أراها وهي مرتاحة، تلك الشقية، لا تكترث بي بينما أنا ~~أغير مسار العمل لأجل مشاعر قد لا تكون غيرة حقيقية، لكن مع كل هذا وذاك، أنا أشعر ~~بالسعادة لأني أود أن أرضيها، أشعر بالسعادة لأنه أصبح لدي أولوية جديدة غير العمل، ~~أمن الضروري أن تكون كل قراراتنا منصبة على مصلحة واحدة فقط! أليس من حقي أن ~~تكون لي أولوية أخرى! على أي حال، حلت تلك المشكلة لمدة بسيطة لكن الدكتورة بريجيت ~~بقيت على تواصل معي. أعتقد فعلا أنها تمتلك مشاعر خاصة تجاهي، وربما هذا ما رأته ~~ساي قبلي وأدركته؛ لذا اشتعلت نار الغيرة في قلبها. لكن ماذا علي أن أفعل؟ # مضت عدة أسابيع، ورأيت في عيني بريجيت إصرارا على مشاعرها. وذات يوم في المكتبة صرحت ~~الدكتورة بريجيت وبكل وضوح عن مشاعرها، لم أرد أن أكسر قلبها لكن كان علي أن أكون صريحا ~~معها، شكرتها على مشاعرها الجميلة واللطيفة ثم قلت لها: دكتورة بريجيت، علي أن أكون ~~صادقا معك، أنا فعليا متورط بحب امرأة لا أعتقد أنها تكرهني لكنها لا تبادلني المشاعر ~~حاليا. أنا أنتظر ردها منذ سنة تقريبا وسأنتظره لآخر يوم في عمري. ~~- أهي الدكتورة ساي؟ ~~- نعم. ~~- نظراتك واضحة تجاهها، تلك المرأة غريبة الأطوار، لا أعتقد أنها الخيار المناسب، على ~~أي حال هذه حياتك وأتمنى ms38 لك التوفيق. # مع أنني لست مضطرا أن أحكي لها، وأنا بطبعي أكره أن أتحدث عن خصوصياتي لزملاء العمل، ~~ولم أكسر تلك القاعدة منذ عشرات السنوات. لكن في هذه الحالة كان الطريق الأسهل هو أن أخبر ~~الدكتورة بريجيت بذلك كي لا تزعج ساي بعد الآن بتقربها مني. هكذا سأغلق كل المشاكل التي ~~ستأتي من هذا الباب. لا أريد مشاكل أكثر، فأنا قد طال انتظاري وبدأ صبري ينفد. أيامي تمضي ~~وأنا أتحسر على كل دقيقة تمر وساي ليست بقربي، لا أعتقد أني سأبقى صامتا بعد الآن، ~~قررت أن أبدأ بالضغط عليها، مهما كانت النتائج. # ساي # بدأت الأيام تمضي بصعوبة علي، مشاعري مضطربة وروحي مرهقة، هذا الأسبوع عندما مضيت ~~إلى بلدتي، أخذت إجازة من عملي في العيادة لعدة أيام، أشعر أني متعبة جدا وأحتاج إلى ~~استراحة. مضى أول أسبوع بشكل رائع، فقد خصصت الكثير من المواعيد في عيادات البشرة ~~والاهتمام بالصحة، واعتنيت مجددا بنفسي. قابلت الكثير من صديقاتي اللواتي لم أرهن منذ ~~سنوات، لقد كانت حقا فرصة جيدة، مارست هوايتي بالطبخ وعمل الحلويات، علي أن أعترف أمام ~~نفسي أني وددت لو أن هيروكي يتذوقها، خاصة كعكة التفاح التي كان يفضلها. في كل لحظة ~~كنت أشعر أني أريد أن أراه، أتحدث إليه، قلبي يكاد ينفجر حين أفكر فيه. كنت تارة أشعر ~~بالفرح وتارة بالحزن، ثم أتأمل كثيرا، وأعاود الكرة من جديد. كخبيرة نفسية، كان علي ~~أن أفهم نفسي بسهولة وأن أكون صادقة، تماما كما أنصح من حولي. فلكي تصل إلى أعماق مشكلتك، ~~وتكون قادرا على مسك خيوط حلها، عليك أولا أن تكون صادقا مع نفسك. لذا قررت أن أجلس مع ~~الدكتورة ساي، أخبرها بصدق عما أشعر به، علي أساعد نفسي على إيجاد حل لكل هذا ~~الاضطراب الذي أشعر به والذي يمنعني من التركيز. فكرت طويلا ووجدت أن كل هذه الأعراض ~~تدل وببساطة على أني أكن لهيروكي مشاعر خاصة، وأود مشاركته كل الأمور التي أقوم ~~بها في حياتي اليومية، وأشعر برعشة في قلبي حين أذكر ms39 تعابير وجهه. ثم تنبهت فجأة لأمر ~~مهم جدا ، إنها أسابيع الصيف الكئيبة خاصتي، منذ يومين، كان اليوم الذي انفصلنا به أنا ~~وهاك. على مدى السنوات العشر الماضية كنت أمارس طقوس الحزن والكآبة في هذين الأسبوعين بشكل ~~لا إرادي، هذه المرة لقد مرت تلك الأسابيع من غير أن أتنبه لها أصلا! # إنه أيضا نوع من أنواع الحب، حين يصر الطرف الآخر على مشاعره، ويبقى صامدا أمام ~~تجاهل من يحب، ويبذل قصارى جهده ويناضل كي يحتل تفكيره وقلبه. وتدريجيا، يصبح ما أراده ~~حقيقة، أشعر أن هذه هي حالي مع هيروكي، لقد بقي متمسكا بمشاعره وعلم أنه سيستطيع ~~إقناعي، علم أن مشاعره ستصل إلى قلبي في نهاية المطاف وستؤثر به. هناك من يشكك بهذا ~~النوع من تبادل المشاعر ولا يدرجه تحت مسمى الحب الحقيقي، أن يحب الشخص من أحبه. أين ~~المشكلة في ذلك! إن كان تبادل المشاعر تدريجيا! لقد أحببته، نعم، لقد أحببت هذا العالم ~~الوسيم، الذي يكره رقائق البطاطا. # في ذلك اليوم لم أستطع أن أنتظر يوم الجمعة، بل أسرعت إلى سيارتي وانطلقت إلى المركز. ~~كانت الساعة الخامسة عصرا، وكان الجو حارا جدا، وضعت الأغاني المفضلة التي أحبها ~~وبدأت أعيش كلماتها وأنا في طريقي إليه. كنت في قمة حماسي، ولم أكن أعلم ما أود أن ~~أقوله، لكن كانت المشاعر التي أشعر بها من أجمل المشاعر التي عشتها في حياتي كلها. كنت ~~سعيدة جدا ولا أعلم كيف سآخذ الأمور بطريقة عفوية فالأمر محرج جدا. # وصلت إلى المركز، وانطلقت مباشرة إلى مكتبه، فلم أجده هناك. فبدأت أبحث عنه بين ~~القاعات، وبينما أنا منهمكة بالبحث رأيته في الممر مع أحد طلابه، تفاجأ لرؤيتي في المركز ~~في يوم الثلاثاء. قطع حديثه مباشرة مع طالبه واتجه نحوي مسرعا. لم أعلم ماذا سأقول له، ~~قمت بإلقاء التحية فسألني: ساي! هل لديك عمل إضافي اليوم في المركز؟ ~~- لا، بل أقصد نعم، لا أعلم، ربما. ~~- ساي! هل من خطب؟ هل أنت على ما يرام؟ ~~- نعم، أعتقد أني بخير. ~~- تعتقدين؟ ساي، ms40 لا تبدين بخير، وجهك شاحب، أرجوك أخبريني ما بك؟ # لم أستطع أن أطلب الحديث معه، لأني لا أعلم كيف سأبدأ وماذا سأقول، أخبرته أنني سأرتاح ~~في مكتبي قليلا، فودعني ومضيت. ثم رأيته مجددا بعد عدة ساعات لكني لن أتحدث إليه، ~~وعدت إلى مكتبي، وبينما أنا قلقة وأفكر، طرق أحدهم باب مكتبي، نظرت من طرف الباب فإذا ~~هو هيروكي، لم أفتح له الباب، واعتذرت بأني لست قادرة على رؤيته الآن، لكنه أصر على أن ~~يتحدث معي كما لو أنه شعر بما يجول في خاطري، وعلم أني هنا لأخبره بشيء يخصه: ساي، عزيزتي، أنا قلق بشأنك كثيرا، أرجوك لا تتركيني بهذه الحالة، أخبريني ما ~~بك؟ ~~- حسنا، أراك عند الحديقة بعد قليل. ~~- سأنتظرك. # نظرت في المرآة وسألت نفسي، أهو قرار نهائي ساي؟ ثم أجبت نفسي، نعم بالتأكيد، ~~وانطلقت مسرعة إلى الحديقة. هناك حين رآني، رحب بي، نظرت إليه بارتباك وخجل ثم أخذت ~~نفسا عميقا. حاولت أن أزيل حالة الارتباك المسيطرة علي، وعندما شعرت أني مستعدة ~~بدأت حديثي معه وعلى شفتي ابتسامة هادئة: هيروكي، طوال العشر سنوات الماضية كنت قد ~~توهمت أنني قد أقفلت قلبي بشكل محكم، كنت واثقة أنني لن أضعف أمام حب أحد ما. ~~مررت بعشرات المواقف وكنت قوية، صلبة، متماسكة أمام كل ما عرض علي من مشاعر وحب. ~~كنت حازمة، متمكنة من نفسي ومن قلبي، كنت أرفض بسهولة، أرفض كل شيء من غير أن أبذل ~~جهدا، كنت أكمل حياتي من غير أن أذكر أي كلمة قيلت لي، أو نظرة إعجاب وجهت نحوي. ~~لكن منذ سنة وأنا أشعر أنني في ساحة معركة بين قلبي وعقلي، بين مشاعري وأفكاري، بين ماضي ~~وحاضري، بين عهودي وتخيلاتي. عاهدت نفسي ألا أفكر بالارتباط ثانية لكني أتخيل وجودك ~~بجانبي في كل مكان. كل عهودي كانت منحصرة حول أن أنفرد بنفسي وحيدة، لكن مشاعري كلها ~~تدور حولك أنت. كل الصور التي أراها من ماضي تخبرني أنه علي الابتعاد عن تلك المنطقة ~~الخطرة، عن الحب، عن المشاعر الجميلة، لكن ms41 حاضري يدفعني لتلك المناطق. أحكم عقلي فأرى ~~أنه من التهور أن أدفع بنفسي إلى تجربة جديدة لا أعلم عاقبتها، لكن يأبى قلبي إلا أن ~~يرمي بي إلى تلك المتاهة، لم أكن أعتقد أنني سأعود مجددا إلى تلك المشاعر. وها هو قلبي ~~يعلن انتصاره، وها أنا اليوم جئت لأخبرك، أني استسلمت تماما. # نظر إلي بهدوء شديد، شعرت أنه يقوم بتخزين الكلمات التي قلتها في قلبه وعقله وذاكرته ~~وروحه، كانت عيناه تلمعان بشدة، رأيت ابتسامة لطيفة ارتسمت على وجهه، كانت ابتسامة ~~امتنان وثقة، ابتسامة مليئة بالحنان، شعرت بدفء شديد، أمسك بيدي وقال: ساي! كنت واثقا ~~أن هذا اليوم سيأتي، منذ اللحظة الأولى التي شعرت فيها بمشاعر خاصة تجاهك، علمت أنك ~~ستكونين نصفي الآخر وكنت متأكدا أنك ستقبلين مشاعري يوما ما وستبادلينني إياها. ساي، ~~شكرا لك. # لم أستطع أن أطيل هذا الجو الذي يشعرني بالإحراج كثيرا، أجبته بكل حيوية وثقة: عفوا سيدي، ذلك من دواعي سروري. # فضحك هيروكي وكانت المرة الأولى التي أراه فيها يضحك، كم كان ذلك جميلا! لم نستطع في ~~ذلك اليوم أن نتوقف عن الكلام. كل واحد منا كان يخبئ في قلبه كثيرا من المواقف والكلام ~~والمشاعر التي عاشها طيلة تلك السنوات وحيدا مع نفسه، وكل واحد منا وجد الآن شريكا ~~لحياته، فكما لو أننا نود أن نسابق الزمن؛ لذا راح كل منا يتحدث ويتحدث عن أشياء حدثت ~~في الماضي، أحلام حلم بها وحققها وأخرى لم يحققها، أيام جميلة وأخرى متعبة وحزينة، ~~والكثير الكثير من الكلام. بقيت يدي بين يديه وأنا أحدثه وأسمعه، تكلمت كثيرا، ووددت ~~لو أن تلك الليلة تطول لمائة عام، لكن كان علينا أن نعود إلى منازلنا فغدا لديه عمل منذ ~~الصباح الباكر والكثير من الاجتماعات. # ولكي نقتنع بإيقاف أحاديثنا وافتراقنا لتلك الليلة قلت له: ستكون الأيام كثيرة وسنلتقي، ~~أعدك أني سأكثر من مجيئي إلى المركز، حينها أجابني: لا لن تكثري مجيئك إلى هنا، ولن ~~نلتقي! # هيروكي # عندما كدنا نفترق، أخذت تعدني أنها ستكثر زياراتها إلى المركز ms42 وأننا سنجد فرصا أكثر ~~لنلتقي، أجبتها أن ذلك لن يحدث: لا، لن تكثري مجيئك إلى هنا، ولن نلتقي، بل ستقيمين معي، ساي تزوجيني! # انتظرتها أن تجيبني، فلم أسمع صوتها، وتماما كالأفلام التي نراها، وضعت ساي يديها على ~~وجهها وهي سعيدة وصرخت: أأنت جاد هيروكي؟ ~~- كيف لا وأنا قد طلبت ذاك الطلب منذ أكثر من سنة، أجيبيني، أتقبلين بي زوجا؟ # أجابتني بصوت يملؤه الحماس والفرحة: نعم أقبل! # لم أتمالك نفسي، أخذتها بين ذراعي، ثم سألتها: ساي! متى نحدد موعد زفافنا؟ ~~- أسنقيم حفل زفاف؟ ~~- طبعا، لكن لن يستغرق الأمر طويلا كي نرتبه، كوني على ثقة من ذلك. ~~- يا إلهي كم هذا محرج! # قالتها وهي تضحك بأعلى صوتها، وتنظر إلي بعينيها الفرحتين، وقلبها المفعم بالحياة. ~~أخيرا عاد صوتها إلى حيويته، وأسلوبها إلى شقاوته، وكلامها إلى طبيعته، حيث إننا تحدثنا ~~كثيرا، وكعادتها كان حديثها ممتعا، كانت تغرقني بالتفاصيل دائما فتجعلني أشعر وكأنني ~~أعيش الحدث نفسه، أخبرتني عن طفولتها وكيف كانت وحيدة لأهلها، لم تستطع أمها الإنجاب بعدها ~~لظروف عدة منها الظروف الصحية، ولكن ساي مع شقاوتها وحسها المرح كانت بمثابة عشرة ~~أطفال لها. حدثتني عن مراهقتها وعن محاولتها الفاشلة للاندماج مع الفتيات في صفها، ضحكت ~~كثيرا فساي التي أعرفها الآن اجتماعية جدا، لم أتوقع أنها في يوم من الأيام عانت من ~~الوحدة. ثم حدثتني عن حياتها الجامعية وكيف أنها من أجمل أيام العمر، من غير قصد مني ~~شعرت بالغيرة، لا شك أنها تعتبرها كذلك لوجود زوجها السابق فيها، كانت تتجنب الإشارة ~~إليه، لا أدري إن كانت لا ترغب بإزعاجي أو لا ترغب بإزعاج نفسها. سألتها: ساي، هل لديك ~~مشكلة بذكر هاك؟ أجابت بالنفي التام لأنها لم تعد تكن له أي مشاعر، حتى مشاعر الغضب ~~منه اختفت من قلبها. ثم سألتها بكل حمق: ساي أجيبيني بصراحة، لو عاد هاك قبل سنة من ~~الآن، هل كنت سترتبطين به مجددا؟ # انتظرت إجابتها ولكن من غير رد. لمت نفسي على سؤال لا معنى له في وقت كهذا. لماذا ms43 ~~تظهر أغرب أوجهي معها؟! لماذا أفصح عن مخاوفي أمامها؟! لقد دخلت ساي لمكان في قلبي لم ~~يستطع أحد الدخول إليه مطلقا، وكشفت أمورا عن نفسي لم أكن أنا أعرفها. أنا حقا لم أكن ~~أتوقع أن لي ذاك الوجه الغبي الذي يغار من ماضي المرأة التي يحبها، ربما الغيرة ليست ~~غباء. أنا بصفتي بروفيسورا لطالما كررت تلك القاعدة لطلابي حين يستفسرون عن أمر ما ~~مرفقين سؤالهم بجملة «عفوا بروفيسور لدي سؤال غبي.» فأجيبهم: «لا يوجد هناك سؤال غبي.» ~~لكني اليوم تأكدت أنه موجود، فسؤالي ذاك كان من أغبى الأسئلة على مدى التاريخ. # هيروكي # ساي، هي تلك الأميرة التي احتلت قلبي وعقلي، ها هي الآن معي وفي بيتي. ليلة زفافنا، ~~كانت ساي مشرقة كوردة براقة، بكل حيويتها بكل نشاطها وبابتسامتها الساحرة. كانت ~~تقفز هنا وهناك، تحيي الجميع وتتكلم مع المدعوين وتراقص الأطفال. عندما انتهى حفل الزفاف ~~وانطلقنا سوية كانت ساي تمشي بخطوات هادئة جدا على عكس ما كانت عليه قبل قليل أثناء ~~الحفل. شعرت بأنها تحاول الآن استيعاب بدئها لمرحلة جديدة في حياتها. كنت أحمل في صدري ~~قلبا يخفق بسرعة لا نهائية. نظرت إليها، بدت مرتبكة بعض الشيء، ليست لأنها محرجة، ~~أستطيع أن أفهم ما تشعر به الآن. ساي ستعيد تجربة الزواج مرة أخرى، هي لم تعد تمتلك تلك ~~الثقة الكاملة بأن من يحبها سيبقى معها للأبد. أما قولي لها: «سأبقى معك وسأحبك للأبد» ~~فلن يطمئنها، حتى لو كانت متأكدة من ذلك، فتجربتها السابقة ستلوح لها. كان علي أن ~~أطمئنها وأعلمها أن مشاعري حقا لن تتغير تجاهها. تأملت ملامحها وهي ساكنة فمن النادر ~~أن تكون كذلك، هي جميلة في كل حالاتها، تحيط بها هالة رائعة من الحيوية والتفاؤل ~~والحب، لم أستطع أن أمنع نفسي من أن أعبر عما أشعر به، كنت في حاجة لأن أفصح لها عما ~~في قلبي علي أرتاح قليلا فأستطيع بعدها أن أطمئن تلك الحسناء، هي حسناء بأخلاقها، ~~بسلوكها، بضحكتها، بسكونها وجنونها. يشع من وجهها نور لم أره من ms44 قبل، أهو صدقها؟ أهو ~~حبها للآخرين؟ أم هي كذلك، خلقت جميلة مهما فعلت؟ ساي هي الآن لي ومعي وفي قلبي وفي ~~روحي. لقد سمحت لقلبي أن يعبر إليها، كم أنا محظوظ بها! مشاعري تفوق الكلام. من أين ~~سأبدأ؟ فجأة نطقت بحروف اسمها بكل حبي وبكل ما أحمل لها من مشاعر: ساي! أنت، كما أنت ~~وكما ستكونين، وكما ستحبين أن تكوني. كما كنت، وكما ستتغيرين، وكما لن تتغيري، سأبقى ~~بجانبك، داعما لك، فخورا بك. سأراك دائما وأبدا أجمل امرأة في الدنيا، أجملهن ~~بروحك، بمشاعرك، أجملهن بملامحك، بطباعك، أجملهن بتفاصيلك، أجملهن حتى بأخطائك. ستغدو ~~أحلامك أحلامي، وستكون كلماتك لحنا لحياتي. إن سئمت من طباعي أعلميني، وإن غضبت من ~~تصرفاتي أخبريني، لكن كوني على يقين أني لا أقصد إزعاجك. إن شعرت بالحزن فشاركيني حملك، ~~وإن أحسست بالملل فعبري عن ذلك. سعادتك هي أغلى ما أتطلع إليه، ابتسامتك لا تجعليها ~~تفارق شفتيك، أما دموعك فلا أريد أن أراها. قوي أنا كنت قبل لقائك، لكن حين رأيتك، ورأيت ~~فيك نصفي الذي لم أكن لأكتمل من غيره، بت أقوى وأجمل، بت أكثر اندفاعا وحماسا وحبا ~~للحياة. أحتاجك، أحتاج وجودك بي ومعي. # كانت عيناها تلمعان بشدة حين كنت أحدثها، ربما لم أقل لها كلاما منمقا ككلام ~~الشعراء، لكنني قلت كلاما رأيته وقع في فؤادها. ~~- هيروكي، لا أحتاج أن تطمئنني، أنا مطمئنة بك، لست بحاجة لأن تبرهن لي عن مقدار حبك؛ ~~فأنا التي حظيت بالرجل الأفضل، بحبه، وقلبه، وقوته، وجماله. أحتاجك، أحتاج أن تمد روحي ~~وتدفعني كي أمضي قدما إلى الأمام وإلى الأمام فقط. لن أخذلك وأعلم أنك لن تخذلني. أنا ~~هادئة اليوم لأني ممتنة، ممتنة لكل شيء ساعدني كي ألتقي بعالمي الذي اختصر لي ~~عالمي. مليئة هي حياتي بوجوه وأحداث كثيرة، لكني ما رأيت لك شبيها في فصول ~~عمري. # ساي # كم كان شعورا غريبا وجميلا، حين سألني هيروكي فيما إذا كنا سنقطن في منزله الخاص ~~الحالي أم أنني أفضل أن يقوم بتغييره أو على الأقل تجديده، أجبته ms45 أن لا حاجة بأن يجدد ~~شيئا، فكما اعتقدت ، منزله مصمم ومجهز بأحدث التكنولوجيا، ولم أستغرب حين زرته؛ ~~فهيروكي يحب أن تظهر آثار النعمة عليه، فسياراته من أرقى طراز، واسعة، وأنيقة، ومجهزة ~~بأحدث ما توصل له العلم ومتناسبة مع شكله ومظهره ومكانته في المجتمع. مكتبه والمركز الذي ~~أسسه على النحو ذاته. حين حضرت للمرة الأولى من أجل مقابلة العمل معه، أذكر أني دهشت من ~~رفاهية المكان وبالذات مكتبه الخاص. أنا لم أجلس في مكتب فاخر كهذا، ذي إطلالة ~~متميزة كتلك التي رأيتها. حتى هو عندما رأيته لم أخمن أنه في الخمسين من عمره، بل في ~~منتصف الأربعينات، ربما لأنه اعتاد على ترفيه نفسه ولأنه أيضا يفصل بين ضغوط عمله ~~وحياته الخاصة، وضغوط حياته الخاصة عن مزاجه الشخصي. فتراه هادئا دائما، متفائلا ذا ~~صدر رحب ومزاج جيد. # في الفترة الأولى بعد زواجنا وحين كنا نتنقل معا في البلدة، كان هيروكي يتقصد أن يمر ~~على كافة الأماكن وأن يرانا جميع معارفه. يلقي السلام عليهم ويخبرهم قبل أن يسألوه ~~«أعرفكم، الدكتورة ساي، زوجتي.» فيباركون لنا ويهنئونه. أما أنا فكنت أتأمله، كان سعيدا ~~وفخورا بي جدا، شعرت بفرحته وكأن قلبه يتراقص، يمسك يدي بحنان ويقبض عليها برفق ~~شديد، لاحظت أنه لم يكن يتركها أبدا ولا حتى ثانية واحدة، هو يشعر بقبضته وليس كما لو ~~أنه ينساها، كانت مشاعره تصلني بكل تفاصيلها. أما حين يود الحديث معي يضمني إليه ~~لأقترب منه أكثر ويحدثني بصوته الهادئ وبنبرته الجدية الساحرة. أجمل ما في هيروكي هو أنه ~~لا يبدي استغرابه من تصرفاتي، لا يبدي لي أنه يرى شيئا غريبا ويتقبله لأنه يحبني. من ~~غير شعور مني كنت أقارن ردة فعل هاك في كل مرة كنت أتصرف فيها بطياشة أو بحماس ~~مبالغ به أو بعفوية غريبة، كان هاك يظهر تعابير بأنه مستغرب مما أفعله ومن ثم ~~يبتسم، كمن يقول للآخر، تبدين غريبة لكني أحبك فلذا سأتقبل تلك الغرابة. ليس من حقي أن ~~أقارن لكن عقلي الباطني كان يفعل ذلك رغما ms46 عني. لم ينظر لي هيروكي أبدا تلك النظرات ، بل ~~على العكس، كان إن جلست هادئة قليلا يسألني فيما إذا كنت متعبة أو متضايقة من أمر ما. ~~على أي حال، بعض الناس لا يستطيعون استيعاب كم هو متعب أن يكون الشخص متحمسا طيلة ~~الوقت، لا يدركون كم هو مرهق وخارج عن نطاق الإرادة، أن تفرض عليك شخصيتك أن تكون مبتسما ~~ومرحا أغلب الوقت، أن تظهر بمظهر الغبي بسبب أمر اندفعت إليه في لحظة حماس، ثم تشعر ~~أنه لم يكن يستحق كل هذا الاندفاع، فتخمد وتكمد فجأة وتعاني من تغيرات دائمة في ~~مزاجك. استطاع هيروكي أن يحتوي حماسي واندفاعي بحنان ورفق، لم يشعرني يوما أني أبدو غبية ~~أو كلامي مبالغ فيه أو حماسي لا مبرر له. # أحد الأمور الأخرى التي لم أستطع إلا أن أقارنها أيضا هي كيف يكون الزواج في عمر الشباب ~~مختلفا عن الزواج في عمر الأربعين والخمسين. فنحن كلانا الآن مستقران، بنينا ما بنيناه ~~والآن لم نعد بحاجة لبذل مجهود إضافي لأقساط منزل أو دراسة مكثفة في مجال العمل أو ~~التفكير من أين سأحصل على كذا؟ ومتى سأفعل كذا؟ فنحن وإن كنا مشغولين تماما في العمل لكن ~~لدينا تحكم كامل بوقتنا ونستطيع في أي لحظة أن نأخذ إجازة أو نخفف وتيرة العمل. فأنا ~~قد قمت بنقل عيادتي إلى البلدة التي نسكن فيها أنا وهيروكي، وسأتابع عملي فيها وفي المركز، ~~لكن كل هذا من غير ضغوط متعبة أو مرهقة. # هيروكي # لم تعد الحياة كما كانت من ذي قبل، لم تعد الأيام تتكرر بتلك الرتابة السابقة. ساي ~~هنا، تملؤني وتملأ عمري بكل ما هو جميل، جديد، ومتميز. حتى منزلي ملأته بتفاصيل ~~كثيرة لم أكن أتخيل وجودها. مرت سنة ونصف ليست كالعسل بل هي أحلى، أستيقظ صباحا على ~~صوتها العذب. كالوردة حسنائي، تزهر كل يوم بلون جديد. لكن الحياة ليست بوتيرة واحدة، ~~ودوام الحال من المحال، أتى ذاك الأسبوع الغريب، حيث كانت ساي على غير عادتها، شاردة ~~الذهن، كثيرة التفكير، قليلة الكلام، ms47 كما أنها لم تكن تضحك أبدا. لم أفهم ما الذي يساور ~~ذهنها، لكنني لم أشأ أن أبدي استغرابي من ذلك. فضلت أن أتركها تعيش تفاصيل التغيرات ~~النفسية التي تطرأ على أي امرأة، فأنا أعلم أن النساء لا يعشن حالتهن المزاجية بتواتر ~~متساو، بل تتغير بشكل دائم، لكنني قلقت بعض الشيء عليها ولم أشأ أن أسألها الكثير من ~~الأسئلة، عبرت قليلا عن ذلك ووجدتها لم تتجاوب معي، فقررت أن أعاود سؤالها مجددا عما ~~يشغل بالها بعد يومين إن لم تتحسن حالتها المزاجية. # لكن قبل مضي هذين اليومين، تلقيت اتصالا بعد مغادرة ساي من المنزل إلى عيادتها، كانت ~~المتصلة تتحدث بصوت خافت وبسرعة، لم أفهم منها إلا أن هاك قد عاود الاتصال مع ساي في ~~الفترات الأخيرة! لم تشرح تلك المتصلة أكثر ولم أسألها، ولا حتى للحظة، لم يراودني شعور ~~الشك بساي إطلاقا، لكن استطعت أن أفسر قلقها خلال الأيام الفائتة. # لا أعلم ما هي التفاصيل، ولست متأكدا أساسا من أن المتصلة صادقة أم لا، كما لم أبد ~~للمتصلة أي اهتمام بما تقوله كي لا أجعلها تصل لما ترومه إن كانت تود العبث معنا فحسب. ~~لكن تلك المرأة لم تتركني وشأني، بل أرسلت لي توقيت المواعيد التي التقت بها ساي مع هاك، ~~إنها مصرة لسبب أو لآخر أن تزعجني، من هي تلك المرأة؟ وماذا تريد؟ والأهم من ذلك! ماذا ~~يريد هاك؟ وما بال ساي؟ ولم لم تخبرني بشيء؟ لا أعلم الكثير عن هذه الأمور، ولا أعلم كيف ~~علي أن أسألها، ما الذي يجري؟ فكرت كثيرا ووضعت كافة الاحتمالات بدءا من كونهما ~~يتحدثان بشأن يخص عملهما الطبي، انتهاء بفكرة عودتهما لبعضهما وإدراك ساي بأنها تود ~~ذلك فعلا! هل تسرعت ساي بالارتباط بي؟ أنا حقا لا أعلم، لكن ما أعلمه أن كل تلك ~~الاحتمالات ضدي، ودليل ذلك مزاج ساي وتغيرها عني في الأيام الفائتة. قررت أني لن ~~أقحم نفسي بدوامة الاستجواب والأسئلة والتخوين، أود أن أريح تفكيرها وأغيب بعض الوقت عن ~~ناظرها، أما هي ms48 فعليها أن تتخذ قرارها من جديد. إلى الآن لست أعلم ما الأمر، لكنني مضطر ~~للسفر إلى السويد بسبب انعقاد مؤتمر هام؛ لذا فهي فرصة جيدة لتعيد حساباتها. سوف أسافر ~~وأطيل مقامي هناك إن لزم الأمر إلى ما بعد المؤتمر علها تخبرني بما يجول في خاطرها، وإن لم ~~تفعل، فسوف أصارحها وأنا بعيد عنها وأسألها. هذا كثير علي، لا أستطيع أن أتخلى عنها وهي ~~أمامي! لا أعلم، لا أود أن أحرجها، كما لا أود أن أجرحها! لذا فسأطعن قلبي، لا خيار آخر ~~لدي! # أتى موعد السفر وما زالت ساي مهمومة وعلى غير عادتها، كنت أتأملها بحزن شديد وهي ~~تحكم لي ربطة عنقي، وربما للمرة الأخيرة: هيروكي هل من خطب؟ ~~- أترينني نسيت شيئا؟ ~~- كن مطمئنا، لم تنس شيئا فقد حزمت حقيبتك بنفسي ووضعت لك كل ما تحتاجه. ~~- نعم، معك حق! # أخبرتني أن أكون مطمئنا، ولم تعلم أنني بعد قليل سأترك قلبي معها وأغادر. # ساي # فاجأتني الممرضة حين أخبرتني أن هاك في غرفة الانتظار وحان دوره. تفهمت تماما حالة ~~هاك، لم أكن أود أن أعطيه المزيد من الوقت أو التفكير، أمره لم يعد من شأني، جملتان أراد ~~أن يقولهما وسمعتهما وانتهى الأمر، أدرك هاك أن رسالته قد وصلت ولم يتصل بي ثانية، لا ~~أنكر اعتصار قلبي ألما عليه حين رأيته، ولكن الدروب لم تعد تجمعنا وليس في يدي حيلة. ~~بقيت لعدة أيام شاردة البال أفكر في هاك، أظن أنني كنت كئيبة بعض الشيء، لاحظ هيروكي ~~ذلك لكنني لم أود أن أشرح الموضوع لأنه غير مهم. حقا لا أريد أن أتحدث عن شيء، أحتاج ~~لبعض الصمت في هذه الأيام. # بعد عدة أيام أخبرني هيروكي أنه سيسافر لحضور مؤتمر في السويد، فأعددت له حقيبة سفره، ~~وحين ودعني بدا عليه الشحوب كثيرا، قلقت جدا، هل هيروكي مريض؟ هل يخفي عني شيئا؟ ~~سألته، فأكد لي أنه بخير، إنما هو انشغال باله بشكل عام. ما أعلمني به في بادئ الأمر ~~أنه سيغيب عشرة أيام فحسب، مر أسبوعان، وما ms49 زال هيروكي غائبا ولم يأت بعد، أخبرني أن ~~دورة تدريبية جديدة سيتم افتتاحها وأن إقامته ستطول أسبوعا آخر، لم أعد أشعر بالراحة ~~في المنزل وحيدة من غير هيروكي، أشعر بغربتي في كل مكان، فمنذ أكثر من سنة وأنا أصحو على ~~صوت منبه ذاك العالم النشيط. هو يستيقظ باكرا منذ الساعة الخامسة صباحا، يتسلل من سريره ~~كي يقرأ رسائله الإلكترونية، وبعد ساعة يوقظني بلطف وحنان. لا أدفأ من يوم يبدأ باحتساء ~~قهوة أعدها هيروكي، وبقرب هيروكي، ومع تبادل الحديث مع هيروكي. منذ أن تزوجنا وهو ~~يعاملني كأميرة، لقد ازداد تعلقي به، أحببته أكثر فأكثر. أستطيع بسهولة أن أرى كم هو ~~ممتن لكل ما أقوله، لكل ما أفعله، أو حتى لكل ما لا أفعله، هو راض دائما فحسب. ذاك ~~الرضا والامتنان يدفعانني دوما لإعطاء المزيد له، من الحب والمشاعر والاهتمام. أحاول أن ~~أحيطه بكل ما هو جميل بكل ما أملك من طاقة. أشعر بسعادة غامرة حين أرى أن راحته فقط أن ~~يستند على كتفي وأضمه بين ذراعي. # حين طال غيابه كثيرا اتصلت به وأخبرته أنني سأسافر لبضعة أيام إلى مدينتي، علني ~~أخفف من وطأة وحدتي، وحدتي التي كنت قد اعتدت عليها لسنين طويلة، الآن لم أعد أستطيع ~~تحملها حتى لأسابيع! كم يتغير الإنسان بسرعة! ما زاد الأمر سوءا هو أنني بقيت أفكر في ~~حالة هاك، وجودي لوحدي أعاد لي ذكرياتي السابقة مع هاك. أعاد لي كل الأيام الماضية بحلوها ~~ومرها، لم تكن قصتنا بتلك البساطة، لتنتهي من روحي ببساطة! # الفصل الثالث # | فصول لا تنسى # هاك 1994 # طوال أعوامي العشرين الماضية لم أعش أي قصة حب، في مرحلة الدراسة الثانوية وحين بدأ ~~أصدقائي بمواعدة الفتيات، كنت لا أعير بالا لأي فتاة، بل كان جل تركيزي على دراستي ~~فحسب؛ فقد وضعت هدفا أمامي، كنت أرى نفسي بعد عشر سنوات من ذلك الوقت طبيب أعصاب ناجح. ~~هذا أنا، أعرف ما أريد بالتحديد، الحياة بالنسبة إلي معادلة بسيطة كحاصل جمع واحد زائد ~~واحد يساوي اثنين. خلال ms50 تلك الفترة صارحتني ثلاث فتيات بإعجابهن بي ورغبتهن في الخروج ~~معي وبدء المواعدة، ولكني قابلت هذا الإعجاب بالرفض لأني لم أر الخروج مع إحداهن سوى ~~إضاعة لوقتي، وهدر لمالي لا أكثر ولا أقل. بقيت حكما على قلبي، متحكما بزمام أموري ~~إلى أن جاء ذاك اليوم حين رأيتها تركض خلف الضفدع بعد أن نزعت عنه المثبتات، كانت أول سنة ~~لنا في كلية الطب، عادة أسخر من تصرفات كهذه، وربما أزدري أصحابها ولكنها الوحيدة التي ~~كانت قادرة على إضحاكي من ردة فعلها تلك، فهي لم تبال باستهزاء الآخرين أو حتى بصراخ ~~الأستاذ، بل استمرت في ملاحقة ذاك الضفدع، فهي مصرة على تشريحه. يا لها من فتاة مميزة ~~تجمع بين البساطة والقوة في الوقت نفسه! لها سحرها وجاذبيتها الخاصة التي لم أرها في أي ~~أحد قبلها، تجمع بين الطفولة والأنوثة. لا بد أن معجزة ما قد حصلت، فقد وقعت عيني على من ~~أعجبت، أنا هاك، بها. # منذ ذلك اليوم وأنا أتابعها، عيناي تلاحقانها أينما ذهبت، بدأ إعجابي بها يزداد. لضحكتها ~~العالية المستهترة صوت بت أهواه، السعادة لا تغادر وجهها، وكأن الابتسامة هي الطابع ~~الذي طبعت فيه، على عكسي أنا. لا أعلم لم هي سعيدة إلى هذا الحد! لكنها كذلك! # بعد الاستفسار عنها علمت أنها غير مرتبطة في علاقة ما في الوقت الحالي كما لم تكن ~~مرتبطة سابقا. شيئا فشيئا بدأ إعجابي يتحول إلى حب، تذكرت تلك الفتيات وكم احتجن ~~لشجاعة حتى يصارحنني، وكيف قابلتهن ببرود. لو أني أملك نصف شجاعة تلك الفتيات الآن لأذهب ~~إليها وأصارحها، ولكني أخاف أن أفاجئها، لذا فأنا أفضل التمهيد. أريد أن نصبح أصدقاء ~~أولا ومن ثم أصارحها بحقيقة مشاعري، لكن من جهة أخرى أخشى إن أصبحت صديقا لها أن أدخل ~~منطقة الأصدقاء فلا أخرج منها أبدا، بحيث إنها لن تفكر بي كشريك مستقبلي للحياة. ~~بالفعل أنا في حيرة وارتباك ولا أعرف ما هو السبيل للوصول إلى تلك الشقية. # ساي 1996 # كثيرا ما سمعت الفتيات يتحدثن عن ذلك الشاب ms51 الشبيه بالأمير المتعجرف، هاك. لا أنكر ~~أنه لفت نظري، وكيف لأمير ألا يلفت الأنظار، فأنا أولا وآخرا أنثى يثير انتباهها شاب ~~كهاك. لكن لم أفكر فيه من ناحية عاطفية لعدة أسباب، أولها أني لم أكن أشغل بالي في ~~الوقوع في علاقة حب في هذه الفترة خاصة أنني في بداية مشواري الطبي وهو مشوار طويل ~~وشاق جدا. كنت أشعر أن العلاقة التزام وأنني لن أستطيع أن أكون ملتزمة في هذا الوقت ~~وستكون أي علاقة حب عبئا علي لا أكثر. ثاني الأسباب هو أني كنت أعتبر هاك شابا ~~بعيد المنال جدا، صارما وجادا ولم أكن أعتقد أن فتاة مشاكسة مثلي ستجذب انتباهه! ~~صحيح أني مشهورة في الكلية، ولكني مشهورة فقط بتصرفاتي الطفولية الطائشة! # أتى ذاك اليوم حين كنا في التطبيق العملي لمادة الإحصاء الطبي وتوجب علي جمع قياسات ~~هاك من نبض وضغط وما إلى ذلك، وعلى هاك أخذ قياساتي أيضا. حين بدأنا بالعمل شعرت ~~بارتباكه الواضح كدت على وشك الانفجار ضاحكة. أهكذا يرتبك الأمير المتعجرف في حضرة فتاة ~~عادية! أإلى هذه الدرجة لا يجيد هاك التعامل مع الفتيات! لكني بالطبع كتمت ضحكتي وتمالكت ~~نفسي ثم بدأت أنا نفسي أشعر بالارتباك، وكأن ارتباكه عدوى انتقلت إلي، مع ذلك ضحكت في ~~نهاية الأمر، فلم أتمالك نفسي. في البداية توقعت أن أحظى بتوبيخ منه عن أهمية احترام ~~زملاء المستقبل وأهمية التطبيق الجاد وأخذ القياسات بدقة، هذا ما توقعته بناء على ما ~~سمعته عن شخصيته، لكنه فاجأني بردة فعل مختلفة جدا! لقد ابتسم! كم كانت سعادتي كبيرة ~~من ردة فعله تلك، هاك ابتسم! # منذ ذلك الوقت بدأ قلبي ينبض حين أراه وعلمت أن هذا ما يسمى بالحب. خلال أسابيع قليلة ~~أصبحنا نلقي التحية على بعضنا البعض في كل صباح. وفي كل مرة كان ارتباكه يزداد أمامي، ~~كنت أشعر أنه شخص آخر، شخص لم يكتشفه أحد سواي، وهذا ما ولد السعادة في قلبي. # مرت عدة أسابيع ثم أتى ذلك اليوم حين تم استدعاؤنا من قبل الطبيب المشرف ms52 على المختبر ~~الذي جمعنا فيه القياسات سابقا من أجل إجراء الحسابات الخاصة لمادة الإحصاء. أراد المشرف ~~أن يسألنا عن الخطأ الذي ارتكبناه خلال جمع القياسات، فقد كانت الأرقام متجاوزة للحد ~~الأقصى لأشخاص في أعمارنا، كان ذاك المشرف منزعجا جدا لذلك وبدأ بإلقاء محاضرة علينا عن ~~ضرورة أخذ القياسات بدقة وانتباه، كلانا كان يعلم أنه لم يكن هناك أي خطأ وكأن هذه ~~النبضات المتسارعة تخبرنا عن ولادة حبنا. بعد هذا التوبيخ دعاني هاك لاحتساء القهوة، كان ~~يحسب أني أتأثر مثله لأمور بسيطة كهذه. كان يحاول التخفيف عني بشتى الطرق، لم يكن يعلم ~~أني غير مهتمة في داخلي ولكني حينها تصنعت الاهتمام فقط لأجله وأظهرت ملامح التأثر ~~على وجهي، هاك وباندفاع قال لي: ساي، أنت لم تخطئي صدقيني، ستضحكين إن أخبرتك عن السبب ~~وربما تهزئين مني، أرجوك اسمعي ما سأقوله على محمل الجد. ~~- حسنا هاك، لن أهزأ منك بالتأكيد. ~~- ساي! لم تكن قياساتي غير طبيعية، لم تخطئي بقياسها ولا بتدوينها، بل كانت تلك هي نبضات ~~قلبي الحقيقية، تسارعت حين نظرت في عينيك، ساي أنا أحبك! # وسكت بعدها، خشيت أنه قد تسرع في تلك اللحظة في اعترافه. بقي صامتا لعدة لحظات، ~~شعرت بثقل هذه اللحظات، أردت مبادرته بالقول وأنا أيضا بدأت بالوقوع في حبك، لكنني ~~تراجعت إلى أن يكمل هو حديثه، وكأني خفت أن يكون كلامه وليد هذه اللحظة وإن قابلته ~~بالإيجاب سأتسرع، لكنه أكمل بكل شجاعة: نعم أحبك ساي، ومنذ عدة أشهر، في كل تصرف ~~من تصرفاتك تثيرين انتباهي، ابتسامتك التي لا تفارق وجهك هي سر سعادتي في هذه الأيام، منذ ~~أن سرقت انتباهي إلى الآن وأنا أشعر أن حياتي تغيرت مائة وثمانين درجة، أرجوك فكري في ~~الأمر. # وهم راحلا ولكني أمسكت يده وقلت له: هاك، تذكر أنه ليس وحدك من حصل على قياسات ~~متجاوزة للحد الطبيعي! # لمعت عيناه بشدة وابتسم ابتسامة فاتنة حين تلقى رسالتي تلك، كان ذلك في السنة الثالثة ~~من دراسة الطب، أمضيت بعدها مع هاك أجمل ثلاثة أعوام ms53 في حياتي. مع أن هاك كان مستاء ~~مني بسبب تحفظي الزائد في علاقتنا العاطفية تلك، فأنا لا أسمح له بأن يزورني في منزلي إن ~~لم تكن أمي فيه، لم يستطع هاك في بداية الأمر تقبل الموضوع إلا أنه اعتاد عليه لاحقا، ~~وعلم عن البيئة المتحفظة التي نشأت بها، نتيجة لذلك بدونا كما لو أننا صديقان مع أن ~~حالة هاك واضحة جدا للعيان، كان يهتم بي وبكل أموري بكل ما أوتي من طاقة. صديقاتي لاحظن ~~ذلك وبدأن بالاستفسار والسؤال: لماذا لا ترتبطان بشكل رسمي؟ ألا تفكران في ذلك؟ على ~~فكرة أنتما لا تتناسبان مع بعضكما البعض، وهذا واضح منذ البداية! # الكلام نفسه بدأت بسماعه من أطراف عديدة. الضغط يزيد من حولي وخاصة أن هذه السنة هي ~~سنة التخرج وإلى الآن لم نتكلم عن المستقبل. هاك لديه فرص عديدة للاختصاص في أفضل ~~المستشفيات بناء على علاماته المتميزة. أما أنا في الحقيقة ففرصتي ضئيلة، لست مستعدة ~~لأن تصبح علاقتنا علاقة عن بعد، لا أحتمل عدم رؤية هاك يوميا، أنا في بحر ودوامة، هل نحن ~~بالفعل غير مناسبين لبعضنا البعض؟ هل يفكر هاك الآن بالارتباط الرسمي؟ أم أنه يفضل أن ~~تبقى الأمور بيننا كما هي؟ لا أريد الضغط عليه فأخسره، وفي الوقت نفسه أحلم أن نرتبط بشكل ~~رسمي. # مر شهران وأنا على هذه الحال، لاحظ هاك حالتي وبات يلح بالسؤال بشكل متكرر: ساي ما ~~الخطب! وأنا لا أدري بم أجيبه؟ أأخبره بالحقيقة؟ أأخبره أني بدأت أخشى على مستقبلنا وأن ~~هناك احتمالا ألا نبقى معا بعد الآن؟ أم أترك الأمور على ما هي عليه حتى لا يشعر هاك ~~بالضغط، فالارتباط مسئولية وأخاف ألا يكون هاك مستعدا لذلك الآن. # هاك 1999 # مرت ثلاثة أعوام على بدء مواعدتي لساي. كانت بحق من أجمل أيام عمري ولكن ساي في ~~الفترة الأخيرة كانت تتغير لا أدري بحق ما خطبها! هي تزعم أنها بخير وأن كل شيء على ~~ما يرام، ولكني بعد أن عرفتها على مدى هذه الأعوام الثلاثة أعلم ms54 علم اليقين أن هناك خطبا ~~ما. حاولت سؤال أصدقائها المقربين ولكنهم تجنبوا الإجابة. بقينا على هذه الحال شهرين ~~كانت خلالها ساي حاضرة وغائبة في الوقت نفسه، كانت معي وليست معي. أعلم أنه ليس لديها ~~أي مشاكل عائلية، إذن ما الأمر ساي؟ أرجوك أعلميني! لم تعد تقابلني بتلك الابتسامة التي ~~أعشقها، ساي لو تعلمين مقدار الألم الذي أعانيه من تغيرك المفاجئ لأشفق قلبك على ~~حالي. # بعد عدة أيام عرفت أخيرا ما بها بالصدفة، حين كانت في المختبر تتحدث مع صديقاتها ~~دخلت فجأة لآخذ أغراضا لي نسيتها هناك. سمعتهن يتحدثن عن استحالة ارتباط رسمي بيني ~~وبين ساي، عن عدم استعدادي له، عن عدم تناسب شخصياتنا، وأننا، أنا وساي، كقطبي المغناطيس! ~~أشفقت على ساي، كم كانت تتحمل من غير أن تنبس ببنت شفة! لا، لا أريد لساي أن تشعر بعدم ~~الأمان معي، أريدها أن تعلم أن كل أمورنا ستبقى على ما يرام. لذا لم أتردد، مضيت ~~مباشرة واشتريت خاتمين، فأنا هكذا وكما هو معروف عني، إذا قررت نفذت. # في وقت لاحق من اليوم ذاته وقبل أن تبدأ المحاضرة اعتليت مكان الطبيب المحاضر قبل وصوله ~~حيث كان جميع الطلاب في أماكن الجلوس. طلبت الزواج منها على الملأ كله، لا بد أن هذه ~~الفتاة قد أصابتني بشيء من جنونها! # دهش الجميع، تركتهم في ذهولهم وتوجهت نحو أميرتي حيث كانت تجلس، قبضت على يدها ~~وألبستها الخاتم من غير أن أنتظر سماع جوابها، نظرت إلي باندهاش شديد، رأيت لآلئ تنهمر ~~من عينيها. دخل الطبيب المحاضر عندما أنهيت طلبي. مضيت وجلست إلى جانبها وبدأت المحاضرة. ~~أمسكت بيدها ثم همست في أذنها: دموعك، لا أريد أن أراها، فعلت كل شيء وسأفعل، فقط لأسمع ~~صوت ضحكتك وأرى ابتسامتك، أريد أن أراها الآن وحالا! # مسحت دموعها وأحكمت القبض على يدي، التفتت إلي بنظرتها البريئة، بنظرتها الجميلة، ~~وللمرة الأولى أرى ساي وهي لا تقوى على الكلام. علمت في تلك اللحظة أن ارتباطي بساي هو ~~أفضل شيء أقوم به في حياتي بعد الوقوع ms55 في حبها. يا لحبيبتي ساي! # ساي 2006 # لن أنسى حين قال لي يوما ونحن في السنة الخامسة من دراسة الطب «ساي! عليك أن تصبحي ~~طبيبة نفسية، أنت قريبة إلى قلوب الجميع، ولا أحد يجد صعوبة في التحدث إليك بشفافية، ~~روحك سمحة ومتصالحة مع كل شيء، لذا تستطيعين استيعاب آلام الناس.» وحقا تم ما قاله، ~~تخرجنا وقمت باختيار هذا الاختصاص. ما زلت أذكر هدية زواجنا حين أدخلني هاك إلى مبنى من ~~أرقى المباني في مدينتنا، في البداية ظننت أنه سيدعوني إلى أحد المطاعم هناك. لكننا حين ~~تجاوزنا قسم المطاعم، قلت في نفسي لا بد أن هاك يحتاج للتكلم مع محام بخصوص بعض ~~الإجراءات، ومرة ثانية تجاوزنا قسم المكاتب إلى أن وصلنا إلى قسم العيادات، هنا سألت ~~هاك إن كان يعاني من أي شيء صحي. لم يجبني، فتح باب إحدى تلك العيادات وصدمتي كانت ~~كبيرة: ساي، أعطيني رأيك! ~~- رأيي بماذا؟ ~~- بعيادتك المستقبلية. # توقفت الكلمات في فمي وقفزت وضممته إلي، كم كنت سعيدة بهذه المفاجأة! # أعوام خمسة مرت بعد زواجنا وحين كنا على مشارف دخولنا العام السادس، أشياء كثيرة ~~اختلفت. أعترف أن هناك تقصيرا من طرفي اتجاه هاك، فأنا أتعامل معه كما لو أنني طفلته ~~المدللة، تلك الطفلة التي تعلمت على الأخذ ولكنها لا تتقن العطاء، ليس بسبب أنانيتي، ~~لكني بالفعل لا أعلم ماذا علي أن أقدم لهاك، هو مكتمل بذاته! # شيئا فشيئا ومع مرور الوقت بدأت تراودني مشاعر جديدة حينما أرى الأطفال، أنا أيضا ~~أريد طفلا لنا يشبه هاك في كل شيء. بدأت بالتحدث مع هاك في خصوص هذا الموضوع ولكنه رفض، ~~سبب هذا الرفض السريع جرحا كبيرا في داخلي، لماذا يرفض هاك الطفل؟ ألم يكن هذا حلمه ~~بالأصل ولكننا آثرنا تأجيله إلى أن أنتهي من اختصاصي! هاك ما الذي تفكر فيه يا ترى؟ إلى الآن ~~لا أستطيع قراءة الحالات المزاجية له مع أنه يعرف ما يدور في بالي من غير أن أتحدث بكلمة! ~~هل لأني أبسط منه بدرجات كثيرة! # تنازلت عن ms56 هذا الطلب لفترة ولم أعد أتحدث عنه، وظننت أن كل شيء سيكون على ما يرام بعد ~~مدة. وأتى ذاك اليوم، حين رأيت هاك في العيادة بوجه شاحب، حينها علمت أن هناك خطبا ~~ما، ارتعشت في داخلي، ولكني أظهرت الصلابة. أعلم أننا لم نعد كما كنا حين التقينا عصافير ~~تحلق في الحب، أمور كثيرة تراكمت بيننا ولكن إلى الآن لا أرغب في الابتعاد عن ~~هاك. # دخل هاك إلى العيادة بعد انتهاء دوامي فسألته ما الخطب؟ أجابني إنه قادم بصفته مريضا، ~~ثم جلس على كرسي المرضى، سألته: ما علتك، فأجابني: أنت، أنت وجع قلبي أنت ألمي، أحبك ~~ولا أستطيع الشفاء من حبك لكن لم أعد أستطيع الاحتمال، أريد الشفاء من هذا المرض، ساي! ~~أريد الانفصال! # لا، لست مستعدة بعد، أعلم أن التراكمات الصغيرة أثرت على حبنا وأحدثت مشاكل كبيرة، ~~لكني كنت دائما وأبدا أتمنى أن نجد الحلول. لم أستطع في تلك اللحظة أن أبوح عما في ~~داخلي، فأنا أعرف هاك كباطن كفي، حين يعزم على أمر ما فإنه سينفذه؛ لذا لا توسلاتي ولا ~~دموعي كانت لتجدي أمامه إلا أنها ستزيد على جرحي ذلا. أجبته بالموافقة من غير أن أزيد في ~~الكلام. هنا بدأ هاك بسرد مبرراته للانفصال، في البداية لم أكن أصغي لما يقول، كنت شاردة ~~في عالمي وسواد المشهد أمامي، لكنني تذكرت أن هاك الآن يتكلم بصفته مريضا ومن واجبي أن ~~أصغي إليه بانتباه. عاد وأكد أنه أحبني وما زال ولكن حياتنا معا أصبحت مستحيلة، كرر ~~لي أني لست السبب الوحيد بل كلانا، لم يضع هاك كل اللوم علي، وبدأ بالسرد: ساي، حين ~~أحببتك علمت أن هناك طفلة في داخلك لا تستطيع أن تنضج وأن هناك فوضى في تفاصيلك لا ~~تستطيع أن تنتظم. أما أنا فكنت على عكسك تماما، فأنا في داخلي إنسان ناضج لا يستطيع أن ~~يجاري تلك الطفلة، وإنسان منظم لم يحتمل تلك الفوضى. كنت آمل أن أتغير قليلا أو أن ~~تتغيري أنت قليلا فنتفاهم بشكل أفضل لكن للأسف ms57 لم نساعد بعضنا البعض أبدا. كل منا بقي ~~في عالمه وقوقعته رافضا الانفتاح على عالم الآخر، رافضا أن يأخذ بيده. نعم، نحن متحابين ~~لكن بقاءنا معا لا يزيدنا سوى الألم، أنا لن أزيدك سوى الجروح. حقيقة، أنا أخشى من ذاك ~~اليوم، أخشى من اليوم الذي سيأتي ونكره بعضنا البعض؛ لذا أريد الانفصال قبل مجيئه، لا أحتمل ~~فكرة أن تكرهيني ساي! # وافقت هاك في هذه النقطة لأني أنا أيضا لا أريد أن يأتي اليوم الذي يكرهني هو فيه. مضى، ~~وحين وصل إلى الباب قال لي: عليك أن تنضجي أكثر ساي، أتمنى لك حياة سعيدة. # عن أي حياة تتحدث أنت يا هاك! # هاك 2006 # بدأنا العام السادس من زواجنا بطلب جديد من ساي، ألا وهو الطفل. حين سمعت طلبها رفضت ~~مباشرة، وصرت أفكر وحدي: ساي ألا يكفيني ما بي لتزيدي علي برعاية طفل؟! ألا تكفيني ~~رعايتك! أرجوك تعلمي الطهي على الأقل قبل التفكير في إنجاب طفل، أم ماذا تنوين إطعامه! ساي ~~أرجوك فكري بعقلانية، أم تريدين ترك العيادة والعمل الذي كان حلمك من البداية وعاهدتني ~~ألا تتخلي عنه! أنا أيضا أريد طفلا لنا ولكني أشعر أن ساي ليست حملا لهذه المسئولية. ~~ومع هذا الطلب في بداية هذا العام بدأ هذا التفكير هو هاجسي ليلا نهارا، لا أفتأ أفكر ~~متى ستستطيع ساي تحمل مسئولية أكبر! متى ستنضج أكثر حتى تستطيع تحمل مسئولية عائلة! لا ~~أنكر أني أنا من بالغت في تدليلها ولكني كنت سعيدا ولم أكن أدرك ذلك أصلا، لكن مع هذا ~~الغزو الفكري الذي اجتاحني لم أعد أحتمل تلك الفكرة، بدأت فكرة الطفل تسيطر علي بشكل ~~كامل، ولكن لا أرغب بطفل ترعاه ساي. تغيرت معاملتي لها، بت أغضب من كل تصرفاتها، كانت ~~تقابل غضبي بالبكاء، أنا نفسي لم أعد أعلم ما حل بي، لم أعد هاك الذي عشق تلك الفتاة، أعلم ~~أني ما زلت أحبها ولكن عقلي يأبى أن يوافقني بعد الآن، بكاؤها أصبح يستفزني لأني أشفق ~~عليها من جهة ومن جهة ms58 أخرى أريدها أن تنضج وألا تواجه كل مصاعبها بالبكاء، فما هكذا ~~تحل المشاكل . أصبح الصراع في داخلي يقتلني، استرجعت كلام من حولنا عن أن ارتباطنا منذ ~~البداية كان خطأ، فكرت كثيرا وطويلا وفجأة قررت إصلاح هذا الخطأ، نعم، قررت الانفصال ~~عن ساي لأريحها وأريح نفسي. في البداية فكرت في الانفصال المؤقت، ولكنه ليس حلا ~~جذريا، أريد حلا جذريا لكل تلك المشاكل. لذا عزمت على الطلاق! ذهبت إلى عيادتها ~~وبكل ما أوتيت من قسوة أعلمتها بقراري، تركت روحي عندها وذهبت، لست نادما لأن حياتنا ~~معا أصبحت مستحيلة، أرواحنا تشتاق لبعضها البعض ولكن تعايشنا معا بات صعبا، أخاف من ~~اليوم الذي ستتمنى فيه أنها لم تلتقيني، أخاف عليها من لوم نفسها على حبي، على إعطائي كل ~~ما هو جميل، وأخاف أن تكرهني! # أما أنا فلن يأتي اليوم الذي أندم فيه على حبي لساي، وهل هناك أحد يكره الأطفال؟ فنحن ~~نحبهم مهما أساءوا لنا. هذا كان حالي معها، ضقت ذرعا من بعض تصرفاتها وكنت سريع الغضب ~~شديد الانفعال تماما كالأم الصارمة التي توبخ طفلتها حين تسيء التصرف، ولكن حبي لها لن ~~يتغير. ما فاجأني حقا تقبل ساي للأمر وتحملها لسماع قراري القاسي بشجاعة من غير تلك ~~الدموع التي عهدتها عليها. # بعدما خرجت بعدة دقائق تذكرت أني نسيت محفظتي في العيادة. لم أكن راغبا في العودة ~~ومواجهة ساي مباشرة بعد الانفصال لكن علي استرجاع المحفظة. دخلت العيادة، كان باب غرفتها ~~مفتوحا سمعت صوت انتحاب ساي وبكاءها. لم أشأ أن أقاطعها فعدت أدراجي. انتظرت ساعتين ~~وعاودت الكرة علها تكون قد غادرت العيادة فقد أصبح الوقت متأخرا. دخلت مجددا فرأيتها ~~تغط في نوم عميق على مكتبها والدموع على خديها تماما كالأطفال حين يواجهون المشاكل ~~يبكون ويبكون إلى أن ينهاروا ويناموا. أخذت محفظتي وانسحبت بهدوء تاركا ورائي حب ~~حياتي. # وداعا ساي، سأشتاق إليك. # ساي 2012 # مرت قرابة السنة أو أكثر إلى أن استطعت العودة إلى الحياة الطبيعية وممارسة عملي من ~~جديد بعد الانفصال عن هاك. ما زلت ms59 أذكر تلك الليلة كأنها حصلت بالأمس. أذكر أني سمعت ~~وقع أقدام هاك عائدا، كنت بين حالتي الغفوة والصحو، قلت لنفسي حينها إن قبلني على جبيني ~~كما يفعل عادة فبالتأكيد هناك أمل للعودة. كم منيت نفسي أن يفعلها ولكنه هاك وقد اتخذ ~~قراره. تقبلت الأمر، فلا خيار آخر لدي. عاودت العمل ولكن من غير رغبة حقيقية فيه، حاولت ~~أن أشغل نفسي بهوايات جديدة، عاودت اتصالاتي مع أصدقائي، كنت أضعف تارة وأقوى تارة ~~أخرى. كثيرة هي الأيام التي كنت أقرر فيها الذهاب إلى هاك، والتحدث إليه واستمالة ~~عواطفه لنعود ثانية، وكثيرة هي المرات التي وصلت فيها إلى باب بيته، ثم في آخر لحظة ~~كنت أعود أدراجي بنفسية محطمة وروح مرهقة. كنت في حاجة إلى أن أشغل نفسي بقضية ~~أهم من انكسار قلبي وتشتت روحي. فانشغلت في تلك الأثناء بابن صديقتي الذي كان يعاني من مرض ~~التوحد، لطالما جذبني هذا الموضوع ولطالما رغبت في العمل مع أطفال التوحد. بدأت أتابع ~~حالة الطفل، أحببته جدا وشعرت أني أعوض فيه قليلا من شعور الأمومة الذي أفتقده وبشدة. ~~لطالما حلمت بطفل من هاك، يشبهه بشدته ورقته. لكن للأسف هاك هو الذي لم يرغب في طفل ~~لنا، كان يعزو ذلك إلى ضغط العمل وأننا لا نملك وقتا لذلك. كان يريدني أن أحقق طموحي ~~الطبي وألا يشغلني أمر الطفل. لم يكن يدري أن طموحي بات بأن أصبح أما لطفل! # من المضحك أن صديقاتي كن يقترحن علي بكل جدية أن أقوم بعملية زرع لجنين، كما لو ~~أنهن لا يعلمن طبعي ورفضي لتلك الحلول، كم هو ساذج أن تذهب فتاة لطبيب لتحقق أمنيتها ~~بأن تصبح أما، لا أستطيع أن أتقبل تلك الأمور، فتناسيت أحلامي بالطفل. مرت الأيام ~~بحلوها ومرها، لم تعد فكرة الانفصال أو الطفل هي شغلي الشاغل كما كانت من قبل، فقد عاودت ~~الانغماس في العمل. بعد عدة شهور أقيمت ورشة عمل لأهالي مرضى التوحد مع أطباء عصبية ~~مختصين بذاك المرض وكان من ضمن الأطباء المحاضرين الدكتور هاك! # قررت ms60 حضور ورشة العمل تلك، أريد مواجهة كل متاعبي، أريد استجماع قواي وإظهار شجاعتي ~~لنفسي ، أريد أن أثبت لنفسي أني قد تخطيته! لكن للأسف أثبت لنفسي العكس تماما، فأنا لم ~~أتخطاه إطلاقا. حين رأيته، كانت على يمينه زوجته، كان ذلك المشهد كالصاعقة! إذن هو لا ~~يفكر أبدا بالعودة لي! لطالما حلمت بالعودة ولطالما منيت نفسي بها! فأولا وآخرا ما ~~حصل بيننا هو مجرد خلافات بسيطة بسبب حدة طبعه وقلة نضجي. كنت أمني نفسي دائما أنها ~~مجرد فترة وستمر وسنعود كما كنا، وما يلزمنا فقط هو الوقت للاستراحة. # لكن ما رأيته في ذاك اليوم قطع كل أوصال الأمل. حين التقت أعيننا أشحت النظر عنه، هو ~~ملك لامرأة غيري، دبت نار الغيرة في قلبي، أحرقتني، أردت الانتهاء ومغادرة المكان بأسرع ~~وقت ممكن، لم أعد أحتمل رؤيتهما معا. من هي تلك التي تمسك بيده؟ من هي تلك التي يستيقظ ~~على صوتها صباحا؟ من هي تلك التي باتت تشارك هاك حياته؟ تعرف كل شيء عنه؟ من هي تلك ~~التي تجلس بجواره في كل مكان؟ من هي تلك التي أصبحت زوجة لهاك! كم هذا مؤلم! # حين عدت للمنزل بدأت أفكار أخرى تدب في رأسي: ماذا لو لم أستطع تجاوز هاك؟ ماذا لو لم ~~أحب أحدا غيره؟ هل سأستمر في حياتي كآلة للعمل فقط؟ شعرت بالجزع، أردت الهرب مرة أخرى؛ ~~لذا قررت السفر، سافرت لمدة نصف عام مرة أخرى كما فعلت بعد طلاقي من هاك ولكن هذه المرة ~~للتأمل فقط. لذا ذهبت إلى الهند، مارست طقوس اليوغا، تأملت كثيرا وفكرت كثيرا. علمت في ~~النهاية أن الحياة مستمرة ولن تتوقف عندي أو عند هاك، شاهدت حالات عديدة من الظلم ~~والقهر والضعف، وعلمت أن هناك من يتألم أضعافا مضاعفة عني، وليس لديهم حتى رفاهية ~~الهرب من هذا الألم كما أفعل أنا الآن. قررت أن أعمل شيئا لهذه الإنسانية؛ لذا عند عودتي ~~تطوعت في منظمات عالمية وبت أشارك في مؤتمرات وورش عمل حول العالم، ومنذ ذلك الوقت ~~أصبحت أقضي شهرا ms61 ونصفا تقريبا من كل صيف في إحدى الدول النامية في أفريقيا وجنوب ~~أمريكا. # هاك 2012 # لست من الأشخاص الذين تقف الحياة أمامهم من أجل مشكلة، على هذا تربيت، أواجه مشاكلي ~~وأموري بعقلانية تامة، ولا مجال لأدع عواطفي تؤثر على مسار عملي. في اليوم التالي من ~~قراري بالانفصال عن ساي ذهبت إلى عيادتي التي كانت بجوار عيادتها. ساي تغيبت كما هو ~~متوقع وبقيت على هذه الحال أكثر من شهر. في هذه الأثناء تعاقدت مع أحد المستشفيات على أن ~~أكون رئيسا لقسم الأمراض العصبية ولكن بشرط التفرغ التام وترك العيادة، رأيت أن هذا هو ~~الحل الأفضل لي ولساي، فأنا لا أريد حين عودتها للعمل أن تنتكس مرة أخرى بسبب رؤيتي، كما ~~أن العرض كان مغريا حقا. سمعت من أصدقائنا فيما بعد أن ساي استغرقت قرابة نصف السنة ~~حتى عاودت العمل. # مرت الأعوام وبدأ من حولي بالإلحاح علي بفكرة الارتباط مرة أخرى، بالنسبة إلي لم أعد ~~أبحث عن الحب، بل أريد امرأة تتفاهم معي بشكل أكبر، تستطيع تقبل نضجي الزائد، تستطيع ~~التصرف كسيدة مجتمع حقيقية تماما مثل والدتي، فتزوجت تاميا، سيدة مثقفة، تعمل موظفة في ~~بنك. كانت شخصية تاميا مطابقة لشخصيتي تماما، اتفقنا في أغلب الأمور، ولكن للأسف ~~أرواحنا لم تلتق. لم أشعر بذاك الحب الذي شعرته اتجاه ساي ولكني كنت مصرا على المضي ~~قدما. # بعد عدة شهور من زواجي تم إقرار ورشة عمل لي مع بعض أهالي أطفال التوحد وبعض ~~الأطباء، كانت صدمتي كبيرة حين رأيت ساي أمامي، كانت قادمة مع إحدى صديقاتها التي يعاني ~~طفلها من هذا المرض، حين رأيتها أدركت شيئا واحدا فقط: أني لم ولن أستطيع تجاوزها أو ~~نسيانها، أدركت أنها ستبقى حبي الأوحد. حين التقت أعيننا، أشاحت بنظرها عني، أدركت مدى ~~الجرح الذي سببته لها، فليس من طبع ساي إلا الابتسام حتى مع من أساءوا إليها. # ساي! كانت حياتي قبلك تسير على نهج واحد، كانت حياتي قبلك منطقية، لكل نتيجة سبب. ~~كانت حياتي عقلانية إلى أبعد الحدود، دخلت ms62 حياتي فتلاشى هذا المنطق، عشت معك أياما ~~جميلة ومع ذلك افتقدت خلالها أيامي السابقة، وأردت العودة إلى السلام الذي كنت أحظى به، ~~وبعد الانفصال عنك عدت وعادت حياتي المنظمة المنطقية كما كانت ولكني خسرت الروح التي ~~أعطيتني إياها لهذه الحياة. أدركت حين رأيتها أني أفتقد هذه الروح، إني أشتاق إليها ~~حقا. وأنا من كنت أظن أني أنعم بالسلام، أدركت في هذه اللحظة أنه لا معنى لهذه الحياة ~~المنطقية ما لم يدخلها جنونها ويوقظها من رقودها. أكملت محاضرتي بحرقة قلب لم أشعر بها من ~~قبل كما سأكمل حياتي. لم أستطع الكلام معها فأنا كنت أقرب الناس إليها وأعرفها، فحين سأذهب ~~للحديث معها سيفتح جرح حاولت بكل قواها إيقاف نزيفه. # لم لم أحاول العودة إلى ساي؟ # سألت نفسي هذا السؤال مئات بل آلاف المرات وفي كل مرة كنت أقنع نفسي بحجة واهية، ~~فتارة أزعم أننا لن نستطع التعايش، وأني لن أتغير مهما حاولت، ولن أستطيع تقبل ساي ~~بكل طيشها. وتارة أقنع نفسي بأن ساي لم تعد ترغب في، ولم تعد تهتم لأمري. أما أوهى ~~الحجج كانت أني لا أريد لكرامتي أن تهان. فأنا من تخليت عنها ولربما حين أطلب العودة ~~ستثأر مني، ولن تقبلني، مع أني أعلم علم اليقين أن هذا ليس من شيم ساي. # هاك 2017 # لم تمض حتى سنة واحدة بعد ارتباطي بتاميا حتى جاء القرار من قبلها بالانفصال. تفهمت ~~الأمر؛ فهي لم تشعر ولو ليوم من الأيام بحبي لها، لم تشعر بأي شغف في هذه العلاقة. وأنا ~~من كنت أظن أن الحب سيأتي بعد الزواج. لكن للأسف لم يكن الموضوع بتلك البساطة كما خطط له ~~عقلي. إن للقلوب والمشاعر تركيبة معقدة أكثر مما نتخيل، فكيف لإنسان لا يشبهنا في شيء ~~أن نهيم غراما به، وكيف لإنسان آخر أقرب إلى تفكيرنا، ومع ذلك لا نستطيع أن نكن له تلك ~~المشاعر؟ تابعت حياتي مرة أخرى وحيدا. تعمقت في دراسة مرض التوحد لدى الأطفال وبدأت ~~بإجراء الأبحاث. لا أنكر فضل ساي في ms63 هذا الموضوع فهي كانت من تدفعني دائما لهذا التخصص في ~~البحث، فلطالما أحبت الأطفال وكانت تتمنى أن تصبح أما. قلت لها في يوم من الأيام: ~~تستطيعين أن تجاري طفلك حتى سن العاشرة، بعدها سينضج أكثر منك ولن تستطيعي مجاراته، ~~أجابتني: حينها سيبدأ دورك. # إلى الآن لا أستطيع نسيان أحاديثنا، ضحكاتنا، كلماتنا، حتى مشاكلنا بت أحن إليها! قد ~~أبدو لبعض الأشخاص كما لو أنني أشبه للكمال، شخص ناجح في حياته العملية وحاصل على عدة ~~جوائز في مجال الطب، ولكن لو نظر أحدهم إلى داخلي وواقعي فسيرى ذاك الشرخ العظيم، سيرى كم ~~أعاني وأتخبط عاطفيا، سيرى كم حرمت نفسي من الحياة الاجتماعية إما باختياري أو لأني ~~لم أستطع التأقلم مع باقي المجتمع. أنا وأمثالي قد نظن أنفسنا أننا دوما على صواب وأن ~~غيرنا هو المخطئ، قد نعتقد أننا أفضل وأعلى من الانخراط في الأحاديث اليومية وأن وقتنا ~~الثمين لا يجب أن يضيع على ترهات كهذه، لكن في النهاية نصل لنقطة وندرك أن نجاحنا فقط في ~~الحياة العملية لا يعني شيئا إذا لم يشاركنا الآخرون فرحتنا وتعبنا، نجاحنا وإخفاقنا، ~~أحلامنا وآلامنا. # بعد مرور عدة سنوات من انفصالي عن تاميا سمعت بخبر زواج ساي، كان جرحا في الروح، حاولت ~~الانغماس في العمل أكثر لتناسي هذه الفاجعة. لا أدري ماذا كنت أنتظر أو لماذا صدمت؟ فهذا ~~حقها الطبيعي! وانفصالنا ليس وليد هذه اللحظة! كنت وما زلت أنانيا، لربما كنت أتمنى من ~~ساي أن تبقى أسيرة حبي، أن تغلق على نفسها كل الأبواب من بعدي. كم أحسد ذلك الرجل الذي ~~ارتبط بها! # أما ما جرى معي فإنني أصبحت لا أغادر المستشفى إلا للنوم، وبعد عدة شهور من الضغط ~~الجسدي والنفسي بدأت حالتي الصحية بالانهيار. قمت بإجراء التحاليل والفحوص اللازمة ~~ليتبين لي بعدها أني مصاب بمرض السرطان في الرئة. يا للقدر! وأنا الذي لم يشعل سيجارة في ~~حياته! تبين لي أن ليس لكل سبب نتيجة، وأن الأقدار تأتينا بما لا نتوقعه، تبين لي كم ~~كانت ساي محقة ms64 حين كانت تقول دوما: هي حياة واحدة فلنعشها بسعادة! # بعد سماع هذا الخبر أردت فعل شيء واحد فقط، ألا وهو رؤية ساي، الاعتذار لها، وإخبارها ~~أنها كانت على حق، أردت إخبارها أن تكمل حياتها بكل الجنون الذي عهدتها عليه وأن تحياها ~~بسعادة بالطريقة التي تراها مناسبة، وبالفعل هذا ما قمت به، رتبت زيارة لي في عيادتها ~~كمريض لرؤيتها والتحدث معها. لم أعد أنا نفسي ذاك الشخص المنطقي بعد المرض، فقبل مرضي لم ~~أكن لأقدم على خطوة كهذه، ولكن الآن اختلفت لدي الكثير من المعايير. # نعم ذهبت لزيارة ساي في عيادتها الجديدة، وهي الآن امرأة متزوجة. إنني مدرك لهذا ~~الشيء ولكن أريد التأكد أيضا، هل هي سعيدة أم لا، فأنا أفهم كل تعابير ساي. أعرف أن ~~عينيها لا تستطيعان إخفاء المشاعر التي تعتريها من حزن أو فرح. # قابلت هناك الممرضة ذاتها، لا بد أنها انتقلت مع ساي، استقبلتني بالحرارة ذاتها التي ~~كانت تعاملني بها حين كنت أعمل في العيادة المجاورة لعيادة ساي. لطالما أثار هذا غيظ ساي، ~~كانت تقول لي: انظر كيف تعاملني ببرود، وكيف تعاملك بلطافة مبالغة. في البداية كنت آخذ ~~الأمر على محمل الضحك وأشعر أنها غيرة النساء، بل كان ذلك يسعدني ويشعرني بمدى اهتمام ساي ~~بي، ولكن قبل طلاقنا بفترة أذكر كم ضقت ذرعا من أي تعليق صغير يدل على الغيرة التي كنت ~~أحبها سابقا من ساي. وكأن تفكيرنا يزين الأشياء لنا حين نود ذلك والعكس صحيح. فهو يعمل ~~على تقبيح كل شيء جميل حتى يقع ما هو مقدر. فالغيرة نفسها التي كنت أعشقها في البداية، ~~أصبحت لا أحتملها، أهذا هو القدر؟ # دخلت إلى عيادة ساي، وجلست على الكرسي ذاته وللمرة الثالثة، ما زلت أذكر المرتين الأولى ~~والثانية وكأنهما حصلتا بالأمس، ما زلت أذكر السعادة التي اعترتني في المرة الأولى حين ~~فاجأت ساي وقدتها إلى العيادة حيث لم تكن تعلم بأمرها شيئا. أذكر كيف أجلستني على الكرسي ~~لتجرب دورها كطبيبة نفسية، وقالت: أخبرني ماذا تشعر يا مريضي الأول؟ ms65 أذكر إجابتي ~~وكأنها محفورة في قلبي، أجبتها حينها: أشعر بأن هناك مجنونة اقتحمت حياتي، أعشقها ~~وتعشقني ، ولكن مشكلتها أنها تقودني لطريق الجنون معها. # لم أنس صوت ضحكتها حينها! لم أنس كيف حضنتني بقوة ونظرت إلي بامتنان لتعلمني بمدى ~~فرحها بتلك الهدية التي لم تكن تتوقعها. كما ما زلت أذكر الحزن الذي اعتراني في المرة ~~الثانية حين أعلمتها برغبتي في الطلاق، لم أنس صوت بكائها حينها. لم أنس كيف نظرت إلي ~~بعتاب وانكسار وألم لتعلمني بمدى الجرح الذي سببته لها ولم تكن لتتوقعه مني. أما اليوم ~~فأنا لا أعرف كيف أصف شعوري، ولكنه أقرب ما يكون إلى الندم منه إلى أي شيء آخر. # رحبت بي ساي كأي مريض، أدركت من عينيها أنها تجاوزتني وأنها تشعر بالسعادة والرضا ~~التام؛ لذا لا حاجة لي بأن أسألها. في بداية الأمر لم أشأ أن أخبرها عن مرضي وأن أعكر صفو ~~حياتها بخبر كهذا، ولكن علي أن أعلل سبب قدومي فإني إن لم أخبرها ستسأل بالتأكيد وستشك ~~في أمري، وستعرف الحقيقة سواء مني أم من أي طبيب آخر، ففي وسطنا الطبي تنتشر أخبار كهذه ~~كالنار. حين أخبرتها بذلك عرضت علي ساي مكانا جديدا للعلاج في النمسا فلها أصدقاء هناك ~~يعملون على تطوير أشعة جديدة لعلاج الأورام وهم يحتاجون لمتطوعين، وافقت على الحال لأنها ~~ستكون خدمة للبشرية وكنت أنا المريض المثالي، وفي نهاية الأمر أنا طبيب وأدرك قيمة ~~المتطوع البشري لاختبار الأدوية والعلاجات الجديدة. # هممت بالرحيل والحزن والندم يعتصران قلبي على فقدانها إلى الأبد، شعرت أني حزين ~~لفقدانها أكثر من حزني على مرضي؛ فالانفصال عنها شيء قررته أنا بنفسي وعملت له، أما مرضي ~~شيء لم أقرره أنا، وعلي أن أواجهه بقوة وألا أستسلم لليأس. لم يكن هدفي أن أضع نفسي في ~~مواجهة أعلم مسبقا أني الخاسر فيها، لم أرغب أن أخبر ساي أني لم أتوقف يوما عن حبها ~~وأنها الوحيدة في قلبي، فحتى لو لم تكن ساي مع هيروكي هي لن تكون معي لأنها تحتاج إلى ~~حب ms66 أكثر نضجا، إلى حب تثق فيه، إلى حب لا يتعبها كما أتعبتها أنا. اكتشفت أخيرا ~~وبعد هذه السنين أني أنا نفسي لم أكن الناضج في علاقتنا وليس العكس كما كنت أزعم. قلت لها ~~تلك الكلمات قبل أن أغادر: ساي، كوني سعيدة أينما كنت ومع من كنت فالسعادة تليق بك، ~~مشكلتي أني كنت عبثا أحاول أن أبحث عن السعادة معك، ولم أكن أدرك أنك أنت السعادة ~~بعينها، # ورحلت. # الفصل الرابع # | أهو شتاء جديد؟! # ساي # في عطلة نهاية الأسبوع وصلت إلى بيتي وإلى بلدتي، الأجواء جميلة وممتعة، لكنني ما زلت ~~أفتقد هيروكي. خرجت مع صديقاتي للتنزه وما إن عدت للمنزل وفتحت بريدي الإلكتروني حتى ~~وجدت هذه الرسالة الغريبة من هيروكي: # عزيزتي ساي، لا تقلقي أنا لا أود أن أعيقك عن شيء، افعلي ما تشعرين أن قلبك يدلك ~~عليه، لا تفكري بسعادة الآخرين قبل أن تفكري بسعادتك أنت أولا، لا تحملي قلبك فوق ~~طاقته، ليس الأمر أني أتخلى عنك، فلست في حاجة لأعلمك بمدى حبي وتعلقي بك. لكن حين ~~يتعلق الأمر بسعادتك، فأنا أريد أن أراك سعيدة مهما كلف ذلك. لا تفكري في مطلقا، لن ~~ألومك على شيء، أتمنى لك كل السعادة وسوف أحبك للأبد. # هيروكي # في بادئ الأمر لم أفهم رسالته حقا، عاودت قراءتها عدة مرات إلى أن استطعت أن أستنتج ~~أن هيروكي على علم بأني قابلت هاك. لا أعلم ماذا يقصد الآن؟ لكني لا أريد أن أسمع هذه ~~الكلمات مجددا، «سعادتي، وأراك سعيدة!» لم هذه الأمنيات الغريبة؟ مهلا! لم كل هذا؟ ~~أحقا يعني ما يقوله؟ هل هو معتكف في السويد وحيدا وبعيدا عني بسبب أفكار كهذه؟ لم ~~أكن لأحل هذه المشكلة عبر الهاتف أو أي شيء آخر، علي أن أراه الآن وحالا، أنا لا أود ~~أن أواجه كل مشكلة بالبكاء، علي أن أفكر بعقلانية وأسرع لحل هذه المشكلة، اتصلت ~~بشركة طيران وقمت بحجز أول رحلة إلى السويد. حين وصلت بعد يوم إلى الفندق الذي يقيم فيه ~~هيروكي بقيت واقفة أمام واجهة ms67 الفندق، تحت الثلوج، حاملة قلبي المرتعش، لا أعلم ماذا ~~أنتظر، لكنني كنت أنتظر! # هيروكي # انتهى المؤتمر ، ولم أجرؤ بعد على مصارحة ساي وسؤالها عما يجري. اتصلت بي تسألني عن سبب ~~تأخري، أخبرتها أنني سأفتتح دورة تدريبية جديدة لذا سأطيل مقامي هنا، وفعلا لم أكن ~~لأكذب، فقد تطوعت للقيام بدورة تدريبية وبالتأكيد سيكون ذلك مرحبا به، لكني أعلم ~~أنني فقط أود إضاعة وقتي هنا أكثر. # كل يوم أستجمع شجاعتي للاتصال والسؤال عن حقيقة الوضع، لكني ظللت أؤجل ذلك إلى أن ~~اتصلت بي ساي لتخبرني أنها ستعود إلى منزلها في مدينتها لتقيم فيه لبضعة أيام، هنا ~~انتابني القلق أكثر فأكثر، وشعرت بالخطر وأن علي أن أتشجع وأواجه هذه المشكلة. انتهت ~~المكالمة وعلمت أنني لن أستطيع التحدث في ذلك الموضوع شفهيا؛ لذا قررت أن أرسل لها ~~رسالة أسألها وأخبرها عما يجول في خاطري، قرأت الرسالة عشرات المرات قبل أن أرسلها، ثم ~~أرسلتها، ثم لا شيء. # مر اليوم بأكمله وساي لم تجب على رسالتي كما لم تتصل، كنت واقفا وأنا أنظر من خلال ~~نافذة غرفتي من الطابق الثاني عشر من الفندق الذي أقيم فيه. وبينما أنا غارق في التفكير ~~منتظر جوابا من ساي أو أي ردة فعل منها، وقفت أتأمل المدينة وهي غارقة في الثلوج ~~مثلي، كم كان قاسيا ذاك الشعور! كان الثلج يتساقط بكثافة لكن ببطء، لم تكن هناك رياح ~~شديدة، كان كل شيء باردا وهادئا، تماما كانسحابي من حياة ساي. بقيت أتأمل المكان، ~~كنت على علو مرتفع، لكن ذاك العلو لم يكن ليمنعني من أن أميزها، رأيتها من خلال ~~النافذة، إنها ساي! حين رأيتها واقفة عند بوابة الفندق بدأ قلبي بالارتعاش، أتراها قادمة ~~لتخبرني بقرارها؟ ذهبت إليها ونبضات قلبي تسابقني، صرخت وأنا راكض نحوها: ساي ما الخطب؟ ~~كيف وصلت إلى هنا؟ # ضمتني بقوة، وكانت تبكي بحرقة: هيروكي كيف تتجرأ على تركي والذهاب بعيدا؟ لم تود أن تتخلى عني؟ # لا أعلم كم من الوقت أمضت تحت الثلوج فقد كانت ترتعش من البرد، ضممتها ms68 إلى صدري وحملتها ~~إلى الفندق. لم تقل شيئا لكنني علمت أنها اختارتني أو ربما في أصل المسألة عندها لم تكن ~~مسألة خيارات، وكنت أنا الوحيد لها، لكن الخوف وعدم الأمان كانا يملآن قلبي، إذا كنت ~~خيارها الوحيد فيا سعادة قلبي! ساي، لو تعلمين مدى الامتنان الذي أكنه لك لأنك أحببتني، ~~لأنك بادلتني هذه المشاعر. ساي، وتقف الكلمات عاجزة عن وصفك. لم أكن أتكلم بصوت مرتفع، ~~كانت تلك الأفكار تدور في رأسي فحسب، لكنها ظلت تتمتم وهي بين ذراعي بصوت خافت ومرتجف ~~وبصورة متكررة: نعم أعلم، فأنت قد وعدتني. # ضممتها إلي بقوة، وبت أربت على رأسها كطفلة صغيرة إلى أن هدأت واطمأنت. لم نتحدث ~~عن شيء في تلك الليلة، لكن في صباح اليوم التالي سألتني عن رسالتي وتحدثنا كل بما عنده، ~~كنت ممتنا لها أكثر بعدما حكت لي ما جرى خلال تلك الأسابيع. اكتشفت كم أحبتني خاصة ~~بعدما سمعت خبر مرض زوجها السابق، فهي إن لم تكن تنوي البقاء بجانبه بدافع الحب، علها ~~كانت ستبقى بجانبه بدافع الشفقة! أو بدافع رد المعروف، لم أكن لألومها على ذلك فقد قدم ~~لها الكثير سابقا، لكنها معي هنا وبجانبي. ساي، أرجوك ابقي معي، أحبك حتى آخر أنفاسي، ~~لم أستطع البوح لها عما في داخلي، نظرت إليها نظرة هائم وأنا أتأملها. # ساي # حين تزوجت من هيروكي لم يكن موضوع الطفل يشغل بالي أبدا، لكن ومع غياب هيروكي المتكرر ~~بسبب مؤتمراته وأبحاثه، أصبحت فكرة الطفل تراودني من حين لآخر. كنت أرغب في أن يحصل تغيير ~~في حياتنا، أن يأتي من يملؤها بحركاته وضحكاته وبكائه. كنت مدركة تماما أن أي أنثى ~~ستجتاحها مشاعر الحاجة إلى الأمومة في حياتها، مهما علا شأنها وارتقت منزلتها وكبرت ~~مسئولياتها. لم أكن أقتنع بقول صديقاتي عن أن مرضاي هم كالأطفال بالنسبة إلي، وأني لست في ~~حاجة إلى ملء أي فراغ في حياتي، أو بقول أخريات إن مشاريعهن وحياتهن العملية ~~الناجحة هي الطفل الذي أنجبنه. كنت مدركة ألا شيء سيملأ مكان الطفل في ms69 داخلي، ولكن كنت ~~أقمع تلك المشاعر بين الحين والآخر ولم أكن أدعها تسيطر علي، خاصة مع الظروف التي ~~عايشتها سابقا. هذا لا يعني أبدا أني لم أفكر في الإنجاب أو حتى التبني بل فكرت ~~كثيرا حتى وأنا عزباء مطلقة، فكرت بطفل أتبناه وأكمل معه حياتي، لكني في الوقت نفسه ~~خفت من مسئولية لا أستطيع تحملها وأنا وحيدة في هذا العالم المجنون، وها هي ذات المشاعر ~~والأفكار تجتاحني الآن. # ذهبت إلى طبيبتي في موعد الفحص الدوري فطمأنتني أن كل أموري طبيعية ولا يوجد شيء يدعو ~~للقلق، كان مصدر القلق لدي هو الوراثة، نعم الوراثة؛ فوالدتي توفيت بسرطان الرحم وقبلها ~~جدتي بسرطان الثدي، كنت أتخيل دائما أن نهايتي ستكون مثلهما، ولعل أحد الأسباب التي ~~جعلتني أميل إلى التفاؤل، هو طبعي الطفولي اللامبالي وخوفي من المرض، فقد كنت أعلم أن ~~فرصة الإصابة بهذا المرض تزيد مع سوء الحالة النفسية. حاولت دوما إبعاد نفسي عن الحزن ~~ولكن أبى الحزن إلا أن يطرق بابي مرة ومرتين وثلاثة: حين وفاة والدتي ومن ثم طلاقي ~~وانتهاء بوفاة والدي. سألت طبيبتي عن احتمال الحصول على طفل، أجابتني إجابة كنت أعلمها ~~مسبقا، فأنا طبيبة في النهاية. # في ذلك اليوم حين عاد هيروكي أخبرته عن مشاعري وصارحته، في البداية ضحك، لم يكن يتوقع ~~أني أتحدث بجدية، كان يتوقع أنها مجرد نزوة وستعبر تماما كما رغبت مرة في الحصول ~~على قطة، وسابقا حين فكرت بالانتقال إلى أفريقيا. لكن هذه المرة لم تكن نزوة بالنسبة ~~إلي، كان الطفل هذه المرة أولوية. لم يعطني هيروكي أي إجابة لا بالإيجاب ولا بالسلب، ~~ربما كان ينتظرني حتى أتخلى عن الفكرة من تلقاء نفسي، أما أنا فقد اعتبرت أن صمته ~~إجابة بالإيجاب، مع أنني أعلم علم اليقين أنه لا يعني الإيجاب، بل الرفض القاطع. لكنني ~~لم أشأ أن أجادله أكثر فيصرح برفضه. # ومنذ أن اتخذت هذا القرار لم يكن لدي أي صبر، رغم أني طبيبة وأعلم أن أفضل وسيلة ~~لحدوث الحمل هو عدم المبالغة في ملاحقته، ms70 وعدم وضع الجسم تحت توتر الانتظار والمراقبة، إلا ~~أنني لم أستطع. خلال عدة شهور اشتريت ما لا يقل عن مائة كاشف حمل، بأنواع مختلفة، منها ~~المبكر ومنها السريع، منها شديد الحساسية ومنها شديد الوثوقية، والنتيجة دائما ذاتها: ~~سلبي، سلبي، سلبي ... لكني لم أظهر أيا منها أمام هيروكي، وهو لم يعلم بمراقبتي ~~الدائمة، وحساباتي الدقيقة، وجداولي ومواعيدي، والكم الهائل من اختبارات الحمل التي ~~أجريتها، حتى إنني ذات مرة قمت بإجراء اختبار للدم وذلك حين شعرت بكل أعراض الحمل ~~المبكرة بشكل حرفي، أنا أكثر من يعلم أنه من السهل جدا توهم كل تلك الأعراض، وطبعا كانت ~~النتيجة سلبية. كنت في كل مرة يمر الشهر من غير حدوث الحمل، أشعر بخيبة أمل شديدة، وبعد ~~سبعة شهور بدأت بفقدان حماسي، لم أعد أجد أي نفع من حساباتي الدقيقة، ولم أعد أريد أن أرى ~~خطا واحدا في اختبار الحمل. # بعد تلك الشهور، وفي يوم ما شككت في أمر الحمل، ترددت، هل أجري الاختبار أم أنتظر يوما ~~آخر؟ كنت أريد أن أنتظر كي لا يخيب ظني مجددا، استطعت تحمل هذا القرار عدة ساعات، كانت ~~الساعة العاشرة صباحا، هيروكي في المركز وأنا في العيادة، استسلمت لرغبتي الشديدة لتجريب ~~الاختبار الآن وحالا. توجهت إلى المنزل كان ما زال لدي ما لا يقل عن خمسة اختبارات جديدة، ~~فقد كنت في الآونة الأخيرة أشتريهم بالجملة، فأحضر في الآن ذاته خمسة أو ستة. أخذت واحدا ~~لا على التعيين، كانت يدي ترتجف، شعور ما بداخلي أخبرني أن هذه المرة مختلفة عن كل ~~المرات السابقة، أجريت الاختبار وكان علي أن أنتظر ثلاث دقائق لأرى النتيجة، أغمضت عيني ~~وأنا أدعو أن أراه إيجابيا، عندما فتحت عيني ورأيت خطين لم أصدق في بادئ الأمر، نظرت ~~إليهما مجددا، أدرت الأنوار، ذهبت نحو النافذة لأراه بضوء الشمس، كان إيجابيا! صرخت بأعلى ~~صوتي، سعادتي لم تكن توصف، فقد وصلت إلى مشارف اليأس من حملي، لكني الآن حامل! أنا حامل! ~~أنا ستكبر بطني، وسألد، وسأضم طفلي إلى صدري، وسأكون ms71 أما، أما لطفل هيروكي، وسيرهقنا من ~~كثرة بكائه، وسنذهب إلى مراكز تسوق الأطفال، وسندخل إلى أقسام لم ندخلها طيلة حياتنا، سنمسك ~~بتلك الأشياء الصغيرة، وننتقي، ترى هل ستكون بنتا أم ولدا؟ هل سيغدو بيتنا زهري اللون أم ~~أزرق؟ هل ستمتلئ الجدران بصور الأميرات أم السيارات؟ سأجعل من الحديقة مدينة ألعاب، وسأخصص ~~الجناح الأيمن من المنزل للطفل، لغرفته، وألعابه وملابسه وكل ما يلزمه. # بقيت ساعات مطولة، أفكر وأحلم وأنا أحضر العشاء لهيروكي، ذلك العشاء الذي سأزف إليه فيه ~~خبر حملي. في أثناء ذلك جلبت كل كواشف الحمل الباقية لدي، وصرت أجري الاختبار ذاته كل نصف ~~ساعة، كنت أستمتع برؤية ظهور الخط الثاني الذي لطالما حلمت أن أرى ظهوره، وفي كل مرة كانت ~~ابتسامة لا نهائية تظهر على وجهي وأضحك وأصرخ بكل سعادتي «أنا حامل». # وضعت له نتيجة اختبار الحمل في هدية، وأتى هيروكي، لم يفهم ما يدور حوله وما سبب هذا ~~الاحتفال، حين فتح هيروكي الهدية رأيت تعابير وجهه تتغير من الفرح إلى الارتباك، ثم إلى ~~الغضب، قال وبحدة: لقد ظننت أننا ناقشنا الموضوع، ظننت أنك تخليت عن الفكرة، ماذا ~~عن صحتك؟ ماذا عن الخطر الذي سيواجهك أنت وهذا الطفل أيضا، ماذا عنه؟ هل سيكون بخير؟ ~~هل سيستطيع النجاة؟! # أنهى كلامه، ومضى من غير أن يشعر بما فعله بي. # ساي # لا يوجد شيء مثالي في هذه الحياة، لا حب مثالي ولا رجل مثالي ولا حياة مثالية، ~~ولكننا نأبى إلا أن نحلم بالمثالية ونظن أننا سوف نصل لها في مرحلة من مراحل العمر، ~~ويمضي العمر ولا نستطيع الوصول لها. لقد ظننت في وقت ما أن علاقتي بهيروكي هي علاقة ~~مثالية، هي ما يجب أن تكون عليه باقي العلاقات، ظننت أن هيروكي هو الرجل المثالي ~~والكامل في هذا الكون، وبعد ردة فعل هيروكي اتجاه الطفل أيقنت أن عالم أفلاطون الذي خلقته ~~في عقلي هو عالم باطل من الأصل. لا يعني هذا أن حبي لهيروكي تناقص، أبدا، ولكن بدأت ~~أراه بعين الواقع وأحبه بعين ms72 الواقع لا بعين المثالية. # المشكلة تكمن أن الفرق كان واضحا بيننا في تقبل الطفل، فغلب على هيروكي تفكيره ~~العقلاني الذي أخبره بأنه سيعرضني للخطر، نظرا لعمري أولا، ولبنية جسدي الضعيفة ثانيا، ~~وبرأيه إن مضى الحمل على خير ولم أتعرض فيه للخطر فسيحصل الخطر عند الولادة أو بعدها، ثم ~~إنه ومع العمر المتقدم لنا، خشي هيروكي من تشوهات ترافق الجنين، لم يستطع تقبل فكرة طفل ~~مشوه أو مريض، أو بالأحرى لم يرغب في طفل مريض، لم يرغب أن يعرض نفسه لموقف كهذا، فأن ~~تصبح أبا فهي لا شك مسئولية كبيرة، ولكن أن تصبح أبا لطفل مريض فهي المسئولية الأعظم ~~والامتحان القاسي الذي سيبين أي أب أنت. # على الطرف الآخر كنت قد درست وفهمت كل الاحتمالات واستطعت تقبلها جميعا، فأنا راضية ~~ومتقبلة لجميع الأمور التي من الممكن أن يعاني منها الطفل، حتى قررت أني لن أجري ~~الاختبار الذي يكشف عن تشوهات الجنين المبكرة. لم أقتنع بأسباب هيروكي للتخلي عن الطفل ~~ولم أر مبررا لخوفه وقلقه الزائد، وقررت الاحتفاظ بالطفل. # مرت عدة أسابيع والحال كما هو، أنا بمزاج سيئ بسبب ردة فعل هيروكي اتجاه الحمل، بت ~~لا أحتمل أي كلمة منه، وأتهرب من وجودي معه في غرفة واحدة، فأنا لا أريد أن يناقشني في ~~موضوع الإجهاض. أصبحت أتظاهر بالنوم صباحا قبل ذهابه للعمل، وأتظاهر بالتعب والإرهاق ~~ليلا. لكنه استسلم لرغبتي في النهاية، فأنا أعلم أنه ضعيف أمامي، وأعلم أن هيروكي ~~فخور بهذا الضعف، ضعيف أمام ضعفي، ضعيف أمام دموعي، أمام طلباتي، لم يكن هيروكي ذاك ~~الرجل القاسي الذي يعتبر مصدر رجولته ينبع من كسر قرارات أنثاه. لكنه بالمقابل، لم يستطع أن ~~يقول لي مبارك، فهو يشعر بالقلق الشديد حيال هذا الأمر ويرى أنه لن يمضي على خير ~~بتاتا، فقد كان وجهي شاحبا طيلة الوقت، لا أستطيع الأكل جيدا، وإن أكلت فسأفرغ معدتي ~~حالا بعد عدة دقائق. مزاجي معكر أغلب الأحيان، ولا أستطيع التركيز على شيء إطلاقا. # نظم هيروكي لي عدة مواعيد مع أطباء ms73 لفحص حالتي بانتظام وفحص الجنين، وكنت أرفض ~~الذهاب معه، لم أكن أود أن أسمع خبرا سيئا أو قرارا مرهقا لي، ففضلت تجاهل تلك الأمور ~~في الوقت الراهن إلى أن تمر أسابيع أكثر من الحمل. # هيروكي # لم أعد أستطيع التواصل مع ساي كما كنا قبل، لقد تغيرت جدا. حاولت عدة مرات أن أريها ~~كم أنا سعيد لحملها، لكني لا أستطيع التظاهر بمشاعر لا أشعر بها. كنت أعيش في صراع ~~كبير في تلك الأيام، إلى أن استيقظت يوما على صوت صراخ ساي في المطبخ! كانت الساعة ~~الثالثة بعد منتصف الليل، أسرعت إلى المطبخ ورأيت ذاك المشهد: ساي على الأرض في بركة دماء ~~تصرخ من ألمها وعلى وشك أن يغمى عليها! هذا ما كنت أخشاه وأتوقعه، هذا ما كنت أراه منذ أول ~~يوم أخبرتني فيه بحملها، هذا ما كنت أسمعه، هذا ما أبت ساي أن تصدقه. كدت أسقط مغشيا علي ~~من خوفي على ساي إلا أنني تمالكت نفسي. حملتها بسرعة وتوجهت إلى أقرب مستشفى وهي ما زالت ~~تنزف بين يدي. # هناك قاموا بإجراء تحويل للدم كي تستعيد قليلا مما خسرته، بعد نصف ساعة توقف النزيف ~~ووضعوها تحت العناية المشددة، فقد فقدت وعيها ونحن في الطريق إلى المستشفى. مضت عدة ساعات ~~وتنبه الطبيب بأني لم أسأل بعد، فيما إذا خسرنا الجنين أم لا، وكأني أظن جازما أن ~~الجنين قد مات أو تم إجهاضه. توجه الطبيب نحوي وأخبرني: بروفيسور، ما زال الجنين معلقا ~~في رحمها رغم كل هذا النزيف، لكن ليس من الحكمة إبقاؤه، أرجوك عليك أن تتفهم هذا! ~~- لو أن القرار قراري، لما حدث معها ما حدث، دكتور أرجوك لا تقم بأي إجراء قبل أن ~~تستعيد وعيها؛ فهي تريد هذا الطفل وتكلمنا كثيرا فيما يخص عملية الإجهاض. ساي مصرة على ~~إبقائه؛ لذا أرجوك تمهل إلى أن تستعيد وعيها. # وافق الطبيب على طلبي وفهم أنها هي من تصر على الموضوع. وبعد عدة ساعات استعادت ساي ~~وعيها. تكلم معها الطبيب كثيرا وشرح لها حالتها، لكنها لم ms74 تستجب له إطلاقا، بل باتت ~~متشبثة برأيها أكثر فأكثر. عندما دخلت إلى غرفتها كي أراها، تحدثت معي بقسوة قبل أن أنطق ~~بحرف واحد: هيروكي، إن كنت هنا لكي تقنعني بإجهاضه، فأنا لن أستغني عنه مهما حصل. ~~- ساي! أنا هنا لأراك، لأطمئن عليك، ماذا دهاك! ~~- لأني أعلم ماذا تريد أن تقول، لا تقلق علي، أنا جيدة وبأحسن حال. # شعرت أنها لا تريد رؤيتي أساسا، ولم أصدق تلك الحالة الغريبة التي تمر بها ساي. حاولت ~~ألا أزعجها بعتاب أو كلام، فأجبتها: كما تريدين. # ومن ثم بقيت إلى جانبها طيلة فترة مكوثها شبه صامت كي لا أزعجها ولا تزعجني. # هاك # انتهت فترة النقاهة بعد جرعاتي الكيميائية وعدت لممارسة عملي في المستشفى. كان قد مضى ~~على وجود ساي في المستشفى يومان، صدمت حين رأيتها في العناية المشددة، هذه المرة لم أحسب ~~ألف حساب كعادتي قبل أن أتصرف، بل تصرفت كما أملى علي قلبي، ركضت نحو طبيبها المعالج ~~استفسرت عنها وعن وضعها، أخبرني الطبيب برفضها للإجهاض رغم أن التحاليل والأشعة أثبتت أن ~~هناك خطرا عليها إن أرادت الاحتفاظ بالجنين. ثم علق الطبيب ساخرا: عنيدة مثلك تماما ~~تطبعت بطبعك. # بعد يومين استقرت حالتها، أعلم ألا حق لي بزيارتها أو التحدث معها ولكن يأبى قلبي أن ~~يطاوعني، فلم يعد يحتمل هذا القلب الضغط عليه وهضم حقه أكثر، فها هي الإنسانة الوحيدة التي ~~أحبها معرضة للخطر فكيف لا أطمئن عليها أو أزورها؟ لم أحضر معي في زيارتي لا أزهارا ولا ~~أي شيء، صحيح أني تمنيت أن أهديها باقة من زهر البنفسج الذي تعشقه أو علبة من نوع ~~الشوكولاتة التي تفضلها لأريها أني لم أنس أي تفاصيل عنها، ولكني تداركت نفسي، فكيف ~~لطليق سابق أن يصطحب معه الأزهار التي تفضلها طليقته وهي الآن زوجة لرجل غيره! لذا فقد ~~ذهبت لزيارتها بصفتي زميلا وطبيبا، كانت ساي وحدها في الغرفة تتناول طعام الغداء، لم يبد ~~على ملامح ساي الاستغراب أو الامتعاض حين رأتني، بل على عكس المرات السابقة حين كانت تراني ms75 ~~ولم تكن مرتبطة. أيقنت أنها استطاعت مداوة جرحها بمساعدة هيروكي وهذا ما زاد الحزن والغيظ ~~في قلبي، لأني أومن بالمقولة «الكره ليس عكس الحب، عكس الحب هو اللامبالاة.» وواضح الآن ~~أن ساي لا تبالي. بعد السلام والمجاملات التقليدية بدأت بالتحدث في صلب الموضوع: ساي ~~ماذا تفعلين بنفسك هل تتوقين للموت؟ # تغيرت ملامح ساي، كادت الدمعة تنزل من عينها لكنها منعتها، قالت: لو حاول العالم أجمعه ~~أن ينصحني، فأنت الوحيد الذي لا يجب عليه ذلك، ألم تكن أنت السبب في الأساس؟ ألم أرغب في ~~هذا الطفل من عشر سنوات لكنك رفضت، ماذا لو كان لنا طفل الآن بعمر العشر سنوات، تيقن أني ~~لم أكن لأجبرك على البقاء معي لأجل طفل أو اثنين أو حتى عشرة، ولكنك كنت أنانيا ~~وحرمتنا نحن الاثنين من الأطفال. أرجوك دعني وشأني الآن فالطفل طفلي والمعرض للخطر هو أنا ~~والقرار قراري هذه المرة! # خرجت من عندها محطم القلب حقا، ماذا لو كان لنا طفل! ومن من، من ساي، آه على ~~المكابرة والعناد. حين هممت بالخروج من غرفة ساي صادفت زوجها هيروكي الذي كان يهم ~~بالدخول. بعد أن أفضيت لساي بما أفكر وألقت اللوم كل اللوم علي أنا، جعلتني الجلاد وهي ~~الضحية، أردت أنا أيضا أن ألقي باللوم على غيري، فأنا لم أتقبل الدور الذي وضعته لي ساي ~~في هذه المسرحية، لا بد من وجود جلاد آخر غيري، وكان الجلاد هو أول شخص رأيته بعد ~~خروجي من عند ساي، كان الجلاد هو زوجها هيروكي، هيروكي الذي تحمل ساي الآن بطفله الذي قد ~~يتسبب في إنهاء حياتها، هيروكي الذي انتزعني من قلب ساي نهائيا، إذن لألقي اللوم على ~~هيروكي ولأجعله يشعر بالذنب اتجاه ساي واتجاه الجنين أيضا. # طلبت أن أتكلم مع هيروكي في الردهة لمدة خمس دقائق، في البداية اعترض هيروكي وأخبرني ~~أن لا حديث بيننا وأنه لا يوجد شيء يخفيه عن ساي، فإن أردت أن أتكلم فلأتكلم أمامها، ~~ولكن بعد أن أشرت برأسي إلى ساي ورآها هيروكي مستلقية ms76 في الفراش ومتعبة، علم أن أي ~~حديث سيجري أمامها الآن لن يسبب لها سوى المزيد من الإرهاق والتعب؛ لذا وافق ممتعضا على ~~مرافقتي إلى الردهة. هناك جرى الحديث بيننا، حديث ربما كان يتوقعه هيروكي منذ البداية ~~ومنذ أن طلبت منه مرافقته، حيث ألقيت اللوم عليه وأخبرته أن هذا الجنين قد يتسبب في موت ~~ساي، صمت هيروكي لبرهة ثم أجابني بهدوء شديد: هل تعتقد أني أستطيع تحمل خسارة ساي كما ~~فعلت أنت؟! هل تعتقد أني أناني لهذه الدرجة لأضحي بالإنسانة التي أحب؟! # هيروكي # بعد أن تحسنت حالة ساي، قام الطبيب بتوصيتها بأن تعتني بنفسها أكثر وألا ترهق نفسها ~~إطلاقا وأن تبقى مرتاحة طيلة الوقت، فوضعها الصحي سيئ، واحتمال تكرر النزيف وارد جدا. ~~وعدته أنها ستعتني بالجنين وبنفسها وأن ذلك لن يتكرر أبدا، نظرت إليها وقلت في نفسي: ~~تعده كما لو أن الأمر حينما سيتكرر سيكون بيدها! # نتيجة لذلك، توقفت ساي تماما عن الذهاب إلى العيادة، وقمت بتعيين امرأة لتعينها في ~~أعمال المنزل، وفعلا كانت ساي حريصة كل الحرص على صحتها، عندما رأيت استقرار وضعها ~~الصحي بدأت مشاعر التفاؤل تجوب قلبي وعقلي، خاصة أن بطن ساي بدأت بالظهور والانتفاخ ~~أكثر، شعرت بمشاعر لم أشعر بها في حياتي، عادت الأمور تدريجيا بيننا، خاصة أن ساي ~~أحست ببدء قبولي للحمل وللطفل ولعدم إصراري مجددا على الإجهاض. كانت ساي تتحايل على ~~مظهرها ليبدو حملها ظاهرا أكثر، اشترت الكثير من ملابس الحمل رغم أنها لا تخرج كثيرا من ~~المنزل كي لا تجهد نفسها. كانت سعادتها لا توصف، وانتقلت عدوى السعادة تلك إلى قلبي ~~أخيرا، لكن تلك السعادة لم تدم طويلا للأسف. # كان ذلك في أحد أيام العمل الشاقة لي، استيقظت منذ الصباح، طبعت قبلة على جبين ساي ~~وعلى بطنها، شعرت بي فأخبرتها أنني سأنطلق الآن إلى العمل. ما حدث أنني حين غادرت ~~نهضت ساي وفجأة أحست بألم شديد، أشد من ذاك الذي شعرت به منذ عدة أسابيع حين نزفت ~~لأول مرة، وبدأت بالنزيف. اتصلت حالا بي ms77 وهي بين دمائها، أخبرتني أنها ستنطلق إلى ~~المستشفى بسيارة أجرة لأن وضعها سيئ جدا ولا تستطيع الانتظار. أخبرتها أنني سأنطلق ~~حالا لألقاها هناك. وفي الطريق لم يكن جسد ساي قويا بما فيه الكفاية ففقدت وعيها، وحين ~~توقف سائق الأجرة أمام بوابة المستشفى كنت هناك أنتظرها، فرأيتها بحالة بين الحياة والموت ~~غارقة مجددا بدمائها. حملتها بأقصى سرعتي، أما هذه المرة فليس إلى قسم العناية المشددة ~~بل إلى غرفة العمليات؛ فالجنين قد مات وستتم عملية الإجهاض حالا لعل النزيف يتوقف. # مرت ساعة، ساعتان وما زلت منتظرا خارج غرفة العمليات، تخرج الممرضات ويعدن ولا أفهم ~~منهن شيئا عن حالة ساي. كنت مذعورا، خائفا، لم أصدق هذه المرة ما حدث، ولم أتوقعه. كنت ~~قد نسيت كل هواجسي ومخاوفي، كنت قد عقدت الآمال وصدقت ساي أن كل شيء سيكون على ما ~~يرام، كنت أعد معها الأسابيع وأنا سعيد بمرورها ونسيت أن القادم أعظم وأصعب. ثم ها هو ~~الطبيب قد خرج أخيرا من غرفة العمليات، بوجه شاحب ومرهق، كدت أفقد أعصابي؛ فأنا الآن قد ~~عدت إلى توقعاتي القديمة، لم أكن أستطيع سماع كلمة أني سأخسر ساي، كانت تلك الثواني من ~~أصعبها على قلبي إلى أن نطق الطبيب: ساي بخير لا تقلق، لقد فقدنا الجنين، واضطررنا إلى ~~استئصال الرحم بالكامل، لأن النزيف لم يتوقف. الآن هي بحالة حرجة لكن النزيف توقف، ~~أرجوك أن تبقى قويا. # كان الجزء الأهم بالنسبة لي أن ساي بخير، لكن قلبي تفطر على ما حدث، وفي اللحظة نفسها ~~كانت الممرضة خارجة من غرفة العمليات وهي تحمل بقايا الجنين في إناء ليتم فحصه. جريت ~~نحوها لأراه، أخبرتني أن لا داعي لذلك، لا داعي للاستنزاف العاطفي، فقلت لها: أرجوك يا آنسة، ~~أود رؤيته. # لم يخطر على بالي أني سأشعر بهذا الشعور يوما اتجاه هذا الجنين. صحيح أن عمره لم ~~يتجاوز عشرين أسبوعا لكني حين رأيته وأمسكته بيدي، لم أتمالك نفسي وغلبتني الدموع، فهو ~~طفلي الذي لم أحظ به بالنهاية، طوال فترة الحمل، كان جل ما ms78 يشغلني هو سلامة ساي فقط، لم ~~أفكر بالطفل كثيرا ولكن كل شيء اختلف حين رأيته وخسرته في الوقت نفسه، تمنيت لو أن هذا ~~الطفل كان أقوى واستطاع النجاة، تمنيت لو أني أنا نفسي كنت أقوى ودعمت هذا الطفل منذ ~~البداية، تماما كما دعمته ساي، لو أني أحببته بلا شروط منذ البداية. # تذكرت عصفورا كان في منزلنا، كانت والدتي تصر على وضعه في غرفتي وأنا أصر على نقله، ~~كانت والدتي ترغب بأن يضفي هذا العصفور لغرفتي الكئيبة المليئة بالكتب فقط بعضا من الحياة، ~~في النهاية رضخت لقرارها ووضعته مع شرط ألا أكون مسئولا عنه وبالفعل تم الأمر، لم أكن ~~أكترث لهذا العصفور أبدا، كنت أعتبره كقطعة أثاث من الغرفة، ولكن حين توفي هذا العصفور ~~أحسست بألم فقدانه، بت أشتاق لتلك الأصوات التي كانت تصدر منه، أشتاق لحركته الدائمة، ~~تمنيت لو أنني أعرته بعض الاهتمام ولم أفكر فقط بالأمور الأكبر والأهم، نعم تلك التفاصيل ~~الصغيرة الموجودة في حياتنا هي مهمة جدا ولكننا لا ننتبه لوجودها بالأساس إلا بعد ~~فقدانها، تماما كما حدث مع طفلي الآن، كنت أفكر في ساي فقط ونسيت أمر طفلي، والأدهى من هذا ~~وذاك أن لا أحد سيواسيني بهذا الفقدان، بل على العكس تماما أنا من سيواسي ساي الآن. # هيروكي # بقيت ساي في الحالة الحرجة لمدة ثمان وأربعين ساعة لم أفارق خلالها المستشفى ولو ~~لساعة واحدة. كنت هلعا مخافة فقداني لساي، الأنثى الوحيدة التي استطاعت دخول قلبي وحياتي ~~بعد نصف قرن من الحياة، الأنثى الوحيدة التي أردت أن أكمل حياتي معها، كانت ساي الوحيدة ~~التي استطاعت أن تقنعني أن السعادة بسيطة وتأتي من أمور بسيطة، فتذوق وجبة طعام لذيذة ~~كانت سعادة لدى ساي، نهاية سعيدة لرواية تقرؤها كانت سعادة أيضا، أمور بسيطة جدا ~~ولكنها كانت تخلق السعادة لدى ساي على عكسي سابقا حيث لم أشعر بالسعادة إلا بإنجازاتي ~~العظيمة، كنت أعتبر أن السعادة تنبع من الإنجاز فقط؛ لذا عشت حياتي في سباق مع نفسي، كانت ~~ساي على اطلاع بطبيعتي؛ ms79 لذا حين رأت ردة فعلي اتجاه الطفل حللتها وفسرتها نفسيا أن ~~كبريائي لن يسمح لي بتقبل طفل مريض يعاني، فساي طبيبة نفسية، وعبثا كانت كل ~~تبريراتي التي أبرر بها لنفسي. # بعد استيقاظها من الغيبوبة باءت كل محاولاتي في مواساتها بالفشل، كانت ترفض سماعي، ترفض ~~حتى الطعام، كانت معنوياتها محطمة خاصة بعد إخبارها بأنهم اضطروا لاستئصال الرحم ~~لإنقاذها، لم يتعامل معها الطبيب بالطريقة التي يتعامل بها مع باقي المرضى، فكر فقط أنها ~~طبيبة مثله بل أيضا طبيبة نفسية، إذن هي قادرة على تلقي الصدمات بشكل أفضل من ~~غيرها، فمهمتها هي إخراج الناس من صدماتهم ومن اكتئابهم، ألن تستطيع إنقاذ نفسها إذن! نسي ~~أنها أنثى، أنها تحتاج لأن تكون أما، نسي أنهم استأصلوا جزءا من كيانها. # استمر الحال لأسبوع مع ساي، لا تنطق بحرف وترفض الطعام؛ لذا قاموا بتركيب المحاليل ~~الغذائية لتصلها عبر الدم مباشرة. كانت ساي تستيقظ وتركز نظرها على جهة معينة، غالبا ~~نحو الحديقة، تغالبها دموعها ثم تعاود النوم. في البداية حاولت التحدث معها لكن وجدت ~~ألا جدوى من المحاولة، كانت كالأطفال تماما، تضع يديها على أذنيها ثم تضع رأسها في حجرها ~~وتبكي بصوت عال كالعويل تماما؛ لذا بعد أربع محاولات في يومين متتاليين توقفت وتركتها ~~على راحتها كما ترغب هي. كنت موجودا معها في المستشفى، ولكني أعتقد أني بالنسبة إليها لست ~~إلا كأي قطعة أثاث في الغرفة، لم تعرني أي انتباه. في نهاية الأسبوع وبعد خمسة أيام من ~~الصمت القاتل بالنسبة إلي، حاولت أخيرا التحدث مع ساي، حاولت أن أكسر جدار الصمت بيننا، ~~في البداية لم تجبني ولم تعطني أي اهتمام ولكن مع إصراري الشديد على محادثتها التفتت إلي ~~قائلة: ألا يكفيك ما حدث؟ ها قد حرمت من الأطفال مدى الحياة، ألم تكن هذه رغبتك منذ ~~البداية؟! # صدمت، توقعت كل شيء إلا أن تأتيني إجابة كهذه، هل هذا حقا تفكير ساي بي الآن؟! أم ~~أنه مجرد تنفيس عن غضبها؟! # لم أستطع الرد عليها بشيء فماذا ستنفع الإجابات والتبريرات والتوضيحات ms80 أمام تفكير ~~كهذا! وإن كان مجرد تنفيس عن غضبها فالأفضل أن أنتظرها حتى تهدأ، حتى توقن أنها ليست ~~الضحية وأن الجميع تآمر على طفلها، حتى تدرك أن هذا هو قدرنا معا وليس قدرها وحدها، ~~حتى تدرك أن الطفل هو طفلي أيضا وأنها خسارة لي أيضا، ولكن لن تنفع أي من هذه ~~التفسيرات؛ لذا فضلت الصمت وغادرت الغرفة. كنت أعلم أن ساي ستعاني ولن تتقبل الموضوع ~~أبدا ولكن أن تجعلني المجرم وهي الضحية هذا ما لم أتوقعه ولن أقبله. # ساي # بعد ما حدث معي لم أستطع احتمال الصدمة، قررت الابتعاد عن كل شيء، عن عملي، عن أصدقائي ~~ومجتمعي، والأهم من هذا وذاك قررت الابتعاد عن هيروكي، أخبرته أن كلماته لن تجدي نفعا ~~معي الآن وأني لا أرغب بنظرة شفقة تزيد من تعاستي. # وافقني هيروكي لأنه أيقن أن لا طائل من مناقشتي وجدالي، فبالفعل لم تعد تجدي معي الكلمات ~~نفعا، كان ألمي شديدا، أشد من أن أحتمله مع كل ما احتملته سابقا، وكل ما استطعت تخطيه، ~~إلا أني قررت عدم التخطي هذه المرة. انزويت في ذاك المخبأ الصغير في داخلي وقررت ~~البقاء فيه، لم أعد أرغب في الخروج من ذاك المخبأ؛ فقد كان يمثل منطقة الراحة لي، على الرغم ~~من أني في الأربعينيات إلا أني أحلم كل يوم بالاختباء في حجر والدتي والبكاء عليه، أو ~~الاتكاء على كتف والدي لأبوح له عما في داخلي. كنت أشعر بالوحدة القاتلة على الرغم من ~~أني كنت الإنسانة الأكثر اجتماعية، لكني الآن وصلت لنقطة أعلن فيها أني تعبة من كل ~~شيء ومن اللاشيء. كان أكثر ما يحزنني أني لا أجد كلمات تعبر عن مشاعري، عن ألمي، أنا ~~ساي الطبيبة النفسية التي عالجت أكثر من مائة حالة اكتئاب، أقف الآن أمام نفسي عاجزة عن ~~الأخذ بيدي، أبحث عن كتب تشرح ألمي فلا أرى، أبحث عن أغاني وأشعار تصف حالتي فلا أسمع إلا ~~أغاني وأشعارا عن الأحباء وفراقهم، وكأن ألم الحياة يقتصر على فراق شخصين فقط، ألم ~~يفكروا ms81 أن يكتبوا عن الآلام الأخرى! # بقيت على هذه الحال قرابة السنة، يتردد هيروكي في زيارتي مرتين في الأسبوع، يعد لي ~~طعامي، يأكل معي، لا أبادله أي حديث. مع مرور تلك المدة الطويلة التي أمضيتها بالاكتئاب، ~~اكتشفت أن أسهل ما يستطيع الإنسان فعله هو أن يدمر نفسه بنفسه، وها أنا ذا أقوم بذلك منذ ~~سنة وما زالت مستمرة، اكتشفت لم لم ينجح العلاج مع بعض مرضاي، لم لم أستطع إخراجهم مما ~~هم فيه، فربما كانوا في منطقة الراحة لديهم ولا يريدون الخروج منها، بل على العكس كانوا ~~يخافون من الأشخاص الذين يرغبون بمساعدتهم، لأنهم يعتبرون أنهم يريدون إخراجهم من مناطق ~~راحتهم الخاصة. # كانت جميع الأيام متساوية بالنسبة لي، لا أعياد ميلاد تعنيني، لا مناسبات خاصة ~~تهمني، كل الأيام متساوية ما عدا يوما واحدا فقط، هو يوم إجهاضي لطفلي واستئصال الرحم، ~~كان هذا اليوم بالنسبة لي هو الإعلان لهزيمتي بحربي، كنت أعتبر نفسي في معركة أنا وهذا ~~الجنين، وحين خسرته استسلمت، لم يعد هناك شيء لأقاتل من أجله في هذه الحياة، رفعت الراية ~~البيضاء وانزويت في جحري معلنة توقفي عن الحياة، بين الحين والآخر كانت تخطر لي أفكار ~~سوداء عن إنهائي لحياتي ولكني كنت خائفة، لم أكن أمتلك شجاعة الانسحاب، أو ربما في أعماق ~~أعماقي كان هناك ضوء أبيض خافت يحاول بين الحين والآخر انتزاعي مما أنا فيه. # هيروكي # تغيرت ساي، تغيرت ملامحها، لم تعد مشرقة كما قبل، حتى شعرها بدأ يكتسي بالشيب، لم أكن ~~أذكر أني رأيت هذا الكم من الشيب في رأسها، بدأت تظهر بعض التجاعيد على ملامح وجهها، ومسحة ~~الكآبة كستها بالكامل. لم أعد أرى أي شبيه لساي التي أحببتها في تلك الإنسانة التي أمامي ~~الآن، ولكن هذا لا يعطيني أي حق في التخلي عنها أو فقدان اهتمامي بها أو عدم محبتها، ~~كنت أعلم أن لا أحد قادر على مساعدتها سوى نفسها، لذا وقفت صامتا أؤدي دور المشاهد ~~المتألم. هل أنا سلبي إلى حد ما؟! كنت أسأل نفسي دائما، ms82 هل بوسعي فعل شيء لم ~~أفعله! # كنت أتمنى لو أنها تصرخ، أو تلوم، أو تبكي، لكي أستطيع التفاعل معها، أما أن تبقى ~~جسدا بلا روح فهذا أكثر ما يعذبني. ما زال لدي طاقة للصبر على ما تفعله ساي بنا، فأنا ~~موقن أنه ليس من حقي أن أقرر متى عليها إنهاء حزنها، لا يحق لي تقييم كمية حزنها ~~بأيام أو شهور تستطيع استهلاكها ثم تعود ساي الطبيعية. لكني في الوقت نفسه، لم أعد ~~أستطيع رؤيتها تذوب أمامي، فقلبي لا يقوى على ذلك، أريد أن أرى ابتسامتها مجددا. قررت أن ~~أبهجها في أحد الأيام وذلك بأشياء بسيطة. كان موعد ذهابي إلى منزلها، فأحضرت معي حلواها ~~المفضلة وأعددت لها الطعام كالعادة. لم يخطر ببالي أن اليوم يشكل ذكرى سيئة لساي، كنت ~~أتذكر الفترة بشكل عام وليس اليوم بالتحديد، ولم يخطر ببالي أن ساي التي لم تعد تميز ~~حتى الفصول عن بعضها، ستميز هذا اليوم أو تذكره، أما ساي حين رأت مائدة الطعام المعدة ~~بانتظام والحلوى المشتراة جن جنونها، وبدأت بالصراخ: أخيرا ظهرت على حقيقتك، ها أنت ذا ~~تحتفل بفقداني لطفلي. # هنا بالذات جن جنوني، وطلبت منها أن تصمت ولا تتكلم، لم تذعن وعاودت الصراخ، أخبرتها أن ~~تصمت ولكن ما زالت على هذه الحال، حين هممت بالتكلم وضعت ساي يديها على أذنيها وهي ترفض ~~الاستماع وبدأت بالصراخ: اخرج من هنا لا أود رؤيتك مجددا، لا أود رؤية أحد هنا، دعوني ~~وحدي، لا أريد وجودك في حياتي، لا أريد وجود أي أحد في حياتي. # أمسكتها بعنف وبدأت أصرخ في وجهها: ساي! هذا يكفي، لم أعد أحتمل أفعالك، لم أعد أطيق كل ~~ما تتفوهين به، منذ سنة كاملة وأنت تتذمرين وتتذمرين فقط، حاولت أن أحتوي حزنك وغضبك، حاولت ~~أن أبقى بجانبك، تغاضيت عن عدم شعورك بي، وبحزني، وبألمي، كما لو أنك وحدك من تألم، ووحدك ~~من فقد، ووحدك من عانى، لم أطالبك بأن تشعري بي أو تواسيني، كنت أود فقط أن تخرجي من حالتك ~~تلك، لكنك ms83 كل يوم تزدادين عنادا وجنونا، كل يوم تصبح كلماتك وأفعالك أقسى وأشد عنفا، ~~لم أتخيل يوما أن تصلي إلى تلك الحالة، ولم أتخيل يوما أن أرى وضعنا كما هو الآن، ~~أخبريني ما الذي علي أن أفعله ولم أفعل؟ # كنت أصرخ بكل قوتي، وغضبي، وألمي، كنت أصرخ وأنا أقول تلك الكلمات التي تراكمت في نفسي، ~~تجمدت ساي في تلك اللحظات أمامي، فمن الواضح أنها لم تتوقع أن تكون ردة فعلي عنيفة، فقد ~~اعتادت على صمتي المتكرر لكلامها الجارح والقاسي، وأنا لم أعد أحتمل بعد الآن. # أنهيت كلامي ودفعتها عني من غير أن أوقعها أو أسبب لها أذى، خرجت من شقتها وأنا أقسم ~~أني لن أعود ثانية إليها، أغلقت باب الشقة بقوة وقسوة، وتركتها في جنونها ومضيت. # ساي # كنت أتوقع عودته بعد ساعة أو ساعتين، لكن مضت خمس ساعات ولم يأت، ثم مضى يومان ولم ~~يأت في موعده المعتاد، ثم مضى أسبوعان والحال ذاتها. وها هو آخر إنسان في حياتي لم يعد ~~يظهر ولم يعد موجودا، إلا أنه بات يرسل امرأة لتقوم بتنظيف المنزل وإعداد الطعام لي. مضى ~~الشهر والحال ذاتها، ثم سألت تلك المرأة بعد مرور الشهر: أين هو البروفيسور ~~هيروكي؟ # قالت لي إنها لا تعلم، لقد تم توظيفها وهي تقوم بعملها فحسب. مع مرور تلك الأيام، ~~بدأت حركتي تتقلص في المنزل، بات موحشا أكثر فأكثر. فعلى الأقل حين كان يتردد هيروكي ~~علي لم أكن أشعر بوحشة المكان، يوما بعد يوم كانت المساحة التي أتحرك بها تصغر إلى أن ~~غدوت لا أغادر مكاني إطلاقا. هنا أحسست أني لا أحتمل غيابه وبعده عني، أنا أشتاق ~~للمساته الدافئة، أشتاق لابتسامته الهادئة، إن كان قد أصابه أي مكروه فسيزيد جنوني ~~جنونا، أيقنت أني لا أزال أحبه. في السنة الماضية، ربما كنت أعد وجوده معي هو الشيء ~~الطبيعي وأنه لن يبتعد عني مهما حصل، لكني كنت قاسية عليه وعلى نفسي أيضا، تذكرت ~~قسوة هاك معي وكيف أني ألعب دور هاك الآن بل وأتقنه أيضا، هنا ms84 تفهمت قليلا انفصال هاك ~~عني بالرغم من الحب المتبادل بيننا، فالحب وحده لا يكفي لاستمرار العلاقات . # ولأول مرة منذ سنة تقريبا بادرت أنا بالاتصال بهيروكي. كنت متلهفة لسماع صوته وفي ~~الوقت نفسه غاضبة منه، لم أكن أعلم حقيقة ماذا سأقول له؟ هل أبدأ حديثي بالعتاب عليه وعلى ~~غيابه المتواصل عني، أم يكفينا هذا الجفاء الذي وصلنا إليه، إذن سأبدأ بالاعتذار، ولكن هل ~~سيعتبر اعتذاري ضعفا؟! لا ليس هيروكي من يعتبر أن الاعتذار ضعف، ولكني مع هذا كنت ~~مترددة جدا من الاعتذار. قاطع هذه الأفكار صوت المجيب الآلي يخبرني أن الرقم المطلوب ~~خارج نطاق التغطية، حاولت بعد ساعة، ساعتين، في اليوم التالي، هنا فقدت السيطرة على نفسي ~~وبدأت بالبكاء، بكيت بحرقة، حرقة من عرف ألم الفقد ومن يخاف أن يفقد مرة أخرى، أبكي ولكن ~~هذه المرة لا يوجد أحد معي يخبرني أن كل شيء على ما يرام، وأن الأمور لا بد أن ~~تتحسن، كنت أشعر أني مقيدة الحركة وأنه ليس بيدي حيلة أفعلها. كان الاكتئاب قد أخذ ~~مني مأخذه فأصبحت أشعر دوما أن لا حيلة لي، ولكن هذه المرة حاولت بشتى الطرق محاربة ~~تلك الأفكار السوداوية، أخذت حبوبي المهدئة التي اعتدت عليها منذ رحيل جنيني، وجلست واضعة ~~رأسي في حجري علي أستطيع السيطرة على نفسي. # بعدها سألت نفسي: ماذا لو كان لا يرغب في سماع صوتي بالأصل؟ ماذا لو أنه حقا لم يعد ~~يحتملني؟ ماذا سأفعل حينها؟ حين طردته هل كنت حقا أعني ما قلته؟ لا أدري! لكني بحاجة ~~إليه. فكرت كثيرا ثم قررت الذهاب إلى منزلنا. # وأنا في طريقي إليه كنت أحلم أنه سيراني ويأخذني بين ذراعيه، لكن لم أكن واثقة من ذلك ~~أبدا. دخلت إلى المنزل بخطوات هادئة فرأيت الأنوار مطفأة، وهذا يعني أنه نائم أو ربما ~~ليس موجودا في المنزل. توجهت نحو غرفة النوم فوجدته نائما. نظرت بهدوء للغرفة؛ فقد كدت ~~أنسى تفاصيلها، منذ سنة وأنا لم آت إلى بيتنا، أمعنت النظر مجددا لأجد إطار صورة، ~~أمسكتها لأراها، ms85 كانت صورة قد التقطت في أول ذكرى زواج لنا معا، كنا في مطعم صغير ~~في وسط المدينة نحتفل بهدوء، لم تكن الصورة بتلك الاحترافية، لكن كانت تعني لنا الكثير لذا ~~وضعناها في غرفتنا. تذكرت حينها أني في تلك اللحظة كنت أخبره أن تلك السنة كانت أجمل ~~سنين حياتي، تذكرت أني كنت أعده أن نبقى معا إلى الأبد، تذكرت رقصته معي تلك الليلة على ~~أنغام البيانو بعد أن عزفت لنا مقطوعة خاصة، كانت تلك المقطوعة هديته لي في ذلك اليوم، ~~تذكرت كيف أدركت في ذلك اليوم أنه وحده هيروكي الذي يعلم ما أحب، وحده هيروكي الذي يعلم ~~كيف يسعدني، تذكرت سعادتنا معا ومن ثم نظرت لحالنا. لم أعد أتمالك نفسي، دنوت إليه، طبعت ~~قبلة على جبينه، لقد اشتقت لكل تفاصيله، ظللت أمسح على شعره، كنت أريده أن يشعر بوجودي، ~~لكنه لم يفعل. أتاني شعور أن لا مكان لي هنا بعد الآن، هو مستقر الآن، لقد دخلت حياته وقمت ~~بالعبث بها. لا بد وأنه يشعر بالارتياح والهدوء، لم أعد أرغب أن أزعجه بعد الآن، أدركت ~~أن عودتي إليه ستؤذيه، فأنا لم أعد أصلح له، كما قال لي، فأنا مجنونة، ربما هو ~~محق! # أخذت إطار الصورة معي، بدأت دموعي بالانهمار وأنا أغادر الغرفة، ومن ثم أغادر باب ~~المنزل. وصلت إلى الحديقة وأنا خائفة، كيف سأعود إلى شقتي مجددا؟ لا أريد أن أبقى وحدي، كان ~~اليأس يحوم حولي، وكل ما حولي ظلام. مع كل خطوة كنت أتقدمها كنت أشعر كما لو أني أهرب ~~من الدفء إلى البرد، من السعادة إلى التعاسة، أهرب بإرادتي من عالم مليء بالتفاؤل والأمل ~~إلى عالم موحش وبائس. وقفت قليلا، ما الذي يجعلني أختار بنفسي هذا الخيار القبيح؟ هل أنا ~~بهذا القدر من الغباء! شيء ما كان يدفعني ألا أعود، فأنا لست متأكدة من أن هيروكي سيقبل ~~عودتي مرة أخرى. # هممت أن أكمل خطواتي لأخرج من باب الحديقة، فرأيت شبح الوحدة يحاوطني ويكاد يفتك بي، ذعرت ~~وصرخت وأوقعت إطار الصورة ms86 الذي كان بيدي أرضا. غطيت وجهي بكفي وبدأت بالبكاء، لم أستطع أن ~~أظل واقفة، فجلست على الأرض وأنا أرتجف من خوفي. كل تلك الأعراض تؤكد أنني مصابة بخلل ~~نفسي، كنت أعلم أن الاكتئاب قد نال مني، وأن وضعي النفسي سيئ جدا، لكن لم أعتقد أني ~~وصلت لدرجة التوهم. لطالما سمعت تلك الأعراض من المرضى، كنت أصدقهم وأحاول تفهم شعورهم ~~وتصور حالتهم، وكنت أظن أني أفهمه بشكل قريب، لكن حين عشت الأمر وجدته مختلفا، كم كان ~~مرعبا ومخيفا أن أبدأ برؤية أشياء لا وجود لها، وسماع أصوات لا مصدر لها. بقيت في مكاني ~~أرتجف وأنا أفكر بحالتي الجديدة تلك، لم أجرؤ أن أفتح عيني مجددا فأنا ما زلت أسمع صوت ~~شبح الوحدة ذاك، أسمعه يدوي في أذني، ينذرني بأيام سوداء، وليال حالكة الظلمة. شعرت ~~برياح حولي تأخذني يمنة ويسرة، وتخيلت وجود عاصفة تقترب مني لتأخذني معها وترميني في ~~مكان بعيد، بعيد حيث لا أحد يراني أو يسمعني، ولن يكترث أحد ببعدي. لم اعتدت الخسارة ~~دائما؟ لم لا أستطيع إنقاذ نفسي بنفسي؟ لم أعتمد على الآخرين؟ لم أنا هشة إلى هذا الحد؟ ~~لكنني حاولت كثيرا وفشلت؟ لا أحد في هذه الدنيا يستطيع أن يعتمد على نفسه وحسب، كذب ما ~~يقال، أنه باستطاعتنا المضي قدما بعزمنا وقوتنا وإرادتنا فقط، ربما هناك من يستطيع ~~القيام بذلك، لكن ما أعرفه أني لست من هؤلاء الأشخاص. # لا أريد أن أرفع وجهي، ولا أريد أن أعود وحدي، كررت تلك الكلمات وأكملت لعبة التخيل ~~والجنون، فما زالت العاصفة تقترب مني أكثر فأكثر، عدة دقائق وستصل إلي وستنال مني، وما ~~زال الشبح يهزأ بي، وأصوات الرعب تعلو وصداها يكاد يصم أذني، وأنا بصغر جسدي في هذا ~~المشهد وضعف روحي، أنتظر مصيري بلا سند، وبقلب مثقل بالأسى. كان ما ينقص هذا المشهد ~~مقطع أخير، ينهي المأساة. قررت أن أرسم ذلك المشهد بقلبي، وأرى تفاصيله لأعيش لحظات حب ~~ودفء أخيرة على باب حديقة منزل هيروكي، هيروكي الذي ضاق ذرعا بتصرفاتي، سنة ms87 كاملة وأنا ~~أتفنن في تعذيبه وإيذائه، لم أترك كلمة إلا وجرحته بها، لم أترك وصفا واتهاما إلا ~~واتهمته به، سنة كاملة وهو يحاول عبثا أن يعيد قلبي إلى الحياة، سنة كاملة وشهر، نعم ~~أنا لم أفقد إحساس الزمان، ما زالت أذكر آخر يوم قبل معرفة خبر الحمل، كان يوما عاديا ~~من حياتنا، يوما مليئا بالحب وكلمات الغزل والمزاح، يوما مليئا بالحياة. قررت أن أراه ~~يجري نحوي، أنادي باسمه وينادي باسمي، قررت أن أراه وهو يضمني بين ذراعيه، قررت أن أشعر ~~بلمسة يديه تمسح كل دموعي، قررت أن أسمع كلماته وهو يخبرني أن كل شيء على ما يرام وهو ~~بجانبي دائما وأبدا، قررت أن أصدق خيالاتي وأسمع صدى صوته في أعماقي، وبرعت في ذلك، فقد ~~شممت رائحة عطره التي اشتقت إليها، وأمسكت يديه، وغرست وجهي في صدره، لا أريد أن أتركه أو ~~يتركني، كما لا أريد أن أستفيق من هذا الحلم الجميل. # هيروكي # عندما صرخت ساي في وجهي، تتهمني أني أحتفل بفقدانها لطفلها ولفرصة الإنجاب مجددا أيقنت ~~أن ساي قد جنت حقا. على مدى السنة التي مضت كنت أجد لها مبررات وأعذارا لتصرفاتها، لكن ~~في ذاك اليوم لم يعد في جعبتي أي منها، لم أعد أستطيع إقناع نفسي بأن هناك أملا من ~~عودتها إلى رشدها، هي تزداد جنونا كلما مضت الأيام. في ذلك اليوم اقتنعت أن لصبري حدودا، ~~وأن الحب وحده لن يحل المشكلة، وأن لا فائدة من إصراري على البقاء إلى جانبها. لم يعد الأمر ~~متعلقا بالوفاء أو الإخلاص، هي لا تريد رؤية وجهي مجددا، وربما أنا أزيد من تعاستها ~~بينما أظن أن إصراري سيسعدها، لكن من الواضح أنه لا يسعدها البتة. # قررت قرارا صارما ألا أعود ثانية إلى منزلها، وألا أتصل بها، وأنا إن قررت أمرا ~~أنفذه. وكلت امرأة لتقوم بالعناية بها وبمنزلها، فتحضر لها طعامها وتطمئن عليها يوميا، ~~وأوصيتها في حال طرأ أمر مهم أن تعلمني به، عدا ذلك لا أريد أن أعلم شيئا عما يحدث مع ~~ساي، ms88 ولا أريد أن أتتبعها بعد الآن، لديها حريتها الكاملة بتصرفاتها، وحين ستستعيد توازنها ~~تستطيع أن تقرر مصيرنا كزوجين، أما الآن لا أريد أن أفتح هذه المواضيع. # مر أول شهر بسلاسة، فأنا أصلا أعيش وحدي منذ أكثر من سنة. رغم ذلك فقد كان الفضول ~~ينتابني في بعض الأيام لأعلم ما تفعله الآن وما تفكر به عن اختفائي، لكني كنت أتجاوز تلك ~~الأفكار بسهولة. لكن بعد مضي ذلك الشهر، وفي إحدى الليالي كنت أتصفح كتبي وأنا مستلق على ~~سريري، شعرت بباب المنزل وهو يفتح بالمفتاح، فعلمت أنها هي: ساي، نظرت من خلال الكاميرات ~~فرأيتها تدخل بهدوء وهي مرتدية ملابسها الرياضية، ملابس مشابهة لتلك التي رأيتها فيها ~~أول يوم التقينا به أثناء مقابلتها. لا أنكر أن قلبي كان يخفق شوقا إليها ولكن عقلي ~~يمنعني عن ملاقاتها، يذكرني بآخر لقاء لنا وكيف كاد يتحول إلى مأساة، بل تحول بالفعل؛ ~~لذا فضلت ألا نتقابل فنتحدث وتبدأ المشاكل، كان الحل الأمثل بالنسبة إلي هو التظاهر ~~بالنوم، فحتى إن كان قرارنا النهائي أنا وساي هو الانفصال فعلى الأقل ليكن انفصالا راقيا ~~كرقي العلاقة التي جمعتنا؛ ولهذا قررت لحظة مجيئها الانسحاب، لم أنسحب لأني لا أرغب ~~برؤيتها، بل انسحبت حتى لا نجرح بعضنا ونلوم بعضنا أكثر، لطالما كان فن الانسحاب من ~~الفنون التي أجيدها سواء في حياتي المهنية أو الشخصية ولكني لم أكن أتخيل أن يأتي ~~اليوم الذي أطبق فيه فن الانسحاب على علاقتي مع ساي. حقيقة أنا لا أعلم لم أتت، ربما ~~تود أخذ شيء من أغراضها التي في منزلي، أطفأت أنوار الغرفة، أغلقت كتابي، وضعت رأسي ~~على وسادتي وأغلقت عيني. # عندما وصلت ساي إلى غرفتنا، تسللت بهدوء، اتجهت نحوي أولا، ثم غيرت اتجاهها، لم ~~أستطع أن أميز ما تبحث عنه؛ فقد جلست على طرف السرير من الجهة الأخرى، وفجأة بدأت ساي ~~بالانتحاب، اقتربت مني ومسحت على شعري بحنان، قبلت جبيني ومن ثم مضت. كان قلبي يخفق ~~بشدة، فمنذ سنة وهي لا تكترث بي أبدا، كدت أنهض ms89 لأراها لكنني لم أرغب بمفاجآت من ساي، ~~لم أعد أتوقع ما هي ردة فعلها، قد تعود لجنونها مجددا إن تحدثت معها، قد أخبرها أني ~~اشتقت إليها وتجيب أني اشتقت لأرى تعاستها، وقد أخبرها أنه قد مر وقت طويل لم نلتق ~~به، فتجيب أنني المذنب، لم أعد أتوقع إلا السلبي منها. أخذت شيئا بيدها لم أميز ما هو ~~وخرجت من الغرفة، مشت بخطوات هادئة وهي تبكي وسمعت صوت إغلاق باب المنزل. كان الهدوء ~~شديدا في تلك الليلة؛ لذا استطعت أن أسمع خطواتها في الحديقة. # بعد عشرين دقيقة خمنت أنها قد وصلت إلى منزلها. لكني فجأة سمعت صوت صراخ في الحديقة، ~~كان صوت ساي، وكما لو أنها أوقعت شيئا منها وانكسر، جريت مسرعا ونظرت من النافذة فرأيتها ~~ما زالت على باب الحديقة الخارجية، مرتمية على الأرض وهي تمسك بصورة لنا، يبدو أن تلك ~~الصورة هي ما أخدته من الغرفة قبل قليل، كان إطار الصورة مكسورا أمامها. لم أفهم لم هي ما ~~زالت هنا، وماذا حدث بالضبط. # بقيت أراقبها وأنا داخل المنزل، أراقب كسرها وكسري، كان ضوء الحديقة يظهر وجهها بشكل ~~واضح، كانت الدموع تنهمر من عينيها، ومع كل دمعة كنت أشعر أن قلبي يكاد يتوقف، في كل ~~مرة أحاول أن أخطو نحوها، أتذكر الوعد الذي وعدته لنفسي بالانسحاب من حياتها، أشعر أني سبب ~~كل الألم الذي ألم بها في الآونة الأخيرة ولا أرغب في أن أتسبب لها بالمزيد من الآلام، ~~كان قلبي يخبرني أن ما أقوله هو مجرد كلام لأرضي ضميري نحوها وأني لم أعد أحتمل المزيد ~~من المشاكل لذا انسحبت، انسحبت لمصلحتي لا لمصلحتها ولكن يأبى عقلي أن يطاوعه ويخبرني أن ~~ما أفعله هو الأفضل لكلينا. في النهاية بقيت على حالي تلك، مكتفيا بالمراقبة من بعيد، أدعو ~~في سري أن تقودها خطاها لحضني وتعود لي. # حين همت بالنهوض من مكانها بدأ قلبي يخفق بشدة شعرت أن مصيرنا نحن الاثنين سيتحدد في ~~الدقائق التالية وإلى الأبد، نهضت من مكانها وهي تبكي، وأخيرا ms90 اتجهت مجددا نحو باب ~~المنزل عائدة، كانت تبكي وتنادي باسمي، شعرت بسعادة غامرة، سعادة تعادل الدموع التي ~~تنهمر من عينيها، ركضت نحو الباب لأفتحه حتى قبل أن تقرعه أو تفتحه هي، فما دامت قد عزمت ~~على العودة واختارتني فسأبقى متمسكا بها، رأيتها أمامي بوجهها البريء الذي أعشقه. # فتحت ذراعي لها وضممتها إلى صدري وأحكمت الضمة، همست لها: اشتقت إليك. # أجابتني: أحبك. # أعادتها عشرات المرات، في كل مرة كنت أطبع قبلة على رأسها وأخبرها أني أحبها أكثر، ~~وأفكر بكل جميل أعطته لي، وبكل حياة أضافتها لروحي، وبكل ابتسامة وهبتها ~~لحياتي. # فالحب بالحب، والعطاء بالعطاء، والوفاء بالوفاء، والبادئ أكرم. ~~(تمت) ms91