######OpenITI# #META# URI: 1450SairBasmaji.TarikhCilmHarara.Hindawi81461536 #META# Tags: history #META# ID: 81461536 #META# Title: تاريخ علم الحرارة: مراحل تطور مفاهيم الحرارة وتطبيقاتها وإسهامات العلماء العرب والمسلمين فيها #META# AuthorID: 48474625 #META# Author: سائر بصمه جي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # الباب الأول: مفاهيم الحرارة الأساسية‏ # 1 - ما تعريف الحرارة؟‏ # 2 - آليات انتقال الحرارة‏ # 3 - تأثير الحرارة على حالات المادة‏ # 4 - العلاقة بين الحرارة والحركة‏ # 5 - الانتقال من الكمون الحراري إلى الحرارة الكامنة‏ # الباب الثاني: تطور علم القياس الحراري‏ # 1 - القياس الحراري عند اليونانيين‏ # 2 - القياس الحراري عند العلماء العرب والمسلمين‏ # 3 - القياس الحراري عند الأوروبيين‏ # الباب الثالث: مصادر الحرارة الرئيسة‏ # 1 - جذور العلاقة بين البشر والنار‏ # 2 - منبع الحرارة الأرضية‏ # 3 - تطور نظرية الاحتراق والتنفس‏ # الباب الرابع: تطبيقات حرارية‏ # 1 - رحلة البحث عن المحركات الأبدية‏ # 2 - الآلات الحرارية: تحويل الحرارة إلى عمل‏ # 3 - الحرارة والعمارة‏ # خاتمةحول إسهامات العلماء العرب والمسلمين في تاريخ علم الحرارة‏ # قائمة المصادر والمراجع‏ # مقدمة‏ # الباب الأول: مفاهيم الحرارة الأساسية‏ # 1 - ما تعريف الحرارة؟‏ # 2 - آليات انتقال الحرارة‏ # 3 - تأثير الحرارة على حالات المادة‏ # 4 - العلاقة بين الحرارة والحركة‏ # 5 - الانتقال من الكمون الحراري إلى الحرارة الكامنة‏ # الباب الثاني: تطور علم القياس الحراري‏ # 1 - القياس الحراري عند اليونانيين‏ # 2 - القياس الحراري عند العلماء العرب والمسلمين‏ # 3 - القياس الحراري عند الأوروبيين‏ # الباب الثالث: مصادر الحرارة الرئيسة‏ # 1 - جذور العلاقة بين البشر والنار‏ # 2 - منبع الحرارة الأرضية‏ # 3 - تطور نظرية الاحتراق والتنفس‏ # الباب الرابع: تطبيقات حرارية‏ # 1 - رحلة البحث عن المحركات الأبدية‏ # 2 - الآلات الحرارية: تحويل الحرارة إلى عمل‏ # 3 - الحرارة والعمارة‏ # خاتمةحول إسهامات العلماء العرب والمسلمين في تاريخ علم الحرارة‏ # قائمة المصادر والمراجع‏ # | تاريخ علم الحرارة # | تاريخ علم الحرارة # | مراحل تطور مفاهيم الحرارة وتطبيقاتها وإسهامات العلماء العرب والمسلمين فيها # تأليف # سائر بصمه جي # | مقدمة # يعد البحث في جذور المفاهيم الأساسية للحرارة واحدا من أقدم وأعقد الموضوعات العلمية التاريخية، ويمكننا اعتباره أقدم من الرياضيات والفلك؛ فالحياة على كوكب الأرض لا يمكن لها أن تستمر في الوجود أصلا دون درجة حرارة مناسبة، وقد حبا المولى - عز وجل - كوكب الأرض مكانة في الفضاء؛ حيث إننا لو كنا أقرب لكوكب الزهرة لارتفعت درجة الحرارة واستحالت الحياة، ولو كنا أقرب لكوكب المريخ ms001 لانخفضت درجة الحرارة واستحالت الحياة أيضا على كوكب الأرض، فجاء موقع الكوكب بتقدير العزيز الحكيم مناسبا وفريدا، ولا يمكن بأي شكل من الأشكال أن يكون لأية مصادفة عبثية دور في ذلك. # لقد أهمل البحث والدراسة في موضوع تاريخ علم الحرارة وتحديد إسهامات العلماء العرب والمسلمين فيه ردحا من الزمن، فالمنقب عن أية دراسات سابقة في الموضوع لن يعثر سوى على دراسة وحيدة يتيمة بعنوان «مفهوم الحرارة في تراثنا العربي الإسلامي» # 1 # قام بها الباحثان همام غصيب، وفؤاد تفال عام 1986م، والتي طالبا فيها منذ ذلك الوقت بضرورة استكمال الموضوع، الدعوة التي لم تجدها صداها في دراسات التراث العلمي العربي. # كذلك سقطت دراسة هذا الموضوع من أعمال المستشرقين الغربيين، خصوصا أولئك الذين ركزوا جهودهم على التراث العلمي العربي، حتى إن بعضهم شكك # 2 # بوجود أية معرفة علمية للعرب بعلم الحرارة؛ نظرا لعدم وجود مقياس يضبط ظاهراته، لذلك تعد الغالبية العظمى من المؤرخين العلميين أن علم الحرارة تأسس وبدأ من لحظة إعادة جاليليو اختراع مكشافه الحراري الهوائي؛ الأمر الذي جعلنا نشمر عن ساعد الجد، وأن نبذل كل طاقتنا وجهدنا للبحث في حقيقة الأمر، والعودة للأصول من مخطوطات ونصوص عربية وأجنبية. # 3 # بدأت دراستنا بالتساؤل: أيعقل لحضارة عربية إسلامية راقية ألا يفطن علماؤها لمفهوم الحرارة وما يتعلق بها من تطبيقات؟ # قد يستغرب الكثير من القراء إذا علموا أنني حتى أحصل على الإجابة بدأت بتجميع مادة هذا العمل منذ عام 2005م وحتى عام 2015م، من بطون وشذرات العشرات من مخطوطات التراث العلمي العربي المتبقي، والذي وصلت إليه، لأقدمه اليوم سهل التناول والعرض والتحليل والمقارنة بين أيديهم؛ وذلك لأن الكثير من الباحثين - خصوصا غير المختص منهم - سيجد صعوبة بالغة في اقتناص المادة؛ سواء مما نشر من التراث العلمي العربي، أو من المخطوط منه، ويصنع رابطا بينها لتصلح ككتاب؛ فالمادة مبعثرة هنا وهناك، وتحتاج لهمة عالية في جمعها، ولصبر عظيم في ترتيبها وتصنيفها، بطريقة يسهل فهمها على القارئ المعاصر، ولخبرة علمية عالية في تحليلها وفهمها. وهو ms002 ما قد من به المولى - عز وجل - علينا، فمنحنا الطاقة على حمل الأمانة حتى أدائها. وبعد الانتهاء من العمل علمت السبب الرئيس الذي جعل الكثيرين يحجمون عن تناول هذا الموضوع بحثا وتنقيبا. # لقد حرصنا على تقديم هذا العمل بصورته التاريخية والعلمية المتكاملة؛ فلا يمكن أن نعزل التراث العلمي العربي كظاهرة حضارية منفصلة عمن سبقهم من اليونان أو لحقهم من الأوروبيين؛ لذلك وجدنا أن نحقق فيما أنجزته الحضارات السابقة لنميز أصالة ما قدمه الأجداد، وهي الأصالة التي سيسبقون بها من لحقهم من علماء الحضارة الأوروبية. # تكمن أهمية العمل الذي بين أيدينا بأنه يرصد تاريخ تطور مفاهيم علم الحرارة عبر العصور مرورا بما أنجزه العلماء العرب والمسلمون، وما وصلنا من تراثهم العلمي بشكله النظري والتطبيقي. وقد حاولنا أن نحدد بدقة الإسهامات التي قدمها العلماء العرب والمسلمون، بحيث تكتمل صورة تاريخ هذا العلم تماما لدى القارئ العربي، خصوصا وأن منهجيتنا قائمة على تتبع كل ما أنتجه التراث اليوناني ومقارنته بالإنتاج العربي والإسلامي، ومقارنة الاثنين بتراث عصر النهضة الأوروبية وصولا لنهاية القرن التاسع عشر؛ # 4 # لنخرج بنتيجة حول كل فكرة نقرأ عنها، ومدى تأثر كل حضارة بالبناء المعرفي للحضارة التي سبقتها. # من ناحية أخرى، فقد وجدنا ضرورة إعادة تقييم تاريخ العلم الأوروبي حتى نبحث في أسباب نجاح الثورة العلمية الأوروبية وفشلها عند العرب، كما أننا نبحث في أسباب ما نسميه ب «أثر التضخيم الإعلامي» للإنجازات العلمية الأوروبية، مقابل التقليل من شأن أعمال من سبقهم من العلماء العرب والمسلمين؛ لذلك فقد يعذرنا القارئ من كثرة الاستشهاد بأقوال العلماء العرب والمسلمين، والحقيقة أننا أردنا من ذلك تقديم الدليل على أفكارهم التي طرحوها، وأن تحليلنا لم يكن ضربا من التأويل المبالغ فيه، وإنما عرضا للحقيقة من كل جوانبها. # ومن ناحية ثالثة؛ فإن الكثير من المؤرخين المحدثين الذين يقفون عند المرحلة الأوروبية في تأريخهم لعلم من العلوم أيا كان نوعه، يعتقدون أن بقية قصة هذا العلم، أو بقية مراحل تطور فكرة من الأفكار يمكن للقارئ أن يستكملها من ms003 الكتب الأخرى التي تتكلم عنها، والحقيقة أنني لم أجد من الكتب المترجمة أو المؤلفة التي اطلعت عليها - بعد مسح المكتبة العلمية العربية - ما يمكنه أن يكمل الكثير من الأفكار الفيزيائية التي كنت أبدأ بالتأريخ لها ، وقليلة جدا تلك المراجع العربية التي كانت تقدم لنا قصة تطور فكرة من البداية وحتى النهاية. # وثمة أمر نود الإشارة إليه تمت ملاحظته؛ وهو أن الفجوة الزمنية للاعتراف بالأعمال العلمية من قبل المجتمع العلمي نفسه كانت تضيق كلما اتجهنا نحو القرن التاسع عشر؛ فبينما كان الاعتراف بأعمال اليونانيين والعرب يستغرق مئات السنين في عصور ما قبل الميلاد والوسطى، بات يستغرق عشرات السنين بعد عصر النهضة الأوروبية، ولهذا دلالته؛ فانتشار الطباعة وتوفر وسائل الاتصال والاهتمام بالمؤسسات العلمية ودعم البحث العلمي كل ذلك كان يؤثر على تضييق هذه الفجوة. # وقد يقول البعض: ما لنا واليونان والغرب، لماذا لا نبدأ بالمرحلة العربية وصعودها وننتهي بانحدارها؟ # فنقول ونؤكد: إن موقع العلم العربي هو واسطة العقد بين علمين؛ أحدهما قديم، والآخر حديث. ولا يمكن أن ندرس العلم العربي معزولا عن الإرث اليوناني الذي ارتكز عليه، أو التأثير الذي مارسه على الغرب فيما بعد، طبعا في حال تم الاعتراف بهذا التأثير؛ إذ لا ينفع عزل تاريخ العلم العربي واعتباره ظاهرة مستقلة عن سياقه التاريخي، وإلا فلن يكون حكمنا دقيقا وصحيحا ما لم ندرس المرحلتين السابقة واللاحقة، وكيف تداخلتا مع المرحلة العربية. من ناحية أخرى فإن استعراض أفكار علماء الغرب يرشدنا إلى أمرين؛ # الأول: # مدى تأثرهم أو عدم تأثرهم بالفكر العلمي العربي وأسباب هذا التأثر. # والثاني: # يكشف لنا عن طريقة تفكيرهم إزاء الظاهرات الجديدة التي كانت حجر عثرة أمام تقدمهم. # والخلاصة من ذلك كله هو أخذ الدروس والعبر، وليس مجرد السرد والتوثيق؛ وعليه، فإن إعادة كتابة تاريخ الفيزياء بحضور الإسهامات العلمية العربية والإسلامية بمثابة الكأس المقدسة. # 5 # فمقصدنا هو إكمال الحلقة العربية المفقودة في تاريخ العلوم الفيزيائية عموما، والتي يتم تجاوزها من قبل الكثير من مؤرخي العلوم الغربيين، إما عن قصد أو ms004 عن جهل. هل نعذرهم؟ أم نلوم أنفسنا وتقصيرنا في حق تراثنا وتاريخنا العلمي؟ # سنترك الكتاب يجيبنا بما توصلنا إليه من نتائج مهمة عن إسهامات العلماء العرب والمسلمين في مجال علم الحرارة، والتي كانت غائبة لزمن طويل فيما تبقى من أثر مخطوط. # نشير أخيرا، أن هذا العمل يأتي مكملا للأجزاء السابقة # 6 # في مشروع إعادة كتابة تاريخ الفيزياء العالمية، ولكن بحضور التراث العلمي العربي، ولن يكون الأخير؛ فالسلسلة طويلة، وسنحاول - بما يكتب لنا من الحياة - إكمال حلقاتها، وإكمال صورة المشهد العلمي في مجال الفيزياء إن شاء العزيز القدير. # أسأل المولى - عز وجل - أن أكون قد وفقت في الكشف عن جهود هؤلاء العلماء الذين نفخر - وسنبقى نفخر - بانتمائنا لهم، وانتمائهم لحضارتنا. # والله ولي التوفيق. # د. سائر بصمه جي # حلب، 2019م # الباب الأول # | مفاهيم الحرارة الأساسية # الفصل الأول # | ما تعريف الحرارة؟ # مقدمة # استغرقت رحلة البحث للإجابة عن السؤال المطروح في عنوان هذا الفصل قرونا طويلة، ومماحكات فكرية كثيرة، حتى تم الوصول إليها؛ فالناس في البداية كانت الحرارة تعني لهم مجرد ظاهرة حسية يتلمسون أثرها في الدفء والطعام الناضج والحماية من الوحوش المفترسة. وبقي الحال على ما هو عليه حتى ظهرت فئة من الناس التي تفكر - وهذا ما لمسناه في مرحلة التحضر والمدنية أكثر من مرحلة الرعي والتنقل - وغيرت من نظرتها للظاهرة، وتعاملت معها بشكل أكثر عقلانية. # إن تحديد تعريف مفهوم الحرارة من قبل العلماء والباحثين، هو الذي يضع إطارا للتعامل معها؛ إذ نعرف اليوم الحرارة بأنها شكل من أشكال الطاقة المنتقلة عبر حدود المنظومة، وذلك نتيجة لوجود فروقات في درجة الحرارة عبر الحدود. # 1 # وفي أحدث تعريف للحرارة قدمه الباحثان بلونديل # Blundell # بأن «الحرارة هي طاقة في حالة عبور». # 2 # ويقصدان ب «حالة العبور # in transit ~~» انتقال الطاقة، بخلاف حالة مكوث الطاقة التي تكون في جزيئات المادة نتيجة ارتباطها مع بعضها. ~~ ويرى ستان جيبلسكو # S. ~~ Gibilisco # أن الحرارة في حقيقتها نوع خاص من انتقال الطاقة التي يمكن أن تنتقل من جسم مادي لآخر، ms005 أو من مكان لآخر؛ أي إن الحرارة «ليست طاقة». # 3 # لكن تعريفات الحرارة قبل ذلك تختلف عن تعريفنا الحالي لها. ~~ وهذا هو هدفنا من هذا الفصل؛ إذ سنبحث مختلف التعريفات التي بحثت في طبيعة الحرارة منذ أقدم العصور، وحتى نهاية القرن التاسع عشر، قبل أن وصلنا إلى معرفتها حاليا في إطار مفهوم الطاقة. # المبحث الأول: اليونانيون # التفت اليونانيون إلى مفهوم الحرارة منذ القرن السادس قبل الميلاد، فالكرة النارية المحيطة بكرة الهواء أصلها من الحرارة، كما اعتقد بذلك كل من أنكسمندار وبارمنيدس، ثم قال أفلاطون باندماج الحرارة واليبوسة لتشكيل النار، لحق به أرسطو الذي أرسى فكرة العناصر الأربعة والعنصر الخامس (الأثير)، لكنه انتقد تفسيرات الذريين للحرارة، وأنه يمكن تفسير هذا المفهوم انطلاقا من نظريته في القوة والفعل. لكن لوكريتوس لم يتفق معه، واعتبر أن الحرارة تحل في الجسم الحار، وتنفصل عن الجسم البارد كالروح والجسد. # لكننا سنجد أن التعريف الذي صمد وتم اعتماده في النهاية هو تعريف أرسطو للحرارة بأنها تجمع الأجزاء المتجانسة مع بعضها في المادة. # أنكسمندار (القرن 6ق.م.) # لقد رفض أنكسمندار # Anaximander ~~(توفي 547ق.م.) أن يكون الماء مبدأ أول لوجود المادة في الطبيعة؛ فالماء استحالة للجامد إلى سائل بالحرارة، وهكذا فإن حالة الحار والبارد سابقة عليه. # 4 # وكان يعتقد أن الحار ضد البارد، وهما الضدان الأصليان للأبيرون # Apeiron ~~(أو أصل الأشياء اللامحدود)، ومنهما نشأت الأضداد الأخرى التي نعرفها، وهذا يعني أن الأبيرون مزيج متعادل من الحار والبارد، وليس من كل الأضداد والصفات مستقلة عن الحار والبارد. # 5 # وكان - حسب أنكسمندار - أول ما انفصل عن هذا المزيج هو الحار والبارد؛ حيث تصاعد البخار بفعل الحار، وتشكل من هذا البخار الهواء. أما الراسب فيبس بالتدريج، فكان منه البحر ثم الأرض، وأصبح الحار بعد ذلك كرة نارية حول الهواء كما تتكون القشرة حول الشجرة، ثم تمزقت هذه الكرة النارية فتناثرت أجزاؤها، ودخلت أسطوانات هوائية مبططة هي الكواكب تشتعل فيها النار وتبدو لنا من فوهاتها، فكل ما نراه من وجوه القمر ومن كسوف ms006 وخسوف ناجم إما عن انسداد الفوهات كليا أو جزئيا. # 6 # لقد كانت أفكار أنكسمندار قوية جعلت من بارمنيدس الإيلي (توفي 445ق.م.) Parmenides of Elea # يتبناها، واعتبر أن أصل الوجود هو الحار والبارد، أو النور والظلمة، وعن هذين المبدأين ينشأ الوجود. # 7 # أفلاطون (القرن 4ق.م.) # أفكار أفلاطون Plato ~~(توفي 347ق.م.) حول مفهوم الحرارة نجدها في (روابيع أفلاطون )، والتي علق عليها أحمد بن الحسين بن جهار بختار (القرن 3ه/9م)، لكن شروحات أحمد لم تخرج عن نظرية العناصر الأربعة الأرسطية؛ ففي الرابوع الرابع من قول أفلاطون «ومن التركيب واليبس تولد الحرارة ... إلى أن قال: ومن التركيب والرطوبة تولد البرد». # 8 # فقال أحمد مفسرا ذلك بشكل مقتضب، معتبرا أن لديه القدرة على التوسع في الشرح لكنه يخشى الإطالة: «إن الحر أخو اليبس، والبرد أخو الرطوبة، فيقول الفيلسوف إن التركيب الواقع واليبس تولد الحرارة، وبالرطوبة والتركيب تولد البرد، ولو قد أخرجت ما تكلم به الفيلسوف مما يثبت كون الطبيعة وتولدها وفي توليد الجواهر على الدرجات ومناظرته للمجادلين له، لطال الكلام واشتغل عن المقصود في هذا الكتاب.». # 9 # ونحن نقول ليته فعلها وشرح لنا أكثر من ذلك لنعرف أكثر ما كان يفكر به أفلاطون، أو ما لديه هو من معارف سائدة في عصره. # أرسطو (القرن 4ق.م.) # تناول أرسطو # Aristotle ~~(توفي 322ق.م.) مفهوم الحرارة في كتابه (الكون # 10 # والفساد) وقد عرفها بأنها التي تجمع ما بين الجواهر المتجانسة، وتفرق المختلفة؛ لأن التفريق الذي يقال عن النار أنها تفعله، إنما هو في حقيقته تركيب الأشياء التي هي من نوع واحد، ما دام الذي يحصل هو أن النار تخرج الجواهر القريبة وتنقيها، والبرودة ضد ذلك تجمع وتركب على السواء الأشياء المتجانسة وغير المتجانسة. # 11 # هذا التعريف للحرارة سيتبناه عدد لا بأس به من العلماء العرب والمسلمين لاحقا، وسيعتمدون عليه في تفسيراتهم العلمية في الطبيعيات عموما. # ويعتبر أرسطو أن الكيفيات الأخرى الثانوية هي التي تتولد عن الأولية، وتأتي الحرارة والبرودة في طليعة الكيفيات المؤثرة الفاعلة، يقول: «وأما الكيفيات الأول وهي: ms007 الحرارة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة. وأما التالية لها فالمتولدة عن هذه الأربع، فالحرارة والبرودة من الكيفيات الأولى فاعلة قوية، والرطوبة واليبوسة ضعيفة منفعلة بمنزلة المادة لتلك.» # 12 # الحار والبارد والجاف والرطب هي مصطلحات؛ فالزوج الأول منها يدل ضمنا على القدرة على التأثير والزوج الثاني على التأثر. إن الحار هو ذاك الذي يضم الأشياء من النوع نفسه (مقابل التفكيك الذي يعزوه الناس إلى النار بوصفه عملها، يكون ضم الأشياء من النوع نفسه؛ نظرا لأن تأثيره يكون إقصاء ما هو غريب)، في حين أن البارد هو ذاك الذي يضم الأشياء المتجانسة وغير المتجانسة على قدم المساواة. # 13 # ديموقريطس (القرن 4ق.م.) # مضى زعيم الذريين ديموقريطس # Democritus ~~(توفي 380ق.م.) أبعد من أن يقترح تغير شكل الذرات حسب الحرارة؛ فقد فسر الطعم الحار أو الحريف الذي نصادفه في الفلفل الأحمر بأنه يملك شكلا له زوايا حادة تمكنه من اختراق الجسم، وتوليد الحرارة فيه، فهو «ملتو كثيرا، وأيضا صغير ورفيع، بسبب صفته الواخزة (أو النافذة) فإنه ينساب بسرعة في كل مكان ولكونه خشنا وذا زوايا [حادة] فإنه يتقدم تدريجيا وباطراد إلى الداخل ويعوق البقية. بهذه الطريقة فإنه يسخن الجسم بإحداث فسحات فارغة فيه؛ لأن حرارة أكثر تنتج حيث توجد فسحة فارغة أكثر. الحلو يتشكل من ذرات كروية، والتي تكون كبيرة إلى حد بعيد، بسبب ذلك فإنه يرخي الجسم تماما عندما يمر عبره برفق وعلى نحو غير سريع.» # 14 # وكان ديموقريطس يعتقد مع ليوسيبوس # Leucippus ~~(القرن 5ق.م.) أن الحرارة تخترق جميع الأجسام تقريبا، حيث إن لكل جسم مسام خالية يستطيع جسم آخر أن ينفذ منها. # 15 # ستراتون اللمباسكي (القرن 4ق.م.) # فسر ستراتون اللمباسكي # Straton ~~(القرن 4ق.م.) - متأثرا بأرسطو كثيرا - الظاهرات تفسيرا طبيعيا بحتا، بحيث إنه أرجعها إلى مبدأين هما الحار والبارد، وجعل الحار منهما مبدأ فعالا # 16 # في غيره. # أفلوطين (القرن 3م) # يرى أفلوطين Plotinus ~~(توفي 270م) أن «عمل النار [هو] أن تولد الحرارة؛ و[الجسم] الذي يصبح حارا ينبغي ألا يكون حارا من تلقاء ذاته، فإذا أتلفت النار ms008 شيئا، وجب أولا أن يصبح حارا، وأن يصبح في حالة الحرارة قسر طبيعته.» # 17 # وكان يرى أنه إذا صارت الحرارة في حرارة أخرى ضعفت. # 18 # ولا نعلم من أين جاء باقتراحه الأخير، هل هو من التجربة أم من التخيل، أم أخذه عن أحد! # المبحث الثاني: الرومانيون # آمن لوكريتوس # Lucretius ~~(القرن 1ق.م.) في كتابه (طبيعة الأشياء) # 19 # مثل هيراقليدس # Heraclitus ~~(توفي 475ق.م.) بوجود مادة أولية مادية تدعى «الحرارة» ومادة خام أخرى تدعى «البرودة». ويعرفها بقوله: إنها «روائح تنساب باستمرار تماما من أشياء معينة؛ كما يفعل البرد من الأنهار، والحرارة من الشمس، والرذاذ من أمواج البحر.» وأشار لوكريتوس إلى وجود تفاعل بين الحرارة والهواء كما يأتي: «تنسحب الحرارة سوية مع الهواء، ولا توجد حرارة ليس لديها هواء لتمتزج معه تماما؛ حيث إن طبيعتها نادرة، وبدايات أولية كثيرة للهواء يجب أن تتحرك تقريبا من خلالها.» # 20 # المبحث الثالث: العلماء العرب والمسلمون # اجتمع أمران في بلاد العرب؛ الحرارة الشديدة، والثراء اللغوي الهائل؛ لذلك لن نستغرب أن تأتي ألفاظهم المتعلقة بالحرارة غنية غنى لم نجده لدى أية أمة سابقة أو لاحقة؛ إذ يزخر قاموس مفردات الإنسان العربي بالكلمات التي ترتبط بالحرارة سواء من ناحية درجاتها، أو أنواعها أو تغيرها مع الزمان والمكان. ويرى الباحث عابد الجابري أن «اللغة لا تعكس الظروف الطبيعية وحسب، بل تحمل معها هذا الانعكاس نفسه لتنشره على أمكنة وأزمنة مختلفة، فتكون بذلك عاملا أساسيا، وأحيانا حاسما، في تحديد وتأطير نظرة أصحابها إلى الأشياء.» # 21 # جاء في معجم العين - وهو أول معجم لغوي عربي - للفراهيدي (توفي 172ه/786م): «حر: حر النهار يحر حرا. ~~ والحرور: حر الشمس، وحرت كبده حرة، ومصدره: الحرر، وهو يبس الكبد. والكبد تحر من العطش أو الحزن.» # 22 # وورد في تكملة المعاجم العربية للباحث دوزي: «حر: يستعمل بمعنى حار، يقال اليوم حر أي اليوم حار واليوم الشمس حر؛ أي الشمس حارة اليوم. الأرض الحرة: بمعنى الحارة والصواب فيه السوداء بدل السود.» # 23 # وفي المعجم الوسيط: «حرارة: اسم فاعل من حر، ms009 والجمع: حرور. والحرار: صانع الحرير أو بائع الحرير، وتأتي الحرارة بمعنى: السخونة، وإذا أضيف حرف الجر (بحرارة) فإنها تعني: بعاطفة ملتهبة وحماسة، وإذا أضيف كلمة حرارة إلى كلمة الشباب أصبحت تعني: فورته واندفاعه، وحر الرجل: عطش، وشعر بالحرارة، وحرت كبده: يبست من عطش أو حزن، وحر النهار: اشتد حره، سخن، ارتفعت درجة حرارته، وحر الماء: سخنه، وحر القتال: اشتد، وحر الأرض: سواها، وحرت المرأة: طبخت الحريرة.» # 24 # وفي «مقاييس اللغة» لابن فارس (توفي 395ه/1004م): الحر«خلاف البرد، يقال هذا يوم ذو حر، ويوم حار ، والحرور: الريح الحارة تكون بالنهار والليل. ومنه الحرة، وهو العطش. ويقولون في مثل: حرة تحت قرة.» # 25 # وهذا يعني أن دلالة كلمة «الحرارة» لغويا تفيد مغايرة البرودة، وانتقال الجسم نحو السخونة، بغض النظر عن المصدر الحراري، وإن دلنا هذا الغنى على شيء، فإنه يدلنا على الفهم العميق لدلالة لمفهوم الحرارة من قبل اللغويين والناطقين بلغة الضاد، ولذلك سيكون للعلماء والفلاسفة والحكماء العرب؛ فقد كانت لهم آراء متطورة جدا على أفكار اليونانيين. # لقد بدأت دراسة ظاهرة الحرارة من الناحية العلمية عند العرب منذ القرن (3ه/9م)؛ إذ قدم لنا جابر بن حيان (توفي 200ه/815م) تعريفه لعلم الحرارة، وهو أول تعريف موثق تمكنا من العثور عليه. وعندما نقول إنه وضع «تعريفا» فهذا يعني أنه قام بعملية تحديد لمعنى هذا العلم، وأنه بات لهذا العلم قواعد محددة مضبوطة يمكن تعلمها وممارستها في أي مكان وزمان. ولم نجد من العلماء العرب والمسلمين من أخذ بتعريف جابر سوى إخوان الصفا (القرن 4ه/10م). # أما بقية العلماء فبعضهم تأثر بمفهوم أرسطو كالكندي (توفي 256ه/870م) وابن سينا (توفي 428ه/1036م) وسيف الدين الآمدي (توفي 631ه/1233م) ونصير الدين الطوسي (توفي 672ه/1274م) والتفتازاني (توفي 793ه/1390م) والأحمد نكري (توفي في القرن 12ه/18م). وبعضهم حاول شرح الظاهرة بطريقته الخاصة بشكل مستقل عن التأثر بأرسطو مثل أبي علي الجبائي (توفي 303ه/915م) والفارابي (339ه/950م) وابن ملكا البغدادي (توفي 560ه/1165م) وابن رشد (توفي 595ه/1198م) وفخر الدين الرازي (توفي 606ه/1209م) وابن كمونة (توفي 683ه/1285م) والجلدكي ms010 (توفي 742ه/1342م) والإيجي (توفي 735ه/1355م). وهذا الفريق حاول أن يبرز رأيه الناقد وشخصيته العلمية من جوانب أخرى لم يتطرق إليها التعريف الأرسطي للظاهرة الحرارية. # خالد بن يزيد (القرن 1ه/8م) # يعتبر الأمير خالد بن يزيد بن معاوية (توفي 85ه/704م) من أوائل العرب الذين اهتموا بالعلوم الطبيعية حتى إنه لقب ب «حكيم آل مروان». ويروي ابن النديم (توفي 384ه/1047م) أنه وجد لخالد «كتاب الحرارات»، # 26 # والمؤرخ فؤاد سزكين لم يأت على أي شرح أو تحديد لمكان هذا الكتاب في الجزء الرابع من كتابه (تاريخ التراث العربي/السيمياء والكيمياء والنبات والفلاحة). # 27 # قد يكون «كتاب الحرارات» من الكتب التي تمت ترجمتها للعربية عن لغة أخرى لا نستطيع تحديد ما هي، أو من مؤلفاته الخاصة، لكن ابن النديم لا يقدم لنا شيئا عن محتويات هذا الكتاب لتقييم أفكاره، مع أن العنوان يدل بحديثه عن الحرارات بصيغتها الجمعية، والتي ربما تستخدم في مجال الكيمياء؛ كونه من أوائل العلماء العرب والمسلمين الذين ركزوا كثيرا على هذا المجال. # جابر بن حيان (القرن 3ه/9م) # وضع جابر بن حيان للحرارة بوصفها مفهوما تعريفين: # الأول عام بأنها «غليان الهيولى، وهي حركتها في الجهات كلها.» # 28 # وهو لا يشبه بأي شكل تعريف أرسطو. والآخر خاص يتعلق بالمعالجة الكيميائية للمواد، حيث تسلط الحرارة على المادة حتى تصبح جسما شفافا له بريق أحمر شديد الحمرة والنقاء، يقول جابر: «أما حد الحرارة في التدابير أن يبلغ بها إلى أن تصير جسما شفافا، له بريق أحمر شديد الحمرة، صافيا غير كمد.» # 29 # وفي كلا التعريفين نجد خروجا واضحا عن الفكر اليوناني، والبدء بالتحضير لمرحلة تأسيسية جديدة سيبني عليها جابر تعريفه لعلم الحرارة. وبذلك ربما يكون جابر أول من طرح تعريفا ل «علم الحرارة» فهو العلم الذي يبحث عن طبيعتها والأثر الذي تحدثه، والسبب الذي أدى إلى توليدها، وهو أدق وأقدم تعريف علمي عربي نجده في الوثائق الموجودة بين أيدينا، يقول جابر: «وحد علم الحرارة هو العلم بجوهرها وأثرها وما تأثرت منه إذا كان علما بها على ms011 التفصيل، فأما إذا كان علما بها على الجملة فهو العلم بأثرها الخاص بها.» # 30 # علما أن علم الحرارة في أوروبا لم يتأسس إلا في عقد الستينيات من القرن الثامن عشر الميلادي، # 31 # أي بعد حوالي تسعة قرون من جهود جابر بن حيان، وهو تلكؤ علمي أخر تقدم البشرية كلها، لا نجد له أي مبرر. # على العموم هذا العمل التأسيسي لعلم الحرارة الذي قام به جابر، لم يكن ضربا من العبث بالكلمات أو الكلام الفلسفي، وإنما تمهيد نظري لنظرية جابر في قياس وضبط كمية الحرارة، سواء تلك الموجودة بحالتها العنصرية داخل المادة، أو التي يتم استخدامها في معالجة المواد. وهو ما سيتم مناقشته بشكل مفصل في الفصل الثاني من الباب الثاني . # الكندي (القرن 3ه/9م) # عرف الكندي الحرارة بأنها «علة جمع الأشياء من جواهر واحدة، وتفريق الأشياء التي من جواهر مختلفة.» # 32 # وهو كما نلاحظ تعريف أرسطي الصبغة دون أي تغيير فيه، ولكن الكندي أدرك حالة ثبات الحرارة، وحالة عدم ثباتها في المواد؛ فالحرارة تثبت في النار لكنها لا تثبت في الهواء، وكذلك فإن البرودة تثبت في الأرض لكنها لا تثبت في الماء، ثم يوضح الكندي متى يقال للماء إنه بارد ومتى يقال إنه حار، وكذلك الهواء، قال الكندي: «والهواء، وإن سميناه حارا، فليس بالثابت الحرارة، بل الثابت الحرارة النار، والثابت البرودة الأرض؛ فأما الماء فليس بثابت البرودة ولا الهواء بثابت الحرارة. ولا يمكن أن يقال لواحد منهما بالقول المطلق: بارد، ولا حار، فأما النار فيقال لها بالقول المطلق: حارة؛ لأنها نهاية الحر، والأرض يقال لها بالقول المطلق: باردة؛ لأنها نهاية البرد. فأما الماء فإنه يقال له الحالان جميعا: أما إحداهما فبطبعه وما يعرض له، وهي عنصره، فيقال له: بارد بالطبع، إذا أضيف إلى الهواء؛ وأما الأخرى فبعرض، فيقال له: حار، إذا أضيف إلى برد الأرض، وكذلك الهواء يقال له بطبعه وما يعرض له: حار، إذا أضيف إلى الماء، وبارد: إذا أضيف إلى النار». # 33 # وقد أشار البيروني لقول الكندي السابق بعد ms012 حوالي 300 سنة: «والطبيعيون بأسرهم مجمعون على تحديد الحرارة والنار بأنها الجامعة للأشياء المتجانسة والمتفرقة بين غير المتجانسة، ومثله الكندي شرحا، فقال: من خاصية النار جمع أجزاء كل واحد من الأجساد المعدنية جملة واحدة محدودة، وتفريق الممتزجة منها إذا اختلفت جواهرها؛ لأنها تحرق ما لاقت في قدر من الزمان، فإذا لاقتهما ممتزجين قبلت على إحالة أضعافهما بالإحراق حتى تفنيه ويبقي الأقوى.» # 34 # أبو علي الجبائي (القرن 4ه/10م) # كان أبو علي الجبائي (الأب) يقول - كما قالت المعتزلة من قبل - إن الثقل هو الثقيل والخفة هي الخفيف و«إنما يكون الشيء أثقل بزيادة الأجزاء.» # 35 # وقوله هذا كان ردا على بعض من قال بأن الثقل غير الثقيل والخفة غير الخفيف، مثل أبي الحسين الصالحي (توفي 436ه/1044م)، الذي اتفق معه أبو هاشم الجبائي (الابن) الذي قال بأن الثقل عرض يحل في الجسم فيصبح ثقيلا، كما يحل اللون أو الحرارة بالجسم. # 36 # وهي مقولة كما نلاحظ تتفق بشكلها العام مع فكرة لوكريتوس التي تشبه الحرارة بالروح التي تحل بالجسد؛ وعلى هذا فإن الحرارة وفق آراء المعتزلة مجرد ظاهرة عرضية تأتي للجسم من خارجه من مصدر ما، وما إن يتوقف ذلك المصدر فإن الحرارة ترحل عن ذلك الجسم. # الفارابي (القرن 4ه/10م) # يعرف أبو نصر الفارابي الحرارة بشكل عام بقوله: إنها «المبدأ الأول الذي هذا الجسم المركب به فعله»، فهو يعتبر أن الجسم المركب، مثل جسم الإنسان، لا يمكنه أن يقوم بعمله دون وجود الحرارة، ومن الناحية الفيزيولوجية يميز الفارابي بين نوعين من الحرارة في جسم الإنسان؛ إحداهما يكون مصدرها القلب، الذي يكفي نفسه والأعضاء الأخرى، ولا يستطيع أي عضو أن يغير من حرارته دون الاستعانة بحرارة القلب، يقول في ذلك: «الحرارة الأولى هي بالقوة حرارات جميع الأعضاء في القلب، وهي الحرارة المشتركة للأعضاء كلها.» و«حرارة القلب هي الحرارة المشتركة للأعضاء كلها، والقلب مكتف في أفعاله بحرارته هذه غير مفتقر إلى غيره في أن يستفيد عنه الحرارة، وكل واحد من الأعضاء مفتقر إليه في أن يعدل حرارته.» ms013 # 37 # أما النوع الثاني فهي الحرارة التي تساعد على هضم الطعام ودمج مكونات الهضم في بنية العضو، وهي التي يسميها بالحرارة الغريزية، و«الحرارة الغريزية هي التي بها يتماسك اتصال أجزاء الجسم، فتطبخ القوة الغاذية التي تخص ذلك العضو الذي تحصل فيه، وتنضجه وتنهضه وتصيره جزءا مشابها لسائر أجزائه.» # 38 # إخوان الصفا (القرن 4ه/10م) # تبنى إخوان الصفا تعريف جابر بن حيان للحرارة، «فإن قيل: ما الحرارة؟ فيقال: غليان أجزاء الهيولى، فإن قيل: ما البرودة؟ فيقال: جمود أجزاء الهيولى.» # 39 # لكن دون أية إضافة جديدة عليه. # ابن سينا (القرن 5ه/11م) # نجد في البداية أن ابن سينا يعرف الحرارة أنها «كيفية فعلية محركة لما تكون فيه إلى فوق لإحداثها الخفة فيعرض أن تجمع المتجانسات وتفرق المختلفات، وتحدث تخلخلا من باب الكيف في الكيف، وتكاثفا من باب الوضع فيه لتحليله وتصعيده اللطيف.» # 40 # وهو كما نلاحظ لا يعد أكثر من تعريف موسع عن تعريف أرسطو. لكنه في موقع آخر يضع رأيا آخر في هذا التعريف، فقد يكون للقول السابق حالات استثنائية لم يناقشها أرسطو، ويضرب على ذلك بعض الأمثلة: «إن الحرارة ليست إنما تفرق المختلفات، بل قد تفرق المتشاكلة، كما تفعل بالماء، فإنها تفرقه تصعيدا، وأيضا فإن النار قد تجمع المختلفة، فإنها تزيد بياض البيض وصفرتها تلازما، ثم بالحقيقة، ولا أحد الفعلين لها فعل أول؛ وذلك لأن فعلها الأول تسييل الجامد من الرطوبات بالبرد وتحليله، ثم تصعيده وتبخيره.» # 41 # هبة الله بن ملكا البغدادي (القرن 6ه/12م) # مع ابن ملكا بدأنا نشهد تغيرا آخر في فهم ظاهرة الحرارة؛ ولذلك فإنه سيقدم لنا تعريفا جديدا يختلف عن التعريف الذي قدمه جابر؛ إذ يقول إنها «حالة بسيطة مدركة بحس اللمس، معروفة عند المدرك والمسمى من المدركات الأول التي لا تحتاج أن تعرف بغيرها في حد ولا رسم.» # 42 # فقد جعل من الحرارة حالة مادية بسيطة غير مركبة من غيرها من المحسوسات، نتعرف عليها بوساطة حاسة اللمس، والتي تعرف بشكل بديهي لا تحتاج لأي شيء يعرف بها، فمتى ms014 أخبرتنا حاسة اللمس أن ثمة جسما حارا فهذا يعني أن فيه حرارة، سواء كان هو منبع الحرارة أو أنه قد اكتسبها من منبع آخر، بالمجمل جعل ابن ملكا من مفهوم الحرارة ما يمكن إدراكه من سخونة الجسم أو برودته، حسب ما يقرره المنهج الذاتي في القياس. # ابن رشد (القرن 6ه/12م) # عالج ابن رشد مفهوم الحرارة من الناحية الطبية أكثر مما ركز على الجانب الفيزيائي، وقد قسمها إلى قسمين؛ «طبيعية وغريبة، وإن الكون إنما يكون بالحرارة الطبيعية والفساد بالغريبة.» # 43 # أي يكون حدوث الأجسام بوجود الحرارة المناسبة لوجودها، ويكون خرابها نتيجة تعرضها لحرارة خارجية، فالحرارة الطبيعية هي حرارة جسم الإنسان الذاتية، أما الحرارة الغريبة فهي التي يتأثر بها من الشمس، أو النار، أو غيرهما من مصادر، يؤكد ذلك بقوله: «إن الحرارة حرارتان؛ حرارة ملائمة، وحرارة غريبة مستفادة من خارج . ~~ وجميع الأجساد تعفن من الحرارة الغريبة، وإذا عفنت كانت هي أيضا حارة بالحرارة الغريبة، باردة بالحرارة الملائمة. وهذه هي حال أبدان سكان البلاد الحارة دائما. ~~ وأما البلدان المعتدلة، في وقت الشتاء الحرارة الغريزية أكثر، وفي وقت الصيف تكون الغريبة أكثر.» # 44 # ويختلف مقدار الحرارة زيادة أو نقصانا بحسب مقدار البرودة التي تمتزج بها؛ الأمر الذي يؤثر على الجسم الحاوي لهذه الحرارة، وبرأي ابن رشد أن هضم الطعام يكون لدى سكان البلاد الباردة أفضل من هضم الطعام لدى سكان البلاد الحارة، يقول في ذلك: «الحرارة إنما تختلف بالأزيد والأنقص، والأزيد والأنقص إنما يوجد لها بحسب ما يخالطهما من البرودة؛ إذ كانت هي المعدلة لها حتى تكون ملائمة للموجود التي هي حرارة غريزية. وأيضا فإن البرودة تحفظ حرارة المكون لئلا يتفشش ويتبدد؛ إذ كان من شأنهما ذلك ويصيرها إلى باطن المكون؛ ولذلك ما تكون هضوم أهل البلاد الباردة أحسن من هضوم أهل البلاد الحارة، ويكون الهضم في زمان الشتاء أقوى منه في زمان الصيف.» # 45 # ويلزم أن يكون دوما مع الحرارة رطوبة أو جفاف، فإذا كانت الحرارة في الهواء لزمها رطوبة هوائية، وإن كانت ms015 الحرارة من النار لزمها الجفاف، والسبب في ذلك أن الرطوبة واليبوسة يشكلان المادة الأولية للبرودة والحرارة، والتلازم هنا تلازم واجب وليس اختياريا، يقول في ذلك: «إن كل حرارة تلزمها إما رطوبة وإما يبوسة، كما يلزم ذلك في الأسطقسات الأربعة؛ فإن كانت الحرارة هوائية لزمتها رطوبة هوائية، وإن كانت نارية لزمتها يبوسة نارية؛ لأن الرطوبة واليبوسة هما هيولى الحار والبارد، فكل حرارة أو برودة تلزمها إما رطوبة وإما يبوسة، يكون قدومها في ذلك كقدر الحرارة والبرودة في ذلك، فإن كانت حرارة مطلقة لزمتها يبوسة مطلقة أو رطوبة مطلقة، في حرارة النار والهواء، وإن كانت حرارة غير مطلقة لزمتها يبوسة أو رطوبة غير مطلقة.» # 46 # فخر الدين الرازي (القرن 7ه/13م) # ناقش الإمام فخر الدين الرازي مفهوم الحرارة بطريقة منطقية صورية، فقد بدأ بمقدمتين عن الارتباط بين الحرارة والجوهر، فالحرارة جزء من الجسم الحار، والجسم الحار يتكون من ذرات؛ لذلك من المنطقي أن تكون الحرارة جزءا من الذرات المكونة للجسم، لكن ليس على طريقة ديموقريطس. وقد تكون الحرارة ظاهرة عرضية على الجسم تأتيه من خارجه، يقول في ذلك: إن «الحرارة جزء من الحار، والحار جوهر، فالحرارة جزء الجوهر، وجزء الجوهر جوهر، فالحرارة بالنسبة إلى الحار من حيث هو حار جوهر، لكنها بالنسبة إلى الجسم القابل لها عرض فهي جوهر وعرض بالنسبة إلى الأمرين.» # 47 # وبذلك يحاول الإمام التوفيق بين الرأيين القائلين بأن الحرارة إما أنها مكتسبة أو أنها داخلية في الجسم نفسه. # سيف الدين الآمدي (القرن 7ه/13م) # لم يخرج سيف الدين الآمدي عن التعريف الأرسطي للحرارة «وأما الحرارة فهي ما كان من الكيفيات يفرق بين المختلفات ويجمع بين المتشاكلات.» # 48 # نصير الدين الطوسي (القرن 7ه/13م) # أيضا نصير الدين الطوسي كان متأثرا بتعريف أرسطو للحرارة «فالحرارة جامعة للمتشاكلات، مفرقة للمختلفات، والبرودة بالعكس.» وقد علق شارح كتاب «تجريد الاعتقاد» العلامة ابن المطهر الحلي (توفي 726ه/1325م) على كلام أستاذه الطوسي بأن: «الحرارة من شأنها إحداث الخفة والميل الصاعد، ويحصل بسبب ذلك الحركة، فإذا وردت الحرارة على ms016 المركب وسخنته طلب الألطف الصعود قبل غيره لسرعة انفعاله، فاقتضى ذلك تفريق أجزاء المركب المختلفة، فإذا صعد الألطف جامع مشاكله، فمن ها هنا قيل: إنها تقتضي جمع المتشاكلات وتفريق المختلفات، وأما البرودة فإنها بالعكس من ذلك.» # 49 # وبرأي الطوسي أن مفهوم الحرارة يطلق على معان أخرى مخالفة للكيفية المحسوسة باللمس، والتي سبق وأن وقف عندها ابن ملكا البغدادي، فشرح ذلك الحلي بقوله: «أقول: لفظة الحرارة تطلق على معان؛ أحدها: الكيفية المحسوسة من حرارة النار، والثاني: الحرارة المناسبة للحياة وهي شرط فيها وتسمى الحرارة الغريزية، وهي مخالفة لتلك في الحقيقة لأن تلك مضادة للحياة والثانية شرط فيها، والثالث: حرارة الكواكب النيرة وهي مخالفة لما تقدم.» # 50 # أي إن الطوسي اعتبر حرارة الكواكب النيرة (كالشمس مثلا) تختلف عن حرارة النار وليست من طبيعة واحدة، كما اعتبرها البعض، بل تختلف عنها، وكل منهما يختلف عن الحرارة المتولدة في الجسم الحي. # ابن كمونة (القرن 7ه/13م) # قسم سعيد بن منصور بن كمونة الجسم الفيزيائي الذي يتحرك حركة مستقيمة إلى قسمتين؛ # الأولى: # بصرية، من حيث قدرته على تمرير الضوء. # والثانية: # حرارية؛ فقد يكو حارا خفيفا، أو باردا ثقيلا. # لكنه لا يوصلنا لفهمه لطبيعة الحرارة نفسها، والذي نعتقد أنه لن يخرج عن المفهوم الأرسطي؛ كونه اعتمد نظرية العناصر الأربعة الأرسطية، يقول: «وينقسم الجسم المذكور بوجه آخر إلى: حار خفيف، وبارد ثقيل. وقد سبق بيان ذلك، وهذا الجسم إذا جاز انفصاله عن كلية نوعه، فهو قابل للحرق، وقبوله لذلك ولتركه إن كان بسهولة، فهو الرطب، وإن كان بصعوبة، فهو اليابس. ونحن إذا تأملنا بسائط الأجسام التي عندنا في عالم الكون والفساد، لم نجدها خارجة عن أربعة؛ الأرض، ويلزمها من التقسيم الأول الكثافة، ومن الثاني البرودة والثقل، ومن الثالث اليبوسة، والماء، ويلزمه من التقاسيم الثلاثة؛ الاقتصاد # 51 # والبرودة مع الثقل والرطوبة. والهواء، ويلزمه من الثلاثة؛ اللطافة، والحرارة، والخفة، والرطوبة. والنار، ويلزمها منها اللطافة والحرارة، مع الخفة، وفي يبوستها أو رطوبتها شك.» # 52 # أيدمر الجلدكي (القرن 8ه/14م) # أشار أيدمر الجلدكي ms017 إلى مفهوم الحرارة العنصرية في الجزء الثاني من كتابه (غاية السرور في شرح ديوان الشذور)، # 53 # وهي الحرارة التي لا تؤثر في العناصر المتحدة مهما بلغت شدتها. # 54 # وقد أشار أن النار تتحول إلى نور عندما تفقد حرها ولهيبها؛ # 55 # وذلك لأن «أصل تكوين الحرارة من فيضان الأنوار الهائلات وإشراقها وإبراقها على سائر المحسوسات.» # 56 # أي إنه يميز بين حرارة النار ونورها، فالنار تصبح نورا عندما تفقد حرارتها، وبذلك نتقبلها ونتمكن من الرؤية بوساطتها. # عضد الدين الإيجي (القرن 8ه/14م) # تناول عضد الدين الإيجي في بداية مناقشته لموضوع الحرارة مصادر الحرارة (النار، الشمس، الحركة)، لكنه يشير إلى أنه في جميع المصادر السابقة تكون الحرارة ذات طبيعة واحدة، يقول: «وأيضا فالحرارة نوع واحد، ثم يعلل فرد منها بالنار، وفرد بالشمس، وفرد بالحركة؛ فقد عللت المتماثلات بعلل مختلفة مستقلة هي هذه الأمور وحدها أو مأخوذة مع غيرها، لكن هذا المثال إنما يصح إذا كانت أفراد الحرارة متماثلة متفقة في تمام الماهية ، وسننبه على عدم تماثل أفرادها فيما بعد، وإنما لم يمثلوا بأفراد الحرارة النارية المستندة إلى أفراد النار لعدم تعدد العلل ها هنا، فإن العلة طبيعة النار، كما أن المعلول طبيعة الحرارة، وإن اعتبر أفرادهما كان كل من العلة والمعلول متعددا.» # 57 # ثم يناقش الإيجي قول ابن سينا حول مفهوم الحرارة وطبيعتها، فيقول: «قال ابن سينا: الحرارة تفرق المختلفات، وتجمع المتماثلات، والبرودة بالعكس؛ وذلك أن الحرارة فيها قوة مصعدة، فإذا أثرت الحرارة في جسم مركب من أجزاء مختلفة باللطافة، والكثافة، ينفعل اللطيف منه أسرع فيتبادر إلى الصعود الألطف فالألطف دون الكثيف، فيلزم بسببه تفريق المختلفات، ثم الأجزاء تجتمع بالطبع، فإن الجنسية علة الضم والحرارة معدة للاجتماع فنسب إليها.» # 58 # ويبدو من شرحه السابق عدم اتفاقه مع ابن سينا وأي شخص يقول بهذا القول، وبالتالي عدم اتفاقه مع الطرح الأرسطي؛ وذلك لأن القول بذلك يجانب الصواب حول حقيقة الحرارة. # سعد الدين التفتازاني (القرن 8ه/14م) # تبنى سعد الدين التفتازاني التعريف الأرسطي لمفهوم الحرارة، وقد عرفها ms018 بأنها «كيفية من شأنها جمع المتشاكلات وتفريق المختلفات، والبرودة بالعكس، والرطوبة بكيفية تقتضي سهولة الالتصاق والانفصال، أو سهولة قبول الأشكال واليبوسة بالعكس، والتحقيق أن في الحرارة تصعيدا، وإلا اللطف أقبل لذلك، فيحدث في المركب الذي لم يشتد التحام بسائطه تفريق الأجزاء المختلفة، ويتبعه جمع المتشاكلات.» # 59 # ثم بدأ بمناقشة أن الحرارة مهما كان مصدرها مختلفا (من الشمس أو النار أو الحركة أو العضو الحي)، تبقى ذات أثر واحد محسوس، يقول في ذلك: «وقد يقال: الحار إطلاق الحرارة على حرارة النار، وعلى الحرارة الفائضة عن الأجرام السماوية النيرة، وعلى الحرارة الغريزية، وعلى الحرارة الحادثة بالحركة، ليس بحسب حينئذ اشتراك اللفظ على ما يتوهم لأنه كمفهوم واحد هو الكيفية المحسوسة المخصوصة، وإن كانت الحرارات متخالفة بالحقيقة، واختلاف المفهوم، إنما هو في إطلاق الحار على مثل النار، وعلى الأجرام السماوية التي تفيض منها الحرارة، وعلى الدواء والغذاء اللذين يظهر منهما حرارة في بدن الحيوان، وهو في كل الكواكب والدواء والغذاء صفة مسماة بالحرارة الكيفية المحسوسة في النار، أم ذلك توسع وإطلاق للحار على ما منه الحرارة، وإن يقم به معنى مسمى بالحرارة فيه تردد.» # 60 # الأحمد نكري (القرن 12ه/18م) # حتى القرن 18م بقي تعريف الحرارة عند القاضي عبد النبي بن عبد الرسول الأحمد نكري أرسطيا فهو «كيفية من شأنها تفريق المختلفات وجمع المتشاكلات، وعند الأطباء مرض يحدث بتعفن الأخلاط، ولها أقسام وتدبيرات في كتبهم.» # 61 # دون أن يأتي بشيء جديد على من سبقه، مع أن الأوروبيين كانوا في القرن 18م قد قطعوا شوطا كبيرا في فهم طبيعتها، لكن يبدو أنه لم يكن هناك تبادل ثقافي أو تراجم لأبحاث الأوروبيين قد وصلته باللغة العربية. # المبحث الرابع: الأوروبيون # كان على الأوروبيين الاستفادة مما قدمه العلماء العرب والمسلمين حول طبيعة الحرارة؛ إذ أن إهمال الأفكار والمناقشات التي قدمها الفريق العربي الناقد لمفهوم أرسطو (خصوصا جابر بن حيان)، جعلهم يعيدون البحث في الظاهرة من جديد في القرن 17م. # وقد تصارعت في أروقة العلم الأوروبي نظريتان حول تعريف ms019 الحرارة انطلاقا من طبيعتها؛ الأولى ترتكز على مفهوم «السيال الحراري»، والأخرى ميكانيكية ترتكز على مفهوم «حركة الجسيمات» داخل المادة لدى تعرضها لمصدر حراري خارجي، وكان لكل منهما أنصاره وأدلته وتجاربه، كما كان الحال لدى البحث في طبيعة الضوء هل هي جسيمية أم موجية. # فرنسيس بيكون (القرن 17م) # لم يصل فرنسيس بيكون # F. ~~ Bacon ~~(1561-1626م) إلى نتائج علمية مهمة عندما حاول دراسة ظاهرة الحرارة على أساس البحث عما يسميه صورة الظاهرة؛ أي ماهيتها، عن طريق قوائم أو جداول الحضور والغياب والتدرج. # 62 # ذكر بيكون الحرارة في كتابه (الأورجانون الجديد) جدولا - على نحو مطابق لاقتناعه أن قوانين العلم يجب اكتشافها من خلال عدد كبير من المشاهدات النوعية - عن مصادر الحرارة مثل: اللهب، البرق، الصيف، الوهج المستنقعي، والأعشاب العطرية التي تسبب إحساسا بالدفء عندما تهضم. # 63 # لكنه عالج موضوع الحرارة في كتابه (أوهام المسرح) وهي الأوهام التي تنشأ نتيجة للمذاهب الفلسفية. # 64 # ويتألف هذا المنهج من تجميع للوقائع وتناولها على نحو معين؛ لنفرض مثلا أننا نبحث عن علة الحرارة، فعلينا أن نرتب «قائمة الحضور» بحيث تتناول جميع الأمثلة المعروفة التي توجد فيها ظاهرة الحرارة، ثم علينا أن نضع «قائمة الغياب» والتي نضع فيها الحالات الجزئية التي تقابل تلك الحالات التي وضعناها في «قائمة الحضور» بحيث تكون الحرارة فيها معدومة فيها؛ كما أنه علينا أن نرتب قائمة ل «التفاوت في الدرجة» بحيث تحوي على الحالات التي توجد فيها الحرارة بدرجات متفاوتة. # 65 # وقد نتمكن من خلال فحص القوائم أن نجد طبيعة مولدة تتماشى مع النتيجة أو الطبيعة المتولدة حضورا وغيابا وتدرجا، عندها نستطيع أن نضع تفسيرا أو نتيجة مبدئية، فنتوصل - على سبيل المثال - أن الحركة هي سبب الحرارة أو «صورتها». ~~ قوائم بيكون هذه تشبه كثيرا الطرائق التي وضعها بعد ذلك جون ستيوارت ميل # J. S. ~~ Mill ~~(1806-1873م) وهي: طريقة الاتفاق، وطريقة الاختلاف، وطريقة التغير النسبي. # 66 # يمكننا إلقاء نظرة على القوائم التي أعدها بيكون والمتعلقة بالحرارة، لتكشف لنا طريقة تفكيره: # 67 ~~(1) # بالنسبة للحرارة التي ms020 تتولد نتيجة تماس الأجسام، فإن الطبيعة الأساسية أو الأصلية تستثنى، ويعني بالطبيعة الأساسية أو الأصلية هي التي توجد في الأشياء ومستقرة فيها، ولا تنتقل إليها من طبيعة غريبة عنها. ~~(2) # فيما يتعلق بالاتفاق والتطابق بين الآثار المتشابهة، التي تؤثر بها الحرارة أو البرودة، فإن حركة الجسم في الجملة تستثنى سواء كانت في حالة تمدد أو انقباض. ~~(3) # فيما يتعلق بسهولة إحماء الأجسام من غير أن تتلف أو تتغير بشكل ملحوظ، فإن طبيعة التلف أو الاتصال العنيف بطبيعة أخرى تستثنى. ~~(4) # تستثنى حركة الجسم الموضعية أو الامتدادية فيما يتعلق بالهواء المحفوظ في الأوعية الزجاجية، حيث يتمدد ولا ترتفع درجة الحرارة فيه. ~~(5) # بالنسبة للحديد المتقد الذي لا يتضخم حجمه، ويبقى في حدوده الأولى؛ فإن حركة الجسم الموضعية أو الامتدادية في الجملة تستثنى. ~~(6) # فيما يتعلق بالهواء الذي نشعر أنه أحيانا بارد مع أنه خفيف، فإن قلة كثافته تستثني الخفة. ~~(7) # بالنسبة للذهب المتقد والمعادن الأخرى، التي تتصف بكثافة عالية بشكل عام؛ فإن الخفة تستثنى منها. ~~(8) # لدى المقارنة بين الحديد المتقد ولهيب روح الخمر؛ حيث يظهر أن الحديد أكثر حرارة وأقل لمعانا، وأن روح الخمر أقل حرارة وأكثر لمعانا؛ فإننا نستثني في هذه المقارنة الإضاءة واللمعان. ~~(9) # بالنسبة لأشعة القمر وغيره من الأجرام العلوية، عدا الشمس، فإننا نستثني الإضاءة واللمعان. ~~(10) # فيما يتعلق بالماء المغلي أو الهواء الحار أو ما يتعلق بالمعادن والأجسام الصلبة، التي تتلقى الحرارة لكن إلى ما دون درجة الاتقاد والاحمرار، فإننا نستثني الإضاءة واللمعان. ~~(11) # بالنسبة للحديد الملتهب وغيره من المعادن، التي تعطي الأجسام الأخرى حرارة، ولا تفقد شيئا من وزنها ومادتها، فإننا نستثني الانتقال أو المزج من مادة جسم آخر فيه حرارة. ~~(12) # بالنسبة للسخونة التي تسري من اقتراب النار إلى جميع الأجسام على السواء - مثل الأجسام والخضر وجلود الحيوانات، والماء والزيت والهواء وغيره - فإننا نستثني الأنسجة الدقيقة، والتركيب المميز في الأجسام. ~~(13) # فيما يتعلق بالنار الشائعة - خصوصا النار الباطنية في جوف الأرض، وهي أبعد ما تكون وأشد تفرقا عن الأجرام السماوية - فإننا نستثني الأجرام السماوية. ~~(14) # بالنسبة لأشعة ms021 الشمس، فإننا نستثني طبيعة العناصر؛ أي العناصر المعروفة عند الأقدمين. # وهكذا بعد أن أعد بيكون تلك القوائم قام باستخدام منهج الرفض أو الاستبعاد بهدف تعيين قانون ما من خلال استبعاد أو استثناء القوانين الأخرى المعارضة له. وبخصوص الحرارة فقد كان يرمي للكشف عن مصدر الحرارة أو سببها؛ ومن ثم يستبعد النظريات القديمة التي تتعارض مع قوائمه؛ حيث إنه استبعد النظرية القائلة بأن الحرارة تأتي من مصدر خارج عن الأرض، فالأرض - وفقا له - أحد مصادر الحرارة طبقا لقائمة الحضور التي لديه، واستبعد النظرية القائلة بأن الحرارة تتوقف على وجود عنصر معين في الجسم الحار كالنار مثلا، وهي أحد العناصر التي نادى بها إنبيدوقليس # Empedocles ~~(توفي 430ق.م.)، حيث إنه لدينا مصادر حرارة لكنها لا تحوي عنصر النار. وبقي بيكون يستبعد عدة نظريات حتى وصل إلى حل يتفق مع ما ورد في القوائم، وفي النهاية وصل إلى أن الحرارة كائنة في كل جسم متحرك، وهي الحركة الممتدة التي تشمل كل أجزاء الجسم؛ ومن ثم قال إن الحركة «صورة» الحرارة، وكما نلاحظ هنا أن بيكون قد أقر بأن للكون عددا معينا من الطبائع، كما أنه لا يميز بين الصورة والطبيعة والعلة، فالكلمات الثلاث تشير إلى أن ما يبحث عنه العلم ويسعى إليه هو القانون العلمي. # 68 # ومن ذلك كله يتوصل بيكون إلى تعريف للحرارة بأنها «حركة تمددية تتقيد وتصارع خلال جزيئات الأجسام.» # 69 # روبرت هوك (القرن 18م) # عرف روبرت هوك # R. Hooke ~~(1635-1703م) الحرارة في كتابه (علم الرسم المجهري) # 70 # فهي: «عبارة عن حركة مستمرة لأجزاء الجسم ... ~~ ولا يوجد أي جسم في الطبيعة يحوي على جسيمات دقيقة ساكنة.» # 71 ~~«إنها اهتياج بالغ الشدة والحدة في أجزاء جسم معين»، # 72 # إنها «لا شيء إلا الإثارة السريعة العنيفة لجزيئات جسم ما.» # 73 # وقد أعرب إسحاق نيوتن # I. ~~ Newton ~~(1642-1727م) عن رأي مماثل في كتابه (البصريات) عام 1705م. # 74 # ويعد تعريف هوك أحد أقرب التعريفات للتعريف الحديث للحرارة. # ميخائيل لومونوسوف (القرن 18م) # أكد الروسي ميخائيل لومونوسوف # M. ms022 ~~ Lomonosov ~~(1711-1765م) في بحثه المعنون (تأملات في سبب الحرارة والبرودة) عام 1745م، أنه لم يكن يعترف بنظرية السيال الحراري التي شاعت وانتشرت في أوروبا، وقال: «إن الحرارة تعود إلى سبب واحد هو الحركة الداخلية لدقائق المادة.» # 75 # جون كارل فيلكه (القرن 18م) # كرس الباحث السويدي جون كارل فيلكه # J. ~~ C. Wilcke ~~(1732-1796م) جزءا من وقته للبحث في طبيعة الحرارة. وقد وجد أن آراء العلماء لم تحدد سببا معينا للحرارة والبرودة، لكنه وجد من المقبول وعلى نطاق واسع جدا الافتراض أن الحرارة مادة أولية سائلة غير ملحوظة، بحيث تكون معروفة فقط من خلال التأثيرات التي تنتجها، وقد دعاها فيلكه ب «النار # Eld ~~» أو «مادة النار # Eld-ämne ~~». وافتراض أيضا بأن كلا من الأجسام الصلبة والسائلة تمارس انجذابا إلى هذه المادة، أو بالأحرى جسيمات المادة الصلبة تقوم بذلك، إنها تنفذ إلى مسام الأجسام وتحيط بها وتلتصق بجسيماتها الخارجية، وعند درجة التجمد تكون جسيمات الماء محاطة بكمية معينة من المادة الأولية، التي تبقيها بعيدة عنها وتبقي عليها سيولتها، وإذا أضيفت أكثر، فإن حجم الماء يزداد، بينما وجود «مادة النار» الإضافية يبينه ارتفاع ميزان الحرارة. من ناحية أخرى، فإن الكمية الأصغر تسبب لجسيمات الماء أن تدخل في تماس فوري؛ حيث إن سطوحها تتجمع لتشكل جليدا صلبا، يوضح فيلكه أفكاره عن جسيمات الماء هذه بمقارنتها مع عدد صغير من الأقراص الرقيقة الموضوعة بالماء. بينما يوجد المزيد من الماء والأقراص القابعة على قمة بعضها بعضا يمكن لها أن تنفصل بسهولة، لكن إذا تم سكب الماء، فإن الأقراص الملتصقة سوية بقوة كبيرة، تنفصل ثانية عندما يتم إضافة ماء أكثر. عند درجة حرارة 72 من الحرارة التي يمتصها الثلج فقط فيه، تصبح سائلا يتوافق مع كمية الماء الكافي لفصلها فقط، وذلك بالدخول بين الأقراص. # 76 # أي إن فيلكه كان من أوائل الدعاة والمبشرين بنظرية السيال الحراري. # جوزيف بلاك (القرن 18م) # لعل أهم إسهامات الفيزيائي والكيميائي الاسكتلندي جوزيف بلاك # J. Black ~~(1728-1799م) هو تمييزه بين مفهومي الحرارة ودرجة الحرارة، وذلك ms023 من خلال تجربته على القرص الحديدي والمقلاة الممتلئة بالماء، حيث قام بوضعهما في وقت واحد على منبعين حراريين يطلقان كميتي حرارة واحدة، وبعد عشر دقائق وجد أن القرص قد سخن لدرجة لا يمكن لمسه فيها، بينما الماء في المقلاة سخن بشكل دافئ، وهذا يعني أن مقدارا واحدا من الحرارة ينتج لدينا درجتين مختلفتين من الحرارة، ومنه استنتج أن الحرارة هي كمية من شيء ما دون ريب، أما الاحترار أو السخونة فيدل على درجة حرارة ذلك الشيء. # 77 # وقد أطلق بلاك على هذه الخاصية اسم «القابلية للحرارة». وبعدها اختار العلماء الرقم «واحد» بشكل اعتباطي كمقياس لقابلية الاحترار، وتقارن اليوم هذه القدرة على امتصاص الحرارة مع المواد الأخرى مع هذا الرقم، وتدعى ب «الحرارة النوعية # Specific heat ~~»، # 78 # وتوصل إلى أن لكل مادة «سعة حرارية» # heat capacity # أو حرارة نوعية خاصة بها. # 79 # يقول بلاك: «باستخدامنا لجهاز القياس هذا تعلمنا أنه إذا أخذنا ألف نوع أو أكثر من المواد المختلفة كالمعادن، والحجارة، والأملاح، والريش، والصوف، والماء، وبعض السوائل الأخرى، تختلف «حرارة» كل منها عن الأخرى في بداية الأمر، ووضعناها كلها في حجرة واحدة غير مدفأة ولا تدخلها الشمس، نلاحظ أن الحرارة تنتقل من الأجسام الأسخن إلى الأجسام الأبرد، وذلك في بضع ساعات أو يوم واحد. وفي نهاية هذه الفترة الزمنية إذا قمنا بوضع ميزان الحرارة على هذه الأجسام لوجدنا أنه يسجل الدرجة نفسها تماما.» وبذلك لم يكن بلاك ليقبل بالخلط بين كمية الحرارة الموجودة في الأجسام وبين «شدتها أو قوتها العامة» كما كان يصطلح على تسميتها. # 80 # إذن نتيجة إضافة أو نزع الحرارة تتغير درجة حرارة بعض المواد تغيرا موافقا لنوعها، وتعد الحرارة النوعية بمثابة العطالة الحرارية للمادة، والتي نعرفها بأنها مقدار الحرارة اللازمة لتغيير حرارة كيلوغرام واحد من المادة درجة مئوية واحدة. # 81 # وقد أشار بلاك بأن تمدد الأجسام بفعل الحرارة قد أدى إلى الكثير من الافتراض بأن الحرارة تزيد وزن الأجسام، لكن تلك التجربة بينت الحقائق غير ذلك بالنسبة له، ms024 وأضاف بأنه إذا اعتمدت الحرارة على إضافة مادة دقيقة للأجسام، فإن المادة «ليس لديها أي درجة جاذبية يمكن إدراكها». غير ذلك، فإن الملاحظة بأن الحرارة لم تزد في وزن الأجسام كان اعتراضا قويا على نظرية كليغهورن، ومع أنها أعادت الكثير من الفلاسفة إلى وجهات نظر فرنسيس بيكون، ودراسات أخرى مالت إلى أن تظهر بأن «الحرارة هي تأثير لمادة أولية غريبة»، لكن اكتشافات بلاك الخاصة به جعلت من الصعب تجنب الاستنتاج بأن الحرارة مادة أولية، مع أن جميع التصورات كانت فرضية ويجب تجنبها «في استغراق الوقت الذي يمكن توظيفه أفضل في تعلم أكثر للقوانين العامة للعمليات الكيميائية.» # 82 # هنري كافندش (القرن 19م) # عرف الفيزيائي البريطاني هنري كافندش # H. Cavendish ~~(1731-1810م) في بحث غير منشور له اسمه (دلالات حول نظرية الحركة) الحرارة بأنها اهتزازات للأجسام الصغيرة والجسيمات الموجودة في الأجسام الكبيرة لتجاربنا التي نجريها. وهو سبق، وقاله هوك ونيوتن ومعاصروه كثيرا قبل ذلك. لكن كافندش ذهب إلى أبعد من ذلك بوساطة قيامه بالفهم الميكانيكي لدقة الحساب الرياضياتي للحرارة، قال كافندش: «الحرارة هي القوة الدافعة الميكانيكية لاهتزاز الجسيمات.» حيث إنه ربط قانونه النظري للمصونية بقانون تجريبي، وهو القانون المتعارف عليه لدى وصل جسمين حراريين غير متساويين، فإن الحرارة المفقودة بالأول تساوي تلك التي اكتسبها الآخر؛ أي يتلقى الجسم الأول «قوة دافعة بقدر، أو بكلمات أخرى، زيادة الحرارة مضروبة بكمية مادتها بحجم فقدان الأجسام الأخرى، بحيث يبقى مجموع القوة الدافعة الميكانيكية ثابتا.» # 83 # الكونت رمفورد (القرن 19م) # عندما حاول بنيامين طومسون أو كما يعرف باسم الكونت رمفورد # Count Rumford ~~(1753-1814م) أن يختبر فكرة الارتباط بين الحرارة والحركة بتجربة أخرى غير تجربة المدفع، قام عام 1799م بوزن ماء منصهر عن ثلج، ووجد أنه يساوي وزن الثلج الأصلي، وبما أن الثلج يستلزم كمية كبيرة من الحرارة لانصهاره، وجب أن يكون وزن الماء أكبر من وزن الثلج وهذا يعني أن نظرية السيال صحيحة. وكون النتيجة التي حصل عليها مخالفة للنظرية فهذا يعني أن الحرارة لا وزن لها، ms025 ومضى اعتمادا على ذلك لتعريف الحرارة بأنها: «حركة اهتزازية عنيفة لمكونات الأجسام الساخنة.» # 84 # جان بابتيست فورييه (القرن 19م) # مع حدوث الثورة الفرنسية عام 1789م تمكن جان بابتيست فورييه # J. B Fourier ~~(1768-1830م) من دخول مدرسة عسكرية، والتي سميت فيما بعد كلية الفنون التقنية المتعددة Polytechnic # ذات الشهرة الواسعة في بواكير القرن التاسع عشر، وبعد التخرج بقي كمدرب فيها، وقد أخذ نابليون بونابرت فورييه معه في حملته المصرية وجعله بارونا تقديرا لاكتشافاته الرياضياتية الكبيرة التي كانت ذات علاقة بالتوصيل الحراري وحساب مجالات درجة الحرارة؛ تلك الاكتشافات نشرت أولا في نشرة العلوم # Bulletin des Sciences # عام 1808م. وبعد ذلك العمل الأول، واصل فورييه إنتاجه العلمي بنشاط، وفي النهاية لخص عمل حياته في كتابه (النظرية التحليلية للحرارة) # 85 # في عام 1822م. # 86 # العمل الأخير في الأساس هو كتاب عن التحليل، ونرى فورييه فيه غير متأثر تماما بأي تخمينات بشأن طبيعة الحرارة، أو ما إذا كانت الحرارة هي سيال حراري عديم الوزن أو شكل من أشكال الحركة، يقول فورييه: «يمكن للمرء فقط أن يكون فرضيات عن الطبيعة غير المرئية للحرارة، إلا أن معرفة القوانين الرياضياتية التي تحكم تأثيراتها مستقلة عن كل الفرضيات.» صحيح أن تصريحات فورييه تصاغ بجمل طويلة وعتيقة الطراز مثل هذه: «إذا وقع جسيمان بالقرب من جسيم غير محدد ويملكان درجات حرارة مختلفة، فإن الجسيم الأكثر حرارة ينقل مقدارا معينا من حرارته إلى الآخر؛ وهذه الحرارة - المنقولة من الجسيم الأكثر حرارة إلى الآخر الأكثر برودة في وقت معين وخلال لحظة معينة - تكون متناسبة مع اختلاف درجة الحرارة، إذا كان هذا الاختلاف يملك قيمة صغيرة.» # 87 # وبشكل مغاير للحلم بطريقة نيوتن الوحيدة والمطبقة على كل الكون، فإن قوة وجاذبية عمل فورييه تقعان في إطار ضيق من التركيز الواعي والواضح. إن نظرية الحرارة عند فورييه ستبحث فقط فيما هو غير قابل للإحالة لقوانين الميكانيكا: «مهما يمكن أن يكون مدى النظريات الميكانيكية، فإنها لا تنطبق على تأثيرات الحرارة؛ إذ يشكل هذا نوعا خاصا من ms026 الظاهرات، الذي لا يمكن شرحه بمبادئ الحركة والتوازن.» وقد بقي فورييه غير واضح بشأن الطبيعة الماورائية الأساسية للحرارة، ومن ناحية التنظير، فإنه لم يركز على اعتبارات الأسباب «العميقة». # 88 # هرمان فون هلمهولتز (القرن 19م) # نشر الفيزيائي الألماني هرمان فون هلمهولتز # H. von Helmholtz ~~(1821-1894م) في عام1847م، بحثه عن الحرارة والطاقة، وأورد في بحثه هذا أن الحرارة شكل من أشكال الطاقة، وحظيت فكرته هذه بقبول سريع؛ فقد قال في عمله الأول عن الديناميكا الحرارية أو الترموديناميك (حول مصونية القوة) # 89 # الذي قرأه على الجمعية الفيزيائية في برلين: ما دعي حرارة هو أولا القوة الحية # life force ~~[الطاقة الحركية] للحركة الحرارية [للذرات] وثانيا القوى المرنة بين الذرات. الأولى هي ما كانت حتى الآن تدعى الحرارة الطليقة والثانية هي الحرارة الكامنة. إلى هذا الحد تلك الفكرة عبر عنها قبل - بوضوح إلى مدى ما - لكن الآن أتى تبصر هلمهولتز الناجح بخاصة؛ ارتداد الذرات والتجاذبات بينها جعلا تماما النظام الميكانيكي معقدا أكثر مما كأنه أي نظام عياني في أي وقت. # 90 # الفصل الثاني # | آليات انتقال الحرارة # مقدمة # يوجد ثلاث طرائق لانتقال الحرارة وانتشارها؛ فقد تنتقل بالحمل # convection ~~، أو بالتوصيل # conduction # أو بالإشعاع # radiation ~~. الحالتان الأوليتان تتطلبان وجود مادة وسيطة بين الجسمين، أما في حالة الإشعاع فلا يتطلب الأمر # 1 # وجود أية مادة وسيطة. # 2 # وقد أصبح اليوم انتقال الحرارة علما قائما بحد ذاته يدعى علم انتقال الحرارة # Heat transfer science # ويعرف بأنه العلم الذي يدرس حساب انتقال الطاقة من مكان لآخر نتيجة للفروق في درجات الحرارة بينهما، وهو يختلف عن الترموديناميك بكونه يزودنا بتصور عن الكيفية التي انتقلت بها الحرارة لتغير وضع الاتزان. # 3 # شكل يوضح طرائق انتقال الطاقة بصورة حرارة: (أ) بوساطة النقل، (ب) الإشعاع، (ج) الحمل . (مصدر الشكل: جيبلسكو، ستان، كشف أسرار الفيزياء، ص256.) # لم يتأسس علم انتقال الحرارة بين ليلة وضحاها، وإنما استغرق قرونا عديدة، وجهودا جبارة، حتى تسنى للعلماء التمييز بين مفاهيم الحرارة ودرجة الحرارة، وبين الحرارة الكامنة والحرارة النوعية وبين ms027 آليات انتقال الحرارة. وفي هذا الفصل سنبحث في الآليات التي اتبعها مختلف العلماء حتى توصلوا إلى تلك الطرائق الرئيسة الثلاث. # أولا: انتقال الحرارة بالتوصيل أو النقل # إذا أمسكنا بجسم ما وقمنا بتعريضه للنار، فإننا نلاحظ الانتقال التدريجي للحرارة من الطرف الساخن المعرض مباشرة للحرارة إلى الطرف الذي نمسك به، عندئذ نقول إن الحرارة قد انتقلت بالتوصيل؛ أي إن انتقال الحرارة بالتوصيل لا يستدعي تحرك المادة على نطاق واسع داخل الجسم لدى مرور الحرارة بداخله، كما هو الحال في الحمل. # 4 # وقد تمت ملاحظة عملية الانتقال هذه من قبل العديد من العلماء العرب والمسلمين والأوروبيين، وقد وثقوا لنا هذه الملاحظات في أعمالهم. # المبحث الأول: العلماء العرب والمسلمون # درس كل من إخوان الصفا، وابن ملكا، والإمام فخر الدين الرازي وغيرهم، في أعمالهم، ظاهرة التوصيل الحراري التي يمكن أن تحدث بين جسمين متصلين ببعضهما؛ حيث إن أحدهما أسخن من الآخر. وظاهرة التوصيل بسيطة، ويمكن للكثيرين ملاحظتها وتحسسها باليد منذ زمن بعيد. والحقيقة أن ابتكار الملاعق الخشبية للتحريك بوساطتها في القدور في أثناء إعداد الطعام هو أبسط تطبيق عملي للتخلص من التوصيل الحراري الذي كان يتعامل معه الطباخون من النساء والرجال يوميا، لكن لم يحاول أحد أن يقدم لنا تفسيرا لهذه الظاهرة، بغض النظر عن النظرية التي يستند إليها تفسيره. # إخوان الصفا (القرن 4ه/10م) # نعلم أن التبادل الحراري يحدث عندما يتلامس جسمان لهما درجتا حرارة مختلفتان، بحيث إنهما يصلان إلى حالة التوازن الحراري في النهاية، وتترافق عملية التبادل الحراري بتغير في الطاقة الداخلية يسمى كمية الحرارة (الطاقة الحرارية) المعطاة أو المكتسبة. # 5 # ونعلم أيضا أن انتقال الحرارة يتم جدلا من الجسم الساخن إلى الجسم البارد. # 6 # وقد ورد هذا المعنى عند إخوان الصفا بقولهم: إن الجسم «إذا لاقاه جسم آخر، فلا يخلو أن يكون ذلك الجسم أشد حرارة من البدن أو أشد برودة منه، أو مساويا له في ذلك؛ فإن كان أشد حرارة منه، زاد سخونة عند ملاقاته إياه، وإن كان أبرد منه، زاد ms028 برودة ما ... وإن كان ذلك مساويا لمزج البدن في الحرارة والبرودة جميعا، فلا يغير منه شيئا.» # 7 # طبعا يقصد إخوان الصفا بالملاقاة عملية التلامس أو التقارب التي تتم بين يد الإنسان والأجسام المحيطة بها، والمهم في فكرتهم هو إدراكهم لحالة التوازن الحراري التي تحدث بين الجسمين المتلامسين. # ابن سينا (القرن 5ه/11م) # انتبه ابن سينا إلى أن الجسم القادر على القيام بفعل التسخين أو التبريد من تلقاء نفسه، فإنه قادر على نقل الحرارة أو البرودة إلى ما يجاوره من الأجسام أو يلامسه، قال: «إن الجسم الذي له طبيعة مبردة أو مسخنة، فإنه يبرد ذاته أو يسخنها بطبيعته، ويبرد أيضا ما يجاوره ويتصل به، أو يسخنه.» # 8 # ابن باجة (القرن 6ه/12م) # نشكر لابن باجة (توفي 533ه/1138م) محاولته أن يخضع ظاهرة الحرارة والبرودة للبرهان الهندسي، وقد يكون ذلك أول محاولة ترييض للظاهرة الحرارية قبل أن يقوم بذلك الأوروبيون، متخذا من مفهومي القوة والفعل الأرسطيين أساسا لانطلاق عمله، وقد كان يهدف من ذلك رصد عملية انتقال الحرارة من حالة القوة (الظاهرة المخفية) إلى حالة الفعل (الظاهرة المحسوسة)، كما هو الحال في تحول الخشب إلى صورة الكرسي، ففي معرض حديثه عن المحركات يقول ابن باجة: «والمحرك صنفان؛ إما غير مجانس كمحرك الأجسام المستدير فهو يحركها بالضرورة، وإما مجانس، فله هيولى، وهي أيضا قابلة للصورة المضادة للأولى، فليكن «آب» ماء، ففي «آب» صورة الماء، فليكن ذلك بردا، ففيه برد بالفعل وهو هواء بالقوة، فليكن قوة الهواء عليها (ه~). ففي آب «ب~» و «ه~» فلذلك يحرك من جهة أنه «ب~» ويتحرك من جهة أنه «ه~». وما يقابله هو «آو» على «آج~»، ففي «آج~ ج~»، وهو صورته وفيه «م~» وهو كونه ما بالقوة، وما بالقوة لا يتحرك دون محرك، فجسما «آب»، «آج~» ساكنان بما هما «ه~» و «م~» ومحركان بما هما «ب~» و «ج~»، فقوة «ه~» تتحرك ضرورة عن «ج~»، وقوة «م~» تتحرك عن «ب~». فإن كان «ب~» مساويا ل «ج~» لم يتحرك ولا واحد منهما، وإن كان ms029 أحدهما أقوى وليكن «ب~» حرك ضرورة «آم~» وصارت المادة «ب» وموضوعة ل «ب~» لزمها ضرورة «ه~»؛ لأن «ب~ ج~» متجانسان وأضداد، فليس كذلك مما يمكن الصور فيه غير متضادة [مثال ذلك] أن هذا خشب وكرسي بالقوة، فقد يكون كرسيا وهو خشب كما كان، فإن الكرسي غير مجانس للخشب على ما يجانس الحار البارد، ولا افتراز قوة الكرسي بالخشب بالذات للخشب، ولا الخشب سبب وجود القوة في الخشب إلا على جهة أخرى.» # 9 # ومفاد كلامه السابق أن تطبيق مفهوم القوة والفعل نسبي، فمع أن الجسم الحار قد يكون مجانسا للجسم البارد من ناحية المادة التي يتمكنان منها، إلا أن كلا منهما مضاد للآخر في الوقت نفسه من ناحية الحالة الحرارية، ويمكن أن تنتقل حالة أحدهما إلى الآخر. # هبة الله بن ملكا البغدادي (القرن 6ه/12م) # حتى يميز ابن ملكا بين الحركة في الكيف والحركة في المكان، فقد استعان بظاهرة تسخين الأجسام، حيث إننا نرصد حركة الكيف في الجسم بوساطة الانتقال من الجزء الأضعف حرارة إلى الجزء الأقوى؛ أما الانتقال من الجزء الأقرب لمصدر الحرارة إلى الجزء الأبعد فليس حركة في الكيف، بل «حركته في ذلك مكانية من حيث تسري في الأجزاء، وأما من حيث تبتدئ وتنتهي من ضعف إلى شدة فلا، ومن هذا القبيل هي في كيفيته.» # 10 # وهذه إشارة مبكرة جدا من ابن ملكا لانتقال الحرارة داخل الجسم دون أن تنتقل أجزاء الجسم نفسها. # فخر الدين الرازي (القرن 7ه/13م) # حاول الإمام الرازي أن يفسر الفرق بين أن تتعرض اليد لحرارة النار وهي تتحرك فوقها بسرعة، وبين أن توضع اليد على مصهور معدني، ففي الحالة الأولى تكون الناقلية الحرارية في اليد أقل من الحالة الثانية نظرا لاختلاف كثافة النار عن كثافة المصهور، وزمن التعريض ومساحة السطح المعرض، وهذا أيضا تقدم جديد ومبكر من ناحية تحديد العوامل الداخلة في عملية النقل أو التوصيل الحراري. # قال الإمام: «(فإن قيل) النار تذيب الفلزات وتكون سخونتها أقوى من سخونة النار [فذلك] لأنا ندخل أيدينا في النار، ms030 ونمرها فيها بعجلة فلا تحرق مثل ما تحرق المسبوكات، مع أن المسبوكات إنما تسخنت عن النار (فجوابه): إن المسبوك جرم لزج غليظ لم يخالطه جرم غريب فللزوجته يبقى اتصاله باليد زمانا طويلا، ولغلظه تكون حركة اليد فيه أبطأ، ولأنه لم يخالطه جرم غريب فيكون تأثير سطحه الملاقي سطح اليد تأثيرا واحدا، وأما النار فلأنها ليبسها تكون سريعة الانفصال وللطافتها تتحرك اليد فيها أسرع ما يكون ولأجل ما يخلطها من أجزاء الهواء والغبار لا يكون سطحها سطحا متصلا بل سطوحا صغارا مختلطة بأجرام هوائية وأرضية، وهي كاسرة من صرافة حر النار، فلأجل ذلك كانت السخونة المحسوسة من ملامسة الجواهر الذائبة أقوى مما يحس من النار؛ هذا كله إذا نظرنا إلى حقيقتي العلة والمعلول اللتين هما مشتركان في الماهية، وأما إذا نظرنا إلى وجوديهما فيستحيل تساويهما فيه من جهة التقدم والتأخر؛ لأن العلة مفيدة للوجود والمعلول مستفيد والمفيد لا يساوي المستفيد، هذا إذا كانت العلة والمعلول ماديين.» # 11 # حتى تتوضح الصورة أكثر، يمكننا عقد مقارنة عن الحالتين اللتين تكلم عنهما الإمام في الجدول الآتي: # وجه المقارنة # حركة اليد فوق النار # حركة اليد داخل المصهور # الكثافة # سريعة # بطيئة # زمن التعريض # قصير # طويل # مساحة السطح المعرض # صغيرة # كبيرة # طبعا الحالة السابقة التي درسها الإمام افتراضية بحتة، ولا يعقل أن يقوم بها أحد من الخلق، لكن مناقشة الإمام لها مشكورة كونها تهدف لتحديد العوامل الداخلة في اختلاف الإحساس بين الحالتين؛ كون الإحساس اللمسي وسيلة القياس المتاحة والشائعة بالنسبة له، ويمكن لأي شخص التحقق من صحة تفسيره. # المبحث الثاني: الأوروبيون # تشير الدراسة التاريخية بأن التناظر (حرارة-الكهرباء) تم إثباته بشكل ثابت ومثمر في كلا الحقلين، بداية الدراسة التجريبية في الكهرباء كانت مقارنة متأخرة لتلك التي للحرارة، فقد وضع ستيفن غراي # S. ~~ Gray ~~(1666-1737م) أساسا صحيحا للكهرباء بوصفها علما في عام 1720م، ونشرت اكتشافاته في الجلسات الفلسفية بين عامي (1720م-1736م). وفي عام 1729م، أعلن عن اكتشافه للتوصيل الكهربائي، مقدما المصطلحات «كهرباء بالثانية» و«اللاكهربائية»، ثم ابتكر المهندس جون ديسغوليريز ms031 # J. Desaguliers ~~(1683-1744م) مصطلحي «الموصل # Conductor ~~» و«العازل # Isolator ~~» بين عامي (1737م-1740م) وقد تم تبنيهما تقريبا في حقل الحرارة. # 12 # لكن لم تقف ظاهرة الموصلية أو الناقلية لدى الأوروبيين عند حدود المصطلح، بل مضت قدما في محاولة لفهمها وتقنينها رياضياتيا بهدف السيطرة عليها. # فرنسيس بيكون (القرن 17م) # اقترح فرنسيس بيكون ما أسماه بحركة التحفيز # Stimulation ~~، وهي الحركة التي تنتشر وتتصل وتحرض غيرها فينجم عنها تضاعف بالقوى تولد بدورها حرارة أكثر، وقد أراد من هذا الاقتراح أن يفسر سبب وجود ناقلية حرارية لدى بعض المواد وعدم وجودها في البعض الآخر فقال: «الحرارة لا توصل ذاتها في عملية تسخين الأجسام الأخرى بأن تقاسمها حرارتها الأصلية، بل بإثارة أجزاء تلك الأجسام إلى تلك الحركة التي هي (صورة الحرارة)؛ لذا فإن الحرارة تثار في الحجر أو المعدن بشكل أبطأ كثيرا وصعوبة أكبر مما تثار في الهواء؛ لأن هذه الأجسام غير مكيفة، وغير قابلة لتلك الحركة.» # 13 # إسحاق نيوتن (القرن 18م) # درس إسحاق نيوتن الجوانب النظرية لانتقال الحرارة بالتوصيل، وقد صاغ القانون المعروف باسمه لانخفاض درجة حرارة جسم دافئ في وسط بارد محيط به؛ حيث افترض أن انخفاض درجة الحرارة في فترة قصيرة من الزمن تتناسب مع ارتفاع درجة حرارة الجسم عن درجة حرارة الوسط المحيط به. ~~ ولدى اختبار هذه الفرضية من قبل الفرنسيين بيير لويس ديلونغ P. L. Dulong ~~(1785-1838م) وأليكس بيتي # A. ~~ Petit ~~(1791-1820م) عمليا، تبين لهما أن هذا القانون لا يكون صحيحا إلا إذا كان هذا الارتفاع طفيفا في درجة الحرارة. # 14 # إيمانويل سويدنبورغ (القرن 18م) # في عام 1721، نشر إيمانويل سويدنبورغ # E. ~~ Swedenborg ~~(1688-1772م) ثلاثة أطروحات باللاتينية تعامل فيها مع مسائل في الفيزياء والكيمياء. ~~ في الثانية منها وهي بعنوان: (ملاحظات جديدة واكتشافات تتعلق بالحديد والنار)، قدم وصفا جيدا لفرن حديدي وعمليته، ومحاولات القيام بتحليل رياضياتي لتقدم الحرارة على طول مقطع عرضي للفرن، ثم يطرح نظرية الحرارة وقوانين عدة، واستدلالا تقريبيا كاملا عن النقل الحراري. كما في حالة التجارب الأخرى في تلك الآونة، لم ms032 يقدر سويدنبورغ بأنه كان يتعامل مع النقل الحراري وسريان درجة الحرارة. # 15 # يوهان لامبرت (القرن 18م) # قدم العالم الألماني يوهان هنريش لامبرت # J. H. Lambert ~~(1728-1777م) في كتابه (الفوتومتريا Photometria ~~) الذي نشر عام 1760م، نظرية تتعلق بانتقال الحرارة بالتوصيل عبر قضبان نحيفة من المعدن. # 16 # وقد تمكن بعد فهمه لظاهرة الرطوبة أن يخترع أول مقياس عملي للرطوبة. # بنيامين فرانكلين (القرن 18م) # على ما يبدو أن بنيامين فرانكلين # B. ~~ Franklin ~~(1706-1790م) كان أول من استدل على وجود تشابه جزئي بين الحرارة والكهرباء. وقد أنجز هذا بصدد شرح آلية التوصيل؛ ففي أوائل عام 1751م توسع فرانكلين بقائمة الموصلات الكهربائية، وبحلول عام 1755م برهن بأن بعض المواد الأولية كانت موصلات أفضل من أخرى. وقد طبق هذا الأمر على ظاهرتي الحرارة والكهرباء معا؛ ومن ثم دخل مفهوم التوصيل في سجال. وقد استحضر هذا التشابه الجزئي في رسالة إلى الطبيب جون لينغينغ # J. Lining ~~(1708-1760م) مكتوبة في نيويورك، 14 أبريل عام 1757م. # 17 # كما أن فرانكلين كان أول من أثبت تجريبيا وجود صلة بين الحرارة والكهرباء. صحيح أن التجربة الفعلية نفذها كينسيرسلي # Kinnersley # في عام 1760م، لكن الاقتراح كان قد طرحه فرانكلين. واقترح فرانكلين الكثير من التجارب، التي تعتبر الآن تقليدية، تصورها وفسرها فرانكلين، وهي معروفة بأسماء أولئك الذين أجروها. تجارب فرانكلين الأولى عن القدرة التوصيلية النسبية لمختلف المواد من أجل الحرارة والكهرباء كانت نوعية. وقد أصر بأن يضعها على أساس كمي، يقول جوزيف بريستلي # J. Priestley ~~(1733-1804م) في الطبعة الخامسة من كتابه (تاريخ وحالة الكهرباء الحالية) عام 1694م: «في محادثة أجريتها مع د. ~~ فرانكلين والسيد كانتون ود. بريس، أتذكر سئلت فيما إذا كان من المحتمل وجود أي فرق في قدرة التوصيل بالنسبة لمختلف المواد، وهل توجد إمكانية للتحقق من ذلك الفرق؟ بعد ذلك سعيت لأنفذ إنجاز مخطط اقترحه د. فرانكلين.» بعدئذ دخل في تفاصيل التجربة ونتائجها، مع انتقادات واقتراحات من أجل التحسين. # 18 # تم التقليل من شأن قيمة تجارب فرانكلين الحرارية، كما هو حال ms033 كل التجارب الأخرى، وذلك بسبب الخلط الشائع بين درجة الحرارة والحرارة، وكذلك فإن مفهومي السعة الحرارية والحرارة النوعية لم يكن قد تم صياغتها، ولم تكن هناك طريقة جيدة لقياس كميات الحرارة. # 19 # جان إنجنهوز (القرن 18م) # درس عالم النبات الهولندي جان إنجنهوز # J. ~~ Ingenhousz ~~(1730-1799م) في بحوثه التجريبية التوصيلية الحرارية لمختلف المواد في أواخر القرن 18م. # 20 # وقد نشر إنجنهوز كتابه (تجارب جديدة) في عام 1780م. وتضمن تحديدا تجريبيا للتوصيل الحراري النسبي لمعادن مختلفة. اقترح فرانكلين تجربة إنجنهوز وكانت مشابهة في المفهوم لتجربة لخصها بريستلي من أجل الكهرباء. # 21 # جوزيف بلاك (القرن 18م) # مع أن جوزيف بلاك بين بشكل واضح الفرق بين درجة الحرارة وكمية الحرارة، والحرارة النوعية طوال مناقشته لموضوعات الحرارة بأسلوب لغوي قديم، إلا أنه خلط بين التوصيل الحراري والحمل الحراري. وكثيرا ما كان يتكلم عن «الاتصال» أو «الإرسال» الحراري، لكن هذه الأفكار تغطي أكثر من «توصيلنا» الحالي. أدرك بأن المواد الأولية كافة لم «ترسل» حرارة ب «الوضوح» نفسه. في الحقيقة، قال: «تتلقى السوائل عموما حرارة، وترسلها بوساطتها بسرعة أكثر، وأكبر من عدد الأجسام الصلبة.» # 22 # الكونت رمفورد (القرن 19م) # حدد الكونت رمفورد، في دراسته الحثيثة للظاهرة الحرارية، القدرة التوصيلية لعدد كبير من المواد الأولية، وكان اختياره للمواد شاملا جدا؛ فهو يتراوح من المواد الصلبة المعدنية وغير المعدنية، عبر السوائل، والغازات إلى القماش والقش والتفاح المهموس وصلصة التفاح، وكان هذا الأخير بتركيزات مختلفة. أصل اهتمامه في هذه المسألة يمكن الاستدلال عليه من المقتطف الآتي من مقالته (المقالات): «عندما أتناول الطعام قد كنت غالبا ألاحظ بأن صحونا معينة حافظت على حرارتها أطول بكثير من صحون أخرى، وأن فطائر التفاح ومزيج التفاح واللوز، وهو طبق شائع في إنكلترا، بقي حارا ولوقت طويل بشكل مفاجئ. مفاجأة كبرى مع هذه الكمية الاستثنائية من الحرارة المتبقية؛ حيث يظهر التفاح ليستحوذ على ذلك، وكثيرا ما يعود ذلك لذاكرتي، بأني لم أحرق فمي أبدا بها، أو ألتق آخرين لهم الحظ السيئ نفسه. بدون جهد، إنما ms034 بشكل عبثي، حاولت أن أكتشف بأنه يوجد طريقة ما لتفسير هذا الأمر المدهش وبأسلوب مرض.» # 23 # ثم يصف بشكل قوي في (المقالات) تجاربه التي أوصلته إلى مفهوم التوصيل الحراري. في تقاريره الأولى افترض بأن الحرارة برمتها ليست مشعة، وإنما تم نقلها بالتوصيل. ~~ في مقالته (تجارب عن الحرارة) يقول: «إن فحص القدرة التوصيلية للهواء، وفي سوائل مختلفة وأجسام صلبة، فيما يتعلق بالحرارة.» «لقد كانت نيتي منذ البداية أن أفحص القدرات التوصيلية للهواء والغازات الصناعية.» «هل تزيد الرطوبة من قدرة الهواء التوصيلية؟» «من هذه التجارب يظهر بأن القدرة التوصيلية للهواء تزداد كثيرا بفعل الرطوبة.» «هذا بالتأكيد موضوع التحري ليس أقل إثارة بحد ذاته من اهتمام النوع البشري، وأتمنى بأن ما قد أنجزته قد حث الآخرين على لفت انتباههم إلى حقل تم إهماله طويلا من التحقق التجريبي. من ناحيتي، قررت بألا أتخلى عنه.» حتى إنه اختبر الخلاء ووجد بأنه «ناقل سيئ للحرارة أكثر من الهواء العام.» # 24 # ونتيجة للتجارب اللاحقة، التي صممت بشكل متقن، استنتج رمفورد بأن السوائل والغازات لا توصل الحرارة، حسب رأيه: «مع أن جسيمات أي سائل وعلى نحو انفرادي، يمكنها أن تتلقى حرارة من الأجسام الأخرى، أو تتصل بها، إلا أن التبادل الداخلي والتوصيل بالحرارة بين هذه الجسيمات نفسها مستحيل بالتأكيد.» أيضا «عندما تكون الحرارة محمولة في الأجسام الصلبة، فإنها تعبر من الجسيمات بشكل واضح في كل اتجاه، لكن من المؤكد بأن الحرارة ليست مرسلة بالطريقة نفسها في السوائل.» يقول الباحث روبيسون # Robeson # عن هذه التجارب: «لا يتوجب علينا أن نهمل ملاحظة متميزة على نحو فريد جدا، والتي سعى الكونت رمفورد لإثباتها بين القدرة التوصيلية للأجسام الصلبة والسوائل؛ أي إنه بينما تكون الحرارة محملة على طول الأجسام الصلبة، ومن جسيم إلى جسيم، طبقا لقوانين نظامية معينة، تكون الأجسام السائلة ساخنة في أجزائها المتباعدة فقط عند الانتقال الفعلي للجسيم الذي تلقى الحرارة من جسم حار عندما كان متصلا معه.» جدارة المؤلف وعبقريته دعمت رأيه بسلسلة من التجارب المثيرة والمخترعة جيدا، والنتائج ms035 كانت غير متوقعة ومفاجئة جدا. كان جوزيف بلاك مأخوذا كثيرا بهذا الرأي الجديد وبالكثير من الأهمية، وبدأ بفحصها بدقة وحذر، لكن أصابه انحطاط كبير في صحته. «من الواضح بأن ما أثبتته تجارب الكونت رمفورد، بكون الحركة الداخلية - القابلة للإنتاج جراء التفاوت في الوزن النوعي والذي سببته تسخين الأجزاء الأدنى من السائل - ممنوعة، مواصلة التسخين غير محسوس تقريبا، وهو ليس أكثر مما قد نتوقعه بواسطة المادة الصلبة لوعاء وبالإشعاع.» «لهذا، لا يوجد شيء في الرأي الذي طرحه الكونت رمفورد مع الحذر الشديد، الذي يكون متعارضا وغير متسق مع أفكارنا الأكثر تميزا عن هذه الموضوعات، إنه حقل تحقق جميل، ويكون مفتوحا بشكل مبدع جدا بالنسبة للفلاسفة.» كان استنتاج رمفورد هذا قائما على أفضل دليل تجريبي متوفر وموجود جزئيا حتى عام 1880م. ويستحق ذكرا واسعا لأنه يشير بأن «كسرا عشريا تاليا» لن يحسن فقط من الدقة بل قد يعدل الأفكار بشكل ملحوظ. وحسب تخطيط تجاربه فقد استعمل رمفورد التشابه الجزئي (مماثلة) بين الحرارة والكهرباء، يسترعي الانتباه إليها بعدة أحايين. بقي قريبا على اتصال مع صديقه السويسري مارك أوغسط بيكتي # M. A. Pictet ~~(1752-1825م)، الذي كان أول من برهن على أن القدرة التوصيلية للجسم هي خاصية مستقلة عن الموضع الفيزيائي، بهذا الوقت، وبشكل تقريبي عام 1810م، كان مفهوم التوصيل الحراري واضحا بالكامل، وبشكل أساسي بسبب عمل رمفورد وبيكتي. # 25 # إذن كانت تجارب رمفورد أكثر دقة ممن سبقه، فقد تمكن من خلالها فتح باب الفصل بين مفهومي التوصيل الحراري والحمل الحراري أمام الباحثين اللاحقين. # جان فورييه (القرن 19م) # اقترح الباحث إيليا بريغوجين # I. ~~ Prigogine # سنة 1811م، لميلاد (علم التعقيد # Complexity ~~)؛ فهي السنة التي حصل فيها الفيزيائي الفرنسي جان فورييه على جائزة أكاديمية العلوم الفرنسية لوضعه تفسيرا رياضياتيا لانتشار الحرارة في الأجسام الصلبة. وينص قانون فورييه على أن تدفق الحرارة يتناسب مع الزيادة أو النقصان في درجة الحرارة. وقد وجد أن هذا القانون ينطبق على حالات المادة الأخرى (السائلة أو الغازية). وقد حاول كل من بيير ms036 لابلاس P. Laplace ~~(1749-1827م) وجوزيف لاغرانج # J. ~~ Lagrange ~~(1736-1813م) وتلاميذهما الطعن بنظرية فورييه، إلا أن محاولاتهم باءت بالفشل مما اضطرهم للتراجع عن ذلك. # 26 # وضع فورييه دراسته السابقة في كتابه (النظرية التحليلية في الحرارة) ونشره عام 1822م، وقد عالج فيه الناقلية الحرارية بالتوصيل بأساليب رياضياتية تفوق بأهميتها في مجال الرياضيات والعلوم الفيزيائية أهمية موضوع انتقال الحرارة بالتوصيل نفسه، وقد ابتكر فورييه فيه السلسلة التي تحمل اسمه (سلسلة فورييه) وهي مفكوك تابع (دالة) على شكل سلسلة لا نهائية من التوابع المثلثاتية. # 27 # لقد ترك فورييه مجالا صغيرا للتوسع والتطوير، واقترح أو أبقى إمكانية لكل التطورات اللاحقة. كان فورييه أول من قدم تعريفا علميا شاملا للقدرة التوصيلية الحرارية في المواد. وقد أمضى خمس عشرة سنة في التجريب والتأويل، واستنتج قوانينه بعد دراسة مطولة، ومقارنة لطيفة للحقائق المعروفة التي وصلت إلى زمنه. وقد تضمنت نظريته الرياضياتية للحرارة عدة أمور: # أولا: # التعريف الدقيق لجميع عناصر التحليل. # ثانيا: # المعادلات التفاضلية. # ثالثا: # التكامل الذي يتناسب مع المسألة الأساسية. # وكان التفسير العددي لنتائج التحليل ضروريا للوصول لدرجة الكمال، والذي قد يكون مهما جدا بالنسبة لكل تطبيق تحليلي في العلوم الطبيعية. وحتى يوجد نظرية، من الضرورة بمكان تمييز وتعريف الخواص الأولية بدقة، والتي تحدد تأثير الحرارة؛ أي ما هي الخصائص الأولية الضرورية للملاحظة في كل مادة أولية، وما هي التجارب الأكثر ملائمة لتحديدها بالضبط؟ وحالما يتم تحديدها، فإن جميع المسائل المرتبطة بحمل خصائص معينة تكون مفيدة مباشرة في عدة تطبيقات في العلوم الفيزيائية، فضلا عن ذلك فإنها عنصر في دراسة ووصف المواد الأولية المختلفة؛ إنها معرفة ناقصة جدا للأجسام التي تتجاهل العلاقة مع أحد العوامل الرئيسة للطبيعة. مع أن التحديدات الأولى للتوصيل الحراري للأجسام الصلبة قام بها فورييه، إلا أن التحديدات الأولى الدقيقة تم التأكيد عليها من قبل الباحث فوربس # Forbes ~~؛ حيث استشهد الأخير بالمماثلة بين الحرارة والكهرباء لتأسيس التبادل بين التوصيلات الحرارية والكهربائية في الأجسام الصلبة، إضافة إلى أنه كان أول من أظهر وجود اختلاف بين التوصيل ms037 الحراري ودرجة الحرارة. # 28 # ثانيا: انتقال الحرارة بالحمل الحراري # نرصد ظاهرة الحمل الحراري في أثناء غليان الماء أو أي سائل آخر، حيث ينتقل الجزء الحار من السائل إلى الأعلى، لانخفاض كثافته، وينتقل الجزء البارد إلى الأسفل، لازدياد كثافته، وهكذا دواليك؛ بمعنى آخر، فإن ظاهرة الحمل الحراري تشير إلى تبادل الحرارة بين سطح ومائع يتحرك فوقه بشكل واسع وملحوظ، وتكون كمية الحرارة المنتقلة معتمدة على طبيعة السطح وشكله الهندسي وطبيعة المائع وسرعته فوق ذلك السطح، وكذلك على فرق درجات الحرارة. # 29 # يوجد شكلان للحمل الحراري؛ أحدهما طبيعي، يحدث في الغلاف الجوي للأرض والبحار. والآخر قسري، يحدث بتسليط منبع حراري على وعاء فيه مائع أو سائل. وكل من النوعين السابقين قد يصعب ملاحظته إلا من قبل العين الخبيرة الباحثة في طبيعة الظاهرة، ولعل هذا ما قد يفسر لنا سبب تأخر البحث فيها حتى القرن العاشر للميلاد. # المبحث الأول: العلماء العرب والمسلمون # بذل العلماء العرب والمسلمين جهودهم في الكشف عن آلية انتقال الحرارة بوساطة الحمل، طبعا لم يطلقوا عليها هذا المصطلح الحديث، لكن النصوص تدلنا على إدراك مبكر لها. # المسعودي (القرن 4ه/10م) # ارتكز أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي (توفي نحو 346ه/957م) في تفسيره لحركة حرارة النار لأعلى الجو على نظرية أرسطو في العناصر الأربعة، التي كانت شائعة في عصره، وقد نبه إلى مسألة طفو الهواء الحار نظرا لقلة كثافته مقارنة بكثافة الهواء الرطب البارد، قال المسعودي: «والعناصر أربعة نار وهواء وماء وأرض؛ فاثنان من هذه العناصر حاران وهما النار والهواء، وهما يتحركان بطبعهما صعدا، إلا أن أسبقهما إلى العلو النار فهي طافية على الهواء والنار يابسة والهواء رطب.» # 30 # إخوان الصفا (القرن 4ه/10م) # حاول إخوان الصفا تقديم رؤية جديدة بعيدة عن نظرية أرسطو في العناصر؛ حيث إن وجود الحرارة في بعض الأجسام ناجم عن تحرك أجزاء مادتها الداخلية، كما أن سبب البرودة هو سكون تلك الأجزاء المادية. وهو تفسير معقول ومقبول منطقيا؛ كونه يستند إلى النظرية الذرية، التي يعارضها أرسطو ms038 أصلا. ويعود سبب ابتعاد إخوان الصفا عن النظرية الأرسطية هو تبنيهم لنظرية جابر سواء في تعريف الحرارة أو في تعريف علم الحرارة، قال إخوان الصفا: «وأما الحرارة في بعض الأجسام، فهي من أجل غليان أجزاء الهيولى وفورانها بالحركة الخفيفة، وأما البرودة في بعضها، فهي من أجل سكون تلك الأجزاء، أو جمود ذلك الغليان.» # 31 # ثم مضى إخوان الصفا لأبعد من ذلك، فقد تنبهوا إلى مسألة حرارة السطوح المتماسة فيما بينها، فبعضها يكتسب خصائص السطحين المتماسين وبعضها لا يكتسب. وهذه قضية مهمة في تفسير ظاهرة الحمل الحراري في الغلاف الجوي للأرض. # يقول إخوان الصفا في ذلك: «واعلم يا أخي، أن من السطوح ما يقارب طبيعة المتماسين، ومنها ما لا يقارب، مثل سطح الهواء من أسفل مما يلي الهواء، فإن تلك الأجزاء ألطف من سائر الأجزاء التي تلي أسفل مما يلي الأرض، وكذلك سطح الهواء المحيط بالنيران التي عندنا، فإنه يكون أسخن من سائر أجزائه البعيدة عن النار، وكذلك سطح النار مما يلي الهواء المحيط به أقل حرارة من سائر أجزائه الباقية، وأما سطوح الأجسام الصلبة مثل الحديد والخشب والحجر، وما شاكلها، إذا تجاورت فلا يعرض لها هذا الوصف.» # 32 # والشكل الآتي يوضح الأفكار الواردة في كلام إخوان الصفا السابق: # شكل يوضح طبقات الهواء القريبة والبعيدة من سطح الأرض أو سطح النار؛ فسطح الهواء القريب من سطح الأرض أبرد من سطح الهواء الأبعد؛ أي كلما ابتعدنا عن سطح الأرض كان الهواء ألطف نظرا لبرودة سطح الأرض، وينعكس الأمر في حالة النار، فالهواء المحيط والقريب منها يكون أخف وألطف من سطح الهواء الأبعد عنها. تقسيم السطوح إلى هذه الطبقات فكرة أصيلة، لكن حبذا لو تم إكمالها بحركة التيارات التي تنشأ بين هذه الطبقات؛ بمعنى صعود التيارات الساخنة وهبوط التيارات الباردة. # أبو علي مسكويه (القرن 5ه/11م) # وجد أبو علي مسكويه (توفي 421ه/1030م) أن استمرار تدفق انتقال الحرارة في بعض الأجسام مرهون باستمرار عمل المنبع سواء كان هذا الانتقال بالتوصيل أو بالحمل، يقول مسكويه في ms039 ذلك: إن «الحرارة تبقى في بعض الأجسام إذا كان لها مدد من حرارة أخرى زمانا أطول من بقائها إذا لم يكن لها مدد ... وهذه سبيل الحديدة المحماة إذا أخرجت من النار، بل هذه حال الماء الذي هو ضد النار، فإنه يتحرك بمجاورة النار حركة الغليان التي تشبه نبض القلب.» # 33 # وكما نلاحظ فقد شبه مسكويه حركة غليان الماء بدقات القلب التي تكون عادة متناوبة بين انقباض وانبساط عضلة القلب، وليست على وتيرة واحدة، قد لا يكون موفقا كثيرا في مماثلته بين حركة الغليان وحركة القلب، إلا أنه تصور حدوث حركة من نوع تخفق الماء بعد تعرضه لحرارة النار مثل خفقان القلب. # مؤيد الدين الطغرائي (القرن 6ه/12م) # لاحظ الكيميائي مؤيد الدين الطغرائي (توفي 513ه/1119م) حدوث ظاهرة الحمل الحراري في أثناء تصعيده للمواد، فإذا كانت لدينا مادة مركبة من مادتين إحداهما كثيفة والأخرى خفيفة، وتم تعريضه لحرارة خارجية، فإننا أمام ثلاث حالات: ~~(1) # الأولى: المادة الخفيفة أقل من الكثيفة؛ حيث ترتفع المادة الخفيفة للأعلى بسرعة بتأثير الحرارة، وتبقى الكثيفة في الأسفل. ~~(2) # الثانية: المادة الخفيفة تساوي الكثيفة، فإن الحرارة تجمع أجزاء المادة في قعر الإناء من خلال إذابته وتركيزه في الوسط، ومع زيادة التسخين فإن المادة الخفيفة تبدأ بالتفكك والصعود، وتبدأ المادة الكثيفة بالهبوط، ويبدآن بالحركة في الوسط وبشكل مستدير. ~~(3) # الثالثة: المادة الخفيفة أكثر من الكثيفة، عندها يتصعد المركب كله. # أي إن الحمل الحراري لا يحدث إلا في حال تساوي الأجزاء الكثيفة للمادة المركبة مع الخفيفة. وهذا تقدم ملحوظ في فهم ظاهرة الحمل الحراري بشكل علمي ودقيق. ربما يكون الطغرائي قد لاحظ ذلك بشكل أفضل من غيره كونه كيميائيا تجريبيا، والكيميائيون يستخدمون دوارق زجاجية شفافة تبين ما يحدث داخل الدورق؛ الأمر الذي يسهل وضع فرضية تفسر هذه الحركة. # قال الطغرائي: «اعلم أن حقيقة التصعيد عند الحكيم عبارة عن تهيئة اللطيف لقبول الحركة المستقيمة من السفل إلى العلو، ولذلك أسباب مادية، وفاعلية، وصورية، وغائية، ومجموع تلك الأسباب إذا اجتمعت كانت علة تامة للتصعيد؛ أي لا ms040 يتخلف وجوده عنها أصلا؛ فأما مواده وهي الأجزاء التي يتركب منها فهي كل جوهر لطيف قابل للحرارة وذلك لأن التصعيد لما كان حركة والحركة لا تكون إلا عن الحرارة كان كلما كان أكثر قبولا للحرارة أسرع صعودا من غيره، ويعلم ذلك من الخفة، والثقل، واللطافة، والكثافة، فإن الخفة من الحرارة وغلبة أحد العنصرين الحارين، والثقل من البرودة، وغلبة أحد العنصرين الباردين، وكذلك اللطافة والكثافة، فكلما كان أخف كان أقبل للحرارة، وأسرع صعودا؛ حتى إنا إذا وضعنا شيئين على الحرارة، وكان أحدهما ألطف فإنه يقبل الحرارة أولا، وتغلب حرارة طبيعته على ظاهره، وتتحرك تلك الحرارة إلى خارج؛ طلبا لحيزها فإن كانت هوائية فإلى حيز الهواء، أو نارية فإلى كرة الأثير ما لم يمنع من ذلك مانع كالإناء وغيره، وإذا وضعنا أيضا على الحرارة مركبا مؤلفا من جزأين؛ أحدهما لطيف حار، والآخر لطيف بارد كان الأول أقرب لقبول الحرارة فيصعد إلى العلو، ويبقى الجزء الآخر راسبا؛ هذا إذا كان متميزا كالزئبق والكبريت، وأما إذا كان مؤلفا تأليفا طبيعيا، فإنه لا يخلو إما أن يكون الجزء اللطيف الذي فيه أقل من الكثيف أو مساويا له أو أكثر منه، فهذه ثلاثة أقسام لا يخلو عنها مركب أصلا؛ فأما القسم الأول: فإنه إذا رفع على الحرارة الخارجية العنصرية، فإن الحرارة تتسارع إلى لطيفة، فيصعد جميع ذلك اللطيف ويخلف كثيفه باقيا بجملته؛ لأن اللطيف لقلته لم يستطع أن يصعد معه لكثرة الكثيف، فضابط هذا القسم وهو ما كان لطيفه أقل من كثيفه فإنه إذا أريد تصعيده ورفع على الحرارة العنصرية، فإن ما فيه من اللطيف يصعد ويخلف الكثيف لا يصعد منه شيء أبدا. وأما القسم الثاني: وهو ما يكون لطيفه مساويا لكثيفه، فإنه لا قدرة للحرارة فيه على أكثر من جمع أجزائه في قعر الإناء بالإذابة، وجمعه في وسطه حتى تجتمع أجزاؤه في وسط معتدل، فإذا صار على تلك الصفة وقويت عليه الحرارة من الجهتين - أي من جهة الطبيعة؛ أعني الحرارة المكتسبة منها الكائنة في أجزائه ms041 منذ تولد في معدنه، ومن جهة الحرارة العنصرية المسلطة على قعر الإناء - فإن ما فيه من اللطيف وهو روحه يتداعى إلى الانفكاك والذهاب والصعود والتخلص من الكثيف بما فيه من القوة اللطيفة الروحانية، ويتداعى الكثيف إلى الاستقرار والهبوط، ويتجاذبان فيتحيران فيتحركان على الوسط والاستدارة؛ ولذلك تحققنا أن جوهر الذهب معتدل لأنه عند تسليط الحرارة العنصرية على جوهره يذوب، فإذا ذاب واشتدت عليه دار على الوسط وتحرك حركة دورية بحيث لا ينقص من جرمه شيء له قدر محسوس، ولا تفعل فيه النار زائدا على ذلك، فما كان من هذا القسم فقد علمت أنه لا يمكن تصعيده ما دام كذلك إلا بحيلة كما سيأتي. وأما القسم الثالث من أقسام السبب المادي للتصعيد وهو ما كان لطيفه أكثر من كثيفه؛ فحكم هذا أنه إذا رفع على نار التصعيد، فإنه يصعد جميعه، ومن هذا القسم الكبريت ومثل الكبريت في ذلك الزئبق.» # 34 # النص السابق الذي قاله الطغرائي سنجده مقتبسا تماما عند سعد بن منصور بن كمونة مع بعض التعديل في الصياغة. # 35 # عضد الدين الإيجي (القرن 8ه/14م) # يبدو من شروحات عضد الدين الإيجي اتفاقه مع رأي الطغرائي، وعدم اتفاقه مع ابن سينا، وأي شخص يقول بأن الحرارة تفرق المختلفات، وتجمع المتماثلات والبرودة بالعكس؛ وبالتالي عدم اتفاقه مع الطرح الأرسطي، وذلك لأن القول بذلك يجانب الصواب حول حقيقة الحرارة؛ إذ مهما كانت النار قوية قد لا تستطيع تفريق عناصر المادة عن بعضها، والمثال على ذلك الذهب، حيث يحدث تجاذب وتدافع بين العناصر التي اكتسبت الخفة، والتي التي لا تزال ثقيلة، وينجم عن ذلك حركة دورانية تمنع النار من تفريق العناصر المكونة للذهب، ويقصد الإيجي بتلك الحركة الدورانية حركة الحمل الحراري التي تحدث في السوائل التي تتعرض للحرارة. # قال الإيجي: «ومن جعل هذا تعريفا للحرارة فقد ركب شططا؛ لأن ماهيتها أوضح من ذلك، ولأن ذلك الحكم لا يعلم إلا باستقرار جزئياتها، فمعرفتها موقوفة على معرفة الحرارة، واعلم أن هذا إنما يثبت إذا لم يكن الالتئام بين ms042 بسائط ذلك المركب شديدا، وأما إذا اشتد الالتحام وقوي التركيب، فالنار لا تفرقها، فإن كانت الأجزاء اللطيفة والكثيفة متقاربة كما في الذهب أفادته الحرارة سيلانا، وكلما حاول الخفيف صعودا منعه الثقيل فحدث بينهما تمانع وتجاذب، فيحدث من ذلك حركة دوران، ولولا هذا العائق لفرقتها النار». # 36 # كمال الدين الدميري (القرن 9ه/15م) # يروي لنا كمال الدين الدميري (توفي 808ه/1405م) في كتابه (حياة الحيوان الكبرى) قصة طريفة عن الفضل بن سهل السرخسي (توفي 202ه/818م) «أن الفضل كان كثير البر بأبيه، وكان أبوه يتأذى من استعمال الماء البارد، في زمن الشتاء، فلما كانا في السجن، لم يقدرا على تسخين الماء، فكان الفضل يأخذ إبريق النحاس، وفيه الماء، فيضعه على بطنه زمانا لينكسر برده، بحرارة بطنه، حتى يستعمله أبوه بعد ذلك.» # 37 # لكن طبعا لم يفسر لنا الدميري أن سبب هذه الظاهرة هو الناقلية الحرارية التي حدثت بين بطن الفضل وإبريق النحاس الذي أوصل الحرارة للماء. # المبحث الثاني: الأوروبيون # لقد عزل الأوروبيون في وقت سابق ظاهرة الإشعاع الحراري بوصفه طريقة مستقلة لتحويل الحرارة عن التوصيل الحراري، ولكن نظرا لعدم الاستفادة من أعمال العلماء العرب والمسلمين، فقد استغرق الأمر منهم وقتا طويلا جدا حتى وصلوا لعزل ظاهرة التوصيل الحراري عن الحمل الحراري. # كان المطلوب درجة كبيرة من البيانات التجريبية لإرساء الحقيقة، في رأي رمفورد نفسه، فإن السوائل والغازات تنقل الحرارة. وقد بين كل من روبرت موراي # R. ~~ Moray ~~(1609-1673م) ورمفورد بأن الحرارة قد تعبر باتجاه الأسفل بوساطة السائل. أما تجارب طومسون # Thomson # وتريل # Trail # فقد أشارت إلى هذا أيضا، مع أن تفسير البيانات لم يزل مشكوكا بها. وكان العالم الأمريكي ديوي # Dewey # أول من دخل هذا الحقل، فانتقد تجارب موراي ودعم استنتاجاته ببيانات جديدة. أخيرا يبدو أن ديسبريتز # Despretz # قد أثبت الحقيقة. لقد كانت استنتاجات رمفورد في حالة الغازات كانت أصعب من أن تهزم، وكان أندروس # Andrews # وغروف # Grove # أول من حصل على بيانات تدعم هذه النقطة. على أية حال، التجارب الأولى التي تم أجراؤها ms043 بشكل مدروس للإجابة على السؤال: كيف تنتقل الحرارة في الغازات؟ كانت تلك التي قام بها ماغنوس # Magnus ~~، حيث استخدم الهيدروجين كوسط توصيل، تأويله للنتائج هو أن الغازات توصل الحرارة بالطريقة نفسها كما تفعل المعادن. # 38 # بنيامين فرانكلين (القرن 18م) # قام بنيامين فرانكلين بإجراء تجربة تبين له بوساطتها أن الهواء الحار يصبح أقل كثافة بعد التسخين فينتقل للأعلى، وأن الهواء البارد يصبح أثقل فينزل للأسفل. وهي أفكار كما نلاحظ لم تختلف كثيرا عما سبق، وطرحها العلماء العرب والمسلمون منذ مسكويه وحتى الطغرائي. وقد اختار شروط القيام بتجربته البسيطة كما يأتي: في أية أمسية شتوية، يفضل أن تكون باردة جدا، وعندما تكون غرفة الطعام دافئة لكن القاعة خارجا باردة، يمكننا فتح الباب على مصراعيه. نحمل شمعة مضاءة في الممر قرب الأعلى، سنجد بأن اللهب قد هب نحو الخارج، وبوضع الشمعة قرب الأسفل، سنجد بأنه يهب نحو الداخل، وفي منتصف الممر بين الأعلى والأرضية سيحترق اللهب بثبات. السبب في هذا واضح عندما نتذكر بأن الهواء الدافئ هو أخف من الهواء البارد، عندما يكون الباب مفتوحا فإن الهواء يندفع خارجا قرب الأعلى، وإمداد مكانه بالهواء البارد يندفع للداخل على طول الأرضية. التياران منقسمان بصمت وهدوء. # 39 # الكونت رمفورد (القرن 19م) # اكتشف الكونت رمفورد عرضيا، أثناء بحثه المقارن بين وزن الماء المنصهر عن الثلج، وجود تيارات الحمل الحراري # Convection currents ~~، # 40 # حيث لاحظ أن السائل (وكان الكحول) داخل ميزان الحرارة الذي يستخدمه في تجاربه يصعد إلى منتصف الأنبوب ثم يتساقط على الجانبين. # 41 # وكما كان الحال مع إخوان الصفا، إلا أن رمفورد لاحظ تجريبيا وجود تبادل حراري بين السطوح الحارة والهواء، وانطلق من السؤال: كيف يكون الهواء مانعا ومانحا للحرارة؟ وتبين له من التجارب التي أجراها على مواد مختلفة (حرير، فراء الحيوانات، ريش الطيور، معادن، زجاج) وتبين له أن كل جسيمة من جسيمات الهواء يمكنها نقل واستقبال الحرارة، حتى لو كان الهواء (أو السائل) في حالة ساكنة، لكنها غير قادرة على إنتاج الحرارة أو منحها ms044 ممرا للعبور من خلالها، وهنا يكون الهواء غير قادر على التوصيل الحراري (عازل). # 42 # ونظرا لكونه عاش في ألمانيا فقد تحسس الأثر المتبادل بين الرياح الشمالية الباردة وسطح الأرض أو سطح البحر، أكثر من إخوان الصفا، الذين عاشوا في العراق، آخذين بعين الاعتبار الفارق الزمني الكبير بينهما (900 سنة) والفارق المعرفي الذي وصل إلى كل منهما. # جان فورييه (القرن 19م) # كان فورييه صريحا جدا، وأفكاره قابلة للتسويغ، بالنسبة إلى القيمة الدائمة لعمله (النظرية التحليلية في الحرارة)؛ فقد كان مدركا بالكامل للتقيدات التجريبية الموضوعة على عمله، والتوسعات المتوقعة التي قام بها آنذاك. وقد كرس فورييه عمله النظري والتجريبي تقريبا بالكامل على الأجسام الصلبة، لكنه أقر بأن السوائل لديها خاصية توصيلية بدرجة صغيرة ، لكنها مخفية، ولا يذكر الغازات مطلقا. وكان يدرك بأن الحرارة تتحول بالنقل الحراري، لكنه لم يستعمل المصطلح. وقد كان جورج سيمون أوم # G. S. Ohm ~~(1789-1854م) يعمل في عام 1828م، بشكل مستقل، وربما اطلع على عمل فورييه، وأصدر بحثه الذي تكلم فيه عن التوصيل الكهربائي، وهكذا بقيت الكهرباء متماشية مع الحرارة. # 43 # وثمة رأي منسوب لأندريه ماري أمبير # A. M. ~~ Ampère ~~(1775-1836م) حول نظرية انتشار الحرارة التي وضعها فورييه يقول فيه: «إن نظرية الحرارة تقوم في الواقع على حقائق عامة، يحكم عليها مباشرة بوساطة الملاحظة، والمعادلة المستنتجة من هذه الحقائق، لكونها مثبتة بالتطابق بين النتائج المستنتجة من المعادلة، وتلك التي تعطيها التجربة، يجب أن تقر بوصفها تعبر عن القوانين الحقيقية لانتشار الحرارة؛ سواء من قبل أولئك الذين يعزون هذه إلى إشعاع الجزيئات المولدة للحرارة، أو من قبل أولئك الذين يحاولون تفسير الظاهرة نفسها باهتزازات مائع ممتد في المكان، يكون ضروريا فقط أن تثبت الجماعة الأولى إلى أي مدى تنتج المعادلة التي نتعامل معها عن طريقتهم بالنظر إلى الأشياء، وأن تستنتجها الجماعة الثانية من الصيغ العامة للحركات الاهتزازية، ليس هذا من أجل أن نزيد يقين المعادلة إنما إلى أي مدى يمكن لفرضياتهم أن تصمد، ذاك الفيزيائي الذي لم يؤيد جهة ms045 ما في هذه المسألة يسلم بهذه المعادلة بوصفها تمثيلا دقيقا للحقائق، بدون أن يزعج نفسه بالطريقة التي يمكن أن تستنتج بها من واحدة أو أخرى من الشروحات التي كنا نتكلم عنها، وإذا جاءت ظاهرات جديدة وحسابات جديدة لتثبت أن تأثيرات الحرارة لا يمكن في الواقع شرحها إلا وفقا لنظرية الاهتزازات، فإن الفيزيائي الكبير جان فورييه الذي قدم هذه المعادلة للمرة الأولى، والذي أبدعها ليستعملها في بحوثه كوسيلة جديدة في التوحيد، لن يكون إبداعه للنظرية الرياضياتية في الحرارة أدنى مرتبة من إبداع نيوتن لنظرية الحركات الكوكبية، حتى ولو أن هذه النظرية لم تثبت من قبله بشكل كامل كما أثبتت بعد ذلك من قبل خلفائه. ~~ إنها الصيغة نفسها التي مثل بها التأثير الكهرطيسي. ~~ أيا كانت الأسباب الفيزيائية التي يريد المرء أن يشرح بها الظاهرات التي يسببها هذا التأثير، فإن الصيغة التي حصلت عليها ستبقى دائما تعبيرا عن الحقائق. وإذا نجح المرء في استنتاجها من أحد تلك الآراء التي شرحت وفقا لها ظاهرات أخرى كثيرة جدا، مثل التجاذب الذي يكون بين جسمين المتناسب عكسا مع مربع المسافة، والذي يصبح غير قابل للملاحظة على بعد ممكن تقديره عن الجسيمات التي تؤثر بينها، واهتزازات المائع المنتشر في المكان ... إلخ، فإن المرء يكون قد سار خطوة إلى الأمام في ذاك القسم من الفيزياء، لكن هذا الاستقصاء، الذي لم أشغل نفسي به بعد، مع أنني أدرك أهميته، لن يغير أبدا نتائج عملي، لأنه حتى يكون هناك تطابق مع الحقائق، فإن الفرضية المقررة يجب أن تتفق دائما مع الصيغة التي تمثل تلك الحقائق تماما.» # 44 # اللورد كلفن (القرن 19م) # لعل أحد أهم إنجازات اللورد كلفن أو وليم طومسون # Lord Kelvin ~~(1824-1907م) أنه اقترح إمكانية حدوث توازن حراري # Convective equilibrium # في أثناء الحمل الحراري (أي انتقال الكتلة أو الحرارة ضمن سائل يسبب بميل المادة الأكثر حرارة، والأقل كثافة؛ لأن تصعد)، الذي يجتاز طريقا طويلا لتحديد بنية النجوم، والظروف في الغلاف الجوي السفلي للأرض. # 45 # لقد تصور كلفن الفكرة، واقترحها ms046 للغلاف الجوي للأرض وللشمس، # 46 # فهو يقول: «إن الطبيعة الأساسية للتوازن الحملي الحراري هو أن الكثافة ودرجة الحرارة تتوزعان في كل مكان من الكتلة السائلة الكاملة نتيجة أن السطوح ذات الكثافة المتساوية ودرجة الحرارة المتساوية تبقى غير متغيرة عندما تسبب تيارات فيها بأي تأثير معتدل يستدعي للاضطراب إلى حد كاف، وحتى التغيرات في الضغط الناشئة عن الحركات العطالية تكون غير مستحقة الاعتبار.» وقال بشأن الشمس: إن «... الحركة الطبيعية الطفيفة المسببة تبريد السطح في كتلة سائلة حارة كبيرة مثل كتلة الشمس، يجب، كما أعتقد، أن تبقى على اقتراب وثيق بعض الشيء من التوازن الحملي الحراري في كل مكان من الكتلة الكاملة.» # 47 # ثالثا: انتقال الحرارة بالإشعاع # نسمي انتقال الطاقة الحرارية من أية مدفأة أو تلك التي تصلنا من الشمس، بانتقال الحرارة بالإشعاع. وهي طريقة تختلف عن الحمل وعن التوصيل. ومصطلح (الإشعاع # Radiation ~~) الحديث يشير إلى فقدان الطاقة بشكل مستمر من سطح جسم ما، وهي العملية التي تحدث في أي جسم كان، شرط أن تتحقق قاعدة بريفو Prévost rule # التي وضعها الفيزيائي الفرنسي بيير بريفو P. ~~ Prévost ~~(1751-1839م) والتي تنص على أنه إذا كان لدينا جسمان يمتصان عند درجة الحرارة نفسها كميتي طاقة مختلفتين، فإن إشعاعيهما الحراريين يكونان مختلفين عند درجة الحرارة هذه. # 48 # أما عن طبيعة هذا الإشعاع، حتى درجة الحرارة 300 ~~° # مئوية، فإنه يكون على شكل أشعة تحت حمراء في معظمه، ومع ارتفاع درجة الحرارة أكثر من ذلك فإن الجسم يبدأ بإصدار أشعة من أنواع أخرى. # 49 # وقد أحس الإنسان بانتقال الحرارة بالإشعاع منذ أن وجد على ظهر البسيطة، ووقف تحت الشمس، ومنذ أن اكتشف النار واستدفأ بها. لكن طبعا ثمة فرق بين ملاحظة الناس العاديين، وملاحظة العلماء الذين يحاولون تفسير الظاهرة وفق نظريات وفرضيات محددة تهدف إلى فهمها. وقد حظي هذا النوع من آليات انتقال الحرارة بالنصيب الأوفر من دراسات العلماء، سواء العرب أو الأوروبيون، كما سنلاحظ؛ نظرا لتوفر مصدره سواء في الشمس أو النار. # المبحث الأول: العلماء العرب ms047 والمسلمون # تنوعت دراسة العلماء العرب والمسلمين لمصادر الأشعة؛ فمنهم من درس الأشعة الحرارية الصادرة عن النار وآثارها، ومنهم من درس الأشعة الحرارية الصادرة عن الشمس وآثارها في كل الأوساط التي تمر بها. وقد كانت بعض الآراء المقدمة مميزة ركزنا عليها وشرحناها أكثر من غيرها نظرا لأهميتها العلمية والتاريخية. # جابر بن حيان (القرن 3ه/9م) # ربط جابر بين لون الأشعة الحرارية المتولدة والمادة الصادرة عنها، فقال: «فأما الحرارة فإن لونها إنما يتبين لك كلون الجوهر. واعلم أن الذي ذكرناه من لون الجوهر ليس هو لونا له، وإنما هو المتولد بينه وبين الشمس، وليس في إمكان أحد المخلوقين إظهار الجوهر بغير ما أريتك إياه، فأما لون الحرارة فهي الحمرة الصافية، وهي التي تظهر في أعالي النار كأحمر الألوان، فتلك حرارة بلا رطوبة ولا يبوسة، بل الجوهر فقط. وليس يمكن أحدا أكثر من هذا أيضا.» # 50 # ولعلنا نجد من كلام جابر هذا - ربما لأول مرة - الربط بين الإشعاع الحراري والطرف الأحمر منه فقط، فهذه الحقيقة لم يتم الكشف عنها إلا في القرن 19م، على يد الفلكي وليم هرشل # W. ~~ Herschel ~~(1738-1822م) والفيزيائي الألماني يوهان فيلهلم ريتر # J. W. ~~ Ritter ~~(1776-1810م)؛ أي بعد ألف سنة من تقدم علم الحرارة وأدوات قياسه. # إبراهيم النظام (القرن 3ه/9م) # حاول إبراهيم بن سيار النظام (توفي 231ه/845م) أن يثبت أن الحرارة والبرودة أجسام لطاف، وليست مجرد أعراض، بدعوى أن الأعراض لا يحدث بينها تضاد، إنما يحدث بين الأجسام كالحرارة والبرودة، والسواد والبياض، والحلاوة والحموضة، وهي أجسام متفاسدة يفسد بعضها بعضا؛ لذلك فإن كل جسمين متفاسدين فهما متضادان. # 51 # أي خالف النظام الكثير ممن عاصروه الرأي بجعل الحرارة ذات طبيعة مادية لطيفة وليست مجرد ظاهرة عابرة تؤثر بالأجسام الأخرى وتضمحل. وكان يقول النظام إن الدليل على أن الضياء أخف من الحر هو أن النار تكون منك على قاب غلوة (أي مقدار رمية سهم) فيأتيك ضوءها ولا يأتيك حرها. مثال آخر: لو أن شمعة في بيت غير ذي سقف لارتفع الضوء في ms048 الهواء حتى لا تجد منه على الأرض إلا الشيء الضعيف، وكان الحر على شبه بحاله الأول. # 52 # طبعا هو يقصد بذلك أن مدى انتشار الضوء أوسع من مدى انتشار الحرارة بالنسبة لمنبع صغير كالشمعة، لكن بالنسبة لمنبع كبير وقريب من الأرض كالشمس فإن الضوء يترافق مع الحرارة. # النار والصوت والضوء كلها مفاهيم مادية حسب النظام؛ لذلك فإن مفهوم الحرارة لن يختلف بطبيعته عن تلك المفاهيم، ويفسر الارتباط بين الحرارة والضوء على أنه ارتباط بين مادتين لكنهما عندما يصدران عن الجسم فإن الضوء يسبق الحرارة. لقد «زعم النظام أن الحر جوهر صعاد بمعنى أن الحر هو جوهر وجسم من الأجسام، لا عرض من الأعراض، وإنما اختلفا، ولم يكن اتفاقهما على الصعود موافقا بين جواهرهما؛ لأنهما متى صارا من العالم العلوي إلى مكان صار أحدهما فوق صاحبه، وكان يجزم القول ويبرم الحكم بأن الضياء هو الذي يعلو إذا انفرد، ولا يعلى.» # 53 # الكندي (القرن 3ه/9م) # أما الكندي فقد درس تأثير الشعاع الشمسي على الغلاف الجوي، والدليل على وجود هذا التأثير هو ما يلاحظ عند شروق الشمس على بعض الأماكن حيث تكون حرارتها أشد من الأماكن الظليلة، وهذا دليل على وجود تلازم بين الأشعة الحرارية والأشعة الضوئية. # يقول الكندي في ذلك: «والشعاع يرقق الجو، ويصير سلوك الأشياء فيها أسهل وأسلس، كالذي يرى حسا؛ فإن المواضع التي تشرق الشمس فيها تكون أحر من التي فيها الظل؛ ولذلك ما يكون من حل في مواضع إشراق الشمس يجد حرا شديدا، ومن حل في الظل بالقرب منه لم يحس بذلك الحر، وإن وجد حر، فكلما بعدت من المواضع التي أشرقت عليها الشمس، ضعف ما تجد من الحر.» # 54 # التميمي المقدسي (القرن 4ه/10م) # ناقش محمد بن أحمد بن سعيد التميمي المقدسي (توفي 380ه/990م) في كتابه (مادة البقاء) كيفية انتقال أشعة الشمس الحارة وتأثيرها، حيث إنها تجتاز الفضاء الكائن بين الأرض وجرم الشمس، ثم تجتاز طبقات الغلاف الجوي فيتحصل منها على الحرارة والضوء التي تصلح حياة الناس، يقول التميمي ms049 المقدسي: «إنه لن يخفى على ذوي العقول والألباب ... حسن تأثير الشمس، وما تفعله من نقلها بجوهر جسمها الكري العظيم الصقيل شعاع الأثير، الذي هو النار الحاوية لثلاثة عناصر التي دونها، التي هي في المكان ما بين الهواء وبين فلك القمر، ونقلها مع شعاعه ونوره حرارته المصلحة للحيوان والنبات، حتى تخرق بهم العنصرين الأوسطين اللذين هما الهواء والماء، فتوصل ذلك الشعاع إلى أقطار العالم، فيستنير به النهار ويشرق ويستضيء به البشر وتدرك به أبصارهم صور الأشياء المرئية وألوانها، وأقطارها، ومقادير أجرامها، وتوصل إليهم من حرارة الأثير مقدارا وسطا غير محرق لأجسادهم ولا مفسد لنباتهم.» # 55 # إخوان الصفا (القرن 4ه/10م) # درس إخوان الصفا الأشعة الحرارية الصادرة عن الشمس، وتلك الصادرة عن النار، وقد وجدوا أن انتشار الأشعة الحرارية الشمسية يكون تدريجيا وليس دفعة واحدة، بخلاف الضوء الحامل لتلك الأشعة الذي يظهر دفعة واحدة كما في حالة الشمعة؛ أي ثمة تفاوت بين سرعة انتشار الأشعة الحرارية والضوء المرافق لها، والدليل على ذلك هو ارتفاع درجة حرارة الجو بشكل تدريجي مع أن الضوء يكون قد وصل إلى سطح الأرض وأمكننا من رؤية ما حولنا. # يقول إخوان الصفا في ذلك: «فإننا نرى الشمس إذا طلعت بالمشرق أضاء الهواء من المشرق إلى المغرب دفعة واحدة، فإذا غابت بالمغرب أظلم الهواء دفعة واحدة؛ فالحرارة إذا بدت تدب أولا فأولا يحمى الجو بزمان، وكذلك إذا طلعت الشمس يحمى الجو أولا فأولا بزمان، وكذلك إذا غابت الشمس برد الهواء أولا بأول بزمان، وأن الحركة حكمها كحكم الضوء وذلك لو أن خشبة طولها من المشرق إلى المغرب نصبت ثم جذبت إلى المشرق أو إلى المغرب عقدا واحدا لتحركت جميع أجزائها دفعة واحدة.» # 56 # كما وجد إخوان الصفا أن الأشعة الحرارية تتميز بقدرتها على النفوذ في الأجسام وذلك للطافتها، لكن تأثيرها يختلف حسب طبيعة الجسم الذي تمر فيه: # فإذا تحركت في الأجسام السائلة أحدثت الغليان، أي نشأ عنها حمل حراري. # ويمكن للحرارة الناجمة عن الأشعة أن تسخن. # ونظرا لجفاف الأشعة؛ فإن ms050 لها قدرة على تنشيف الأجسام الرطبة. # ويمكن لها بسبب لطافتها (نفوذيتها) أن تنفذ عبر الأجسام. # ويمكن للضوء الذي تحمله أن ينير ما حولها. # وباجتماع خاصيتي (الحركة والحرارة) أن تصهر الأجسام. # يقولون في ذلك: «ومن الصور المتممة لذات النار اللطافة التي تولدها الحرارة، وتتلوها سرعة النفوذ في الأجسام. ومن الصور المتممة لذات النار أيضا النور، ويتلوه الإشراق؛ فقد اجتمعت في جرم النار عدة صور كلها متممة لها، وهي الحركة، والحرارة، واليبوسة، واللطافة، والنور. وهي بكل صورة تفعل فعلا غير ما تفعل بالأخرى؛ وذلك أنها بالحركة تغلي الأجسام، وبالحرارة تسخن، وباليبوسة تنشف، وباللطافة تنفذ في الأجسام، وبالنور تضيء ما حولها، وبالحرارة والحركة تحيل الأجسام إلى ذاتها.» # 57 # فهم يؤكدون على وجود خاصية اللطافة في الإشعاع؛ بمعنى قدرة الإشعاع على النفاذ في الأجسام مع تغيير حالتها الفيزيائية. # كما تناول إخوان الصفا في رسائلهم موضوعا مهما يتعلق ب «نظرية الفيض # 58 # الحراري # thermal flux theory ~~» ونحن نطلق عليها هذا الاسم؛ لأنهم قاموا بتعميمها على الكثير من الموجودات بطريقة استدلالية (من الخاص إلى العام)؛ فهم يعتقدون بأن كل جسم يفيض من ذاته فيض من نوع ما (غير محدد الهوية): «ثم اعلم أن كل موجود تام يفيض منه على ما دونه فيض ما، وأن ذلك الفيض هو من جوهره؛ أعني صورته المقومة التي هي ذاته». # 59 # وحسبنا أن نظرية الفيض الحراري هذه أكثر منطقية من نظرية «الموائع أو السيالات # Calories ~~» التي طرحها العلماء الأوروبيون في القرن 18م لتفسير انتقال الحرارة، والتي قاموا بتعميمها أيضا بعد ذلك على الحقلين الكهربائي والمغناطيسي؛ فالحرارة وفق نظرية السيال عبارة عن شيء (طبعا غير معروف بعد) ينساب كالماء من جسم لآخر، هذا السيال يملأ الفراغ الموجود بين ذرات الأجسام الساخنة. # 60 # في حين يقول إخوان الصفا في مجال الفيض الحراري (وهي حالة خاصة من الفيض) إن «حرارة النار تفيض منها على ما حولها من الأجسام، من التسخين والحرارة، وهي جوهرية النار التي هي صورتها المقومة لها ... وهكذا يفيض من الشمس النور ms051 والضياء على الأفلاك والهواء؛ لأن النور جوهري في الشمس، وهي صورته المقومة لذاته.» # 61 # ويقصدون بالفيض الحراري هنا كمية الطاقة (الحرارية أو الضوئية) التي تمر عبر وحدة المساحة في وحدة الزمن. # ويتابعون شرحهم لنظرية الفيض بقولهم: «ثم اعلم ما دام الفيض من الفائض يكون متواترا متصلا، دام ذلك المفاض عليه، ومتى لم يتواتر متصلا، عدم وبطل وجوده؛ لأنه يضمحل الأول فالأول. والمثال في ذلك الضوء في الهواء، إذا تواتر البرق واتصل، بقي الهواء مضيئا مثل النهار، لأن الشمس تفيض الفيض منها على الهواء متواترا متصلا، فإذا حجز بينهما حاجز، عدم ذلك الضوء من الهواء؛ لأنه يضمحل ساعة ساعة، ولا يتواتر الفيض عليه.» # 62 # أي إن استمرار تدفق الفيض (أيا كان نوعه) مرهون باستمرار تدفقه من المنبع، وبعدم وجود حواجز مادية تعيق أو تمنع نفوذه، وهذا يعني أن الفيض لا يملك خاصية اللطافة (النفاذية) التي يملكها الإشعاع الحراري. كما يختلف الفيض الحراري الذي يتكلم عنه إخوان الصفا هنا عن مفهوم «القوة الروحانية» # 63 # التي تنبعث من الأجرام، بكون الأخيرة عبارة عن خاصية مؤثرة عن بعد (أي حقل) تملكها الأجرام السماوية الكبيرة. # ونرى أن ما طرحه إخوان الصفا من آراء في هذه النظرية يمثل الحد الأقصى من التماسك الداخلي، والتكيف الأكثر انضباطا مع الظاهرات الطبيعية؛ فقد أرادوا أن يقدموا نظرية تفسر ما يحدث بحيث يمكن تعميمها على كل الظاهرات الأخرى المماثلة لها. وقد كان صمودها وبقاؤها مرهونا بعنصر التنبؤ الذي قصرت عنه أو لم تنتبه له، ناهيك عن قلة تبنيها من أجيال العلماء العرب والمسلمين اللاحقين. # ابن سينا (القرن 5ه/11م) # رفض ابن سينا طرح إبراهيم النظام الذي قال بمادية الأشعة الحرارية، ووجد أنه لو كان كلام النظام صحيح لحدث تصادم مادي بين مادية الشعاع ومادية الهواء، وهي مجادلة تذكرنا بالجدل الذي دار بين علماء أوروبا حول طبيعة الضوء هل هي جسيمية أم موجية؟ # يقول ابن سينا مبرهنا على صحة دعواه مكتفيا باعتبار الشعاع الشمسي مجرد «شيء لا تعرف ماهيته» يصدر عن الشمس ms052 وينفذ عبر جسم شفاف، وتتناسب شدة الحرارة المرافقة للضوء طردا مع شدة الإضاءة الساقطة على الجسم: «إن الشعاع ليس جسما أو قوة تأتي منتقلة من الشمس إلى الأرض مارة في الوسط؛ بل هو شيء يحدث في المقابل القابل للضوء دفعة إذا توسط بينهما جسم لا يمنع فعل ذلك في هذا بالموازاة؛ وذلك الجسم الشاف. لكن الجسم القابل للحر، إذا أضاء سخن، وكلما اشتدت الإضاءة اشتد الحر.» # 64 # ويقول في موضع آخر: «يجب أن تعلم أن الشعاعات ليست بأجسام؛ لأنها لو كانت أجساما لكان جسمان في مكان واحد أعني الهواء والشعاع، وإنما الضوء لون ذاتي للمشف من حيث هو مشف.» # 65 # وحاول ابن سينا أن يفسر فلكيا سبب اشتداد الحرارة صيفا، فهي تكون في أبعد مسافة لها عن الأرض، وفي الشتاء تكون في أقرب مسافة لكن أشعتها ليست عمودية على رءوسنا، والسبب في ذلك ميل محور الأرض: «وليست الحرارة إنما تشتد في الصيف بسبب أن الشمس تصير أقرب مسافة منا، بل هي أبعد حينئذ مسافة؛ لأنها أوجية، وهي في الشتاء أقرب مسافة وأبعد مسامتة». # 66 # مع أن ابن سينا سبق وأن وصف الشعاع بأنه «شيء»، لكننا نراه يعود لفكرة الفيض التي سبق وطرحها إخوان الصفا؛ مبينا البنية الهندسية للإشعاع الشمسي: «والشعاع الذي يقع من الشمس يكون كأنه شيء يفيض منه على صورة مخروط أو أسطوانة مثلا، وتكون واسطته، وهو الذي توهمناه شيئا متصلا بين الشمس وبين المستضيء، كان خارجا من مركز الأرض نافذا في وسط تلك الصورة كالمحور أو كالسهم؛ هي أشد المواضع تسخينا لأنه أشد المواضع إنارة؛ لأن الأطراف أضعف في التأثيرات من الواسطة المكتنفة من كل جهة بالسبب المقوي، فما يسقط عليه هذا السهم المتوهم يكون أشد إضاءة؛ فلذلك يكون أشد سخونة، وما يبعد عن هذا السهم يكون أقل إضاءة فيكون أقل سخونة؛ أعني السخونة التي تلزم من نفس المسامتة المضيئة فقط.» # 67 # ويعبر الشكل الآتي عن كلام ابن سينا السابق: # شكل توضيحي يبين منطقة محور الفيض الإشعاعي الحراري ms053 الشمسي الأكثر تأثيرا حسب ابن سينا. # ويذهب ابن سينا في «رسالة العشق» # 68 # في محاولة منه لتفسير آلية انتشار الإشعاع الحراري وتأثيره عن بعد في كل ما ينفعل عن «الحرارة النارية» (الذي هو هنا الطاقة الحرارية)، وهو سبب قريب لتغيره، وما يحصل منه، عند تغير كيفيته هو مثاله، وليس تلك الكيفية بعينها، قال ابن سينا: «إن كل منفعل عن سبب قريب فإنما ينفعل بتوسط مثال، يقع فيه، وذلك بين بالاستقراء؛ فإن الحرارة النارية إنما تفعل في جرم من الأجرام بأن تضع فيه مثالها، وهو السخونة.» ولدى فعل «السبب البعيد» فإن ما نحصل عليه في نهاية العملية قد يختلف عما كان في بدايتها: «ولقائل أن يقول إن الشمس تسخن وتسود من غير أن تكون السخونة والسواد مثالها، لكننا نجيب عن ذلك، بأن نقول إن لم نقل إن كل أثر حصل في متأثر من مؤثر، عن ذلك الأثر موجود في المؤثر، فإنه مثال من المؤثر في المتأثر، لكننا نقول إن تأثير المؤثر القريب إلى المتأثر يكون بتوسط مثال ما، يقع منه فيه. وكذلك الحال في الشمس فإنها تفعل في منفعلها القريب بوضع مثالها فيه، وهو الضوء، ويحدث من حصول الضوء فيه السخونة ، فيسخن المنفعل عنها منفعلا آخر عنه، بأن يضع فيه مثاله أيضا، وهو سخونته، فيسخن بحصول السخونة، ويسود.» # 69 # الواقع لم نتمكن من تحديد أول من طرح مصطلح «الحرارة النارية» # Fire heat # قبل ابن سينا وابن الهيثم لاحقا، وغيرهم من العلماء العرب والمسلمين؛ لأن هذا المصطلح كان شائعا بين علماء القرن العاشر والحادي عشر للميلاد، لكن العرب استخدموه للتعبير عن الطاقة الحرارية الصادرة عن الأجسام المضيئة من ذاتها، مثل الشمس والنار. # ابن الهيثم (القرن 5ه/11م) # لم يقف الحسن بن الهيثم (توفي 430ه/1038م) عند حدود الظاهرات الضوئية من انعكاس وانكسار وغيرها فقط، بل مضى لأبعد من ذلك؛ فقد كان يريد أن يفهم حقيقة الضوء، ومن أي شيء هو، وحتى يصل لبغيته ميز ابن الهيثم بين الشعاع الضوئي بصفته خطا هندسيا والشعاع الضوئي ms054 من الناحية الفيزيائية، وقد تناول هذه التفرقة في رسالة خاصة عنوانها (رسالة في ماهية الضوء). وقد قال في ذلك: إن «الكلام في مائية الضوء من العلوم الطبيعية # 70 # والكلام في كيفية إشراق الضوء محتاج إلى العلوم التعليمية # 71 # من أجل الخطوط التي تمتد عليها الأضواء. وكذلك الكلام في مائية الشعاع، وهو من العلوم الطبيعية، والكلام في شكله وهيئته وهو من العلوم التعليمية. وكذلك الأجسام المشفة التي تنفذ الأضواء فيها، والكلام في مائية شفيفها، وهو من العلوم الطبيعية. والكلام في كيفية امتداد الضوء فيها، وهو من العلوم التعليمية؛ فالكلام في الضوء وفي الشعاع وفي الشفيف يجب أن يكون مركبا من العلوم الطبيعية والعلوم التعليمية». # 72 # ثم يبين لنا ما هي طبيعة الضوء حسب وجهة نظره قائلا: إن «الأضواء هي حرارة نارية وما كان منها قويا كان محرقا، وما كان منها ضعيفا كان غير محرق؛ فجميع الأضواء عند أصحاب التعاليم هي حرارة نارية، وإنما تظهر في الجسم المضيء كما تظهر النار في الجسم الحامل للنار.» # 73 # وهو هنا كما نلاحظ أنه يعود ويستخدم مصطلح «الحرارة النارية» الذي سبق واستخدمه ابن سينا، ليقصد به الطاقة الحرارية المرافقة للضوء المرئي، وفق مصطلحاتنا اليوم، أما الحرارة غير النارية فهي الطاقة الحرارية التي لا ترافق الضوء المرئي، لكنها قد تكون موجودة، فإذا زادت شدة الحرارة النارية في الأشعة الحاملة لها كانت محرقة، وإذا كانت ضعيفة لم تكن محرقة. إذن يرى ابن الهيثم أن طبيعة الضوء مادية لكن ليس حسب مفهوم إبراهيم النظام؛ لذا فإن الضوء يرتد أو ينعكس إذا وقع على الأجسام الصقيلة «فالضوء إذا لقي جسما صقيلا فهو ينعكس عنه من أجل أنه متحرك، ومن أجل أن الجسم الصقيل يمانعه، ويكون رجوعه في غاية القوة، لأن حركته في غاية القوة، ولأن الجسم الصقيل يمانعه ممانعة فعالة.» # 74 # وينقسم الضوء عند ابن الهيثم إلى قسمين؛ الأول سماه الضوء الذاتي، وهو الذي ينبعث من الأجسام المضيئة بذاتها، مثل ضوء الشمس وضوء النار. والثاني سماه الضوء العرضي، وهو ms055 الذي ينبعث من الأجسام غير المضيئة بذاتها، إلا أن خصائص هذين النوعين من الضوء متشابهة في إشراقها على شكل خطوط مستقيمة، ومتشابهة من حيث القوة والضعف تبعا لزيادة القرب أو البعد. # قال ابن الهيثم: «فأما أصحاب التعاليم، فإنهم يرون الضوء الذي يشرق عن الجسم المضيء من ذاته الذي هو صورة في الجسم، هو حرارة نارية تكون في الجسم المضيء من ذاته ... ~~ ووجدوا ضوء الشمس أيضا إذا أشرق على الهواء سخن الهواء.» # 75 # وقول ابن الهيثم: «فجميع الأضواء عند أصحاب التعاليم هي حرارة نارية.» فإن هذا تعميم يدل على شيوع المصطلح، وليس عند ابن الهيثم فقط. # من ناحية أخرى، يقدم لنا ابن الهيثم أن سبب تسمية شعاع البصر بمصطلح «الشعاع» من قبل الرياضياتيين؛ وذلك لأنهم شبهوه بشعاع الشمس والنار، «وإنما سمى أصحاب التعاليم شعاع البصر شعاعا تشبيها بشعاع الشمس وشعاع النار؛ وذلك أن المتقدمين من أصحاب التعاليم يرون الإبصار يكون بشعاع يخرج من البصر، وينتهي إلى المبصر، وبذلك الشعاع يكون الإبصار وإن ذلك الشعاع هو قوة نورية من جنس الضوء وإنها هي القوة الباصرة، وإنها تمتد من البصر على سموت خطوط مستقيمة، مبدؤها مركز البصر، وإذا انتهت هذه القوة النورية إلى البصر أدركت المبصر، والقوة النورية الممتدة على الخطوط المستقيمة الخارجة من مركز البصر مع الخطوط المستقيمة هو الذي يسميه أصحاب التعاليم شعاع البصر.» # 76 # ويتابع ابن الهيثم قائلا: إن أصحاب التعاليم منقسمون إلى فريقين؛ أحدهما يرى أن الشعاع عبارة عن مخروط مصمت متصل ككتلة واحدة، مثل المخروط الذي تكلم عنه ابن سينا سابقا، أو أن الشعاع عبارة عن خطوط مستقيمة «ثم مع ذلك فأصحاب التعاليم مختلفون في هيئة هذا الشعاع وهيئة حدوثه؛ فبعضهم يرى أن مخروط الشعاع جسم مصمت متصل ملتئم، وبعضهم يرى أن الشعاع خطوط مستقيمة هي أجسام دقائق أطرافها مجتمعة عند مركز البصر، وتمتد متفرقة حتى تنتهي إلى المبصر، وأن ما وافق أطراف هذه الخطوط من سطح المبصر أدركه البصر، وما حصل بين أطراف خطوط الشعاع من أجزاء ms056 المبصر لم يدركه البصر؛ ولذلك تخفى عن البصر الأجزاء التي في غاية الصغر والمسام التي في غاية الدقة التي تكون في سطوح المبصرات.» # 77 # وحتى يزيل ابن الهيثم عنا الحيرة ويحسم الموقف، يقرر أن الأشعة سواء كانت حرارية أو ضوئية، فإنها تنتشر بشكل خطوط مستقيمة، بغض النظر عن المصدر الذي يأتي منه «والشعاع بالقول الكلي هو ضوء ممتد على سموت خطوط مستقيمة كان الضوء ضوء الشمس، أو ضوء القمر، أو ضوء الكواكب، أو ضوء النار، أو ضوء البصر، وهذا هو حد الشعاع وليس لأصحاب العلم الطبيعي قول محرر في الشعاع.» # 78 # البيروني (القرن 5ه/11م) # ناقش أبو الريحان البيروني (توفي 440ه/1048م) العلاقة بين الحرارة وإشعاع الشمس المرئي، رافضا القول إن سبب وجودها يعود لوجود زوايا حادة عند انعكاسه، وإنما السبب الرئيس هو تلازم الحرارة مع إشعاع الشمس، يقول في ذلك: «وقد قيل في سبب الحرارة الموجودة مع شعاع الشمس إنه احتداد زوايا انعكاسه، وليس ذلك كذلك، بل هو موجود معه.» # 79 # بناء على ذلك فإن أي سطح سينعكس عنه الضوء فإن الحرارة الملازمة لأشعة الشمس ستنعكس أيضا، ولا يشترط أن يكون ذلك السطح صقيلا مثل المرآة المقعرة حتى يظهر الأثر الحراري. # ثم ينتقل ليحدثنا عن الجسم الناري المماس لباطن فلك القمر، والذي يتسبب بتسخين جو الأرض أيضا، وكيف تتولد الحرارة بداخله، والتي يعتقد البيروني أن سببها هو الاحتكاك بين الهواء وذلك الجسم، وليس كما يعتقد البعض أن الحرارة خاصية أصيلة فيه. # قال البيروني: «وأما الجسم المماس لباطن الفلك، وهو النار، زعموا أنه أصلي طبيعي كالأرض والماء والهواء، وأن شكله كروي، وعندنا أنه احتدام الهواء باحتكاك الفلك إياه وتسحيحه # 80 # ومماسته له من سرعة الحركة، وأن شكله شبه جسم متولد من إدارة الشكل الهلالي على وتره، وذلك مطرد على ما يذهب إليه من أنه ليس ولا واحد من الأجسام الموجودة كائنا في موضعه الطبيعي، وأن كون جميعها حيث وجدت إنما هو بالقسر، والقسر لا يمكن أن يكون أزليا». # 81 # أما من حيث ms057 التزامن، فإن الأشعة الحرارية المترافقة مع أشعة الضوء وحرارة النار الفلكية يصلان للأرض معا، ثم يقوم البيروني بتفنيد أقوال الآخرين، ويتفق مع من قال إن حرارة الجو والحرارة الناجمة عن بطن الأرض قد يلتقيان ويسهمان في رفع حرارة الهواء المحيط بالأرض: «وكلا الحرين متكافئ الوصول إلى الأرض في الأزمنة الأربعة، وأما حر الأرض فإما أن يكون ما ينعكس من شعاعات الشمس من سطحها، وإما أن يكون بخاراتها التي يثيرها الحر المستكن في باطنها على مذهب قوم أو الطارئ عليها من خارج على مذهب آخرين؛ فإن حركة البخار في الهواء تكسبه حرارة فأما حرارة النار فإنها لا تقرب ولا تبعد لأن الفلك لا يزيد سرعة ولا بطئا وأما الشعاعات المنعكسة فإنها غير منسوبة إلى الأرض، وأما البخارات فلها حد تنتهي إليه ولا تتجاوزه وما أظن القائل معتقدا أن في الأرض حرا محتقنا يخرج من باطن الأرض إلى ظاهرها وقد احتمى الهواء بشعاعات الشمس فيلتقيان، هذا وجه إن كان ولا بد.» # 82 # بعدها يبحث البيروني في طبيعة الإشعاع الشمسي، وما قيل في حقيقته، وكيف يتسبب بتسخين جو الأرض، ويضع ثلاثة احتمالات: ~~(1) # فهو إما جسيمات حرارية تخرج من جرم الشمس. ~~(2) # أو يتشكل بسبب الاحتكاك بين كرة الهواء وكرة الشمس. ~~(3) # أو أن شعاع الشمس يحتك بسرعة كبيرة بالهواء عندما يدخل جو الأرض فيجعله يسخن . # الاحتمال الأول سيعود لنقاشه في القرن 18م الرياضياتي السويسري ليونارد أويلر # L. ~~ Euler ~~(1707-1783م) وقد رفضه بدعوى لو أن هذا الاحتمال صحيح فإنه سيسهم في استنفاد مادة الشمس بسرعة، نتيجة الخسارة في كتلتها. واقترح بدلا من ذلك أن تكون جسيمات الأثير هي التي تحمل هذه الحرارة وتصل لجو الأرض وتجعله يسخن، كما سنجد تفصيل ذلك لاحقا. # 83 # لكن هنري كافندش سيختلف مع أويلر، ويحاول أن يثبت أن الأشعة الحرارية جسيمات مادية تخرج من الشمس. # 84 # لكن البيروني لم يوضح هنا رأيه بالموافقة أو الرفض لتلك الاحتمالات الثلاثة، قال البيروني: «فأما شعاع الشمس، فقد قيل فيه أقاويل كثيرة؛ فمن قائل إنه ms058 أجزاء نارية مشابهة لذات الشمس تخرج من جرمها، ومن قائل إن الهواء يحتدم بمحاذاة الشمس كاحتدامه بمحاذاة النار إياه، وذلك عند من قال إن الشمس حارة نارية، ومن قائل إن الهواء يحتدم بسرعة سلوك الشعاع فيه حتى كأنه بلا زمان، وذلك عند من قال بخروج طبيعة الشمس عن طبائع الأسطقسات الأربعة.» # 85 # وقد توضح رأي في طبيعة الإشعاع الشمسي، وطريقة انتقاله أكثر بعد أن ناقشها مع ابن سينا في المراسلات التي جرت بينهما؛ ففي المسألة التاسعة طرح البيروني على ابن سينا السؤال الآتي: «إن كانت الحرارات سالكة عن المركز، فلم صار الحر يصل إلينا من الشمس؟ والشعاعات أهي أجسام أم أعراض أم غير ذلك؟» # 86 # وكان جواب ابن سينا مؤيدا للقائلين بأن الحرارة تحدث بعد انعكاس الشعاع وتجمع أشعته ولا تكون مترافقة مع الإشعاع بحد ذاته، رافضا إمكانية انتقال الحرارة مع الإشعاع، قال ابن سينا: «يجب أن تعلم أن الحرارات ليست بسالكة من المركز، لأن الحرارة غير متحركة، اللهم إلا بالعرض لكونها في جسم متحرك ككون إنسان متحرك في سفينة متحركة. ويجب أن تعلم أن حر الشمس ليس يصل إلينا بهبوطه من الشمس من فوق من وجوه: أحدها أن الحرارة لا تتحرك بذاتها. والثاني: أنه ليس جسم حار يهبط من فوق فيسخن ما سفل؛ فلذلك أيضا الحرارة لا تنهبط من الشمس بالعرض. والثالث أن الشمس أيضا ليست بحارة ، فالحرارة الحاصلة ها هنا ليست هابطة من فوق لتلك الوجوه الثلاثة التي ذكرناها، ولكنها حادثة ها هنا من جهة انعكاس الضوء، وسخونة الهواء لذلك كما يشاهد ذلك في المرايا المحرقة، ويجب أن تعلم أن الشعاعات ليست بأجسام؛ لأنها لو كانت أجساما لكان جسمان في مكان واحد، أعني الهواء والشعاع، وإنما الضوء لون ذاتي للمشف من حيث هو مشف، وقد حده أرسطوطاليس في المقالة الثانية من «كتاب النفس»، ومن «كتاب الحس»، في المقالة الأولى بأنه كمال المشف من حيث هو مشف.» # 87 # وعندما عاد البيروني وناقش كيف للحرارة أن تأتي عن الشعاع بعد ms059 انعكاس الضوء، إذا كانت الحرارة لا تنتقل مع الضوء أصلا؟ فكان من ابن سينا أن كلف تلميذه النجيب محمد بن عبد الله بن أحمد المعصومي (توفي نحو 460ه/نحو 1068م) للرد على البيروني، فكان من المعصومي أن شرح للبيروني كيفية انتشار الضوء في الأجسام الشفافة، ووصوله إلى الأجسام غير الشفافة التي ينعكس عنها فتظهر الحرارة بعد الانعكاس، وأكثر من يظهر الأثر الحراري في الضوء هي المرايا المقعرة التي تعكس ضوء الشمس وتجمعه في بؤرة واحدة هي المحرق. # قال المعصومي: «أما سؤالك عن كيفية انعكاس الضوء، فيجب أن تعلم أن الضوء ينفذ في الجرم المشف فيؤديه إلى الجرم الصلب الكثيف، فيظهر فيه حينئذ، فإذا كان بين الجرمين الصلبين جرم مشف كالهواء، وظهر الضوء المصادر للجرم الكثيف في الآخر بواسطة الجرم المشف بينهما، يسمى ذلك انعكاسا، وكلما كان الجسم أصلب وأقبل للون كان الانعكاس منه أقوى، فإذا انعكس الضوء أحدث انعكاسه حرارة، حتى إذا قوي الانعكاس والتف وتزاحم من أقطار كثيرة أخر، وكما ترى في المرايا المحرقة، فالذي يقرب من جهة الأرض إلى الشمس يكون ضوءه أقوى لقربها، ولأنه ينعكس على زوايا قائمة؛ أي إنه ينعكس منها على السمت الذي يصل منه إليها، فيكون مثل العمود، وتكون حرارتها أشد،‏ وأما ما بعد عن الشمس من الأرض، فإنه ينعكس منها الضوء على زوايا منفرجة، فلا يلتقي الضوء حينئذ على سمت واحد؛ فلذلك يكون حرها أضعف، ثم إن ذلك الضوء المنعكس من الأرض يضعف كلما بعد من الأرض إلى أن يفنى في وسط الجو، فهناك يكون الهواء على طبعه بالفعل. وأما إنكارك لقوله: «بأن الضوء لون المشف من حيث هو مشف»، فإنما كان ذلك على وجه المجاز، لأن الهواء وإن لم يكن له لون لكنه يظهر فيه الضوء، فجائز أن يسمى لونا له، وإن شئت قلت كمال المشف من حيث هو مشف، وهذا هو حد الضوء على الحقيقة، لأن المشف لا يكون مشفا إلا بالضوء، ومعنى قولنا: «كمال الشيء من حيث هو كذا»، هو أن ms060 الشيء ربما تكون له صفات كثيرة بمعان مختلفة، فيحصل له أحدها فيكون ذلك المعنى كمالا له من حيث هو حساس لا من حيث هو ناطق، والبصر كمال له من حيث هو مبصر لا من حيث هو سامع، وتصور هذا اللفظ نافع لا يستعمل في هذه العلوم كثيرا، كما لا يكون الهواء مشفا بالفعل ما لم يكن ضوء، اللهم إلا بالقوة كان الضوء له كمالا من حيث هو مشف، لأنه خرج به من القوة إلى الفعل في كونه مشفا.» # 88 # وهكذا دافع ابن سينا وتلميذه عن الفكر الأرسطي، فهما لا يريدان لهذا الفكر أن يتغير من قبل أي شخص كان، ويتابع المعصومي ردوده على البيروني الذي رفض فكرة تجسيم الشعاع، بأن ابن سينا يتفق معه في ذلك، «وأما اعتراضك على إنكار كون الشعاع أجساما، بأن قائل هذا القول يثبت الخلاء فغير قادح فيما أجابك به الحكيم؛ لأنك ما دخلت معه مدخل المناظر، وإنما سألته عن كيفية الشعاع فبينه لك، ولو سألته عن مسألة نفي الخلاء لبينه أيضا، وعلى أن فيما تكلم به الفيلسوف [أرسطو] في كتاب «السماع الطبيعي»، في المقالة الرابعة في إبطال الخلاء كفاية لمن تصوره وتحققه.» # 89 ~~‏ لكن البيروني لا يسلم بنفي الخلاء، ويحاول أن يرد المعصومي عليه اعتمادا على القاعدة الأرسطية (إن الطبيعة تكره الخلاء): «وأما اعتراضك بعد التسليم لنفي الخلاء أن الشعاع أبدا موجود من أكثر جوانب الأرض فما تقول في ضوء القمر وقت الكسوف، إن كان الضوء جرما فإيش يخلفه مكانه؟ إذ ليس الخلاء بموجود. ~~ وعلى أنا نرى اطراح شعاع الشمس مقارنا للطلوع معا في آن واحد، والجسم لا يتحرك ولا يقطع مسافة إلا في زمان.» # 90 # ويرى الباحث عبد الكريم اليافي أن هذه المساءلة التي دارت بين البيروني وابن سينا وتلميذه المعصومي، لم تطرح على طاولة البحث في العلوم الفيزيائية عند الأوروبيين إلا قريبا من بداية القرن العشرين، وخصوصا طبيعة الضوء ومصدر الطاقة. وقد لاحظنا كيف يستغرب البيروني من رفض ابن سينا أن يكون الشعاع ms061 جسما، وقوله بأنه مجرد صفة للأجسام المضاءة، ورفضه كذلك لحركة الحرارة، واعتباره أنها نتيجة انعكاس الضوء والشعاعات ومنقولة من طرف الأجسام المتحركة. ~~ وقد قرر البيروني أن الحرارة موجودة في الشعاع نفسه وليست مجرد انعكاس للشعاع على الأجسام، وهذا الأمر قريب من تعريف العلم المعاصر للحرارة على أنها شكل من أشكال الطاقة. # 91 # ابن طفيل (القرن 6ه/12م) # تناول ابن طفيل (توفي 581ه/1185م) في قصته الرمزية (حي بن يقظان) عملية انتقال الحرارة بوساطة الإشعاع الشمسي، فقال: «... قد تبرهن في العلوم الطبيعية أنه لا سبب لتكون الحرارة إلا الحركة أو ملاقاة الأجسام أو الإضاءة ... وأن الشمس لا تسخن الأرض كما تسخن الأجسام الحارة أجساما أخر تماسها ... ولا الشمس أيضا تسخن الهواء أولا، ثم تسخن بعد ذلك الأرض بتوسط سخونة الهواء. وكيف يكون ذلك ونحن نجد أن ما قرب من الهواء من الأرض في وقت الحر أسخن كثيرا من الهواء الذي يبعد عنا علوا؟ فبقي أن تسخين الشمس للأرض إنما هو على سبيل الإضاءة لا غير؛ فإن الحرارة تتبع الضوء أبدا، حتى إن الضوء إذا أفرط في المرآة المقعرة أشعل ما حاذاها.» # 92 # أي إن ابن طفيل يعتقد أن الحرارة تتولد من وراء ثلاثة أسباب؛ الحركة، أو ملاقاة الأجسام الحارة، أو الإضاءة. وفكرة ملاقاة الأجسام سبق وأن طرحها إخوان الصفا، أما الأجسام التي تقبل الحرارة فهي الأجسام الكثيفة غير الشفافة. واعتمادا على ذلك فسر سبب برودة طبقات الجو العليا أكثر من السفلى، حيث إن الحرارة لا تسخن الهواء مباشرة، وإنما تسخن الأرض أولا ثم تشع الحرارة من الأرض للهواء. وأشار ابن طفيل إلى أن الشعاع الشمسي المسامت لرءوس الناس؛ أي العمودي عليهم، كانت الحرارة المصاحبة له أشد، نظرا لأن كمية الإشعاع التي تصل الأرض في هذه الحالة أشد. # 93 # وبذلك يرد ابن طفيل على أرسطو وأتباعه الذي لم يقبلوا بفكرة التلازم بين الضوء والإشعاع الحراري المرافق له ولا يتفق معهم في الرأي. كما رفض ما يعتقد به البعض من أن خط الاستواء شديد الحرارة، ms062 مقدما الدليل على ذلك بأن السبب الرئيس لظهور الحرارة هو إما الحركة أو ملاقاة الأجسام الحارة والإضاءة. وتبين أيضا أن الشمس غير حارة بذاتها ولا متكيفة بشيء من الكيفيات المزاجية، كما تبين أن الأجسام التي تقبل الإضاءة أتم القبول، هي الأجسام الصقيلة غير الشفافة، ويليها في قبول ذلك الأجسام الكثيفة غير الثقيلة، فأما الأجسام الشفافة غير الكثيفة فلا تقبل الضوء بوجه. وبحسب ابن طفيل أن الرأي السابق هو لابن سينا، ولم يسبقه إليه أحد، ثم يشترط بناء عليه، وإذا كان هذا البرهان صحيحا، فاللازم أن الشمس لا تسخن الأرض كما تسخن الأجسام الحارة أجساما أخرى تمسها؛ لأن الشمس غير حارة بذاتها ولا الأرض أيضا تسخن بالحركة لأنها ساكنة وعلى حالة واحدة في شروق الشمس عليها، وفي وقت مغيبها عنها، وأحوالها في التسخين والتبريد، ظاهرة الاختلاف للحس في هذين الوقتين. # 94 # طبعا قوله «الشمس غير حارة بذاتها» لم يكن صحيحا، لكنه أراد أن يقول بإمكانية ولادة الإنسان في البقعة التي تعد تحت خط الاستواء. # 95 # ويتابع ابن طفيل قائلا: «ولا الشمس أيضا تسخن الهواء أولا ثم تسخن بعد ذلك الأرض بتوسط سخونة الهواء، وكيف يكون ذلك ونحن نجد ما قرب من الهواء من الأرض في وقت الحر أسخن كثيرا من الهواء الذي يبعد عنه علوا؟ فبقي أن تسخين الشمس للأرض إنما هو على سبيل الإضاءة لا غير؛ فإن الحرارة تتبع الضوء أبدا حتى إن الضوء إذا أفرط في المرآة المقعرة أشعل ما حاذاها، وقد ثبت في علوم التعاليم بالبراهين القطعية أن الشمس كروية الشكل، وأن الأرض كذلك، وأن الشمس أعظم من الأرض كثيرا، وأن الذي يستضيء من الأرض بالشمس أبدا هو أعظم من نصفها، وأن هذا النصف المضيء من الأرض في كل وقت أشد ما يكون الضوء في وسطه لأنه أبعد المواضع من الظلمة عند محيط الدائرة، ولأنه يقابل من الشمس أجزاء كثيرة، وما قرب من المحيط كان أقل ضوءا حتى ينتهي إلى الظلمة عند محيط الدائرة الذي ما أضاء موضعه ms063 من الأرض قط. وإنما يكون الموضع وسط دائرة الضياء إذا كانت الشمس على سمت رءوس الساكنين فيه، وحينئذ تكون الحرارة في ذلك الموضع أشد ما يكون، فإن كان الموضع مما تبعد الشمس فيه عن مسامتة رءوس أهله كان شديد البرودة جدا، وإن كان مما تدوم فيه المسامتة كان شديد الحرارة. وقد ثبت في علم الهيئة أن بقاع الأرض التي على خط الاستواء لا تسامت رءوس أهلها سوى مرتين في العام عند حلولها برأس الحمل، وعند حلولها برأس الميزان، وهي في سائر العام ستة أشهر جنوبا منهم، وستة أشهر شمالا منهم، فليس عندهم حر مفرط ولا برد مفرط وأحوالها بسبب ذلك متشابهة.» # 96 # وهكذا فإن الإشعاع الحراري الشمسي يتم امتصاصه من قبل الأرض أولا، ثم تعود وتشعه للهواء، وبذلك يسخن الهواء. ~~ ولاحظ ابن طفيل بأن الإشعاع عندما يكون بزاوية قائمة (مسامتا لرءوس الناس) فإن الحرارة التي تصحبه تكون أشد. # 97 # ابن رشد (القرن 6ه/12م) # بدأ ابن رشد مناقشة مسألة انتشار الحرارة عن طريق الإشعاع بسؤال: «هل الضوء مسخن أو ليس بمسخن؟» ثم يجيب بعد تمحيص للمسألة مع ما عالجه السابقون عليه، طبعا بالدرجة الأولى أرسطو، ثم يمهد بطرح مجموعة من الفرضيات التي يقول فيها: «ففيه أيضا موضع فحص وعويص شديد؛ وذلك أنه إذا اعتبرنا ما يظهر من ذلك في المرايا المحرقة والزجاجة المملوءة بالماء التي تحرق القطن، ظن من ذلك أن الشعاع يحرق بذاته، وبخاصة إذا كان الانكسار على زوايا قائمة؛ أعني إذا انكسر الشعاع على نفسه أو انكسرت أشعة من مواضع كثيرة إلى موضع واحد. وإذا رجعنا إلى المعارف الأول في ذلك وهو أن الشيء إنما يخرج من القوة إلى الفعل بمخرج من نوعه بالفعل، لزم ألا تكون الحرارة تتولد إلا عن جسم حار، والنار عن جسم ناري، فنقول: إنه قد تبين أن الضوء ليس بجسم، فإن كانت فيه قوة التسخين بالذات فإن المسخن يكون الجسم المضيء بما هو مضيء، لا الضوء على حياله، وإذا كان المسخن هو الجسم المضيء، ms064 وكان يظهر أنه كلما كان الجسم أشد إضاءة كان أشد تسخينا، فقد يظن أن الضوء فيه هو سبب التسخين، فتكون الحرارة لا تتولد عن حرارة مثلها بالنوع ولا النار عن نار. وإذا كان ذلك كذلك، فقد يجب عليها أحد أمرين؛ إما ألا نعترف بكلية هذه المقدمة، وإما أن يكون هذا الفعل للضوء بالعرض، والاعتراف بكلية هذه المقدمة هو واجب في الأمور الطبيعية والصناعية، وقد فصل الكلام فيها في غير هذا الموضع، وحلت الشكوك الواردة فيها.» # 98 # ومن المقدمة السابقة - التي تحمل بصمات نظرية أرسطو - يؤكد ابن رشد أن الضوء شيء والحرارة شيء آخر، ولا يشترط وجود تناسب طردي بين زيادة شدة الإضاءة والحرارة، وإذا قبل القارئ بهذه المقدمة، فإن ابن رشد يطلب منه أن يفهم حقيقة ما يحدث، وهو أن التلازم بين الضوء والحرارة مجرد ظن ظاهري، والسبب الحقيقي هو حركة أجزاء الهواء فهي المسئولة عن التسخين، ولكن الناس تعتقد أن الضوء يحمل الحرارة؛ لأنه عندما ينعكس شعاع الضوء تنعكس معه الحرارة، وإذا انكسر الضوء انكسرت الحرارة، وهي في الحقيقة مجرد حالة عرضية وليست دائمة. # يتابع ابن رشد: «وإذا أنزلنا الأمر هكذا فلننظر على أي وجه يمكن أن يكون هذا للمضيء بالعرض، فنقول: إن الجسم المضيء لو كان ساخنا لم يسخن، إذ ليس هو بخارا، وإنما يعرض له أن يسخن من قبل الحركة، كما يقول أرسطو، والحرارة الشائعة من قبل الحركة في المتسخن والسارية فيه تعرض للشعاع فيظن لملازمتها الشعاع دائما أن الشعاع هو السبب في التسخين، وليس الأمر كذلك، بل ذلك بالعرض؛ أعني أنه حيث تكثر الإضاءة تكثر الحرارة، فيظن أن الإضاءة هي سبب الحرارة، وهذا النوع من الانكسار العارض للحرارة النارية في الهواء إنما عرض لها من قبل الحركة الحادثة في أجزاء الهواء عند تحريك الكواكب له، فتصير هذه الحرارة ملازمة للشعاع للمناسبة التي بينهما، فإذا استقام الشعاع استقامت هذه الحرارة، وإن انعكس الشعاع انعكست، فإن تحركت منعكسة تضاعفت السخونة، وإن تحركت من مواضع كثيرة إلى موضع واحد، ms065 كالحال في المرآة المحرقة، كان الأمر كذلك.» # 99 # أيدمر الجلدكي (القرن 8ه/14م) # أشار الجلدكي إلى أن النار تتحول إلى نور عندما تفقد حرها ولهيبها، # 100 # وذلك لأن «أصل تكوين الحرارة من فيضان الأنوار الهائلات وإشراقها وإبراقها على سائر المحسوسات.» # 101 # أي إنه ميز بين حرارة النار ونورها، فالنار تصبح نورا عندما تفقد حرارتها، وبذلك نتقبلها ونتمكن من الرؤية بوساطتها، وهو يعيد هنا إلى الأذهان ما قد طرحه إخوان الصفا، قبل 400 سنة، في نظرية الفيض الحراري، لكن بصيغة أخرى تفيد بأن الضوء المقبول حسيا لا يحوي بداخله على حرارة تضر. # المبحث الثاني: الأوروبيون والأمريكيون # يرى مؤرخ العلوم العربية الألماني إيلهارد فيدمان # E. Wiedemann # أنه لدى تقييم جهود القدماء في المجالات الفيزيائية الخاصة بالعلوم الطبيعية يجب مراعاة نقطة هي مجموعة المصطلحات الفيزيائية التي لم تكن محددة بعد، وهو ما يعني بأن أي اختبار كمي كان مستبعدا، كما هو الحال مثلا في مصطلح الحرارة، حيث إن المرء كان يفرق مبدئيا بين البارد والحار. قد يكون هنا من الصعوبة بمكان التعبير بدقة، مثل قولنا البرودة تنتج والبرودة تتوزع ... إلخ. لقد استغرق الأمر زمنا طويلا حتى أمكننا فهم أن الشعاع نفسه يمكن أن ينتج آثارا حرارية أو ضوئية أو فيزيائية، وحتى السنوات الثمانين الأخيرة - من القرن التاسع عشر - لم يستطع علماء بارزون التأكد بأنفسهم من هذا الرأي. # 102 # لقد درست فكرة الحرارة المشعة بشكل منظم بدءا من تجارب مارك أوغسط بيكتي وقاعدة بريفو عن تبادلات الحرارة المشعة حوالي عام 1790م. وكان يفهم كثيرا في القرن التاسع عشر أن انتقال الحرارة المشعة، على نحو شائع أنها سيال حراري تنطلق هنا وهناك بسرعة كبيرة، مع نقاش الكونت رمفورد أنها تتكون من اهتزازات في الأثير. # 103 # كما أجريت تجارب عديدة من قبل روبرت بويل # R. Boyle ~~(1627-1691م) وبنيامين فرانكلين حول اختلاف قدرة أنواع المواد ذات الألوان المختلفة على امتصاص الحرارة، وكذلك أجرى آدمي ماريوط # E. Marriott ~~(1620-1668م) تجارب عن قدرة الزجاج على الامتصاص، وعلى احتمال تركيز أشعة ms066 الشمس بوساطة عدسة محدبة الوجهين مصنوعة من الجليد من أجل تفجير البارود. كما ظهرت تجارب قام بها الكيميائي السويدي كارل فلهلم شيله # C. W. ~~ Scheele ~~(1742-1786م) بشكل خاص عن انعكاس الأشعة الحرارية عن المرايا المعدنية. وهي تجارب متعلقة بانتقال الحرارة إشعاعيا، وكيفية انبعاثها وامتصاصها، وهو الموضوع الذي لم يلق اهتماما كبيرا بالنسبة للأوروبيين إلا في القرن التاسع عشر. # 104 # آدمي ماريوط (القرن 17م) # تمثل محاولة آدمي ماريوط في فحص الإشعاع الحراري الخطوة الأولى في حل تدفق الحرارة، في عام 1682م ذكر في اجتماع في الأكاديمية الفرنسية للعلوم، بأن حرارة النار التي تعكسها مرآة حارقة يمكن الإحساس بها في بؤرتها، لكن عندما يتوسط لوح زجاجي بين المرآة وبؤرتها لم يعد بالإمكان الإحساس بالحرارة. لقد كانت ظاهرة الإشعاع الحراري معروفة منذ مدة طويلة إنما كانت هذه المحاولة الأوروبية الأولى من أجل التحري التجريبي. # 105 # وقد وجدنا سابقا أن إخوان الصفا قد سبقوا ماريوط عندما طرحوا نظرية الفيض، وكيف أن مفعول الفيض يتوقف لدى وضع حاجز يمنعه. # إسحاق نيوتن (القرن 18م) # في ملحق كتابه (البصريات) وضع نيوتن عددا من المسائل التي لم يحسم أمرها بعد، ربما كأفكار مستقبلية للبحث، وربما لم يستطع الإجابة عنها؛ لأنه لم يستطع أن يحسم الطبيعة الفيزيائية للضوء نفسه؛ فهو متردد بين الطبيعة الجسيمية والموجية، ثم حاول أن يدمج بينهما بأن الضوء ينطلق كجسيمات وينتهي كاهتزازات، ففي المسألة 18 سأل نيوتن فيما إذا كانت الحرارة الإشعاعية تنتقل في وسط أرق من الهواء؟ وهل هذا الوسط هو الذي ينعكس به الضوء وينكسر نفسه؟ ومن خلال اهتزازاته ينقل الضوء الحرارة إلى الأجسام؟ # 106 # وقد اقترح نيوتن إجراء التجربة الآتية في محاولة منه مقارنة النتيجة بين الحرارة الإشعاعية التي تعبر الخواء، وتلك التي تعبر الهواء: «إذا علق في وعاءين أسطوانيين طويلين وواسعين ومقلوبين من الزجاج، ميزانا حرارة صغيران بحيث لا يمسان الوعاءين، وسحب الهواء من أحد هذه الأوعية، ثم نقلت هذه الأوعية المعدة من مكان إلى آخر دافئ، فإن ميزان الحرارة في ms067 الخواء سوف يصبح تدريجيا دافئا بالقدر نفسه وتقريبا بالسرعة نفسها مثل ميزان الحرارة الذي ليس في الخواء، وعندما تعاد الأوعية إلى المكان البارد، فإن ميزان الحرارة في الخواء سيصبح تدريجيا باردا تقريبا بسرعة مثل ميزان الحرارة الآخر. أليست حرارة الحيز الدافئ المنقولة عبر الخواء بواسطة اهتزازات الوسط أكثر دقة من الهواء، والذي يبقى في الخواء بعد أن يسحب الهواء إلى الخارج؟ وأليس هذا الوسط هو ذاك الوسط نفسه الذي بواسطته ينعكس وينكسر الضوء، وباهتزازاته ينقل الضوء الحرارة إلى الأجسام، ويوضع في أدوار الانعكاس العفوي والانتقال العفوي؟ وأليست اهتزازات هذا الوسط في الأجسام الدافئة تسهم في قوة ودوام حرارتها؟ وأليست الأجسام الساخنة تنقل حرارتها إلى الأخرى الباردة القريبة، باهتزازات هذا الوسط المنتشرة منها إلى الأخرى الباردة؟ وأليس هذا الوسط دقيقا ومخلخلا أكثر جدا من الهواء، ونشطا ومرنا أكثر جدا؟ وأليس يتخلل بيسر كل الأجسام؟ وأليس (بقوته المرنة) ينتشر ضمن حدود كل السماء؟» # 107 # ثم حاول نيوتن أن يقدم تفسيره لتسخين الجسم لدى مرور الضوء خلاله فقال: «إن هؤلاء الذين ينفرون من الموافقة على أي اكتشافات جديدة، إلا تلك التي يمكن شرحها بفرضية، يمكن حاليا أن يفترضوا أنه مثل سقوط الحجارة على الماء والتي تصنع على سطح الماء حركة متموجة، وكل الأجسام بالقرع تثير اهتزازات في الهواء، كذلك أشعة الضوء عندما ترتطم على أي سطح عاكس أو كاسر، فهي تثير اهتزازات في المادة أو الوسط العاكس أو الكاسر، وبإثارتها تهيج الأجزاء الصلبة من الجسم العاكس أو الكاسر، وبتهييجها تسبب للجسم أن يصبح تدريجيا دافئا أو ساخنا.» # 108 # ليونارد أويلر (القرن 18م) # شرح ليونارد أويلر في رسالة علمية أرسلها إلى إحدى الأميرات الألمانيات كيف نجح في إقصاء كل المحاولات السابقة الرامية إلى تفسير كيفية انتقال أشعة الشمس إلى الأرض، فقال: «إذن أشعة الضوء ليست انبعاثا من الشمس والأجسام المضيئة الأخرى، ولا تتألف من مادة دقيقة تصدرها الشمس على نحو فعال، وتنقل إلينا بسرعة يمكن أن تملأك بالدهشة. إذا استغرقت الأشعة فقط ثماني دقائق ms068 في طريقها من الشمس إلينا، فإن الوابل سيكون شديدا، وكتلة ذاك الجسم النير، مهما كانت ضخمة، يجب أن تستنفد بسرعة. وفقا لطريقتي فإن أشعة الشمس التي لا نملك إدراكا حسيا لها لا تنشأ مباشرة من الجسم النير، إنها مجرد جسيمات من الأثير تعوم حولنا، إليها تنقل الشمس الأقرب فالأقرب حركة اهتزاز، وهكذا فإنها لا تغير كثيرا مكانها في هذه الحركة، هذا الانتشار للضوء ينجز بطريقة مماثلة لانتشار الصوت ... لكن فيما يتعلق بالضوء، فإنها تنقل عبر الأثير أو ذاك الوسط الدقيق أكثر والمرن أكثر على نحو لا يضاهى من الهواء، الذي ينتشر بغير استثناء حيث يترك الهواء والأجسام العيانية فرجات أكثر. إذن مرارا بقدر ما يوضع هذا الأثير في حالة اهتزاز وتنقل إلى العين، فإنها تنبه فيها حس الرؤية، الذي هو في تلك الحالة لا شيء إلا حركة مرتعشة مشابهة، التي بها فإن الألياف العصبية الصغيرة في قعر العين تثار. # 109 # هنري كافندش (القرن 19م) # في أيام هنري كافندش كان معروفا جيدا بأن طبق الزجاج يسخن أكثر من طبق معدني مصقول عندما يتم تعريضه للنار، ومن المحتمل أيضا عندما يعرض إلى الشمس. لكن بما أن المعدن يمتص ضوءا أكثر من الزجاج، فإنه وفق نظرية كافندش ينبغي أن يكون معظمه مسخنا بالضوء، أكثر من الزجاج. ~~ لحل مثل هذا الصراع الظاهري مع نظرية كافندش التي أشارت إلى التجارب الأخيرة عن «أشعة الحرارة» المكتشفة حديثا لكارل وليم شيله، وهوراس بيندكيت دي ساوسر # H. B. De Saussure ~~(1740-1799م) الذي صنع أول فرن شمسي حراري. # 110 # لقد اعتقد كافندش بأن أشعة الحرارة، مثل أشعة الضوء التي تمتزج معها بنسب مختلفة، أنها جسيمات مادية تبعثها الأجسام الحارة، ومع أن سرعتها ليست معروفة، فإنه يجب أن تتصل مع «القوة الحية » أو الطاقة الحركية أيضا. لكنه، ومن ناحية أخرى اعتقد أن أشعة الحرارة تختلف عن أشعة الضوء، ليس لأنها لا تحفز إحساس الرؤية، بل لأن الزجاج يمتصها وتعكسها المعادن الملمعة بفعالية، حيث تكون انعكاسا لسلوك الضوء. ~~ إذن أشعة الحرارة ms069 لا تترافق مع أشعة الضوء، حيث تدفئ الزجاج على نحو مميز. هذه المستحدثات، الأشعة الخفية جعلت كافندش يوفق الحقائق مع النظرية، ولو لم تكن الأشعة موجودة، لفشلت النظرية. والنظرية تتوافق جيدا مع الامتصاص المعتاد بأنه حين يصبح الجسم أكثر حرارة، فإنه يبعث ضوءا وحرارة أكثر. ويستنتج من فرضية كافندش أن جسيمات الضوء والحرارة المشعة مرتبطتان بمكانيهما الطبيعيين في الجسم بقوتي الجذب والنبذ لجسيمات الجسم، وعندما تكون جسيمات الجسم في حالة اهتزاز نشط، فإن جسيمات الضوء والحرارة المشعة يتم تحريكها في مواقع تواجه تنافرا عنيفا، وتقلع من الجسم على شكل ضوء حار وحرارة مشعة. # 111 # يوهان ريتر (القرن 19م) # تابع يوهان فيلهلم ريتر ما قد بدأه وليم هرشل، إلا أنه لم تكن هناك قناعة عامة لتقبل فكرة أن الإشعاع الحراري والضوء المرئي شكلان مختلفان للظاهرة نفسها. كما حدث بين العلماء العرب والمسلمين (ابن سينا والبيروني مثلا) فقد كان جون ليسلي # J. ~~ Leslie ~~(1766-1832م) معارضا شديدا لهذه الفكرة، مع أن تجاربه على مكعب فيه ماء أحد سطوحه لامعة والآخر أسود، على دراية بالعلاقة بين الإصدار والامتصاص. # 112 # لريتر مساهمة مهمة أخرى هي كشفه عن وجود الأشعة فوق البنفسجية عام 1801م في الطيف المرئي، مستفيدا من سلسلة من الملاحظات التي سجلت قبل ذلك؛ فقد لاحظ الطبيب الألماني يوهان هنريش شولتزه # J. ~~ H. Schulze ~~(1687-1744م) عام 1727م، اسوداد كلوريد الفضة في الضوء، كما تأكد كارل شيله من أن الجزء الأزرق-البنفسجي من الطيف له أكبر أثر، وأخيرا قرر ريتر حينئذ أن الجزء غير المرئي الواقع بعد الجزء البنفسجي من الطيف المرئي يسبب اسودادا لكلوريد الفضة، وتأكد الباحثون من الأثر الفسفوري للأشعة فوق البنفسجية ووجدوه صحيحا. # 113 # وليم هرشل (القرن 19م) # أراد الفلكي البريطاني وليم هرشل في عام 1800م، أن يعرف أي جزء من طيف الإشعاع الشمسي أكثر حرارة، فوجد أن فعل التسخين يكون أكبر ما يكون في جانب اللون الأحمر منه في جانب اللون الأزرق، وأن نهايته العظمى تكون خارج نطاق اللون الأحمر؛ أي حيث ms070 لا ترى العين وجود أشعة. وبذلك كشف عن وجود الأشعة تحت الحمراء. # 114 # وبذلك يكون هرشل أول من تكلم عن عزل وكشف الإشعاع الحراري الواقع وراء حدود الألوان المرئية، ثم أتبع على الفور هذا الاكتشاف المفاجئ سلسلة موسعة من التحريات هدفت إلى إيجاد جواب للسؤال: هل الضوء يختلف بشكل أساسي عن الإشعاع الحراري؟ وهو جدل سبق وأن أثاره وناقشه العلماء العرب والمسلمون، لكن لم تكن لديهم التقنيات ولا النظريات العلمية التي كانت أيام هرشل وغيره في القرن 19م. # كان هرشل أخصائي تجارب دقيقا بشكل عادي، لكن لديه مقدرة فائقة على اشتقاق فرضيات تربط بشكل محتمل بين بيانات ملحوظة مع ظاهرات فيزيائية. وتأكيد ملاحظاته الأخيرة جعله يدرك بأن الحرارة والضوء «ليسا شيئا واحدا بشكل عام، وإنما يملكان درجة مساوية أكيدة من قابلية الانكسار.» # 115 # وبناء عليه عقد مقارنة مبنية على التجارب التي قام بها بين الحرارة المشعة والضوء، سواء تلك التي تلازم الضوء أو لا تلازمه، نوضحها في الجدول الآتي: # 116 # الضوء # الحرارة المشعة ~~(1) كل من الضوء الشمسي والأرضي، هو إحساس يسببه انبعاث الأشعة من الأجسام المضيئة، التي لديها قوة الأجسام المنيرة، ووفق الظروف، تجعلها تظهر بألوان مختلفة. ~~(1) كل من الحرارة الشمسية والأرضية، إحساس يسببه انطلاق الأشعة من مواد أولية حرارية لديها قوة الأجسام الساخنة. ~~(2) هذه الأشعة تخضع إلى قوانين الانعكاس. ~~(2) هي وفق النمط نفسه تخضع لقوانين الانعكاس. ~~(3) تختلف بشكل قابل للانكسار. ~~(3) تختلف بشكل قابل للانكسار. ~~(4) عرضة للتوقف، حسب مقترحات مؤكدة، عندما يتم إرسالها من خلال أجسام شفافة. ~~(4) عرضة للتوقف، حسب فرضيات مؤكدة، عندما يتم إرسالها من خلال أجسام شفافة. ~~(5) عرضة للتبعثر على أسطح خشنة. ~~(5) عرضة للتبعثر على أسطح خشنة. ~~(6) حتى الآن من المفترض بأن يكون لديها قوة الأجسام الساخنة، لكن يبقى هذا تحت الفحص. ~~(6) ربما من المفترض ذلك، في حالة محددة من الطاقة، بأنه لديها قوة الأجسام المنيرة، إنما يبقى هذا تحت الاختبار. # وبعد عام من اكتشافه، تحديدا في الثاني عشر من تشرين الثاني/نوفمبر عام 1801م، قدم الفيزيائي البريطاني توماس ms071 يونغ # T. Young ~~(1773-1829م) محاضرته الشهيرة (حول نظرية الضوء والألوان) التي أيد بها النظرية الموجية للضوء، وبرهن عن رؤية عميقة للغاية في فهم خاصية الأشعة الحرارية المخفية التي اكتشفها هرشل عندما كتب: «يبدو من المحتمل جدا بأن الضوء يختلف عن الحرارة فقط في تردد تموجاته أو اهتزازته.» # 117 # جان فورييه (القرن 19م) # في الواقع، إن ما يميز عمل جان فورييه هو الفكر القائم عليه، فهو يعتقد أنه قبل أن نتمكن من إخضاع الظاهرات لاكتشاف قوانينها الأساسية، يجب البحث عن المبدأ الذي ينظمها داخل المنظومة؛ ولذلك قبل أن يشرع بعمله قام بجمع كل الحقائق الحرارية المرتبطة بنظريته، ومن ثم بحث عن مبدأ يمكنه من تفسيرها؛ لذلك فقد اطلع على أعمال من سبقه في هذا المجال أمثال بيكتي ورمفورد وبريفو، حاول الخروج على الإطار العام المرسوم لظاهرة الإشعاع الحراري، من أن الحرارة تتدفق من الحار إلى البارد بتناسب مع اختلاف درجة الحرارة، إنما بفحص مجموعة شاملة من الظاهرات أو «تأثيرات الحرارة». وكان يرى أن دور التجربة لا يقتصر على إثبات نتائج تم الحصول عليها بحسابات رياضياتية، إنما للمساعدة في جمع مجموعة حقائق تنظم فيها القوانين الظاهرات المشتقة، عندما يتم إخضاعها للتحليل. # 118 # وقد وضع أفكاره بشأن انتشار الإشعاع الحراري في كتابه (النظرية التحليلية للحرارة) عام 1822م، وهدف من ذلك إخضاع ظاهرة الحرارة بكافة أشكالها للتحليل الرياضياتي والمعادلات التفاضلية الجزئية، ثم التعامل مع التوابع (أو الدوال) بشكل رياضياتي بحت. وقد لاحظ من خلال المعطيات التجريبية التي وصلته إلى أن الجسم يشع حرارة حتى لو كانت درجة حرارته أدنى من درجة حرارة المحيط، كما لاحظ فورييه بأن تبادلات الحرارة يمكن أن يتم استبدالها بحسابات ذات متغير وحيد يمثل السريان الصافي للحرارة، لكن يمكن أن ينجز ذلك تحت الافتراض بأن المتغير لا يمثل كل الحرارة المنقولة. # 119 # بالنسبة لفورييه فإن التحليل الرياضياتي أداة رياضياتية يمكن تطبيقها على ظاهرات العلم الطبيعي، إنها تخولنا التغلب «على الكثير من التفاوتات والأخطاء في عقل الإنسان» وذلك لتوضيح العلاقات بين ms072 الحقائق الملحوظة. ~~ من المتوقع أن توسع الإحساسات البشرية، ويمكن للتحليل الرياضياتي أن يكشف مقارنات وتنظيمات الظاهرات. ~~ يقول فورييه إن التحليل يعيد بناء النظام الفعلي للظاهرات في الطبيعة التي لا يمكن اكتشافها بالملاحظة. # 120 # بيير بريفو (القرن 19م) # ابتكر الفيزيائي الفرنسي بيير بريفو مفهوم (تبادلات الحرارة المشعة) في عام 1791م، وذلك لشرح سلسلة التجارب التي تبدو بأنها تنطوي على وجود سوائل باردة غير قابلة للوزن، على غرار وجود سوائل مسئولة عن نقل الحرارة وغير قابلة للوزن. وقد استعمل في تجربته الشهيرة - التي تثبت على وجود «انعكاس للبرودة» - مرآتين مقعرتين تبعدان عن بعضهما حوالي عشرة أقدام مع ميزان حرارة ودورق ثلج موضوع عند البؤرتين، حيث يسجل ميزان الحرارة الهبوط في درجة الحرارة، ويفترض انتقال وانعكاس السائل البارد غير القابل للوزن. ~~ وقد توصل بريفو للقول إن كافة الأجسام تطلق وتستقبل حرارة مشعة في جميع الاتجاهات، بصرف النظر عن درجات حرارتها النسبية، فإذا كان لدينا جسمان بدرجتي حرارة غير متساويتين يتبادلان حرارة مشعة، في أثناء كل تبادل، فإن الجسم الأبرد يتلقى حرارة أكثر مما يبعث حتى يتحقق التوازن الذي يكون فيه كلا الجسمين بدرجة الحرارة نفسها. وعند توازن الجسمين يستمر تبادل الحرارة المشعة، لكن الآن عند معدل متساو. انعكاس البرودة هي مجرد ظاهرة فقط، ويتلقى ميزان الحرارة حرارة مشعة أقل مما انتقل إليه من دورق الثلج، لذلك يسجل هبوطا في درجة الحرارة. لا يحاول بريفو أن يفسر بالتفصيل طبيعة «السائل غير المترابط». وهو يرفض الفعل النيوتوني تماما كسبب نابذ للحرارة، إنما يفسره بأن السائل - حسب جورج لويس لوسيج # G. L. Le Sage ~~(1724-1803م) - يكون في الجسيمات المتباعدة بتأثير قوتها النابذة والاصطدامات فيما بينها. # 121 # وعندما تكون جسيمات السائل «ملقاة» من الجسم بسبب القوة النابذة، فإنها تتحرك في خطوط مستقيمة بسرعة كبيرة وتشكل الحرارة المشعة أو الحرة. حاول بريفو كثيرا إطلاق تسمية «الحرارة الحرة» للدلالة على الحرارة المشعة وللتعبير عن تسمية خاصة تساعد في دمج هذه الحالة الخاصة في الإطار التقليدي. ويعد مفهوم القوة النابذة ms073 التي تؤثر في المادة أساسيا في عمل بريفو عن الحرارة؛ إذ يشتق منه بشكل أساسي مفهوم تبادلات الحرارة المشعة. # 122 # ماشيدونيو ميللوني (القرن 19م) # أحرز الفيزيائي الإيطالي ماشيدونيو ميللوني # M. Melloni ~~(1798-1854م) تقدما كبيرا في مجال الأشعة تحت الحمراء، وذلك باستخدامه للعمود الحراري، وقد بين أن للأشعة تحت الحمراء الفروق النسبية في الانكسار مثل تلك التي تكون للأشعة المرئية، وقد نشر ذلك في بحث بعنوان «التلوين الحراري»، وتابع أبحاثه على نفاذية الأجسام الصلبة والموائع للإشعاع الحراري أم لا، في حين أن للفيزيائي الإنكليزي جون تيندال # J. ~~ Tyndall ~~(1820-1893م) تجارب مماثلة على الغازات والأبخرة. # 123 # وليم دريبر (القرن 19م) # معظم الجهود الرامية للكشف عن خصائص الأشعة تحت الحمراء توصلت إلى أن الأشعة تحت الحمراء لا تختلف من الناحية الفيزيائية عن الأشعة المرئية، سوى في أن طول موجاتها أكبر، وتوصل من ذلك الفيزيائي الأمريكي جون وليم دريبر # J. W. Draper ~~(1811-1882م) عام 1847م إلى قاعدة مفادها: أن كل المواد الصلبة تبدأ بإصدار إشعاع وهج أحمر عندما تسخن إلى الدرجة 225 ~~° # مئوية، في حين لا تصدر عنها سوى أشعة تحت حمراء، وتصدر باستمرار التسخين أشعة أكثر فأكثر، ذات طول موجي أقصر حتى يصبح الضوء في النهاية أبيض ويستكمل الطيف كله. # 124 # صموئيل لانغلي (القرن 19م) # البولومتر جهاز شبيه بالترمومتر عالي الحساسية، يقيس مقادير غاية في الدقة من الحرارة الناتجة عن أنواع معينة من الطاقة الإشعاعية، خصوصا الأشعة تحت الحمراء. ~~ ويوجد بجهاز البولومتر شريط موصل رقيق يشكل جزءا من دائرة كهربائية. وترتفع درجة حرارة هذا الشريط بدرجة بسيطة بمجرد أن يتلامس مع أي كمية من الإشعاع. وينتج عن سخونة هذا الشريط تغير في موصلية الدائرة (المقدرة على حمل التيار الكهربائي). ويستخدم الفرق في الموصلية للدلالة على قوة الإشعاع. وتعمل بعض البولومترات على درجة حرارة قريبة من الصفر المطلق (− 273,15 ~~° # مئوية). ~~ وتزداد حساسية البولومتر بدرجة فائقة على درجات الحرارة المنخفضة جدا. (مصدر الصورة: # http://earthobservatory.nasa.gov ~~، ومصدر التعليق: عن الموسوعة العربية العالمية، مدخل «البولوميتر»، الرياض، 2004م.) # حدث ms074 تطور كبير في عام 1880م في طرائق مشاهدة الأشعة تحت الحمراء من خلال الجهاز الذي طوره الفيزيائي الأمريكي صموئيل بيروبوينت لانغلي # S. P. ~~ Langley ~~(1834-1906م) وهو البولومتر (أو مقياس طاقة الإشعاع الحراري)، مستفيدا من الجهاز الذي صنعه وليم كروكس # W. ~~ Crookes ~~(1832-1919م) عام 1872م والأنواع المعدلة # 125 # منه. # 126 # الفصل الثالث # | تأثير الحرارة على حالات المادة # مقدمة # تؤثر الحرارة على مختلف حالات المادة بثلاثة أشكال: # الأول: # قد تغير من حالة المادة بحيث تجعل المادة الصلبة تنصهر، والسائل يتبخر، وإذا انخفضت تجعل البخار يتكاثف لسائل والسائل يتجمد. # الثاني: # ترفع من درجة حرارة الجسم، فإذا كان لدينا جسم معدني وقمنا بتعريضه للحرارة فإنه يسخن. # الثالث: # تمدد الجسم بحيث تزيد من حجمه؛ أي إنه يزيد من حيز الفراغ الذي كان يشغله سابقا عندما كان باردا. # وعندما تتغير حالة المادة وفق إحدى الحالات السابقة فإنه يتم امتصاص الحرارة الكامنة # latent heat # أو توليدها دون حدوث أي تغير في درجة الحرارة، ويقصد بالحرارة الكامنة كمية الحرارة التي تمتصها أو تطلقها المادة التي تتغير حالتها عند درجة حرارة ثابتة، كما هو الحال في التبخر مثلا. # 1 # وقد لاحظ القدماء آثار الحرارة على المادة بأشكالها الثلاثة، وحاولوا الاستفادة منها حينا وتجنبها حينا آخر. ~~ ويعتقد أنه منذ ما يقرب من مليون إلى خمسمائة ألف سنة، تعلم الإنسان البدائي كيف يستعمل النار، ويبدو أنه عرف عملية الغليان - وهي عملية معقدة تقنيا بالنسبة له - من خلال غمر أحجار تسخن بالنار في حفر أرضية مصفوفة بالأحجار؛ فالحفرة كانت بمثابة الوعاء الذي يستوعب الماء، والحجارة الساخنة بمثابة المصدر الحراري. # 2 # وربما يكون سحرة المصريين القدماء قد استخدموا في حيلهم الخادعة في الأفاعي المتلوية فكرة تمدد معدن الزئبق (أو غيره من المعادن) لدى تعرضه لأشعة الشمس، فيخيل للناس أن هذه الحبال المحشوة بتلك المادة أو الزئبق أفاع تتلوى وتملأ الوادي فوق بعضها بعضا. # 3 # وهي الخدع السحرية التي جاء ذكرها في القرآن الكريم بقوله تعالى: # قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن ms075 نكون أول من ألقى * قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ~~. # 4 # سنتعرف في هذا الفصل على جهود الفلاسفة والعلماء في محاولة رصد وتفسير آثار الحرارة على المواد والأجسام. # المبحث الأول: اليونانيون # ناقش كل من أناكسايمانس، والرواقيين، وأرسطو، وفيلون البيزنطي، وأبولونيوس التياني كيفية تأثير الحرارة على حالات المادة، لكننا سنلمس فرقا واضحا بين آراء الفلاسفة السابقين على أرسطو، وبين اللاحقين عليه؛ فقد كان السابقون عليه يقدمون رؤى بعيدة عن الواقع الفيزيائي؛ ولذلك لم يكتب لنظرياتهم البقاء، كما هو حال آراء اللاحقين على أرسطو التي كانت أقرب لتوصيف ما يحدث لدى تأثير الحرارة على مختلف حالات المادة. # أناكسايمانس (القرن 6ق.م.) # تتلخص رؤية أناكسايمانس # Anaximenes ~~(توفي نحو 525ق.م.) للعنصر الأول الكوني بأنه الهواء، لكن هذا الهواء غير محدد في نوعه، وإنما يتحدد من خلال صفاته وميزاته. ويربط أناكسايمانس عملية تحولات المادة بالخفة والتكثيف التي ترتبط بدورها بتحولات الحرارة والبرودة؛ فالهواء عندما يتمدد أو يتكثف يظهر بأشكال متنوعة، وعندما يتمدد الهواء بما فيه الكفاية فإنه يحدث النار، وعندما يتكثف يحدث الماء، وبدرجة أكثر يحدث الأرض، وفي أعلى درجات التكاثف يصبح الهواء حجارة. # 5 # الرواقيون (القرن 4ق.م.) # ذهب الرواقيون # Stoicism # إلى أن المادة متجزئة بالفعل بشكل لا نهائي، وهي تفتقر للوحدة في كل جسم؛ فالجسم عندهم مركب من مبدأين هما مادة ونفس حار Pneuma # يتحد بالمادة، ويتوتر فيبقي على أجزائها مترابطة. ~~ ويكون هذا النفس الحار بالنسبة للحيوان والإنسان بمثابة النفس؛ أي مبدأ الحركة الذاتية الصادرة عن نزوع حركة تصوره؛ ولذلك فإن النبات ليس له تصور ولا حركة ذاتية من هذا القبيل. والعالم عندهم حي له نفس حار هو نفس عاقلة تربط أجزاءه وتؤلف منها كلا متماسكا؛ بناء على ذلك فإن الحرارة أو النار هي المبدأ الفاعل، والمادة مبدأ منفعل. لقد كانت النار في الخلاء اللامتناهي، ولم يكن عداها شيء، وتوترت فتحولت هواء، وتوتر الهواء فتحول ماء، وتوتر الماء فتحول ترابا، وانتشر في الماء نفس حار ولد فيه «بذرة مركزية» ms076 هي قانون العالم «اللوغوس» بمعنى أنها تحوي جميع الأجسام وجميع بذور الأحياء كامنة بعضها في بعض، بحيث إن كل حي هو «مزيج كلي» من ذريته جمعاء. # 6 # ويحدث التوتر في النار أو الهواء أو الماء بسبب ظهور حركتين؛ إحداهما نحو المركز والأخرى نحو المحيط. # 7 # إذن عند الرواقيين تحول المادة من شكل لآخر هو نتيجة عملية التوتر، وليس نتيجة زيادة أو نقص كمية الحرارة. # أرسطو (القرن 4ق.م.) # لقد أشار أرسطو إلى ظاهرتي الغليان والتجمد كظاهرتين متقابلتين، واكتفى بالعموميات المعهودة عنه في شرحهما وتفسيرهما، قال أرسطو: «إن الأجسام البسيطة هي جميعها بسيطة بلا شك، ولكنها ليست مع ذلك متماثلة. مثلا الجسم المشابه للنار هو من نوع النار، ولكنه مع ذلك ليس بالضبط نارا، والجسم المشابه للهواء هو من نوع الهواء دون أن يكون هواء، وكذلك الحال في بقية العناصر، ولكن النار هي إفراط في الحرارة كما أن الثلج إفراط في البرودة؛ لأن التجلد والغليان هما إفراطان من جنس ما أحدهما للبارد والثاني للحار، فإذا كان الثلج هو تجلد السائل والبارد، فالنار تكون أيضا غليان الحار واليابس، فانظر لماذا لا يمكن أن يتولد شيء لا من الثلج ولا من النار.» # 8 # فيلون البيزنطي (القرن 3ق.م.) # تناول فيلون البيزنطي Philo of Byzantium ~~(توفي نحو 220ق.م.) في كتابه (في الحيل الروحانية وميخانيقا الماء) تجربة (أسماها حيلة) أثبت بواسطتها أن الهواء يتمدد بالحرارة ويتقلص بالبرودة، والدليل على ذلك - حسب فيلون - أننا إذا قمنا بتركيب بيضة مجوفة مصنوعة من معدن الرصاص ومفرغة (رمزها أ في الشكل)، وسحارة معوجة (ب) ووعاء بداخله ماء (ج)، فإذا تعرضت البيضة للتسخين تمدد الهواء الذي بداخلها؛ أي ازداد حجمه عن حجم الحيز الداخلي للبيضة، فيخرج إلى وعاء الماء على شكل فقاعات متتابعة يراها الناظر بشكل واضح. وفي حال أوقفنا تسخين البيضة، انكمش الهواء الذي بداخلها لكونه يحتاج لحجم أقل من حجم الحيز الداخلي للبيضة، عندها يتراجع الهواء داخل أنبوبة السحارة ساحبا معه بعضا من الماء الذي في الوعاء، وذلك بسبب اتصال ms077 الهواء بالماء، والملاحظة الأخيرة تشير إلى انعدام الخلاء أيضا. # 9 # فكرة هذه الحيلة ستكون الأساس الذي يعتمد عليه العلماء فيما بعد لصنع مقاييس الحرارة، والذي سنتكلم عنه لاحقا في الفصل الأول من الباب الثاني. # يوضح الشكل التجربة التي قام بها فيلون ليثبت تمدد الهواء بالحرارة وتقلصه بالبرودة حيث (أ: البيضة، ب: السحارة، ج: وعاء الماء). (مصدر الشكل: شوقي، جلال، أصول الحيل الهندسية في الترجمات العربية، ص49). # أبولونيوس التياني (القرن 1م) # يعتبر أبولونيوس التياني (أو بليناس الحكيم) # Apollonius of Tyana ~~(توفي 100م) أن الحرارة عنصر فاعل مثل الهواء؛ لذلك فإننا نتلمس أثرهما في أي مادة يحلان فيها «اعتبر بالطبائع الأربع، فانظر إلى ما كان منها حارا كان فاعلا، وما كان منها باردا كان مفعولا به، فالنار والهواء فاعلان والأرض والماء مفعول بهما، إلا أن للماء فعلا من قبل النار على وجهه تذيبه، ولولا ذلك لاستوى هو والأرض، فلما أعانته النار بشيء كان قويا على التحليل بالرطوبة وليس له فعل غيره.» # 10 # وقد أدرك أبولونيوس مفهوم تمدد الهواء بعد فيلون بحوالي 400 سنة، وذلك من خلال التجربة الآتية «والدليل على هرب الريح من الحرارة أنك لو ملأت جرابا هواء، ثم ثقبت طرفيه، ثم أوقدت نارا مما يلي الطرفين لتدافع الهواء من الجراب حتى يخرج من الحيز الذي لا يلي النار، ولا يخرج من الحيز الذي يلي النار شيء منه ولا يستقبل الحرارة، لأن الغالب على طبيعة الرطوبة والرطوبة [أن] تهرب من الحرارة، والحرارة تقهر الرطوبة إذا امتزجت بها فتصيرها بخارا، ثم يصير ذلك البخار ريحا.» # 11 # المبحث الثاني: العلماء العرب والمسلمون # يرى فيدمان أن العلماء العرب والمسلمين توصلوا إلى اكتشاف مجموعة من الطرائق لحساب الأوزان النوعية، رغبة في تحسين القيم القديمة، ولم يخصوا الأجسام الصلبة فقط في تجاربهم، وإنما السائلة أيضا، وأثبتوا أن السوائل تصبح أخف مع ارتفاع درجة الحرارة. # 12 # وسنجد أنه كثيرا ما يستخدم لدى العلماء العرب والمسلمين مصطلح «الاستحالة» كما كان يطلق عليه، أو التحول من طور إلى آخر ms078 في المادة، فالانتقال من الطور الغازي إلى السائل يكون بتكاثف بخار الماء على سطح مخروط موضوع داخل الثلج، طبعا كان يقصد ببخار الماء في ذلك العصر «الهواء». # 13 # كما أنهم عرفوا تمدد الأجسام الناجم عن زيادة الحرارة والتقلص الناجم عن البرودة. # جابر بن حيان (القرن 3ه/9م) # لاحظ جابر أن درجة الغليان في حامض الخليك (صيغته: # COOH # 3 # CH ~~) أدنى من درجة غليان الماء، وذلك عندما كان يقوم بتقطير الخل للحصول على حامض الخليك المركز. # 14 # كما وجد أن الحرارة عندما تدخل في المادة فإنها تزيد في طولها إذا كانت جامدة، وترفعها للأعلى إذا كانت غازية، ويحدث العكس مع البرودة، في حين أن الرطوبة توسع المادة عرضا وتكون اليبوسة في الأشياء الدقيقة والرفيعة، يقول في ذلك: «وأيضا فينبغي أن تعلم أن الطول كله والأخذ إلى الأعالي من قسم الحرارة، وأن القصر والعكس بمقابلة تلك الحدود للبرودة، وأن الأخذ عرضا للرطوبة، وهي تكون في الأشياء الغليظة المنبسطة، والأشياء الدقيقة النحيفة لليبوسة لا غير.» # 15 # ويرى الباحث فؤاد جميعان أن العرب فطنوا إلى أن الحرارة تؤثر على كثافة المواد، لكنهم لم يفطنوا إلى أن لها تأثيرا على حجم الأشياء. # 16 # ولكن رأيه هذا كان مجانبا للصواب؛ فقد أشار جابر بن حيان في «كتاب أرض الحجر» عندما كان يناقش قوله تعالى # وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ~~. # 17 # إلى أن العلماء يرون في معنى «ربت» أي زاد حجمها فانتفخت وعلت بسبب هطول الماء على تربتها، ثم ينتقل جابر لمناقشة العلاقة بين الحرارة والبرودة وتأثير كل منهما على حالة المادة بطريقة علمية في هذا التفسير: «قالوا فأما الوزن إلى النقصان أقرب وعليه الثقل والبرد والتلزز والاجتماع والحركة إلى المركز ... وعلة الخفيف عكس هذه كلها وما عملت في الحرارة فبعيد أن يزيد وزنه وإن زاد جرمه ... يزيد مساحته وينقص وزنه لفقده التلزز والتحليل الذي هو من علة الخفيف فقد بطل أن تكون زيادة وزن هذه الأرض بتمديد الحرارة ms079 وسخونتها. قالوا والعلة في زيادة وزنها هو عكس هذا بعينه وذلك أنها إذا دبرت بالنار فإن النار تحل بالحرارة منها وتجذبها إلى نفسها وتفرق بينها وبين أجزاء البرودة؛ إذ من شأن النار التفرقة بين الأجزاء المختلفة والجمع بين الأجزاء المتشابهة، فإذا فرقه ... بحرارة واللطف الذي هو علة الخفة بقي منها الحار والبارد الذي هو علة الثقل فزاد الوزن.» # 18 # و«من شأن الحرارة إبادة الرطوبة والتعدي بها.» # 19 # سواء كانت هذه الحرارة كيفية داخلية أم خارجية مسلطة على المادة من مصدر حراري. # أما اليبوسة أو الجفاف المرتبط بالحرارة فتنقسم من حيث أثرها إلى قسمين: «يبس محسوس يسمى ظاهرا، ويبس بالقوة ويسمى باطنا، وكذلك الحرارة والبرودة والرطوبة فإنها تنقسم هذين القسمين بأعينهما.» # 20 # بمعنى تظهر خاصية اليبوسة، وغيرها من الطبائع، بشكل محسوس الأثر (بالفعل) أو تكون خفية (بالقوة) لا تظهر إلا بوجود ما يدفعها للظهور. # الكندي (القرن 3ه/9م) # أدرك الكندي القاعدة العامة بأن الأجسام تتقلص بتأثير البرودة فتأخذ حيزا مكانيا أقل، وتتمدد بالحرارة فتأخذ حيزا مكانيا أكبر؛ الأمر الذي يجعل الهواء يزاح من أمام المتمدد، قال الكندي: «وكل جسم برد انقبض واحتاج إلى مكان أصغر من مكانه قبل برده، وكل جسم حمي انبسط واحتاج إلى مكان أعظم من مكانه قبل حميه، فسال الهواء من جهة الموضع المنبسط الحار إلى جهة الموضع المنقبض البارد.» # 21 # الفارابي (القرن 4ه/10م) # الجسم الساخن عند الفارابي هو «ما خالطه جسم حار، فيتبدد في خلاله الأول فيسخن جملة المجتمع منهما بمنزلة ما يسخن الماء متى صب فيه ماء حار، أو أن يحدث فيه سخونة من غير أن يركب إليه أو يخالطه جسم حار.» # 22 # وبخصوص الحدود القصوى التي تكون عليها المادة حسب زيادة أو نقصان الحرارة فيها، فإن «الجسم البالغ في الحرارة بطبعه هو النار، والبالغ في البرودة هو الماء، والبالغ في الميعان هو الهواء، والبالغ في الجمود هو الأرض.» # 23 # بمعنى أن أقصى درجة لكيفية الحرارة نجدها في النار؛ ولذلك فإن النار قادرة على تسخين أي جسم ms080 يسلط عليها. # أبو الحسن المسعودي (القرن 4ه/10م) # لاحظ أبو الحسن المسعودي تمدد الأجسام الطولي بتأثير الحرارة الخارجية، وقد عمم هذه القاعدة على كل الأجسام فقال: «وأن الأجسام إذا حميت احتاجت إلى مواضع أوسع من المواضع التي كانت فيها مما تحدثه الحرارة من تباعد نهاياتها عن مركزها، وأنها إذا بردت صارت بضد ذلك لأن البرد يفعل تقارب نهايات الأجسام من مركزها، فتحتاج إلى مواضع أصغر من مواضعها.» # 24 # ويدلنا هذا النص العلمي الدقيق على وجود ممارسة تجريبية وليس مجرد تخمين نظري؛ فعندما نقول «عمم» فهذا يعني أنه قد لاحظ تكرار الظاهرة على أكثر من مادة وفي مختلف الأزمنة والأمكنة. والمسعودي معروف بدقة ملاحظته ومناقشته للمسائل العلمية؛ فقد قدم لنا واحدة من أحد أفضل المناقشات المتعلقة بأسباب ظاهرة المد والجزر بعد دراستها ومعاينتها، # 25 # فلا غرو أن يقدم لنا واحدا من أفضل التفاسير العلمية لتأثير الحرارة على الأجسام. # إخوان الصفا (القرن 4ه/10م) # المادة الوحيدة التي لا تتأثر بحرارة أو برودة - حسب إخوان الصفا - هي الفلك، وذلك لأن طبيعته «طبيعة خامسة إنما يعنون أن الأجسام الفلكية لا تقبل الكون والفساد والتغير والاستحالة والزيادة والنقصان، كما تقبلها الأجسام التي تحت فلك القمر.» # 26 # ومن صفات الأجسام الفلكية «أنها ليست حارة ولا باردة ولا رطبة ولا يابسة ولا ثقيلة ولا خفيفة، ولا يستحيل بعضها إلى بعض فيكون منها شيء آخر، ولا يزيد في مقاديرها ولا ينقص.» # 27 # ويفسرون سبب قولهم هذا لأنه «من أجل أن الحرارة إنما تعرض للأجسام السيالة المتحللة عند الحركة؛ لأن أجزاءها تفارق مجاورتها بعضها بعضا، وتتبدل بالغليان الذي هو الحرارة. ولما كانت الأجسام الفلكية متماسكة الأجزاء من شدة اليبس، لم تفارق مجاورة أجزائها بعضها بعضا، فلا يعرض لها الغليان الذي هو الحرارة. وأما البرودة فإنها تعرض للأجسام عند سكونها، والأجسام الفلكية دائمة الحركات والدوران، فلا تسكن فتبرد.» # 28 # ويميز إخوان الصفا بين اليبوسة (الجفاف) الناجم عن الحرارة والآخر الناجم عن البرودة بقولهم: «واعلم يا أخي بأن اليبوسة نوعان: إحداهما تابعة للحرارة ms081 وهي فاضلة. ~~ والأخرى: تابعة للبرودة وهي رذلة؛ وذلك أن اليبوسة التابعة للحرارة هضمة نضجة، والتي تتبع البرودة فجة غير نضجة. ومثال ذلك يبوسة الياقوت والبلور وأشباهها؛ فإنها قد أنضجتها بالطبخ حرارة المعدن، فهي لا تستحيل ولا تتغير. وأما التي هي تابعة للبرودة مثال يبوسة الثلج والجليد والملح وغيرها، فإنها لما كانت فجة غير نضجة صارت رذلة مستحيلة متغيرة». # 29 # ابن سينا (القرن 5ه/11م) # يعتبر الباحث عمر فروخ أن ابن سينا لم يصب عندما جعل من الحرارة والبرودة خاصيتين مستقلتين، إلا أنه كان على حق في قوله: إن الحرارة تتسبب بتخلخل وخفة الأجسام الكثيفة، كما أن البرودة تقوم بتكثيف الأجسام. # 30 # فقد لاحظ ابن سينا تأثير الحرارة في عملية تكاثف قطرات الماء خارج كأس النحاس يوجد فيه جليد، ونفى أن يكون سبب ذلك هو الرشح، ويقدم على ذلك أمثلة عديدة واقعية، مثل أن يحدث التكاثف داخل الكأس إذا كان الجليد في الخارج، ولا تحدث حالة التكاثف إذا وضع الكأس داخل ماء مغلي. # يقول ابن سينا: «وأنت قد تضع الجمد في كوز صفر فتجد في خارجه من الماء المجتمع على سطحه كالقطر شيئا له قدر صالح، ولا يمكن أن ينسب ذلك إلى الرشح لأنه ربما كان ذلك حيث لا يماسه الجمد، وكان فوق مكانه ثم لا تجد مثله إذا كان الماء حارا والكوز مملوء، ثم قد يجتمع مثل ذلك داخل الكوز حيث لا يماسه الجمد، وليس ذلك رشحا البتة، وقد يدفن القدح في جمد محفورا حفرا مهندما عليه، ويشد رأسه فيجتمع فيه ماء كثير، وإن وضع في الماء الحار الذي يغلي مدة وشد رأسه لم يجتمع فيه شيء. وإذن بطل أن يكون على سبيل الرشح.» # 31 # والتفسير الرئيس لذلك - حسب ابن سينا واعتمادا على تعريف أرسطو للحرارة - هو استحالة الهواء المجاور للكأس أو بخار الماء الموجود في الهواء إلى ما يماثله في طبع البرودة وهو الماء؛ لذلك يستبعد ابن سينا تماما أن يكون قد حدث رشح من الماء الموجود داخل الكأس إلى ms082 خارجه. # قال ابن سينا: «فلا يخلو إما أن يكون على سبيل أن ما يجاور القدح أو الكوز وهو الهواء قد استحال ماء أو أن المياه المنبثة في الهواء انجذبت إلى مشاكلها في البرودة وهذا القسم الثاني محال؛ وذلك أنه ليس في طبيعة الماء أن يتحرك إلا على سبيل الاستقامة إلى السفل - ولو كان يجوز أن يتحرك كيف اتفق لكانت القطرات إذا خلي عنها عند مستنقع ماء عظيم كثير بارد أو عند مجمع جمد كثير أن تميل إليه عن جهتها المستقلة - فإذن ليس على سبيل الرشح ولا على سبيل الانجذاب، فيبقى أن يكون على سبيل استحالة الهواء ماء فتكون إذن المادة مشتركة، فيستحيل الماء أيضا عند التبخير هواء، ثم الهواء قد يستحيل عند التحريك الشديد محرقا.» # 32 # ثم يعمم ابن سينا ظاهرة تكاثف قطرات الماء أنها يمكن أن تحدث على أي سطح بارد، وأن سببها هو تحول الهواء إلى ماء. مثله في ذلك مثل النار التي تصنع بسبب النفخ أو تحول المياه إلى حجارة صلبة، يقول في ذلك: «قد يبرد الإناء بالجمد، فيركبه ندى من الهواء، كلما التقطته مد إلى أي حد شئت ولا يكون ليس إلا في موضع الرشح، ولا يكون عن الماء الحار، وهو ألطف وأقبل للرشح، فهو إذن هواء استحال ماء، وكذلك قد يكون صحو في قمم الجبال، فيضرب الصر، # 33 # هواها فيجمد سحابا لم ينسق إليها من موضع آخر، ولا انعقد من بخار متصعد، ثم يرى ذلك السحاب يهبط ثلجا، ثم يضحي ثم يعود، وقد تخلق النار بالنفاخات من غير نار. وقد تحل الأجسام الصلبة الحجرية، مياها سيالة، كما قد تجمد مياه جارية تشرب، حجارة صلدة.» # 34 # ويوسع ابن سينا ما طرحه أرسطو بشأن أثر الحرارة على المادة فقال: «الحرارة ليست تفرق المختلفات، بل قد تفرق المتشاكلة، كما تفعل بالماء، فإنها تفرقه تصعيدا. وأيضا فإن النار قد تجمع المختلفة، فإنها تزيد بياض البيض وصفرتها تلازما، ثم بالحقيقة ولا أحد الفعلين لها فعل أول؛ وذلك لأن فعلها الأول ms083 تسييل الجامد من الرطوبات بالبرد وتحليله، ثم تصعيده وتبخيره.» # 35 # وحاول أن يوضح عملية الاجتماع الذي تحدثه الحرارة بقوله: «إن الحرارة تفعل في الأجسام البسيطة وتفعل في الأجسام المركبة، والجسم الواحد البسيط يجتمع، فيستحيل أن يقال إن النار تجمعه؛ لأن قولنا كذا يجمع كذا معناه أن يجمع ما ليس بمجتمع.» # 36 # ويبدو أن ابن سينا لاحظ تجريبيا تمدد الماء في وعاء محكم الإغلاق، كان قد وضعه في فرن لمدة من الزمن، يقول ابن سينا: «وقد عاينت قمقمة صغيرة شددنا رأسها بعد ملئها بالماء ووضعناها في أتون فما لبثنا حتى انشقت وخرج كل ما كان فيها نارا. ومن المعلوم أن الماء الذي كان فيها لم يمازج بأجزائه المتفرقة شيئا آخر حدث منه تغير؛ لأن النار لم تكن في القمقمة أولا، ولا دخلت ثانيا لعدم المنفذ في القمقمة، فمن المعلوم أن استحالتها كانت على سبيل التغير في ذاتها الهوائية والنارية لا على سبيل تفرق الأجزاء.» # 37 # إن ما لاحظه ابن سينا في هذه التجربة هو التمدد الحجمي للماء، وهو ما أسماه ب «التغير في ذاتها» فقد تمدد الوعاء لدرجة أكبر من حجم الوعاء، فأدى ذلك لانفجارها وخروج الماء والبخار المتولد نتيجة عملية التسخين. وبذلك برهن ابن سينا من حيث يدري أو لا يدري على عدم دقة تعريف أرسطو للحرارة، بأنها سبب تجمع الأشياء المتشابهة في جواهرها ومادتها، وتفريق الأشياء المختلفة في جوهرها ومادتها. وفي الوقت نفسه أثبت صحة تعريف جابر بن حيان بأن الحرارة هي ما يسبب غليان المادة وتحركها في كل الاتجاهات. ونحن لا نشك أبدا بأن ما رآه ابن سينا هو تحطم الوعاء في كافة الاتجاهات وليس بجهة محددة. # مرة أخرى لاحظ ابن سينا ظاهرة التمدد الحجمي أيضا، التي تظهر في الماء الموضوع في وعاء، وقد حاول تفسير ما حدث اعتمادا على المبدأ الأرسطي أن «الطبيعة تكره الخلاء» مفندا كل الأفكار الأخرى التي قد تخطر ببال أحدهم، ليصل إلى نتيجة مفادها أن ما حدث هو تمدد الماء داخل الوعاء في ms084 كل الاتجاهات، هذا التمدد احتاج لمكان أكبر مما هو فيه، فجعل الوعاء يتصدع. # قال ابن سينا: «وينبغي أن تعلم أن هذه الأجسام تقبل التكاثف والتخلخل بأن يصير جسم أصغر مما كان من غير فصل جزء عنه أو أكبر مما كان من غير وصل جزء به، وذلك بين من القارورة تمص فتكب على الماء فيدخلها الماء؛ فإما أن يكون وقع الخلاء وهو محال، وإما أن يكون الجسم الكائن فيها قد خلخله القسر الحامل إياه على تخليه المكان ثم كثفه برد الماء أو تكاثف بطبعه فرجع إلى حجمه الطبيعي عند زوال السبب المخلخل إياه خارجا عن طبعه. وهذه الأزقاق والأواني التي تتصدع عند غليان ما فيها أو تسخينه، إما من طبعه وإما من نار توقد عليه لا يخلو إما أن يكون ذلك الانصداع لأجل حركة تعرض لما فيها مكانية قوية من تلقائه - أو الحركة تعرض لها من محرك دافع، أو لحركة لها من باب الكم بتخلخل وانبساط لا يسع مثله سطح الوعاء، والقسم الأول محال لأن تلك الحركة إما أن تكون فيها إلى جهة واحدة أو إلى الجهات كلها؛ فإن كانت إلى جهة واحدة فإن نقل الإناء وحمله ربما كان أسهل من صدعه فيجب أن تنقل الإناء وتحمله في أكثر الأمر لا أن تصدعه، وإن كانت إلى جهات مختلفة فيلزم من ذلك أن تكون طبيعة متشابهة يعرض فيها أن تتحرك حركات بالطبع مختلفة، وهذا محال وإن كان إنما يتحرك مثلا لدافع مثل ما يظن أن النار تدخل الماء المغلي فيصير أكبر حجما فينصدع الإناء فلا يخلو إما أن يدخل ثقبا خالية، وإما ألا يدخل ثقبا خاليا بل يحدث ثقبا ومنافذ فيه وحال ألا يدخل ثقبا خاليا فإن الخلاء ممتنع - وأيضا إذا امتلأت الثقب الخالية لم يجب أن يزداد حجم الجسم كله، بل وجب أن يكون على ما هو عليه. وأما القسم الثاني فلا يخلو إما أن يزيد في الحجم مع مماسة سطح الجسم الذي فيه قبل النفوذ في ثقب مستحدثة فيه أو ms085 بعد أن يثقب ويدخل، وكلا القسمين باطل - أما مع المماسة فإن نفس المماسة لا توجب زيادة حجم الشيء نعم ربما كان المماس يدفع ويضغط بقوته إلى جهة واحدة مخالفة لجهة حركته ومضطرة إليها - ولا يجب من ذلك أن ينصدع ما يحتوي على المدفوع، بل ينتقل على ما بينا، على أنه كثيرا ما يعرض ذلك لا بسبب نار واصلة من خارج، بل لأن المحوي يسخن من تلقاء نفسه، ومحال أن يقال إن الانصداع واقع بزيادة الحجم بسبب المخالطة من النافذ الثاقب، فنقول إن هذا القسم أيضا محال؛ لأنه لا يخلو إما أن تكون الزيادة في الحجم آن الانصداع أو يكون الحجم قد زاد قبله، وكلا القسمين محال - أما الأول فلأن كل آن يكون فيه نافذا يمكن أن يفرض قبله آن آخر كان فيه نافذا؛ لأن النفوذ مجاورة السطوح بالحركة، ويكون له مسافة ما، وتلك المسافة منقسمة، وفي بعضها قد كان نافذا أيضا، فقد كان الحجم زائدا قبل أن صدع. وهذا محال لوجهين؛ أحدهما لأن الإناء الذي ملأه شيء لا يسع فيه مالئ أكثر منه حتى يثقبه إلى أن يشقه، والثاني لأن الحجم إذا صار أكبر كان يشق لأنه أكبر فيجب أن يكون قد شق قبل أن شق - اللهم إلا أن يقال إنه دخل شيء وخرج شيء مثله، فيكون الحجم لم يزدد إلى وقت الشق، ثم ترجع المسألة من رأس في القدر الذي إذا دخل فيه شيء لم يخرج مثله، فقد بطل أن تكون الحركة الصادعة من جهة حركة انتقالية تعرض لما في الإناء من تلقائه، وبطل أن يكون لدفع يعرض من دافع، وليس يجوز أن تكون إلى جهة واحدة، فينتقل الإناء قبل أن يشقه، فقد بقي أنه إنما يعرض لانبساطه فيشق بالدفع القوي والتمديد، فيكون قد ازداد حجم جسم لا بمداخلة جسم آخر - إما وهو باق بعد على صورته في كليته، وإما أن بعض أجزائه استحال إلى صورة أخرى تقتضي كما أكبر - وإما أن جميعه استحال إلى صورة تقتضي مقدارا أكبر.» ms086 # 38 # ويبدو من النص الذي سنقدمه أن ابن سينا حاول جاهدا وبطريقة منطقية أن يفسر سبب حدوث التمدد الحجمي للماء، وما هو الشيء الذي أضافته عملية التسخين للماء وجعله يتوسع بهذا الشكل. لكنه وفي إطار نظرية أرسطو، لم يتمكن من تقديم التفسير الحقيقي لهذا التمدد. # يقول ابن سينا: «وينبغي أن تعلم أن الحرارة التي [هي] من قوى البسائط إذا صادفت مادة مختلطة من رطب ويابس؛ حللت الرطب الذي فيها فازداد الجسم قبولا لحد الرطب، حتى إذا أبانته عنه بالتبخير اجتمع فيه اليابس وصلب، فيحصل عنها في أول الأمر لين، فإذا لان ولاقى البارد ذلك الجسم كثفه فصار تكثيفه أشد مما كان أولا، إذن اليابس فيه الآن أكثر مما كان، ثم إذا فنيت الرطوبة بأسرها بقي يابسا لا اجتماع له؛ لأن الاجتماع إنما كان بالنداوة وقد تبخرت، وربما سخنت الحرارة من الشيء ظاهره فتبرد باطنه بالتعاقب الجاري بين الطبائع المتضادة، وليس معنى هذا التعاقب أن الحرارة والبرودة تنتقل وتتحرك من جزء إلى جزء ولا أنها تشعر بضدها فتهزم عنه - بل إذا استولى ضد على ظاهر الشيء غصبت القوة المسخنة التي فيه أو المبردة بعض المادة المطيفة به المنفعلة عنه فبقي المنفعل أقل مما كان، وإذا قل المنفعل اشتد فيه الفعل وقوي وظهر، ثم إذا سلمت المادة له كلها انتشر التأثير في الكل فضعف، فإذا اتفق أن كان في شيء واحد قوة مسخنة ومبردة فأيهما غلب على الظاهر قوي فعل ضده في الباطن إلا أن يغلب فيغصب جميع المادة ظاهرها وباطنها - وقد يفعل الحقن ضد فعل التبخير؛ مثل أن الحرارة إذا بخرت الجوهر المسخن في الباطن ضعفت الحرارة الباطنة، وإن البرودة إذا حقنت الجوهر المسخن في الباطن قويت الحرارة الباطنة؛ ولذلك توجد الأجواف في الصيف أبرد. والبرودة ربما خلخلت الشيء بالعرض فتقوى الحرارة في باطن الجسم بالاحتقان، ثم تستولي البرودة على المادة أخيرا. والبرودة تفعل في جميع ما قلناه ضد فعل الحرارة فيصلب المركب من يابس ورطب أولا، فيمكن حينئذ أن يعرض ms087 ما قلنا من تقوي الحرارة باطنا، ويمكن ألا يعرض فيزول التصليب البتة بل لا يزال يشتد. وهذه الكيفيات إذا اجتمعت في المركب فعل بعضها في بعض فحصل من المركب مزاج مخالف لكيفيات البسائط، فتكون البسائط فيه لا على ما هي على حد البساطة المفردة عن التركيب، بل تكون صورها الذاتية محفوظة غير فاسدة؛ لأن فسادها إلى أضدادها دفعة، وأضدادها أيضا بسيطة وعناصر لا مركبات، وكيف لا تكون فيه ثابتة، والشيء المركب إنما هو مركب عن أجزاء فيه مختلفة، وإلا كان بسيطا ولا يقبل الأشد والأضعف، وأما كيفياتها ولواحقها فتكون قد توسطت ونقصت عما كانت فيه من حد الصرافة والسورة للبساطة.» # 39 # مع قوة الحقيقة التجريبية التي عاينها ابن سينا بنفسه، نراه يعود لنظرية العناصر الأربعة واستحالتها في كتابه (النجاة)، التي تتلخص في أن لكل عنصر من هذه العناصر طبيعتين؛ فللنار الحرارة واليبوسة، وللهواء الحرارة والرطوبة، وللماء البرودة والرطوبة، وللأرض البرودة واليبوسة، وليست البرودة عدم الحرارة، بل تعد موجودة بالذات، وتعتبر كل من الحرارة والبرودة مؤثرة ذات أثر محسوس في الأجسام؛ حيث إن الحرارة تمدد الأجسام، والبرودة بالعكس تقلصها. # 40 # ويرى بأن «الحرارة تعين كلا من اليبوسة والرطوبة على فعله؛ فالرطب الحار أشد تحليلا لما يحل به. واليبوسة الحارة أشد عقدا لما يعقد بها.» # 41 # كما أن «الحرارة فاعلة إذا فعلت بالطبع؛ وتفعل إما إحالة وإما تحريكا، وأعني بالإحالة جميع ما سوى المكانية والوضعية مما هو في الطيف أو الكم نحوه.» # 42 # ويفسر ابن سينا عملية التبخير على أنها «تحريك الأجزاء الرطبة متحللة من شيء رطب إلى فوق، بما يفاد من مبدأ ذلك بالتسخين.» # 43 # وهكذا فقد حاول ابن سينا هنا أن يدمج أو يوفق بين المفهوم الأرسطي (تجميع أو تفريق) للحرارة ومفهوم جابر للحرارة (غليان وحركة)، لكن هذا الدمج فيه اضطراب لن يساعده على بناء نظرية متماسكة مع بعضها داخليا؛ فالتجميع أو التفريق يشيران ضمنيا إلى وجود الحركة، لكن غير محددة الاتجاه، أما في تعريف جابر فإن الحركة في كل ms088 الاتجاهات تعقب عملية الغليان. # أخيرا، فقد ناقش ابن سينا أيضا عملية انصهار المواد، وكيف أن قدرة النار على الصهر تزداد بزيادة المواد القابلة للاحتراق مثل الكبريت والزرنيخ والأملاح، قال ابن سينا: «النار في قوتها أن تسيل أكثر الأجسام حتى الرماد، والطلق، والنورة، والملح، والحديد تسييل إذابة، وخصوصا إذا عينت بما يزيدها اشتعالا كالكبريت والزرنيخ والأملاح الحادة.» # 44 # البيروني (القرن 5ه/11م) # برع البيروني في صناعة الآلات الرصدية، وله إسطرلاب رائع قمنا بإعادة صنعه حديثا، ووضعه في متحف تاريخ الطب والعلوم في حلب، وقد بلغت دقة ملاحظة البيروني أنه لاحظ تمدد الآلات الرصدية المعدنية وغيرها بسبب تعرضها لحرارة الشمس نهارا وتقلصها ببرودة الليل، # 45 # ونبه البيروني إلى إمكانية حدوث الخطأ في الرصد والقياس بسبب تمدد آلات القياس بالحرارة وتقلصها بالبرودة، كما أنه أشار إلى عملية الاستطالة التي قد تحدث للجسم نتيجة الثقل المؤثر عليه. ومن أجل تفادي الأخطاء في قياس طول السنة يجب أن يرصد وقت حلول الشمس هذه النقطة المعينة مرتين، بينهما عدد كبير من السنين. وقد أحب أن ينبه العاملين في هذا المجال فقال: «وعلى هذا عملوا كما عملنا نحن، وإن كان عملنا للتوطيد؛ ولا بد من وقوع التساهل في أمثال هذا الرصد بسبب صغر الآلات إذا قيست إلى عظم ما يقاس بها، وبسبب التغييرات التي وقوعها ضروري في الأشياء الطبيعية، لازم إياها لا يفارقها، كالامتداد العارض في الحلقات من نقلها إذا أفرط في تعظيمها حتى يستطيل له ويعرض. أما الاستطالة ففي السمك إذا علقت، وأما الانبطاح ففي العرض إذا نصبت، وبسبب ما يلحقها من أمثال ذلك عند تغير الكيفيات في المواد. وقد كان المأمون تولى نصب عمود من حديد أدى أذرعه على عشر بدير مران من دمشق، وسواه في صدر النهار ثم قاسه بالمساء فوجده متغيرا عن نصبته قدر طول شعيرة بتأثير برودة الليل فيه، وآيسه ذلك عن إدراك مقدار السنة بالحقيقة.» # 46 # ووجد البيروني أن «الحرارة تمنع السائل عن أن يتكثف، والبرد في خلاف جهة الضوء لجمعه.» # 47 ms089 # إضافة لما سبق فقد حدثت بين البيروني وابن سينا سلسلة مراسلات علمية، # 48 # الهدف منها معرفة الرأي الأرسطي الذي يمثله ابن سينا مقابل الرأي غير الأرسطي الذي يمثله البيروني. لن نخوض في كل مسائل المراسلات، وإنما سنركز على المسائل الحرارية منها ذات الصلة بموضوع الفصل. # ورد عن البيروني في المسألة العاشرة سؤاله: «استحالات الأشياء بعضها إلى بعض، أهو على سبيل التجاوز والتداخل أم على سبيل التغير؟ ولنمثل بالهواء والماء، فإن الماء إذا استحال إلى الهوائية أيصير هواء بالدقيقة أم يتفرق فيه أجزاؤه حتى يغيب عن حس البصر، فلا يرى الأجزاء المتبددة؟» # 49 # فكان جواب ابن سينا أن ما يسميه البيروني «استحالة» هو مجرد تغير صورة المادة لكن الطبع يبقى نفسه، والدليل على ذلك هو الماء المحتجز داخل وعاء محكم الإغلاق؛ فهو يتمدد حجميا عندما يتعرض للتسخين، فسبب هذا التمدد هو تحول بعض أجزاء الماء إلى هواء. وقد أشار ابن سينا إلى استحالة كل من العناصر الأربعة إلى غيره في كتاب «الإشارات»؛ فبعد أن ذكر أمثلة عليها استخرج حكما نهائيا بأن «هذه الأربعة قابلة للاستحالة بعضها إلى بعض؛ فلها هيولى مشتركة.» # 50 # قال ابن سينا في جوابه على البيروني: إن «استحالات الأشياء بعضها إلى بعض ليست كما مثلت من استحالة الماء إلى الهواء، بأن نضع أجزاءه تتفرق في الهواء حتى يغيب عن الحس، بل ذلك لخلع هيولى الماء صورة المائية، وملابستها صورة الهوائية. ومن أراد أن يعرف ذلك على الاستيفاء، فلينظر في تفسير المفسرين لكتاب «الكون والفساد»، وكتاب «الآثار العلوية»، والمقالة الثالثة من «كتاب السماء». ~~ ولكني أبين ذلك بطرف ما بينوه وأورد مثالا استقرائيا مما أثبتوا به قولهم، فأقول: إن زيادة الأجسام في كميتها كماء ملأنا به قمقمة وشددنا رأسها وأسخناها إسخانا شديدا، فشقت القمقمة لطلبها مكانا أوسع من مكانها لزيادتها في أقطارها بتحول أجزاء مائها هواء، فإما أن يكون لتخلل الخلاء في أجزاء مائها، وإما ألا يكون سبب التغير تفرق الأجزاء، لكن الخلاء محال وجوده، فمن الضرورة أن القسم الثاني ms090 حق، وهو أنه ليس سبب التغير تفرق الأجزاء، وإنما هو قبول الهيولى لصورة ثانية؛ فإن قيل: القمقمة يدخلها هواء أو شيء آخر ويزيد في كمية الجملة. قلنا: هذا محال؛ لأن المملوء لا يمكن أن يدخل فيه جسم آخر، إلا بعد خروج الجسم الأول. والماء ليس يخرج من القمقمة المشدودة الرأس لعدم المنفذ، وقد عاينت قمقمة صغيرة شددنا رأسها ووضعناها في أتون، فما لبثنا حتى انشقت، وخرج كل ما كان فيها نارا. ومن المعلوم أن الماء الذي كان فيها لم يمازج بأجزائه المتفرقة شيئا آخر، حدث منه تغير لأن النار لم تكن في القمقمة أولا ولا دخلت ثانيا لعدم المنفذ في القمقمة، فمن المعلوم أن استحالتها كانت على سبيل التغير في ذاتها إلى الهوائية والنارية لا على سبيل تفرق الأجزاء؛ فقد أوردت مثالا يؤيد قول أرسطو طاليس في الكون والتغير من جزئيات الطبيعة، واكتفيت به، فإن بسطه كثير المئونة. ~~ وهذا الفصل قد يجيء فيه اعتراضات كثيرة، فإن تبينت شيئا منها فيجب أن تمن علي بمعاودة السؤال لأشرحه لك إن شاء الله.» # 51 # لكن البيروني اعترض على هذا الجواب، محاولا التوضيح أن الحالة التي سأل عنها تتم في وسط مفتوح، بينما ابن سينا أجابه عن حالة تتم في وسط مغلق، ومع ذلك أراد البيروني أن يفسر له حقيقة مثال القمقمة وفق نظريته، وهي بأن التمدد يشمل الوعاء والماء وليس الماء فقط، وطالبه بالبرهان على أنه عندما يزيد حجم جسم بسبب التسخين فإنه سيجعل جسما آخر يتناقص حجمه، بحيث لا يظهر خلاء؛ قال البيروني: «القائل بأن الاستحالة هو تفريق جزئيات الشيء في جزئيات الآخر ليس يقول بأن الجسم يطلب مكانا أوسع إذا سخن، بل يقول إن الأجزاء النارية تدخل ذلك الجسم من منافذه ومسامه فتزيد فيها أجزاء نارية، فتزيد كميته لاجتماع الجسمين، وإن القمقمة إذا سخنت تدخل في مسامها أجزاء نارية تمددها فتنشق. ~~ والدليل على ذلك أنا لم نجد ما خلى صورة المائية، ولبس صورة الهوائية إلا إذا تكاثف واجتمع خلع تلك الصورة؛ ms091 فلو كان الماء يصير هواء بالحقيقة لما عاد ماء عند التكاثف، ولما كان هواء، فالعود إلى المائية أحق من غيره، وأيضا فيلزمك أن تبرهن على أنه إذا سخن جسم فتزيد أقطاره أنه يعود في العالم جسم مثله، فتنقص أقطاره مثل الذي زاد ذلك دفعة حتى لا يخلو مكان من متمكن، وإلا فإلى أين تتدافع تلك الزيادة؟» # 52 # لكن ابن سينا لم يقدم برهانه كما وعد، بل كلف تلميذه أبا سعيد أحمد بن علي المعصومي للجواب عنه، نافيا صحة كلام البيروني في تمدد الوعاء، ومؤكدا صحة كلامه في تحول الماء إلى هواء والعكس صحيح، فكان من المعصومي أن رد قائلا: «وأما إنكارك استحالة العناصر بعضها إلى بعض، وادعاؤك أن القمقمة المحماة إنما تنشق إذا كانت مشدودة الرأس لدخول أجزاء النار فيها فباطل؛ لأنه لا يخلو إما أن يدخل النار والماء فيه وهذا محال؛ لاستحالة حصول جسمين في مكان واحد، أو يخرج من الماء بقدر ما يدخل من النار، فلا يوجب إذن انشقاق القمقمة، وعلى أنه كيف يجتمع أجزاء النار مع الماء في موضع واحد مع كونها ضدا له من غير أن يفسد أقواهما الأضعف، ليت شعري؟ وعلى أنه أحالك في هذه المسألة على مواضع لو تصفحتها حصلت على برد اليقين منها. وأما قولك بأنا لم نر ماء قط خلى صورة المائية إلا إذا تكاثف عاد ماء، فإن أحدا لم يخالفك في هذا، وهل الاستحالة إلا كما ذكرت؟ وليس أحد يقول: إن الجرم إذا استحال لم يمكنه أن يعود إلى ما كان عليه. ففي الذي أوردته زيادة تأكيد في أن الأجرام تقبل الاستحالة أبدا. وأما انقباض الجرم لانفشاش جرم آخر فمشاهد لأن الجرم إذا سخن وانفش ضغط ما قرب منه، وحفه من الأجرام، كما ترى في البخار الصاعد، وكذلك في الحمامات ترى البخار تنفش منه الحرارة فيضغط البخارات المتقدمة له ويكثفها على السقف، ويحولها ماء؛ ولهذا يظهر عليه شبه العرق، وعلى أن عدم الخلاء وثبوت استحالات الأشياء يوجب ذلك ضرورة وإن لم ms092 نشاهده.» # 53 # حوارية جميلة بين قامتين علميتين كبيرتين كان الهدف منها هو استجلاء الحقيقة وفهم ما يحدث في مسألة التمدد الحجمي الناجم عن الحرارة، والذي يحسم لصالح البيروني الذي كان يفكر علميا خارج الصندوق وبعيدا عن التقليد الأرسطي. # أبو رشيد النيسابوري (القرن 5ه/11م) # يرى أبو رشيد النيسابوري (توفي نحو 440ه/1048م) أن الحرارة والبرودة «لا يدركهما أحدنا إلا بمحل الحياة.» # 54 # بمعنى أنهما ظاهرتان حسيتان، والحس يستلزم أن يكون الجسم حيا ليدرك محسوسه. وقد رد النيسابوري على من ذكر عدم تحول بخار الماء إلى ماء عند ملامسته لسطح بارد، بأن كلامهم غير صحيح، فقد «ذكر في عيون المسائل # 55 # أن الهواء يستحيل ماء وتشبيهه ببخار القدر إذا لاقى الطبق، وعند شيوخنا أن الهواء الذي ذكرته لا يصح، بل يكون ذلك البخار هواء تجاوره أجزاء رطبة فيها مائية؛ فلذلك إذا لاقى بخار القدر الطبق ظهر ما في البخار من أجزاء الماء على الطبق، لا لأن الهواء قد استحال ماء. [و] الذي يدل على فساد ما ذكره أن الهواء لو كان يستحيل ماء لكان لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون من فعل الله بالعادة، أو يكون ذلك موجبا عن مجاورة الأجزاء المائية له، ولا يجوز أن يقال إنه من فعل الله بالعادة ابتداء لأنه كان يجب أن لا تستمر الحال فيه على طريقة واحدة، ولا يجوز أن يقال إنه يتولد عن مجاورة الماء له؛ لأن المجاورة لا جهة لها فتولد في غير محلها، وبعد فليس بأن تكون مجاورة الهواء للماء مقتضية لأن يستحيل الهواء إلى طبع الماء أولى من أن يقتضي أن يستحيل الماء هواء، على أنه كان يجب إذا لاقى الهواء الماء الذي في البخار أن يستحيل ماء، وقد علمنا أن ذلك لا يجب. وقد قضينا الكلام في هذا الجنس في كتاب النقض على أصحاب الطبائع.» # 56 # والفكرة التي أشار إليها النيسابوري تستحق النظر فيها؛ فقد ميز أولا بين بخار الماء والهواء، وأن كلا منهما كيان فيزيائي مستقل عن الآخر؛ ms093 ولذلك فإن ما يتكاثف ويتحول إلى ماء على الأسطح الباردة حتما هو بخار الماء وليس الهواء. # مؤيد الدين الطغرائي (القرن 6ه/12م) # ارتكز الكيميائي مؤيد الدين الطغرائي على تعريف أرسطو للحرارة، ثم بحث في أثرها في المعالجة الكيميائية للمواد، فالحطب الذي تسلط عليه النار تجتمع الأجزاء المتماثلة فيه مع بعضها وتنتقل لمرحلة أخرى، إما تصعد أو تترسب. # قال الطغرائي: «اعلم أن قوى البسائط المبحوث عنها والمحتاج إليها أربعة: الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة؛ فالحرارة سواء كانت هي المعلومة أو الموجودة بالتدبير عبارة عن كيفية من شأنها تفريق المختلفات وجمع المؤتلفات، فإنها إذا سلكت على جسم مركب من جسدين بارد ورطب وبارد ويابس مثلا، فإنها لا تزال تجمع أجزاء كل واحد منهما حتى يتم، ثم تميز أحدهما عن الآخر، فتجد البارد الرطب وحده والبارد اليابس وحده، وكذا تفعل في كل مختلفين ومتضادين، وأما المؤتلفات فكمثل أجزاء الحار اليابس الدقيقة المتفرقة في جرم الشيء المركب منه ومن غيره؛ أي المتبددة في أقطاره ومساحة جرمه؛ فإنها عند إحساسها بالحرارة وتسليطها على المركب لا تزال تجتمع وتنضم مع بعضها بعضا إلى أن تستكمل كلها وتستخلص من الجسم الذي هي فيه، وتصعد إن كانت قابلة للصعود، وتركد إن كانت قابلة للركود. وهكذا إذا كان الأمر على مثل إلى أن يتبقى من المركب الذي سلطت عليه الحرارة أرضه وجسده، وأتفاله باقية وحدها غير مشوبة بشيء من غيره، مثال ذلك: أن الحطب الذي سلطت عليه النار العنصرية لا يزال تجتمع فيه الأجزاء المتماثلة بعضها من بعض من مساحة جرمه طولا وعرضا، وتجتمع جملة وتصعد أدخنة حاملة لأرواحه إلى ألا يبقى فيه شيء مما هو قابل للصعود حتى يخرج منه، فيبقى جسده وتفله أرضا ميتة لا روح فيها أبدا وهو الرماد، فهذا معنى كون الحرارة تفرق المختلفات وتجمع المؤتلفات.» # 57 # ويميز الطغرائي بين تحول المادة إلى مادة أخرى كفعل فيزيائي (استحالة)، وبين تحلل المادة وفسادها كفعل كيميائي فيقول: «اعلم أن الاستحالة غير الكون والفساد، والفرق بينهما أن الاستحالة حركة في ms094 الكيف مع بقاء الصورة النوعية بعينها، مثاله حركة الماء عند التسخين من البرودة إلى الحرارة فهذا الجسم المائي الذي تحرك من البرودة الذاتية إلى الحرارة العرضية باق بعينه مع زوال كيفيته وهي البرودة. ~~ ويفرق بينهما من وجه آخر هو أن الجسم المستحيل في كيفيته لا تزول كيفيته رأسا، وبالحقيقة، بل إنما تستر بحسب قوة الضد الوارد عليها فتهرب البرودة مثلا من النار إلى باطن الجسم، وتبقى الحرارة إلى حين تغلب عليها البرودة الذاتية فتكسرها وتخرجها من محلها وتحل البرودة في جسدها كما كانت، وأما لو كانت الكيفيات تزول رأسا في الاستحالات لما عادت أبدا.» # 58 # ثم ينبه إلى أن ما تفعله الحرارة هو تحليل الجسم إلى الأجزاء التي يتركب منها، لكن لهذا التحليل حدود ؛ إذ لا يمكن للحرارة أن تحلل الأجسام البسيطة، وإنما فقط تحلل الأجسام المركبة من عناصر عديدة، ومع وجود تناقض بين كلامه وكلام أرسطو في تعريف قدرة الحرارة، إلا أنه يحاول أن يتجنب الحديث في ذلك، فماذا لو أن المركب كان من عناصر متماثلة وليست مختلفة، عندها فإن الحرارة ستعمل على تفريق المتماثلات وليس تجميعها. التناقض نفسه سبق وأن شعر به ابن سينا لكنه كابر وحاول الدفاع عنه، حتى يتجنب الكثير من الانتقادات التي يمكن أن تواجه منظومته الفكرية والفلسفية برمتها. # قال الطغرائي: «قد علمت مع غاية البيان مما ذكرناه في ذلك أن أول شيء يحدث في المركب من الحرارة هو التحليل؛ إذ ليس معنى للتحليل إلا تفصيل المركب إلى أجزائه التي يتركب منها وتفرقها، واستبان أيضا مما ذكر أن التحليل لا يكون ولا يمكن أن يكون بشيء سوى الحرارة، واستبان أيضا بالضرورة أنه لا يمكن أن يكون التحليل في غير المركبات فلا يمكن التحليل في البسائط؛ لأنها ليست ذوات أجسام لها أجزاء أولية تتركب منها؛ فلذلك لا يكون التحليل في صناعتنا هذه إلا في أول التدبير والحجر باق على تركيبه، ثم في أول القسم الثاني من التدبير يحتاج أيضا إلى تحليله؛ لأنه يكون هناك قد جمعت ms095 إليه أجزاؤه وبسائطه التي أخذت منه.» # 59 # يشكر للطغرائي انتباهه إلى وجود علاقة بين الزمن والحرارة في أثناء تأثيرها على المادة، خصوصا لدى تقطير أي مادة، وقد وجد أن هذه العلاقة عكسية حيث إن «ما تفعله الحرارة الهائلة في الزمن القصير، تفعله الحرارة الضعيفة في الزمن الطويل. ومن ضوابط الحكمة في هذا الباب أن الحرارة الضعيفة تفعل في الزمن الطويل ما لا تفعله الحرارة الكبيرة في الزمن اليسير.» # 60 # القاضي الساوي (القرن 6ه/12م) # شرح القاضي زين الدين عمر بن سهلان الساوي (توفي 540ه/1163م) مقولة «الملك» من المقولات العشر لأرسطو، # 61 # والتي تعني وجود هيئة حاصلة للشيء مقارنة بما يحيط به، وتنتقل هذه الهيئة بانتقاله، ثم ضرب عليها أمثلة من تأثير الحرارة على الأجسام، وكيف أن هذا التأثير مؤقت وليس دائما؛ وعلى هذا فإن المصدر الحراري يقوم بدور الفاعل ما دام يسخن جسما ويؤثر في حالته، لكن دون أن يتحول إلى جسم آخر. مثلا يتملك الماء حالة التسخين عندما نضعه على موقد، فالنار هي الفاعل والماء هو المفعول به. # قال القاضي الساوي: «وأما الملك فهو نسبة الجسم إلى حاصر له أو لبعضه منتقل بانتقاله كالتسلح، والتقمص، والتنعل، والتختم؛ فمنه جزئي كهذا التسلح، ومنه كلي كالتسلح، ومنه ذاتي كحال الهرة عند إهابها، ومنه عرض كحال الإنسان عند قميصه، وأما أن يفعل فهو تأثير الجوهر في غيره أثرا غير قار الذات فحاله ما دام يؤثر هي أن يفعل، وذلك مثل التسخين ما دام يسخن، والقطع ما دام يقطع، والتبريد ما دام يبرد، وأما أن ينفعل فهو تأثر الشيء من غيره ما دام في التأثر كالتسخن والتبرد والتقطع، وإنما اختير لهما أن يفعل وأن ينفعل دون الفعل والانفعال قد يقالان للحاصل المستكمل القار الذات الذي انقطعت الحركة عنده، كما إذا قطع شيئا ووقفت حركته فيقال هذا القطع منه، وكذلك يقال في هذا الثوب احتراق بعد استقراره وحصوله، وقد يقالان حينما يقطع هذا ويحترق ذاك.» # 62 # هبة الله بن ملكا البغدادي (القرن 6ه/12م) # وضع ابن ms096 ملكا تفسيره لظاهرة تصدع القارورة التي تتعرض للحرارة، وقد وجد أن سبب ذلك هو التمدد الحراري الحجمي، وليس ظهور الخلاء؛ إذ حاول أصحاب الخلاء من اليونانيين أن يثبتوا وجود الخلاء بوساطة ظاهرة (النماء) في الأجسام النامية، والتي تحدث نتيجة دخول جزيئات الغذاء بين أجزاء الجسم؛ إذ لا بد أن يكون لهذه الجزيئات فراغات تنفذ من خلالها وتستقر في ثناياها، فيحصل النمو. # 63 # وقد رد أرسطو عليهم قائلا: «يمكن أن ينمى الجسم ليس من قبل أن شيئا داخله فقط، بل قد ينمى بالاستحالة أيضا. مثال ذلك كون الهواء في الماء ... ~~ وقد يجب أن يكون الجسم كله خلاء إذا كان بأسره ينمى، وكان النماء إنما يكون بتوسط الخلاء.» # 64 # أي إنه لا يشترط لحدوث النمو وجود جزيئات خلائية تتداخل مع جزيئات الغذاء، وثمة أمر آخر وهو أن النمو يشمل كامل الجسم وفي كل الاتجاهات. وقد طرح المشاءون مثالا يؤيد ما ذهبوا إليه: إذا كان لدينا قارورة فيها ماء فإنها تتصدع إذا ما سخن هذا الماء سخونة شديدة؛ لأن الحرارة تجعله يستحيل إلى بخار داخل الماء فيزيد حجمه، ولا يبقى له أي فراغ مما يسبب بتصدع القارورة. # 65 # هنا وجه أبو البركات نقده لما طرحه المشاءون، ومن بينهم ابن سينا، حول زيادة حجم القارورة وتصدعها؛ فهو يرى أن صعود الماء بعد تسخينه هو سبب التصدع؛ لأن الماء لا يصعد دفعة واحدة وإنما بشكل تدريجي من المركز إلى المحيط، ويكون هناك بعض الأجزاء الثابتة، فيحدث بين الصاعد والثابت تجاذب هو سبب التصدع في القارورة، وليس الزيادة في حجم الماء. # 66 # ابن رشد (القرن 6ه/12م) # يعتبر ابن رشد أن الحرارة تغير من حالة الجسم حسب ما يتهيأ له أن يتغير إليه، مثل الطعام الذي يتغير بعد هضمه في معدة الإنسان بتأثير الحرارة عليه، يقول: «كل حرارة تغير الشيء الواحد إلى ما في طبعها أن تغيره، كما أن كل غذاء يتغير عن الحرارة الواحدة إلى ما في طبعه أن يتغير.» # 67 # وقد لاحظ ابن رشد أن ms097 التبخر يزداد مع زيادة مساحة السطح الذي يوضع عليه الماء أمام أشعة الشمس الحارة، «وقد يقول قائل ما بال الزيادة التي تكون في البحار من الأنهار لا تظهر في البحار إذا كانت مستقرة المياه، فنقول: إن السبب في ذلك عرض البحر وسعته وانتشار الماء الواقع فيه مع التحلل الذي يكون في جميع أجزاء البحر من حر الشمس. ومثال ذلك: لو أن أحدا أخذ قدحا مليئا من ماء ثم صبه في موضع مستو واسع حتى لا يكون ذلك الماء في ذلك الموضع يسيرا يجف على الفور، بخلاف ما كان يعرض له إذا كان مجموعا في القدح.» # 68 # وهذا النص فيه تحديد مبكر لأحد العوامل المؤثرة في سرعة التبخر، أما بقية العوامل فهي درجة الحرارة والرطوبة النسبية والرياح ونوعية الماء والضغط الجوي. # ويعرفنا ابن رشد بإحدى الحالات التي تؤثر فيها الحرارة على الرطوبة الكامنة في الجسم، وهي حالة الشي بأنها «المبالغة في الحرارة واليبس، والأشياء المشوية الحرارة الظاهرة فيها أقوى من الباطنة، والنضيجة الحرارة الباطنة فيها أقوى من الحرارة الظاهرة، والأشياء إنما يعرض لها الاشتواء من قبل علتين؛ إحداهما: يبس هيولاها، والثانية: شدة الحرارة مثلما يعرض للأشياء اليابسة الهيولى إذا دنت من النار، وعدم الاشتواء يعرض لعلتين؛ إحداهما: قلة الحرارة الواردة عليه من خارج؛ أعني الغريبة. والثانية: كثرة المائية المخالطة للشيء المنفعل.» # 69 # أي إن ابن رشد ميز بين حالة الأجسام التي تتعرض للشي وتلك التي تتعرض للطبخ، ويحدث شي للجسم بسبب جفاف مادته وشدة الحرارة التي يتعرض لها من النار، ويمكن ألا يحدث اشتواء للجسم بسبب ضعف الحرارة التي يتعرض لها الجسم وكثرة الرطوبة المائية التي بداخله. # فخر الدين الرازي (القرن 7ه/13م) # يرى الإمام فخر الدين الرازي في كتابه (المباحث المشرقية) أن «الجسم يسخن فيزداد حجمه من غير انضمام شيء إليه ولا وقوع خلاء بين أجزائه لاستحالة الخلاء، ويبرد فيصغر حجمه من غير انتقاص شيء من أجزائه، أو زوال خلاء كان قبل ذلك، وذلك الجسم في حد جسميته محفوظ والجسم المحفوظ ms098 مغاير لهذه الأمور المتبدلة.» # 70 # بمعنى إذا زاد حجم الجسم بتأثير الحرارة أو نقص بتأثير البرودة، فإن كتلة الجسم ومادته تبقى محفوظة دون تغيير، وهي فكرة كان ابن سينا قد طرحها من قبل. # ويبدو من كلام الإمام أنه يتبنى الرأي الأرسطي المتعلق بتأثير الحرارة على المادة، فهي تلطف، وترقق، وتخلخل، وتكاثف المادة التي تدخلها، قال الإمام الرازي: «التلطيف والترقيق فهي مفيدة للتخلخل الذي من باب الكيف، ومن حيث إنها تجمع بين المتشاكلات وتفرق بين المختلفات فهي مفيدة للتكاثف الذي من باب الوضع، الذي هو عبارة عن اجتماع الأجزاء الوحدانية بالطبع وخروج الجسم الغريب عما بينها. (واعلم) أن قولنا تجمع المتشاكلات معناه أنها تجمع ما ليس بمجتمع، والبسيط مجتمع الأجزاء، فإذن هذا الجمع والتفريق غير معتبر بالقياس إليه، بل بالقياس إلى جسم فيه مختلفات مجتمعة، وهذا هو المركب.» # 71 # ابن كمونة (القرن 7ه/13م) # يرى سعد بن منصور بن كمونة أن سبب حدوث التحول في طور المادة من حالة إلى أخرى يكون إما بتعريض الجسم للحرارة أو بسبب الحركة، وقوله بالحركة يعتبر سببا جديدا لاستحالة المواد من شكل لآخر، كما هو الحال في الماء الذي نقوم بخضه، يقول ابن كمونة في ذلك: «أما الاستحالة فسببها فيما تعلم، وإن احتمل غيره مما لا تعلمه، وهو مجاورة أو مماسة أو مقابلة أو حركة. ~~ (كما) يتسخن الماء مثلا بمجاورة النار، أو بمماستها، أو بمقابلة الشمس، أو بتحريكه بالخضخضة، وليس تسخينه، لأن أجزاء نارية فشت فيه، وإلا لكان تسخن ما في كوز خزف أسرع من تسخن ما في قمقمة نحاس، على نسبة قبولهما ومسامهما.» # 72 # ابن العبري (القرن 7ه/13م) # تناول أبو الفرج بن العبري (توفي 685ه/1286م) في «مقالة مختصرة في النفس البشرية» # 73 # أقسام الحركة، وقد أشار إشارة مهمة إلى أن التكاثف يترافق معه انخفاض في الحرارة، أو بمعنى آخر يتناسب تكاثف المادة عكسا مع انخفاض درجة الحرارة. # قال ابن العبري: «اعلم أن أقسام الحركة أربعة يقع منها اثنان في مقولة (الكم) وذلك مثل الحركة الواقعة ms099 في الجسم النامي من جهة الزيادة، فيعظم مقداره مع التدرج، وكذا من جهة النقصان يصغر مقداره بالتدرج، وإن كانت الحرارة إلى النقصان فهو التكاثف ...» # 74 # عضد الدين الإيجي (القرن 8ه/14م) # كان الإيجي يدرك وجود بعض المواد التي تفعل الحرارة فيها فعلها، مثل النشادر حيث تتغلب العناصر اللطيفة على العناصر الثقيلة؛ فتسبب الحرارة تفريقها، وإذا غلبت العناصر الكثيفة في المادة لم تتأثر بالحرارة مثل مادة الطلق، يقول الإيجي في ذلك: «وليس عدم الفعل لوجود العائق دليلا على أن النار ليست فيها قوة التفريق، وإن غلب اللطيف جدا فيصعد ويستصحب الكثيف لقلته كالنوشادر، أو لا فتفيده تليينا كما في الحديد، وإن غلب الكثيف جدا لم يتأثر كالطلق. تنبيه الفعل الأول لها التصعيد والجمع والتفريق لا زمان له؛ ولذلك قال ابن سينا في الحدود: إنها كيفية فعلية محركة لما تكون فيه إلى فوق لإحداثها الخفة فيحدث عنه أن تفرق المختلفات وتجمع المتماثلات وتحدث تخلخلا من باب الكيف وتكاثفا من باب الوضع لتحليله الكثيف وتصعيده اللطيف، وربما يورد عليه أنه قد تفرق المتماثلات كأجزاء الماء وتصعدها بالتبخير، وقد تجمع المختلفات كصفرة البيض وبياضه، ويجاب بأن فعلها في الماء إحالة له إلى الهواء لا تفريق، وفي البيض إحالة في القوام لا جمع، وستفرقه عن قريب.» # 75 # ويجزم الإيجي قاطعا بوجود فرق بين طبيعة الماء وطبيعة النار، ونتيجة لذلك يختلف أثر كل منهما على المادة التي يؤثران عليها، فيقول: «أنا لما رأينا الماء يوجب البرودة والنار توجب السخونة قطعنا بأن طبيعة النار غير طبيعة الماء ضرورة؛ أي قطعا يقينيا لا شبهة فيه؛ فقد استدللنا باختلاف الأثر وتعدده على اختلاف المؤثر وتعدده؛ فلولا أنه مركوز في العقول أن اختلاف الأثر وتعدده لا يكون إلا باختلاف المؤثر وتعدده، لما كان الأمر كذلك، فظهر أنه كلما تعدد المعلول تعددت العلة، وينعكس بعكس النقيض إلى قولنا كلما اتحدت العلة اتحد المعلول، وهو المطلوب». # 76 # التفتازاني (القرن 8ه/14م) # بقي سعد الدين التفتازاني مثل كل المشائين يفسر أثر الحرارة بتحويل الماء إلى ms100 هواء والهواء إلى نار ولم يضف أي جديد في هذا الموضوع: «ما يتأثر عن الحرارة؛ فإن كان بسيطا استحال أولا في الكيف، ثم أفضى به ذلك إلى انقلاب الجوهر فيصير الماء هواء، والهواء نارا، وربما يلزمه تفريق المتشاكلات بأن يميز الأجزاء الهوائية من الماء، ويتبعها ما يخالطها من الأجزاء الصغار المائية، وإن كان مركبا فإن لم يشتد التحام بسائطه ولا خفاء في أن الألطف أقبل للصعود لزم تفريق الأجزاء المختلفة، وتبعه انضمام كل إلى ما يشاكله بمقتضى الطبيعة، وهو معنى جمع المتشاكلات، وإن اشتد التحام البسائط، فإن كان اللطيف والكثيف قريبين من الاعتدال حدثت من الحرارة القوية حركة دورية لأنهما كلما مال اللطيف إلى التصعد جذبه الكثيف إلى الانحدار، وإلا فإن كان الغالب هو اللطيف يصعد بالكلية كالنوشادر، وإن كان هو الكثيف فإن لم يكن غالبا جدا حدث تسييل كما في الرصاص، أو تليين كما في الحديد، وإن غالبا جدا كما في الطلق حدث مجرد سخونة، واحتيج في تليينه إلى الاستعانة بأعمال أخر، وعدم حصول التصعد، أو التفرق بناء على المانع، لا ينافي كون خاصتها التصعد، وتفريق المختلفات وجمع المتشاكلات.» # 77 # حسين الميبدي (القرن 9ه/15م) # ميز حسين بن معين الدين الميبدي (أو الميبذي) (910ه/1504م) المعروف بلقب قاضي مير، في شرحه على كتاب «هداية الحكمة» لأثير الدين مفضل بن عمر الأبهري (توفي 663ه/1264م) بين ثلاث حالات تؤثر فيها الحرارة على حالة المادة: # الأولى: # تحول الماء بوجود الحرارة إلى بخار. # الثانية: # تحول الهواء إلى نار، كما هو الحال في كور الحدادين. # الثالثة: # تحول النار إلى هواء، كما هو الحال في مصباح الزيت. # قال حسين الميبدي: «والماء أيضا ينقلب هواء بالحر الشديد، كما يشاهد في الثياب المبلولة المطروحة في الشمس، وعند غليان القدر، وكذا الهواء ينقلب نارا كما في كور الحدادين، إذا سدت المنافذ التي تدخل فيها الهواء الجديد وألح في النفخ، والنار أيضا يقلب هواء كما في المصباح؛ فإن ما ينفصل عن شعلته، ولو بقيت له نار لرؤيت ولأحرقت سقف الخيمة فإذن ms101 انقلب هواء، وأيضا الكائنة في كور الحدادين ينطفئ وتصير هواء.» # 78 # الأحمد نكري (القرن 12ه/18م) # مع أن الأحمد نكري ميز اصطلاحيا في كتابه (دستور العلماء) بين «التغيير: من باب التفعيل؛ إحداث شيء لم يكن قبله.» و«التغير: من باب التفعل؛ انتقال الشيء من حالة إلى حالة أخرى.» # 79 # إلا أننا لا نجده يطبق هذا التمييز عندما حاول أن يشرح آراء السابقين في حالة الدخان، فقد عرف الدخان بأنه: «أجزاء نارية تخالطها أجزاء صغار أرضية تلطفت بالحرارة لا تمايز بينهما في الحس لغاية الصغر، وقولهم: أجزاء يشمل البخار وجميع البسائط والمركبات. وبقولهم: نارية يخرج البخار وباقي البسائط ومجموع المركبات. وبقولهم: تخالطها أجزاء صغار أرضية يخرج النار البسيطة لأنه لا مخالطة فيها أصلا. وبقولهم: لا تمايز بينهما في الحس يخرج النار المجاورة لوجه الأرض فإن بينهما مخالطة في الجملة لكنهما متمايزان في الحس.» # 80 # محمد فضل الحق (القرن 13ه/19م) # مع أن عمل محمد فضل الحق (توفي 1278ه/1861م) - وهو من علماء خير آباد في الهند - نشر في القرن التاسع عشر إلا أنه بقي يناقش أفكار ابن سينا، والإمام فخر الدين الرازي، وليس ما طرحه الغرب من أفكار ونظريات ومعالجات رياضياتية؛ فقد عالج في كتابه (الهدية السعيدية في الحكمة الطبيعية) العلاقة بين كثافة الجسم وحرارته فقال: «وأما أن الأرض باردة فلأنها كثيفة، وما ذلك إلا لأجل البرودة، فهي أبرد من الماء؛ لأنها أكثف منه، وإن كان الإحساس ببرودة الماء أشد لفرط وصوله إلى المسام، ونفوذه في الأعضاء، كما أن النار أسخن من النحاس المذاب، مع أن الاحساس بحرارة النحاس المذاب أشد فإن اليد إذا مرت على النار بسرعة سلمت وإن مرت على النحاس المذاب احترقت». # 81 # ويفسر سبب تحول النار لهواء «فلأن النار المنفصلة عن شعلة السراج لو بقيت نارا لزييت ولأحرقت الخيمة والسقف فهي تنقلب هواء، وكذا النار الكائنة في كور الحدادين إذا خمدت تصير هواء. وأما عكسه فكما في كور الحدادين إذا سدت منافذ الهواء الجديد وألح في النفخ في الكير، والقول بأنه ms102 يجوز أن يتسخن الهواء تسخنا شديدا يعمل عمل النار كما أن السموم تنضج الأبدان وتحرقها مكابرة تكذبها المشاهدة.» # 82 # عربي مجهول (القرن؟) # لاحظ عالم عربي مجهول في كتابه (عن النفي والإيجاب في تصحيح الحكمة) # 83 # أيضا في أثناء تجاربه ضرورة عدم سكب الماء البارد على الزجاج الحار حتى لا ينكسر بسبب الانكماش المفاجئ، فقال في إحدى تجاربه: «تبني لك كانون على علو ذراع وثلث وتدع عليه طاجنا # 84 # مبخشا عدة بخوش وتملؤه سحالة دقيق القمح مبسوسة بالماء، وفي الطاجن بخش لتصب منه الماء من خارج إذا نقص، ويكون الماء حارا والحذر من الماء البارد لئلا يتكسر الزجاجة.» # 85 # المبحث الثالث: الأوروبيون # دراسة تأثير الحرارة على حالات المادة لم يبدأ عند الأوروبيين إلا منذ القرن 17م، حيث إن النظرية الذرية بدأت تشق طريقها في أوساط المجتمع العلمي، ووجد الكثير من العلماء أنه يمكن الاعتماد عليها في تفسير ما يحدث عندما تتعرض المواد للحرارة. # فرنسيس بيكون (القرن 17م) # كان بيكون يعتقد خطأ أن الحديد عندما يسخن لا يتمدد حجميا، وإنما «يحتفظ بحدوده المرئية نفسها». # 86 # لكنه عدل عن خطئه عندما انتبه إلى أن «الحرارة حركة متمددة، بها يسعى جسم ما إلى أن يتحرك في نطاق أبعد وأكبر مما كان يشغله من قبل.» # 87 # بيير غاسندي (القرن 17م) # حاول العالم الفرنسي بيير غاسندي P. ~~ Gassendi ~~(1592-1655م) أن يفسر حرارة الجسم على أنها تنتج من احتوائه على (ذرات حرارية) من نوع خاص. # 88 # وكما نعلم كان غاسندي من مؤيدي النظرية الذرية التي تقول بأن المادة مكونة من ذرات صلبة لا تتلف، وهي متشابهة في بنيتها، لكن يمكن أن تختلف في حجمها وشكلها، وهي تتحرك في جميع الجهات وحتى في الخلاء، واعتمادا على حركة الذرات يمكننا تفسير الحالات الثلاث للمادة (الصلبة، السائلة، الغازية). # روبرت هوك (القرن 18م) # تذكر الموسوعة البريطانية أن روبرت هوك «أول رجل يعلن بشكل عام أن كل المواد تتمدد عند تسخينها، وأن الهواء يتكون من جزيئات مفصولة عن بعضها بعضا بمسافات كبيرة ms103 نسبيا.» # 89 # لكن ذلك كما وجدنا ليس بالكلام الصحيح؛ فقد سبقه أجيال من العلماء من الحضارات السابقة الذين أدركوا هذه الحقيقة قبله. # يوهان لايدنيفروست (القرن 18م) # أذكر أنني في عام 1995م - كنت حينها طالبا في قسم الفيزياء في جامعة حلب - لاحظت تحبحب وتدحرج كريات الماء الصغيرة الساقطة على سطح معدني ساخن إلى درجة الاحمرار، وقد سجلت هذه المشاهدة على أمل العثور على تفسير علمي لها، في سجل خاص بما أرصده من ظواهر فيزيائية. طبعا لم أكن أول من شاهدها فقد شاهدها قبلي الفيزيائي الألماني يوهان غوتليب لايدنيفروست # J. G. Leidenfrost ~~(1715-1794م) في القرن الثامن عشر، # 90 # والتي يعود سببها إلى أن قطرة الماء الساقط على سطح معدني ساخن جدا تشكل طبقة بخارية عازلة بينها وبين السطح الساخن تعمل على إبطاء معدل الانتقال الحراري. وقد كان هذا التفسير على مستوى كبير من العمق في دقة ملاحظة تأثير الحرارة على الماء. # ترتفع قطرة الماء عن السطح الحار بين (0,1-0,2ملم)، وتتماسك بشكلها الكروي بصورة مماثلة لانتشارها في الفضاء، حيث الجاذبية شبه معدومة. (مصدر الصورة: # https://en.wikipedia.org/wiki/Leidenfrost_effect ~~) # هنري كافندش (القرن 19م) # كتطبيق نهائي لنظريته ناقش كافندش التمدد والتغير لحالة الأجسام نتيجة تأثير الحرارة عليها. وقد فكر أنه عندما يتم تسخين جسم فإن الاهتزازات المتزايدة لجسيماته تبدل تجاذبها وتنافرها تبادليا، وهو ما يجعلها تبدل حجم الجسم، فيزداد بالحرارة ويتقلص بالبرودة. وعندما تصبح الاهتزازات كبيرة كفاية، فإن تجاذب وتنافر الجسيمات يكون كافيا جدا من أجل الجسم حتى يغير من شكله وخواصه بالكامل، وما يحدث في عملية التبخر والذوبان هو أن تنهي الاهتزازات المتزايدة للجسيمات التحامها وتجعل الأجسام سائلة أكثر. ووفق طريقة التفكير نفسها، فسر كافندش لماذا يرتفع التفكك والتجمع الكيميائي بالحرارة؛ أي بسبب زيادة اهتزازات الجسيمات للجسم عندما يتم تسخينه، حتى إن الانجذاب والتنافر المتوسطين بالكاد يمكنهما أن يكونا نفسهما كما لو أن الجسيمات في وضع سكون في موقعها المتوسط. ومع التغير في ترتيب وبعد الجسيمات، فإن حجم الجسم يتغير. التغير الملحوظ يكون دائما في حالة الزيادة ms104 في حجم الجسم المسخن، إلا أن كافندش لم يستطع أن يرى سببا نظريا لماذا لم يستطع الجسم أن يتناقص حجمه أيضا. # 91 # جاك تشارلز (القرن 19م) # لم تكن النتائج التي طرحها جاك ألكسندر سيزر تشارلز (1746-1823م) # J. A. C. ~~ Charles # محددة بوضوح؛ حيث إن لا الضغط ولا الحجم كانا يضبطان بشكل مستقل في تجاربه. ~~ وهو ما جعله يحجم عن نشر هذه النتائج، إلا أنها وقعت مصادفة بيد الفيزيائي الفرنسي لويس جوزيف غي-لوساك # L. J. Gay-Lussac ~~(1778-1850م) الذي يدين له تشارلز بالفضل الكبير؛ فقد قدم غي-لوساك عرضا دقيقا للقانون الخطي للتمدد الحراري للغازات عندما استنتج «أنه، وبشكل عام، فإن كل الغازات في درجات الحرارة المتساوية، وتحت الشروط نفسها، تتمدد بشكل متناسب وبالتساوي تماما.» وعلى التوازي توصل جون دالتون # J. ~~ Dalton ~~(1766-1844م) أن «كل السوائل المرنة تحت الضغط نفسه تتمدد بصورة متساوية بالحرارة.» # 92 # الفصل الرابع # | العلاقة بين الحرارة والحركة # مقدمة # كثيرا ما يرتهن تقدم المعرفة العلمية النظرية إلى التفسير، كما يقول الباحث موريتس شليك # M. ~~ Schlik ~~؛ فالتفسير يساعد على التنبؤ بسلوك الأشياء التي عرفت من قبل، طالما أن ذلك السلوك يستنتج من سلوك أشياء أشير إليها بتصورات مستخدمة في التفسير؛ فلو فسرنا الحرارة على أنها صورة من صور حركة الجسيمات، لأمكننا أن ننسب كل الظاهرات الحرارية إلى خصائص الحركة غير المرئية لمجموعة من الجسيمات؛ ومن ثم يمكننا التنبؤ بظاهرات حرارية كانت مجهولة بالنسبة لنا من قبل. # 1 # لقد بقي علما الميكانيك والحرارة حينا من الدهر متباعدان عن بعضهما، مع أنه توجد الكثير من الظاهرات الميكانيكية التي ينجم عنها حرارة، خصوصا تلك التي تتعلق بالاحتكاك، لكنها كانت تهمل ويتم التركيز على القوة المحركة أو الجسم المتحرك. وهكذا برز الترموديناميك # Thermodynamics ~~(أو الديناميكا الحرارية، أو علم التحريك الحراري، حيث صاغ هذا المصطلح وليم طومسون أو اللورد كلفن عام 1849م، ولم يكن معروفا قبل ذلك) # 2 # ليحقق الارتباط بين الميكانيك والحرارة وانتقال أحدهما للآخر، وذلك كونه يرتكز على مبادئ عامة شاملة مصدرها هو الواقع ms105 التجريبي، وبذلك أصبح الترموديناميك يدخل في جميع الظاهرات العلمية # 3 # التي تتعلق بمفهوم درجة الحرارة (وليس كمية الحرارة)، # 4 # وباتت الحرارة إحدى الوظائف الأساسية للترموديناميك. # 5 # نهدف من استعراض تاريخ النظرية الميكانيكية للحرارة دراسة المراحل التي تم خلالها ملاحظة العلاقة بين الحرارة والحركة وكيف يتولد كل منهما عن الآخر، وكيف تأسس على هذه العلاقة الترموديناميك الحديث، الذي يعرف بأنه المعالجة الرياضياتية للعلاقة بين الحرارة والطاقة الميكانيكية والطاقة بأشكالها الأخرى. ولم يصبح الترموديناميك - هذا الفرع من العلوم الفيزيائية - ممكنا إلا بعد ظهور النظرية الميكانيكية للحرارة؛ فقد بني وفقا لمفاهيم مؤلفي هذه النظرية، وبطريقة تعتمد بشكل كامل على الظاهرات الطبيعية. وقد حرص العلماء على تجنب الأسئلة المتعلقة بأسباب الظاهرات المختلفة للحرارة من ناحية، وبالعمليات الجزئية المتنوعة التي تعود إليها أصول هذه الظاهرات من ناحية أخرى. # 6 # نشأ الترموديناميك بوصفه علما تجريبيا بغض النظر عن بنية المادة. # 7 # واختص بتحديد العلاقات بين مختلف خصائص المادة، دون التعمق في دراسة بنيتها الداخلية، وقد تأسس الترموديناميك بوصفه علما قبل فهم البنية الداخلية للمادة، وبدأ من دراسة إمكانية استخدام الحرارة للقيام بعمل ما. # 8 # وهكذا، فقد أسس الربط بين الحرارة والحركة لظهور قوانين الترموديناميك والذي يفيد بأن الحرارة شكل من أشكل الطاقة ومرادفة بصورة خاصة الطاقة الحركية، بخلاف ما حاولت أن تروج له نظرية السيال الحراري. وكما نعلم فإن الطاقة الحرارية تتحرر من مختلف أنواع الوقود بعد احتراقها؛ ومن ثم يستفاد من هذه الطاقة المتحررة في إنجاز عمل مفيد (كما في الآلة البخارية، محركات الاحتراق الداخلي، إطلاق القذائف)؛ بمعنى آخر تتحول الطاقة الحرارية إلى ميكانيكية وفق المسيرة الآتية: # 9 # طاقة كامنة (في الوقود أو المادة) تتحول بالاحتراق إلى ~~← # طاقة حرارية تتحول إلى ~~← # طاقة ميكانيكية. # ويقوم الترموديناميك حاليا على قوانين شهيرة نوجزها فيما يأتي: # القانون الصفري: # يعبر هذا القانون عن انسياب الحرارة من الجسم الساخن إلى البارد، وتصير درجة الحرارة واحدة عند بلوغ التجانس الحراري؛ وعلى هذا، يقدم لنا القانون الصفري الإجابة عن حالة جسمين متلامسين أحدهما ms106 حار والآخر بارد، وينص على أن: «الجسمين المتلامسين يميلان ليكونا بدرجة حرارة واحدة.» # 10 # بمعنى أنهما يصلان لحالة التوازن الحراري عند الدرجة نفسها بعد أن يحدث بينهما اتصال حراري، وبذلك فإن القانون الصفري يشمل أساس مفهوم درجة الحرارة. # 11 # ويعنى القانون الصفري في الديناميكا الحرارية بخصائص الأنظمة التي هي في حالة توازن حراري؛ أي الأنظمة المتوازنة المتصلة مع بعضها بحواجز منفذة للحرارة؛ ولذلك يعتبر هذا المفهوم الأساس الذي بني عليه مفهوم درجة الحرارة. # 12 # القانون الأول: # يعبر هذا القانون عن أن الحرارة شكل من أشكال الطاقة؛ وهي بذلك تخضع لقانون مصونية أو حفظ الطاقة، وبذلك يوجد تكافؤ بين الحرارة والطاقة الميكانيكية. # 13 # مثلا يقوم أي محرك حراري مثل التوربين الغازي (العنفة) أو المفاعل النووي، بتحويل الطاقة من وقود إلى طاقة حرارية، وبعد ذلك، يقوم بتحويل الطاقة الحرارية إلى طاقة ميكانيكية يمكن استخدامها لأداء عمل مفيد، وتبقى الكمية الكلية للطاقة دائما، هي نفسها دون تغيير. # القانون الثاني: # لا تسمح الطبيعة بتحول الطاقة من شكل لآخر إن لم يترافق ذلك التحول مع ازدياد في الإنتروبيا؛ أي مع ازدياد في الفوضى، فإذا حافظنا على ثبات الإنتروبيا فإن التحولات من النمط المشار إليه تتسم بانخفاض الطاقة الحرة الجاهزة للعمل؛ وعلى هذا فإن القانون الثاني في الترموديناميك يتعلق بالاتجاه الطبيعي لعمليات الطاقة. مثلا تنساب الحرارة من تلقاء نفسها، من جسم أكثر حرارة إلى جسم أقل حرارة فقط، وهذا القانون الثاني يفسر حقيقة أن المحرك الحراري لا يمكن أن يكون ذا كفاءة كاملة؛ أي إنه لا يستطيع تحويل كل الطاقة الحرارية، من وقوده إلى طاقة ميكانيكية؛ وذلك لأن المحرك ينقل بعض طاقته الحرارية إلى الأجسام الأبرد المحيطة به. وينص القانون الثاني، حسب رودولف كلاوزيوس # R. Clausius ~~(1822-1888م)، على أنه يستحيل وجود أية آلة دوارة يقتصر إنتاجها على نقل الحرارة باستمرار من جسم لآخر في درجة حرارة أعلى.» # 14 # بمعنى أنه لا يمكن تحويل الحرارة إلى عمل أو شغل بشكل كامل، وأن الحرارة لا تنتقل من الجسم ms107 البارد إلى الجسم الساخن. وقد أعطاه العالمان ماكس بلانك # M. ~~ Planck ~~(1858-1947م) واللورد كلفن فيما بعد صياغة أخرى مفادها: «أن التحول الذي ناتجه النهائي تحويل الطاقة الحرارية المستخرجة من منبع حرارة ما إلى عمل فقط هو تحول مستحيل.» # 15 # ولا نبالغ إذا قلنا بأن الإرهاصات الأولى لأزمة الفيزياء التقليدية قد بدأت من القانون الثاني في الترموديناميك، فهو أول القوانين العلمية التي خرجت على مبدأ الارتداد أو العكوسية # 16 # Revesible # وتطلبت إدخال منهج قياسي جديد غير الرياضيات الإقليدية هو المنهج الإحصائي لقياس الظاهرات الطبيعية. # 17 # القانون الثالث: # يوجد درجة حرارة دنيا تصير المادة عندها منظمة تنظيما كاملا ومطلقا، وينتفي أي أثر للفوضى، ينص القانون الثالث (ويسمى مبدأ نرنست، نسبة للعالم الألماني فالتر هرمان نرنست # W. H. Nernst ~~(1864-1941م))، على أن تغير الإنتروبية لمجموعة يساوي الصفر في أية عملية إيزوثرمية # 18 # عند درجة الحرارة الصفر المطلق. # 19 # قبل أن تظهر قوانين الترموديناميك بصيغتها المتماسكة تحت مظلة النظرية الميكانيكية للحرارة عند الأوروبيين وصولا إلى وقتنا الحالي؛ فقد كان للعديد من علماء الحضارات السابقة إسهامات في واحد أو أكثر من صياغة هذه القوانين، وإن كان بشكله النظري أو بالإشارة إليه حسب لغة ذلك العصر العلمية، وهي إسهامات نرى أنها تستحق الذكر وأن توضع في سياقها التاريخي؛ لذلك فإننا سنركز في هذا الفصل على الأفكار النظرية التي تناقش وتجادل فيها العلماء على مدى أكثر من 2500 سنة حول العلاقة بين الحرارة والحركة. # المبحث الأول: اليونانيون # لاحظ اليونانيون وجود علاقة من نوع ما بين الحرارة والحركة، لكن الملاحظة كانت باتجاه واحد؛ أي إن الحركة تولد الحرارة، ولم يتم ملاحظة أن الحرارة تولد الحركة إلا من قبل هيرو السكندري # Hero of Alexandria ~~(توفي 70م) الذي طبق ذلك في اختراعه الإيوليبل. # 20 # ويعتبر جورج سارتون أن أصول العلاقة بين الحرارة والحركة عند اليونانيين تعود إلى قصائد هوميروس # Homer ~~(القرن 8ق.م.)؛ فقد كانت تتضمن عناصر من الترموديناميك الذي يتذكره السابقون على سقراط في مذكراتهم المتعلقة بإنتاج الحرارة والنار نتيجة ms108 الأفعال الميكانيكية (أوديسة # XIII ~~، 173) وبالعكس، والمتعلقة بمفاعيل الذوبان والتبخر (إلياذة # XVIII ~~، 474، # XXI ~~، 365 وأوديسة # VI ~~، 231، # X ~~، 358) ثم بالقوة المحركة للنار (إلياذة # XI ~~، 155، # V ~~، 864). # 21 # ولكن هذه العلاقة ستتوضح أكثر من مجرد أوصاف شعرية عندما تتناولها الأبحاث الفلسفية والعلمية الجادة. # الرواقيون (القرن 4ق.م.) # حسب اعتقاد الرواقيين تصدر الحركات كلها عن قوة أصلية واحدة تكشف عن وحدة الكون وارتباط أجزائه وتوافقها؛ هذه القوة الأصلية جسمية أيضا وهي النار، # 22 # لأن حرارتها تحمي وتحرك الأشياء. # 23 # ومع قولهم بالمادة إلا أنهم ميزوا بين المادة والقوى التي تعمل فيها، فالمادة وحدها تكون بدون صفات، أما الصفات والأشياء المشتقة من القوة المعقولة المسماة باللوغوس # 24 # Logos # فهي التي تنفذ خلال المادة. # 25 # أبولونيوس التياني (القرن 1م) # يرى أبولونيوس التياني أن سبب الحرارة هو الحركة: «ثم نقول: إن علة الحركة الحرارة؛ ألا ترى أن ما لا حر فيه فلا فعل له، والبارد أبدا مفعول به ساكن لا حركة له؟» # 26 # ويتابع شرحه حول سبب ارتباط الحرارة بالحركة «إن الحركة أخذت صعدا للحرارة التي حدثت فيها بالحركة، فتحركت فزاد الحر فيها من كثرة اضطرابها فصعدت بقدر قوتها إلى نهايتها، فكان ما صعد ألطف مما بقي حتى صعد اللطيف كله، وبقي ما غلظ وثقل أسفل، ثم إن الجزء الأسفل الساكن البارد اشتهى الحركة واللحاق بالجزء الأعلى لأنه منه خرج، وهو إليه أحوج من الأعلى إلى الأسفل؛ فلما دام الحر مغطيا لذلك الجزء الأسفل، سخن ما يليه منه فتحرك فأخذ في الصعود ولم يقدر لثقله أن يلحق بما قد كان صعد قبله؛ فلذلك علمنا أن علة الحركة الحرارة، وأن علة السكون البرودة، وأن علة الصعود الخفة ، وأن علة المكث الثقل، وهو ما لا يصعد؛ ألا ترى أن الجزء الأسفل الذي بقي عن الحرارة والصعود، ولم يقو على الصعود حتى أسخنه الحر ولطفه، فصعد لما خف وسخن.» # 27 # هذه الأفكار سنجد أنه سيتردد صداها لدى ابن سينا وابن رشد من العرب، وهما يميلان للفكر الأرسطي، وحتى فرنسيس بيكون، وروبرت هوك ms109 من الأوروبيين، مع أنهما ابتعدا عن الفكر الأرسطي. # أفلوطين (القرن 3م) # تعد فلسفة أفلوطين نموذجا واضحا للمذهب الميتافيزيقي الذي يؤكد عدم حقيقة الأشياء الجزئية التي نشاهدها في خبرتنا اليومية، فهي تؤكد الطابع الوهمي للحركة والتغير حتى في الزمان والمكان، كما تذهب إلى سمو النفس وتفوقها على المادة. # 28 # وبشكل عام تعد فلسفة أفلوطين امتدادا للفلسفة اليونانية، وتكملة للتيار الذي بدأه أفلاطون مرورا بأرسطو وانتهاء بالرواقية. # 29 # لقد اتسم عصر أفلوطين بأنه أبعد العصور على الإطلاق عن الأخذ بالتصور الميكانيكي للكون؛ فلا فعل أبدا إلا لنوع من الإشعاع الذي لا تعيقه مسافة، وكل نقل ميكانيكي للقوى يتم تجاهله أو تجنبه؛ فالوسط المادي الذي بين العين والموضوع المنظور لا يفيد - حسب أفلوطين - في نقل الضوء، بل هو معيق لتأثيره، ولم يسلم بالنقل الميكانيكي للإحساس من عضو الحس إلى مقر النفس، ورد جازما دعوى من شبه الفعل الطبيعي بفعل العتلة. # 30 # المبحث الثاني: الرومانيون # لقد تناول لوكريتوس الموضوع الذي أثار الكيميائيين والفيزيائيين حتى القرن الثامن عشر بشكل كبير، وهو السؤال فيما إذا كانت مادة الحرارة لها وزن أم لا؟ يقول: «يبدو لي الآن هنا مربط الفرس، في هذا الموضع لإثبات هذه النقطة أيضا بأنه لا شيء جسمي يستطيع بقوته الخاصة أن يتولد للأعلى، وينتقل نحو الأعلى، تلك أجسام اللهيب لا يمكنها أن تودي بك إلى الخطأ؛ لأنها ماضية نحو الاتجاه العلوي، وفي الاتجاه نفسه تتلقى زيادة، المحاصيل الوافرة والأشجار تنمو للأعلى، ومع ذلك فإن أثقالها، وبقدر ما فيها، جميعها تتجه نحو الأسفل، وعندما تثب إلى أسطح المنازل وتعلق العوارض الخشبية والدعامات، لا نفترض بأنها تقوم بشكل آني بدون قوة تدفعها للأعلى.» يترتب على هذا الكلام اعتقاد لوكريتوس بأن الحرارة هي مادة أولية تستحوذ على وزن، وأن الحرارة ذات وزن تقديري. وهكذا نرى بأن هذا الشاعر الروماني كان مدعوما برؤية مسبقة للكثير من النظريات اللاحقة التي اعتقدت بالخاصية المادية للحرارة والبرودة. # 31 # المبحث الثالث: الصينيون # ازدهرت الفلسفة الطاوية الخالصة في عهد أسرة (تهانغ)، وفيما ms110 بين القرنين السادس والعاشر كان يوجد الكثير من الكتب التي نشرت الكثير من المبادئ القديمة بمساعدة خلفية من البحوث التجريبية الطاوية الجديدة، ومن الأمثلة النموذجية على ذلك كتاب ال (كوان ين تسو # Kuan Yin Tzu ~~) المعروف أيضا باسم «وين شيه جين جنغ # Wen Shih Chen Ching ~~» أي «الأثر الخالد الحقيقي للعالم» والذي ألفه طاوي مجهول في أواخر عهد أسرة (تهانغ) أو عقب نهاية تلك الأسرة، وراجعه وتناوله بالشرح والتعليق (جهين هسيين-ويي # Chhen Hsien-Wei ~~). وقد ورد في هذا الكتاب تقرير علمي يشير إلى معنى القانون الأول في الترموديناميك (قانون بقاء الطاقة) الذي عرف في القرن التاسع عشر، وقد تم التعبير عنه بالقول: إن «التغيرات الحادثة في العشرة آلاف شيء ترجع جميعها للجهي [المادة-الطاقة]، لكنها سواء كانت خافية أم بادية للعيان فالجهي تظل وحدة واحدة، ويعلم الحكيم أن الجهي ذاته كيان واحد لا يتغير على الإطلاق». # 32 # وقد وقف الفيلسوف الصيني وانغ تين سيان # Wang Ten Sian ~~(1474-1544م) ضد المثالية الكونفوشية، وانطلق من مذاهب أسلافه المادية ليؤكد أن أصل الأشياء هو دقائق (تسي) المادية، الموجودة بكمية ثابتة في الكون؛ فهي لا تزيد ولا تنقص، هذه الدقائق تتحد بعضها مع بعض، وتنفصل بعضها عن بعض، لكنها لا تفنى أبدا. # 33 # المبحث الرابع: العلماء العرب والمسلمون # سنقف هنا عند حقبة زمنية كبيرة نوعا ما، تمتد حوالي 500 سنة (من القرن 9م وحتى 14م)، ظهر خلالها مجموعة من العلماء العرب والمسلمون الذين تناولوا البحث في العلاقة بين الحركة والحرارة، وكانت لهم مناقشات وأفكار غير مألوفة بالنسبة للكثيرين من مؤرخي العلوم. ويبدو أنه يصعب كثيرا تحديد مصدرها: هل هو مما نقل وترجم من الإرث القديم عن أبولونيوس اليوناني وتيتوس لوكريتوس الروماني؟ أم إعادة اكتشاف ذاتي من جديد؟ وفي جميع الأحوال، ومع تكرر السؤال نفسه مع العلماء الأوروبيين، فإن طرح أفكار من هذا النوع ومناقشتها بصورة علمية وتجريبية من قبل العرب يعد أمرا جيدا، يستحق أن يأخذ مكانته التاريخية حتى وإن ظهر بشكل مستقل. # جابر بن حيان ms111 (القرن 3ه/9م) # ناقش جابر بن حيان موضوع أن يكون للحرارة العنصرية وزن، وذلك لاعتباره أن للحرارة طبيعة محسوسة؛ إذ يرى جابر «أن للحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة أوزانا، وأن للجوهر وزنا لا بد من ذلك ... وقد وجب أيضا من قولنا بعد ذلك أن لهذه العناصر أوزانا؛ إذ في إمكان الإنسان أن يحصر كل ما له وزن، ولأن ما له وزن ممكن أن يلمس ويوجد ويوضع، فإذا كان كذلك فهو ممكن.» # 34 # فجابر يريد أن يخبرنا بالطبيعة المادية للحرارة والبرودة العنصرية، وعليه يمكننا قياسهما كما نقيس الكتل بوساطة الأوزان والميزان الوزني الشائع. ويشير النص السابق إلى أمرين: # الأول: # إمكانية قياس الحرارة والبرودة العنصرية، والتحول في التعامل مع الحرارة من الشكل الكيفي إلى الشكل الكمي. # الثاني: # أن الحرارة والبرودة العنصرية لهما طبيعة مادية، والدليل على ذلك تحسسنا لها وشعورنا بوجودها. # وسبق وأن وجدنا في الباب الثاني كيف أن جابر بذل جهدا جبارا لوضع مقياس لضبط مقدار الحرارة في المادة من خلال وزن حروفها. وكما سنرى أنه جرت محاولات كثيرة في القرن الثامن عشر لتقدير وزن الحرارة الخارجية التي تسلط على المواد، ولكنها أعطت نتائج متفاوتة جدا؛ ففي القرن التاسع عشر أوضح الكونت رمفورد أن وزن كرة من الذهب لم يتغير بالتسخين، # 35 # وهو ما سيشكل دليلا على عدم صحة نظرية السيال الحراري فيما بعد. # وقد كان جابر لا يعتقد أن الحرارة الخارجية تزيد من وزن الجسم لدى معالجته بها، وذلك لأنها تقلل من كثافته، قال جابر: «وما عملت فيه الحرارة فبعيد أن يزيد وزنه وإن زاد جرمه ... يزيد مساحته وينقص وزنه لفقده التلزز والتحليل الذي هو من علة الخفيف؛ فقد بطل أن تكون زيادة وزن هذه الأرض بتمديد الحرارة وسخونتها.» # 36 # إبراهيم النظام (القرن 3ه/9م) # ربما يكون النظام أول من أشار إلى نوعية العمل الذي يمكن أن تقوم به الحرارة ألا وهو تسخين الأجسام، ورفع درجة حرارتها؛ إذ «ليس أن الحر أن يكون له عمل إلا التسخين.» # 37 # وبذلك تتغير حالة المادة، فإذا ms112 كانت صلبة تصبح سائلة؛ ومن ثم تصبح بخارا، والبخار من شأنه أن يصعد ويرتفع للأعلى. # الكندي (القرن 3ه/9م) # في معرض رده على أرسطو، توصل الكندي تجريبيا في رسالته (في العلة الفاعلة للمد والجزر) إلى أن السبب الحقيقي للحرارة هو الحركة، فهو يقول: «وقد جربنا هذا القول؛ لأنه كان عندنا ممكنا، فإن الشيء إذا كان خبرا عن محسوس، لم يكن نقضه إلا بخبر عن محسوس، فعملنا آلة كالسهم وثقبناها ثقبا خارقة إلى الكرة، موازية بطول السهم وأمكنا بواطن الثقب برصاص رقيق، ثم رميناها في الهواء عن قوس شديدة، فتبين بما قلنا أن الحركة محدثة حرارة.» # 38 # تجربة الكندي هذه تسبق تجربة الكونت رمفورد على المدافع بألف سنة. لكن الفارق بين التجربتين أن الكندي تلمس الحرارة من الاحتكاك بين الهواء والسهم المحمل بالرصاص، أما الكونت رمفورد فقد تلمس الحرارة من الاحتكاك بين المثقاب والكتلة الحديدية للمدفع. # وقياسا على ما سبق فإن الحرارة، حسب الكندي، التي تظهر على سطح الأرض فإنها ناجمة عن حركة الفلك في السماء «وأن الحر الذي يوجد عندنا على وجه الأرض هو مما يصل إلينا من فوق بحركة الفلك.» # 39 # وهي الفكرة التي سيعود ويكررها أبو القاسم المجريطي (توفي 398ه/1007م) بالقول: «والحرارة كما تقدم من دوام حركة الفلك.» # 40 # ابن بشرون (القرن 4ه/10م) # أدرك أبو بكر بن بشرون (كان حيا عام 390ه/1000م) وهو أحد تلامذة مسلمة المجريطي العلاقة القائمة بين الحركة والحرارة، فهو ينطلق في البداية من النظرية الأرسطية في الطبائع الأربع، ثم يجد أن إحدى النتائج المترتبة على القدرة الفاعلة للحرارة هي قدرتها على تكوين الأجسام وتشكيلها، وبالتالي تحريكها، بخلاف البرودة التي تدفع بالأجسام نحو السكون، قال ابن بشرون: «واعلم أن البارد من الطبائع هو ييبس الأشياء ويعقد رطوبتها، والحار منها يظهر رطوبتها ويعقد يبسها، وإنما أفردت الحر والبرد لأنهما فاعلان، والرطوبة واليبس منفعلان، وعلى انفعال كل واحد منهما لصاحبه تحدث الأجسام وتتكون، وإن كان الحر أكثر فعلا في ذلك من البرد؛ لأن البرد ليس له نقل الأشياء ms113 ولا تحركها، والحر هو علة الحركة. ~~ ومتى ضعفت علة الكون، وهو الحرارة، لم يتم منها شيء أبدا، كما أنه إذا أفرطت الحرارة على شيء ولم يكن ثم برد أحرقته وأهلكته.» # 41 # ولم يشر ابن بشرون إلى عمل أستاذه المجريطي في ميزان الحرارة ومحاولته ضبط مقدارها في الأجسام، وهو «ميزان النار»، أو حتى فكرته في انتقال الحرارة لسطح الأرض نتيجة دوران الفلك. # إخوان الصفا (القرن 4ه/10م) # أدرك إخوان الصفا وجود علاقة بين الحرارة وحركة الأجرام الفلكية، كما هو سائد بين علماء ذلك العصر، لكنهم أضافوا أن شدة سرعتها تزيد من كمية الحرارة المتولدة نتيجة الاحتكاك، وهذا طبيعي «لأن الحركة تولد الحرارة، والحرارة تولد اليبوسة، واليبوسة إذا تناهت انطفأت الحرارة.» # 42 # ويتابع إخوان الصفا: «واعلم يا أخي، بأنه لما كانت الصورة المقومة للأجسام الفلكية هي شدة اليبوسة المتولدة من شدة الحرارة، المتولدة من شدة سرعة الحركة، وكانت الصورة المقومة للأجسام الأرضية اليبوسة المتولدة من شدة البرودة، المتولدة من شدة السكون، الذي هو ضد حركة الغليان، صارت الأجسام الأرضية مشاكلة للفلكية في اليبوسة، ومضادة لها في الحركة، ولما كانت حركتها حول المركز صار سكون هذه في المركز؛ لأن المضاد يفر من ضده إلى أبعد الأماكن، وأبعد الأماكن من المحيط هو المركز.» # 43 # أبو علي مسكويه (القرن 5ه/11م) # يتفق مسكويه مع قول السائل بأنه يوجد ارتباط بين وجود الأشياء بوساطة الحرارة والبرودة التابعين بدورهما للحركة والسكون؛ لأن «الكون إنما يكون بالحرارة والبرودة التابعين للحركة والسكون.» ثم يتساءل: «ولكن ما الذي ينفعه من تسليمه ذلك؟ وأنا أقول إن الكون إنما تلزمه الأجسام الطبيعية التي هي مبدأ الحركة والسكون، وتتبع الحركة والسكون الحرارة والبرودة.» # 44 # البيروني (القرن 5ه/11م) # أدرك البيروني وجود مصونية للمادة في الطبيعة، وقد عبر عن ذلك بمصطلح «اقتصاد الطبيعة» الذي يرتبط بشكل وثيق بمفهوم الغاية من وجود الأشياء، فإذا لم يكن للأشياء هدف من وجودها في الطبيعة، فلن يكون هناك معنى للحديث عن الفائدة أو الهدر، وقد ضرب مثالا على ذلك أن الطبيعة ms114 تسمح بفناء أوراق الأشجار والثمار من أجل السماح لأخرى بالظهور، وهو هنا يتعامل مع الطبيعة على أنها قوة تشكل الأشياء، وتأمرها وفقا لخطة إلهية دون أن تهدر أي شيء. # 45 # وعلى ذلك فإن تحول الأشياء من شكل مادي لآخر هو مبدأ متأصل في الطبيعة وسلوكها. # ابن حزم الأندلسي (القرن 5ه/11م) # مبدأ الاقتصاد في الطبيعة الذي طرحه البيروني سيأخذ صورة أكثر تطورا عند ابن حزم الأندلسي (توفي 456ه/1063م)، الذي نظر إلى الطبيعة على أنها مادة لا تفنى لكنها تتحول من شكل لآخر؛ فحالة الفساد التي تعتري الجسم ما هي إلا «افتراق الجسم على أشياء كثيرة، وذهاب أعراض وحدوث أعراض أخر عليه، وأما الأجرام كلها فغير معدومة بوجه من الوجوه، ولكنها منتقلة من صفة إلى صفة.» # 46 # وهذه إشارة واضحة جدا تذكرنا بمبدأ مصونية المادة؛ إذ ينسب قانون بقاء المادة إلى نيوتن. # 47 # وقد اعتمد إيمانويل كانط # I. Kant ~~(1724-1804م) في تطبيق رؤيته الفلسفية على الفيزياء لا سيما القانون النيوتوني: «المادة في الكون ثابتة لا تفنى ولا تستحدث، وكميتها لا تزيد ولا تنقص.» ولذلك رأى أن المادة هي الجوهر الذي يشغل مكانا، ويتحرك عن طريق قوى الدفع والجذب، ويتحقق الجوهر أكثر من خلال أجزاء المادة، فالمادة لديه هي مجموع الأجزاء المتحركة في المكان، غير أن هذه الأجزاء تتحدد عن طريق شيء واحد يجمع كثرتها هو الجوهر أو المادة، وبالتالي لا تنطبق الزيادة أو النقصان على الجوهر أو المادة؛ لأنه ثابت لتغير الأعراض، وإنما تنطبق فقط على الأجزاء، وهنا يقرر كانط أنه «في كل تغيرات المادة لا يتغير الجوهر، فكمية المادة لا تزيد ولا تنقص إنما تبقى كما هي جملة واحدة؛ أي تبقى ثابتة في كميتها.» # 48 # وبذلك أصبح للمادة تاريخ اكتشفته شيئا فشيئا كبرى قوانين التحول لميخائيل لومونوسوف # M. ~~ Lomonosov ~~(1711-1765م) وأنطوان لافوازييه # A. L. de Lavoisier # ونيقولا سعدي كارنو # 49 # N. S. Carnot ~~(1743-1794م) ويوليوس روبرت فون ماير # J. R. ~~ Von Mayer ~~(1796-1832م)، وجيمس بريسكوت جول # J. B. Joule ~~(1814-1878م) وهرمان ms115 فون هلمهولز (1818-1889م)؛ فمنذ عام 1846م، أثبت الإنكليزي وليم روبرت غروف # W. ~~ R. Grove ~~(1811-1896م) في كتابه (تلازم القوى الفيزيائية)، أن ما كان يسمى قوى فيزيائية؛ القوة الميكانيكية، الحرارة، الضوء، الكهرباء المغناطيسية، وحتى القوى المسماة كيميائية، تتحول دون بقايا الواحدة إلى الأخرى في ظروف معينة. وهكذا تأكد، بمنجزات الفيزياء في القرن التاسع عشر، رأي رينييه ديكارت # René Descartes ~~(1596-1650م) بأن كمية الحركة الموجودة في الكون ثابتة. ~~ وبذلك فقد اكتمل المفهوم الحديث للطبيعة بخطوطه الكبرى، فصار منحلا كل ما كان صلبا، وطيارا كل ما كان ثابتا، وفانيا كل ما كان أزليا. وثبت أن الطبيعة تتحرك في سيالة دائرة أبدية. # 50 # وفي عصر فريدريش ألبرت لانجه # F. A. ~~ Lange ~~(1828-1875م) كانت الفيزياء قد بدأت بتغليب فكرة الطاقة على فكرة المادة، رادة الثانية إلى الأولى. ومع ذلك فإن قانون بقاء الطاقة قد لقي تجاهلا من قبل الماديين المعاصرين له، من أمثال فشنر # Fechner # وبوشنر # Buchner ~~؛ لأن العنصر الصحيح في المادية - وهو استبعاد المعجزة والتخبط من مجال الطبيعة - يثبت بفضل هذا القانون على نحو أعلى وأعم مما يستطيع الماديون إثباته من وجهة نظرهم الخاصة، أما العنصر الباطل - وهو القول بأن المادة هي مبدأ كل ما هو موجود - فإنه يطرح جانبا، بفضل هذا القانون، على نحو يبدو نهائيا وقاطعا. في الحقيقة إن عدم قدرتنا على تصور طاقة خالصة، إنما يرجع إلى ضرورة نفسية تجعلنا ندرج ملاحظاتنا تحت مقولة الجوهر؛ فنحن لا ندرك إلا المتغيرة؛ أي بجوهر. وهذا الجوهر هو في واقع الأمر تلك المادة المجهولة التي يفترضها الماديون، ويعتقدون أنها الشكل الوحيد للوجود، ولكن المادة ليست في واقع الأمر إلا تعبيرا عن حاجة تقتضيها طبيعة تفكيرنا، ولا تصدق على الواقع المطلق، الذي هو في ذاته مجهول. ومن هنا يعرف لانجه المادة بأنها: ذلك العنصر في الشيء الذي لا نستطيع أو لا نريد أن نمضي في تحليله إلى طاقات، والذي نجمده ونثبته فنجعل منه أصلا للقوى التي نلاحظها وحاملا لها. # 51 # وهكذا فإن أطروحة ابن حزم ms116 الأندلسي - سواء على الصعيد الفلسفي أو الفيزيائي - قد أعيد إنتاجها من جديد في الفكر الأوروبي، وتم تثبيتها مع ترسيخ قوانين الترموديناميك، خصوصا القانون الأول منها. # ابن باجة (القرن 6ه/12م) # يعد ابن باجة انتقال الجسم من الحالة الحارة إلى الحالة الباردة هو نوع من أنواع الحركة، إلا أنه لم يناقش التغيرات الطورية في المادة التي ترافق هذا الانتقالات، وقد ذكر لنا ابن باجة وجود ثلاثة احتمالات: # انتقال الجسم من حالة حارة إلى حالة حارة أخرى (قد تكون أعلى أو أقل أو مساوية لها بدرجة الحرارة). # انتقال الجسم من حالة باردة إلى حالة باردة أخرى (قد تكون أعلى أو أقل أو مساوية لها بدرجة البرودة). # انتقال الجسم من حالة حارة إلى حالة باردة أخرى (حتما أقل منها بدرجة البرودة). # أما خصائص الاحتمالات السابقة فهي: ~~(1) # انتقال الجسم من الحالة الحارة يعادل انتقاله إلى الحالة الباردة؛ لأن انتقال الجسم من الحالة الحارة يعني أنه يفقد حرارته؛ لذلك فهو يعادل انتقاله إلى الحالة الباردة. ~~(2) # انتقال الجسم إلى الحالة الحارة عكس انتقاله إلى الحالة الباردة؛ ففي الحالة الأولى ترتفع درجة حرارته، أما في الحالة الثانية فإنها تنخفض. ~~(3) # انتقال الجسم من الحالة الحارة، والانتقال من الحالة الباردة متضادتان في الأعراض الناجمة عنهما؛ ففي الحالة الأولى تنخفض درجة حرارته، أما في الحالة الثانية فإنها ترتفع. # وهكذا يكون ابن باجة قد شمل كل الاحتمالات الممكنة في هذا النوع من الحركات الخاصة بالحرارة والبرودة، والتي لم يسبق أن عالجها أحد قبله. # قال ابن باجة: «أما أي حركة تضاد أي حركة، فليكن المتضادان حارا وباردا، وكل هذين من هذين، فمنهما تواليهما، فتكون الحركة من الحار والحركة إلى الحار، والحركة من البارد والحركة إلى البارد، متضادة؛ فأما الحركة من الحار والحركة إلى البارد، فهي واحدة بعينها بالموضوع، فإن كل ما يتحرك من الحار فإلى البارد، وكذلك الحركة إلى الحار هي بعينها بالموضوع الحركة من البارد، فالحركة بالموضوع اثنتان، وبالقول أربعة؛ فقد تبين أن التضاد اثنان، فأما من أي جهة هي متضادة، فمن ms117 هنا يظهر؛ وذلك أن الحركة إنما تحد بما إليه، لا بما منه، فإن الحركة من الحار هي تبرد، وذلك بين، والتكثير فيه فضل، فنسبة الحركة إلى ما منه، لاحق لحق الحركة، فإذن التضاد الذاتي بين الحركات هو من جهة ما إليه، إذا كانت أضادا، فإن الحركة إلى الحار تضادها الحركة إلى البارد بالذات، وتضادها بالعرض الحركة من الحار، والحركة من الحار والحركة من البارد متضادتان في أعراضهما، كما يضاد الإنسان الأسود الإنسان الأبيض، وتضاد الحركة من الحار الحركة إلى الحار بالعرض، لأنه لحق التبرد إن كان من الحار، والمطلوب تضاد الذوات لا تضاد الأعراض الخارجة، ولا تضادها بالعرض.» # 52 # ابن رشد (القرن 6ه/12م) # هيمنت النظرية الأرسطية على تفسير ابن رشد في تولد الحرارة، فالحركة تهيئ الجسم لقبول الحرارة من الهواء المحيط به؛ ومن ثم يكتسب الجسم حرارته. والدليل على ذلك أن النار تتولد من الحرارة المحيطية في الهواء، وما حركة القدح إلا وسيط مساعد. وكذلك الحال في الأجرام السماوية؛ فالحرارة تتولد فيها بسبب حركتها في الأشياء غير الحارة، وتعمل الأجسام الحارة كوسيط مساعد. # قال ابن رشد: «والمسخن بالحركة هو مسخن بالعرض أيضا؛ إذ كانت الحركة أيضا ليس من شأنها أن تولد حرارة؛ إذ ليست بحارة، وإنما الذي تفعله إعداد الموضوع لقبول الحرارة؛ فالنار التي تتولد عند القدح مثلا إنما تولدها الحرارة التي في الهواء بتوسط حركة القدح، وليس بمنكر أن تتولد حرارة أشد من حرارة أضعف لما كان فرط الاستعداد، حتى إنه إذا أفرط الاستعداد ظن أن الشيء متولد من ذاته، وكذلك الحال في الأجرام السماوية إنما تولد الحرارة بحركتها في الأشياء غير الحارة بتوسط الأجسام الحارة؛ ولذلك ليس تتقدح في الموضع الحار والهواء الحار. ولو كانت الحركة تولد الحرارة بالذات لكان الشيء قد يوجد من غير نوعه، وكذلك السكون هو مبرد بالعرض، ولو كانت الحركة مسخنة بالذات لكان السكون - الذي هو عدم الحركة - مبردا بالذات، وذلك معلوم الاستحالة بنفسه؛ فالأجرام السماوية تسخن بالقرب وتبرد بالبعد، وبهذين الفعلين تنحفظ صورة ms118 الأسطقسات دائما، فالجرم السماوي هو حافظ للأسطقسات لا فاعل لها، كما يمكن أن يتوهم ذلك قوم، وبخاصة للنار.» # 53 # ابن الرزاز الجزري (القرن 7ه/13م) ~~(على اليمين) صورة من مخطوطة «الجامع بين العلم والعمل النافع في علم الحيل» (نسخة طوبقابي سراي أحمد الثالث، إستانبول، رقم 3472.) لابن الرزاز الجزري، وهي توضح كيف استفاد الجزري من هذه التركيبة لتوليد حركة دائرية من حركة انسحابية، (مصدر الصورة: نسخة طوبقابي سراي أحمد الثالث، إستانبول، رقم 3472. ~~ ص138.) وهي تركيبة شديدة الشبه كثيرا بتجربة جول (على اليسار) (مصدر الصورة: الموقع # www.geo.arizona.edu ~~) التي أنجزها خلال الأربعينيات من القرن التاسع عشر الميلادي، عندما قاس كمية الطاقة الميكانيكية اللازمة لرفع درجة حرارة كمية معينة من الماء بدرجات حرارة معينة. وسميت العلاقة بين الطاقة الميكانيكية والطاقة الحرارية المكافئ الميكانيكي للحرارة. إلا أن الجزري لا يذكر لنا شيئا عن عملية الاحتكاك في الموقع ~~(A) # وكيفية تحول الطاقة الميكانيكية إلى حرارة بين المحول والمسند المرتكز عليه. وإذ نعقد مقارنة بين مخططي الآليتين حتى نبين كيف تتشابه طريقة التفكير العلمية بين العلماء مهما كانت الفجوة الزمنية كبيرة؛ فالمنطق العلمي الصحيح في المقدمات سيؤدي إلى نتائج صحيحة بالضرورة. # لم نعثر عند بديع الزمان الجزري (كان حيا عام 602ه/1224م) على نص يشير مباشرة إلى وجود علاقة بين الحرارة والحركة، وإنما وجدنا له تصميم آلية لنقل الحركة في الأشكال: 5، 8، 7، 6 من النوع الثالث. # 54 # وهي تصاميم لآلات قياس للسوائل يمكن من خلالها معرفة كمية الدم المفصود من الشخص. هذه الآلية الميكانيكية نفسها سيعود ويستخدمها جيمس جول من أجل حساب المكافئ الميكانيكي للحرارة. وهي التجربة العلمية التي سترسخ موقعه بين علماء الفيزياء البارزين، وتجعل من اسمه وحدة لقياس الطاقة. # الجلدكي (القرن 8ه/14م) # استدل الجلدكي تجريبيا على أن الحرارة تنشأ إما عن الحركة أو سقوط الضوء أو وقوع الجسم بالقرب من النار، لكنه يشترط أن يكون هذا الجسم مهيأ بشكل عام لامتصاص الحرارة، وإلا فإنه سيكون جسما عازلا: «دلت التجربة على أن أسباب الحرارة الاستضاءة والحركة ومجاورة النار، إذا ms119 كان القابل لشيء من ذلك قابلا للحرارة، وأما إذا لم يكن قابلا لها فلا.» # 55 # وقد عقد الباحث أحمد الدمرداش مقارنة ناقدة غير دقيقة بين الجلدكي، والكونت رمفورد، وجول، وأن الجلدكي لم يشرح تجارب مثل تلك التي قدمها هذان العالمان، ثم يعمم نقده على كل جهود العلماء العرب والمسلمين في مجال الحرارة قائلا: «عيب التفسير عند العرب لمفهوم الحرارة أنه ينبني على إدراكات كيفية، وليس على إدراكات قياسية ترتبط فيما بينها بمعادلات رياضياتية، كما حدث عند العالم الإنجليزي جوزيف بلاك، والأمريكي بنيامين طومسون والإنجليزي جول ثم الإنجليزي توماس يونغ الذي أعطى أبعادا رياضياتية للطاقة طبقا للمفهوم النيوتوني.» # 56 # ومأخذنا على هذه المقارنة يعود لعدة أسباب: ~~(1) # نعلم أن الجلدكي كيميائي أكثر منه فيزيائيا، وكان علم الكيمياء يرتكز - بحسب منهجية جابر بن حيان - على التجربة والمشاهدة أكثر من اعتمادها على الرياضيات والتنظير. ~~(2) # بالنسبة للرياضيات وتطبيقها على الظاهرات الفيزيائية، فقد عرف عن العرب وغيرهم في العصور الوسطى استخدامهم للهندسة أكثر من الجبر أو غيره من العلوم الرياضياتية وطبقوها على البصريات، ولم تكن المنظومات الرياضياتية بذلك التقدم الذي كان لدى الأوروبيين في القرنين السابع عشر والثامن عشر، خصوصا بعد ظهور التفاضل والتكامل، والذي سمح لهم بتطبيق الرياضيات على ظواهر الحرارة وكيفية انتشارها. ~~(3) # إن التراكم المعرفي الذي كان لدى العرب - بشكل عام - كان من جهود اليونانيين والعرب أنفسهم، بينما حصد الأوروبيون جهود الجميع، ثم بنوا عليها، وطوروا من مناهجهم البحثية العلمية ومؤسساتهم العلمية، فتوصلوا بشكل طبيعي لأفضل مما توصل إليه العرب، خصوصا بعد تأكيدهم على فكرة عدم قبول أي تفسير لأي ظاهرة فيزيائية دون دعم ذلك رياضياتيا. # لذلك فإننا نرى عدم مؤاخذة العلماء العرب والمسلمين على ما قدموه أو بذلوه من جهود فردية لدى تعاملهم مع الظاهرات الطبيعية؛ ففي النهاية هم أسرى لموقعهم التاريخي والظروف الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية المحيطة بهم، كما هو حال معظم العلماء العاملين في الدول العربية في الوقت الحاضر. # عضد الدين الإيجي (القرن 8ه/14م) # لا يتفق الإيجي مع الكندي والمجريطي وأبو البركات ms120 البغدادي وغيرهم ممن قالوا إن الحرارة تتولد نتيجة لحركة الأفلاك، والتي تؤثر حرارتها على الهواء المحيط بالأرض، أو حتى على سطح الأرض. والسبب في ذلك أن مادة الأفلاك مغايرة تماما للمواد التي نتعامل معها على الأرض؛ لذلك لا يمكن أن يحدث توصيل حراري بينها. # قال الإيجي: «الحركة تحدث الحرارة والتجربة تحققه ، قيل فيجب أن تسخن الأفلاك ويتسخن بمجاورتها العناصر فتصير كلها بالتدريج نارا. والجواب أن مواد الأفلاك لا تقبل السخونة ولا بد مع المقتضى من وجود القابل فلا تسخن، فلا تتسخن بالمجاورة، والعناصر لملاسة سطوحها لا تتحرك بحركة الأفلاك فتتسخن، ولهم كلام مناقض لهذا فسيأتيك أنهم قالوا النار تتحرك بتبعية الفلك، وليس التحريك يتعين أن يكون بالتشبث فيمنعها ملاسة السطوح.» # 57 # ثم عاد الإيجي وأكد على العلاقة بين الحرارة والحركة وقدم شرحا أكثر تفصيلا، وهو الفهم الذي لم يتمكن من الوصول إليه، أولئك المعارضون لتفسيره؛ حيث إن المدار المقعر للقمر، وهو الأقرب لمدار الأرض، والمدار المحدب للنار في السماء أملسان تماما؛ كونهما يتواضعان على كرات متداخلة مع بعضها بعضا، حسب النموذج البطلميوسي الفلكي، ولا يمكن لحركة أحدهما أن تؤثر أو تسبب حركة الآخر، وعليه لا يشترط حدوث تسخن بسبب حركاتهما. # قال الإيجي: «والجواب أن مواد الأفلاك لا تقبل السخونة أصلا، ولا بد في وجود الحرارة مع المقتضى الذي هو الحركة من وجود القابل، وحينئذ فلا تسخن الأفلاك بسبب حركاتها فلا تسخن العناصر بالمجاورة، وليست العناصر متحركة على سبيل التبعية فإنها لملاسة سطوحها لا تتحرك بحركة الأفلاك فتتسخن، بالنصب على أنه جواب النفي، والحاصل أن مقعر فلك القمر ومحدب النار سطحان أملسان فلا يلزم من حركة أحدهما حركة الآخر، فإذن أجرام الأفلاك ليست متسخنة بحركاتها ولا محركة للعناصر حتى يلزم سخونتها بوجه ما، ولهم كلام مناقض لهذا الذي ذكروه ها هنا من أن العناصر لا تتحرك بحركة الأفلاك، فسيأتيك في موقف الجواهر أنهم قالوا النار تتحرك بتبعية الفلك، وليس التحريك يتعين أن يكون بالتشبث فيمنعها ملاسة السطوح؛ فإن الأفلاك عندهم يحرك ms121 بعضها بعضا ولا خشونة في سطوحها لتكون متشبثة بسببها، فالأولى في الجواب أن يقال النار متحركة بمتابعة الفلك دون باقي العناصر، وليس سخونة النار توجب سخونة الباقي لأن برودة الطبقة الزمهريرية تقاومها.» # 58 # المبحث الخامس: الأوروبيون # الخطوة التالية في دراسة تطور العلاقة بين الحركة والحرارة - كانت على نحو غير ملائم خطوة في الاتجاه الخاطئ - وقد جاءت من أنطوان لافوازييه، الكيميائي المتفوق على جميع أقرانه في القرن الثامن عشر، الذي كان يدعى أحيانا (أبو الكيمياء الحديثة). لقد أصر على موضوع القياس الدقيق؛ ولذا يقول المؤرخون إنه قدم للكيمياء ما قدمه جاليليو للفيزياء قبل ذلك بقرن ونصف. لكن الطبيعة الحقيقية للحرارة، من ناحية ثانية، كانت فوق خيال لافوازييه؛ لذلك فقد أدرج الحرارة مع الضوء بين العناصر، واعتبرها سائلا دعاه السيال الحراري، كما وجدنا ذلك سابقا في نظرية الاحتراق. وقد كتب إسحاق أسيموف # I. Asimov ~~«جزئيا وبسبب النفوذ الكبير للافوازييه، فإن نظرية السيال الحراري بقيت في الوجود في عقول الكيميائيين طوال نصف قرن.» كانت الفكرة أن السيال الحراري سيتحرر عند اقتطاع رقاقات من معدن في المخرطة (مثلا) وهكذا تصبح المادة ساخنة. # 59 # لقد قدمت نظرية السيال الحراري، وحددت فرضياتها الأساسية عام 1779م كما يأتي: # 60 ~~(1) # ليس للسيال الحراري وزن يمكن إدراكه. ~~(2) # السيال الحراري يكون مدركا أو كامنا؛ أي يمكن الإحساس به، أو مختزنا، وهو في الحالة الأخيرة يمتزج كيميائيا مع جزيئات المادة لتحويل المادة الصلبة إلى سائل والسائل إلى بخار. ~~(3) # للسيال الحراري مصونية؛ فهو لا يفنى ولا يستحدث من العدم. ~~(4) # السيال الحراري سائل مرن مكون من جزيئات يدفع كل منها الآخر. هذه الجزيئات تخضع لجذب شديد من جزيئات المواد الأخرى، والمواد المختلفة تجذب السيال الحراري بدرجات متفاوتة من الشدة. # بناء على الفروض السابقة أمكن تفسير الظاهرات الحرارية؛ فعندما كان يتزايد نفاذ السيال الحراري داخل مادة، كانت تتعاظم حرارتها. وفي النهاية يفيض السيال الحراري ويتدفق من جميع الجهات؛ وعليه يمكننا الشعور بدفء الشمس من مسافة بعيدة، أما إذا وضعنا جسما باردا بجوار آخر حار ms122 فإن السيال الحراري يتدفق من الجسم الساخن إلى البارد، وبسبب هذا التدفق يبرد الجسم الساخن ويسخن البارد. # 61 # على التوازي وفي القرن الثامن عشر نفسه ظهرت نظرية جديدة أخرى استفادت من التطور الحاصل في النظرية الذرية، هذه النظرية أوجدت رابطا يفسر العلاقة بين الحرارة والحركة، بحيث إن الحرارة ما هي إلا مظهر من مظاهر الحركة؛ أي إن حرارة جسم ما تنشأ عن حركة جزيئاته الداخلية؛ أي إن فكرة الحركة الخارجية الضرورية للأجسام لتوليد الحرارة التي كان العلماء السابقون يقترحونها انتقلت لتصبح حركة داخلية. هذه النظرية كانت تناقض نظرية السيال الحراري، # 62 # حيث إن الأخيرة لم تستطع تفسير عدد من الظاهرات الحرارية (كالحرارة النوعية، والكامنة، والتمدد المنتظم للغازات وغيرها)، خصوصا بعد اختراع موازيين الحرارة، وهي أنهم كيف يفسرون مفهوم الحرارة؛ أي ما هي الحرارة أصلا والتي ينتج عنها كل هذه الظاهرات؟ وبذلك أصبحت النظرية الذرية الجديدة تجيب على الأسئلة التي عجزت عنها نظرية السيال الحراري. واستطاعت نظرية بقاء الطاقة بعد ذلك أن تكون جزءا من العلم فقط عندما تم رفض نظرية السيال الحراري. # 63 # فرنسيس بيكون (القرن 17م) # كتب فرنسيس بيكون في عام 1620م في كتابه (الأورجانون الجديد): «إن الحرارة من حيث الجوهر، ما هي إلا عبارة عن حركة؛ وتتمثل الحرارة في الحركة المتناوبة لأدق الجسيمات التي يتألف منها الجسم». # 64 # وتابع: «إن الحرارة ذاتها، في جوهرها وماهيتها، هي حركة، حركة فحسب.» # 65 # إنها «مثابرة ومكافحة ومجاهدة أبدية، فمنها تنطلق روح النار.» # 66 # وقد اتفق لاحقا روبرت بويل مع رأي بيكون. # 67 # لقد حاول بيكون تقديم طريقة جديدة لزيادة المعرفة الطبيعية، وأخذا كمثال على ذلك التحري عن طبيعة الحرارة، واستنبط من كل الحقائق المتاحة والملاحظات، وصنفها وفق قواعد، بأن الحرارة كانت عبارة عن شكل من أشكال الحركة. # 68 # ومع مواقفه الناقدة للعلم العربي، ومدى هيمنته في عصره، فإننا نراه يتبنى آراء اليونانيين والعلماء العرب والمسلمين ولم يقدم البديل عنها. # جاليليو (القرن 17م) # طرح جاليليو جاليلي # Galileo Galilei ~~(1564-1642م) في خطابه (المحلل) ms123 الذي وجهه إلى الدون فيرجينيو تشيزاريني # V. Cesarini ~~(1595-1624م) حوارية بين شخصيتين؛ إحداهما: اسمها سارسي، والأخرى: جويدوتشي، الأول منهما كان متعصبا لآراء أرسطو والآخر غير متعصب، فالأول يقول - كما قال أرسطو - إن سبب الحرارة هو الحركة، في حين أن الآخر يقول إن الاحتكاك السريع لجسمين صلبين هو السبب، ويرجح جاليليو أن مقولة الثاني هي الصحيحة، ثم يقول: «في الحقيقة أنا لا أصدق أن جويدوتشي قد يقول (كما يدعي سارسي) إنه حتى تحدث الحرارة لا بد للأجسام أن تتخلخل أولا، وأن هذا التخلخل ينقصها وتتطاير الأجزاء الرقيقة بعيدا ... وفي هذه العملية التي نناقشها لا بد أن يأخذ المرء في اعتباره الجسم الذي سينتج الحرارة من جهة، ومن جهة أخرى الجسم الذي سيستقبلها، ويعتقد سارسي أن جويدوتشي يتطلب إثارة واستهلاك أجزاء من الجسم الذي يستقبل الحرارة، وأعتقد أنا [جاليليو] أن الجسم الذي ينقص لا بد أن يكون هو الجسم الذي يولد الحرارة. وعندما سخن سارسي قطعة صغيرة من النحاس بالطرق عليها مرات عديدة، فإنني أعتقد أنه لم يكتشف أي نقص في وزنها حتى لو استخدم أكثر الموازين دقة. إلا أنني لا أعتقد أنه لم يحدث أي نقص، فقد يكون النقص الذي حدث من الصغر لدرجة لا يمكن اكتشافه بوساطة أي ميزان مهما كان. دعوني أسأل سارسي إذا كان يعتقد بوجود فرق في الوزن يمكن اكتشافه في زر من الفضة بعد طلائه بالذهب. لا بد أن يقول لا؛ لأننا نرى كيف أن الذهب قد اختزل إلى ورقة رقيقة لدرجة أنها تظل معلقة في الهواء الساكن ولا تسقط لأسفل إلا ببطء شديد، ويمكن طلاء أي فلز بمثل هذا الذهب. والآن قد يمر شهران أو ثلاثة من استخدام هذا الزر قبل أن تتآكل طبقة الطلاء، وهكذا وحيث إن الطلاء قد استهلك في النهاية فلا بد أنه كان يتناقص كل يوم، بل حتى كل ساعة.» # 69 # وبعد استطراد طويل ومتعدد الجوانب، يعود ليشرح لصديقه الدون تشيزاريني كيف أن الحركة تكون سببا للحرارة، لكن تفسيره كان غامضا، ms124 وغير محدد لطبيعة الحرارة نفسها، فيقول: «أولا لا بد أن نأخذ في اعتبارنا ما الحرارة؟ ~~ لأنني أتشكك في أن الناس عموما لديهم فكرة عن الحرارة بعيدة كل البعد عن الحقيقة، فهم يعتقدون أن الحرارة ظاهرة واقعية أو خاصية أو صفة كامنة في الماء التي نشعر فيها بالدفء. والآن أقول إنني إذا فكرت في أية مادة جسدية، فإنني أشعر في الحال بحاجتي للتفكير فيها كشيء محدد له شكل ما؛ كبيرا كان أم صغيرا بالنسبة للأشياء الأخرى، وموجودة في مكان معين في زمن ما، وهي في حركة أو سكون، تتلامس أو لا تتلامس مع جسم آخر، وواحدة، أو في عدد قليل أو كثير. ومن كل هذه الظروف لا يمكن أن أفصل هذه المادة بمجرد توسع تصوري. أما كونها بيضاء أو حمراء، مرة أو حلوة، صاخبة أو صامتة، ورائحتها طيبة أو كريهة، فإن ذهني لا يشعر أنه مجبر على استيعاب ذلك كضرورة متلازمة معها. وبدون إرشاد من حواسنا ومنطقنا وتصورنا ودون معاونة فإننا على الأرجح لم نكن أبدا لنتوصل إلى خصائص مثل تلك.» # 70 # جوزيف بلاك (القرن 18م) # فيما يتعلق برأي فرنسيس بيكون ومن سبقه بأن الحرارة شكل من أشكال الحركة، أشار بلاك إلى أنه قد تم تبني هذا الرأي بطريقتين مختلفتين؛ اعتبر الفلاسفة الإنكليز بأن الحركة التي أشار إليها بيكون حركة جسيمات صغيرة للأجسام، في حين أن معظم الفلاسفة الألمان والفرنسيين بأنها كانت حركة، وليست جسيمات الجسم بحد ذاته، وإنما جسيمات دقيقة ومرنة إلى حد عال تمثل السوائل، وسائدة في جميع الأجسام وموجودة في المسامات بين جسيماتها؛ أي بصيغة أخرى سيال حراري. عندها اقترح بلاك أن هذه النظريات لم تتمكن من تفسير كامل الحقائق المعروفة والمرتبطة بالحرارة، مثل اكتشافاته الخاصة عن «السعة الحرارية» التي كانت غير مرتبطة تماما بالنظرية الأولى؛ إذ لو كانت النظرية صحيحة، ينبغي للحرارة أن تكون متصلة وفق قوانين الحركة، وقد تكون الأجسام الكثيفة موصلات أكثر قوة للحرارة، وإنما كانت الحالة المعاكسة هي المتكررة. # 71 # والحقيقة أن رفض بلاك ms125 لنظرية السيال الحراري وحصر تفكيره في إطارها، هو الذي فتح أمامه الباب للتوصل إلى اكتشافات جديدة في مجال الحرارة، وإلا لما استطاع أن يخطو خطوة واحدة للأمام. # دانييل برنولي (القرن 18م) # توصل دانييل برنولي # D. ~~ Bernoulli ~~(1700-1782م) في كتابه (الهيدروديناميكا) الذي نشره عام 1738م، إلى أن الحرارة مجرد تزايد في الحركة الداخلية للجسيمات، وهي النتيجة التي سيتوصل لها جول بعده بحوالي 100 سنة. لكن العلماء أهملوا أفكاره لزمن طويل، واعتبروها ضربا من الخيال، فكل ما أراداه برنولي من زملائه أن يتصوروا حيزا مغلقا خاليا تماما من كل شيء إلا من جزيء واحد ينتقل في هذا الخلاء بسرعة كبيرة جدا، وعلى خطوط مستقيمة، مصطدما بجدار الحيز ومرتدا عنه في اتجاه جديد، وهكذا إلى اللانهاية. وقد تخيل برنولي نتيجة لهذه الحركة إحداث صدمات متتابعة فردية، وستكون هذه الصدمات غير مهملة التأثير عندما تكون من مليارات ومليارات الجزيئات، وهو ما سيحدث ضغطا على جدران هذا الحيز، ومع تسخين الغاز داخل هذا الحيز فإن الضغط سيزداد. # 72 # في الواقع جاء تفسير برنولي مناقضا للرأي السائد بأن مرونة الجزيئات يعود للتنافر الحادث فيما بينها. وقد نجح في إثبات أن الضغط يتناسب مع مربع السرعة الجزيئية، لكونها متساوية لجميع الجسيمات. وهو ما جعله يفترض أن درجة الحرارة تتناسب أيضا مع هذا التربيع، مؤكدا نظريا الظاهرة التي أوضحها غوليوم أمونتون # G. Amontons ~~(1663-1705م) عمليا، وهي أن الارتفاع في الضغط الذي يصاحب ارتفاعا معينا في درجة حرارة كمية من الغاز محصورة في وعاء ذي حجم ثابت، يتناسب مع الكثافة. وقد أيده في ذلك العالم الروسي ميخائيل لومونوسوف بعد ذلك. # 73 # هنري كافندش (القرن 19م) # كان بحث «الحرارة» الذي وضعه هنري كافندش تنظيما لأفكار نيوتن عن الحرارة، كما أنه كان يهدف إلى تقديم ما كان مفقودا من جانب نظرية الحركة والحرارة؛ لذلك قسم كافندش «القوة الحية # vis viva ~~»، وهي المعرفة بالتأثير الميكانيكي للجسم في حالة الحركة، إلى نوعين: «مرئية» و«خفية». ~~ «القوة الحية المرئية» هي تلك التي يخضع مركز كتلة ms126 الجسم فيها لحركة متواصلة أو الجسم الذي يخضع إلى دوران كليهما، أما «القوة الحية الخفية» فهي جسيمات الجسم الذي يتحرك فيما بينها، وتكون «القوة الحية الكلية» للجسم مجموع كليهما. أكثر من ذلك فقد قسم كافندش «القوة الحية» إلى قسمين: الأول «نشطة» والأخرى «كامنة»، ويمكن للكامنة أن تصبح نشطة. رمزها # S ~~، تناهض «القوة الحية» النشطة، وهي «القوة الحية» الفعلية لكل الجسيمات التي تشكل الجسم، ورمزها # S # والتي تناهض نصف مجموع «القوة الحية» حيث إن كل جسيم يتطلب انجذابا أو نفورا لكل جسيم آخر في حالة سقوط من اللانهاية لموقعه الفعلي ضمن الجسم. لفهم أن الانجذاب والتنافر بين جسيمين هما دائما على البعد نفسه، وأن الاختلاف يحدث باختلاف تباعدهما، اشتق كافندش القانون العام لمصونية «القوة الحية»، النشطة والكامنة: الكمية # s-S # حيث لا يستطيعان تغيير نتيجة حركة الجسيمات بين بعضها بعضا. ~~ وهكذا فقد عرف كافندش الكميات الميكانيكية التي تتعلق ب «القوة الحية» مع الكميات التي تحدث في الحرارة. الصلة بين المقترحين تظهر من خلال «فرضيتين» أساسيتين لنظرية الحرارة التي افترضها كافندش، وتتألف من حركة داخلية يتم اعتبارها اهتزازية، والجسيمات تكون مشدودة إلى أماكنها بشكل وثيق بتأثير قوتي الجذب والنبذ. أما «الحرارة المدركة» فهي ما يدعوه كافندش بحرارة الجسم التي يحددها ميزان حرارة، وهي ترتبط بالحرارتين النشطة والكامنة من خلال تشكيل الجسم. ومع هذه المصطلحات، كان لدى كافندش مفردات تقنية كاملة لتطوير علم الحرارة حسب رؤيته. # 74 # مع تقديم نظريته الجديدة، لم يعد يرى كافندش اكتشافاته التجريبية عن الحرارة الكامنة وعن العمليات الكيميائية بوصفها صعوبات ممكنة بالنسبة لنظرية نيوتن وذلك لأنه قدمها بوصفها نتائج لها. وهكذا شرح بأنه عندما يتغير جسم من حالة صلبة إلى حالة سائلة أو من سائلة إلى سائل مائع، أو عندما يتحد جسمان بفعل انجذاب كيميائي؛ فإن الجسيمات تخضع إلى إعادة ترتيب، وبها تكتسب حرارة كامنة أو نشيطة لتنتج تغيرا على شكل حرارة مدركة معينة، حيث تبقى الحرارة الكلية ثابتة، ويجب أن تتغير الحرارة المدركة، بالإضافة إلى أنه كان لدى ms127 كافندش بدايات في فهم أساسي للتفاعلات الكيميائية التي تستخدم بيانات الحرارة. # 75 # إذن يمكن إنتاج الحرارة ميكانيكيا، مثل استخدام الاحتكاك والطرق، وقد بين كافندش كيف أن هذا التأثير يتوافق تماما مع النظرية؛ حيث إن القوة العنيفة مطلوبة حتى تنتج الحرارة، وجسيمات الجسم الساخن لا بد أن يتم استبدالها أو حتى تصبح ممزقة عند سطحه، وهو ما يغير من الحرارة الكامنة للجسم، معطيا حرارة مدركة. ~~ الاستبدال نفسه أو تمزيق الجسيمات معقول بالنسبة لفقدان المرونة في حالة اصطدام جسمين أو في حالة انحناء جسم. ~~ تحليل كافندش هنا لقوى الجسيمات كان عويصا أكثر مما في التطبيقات الأخرى للنظرية، لكن ليس على أساس وجهة النظر التي كانت «نوعية»: إذا كانت أي «قوة حية مرئية» مفقودة بالاحتكاك أو الضرب أو انحناء الأجسام، فإن هذه الأجسام يجب أن تكتسب «ازديادا في الحرارة الكلية المتساوية أيضا». # 76 # الكونت رمفورد (القرن 19م) # سادت نظرية السيال الحراري حوالي الخمسين سنة، وقد لفت الكونت رمفورد أنظار المجتمع العلمي إلى عدم صحتها عام 1798م. كان رمفورد متخصصا في صناعة المدافع، # 77 # وحاول أن يفسر ما يحدث أمامه من ارتفاع في درجة الحرارة بقوله: «يصبح الجسم أكثر سخونة كلما اشتدت حركة الدقائق التي يتكون منها، تماما كما يصبح صوت الناقوس أقوى رنة، كلما زادت سرعة تردده.» # 78 # لقد لاحظ رمفورد تولد الحرارة من أداوت الثقب والخراطة في أثناء كشط وتقوير قلب المدفع، الأمر الذي كان يضطرهم لرش تيار الماء البارد بشكل دائم، مع ذلك فإن درجة الحرارة تزداد، وهذا يعني أن الحرارة ليست مجرد انتقال مائع من جسم لآخر، بل هي شيء يمكن إحداثه وزيادة كميته؛ لأنها صورة من صور الحركة التي تنتقل من المثقاب إلى الجسيمات الدقيقة التي تتكون منها مادة المدفع. # 79 # وحتى يتأكد رمفورد من فرضيته قام بإحضار مثقاب مدفع مثلم بشكل كبير وذلك لرفع درجة الاحتكاك، واستعمله على معدن يراد ثقبه ومغمور في 12كغ من الماء البارد (ذكر 26,5 باوند من الماء حسب تقريره؛ إذ إن الوحدات المترية ms128 لم تكن مستعملة في ذلك الوقت). بعد ساعتين ونصف من الحفر المستمر أدت العملية إلى غليان الماء والحصول على 269 غراما من البرادة المعدنية. أوضح رمفورد أن الكمية نفسها من الحرارة كانت لازمة لرفع درجة حرارة كل من 269 غراما من البرادة المعدنية، وكمية مكافئة من 269 غراما من المعدن الصلب للمدافع غير المحفورة؛ وبالتالي أظهر أن المعدن لم يفقد قدرته على إبقاء الحرارة نتيجة حالته، وأن الحرارة التي أدت إلى غليان الماء ناجمة عن العمل في حفر المعدن. وفي عام 1798م قدم الكونت رمفورد نتائج بحثه حول طبيعة الحرارة إلى الجمعية الملكية البريطانية بدراسة أسماها «أبحاث متعلقة في مصدر الحرارة الناتجة عن الاحتكاك». # 80 # وذكر «أنه، لما كانت الحرارة تبدو ظاهرة لا تنفد، فمن المستحيل أن تكون عنصرا ماديا، ويبدو لي من الصعوبة بمكان - إذا لم أقل مستحيلا - أن نتصور وجود أي شيء يمكن أن يثار، كما استثيرت الحرارة وانتقلت خلال هذه التجارب، إلا إذا كانت الحركة.» # 81 # طبعا لم يقبل أصحاب فكرة السيال الحراري ما طرحه رمفورد؛ فقد كانت حججه التجريبية بالنسبة لهم غير دقيقة، لكنه استمر بالدفاع والجدال عن وجهة نظره، وقال: إنه يتمنى «أن يعيش ما يكفي من الزمن ليغتبط برؤية السيال الحراري يدفن مع الفلوجيستون في المقبرة نفسها.» # 82 # لكن بعض المؤرخين يرى بأن هذا لا يجعلنا اعتبار رمفورد من المؤمنين بالنظرية الميكانيكية للحرارة، نظرا لكون مناقشاته ناقصة، ولم يتجاوز فيها التقرير المبهم، واستخدام تعبير كان شائعا في القرن 19م؛ # 83 # لذلك لا نستغرب أن تهمل أفكار رمفورد بدعوى أن العلماء لا يمكنهم أن يروا هذه الجسيمات الدقيقة التي تكلم عنها رمفورد، وكان على نظريته الانتظار ريثما يأتي من يؤيدها ويثبت صحتها، كما أن ظهور نظرية دالتون الذرية أقنع العلماء بوجود الذرات، والتي تقوم بهذه الحركات، وتولد الحرارة. لقد أجرى رمفورد أيضا محاولة لإعطاء فكرة عما دعي فيما بعد ب «المكافئ الميكانيكي للحرارة». مثقابه كان يشغل بعمل حصانين يديران قضيبا رحويا - علما أن واحدا منهما ms129 كان يكفي - ويشير رمفورد إلى أن تسخين الماسورة بواسطة المثقاب يساوي ذاك تسع شمعات كبيرة. من المحتمل أنه افتراض أكثر مما ينبغي أن رمفورد فكر بشأن صون الطاقة، إلا أنه أشار إلى هذا: «سيحصل المرء على حرارة أكثر [من المثقاب]، إذا أحرق علف الخيول.» وهكذا أعطى الانطباع، أنه ربما ظن أن مقادير الحرارة تلك هي الشيء نفسه. # 84 # من ناحية أخرى، وفي نظرية السيال الحراري الكيميائية، فإن درجة الحرارة جرى تصورها ككثافة (أو ضغط) للسيال الحراري الحر فقط؛ لأن السيال الحراري الكامن كان يتصور عادة كسيال حراري مجرد من قوته المنفرة المميزة؛ لذلك هو غير قادر على أن يسبب تمدد مواد القياس الحراري. إلا أنه كان من غير الممكن دحض مذاهب السيال الحراري-الكيماوي المتنوعة بالتجربة المباشرة؛ لأنه لم تكن توجد طريقة مباشرة لقياس مقدار السيال الحراري الذي يصبح كامنا أو محسوسا من جديد في أي عملية كيميائية أو فيزيائية محددة، وأيضا مقدار مجموع السيال الحراري الكامن المحتوى في جسم. هنا واجهت رمفورد عدم إمكانية الدحض هذه عندما حاول تقديم أسباب ضد نظرية السيال الحراري على أساس تجربته الشهيرة في ثقب المدفع. في رأي رمفورد الخاص، أن تجربته دحضت نظرية السيال الحراري لأنها بينت أن مقدارا غير محدود من الحرارة يمكن توليده بالاحتكاك (الحركة). بالنسبة لمؤيدي السيال الحراري الأكثر أهمية، تجربة رمفورد بينت فقط تحرر السيال الحراري المتحد بوصفها نتيجة للإثارة الميكانيكية، ولم يعرف أحد مقدار السيال الحراري المتحد الذي سيحرر بهذه الطريقة. # 85 # بالاشتراك مع السير همفري دايفي # H. ~~ Davy ~~(1778-1829م)، واصل رمفورد تجاربه على الحرارة: لقد وزن الماء بدقة قبل وبعد التجمد ووجد الوزن غير متبدل، مع أنه أطلق حرارة في العملية؛ لذا استنتج أن السيال الحراري، إذا كان يوجد، فهو غير قابل للوزن. هذه الملاحظة يجب أن تكون قد جردت السيال الحراري من صلاحيته للاستمرار في العمل، إلا أنها لم تفعل، طوال40 سنة أخرى. # 86 # همفري ديفي (القرن 19م) # قبل التعاون مع الكونت رمفورد كان السير همفري ديفي ms130 يعمل بشكل مستقل، وكان ينجز تجاربه باستخدام جهاز خاص أحدث من خلاله احتكاكا بين معدنين في وسط مفرغ من الهواء، وقد تسبب هذا الاحتكاك بإذابة الشمع، مع أن درجة حرارة الشمع كانت تحت نقطة التجمد. كما عرف عن ديفي إذابته للجليد تحت ناقوس مفرغ وتحت درجة الحرارة (−2 ~~° # مئوية)، # 87 # في يوم شتوي بالغ الصقيع، وذلك بوساطة احتكاك قطعتي جليد إحداهما بالأخرى، مثبتا بذلك أن الحرارة اللازمة لإذابة الجليد كانت نتيجة للحركة. لكن أحاطت التساؤلات بمدى مصداقية هذه التجربة؛ إذ كان يمكن للحرارة التي صهرت الجليد أن تأتي من الوسط المحيط. ~~ وحتى لو احتفظ ديفي بالنظام كله في درجة تجمد الماء، فإن الماء المتكون نتيجة الاحتكاك كان سيتجمد ثانية. # 88 # ناهيك عن عثورنا على نص يثبت قيام أبي رشيد النيسابوري بالتجربة نفسها منذ القرن 11م. # 89 # ومع كل هذه التجارب فقد انقضى قرابة نصف قرن قبل أن يتجدد البحث في طبيعة الحرارة على يدي ماير في ألمانيا، وجول في بريطانيا، # 90 # ولودفيغ أوغسط كولدينغ # L. A. ~~ Colding ~~(1815-1888م) في الدنمارك ومارك سيغوين # M. Seguin ~~(1786-1875م) في فرنسا تحت مسمى النظرية الميكانيكية للحرارة. # 91 # نيقولا سعدي كارنو (القرن 19م) # لم يكن نيقولا سعدي كارنو أول من حاول أن يوضح إمكانية تحويل الطاقة الحرارية إلى عمل؛ فقد سبقه هيرون السكندري قبل ذلك، لكن كارنو قدم دراسة نظرية لمدى فعالية الآلة الحرارية البخارية، يمكن تعميمها على تصميم أية آلة بخارية، وهو ما لم يفعله هيرون. # ففي عام 1824م قام بنشر كتاب صغير عن الآلة البخارية بعنوان «تأملات في القدرة المحركة للنار وفي الآلات التي تعطي هذه القدرة» # 92 # وقدم في هذا الكتاب أدلته التي توضح أن الطاقة الحرارية التي تتحول بوساطة آلة بخارية لا يمكنها أن تنتج إلا مقدارا محددا من العمل، ويعتمد هذا المقدار على الفرق في درجة الحرارة بين الجزأين الحار والبارد من الآلة، وفي حالة التوازن لا ينتج أي عمل بغض النظر عن مقدار الحرارة التي تنتجها. # 93 # وقد أوجز ms131 كارنو في كتابه السابق ثلاث أوليات كانت بمثابة المعايير العامة التي يتم التحكم بها في مردود الآلة البخارية الفعالة وهي: # 94 ~~(1) # افتراضه بأنه يمكن توليد عمل مفيد كلما وجد فرق في درجة الحرارة. ~~(2) # استخدامه نظرية السيال الحراري حتى يؤكد إمكانية قياس كمية الحرارة التي تمتصها جملة فيزيائية أو تصدرها لدى تفحص حالتي الجملة الابتدائية والنهائية. ~~(3) # أكد أن الحركة الدائمة مستحيلة، مع أنها كانت ترد في دراسة الميكانيك بما فيها بعض الدراسات التي قام بها والده شخصيا. # لكن كارنو أهمل التفاصيل المتعلقة بعمل الآلة، والتركيز على الجوانب الأساسية الآتية: # 95 ~~(1) # دخول الحرارة إلى الآلة الحرارية عند درجة مرتفعة نسبيا. ~~(2) # تحول الآلة جزءا من هذه الحرارة إلى عمل. ~~(3) # تلفظ الآلة ما تبقى من الحرارة التي لم تتحول إلى عمل إلى الخارج، وذلك عند درجة حرارة منخفضة نسبيا. # وقد كتب كارنو: «لطالما تساءل الناس عن القوة المحركة للحرارة هل هي قوة لا تنضب؟ وهل للتحسينات الممكن إدخالها على المحركات البخارية حد لا تسمح طبيعة الأشياء بتجاوزه بأية وسيلة، أم أن في الوسع مواصلة هذه التحسينات إلى ما لا نهاية؟» # 96 # لذلك انطلق كارنو في البحث عن إجاباته من نظرية السيال الحراري الشائعة والمنتشرة في الأوساط العلمية في عصره، وكان يتصور أن السيال الحراري ينتقل بالفعل عبر الآلة فينتج عملا، تماما كالماء إذ يدير عجلات الطاحونة، ولم يغير اعتقاده إلى أن الحرارة هي وليدة الحركة إلا في أواخر أيامه، كما تبين ذلك من مذكراته. # 97 # شكل بياني يوضح دورة كارنو المثالية بين الضغط ~~(P) # والحجم ~~(V) ~~، فالتغير الإيزوثرمي من ( # 1 ~~) إلى ( # 2 ~~)، عند درجة حرارة # T # 1 ~~، ويتلوه تمدد أدياباتي ينتج عنه انخفاض في درجة الحرارة إلى # T # 2 ~~، والوصول إلى الحالة ( # 3 ~~). ويسبب الضغط فالتغير الإيزوثرمي من ( # 3 ~~) إلى ( # 4 ~~)، عند درجة حرارة # T # 3 ~~، إلى الحالة التي ينجم عن الانضغاط الأدياباتي التالي ارتفاع درجة الحرارة إلى # T # 4 # والعودة للحالة الأصلية. (مصدر الشكل: # https://chem.libretexts.org/Core/ ~~) # ثمة فكرة أخرى استحدثها كارنو وهي العملية الدورية ms132 التي تحمل اسمه (دورة كارنو) التي أرست أسس القانون الثاني في الترموديناميك؛ فقد افترض في هذه الدورة التخيلية إمكانية انعكاس كل العمليات الداخلة فيها. ~~ ولتحقيق ذلك لا بد من أن تتكون الدورة من تسلسل لحالات التوازن؛ ومن ثم تحدث بطريقة متناهية في البطء. هذه الدورة تتكون من تغيرين أيزوثرميين (أي ثابتي درجة الحرارة)، في حجم كمية معزولة من الغاز، وتغيرين أديابتيين (أي بدون تبادل للحرارة مع الوسط الخارجي)، وقد مثلها الفيزيائي الفرنسي إميل كلابيرون # E. Clapeyron ~~(1799-1864م) بيانيا على شكل علاقة بين الحجم ~~(v) # والضغط ~~(P) ~~. # 98 # حيث استخدم كلابيرون منحني العلاقة بين الحجم والضغط ورموز حسابات التفاضل والتكامل لوضع أفكار كارنو بشكل عام يمكن استخدامه كأساس لنظرية محدودة ومحكمة عن الحرارة، ولا يعتقد أنه استولى على اختراع جون ساذرن # 99 # J. Sazern # ليبدأ إنتاج الآلات البخارية. # 100 # الهدف الذي كان يتوخاه كارنو من بحثه هو الجانب الصناعي والاقتصادي؛ فقد كانت الآلات البخارية المنتشرة في ذلك الوقت تستهلك وقودا حتى تنجز عملها، فأراد أن يعرف مقدار العمل الذي تقوم به الآلة مقابل حرق مقدار محدد من الوقود، وكيف يمكن زيادة مقدار هذا العمل مع بقاء مقدار الوقود ثابتا. # 101 # أيضا لم يعرف ويعترف بعمل كارنو إلا من خلال سلسلة النشرات التي نشرها اللورد كلفن، والتعديلات التي قام بها رودولف كلاوزيوس كل على حدة. # 102 # مارك سيغوين (القرن 19م) # كان مارك سيغوين يدعو نفسه «سيغوين إين»، وهو ابن أخت الأخوين مونتغولفيه # Montgolfier brothers # مخترعي البالونات، وهو مهندس نموذجي، كان كتابه الرئيس (السيطرة على سكك الحديد: فن التخطيط والبناء). # 103 # يمكن للمرء في ذلك العمل أن يجد توقع حدس ماير، وتناسب الحرارة والعمل، لكنه لا يحوي على محاولة لتحديد معامل التناسب، وهذا ما أساء فهمه جول وتايت. # 104 # وقد نشر سيغوين تصوره المبدئي للقانون الأول في الترموديناميك عام 1839م. # 105 # يوليوس ماير (القرن 19م) # في الوقت الذي طرح فيه جول أفكاره، كان يوجد شخص يعمل في الاتجاه نفسه في ألمانيا هو يوليوس ms133 فون ماير عام 1842م، عندما نشر مقالة له بعنوان «ملاحظات حول القوى الطبيعية غير العضوية» والتي رسم فيها الخطوط العامة لنظريته الجديدة القائلة بأن (القوة # Kraft ~~) # 106 # متى وجدت لا يمكن أن تفنى، وإنما يمكن تغيير شكلها. # 107 # وقد عرف ماير القوة بقوله: «شيء ما يتم استهلاكه لإنتاج الحركة، وهذا الشيء يتم استخدامه ستتم رؤيته على سبب يكافئ التأثير؛ أي مع الحركة الناتجة.» # 108 # لكن في الواقع لم يكن يوجد شيء كمي قام بحسابه ماير على الورق، إضافة إلى هذا، كانت الأطروحة التي قدمها غامضة تماما. كان يوجد كلام قليل الأهمية بلغة هندسية ورياضياتية متعثرة التي من المحتمل لا يمكن أن تعني أي شيء لأي شخص. الجملة الوحيدة المهمة هي قوله: «تتحول الحركة إلى حرارة.» وهو ما سبق وقاله رمفورد قبل أربعين سنة. # 109 # كما أن ما عبر عنه ماير بقوله «القوة لا تفنى، وإنما تغير شكلها» يذكرنا بما سبق وطرحه ابن حزم الأندلسي قبل 800 سنة، أيضا لم يعبر عن عبارته بشكل رياضياتي؛ لذلك لن نبالغ إذا قلنا إن ابن حزم الأندلسي لا يقل شأنا أو علما في القرن 11م عن نظيره ماير في القرن 19م. وإذ يعتبر مؤرخ العلم الشهير جورج سارتون - بعد أن قام بمقارنة بين عملي جول وماير - أن العلم ممتن لفضل كل منهما، # 110 # فمن الحيف أن نجحف حق ابن حزم الأندلسي وألا نضمه لهما؛ كونه سباقا لهما بزمن طويل في المساهمة في الكشف عن القانون الأول في الترموديناميك. # ذكرنا أن ماير لم يكن رياضياتيا ولا حتى فيزيائيا تجريبيا. وقد أنجز اكتشافه الكبير بوسائل تجريدية وبسيطة؛ فهو لم يقم بأية تجارب بنفسه، بل استخدم نتائج الآخرين التجريبية. ومن الواضح بأن التعميم الكبير الذي قد أحرزه في ومضة إلهام موحية، كان سيبقى غير مقنع ما لم يكن مدعوما بمعطيات تجريبية فيما بعد. # 111 # أسلوب كتيب ماير الآخر ذي العنوان «الأيض والحركة العضوية» # 112 # المنشور عام 1845م كان متميزا وواضحا. ومن بين الموضوعات التي اختارها ماير في ms134 ذاك الكتيب الشامل، نذكر بعضها من أجل إظهار الهدف منه: # 113 # تفوق ماير على كارنو وكلابيرون ومهد الطريق لكلاوزيوس عندما تكلم عن المحرك الحراري وقال: «... إن الحرارة التي تمتص بوساطة البخار تكون دائما أكبر من الحرارة التي تحرر في أثناء التكاثف، والفرق بينهما هو العمل المفيد.» # يشرح بالتفصيل كيف حسب المكافئ الميكانيكي للحرارة. تلك المناقشة كانت وجيزة أكثر مما ينبغي في مقالته عام 1842 م لأن تفهم وتدرك. يعد هذا الحساب جزءا راسخا من الديناميكا الحرارية - طبعا الآن أولى جدا - ولم يتضمن شيئا له علاقة بالأحصنة التي تمزج العجينة الورقية في القدور، كما عرف في القصص الشعبية. من غير ريب، تلك الأحصنة تذكر في المقالة، وبعض القياسات التقريبية لدرجة حرارة العجينة، إلا أنها كانت بعيدة عن أن تكون جيدة إلى حد كاف لحساب المكافئ الميكانيكي للحرارة. عرضيا وفي هذا السياق يذكر ماير رمفورد، وهذا يعني أنه كان يعرف بشأن تجربة رمفورد مع ثقب المدفع. # ينقل أيضا أن ماسورة المدفع الذي يطلق قذيفة تصبح أقل سخونة منها لو أشعل البارود وحده في الماسورة، يقول ماير: إن «الحقيقة هي معرفة شائعة.» في الواقع، ربما لو كانت في الوقت المناسب. على أية حال، فإن الملاحظة المعقولة هي: أن جزءا من الطاقة الكيميائية للبارود يحول إلى طاقة حركية للقذيفة، إذا كانت توجد قذيفة، وإلا فإن الكل يتحول إلى حرارة. # يوسع ماير تلك الملاحظة بالاستنتاج من اتجاهات القيم المعروفة للأيض عند الحيوانات والإنسان. ~~ الحرارة المحررة في العملية الكيميائية للهضم، أو للاحتراق الداخلي للطعام، يمكن تحويلها جزئيا إلى عمل، يقول: «عند ذلك يصبح الجسم أكثر برودة.» من أجل دعم هذه الفكرة يستشهد بملاحظة نشرت في مجلة الكيمياء الطبية، # 114 # حيث إن المؤلف وهو شخص يدعى دوفيله # Douville # قام بقياس درجات الحرارة الآتية: # زنجي كسلان # غير عامل # في الحجرة # 37 # o # الشيء نفسه # الشيء نفسه # في الشمس # 40 # o # الشيء نفسه # لكنه عامل # في الشمس # 39,75 # o # بمتابعة الفكرة أبعد من ذلك، يقول ماير إن الرجل الذي ms135 ينشر الخشب يستشعر ببرد شديد في الذراع التي تحرك المنشار. أيضا الحداد الذي يسخن قطعة حديد حتى الاحمرار بثلاث ضربات ستصبح ذراعه التي تقبض على المطرقة باردة. ويقول إنه قد لاحظ أن الأجزاء المشغولة من الجسم تتعرق أقل في أثناء العمل المثابر المستمر من تلك الخاملة، وحول الملاحظة الأخيرة يستشهد بدليل من الإنجيل؛ أي عندما يقول الرب لآدم: «بعرق جبينك سوف تأكل الخبز.» يبدو أن ماير يعتقد أن آدم من الآن فصاعدا سيعمل بيديه وقدميه، التي ستتعرق أقل من الرأس المستخدم قليلا، أو غير المستخدم على الإطلاق. # في الكتيب نفسه يعلن ماير عن رأيه بقوة ضد مفهوم القوة الحية، القوة الافتراضية التي يسلم بها علماء الفيزيولوجيا في ذاك الوقت لشرح العمليات العضوية، أو بالأحرى وضعها جانبا بوصفها غير قابلة للتفسير. # من ناحية ثانية، وفيما يتعلق بكل ذلك، لم يعرف ماير أبدا ما هي طبيعة الحرارة. في كتيبه (ملاحظات حول المكافئ الميكانيكي للحرارة) # 115 # عام 1851 م يقول: «الصلة بين الحرارة والحركة واحدة في الكم، وليس في النوع.» ويتجه لافتراض أن «الحركة يجب أن تتوقف حتى تصبح حرارة.» هنا كان مخطئا وأمكنه معرفة ذلك. في الواقع، النظرية الميكانيكية الغرة للحرارة وجدت سابقا، وخلال زمن قصير ستصعد إلى قمتها الأولى على يدي جيمس ماكسويل # J. ~~ Maxwell ~~(1831-1879م). وفقا لتلك النظرية، فإن الطاقة الحركية لحركة جسم فقط يعاد توزيعها بين ذراته في حين يبدو أنها قد اختفت، والحرارة هي كيف نشعر بتلك الحركة المعاد توزيعها. # 116 # لقد كان ماير يرفض التسليم بأن الطاقة الحركية توجد في الجسم الساقط لحظة اصطدامه بالأرض، وكان مقتنعا أن هذه الطاقة تتحول إلى شكل آخر، وتحديدا إلى حرارة. ~~ وكان يعتقد أنه يمكن أن تحدث هذه التحولات بطرائق مختلفة؛ إذ توجد أشكال مختلفة أخرى من الطاقة إلى جانب الطاقة الميكانيكية، كالطاقة الكيميائية والكهربائية والمغناطيسية. وأكد ماير على استحالة حدوث أي فقدان في أي من هذه التحولات، وهو ما جعله يقر بوجود «مبدأ حفظ الطاقة» على أنه قانون كوني. # 117 ms136 # فقد أشار ماير إلى أن سقوط وزن معين من ارتفاع (365 مترا) يؤدي إلى رفع درجة حرارة وزن مماثل من الماء من درجة صفر إلى درجة مئوية واحدة، وهو ما يعني وجود تكافؤ كمية بين الحركة الميكانيكية والحرارة. لكن القيمة المعروفة اليوم لهذا المكافئ هي عند السقوط من ارتفاع (418,4 مترا). # 118 # قام ماير أيضا ببعض القياسات القليلة، بحسب ما توفر لديه من معلومات تجريبية بشأن الحرارة اللازمة للحفاظ على درجة حرارة تمدد الهواء؛ إذ نجح في أن يقدر تقديرا دقيقا نسبيا، كم من العمل الميكانيكي يعادل مقدارا معينا من الحرارة، إلا أن أحدا لم يهتم بشأن ما طرحه من أفكار. # 119 # تم الاعتراف في بريطانيا وأمريكا بعمل جول، أما في بقية أوروبا فقد تم الاعتراف بعمل ماير، وبعد نحو عشرين سنة من عمل الاثنين أقام الفيزيائي جون تيندال، المشرف العام على المعهد الملكي، موازنة عادلة بحق الرجلين قال فيها: «لم يعن ماير بالتطبيقات الميكانيكية، بل انصرف لكليته إلى التفكير، مختارا ببصيرة رائعة، من بين معطيات الفيزياء الراهنة، النتيجة الوحيدة التي كان يمكن أن يبنى على أساسها حساب المكافئ الحراري الميكانيكي. أما جول الذي كان يعيش وسط الأجهزة الميكانيكية فقد لجأ إلى التجربة، فوضع الأساس العريض المكين الذي كفل للنظرية الميكانيكية أن تحظى بما تحظى به الآن من القبول. كان جول يشغل معظم وقته بالاختبار اليدوي، أما ماير فتحرر من هذا العناء، فاتسع وقته لمتابعة النظرية في أبعد تطبيقاتها إبهاما وتأثيرا. ولو أن الاثنين تبادلا مجالي نشاطهما فربما كان في وسع جول أن يكون ماير، وفي وسع ماير أن يكون جول.» # 120 # أخيرا، توطدت أفكار الاثنين مع مناقشة أفكارهما من قبل الفيزيائي الألماني هيرمان فون هيلموهولتز، ووضح مبدأ الطاقة أو القانون الأول في الترموديناميك إلى أقصى درجة في بحثه (بقاء القوة). # 121 # جيمس ماكسويل (القرن 19م) # تابع جيمس ماكسويل ما كان قد بدأه دانييل برنولي وأوغسط كارل كرونيغ # A. K. Krönig ~~(1822-1879م) وروبرت ماير، وإنما بشكل موسع وأكثر تعميما، وذلك ms137 بأن شمل في دراسته التصادمات بين الجزيئات بعضها ببعض، وقد لاحظ أن هذه الجزيئات تتحرك على الأرجح بسرعات متفاوتة، فعبر عن ذلك بقوله: «إن الدقيق من جسيماتها سريع الحركة، سرعة تزيد منها الحرارة، حتى لتثير دقة طبيعة هذه الحركة الفضول العقلاني.» كما أظهر كيف يمكننا تحديد متوسط هذه السرعات على وجه الدقة، وكيف تحسب العلاقة الصحيحة بين الضغط والكثافة والحرارة، وكتب يقول: «ليس من الضروري أن نفترض في أي جسيم أن ينتقل مسافة طويلة على خط مستقيم؛ إذ إن وقع أحداث الضغط سيكون هو ذاته إذا اصطدمت الجسيمات إحداها بالأخرى؛ ولذلك قد يكون الخط المستقيم الذي يرسمه كل منها بالغ القصر.» # 122 # لقد اعتبر ماكسويل الحرارة تعبيرا عن الطاقة الحركية للجزيئات، وهي في حالة حركة. وقد ناقش فكرته كما يأتي: «من الظاهر أن الجسم قد يكون حارا بدون أية حركة مرئية له، سواء الجسم ككل أو أجزاء منه بالنسبة لبعضها بعضا؛ لذلك، وإذا كان الجسم حارا بفضل الحركة، فلا بد للحركة أن تقوم بها أجزاء الجسم الدقيقة جدا لتكون مرئية بشكل منفصل، وضمن حدود ضيقة؛ لأننا لا نستطيع أن نكشف غياب أي جزء من موقعه الأصلي. والدليل على حالة الحركة، السرعة التي يجب أن تتجاوز تماما سرعة قطار سكة الحديد، وهي توجد في الأجسام التي بإمكاننا أن نضعها تحت مجهر قوي جدا؛ حيث إننا لن نكشف شيئا سوى الاسترخاء الأكثر مثالية، يجب أن تكون طبيعة مقنعة قبل أن نعترف بأن الحرارة هي حركة بالأساس.» # 123 # ثم قام ماكسويل بوضع فرضية بديلة، تقول إن طاقة الجسم الحار هي طاقة كامنة، أو بمعنى آخر: إن الجسم الحار هو في حالة ركود، إنما تعتمد هذه الحالة من الركود على تضاد القوة المتوازنة طالما هي في درجة الحرارة نفسها، لكن عندما يتم تدمير هذا التوازن تكون قادرة على وضع الأجسام في حالة حركة. فيما يتعلق بنظرية من هذا النوع، فإنه من الواضح بأن الطاقة الكامنة تعتمد بشكل أساسي على الموقع النسبي لأجزاء النظام الذي ms138 توجد فيه، وأن الطاقة الكامنة لا يمكن نقلها بأية طريقة بدون بعض التغيير للموقع النسبي لهذه الأجزاء؛ لهذا، فإنه لدى كل تحول للطاقة الكامنة، يوجد نوع ما من الحركة. # 124 # فكرة الحرارة الناتجة عن التصادم بين الأجسام تم سحبها وتطبيقها في القرن 19م على النظرية الحركية للغازات على يد ماكسويل، لكنه لن يعامل الجزيئات الغازية معاملة كرات البلياردو عندما تتصادم مع بعضها، وإنما اعتبرها تقترب من مراكز ثقل بعضها حتى حد معين ثم تنفصل عن بعضها لتتابع كل منها حركتها باتجاه آخر. # 125 # رودولف كلاوزيوس (القرن 19م) # بعد أن قدم هرمان هيلموهولتز مبدأ حفظ الطاقة استعاد العلماء البراهين التي قدمها سعدي كارنو حول مقدار العمل المحدود للآلة البخارية، وطرحوا جملة من التساؤلات: ~~(1) # ما السبب الذي يجعل العمل المستفاد منه أقل من الطاقة الكلية التي تنتجها الآلة؟ ~~(2) # لماذا يؤثر فرق درجة الحرارة في الآلة على مقدار العمل الناتج؟ # والواقع كان عليهم انتظار الإجابة حتى عام 1850م ليقوم الفيزيائي الألماني رودولف كلاوزيوس بتقديم التقنين الرياضياتي للظاهرة باستخدام مفهوم درجة الحرارة المطلقة، حيث لا يوجد درجة حرارة تحت القيمة (−273,15 ~~° # مئوية). ووجد كلاوزيوس أنه إذا قسم طاقة الحرارة الكلية لمنظومة ما على درجة حرارته المطلقة، فإنه سيحصل على نسبة تتزايد بشكل دائم في أية عملية طبيعية، سواء داخل الفرن النووي الشمسي، أو في موقد للفحم الحجري. وكلما تزايدت هذه النسبة، قل مقدار العمل الذي يمكننا الحصول عليه، وفي العام نفسه اصطلح كلاوزيوس بتسمية هذه النسبة باسم «الإنتروبية» # entropy ~~. # 126 # ويعبر هذا المصطلح عن قياس توزع الطاقة ضمن نظام ما، وتزداد الإنتروبية عندما تنقص فوارق الطاقة ومن ثم إمكانية نقل الطاقة. لقد أنذر سعدي كارنو بالنظرية في تحليله النظري للمحركات البخارية في عام 1824م. تزايد الإنتروبية هو ما سيطلق عليه (القانون الثاني في الترموديناميك) الذي يمكن صياغته بالقول: «الإنتروبية الكلية للكون تتزايد دائما.» اختراع المصطلح اجتذب استجابة سريعة من اللورد كلفن في «حول النزعة العامة للطبيعة في تبديد الطاقة الميكانيكية» عام 1852م، والتي تضمنت ms139 استنتاجه بأن الأرض يجب أن تصبح ذات يوم غير صالحة للسكن بسبب تأثيرات الإنتروبية. وقد أطلق كلفن بديلا عن مصطلح الأنتروبية عبارة «الاتجاه العالمي لتبديد الطاقة». # 127 # مع أن أعمال كلاوزيوس كانت تتميز بإدراكها القوي للحقائق الأساسية، وبمعرفة التفاصيل المتعلقة بالظاهرات وبالتشابهات في العالم الواقعي، إلا أنه تجاهل التقدم الذي حققه الآخرون في مجال الترموديناميك؛ فهو لم يأبه أبدا لأعمال لودفيغ بولتزمان # L. ~~ Boltzmann ~~(1844-1906م)، كما أنه لم يبحث عن التفسير الميكانيكي لميل الإنتروبية إلى التزايد تزايدا لا عكوسا حتى نهاية عظمى، إضافة لإهماله لمتابعة أعمال جوزيا ويلارد جيبس # J. W. ~~ Gibbs ~~(1839-1903م) عن التوازن الكيميائي. # 128 # لودفيغ كولدينغ (القرن 19م) # قدم لودفيغ أوغسط كولدينغ في سنة 1843م إلى الأكاديمية الدنماركية للعلوم بحثا بعنوان: «بعض العبارات حول القوى». # 129 # هذا البحث لم يحو فقط على وجهات نظر مشابهة جدا لوجهات نظر ماير، بل أيضا تفسيرا للتجارب الأصلية. ~~ لسوء الحظ لم يتم نشرها حتى عام 1857م، وفي الدنمارك فقط. علاوة على ذلك فإنه أخفق في الوصول إلى عمل ماير وجول وسيغوين؛ حيث إنه أثبت تناسب الحرارة والعمل، بيد أنه فشل بحساب عامل التناسب. # 130 # جيمس جول (القرن 19م) # من الذين أسهموا أيضا في زوال نظرية السيال الحراري الإنكليزي جيمس جول الذي أوضح أن كمية الحرارة الناتجة عن الاحتكاك متناسبة مع العمل المبذول، وقال جول: «إنني ألزم النظرية التي تعتبر الحرارة بوصفها حركة لجسيمات المادة.» # 131 # وهو مقتبس عن كلام جان أندريه ديلوك الذي قال ذلك قبل قرن ونصف. # 132 # كان جول مهتما بالعلاقة بين الطاقة والحرارة، وفي الوقت نفسه كان تلميذا لجون دالتون صاحب النظرية الذرية الحديثة الذي اعتبر تفسير الحرارة على أنها مادة أمر مقبول بشكل جيد. # 133 # لذلك ليس غريبا أن يكون لديه اعتقاد راسخ بالنظرية الذرية، مع وجود جمهرة من العلماء المشككين بها، كما أنه أحد العلماء القلائل الذين تقبلوا العمل المهمل لجون هيرباث # J. ~~ Herapath # حول النظرية الحركية للغازات. ~~ وقد تأثر كثيرا بالبحث الذي نشره بيتر إيوارت ms140 P. Ewart # عام 1813م الذي كان بعنوان «حول قياس قوة الحركة»، # 134 # واطلع على أفكار سعدي كارنو، ودفع بها إلى الأمام. # 135 # أخيرا، عندما علم جول بما كتبه رمفورد أدرك وجود علاقة حقيقية بين الحرارة والحركة وتحول أحدهما إلى صورة الآخر. وما يؤكد ذلك أنه عندما يكون لدينا كرة تتدحرج على الأرض فإن احتكاكها بالأرض سيولد حرارة، وهذا يعني تحول الطاقة الحركية للكرة إلى طاقة حرارية. # 136 # وقد اقتنع جول فيما بعد أن جميع أشكال الطاقة يمكن أن يتحول إلى حرارة، سواء ميكانيكية أو كهربائية أو مغناطيسية، وهو ما سيقوده للقول بقانون حفظ الطاقة. وفي عام 1840م، بدأ يجري قياساته الدقيقة لاختبار هذه الأفكار؛ أي إن أي مقدار من الطاقة يجب أن يعطي قدرا معينا من الحرارة، فراح يتحقق تجريبيا من قانون حفظ الطاقة في دراسته على تحويل الطاقة الميكانيكية إلى طاقة حرارية. وباستخدام عدة أساليب مستقلة، استطاع جول تحديد العلاقة العددية بين الطاقة الحرارية والطاقة الميكانيكية؛ أي ما يعادل الحرارة ميكانيكيا؛ منها تقليبه الماء بوساطة عجلة مجدافية (لها زعانف)، مع أخذ قياس الطاقة الحركية، وارتفاع درجة الحرارة في السائل. كما قام بضغط الهواء، ثم قاس الطاقة التي استهلكت في الانضغاط، والحرارة التي نشأت في الهواء. أيضا قام بدفع الماء داخل أنابيب ضيقة، وأحدث تيارا كهربائيا في ملف من السلك، بتدوير السلك بين قطبي مغناطيس، وكذلك مرر تيارا خلال سلك بدون مساعدة المغناطيس، وفي كل حالة، # 137 # أخذ جول يقيس الطاقة المستهلكة والحرارة الناتجة. وبعد سبعة أعوام؛ أي حوالي 1847م، بات جول على قناعة تامة بأن أية كمية من الطاقة، ومن أي نوع، ستعطي قدرا معينا من الحرارة، فإذا تم قياس الطاقة بوحدات الإرغ، ودرجات الحرارة بالكالوري، فقد تبين لجول أن كل واحد كالوري من الحرارة ينتج من استهلاك 4,8 مليون إرغ من الطاقة من أي نوع كان، وهي العلاقة بين الطاقة والحرارة التي سميت ب (المكافئ الميكانيكي الحراري # mechanical equivalent of heat ~~)، ثم سميت وحدة الطاقة ب (الجول) تكريما ms141 لجهوده، حيث إن واحد جول يساوي 10 مليون إرغ؛ وعليه فإن الكالوري الواحد يعادل 4,18 جول. # 138 # وقد كتب جول في عام 1847م قائلا: «إن التجارب قد أبانت أنه عندما تفنى القوة الحية # 139 # ظاهريا، سواء بالاصطدام أو بالاحتكاك أو بأية وسيلة مشابهة، تنشأ محلها حرارة تكافئها بالمقدار، والعكس صحيح أيضا، فالحرارة والقوة الحية والجاذبية في الفضاء، ويمكن أن أضيف إليها الضوء أيضا، تتحول إلى بعضها بعضا، ولا يفقد شيء خلال هذا التحول.» # 140 # وهو ما سيشكل الأساس لمبدأ حفظ الطاقة، الذي سيدخل في صراع طويل الأجل مع أصحاب الآلات دائمة الحركة الذي سنتكلم عنه في الفصل الثالث من هذا الباب. # أول شخص دعم - وربما الوحيد - أفكار جول وسانده في أول محاضرة علمية يلقيها أمام حشد من العلماء كان اللورد كلفن؛ فقد أيد أفكار جول من خلال تعليقاته وأفكاره، التي كانت مقنعة جدا للمجتمع العلمي. # 141 # هرمان هيلموهولتز (القرن 19م) # تزامن عمل كل من جول وماير مع عمل الألماني هرمان هيلموهولتز؛ فقد توصل للأفكار نفسها تقريبا، دون أن يعلم كل منهم بعمل الآخر، إلا أنه حظي بتعريف قانون بقاء الطاقة الذي ينص في أبسط أشكاله على «أن الطاقة الكلية للكون ثابتة»، والذي يسمى في الغالب بالقانون الأول في الترموديناميك والذي أصبح يؤخذ بعين الاعتبار في كل الدراسات الترموديناميكية فيما بعد. # 142 # لودفيغ بولتزمان (القرن 20م) # لقد قرأ لودفيغ بولتزمان أفكار ماير وجول وغيرهما ممن سبقه، واستنتج أن الحرارة ليست سوى الطاقة الحركية للجزيئات. لكن أفكاره قوبلت بالرفض، مع وجود أدلة منطقية على صحتها. وليس مستبعدا أن يكون قد استلهم فكرته من مقولة ماير بأن الحرارة والحركة وجهان لعملة واحدة في الطبيعة، ثم أضاف إليها النظرية الذرية، وهكذا خرج بسؤال له مدلوله: لماذا لا يكون مجموع الطاقة الحركية لكافة الذرات هو ما نسميه كمية الحرارة مع إحساسنا بحرارتها لا بحركتها ... ولكن حواس الإنسان لها طريقتها في إدراك المحسوسات. والدليل على ذلك ما نراه في ظاهرتي الصوت والضوء فهما حركات اهتزازية تنتشر ms142 في المكان، ولكننا لا ندرك الحركات الاهتزازية في الهواء، أو في الماء، أو في غيره من المواد، بل ندرك الصوت، كما لا ندرك الحركات الاهتزازية للحقل الكهرطيسي، بل نرى الضوء والأشياء التي ينيرها. كذلك نحن لا ندرك حركة الذرات بل ندرك طاقتها على شكل طاقة حرارية وليس ميكانيكية. ويطلق علماء النفس الاستعرافي حاليا على هذه المدركات، التي تختلف في ظاهرها عن حقيقتها، اسم كواليا # qualia ~~(التي ربما كانت هي صيغة الجمع لكلمة تعني كيفية) ولكن بولتزمان وغيره من العلماء السابقين لم يعرفوا هذه الدراسات الحديثة. والأرجح أن الفيلسوف العالم إرنست ماخ # E. Mach ~~(1838-1916م) كان على رأس المعارضين لأعمال بولتزمان؛ لأنه لا يؤمن بالنظرية الذرية التي تأباها فلسفته الوضعية المفرطة. ~~ وربما كان الإنكار لنظرية بولتزمان هو الذي أدى به إلى الانتحار. ونحن اليوم نشاهد هذه النظرية تتمتع بمكانة عظيمة في العلم بسبب ما حققته من نجاح على كافة المستويات النظرية والعملية، # 143 # فقد كان الأولى ببولتزمان التريث قليلا حتى يثبت العلم والتجربة صحة نظريته لا أن يقابلها بهروب بائس نحو الانتحار؛ فلو فعل الأمر نفسه نيوتن أو أينشتاين وغيرهم ممن يتعرضون لانتقادات حادة، لخسرنا عقولا ونظريات وأفكارا كثيرة جدا. # اللورد كلفن (القرن 20م) # أصبحت الآن كل الخيوط متوفرة، وتسمح بصنع نسيج رياضياتي متماسك لنظرية شاملة، فقد تبين أن كل جهاز أو منظومة مادية تحوي على كمية من الحرارة وغير ذلك، والتي يمكنها القيام بعمل ما، يمكن لهذه الكمية أن تتحول إلى بعضها بعضا بنسب ثابتة، ومجموع «كمية ما» يبقى ثابتا خلال جميع التحولات ما دام الجهاز معزولا، ولا يحصل تغير في هذه «الكمية» إلا بوساطة مؤثر خارجي. وقد أطلق كلفن على هذه «الكمية» مصطلح «الطاقة»، وهو المصطلح الذي كان أدخله توماس يونغ إلى الفيزياء عام 1807م. وبذلك أصبح من الممكن التعبير عن مبدأ جول وهلمهولتز بعبارة «حفظ الطاقة»، الذي خصص في البداية ليصف التحولات بين الطاقتين الميكانيكية والحرارية، إلا أنه أمكن تعميمه فيما بعد على كل أشكال الطاقة. # 144 # في ms143 الأصل لم يكن كلفن مقتنعا بنظرية جول عندما سمع بها لأول مرة عام 1874م، لكنه وجد فيما بعد انسجاما تاما بين وجهة نظره عن الطاقة وحجة جول، فكان منه أن أعلن عن تبنيه لنظرية جول في كتابه (حول نظرية الحرارة الميكانيكية) الذي أوجز فيه رؤيته الخاصة عن انحطاط الطاقة بحسب القانون الثاني للترموديناميك، وهو ما شكل حافزا قويا لدعم نظرية جول بإمكانية تحويل الحرارة إلى طاقة حركية أو العكس، لتصبح بذلك الحرارة نوعا من الحركة وليست لها طبيعة مادية خاصة؛ الأمر الذي ساهم بإزاحة نظرية السيال الحراري. # 145 # القانون الثاني في الديناميكا الحرارية - الذي ينص على أن الإنتروبية ضمن نظام مغلق تزداد دائما إلى أن تصل إلى توازن نهائي - بدا لكلفن والآخرين أنه يغلف بنوع من التشاؤم الكوني، مثبتا الانطفاء النهائي المحتوم لكل شيء أو «الموت الحراري للكون»؛ لذلك فقد أتبع كلفن بغير إبطاء مقالته الأولى عن الإنتروبية ب «حول عمر حرارة الشمس» عام 1862م في مجلة ماكميلان الدورية الرائجة، التي تضمنت سلسلة من الحسابات التي أجراها فيما يتعلق بالتاريخ عند الحرارة المتناقضة للشمس - التي افترض خطأ أنها تنتج بوساطة طاقة انهيار الجاذبية - سوف تصبح غير كافية لدعم الحياة على الأرض لفترة أطول. # 146 # ذكرنا أن كلفن قام بصياغة مصطلح «الديناميكا الحرارية» أو «الترموديناميك» لوصف الآلات الحرارية، لكن الكلمة تطورت بعد ذلك لتشمل وتصف كل الدراسات المتعلقة بتحولات الطاقة بما فيها الحرارة والعمل، إضافة لتوصله للقانون الثاني عندما كان في غلاسكو، بالتزامن مع رودولف كلاوزيوس في برلين. # 147 # الفصل الخامس # | الانتقال من الكمون الحراري إلى الحرارة الكامنة # مقدمة # يشير مفهوم الكمون الحراري # latency thermal # إلى استعداد وتهيؤ الجسم للتحول من حالة إلى حالة أخرى أو إخراج ما يكمن فيه من الحرارة بطريقة ما؛ فالجسم يكون قابلا للاحتراق لأن خاصية الاحتراق كامنة فيه، وتقوى هذه الخاصية وتبرز بشكل واضح لدى ملامسة الجسم للنار، أو لدى احتكاك جسم بآخر. وقد انتشر هذا المفهوم زمنا طويلا بين صفوف العلماء نظرا لعدم وضوح الفرق ms144 بين مفهوم الحرارة ودرجة الحرارة. # وعندما توضح الفرق في القرن 18م على يد جوزيف بلانك، تبدل مواضع الكلمات في المصطلح، وأصبح العلماء يتحدثون عن مصطلح الحرارة الكامنة # latent heat # الذي يعرف بأنه كمية الحرارة التي تمتصها أو تطلقها المادة التي تتغير حالتها عند درجة حرارة وضغط ثابتين. # 1 # المثال الشهير على الحرارة الكامنة هو الذي نراه لدى قيامنا بتسخين كمية من الماء والانتظار حتى يبدأ الماء بالغليان؛ إذ في أثناء انتظارنا كان الماء يمتص كمية من الحرارة (أو الطاقة الحرارية) ويجعلها تكمن فيه كمونا حتى تصل إلى الدرجة 100 ~~° # مئوية ويبدأ عندها بالغليان، وهكذا يحدث إذا رغبنا بتبخير الماء. # حالة الكمون الحراري التي درست وفق المفهوم القديم هي حالة خاصة من نظرية الكمون العامة التي تقول إن كل شيء موجود في كل شيء، وسنجد أن العلماء العرب والمسلمين أكثر من أسهم في تطوير هذه النظرية، انطلاقا من جذورها اليونانية. # بالمقابل فقد كان مفهوم الكمون الحراري سائدا لدى الأوروبيين منذ أوائل عصر النهضة أيضا، وحتى أيام جوزيف بلاك، سواء بالصورة السائدة في الفلسفة العربية أو اليونانية؛ فقد كان هناك اعتقاد بأن الحرارة مضغوطة داخل المادة، وتخرج كما تخرج الكهرباء من خلال الاحتكاك بين جسمين. # أهمية تناول مفهوم الكمون - بشكله العام والحراري بشكله الخاص - هو ارتباطه بالكثير من الأبحاث الفلسفية التي تعد مدخلا أساسيا في مجالي الفيزياء والميتافيزيقا، سواء بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر، مثل البحث في الذرة (الجوهر الفرد)، أو البحث في القوة والفعل، أو البحث في مسائل حدوث الكون وقدمه، وحتى مسائل التوحيد. # 2 # ومن هنا تأتي أهمية هذا البحث أنه يبرز لنا كيف انتقل مفهوم «الكمون الحراري» من صيغته الفلسفية إلى المفهوم الفيزيائي «الحرارة الكامنة» الذي أسهم بالكشف عن الحدود الفاصلة بين الحرارة ودرجة الحرارة. # المبحث الأول: اليونانيون # الكمون بشكل عام، والكمون الحراري بشكل خاص بدأت فكرته من أناكساغوراس والرواقيين، وكانت بمثابة حجر الأساس الذي سيبني عليه العلماء الرومان والعرب نظرياتهم فيه. # أناكساغوراس (القرن 5ق.م .) # قد يكون أناكساغوراس ms145 # Anaxagoras ~~(توفي 428ق.م.) أول من أطلق فكرة الكمون والظهور؛ حيث تعود أصول الأشياء، والواقع أن هذه الفكرة ستكون الأساس الذي سيبني عليه أرسطو # Aristotle ~~(توفي 322ق.م.) فكرته في مفهومي القوة والفعل؛ بمعنى تكون الأشياء مختفية بالقوة وتظهر عند الفعل، مثل قولنا نريد بناء منزل (مجرد التفكير ببناء المنزل يعني أن الفكرة أصبحت في حيز القوة)، فإذا بنينا المنزل فقد أصبحت الفكرة في حيز الفعل. # وقد قال أناكساغوراس: «حيث قدر الأشياء كامنة في المبدأ (الجسم) الأول، وإنما الوجود ظهورها من ذلك الجسم كما تظهر السنبلة من الحبة الواحدة والنخلة الباسطة من النواة الصغيرة، والإنسان الكامل الصورة من النطفة المهينة، والطير من البيض، وكل ذلك ظهور عن كمون، وفعل عن قوة، وصورة عن استعداد ما.» # 3 # أرسطو (القرن 4ق.م.) # بخصوص العلاقة بين القوة والفعل المرتبة بالحرارة، فإن الحرارة هي قوة التسخين؛ أي سببها الوحيد # 4 # الذي ينجم عنها. لكن «القوة» وفقا للمفهوم الأرسطي لا تعنيه كما نفهمها اليوم، من حيث القدرة على إحداث تغيير فيزيائي، وإنما هي كما ذكرنا أقرب لمفهوم إضمار الفعل، حيث يأتي الفعل ليجسد ما أضمر وكمن. # الرواقيون (القرن 4ق.م.) # نشأة الكون عند الرواقيين، وكل ما فيه هو من النار التي كانت توجد وحدها في أول الأمر في الخلاء الذي لا نهاية له؛ ثم تكاثفت النار إلى هواء وتكاثف الهواء إلى ماء، وتتولد من الماء بذرة مركزية هي العلة البذرية أو قانون العالم؛ وهذه البذرة هي التي تحوي العلل البذرية لجميع الكائنات الحية، بحيث يكون كل فرد بمثابة (المزيج الكلي) لكل ما سينشأ عنه. وبعد فترة من الزمن يصبح هذا الكائن الحي قادرا بدوره على إنتاج بذرة كائن جديد يشبهه. وبعد السنة الكبرى؛ أي عندما تعود الكواكب إلى وضعها الأول، ينتج العالم بذرة ينشأ عنها عالم جديد. # 5 # وبذلك يغدو مفهوم الرواقيين في كمون الأشياء بعضها في بعض وخروجها بعضها من بعض آليا، نتيجة لإنكار مفهوم «القوة والفعل» الذي طرحه أرسطو، # 6 # لكننا سنجد مقاربة من نوع ما سيقوم ms146 بها جابر بن حيان (توفي 199ه/815م) بين الرواقيين والأرسطيين فيما بعد. # المبحث الثاني: الرومانيون # حاول الشاعر والفيلسوف الروماني تيتوس لوكريتوس كاروس # Lucretius ~~(حوالي 99-55ق.م.) أن يوجد علاقة بين الحرارة والجسم الحامل لها، فقد شبه الحرارة بالروح التي تحل بالجسد، وعندما تغادره فإن الجسد لن يخسر شيئا من ذرات مادته؛ لأن الأمر ليس كما في حالة الماء السائل الذي يتخلص في أحوال كثيرة من الحرارة التي أعطيت له، ومع ذلك فإنه هو ذاته لا يمزق إلى قطع؛ لذاك السبب يبقى بدون أن تنزل به خسارة. # 7 # وتبدو فكرة لوكريتوس منطقية جدا؛ فالجسم في الحالة الطبيعية يكتسب الحرارة من مصدر خارجي تجعله يسخن، وعندما يبرد فإن هذه الحرارة التي اكتسبها تخرج منه، وبذلك تكون الحرارة عنصرا غير مضمر أو كامن في الجسم؛ أي ليست في طور (القوة) الذي يخرج بالتسخين كما قال أرسطو من قبل. كما تناول الفيلسوف الروماني لوسيوس لاكتانتيوس # L. Lactantius ~~(نحو 250-نحو 325م) مفهوم الكمون، على غرار تناوله ما سيتناوله بعد ذلك إبراهيم النظام (توفي 231ه/845م)؛ فقد كان يعتقد بأن النار كامنة في النار والحجر. # 8 # ولكن لا نعلم إن كان النظام قد تأثر بكتابات لاكتانتيوس أو أن أعماله قد ترجمت للعربية أصلا. # المبحث الثالث: العلماء العرب والمسلمون # ورد في معجم مقاييس اللغة لابن فارس حول مادة (كمن): «الكاف والميم والنون أصيل يدل على استخفاء، يقال: كمن الشيء كمونا، واشتقاق الكمين في الحرب من هذا. وزعم ناس أن الناقة الكمون: الكتوم اللقاح، وهي إذا لقحت لم تشل بذنبها. وحزن مكتمن في القلب كأنه مستخف. والكمنة: داء في العين من بقية رمد.» # 9 # واصطلاحيا يعرف أبو عبد الله الكاتب الخوارزمي (توفي 387ه/997م) في كتابه (مفاتيح العلوم) معنى الكمون فيقول: «الكمون هو استتار الشيء عن الحس كالزبد الذي في اللبن قبل ظهوره، وكالدهن في السمسم.» # 10 # أما أبو بكر الباقلاني (توفي 402ه/1013م) فيقول: «الظهور خروج إلى مكان، والكمون انتقال عنه، وكون في غيره من الأماكن، واستتار ببعض الأجسام.» # 11 # وهكذا نجد ms147 أن المعنى اللغوي للكمون يتطابق عند العرب مع المعنى الاصطلاحي إلى حد كبير؛ إذ يقوم مذهب الكمون على الاعتقاد بأن كل شيء يكمن في كل شيء؛ أي إنه كل شيء فيه جزء من كل شيء. وقد اعتقد العلماء العرب والمسلمون المتفقون مع نظرية الكمون بقابلية الجسم للاحتراق لأن الحرارة كامنة فيه. # ويرى الباحث محمد عاطف العراقي بأن القائلين من العرب بمذهب الكمون قد تأثروا بأناكساغوراس الذي قال بأنه لا يمكن إرجاع الأشياء المركبة إلى عناصر بسيطة؛ فمهما بلغت عملية تقسيم الأجسام، حسب النظرية الذرية لديموقريطس # Democritus ~~(460؟ق.م.-370؟ق.م.)، فإن التقسيم ينتهي دوما إلى أجزاء متجانسة في الكل: العظم في العظم واللحم في اللحم. ~~ وهكذا، فإن كل قطعة مهما صغرت تكون قابلة للتجزئة، وتحوي جميع الأشكال والكيفيات، ولا تختلف عن قطعة أخرى مخالفة لها إلا بالنسب المختلفة التي مزجت فيها على وفقها. # 12 # ويعتبر العراقي بأن مذهب الكمون «ينسب في الإسلام إلى إبراهيم بن سيار النظام المتكلم المعتزلي الذي جعل من مسألة الكمون النقطة الرئيسة لمذهبه في المباحث الطبيعية.» # 13 # معتمدا في قوله هذا على ما طرحه معارضو النظام؛ عبد القاهر بن طاهر البغدادي (توفي 429ه/1037م) في كتابه (الفرق بين الفرق)، # 14 # وأبو الفتح الشهرستاني (توفي 548ه/1153م) في كتابه (الملل والنحل). # 15 # لكننا لا نتفق معه في هذا النسب؛ فقد وجدنا أن جابر بن حيان، الذي توفي قبل النظام بنحو ثلاثين سنة، قد تكلم في هذا المذهب، ويذكر جابر أن المذهب كان شائعا ومنتشرا في عصره، ولكن ربما النظام كان أكثر من جادل فيه، وقدم أمثلة توضيحية موسعة من الطبيعة عليه؛ وبالتالي ظهر له مؤيدون ومعارضون، خصوصا وأن سبق للنظام وأن أثار مسألة الطفرة في الحركة (أي الوثب مع الارتفاع)، والتي قسمت العلماء والفلاسفة أيضا إلى فريقين متفقين معه ومخالفين له. ~~ والجيد في الأمر هو ظهور حركة النقد العربي لهذا المذهب، سواء كان مصدره النظام أم اليونانيين وعدم قبوله على علاته. # باستثناء جابر بن حيان، فقد كان عدد المعارضين والمنتقدين لنظرية الكمون ms148 الحراري التي أشاعها إبراهيم النظام في مذهبه ثمانية أشخاص، أما الذين وافقوه فكان عددهم ثلاثة أشخاص فقط، وهذا يعني أن الغالبية العظمى من العلماء العرب والمسلمين كانت ترفضها وتنتقدها وتحاول أن تقدم التفسير البديل لها، وبالتالي البديل على الفكر اليوناني. # جابر بن حيان (القرن 3ه/9م) # اعتبر جابر بن حيان أن مفهوم الكمون والظهور يناظر مفهوما سبق وأن أرسى أرسطو أسسه، وهو القوة والفعل، فالكمون يقابل القوة والفعل يقابل الظهور، فنراه يقول: «إن الطلع في الرطب، والرطب في الطلع بالقوة، وإذ قد بان ذلك فإن في الأشياء كلها وجودا للأشياء كلها، ولكن على وجوه من الاستخراج، فإن النار في الحجر كامنة [و] لا تظهر، وهي له بالقوة؛ فإذا زند أوري، فظهرت، وكذلك الشمع في النحل.» # 16 # ثم يؤكد لنا كيف أن هذه النظرية كانت شائعة ولها أتباع فقال: إن «أصحاب الكمون والظهور زعموا أن الأجسام لا يوجد منها شيء بسيط صرف بل كل جسم فإنه مختلط من كل الطبائع، لكنه يسمى باسم الغالب عليه، فإذا لقيه ما يكون الغالب عليه من جنس ما كان مغلوبا فيه؛ فإنه يبرز ذلك المغلوب من الكمون ويحاول مقاومة ما كان غالبا.» # 17 # والظاهر أن جابر كما ذكرنا، حاول أن يقف موقف المحايد من النظرية، محاولا التوفيق بين الآراء اليونانية، ولا يجعل القارئ يقع في حيرة من أمره؛ أي هل يعتمد مفهوم الكمون أم مفهوم القوة والفعل، وأن كلا منهما وجهان لعملة واحدة، ومن خلال اطلاعنا الواسع على مؤلفات جابر فقد وجدنا أنه كان يعتمد مفهوم القوة والفعل أكثر مما يعتمد مفهوم الكمون. # إبراهيم النظام (القرن 3ه/9م) # يصنف إبراهيم النظام في الطبقة السادسة من طبقات المعتزلة، # 18 # ويقر الكثيرون بذكائه وقدرته على ابتكار الجديد من الأفكار، وقد لاحظنا أنه لا يخوض في أمر ما إلا لهدف أو غاية، وليس الكلام من أجل الكلام. # فيما يتعلق بكلامه في الكمون فقد كان يتعلق عنده بأمرين؛ كمون الأعراض، وكمون الموجودات. وكان النظام يقول بكلا النوعين، ويقصد بكمون الأعراض: «أن ms149 الأعراض قديمة في الأجسام غير أنها تكمن في الأجسام وتظهر، فإذا ظهرت الحركة في الجسم كمن السكون فيه، وإذا ظهر السكون فيه كمنت الحركة فيه ، وكذلك كل عرض ظهر كمن ضده في محله.» # 19 # أما كمون الموجودات فقد كان يقسمه إلى ثلاثة أنواع: # 20 ~~(1) # كمون الاختناق: وهو الذي نجده في كمون الزيت في الزيتون والدهن في السمسم والعصير في العنب، وهذا النوع لا يعارضه فيه أحد. ~~(2) # كمون ما هو بالقوة، كالنخلة في النواة والإنسان في النطفة. ~~(3) # كمون العناصر المتضادة: حيث تتكون الأجسام عنده من عناصر وأجناس متضادة، مثل عود الحطب المكون من نار وماء وتراب وهواء أو دخان، والنار حر وضياء، والماء سيولة ورطوبة. # وحسب التقسيمات السابقة فإن مفهوم الكمون أعم وأشمل من مفهوم القوة والفعل الذي جاء به أرسطو قبل ذلك. # أما قول النظام وأتباعه بكمون صفات المادة، يعني استقلال هذه الصفات عن الذات المدركة، وبذلك فإنه يذهب عكس ما قاله الفيلسوف الإنكليزي جورج باركلي # G. Berkeley ~~(1658-1753م) في القرن 18م. # 21 # وقد تكلم الشهرستاني عن مصدر مذهب النظام فقال: «وإنما أخذ هذه المقالة من أصحاب الكمون والظهور من الفلاسفة، وأكثر ميله بدأ إلى تقرير مذاهب الطبيعيين منهم دون الإلهيين.» # 22 # وقول الشهرستاني «أخذ هذه المقالة» ربما يعني بهم الرواقيين، فقد كانت تجري له مناظرات مع الديصانية # 23 # وغيرهم من الفرق التي ظهرت في عصره. ~~ ويقرر الباحث جوزيف هورفتز # J. ~~ Horovitz # أن قول النظام في الكمون يرجع إلى العلة البذرية عند الرواقيين، وهو أن الأشياء بجملتها كانت كامنة في الجسم الأول أو العقل على هيئة بذور، وأنها تظهر منه بالضرورة كظهور الحيوان أو النبات من البذرة، ثم يرجع هورفتز إلى نص آخر ذكره الشهرستاني، وقال فيه إن أول من تكلم عن الظهور والكمون هو أناكساغوراس، # 24 # وقد أكد ذلك المستشرق الألماني ماكس هورتن # M. Horten # أيضا. # 25 # لكن الفرق بين أناكساغوراس والنظام أن النار - عند الأخير - كامنة في كل العود، وهي تمثل أحد أركانه الأربعة: النار، والدخان، والماء، والرماد، ms150 وبذلك فإن العناصر المفردة متناهية العدد، في حين افترض أناكساغوراس أن عناصر الأشياء كلها في كل شيء، فالنبات فيه مثلا جميع الأشياء، ولكنها مختلطة ومتناهية في الصغر، لذا يتعذر مشاهدتها. # 26 # من ناحية أخرى، ينقل لنا الجاحظ رد النظام على أصحاب الأعراض الذين اعترضوا على القول بكمون النار في الخشب، فقد قال النظام: «فإن اعترض علينا معترض من أصحاب الأعراض فزعم أن النار لم تكن كامنة وكيف تكمن فيه وهي أعظم منه؟ ولكن العود إذا احتك بالعود حمي العودان، وحمي من الهواء المحيط بهما الجزء الذي بينهما، ثم الذي يلي ذلك منهما، فإذا احتدم رق ثم جف، والتهب؛ فإنما النار هواء استحال، والهواء في أصل جوهره حار رقيق، وهو جسم رقيق وهو جسم خوار جيد القبول سريع الانقلاب.» # 27 # إذن حتى يخرج العود الحرارة الكامنة بداخله، وتحدث عملية الاحتراق لا بد من توفر العناصر المساعدة مثل الاحتكاك والهواء. # أخيرا، واعتمادا على مفهوم الكمون الحراري حاول النظام تفسير عملية غليان الماء كما يأتي: عندما يتم تسخين الماء فإن انطلاق الفقاعات منه ليست مجرد هواء، كما يعتقد الكثيرون، وإنما هذه الفقاعات عبارة عن عنصر ناري كان كامنا في بنية الماء، وقد تهيج وانطلق من أسره بتأثير النار الخارجية، فرفعت معها أجزاء من الماء، وهكذا فإن النار والماء يمكنهما أن يوجدا جنبا إلى جنب، ولكن اتصالهما وانفصالهما لا يتم إلا بوساطة قوة قاهرة؛ كونهما غير متجانسين بطبيعة الحال. # 28 # القاسم بن إبراهيم الرسي (القرن 3ه/9م) # أنكر القاسم بن إبراهيم الرسي (توفي 246ه/860م) مفهوم الكمون، وأن تكمن الأشياء بداخل بعضها بعضا، وقد ورد هذا النكران في عملين؛ الأول في «الرد على الزنديق اللعين ابن المقفع»، # 29 # والثاني في رسالة مخطوطة ضمن مجموع موجود في مكتبة الدولة ببرلين. # 30 # وخلاصة قوله في الموقعين السابقين؛ أنه يورد لفظ الكمون بمناسبة مذهب أناكساغوراس، والذي سيعرف عند العرب بأنه صاحب الكمون، وينكر أن النخلة تكمن في البذرة أو تتطور عنها. # 31 # لكنه لا يقدم البديل عن فكرة النظام، ms151 فكان رأيه مجرد اعتراض ليس أكثر. # أيوب الرهاوي (القرن 3ه/9م) # انتقد أيوب الرهاوي (أيوب الأبرش السرياني) (القرن 3ه/9م) في «كتاب الكنوز» مذهب الكمون الذي أشاعه النظام، ويذكر أيوب أنه التقى به شخصيا، وقد حاول نقض هذا المذهب في كتابه بأكثر من 12 صفحة، ربما لكون الرهاوي يتبع مذهب أرسطو الذي يقر بأن النار عبارة عن هواء ساخن، بخلاف النظام الذي يعتبر النار تكمن في الحطب والحجر. لكنه في الوقت نفسه يعترف بجهود النظام وبأنه فيلسوف وليس متكلما، وهو ما يعني قدرة النظام على إقامة مذهب منسق. # 32 # عبد الله الكعبي (القرن 4ه/10م) # نفى عبد الله أبو القاسم الكعبي (توفي 319ه/931م)، ومن معه من البغداديين، فكرة الكمون التي طرحها النظام بقوله: «إن النار تحرق ما لاقاها، على قدر قلته وكثرته، وأجزاء الحجر وإن لم تكن تقوى على إحراقها فهي تسحقه.» ويعلل البغداديون قوله بطريقة منطقية قائلين: «لو كان في الخشب نار كامنة لكان يجب أن تحترق الخشبة [نفسها]، وبعد، فكان يجب إذا سحقنا الخشب أن تظهر تلك النار.» بالمقابل رد البصريون المؤيدون للنظام على هذا التفسير بقولهم: «إن النار في الخشب متفرقة في مواضع منه، هي يسيرة وقليلة، وفي الخشب صلابة تمنع النار من الاشتعال والتأجج.» يقصد بفكرة الكمون والمداخلة اختلاف قابلية الأجسام على الاشتعال، وما تعطيه هذه الظاهرة لمتبني الفكرة من خيال في وجود النار داخل الخشب أو القطن، مثل وجود الكهرباء داخل الأجسام. ومع أن الكعبي نفى تلك الفكرة فإنه تبنى في مكان آخر فكرة (كمون الماء في الهواء) كما فعل البصريون، وقد قال في ذلك «إن الهواء يستحيل ماء.» # 33 # وقصد بذلك أن الهواء يتضمن عنصر الماء ويظهر ضمن ظروف معينة، مثل تكاثفه على سطح كوب ماء بارد. # أبو الحسن الأشعري (القرن 4ه/10م) # ينقل لنا محمد بن الحسن بن فورك (توفي 406ه/1015م) عن أبي الحسن الأشعري (توفي 324ه/936م) توضيحه لمفهوم الكمون كما يجب أن يفهم، فهو إما يعني أن جسما ما يحل في جسم آخر، أو أن يكون ms152 الجسم يحوي على جسم آخر، لكن لا يمكن لصفة عارضة أن تكون كامنة في الجسم وأصيلة فيه. # قال الأشعري: «إن الكمون والظهور من صفات الأجسام، ولا يصح وصف الأعراض بذلك على الحقيقة؛ لأن هذه الصفة تختص بما يكون متحيزا يجوز عليه الحركة والسكون، وذلك من أوصاف الجوهر. وكان يقول إن معنى كون الشيء في الشيء قد يكون على وجهين؛ أحدهما بمعنى المجاورة والمماسة وذلك ككون حلول الجسم في الجسم، وقد يكون على معنى أن الشيء حاو له فيكون ظرفا له ووعاء له، فأما القول بأن العرض في الجوهر والصفة في الموصوف، فكان يأبى ذلك ويقول إن ما لا يصح أن يحل الشيء فلا يصح أن يكون فيه؛ لأن كون الشيء في الشيء إنما يصح إذا صح حلول فيه، وقد بينا أنه كان يقول إن الحلول من صفات الجوهر، وإن العرض لا يصح أن يكون حالا في الشيء، ولا الصفة حالة في الموصوف.» # 34 # القاضي عبد الجبار (القرن 5ه/11م) # رفض القاضي عبد الجبار (توفي 415ه/1025م) فكرة الكمون التي طرحها النظام، وقال القاضي إن منطلقه في ذلك هو الاعتقاد بأن الأعراض وكل ما يحدث في الأجسام من تغييرات تحدث بطبع المحل؛ أي من الجسم الذي تصدر منه؛ ولهذا فإن القول بالكمون يؤدي إلى جملة من النتائج المرفوضة لدى تطبيقها على العقيدة الإسلامية مثل: # 35 ~~(1) # نقض نظرية التكليف؛ إذ يمكن أن تؤدي هذه النظرية من جهة مخالفة إلى نتيجة مخالفة، وهي أن الله خلق الكون وأكمن فيه كل ما سيظهر من أفعال وتغيرات، فلماذا يحاسب الإنسان على فعل خلق فيه، ويظهر بطبع محله لا بإرادته. ~~(2) # إن الله لا يخلق الأعراض أصلا، ما دامت الحركات والتغيرات كلها تحدث بالظهور من الكمون أو بطبع المحل، وهذا يتعارض تماما مع القول بالمعجزات. # كما رفض القاضي الحل الحتمي لوجود الأعراض، وإن كان يقبل بالسببية المباشرة لكل متغير، لكن لا يجوز أن يكون السبب بعيدا كالكمون الذي يزعمون أنه خلق مع الأجسام. # ابن سينا (القرن 5ه/11م) # تناول ابن ms153 سينا نظرية الكمون بالنقد والاعتراض عليها، مؤيدا بذلك ما ذهب إليه أرسطو؛ وذلك لأن أصحابها - من الناحية الحرارية - يقولون بأنه لا استحالة في الكيف وفي الصورة معا؛ أي إن الماء لا يسخن في جوهره، وإنما فشت فيه أجزاء نارية داخلية، وما يعتقد أن قد برد تكون قد فشت فيه أجزاء جسدية. # 36 # ويرد ابن سينا على أصحاب الكمون، الذين يعتبرون الحرارة شيئا ماديا، فلو أن الحرارة كانت كامنة في جسم ما، ووضع بجواره جسم آخر بارد فإن الحرارة ستنتقل من الجسم الأول إلى الثاني مسببة برودة الأول؛ نظرا لوجود تفاوت في الحرارة بينهما، لكن هذا لن يحدث، إذن لا يوجد حرارة كامنة في الجسم. # 37 # ويرى ابن سينا أن الأصل في عنصر الحرارة أن يبقى ساكنا كامنا في مركز الجسم، ولا يكون تحركه عرضيا عندما تطبق عليه حرارة من مصدر خارجي «يجب أن تعلم أن الحرارات ليست بسالكة عن المركز؛ لأن الحرارة غير متحركة اللهم إلا بالعرض؛ لكونها في جسم متحرك ككون إنسان ساكن في سفينة متحركة.» # 38 # كذلك لدى احتكاك جسم بجسم آخر، فلا يمكننا القول بأنه توجد نار قد انفصلت من الحاك ودخلت في المحكوك أو العكس. دليل ذلك بأنه ولا واحد منهما يبرد بانفصالهما فيسخن الآخر بنفوذها فيه، بل إنهما يسخنان ظاهرا وباطنا. # 39 # أما الاستدلال على حدوث السخونة عند الحركة العنيفة، فهو يدل على خطأ مذهبهم؛ لأن ذلك يحدث دون حدوث نار غريبة خارجية يمكن نفوذها في التسخين، فإذا كان لدينا وعاءان أحدهما من النحاس والآخر من الخزف، فإن الحرارة لو كانت نتيجة لنفوذ النار وانتشارها في الماء، لوجب أن يسخن الماء الذي في قدر الخزف قبل الماء الذي في قدر النحاس؛ وذلك لقدرته على النفوذ في الأول أكثر من الثاني، إلا أن الأمر ليس كذلك. # 40 # أخيرا، يصل ابن سينا إلى رأيه النهائي بأن الكمون ليس له معنى البتة؛ لأن الجسم يكون باردا في جميع أجزائه الداخلية والظاهرية، ثم يسخن في جميعها، ولو كانت هناك ms154 النار كامنة في جزء منه، ثم ظهرت في جزء آخر، لكانت الحرارة موجودة في ذلك الجزء ثم انتقلت عنه ونزلت في ذلك الجزء مثل البرودة التي كانت موجودة في الجزء المنتقل إليه، وليس الأمر كذلك، وإنما السبب في ذلك هو التحول وليس الكمون ولا المخالطة مع شيء من الخارج. # 41 # أبو رشيد النيسابوري (القرن 5ه/11م) # يختلف أبو رشيد النيسابوري (توفي نحو 440ه/1048م) مع رأي شيخه أبي القاسم الكعبي حول الكمون الحراري ، الذي سبق وأن أنكره؛ فالدليل على صحة ما قاله المؤيدون لمذهب النظام - حسب أبي رشيد - هو أن «النار التي تحصل بالقدح في الحجر لا تخلو من أن تكون قد ظهرت من الحجر عند القدح، كما نقوله أو يكون ذلك مما يحدث عند فعل الله تعالى بالعادة أو يكون الهواء بقدحنا في الحجر يستحيل نارا فتكون الحرارة من فعلنا، ولا يجوز أن يقال إن النار تحصل من فعل الله بالعادة؛ لأن الحال في ذلك تستمر على طريقة واحدة، ولو كان ذلك حاصلا بالعادة لكان لا يمتنع أن يكون الحجر لا تنقدح منه النار أصلا، وإن رقق وقدح بالحديد المموه.» # 42 # المدهش في الأمر أن التجربة التي أجراها همفري ديفي # 43 # في القرن 19م تكلم عنها أبو رشيد هنا، ونفى إمكانية أن يصدر عن احتكاك قطعتي جليد حرارة، لكن أبا رشيد لم يكمل لنا نتيجة التجربة، فما حصل عليه ديفي هو انصهار الجليد وهو ما لم يشر إليه أبو رشيد. # قال أبو رشيد في وصف تجربته: «ومرة تنقدح النار إذا ضرب قطعة جليد على قطعة أخرى من الجليد، وقد علمنا فساد ذلك، ولا يجوز أن يقال إن الحرارة تحصل من فعلنا؛ لأن المولد لها يجب أن يكون الاعتماد، فكان يجب من غير القدح بالحجر أن نفعل في الهواء حرارة إذا اعتمدنا عليه وأن نحيله نارا، وبعد فكان يجب ألا تفترق الحال سواء قدحنا بحديد مموه أو بما لا يكون سبيله هذا السبيل، وكان يجب ألا يقترف بعض الأحجار من بعض لأن ms155 المعتبر فيما تولد بالاعتماد، والاعتماد حاصل على حد واحد في سائر الأحوال. على أنا لو قدرنا على الحرارة لقدرنا على البرودة، ولو قدرنا عليها لكان لا تخلو حال ما نفعله من البرودة أمرين: إما أن تكون مباشرة أو متولدة، ولا يجوز أن تكون مباشرة؛ لأن أحدنا ربما يقوى داعيه إلى أن يبرد جسده عندما يجب من حر الهواء، ومع ذلك فإنه لا يتمكن من ذلك، ولا يجوز أن يكون متولدة في غير محل قدرته ؛ لأن السبب الذي يعدى به الشيء عن محل القدرة ليس إلا الاعتماد، فكان يجب أن يقال في الاعتماد إنه كما يولد الحرارة يولد البرودة، وإن كان كذلك لكان يجب أن يولد الحرارة والبرودة في حالة واحدة، وذلك محال.» # 44 # وقد تصدى أبو رشيد بالإجابة لأولئك الذين طرحوا السؤال الآتي: «قالوا لو كان في الخشب نار كامنة لكان يجب أن تحترق الخشبة، وبعد فكان يجب إذا سحقنا الخشب أن تظهر تلك النار، وكان يجب بعد سحق الحجر وتفتته أن تظهر النار.» فكان الجواب: «إن النار التي في الخشب مفتوقة في مواضع منه، وهي يسيرة قليلة وفي الخشب صلابة تمنع النار من الاشتعال والتأجج؛ فلذلك لا يحترق بها ولا تظهر النار بسحق الخشب لأن بالسحق تفترق أجزاء النار وهي يسيرة فتتبدد عند ذلك فلا تظهر ولا تجتمع، وإنما لم يجز أن يسحق الحجر فتظهر النار لما ذكرنا من قلته وصلابة الحجر.» # 45 # ابن حزم الأندلسي (القرن 5ه/11م) # انتقد ابن حزم، نظرية الكمون النظامية، وقد حاول أن يمنح نقده هذا ركيزة برهانية تستند إلى العلم؛ فابن حزم، بناء على طبائع المواد، يرى أن الخشب لا يحترق لأن في قلبه نارا، بل لأن طبيعته أن يحترق كلما قاربته النار. والنواة لا تكمن فيها النخلة كمونا سابقا، بل ركبها الله بحيث إنها إذا لامست الرطوبة الأرضية والمناخ المناسب أنبتت النخل؛ لذلك فالأمر يتعلق بطبائع الأشياء وليس أن الأشياء كامنة ببعضها، وهناك بون شاسع بين الكمون والطبائع. والمنتقدون لنظرية الكمون، أمثال ضرار ms156 بن عمرو (توفي نحو 190ه/805م) والأشاعرة، لم تلفت انتباههم هذه النقطة. # 46 # قال ابن حزم: «أما الكمون فإن طائفة ذهبت إلى أن النار كامنة في الحجر، وذهبت طائفة إلى إبطال هذا، وقالت إنه لا نار في الحجر أصلا وهو قول ضرار بن عمرو. قال أبو محمد: وكل طائفة منهما فإنها تفرط على الأخرى فيما تدعي عليها؛ فضرار ينسب إلى مخالفيه أنهم يقولون بأن النخلة بطولها وعرضها وعظمها كامنة في النواة وأن الإنسان بطوله وعرضه وعمقه وعظمه كامن في المني ، وخصومه ينسبون إليه أنه يقول ليس في النار حر، ولا في العنب عصير، ولا في الزيتون زيت ولا في الإنسان دم.» # 47 # ثم يورد ابن حزم أدلته على عدم صحة مذهب الكمون، فقال: «وكلا القولين جنون محض ومكابرة للحواس والعقول، والحق في ذلك أن في الأشياء ما هو كامن كالدم في الإنسان، والعصير في العنب، والزيت في الزيتون، والماء في كل ما يعتصر منه، وبرهان ذلك أن كل ما ذكرنا إذا خرج مما كان كامنا فيه ضمر الباقي لخروج ما خرج، وخف وزنه لذلك عما كان عليه قبل خروج الذي خرج، ومن الأشياء ما ليس كامنا كالنار في الحجر والحديد، لكن في حجر الزناد والحديد الذكر قوة إذا تضاغطا احتدم ما بينهما من الهواء، فاستحال نارا. وهكذا يعرض لكل شيء منحرق فإن رطوباته تستحيل نارا ثم دخانا، ثم هواء؛ إذ في طبع النار استخراج ناريات الأجسام وتصعيد رطوباتها حتى يفنى كل ما في الجسم من الناريات والمائيات عنه بالخروج، ثم لو نفخت دهرك على ما بقي من الأرضية المحضة وهي الرماد لم يحترق ولا اشتعل إذ ليس فيه نار فتخرج، ولا ماء فيتصعد، وكذلك دهن السراج فإنه كثير الناريات بطبعه، فيستحيل بما فيه من المائية اليسيرة دخانا هوائيا، وتخرج ناريته حتى يذهب كله. وأما القول في النوى والبزور والنطف فإن في النواة وفي البزر وفي النطفة طبيعة خلقها في كل ذلك الله - عز وجل - وهي قوة تجتذب الرطوبات الواردة عليها من ms157 الماء، والزبل، ولطيف التراب الوارد كل ذلك على النواة والبزر، فتحيل كل ذلك إلى ما في طبعها إحالته إليه فيصير عودا، ولحاء، وورقا، وزهرا، وثمرا، وخوصا، وكرما، ومثل الدم الوارد على النطفة فتحيله طبيعته التي خلقها الله تعالى فيه لحما ودما وعظما وعصبا وعروقا وشرايين وعضلا وغضاريف وجلدا وظفرا وشعرا، وكل ذلك خلق الله تعالى، فتبارك الله أحسن الخالقين، والحمد لله رب العالمين.» # 48 # وانطلاقا من فكرة أن الوقائع الحسية ثابتة، ومطردة للعيان، وتفرض وجودها باعتبارها نمطا من أنماط الخبرة يختلف عن غيره من الأنماط؛ فإن ابن حزم ينتقد من ينكر خاصية الحرارة والإحراق في النار فيقول: «ذهب الباقلاني، وسار الأشعرية إلى أنه ليس في النار حر، وهذا موضع تشهد الحواس بتكذيبهم، ولعل بطونكم لا مصارين فيها، ورءوسكم لا أدمغة فيها، لكن الله خلق كل ذلك عند الشدخ، والشق.» # 49 # ابن متويه (القرن 5ه/11م) # انضم ابن متويه (توفي 469ه/1076م) إلى تيار المؤيدين لمذهب الكمون، فقال: «حكي عن شعيب بن ذرارة، وطبقة من قلة المتكلمين، أنهم لم يثبتوا في النار حرارة، ولا في الزيتون زيتا، وأن الحرارة تحدث فيها عند قربنا منها، والزيت يحدث عند العصر، وربما قالوا: بل تحدث فينا الحرارة عند القرب منها، وهذه جهالة مفرطة. وفي ذلك قال بشر بن المعتمر: # يا شعيب بن ذرارة # يا حمار بن حمارة # ليس في الزيتون زيت # ليس في النار حرارة؟ # وقد ذهب أبو القاسم إلى أنهما مقدورتان للعباد، وقال: إن أحدنا إذا حك إحدى راحتيه بالأخرى أو حك إحدى الخشبتين بالأخرى حصلت هناك حرارة وهذا يوجب أنه الفاعل لها.» # 50 # طبعا لم يقف ابن متويه عن حدود الاتفاق السابق بإيراد الهجاء اللاذع الذي وجهه بشر إلى شعيب فقط، وإنما قدم أدلته على صحة المذهب؛ فنراه يشير إشارة لطيفة إلى أن عملية الاحتكاك تسبب إثارة (يسميها ابن متويه انزعاجا) في المادة التي تتعرض للاحتكاك، وتكون الإثارة أسرع في الأجزاء الحارة منها في الأجزاء الباردة. ويبدو أن ابن متويه حاول تطبيق هذه الفكرة ms158 على المسألة التي تكلم عنها أبو رشيد بأن الحرارة تنشأ بسبب صلابة المادة أو رخاوتها التي تمنع أو تسمح بظهور الحرارة؛ لذلك فإن حك الجليد بالجليد لا يشبه حك اليدين مع بعضهما، فالجليد لا تكمن الحرارة بداخله، لكن حك قطعتي الجليد يخلق حالة إثارة مؤقتة تكفي لتذيب السطحين المتماسين، أما إذا مرر الإنسان يده على الثوب أو القطن (أي حك مادة صلبة مع مادة رخوة) فإن الحرارة الكامنة تظهر فيهما بشكل أسرع لأن أجزاء الثوب والقطن رخوان. # قال ابن متويه: «وعندنا أن تلك الحرارة باقية لا أنها حادثة عند الحك. وإنما تنزعج الأجزاء التي فيها حرارة بالحك، ومعلوم أن انزعاج الأجزاء الحارة هو أسرع من انزعاج الأجزاء الباردة؛ فلا يكون لأحد أن يقول: كيف تنزعج هي دون غيرها؟ ولو كان الحك هو المولد لم يفترق الحال بين حك إحدى الراحتين بالأخرى، وبين حك الجليد بالجليد، أو حك بعض الميت ببعض لاحتمال المحل في الموضعين للحرارة، وكذلك فقد يثبت حك أسفل القدم بغيره فلا يوجد من الحرارة ما يوجد عند حك الراحتين، ولم تكن العلم إلا أن تلك الصلابة مانعة من ظهور الأجزاء الحارة. وإذا كانت هناك رخاوة ظهرت في الأجزاء الكامنة. ~~ وبمثل هذه الطريقة تظهر عند إمرار اليد على الثوب والقطن لئلا ما يشبه انقداح النار.» # 51 # فخر الدين الرازي (القرن 7ه/13م) # اكتفى الإمام فخر الدين الرازي (توفي 606ه/1210م) بتعريفنا بنظرية الكمون بقوله: «أصحاب الكمون والظهور زعموا أن الأجسام لا يوجد منها شيء بسيط صرف بل كل جسم فإنه مختلط من كل الطبائع، لكنه يسمى باسم الغالب عليه، فإذا لقيه ما يكون الغالب عليه من جنس ما كان مغلوبا فيه، فإنه يبرز ذلك المغلوب من الكمون، ويحاول مقاومة ما كان غالبا.» # 52 # ويبدو من كلامه هذا الموافقة الضمنية على أقوال أصحاب الكمون بشكل عام. # ابن كمونة (القرن 7ه/13م) # انضم سعد بن منصور بن كمونة (توفي 683ه/1284م) إلى فريق المعارضين لفكرة الكمون الحراري، وقد استدل على ذلك من الوعاء المغلق بإحكام؛ ms159 حيث لا مكان فيه لانتشار أي شيء، ولو كانت الحرارة تكمن فيه لأطفأتها المياه، وما يظهر من حرارة في الأشياء بعد حكها أو غير ذلك فهو بسبب تحركها أو تحريكها، وإذا تسخنت فإن داخلها وخارجها يتسخن في لحظتها دون أن يحتفظ بأية حرارة تكمن فيه. # قال ابن كمونة: «ثم إذا كان رأس الآنية مسدودا، وهي مملوءة فأين للفاشي مكان المداخلة، حتى داخل الماء بالكلية، فلا يشاهد فيه إلا الحرارة، وكيف لم يطفئ الماء تلك الأجزاء شيئا فشيئا؟! ولو خالط المتبرد أشياء جمدية لما برد الجمد ما فوقه؛ إذ ليس من طبع الأجزاء الجمدية الصعود، والمخضخض والمحكوم يتسخن بالحركة، ولا نار هناك حتى تفشو فيه. ولا يمكن أن يقال كانت كامنة، فأظهرها الحك والخضخضة، فإن الماء يتسخن بالتحريك، مع أن ظاهره وباطنه كانا باردين، ثم صارا حارين. ~~ ولو كان هناك حرارة باطنة، لأحس بها قبل تحريكه، ثم كيف يصدق بأن النارية المنفصلة عن الخشب، والباقية فيه بعد تحمره، كانت كامنة ولم يحس بها عند الكسر والرض والسحق، وكذا التي في الزجاج الذائب، مع أنه لا يستر ما في باطنه، وكان هذا (مما) لا يحتاج إلى إيضاح لوضوحه.» # 53 # ثم يحاول ابن كمونة أن يفسر ظاهرة تسخن الأجسام التي تسقط عليها أشعة الشمس، بأن الأمر يعود إلى استعداد هذه الأجسام لامتصاص الأشعة الحرارية الساقطة عليها عندما تقابلها، مع وجود تناسب طردي بين شدة الأشعة الساقطة ومقدار التسخن. # قال ابن كمونة: «وتستعد هذه الأجسام بمقابلة المضيء لقبول التسخين من المبدأ المفيد له. وتشتد حرارتها بشدة المقابلة، وتضعف بضعفها؛ ولهذا كان الحر في الصيف أشد، وليس أن الشمس تسخن بذاتها، وإلا لكان الهواء الأبعد عن الأرض أسخن، لأنه أقرب إليها، وليس كذا؛ فإن الجبال والأبخرة التي في الجو باردة في الصيف، لبعدها عن مطرح الشعاع.» # 54 # أيدمر الجلدكي (القرن 8ه/14م) # يؤيد الجلدكي (توفي 743ه/1342م) وجود مبدأ الكمون في الكيفيات داخل المادة، وحاول أن يطبق هذه النظرية على الطبائع الأربع، وعندما يظهر طبع فإن الطبع ms160 المقابل له يكمن، وكل ذلك يكون بمقادير مضبوطة حسب علم ميزان النار، قال الجلدكي: «إنه صح بالإجماع أن جميع المركبات مركبة من الطبائع الأربع، ولكن لكل منها ميزان معلوم في مبدأ التركيب ثم في الاستحالة ثم في التدريج إلى التمام، ثم عند النهاية. وإذا ظهر قوة أحد الطبائع اختفى ضدها وكمن في باطن التركيب، فإذا ظهرت الحرارة كمنت البرودة، وإذا ظهرت البرودة كمنت الحرارة، وإذا ظهرت اليبوسة كمنت البرودة، وإذا ظهرت الرطوبة كمنت اليبوسة، ولكن بموازين ودرجات ومراتب.» # 55 # ويبدو كلام الجلدكي منطقيا في إطار النظرية التي يحتكم إليها، فعندما يوجد خاصية معينة في أي مادة وتكون هي الغالبة، فإن بقية الخصائص الأخرى ستكمن ولا يظهر لها تأثير. # محمد فضل الحق (القرن 13ه/19م) # بقي الجدل الفلسفي والعلمي بين العلماء العرب والمسلمين حول الكمون الحراري قائما حتى القرن 19م؛ أي ألف سنة تقريبا! دون أن يحسم أمره أحد تجريبيا أو حتى فلسفيا. وقد يكون آخر من ناقش نظرية الكمون الحراري العالم الهندي محمد فضل الحق؛ فقد ذكر أن ما يدل على بطلان مذهب الكمون خمس ظواهر: # أولا: ~~«أن السخونة تحدث بالحركة العنيفة فيما يغلب عليه أحد العناصر الثلاثة الباقية من دون حصول نار غريبة يمكن نفوذها في المتسخن كالمحكوك، وهو الشيء اليابس الصلب الذي يماسه مثله مماسة عنيفة كخشبتين يابستين، فإن المحكوك منهما يحمى بل يحترق من دون نار فيه، وهو مما يغلب عليه الأرضية. ~~وكالمتخلخل، وهو الذي يجعل قوامه رقيقا متخلخلا كهواء الكير بإلحاح النفخ فيه ومنع الهواء الخارج من الدخول إليه، فإنه يسخن لا محالة؛ وذلك لأن السخونة مستلزمة للتخلخل بالحركة الشديدة المقتضية لرقة القوام. وكالمخضخض وهو الجسم الرطب كالماء ونحوه الذي تحرك تحريكا شديدا؛ فإنه يتسخن أيضا. # وثانيا: # بأن المائعين المتشابهين إذا سخنا في إناءين؛ أحدهما مستحصف أي مستحكم الجرم كالنحاس مثلا، والثاني متخلخل؛ أي مشتمل على الفرج والمسامات الصغيرة كالخزف، فلو كان التسخن بنفوذ النار وفشوها في المائع لوجب أن يتسخن الذي في المتخلخل قبل الآخر لسهولة ms161 النفوذ فيه دون الآخر، وليس الأمر كذلك. # وثالثا: # بأن الإناء المصموم المفدم # 56 # على تقدير هذا المذهب يجب أن يمنع عن تسخن ما فيه تسخنا بالغا؛ لامتناع دخول شيء يعتد به فيه إلا بعد خروج شيء يعتد به؛ إذ التداخل محال، وليس كذلك. # رابعا: # بأن القماقم الصياحة # 57 # إذا ملئت ماء وشد رأسها شدا محكما، ووضعت على نار قوية فإنها تنشق بعد صيرورة أكثر مائها نارا، وتصيح صيحة عظيمة هائلة يتنفر عنه الدواب؛ فحدوث السخونة والنار في داخلها مع امتناع دخول النار فيها وخروج الماء منها يدل على الاستحالة والكون معا، وهذان الوجهان إن كانا متقاربين لكن ليس مرجعهما واحدا كما قيل؛ لأن الثاني منهما يدل على الكون والاستحالة معا والأول لا يدل إلا على الاستحالة فقط. # وخامسا: # بأن الجمد يبرد ما فوقه والأجزاء الباردة لا تتصعد بل تنزل بالطبع، ولا قاسر هناك، فإذن هو الاستحالة.» # 58 # يبدو من هذه الحجج أنها تلخيص وتجميع لآراء من كل من سبق، وأنكر ظاهرة الكمون الحراري. من ناحية أخرى يبدو أن فضل الحق لم تصله نظرية جوزيف بلاك الذي كان قد أعلن عنها عام 1762م؛ أي قبل 100 سنة من وفاته تقريبا، وإنما ركز جهده في الرد على ما يتداول ويشيع في إطار الفلسفة الإسلامية والمجتمع المسلم. # المبحث الرابع: الأوروبيون # وجدنا كيف أن العلماء العرب والمسلمين ناقشوا حسب ما أوتوا من العلم موضوع الكمون الحراري، وكيف له أن يؤثر على حالة المادة بأن يجعلها تحترق أو تسخن إذا كانت صلبة نتيجة للاحتكاك. لكنهم لم ينتبهوا إلى أمر حاسم وهو الفرق بين الحرارة ودرجة الحرارة، وهو ما قام به جوزيف بلانك كما سنرى. # فرنسيس بيكون (القرن 17م) # أخذ الكمون الحراري عند فرنسيس بيكون # F. Bacon ~~(توفي 1626م) معنى تخزين وادخار الحرارة، وهو شبيه بالمفهوم الذي كان شائعا عند أنداده من العلماء العرب والمسلمين، إلا أنه قدم بعض الأفكار حول كيفية الحفاظ على الحرارة الداخلية التي توجد في الجسم. # قال بيكون: «لا شيء وجد حارا ms162 للمس البشري من بين أجزاء الحيوانات بعد أن تموت أو تفصل من الجسم. وحتى روث الحصان يفقد حرارته ما لم يحصر ويدفن. ومع ذلك فيبدو أن كل روث به كما في عملية تسميد الحقول. كذلك جثث الحيوانات بها حرارة مستترة أو كامنة من هذا النوع، فنجد أن الأرض في المقابر، حيث تتم دفنات كل يوم، تكتسب نوعا من الحرارة الخفية التي تلتهم الجسد الحديث الدفن أسرع كثيرا مما تفعل الأرض النقية. ويقال: إن الناس في الشرق كانوا يعرفون نوعا من القماش اللين الناعم المصنوع من ريش الطيور يمكنه صهر الزبد الملفوف فيه بلطف بوساطة دفئه الخاص». # 59 # جوزيف بلاك (القرن 18م) # الإشكالية الفلسفية والتجريبية العلمية التي لم يستطع العلماء السابقون حلها، تنبه إليها جوزيف بلاك؛ فقد أدرك بشكل دقيق وجود فرق بين مفهومي «درجة الحرارة» و«كمية الحرارة»؛ ولذلك فقد استحدث مصطلحات: الحرارة النوعية والسعة الحرارية وحرارة الانصهار والحرارة الكامنة. وكانت كل بحوثه تتسق مع النظرية المادية للحرارة التي تقبلها المجتمع العلمي بشكل عام. # 60 # بعيدا عن هذه الأفكار المشوقة فإن الخطوة المهمة التي قام بها جوزيف بلاك عندما ذوب الجليد بتسخينه بلطف، ولاحظ أن درجة الحرارة لم تتغير، فقد وصل من ذلك إلى التمييز بين كمية الحرارة وكثافتها؛ حيث إن الثانية منهما تقاس بوحدات درجة الحرارة؛ أما الأولى - التي تمتص بواسطة الجليد في عملية الذوبان - فهي التي دعاها بالحرارة الكامنة، وهو المصطلح الذي بقي حتى هذا اليوم. # 61 # وبذلك فإن الحرارة الكامنة تفسر لنا حالة تحول المادة من صلب إلى سائل أو بخار أو العكس. وقد علق على ذلك بلاك قائلا: «إن تخميناتي يمكن أن تكون كما يأتي: لقد تصورت أن الحرارة، في أثناء الغليان، يمتصها الماء فتدخل في تركيب البخار الذي يتحول إليه، وبالطريقة التي يمتصها بها الجليد في الذوبان فتدخل في تركيب الماء الذي يتحول إليه.» # 62 # والواضح من كلامه أنه لم يعرف كيف تدخل الحرارة في تركيب المادة، وهو ما فسرته فيما بعد النظرية الحركية للغازات. # بدأ ms163 بلاك بدراسة الظاهرة المعروفة، وهي أن الثلج عندما يذوب يبقى عند درجة الحرارة نفسها، بينما المادة الصلبة تتحول إلى سائل. وقد طبق بلاك هنا منهجه الحذر والكمي، وأجرى قياسات أوضحت أن الحرارة اللازمة لإذابة كمية من الثلج وتحويله إلى ماء هي كمية الحرارة اللازمة لرفع درجة حرارة كمية الماء نفسها من درجة الذوبان إلى الدرجة 140 فهرنهايت (أو 60 ~~° # مئوية). وقد وصف الحرارة التي امتصها الجسم الصلب في حال ذوبانه وتحوله إلى سائل عند درجة الحرارة نفسها بأنها حرارة كامنة، وأدرك أن وجود هذه الحرارة هو الذي جعل الماء سائلا وليس صلبا. وقرر أنه توجد حرارة كامنة مقترنة بانتقال الماء السائل إلى بخار (أو أي سائل آخر عند تحوله إلى حالته البخارية)، وبحث بلاك هذه الظاهرة كميا أيضا. ~~ وأطلق مصطلح «الحرارة النوعية» على كمية الحرارة اللازمة لرفع درجة حرارة كمية معينة من مادة نختارها بقدر محدد (أي بحسب تعبيراتنا الحالية، فإن هذا هو كمية الحرارة اللازمة لرفع درجة حرارة 1 غرام من مادة ما إلى 1 درجة مئوية). وصف بلاك جميع هذه الاكتشافات أمام نادي الجامعة الفلسفي في 23 أبريل/نيسان من عام 1762م، ولكنه لم ينشرها مكتوبة. كما قام بلاك بإجراء تجارب على البخار، ساعده فيها شاب متخصص في صنع الأدوات والأجهزة في الجامعة، اسمه جيمس واط # J. ~~ Watt ~~(1736-1819م)، أصبحت بينهما علاقة وثيقة جدا انتهت بنجاح الاثنين في صناعة المحرك البخاري. # 63 # لقد كان اكتشاف جوزيف بلاك للحرارة الكامنة مفيدا للكثير من الاختراعات التي أتت بعده، وكان بداية لدراسة الترموديناميك. وقد أدى هذا العمل بعد ذلك إلى تطوير المحركات البخارية ومسعر الجليد، كما بين أن للمواد المختلفة حرارات نوعية مختلفة. # 64 # الباب الثاني # | تطور علم القياس الحراري # الفصل الأول # | القياس الحراري عند اليونانيين # مقدمة # ارتكز ظهور مقاييس درجة الحرارة # Thermometers # على تطور مفهوم درجة الحرارة # Temperature ~~، ويرتكز مفهوم درجة الحرارة بدوره على القانون الأول في الترموديناميك، أو القانون الصفري الذي ينص على أنه إذا كان لدينا نظامان في حالة ms164 توازن مع نظام ثالث، فإن أحدهما يكون في حالة توازن مع الآخر. # 1 # أي لتمييز درجة سخونة الأجسام من برودتها يستعان بمفهوم درجة الحرارة، ويمكن إعطاء التعريف الكمي لهذا المقدار من حيث المبدأ عن طريق استخدام أية خاصية للأجسام بحيث تعتمد على درجة السخونة. لكن ثمة إشكالية في هذا التعريف؛ فإذا قمنا بتدريج عمود من الزئبق يوجد في حالة توازن حراري مع الجسم المقاسة درجة حرارته، فإن مثل هذا التدريج هو اختياري بشكل صرف بحيث لا يمكن أن يتضمن إطلاقا أي معنى فيزيائي عميق، وإنما هو اختيار مرتبط بالطابع العفوي للزئبق مثلا والزجاج الذي يصنع منه الوعاء الحاوي للزئبق؛ ولذلك يعتمد الفيزيائيون اليوم على التدريج الترموديناميكي أو المطلق الذي يرتبط بشكل وثيق بأهم الخصائص الحرارية لجميع المواد. # 2 # من ناحية أخرى، تعتبر درجة الحرارة لأي مادة مقياسا لمتوسط طاقتها الحركية، أو متوسط سرعة حركة جزيئاتها؛ فعند درجة الحرارة 35 ~~° # مئوية مثلا، يكون متوسط سرعة جزيئات غاز الأكسجين 1750كم/ساعة، وعندما تصل درجة الحرارة إلى 100 ~~° # مئوية يرتفع إلى 1941كم/ساعة، وهكذا كلما ارتفعت درجة الحرارة، ازداد متوسط سرعة الجزيئات، وتعبر حركة الجزيئات عن الطاقة الحركية. # 3 # لقد أصبح اليوم قياس درجة الحرارة علما قائما بحد ذاته يدعى علم القياس الحراري # Thermometry # ويعرف بأنه فرع الفيزياء الذي يتعامل مع قياس درجة الحرارة. وهو علم يعنى ببناء واستخدام مقاييس الحرارة. # 4 # وأصبح قياس كمية من الحرارة في علم مقاييس الحرارة الحديث يعتمد على مبدأين أساسيين، يرتبطان بهذا المقدار عن طريق تسخين كتلة من أي جسم آخر، وهذان المبدآن هما: # 5 ~~(1) # مبدأ الاستحالات المعكوسة: ويقضي بأن كمية الحرارة التي ينبغي إعطاؤها لجملة ما بهدف نقلها من الحالة (1) إلى الحالة (2)، تكون مساوية لكمية الحرارة المبذولة لنقل تلك الجملة من الحالة (2) إلى الحالة (1). ~~(2) # مبدأ المساواة في التبادلات الحرارية: ويقضي بأن كمية الحرارة التي تكسبها مجموعة من الأجسام في تبادلات حرارة صرفة، تكون مساوية لكمية الحرارة التي تقدمها إلى المجموعة الأخرى. # رحلة مقاييس الحرارة استغرقت قرونا طويلة حتى ms165 وصلتنا بالشكل الذي استقرت عليه اليوم، لكن كانت هناك محاولات وجهود كثيرة، ولدى عدة حضارات لضبط كمية الحرارة التي يحويها كل جسم، سواء كان سائلا أم صلبا أم غازيا. لكن الأمر تطلب فصل وتفنيد المفاهيم عن بعضها؛ أي يجب فصل مفهوم الحرارة عن درجة الحرارة، وفصل مفهوم الحرارة النوعية عن الحرارة الكامنة. # كان للهنود مثلا ميزانهم الخاص الذي يعتمد على الحشرات الذي لا يزال يستخدم حتى اليوم بعض التطوير؛ حيث إن جنادب الأشجار كانت تسمى «ميزان حرارة الفقراء»؛ لأن درجة الحرارة تؤثر على معدل نشاطها، وكانت عملية قياسهم تتم وفق الطريقة الآتية: احص عدد السقسقات التي يصنعها الجندب خلال 15 ثانية، ثم أضف إليها الرقم 37 تحصل على درجة الحرارة بالفهرنهايت # 6 # للجو. # 7 # لكننا سنجد أن مفهوم القياس الحراري بالنسبة لليونانيين كان مختلفا. ذكرنا أن القاعدة الأساسية لصياغة مفهوم درجة الحرارة، هي إدراك الخاصية التي تحتاج إمكانية المراقبة بشكل كمي لاستبدال مفهومنا الحسي المشكوك فيه عن الحرارة والبرودة. مع أن أساس العمل بالنسبة لهذا الإدراك قد طرحته النظرية المادية لديموقريطس، إلا أن تقدما بسيطا تم تحقيقه في هذا الاتجاه يمكن أن يكون منسوبا إلى تأثير أرسطو. # 8 # وفي استعراضنا الآتي سنكون واقعيين أكثر باعتماد ما وصلنا من وثائق تشير إلى بدايات الكشف عن وجود حرارة متزايدة في وسط ما لدى اليونانيين. # أرسطو (القرن 4ق.م.) # يرى الباحث مارتن بارنت # M. ~~ Barnett # أن مفاهيم الحرارة والبرودة - عند أرسطو - جاءت سوية مع الرطوبة واليبوسة، والتي منحت حالات كيفية أساسية، حيث إن أساس الجسم الواحد يحدده مقدار الكيفيات الأربعة الموجودة فيه. وقد عارض أرسطو مبدأ الفكرة القائمة على أن هذه الكيفيات، والتي نعتبرها ثانوية أو مشتقة، يمكن تقليصها إلى كيفيات أخرى أساسية أولى؛ بمعنى آخر: إلى خواص يمكن الاستدلال بها برموز كمية. وهكذا فإن استبدال مفهوم الحرارة والبرودة بمفهوم درجة الحرارة كان أمرا مستبعدا منذ البداية مع أرسطو ومفكرين عديدين آخرين في القرون الوسطى وما بعده. # 9 # لكننا لا نتفق معه؛ وذلك لأنه ms166 كلامه هذا مبني على إطار البحث الذي رسمه لنفسه؛ فقد بحث في الموروث اليوناني وانتقل لموروث عصر النهضة وبكل تأكيد دون أن يمر على الموروث العربي والإسلامي؛ لذلك فإن الفصل الثاني من هذا الباب سيوضح الكثير من الحقائق التي كانت غائبة عن أعين المؤرخين الغربيين حول إسهامات العلماء العرب والمسلمين في مجال علم القياس الحراري. # فيلون البيزنطي (القرن 3ق.م.) # بالنسبة إلى المكشاف الحراري # Thermoscope ~~، فإنه ثمة سؤال تمهيدي لا بد من الإجابة عليه: متى تصبح تجربة الهواء المضغوط، أيا كان نوعه، مكشافا حراريا؟ إذا أخذنا ذلك كأساس فإنه ينبغي للمجرب أن يكون لديه منظور واضح في صنع أداة المقصود منها أن تعطي بعض الدلالة المرئية للتغيرات عن حالتها الحرارية، لكن لا يكفي أن يؤول سلوك أداة بهذه الطريقة. لقد ظهرت أولى تجارب الهواء المضغوط التي يمكن أن تشكل أساس المكشاف الحراري قام بها فيلون البيزنطي. عمل فيلون ضاع في الأصول اليونانية، لكنه بقي محفوظا في المخطوطات اللاتينية # 10 # والعربية. # 11 # شكل تخطيطي يوضح مكشاف فيلون الحراري. (مصدر الصورة: # Barnett, Martin K., The Development of Thermometry and the Temperature Concept, p. ~~ 270 ~~.) # وصف فيلون جهازه كما في الشكل السابق، ووضح من خلاله طريقة تمدد وتقلص الهواء؛ حيث يؤخذ كرة رصاصية ذات حجم معتدل، وداخلها فراغ فسيح؛ يجب ألا تكون رقيقة جدا حتى لا تنفجر بسهولة، ولا ثقيلة، إنما جافة تماما بحيث تنجح التجربة. من خلال فتحة في الأعلى يمر سيفون منحن يصل تقريبا إلى القاع. الطرف الآخر لهذا السيفون يتم تمريره في وعاء مليء بالماء، أيضا يصل تقريبا إلى الأسفل؛ بحيث يتدفق الماء خارجه بسهولة. وقد جزم فيلون أنه حين توضع الكرة في الشمس وتصبح دافئة، فإن بعض الهواء المحصور في الأنبوب سيخرج؛ حيث يتدفق الهواء خارج الأنبوب في الماء، ويجعله في حالة حركة وينتج فقاعات هوائية، واحدة بعد الأخرى. إذا تم وضع الكرة في الظل أو في أي مكان آخر لا تخترقه الشمس، إذن سيرتفع الماء خلال الأنبوب ويتدفق خلال ms167 الكرة، وإذا تم وضع الكرة ثانية في الشمس فسيعود الماء إلى الوعاء وهكذا دواليك. وقد وجد فيلون أن التأثير ذاته يظهر إذا ارتفعت حرارة الكرة بالنار أو صب ماء مغلي فوقها. # 12 # تشبه أداة فيلون الحرارية إلى حد كبير مكشاف الحرارة الهوائي الذي قدمه جاليليو بعد ثمانية عشر قرنا. ويبدو أن هدف فيلون من تجربته إثبات فقط «أن النار ترتبط مباشرة مع الهواء؛ ولذلك السبب يسحبها على الفور معه.» هذه الإشارة إلى الارتباط الوثيق بين النار والهواء مستندة بلا شك على قبول النظرية الأرسطية «العناصر الأربعة»، والتي هي وفقا للأشكال الأربعة الأساسية للمادة النار والهواء والماء والتراب؛ حيث ارتبط عنصر النار بخاصية الحار والجاف، والهواء بخاصية الحار والرطب، والماء بخاصية الرطب والبارد، والتراب بخاصية البارد والجاف. وهكذا إذا كان لدى الهواء خاصية «الحار» على غرار النار، يمكن تحويله إلى نار باستبدال خاصية الجاف بخاصية الرطب. # 13 # هيرو السكندري (القرن 1م) # حقق عمل # 14 # هيرو السكندري في الهواء المضغوط نجاحا أفضل من سابقه فيلون؛ إذ من المعروف بأن جاليليو قد قرأ هذا العمل حوالي عام 1594م. في غضون ذلك قام الإيطالي جيوفاني بابتيست ديلا بورتا # G. B. della Porta ~~(1535؟-1615م) (أو كما يعرف باسم جيامباتيست) بقراءة تجربة هيرو في «الينبوع الذي يقطر في الشمس» ووصف جهازا يصلح كمكشاف حراري هوائي، لكن الغاية منه في الحقيقة فقط رؤية الماء وهو يرتفع بفعل الحرارة. حتى في عام 1606م كان من السهل القيام بتجربة وصفها ديلا بورتا لمجرد تبيان تمدد الهواء بفعل الحرارة وتقلصه بالبرودة، لكن تلك لم تكن فكرته عن القيام بإجراء التجارب. مثل غيره الكثيرين، كان يعيد بعض تجارب هيرو، مع بعض الاختلافات. # 15 # كان مكشاف حرارة هيرو يتألف مما يأتي: يتم ملء الكرة المجوفة المغلقة بالماء ما عدا فراغا للهواء في الأعلى، كان الأنبوب على شكل حرف # U # المقلوب ومغلق بكرة، تصل النهاية الأولى إلى قاع الكرة، والأخرى تمتد فوق القمع. يبرز جذع القمع في قاعدة مجوفة، والتي احتوت أيضا على ms168 ماء. امتد أنبوب مستقيم من الماء في القاعدة إلى فراغ الهواء في الكرة. وصف هيرو كيف يضع الكرة في الشمس التي تجعل الهواء ساخنا، وهكذا تجبر السائل للخروج من الكرة ومن خلال الأنبوب # U # وداخل القاعدة. وعند وضع الكرة في الظل، عندها يتم امتصاص الماء من القاعدة من خلال الأنبوب العمودي الذي يعيده إلى الكرة. لقد كان مكشاف حرارة هيرو أكثر إلهاما من مكشاف حرارة فيلو؛ فقد بقيت فيه كمية الهواء ثابتة في أثناء عمله؛ على كل حال، لم يعتبر هيرو فعليا لتكون هذه الحالة بحد ذاتها؛ فقد افترض بأن نقصان حجم الهواء عند التبريد حتى يشير إلى النقصان في مقداره، وكذلك افترض بأنه يجب على الهواء أنه قد نفذ من خلال مسامات المادة التي تتركب منها الكرة. مع إشارة هيرو إلى تأثير الشمس والظل على سلوك الهواء في مكشافه؛ فقد كشف لنا عن الاهتمام بما قد ندعوه باختلافات درجات حرارة الجو، إلا أنه لا يوجد دليل بأنه لا هو أو حتى أتباعه قد استخدم الأداة للاستدلال على درجات الحرارة هذه. تأتي الكلمة اليونانية «مناخ # Climate ~~» من كلمة تعني «خط العرض»، وفي الواقع، فإن المقاييس المناخية الوحيدة المعروفة التي أنجزوها كانت من تفاوت ارتفاع الشمس حسب الفصل وخط العرض. # 16 # شكل تخطيطي يوضح مكشاف الحرارة لهيرو. (مصدر الصورة: # Barnett, Martin K., The Development of Thermometry and the Temperature Concept, p. ~~ 271 ~~.) # جالينوس (القرن 2م) # أجرى كلاوديوس جالينوس # K. ~~ Galen ~~(توفي 200م)، تجربة بأن خلط مقادير متساوية من الجليد والماء المغلي، اللذين اعتبرهما أكثر الأجسام المتاحة برودة وسخونة. وقد دعا الخليط متعادلا # 17 # وعين أربع درجات برودة تحت تلك النقطة المتعادلة، وأربع درجات سخونة فوقها. # 18 # كما حاول جالينوس الاستفادة من خاصية ارتفاع حرارة الجسم وانخفاضه في مجال تشخيص الأمراض، فإذا زادت درجة الحرارة فهذا يعني أن المريض مصاب بمرض يختلف عن المرض الذي يصاب به عندما تنخفض درجة حرارته. # 19 # حسب مزاولة الطب آنذاك، فقد وجه جالينوس الانتباه إلى القيمة ms169 العلاجية للعقاقير، والتي من المفترض أن تكون مرتبطة بقدرتها على إنتاج الحرارة أو البرودة. من بعد أرسطو، لم تؤخذ «الحرارة» و«البرودة» بعين الاعتبار كشروط نسبية، إنما بوصفها كيفيات، ونظيرة للطبيعة، وقادرة على التعريف المنفصل؛ بناء على ذلك قدم جالينوس مفهوم «درجات» الحرارة والبرودة وذلك للإشارة إلى أي مدى يمكن لهذه الكيفيات أن تكون موجودة في الجسم. الأجسام الباردة التي تتفوق فيها الكيفية الحارة على الكيفية الباردة، تم تخصيص الدرجة الأولى أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة للبرودة. بالطريقة نفسها، تم تخصيص الأجسام الحارة إلى أربع درجات الأولى أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة. كانت درجات الحرارة والبرودة هذه أصنافا كيفية للغاية مرتبطة بقدرة الأطباء على فهمها. بخصوص مفهوم درجة حرارة الجسم العادي نجد اقتراحا في المعالجة الحديثة للظاهرات الحرارية. من الواضح، للإقرار بتغير مفهوم القدرة على الفهم، اقترح جالينوس بأن درجة الحرارة العادية أو «المعتدلة» للجسم تحددها كل من الكميتين البرودة والحرارة المتساوية مقارنة بالماء المغلي. # 20 # وقد بقي مقياس جالينوس التقريبي المكون من تسع درجات حيا، وله تأثير واسع من خلال الترجمة العربية حوالي 850 للميلاد تحت رعاية الأطباء العرب، ثم وفي عام 1150م انتقلت أعمال اليونانيين الفيزيائية بترجمتها اللاتينية إلى أوروبا. ~~ وقد عملت هذه الأعمال على إعادة فرض المذهب التقليدي القديم لكميتي «الحرارة» و«البرودة». # 4 # 3 # 2 # 1 # درجات الحرارة ~~↑ # 0/درجة محايدة # درجات البرودة ~~↓ ~~−1 ~~−2 ~~−3 ~~−4 # كانت نقطة الدرجة المحايدة مزيجا من كميات متساوية من الجليد والماء المغلي، وهي التي يبدو بأن جالينوس اعتقد بأنها الأسخن والأبرد في المواد. سواء الكميات كانت أوزانا أو أحجاما فهي ليست محددة، وقد نتساءل فيما إذا جالينوس قد قام بمثل هذه التجربة، # 21 # وفي جميع الأحوال تعتبر هذه فكرة سابقة لأوانها بالنسبة لمفهوم الدرجة الثابتة أو معيار درجة الحرارة. # 22 ~~(الأرقام الموجودة في الجدول أعلاه مقترحة من قبل المؤلف لكل درجة). # الفصل الثاني # | القياس الحراري عند العلماء العرب والمسلمين # ميزان الحرارة أو المحر أو الترمومتر # 1 # أو مقياس الحرارة كلها ms170 كلمات عربية أو معربة للمقابل الإنكليزي # Thermometer ~~. ~~ ويبدو أن إلحاق كلمة «ميزان» بالحرارة جاء من عملية التساوي بين مقدار حرارة الجسم والقيمة المقابلة له على المقياس. كما هو الحال عندما نضع وزنة معروفة القيمة مقابل الشيء الذي نريد معرفة وزنه في الميزان الوزني. # ولعل وضع ابن فارس معجما خاصا بمقاييس اللغة، يدل دلالة واضحة على تمكن فكرة القياس ومفهوم القياس من الفكر العربي العلمي بشكل كبير، وكما نعلم كان الشعر قد ضبطت مقاييسه أيضا ضمن بحور الشعر، وضبطت الكلمات بالحركات الإعرابية لمعرفة موقعها من الجملة. # لذلك فإننا لن نستغرب أن يسبق اللغويون العرب العلماء والباحثين العرب في تقسيم درجات الحرارة المنخفضة في الجو إلى برد، وقر، وزمهرير، وصقعة (من الصقيع)، وصر، وأريز (البرد الشديد). وتقسيم درجات الحرارة المرتفعة في الجو إلى حر، وحرور، وقيظ، وهاجرة، وفيح. # 2 # ويمكننا توزيع التقسيمات السابقة إلى 12 درجة كما يأتي: # 5 # فيح # 4 # هاجرة # 3 # قيظ # 2 # حرور # 1 # حر # الحرارة ~~↑ # 0 # معتدل # البرودة ~~↓ ~~−1 # برد ~~−2 # قر ~~−3 # زمهرير ~~−4 # صقعة ~~−5 # صر ~~−6 # أريز # تقسم درجات حرارة الجو (الحالة الغازية) عند اللغويين العرب إلى 12 مرتبة، ونلاحظ بالمقارنة مع تقسيمات جالينوس التسع السابقة، نجد أنها أوسع وأدق في تحديد اسم الدرجة، كما نلاحظ أيضا أن درجات البرودة أكثر من درجات الحرارة (الأرقام الموجودة في الجدول أعلاه مقترحة من قبل المؤلف لكل درجة). # إذن فكرة تقسيم الحرارة إلى درجات ومستويات كانت واردة وموجودة في الفكر العربي قبل ظهورها في العلوم الطبيعية، وستأخذ أشكالا أخرى بعد التعرف على العلوم الطبيعية سواء كانت المترجمة أو المبتكرة. # بخصوص المعنى اللغوي لكلمة «درجة» فهي تدل على التقدم في شيء؛ فقد جاء في معجم «مقاييس اللغة»: ««درج» الدال والراء والجيم أصل واحد يدل على مضي الشيء والمضي في الشيء. من ذلك قولهم درج الشيء، إذا مضى لسبيله. ورجع فلان أدراجه، إذا رجع في الطريق الذي جاء منه. ودرج الصبي، إذا مشى مشيته. قال الأصمعي: درج الرجل، إذا مضى ms171 ولم يخلف نسلا. ومدارج الأكمة: الطرق المعترضة فيها.» # 3 # أما المعنى الاصطلاحي لدرجة الحرارة فقد أشار أبو علي مسكويه، منذ القرن 11م، إلى وجود أربع مراتب أو درجات أساسية للحرارة، معتمدا على ما قاله الأطباء العرب، لكن دون أن يقدم لنا تفاصيل أكثر عن هذه المراتب التي أخذت عن اليونانيين، يقول: «ثم توجد للحرارة مراتب كثيرة؛ منها ما تكون في الدرجة الأولى، أو في الثانية، أو في الثالثة، والرابعة - على ما حصله الأطباء وغيرهم في كثير من النبات والجماد من المعادن.» # 4 # واستمر هذا المعنى الاصطلاحي حتى القرن 18م؛ فقد ذكر الأحمد نكري المعنى الاصطلاحي الطبي لدرجة الحرارة كما كان شائعا في عصره، فقال: «يقول صاحب «الكفاية» المنصوري: اعلم أن كل شيء يدخل البدن له تأثير على حالته، فإذا ما تأثرت الحرارة الطبيعية وزادت حالة البدن منه فلا يقال لهذا الشيء إنه جيد أو معتدل، فإذا ما كان التأثير الكبير غير محسوس فإنه يكون من الدرجة الأولى وإذا ما أحس به ولكنه لم يكن مضرا فإنه يكون من الدرجة الثانية، وإذا ما وصل إلى حد الضرر ولكنه لا يهلك فإنه يكون من الدرجة الثالثة، وأما إذا وصل الضرر إلى حد الهلاك فإنه يكون من الدرجة الرابعة، وهذه هي الأدوية السامة.» # 5 # نعلم أن القياس الحراري اليوم يتم بوساطة الترمومتر فهو يقع في إطار المنهج الموضوعي، وهو أكثر دقة من استخدام حاسة اللمس، وغالبا ما يتم الاتفاق على القيمة المقاسة بين جميع الأفراد. # 6 # وقد استخدم العلماء العرب والمسلمون في بداية تعاملهم مع علم الحرارة - مثلهم في ذلك مثل غيرهم من الأمم السابقة - المنهج الذاتي في القياس؛ أي حاسة اللمس، وذلك لتقرير فيما إذا كان الجسم حارا أم باردا. طبعا ليس الأمر واحدا بالنسبة لشخصين يتحسسان الوعاء نفسه؛ أي إن هذه الطريقة يعتريها الكثير من الأخطاء، ولا يتم الاتفاق على قيمة محددة لدرجة الحرارة بين جميع من يمد يده. وقد وضع العرب تقسيمات الحرارة الخاصة بالماء الملموس (الحالة السائلة)، نوردها فيما ms172 يأتي مع المقابل الرقمي الحديث للاصطلاحات المستخدمة في وصفها: # 7 # المستوى (من الأبرد للأسخن) # الاصطلاح # درجة الحرارة المئوية المقابلة (حديثا) ~~−3 # الماء البارد جدا # تحت 12 ~~−2 # الماء البارد # بين 18-24 ~~−1 # الماء القليل البرودة # بين 24-30 # 0/معتدل # الماء المعتدل الحرارة # بين 31-37 # 1 # الماء الحار # بين 38-42 # 2 # الماء الحار جدا # فوق 43 # ونعتقد أن مرحلة المنهج الذاتي في القياس لا بد منها في تطور علم القياس الحراري، وهي ليست بمأخذ على العرب؛ فالإنسان يستخدم حاسة لمسه في البداية للتعبير عن درجة السخونة والبرودة، وقد لا يلزم الإنسان العادي أكثر من ذلك، أما من يريد الخوض في غمار البحث العلمي، فإنه يحتاج إلى أمرين: # أداة تحدد له قيمة الدرجة. # استخدام لغة الأرقام بدلا من اللغة المحكية في تحديد قيمة تلك الدرجة. # رسم يعود تاريخه إلى عام 1884م، من كتاب «منتخبات الصناعة في فن الزراعة»، يوضح أشكال الموازين الحرارية التي يستخدمها المزارعون آنذاك، وذلك بهدف التأسيس لقيام زراعة تعتمد على العلم الدقيق، ومادته معظمها مأخوذة من الكتب الأوروبية المعاصرة في القرن 19م. (مصدر الصورة: منتخبات الصناعة في فن الزراعة، بشارة بن سلوان نحول اللبناني، المطبعة الأهلية، بيروت، 1884م، ص137. النسخة الأصلية من هذا الكتاب محفوظة في مكتبة قطر الوطنية، رقم «102619».) # وفي حالة العرب، فإن الأدوات كانت متاحة في بعض العلوم كالكيمياء والفلك والطب والصيدلة، واستخدام لغة الأرقام الكمية للتعبير أيضا مستخدم كمنهج في تلك العلوم. وعندما خاض العلماء العرب والمسلمون غمار العلوم كانت هناك مساع جادة للانتقال من المنهج الذاتي إلى الموضوعي فرضته طبيعة العلم؛ لذلك بحث بعض العلماء العرب والمسلمين ، خصوصا الكيميائيين منهم، في موضوع «علم الميزان» وهو العلم الذي لم يسبق للأمم السابقة أن بحثوا فيه، # 8 # والذي يهدف إلى ضبط مقادير الكيفيات الأربع (الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة) لدى تفاعلها مع بعضها ووفق معايير معينة، وقد جاءوا بتقسيمات وضوابط مبتكرة وأصيلة، حاولوا أن يصبغوها بصبغة منطقية عقلانية، وهو ما لم يفعله اليونانيون من قبل. # مع أن فيلون وهيرو ms173 قد برهنا على تمدد وتقلص خاصية الهواء، إلا أنه ولا واحد منهما أدرك قابلية التطبيق الكبيرة لهذه الخاصية من أجل قياس الحرارة. # 9 # جابر بن حيان (القرن 3ه/9م) # قبل أن يطرح علماء الغرب نظرية السيال الحراري بألف سنة تقريبا؛ لتفسير انتقال الحرارة من جسم حار إلى آخر بارد، وقبل أن يسود اعتقاد جازم لديهم بأن للحرارة وزنا، خطرت هذه الفكرة لجابر بن حيان؛ وذلك لافتراضه أن للحرارة طبيعة مادية محسوسة يمكن تقدير وزنها باستخدام الحروف # 10 # المكونة لأسماء المواد، وعليه يمكننا بذلك ضبط كمية الحرارة في أي مادة أو تفاعل كيميائي. # لإدراك أصالة الفكرة التي طرحها جابر سنلقي نظرة على فقرة كتب يقول فيها: «لا علم إلا بعلم قبله يتقدمه فاعرف ذلك، واعمل عليه وإياك وإهماله؛ فإنك إن أفرطت فيه ندمت ندامة تعم الحياة، وذلك إنه إذا ذهبت بزمانك فليس يمكنك كل يوم العمل والتجربة لترى الرشد فيما نقوله لك، ولكن اتعب أولا تعبا واحدا، واجمع وانظر واعلم ثم اعمل.» # 11 # نستنتج من الكلام السابق أنه لا بد وأن جابر قد بحث جيدا في أعمال السابقين، وتوصل أنه لم يسبق إلى عمله هذا من قبل. # لذلك يرى مؤرخ العلوم فؤاد سزكين أن النظريات المميزة لكيمياء جابر، مثل نظرية الميزان والتوليد وتدبير الإكسير من مواد عضوية ونظرية استعمال النشادر ذي الأصل العضوي وغير العضوي، هي نظريات لا يمكن التحقق من وجودها في كتب أبولونيوس التياني. # 12 # قبل أن يؤسس جابر لنظريته اعتنى بمسألة لها قيمة كبيرة من الناحيتين العلمية والعملية بشكل عام، وهي مسألة «التكوين الصنعي»؛ فقد أراد من وراء وضعه لعلم التكوين - كما يسميه - أن يوجد صنعيا أنواعا من الكائنات التي تنسب للممالك الطبيعية الثلاث، وخصوصا المملكة الحيوانية. وتقوم فكرته على أساس إذا كان بمقدور الكيمياء أن توجد مواد جديدة من خلال تركيبها للأجسام بعضها مع بعض، فلم لا تقوم أيضا بإنتاج الحيوان والنبات، وحتى بإيجاد الإنسان الصنعي؟ ووجد أن هذا الأمر ممكن لأن وجود الكائنات الحية - ومن بينها الإنسان ms174 - نتيجة تضافر القوى الطبيعية. # 13 # والطبيعة في إنتاجها للكائنات إنما تخضع لقوانين كمية عددية يكشف عن سرها «علم الميزان»، الذي يعرفه جابر بأنه: «العلم الذي يعنى بدراسة الاختلاط بعد ممازجة الأجسام # 14 # مع الأجسام، أو الأجسام مع الأجسام والأحجار، # 15 # أو الأرواح # 16 # مع الأرواح، أو الأحجار مع الأرواح، أو الأحجار والأجسام والأرواح.» # 17 # أي إنه علم يهتم بدراسة القوانين الطبيعية الكمية والتفاعلات الحادثة بين المواد. ويعتبر جابر أن هذا ليس بالخروج على قوانين الطبيعة، وإنما تقليد ومساعدة على إيجاد المواد؛ فالطبيعة إذن «وجدت للتكوين طريقا [غير طريقها هي] استغنت به عن طريق ثان.» # 18 # لقد أراد جابر من تأسيس علم الميزان أيضا البحث في نظام العلاقات العددية الذي تتكون بموجبه المواد من عناصر أولية. # 19 # إذن نظرية «التكوين الصنعي» كانت وراء ميلاد علم الميزان الخاص بضبط تفاعلات المواد أيا كان نوعها، وما تخضع له من مؤثرات فيزيائية خارجية أو داخلية كالحرارة والبرودة؛ وعليه فإن الأمر يستلزم ضبط مقادير هذه المؤثرات بميزان خاص كما تضبط المواد بميزان وزني. # مصطلح «الميزان» نفسه يستخدمه جابر من باب التشبيه والاستعارة بالميزان الوزني، كما نحن نستعيره لميزان الحرارة الحالي. # وقد وضع جابر ثلاثة موازين عنصرية؛ أحدها خاص بالنار والآخر بالماء وميزان ثالث مركب منهما، لكن ميزان النار أهم وأخطر هذه الموازين؛ لأنه يضبط كيفية الحرارة والبرودة داخل المادة، وأي خلل في تقديراته قد يفسد العملية الكيميائية برمتها. وقد تقصد جابر - نظرا لأهمية ميزان النار - أن يشفره أكثر مما فعل مع بقية الموازين، وذلك حتى لا يتمكن منه إلا الكيميائي البارع، كما هدف جابر من وضع ميزان النار تنقية المواد من الشوائب التي تعتريها، وليس قياس أو ضبط مقادير الكيفيات الداخلة فيها فحسب. يقول جابر: «قد علمت أن الموازين العظام ثلاثة على ما بيناه في كثير من كتبنا الموازينية، فميزانان منها بسيطان وهما ميزان الماء والنار، وميزان مركب من هذين، وهذا الشيء يخرج - وحق سيدي # 20 ~~- بهما جميعا إلا أنه خطر جدا في الموضعين كليهما، ms175 إلا أنه في ميزان النار أعظم خطرا، وأنا أريك كيف عمل ذلك فيهما جميعا وأختم عند ذلك الكتاب إن شاء الله؛ فأقول إن ميزان الماء لا خطر في أوله أصلا ... وستعلم أنه كذلك إذا قرأته في هذا الكتاب، وتعرف قدر النعمة عليك، وبعد ما بين الموضعين، وذلك أن ذكرت هناك، وفي غيره من الكتب الموازينية عمل ميزان الماء وقسمته وتعديل كفاته، وما جرى ذلك المجرى مما لا نسبة بينه، وبين ما الأمر عليه في نفسه، وذكرته ها هنا على وجهه ... واعلم يا أخي أن الماء إنما قيل له ميزان من حيث كان مظهرا لزيادة الطبائع كلها من نقصانها إظهارا بينا أصدق - وحق سيدي - من إظهار ميزان الصنجات لزيادة الذهب والفضة من نقصانهما، وليس كذلك ميزان النار، فاعرف الفرق بينهما فإنه عجيب؛ ولهذه العلة احتاج ميزان الماء إلى ميزان النار، ولم يحتج ميزان النار إلى ميزان الماء بكل وجه. وميزان النار قد ذكرناه أيضا في كتبنا كلها مرموزا قريبا لا كما ذكرنا ميزان الماء؛ وذلك لأن ميزان النار صعب جدا خطر، فلخطره وكثرة وقوع الخطأ من حذاق هذه الصنعة فيه لم يحتج إلى رمز بعيد إذ كان لا يظفر به إلا من بلغ أقصى غايات الصنعة، ومن هذه صفته فليس يعوزه نيله إذا رآه وأدمن عليه، واحتمل مضض الخطأ وتحرز من أمثال ما يخطئ فيه ... واعلم أن ميزان النار وحده ربما خرج فيه هذا الشيء على غاية ما يكون من الكمال، وفي أكثر الأمر فإنه لا يظهر به وحده إلا في صورته دون فعله، فإذا جمع ميزان الماء وميزان النار، كان لا محالة خارجا على الأمر الأكبر إلا أن يخطئ مدبره، وكل هذا يكون في أقل من طرفة عين، فاعلم ذلك. وقد عرفت ما أشرنا إليه من الميزان في كتاب الموازين المفرد القائم بنفسه، وما نذكره ها هنا فهو بخلاف ذلك في ظاهره؛ لأنه مفتضح منكشف كما أمرنا به. والغرض يا أخي فيه هو تخليص جواهر الحجر بأعيانها دون دهاناته المفسدة ms176 له المانعة كل المنع من الانتفاع به، والتي من أجلها احتيج إلى التدابير الطوال والقصار، فإن جوهر الحق - يا أخي - إذا كان خالصا من هذه الدهانات المفسدة فهو بذاته صابغ، ولولا أنه كذلك لما أمكن بالتدبير أن يجعل صابغا هذا بقدر الإعارة والذهب النقي المضيء النوراني الممازج غير المشتغل.» # 21 # ونحن نرى أن أحد الأسباب التي حفزت جابرا لوضع ميزان الحرارة (الحروفي) ليضبط مقدار الحرارة في كل مادة هو وجود تحديد مسبق لبنيتها، فهي تتكون من أربعة عناصر ومن أربع كيفيات، وكون المواد يمكن ضبط وزنها بالميزان الوزني؛ فإنه يتبقى علينا ضبط الكيفيات الأربع بميزان من نوع مختلف، وهنا جاء اقتراحه بأن يكون حروفيا. # إن اصطناع أسماء للمواد وترابط الحروف داخل كل اسم يخضع لبنية منطقية قابلة للقياس، على غرار علم العروض والنحو. ~~ ولا نعتقد أن جابرا اعتمد على السيمياء # 22 # في وضع ميزانه الحراري الحروفي؛ فهي وإن كانت تدعى «علم أسرار الحروف» إلا أنه لا يمكن أن تتخذ كأساس في عمليات الضبط؛ لأن السيمياء عبارة عن «تأليف اسم أو اسمين أو ثلاثة أو أربعة ونحو ذلك مما اجتمع من حروف وأودعه الله فيها سر اسمه العظيم الأعظم، واشتملت عليه الطبائع الأربع.» # 23 # بمعنى الربط بين أسماء الله الحسنى والظروف والحالات التي يمر بها الإنسان في أوقات معينة. # والملاحظ أن جابرا اعتمد ترتيب الحروف (أبجد هوز)، ولم يعتمد طريقة الأرقام التي تقابلها والمعروفة عند العرب بحساب الجمل؛ حيث يقابل كل حرف قيمة عددية (مثل: أ = 1، ب = 2، ج = 3 ... وهكذا). لقد كان قصد جابر أن يصبغ نظريته بصبغة عقلانية منطقية وواقعية أكثر؛ بحيث يتجنب فيها مبدأ العدادة # Numerology # أو دراسة الخصائص السحرية للأعداد، التي يعرف أنها تستخدم في الأعمال الخرافية والسحرية كثيرا. # ميز جابر بين المادة والحرارة والبرودة فقال: «ينبغي أن تعلم أولا أن الجوهر شيء وأن الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة شيء.» # 24 # الأمر الذي جعله يميز بين وزن المادة ووزن الطبائع، ولم يجعل منها شيئا واحدا؛ أي يزيد وزن المادة ms177 أو ينقص حسب الطبع الذي دخلها، فالمادة قد تصبح خفيفة بالحرارة وثقيلة بالبرودة؛ حيث «إن في الطبائع ما هو أخف من الجوهر ومنها ما هو أثقل من الجوهر، وهما اثنان اثنان؛ فالخفيفان الحرارة واليبوسة، وأما الثقيلان فالبرودة والرطوبة.» # 25 # ثم يخبرنا جابر بالطبيعة المادية للحرارة والبرودة؛ وعليه يمكننا قياسهما كما نقيس الكتل بوساطة الأوزان والميزان المعروف «وكذلك ينبغي أن تعلم أنه قد وجب بالإطلاق أن كل ما كانت فيه الحرارة، فهو خفيف، وكذلك القول في اليبوسة، وبالعكس فإن كل ما كانت فيه البرودة فهو ثقيل، وكذلك الرطوبة، وليس في ذلك شك.» # 26 # لذلك وجد جابر أن يمنح كل حرف من اسم كل مادة كيميائية قيمة وزنية، ليوجد نوعا من التجانس في وحدات القياس، بين وزن المادة ووزن الطبائع التي بداخلها. كما أنه أراد أن يوجد وحدة لقياس مقدار الحرارة المقاس، فاعتمد وحدات قياس الأوزان. # ولم ينطلق جابر في ربطه بين الحروف والكيفيات من الفراغ؛ ففي رسالته (الحدود) يقسم علم الحروف إلى طبيعي وروحاني، «والطبيعي منقسما أربعة أقسام؛ حرارة، وبرودة، ورطوبة، ويبوسة.» # 27 # وحتى لا يذهب ذهن القارئ بعيدا قدم جابر على الفور تعريفه لعلم الحروف الذي يستخدمه «أنه العلم المحيط بمباحث الحروف الأربعة، من الهلية والمائية والكيفية واللمية»، # 28 # أي تنتهي حدود علم الحروف عندما يجيب عن هل، وما هو، وكيف، ولم. # لم يجد جابر أي اختلاف بين منهج الطبيعة في صنع المواد، ومنهج اللغة والنحو في تركيب الكلمات والجمل؛ إذ يخضع كل منهما في النهاية لمنطق معين يبرر إجراء هذه المطابقة. ~~ ويفيد جابر أنه من الخطأ الكبير أن نعتبر أن اللغة نشأت بالوضع أو الاتفاق أو المصادفة؛ لأن اللغة جوهر طبيعي الأصل، لا تعود إلى وضع وإنما إلى تشوق النفس، مثلها في ذلك مثل أعمال النفس الجوهرية؛ وبالتالي فإن الحروف التي تشكل مادة الكلام، هي من صنع النفس ولذلك فهي جوهرية. # 29 # وقد أعاد برتراند راسل # B. ~~ Russell # في القرن العشرين البحث في موضوع الرابط بين اللغة وحقيقة الأشياء ms178 في كتابه المترجم للعربية «ما وراء المعنى والحقيقة». # 30 # فقد طور من خلالها فلسفة تتعلق بالمعرفة الفعلية التي تولي الاعتبارات اللغوية أهمية كبيرة، طبعا على طريقة جابر، وإنما على طريقته الفلسفية الخاصة. # ثم يثني جابر على كل من بمقدوره أن يوجد لغة جديدة، خصوصا إذا أسهمت هذه اللغة بالكشف عن حقيقة الأشياء، كما هو حال معرفة طبع الحرارة والبرودة، وغيرهما من خلال وزن الحروف، يقول جابر: «وينبغي - عافاك الله - أن تعلم أن الذي يستخرج في العالم لغة فهو إنسان عظيم، وهذا الذي يذكر هو إخراج لغة أخرى لا يعرفها جميع الناس؛ لأنه ليس في المتعارف أن ينطق باسم من الأسماء على تحقيق أمره إلا في الندرة بعد الندرة. ~~ وينبغي أن تعلم أن استخراج الطبائع على الحروف كما علمناك في كتاب الصفوة لندلك في الابتداء على طبع الأشياء لا على تحقيقه ... فمعلوم من هذا الكلام أن إخراج طبع الشيء في الظاهر غير منتفع به، وإلا فقد كنا ألقينا به، ولكن ينبغي - عافاك الله - أن تزن كل شيء تريد وزنه وتحرزه عن كل شيء في باطنه وظاهره؛ فأما وجوه الإسقاط فإنك تحتاج الآن إلى ما في كتاب التصريف وغيره من تلك الكتب؛ وذلك أنه ينبغي ضرورة أن يسقط من كل شيء يحتاج إلى وزنه ما زاد على بنيته وما دخل للعلل بغير زيادة؛ فمعلوم أن الذهب أصل إذ هو برئ من ذلك، وصار هجاء للفضة فض إذ الهاء إنما دخلت للتأنيث ولا ذكر لها، ثم تزيد عليه بعد إسقاطك ما فيه بحسب الحاجة إليه، فاعلم يا أخي أنه متى حصلت لك من الحروف واحدة مثل أ أو ب أو ما كان خرج لك الكل على سبعة عشر.» # 31 # وهذه نقطة على غاية من الأهمية، لأنها تحقق المعيار الذي سبق وأن تكلمنا عنه في وضع طريقة تنقلنا من المنهج الذاتي في القياس إلى المنهج الموضوعي؛ فقد وضع جابر أداته في قياس مقدار الحرارة من خلال ميزان النار، ووضع لغته الخاصة الحسابية التي يعبر ms179 بها كميا عن قيمة هذا المقدار. والدليل على ذلك هو تجنب جابر في نظريته الحديث عن حاسة اللمس واستخدامها لتقدير كيفيات المادة من حرارة أو برودة؛ لأنه كان يدرك تماما عدم إمكانية الاعتماد عليها أو الوثوق بها، إنها بالتأكيد لن تستطيع أن تجاري فكرة ميزان النار الذي وضعه. ~~ أما بخصوص المجال الذي تأخذه قيم الحرارة والبرودة فيبدو أن جابرا افترض وجود مجال خاص لكل مادة. # الآن بغض النظر عن طريقته، قد تكون صحيحة أو خاطئة، لكنه التزام المعيار؛ لذلك ينطلق جابر من حقيقة الثبات بين الكيفية المقاسة، والحروف المستخدمة في عملية القياس، فهو لا يرغب بميزانه هذا أن يقيس ظاهر اسم المادة أو معناها الاصطلاحي أو اللغوي، وإنما كان يريد فعلا أن يحدد بدقة محتوى المادة من هذه الكيفية أو تلك، خصوصا الحرارة والبرودة. # ميزان النار الذي وضعه جابر ليس فلسفة لغوية بالمعنى البحت، وإنما محاولة حقيقية لمعرفة درجة كل كيفية سواء الحارة أو الباردة في المواد المدروسة، فإذا كانت مقاييس الحرارة تعتمد خاصية التمدد والتقلص أساسا في صنع مقياس درجة الحرارة، أي «درجة السخونة» أو شدة الحرارة في جسم ما. # 32 # فقد اعتمد جابر خاصية تغير ترتيب الحروف من اسم مادة لأخرى؛ ولذلك فإننا نعتقد أن محاولته هذه تستحق الإشادة بها، وأن تأخذ سياقها العلمي التاريخي في مجال علم قياس الحرارة. # في نظرية جابر، فإن الحروف والطبائع يمكن أن ينتقل أحدهما إلى الآخر في إطار عملية تبادلية بحتة: «انظر إلى الحروف كيف وضعت على الطبائع، وإلى الطبائع كيف وضعت على الحروف، وكيف تنتقل الطبائع إلى الحروف والحروف إلى الطبائع.» # 33 # وترتبط الكيفيات الأربع بالعناصر الأولية الأربعة كما في الجدول الآتي: # النار # الهواء # الأرض # الماء # تنتج عن اتحاد: # تنتج عن اتحاد: # تنتج عن اتحاد: # تنتج عن اتحاد: # الحرارة # مع اليبوسة # الحرارة # مع الرطوبة # البرودة # مع اليبوسة # البرودة # مع الرطوبة ~~(فاعلة) ~~* ~~(منفعلة) ~~† ~~(فاعلة) ~~(منفعلة) ~~(فاعلة) ~~(منفعلة) ~~(فاعلة) ~~(منفعلة) ~~* # بحسب التعابير الجابرية فإن الفاعل هو «المؤثر للآثار الشبيهة به لا بالكل وغير ms180 الشبيهة به بالكل» عن: المزيدي، رسائل جابر بن حيان (رسالة الحدود)، ص24. ~~† # بحسب التعابير الجابرية فإن المنفعل هو «القابل في ذاته الآثار والصور» عن: المزيدي، رسائل جابر بن حيان (رسالة الحدود)، ص24. # وكما أن لكل حرف طريقة نطق وكتابة تختلف عن الآخر، كذلك أيضا، يجب أن يكون لكل حرف وزن وقوة تختلف عن الآخر عندما يشكل اسم مادة. وكما أن للكلمات المشكلة من حروف تصريفا، فإن للحروف والطبائع أيضا تصريفها. وقد قام جابر بوضع هذا التصريف في كتابه (التصريف). # 34 # وكما أن الحروف لا توجد لدى استخدامها في الكلام منفردة، لأنها لن تفيد معنى محددا؛ كذلك الحال بالنسبة للكيفيات فإنها لا يمكن أن توجد منفردة، وإنما لا بد من اتحادها مع بعضها مثنى أو ثلاث أو رباع. الحرارة - مثلا - لا بد أن تمتزج مع اليبوسة لتشكل عنصر النار، وتمتزج مع الرطوبة لتشكل عنصر الهواء. # 35 # حسب جابر فإن تحليل الاسم دال على طبيعة المسمى؛ فاسم «الذهب» يدل على طبيعة الذهب الملموس. لكن حروف الذهب كلها ليست بمرتبة واحدة، وإنما يختلف بعضها عن بعض كما ذكرنا. # حتى يضبط الأمور ولا تكون عشوائية قام بوضع قواعد وأسس ومعايير نظمها في جداول وعلاقات؛ لذلك قام جابر بتقسيم ميزانه إلى سبعة أقسام، بدعوى أنها تكفي لتحقق قدرا كبيرا من الدقة العلمية التي تضمن صحة النتائج التي نحصل عليها، وأطلق على هذه الأقسام السبعة الأسماء الآتية، بادئا من أعلاها إلى أدناها، كما هو موضح في الجدول الآتي: # 36 # التسلسل # الأقسام # الحروف المقابلة لها # 1 # المراتب (جمع مرتبة) # أ # ب # ج # د # 2 # الدرج (جمع درجة) # ه # م # ز # ح # 3 # الدقائق (جمع دقيقة) # ط # ي # ك # ل # 4 # الثواني (جمع ثانية) # م # ن # س # ع # 5 # الثوالث (جمع ثالثة) # ف # ص # ق # ر # 6 # الروابع (جمع رابعة) # ش # ت # ث # خ # 7 # الخوامس (جمع خامسة) # ذ # ض # ظ # ع # ع1 # ع2 # ع3 # ع4 ~~(حيث ع: يرمز إلى رقم العمود) # كل تقسيم من التقسيمات السابقة يتكرر ms181 كاملا أربع مرات، فيسمى الأولى بالمرتبة الأولى، والثانية بالمرتبة الثانية، والثالثة بالمرتبة الثالثة، والرابعة بالمرتبة الرابعة، وكل مرتبة من المراتب الأربع السابقة تقسم بدورها الحروف أربع مجموعات، كل مجموعة يوزع عليها سبعة أحرف، وذلك حتى تقابل الكيفيات الأربع؛ الحرارة، والبرودة، واليبوسة، والرطوبة؛ # 37 # وبناء على ذلك تقابل الكيفيات الأربع الحروف الآتية: # الكيفية # الحروف المقابلة # ملاحظات # الحرارة # أ # ه # ط # م # ف # ش # ذ # يمثل هذا الترتيب العمود الأول (ع1) من الأقسام السبعة ~~- # البرودة # ب # و # ي # ن # ص # ت # ض # يمثل هذا الترتيب العمود الثاني (ع2) من الأقسام السبعة # اليبوسة # ج # ز # ك # س # ق # ث # ظ # يمثل هذا الترتيب العمود الثالث (ع3) من الأقسام السبعة # الرطوبة # د # ح # ل # ع # ر # خ # غ # يمثل هذا الترتيب العمود الرابع (ع4) من الأقسام السبعة # الجداول التي تمثل قيم الحروف في كل الحالات، ولكل مرتبة من المراتب الأربع. هذه الموازين يمكن تطبيقها على كل حالات المادة والنبات والحيوان؛ فالكيفيات الأربع توجد داخل كل شيء؛ ولذلك فإن هذه النظرية العامة يمكن تطبيقها على كل شيء؛ لذلك تعد هذه الجداول بمثابة مرشد لقيم الحروف يستعان بها عند الحاجة للقيام بالحساب. # 38 # ويحذر جابر من الخلط بين المراتب السابقة أي «لا تعط المرتبة الأولى ولا شيئا من أجزائها ما قد حكم به للمرتبة الثانية ولأشياء من أجزائها، لئلا يدخل بعضها في بعض.» # 39 # يرى المؤرخ إيريك هولميارد # E. ~~ Holmyard # أن لكل خاصية من الخواص العنصرية الأربع، أربع درجات وسبعة تقسيمات فيكون لدينا 4 × 28 مرتبة. # 40 # أما حروف اللغة العربية الثمانية والعشرين فقد رتبت تحت الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة، بحيث تتناسب قيم الدرجات الأربع مع السلسلة: 1، 3، 5، 8 = 17. # 41 # وسبب اختيار الرقم 17 لأنه لدينا أربع كيفيات وأربع طبائع وناتج جدائهما هو 16، ويضاف الرقم واحد لاحتساب تأثير الشوائب في المادة. وقد أسندت بكل درجة وكل تقسيم الأوزان العربية الآتية: # كل 6 دوانق = 1 درهم. # والقيراط: كل 2 قيراط = 1 دانق. # الدانق ~~≈ # 0,5305 غرام. # القيراط ~~≈ # 0,2652 غرام. ms182 # الدرهم ~~≈ # 3,1853 غرام. # مثلا إذا أردنا قياس وزن الحرارة والبرودة في معدن «الأسرب» وهو كما يقول إخوان الصفا: «جنس من الرصاص، ولكنه كثير الكبريت، غير نضج، ومنافعه معروفة بين الناس.» # 42 # فإن قيم الكيفيات ستختلف بينه وبين «الرصاص» المقارب له في البنية لدى تحليلها. # وعليه فإن كيفية قياس وزن الحرارة وبقية الطبائع في معدن «الأسرب» حسب ميزان جابر الحروفي بعد تجريده من أحرف الزيادة (الألف واللام)، هي: # الألف (حرارة: د1 = 7 دوانق) ~~≈ # 7 × 0,5305 ~~≈ # 3,7135 غرام. # السين (يبوسة، د2 = 1 درهم) ~~≈ # 3,1853 غرام. # الراء (رطوبة، د3 = 1,25 درهم) ~~≈ # 1,25 × 3,1853 ~~≈ # 3,981625 غرام. # الباء (برودة، د4 = 9,3333 درهم) ~~≈ # 9,3333 × 3,1853 ~~≈ # 29,72936049 غرام. # ولو أخذنا قطعة رصاص وزنها # درهم فستتضمن الأوزان المذكورة أعلاه من حرارة ويبوسة ورطوبة وبرودة، وهي قيمة واحدة في أي قطعة أسرب. ~~ وهي توضح وجود فروقات بين وزن الكيفية ووزن المادة. # ويلاحظ من القيم الوزنية الأربع أن ما يغلب على الأسرب هو البرودة (تقريبا ثلاثة أضعاف وزن الحرارة) ثم تأتي الرطوبة فالحرارة وأخيرا اليبوسة. طبعا يتم هذا الحساب كله ضمن درجة حرارة الغرفة أو الطبيعية، ولم يشر جابر إلى الحالات التي يمكن أن تتغير فيها القيم لدى رفع أو خفض درجة حرارة الوسط الخارجية. # ولو رجعنا إلى وصف خصائص الأسرب لدى ابن رشد (أي بعد حوالي 300 سنة من وفاة جابر) في كتابه (الكليات في الطب) لوجدنا أنه يقول: «الأسرب: وهو الرصاص، الغالب على أجزائه الجوهر البارد الرطب؛ وذلك أن البرد هو الذي جمده؛ ولذلك متى سحق الأسرب في الهاون مع بعض العصارات وجدت المجتمع منهما دواء يبرد، مثل دهن الورد.» # 43 # وبذلك يكون جابر قد برهن حسابيا وكميا على سبب غلبة كيفية على أخرى، مع تحديد قيمة كل كيفية منفردة، كما أن هذا يفسر لنا سبب عدم اعتماده على حساب الجمل الشائع؛ إذ أن قيمة «أسرب» وفقا لحساب الجمل = 1 + 60 + 200 + 2 = 263. # وهي كما نلاحظ لا تتقارب مع أي قيمة منفردة أو مجموع القيم الوزنية الحروفية السابقة. ms183 كما أنها لا تحدد قيمة أية كيفية ولا غلبة أية كيفية على أخرى. إضافة لكونها مجردة من أية وحدة قياس تمنحها معنى فيزيائيا محددا. # بالمقابل، إذا قارنا درجة حرارة انصهار الرصاص الحديثة (207,19 ~~° # مئوية)، وغليانه (1755 ~~° # مئوية ) ووزنه النوعي (11,29غ/سم # 3 ~~) في درجة حرارة الغرفة مع القيم التي حصل عليها جابر فلن نجد أي تقارب، وهذا طبيعي فالأساس النظري الذي اعتمد عليه جابر يختلف تماما عن الأساس النظري الحديث لقياس درجة الحرارة. # بغض النظر عن مدى صدق وكفاءة طريقة جابر في تقديره لكمية الحرارة في كل مادة، فإن ما يريده جابر هو اعتقاده القاطع بإمكانية قياس وزن الكيفيات في المواد، وأنها تقوم على نسب عددية محددة؛ فعندما يفقد الخل طعمه الحامض بسبب إضافة المرداسنج (وهو الرصاص الناعم الذي ينفصل عن الفضة) مثلا، لأن للخل في الأصل تركيبا معينا قائما على الأعداد، وقد تغير هذا العدد بإضافة المرداسنج؛ وبالتالي لا يتوقف ظهور الكيفيات، مثل قدرة المرداسنج على تغيير طعم الخل، على المصادفة وإنما على بنية الجسم الداخلية، والتحكم في تغيير هذه البنية هو مهمة التجربة (أو التدبير) الكيميائي، وعندما يكون لكيفية المادة تفسير رياضياتي فإنه ستتأكد صحة التجربة. وبذلك يصبح علم ميزان الأجسام قانون الأشياء الرياضياتي في الكون، فهو يبين ترتيبها وتجانسها، ويظهر في كل شيء مهما كان صغيرا، وهو المفهوم المجرد الكبير لعالمنا. # 44 # أفرد جابر كتابا خاصا لميزان النار أسماه «كتاب الميزان الصغير». # 45 # أو «ميزان الحرارة الحروفي» فقد ناقش فيه مسألة وزن الحرارة، التي قال السابقون عليه ألا وزن لها، فعارضهم وحاول أن يثبت أن لها وزنا، ويمكن قياسه بوساطة ميزانه الحروفي الذي اخترعه، يقول جابر: «وقد كنا قدمنا أن النار والهواء [والماء] والأرض أيضا مركبة ليست مفردة، وأن المفردات هي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة التي منها تركبت النار والماء والهواء والأرض، فالآن ننبئ عن محل الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة إذ كنا محتاجين إليه، وإن لم يكن في العالم إنسان نطق بهذا ولا علمه ضنا به وأسفا عليه.» ms184 # 46 # وقد حاول جابر أن يوجد في ميزانه نقطتين ثابتتين؛ عليا تشير للحرارة (حافة الدائرة). ودنيا تشير للبرودة (مركز الدائرة)، وقد ربط بين هاتين النقطتين وبين المدار الفلكي الدائري ومركزه: «ونقول: إن الدلالة على محل الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، إنما معنى قولنا الفلك لا معنى [قولنا] جرم الفلك ولكنها القائمة به، فانظر وتصور أن الحرارة منه الدائرة العليا، والبرودة منه النقطة التي تسمى القطب، وهذان الفاعلان، وأن اليبوسة انفعلت من دوران الفلك حينئذ وكذلك الرطوبة، إذا استوفينا في تعليم الحرارة والبرودة كيف هما ورجعنا إلى تعليمك ما الرطوبة واليبوسة بقول مجمل يشتمل على سائر ما نريد من ذلك، إن شاء الله تعالى جل جلاله. فنقول: إنه قد وجب أولا من كلامنا أن تعلم أن الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة بالإطلاق أعلى من النار والهواء والماء والأرض بمثل البعد الذي بين النار والهواء [والماء] والأرض وبين الفلك المحيط بها، فإنها تحت الفلك المحيط بها. ~~ والآن نرجع فنقول كيف تركبت منها ونقول: إن الدليل على أن الفلك هو الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة أن تعلم أولا أن الدائرة عند المهندسين ما يحيط بغير جرم، ومعنى جرم [هو] جسم، وأن الخط طول بلا عرض ولا جسم، وكذلك هو العرض، وأن النقطة شيء يتوهم عقلا لا حسا وهو قائم في القوة فكأنه شيء يتوهم ويوجد بالحس، وذلك التوهم في غير تلك الحال لا نفس حقيقة الشيء؛ فكما أن الدائرة تحيط بلا جسم كذلك نقول: إن دائرة هذا الفلك هي الحرارة وهي الظاهرة والعليا، وإن النقطة منه هي البرودة، وإنه بنفس حركته ما تولد بين الحرارة والبرودة شيء لا هو حار ولا هو بارد، بل هو شيء زائد التجفيف كثير الخفاء لا يكاد الحس يدركه دون الحرارة في اللطف والدخول فسمي اليبوسة، ثم إنه تولد عن الجميع شيء غليظ [عن ذلك] وأخذ منبسطا وفيه رخاوة وسمي الرطوبة. وهذا القول لم نقم عليه برهانا لئلا يطول، وينبغي أيها القارئ المتعلم أن تأخذ ذلك تقليدا وتترك الجدل فيه إلا ms185 لأصحابه وتعمد إلى جدواه.» # 47 # هذا التصميم القائم على توزيع الحرارة والبرودة على دوائر الفلك سيعود للظهور ويتأثر بها ويطورها كل من المجريطي والجلدكي، وهو ما سنرجئ الحديث عنه في مكانه. # إذن يفترض جابر أن وجود أوزان للحرارة والبرودة، يستلزم منا إيجاد ميزان لهما، مميزا بين ما له وزن وما ليس له وزن لكونه لطيفا (أي قابلا للنفوذ في الأجسام) وبين عديم الوزن: «وقد وجب الآن على التحقيق أن للحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة أوزانا، وأن للجوهر وزنا لا بد من ذلك، وإلا فوجب أنا إذا جمعنا ما لا يرى ولا يوجد مثلا في الحرارة واليبوسة إلى ما لا يرى ولا يوجد ولا وزن لأحد منهم لم يكن منه شيء. وكذلك إذا جمعنا لا شيء إلى لا شيء كان من الجمع لا شيء، وكذلك لو جمعنا ما لا يوجد ولا يرى ولا له وزن كان منه شيء لا يرى ولا يوجد ولا له وزن وبطل سائر تلك المحمولة عليه؛ لأن قولنا لا يوجد ولا يرى ولا وزن له إنما هو حد اللاشيء، فاعلم ذلك. وإنما حددوه بأنه لا يوجد لأنه لعمري ليس يوجد منفردا ولا يرى كذلك، فأما لا وزن له فللطافته لا غير. وأما أن يعدموه الوزن البتة والوجود والرؤية فنعوذ بالله جل اسمه من هذه الحال، ما أقبح القول فيها وأوحشه!» # 48 # إذن كل شيء له وزن يمكننا حصره «وقد وجب أيضا من قولنا بعد ذلك أن لهذه العناصر أوزانا؛ إذ في إمكان الإنسان أن يحصر كل ما له وزن، ولأن ما له وزن ممكن أن يلمس ويوجد ويوضع، فإذا كان كذلك فهو ممكن، فقد وجب إذن أيضا بهذا القول إن الجوهر ممكن لمن أحب الله جل جلاله أن يجعله كسائر الأجسام المدبر منها ما يراد، كمثل الساج للنجار والحديد للحداد ومثل هذا وأضرابه. وكذلك نقول بعد في الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة.» # 49 # طبعا ليست عملية قياس كمية الحرارة بهذه السهولة التي قد يتوقعها أي شخص؛ لذلك أقر جابر ms186 بصعوبة وزن الحرارة والجواهر في المادة وتحديد قيمتها: «وإذا كان الإنسان قادرا على وزن النار فقط حتى يعلم ما فيها من حرارة ويبوسة وجوهر على [ال] تحقيق كان حد ألف رجل أهون من حد بعضه أو حد واحد من عناصره.» # 50 # ورد جابر على أولئك الذين يعتبرون الحرارة لا تناظر البرودة بأن كلامهم غير صحيح «وعندهم أن الحرارة تنافر البرودة ولا تلائمها وهذا محال، على أني أوريك أن الحرارة تماثل البرودة وأن البرودة تماثل الحرارة». # 51 # كما نعلم فإن جابر كان يؤكد على التجربة بشكل كبير؛ لذلك يجب ألا نستبعد أبدا تطبيقه لنظريته في أبحاثه، وإلا فإنه ما كان ليتوصل لاكتشاف الماء الملكي # Aqua regia ~~(وهو مزيج من حمض النيتريك وحمض الهيدروكلوريك، صيغته: # HCl # 3 ~~+HNO # 3 ~~)، وزيت الزاج # Oil of Vitroil ~~. # Sulfuric acid ~~(وهو حمض الكبريتيك، صيغته: # H # 2 # SO # 4 ~~)، وحجر جهنم (وهو نترات الفضة، صيغته: # AgNO # 3 ~~) وغيرها من المواد ذات التطبيقات الواسعة اليوم. # 52 # فإذا أخذنا زيت الزاج، فإن عملية تحضيره تتطلب دقة في ضبط درجة الحرارة، حيث سخن ثم قطر # 53 # الزاج الأخضر # 54 ~~(كبريتات الحديدوز المائية) أو الكبريتات الأخرى المشابهة له (مثل كبريتات الزنك أو كبريتات النحاس) على الأقل إلى الدرجة 680 ~~° # مئوية. # فسر أحد الباحثين # 55 # في تاريخ الكيمياء علم الميزان الذي جاء به جابر - كما ورد في التراث الكيميائي العربي كله - بأنه ما يعرف حاليا ب «قانون النسب الثابتة» المنسوب للكيميائي جوزيف بروست # J. Proust ~~(1754-1826م)، والذي ينص على أن كل مركب يتكون من نسب ثابتة للعناصر المكونة له. # لكننا لا نتفق معه في هذا التعميم الذي أفقد علم الميزان الكثير من قيمته العلمية الحقيقية؛ فالمقصود بقانون النسب الثابتة أو المحددة كما ورد عند بروست، الذي وضعه عام 1801م، أن للمركبات النقية تركيبا ثابتا وغير متغير. # 56 # أي عندما يتعين تركيب مادة نقية، يمكننا معرفة تركيب أية عينة نقية أخرى من هذه المادة نفسها بصرف النظر عن مصدر هذه العينة أو طريقة ms187 تحضيرها؛ فعلى سبيل المثال، يدل تحليل ملح الطعام، كلوريد الصوديوم، النقي على أنه يحوي 39,34 بالمائة وزنا من الصوديوم و60,66 بالمائة من الكلور؛ أي: # ويستنتج من ذلك أن العناصر تتحد بنسب كتلية ثابتة لتكوين المركبات الكيمياوية. # 57 # وعلى هذا يتعلق قانون بروست بنسب أوزان المواد، وليس له علاقة لا من قريب أو بعيد بضبط كمية الحرارة، سواء داخل المادة أو خارجها. # طبعا أدرك جابر من خلال تجاربه أن المواد تتفاعل مع بعضها بعضا بنسب وزنية معينة ، وأن الميزان الوزني ضروري لتحديد المقادير الداخلة في التفاعل الكيميائي، فصنع الميزان ذا الكفتين والميزان ذا الكفة المتحركة على عتلة ثبت عليها وحدات القياس وأنواعا أخرى من القبان، فكانت الخطوة الأولية لقانون النسب الثابتة الحديث. # 58 # ومن الجدير بالذكر أنه كان لدى جابر ميزان وزني حساس، وصفه في كتبه، كان يقيس من الرطل (= 1100 غرام) والأوقية والمثقال والدرهم والدانق والقيراط وحتى الحبة (= 0,06 غرام)، وهذه حساسية في قياس الوزن لم تعرفها مختبرات أوروبا الكيميائية إلا بعد ستة قرون. # 59 # كذلك وردت فكرة قانون بروست عند أبي عبد الله الكاتب الخوارزمي في كتابه (مفاتيح العلوم) يقول «الزنجفر يتخذ من الزئبق والكبريت، يجمعان في قوارير، ويوقد عليها، فيصير زنجفرا، وللنار قدر تخرجه التجربة مرة أخرى، والوزن أن تأخذ واحدا من زئبق وواحدا من كبريت.» # 60 # كما ورد مفهوم هذا القانون مرة أخرى في كتاب «إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد» لصاحبه محمد بن إبراهيم بن ساعد الأنصاري الأكفاني (توفي 749ه/1348م)، وذلك على النحو الآتي: «ومن الحكماء من سلك طريقا آخر لتحصيل المطلوب بأن عرف نسب الفلزات بعضها إلى بعض في الحجم والوزن، وألف من جملة منها جسما يساوي وزن المطلوب وحجمه، ويعرف هذا التحليل بالموازين.» # 61 # وذكر ابن الأكفاني طريقة أخرى كانت تستخدم من قبل الكيميائيين للحصول على المواد بسرعة مع مراعاة النسب الوزنية بينهما، بشرط أن تكون الحرارة الخارجية أقوى من الحرارة الداخلية (الموجودة في طبع المعدن)، ويقول في ذلك: «ومن الحكماء من سلك إلى هذا ms188 المطلوب طريقا آخر، بأن قصد إلى محاكاة فعل الطبيعة في المادة الأصلية، فاحتال على معرفة ما في الذهب من زئبق، وما فيه من كبريت؛ لأنهما أصل الفلزات جميعها. وجمع بين الزئبق وبين كبريت طاهر على هذه النسبة، وحصنه بنار محفوظة، لكنها أشد من حرارة المعدن، طلبا لقرب المدة، كما يفخر الطين بالنار، فيشابه الحجر الذي عقدته الطبيعة في ألوف السنين. وهذا التصرف وإن كان صحيحا في النظر إلا أنه عسير شاق في العمل». # 62 # الصعوبة التي واجهت تطبيق نظرية جابر، وانتشارها هي اختلاف اللغات ؛ فالمعادن تختلف أسماؤها من أمة لأخرى ومن لهجة لأخرى، وقد ذكر هذه الصعوبة في كتابه (الحاصل) فقال: «إنا نجد الأشياء باللغات المختلفة تختلف، وإذا وجد اختلافها في الكتب، وجب اختلاف ما علمناك، وانتقض الأصل الذي رتبناه على الطبائع قياسا بها.» # 63 # وقد اقترح لحل هذه المشكلة طريقتين: ~~(1) # قياس وزن الكيفيات في اللغة العربية أولا، ثم في اللغات الأخرى، حتى يحصل الباحث على النتيجة الصحيحة التي يجب أن يعتمدها في كل تجاربه. ~~(2) # أن يلتزم الباحث لغة واحدة في كل أبحاثه، وسيجد أن كل لغة مكتفية بذاتها في الدلالة على طبائع الأشياء؛ فحقائق الأشياء ثابتة لا تتعدد بتعدد اللغات. # لكن جابرا رفض الحل الثاني؛ لأنه جاء من فيلسوف لم يذكر اسمه، فهو يرى أنه ما دامت كلمات اللغات المختلفة مختلفة البنية، فلا يعقل أن تكون كلها على حد سواء في الدلالة على حقائق الطبيعة. # 64 # لقد كان الهدف من تأسيس علم الميزان هو ضبط المقادير المادية والكيفية في المادة، فإذا تم ضبط المقادير المادية عن طريق الميزان الوزني المعروف، فإن الميزان الحروفي مهمته ضبط مقادير الكيفيات (من حرارة وبرودة ورطوبة ويبوسة) التي بداخل هذه المادة. # وكما نلاحظ بأنه لا يقيس مقدار الكيفيات الإضافية من الخارج؛ أي إذا قمنا بتسخين المادة فإن هذه الحرارة المسلطة على المادة من مصدر حراري خارجي لا تدخل ضمن حسابات الميزان الحروفي، وإنما تعتمد على تقدير المجرب وحدسه بالوصول إلى النتيجة التي يرغب بها. ms189 # أهمية نظرية جابر لا تنحصر في ضبط مقادير الكيفيات في التفاعلات الكيميائية نظريا، وإنما الاستفادة عمليا من ذلك لتحضير الأدوية التي تستخدم في علاج الأمراض، فنراه يقدم لنا أمثلة كثيرة لأسماء مواد يعتبرها مهمة في تركيب الأدوية، ويبين كيفية حساب مقادير حروفها لمعرفة طبيعة الدواء المستخرج، طبعا بعد تجريده من أحرف الزيادة. ونلاحظ أن جابرا أطلق على درجة شدة العقار # 65 # اسم «المرتبة» في حين استخدم أطباء القرون اللاحقة اسم «درجة». # 66 # يقول جابر: «ينبغي أن تعلم أن الإثمد سالم ما لم تدخله الألف ولام التعريف، وكذلك الأبهل # 67 # من النبات؛ فأما الأقاقيا # 68 # فتسقط الألف الثانية والأخيرة؛ فينبغي أن يوزن على أنه أققي، وأما النحاس والأنزروت # 69 # فإنهما سالمان إذا سقط منهما الألف ولام التعريف، وكذلك الذهب والكبريت، وأما الفضة فتحذف منها كذلك تاء التأنيث ... إلخ.» ويختم جابر بقول: «ولولا أن يطول الكتاب ويسخف، لأثبتنا فيه - كما أثبتنا في كتاب النبات وكتاب الأحجار وكتاب الحيوان - من تعديد ما فيها من أنواعها كلها، ولكن ملنا إلى التخفيف، وقد علمناك وجه القياس فيه.» # 70 # مع قوة نظرية جابر في علم الميزان، فقد قلل مؤرخ العلوم العربية دونالد هيل من أهمية هذه النظرية معتبرا أنها «ذات طبيعة تأملية عالية». # 71 # ومن ذلك نفهم سبب رفضه وجود أي إسهام للعلماء العرب في علم الحرارة. # 72 # في حين أن المستشرق الألماني إيلهارد فيدمان يرى أن تسمية الكيمياء بعلم الميزان ليس بسبب استخدام الموازين فيها، وإنما بسبب لما يجري البحث عنه فيها من المقاييس الصحيحة والنسب المتوازنة التي ينجم عنها الحصول على الوسط الصحيح المناسب لتحقيق الغاية الكيميائية المرجوة من ذلك. # 73 # ويقول المستشرق هولميارد: «يتفق آراء علماء الكيمياء في المعمورة على أن علماء العرب هم مؤسسو الكيمياء كعلم يعتمد على التجربة. وفي الحقيقة فإن علماء العرب هم الذين أوجدوا من علم الكيمياء منهجا استقرائيا سليما يستند على الملاحظة الحسية والتجربة العلمية، وهم الذين استطاعوا أن يستخدموا الموازين والآلات والمكاييل لقصد الدقة والضبط.» # 74 # علم ms190 الميزان الذي أرسى قواعده جابر - بشكل عام - كان يعبر عن إيمانه بالترتيب الرياضياتي لبنية المادة، وبإمكانية تفسير التحولات الكيفية للمواد على أساس كمي؛ لذلك فقد أصبح علم الميزان العمود الفقري والمحور الرئيس لمذهبه في الكيمياء؛ فقد أراد من خلاله ضبط القوانين الكمية العددية التي تحكم كل شيء في الوجود بوساطة موازين حروفية؛ وبالتالي التمكن من توصيف كل الظاهرات الطبيعية وكل ما في الوجود وفق قوانين الكم والعدد. # 75 # الأمر الذي يتيح فهم تطور المعادن وغيرها من الجواهر، والتسلط على مجاريها باختصار أقصى ما يمكن من الوقت والجهد. وبذا فإن تعليم الفلسفة لم يعدل، لكن بيانه توضح وتنفيذه تيسر ومنفعته عمت. # 76 # لذلك يعد عمل جابر واحدا من أكبر المحاولات الرامية لتقنين الظاهرات الطبيعية في العصور الوسطى؛ أي تأسيس ما يمكن تسميته بالفيزياء أو الكيمياء النظرية منذ ذلك الوقت، وهو الهدف الذي سعى إليه العلماء منذ منتصف القرن التاسع عشر. # أبو القاسم المجريطي (القرن 5ه/11م) # كما ذكرنا بأن المجريطي تأثر بفكرة ميزان النار التي وضعها جابر، والتي وجد فيها طريقة يمكنه بوساطتها أن يضبط كمية الحرارة، وقد وضع ذلك في كتابه (الأوزان في علم الميزان)، # 77 # وقسم ميزان النار الذي وضعه إلى سبع طبقات (أو سموات)، كلما زاد رقم الطبقة زادت شدة الحرارة فيها. وقد اقتبس أسماء بعضها، كما سنلاحظ، من أسماء جهنم # 78 # التي أعدها الله عذابا للخاطئين يوم القيامة. ~~ وهي: ~~(1) # الطبقة الأولى: وهي طبقة النار الباردة؛ حيث تكون شدة النار فيها ضعيفة كثيرا. ~~(2) # الطبقة الثانية: وهي طبقة النار الفاترة؛ حيث تكون شدة هذه النار ضعيفة فقط. ~~(3) # الطبقة الثالثة: وهي طبقة نار الجحيم؛ حيث تكون شدة النار فيها متوسطة. ~~(4) # الطبقة الرابعة: وهي طبقة نار الهاوية أو الحامية؛ حيث تكون شدة النار فيها قوية. ~~(5) # الطبقة الخامسة: وهي طبقة النار ذات اللهب؛ حيث تكون شدة النار فيها قوية كثيرا، ويلاحظ فيها ظهور ألسنة النار. ~~(6) # الطبقة السادسة: وهي طبقة نار السموم؛ حيث تكون هذه النار أكثر قوة من طبقة النار السابقة. ~~(7) # الطبقة السابعة: ms191 وهي نار سقر، وهي النار التي تذيب كل شيء يقع فيها وتحوله إلى رماد. # نجد في ميزان المجريطي أنه اعتمد حساب الجمل للحروف؛ حيث إنه أعطى دلالة رقمية لكل طبقة، والواضح من الشكل السابق أيضا أنه أراد ضبط شدة الحرارة الخارجية (العنصرية) التي تسلط على المواد، وليس مقدار الحرارة الذي يوجد داخل المادة (الكيفية)، كما فعل جابر. وهذا تطور وتطوير مهم على عمل جابر. # يلاحظ في ميزان المجريطي استخدام أربعة محاور؛ حيث إن كل محور يشير لجهة جغرافية محددة، وكل ربع من هذه المحاور مقسم إلى 29 قسما (درجة زاوية)، كما أن كل محور مقسم لعشرة أقسام متساوية؛ حيث إن نقطة تقاطع المحورين هي الرقم «10». تمر في كل قسم دائرة مخصصة لطبقة نارية محددة (أو سماء كما يسميها على الشكل). ~~ (مصدر الشكل: مخطوطة كتاب الأوزان في علم الميزان، للمجريطي، نسخة مكتبة الميكروفيلم في معهد التراث العلمي العربي، جامعة حلب، رقم (351 / 10)، ص2ظ.) # يمكننا وضع الطبقات السابقة مع القيم الرقمية المقابلة لها في الجدول الآتي، مع ملاحظة أنه يوزع سبع طبقات على عشرة تقسيمات: # الطبقة # اسمها # القيمة المقابلة لها # 1 # 2 # السعير # 1 # 3 # ذات اللهب # 5 # 4 # الحامية # 9 # 5 # الجحيم # 40 # 6 # السموم # 100 # 7 # الباردة # 300 # المثال التطبيقي الذي وجدناه هو تجربة قام بها المجريطي توصل بوساطتها لأكسيد الزئبق الأحمر؛ حيث إنه أخذ زئبقا نقيا ووضعه في قارورة زجاجية لها شكل بيضة، وأدخلها في وعاء يشبه أواني الطهي، ثم أشعل تحت الوعاء الخارجي نارا هادئة بعد أن غطاه، ثم تركه يسخن أربعين يوما وليلة مع مراعاة ألا تزيد الحرارة عن حد معين بحيث يتمكن من وضع يده على الوعاء الخارجي. بعد هذه المدة وجد أن الزئبق الذي كان وزنه ربع رطل، صار جميعه مسحوقا أحمر، ناعم الملمس، وأن وزنه لم يتغير. طبعا كان يجب أن يزيد وزن الزئبق نتيجة التفاعل مع أكسجين الهواء، ولكن يبدو أن جزءا من الزئبق قد تبخر طوال «40 يوما» وربما بطريق الصدفة، كان ms192 وزن الجزء المتبخر يساوي وزن الأكسجين الداخل في التفاعل. هذه التجربة سيعيدها كل من بريستلي ولافوازييه تماما وفق وصف المجريطي بعد ستة قرون وبتقنيات متطورة أكثر، ليحصلا على النتائج نفسها، وتوصلا لقانون حفظ أو مصونية الكتلة والاتحاد الكيميائي الذي سبقهما المجريطي بمعرفته. # 79 # إذن حضر المجريطي أكسيد الزئبق الأحمر من التفكك الحراري لمركب نترات الزئبق الثنائي وفق المعادلة: # ولا أعتقد أن المجريطي بإمكانه إجراء تجربة من هذا النوع لولا أنه قام بضبط درجة الحرارة باستخدام مقياس دقيق، لا نقول على مستوى ميزان الحرارة أيام لافوازييه، لكنه كان دقيقا حتما في عصره. # يوجد ثنائي أكسيد الزئبق في الطبيعة في معدن نادر الوجود يدعى مونترويديت # Montroydite ~~، (مصدر الصورة والتعليق من # https://ar.wikipedia.org/wiki ~~) ويبدو أنه كان متوفرا أو متاحا أيام المجريطي حتى أجرى عليه تجربته . # ابن سينا (القرن 5ه/11م) # أشار الباحث روبرت بريفولت # R. ~~ Briffault # إلى أنه «يقال» إن ابن سينا أول من وظف مكشاف الحرارة الهوائي في تجاربه، لكن بريفولت لا يعتبر أن هذه الأداة، التي أعادها جاليليو بشكل مستقل، إسهام له قيمة في تطور العلم. # 80 # الغريب في الأمر أن مؤرخي العلوم الغربيين يعتبرون ميلاد علم قياس الحرارة يبدأ من لحظة إعلان جاليليو عن اختراعه لمقياس الحرارة الهوائي عام 1593م، في حين أن بريفولت لا يقيم وزنا لجهود ابن سينا ومن سبقه أو لحق به من العرب! # على العموم لم نعثر على النص الصريح الذي يقدم لنا الدليل على عمل ابن سينا؛ لذلك لا يمكننا الخوض كثيرا بشأن عمل ابن سينا، كما هو الحال في كل الحالات التي سندرسها في عملنا هذا. # وما نعتقده هو أن ابن سينا ربما وصله تصميم فيلون أو هيرو وقام بإعادة صنعه وتجريبه، وربما استخدمه في أبحاثه الطبية. # البيروني (القرن 5ه/11م) # مع البيروني بدأت عملية قياس الحرارة تأخذ منحى مختلفا وأكثر دقة وتقدما؛ فقد وضع البيروني قياساته عن الأوزان النوعية للمواد اعتمادا على جهاز أوصافه محفوظة لدينا في كتاب ميزان الحكمة للخازني؛ حيث إن طريقة الرصد بسيطة، ms193 وذلك بأن يصب الشخص الماء حتى تدفقه من الميزاب # c # إلى الحوض، وبعدها يوضع كمية موزونة من مادة في الماء ويحسب كمية الماء المتدفقة. # 81 # ومعروف عن البيروني أنه عالم صاحب منهجية علمية وتجريبية فريدة من نوعها، لعل أهم ما يميزها هو خروجها على الفكر الأرسطي وهيمنته، ناهيك عن محاربته بسلاح العلم ما يسود في المجتمع من خرافات واعتقادات باطلة. وقد قادته هذه المنهجية للوصول إلى الكثير من الاكتشافات والاختراعات نذكر أهمها في مقامنا هذا المثقلة أو مقياس الكثافة البكنومتر Pycnometer # لتحديد قيم الكثافة النسبية # 82 # أو الوزن النوعي. # 83 # جهاز قياس الأوزان النوعية للمواد عند البيروني. (مصدر الصورة: # Wiedemann, Eilhard, Arabische specifische Gewichtsbestimmungen, 1883, p. ~~ 31 ~~.) # يقول الباحث فؤاد جميعان إن البيروني تمكن من قياس درجة حرارة الماء، ولكن كيفية القياس والتجربة غير معروفة لدينا، كما عرف أن للحرارة تأثيرا كبيرا على كثافة السوائل، وهي الملاحظة التي سيتوسع بها الخازني بعد ذلك؛ فعندما قاس أبو الريحان كثافة الماء البارد والماء المغلي وجد أن الفرق بين الكثافتين يساوي 0,41667 وهي نتيجة قريبة جدا لا تختلف كثيرا عن النتيجة الحالية؛ حيث إن الفرق بين كثافة الماء في درجة الحرارة 4 ~~° # مئوية - وهو الحد الأعلى لكثافة الماء - وبين كثافته عند درجة 100 ~~° # مئوية (درجة الغليان) تساوي 0,42. # 84 # وإذا اعتبرنا أن وزن المتر المكعب من الماء تحت درجة حرارة تساوي درجة حرارة الماء الذي قاسه البيروني وهو 998,901 غرام، فإن هذا الوزن يساوي وزن متر مكعب من الماء في باريس تحت درجة حرارة قدرها 16,67 ~~° # مئوية موجود في الفراغ المطلق. وبحسب تجربة رينو فإن لتر الهواء الجاف في باريس عند درجة الحرارة صفر درجة مئوية وضغط الجو الطبيعي (670ملم زئبقي) يزن 1,293187 غرام، وعليه فإن المتر يزن 1293,187 غرام في الهواء الجاف تحت جميع الظروف المذكورة. # 85 # مؤيد الدين الطغرائي (القرن 6ه/12م) # تأثير ميزان النار عند جابر كان واضحا في معالم فكر الطغرائي، لكن ميزان الطغرائي سيكون أفضل في تحديد معاييره من جابر ms194 ومن المجريطي؛ إذ نجده في البداية يعرف مصطلح ميزان النار كما ورد في عرف الحكماء بأنه «معرفة قانون كلي يتوصل به إلى معرفة مقادير النيران وغيرها في المركبات الصناعية لتحصيل الصواب، فهذا حقيقة ذلك.» # 86 # ثم يضع أسس صنع هذا الميزان والعوامل الداخلة فيه؛ مثل تحديد المقصود بمصطلح الطبيعة كما يفهم عند الحكماء وليس عند اللغويين، وكذلك معرفة خصائص المواد، وأيضا الإحاطة بنظرية القوة والفعل الأرسطية، وإدراك تأثيرات الكيفيات الأربعة في أثناء تفاعلاتها. # قال الطغرائي: «اعلم أن معرفة ذلك تتوقف على تحديد بعض حقائق هي كالمبادئ لما نريد أن نضعه؛ فمنها معرفة الطبيعة ما هي في اصطلاح الحكماء، ومنها معرفة الطباع ما هي، وهل متحدان معنى أم يفترقان، ومنها معرفة القوة والفعل وما يستعملان فيه في الاصطلاح أيضا وما هما وكم أقسام بين [كل] منها، ومنها معرفة أفاعيل الكيفيات الأربعة قوى الطبائع العنصرية التي هي البرودة والرطوبة [والحرارة واليبوسة] وتمييز فعل كل منها عن الآخر بعد بيان حقائقها ورسومها على ما بينه الحكماء فيما وصل إلينا منهم.» # 87 # بعد أن أرسى الأسس السابقة، قام هو نفسه باتباع قواعد علم الميزان التي جاء بها جابر، # 88 # لكن مع تفصيل وترتيب وتوضيح أكثر، فهو يعتبر أن من يقرأ كتابه شخص محظوظ أن تيسرت له فيه المعرفة الكيميائية بهذا الشكل الميسر والسهل الفهم. # استخدم الطغرائي مصطلح «درجة الحرارة» تحديدا ليشير به إلى كمية الحرارة التي تتلقاها بقعة معينة من الأرض تسقط عليها أشعة الشمس، وذلك لدى تفسيره كيفية تشكل المعادن في باطن الأرض، وكيف أن هذا المقدار يتغير حسب خط عرض الأرض، قال الطغرائي: «إذا أردنا أن نعرف مقدار طبع إحدى بقعتين بعد كل منهما عن دائرة الوسط خمس درج، حكمنا من ذلك على أن كلا مساو للآخر في مقدار الحرارة والبرودة وغيرهما، فإذا كان بعد أحدهما عن الشمس خمسة والأخرى اثنان ونصف كان طبع هذه في الحرارة وغيرها على قدر النصف؛ أي إن درجة الحرارة أو البرودة في كل واحدة من البقعتين ms195 المذكورتين على تلك النسبة، ففي التي بعدها خمسة من الحرارة ضعف ما بعدها اثنان ونصف من البرودة، وما بعدها اثنان ونصف من الحرارة نصف حرارة الأخرى، وهكذا بقية الكيفيات الأربعة.» # 89 # وحتى يبين لنا كيفية استخراج الكيفيات الأربع باستخدام الميزان عمليا، ضرب لنا مثالا النحاس فهو معدن طروق لا ينصهر بسرعة، جزيئاته غير متراصة مثل الذهب، يقول في ذلك: «إنا نجري لك الأحكام التي نضربها لك في مثلنا هذا في أحد الأجساد الناقصة التي يجري فيها الأمر في تدبير المعادن الذائبة وتطبيبها، ونضع من تلك الأجساد المذكورة أفضلها وهو النحاس لأنه منفعل قابل سريع القبول، بطيء الذوب بالنسبة إلي، غير متلزز بعض التلزز الذي به قارب الذهب في وفاقة المزاج واستحكامه، بل قارب الذهب الإكسيري من حيث أخرى مع تلك الحيثية، وليكون المثال أقرب إلى فهم الطالب المتأمل لما فيه من قرب المشاكلة والمناسبة لمعتدل الأصل، ولنفرض ميزانا ونختار أن يكون عمودها الثابت مجزءا ستة عشر جزءا لأنها أوسع وأسهل وأضبط من غيرها، واتفاق الحكماء جار في ذلك على الجواز والاختيار مع صحة الجميع المقرونة بالتجربة الحقة كما ترى.» # 90 # ويضع الطغرائي صورة ميزان حرارته المقسم إلى 16 جزءا كما يأتي: # يلاحظ في ميزان الطغرائي أنه يبدأ الترقيم من الأعلى إلى الأسفل ويخصص المحور العمودي لناتج جداء الكيفيات الأربع بالعناصر الأربعة وهو 16، دون أن يدخل الشوائب في الحساب كما فعل جابر. ويخصص المحور الأفقي للعناصر الأربعة لكن دون ترقيم. ووضع نقطة التقاطع عند الرقم (4). ~~ ويعتبر هذا التمثيل البياني أفضل توضيح عثرنا عليه لنظرية الميزان عند العرب. (مصدر الشكل: مخطوطة مفاتيح الرحمة وأسرار الحكمة، للطغرائي، ج2، ص27ظ.) # ثم يتابع الطغرائي كيفية إجراء حساب مقدار الحرارة والبرودة في معدن النحاس باستخدام هذا الميزان، دون أن يجرد الاسم من الأحرف الزائدة، فيقول: «فإذا وضعت ذلك وصار بين يديك وجزأت عموديا بالأجزاء الستة عشرية الطبيعية، فنرسم صورة النحاس هكذا: ا ل ن ح ا س. # في جانب على حدته خارج عن ميزان الطبيعة، ثم ms196 نظرنا في أركانه وما أودع الحق جل جلاله فيه من أسرار الأركان ونتائج الميزان. والتركيب الشبيه بتركيب حقيقة الإنسان من الركن الناري والطبيعة الحارة اليابسة هذين المرتبتين: ا ا وهما مرتبتان في درج العنصر، وأما في الكمية المقدارية المعبر عنها بالأجزاء الطبيعية فهما عبارة عن ثمانية عشر جزءا من هذا الركن الحار اللطيف، فوضعنا صورتهما في بيتهما الخاص بهما من كفة الميزان اليمنى، ثم نظرنا في كمية أجزاء العنصر الموجودة معنا من كمية المرتبتين فوجدناها ثمانية أجزاء كما ذكرنا، فوضعناها تحت بيتهما من الميزان، ثم نسبنا تلك الأجزاء التي معنا للعنصر الناري إلى العمود فوجدناها تفضل عليها بأربعة، وتلك الأربعة هي عدة أجزاء الدرجة الأولى من الحرارة النارية فوضعنا الأربعة تحت محلها من العمود الثاني المقاطع لعمود الميزان الكامل المجزأ على زاوية قائمة هكذا.» # 91 # يقصد الطغرائي بالأولى على المحور الأفقي (الدرجة الأولى). ~~ ونلاحظ هنا أنه قسم المحورين إلى أربعة أقسام متساوية، على كل محور عشرة نقاط تبعد عن بعضها بعدا متساويا كتب فقط على أربع منها بدءا من اليمين إلى اليسار على المحور الأفقي، ولها ما يناظرها على المحور العمودي. (مصدر الشكل: مخطوطة مفاتيح الرحمة وأسرار الحكمة، للطغرائي، ج2، ص28و.) # وهكذا نلاحظ أن الطغرائي قد تقدم خطوة جديدة في علم الميزان، وميزان النار تحديدا من أجل معرفة مقادير الحرارة وغيرها من الكيفيات في كل مادة؛ فقد لجأ للتمثيل البياني الذي يعبر عن المعلومات المرتكزة على الأسس التي وضعها جابر، ولكن بطريقة جديدة دون أن يلجأ إلى القيم الوزنية التي اعتمدها جابر؛ فقيمة الحرارة في معدن النحاس عند جابر هي (ثلاث مراتب = خمسة دراهم وخمسة دوانيق) أما البرودة فمقدارها (مرتبة أولى = دانقان)، والرطوبة (المرتبة الثانية = درهم ونصف)، واليبوسة (ثانية من المرتبة الرابعة = درهمان وأربعة دوانيق). # 92 # أما عند الطغرائي فإن ميزان النار المتعلق بالنحاس يعبر عنه بالشكل الآتي: # تأخذ الكفة اليمنى أربعة حروف من اسم النحاس هي (ا ا، ح ل) وقيمها على الترتيب (18، 15)، أما الحرفان المتبقيان (س، ن) فيأخذان ms197 القيمتين (6، 6) على الكفة اليسرى، (مصدر الشكل: مخطوطة مفاتيح الرحمة وأسرار الحكمة، للطغرائي، ج2، ص31ظ.) وهذا يعني أن النحاس حار شديد الحرارة (تقابل القيمة 18) ويابس قليل اليبوسة (تقابل القيمة 15)، وباطنه ضعيف البرودة (تقابل القيمة 6)، ورطب شديد الرطوبة (تقابل القيمة 6). نستنتج من ذلك أن كيفية الحرارة فيه تأخذ أعلى قيمة؛ ولذلك يتفق الطغرائي مع قول جابر عن النحاس بأنه «يسبك بسرعة» (جابر بن حيان، كتاب السبعين، ص193.) # أبو الفتح الخازني (القرن 6ه/12م) # سعى الخازني في كتابه (ميزان الحكمة) للحصول على أعلى دقة ممكنة في قياس أوزان الأشياء، وقد سعى أيضا لقياس الثقل النوعي الذي يميز كل مادة عن أخرى. ويمكن النظر إلى الجدول الآتي لمعرفة قيمة كثافة الماء الحار والجمد (الجليد) مقارنة بالقيم الحديثة: # 93 # اسم المادة # قيمة الثقل النوعي لها المحسوبة بأجهزة الخازني # قيمة الثقل النوعي لها المحسوبة بأجهزة الخازني (بعد تقسيمها على قيمة الماء العذب الزلال والتي تساوي 1200) # قيمة الثقل النوعي لها المحسوبة بالأجهزة الحديثة ~~* # مقدار الفرق بينهما # تعليق # الماء الحار (المغلي) # 1150 # 0,958 # 0,960 # 0,002 # الخازني أقل # الجمد (الجليد) # 1158 # 0,965 # 0,916-0,927 ~~−0,049 حتى −0,038 # الخازني أعلى # بول الناس الحار # 1222 # 1,018 # 1,011 # 0,007 # الخازني أعلى # بول الناس البارد # 1230 # 1,025 # 1,011 # 0,014 # الخازني أعلى ~~* # يقول الباحث جميعان إن القيم الحديثة هذه مأخوذة في ألمانيا وفرنسا. # وقد لاحظ الخازني أن درجة حرارة الماء ونوعيته والفصل تؤثر على قيمة النتيجة التي نحصل عليها، فيقول: إن «الزنة الهوائية لا تختلف اختلافا ظاهرا، وإن كان لا يخلو منه بسبب اختلاف الأهوية، وأما زنته المائية فيظهر فيه تفاوت باختلاف مياه البقاع والآبار[و] المستنقعات في اللطافة والكثافة، وما يعرض فيه من اختلاف الفصول والمنابع، فيختار من المياه ماء بقعة معينة وبلد معروف، وترصد زنته المائية، ونعلم ما يخص منها لزنة مائة مثقال وننسب العمل إليه ونحفظه وقت الحاجة إليها إن شاء الله. [و] يجب أن يعمل في الشتاء بالماء الفاتر دون البارد جدا لخثورته ومعاوقته الثقل فيخرج زنته المائية أقل مما يوجد في الصيف. ms198 ولهذه العلة أيضا يرسب فنجانة الماء فيه، إذا كان الماء صادق البرد بطيئا، وإذا كان حارا مسرعا وفيما بينهما لا ترسيب [كما] إذا كان فاترا، ولهذا أثر بين في الشتاء والصيف، فنحفظ هذه الأشياء. وأبو الريحان رحمه [الله] رصد الفلزات والجواهر بزنتها المائية بجرجانية خوارزم في أوائل فصل الخريف والمياه معتدلة البرد، وأثبتها في رسالته المذكورة.» # 94 # يعلق الباحث جميعان قائلا: إن هذه الفقرة تشير إلى ما وصل إليه العلماء العرب والمسلمون الفيزيائيون من المهارة في معرفة أن للهواء وزنا، وقد وصلوا لهذه النتيجة بشكل غير مباشر. كما أنهم قاسوا درجة الحرارة للماء ولكن آلة القياس وكيفيتها نجهلها الآن، فربما قاسوها بوساطة الهيدرومتر # Hydrometer # 95 ~~، # 96 # الذي استعملوه لقياس كثافة الماء التي هي بنسبة عكسية مع الحرارة. # 97 # ويقول الباحث بولتون # Bolton ~~: إن الخازني استعمل الهيدرومتر لقياس الكثافات وتقدير حرارة السوائل. # 98 # للأسف لم نشهد من يطور هذه المقاييس العملية ليصار إلى استخدامها في تجارب لاحقة، وإنما كان هناك عودة لميزان النار النظري الذي وضعه جابر، مع تطوير طفيف. # هبة الله بن ملكا البغدادي (القرن 6ه/12م) # بغض النظر عن مصدر الحرارة، فإن أثرها واحد على الأجسام، فإذا سخنا مقدارا محددا من الماء بالنار إلى درجة ما، أو «حد ما» كما يسميه ابن ملكا، وقمنا بتسخين المقدار نفسه بوساطة أشعة الشمس الحرارية إلى الدرجة نفسها، فإن الأثرين يتشابهان لدى قياسهما ذاتيا بوساطة حاسة اللمس. وهي الطريقة التي على ما يبدو كان يعتمدها ابن ملكا دون أن يطورها أو يقدم مقترحات لتطويرها. # قال ابن ملكا «نقول في الحرارة النارية والشمسية، والحيوانية، والمزاجية، والغريزية نستدل على الاتفاق والاختلاف بعد الاتفاق في الاسم، وما وضع الاسم بحسبه بدلائل أخرى إن وجدناها، فنقول إن اسم الحرارة يقع على هذه الأصناف بحسب الإدراك والإحساس وتشابه المحسوس منها عند الحس أو تقاربه مع اختلافه الظاهر عند الحس بالشدة والضعف، فإن حرارة النار قد تسخن الماء فيسخن إلى حد ما وتسخنه حرارة الشمس مثل تلك السخونة فيتشابه الأثران ms199 عند الحس.» # 99 # ابن رشد (القرن 6ه/12م) # في مقالة مهمة لابن رشد بعنوان «مقالة للشيخ الفقيه القاضي الإمام أبي الوليد في المزاج رضي الله عنه» يرد فيها على جالينوس نقدا وتصحيحا لأفكاره في مجال تركيب الأمزجة المختلفة (الرطب واليابس والحار والبارد)، ليس بطريقة استدلالية وحسب، بل يدعم قوله بالتجربة البسيطة الشائعة؛ إذ نراه يقول في مجال تعديل الحرارة بالبرودة: «بذلك نرى الصناعة في ذلك تشبه الطبيعة، فإن أكثر الصنائع التي تستعمل الحار وتستعمل البارد إثر استعمال الحار كصناعة الحدادة، وصناعة الطبخ، وكثير من الصنائع، حتى إن الأطباء يأمرون في ذلك بدخول الحمام على أن ينغمس العليل في الماء البارد بعد انغماسه في الماء الحار وقعوده في الهواء الحار ... ولنزد هذا وضوحا فنفرض جسمين أحدهما حار والآخر بارد اختلطا على السواء حتى صارا إلى صورة متوسطة بينهما على السواء، مثل أن يكون أحدهما في درجة من الحرارة والآخر في درجة مثلها من البرودة، فانحط كل واحد منهما إلى نصف درجته بفعل ضده فيه، فنقول: إنه ليس يأتي عنهما موجود واحد متوسط.» # 100 # ويقصد بذلك أنه لا يشترط تساوي مقداري كمية الحرارة في الأمزجة أن يكون الناتج معتدلا في درجة حرارته. ~~ وهو المعنى الذي كان يؤكد عليه جالينوس سابقا. # أيدمر الجلدكي (القرن 8ه/14م) # حاول الجلدكي أن يعمم مفاهيم ومبادئ علم الميزان وميزان النار على كافة أرجاء الكون، فكل كبيرة وصغيرة محكومة لميزان دقيق في وجودها. وقد وجد أن الهندسة الرياضياتية تقوم بدور مهم، وهو أن لها قدرة على تعديل هذه الموازين، يقول في ذلك: «وقد اتفق الحكماء على أن أصل العلوم الرياضية [هو] علم العدد والحساب ثم علم الهندسة؛ لأن الموازين كلها لا تعدل إلا بالهندسة.» # 101 # ثم يحاول أن يضبط موازين كرات العناصر الطبيعية مستخدما وحدة الدرجات الزاوية بشكل صريح، فيقول: ~~«اعلم أن الميزان الطبيعي لفلك النار 360 درجة منها 270 درجة حرارة و90 درجة يبوسة. # وميزان كرة الهواء 360 درجة منها 90 درجة حرارة و270 درجة رطوبة. # وميزان كرة الماء ms200 360 درجة منها 90 درجة برودة و270 درجة رطوبة. # وميزان كرة الأرض 360 درجة منها 90 درجة برودة و270 درجة يبوسة.» # 102 # بعدها يصنف الجلدكي الحرارة (أو النار كما يسميها) إلى سبع طبقات، على غرار ما فعل المجريطي، لكنه كان أكثر تفصيلا في الأمثلة المقابلة لكل طبقة: # 103 ~~(1) # الأولى: نار باردة، حيث يظهر لها أثر ما مع وجود البرودة فيها. ~~(2) # الثانية: نار فاترة، وهي مثل ماء العفن في الحمى العفينة الرقية ونار التعفين # 104 # التي تستخدم في الكيمياء. ~~(3) # الثالثة: نار خامدة، مثل النار التي في الأحجار والصوان؛ فهي كامنة ولا تظهر إلا بالقدح والحركة. ~~(4) # الرابعة: نار حارة؛ مثل حرارة الشمس والنار الرمضاء وحرارة الحمام. ~~(5) # الخامسة: نار حامية، مثل نار الطبخ بالحطب ونار التقطير. ~~(6) # السادسة: نار شديدة، مثل نار الحطب بالأفلاق # 105 # الكبيرة أو نار التصعيد. ~~(7) # السابعة: نار مسعرة متوقدة، مثل النار الهائجة كالكور أو نار الصاعقة القوية. # أعطى الجلدكي أيضا لكل طبقة من هذه الطبقات # درجة زاوية، وهو يعادل بشكل عشري الرقم 51,42857142857143 = 360 / 7 # أي قسم 360 درجة على سبع طبقات فنتج لديه هذا العدد الذي تأخذه الطبقة الواحدة. # وقد أعطى سبعة أحرف للطبقات السبع السابقة هي: # 106 # أ ه ط م ف ش ذ. # حيث تأخذ طبقة النار السابعة الموقدة المسعرة الحرف (أ = 1). # والسادسة تأخذ حرف (ه = 5 = 4 + 1). # والخامسة تأخذ حرف (ط = 9 = 4 + 5). # والرابعة تأخذ حرف (م = 40 = 4 × 10). # والثالثة تأخذ حرف (ف = 80 = 4 × 20). # والثانية تأخذ حرف (ش = 300 = 4 × 75). # والأولى تأخذ حرف (ذ = 700 = 4 × 175). # وهي تقسيمات المجريطي نفسها لدى المقارنة معها. وكما نلاحظ أن القيم تبدأ من (1) وحتى (700)، لكنه لا يفسر لنا سبب اختيار هذه الأرقام دون غيرها؛ أي لماذا لم يختر الأرقام ضمن المجال [1-7] بشكل مرتب، وإنما اختارها بهذا الترتيب، إلا بشكل متأخر عن وصفه لها؛ إذ يقول في الجزء الرابع: «اعلم أيها الأخ أن موضوع علم الميزان متعلق بالبحث عن كل ما يتعلق بالنسب، والإضافات، والكم، والكيف، والأحوال، والانفعالات، ومراتب ms201 الصنائع، والأعمال، والإحالات، والاستحالات في سائر المولدات الثلاث. ~~ واعلم أن أول موضوعات هذا العلم بالموازين متعلق بالعلوم الرياضية وهو علم العدد والحساب الموضوع على الصحة والصدق من غير اختلال، وهو أول مظاهر أسرار علم الميزان. وقد قلنا غير ما مرة إنه ما سمي الميزان ميزانا إلا لقصد الاستقامة والتعديل والتسوية.» # 107 # ثم يحاول أن يفسر سبب البدء بالرقم (1) فيقول: «إن أول ما وضع من علم الحساب إطلاق اللفظ على الواحد، وهذا اللفظ هو قسم من أقسام الميزان المعنوي؛ فإنه قد يطلق ويراد به معنى الوحدة على الإطلاق.» # 108 # أي إن الزمان واحد والعقل الأول واحد والنفس الكلية واحدة، وهكذا. # أما الرقم (5) فقد وضع على الكواكب المتحيرة الخمسة والحواس الظاهرة الخمسة والأصابع الخمس وهكذا. # والرقم (9) هو نهاية مراتب الآحاد، وفيه إشارة إلى الفلك التاسع المحدد للجهات. # أما الرقم (7) المتعلق بعدد طبقات النار فهو مبني على أساس الصفة المقدسة؛ فالسموات سبع والأراضين سبع والكواكب سبعة والألوان سبعة، والأجساد (أي المعادن) سبعة في عهده. # لكن بتحليل أدق، سنجد أن الأرقام السابقة إما مجموع (4) مع رقم آخر أو جداء (4) برقم آخر، ورقم (4) يشير إلى الكيفيات الأربع الموجودة في كل مادة. # تنبه الجلدكي إلى أن «الحرارة المفرطة لا تدخل في هذا التقسيم ولا البرودة المفرطة؛ لأن ميزان الحرارة المفرطة لا يحد بهذه الحدود، وكذلك البرودة المفرطة لا تحد بهذه الحدود؛ لأنهما علتان للفساد المحض في القوة والفعل، وإنما هذه الحدود على الحرارة والبرودة المتوسطة لوجود التركيب بالقبول.» # 109 # وذلك لأن طريقة ميزان النار نظرية وهي محدودة بقيم محددة لا يمكن أن تتجاوزها في القياس. وسنجد لاحقا، أنه حتى العلماء الأوروبيين لم يستطيعوا استخدام موازين الحرارة الأولى لقياس درجات الحرارة المفرطة على جانبي الطيف الحراري، وكان عليهم الانتظار حتى يتم اختراع البيرومتر Pyrometer # لقياس درجات الحرارة المرتفعة، وطريقة اللورد كلفن في القرن 19م النظرية لقياس درجة البرودة المطلقة. # وقد قدم لنا الجلدكي وصفه للميزان النظري الذي وضعه فقال: «واعلم أن لكل ميزان من هذه الموازين عمودا ms202 موضوعا على سطح الهواء محمولا به معلقا من الوسط على نسبة السواء بالحامل ورأسه ولسانه مركب على الوسط بين حاو ومحوي؛ فالحاوي هو الفلك، والمحوي هو اللسان، واللسان له نسبة الوقوف في الوسط والعلائق والكفتان موضوعة في التركيب من الجانبين على السوية بحيث لا ترجح الكفة عن الأخرى بمثقال ذرة أبدا، وعلى كل من أجزاء الميزان يمنة ويسرة على القلب واللسان والجناحين والعلائق والكفات نسب موضوعة وأعداد معلومة، وتارة تكون الأعداد متقابلة على السواء وتارة تكون متماثلة.» # 110 # فالميزان وإن كان يشبه بشكله الميزان الوزني إلا أن ما يقيسه كل واحد منهما يختلف عن الآخر، ثم يوضح الفرق بين الميزان النظري الذي يعتمد على الرياضيات، والفكر المجرد، والميزان الوزني بقوله: «واعلم أن علم جميع الميزان راجع إلى علم العدد والحساب. وقلنا إنما سمي الميزان ميزانا إلا لمعنى القصد في الاستقامة والتعديل والتسوية الراجعة للعدل الذي هو القسطاس المستقيم. إن من علم الميزان ما هو ظاهر للحس مشاهد بالبصر معلوم في الوضع وهو المتعلق بميزان الكم التي غايتها معرفة الأرطال والأواق والدراهم والمثاقيل بالصنج المعلومة الأوزان المفردة. وأما الموازين المعنوية المعتبرة في الكيف فلها أمثلة ظاهرة للحس وتشابه في أعدادها موازين الكم، ولها أمثلة باطنة لا تدرك إلا بالعقل وبالتمييز والتصريف.» # 111 # ثم يدلل على صحة كلامه بالمثال الآتي: «والمثال في ذلك أن تعلم أن النار والهواء مخفيان عن البصر معلومان بالأثر، والنار في غاية الخفة ولا وزن لها في الكم الجسماني، وإنما ظهر آثار موازينها في الكيف العقلي وهو طبع الحرارة مطلقا، وكذلك البرودة كيفية مطلقة بموجب وجود البرد الحسي الفاعلي، وموازينها بالعقل والمعنى مدركة معلومة بالقوة والفعل الحقيقي.» # 112 # إذن نفهم من المثال الذي طرحه الجلدكي السبب الذي دعا الكيميائيين العرب لاعتماد ميزان حرارة للكيفيات؛ فنحن لا نرى النار بالبصر وإنما نعلمها بالأثر، لكن الجلدكي لا يتفق مع جابر بأن للحرارة وزنا؛ فهي في منتهى الخفة لذلك كان لا بد من الاستعانة بالتصور الذهني في تقديرها ومعرفة درجاتها «واعلم ms203 أن المدرك من ميزان الحرارة كيفية التسخين والحر مطلقا، وهو على مراتب ودرجات قد ذكرناها مفصلة في ميزان العنصر الناري ومراتبه، والمدرك من كيفية البرودة ميزان التبريد والبرد مطلقا وله مراتب ودرجات.» # 113 # لكنه يؤكد على ما درج عليه السابقون بأن النار هي اجتماع كيفية الحرارة مع كيفية اليبوسة في المادة «والماهيات التي من شأنها ظهور اليبس والخشونة في سائر الأجسام، فإن أفرطت الحرارة أحرقت وميزان الحرارة المحرقة قدمنا ذكره في ميزان النار، وإن أفرطت البرودة أجمدت، وإن أفرطت الرطوبة لينت، وحللت وإن أفرطت اليبوسة يبست وحجرت وجففت، وإن قارنت الحرارة اليبوسة استحالت نارا، وإن امتزجت الحرارة بالرطوبة استحالت هواء، وإن امتزجت الرطوبة بالبرودة استحالت ماء، وإن سرت البرودة في اليبوسة استحالت أرضا أو جمادا أو صخرا أو مدادا بإذن الله تعالى.» # 114 # وقد كشف لنا الجلدكي عن الطريقة التي يستخدمها الكيميائيون العرب من أجل ضبط كمية الحرارة الخارجية التي ينصهر عندها المعدن وهي (عدد النفخات لكل درهم)؛ أي كانوا يزنون المادة بوحدة الدرهم، ثم يقومون بالنفخ عليها بوساطة الكير بعدد محدد من النفخات، يقول الجلدكي: «واعلم أن الأدهان المستخرجة من القرون والحوافر بالتقطير من أغرب الأشياء أو أعجبها في تدبير الحديد بمجرد اللطخ والحمي وتكرار العمل إلى أن يبخر في الحمي فيذاب حينئذ ويطاعم من البواريق المدبرة للبياض، فإنه يذوب ويجري ويخرج من توباله # 115 # بتكرار العمل إلى أن يصير كالفضة بياضا، ويكون دورانه في عدة النفخات في أسرع من دوران الفضة مع أن ميزان دوران المثقال منه في عدة 400 نفخة، وأما ذواب الفضة الحجر فالمثقال يذوب في عدة 80 نفخة إذا كانت الفضة مسخرة فيذوب المثقال في 70 نفخة، فيحتاج الحديد إلى أقراط في التليين حتى يذوب المثقال في 70 نفخة». # 116 # هذه الطريقة سيعود ويشير إليها مؤلف كتاب «التحولات المرغوبة، أو عن النفي والإيجاب في تصحيح الحكمة» المجهول حيث قال: «وأما ميزان إذابة القلعي لكل درهم بالكور والنفخ عشرة من العدد؛ أي النفخات، وإن كان القلعي ms204 المذاب أوقية فيكون له ميزان الإذابة على حساب ما تقدم في الدرهم من غير زيادة فافهم، وهو المعتمد عليه وهو المكتوم الذي لا يباح إلا لمستحقه. وأما الأسرب فميزانه زايد عن إذابة القلعي بمقدار خمس نفخات لكل درهم، وتعرف فيه أيضا الدرجات كما علمناك في القلعي، فاعلم ذلك وتنبه ترشد، والله الموفق للصواب.» # 117 # وهو ما يؤكد شيوع وانتشار ونجاح هذه الطريقة التطبيقية في القياس الحراري بين أوساط الكيميائيين العرب، حتى وإن كانت تقريبية. # لا تتم عملية النفخ التي تحدث عنها الجلدكي بوساطة الفم، وإنما بوساطة منفاخ يدوي جلدي مخصص لذلك كما هو موضح في الشكل؛ فعند إبعاد المقبضين عن بعضهما يدخل إليه الهواء، وعند تقريب المقبضين من بعضهما يخرج منه الهواء وهذه تسمى بنفخة واحدة. (مصدر الصورة: شكر، جابر، الكيمياء عند العرب، ص64.) # ابن سلوم الحلبي (القرن 11ه/17م) # ينقل لنا ابن سلوم الحلبي (توفي 1081ه/1670م)، في الفصل الثالث من كتابه (الطب الجديد الكيميائي) ما كان سائدا في عصر النهضة الأوروبية في القرن السابع عشر من تقسيمات لدرجات الحرارة؛ إذ كانت تقسم إلى أربع درجات حسب شدة تأثيرها على حاسة اللمس؛ أي حتى ذلك الوقت كان الأوروبيون يعتمدون المنهج الذاتي في قياس الحرارة، الذي يأخذه البعض ذريعة لعدم إسهام العرب في علم الحرارة. وقد أخذ ابن سلوم الحلبي هذه التقسيمات عن دانييل سنرت # D. Sennert # 118 ~~(1572-1637م). # قال ابن سلوم: «اعلم أن درجات النار أربع: # الأولى: نار الحضانة، وهي حرارة يمكن لمسها باليد. # الثانية: حرارة أشد منها بقليل، بحيث ينفر عنها اللامس. # الثالثة: حرارة محرقة. # الرابعة: حرارة النار نفسها. # ولكل واحدة من هذه الدرجات غرض، مثال ذلك أن الحرارة الرابعة تسخن أولا وتحل الجسم ثانيا ، وتفرق ثالثا. وبعضهم يمثل لذلك مثالا فالدرجة الأولى من الحرارة بالحمام، والدرجة الثانية بالرماد، والدرجة الثالثة بالرمل أو برادة الحديد والرابعة بالنار نفسها. ويمكن نقل الأولى إلى الثانية، والثانية إلى الأولى، واستعمال هذه الدرجات بحسب المادة؛ فإن النبات تكفيه الدرجة الأولى والثانية مثلا. والمعدن يحتاج ms205 إلى الدرجة الثالثة والرابعة. وفي كل عمل توجد هذه المراتب: فإن في التقطير يسخن أولا، ثم يغلي ثم يدخن ويحترق، ثم تلبسه النار حتى يصير لونه لون النار.» # 119 # ثم يحدثنا عن طريقة معالجة الأدوية بوساطة النار «ثم نقول: من الأدوية ما يوضع نفسه على النار من غير واسطة الإناء، ومنه ما يحاط بالنار، من غير مباشرة النار لجرمه. ومنه ما يكون تدبيره بأن تعلوه النار، كنار الزجاجين، ويقال لها النار المعكوسة. ومنها نار الحمام اليابس، ومنها حمام مارية، ومنها الحمام البخاري، وهذا هو المشهور. ولهم أيضا أشياء أخرى لا يحتاج إلى ذكرها ها هنا ولا تخفى على من له دربة بهذه الصناعة. ولهذه الأعمال آلات مخصوصة؛ كأنواع الأنابيق، والقرعات، والأفلاطوني ونصف القرعة للتقطير والبوادق والمغرفات والفياشات # 120 # للإذابة والحرق والتكليس». # 121 ~~، # 122 # وهذا يؤكد أنه حتى عصر ابن سلوم في القرن 17م لم يستقر مفهوم قياس الحرارة وصناعة مقاييس الحرارة وفق المفهوم الحديث. # مؤلف مجهول (القرن؟) # في ملحق على كتاب «المكتسب في زراعة الذهب» لأبي القاسم محمد بن أحمد العراقي السماوي المعروف بخروز شاه السيماوي (توفي 580ه/1148م) وهو أحد أتباع جابر بن حيان، يعلق مؤلف مجهول موضحا ما أخفاه المؤلف عن القارئ، وهذا ما كان يفعله الكيميائيون فعلا؛ كون المؤلف يعتبر أن القارئ كيميائي محترف يعرف بالعمليات الحرارية التي يجب أن يقوم بها لدى معالجته المواد، والتوضيح الذي قدمه ذلك المؤلف المجهول أن الممارس يحتاج معرفة ثلاثة مستويات من المعالجة الحرارية ودرجات كل منها؛ الحرارة الضعيفة والحرارة المتوسطة والحرارة الزائدة، وكل نوع من الحرارة يخص معالجة مواد خاصة؛ لأن أساس عمل الكيميائيين هو التحكم بالنار المسلطة على المواد ومعرفة درجاتها، وهي تنقسم إلى خمسة أقسام: # نار التعفين: وهي معلومة بميزان حضان الطير، مثل درجة حرارة الدجاج أثناء حضنه للبيض ومشابهة لحرارة شمس الشتاء في مبادئ النهار. # نار التقطير: وهي تزيد على نار التعفين بالتدريج اليسير مثل حرارة الشمس أثناء الربيع أو الخريف أو مثل حرارة الحمام اللطيفة. # نار التشميع: ms206 وهي النار التي لها حرارة الجمر والرماد الحار. # نار التكليس: وهي النار العادية أو مثل نار الفرن. # نار السبك: وهي النار النافخة الشديدة التي تذوب المعدن وهي التي أسماها المجريطي بنار سقر. # قال ذلك المؤلف: «ومما كتمه رحمه الله ميزان النار من أول العمل إلى تمام الانحلال، لكن الحكيم يكتفي بالعلامات الظاهرة في كل درجة ويعلم مقدار النار الضعيفة والمتوسطة والزائدة وعلامة كل واحدة منها ومقدار نار التعفين في كل الدرجات، وإلى أي حد في كل الدرجات وإلى أي حد تصل، فإذا هي زادت ونقصت، وكذلك نار التفصيل وتقطير الماء، وكذلك نار استخلاص النفس كلها في الماء، ويعلم الحكيم العارف أن نار التعفين ضعيفة وأن نار التفصيل زيادة عن نار التعفين بمقدار ما يصعد اللطيف وينحدر من ذات الأنبوب إلى القابلة؛ # 123 # فنهاية ما تصل إليه نار التعفين ألا يصعد البخار ولا يتعدى نصف الإناء، وأول نار التقطير أن يصعد البخار ويعلو إلى أعلى الإناء وينحدر راجعا في ذات الأنبوب، أو من العمياء # 124 # إلى الدواء ثانيا، وموجب انحدار برودة أعلى الإناء وأوسط نار التقطير أن يحمى رأس الإناء حموا يسيرا. ~~ واعلم أن صعود الماء أسرع من صعود الدهن، وأن الدهن لا يصعد إلى القابلة ويقطر إلا بنار هي أقوى من نار تقطير الماء، ومتى اشتدت تشيط الدهن وجمد في أعلى الإناء. ولهذه الدرجات نيران معروفة، فإذا أراد الحكماء اشتدادها فعلوا ذلك لموجب يظهر لهم، وإذا أرادوا إضعافها فعلوا ذلك لموجبات أخر نذكرها من التعليم على القياس الأوسط، ويجوز للعارف أن ينقص من ذلك أو يزيد بحسب ما يراه إذا كان مجتهدا عارفا بالقياس، فافهم.» # 125 # الفصل الثالث # | القياس الحراري عند الأوروبيين # مقدمة # بالنسبة للباحثين الأوروبيين الأوائل لم تكن توجد حاجة لتعريف درجة الحرارة . لقد كانوا يعرفون، أو يظنون أنهم يعرفون، ما هي درجة الحرارة عندما كانوا يضعون ميزان حرارة في ماء بئر، أو تحت إبط رجل يتمتع بالصحة، كانوا غير واعين للافتراض الضمني، أو اعتبروه غير مهم أو واضح ms207 بذاته؛ لذلك فإن درجة حرارة مادة القياس، غاز أو زئبق أو كحول، كانت مساوية لدرجة حرارة الشيء المقاس. هذا في الواقع هو الخاصية المحددة لدرجة الحرارة؛ حيث إن حقل درجة الحرارة يكون مستمرا عند سطح ميزان الحرارة؛ لهذا السبب تكون درجة الحرارة قابلة للقياس، مبسطو الحقائق دعوا هذا بالقانون الصفري في الترموديناميك؛ لأنه في الوقت عندما أدركوا الحاجة لتعريف درجة الحرارة، كان القانونان الأول والثاني قد سميا على نحو ثابت سابقا. # 1 # من الناحية اللغوية، فإن مصطلح درجة الحرارة يقابل الكلمة الإنكليزية ~~(temperature) # وهي، من غير ريب، لاتينية الأصل مأخوذة عن ~~(temperare) # وتعني المزج؛ حيث استعملت في الغالب عندما تمزج سوائل لا يمكن فصلها بعد ذلك عن بعضها، مثل الخمر والماء، وتستعمل صيغة المبني للمجهول ال ~~“- # tur ~~” # من الزمن الحاضر، وصيغة المفرد للشخص الثالث تدل على أن سائلا ما يجري مزجه مع آخر. # 2 # أما مصطلح ~~(Thermometer) # فقد كان عالم الرياضيات الفرنسي جين ليورشون # J. ~~ Leurechon ~~(1591-1670م) أول من أطلقه على الأدوات التي تقيس كمية الحرارة. # 3 # وفي المؤتمر الدولي الثالث عشر للمقاييس والأوزان بين عامي (1967-1968م) سلبت درجة الحرارة المطلقة من زخرفتها التزينية الصغيرة « ~~° ~~» للدرجة. ~~ ومنذ ذلك الحين نحن نلفظ ونكتب قيم درجة الحرارة بشكل عادي كعدد كبير من الكلفن # K # بدلا من «درجات # K ~~»، أو # k ~~° ~~. # 4 # أدنى درجات حرارة تم بلوغها في المختبرات هي # K # μ # قليلة - أجزاء قليلة من مليون جزء من كلفن واحد - الأعلى يمكن أن تكون ~~−MK10 # عشرة مليون كلفن - ويعتقد العلماء أن درجة الحرارة في مركز بعض النجوم تكون مرتفعة حتى 100 مليون # K ~~. # 5 # لقد اهتم الأوروبيون في القرون الوسطى بالتجربة القائمة على مزج كميتين متساويتين من الماء المتساوي الحرارة. كما طرحوا على طاولة البحث كثيرا العلاقة بين كل نوعية والنوعية المضادة: هل هما من الطبيعة نفسها أم لا؟ وما هو الحد الأقصى والحد الأدنى بالنسبة لكلتا النوعيتين؟ وهل هما متكاملتان أو تخرج إحداهما من الأخرى وفقا لصيغة من النمط: # ساخن = 1/بارد ms208 أو بارد = 1/حار # وقد أحبطت الفرضية الأخيرة همة الرياضياتيين لأن الافتراض، المعقول بذاته، والقائم على درجة الصفر حملهم على النظر إلى مقدار اللانهائية؛ # 6 # أي عندما تكون درجة الحرارة صفرا، فإنه وفق قواعد الكسور تقسيم أي عدد على صفر سيعطينا قيمة لا نهائية؛ بمعنى آخر، تصبح قيمة الساخن اللانهائية عندما تكون قيمة البارد صفرا؛ لأن 1 / 0 = ~~∞ # وهي قيمة غير معينة أو محددة وبالتالي غير قابلة للقياس. # لقد كان الهدف من إدخال الرياضيات على الفيزياء هو إرجاع مقدار الكميات إلى مستوى المقادير القابلة للقياس؛ # 7 # لذلك فإن المرحلة الأولية في تطوير آلية قياس درجة الحرارة التي حدثت في الجزء الأول من القرن السابع عشر، نجمت عن التحام ميولين مكتملين؛ أولهما كان الميول نحو التجريد حيث كل سمات الظاهرات محذوفة، تاركة كيونانات محددة رياضياتيا. تماما مثل مفهوم جاليليو عن «الحركة المجردة» الذي جرد كل الظاهرات المعقدة التي فرضها الاحتكاك، مرحبا بذلك بولادة الميكانيك الحديث، وكذلك أيضا فإن مفهوم درجة الحرارة الذي تخلى عن الأحاسيس المعقدة كافة للحار والبارد، أشار إلى بدايات علم قياس الحرارة الحديث. الميول الثاني كان نحو الاستخدامات الآلية وكان ضروريا لإتمام عملية التجريد؛ أي الآلة أو جسم الاختبار كان لزاما عليه بأن يتم ابتكاره بحيث تكون قراءات كميته تحدد درجة الحرارة أو البرودة بغض النظر عن الإحساس. # 8 # الأفكار الخاطئة الناجمة عن المنهج الذاتي (الإحساس الشخصي) بالسخونة والبرودة التي كانت شائعة في أوروبا، أقصيت ببطء في أثناء القرن السابع عشر مع ظهور مبدأ اللامبالاة # 9 # Indifference principle # على يد جاكوب برنولي # J. Bernoulli ~~(1655-1705م) وبيير سيمون لابلاس وغيرهم. وقد تأصلت فيما بعد مقاييس درجة الحرارة الأولية على مبدأ اللامبالاة؛ فوفقا لهذا المبدأ، فإن موقع الجسم في سلسلة درجة الحرارة (مقياس الحار والبارد) مستقل أو لا مبالاة به عند اختيار مادة معينة لمقياس الحرارة وخاصية أداة قياس الحرارة ودرجة الحرارة الدالة ذات العلاقة الوظيفية بموجب هذه الخاصية. # 10 # في البداية بدأت تظهر المقاييس تدرج من الأعلى بالصفر إلى أسفل ms209 ومقسمة لدرجات متساوية. العقبة الجدية أنه لم يكن يوجد مقياسا حرارة متماثلان تماما والنتيجة، حتى عندما كانت توجد مقاييس مدرجة، كان يصعب نقل معلومات موضوعية من مكان إلى آخر. يسجل الباحث ميدلتون مقياس حرارة باقيا صنع بوساطة جون باتريك # J. ~~ Patrick ~~(القرن 18م) في حوالي عام 1700م؛ وهو يدرج من أعلى إلى أسفل بشكل متزايد مع الحرارة من 90 ~~° # إلى 0 ~~° # ويضع الصفة الحرارية للدرجة المقابلة، ويبدو أن هذا المقياس يحتفظ ببقايا مقياس جالينوس ذي الدرجات التسع، # 11 # وهو يدلنا على تأثر الأوروبيين (أو ربما تفضيلهم) الأخذ عن اليونانيين أكثر من العرب الذين قدموا وسائل وأدوات أفضل بكثير مما قدمه اليونانيون (انظر الجدول الآتي): # البرد الشديد 90 # o # الهواء البارد 55 # o # حار ورطب 15 # o # الصقيع (التجمد) الشديد 85 # o # الهواء المعتدل 45 # o # حار جدا 5 # o # الصقيع القاسي 75 # o # الهواء الدافئ 35 # o # الحر الشديد 0 # o # الصقيع 65 # o # حار 25 # o # اقترحت الكثير من مقاييس الحرارة، وتم تداولها في القرن الثامن عشر. وقد كانت هذه الفترة تمثل ذروة استخدام مبدأ اللامبالاة. مع ذلك، ولسوء الحظ، فإن الشروط الأساسية لإمكانية المقارنة أو إمكانية إعادة الإنتاج لم تكن كافية في الغالب. وهكذا، فقد استخدم عالم الأحياء ستيفن هايلز # S. Hales ~~(1677-1761م) في تجارب البيت الزجاجي أعلن في عام 1727م، مقياس حرارة توصف فيه نقاط ثابتة مثل درجة حرارة الماء الأكثر سخونة من أن تطيقه اليد. وقد تم تخصيص درجة الحرارة الغامضة هذه بالرقم 90. مجددا، في عام 1742م، وضع جاك ميشيل دو كريست # J. M. de Crest # مقياسا واسع الانتشار في سويسرا، اختار نقاطا ثابتة يمكن استخدامها في مقياس حرارة كحولي «عالمي»، وكذلك درجات حرارة غليان الماء وتلك التي في قبو مرصد باريس، وأشار متباهيا إلى أن الدرجة الأخيرة تعتبر «درجة حرارة الكرة الأرضية»! # 12 # مجموعة مقاييس حرارة ذات أشكال متعددة تم إنتاجها في القرن 19م. (مصدر الصورة: # commons.wikimedia.org ~~) وقد قال عالم الكيمياء البريطاني السير همفري دايفي ms210 ذات مرة: «إن تصميم أداة جديدة هو أهم الحوافز إسهاما في دفع نظريات العلم إلى الأمام، وليس من شك في أن مقياس الحرارة ساعد أكثر من أية أداة أخرى على فتح طريق جديدة أمام رواد البحث العلمي.» (ويلسون ، ميتشل، الطاقة، ص31.) # جيوفاني مارلياني (القرن 15م) # لقد كانت عملية تطور الفيزياء بطيئة جدا في أثناء القرون الوسطى، والمثال على ذلك التشابه التام بين وجهتي نظر عالم القرن الخامس عشر جيوفاني مارلياني # G. Marliani ~~(1420-1483م) وجالينوس. مع أنه يفصل بين هذين الرجلين حوالي اثني عشر قرنا، إلا أننا نجد في كتابتهما طريقة القياس النوعية للحرارة والبرودة نفسه، وتشكل أربع درجات من «التسخين» وأربع درجات من «التبريد». ومثل أرسطو، افترض مارلياني بأن كل جسم احتوى عموما على كل من الحرارة والبرودة حسب تفاوت حصصهما، وافترض أيضا بأن درجات البرودة ودرجات التسخين هي دائما بالمجمل ثمان. مع وجود الخاصية الإضافية المفترضة لهاتين الدرجتين، إلا أن هذه الأخيرة كانت بالفعل الأصناف الكيفية نفسها عند أرسطو. لم تكن هناك محاولة لجعلها تتوافق مع خواص اختبار الجسم التي تم القيام بها حتى الآن. حتى هذه النقطة، تبنت وجهات نظر مارلياني وجهات نظر جالينوس مباشرة. ~~ على أي حال، حسب اقتراح مفهوم «قوة» الحرارة أو البرودة، وللتفريق بين درجتيهما، فقد كان يباشر مشروعا جديدا. ~~ المثال على ذلك قدرة الجسم؛ الدواء للتخلص من الحرارة، وهذا ما يعتمد عليه مارلياني بفكره، ليس فقط على موقع الجسم ضمن نطاق الحار والبارد، بل أيضا على كم يتم استخدامه. لقد اعتقد بأن القوة الفعلية للحرارة P # للجسم يمكن التعبير عنها كناتج درجة حرارته # T ~~، وحجمها # V # وكثافتها # D ~~. إذن P = DVT ~~. وقد تطور التشبيه الأساسي ل «قوة» مارلياني للحرارة مع «كمية الحرارة» لجوزيف بلاك، بعد حوالي ثلاثمائة سنة. # 13 # فرنسيس بيكون (القرن 17م) # تكلم بيكون عن مكشاف حرارة هوائي بصراحة وصدق كبيرين في كتابه (الأورجانون الجديد) المنشور في عام 1620م، وأسماه مكشاف «حرارة الزجاج» المعكوس كونه «مقسم إلى درجات بقدر ما ترجو». وذكر بيكون ms211 بأن «إدراك الهواء الذي يخص الحرارة والبرودة هو دقيق ومختار بعناية كبيرة، حيث يتجاوز تماما لمس الإنسان.» # 14 # ولا نعلم إن كان لهذا الكلام صلة بمكشاف جاليليو الذي ظهر عام 1593م، وأخذ صدى واسعا في المجتمع العلمي الأوروبي. # سانتوريو سانتوري (القرن 17م) # قام الطبيب الإيطالي سانتوريو سانتوري # S. Santorii ~~(1561-1636م) بتطوير كشاف حرارة بشكل مستقل عن ذاك الذي ابتكره جاليليو، بحيث يحوي على تدريج يمكن من استخدامه كمقياس لحرارة أجسام المرضى. وتشير بعض المراجع الطبية والعلمية إلى سانتوريو، الذي عمل أستاذا في جامعة بادوا لعلم نظرية الطب بين عامي (1611م-1624م)، كان أول من أدخل المقاييس في الأبحاث والتجارب الطبية. # 15 # لكن إذا تأكد كلام الباحث روبرت بريفولت فإن ابن سينا سيكون قد سبقه بأكثر من 500 سنة في هذا التطبيق. ~~(إلى اليمين) مقياس سانتوريو، (مصدر الصورة: # Bolton, Henry Carrington, Evolution of the Thermometer, p. ~~ 24 ~~). (إلى اليسار) كان مقياس سانتوريو يعمل مثل مقياس الحرارة الطبي (الترمومتر المائي) بحيث ينفخ المريض بنفسه داخل قارورة زجاجية فيسخن الهواء الموجود داخلها، مما يجعله يتمدد، فيندفع الماء في الأنبوبة إلى الأسفل. (مصدر التعليق: ويلسون، ميتشل، الطاقة، ص30.) # وبعد حوالي أربعين سنة اقترح روبرت موراي في نوفمبر/تشرين الثاني عام 1663م، استخدام ميزان الحرارة لتحديد «درجات الحرارة في جسم الشخص المحموم»، وقد اعتقد الأطباء المعاصرون أنه سيكون هناك القليل من اليقين فيه. # 16 # نشر سانتوريو عام 1612م معلوماته عن مقياسه الحراري الطبي في «تعليق سانتوريو سانتوري على فن الطب الجالينوسي». # 17 # عدل سانتوريو مكشاف الحرارة الهوائي ليجعله مناسبا للاستخدام في تسجيل درجات حرارة الأجسام، وفي عمل منشور في عام 1626م، قدم عدة تعديلات ومخططات مصورة مع وصف لهذه الأدوات. في الشكل الأول، تم إدخال حوجلة هواء في فم مريض، وموقع السائل في أنبوب طويل على شكل حرف # S # متصل بحوجلة تمت مراقبتها، ما يهمنا هنا بالنسبة لتاريخ علم قياس الحرارة ومفهوم الحرارة هو توظيف سانتوريو لنقطتين مهمتين في تدريج الأنبوب؛ فقد كان يقيس تحولات الحرارة في ms212 جسم مريضه بدرجات حددها بطريقة بدائية؛ حيث إن أعلى نقطة فيها مأخوذة لحرارة لهب شمعة، وأدنى نقطة فيها مأخوذة لبرودة الجليد. لقد بدأ يظهر اعتقاد بوجود سمة ضرورية في مفهوم درجة الحرارة الحديث، وهو مدى صلاحية الأداة مع أنها تناقض مفهومي الحار والبارد. ذلك هو الوجه الجديد لعلم القياس الحراري، والذي كان يحقق إدراكا في عقول العاملين الأوائل في هذا الحقل، وتم إثباته بشكل أكيد في كتاباتهم. وهكذا تكلم سانتوريو عن كون ماء الينابيع أبرد في الشتاء مما هو عليه في الصيف «مع أن شعورنا يدل على العكس». وذكر سانتوريو أنه بسبب رطوبة الهواء فإننا نشعر بأن بعض الهواء أبرد مما يكون حقا؛ بمعنى أبرد مما يشير إليه المقياس. # 18 # جاليليو (القرن 17م) # يرى فيلسوف العلم رودولف كارناب # R. ~~ Carnap # أن التقدم الكبير الذي حدث في العلوم عامة، والفيزياء خاصة، لم يكن ممكنا لولا استخدام المنهج الكمي الذي بدأه جاليليو؛ إذ يعود الفضل له في إعطاء قواعد واضحة ومحددة. # 19 # لكننا لا نتفق معه في هذه الرؤية؛ فقد كان لجابر بن حيان، والحسن بن الهيثم، والبيروني، ومن لحق بهم من العلماء العرب والمسلمين (خصوصا المميزين في مجالات العلوم الفيزيائية والكيميائية والفلكية) الفضل أيضا في صنع قواعد المنهج الكمي والتجريبي الذي فرض نفسه عليهم، سابقين جاليليو في ذلك، والتي أخذها عنهم أصلا الأوروبيون في عصر النهضة - مثل روجر بيكون - وأوصلوها لجاليليو وغيره. # جاليليو نفسه تأخر كثيرا حتى اهتم بموضوع قياس الحرارة حتى عام 1593م، حتى إن معرفتنا بمكشاف جاليليو الحراري، تستند بشكل رئيس على مراسلة الزملاء والأصدقاء، حيث لا توجد في كتاباته المسهبة سوى إشارة واحدة عن مكشافه الحراري. في هذه الإشارة، يستشهد بالقول المأثور الأرسطي: «الطبيعة تكره الخلاء.» لتفسير ارتفاع السائل في الأنبوب الذي رافقه تقلص الهواء. # 20 # يروي أحد تلامذة جاليليو مكشاف أستاذه قائلا: «أخذ دورقا زجاجيا صغيرا بحجم بيضة الدجاجة فأحكم وصله بأنبوبة عرضها عرض قشة # 21 # وطولها نحو شبرين، # 22 # ثم دفأ الدورق الزجاجي بين يديه، وقلب ms213 الجهاز رأسا على عقب بحيث يمكن إدخال الأنبوبة في الماء الذي يحويه دورق آخر، فما إن برد الدورق الأول حتى ارتفع الماء في الأنبوبة مسافة شبر فوق مستوى الدورق الثاني.» # 23 # وهذا يعني أن مكشاف جاليليو الحراري كان يعمل بشكل مقلوب؛ أي إن الحبابة التي يجب أن تحوي على السائل المتمدد للأعلى والساق للأسفل بعكس ما نعرفه اليوم، وقد تم تسخينه أول مرة (لتفريغه من الهواء) ثم وضعه إلى الأسفل من ناحية الطرف المفتوح في وعاء به ماء. وعندما يبرد الهواء داخل الأنبوب فإنه يتقلص ويسحب الماء إلى أعلى، ويعتدل مكشاف الحرارة ويأخذ وضعا قائما، ولكن عندما يدفأ أكثر فإن الهواء المتبقي داخل الانتفاخ البصلي (الحبابة) سوف يتمدد ويدفع مستوى السائل إلى أسفل، وإذا برد الهواء أكثر يعود وينكمش أكثر مما هو عليه ساحبا الماء إلى أعلى داخل الأنبوب، # 24 # وقد استعمل جاليليو من السوائل كلا من الماء والخمر في مكشافه. # 25 # في الواقع لا نعلم الكثير عن سلم الدرجات الذي استخدمه جاليليو، باستثناء إشارة في كتابه (المحاورات) بأنها ست درجات وتسع درجات وعشر درجات. # 26 # واستخدم جاليليو مكشاف حرارته ليحدد درجات الحرارة النسبية لأماكن مختلفة وللمكان نفسه بأوقات مختلفة في مختلف الفصول، لكن طريقته في تدريج جذوع مكاشف حرارته ليست معروفة وكانت بلا شك اعتباطية. # 27 # لذلك فإن تسمية أداته «بمكشاف» أدق مما لو أطلقنا عليها اسم «مقياس». # ادعى جاليليو بشكل مطلق الأسبقية لنفسه، لكن ثمة شخص ساعد جاليليو على صنع هذا المكشاف، كما صنع تحت إشرافه بوصلته الخاصة. # 28 # وهو تلميذه الفينيسي جيوفاني فرانسيسكو ساغريدو # G. F. Sagredo ~~(1571-1620م) الذي قبل ذلك الادعاء بعد أن كان في بادئ الأمر غير مطلع عليه، جرب ساغريدو مكشاف الحرارة، وفي التاسع من مايو/أيار عام 1613م كتب إلى أستاذه قائلا: «أداة قياس الحرارة، التي اخترعتها بذاتك ممتازة ... [وقد بدت لي] أشياء رائعة كثيرة، مثلا، الهواء في الشتاء يمكن أن يكون أكثر برودة من الثلج أو الجليد.» كما قدم ملاحظة أخرى عن ماء ms214 البئر ينقلها ساغريدو إلى جاليليو في السابع من فبراير/شباط من عام 1615م # 29 # يقول فيها: «إذا رفعت في الصيف من بئر عميق ووضعت يدك فيه، فإنه يبدو بارد الملمس، في حين، إذا فعلت ذلك في الشتاء، يبدو الماء دافئ الملمس.» # 30 ~~(إلى اليمين) (مصدر الصورة: اختراعات جاليليو، مجلة الصفر، المجلد، العدد 17، المركز العربي للدراسات الدولية، نيقوسيا، 1987م، ص43.) مكشاف جاليليو الحراري، وهو أداة تسجل التغيرات الحرارية لدى ملامستها لأي جسم ساخن. (إلى اليسار) (مصدر الصورة: # https://en.wikipedia.org/wiki/Thermoscope ~~) نسخة مصممة حديثا عن مكشاف جاليليو وهي موجودة في متحف أدوات الفن والقياس في باريس. # يمكننا ملاحظة أوجه الشبه الكبير بين مكشاف جاليليو ومكشافي فيلون البيزنطي وهيرون السكندراني الحراريين، ولا نستبعد أبدا استفادة جاليليو من أفكارهما؛ فقد كان كتاب «الحيل الروحانية» Pneumatica # 31 # لهيرو معروفا في صقلية أوائل عام 1156م، ومن المحتمل أنه تم ترجمته إلى اللاتينية آنذاك. وتم نشر هذه الترجمة في يوربينو عام 1575م وفي أمستردام عام 1680م، وظهرت نسخ إيطالية في عام 1542م و1589م. مع أن عمل فيلون بقي مجهولا نسبيا حتى القرن العشرين، إلا أن أطروحته على شكل مخطوطة أثرت تحديدا على الأقل على أحد العاملين الأوائل في علم قياس الحرارة. # 32 # وفي عام 1605م؛ أي بعد اختراع جاليليو لمكشاف حرارته الهوائي ب «12» سنة، صنع كيميائي ألماني مجهول مقياس حرارة نظرا لحاجته لدرجة حرارة ثابتة في فرن لتحويل الرصاص إلى ذهب. ~~ وقد كانت مواصفاته تشبه مقياس الحرارة الحديث، ونجح هذا المقياس معه أكثر من نجاحه في التوصل لاستخلاص الذهب من الرصاص. ولو كان يعرف قيمة اختراعه لأصبح ثريا أكثر مما لو حصل على الذهب نفسه، إلا أنه لم ينشر اختراعه، وكان علينا الانتظار لأكثر من مائة عام للحصول على واحد آخر. # 33 # وتؤكد هذه الواقعة على أن الكيميائيين العرب كانوا فعلا بحاجة ماسة لموازين حرارة تساعدهم في عملية ضبط كمية الحرارة. # بإجراء مقارنة بين مكشاف جاليليو الهوائي (إلى اليمين) ومكشاف فيلون البيزنطي (في الوسط) ومكشاف هيرون السكندري (إلى اليسار)، نستنتج ms215 أن مكشاف جاليليو ليس سوى تطوير بسيط جدا لعمل من سبقه، وذلك بجعله عموديا فقط. # لم يحظ مقياس حرارة جاليليو بالنجاح الذي حظي به اختراع تلسكوبه، وربما يعود فشله إلى عدم معرفته التامة بنظريات تمدد السوائل والغازات، والتي لم تكن قد تأسست بعد في أوائل القرن 17م، عندما أجرى جاليليو تجاربه، # 34 # أيضا بسبب أن ارتفاع السائل داخل الأنبوب كان رهن تغير ضغط الهواء الخارجي. # لذلك نجد أن مكشاف جاليليو لا يستحق كل هذا التضخيم والدعاية الذي قام به المؤرخون الأوروبيون على مدى قرون، # 35 # في حين أهملت جهود العلماء العرب والمسلمين الضخمة على المستوى النظري والعملي في علم القياس الحراري، خصوصا بين القرنين (9-17م)، كما وجدنا في الفصل السابق. # جين ري (القرن 17م) # حاول الطبيب الفرنسي المغمور جين ري # J. ~~ Rey ~~(نحو 1583-نحو 1645م) عام 1632م أن يتفادى القصور في دقة القياس في مكشاف جاليليو، فقام بعكس تجربة جاليليو؛ أي ملأ الدورق بالماء والأنبوبة بالهواء، ثم جعل من مجال تمدد الماء مقياسا للحرارة، عندها لاحظ ري أن يدي المصاب بالحمى تسببان تحولات في مستوى ماء الأنبوبة، وأنها تمثل انعكاسا لحرارة جسمه. # 36 # في رسالة مكتوبة إلى الأب مارين ميرسن # M. ~~ Mersenne ~~(1588-1648م)، يناير/كانون الثاني عام 1632م، قال ري: «أرى أنه يوجد أنواع متعددة من المكاشف ومقاييس الحرارة؛ ما تقوله لي لا يتفق معي، وهو مجرد قارورة مستديرة صغيرة ذات رقبة نحيلة وطويلة جدا. ~~ للاستفادة منه، أضعه في الشمس، وأحيانا في يد مريض مصاب بالحمى، بعد ملئه بالمياه تماما ما عدا الرقبة، فإن الحرارة تجعل المياه تتمدد وتصعد منه بشكل أكبر أو أقل حسب الحرارة كبيرة أو صغيرة.» # مارين ميرسن (القرن 17م) # تفوق الأوروبيون في القرن السابع عشر في تأسيس أكاديميات العلوم والآداب الأوروبية، وقد كان الاتصال بين العلماء الأوروبيين قائما من خلال الزيارات الشخصية والمراسلة. من المحتمل أن الوسيط البارز والأكثر نشاطا بين علماء القرن السابع عشر هو الأب مارين ميرسن الذي كان على اتصال مستمر مع مثل هؤلاء ms216 الرجال المهمين مثل جاليليو وديكارت وكريستيان هويغنز # Ch. Huygens ~~(1629-1695م)، وجيلس دي روبرفال # G. de Roberval ~~(1602-1675م). من غير شك، قام ميرسن بدور مهم في نشر أخبار مكشاف حرارة جاليليو. كان ميرسن أيضا مصدر عادة ما زالت شعبية هي مكافأة الجهود العلمية بوساطة اقتراح جائزة. بالإضافة إلى العمل كوسيط، غالبا ما كرر ميرسن تجارب الآخرين. وهكذا، نصح بتعديل المكشاف الحراري بهدف زيادة حساسيته تجاه تغير درجة الحرارة كما في الشكل الآتي. # مقياس الحرارة الهوائي لميرسن، وهنا نلاحظ بداية وضع تدريجين متعاكسين؛ أحدهما من 1 إلى 8، والآخر من 8 إلى 1؛ حيث يمكن استخدامه بكلتا الحالتين. (مصدر الصورة: # Frisinger, H. Howard, # A History of Meteorology: to 1800 ~~, American Meteorology Society, New York, 1977. p. 50 ~~.) # وفي عمله (استجمام العلماء) # 37 # المنشور في باريس سنة 1634م، وصف ميرسن أداة قياس حراري ذات أنبوب ضيق مع حوجلة كبيرة عند إحدى النهايتين والحوجلة الصغرى عند الطرف الآخر. تم تدفئة الحوجلة الكبيرة برفق بينما كانت الأصغر تغطس بالماء أولا، عندما يتوقف عن تسخين الحوجلة الكبيرة، كان يوجد بضع نقاط من السائل المرتفع في أنبوب متدرج فإن العمود القصير من الماء يعمل بمثابة مؤشر لتغير درجة الحرارة. # 38 # جين ليورشون (القرن 17م) # صمم جين ليورشون في سنة 1624م في أطروحته (الاستجمام الرياضياتي) # 39 # نوعا يختلف عن جميع مقاييس الحرارة الأولية الموصوفة والمتطابقة تماما مع النمط نفسه والذي يجمع بين الحوجلة والأنبوبة، وتحمل اسم مخترعها الأول «أنبوبة جاليليو». ~~ في تصميم ليورشون يوجد «حوجلة مضاعفة» أو أنبوب على شكل حرف # J ~~. كان الجهاز مملوءا بالماء من خلال فوهة في الحوجلة، من أجل تحديد درجة حرارة الجسم كان يجب تطبيقها على الحوجلة # B ~~، والحركة الناتجة للعمود السائل في الساق الأطول تكون ملحوظة. مقياس الحرارة الذي وصفه البلجيكي جان فان هلمونت # J. B. Van Helmont ~~(1580-1644م) في عام 1648م مختلف عن تصوير ليورشون فقط من ناحية أنه عمل عمود سائل قصيرا في الأنبوب. لدى تصميم النموذج # J # أصل غامض بيد أنه من ms217 المحتمل اخترعه الهولندي كرونيليوس دريبل # Cornelius Drebbel ~~(1572-1633م)، إما عام 1598م أو 1622م. على كل، لم يستعمله هذا الأخير كمقياس للحرارة، بل «كأنبوبة حركة دائمة»؛ بمعنى آخر: اعتقد بأن حركة السائل التي تتحرك ذهابا وإيابا في الأنبوب بحركة دائمة ثابتة ناجمة عن التقلبات الحرارية. # 40 # مقياسان للحرارة من صنع ليورشون: (إلى اليمين مقياس الفيلسوف) على شكل حرف # J ~~، وهو كما نلاحظ مقسم (1-8 درجات). (إلى اليسار مقياس الطبيب) وهو مكشاف جاليلي تقليدي مقسم لأربع درجات. (مصدر الصورة: # Bolton, Henry Carrington, Evolution of the Thermometer, p. ~~ 13 ~~.) # تميز مقياس تيليو بأنه لا يتأثر بالضغط الجوي، وهو مكون من حبابتين لهما أنبوبتان لهما الطول نفسه ومقلوبتان على بعضهما بعضا بشكل متداخل. الأنبوبتان مدرجتان من الأسفل للأعلى من (1-8) فراغات، وبين الفراغ والآخر يوجد تقسيم بالدرجات والثواني، وهو مأخوذ عن تقسيمات الآلات الفلكية. (مصدر الصورة: # Sherry, David, Thermoscopes, thermometers, and the foundations of measurement Studies in History and Philosophy of Science 42 (2011) 509 ~~) ويتشابه هذا التقسيم أيضا مع تقسيمات المجريطي والجلدكي في موازين النار النظرية التي عملوا عليها. # إحدى الصعوبات الرئيسة في الممارسة الأولى لعلم قياس الحرارة كانت مرتبطة بافتقار أي مقياس لدرجات مقبولة بشكل عام. أهمية نقاط المرجعية الموثوقة والقابلة لإعادة الإنتاج لم تكن قد تأسست بشكل كامل؛ لذلك تكلم ليورشون عن «مقياس الفيلسوف» وعن «مقياس الطبيب». وفق الأول، فإن طول أنبوب مقياس الحرارة الهوائي كان مقسما إلى ثماني درجات، في حين أن الثاني مقسم إلى أربع درجات. وهنا ما زلنا نرى تأثير مذهب جالينوس عن الحرارة والبرودة في المقياس الذي نصح به روبرت فلود # R. Fludd ~~(1574-1637م) الذي فيه البداية من نقطة المنتصف أو الصفر في المقياس، كما كانت تقسيمات الأنبوب مرقمة من واحد إلى سبعة في أحد الاتجاهين. المقياس الذي استخدمه المهندس الروماني بارتولوميو تيليو # B. Telioux # في عام 1611م أفاد بأنه يقيس درجة الحرارة حسب الدرجات والدقائق. # 41 # مجددا، ولا واحد من هذه البدائل يتوافق مع مقياس ساغريدو الذي ms218 أشار إلى 360 درجة في حرارة الصيف و100 درجة في الجليد والثلج. # 42 # فرديناند التوسكاني (القرن 17م) # أداة جين ري لم تكن دقيقة أيضا؛ حيث إن تبخر الماء من أعلى الأنبوبة المفتوحة كان يؤثر على مدى ارتفاع الماء فيه. ~~ كما اتضح للعلماء أيضا، في ستينيات القرن السابع عشر الميلادي، أن الهواء لا يصلح بوصفه مادة لقياس درجة الحرارة. وكان هذا الاكتشاف نقطة تحول مهمة في تاريخ مقياس الحرارة؛ إذ بدأ الاتجاه نحو السوائل المغايرة للماء بدلا من الهواء كمادة في مقياس الحرارة. وفي عام 1666م بمدينة فلورنسا، أنتج عدد من أدوات قياس الحرارة، كانت كلها مصنوعة من الزجاج، وكلها تحوي على سائل - هو الكحول في الغالب. إلا أن التدريج على تلك المقاييس كان مختلفا حيث لا تعطي جميعها قراءة واحدة لدرجة حرارة معينة. # 43 # مقياس فرديناندو التوسكاني المملوء بالكحول والمغلق من أعلاه. (مصدر الصورة: # Frisinger, H. Howard, A History of Meteorology: to 1800, American Meteorology Society, New York, 1977. p. 50 ~~.) # حوالي عام 1642م، تدخل تلميذ جاليليو الغراندوق فرديناندو الثاني دي ميديتشي التوسكاني # F. II de’Medici G. D. ~~(1610-1670م)، بنفسه في موضوع مقياس الحرارة، وطلب إجراء الكثير من التجارب الحرارية بإشراف أكاديمية ديل شمنتو قصيرة العمر، فاستخدم أعضاء الأكاديمية مادة (روح الخمر أو الكحول الخام) بدلا من الماء، وأغلقوا فوهة الأنبوبة العلوية، وأخذوا يسجلون الدرجات عليها بخرزات زجاجية. # 44 # وبذلك أنشأ فرديناندو وفريقه في الأكاديمية ربما أول مقياس الحرارة مستقل عن تأثير الضغط الجوي المحيط، وهي خطوة فعالة في تطوير أداة ممكنة التطبيق من أجل التحري عن درجة حرارة دقيقة. استعمل فرديناندو مقياس الحرارة هذا ومقاييس حرارة أخرى في تحريات عن درجة حرارة الضغط الجوي المحيط التي أجراها الأكاديمي المشهور ديل شمنتو الذي ساهم في تأسيس الأكاديمية في عام 1657م. ~~ المساهمة المهمة لهذا المجتمع كانت إبداع شبكة عمل لمراكز مراقبة الأرصاد الجوية في كافة أنحاء أوروبا. # 45 # أثناسيوس كيرشر (القرن 17م) # الخاصية المعروفة جيدا في المفهوم الحديث لدرجة الحرارة هي طبيعتها المتبقية ms219 # residual ~~، بموجب هذه الخاصية فإن التفاعل الذي يحدث بين مقياس الحرارة وجسم معين، والذي بواسطته يكون موقع الثاني محددا في سلسلة درجة الحرارة، ويمكن ملاحظة خاصية التبقي هذه فقط تحت الظروف التي تزيل كل التأثيرات «الحرارية الزائدة». تلقت خاصية التبقي تأكيدا أولا عندما تم الإدراك بأن القراءات المسجلة على مقياس حرارة هوائي مفتوح قد أبطلته تقلبات ضغط الهواء الخارجي. هذا الخطأ الحقيقي للمقياس الحراري التقليدي كان مسئولا نوعا ما عن التطوير المبكر للمقاييس الحرارية السائلة. على كل حال، فإن مقاييس الحرارة السائلة السابقة وكذلك تجارب ضغط الهواء التي أجراها إيفانجليستا تورشيلي # E. Torricelli ~~(1608-1647م) وبليز باسكال # B. Pascal ~~(1623-1662م)، أدت إلى فهم تأثير الضغط الجوي على قراءات المكشاف الحراري الهوائي الجاليلي. وهكذا، فإن مقاييس الحرارة الهوائية ذات الإشارات، والتي يوجد فيها مقدار ضئيل من الرطوبة في الحوجلة وعينة الهواء لا بد وأنها كانت عقبة أمام بناء أدوات قابلة للمقارنة. كذلك فإن الهيكل الفوضوي للمكشاف الجاليلي ذي القطعتين كان يتطلب حمله ونقله. ~~ أيضا كان من الصعوبة بمكان إقامة اتصال حراري بين حوجلة هواء كبيرة جدا، وجسم يتم اختباره، خصوصا إذا كان هذا الأخير سائلا. وبالعكس، لو جعلت الحوجلة أصغر، لازداد خطأ الجذع؛ حيث إن جزء الهواء كان بدرجة حرارة الأنبوب. أخيرا، فإن الظرف الذي كان يحيط بالوعاء الذي يحوي على سائل لم يكن مغطى؛ الأمر الذي ولد أخطاء أخرى ناتجة عن تبخر السائل، وبالإضافة إلى أخطاء الضغط الجوي المتغير. ربما المآخذ السابقة دفعت أثناسيوس كيرشر # A. ~~ Kircher ~~(1602-1680م) لينشر في عام 1643م # 46 # وصفا لمكشاف حراري عبارة عن نموذج هجين بين الماء والهواء؛ حيث إنه مد الأنبوب الجاليلي الأصل إلى قاع الحوجلة وجعل الآخر مملوءا جزئيا بالماء. إضافة إلى أنه أداة ذات قطعة واحدة أبسط ملتحمة الأجزاء، لديها حوجلة في الأسفل تسهل تحديد درجات حرارة السائل أثناء الغمر. بما أن الحوجلة تحوي على كل من الماء والهواء، فإن المادتين الأوليتين الحراريتين موجودتان. الحقيقة أن الجذع المفتوح كان معرضا لنوعين من التفاوت ms220 المفاجئ، وهما مرتبطان بتأثير الضغط الجوي المتغير على حجم الهواء، المرتبط بدوره بتأثير التبخر على حجم السائل. # 47 # مكشاف حرارة كيرشر الهجين بين الماء والهواء، وهو مصمم على طراز المكاشيف الفلورانسية. (مصدر الصورة: # Bolton, Henry Carrington, Evolution of the Thermometer, p. 31 ~~.) # وبذلك فإن كيرشر حل جزئيا بعض المشكلات التي كان يعاني منها مكشاف جاليليو؛ لذلك لم يحظ أيضا مكشافه بالانتشار المتوقع منه. # أوتو فون غيركه (القرن 17م) ~~(إلى اليمين) مقياس الحرارة الذي اخترعه فون غيركه عند تعليقه على الجدار، (مصدر الصورة: # Frisinger, p. 53., H. ~~ Howard, A History of Meteorology: to 1800 ~~). (إلى اليسار) مخطط تفصيلي لمقياس الحرارة الذي اخترعه فون غيركه. (مصدر الصورة: # Bolton, Henry Carrington, Evolution of the Thermometer, p. 48 ~~.) # بالتأكيد، واحد من أكثر الأدوات الاستثنائية في مسيرة تطوير مقياس الحرارة هو الذي صنعه الفيزيائي الألماني أوتو فون غيركه # O. V. Guericke ~~(1602-1686م) بين عامي (1660-1662م). كانت هذه الأداة على وجه الخصوص بطول عشرين قدما (أي 6م) كما يبين الشكل أدناه. ~~ وهي مؤلفة من كرة نحاسية كبيرة ( # A ~~) مطلية بالأزرق ومرصعة بنجوم ذهبية، يلتحم معها أنبوب نحاسي كبير بعرض بوصة واحدة (أي 2,54سم). كان هذا الأنبوب منحنيا على نفسه ليشكل حرف # U ~~، وهو ضيق وضع فيه مقدار محدد من الكحول. الذراع الأقصر للحرف # U # كانت مفتوحة عند الأعلى، أعلى السائل يوجد كأس قصدير نحاسي صغيرة جدا معكوسة وهي مربوطة بحبل يمر حول عجلة معلقة ( # F ~~) فوق الجانب السفلي للكرة، من الطرف الآخر للحبل كان يوجد شكل صغير من زاوية يشير إلى مقياس على الأنبوب. صمام على جانب الكرة النحاسية الكبيرة تم استعماله لسحب هواء كاف بواسطة مضخة هواء تعدل من ارتفاع الكحول. كان مقياس الحرارة هذا يعلق بالجانب الظليل لبيت وكان مشهورا لقدرته على تبيان «الطقس الأبرد والأكثر حرارة طول سنة كاملة». # 48 # وفي عام 1672م تمكن فون غيريكه من إزالة تأثير الضغط الجوي المتغير في قراءات مقاييس الحرارة الهوائية، ليس بإغلاق الآلة، بل بتغيير كمية الهواء ms221 في الحوجلة، وذلك بواسطة صمام موصول بآخر. وقد تم تعديل كمية الهواء في الحوجلة بحيث يصل مستوى الكحول في جانب الأنبوب دائما إلى الموقع نفسه على المقياس عندما يتم تعريضها ل «أول صقيع ليلي» وذلك بغض النظر عن الضغط الجوي. # 49 # روبرت بويل (القرن 17م) # اختراع فرديناندو التوسكاني لمقياس حرارة مستقل عن الضغط فتح باب تنظيم تفاوتات درجة الحرارة السطحية، لكن مثل هذه الدراسة يمكن مواصلتها بعيدا عن مقاييس الحرارة التي يتوجب أن تكون معيارية. الواقع أن أول من أدرك الحاجة لمقياس معياري لمقاييس الحرارة كان الفيزيائي الإنكليزي روبرت بويل، الذي عمله في الكيمياء والفيزياء أهله للقيام بدراسات في مجال القياس الحراري؛ فقد كرس جهدا كبيرا لإنشاء مقاييس حرارة مختومة وأدرك الحاجة الملحة لمقياس معياري يمكن من خلاله القيام بمقارنة التأثيرات التي تبينها مختلف النماذج. ~~ وقد قال بويل: «نحن مرتبكون إلى حد كبير حول كيفية قياس البرودة. الأدوات الشائعة لا تبين لنا أكثر من البرودة النسبية للهواء، وهي توقعنا بالحيرة للحصول على درجة إيجابية من ذلك؛ حيث لا نستطيع أن نصل لفكرة مثل أي شخص آخر. ~~ ليس بسبب الفروقات العديدة لهذه النوعية التي لا تملك اسما فقط، وإنما لإحساسنا أنه لا يمكن الاعتماد عليها في تلك المسألة، ومقاييس الحرارة هي أشياء متغيرة إلى حد كبير جدا، ويبدو من المستحيل أن نصل منها لحل لمثل هذا الإجراء من البرودة إذا كان لدينا وقت ومسافة ووزن ... إلخ.» وهكذا فقد سعى بويل للتغلب على هذه الصعوبة، معتقدا بأن درجة ذوبان الجليد تختلف مع خط العرض، واقترح استخدام زيت بذر اليانسون للحصول على درجة ثابتة، وذلك بوضع الزيت حول حوجلة مقياس الحرارة الكحولي و«عندما يبدأ الزيت بالتعفن» حاول أن يحسب التمدد المطلق للكحول، وقسم المقياس على عشرة آلاف، أو جزء رقمي آخر من التمدد الكلي. # 50 # مع أنه قام بخطوة جيدة جدا بتأسيسه لفكرة النقطة الثابتة، إلا أننا نتلمس في كتابات بويل التأسف بشأن عدم القدرة على التحكم بمقاييس درجة الحرارة؛ فقد قال: «اعتبر ms222 بأننا يجب أن نسعى من أجل معيار أو قياس مؤكد للبرودة، في حين قد رسخنا معايير الوزن ومقدار الزمن، بحيث عندما يذكر المرء هكتارا، أو أونصة أو ساعة، فإننا نسمعه يعرف ما يعني وما يستطيع أن يعرضه بسهولة القياس نفسه، أما بالنسبة لدرجات البرودة ... ليس لدينا طريقة محددة بالإمكان سلوكها لتحديد هذه الدرجات.» وقد كشف هذا الموضوع من البداية أن بويل لم يعتبر أي مقياس اعتباطي يمكنه أن يشكل مقياسا قياسيا مقنعا. من أجل تبن عالمي مهيمن، ومقياس معياري، فكر بويل أنه يجب تقديم «قياس أكيد» للحرارة. كان هذا بالفعل رأيه وهو ثابت في موضوع آخر حيث تذمر من النسبة «الأفضل» بين قطر الأنبوب وذلك الذي لدى الحوجلة بأنه كان مجهولا، أيضا ذلك السؤال حول سائل قياس الحرارة «الأفضل» لم يكن يوجد جواب له بعد. # 51 # كريستيان هويغنز (القرن 17م) # اقترح العالم الهولندي كريستيان هويغنز، بالتزامن مع كل من بويل وهوك لكن بشكل مستقل عن بعضهم، أن نقطة غليان الماء هي بمثابة نقطة ثابتة، وكنقطة بديلة لنقطة التجمد، لكن لا يتم استخدام كلتا النقطتين معا. # 52 # وبذلك يمكن تدريج درجة الحرارة (أي أن تنظم ضمن سلسلة مدرجة) لتناسب تمدد مادة ما ابتداء من درجة حرارة مرجعية مفردة وثابتة. # 53 # قدم هويغنز هذا المقترح في رسالة كتبها إلى روبرت موراي بتاريخ الثاني من كانون الثاني عام 1665م. # 54 # كارلو رينالديني (القرن 17م) # الدمج بين درجة التجمد (التي اقترحها بويل) ودرجة غليان الماء (التي اقترحها كل من بويل وهوك وهويغنز) كدرجتين ثابتتين في مقاييس قياس الحرارة، جاء من قبل كارلو رينالديني # C. Renaldini ~~(1615-1698م) في عام 1694م، وهو العضو الأول للأكاديمية الشهيرة ديل شمنتو وأستاذ الرياضيات في بادوا. لكن لسوء الحظ، ارتاب عدد من علماء القرن السابع عشر في ثبوت نقطتي درجة الحرارة الثابتتين؛ لذلك فإن مقترح رينالديني المهم لم يتبن بشكل حاسم حتى القرن الثامن عشر. # 55 # اقترح رينالديني أيضا تقسيم المسافة بين نقطة الجليد ودرجة غليان الماء إلى اثني عشر ms223 قسما متساويا. # 56 # وكطريقة بديلة لتلك التي استخدمها في تجارب مختلطة، فإن الدرجة الأولى فوق درجة التجمد تتوافق مع درجة الحرارة التي تنشأ من مزيج سبعة عشر قسما من ماء بارد وربما متجمد مع جزء من ماء مغلي، والدرجة الثانية تتوافق مع درجة حرارة مزيج من عشرة أجزاء من ماء بارد وجزأين من ماء مغلي، وهكذا. الطريقة ذاتها طبقها بروك تايلور # B. Taylor ~~(1685-1731م) في عام 1723م على مقياس حرارة زيت الكتان لنيوتن. # 57 # ووجد بأن قراءات مقياس الحرارة هذا كانت تتناسب مع كمية الماء المغلي في المزيج، واستنتج بأن مقياس نيوتن بالفعل كان عقلانيا. وفي عام 1760م طبق جوزيف بلاك الإجراء نفسه على مقاييس حرارة زئبقية، وبعد اثنتي عشرة سنة قام بهذا الإجراء جان أندريه ديلوك # J. A. Deluc ~~(1727-1817م) في فرنسا. استنتاجهما - وذلك حسب ما عناه ديلوك - كان أن «يتم استخدام الزئبق حتى الآن دون جميع السوائل في مقياس الحرارة؛ حيث يقيس المقياس بالضبط تماما الاختلافات من خلال التغيرات في حجمه.» # 58 # يوهانس هاسلر (القرن 17م) # نشر الطبيب الألماني يوهانس هاسلر # Häsler J. ~~(1548-16؟) في بيرن كتابه (المنطق الطبي) # 59 # عام 1578م، وقدم فيه جدولا مفصلا لدرجات حرارة أجسام الناس الذين يعيشون تحت خط عرض معين؛ حيث إن ساكني المنطقة الاستوائية كانوا دافئين حتى الدرجة الرابعة، في حين أن سكان الأسكيمو كانوا باردين حتى الدرجة الرابعة. الأشخاص بين خطي العرض 40 ~~° # و50 ~~° ~~، حيث عاش هاسلر، لم يكونوا حارين ولا باردين، وقد منحوا درجة الحرارة المتعادلة صفرا. تملك الفكرة بعض المعقولية، وفي الواقع، فإن الدرجات التسعة لدرجة الحرارة تنطبق بدقة على خط عرض 90 ~~° # بين خط الاستواء والقطب، ولكن، كانت كلها خاطئة تماما؛ حيث إن كل الكائنات البشرية المعافاة تملك درجة حرارة الجسم نفسها، بصرف النظر عن المكان الذي تعيش فيه. تلك الحقيقة أصبحت مثبتة سريعا بعد اختراع مقياس الحرارة؛ حيث طورت الأداة في الجزء المبكر من القرن السابع عشر، كانت مشكلة هاسلر الأولى هي «إيجاد درجة الحرارة المحايدة ms224 لكل شخص، كما هو محدد حسب عمره، والوقت من السنة، وارتفاع القطب؛ أي خط العرض، والمؤثرات الأخرى.» يبدو أن هاسلر ومن خلال هذا الجدول المطول جسد فيه تسع درجات للحرارة في العمود الأول والدرجات الجالينوسية للحرارة والبرودة في الثاني، مقسما على ثلاثة أقسام في العمودين الرابع والثالث وعلى التوالي، وهي موضوعة مقابل خط العرض. من هذا الجدول يمكن للطبيب أن يقرأ الدرجة الطبيعية للحرارة أو البرودة ليتم توقعها في سكان أي مكان، وهكذا يقرر كيف يمزج أدويته. كان هذا الجدول بمثابة المقياس الطبي. كان يوجد أيضا «مقياس فلسفي» مقسم إلى ثماني درجات للحرارة وثمان للبرودة. كما سنرى، مقياس الحرارة الأول الذي لدينا وصفه وتوضيحه فيه مقياس «درجات برودة» التي تتدرج من واحد إلى ثمانية. # 60 # إذن حتى أواخر القرن السابع عشر كانت التقسيمات الحرارية الجالينوسية التسع تحظى بحضور في الأدبيات العلمية الأوروبية، في ظل غياب أو تغييب لأي جهد عربي في مجال قياس الحرارة. # جدول هاسلر لدرجات الحرارة التسع والذي نشره في كتابه (المنطق الطبي)، وهو يحاول أن يثبت بوساطته وجود علاقة بين حرارة الجسم وخط العرض. (مصدر الصورة: # Middleton, W.E. Knowles, A History of the Thermometer and its Use in Meteorology, p. 4 ~~.) # روبرت هوك (القرن 18م) # دمج هوك في أداته بين البارومتر ومقياس الحرارة، وذلك حتى يستفاد منها في الأرصاد الجوية. (مصدر الصورة: # Frisinger, H.Howard, A History of Meteorology: to 1800, p. 55 ~~.) # في القرن الثامن عشر، كانت صناعة مقاييس الحرارة الزجاجية قد انتشرت انتشارا واسعا، بحيث صارت تنتجها معظم مصانع الزجاج الموجودة في أوروبا آنذاك، لكن بسبب عدم وجود طريقة موحدة لتدريج تلك المقاييس، فقد بلغت أنواعها (27) نوعا بحلول عام 1778م، وكل واحد من هذه المقاييس يعطي قراءة مختلفة عن قراءة باقي المقاييس من أجل الجسم نفسه. ونتيجة لهذا الاختلاف في قراءات أجهزة قياس الحرارة قام روبرت هوك بالتفكير في نقطة بداية ثابتة، تكون الأساس لتدريج كل مقاييس الحرارة. وقد اقترح هوك أن تكون درجة تجمد الماء هي ms225 نقطة بداية التدريج. ويبدو أن فكرة هوك باتخاذ نقطة ثابتة كأساس لتدريج موحد لم تلق رواجا في البداية؛ إذ استمر إنتاج مقاييس الحرارة عشوائيا، متخذة من درجة الحرارة التي تنصهر عندها الزبدة نقطة ابتداء. وتارة أخرى تكون درجة حرارة قبو مرصد باريس هي نقطة البداية، وهكذا. وفي الأربعينيات من القرن الثامن عشر، كان هناك شبه اتفاق تام بين الأوساط العلمية في أوروبا على اعتبار درجة تجمد الماء نقطة بداية التدريج، ودرجة غليان الماء نقطة نهاية التدريج. ومرة أخرى، كان هذا الإجماع خطوة رائدة على الطريق نحو مقياس حرارة موحد. # 61 # لقد كان عمل هوك العلمي واسعا؛ فقد ساهم هوك بشكل كبير في تطوير أدوات رصد جوية، بما في ذلك مقياس الحرارة. في تشرين الأول عام 1664م، نشر هوك كتابه (ميكروغرافيا)؛ حيث وصف فيه عمله مع مقاييس الحرارة المختومة التي كانت لديه وقد قال: «ثمة محاولات عديدة، جاءت أخيرا بيقين وحساسية كبيرين؛ لأنني قد صنعت بعض الجذوع التي تجاوز طولها الأربعة أقدام، كان يتفاوت فيها تمدد المادة السائلة حتى الآن، وحتى يكون قريبا جدا من القمة في حرارة الصيف، وقريبا للغاية من الأسفل في الوقت الأبرد للشتاء.» ملأ هوك مقاييس الحرارة «أفضل كحول خمر مقطر وقد لونه بلون قرمزي جميل.» التقدم المهم الذي قام به عندما وضع الصفر عند النقطة التي وقف السائل عندها لدى وضع الحوجلة في ماء مقطر متجمد، وذلك في تدريجه للجذع، يشير إلى التقسيمات من فوق ومن أسفل «تبعا لدرجات تمدد وتقلص المادة السائلة التي تتناسب مع الحوجلة التي وصلتها برودة التجمد.» وفقا لمعاصره إدموند هالي # E. Halley ~~(1656-1742م)، عرض مرة هوك في كلية غريشام مجموعة مكونة من بارومتر ومقياس حرارة ذي جذع مدرج من −70 درجة إلى +130 درجة، (درجة تجمد الماء = الصفر). وفي يناير/كانون الثاني عام 1665م، تم توجيه هوك لإنتاج مقياس حرارة لصالح الجمعية الملكية الذي عمل بوصفه معيارا من أجل المراقبة، استعملت الجمعية مقاييس حرارته لعدة سنوات. كان هوك من أوائل العلماء الذين ms226 اتخذوا من درجة تجمد الماء كنقطة ثابتة على مقياس الحرارة، يقول في ذلك: «من الجيد بأن يكون هناك معيار محدد وعالمي بالنسبة للحرارة والبرودة، وضمان نسبة مؤكدة بين سعة الحوجلة والأنبوب؛ ومن ثم البدء بدرجة البرودة التي يبدأ بها الماء بالتجمد، أو الأفضل درجة حرارة غليان الماء، بدون إرسال مقياس الحرارة بعيدا، لعل المرء يصل إلى درجة الحرارة أو درجة البرودة التي وجدها في التجارب ويسجلهما من أجل استعمالها من قبل الأجيال القادمة. مع ذلك، ليس من الواضح فيما إذا كانت هاتان النقطتان الثابتتان من أجل الاستعمال معا، أو كبديلين». # 62 # أخيرا، نشير إلى أهمية الماء المقطر بالنسبة لعلم قياس الحرارة الذي أقره روبرت هوك، والذي تبنى عمل بويل في تدريج مقياس الحرارة، وذلك باستعمال نقطة ثابتة وحيدة وساوى الدرجة بزيادة كسرية ثابتة أو التناقص في الحجم في نقطة ثابتة، نصح بأن درجة الحرارة على مقياس الحرارة الكحولي يتم حسابها، وذلك بتخصيص درجات صفر نسبة إلى الحجم عند نقطة تجميد الماء المقطر وبجعل كل درجة تتوافق مع تغير الحجم وتتساوى مع الأخرى (واحد من الألف للحجم عند الصفر). # 63 # غواليم أمونتون (القرن 18م) # في نهاية القرن السابع عشر أصبح مكشاف جاليليو مقياسا حراريا غازيا ذا حجم ثابت على يد الفيزيائي الفرنسي غواليم أمونتون، وتوصل أمونتون إلى نتيجة مهمة مفادها: «أن الكتل غير المتساوية من الهواء تزداد بالتساوي في الضغط بسبب درجات متساوية من الحرارة والعكس صحيح.» وتتضمن هذه النتيجة أمرين مهمين؛ الأول ازدياد سرعة الصوت مع درجة الحرارة. والثاني: إشارة غير مباشرة لفكرة درجة الحرارة المطلقة، وهي الفكرة التي ستظهر بعد قرن ونصف على يد اللورد كلفن عام 1848م. # 64 # وقد دفعت فكرة النقطة الثابتة المرجعية أمونتون لتبني جانب منها، فاختار نقطة غليان الماء كدرجة حرارة مرجعية له، لكنه سجل تغيرات الضغط التي لاحظها في وحدات عشوائية مفضلا ذلك على الأجزاء الكسرية من الضغط الإجمالي عند درجة الحرارة المرجعية. وبالنتيجة؛ فإن أدق ما استطاع التوصل إليه عن مفهوم درجة الحرارة ms227 المطلقة هو ملاحظة أن «أقصى برودة لقياس درجة الحرارة المطلقة هذه هي تلك التي تستطيع إنقاص مرونة الهواء بحيث لا يبقى أي ثقل مطلقا.» # 65 ~~(إلى اليمين) مكشاف أمونتون الحراري المغلق، (إلى اليسار) مكشاف أمونتون ضغط الهواء الحراري. (مصدر الصورتين: # Barnett, Martin K., The Development of Thermometry and the Temperature Concept, p. ~~ 309 ~~.) # ما يميز عمل أمونتون عن الآخرين هو أنه اعتمد نقطة ثابتة (درجة غليان الماء) في مكشافه، واستبدل السائل الكحولي بالزئبق # 66 # وجعله ذا حجم ثابت بدلا من الضغط الثابت بسبب استخدام الزئبق؛ ففي أداة أمونتون السابقة كان يتم تحديد زيادات درجة الحرارة المتساوية بزيادات الحجم المتساوية، إنما ليس بضغط ثابت، والذي بدوره من المفترض بأن يتوافق مع الزيادات المتساوية في طول الأنبوب الضيق الذي يتمدد الهواء من خلاله. أدرك أمونتون صعوبة صناعة الأنبوب الضيق الطويل ذي القطر الموحد؛ ولهذا السبب، ادعى التفوق في مكشاف حرارته الجديد؛ فقد كانت التغيرات طفيفة في قطر الأنبوب الجانبي الذي طرأ عليه تأثير ضئيل على قراءة الضغط. # 67 # يواكيم دالينس (القرن 18م) # مقياس الحرارة لدالينس كما ظهر عام 1688م، وهو كما نلاحظ نسخة مكبرة عن مقياس جين ليورشون الذي يأخذ شكل حرف # J ~~، إضافة لمقياس كيرشر. (مصدر الصورة: # Bolton, Henry Carrington, Evolution of the Thermometer, p. ~~ 10 ~~.) # أيد يواكيم دالينس # J. d’ Alencé ~~(؟16-1707م) عام 1688م مقياس الحرارة الهوائي المغلق، وقد صنع مقياسا له شكل الحرف # J # يدمج بين مقياس حرارة كيرشر وليورشون. وكان يستعمل الزئبق بدلا من الماء كسائل ضمني والأنبوب الجانبي كان مختوما، والفراغ فوق الزئبق خال تماما من الهواء. وقد ظهر مقياس دالينس في السنة ذاتها التي وصف فيها أيضا غويلوم أمونتون مقياس الحرارة الهوائي الذي يتمدد فيه الهواء المسخن مدفوعا بالزئبق إلى الفراغ المفرغ. ~~ يوجد الخواء التورشيلي في الحوجلة # A # حيث الزئبق في أسفلها يتمدد من خلال الأنبوب ذي الشكل # J # نحو الحوجلة # C ~~. كانت هناك طبقة من محلول ملح البوتاس الملون تعلو الزئبق وتمتد صاعدة إلى القسم ms228 الضيق من الأنبوب # D ~~. وفوق الثانية طبقة زيت ممتدة إلى قاع الحوجلة # B # والتي تحوي الهواء، كان حد زيت البوتاس هو الذي يحدد درجة حرارة الهواء في الأنبوب الضيق. كان صانع الأداة الفرنسي هوبين ينصح بشدة بمقاييس الحرارة الهوائية لهذا التصميم في هذا الزمن؛ حيث أكد على مقارنتها الحساسة الكبيرة مع مقاييس الحرارة الفلورانسية التي تستعمل الكحول. # 68 # أوله رومر (القرن 18م) # ظهر جدل بين مؤرخي العلوم حول أسبقية الوصول إلى مقياس الحرارة الذي يسمى اليوم بمقياس فهرنهايت: هل صاحبه أوله كريستنسن رومر # O. Ch. Rømer ~~(1644-1710م) أم دانيال فهرنهايت # G. D. ~~ Fahrenheit ~~(1686-1736م)؟ # فقد زار فهرنهايت رومر في كوبنهاغن عام 1708م وهناك رآه يحضر مقاييس حرارته. كان المقياس يوضع في مزيج من الجليد والماء، ثم يوضع في ماء دافئ بدرجة حرارة الدم. المسافة بين نقطتين تم تحديدهما بعدئذ مناصفة، والنقطة الثالثة المشار إليها كانت بعيدة أسفل النقطة الأدنى، ومساوية إلى نصف هذه المسافة. البدء من هذه الدرجة الأدنى مثل الصفر لسلسلة كاملة، من ثم تم تقسيمها إلى 22,5، وجعل درجة ذوبان الجليد 7,5 درجة ودرجة حرارة الدم 22,5. يضيف فهرنهايت بأنه تبنى هذا التقسيم بنفسه وحافظ عليه حتى عام 1717م، مع فرق وحيد بأنه قسم الأجزاء الصغيرة كل درجة إلى أربعة أجزاء، وأعطى كامل التدريج 90 قسما؛ من ثم، بما أن الكسور كانت صعبة، قرر بأن يغير المقياس ويستبدل التقسيمات 90 ب 96. من الواضح أن فهرنهايت احتفظ بترتيب رومر العام الذي فيه ثلث السلسلة الكاملة التي تقع بين الصفر ودرجة الذوبان والثلثين بين درجة الذوبان ودرجة حرارة الدم، وهكذا أصبحت درجة الذوبان 32 درجة ودرجة حرارة الدم 96 درجة. من هذا نرى بأن مقياس حرارة فهرنهايت الذي نستعمله الآن هو تعديل لمقياس حرارة رومر، وأنه لا يوجد أساس للعبارة المقبولة عموما بأن فهرنهايت حدد صفره كدرجة ل «البرودة العظمى» التي يمكن الحصول عليها بمزج الماء والجليد وملح النشادر. مع أنه كان لدى رومر أفكار صحيحة وواضحة بالنسبة لكيفية صنع ms229 مقاييس الحرارة، إلا أن عمله عن مقاييس الحرارة لم يحظ بأهمية كبيرة؛ لأنه لم ينشر أفكاره ولم يوفر قط مقاييس حرارته للآخرين. ومن سمعة رومر الشهيرة، في تحديده لقيمة سرعة الضوء، يمكن للمرء أن يستدل بأن مقاييس الحرارة التي صنعها كانت أدوات متفوقة جدا، لكن التسجيلات المتوفرة على نحو ضئيل جدا لم تكن كافية حتى تجسد ذلك الاستدلال. مبدأ تعريف مقياس الحرارة بواسطة درجتي حرارة موثوقتين كان معروفا تماما قبل مدة طويلة من زمن رومر، بعد أن تم اقتراحه واستخدامه عدة مرات على مدار القرن الذي سبق عمله. الأمران الموثوقان بأن رومر قد هدف إلى استعمال درجة الحرارة الأدنى لمزيج من جليد الماء # NH # 4 # Cl # ودرجة حرارة غليان الماء، لكن ولا بأي موضع يذكر أي استخدام لدرجة الحرارة لذلك المزيج. في مقاييس حرارته الأخيرة، استنتج أن درجة الحرارة من درجة التجمد ولا بأي وسيلة تقريبية دقيقة جدا. لم يذكر فهرنهايت في رسالته إلى بيورهاف في السابع عشر من نيسان عام 1629م بأنه قد تعلم من رومر فكرة تعريف المقياس بواسطة نقطتين ثابتتين. وإنما ذكر فهرنهايت بأنه رأى رومر كان يحدد المواقع لدرجتين ثابتتين على مقاييس حرارة معينة تحت الصنع، درجة التجمد والدرجة ذات الإشارة 22,5 والتي افترضها بشكل خاطئ أنها تشير إلى حرارة الدم. لكنه لم يقل شيئا سواء بشأن حجم مقاييس الحرارة أو الاستعمال الذي كانت موضوعة له. بالإضافة إلى تصحيح الكثير من الأفكار حول عمل رومر في علم قياس الحرارة، فإن فهرنهايت يدين لرومر. نستنتج من ذلك بأن رومر الذي اخترع مقياس الحرارة الحديث وأن مقياس حرارة فهرنهايت ينبغي بكل وضوح أن يدعى بمقياس حرارة رومر. # 69 # إسحاق نيوتن (القرن 18م) # مع الاقتراب من نهاية القرن السابع عشر، مسألة الحصول على مقياس يستخدم للقياس الحراري بشكل كاف كان يأخذه الكثير من العلماء الرواد بعين الاعتبار، بمن فيهم إسحاق نيوتن في عام 1701م، نشر على نحو مجهول # 70 # تقريرا في «الجلسات الفلسفية» نتائج أبحاثه في القياس الحراري. كان ms230 مقياس حرارته بطول ثلاثة أقدام ذا حوجلة بقطر بوصتين. لم يكن بداخله سائل التمدد الكحول الشائع، بل «زيت بذر الكتان». من أجل تحديد نقطتين ثابتتين في المقياس، اختار نيوتن درجة حرارة ذوبان الثلج (الدنيا) ودرجة حرارة جسم الإنسان (العليا)، وقسم الفواصل إلى اثني عشر قسما. يغطي مقياس حرارة نيوتن سلسلة من درجات حرارة تجمد الماء إلى حرارة الحديد المتوهج الزاهي. كما في الجدول الآتي: # 71 # جزء من جدول تجريبي-حسابي لمقياس نيوتن للحرارة الذي حاول أن يجعل منه معيارا ليعمل عليه الآخرون. وقد علق الفيزيائي الفرنسي جان بابتيست بيو # J. B. Biot ~~(1774-1862م) على عمل نيوتن هذا بأنه يحوي على ثلاثة اكتشافات مهمة؛ (1) طريقة لصنع مقياس حرارة قابل للمقارنة من خلال تحديد المصطلحات القصوى لتدرجها من ظواهر ذات درجة حرارة ثابتة. (2) تحديد قانون التبريد في الأجسام الصلبة عند درجات الحرارة المعتدلة. (3) مراقبة ثبات درجة الحرارة في الانصهار والغليان. ~~* # تقسيمات الحرارة وفق نيوتن # درجات الحرارة المئوية المقابلة لها حاليا # درجات الحرارة # الظاهرة # 0 # 0 # 0 # حرارة الهواء في الشتاء، عندما يبدأ الماء بالتجمد # 12 # 37 # 1 # أكبر حرارة يتلقاها مقياس الحرارة على سطح جسم الإنسان # 24 # 40 # 2 # حرارة الشمع الذائب # 33 # 100 # درجة حرارة الماء عند بدء الغليان # 34 # 2,5 # درجة حرارة الماء المغلي بشدة # 48 # 271,5 # 3 # الحرارة الأدنى التي عندها الأقسام المتساوية لذوبان القصدير والبزموت # 96 # 327,35 # 4 # الحرارة الأدنى التي يذوب بها الرصاص # 192 # 5 # حرارة الحديد المتوهج الزاهي ~~* # Bolton, Henry Carrington, # Evolution of the Thermometer ~~, p. ~~ 61 ~~. # ويبدو أن الخلط بين درجة الحرارة والحرارة، كان حاضرا في ذهن نيوتن والذي شاطره إياه بويل، حيث افترض أن درجة الحرارة يجب أن تكون كمية تتماثل مع الوزن والطول أو الوقت. بالفعل، إن الفشل بالتمييز بين هذين المفهومين كان يتم مواجهته كثيرا حتى النصف الثاني من القرن الثامن عشر حتى فرق جوزيف بلاك أخيرا بين كمية الحرارة ودرجة الحرارة. # 72 # تأسف نيوتن على عدم إمكانية الاستفادة من مقياس درجة الحرارة ms231 (زيت الكتان) الخاص به. وقد يكون مع العلماء الحق في ذلك؛ فقد اعتبر نقطة غليان الماء «متغيرة» في حين أن درجة حرارة جسم الإنسان «ثابتة»! # 73 # دانيال فهرنهايت (القرن 18م) ~~(إلى اليمين) فهرنهايت وهو يجري تجاربه على مقياسه الحراري. (مصدر الصورة: # http://www.nndb.com/people/950/000029863 ~~) (إلى اليسار) مقارنة حديثة بين مقياسي درجات الحرارة الفهرنهايتي والمئوي. ولا يزال مقياس فهرنهايت مستخدما في الولايات المتحدة وبعض دول الكومنويلث البريطاني، مع كل تعقيداته. (مصدر الصورة: # https://en.wikipedia.org/wiki/Thermometer ~~) # كتب الفيزيائي الألماني دانيال غبرييل فهرنهايت عام 1724م يقول: «قبل زهاء عشر سنوات قرأت في تاريخ العلوم أن غوليوم أمونتون الشهير استعان بمقياس حرارة من اختراعه، فاكتشف أن الماء يغلي بدرجة حرارة ثابتة، فأخذتني فورا رغبة جارفة بأن أصنع أنا نفسي مقياسا مثله، حتى أرى بعيني هذه الظاهرة الطبيعية الجميلة وأقتنع بصحة هذا الاختبار.» # 74 # وكما وجدنا سابقا أن فهرنهايت كانت له لقاءات مع رومر وتأثر بتجاربه أيضا، والتي سيضمن نتائجها في مقياسه. # إن الذي دفع فهرنهايت للعمل في هذا المجال ارتكاز بعض المقاييس على ظاهرات طبيعية تتكرر دائما عند درجة الحرارة نفسها، وفي ظل ضغط جوي ثابت، وهو ما نجده من اختيار أعضاء أكاديمية ديل شمنتو لنقطتهم الدنيا (برد الشتاء) ونقطتهم العليا (حر الصيف). وكان يعني لهم برد الشتاء درجة حرارة الثلج أو الجليد في أقسى أيام الصقيع، أما حر الصيف فقد استخدموا درجة حرارة بقرة أو أيل. واقترح أحد الأعضاء أن تتخذ درجة حرارة الهواء أثناء الصقيع كنقطة دنيا، ودرجة ذوبان الزبد كدرجة عليا. # 75 # في البداية حاول فهرنهايت أن يحسن انتقاء نقطتين ثابتتين، فاتخذ من درجة تجمد مزيج الجليد والماء والملح والأمونياك نقطة دنيا، واتخذ من درجة حرارة جسم الإنسان السليم من المرض نقطة عليا؛ كونها موثوقة أكثر من درجة غليان الماء - بحسب اعتقاده # 76 ~~- وحددها بقيمة اعتباطية هي 96 درجة # 77 # بدلا من الدرجة 98 (والتي تقابل فعليا الدرجة 37 ~~° # مئوية) التي تستخدم اليوم. ~~ كما أن فهرنهايت استخدم الزئبق كسائل للتمدد بدلا من الكحول أو الماء؛ ms232 بناء على ما سبق قرر أن الجليد الخالص يذوب عند الدرجة 32 (تقابل صفرا ~~° # مئوية)، وأن درجة غليان الماء تعادل 212 درجة (تقابل 100 ~~° # مئوية). وقال منتقدا ما توصل إليه: «لعل هذه النتيجة تفتقر إلى الكمال من وجوه عديدة، ولكنها استطاعت تحقيق رجائي، وكنت قرير العين فكريا وأنا أراقب دقة هذا الجهاز.» # 78 # بعد ذلك اعتقد فهرنهايت بطريقة ما أن وجود ثلاث نقط ثابتة أفضل من اثنتين كنقاط مرجعية لتصميم مقياس الحرارة، فكان منه أن اختار مزيجا متجمدا من الماء وملح البحر ( # 0F ~~° ~~)، وجليدا ذائبا في الماء وحده ( # 32F ~~° ~~)، ودرجة حرارة جسم الإنسان ( # 96F ~~° ~~). ~~ فيما بعد عدل ذاك المقياس بشكل طفيف، بحيث يضع الماء المغلي عند # 212F ~~° ~~؛ أي تماما 180 درجة فوق الجليد الذائب. لا يمكن للمرء أن يحول بين نفسه وبين اعتبار أن180 ~~° # هي رقم دقيق، على الأقل عندما تكون الدرجات درجات قوس. من ناحية ثانية فإن ميدلتون، الذي يصف تطوير مقياس الدرجة الفهرنهايتية ببعض التفصيل، لم يشر إلى تلك المقارنة والنتيجة أنها من المحتمل عرضية. # 79 # ثمة أمر مهم كان يدركه فهرنهايت نود الإشارة إليه، وهو أن درجة غليان الماء تتوقف على الضغط الجوي، وهي الفكرة التي سيرتكز عليها الفيزيائي الإنكليزي وليم هايد ولاستون # W. H. Wollaston ~~(1766-1828م) في صنع مقياس مزدوج لدرجة الحرارة والضغط معا (ترموبارومتر) واستعمله لاحقا كمقياس للارتفاع. # 80 # تم إرسال مقاييس حرارة فهرنهايت من أمستردام، موطن الصانع، إلى كافة المدن الأوروبية؛ لأنها مصنوعة بعناية وكذلك تعرض إمكانية مقارنة ممتازة، وأحرزت استخداما واسعا ولا سيما في إنكلترا، فكان أن منحت إنكلترا فهرنهايت الشرف في عام 1724م وذلك بانتخابه عضوا في الجمعية الملكية. # 81 # إدموند هالي (القرن 18م) # في تقرير مقدم إلى الجمعية الملكية في سنة 1693م بعنوان: «تمدد وتقلص السوائل بالحرارة والبرودة، للتحقق من تقسيمات مقياس الحرارة، ولجعل تلك في جميع الأماكن بدون تعديل بالمعيار». اقترح إدموند هالي مؤكدا بأن درجات حرارة الأمكنة «عميقا تحت الأرض» تقدم نقاطا موثوقة ثابتة أكثر من نقاط تجمد الماء ms233 أو زيت الكتان الذي شكك في ثباته. وقد اقترح أيضا البديل لدرجة غليان الماء أن يكون درجة غليان الكحول النقي. في التقرير ذاته، تمت دراسة التمدد الحراري لعدة سوائل مع إمكانية تبنيها كمواد أولية لقياس الحرارة. ~~ وأقر هالي بأن الماء يتمدد بالمقدار 1 / 26 من حجمه في وضعه بدرجة حرارة الغرفة إلى درجة غليانه، حيث يقدم الزئبق تزايدا كسريا فقط 1 / 47 على فاصل درجة الحرارة نفسه. ووجد بأن حجم الكحول هو شديد الحساسية بالنسبة لدرجة الحرارة حيث تمدد بحوالي 1 / 12 من حجمه الأصلي عندما يتم تسخينه من درجة حرارة الغرفة إلى درجة غليانه. مع ذلك، فإنه فضل الهواء على الكحول كمادة أولية لقياس الحرارة؛ لأنه اعتقد بأن الكحول تفاوت في نوعيته وفقد بعضا من قوة تمدده بعد استمرار الاستخدام. # 82 # آندرياس سلسيوس (القرن 18م) # اقترح الفيزيائي والفلكي السويدي آندرياس سلسيوس # A. Celsius ~~(1701-1744م) في تقرير منشور في عام 1742م بعنوان: «ملاحظات حول درجتين ثابتتين على مقياس الحرارة» اعتبار الدرجة الصفر نقطة الغليان والدرجة 100 نقطة التجمد تحت ضغط جوي واحد 1 ~~(atm) ~~. # 83 # والسبب الذي دفع سلسيوس لهذا الاختيار هو تجنب الأعداد السالبة التي يمكن أن يواجهها في أثناء دراسة حرارة المناخ. # 84 # وقد أشار سيلسيوس في تقرير له بأنه تذمر من مقاييس الحرارة الفلورانسية التي ما زال استعمالها شائعا وهي غير كافية لأنها فقيرة بإمكانية المقارنة، لدى مثل هذه المقاييس الحرارة صفر عند منتصف الأنبوب للإشارة إلى «درجة حرارة» الهواء، والتي بقيت قيد الاستعمال حتى أواخر عام 1741م في دانزيغ من أجل الأرصاد الجوية. # 85 # لم يدم تدريج سلسيوس السابق طويلا؛ إذ بعد وفاته قام - وبشكل مستقل عن الآخر - كل من الفرنسي جان بيير كريستين # J. P. Christin ~~(1683-1755م) عام 1745م، # 86 # والسويدي مارتن شترومر # M. ~~ Strömer ~~(1707-1770م) عام 1749م، بعكس تدريج سلسيوس لتصبح نقطة الغليان هي الدرجة 100 ونقطة التجمد هي الصفر، وهو ما نراه حاليا مستخدم في مقاييس الحرارة الحديثة. # 87 # لقد قام سلسيوس بمقارنة ms234 طريقتين أساسيتين من أجل القياس في مقياس الحرارة؛ طريقة النقطة الثابتة الوحيدة لبويل، وطريقة النقطتين اللتين استخدمهما لأول مرة سانتوري. واقترح بأن الطريقة الثانية هي إدراك ضرورة إسقاط حساب حجمي الحوجلة والجذع. كان تقرير سلسيوس مشهورا بشكل رئيس لتبنيه النقطتين الثابتتين ودرجتي غليان وتجميد الماء، وهو الاختيار الذي قدر له بأن يحظى بالثقة العالمية في العمل العلمي. اعتماد الضغط الصغير لدرجة تجمد الماء كان عليه الانتظار مائة سنة أخرى لاكتشافه؛ حيث وجدنا بأن سلسيوس يؤكد بأن هذه النقطة مستقلة تماما عن أحوال الطقس. وعلى العكس، أدرك تماما أهمية اكتشاف فهرنهايت بالاعتماد على درجة الغليان في مقياس الضغط الجوي. وحتى يقوم بتدريج مقياس الحرارة، عرف درجة الغليان على أنها درجة الحرارة التي يغلي فيها الماء بشدة ضغط جوي متوسط، والذي أخذه بمثابة خمسة وعشرين، وثلاث بوصات بالمائة بالنسبة للزئبق. من أجل انحراف الضغوط عن هذا، نصح بالقيام بتصحيح خطي؛ حيث إن تغير بوصة من الزئبق في ضغط يوافق درجة واحدة في نقطة الغليان. كان هذا تطبيقا جديدا وابتكاريا ومهما بالنسبة لمبدأ البقايا؛ إزالة تأثير عامل الحرارة الزائدة وذلك بالحساب بدلا من المعالجة اليدوية بالمختبر. ووفق النمط نفسه نصح بالقيام بتصحيحات من أجل تمدد الزجاج. # 88 # يشكك البعض بأن سلسيوس هو من طور هذا المقياس؛ إذ إن بعض السلطات الرسمية تعزو هذا العمل إلى عالم الأحياء كارل لينيوس # C. Linnaeus ~~(1707-1778م)، # 89 # ومصدر هذا الادعاء أنه في عام 1844م، أرسل الفيزيائي الفرنسي فرانسوا أراجو # F. ~~ Arago ~~(1786-1853م) رسالة إلى الأكاديمية الفرنسية للعلوم، نقلا عن رسالة خاصة من لينيوس، الذي كتب أنه كان أول من وضع ميزان الحرارة مع تقسيم مئوي بين نقطة تجمد وغليان الماء، لاستخدامها في منزل أخضر. لكن للأسف لم يتم إعطاء تاريخ رسالة لينيوس. # 90 # وهو ما قد يفسر لنا سبب إطلاق تسمية المقياس المئوي (سنتغراد) عليه. وفي عام 1927م تبنت 31 دولة في العالم النظام المئوي في قياس درجات الحرارة؛ كونه أسهل استعمالا وأكثر ملاءمة للعلم. # رينيه دي ms235 ريومور (القرن 18م) # لم يحظ مقياس فهرنهايت بإعجاب البعض؛ حيث اقترح الفيزيائي الفرنسي رينيه أنطوان دي ريومور # R. A. de Reaumur ~~(1683-1757م) مقياسا مدرجا يقسم المسافة بين نقطتي الغليان والتجمد إلى 80 درجة. # 91 # لا يزال يستخدم أحيانا هذا المقياس في أوروبا، وألمانيا وبعض بلدان التيوتون (الشعوب الناطقة بالألمانية الأخرى). # 92 # لكن لماذا اختار ريومور هذا التقسيم بالذات؟ في الواقع أن الكحول الذي اختاره لمقياسه هو السبب؛ فعند تدريج سلمه اعتمد على درجة حرارة انصهار الجليد، والتي اعتبرها 1000. واختار كحولا ذا معامل تمدد حراري قيمته (0,0008) حيث إن ازدياد حجم الكحول في المقياس بنسبة 0,001 تقابل ارتفاعا في درجة الحرارة بمقدار درجة واحدة؛ لذلك فإن درجة حرارة غليان الماء في هذا السلم يجب أن تكون قيمتها أعلى ب «80» درجة من القيمة التي تأخذها درجة حرارة انصهار الجليد؛ أي لها القيمة 1080. بعد ذلك أعطيت القيمة صفر لانصهار الجليد والقيمة 80 لغليان الماء. # 93 # اصطنع الفيزيائي دو ريومور في فرنسا مقاييس كحولية غير عملية، مقسما سلم المقياس إلى 80 درجة بين نقطتي التجمد والغليان، وقد شهد سلمه فيما بعد الكثير من التطويرات. ~~ (مصدر الصورة والتعليق: ويلسون، ميتشل، الطاقة، ترجمة: مكرم عطية، دار الترجمة والنشر لشئون البترول، بيروت، 1971م، ص40.) # في الواقع لقد أعاد ريومور طريقة بويل في استعمال نقطة ثابتة لتحديد المقياس، كما جاء في تقرير له عن «قواعد من أجل صناعة مقاييس حرارة للمقارنة مع المقاييس» ظهر في عام 1731م في أكاديمية العلوم الفرنسية. ومع أن ريومور عانى الكثير من أجل تحديد حجمي الحوجلة والجذع بدقة، إلا أنه تجاهل بالكامل ملاحظات فهرنهايت عن تأثير الضغط الجوي على درجة الغليان، ولم يقم بتصحيح هذا المتغير عندما كان يحدد التمدد الحراري للمادة الخام (التي كانت كحولا) لقياس الحرارة. # 94 # هذا التجاهل أوقع ريومور بأخطاء خطيرة؛ فقد اعتقد خطأ أنه حصل على درجة حرارة الماء المغلي عن طريق غمر أنبوب الكحول غير المختوم في الماء المغلي؛ لهذا وغيره من الأسباب لم تكن مقاييس ريومور ms236 مرضيا عنها، كما أنها خالفت المعايير التي تسعى لتصغير الحجم، وزاد الطين بلة بنقل مقاييسه إلى الزئبق. # 95 # يوهان لامبيرت (القرن 18م) # لم يتم العودة والاهتمام بما طرحه أمونتون إلا بعد ثلاثة أرباع قرن، وذلك عندما قام يوهان هاينريش لامبيرت # J. H. Lambert ~~(1728-1777م) باستخدام مقياس ذي ضغط ثابت لقياس حرارة غازي بحيث يطابق بعضا من عمل أمونتون المبكر. في غضون ذلك ظهر اهتمام أكبر وبعض التقدم في تطوير تقانة قياس درجة الحرارة، عندها استطاع لامبيرت تعيين هوية أكثر من 19 مقياسا مختلفا مدرجا لدرجة الحرارة، والتي سبق وأن اقترحت من قبل مؤلفين لنظم مختلفة لقياس الحرارة؛ فالماء والزيوت والمحاليل الكحولية المتنوعة والزئبق بالإضافة إلى الهواء كلها مواد استخدمت، وقد قال لامبيرت بشأن الصفر المطلق: إن «درجة الحرارة المساوية للصفر هي في الواقع ما يمكن أن يدعى البرودة المطلقة ... عندما يكون حجم الهواء صفرا أو عمليا صفرا.» للأسف فشل لامبيرت مثل أمونتون في عرض نتائجه عن التمدد الحراري للهواء سواء بطريقة تقدم تعديلا واضحا لقانون الغازات أو تقديم أساس قوي لنظام متدرج لدرجة الحرارة المطلقة. # 96 # حتى القرن السابع عشر لم يكن هناك اتفاق موحد بين العلماء الأوروبيين أنفسهم على تقسيمات مقياس الحرارة؛ إذ نجد لدى لامبيرت القول بأنهم قاموا بتقسيمها إلى ثماني درجات، في منتصف القسمة يكون «المتوسط»، وأنه كان هناك أربع «درجات من البرودة» وأربع «درجات من الحرارة»؛ معتدل، ودافئ، ودافئ جدا، وحار فوق المعدل. # 97 # وهي تقسيمات متقاربة جدا مع تقسيمات ابن سلوم الحلبي التي أخذها عن دانييل سنرت. # 98 # جوزيف بلاك (القرن 18م) # قدم جوزيف بلاك مساهمات رائعة لحقل الحرارة في أثناء السنوات العشر التي تلت عام 1756م؛ فقد حل بوساطة تفكيره الواضح مع القليل من التجارب «الحاسمة» الخلط بين مفهومي الحرارة ودرجة الحرارة، وفهم التوازن الحراري، وتقدم بمذهبه عن الحرارة النوعية، وطور طريقته في المزيج وأرسى مفهوم الحرارة الكامنة. في تعليق على «توزيع الحرارة» يقول بلاك: «هذا هو ما كان يدعى عموما بالحرارة المتساوية، أو ms237 تساوي الحرارة بين مختلف المواد، والتي أدعوها بتوازن الحرارة. ~~ طبيعة هذا التوازن لم يكن مفهوما على نحو جيد، إلى أن أشارت طريقة في التحري عنه. تصور د. بيورهاف، بأنه عندما يحصل على ذلك، توجد كمية مساوية للحرارة في كل قياس للفراغ، على كل حال مملوءة بمختلف المواد.» «لكن هذا يأخذنا بنظرة سريعة في هذا الموضوع؛ فهو يدحض كمية الحرارة في مختلف الأجسام مع قوتها الطبيعية أو شدتها، مع ذلك من الواضح بأن هذين أمران مختلفان، وينبغي دائما أن يكون متميزا، عندما نفكر بتوزيع الحرارة.» التقدم المهم الذي قام به بلاك كان، في الجزء الأكبر منه، بسبب اختراعه واستخدام المقياس الحراري عام 1760م. ~~ وقد حسن من الأداة آخرون، وخصوصا لافوازييه ولابلاس، وطورا تقنية استعمالها. # 99 # جان أندريه ديلوك (القرن 19م) # تفسر سمعة ريومور التأخر، سيما في فرنسا، في إدراك تفوق الزئبق كسائل لقياس الحرارة. في عام 1772م أيد جان أندريه ديلوك بنجاح تبني الزئبق من أجل هذا الغرض. وقد درج مقياسه مثل سلسيوس، مستخدما نقطة الجليد ودرجة غليان الماء. لكن كان لريومور تأثيره في قراره بتخصيص الرقمين صفر و80 درجة على التوالي إلى هاتين النقطتين، وليس كما فعل سلسيوس بين الصفر و100. ومن الواضح أيضا بأن ديلوك يمضي بثقة لتأسيس الحقيقة بأن التمدد الحراري لسائل عموما لا يتناسب مع آخر. هذا الاختلاف في متوسط درجات تمدد مختلف السوائل أدرك باكرا جدا من تاريخ علم قياس الحرارة، وبعد بويل، أصبح من الواضح أن استخدم المرء طريقة النقطة الوحيدة لتدريج المقياس والمطابق للدرجة بكسر ثابت للحجم عند نقطة ثابتة، الشيء نفسه بالنسبة لجميع السوائل، وهكذا فقد يعطي كل سائل مقياسا مختلفا. ما زالت هناك إمكانية متبقية بأن تمدد سائل ما كان يتناسب مع آخر في حالة مقاييس مختلفة، والتي تم الحصول عليها بجعل مقاييس الحرارة فقط تستخدم كلا السائلين وتتزامن بنقطتين. وقد لاحظنا بأن فهرنهايت افترض ضمنيا بأن هذه الحالة قد تكون حالة مقاييس الحرارة التي تستخدم الكحول والزئبق. على أية حال، وجد ms238 ديلوك بعد صناعة مقاييس الحرارة بمختلف السوائل بما في ذلك الزئبق والكحول، وملاحظة سلوكها، بأن السائل ليس لديه درجة تمدد متوسطة فقط، وإنما يخضع أيضا لقانون التمدد الحراري الغريب بحد ذاته، ولا يكفي القيام بإجراء بسيط لجعل مقاييس السوائل المختلفة لتكون مقياس حرارة متوافقا بشكل عام. وفي هذا الصدد، بين ديلوك بأن السلوك الغريب للماء بضع درجات فوق نقطة التجمد نجم عن وجود حد أقصى فعلي في كثافته. # 100 # دالتون (القرن 19م) # حاول جون دالتون أن يضع مبدأ جديدا في تصميم مقاييس الحرارة؛ فالمبدأ الذي اعتمده السابقون أن: «الدرجات في مقياس الحرارة تقابل زيادات متساوية في الحجم»، لم يكن مقنعا بالنسبة له، ولذلك اقترح أن «الدرجات في مقياس الحرارة تقابل زيادات نسبية متساوية في الحجم»، وقام بصنع مقياس خاص سمي باسمه. إلا أن سلم دالتون لا يحوي الصفر المطلق مما غير الكثير من الأفكار الفيزيائية وزادها تعقيدا بحيث تتوافق مع صيغته؛ لذلك لم يكتب لهذا السلم والمقياس النجاح. # 101 # ربط دالتون تمدد الغازات المتماثلة مع إيمانه بأن التمدد يعتمد فقط على الحرارة، ويحدد هذا الربط في المواد الصلبة والسوائل كل من الحرارة والانجذاب الكيميائي. نتيجة ذلك، اعتقد بأن القوانين العامة والتي تتعلق بكمية وطبيعة الحرارة، قد تتبع بسرعة الملاحظات على الغازات أكثر من الملاحظات على السوائل والأجسام الصلبة. وهكذا وصل دالتون إلى مكان منطقي يتم النظر منه إلى مقاييس الحرارة بأنها تقدم قياسا لدرجة الحرارة الأكثر عقلانية. لقد كان السؤال فيما إذا كان تمدد الهواء الحراري يتناسب مع قراءات مقياس الحرارة الزئبقي، والذي اعتبر مهما للغاية. # 102 # اللورد كلفن (القرن 20م) # يدين اللورد كلفن لأعمال كارنو وجول التي أمدته بإلهامات أدت لتطوير مقياسه الحراري المطلق؛ حيث إنه لا يتقيد بخصائص المادة الحرارية المترية، والمستخدم بشكل خاص في الديناميك الحراري. # 103 # كما أنه يدين لاكتشاف الفيزيائي جاك تشارلز القائل: «إن الغازات تفقد 1 / 273 من حجمها عند درجة 0 ~~° # سلسيوس كلما هبطت درجة حرارتها درجة واحدة.» # 104 # كان كلفن يعلم أن ms239 المقاييس الزجاجية الحاوية على سوائل لها استجابات مختلفة وغير خطية، فكان ثمة حاجة إلى تصميم مقياس لدرجة الحرارة يعتمد على قانون طبيعي وليس تمدد أحد السوائل، فلاحظ كلفن انتظاما مدهشا في سلوك المقادير الثابتة من الغازات المختلفة، ولدى رسم منحنى تغيرات الضغط مع درجة الحرارة لمختلف الغازات ومد الخطوط على استقامتها عندما يساوي الضغط الصفر، فإن الخطوط كلها تتجمع عند درجة حرارة 273,16 ~~° # مئوية تحت الصفر، فاقترح كلفن اعتبار تلك الدرجة الصفر المطلق لدرجة الحرارة، بحيث تصبح كل درجات الحرارة موجبة بالنسبة لهذا الصفر. # 105 # لقد صمم كلفن مقياسه اعتمادا على أن الحرارة عبارة عن حركة عشوائية لجسيمات المادة، ووجد أن يبدأ قياس درجة الحرارة من نقطة (الصفر المطلق) حيث لا يكون للجسيمات أية حركة، وكان كارنو قد بين سابقا وبشكل نظري أن هذه النقطة يجب أن تكون واحدة لدى جميع المواد، # 106 # لتكون بذلك أخفض درجة في الكون، وقد أصبحت ممارسة شائعة أن نرمز إلى قيم درجة الحرارة على مقياس كلفن ب # T ~~، والنتيجة أننا نحصل على العلاقة: ~~. # بعدها اختير المقياس المطلق لكلفن بسرعة، ويستعمل الآن بواسطة العلماء في كل أنحاء العالم. من ناحية ثانية، تغير المقياس على نحو دقيق منذ إدخاله. في عام 1954م، ألغيت وباتفاق دولي درجات حرارة الجليد الذائب والماء المغلي بوصفها نقطا ثابتة، وقد استبدلت بنقطة ثابتة مفردة أخرى هي النقطة الثلاثية # triple point # للماء: ~~. # والنقطة الثلاثية هي درجة الحرارة والضغط اللذان عندهما الأطوار الصلبة والسائلة والبخارية لمادة نقية يمكن أن توجد معا في توازن. وتوجد هذه النقطة عندما يتزامن وجود الجليد والماء السائل وبخار الماء في الوقت نفسه ويكون ضغطها هو # p # tr ~~= 6.1mbar ~~، ودرجة حرارتها هي # t # tr ~~=0.01 # o # C # على المقياس المئوي سلسيوس. # 107 # يعود السبب في اعتماد مقياس كلفن المطلق في قياس درجة الحرارة؛ لأنه يسمح بصياغة قوانين الحرارة الديناميكية بأبسط وسيلة ممكنة؛ حيث إن قيمه تعبر عن الطاقة أكثر من التعبير عن حجم تغيرات المواد المختلفة. أما القوانين المشتملة ms240 على درجة الحرارة، فستكون أكثر تعقيدا بكثير إذا استخدم أي مقياس آخر. # 108 # توماس آلبوت (القرن 20م) # بعد أكثر من 100 سنة على اختراع فهرنهايت لمقياس الحرارة الزئبقي، اخترع الطبيب الإنجليزي توماس كليفورد آلبوت # Th. C. Allbutt ~~(1836-1925م) في عام 1867م، مقياس الحرارة الطبي الزئبقي؛ إذ كان طول المقياس القديم المستخدم حوالي قدم واحدة (أي: 30,48سم)؛ ولذلك كان يستغرق قياس درجة حرارة المريض قريبا من عشرين دقيقة. بينما مقياس آلبوت (الحاوي أيضا على الزئبق) لم يتجاوز طوله 15سم، ويسجل درجة حرارة المريض في خمس دقائق. وما فعله آلبوت هو أنه ضيق من الأنبوب الشعري الذي يسير بداخله الزئبق، وذلك ليضمن عدم رجوعه السريع. ويعود الدافع لاختراعه لهذا النوع من المقاييس الحرارية إلى حدوث جائحة من وباء التيفوس في مدينة ليدز البريطانية؛ حيث كان يعمل هناك في المشفى كأخصائي في الأمراض الباطنية، وقد وجد صعوبات جمة في أداء المقياس الحراري القديم، فقال عندها: «سأخترع ترمومترا في يوم من الأيام يمكن استعماله في دقائق معدودة، ويمكن وضعه تحت اللسان، وسيكون صغير الحجم حتى يمكن حمله في الجيب وليس في القبعة أو تحت الذراع.» وأضاف: «إنني مقتنع بأن مقياس درجة حرارة المرضى سيصبح مهما مع مرور الوقت، وسيعلم الأطباء أن درجة الحرارة العالية والمرض غالبا ما يكونان مرتبطين ببعضهما بعضا.» # 109 # لقد انقضى ردح من الزمن، أدخلت في أثنائها تحسينات طفيفة على مقياس الحرارة الطبي الذي اخترعه آلبوت، قبل أن يتمكن الجراح الألماني ثيودور هانز بينزينجر # Th. H. Benzinger ~~(1905-1999م)، من اختراع مقياس حرارة الأذن بدلا من الفم، ثم كانت الطفرة العلمية الهائلة في النصف الثاني من القرن العشرين سببا في اختراع مقياس الحرارة بالأشعة تحت الحمراء # Infra-red Thermometer ~~، عام 1984م، وكان صاحب الاختراع هو الباحث دافيد فيليبس # D. Phillips ~~. أعقب ذلك إدخال تحسينات وتطويرات على مقياس الحرارة الطبي، أدت إلى إنتاج ما يسمى مقياس الحرارة الإلكتروني # Electronic Thermometer ~~، وهو مقياس رقمي # Digital Thermometer ~~، مزود بشاشة من الكريستال السائل، تظهر عليها درجة الحرارة ms241 التي يسجلها المقياس من جسم الإنسان (من فمه أو من أذنه). لكن مع كل هذه التطويرات والابتكارات، لا يزال مقياس الحرارة الزئبقي الذي اخترعه آلبوت في القرن التاسع عشر، شائع الاستعمال على نطاق واسع، في القرن الحادي والعشرين. # 110 # الباب الثالث # | مصادر الحرارة الرئيسة # الفصل الأول # | جذور العلاقة بين البشر والنار # مقدمة # النار # Fire # هي الحرارة والضوء المنبعثان من المواد المشتعلة. # 1 # وعلى هذا تعد النار أحد مصادر الحرارة الأرضية الذي يمكن الاعتماد عليه عندما تغيب حرارة الشمس في السماء. ~~ وقد كتب عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي كلود ليفي شتراوس # C. Lévi-Strauss ~~: «إن تدجين النار جعل الإنسان يعتدي على الثقافة؛ فقد انفصل عن الطبيعة واندفع نحو عزلة التاريخ.» وقد يكون هذا الوصف مناسبا لتاريخ علاقة البشر بالنار؛ فالنار بحد ذاتها ليست اختراعا ولا اكتشافا، وإنما استخدمها البشر بوصفها أداة، # 2 # حيث إنه أساء استخدام هذه الأداة عندما شن الحروب وقتل بني جنسه. # في عام 2012م، قال باحثون إن لديهم أدلة جديدة على أن أجداد الانسان قد استخدموا النار في وقت أبكر عما هو معروف، وقبل نحو مليون سنة، وتتمثل الأدلة الجديدة في أجزاء من رماد وعظام وجدت في كهف ونديرويرك في جنوب أفريقيا. نشر البحث في مجلة ~~(PNAS) ~~. ~~ ووصف الباحثون في بحثهم بقايا عشب وأغصان وأوراق وحتى عظام محترقة في رواسب الكهف على بعد نحو 30 مترا عن مدخل الكهف. وأشاروا إلى أن هذا البعد يجعل آثار النيران تبدو بعيدة عن احتمال كونها مجرد نيران طبيعية نقلتها الرياح إلى داخل الكهف. كما أن عمق الرواسب يشير إلى أن هذه النيران كانت تشعل في البقعة ذاتها لمرات عديدة. وإذا صح ذلك، فإن اكتشاف ونديرويرك سيدفع أقدم تاريخ موثق لسيطرة الانسان على النار إلى نحو 300 ألف عام أسبق من التاريخ المعتمد. (مصدر الصورة والتعليق من موقع: # http://www.bbc.com/arabic/scienceandtech/2012/04/120403_fire_evidence.shtml ~~) # وصول الإنسان لاستخدام النار تعلم منه ألا يتعرض للمخاطر وأن يضبط مخاوفه الخاصة، وهو ما جعله يزداد ثقة بنفسه ويتسلط على غيره. لقد أيقظت النار الإنسان ms242 وأنقذته وساعدت في جعله اجتماعيا أكثر. وفوق ذلك كله فقد حررته من موطنه الاستوائي الأصلي. # 3 # ويرى الباحث يوهان غودزبلوم # J. ~~ Godzbloom # في كتابه (النار والحضارة): «بشكل يتجاوز اللغة واستخدام الأدوات، فإن القدرة على التعامل مع النار والاستفادة منها هو أمر يقتصر على البشر، هناك لغات بصورة بدائية وهناك قدرة على استخدام الأدوات لدى الرئيسيات من غير البشر، إلا أن الإنسان وحده تعلم، كجزء من ثقافته، كيفية التعامل مع النار.» # 4 # يمكننا القول إن العلاقة بين البشرية والنار بدأت من خلال ملاحظة الإنسان لأفعال البرق والنشاط البركاني في إشعال الحرائق في الغابات، ثم انتقلت هذه العلاقة لتكون أكثر قربا وأقل حجما حتى يمكن الاستفادة منها، وبهذه الفكرة تحولت النار بوصفها أداة تغيير محتملة في أيدي أشباه البشر الأوائل، # 5 # وتأتي الأدلة على ذلك بالنسبة للفترات الأسبق من أنواع الطين المحروق، وقطع الفحم النباتي المتناثرة في المواقع المكشوفة، والمواد المتفحمة في الكهوف؛ حيث إن كتل الطين المحروقة المخروطية الشكل توجد مقترنة ببقايا الإنسان المنتصب في تشيزووانجا بكينيا، والتي يرجع تاريخها إلى 1,5 مليون سنة مضت، وتوجد أدلة أخرى على المعرفة بالنار في كل من فرنسا في مغارة الإسكال، في سان-استيف-جانسون بالقرب من إيكس-آن-بروفانس، وفي تيرا-أماتا (نيس، فرنسا)، ثم فيرستيسيوس (هنغاريا)، وشوجوكو-تيان (الصين) # 6 # وغرب إنكلترا، خلال الفترة الواقعة بين 300 و500 ألف سنة مضت، لقد أصبحت النار - برأي الباحثين كلارك وهاريس - تضاهي في أهميتها أي عامل آخر، من عوامل نشوء الأسرة كوحدة من وحدات المجتمعات البشرية. # 7 # حظيت النار بشعبية كبيرة نتيجة للمنافع الكبيرة التي حققها إنسان ما قبل التاريخ من ورائها؛ فقد استخدمها للتسخين والإضاءة والحماية الليلية وشواء اللحم أو تجفيفه، ونزع السموم عن النباتات، وتصليد رءوس الرماح، وعصي الحفر، وغير ذلك من الفوائد. إضافة لاستخدامها في الجيوش كوسيلة للتواصل عن بعد. # 8 # خوف الإنسان من النار في البداية وجهله بطبيعتها وتلمسه لفوائدها دفعه لتقديسها، ثم ليعبدها ويقيم لها المعابد والنصب والخدم القائمين على إبقائها متقدة حية. وقد عثر علماء ms243 الآثار على آثار شعلة نار في كهف شوجوكو-تيان بالقرب من بكين، بقيت متقدة باستمرار في المكان نفسه 500 ألف سنة. # 9 # ويبدو أن المصدر الأول الذي اعتمدوا عليه في ذلك هو البرق الذي كان يضرب الغابات فيشعلها. # 10 # في عام 2016م اكتشف علماء من جامعة ميريلاند نوعا جديدا من النار أطلق عليه اسم (الدوامة الزرقاء)؛ حيث تضيء شعلتها الزرقاء وهي تدور بسرعة حول شعلة صفراء نتجت عنها. ويشير اللون الأزرق إلى حدوث احتراق كامل عالي الكفاءة؛ الأمر الذي يعني تلوثا قليلا جدا. (الصورة والتعليق عن موقع: # http://abunawaf.com/ ~~) # وهكذا فإن ظهور النار خلال عصر الإنسان المنتصب قد خفف قليلا من ضغوط الإيقاعات الخارجية الكبرى لعالم الطبيعة على حياة البشرية، فصارت الحياة الآن أقل روتينية وآلية مما كانت عليه، وباتت بعيدة جدا عن حياة الحيوانات التي لا يحكم سلوكها سوى الغرائز والجينات. # 11 # تأخر البحث العلمي في حقيقة النار، والوصول إلى أنها نتيجة حدوث تفاعل كيميائي بين مادة قابلة للاحتراق والأكسجين. ويعود سبب هذا التأخر إلى ممارسة النار أثر الانبهار والقدسية على عقل وفكر الإنسان، ولم يكن له أن يتوصل إلى كشف حقيقتها حتى تم تنحيتها بوصفها آلهة عندها توجه للتحكم والسيطرة عليها، وهكذا غدت النار ليست أكثر من ظاهرة. وسنحاول في هذا الفصل رصد مختلف آراء المفكرين من مختلف الحضارات، وحدود معرفتهم في النار، سواء كانت عنصرا من العناصر الأربعة غير المحسوسة أو أنها النار المحسوسة. # المبحث الأول: العصور القديمة # بالنسبة لإنسان بدائي أو حتى متحضر، فإن مشهد النيران الكبيرة لدى رؤيتها لأول مرة مهول، ويبعث في النفس الخوف والرهبة، لكن عندما يهمد لهيبها وتستحيل لجمر يمكن الاقتراب منها دون وجل. بعد أن تجاوز الإنسان القديم حاجز الخوف من النار اقترب منها، ووجد أن حرارة جمرها مقبولة أكثر من لهيبها؛ فهو يدفئ. عندما بدأ الجمر بالهمود، حاول بطريقة الخطأ والصواب أن يتعلم كيف يحافظ على جذوته متقدة، فقرب إليه كل ما أحاط به من حجر ورماد وخشب، ووجد أن النار تتم ms244 تغذيتها بالخشب فقط وليس بأي شيء آخر، لكن ماذا لو انطفأت النار تماما، فكيف السبيل لإشعالها من جديد؟ يعتبر بعض الباحثين أن التقدم التطوري الحقيقي كان سيادة النار وليس اكتشافها، خصوصا عندما تعلم الإنسان كيف يوقد النار ويتحكم بها. # 12 # تعلم البشر كيفية صنع النار فقط قبل تسعة آلاف سنة، عندما استخدم أسلاف العصر الحجري الحديث حجر الصوان أو الخشب المجفف للقيام بإجراء احتكاك وإصدار الشرر الذي يشتعل منه شيء ما. # 13 # ويبدو أن الإنسان عرف النار اتفاقا، حيث كانت النار تشتعل في الغابات - كما ذكرنا - إذا ما اشتد الجفاف، أو احتكت بعض أغصان الأشجار ببعضها بعضا، أو إذا أسقط حجر على حجر سقوطا قويا تسبب باندفاع شرارة، ومن هنا يبدو أن الإنسان البدائي قد عرف توليد النار، إما عن طريق سكناه إلى جوار الغابات مستخدما حريقها، وإما عن طريق ضرب حجر بحجر ووضع خرقة أو قش جاف بين الحجرين، يشتعل على أثر انقداح الشرارة. # 14 # يتم إشعال النار بطريقة المثقب # Fire Drill # أو فتل العصا حيث تثبت العصا بين الكفين وتفتل عموديا بعد تركيزها في ثقب موجود على لوح ثابت، فيؤدي الاحتكاك إلى قدح الشرارات الأولى. (مصدر الصورة: العاني، دحام إسماعيل، موجز تاريخ العلم، ط1، مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، الرياض، 2002م، ج1، ص20.) # في الواقع لا يعرف الزمن الذي انقضى منذ استخدام الإنسان النار وحتى تمكن من إيقادها بنفسه. لكن يعتقد أنه قبل حوالي (50 ألف إلى 100 ألف سنة ق.م.) تعلم الإنسان أن احتكاك بعض الحجارة (مثل الأحجار النارية، أو أحجار المغنيزيوم الكبريتية/أو البيريك) أو الأخشاب (مثل الأخشاب الجافة أو فطور الأشجار) مع بعضها يولد النار. وقد جاء هذا الاعتقاد من خلال الآثار المكتشفة التي تعود لهذه الحقب. # 15 # فقد عثر على قطع من كبريتيد الحديد الطبيعي (البيريت) تصلح للاستخدام كقادحات للنار، وقد اختلطت مع بقايا من فحم الخشب. # 16 # وهذا يعني أن الطريقة التي كان يستخدمها تعتمد على الاحتكاك # Friction # بين شيئين، سواء كانا متجانسين ms245 في المادة (خشب مع خشب) أم مختلفين في المادة (حجر مع حديد). لكن ذلك حتما استغرق الكثير من الوقت حتى تكشفت له خصائص المواد، والمهارة الكافية في كيفية إبقاء النار متقدة. # 17 # وتعبر ظاهرة الاحتكاك عن مقاومة الحركة الناشئة عند الحد الفاصل بين سطحين متلامسين لدى انزلاق جسم صلب فوق آخر، ويطلق على القوة التي تكون موازية ومعاكسة لاتجاه الحركة اسم قوة الاحتكاك. # 18 # وقد تأسس حاليا علم خاص مستقل بالاحتكاك يدعى علم الاحتكاك # 19 # Tribology # يهتم بدراسة السطوح المتلامسة في حركتها النسبية والموضوعات المتعلقة بهذا الاحتكاك، من تآكل وعمليات تزييت وتشحيم. # 20 # يتم إشعال النار بطريقة الحرث # Fire Plow # من خلال الاستعانة بقطعة خشبية ومدببة تحفر في قطعة أخرى من الخشب بحركة شبيهة لفعل المحراث عند فلاحة الأرض. (مصدر الصورة: العاني، دحام إسماعيل، موجز تاريخ العلم، ط1، مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، الرياض، 2002م، ج1، ص20.) # بين عامي (1937-1941م) وضع الباحث ب. كراشينينكوف P. Krasheninnikov # أول وصف مفصل عن حياة السكان الأصليين لشبه جزيرة كامشاتكا # 21 # Kamchatka # الذين استخدموا في ذلك الوقت تقنية المجتمع البدائي في إشعال النار حيث يقول: «كانت القداحات ألواحا مصنوعة من الخشب الجاف ثقبت في نهايتها ثقوب مدورة، وبتدوير أعواد من الخشب الجاف في تلك الثقوب حصل الكمشاتكيون على النار، وعوضا عن الصوفان # 22 # استخدموا عشبا مهروسا (تونشيتش) نفخوا من أعلاه الهباب المحترق، وكان الكمشتاكي يلف جميع لوازم الإضاءة بقشر شجر البتولا ويحملها معه. والآن ينقل الناس قداحاتهم المفضلة على قداحاتنا؛ وذلك لأنهم لا يستطيعون الحصول على النار منها بسرعة كما من قداحاتهم.» # 23 # وقد تأخرت صناعة عيدان الثقاب الكبريتية للمرة الأولى في سنة 1827م في إنكلترا. # 24 # تعود فكرة المثقب إلى حقبة ما قبل التاريخ؛ فقد كان يعتمد في إحداث الثقب على الاحتكاك الحار بين الرأس ومكان الثقب في المادة المراد ثقبها. (مصدر الصورة: # Yan, Hong-Sen & Ceccarelli, Marco, # International Symposium on History of Machines and Mechanisms ~~, Springer, Netherlands, 2009, p. 78 ~~) # لم يكن الفيزيائيون ms246 لمدة طويلة قادرين على تفسير هذا النوع من توليد الحرارة، ولكن مصاعبهم ذللت عندما أثبت بنجاح أن أي كمية متولدة من الحرارة بوساطة الاحتكاك تستهلك كمية مناسبة تماما من الطاقة، وهو ما قادنا للوصول إلى «مبدأ تكافؤ العمل والحرارة». # 25 # المبحث الثاني: الصينيون # تمثل النار في الفكر العلمي الصيني أحد العناصر الخمسة وهي (الماء والنار والخشب والمعدن والتراب)، وقد أسس هذه النظرية العالم الطبيعي تسوو ين # Tsou Yen ~~(350-270ق.م.)، وجاءت بالتزامن مع طرح أرسطو لنظريته في القرن الرابع قبل الميلاد. # 26 # لكن ثمة فرق في المفهوم بين أرسطو وتسوو ين؛ فالنار عند الأخير لها خصائص طبيعية معروفة مثل التسخين والاشتعال والتصاعد، والتي ينجم عنها ، كما هو معروف حاليا، الحرارة وتسبب الاحتراق، وقد أسبغ عليها صفة أخرى هي طعم (المرارة) التي تتولد عنها، إضافة إلى أن الأثير هو الماهية الخامسة التي تشكل الأساس القاعدي للعناصر الأربع. # 27 # هذا الظهور المتزامن للنظريتين لا يمكن تفسيره على أساس التبادل الفكري بين اليونان والصين، وإنما كانا حدثين مستقلين عن بعضهما. # المبحث الثالث: اليونانيون # في الأسطورة اليونانية القديمة فإن العملاق بروميثيوس Prometheus # انتفض في وجه زيوس # Zeus ~~، وقام بانتزاع النار المقدسة عن جبل الأوليمب وقدمها للبشر مع اختراعات أخرى سهلت عليهم سبل عيشهم على الأرض. # 28 # لكن من الناحية الفلسفية فقد كان للنار شأن آخر سنتعرف عليه لدى كل من الفلاسفة السابقين لسقراط واللاحقين بسقراط. # يوضح الشكل نظرية إمبيدوقليس # Empedocles ~~(توفي 430ق.م.) عن العناصر؛ حيث إن كل عنصر يتألف من الخاصيتين الأقرب إليه، فالنار جافة (يابسة)-حارة، وهي النظرية التي ستظهر جالية واضحة تماما عند أرسطو. (مصدر الصورة: الموسوعة العلمية الميسرة، مجلد 1، ج1، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق، 1980م، ص152.) # طاليس (القرن 6ق.م.) # كان طاليس # Thales ~~(توفي نحو 546ق.م.) يعتبر أن العنصر الرئيس الذي تشكل كل شيء منه في الكون هو الماء، حتى بما في ذلك النار، وذلك لأن «الماء قابل لكل صورة، ومنه أبدعت الجواهر كلها من السماء والأرض وما بينهما، وهو علة كل ms247 مبدع، وعلة كل مركب من العنصر الجسماني. إن من جمود الماء تكونت الأرض ومن انحلاله تكون الهواء، ومن صفو الهواء تكونت النار، ومن الدخان والأبخرة تكونت السماء، ومن الاشتعال الحاصل من الأثير تكونت الكواكب فدارت حول المركز دوران المسبب على سببه بالشوق الحاصل فيها إليه. والماء ذكر والأرض أنثى وهما يكونان سفلا، والنار ذكر والهواء أنثى وهما يكونان علوا.» # 29 # هيراقليدس (القرن 5ق.م.) # بخلاف طاليس كان هيراقليدس يرى بأن «مبدأ الموجودات هو النار فما تكاثف منها فهو الأرض، وما تحلل من الأرض بالنار صار ماء وبعدهما الهواء وبعده النار. والنار هي المبدأ وإليها المنتهى ومنها التكون وإليها الفساد.» # 30 # لذلك فإن العالم في حالة تغير مستمر، فالأشياء الباردة تصبح حارة، والحارة تصبح باردة. # 31 # وفكرة النار التي قال بها هيراقليدس بوصفها مبدأ أول أو جوهرا أوحد تصدر عنه كل الأشياء، لم يكن يقصد بها النار المحسوسة التي نعرفها، وإنما هي نار إلهية لطيفة للغاية، أثيرية، أشبه بنسمة حارة عاقلة، أزلية أبدية، تزود العالم بالحياة، وعندما تضعف تصبح نارا محسوسة، ويتكاثف بعض النار فيصير بحرا، ويتكاثف بعض البحر فيصير أرضا، وترتفع من الأرض والبحر أبخرة رطبة تتراكم سحبا فتلتهب وتنقدح منها البروق وتعود نارا أو تنطفئ هذه السحب فتكون العاصفة وتعود النار إلى البحر ويرجع الدور. # 32 # فالأشياء كلها تصدر عن النار وإلى النار تعود «كل الأشياء تتبادل مع النار والنار تتبادل مع كل الأشياء، بمثل ما يتم تبادل السلع بالذهب والذهب بالسلع.» وبناء على ذلك فإن أقصى شكل للمادة هو النار، وكل الأشكال الأخرى للمادة هي مجرد تنويعات وتعديلات على شكل النار. # 33 # أفلاطون (القرن 4ق.م.) # منح أفلاطون للعناصر الأربعة الأساسية أشكالا فراغية ثلاثية الأبعاد كما هو موضح في الشكل، وقد أخذت النار الشكل الهرمي ذا الرءوس الحادة. (مصدر الصورة: بول، فيليب، الجزيئات، ترجمة: محمد عبد الرحمن إسماعيل، ط1، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، 2016م، ص18.) # من الناحية النظرية فقد اعتبر أفلاطون أنه نتيجة اندماج عنصري الحرارة واليبوسة تولدت النار ms248 التي سرعان ما اكتسبت نورها وارتفعت للأعلى. «قال أفلاطون: فتركبت الحرارة واليبس، واقتبسا من الضيائية اللون لقربها.» فشرح ذلك أحمد بن الحسين بن جهار بختار (القرن 3ه/9م) بقوله: «إن الحرارة واليبس لما امتزجا تولد النار المحرق؛ ولطلب الحرارة العلو وسرعة اليبس اقتبسا من جوهر الضياء ما ظهر في لون النار واستعلى - أعني النار - على الطبائع المركبة.» # 34 # كما ألبس أفلاطون العناصر الأساسية للمادة أشكالا هندسية، وبالنسبة للنار فقد منحها الهرم ذا القاعدة المثلثة، فهو الصورة البدائية للنار، وهو الألطف والأخف والأشد وخزا من كل الأجسام. وهو الرمز الذي سيبقى حتى عصرنا هذا لدى التعبير عن التفاعلات الكيميائية التي تستهلك أو تنتج حرارة، أو حتى التعبير عن الطعم اللاهب للفلفل الحار. # ويرى سارتون أن بعض الشراح المعاصرين للأفلاطونية قالوا: إن متعددات الأوجه لا تنطبق على الأجسام، وإنما على حالات المادة (حالة نارية، حالة غازية، حالة سائلة أو جامدة)، وهو ما يفسر لنا بصورة أفضل إمكانية التغيرات في الحالة الفيزيائية، كما كان يتصورها أفلاطون، وذلك عندما قال مثلا (في طيماوس): إن المثمن الفراغي يتفكك إلى مضلعين رباعيين من النار. # 35 # ومن الناحية العملية فقد أدرك أفلاطون أن «الحرارة والنار، نفسهما نتاج الاصطدام والاحتكاك.» # 36 # وقد افترض أفلاطون في الأصل وجود العنصر الخامس (الأثير) حتى يتمكن من إيجاد صلة للمقارنة بين المجسمات المنتظمة الخمسة، وعناصر الطبيعة؛ ففي محاورته (طيماوس) عدل المجسم الخامس بالكون كله، وفي محاورته (الأبينوميس) أي مجلس الليل، دعا العنصر الخامس بالأثير، وهو العنصر الذي يلي عنصر النار. وعند أرسطو كان الأثير هو العنصر الأسمى، وبقي رأيه بمثابة العقيدة الراسخة عند أتباعه من المشائين. لكن الرواقين تخلوا عن ذلك وعادوا لفكرة العناصر الأربعة. ومع عودة الأفلاطونية عاد معها العنصر الخامس لمكانته، ولم يميز فيلون بين جوهر الأثير وجوهر النار السماوية في الديانة النجمية وجوهر الأرواح. # 37 # وقد قام كسينارخوس السليوكي # Xenarchos ~~(توفي 174ق.م.) بنقد الأثير الأرسطي، فألف كتابا رد فيه على القول بوجود العنصر الخامس أو الأثير. # 38 # أرسطو (القرن 4ق.م.) ms249 # تعد النار أحد عناصر نظرية العناصر الأربعة التي وضعها أرسطو، والعناصر الثلاثة الباقية هي التراب والماء والهواء، وتختلف العناصر الأربعة عن الكيفيات الأربع والتي هي «الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة»، أما البسائط الأولى فهي المواد التي لا يمكن أن تتحلل إلى أشياء أبسط منها. # 39 # مارست هذه النظرية تأثيرها على الفكر العلمي اليوناني كما حظيت بالقبول في الفكر العلمي العربي والأوروبي؛ فقد تمكنت من تفسير الكثير من الظاهرات الطبيعية سواء المتعلقة بتركيب المادة أو الأدوية أو الكائنات الحية، وكان أرسطو يرى بأنه لا يمكن للنار (التي يقصد بها هنا الحرارة الداخلية) أن تكون سببا في نمو الكائن الحي: «ويذهب بعض الفلاسفة إلى أن طبيعة النار، هي على الإطلاق، علة التغذي والنمو؛ إذ يظهر أنها وحدها من بين الأجسام أو العناصر، هي التي تتغذى وتنمو، ومن أجل ذلك قد نفترض أن النار هي العلة الفاعلة في النبات والحيوان على السواء، ولكن إذا كانت النار من وجه علة مصاحبة، فإنها مع ذلك ليست علة بالمعنى المطلق؛ إذ الأولى أن تكون النفس هي هذه العلة؛ ذلك أن نمو النار يذهب إلى ما لا نهاية له، ما دام هناك وقود، وعلى العكس في جميع الكائنات الحية يوجد حد وتناسب في المقدار والنمو. وترجع هذه الأمور إلى النفس لا إلى النار، وإلى الصورة لا إلى الهيولى.» # 40 # أما بخصوص العلاقة بين الاحتكاك وتولد الحرارة، فقد كان مفهوم الاحتكاك عند أرسطو مثاليا في السماء؛ ففي عالم ما فوق القمر توجد سلسلة من الهياكل الأثيرية المتراكزة والمتداخلة بعضها مع بعض، وتفسر لنا دوراناتها حركات الأجرام السماوية. يبلغ عدد هذه الهياكل 55 هيكلا، وهي تتحرك بنوع من الدفع الاحتكاكي الذي ينقل نزولا، من واحد لآخر. # 41 # وكما نلاحظ أن أرسطو كان يقصد بكلامه حالة الاحتكاك المثالي الذي لا ينتج عنه أي حرارة، كما هو الحال عندما يحتك أي جسمين مع بعضهما، علما أن الأثير كان بالنسبة لأرسطو مادة صلبة بلورية شفافة. # أخيرا، فإن أرسطو لم يكن يعتقد بإمكانية الانفصال ms250 بين النار والحرارة الناتجة عنها؛ أي لا يمكن أن توجد نار بلا حرارة؛ حيث إن «صورة الأشياء وغاياتها يمكن أن يقال إنها كيفيات وعادات، في حين أن المادة إنما هي التي بما هي مادة قابلة تماما. على هذا، حينئذ [فإن] النار لها حرارتها في المادة، وإذا كانت الحرارة شيئا ما قابلا للانفصال عن مادة النار فلا يمكنها أن تقبل شيئا ولا أن تتأثر، ولكنه محال من غير شك أن الحرارة تكون منفصلة عن النار التي تسخن، وإذا كان ثمة أشياء منفصلة بهذه المثابة، فإن ما قلناه آنفا لا يكون صادقا إلا بالنسبة لتلك.» # 42 # وقد ذكر أرسطو أن خصومه من الذريين يرون أن الذرات تختلف بحسب الحرارة، فأشدها حرارة هي الذرات الكروية التي تتألف منها النار، # 43 # فكان أن رد عليهم بقوله: «إذا كان الحار والبارد من الصفات التي تضاف إلى الذرات فمن التناقض كذلك ألا يكون لها صفات الثقل والخفة والصلابة والليونة.» # 44 # أي ليس مقبولا منطقيا أن نضيف صفات ولا نضيف أخرى، والواقع أن ما أثبت صحته العلم الحديث هو أن الذريين كانوا على حق؛ فنحن نعلم اليوم أن من الذرات ما هو خفيف أو ثقيل حسب عدد الجسيمات التي تكتنزها بداخلها. # المبحث الرابع: الرومانيون # كان لوكريتوس يعتبر «البرق والنار ماديان، ولهما درجات مختلفة من الدقة؛ يمكنك القول بأن النار المستعرة للبرق غير ملحوظة، كما يتم تشكيلها من أشكال أصغر، ولهذا تتخلل فتحات حيث نارنا هذه لا يمكنها أن تولد كما هي من الغابات أو تندلع من الصنوبر.» # 45 # ووفقا لما نقله الفيلسوف الروماني بلينوس الأكبر # Gaius Plinius Secundus ~~(توفي 79م) فإن شخصا يدعى بيروديس الكيليكي Perodes # هو من اخترع «الحجر» الذي يستخدم لإنتاج شرارات يستفاد منها لصنع النار. ~~ ويعد هذا الاختراع الجد الأكبر لحجر الولاعة (القداحة) الذي يستخدم اليوم. # 46 # يعد معبد فستا # Vesta # في روما مثالا بارزا على أهمية النار عند الرومان. وقد كانت فستا في الأصل إلهة المدفأة عندهم، وكان محرابها في كل بيت، ولكن ms251 عندما أصبح الدين تحت رعاية الدولة أقيم معبد احتفظ فيه بالنار المقدسة مشتعلة باستمرار. ~~ (التعليق من الموسوعة العربية العالمية، مدخل «النار»، الرياض، 2004م. أما مصدر الصورة فهو من موقع: # cepolina.com ~~) # كان من المعروف جيدا بأن القدح القوي لأحجار السيليكا التي صنعت من أجل النصال يولد الشرارات. من هذا سرعان ما تعلم الرومان بأن هذه الشرارات قد توقد مادة سريعة الاشتعال خفيفة الوزن. وأخيرا بأنه لو تم ضرب هذه الحجارة بمادة حديدية، فإن الشرارات الناتجة كانت ملائمة لدرجة كبيرة لإيقاد نوع أثقل حتى من الصوفان بسبب حجمها وكثافتها. ~~ لكن ذلك كان فقط في سياق تاريخي متقدم بأن طريقة مختلفة بالكامل تم اختراعها لإنجاز النتيجة نفسها، هذه الطريقة قائمة على استعمال كرات زجاجية مصنوعة من أحجار الصوان البصرية، وربما النتيجة هي ملاحظة تأثيرات أشعة الشمس من خلال وعاء زجاجي أو كرة من بلور صخري. # 47 # المبحث الخامس: العلماء العرب والمسلمون # ورد في معجم «مقاييس اللغة» لابن فارس مادة «نور»: «النون والواو والراء أصل صحيح يدل على إضاءة واضطراب وقلة ثبات. منه النور والنار، سميا بذلك من طريقة الإضاءة، ولأن ذلك يكون مضطربا سريع الحركة. ~~ وتنورت النار: تبصرتها.» # 48 # وقد استفاض العرب بأسماء النار، وأساليب تقويتها، وأصواتها، واقتباساتها، وكيفية همودها، ولهبها، وأنواعها، ما لم نجده عند أية أمة من الأمم السابقة أو اللاحقة لأمة العرب. هذا التفصيل اللغوي الدقيق حتما كان سيلحق به تفصيل علمي أدق ومحاولة جادة لفهم طبيعتها من قبل العلماء. # صحيح أنه سبق وأن أطلق اليوناني أبولونيوس التياني على النار أوصافا عامة، لكن لا يمكننا مقارنتها بزخم الأوصاف التي أطلقها العرب عليها «وأقول إن النار حارة يابسة خفيفة مضيئة متحركة لطيفة نيرة صمتة حية محرقة مذكرة معطية مغنية.» # 49 # نورد هنا كل ما جاء في أمر النار من تفاصيل ومسميات لمختلف الحالات عند العرب: ~~(1) # أسماء النار ~~«عن ثعلب عن ابن الأعرابي: الصلاء، السكن، الضرمة، الحرق، الحمدة، الحدمة، الجحيم، السعير، الوحى. قال: وسألت ابن الأعرابي: ما الوحى؟ ~~ فقال: هو الملك. فقلت: ms252 ولم سمي الملك وحى؟ فقال: الوحى النار فكأن الملك مثل النار يضر وينفع.» # 50 # والحفرة التي توضع فيها النار اسمها «إرة». # 51 # وكانت تسمى النار بأسماء خاصة، حيث تسمى النار منيرة إذا رفع ضياؤها، والشعلة هو لهب النار، والمارج من النار هو الشعلة الساطعة ذات اللهب الشديد، والشهاب هو الطائفة المشتعلة من النار، واللظى هو اللهب الخالص، والنار المضرمة الملتهبة، والسعار هو حر النار وذكاؤها، والجحيم هو النار الشديدة التأجج. # 52 ~~(2) # أحوال النار ~~«عن الأئمة: إذا لم يخرج الزند النار عند القدح قيل: كبا يكبو. فإذا صوت ولم يخرج: قيل صلد يصلد. فإذا أخرج النار قيل: ورى يري. فإذا ألقى عليها ما يحفظها ويذكيها قيل: شيعتها وأثقبتها. فإذا عولجت لتلتهب قيل: حضأتها وأرشتها. فإذا جعل لها مذهب تحت القدر قيل: سخوتها. فإذا زيد في إيقادها وإشعالها قيل: أججتها. فإذا اشتد تأججها، فهي جاحمة، فإذا سكن لهبها ولم يطفأ حرها، فهي خامدة، فإذا طفئت البتة، فهي هامدة، فإذا صارت رمادا، فهي هابية.» # 53 ~~(3) # لمعان النار ~~«في اللمعان أجيج النار وهصيصها، عن ابن الأعرابي.» # 54 ~~(4) # حركة النار # تسمى «حركة النار لهب.» # 55 # و«فيما تحرك به الأشياء الذي تحرك به النار مسعر.» # 56 ~~(5) # أصوات النار ~~«عن الأئمة الحسيس من أصوات النار، وقد نطق به القرآن. الكلحبة صوت توقدها، المعمعة صوت لهبها إذا شب بالضرام، الأزيز صوت المرجل عند الغليان، وفي الحديث أنه كان، عليه الصلاة والسلام، يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل. الغطغطة والغطمطة صوت غليان القدر وكذلك الغرغرة. ~~ النشنشة صوت المقلى. سمعت أبا بكر الخوارزمي يقول: سئل بعض المجان عن أحب الأصوات إليه فقال: نشنشة القلية وقرقرة القنينة وقشقشة السلة». # 57 # والزفير إذا اشتد صوت النار في اللهب، والفرقعة صوت الحطب في النار إذا اشتد. # 58 ~~(6) # أساليب تقوية النار # نفخ النار إذا قواها بالنفس، وحضب النار أي رفعها، والشبوب ما توقد به النار، والذكية ما ألقيته على النار من حطب أو نحوه، وحصب النار أي ألقى فيها حطبا، وأجج النار أي ألهبها وسمع ms253 صوت للهبها. # 59 ~~(7) # اقتباسات النار # العشوة هو ما أخذته من النار لتستضيء به، والقبس كالعشوة وهو ما أخذته من النار لحاجتك، والجذوة هو القبسة من النار أو الجمرة الملتهبة. # 60 ~~(8) # همود النار # خبت النار إذا سكنت وانقطع لهبها، وخمدت النار إذا سكن لهيبها وبقي جمرها حارا، وكبت النار إذا علاها الرماد وتحته الجمر، والمهل إذا ذهب الجمر إلا بقايا منه في الرماد، والهمود إذا برد الرماد فلم يبق فيه من الجمر شيء. # 61 ~~(9) # لهب النار # اللهب اسم علم مذكر عربي، معناه: اشتعال النار من غير دخان وكذلك مارج من نار، ولسان النار هو الغبار الساطع، واللهيب حر النار. # 62 ~~(10) # أنواع النيران # مثل: نار التحالف، ونار الطل، ونار القرى، ونار الحرب، ونار الغدر، ونار الطرد، ونار السليم، ونار السلامة، ونار الرسم، ونار الصيد، ونار الأسد، ونار الخلعاء. # 63 ~~(11) # أثر النار ~~«عن الأئمة: محشته النار ومهشته إذا أثرت فيه وكادت تحرقه.» # 64 ~~(12) # مستويات حر النار # إذا احتدمت النار أي اشتد حرها، وتوهجت أي توقدت، والزخيخ شدة بريق الجمر والحر والجمر هو النار المتقدة . # 65 # وقد انتقلت عبادة النار إلى العرب عن طريق الفرس؛ فهي لم تكن متأصلة في عقيدتهم؛ ففي أخبار أهل الأخبار ما يفيد أن بعض العرب تبنوا عبادتها مثل «المزدكية والمجوسية في تميم». وورد أن «زرارة بن عدس» وابنه «حاجب بن زرارة»، وهما من سادات تميم كانا قد اعتنقا المجوسية، واعتنقها أيضا «الأقرع بن حابس» و«أبو الأسود»، جد «وكيع بن حسان». # 66 # وقد كانت نار المجوس وضاءة دوما، وهي سر لا يعرفه إلا القليل من الناس حينها، لكن السر كان في تدفق الوقود النفطي من شقوق أرضية إلى السطح؛ لذلك كان قدماء الفرس يبنون معابد النار حول الحفر التي يتسرب منها النفط. # 67 # طقوس عبادة النار (نار وانصهار) كما تظهر في الصفحة 268 من مخطوطة فارسية تعود إلى منتصف القرن 17م، عنوانها «ناوي # Naw’i ~~»، وتضم قصيدة مجازية تحكي عن توق الروح في سبيل الله من خلال قصة امرأة هندوسية أحرقت ms254 نفسها في محرقة جنازة زوجها بسبب العرف المعروف باسم ساتي، وقد كتب القصيدة للأمير دانيال، ابن الإمبراطور المغولي أكبر (1556-1605م). (مصدر الصورة والتعليق: # http://www.cbl.ie/cbl_image_gallery/collection/list.aspx?collectionId=2 ~~) # وكان العرب قد سمعوا في الجاهلية بنار المجوس لكنهم لم يستطيعوا كشف سرها، وعرفوا استخدام النفط في حروبهم، حتى إنه كان سببا في انتصارهم على جيش الفرس في معركة (ذي قار)؛ فقد كانوا يغمسون السهام في النفط ويشعلونها بالنار ثم يلقونها على جيش الفرس فيحرقهم. # 68 # وهنا حدث عكس ما توقع النعمان بن زرعة التغلبي الذي قال لكسرى عندما كان عنده: «أمهلهم حتى يقيظوا ويتساقطوا على ذي قار تساقط الفراش في النار فتأخذهم كيف شئت». # 69 # ويبدو أن السلاح الناري العربي (سهم مغموس بالنفط ومشتعل) في الجاهلية قد أهمل ولم يطور بعد الإسلام؛ ففي أثناء حصار المسلمين لمدينة القسطنطينية بين عامي (674-680م) فاجأهم البيزنطيون بسلاح النار الإغريقية الذي أحرق سفنهم وأجبرهم على فك الحصار، ويقال إن مخترع هذه النار هو كالينيكوس الهليوبوليسي # Callinicus of Heliopolis # 70 ~~(كان حيا حوالي عام 673م)، الذي فر إلى بيزنطة بعد فتح المسلمين لبلاد الشام، وهناك أطلع الروم على سره العسكري فاستعملوه وانتصروا على المسلمين. لم يدم الوقت طويلا حتى كشف المسلمون سره وعادوا أيام الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك لحصارها بجيش عرمرم قوامه 100 ألف جندي ونحو 1800 سفينة، وبدأ الحصار في الأول من أيلول/سبتمبر عام 717م. لكنهم تخلوا بعد ذلك عن الحصار بسبب موت الخليفة. # 71 # على الضفة الأخرى، فقد كان هناك ثراء علمي في البحث في موضوع النار من الناحية العلمية؛ فقد أسهم عدد من الفلاسفة والعلماء العرب والمسلمين في ذلك، وكانت لهم آراء مختلفة تماما عن اليونانيين ومن سبقهم من الحضارات الأخرى، وسنجد أنفسنا أمام محاولات جادة لمعرفة الأسباب الكامنة وراء ظاهرة النار. # إبراهيم النظام (القرن 3ه/9م) # انطلاقا من نظريتيه في الكمون # 72 # والطفر # 73 # أدرك إبراهيم النظام بشكل مبكر تركب النار من مركبين مختلفين هما: الحرارة والضوء، وأن الفعل المؤثر لأحدهما يختلف عن الآخر، بسبب ms255 وجود تفاوت بدرجة خفتيهما، أو وزنيهما، فالضوء في النار أخف من الحرارة التي فيها؛ ولذلك فإنه يطفر لعين الرائي ويراه قبل أن يتحسس حرارته، وحتى إن الضوء نفسه ينقسم إلى بياض ونور، وبسبب هذا المزيج يصبغ الضوء الألوان طابعها الذاتي عندما يمتزج بها؛ ولذلك هو في تعريفه للضوء بأنه مزيج لكل الألوان. # 74 # قال النظام: «النار اسم للحر والضياء، فإذا قالوا: أحرقت أو سخنت، فإنما الإحراق والتسخين لأحد هذين الجنسين المتداخلين، وهو الحر والضياء.» «وكان النظام يزعم أن نار المصباح لم تأكل شيئا من الدهن ولم تشربه، وأن النار لا تأكل ولا تشرب ولكن الدهن ينقص على قدر ما يخرج منه من الدخان والنار الكامنين، اللذين كانا فيه. وإذا خرج كل شيء فهو بطلانه.» # 75 # إذن النار تكمن في الأعواد، ويأتي الاحتكاك ليخرجها، وهي طريقة خاصة لإخراج النار، تختلف عن إخراج شيء آخر كامن، مثل الزبدة التي في الحليب. قال النظام: «إن لكل نوع منها نوعا من الاستخراج (الأشياء الكامنة)، وضربا من العلاج، فالعيدان تخرج نيرانها بالاحتكاك، واللبن يخرج زبده بالمخض، وجبنه يجمع بإنفحة، وبضروب من علاجه.» # 76 # الجاحظ (القرن 3ه/9م) # تكلم الجاحظ عن نار اليراعة، وهي الضوء العضوي الذي تولده الحشرة المعروفة حاليا باسم اليراعة المضيئة، ونظرا لعدم معرفة العرب عموما بتفسير أو سبب هذا الضوء فقد أطلقوا على الضوء الذي تطلقه اسم النار، والواقع أن العلماء المعاصرين لم يستطيعوا الكشف عن سر الإضاءة في هذه الحشرة إلا عام 2001م. # 77 # قال الجاحظ: «(نار اليراعة) ونار أخرى وهي شبيهة بنار البرق ونار أبي حباحب وهي نار اليراعة، واليراعة: طائر صغير إن طار بالنهار كان كبعض الطير وإن طار بالليل كان كأنه شهاب قذف أو مصباح يطير.» # 78 # أبو بكر الرازي (القرن 4ه/10م) # تكلم أبو بكر الرازي (توفي 320ه/924م) عن تولد النار فقال إن العنصر الأكثف والأقسى من العناصر الأربعة للأجسام هو التراب الذي يوجد في المركز. أما الماء فهو مخلخل أكثر من التراب لأنه يكون أعلى. الهواء مخلخل أكثر ms256 من الماء؛ لأنه أعلى من الماء. وبعدئذ تكون النار مخلخلة أكثر أيضا من الهواء نظرا لأنها أعلى من الهواء. وقد ذكر الرازي في كتابه (شرح العلم الإلهي) أن هذه الجواهر تلقت أشكالها باتحاد المادة الصرفة مع جوهر الفراغ؛ إذ في النار يمزج جوهر المادة مع جوهر الفراغ، لكن يوجد فيها فراغ أكثر مما يوجد في المادة. يقول إنه يوجد فراغ في الهواء أقل من المادة. ويقول إنه يوجد في الماء أقل منه مما يوجد في جوهر الهواء. في التراب يوجد أيضا فراغ أقل مما يوجد في الماء. # 79 # إذن تطغى نظرية العناصر الأرسطية على تفسير الرازي للنار وخصائصها. # ابن الحائك الهمداني (القرن 4ه/10م) # ذكر ابن الحائك الهمداني (توفي 334ه/945م) رأي أرسطو في كيفية تولد الحرارة عن طريق الاحتكاك: «قال أرسطاطاليس الحكيم، كل جسم يتحرك حركة شديدة كالحجر إذا احتك بالحديد، والمثقب في الخشب، وذكر الزند في الأنثى، والمنجنون # 80 # في الرحى، والبكرة في المحور، لا بد أن يؤدي ذلك الدوران منها دفئا، ثم ما هو أحر منه حرا فحرا، حتى يصير إلى الحرارة الملتهبة، ثم المحرقة، فلما كان ذلك كذلك واحتركت الأجرام السماوية الواسعة الكمية من الشمس وغيرها حركة دائمة مستحيلة مستديرة مسرعة، تحرك بحركتها ما اتصل بها والتهب بذلك للحرارة، حتى يتصل ذلك الحر بالهواء، ومن الهواء بالأرض.» # 81 # ثم رد الهمداني في كتابه (سرائر الحكمة) # 82 # على أرسطو بشكل نقدي فقبل فكرة تولد الحرارة من الاحتكاك بين الأجسام ورفض مذهبه وطريقة تفسيره المتعلقة بتولد الحرارة من حركة الأجرام العلوية، فقال: لقد «أحسن الحكيم فيما فرع وإن كان قد بنى قوله في مبتدأ الحرارة على غير أصل؛ لأنه ذكر أن أصل الحرارة من دءوب الأجرام العلوية، وذلك أن تكون الحرارة متزايدة أبدا، وقد بينا فساد هذا القول، فأفردنا فيه بابا من كتاب «سرائر الحكمة».» # 83 # لكننا لم نتمكن من العثور على كتابه (سرائر الحكمة) لتقييم رأيه الناقد. # إخوان الصفا (القرن 4ه/10م) # تناول إخوان الصفا موضوع الاحتكاك المولد للنار في ms257 رسائلهم، وذكروا أن الضوء المرافق للنار يتوجه للأعلى، وهي الفكرة التي سبق وأن طرحها إبراهيم النظام من قبل. # قال إخوان الصفا: «والنار أيضا ذات طرفين؛ طرف منها متصل بالهواء، وطرف منها متصل بالنوء والضياء؛ وذلك أن النار إذا قدحت خرجت من احتكاك الأجسام بحدوث ذلك القرع في الهواء، وإذا برزت مع الهواء اتصلت بالأجسام النباتية والحيوانية، فأكلتها وأحرقتها وزالت بزوالها واضمحلت باضمحلالها، فيقال خمدت النار وانطفأ السراج، فصار هذا الطرف أشبه بالموت، ولها طرف آخر يطلب العلو أبدا متصل بالإشراق والنور والضياء.» # 84 # ثم نراهم يتحدثون عن مراحل انتقال صورة النار من ألسنة اللهب المتراقصة إلى حركة الغليان في القدور، ويتمم هذه الصورة الحرارة الصادرة عنها التي تلحق الجفاف والتماسك بين أجزاء المادة المعرضة للتسخين. # قال إخوان الصفا: «واعلم يا أخي، أن كل صورة مقومة لذات الشيء تتلوها أخرى متممة، وكل صورة مقومة فاعلة لأخرى تابعة لها يتلو بعضها بعضا كما يتلو العدد أزواجه وأفراده أزواجه بالغا ما بلغ، مثال ذلك الصورة المشاكلة في جرم النار المقومة لذاتها، فهي حركة الغليان، والصورة المتممة التابعة لها هي الحرارة، وتتلوها اليبوسة، ويتلوها تماسك الأجزاء.» # 85 # ابن سينا (القرن 5ه/11م) # قبل أن يشرع ابن سينا في دراسة النار نجده يضع تعريفا محددا لها بأنها جسم محسوس بسيط مستقره النهائي في أعالي السماء. قال ابن سينا : «حد النار هو جرم بسيط طباعه أن يكون حارا يابسا متحركا بالطبع عن الوسط ليستقر تحت كرة القمر.» # 86 # وتكون «النار الصرفة والدخانية متحركة في الهواء إلى فوق، ونجدها كلما كانت أكبر حركة كانت حركتها أشد وأسرع، ولو كان ذلك لضغط ما يحويها قسرا مرجحنا إلى أسفل كان الأكبر أبطأ قبولا لذلك وأضعف، وكذلك إن كانت العلة جذبا.» # 87 # بالنسبة لابن سينا، فإن العناصر الأربعة تختلط مع بعضها بنسب متفاوتة قد تكون كثيرة أو قليلة في المادة الواحدة، ولا يمكن أن تستحوذ مادة على عنصر واحد، وإنما قد تغلب نسبة عنصر أو عناصر على عناصر أخرى تميز هذه ms258 المادة عن غيرها؛ فالنار تغلب فيها كيفيات الحرارة واليبوسة على الرطوبة والبرودة، في المقابل تزيد نسبة عنصري النار والهواء على نسبة الماء والأرض؛ وعلى ذلك فإننا لن نعثر على مادة صرفة من عنصر واحد حتى النار نفسها. # قال ابن سينا: «لا أرض صرفا، ولا نار صرفا، ولا ماء صرفا، ولا هواء صرفا، بل كل واحد منها مختلط من الجميع، ويعرض له في وقت ملاقاة غيره إياه مما الغالب فيه غير الغالب فيه، أن يبرز ويظهر فيه ما هو مغلوب لملاقاة الذي من جنس المغلوب فيه غالب، وظهورها بأن يتحرك إلى مقاومة ما غلبه وعلاه، فيستعلي عليه. وإذا تحرك إلى ذلك عرض للنظام الذي كان يحصل باجتماع الغوالب والمغلوبات أن يحيل ويستحيل.» # 88 # ابن متويه (القرن 5ه/11م) # يقرر ابن متويه (توفي 469ه/1076م) أن طبيعة النار الجزء اللطيف الذي نشعر به بحواسنا، فالحجارة المتوهجة وقرص الشمس كلها تشع حرارة، مع ذلك فإننا لا نسميها بنار. ~~«فأما النار فهي الأجزاء اللطيفة الحارة؛ فإن الحرارة لو وجدت في الحجارة لم تسم نارا، ولم يسم قرص الشمس نارا، وإن اختص بلطافة وحرارة لما كان فيه ضياء غالب، فكأنهم قد خصوا بها بعض الأجسام.» # 89 # ابن رشد (القرن 6ه/12م) # قدم لنا ابن رشد في شرحه لكتاب أرسطو (في السماع والعالم) تفسير أرسطو للكيفية التي تنتقل بها حرارة الضوء عبر الفضاء والجو بأنها ناجمة عن ظاهرة الاحتكاك بينها وبين الهواء؛ لأن الاحتكاك يعني حدوث حركة، والحركة تولد الحرارة. إضافة لذلك فإن من أسباب ارتفاع حرارة الجو هو احتكاك الكواكب في أثناء حركتها في مداراتها. # قال أرسطو: «فأما الحرارة التي تأتي من الكواكب والضوء، فيكون من اصطكاك واحتكاك الهواء الكائن من حركتها؛ فإن من شأن الحركة أن تسخن وتحمي الخشب والحديد والحجارة، فإن كان ذلك كذلك كان الأقرب أولى وأحرى أن يحمى ويسخن من سائر الأشياء وأقرب الأشياء إلى النار والهواء الحركة إذا تسخن الهواء لا محالة، وتحقيق ذلك أن الحركة تحمي وتسخن الرصاص والذي فيه نصل النشابة، ms259 فإن النشابة إذا خرجت من مرمى الدائرة تحمي الرصاص ودال من نصل النشابة، فنرجع فنقول إنه إذا صار الكواكب تحمى من الحركة حمي الهواء الذي حولنا اضطرارا وإنما تحمى هذه الكواكب لأنها في الهواء، والهواء إذا ما اضطرب من حركة الكواكب نارا فيحمي الكواكب ويسخن، فأما الكواكب التي في الفلك الأعلى فإنها تمر في فلكها من أجل ذلك لا تحمى وإنما حميت الكواكب؛ لأن الهواء تحت الفلك الأدنى المستدير فإذا سلط ذلك الفلك سخن الهواء وحمي ولا سيما الهواء الذي قرب رباط الشمس؛ فلذلك تكون حرارة الشمس على نحو قربها وبعدها من فوق رءوسنا فقد استبان، وأن الكواكب ليست نارية وبأن ضوءها ليس ناريا، ولا يقع من ذلك تحت البصر.» # 90 # وقد شرح هذا الكلام ابن رشد أكثر، مفصلا المعنى الذي قصده أرسطو، فالجسم الناري والجسم المضيء يشتركان بامتلاكهما خاصية التسخين، وهذا الحكم عام وليس خاصا، وظاهرة التسخين الناجمة عن حركة الاحتكاك في الهواء ليست نتيجة أشعة الشمس أو الكواكب الحرة، وإنما بسبب حركة الشمس والكواكب؛ فهي التي توجد الاحتكاك بين أجزاء الهواء. وهنا عند هذه النقطة يشكك ابن رشد في كلام أرسطو بشكل كبير ولا يسلم به؛ لأن ابن رشد شعر بعدم اتساق نظرية أرسطو في منشأ الحرارة التي في الجو ووجود تناقضات لن يمنح النظرية القدرة على تفسير ظاهرات أخرى. # قال ابن رشد: «التفسير: لما أخبر أن الكواكب يجب أن تكون من طبيعة السماع، وقال: إنه قد كبر من أن السماء لا ثقيلة ولا خفيفة، وإنه يجب لمكان هذا أن تكون الكواكب من الطبيعة التي ليست بثقيلة ولا خفيفة، وكأن ما يظهر من تسخين الكواكب لماء، وهنا من الأجسام التي ها هنا وما يظهر أيضا من ضوئها، يوضع في ذلك شكا ليس باليسير، فإنه يظن أنه كما أن كل نار مسخنة حالا وكذلك عكسها، وهو أن كل مسخن نار وكذلك الأمر في الضوء؛ أعني كل نار مضيئة وكل مضيء نار، فإذا قيل إن الكواكب نار أو من نار ms260 ماء أضيف إليها، أن طبيعة الكل يجب أن تكون من طبيعة الجزء، لزم من ذلك أن تكون السماء نارا أو من نار، وهذا كله ضد ما بينه من قبل أن، وهو يريد، يبينوا أن هذه المغرمة ليست تنعكس من قبل أن التسخين قد يلغى عن النار وعن الجسم الذي ليس بنار إذا حرك أو تحرك، وهو يروم أن يأتي بسبب تسخين الكواكب من هذه الجهة بابتداء كل هذا الشك، فإن قال فأما الحرارة التي تأتي من الكواكب والضوء فتكون من قبل اصطكاك واحتكاك والهواء الكائن من حركتها، يريد أن التسخين الذي يلقى في الهواء من الكواكب، وبخاصة من الشمس، ليس العلة في ذلك أن الشمس والكواكب نار؛ أي قد تبين أن النار خفيفة، وأن هذا الجرم لا ثقيل ولا خفيف، بل الذي يسبب تسخين الكواكب والشمس للهواء هو اصطكاك وانحكاك أجزاء الهواء بعضها مع بعض من قبل حركة الشمس والكواكب، وفي هذا الذي قاله شك ليس باليسير؛ وذلك أن الشمس والكواكب ليس تماس الهواء ولا النار التي في مقعر القمر. فضلا على أن تماس الهواء الذي دونها وثاميسطيوس يزعم أن الإسكندر يجيب عن هذا بأنه ليس يمتنع أن تسخن الهواء حركتها بتوسط الجرم السماوي، وإن لم يتسخن عنها الجرم السماوي، كما أن السمكة التي تحرر بيد الصائد إذا وقعت في الشبكة فحرر يده بتوسط الشبكة وإن لم تحرر الشبكة، وكذلك لا يمنع أن تسخن الهواء وإن لم تسخن الجرم السماوي الذي بينها وبين الهواء وثاميسطيوس يقول: إن هذا المثال لم يوضع في مكانه.» # 91 # وفي تلخيصه لكتاب الآثار العلوية يورد ابن رشد رأي أرسطو في أن عنصر النار هو صاحب النسبة الأكبر في الأجرام السماوية حتى بما فيها الأثير، لكن ابن رشد يعترض على هذا الرأي مرة أخرى؛ إذ لا يجوز أن تتفاوت نسب العناصر في المواد سواء كانت أرضية أم سماوية، وإلا حدث خلل وأفسدت. # قال ابن رشد: «وقد أحسن الظن من قبل التسمية أن كل جسم سريع الحركة ms261 يسمى أثيرا، فالنار تسمى أثيرا للهيبها، ولكن ليس يجب من ذلك أن تكون كلها تسمى نارا؛ لأنه ليس كل سريع الحركة نارا، وقد ظن بعض الناس لهذا أن الأثير؛ أعني الجرم السماوي، نار نقية صافية، وذلك خطأ من ظنهم؛ لأنه لو كانت الكواكب والجسم الذي بينها نارا لقد كان يجب أن يستحيل الكل نارا؛ لأنه قد تبين في التعاليم أن أبعاد هذه الأفلاك أعظم بكثير من الأرض والماء، وقد يجب إذا أريد أن تكون الأسطقسات متعادلة بكليتها في الكيفية ألا تتفاضل أمكنتها هذا التفاضل العظيم، فإن الجسم الأكبر يفسد الأصغر، وذلك ظاهر من تغاير أجزائها بعضها إلى بعض، ولو كانت النار في مثل هذه النسبة من الماء والأرض والهواء لقد كانت ستفسدها.» # 92 # فخر الدين الرازي (القرن 7ه/13م) # ناقش الإمام فخر الدين الرازي سبب اشتعال النار وانطفائها، وقد قدم لنا رؤية جديدة لسبب استمرار اشتعال النار وهو أن النار التي نراها هي مجموعة نيران متلاحقة وراء بعضها، فكل نار تتحرك نحو الأعلى يقف أثرها عند حد معين وهو البرودة؛ أي إن ما نراه هو مجموعة شعلات تترا خلف بعضها لا نكاد نميزها من شدة سرعتها. أما سبب انطفاء النار بشكل نهائي فيعود إلى سببين؛ إما بسبب شدة النار نفسها أو بسبب ضعفها مما يجعل أي شيء بارد يطفئها. # ربما تكون الرؤية السابقة للإمام مأخوذة أو متأثرة بمقولة إبراهيم النظام المعممة على كل الأجسام : «إن الأجسام أيضا غير باقية، بل متجددة آنا فآنا مع أن الحس يحكم بخلافه.» # 93 # وفي جميع الأحوال يعد تفسيرا جديدا لحقيقة النار. # قال الإمام: «يجب أن يعلم أن النار المشتعلة ليست نارا واحدة بالعدد باقية بل كل نار تفرض فإنها تبطل وتتجدد نار أخرى على الاتصال؛ لأن كل نار تحصل فإنها تتحرك بطبعها إلى فوق فيلحقها من البرد ما يبطلها. (وأما الانطفاء) فهو على وجهين (أحدهما) ما يكون بسبب قوة النار فإنها إذا أحالت المادة إحالة تامة إلى النارية صار الكل نارا، أو قد عرفت أن ms262 النار البسيطة لا ضوء لها، بل هي شفافة، فحينئذ يزول الضوء عنها. ~~ (وثانيهما) ما يكون بسبب ضعف النار وذلك عندما يعرض لها شيء بارد يطفئها. (وإذا عرفت ذلك فنقول) انطفاء النار في الجو العالي يكون من القسم الأول، وأما في حيزنا هذا فإنه يكون من القسم الثاني، ويظهر لك من هذا أن انطفاء الكواكب المنقضة لا محالة يكون من القسم الأول.» # 94 # زكريا بن محمد القزويني (القرن 7ه/13م) # تنبه زكريا بن محمد القزويني (توفي 681ه/1283م) إلى أنه لا يشترط في النار أن تكون ذات ضوء، بل قد تكون بلا ضوء، وهي أقوى من تلك التي لها ضوء، وقد تكون هذه أول إشارة إلى ما نسميه الآن بالأشعة تحت الحمراء. # قال القزويني: «النار جسم بسيط طباعه أن يكون حارا يابسا؛ متحركا بالطبع على الوسط لتستقر تحت كرة الفلك، لا لون لها، زعموا أن النار الصرف لا يدركها البصر لأنا نرى الشمع إذا اشتعل كانت شعلته منفصلة عن الفتيلة، ولا شك أن الحرارة عند اتصال الفتيلة أقوى، وأيضا أن كير الحدادين إذا بالغوا في نفخه صار هواؤه بحيث إذا دنا منه شيء يحترق ولا ضوء له، فعلم أن النار القوية الصرف لا ضوء لها، والنار التي هي فوق العناصر في غاية القوة والخلوص فلذلك لا تدركها الأبصار.» # 95 # وجدنا سابقا # 96 # أن وليم هرشل كان قد أعلن عن اكتشافه للأشعة تحت الحمراء عام 1800م، عندما لاحظ في أثناء قياسه درجة حرارة الألوان المتعاقبة لضوء الشمس الأبيض النافذ من المنشور الزجاجي، ارتفاعا طفيفا في درجة حرارة الترمومتر كلما اقترب من نهاية اللون الأحمر، كما لاحظ ارتفاعا واضحا في درجة الحرارة عندما تعدى مستودع الترمومتر حدود اللون الأحمر. عزى هرشل هذا الارتفاع في درجة الحرارة إلى وجود أشعة غير مرئية في المنطقة دون الحمراء، وأطلق عليها في بادئ الأمر الأشعة الحرارية، والتي تعرف الآن بالأشعة تحت الحمراء # Infrared Radiation # التأثير الطبيعي الوحيد الملحوظ لهذه الأشعة حتى الآن هو التأثير الحراري. # ويبدو أن القزويني استدل ms263 على الإشعاع الحراري هنا من الحديد المحمى حتى درجة الاحمرار (درجة حرارته حوالي 1300 ~~° # مئوية)، وهو هنا لا يصدر عنه أي لهب ناري، لكننا نشعر بحرارته تماما دون أن يرافقها ضوء، طبعا يقصد مثل ضوء الشمس. # ابن كمونة (القرن 7ه/13م) # مثال النار التي لا ترى وكير الحدادين الذي سبق وأن وجدناه عند القزويني، نراه يتكرر عند ابن كمونة، لكنه يضيف تفسيره أن سبب عدم رؤيتنا لما وراء النار هو احتواء المادة المشتعلة على مواد ذات عناصر أرضية؛ ولذلك كلما زادت كثافة النار فإن هذا يدل على زيادة العناصر الأرضية والعكس صحيح. والواقع أن ما اقترحه القزويني وابن كمونة ترجمة عملية لمفهوم زيادة نسب العناصر التي سبق وأن تحدث عنها ابن سينا. # قال ابن كمونة: «أما ما هو بحسب التقسيم الأول، فظاهر لنا في الأرض والماء والهواء وخفي عنا في النار، ويدل عليه فيها أنا نرى النار كلما كانت أقوى، كان تلونها أقل؛ فإن كير الحدادين إذا قويت النار فيه، ذهب لونها، ونجد أصول الشعل حيث النار قوية متمكنة من الإحالة التامة للأجزاء الأرضية، هي شفافة، لا يقع لها ظل ... فثبت أن النار عندنا، إنما كانت ساترة لما وراءها، لما يخالطها من الأجزاء الأرضية؛ ولهذا كلما كثرت الأجزاء الأرضية فيها قوي لونها، وكلما قلت تلك الأجزاء ضعفت النار، ومالت إلى الشفافية، فثبت أن النار بسيطة شفافة كالهواء.» # 97 # أيدمر الجلدكي (القرن 8ه/14م) # الجلدكي رجل علم تجريبي، يحاول أن يتأكد من الفرضية التي يضعها، كما نفعل نحن اليوم وفق الطريقة العلمية، فتراه يجرب ويعيد التجربة حتى تتأكد له مظانه بأن ما حصل عليه فعلا هو حقيقي ومثبت، ولأي شخص أن يقوم به ويكرره مرة أخرى. ما يتعلق بنشأة الحرارة فإنه يوجد ثلاثة أسباب؛ سقوط الضوء على الجسم، ولعله يقصد ضوء الشمس، والحركة، ولعله يقصد الاحتكاك، ووقوع الجسم بجوار النار. طبعا وقبل توفر هذه الأسباب الثلاثة يجب أن يكون الجسم متهيئا لاستقبال الحرارة، وإلا فلن يمتص الحرارة مهما كان المصدر. # قال الجلدكي: «ودلت ms264 التجربة على أن أسباب الحرارة الاستضاءة والحركة ومجاورة النار إذا كان القابل لشيء من ذلك قابلا للحرارة، وأما إذا لم يكن قابلا لها فلا ... ~~ كل ذلك عرف بالتجربة، وتكرار التجربة برهان صحيح قائم الحجة، فجزمنا لذلك أن صعود الجسم يشتد بشدة حرارته ويضعف بضعفها، وأن نزوله يشتد ويضعف بحسب حال برودته في موازين درجات الشدة والضعف، ولولا أن الحرارة تقتضي التصعيد والبرودة تقتضي خلاف ذلك لما كانت أحوال الأجسام كذلك.» # 98 # ويقدم لنا الجلدكي تفسيرا يتناسب مع منطق عصره، وما اعتمده من نظريات فلكية، عن سبب وجود فلك خاص بالنار تحت فلك القمر فيقول: «إن السبب في وجود فلك النار فيما دون فلك القمر اتصال مطارح الأشعة من الشمس وسائر الأجرام ونفوذها إلى هذا الفضاء المتسع مع سرعة الدوران وانعكاس الأشعة من صفحات لمعان أمواج المياه مع تصاعد البخار والدخان، فلزم من ذلك أن يكون فلك النار دون فلك القمر، وأن يكون هو أول الأركان بالنسبة إلى العلو الطبيعي في المكان ... فالنار تكونت من أشعة الأنوار المتصلة من الفوق إلى عالمها ومن استمرار الحركة ومن أشعة الشمس والأجرام والأنوار المنعكسة والمتصلة باتصال السريان.» # 99 # وفيما يتعلق بنسب الكيفيات في العناصر الخمسة فإن النار معظمها حرارة ويبوسة، ولا يوجد فيها رطوبة أو برودة، وتتوزع النسب فيها إلى 12 حرارة و4 يبوسة حسب مقياس الحرارة الذي وضعه الجلدكي للكيفيات. # 100 # وهذا يعني أن فكرة نسب الكيفيات التي تحدث عنها ابن سينا تمكن الجلدكي من ضبط مقدارها وتحديدها بعد أن كانت غير معروفة. # قال الجلدكي: «إن طبيعة النار كلها حرارة لا يخالطها إلا اليبوسة التي هي عدم الرطوبة ... فالنار فيها اثنا عشر حرفا من الحرارة وأربعة أجزاء من اليبوسة بمقتضى الميزان الذي هو على عمود ستة عشر من العدد المجدول المربع الخارج من ضرب أربعة في أربعة.» # 101 # المبحث السادس: الأوروبيون # لم تظهر جهود جادة لمحاولة تفسير النار بوصفها ظاهرة من الناحية العلمية لدى الأوروبيين حتى القرن 17م، وقبل ذلك كان الرضا بما ms265 أملاه أرسطو هو السائد في الفكر العلمي الأوروبي. # فرنسيس بيكون (القرن 17م) # عقد بيكون مقارنة بين حرارة النار وحرارة الشمس، وقد وجد أن بينهما أربعة فروقات نوردها في الجدول الآتي: # 102 # حرارة الشمس # حرارة النار # أخف وألطف تأثيرا # أشد تأثيرا # أرطب من حيث النوعية، بسبب تأثرها بالهواء # أقل رطوبة، بسبب جفافها # متفاوتة كثيرا؛ ولذلك تسهم في تكوين الأجسام # تكاد تكون شدتها ثابتة؛ ولذلك ليس لها أي دور في تكوين الأجسام # عمرها طويل جدا ودائمة # عمرها قصير ومؤقتة # جان فان هيلمونت (القرن 17م) # ربما كان البلجيكي جان فان هيلمونت أول شخص في القرن السابع عشر يطلق على نفسه بشكل علني اسم «فيلسوف النار»؛ # 103 # وذلك نظرا لاشتغاله بالكيمياء العلمية، وتطبيقاتها في الصيدلة بدلا من الخيمياء القديمة، ولمحاولته فهم طبيعة النار، في حين أنه ناقش موضوع النار والبحث في حقيقتها جمهور من العلماء الأوروبيين الذي حاولوا فهم عملية الاحتراق أولا ثم تفسير ظاهرة النار ثانيا؛ لذلك تشكر ليهلمونت جهوده في موضوع الغازات وتعريفنا بأن غاز ثنائي أكسيد الكربون هو ناتج عملية الاحتراق بالنار. # 104 # جاليليو (القرن 17م) # وجود جسيمات النار وحده لا يكفي لإثارة الحرارة، بل لا بد من حركتها أيضا، من هنا بدا من المعقول بالنسبة لجاليليو القول إن «الحركة هي سبب الحرارة». لكنه يرفض تقبل هذا المقترح بالطريقة العادية، كما لو أن قطعة من الحجر أو الحديد أو عصا لا بد أن تسخن إذا تحركت في الهواء، وإنما تحدث الحرارة نتيجة احتكاك جسمين صلبين؛ إما بتدميرهما إلى أجزاء رقيقة متطايرة أو بفتح مخرج لجسيمات النار الدقيقة التي بداخلها تبدأ في الحركة في نهاية المطاف، وعندما تلتقي هذه الجسيمات بأجسامنا يشعر عقلنا الواعي بإحساس سار أو كريه، وهو ما أطلقنا عليه اسم حرارة، أو حرق، أو سلق. ويتابع جاليليو بأنه عندما يتوقف هذا التآكل بالاحتكاك أو يصبح محددا بأصغر حجم، فإن حركة الجسيمات تصير مؤقتة زائلة وتأثيرها مولدا للحرارة فقط، أما عندما يحدث التحلل النهائي والوصول إلى الذرات غير القابلة للانقسام، ms266 يتكون الضوء. وقد يكون للضوء حركة لحظية أو انتشار وتوسع لحظي، مما يجعله قادرا على شغل فضاء شاسع بوساطة لاماديته أو بوساطة خاصية أخرى تختلف عن كل ذلك ولا اسم لها. # 105 # إذن فقد حاول جاليليو تفسير النار على أساس النظرية الذرية، حسب ديموقريطس، معتبرا أن حركة الجسيمات هي التي تولد الحرارة، أما تفككها على مستوى الذرات فهو الذي يصدر الضوء، وهذا الرأي معارضة ضمنية غير مباشرة لتعاليم أرسطو التي كانت مقدسة في عصر جاليليو كما نعلم. # رينيه ديكارت (القرن 17م) # رفض ديكارت ما طرحه أرسطو ومن لحق به من الفلاسفة من تفسير حقيقة النار القائم على الصور والكيفيات، وراح يعتمد التفسير الميكانيكي القابل للقياس؛ أي إن الحرارة تعبر عن حركة الجسيمات المكونة للجسم، فقال: «لغيري إذن أن يتخيل، في الخشب، إذا شاء، صورة النار، والكيفية الحرارية والفعل المحرق، باعتبارها أشياء مختلفة تماما، أما بالنسبة لي ... فإنني أكتفي بأن أدرك فيه حركة أجزائه.» ثم يقدم لنا تفسيره الوضعي على طريقة أوغست كونت وبشكل مخالف لطريقة الأقدمين بأن الحرارة تتجه نحو الأعلى دوما لتستقر في فلك النار، بل لا يشترط أن تتحرك نحو جهة محددة أيضا، فيقول: «إن كل جزء - من أجزاء اللهب - يتحرك بالطريقة التي جعلها وضع الأجسام التي تحيط به أقل صعوبة بالنسبة له، وأن في شعلة اللهب الواحدة نفسها، يمكن أن توجد أجزاء تذهب إلى أعلى وأخرى إلى أسفل، بخط مستقيم أو بطريقة دائرية، ومن كل الجهات، دون أن يغير ذلك شيئا من طبيعتها؛ بحيث إنكم إذا رأيتموها تنزع كلها تقريبا إلى أعلى، فلا يجب أن تفكروا أن ذلك يعود لسبب آخر غير كون الأجسام التي تلامسها تجد نفسها مهيأة تقريبا لتبدي لها مقاومة أشد، من الجهات الأخرى جميعها.» # 106 # وليم كليغهورن (القرن 18م) # بقدر ما كان جوزيف بلاك يفضل نظرية الحرارة، كان ميالا في بعض السنوات إلى أن يفضل ما قدمه وليم كليغهورن # W. Cleghorn ~~(1716-1789م) في عام 1779م؛ لأنه وضح الكثير من الحقائق المهمة عن الحرارة؛ ms267 ففي مقالته الافتتاحية لدرجة الدكتوراه في جامعة إندبيرغ، أعلن كليغهورن عن نظرية جديدة عن الحرارة أو النار، التي توضح التأثيرات الحرارية من خلال وجهة نظره الآتية: إن تدفق الحرارة أو النار من الجسم الحار إلى الجسم الأبرد يشير إلى وجود قوة طاردة في جسيمات النار، والتي تتراجع بسبب قوة أخرى، وقد عمل بلاك حول «قدرات الحرارة» هذه والتي بينت بأنه بالكاد يوجد أجسام فيها كميات من النار الذاتية؛ ولهذا توجد في الأجسام قوة نار جاذبة تختلف باختلاف الأجسام، من هذه الملاحظة، يترتب بأن النار الموزعة بين الأجسام مباشرة تتناسب مع القوة الجاذبة للنار وفي اللحظة نفسها مع القوة النابذة المتبادلة بين جسيمات النار. وقد وصف بلاك هذه النظرية على أنها «احتمال أكثر مما أعرف»، لكنه سرعان ما تراجع عن موافقته بإضافة «على كل، وعلى العموم إنها مجرد فرضية.» # 107 # بمعنى آخر، حاول كليغهورن تطبيق نظرية نيوتن في الجاذبية بين الأجسام، فالقوى النابذة المتبادلة بين جسيمات النار يقابلها قوى جاذبة في الأجسام التي تقبل الاشتعال، وهذه هي الإضافة الجديدة التي قدمها. # مايكل فاراداي (القرن 19م) # كان مايكل فاراداي # M. ~~ Faraday ~~(1791-1867م) يرى أنه «ليس هناك مدخل لدراسة الفلسفة الطبيعية أفضل من دراسة الظاهرة الفيزيائية لشمعة متقدة.» وهي العبارة التي بدأها مؤتمر «التاريخ الكيميائي لشمعة» في عام 1848م في المعهد الملكي بلندن. وقد وضح أن بمقدور الشخص أن يقرأ تحت ضوء لهب الشمعة المتوهجة كل علم الكيمياء كما كان مفهوما وقتئذ. # 108 # بعبارة أخرى، فإن النار ليست مادة بحد ذاتها، وإنما مجرد تفاعل كيميائي، والتفاعل الكيميائي هو العملية التي تحدث للغازات في معظم الظروف، وتحدث نتيجة لتسخين المادة الصلبة أو السائلة؛ لإنتاج الأبخرة، والتي تشتعل عند تعرضها للأكسجين؛ لذا، يمكن أن نقول إن النار ليست صلبة أو سائلة أو غازية، ولكنها شيء يحدث للغاز. # الفصل الثاني # | منبع الحرارة الأرضية # مقدمة # تعتبر الحرارة الأرضية # Geothermic # مصدرا للعديد من الظاهرات الأرضية كالبراكين والينابيع الحارة؛ فهي تقدم دليلا على أن جوف الأرض خزان هائل من ms268 الحرارة، # 1 # حيث تبلغ درجة الحرارة في مركز الأرض حوالي 4200 ~~° # مئوية، وهي تجعل الصخر ينصهر؛ فالأرض ومنذ نشأتها قبل 4,5 بليون سنة ما زالت تبرد وتتخلص من حرارتها الجوفية عبر سطح الأرض. # 2 # يعود سبب وجود الحرارة في باطن الأرض إلى عوامل الجاذبية وحركة الأرض وإلى قوى الاحتكاك بين الطبقات الأرضية التي تتحرك فوق بعضها بعضا، ثم وبشكل أكبر إلى الإشعاعات الناتجة عن المواد المشعة. # 3 # ووجد العلماء أن حجما من الصخر في باطن الأرض مقداره حوالي 520كم3 (وهو حجم جبل عادي) تكون درجة حرارته أسخن بعدة مئات من الدرجات من الصخر السطحي، وهو يحوي من الطاقة تعادل الطاقة المستهلكة في العالم بأسره خلال سنة واحدة. # 4 # عندما يتسرب جزء من الصهارة الصخرية إلى السطح يثور بركان، أما عندما تتسرب بعض الحرارة الموجودة في باطن الأرض إلى المياه الجوفية فإنها تصل إلى السطح على شكل فوارات وينابيع حارة، وتقذف هذه النوافير الفوارة إلى الخارج بماء مغلي. # 5 # مع أن البراكين تتمتع بسمعة سيئة، بسبب الكوارث التي سببتها على مر التاريخ البشري، إلا أنه أمكن الاستفادة منها؛ فالرماد الناتج عن البراكين يترسب على سطح الأرض الزراعية فيثري التربة بالمعادن، ويخصبها، كما أن المواد البركانية تحوي على معادن وأحجار كريمة مثل الذهب والفضة والنحاس والتوتياء والرصاص والزئبق والأوبال. # 6 # كذلك فقد عرف الإنسان فوائد جمة للينابيع الحارة منذ وجوده على الأرض، فراح يستفيد منها بما يلبي احتياجاته، كأن يستفيد من ينابيع المياه المعدنية الحارة في الاستشفاء من الأمراض، وهي الممارسة التي ما زالت مستمرة حتى وقتنا الحاضر في مناطق عديدة من العالم من أوروبا مرورا بالشرق الأوسط وشمال أفريقية إلى الهند والصين، والتي ما زال الكثير من الينابيع موجودة، وقيد الاستعمال لأغراض سياحية وعلاجية. # 7 # أما بخصوص الاستفادة من الحرارة الأرضية كمصدر للطاقة البديلة النظيفة بيئيا، فقد تأخر حتى بدايات القرن العشرين؛ ففي عام 1904م تم بناء أول محطة تستخدم البخار المندفع من باطن الأرض لإدارة عنفات لتوليد طاقة كهربائية في ms269 إيطاليا في منطقة لارديريلو، ثم أخذت استعمالات الطاقة الجيوحرارية بالتوسع، وتوسعت بحيث تستخدم لتدفئة المنازل والبيوت البلاستيكية لأغراض الزراعة في المناطق الباردة. # 8 # سنتناول في هذا الفصل البحث في تاريخ نوعين من المصادر الحرارية الأرضية ألا وهما الحمات والبراكين، وكيف وردا في الوثائق المدونة، وقبل أن ندخل نقدم فيما يأتي تعريفا لهما: # فالحمة الفوارة # Geyser # نبع يدفع المياه الساخنة إلى أعلى بقوة تفجيرية من وقت لآخر. وغالبا، تنطلق المياه من الحمة إلى أعلى في أعمدة ضخمة من السحب البخارية، وتسمى بالحامة # alhama # أيضا، وهو اسم يطلق بشكل عام على الينابيع الساخنة؛ حيث حلت هذه التسمية مكان كالداس # Caldas # وبانيوس # Banios # الرومانيتين القديمتين. ويبدو أن لفظ (حمة) قد ظهر في الأندلس التي تشتهر بحماتها، منها حمة المرية ومرسية وأراجون وغرناطة. # 9 # أما البركان # Volcano # فهو فتحة في سطح الأرض، تتفجر وتثور من خلالها الحمم، والغازات الحارة، والشظايا الصخرية، وتتشكل هذه الفتحة عند اندفاع الصخر المنصهر من باطن الأرض، متفجرا على سطح الأرض. # 10 # المبحث الأول: اليونانيون # من الناحية الأسطورية، فقد كان اليونانيون القدماء يرون في نشاطات بركان «إتنا» في صقلية أنها من عمل هيفايستوس # Hephaistos # إله النار، الذي كان يصنع بضربات مطرقته فوق السندان - بين الدخان والشرر تحت الأرض - أسلحة الآلهة. وهو الإله الذي سماه الرومان فولكيان، وفضلوا له سكنى باطن أرض هييرا # Hiera ~~، والتي أصبحت حاليا فولكانو الحالية في جزر إيوليين الإيطالية، ومنها اشتق اسم فولكان أو البركان، منذ نهاية العصور الوسطى، وقد كان قبل ذلك يدعى البركان باسم «إتنا» أو «هييرا». # 11 # ومن الناحية العقلانية، فقد حاول أرسطو أن يفسر سبب تشكل الحمات بأنها ناجمة عن الحرارة الشديدة داخل الأرض، وسبب عملية الاحتراق هو ملوحتها، وهذا يعني أن أرسطو لم يدرك السبب الحقيقي للحرارة الأرضية، ويدلل على ذلك لدى مزج الماء العذب بالرماد المتبقي عن عملية حرق الخشب فهو يصبح مالحا. ~~ وقد تختلف طعوم المياه الحارة حسب العناصر المختلفة من مكان لآخر التي تمتزج بمياه الحمات أو بسبب كميات ms270 الحرارة. قال أرسطو: «مياه الحمات تكون حارة متى احترقت حرارة شديدة للأرض، تنبع تلك المياه منها حتى تجعلها بمنزلة الرماد؛ ولهذه العلة نجد تلك المياه بسبب قوة الحرارة التي تطبخها حارة بالفعل، وبسبب احتراق الجزء المحترق من الأرض بها تكون مالحة. # 12 # ويدل على ذلك دلالة عظيمة ما يظهر لنا خارجا، وهو أنا متى ألقينا في بعض القدور ماء باردا، وأسخنا ذلك الماء بالنار، صار حارا بالفعل، ومتى خالطنا بماء عذب رمادا يصير ذلك الماء مالحا. وأما سائر الطعوم المختلفة التي تستفيدها مياه الحمات في مواضع مختلفة فالسبب منها إما اختلاف أجزاء الأرض التي تنطبخ وتختلط، وإما اختلاف مقادير الحرارة [التي] تطبخ تلك الأرض، فأما التي تحدث بسبب اختلاف مقادير الحرارة فبمنزلة الكبريتية والبورقية أو الشبية إذا أحالت طعوم المياه إلى طبيعتها. وأما التي تحدث بسبب اختلاف مقادير الحرارة، فمثل أنه متى كانت الحرارة معتدلة كانت المياه حارة عذبة، ومتى كانت ضعيفة كانت المياه حارة مالحة.» # 13 # ويذكر لنا ابن الحائك الهمداني رأي أرسطو في كيفية صنع أشعة الشمس للمعادن؛ حيث إنها تؤثر على الرطوبات في الأرض وتفككها فتتحول إلى عدة أنواع من الأبخرة، كل نوع يقوم بدور في الطبيعة، ما يبقى محتبسا في الأرض هو الذي يتحول إلى معدن. هذا الرأي سيتبناه الكثير من العلماء العرب والمسلمين فيما بعد. # قال أرسطو: «فإذا عملت حرارة الشمس في رطوبات الأرض وحللتها ارتفع منها ألوان البخارات لأنه يرتفع من كل بر وبحر وأرض وجسم من الأجسام حيوان أو موات البخارات، فيظهر بعضها ويبطن بعضها، فيكون فيما ظهر من تلك البخارات - وكان رطبا ثقيلا - المطر في أوقاته، وما تكاثف منها الضباب والغمام، ومما كان حارا يابسا الرياح، ويكون مما بطن من الأرض من تلك البخارات الجواهر المعدنية، على قدر قوى تلك الأرضين.» # 14 # المبحث الثاني: الرومانيون # بالقرب من الهضبة المركزية في فرنسا تقع بلدة شودزيغو في مقاطعة أوفيرن، ويعني اسم هذه البلدة شودزيغو (المياه الساخنة)؛ فقد بني في هذه البلدة منذ القرن 14م ms271 أول نظام تدفئة مركزية حراري جوفي في العالم. وقد كان الرومان في أيام الإمبراطور الروماني نيرون # Nero ~~(37-96م) أول من استخدم الينابيع الحارة، والتي كان عددها 30 في زمنه وتزود أوروبا بمياه تصل درجة حرارتها إلى 82 ~~° # مئوية. # 15 # المبحث الثالث: العلماء العرب والمسلمون # ناقش العلماء العرب والمسلمون موضوع تشكل المعادن في باطن الأرض، ليس على أساس وجود حرارة في باطن الأرض وحسب، وإنما بإشراك تأثير أشعة الشمس الواردة إليها؛ فقد اعتقدوا أن لهذه الأشعة القدرة على اختراق طبقات الأرض والمساهمة في تشكيل المعادن. طبعا ألقت النظرية الأرسطية بظلها على هذه التفاسير وصولا إلى العلماء العرب والمسلمين في القرن 14م. ~~ باستثناء بعضهم الذي حاكم الأمور بطريقة عقلانية بعيدا عن الفكر الأرسطي، ولعل هذا ما يهمنا التركيز عليه. # إبراهيم النظام (القرن 3ه/9م) # اتخذ إبراهيم النظام من نظريته العامة في الكمون وسيلة ليفسر بها أيضا ظاهرة البراكين؛ فقد اعتبر أن البراكين عبارة عن نار كامنة في باطن الأرض. # 16 # لكنه لم يذكر لنا سبب خروجها أو كيفية تشكلها. # أبو إسحاق الإصطخري (القرن 4ه/10م) # يذكر لنا أبو إسحاق الإصطخري إبراهيم بن محمد (توفي حوالي 346ه/957م) في كتابه (مسالك الممالك) أنه يوجد في خوزستان ناحية آسك المتاخمة لأرض فارس: «جبل يتقد منه نار أبدا لا ينطفئ ويرى منه الضوء بالليل والدخان بالنهار، وهو في خوزستان، ويشبه فيما أظن أنه عين نفط أو زفت أو غيره مما تعمل فيه النار فوقع فيه على قديم الأيام، فعلى قدر ما تخرج يحترق أبدا.» # 17 # وبذلك فإنه قدم لنا تفسيرا منطقيا لهذه الحفرة النارية دون أن يقحم النظرية الأرسطية في الموضوع. # قد يكون الإصطخري على حق في مشاهدته لذلك الجبل، وهو يشبه حفرة جهنم المستعرة منذ عام 1971م، في تركمانستان بسبب الغاز الخارج من أطرافها (الصورة هنا مأخوذة عام 2011م). ~~ (مصدر الصورة والتعليق: # https://en.wikipedia.org/wiki/Darvaza_gas_crater ~~) # التميمي المقدسي (القرن 4ه/10م) # كان التميمي يعتقد أن لأشعة الشمس الحرارية القدرة على اختراق طبقات الأرض، فتساعد في تشكل المياه والرطوبة في التربة، وتساعد ms272 النبات على أخذ حاجته من الماء لينمو ويثمر، فقال: «ثم إنها توصل من تلك الحرارة إلى بطون أرحام الأرض ما يكون عونا لها وللرطوبة الحاصلة فيها من الأمطار الكائنة عند اجتذابها المياه التي في الثرى وإصعادها ذلك إلى عروق النبات والأشجار؛ لتغتذي بذلك وتنمي وتورق وتزهر وتعقد ثمارها.» # 18 # وهي تقليد للنظرية الأرسطية دون أية إضافة جديدة. # إخوان الصفا (القرن 4ه/10م) # يعود سبب ارتفاع درجة حرارة بعض الينابيع العادية (غير الينابيع الحارة) في الشتاء وبرودتها في الصيف بسبب التضاد في ظاهرتي الحرارة والبرودة؛ ففي الشتاء يبرد الجو فتهرب الحارة نحو باطن الأرض فتسخن المياه الجوفية، ويحدث العكس في الصيف. أما سبب وجود حرارة في بعض العيون صيفا وشتاء، فيعود إلى التربة الكبريتية التي تختزن الحرارة بشكل دائم، وعندما تمر المياه فوقها فإنها تأخذ منها الحرارة وتخرج على وجه الأرض دافئة، طبعا تفقد جرارتها لدى ملامستها للهواء، وقد تتجمد، أو تتحول إلى زئبق أو رصاص أو غيرها من المواد حسب التربة التي اختلطت بها. # قال إخوان الصفا: «أما علة حرارة مياه أكثر العيون في الشتاء، وبردها في الصيف، فهي من أجل كون الحرارة والبرودة ضدين لا يجتمعان في مكان واحد، فإذا جاء الشتاء وبرد الجو، فرت الحرارة فاستجنت في باطن الأرض، فسخنت تلك المياه في باطنها وعمقها، فإذا جاء الصيف وحمي الجو، فرت البرودة واستجنت في باطن الأرض، وبردت تلك المياه التي في باطنها وعمقها. وأما علة حرارة بعض العيون في الشتاء والصيف على حالة واحدة فهي أن في باطن الأرض وكهوف الجبال مواضع تربتها كبريتية، فتصير تلك الرطوبات التي تنصب هناك دهنية، وتكون الحرارة فيها راسية دائمة، بينها أو فوقها مياه في جداول وعروق نافذة، فتسخن تلك المياه بمرورها هناك وجوازها عليها، ثم تخرج وتجري على وجه الأرض وهي حارة حامية، فإذا أصابها نسيم الهواء وبرد الجو بردت، وربما جمدت، إذا كانت غليظة، أو انعقدت وصارت زئبقا، أو رصاصا، أو قيرا، أو نفطا، أو ملحا، أو كبريتا، أو بورقا، أو ms273 شبا، أو ما شاكل ذلك بحسب اختلاف ترب البقاع وتغييرات الأهوية.» # 19 # اعتمادا على تفسيرهم السابق يرى إخوان الصفا أن المعادن تتشكل في باطن الأرض من الأبخرة المحتبسة هناك إضافة للرطوبات، فإذا تعرضت الأبخرة والرطوبات للحرارة صعدت إلى أسقف المغارات وبقيت هناك زمنا، حتى يبرد باطن الأرض في الصيف، عندها إذا امتزجت بتربة تلك المواقع فمنها ما يصبح كبريتا ومنها ما يصبح زئبقا؛ حيث تصنع منهما بقية المعادن لدى اختلاف نسب امتزاجهما مع بعضهما. # قال إخوان الصفا: «اعلم يا أخي، أن الرطوبات المختنقة في باطن الأرض والبخارات المحتبسة هناك إذا احتوت عليها حرارة المعدن تحللت ولطفت، وخفت، وتصاعدت علوا إلى سقوف تلك الأهوية والمغارات ومكثت هناك زمانا، وإذا برد باطن الأرض في الصيف جمدت وغلظت وتقاطرت راجعة إلى أسفل تلك الأهوية والمغارات، واختلطت بتربة تلك البقاع وطينها، ومكثت هناك زمانا، وحرارة المعدن دائما في نضجها وطبخها، وهي تصفو بطول وقوفها وتزداد ثقلا وغلظا، وتصير تلك الرطوبات بما يخالطها من الأجزاء الترابية وما يأخذ من ثقلها وغلظها وإنضاج الحرارة وطبخها إياها زئبقا رجراجا، وتصير تلك الأجزاء الهوائية الدهنية، وما يتعلق بها من الأجزاء الترابية بطبخ الحرارة لها بطول الزمان، كبريتا محترقا.» # 20 # هذا الرأي نفسه سنجده يظهر مرة أخرى عند القزويني في كتابه (عجائب المخلوقات). # 21 # وكذلك عند ابن فضل الله العمري (توفي 749ه/1349م) في كتابه (مسالك الأمصار). # 22 # طبعا والجميع يستظل بظل النظرية الأرسطية. # أبو بكر الكرخي (القرن 5ه/11م) # يذكر لنا أبو بكر الكرخي (توفي 429ه/1020م) ما سمعه عن الينابيع الحارة؛ فقد «قال بعض الحكماء: حرارة الماء حياته وبرده موته، وقد سمعت بمياه تنبع وهي حارة مثل ماء الحمام، وهي هذه الحرارة من فساد التربة، وأدومها وأبقاها إذا كان مع حرارتها عذبة في قعر قريب كانت أو بعيدة.» # 23 # فهو يعتقد أن سبب الحرارة هو تحلل التربة التي تنبع منها، وهو هنا لا يحدد فيما إذا كانت هذه التربة كبريتية أم غير ذلك، وذلك لتفسيرها في إطار النظرية الأرسطية، وإنما ms274 اكتفى بالإشارة ل «فساد التربة» فقط . # البيروني (القرن 5ه/11م) # عالج البيروني آراء الذين سبقوه حول سبب سخونة سطح الأرض؛ فمنهم من قال: إن السبب يعود إلى إشعاعات الشمس الحارة، أو الأبخرة الباطنية التي تصعد بسبب حرارة الجو. ~~ ولا يبدو أنه كان مقتنعا بأي منها؛ فسخونة الأرض من الإشعاعات الشمسية المنعكسة عن سطحها ليست كافية لتسخنها، كما أن الأبخرة المتصاعدة تحت سطح الأرض فإن نشاطها يتوقف عند حدود الصخور المحيطة بها، لكن إذا اجتمعت الحرارة الداخلية للأرض مع أشعة الشمس على سطح الأرض، فإن ذلك قد يكون مقنعا لتفسير سبب سخونة سطح الأرض. # قال البيروني: «وأما حر الأرض فإما أن يكون ما ينعكس من شعاعات الشمس من سطحها، وإما أن يكون بخاراتها التي يثيرها الحر المستكن في باطنها على مذهب قوم، أو الطارئ عليها من خارج على مذهب آخرين؛ فإن حركة البخار في الهواء تكسبه حرارة، فأما حرارة النار فإنها لا تقرب ولا تبعد لأن الفلك لا يزيد سرعة ولأبطئا، وأما الشعاعات المنعكسة فإنها غير منسوبة إلى الأرض، وأما البخارات فلها حد تنتهي إليه ولا تتجاوزه وما أظن القائل إلا معتقدا أن في الأرض حرا محتقنا يخرج من باطن الأرض إلى ظاهرها، وقد احتمى الهواء بشعاعات الشمس فيلتقيان، هذا وجه إن كان ولا بد.» # 24 # الطغرائي (القرن 6ه/12م) # اعتمادا على النظريات الأرسطية حاول أن يفسر مؤيد الدين الطغرائي كيفية تشكل المادة، ونظرا لكونه كيميائيا فقد حاول أن يدخل في التفاصيل أكثر حول الدور الذي تقوم به الحرارة في تشكل المادة ككل، محاولا تعميم ذلك على كل المواد وليس على المعادن كما فعل إخوان الصفا من قبل. وما نلحظه أيضا هنا هو تقديم الطغرائي لرسوم بيانية يشرح فيها كيفية دخول الأشعة الشمسية وغير الشمسية الحارة ونفاذها لباطن الأرض وإسهامها في تشكل المواد؛ وعلى هذا فإن الطغرائي يعتقد بأن الحرارة الباطنية للأرض منشؤها الأشعة الشمسية الحارة وليس باطن الأرض نفسه. # رسم تخطيطي وضعه الطغرائي في كتابه (مفاتيح الرحمة وأسرار الحكمة) يبين فيه كيف ms275 تأتي الأشعة الحاملة للحرارة من جرم سماوي، لم يحدد أنه الشمس، حيث تدخل عبر سطح الأرض، فتتشكل أبخرة وأدخنة تسهم في تشكل المعادن والفلزات في باطن الأرض؛ أي إن مصدر حرارة تشكل المعادن خارج الأرض وليس باطنها. (مصدر الشكل: مخطوطة مفاتيح الرحمة وأسرار الحكمة، للطغرائي، ج1، ص5و.) # شكل توضيحي آخر يبين فيه الطغرائي آلية دخول الأشعة الحرارية إلى باطن الأرض وكيفية تركزها على بقعة معينة، ويلاحظ أن الأشعة المسامتة؛ أي التي تقع بشكل عمودي فوق هذه البقعة تؤثر أكثر من غيرها الجانبية، لكن لا نعرف كيف فات الطغرائي أن «منطقة البعد على الشكل» أو سطح التماس بين الأشعة وباطن الأرض محدب الشكل، وهذا من شأنه أن يفرق الأشعة - حسب قوانين البصريات - لا أن يجمعها في «محل التوليد». (مصدر الشكل: مخطوطة مفاتيح الرحمة وأسرار الحكمة، للطغرائي، ج1، ص94و.) # قال الطغرائي: «وأما أصل المادة فنقول أصلها إنما هو العناصر الأربعة بالحقيقة، وأما كيفية تولده من ذلك وتكوينه فهو أن الحرارة الواقعة على جرم الأرض سواء أكانت من الشمس أو من غيرها تؤثر بحرارتها في محل وقوعها تأثيرا ما على نحو ما؛ فإذا كان هناك رطوبة كامنة في بطون الأرضين تحللت بسرعة بخارا متصاعدا لوجود المخالفة بين الحرارة والرطوبة فتهرب الرطوبة بسرعة من الحرارة بعد تحللها بخارا، كما ذكرنا، ثم تفعل هناك أيضا في اليبوسة وتحللها دخانا فيصعد كل منهما ويتحركان على خط مستقيم، ويلحق الدخان البخار بخفة الدخان وثقل البخار، وإنما صعد البخار أولا وسبق الدخان مع خفته؛ لأن البخار أسرع هربا من الحرارة لشدة التخالف بينهما فيلحقه الدخان كما ذكرنا، والدخان ليس أجزاؤه مفتوحة بل البخار كذلك، فيأخذ البخار للدخان في جوفه، ثم يتكاثف وحرارة الطبخ تعمل مع احتباس بطون الأرض عليه، وعدم المنافس ومنعها إياه من أن يتخلل منه شيء أو يخرج، ولا تزال أجزاؤه تتراجع، وتتغلل بعضها ببعض إلى أن تمتزج مع بعضها وتختلط اختلاطا على حسب المزاج ومقادير المواد، وتفاعل المواد بالكيفيات، إلى أن يتم تكوينه؛ ولذلك حبوا ms276 على أخذه من معدنه في وقت معتدل وهو أول يوم من الربيع عند نزول الشمس برج الحمل كما يأتي إن شاء الله تعالى. واعلم أن بطن الأرض تقوم مقامها في التدبير الأوفى.» # 25 # ويعتقد الطغرائي أن بعد وقرب الشمس يؤثر على طبع المعدن «فكل بقعة من البقاع فهي حارة الطبع إذا كان النير قريبا منها وباردة إذا كانت الشمس بعيدة عنها.» # 26 # ابن تومرت الأندلسي (القرن 6ه/12م) # تناول ابن تومرت المهدي (توفي 524ه/1130م) مسألة تشكل المواد أيضا، مستأنسا بالنظرية الأرسطية، ومعتقدا أيضا مثل من سبقه بأن الحرارة في باطن الأرض سببها الأشعة الشمسية الحرارية الداخلة إليها من الخارج. # 27 # زكريا القزويني (القرن 7ه/13م) # يحدثنا زكريا بن محمد القزويني عن الجزيرة المحترقة وهي من جزر بحر الزنج (بحر الهند)، لكنه لا يقدم لنا سبب أو تفسير الاحتراق الذي لحق بالجزيرة، هل هي دورة بركانية مدتها 30 سنة، أم إعصار ناري حار، أم شيء آخر؟ يبقى سبب احتراق الجزيرة المحترقة غامضا، لكنه بكل تأكيد بعيد عن أن يكون بسبب ذلك النجم الذي ظهر في السماء وصب جام غضبه على تلك الجزيرة دون غيرها. # قال القزويني في تعريفه للجزيرة المحترقة: «وهي جزيرة واغلة في هذا البحر قلما يصل إليها من بلادنا أحد، حكى بعض التجار قال: فدارت بي الدوائر حتى حصلت في هذه الجزيرة فرأيت فيها خلقا كثيرا، فبقيت بها زمانا واستأنست بهم وتعلمت شيئا من لغتهم، فإذا الناس في بعض الليالي مجتمعون ناظرون إلى كوكب طلع من أفقهم ثم شرعوا في البكاء والويل والثبور، فسألت بعضهم عن سبب ذلك، فقال: إن هذا الكوكب يطلع في كل ثلاثين سنة مرة فإذا وصل إلى سمت رءوسنا يحترق جميع ما في هذه الجزيرة، فاشتغلوا باتخاذ المراكب وتأهبوا للنقل، فلما قرب الكوكب من سمت رءوسهم ركبوا في السفن، وأخذوا معهم ما خف حمله، وركبت أنا أيضا معهم، فسرنا عنها مدة، فلما علموا أن الكوكب زال عن سمت رءوسهم عدنا إلى الجزيرة، فوجدنا جميع ما كان فيها ms277 رمادا، فشرع القوم في استئناف العمارة.» # 28 # الجلدكي (القرن 8ه/14م) # آخر من نرصد عنده النظرية الأرسطية في تشكل المواد هو أيدمر الجلدكي ؛ إذ نراه يكرر أقوال من سبقه دون أي جديد، قال: «والأجسام السبعة والأحجار والمعادن فمعلوم أن السبب فيها بخارات تتولد في باطن الأرض بسبب تأثير الشمس، فإذا اختنقت تلك البخارات في قعر الجبال وأثرت الشمس في نضجها تولدت المعادن على اختلافها بحسب أماكنها من بقاع الأرض.» # 29 # المبحث رابع: الأوروبيون # تأخر ظهور نقاش الحرارة الباطنية للأرض وسببها عند الأوروبيين حتى القرن 18م، وكانت البداية الجادة مع الكونت دي بوفون الذي حاول أن يثبت فرضيته بضرورة وجود منبع حراري داخل الأرض، وأن ذلك يدل على الأصل المشترك بين الأرض والشمس، ثم حدث تطور كبير مع جيمس هوتون # J. Hutton ~~(1726-1797م) بجعل الحرارة الداخلية للأرض المسئول عن تشكل السلاسل الجبلية. # فرنسيس بيكون (القرن 17م) # كان بيكون يعتقد أن حركة البرودة والحرارة شكل من أشكال حركة الاجتناب # motion of avoidance ~~، حيث تفر الأجسام، بدافع الكراهية الفطرية، من الأجسام المضادة، وتعزل نفسها عنها وتأبى أن تمتزج بها. والدليل على ذلك ما يحدث في المنطقة الوسطى من الهواء؛ فالبرد هناك هو نتيجة لاستبعاد طبيعة البرودة من منطقة الأجرام السماوية، وكذلك الحال فإن الحرارة الهائلة، واللهب الشديد الموجود في المناطق تحت الأرضية هما استبعاد لطبيعة الحرارة من باطن الأرض؛ حيث إن الحرارة والبرودة، عندما تكونان بمقادير صغيرة، فإن كل واحدة منهما تفني الأخرى، وعندما تكونان على شكل كتل كبيرة، فإنهما تتصارعان حتى تطرد كل منهما الأخرى. # 30 # وافترض بيكون - مؤيدا رأي أرسطو - أن أشعة الشمس تسهم في تشكيل المواد في باطن الأرض، # 31 # وهي أفكار سبق وأن وجدنا نقاشها بشكل مفصل وموسع أكثر من ذلك بكثير لدى العلماء العرب والمسلمين؛ لذلك فإن بيكون حتى القرن 17م لم يأت بشيء جديد. # الكونت دي بوفون (القرن 18م) # لم يكن عالم الجيولوجيا الفرنسي جورج لويس لكليرك # G. L. Leclerc ~~(1707-1788م)، الملقب بالكونت دي بوفون # de Buffon ~~، مقتنعا ms278 بأن حرارة الشمس تكفي للحفاظ على دفء الأرض، فكان منه أن افترض وجود حرارة تنبعث من داخل الأرض، وهي التي تسهم بتوفير الظروف المناسبة للحياة، ونظرا لعدم معرفته بالآلية التي يمكن أن تتولد فيها الحرارة داخل الأرض، فقد افترض أن الأرض نشأت عن كرة منصهرة من الصخور، وقد أخذت بالتبريد بالتدريج منذ نشأتها، وقد انفصلت هذه الكرة المنصهرة عن الشمس بفعل اصطدامها بنيزك مار. لكنه لم يحدد الوقت الذي استغرقته عملية تبريد الأرض لتصل إلى حالتها الحالية إلا بعد أن أشار نيوتن في كتابه (المبادئ)، إلى أن كرة من الحديد المتوهج بحجم الأرض قد تستغرق 50 ألف سنة حتى تبرد، فكان من بوفون أن قام بتجارب على كرات من الحديد ومواد أخرى بأحجام مختلفة، ورصد الزمن الذي تستغرقه كل منها حتى تبرد بعد وصولها لدرجة التوهج. ~~ وانطلاقا من معرفته بحجم الأرض، توصل إلى وضع تقديرات معدلة لحسابات نيوتن، واستنتج أن الأرض استغرقت 75 ألف سنة حتى وصلت لدرجة حرارتها الحالية وبردت. # 32 # جيمس هوتون (القرن 18م) # لقد كان الطبيب والجيولوجي الاسكتلندي جيمس هوتون أول من أشار إلى أنه يمكن تفسير حرارة الأرض، دون اللجوء إلى إقحام أية قوة خارقة، وكان أول من قال بأن الحرارة في قلب الأرض هي المسئولة عن دفع سلاسل الجبال إلى أعلى، إضافة لالتواء الطبقات الجيولوجية. # 33 # لقد اهتمت اقتراحات كثيرة بالعوامل التي أوصلت جيمس هوتون إلى نظريته عن الأرض التي طرحها بين عامي 1788م و1795م. # 34 # حيث تم اعتبار نظرية هوتون فريدة على مستويين؛ من أجل أنها تؤكد على دور الحرارة بوصفها عاملا جيولوجيا، ومن أجل مذهب الوتيرة الواحدة # Uniformitarianism ~~. # 35 # الدراسة الشاملة للتحريات في أصول كلتا الفكرتين تشير بأن الفكرة الأولى استرعت الانتباه أكثر بكثير من نقاد معاصري هوتون، بينما حظيت الفكرة الثانية باهتمام أكثر من قبل أولئك الذين يسعون نحو رؤية تاريخية ما في فكر هوتون حيال الأرض. # 36 # في واقع الأمر، قد يكون استخدام الحرارة بوصفه عاملا جيولوجيا أساسيا يستحق الاهتمام الأكبر ms279 من المؤرخ؛ لأن إحدى أكثر السمات استثناء لنظرية هوتون الجيولوجية كاملة هو مفهومه عن طبيعة الحرارة التي عملت كآلية أساسية من أجل دمج الرواسب المترامية ورفع القارات. على خلاف معاصريه أخصائيي البراكين وأسلافه الذي ناقشوا التشكيلات الجيولوجية بحسب الحرارة الناجمة عن النار، تصور هوتون الحرارة تتميز عن النار. عمل هوتون في هذه الشروط، مختلف بشكل كمي عن ذلك الذي قدمه أسلافه، ونقترح هنا بأنه من الضروري أن نفهم لماذا يكون هذا إذا كنا نفهم أصل الأجزاء الرئيسة لعلم الأرض الهوتوني. # 37 # انتقادات واسعة غير لاهوتية تم شنها ضد هوتون، وقد كانت مركزة على طبيعة هذه الحرارة، بدلا من جعل الحرارة عاملا جيولوجيا. طبعا لم تكن الحرارة التي بدون نار هي ما يقلق معاصري هوتون فقط، بل كانت الحقيقة التي ناقشها هوتون؛ إذ تارة تكون هذه الحرارة قوة تبقى ساكنة وتارة أخرى تصبح نشيطة تسهم في رفع القارات. # 38 # مثل هذه الأفكار بدت أكثر بقليل من الخيال بالنسبة إلى معاصري هوتون. وسنجد أنواع النقد الموجهة ضد مفهوم الحرارة ملخصة في تنقيح تفسير الجيولوجي جون بلايفير # J. Playfair ~~(1748-1819م) المبسط لنظرية هوتون التي أوضح فيها تلك النظرية قائلا: «تعتمد على الفرضية على أن الحرارة المركزية الدائمة، قادرة على إذابة الكلس من شدتها، ورفع القارات بتمددها ... الحرارة، المتولدة والمدعومة بدون احتراق عند مسافة تبعد عن كل المصادر الأخرى التي تكون منها الحرارة موجودة لتستمر، هي مادة أولية ليس لنا اطلاع عليها؛ حيث لا نستطيع أن نقر بمجرد وجودها لأن مثل هذا الافتراض قد يخولنا من تفسير مظاهر معينة، ثم تابع المؤلف بالسؤال كيف، حتى لو كانت فكرة الحرارة المركزية بدون نار مقبولة، فإن قوة الحرارة يمكن أن تختلف من حالة الهجوع إلى حالة النشاط الضروري من أجل رفع القارات.» # 39 # إن أي شخص يحاول تفسير أصل نظرية هوتون ستصادفه المصاعب من البداية، الصعوبات التي هي أصلا كبيرة جدا في عمل هوتون. هوتون مشتهر بصعوبة القراءة، والتأثير الرئيس لأفكاره الجيولوجية كان مصاغا من خلال ms280 «ترجمة» قام بها صديقه جون بلايفير. لكن بما أن عمل بلايفير «ترجمة» كاملة أقل من التفسير، فإن الطالب سيكون بعيدا عن الاتصال بسلسلة كاملة من أفكار هوتون. كما أن دراسة هوتون كانت محدودة بشكل رئيس بالنسبة لمختلف نسخه عن نظرية الأرض، وكما يخبرنا بنفسه، أنه ليس مهتما بالأسباب إنما بالتأثيرات. كتب هوتون عملين موسعين آخرين هما: مقالات مطولة في موضوعات مختلفة عن الفلسفة الطبيعية وبحث في مبادئ المعرفة، واستمرارية السبب، من الإحساس إلى العلم والفلسفة. مع ذلك لا يمكننا القول الآن بأن هذه الأعمال الثلاثة مرتبطة بزمن، مع أنه يبدو من المعقول افتراض بأن الثلاثة مرتبطة بشكل كاف بمفهوم لتبرير فحصها سوية بالنسبة إلى أصول أفكار الجزء الرئيس لنظرية هوتون الجيولوجية. # 40 # سعدي كارنو (القرن 19م) # كان سعدي كارنو يرى أن كل شخص يعلم أن الحرارة يمكن أن تسبب الحركة. ولا أحد يرتاب في أنها تمتلك قوة محركة ضخمة، في تلك الأيام عندما أصبح المحرك البخاري معروفا في كل مكان، فإن الحركات الواسعة التي تحدث على الأرض تكون ناشئة أيضا عن الحرارة. إنها تسبب تهيجات الغلاف الجوي، وصعود السحب، وسقوط المطر والترسبات الأخرى، وتيارات الماء على سطح الكرة الأرضية، والتي استعمل الإنسان منها حتى الآن جزءا صغيرا فحسب. ~~ أيضا الزلازل والثورانات البركانية تكون نتيجة للحرارة. ويبدو أن كارنو استشعر ضخامة المخزون الحراري الأرضي، وكيف يمكننا أن نستدر من هذا المستودع الهائل القوة المحركة الضرورية لغاياتنا؛ لأن الطبيعة التي تزودنا بمواد قابلة للاحتراق في كل النواحي، قد منحتنا القدرة على إنتاج، في كل الأوقات والأمكنة، الحرارة والقوة الدافعة الناجمة عنها. إن تنمية هذه القوة، وتخصيصها لاستعمالاتنا، هو هدف المحركات الحرارية. # 41 # تشارلز لايل (القرن 19م) # الأفكار التي طرحها هوتون قام بتطويرها أحد مؤسسي علم الجيولوجيا الحديث تشارلز لايل # Ch. ~~ Lyell ~~(1797-1875م)، واستطاع أن يجد لايل دليلا - في كل مكان زاره في القارة الأوروبية - على الطريقة التي تمكنت بها القوى الطبيعية من تشكيل معالم الأرض. # 42 # وقد شرح لايل في كتابه الذي ms281 اشتهر به (أسس الجيولوجيا) كيف أن الأرض تغيرت تدريجيا، وببطء شديد، خلال العصور الماضية، بفعل تفاعلات ما زالت مستمرة. وقد اعتقد كثيرون قبل نشر كتاب لايل، أن التغيرات الأرضية حدثت على شكل ثورات مفاجئة. # 43 # روبرت ماير (القرن 19م) # في كتيبه (الأيض والحركة العضوية) قرر ماير أن حرارة الأرض - التي نشهدها في الينابيع الدافئة والبراكين - تعتبر مكافئا للطاقة الحركية التي انهارت بها الكتل المكونة معا في الوقت الذي تكونت الأرض فيه. وبحساب تقريبي ورشيق ماير يقدر درجة الحرارة الأصل أنها كانت # 27600 # o # C ~~، وهي كافية لأن تصبح الأرض سائلة أو غازية في الواقع. # 44 # اللورد كلفن (القرن 19م) # كان كتاب فورييه يملك مظهرا حديثا، وإذا قورن بكتب أخرى معاصرة له، مثل كتاب كارنو، الذي ظهر في السنة نفسها، والذي يظهر ذلك أن الفيزياء هي أكثر صعوبة من الرياضيات، إلا أن الحقيقة تبقى أن كل سطر من كتاب فورييه يمكن قراءته وفهمه، بينما الأجزاء الضخمة من كتاب كارنو يجب قراءتها، ودراستها بعناية ثم نبذها. كان الشاب وليم طومسون أو اللورد كلفن أحد القراء التواقين لكتاب فورييه. نتائج فورييه أقلقته وفي عام 1862 م كتب: «طوال 18سنة أقلقتني فكرة أن نتائج أساسية في الديناميكا الحرارية قد غفل عنها الجيولوجيون.» # 45 # ثم يثني كلفن على عمل فورييه قائلا: «... ~~ التحليل الجدير بالإعجاب الذي قاد فورييه إلى حلول استعمل نتائجه لتحديد عمر الأرض وهي في الحالة الصلبة، كان ذاك التعبير يخص العالم الألماني ليبنتز في وقت أبكر. ~~ الفكرة السائدة هي أنه في وقت ما في الماضي، كانت الأرض سائلة. بوضوح كان يجب أن تبرد وتصبح صلبة عند ليس أكثر من # 7000F ~~° # قبل أن يمكن أن يبدأ التاريخ الجيولوجي.» ويبدأ كلفن بتحديد متى كان ذلك؛ فقد أعطى فورييه حقل درجة الحرارة في مكانين نصفيين ابتدائيا عند درجات حرارة ~~: # اختار كلفن # F 7000 ∆ # T ~~= ~~° # وفي الواقع أن كلفن كيف حل فورييه من أجل: # درجة حرارة سطحية ثابتة # T # o # للأرض، # القيمة المعروفة للتوصيل الخارجي لفورييه، # القيمة ms282 المعروفة لميل درجة الحرارة الحالي قرب سطح الأرض، # وحسب القيمة المقابلة ل # t # فكانت 100 مليون سنة؛ لذلك فإن التاريخ الجيولوجي للأرض يجب أن يكون أقصر من ذلك. كان العمر من مرتبة المقدار نفسه مثل نتيجة هلمهولتز لعمر الأرض، كانت هيبة كلفن - وربما هلمهولتز - كبيرة حتى إن الجيولوجيين بدءوا يعدلون جداولهم الزمنية للتطور وفق اقتراحاتهم. من ناحية ثانية كان الجيولوجيون غير متأكدين، ولحسن حظهم فقد تكشف لهم في النهاية أن كلا من كلفن وهلمهولتز قد وضعا افتراضات خاطئة. في الواقع، تملك الأرض ضمنها مصدر حرارة بواسطة الانحلال المشع والنتيجة، مهما يفقد نتيجة التوصيل الحراري، فإنه يعوض بواسطة النشاط المشع. مثلا تستطيع الأرض أن تحافظ على درجة حرارتها الحالية لفترة طويلة بدرجة مساوية لما يحتاجه ضمان تاريخ جيولوجي - وبيولوجي - حتى بضعة بلايين من السنين. ومع ذلك فإن كلفن، الذي عاش حتى 1907م، لم يقبل أبدا بتفسير النشاط المشع، لقد تمسك بتنبئه القديم حتى النهاية، يقول أسيموف: «في ثمانينيات القرن التاسع عشر اختار طومسون اللاحركة، وقضى أيامه الأخيرة في حيرة من أمره بشأن الاكتشافات الجديدة.» # 46 # الفصل الثالث # | تطور نظرية الاحتراق والتنفس # مقدمة # يعرف الاحتراق # Combustion # على أنه تفاعل كيميائي ينتج عنه حرارة وضوء. وغالبا ما يتضمن الاحتراق الامتزاج السريع للأكسجين مع وقود من نوع ما ليتولد عنه الاشتعال. وأحيانا تحل بعض المواد الكيميائية كالفلور والكلور محل الأكسجين في عملية الاحتراق. وعندما يمتزج الأكسجين ببطء بمادة أخرى يطلق على التفاعل الناتج اسم الأكسدة، وتعد عملية صدأ الحديد مثالا حيا على عملية الأكسدة. # 1 # إذن حتى يتشكل الاحتراق التقليدي # 2 # لا بد من توفر ثلاثة عناصر: الأكسجين (المأخوذ غالبا من الهواء)، والوقود (أو المادة القابلة للاحتراق)، والحرارة (وسيلة الإشعال كالاحتكاك أو البرق). ~~ والمادة التي تحترق تخضع لتفاعل كيميائي غير معكوس؛ أي لا يمكننا استعادة المادة بعد حرقها كما كانت عليه، فالروابط الجزيئية بين ذرات المادة المحترقة (خصوصا الكربون والهيدروجين والأكسجين) تتكسر صانعة مركبات جديدة. # يشعر الإنسان بالاحتراق عندما تقترب النار من الجلد؛ وذلك ms283 لأن ذرات الجلد تبتدئ في التحرك بسرعة حين ملامستها للحرارة، فكلما ازدادت الحرارة ازدادت حركتها، فإذا تخطت الحرارة المعدل الطبيعي قامت الذرات بكسر الروابط التي تربط بينها. وقد يتحول الهواء إلى نار من خلال النفخ الشديد في جذوة مشتعلة فذلك لأنه يزيد من اشتعالها، وهو ما يعتبر دليلا على أن شيئا من الهواء نفسه يشتعل ويتحول إلى نار. # 3 # ومع حاجة عملية الاحتراق التقليدي إلى عنصر الهواء، ومع كل التقدم الذي أحرزته نظرية الاحتراق من ناحية قدرتها التفسيرية، إلا أن آلية حدوث الاحتراق وما يتعلق به في ظروف انعدام الجاذبية والهواء لا تزال محط أنظار علماء وكالة الفضاء ناسا؛ فقد أجروا تجربة عام 2017 على مركبة فضائية غير مأهولة يستبينون من خلالها كيف تتم هذه العمليات في تلك الظروف، ومن شأن نتائج هذه التجربة أن تساعدهم في تجنب الحرائق التي يمكن أن تحدث في المركبات الفضائية المأهولة مستقبلا. # للنظرية التي تفسر عملية الاحتراق (بغض النظر عن المصدر الحراري) تاريخ طويل حتى تم الوصول إليها، وهو ما سنتعرف عليه في هذا الفصل. وقد حاول كل العلماء ومن مختلف الحضارات أن يقدموا رؤيتهم لتفسير هذه الظاهرة، خصوصا وأنها مسئولة عن تشكل النيران، # كما نسعى من خلال هذا الفصل إلى التأريخ لبداية الكشف عن وجود صلة وعلاقة بين الاحتراق والتنفس منذ أيام اليونانيين مرورا بالعلماء العرب والمسلمين الذين تأكدوا من هذه الصلة تجريبيا في القرن العاشر الميلادي، إلى الأوروبيين الذين توصلوا إلى هذه العلاقة تجريبيا في القرن السابع عشر الميلادي. # المبحث الأول: اليونانيون # يطغى الجانب النظري في أعمال اليونانيين الذين حاولوا تفسير عملية الاحتراق وعملية التنفس على جانبه التجريبي. وقد بدأت ملامح التفسير ترتسم بشكل مشترك بين الأطباء والفلاسفة، خصوصا أرسطو، الذي ستكون له اليد الطولى في ذلك. # أبقراط (القرن 5ق.م.) # كان ثمة إشارة إلى وجود علاقة بين التنفس والتغذية منذ عهد أبقراط؛ فقد كان أبقراط # Hippocrates ~~(توفي 370ق.م.) يرى - كما أخبرنا جالينوس - بأن غاية التنفس هو «النترات والتبريد» والذي عنى به بأن ms284 وجود النترات يمد الحياة الداخلية للكائن الحي بالوقود، وفي الوقت نفسه يمنع الحرارة الداخلية من استهلاك وقودها بسرعة كبيرة بوساطة التبريد. # 4 # أرسطو (القرن 4ق.م.) # أخذ أرسطو بنظرية العناصر الأربعة التي نظمها إمبيدوقليس، ووافق على أن النار أحد العناصر الأربعة التي تتكون منها المادة، وقد فسر الاحتراق بأنه إطلاق النار من المادة. # 5 # ومع تبني أرسطو لنظرية العناصر الأربعة وإضافته للكيفيات الأربع (الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة)، وأن كل عنصر من العناصر الأربعة ينتج عن اتحاد زوجين من هذه الكيفيات (انظر الشكل الآتي)، تأسست نظرية الاحتراق الأرسطية وتم تبنيها من قبل معظم العلماء والفلاسفة اللاحقين من عرب وأوروبيين. # 6 # وفقا لنظرية أرسطو في تكون المادة، وهي النظرية البديلة لنظرية الذرات لديموقريطس، فإن النار لها خاصيتا الحرارة واليبوسة، وللهواء خاصيتا الحرارة والرطوبة، وللماء خاصيتا الرطوبة والبرودة، وللتراب خاصيتا البرودة واليبوسة. من سلبيات هذه النظرية أنها أطلقت شرارة إمكانية تحويل المواد الرخيصة كالحديد والنحاس إلى مواد نفيسة كالذهب والفضة. ~~ (مصدر الصورة والتعليق: الشكيل، علي جمعان، الكيمياء في الحضارة الإسلامية، ص102-103.) # ولبناء نظريته، شرع أرسطو في توضيح أثر الحرارة سواء على الجماد أو الحيوان، فالأجسام لا تحترق إلا لأنها مهيأة للاحتراق، قال أرسطو: «وقد يدل أيضا دلالة عظيمة على أن الحرارة والبرودة فاعلتان أن كل واحدة منهما توجد سببا لكون الأجسام وفسادها، وذلك أن الحرارة يتولد عنها الحيوان ويغتذي، والأجسام التي فيها تهيؤ للاحتراق تحترق ... والحرارة أيضا تبرد بالعرض، ولهذه العلة نجد الاستمرار والنضج في الصيف أقل.» # 7 # وكان أرسطو يرى بأن الجسم المحترق «هو الذي له منافذ تقبل النار، وفيه رطوبة قابلة للأثر منها، وأما غير المحترق فالمضاد له؛ فمتى كان الجسم يابسا، ولم تكن له منافذ تقبل النار، لم يحترق، بمنزلة الجليد والخشب الرطب، وبعض الأجسام المحترقة لا تشتعل منها النار، وهذه الأجسام إما أن تشتعل وحدها، وإما مع جسم، والمشتعلة وحدها منها ما لها جمر، بمنزلة خشب البلوط والزيتون، ومنها ما يفضي إلى الرماد بمنزلة القصب والبردي، وأما التي تشتعل مع ms285 أجسام أخر فبمنزلة الزيت مع الفتيلة والشمع مع البردي.» # 8 # وقد حاول تفسير وتصنيف سبب حدوث عملية الاحتراق في بعض المواد وعدم حدوثها في البعض الآخر إلى أربعة أنواع: ~~(1) # أجسام تحترق وتذوب مثل الشمع، ويعود ذلك إلى وجود رطوبة في كلتا المادتين. ~~(2) # أجسام تنصهر ولا تحترق مثل النحاس، وسبب ذلك استجابة رطوبته للانصهار وعدم استجابتها للاحتراق. ~~(3) # أجسام تحترق ولا تنصهر مثل الخشب، وسبب ذلك استجابة رطوبته للاحتراق وعدم استجابتها للانصهار. ~~(4) # أجسام لا تحترق ولا تنصهر مثل الحجر، وسبب ذلك لأن رطوبته لا تستجيب لا للاحتراق ولا للانصهار. ~~ طبعا ولكل قاعدة شواذ؛ إذ يوجد حجر أسايطس الذي يمكنه أن يحترق إذا سكب عليه زيت، وربما قصد النفط. # قال أرسطو: إن «بعض الأجسام تشتعل وتذوب معا، بمنزلة الشمع، والسبب في ذلك أن بعض رطوبته متصلة وبعضها متبددة، ولهذه العلة يقبل الأثرين جميعا، وإذا أفرد وحده ذاب، وإذا تركب مع البردي اشتعل. وبعضها يذوب ولا يشتعل، بمنزلة النحاس؛ فإن هذا بسبب تبدد الرطوبة فيه يجيب إلى الذوبان ولا يجيب إلى الاشتعال. ~~ ومنها مشتعلة غير ذائبة، بمنزلة الخشب؛ فإن هذا لسبب اجتماع الرطوبة التي فيه يجيب إلى الاشتعال ولا يجيب إلى الذوبان. وبعضها لا يشتعل ولا يذوب، بمنزلة حجر المطر وسائر الأجسام التي لا توجد فيها رطوبة - لا مجتمعة ولا متفرقة - خلا الممسكة لأجزائها مثل الحجر المسمى باليونانية أسايطس؛ # 9 # فإن هذا الحجر لا يحترق إذا كان مفردا بسبب يبسه، فمتى سكب عليه زيت احترق لأنه رطب.» # 10 # وقد أكد أرسطو في مواضع أخرى على نظريته في احتراق المواد، متوسعا في الأمثلة التي طرحها والحالات التي تكون فيها نسبة كيفية الرطوبة أو الهوائية أو اليبوسة زائدة عن الحد «فأما الخشب فإنه يحترق بالنار ولا ينحل ولا يذوب؛ لأن الغالب عليه الهواء والأرض لا المائية والأرض. والدليل على ذلك أنه يطفو على الماء ما خلا خشب الأبنوس فإنه يغرق لأن الأرضية أغلب عليه من الهوائية، والدليل على ذلك سواد لونه.» # 11 ~~«وبعض الأشياء تحترق بالنار ms286 وتشتعل بها كالخشب والصوف والعظام، وما أشبه ذلك من الأجسام التي منافسها ومجاريها الطبيعية غير مضادة للنار، بل شبيهة بها فتحترق لمخالطة النار إياها، وأما ما كان رطبا مفرطا في الرطوبة فإنه لا يحترق ولا يشتعل كمثل الجليد والثلج وما أشبه ذلك. وبعض الأجسام تنحرق وتفسد وتصير يابسة أرضية إذا عادت رطوبتها بخارا، وبعضها يصير ريحا وبخارا بالنار كالدهن وما أشبهه. والبخار هو هواء محتقن في الجسم الخارج منه غائص فيه مخالط لقوة ذلك الجسم، وقد يقال إن ذلك الجسم يحترق إذا كان ممكنا أن يصير رمادا. والتي تحترق فهي الأجسام الجامدة بالحر والبرد، فأما المحترقة بالحرارة الجامدة فالعظام وما أشبهها . وأما المحترقة الجامدة بالبرد فكالأحجار المحترقة والمتكلسة.» # 12 # أما موقفه من عملية التنفس فقد أوضحه أرسطو قائلا: «لا يمكننا أن نقبل الفكرة بأن الغرض من التنفس هو التغذية، وبذلك يعني بأن النار الداخلية تغذيها النفس، وأن التنفس هو إلقاء الوقود في الفرن.» # 13 # وبذلك فإن عملية التنفس التي تحدث عند الكائنات الحية فإن مهمتها دعم الحرارة الحيوية التي هي حالة الحياة. ومن ناحية علم وظائف الأعضاء (الفيزيولوجيا) الأرسطية فإن تشكيل الجسم يتم بوساطة النسل والتغذية، وهو يقدم معيارا لتصنيفه لكل أشياء الحياة الأعلى تلك التي إمدادها للحرارة يسمح للأجيال الولودة والبياضة بأن تتشكل، الروح المغذية الموجودة في الأرواح الحساسة والعاقلة التي «تحرك» كلا من التغذية والنسل وهي متوضعة في القسم الأكثر حرارة من الجسم، في منطقة متوسطة بين تلك حيث يدخل الطعام إليها، وتلك التي يتم إفراغ الطعام منها؛ أي القلب في الحيوانات ذات الدم الحار أو القاني. النار هي في القلب الذي يغذيه الوقود وهذا معني به الطعام الذي يتصاعد على شكل بخار. إذا استهلكت النار الوقود أسرع من المعدة يمكن استبدالها أو إذا كانت النار مستعرة، فإن الأعضاء الحية تموت من الإنهاك. لمنع هذا، يجب الإبقاء على النار ضمن روابط. ~~ هذه هي وظيفة التنفس، إنه يقوم بتلطيف حرارة القلب بالتبريد، بالإضافة إلى أن جالينوس تصور تلك الحركات ms287 التنفسية زفرت أبخرة بادية، والتي ما عدا ذلك فإنها ستتجمع وتخنق اللهب الحيوي التي نشأت منه. # إن اعتماد الحياة على الحرارة والتنفس ضمن نشاط التغذية تصوره علم وظائف الأعضاء القديم والذي عبر عنه أرسطو كما يأتي: «النسل هو أساس المشاركة، وهو توسط بالمادة الخام الدافئة، في نشاط التغذية، والحياة هي صيانة هذه المشاركة؛ الشباب هو فترة نمو العضو الأولي للتبريد، والشيخوخة انحدارها، في حين أن الزمن الفاصل مقتبل العمر». تتفاوت آلية التنفس؛ حيث إن الحيوانات الشاحبة تنتج حرارة طفيفة جدا ليس لها ترتيبات خاصة ضرورية لتبريدها؛ إذ إن استحماما بسيطا على أدمتها بوساطة الهواء أو بالماء يكون كافيا عادة. أما الحيوانات ذات الدم الحار فهي ذات طبيعة أسخن وتتطلب آلية خاصة، كما في الأسماك وخياشيمها والتي تسبح بالماء؛ ولهذا في الطبيعة فإن الحيوانات الأسخن أكثر نبلا وذات رئات يغمرها الهواء، يشبه عمل الرئتين كيرين؛ عندما تصبح الحرارة في القلب زائدة، تسبب التمدد للرئة المجاورة مباشرة، ويتدفق الهواء البارد فيها ويخفف من الحرارة، وتهمد الرئة والهواء المستنشق والذي قد سخنه الاتصال بالدم تم زفره. ثانيا: ترتفع الحرارة وتتكرر العملية. ~~ فيما بعد وفي عصر جالينوس هذا التفسير المبدع عن التنفس والزفير نبذتهما فكرة استندت على الفعل العضلي. على أي حال، فإن وظيفة التنفس في التعاليم القديمة كان للمحافظة على لهب الحياة من الاستنفاد، وذلك بالحرارة المفرطة، ومن خنقه بالأبخرة الظاهرة. # 14 # هذه الأفكار سيكتب لها الظهور في الأدبيات العلمية العربية والأوروبية، لكن مع تعديل وتفصيل أكثر أهمية. # بيرو (القرن 3ق.م.) # ظهر تيار الفلسفة الشكية في الفترة الهلينستية، وقد انتشر هذا المذهب على امتداد القرنين الرابع والثالث قبل الميلاد، ثم راج في القرنين الأول والثاني للميلاد. وقد انطلق الشاك من تعليق الحكم، أو التوقف عن تفضيل أحد الحكمين المتناقضين على الآخر، فالحكم ونقيضه متعادلان عندهم. ويعد بيرو Pyrrho ~~(حوالي 365-275ق.م.) رائد المدرسة الشكية؛ فقد اعتبر أن الإنسان الذي يطمح لبلوغ السعادة، عليه أن يجيب على الأسئلة الآتية: ~~(1) # مم تتألف الأشياء؟ ~~(2) # كيف يجب أن ms288 يكون موقفنا منها؟ ~~(3) # ما الفائدة التي نجنيها من موقفنا؟ # كما ناقش في إطار فلسفة الشك خاصية الإحراق في النار؛ إذ من البديهي أن يسلم الإنسان بوجود خاصية الإحراق في النار، ولكنه قد يعجز عن إطلاق حكم لماذا تملك هذه الخاصية. قال بيرو: «إن الشك يقر بأن الشيء الفلاني يبدو لنا أبيض، وأن العسل يبدو حلو المذاق، وأن النار تحرق، ولكنه يمتنع عن الحكم بأن الشيء الفلاني أبيض بحد ذاته، أو أن العسل حلو، وأن من طبيعة النار أن تحرق.» # 15 # أبولونيوس التياني (القرن 1م) # قدم لنا أبولونيوس التياني ربما أول إشارة مباشرة لوجود علاقة بين النار والهواء عند بدء عملية الإشعال؛ حيث إن الأصل في تسمية النار هو انقداحها من الهواء، وهكذا يصبح سبب حمرة النار هو الهواء الذي يستمد هذه الخاصية من الرطوبة واللين، قال أبولونيوس: «إنما سميت النار نارا لما اقتدحت من الهواء؛ ولذلك سمى قرسطوفر وإرسانوس # 16 # محدث العجائب، يعني الهواء احمر وزعم أن النار لا تحمر أبدا دون أن تتصل بالهواء، فعلة حمرة النار الهواء، وعلة الهواء الرطوبة وعلة الرطوبة اللين وعلة اللين الحر، فجميع الأشياء إنما تكونت من الحر الذي هو الجوهر الباقي، وما كان سواه فهو فان زائل.» # 17 # المفيدروس (القرن 6م) # اعتقد المفيدروس # Olympiodorus ~~(توفي نحو 570م) أن شدة الحرارة وجفافها هو السبب في عملية الاحتراق، والتي غالبا ما تكون سطحية، وقد بنى اعتقاده على نظرية أرسطو في العناصر والكيفيات الأربع. كما عزز كلامه بضرب مثال المادة المشوية حيث إن سطحها يتأثر بشدة الحرارة أكثر من عمقه، قال المفيدروس: «الشي يكون عن حرارة يابسة بفعل رطوبة ذلك المشوي، والمشوي بالصناعة يصير قبوله للشي على الاستواء في جميع أجزائه؛ وذلك أن النار بسبب قوة حرارتها ويبسها تحرق ظاهره بسرعة فيتكاثف سطحه، ولا يمكنها أن تغور في عمقه.» # 18 # المبحث الثاني: الصينيون # ترتكز فكرة الاحتراق في الفكر العلمي الصيني على أن الأشياء تقبل ما هو مماثل لها وترفض ما هو مخالف، فإذا تعرضت قطعتان متماثلتان ms289 من الخشب للنار فإن النار ستتجنب القطعة الرطبة وتشعل القطعة الجافة. وهذا نوع من التناغم والتجاوب بالرنين. # 19 # المبحث الثالث: العلماء العرب والمسلمون # فعل الحرق من الناحية اللغوية العربية يفيد معنى احتكاك جسم بآخر مع ظهور حرارة، وهو يقترب من المفهوم الاصطلاحي العلمي، كونه يشير إلى توليد الحرارة التي يرافقها لهب؛ فقد ورد في معجم مقاييس اللغة لابن فارس مادة «حرق»: «الحاء والراء والقاف أصلان؛ أحدهما حك الشيء بالشيء مع حرارة والتهاب، وإليه يرجع فروع كثيرة. والآخر شيء من البدن. فالأول قولهم حرقت الشيء إذا بردت وحككت بعضه ببعض. والعرب تقول: «هو يحرق عليك الأرم غيظا» وذلك إذا حك أسنانه بعضها ببعض. والأرم هي الأسنان.» # 20 # أما من الناحية الاصطلاحية العلمية، فقد ميز العلماء العرب والمسلمون علميا بين مصطلحين هما «الاحتراق» و«الإحراق»؛ إذ يقول أبو عبد الله الخوارزمي في كتابه (مفاتيح العلوم) فيما يتعلق بمصطلح الاحتراق من الناحية الفلكية هو: «أن يكون الكوكب مقارنا للشمس وبينهما أكثر من دقائق التصميم.» # 21 # وقد شرحه البيروني بمعنى اختفاء الجرم السماوي بسبب نور الشمس كما في كتابه (القانون المسعودي) أن «الكوكب العديم العرض من الكواكب الثابتة، فإذا لحقته الشمس وقارنته كان محترقا، ولكن أصحاب الصناعة قلما أوقعوا هذا الاسم على الثوابت من أجل أن احتراق الكوكب هو تشبيه لخفائه في الشعاع المشبه باللهيب بالشيء المدخل للنار وحصوله مع الشمس وصولا إلى صميم الجحيم، وما كثر عرضه في الشمال فغير مختف بالشعاع.» # 22 # وقد استخدم مصطلح «الاحتراق» من قبل الكيميائيين أيضا للتعبير عن عملية الحرق إذ يقول الجلدكي في كتابه (البرهان): «إن في بيان حقيقة المماثلة ما تراه من مماثلة الكبريت للنار العنصرية في الحرارة، واليسر لسرعة قبوله لها واحتراقه بها بخلاف بقية الأدهان، وإن كانت قابلة للاحتراق بالنار فلا تحترق إلا بالتدريج لمقارنتها النار بما فيها من الرطوبة الزائدة على رطوبة الكبريت مع برودة ما.» # 23 # كما استخدم مصطلح الإحراق - من الناحية الفيزيائية - ليعبر عن فعل وأثر النار في الأجسام القابلة للحرق. وقد ms290 كانت تتم تفسيرات بعض العلماء العرب والمسلمين لظاهرة الإحراق اعتمادا على نظرية الكيفيات الأربع السائدة في ذلك الوقت، وتجنب بعضهم الآخر الاعتماد عليها. # أما بخصوص عملية التنفس وما يرافقها من تغير في طبيعة الهواء وأنها تشبه عملية الاحتراق، فإن الطوسي والجلدكي والإيجي وغيرهم، ميزوا بين مفهومي «الحرارة الغريبة» التي تكون من خارج الجسم، و«الحرارة الغريزية» التي تكون من داخل الجسم الحي. وسنجد لاحقا أن التميمي وابن سينا قد أدركا هذه الحقيقة وعبرا عنها بمصطلحات عصرهما وبطريقة أفضل من اليونانيين. # الإمام جعفر الصادق (القرن 2ه/8م) # قد يكون الإمام جعفر الصادق (توفي 148ه/765م) أول من خرج على نظرية أرسطو في العناصر الأربعة، معتبرا أنه لا بد وأن الهواء وبقية العناصر، مكونة من أجزاء أخرى وليست عناصر أساسية كما يقول أرسطو ، والجزيئات التي يتركب منها الهواء تحديدا ضرورية للتنفس ولبقاء الحياة والاحتراق. # 24 # ويرى أحد الباحثين أن جعفرا الصادق قام بإجراء تجارب قادته للتوصل إلى النتيجتين الآتيتين: # 25 ~~(1) # وجود عنصر في الهواء، لم يسمه جعفر، يفوق بأهميته للحياة والتنفس العناصر الأخرى المكونة للهواء. ~~(2) # هذا العنصر قادر بمرور الوقت على التغيير على الأشياء (من ناحية فسادها وتحللها وتآكلها) والتأثير فيها. # لكن الدعوى الحماسية التي قدمها الباحث أعلاه تفتقر إلى الدليل؛ فهو لم يذكر لنا في أي كتاب عثر على ذلك، وما هو النص الذي جعله يقدم دعواه السابقة تلك. نحن نعلم أن الإمام كانت له ميول نحو الكيمياء، وربما اطلع على كتب ابن خالته خالد بن يزيد الذي كان له اهتمام واسع بالكيمياء القديمة والصنعة، واستقى ثقافته العلمية منها، # 26 # لكننا لا نستطيع التأكيد على وجود أية رسالة أو عمل علمي قام بتأليفه الإمام جعفر، باستثناء ما ينسب إليه. # 27 # جابر بن حيان (القرن 3ه/9م) # لم يتقبل جابر بن حيان نظرية إنبادوقليس # 28 # وأرسطو في تفسير عملية الاحتراق التي تنال الأجسام، فأدخل عليها بعض التعديل بإعلانه نظرية الزئبق والكبريت البديلة، والتي شرحها في الكثير من أعماله، مثل كتاب الإيضاح، وكتاب المائة وغيرهما. # 29 # وهي ms291 النظرية التي تميز بها جابر عن أسلافه الهلينستيين، فالزئبق يحوي على عنصري التراب والماء، أما الكبريت فيحوي على النار والهواء، وبذلك بات الزئبق والكبريت يحويان على العناصر الأربعة. # 30 # ومفاد نظرية الزئبق والكبريت الجابرية - كما يلخصها لنا هولميارد - أن المعادن لها مقومان (دخان أرضي) و(بخار مائي)، وتكثيف هذه الأبخرة في جوف الأرض ينتج الكبريت والزئبق، وباجتماعهما تنتج المعادن، وتنجم الاختلافات بين المعادن الأساسية بسبب الاختلاف في النسب التي يدخل بها الكبريت والزئبق في تكوينها؛ ففي الذهب تكون نسبة الكبريت إلى الزئبق متساوية، وفي النحاس يكون فيه العنصر الأرضي أكثر من الفضة. ونظرا لوجود مقومات مشتركة بين المعادن، فإن تحويل بعضها إلى بعض يصبح أمرا ممكنا، وعندما يقوم الكيميائي بهذا التحويل فإنه يؤدي خلال وقت قصير، ما تؤديه الطبيعة في وقت طويل؛ ولذلك يقال: إن الطبيعة تستغرق ألف سنة لصناعة الذهب. لكن يجب التنبه إلى أن جابرا لم يأخذ نظرية الكبريت والزئبق هذه مأخذا حرفيا ظاهريا، وإنما فهمها على أنها صورة تقريبية لما يحدث (أي تشبيه لما هو غائب بما هو معروف)؛ فهو يعلم تماما بأن الزئبق والكبريت العاديين إذا تفاعلا مع بعضهما لن ينتجا سوى الزئبق الأحمر، لذلك فإن المقصود بالكبريت والزئبق عنصران افتراضيان تتكون منهما المعادن ويكون الكبريت والزئبق المألوفان أقرب مادتين إليهما، # 31 # وإلى الأفهام بشكل عام. # وهكذا فإن «الزئبق الافتراضي» يمثل العنصر الأصلي في المعادن، والباعث على لمعانها وقابليتها للطرق، أما «الكبريت الافتراضي» فيدل على العنصر المحترق والملون. # 32 # وانطلاقا من تحديده لخصائص «الكبريت الافتراضي»، فإن زيادة نسبة الكبريت في المعدن تكسبه صلابة أكثر، ويصبح أخف وزنا، وهشا، وأكثر قابلية للصدأ. أما إذا زادت نسبة «الزئبق الافتراضي» في المعدن فإنه يصبح أثقل وزنا، وأكثر ليونة، وأقل قابلية للصدأ. # 33 # ويرى هولميارد أن نظرية جابر في الاحتراق تعد تقدما واضحا على النظريات العلمية السابقة لليونانيين، وأصحاب مدرسة الإسكندرية. # 34 # وعلق مؤرخ العلوم جورج سارتون على هذه النظرية بقوله: منذ أن شرع المسلمون يتشككون في النظريات الكيميائية القديمة بدأت ms292 مرحلة وصولهم إلى مستوى عال من التفكير الكيميائي. ومع أن هذه النظرية عديمة القيمة من الناحية العلمية في كيمياء القرن العشرين، إلا أنها تمثل إضافة علمية، وتطويرا لنظرية العناصر الأربعة، ومحاولة أخرى لفهم طبيعة المادة، كما تدل بشكل واضح على معرفة جابر بن حيان، والكيميائيين المسلمين من بعده، لخصائص وصفات المعادن من ناحية الصلابة والليونة، ومن ناحية قابليتها للصدأ أو مقاومتها له، كما تشير إلى نضج رائد في التفكير العلمي والتجريبي. والدلالة على قوة نظرية جابر هو انتشارها والاعتماد عليها حتى القرن 18م. # 35 # والواقع أن سبب اختيار جابر لهذين العنصرين بالتحديد دون غيرهما ليكونا ركيزة نظريته، هو استخراج معظم المواد المعروفة في عصره من كبريتيداتها عن طريق التحميص (الشي)؛ حيث كان غاز الكبريت ينطلق أثناء عملية التعدين. ~~ ونظرا لوجود الزئبق ملغما مع أكثر العناصر المعروفة أيضا، فهو يتحد ببعضها كيميائيا عن طريق تكون آصرة معدنية، فيغير من خصائص المعادن نفسها، ويظهرها بمظهر آخر. وقد تحدث جابر نفسه عن ذلك في كتابه (الخواص الكبير). # 36 # ناقش جابر أيضا في رسالة «كتاب الإحراق» كيفية تأثير النار الخارجية على عمليتي التكليس والتصعيد، وكيف تقوم النار هنا بدور المخلص للمواد من خلال حرقها للشوائب، فقال: «واعلم أن هذا الحرق يا أخي في علم الصنعة لا بد منه - وحق سيدي - في كل شيء حتما ضرورة منها في الجوانيات والبرانيات، وأنه مخصوص به الأجساد؛ لأن الإحراق ابتداء التكليس، والتكليس لا يكون إلا للأجساد، وقد تقدم القول في كتاب الإحراق من هذه الكتب إن الإحراق يكون حسيا وعقليا، وإن ما كان منه حسيا فهو إحراق الجسد، وما كان عقليا فهو إحراق النفس، غير [أن] ابتداء التكليس يا أخي ليس هو تكليسها، فاعلم ذلك. والنفوس والأرواح لا تحتمل التكليس إذ إن التكليس لا يكون إلا بشدة النار، والأرواح لا تحتمل شدة النار لأنها نافرة عنها هاربة منها، ولأن التكليس أيضا إنما يراد به إفساد أوساخ الأجساد وإحراقها كلها ليطهر وينقى خاليا صافيا. والروح ليس فيها مثل علة ms293 الجسد، وإنما احتاجت إلى ابتداء التكليس ليكون إذا فعل بها ما يجري مجرى التكليس للجسد.» # 37 # ويقصد جابر هنا بالأجساد المعادن السبعة (الفضة والذهب والنحاس والحديد والأسرب والرصاص والخارصين) # 38 # التي تثبت عند معالجتها بالنار، وتمتاز بأنها منطرقة، أما الأرواح فهي المواد غير الثابتة في النار؛ أي التي تتطاير أو تتسامى لدى تعرضها للحرارة، مثل الزاج الأزرق والأسود والشب والنشادر والكبريت والزئبق والزرنيخ. # 39 # إبراهيم النظام (القرن 3ه/9م) # فسر النظام عملية الاحتراق انطلاقا من نظريته في الكمون # 40 # التي جاء بها، وأن الجسم ينجذب لمثيله. مثلا العود الذي يحترق فإن النار الكامنة فيه تقوى وتشتد بالنار التي تأتيه من الخارج. وبذلك فإن التوازن الكائن بين مكوناته من ماء وخشب وطعم ولون يبدأ بالانهيار، وهنا يحدث ما يأتي: # 41 # البرودة المحسوسة الموجودة في العود تنجذب إلى الأرض أو الهواء حيث مستقرها الدائم. # الحرارة الكامنة التي لم نكن نشعر بها تثيرها النار الخارجية وتحررها؛ لكن هذا لا يعني أن البرودة هي التي منعتها طيلة ذلك الوقت، إنما منعها اتحاد كل العناصر الأخرى من الظهور. # أي إن ما يساعد على احتراق المواد هو وجود النار الكامنة بداخلها التي تتحد مع النار الخارجية وبذلك تتم عملية الاحتراق، وهو لا يشير هنا إلى أي دور للهواء كوسيط في هذه العملية. والتفسير نفسه ينطبق على الأشعة الحرارية المحرقة للشمس؛ فهي تعمل على إخراج النيران الكامنة في الأجسام القابلة للاحتراق، طبعا ولا تفعل في الأجسام غير القابلة للاحتراق؛ نظرا لوجود موانع تمنعها من القيام بعملها، لكن لدى زوال الموانع فإنها ستحترق. # قال الجاحظ نقلا عن النظام: «وكان أبو إسحاق يزعم أن احتراق الثوب، والحطب، والقطن إنما هو خروج نيرانه منه وهذا هو تأويل الاحتراق، وليس أن نارا جاءت من مكان فعملت في الحطب، ولكن النار الكامنة في الحطب لم تكن تقوى على نفي ضدها عنها، فلما اتصلت بنار أخرى واستمدت منها قويتا جميعا على نفي ذلك المانع، فلما زال المانع ظهرت فعند ظهورها تجزأ الحطب وتجفف وتهافت ms294 لمكان عملها فيه، فإحراقك للشيء إنما هو إخراجك نيرانه منه. وكان يزعم أن حرارة الشمس إنما تحرق في هذا العالم بإخراج نيرانها منه، وهي لا تحرق ما عقد العرض وكثف تلك النداوة؛ لأن التي عقدت تلك الأجزاء من الحر أجناس لا تحترق كاللون والطعم والرائحة والصوت، والاحتراق إنما هو ظهور النار عند زوال مانعها فقط.» # 42 # أبو بكر الرازي (القرن 4ه/10م) # أدرك أبو بكر الرازي ضرورة وجود الهواء الجوي كوسيط فعال في عملية الاحتراق، وقد استدل على ذلك من ظاهرة ضرب الحجر بالحديد، وتطاير الشرر بينهما الذي يولد النار، طبعا دون أن يحترق كل من الحجر أو الحديد. قال أبو بكر الرازي إن: «حدوث النار في الهواء من ضرب الحجر على الحديد إنما يكون لأن الحجر والحديد يصيران الهواء أكثر تخلخلا مما كان عليه حتى يصبح نارا.» # 43 # وما حدث هو تفكك بنية الهواء الكائن بين الحجر والحديد نفسها «وقال: إن ما صار من أجزاء الهيولى متجمعا جدا كان منه جوهر الأرض، وما صار أكثر تفرقا من [جوهر الأرض] كان منه جوهر الماء، ثم إن ما صار أكثر تفرقا من [جوهر الماء] كان منه جوهر الهواء، وما صار أكثر تفرقا من جوهر الهواء كان منه جوهر النار. ~~ وقال: إن ما صار من الماء أكثر تجمعا مما هو عليه تحول أرضا، وما صار منه أكثر تفرقا مما عليه جوهره تحول هواء، وكذلك ما صار من جوهر الهواء أكثر تجمعا مما هو عليه تحول ماء، ما صار منه أكثر تفرقا مما هو عليه تحول نارا. ومن أجل ذلك تظهر النار عند ضرب الحجر بالحديد لأن الهواء الذي يكون بينهما يتفرق ويتمزق. ويتوهم الجاهل أن النار تظهر من الحجر والحديد أنفسهما، ولو كان كذلك لحولت النار الحجر والحديد حارين مضيئين مثلها؛ لأن من خاصية النار أن تحول إلى حالها كل ما يتصل بها.» # 44 # الهمداني (القرن 4ه/10م) # قد يكون ابن الحائك الهمداني أول عالم عربي يقدم لنا دليلا تجريبيا علميا على وجود علاقة ms295 بين الهواء الجوي وعملية الاحتراق. لكنه قبل ذلك قام بإجراء تصنيف للمواد حسب قابليتها للاحتراق، وهو تصنيف مختصر عن تصنيف أرسطو؛ فقد قسم المواد إلى قابلة للاحتراق (مثل القطن والحطب والنفط)، وغير قابلة للاحتراق (مثل الحجر)، ويفسر ذلك تفسيرا جزيئيا منطقيا، فالروابط والذرات بين هذين النوعين مختلفة. # قال الهمداني: «ثم تفعل الطبيعة كل واحد منها على قدر الانفراد فعلا من الأفعال في كلية الأركان، وفي أجزائها، ويقبل كل ركن وكل جزء من أجزائه قوى طبائعها قبولا مختلفا، على قدر ما في طبيعة كل ركن وكل جزء من تلك الطبيعة من القبول، كجميع ما يقبل النار، فإنه متفاضل في القبول على قدر ما فيه من أجزاء النار كالحراق # 45 # يقبل القادحة التي لا يقبلها غيره، والكرة التي تقبل داخل الزند، ثم الكرسفة # 46 # التي تقبل شعل السراج عن بعد من محاذاته، والكبريت والنفط، ثم بعد ذلك الحلفا # 47 # واليراع # 48 # والسخت # 49 # من الحطب، ثم الجزل # 50 # حتى يبلغ الدوح ، # 51 # وكذلك أشياء أخرى لا تقبل النار قبول الحطب؛ إذ ليس فيها من أجزاء ما فيه، ولكن قبول صدفة، كالحجرة التي تصير نورة # 52 # والحجر الذي يصير حديدا، والحديد الذي يصير أسربا # 53 # ومرتكا # 54 # وفضة، والطين الذي يصير فخارا، وآخر يصير حجرا مثل الآجر المحترق. ويقبل الماء النار عن حاجز وتقبل النار الهواء وتقوى به لاتصالها، ولا تبقى في موضع لا هواء فيه». # 55 # وقد أكد على ملاحظته الأخيرة بقوله: «وتقبل النار الهواء وتقوى به لاتصالها ولا تبقى في موضع لا هواء فيه» في كتاب «الإكليل» # 56 # في باب القبوريات، وذلك عندما انتقد خبر رجلين دخلا مغارة وأمضيا فيها وقتا طويلا، وهما يحملان شمعة يستدلان بها على الطريق المتعرجة العميقة وقال: «هذا الحديث فيه زيادة لا تمكن؛ لأنهم ذكروا المسلك في المغارة ثم دخولهم منها إلى هوة وأبيات، فقل به النسيم، ويعجز بها التنفس، ويموت فيها السراج، ومن طباع النفس وطباع السراج أن يحيا ما اتصل بالنسيم، فإذا انقطع في ms296 مثل هذه المغارات العميقة، والخروق المستطيلة، لا يثبت فيها روح ولا سراج.» # 57 # أراد الهمداني أن يقدم دليلا تجريبيا على أن الهواء يقوم بدور مهم في عملية الاحتراق، فافترض إشعال سراج بفتيل جديد، ثم وضع وعاء مقلوبا عليه، بحيث يكون فم الوعاء للأسفل ومغلقا بإحكام من أسفله فلا يمرر أي نسمة هواء للداخل، عندها لن يستمر السراج بالاشتعال طويلا، وإنما سينطفئ. هذه التجربة سبق بها أعضاء الجمعية الملكية البريطانية (الفيزيائيان روبرت بويل وروبرت هوك والطبيب ريتشارد لوير # R. ~~ Lower ~~(1631-1691م)) بأكثر من 700 سنة، عندما أجروا تجاربهم على شمعة وفأر؛ حيث انطفأت الشمعة ونفق الفأر. (مصدر الشكل: من رسم المؤلف.) # ثم يطرح أمثلة واقعية أخرى حدثت مع أشخاص لم يعرفوا كيف يفسرون انطفاء السراج، فنسبوا السبب إلى الجن: «ومن ذلك خرق قلعة ضهر وهو مستطيل جدا، ويقول الناس: فيه مال عظيم، وقد دخله جماعة بالمصابيح والشمع أحدهم أبو محجن بن طريق غلام آل يعفر وكان أميرا يطلب ما فيه من ضنين، فلما تغلغلوا حصرت السرج في موضع انقطاع النسيم، ثم طفئت، وأخذ حاملها بالكظم فنكصوا، وهم يرون أن الجن أطفأت السرج وليس كذلك. ولعل هذا الخرق لا شيء فيه، وإذا بلغت السرج موضع انقطاع النسيم تنشطت السرج لأن النار لاحقة للهواء؛ إذ هو مجانس لعنصرها، والدليل على ذلك: أنك لو أخذت سراجا وملأته زيتا صافيا أو سليطا، # 58 # وصيرت فيه ذبالة # 59 # جديدة، وألقيت على ظهر مستوي السطح، ثم قلبت على السراج مكبا لا خلل فيه، وطينت على ما يتخلل من النسيم من بين خروقها ووجه السطح، لمات السراج مكبا إذا انقطع عنه النسيم». # 60 # ثم يقدم الهمداني دليلا عمليا إضافيا لضرورة وجود الهواء من أجل عملية الاحتراق: «ومن ذلك أن التنور تسجر # 61 # للهريس والفرني والمشوي من الحملان والجدار ويكثر جمرها، فإذا ختم عليها طفئت بالنار، ورجع الجمر فحما، ولم يبق النضج إلا بالتهر، # 62 # فإذا فتحت لم تجد نارا، ولم تجد إلا حرارة التهر الواصلة من الجدار وأسفل ms297 التنور.» # 63 # الصفحات التي وردت فيها أفكار الهمداني في الاحتراق. (مصدر الصورة: الهمداني، الحسن بن أحمد، كتاب الإكليل، ج8، مخطوطة في مكتبة جامعة برنستون، رقم ~~(oct382) ~~، ص61-62.) # وبذلك فإن الهمداني برهن بشكل قاطع على وجود علاقة الهواء الجوي باحتراق الأجسام، قبل ظهور أي نظرية مماثلة في أوروبا بنحو ستة قرون. # الفارابي (القرن 4ه/10م) # خاصية قابلية الاحتراق في الأجسام ناقشها الفارابي، وأكد على ضرورة توفر هذه الخاصية حتى تتم عملية الاحتراق، وإلا فإنها لن تحدث، وقد قال في ذلك: «قد يظن بالأفعال والآثار الطبيعية أنها ضرورية كالإحراق في النار والترطيب في الماء والتبريد في الثلج، وليس الأمر كذلك. لكنها ممكنة على الأكثر؛ لأجل أن الفعل إنما يحصل باجتماع معنيين؛ أحدهما تهيؤ الفاعل للتأثير، والآخر تهيؤ المنفعل للقبول، فحيثما لم يجتمع هذان المعنيان لم يحصل فعل ولا أثر البتة، كما أن النار، وإن كانت محرقة، فإنها متى ما لم تجد قابلا متهيئا للاحتراق لم يحصل الاحتراق، وكذلك الأمر في سائر ما أشبههما، وكلما كان التهيؤ في الفاعل والقابل جميعا أتم كان الفعل أكمل. ~~ ولولا ما يعرض من التمنع في المنفعل لكانت الأفعال والآثار الطبيعية ضرورية.» # 64 # التميمي المقدسي (القرن 4ه/10م) # لاحظ محمد التميمي تشابها كبيرا بين عملية احتراق الأجسام وعملية التنفس، وقد حاول أن يشرح آلية التنفس التي تحدث عند الإنسان والأساسية لحياته؛ ففي الشهيق تدخل الرئة هواء باردا وفي الزفير تطرح هواء ساخنا ناجما عن احتراق من نوع ما أشبه بالنار التي تستمد وجودها من الهواء الجوي وتطرح أبخرة وأدخنة، وإذا بلغت نسبة هذه الأبخرة والأدخنة في الجسم أكثر من قدرة الرئة على الطرح حدث الاختناق والموت، مثلها في ذلك مثل الحطب المتراكم على النار الضعيفة غير المطفأة، فهي تعس عسيسا ويصدر لها دخان أكثر من شعلة النار؛ قال التميمي: إن «حياة الإنسان وبقاؤه في هذا العالم بالتنفس الكائن عند حركة الرئة الدائمة الترويح على القلب بإخراجها عنه هواء حارا وإدخالها إليه بالتنفس هواء باردا تحيا به الحرارة الغريزية كحياة النار ms298 بالهواء، فإذا استحال برد الهواء الذي يستنشق بما يتصعد إليه من تلك الأبخرة فصار دخانيا فاسدا أشد حرا مما تخرجه الرئة عن القلب بالتنفس ودام جذبها إياه ساعة أطفأ الحرارة الغريزية التي مسكنها القلب وأماتها، كالذي يفعل حر الشمس بالنار الموقدة من إضعاف قوتها وإماتتها عند ركود الرياح، وكالذي يفعله الحطب المتراكم على النار الضعيفة من إطفائها.» # 65 # إخوان الصفا (القرن 4ه/10م) # أدرك إخوان الصفا وجود علاقة بين اشتعال السراج والهواء، وقد استدلوا على هذه العلاقة بما يتعرض له عمال المناجم والمنقبون عن المعادن. # قال إخوان الصفا: «وأما سطح كرة النسيم مما يلي الأرض فتبين أنه متداخل الأجزاء أيضا إلى عمق الأرض، بحسب تخلخل الأجزاء الأرضية إلى نهاية ما، ثم يقف ولا يدخل إلى أكثر من ذلك. ومن الدليل على ذلك ما يعرض لحافري المعادن إلى أسفل حتى إنهم ربما يحتاجون لترويح النسيم هناك بالمنافيخ والأنابيب، ليستنشقوا النسيم وتضيء سرجهم هناك، فمتى انقطع النسيم لعارض طفئت سرجهم واختنق من كان في المعادن فمات، ولا يمكن أن يكون في المواضع التي لا يخترقها النسيم حيوانات كما بينا في رسالة الحيوان.» # 66 # ابن سينا (القرن 5ه/11م) # انطلاقا من خبرته في الطب والطبيعيات، حاول ابن سينا أن يفسر عملية التنفس التي تحدث عند الإنسان، معتبرا أن الهواء الجوي يقوم بدور رئيس فيها. وقد كان شرح ابن سينا للعملية مفصلا أكثر من التميمي، من الناحية الفيزيولوجية، إلا أن التميمي تشبيهاته تقرب الفهم أكثر. # عملية التنفس عند ابن سينا تتم بحركتين ووقفتين تشبه في ذلك النبض، إلا أنها تختلف عن النبض بكونها حركة إرادية في حين أن النبض ليس كذلك. وقد حدد الهدف من عملية التنفس هو تزويد الرئة بالهواء البارد لتزود به القلب الذي يجري عملية مبادلة معه فيطرح البخار الدخاني إلى الرئة ليخرج مع الزفير؛ قال ابن سينا: «يتم [التنفس] بحركتين ووقفتين بينهما على مثال ما عليه الأمر في النبض، إلا أن حركة التنفس إرادية يمكن أن تغير بالإرادة عن مجراه الطبيعي، والنبض ms299 الطبيعي صرف، والغرض في التنفس أن يملأ الرئة نسيما باردا حتى يعج النبضات القلبية، فلا يزال القلب يأخذ منه الهواء البارد، ويرد إليه البخار الدخاني إلى أن يعرض لذلك المستنشق أمران؛ أحدهما استحالته عن برده ما يجاوره، وما يخالطه، واستحالته عن صفاته بمخالطة البخار الدخاني له، فحينئذ يزول عنه المعنى الذي يصلح لاستمداد النبض منه، فيحتاج إلى إخراجه والاستدلال منه.» # 67 # ويبدو أن ابن سينا قد لاحظ بأن الهواء الداخل للرئتين يختلف عن الهواء الخارج من الرئتين، وذلك لدى دراسته مفهوم الشهيق (الترويح) والزفير (التنقية)، حيث إن كلا منهما يسهمان بتعديل المزاج لدى ارتفاع الحرارة إضافة للتخلص من الهواء الفاسد. # قال ابن سينا: «الهواء عنصر لأبداننا وأرواحنا، ومع أنه عنصر لأبداننا وأرواحنا فهو مدد يصل إلى أرواحنا ويكون علة إصلاحها لا كالعنصر فقط لكن كالفاعل؛ أعني المعدل. وقد بينا ما نعني بالروح فيما سلف، ولسنا نعني به ما تسميه الحكماء النفس. وهذا التعديل الذي يصدر عن الهواء في أرواحنا يتعلق بفعلين هما الترويح والتنقية، والترويح هو تعديل مزاج الروح الحار إذا أفرط بالاحتقان في الأكثر وتغيره، وأعني بالتعديل التعديل الإضافي الذي علمته وهذا التعديل يفيده الاستنشاق من الرئة ومن منافس النبض المتصلة بالشرايين. والهواء الذي يحيط بأبداننا بارد جدا بالقياس إلى مزاج الروح الغريزي، فضلا عن المزاج الحادث بالاحتقان، فإذا وصل إليه صدمه الهواء وخالطه ومنعه عن الاستحالة إلى النارية والاحتقانية المؤدية إلى سوء مزاج يزول به عن الاستعداد لقبول التأثر النفساني فيه الذي هو سبب الحياة، وإلى تحلل نفس جوهره البخاري الرطب. وأما التنقية فهي باستصحابه عند رد النفس ما تسلمه إليه القوة المميزة من البخار الدخاني الذي نسبته إلى الروح نسبة الخلط الفضلي إلى البدن. ~~ والتعديل هو بورود الهواء على الروح عند الاستنشاق والتنقية بصدوره عنه عند رد النفس؛ وذلك لأن الهواء المستنشق إنما يحتاج إليه في تعديله أول وروده أن يكون باردا بالفعل، فإذا استحال إلى كيفية الروح بالتسخين لطول مكثه بطلت فائدته فاستغني عنه. واحتيج إلى ms300 هواء جديد يدخل ويقوم مقامه فاحتيج ضرورة إلى إخراجه لإخلاء المكان لمعاقبة، ولتندفع معه فضول جوهر الروح، والهواء ما دام معتدلا وصافيا ليس يخالطه جوهر غريب مناف لمزاج الروح فهو فاعل للصحة وحافظ لها، فإذا تغير فعل ضد فعله.» # 68 # ابن حزم الأندلسي (القرن 5ه/11م) # لا يشترط ابن حزم الأندلسي أن تكون النار حاملة للحرارة بشكل دائم؛ إذ يمكن أن توجد نار دون أن تكون لها القدرة على الإحراق، كما أنه لا يشترط أن كل ما هو أحمر أن له قدرة على الإحراق أيضا، ثم يحدد صفة الجسم الذي يمكنه القيام بإحراق غيره من الأجسام بأنه كل عنصر مادي بسيط غير مركب جاف يمكنه الصعود للأعلى ومضيء وطارد للرطوبات يتحول إلى غاز كالهواء الجوي في الوقت نفسه. وهذه الشروط يفرضها التفكير المنطقي وما نراه في عملية الاحتراق. # قال ابن حزم الأندلسي: «ونجد النار مضيئة حمراء حارة، فمن قال إن الضياء علة الإحراق أريناه أشياء مضيئة كالمرايا وغيرها وهي غير محرقة، ومن قال الحمرة علة الإحراق أريناه الدم غير محرق، ومن قال الحرارة علة الإحراق أريناه أشياء تحر الجسم ولا تحرق، فوجب ضرورة ألا يكون شيء مما ذكرناه علة - وهي صفات مطردة كما ترى - لكن كل عنصر بسيط حار يابس صعاد مضيء مصعد للرطوبات قد يسفل بالقهر ويستحيل هواء فهو محرق بلا شك؛ لأن طبيعة العقل تقتضي ذلك، ومن سلك الطريق التي نهينا عنها لم يسلم من حيرة أو تناقض أو تحكم بلا دليل.» # 69 # ونتلمس من كلامه اعتماده على نظرية أرسطو في العناصر، لكنه حاول أن يستدل على وجود حالات قد تخالف ذلك المنطق العام في التفكير. # ابن متويه (القرن 5ه/11م) # يحسب ابن متويه على تيار المتكلمين الذين أوجدوا مصطلحاتهم الخاصة مقابل المصطلحات التي وضعها الفلاسفة والعلماء في محاولة منهم لاستخدام الفلسفة والعلم في الدفاع عن الدين؛ فمصطلح «الاعتماد» الذي يرد كثيرا في كتبهم يقابله مصطلح «الميل» عند الفلاسفة، وهو يعني لدى كل منهما: القوة الخفية التي لا يعرف سببها، ms301 أو السعي والانحدار. # 70 # وقد استخدم هذا المعنى في محاولته لتفسير ظاهرة الاحتراق، مضيفا بذلك عنصرا جديدا هو ارتباط الحرارة بجهة الاحتراق؛ فالاحتراق يكون أشد كلما كانت الحرارة تتجه نحو مكان محدد، كما أن قرب وبعد النار يؤثر على شدة الاحتراق. # قال ابن متويه: «فأما إحراق النار فهو لأجل ما تختص به من الاعتماد دون الحرارة، لأن الحرارة لا جهة لها، فكيف تولد في غير محلها، والإحراق يحصل في غير محل الحرارة؟ ~~ وبعد، فإن الإحراق يحصل بحسب الجهات التي يحصل فيها اعتماد النار، والحرارة حالها مع الجهات سواء، فيجب أن ينصرف التوليد إليه دونها، وبين هذا أن قوة الحريق تقف على ما يحصل فيها من الاعتمادات، فإذا قرب النار أحدنا من موضع واعتمد عليها، كان الإحراق أقوى. وبعد، فالإحراق تفريق مخصوص وهو مقدور لنا، فلو ولدته الحرارة لقدرنا عليها لأن للقادر على المسبب قادر على سببه.» # 71 # وجود الهواء الجوي كوسيط في عملية الاحتراق الذي أكد عليه أبو بكر الرازي والهمداني ليس شرطا عند ابن متويه، فالعنصر الرئيس في العملية هو الاعتماد، فهو الذي يسبب تفرق أجزاء المادة بغض النظر عن وجود الهواء أو عدمه. ~~ ويقدم دليله على صحة كلامه في الثوب الذي يوضع على سطح صقيل مثل مرآة فإنه لا يحترق، مع أن للمرآة خاصية عكس الأشعة الحارة للشمس، والإحراق ليس بسبب عدم تخلله الهواء، وإنما لأن صقالة السطح هي التي تمنع النار من القيام بفعلها، ثم يحاول أن يفسر التجربة التي تكلم عنها الهمداني بشكل معمم أكثر على ظاهرات أخرى مثل عدم اشتعال النار في بئر أو موت الإنسان إن قطع عنه الهواء الجوي؛ فإن السبب يعود برأيه إلى كثافة الهواء العالية التي تشكل ثقلا ضاغطا يمنع المصباح والنار من الاستمرار بالاشتعال وبقاء الحياة. وهذه مخالفة صريحة للهمداني ودور الهواء الجوي كعنصر مهم في عملية الاحتراق، ولا نجد في هذه المخالفة مبررا سوى التمسك بفكرة الاعتماد والدفاع عنها وإن كان بتفسيرات خاطئة. # قال ابن متويه: «ولا يقف إحراق ms302 النار لما تحرقه على هواء يتخلل بين النار وبين ما يحترق بها، ولا أن تقف حركتها على الهواء، على ما قال الأوائل؛ فإن الاعتماد هو الذي يولد التفريق، [سواء] كان هناك هواء أو لم يكن، فأما الثوب إذا وضع على الصقيل كالمرآة وغيرها فلا يحترق لا لأن الهواء لا يتخلله؛ فإنه لو وضع على خشب لاحترق ولا هواء يتخلله، وإنما الصقالة تمنع من تخلل النار فيه، وأما امتناع اشتعال النار في البئر وامتناع اشتعال المصباح إذا وضعت عليه ما يمنع الهواء، وامتناع بقاء الحياة في المرء إذا منع من النفس فإن كثافة هواء البئر تطفئ السراج كما يطفأ إذا دس تحت الرمل، وإذا وضع عليه جب أو غيره لم يجد منفذا فيتراجع.» # 72 # مؤيد الدين الطغرائي (القرن 6ه/12م) # قسم الطغرائي الآثار الناجمة عن النار إلى ستة أقسام؛ الثلاثة الأولى منها تشترك فيها حرارة الشمس بالتأثير، وهي تشكيل المعادن والنبات والحيوان؛ أما الحرارة التي قامت بدور في تشكيل الإنسان وتحضير غذاء النبات المساعد على نموه والحرارة التي تحول الغذاء إلى مواد يستفيد منها جسم الكائن الحيواني فإن حرارة النار تنفرد بذلك. ولا يمكن لأي حرارة من الحرارات السابقة أن تحل محل الأخرى للمساعدة في القيام بالوظائف المناسبة. # والطغرائي هنا يقدم لنا وجهة نظر علمية متقدمة ترتكز على خلفيته الكيميائية وليس الفلسفية؛ فهو يعلم أن معالجة أية مادة تتطلب مقادير محددة من الحرارة لإتمام العمل عليها. # قال الطغرائي: «اعلم أن النار عبارة عن الحرارة التي يدبر الله بها عالم التركيب وولد بها المواليد؛ فكل حرارة لم تكن مشابهة للحرارة التي بها تدبر المركبات لم يحصل بها صلاح أبدا، و[تقسم] تلك الحرارة ستة أقسام: # القسم الأول: # الحرارة التي دبر الله بها المركب المعدني حتى صار معدنيا وهي حرارة طبخ المعدن. # الثاني: # الحرارة التي دبر الله بها تركيب النبات حتى صار نباتا وهي حرارة طبخ النبات. # الثالث: # الحرارة التي دبر الله بها المركب الحيواني حتى صار حيوانا. # الرابع: # الحرارة التي دبر الله بها المركب ms303 الإنساني حتى صار إنسانا وهي الحرارة الطابخة لتدبير تركيب الإنسان حتى صار إنسانا. # فأما الخامس: # الحرارة الطابخة لغذاء المركب النباتي حتى حصل النمو والزيادة في الطول والعرض والعمق، وبذلك يتصور سبب صيرورة الحبة من البر بعد صغرها في مقدار من العظم، وما ذاك إلا بسبب بعد صغرها في مقدار من العظم، وما ذاك إلا بسبب التغذية التي تلتصق بها وتستحيل إلى نوعها وتسمى بالحرارة الطابخة للغذاء النباتي. # السادس: # الحرارة الطابخة للأغذية في أجوفة الحيوان إلى [أن] تصير تلك الأغذية مشابهة لجسد ذلك الحيوان وجزءا منه؛ فهذه أقسام النار التي فيها أسرار الحكمة، وبها يكون الصلاح في العالم ويشترك ويعم الأقسام الثلاثة الأول حرارة الشمس؛ فإن لها دخلا في طبخ المعدن، وكذا في طبخ النبات وطبخ غذائه. وكل واحد من هذه الأقسام صنف يخالف الأخرى بحيث لو دبر بحرارة أحدها الآخر لما تم تركيبه لعدم [توفر] القسط الذي يحتاجه من الحرارة الملائمة.» # 73 # ابن باجة (القرن 6ه/12م) # استعرض ابن باجة آراء أرسطو في منشأ الحرارة في الأجسام الحية التي تتنفس؛ حيث إن الحرارة الموجودة هي التي تسهم في بناء الأجسام من خلال تحويل الغذاء، ولا يمكن للبرودة فعل ذلك. ولكنه لا يعزي أي دور للهواء الجوي في عملية التنفس وإصدار الحرارة؛ لذلك فإننا نجد بونا شاسعا بين تفسير أرسطو وابن باجة لعملية التنفس، وبين تفسير كل من التميمي وابن سينا؛ إذ نجد أن الأخيرين قد قدما شرحا علميا أكثر قربا للحقيقة والواقع من التفسير الأرسطي وأتباعه القائم على مبدأ القوة والفعل. # قال ابن باجة: «فأما الأجسام المتنفسة ففي كلها قوة مكونة، وهي في الجملة التي تكون من الغذاء بالقوة جسما شبيها بما هي فيه، فيكون ضرورة ذلك الجسم المتنفس في وجودها الذي يخصها معنى به تحرك إلى الوجود الذي يخصها. وهذه ومنها رئيسة في ذلك الجسد، وهي التي [في جزء منها] هو مبدأ لذلك الجسم كالقلب في الحيوان، ومنها خادمة جزئية وهي في عضو عضو؛ فإن صورة العظم فيه قوة تحمل ms304 الغذاء بالقوة فتصير عظما بالفعل، وكذلك في اللحم وكذلك في سائرها. ~~ والذي في المبدأ يصير من الغذاء الذي هو ذلك الموجود، وقد لخص ذلك في غير هذا الموضع. وبين أن الجسم الذي له مثل هذه الصورة مركب من الأسطقسات، وأنه مركب من الأرض والماء، وأن المركب كما تبين إنما يمتزج أولا بأن يتحرك أجزاؤه في المكان فيدنو بعضها من بعض، ثم بعد ذلك يستحيل كل واحد منهما على الوجه الذي تبين في الأولى من كتاب الكون والفساد. وذلك لا يمكن بالبرودة وإنما يكون بالحرارة. وهذه الحرارة هي آلة النفس وهي التي تدعى الحرارة الغريزية النفسانية، وقد لخص القول فيها في السابعة عشرة من كتاب الحيوان؛ فالحار الغريزي هو آلة هذه النفس؛ فالنفس الغاذية تحرك أولا الحار الغريزي وهو المتحرك من تلقائه، وتحرك بالحار الغريزي الغذاء؛ فإن ما لا يتحرك لا يمكن أن يحرك ما ليس هو فيه إلا أن يحرك أولا بجسم هو فيه حسبما تبين في الثامنة من السماع.، وهذه القوة تحرك مثل هذه الحركة، وتصير ما هو بالقوة المعنى الذي هو فيه إلى أن يكون مثله بالفعل.» # 74 # ابن ملكا البغدادي (القرن 6ه/12م) # حاول أبو البركات أن يميز بين مفهومي الطبخ والإحراق؛ ففي عملية الطبخ يتسخن الجسم بشكل غير مباشر بوساطة وجود الماء الذي يتسخن، ثم يمارس تأثيره على المادة المطبوخة بأن تتفكك مكوناتها وتبقى في الماء. ~~ أما الإحراق أو الشي فهو تعرض الجسم مباشرة للنار وتفرق مكوناته في الهواء. ومع دقة الملاحظة في هذا التمييز إلا أنه لم يقدم لنا رأيه في سبب عملية الإحراق نفسها أو العوامل الداخلة فيها. # قال ابن ملكا: «الطبخ هو تسلط الحرارة على أجزاء المطبوخ في الماء دون الهواء؛ لأن الماء يمنع إحراق النار للمطبوخ فإنه لا يتكيف من النار بكيفية يبلغ حدها الإحراق، بل إلى حد يفعل في المطبوخ بإسخانه تمزيقا وتفريقا لتحريك الحرارة أجزاءه حركات مختلفة بحسب اختلاف طبائعها، فيتفرق بذلك اجتماعها ويبعد السابق من اللاحق واللازم عن المفارق، ثم ms305 لا تبدد فيه مع تفرقها كتبددها في الهواء، بل تبقى موجودة مغمورة بالماء مع تفرقها، فبهذا يخالف الطبخ الإحراق والشي؛ فإن [الجسم] المحترق تتبدد أجزاؤه وتفترق افتراقا لا تجتمع، والمشوي تنحل منه رطوبات وأبخرة تفارقه متبددة عنه، والمطبوخ يحفظ الماء الذي يطبخ فيه ما تفرق من أجزائه، مع وصوله برطوبته الطبيعية وحرارته المكتسبة إلى عمق المطبوخ، ودخوله في مسامه وبين أجزائه فيفرقها.» # 75 # فخر الدين الرازي (القرن 7ه/13م) # أعاد الإمام فخر الدين معالجة الأفكار التي سبق وعالجها ابن سينا، والمتعلقة بالحرارة الداخلية في الكائنات الحية، لكنه لم يعتبر أي دور للرئة في تلقي الهواء البارد وضخه للقلب، ليحل محل الهواء الساخن، وإنما عالج الموضوع على أن القلب مصدر الحرارة الداخلية ويحتاج هذا المصدر لتعديل حرارته بوساطة انبساطه في تلقي الهواء البارد، وانقباضه في طرد الهواء الحار، ومن خلال هذا تتم عملية التنفس في الكائن الحي. # قال الإمام: «كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته، والخير لأجل العمل به، وجوهر النفس في أصل الخلقة عار عن هذين الكمالين، ولا يمكنها اكتساب هذه الكمالات إلا بواسطة هذا البدن، فصار تخليق هذا البدن مطلوبا لهذه الحكمة، ثم إن مصالح هذا البدن ما كانت تتم إلا إذا كان القلب ينبوعا للحرارة الغريزية، ولما كانت هذه الحرارة قوية احتاجت إلى الترويح لأجل التعديل، فدبر الخالق الرحيم الحكيم هذا المقصود بأن جعل للقلب قوة انبساط بها يجذب الهواء البارد من خارج البدن إلى نفسه، ثم إذا بقي ذلك الهواء في القلب لحظة تسخن واحتد وقويت حرارته، فاحتاج القلب إلى دفعه مرة أخرى، وذلك هو الانقباض؛ فإن القلب إذا انقبض انعصر ما فيه من الهواء وخرج إلى الخارج، فهذا هو الحكمة في جعل الحيوان متنفسا، والمقصود بالقصد الأول هو تكميل جوهر النفس بالعلم والعمل، فوقع تخليق البدن في المرتبة الثانية من المطلوبية، ووقع تخليق القلب وجعله منبعا للحرارة الغريزية في المرتبة الثالثة، ووقع إقدار القلب على الانبساط الموجب لانجذاب الهواء الطيب من الخارج لأجل الترويح في المرتبة ms306 الرابعة، ووقع إقدار القلب على الانقباض الموجب لخروج ذلك الهواء المحترق في المرتبة الخامسة، ووقع صرف ذلك الهواء الخارج عند انقباض القلب إلى مادة الصوت في المرتبة السادسة، ثم إن المقدر الحكيم والمدبر الرحيم جعل هذا الأمر المطلوب على سبيل الغرض الواقع في المرتبة السابعة مادة للصوت، وخلق محابس ومقاطع للصوت في الحلق واللسان والأسنان والشفتين، وحينئذ يحدث بذلك السبب هذه الحروف المختلفة، ويحدث من تركيباتها الكلمات التي لا نهاية لها، ثم أودع في هذا النطق والكلام حكما عالية وأسرارا باهرة عجزت عقول الأولين والآخرين عن الإحاطة بقطرة من بحرها وشعلة من شمسها، فسبحان الخالق المدبر بالحكمة الباهرة والقدرة غير المتناهية!» # 76 # عضد الدين الإيجي (القرن 8ه/14م) # تنبه عضد الدين الإيجي - مثل الطوسي والجلدكي - إلى أن طبيعة الحرارة في النار تختلف عن طبيعة الحرارة في الأجسام الحية، أو حتى تلك التي تصدر عن الشمس، واستدل على ذلك من اختلاف أثر كل منها على الجسم نفسه «يقال الحار لما تحس حرارته بالفعل، يقال أيضا لما لا تحس حرارته بالفعل، ويحس بها بعد مماسة البدن والتأثر منه كالأدوية الحارة ويسمى حارا بالقوة، ولهم في معرفته التجربة والقياس فباللون وهو أضعفها، وبالطعم، والرائحة، وسرعة الانفعال مع استواء القوام أو قوته.» # 77 # ويؤكد على وجود اختلاف بين طبيعة الحرارة (الغريبة) عن العضوية (الغريزية) بقوله: «والحرارة النارية أنواع متخالفة بالماهية لاختلاف آثارها اللازمة لها الدالة على اختلاف ملزوماتها في الحقيقة، فيفعل حر الشمس في عين الأعشى من الإضرار بها ما لا يفعله حر النار، فلا بد أن يتخالفا بالماهية والحرارة الغريبة الملائمة للحياة أشد الأشياء مقاومة ومدافعة للحرارة النارية التي لا تلائم الحياة.» # 78 # أي لاحظ الإيجي أن الحرارة الخارجية قد تتدافع مع الحرارة الموجودة في الجسم وتقاومها، حتى إن هذه الحرارة العضوية تقوم بدور مهم في دفع السموم الحارة التي قد تدخل الجسم، كما أن الحرارة العضوية تسهم بدفع البرد الخارجي الذي قد يعرض للجسم، وبذلك يحفظ الجسم ويصان من كل أذى. وهذا يثبت ms307 أن طبيعة وماهية الحرارة العضوية تختلف عن طبيعة النارية. # قال الإيجي: «فإن الحرارة الغريبة إذا حاولت إبطال اعتدال المزاج الحيواني قاومتها الحرارة الغريزية أشد مقاومة، حتى إن السموم الحارة لا يدفعها إلا الحرارة الغريزية فإنها آلة للطبيعة يدفع بها ضرر الحار الوارد بتحريك الروح إلى دفعه، وتدفع الحرارة أيضا ضرر البارد الوارد بالمضادة بخلاف البرودة؛ فإنها لا تنازع البارد بل تقاوم الحار بالمضادة فقط؛ فالحرارة الغريزية تحمي الرطوبات الغريزية عن أن تستولي عليها الحرارة الغريبة كالحرارة النارية، فهي مخالفة لها في الماهية.» # 79 # ويبدي الإيجي تحفظه على ما طرحه الإمام الرازي الذي جعل من طبيعة الحرارة العضوية والنارية واحدة؛ حيث إن الأولى تكون داخلة في تركيب العضو، أما الأخرى فخارجة عنه، ويمكن لهما أن يجتمعا في عضو واحد دون أي تدافع أو تنافر. ~~«ومنهم من جعلهما - أي الغريزية والنارية - من جنس أي نوع واحد؛ فإن الإمام الرازي قال: والذي عندي أن النار إذا خالطت سائر العناصر وأفادتها طبخا ونضجا واعتدالا وقواما، ولم تبلغ في الكثرة إلى حيث تبطل قوامها وتحرقها، ولم تكن في القلة بحيث تعجز عن الطبخ الموجب للاعتدال فحرارتها هي الحرارة الغريزية أفادت المركب من الطبخ والنضج ما يعسر معه على الحرارة الغريبة تفريق أجزائه؛ فالتفاوت بين الغريزية والغريبة النارية ليس في الماهية بل في كون الغريزية داخلة في ذلك المركب دون تلك الغريبة؛ حتى لو توهمنا الغريبة داخلة فيه، والغريزية خارجة عنه لكان كل واحدة منهما تفعل فعل الأخرى. وإلى ما نقلناه أشار المصنف بقوله: فالغريزية هي الحرارة النارية التي خرجت عن صرافتها واستفادت بالمزاج مزاجا معتدلا حصل به التئام تام بين أجزاء المركب، فإذا أرادت الحرارة الغريبة أو البرودة تفريقها؛ أي تفريق أجزائها وتغييرها عن اعتدالها، عسر عليها ذلك التفريق والتغيير. والفرق بين الجارين الغريزي والغريب أن أحدهما جزء المركب والآخر خارج عنه مع كونهما متوافقين في الماهية.» # 80 # مناقشة الإيجي لطبيعة الحرارة متقدمة على من سبقه، كما لاحظنا؛ فقد بدأ من المصادر وانتقل لتمييزه بين ms308 أنواع الحرارات التي نجدها من حولنا، سواء في أجسادنا أو في البيئة المحيطة بنا، ليقرر بوجود اختلاف جوهري بين حرارة الجسم والحرارة الصادرة عن النار. # نشكر للإيجي جهوده في شرح هذا التمييز؛ إذ إن نظرية الاحتراق لم تكن واضحة المعالم بعد في عصره؛ فقد احتاجت 500 سنة من جهود جيش من أجيال العلماء الأوروبيين حتى تكاملت لديهم عناصر النظرية الذرية وفهموا بنية الهواء الجوي وآليات حدوث التفاعلات الكيميائية، حتى تمكنوا من إدراك الفرق بين طبيعة الحرارة العضوية الناجمة عن التنفس وحرارة النار الناجمة عن الاحتراق. # التفتازاني (القرن 8ه/14م) # لم يأت سعد الدين التفتازاني بجديد؛ وإنما كرر أقوال من سبقه؛ إذ إننا نراه يكثر من «قيل» و«حكي» أكثر مما يبدي رأيه الخاص في الموضوع؛ فنراه يقول في مناقشته لطبيعة الحرارة العضوية أو الغريزية في الكائن الحي: «وأما الحرارة الغريزية التي بها قوام الحياة، فقيل نارية، وقيل سماوية، وقيل مخالفة لهما بالحقيقة لاختلاف الآثار، حتى إنها تدفع الحرارة الغريزية.» # 81 # ثم يورد التفتازاني رأي الإمام فخر الدين الرازي وأرسطو في طبيعة الحرارة الموجودة في الكائن الحي بأنها من ماهية واحدة، وآراء الآخرين الذين خالفوهم وجعلوا ماهية الحرارة العضوية تختلف عن ماهية الحرارة النارية، وفي النهاية يرجح الرأي (القول) بأن الحرارة العضوية تتولد في الداخل بتأثير الحرارة الخارجية السماوية البعيدة أو النارية القريبة، وهو رأي مخالف لما طرحه الإيجي. # قال التفتازاني: «واختلفوا في الحرارة الغريزية التي بها قوام حياة الحيوان؛ فاختار الإمام الرازي أنها هي النارية، فإن النار إذا خالطت سائر العناصر أفادت حرارتها للمركب طبخا واعتدالا وقواما لتوسطها بانكسار سورتها عن تفاعل العناصر بين الكثرة المفيضة إلى إبطال القوام، والقلة القاصرة عن الطبخ الموجب للاعتدال، فتلك الحرارة المسماة بالحرارة الغريزية، وحكي عن أرسطو أنها من جنس الحرارة التي تفيض من الأجرام السماوية، فإن المزاج المعتدل يوجه ما يناسب لجوهر السماء لأنه يبعث عنه، يعني أنه إذا امتزجت العناصر وانكسرت سورة كيفيتها حصل للمركب نوع وحدة وبساطة بها يناسب البساطة السماوية، ففاضت عليه ms309 مزاجا معتدلا به حفظ التركيب، وحرارة غريزية بها قوام الحياة، وقبول علاقة النفس، وبعضهم على أنها مخالفة بالماهية للحرارة النارية، والحرارة السماوية لاختصاصها بمقاومة الحرارة الغريزية، ودفعها عن الاستيلاء على الرطوبات الغريزية، وإبطال الاعتدال حتى إن السموم الحارة لا تدفعها إلا الحرارة الغريزية، فإنها آلة للطبيعة تدفع ضرر الحار الوارد بتحريك الروح إلى دفعه، وضرر البارد الوارد بالمضادة. وأجاب الإمام: بأن تلك المقاومة إنما هي من جهة أن الحرارة الغريزية تحاول التفريق، والغريزية أفادت من النضج والطبخ ما يعتبر عنده كالحرارة الغريبة تفريق تلك الأجزاء، وبالجملة يجوز أن تكون هي الحرارة السماوية أو النارية، ومستند آثاره المختصة بها إلى خصوصية حصولها في البدن المعتدل، أو صيرورتها جزءا من المزاج الخاص.» # 82 # المبحث الرابع: الأوروبيون # لم يكن الأوروبيون في العصور الوسطى بأحسن حالا من نظرائهم العرب؛ فقد حاولوا في بداية بحثهم في ظاهرة الاحتراق (بغض النظر عن المصدر الحراري) أن يرتكزوا أيضا على نظرية العناصر الأربعة الأرسطية لتفسير هذه الظاهرة. وكانت وظيفة الهواء الجوي بالنسبة لخيميائيي العصور الوسطى هي الحفاظ على الاحتراق بوصفها عملية ميكانيكية غامضة، أو بوصفها طريقة تنتقل بها الحرارة والنار. لكن المشكلة التي كانت تظهر لدى الحدادين المشتغلين بالقصدير والرصاص أن المواد التي يتعاملون معها يزداد وزنها بالتسخين، # 83 # وهذا يعني أن ثمة تناقضا مع نظرية أرسطو؛ إذ كيف لعنصر النار أن يغادر المادة عند الاحتراق وفي الوقت نفسه يزداد وزن المادة؟! # بدأت محاولات تفسير عملية الاحتراق عند الأوروبيين منذ القرن السادس عشر، ومع ظهور نظرية الفلوجيستون في القرنين 17م و18م تم الاعتماد عليها في التفسير، وبقيت حتى ظهور نظرية لافوازييه بتعريف الاحتراق على أنه اتحاد بين أكسجين الهواء الجوي مع المادة القابلة للاحتراق. # كاردانوس (القرن 16م) # سعيا منه لإنقاذ نظرية أرسطو قام كاردانوس (جيرولامو كاردانو) # Cardanus ~~(1576-1601م) بافتراض أن عنصر النار يعمل ضد الجاذبية بشكل أو بآخر، كونه يرتفع للأعلى، وأنه يجعل المعدن يطفو عندما يكون جزءا منه. # 84 # باراسيلسوس (القرن 16م) # أصداء النظرية الأرسطية والجابرية في ms310 تفسير الاحتراق نجدها عند باراسيلسوس # paracelsus ~~(فيليب فون هوهنهايم) (1493-1541م)؛ فقد كان يعتقد بأن كل ما يشتعل يحوي على الكبريت؛ لذلك كان يعتبر أن هذه المادة عنصر ومكون من مكونات الأشياء المركبة. # 85 # جاليليو (القرن 17م) # كان جاليليو يعتقد أن المواد التي تنتج الحرارة في أجسامنا وتجعلنا نشعر بالدفء، والتي تعرف بالاسم العام «النار»، لا بد أنها تتكون من العديد من الجسيمات الدقيقة التي لها أشكال معينة وتتحرك بسرعات معينة، وعندما تتقابل هذه الجسيمات مع أجسامنا تخترقها لرقتها الشديدة. وتلامسها معنا نشعر به عند عبورها خلالنا، وهو الإحساس الذي نطلق عليه «الحرارة»، وهي إما سارة أو غير سارة تبعا لسرعتها الكبيرة أو الصغيرة عندما تثقب وتخترق أجسامنا، فهي سارة إذا كانت تقصد عملية إفراز العرق الضرورية، وبغيضة وكريهة عندما تتسبب في الكثير من التحلل والفناء لمادتنا؛ وبناء على فكرة الجسيمات يمكن تفسير أن النار ما هي إلا مجرد حركة لجسيماتها التي تخترق بها كل الأجسام مسببة سرعة تدميرها أو بطئها وتحللها بما يتناسب مع أعدادها وسرعتها (أعداد جسيمات النار وسرعتها) وكثافتها أو رقتها. وتتحول كثير من المواد في أثناء تحللها إلى جسيمات دقيقة إضافية، ويستمر هذا التحلل ما دامت استمرت هذه المواد في استقبال مواد أخرى قادرة على أن تتحلل. وكان جاليليو لا يعتقد أنه بجانب الشكل والعدد والحركة والاختراق واللمس، يوجد صفة أخرى للنار تتعلق ب «الحرارة» لدرجة أنه إذا أزيل الجسم الحي لا تصبح الحرارة سوى اسم بسيط لا أكثر. # 86 # جان فان هلمونت (القرن 17م) # مال معظم العاملون الأوائل في الكيمياء إلى تركيز انتباههم على السوائل والمواد الصلبة، وتجاهلوا مختلف أنواع الغازات الناشئة من التفاعلات الكيميائية المختلفة، ويعود السبب في ذلك إلى أن الغازات بدت شيئا غير ملموس إذا ما قورنت بالسوائل والمواد الصلبة، لقد كانت أصعب من أن يتم عزلها ودراستها. ملاحظة مثل هذه الغازات غالبا ما تقدم اختلافات جلية في الخواص، مثل اللون والرائحة، والتي كانت تفسر بسهولة على أنها أحد أشكال الهواء المختلفة أو ms311 ربما هي مزيج من الهواء والمواد الصلبة والسوائل الشائبة. في الحقيقة، لم توجد تسمية عامة ل «الغاز» إلى أن حان النصف الأول من القرن السابع عشر عندما قام البلجيكي جان فان هلمونت بنشر أعماله في عام 1644م. مع أن هذا الكيميائي أظهر تبعيته لمن سبقه بخصوص هذه الغازات بوصفها أنواعا من الهواء، إلا أنه قام بتحضير هذه الغازات بمختلف السبل، وبملاحظة خواصها الفيزيائية والكيميائية والكمية، وبتخصيصها بأسماء مختلفة، ومن بعده شرع بعملية تصنيف وتعريف للغازات ستبلغ ذروتها نهاية القرن التالي، وفي تمييزها بوصفها وحدات كيميائية، وهكذا بين فان هلمونت بأن ثنائي أوكسيد الكربون ناتج عام لاحتراق المواد الأولية العضوية المختلفة، وتخمر الخمر والبيرة وتفاعل الحموض على أصداف سرطان البحر التي تحوي على الكربونات. وقد سماه في البداية ب «غاز سيلفستر # Sylvester Gas ~~» أو بالغاز «البري» مشيرا لاعتقاده بعدم إمكانية احتوائه أو تكثيفه أو حتى رؤيته. الغريب في الأمر أنه منح الاسم نفسه لأوكسيد النتروجين والذي حضره بتسخين نترات البوتاسيوم أو بتفاعل الفضة مع حمض النتريك، وأوكسيد الكبريت وناتج احتراق الكبريت. عرف فان هلمونت بأن ثنائي أوكسيد الكربون لا يدعم الاحتراق وركزه مع الغاز الناجم عن تفاعل المعادن على الحموض، والذي ندعوه الآن بالهيدروجين أو (الغاز القابل للاشتعال)، وهذه التسمية أطلقها أيضا على الغازات الشديدة الاحتراق. لكن لم ينجح فان هلمونت في عزل الغازات التي حضرها أو حصرها في أوعية؛ فقد كانت جميعها ملوثة بالهواء. في الواقع ، كان له رأي بأن مثل هذه الغازات لا يمكن احتجازها بسبب خاصيتها «الطائشة». # 87 # رينييه ديكارت (القرن 17م) # على الجانب الفرنسي، ناقش رينييه ديكارت عملية الاحتراق في كتابه (العالم) فقال: «إن اللهب الذي قلت عنه سابقا إن كل أجزائه تتحرك باستمرار ليس سائلا فحسب، ولكنه يجعل غالبية الأجسام الأخرى سائلة. وعليكم أن تلاحظوا أن اللهب عندما يذيب المعادن لا يفعل بقوة غير التي يفعل بها عندما يحرق الخشب، ولكن لأن أجزاء المعادن متساوية كلها تقريبا، فإنه لا يستطيع أن يحرك منها جزءا دون آخر، ms312 وهكذا يؤلف منها أجساما سائلة كليا، في حين أن أجزاء الخشب غير متساوية بحيث إن اللهب يستطيع أن يفصل صغراها ويجعلها سائلة؛ أي يجعلها تطير دخانا، دون أن يحرك بذلك الأجزاء الكبرى.» # 88 # وهنا نلاحظ أن ديكارت لا يميز بين «الاحتراق # Combustion ~~» و«الإسالة # Liquefaction ~~»، حسب رأيه أنه يتم بوساطة عملية الاحتراق فصل الأجزاء اللطيفة في جسم ما عن الأجزاء الكثيفة، مثل الخشب الذي تتحول أجزاؤه اللطيفة إلى مادة سائلة في الدخان، وتبقى أجزاؤه الكثيفة صلبة تتحول إلى رماد. أما في عملية الإسالة فتتحول كافة أجزاء الجسم إلى مادة سائلة، نظرا لكونها جميعا على درجة من اللطافة نفسها مثل الحديد. ~~ وواضح من هذا التفسير أن ديكارت يبتعد فيه عن النظرية الأرسطية التي أثرت على معاصريه، لكنه كما ذكرنا يخلط بين الاحتراق والإسالة. # ويتابع ديكارت قائلا: «لكن يمكنكم أن تسألوني في هذا الموضع أنه إذا كانت حركة أجزاء اللهب وحدها هي التي تجعله يحرق وتجعله سائلا، فلماذا نرى حركة أجزاء الهواء التي تجعله سائلا إلى أقصى الحدود، لا تعطيه مع ذلك القدرة على الإحراق، بل تجعل، على العكس، أيدينا غير قادرة تقريبا على الإحساس به؟ فأجيب عن ذلك أنه ينبغي ألا نحصر اهتمامنا بسرعة الحركة وحسب، بل وبضخامة الأجزاء كذلك، فالأجزاء الأكثر صغرا هي التي تصنع الأجسام الأكثر سيولة، والأجزاء الأكثر ضخامة هي التي تمتلك من القوة مقدارا أكبر لإحراق الأجسام الأخرى، والفعل فيها على العموم.» # 89 # ويقصد بكلامه هذا أن النار مادة سائلة تشتمل على أجزاء صغيرة وأخرى أكبر حجما، وما يمنح قدرة اللهب على الإحراق هي الأجزاء الكبيرة. ويضع ديكارت شرطا آخر إضافة لشرط وجود الأجزاء الكبيرة هو سرعة حركتها؛ فالهواء ليس لديه القدرة على الإحراق لأنه لا يملك أجزاء ضخمة وسريعة الحركة إلى درجة تمكنه من القدرة على الإحراق، بخلاف النار والأحماض التي تملكها. # أما عن سبب القدرة على الإحراق فيرى ديكارت أن اللهب يتخلل أجزاء أصغر من أجزاء الهواء؛ كون هذا اللهب لديه القدرة على أن يتغلغل من ms313 خلال عدد من الأجسام ذات المسام الشديدة الضيق التي لا يستطيع الهواء نفسه أن يخترقها، وأن تتخلله أجزاء أضخم أو مماثلة في ضخامتها لأجزاء الهواء ولكن بعدد أكبر، هذا ما نراه بوضوح في كون الهواء وحده لا يكفي لتغذيته. وتتحرك هذه الأجزاء بسرعة أشد، هذا ما نستفيده من عنف حركتها، وأخيرا تكون أضخم هذه الأجزاء لا غيرها، لها القدرة على الإحراق، والدليل على ذلك فإن اللهب الذي يخرج من ماء الحياة، أو من الأجسام الأخرى الشديدة اللطافة، لا يكاد يحرق البتة، أما ذاك الذي يتولد في الأجسام الصلبة والثقيلة فهو على العكس شديد الإحراق. # 90 # جون مايو (القرن 17م) # في عام 1674م توصل الطبيب جون مايو # J. ~~ Mayow ~~(1641-1679م) - وهو مساعد الفيزيائي البريطاني روبرت بويل - إلى أن الزيادة التي تحصل في وزن الجسم المحترق تعزى إلى «جزء فعال ولطيف من الهواء»، # 91 # وقد أسماه # spiritus nitroaereus # أو روح نترات الهواء على اسم نترات البوتاسيوم التي كان يسخنها، وأكد أن هذا العنصر هو الذي يحول دم الشرايين إلى اللون الأحمر في الرئتين. # 92 # كما لاحظ مايو أيضا أن الأنتيموان يزداد وزنه عندما يسخن، واستنتج من ذلك أن المادة التي أسماها روح الهواء النترات هي التي تتحد مع المعدن. # 93 # لقد كان مايو على ثقة بأنه أول مكتشف للأكسجين، لكن هذه الادعاءات قد دحضها الباحث تي. سي. باترسون # T. C. Patterson ~~، الذي برهن بأن أفكار مايو تم أخذها بدون امتنان من أعمال بويل والآخرين. لقد قدم مايو في أطروحته عن التنفس عام 1668م ملخصا بليغا وواضحا عن عمل من سبقه. ~~ وبعد أن نشر كتابه في «الإجراءات الفلسفية» تم قراءته، وأشار القارئ إلى مفهوم مايو عن دور الهواء في التنفس قائلا: «ويستفسر، ما الذي يمكن أن يكون في الهواء وهو ضروري جدا للحياة؟ وهو يخمن بأنها الجسيمات الرقيقة جدا والنترات التي يعج بها الهواء، التي تنفذ من خلال الرئتين، وتكون على علاقة مع الدم، ولكن مايو لا يجعل «منطقة النترات» لازمة لكل الحياة؛ ms314 فالنباتات بحد ذاتها لا تنمو في تلك الأرض؛ لأنها محرومة من ذلك المصدر، فإذا تعرضت للهواء، ولقحها ملح التخصيب مجددا، تصبح عندئذ ملائمة ثانية لتغذية تلك النباتات.» # 94 # ليثبت مايو صحة فرضيته أن جزءا من الهواء فقط وليس كله يدخل في عمليتي الاحتراق والتنفس، قام بتنكيس وعاء زجاجي فوق شمعة أو فوق حيوان جاثم على قاعدة في حوض به ماء، وساوى بين مستوى الماء داخل وخارج الوعاء الزجاجي بواسطة سيفون، ثم أخذ يلاحظ ارتفاع مستوى الماء داخل الوعاء مع استمرار اشتعال الشمعة أو تنفس الحيوان القارض؛ ولأن جزءا من الهواء كان يتبقى عندما تنطفئ الشمعة أو ينفق الحيوان، فقد عرف أن هذا النوع الثاني من الهواء لا يساعد على الاحتراق أو التنفس. (مصدر التعليق من: كوب، كاتي ووايت، هارولد جولد، إبداعات النار، ص136-137. أما مصدر الصورة فهو: # commons.wikimedia.org ~~) # حسب براون ومايو فإن الطبيعة الكيميائية والكونية للنترات متشابهة؛ ففي كلتيهما، يجب على الكبريت أيضا أن يكون موجودا ليجتمع مع النترات. لكن من ناحية فهمهما للأدوار المتعلقة بالنترات والكبريت في عملية الاحتراق والتنفس فإنهما يختلفان، ثم يتبع مايو بويل ولوير؛ فهو يمضي في التركيز على أهمية النترات وبراون على الكبريت. ~~ ليس النترات فحسب، بل أيضا الهواء هو الذي يلفت انتباه مايو؛ فالهواء بمثابة مصدر وخزان وقود الاحتراق. على أية حال، بالنسبة لبراون فإن الهواء يقدم فقط معبرا للزفير الذي ينشأ من الاحتراق. علاوة على ذلك، وجدنا كيف أخفق براون في إيجاد صلة أكيدة بين عمليتي الاحتراق والتنفس؛ فقد قال بأن الكبريت يشكل «الدهن الزيتي وأجزاء دهنية وهي مصادر قابلية الاشتعال». وكذلك الكبريت ومادة الكبريت للبندقية، التي ينطلق منها «الإطلاق القوي والحاد»، وهو «جسم معدني لأجزاء دهنية وقابلة للاشتعال»، كما يعتمد الاحتراق على الزيت المفروش بالكبريت. أما الإيقاد، وهذه هي الفكرة الرئيسة، فإنه ينبثق من الخارج ضمن أجسام مضطرمة بنفسها؛ لأنها مادة خام زيتية وكبريتية. واعتقد مايو بأنه أثبت أن نفوق الحيوان قد لا يكون بسبب نواتج الاحتراق: «ولا يمكن حتى الافتراض بأن ms315 الحيوان في مثل هذه الحالة قد خنقه دخان الشمعة، فإذا تم تزويد اللهب بحرق روح الخمر فلا يوجد دخان منطلق ومع ذلك فإنه يموت الحيوان». # 95 # توماس براون (القرن 17م) # حتى عهد السير توماس براون # Sir T. ~~ Browne ~~(1605-1682م) كانت لا تزال الأفكار الأرسطية حاضرة، خصوصا فكرة أن الطبيعة توظف الأعضاء نفسها من أجل التغذية، والتي يحتاجها كل حيوان من أجل الحياة، كما يحتاج كل حيوان للتنفس لينجو بنفسه من الموت. التنفس متعلق بالهضم وذلك تشريحيا وعضويا. ~~ وكان على براون أن يصارع لدرجة الإيمان بأن المري والقصبة الهوائية كلاهما معبر من أجل الطعام والشراب، في سلسلة أحداث عضوية، فإن الدم الذي قد نشأ من هضم الغذاء يقدم مع روح الطبيعة في الكبد، ويتغير بطريقة ما في القلب والرئتين من اللون الداكن إلى الفاتح ومن الوريدي إلى الشرياني، وقد تم وهب ذلك للأرواح الحية، كيف تحدث هذه العملية كانت مشكلة التنفس الرئيسة بالنسبة لعلماء القرن السابع عشر. وكان السؤال الكبير: لماذا يحدث التغير بين الدم الوريدي والشرياني؟ ولماذا نحن نتنفس؟ # على نحو بالغ الأهمية، قدم براون ملاحظاته عن التنفس بشكل مترابط مع ملاحظاته عن الهضم. لقد اكتشف معاصروه العلاقة العميقة بين التنفس والاحتراق، وكان لهذا تأثيره على خياله العلمي بشكل كبير فعلا. بواعث براون أمام القيم الغذائية في الهواء إبداع وتنوع؛ فهي مختارة بشكل كبير من أرسطو: الهواء شيء غير ملموس «إنه هضم خال من كل لذة ومذاق»، في حين يجب على الغذاء أن يتفق مع التذوق، وهو نوع من اللمس، ويوجد الهواء فينا فقط لكونه «أحد المبادئ المشتركة البعيدة جدا عن الحياة»، أي تجاهل العنصر اللاعضوي بدلا من الطعام المادي العضوي الذي يجب أن يكون وفق الشرط الأساسي للعادة بين الطعام والجسم. تقوم الحرارة بتمديد الهواء وتجهيزه تماما للانطلاق، بينما يتلقى الطعام «اكتنازا» أو تكثيفا، يتم حفظ الهواء فقط بشكل مؤقت، في حين يجب أن يتم حفظ الطعام لوقت كبير وهذا حسب أبقراط، أما الهواء فليس بالوسع استيعابه وقد لا ms316 يكون حتى عنصرا أو مقوما للأجسام، حسب رأي الكيميائي باراسيلسوس، لكن يتقبل هذا بحد ذاته، تحول العناصر سؤال محير؛ فهو يظهر بأنه «ليس سهلا البرهان بأن الهواء كثير التحول إلى ماء» وهذا حسب فرضية فان هلمونت الأساسية؛ ولذا فإن تحول الهواء إلى لحم فيه «شك عميق»؛ فالهواء ليس طعاما أبدا حتى يقوم باحتراق خفي لتزويد الحياة، إنه بلا ريب ذلك الطعام الذي يكون طبيعيا للنار، وأخيرا «عنصر الهواء بعيد جدا عن تغذية الجسم، وهو ما استفسر عنه البعض بشأن قوة الماء، والكثير يرونه بأنه لا يدخل الجسم في قوة التغذية.» مع هذه المجموعة من الحجج، إلا أن براون فسح مجالا للتناظر الأساسي بين الهواء والطعام عندما يتم طرحهما مع بعض النظريات الجديدة في أيامه؛ لهذا يمكن للهواء وكما وضعه براون، بأن يكون محفوظا «بشكل مؤقت ... في أجسامنا، وطويلا بما يكفي لتبريد الحرارة، التي تمت تأديتها لمرة واحدة، خشية أن يتم تسخينها ثانية، والتي ينبغي أن تخنق ذلك الجزء الذي يفصلها ولا يجعلها باقية، لكن سرعان ما تعود الطريق نفسه الذي عبرت منه.» # 96 # فكرة النترات التي أشار إليها مايو، كما سنجد لاحقا، أثارت الكثير من الصخب في الفلسفة وكذلك في الحرب؛ إذ الأمر يتعلق بطبيعتها الكيميائية، ويتفق براون مع مايو في ذلك، كما يتعلق دورها في التنفس والاحتراق، لكنهما يختلفان بأن النترات حامضية. بالنسبة لمايو توجد جسيمات النترات الهوائية في «الروح الحامضية» وهي تشكل جزءا من النترات، والتي هي «في الدرجة الأعلى». يلاحظ براون بأن الحديد في «الماء القوي أو حمض النتريك # Aqua fortis ~~» سينتفخ مثل الخميرة ويطلق ضجيجا ودخانا، كل ذلك بسبب الكبريت الذي يجتمع مع «الحمض وروح نترات # Aqua fortis ~~». النترات هي أيضا ملح الأرض، يدعوها مايو: «ملح الكون الراسخ» نظرا إلى «طبيعة النترات الملحية». # 97 # إنه ذلك «الملح الهوائي» الذي تغذى منه جسيمات نار مايو، ويدعوها براون ب «الملح المتطاير». يقبع هذا المفهوم في مبدأ باراسيلسيوس الكيميائي للعناصر الثلاثة؛ الملح والكبريت والزئبق. والذي كما ذكرنا سبقه إليه ms317 جابر بن حيان؛ حيث نظر براون إلى هذا المفهوم على أنه تحسين للمبدأ القديم ذي العناصر الأربعة، الملح هو أرضي أو ذو منشأ ثابت، والكبريت القابل للاحتراق أو ذو منشأ قابل للاشتعال، والزئبق ذو منشأ متطاير. # 98 # إذن فقد فشل براون مع كل الجهود التي بذلها في تفسير ظاهرتي الاحتراق والتنفس؛ وذلك بسبب اعتماده على الأسس الأرسطية القديمة، وعدم تمكنه من الربط بين المعطيات الحديثة والقديمة. # يوهان بيشر (القرن 17م) # في عام 1667م حاول يوهان يواكيم بيشر # J. ~~ J. Becher ~~(1635-1682م) بكل الطرائق أن يصل إلى العناصر الأساسية التي تتكون منها كل المواد عن طريق النظرية وليس التجربة، وبعد جهد ولأي توصل إلى ما يأتي: يوجد خمسة عناصر هي الماء والهواء، والقابل للانصهار والدهني والمائع (أسمى الثلاثة الأخيرة بالعناصر الأرضية). وقد تصور أن عملية الاحتراق يمكنها أن تفسر بفقدان العنصر الأرضي الدهني (تيرا بيجونيس) فقط، وهو الذي أسماه فيما بعد جورج إرنست شتال # G. E. Stahl ~~(1660-1734م) باسم «الفلوجيستون» # 99 # phlogiston ~~. # ووفق نظرية الفلوجيستون فإن عملية الكلسنة # Calcination # أو التكليس أو التحميص # 100 # فهي تفسر كما يأتي: تحوي المعادن على عنصر قابل للاحتراق يذهب من المعدن للهواء تحت تأثير اللهب، ويترك كلس المعدن. ويبدو أنه كان يعرف أن المعادن تكتسب وزنا إضافيا في أثناء عملية الكلسنة، فحاول أن يفسر ذلك بدخول جسيمات اللهب ذات الوزن المحسوس في المعدن، وأحيانا أخرى بمساعدة الفلوجيستون الذي يمكنه تخفيف وزن المعدن من مبدأ «إذا طرحت من الشيء شيئا آخر وزنه أصغر من لا شيء فإن الوزن يزداد.» # 101 # نظر بعض الكيميائيين للفلوجيستون على أنه عنصر النار نفسه؛ أي مجرد شكل من أشكال عنصر النار القديم، في حين أن البعض الآخر اتفق مع تعريف بيشر للفلوجيستون القائل: إن «المعادن تحوي على جوهر قابل للاشتعال ينطلق في الهوا بفعل الاحتراق.» متقبلين عدم وضوح الخطوط الفاصلة بين «العناصر» و«جواهر» الخيمياء. # 102 # روبرت بويل (القرن 17م) # وضع روبرت بويل خلاصة تجاربه في باكورة أعماله وهو كتاب «تجارب فيزيائية ms318 ميكانيكية تتعلق بنابضية الهواء وتأثيراته» الذي أكد فيه على أن الصوت لا ينتقل في الفراغ، وأن الهواء ضروري للحياة والنار. وقد اعتبر بويل ومعاصروه أن الهواء مادة واحدة، ويعود سبب الاختلاف في القدرة على التفاعل إلى درجة نقاء الهواء؛ فقد شاهدوا أن الهواء الذي يتولد من تفاعل خراطة الصلب مع الحمض يشتعل إذا قربت منه شمعة، بينما هواء الغرفة لا يشتعل. # 103 # كما درس بويل ظاهرة ازدياد وزن المعادن التي تسخن بشدة في الهواء (الكلسنة). ونعلم حاليا أن المعادن إذا سخنت بهذا الشكل فإنها تكتسب وزنها الزائد؛ كونها تتحد مع الأكسجين في الهواء. وفي إناء مغلق بإحكام (ملحوم) فإن وزن النظام ككل - أي المعدن والهواء والإناء - يجب أن يبقى ثابتا. وعندما قرر بويل إجراء هذه العملية في إناء مغلق بإحكام لم يأخذ بعين الاعتبار اندفاع الهواء داخل الإناء عند فتحه بعد التسخين، فكان يحصل على زيادة في وزن النظام ككل، وقد توصل إلى نتيجة مفادها أن الزيادة تعود إلى دخول النار إلى الإناء من خلال مسام الزجاج. # 104 # ويعني أن الزيادة في الوزن ناجمة عن امتصاص الجسم للحرارة أو الضوء أو اللهب. # في عام 1660م نشرت صحيفة «التجارب الجديدة» تجربة أساسية في علم وظائف الأعضاء الحيوية عن التنفس، بينت بأنه لو أدخلنا فأرا وشمعة في حجرة، وتم سحب الهواء تدريجيا منها، فإن الفأر سينفق وستنطفئ الشمعة تقريبا في الوقت نفسه. وهكذا فإن ظاهرتي التنفس والاحتراق كان لديهما شيء مشترك. إضافة إلى ذلك، كانت هذه النتيجة ممكنة جدا خصوصا بعد إحاطة حجرة الاستنفاد بالجليد الذي أبقى الهواء ضمن درجة حرارة أدنى من الطبيعي. ~~ نفق الحيوان تماما بالطريقة ذاتها عندما كانت ظروف التبريد المفترضة للمبدأ القديم مناسبة جدا. لكن ما الذي سبب نفوق الفأر؟ النظرية الجديدة التي ظهرت لتفسير الهدف من التنفس وجدت أن أساسها لا يوجد في الخاصية الفيزيائية للهواء ودرجة حرارته، وإنما في مقومه الكيميائي. السبب الذي نفق من أجله الحيوان أو انطفأ اللهيب عندما بقي مقدار محدود من الهواء ms319 غير المتجدد، هو أن التنفس والاحتراق إما مأخوذان من عنصر ما موجود في الهواء كان لازما إلى مكونهما، أو أن شيئا ما مضافا إلى الهواء أتى بهما إلى نهايتهما. كانت وجهة النظر السابقة هي التي مال إليها الباحثون الإنكليز، أما وجهة النظر الثانية عن التأثيرات المؤذية للهواء المستهلك لم يتم دمجها مع النظرية الجديدة حتى القرن الثامن عشر. هنا اقترح بويل بأن ضرورة الهواء النقي للإبقاء على الحياة يعتمد على وجود بعض المادة الأولية فيه؛ لأنها «تخوله للحفاظ على لهب باق، في حين أن الهواء المستهلك أو الفاسد لا يبقي على اللهب.» لقد جعلت المادة الخام الخاصة بالتنفس بويل يفكر بوجود شبيه لها، لكن ليس متماثلا معها، بحيث إنه يقوم بعملية الاحتراق. وقد اقترح بأن ذلك الشبيه هو «النترات المتطايرة»، وهي ليست من مكونات الهواء بحد ذاته، إنما «بعض المادة الخام الشمسية الشاذة أو النجمية أو من طبيعة أخرى غريبة تماما» اختلطت بالهواء. وهكذا اعتقد بويل أنه برهن على أن اللهب انطفأ فقط بسبب نقص الهواء عندما أحرقه في حجرة استنفاد بوجود روح الخمر، والتي تطلق دخانا مخفيا. # 105 # الخطوة الأولى في حل مشكلة جمع الغازات التي كان يعاني منها فان هلمونت قام بها بويل، الذي وصف في عام 1661م أولا مجموعة الهدروجين الصافية، وذلك بقلب زجاجة حمض كبريت ممدد تحوي على عدة مسامير حديد في وعاء مليء بالحمض. بعد ثمانين عاما، بين جون مايو كيف يمكن أن ينقل الغاز من زجاجة إلى أخرى بفتح فم الزجاجة التي تحوي على الغاز تحت الفم والزجاجة الأخرى التي تم ملؤها وقلبها بالماء. أكد مايو على أهمية الضغط لدى حساب حجوم الغازات، وأوصى بأن الحجوم يتم وضعها تحت الضغط الجوي وذلك بمساواة مستويات الماء داخل وخارج العبوة. ووجد بهذا الصدد أن قانون بويل الذي تم تطبيقه فقط على الهواء، أنه يصلح أيضا للهدروجين وأوكسيد النتريك. بعدها قام بيورهاف باستعمال هذا الاكتشاف، في وقت ما قبل عام 1732م، عندما أجرى تفاعلا لغاز ناتج في ms320 الخواء، ولاحظ الزيادة في الضغط؛ ومن ثم استخدم قانون بويل ليحول الحجوم إلى الضغط نفسه. كانت خطوة قصيرة للتحول من جهاز بويل لجمع الغاز إلى وعاء مملوء بالهواء وصفه ستيفن هالس # S. Hales ~~(1677-1761م) في عام 1727م، تضمنت دفع الغازات من مولد خارجي بوساطة أنبوب إلى داخل فوهة الزجاجة التي كانت مملوءة بالماء ومقلوبة في الحوض. باستخدام تقنية الجمع هذه، سخن هالس أوزانا محددة لمواد صلبة ذات تنوع واسع ثم حسب حجم الغاز المنطلق في كل حالة. أيضا لاحظ النقصان في الحجم المرافق لمحلول غازات معينة كلما علت الماء. ~~ بهذه الطريقة، أنتج هالس وجمع الكثير من الغازات الشائعة ما عدا تلك التي كانت قابلة للانحلال في الماء. # 106 # روبرت هوك (القرن 18م) # ربما كان روبرت هوك أول من وضع نظرية معقولة - لكن غير كاملة - عن الاحتراق؛ فقد قال بأن الهواء ضروري ل «تحلل المواد الكبريتية» أي القابلة للاشتعال، وأن عملية التحلل هذه تنتج «مقدارا كبيرا من الحرارة وهو ما ندعوه بالنار». لكنه عجز عن فصل الأكسجين أو تحضيره. # 107 # وقد وضع هوك نظريته عن الاحتراق في كتابه (ميكروغرافيا) معتبرا أن عامل الاحتراق هو مادة مشتركة مع كل من نترات البوتاسيوم والهواء. # 108 # التجربة المهمة التي توصل من خلالها هوك ليدل على أن الهواء ضروري للتنفس أجريت في عام 1667م؛ فقد أبقى حيوانا حيا بضع ساعات، مع منع رئتيه من الحركة، والإبقاء على اندفاع قوي للهواء على الرئتين بوساطة منفاخين، الهواء المدفوع خلالهما ينفذ باستمرار من خلال ثقوب دقيقة في الرئة. وقد أثبت هذا بأن السمة الأساسية للتنفس هي مرور الهواء من خلال الرئتين وليست حركات التنفس كما ذكر جالينوس. عند إتمام التجربة، سأل هوك سؤالا في محله تماما: هل يكفي أن يدور الدم الوريدي من خلال وعاء معرض للهواء النقي بشكل مفتوح من أجل حياة الحيوان بدلا من الرئتين والتنفس؟ وقد أخذ الخطوة التالية زميله الطبيب ريتشارد لوير الذي أشار إلى وجود علاقة بين الهواء والدم في الرئتين. بعد سنتين ms321 من تجربة هوك، قارن لوير لون الدم عند دخول وعند خروج الرئتين، وجد الأول داكنا والثاني أحمر زاه. واستنتج أولا، بأن تغير لون الدم نجم عن تعرض الدم للهواء في الرئة، وثانيا، بأن الدم توافق مع بعض هذا الهواء. # 109 # جورج شتال (القرن 18م) # حتى أيام لافوازييه، كان الكيميائيون ما زالوا يقبلون - بشكل عام - المفهوم الخيميائي القديم بأن المادة تحكمها ثلاث مواد أولية هي: الزئبق (الذي يجعل الأشياء سائلة)، والملح (الذي يجعلها صلبة)، والكبريت (الذي يجعلها تحترق). وقد حظي حمض الكبريتوز بالاهتمام فكان مصدر سحر خاص. # 110 # ووجدنا كيف أعاد الكيميائي الألماني جورج شتال إحياء نظرية الفلوجيستون الخاصة ببيشر، ووضع لها جملة من المفاهيم التي يمكنها أن تفسر معظم الظاهرات الكيميائية كالأكسدة والتنفس والتحلل. # 111 # افترض شتال بأنه كلما زادت كمية الفلوجيستون في الجسم زادت قابليته للاحتراق، إلا أن الجسم يفقد الفلوجيستون بعد أن يحترق. وقد كان يعتقد أن الفلوجيستون حفيد الكبريت الذي وضع فكرته جابر بن حيان كجوهر يعبر عن قابلية المادة للاحتراق، إلا أن النظرية عجزت عن تفسير سبب ازدياد وزن الجسم المحترق بدلا من أن يقل، وهو ما برهن عليه بويل وغيره لاحقا. # 112 # مع ذلك فقد ظهر لهذه النظرية أشياعها من المؤيدين؛ فقد قال كونانت # Conant ~~: ما الذي يمكن أن يكون أكثر صوابا من الافتراض بأن المادة الخام تستوعب، في كل لحظة من تسخينها مع الفحم النباتي، أساسا معدنيا يضفي عليها خواص المعدن؟ فإذا أطلقنا على هذه المادة المفترضة اسم «الفلوجيستون» فسنصل إلى تفسير لصناعة التعدين وفق المعادلة الآتية: # خام المعدن (أكسيد) + فلوجيستون (من الفحم النباتي) ~~← # معدن # وهذا يعني أن الفلوجيستون ينطلق عند التسخين ويتحد بالهواء، وقيل بشكل عام، إن المواد التي تحترق في الهواء عادة ما تكون غنية بالفلوجيستون. والدليل على ذلك أن عملية الاحتراق تتوقف بسرعة في الحيز المغلق، مما يعني أن للهواء القدرة على امتصاص كمية محدودة فقط من الفلوجيستون. # 113 # وتوصل شتال إلى أن النبات بدوره يزيل الفلوجيستون من الهواء؛ لهذا فإنه ms322 يصبح غنيا بهذه المادة، ويحترق عندما يصير جافا. وكجميع النظريات الكيميائية الجيدة، فقد قدمت نظرية الفلوجيستون تفسيرا لنتائج العديد من التجارب العلمية المختلفة، بما فيها العمليات البيولوجية كالتنفس وروائح النباتات، وكانت مفتاحا للباحثين ليتجهوا نحو حقول دراسية يمكن أن ينتج عنها اكتشافات جديدة؛ لهذا السبب فقد لاقت نظرية الفلوجيستون قبولا واتساعا في القرن الثامن عشر الميلادي، وقادت للعديد من الاكتشافات في مجال الكيمياء. # 114 # بناء على ما سبق، وضعت مجموعة من القواعد المتعلقة بعلاقة الهواء مع الفلوجيستون نوردها فيما يأتي: # 115 ~~(1) # لا يصلح الهواء المشبع بالفلوجيستون للحياة فيه؛ وذلك لأن دور الهواء في عملية التنفس هو التخلص من فلوجيستون الجسم. ~~(2) # لا يستطيع الهواء، بعد تشبعه تماما بالفلوجيستون، أن يساعد على احتراق أية مادة. ~~(3) # لا يعطي المعدن المسخن في الهواء المشبع تماما بالفلوجيستون أية بقايا. # كتب لهذه النظرية القبول في فرنسا عام 1740م، وأصبحت عام 1750م النظرية الأساسية في الكيمياء. وأصبح الفلوجيستون في القرن الثامن عشر مثل الطاقة المظلمة في عصرنا الحالي التي تدفع بتوسع الكون، كما يقول الفيلسوف الفرنسي نيكولاس دو كوندرسييه # N. de Condorcet ~~(1743-1794م): «يدفع بفعل قوى تعطيه اتجاها معاكسا لاتجاه الجاذبية.» كما صاغ أحد الكيميائيين هذه الفكرة بطريقة شاعرية قائلا: إن الفلوجيستون «يعطي أجنحة للجزيئات الأرضية.» # 116 # ميخائيل لومونوسوف (القرن 18م) # لم يكن الروسي ميخائيل لومونوسوف يقبل بنظرية الفلوجيستون التي طرحها وسوق لها الباحثون الأوروبيون؛ لأنه لم يكن هناك شيء يراه منها، ولإثبات صحة دعواه قام بتسخين المعادن في أوعية مغلقة بإحكام، فوجد - على عكس بويل - أنه لا توجد زيادة في وزن النظام ككل. واقترح بعدم وجود أية ضرورة للجوء إلى الفلوجيستون لتفسير النتائج. وإنما يمكن تفسير ما حدث بافتراض أن شيئا ما من الهواء قد اتحد مع الفلز. # 117 # لكن، وكما قد يحدث في كل عصر، إما أنه تم تجاهل دعواه أو لم يصل صداها للآخرين. # أنطوان لافوازييه (القرن 18م) # في الوقت الذي بدأ فيه جوزيف بريستلي يكشف فيها عن طبيعة الغازات؛ أي في عقد السبعينيات ms323 من القرن 18م، كان أنطوان لافوازييه مستغرقا بالكامل في البحث في مسألة الاحتراق، وكيف يعمل الاحتراق على تحميص المواد في الهواء، وهي المسألة التي لم تكن مفهومة بشكل جيد في ذلك الوقت. # 118 # في عام 1772م، كان لافوازييه لا يزال مقتنعا بفكرة الفلوجيستون، ولكنه بدأ يشك في أن الأمر برمته يتعلق بالاحتراق وحسب. وقد اقترح في نهاية ذلك العام أن المعادن تستولي على الهواء «المثبت» عند التكليس، وتطلق المواد المكلسنة هذا الهواء المثبت عند «اختزالها» مرة أخرى إلى معادن بوساطة الفحم والحرارة. جاء هذا الاقتراح عندما سمع عن الهواء المثبت الذي أشار إليه الكيميائي الاسكتلندي جوزيف بلاك عام 1773م، وأوضح أنها المادة التي تتحد معها المعادن لتشكل المواد المكلسنة؛ الأمر الذي يفسر الزيادة في الوزن على الأقل، وهو ما يعني عدم الحاجة للاستعانة بالفلوجيستون. # 119 # وما أكد شكوك لافوازييه هو الصيدلي الفرنسي بيير باييه P. Bayeh ~~، الذي وجد أن مادة «الزئبق المكلسنة» التي تدعى أكسيد الزئبق الآن، يمكن تحويلها إلى زئبق ببساطة عن طريق التسخين، دون الحاجة إلى الفحم الغني بالفلوجيستون، إضافة لذلك لم يكن الغاز المنبعث في هذه العملية هواء بلاك المثبت، وإنما شيء آخر مختلف تماما، ستتضح معالمه بعد زيارة بريستلي للافوازييه على مائدة العشاء. # 120 # ما يميز لافوازييه هو تقنينه للظاهرة، فقد أراد من خلال استخدام القياسات الدقيقة في التجربة أن يحصل على الجواب الشافي لها دون الاكتفاء بالملاحظة؛ حيث كان قبل أن يقوم بحرق أي مادة يقوم بوزنها بأقصى دقة ممكنة في عصره؛ ومن ثم يعيد قياس المادة مرة أخرى بعد الحرق. ~~ إلا أنه ارتبك مع حصوله على ثلاث نتائج مختلفة عن بعضها تماما # 121 # في أثناء عملية الاحتراق، ولعلها تذكرنا بتصنيف أرسطو لأسباب احتراق المواد: # فقد وجد مواد تخلف مواد وراءها أخف من المادة الأصلية، مثل الخشب. # ووجد مواد لا تخلف وراءها أية مادة من المادة الأصلية، مثل الألماس. # أخيرا وجد مواد تخلف وراءها مادة أثقل من المادة الأصلية، مثل احتراق المعادن. # فهل الاحتراق يدمر ms324 المادة أم يزيد في وزنها كليا أم جزئيا؟ وهل يصبح ناتج الاحتراق «هواء رقيق» يمتزج مع خليط الهواء؟ # ربما كان الأمر كذلك كما يعتقد لافوازييه؛ ففي عام 1756م قام جوزيف بلاك بتسخين الحجر الجيري (كربونات الكالسيوم # CaCO # 3 ~~)، ووجد أنه يطلق غاز ثنائي أكسيد الكربون، وقد نقص وزن الحجر الجيري، إلا أن الوزن المفقود كان يعادل الغاز الناتج. وفي الحالة المعاكسة، فإن المعادن كان يزداد وزنها بعد الاحتراق بسبب الاتحاد بغاز ما مع هذا المعدن. # 122 # وهكذا قدم بلاك للافوازييه مفاتيح حل اللغز المتعلق بنظرية الاحتراق، وما على لافوازييه سوى تحديد الغاز الذي يسبب هذه الزيادة أو النقصان. # ومنذ عام 1777م وحتى أواخر حياته، ادعى لافوازييه أن الأكسجين هو «مبدأ ذري للحموضة» وأن هذا الغاز - الذي هو الأكسجين - يتشكل فقط عندما يتحد مع السيال الحراري # Caloric # ليصنع الحرارة، وهذا يعني أنه حتى عام 1777م لم يكن الأكسجين قد اكتشف بعد، وقد أبعد بعد عام 1810م مبدأ الحموضة من الكيمياء، كما أن فكرة السيال الحراري عاشت حتى عام 1860م. # 123 # عندما قرأ لافوازييه نبأ اكتشاف كارل فيلهلم شيله المستقل عن هواء النار (وهو اسم الأكسجين عنده)، اقتنع بالتجربة بصحة التفسير القائل بأن احتراق الهيدروجين في الهواء يصنع الماء، كما ثبت أيضا صحة التجارب التي أجراها هنري كافندش. وبناء عليه نشر لافوازييه كتابه (تأملات في الفلوجيستون) عام 1783م، موضحا أن هذا المفهوم غير ضروري ومتناقض مع نفسه. وقد أيده في ذلك بلاك وقام بتدريسها في محاضراته في أدنبره. # 124 # وقد قال لافوازييه في عام 1785م، مستنكرا نظرية الفلوجيستون: «لقد جعل الكيميائيون الفلوجيستون جوهرا غامضا؛ فهو ليس محددا بدقة ويتناسب من ثم مع كل التفسيرات المطلوبة منه. أحيانا يكون له وزن، وأحيانا لا وزن له، وأحيانا يكون نارا فحسب، وأحيانا نار متحدة مع التراب، وأحيانا يمر عبر مسام الأوعية، وأحيانا لا يستطيع اختراقها، ويفسر الحمضية وعدمها في الوقت نفسه، والشفافية والتعتيم، واللون وغيابه، إنه بروتيوس # 125 # حقيقي يغير شكله كل لحظة.» # 126 # إن ms325 وضع البحث الكيميائي على أساس علمي على نحو دقيق من قبل لافوازييه - الذي تجاربه الدقيقة والبارعة واستعماله الدقيق للتوازن التحليلي افتتح العصر الحديث للكيمياء ودحض بشكل خاص نظرية الفلوجيستون - المادة الغامضة ذات الثقل السلبي المتشابه على نحو مدهش جدا لعنصر «الخفة المطلقة» المنسوب إلى أرسطو. # 127 # وهكذا أرسى لافوازييه ومؤيدوه # 128 # وجهة نظرهم، واتفقوا على استخدام مصطلح «الغاز # Gas ~~» للمواد التي كان هو والآخرون يسمونها «هواء». وقد ضمن مقالته السابقة نظريته عن أن الحرارة والضوء عنصران - وهي بالتأكيد أحد جوانب ضعف منظومته - إلا أن تفسيره للتكلس والاحتراق والاختزال عن طريق الأكسجين، وليس الفلوجيستون كان على جانب كبير من الثقة التي منحت النظرية القوة لتصمد. طبعا لم يقتنع المجتمع العلمي الكيميائي بما طرحه فورا؛ فقد مات شيله وهو مؤمن بنظرية الفلوجيستون، أما كافندش فقد كان يعتقد أن تفسيرات لافوازييه لا تختلف عن تفسيرات نظرية الفلوجيستون، فترك الكيمياء وتوجه للفيزياء، وكتب بريستلي دراستين من آخر ما نشره مدافعا عن الفلوجيستون. أما الجيل الحديث فقد كان مقتنعا بنظرية لافوازييه؛ فقد نشرت إليزابيت فولهام، وهي كيميائية أمريكية «مقال في الاحتراق» سنة 1794م، واحتفل أنصار لافوازييه بشكل درامي، حيث ألبسوا زوجته ماري ملابس قسيسة (أو كاهنة) وأخذت تشعل النار في كتابات بيشر وشتال على المذبح. # 129 # كذلك فقد اقتنع وليم هويغنز # W. ~~ Huygens # أيضا بما طرحه لافوازييه، فنشر عام 1789م كتابه (نظرة مقارنة في النظرية الفلوجيستونية والمضادة للفلوجيستونية)، ودافع فيه عن الرأي القائل بأن جزيئات المركبات الكيميائية هي اتحاد لذرات العناصر المكونة لها، بل وصل إلى حد الاعتقاد بأنها لا تتحد إلا وفق نسب وزنية محددة. # 130 # في المقابل، تلقى لافوازييه هجوما عنيفا عندما أشار إلى أن الماء يتألف من الأكسجين والهيدروجين، وفي حين يمكن للماء أن يطفئ الحرائق فإن الهيدروجين قابل للاشتعال على نحو هائل. فرد عليه أحدهم: «إن الماء هو أقوى مضاد نملكه للفلوجيستون.» فالأكسجين سيتسبب بالتخلي عن الفلوجيستون لتفسير عملية الاحتراق، التي تنتهي عندما يصبح الهواء خاليا من الأكسجين، وليس عندما يكون ms326 مشبعا بالفلوجيستون. # 131 # مع أن لافوازييه أخرج الفلوجيستون بوصفه مادة مسئولة عن عملية الاحتراق من الباب، لكنه أدخل من الشباك السيال الحراري بوصفه مادة فيزيائية، # 132 # وليس عنصرا قديما. وقد بدت مادة السيال الحراري كأنها فلوجيستون لكن بشكل آخر؛ فالسيال هو ما يجعل المواد غازية؛ لذلك فإن غاز الأكسجين زاخر به. ~~ وعندما كان الأكسجين يتفاعل مع المعادن لتشكيل المواد المكلسنة، كان السيال يتحرر، ونتيجة لذلك يصبح الأكسجين كثيفا وثقيلا. # 133 # أخيرا وللكشف عن طبيعة العلاقة بين الاحتراق والتنفس قام لافوازييه بالاشتراك مع الفلكي وعالم الرياضيات الفرنسي الماركيز بيير سيمون دي لابلاس، بتجارب عملية أثبتت أن عملية التنفس في الحيوانات، تشبه كيميائيا عملية الاحتراق، وتعد دراساتهما للعمليات الكيميائية في الكائنات الحية من بين أوائل التجارب في فرع الكيمياء الحيوية. # 134 # جوزيف بريستلي (القرن 19م) # بقي جوزيف بريستلي متشبثا بنظرية الفلوجيستون، وهو ما عبر عنه من خلال نشره لبحثه (مذهب الفلوجيستون يتأكد وتكوين الماء يدحض) عام 1800م، ولم يستطع التخلص منها حتى عندما بقي المؤيد الوحيد لها إلى يوم وفاته عام 1804م. # 135 # لقد أجرى بريستلي تجاربه على الهواء النتروجيني المشبع بالفلوجيستون (ثنائي أكسيد النتروجين)، ونجح بعده كارل شيله في تحضير «هواء النار» أو «هواء الحريق» # 136 # أي الأكسجين، قبل عام 1773م، # 137 # وأكد أن الهواء - كما كان يعتقد سابقا - ليس مادة بسيطة، بل مزيج بين غازين هما الأكسجين والنتروجين. # 138 # كما أجرى بريستلي تجاربه على مادة تسمى كلس الزئبق (أو ثنائي أكسيد الزئبق) # 139 # وهي مادة كان يبيعها الصيادلة في باريس لعلاج مرض الزهري؛ حيث يسخنها بوساطة عدسة مكبرة ويجمع الأدخنة المنبعثة، وقد قال في ذلك: «ما أدهشني أكثر مما أستطيع التعبير عنه هو أن شمعة اشتعلت في هذا الهواء بلهب ملحوظ القوة ... احترت تماما كيف أفسر ذلك.» وبعد أن وجد فأر تجارب انتعش وهو يستنشق هذا الغاز، راح يجربه على نفسه، فقال حينها: «لقد خيل إلي أن صدري خفيف ومرتاح على غير العادة لفترة من الوقت بعد ذلك. والذي يمكنني ms327 قوله إن هذا الهواء الخالص ربما يصبح في يوم ما سلعة رفاهية رائجة، إلا أن أحدا لم يحظ حتى الآن بشرف استنشاقه إلا أنا وفأران.» وقد أطلق بريستلي على هذا الغاز اسم «الهواء منزوع الفلوجيستون»؛ أي الهواء في أنقى صوره على الإطلاق. # 140 # وهو أيضا غاز الأكسجين نفسه الذي اكتشفه شيله ولافوازييه. # في عام 2001م، عرضت مسرحية اسمها «أكسجين»؛ حيث تخيل فيها الكيميائيان كارل جيراسي # C. ~~ Djerassi # ورولد هوفمان # R. ~~ Hoffmann # العلماء الثلاثة؛ شيله وبريستلي ولافوازييه وقد استدعاهم ملك السويد إلى استوكهولم؛ ليقرر من يستحق التقدير بوصفه المكتشف الحقيقي للأكسجين فكان شيله أول من استخلص الغاز، وبريستلي أول من نشر كلمة عن وجوده، لكن لافوازييه كان الوحيد الذي فهم وأدرك حقيقة ما وجد. # 141 # بمعنى أن ما يميز ادعاء لافوازييه لم يكن الملاحظات، وإنما التفسير # 142 # هو الذي أوصله إلى أن الأكسجين ما هو إلا عنصر من الهواء يساعد في عملية الاحتراق. # بيير لابلاس (القرن 19م) # عمل المركيز بييرسيمون دو لابلاس مع لافوازييه لاستقصاء حقيقة النار؛ حيث طورا مسعرا، وهو جهاز لقياس كمية الحرارة المنطلقة أثناء التنفس والاحتراق. كان هذا الجهاز يتألف من حجرة محاطة بفراغ مملوء بالثلج، وكانت كمية الماء التي تجمع من الجليد المنصهر تستخدم كمقياس للحرارة المنطلقة في الحجرة الداخلية. ومن أجل الحصول على دقة أكبر في القياس، كان الجهاز يحاط من الخارج بغلاف مملوء بالجليد، حتى إن التجارب كانت تجرى في الأوقات التي تكون فيها درجة الحرارة أعلى قليلا من درجة التجمد. وقد استطاع كل من لابلاس ولافوازييه تعيين كمية الحرارة المنطلقة أثناء احتراق الفحم وتكوين ثنائي أكسيد الكربون بوساطة هذا الجهاز، ثم قاما بتعيين كمية الحرارة المتولدة بوساطة أحد خنازير غينيا (حيوان تجارب) أثناء تنفسه، # 143 # وأيضا جمعا ثنائي أكسيد الكربون من الزفير. ~~ وقارنا كمية الحرارة المتولدة من الحيوان بكمية الحرارة المتولدة بالاحتراق والتي تعطي الكمية نفسها من ثنائي أكسيد الكربون. وقد حصلا على نتائج دقيقة لدرجة جعلتهما يستنتجان أن التنفس نوع من الاحتراق. ومع ms328 أن البحث التجريبي مهم إلا أن تفسير لافوازييه لطبيعة الضوء والحرارة قد بدأ مفتعلا؛ ففي حين كان لابلاس يفضل التفسير الميكانيكي للحرارة، على أنها حركة جسيمات المادة - كما نعرفها اليوم - إلا أن لافوازييه كان يصف الحرارة بأنها مادة. وقد أطلق عليها اسم «سعري» أو كالوري، أو مادة النار، ووصفها بأنها عديمة الوزن، وهو التفسير الذي جعل من الحرارة إحدى صور الفلوجيستون، كما وجدنا ذلك سابقا. لكن على عكس الفلوجيستون، كان لافوازييه قادرا على قياس مادة النار كميا، لكنه لم يستطع أن يفصل بشكل واضح بين الحرارة والضوء، وكان وصفه للضوء غير كمي. # 144 # يوليوس ماير (القرن 19م) # نظرا لكون يوليوس ماير طبيبا في الأصل، فقد كان الدافع الذي حث ماير للوصول إلى «مبدأ لحفظ أو مصونية الطاقة» هو احمرار الدم المدهش عند البحارة الجدد الذين قام بفحصهم على متن المركب التجاري الذي كان يعمل عليه، ووجد أن ذلك ناجم عن حرارة الإقليم الاستوائي؛ حيث إن معدل الاستقلاب (الأيض) يساعد على إبقاء درجة حرارة الجسم على حالها في الطقس الحار، مما يعني أن كمية الأكسجين التي يجب أخذها من الدم الشرياني الأحمر هي أقل. وقد وجد ماير أن مصدر الحرارة لدى الحيوان هي أكسدة الطعام، وتوصل إلى أنه يمكن تقدير كمية الطاقة الكيميائية الكامنة في الطعام من خلال كمية الحرارة الناتجة عن أكسدة هذا الطعام. وقد اعتقد بأن قوة العضلة وحرارة الجسم تستمدان من الطاقة الكيميائية الموجودة في الطعام، وطالما أن صرف الطاقة والتزود بها متعادل لدى الكائن الحي فلا بد من وجود مبدأ لحفظ الطاقة # 145 # energy conservation # الذي ينص على الطاقة لا تخلق من العدم ولا تفنى وإنما تتحول من شكل لآخر. # بعد الكشف عن الأكسجين بوصفه عنصرا مهما في عملية الاحتراق العادية، تمكن علماء الأحياء الأوروبيون من وضع تفسير للحرارة التي تنتج عن الأجسام الحية، وقد وجد الباحث و. ه. أوليري # W. H. ~~ O’Leary # بأنه توجد ثلاثة مصادر كبيرة تشتق المواد المؤكسدة التي تنتجها حرارة الحيوان: # أولا: أنواع ms329 الطعام المولدة للحرارة والدهون، والتي تستوعبها القناة المعوية. # ثانيا: المادة المتحللة المشتقة من النسج العضلية ونسج أخرى نتيجة نشاط. # ثالثا: المواد المولدة للحرارة مختزنة في النظام الحي؛ أي المادة الدهنية وغيرها. # وبعد عدد من التجارب المفصلة في هذا التقرير مال أوليري إلى الإثبات بشكل حاسم بأن إنتاج حرارة الحيوان يتم بأكسدة المواد المذكورة أعلاه، منجزة ذلك في الدورة الدموية، وليس في الأنسجة؛ أي إنها تنتج بشكل رئيس في النظام الشرياني، وتبدأ من لحظة تلقي الأكسجين في الرئتين. هذا التأثير يحدث أيضا في الأوردة، لكن بدرجة أقل بكثير، حيث إن الحرارة الضرورية للحفاظ على الأنسجة العضلية والأنسجة الأخرى بدرجة حرارة طبيعية مستمدة من عبور الدم الشرياني خلالها، وليس من أي أكسدة تحدث في أنسجتها الصحيحة. # 146 # وهكذا؛ كشف أخيرا للبشرية - بعد كل تلك الجهود الجبارة للعلماء والباحثين - أن الأكسجين هو العنصر الرئيس لعمليتي الاحتراق والتنفس، وبات سبب توليد الحرارة الناتج عن العمليتين السابقتين مفهوما، وعندما نفهم ظاهرة يعني أنه يمكننا السيطرة والتحكم بها. # الباب الرابع # | تطبيقات حرارية # الفصل الأول # | رحلة البحث عن المحركات الأبدية # مقدمة # يتناول هذا الفصل مراحل تطور الصراع بين الساعين لإثبات وجود محرك أبدي وأولئك الحراس الساعين للحفاظ على مصونية الطاقة في الكون، وحتى الآن فإن الكفة ترجح لصالح الفريق الثاني، ولكن قبل أن ندخل في تفاصيل هذه الملحمة العلمية، يجب أن نفرق بين جملة المصطلحات الآتية: حركة أزلية # Eternal movement ~~، وحركة أبدية أو حركة دائمة Perpetual motion ~~، وذاتي الحركة # Automata ~~. # فالحركة الأزلية هي التي لا يكون لها بداية تبدأ منها ولا نهاية تنتهي عندها، أما الحركة الأبدية فهي التي بدأت في زمن محدد ولن تقف في المستقبل، وهي تكافئ بذلك الحركة الدائمة. أما الحركة الذاتية فهي التي تتمتع بها بعض الآلات؛ حيث إنها تعمل وفق برامج وخطوات محددة، وقد كانت معظم الآلات التي تصنع قبل عصر الكهرباء تبرمج ميكانيكيا؛ بمعنى تصمم أقراص أو آليات أخرى توضع عليها تعليمات عمل الآلة. وهذا النوع لا يندرج تحت عنوان آلات ms330 الحركة الدائمة التي سيتناولها هذا الفصل، وإنما تحت عنوان الآلات الميكانيكية المبرمجة. # البحث في الحركة الدائمة مصطلح عام يعبر عن هدفين كاملين متميزين؛ البحث في المحرك الدائم، والبحث في الجسم المتحرك بشكل دائم. والأصعب من هذين الهدفين الكاملين هو البحث في المحرك الدائم. ومثل هذا الهدف هو تصور الطحان الذي لديه كمية معينة من الماء في خزانه مستعدة للتدفق من علو معين، ويحلم الطحان بجمع مسيرات الحركة العجيبة التي قد تخوله بأن يطحن كمية من الحبوب بقدر ما يريد بدون رفع خزانه بوصة أو إضافة أوزان إضافية إلى كمية الماء الموجودة لديه. # 1 # الآن يمكننا تعريف المحرك الأبدي على أنه «آلة افتراضية يمكنها أن تقوم بأداء عمل متواصل دون التزود بطاقة، أو تعمل باستمرار على تحويل الطاقة إلى عمل بصورة كلية، أو تعطي مزيدا من الطاقة، دون انقطاع، أكثر مما تستهلك.» # 2 # وعلى هذا؛ فإن المحرك الأبدي هو آلة لا تخضع لقانون بقاء الطاقة الميكانيكية، ولا تتغلب على قانون تقليل الطاقة الميكانيكية. إنه آلة تباشر عملها بمجرد تركيبه، وهو لا يتطلب أي مصدر آخر من الخارج ليزوده بالطاقة. # 3 # وذلك يعني أن هذا المحرك يتحدى قوانين الترموديناميك المعروفة حاليا. # لقد كان المحرك الأبدي مقترحا في الميكانيك. لكن الاحتكاكات والتصادمات غير المرنة أدركت بوصفها ذات نتيجة عكس المرغوبة؛ لأنها تمتص العمل وتفني الطاقة الحركية، وكلاهما ينتج حرارة. # 4 # من الناحية الميكانيكية؛ يمكن أن توجد ثلاثة أنواع للمحركات الأبدية؛ فهي إما أن تكون بالأساس تميل نحو مركز الكون، أو قد تكون متجهة نحو مركز مسار بسيط مثل جريان الماء، أو قد تنجم عن خاصة معينة مثل حركة الحديد نحو المغناطيس. وعلى ما يبدو، ينبغي أن نلتمس المحركات الدائمة في حركتي النوع الأول والثاني. الآن عندما يتم سحب وزن بقوة أكثر أو نعيده على نحو أكثر فعالية ونشاطا، فهو متسق مع طبيعته وحركته الطبيعية، وهذا صحيح، ولكن بدون تحرر في السرعة. أمثلة عن هاتين الحركتين نراها في أوزان الساعات. ~~ بالنسبة للحركة الدائرية، فإننا ms331 نراها بشكل طبيعي في السماء والهواء، والثاني ليس مدفوعا بآلية دائمة الوجود، بالنسبة للأجسام الأخرى، فإن الحركة الدائرية، لديها دائما أساسها في الحركة العمودية، وهو ما نجده في الأنهار وبمعدل يصل إلى حد أن الماء متولد بفعل المصدر فهو يهبط باستمرار على طول منحدر القاع، لكن يتوجب على الحركة أن تكون دائمة، فمن الضروري أن الأجسام التي تمت إزاحتها ووصلت إلى نهاية مسارها من شأنها أن تعاد إلى مواقعها الأساسية، وذلك بأن يتم حملها فورا بواسطة زيادة محددة للقوة الحركية. # 5 # ومن الناحية الترموديناميكية، يمكن أن يوجد نوعان للمحركات الأبدية: ~~(1) # الذي يعطي طاقة بشكل دائم من دون أن يستهلك أية طاقة من الوسط الخارجي، ويسمى بالمحرك الأبدي من النوع الأول. وقد وجدنا سابقا، كيف أسهم في تأسيس الترموديناميك عدد من العلماء، وقد صاغوا القانون الأول فيه ليكون بعنوان «مبدأ مصونية الطاقة» الذي يطبق على تحول الحرارة إلى طاقة ميكانيكية وبالعكس. وقد وصفه الكيميائي الألماني فيلهلم أوستفالد # W. Ostwald ~~(1853-1933م) بأنه مبدأ استحالة الحركة الدائمة من النوع الأول؛ أي إن الآلة التي تعطينا طاقة من نوع ما لا تكون قد زودت بها قبلا بشكل أو بآخر. ~~ وبالتأكيد لا يشمل هذا المبدأ جميع الظاهرات الطبيعية. # 6 ~~(2) # المحرك الذي يستطيع تحويل الطاقة الحرارية إلى طاقة ميكانيكية بشكل كامل، ويسمى المحرك الأبدي من النوع الثاني، ولكن القانون الثاني في الترموديناميك ينص على أنه يستحيل صنع آلة تعمل دوريا ولا تفعل شيئا سوى أخذ الحرارة من مصدر ورفع ثقل. ومع أن هذه الآلة ممكنة من ناحية المبدأ الأول، إلا أن القانون الثاني ينكر إمكانية وجودها؛ ولهذا السبب قام أوستفالد بتسمية هذا المبدأ، بمبدأ استحالة الحركة الدائمة من النوع الثاني؛ فبينما يمنحنا المبدأ الأول الأمل بتوليد الطاقة من العدم، يحرمنا المبدأ الثاني من هذا الأمل. # 7 # البحث عن المحركات الأبدية التي يؤخذ منها عمل بشكل دائم، مجرد أن تبدأ الآلة بالعمل، كان حلم الكثيرين من الميكانيكيين وصناع الآلات المهرة، وهو أشبه بحلم الخيميائيين بحصولهم على الذهب ms332 من الرصاص وغيره من المعادن الرخيصة. مع أن بعضهم كان دجالا والآخر مخادع، بحيث جعل من عمله سريا للغاية لا يمكن كشفه لأي شخص كان، إلا أنه كان يضع قريبا أو خادما له ليعمل على تشغيل الآلة، فتبدو أنها أبدية الحركة. # مع كل ما أهدر من وقت ومال وجهد في سبيل الحصول على المحرك الأبدي، إلا أن كم التصاميم والأفكار التي وضعت - كما سنشاهد في هذا الفصل - دفع بالآخرين أن يفكروا بطريقة أكثر منطقية وعلمية للحصول على محرك يمكنه أن يكون مفيدا في عمله وأدائه. # كما أن عدم جدوى الحصول على المحركات الدائمة، إلا أن هؤلاء الباحثين قد قاموا بدور مفيد بجعل الآخرين يصلون إلى قانون حفظ الطاقة. # 8 # وأوحت تصاميمهم بإمكانية الاستفادة من مصادر جديدة في الطبيعة؛ إذ أصبحت ظاهرة المد والجزر نوعا من الساعات الكونية، وفعلا وضعت محطات لها محركات تعتمد على المد والجزر على شواطئ البحر الأدرياتيكي وفي بريطانيا، وكان ذلك منذ القرن الحادي عشر، وتم الاستفادة من تلك المحطات طيلة القرون الوسطى، مع وجود صعوبات ناتجة عن التبدلات في ارتفاع المد. يقول الباحث كرومبي # Crombie ~~: «في عام 1582م، زودت لندن بالمياه، مضخة دافعة تعمل بوساطة دولاب يحركه المد، أقامه بالقرب من جسر لندن، المهندس الألماني بيتر موريس P. Morice ~~(توفي 1588م).» # 9 # المبحث الأول: اليونانيون # نشأ الاهتمام بآلات الحركة الأبدية منذ القرن الثالث قبل الميلاد لدى الميكانيكيين اليونانيين، وتطور هذا الاهتمام في العصور الوسطى من خلال النظر إلى الناعورة التي يديرها النهر الجاري بشكل دائم، ومن حركة النجوم حول الأرض كل يوم؛ حيث ظهر الكون وكأنه آلة دائمة الحركة، ونظرا لإمكانية محاكاة حركة الكون بوساطة الآلات الميكانيكية المصغرة، إذن يمكن أن تقلد هذه الحركة ويستفاد منها. # 10 # ويكاد يكون أوطولوقوس البياتي الوحيد من بين اليونانيين الذين حاولوا تقديم تصميم لآلة دائمة الحركة، حفظته لنا الترجمات العربية، مع أنه كان يهدف من هذا التصميم محاكاة حركات السماء وليس توليد الطاقة أو القيام بعمل محرك دائم الحركة. # أرسطو ms333 (القرن 4ق.م.) # وقف أرسطو عند حدود التعريف والتفريق بين المفاهيم من الناحية النظرية، ولم يقدم لنا أكثر من ذلك، خصوصا ما يتعلق بالحركة الأبدية وتأثيرها أو تأثرها بالأجسام. # حسب أرسطو فإن الاتصال أمر ضروري للأشياء الأزلية، فما يسكن ليس بأزلي. ونقول بأن الزمان متصل؛ لأنه لا يمكن أن تكون قطع منه مبتورة. فيجب من ذلك أن تكون الحركة متصلة، فإن كانت الحركة المستديرة هي وحدها متصلة، فيجب أن تكون هي الأزلية. ويجب أن يكون محرك هذه الحركة أزليا؛ لأن علة الأزلية يجب أن تكون أزلية؛ إذ لا يكون ما هو أخس علة لما هو أفضل، فيجب أن يحرك تحريكا دائما؛ فإنه إن كان محركا لكن ليس تحريكه بدائم، فتحريكه لا يكون أزليا، وهذا لا يمكن أن يكون. # 11 # أوطولوقس (القرن 3ق.م.) # عثرنا في مجموع موجود في المكتبة البريطانية على رسالة بعنوان «الكرة المتحركة بحركة دائمة»؛ # 12 # وهي ليست مأخوذة أو مقتبسة من كتاب الكرة المتحركة لأوطولوقس البيتاني # Autolycus of Pitane ~~(توفي 290ق.م.)، وإنما رسالة مستقلة. # 13 # ربما تعد هذه الرسالة أقدم وثيقة تتحدث عن المحرك الدائم الحركة وتصف طريقة صنعه؛ إذ يطلب أوطولوقس توفير كرة، دون تحديد قياس محدد لقطرها، تحاط الكرة بشريط دائري عند وسطها عرضه حوالي 2,5سم، ويحفر عليه ستة دوائر في أعلاه وستة دوائر في أسفله، بحيث تكون السفلية أصغر من العلوية. يتم ملء ثلاث دوائر علوية بقشر القنب (الأبق)، ولا يقول لماذا اختار هذه المادة بالذات، لكن يجب أن تكون وظيفتها تقليل الاحتكاك والمحافظة على استمرارية الحركة، ثم يتم ملء ثلاث دوائر سفلية بقشر القنب أيضا، بحيث يكون وزن القشر متساويا في كل الدوائر، تغطى الدوائر المحفورة مع القشر بلوحين لمنع خروج القشر منها. ~~ ومع إعطاء الكرة دفعة فإنها تبدأ بالحركة ولا تتوقف. # لكن ينقص التصميم قاعدة ترتكز عليها الكرة حتى تحافظ على استمراريتها في الحركة. وكذلك يجب تثبيت الشريط المحيط في وسط الكرة حتى تتمكن من الحركة بحرية. # يقول أوطولوقس: «هذه الرسالة للكرة المتحركة بحركة ms334 دائمية، نعمل في وسط الكرة دائرة تحنية من لوح يكون ثخانتها غلظ إبهام أو أكثر، وينقر عليه ست دوائر منقورة أعلى الدوائر وست دوائر منقورة أسفلها، ويكون الدوائر السفلى أصغر. ويجعل ما بين الدائرة العليا ثلاث دوائر منها يملؤها أبقا # 14 # وأيضا يملأ الثلاث الدوائر من السفلى أبقا مخالفا على ما في هذا المثال، ويكون وزنا الأبق في كل نقرتين متساويين لا يزيد أحدهما على الآخر، ثم نطبق على هذه الدائرة لوحين خفيفين مهندمين خفيفين من الجانبين لئلا يخرج الأبق من الدوائر، فإذا أديرت الكرة فإن الأبق من الدوائر الكبرى إلى الصغرى يجري بالمجرى ومن الصغرى إلى الكبرى ، وهكذا دائما، وتتحرك [حركة] دائمة.» # 15 # شكل تخطيطي مبسط يعبر عن كرة أوطولوقس المتحركة حركة دائمة. ~~ المثلث أسفل الكرة هو ما اعتبرناه القاعدة التي ترتكز عليها الكرة، وأضفنا المثبت للشريط المحيط، ولم نوضح على الشريط توزع الدوائر العليا والسفلى التي يوجد بداخلها مادة الأبق. ~~ (الشكل من تصميم المؤلف حسب الوصف الذي جاء في المخطوطة.) # قد تكون فكرة حركة الكرة الدائمة التي وضعها أوطولوقس تطويرا لخريطة النجوم التي وضعها تاليس؛ أي محاكاة وتطبيقا عمليا لحركة النجوم اليومية حول الأرض؛ فهي تظهر دوران حقل النجوم الثابتة حول محورها الذي يمر بنقطة القطب الشمالي. ويمكن لهذه الفكرة البسيطة أن تقدم مساعدة كبيرة في الرؤية، وفي تحديد تغيرات النجوم المرئية على خطوط العرض المختلفة. وبذلك يمكن لهذه المعرفة الهندسية أن تساعد في تمييز النجوم الثابتة وتلك التي لا ترى إلا في وقت معين وخط عرض محدد. # 16 # المبحث الثاني: الهنود # جاء في مخطوطة سنسكريتية قديمة بعنوان «سيدهانتا-سيروماني؛ أي تاج المقالات» التي كتبها الرياضياتي الهندي بهاسكار الثاني # Bhaskar II ~~(1114-1185م) نحو عام 1150م. وقد تحدث فيها عن دولاب له أخاديد خاصة مملوءة بالزئبق. وأكد أنه إذا تم تثبيت مثل هذا الدولاب على محور وأعطي دفعة أولية فإنه سيدور بشكل دائم. وقد ظهرت فكرة هذا الدولاب مرة أخرى في كتاب «القانون الفلكي» للملك الكاستيلي ألفونسو العظيم عام 1272م. ms335 # 17 # المبحث الثالث: العلماء العرب والمسلمون # منذ القرن العاشر للميلاد كان للعلماء العرب رأي ذو شأن في الحركة الأبدية والمحركات الدائمة الحركة، وقد انقسموا قسمين؛ منهم من اعتقد بإمكانيتها، ومنهم من قال باستحالة تحققها نظرا لتوقف المصدر المزود لها بالقدرة. وما يدهش في الأمر هو محاولة البعض بناء هذه المحركات الأبدية بتصاميم كنا نعتقد حتى عهد قريب أنها من أعمال الأوروبيين. # الفارابي (القرن 4ه/10م) # الحركة الدائمة عند الفارابي هي «التي لا بد لها من محرك مفارق» # 18 # عنها؛ أي تحتاج الحركة الدائمة إلى كائن خارجي يحركها، ولا يمكن لها أن تتحرك من تلقاء نفسها، وسيكرر بهمنيار بن المرزبان - تلميذ ابن سينا - تعريف الفارابي نفسه. # 19 # لكن الفارابي لم يوضح لنا موقفه: هل هو مؤيد أم معارض لفكرة المحرك الأبدي. # ابن سينا (القرن 5ه/11م) # رفض ابن سينا أن يكون وجود للحركة الدائمة؛ إذ يؤثر الوسط على الجسم المتحرك ويعيق تقدمه ويوقفه. وبذلك يكون قد سبق ليوناردو دا فنشي # L. da Vinci ~~(1452-1519م) الذي أكد على هذه الفكرة في عصر النهضة الأوروبية. # 20 # يقول ابن سينا في كتابه (الإشارات والتنبيهات): «لا يجوز أن يكون في جسم من الأجسام قوة طبيعية تحرك ذلك الجسم بلا نهاية.» # 21 # أحمد بن خلف المرادي (القرن 5ه/11م) # يعد أحمد بن خلف المرادي (القرن 5ه/11م) أشهر المهندسين التقنيين في الأندلس، وهو الذي صنف كتابا يدعى «الأسرار في نتائج الأفكار في فن الحيل». # 22 # ويعد كتاب ابن خلف أول كتاب أندلسي يتحدث عن التقنية الآلية، ومن المؤسف أنه لم يعثر إلا على نسخة وحيدة منه، وفي قسم كبير منها نالها التلف، وقد تمكنت هيئة المتاحف في قطر من إعادة تنظيمها من جديد بصورة شبه تامة بالتعاون مع عدد من الخبراء الدوليين، حتى إنهم قاموا بإعادة صنع الآلات الواردة فيها ووضعها في المتحف. # 23 # يصف الكتاب عدة ساعات مائية يمكنها التحرك على فترات زمنية محددة، وهو ما يمكن من استعمالها كساعات وبصورة مضبوطة مسبقا. ويمكن مقارنة الكتاب بأعمال بارزة كأعمال ms336 هيرون، وابن موسى، والجزري، والطريقة التي يعالج بها المرادي موضوعاته التي تشير إلى احتمال عدم وجود سابق له؛ فالمصطلحات التي يستعملها تختلف عن تلك المستعملة من قبل هؤلاء، وهو ما ينم عن اختراع أصيل. وما من شك أن الكتاب حظي بأهمية كبيرة في الأوساط العلمية الأوروبية بعد ذلك؛ إذ نجد ما يفيد أن أحد المهندسين ويدعى فرنسيس فيلار دو هنكور # F. V. de Honnecourt ~~(كان حيا 617ه/1220م) قد قام بصنع آلة أو أكثر من الآلات القادرة على توليد حركة دائمة، # 24 # مستفيدا من أفكار ابن خلف. # ابن باجة (القرن 6ه/12م) # تقسم الحركات عند ابن باجة إلى نوعين: ~~(1) # نوع يعود إلى (الحوادث المفردة) كانتقال الأجسام وتحرك النبات ومشي الإنسان، فهذه كلها حوادث متقطعة تقع بين حدين من قياس الزمن. ~~(2) # ثم هناك الحركات المطلقة التي تدفع هذه الأجسام وتدير الكواكب، وهي دائمة خالدة ليس لها بدء ولا ينتظر أن يكون لها نهاية؛ هذه الحركة الدائمة أشرف من الحركة المتقطعة، والأجسام التي تتبدى فيها الحركة الدائمة أشرف من الأجسام التي تتبدى فيها الحركة المتقطعة. وتكون الحركة الدائمة عادة مستديرة أو مستقيمة ولكنها خالدة. # وقد برهن ابن باجة على أن الحركة المطلقة دائمة بطريقة رياضياتية هندسية؛ فهو يقول: إن الأجسام التي نراها في عالمنا لم توجد فورا ولا ابتداء في الأماكن التي هي فيها الآن؛ فكل جسم إذن يجب أن يكون قد انتقل إلى مكانه الحاضر من مكان سابق، وكذلك يجب أن يكون قد انتقل إلى مكانه السابق من مكان آخر سابق عليه، وهلم جرا. ~~ وهكذا لا يمكن أن نفرض للحركات بدءا؛ فهي من أجل ذلك أزلية من جهة الماضي. أما من جهة المستقبل فهي أيضا أبدية؛ وذلك لأن كل خط يمكن أن يمتد أبدا إلى ما لا نهاية؛ إن قولنا هذا الخط يمتد من «أ» إلى «ب» يدل على أن «ب» هي فاصل بين امتدادين وأن وراء «ب» مسافة أخرى. ~~ فإذا نقلنا «ب» إلى ما وراء مركزها الحالي فكأننا نقلنا هذا الحد الفاصل ms337 مسافة جديدة. وما دام كل مكان جديد على هذا الخط هو فاصل جديد بين مسافتين، فالمفروض أن هذا الخط لا يتناهى، هذه الحركات الدائمة من جهة الأزل والأبد معا يسميها ابن باجة الحركات «المتصلة من جهة الزمان». # 25 # رضوان بن محمد الساعاتي (القرن 7ه/13م) # يقترح الباحث الروسي كارتسيف أن فخر الدين الساعاتي (توفي حوالي 618ه/1221م) قدم ثلاثة نماذج عن محركات أبدية، # 26 # وذلك في كتابه (علم الساعات والعمل بها)، لكننا رجعنا لمخطوطة العمل المذكور # 27 # ولم نعثر على أوصاف هذه المحركات. كما أن المؤرخ دونالد هيل في دراسته الهندسية والتصميمية لمخطوطات الكتاب السابق لم يشر إلى وجود أي شيء من هذا القبيل؛ # 28 # لذلك تبقى إسهامات الساعاتي معلقة حتى نعثر على الدليل الكافي. # محمد بن منكلي (القرن 8ه/14م) # أورد محمد بن منكلي الناصري (توفي 770ه/بعد 1368م) في كتابه (الحيل في الحروب وفتح المدائن وحفظ الدروب) 11 تصميما لمحركات أبدية تعمل بنفسها، وذكر أنها تستخدم في مجال استخراج المياه، سنورد فيما يأتي صور هذه المحركات كما هي في المخطوطة، علما أنه سبق وأن صنفها الباحث جلال شوقي على أنها مجهولة المؤلف. # 29 # تقي الدين الراصد (القرن 10ه/16م) # اعترض تقي الدين الراصد (توفي 993ه/1585م) على فكرة المحركات الدائمة في رسالته (رسالة في علم البنكامات)، # 30 # حيث يبدأ بتعريف علم البنكامات، ثم ينتقل إلى موضوعه قائلا: «وموضوعه حركات مخصوصة في أجسام تنقضي بقطع مسافات مخصوصة لأن الحركة الدائمة لذاتها في هذا العالم أمر محال.» # 31 # وهو بذلك يدرك تماما أن الحركة لا بد لها من مصدر يحركها، وستتوقف هذه الحركة حتما مع انقطاع المصدر. # ويرى المؤرخ فؤاد سزكين أن تقي الدين يعد أول شخص يدعي أن مفهوم الآلة التي تعمل دون طاقة مستمدة من الخارج ليس أمرا حقيقيا؛ كونه منافيا تماما للقوانين الفيزيائية. # 32 # ونحن نرى أنه ليس أول شخص ينفي إمكانية صنع محرك دائم الحركة، وإنما ينضم لقائمة العلماء العرب والمسلمين الذين سبقوه في هذا النفي كالفارابي وابن سينا وابن مدرك. # ابن ms338 مدرك (القرن ؟م) # جاء في كتاب «جذوة المقتبس في تاريخ علماء الأندلس» لمؤلفه محمد بن فتوح بن عبد الله الحميدي (توفي 488ه/1095م) أبي عبد الله أن الشاعر الأديب الأندلسي أبا سعيد بن قالوس (حوالي القرن 7ه/13م) قال في رجل اسمه ابن مدرك، لم نتمكن من معرفة أي شيء عنه، كان ادعى صنع آلة تتحرك في بئر دون محرك، وقد رفض أبو سعيد هذا الادعاء وعبر عنه بالهجاء شعرا فقال: # 33 # قل لابن مدرك الذي لم يدرك # إخراج ماء البئر دون محرك # طرق الحماقة جمة مسلوكة # وطريق حمقك قبل لما يسلك # وقد يعكس لنا ذلك أمرا عن طريقة التفكير الشائعة في ذلك العصر؛ فربما كانت هناك حاجة لمصادر للطاقة تختلف عن تلك المعروفة في الأندلس حينها بوساطة الرياح # 34 # أو المياه، وذلك لوضعها في أماكن لا تصلها رياح أو تتوفر فيها مياه. # تصاميم عربية وإسلامية مجهولة المؤلفين # في الكراس الخامس المعنون ب «بحث حول الدواليب المائية والطواحين والمكابس المائية» لمؤلف عربي أندلسي مجهول (قد يكون ابن خلف المرادي) حاول تقديم رسومات وأفكار لصنع آلات دائمة الحركة # 35 # ويمكن تشبيه إحدى آلاته بآلة موجودة في دفتر # 36 # فرنسيس فيلار دو هنكور المهندس المعماري الفرنسي والذي يقول: «لقد تناقش الأساتذة مرارا في كيفية تدوير دولاب من تلقاء نفسه. انظروا هنا كيف يمكن فعل ذلك باستخدام مطارق ذات رأسين عددها فردي أو باستخدام الزئبق.» ويقول الباحث خوان فيرنيه # J. Vernet ~~: «إن هذا العنصر، وتفاصيل أخرى لا أتوقف عندها هنا، تتيح لي أن أؤكد أن فيلار كان على علم بتقنيات ذلك العالم العربي. لكنني أضيف فقط أن مؤلفي هذين الكراسين يشرحان عدة أشياء تقوم بحركات دائمة، وأنهما كانا يعرفان حتما آلات مائية وأنواعا عديدة من الدواليب المسننة (التي تتفاوت في عدد أسنانها) وآليات انفلات، ومن المحتمل جدا أنهما كان يعرفان أيضا مشبك اللولب المسماري والدولاب الحر.» # 37 # يتناول الكراس الخامس من المخطوط في جزئه الأكبر محركات تتحرك حركة دائمة، ونجد أنه لا يمكن ووفق الأوصاف ms339 التي تم سردها، إدراك أهمية الكلمات التي كانت قد زيدت بحروف صغيرة جدا. وقد ظهر في مؤتمر عقد عام 1982م أهمية ما كتب بحروف صغيرة وهو: «دواليب مائية تتحرك من تلقاء ذاتها». لكن النص لم ينشر إلا عام 1988م. وقد تبين أن أحد الدواليب الموصوفة يتعلق بدولاب مرسوم في دفتر فيلار دو هنكور. # 38 # ويذكر الباحث جلال شوقي أنه عثر في عدة مخطوطات # 39 # على عدة تصاميم إسلامية لمحركات أبدية مجهولة المؤلف تعود للعصور الوسطى، ولا نعلم إن كان قد تم تنفيذها عمليا أم لا، والأرجح أنه لم يتم تنفيذها لأنها ستصطدم بعوائق كثيرة؛ مثل فقدان الطاقة بوساطة الاحتكاك، وعدم تحقيقها لشرط استمرار الخلل في التوازن. ~~ نورد أشكال هذه التصاميم كما يأتي: # 40 # دولاب يعمل بالزئبق؛ حيث إن الزئبق الموزع في الأنابيب المحيطة بالقرص المركزي يختل توازنه فتولد الحركة، إلا أن ذلك لن يحدث، بل سيحدث العكس؛ أي تصل لمرحلة التوازن بعد عدد من الدورات. # محرك يرفع الماء بشكل دائم اعتمادا على قواديس، ويقوم القرص الذي في وسط المسافة بين سلسلتي القواديس بوظيفة إحداث خلل في التوازن؛ الأمر الذي يجعل من المنظومة تتحرك بشكل دائم. # تصميم مأخوذ من مصادر إسلامية وموجود في دفاتر ماريانو تاكولا # M. Taccola ~~(1382-نحو 1453م) ويبدو أنه كان يتوقع استخدمه كأحد أنواع الأسلحة الحربية، مثل المقلاع أو المنجنيق. (مصدر الصورة والتعليق: # Sezgin, Fuat, Science and Technology in Islam, Physics and Technology V, Publications of the Institute for the History of Arabic- Islamic Science, 2010, p. ~~ 61 ~~.) ~~(إلى اليمين) دولاب فيلار دو هنكور الذي يدور بشكل أبدي والمأخوذ عن نص عربي مجهول المؤلف كما ورد في رسوماته. (مصدر الصورة: # Bowie, Theodore, The Medieval Sketchbook of Villard de Honnecourt, Dover Publications, Inc. Mineola-New York, 2006, p. 17 ~~.) (إلى اليسار) تم تنفيذ نموذج للدولاب في معهد تاريخ العلوم العربية في فرانكفورت بقطر 80سم، وهو يتألف من كرات رصاصية كما جاء وصفه في النص العربي. (مصدر الصورة: # Sezgin, Fuat, Science and Technology in ms340 Islam, Physics and Technology V, Publications of the Institute for the History of Arabic- Islamic Science, 2010, p. ~~ 60 ~~.) لكن ثمة فارق بينهما أن محرك هنكور يعتمد المطارق في الحركة (عددها 7)، أما المحرك العربي فيعتمد على الكرات الرصاصية (عددها 60). # مجموعة تصاميم جديدة مختلفة عن السابقة، أيضا مثل السابقة توجد فيها مسننات معشقة مع بعضها لتبادل نقل الحركة، وبعضها الآخر يعمل بدون تماس (الشكل العلوي في أعلى اليسار). # منظومة من ثلاثة مسننات معشقة مع بعضها بعضا، حيث تقوم السلاسل المعلقة بالمسنن الأفقي اليميني بالحركة دافعة المسنن العمودي في الوسط للحركة، والذي يحرك بدوره المسنن الأفقي الثاني الموجود على اليسار فيحرك السلسلة المعلقة فيه، والتي تنزل لحد معين، ثم تقوم بحركة رجعية أو عكسية تجعل المسنن الثاني يحرك المسنن في الوسط، والذي في الوسط يحرك المسنن الأول، وهكذا تستمر الحركة بلا نهاية. # المبحث الرابع: الأوروبيون # يعود تاريخ أول تسجيل لمحاولة بناء آلة حركة دائمة في أوروبا إلى القرن 8م في ولاية بافاريا الألمانية. وقد كان هذا النموذج يقوم على وجود سلسلة من المغانط الصغيرة الموضوعة على دولاب مثل دولاب فيريس # Ferris Wheel ~~؛ حيث وضع الدولاب أعلى مغناطيس أكبر بكثير ومرتكز على الأرض، ولدى مرور كل مغناطيس على الدولاب فوق المغناطيس الكبير الثابت يفترض أن ينجذب ثم ينفر من المغناطيس الأكبر؛ وبالتالي يدفع الدولاب ويخلق حركة دائمة، وفي عام 1635م منحت أول براءة اختراع لآلة حركة دائمة. # 41 # وسنجد أن الجهود التي بذلها الأوروبيون لا تقل أبدا لا من الناحية التصميمية ولا من الناحية التنفيذية عن تلك التي بذلها العرب والمسلمون؛ فقد كان الهدف واحدا هو الحصول على محرك دائم يقدم لنا الحركة مجانا. وقد استمرت جهود الأوروبيين في هذا الاتجاه حتى القرن 20م، وحتى بعد أن قررت الكثير من المؤسسات العلمية اعتماد قوانين الترموديناميك وعدم النظر في أية فكرة تتعلق بالمحرك الأبدي. # بيير دو ماريكور (القرن 13م) # اقترح بيير دو ماريكور P. De Marycour ~~(القرن 13م) تصميم آلة دائمة تعتمد على وضع مغناطيس كروي ms341 مركب دون مغنطة، بحيث يكون محوره موازيا للمحور السماوي؛ وعليه فإنه سيدور كما تدور الأفلاك نفسها؛ الأمر الذي سيمكننا من صنع ساعة ميكانيكية تقلد الحركة الكونية. # 42 # وهو تقليد مأخوذ عن الميكانيكيين اليونانيين وأوطولوقس تحديدا، الذين كانت لديهم رغبة بمحاكاة الحركات السماوية كما وجدنا سابقا. # ليوناردو دا فنشي (القرن 16م) # بذل ليوناردو دا فنشي عدة محاولات لصنع محرك أبدي، لكن جميع محاولاته باءت بالفشل؛ إذ عثر على تعديلات مختلفة للدولاب الذاتي الدوران الموصوف في بحوثه وملاحظاته المحفوظة في المتحف البريطاني. كما توجد أيضا رسوم تقريبية مماثلة في «المجلة الأطلسية»، وهذا يدل على اطلاعه على المحاولات السابقة لصنع المحرك الأبدي، # 43 # ولكنه لما يئس من الوصول إلى محرك أبدي كتب يقول: «أيها الحالمون بالحركة الدائمة، كم من الأوهام الباطلة ولدها مطلبكم هذا؟ اذهبوا فخذوا مكانكم بين أولئك الذين يبتغون تحويل التراب إلى ذهب.» # 44 # أي أنكر ليوناردو إمكانية أن تبقى الحركة الدائمة مستمرة على أساس أن الطاقة أو القوة تمد ذاتها باستمرار. من ناحية أخرى، تسعى الجاذبية إلى إعطاء حالة التوازن، كل الحركات المتوضعة في سلسلة بفعل الجاذبية سيكون لديها نهاية أبدية. # 45 # في تصميم آلة الحركة الدائمة هذا، والذي فكر فيه ليوناردو دا فنشي، كان من المفترض أن تملأ الكريات المرتبطة بالأذرع، جزئيا، بالزئبق الذي يؤدي ثقله إلى إدارة الدولاب بفضل مجموعة من التروس المسننة. ~~ لكنه لم يعمل كما أراد له. (مصدر الصورة: ويلسون، ميتشل، الطاقة، ص62.) # لاحظنا مدى دقة ليوناردو دا فنشي وهو أستاذ كبير في الهيدروديناميكا، فهو يعود بطموحات الطحانين إلى الأرض والواقع؛ فقد أرادهم أن يصلوا المئات من حجر الرحى بالعجلة المائية بدلا من واحدة، كل حجر من هذه الأحجار ستطحن له بعدئذ حبوبا أقل بمائة مرة، إن وزنا معينا يسقط من علو معين يمثل قوة دافعة معينة. يمكن للمرء أن يقسم هذه القوة أو يغير استعمالها بشكل لا نهائي، لكن أحدا لا يستطيع أن يزيد فيها. # تحطم هذه الحقيقة آمال أي شخص يبحث عن المحرك الدائم، ms342 ومع ذلك، فإنها ما زالت تقدم هيمنة حرة لأحلام أولئك الذين يريدون أن يدركوا الجسم المتحرك بشكل دائم. # من السخف أن نتوقع حدوث الحركة الدائمة من قوة دفع أولية؛ لأن القوة المحركة لهذه القوة الدافعة ثابتة كونها مستهلكة، والتي يدعوها ليوناردو بفروزا # forza # أو ب «القوة الدافعة»، وسيطلق عليها غوتفريد ليبنتز # G. W. Leibniz ~~(1646-1716م) بعد ذلك اسم «القوة الحية». أيا كان لا يمكن أن نتوقع من أي ترتيب للأوزان جسما يتحرك بشكل دائم؛ لأن الجاذبية دائما تميل نحو التوازن، وحركاتنا مرهونة بها، وهي تميل لتحقيق حالة السكون. # يقول ليوناردو دا فنشي لا يوجد شيء ليس فيه حياة قادرا على الدفع أو السحب بدون أن يرافق الجسم حتى يتحرك. بإمكان هذه المحركات أن تكون فقط «فروزا» أو وزنا ساقطا. إذا سقط وزن وهو يدفع أو يسحب، فإنه يمكن أن يقدم هذه الإزاحة للجسم؛ لأن الجسم يسعى نحو السكون، وبما أنه ليس بالجسم المتحرك الذي يهبط فهو قادر على العودة إلى موقعه الأصلي ويتوقف عن الحركة. معاصرو ليوناردو دا فنشي وافقوا معه بأن القوة المحركة للقوة الدافعة المنقولة إلى مجموعة أجسام ستتفرق، فعلا كل الأرسطيين قبلوا ذلك كحقيقة علمية بأن الحركة المندفعة تنتهي دائما باستهلاك نفسها. عندما يصف ليوناردو هذا الفقدان المستمر للقوة الحية ضمن نظام في الحركة، فإنه يتناول تعبيرا شاعريا: «سأوكد بالدليل بأن فروزا هي سمة روحية وقوة خفية تنبثق من خلال اندفاع طارئ خارجي تسببه الحركة، والتي يتم تقديمها وتنسكب في الأجسام، والتي بدورها تكون مسحوبة ومنتزعة من حالتها الطبيعية، تمنح هذه القوة الروحية لهذه الأجسام حياة نشطة ذات قوة إعجازية ، وقوى كل الأشياء متولدة لتغير من أشكالها بموجب أسبابها، يحولها البطء إلى نشاط وتجعلها السرعة ضعيفة غير فعالة. الاندفاع المتولد، يموت بالحرية. الأكثر نشاطا هو الأسرع الذي يستهلك ذاته. إنها تطارد بغضب شديد أي شيء كان يعترض دمارها.» # 46 # ماركو أنطونيو زيمارا (القرن 16م) # يتكون محرك زيمارا من عجلة مرتفعة من أربعة جوانب أو أكثر، مثل دولاب ms343 الرافعة ويقابلها منفاخان أو أكثر قويان، مرتبة بحيث تستطيع ريحها أن تدير العجلة بسرعة فائقة. يتصل بالمحيط الخارجي للعجلة أو بمركزها، عدد من القضبان التي ستشغل المنفاخين حين يدور الدولاب بنفسه، وسيحدث هذا عندما تأتي الريح من المنفاخين أمام شفرات العجلة بحيث تسبب للعجلة الدوران؛ وبالتالي يعمل المنفاخان على دوران الدولاب، وهكذا يحدث العمل بشكل دائم. ~~ (مصدر الصورة والتعليق: # Tallmadge, G. Kasten, Perpetual Motion Machine of Mark Antony Zimara, pp. 11, 13 ~~.) # في كتابه الطلسمي (كهف السحر الطبي) المنشور في بداية القرن 16م، يصف ماركو أنطونيو زيمارا # M. A. ~~ Zimara ~~(1470-نحو 1532م) الطاحونة الهوائية الأبدية؛ حيث اقترح وضع منفاخ مقابل شفرات الطاحونة يعمل من خلال الطاحون نفسها، كان زيمارا متأكدا على ما يبدو من أن الهواء الخارجي من المنفاخ سيتمكن من تدوير دولاب الطاحونة نفسه الذي يحرك المنفاخ. إنه أشبه بعمل أرخميدس في تدوير حلزونه المائي الذي يدور بشكل دائم بفعل قوة مياه الأنهار المتدفقة. # 47 # ويدعي زيمارا أنه لم يطلع على أن أحدا قد عمل مثل عمله؛ لذلك فهو أصيل: «لعل هذا ليس بالأمر التافه، إنما هو منطلق للتقصي والاكتشاف بأنه أمر جلل، وللحركة الدائمة، وهو المنطلق الذي لم أقرأ عنه في أي مكان، ولا أعرف أي أحد قد اشتغل عليه». # 48 # جيروم كاردان (القرن 16م) # حل مسألة الحركة الدائمة في الديناميكا (علم التحريك) هو أسهل مما هو عليه في الاستاتيكا (علم السكون). على أية حال، بالنسبة لليوناردو دا فنشي وجيروم كاردان بالإضافة إلى أرسطو، لم يكن يوجد عوائق يمكن تذليلها بين هذين العلمين. من ناحية أخرى، فقد قبل كل من جاليليو وسيمون ستيفن # S. ~~ Stevin ~~(1548-1620م) استحالة الحركة الدائمة كحقيقة علمية قادرة على تقديم أساس لإثباتات معينة في علم السكون. وقد قرأ كلاهما كاردان، ومن المحتمل أنهما وجدا فيه دعما لثقتهما في هذه الحقيقة العلمية، لكن كاردان بذاته وفي مقالة يناهض فيها الحركة الدائمة، لم يفعل شيئا سوى أنه لخص ملاحظات متفرقة ومبعثرة لليوناردو دا فنشي. وهكذا لا يمكننا ms344 الحصول على صورة كاملة وواضحة عن أصول الاستاتيكا بدون مراجعة الاعتراضات التي أدلى بها كل من ليوناردو دا فنشي وكاردان عن الحركة الدائمة. # 49 # لقد تنبه كاردان لعدم جدوى محاولات بناء المحرك الأبدي، وقد علق عام 1551م قائلا: «حتى تحدث الحركة الأبدية ينبغي على الجسم الثقيل المتحرك، بوصوله إلى نهاية الطريق، أن يتمكن من العودة إلى وضعه الابتدائي، ولكن هذا غير ممكن من دون وجود أرجحية، تماما كما لا يمكن للصنجة الهابطة في الساعة أن ترتفع وحدها». # 50 # ومثل ليوناردو، أكد كاردان على استحالة الحركة الدائمة ما لم تكن الحركات الطبيعية في حالة سعي. سنقتبس من كتابه (الصفاء أو # Subtilitate ~~) عن هذا الموضوع قوله: «إما ستنشأ استمرارية الحركة من حقيقة بأن الحركة هي متطابقة مع الطبيعة» (وبموجب ما استثناه كاردان عن حركة السموات) «أو وإلا فإن هذه الاستمرارية لن تكون محتفظة بالمساواة مع نفسها. الآن وبما أن الاستمرارية تضعف ولن تزداد بفعل خارجي ما، فلن تكون دائمة.» # 51 # فيتوريو زونكا (القرن 17م) # اقترح المهندس المعماري الإيطالي فيتوريو زونكا # V. Zonka ~~(توفي عام 1603م) في آخر كتابه (المسرح الجديد للآلة) # 52 # آلة دائمة الحركة؛ فقد كان يسود في عصره فكرة مفادها أن في الكون كميات من الطاقة لا تنضب ويمكن للإنسان أن يتصرف بها. # 53 # تعمل آلة فيتوريو زونكا مبدئيا كالممص (إلى اليمين)، أنبوب كبير يمتص الماء ويقوده إلى العنفة. ومن هنا ينطلق الماء إلى الخارج، وسيتمكن من الدخول من جديد طبيعيا إلى المدار. (مصدر الصورة: تويلييه، بيير، العالم الصغير، ص78.) # سيمون ستيفن (القرن 17م) # طرح سيمون ستيفن فكرة الكرات المتحركة على مستو مائل ليستنتج منها قانونه عن توازن الأجسام على المستوى المائل، # 54 # وقد توصل إلى عدم إمكانية أن تقوم هذه الكرات بحركة دائمة أبدية. # 55 # لقد توصل ستيفن لقانون توازن القوى على السطح المائل، دون الاستعانة بقاعدة متوازي أضلاع القوى، وإنما بمساعدة هذا الرسم، فإذا كان لدينا سلسلة تتألف من 14 كرة صغيرة متساوية الحجم، حول هرم ثلاثي. ~~ ويلاحظ ms345 أن القسم السفلي، المتدلي كعقد من اللؤلؤ، يتوازن بنفسه. والكرتان الواقعتان على اليمين توازنان الأربع الواقعات على اليسار. ~~ وقد علل ستيفن المسألة كما يأتي: إن لفرعي السلسلة - الطويل والقصير - وزنين مختلفين، ويزيد وزن أحدهما على وزن الثاني بعدد من المرات، يساوي عدد مرات زيادة ضلع الهرم الطويل على ضلعه القصير، وينتج عن ذلك، أن أي ثقلين مربوطين بحبل، يتوازنان مع بعضهما عند وضعهما على سطحين مائلين، إذا تناسب وزناهما مع طولي السطحين المائلين. (مصدر الصورة والتعليق: بيرلمان، ياكوف، الفيزياء المسلية، ط3، دار مير، موسكو، 1977م، ص84-85.) # روبرت فلود (القرن 17م) # في الكتاب الذي نشره الطبيب والخيميائي والفيلسوف الإنكليزي روبرت فلود عام 1618م، قدم وصفا لآلة محركة أبدية بمساعدة لولب أرخميدس؛ حيث يرفع اللولب الماء من الخزان، ويدير الماء الدولاب المائي، والذي يحرك بدوره لولب أرخميدس، وهكذا إلى ما لا نهاية. # 56 # لكن وصفه بقي نظريا ولم تنفذ آلته على أرض الواقع. # مارين ميرسن (القرن 17م) # مارين ميرسين أنكر إمكانية تحقيق الحركة الدائمة عام 1644م، وبذل كل الجهود لبناء آلة ذات حركة دائمة وضم جهوده لجهود الكيميائيين لإيجاد حجر الفلاسفة، # 57 # ومع ذلك لم يظفر بشيء. # جيوفاني باتيستا بالياني (القرن 17م) # عالج جيوفاني باتيستا بالياني # G. B. ~~ Baliani ~~(1582-1666م) حالة جسم يتعرض لمسبب دائم للحركة في كتابه (عن الحركة الطبيعية للأجسام الثقيلة)، لكن ذلك أوصله لقانون ليوناردو للأجسام الساقطة، بدلا من قانون جاليليو. # 58 # جورج أندرياس بوكلير (القرن 17م) # أصدر جورج أندرياس بوكلير # G. A. ~~ Böckler ~~(نحو 1617-1687م) في ألمانيا عام 1661م كتاب «مسرح الآلات الجديدة»، # 59 # حيث وصف ورسم فيه بدقة مجموعة من الطواحين التي تعمل بنفسها وتعتمد على لولب أرخميدس، وأكد أنها فكرته هو. لكن مواطنه الأسقف التشيستيري جون ولكنز # J. Wilkins ~~(1614-1672م) حلل عمل مثل هذه الطاحونة بشكل موسع، وأثبت أنها لن تعمل بنفسها، بعد أن صنع نموذجا أوليا لها. # 60 # أحد تصاميم بوكلير ناعورة تدفع لولب أرخميدس لرفع الماء وإعادته إلى الخزان. وقد صمم الجهاز لتوليد الطاقة ms346 التي تكفي لإبقاء الأسنان عاملة بحركة أبدية. (مصدر الصورة والتعليق : مجلة آفاق علمية، العدد 17، السنة 3، كانون الثاني-شباط، تصدر عن مؤسسة عبد الحميد شومان، عمان، 1989م، ص57.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬) # كريستيان هويغنز (القرن 17م) # اقترح كريستيان هويغنز بأن الحركة الدائمة قد تكون محققة من خلال استعمال قوى بديلة عن الجاذبية، وبشكل خاص قوة المغناطيسية. # 61 # لكننا لم نشهد له أي تصميم في هذا المجال. # يوحنا بيسلر(القرن 18م) # وضع يوحنا بيسلر # J. ~~ Bessler ~~(1680-1745م) المعروف بأورفيريوس # Orffyreus ~~، فكرة آلته الدائمة الحركة في كتابه (المعرفة الإجرائية) الذي طبع عام 1717م في لايبزيك. وذلك بعد أن حلل 300 نموذج مختلف من هذه الآلات، واقترح واحدا كان يتألف من عجلة قطرها 90سم، وثخانتها 10سم، وقد سبق وأن عرضها في مدينة جيرا في مقاطعة ديوس عام 1712م. وعندما أعطاها دفعة ضئيلة جدا بدأت بالعمل؛ ومن ثم بدأت تعمل بنفسها بسرعة إلى أن وصلت إلى سرعتها القياسية. كانت هذه الآلة قادرة على أن تحمل ثقلا من عدة باوندات في أثناء حركتها وذلك بوساطة لف حبل ما حول المحور مع ثقل مربوط به، إلا أن سكان مدينة جيرا لم يأبهوا لاختراعه، فكان أن توجه إلى مدينة دراخوتز بالقرب من لايبزيك حيث صنع فيها عجلة أخرى عام 1714م لكنها أكبر، وقد كان قطرها 150سم، وثخانتها 12سم، ويمكنها أن تدور خمسين دورة في الدقيقة، وتحمل ثقلا وزنه أربعون باوندا (أي 18كغ). # 62 # وفي عام 1717م صنع أورفيريوس في قلعة ويسنستين، في ولاية هيس كاسيل، آلته الكبيرة التي بلغ قطرها 360سم وثخانتها 35سم. وقد وصفها العالم سفريغا ساند # S. Sand # من لندن في رسالة أرسلها إلى إسحاق نيوتن بقوله: «عجلة مجوفة، أو شيء شبيه بالطبل، مغطاة بقماش سميك يمنع رؤية ما بداخلها، وقد فحصت المحاور واقتنعت بشكل تام أنه لا يوجد شيء من خارج العجلة يشارك في تحريكها على الأقل. وعندما أدرتها برقة، هدأت حالما رفعت يدي عنها ...» ويروي أحد معاصري أورفيريوس أنه كان ساعاتيا لفترة من الزمن، ويفترض الباحث ولسون أنه ثمة طريقة ms347 ما لإخفاء نابض آلي في مكان ما في المساند، وقد وصف العلماء الذين فحصوا الآلة إمكانية سماع حركات حوالي ثمانية أثقال من المفترض أن تكون موضوعة على إطار العجلة، وهو ما يعرف بمبدأ «العجلة اللاتوازنية» والذي يعتبر سند المخترعين الذين حاولوا إحداث الحركة الدائمة، وهي الفكرة الأساسية التي تظهر في رسم روبرت غولد # R. ~~ Gold ~~. # 63 # يوضح الرسم أعلاه والمأخوذ عن كتاب قديم، آلة أوفيريوس كما صنعها في عام 1714م؛ حيث يظهر في الرسم دولاب كبير، يبدو وكأنه يقوم بالإضافة إلى الدوران الذاتي (50 دورة/دقيقة)، برفع حمل ثقيل وزنه 18كغ إلى ارتفاع يصل إلى 1,5 متر، ويستطيع تشغيل منفاخ الحداد وآلة الشحذ. (مصدر الصورة والتعليق: بيرلمان، ياكوف، الفيزياء المسلية، ص88.) # وقد جاء في الرسائل الحماسية التي حررها قيصر روسيا بطرس الأول Peter the Great ~~(1672-1725م) في الفترة الواقعة بين عامي (1715-1722م) أنه أراد الحصول على المحرك الدائم الذي اخترعه أورفيريوس، وقد وافق المخترع على بيع آلته مقابل 100 ألف روبل، لكن يبدو أن الصفقة لم تتم. لحسن حظ القيصر، فقد تبين فيما بعد أن أورفيريوس شخص مخادع أخفى شقيقه وخادمته ليقوما بسحب حبل ملفوف على العجلة التي تدور. # 64 # وهكذا انتصر قانون مصونية الطاقة، وأثبت أن خرقه ليس بالأمر السهل، حتى مع كل التقدم التكنولوجي الذي كان في أوائل القرن الثامن عشر. # لازار كارنو (القرن 19م) # كان لازار كارنو # Carnot L. ~~(1837-1894م) والد سعدي كارنو، أحد المدراء في فرنسا، وفيما بعد أصبح واحدا من الجنرالات الأكفاء والموالين لنابليون. وكان أيضا رياضياتيا بارعا نشر كتابا عن الآلات الميكانيكية في عام 1803م بعنوان «المبادئ الأساسية للتوازن والحركة» في ذلك الكتاب أيد لازار كارنو بقوة رؤية أن المحرك الأبدي مستحيل. # 65 # وقد خلفه ابنه سعدي في هذا التأييد ليكون بذلك أحد مؤسسي الترموديناميك الذي ستتعارض قوانينه وبشدة مع فكرة المحركات الأبدية. # ج. ج. طومسون (القرن 20م) # قام الفيزيائي الشهير ج. ج. طومسون # J. J. ~~ Thomson ~~(1856-1940م)- الذي اكتشف الإلكترون - ببناء محرك أبدي يعتمد على ms348 المغناطيسية والمواد المشعة، وهي الفكرة التي وجدنا أن هويغنز سبق وأن طرحها. وقد اعتقد أنه بوجود هذين العنصرين حل مشكلة المحرك الأبدي. # فقد اقترح أن تؤخذ قطعة مستطيلة من المغناطيس، وتوضع على طاولة، ثم تؤخذ قطعة صغيرة من الحديد اللين، وتعلق بخيط دقيق يناط بسقف المكان وتجعل النقطة التي يعلق فيها (س) غير عمودية على القطب الجنوبي من المغناطيس، ولكن مائلة عنه مسافة بحيث إن قطعة الحديد المعلقة بالخيط تكون على بعد ما عن المغناطيس بحيث يستطيع جذبها إليه، ويوضع بالقرب من جنوبي المغناطيس مصباح مشتعل (ص) حتى إذا بلغت قطعة الحديد إلى المغناطيس والتصقت به تقع فوق لهب المصباح؛ ومن ثم إذا حميت بحرارة اللهب انحلت مغناطيسيتها فانفكت عن المغناطيس ورجعت إلى مطاوعة الجاذبية الأرضية، فإذا بردت عاد المغناطيس فجذبها إليه، وهلم جرا على التوالي. قال إلا أن الشأن كله في أمر الحرارة التي يتوقف دوام الحركة على دوامها، وبما أن الراديوم فيه خاصية الحرارة الدائمة فباستعماله في هذا الجهاز تكون مسألة الحركة الدائمة قد انحلت. # 66 # شكل المحرك الدائم الحركة الذي اخترعه ج. ج. طومسون، ولكن يبدو أنه من غير المفيد أن نقدم طاقة أكثر مما نستفيد بغض النظر عن المصدر الحراري (سواء كان مشعا أو غير ذلك)؛ ففي النهاية العمل الذي يقدمه هذا المحرك أقل بكثير من الذي يستهلكه. (مصدر الصورة: اليازجى، إبراهيم، الحركة الدائمة، ص398.) # تصاميم أوروبية لمحركات أبدية # تكاثرت المحركات الأبدية بشكل كبير في أوروبا، ولوضع حد لهذا الأمر فقد أصدرت الأكاديمية الفرنسية في عام 1775م، بيانا رسميا تقرر فيه ألا يطرح على البحث والتجربة، أي مشروع يتعلق بالحركة الدائمة، كما وضع الكثير من علماء الميكانيك في القرنين السابع عشر والثامن عشر فرضيات بعدم إمكانية الحركة الدائمة؛ كل ذلك قبل معرفة قانون بقاء الطاقة. # 67 # نورد فيما يأتي صورا لأبرز وأشهر المحركات الأبدية التي انتشرت في أوروبا حتى نهايات القرن التاسع عشر. ~~ وسنلاحظ أن نماذج المحركات الأبدية الميكانيكية يوجد فيما بينها أوجه شبه واختلاف؛ حيث ms349 إن جميع النماذج: ~~(1) # تحاول أن تتغلب على قوى التوازن بين بداية الحركة ونهايتها. ~~(2) # تكاد تشترك جميع النماذج بوجود شكل دائري لاستثمار الحركة. وعلى هذا يحاولون دوما اصطناع دورة تتغذى من خلالها العناصر بالمواد نفسها، وتعمل وفق المبادئ نفسها. # نموذج من المحركات الأبدية التي تستخدم فقدان الوزن نتيجة وجودها في الماء. (مصدر الصورة: لانداو، ل. وكيتايجورودسكي، أ، الفيزياء للجميع، ص118.) النموذج مصمم وفق قانون طفو الأجسام في الماء، يبلغ ارتفاعه 20 مترا، وقد وضعت في أعلى البرج وأسفله بكرات يلتف حولها حبل متين على هيئة سير، وربط هذا السير 14 صندوقا مكعبا فارغا من الداخل، وكلها مصنوعة من صفائح حديدية لا ينفذ الماء داخلها، حجم كل منها 1 متر مكعب. ولدى وجود الصناديق في الماء ستحاول أن تطفو إلى السطح مدفوعة بقوة الدفع للأعلى، لكنها لن تستطيع بسبب التوازن بين طرفي الدولابين وقوى الإعاقة والاحتكاك والثقل بين الصناديق الموجودة داخل البرج المائي. (مصدر الصورة والتعليق: إسماعيل، محمد طوسون، نماذج مثيرة لمحاولات الإنسان الأولى لإنتاج الطاقة من العدم، ص14.) # من المفترض أن يعمل هذا التصميم بحيث إن السلسلة الثقيلة تمر خلال عجلات بحيث يكون نصفها الأيمن أطول من النصف الأيسر في جميع الأحوال، وبذلك يصبح الجانب الأيمن من السلسلة أثقل من الأيسر، ويختل التوازن بين الجانبين وتدور العجلات كلها. لكن الدوران لن يحدث لأن السلسلة الثقيلة اليمنى ستتوازن مع الخفيفة اليسرى إذا كانت القوى المسلطة عليهما مختلفة الميل؛ فاليسرى مشدودة عموديا واليمنى مائلة؛ لذلك لن تتمكن - مع ثقلها - أن تسحب اليسرى وبالتالي لن تدور العجلات. (مصدر الصورة والتعليق: إسماعيل، محمد طوسون، نماذج مثيرة لمحاولات الإنسان الأولى لإنتاج الطاقة من العدم، ص14.) # نموذج ضخم صنع في أمريكا، يتهيأ للناس أن الكرات الثقيلة المتدحرجة هي التي تحدث الخلل في التوازن وتجعل العجلة تدور، لكن تبين أنه يوجد آلة أخرى تدير المحور المركزي للعجلة. (مصدر الصورة والتعليق: إسماعيل، محمد طوسون، نماذج مثيرة لمحاولات الإنسان الأولى لإنتاج الطاقة من العدم، ص15.) # تصميم لمحرك أبدي بوساطة أولريش ms350 فون كرانش # U. von Cranach # عام 1664م. (مصدر الصورة: # Müller, Ingo, # A History of Thermodynamics, # p. ~~ 25 ~~.) # أحد المحركات التي تم اختراعها عام 1634م من قبل شخص مجهول. ~~ (مصدر الصورة: لانداو، ل. وكيتايجورودسكي، أ، الفيزياء للجميع، ص116.) # نموذج لمحرك أبدي يستخدم سيفونات أو أنابيب شعرية. (مصدر الصورة: لانداو، ل. وكيتايجورودسكي، أ، الفيزياء للجميع، ص118.) # قام السير وليم كونجريف # Sir W. ~~ Congreve ~~(1772-1828م) بتصميم هذه الآلة. وكان من المفترض أن قطع الإسفنج (المرمزة بالحرف «أ») أن تمتص الماء «ب» فتصبح أثقل، ولكن السلسلة «ج»، تعتصر منها هذا الماء على المنحدر «د» لتعود إلى خفتها. وهكذا يدور حزام الإسفنج بعكس اتجاه عقارب الساعة حول ثلاث بكرات. (ويلسون، ميتشل، الطاقة، ص63.) ~~(إلى اليسار) تصميم بسيط لمحرك دائم الحركة يعتمد على وضع قطعة مغناطيس كبيرة «أ» كان يفترض فيها أن تستطيع جعل الكرة الحديدية «ج» تصعد المنحدر «ف»، حتى إذا بلغت هذه الكرة الثقب «ه» سقطت منه إلى المجرى «ز» الذي يحملها إلى الثقب «د»، حيث يجذبها المغناطيس من جديد. (المرجع السابق نفسه، ص63.) (إلى اليمين) تصميم آخر لمغناطيس يجذب كرة حديدية تتدحرج على مستو مائل. (مصدر الصورة: الموسوعة العربية العالمية، مدخل «آلات الحركة الأبدية»، الرياض، 2014م.) # دولاب يفتقد للتوازن ويحوي على أذرع طويلة ذات مفاصل «أ» تسقط بصورة عمودية تماما لتتلقى كرة تتدحرج في مجرى حتى «ج». وكان المفروض في ثقل الذراع أن يفقد الدولاب توازنه فيجعله يدور، أما الواقع فهو أن الدولاب متوازن. (ويلسون، ميتشل، الطاقة، ص63.) # في القرن السادس عشر استخدم مبدأ أرخميدس في اللولب من أجل دولاب مائي ذاتي الدوران؛ فالأنبوب «ب» (في الأسفل) أسطوانة لولبية، كان يستهدف رفع الماء في دورانه. وإذ ذاك يجري الماء من الذروة «أ» إلى التجاويف «ه، و، ز» ثم المجاديف «ح، ط، ك» المربوطة في الأسطوانة لجعلها تواصل دورانها. ~~ (ويلسون، ميتشل، الطاقة، ص63.) # تصميم لمحرك أبدي يعود لعام 1823م، يعتمد على مبدأ تفاوت الضغط بين الماء والهواء. تتكون هذه الآلة من منفاخ # F ~~، يتم ms351 ضخ الهواء بوساطة أنبوب P ~~، ويتم تحريكها بوساطة الساعد # N # والعجلة # L ~~؛ حيث يتم تدوير العجلة # L # بوساطة القضيب # K ~~، الذي يتم تحريكه بواسطة الساعد # H # المتصل مع المحور # B ~~، الذي يوجد في خزان من الماء ويدفعه 6 أكياس هوائية # C ~~. عندما يكون الكيس في أدنى نقطة له، يمتلئ بالهواء من المنفاخ. وهذا يجعلها منتفخة وبالتالي يتحول المحور # B # في اتجاه عقارب الساعة. عندما يغادر الكيس الماء، يفتح المقبض # S # صمام # Q ~~، الذي يتيح خروج الهواء من الكيس. (مصدر الصورة والتعليق: # http://www.sciencephoto.com/ ~~) # محرك أبدي من تصميم العالم البريطاني توماس يونغ # T. ~~ Young ~~(توفي 1829م) في 1807م. ~~ يقوم مبدؤها على أن يدور القرص عكس عقارب الساعة. ~~ عندما تمر كل كرة فولاذية فوق المركز تتدحرج إلى الحافة الخارجية. وبعد الدوران نصف لفة تتجه الكرة نحو مركز الجزء العلوي من الدائرة. ~~ الفكرة هي أنه في الجزء السفلي، يكون كل كرة لديها المزيد من لحظة التحول، أبعد من المركز، من تلك التي تتحرك للأعلى. لا يعمل التصميم عندما يوجد عدد أكبر من الكرات في الجانب الصاعد؛ لأنه يحدث توازن لحظة التحول الأكبر. يحتفظ بهذا التصميم في المعهد الملكي في لندن. (مصدر الصورة والتعليق: # http://www.sciencephoto.com/ ~~) # صورة المحرك الدائم الحركة الذي اخترعه الفرنسي لاون باليس # L. Pallice # وعرضه في معرض باريس عام 1901م. (اليازجى، إبراهيم، الحركة الدائمة، ص551.) ويبدو أنه مستوحى من التصميم العربي وتصميم هنكور مع بعض التعديل. ~~(إلى اليمين) تصميم للمحرك الأبدي الذي ظهر في القرن 13م، وقد قامت إحدى المؤسسات العلمية في موسكو بإعادة تصميمه عام 1910م. (مصدر الصورة والتعليق: لانداو، ل. ~~وكيتايجورودسكي، أ، الفيزياء للجميع، ص116.) (إلى اليسار) حتى أوائل القرن العشرين كان للمحركات الأبدية صداها على غلاف مجلة «بابولار ساينس» الصادرة عام 1920م. # حتى اليوم فإن مكتب براءات الاختراع الأمريكي يرفض فحص أي طلب يتعلق بالمحرك الدائم الحركة، مهما كان نوعه أو القوى التي يرتكز عليها في مبدأ عمله، إنهم حراس مخلصون وملتزمون بقوانين الترموديناميك. # في استبيان أجراه مؤلف الكتاب عام ms352 2009م على عينة مكونة من 20 مخترعا سوريا حصلوا على براءة اختراع واحدة على الأقل، # 68 # وقد طرحت عليهم السؤال الآتي: لو طلب منك اختراع محرك أبدي لا يقف عن الحركة، ماذا تفعل؟ ~~ فحصلت على الإجابات الآتية: # أرفض العمل، لعدم إمكانية ذلك طبيعيا. # أصرف السائل بأدب. # أقول هذا الطرح غير منطقي. # أتوقف عن الاختراع. # هذا إعجاز وليس اختراعا؛ لأن كل شيء متحرك (ميكانيكي) قابل للعطب. # لا يمكن اختراعه. # هذا هراء. # أعتذر عن ذلك. # أعتمد في تغذيته على شيء أبدي. # يوجد الكثير منه. # أحاول. # سأخترعه بلا شك إن كان وطني يطلبه مني. # هذا مشروعي الآن وهو جاهز. # أفكر فيه، وأبحث عن الحلول التي تعترض العمل. # أبدأ بالخطوة الأولى. # أقوم بالعمل به لأنني إن لم أتوصل إليه، فإنني سأتوصل إلى أمور أخرى؛ ذلك لأني في عملي في أي اختراع أتوصل إلى أشياء أخرى تلقائيا، وذلك حتمي من حيث الفكرة وطريقة العمل وأدواته. # وقد وجدت من تحليل تلك الإجابات السابقة أن نسبة الذين رفضوا الفكرة كانت (50٪)، مقارنة بالآخرين الذي أجابوا بإمكانية المحاولة أو الاستفادة من العمل عليه، وهم من أبناء القرن العشرين. ولا تزال فكرة المحرك الأبدي ساحرة وتجتذب الكثيرين؛ فما زالت البشرية متعطشة للطاقة، والبحث دائم ودائب عن مصادر جديدة ومتجددة، والأروع من ذلك أن تكون مجانية بلا مقابل. # الفصل الثاني # | الآلات الحرارية: تحويل الحرارة إلى عمل # مقدمة # لقد قامت النار بدور حيوي ورئيس في تطوير الحضارة الإنسانية؛ فقد حفزت التقانة من صنع الطوب الأحمر إلى الفخار إلى الأسلحة فالطب، إلى تطبيقات أكثر من أن تعد أو تحصى؛ كل ذلك تطور من تطبيق النار واللهب والحرارة، # 1 # بما فيه خدمة الإنسان وحاجاته. # وسنقوم في هذا الفصل باستعراض ما حصلنا عليه من وثائق لبعض الآلات الحرارية الشهيرة تاريخيا التي كانت لها استخدامات عسكرية أو مدنية؛ فقد عرف عن اليونانيين اختراعهم للنار اليونانية وإيوليبل هيرو، كما عرف عن الرومانيين ابتكاراتهم في مجال غلايات الحمامات. # وما قد ندهش له هو عثورنا على وثائق لبعض الآلات ms353 الحرارية العربية المغمورة جدا، والتي لا يذكر مؤرخو العلم أو التقانة الغربيين أهميتها أو موقعها في تاريخ التقانة الحرارية؛ فقد قدم لنا أبناء موسى بن شاكر خلاطا مائيا آليا، كما اخترع الجزري إبريقا يقدم ماء حارا أو باردا حسب الطلب، وقدم لنا تقي الدين تصميما فريدا من نوعه لمبخرة جيروسكوبية وآلة سيخ شي تعمل بطريقتين؛ إحداهما تعتمد على تحريك الهواء الحار الصاعد لمروحة وأخرى بخارية. ولعل الإسهام المهم هو ذلك الذي صممه عربي مجهول لمضخة لاستخراج المياه بطريقة الضغط المنخفض، والذي سيعود الأوروبيون ويعيدون ابتكاره من جديد ويطورونه ليصلوا - بعد الدمج بين نظريات الترموديناميك والهندسة الميكانيكية - إلى المحرك البخاري الذي أشعل فتيل الثورة الصناعية في أوروبا والعالم. # المبحث الأول: اليونانيون # تنوعت الآلات الحرارية القديمة التي ابتكرها اليونانيون، والمدهش في الأمر أن معظمها أعيد اختراعه من جديد من قبل الأوروبيين؛ فالمدفع البخاري الذي صنع أرخميدس أعاد تصميمه دافنشي، وصممت عربة تعمل بشكل معاكس له، كذلك فإن فكرة إليوبيل هيرو أعيد تصميمها لتصبح المحرك البخاري، وتحولت النار الإغريقية من جديد في القرن 20 إلى سلاح فردي فعال. # أرخميدس (القرن 3 ق.م.) # خطط ليوناردو دا فنشي لصنع قطعة غريبة من المدفعية البخارية، عرفها باسم الأركيترونيتو # Architronitro ~~(أو الرعد القوي)، وقال بأنه نسخها من بعض الملاحظات التي خلفها أرخميدس. وعلى ضوء تفاصيل أخرى يبدو بأن الملاحظات معقولة؛ فقد جهز الجيش الصقلي السفن الأيبيرية بهذه الآلة لمحاربة السفن السلتية. # 2 ~~(إلى اليسار) رسم ليوناردو دا فنشي لآلة الأكريترونيتو ~~(Ms. B, f.33) ~~. ~~ (إلى اليمين) اقترح تصميم هذه «العربة البخارية النفاثة» في القرن السابع عشر كتطبيق عملي للقانون الثالث لنيوتن (الفعل ورد الفعل)، إلا أنها لم تنفذ على أرض الواقع؛ فقد كانت تتألف من أربع عجلات، وتحركها نفثات بخار من أنبوبة دقيقة متجهة بفوهتها إلى الخلف ومتصلة بغلاية كروية. (مصدر الصورة: ويلسون، ميتشل، الطاقة، ص34.) ومن الواضح أن فكرة العربة البخارية معاكسة تماما لفكرة الأكريترونيتو. # يصنف المدفع البخاري الغامض ضمن عائلة الأسلحة نفسها التي تعمل بتمدد الهواء، ms354 وقد نسب دا فنشي بصدق وأمانة هذا الاختراع إلى أرخميدس بقوله: «الأركيترونيتو هي آلة من النحاس الرقيق، اخترعها أرخميدس، تطلق كرات الحديد بقوة ونشاط كبيرين.» ويستحق هذا التأكيد بعض المصداقية التي تطرحها التفاصيل المهمة الآتية: بالنسبة لوصف وظيفة الأسلحة، لا يستخدم ليوناردو دا فنشي المقاييس الخطية والتأملية ليومه، أو المقاييس الرومانية التي كان معتادا عليها، وإنما وحدات القياس اليونانية القديمة التي لم يكن معتادا عليها على الإطلاق. بشكل خاص، يتركب السلاح من «مدفع يعتمد على توليد مفاجئ للبخار ليطلق طلقة خارج السبطانة». كان الأخمص أو مؤخرة السلاح مصنوعا من النحاس مثل سلة وقد احتوى على فحم محترق، بعد حزم الاستدارة والقيام بالتسخين الكافي لذلك القسم من المؤخرة، يتم إدخال القليل من الماء الذي هو بالأساس في حجرة، و«يتم إطلاقه من الأسفل فيهبط ماؤه كله نحو القسم الناري، وهناك يتم تحويله إلى دخان كثيف جدا عجيب، ومن الرائع رؤية الهيجان وسماع الضجيج. لقد دفعت الكرة التي تزن تالينتا واحدا لتبعد ستة مدرجات.» # 3 # وتؤكد كلمات دا فنشي على الحقيقة بأن مثل هذا المدفع تم إنشاؤه بالفعل سابقا. # 4 # هيرو السكندري (القرن 1م) ~~(الإيوليبل) كرة دوارة من البرونز ترتكز على محورين جانبيين يزودانها بالبخار من الوعاء السفلي، وتقوم برد فعل نتيجة اندفاع البخار من مكانين متعاكسين على محيطها. والواقع أنه لم يتم الاستفادة من هذه الفكرة كمصدر للحركة إلا بعد حوالي ألفي سنة مع ظهور المحرك البخاري وافتتاح عصر الثورة الصناعية. وقد أطلق هيرو اسم الإيوليبل (أي كرة الريح) على شرف إله الرياح (إيولوس). (مصدر الصورة اليمنى: موقع # www.art.com ~~، أما مصدر الصورة اليسرى فهو: # www.britannica.com ~~.) # تطبيق «الباب السحري» هيرو يعمل بقوة تمدد الهواء داخل وعاء، وليس على قوة البخار، وقد استخدمه على أبواب المعابد لإضفاء مسحة من الهيبة في قلوب المتعبدين. (هودجز، هنري، التقنية في العالم القديم، ص194.) # تنبه هيرو السكندري إلى فكرة تمدد الهواء وازدياد حجم بخار الماء عند تسخينه، فكان منه أن استفاد من هذه الفكرة في تطبيقها على تصميم ms355 أبواب تفتح آليا، إضافة لمحركه الشهير (الإيوليبل # Aeolipile ~~). # 5 ~~، # 6 # والواقع أن محركه لم يكن أكثر من لعبة للتسلية، وقد استقى هيرو فكرته من تعاليم أرسطو القائلة بوجود أربعة عناصر، معتقدا بأن الماء عندما يسخن يتحول إلى هواء، كما أن هيرو استفاد من عمل كستيسيبيوس # Ctesibius ~~(285-222ق.م.)، المخترع وعالم الرياضيات اليوناني في الإسكندرية، أيام مصر البطلمية، الذي كتب أطروحاته الأولى عن علم الهواء المضغوط واستخداماتها في المضخات؛ يقول هيرو في كتابه ( Pneumatica ~~): «إن الماء يتحول بالحرارة، ليصبح هواء، والأبخرة الصاعدة من البواتق ليست إلا سائلا ممددا صار هواء، ما دامت النار تفكك كل صلب وتحوله.» # 7 # لقد أدرك هيرو القوة الحركية للبخار بسبب تجاربه المتعددة وتحقيقاته في هذا الأمر؛ حيث فحص استعماله مع الماء السائل في المحركات، وفي أثناء قيامه بذلك لاحظ بأنه عند وضع حاوية معدنية مختومة بإحكام بثقب صغير، مليئة جزئيا بالماء، فوق لهب، فإنه سرعان ما تعلن الصافرة عن وجود البخار. بوضع ذراع تحريك صغيرة أمام مطلق البخار فإن الذراع تدور بسرعة، إلى أن يستهلك كل الماء. مع ذلك لم يكن هذا المحرك برهانا مهما على القوة الحركية للبخار، لقد أدرك أن المادة الثانية مذهلة لدرجة كبيرة في ذلك العصر. كان المحفز معززا بالملاحظة؛ فعندما أطلق «المرجل» البخار، فإنه تحرك بعض الشيء في اتجاه معاكس. لم تكن الظاهرة بالجديدة فهي شبيهة بالكيس العائم عندما يتم تفريغه على سطح الماء فيعطي قوة دفع للخلف. لدراسة التناظر، بنى كرة مفرغة من البرونز، وجهزها بمحور مع أربع فوهات تميل على استواء متعلق بها. عندما تكون الكرة مليئة بالماء والمحور موضوع على شوكتين، وضع أداة واحدة على الموقد. ~~ حالا يبدأ البخار بالخروج بشدة من الفوهات، مسببا ردة فعل عزم تدوير على حاوية المرجل، جاعلا منه يدور. ~~ لعل هيرو أحس بالسبب، ولعله تخيل أهميته، لكنه ولا بأي وسيلة تمكن من التكهن بتطبيقاته من تلقاء ذاته. # 8 # كالينيكوس الهليوبوليسي (القرن 7م) # اشتهر اليونانيون أيضا - من الناحية الحربية - بما يسمى «النار اليونانية» أو «النار ms356 الإغريقية» # Greek fire ~~، والتي يعزى اختراعها إلى كالينيكوس الهليوبوليسي، لكن لم يكن لهذه النار ما للبارود من قوة انتشار. # 9 # بداية، فيما يتعلق بالتسمية فقد أثبتت البحوث الحديثة أن الزيت المعدني وأحد المساحيق كانا معروفين منذ وقت بعيد من قبل آخرين، وأن الرومانيين ليسوا أول من استخدمها، وأول مرة يشار فيها إلى مصطلح «النار اليونانية» عام 674م لدى استخدامها ضد الأسطول العربي المسلم. # 10 # صورة من مخطوطة يونانية تمثل استخدام النار اليونانية في إحدى المعارك البحرية، كانت الأشياء الوحيدة المفترض أنها فعالة لإطفاء النار اليونانية هي الرمل والبول والخل. والخل كان يقصد به المحلول الملحي القوي، الذي يكون قشرة بعد البخر تطفئ اللهب بعزله عن الأكسجين. أما البول فهو محلول مركز كان يؤخذ من تجمعات البول القديمة التي تعرض للبخر، والتي تحوي على رواسب كثيرة. ~~ (مصدر الصورة موقع: # en.wikipedia.org ~~، أما التعليق فهو من: كوب، كاتي ووايت، هارولد جولد، إبداعات النار، ص76.) # تتألف النار اليونانية من مزيج من المواد الآتية: الزيت الإسفلتي، إما وحده أو مضافا له الكبريت والقطران، وقد كشف أثينيه # Athens # ويوليوس الإغريقي # Greek Julius # عن أول أمزجة تلقائية الاشتعال، وأساسها كان خليطا من الهيدروجين والكربون، ويدخل فيها الكلس (الجير الحي أو أكسيد الكالسيوم) لرفع درجة الحرارة بتماسه مع رطوبة الماء وملح البارود. # 11 # وقد تغيرت من بعد لتحوي على النفط، ونترات البوتاسيوم، وزيت التربنتين. وبحلول القرن الثالث عشر الميلادي تشابهت مع بارود البنادق الذي لم يكن معروفا وقتها. # 12 # أما عن دور الرومانيين في الموضوع فهو الترويج والتطوير؛ كونهم محاربين يرغبون بالسيطرة على العالم لا أكثر ولا أقل. # غير أن الباحث جون هالدن # J. ~~ Halden # من جامعة برنستون فكان لديه رأي شخصي آخر؛ فهو يشك في أن هذه المادة كانت سائلا نفطيا في الأساس، وقد عدل بحيث تزداد قوته، وهو يعتقد أن المكونات الأساسية كانت زيتا خاما شديد الاشتعال يسمى «النفتا» والراتنج الصنوبري اللزج الذي يجعل المزيج يحترق بدرجات حرارة أعلى ولمدة أطول. وفيما يتعلق بلغز النار اليونانية، ms357 كان هناك ما هو أكثر من مجرد المكونات، فيشير هالدن: «عندما استولى الأعداء على أجزاء من المعدات، عجزوا عن اكتشاف طريقة استخدامها لإعادة إحداث النتائج نفسها»، وعانى المؤرخون من المشكلة نفسها، لكنهم استنتجوا أنه ربما كانت هناك مضخة برونزية لكبس الزيت الساخن الذي كان يندفع بعدئذ عبر فوهة ويشتعل. وفي عام 2002م، صمم نموذج من أجل برنامج تلفزيوني لقناة «ناشونال جيوجرافيك» باستخدام خليط من الزيت الخام الخفيف والراتنج الصنوبري، اللذين دمر لهبهما سفينة في ظرف دقائق. # 13 # كان الجهاز المولد للنار اليونانية يتألف من حاوية تضم المواد الكيميائية حيث يوقد عليها من الأسفل بالنار، ويتم ضخ الهواء عليها من الأعلى لزيادة قوة دفعها عبر أنبوب معدني يحتمل الحرارة المتولدة، وهي أشبه بمدفع اللهب الذي يستخدم في الحروب الحديثة. (مصدر الصورة موقع: # en.wikipedia.org ~~) # خطر لأحدهم أن يجمع بين النار وبين كباش الحرب التي تستخدم في الحصار لقذف الحصون، فكانت النتيجة هذا المركب الغريب الذي يحتمل أنه استحدث في العصور الوسطى؛ فقد كان الكبريت الملتهب يوضع في البرميلين الموجودين على جانبي الكبش ، بينما يقوم السقف ذو الحواف الناتئة بحماية المجذافين من حمم النيران المتساقطة ومن السهام والحراب. ~~ (مصدر الصورة: ويلسون، ميتشل، الطاقة، ص100.) # لقد أوقف الفتح الإسلامي الذي قام به الأمويون على القسطنطينية في القرن السابع للميلاد، تحديدا عام 674م بسبب استخدام النار اليونانية من قبل الرومان. # 14 # لكن لم يدم سر هذه النار كثيرا فقد كشفه العرب والمسلمون، وواجهوا به الأوروبيين في أثناء الحملات الصليبية على سورية ومصر، وربما استخدم في حصار القسطنطينية في القرن الثالث عشر الميلادي. وقد اختفت النار اليونانية ولم تعد تستخدم بهذا الشكل بعد سقوط القسطنطينية سنة 1453م. # 15 # المبحث الثاني: الرومانيون # غلاية رومانية عثر عليها في بومبي، وهي عبارة عن قارورة برونزية تتسع حوالي 40 لترا، مع صنبور عند أسفلها، تشبه صمامات الإغلاق التي تم وصفها مسبقا. القسم الأسفل ينتصب عموديا على ثلاث دعامات، الحد الأقصى من القسم الأعلى كان مفتوحا بالكامل وكان مقحما داخل أسطوانة ms358 مركزية من أجل الجمر، مع شبكة عند الأسفل، وفي داخل الجزء الداخلي للقارورة شبكة تأخذ شكل غطاء كان يتم استعمالها لإغلاق هذا القسم الأخير، تاركا الأسطوانة مفتوحة بحيث يمكن إضافة الجمرات الجديدة، وتوضع تحت الشبكة المفرغة والنظيفة. (مصدر الصورة والتعليق: # Rossi, Cesare & Russo, Flavio & Russo, Ferruccio, Ancient Engineers’ Inventions, pp. ~~ 252-253 ~~.) # نظر المهندس الروماني فيتروفيوس # Vitruvius ~~(القرن 1م) إلى إيوليبل هيرو على أنه جهاز رصد جوي؛ حيث إنه توقع عندما ترتفع درجة حرارة الجو فإنها تسخن الإيوليبل حتى درجة الغليان؛ وبالتالي يقوم بالدوران، وقد كتب يقول في كتابه (فن العمارة): # 16 ~~«الريح هي الموجة المتحركة من الهواء مع حركة مجهولة غير محددة؛ فهي تظهر في الحر والرطوبة، وضغط الحرارة يؤدي إلى هبوب عاصفة قوية. إثباتا لذلك يمكن الاستشهاد بالإيوليبلات النحاسية، وبهذه تعرف الحقيقة الإلهية عن علاقات القوانين الخفية للسماء بمساعدة الأدوات المخترعة. وبالضبط: تصنع أوعية نحاسية جوفاء ذات فتحة شديدة الضيق، وعبر هذه الفتحة تملأ بالماء، وبعد ذلك توضع على النار. قبل أن يسخن الماء لا توجد هبات، ولكن عندما يبدأ بالغليان ينطلق نفخ قوي، وبهذه الطريقة، من هذا التصور الصغير يمكن أن نتعرف على فكرة قانون واسع وكبير من قوانين الطبيعة.» # 17 # كما استعمل الرومان الغلايات القديمة التي تسمى «السماور # Samovar ~~»؛ إذ يجد المتجول بطرقات بومبي القديمة عددا كبيرا من الغرف العامة التي كانت تستخدم لشرب النبيذ الحار مع عدة مزائج أخرى. وقد كان من الواضح بأن أصحاب الطبقات الثرية هم القادرون على التمتع بالشراب نفسه بالبيت مع وجباتهم؛ ولذلك استعملوا غلاية ذات سعة كبيرة. العديد من هذه الغلايات كانت مشقوقة، وهي تتشابه جميعها بالشكل والحجم. على عكس الغلايات الحديثة، فإنه عندما يتم ملء الغلايات الرومانية بالجمر في حجيراتها المركزية، مع وجود شبكة في الأسفل لإزالة الرماد، يمكن أن يتم ملؤها باستمرار، وذلك باستخدام قمع جانبي خاص، يمنع موقعه قطع الفحم أو الجمر أن تلوث الشراب. # 18 # المبحث الثالث: العلماء العرب والمسلمون # اهتم المهندسون العرب بصناعة آلات حرارية، بحيث ms359 يكون لها فائدة مباشرة للمستخدمين؛ منها ما يستخدم في طهي الطعام مثل سيخ الشي البخاري والآلي الذي اخترعه تقي الدين الراصد، ومنها ما يستخدم كخلاط للمياه الباردة والحارة، ومنها ما يستخدم كمبخرة جيروسكوبية تحافظ على وضعيتها الأفقية كيفما تدحرجت، والاختراع الأخير لم نجد له مثيلا في اختراعات الأمم السابقة. # وقد أشار ابن النديم (القرن 4ه/10م) إلى وجود عمل عربي تكلم عن نوع من النار اليونانية عنوانه «كتاب العمل بالنار والنفط والزراقات في الحروب». # 19 # المأمون (القرن 3ه/9م) # مبخرة كروية الشكل (قطرها 8,6سم) ومعدنية (من النحاس الأصفر المطعم بالفضة) مصنوعة في سورية أو إيران، وتعود للقرن (15 / 16م)، وهي تشبه كثيرا الوصف الذي ذكره ابن الطقطقا. (مصدر الصورة: # http://art.thewalters.org/detail/38050/incense-burner-or-handwarmer ~~) # وضع المجمرة أو المبخرة تحت الثياب كان من العادات السائدة عند العرب؛ فقد روي في كتاب «الفخري في الآداب السلطانية» لمحمد بن علي بن طباطبا المعروف بابن الطقطقا (توفي 709ه/1309م) في خبر مصرع أحمد بن يوسف (توفي 214ه/829م) كاتب الخليفة المأمون (توفي 218ه/833م)، حيث قال: «وكان سبب موته أنه دخل يوما إلى المأمون والمأمون يتبخر فأخرج المأمون المجمرة من تحته، وقال اجعلوها تحت أحمد تكرمة له، فنقل أعداؤه إلى المأمون أنه قال ما هذا البخل بالبخور هلا أمر لي ببخور مستأنف؟ فاغتاظ المأمون لذلك وقال ينسبني إلى البخل وقد علم أن نفقتي في كل يوم ستة آلاف دينار، وإنما أردت إكرامه بما كان تحت ثيابي! ثم دخل عليه أحمد بن يوسف وهو يتبخر مرة أخرى، فقال المأمون اجعلوا تحته في مجمرة قطع عنبر وضعوا عليه شيئا يمنع البخار أن يخرج. ففعلوا ذلك به، فصبر عليه حتى غلبه الأمر فصاح: الموت الموت. فكشفوا عنه وقد غشي عليه، فانصرف إلى منزله فمكث فيه شهورا عليلا من ضيق النفس حتى مات بهذه العلة.» # 20 # والواضح من وصف ابن الطقطقا أن المجمرة كانت بهيئة كرة معدنية مغلقة بإحكام وصغيرة بحجم الكف، يوضع بداخلها بخور مشتعل، أو جمر يرش عليه بخور، وعندما يحترق تخرج الرائحة من ثقوب ms360 ناعمة موزعة على الغطاء فقط. # أبناء موسى بن شاكر (القرن 3ه/9م) ~~(إلى اليمين) نموذج للمورد الآلي الذي تم تنفيذه في معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية في فرانكفورت، وذلك حسب الوصف الذي جاء به في مخطوطة «كتاب الحيل» لأبناء موسى بن شاكر. (إلى اليسار) تصميم المورد كما ورد في الشكل 70، من مخطوطة طوبقابي سراي أحمد الثالث رقم «3474». ونلاحظ على الشكل كيف حدد المؤلفون مكان دخول الماء البارد والآخر الحار ومكان خروجهما. (مصدر الصورتين: # Science and Technology in Islam, V, Publications of the Institute for the History of Arabic-Islamic Science, Edited by: Fuat Sezgin, Frankfurt am Main, 2010, p. ~~ 49-50 ~~.) # قام الإخوة أبناء موسى بن شاكر (وهم محمد وأحمد والحسن) باختراع مورد آلي # Automatic Vender ~~(أو خلاط مائي آلي) يقوم بتقديم الماء الحار من طرف، والماء البارد من طرف آخر، لمدة من الزمن ثم يقوم بالتبديل بينهما؛ فقد ورد في «كتاب الحيل» قولهم: «صنعة أخرى تفعل ما قدمنا ذكره في هذه الثلاثة الأشكال قبل هذا الشكل، ويصلح أن نعمل ذلك في بزالي حمام؛ أعني بزالي البارد والحار، حتى يكون جميع دهره يسيل من أحد البزالين حار ومن الآخر بارد، فإذا مضى مقدار من الزمان ابتدل فيخرج من بزال البارد حار، ومن بزال الحار بارد، فإذا مضى ذلك المقدار من الزمان ابتدل أيضا فعاد إلى ما كان أولا وكذلك لا يزال جميع دهره. ويستقيم أن نعمل هذا العمل أيضا في المواضع التي يكون فيها حمامات وأنهار ماؤها حار وأنهار ماؤها بارد، ونركب بالقرب منها بزالين وتمثالين، والتماثيل أحسن، فيكون دهرها أجمع مرة يجري الماء الحار من فم أحد التمثالين والماء البارد من فم التمثال الآخر، ثم يتبدل فيجري من بزال الحار بارد ومن بزال البارد حار، فإذا مضى ذلك المقدار من الزمان عاد الأمر إلى ما كان عليه، والبزالان والتمثالان في هذا المعنى سواء.» # 21 # لكن محقق «كتاب الحيل»، الباحث أحمد يوسف الحسن، يرى أنه لم تكن لهذه الآلة فائدة عملية كبيرة في الحمامات ms361 العامة؛ لأن تبدل الماء بين الحار والبارد من المخرجين يكون بتواتر عال. # 22 # مما يعني أنها كانت مفيدة في الحمامات الخاصة المنزلية. # بديع الزمان الجزري (القرن 7ه/13م) # تصميم الجزري لإبريق يصب منه ماء حار وماء بارد وماء ممزوج، جاء وصف هذا الإبريق في الشكل الأول من النوع الثالث. ~~ (مصدر الصورة: الجزري، أبو العز بن إسماعيل، كتاب الجامع بين العلم والعمل النافع، تحقيق: أحمد يوسف الحسن، جامعة حلب، معهد التراث العلمي العربي، حلب، 1979م، ص320.) # ابتكر ابن الرزاز الجزري إبريقا يعجب منه في زمانه الناس؛ فهو في المرة الأولى يسكب ماء معتدلا، ثم يسكب ماء حارا لا يستطيع الشخص لمسه، ثم يسكب ماءا باردا لا يمكن لمسه، ثم يتوقف عن السكب، ويسكب لمن يريد ما يريد. يمكن استخدام هذا الإبريق من أجل الوضوء أو غسل اليدين بعد تناول الطعام، قال الجزري: «وهو إبريق حسن الصنعة ذو عروة وبلبلة يأتي به الغلام عند رفع الطعام في طست، ويضعهما بين يدي المخدوم، ويرفع الإبريق من الطست ويصب منه على أيدي المخدوم ماء معتدلا يتم به وضوءه أو غسل يديه، ثم يصب على يدي من يليه ماء حارا، يمنع مسه فلا يقدر على غسل يديه، ثم يصب على يدي من يليه ماء باردا شديد البرد يمنع مسه، ثم يميل الإبريق ليصب على يدي من يليه فلا ينصب من الإبريق شيء فهو يصب لمن يريد ما يريد ويمنع من يريد من الجماعة.» # 23 # محمد بن منكلي (القرن 8ه/14م) # يذكر المؤرخ الألماني إيلهارد فيدمان وجود عربي مجهول # 24 # قام بصنع آلة كبيرة تعتمد على فكرة استحالة الخلاء؛ حيث صنع آلة ترفع الماء من بئر عميق بوساطة النار، والتي أعاد تجربتها المهندس والفيزيائي الإيطالي جيوفاني فونتانا # G. ~~ Fontana ~~(نحو 1395-نحو 1455م) ووصفها الباحث فون روموكيس # von Romockis # في كتابه (تاريخ المتفجرات). # 25 ~~، # 26 # هذه الفكرة كان سبق وأن طرح مبدأها فيلون البيزنطي أيضا في كتابه (في الحيل الروحانية وميخانيقا الماء)، وذلك بجعل شمعة توضع في داخل حوجلة ms362 مقلوبة رأسا على عقب، وكلتاهما موضوعتان داخل وعاء فيه ماء، فإذا ما احترق الهواء داخل الحوجلة وانطفأت الشمعة تم سحب المياه لداخل الحوجلة، وهي الفكرة التي نراها اليوم تستخدم من قبل من يقومون بالحجامة والتي تسمى ب «كاسات الهواء». # 27 # أعيد بناء وتصميم المضخة الحرارية المخصصة لسحب المياه التي ورد وصفها عند العربي المجهول في معهد تاريخ العلوم العربية في فرانكفورت، لقد كانت مصابيح النفط تقوم بطرد الهواء من أعلى القبة، أو تستهلكه، ولدى تبريد القبة فإن الضغط ينخفض؛ الأمر الذي يجعل الماء ينسحب في القناة ويصعد للأعلى (ارتفاع النموذج المصنوع المصغر عن الحقيقي 60سم، حيث اعتبر سزكين أن الذراع = 60سم). (مصدر الصورة والتعليق: # Science and Technology in Islam, V, p. ~~ 36 ~~.) # وقد استطعنا أواخر عام 2017م الكشف عن الوثيقة التي تذكر استخدامها في سحب مياه بئر سطحية يتراوح عمقها بين «5-25 مترا» # 28 # تحت سطح الأرض، وهي تعود للقرن 14م؛ فقد أورد محمد بن منكلي الناصري (توفي بعد 770ه/1368م) في كتابه (الحيل في الحروب وفتح المدائن وحفظ الدروب) صفة هذه الرافعة الحرارية بقوله تحت عنوان صفة إطلاع الماء بالنار: «إذا أردت أن ترفع الماء من بئر عشرة أذرع إلى خمسين ذراعا وأكثر من ذلك بالنار بإذن الله تعالى، فاتخذ قناة بطول البير التي تريد رفع الماء منها وزايد عشرة أذرع فوق الأرض واجعلها مربعة فترا في مثله محكمة لا يدخلها ريح ولا يخرج منها، واثقب على رأس شبر من هذه القناة أربع ثقب في جوانبها واسعة يدخل منها الماء، واتخذ قناة أخرى في طولها شبر واحد، وحز أحد طرفيها من الجانبين كما يحز القلم، واجعل على طرفها المحزوز جلد أديم كهيئة رأس القربة، واجعل طول الجلد شبرا، واجعل هذه القناة الصغيرة جوف القناة الكبيرة من الجانب المثقب الذي فيه الثقب الأربعة، وابدأ بإدخال الجلد، وارفع القناة حتى تجاوز الثقوب، وسد ما حولها لئلا يرجع أو يخرج من الماء منحدرا، ثم اجعل في البئر على ذراع من أسفلها لوحا عريضا ms363 وارتقب القناة فيه لئلا يدخلها الطين، وليكن الرأس الذي فيه الثقوب على اللوح، ثم أطبق على رأس البئر ألواحا حول القناة، وقيرها وصهرجها ناعما لئلا يدخل البئر شيء من الماء، ولا يخرج منها ريح، ثم ابن على رأس البئر حول القناة حوضا مربعا يكون عشر أذرع في مثل ذلك، وسمكه مثل ذلك؛ حتى يحاذي البناء رأس القناة الخارج من البئر، ثم اعقد على ذلك أزجا وقبة، واجعل له بابا يدخل من الرجل ويخرج، واجعل الأزج فوق الماء رفا كيما يدور، واجعل نفاطات كالقناني - شبة أو نحاس - واجعل فيها فتالا غلاظا واملأها نفطا أو زيتا وأشعل النار في الفتل، وتصف القناني على الرف في الأزج، والقبة كيما تدور، حتى يجعل منها عشرين نفاطة، ثم أطبق الباب وسده بالطين حتى لا يخرج منه شيء من الدخان ولا يدخله ريح، ثم دعه يوما وليلة، بقدر ما تعلم أن الزيت أو النفط قد نفد والنار قد انطفأت، ثم افتح باب الأزج تجد الحوض مملوءا إلى طرف القناة ماء - بإذن الله تعالى - فاصرفه حيث شئت، وأعد القناني إذا شئت، تغتبط بإذن الله تعالى. وقد انقضى الكلام في ذكر التدبيرات المقصورة على عمارة البلاد التي تدعو الحاجة إليها عند احتباس الأمطار وقلة المياه.» # 29 # نلاحظ من النص السابق أن ابن منكلي اعتمد في سحب مياه من بئر سطحية على قوة التخلية الكبيرة، وهذا يعني وجود كمية كبيرة من المادة المحترقة التي تحتجز داخل وعاء عملاقة محكمة الإغلاق، إضافة لوجود آلية تصريف دقيقة توزع الماء بعد سحبه من البئر. # تقي الدين الراصد (القرن 10ه/16م) # من الآلات الحرارية التي اخترعها تقي الدين الراصد الدمشقي (توفي 993ه/1585م) آلتين لهما نفعهما لكل منزل وهما: آلتا شي ومبخرة جيروسكوبية. وقد ورد وصفهما في كتابه (الطرق السنية في الآلات الروحانية) # 30 # الآلة الحرارية الأولى هي آلة للشي صممها، تعاون فيها مع أخيه الكبير عام (953ه/1546م) بحيث تتحرك الآلة لوحدها، وتستفيد من حركة نزول الثقل المعلق (الرقاص) وحركة شفرات المروحة العلوية. ~~(إلى اليمين) ms364 نموذج مجسم لسيخ الشي الذي صممه تقي الدين، وقد تم تنفيذه في معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية في فرانكفورت، وذلك بحسب الوصف الذي جاء به في المخطوطة. (مصدر الصورة: # Science and Technology in Islam, V, p. ~~ 39 ~~.) (إلى الوسط) التصميم نفسه منفذ في الواقع من قبل الإيطالي فيتوريو زونكا كما تصوره إحدى المخطوطات الأوروبية. (مصدر الصورة: تويلييه، بيير، العالم الصغير، ص73.) (إلى اليسار) تصميم الجهاز نفسه وجد في مخطوطة لليوناردو دا فنشي تعتمد المبدأ نفسه. (مصدر الصورة: # Science and Technology in Islam, V, p. 39 ~~.) والواقع أن التصاميم الثلاثة ظهرت في القرن 16م، ويصعب أن نحكم من أول من ابتكره، قد يكون زونكا أخذه عن دا فنشي، لكن لا نعلم إذا كان دا فنشي قد أخذه عن تقي الدين، أو أنهما صنعاه في الوقت نفسه. # رسم مع نموذج يوضح كيفية عمل الآلة البخارية ذات السيخ التي جاء وصفها عند تقي الدين، والتي تحول القدرة البخارية لعمل مفيد مثل سيخ شي اللحم. (مصدر الصورة والتعليق: # Science and Technology in Islam, V, p. 37 ~~.) وكما سنلاحظ أن هذه الآلة سبقت آلات غريمالدي وبرانكا وبابان وسيفري. # شكل توضيحي لمبخرة تقي الدين الجيروسكوبية. وقد قمنا برسمها اعتمادا على الوصف الذي جاء في نص مخطوطة مكتبة دبلن. (مع أن النص في المخطوطة يشير لوجود صورة، لكن الناسخ لم يرسمها؛ لذلك قمنا بإعادة الرسم والتوضيح لتسهيل فهم التصميم.) ما يميز هذه المبخرة هو - ربما لأول مرة - تضع فكرة السكرجة التي تعتبر بمثابة وعاء ثقيل يوازي الأفق دوما؛ أي يصنع أفقه ذاتيا ليحافظ على التوازن بشكل دائم. في الأصل لا يوجد قاعدة؛ فالتصميم قائم على جعل المبخرة تتدحرج بحيث تبقى السكرجة على خط الأفق دوما. # قال تقي الدين: «وعملوا أيضا على حركة الدخان البارز من الأوجاق، ورتبوا أيضا حركته على حركة ثقالة من الرصاص كما في السواقي التي تدور بالدولاب والرقاص ، غير أنه في سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة بدار السلام القسطنطينية العظمى، فكرت أنا وأخي الأكبر في ms365 عمل ذلك على أسلوب غير هذه الأساليب قابل للنقل والتحويل من جهة إلى أخرى غير متوقف على أمر خارج عن ذلك، كالإبريق المذكور وما يحتاج إليه من الماء والنار، وكالدخان والثقال الرصاص المعلق في جهة من البيت لا يمكن تحويله إلى غيرها، فعملنا قفصا مربعا مستطيلا من الحديد قائما على أربع أرجل وفيه ثلاثة دواليب، وفي وسطه محور مربع بارز في مقابلته محور آخر كذلك، فإذا أراد الإنسان استعماله وضعه في أحد جوانب المنقل وأثبت طرف السيخ وأدار المحور الأول بمفتاح معدله عشر دورات أو أقل أو أكثر بحسب ما يقتضيه العمل في تركه ابتداء السيخ في الدوران، فيدور بكل دورة من الدورات التي أدرتها عشر دورات لا بالسريعة ولا البطيئة بحيث إنها ما تنقضي إلا وقد استوى اللحم، وإن تخلف عنها في الاستواء فتعيد الإدارة بالمفتاح مرة أخرى.» # 31 # كما وصف تقي الدين آلة بخارية تستعمل في توجيه سيخ لشي اللحم بحيث يدور بنفسه بوساطة قوة البخار دون تدخل من أي كائن لتحريكه: «وقد عمله الناس على أنحاء شتى منها أن يكون في طرفه دولاب بفراشات، ويوضع بحذائها إبريق من النحاس المفرغ المسدود الرأس المملوء بالماء ويكون بلبلته قبالة فراشات الدولاب، ويوقد تحته النار؛ فإنه يبرز البخار محصورا من البلبلة المذكورة فيديره، فإذا فرغ الماء من الإبريق، قرب إليه ماء بارد في إناء بحيث تغطس البلبلة فيه فإنه يجتذب بحرارته جميع ما في الإناء من الماء ثم يبدأ بدفعه.» # 32 # مبخرة المأمون التي وردت عند ابن الطقطقا لم نعرف لها وصفا موسعا؛ ولذلك قمنا بتخيل شكلها ووصفها من عندنا، في حين أن تقي الدين وصف لنا طريقة صنع «مبخرة مدوارة أو جيروسكوبية # Gyroscopic censer ~~» وهي متقدمة تقانيا على تلك الشائعة؛ بحيث توضع داخل كرة مثقبة من كل الجهات، وتوضع بداخلها النار والبخور ثم يمكن دحرجتها، ومع ذلك تبقى النار مستقيمة بشكل أفقي مهما حركها المستخدم دون أن تنقلب وتسبب مشكلات الاحتراق لمستخدميها. # يقول تقي الدين في وصف مبخرته: «مبخرة ms366 الفرش: وهي قطعتان كل واحدة نصف كرة متصلة كل واحدة منهما بالأخرى بنرمادجة # 33 # ولها إفريز بحيث تنطبق كل واحدة على أختها، ولها قفل يضبطها وهي مبخشة من سائر جهاتها؛ بحيث إنه إذا وضع في جوفها النار والبخور صعد من الأبخاش دخانه، وفائدتها أنها إذا أدرجت في الفرش لا تحرق شيئا، ولا تنقلب النار في وسطها، بل لا تزال النار في المكان الذي وضعتها فيه لازمة وضعا واحدا. وصفتها: أن تعمل الكرة كما ذكر، ثم تعمل طوقا ملحوم الطرفين كالدائرة أصغر من الكرة، وتعمل على محيطها محورين ملحومين فيه على نقطتين متقابلتين، وتعمل لكل محور لبنة مبخوشة مثبتة في حافتي أحد القسمين من الكرتين وكل محور داخل في لبنته، وتعمل طوقا آخر صغيرا أصغر من هذا وتركبه في هذا كما ركبت الأول في القسم الواحد من النصفين، لكن كل لبنة من هذه تركب في النصف مما بين محوري الطوق الأول من الجهتين، ثم تعمل طوقا آخر وتركبه في وسط هذا بلبنتين بعد كل واحدة من المحور بقدر ثلث ما بين المحورين من محيط الطوق، ثم تعمل سكرجة # 34 # من النحاس المفرغ قدر نصف كرة يكون محيطها أصغر من الطوق الثالث بحيث يدور فيه وتكون ثقيلة السفل أصغر من هذا الطوق وتركبها فيه في محورين متقابلين في شفتها على لبنتين في هذا الطوق، بعد كل واحدة من محورها بقدر ثلث ما بين المحورين من محيط الطوق في الجهة المخالفة لجهة الثلث الأول. ويكون دوران هذه المحاور في أقطابها دورانا سلسا؛ فمن المعلوم أنه إذا وضع النار والبخور في السكرجة وطبقت الكرة ودحرجت فإن السكرجة يثقل سفلها لا يزال سطحها موازيا للأفق وتتبدل المحاور في الدوران ولا ينقلب ما في السكرجة من النار أصلا، ولا يزال ساكنا في وسطها.» # 35 # الواقع أنه لم يسبق وأن عثرنا على تصميم لمثل هذه المبخرة في الوثائق التي بين أيدينا؛ إذ أول جهاز جيروسكوبي كان يدعى «منظار سيرسون» اخترعه المخترع الإنكليزي جون سيرسون # J. ~~ Serson ~~(توفي ms367 عام 1744م) عام 1743م، واستخدمه كمقياس ارتفاع لتحديد الأفق في الظروف الضبابية في أثناء الملاحة البحرية. # 36 # المبحث الرابع: الأوروبيون # مع زيادة الوعي العلمي في مجال الحرارة وتطبيقاتها في عصر النهضة الأوروبية، تنبه العلماء والمهندسون الأوروبيون لخصائص بخار الماء وبدءوا يخضعونها للتجربة والتمحيص بهدف كشف المزيد من أسرارها، والاستفادة منها في الحياة العملية، سواء في المنزل أو الصناعة والنقل. # ديلا بورتا (القرن 17م) # اخترع الفيزيائي الإيطالي جيوفاني بابتيست ديلا بورتا عام 1601م جهازا خاصا من أجل تسجيل كم جزءا من الهواء يمكن أن يتحول إليه جزء واحد من البخار. وربما أدت تجاربه غالبا إلى حدوث انفجارات؛ حيث إنه ذكر «القوة المخيفة» في مؤلفه أكثر من مرة. # 37 # سولومون دي كاوس (القرن 17م) # أصدر المهندس الفرنسي سولومون دي كاوس # S. ~~ de Caus ~~(1576-1626م) في عام 1615م في فرانكفورت كتاب «أسباب القوة الدافعة ذات الحكايات المفيدة والمسلية المختلفة»، وقد وصف في هذا الكتاب اختراعه الآتي: «يمكن استخدام طريقة رفع الماء بمساعدة النار أساسا للآلات المختلفة، والتي أصف واحدة منها هنا.» ثم يصف نافورة سبق وأن اخترعها هيرو السكندري من قبل؛ حيث يرتفع الماء في هذه النافورة بقوة النار، ولكنها بعيدة تماما عن أن تكون آلة بخارية؛ فهو لم يلحظ الفرق بين البخار والهواء الساخن، ولكنه بعد أن قدر قوة البخار الهائلة قام بإجراء تجارب على الآلات البخارية؛ حيث وصف في كتابه السابق التجربة الآتية: «... تصبح هذه القوة أكبر أيضا، عندما يتحصل على الهواء من الماء الساخن في الوعاء والمتحول إلى بخار، وهذا البخار يبقى في الوعاء. خذ مثلا كرة نحاسية بقطر داخلي يساوي قدما واحدة، وسمك جدارها بوصة واحدة، املأها بالماء من خلال ثقب في الجدار، سد الثقب بسدادة سدا محكما بحيث لا يستطيع الماء الخروج، وضع الكرة على النار. وستجد أنه عندما تسخن الكرة جيدا، سيقطعها الضغط الداخلي بقعقعة مثل البيتوردا.» # 38 ~~، # 39 # جيوفاني برانكا (القرن 17م) ~~(إلى اليمين) تصميم للعنفة البخارية التي وضعها برانكا في كتابه (آلات مختلفة) ويستبعد أنه ms368 قد نفذها عمليا. (مصدر الصورة: # en.wikipedia.org/wiki/Giovanni Branca ~~) (إلى اليسار) مخطط آخر لمحرك المخترع الإيطالي فوستو فيرانزيو # F. ~~ Veranzio ~~(1551-1617م) البخاري، لكنه استخدمه في تشغيل طاحونة الماء، وهو يشبه كثيرا محرك برانكا. (مصدر الصورة: # Rossi, Cesare & Russo, Flavio & Russo, Ferruccio, Ancient Engineers’ Inventions, p. ~~ 229 ~~.) # في عام 1629م وصف المهندس الإيطالي جيوفاني برانكا # G. Branca ~~(1571-1645م) في كتابه (آلات مختلفة) جميع الآلات التي عرفها، وقد كان يفتخر باختراعه لإحدى الآلات التي تتكون من رأس بشري من النحاس دقيق الصنع ومملوء بالماء، وعندما أضرمت النار تحت الرأس انطلق من فم التمثال تيار من بخار توجه إلى دولاب بمجاديف. كان الدولاب يتحرك تحت ضغط البخار، ويحرك - من خلال مجموعة معقدة من آليات الحركة والمسننات - مدقات ثقيلة لسحق خامات مختلفة. تصميمه لهذه الآلة كان مجرد رسم، ولم ينفذه على أرض الواقع نظرا لوجود صعوبات تقنية عديدة، والتي أمكن تذليلها بعد 250 سنة. # 40 # في حين أننا وجدنا كيف أن تقي الدين نفذ آلته واستخدمها قبله بحوالي 60 سنة في سيخ الشي البخاري. # إدوارد سومرست (القرن 17م) # في عام 1663م نشر رجل السياسة البريطاني المركيز إدوارد سومرست # E. Somerset ~~(1602-1667م) كتابه (قرن الاختراعات)، حيث وضع فيه تفاصيل أكثر من 100 اختراع، بما في ذلك الجهاز الذي من شأنه أن يكون واحدا من أقدم المحركات البخارية؛ إذ استخدم فوهة مدفع ليصنع محركا بخاريا يجذب المياه لأغراض الري. وقد كتب يقول: «لقد اخترعت وسيلة مدهشة وقديرة بالمقدار نفسه لرفع الماء بمساعدة النار ودون مضخات ... في وسيلتي ليس للعمل حدود على أن يكون الوعاء متينا إلى درجة كافية. للقيام بالتجربة أخذت مدفعا كسرت نهايته، سكبت فيه ماء حتى ثلاثة أرباعه، أغلقت بالصنابير تلك الفتحة الموجودة في أسفل المدفع والمخصصة لفتيل البارود، والنهاية المكسورة. ووضعت المدفع في النار فانفجر بعد أيام محدثا دويا قويا. وعندما وجدت وسيلة لتحصين الأوعية تجاه القوة الداخلية، وملئها بالماء وعاء بعد الآخر، رأيت أن الماء وكأنه يندفع من نافورة اندفاعا ثابتا إلى ارتفاع 40 ms369 قدما (= 12 مترا). ~~ إن وعاء واحدا مملوءا بالماء الذي تخلخل بالنار رفع أربعين وعاء من الماء البارد. يجب على العامل الذي يراقب سير العمل أن يفتح صنبورين فقط بحيث عندما يفرغ أحد الوعاءين يمتلئ بالماء البارد من جديد، ويبدأ الآخر بالعمل، وهكذا دواليك. ويجب أن يحافظ على النار بمستوى ثابت للتأثير من قبل ذلك العامل الذي يجد وقتا كافيا في الفترة الفاصلة بين فتح الصنابير.» هذا كل ما كتبه المركيز عن اختراعه، وعلى أساس هذا الوصف المبهم أعاد المهندس البريطاني هنري ديركس # H. ~~ Dircks ~~(1806-1873م)، كاتب سيرة إدوارد سومرست، إنشاء التصميم المفترض للآلة، والتي منحت سومرست أحقية اختراع الآلة البخارية؛ الأمر الذي أثار حفيظة الفرنسيين واحتجاجاتهم؛ فهم يزعمون أن الآلة البخارية اخترعها سولومون دي كاوس، ثم اطلع عليها سومرست نفسه أثناء إقامته في فرنسا حيث أعاد صنعها في إنكلترا. # 41 # صموئيل مورلاند (القرن 17م) # الأكاديمي والمخترع الإنكليزي صموئيل مورلاند # S. ~~ Morland ~~(1625-1695م) رجل متعدد الاهتمامات، وقد قدم في عام 1683م إلى ملك فرنسا لويس الرابع عشر مخطوطة غنية بالزخرفة، وضع لها عنوانا شديد التصنع هو «بداية القوة الجديدة للنار، التي اكتشفها الفارس مورلاند عام 1682م، وقدمها إلى صاحب الجلالة المسيحية». وقد مضى مورلاند في هذا العمل أبعد من أسلافه نوعا ما؛ إذ يعتبر أول من فهم ضرورة تحديد العلاقة الكمية في مسألة استخدام الطاقة الحرارية، وقد وضع أرقاما محددة وقال: «عندما يتحول الماء بالنار إلى بخار، فالبخار يشغل فجأة حجما من الفراغ، أكبر بكثير (بألفي مرة) تقريبا من ذلك الذي يشغله الماء من قبل، وهو سيفجر المدفع بأسرع من أن يبقى فيه، ولكن إذا سيطرنا عليه بقوانين علم الميكانيك وحولناه بالحسابات إلى مقياس للثقل والتوازن، فهو يحمل حملا بهدوء، كما يحمله الحصان الجيد، وينجز عملا مفيدا ...» لكن لم يحتو كتابه على معلومات عملية تفيد بأنه صنع آلته النارية هذه. # 42 # دنيس بابان (القرن 18م) # قدر ضغط خاصة بملك بريطانيا تشارلز الثاني، صنعه بابان، حيث ركز فيه على حماية ووقاية الملك ms370 إذا أراد استخدامه بشكل شخصي؛ فالغطاء (إلى اليسار) مثقل ومحكم الإطباق على القدر، كما أحاط القدر بحاجز معدني للوقاية لدى حدوث أي انفجار. (مصدر الصورة والتعليق: يمين، يوسف، المادة والذرة، ط1، مكتبة السائح، طرابلس (لبنان)، 1989م، ص128-129.) # تصميم لمحرك بابان البخاري يعود لعام 1702م، (مصدر الصورة: # en.wikipedia.org/wiki/Denis Papin ~~) لكنه لم ينفذ عمليا. # كان الفرنسي دنيس بابان # D. Papin ~~(1647-نحو 1712م) أول من كثف الماء ورفع ثقلا بالعمل؛ فقد امتلك بابان أنبوبا طويلا من النحاس الأصفر قطره 5سم. بعض الماء في الأسفل جرى تبخيره، وتمكن من رفع المكبس # piston ~~، # 43 # كان مثبتا بقطعة منزلقة # bolt ~~. بعدئذ أخذ الأنبوب من النار، تكثف البخار وتكون خواء تورشيلي # Torricelli Vacuum # في الداخل؛ أي يصبح الضغط المنخفض مساويا لضغط البخار المناسب لدرجة الحرارة الباقية. عندما نزعت القطعة المنزلقة، ضغط الهواء دفع المكبس نزولا، وهكذا كان قادرا على رفع وزن ستة باوندات (= 6,72كغ). وبكلمات أقل نصف الطريقة التي تعمل بها القدرة المحركة للبخار: خلق خواء أو فراغ من خلال التكاثف. عرف بابان خواص البخار المشبع جيدا، والنتيجة أنه عرف أيضا أن الماء تحت ضغوط فوق 1 ضغط جوي يغلي عند درجة حرارة أعلى من 100 ~~° # مئوية. لقد أفاد من هذه التجربة في صنع قدر تعمل بضغط البخار. في وعاء مغلق يمكن لبعض اللحم القاسي أن يسخن في الماء؛ فالبخار المتراكم يرفع الضغط وبالتالي نقطة غليان الماء، بالنتيجة فإن اللحم يجد نفسه مغمورا في ماء ساخن حتى 150 ~~° # مئوية (مثلا). وهكذا يصبح مطبوخا على نحو واف في زمن قصير. دعي بابان ليشرح عن الوعاء الذي يستعمله في المعالجة الحرارية للجمعية الملكية في لندن وقد طبخ وجبة طعام رائعة للملك تشارلز الثاني. من ناحية ثانية، فإن أنبوب بابان المصنوع من النحاس الأصفر لم يكن محركا بخاريا بعد؛ فهو يقوم بحركة واحدة في كل مرة. المحركات البخارية الحقيقية طورت فيما بعد عندما نشأت حاجة ملحة في إنكلترا في باكورة القرن الثامن عشر، كانت إنكلترا تعاني من نوع من أزمة ms371 الطاقة؛ قطعت أشجار البلاد ولم يبق من الأشجار التي كانت تحتاج إليها القوات البحرية ولا يمكن استعمالها للوقود، وفي الوقت نفسه فإن إنتاج مناجم الفحم كان في هبوط، وهدد بالانقطاع تماما بسبب صعوبات التصريف عند العمق حيث وصلت المناجم. زود الوضع بحافز قوي للمخترعين، وهكذا أتى المحرك البخاري في وقته تماما. # 44 # وقد كشفت الرسائل التي جرت بين دنيس بابان وغوتفريد ليبنتز والتي نشرها جيرلان، أن ليبنتز أعطى الفكرة الجوهرية لاستعمال الأسطوانة والمكبس في المحرك البخاري الأول. # 45 # كما أن بابان استفاد من تصميم توماس سيفري للمضخة البخارية. وكان من بابان - بالاشتراك مع بويل - أن قام بدراسة خصائص بخار الماء. وقد سبق لبابان أن اكتشف خاصية الماء المغلي عند الضغط العالي بدرجة غليان قريبة من 210 ~~° # مئوية، وهي التي استفاد منها في اختراع قدره في الضغط، ثم فكر بأن يستفيد منها مرة أخرى من أجل حركة المكبس في أسطوانة آلة البارود # 46 # البخارية، بحيث يكثف بخار الماء. # 47 # ظهرت مقالة بابان (طريقة جديدة للحصول على قوى دافعة كبيرة بثمن زهيد) في عام 1690م، والتي عرض فيها فكرة آلته البخارية الجديدة، وقد قال: «اسكب في الأسطوانة قليلا من الماء، وأنزل فيها المكبس إلى سطح الماء نفسه، وأخرج الهواء المحبوس تحت المكبس من خلال فتحة حنفية خاصة، عندئذ وبتأثير النار الموقدة تحت الأسطوانة، يبدأ الماء بالغليان والتحول إلى بخار، ينتج ضغطا على المكبس ويرفعه، متغلبا على الضغط الجوي. في هذا الوقت يوقف المسند الداخل في التجويف، والمصنوع على قضيب، المكبس في الأعلى، وبعد ذلك تبعد النار، وينشئ البخار المتكثف خلال تبريده فراغا في الأسطوانة. الآلة الآن في حالة تسمح لها بإنتاج عمل ميكانيكي؛ لأنه بنزع المسند سيهبط المكبس بقوة مساوية للضغط الجوي، وسيستطيع التغلب على المقاومة بقوة مساوية للضغط الجوي، وسيستطيع التغلب على المقاومة بمساعدة حبل وبكرات.» للأسف لم يكن لهذا المشروع قيمة عملية، وكان عرضة للانتقاد، كان أحد هؤلاء النقاد الفيزيائي روبرت هوك، الذي أشار إلى أن حركة المكبس بطيئة، كما ms372 أن ضرورة تحريك النار تحت الأسطوانة جعلت الآلة مستحيلة التحقيق. # 48 # توماس سيفري (القرن 18م) ~~(إلى اليمين) آلة سيفري لسحب الماء كما ظهرت عام 1698م. (إلى اليسار) رسم توضيحي لآلة النار لسيفري، وقد بقيت تنتج في بريطانيا حتى أواخر القرن الثامن عشر وتستخدم في مصانع النسيج ومضخات المياه ومنشآت الصناعات الخفيفة. (المرجع السابق نفسه، ص194. مصدر الصورة اليمنى: # en.wikipedia.org/wiki/Thomas Savery ~~. مصدر الصورة اليسرى: موقع يوتيوب.) # عاد المهندس الإنكليزي توماس سيفري # Th. ~~ Savery ~~(1650-1715م) وأحيا فكرة المحرك البخارية، لكن بشكل أكثر تنظيما عندما حصل في عام 1698م على براءة اختراع # 49 # لآلته التي أطلق عليها اسم «آلة النار» فقد كانت تحول الطاقة الحرارية إلى عمل. وهي عبارة عن آلة بخارية ومضخة بدون مكبس أو محور ناقل للحركة لآلات أخرى. أما عن مبدأ عملها فقد كان كما يأتي: ينطلق البخار من مرجل يغلي، ثم يتوجه لوعاء ليتكثف فيه، فيحدث فراغا جزئيا، يسبب هذا الفراغ سحب الماء المطلوب ضخه؛ حيث إن الوعاء متصل بهذا الماء بوساطة أنبوب مزود بصمامات، بعدها تأتي دفعة بخار جديدة تطرد السائل المائي الموجود في الوعاء، وهكذا تتكرر الحالة. ~~ إلا أن هذه الآلة لم تكن تخلو من العيوب؛ فقد كانت تبدد كمية هائلة من الطاقة، إضافة لعدم إمكانية رفع القوة فيها إلا بزيادة الضغط، وكانت بعض آلات سيفري تعمل بقوة ثلاث وحدات ضغط جوي، وهي حدود الأمان. وبسبب نوعية المواد المستخدمة، ولطريقة معالجة المعدن آنذاك، كان تجاوز هذا الحد يؤدي حتما إلى حدوث انفجار، بحسب ما اختبره بعض العاملين على هذه الآلات. # 50 # عمل الكثيرون على تحسين تصميم المضخة البخارية، من بينهم العالم الفرنسي جون ديزاغولييه # J. ~~ Desaguliers ~~(1683-1744م)، الذي اتهم سيفري بانتحال فكرة المضخة من سومرست، وإخفاء لذلك اشترى كل النسخ التي نشرها وأتلفها. التطوير الذي أحدثه ديزاغولييه هو إجراء تكثيف البخار دون سكب الماء البارد على وعاء البخار، وذلك بحقن الماء فيه. وقد انتشرت آلة ديزاغولييه في فرنسا وهولندا، حتى إن بطرس الأول طلب منه شخصيا آلة ms373 لتزويد نوافير الحديقة الصيفية بالماء، فصنعت وركبت في بطرسبرغ عام 1717م لتشيع الراحة في جمهور المستجمين. # 51 # توماس نيوكومن (القرن 18م) # يمثل محرك نيوكومن البخاري مرحلة جديدة في صناعة الآلات الحرارية البخارية، فقد توصل لصنعه عام 1712م، بالتعاون مع شريكه كالي، وما يدل على الانتشار الواسع لآلة نيوكومن هو أن آخر آلة من هذا الطراز تم فكها في بريطانيا عام 1934م. (مصدر الصورة: # Müller, Ingo, # A History of Thermodynamics ~~, p. ~~ 49 ~~.) # كان المخترع البريطاني توماس نيوكومن # Th. ~~ Newcomen ~~(1663-1729م) حدادا ماهرا وذكيا، وقد اطلع على إحدى آلات سيفري التي أنشئت بالقرب من دارتموث، فخطر بباله أن يطور الآلة بدمج مكبس بابان معها، الذي تعرف عليه عن طريق روبرت هوك، وبالمشاركة مع المهندس البريطاني جون كالي # J. Calley # 52 ~~(1663-1717م). # عملت آلة نيوكومن على حقن الماء البارد في الأسطوانة. ~~ وهكذا كان البخار يكثف ويتطور إلى فراغ أو خواء حقيقي، الذي يجذب إلى أسفل المكبس بحركة قوية. بعد ذلك يدفع بخار جديد من غلاية المكبس عائدا إلى فوق، قبل أن يحقن الماء من جديد، # 53 # وهكذا فإن تكثيف البخار لم ينتج بسبب إبعاد النار من تحت الأسطوانة، كما اقترح بابان، وإنما بسبب تكثيف البخار عند التبريد، كما حدث في آلة سيفري. # 54 # استعمل نيوكومن آلته لضخ المياه من مناجم القصدير والفحم في دارتموث، والنتيجة أنه أمكن إحضار الفحم إلى فوق من عمق أكبر، كان يصعب الوصول إليه سابقا؛ لذا ربما لم يكن مهما كثيرا جدا، أن جزءا ضخما من الفحم كان يستعمل لتسخين غلاية المحرك. في الواقع إن محرك نيوكومن كان مبذرا إلى حد بعيد للوقود. # 55 # جيمس واط (القرن 19م) # في عام 1763م لجأ أستاذ الفيزياء أندرسون إلى المهندس الإنكليزي جيمس واط لإصلاح نموذج لآلة نيوكومن، فقام واط بإصلاح النموذج، وتبين له أن آليته ناقصة جدا، كما أدرك أن سبب التبذير الكبير في الوقود يعود إلى وجود مقدار كبير من البخار الساخن الجديد الثمين الذي يتكثف بينما يعيد تسخين الأسطوانة والمكبس، ms374 الذي قد برد حديثا جدا بالماء المحقون. حسن واط الآلة باختراع مبرد مستقل، أو مكثف؛ حيث كان البخار يدفع إليه قبل التكاثف، ثم كان الماء المكثف يضخ إلى الوراء إلى الغلاية، أدخل واط أيضا تحسينات أخرى، مثل: # 56 ~~(1) # الإبقاء على جدار الأسطوانة دافئا بتسخينه بالبخار القادم. ~~(2) # إدخال نظام صمامات بارع، والنتيجة أن المكبس يمكنه العمل في الوقت نفسه في الحركة النازلة والصاعدة. ~~(3) # إغلاق صمام البخار قبل نهاية الحركة. صحيح أن هذا زود بعمل أقل في الدورة، إلا أنه كان إجراء كفئا، فهو حتى الآن يستهلك بخارا أقل. # مبدأ عمل المحرك البخاري بأبسط أشكاله - والذي يعتمد مبدأ واط - أن تسخن الحرارة الماء وتولد بخارا ينتقل إلى أسطوانة، ويؤدي تغيير ضغط ودرجة الحرارة في البخار إلى تحريك مكبس. حركة المكبس تؤدي إلى دوران دولاب يؤدي إلى رفع حمل. ~~ النتيجة النهائية هي تحويل الحرارة إلى عمل ميكانيكي مفيد. (مصدر الشكل: العمر، محمد علي، مسيرة الفيزياء على الحبل المشدود بين النظرية والتجربة، مجلة عالم الفكر، تصدر عن وزارة الإعلام في الكويت، المجلد 20، العدد 1، أبريل - مايو - يونيو، الكويت، 1989م. ص42.) # ركب محرك واط البخاري أكثر من المحركات السابقة وفي أكثر من مضخة. لقد حول الحركة الصاعدة والنازلة للمكبس إلى دوران عجلة في محركه الدائر الشهير بناقل حركة من نوع شمس وكوكب # sun and planet ~~(نظام عجلات مسننة يتألف من عجلة مركزية (مسنن الشمس أو عجلة الشمس) حولها تتحرك العجلات الأخرى (مسننات الكوكب)). وسع هذا النظام كفاءة المحرك بشكل كبير؛ لأنه يمكن الآن استعماله لتسيير المخارط، والمثاقب، ودواليب الغزل والأنوال، ثم السفن والقاطرات. وهكذا أصبحت آلة واط البخارية محركا للثورة الصناعية برمتها. (مصدر الصورة والتعليق: # Müller, # Ingo, A History of Thermodynamics, p. 49 ~~.) # سجل واط براءته لاختراع محركه البخاري في عام 1769م، واستمر بعد ذلك في إجراء تحسينات على آلته، ويعتقد كثير من الناس خطأ أن واط اخترع المحرك البخاري، والواقع أنه قام فقط بإدخال تحسينات على التصميمات السابقة التي ابتكرها نيوكومن وخفض تكلفة استخدام محركات ms375 البخار المكثفة، وبذلك صار ممكنا استخدام هذه المحركات في أعمال أخرى غير الضخ. # 57 # وفي عام 1782م حصل واط على براءة اختراع لآلة يعمل فيها المكبس شوطا. وقد قال: «إن تحسيني الثاني للآلات البخارية أو النارية يكمن في استعمال القوة المرنة للبخار، لتحريك المكبس إلى الأعلى، وكذلك لدفعه إلى الأسفل بالتناوب، مولدا فراغا فوق المكبس أو تحته في وقت، مستعملا تأثير البخار على المكبس في تلك النهاية أو في ذلك الجزء من الأسطوانة، الذي لا يجري فيه انفلات البخار. يمكن أن تعطي الآلة المصممة بهذه الطريقة كمية مضاعفة من العمل أو أن تكتسب استطاعة مضاعفة بالوقت نفسه ... بالمقارنة مع الآلة التي تؤثر فيها القوة الفعالة للبخار على المكبس في اتجاه واحد فقط، إما إلى فوق، وإما إلى تحت.» هذه الآلة التي سموها آلة التأثير المزدوج أصبحت في النهاية محركا بخاريا يعمل دون توقف . # 58 # الفصل الثالث # | الحرارة والعمارة # مقدمة # علاقة الإنسان بالعمارة والحرارة علاقة وطيدة جدا، وقد تطورت هذه العلاقة منذ سالف الأزمان؛ ففي بعض الأماكن كانت تبنى المساكن بحيث تكون معزولة عن الحرارة الخارجية، كما في المناطق الصحراوية والجافة. وفي أماكن أخرى كانت تبنى لتمتص أكبر قدر من الحرارة الخارجية أو تخزن أكبر قدر من الحرارة الداخلية، كما في المناطق الباردة. # وحتى يحقق الإنسان هاتين الغايتين تم ابتكار طرائق ومواد كثيرة للعزل الحراري عن الوسط الخارجي، كما ابتكرت وسائل كثيرة للتدفئة الداخلية والحفاظ على درجة حرارة الوسط الداخلي بحيث يكون مريحا في مختلف الظروف. # لقد كان سكان الكهوف القدماء في كولورادو يحفرون كهوفهم بحيث تواجه أبوابها جهة الجنوب؛ ففي الشتاء وعندما تكون الشمس منخفضة فإن أشعة الشمس تدخل إلى داخل الكهف لتصطدم بالجدران الداخلية الخلفية وتسخنها، فينتج عن عملية التسخين هذه خزن الطاقة الحرارية في الكتل الصخرية مما يحفظ الكهف دافئا أثناء الليل، وأما في الصيف فإن الشمس تكون مرتفعة ولا تدخل أشعتها الكهف، وإذا دخلت فإن مظلة من الخشب والأعشاب الجافة تكفي لحجبها. # 1 # وفي الفترة الواقعة بين ms376 القرنين (10-14م) كان هنود الأناسازي - الذين عاشوا في الجنوب الغربي للولايات المتحدة - يبنون بيوتهم بجدران ضخمة من الحجارة أو الطوب على الجهة الجنوبية للبيت. وكانت هذه الجدران تمتص الحرارة خلال النهار وتشعها خلال الليل. # 2 # في واديي نهري دنبر # Dnepr # في أوكرانيا والدون # Don # في روسيا كان الناس يبنون مساكنهم بالاستعانة بعظام الماموث الكبيرة، وتعد هذه الأبنية المتقنة من أقدم الأطلال في الأرض؛ إذ لم تكن هناك أبنية من العظام بهذه البراعة في الأزمنة الأقدم. ويرى عالم الآثار جون هوفكر # J. Hoovker # أن البرد القارس للألفيات السابقة هو الذي منع البشر من كنس جثث الماموث، ونتيجة لذلك تكدست العظام والأنياب في العراء، وأخذت تتكوم في الوديان الصغيرة والوهاد الضيقة، وبذلك أصبحت مادة بناء جيدة. (مصدر الصورة من: # Das gro®e Ravensburger Lexicon, Band 4, Ein Dorling Kindersley Buch, 1992, p. ~~ 487 ~~. أما التعليق فمن: فاغان، براين، الصيف الطويل، ترجمة: مصطفى فهمي، سلسلة عالم المعرفة 340، تصدر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، يونيو، 2007م، ص84.) # سنبحث في هذا الفصل مختلف الوسائل والأساليب التي كانت متبعة من قبل القدماء بمن فيهم العرب للحفاظ على درجة حرارة أجسادهم وبقائهم في أفضل ظروف للحياة. # المبحث الأول: تدفئة المباني # يتعلق تشييد المباني بالدرجة الأولى بالبيئة المحيطة، ونظرا لعدم قدرة البشر على تغيير بيئتهم المحيطة بهم، فإنهم يقومون بحماية أنفسهم منها، ويحاولون صنع بيئة داخلية مناسبة لراحتهم؛ لذلك فإن المسكن الجليدي في الإقليم البارد (مناطق الإسكيمو) يتميز بتشكيله الخارجي وفراغه الداخلي؛ بحيث يشاد بأسلوب بسيط على مكان مرتفع يتجمع فيه الهواء الساخن للتدفئة بعيدا عن الوسط الخارجي القارس البرودة، وفي المقابل نجد المسكن ذا الفناء # Courtyard # الداخلي في الإقليم الحار الجاف يقوم بتخزين الهواء البارد ليلا لمواجهة الحرارة الشديدة نهارا، في حين تعمل التشكيلة العامة لكتلة المسكن الاستوائي على تسهيل حركة الهواء خلاله؛ الأمر الذي يساعد على التخلص من الرطوبة العالية التي تعمل على زيادة الإحساس بالسخونة. # 3 # وقد كان يتبع وسيلتين لتدفئة المباني؛ إما بوساطة أشعة الشمس ms377 أو بوساطة المدافئ الصنعية. # التدفئة بوساطة أشعة الشمس # سبق وتحدثنا في فصل سابق عن علاقة البشرية بالشمس، هذه العلاقة التي بدأت من باب المنفعة ثم انتقلت لطور العبادة ثم عادت لطور الاستثمار حاليا. وأحد أوجه المنفعة كان تدفئة المنازل بأشعتها الحارة إضافة لنورها. # اليونانيون # ذكر سقراط # Socrates ~~(توفي 399ق.م.) أن أشعة الشمس: «تدخل إلى رواق البيوت ذات الواجهات الجنوبية في الشتاء، أما في الصيف فإن مسار أشعة الشمس يكون عموديا فوق الرأس وفوق الأسقف مما يؤدي إلى تكوين الظلال.» الملاحظة نفسها أشار إليها المؤرخ اليوناني زينوفون # Xenophon ~~(توفي 354ق.م.) في عام (400ق.م.) حيث كتب يقول: «علينا أن نبني الواجهات الجنوبية [للمنازل] عالية للاستفادة من شمس الشتاء، والواجهات الشمالية أخفض للتخلص من الرياح الباردة.» # 4 # والواقع أن هذه الفكرة تعتبر أساسية فيما يعرف بالاستخدام السلبي للطاقة الشمسية الذي يقوم على أساس تصميم المنازل بحيث يتلاءم مع تغير مسار الشعاع الشمسي وزوايا سقوطه ما بين الصيف والشتاء؛ بحيث يمكن الاستفادة منه في الفصل البارد لتدفئة المباني وحجبه في الفصل الحار لتقليل آثاره الحرارية. # 5 # وذكر أرسطو أن التخطيط الشبكي للمدينة الإغريقية كان من ابتكار المهندس هيبوداموس # Hippodamus ~~(500ق.م.)، ولعل أهم عامل دفعه لهذا التصميم هو توصية أبقراط بضرورة تخطيط المدينة بحيث يمكن للمساكن أن تدخلها الشمس، كما جاء على لسان أحد الأطباء اليونان أن ذلك يتم لو أنشئت الشوارع بشكل متقاطع في زوايا قائمة ومواجهة نحو الجهات الأصلية فتصبح المدينة حسنة التهوية وتدخل مساكنها الشمس. وقد تبعه مهندسو الإسكندر المقدوني في المدن العديدة التي أنشأها في فتوحاته ومن بينها مدينة الإسكندرية. # 6 # الرومان # ورث الرومان الكثير من التقاليد المعمارية عن الحضارات السابقة كبلاد الرافدين والأتروسكان واليونانيين، وقد كان تخطيط المدن التي أنشئوها متأثرا بالتخطيط الشبكي. # 7 # وقد طرح المهندس الروماني فيتروفيوس العديد من الأفكار حول تصميم الأبنية والمواقع المختلفة المناسبة للأجواء، مؤكدا ضرورة وجود فائدة من أشعة الشمس بإدخالها إلى داخل المنازل في الشتاء وحجبها في الصيف. # 8 # العرب # لقد عاش المسلمون ms378 في بيئات مختلفة، لكل منها مشكلاتها وخصائصها؛ إذ بعض هذه البيئات كان شديد البرودة في الشتاء، كما في هضاب إيران وأفغانستان والأناضول في تركيا. ~~ وبعضها الآخر كان حارا، كما في مناطق الخليج العربي وإندونيسيا، أو جافا كما في مناطق الصحارى، مثل السعودية ومصر وأفريقية. وقد كانت أسس تصميم الأبنية في المناطق الحارة تهدف لتحقيق هدفين أساسيين: # الأول: # في فصل الصيف تكون هناك حاجة للتبريد، فيؤخذ بعين الاعتبار تجنب أشعة الشمس وامتصاص الحرارة، مع محاولة خسارة الحرارة داخل المبنى نفسه. # الثاني: # في فصل الشتاء تكون هناك حاجة لاكتساب الحرارة، فيؤخذ بعين الاعتبار امتصاص الحرارة من الشعاع الشمسي، مع محاولة تقليل الحرارة داخل المبنى نفسه. # وقد اعتمد المهندس العربي والمسلم على موارد الطبيعية المتوفرة في البيئة والمتجددة، مثل طاقة الشمس والرياح، والتي تم الاستفادة منها كما يأتي في حل مشكلاتهم البيئية: ~~(1) # توفير الظلال من خلال الحماية من الإشعاع الشمسي. ~~(2) # تحريك الهواء من خلال التخطيط التقليدي للمدينة، الذي يعتمد على فكرة الشوارع الضيقة والأفنية المكشوفة (داخل المباني). ~~(3) # تحقيق التهوية الطبيعية باستخدام عناصر معمارية معينة كملاقف الهواء. ~~(4) # تنظيم درجة الحرارة ليلا ونهارا، وذلك باستخدام مواد بناء معينة كالطين والتبن مثلا. ~~(5) # تعديل نسبة الرطوبة في الجو من خلال زيادتها في المناطق الجافة باستخدام المياه. ~~(6) # الاعتماد على الإضاءة الطبيعية في المباني من خلال استعمال بعض العناصر المعمارية، ومعالجة ظاهرة الإبهار # Glare # من خلال استعمال المشربيات والفتحات الضيقة. # 9 # في المناطق الجبلية واجه المعماريون المسلمون تحديات كبيرة بسبب طقس الشتاء البارد؛ ففي المغرب واليمن تم بناء المباني على شكل ناطحات سحاب عالية، بحيث تتلاصق بجوار بعضها بعضا، وبحيث تكون واجهاتها الجنوبية معرضة دائما للشمس؛ الأمر الذي يساعد على امتصاص حرارة أشعة الشمس في الشتاء، حتى مع انخفاض درجات الحرارة في ذلك الوقت من السنة. وقد راعى المعماريون في منطقة عسير، جنوب غرب المملكة العربية السعودية، في تشييد المنازل أن تكون بشكل مربع ومكونة من عدة طوابق، وهي تشبه إلى حد كبير منازل الفلاحين السويديين والمنازل المشيدة في ms379 مستعمرة نيوإنجلاند البريطانية. # 10 # بعد أن تسلم السلطان قلاوون الحكم أنشأ المشفى المنصوري الجديد عام (683ه/1284م)، وقد جعله على طراز المشفى النوري بدمشق، وأحسن بناءه، فكان واسع الغرف متعدد القاعات التي تدفأ شتاء وتبرد صيفا. # 11 # حيث كانت القاعات تدفأ في الشتاء بحرق البخور، وتفرش أرضياتها بأغصان شجر الحناء أو الرمان أو شجر المصطكى أو بأي نوع من عساليج الشجيرات العطرية. # 12 # وقد اعتاد الأثرياء في القاهرة في القرن 19م استخدام قطع صغيرة من السجاد لحماية أقدامهم من برودة الحجر خلال أشهر الشتاء، وكذلك لتوفير مساحات للجلوس. كما استخدموا مناقل الفحم في البرد القارس للتدفئة. # 13 # وفي المناطق الباردة من العالم الإسلامي؛ حيث يختفي الصحن المكشوف للمسجد ويقتصر على قاعات الصلاة المغطاة، كما في قرى أفغانستان، التي تعتمد في تدفئة مساجدها على أحد النظامين: # 14 ~~(1) # النظام البخاري: ويعمل باستخدام قدر معدني في منتصف المسجد تحت منطقة محددة؛ بحيث يوضع الخشب لتسخين الماء، وتتم التدفئة بوساطة الإشعاع من المعدن، أما البخار والدخان فتجمع في أنابيب تطرح للوسط الخارجي. ~~(2) # النظام الطوخانة: حيث يمرر تحت الأرضية هواء ساخن عبر ممرات ثم يجمع في طرف المبنى بعد أن يفقد حرارته للتصريف. # أما أهل الهوسا في نيجيريا فقد كانت مساكنهم مبنية بالكامل من الطين (سورو # Soro ~~)، وبعض المرافق المكونة من هياكل بسيطة خفيفة مسقوفة بالنباتات والأشجار المظللة. سقف المبنى كان مصنوعا من الطين الثقيل، أما الجدران فقد كانت سميكة وذات فتحات قليلة؛ الأمر الذي يمنحها خصائص عزل حراري؛ بحيث تحتفظ بداخلها بهواء الليل البارد، ومنع الهواء الداخلي من الخروج بسرعة، وتوفير الحماية من أشعة الشمس الحارة، وخلال الليالي الباردة يمكن الاحتفاظ بالهواء الساخن داحل المسكن. ~~ أما في موسم الأمطار فتصبح الفراغات أسفل الأشجار المظللة وتلك المغطاة بسقف نباتي ذات مناخ ملائم؛ حيث يتحرك الهواء خلال المبنى ويصبح الجو لطيفا أكثر. # 15 # وبالنسبة لتخطيط المدن الإسلامية فقد كان يتبع الحل المتضام؛ أي تقارب المباني بعضها من بعض بحيث تتكتل وتتراص في صفوف متلاصقة لمنع تعرض واجهاتها ms380 لأشعة الشمس ورياح الخماسين المحملة بالغبار، والتي تؤدي لرفع درجة الحرارة داخل المباني؛ فالمنازل القديمة في دمشق القديمة مثلا متلاصقة؛ أي لا فسحة بين الدار والأخرى، جعل الشوارع ضيقة وقلص مساحة الفراغات الخارجية المكشوفة في المدن، وبمقارنة النسب المئوية للفراغات والمساحات الكلية بين المدن الإسلامية واليونانية والرومانية نجد أنها 11٪ و27٪ و31٪ على الترتيب، وهي ملاءمة لطبيعة المناخ والمقياس الإنساني ووسائل النقل لكل حضارة. # 16 # التدفئة بوساطة المدافئ النارية # قام الباحث س. ر. جيمس # S. R. ~~ James # بفحص ثلاثين موقعا لكهوف في أوروبا وآسيا وأفريقيا في عصر البليستوسين الأدنى والأوسط، ووصل إلى نتيجة مفادها أنه لم توجد مدافئ بما لا يدع مجالا للشك إلا بعد نشوء إنسان النياندرتال، في نهاية عصر البليستوسين الأوسط (أي منذ حوالي 80 ألف سنة). # 17 # لقد كانت المدافئ القديمة تبنى في وسط الغرفة، وكان يوجد فتحة في سقف الحجرة وفوق النار مباشرة تسمح بتسرب الدخان؛ أي إن جدران الموقد هي نفسها جدران الغرفة؛ لذلك كان الناس يستنشقون الدخان والغازات المتصاعدة من النيران، وكان الرومان يطلقون على هذا النوع من الحجرات اسم «أتريوم # atrium ~~» ومعناها «الحجرة السوداء» نظرا لانتشار السناج في كافة أرجاء الغرفة. # 18 # إن أي شخص يزور بومبي في إيطاليا أو هيركولانيوم اليوم لا يستطيع تفادي الشعور بأنه بين أطلال مدينة ذات مناخ استوائي، والتي لا يصل إليها الشتاء البارد إلا بدرجة حرارة متدنية قليلا في عمق الشتاء! وقد يكون صحيحا في السياق التاريخي، بأن تلك المساكن كانت تتزامن مع إحدى الدورات الكثيرة الدافئة للألفيتين الماضيتين. لكن هذا لم يكن موجودا في المناطق الأخرى من الإمبراطورية؛ حيث الفصل البارد كان يتم الشعور به كثيرا. ثمة نوافذ فيها زجاج وبيوت ذات نظام تدفئة، بحيث إنه كان بيتا مقبولا بدرجة أكبر من البيت الحديث. ~~ كان هذا التنوع المحلي للهيبوكاست # hypocaust # وهو نظام تدفئة روماني قديم يتضمن فراغات مجوفة تحت الأرضية؛ بحيث يسري داخلها الهواء الحار الذي يتم توجيهه من خلالها، وهو نظام مستعمل أيضا بشكل واسع في ms381 الحمامات الساخنة. ~~ كان الهيبوكاست ببساطة عبارة عن مرجل يتم تسخينه باستعمال الخشب، لإنتاج كمية كبيرة من الهواء الدافئ، وذلك بسبب الضغط المختلف للهواء البارد، وقد كان قادرا على التوزع تحت المنصات وخلف الجدران. من أجل هذا الغرض شيدوا أعمدة ودعامات خاصة تدعى # sospensure ~~، حتى يرفعوا الأرضية بينما كان القرميد المجوف يدعى # parietes tubulati # يتم تركيبها على طول الجدران مرتبطة بفراغ تحت الأرضية؛ حيث يفرغ الهواء الساخن بعد أن يسخن الجدران. من الواضح بأن درجة حرارة الهواء الموزعة كانت منخفضة نسبيا لكن بعد يومين كانت كافية لتدخل داخل البناء وتقدم الدفء، وبالتأكيد لم يكن يوجد نقص بالخشب ليبقي المرجل شغالا باستمرار. المرجل نفسه كان يتم استعماله أيضا لتسخين الماء في الحمامات والمغاطس المنزلية. # 19 ~~(إلى اليمين) طور الرومان فكرة التدفئة بالهواء الساخن أو الهيبوكاوست، ولكن بالطبع فإن أفرانهم تختلف اختلافا جوهريا عن أجهزتنا الحالية؛ حيث إنهم كانوا يوقدون نارا في فرن مكشوف وفي حجرة صغيرة يكون مستواها أقل من مستوى الحجرات الأخرى. وكان الهواء الساخن ينتقل من النار إلى الحجرات خلال أنابيب من الفخار، وكان ينتقل مع هذا الهواء الساخن الدخان والغازات التي تنبعث من النار؛ ولذلك لم تكن هذه الطريقة أفضل من سابقتها في الإتريوم. (مصدر الصورة موقع: # www.pinterest.com # أما مصدر التعليق: باركر، برتا موريس، الحرارة، ص27.) (إلى اليسار) تعد كنيسة قسطنطين في ترير في ألمانيا أحد الأمثلة الحية الباقية حتى اليوم على نظام التدفئة بالهواء الساخن أو الهيبوكاوست. ~~ (مصدر الصورة موقع: # en.wikipedia.org/wiki/Aula_Palatina # أما مصدر التعليق: # The Britannica guide to inventions that changed the modern world/edited by Robert Curley. 1st ed. Published by Britannica Educational Publishing, New York, 2010, p. 227 ~~.) # اختفت التدفئة بنظام التدفئة بالهواء الساخن أو الهيبوكاوست مع نهاية الإمبراطورية الرومانية، ولكن تطورا جديدا في التدفئة الداخلية ظهر في أوروبا الغربية مع بداية القرن الثاني عشر؛ حيث بدأت تحل المدفأة المبنية الحجرية والمدخنة محل النظام الروماني المركزي؛ حيث كانت فتحات السقف الكبيرة على النار المركزية تعمل حتى في ظروف ms382 الرياح والمطر؛ لذلك كانت تصمم لكل بيت مدفأة واحدة فقط وللمباني الكبيرة بأقل عدد ممكن. وكانت الغرف التي يتم تدفئتها تميل لتكون كبيرة تتسع للعديد من الأشخاص؛ حيث العديد من الأشخاص يمكنهم أن يتشاركوا دفء النار. فتح السقف لم يزل الدخان بشكل فعال، فقد بقيت بعض الأسقف تجعل شاغلي الغرفة يعانون. من ناحية أخرى، فإن المدخنة لم تكن تسمح بتمرير الكثير من الهواء أو الماء لإزالة معظم الدخان. ومع أن الكثير من الحرارة كانت ترتفع في المداخن، يمكن اعتبارها تقدما كبيرا، والأهم من ذلك أنه يمكن استخدامها لتسخين كل من الغرف الصغيرة والكبيرة والمباني المتعددة الطوابق أيضا. ~~ المنازل، وخصوصا الكبيرة منها، تم تقسيمها إلى مساحات أصغر حجما وأكثر خصوصية لتسخينها من المدفأة الخاصة بها، وهو التغيير الذي أدى إلى تغيير جذري في الحياة الاجتماعية في باكورة القرون الوسطى. وخلال عصر النهضة، تم تحسين كفاءة التدفئة الداخلية من خلال إدخال الحديد الزهر والطين، التي وضعت في مكان قائم بذاته في الغرفة. لقد كانت الحرارة الإشعاعية التي تنتج وتوزع بشكل متجانس في فضاء الغرفة، وكانت تعتمد على الفحم بوصفه وقودا جديدا استبدل بسرعة مكان الخشب في أوروبا الغربية. ~~ وبحلول الثورة الصناعية بدأت تقنيات التحكم البيئية تتطور بشكل كبير. استمر الموقد والمدفأة المصادر الرئيسة للتدفئة طوال هذه الفترة، ولكن تطوير المحركات البخارية والمراجل المرتبطة بها أدت إلى تقنية جديدة على شكل بخار التدفئة. كان جيمس واط يسخن مكتبه الخاص بتيار من البخار يمر عبر الأنابيب في بواكير عام 1784م. # 20 # وخلال القرن التاسع عشر، تم تطوير أنظمة البخار والتدفئة ولاحقا المياه الساخنة تدريجيا؛ فقد استخدمت المراجل المركزية التي تعمل بالفحم والمتصلة بشبكات أنابيب وزعت السائل الساخن في مشعات من حديد الزهر ثم يعود إلى المرجل للتسخين. كانت حرارة البخار تتحسن تحسنا كبيرا على المدافئ والمواقد لأن جميع نواتج الاحتراق تم التخلص منها من المساحات المشغولة، ولكن مصادر الحرارة لا تزال مركزة في المشعات. # 21 # المبحث الثاني: الحماية من النار # شعر الإنسان بأن النار ms383 نقمة، وليست دوما نعمة؛ فالحرائق المدمرة التي تسببها للغابات والمنازل، وحتى أضرار الحروق التي تلحقها بالإنسان إذا ما لامسته؛ كلها أمور توجب التفكير بالبحث عن وسائل للحماية من النار والسيطرة عليها إذا ما اندلعت ألسنة اللهب تأكل الأخضر واليابس. # وسائل الحماية عند الرومان والفرس # المادة الأولى التي تم استعمالها للحماية من النار هي مادة قديمة جدا اسمها الحرير الصخري أو الأسبستوس # asbestos ~~. وقد جاءت الكلمة من الإغريقية القديمة ~~(ασβεστος) # والتي تعني: يتعذر إطفاؤه، وقد استعمل هذه الكلمة الكثير من المؤلفين القدماء مثل بليني الأكبر. استخدم الرومان والفرس الأنسجة المنسوجة بألياف معدنية لصناعة أكفان يتم لف الملوك بها للحرق، وذلك حتى لا يتلوث رماد الملك. وفي العصور القديمة، كان يدعى الأسبستوس أيضا ب «صوف السلمندر» # salamander’s wool # حيث كان يعتقد بأن هذا البرمائي يمكنه أن يبقى في النار دون أن يمسه ضر. وقد ترك بليني الكثير من المراجع عن الأسبستوس؛ حيث كان يتم استعماله لجعل الأنسجة تقاوم النار، ويصنع منه فتائل لمصابيح الزيت والمناشف التي كانت توضع عليها حيوانات الأضاحي للإلهات، مثل المناشف التي تنظفها وتطهرها بعد تركها للتو في النار. كذلك فقد عرف أن الأسبستوس خطر على الصحة منذ القدم، وهذه الأخطار كانت معروفة منذ الأزمنة القديمة؛ إذ يخبرنا المؤرخ الروماني تيتوس ليفيوس # T. Livius ~~(59ق.م.-17م)، بأن الرجال الذين عملوا في مناجم الأسبستوس أصبحوا مرضى في أغلب الأحيان. # 22 # يبين الشكل شخصا يحمل قاذفة لهب محمولة تم استخدامها خلال الحصار وتفصيلها؛ حيث خواص الأسبستوس المقاومة للنار كانت معروفة منذ القدم، وبالتفصيل من الممكن تفسير ثوب وجزمة الرجل بوصفها واقيات مقاومة للنار، ولعلها مصنوعة من الأسبستوس. (مصدر الصورة والتعليق: # Rossi, Cesare & Russo, Flavio & Russo, Ferruccio, Ancient Engineers’ Inventions, p. ~~ 269 ~~.) # وسائل الحماية عند العرب # في أول حادثة حريق لمنزل في المدينة المنورة أصدر رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بيانه المرشد والمحذر لأصحابه قائلا: «إن هذه النار عدو لكم، فإذا نمتم فأطفئوها.» # 23 # فالإسلام حريص كل الحرص على أرواح وحياة الناس ms384 وممتلكاتهم؛ لذلك يبدأ بمعالجة المشكلات من جذورها، بناء على مبدأ درهم وقاية خير من قنطار علاج. # وقد تم معالجة موضوع الوقاية من الحرائق في كتب الحسبة، وحتى لا يتأذى الناس منها أو يتكرر حدوثها، فقد وضعت مجموعة من الضوابط التي يجب الالتزام بها منها: ~~(1) # منع أصحاب الحرف التي تستخدم مواقد صهر المعادن أو غيرها أن يفتحوا محالهم في الأسواق التي تكون فيها محال بيع القماش. # 24 ~~(2) # منع أصحاب الأفران وورش صناعة الزجاج من جعل الحطب على مقربة من النار، خشية أن يصله شيء منها فتتسبب بحريق. # 25 ~~(3) # يجب على الحدادين أن يتخذوا حجبا حاجزة بين محالهم وبين الطريق الذي تشرف عليه محالهم، خشية أن يتطاير شيء من الشرر إلى الطريق، فيؤذي الناس أو الدواب، أو قد يصيب مادة قابلة للاحتراق. # 26 ~~(4) # يمنع أصحاب المطاعم ممارسة عملهم في منتصف الليل أو وقت السحر، خشية أن يحدث حريق والناس نيام، كما يمنع الخبازون من العمل قبل الفجر؛ نظرا لأن هذا الوقت يقل فيه التركيز بسبب النعاس. # 27 # ومن الاستعدادات التي كانت تتخذ لمعالجة وقوع أية حادثة تأسيس فرق إطفاء مخصصة لذلك؛ ففي عهد عبد العزيز بن مروان (توفي 86ه/705م) والي مصر في عهد أخيه عبد الملك بن مروان (توفي 86ه/705م) كانت بجزيرة الروضة في القاهرة فرقة مكونة من 500 شخص متخصصة لإخماد الحرائق ولأعمال الهدم المرافقة لعملية الإطفاء. # 28 # وقد تأسست أول منظمة لمكافحة الحريق في روما القديمة؛ حيث كون الإمبراطور أوغسطس # Augustus ~~(توفي 14م)، الذي تسلم الحكم عام (27ق.م.) مجموعة من الناس سماها الحراس، كانت مهمتها مراقبة الشوارع والإبلاغ عن أي حريق ينشب، كما كانت تقوم أيضا بمهمة قوات الشرطة . في حين أن أولى فرق الإنقاذ المخصصة لإطفاء الحرائق التي أنشئت في أوروبا كانت في عام 1666م، عقب اندلاع حريق لندن الكبير. # 29 # أما من الناحية العسكرية فقد استخدمت عدة مواد ووصفات جديدة للوقاية من النار، # 30 # وهي تصلح سواء في الحرب أو السلم، لم يأت اليونان أو الرومان على ذكرها؛ ms385 فقد اخترع نجم الدين حسن الرماح (توفي 695ه/1295م) في كتابه (الفروسية والمناصب الحربية) وصفة واقية من النار مكونة من أفيون وماء كزبرة خضراء رطبة؛ حيث يدهن بها الجسم المراد وقايته ويترك حتى يجف. وصفة أخرى ذكرها الرماح وهي أخذ جوزة يتم نقعها في النفط ثم تخرج ويلف عليها مشاق - وهو المادة الطرية الموجودة داخل ساق الكتان - فإذا تم إشعالها فإنها لا تنطفئ لا بالماء ولا بالمطر. وصفة ثالثة تأخذ صمغ الصندروس أو السندروس الأصفر الرخو وتدفنه في زبل رطب عشرة أيام أو أكثر فيصبح كالدهن، وكل جسم يدهن به لا يحترق. # 31 # أو تلك التي اخترعها ابن أرنبغا الزردكاش (كان حيا عام 775ه/1373م) في كتابه (الأنيق في المنجنيق) والمكونة من ماء الفجل المستخرج من الفجل، أو الطلق (وهو مسحوق كلسي) المذاب بالخل المعتق وتشرب بلبادة # Felt ~~، ثم توضع اللبادة حول أي جسم، عندها لن يحترق. # 32 # واللباد نوع من القماش تصنع معظم أنواعه من ألياف الصوف الطبيعي بشكل كامل أو بنسب منه. ونعلم أن خيوط الصوف كانت تستخرج بكميات كبيرة عند العرب نظرا لتوفر الأغنام والماعز والجمال. وتتلبد هذه الألياف بتطبيق الحرارة والرطوبة والعمل الميكانيكي، ويتميز اللباد بمرونته، وقابليته للقولبة. # 33 # وصفات الرماح والزردكاش جديدة تماما لا تعتمد على الحرير الصخري أو الأسبستوس الضار بالصحة المستخدم من قبل الرومان، وإنما على مواد طبيعية كانت متاحة ومتوفرة في عصرهما. ولو كانت هذه المواد مخترعة ومنتشرة قبل أكثر من 100 سنة ربما استطاع أهل القاهرة حماية أنفسهم وبيوتهم ومدينتهم من الحريق الهائل الذي أشعله الوزير الأكبر الحاكم لمصر شاور بن مجير السعدي (توفي 564ه/1169م)، الذي أرسل 20 ألف قارورة نفط، و10 آلاف مشعل نار لحرق القاهرة حسب قول المؤرخ تقي الدين المقريزي (توفي 845ه/1442م). # 34 # | خاتمةحول إسهامات العلماء العرب والمسلمين في تاريخ علم الحرارة # قد يطرأ ببالنا سؤال: لماذا لم يأخذ العلماء الأوروبيون في العصور الوسطى والنهضة عن العلماء العرب والمسلمين طرائقهم ومعالجاتهم، سواء النظرية أو العملية في علم الحرارة؟ وما الذي ms386 جعل علما حيويا وحساسا لهذه الدرجة يتأخر حتى القرن 17م، ويعود الاهتمام إليه للظهور من جديد؟ # باعتقادنا يوجد عدة احتمالات لتفسير ذلك: ~~(1) # أن ترجمة الكتب العلمية العربية قد وصلتهم ولم يفهموها تماما؛ وبالتالي لم يعرفوا كيف يطبقونها. ~~(2) # تشكيك البعض بوجود أول شخصية عربية بدأت بالعمل على ترييض وتقنين كمية الحرارة، نقصد جابر بن حيان تحديدا، # 1 # واعتبارها أسطورة نسجها خيال الشرق، كما نسج قصص ألف ليلة وليلة؛ لذلك فإنه لا يعتد بكل ما تقوله هذه الشخصية في كتاباتها. ~~(3) # رفض كل ما طرحه الكيميائيون العرب وأن أعمالهم ضرب من الخيمياء؛ أي إن أعمالهم وأفكارهم خرافية، مثل محاولاتهم الحصول على الذهب من القصدير والرصاص. # لذلك فإن العلماء الأوروبيين قاموا بالبدء من جديد بكل ما يتعلق بعلم الحرارة، مع أنهم لو اطلعوا على هذه الأعمال والأفكار كانوا سيوفرون على أنفسهم الكثير من الجهد والوقت، وكان علم الحرارة سيتقدم بشكل مبكر منذ القرن الحادي عشر للميلاد وليس الانتظار 600 سنة حتى القرن 17م؛ إذ بترك الأوروبيين قاعدة البناء التراكمي للعلم، والتي عمل عليها العرب، خسروا وأخروا العلم كثيرا. # يقول المؤرخ ميدلتون عن فيزيائيي القرنين 17-18م: «الغريب في الأمر أن فكرة قياس درجة الحرارة كانت مألوفة بالنسبة للفيزيائيين قبل أن يكون لديهم أداة لقياس درجة الحرارة بها.» # 2 # لكن الأمر لم يكن نفسه بالنسبة للعلماء العرب، وهو ما عابه مؤرخو الغرب عليهم؛ فقد ذكر المؤرخ البريطاني دونالد هيل أن مفهوم الحرارة لم يدرسه العرب بشكل موضوعي علمي، بدعوى «أن الاهتمام بها يكون كميا بمساعدة مقاييس درجة الحرارة والثرمومترات» # 3 # وهي الأدوات التي لم يعرفها العرب قط، بحسب هيل. # ويرى الباحث أحمد الدمرداش أن العرب قد تناولوا علم الحرارة بشكل وصفي وميتافيزيقي؛ الأمر الذي أخر تطوره، وذلك بسبب التأثير الأرسطي. # 4 # لكن ما مدى صحة ما يقال، بعد كل ما قد مر معنا في الفصول السابقة؟ # منحنى بياني إحصائي (تمت عملية إحصاء الإسهامات العلمية المهمة والبارزة من مادة الكتاب.) يوضح إسهامات العلماء العرب والمسلمين في علم ms387 الحرارة عبر القرون، وقد بلغت ذروتها في القرن الحادي عشر للميلاد «13 إسهاما». وفي الوقت الذي قدم اليونانيون والرومانيون حوالي «27 إسهاما»، كان مجموع ما قدمه العلماء العرب والمسلمين بين القرنين «(8-16م) باستثناء القرن 15م»، «52 إسهاما». # إن تأسيس أي علم لا يظهر فجأة بمجرد أن تظهر أداة للقياس فقط، لا شك أن عملية القياس ضرورية للضبط والتقنين، ولكننا لا نعتقد أن تتعثر مسيرة العلم لعدم ظهور أداوت قياس فقط، بل كما وجدنا أن الكيميائيين العرب مارسوا وسائل حسابية ويدوية وتقريبية وعملية تعينهم وتفي بالغرض في أبحاثهم في تلك العصور. # هل يمكن أن نقول إن علم الرياضيات لم يتأسس لمجرد عدم ظهور الآلة الحاسبة أو الحاسوب؟ وكذلك الحال مع بقية العلوم، فاختراع مقياس الحرارة - أيا كان نوعه - هو ابتكار سهل من إجراء البحوث الحرارية والقيام بها من قبل شريحة واسعة، كما أنه ساعدهم على اختبار كل الأفكار السائدة أو الجديدة. # أكاد أقول جازما لو أن طرائق وأفكار جابر بن حيان، أو المجريطي، أو الجلدكي، وغيرهم من العلماء العرب والمسلمين كانت قد وصلت للغرب وتم فهمها واستيعابها جيدا، فإن علماءهم المنصفين سيتبنونها ويعملون بها، ريثما تظهر وتطور طريقة أخرى تحل محلها، كما فعل الأوروبيون مع نظريات السيال والفلوجيستون ومقاييس الهواء والماء، وزيت الكتان التي ظهرت في البدايات. # والدليل على ذلك عندما انتشرت الأرقام العربية وجد الغرب الأوروبي أن طريقة الكتابة والحساب بوساطة الأرقام العربية أفضل وأسهل وأسرع؛ لذلك تم تبنيها وإحلالها محل الأرقام الرومانية. # إذن لا يمكننا بأي حال من الأحوال أن ننسف جهود العلماء العرب والمسلمين الكبيرة # 5 # في مجال علم الحرارة مجرد أنهم لم يبتكروا ميزان حرارة ويستخدموه في قياساتهم، خصوصا وأننا وجدنا الكثير من العلماء قد خرجوا على الفكر الأرسطي وقدموا الكثير من الأفكار المهمة والمبتكرة في مجال الحرارة. # تطور علم الحرارة على خط الزمن # 6 # سنلخص في الجدول الآتي جهود كل العلماء ومن كل الحضارات الذين ساهموا في تطور علم الحرارة، وسنميز إسهامات العلماء العرب والمسلمين التي ms388 تم تقديمها بين القرنين (8-16م). # التاريخ # الإسهامات العلمية # قبل الميلاد ~~(القرن 6ق.م.) ~~• أشار أناكسايمانس إلى مفهوم (تمدد الهواء) بتأثير النار عليه، ولم يعترف بأن جميع الأجرام السماوية تملك الطبيعة نفسها، وقدم أول محاولة لتفسير حرارة الشمس. ~~• الإيليون يقولون بأن الشمس والقمر انفصلا عن دائرة المجرة. ~~(القرن 5ق.م.) ~~• بارمنيدس يتبنى أفكار أنكسمندر، ويعتبر أن أصل الوجود هو الحار والبارد أو النور والظلمة، وعن هذين المبدأين ينشأ الوجود. ~~• اعتبر أناكساغوراس الشمس تتكون من حجارة ملتهبة، وقدر بعدها عن الأرض. وقد يكون أناكساغوراس أول من أطلق فكرة الكمون والظهور؛ حيث تعود أصول الأشياء. ~~(القرن 4ق.م.) ~~• وضع أرسطو تعريفه للحرارة بأنها التي تجمع ما بين الجواهر المتجانسة، وتفرق المختلفة، كما أنه وضع تصنيفا لأسباب حدوث عملية الاحتراق. ~~• اقترح ديموقريطس تغير شكل الذرات حسب الحرارة، وأن الحرارة لها قدرة على اختراق الأجسام حسب المسام الموجودة فيها. ~~• عند الرواقيين تحول المادة من شكل لآخر هو نتيجة عملية توتر في النار أو الهواء أو الماء، وليس نتيجة زيادة أو نقص كمية الحرارة. ~~(القرن 3ق.م.) ~~• أفلوطين يقترح ضعف الحرارة إذا أضيفت لحرارة أخرى. ~~• أجرى فيلون البيزنطي تجربة (أسماها حيلة) أثبت بواسطتها أن الهواء يتمدد بالحرارة ويتقلص بالبرودة. ~~• قام الفلكي اليوناني إيراتوسثينيس بحساب نصف قطر الأرض، وأن الشمس تبعد مسافة كبيرة. ~~• صمم أوطولوقس البيتاني محركا دائم الحركة يحاكي حركة النجوم في السماء. ~~• صنع أرخميدس مدفعية بخارية أسماها الأركيترونيتو. ~~(القرن 1ق.م.) # لوكريتوس الروماني يقترح فرضية تقول بالطبيعة الجسيمية الدقيقة للحرارة. # بعد الميلاد # القرن 1م ~~• أشار الفيلسوف الروماني بيلينوس الأكبر أن شخصا يدعى بيروديس الكيليكي هو من اخترع «الحجر» الذي يستخدم لإنتاج شرارات يستفاد منها لصنع النار. ~~• قدم أبولونيوس التياني تجربة جديدة تثبت تمدد الهواء بتأثير الحرارة عليه، كما أنه قدم أول إشارة مباشرة لوجود علاقة بين النار والهواء عند بدء عملية الإشعال. ~~• حقق عمل هيرو السكندري في الهواء المضغوط نجاحا أفضل من سابقه فيلون. ووصف جهازا يصلح كمكشاف حراري هوائي، لكن الغاية منه في الحقيقة فقط رؤية الماء وهو يرتفع ms389 بفعل الحرارة، كما صمم محركه البخاري الشهير (الإيوليبل). ~~• استخدم المهندس الروماني فيتروفيوس إيوليبل هيرو كجهاز أرصاد جوية. # القرن 6م # اعتقد المفيدوروس أن شدة الحرارة وجفافها هو السبب في عملية الاحتراق. # القرن 7م # كالينيكوس الهليوبوليسي يخترع النار اليونانية. # القرن 8م ~~• خالد بن يزيد بن معاوية يؤلف «كتاب الحرارات». ~~• توجد فرضية تقول بأن الإمام جعفر الصادق أول من اقترح أن الهواء وبقية العناصر، مكونة من أجزاء أخرى وليست عناصر أساسية كما يقول أرسطو، والجزيئات التي يتركب منها الهواء تحديدا ضرورية للتنفس ولبقاء الحياة والاحتراق. # القرن 9م ~~• جابر بن حيان يقدم لنا أول تعريف دقيق للحرارة ولعلم الحرارة. ~~ كما لاحظ تمدد المواد الطولي والحجمي نتيجة تأثير الحرارة عليها. كذلك فقد ابتكر جابر مقياس الحرارة الحروفي لضبط قيمة الحرارة داخل كل مادة. كذلك فقد اقترح نظرية تفسر عملية احتراق المواد حسب نسبة الكبريت والزئبق فيها. ~~• وضع الكندي القاعدة العامة بأن الأجسام تتقلص بتأثير البرودة وتتمدد بالحرارة. ~~ وقد توصل تجريبيا إلى أن السبب الحقيقي للحرارة هو الحركة، من خلال تجربة كرة الرصاص. ~~• أدرك إبراهيم النظام بشكل مبكر تركب النار من مركبين مختلفين هما: الحرارة والضوء، وأن الفعل المؤثر لأحدهما يختلف عن الآخر. ~~• قام أبناء موسى بن شاكر باختراع جهاز المورد الآلي للمياه الساخنة والباردة في الحمامات. # القرن 10م ~~• إدراك إخوان الصفا لحالة التوازن الحراري التي تحدث بين الجسمين المتلامسين. وأشاروا إلى أن الفلك هو المادة التي لا تتأثر بالحرارة. كما أوضحوا العلاقة بين زاوية شعاع الشمس ودرجة الحرارة بدقة، وتوصلوا إلى أن الزوايا الحادة التي يسقط بها الشعاع الشمسي هي الأكثر تسخينا من بقية زوايا السقوط. ~~• أشار أبو الحسن المسعودي إلى تمدد الأجسام الطولي بتأثير الحرارة. ~~• اقترح محمد التميمي أن الشمس مجرد كرة ملساء صقيلة شفافة، تقوم بدور العاكس لإشعاع الأثير الحار. وقد لاحظ تشابها كبيرا بين عملية احتراق الأجسام وعملية التنفس عند الإنسان. ~~• انتقد ابن الحائك الهمداني أرسطو رافضا مذهبه وطريقة تفسيره المتعلقة بتولد الحرارة من حركة الأجرام العلوية. وقد قدم لنا الهمداني الدليل ms390 التجريبي العلمي على وجود علاقة بين الهواء الجوي وعملية الاحتراق. ~~• أدرك أبو بكر الرازي ضرورة وجود الهواء الجوي كوسيط فعال في عملية الاحتراق. # القرن 11م ~~• فسر ابن سينا وعمم سبب تكاثف قطرات الماء على الكأس النحاسي المبرد. ويلاحظ تجريبيا تمدد الماء الحجمي في وعاء محكم الإغلاق كان قد وضعه في فرن لمدة من الزمن، لكنه لا يقدم التفسير الصحيح. ~~ كما وظف ابن سينا مكشاف الحرارة الهوائي في تجاربه. ~~ وشكك بصحة النظرية البطلميوسية المتعلقة بحركة الشمس الظاهرية حول الأرض. ~~• نبه البيروني إلى إمكانية حدوث الخطأ في الرصد والقياس بسبب تمدد آلات القياس بالحرارة وتقلصها بالبرودة. وقدم تفسيرا معقولا لظاهرة التمدد الحجمي للوعاء الذي يحوي ماء ويخضع للتسخين. كما أنه تمكن بطريقة ما من قياس درجة حرارة الماء، وعرف أن للحرارة تأثيرا كبيرا على كثافة السوائل. ~~ وقد يكون أول من اقترح أن سبب الحرارة الجوفية هو اجتماع حرارة أشعة الشمس مع حرارة الأرض الباطنية. ~~• ميز أبو رشيد النيسابوري بين بخار الماء والهواء، وأن كلا منهم كيان فيزيائي مستقل عن الآخر. ~~• أكد الحسن بن الهيثم على أن الحرارة تترافق مع الضوء. ~~• لم يشترط ابن حزم الأندلسي أن تكون النار حاملة للحرارة بشكل دائم؛ إذ يمكن أن توجد نار دون أن تكون لها القدرة على الإحراق. وقد قدم لنا صياغة أولية لمبدأ مصونية المادة الذي ينسب إلى نيوتن. ~~• وضع أحمد بن خلف المرادي تصميما لمحرك دائم الحركة. # القرن 12م ~~• هبة الله بن ملكا البغدادي يقدم تعريفا جديدا للحرارة على أنها حالة بسيطة مدركة بحاسة اللمس. وتوصل لتفسير ظاهرة تصدع القارورة التي تعرض للحرارة، كما أدرك حقيقة تسخن الهواء بتأثير الأشعة الشمسية. ~~• حاول ابن باجة أن يقدم برهانا هندسيا يعبر من خلاله عن كيفية حدوث التوصيل الحراري في الأجسام. كما أنه شمل كل الاحتمالات الممكنة والمتعلقة بالحرارة والبرودة. ~~• رصد ابن رشد أحد العوامل المؤثرة على زيادة التبخر، وهو زيادة مساحة السطح. وأثبت خطأ من ادعى أن المجرة هي الأثر الذي تتركه خلفها الشمس في مسيرها. ms391 ~~• طور الطغرائي مقياس الحرارة الحروفي الذي وضعه جابر، واستخدم مصطلح «درجة الحرارة» تحديدا ليشير به إلى كمية الحرارة التي تتلقاها بقعة معينة من الأرض تسقط عليها أشعة الشمس. ~~• تمكن الخازني من استعمال الهيدرومتر لقياس الكثافات وتقدير حرارة السوائل. ~~• ناقش الإمام الغزالي في كتابه (تهافت الفلاسفة) قضية تحلل الشمس وفقدانها لمادتها، وذلك في معرض رده على طرح جالينوس. # القرن 13م ~~• يذكر ابن كمونة سببا جديدا لحدوث تغير طوري في حالة المادة، وهو الحركة، إضافة لتعرض الجسم للحرارة. ~~• أشار ابن العبري إلى أن التكاثف يترافق معه انخفاض في الحرارة، أو بمعنى آخر يتناسب تكاثف المادة عكسا مع انخفاض درجة الحرارة. ~~• قدم لنا الإمام فخر الدين الرازي رؤية جديدة لسبب استمرار اشتعال النار، وهو أن النار التي نراها هي مجموعة نيران متلاحقة وراء بعضها. ~~• تنبه زكريا بن محمد القزويني إلى أنه لا يشترط في النار أن تكون ذات ضوء، بل قد تكون بلا ضوء، وهي أقوى من تلك التي لها ضوء. ~~• اقترح غروستيست أن السبب الرئيس والقريب للحرارة في الشمس هو تبعثر أجزاء المادة. # القرن 14م ~~• أشار الجلدكي إلى عدم إمكانية قياس درجات الحرارة المفرطة أو درجات البرودة المفرطة في مقاييس الحرارة النظرية التي أسسها جابر ومن تبعه من الكيميائيين. وأشار إلى طريقة أخرى كان الكيميائيون العرب يستخدمونها لمعرفة درجة انصهار مادة ما وهي (عدد النفخات لكل درهم). وحاول حسم الجدل الدائر بين العلماء العرب والمسلمين حتى عصره بشأن مصدر حرارة الشمس نفسها، فقدم فرضية جديدة مفادها أن الشمس تتمتع بمنبع نوراني ذاتي خاص بها يصدر هذا المنبع أشعة تحمل الضوء والحرارة. ~~• اخترع ابن الرزاز الجزري إبريقا عجيبا يسكب مياه حارة أو باردة أو معتدلة. # القرن 16م # اخترع تقي الدين الراصد آلتين لهما نفعهما لكل منزل وهما: آلتا شي ومبخرة جيروسكوبية. # 1578 # نشر يوهانس هاسلر كتابه (المنطق الطبي) وقدم فيه جدولا مفصلا لدرجات حرارة أجسام الناس الذين يعيشون تحت خط عرض معين. # 1593 # أعلن جاليليو عن اختراعه للمكشاف الحراري. # القرن 17م ~~• اقترح ديكارت ms392 نظرية الدوامات على الشمس لتفسير إشعاعها. ~~• حاول جاليليو تفسير النار على أساس النظرية الذرية لديموقريطس. # 1601 # اخترع جيوفاني ديلا بورتا جهازا خاصا من أجل تسجيل كم جزءا من الهواء يمكن أن يتحول إليه جزء واحد من البخار. # 1605 # صنع كيميائي ألماني مجهول مقياس حرارة كانت موصفاته تشبه مقياس الحرارة الحديث. # 1612 # يطبق سانتوريو أداة جاليليو لتشخيص الحمى. # 1615 # أصدر سولومون دي كاوس كتاب «أسباب القوة الدافعة ذات الحكايات المفيدة والمسلية المختلفة»، الذي وصف فيه آلة نارية ترفع الماء. # 1618 # وصف روبرت فلود آلة محركة أبدية بمساعدة لولب أرخميدس. # 1622 # أطلق جان فان هيلمونت على نفسه بشكل علني اسم «فيلسوف النار». ونشر أعماله المتعلقة بتحضير مختلف أنواع الغازات الموجودة في الهواء، وبين فان هلمونت بأن ثنائي أوكسيد الكربون ناتج عام لاحتراق المواد الأولية العضوية المختلفة. # 1624 # صمم جين ليورشون مقياسه الجديد على شكل حرف # J ~~. # 1629 # وصف المهندس الإيطالي جيوفاني برانكا في كتابه (آلات مختلفة) آلة بخارية تشبه آلة تقي الدين الراصد كثيرا من حيث مبدأ عملها. # 1632 # تفادى الطبيب الفرنسي المغمور جين ري القصور في دقة القياس في مكشاف جاليليو، فقام بعكس تجربة جاليليو؛ أي ملأ الدورق بالماء والأنبوبة بالهواء، ثم جعل من مجال تمدد الماء مقياسا للحرارة. # 1634 # وصف مارين ميرسن أداة قياس حراري ذات أنبوب ضيق مع حوجلة كبيرة عند إحدى النهايتين والحوجلة الصغرى عند الطرف الآخر. # 1624 # صنع فرديناندو الثاني التوسكاني ربما أول مقياس للحرارة مستقل عن تأثير الضغط الجوي المحيط. # 1641 # يتوصل فرديناند الثاني لصنع مقياس حرارة الكحول المختوم. # 1643 # وصف أثناسيوس كيرشر مكشافا حراريا عبارة عن نموذج هجين بين الماء والهواء. # 1657 # يتوصل كاسبار شوت إلى اختراع ميزان الحرارة التفاضلي. # 1660 # نشرت صحيفة «التجارب الجديدة» تجربة أساسية في علم وظائف الأعضاء الحيوية عن التنفس. # 1661 ~~• صنع فابري مقياسا عن طريق قسمة الفاصل الزمني بين درجة الحرارة من الثلوج والحرارة منتصف الصيف. ~~• أصدر جورج أندرياس بوكلير كتاب «مسرح الآلات الجديدة» حيث وصف ورسم فيه بدقة مجموعة ms393 من الطواحين التي تعمل بنفسها وتعتمد على لولب أرخميدس، وأكد أنها فكرته هو. # 1662 # صمم أوتو فون غيركه مقياس حرارة استثنائيا طوله 6 أمتر، وكان مشهورا لقدرته على تبيان الطقس الأبرد والأكثر حرارة طول سنة كاملة. # 1663 ~~• لاحظ بويل ظاهرة التألق الحراري. ~~• اقترح روبرت موراي استخدام ميزان الحرارة لتحديد درجات الحرارة في جسم الشخص المحموم. ~~• وصف إدوارد سومرست محركه البخاري. # 1664 # اتخذ روبرت هوك نقطة تجمد المياه كنقطة ثابتة في مقياس حرارته، وقد نشر ذلك في كتابه (ميكروغرافيا). # 1665 ~~• يستخدم بويل زيت اليانسون للحصول على نقطة ثابتة في مقاييس الحرارة. ~~• اقترح كريستيان هويغنز (بالتزامن مع كل من بويل وهوك) أن نقطة غليان الماء هي بمثابة نقطة ثابتة، وكنقطة بديلة لنقطة التجمد، لكن لا يتم استخدام كلتا النقطتين معا. # 1666 # أنشئت أولى فرق الإنقاذ المخصصة لإطفاء الحرائق في أوروبا في عقب اندلاع حريق لندن الكبير. # 1667 # تصور يوهان بيشر أن عملية الاحتراق يمكنها أن تفسر بفقدان العنصر الأرضي الدهني (تيرا بيجونيس) فقط، وهو الذي أسماه فيما بعد جورج إرنست شتال باسم «الفلوجيستون». # 1674 # توصل الطبيب جون مايو إلى أن الزيادة التي تحصل في وزن الجسم المحترق تعزى إلى جزء فعال ولطيف من الهواء أسماه روح نترات الهواء. # 1682 # كان صموئيل مورلاند أول من فهم ضرورة تحديد العلاقة الكمية في مسألة استخدام الطاقة الحرارية. # 1690 # ظهرت مقالة بابان (طريقة جديدة للحصول على قوى دافعة كبيرة بثمن زهيد) والتي عرض فيها فكرة آلته البخارية الجديدة وهي «قدر بابان». # 1693 # قدم إدموند هالي تقريرا للجمعية الملكية يؤكد فيه بأن درجات حرارة الأمكنة «عميقا تحت الأرض» تقدم نقاطا موثوقة ثابتة أكثر من نقاط تجمد الماء أو زيت الكتان الذي شكك في ثباته. # 1694 # يقترح رينالديني اعتماد نقطة تجميد وغليان الماء كنقاط ثابتة في الحجم. # 1698 # حصل المهندس الإنكليزي توماس سيفري على براءة اختراع لمحركه البخاري. # القرن 18م # افترض الكونت دي بوفون وجود حرارة تنبعث من داخل الأرض، وهي التي تسهم بتوفير الظروف المناسبة للحياة. # 1712 ms394 # صنع توماس نيوكومن محركه البخاري المطور عن محرك سيفري. # 1714 # أعلن فهرنهايت عن اخترعه لميزان الحرارة الزئبقي. # 1717 # وضع يوحنا بيسلر فكرة آلته الدائمة الحركة في كتابه (المعرفة الإجرائية). # 1721 # حاول إيمانويل سويدنبورغ القيام بتحليل رياضياتي لتقدم الحرارة على طول مقطع عرضي للفرن. # 1724 # منحت إنكلترا فهرنهايت الشرف في عام 1724م، وذلك بانتخابه عضوا في الجمعية الملكية، لقاء جهوده في مقياسه الحراري. # 1731 # ظهر تقرير لريومور عن «قواعد من أجل صناعة مقاييس حرارة للمقارنة مع المقاييس». # 1738 # توصل دانييل برنولي في كتابه (الهيدروديناميكا) إلى أن الحرارة مجرد تزايد في الحركة الداخلية للجسيمات. # 1741 # أعلن ريومور عن اخترعه لميزان الحرارة المائي-الكحولي. # 1742 # اقترح الفيزيائي والفلكي السويدي آندرياس سلسيوس اعتبار الدرجة الصفر نقطة الغليان والدرجة 100 نقطة التجمد تحت ضغط جوي واحد. # 1745 ~~• أعلن ميخائيل لومونوسوف رفضه لنظرية السيال الحراري. ~~• عكس جان بيير كريستين ومارتين شترومر (بشكل مستقل) مقياس درجة الحرارة المئوية، وأسسا لمقياس «السنتيغراد». # 1757 # أعلن بينامين فرانكلين عن وجود تشابه جزئي بين التوصيل الحراري والكهربائي. # 1760 ~~• نشر يوهان لامبرت، نظرية تتعلق بانتقال الحرارة بالتوصيل عبر قضبان نحيفة من المعدن. ~~• اخترع جوزيف بلاك مقياسه الحراري. # 1762 # أعلن جوزيف بلاك عن نظرية الحرارة الكامنة. # 1775 # أصدرت الأكاديمية الفرنسية بيانا رسميا تقرر فيه ألا يطرح على البحث والتجربة، أي مشروع يتعلق بالحركة الدائمة. # 1779 ~~• أعلن كليغهورن عن نظرية جديدة عن الحرارة أو النار؛ حيث إن تدفق الحرارة أو النار من الجسم الحار إلى الجسم الأبرد يشير إلى وجود قوة طاردة في جسيمات النار. ~~• قدمت نظرية السيال الحراري وحددت فرضياتها الأساسية. # 1780 # نشر جان إنجنهوز كتابه (تجارب جديدة) وقد تضمن تحديدا تجريبيا للتوصيل الحراري النسبي لمعادن مختلفة. # 1783 # نشر لافوازييه كتابه (تأملات في الفلوجيستون) عام 1783م، موضحا أن هذا المفهوم غير ضروري ومتناقض مع نفسه. # 1782 # حصل جيمس واط على براءة اختراع لمحرك بخاري يعمل فيها المكبس شوطا. # 1791 # ابتكر الفيزيائي الفرنسي بيير بريفو مفهوم «تبادلات الحرارة المشعة» وذلك لشرح سلسلة التجارب التي تبدو ms395 بأنها تنطوي على وجود سوائل باردة غير قابلة للوزن، على غرار وجود سوائل مسئولة عن نقل الحرارة وغير قابلة للوزن. # 1793 # بين الفيزيائي البريطاني بينيامين طومبسون (الكونت رمفورد) العلاقة بين الحرارة والعمل والتناسب العكسي فيما بينهما. # 1795 # وضع جيمس هوتون نظرية يمكنها تفسير الحرارة الموجودة في باطن الأرض ، معتبرا أنها المسئولة عن دفع سلاسل الجبال إلى أعلى، إضافة لالتواء الطبقات الجيولوجية. # 1798 # قدم الكونت رمفورد نتائج بحثه حول طبيعة الحرارة إلى الجمعية الملكية البريطانية بدراسة أسماها «أبحاث متعلقة في مصدر الحرارة الناتجة عن الاحتكاك». # 1799 # اختبر الكونت رمفورد فكرة الارتباط بين الحرارة والحركة بتجربة أخرى غير تجربة المدفع، وهي وزن ماء منصهر عن ثلج. # القرن 19م # 1807 # وضع توماس يونغ مصطلح «الطاقة». # 1810 # برهن مارك أوغسط بيكتي على أن القدرة التوصيلية للجسم هي خاصية مستقلة عن الموضع الفيزيائي. # 1811 # حصل جان فورييه على جائزة أكاديمية العلوم الفرنسية لوضعه تفسيرا رياضياتيا لانتشار الحرارة في الأجسام الصلبة. # 1821 # أعلن سيبيك عن اكتشافه للأثر الكهربائي الحراري. # 1824 ~~• نشر فورييه كتابه (النظرية التحليلية للحرارة). ~~• نشر سعدي كارنو كتابه الصغير عن الآلة البخارية بعنوان «تأملات في القدرة المحركة للنار وفي الآلات التي تعطي هذه القدرة». # 1834 # وضع كلابيرون الصيغة الرياضياتية للقانون الثاني في الترموديناميك. # 1839 # نشر سيغوين تصوره المبدئي للقانون الأول في الترموديناميك. # 1842 # يوليوس ماير نشر مقالة له بعنوان «ملاحظات حول القوى الطبيعية غير العضوية» والتي رسم فيها الخطوط العامة لنظريته الجديدة حول مبدأ مصونية الطاقة. كما اقترح روبرت ماير أن النيازك هي من يمد الشمس بمصدر طاقتها. # 1843 # قدم لودفيغ كولدينغ إلى الأكاديمية الدنماركية للعلوم بحثا بعنوان «بعض العبارات حول القوى». # 1847 ~~• نشر الفيزيائي الألماني هرمان فون هلمهولتز بحثه عن الحرارة والطاقة، وأورد في بحثه هذا أن الحرارة شكل من أشكال الطاقة. ~~• توصل الفيزيائي الأمريكي جون وليم دريبر إلى قاعدة إصدار الإشعاع الحراري عندما تسخن المواد. ~~• توصل جيمس جول إلى حساب المكافئ الميكانيكي الحراري. # 1849 # صاغ اللورد كلفن مصطلح الترموديناميك # Thermodynamics ~~. # 1850 # قام ms396 رودولف كلاوزيوس بتقديم التقنين الرياضياتي للظاهرة باستخدام مفهوم درجة الحرارة المطلقة؛ حيث لا يوجد درجة حرارة تحت القيمة (−273,15 ~~° # مئوية). وفي العام نفسه أدخل كلاوزيوس مصطلح «الإنتروبية». # 1852 # نشر اللورد كلفن في «حول النزعة العامة للطبيعة في تبديد الطاقة الميكانيكية» والتي تضمنت استنتاجه بأن الأرض يجب أن تصبح ذات يوم غير صالحة للسكن بسبب تأثيرات الإنتروبية. # 1853 # اقترح جون وترستون أن مصدر الطاقة الشمسية هو الجاذبية. # 1854 # نشر هرمان هلمهولتز فكرة أن طاقة الضوء والحرارة تأتي من تقلص الشمس أو انقباضها. # 1859 # اكتشف غوستاف روبرت كيرشوف نتيجة القانون الثاني في الترموديناميك، وهي أنه من المستحيل رؤية أي شيء في وعاء له درجة حرارة منتظمة بوساطة الضوء الناتج من توهج الوعاء نفسه. # 1860 ~~• بدأ الفيزيائي جيمس كلارك ماكسويل بالعمل في الترموديناميك الإحصائي. ~~• أعلن كيرشوف عن قانونه في تحليل العناصر الطيفية، كاشفا عن وجود عنصر الصوديوم في الشمس. # 1862 # أكد اللورد كلفن أن تبريد القشرة الأرضية إلى درجة حرارتها الحالية تطلب مدة تتراوح بين (20-400 مليون سنة)؛ بناء على ذلك رأى أن 98 مليون سنة هو العمر الأرجح للأرض. كما أدخل اللورد كلفن مفهوم التوازن الحملي الذي يوجد في الغلاف الجوي للأرض والشمس. # 1863 # نشر العالم الإيرلندي جون تندال بحثا في المجلة الفلسفية حول تأثير بخار الماء كأحد غازات الدفيئة. # 1867 # اخترع الطبيب الإنجليزي توماس كليفورد آلبوت مقياس الحرارة الطبي الزئبقي. # 1871 # اقترح الفيزيائي جيمس كلارك ماكسويل في نظريته عن الحرارة إمكانية استثناء كائن متناهي الصغر يمكنه رؤية الجزئيات فرادى والتعامل معها من الخضوع للقانون الثاني في الترموديناميك. وقد عرف هذا الاقتراح باسم «عفريت ماكسويل». # 1874 # صاغ كلفن القانون الثاني في الترموديناميك. # 1880 # طور الفيزيائي الأمريكي صموئيل لانغلي جهاز البولومتر (أو مقياس طاقة الإشعاع الحراري). # 1898 # تفوق الفيزيائي الأسكتلندي ج. ديوار، الذي يعمل في مجال درجات الحرارة المنخفضة، على كامرلنغ أونز في إسالة الهيدروجين، مستفيدا من ظاهرة ترموديناميكية تعرف باسم تمدد «جول-طومسون». # القرن 20م # 1900 # اشتق ماكس بلانك الصيغة المناسبة لطيف الطاقة ms397 لإشعاع الجسم الأسود، واضطر فيها إلى تعريف ثابته الجديد # h ~~(كم الفعل). # 1904 # تم بناء أول محطة تستخدم البخار المندفع من باطن الأرض لإدارة عنفات لتوليد طاقة كهربائية في إيطاليا في منطقة لارديريلو. # 1905 # أعلن نرنست عن استحالة الوصول إلى درجة الصفر المطلق (القانون الثالث في الترموديناميك). # 1927 # تبنت 31 دولة في العالم النظام المئوي في قياس درجات الحرارة؛ كونه أسهل استعمالا وأكثر ملاءمة للعلم. # 1954 # ألغيت درجات حرارة الجليد الذائب والماء المغلي باتفاق دولي بوصفها نقطا ثابتة. وقد استبدلت بنقطة ثابتة مفردة أخرى هي النقطة الثلاثية للماء. # 1967 # حصل هانز بيته على جائزة نوبل في الفيزياء لاكتشافه كيف تتشكل الطاقة الحرارية في الشمس والنجوم. # 1984 # اخترع دافيد فيليبس مقياس الحرارة بالأشعة تحت الحمراء. # | قائمة المصادر والمراجع # أولا: المراجع العربية ~~(1) # الآمدي، سيف الدين، كتاب المبين في شرح معاني ألفاظ الحكماء والمتكلمين، تحقيق: حسن محمود الشافعي، ط2، مكتبة وهبة، القاهرة، 1993م. ~~(2) # آل ياسين جعفر، الفارابي في حدوده ورسومه، عالم الكتب، ط1، بيروت، 1985م. ~~(3) # أبليارد، بريام، فهم الحاضر تاريخ بديل للعلم، ترجمة: عبد الكريم ناصيف، وزارة الثقافة، دمشق، 2009م. ~~(4) # أبو ريان، تاريخ الفكر الفلسفي، ج2، ط3، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، (د.ت). ~~(5) # أبو ريدة، محمد عبد الهادي، إبراهيم بن سيار النظام وآراؤه الكلامية الفلسفية، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1946م. ~~(6) # الأتاسي، محمد وائل، لمحات في الإبداع العلمي، الهيئة العامة للكتاب، دمشق، 2010م. ~~(7) # ابن الأثير، محمد الشيباني، الكامل في التاريخ، ج1، ط1، تحقيق: أبي الفداء عبد الله القاضي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1987م. ~~(8) # الأحمد نكري، عبد النبي بن عبد الرسول، دستور العلماء، ط1، ج2، عرب عباراته الفارسية: حسن هاني فحص، دار الكتب العلمية، بيروت، 2000. ~~(9) # إخوان الصفا، رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا، دار صادر، بيروت، (د.ت). ~~(10) # أرسطو، الكون والفساد، ترجمة: أحمد لطفي السيد، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، 2014م. ~~(11) # أرسطو، كتاب النفس، ترجمة: أحمد فؤاد الأهواني، ط1، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، 1949م. ~~(12) # أرسطو، الطبيعة، ترجمه للعربية: إسحق بن حنين، تحقيق: عبد الرحمن بدوي، القاهرة، ms398 1964م. ~~(13) # إس، فان، الكلام والطبيعة عند أبي إسحاق النظام، مجلة المؤرخ العربي، العدد 19، تصدر عن الأمانة العامة لاتحاد المؤرخين العرب، بغداد، 1981م. ~~(14) # إسماعيل، محمد طوسون، نماذج مثيرة لمحاولات الإنسان الأولى لإنتاج الطاقة من العدم، مجلة العلوم والتقنية، العدد 3، تصدر عن مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، رجب/مارس، 1988م. ~~(15) # أسيموف، إسحاق، أفكار العلم العظيمة، ترجمة: هاشم أحمد محمد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1997م. ~~(16) # الأشعري، أبو الحسن، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، ط1، مكتبة النهضة، القاهرة. 1950م. ~~(17) # الإصطخري، أبو إسحاق، مسالك الممالك، إعادة طبعة ليدن، معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية، فرانكفورت، 1992م. ~~(18) # الأعسم، عبد الأمير، المصطلح الفلسفي عند العرب، ط3، دار كيوان دمشق، دار التنوير بيروت ، 2009م. ~~(19) # أفلوطين، تاسوعات أفلوطين، ترجمة: فريد جبر، ط1، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت، 1997م. ~~(20) # ابن الأكفاني، محمد بن إبراهيم بن ساعد الأنصاري، كتاب إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد، ط1، تحقيق: محمود فاخوري ومحمد كمال وحسين الصديق، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت، 1998م. ~~(21) # الإمام جعفر الصادق في نظر علماء الغرب، ترجمة: نور الدين آل علي، دار الفاضل، دمشق، 1995م. ~~(22) # أمين، حسين، البيروني عالم ساهم في تقديم العلوم، مجلة المؤرخ العربي، العدد 1، تصدر عن الأمانة العامة لاتحاد المؤرخين العرب، بغداد، 1975م. ~~(23) # أوكونور، جوزيف وماكدرموت، أيان، فن تفكير الأنظمة، مكتبة جرير، ط1، الرياض، 2005م. ~~(24) # الإيجي، عضد الدين، كتاب المواقف في علم الكلام، تحقيق: عبد الرحمن عميرة ط1، ج1، دار الجيل، بيروت، 1997م. ~~(25) # أينشتاين، ألبرت، أفكار وآراء، ترجمة: رمسيس شحاتة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1986م. ~~(26) # أينشتاين، ألبرت، وأنفيلد، ليوبولد، تطور الفيزياء، ط1، ترجمة: علي المنذر، أكاديميا، بيروت، 1993م. ~~(27) # ابن باجة، شرح السماع الطبيعي لأرسطو طاليس، تحقيق: ماجد فخري، ط2، دار النهار، بيروت، 1991م. ~~(28) # ابن باجة، كتاب النفس، تحقيق: محمد صغير حسن المعصومي، ط2، دار صادر، بيروت، 1992م. ~~(29) # باركر، برتا موريس، الحرارة، ترجمة: عبد الفتاح المنياوي، دار المعارف، القاهرة، 1993م. ~~(30) # بدوي، عبد الرحمن، أرسطو، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1943م. ~~(31) # بدوي، عبد الرحمن، الأفلاطونية المحدثة عند العرب، ms399 أفلاطون: الروابيع، ط2، وكالة المطبوعات، الكويت، 1977م. ~~(32) # بدوي، عبد الرحمن، تاريخ الإلحاد في الإسلام، ط2، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1980م. ~~(33) # بدوي، عبد الرحمن، شروح على أرسطو مفقودة في اليونانية (ورسائل أخرى)، دار المشرق، بيروت، 1971م. ~~(34) # بدوي، عبد الرحمن، مذاهب الإسلاميين، دار العلم للملايين، بيروت، 1994م. ~~(35) # بربوتي، محمود مهدي، المنهج البحثي لدى الكيميائيين العرب الأوائل، مجلة المجمع العلمي في بغداد، العدد 2، المجلد 52، بغداد، 2005م. ~~(36) # برهييه، إميل، تاريخ الفلسفة، ج2، 3، ترجمة: جورج طرابيشي، ط2، دار الطليعة، بيروت، 1988م. ~~(37) # البغدادي، ابن ملكا، المعتبر في الحكمة، ط1، طبعة حيدر آباد الدكن، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، الهند، 1939م. ~~(38) # بصمه جي، سائر، تاريخ علم الميكانيك، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 2016م. ~~(39) # بصمه جي، سائر، تاريخ علم الصوت، ط1، مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، الكويت، 2012م. ~~(40) # بصمه جي، سائر، أسس الاختراع، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 2016م. ~~(41) # البعلبكي، منير، قاموس المورد، ط23، دار العلم للملايين، بيروت، 1989م. ~~(42) # البغدادي، عبد القاهر، أصول الدين، إستانبول، 1928م. ~~(43) # البغدادي، عبد القاهر، الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية، ط2، دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1977م. ~~(44) # البلتاجي، محمد الأنور أحمد، من وصايا القرآن الكريم، ط2، دار التراث العربي للطباعة، 1985م. ~~(45) # بلينوس الحكيم، سر الخليقة وصنعة الطبيعة، تحقيق: أورسولا وإيسر، معهد التراث العلمي العربي، جامعة حلب، حلب، 1979م. ~~(46) # بنو موسى بن شاكر، كتاب الحيل، تحقيق: أحمد يوسف الحسن، جامعة حلب، معهد التراث العلمي العربي، حلب، 1981م. ~~(47) # بول، فيليب، الجزيئات، ترجمة: محمد عبد الرحمن إسماعيل، ط1، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، 2016م. ~~(48) # بول، فيليب، العناصر، مقدمة قصيرة جدا، ترجمة: أحمد شكل، ط1، مؤسسة هنداوي للثقافة والتعليم، القاهرة، 2016م. ~~(49) # بولتون، س. ك، مشاهير رجال العلم، ترجمة: وصفي حجاب، دار الكتاب العربي، بيروت، 1963م. ~~(50) # بيرثيلو، هذه رسائل مهمة في العلوم الكيمياوية والصنعية لجابر بن حيان وغيره من الحكماء والفلاسفة، باريس، المطبعة الدولية، 1893م. ~~(51) # بيريلمان، ياكوف، لماذا؟ اسأل الفيزياء، ترجمة: إسكندر منيف وبسام الحسين، ط1، دار شعاع، حلب، 2001م. ~~(52) # البيروني، أبو الريحان، الآثار الباقية عن القرون الخالية، نشره ms400 إدوارد سخاو، إعادة طبعة لايبسك، 1878م. ~~(53) # البيروني، تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة، تحقيق: إدوارد سخاو، طبعة لندن، 1887م. ~~(54) # البيروني، أبو الريحان، الجماهر في معرفة الجواهر، تحقيق: يوسف الهادي، ط1، شركة النشر العلمي والثقافي، طهران، 1995م. ~~(55) # البيروني، أبو الريحان، رسائل البيروني، ط1، الهند، حيدر آباد الدكن، مطبعة مجلس المعارف العثمانية، 1948م. ~~(56) # البيروني، أبو الريحان، القانون المسعودي في الهيئة والنجوم، ج3، ط1، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر أباد الدكن بالهند، 1954م. ~~(57) # بيكون، فرنسيس، الأورجانون الجديد، ترجمة: عادل مصطفى، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2013م. ~~(58) # بينيس، سولومون، مذهب الذرة عند المسلمين، ترجمة: محمد عبد الهادي أبو ريدة، مكتبة النهضة المصرية، 1946م. ~~(59) # التفتازاني، سعد الدين، شرح المقاصد في علم الكلام، ج2، تحقيق: عبد الرحمن عميرة، عالم الكتب، ط2، بيروت، 1998م. ~~(60) # تقي الدين الراصد، رسالة في البنكامات، مخطوطة المكتبة الوطنية الفرنسية، رقم (2478). ~~(61) # تقي الدين الراصد، الطرق السنية في الآلات الروحانية، مخطوطة مصورة ومنشورة في كتاب تقي الدين والهندسة الميكانيكية العربية، إعداد الدكتور أحمد يوسف الحسن، منشورات جامع حلب، معهد التراث العلمي العربي، حلب، 1987م. ~~(62) # التميمي المقدسي، محمد بن حمد، مادة البقاء، تحقيق: يحيى شعار، ط1، معهد المخطوطات العربية، القاهرة، 1999م. ~~(63) # تويلييه، بيير، العالم الصغير، ترجمة: لطيفة ديب غرنوق، سلسلة العلوم 16، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 1995م. ~~(64) # ابن تومرت الأندلسي، جمال الدين محمد، كنز العلوم والدر المنظوم في حقائق علم الشريعة ودقائق علم الطبيعة، تحقيق: أيمن عبد الجابر البحيري، ط1، دار الآفاق العربية، القاهرة، 1999م. ~~(65) # توملين، أ. ف، فلاسفة الشرق، ترجمة: عبد الحليم سليم، ط2، دار المعارف، القاهرة، 1994م. ~~(66) # التيفاشي، أبو العباس أحمد بن يوسف، سرور النفس بمدارك الحواس الخمس، هذبه: محمد بن جلال الدين المكرم (ابن منظور)، تحقيق: إحسان عباس، ط1، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1980م. ~~(67) # الثعالبي، أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل، فقه اللغة وسر العربية، تحقيق: عبد الرزاق المهدي، ط1، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 2002م. ~~(68) # جابر بن حيان، مختار رسائل جابر بن حيان، عني بتصحيحها ms401 ونشرها: بول كراوس، مطبعة الخانجي، القاهرة، 1935م. ~~(69) # جابر بن حيان، مصنفات في علم الكيمياء، ج1، تحقيق: أرك يحيى هولميارد، باريس، مطبعة فول غاتينيه، 1928م. ~~(70) # جابر بن حيان، كتاب الإحراق، ج2، مخطوط محفوظ في مكتبة شستربيتي، إيرلندا، دبلن، مجموع رقم (3231) م. ك. ~~(71) # الجابري، محمد عابد، تكوين العقل العربي، ط4، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1989م. ~~(72) # الجاحظ، عمرو بن بحر، الحيوان، تحقيق: عبد السلام هارون، دار الكتاب العربي، بيروت، 1969م. ~~(73) # جاليليو جاليلي، اكتشافات وآراء جاليليو، ترجمة: كمال محمد سيد وفتح الله الشيخ، ط1، دار كلمة، أبو ظبي، 2010م. ~~(74) # جريبين، جون، الحياة السرية للشمس، ترجمة: لبنى الريدي، ط1، سلسلة الألف كتاب الثاني، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2008م. ~~(75) # الجزري، بديع الزمان، الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل، تحقيق: أحمد يوسف الحسن، معهد التراث العلمي العربي، جامعة حلب، حلب، 1979م. ~~(76) # الجزري، بديع الزمان، الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل، مخطوطة طوبقابي سراي أحمد الثالث، إستانبول، رقم (3472). ~~(77) # الجلدكي، أيدمر، البرهان في أسرار علم الميزان، ج1، مخطوطة في مكتبة ويلكم، لندن، رقم ~~(29_WMS_Arabic) ~~. ~~(78) # الجلدكي، عز الدين علي بن آيدمر، البرهان في أسرار علم الميزان، ج2، دار الكتب المصرية، نسخة مصورة بمعهد التراث العلمي العربي، جامعة حلب، رقم (48). ~~(79) # الجلدكي، أيدمر، البرهان في أسرار علم الميزان، ج3، مخطوطة في الخزانة التركية وزارة الأوقاف، رقم (828). ~~(80) # الجلدكي، أيدمر، غاية السرور في شرح ديوان الشذور ، مخطوطة في مكتبة جامعة الملك سعود، رقم (689/ تصوف). ~~(81) # جماعة من السوفييت، موجز تاريخ الفلسفة، ترجمة: توفيق سلوم، ط1، دار الفارابي، بيروت، 1989م. ~~(82) # جوامع الإسكندرانيين، ترجمة: حنين بن إسحاق (ت 260ه/873م)، ج1، طبع عن مخطوطة فاتح رقم 3538، مكتبة السليمانية، إستانبول، نشرها فؤاد سزكين، معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية، فرانكفورت، 2001م. ~~(83) # جونسون، جورج، أجمل عشر تجارب على الإطلاق، ترجمة: طارق عليان، ط1، هيئة أبو ظبي للسياح والثقافة، مشروع كلمة، أبو ظبي، 2014م. ~~(84) # جونسون، وارن، المحافظة على التبريد والتدفئة في العمارة الإسلامية، ترجمة: محمد عبد القادر الفقي، مجلة القافلة، العدد 8، المجلد 45، تصدر عن شركة النفط ms402 أرامكو، الظهران، ديسمبر 1996م/يناير 1997م. ~~(85) # جونو وبوغسون، تاريخ الفلسفة والعلم في أوروبا الوسيطية، ترجمة: د. علي زيعور، د. علي مقلد، مؤسسة عز الدين، بيروت، 1993م. ~~(86) # الجوهري، أبو نصر إسماعيل بن حماد، الصحاح، ط4، ج1، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين، بيروت، 1987م. ~~(87) # جيبلسكو، ستان، كشف أسرار الفيزياء، ترجمة: بسام صقر العقباني، ط1، دار كلمة - الدار العربية للعلوم، أبو ظبي - بيروت، 2009م. ~~(88) # جيل، برتران، تاريخ التكنولوجيا، ترجمة: هيثم اللمع، ط1، المؤسسة الجمعية للدراسات والنشر، بيروت، 1996م. ~~(89) # ابن حزم الأندلسي، رسائل ابن حزم، تحقيق: إحسان عباس، ط1، ج4، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1983م. ~~(90) # ابن حزم الأندلسي، الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج5، تحقيق: محمد إبراهيم نصر وعبد الرحمن عميرة، دار الجيل، بيروت، (د.ت). ~~(91) # حسن، السيد شعبان، برونشفيك وباشلار بين الفلسفة والعلم، ط1، دار التنوير، بيروت، 1993م. ~~(92) # حسن، مالك، الترموديناميك، منشورات جامعة حلب، حلب، 2008م. ~~(93) # حسين، عبد الله، تاريخ ما قبل التاريخ، دار كلمات، القاهرة، 2012م. ~~(94) # حسين، محمد كامل، وحدة المعرفة، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، (د.ت). ~~(95) # الحلبي، ابن سلوم، الطب الجديد الكيميائي، تحقيق: كمال شحادة، منشورات جامعة حلب، معهد التراث العلمي العربي، حلب، 1997م. ~~(96) # حمودة، إبراهيم، معجم الفيزياء، دار أكاديميا، بيروت، 1992م. ~~(97) # الحميدي، محمد بن فتوح، جذوة المقتبس في تاريخ علماء الأندلس، تحقيق: بشار عواد معروف ومحمد بشار عواد، ط1، دار الغرب الإسلامي، تونس، 2008م. ~~(98) # الخازني، عبد الرحمن، ميزان الحكمة، حققه وعلق عليه: فؤاد جميعان، شركة فن الطباعة، القاهرة (د.ت). ~~(99) # الخالدي، روحي، الكيمياء عند العرب، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، 2014م. ~~(100) # الخطيب، أحمد شفيق وخير الله، يوسف سليمان، الطاقة الحرارية الأرضية والطاقة الحيوية، ط1، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت، 2002م. ~~(101) # الخطيب، محمد، الفكر الإغريقي، ط1، دار علاء الدين، دمشق، 1999م. ~~(102) # ابن خلدون، عبد الرحمن، مقدمة ابن خلدون، دار الفكر، بيروت، 1988م. ~~(103) # ابن خلكان، أحمد بن محمد، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، ج1، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر، بيروت، 1900م. ~~(104) # الخوارزمي، أبو عبد الله، مفاتيح العلوم، تحقيق: إبراهيم الأبياري، ط2، دار الكتاب ms403 العربي، بيروت، 1988م. ~~(105) # الخيون، رشيد، معتزلة البصرة وبغداد، ط1، دار الحكمة، لندن، 1997م. ~~(106) # دائرة المعارف الإسلامية، النسخة العربية، إعداد وتحرير: إبراهيم زكي خورشيد، أحمد الشنتاوي، عبد الحميد يونس، ج16، ط2، كتاب الشعب، القاهرة، 1969م. ~~(107) # دبس، محمد، معجم أكاديميا للمصطلحات العلمية والتقنية، دار أكاديميا، بيروت، 1993م. ~~(108) # الدفاع، علي عبد الله، وشوقي، جلال، أعلام الفيزياء في الإسلام، ط1، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1984م. ~~(109) # الدمرداش، أحمد سعيد، علم الفيزيقا عند العرب، بحث منشور ضمن موسوعة الحضارة العربية الإسلامية، ط1، ج1، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1995م. ~~(110) # الدميري، كمال الدين، حياة الحيوان الكبرى، ج2، مكتبة ومطبعة محمد علي صبيح، القاهرة، 1857م. ~~(111) # دوزي، رينهارت بيتر آن، تكملة المعاجم العربية، ج3، نقله إلى العربية وعلق عليه: ج1-8: محمد سليم النعيمي، ج9-10: جمال الخياط، ط1، وزارة الثقافة والإعلام، الجمهورية العراقية، من عام 1979-2000م. ~~(112) # دوكينز، ريتشارد، سحر الواقع، ترجمة: محمد الشهاوي، ط1، دار التنوير، بيروت، 2013م. ~~(113) # دولتل، جسي وهيل، فرانسيس، ديناميات الحرارة للمهندسين، ترجمة: صالح نجم ومأمون الأطرقجي وفائق حمد، جامعة البصرة، البصرة، 1988م. ~~(114) # ديفوره وأنوكان، دروس في الفيزياء (الترموديناميك والحرارة)، ترجمة: عدنان المحاسب، قسم 1، وزارة التعليم العالي، مطبعة جامعة دمشق، دمشق، 1976م. ~~(115) # ديكارت، رينيه، العالم أو كتاب النور، ترجمة: إميل خوري، ط1، دار المنتخب العربي، بيروت، 1999م. ~~(116) # ابن رشد، أبو الوليد، تلخيص الآثار العلوية، تحقيق: جمال الدين العلوي، ط1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1994م. ~~(117) # ابن رشد، أبو الوليد، تهافت التهافت، قرأه وعلق عليه: صلاح الدين الهواري، المكتبة العصرية، بيروت، 2008م. ~~(118) # ابن رشد، أبو الوليد، رسائل ابن رشد الطبية، تحقيق: جورج قنواتي وسعيد زايد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1987م. ~~(119) # ابن رشد، أبو الوليد، رسائل فلسفية (السماء والعالم)، تقديم وضبط وتعليق: جيرار جهامي ورفيق العجم، دار الفكر اللبناني، بيروت، 1994م. ~~(120) # ابن رشد، أبو الوليد، شرح كتاب أرسطوطاليس في السماع والعالم، قدم له جيرهارد أندرس، منشورات معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية، يصدرها فؤاد سزكين، طبع بالصف التصويري عن مخطوطة 11821، المكتبة الوطنية في تونس، فرانكفورت، 1994م. ~~(121) # ابن رشد، أبو الوليد، الكليات ms404 في الطب، تحقيق: سعيد شيبان وعمار الطالبي، الجزائر، المجلس الأعلى للثقافة بالتعاون مع الاتحاد الدولي للأكاديميات والهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1989م. ~~(122) # ابن رشد، أبو الوليد، مقالة للشيخ الفقيه القاضي الإمام أبي الوليد في المزاج رضي الله عنه، مخطوطة موجودة في مكتبة الاسكوريال، رقم 632، فهرس # Derenbowg ~~. ~~(123) # الرازي، أبو بكر محمد بن زكريا، رسائل فلسفية، تحقيق: لجنة إحياء التراث العربي في دار الآفاق الجديدة، ط5، دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1982م. ~~(124) # الرازي، فخر الدين، مفاتيح الغيب (التفسير الكبير)، ج1، ط3، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1999م. ~~(125) # الرازي، فخر الدين، المباحث المشرقية في علم الإلهيات والطبيعيات، ط2، ج1، منشورات بيدار-قم، 1990م. ~~(126) # الربعي، عيسى بن إبراهيم بن محمد، نظام الغريب، استخرجه وصححه بولس برونله، ط1، مطبعة هندية بالموسكي بمصر، (د.ت). ~~(127) # الرماح، نجم الدين حسن، الفروسية والمناصب الحربية، تحقيق: أحمد يوسف الحسن، منشورات جامعة حلب، معهد التراث العلمي العربي، حلب، 1998م. ~~(128) # روبرتس، ج. م، موجز تاريخ العالم، ترجمة: فارس قطان، دمشق، 2003م. ~~(129) # روف، ألبرت، ما هي الحرارة؟ الموسوعة العلمية الميسرة، مجلد 3، ج2، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق، 1985م. ~~(130) # ريشا، معن، العلاج الفيزيائي في المنزل، ط1، منشورات جروس برس، طرابلس، 1991م. ~~(131) # الزردكاش، ابن أرنبغا، الأنيق في المنجنيق، تحقيق: إحسان هندي، منشورات معهد المخطوطات العربية ومعهد التراث العلمي العربي، حلب، 1985م. ~~(132) # الزحيلي، وهبة، التفسير المنير، ج16، ط2، دار الفكر المعاصر، دمشق، 1997م. ~~(133) # الزركلي، خير الدين، الأعلام، ط5، دار العلم للملايين، بيروت، 1980م. ~~(134) # الزعبي، أنور خالد، ظاهرية ابن حزم الأندلسي، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، عمان، 1996م. ~~(135) # زكريا، فؤاد، تاريخ المادية للانجه، الهيئة العامة المصرية للكتاب، القاهرة، 1994م. ~~(136) # زكي، أحمد، في سبيل موسوعة علمية، ط6، دار الشروق، القاهرة، 1994م. ~~(137) # زيدان، محمود فهمي، الاستقراء والمنهج العلمي، دار الجامعات المصرية، الإسكندرية، 1977م. ~~(138) # سارتون، جورج، تاريخ العلم، ج1، ترجمة: لفيف من العلماء، دار المعارف بمصر، القاهرة، 1957م. ~~(139) # الساوي، البصائر النصيرية في علم المنطق، ط1، دار الفكر اللبناني، بيروت، 1993م. ~~(140) # ستيس، والتر، تاريخ الفلسفة اليونانية، ترجمة: مجاهد عبد المنعم مجاهد، دار الثقافة، ms405 القاهرة، 1984م. ~~(141) # سزكين، فؤاد ، تاريخ التراث العربي (السيمياء والكيمياء والنبات والفلاحة)، ج4، ترجمة: عبد الله حجازي، جامعة الملك سعود، الرياض، 1986م. ~~(142) # سعدييف، أرثور وسلوم، توفيق، الفلسفة العربية الإسلامية، ط دار الفارابي، بيروت، 2000م. ~~(143) # السقطي، محمد بن أحمد المالقي، آداب الحسبة، تحقيق: ليفي بروفنسال وكولن، نشر المطبعة الدولية بباريس، 1931م. ~~(144) # سكيرس، جنيفر، الثقافة الحضرية في مدن الشرق، ترجمة: ليلى الموسوي، سلسلة عالم المعرفة 308، تصدر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، أكتوبر، 2004م. ~~(145) # سلمان، كمال فواز أحمد، الشمس في الشعر الجاهلي، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة النجاح الوطنية، نابلس، 2004م. ~~(146) # السمري، محمد مصطفى، الترمومتر الطبي قصة اخترعه وأهميته، مجلة القافلة، العدد 561، شوال 1421ه/ديسمبر 2000-يناير 2001م. ~~(147) # السنامي، عمر بن محمد بن عوض، نصاب الاحتساب، تحقيق: موئل يوسف عز الدين السامرائي، نشر دار العلوم بالرياض، 1983م. ~~(148) # سويلم، محمد عطية وآخرون، الفيزياء العامة، ط3، دار الفكر، عمان، 2000م. ~~(149) # سيمونز، إيان، البيئة والإنسان عبر العصور، ترجمة: السيد محمد عثمان، سلسلة عالم المعرفة 222، تصدر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، يونيو، 1997م. ~~(150) # ابن سينا، أجوبة مسائل سأل عنها أبو ريحان البيروني، ضمن مجموعة رسائل ابن سينا، ج2، مطبعة إبراهيم خروز، إستانبول، 1953م. ~~(151) # ابن سينا، الإشارات والتنبيهات، ج2، تحقيق: سليمان دنيا، دار المعارف، ط2، القاهرة، 1983م. ~~(152) # ابن سينا، تسع رسائل في الحكمة والطبيعيات، مطبعة هندية بالموسكي، القاهرة، 1908م. ~~(153) # ابن سينا، رسائل الشيخ الرئيس أبي علي الحسين بن عبد الله في أسرار الحكمة الشرقية، ج3، ليدن، 1889-1899م. ~~(154) # ابن سينا، الشفاء، الطبيعيات، السماء والعالم، تحقيق: محمود سالم، دار الكاتب العربي، القاهرة، 1969م. ~~(155) # ابن سينا، الشفاء، الطبيعيات، النفس، تحقيق: جورج قنواتي وسعيد زايد، الهيئة العامة المصرية للكتاب، القاهرة، 1975م. ~~(156) # ابن سينا، كتاب المباحثات، مستل من كتاب أرسطو عند العرب، تحقيق: عبد الرحمن بدوي، ط2، وكالة المطبوعات، الكويت، 1978م. ~~(157) # ابن سينا، الشفاء، الكون والفساد، تحقيق: محمود سالم، دار الكاتب العربي، القاهرة، 1969م. ~~(158) # ابن سينا، القانون في الطب، ج3، تحقيق: إدوارد القش وعلي زيعور، مؤسسة عز الدين للطباعة والنشر، بيروت، 1993م. ms406 ~~(159) # ابن سينا، القانون في الطب، ج1، وضع حواشيه محمد أمين الضناوي، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1998م. ~~(160) # ابن سينا، المبدأ والمعاد، تحقيق: مهدي محقق، مؤسسات مطالعات إسلامي، طهران، 1929م. ~~(161) # ابن سينا، النجاة، نقحه وقدم له: ماجد فخري، دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1985م. ~~(162) # الشحات، علي أحمد، أبو الريحان البيروني، دار المعارف بمصر، القاهرة، 1968م. ~~(163) # شحاتة، مصطفى، تاريخ الكي في الطب العربي، بحث منشور ضمن أبحاث الندوة العالمية السادسة لتاريخ العلوم عند العرب، 9-16 كانون الأول، 1996م، إعداد: مصطفى موالدي، منشورات جامعة حلب، معهد التراث العلمي العربي، حلب، 2003م. ~~(164) # الشراد، سليمان، الميكانيك الإسلامي في إسبانيا، مجلة الكويت، الكويت. ~~(165) # شقرا، جورج، تحقيق ودراسة مخطوط السر الرباني في علم الميزان للإزنيقي، رسالة دكتوراه غير منشورة، جامعة حلب، حلب، 2010م. ~~(166) # الشكري، جابر، الكيمياء عند العرب، منشورات وزارة الثقافة والإعلام، بغداد، 1979م. ~~(167) # الشكيل، علي جمعان، الكيمياء في الحضارة الإسلامية، ط1، دار الشروق، القاهرة، 1989م. ~~(168) # الشهرستاني، أبو الفتح، الملل والنحل، ج1، مؤسسة الحلبي وشركاه للنشر، القاهرة، (د.ت). ~~(169) # شوقي، جلال، أصول الحيل الهندسية في الترجمات العربية، ط1، مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، الكويت، 1995م. ~~(170) # شوقي، جلال، العلوم والمعارف الهندسية في الحضارة الإسلامية، ط1، مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، إدارة التأليف والترجمة والنشر، 1995م. ~~(171) # الشوك، علي، الثورة العلمية الحديثة وما بعدها، ط1، دار المدى، دمشق، 2004م. ~~(172) # شيخو، لويس، مقالات فلسفية لمشاهير فلاسفة العرب، ط3، دار العرب، القاهرة، 1985م. ~~(173) # الشيرازي، عبد الرحمن بن نصر، نهاية الرتبة في طلب الحسبة، تحقيق: السيد الباز العريني، نشر لجنة التأليف والترجمة، القاهرة، 1946م. ~~(174) # صبحي، أحمد محمود، في علم الكلام، ط5، دار النهضة، بيروت، 1985م. ~~(175) # صبحي، أحمد محمود، وحملها الإنسان: مقالات فلسفية، ط1، دار النهضة العربية، بيروت، 1997م. ~~(176) # الضوي، محمد توفيق، دراسات في الميتافيزيقا، دار الثقافة العلمية، الإسكندرية، (د.ت). ~~(177) # الطغرائي، مخطوطة مفاتيح الرحمة وأسرار الحكمة، ج2، مكتبة الكونغرس، # CALL NUMBERS (LC Class No.): QD25.T847 1700z ~~. ~~(178) # ابن طفيل، رسالة حي بن يقظان في أسرار الحكمة المشرقية، مطبعة وادي النيل، القاهرة، 1881م. ~~(179) # ابن الطقطقا، الفخري في الآداب السلطانية والدولة ms407 الإسلامية، دار صادر، بيروت، (د.ت). ~~(180) # الطوسي، نصير الدين، كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، شرح: جمال الدين الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر المشتهر بالعلامة الحلي، تحقيق: آية الله حسن زاده الآملي، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، 1996م. ~~(181) # الطيب، أحمد، الجانب النقدي في فلسفة أبي البركات البغدادي، ط1، دار الشروق، القاهرة، 2004م. ~~(182) # عاصي، حسن، المنهج في تاريخ العلوم عند العرب، ط2، دار المواسم، بيروت، 1992م. ~~(183) # العاني، دحام إسماعيل، موجز تاريخ العلم، ج1، ط1، مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، الرياض، 2002م. ~~(184) # عبد الرحمن، إبراهيم، التفسير الأسطوري للشعر الجاهلي، مجلة فصول، العدد 1، المجلد 3، 1981م. ~~(185) # عبد الرحمن، سامية، الميتافيزيقا بين الرفض والتأييد، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1993م. ~~(186) # ابن عبد الرءوف، أحمد بن أحمد، رسالة في الحسبة، ضمن كتاب ثلاث رسائل أندلسية في آداب الحسبة والمحتسب، تحقيق: ليفي بروفنسال، المعهد الفرنسي للآثار الشرقية، القاهرة، 1955م. ~~(187) # العراقي السيماوي، أبو القاسم، المكتسب في زراعة الذهب، ج2، مخطوط محفوظ في مكتبة شستربيتي، إيرلندا، دبلن، مجموع رقم (3231) م. ك. ~~(188) # العراقي، عاطف، الميتافيزيقا في فلسفة ابن طفيل، ط5، دار المعارف، القاهرة، 1992م. ~~(189) # العراقي، محمد عاطف، الفلسفة الطبيعية عند ابن سينا، ط2، دار المعارف، القاهرة، 1983م. ~~(190) # عزام، محمد، مدخل إلى فلسفة العلوم، ط1، دار طلاس، دمشق، 1993م. ~~(191) # عزب، خالد، البيمارستان المنصوري في مجموعة السلطان قلاوون، بحث منشور ضمن أبحاث الندوة العلمية للاحتفاء بالطبيب المسلم داود الأنطاكي، إعداد: مصطفى موالدي، مصطفى شيخ حمزة، منشورات جامعة حلب، معهد التراث العلمي العربي، حلب، 2005م. ~~(192) # عطيتو، حربي عباس، الفلسفة القديمة، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، (د.ت). ~~(193) # عطيتو، حربي عباس، ملامح الفكر الفلسفي والديني في مدرسة الإسكندرية القديمة، ط1، دار العلوم العربية، بيروت، 1992م. ~~(194) # عفيفي، محمد صادق، التفكير العلمي عند المسلمين، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1977م. ~~(195) # العقاد، محمود، فرنسيس باكون، ط1، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، 2016م. ~~(196) # علي، جواد، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ط4، دار الساقي، بيروت، 2001م. ~~(197) # العمر، عبد الله، ظاهرة العلم الحديث، عالم المعرفة، العدد 69، تصدر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون ms408 الآداب، الكويت، 1983م. ~~(198) # العمر، محمد علي، مسيرة الفيزياء على الحبل المشدود بين النظرية والتجربة، مجلة عالم الفكر، تصدر عن وزارة الإعلام في الكويت، المجلد 20، العدد 1، أبريل - مايو - يونيو، الكويت، 1989م. ~~(199) # العوا، عادل، المعتزلة والفكر الحر، ط1، دار الأهالي، دمشق، 1987م. ~~(200) # عياش، سعود يوسف، تكنولوجيا الطاقة البديلة، سلسلة عالم المعرفة 38، تصدر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، فبراير، 1981م. ~~(201) # جارودي، روجيه، النظرية المادية في المعرفة، تعريب: إبراهيم قريط، دار دمشق، (د.ت). ~~(202) # غالب، مصطفى، في سبيل موسوعة فلسفية، دار ومكتبة الهلال، بيروت، 1987م. ~~(203) # غالب، مصطفى، في سبيل موسوعة فلسفية (ابن طفيل)، دار ومكتبة الهلال ، بيروت، 1991م. ~~(204) # غاموف، جورج، قصة الفيزياء، ترجمة: محمد جمال الدين فندي، دار المعارف بمصر، القاهرة، 1964م. ~~(205) # غانم، عماد، أساطير اليونان، ط2، دار الشرق العربي، حلب، 1994م. ~~(206) # جريبين، جون، تاريخ العلم (1543-2001م)، ج1، ترجمة: شوقي جلال، سلسلة عالم المعرفة، تصدر عن المجلس الوطني للثقافة والآداب والفنون، العدد 389، الكويت، يونيو 2009م. ~~(207) # الغزالي، أبو حامد، تهافت الفلاسفة، قرأه وعلق عليه: محمود بيجو، دار التقوى - دار الفتح، دمشق - عمان، (د.ت). ~~(208) # غصيب، همام وتفال، فؤاد، مفهوم الحرارة في تراثنا العربي الإسلامي، المؤتمر السنوي العاشر لتاريخ العلوم عند العرب، معهد التراث العلمي العربي، جامعة حلب، اللاذقية، 1986م. ~~(209) # غوجاراتي، أحمد بن سليمان، ملخص علمي وفلسفي كوديكس؛ ص ص. # ii+250‏+i ~~. يعود تاريخه إلى ذو الحجة 1134ه. اللغة أو اللغات المستخدمة: العربية والفارسية. النسخة الأصلية محفوظة في المكتبة البريطانية: مخطوطات شرقية. ويوجد منه نسخة في مكتبة قطر الوطنية، وهو يضم 25 رسالة متنوعة. ~~(210) # الفارابي، أبو نصر محمد، آراء أهل المدينة الفاضلة، ط2، قدم له وعلق عليه: ألبير نصري نادر، دار المشرق، بيروت، 1968م. ~~(211) # الفارابي، أبو نصر محمد، رسالتان فلسفيتان، دار المناهل، بيروت، 1987م. ~~(212) # ابن فارس، أحمد بن زكرياء القزويني الرازي، أبو الحسين، معجم مقاييس اللغة، ج2، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار الفكر، بيروت، 1979م. ~~(213) # فاغان، براين، الصيف الطويل، ترجمة: مصطفى فهمي، سلسلة عالم المعرفة 340، تصدر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، يونيو، 2007م. ~~(214) # فالح، ms409 أبي عبد الله عامر عبد الله، معجم ألفاظ العقيدة، ط1، مكتبة العبيكان، الرياض، 1997م. ~~(215) # فخري، ماجد، تاريخ الفلسفة اليونانية، ط1، دار العلم للملايين، بيروت، 1991م. ~~(216) # الفراهيدي، الخليل بن أحمد، كتاب العين، ط1، ج3، المحقق: د مهدي المخزومي، د إبراهيم السامرائي، دار ومكتبة الهلال، بيروت، 1999م. ~~(217) # فروخ، عمر، بحوث ومقارنات في تاريخ العلم وتاريخ الفلسفة في الإسلام، ط1، دار الطليعة، بيروت، 1986م. ~~(218) # فروخ، عمر، تاريخ الفكر العربي إلى أيام ابن خلدون، ط4، دار العلم للملايين، بيروت، 1983م. ~~(219) # فروخ، عمر، المنهج الجديد في الفلسفة العربية، ط1، ص50، دار العلم للملايين، بيروت، 1970م. ~~(220) # فريلي، جون، مصباح علاء الدين، ترجمة: سعيد محمد الأسعد ومروان البواب، دار الكتاب العربي، بيروت، 2010م. ~~(221) # فضل الحق، محمد، الهدية السعيدية في الحكمة الطبيعية، مطبعة مجلة المنار، القاهرة، 1904م. ~~(222) # ابن فضل العمري، أحمد بن يحيى ، مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، ط1، تحقيق: كامل سلمان الجبوري - مهدي النجم، ج22، دار الكتب العلمية، بيروت، 2010م. ~~(223) # الفقي، محمد عبد القادر، التاريخ المجهول لصناعة البترول، مجلة التقدم العلمي، العدد 55، ديسمبر، مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، الكويت، 2006م. ~~(224) # فوربس، ر. ج، وديكستر، إ. ج، تاريخ العلم والتكنولوجيا، ترجمة: أسامة أمين الخولي، ج2، ط2، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1992م. ~~(225) # ابن فورك، محمد، مجرد مقالات الشيخ الأشعري، تحقيق: أحمد عبد الرحيم السايح، ط1، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، 2005م. ~~(226) # فيدمان، إيلهارد، بحث ضمن مجموعة مقالات في تاريخ العلوم العربية والإسلامية، مجلد 1، جمع وإعداد: دوروتيه جيركه وديتر بيشوف، معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية، جامعة فرانكفورت، فرانكفورت، 1984م. ~~(227) # فيرنيت، خوان، فضل الأندلس على ثقافة الغرب، ط1، ترجمة: نهاد رضا، دار إشبيلية، دمشق، 1997م. ~~(228) # فيرنيه، خوان، الإنجازات الميكانيكية في الغرب الإسلامي، مجلة العلوم، المجلد 10، العددان 10 و11، أكتوبر - نوفمبر، تصدر عن مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، الكويت، 1994م. ~~(229) # فيرنيه، خوان، العلوم الفيزياوية والطبيعية والتقنية في الأندلس، بحث في كتاب الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1998م. ~~(230) # قاضي زادة، موسى بن محمد، مجموع لطيف في فن الهيئة والحكمة، مخطوطة ms410 في مكتبة جامعة مشيغان، رقم (816). ~~(231) # ابن قتيبة الدينوري، كتاب الأنواء (في مواسم العرب)، طبعة حيدر آباد الدكن، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، الهند، 1956م. ~~(232) # القحطاني، طارق بن سعيد، أسرار الحروف وحساب الجمل، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة أم القرى، كلية الدعوة وأصول الدين، 2009م. ~~(233) # القزويني، زكريا بن محمد، عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات، نشر: فردناند فستنفلد، إعادة طبعة جوتنجن، معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية، فرانكفورت، 1994م. ~~(234) # قنصوه، صلاح، فلسفة العلم، دار التنوير، ط2، بيروت، 1983م. ~~(235) # كاراسكو، ديفيد وسيشونز، سكوت، عصر الأزتك أمة الشمس والأرض، ترجمة: ميسون جحا، ط1، هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة، مشروع كلمة، أبو ظبي، 2012م. ~~(236) # كارتسيف، فلاديمير وخازانوفسكي، بيوتر، آلاف السنين من الطاقة، ترجمة: محمد غياث الزيات، سلسلة عالم المعرفة 187، تصدر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، يوليو، 1994م. ~~(237) # كارناب، رودلف، الأسس الفلسفية للفيزياء، ترجمة: السيد نفادي، ط1، دار التنوير، بيروت، 1993م. ~~(238) # كاكو، ميشو، فيزياء المستحيل، ترجمة: سعد الدين خرفان، سلسلة عالم المعرفة 399، تصدر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، أبريل، 2013م. ~~(239) # الكرخي، أبو بكر، كتاب إنباط المياه الخفية، ط1، الهند، حيدر آباد الدكن، مطبعة مجلس المعارف العثمانية، 1940م. ~~(240) # كرم، يوسف، تاريخ الفلسفة اليونانية، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1936م. ~~(241) # ابن كمونة، الجديد في الحكمة، تحقيق: حميد مرعيد الكبيسي، مطبعة جامعة بغداد، بغداد، 1982م. ~~(242) # الكندي، رسائل الكندي، تحقيق: محمد عبد الهادي أبو ريدة، ج2، دار الفكر العربي، القاهرة، 1950م. ~~(243) # كوب، كاتي ووايت، هارولد جولد، إبداعات النار، ترجمة: فتح الله الشيخ، ط1، سلسلة عالم المعرفة، رقم 266، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2001م. ~~(244) # كوفمان، كاثي، الطبخ في الحضارات القديمة، ترجمة: سعيد الغانمي، ط1، مشروع كلمة، هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة، أبو ظبي، 2012م. ~~(245) # كوندليف، جايمي، كنوز علمية مفقودة، مجلة نيو ساينتيست، المجلد 213، العدد 2850، 4 فبراير 2012م. ~~(246) # كوهن، س. توماس، بنية الثورات العلمية، ترجمة: علي نعمة، ط1، دار الحداثة، بيروت، 1986م. ~~(247) # لاند، دافيد، أوروبة التقنية، القسم الأول، ترجمة: روزيت خوري، وزارة الثقافة، دمشق، 1984م. ~~(248) # لانداو، ل. واخيزير، ms411 أ. وليفشيتس، ي، الفيزياء العامة، ترجمة: أحمد صادق القرماني، دار مير، موسكو، 1975م. ~~(249) # لانداو، ل. وكيتايجورودسكي، أ، الفيزياء للجميع، ترجم بإشراف: داود المنير، ط3، دار مير، موسكو، 1978م. ~~(250) # لانداو وكيتايجورودسكي، أ، الكتاب الثاني، الجزيئات، سلسلة كتب الفيزياء للجميع، ترجمة: داود سليمان المنير، دار مير، موسكو، 1985م. ~~(251) # لايتون، روبرت، محاضرات فاينمان في الفيزياء، ج1، قسم 3، الاهتزازات والترموديناميك، ترجمة: فئة من أساتذة الفيزياء في جامعة دمشق، وزارة التعليم العالي، دمشق، 1974م. ~~(252) # اللبناني، بشارة بن سلوان نحول، منتخبات الصناعة في فن الزراعة، المطبعة الأهلية، بيروت، 1884م. ~~(253) # المبادئ الأساسية في الحرارة، وزارة التربية، دمشق، 2014م. ~~(254) # ابن متويه، الحسن، التذكرة في أحكام الجواهر والأعراض، تحقيق: سامر نصر لطف، فيصل بدير عون، دار الثقافة، القاهرة، 1975م. ~~(255) # المجريطي، كتاب الأوزان في علم الميزان، نسخة مخطوطة في مكتبة الميكروفيلم في معهد التراث العلمي العربي، جامعة حلب، رقم (351 / 10). ~~(256) # المجريطي، مسلمة، غاية الحكيم وأحق النتيجتين بالتقديم، تحقيق: ه. ونتر، ط1، غلاستون بوكس، 2007م. ~~(257) # مجلة آفاق علمية، العدد 17، السنة 3، كانون الثاني - شباط، تصدر عن مؤسسة عبد الحميد شومان، عمان، 1989م. ~~(258) # مجلة آفاق علمية، النار مفيدة لكنها مدمرة، العدد 44، تصدر عن مؤسسة عبد الحميد شومان، عمان، صيف 2013م. ~~(259) # مجلة تراث الإماراتية، عدد 122، أكتوبر 2009م. ~~(260) # مجلة دعوة الحق، العدد 136، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، المشور السعيد، الرباط. ~~(261) # مجلة الصفر، اختراعات جاليليو، المجلد، العدد 17، المركز العربي للدراسات الدولية، نيقوسيا، 1987م. ~~(262) # مجلة العربي العلمي، مقياس الحرارة الطبي عمره خمسة قرون من دورق جاليليو إلى جهاز رقمي، العدد 5، الكويت، 2012م. ~~(263) # مجموعة من المؤلفين، الموسوعة الفلسفية المختصرة، ترجمة: فؤاد كامل، جلال العشري، عبد الرشيد الصادق، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1963م. ~~(264) # مجهول، أقوال الأقدمين في الكونيات، مخطوط موجود بجامعة ميشيغان، رقم ~~(Isl. Ms. ~~ 987) ~~. ~~(265) # مجهول، التحولات المرغوبة، أو عن النفي والإيجاب في تصحيح الحكمة، دار الكتب والوثائق القومية المصرية، مخطوطة رقم (13 كيمياء). ~~(266) # محمد، ماهر عبد القادر، الاستقراء العلمي في الدراسات الغربية والعربية، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، (د.ت). ~~(267) # محمد، محمود الحاج قاسم، الموجز لما أضافه العرب في الطب والعلوم ms412 المتعلقة به، مطبعة الإرشاد، بغداد، 1974م. ~~(268) # محمود، عبد الحليم، فلسفة ابن طفيل، ط2، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، (د. ت). ~~(269) # محمود، زكي نجيب، جابر بن حيان، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، مكتبة مصر، القاهرة، 1961م. ~~(270) # مرحبا، محمد عبد الرحمن، تاريخ الفلسفة اليونانية، مؤسسة عز الدين، بيروت، 1993م. ~~(271) # مروة، حسين، النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، ط2، دار الفارابي، بيروت، 1979م. ~~(272) # المزيدي، أحمد فريد، رسائل جابر بن حيان، (رسالة الحدود)، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 2006م. ~~(273) # مسعود، نجم الدين محمود، النار فاكهة الشتاء، مجلة الخفجي، السنة 43، العددان 9-10، الخفجي، سبتمبر/أكتوبر 2013م. ~~(274) # المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسين بن علي، التنبيه والأشراف، ج7، تحقيق: م. ي. دي. خويه، إعادة طبعة ليدن، معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية، فرانكفورت، 1992م. ~~(275) # المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، اعتنى به وراجعه: كمال حسن مرعي، ج1، ط1، المكتبة العصرية، صيدا-بيروت، 2005م. ~~(276) # مسكويه، رسالة في النفس والعقل، دراسات ونصوص في الفلسفة والعلوم عند العرب، عبد الرحمن بدوي، ط1، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1981م. ~~(277) # مصطفى، عدنان، أصول الفيزياء للجامعات، مطبعة طربين، دمشق، 1976م. ~~(278) # مطر، أميرة حلمي، الفلسفة اليونانية، دار قباء، القاهرة، 1998م. ~~(279) # مطلب، محمد عبد اللطيف، تأريخ علوم الطبيعة، وزارة الثقافة والفنون، بغداد، 1978م. ~~(280) # المفيدروس، تفسير كتاب أرسطوطاليس في الآثار العلوية، نقل حنين بن إسحاق وإصلاح إسحاق بن حنين، عن كتاب شروح على أرسطو مفقودة في اليونانية ورسائل أخرى، تحقيق: عبد الرحمن بدوي، دار المشرق، بيروت، 1968م. ~~(281) # المقريزي، أحمد بن علي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، ج2، طبع بتصحيح محمد بن عبد الرحمن المشهور بقطة العدوي، مطبعة بولاق بمصر، 1853م. ~~(282) # ممفورد، لويس، أسطورة الآلة، ج1، ترجمة: إحسان حصني، وزارة الثقافة، دمشق، 1980م. ~~(283) # ابن منظور، محمد بن مكرم بن علي، لسان العرب، ط3، دار صادر، بيروت، 1993م. ~~(284) # ابن منكلي الناصري، الحيل في الحروب وفتح المدائن وحفظ الدروب، مخطوطة المكتبة البريطانية، رقم ~~(Add MS 14055) ~~. ~~(285) # مهيوب، سيد عبد الستار، أبو رشيد النيسابوري وآراؤه الكلامية والفلسفية، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، 2006 م. ~~(286) # موتز، لويد وويفر، ms413 جيفرسون هين، قصة الفيزياء، ترجمة: طاهر تربدار، وائل الأتاسي، ط1، دار طلاس، دمشق، 1994م. ~~(287) # موسوعة الأرض، ترجمة: عماد أفندي، مراجعة: د. سائر بصمه جي، دار الشرق العربي، بيروت، 2014م. ~~(288) # الموسوعة الجغرافية، ترجمة وإعداد: سائر بصمه جي وعماد الدين أفندي، ط1، دار الشرق العربي، بيروت، 2011م. ~~(289) # الموسوعة العربية، هيئة الموسوعة العربية، دمشق، ج1، 2014م. ~~(290) # الموسوعة العلمية الميسرة، مجلد 1، ج1، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق، 1980م. ~~(291) # موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، التهانوي، محمد بن علي (المتوفى: بعد 1158ه)، تقديم وإشراف ومراجعة: د. رفيق العجم، تحقيق: د. علي دحروج، نقل النص الفارسي إلى العربية: د. عبد الله الخالدي، الترجمة الأجنبية: د. جورج زيناني، ط1، ج2، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت، 1996م. ~~(292) # الموسوعة الفلسفية العربية، رئيس التحرير: معن زيادة، ط1، معهد الإنماء العربي، بيروت، 1986م. ~~(293) # المهدي لدين الله، أحمد بن يحيى بن المرتضى، طبقات المعتزلة، تحقيق: سوسنة ديفلد - فلزر، دار مكتبة الحياة، بيروت، 1961م. ~~(294) # الميبدي، حسين بن معين الدين، قاضي مير على الهداية، مطبعة الحاج حسين أفندي، إستانبول، 1895م. ~~(295) # نادر، وحيد، التريبولوجيا (علم الاحتكاك) وتاريخها في المنطقة العربية، بحث ضمن أبحاث المؤتمر السنوي 15 لتاريخ العلوم عند العرب، الرقة 17-19 أيلول، 1991م. منشورات جامعة حلب، معهد التراث العلمي العربي، إعداد: مصطفى موالدي، ياسمين شويش، حلب، 2006م. ~~(296) # ناصر، إبراهيم محمود، مبادئ أساسية في الفيزياء الإحصائية، منشورات جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، الظهران، 2004م. ~~(297) # نافعة، حسن، وبوزورث، كليفورد، تراث الإسلام، ترجمة: حسين مؤنس وإحسان العميد، ج2، سلسلة عالم المعرفة 12، تصدر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1978م. ~~(298) # النمر، عبد الرحمن، مقياس الحرارة اكتشفه جاليليو وأحدث ثورة في الطب الحديث، مجلة التقدم العلمي، العدد 53، الكويت، يونيو/2006م. ~~(299) # نيدهام، جوزيف، موجز تاريخ العلم والحضارة في الصين، ترجمة: محمود غريب جودة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1995م. ~~(300) # النيسابوري، أبو رشيد، ديوان الأصول، تحقيق: محمد عبد الهادي أبو ريدة، نشر المؤسسة المصرية العامة، القاهرة، (د.ت). ~~(301) # النيسابوري، أبو رشيد، كتاب المسائل في الخلاف بين البصريين والبغداديين (الكلام في الجواهر)، تحرير: آرثر ms414 بيرما، ليدن، 1902م. ~~(302) # هلاسي (الابن)، د. س، الطاقة الشمسية سلاح المستقبل، ط1، ترجمة: نجاح شمعة قدورة، دار الشرق العربي، بيروت، (د. ~~ ت). ~~(303) # الهمداني، الحسن بن أحمد، الإكليل، ج8، تحقيق: محمد بن علي الأكوع، دمشق، 1979م. ~~(304) # الهمداني، الحسن بن أحمد، الإكليل، ج8، مخطوطة في مكتبة جامعة برنستون، رقم ~~(oct382) ~~. ~~(305) # الهمداني، الحسن بن أحمد، كتاب الجوهرتين العتيقتين المائعتين من الصفراء والبيضاء (الذهب والفضة)، تحقيق: أحمد فؤاد باشا، ط1، دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، 2009م. ~~(306) # هوايت، لاوران، الشمس نجمنا، الموسوعة العلمية الميسرة، مجلد 3، ج1، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 1984م. ~~(307) # هودجز، هنري، التقنية في العالم القديم، ط1، الدار العربية للتوزيع والنشر، عمان، 1988م. ~~(308) # هويدي، يحيى، دراسات في علم الكلام والفلسفة الإسلامية، ط2، دار الثقافة، القاهرة، 1979م. ~~(309) # ابن الهيثم، الحسن، كتاب المناظر، (المقالات 1 - 2 - 3)، تحقيق: عبد الحميد صبرة، الكويت، 1983م. ~~(310) # ابن الهيثم، الحسن، رسائل الحسن بن الهيثم، إعادة طبعة حيدر آباد الدكن، عام 1937م، معهد تاريخ العلوم العربية، فرانكفورت. ~~(311) # هيل، دونالد، الساعات المائية العربية، ترجمة: خالد ماغوط وأحمد حساني، معهد التراث العلمي العربي في جامعة حلب، عام 2004م. ~~(312) # هيل، دونالد، العلوم والهندسة في الحضارة الإسلامية، ترجمة: أحمد فؤاد باشا، سلسلة عالم المعرفة 305، تصدر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، يوليو، الكويت، 2004م. ~~(313) # وزيري، يحيى، العمارة الإسلامية والبيئة، سلسلة عالم المعرفة 308، تصدر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، أكتوبر، 2004م. ~~(314) # ولسون، كولن، موسوعة الألغاز المستعصية، ترجمة: مالك فاضل البديري، ط2، دار الأهلية، عمان، 1995م. ~~(315) # ويلسون، ميتشل، الطاقة، ترجمة: مكرم عطية، دار الترجمة والنشر لشئون البترول، بيروت، 1971م. ~~(316) # اليازجى، إبراهيم، الحركة الدائمة، مجلة الضياء، السنة الثامنة، مصر، 1906م. ~~(317) # يافورسكي، ب. وديتلاف، أ، المرجع في الفيزياء، ج2، ترجمة: فريد يوسف متى، دار مير، موسكو، 1976م. ~~(318) # اليافي، عبد الكريم، حوار البيروني وابن سينا ، ط1، دار الفكر، دمشق، 2002م. ~~(319) # يفوت، سالم، ابن حزم والفكر الفلسفي في المغرب والأندلس، ط1، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1986م. ~~(320) # يلماز، عرفان، مكتشف الكنز المفقود فؤاد سزكين، ترجمة: أحمد كمال، دار النيل، القاهرة، ms415 2015م. ~~(321) # يمين، يوسف، المادة والذرة، ط1، مكتبة السائح، طرابلس (لبنان)، 1989م. # ثانيا: المراجع الأجنبية ~~(1) # A. Gerstner, Patsy, James Hutton’s Theory of the Earth and His Theory of Matter, Isis, Vol. ~~ 59, No. 1 (Spring, 1968), The University of Chicago Press on behalf of The History of Science Society. ~~(2) # Barnett, Martin K., # The Development of Thermometry and the Temperature Concept ~~, Osiris, Vol. 12 (1956), The University of Chicago Press on behalf of The History of Science Society, p.269. ~~(3) # Bemerkungen über das mechanische Äquivalent der Wärme, Verlag von Johann Ulrich Landherr, Heilbronn, Vol.1, 1851. ~~(4) # Berryman, Sylvia, The Mechanical Hypothesis in Ancient Greek Natural Philosophy, Cambridge University Press, 2009. ~~(5) # Blundell, Stephen J. & Blundell, Katherine M., # Concepts in Thermal Physics ~~, University of Oxford press, UK, 2006. ~~(6) # Bolton, Henry Carrington, # Evolution of the Thermometer ~~, Easton, PA.: The Chemical Publishing Co., 1900. ~~(7) # Bowie, Theodore, The Medieval Sketchbook of Villard de Honnecourt, Dover Publications, Inc. Mineola-New York, 2006. ~~(8) # Briffault, Robert, # The Making of Humanity ~~, 1ed, London: George Allen & Unwind LTD. Ruskin, House, 40, Museum Street W.C. I, 1919. ~~(9) # The Britannica guide to inventions that changed the modern world, edited by Robert Curley. 1st ed. Published by Britannica Educational Publishing, New York, 2010. ~~(10) # Burr, Alex. C., # Notes on the History of the Concept of Thermal Conductivity ~~, Isis, Vol. 20, No. 1 (Nov., 1933), The University of Chicago Press on behalf of The History of Science Society. ~~(11) # Cajori, Florian, # On the History of Caloric ~~, Isis, Vol. 4, No. 3 (Apr., 1922), Chicago Uni. ~~(12) # Chang, Hasok, # Inventing Temperature: Measurement and Scientific Progress ~~, Oxford University Press, New York, 2004, p.96. ~~(13) # Cohen, I. Bernard, # Roemer and Fahrenheit ~~, Isis, Vol. 39, No. 1/2 (May, 1948), The University of Chicago Press on behalf of The History of Science Society. ~~(14) # Das gro®e Ravensburger Lexicon, Band 4, Ein Dorling Kindersley Buch, 1992. ~~(15) # Dugas, Rene ~~, A History Of Mechanics ~~, Routledge & Kegan Paul ltd. London, 1957. ~~(16) # Duhem, P., The Origins of statics, Kluwer Academic Publishers, 1991. ~~(17) # Ennis, Jacob, The Mechanical ms416 Theory of Solar Heat, Proceedings of the Academy of Natural Sciences of Philadelphia, Vol. 19 (1867). ~~(18) # Friedman, Robert Marc, # The Creation of a New Science: Joseph Fourier’s Analytical Theory of Heat ~~, McCormmach, Russell & Pyenson, Lewis Editors, Historical Studies in the physical sciences, Eighth Annual Volume, Johns Hopkins Uni. Press, Baltimore and London, 1977. ~~(19) # Frisinger, H.Howard, # A History of Meteorology: to 1800 ~~, American Meteorology Society, New York, 1977. ~~(20) # Fourier, M. “Analytische Theorie der Wärme.” B. Weinstein. Springer, Berlin, 1884. ~~(21) ~~“Galilean Thermometer Not So Galilean”, Journal of Chemical Education, Peter Loyson, Department of Chemistry, Nelson Mandela Metropolitan University, Port Elizabeth, 6031, South Africa, J. Chem. Educ., 2012. ~~(22) ~~“Galileo didn’t invent thermometer that bears his name”, ACS News Service Weekly PressPac: September 05, 2012. ~~(23) # Grand Encyclopedia # SCIENTISTS ~~, Published by Macaw Books, India, 2013. ~~(24) # Grosseteste, Robert, On The Heat of the Sun, Translated from the Latin text of Ludwig Baur, Die philosophischen Werke des Robert Grosseteste, Bischofs von Lincoln (Münster i. W., 1912). ~~(25) # Heat Is Motion: “A Classic of Science”, The Science News-Letter, Vol. 22, No. 589 (Jul. 23, 1932), Society for Science & the Public. ~~(26) # Horten, Max, Die Lehre vom Kumun bei Nazzam, ZDMG, 1909. ~~(27) # Hunt, F.V. Origins in acoustics, Yale University Press, 1978. ~~(28) # Ibn-al- # Ḥ # ai # ṯ # am, al- # Ḥ # asan Ibn-al- # Ḥ # asan, Abhandlungen zur Optik, Sprenger 1834, Orientalische Handschriften, Gescannte Seiten: 63, PPN (digital): 620644958. ~~(29) # Jost, P. 1966. Lubrication (Tribology) - A Report pn the present Position and Industry’s Needs. ~~ Department of Education and Science, H.M. Stationary Office, London. ~~(30) # Krebs, Robert E.& Krebs, Carolyn A., Groundbreaking, Scientific Experments, Inventions, and Discoveries of the Ancient Worlw, Greenwood Press, Westport, Connecticut, London, 1ed, 2003. ~~(31) # Lovell, D. J., # Herschel’s Dilemma in the Interpretation of Thermal Radiation ~~, Isis, Vol. 59, No. 1 (Spring, 1968), The University of Chicago Press on behalf of The History of Science Society, p. ~~ 68. ~~(32) # McCormmach, Russell, # Henry Cavendish on The theory of heat ~~, ISIS, Vol.79, No.1 (Mar. 1988), Chicago Uni. ~~(33) # McKie, Doglas & De V. Heathcot, Niels, # The Discovery ms417 of specific and latent heats ~~, Arno press, New York, 1975. ~~(34) # Merton, E. S., # Sir Thomas Browne’s Theories of Respiration and Combustion ~~, Osiris, Vol. 10 (1952). ~~(35) # Middleton, W.E. Knowles, A History of the Thermometer and its Use in Meteorology, The Johns Hopkins Press, Baltimore, Maryland, 1966. ~~(36) # Morgan, C. Lloyd, Physiography ~~, the American Naturalist, Vol. 12, No. 10 (Oct., 1878), The University of Chicago Press The American Society of Naturalists. ~~(37) # Müller, Ingo, # A History of Thermodynamics ~~, Springer-Verlag, Berlin Heidelberg, 2007. ~~(38) # O’Leary, W. H., On Animal Heat, Proceedings of the Royal Irish Academy (1836-1869), Vol. ~~ 10 (1866-1869). ~~(39) Purrington, Robert D., The First Professional Scientist: Robert Hooke and the Royal Society of London, Birkhäuser, Berlin, 2009. ~~(40) # Rossi, Cesare & Russo, Flavio & Russo, Ferruccio, Ancient Engineers’ Inventions, Springer, Italy, 2009. ~~(41) # Samursky, Shmuel, Physical Thought ~~, PICA press, New York. 1975. ~~(42) # Sarton, G., The Discovery of the Law of Conservation of Energy: J. R. Mayer, J. P. Joule and Sadi Carnot, Isis, Vol. 13, No. 1 (Sep., 1929), The University of Chicago Press on behalf of The History of Science Society. ~~(43) # Sezgin, Fuat, Science and Technology in Islam, Physics and Technology V, Publications of the Institute for the History of Arabic-Islamic Science, 2010. ~~(44) # Sherry, David, Thermoscopes, thermometers, and the foundations of measurement Studies in History and Philosophy of Science 42 (2011). ~~(45) # Stableford, Brian, # Science Fact and Science Fiction ~~, Taylor & Francis Group, New York, 2006. ~~(46) # Tallmadge, G. Kasten, Perpetual Motion Machine of Mark Antony Zimara, The University of Chicago Press, Isis, Vol. 33, No. 1 (Mar., 1941). ~~(47) # Thompson, Benjamin, # Experiments upon Heat ~~. By Major-General Sir Benjamin Thompson, Knt. F. R. S. In a Letter to Sir Joseph Banks, Bart. P. R. S., Philosophical Transactions of the Royal Society of London, Vol. 82 (1792), Published by: The Royal Society. ~~(48) # T. J. J., An Extension of Helmholtz’s Theory of the Heat of the Sun, Science, New Series, Vol. ~~ 9, No. 230 (May 26, 1899), American Association for the Advancement of Science. ms418 ~~(49) # Troy, Daniel S., # Motion and Heat ~~, Science, Vol. 19, No. 475 (Mar. 11, 1892), American Association for the Advancement of Science. ~~(50) # Yan, Hong-Sen & Ceccarelli, Marco, # International Symposium on History of Machines and Mechanisms ~~, Springer, Netherlands, 2009. ~~(51) # Zumerchik, John, Macmillan encyclopedia of energy, Tribology, Gary C. Barber & Barbara Oakley, Macmillan Reference USA, an imprint of Gale Group, Vol. 3, 2001. # ثالثا: مواقع على الشابكة (الإنترنت) # www.abunawaf.com # www.aksalser.com # www.ar.wikipedia.org/wiki # www.art.com # www.bbc.com # www.britannica.com. # www.cbl.ie # www.cepolina.com # www.chem.libretexts.org # www.commons.wikimedia.org # www.dictionary.com # www.earthobservatory.nasa.gov # www.earthchangesmedia.com # www.en.wikipedia.org # www.founders.archives.gov # www.gallica.bnf.fr # www.geo.arizona.edu # www.gyroscopes.org # www.maaber.org # www.nndb.com # www.pinterest.com # www.pudl.princeton.edu # www.vb.arabsgate.com # www.wdl.org # www.webcitation.org ms419