######OpenITI# #META# URI: 1450SalahHilal.MalakFiManfaCumr.Hindawi24714736 #META# Tags: literature #META# ID: 24714736 #META# Title: ملك في منفى العمر #META# AuthorID: 74682953 #META# Author: أرنو جايجر #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 46260807 #META# Translator: صلاح هلال #META# Related_books: 1450ArnoGeiger.AlteKoenig (TRANSL) #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # | ملك في منفى العمر # | ملك في منفى العمر # تأليف # أرنو جايجر # ترجمة # صلاح هلال # يجب على المرء أن يعرض أكثر الأمور عمومية في صورة شخصية. # هوكوساي # | الفصل الأول # عندما كنت في السادسة من عمري لم يعد جدي قادرا على التعرف علي. كان يسكن في بيت ~~بجوار منزلنا يقع على أرض منخفضة عنه، ولأني كنت أختصر الطريق إلى المدرسة بالمرور من خلال ~~حديقة الفاكهة الخاصة به، فقد كان يقذفني في بعض الأحيان بقطع الحطب مستنكرا وجودي داخل ~~أرضه. وفي أحيان أخرى كان يسعد لرؤيتي ويستقبلني مناديا إياي باسم «هلموت»، ولم أكن ~~وقتها قادرا على فهم ذلك الأمر أيضا. مات جدي، ونسيت تلك الأحداث حتى دق المرض باب ~~أبي. # يوجد في روسيا مثل يقول: «لا شيء يتكرر في الحياة سوى أخطائنا.» وفي الكبر تزداد تلك ~~الأخطاء. ولأن أبي كان لديه ميل للعزلة فقد كنا نفسر سلوكياته الغريبة التي بدأت بعد ~~تقاعده بفترة وجيزة بأنه يتهيأ لفقدان أي اهتمام بالعالم المحيط به. وبدت تصرفاته ملائمة ~~لشخصيته؛ لذلك أزعجناه سنوات عدة بالإلحاح عليه كي يتماسك. # أشعر اليوم بشيء من الغضب لذلك الجهد الذي بددناه؛ فقد كنا نعنف الشخص ونقصد المرض. ~~قلنا له مئات المرات: «لا تستسلم هكذا لهذه الحال!» وكان أبي يتلقى تلك الكلمات منا بصبر ~~متبعا مبدأ: إن أسهل ما يمكن للمرء فعله هو أن يستسلم في الوقت المناسب. لم يرغب في ~~تحدي النسيان، ولم يستخدم أي وسيلة تساعده على التذكر؛ كأن يعقد عقدة في منديل يده لتذكره ~~بشيء ما كلما نظر إليه؛ خشية أن ينسى بعد ذلك أنه هو الذي عقد تلك العقدة، ويشك في أن شخصا ~~آخر قد عقد ms01 عقدة في منديله ليضايقه. ولم يدخل في حرب خنادق عنيدة ضد انهيار قدراته العقلية، ~~ولم يحاول التحدث عن ذلك الأمر قط، مع أنه - كما نعرف اليوم - كان حتما يعلم بخطورة الأمر ~~منذ منتصف التسعينيات على الأكثر. ولو كان قال لأحد أبنائه: «أنا آسف؛ فعقلي بات يتخلى ~~عني أحيانا»، لاستطعنا جميعا التعامل مع الأمر على نحو أفضل. لكن على أي حال، دارت لعبة ~~القط والفأر في بيتنا لسنوات طويلة؛ إذ كنا وأبي الفئران، وكان المرض هو القط. # وها قد تركنا وراء ظهورنا تلك الفترة الأولى المرهقة للأعصاب التي كانت تتسم بالشك ~~والتردد، ومع أنني حتى يومنا هذا لا أحب استعادة تلك الذكريات، فإنني أدركت الآن أن هناك ~~فرقا بين أن يستسلم المرء لأنه فقد الرغبة في الحياة وأن يستسلم لأنه يعرف أنه مهزوم لا ~~محالة. وكان أبي ينطلق من أنه مهزوم. وعندما وصل إلى مرحلة من حياته بدأت فيها قدراته ~~العقلية في التلاشي أصبح يعول على تماسكه الداخلي، وهو أمر يمكن أن يعتبر وسيلة ~~عملية تساعد الأقارب على التعامل مع بؤس هذا المرض، حيث لا يوجد له علاج مؤثر حتى ~~الآن. # يقول ميلان كونديرا: «الأمر الوحيد الذي يبقى لنا في مواجهة تلك الهزيمة التي لا مناص ~~منها، التي تسمى الحياة، هو محاولة فهمها.» # أتصور مرض الخرف، أو ما يطلق عليه ألزهايمر، في مرحلته الوسطى التي يمر بها أبي ~~الآن تقريبا كالتالي: كأن إنسانا فزع من نومه فقام وهو لا يعرف أين هو، والأشياء تدور من ~~حوله وتدور معها البلدان والأعوام والأشخاص. ويحاول أن يجد وجهته، فلا يستطيع. وتستمر ~~الأشياء في الدوران؛ الأموات والأحياء والذكريات والهلاوس التي تشبه الأحلام، وجمل ناقصة ~~لا تؤدي إلى معنى محدد، ولا تتغير هذه الحال لبقية اليوم. ~~••• # عندما أكون في البيت - وهو الأمر الذي لم يكن يحدث كثيرا؛ حيث كنا نتقاسم عبء رعاية ~~أبينا - كنت أوقظه في التاسعة تقريبا. وكان يبدو مندهشا وهو يرقد تحت غطائه، ولكنه كان ~~معتادا بما يكفي أن يدخل إلى غرفة نومه أشخاص ms02 لا يعرفهم؛ لذلك لم يكن يشكو حدوث ~~ذلك. # في مرة سألته بلطف: «ألا ترغب في الاستيقاظ؟» ولأضفي على الجو بعض التفاؤل استرسلت ~~قائلا: «كم هي جميلة حياتنا!» # فنهض من سريره وقال لي بارتياب: «ربما حياتك أنت.» # ناولته جوربيه، فنظر إليهما لحظة رافعا حاجبيه ثم سألني: ~~«وأين الثالث؟» # ساعدته في ارتدائهما حتى لا يستغرق الأمر زمنا طويلا، وتركني أفعل ذلك راضيا، وبعدها ~~قدته إلى المطبخ في الدور السفلي، حيث يتناول طعام الإفطار. وبعد ذلك طلبت منه أن يذهب ~~للحمام لحلاقة ذقنه، فقال لي وهو يغمز بعينه: ~~«كان من الأفضل أن أبقى في البيت، لن آتي لزيارتك مجددا قريبا.» # بينما كنت أريه الطريق إلى الحمام كان يغني: «يا إلهي، يا إلهي! ...» محاولا إضاعة ~~الوقت. # فقلت له: «كل ما عليك فعله هو حلاقة ذقنك، حتى يصبح شكلك أفضل.» # تبعني في تردد وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة قائلا: «إذا كنت تعتقد أن ذلك سيحدث ~~حقا.» ونظر في المرآة ودلك شعره بيديه بقوة حتى لانت الشعرات الواقفة وتمددت فعلا ~~كبقية شعره. ونظر لنفسه مرة أخرى في المرآة وقال: «أصبحت مثل الإنسان الجديد تماما.» ثم ~~عبر عن عميق شكره. # أصبح أبي يشكر كثيرا في الفترة الأخيرة؛ فقبل بضعة أيام ودون أي سبب مفهوم وجدته يقول ~~لي: «أشكرك جزيل الشكر مقدما.» # وبمرور الوقت أصبحت أتجاوب مع تلك الجمل التي يبتدئني بها وأقول له: «بكل سرور!» أو ~~«هذا يسعدني!» لأن التجربة علمتني أن مثل هذه الإجابات التي تعطي أبي الشعور بأن كل ~~شيء على ما يرام أفضل بكثير من أن نسأله عن سبب توجيهه الشكر كما كنا نفعل سابقا، وهو ما ~~كان يشعره بالخجل وفقدان الثقة في نفسه. ولا يوجد شخص يحب أن يجيب عن الأسئلة التي تكشف ~~له عن مدى القصور الذي يعتريه، هذا إن فهمها أساسا. # كانت محاولات المواءمة تلك مؤلمة في بادئ الأمر، وكانت تستنفد قوانا. ولأن الإنسان منذ ~~طفولته يرى والديه في صورة الأقوياء القادرين على مواجهة مصاعب الحياة، فإن رؤية الضعف ~~الذي يستنزفهما ms03 بالتدريج تكون أصعب من رؤية ذلك يحدث للآخرين. لكني بمرور الوقت بدأت ~~أتأقلم على نحو جيد مع هذا الدور الجديد، وتعلمت أيضا أن التعامل مع إنسان مريض بمرض ~~ألزهايمر يحتاج إلى معايير جديدة. فإذا أراد أبي أن يوجه الشكر فليوجه الشكر، حتى وإن ~~لم يكن هناك داع لذلك، وإذا أراد أن يشكو من أن العالم كله قد تخلى عنه، فليشك؛ ~~سواء أكان تقييمه للأمور يطابق الحقيقة أم ينافيها؛ لأنه لم يعد يرى عالما سوى عالم ~~ألزهايمر. وبوصفي قريبا له فكل ما أستطيعه هو محاولة تخفيف مرارة الأمر برمته؛ وذلك ~~بأن أسمح للواقع الذي اختلطت أوراقه عند المريض بأن يظل قائما كما يراه هو. # ولأن أبي لم ~~يعد قادرا على عبور الجسر المؤدي إلى عالمي، قررت أن أعبر أنا الجسر إليه. وهناك في داخل ~~حدود عالمه وعقله، وخارج حدود مجتمعنا القائم على الموضوعية والطموح، لا يزال أبي إنسانا ~~محترما؛ فحتى إذا لم يعد - قياسا على معاييرنا العامة - يتصرف بحكمة على الدوام، فإنه ~~عبقري بصورة أو بأخرى. # ذات يوم مرت هرة من خلال الحديقة، فقال أبي: ~~«كان لدي قديما أكثر من هرة، ولكنها لم تكن لي وحدي، كان لي شركاء فيها.» # وذات مرة سألته عن حاله فقال لي: ~~«لا تحدث معجزات، وإنما فقط إشارات.» # ثم استرسل متحدثا بجمل غير مترابطة وغير متوقعة كالتي تدور بخلد الإنسان أحيانا في ~~أحلامه، مثل: ~~«أيضا الحياة دون مشكلات لن تصبح أسهل.» # كان السيد «أوجوست جايجر» مشتهرا بالمرح والحكمة، ولكن للأسف أصبح الكلام يخرج منه في ~~بطء شديد؛ لذلك بات نادرا أن يصدر عنه قول من أقواله التي تدعو للإعجاب والدهشة. كم ~~يؤلمني أن أرى كل تلك الأشياء الجميلة تتبدد، وكأني أراقب والدي وهو ينزف ببطء، والحياة ~~تفارقه قطرة بعد قطرة، والشخصية تنزف من الشخص قطرة بعد قطرة. لكني لا أزال أشعر أن هذا هو ~~أبي؛ ذلك الرجل الذي ساهم في تربيتي حتى صرت رجلا، غير أن اللحظات التي لم أعد أرى فيه ~~صورة أبي الذي كنت ms04 أعرفه من الأيام الخوالي راحت تتزايد؛ لا سيما في المساء. # وكانت الأمسيات بشائر لما سيحدث في الأيام التي تليها أو نذرا لها. فمتى حل المساء، ~~حل معه الخوف وهام أبي على وجهه بلا غاية ولا هوادة، وكأنه ملك عجوز في منفاه، وكان كل ما ~~يراه يخيفه، وكل شيء متقلب وغير مستقر، وكأنه سيتفكك في اللحظة القادمة. فلم يكن هناك ~~ما يعطيه الإحساس بأنه في بيته. # كنت أجلس قبل فترة في المطبخ أدون ملاحظات على الكمبيوتر المحمول الخاص بي، والتليفزيون ~~يعمل في غرفة المعيشة، وكان أبي يأتي متسللا على أطراف أصابعه عبر الردهة كلما سمع تلك ~~الأصوات الصادرة من المطبخ، وكان ينصت ثم يهمهم مرارا قائلا: ~~«أنا لا أفهم ما هذا!» # بعد ذلك، أتى إلي في المطبخ وكأنه يريد مشاهدتي أثناء الكتابة، ولكني كنت قد لاحظت أنه ~~يحتاج إلى بعض المساندة. # فسألته: «ألا ترغب في مشاهدة التليفزيون لبعض الوقت؟» ~~«وفيم سيفيدني هذا؟» ~~«بعض التسلية.» ~~«أفضل أن أذهب إلى البيت.» ~~«أنت في البيت.» ~~«أين نحن؟» # ذكرت له اسم الشارع ورقم البيت. # فقال لي: «على أي حال أنا لم آت إلى هنا كثيرا من قبل.» ~~«لقد بنيت هذا البيت في نهاية الخمسينيات، وتسكن فيه منذ ذلك الوقت يا أبي.» # عقد ما بين حاجبيه؛ لأن المعلومات التي تلقاها بدت له غير مرضية، وحك عنقه، ثم ~~قال: ~~«أنا أصدق ما تقول، ولكن مع تحفظي عليه. والآن أريد أن أذهب إلى البيت.» # نظرت إليه وقد بدا عليه الإرهاق الشديد الذي سببته له هذه اللحظة العصيبة، مع أنه ~~كان يحاول إخفاء الاضطراب الذي اعتراه. كان مضطربا تماما، وكان جبينه يتصبب عرقا. ~~وكانت رؤية أي إنسان يوشك أن يصاب بالذعر تؤثر في حتى النخاع. # يعد الإحساس المؤلم بعدم الوجود في البيت من أعراض هذا المرض. وكنت أفسر لنفسي هذا ~~الأمر بأن مريض ألزهايمر يفقد الإحساس بالاحتواء بسبب ما يعانيه من تمزق داخلي؛ ولذلك ~~فإنه يتوق إلى مكان يجد فيه ذلك الاحتواء مجددا. ولكن بسبب الإحساس بالاضطراب والارتباك ~~الذي ms05 لا يفارقه، حتى في أكثر الأماكن التي كان يألفها، أصبح سريره أيضا عاجزا عن إعطائه ~~الشعور بالاحتواء، وبأنه في البيت. # ولعل كلمات مارسيل بروست تعبر عن ذلك تعبيرا بليغا عندما يقول: «الجنات الحقيقية ~~هي تلك التي فقدناها.» ولا يحدث تغيير المكان تحسنا في مثل هذه الحالة. ربما يمكن لتشتيت ~~انتباه المريض أن يساعده قليلا، وهو الأمر الذي يمكن فعله، أو ربما يمكن التوصل إلى نتيجة ~~أفضل من خلال الغناء مثلا. والغناء من الأمور الأكثر مرحا، ومرضى ألزهايمر يحبون الغناء؛ ~~فالغناء يخاطب المشاعر وكأنه بيت خارج حدود العالم الذي ندركه بعقولنا. # وعند ذكر الغناء أتذكر أيضا أنه لا يكاد يخلو كتاب عن مرض ألزهايمر من تشبيه المرضى ~~بالأطفال الصغار، وهذا أمر في غاية السخف؛ فالإنسان البالغ لا يمكن أبدا أن يعود طفلا؛ ~~فالطفل ينمو بطبيعته إلى الأمام، الأطفال يكتسبون قدرات جديدة بينما يفقد مرضى ألزهايمر ~~قدراتهم. ومراقبة تصرفات الأطفال يمكن أن تصقل نظرتنا إلى عملية التقدم، في حين أن النظر ~~إلى مرضى ألزهايمر يصقل نظرتنا إلى عملية الفقدان. والحقيقة هي أن التقدم في السن لا ~~يرد إلينا ما يسلب منا، إنه مثل المنحدر، وأكبر هم يمكن للكبر أن يصيبنا به هو ~~أن يطول أمده أكثر مما نحتمل. # شغلت أسطوانة أغان من مجموعة أسطوانات الأغاني التقليدية التي أعدتها أختي هيلجا ~~لمثل هذه الأغراض، واستمعنا إلى أغنية «فوق العربة الصفراء ركبت يوما خمس بجعات برية»، ~~وعادة ما كانت تنجح هذه الحيلة، حيث ندندن معا بالأغاني لمدة نصف ساعة، ويندمج الرجل ~~الكبير في الغناء حتى إنه يضحكني، ثم يضحك لضحكي. بعد أن فعلت ذلك كان وقت خلوده إلى النوم ~~قد حان. انتهزت هذه اللحظة وقدته إلى حجرة نومه في الدور العلوي. كان أبي في حالة ~~مزاجية جيدة مع أن إدراكه للزمان والمكان والأحداث كان لا يزال سيئا، إلا أنه لم يكن يشغل ~~باله بذلك. # ودار بخلدي أن الفوز ليس كل شيء، وإنما البقاء هو الأهم، وكنت منهكا في ذلك اليوم على ~~الأقل مثل أبي ms06 ، وقلت له ما عليه فعله حتى ارتدى ملابس النوم، ودخل من تلقاء نفسه تحت ~~الغطاء وهو يقول: ~~«أهم شيء أن لدي مكانا لأنام فيه.» # ثم رفع يده وحيا شخصا كان يعتقد أنه موجود، وقال: ~~«لا بأس بالمكان هنا، يمكن أن أتحمل البقاء فيه؛ فالمكان لطيف.» # كيف حالك يا أبي؟ # في الحقيقة، يجب أن أقول إني بخير، ولكن أقول ذلك مع التحفظ؛ لأني غير قادر على الحكم على ~~الوضع. # وكيف ترى مرور الوقت؟ # مرور الوقت؟ سيان بالنسبة إلي إذا كان يمر بسرعة أو ببطء، فليس لدي متطلبات كبيرة ~~فيما يتعلق بذلك الأمر. # | الفصل الثاني # تطاردني حتى اليوم ظلال تلك البدايات، مع أن السنين قد خلقت بيني وبينها شيئا من ~~البعد؛ فعندما أنظر من النافذة إلى حديقة الموالح التي كتب عليها الشتاء السكون وأفكر ~~فيما حدث لنا، يستحوذ علي شعور بأننا قد وقعنا في خطأ كبير وقتها. # كان مرض أبي قد بدأ يدب إليه بخطوات بطيئة ومحيرة، حتى إنه كان من الصعب إدراك ~~أهمية التغيرات التي تعتريه إدراكا سليما؛ فقد كانت الأعراض تتسرب إليه كالموت في ~~أسطورة الفلاح عندما كان الموت يقف ببابه ويجلجل بعظامه دون أن يسمح لأحد برؤيته. كنا كمن ~~يسمع أصواتا ويظنها صفير الريح الذي يمر خلال بيته الذي بدأ يتداعى ببطء وهو لا ~~يدري. # ظهرت أول أعراض المرض في منتصف التسعينيات، إلا أننا لم نتمكن من فهم السبب فهما سليما. ~~أهز اليوم رأسي متحسرا كلما تذكرت تجديد الغرفة العلوية عندما حطم أبي الغطاء ~~الأسمنتي لخزان المياه الذي كان لدينا في ذلك الوقت؛ لأنه لم يستطع رفع الغطاء وحده ووضعه ~~في مكانه مجددا. لم تكن تلك المرة الأولى التي شعرت فيها أن أبي يعكر علي صفو حياتي ~~متعمدا. ويومها صرخت في وجهه وصرخ في وجهي. بعد ذلك وطوال الفترة التي كنت أعمل فيها في ~~البيت كنت أغادر البيت بانتظام وأنا أشعر بالخوف من أن مفاجأة صادمة أخرى ستكون بانتظاري ~~عندما أعود. # كما أذكر أيضا زيارة أحد مذيعي الراديو السويسري ms07 لي؛ فقد كان يوما آخر حفر في ذاكرتي. ~~كان ذلك في خريف عام 1997 بعد صدور روايتي الأولى بفترة قصيرة، وكان من المفترض أن أقرأ ~~فصلا منها ليتم تسجيله؛ لذا رجوت أبي ألا يصدر ضجيجا في أثناء ذلك. وما إن بدأ التسجيل ~~حتى بدأ معه صوت طرق متصل في الورشة الملحقة بالبيت، واستمر الطرق ما استمر المحرر ~~في التسجيل. وبينما كنت أقرأ شعرت بغضب شديد من والدي، بل ربما بكره له؛ لما أبداه من ~~لامبالاة. وحاولت تجنبه في الأيام التي تلت ذلك، ولم أتحدث إليه ولو بشق كلمة لمدة ~~أيام؛ فقد كنت أرى فيما فعله محاولة «تخريب متعمد». # متى تزوج بيتر، أخي الأكبر؟ كان ذلك في عام 1993. وفي حفلة العرس أصيب أبي بألم في ~~المعدة وغثيان؛ لأنه لم يستطع تقدير كمية الطعام التي أكلها؛ لذلك تناول بعد الوجبة ~~المتعددة الأطباق عشر قطع أو خمس عشرة قطعة من كعكة الزفاف، وبعدها ذهب إلى البيت بخطوات ~~متثاقلة حيث رقد في سريره لمدة يومين وهو يعاني من آلام شديدة. وكان يخاف من أن يموت على ~~إثر ذلك، إلا أنه لم يستطع استدرار عطف أي منا أو تعاطفنا؛ لأننا كنا نظن أنه يستحق ما ~~حدث له. ولم يلحظ أحد منا أنه يفقد ببطء قدراته العملية اللازمة للحياة اليومية. # كان المرض يتسلل إليه وينصب شباكه حوله ببطء، وقد وقع في براثنه دون أن نلحظ ~~ذلك. # وفي الوقت الذي كنا فيه - نحن أولاده - نسيء فهم تلك العلامات، كان هو بالتأكيد يتألم ~~لشعوره بتلك التغيرات التي تعتريه؛ ذلك الشعور بالخوف الرهيب من أن شيئا معاديا يتملكه ~~ولا يستطيع هو إلى مقاومته سبيلا. ولم يتفوه يوما بكلمة عن هذا الأمر، فقد كان تكتمه ~~وعدم قدرته على التعبير عن مشاعره يقفان حاجزا أمام ذلك. لم يكن الحديث عن مشاعره يوما من ~~سمات شخصيته؛ إذ لم يقم بذلك أبدا، وكان الوقت قد تأخر على الشروع في ذلك الآن. ومما جعل ~~الأمور تزداد سوءا أنه قد ورث هذا الطبع لأولاده؛ لذا ms08 لم تأت من جانبنا أي مبادرة في ~~هذا الاتجاه. لم يستطع أحد منا التغلب على ذلك، وتركنا الأمور تسير في مسارها. نعم، في ~~الحقيقة كان أبي يبدو غريبا في بعض الأحيان، ولكن ألم يكن ذلك يحدث دائما؟ ومن ثم فقد ~~كان سلوكه يبدو لنا كما ألفناه دائما. ~~••• # في الحقيقة كانت جميع الأمور الغريبة تبدو في بادئ الأمر مجرد نتيجة منطقية لبعض سماته ~~الشخصية في مواجهة موقف جديد؛ فقد كان أبي يكبر في السن، وتركته زوجته بعد زيجة استمرت ~~ثلاثين عاما؛ ولهذا كان افتراض أنه يفتقد للدافعية أقرب للتصديق. # فقد أنهكه الانفصال عنها، وقد كان معارضا بشدة لفكرة الطلاق؛ لأنه كان من ناحية يريد ~~البقاء مع أمي، ومن ناحية أخرى كان يرى أن بعض الأمور تمثل التزاما قويا. ولكنه لم ~~يدرك بما يكفي أن هناك أمورا قد استنفد تحملها رصيد الصبر. فعلى العكس تماما من أنماط ~~الحياة المرنة المعروفة اليوم كان أبي يتمسك بقرار تم اتخاذه قبل عقود ولم يرد فسخ ~~عهد بعد توكيده. وكان في هذا الجانب أيضا ينتمي إلى جيل آخر غير الذي تنتمي إليه زوجته ~~التي تصغره بخمسة عشر عاما؛ إذ لم يكن الأمر بالنسبة إليها يتعلق بوعد قطعته على نفسها، ~~وإنما بحياتها وإمكانية أن تجد السعادة في مكان آخر. وعندما تركت أمي البيت ظل أبي ~~متشبثا في داخله بتلك العلاقة المنتهية، وفيا لأمر قد ذهب أدراج الرياح. # أدى هجر أمي لأبي إلى دخوله في حالة من الاكتئاب والكسل، وكأنه آلة فقدت آخر زنبرك ~~كان يعمل فيها. ترك أبي كل شيء، حتى العمل في الحديقة، مع أنه كان يعلم أن أولاده مشغولون ~~جدا في أعمالهم، ويتأوهون ألما من هذا الحمل الإضافي. كان أبي قد تنصل فعليا من كل ~~واجباته، ولم يبق أثر من همته ونشاطه كما كان في الأيام الخوالي؛ تلك الهمة التي ~~كانت تجعله لعقود طويلة يحقق تقدما في كل ما يريد. أخبرنا أبي بطريقة مقتضبة أن الدور ~~قد حان الآن على الشباب؛ لأنه قد عمل في ms09 حياته بما يكفي. # مثل هذه الأعذار كانت تضايقنا، إلا أنها كانت فعلا أعذارا، ولكن لشيء غير الذي ظنناه. ~~كنا نعتقد أن السبب في حالة التراخي التي كانت تعتريه هو كسله، بينما كان العكس صحيحا؛ فقد ~~كان كسله نتيجة للعجز الذي أصابه. ولأن الواجبات، حتى البسيط منها، كانت تتراكم عليه، فقد ~~كان يشعر أنه فقد السيطرة على الأمور؛ لذا قرر التخلي عن أي مسئولية. # وبدلا من أن يسقي نباتات الطماطم يوميا، كان يمضي وقته في لعب الورق منفردا، أو في ~~مشاهدة التليفزيون. أذكر كم كانت رتابة الأمور التي تمتعه تبدو لي مقززة. كانت حياته ~~بالنسبة إلي، وأنا أحاول أن أجد طريقي في الحياة العملية وقتها، تفوح منها رائحة ~~اللامبالاة العطنة. لعب الورق ومشاهدة التليفزيون؟! لا يمكن اعتبار تلك الأمور محتوى ~~للحياة أبدا، هكذا كنت أرى الأمور، لكني لم أحاول أن أجعل من رأيي موضوعا للمناقشة. كنت ~~أرجو أبي، كنت أسخر منه وكنت أستفزه، كنت أتحدث أمامه عن الكسل وفقدان العزيمة، إلا أن كل ~~المحاولات - حتى أكثرها إلحاحا - لم تفلح تماما في إخراجه من الحالة التي كان عليها. وكان ~~أبي يتلقى جميع الهجمات عليه دون أن يحرك ساكنا، وكأنه حصان يقف وسط العاصفة دون ~~حراك، ثم كان يستكمل حياته اليومية كالمعتاد. # لو لم أكن في ذلك الوقت مضطرا إلى قضاء عدة أشهر كل عام في البيت، حيث كنت أعمل منفذ ~~صوت وفيديو في مسرح مدينة بريجينتس لأكسب عيشي بجانب عملي في الكتابة، لكنت تجنبت المرور ~~ببيت والدي تماما. وبعد مكوثي عدة أيام هناك كنت أغرق في حالة من الاكتئاب. وهكذا كان ~~الوضع أيضا مع إخوتي الذين تركوا البيت الواحد بعد الآخر. تفرق الأبناء وأحكمت الوحدة ~~شباكها حول أبي. # هكذا كانت حالتنا المزاجية في عام 2000 عندما لم يكتف المرض بافتراس عقل أبي، بل امتد ~~أيضا إلى الصورة التي رسمتها له وأنا طفل فافترسها. طوال طفولتي كنت فخورا بأني ابنه، ~~واليوم أصبحت وبصورة متزايدة أعتبره أحمق. # أعتقد أن جاك دريدا كان محقا عندما ms10 قال: «عندما يكتب المرء، فإنه يبحث دائما عن ~~الغفران.» ~~••• # حكت العمة هدفيج أنها جاءت ذات مرة لزيارة أبي بصحبة إميل - الأخ الأكبر من بين ستة ~~إخوة لأبي - وكان إميل قد أحضر معه ماكينة ورداء الحلاقة، ولا تذكر عمتي إذا كان أبي قد ~~وافق على قص شعره ذلك اليوم أم لا. كان اليوم قد انتصف عندما دهشت عمتي لرؤية طبق به بقايا ~~طعام موضوعا على الأريكة في غرفة المعيشة. وبعد ذلك سقط كوب من يد أبي، وظل يحدق في ~~الزجاج المحطم على الأرض عاجزا عن التصرف. عندها عرضت عليه عمتي أن تقوم هي برفع الزجاج من ~~على الأرض، وسألته عن مكان المكنسة والجاروف، ولكنه عجز عن تحديد مكانهما، ورأت فجأة الدموع ~~في عينيه. في هذه اللحظة تحديدا أدركت عمتي الأمر. # ولكنهما لم يتحدثا عن ذلك أبدا. وخاض أبي تلك المعركة ضد نفسه دون أن ينطق بكلمة واحدة؛ ~~لم يحاول أن يقدم تفسيرا، كما لم يقدم على أي محاولة للهروب، إلا عندما توجه في رحلة ~~حج إلى مدينة لورد بفرنسا. # كان ذلك في عام 1998 بصحبة ماريا، أخته الكبرى التي يناديها الجميع ميلي، وإيريش، أصغر ~~إخوته الذين هم على قيد الحياة، وفالتراود، زوجة أخيه. أبي - الذي لم يسافر مع زوجته ~~وأولاده في عطلة أبدا؛ لأنه رأى العالم في أثناء الحرب كما يدعي - يخرج الآن في رحلة ~~طويلة نسبيا وبداخله بصيص من الأمل في الحصول على الرحمة. # هناك يقف المرء ويبتسم ابتسامة جوفاء، ويصلي بالنهار كما يصلي بالليل، وكأن صلوات الليل ~~ليست ذات تأثير كاف. # ويحكى أن ميلي التي كانت تعاني وقتها من مشكلات في قدميها قالت له: ~~«يمكنك أن تسير نيابة عني وأنا أفكر نيابة عنك.» ~~••• # أصعب الأمور هي تلك التي لا نفهمها؛ ولذلك فقد تحسن الوضع عندما زادت العلامات التي ~~تشير إلى أن أبي يعاني مما هو أكثر من النسيان وفقدان الدافعية؛ فقد أصبحت الأمور اليومية ~~الاعتيادية تمثل له مشاكل مستعصية على الحل، ولم يعد ممكنا تبرير ذلك بأنه شارد الذهن ms11 ~~وحسب؛ لم يعد خداع النفس ممكنا. في الصباح كان يرتدي نصف ملابسه بالمقلوب، أو يرتدي أربعة ~~أردية بعضها فوق بعض، وفي المساء يضع البيتزا المجمدة بعلبتها في الفرن، أما جواربه فكان ~~يضعها في البراد. ومع أننا أدركنا حجم المأساة شيئا فشيئا، فإننا أدركنا في لحظة ما أن ~~أبانا لا يعاني حالة من الكسل، بل يعاني مرض ألزهايمر. # لسنوات عديدة لم يخطر ذلك ببالي؛ فقد كانت صورة أبي التي رسمتها له في مخيلتي تقف في ~~طريق تصديق حدوث شيء كهذا. حتى وإن بدا الأمر غريبا، فأنا لم أظن أبدا أن أبي سيفعل ~~شيئا مثل ذلك! ~~••• # خفف استبصار حقيقة الأمر الوضع علينا جميعا؛ فقد أصبح للفوضى التي عانيناها في الأعوام ~~الماضية مبرر يمكننا تقبله، ولم نعد نشعر بأننا محطمون كما كنا. ولكن الإحساس بأننا ~~قد أضعنا كل هذا الوقت الطويل نصارع شبحا كان إحساسا مريرا؛ فقد كان أحرى بنا ألف مرة أن ~~نستغله بصورة نافعة، ولو كنا أكثر ذكاء وانتباها واهتماما لوفرنا على أبينا، بل ~~وعلينا أيضا، كثيرا من المشقة، ولكنا اعتنينا به بصورة أفضل وطرحنا بعض الأسئلة المهمة ~~في وقت مبكر. ~~••• # مثلت بدايات المرض فترة عصيبة وفشلا ذريعا لنا؛ إذ كانت فترة الخسائر ~~الكبرى. # فكان من ضحاياها ذكريات حياة أبي، وبعض الأشياء الملموسة التي كانت لها أهمية في حياته؛ ~~فقد اختفت دراجة أبي ذات الثلاث سرعات والمقود المعوج والمقعد الجلدي، التي كانت لديه منذ ~~الخمسينيات. على مدار عقود طويلة حتى عند سقوط الثلج أو تجمع الجليد كان أبي يركبها في ~~طريقه إلى عمله في الإدارة المحلية، حيث بدأ عمله هناك في وظيفة كاتب عندما كان في السادسة ~~والعشرين من عمره. كما فقد أيضا الصورة النصفية التي أخذت له بعد الحرب مباشرة ويظهر فيها ~~وهو شاب لا يتجاوز وزنه الأربعين كيلوجراما. كان أبي يحمل معه تلك الصورة مع صورة لأمه ~~في حافظة نقوده، وذلك لأكثر من ستين عاما. وهي أشياء كان قلبه متعلقا بها ~~بشدة. # حكيت ذات مرة لصديقة اسمها أدريان عن ms12 صورة أبي وعن مدى حزني لفقدها، ووصفتها لها ~~قائلا: كان أبي قد أتم لتوه عامه التاسع عشر، وقد التقطت بعد أيام قلائل من إطلاق ~~سراحه من أحد المعسكرات الروسية، حيث تعافى هناك من مرض الدوسنتاريا، وجاء تعافيه مصادفة ~~أكثر منه نتيجة للعلاج بعد أن قضى أسابيع على شفير القبر وسط كم هائل من البؤس يصعب ~~تصوره. كان أبي يحب أن يري الناس تلك الصورة، حيث يبدو بشعر قصير جدا، وملامح وجه ~~شديدة البروز، وطريقة خاصة في التعبير، يصعب فهمها؛ فقد كان يبدو على عينيه اللامعتين ~~الغامقتين الصفاء والانزعاج الشديد في آن واحد؛ مما جعلهما جذابتين. لم تكن صورة ~~يقف الرائي عندها ساخرا من أن صاحبها يحملها معه بدلا من أن يحمل في حافظة نقوده صورة ~~لزوجته وأولاده. # عندما ذهبت إلى فولفورت نبهتني أدريان لعمل نسخة من تلك الصورة، وتعجبت لعدم قيامي ~~بذلك حتى الآن. كان ذلك في عام 2004 عندما عدت من برلين ووصلت في المساء، حيث كان أبي ~~يوجد في هذا الوقت تقريبا يوميا في بيت بيتر وزوجته أورزولا يراقب حفيدته وهي تلعب في ~~الحديقة. عندما وصلت إلى البيت أخذت أفتش في ستراته وبناطيله، وبحثت في الأدراج ~~والخزانات، تماما كما كنت أفعل قبل سنوات وأنا طفل. ولكن بحثي لم يكن مجديا هذه المرة. ~~واتصلت بهيلجا لأسألها إذا كانت تعرف مكان حافظة نقود أبي، وقالت لي إنها تعتقد أن الحافظة ~~مفقودة منذ سنوات؛ فقد ضيعها أبي. أذكر حتى اليوم كم أصابتني خيبة الأمل، بل والغضب، عندما ~~سمعت ذلك؛ غضب من نفسي، غضب منا جميعا؛ لأننا لم نتصرف في الوقت المناسب. # حادثت أبي في المساء بشأن الصورة، واختلق قصة غريبة؛ حيث قال إنه كان في زيارة لمصر ~~واليونان، وهناك سرقت منه بناطيله. # فسألته بدهشة: «كيف؟ ماذا؟ أين؟» واتضح لي فجأة أن أبي لم يفقد الصورة فحسب، وإنما ضاع ~~منه ما كان يعرفه عن ماضيه. ~~«أبي، أتقول إنك كنت في مصر؟» ~~«طبعا لم أكن هناك باختياري، وإنما في إطار عملية التهجير القسري ms13 للأطفال.» # فسألته وأنا ذاهل : «وهل أعجبتك الحال هناك؟» # فهز كتفيه وقال: «كان الأمر مملا. لم أر هناك أي شيء، ولم أعايش أي أحداث. كنت ~~هناك غير قادر على فعل أي شيء، ولا أفعل شيئا ولا أعرف شيئا.» # كيف كانت طفولتك يا أبي؟ # في الحقيقة كانت جيدة هادئة. كل ما كان لدينا كان بدائيا؛ سواء من حيث النوع أو الكمية ~~أو التأثير. # هل تفكر كثيرا في الماضي؟ # ما زلت أتذكر بعض الأشياء، لكني لم أعد أتذكر كل شيء. أعتقد أني انفصلت عن ذلك ~~كله. # ماذا تذكر عن أبيك؟ # حاليا، لا شيء. # ولكن كان لديك أب على أي حال. # بطبيعة الحال. # لم تكن له أهمية خاصة في حياتك، أليس كذلك؟ # لا أملك إلا أن أجيب ببلى عن هذا السؤال. لم يكن لديه كثير من الأفكار المهمة. لم يكن ~~يعمل عقله كثيرا. # وماذا بشأن أمك؟ # أمي! تعلمت منها التواضع؛ فقد كانت إنسانة متواضعة، وودودة، ومتعاونة. كان الجميع ~~يحبها. # | الفصل الثالث # أصبح من النادر أن تجد طفلا يحمل اسم أوجوست، ولكن أبي قدم خدمات جليلة لهذا الاسم على ~~مدار ثمانية عقود ونصف. كان زملاء المدرسة ينادونه اختصارا جوستل، عدا ذلك فقد كان اسمه ~~يستخدم كاملا؛ سواء من جانب والديه أو إخوته أو زوجته أو زملائه في العمل: ~~أوجوست. # ولد أبي في الرابع من يوليو عام 1926، وكان الطفل الثالث من بين عشرة أطفال. كان والداه ~~من صغار المزارعين في فولفورت، وهي إحدى قرى وادي الراين في منطقة جبال فورآرلبرج، وقد ~~أدى قانون المواريث إلى تفتيت الرقعة الزراعية وعدم وجود مزارعين كبار في تلك المنطقة. ~~كان جداي يمتلكان ثلاث بقرات وحديقة فاكهة وحقلا وجزءا من الغابة وحق إنتاج ثلاثمائة ~~لتر من مشروب «العرق» ومنحلا، ولم يكن ذلك كافيا لإعاشة عائلة لها هذا العدد الكبير ~~من الأطفال. فكان جدي أدولف جايجر يكسب عيشه عن طريق عمله في صناعة الكهرباء الناشئة، ~~وكان يمر راكبا دراجته عبر القرى في وادي الراين السفلي؛ ليسجل قراءة عدادات الكهرباء ~~في البيوت. # وعندما ms14 كان يمر جدي بدراجته دون قصد فوق مسمار انفصل عن حدوة حصان فيحدث ثقبا في ~~إطار الدراجة، كان يترك الدراجة أمام البيت حتى يقوم أحد الأولاد بإصلاحها، وغالبا ما كان ~~أوجوست يقوم بذلك. وكنت أنا في طفولتي أترك الدراجة أمام البيت أيضا ليقوم أبي بإصلاحها. ~~وكما كان مطلوبا من أبي أن يطيع والديه، أصبح مطلوبا منه بعد ذلك أن يطيع أولاده. كان ~~أولاده أبناء عالم مختلف عن عالمه، وكانوا يعتقدون أنهم على دراية بما يجب عمله، ~~وبكيفية عمله بطريقة صحيحة. # يقال إن جدي كانت له قدرة عالية على الحساب، عدا ذلك كانت مواهبه متوسطة، ولم يكن ~~رجلا قوي البنيان. كان يفضل إعطاء الأوامر على القيام بالعمل؛ لأن الجميع في الأسرة كان ~~أكثر مهارة منه، وأصبحوا جميعا أقوى منه بنية، ولم يكن يرغب في إحراج نفسه أمام زوجته ~~وأولاده؛ لذلك لم يكن جدي يقول كيف يجب أن يتم عمل شيء ما، بل كان يكتفي بإصدار أمر ~~بعمله، وكان بذلك يتجنب أن يسأله أحدهم عن كيفية القيام بالأمر بصورة أفضل. # كانت كل حركات جدي تعبر عن محاولة فرض السلطة، وكانت يده تمتد بالضرب بسرعة؛ لذا لم ~~تكن مناورات أولاده لتجنب أوامره تنجح كثيرا. وعندما كان العبث الذي يقوله جدي يتخطى ~~حدود الاحتمال، كانوا يعارضونه (هذا ما قالته لنا ميلي وباول). # كان الأولاد الكبار يعتبرون أباهم عامل إزعاج، وكانوا يحاولون تجنبه، فكانوا مثلا ~~يذهبون إلى الكنيسة يوم الأحد قبله أو بعده بثلاث دقائق، ولكنهم لم يكونوا يذهبون معه ~~أبدا. ولأنه كان على هامش العائلة فقد كان يبذل جهودا كي يجعل علاقته بالإخوة الأصغر ~~أفضل؛ ولذلك كان يعاملهم بطريقة أعقل، وكان يلعب معهم لعبة «الثعلب والدجاج»، كما كان ~~يأخذهم معه في نزهات طويلة. وفي تلك الفترة كان قد كبر، ولكن صدى صوت صفعاته ظل مسموعا ~~في حكاياتهم. # في إحدى المرات جعل جدي ابنه إميل يحمله على ظهره عبر شفارتساخ، مع أنه كان في الرابعة ~~عشرة من عمره. كان ذلك عام 1937، عندما رأى أن خلع ms15 الحذاء عملية مرهقة جدا بالنسبة ~~إليه. # وكان أيضا يقرأ كثيرا، وإن كانت عادة القراءة أو عادة توزيع الصفعات لم تكن أي منهما ~~من العادات التي ورثها لأبنائه؛ فقد كانت صفات الأم هي الأكثر تأثيرا وانتشارا ~~بينهم. # كانت جدتي أكثر ذكاء من جدي؛ هذا ما حكاه لنا أبي عندما كانت خيوط الذاكرة ما زالت ~~تربطه بتلك الفترة من عمره. كانت الجدة طيبة وودودة، وكانت نحيفة وقوية البنيان، وكانت ~~عضلات ذراعها الأمامية بارزة ومقسمة بوضوح. كان أبوها يعمل حدادا في فولفورت، وقبل أن ~~تذهب للعمل في ورشة تريكو كانت تساعده في العمل في ورشته؛ لأنه لم يكن لها إخوة ذكور، ولأن ~~أباها لاحظ أنها ماهرة في العمل. # ما زالت ورشة الحدادة قائمة هناك عند حافة الغابة خلف القصر ولها ساقية كبيرة. قبل الحرب ~~العالمية الأولى وفي أثنائها، كانت عربة النقل تحضر الخامات المطلوبة من دورنبيرن وتضعها ~~عند بداية جادة «القصر»، وبعد المدرسة كانت بنات الحداد الخمس يحملن القضبان الحديدية ~~الطويلة ويصعدن بها الشارع المرتفع وصولا إلى الورشة. # كانت الجدة سيدة هادئة وخجولة تتحاشى الظهور، وكانت ترى أن الحياة لا تعدو أن تكون ~~مرحلة استعداد للآخرة. وأولادها لا يتحدثون عنها إلا بكل احترام وتقدير، وربما كان هذا هو ~~السبب في قلة حكاياتهم عنها. كانت تشعر كثيرا أنها أشبه ما تكون بخادمة رخيصة الأجر، وكان ~~الناس في القرية يقولون إن تريزيا جايجر واحدة من أكثر ثلاث نساء عملا في القرية، وأنها ~~كانت قوية وتقدر على المكوث في ورشة الحدادة تطرق الحديد حتى يتوهج. والعمل في الزراعة ~~ووجود أطفال صغار يحتاجون دائما إلى اللفافات القماشية النظيفة، كانا يجعلانها كل مساء ~~متعبة ومبتلة الثياب بسبب نفض اللفافات المغسولة لتجفيفها. وأحيانا كانت تستلقي في ~~أثناء النهار على الأريكة، وكانت تطلب من أحد الأطفال أن يوقظها بعد خمس دقائق، ولكن ~~الأطفال كانوا يتركون أمهم تنام. # وعندما كانوا يذهبون لقطف الفاكهة كانت تقول دائما قبل بدء العمل: ~~«اللهم بارك في عملنا.» # ما زالت عمتي إيرينه - الأخت الصغرى لأبي - تردد ms16 ذلك أيضا كلما ذهبت إلى الحقل. كان في ~~الحقل بجوار جدتي على مدار ما يناهز العقدين من الزمان بصورة شبه دائمة قفص فاكهة فيه ~~طفل صغير. تعلم الأطفال المشي في داخل أقفاص الفاكهة. وكان الحرفان الأولان من اسم ~~جدي يتم حفرهما على أقفاص الفاكهة «ألف وجيم»، وكان حماه هو من يصنع له الخاتم المعدني ~~الخاص بذلك؛ فقد كان حدادا. كذلك كانت طباعة أول حرفين من اسمه بالحرق على خشب الأقفاص ~~أمرا مميزا لمنتجاته. وكان يبيع تلك الفاكهة وصولا إلى المجر وباريس، ومع ذلك بقي ~~فقيرا، وظل هناك يسكن فوق التل عند القصر، حيث يمكن رؤية ما بداخل منطقة أبينزل، ويمكن ~~رؤية ما وراء بحر الجنوب وصولا إلى لينداو، وإذا كان الجو معتدلا يمكن أن ترى حتى ميناء ~~فريدريش. # دأبت تريزيا جايجر على أن تقول لأبنائها: ~~«لا تتأخروا في العودة إلى البيت، وإذا ~~تأخرتم فادخلوا دون إحداث جلبة؛ حتى لا أستيقظ.» # كان مسار اليوم ثابتا، ونادرا ما كان يخرج عن المألوف. كانت جدتي تحاول إيقاظ أطفالها ~~في الصباح عدة مرات حتى يفيقوا، وكثيرا ما كانوا يضطرون إلى الذهاب إلى المدرسة عدوا ~~حتى لا يتأخروا. وكانت الأحذية رديئة؛ فقد كان الثلج يظل عالقا بالنعل الخشبي للأحذية في ~~الشتاء؛ لذا كان يجب ضربه في الأرض المرة بعد المرة للتخلص من الثلج العالق. كانت ~~الأحذية الخشبية تعجن الثلج الذي كان يظل متراكما منذ بداية عيد القديس نيكولاوس وصولا ~~إلى الربيع. # كان الأطفال يتناولون على الإفطار عصيدة الذرة التي يبللونها في اللبن الدافئ الذي يقدم ~~لهم في صحون الحساء. جدي وجدتي وحدهما كانا يتناولان القهوة، وجدي فقط كان يحصل على ~~بعض العسل، عدا أيام الأحد حيث كان الجميع يحصل على قدر من العسل. وبعد الفراغ من الطعام ~~كانوا يصلون من أجل الفقراء والتعساء. # لم يتلق الأطفال تربية قاسية، بل كان يتم ترويضهم بصورة حازمة، حسب ما كانوا يقولون، ~~حتى عندما كانوا يتحدثون عن الأبقار لم يكونوا يقولون إنهم يربونها ولكن يروضونها، وكانت ~~مهمة الأطفال رعاية ms17 الأبقار، ومهمة الوالدين رعاية الأطفال. # قياسا على المتعارف عليه اليوم، كان الأطفال يعانون سوء التغذية؛ فقد كانوا لا يحصلون ~~تقريبا على أي خضراوات، ويتناولون قليلا من اللحم وكثيرا من اللبن والخبز وشحم الخنزير. ~~كان الجميع ينتظر بشغف بشائر ثمار الفاكهة كل عام؛ حيث كان أحد الأطفال يستيقظ أحيانا في ~~الخامسة صباحا ويخرج متسللا لينظر إذا كانت أولى ثمار الكمثرى قد سقطت بالفعل أم لا. ~~كان الأطفال يبنون أعشاشا يخبئون فيها ما حصلوا عليه؛ كيلا يضطروا إلى تقاسمه مع بقية ~~الإخوة. # إلا أن الحرمان الذي كان يعانيه هؤلاء الأطفال كان أقل كثيرا مقارنة بالأوضاع السائدة ~~آنذاك. الأمر الأكثر تأثيرا كان معاناة الأطفال من قلة إحساسهم بحب والديهم واهتمامهما؛ ~~فنظرا إلى كثرة عدد الأطفال كان الطلب يفوق المعروض كثيرا. كان كل شيء يتم تقسيمه عدة ~~مرات. # وبمجرد أن يصبح الطفل قادرا على الإمساك بإحدى العدد، كان عليه أن يساعد في العمل. ~~وكان الصغار يعتنون بمن هم أصغر. أما بالنسبة إلى الحصان الذي استعاروه من الجيران، فقد كان ~~من الواجبات الضرورية أيضا ضبط فرامل العربة التي يجرها حتى لا تنزلق. كذلك كان يتم ~~إرسال الأطفال إلى الحقل لجمع الحشائش للخنزير الذي كان لديهم في الحظيرة. وذات مرة وجدوا ~~يوزيف - الأخ الأوسط من بين سبعة إخوة - فاقدا الوعي على إثر سقوطه من فوق شجرة. كذلك كان ~~الأطفال يجمعون من بين الحشائش المحصودة الحشائش التي لا تأكلها الأبقار، وكانوا يدفعون ~~عربة اليد وعليها التفاح إلى السوق في بريجينتس، وكانت الجدة تلحق بهم على الدراجة. وفي ~~طريق الرجوع كان أبي وأخوه باول الذي يصغره بعام يتبادلان دفع العربة والركوب فيها وتوجيه ~~الحصان، وكانت أحذيتهما المصنوعة من خشب مثبت بالمسامير تطقطق فوق بلاط الأرضية. وكانت ~~الشوارع في ذلك الوقت ما زالت ملكا للأطفال. # والتعبير المستخدم بأنه يتم «انتزاع شخص ما رغم إرادته لأداء عمل» كان ينطبق عليهم ~~حرفيا. كان الأولاد يجرون عربة القش ويحصدون سخرية أخواتهن اللاتي كن يقلن: ~~«استخدام الحمير يغني عن استخدام الخيول!» # كان هناك ms18 عمل للأولاد وعمل للبنات ؛ فالأولاد كان عليهم العمل في الحظيرة، أما الفتيات ~~فكن يستيقظن في الخامسة فجرا ليذهبن إلى الحقل. # ذات مرة ضربت عاصفة حقل الذرة فأتت عليه تماما، واضطر الأطفال للعمل على مدار يوم كامل ~~ليربطوا عيدان الذرة بالحبال في العصي لتقف مستقيمة مرة أخرى. وكانت الأسرة تعتمد بصورة ~~أساسية على الذرة لصنع طعامها اليومي من عصيدة الذرة. # كان هناك اكتفاء ذاتي كامل، باستثناء الخبز والدقيق والسكر والملح. لم تكن العائلة تشتري ~~إلا الضروري جدا، حتى إن ورق الحمام كان يتم صنعه من ورق الجرائد التي كانت تقص إلى ~~شرائح في حجم اليد، وكان هذا أيضا من واجبات الأطفال؛ حيث كان يجلس أحدهم إلى المنضدة في ~~غرفة المعيشة ويقطع الورق. # كذلك كان الورق يستخدم في التدفئة أيضا، ولم تكن هناك قمامة؛ فقد كان لديهم كومة سماد ~~وخنزير وفرن. # كان أبي يتمنى طوال حياته أن يكون مستقلا، وهذا يرجع لطابع الفلاح المترسخ بداخله، ~~وبينما رأى هو في ذلك نفعا له، كان ذلك الطابع يثير استياء زوجته وأولاده الذين نشئوا في ~~عالم من المفاهيم المختلفة مثل الاستهلاك والتخلص من القديم. وتعد القدرة على إصلاح ~~الأشياء واستعمالها مجددا، والقناعة التي ورثها من والديه بتأجيل بعض الاحتياجات أو حتى ~~إلغائها تماما، من الأمور الآخذة في الانقراض في هذا البلد. # كان في قبو البيت الكبير في وادي الراين وعاء إعداد العرق، وكنت في طفولتي كثيرا ما ~~أجلس على دلو مقلوب أو قطعة خشب أراقب العرق أثناء تصنيعه. كنت أحب صوت النار وهي ~~تتأجج في الفرن، وصوت الكحول وهو يسقط في الزجاجات الكبيرة الحجم، ورائحة العرق العطرية ~~في الحجرة المرتفعة الحرارة، ورائحة العمل التي تفوح من الرجال. وفي الخارج كنت أشاهد بقايا ~~الثمار المعصورة وهي تبرد في حفرة في الأرض وينبعث منها بخار يغطي الفروع اليابسة لأشجار ~~الكمثرى التي عراها الشتاء. # أما بالنسبة إلى أبي وإخوته، فقد كان صنع العرق يعني لهم وجود مياه ساخنة، والتي كان ~~يتم نقلها مباشرة إلى حوض في الورشة المجاورة ms19 حيث توجد خلف السياج حظيرة الدجاج. كان ~~المشهد يشبه أفلام رعاة البقر: رائحة العرق وصوت الدجاج وأولاد الفلاحين الذين يغتسلون ~~عرايا في الماء الساخن. وكان هذا المشهد يتكرر عشر مرات في العام تقريبا، أما باقي السنة ~~فقد كان الأطفال يغتسلون في المطبخ عند الحوض الوحيد في البيت، وبماء بارد. # وبقي أبي متعلقا بأسلوب حياته البطيء الذي عهده منذ كان طفلا؛ فقد ظل يغتسل في أغلب ~~الأحيان عند حوض الغسيل، منحنيا بشدة على الحوض مصدرا أصوات تأوه عالية وهو يضرب ~~وجهه بالماء، حتى إن الماء كان يندفع لأمتار بعيدة. ثم كان يدخل خرقة التنظيف بالإصبع ~~السبابة في أذنه بعمق ويهزه بقوة، لدرجة أن مجرد مشاهدته يفعل ذلك كانت مؤلمة. # هذه هي الغنيمة الهزيلة التي خلفها لي ما نقل إلي عن طريق المصادفة من حياته، وكأنها ~~قليل من أعواد القش التي خلفتها الريح في حقل بعد حصاده. # وفي عام 1938 بدأ الحكم النازي، وكانت العائلة تعد من المسيحيين الاجتماعيين في ~~القرية. لم يفهم جداي انتماءهما إلى الكاثوليكية على أنه يقتصر على الذهاب إلى الكنيسة ~~يوم الأحد وحسب. كذلك لم يكن للعائلة أي مصالح اقتصادية خاصة يمكن للنظام السياسي الجديد أن ~~يستفيد منها. يرجع الفضل في أن العائلة كانت مؤمنة ضد الأزمات بدرجة كبيرة لعملها ~~بالزراعة، ولوظيفة جدي في صناعة الكهرباء التي كانت تشهد ازدهارا متناميا. # كانت جدتي تقول: «إن الشيطان هو من يقوم بحشو الأسلحة بالطلقات.» أما جدي، الذي كان ~~شديد العناد، فقد عاد إلى استخدام صيغة «سيادتك» الرسمية في كلامه مع أخي زوجته الذي كان ~~ينتمي للحزب النازي. # لم تكن العائلة تنشغل بالحديث عن السياسة كثيرا؛ فعند تناول الطعام كانت الأفواه تنشغل ~~بالطعام، وبعده لم يكن هناك وقت للجلوس والحديث. كان كل شيء يحدث بسرعة؛ تناول الطعام ثم ~~النزول سريعا للعودة إلى العمل. وبعد ذلك تم استدعاء إميل الأخ الأكبر للالتحاق بمنظمة ~~«شباب هتلر»، ولكنه رفض بحجة أنه عضو في الصليب الأحمر. وعندما تم تهديده بالفصل من المدرسة ~~إذا لم يرجع ms20 عن ذلك، قرر جدي الدخول في مواجهة معهم، وكانت النتيجة السماح لإميل ~~بالبقاء في المدرسة الثانوية المنخفضة المصروفات، ولكن ألغيت معونة الأطفال الثمانية التي ~~كانت تتلقاها الأسرة في ذلك الوقت. ولم تواجه الأسرة مزيدا من المشاكل، على خلاف جيراننا ~~المباشرين الذين تم التشهير بهم عن طريق لوحة علقت على بيتهم تقول: هذه العائلة ضد الشعب ~~الألماني. # ويتذكر باول حتى اليوم أن كلمة عائلة (بالألمانية # Familie ~~) التي تبدأ بحرف # F # كبير كانت مكتوبة بحرف # f # صغير. كان عمره وقتها أحد عشر أو ~~اثني عشر عاما، وكان يقف أمام تلك اللوحة متعجبا من هذا الخطأ في كتابة أول حروفها، غير ~~مدرك أنه مقصود. كان يسكن البيت المجاور زوجان حديثا الزواج، حصل أبي في خريف عام 2009 على ~~نفس الغرفة في دار المسنين التي كانت تقيم فيها الزوجة قبل وفاتها عن عمر يناهز الرابعة ~~والتسعين. وهكذا تترابط قصص حياة سكان قريتنا. # كان أبي وإخوته الذين كانوا في سن المدرسة قبل بداية الحرب تلاميذ في المدارس ~~الإلزامية والثانوية العليا. وما أتاح لهم إمكانية الذهاب إلى المدرسة كان احترام والديهم ~~للتعليم واعتباره بديلا لعملية الزراعة البسيطة التي كان على الأكثر واحد فقط من الأولاد ~~يعيش عليها، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فرحتهم بمواهب أبنائهم. فضلا عن ذلك كان من ~~المعروف أن تلاميذ المدارس يعملون في البيت أفضل ممن يتعلمون الحرف. لم يكن هناك ما يتعارض ~~مع فكرة المدرسة، اللهم إلا في حالة روبيرت، ثالث أصغر الإخوة؛ فقد ترك دراسته الثانوية ~~لأنه كان يخشى من أن والديه يخططان لجعله راهبا. ~~••• # في فبراير 1944، استدعي أبي للخدمة العسكرية، وكان ابن تسعة عشر عاما وتلميذا في مرحلة ~~الثانوية العليا، ومن ذوي أصول ريفية، وليست لديه معرفة كبيرة بالعالم ولا خبرة واسعة في ~~الحياة. كان قد غادر مرحلة الطفولة ولم يصل إلى مرحلة النضج بعد، ليس بالعسكري ولا بالمدني، ~~أو كما كان أندري بيلي يسمي من هم على حاله: التلاميذ الجنود. # تم نقله من «خدمة العمل الإلزامي» إلى «خدمة ms21 السلاح» في منتصف عام 1944؛ تقريبا مثل ما ~~حدث مع إميل الذي يكبره بثلاثة أعوام وباول الذي يصغره بعام. أما من بقي في البيت فأصبح ~~الآن يتابع التطورات السياسية باهتمام؛ خوفا على الإخوة والأبناء الذين يشاركون في الحرب، ~~وعندما كانت تمر الأسابيع دون سماع أخبار من الأولاد، كان القلق والتساؤلات ~~يتزايدان. # كان حظ إميل جيدا؛ فقد أسره الأمريكيون في أفريقيا سريعا، حيث أمضى بقية الحرب في ~~الأسر الأمريكي، وعمل حتى نهاية الحرب مترجما في مونتانا، وبعد فترة أرسل رسالة إلى ~~أسرته فعرفوا أنه في مكان آمن. أما باول فقد أسره النيوزيلنديون عام 1945 في إيطاليا، وكان ~~يكسب نقودا إضافية من خلال أعمال يدوية يقوم بها عن طريق إبر حياكة صنعها من قطع من ~~الأسلاك الشائكة. كذلك كان يصنع من أكمام البلوفرات المخلوعة قبعات لزملاء المعتقل الذين ~~كانوا يعانون من حرارة الشمس أو الذين يريدون تحسين مظهرهم. وظل يرتدي قبعته حتى بعد انتهاء ~~الحرب بفترة طويلة. # ولأن باول كان قد بلغ بالكاد عامه السابع عشر، فقد عاد في صيف 1945 إلى البيت. لم يبلغ ~~بعودته إلى البيت أحدا قبلها، بل عاد دون أن يعلم بذلك أحد. دخل أولا إلى الحظيرة حيث ~~البقرات الثلاث، ثم إلى مكان صنع العرق حيث يقوم بذلك ابن عمه رودولف، الذي سبقه على ~~السلم الخلفي إلى المطبخ، وهناك كانت تعمل الجدة التي كانت وقتها قد أنجبت طفلها العاشر ~~قبل أيام، والذي كان غلاما، ولكنه مات بعد ولادته بساعات قليلة؛ لأن الحبل السري كان ~~ملتفا حول عنقه. # دخل رودولف وقال: ~~«يا تيريزا، يوجد هنا جندي يبحث عن مأوى.» # ترددت الأم لحظات بالرغم من أن البيت كانت به أماكن خالية لغياب ثلاثة من الأبناء. ثم ~~دخل باول من ظل الباب إلى المطبخ والدموع تنهمر على خديه. # كما بدا الأمر جيدا بالنسبة إلى أبي في البداية أيضا؛ فقد أصيب بإصابة قوية في ساعده ~~الأيمن في أثناء فترة التدريب؛ لذلك حصل على إجازتين لتلقي العلاج. وفي كل مرة عندما كان ~~الجرح يبدأ ms22 في الالتئام كان يعرض أن يذهب إلى البيت لإحضار مشروب العرق لأعضاء ~~السرية استعدادا لاحتفالات عيد الميلاد، طمعا في أن يقضي أسبوعي العيد في فولفورت، ~~إلا أنه أرسل إلى الجبهة الشرقية في شهر فبراير 1945. كان عمره حينئذ ثمانية عشر عاما، ~~وأصبح يعمل سائقا دون حصوله على رخصة قيادة، حتى تسبب في حادث جسيم في منطقة شليزين ~~العليا عندما فشل سائق عربة تجرها أحصنة في تفاديه وهما يمران على جسر متجمد فوق أحد ~~السدود، وكانت آلة التنبيه متعطلة، والفرامل غير مجدية بسبب الجليد، فاضطر إلى توجيه ~~السيارة نحو منحدر السد؛ مما أدى إلى انقلابها عدة مرات. وعندما هدده رؤساؤه بأن ما حدث ~~سيكون له تبعات، وأنه سيعرض على محكمة عسكرية بتهمة التخريب المتعمد، رد على ذلك ~~بالإشارة إلى عدم حصوله على رخصة قيادة وأنه كان من المفروض ألا يقوم بالقيادة ~~أساسا. # وعندما اتضح أن كل شيء قد بدأ في الانهيار انفصل عن وحدته، وحاول مع زملاء آخرين من ~~النمسا الوصول إلى الأمريكيين. وربما دفعتهم العجلة بسبب الحنين إلى الوطن إلى سلوك الطريق ~~الأقصر؛ فبدلا من أن يسيروا في اتجاه الغرب اتخذوا طريق الجنوب عبر بومين الذي كان أقصر ~~طريق إلى البيت، وإلى الروس أيضا. وبالفعل عندما وصلوا إلى كامبتال في الأراضي النمساوية ~~تبدد حلم العودة السريعة إلى البيت. # عندما كان أبي يدعي بعد ذلك أنه رأى العالم في أثناء الحرب، فإنه لم يكن يعني الحرب، ~~ولكن يعني ما بعدها. تم تكليفه في الأسر بالقيام بإنزال غنائم الحرب ونقلها، حتى وجد ذات ~~يوم عظمة فاسدة في الحساء وأكلها من شدة الجوع، فأصيب في اليوم التالي بالحمى، وفقد ~~وزنه بسرعة حتى وصل إلى أربعين كيلوجراما. وأمضى الأسابيع الأربعة التالية في مستشفى ~~ميداني مؤقت على حدود مدينة براتيسلافا في ظروف لم أعرف عنها شيئا إلا قبل عدة أشهر. لم ~~يكن والدي يحكي عن تلك الأسابيع الأربعة؛ حيث كانت حكاياته تبدأ دائما من اليوم الذي أطلق ~~الروس فيه سراحه «لأنه لم يعد لي أي قيمة.» ms23 # وبعد ذلك قام رجال الصليب الأحمر بنقله مع آخرين إلى مارش على الحدود السلوفاكية ~~النمساوية بالقرب من هاينبورج. # وبعدها ودعهم رجال الصليب الأحمر قائلين: «وداعا أيها النمساويون!» وحتى يومنا هذا ~~يردد أبي تلك الكلمات عندما يكون مستغرقا في التفكير. # أما العودة إلى فورآرلبرج، فقد استغرقت ثلاثة أسابيع أخرى، وكان الأمر يشبه قطع سباق ~~حواجز شاق، ولم يكن بحوزة أبي لا المال ولا الأوراق اللازمة للعبور من المنطقة السوفييتية ~~إلى المنطقة الأمريكية. كما لم يرغب في عمل صورة للحصول على تحقيق شخصية؛ لأن استخراج الصور ~~كان سيحتاج إلى أربعة عشر يوما أخرى. ولكن الحنين إلى الوطن استبد به، حتى إنه كان ينتظر ~~فرصة العبور بصورة غير شرعية. # ورفض كل الأسرة التي عرضت عليه لينام عليها؛ لأنه كان يعلم أن بها قملا؛ لذا كان ~~يفضل أن ينام في الحظيرة التابعة لأحد الأنزال أو في وسط كومة قش لدى بعض الفلاحين. # وبعد ستة أيام من الانتظار في أورفار ساعده بعض سكان فورآرلبرج في الاختباء تحت سرير ~~سيارة من سيارات الصليب الأحمر، واستطاع بذلك أن يعبر نهر الدانوب إلى لينتس، وهناك خلصه ~~الأمريكيون من القمل. # وهناك أيضا رضي بالتصوير؛ لأن لينتس توافرت بها إمكانية الحصول على صور سريعة، وظل يحمل ~~تلك الصورة في حافظة نقوده قرابة ستة عقود حتى فقدها قبل أعوام. # وبعد إينسبروك طلب في القطار من أول شخص رآه من سكان فولفورت قطعة خبز، وعندما وصل إلى ~~لاوتراخ حيث نزل من القطار، قابل أحد أبناء عمومته الذي لم يتعرف عليه في البداية لتغير ~~شكله بسبب فقدان الوزن الشديد وقصة الشعر القصير، واصطحبه ابن العم إلى البيت. # يمكنني أن أتصور شعور أبي عندما عاد بعد غياب طويل، حتى أنا يتملكني شعور بالسعادة ~~عندما أعود من فيينا وأبدأ بعد نفق آرلبرج في قراءة أسماء المحطات وكأنها جزء من قصيدة: ~~لانجين، فالد، دالاس، براتس، بينجس، بلودنتس. # عاد أبي إلى البيت في الأسبوع الثاني من شهر سبتمبر، وتحديدا في التاسع منه. كان الضوء ~~قد عاد للاصفرار، ms24 وأحضرت كومة القش الثالثة من الحقل قبل البدء في جمع الكمثرى والتفاح. ~~وفي شهر أكتوبر عاد إلى مكانه في المدرسة من جديد في إحدى الدورات التدريبية التي تقدمها ~~الأكاديمية التجارية لتلاميذ المدرسة الثانوية، وكأن شيئا لم يكن. # أم أن شيئا قد حدث بالفعل؟! # لم يدرك أحد في ذلك الوقت أن هذا الشاب ابن التسعة عشر ربيعا لن ينفتح على العالم مرة ~~أخرى؛ لقد انتهى هذا الأمر بالنسبة إليه تماما. لعله أقسم وهو في المعتقل أنه إن قدر له ~~العودة إلى البيت مجددا فسيمضي ما بقي له من عمر فيه. كم كان طريق العودة طويلا ~~وبطيئا! وتغيرت تماما خطته لدراسة تقنيات الكهرباء؛ فالحقائق تغير المشاعر. # ما زلت أذكر وأنا طفل كيف كان موضوع العطلة يتسبب - كلما ذكر - في مشاكل كثيرة، ~~عندما كان أبي يقول للمرة المائة إن جمال فولفورت يكفيه. كان مثل هذه الجمل يبدو مجرد ~~حجج واضحة يداري بها كسله، وربما كانت أحيانا فعلا مجرد مبررات ... ولكن في بعض الأحيان ~~فقط، بعد فترة طويلة بدأت أتفهم أن السبب في رفض أبي السفر كان خوفا مرضيا، وأن ~~المخاوف التي تسكن قلبه لم تنته، وأنها كانت السبب في جعل تصرفاته تبدو للعائلة على ما ~~كانت عليه؛ فقد كانت كل تلك الاحتياطات الغريبة التي كان يتخذها مجرد وسائل تساعده على ألا ~~يتعرض لخطر ثانية. فلم يرد المخاطرة بأن يقع فريسة للغربة مرة أخرى. # وكانت سخرية القدر أن يشعر بعد أعوام قليلة بالغربة الدائمة، حتى إنه كان يتمنى كل يوم ~~أن يعود إلى البيت، فقط لأنه نسي أنه في البيت. # انظر يا أبي، هذا سور الحديقة الذي بنيته بيديك. # صحيح، سآخذه معي. # لا يمكنك أخذ السور معك! # هذا أمر في منتهى السهولة. # هذا مستحيل يا أبي! # سترى. # أبي، أبي، بالله عليك! هذا مستحيل! ربما من الأفضل أن تخبرني كيف ستذهب إلى البيت، وأنت ~~فيه بالفعل. # لا أفهم قصدك. # أنت في البيت وتريد الذهاب إليه، ولا يمكن أن نكون في البيت ونذهب إليه! # هذا أمر ms25 واضح. # إذن ماذا تقصد؟ # لا يعنيني ما تقوله كثيرا بالقدر الذي يعنيك. # | الفصل الرابع # تركنا الفشل الجماعي وراء ظهورنا، وفقدت الذكريات المؤلمة حدتها سريعا؛ لأننا ~~أصبحنا نتعامل الآن مع أبينا برعاية وعناية أكبر، كذلك فإن المفاجآت التي تطرأ كل يوم أصبحت ~~تشغلنا، حتى إننا لم نعد ننظر كثيرا إلى الوراء؛ فالمرض كان يضعنا كل يوم أمام تحديات ~~جديدة. كنا حديثي عهد بهذا المرض، وحاولنا الحفاظ على سيطرتنا على حياتنا، مع أن أيدينا ~~كانت مرتعشة لقلة خبرتنا ودرايتنا ومهارتنا في التعامل معه. # كان أبي يخرج كثيرا ليتجول، وغالبا ما كان يذهب إلى بيت أخي الأكبر بيتر المقابل ~~لبيتنا، حيث يسكن وبناته الثلاث. ولكن كانت جولاته تخرج كثيرا عن مسارها المعهود؛ حيث كان ~~يخرج أحيانا في جنح الليل ودون ملابس كافية وبنظرة ملؤها الخوف. ومؤخرا لم نجد أبي لفترة ~~طويلة بعد أن دخل بالخطأ إحدى غرف الأطفال ونام على أحد الأسرة. كذلك كان يفتش ~~أحيانا في الخزانات ويعجب لأن بناطيل أخي فيرنر لا تناسبه؛ مما دعانا بعد ذلك إلى كتابة ~~اسمه على باب غرفته وإغلاق الغرف المجاورة لها. # كان يجرح كثيرا في رأسه، أو يعود إلى البيت وركبتاه تنزفان؛ لأنه تعثر في التبة ~~العالية التي اعترضت طريقه وهو ذاهب إلى بيت والديه. دخل ذات مرة دون استئذان إلى بيت ~~والديه، وتفاجأت زوجة أخي به واقفا في الطابق الأول يسألها عن أخي إيريش. منذ كنت طفلا ~~كان قفل الباب يدخل في ثقب في الخشب، وكان من الممكن فتحه بسهولة بالإصبع السبابة، وبالتأكيد ~~حاول أبي عدة مرات فتحه بهذه الطريقة غير مدرك أنها لم تعد تعمل، ولعل عدم جدوى محاولاته هي ~~التي جعلته يضطرب، ودفعته في آخر الأمر إلى كسر الباب. # وتذكر أختي أنه كان يرد دائما على الهاتف وينسى بعد دقيقة واحدة من كان المتصل وماذا ~~يريد. وبالطبع كان يدعي أيضا أن الآخرين هم من يأخذون الأشياء ويسرقونها، وعندما كنا ~~نسأله عن اختفاء أي شيء وعن علاقته بذلك، كان يرد غاضبا بأنه لا ms26 يعرف عم نتكلم. وعندما ~~بحثنا طويلا عن ماكينة الحلاقة الخاصة به وجدناها في النهاية بداخل جهاز الميكروويف، أما ~~سلسلة مفاتيحه التي كان يفقدها بصورة منتظمة فقد اضطرت أمي في آخر الأمر ليس فقط إلى ربطها ~~في بنطاله، بل إلى حياكتها وتثبيتها فيه، إلا أن هذا لم يمنعه من نزعها وإضاعتها ~~مجددا. # وكانت تعتريه أفكار ثابتة، وكان أكثرها إلحاحا شجرة البتول التي توجد أمام بيتنا بعد أن ~~تسبب إعصار لوثر في إمالتها بوضوح؛ لذا فإن أبي كان يسأل كل يوم عشرات المرات إذا كانت ~~الشجرة ستصمد في وجه الإعصار القادم أم ستقع على البيت، وفي كل مرة كان يشير إلى أن الشجرة ~~نمت وأصبحت عملاقة، أو يشير إلى السحب القادمة. كذلك ألح على تفكيره وشغله كثيرا ~~عداد الكهرباء الذي كان يراقبه بشغف شديد. ما زال صوت الباب المغناطيسي لعلبة العداد ~~يتردد في أذني عندما كان أبي يفتحه ويغلقه بصورة متصلة. وعندما كان بيتنا يرتجف في الصباح ~~من شدة البرودة كنا نعلم أن أبي قد عبث بأحد الأزرار. والمسئول؟! طبعا الآخرون! # جدي أيضا، الذي كان يعمل محصلا في شركة الكهرباء، كان شغوفا كذلك بتوفير استهلاك ~~الكهرباء. عندما كان ينضم إلى الجالسين حول مائدة الإفطار ويلاحظ أن ضوء النهار أصبح كافيا ~~كان يطفئ المصباح ويقول: ~~«ستجدون الطريق إلى أفواهكم على أي حال.» # حكايات وحكايات بسيطة. # حرص جدي دائما على ألا تعيق الستائر دخول الضوء إلى البيت؛ لذا كان يزيحها باستمرار ~~إلى الجانبين كي يسمح لمزيد من النور بإضاءة المكان. وكان مقتصدا جدا، وهي الصفة الوحيدة ~~التي انتقلت بكاملها إلى أولاده. # وهكذا أصبح أبي منشغلا طوال الوقت باستهلاك الكهرباء، وأصبح عقله أشبه بأسطوانة ~~الموسيقى المشروخة التي لا تتوقف عن تكرار الألحان نفسها. # إلا أن تلك الأفكار الثابتة التي تشبه الأشباح اختفت ذات يوم، وبدأ أبي في مرحلة ~~الإبداع. # وبعد أن عانينا كثيرا من مشكلة النسيان وفقدان القدرات، بدأ المرض في إنتاج قدرات ~~جديدة؛ حيث تطورت لدى أبي قدرة متميزة على إيجاد المبررات، وقد عاش ms27 حياته قبلها رجلا ~~صادقا؛ فقد أصبح يجد الأعذار والمبررات أسرع من الفأر الذي يبحث عن ثقب ليختبئ فيه. ~~تغيرت طريقة كلامه وبدا عليها فجأة رونق تلقائي لم أعهده فيه. وفيما يتعلق بالمحتوى فقد ~~طور مؤخرا منطقا خاصا به، وكان مدهشا؛ حتى إننا كنا لا نعرف هل يجب علينا أن نضحك، ~~أم ندهش، أم نبكي. # قلت له ونحن واقفان بجوار البيت وننظر إلى جبل جيبهارد وقمة أحد جبال الألب تظهر في الأفق ~~فوق بريجينتس: «ما أجمل الطقس اليوم!» # نظر والدي حوله وفكر لحظة فيما قلته ثم قال: ~~«عندما كنت في البيت كان بإمكاني التنبؤ بالطقس بدقة، ولكن من هنا لا. ولأني لم أعد في ~~البيت أصبحت غير قادر على ذلك!» # فقلت له مندهشا: «ولكن الوضع هنا هو بالفعل نفسه بالأسفل!» لأن بيتنا كان بجوار بيت ~~والديه على بعد خمسين مترا من فوق التل. ~~«أرأيت كم يفرق ذلك؟» # ثم فكر لحظة وقال: ~~«لا يليق أن تعارضوني دائما فيما أقوله عن الطقس!» # أكثر ما كان يظهر قدراته الجديدة هو تعرضه لضغط، وهذا ما كان يشعر به كلما أراد ~~الذهاب إلى البيت. في عام 2004 تقريبا لم يعد يتعرف على بيته. حدث هذا بسرعة، بسرعة ~~مفاجئة لدرجة أننا لم نقدر على فهم ما يحدث. رفضنا لفترة طويلة قبول فكرة أن أبانا نسي ~~أمرا بديهيا مثل بيته. # ذات يوم لم تستطع أختي تحمل رجائه وإلحاحه على الذهاب إلى البيت؛ «لأنهم ينتظرونه هناك» ~~كما كان يقول؛ إذ لم يكن ذلك محتملا. كنا نشعر وقتها أن تكراره اللانهائي للكلام يفوق كل ~~الحدود. # فأخذته هيلجا إلى الشارع وأشارت إلى البيت قائلة: ~~«هذا بيتك!» ~~«لا، هذا ليس بيتي.» ~~«إذن أخبرني أين تسكن؟!» # فذكر لها الاسم الصحيح للشارع والرقم الصحيح للبيت. # فأشارت هيلجا في نشوة المنتصر إلى اللافتة التي تحمل رقم البيت بجوار المدخل ~~وسألته: ~~«وما المكتوب هنا؟» # فقرأ نفس العنوان السابق. # فسألته هيلجا: ~~«وماذا نستنتج من ذلك؟» # فرد عليها بغلظة: «إن شخصا ما سرق اللافتة وأحضرها إلى هنا.» وكانت ms28 إجابته تفسيرا ~~خياليا يفتقد إلى أي منطق. # فسألته هيلجا بغضب: «ولماذا يسرق أحد لافتة البيت ويثبتها على بيته؟» ~~«لا أعرف، ولكن الناس يفعلون مثل هذه الأشياء.» # قال ذلك بلهجة الأسى دون أن يبدي أي قدر من تأنيب الضمير؛ لأن ما قاله كان من دروب ~~المستحيل. # وفي موقف آخر رد على سؤالي حول عدم استطاعته التعرف على أثاث بيته قائلا: ~~«نعم، الآن يمكنني ذلك!» # فقلت بشيء من الاستعلاء: «أتمنى ذلك.» ولكنه نظر إلي بخيبة أمل وقال: ~~«يا هذا، إن ذلك الأمر ليس سهلا كما تظن؛ فالآخرون لديهم أثاث مثل هذا. من ~~يعرف؟» # كان هذا الرد منطقيا جدا، ومقنعا في حد ذاته لدرجة أنه أغضبني. يا إلهي! وسألت نفسي ~~لماذا بدأنا هذا النقاش إذا كان قادرا على قول مثل هذا الكلام المنطقي؟! عندما يتمتع شخص ~~بدرجة من الذكاء تجعله قادرا على فهم مثل هذه التفاصيل، فأنا أتوقع منه أن يتعرف على ~~بيته. # ولكن دون جدوى! # في مواقف أخرى كان أقل تعقلا، وكان ينظر متفحصا جميع التفاصيل ثم يقول إنه يظن أن ~~شخصا ما قد أثث الغرف بهذه الطريقة ليخدعه. # ذكرني ذلك بفيلم الحركة «36 ساعة» الذي قام ببطولته جيمس جارنر، وإيف ماري سانت، وأدى ~~فيه جيمس جارنر دور ضابط مخابرات أمريكي لديه معلومات مهمة عن غزو قوات الحلفاء. استدرجه ~~النازيون إلى فخ وخدروه، وفي اليوم التالي أخبروه عندما أفاق بأنه في أحد المستشفيات ~~الأمريكية، وبأن أمريكا كسبت الحرب قبل سنوات، وأنه كان فاقدا للذاكرة طوال هذه المدة. ~~كانت الخدعة محكمة، لولا جرح صغير أصيب به الضابط قبل أيام من وقوعه في أيدي النازيين؛ ~~فبالرغم من مرور السنين كما زعموا فإن الجرح لم يلتئم! # كان مثل هذه الأمور الغريبة جزءا من حياة أبي اليومية على مدار سنوات. كان يفتقد أي ثقة ~~بالتفسيرات التي يقدمها له أقاربه وتبدو منطقية. كان يرد: «نعم، بيتي يشبه هذا المكان ~~جدا، ولكنه يختلف قليلا.» ~~••• # كان يجلس كثيرا وحده في غرفة المعيشة ويشرب النبيذ، وكان يصدمني دائما أن أراه ms29 ضعيفا ~~وجريحا ووحيدا هكذا. تغير أبي كثيرا، ولم يعد وجهه المكتئب ينم عن حيرته لأنه ينسى، بل ~~عن إحساسه العميق بالغربة؛ فقد أصبح العالم كله بالنسبة إليه غريبا. # وأحيانا كانت قناعتنا بأن تغيير المكان يمكن ببساطة أن يزيح عنه الإحساس بالغربة تؤدي ~~بنا إلى مأزق لا يخرج منه أبونا إلا بعد أيام. # عندما كان يطلب العودة إلى البيت لم يكن يرفض في الحقيقة المكان الذي يرغب في مغادرته، ~~بل الموقف الذي يشعر فيه بأنه غريب وتعيس؛ أي إنه لم يكن يعني المكان، بل المرض، ولكنه كان ~~يحمل مرضه معه أينما ذهب، حتى وهو في بيت والديه. كان منزل والديه على بعد خطوات، ولكن ~~بلوغه بقي مع ذلك هدفا بعيد المنال؛ ليس لأن قدميه لا تحملانه إلى هناك، بل لعدم وفاء ~~الذهاب إلى هناك بما ينشده. جعل المرض أبي يفقد للأبد الشعور بالاحتواء، وأصبحت الغربة ~~لصيقة جدا به، ولم يدع له المرض فرصة ليدرك تأثيره على إدراكه للمكان. وأصبحت عائلته ~~تراقب يوما بعد يوم ما يعنيه الحنين إلى البيت. # كنا نرثي لحاله لأبعد مدى، وتمنينا كثيرا أن يعود إليه الشعور بأنه في بيته، وإذا ~~حدث هذا فسيكون معناه أن المرض قد تركه، وهو الأمر الذي ربما يحدث عند الإصابة بمرض السرطان ~~لا مرض ألزهايمر. # خفت وطأة الأمر علينا بعد عامين، عندما تأكدت مجددا مصداقية المثل القائل بأن ~~الأزمة يجب أن تشتد أولا قبل أن تنفرج. # وأدركت بعد سنوات عديدة أن الرغبة في الرجوع إلى البيت تحمل بين طياتها شيئا إنسانيا؛ ~~فقد فعل أبي بصورة تلقائية شيئا فعلته كل الإنسانية من قبل؛ ألا وهو تحديد مكان من ~~المفترض أن يشعر المرء فيه باحتواء إذا وصل إليه؛ ليكون بمثابة الترياق للحياة المفزعة غير ~~المحتملة. سمى أبي ذلك المكان البيت، بينما يسميه المؤمنون الجنة. # عندما يكون الإنسان في البيت يجد أشخاصا يشعر تجاههم بالألفة ويتكلمون لغة مفهومة. يقول ~~أوفيد في كتابه «المنفى»: «حيث يفهمون لغتك يكون الوطن.» وكانت لهذه المقولة أهمية وجودية ~~فيما يتعلق ms30 بأبي؛ لأن محاولاته لمتابعة أحاديث الآخرين كانت تبوء بالفشل بصورة متزايدة، كما ~~كانت محاولاته التعرف على الوجوه تفشل؛ مما جعله يشعر وكأنه في منفى. أصبح من يحدثونه ~~غرباء مع أنهم إخوته وأبناؤه؛ لأن ما يقولونه كان مريبا ويسبب له مزيدا من الحيرة. وهذا ~~يجعل من استنتاجه الحتمي أن هذا المكان يستحيل أن يكون بيته أمرا منطقيا؛ ومن ثم فقد كان ~~من المنطقي أيضا أن يتمنى الرجوع إلى بيته مقتنعا بأن الحياة ستعود وقتها إلى ما كانت ~~عليه. ~~••• # قال لي أبي ذات مرة: «لقد غسلت يدي هنا. هل كان مسموحا لي أن أفعل ذلك؟» ~~«نعم يا أبي، هذا بيتك، وهذا الحوض لك.» # نظر إلي متعجبا ثم ابتسم حرجا وقال: ~~«يا إلهي، لعلي لا أنسى ذلك ثانية!» # هذا هو مرض ألزهايمر، أو بالأحرى: هذه هي الحياة أو المادة التي تصنع منها ~~الحياة. ~~••• # مرض ألزهايمر مثل كل الأشياء المهمة، يوضح لنا أشياء أخرى أكثر مما يوضح خفاياه هو ~~نفسه. تتضح السمات الإنسانية والمشاعر الاجتماعية كما لو كنا ننظر إليها عبر نظارة ~~معظمة. العالم يحيرنا جميعا، وإذا دققنا النظر فسنجد أن الفارق بين الإنسان السليم ~~والآخر المريض هو مدى قدرته على مداراة الحيرة الظاهرة؛ فتحتها تقبع الفوضى. # حتى بالنسبة إلى الشخص السليم نسبيا يعد النظام القائم في رأسه مجرد خيال ~~للعقل. # يفتح مرض ألزهايمر عيوننا، نحن معشر الأصحاء، على مدى تعقيد القدرات التي نحتاجها للتغلب ~~على تحديات الحياة اليومية. في الوقت نفسه يعتبر ألزهايمر تصويرا رمزيا لأحوال مجتمعنا ~~بعد أن فقدنا النظرة الكلية وأصبح لا مجال للإلمام بكل المعرفة المتاحة، وأصبحت المستجدات ~~التي لا تنتهي تخلق مشاكل في التوجه ومخاوف من المستقبل. عندما نتحدث عن مرض ألزهايمر ~~فإننا نتحدث عن مرض القرن. المصادفة وحدها جعلت حياة أبي تعرض تلك التطورات عرضا رمزيا. ~~بدأت حياته في وقت وجد فيه كثير من الثوابت (الأسرة والدين وهياكل السلطة والأيديولوجيات ~~ودور الجنسين والوطن)، ثم انتهى به الأمر إلى هذا المرض عندما أصبح المجتمع الغربي رهين ~~كومة من أطلال ms31 تلك الثوابت. # وازداد تضامني مع أبي عندما أدركت ذلك مع مرور الوقت. ~~••• # إلا أنني لم أكن قد بلغت المدى؛ لأني إنسان بطيء التفكير. استمررت في المقاومة؛ لأني لم ~~أتوقف عن الاعتقاد في أنه بإمكاني من خلال العناد والإصرار أن أعيد ارتباط أبي ~~بالواقع. # فعندما كان يقول مثلا إن والدته في انتظاره، كنت أسأله: ~~«كم عمرها؟» ~~«أظنه ثمانين عاما تقريبا.» ~~«وكم عمرك؟» ~~«أنا مولود عام 1926.» ~~«إذن فعمرك تقريبا ثمانون عاما أيضا.» ~~«أعلم، أعلم ...» # فقلت له بأسى: «أمك متوفاة.» # عض على شفتيه وهز رأسه عدة مرات ببطء، ورد بوجه حزين: ~~«كنت أعرف أن هذا قد حدث.» # كافحت لمدة طويلة بهذه الطريقة للحفاظ على عقله الإنساني السليم، إلا أنني اعترفت ~~بهزيمتي بعدما أدركت بما يكفي عدم جدوى تلك المحاولات، واتضح لي مجددا أن الذي يستسلم ~~يمكن أن يفوز، ميتا أو حيا. من يهتم؟ فلا فرق في النهاية. عندما قبلت فكرة أن أبي يمنح ~~الأموات بعض الحياة ويقترب بنفسه من الموت قليلا، تمكنت من الولوج إلى أعماق أبعد في ~~معاناته. # بدأنا جميعا حياة جديدة، وبقدر ما أصابتني وإخوتي تلك الحياة الجديدة بالحيرة، بقدر ما ~~شعرنا بالمشاركة، ونما لدينا اهتمام بالمرض الذي داهم والدنا. وبعد أن مكثت سنوات لا آبه ~~بما يفعله من لعب الورق ومشاهدة التليفزيون، بدأت أهتم بذلك، أيضا لشعوري بأن هذا سيفتح ~~لي بابا لفهم أشياء عن نفسي، وإن لم يتضح وقتها ما هي تحديدا. # لم يكن قضاء اليوم مع أبي يجعلني أشعر بالإرهاق وحسب، وإنما كان كثيرا ما يتركني في ~~حالة من الإلهام. مع أن العبء النفسي كان لا يزال هائلا، فإن مشاعري تجاه أبي قد تغيرت؛ إذ ~~رأيت أن شخصيته عادت إليه مرة أخرى، وكأنه هو نفس الرجل ولكنه تغير قليلا، وتغيرت أنا ~~أيضا؛ لقد غيرنا جميعا المرض. # ما أكثر مكان تحب أن تكون فيه يا أبي؟ # يصعب تحديد ذلك. أكثر مكان أحب أن أكون فيه هو الشارع. # ماذا تفعل في الشارع؟ # أتنزه، أمشي قليلا، لكن حذائي ليس جيدا، ليس ms32 ملائما. # إذن فأنت تفضل الشارع، مع أنك تسير ببطء هناك؟ # نعم. كما تعلم ، هنا في الداخل ... # ألا يعجبك الوضع في الداخل؟ # ماذا بوسعي أن أفعل هنا؟ أعرف أن الشارع ليس دائما المكان الصحيح، ولكنه أكثر الأماكن ~~راحة لي، عندما لا تمطر. يمكنني هناك أن أشاهد بعض الأشياء، وهذا لا يضايق أحدا. # | الفصل الخامس # اشتد المرض ببطء شديد، ولكن البطء لم يمنعه من التفاقم. لم يعد والدي قادرا على تخطي ~~اليوم دون تعريض نفسه للخطر، ولولا مساعدة الآخرين لهلك. # كانت زوجته وأولاده قد تركوا البيت الواقع في شارع أوبيرفيلد، وأصبحنا نطلب له طعاما ~~جاهزا. ثم تطلب فقدانه مزيدا من القدرات أن نستأجر من يرعاه بضع ساعات يوميا؛ لذا ~~كان يحضر في الصباح من يعينه على قضاء اليوم، وفي المساء من يرافقه حتى الخلود إلى النوم. ~~وكان حبه للنوم ولفترات طويلة نعمة كبيرة؛ إذ كان يستمتع سواء بالنوم العميق لاثنتي ~~عشرة ساعة أو بالبقاء في السرير؛ لأنه كان يحب الدفء. هذا الذي كان يوما فلاحا وكان ~~الماء يتكثف على جدران غرفته من شدة البرودة عندما كان طفلا. عندما كانت تدخل السيدات ~~الآتيات من خدمة الرعاية المنزلية، أو كانت تدخل أورزولا زوجة بيتر إلى غرفة نومه قرابة ~~التاسعة صباحا، عادة ما كان لا يزال ملتحفا غطاءه، رغم خلوده للنوم الليلة السابقة في ~~التاسعة مساء. وكان يتبرم دائما معترضا؛ لأنه لا يقبل أن تعطيه سيدات صغيرات ذوات ~~أصوات ناعمة أي تعليمات ... # وفي النهار كان أبي يقف تقريبا طوال الوقت في حديقة بيتر وأورزولا ينتظر أحدا يؤنسه، ~~مثل حفيدته، كلما أمكن ذلك. ولكن على المدى الطويل لم يكن ذلك حلا؛ لأن أبي لم يكن لديه ~~إحساس بعدد مرات زيارته لهم أو طول مدتها؛ لذلك بحثنا عمن يرافقه لبضع ساعات في فترة ما ~~بعد الظهيرة. كنا نطمئن لوجوده مع جارتنا ليليانا التي كانت تلعب معه الورق أو تخرج ~~للتنزه معه أو تأخذه معها في الرحلات. كذلك كان يقضي يوما أو يومين أسبوعيا في إحدى ~~دور المسنين، ms33 وعادة ما كانت أورزولا تصطحبه إلى هناك. كان ذلك وقتا طيبا بالنسبة إليه ، ~~وحلا مرضيا للجميع. # أما هيلجا فكانت ترعاه في عطلة نهاية الأسبوع، في حين كان يقوم فيرنر بالاعتناء بالبيت ~~والحديقة. وأمي وأنا كنا نأتي من فيينا لأيام أو لأسابيع، وكنا عندها نبيت في المنزل ونعتني ~~بكل شيء، مما يتيح للآخرين فرصة للاستراحة. وتعامل كل منا على طريقته مع الوضع الجديد ~~دون تردد، فكل واحد فعل ما في وسعه وقدرته، ويعلم الرب كم كنا مشغولين بأمور أخرى، وكم ~~تمنينا لو كانت حياتنا أسهل من ذلك؛ فرغم توزيع العمل كان الوضع منذ بدايته مرهقا جدا، ~~غير أن ما حدث عزز إحساس الانتماء والتماسك داخل الأسرة. أوقف مرض أبينا انهيار الأسرة؛ ~~فقد عدنا نحن الإخوة مرة أخرى لنجلس في القارب نفسه، ولكن بطبيعة الحال كل في ~~ناحية. # ويرجع نجاحي في عملي كاتبا إلى تلك الفترة، وقد جاء النجاح مفاجئا وكأنه سقط علي من ~~مدخنة المدفأة. كنت حتى ذلك الوقت كاتبا يجد من يمتدحه ولا يجد من يقرؤه، واليوم أصبحت ~~أتمتع باهتمام واسع وتأتيني دعوات لزيارة كافة أرجاء العالم، وهذا له جوانب إيجابية وأخرى ~~سلبية لما يتطلبه من وقت لم يكن مطلوبا لهذا الجانب من حياتي قبل ذلك. لم أكن أتصور أن ~~النجاح يسرق منا الوقت بهذه الطريقة، ورأيت أن هذا هو أسوأ توقيت للهروب من مسئوليتي. لعل ~~أبي في مثل هذا الموقف كان سيقول: عليك أن ترتب القش عندما يكون الطقس جيدا. ولكن هذه ~~الأمور لم يعد يدركها الآن. النجاح أو الفشل، من يكترث؟ # عندما قلت لأبي بعد انتهائي من الدراسة إني أريد أن أصبح كاتبا، نظر إلي وابتسم بسخرية ~~وقال: ~~«لو وضعت إصبعي في أنفي لكتبت شعرا.» # أذكر جيدا المكان الذي كنا نقف فيه عندما قال لي ذلك؛ كنا في ورشة أبي أمام رف الألوان ~~والدهانات. كان أبي يمتلك قدرة على قول مثل هذه الأشياء بطريقة لا تجعلني أغضب فعلا منه، ~~وغمز بعينه وقال لي إنه يجب علي أن أفعل ms34 ما أريد، وإنه يبارك ذلك - ولكنه شخصيا لا ~~يعتبر هذا عملا حقيقيا. # قضيت خريف عام 2006 في رحلات متصلة للقراءة من أعمالي الأدبية. وكلما أمكن كنت أترك ~~صديقتي لأقضي عطلة نهاية الأسبوع في فولفورت. كان الأمر مرهقا؛ فقد كنت أشعر كثيرا ~~بالحيرة بين علاقة الحب والأسرة والعمل، وأحيانا كنت أرى في هذا الجانب عبئا علي، ~~وأحيانا كنت أرى أن الجانب الآخر هو الذي يثقل كاهلي؛ فلم أكن معتادا على حياة الترحال ~~مثل البدو، كما لم أمتلك قدرة جيدة على إدارة الوقت، فضلا عن أن تحمل المسئولية لم يكن من ~~نقاط قوتي. كنت أرى في نفسي دائما شخصا منطلقا في الحياة ولا يهدأ أبدا. وماذا علي ~~أن أفعل؟! في كل مرة نضع حياتنا في قالب، تأبى الحياة إلا أن تكسر ذلك القالب. # وأخيرا مع بدايات عام 2006 كنت قد أنهيت معظم ارتباطاتي المهنية. قمت بتفكيك دراجتي ~~ووضعتها مع حقيبة أمتعتي في سيارة أمي، وتوجهت إلى فولفورت مرورا بميونخ، حيث وصلت بعد ~~قرابة الست ساعات وأنا أعاني بعض الصداع. كان ذلك قبل يوم من عيد ميلاد أبي ~~الثمانين. # ارتديت ملابس عمل دلت رائحتها على أنها كانت مخزنة لفترة طويلة في شقة مهجورة، ~~وقفزت من النافذة إلى خارج البيت حيث حصدت عند التل أسفل البيت ثمار التوت البري وتوت ~~العليق. وجمعت ثمار الكرز، ثم قمت أخيرا بتهيئة المكان لإقامتي، وعندما قابلت أبي في أول ~~المساء قال لي: ~~«ها أنت ذا أتيت لترى ما إذا كنت لا أزال حيا.» # كان ما زال يبدو رجلا قويا شديد التماسك، بحيث لو قابله أحد في الطريق لما خطر بباله ~~أن هذا الرجل مريض. كان يطالع الجميع بابتسامة مشرقة، ويراوغ في أي حوار بدعابات تجعل ~~الآخرين يظنون أنه ما زال يعرفهم، وأنه ما زال نفس الشخص الظريف الذي عرفوه دائما. ولكن ~~عندما كان الحديث يتطرق إلى أمر يتطلب إدراك السياق ورؤية العلاقات كانت جوانب ضعفه ~~تتضح. # وكان يفرد منديله على السور أمام البيت ويجلس عليه يراقب الشارع في ms35 سلام، وينتظر طويلا ~~حدوث شيء. ولكن، ماذا؟ في الحقيقة كانت طلباته متواضعة؛ فإذا مرت سيارة يلوح بيده، ~~وإذا مرت سيدة على دراجتها يحييها قائلا: ~~«أهلا بالسيدة الجميلة.» # ولم يكن ذلك مثيرا للريبة. # ذات مرة وصلت أمي بصحبة أبي إلى كنيسة القرية، وبعد أن قرعت الأجراس اكتشفت أن أبي قد ~~ملأ الجيب الأيسر لبنطاله بقطع من الخبز المحمص، فقالت له إن هذا التصرف ليس حكيما؛ لأن ~~جيبه سيمتلئ بالفتات، لكنه رد قائلا: ~~«أحتاجها للحلاقة.» ~~«أوجوست، لا يمكن أن تستخدمها في الحلاقة!» # فكر قليلا ثم قال: ~~«سأدفنها بعد ذلك في أرض الحديقة، وستنمو وتصبح شيئا جميلا.» # مثل تلك الردود كانت مريبة بالفعل. # قام أبي بعد ذلك وأخذ منديله بكل جدية واعتزاز وطواه، ثم ذهب إلى الشرفة الخارجية ~~الموجودة خلف البيت. تبعته، ووقفنا صامتين ننظر إلى بحيرة بودينزيه جهة الغرب حيث كانت ~~الشمس آخذة في الغروب ببطء، وكأن اليوم يأبى أن ينتهي. سحب خفيفة مرت فوق كنيسة ~~جيبهارد أعلى الجبل وحولها كانت السماء زرقاء، وسمعنا حفيف أوراق شجرة البتول وضوضاء طريق ~~الراين «إيه 14» تأتي من بعيد. # وكانت حديقة الفاكهة خلف بيت جدي، التي كنا ننظر إليها أسفل منا، تعج بالخضرة النضرة، ~~وهناك كانت أشجار الفاكهة والمنحل تقف دون تغير منذ طفولتي وطفولته. # قلت له: «غدا ستتم عامك الثمانين.» # فسألني: «أنا؟» ~~«نعم، أنت يا أبي، ستبلغ الثمانين.» # رد علي وهو يضحك غاضبا: «أنت بالتأكيد لا تعنيني أنا، لكن ربما أنت.» ~~«أنا سأبلغ الثامنة والثلاثين يا أبي، أما أنت فستبلغ الثمانين غدا.» # كرر بمرح: «بالتأكيد لست أنا، لكن ربما أنت.» # وظللنا برهة هكذا حتى سألته كيف يشعر وهو في الثمانين من عمره، فقال لي: ~~«لا يمكن أن أدعي أنه إحساس خاص.» # وبعد ساعتين جمعت مجددا بعض التوت، ثم اصطحبت أبي إلى فراشه واستسلمت أيضا للتعب، ~~وسقطت في فراشي وأنا شبه فاقد للوعي من إرهاق الأيام الماضية ومن طول فترة قيادة ~~السيارة. # في الصباح الباكر هنأت أبي على عيد ميلاده، وتقبل التهنئة بارتياح وشكرني. عندما جلس ms36 ~~على حافة السرير في ملابسه الداخلية قلت له إن أباه لم يبلغ هذه السن، فنظر إلي مندهشا ~~ثم ابتسم ابتسامة عابرة لم أفهم معناها. قلت له إننا نرغب في الاحتفال بعيد ميلاده في ~~الأبرشية، فسألني: في أيها؟ # فأجبته: «في أبرشية فولفورت.» # فقال لي: ~~«كنت دائما أحب الحياة في فولفورت وأتفاهم مع كل من أعرفهم هنا.» ~~••• # كان يوم ثلاثاء، ومر علينا اليوم في هدوء، أما الاحتفال فقد تم تحديد يوم الجمعة موعدا ~~له. أذكر أن أمي أعدت كعكة عيد ميلاد بالفاكهة، وأن جارة لنا أحضرت بطاقة معايدة وقالت ~~إن شارع أوبيرفيلد دون ابتسامة أوجوست لن يكون بنصف جماله الآن. سعدت جدا لسماع ذلك؛ ~~لأني لم ألحظ وقتها أن سماته الشخصية لم تتأثر بما أصابه؛ كنت أظن أن المرض قد دمر ~~شخصيته لدرجة كبيرة. # أتى في المساء كل من هيلجا وفيرنر، وأكلنا الكعكة وشربنا النبيذ، وشاهدت مع فيرنر ~~مباراة كرة قدم في نصف نهائي كأس العالم. وجلس أبي معنا ولكنه لم يبد مهتما كثيرا ~~بالمباراة بين ألمانيا وإيطاليا، التي تميزت بالتوتر التكتيكي وليس بالهجمات الواضحة. ~~وردد أبي السؤال عدة مرات: ~~«من يلعب هنا؟ فولفورت ضد من؟» # كررت مرارا: «فريق كانيلباخ.» # هز أبي رأسه وكأنه كان سيعرف ذلك من تلقاء نفسه، ثم قال متجهما: ~~«هكذا يلعبون دائما!» # عندما سجل فابيو جروسو هدفا، قال أبي: ~~«مهلا مهلا، هذا اللاعب ليس من فولفورت.» # ضحكت أنا وفيرنر بشدة، وكانت تلك اللحظات بحق أهم ما في المباراة، في حين نسينا بقية ~~أحداثها. ~~••• # وما زلت أذكر جيدا عيد ميلاده الخمسين أيضا، عندما كنت في الثامنة من عمري، وكنت ~~أتشارك مع أخي فيرنر نفس الحجرة. وقفنا في نافذتها ننظر باهتمام إلى ضيوف الحفلة في الشرفة ~~الخارجية للمنزل. كان هذا اليوم الذي أقلع فيه والدي عن التدخين بعد ثلاثين عاما. # كانت الألعاب النارية تضيء السماء فوق بريجينتس، فقد وافق الرابع من يوليو 1976 عيد ~~الاستقلال المائتين لأمريكا. وأضفى بعض الأمريكيين الذين يسكنون في المنطقة بألعابهم ~~النارية مزيدا من الرونق والبريق ms37 الذي انصب في أعيننا ونحن أطفال على أبينا، كذلك قفز ~~بعض زملاء أبي من النافذة إلى حمام السباحة. ~~••• # أما في عيد ميلاده الثمانين، فقد وقف يهنئ صف المدعوين الطويل وهو يربت بكلتا يديه ~~على يد كل منهم ويقول: «أتمنى لك كل الخير والسعادة والصحة.» وكان يبدو يقظا ومستمتعا ~~بوضوح بهذا المشهد، ولم يبد كشخص يؤدي واجبا عليه. وطلب من العمدة - الذي عرفه والدي ~~مجريات العمل قبيل خروجه إلى المعاش - ألا يتكلم كثيرا وأن ينشد له أغنية، وهو ما أضحك ~~الحضور. # وأعد إخوتي عرضا تفاعليا يقدم لقطات من حياته الطويلة، وكنت جالسا إلى طاولة مع بعض ~~إخوته؛ لذا لم ألحظ تأثير تلك الصور عليه، ولكن على ما يبدو أنه كان مندمجا مع تعليقات ~~وضحكات الضيوف، ولكن عندما عرضت صورة لجدي، الحداد، يرتدي مريلته الجلد ويضع مطرقة ثقيلة ~~على كتفه، بدأ أبي يتكلم عن نقاط ضعفه: ~~«لم أعد أصلح لأي شيء أيها السادة، لا يهم، فهذا الأمر لن يزلزل العالم.» # وأضاءت الشاشة البيضاء بصور من بدايات الخمسينيات؛ «أدولف وتريزيا جايجر» وحولهما ~~أبناؤهما التسعة الذين كانوا لا يزالون يسكنون معهم نفس البيت، وذلك قبل وفاة إيما، إحدى ~~البنات الثلاث، إثر انفجار الزائدة الدودية. أدهشني كم كان يبدو جداي كبيرين في السن في ~~ذلك الوقت؛ كانا يبدوان على أعتاب الشيخوخة، مع أن جدتي عاشت أربعين سنة بعد ذلك ولم ~~يتغير شكلها كثيرا؛ سيدة أنهكها العمل، قصيرة وذات شعر رمادي وتجاعيد عميقة. # كانت الأسرة كلها مجتمعة باستثناء أحد الأبناء الذين ما زالوا على قيد الحياة؛ أشخاص ~~من حقبة ماضية، أبناء أسرة ريفية كانوا يشحذون أقلام المدرسة على عتبة القبو؛ لأنها كانت من ~~الحجر الرملي وكانت الأنسب لهذه المهمة. أفراد هذه العشيرة الغريبة كانوا مبتكرين بصورة ~~مدهشة، وكانوا نشيطين بصورة غريبة، ويتمتعون بمخيلة عملية أكثر منها حالمة. غاب عنا يوزيف ~~فقط؛ فهو الوحيد الذي انسلخ من مغناطيس العائلة وانطلق بثقة لاستكشاف العالم عندما هاجر إلى ~~الولايات المتحدة الأمريكية في نهاية الخمسينيات، وحقق هناك حلمه من خلال ms38 اختراع جهاز ~~كهربي لفتح العلب. # سألت إخوة أبي إذا كان لدى أحدهم نسخة من الصورة التي التقطت لأبي بعد إطلاق سراحه من ~~المعتقل الحربي. عرف الجميع فورا أي صورة أعني، إلا أنهم هزوا رءوسهم التي علاها الشيب ~~بالنفي. قالت عمتي ميلا التي تخطت الثمانين من عمرها إن تلك الأوقات كانت مختلفة ولم يكن ~~الناس يطبعون من كل صورة عدة نسخ كما يشاءون. # حكى باول عن رحلة عودته من الحرب، وأنه رأى صورة مريعة؛ إذ ضرب إعصار حدائق الفاكهة قبل ~~قدومه بفترة قصيرة، وسقطت أشجار وتناثرت في وسط الحقول، وكان معظم الرجال القادرين على ~~العمل غائبين في الحرب، وامتلأ المكان بالحشائش والشمندر، وأثقل العمل في الحظائر والبيوت ~~كاهل النساء. أما روبيرت الذي بلغ عند نهاية الحرب سن التاسعة فقال إنه كان يعمل في ~~الحقل عندما انقلب الطقس فجأة، فتمسك بشجرة وسقط الثلج على رجليه بقوة، وكادت العربة ~~المحملة بالقش تنقلب بالقرب من الكوخ المبني من الحجر الجيري عندما كان باقي الإخوة ~~يحاولون دفعها، وبدأت بعض الأشجار في الازدهار في الخريف بعد أن أتت العاصفة الثلجية على ~~ثمارها. # نسي أبي كل هذا، ولم تعد تؤلمه تلك الذكريات، ولكنها تحولت إلى سمات في شخصيته، وبقيت ~~له تلك الشخصية؛ فالخبرات التي شكلت شخصيته بقيت مؤثرة. ~~••• # قضيت في ذلك الصيف - كما في الأعوام الماضية - عدة أسابيع في بيت والدي. كان من الواضح ~~أن المسافة الكبيرة التي نشأت في شبابي بيني وبين أبي تلاشت، وأن فقدان التواصل الذي خشيت ~~أن يفرضه علينا المرض لم يحدث؛ فبدلا من ذلك تصادقنا مجددا، وكانت هذه الصداقة بفضل ~~المرض والنسيان غير متكلفة؛ لذلك رحبت بتأثير النسيان على تلك العلاقة؛ فقد نسينا جميع ~~خلافاتنا، ورأيت أن هذه الفرصة لن تتكرر. # في تلك الأثناء، كانت صديقتي كاتارينا التي كانت تسكن وقتها في إينسبروك تقضي أيضا بعض ~~الأيام في فولفورت. ضغطنا على أبي ذات يوم ليخرج معنا في نزهة، فخرج رغما عنه وأراد طوال ~~الوقت الرجوع إلى البيت، مع أننا لم نغادر شارع ms39 أوبيرفيلد. ضايقني ذلك؛ لأن الأمسية كانت ~~جميلة وكنت أود التنزه معه بمحاذاة النهر. # وبدا الارتياح على أبي عندما دخلنا جادة أوبيرفيلد مرة أخرى ونظرنا إلى القرية أسفل ~~منا؛ فقد شعر بالسعادة وامتدح هذا المنظر الجميل. # سألني: «هل تأتي كثيرا للتنزه هنا؟ كثيرون يأتون للتمتع بهذا المنظر الجميل.» # عجبت لما قال، وقلت له: ~~«أنا لا آتي للتنزه هنا. لقد نشأت في هذا المكان.» # بدا ذلك مفاجأة له؛ فعقد ما بين حاجبيه وقال: ~~«نعم، أفهم.» # فسألته: ~~«هل تعرف أساسا من أكون؟» # أحرجه سؤالي، فاستدار إلى كاتارينا وقال مداعبا وهو يشير بيده نحوي: ~~«وكأن هذا أمر مهم.» # ما أسعد أوقات حياتك يا أبي؟ # عندما كان الأبناء صغارا. # تقصد نفسك وإخوتك؟ # لا، بل أبنائي. # | الفصل السادس # أدى تفريغ القناعات الدينية والاجتماعية من فحواها في العهد النازي بصورة غير مباشرة ~~إلى المبالغة في قيمتها بعد الحرب. قال باول إن الحياة بعد الحرب كانت قاحلة لا يملؤها سوى ~~التدين والبساطة المتناهية والعمل الذي لا ينتهي؛ مما جعل الوضع فظيعا، وخصوصا ~~للشباب. # لكن الوضع لم يكن بهذا السوء بالنسبة إلى أبي صاحب الأمنيات المتواضعة؛ فقد كان الأهم ~~بالنسبة إليه هو التطلع إلى تجنب الألم أكثر من الوصول إلى السعادة، وبعودته مجددا ~~إلى فولفورت أصبح بإمكانه تحقيق الحياة الحقيقية كما يراها، وأن يستعيد الإحساس بالأمان ~~والاستقرار. لم يعد مستعدا لا للمفاجآت ولا للفرص الجديدة؛ لأن اغتنام الفرص التي ~~يتيحها لنا العالم يتطلب التحلي بالثقة، وأبي قد فقد تلك الثقة، هذا لو افترضنا أنه كان ~~لديه قبل الحرب قدر منها. الخبرات تركت فيه ندبات لا تبرأ. # وقاده احتياجه إلى حياة هادئة بسيطة إلى البحث عن الاحتواء في إطار عمله موظفا، وفي ~~اشتراكه في اتحادات مختلفة في قريته؛ فقد كان عضوا مؤسسا في اتحاد كرة القدم، حيث لعب ~~في مركز الجناح الأيمن بإحدى الفرق، كما قاد جمعية المسرح، وقام بإخراج مسرحية نستروي ~~الشهيرة «المشردون»، وكان يغني في فرقة الكنيسة، التي كان معظم أعضائها من النساء. ~~وكان يعد النساء ظواهر غريبة ms40 لا تعنيه في شيء، وفي أثناء العقد التالي من حياته لم يسمع ~~أحد بأنه تعامل مع أي امرأة سوى أمه. # فربما لم يكن لديه احتياج في تأكيد رجولته، وربما كان استقلاله أهم في رأيه. كذلك كان ~~سماح فتاة لأحد أن يقبلها له معنى يختلف عن اليوم تماما. # وبعد سنوات قضاها في العمل مديرا لقسم خدمات صرف الوقود لدى إدارة فورآرلبرج التابعة ~~لحكومة الولاية، أصبح في عام 1952 كاتب الإدارة المحلية، وكان كاتبا بالمعنى الحرفي ~~للكلمة؛ لأن الإدارة لم تكن لديها سكرتيرة حتى منتصف الستينيات. كان مكتب أبي في غرفة كانت ~~فصلا دراسيا فيما مضى، وكان يقع في الدور الأرضي من مدرسة القرية، في غرفة كبيرة، أكبر ~~مما ينبغي، ذات أثاث عتيق، ودون ستائر. في الصيف كان يجلس في بنطاله الجلد وصندله، ضاربا ~~بإصبعين بسرعة البرق على الآلة الكاتبة، وصوتها يدوي في غرفة الفصل الكبيرة الفارغة. ~~وعندما كان يعمل ونافذة المكتب مفتوحة كان صوت الكتابة يصل إلى الشارع، وكان الناس ~~يقولون: ~~«أوجوست يطقطق.» # جاءت إلى المدرسة في فورآرلبرج معلمة تدعى تيروش قادمة من بورجينلاند، وأعجب بها ~~أبي، لكن جدي رفضها؛ لأنها نتاج علاقة غير شرعية، وخضع أبي لرغبة أبيه، لكن القصة بقيت ~~غير واضحة المعالم وغير مكتملة ولا يعرف إخوة أبي شيئا عنها، كما لم يعد بإمكاني سؤاله ~~عنها؛ لذلك فأنا أذكرها هنا وأنا غير متيقن منها. # الثابت هو أن أبي قد بدأ في ذلك الوقت مع نهاية الخمسينيات في بناء بيت على التل خلف ~~حديقة الفاكهة الخاصة بوالديه. وفر له جدي ذلك المكان؛ «لأن هناك بالأعلى لا تنمو ~~الحشائش»، وبعدها كان والدي يقضي وقته في منطقة العمل تلك، التي ليست ببعيدة عن الكنيسة حيث ~~يحمل الهواء إليه ذبذبات أجراس الكنيسة المعدنية. # يذكر روبيرت هاريسون في كتابه «سطوة الموت» أن الفلسفة الغربية تنطوي على قاعدة فكرية ~~قديمة تتلخص في أن معرفة الأشياء هي الشرط للقيام بها؛ أي إن من يريد بناء بيت يجب أن يعرف ~~أولا ما هو البيت، وأبي كان ms41 يعرف ذلك على وجه التقريب؛ لذا فقد وضع تصميم كل شيء بنفسه، ~~ووضع القرميد بنفسه، وقام بعمل توصيلات الكهرباء والتشطيبات بنفسه. قال إنه كان يحب القيام ~~بالتشطيبات بنفسه. وكان فعلا ماهرا في مثل هذه الأشياء. # وقف البناء الجديد صلبا أعلى حديقة الفاكهة، وكان بناء حديثا متألقا بدهاناته ~~الجديدة، وعلى يمينه الجبال السويسرية وبجانبها منطقة أبنزيل، وأمامه القرية وبريجينتس، ~~وإلى يساره جبل جيبهارد وإحدى قمم جبال الألب الشاهقة. أضفى المنظر طابعا خاصا على ~~المكان، بل ورونقا خاصا، وعندما سألت أبي بعد سنوات عن سبب وجود البيت على تلك الحالة، ~~أخبرني أنه بنى البيت في اتجاه جبل جيبهارد وليس في اتجاه الشمس. ~~••• # تزوج أبي عام 1963 وهو في سن السابعة والثلاثين. وقف في الكنيسة ومعه عروسه، معلمة ~~من مدينة سانت بولتين، اعتبر - حسب معاييره - أنها ليست لديها بيت عائلة بالمعنى الذي ~~يعرفه؛ فقد كان أبوها يعمل وقادا في هيئة السكك الحديدية، ومات في الحرب، ونشأت هي في ~~ظروف مادية صعبة، وكانت أمها تعمل مربية في دار لرعاية الأطفال في يوبس، فضلا عن قيامها ~~بأعمال حياكة هنا وهناك، وبعد زواجها للمرة الثانية أرسلت ابنتها إلى جديها في ~~فورآرلبرج، حيث درست لتصبح معلمة، وكان أول مكان عملت فيه هو مدرسة فولفورت الإلزامية في ~~المبنى القديم. # جاءت أمي من إقليم بعيد إلى إقليم أبعد، وفي أعماقه ارتكبت خطأ حسب قولها. ~~«ما يعجز العقل عنه عند اتخاذ قرار الزواج يدفع ثمنه غاليا في أثنائه.» # كان والداي أبعد ما يكونان عن الرؤية العملية للزواج؛ إذ لم يشهدا هذه الخبرة في بيت ~~آبائهما؛ لذا فقد أسسا حياتهما الزوجية على جهل، وكما يحدث كثيرا لم ينتبها إلى عرض ~~جانبي خطير؛ ألا وهو أن أحدهما لا يمكن أن يغير الآخر؛ فالطبع أقوى من الإرادة. # أخطأ والداي خطأ فادحا في تقييم مدى ملاءمة أحدهما للآخر، ولا أجد ما أقوله في هذا ~~الشأن أفضل مما قاله ليو تولستوي على لسان الدوقة في روايته «أنا كارنينا»: إن ترك قرار ~~اختيار الزوج في يد ms42 الشباب يشبه ادعاء أن السلاح المحشو بالذخيرة لعبة مناسبة للأطفال في ~~سن الخامسة. # لم يخطر ببال والدي قبل الزواج التفكير فيما سيحدث عندما يصطدم تصوران مختلفان عن ~~السعادة أحدهما بالآخر. دخل كل منهما في هذه الزيجة ولديه مقومات السعادة، ولكن إذا أمعنا ~~النظر فسنجد أن تلك المقومات كانت لنوعين مختلفين من السعادة، نوعين متضادين. وأصبح كل ~~منهما تعيسا على طريقته في التعاسة. # فلم يستطع أي منهما الوفاء بتطلعات شريكه، حتى طريقة التعبير عن المشاعر كانت مختلفة ~~تماما. استعصت الفجوة الثقافية بين جيليهما وظروف نشأتيهما على محاولات تخطيها؛ فأبي ~~من أسرة ريفية كبيرة، وأمي من عائلة عاملة مكافحة. نشأ أبي في حقبة ما قبل الحرب، وأمي فيما ~~بعدها. هو متأثر بالحرب والاعتقال، وهي بالفقر وتصورات الوطن الرومانسية. توقعات مختلفة، ~~قيم مختلفة، انطباعات ومشاعر مختلفة، هو بحبه للأمور البسيطة والمقتضبة، وهي بحبها ~~للأمور الحسية والدافئة، هو بحبه للأمور الاجتماعية، وهي بحبها للثقافة؛ أثبت أبي في مواقف ~~كثيرة عدم قدرته على مواكبة الحياة الثقافية. # في اليوم التالي لزواجهما قال الناس ساخرين: ~~«لقد نام أوجوست في الفصل الأول.» # كان الأمر بمثابة تنافر مثالي بين أحلام حياة مختلفة، فعدا الزواج وإنجاب الأطفال لم ~~تجمعهما سوى حياة كانت تسير يوما بيوم، وكأن شخصين في برج بابل يحاولان في حيرة أن ~~يتحدثا معا كل بلغته، ويشكوان قائلين: «أنت لا تفهمني!» # عندما سألت أبي لماذا تزوج أمي، أجابني أنه أحبها كثيرا وأراد أن يوفر لها حياة ~~أسرية. وهنا تظهر مجددا موضوعاته الأساسية: البيت والأمان والاحتواء؛ فقد كانت أهم الأمور ~~في نظره. ربما فكر في أن الوقوع في الحب شيء جميل، ولكن الأجمل أن يكون لك مكان تنتمي ~~إليه. # أما أمي فلم تكن تبحث عن الأمان والاحتواء، وإنما عن الإثارة؛ فقد كانت منفتحة على ~~العالم، ولديها فضول لمعرفة الجديد. كان القيام برحلة في شهر العسل مستبعدا لعدم توافر ~~المال اللازم، وكانت صدمة أمي كبيرة عندما طلبت منه القيام بنزهة واعتبارها رحلة شهر ~~العسل، ولكنه رفض. وربما اعتبر أبي أن ms43 الميزة الوحيدة في كون العالم فسيحا وجميلا هو أن ~~الناس لا يهرعون إلى فولفورت. # كانت أمي تردد شكواها كثيرا وهي غاضبة: «ولا نزهة في الغابة أيضا!» وبالفعل لم يكن ~~هذا الرفض من أفضل أمجاد أبي؛ لم يرد والدي أن يخرج عن عاداته ولو ليوم واحد، وكان يعتبر ~~كل ما يعكر صفو حياته اليومية المملة أمرا سلبيا، وإن كان نزهة قصيرة يوم سبت بعد ~~زواجه. # الخطة التي وضعها لحياته كانت تحمل شعار: الانطلاق في خطوط مستقيمة وليست متعرجة. ~~••• # أشعر وأنا أصف زيجة فاشلة وكأني أقوم بكنس قش مبتل، ولكن يبدو أن والدي قد ~~نجحا لفترة في التوصل إلى حلول وسطى لتحقيق بعض السلام الروحي؛ إذ لم يعودا يتعاركان، ~~وعندما رزقا بالأطفال أصبح هناك شيء من التوازن في العلاقة رغم كل التوترات. كانت أمي ~~سعيدة بالأطفال الذين جاءوا على التوالي، وتطورت محاولات أبي أن يكون زوجا جيدا إلى بذل ~~جهد كبير كي يصبح أبا جيدا، وتكلل جهده بالنجاح، وأمكنهما تقاسم السعادة مع الأطفال، ~~إلا أن وجود الحب بينهما في هذه الزيجة كان أمرا مستحيلا، وأبعدت المشاعر المختلفة كلا ~~منهما عن الآخر وكأنهما يزدادان تماديا في موقفهما العنيد. عندما يفكر الناس بصورة متباينة ~~تماما إلى هذا الحد تأتي لحظة يصل فيها المرء إلى قناعة بعدم جدوى النقاش أو تقديم ~~التنازلات. # سارت الأمور في البداية بين جنبات البيت الكبير على التل في مسارها العادي إلى حد ~~بعيد، وعشنا وكأننا أسرة عادية، فقد كنا نمضي ساعات طويلة يوميا في عزف الموسيقى، وبعد ~~الغداء كان الأطفال الذين أصبحوا قادرين على التعرف على ورق اللعب يلعبون لنصف ساعة لعبة ~~«الكنستة» مع والديهم. وقبل الغداء كان الأطفال يذهبون إلى ميدان الكنيسة أسفل التل ~~لينتظروا هناك أباهم القادم من المكتب ليقضي ساعتين في البيت، وحينها كانت القرية كلها تبدو ~~ألطف وأرق، ورائحة الطعام تتخلل الحدائق والشوارع؛ لأن الطعام كان يقدم تقريبا في ~~كل البيوت في وقت الظهيرة تماما، وكان أبي يجلس أحد الأطفال في صندوق الحقائب وآخر على ~~الدراجة ms44 وبقية الأطفال كانوا يمشون بجوارها. وبعد ظهر أيام السبت كان يأخذ الأطفال معه ~~إلى ملعب كرة القدم، كذلك كان يخرج للتنزه معهم أيام الأحد. # ومن ملجأ الأطفال في مدينة بريجينتس، كان الفتى توني يأتي ليقضي عندنا العطلات كلها. وكان ~~أبي يشرف على حديقة خضراوات وحديقة توت، وكان يصنع المشروبات. وعندما قالت أمي إنها لم تعد ~~قادرة على الإشراف على أربعة أطفال وهم يسبحون في نفس الوقت في البحيرة، وإن على أبي أن ~~يصحبها المرة القادمة، قام أبي ببناء حمام سباحة في حديقة البيت. # في البداية فكر في خطة متهورة؛ وهي بناء حمام السباحة فوق سطح مرأب السيارات، وأن يصل ~~بينه وبين الشرفة الخارجية للمنزل بجسر معلق. وكان عنده من مثل هذه الأفكار دائما ما ~~يكفي. # بالرغم من فارق السن بين والدي لم يكن أبي يقوم بدور السيد والمدير في البيت، بل كان ~~يسعد كثيرا عندما لا يسأل عن رأيه؛ لم يكن ذا شخصية حازمة وصارمة. كانت أعمال البيت هي ~~الشيء الوحيد الذي لم يكن يساعد فيه، مع أن زوجته عادت سريعا إلى وظيفتها؛ وذلك لأنه كان ~~مقتنعا تمام الاقتناع بأن هناك - بموجب الدين والقانون - عملا للرجال وآخر للنساء. ~~فالتنظيف كان عمل النساء، عدا تنظيف الحديقة، والطرق بالمطرقة عمل الرجال، عدا الطرق ~~على اللحم لترقيقه. # وكان البيت منطقة عمل دائمة بسبب عمليات الإضافة أو التغيير المستمرة؛ إذ لم يتوقف أبي قط ~~عن التفكير في التحسينات الممكن إدخالها على البيت أو الحديقة، وكان بوسعنا أن نحصل على كل ~~ما نريد فيما يتعلق بهذا الجانب. إذا كان يحتاج أحدنا إلى غرفة إضافية، فلا ضير في ذلك؛ ~~فهكذا ينشأ مكان إضافي للمعيشة، ومساحة إضافية ليقوم بأعمال التشطيبات اللازمة لها. # ودفع الشغف باكتشاف «العالم» أمي إلى تأجير غرف في بيتنا كل صيف، مع تفضيل الضيوف ~~الألمان والهولنديين الذين يتمتعون بذكاء استراتيجي جعلهم يختارون هذا المكان بين بحيرة ~~بودينزيه وغابة بريجينتس لقضاء عطلتهم. بعدما استكمل أبي بناء سطح بيتنا أصبحنا نؤجر ~~غرفا على مدار العام كله؛ ms45 سواء لمعلمات زميلات لأمي، أو لشباب ليست لديهم متطلبات ~~عالية. # في عام 1977 جاء «العالم» إلى أمي. كان لدينا مستأجر اسمه بيش، وكان اسمه الذي يعني ~~سوء الحظ مناسبا له، كان شعره أسود، وكان يحب ارتداء اللون الأسود، ولم يعرف أحد عمله على ~~وجه التحديد، ولكنه كان لطيفا وودودا. وكنا نحن الأطفال نأكل سكر الشعير الخاص به كلما ~~تركه. عندما كنا نذهب إلى القداس ويطلب منا إحضار مجلات قديمة كان الآخرون يحضرون مجلة ~~«فرنزيه تسايتونج» أو مجلة «شتادت جوتيس»، وكنا نحضر مجلتي «شتيرن» و«شبيجل» ~~الألمانيتين؛ حيث كان السيد بيش يلقي بهما تحت الدرج مع الأوراق القديمة، وكنا نعود ~~ومعنا المجلات من الكنيسة. # ذات يوم نزل بيش من غرفته أعلى المنزل وقال إنه سيضطر إلى الانتقال إلى سكن آخر، وأنه لا ~~يملك ما يكفي لدفع قيمة آخر إيجار؛ لذا سيترك لنا المذياع والموقد. وافق أبي على العرض، ~~وغادر المستأجر، وبعد أيام حضرت الشرطة للسؤال عنه للاشتباه في انتمائه لمنظمة «الجيش ~~الأحمر» الإرهابية، فأخبرناهم بأنه قد رحل. # في نفس هذا الوقت قام أعضاء في «حركة 2 يونيو» باختطاف السيد بالمرز صاحب مصنع الجوارب، ~~وقام رجل منهم - كانت لهجته توضح بسهولة أنه من فورآرلبرج - بعمل الاتصالات الهاتفية ~~اللازمة لطلب الفدية. ونشرت الصحف رقما هاتفيا ليتصل الناس به ويستمعوا إلى تسجيل لصوت ~~الرجل المطلوب عسى أن يتعرف أحد على صوت ذلك المجرم. كنت في التاسعة من عمري، وطلبت ~~سرا ذلك الرقم عدة مرات، وبدت لي الشعارات التي كان يرددها مخيفة وغريبة، ولكني على أي ~~حال لم أفهم شيئا. وبلغت الإثارة ذروتها عندما أثبتوا أن المتصل كان شابا من فولفورت؛ ~~هو السيد بيش، الذي كان تلميذا عند أمي في المدرسة قبل ذلك، وذكرت أمي أنه كان فتى هادئا ~~جدا ولطيفا، وأنها كانت تشعر تجاهه بالود. # ولم نسمع شيئا عن السيد بيش لسنوات طويلة. وشعرنا نحن الأطفال بعد ذلك بسعادة كبيرة؛ ~~لأننا كنا نؤوي إرهابيا مطلوبا للعدالة، وكنا نأكل سكر الشعير الخاص به، واعتقدنا أن ~~فولفورت ms46 هي المعقل السري لمنظمة «الجيش الأحمر» الإرهابية. وذات يوم فوجئنا بالسيد بيش ~~واقفا أمام باب بيتنا في زيارة قصيرة ، وأصابنا ذلك بشيء من الذهول. سأله أبي لماذا كانت ~~الشرطة تبحث عنه، فأشاح بيده وقال إنهم وجدوه بسرعة وأخلوا سبيله بسرعة، وأن الأمر كله كان ~~بسبب الهستيريا التي سادت عام 1977. # فظهر على أبي الارتياح، ولكني أصبت بخيبة الأمل. # كانت طفولتي تنتهي بالتدريج، وكان أبي حتى ذلك الوقت أبا جيدا وسعيدا، حتى جاءت اللحظة ~~التي كان عليه أن يأخذ بزمام المبادرة فيها. لم يكن يحب الأطفال وهم في سن المراهقة، وهو ~~ليس الوحيد في ذلك. كان عليه العمل على كسب هؤلاء الشباب وتحميسهم لعمل شيء مفيد، ولكن لم ~~يكن من طبيعته المبادرة بالتواصل مع الآخرين؛ لذا فضل أن ينسحب من المشهد، وأن يتصلب في ~~قالب عادات كيانه الريفي. # سمعت يوما أن كلمة الوطن وكلمة العادات في اللغة اليونانية تنتميان إلى نفس الأصل ~~اللغوي. # عندما كان جرس الهاتف يرن، لم يكن أبي يتحرك من مكانه؛ لأنه لم يكن يتصور أن أحدا يحتاج ~~إليه في شيء. # فكان يقول: «هذا بالتأكيد ليس لي.» # كذلك لم يعد ينتظر ساعي البريد، ولم عساه ينتظره وهو لا ينتظر ولا يتوقع أن يأتيه ~~بخطاب؟ # وتحول أبي في عيني بالتدريج إلى إنسان لا يربطني به شيء، ولأنه كان من المستحيل أن ~~أوجه ثورة الشباب ضد السلطة الأبوية (علما بأنه لم يحاول قط فرض سيطرته على أحد) فقد ~~بحثت عن بديل، وثرت في وجه التجاهل الأبوي؛ فعادة نجد أن رعاية والدينا لنا إما أقل أو ~~أكثر مما يجب. واتهمته بعدم الاكتراث بأمورنا، ولكنه لم يكن يرد على مثل تلك الاتهامات؛ ~~مما زاد غضبي عليه، فلم أكن أفهم ذلك الوضع؛ ومن ثم لم يكن بوسعي التصالح معه، حتى إني ~~أسقطته يوما من حساباتي واعتبرته شخصا لا يعنيني. كان لدي ما يكفي من المشاكل، ومع أن ~~هذا كان صحيحا فإنه كان مجرد محاولة فرار؛ لأن اهتماماتي قد تغيرت بما يتواكب مع ~~سني. # ربما ms47 وصل تأزم الوضع بيننا إلى درجة لا يمكنني أن أدعي معها رغبتي في رأب الصدع بيني ~~وبينه في ذاك الوقت؛ إذ لم يكن له وقتها أهمية خاصة في حياتي، وفي بعض الأحيان كان وجوده ~~ليس مهما بالنسبة إلي. # لفت انتباهي منذ صغري رويته في تقييم الآخرين؛ فلم يكن يتسرع في إصدار الأحكام ضدهم ~~أو يتكلم عنهم بالسوء. وثمنت ذلك فيه وأنا أقف منه على مسافة تزداد بعدا. # أصبح أبي يقضي فترات طويلة في القبو، تحديدا في الورشة؛ حيث كان يمكنه أن يغزل حبائل ~~أفكاره أو أن يهيم معها على غير هدى، وكان بوسعه هناك أن يخلص حياته من أي تأثيرات ~~خارجية؛ فقد كانت الورشة بمثابة الملجأ والوطن له، وما زلت أدهش للنظام الذي كانت عليه ~~الورشة. قام في السبعينيات بتثبيت لوح خشبي في السقف المنخفض، ثم ثبت فيه بانتظام أغطية ~~برطمانات أغذية الأطفال، وبعد ذلك وضع الأشياء الصغيرة مثل المسامير والأزرار في تلك ~~البرطمانات، ثم ثبتها في أغطيتها لتصبح متدلية من اللوح الخشبي، وما زالت العشرات منها ~~معلقة من سقف الورشة حتى اليوم بانتظام ملفت، حتى إن زوجته وأولاده كانوا يجدون ما ~~يبحثون عنه دون عناء. # عندما كان أحدنا يسأل: ~~«أين أبي؟» # كان الرد يأتي عادة: ~~«في الورشة على ما أظن.» ~~«ماذا يفعل هناك؟» ~~«بالتأكيد شيئا سخيفا آخر.» ~~••• # تطفو في ذكرياتي مواقف مشابهة كثيرة من تلك الفترة فوق السطح. لم يرغب أحد من أعضاء ~~الأسرة في أن يخرج أبي، الذي يعيش على هامش حياتنا الأسرية، عن عزلته ويقوم بإزعاج الأسرة ~~في حياتها المعتادة (حتى ولو ظل المثقاب الكهربي في القبو يؤثر على صورة التليفزيون، وظل ~~الطرق والضوضاء المتواصلين من جانب البيت هذا أو ذاك يضايقان الأطفال في الوقت الذي يجب ~~عليهم الاستذكار فيه أو يرغبون في القراءة). حتى مشاعري عند بداية مرض أبي تبعت نفس النموذج. ~~ظننت أني لا أريد أن يتسبب المرض في جعل أبي ينعزل عن حياتي وأن يؤثر عليها سلبا حتى وهو ~~في عزلته. إذا أمعنا النظر ms48 فإن أبي عاش في بداية مرضه نفس حياته الرتيبة التي تشبه حياة ~~الشخصية الروائية روبنسون كروزو، وكانت الأسرة تمثل له خلفية القصة؛ فهي البحر والريح ~~والغابة والماعز وخادمه فرايداي. # وقصة روبنسون كروزو هي الرواية الوحيدة التي قرأها أبي في حياته، بل وقرأها عدة مرات. ~~وتعد تلك الرواية من أهم أعمال الأدب العالمي، ولا يقوم الحب فيها بدور مهم؛ فأهم ~~موضوعاتها كان تحقيق الذات. سمى أبي أول سيارة امتلكها، وكانت من طراز «دي كيه دبليو ~~كابريو» موديل 1934، «روبين»، وقد سافر بهذه السيارة لمدة يومين أو ثلاثة إلى جنوب التيرول ~~مع بعض أصدقائه في نفس عام شرائها 1955 قبل زواجه بفترة طويلة. ~~••• # ومرت أعوام الثمانينيات ولم يكن والداي أفضل مثال على الزيجة السعيدة. أدى مرور الوقت ~~إلى اتساع هوة الاختلاف بينهما بدلا من رأبها. سادت البيت حالة من الكآبة، وساعدت مراهقة ~~الأبناء في تفكك البيت أكثر. ولأن المرء ينطلق دائما من أن الأسرة شيء منسجم ومتجانس، بدأ ~~كل من في البيت يشعر بأنه جسم غريب فيه، وبعد فترة شعر الجميع بأنهم منعزلون؛ يعتمدون ~~على أنفسهم، وينشغلون بأمور لا يأبه بها الآخرون. # قال عمي يوزيف ذات مرة: «لم تسر الأمور في بيتنا أيضا كما ينبغي لها أن تسير؛ فعندما ~~كان أحدنا يواجه مشكلة في المدرسة لم يكن يتحدث عنها حتى مع أخيه، وإذا سعد لأمر، كان ~~يخفيه ويذهب إلى الغرفة العلوية ليقفز في الهواء فرحا.» # وشابه ذلك تقييمي للوضع في بيتنا عندما كنت شابا؛ إذ لم أكن أشعر أني في بيتي إلا بوضع ~~حدود واضحة تفصلني عن الآخرين، وفي آخر الأمر كان كل منا يشعر بأن الكيل قد طفح من الآخر، ~~أو على الأقل كان هذا إحساسي. ~~••• # عندما أنهيت دراستي الثانوية كان تمزق العائلة قد بدأ يؤثر بصورة ملحوظة على الحالة ~~النفسية لأفرادها، ولكن لحسن الحظ كان تدارك ذلك ممكنا، كما ظهر عندما تغيرت الأوضاع بعد ~~سنوات. # كل تلك الذكريات محيت تماما من ذاكرة أبي، بينما ما زالت نبتة النسيان تنمو لدي ببطء. ms49 ~~عايشت بعض الأمور مع والدي في أثناء فترة دراستي؛ فقد كانت أمي تعاني بصورة متزايدة من ~~الضغوط التي تحاصرها، وعندما أفكر في الماضي لا أعجب من سوء حالتها المزاجية معظم ~~الوقت. ففي الحفلة الخاصة باجتيازي للمرحلة الثانوية كان والداي متعاركين، وضايق أمي أني كنت ~~الوحيد من بين أقراني الذي لا يرتدي قميصا. أخذني أبي بعيدا وشرح لي الموضوع بطريقته ~~الهادئة، وسألني عن رأيي في أن يشتري من أحد الندل قميصه. ولكي يبرهن على جدية موقفه ~~أخرج حافظة نقوده (وكانت الصورة لا تزال فيها) من جيب سترته الداخلي، وأخبرني أن معه ما ~~يكفي من المال، وأن كل نادل يكون لديه قميص احتياطي في خزانته تحسبا للظروف، كأن ينسكب ~~على ملابسه شيء وهو يقدمه للناس. وطلب مني أن أفكر، فالأمر ليس صعبا؛ فنظرت إلى أبي ~~وكأنه مخلوق فضائي قادم من القمر، وأخبرته رفضي الفكرة؛ لأني لا أرغب في الوقوف هناك ~~مرتديا قميص النادل. واليوم يجب أن أقول إن العرض الذي قدمه أبي كان عرضا جيدا وسعيا ~~طيبا منه لإيجاد حل للمشكلة. ~~••• # بعد أسابيع غادرت فولفورت للدراسة. # ما أهم شيء في الحياة يا أبي؟ # لا أعرف، لقد عشت أشياء كثيرة. ولكن المهم ... # هل تذكرت شيئا يا أبي؟ # المهم أن يكون حديث الناس عنك طيبا؛ فهذا يجعل كل شيء أسهل. # وماذا تكره؟ # عندما أضطر إلى اتباع الآخرين؛ فلا أحب أن يسوقني الآخرون على غير هدى. # ومن يسوقك على غير هدى؟ # في هذه اللحظة تحديدا لا أحد. # | الفصل السابع # في الأيام الباردة أو الممطرة في السبعينيات كنا نجلس حول الطاولة في المطبخ ونلعب «لعبة ~~الحياة»، وهي لعبة تتكون من لوح خشبي ومجموعة من القطع، ويمكن تحقيق مكسب مادي عند الفوز ~~فيها، ومسموح للأطفال فوق العاشرة بلعبها. كانت على اللوح الخشبي رسومات ملونة تتعلق ~~بالسن ومرحلة الحياة، يقوم اللاعب بإدارة عجلة الحظ ويتبع الطريق الذي تفرضه عليه العجلة: ~~التعليم، السفر، الزواج، النجاح، الفشل، المنازل التي كانت تبنى وكانت تحترق بعد ذلك، ~~الفشل في العمل، اكتشاف حقل ms50 بترول، خسائر في البورصة، اليوبيل الفضي للزواج، بلوغ سن ~~التقاعد. لم ندرك وقتها أن الطريق الذي كان علينا قطعه في اللعبة لا يعتبر شيئا ~~مقارنة بالحياة، كما لم نتصور مدى تعلق الفشل والنجاح بالحظ. # عندما كان أحد اللاعبين يصاب بحادث في اللعبة أو يضطر للتوقف عن اللعب بسبب المرض، كنا ~~نضحك في بهجة. ~~••• # وبدأ أبي يفقد قدرته على التوجه المكاني شيئا فشيئا؛ فكان يخرج ماشيا في الجوار في ~~جنح الليل مرتديا ملابس النوم، وخفنا أن يصيبه مكروه؛ لذا قررنا توفير رعاية له على ~~مدار الساعة؛ فبدأنا في غلق الباب المؤدي إلى الدرج ليلا. # وقد استطاعت السيدات السلوفاكيات اللاتي كن يأتين إلى بيتنا لرعايته تنظيم حياته اليومية، ~~بعد أن كان تغير الأشخاص الذين يحضرون إلى غرفة نومه صباحا يصيبه بالحيرة. فتحسنت ~~حالته في غضون فترة وجيزة، ولاحظنا كيف بدأ يستعيد نشاطه، وارتبطت بذلك حقيقة أن المرض ~~كانت حدته تخف كلما تقدم، وبدأ بالنسبة إلى أبي العصر الذهبي لمرض ألزهايمر. # كل مريض ألزهايمر يختلف عن الآخر، والتعميمات عادة تكون غير دقيقة، ولكن الأمر المشترك ~~بين مرضى ألزهايمر جميعا هو عدم إمكانية ثبر أغوارهم؛ فكل مريض حالة مفردة، له قدرات ~~ومشاعر ومسار مختلف لمرضه. # في حالة أبي سار المرض ببطء، وبقدر عدم إدراكه لسوء حالته بقدر ما خف تأثير المرض على ~~حالته المزاجية. ورغم إدراكه المرض في البداية فإنه لم يخف منه خوفا شديدا؛ فقد تقبل ~~قدره بارتياح؛ مما جعل موقفه الداخلي الإيجابي دائما يظهر بوضوح. # وأصبح من النادر أن يهيم على وجهه في البيت دون وجهة، ولكن ظلت هناك مواقف يطلب فيها ~~الذهاب إلى البيت، إلا أن هذا الطلب لم يعد مصحوبا بحالات الهلع التي كانت تصيبه من قبل. ~~كان صوته عادة يخرج هادئا وكأنه إنسان يعلم أن نهاية الحياة دائما تكون سيئة؛ ومن ثم فلا ~~داعي للانفعال. # وعندما أصابه الملل ذات مرة من انتظار أي شخص يأخذه إلى البيت قال: «سأذهب الآن إلى ~~البيت. هل ستأتي معي أم ستبقى هنا؟» # فأجبته: ms51 «سأبقى هنا.» ~~«إذن سأذهب وحدي؛ فبم سيفيدني الانتظار هنا؟ من يعلم؟ ربما سأذهب إلى البيت في شهر ~~نوفمبر، وربما اضطررت لدفع مبلغ ما؛ لذا الفرصة الوحيدة المتاحة أمامي هي التوجه إلى البيت ~~فورا.» ~~«إذن، فاذهب!» ~~«هل مسموح لي أن أذهب؟» ~~«إذا كنت تريد ذلك، فأنت حر.» ~~«أمر آخر، هل يمكن أن آخذ معي أقربائي؟» ~~«بالتأكيد، خذهم معك.» ~~«حسنا، شكرا لك.» # نظر حوله وكأنه يريد تذكر ما يريد أخذه معه، ثم قال راضيا: ~~«لم يعد هذا أمرا يعنيني شخصيا.» # وبعدها جاء إلي مرة أخرى عند الطاولة وبدا على وجهه الإحراج من هذا الموقف، تردد ~~قليلا ولكنه تكلم في النهاية. ~~«هل يمكن أن تعطيني عنوانا أو أي إرشادات أخرى؟ مثلا أن تقول لي سر حتى نهاية الشارع ~~العلوي حتى ترى البيت.» # شعرت بشفقة كبيرة عليه للطريقة التي طلب بها المساعدة، فقلت له: ~~«لقد فكرت وسآتي معك؛ فإذا انتظرتني نصف ساعة حتى أنتهي من الكتابة، فسنذهب ~~معا.» # سألني: «إلى أين؟» # فقلت: «إلى البيت، أنا أيضا أريد الذهاب إلى البيت.» ~~«حقا؟» ~~«نعم، ولكن قبل أن نذهب عليك أن تستريح قليلا وتجمع طاقتك.» ~~«هل المكان بعيد؟» ~~«قليلا، ولكن يمكننا قطع الطريق دفعة واحدة.» ~~«وستذهب فعلا معي؟» ~~«نعم، بكل تأكيد.» ~~«ستفعل هذا حقا؟» # ربت في حنان على يده وقلت له: ~~«نعم، وبكل سرور.» # أعجبه الرد كثيرا، فأشرق وجهه وأخذ بيدي وقال: # شكرا لك. # ثم جلس معي إلى الطاولة وقضينا أمسية هادئة إلى حد ما، حتى جاءت المشرفة على رعايته ~~وأخذته إلى سريره. ~~••• # كثيرا ما كان يظنني أخاه باول، وكان هذا سواء بالنسبة إلي؛ فأهم شيء أنه يعتبرني من ~~العائلة. وكنت أرضى كذلك عندما يحييني في الصباح منشدا أغنية: # حياك الرب يا أخي الجميل. # وأحيانا كان يغير مسار كلامه في وسط الجملة ويقدمني على أنني أخوه باول - حارس الغابة ~~- ويضيف: ~~«إنه شاعر ومفكر.» # لم يعد أبي يترك البيت وحده تقريبا قط. في بعض الأحيان كان يجلس على السور أمام البيت، ~~أو يقف في الشرفة الخارجية ناظرا إلى ms52 القرية أسفل منه. في تلك اللحظات كنت أتوقع أن يكون ~~قد برأ من مرضه، فيستدير إلي ويجري معي حديثا عاديا عابرا. لم يكن يوبخني ولا يسدي إلى النصائح؛ فلا أذكر أنه ~~ألقى علي محاضرة تربوية مهمة؛ فقد كان يفضل إبداء الملاحظات عن الطقس وتغيرات ~~الطبيعة. # من يراه في ذلك الحين واقفا في ظل الأشجار سيعتقد بالتأكيد أن كل شيء فيه ما زال على ما ~~يرام. # ظننت وقتها أن ما بقي من الوقت قليل، وأخذت أفكر فيما سيحمله لنا العام القادم، ثم ~~الذي يليه، سنتان أو ثلاث. هذه المدة تقريبا التي أعمل فيها على كتابة رواية. ثلاثة أعوام ~~كانت تقريبا المدة التي اعتقدت أني سأتمكن من التواصل مع أبي خلالها؛ لذلك كنت أحضر ~~إلى فورآرلبرج كلما استطعت، وكنت أعفي المشرفات على رعايته من العمل مساء لأقضي معه الوقت ~~وحدي. # كانت الأيام تمر في سلام تام، حتى إنني كنت أعتقد أحيانا أن هناك مشكلة في أذني؛ ~~لأني لم أعتد هذا الهدوء. عندما كنت أعمل كان أبي يجلس إلى طاولة المطبخ في مواجهتي ساعات ~~طوال. كان يمسح بيده على الطاولة ويتنفس أحيانا بسرعة وبإيقاع منتظم، أو يقف لفترة طويلة ~~أمام حامل الصحف، عدا ذلك كان يتصرف بهدوء. وأحيانا كان يطرح سؤالا ثم نتجاذب أطراف ~~الحديث بعض الوقت، أو ينظر إلى ما أكتب على الكمبيوتر المحمول الخاص بي ويقرؤه، وسألته إذا ~~كان يهتم بما أكتب، فقال: ~~«نعم، ربما أهتم به قليلا.» # ثم جلس وبدا وكأنه غارق في الأحلام. عندما كان يجلس تائه الفكر، كنت أراه على حالته ~~القديمة، وأحيانا كان يلعب بأصابعه وكأنه لا يوجد شيء مهم آخر يجب القيام به، أو كان يطلب ~~مني إخباره إذا كان باستطاعته مساعدتي. # ثم يضيف: «أعرف، للأسف، أن نتائج ما أقوم به لم ~~تعد جيدة ومعدل إنجازي ضعيف جدا. الأمر صعب، لن أستطيع مساعدتك.» ~~«أنت أكثر شخص يساعدني يا أبي.» ~~«لا تقل ذلك!» ~~«بالتأكيد، فأنت بالفعل أكثر شخص يساعدني.» ~~«لطيف منك أن تقول ذلك.» ~~«هذه حقيقة.» # فكر ms53 قليلا ثم قال: ~~«إذن فسأضع ذلك في الاعتبار حاليا.» # عندما كان يجلس وحده في الغرفة، كان يغني، وكثيرا بصوت مرتفع . فكرت في أنه لو ~~استمر على ذلك فسيبلغ التسعين. عاش أبي بطريقة صحية؛ إذ دأب على تناول وجبات منتظمة ~~يوميا، فضلا عن قيامه بكثير من الغناء والتنزه والنوم الطويل. كذلك كان يقدم له اللحم ~~كل يوم عدا يوم الجمعة، وكانت المشرفات السلوفاكيات يحرصن على الالتزام بمثل تلك الأمور. ~~كذلك كن يصحبنه يوم الأحد إلى الكنيسة، عندما يكون بيتر والأسرة قد سبقوه في المساء إلى ~~هناك. # وكان أبي يغير كلمات الأغاني ممازحا وهو ينشدها. كذلك زادت إبداعاته اللغوية وهو ~~يتحدث أيضا؛ فقد عادت روح المرح إليه مجددا، وكأن حديقة جميلة مهجورة عاد شيء من جمالها ~~للظهور. # قال ذات مرة: «كنت أشارك في تلك الأمور إلى حد ما.» ثم استدرك قائلا: «ولكن عليك أن ~~تفهم قولي «إلى حد ما» على أنه حد قريب وليس بعيدا.» # أدهشتني كثيرا طريقة تعبيره، وكنت أشعر عند سماعه بأنني أقترب من نبع الكلمات السحرية. ~~قال جيمس جويس، متحدثا عن نفسه، إنه لا يمتلك مخيلة واسعة، ولكنه يترك العنان للغة. ~~وهكذا بدا لي أبي؛ فقد كان يغير الكلمات؛ فمثلا بدل كلمة «مستقبل» كان يقول «مستقفل»، ~~وبدلا من قول «هذه غاية علمي» كان يقول: «هذه نهاية حياتي.» أيضا كان يشدد على نطق ~~الحروف لإظهار المقاطع المختلفة في الكلمات المتشابهة؛ مثل: «عاجل» و«عجول»، أو «أسرع» ~~و«بسرعة». وكان يستخدم أيضا عبارات قديمة لم أسمعها منذ زمن؛ مثل: ~~«هذا طول المفرش الكتان وعرضه، ولن يجدي جذبه من أطرافه وشده.» ~~«من يجد التعثر لا يقع.» ~~«كف عن التظاهر وكأنك وجدت مسامير الحذاء في صحن الحساء.» # وعندما كان ينسى كلمة كان يقول: ~~«لا أدري كيف يمكن أن أسميها.» # كانت الكلمات تنساب من فمه ببساطة، وكان يقول بهدوء ما يخطر بباله، وعادة كان ما يقوله ~~ليس مبتكرا فحسب، بل عميق أيضا، حتى إنني كنت أتساءل كيف أعجز عن قول مثله! أدهشتني ~~دقته في التعبير وقدرته ms54 على إيجاد اللهجة المناسبة ومهارته في اختيار الكلمات. فقد قال لي: ~~«أنت وأنا، سيجعل كل منا حياة الآخر أفضل ما يمكن، وإذا فشلنا في ذلك، فعلى الأقل سيخرج ~~أحدنا صفر اليدين.» # في مثل تلك المواقف كنت أشعر وكأنه يخرج من بيت المرض ليتنسم الهواء النقي؛ للحظات كان ~~يعود لذاته. عشنا أوقاتا سعيدة، أجمل ما فيها أنها كانت تأتي رغم أنف المرض. # وفي يوم آخر قال: «أشعر حسب تقييمي للوضع أني بخير؛ فأنا رجل مسن، ويجب أن أفعل ~~الآن ما يحلو لي، ثم أرى إلام سيؤدي.» ~~«ماذا تريد أن تفعل يا أبي؟» ~~«لا شيء، هذا أجمل ما في الموضوع. كما تعلم، يجب أن يكون الإنسان قادرا على ذلك.» ~~••• # إما أن يكون أبي قد فقد القدرة على إدراك مأساته، أو توقف عن الشعور بمدى مأساويتها. ~~حتى عندما اكتشفنا وجود ورم في المثانة عنده بعد أن نزف كثيرا في أثناء التبول، لم يتوتر ~~أبي كثيرا؛ ظل محتفظا بهدوئه، ولكنه تعجب قليلا، إلا أنه بعد إجراء العملية ظل فترة ~~مشوشا بسبب التخدير والمكان الغريب عليه. فرح الجميع عندما سمح الأطباء له بالعودة إلى ~~البيت، وهناك تحسنت حالته بسرعة، وعرف على الفور أنه في البيت. وكان لذلك دلالته. # وعندما كان في المستشفى شكا للمشرفة على رعايته دانيلا آلاما يعانيها، ولكنها أجابت ~~بأنها لا تستطيع أن تفعل له شيئا، ولكنها ستبقى بجانبه. عندها قال: ~~«عندما تكونين بجانبي، فإن هذا يساعدني كثيرا.» # اكتشفنا أيضا إصابة أبي بمرض السكري الذي يصيب غالبا كبار السن. وأثبت أبي قدرة فائقة ~~في ابتلاع أقراص الأدوية مهما كان حجمها، دون الاستعانة بأي سوائل، كل صباح، بينما كان يعلو ~~وجهه تعبير عجيب، ولم يكن يشرب إلا بعد أن يستقر الدواء في معدته. # منذ فترة لم يعد قادرا على إدراك الفرق بين الواقع وما يراه في التليفزيون. كان يسأل ~~كيف يمكن أن تظهر هناك - حيث ينظر - غرفة لا يعرفها، وبعدها بلحظة تظهر سيارة؟! ~~«من أين أتت السيارة؟» # وصل الأمر إلى ذروته عندما نهض ذات ms55 مرة من فوق الأريكة حاملا كعك عيد الميلاد ليقدم ~~منه لمذيع الأخبار في التليفزيون. وعندما لم يستجب المذيع لدعوة أبي، أخذ قطعة وقربها من ~~فمه في التليفزيون واقترح عليه أن يجربها. تضايق أبي لما أبداه المذيع من تصرف غير لائق، ~~وأصابنا المشهد بصدمة، بالرغم مما فيه من فكاهة. كان الأمر مرعبا. # في الواقع، كان المرض يؤدي إلى ظهور أعراض غريبة عليه، عادة ما كانت تستمر لفترات قصيرة، ~~وعادة كانت تدل على أن أبي لا يشعر بأنه في حال جيدة، ولكن حالته كانت تتحسن بصورة سريعة ~~جدا تبعا لدرجة الرعاية التي يتلقاها. # كان أبي يشعر بارتياح وانسجام كبيرين مع بعض المشرفات، في حين كانت أخريات يفشلن في ~~إعطائه الإحساس بالرعاية والاهتمام؛ لذلك كان معهن مشوشا وخائفا ومتوترا ويشعر بأنه في ~~مشكلة حقيقية. # صرخ أبي يوما: «يوجد إطلاق نيران، يجب أن نختبئ! السويسريون يطلقون النار ~~مجددا.» ~~••• # تصاعدت سحابة دخان رمادية مشربة بلون بني فاتح من بيت جدي؛ إذ كان عمي روبيرت يحضر ~~العرق، وكان عمي إيريش قد خرج فيما بعد الظهيرة ومعه دلو وجاروف صغير ماشيا عبر الحقل ~~إلى أعلى التل لتقليم أشجار البلوط الصغيرة التي لا تتوقف عن النمو. وأصبح الدخان المتصاعد ~~من الفرن شبه شفاف، ربما يكون العرق في آخر مراحل النضج. رأيت من غرفة مكتبي شجرة الجوز ~~وهي تتوارى وتختفي خلف الدخان. # كان يوما باردا وسحبه خفيفة. خلف بيتي بحث سرب من ~~العصافير عن طعام بين أشجار التوت. # عندما رن جرس هاتفي المحمول كنت أعمل منذ ساعة على وضع تصور لرواية «كل شيء عن سالي»، ~~وأشرب قهوة من فنجان قديم جزء منه مكسور، وكانت المتصلة ماريا، إحدى المشرفات على رعاية ~~أبي. حاولت أن تقنع أبي بالاستحمام ولكنه رفض وحبس نفسه في الحمام عندما خرجت للحظة، ورفض ~~الخروج. # صعدت إليهما في الطابق العلوي لعلاج المشكلة. وبعد إلحاحي في الرجاء فتح أبي ~~الباب. كان يجلس على مقعد الحمام مرتديا بنطالا طويلا وفانلة بيضاء دون أكمام، وجلده ~~متدل عند أعلى ذراعيه بعد ms56 أن أنهكه توتر الموقف. كان متوشحا باثنتين من فوط الاستحمام ~~وكأنه محارب قديم، وفي إحدى يديه أمسك بفرشاة ظهر طويلة ممدودة للأمام، وفي الأخرى مبرد ~~الأظافر شاهرا إياه كسلاح له. كان يبدو فعلا مثل ملك، بصولجانه وسيفه، ولكن وجهه كان يحمل ~~خاتم الجنون. # سألته إذا كان يريد مشاهدة التليفزيون معي. # فلم ينظر إلي، وعبس وجهه، وكأنه عازم على تصعيد الأمر. أخذ يهذي وينظر مرارا إلى ~~صنبور الاستحمام، وسألني عما يجب عليه فعله مع «الآخرين». # وبدأ يلوح بالفرشاة الكبيرة ومبرد الأظافر؛ مما أفقدني تركيزي. وبدلا من أن أطمئنه ~~بادعاء أني سأحميه منهم وأبعدهم عنه، حاولت أن أصرف انتباهه، ولكن دون جدوى. استمر ~~إحساسه بالتهديد وهو ينظر يمينا ويسارا في وضع الاستعداد ورأسه ممدود للأمام. # عندما أردت أخذ الفرشاة منه لوح بالفرشاة في وجهي، ففزعت وقلت له: ~~«هل جننت؟! أنت كاتب محترم في الإدارة المحلية! كيف تفعل شيئا كهذا؟ من علمك مثل هذا ~~التصرف؟ بالتأكيد ليست أمي! وأنت لم تعلمنا نحن أولادك مثل هذه الأفعال!» # انهلت عليه بهذا الكلام وأنا أعرف أن بعضه سيعني الكثير بالنسبة إليه. والجميل هو أن هذه ~~الخطبة العصماء أثرت فيه. نظر إلي متحيرا وكأنه خجل مما فعل، وترك الفرشاة ورضي أن آخذ ~~منه المبرد. وهكذا تخطينا الجزء الأسوأ. ألبسته قميصا واحتلت الحيل حتى أجلسته أمام ~~التليفزيون. ثم هدأ روعه وأصبح مرحا بطريقة مبالغ فيها، في حين كانت ماريا في حجرتها تبكي ~~بعد أن حاولت معه لمدة ساعة وهددها عدة مرات بالفرشاة. # اتصلت بهيلجا التي واجهت معه مثل هذه المواقف المتأزمة من قبل، طلبت منها القدوم ~~للاعتناء بماريا، أما أنا فقضيت المساء مع أبي الذي كان لأول مرة عنيفا إلى هذه الدرجة. ~~كان مرحا ولطيفا جدا وكأنه يعرف كم أقلقني، وكأنه يريد أن تذهب صفحة ما حدث طي ~~النسيان. هذه المرة اكتفت نار الجحيم بأن مستنا. # ولكني لم أدر كيف ستصير الأمور بعد ذلك؛ فستكون مشكلة كبيرة إذا تكرر مثل هذه الأحداث. ~~والمشرفات كن يتفاعلن بحساسية شديدة مع ms57 المواقف المتأزمة. لقد أخافني أنا نفسي، ~~وتملكتني خيالات بأنه أصبح مريضا عقليا عنيفا. # ربما تساءل أبي: ماذا تريد هذه السيدة مني؟ الاستحمام؟ هذه بالتأكيد خدعة! لن أترك ~~الغرباء يتحكمون في. إنها لا تتكلم الألمانية بطلاقة، ومع ذلك تسمح لنفسها بإعطائي ~~أوامر وبأن تدفعني. هذا أمر مريب! # لم يكن أبي يحب تذكر الممرضات الروسيات في المعسكر بالقرب من براتيسلافا؛ فبدلا من ~~الرعاية كان يتلقى منهن الأوامر. ربما بقي شيء من تلك الذكريات عالقا في ذهنه وخرج في تلك ~~اللحظة، لا أدري، ولكنها كانت مصادفة غريبة أن تأتي المشرفات على رعايته في فولفورت من ~~سلوفاكيا وبعضهن رأسا من براتيسلافا. # شاهدنا معا في تلك الليلة الموعودة برنامج «هل تفهم الدعابة؟» وبدا أبي مهتما، وعلق ~~ضاحكا على «السخافات» - كما كان يسميها - التي عرضوها، بينما كنت أدون في الكمبيوتر ~~المحمول الخاص بي ملاحظات عما حدث. أعطيت ماريا راحة لبقية المساء، ولشدة شوقها للعودة إلى ~~وطنها تركت العمل لدينا بعد أيام قلائل. # لا أذكر تحديدا إذا كانت قد عرضت في تلك الليلة في برنامج «هل تفهم الدعابة؟» الفقرة ~~التي تعطل فيها مصعد أحد الفنادق وفيه مجموعة من الضيوف، وفجأة انطفأ النور وبعد ثوان ~~عاد، ولكن شابا من بين الموجودين كان قد اختفى وظلت حقيبته ملقاة على الأرض، ومعظم ~~ركاب المصعد انزعجوا بشدة، عدا امرأة لم تتوقف عن الضحك؛ كانت تضحك بحق من كل ~~قلبها. # عندما كان أبي يهذي كان الأمر في عقله بالتأكيد يشبه ذلك الموقف؛ ينطفئ النور لبرهة ~~وفجأة يتغير الموقف من حوله، دون أي تفسير! العقل الذي يعاني مثل هذه الأمور الغريبة يكون ~~بالتأكيد في حالة طوارئ مستمرة. ~~••• # اتصلت بعد أسابيع قليلة العمة هدفيج، زوجة إميل، وتركت لي رسالة مسجلة، فعاودت ~~الاتصال بها. كان الموضوع يتعلق بكاتارينا، طفلة ابنة عمتي ماريا. عانت كاتارينا، بسبب ~~إصابتها بحمى، من شلل تام لعدة أسابيع لم تقدر فيها إلا على تحريك عينيها. ودونت ~~كاتارينا بعد الشفاء ما مرت به في هذه التجربة مع الكوابيس التي داهمتها لأيام طويلة ms58 بسبب ~~الأدوية. تحدثت مع عمتي هدفيج أيضا عن أبي، وأخبرتني عن رحلة قام بها ابن عمي شتيفان ~~معه ، أكد أبي له خلالها أنه عاش حياة سعيدة. تعجبت عمتي لذلك؛ فقليل من الناس من يعترف ~~بشعوره بالسعادة، وكانت دهشتها تزداد كلما تذكرت الصورة التي أخذت لأبي بعد إطلاق سراحه ~~من المعتقل. # فأخبرتها عن استيائي لضياع تلك الصورة وحافظة نقود أبي، ولكنها طمأنتني بقولها: ~~«يا أرنو، لدي نسخة منها، لا أعرف كيف وصلت إلينا، ولكن لدينا نسخة.» ~~«هل أنت متأكدة؟» # وصفت لها الصورة. # فقالت: «نعم، أنا متأكدة. إذا أردت فسأبحث عنها، يمكنك أن تأخذها غدا.» # أخذت منها الصورة واستخرجت نسخة من تلك النسخة، وسمحت لي عمتي بالاحتفاظ بالنسخة ~~الأصلية؛ لأنها كانت واحدة من الأشياء التي تعلق بها قلبي. # قرأت على ظهر الصورة أن إميل قام عام 1995 بعمل هذه النسخة؛ وذلك بعد أن كان هو وأبي قد ~~كبرا في السن. كان هذا في عام 1995، حين بدأت كل هذه المعضلة. # كما تعلم، أنا رجل كبير في السن، وأنت ما زلت شابا. # عندما تكون محقا يا أبي يجب أن أعترف لك بذلك. # لقد كبرت في بعض الجوانب. # كلما كبر المرء تعلم المزيد. # أما أنا فلا، للأسف؛ فلم أعد قادرا على ذلك، وسأكون سعيدا لو استطعت في القريب ... ~~القريب ... القريب ... ألا أجلس هنا، فأنا أفضل الخروج قليلا وعدم فعل أي شيء. # يمكنك أن تبقى هنا وألا تفعل أي شيء كما تشاء. # آه لو تعرف! أضطر دائما لفعل أشياء، ولكني أريد التوقف عن ذلك قريبا. # | الفصل الثامن # صوت خرير الماء المتساقط عبر المزراب رتيب ومخادع، والإنسان عاجز في مواجهة الماء ~~والزمن. # نبهت أبي إلى تساقط المطر، فنظر إلى النافذة وقال: ~~«يا للأيام الخوالي! عندما كنت شابا كان الجو بالخارج جميلا، والآن أصبح كئيبا ... ~~كئيبا.» # لم يفقد إحساسه بالزمن كلية، لكن ساعته البيولوجية لم تعد سليمة، والأمر المحير هو أنه ~~لم يفقد معرفته بضياع قدراته؛ فقد كان عادة ما يتحدث عن ذلك، وزاد حيرتي أنه في الوقت ms59 نفسه ~~لم يعد قادرا على السيطرة على مجريات يومه. لم يكن يدرك ما إذا كان جائعا أو عطشا، ~~وكان يرى أن تناول الطعام أو الشراب بالطريقة المعتادة «ليس بهذه السهولة». ذات مرة كان في ~~الطبق أمامه قطعة خبز، فقال متحسرا إنه لا يدري ماذا يفعل بها. طلب مني النصيحة، فقلت ~~له: ~~«عليك فقط أن تقضم منها.» # لم ينفعه ذلك كثيرا، فرد علي متجهما: ~~«لو كنت أدري كيف! فكما تعلم، أنا شخص مسكين.» # أحيانا كان يردد قوله أنه شخص مسكين كل عدة ساعات، غير أنه لم يكن يقولها حزينا أو ~~معترضا، بل عادة بود وكأن عليه أن يثبت حقيقة مهمة: ~~«أنا شخص لا يتوقع منه شيء. الأمر ميئوس منه.» # كان مثل هذه الجمل مناسبا لشخصيات روايات فرانتس كافكا أو توماس بيرنهارد، وكنت عند ~~سماعها أفكر أن الشخصين المناسبين قد تقابلا: رجل مصاب بمرض ألزهايمر وأديب. يجعل الكاتب ~~توماس بيرنهارد إحدى شخصيات روايته تقول عند إحساسها بالإحباط: أنا عاجز، أنا عاجز لأبعد ~~الحدود. وفي موضع آخر: لم أعد أفهم أي شيء. # كان أبي يكرر كثيرا قوله: «لا أفهم كل ذلك!» قول يعبر عن عجزه عن فهم الآليات التي ~~يتعامل معها. وبالطبع كانت تتبعه الجملة القاطعة: ~~«لم أعد شيئا يذكر.» # كما كان أبي يقيم حالته بالتفصيل، وكانت البهجة التي يعرض بها رأيه في وضعه تصيبني ~~بالقشعريرة. ~~«أنا مسكين على هامش الحياة. نعم، نعم، كانت بداياتي قوية، ولكني الآن أصبحت مسنا ... ~~ومع التقدم في العمر أصابني شيء من اللامبالاة ... لا، ليست لامبالاة ... ليست لا مبالاة، هذه ~~الكلمة غير مناسبة ... بل داهمتني مشاكل.» # ثم يحرك يديه بأن يجعلهما تتقاطعان أمام بطنه عدة مرات مشيرا إلى أن شيئا ما قد ~~انتهى. قال أبي ذلك مرة ثم قام وبحث في عدة أدراج، وبعد ذلك أغلقها. وعندما سألته عن ضالته ~~التي يبحث عنها، عجز عن الإجابة، وقال: ~~«لا شيء، لا شيء يمكن متابعته أو استكماله.» # ثم أردف قائلا: ~~«لقد رأيت شيئا وأسعدني ذلك، ولكن كل هذه الأشياء لم ms60 تعد تناسب حالتي.» ~~«وكيف ترى حالتك يا أبي؟» ~~«ضعيف، لا يمكنني فعل شيء إلا بمساعدة الآخرين، ولم أعد أصلح لفعل الكثير. على أي حال، ~~الأمر هكذا ولا يمكنني تغييره. لقد فشلت في كثير من الأمور ... كثير، كان من الممكن أن تسير ~~الأمور بصورة أفضل، ولكني لست حزينا على ذلك، أنا لا أرثي لحالي، مع أني لم أحقق الكثير ~~في الأوقات الأخيرة. في البداية كانت الأمور تسير بطريقة مرضية، ولكنها أخذت تزداد سوءا، ~~والحظ عاندني أيضا.» ~~«أي سوء حظ تعني؟» ~~«لقد أصبحت يداي عاجزتين، وفقدت الأشياء قيمتها فجأة. لا أريد اتهام الآخرين ~~بالمسئولية عن ذلك، أشيائي هي التي أصبحت ضعيفة، لم أعد مناسبا، لم أعش لحظات ازدهار في ~~آخر ... ماذا أقول؟ ... أشهر! ربما كانت الفترة أطول.» ~~«متى كانت لحظات الازدهار في حياتك؟» ~~«لم أعد أفكر فيها. عشت أوقاتا جميلة، وسعدت كثيرا، ولكن، ولكن، ولكن، مضت تلك ~~الأوقات. لقد تلفت بعض الأشياء لدي، أعرف ذلك، لكني لم أعد أحتاجها.» # ثم ذهب إلى الباب، وعاد بعد خمس ثوان. غنى قليلا ونظر في الإناء على الموقد، وبعدها ~~خرج إلى الحديقة، وعندما رجع سألته: ~~«هل يوجد جديد؟» ~~«بالنسبة إلي لا شيء، لا شيء جديدا لدي، دائما هكذا، وأنا سعيد بذلك. كما تعلم، لا ~~يوجد أي جديد لدي، أنا ضعيف، غير قادر على الإنجاز، أصبح الأمر هكذا.» ثم غنى مجددا ~~بعض المقاطع، وقال: «وقريبا ... سأرقد!» ~~«ماذا؟» ~~«لن أفعل شيئا ... كما تعلم، لا توجد لدي أمور مهمة، أشعر بذلك، لا أستطيع البرهنة على ~~ذلك، لكني أشعر به. نعم، هكذا الحال، وما يجب القيام به، يجب على الآخرين فعله.» ~~«لا تشغل بالك بالأمر. دعه لي.» # ضحك وأمسك بيدي وقال: ~~«شكرا، أود فقط أن أشكرك. أنا إنسان مسكين، كنت قديما ... أشكرك على أنك لا تجعل من عجزي ~~مأساة.» ~~«أبي، كل شيء على ما يرام، وتحت السيطرة. بدأت الشمس في المغيب.» ~~«أتعتقد ذلك؟» ~~«أنا أعرف ذلك.» ~~«أشكرك لإخباري، أنا أصبحت للأسف إنسانا خاملا.» # ثم جلس بجانبي إلى الطاولة مسندا رأسه ms61 بين يديه. ~~••• # كان دائما يحمل هم أن يكون هناك شيء لم يتم إنجازه. عندما نزلت ذات يوم من الطابق ~~العلوي وجدته واقفا مع مشرفة كانت تدعى لودميلا، كانت تحاول إقناعه بالخلود إلى النوم، ~~ولكنه كان قلقا؛ لأنه لم يتم أداء كل الأعمال، ولأن هناك من ينتظره. فطلبت منه أن يكتفي ~~بما تم إنجازه هذا اليوم؛ لأن الجميع سيخلد إلى النوم، ولكنه سأل باهتمام: ~~«ولكن من سيصطحب الناس إلى الخارج؟!» # ربت على يده قليلا، وقلت له: ~~«أنا سأفعل، يمكنهم الآن أن يغادروا البيت.» # ومن وراء حيرته بدت ابتسامة خفية، ثم غمز لي بعينه وقال: ~~«أنت أعز أصدقائي.» ~~••• # أصبح التعامل اليومي معه عادة يشبه الحياة في الخيال؛ إذ كنا نملأ فجوات الذاكرة ~~بتصورات خيالية، ونبني جسورا لتساعده على فهم ما يستعصي عليه فهمه، وتعينه على مقاومة ~~الهلاوس. المكان الوحيد الذي تبقى للتعايش بيننا كان العالم الذي يدركه والدي، وكثيرا ~~كنا نكرر قول الأشياء التي تدعم وجهة نظره وتسعده قدر استطاعتنا. وتعلمنا أن ~~القداسة المصطنعة التي نضفيها على الحقيقة هي أسوأ الأشياء؛ فهي لم تساعدنا على إحراز أي ~~تقدم، بل أضرت بالجميع. إن محاولة إعطاء مريض ألزهايمر إجابات سليمة تبعا للأعراف ~~المعهودة دون مراعاة حالته يعتبر بمثابة محاولة إجباره على فهم عالم ليس بعالمه. # وهكذا سرنا في طريق يحيد عن الواقع الملموس ثم يعود إليه عبر تعرجات كثيرة. فعندما كان ~~أبي يطلب العودة إلى البيت كنت أقول له: سأرى ما يمكنني فعله، أظن أن باستطاعتي مساعدتك. ~~وعندما كان يستعلم عن أمه، كنت أوحي إليه بأني أعتقد أيضا أنها لا تزال حية، وكنت أؤكد له ~~أنها على علم بكل شيء وتعتني به. كان يسعده سماع ذلك؛ فيشرق وجهه ويهز رأسه راضيا. ~~وإشراق وجهه وهز رأسه كانا دليلين على إحساسه بالرجوع إلى الواقع في تلك اللحظة. # عادة ما كانت الحقيقة الموضوعية لا تأخذ حظها، ولم أكن آبه لذلك؛ فقد كانت عديمة الجدوى، ~~وفي نفس الوقت كانت سعادتي تزداد كلما أوغلت تفسيراتي في بحر الخيال أكثر؛ ms62 فقد كان لدي ~~معيار واحد لها: كلما كان تأثيرها مهدئا لأبي كانت أفضل. # كثير من أمور الحياة اليومية يتوقف على آلية التعامل معها، والمطلوب منا كان شديد ~~التعقيد، وبقدر ما كان أبي حزينا لفقدان قدراته العقلية، بقدر ما كانت الأمور الغريبة تشحذ ~~فكر ذويه. كما كان الحديث معه تدريبا جيدا لمقاومة صدأ عقولنا؛ إذ كان يتطلب درجة عالية ~~من الحساسية والخيال، وكان بإمكان كلمة واحدة مناسبة وحركة واحدة سليمة في أفضل الأحوال أن ~~تهدئ من روعه لفترة. كتب فيليكس هارتلاوب في هذا السياق ما مفاده: «أن المرء يمكن أن ينجح ~~في هذه الحالة فقط إذا كان راقصا ماهرا على الحبال.» # قالت دانيلا عن خبراتها مع أبي إن إقناعه بالذهاب إلى النوم والاستيقاظ لا يكون مهمة ~~صعبة إذا سألت ~~«هل أنت متعب؟» ~~«نعم.» ~~«أتريد أن تخلد إلى النوم؟» ~~«نعم.» # يجب جعله عن طريق تلك الأسئلة يطلب ما نريده نحن أن يفعله، بهذه الطريقة أمكن تحقيق بعض ~~النظام في عالمه غير المنتظم، أما إعطاء الأوامر فيفشل دائما؛ فعندما كانت تقول: ~~«أوجوست، عليك الخلود إلى النوم الآن.» # فكان يسأل: ~~«لماذا؟» # وفي مرة كانت دانيلا تكوي الملابس، فشعر أبي بالملل وقال إنه سيذهب إلى البيت، وأن هذا ~~قرار نهائي، وإنه لن يرضى بغير ذلك، فنظرت إليه مصدومة وقالت: ~~«أوجوست، لن أبقى هنا وحدي. إذا ذهبت فسأذهب أنا أيضا، ولكن يجب أن أنتهي من الكي ~~أولا.» # فتفهم الموقف وشكرته على ذلك. # ذكرت دانيلا أنها تشكره دائما حتى عندما تقدم هي له خدمة؛ لأن هذا يشجعه ويشعره ~~بالرضا، ويجعله يتعلق بها إلى حد ما، حتى إنه أصبح يبحث عنها طوال اليوم ويتبعها في كل ~~مكان؛ لأنه يحتاج إلى الشعور بالأمان، وعندها فقط يشعر بالارتياح، وهو يعرف جيدا أنه يحتاج ~~إلى الآخرين حتى لا يضيع. قال لها أبي ذات مرة: ~~«أنا أسكن هذا البيت الذي بنيته وحدي، ولا يوجد حاليا أي من أفراد عائلتي هنا. أنا ~~هنا وحدي مع المشرفات على رعايتي.» # وفي مرة سألني: «من غيرنا ms63 في البيت؟» فأجبته أنه لا أحد غيرنا هناك، وأننا وحدنا الآن، ~~فبدا عليه القلق لسماع ذلك وقال: ~~«هذا سيئ ، أنا أحتاج إلى رعاية، ودونها أضيع!» # كان مثل هذه الاستنتاجات يهز أعماقي؛ لأني لم أكن أظنه قادرا على تقييم الأمور بطريقة ~~سليمة؛ لذلك قلت له بسرعة: ~~«أنا هنا، وأنا سأعتني بك.» # فأشرق وجهه مجددا وقال: ~~«أقدر لك أنك توفر وقتا لذلك.» # في يوم آخر قال: ~~«لم يسد إلي أحد صنيعا أبدا، ولكن ربما تكون قد قمت أنت بهذا.» ~~«نعم، ربما أحيانا.» # ولكنه عارضني بحسرة قائلا: ~~«أنت لم تفعل أبدا شيئا من أجلي.» # كانت دانيلا أفضل من تتفاهم معه من المشرفات على رعايته، وكانا منسجمين لدرجة تثير ~~العجب. ذات مرة كانت تريه صور زوجها، فقال أبي إنه يعرفه، ولكنها قالت إن ذلك مستحيل؛ لأنه ~~يعيش في سلوفاكيا. فقال أبي: «أرى أنك إنسانة لطيفة حتى وإن كنت لا أصدق ما تقولين.» # فأصرت على أن زوجها لم يحضر أبدا إلى فورآرلبرج ولا يعرف حتى كلمة واحدة بالألمانية، ~~وكررتها «حتى كلمة»، فقال أبي: ~~«أنت امرأة لطيفة، ولن أزيد على ذلك.» # وحسب كلامها لم يكن البقاء معه مشكلة؛ فكل ما يحتاجه المرء هو الصبر. فعندما كان يرفض ~~الاستيقاظ كانت تعطيه وقتا وتنتظر، وعندما يرفض حلاقة ذقنه لم تكن هذه أيضا مشكلة، فبعد ~~نصف ساعة كان ينسى أنه رفض الحلاقة قبل قليل. كانت تقول إن لديها أربعا وعشرين ساعة ~~لتنتظر. # أما باقي المشرفات فلم يكن يتفاهمن معه بنفس القدر؛ فعندما كان يرفض الانصياع كن ~~يتضايقن، وكان أبي يتلقى ضيقهن بحساسية شديدة، وعندها كان لا يشعر بقيمة أي رعاية تقدم ~~له. وكانت المواقف المحبطة تزيد من الشعور المتبادل بالإزعاج، ومع أننا كنا نزيد من دعم ~~أفراد الأسرة في مثل تلك المواقف، فإن وتيرة الأيام التي كنا نصاب جميعا في نهايتها ~~بالجنون كانت تتسارع. كنت أشعر أحيانا وأنا أغتسل برغبة في الهرولة هروبا من البيت، ~~ومرة أخرى وأنا أمر بجوار خزانة الملابس راودتني رغبة في الجلوس بداخلها، وعندما كنت ms64 ~~أجلس في الليل مرهقا وغير قادر على النوم كنت أتذكر المقولة اللاتينية: يا لها من ~~ليلة لا تنتهي! ~~••• # من وقت لآخر كانت بوارق ما يشبه الأمل تلوح في الأفق، إلا أن الفترات بين كل موقف ~~محتدم وآخر كانت تتقارب، ولم تنفع أي محاولات لتوجيه الدفة إلى غير وجهة التصادم. وفي ~~مثل هذه الأجواء المبهمة كان التوتر يبلغ حدا غير محتمل؛ كان فظيعا أن نرى هذه ~~المعاناة التي ألمت بالجميع. وكلما كانت علاقته بإحدى المشرفات تسوء، كانت حالته تزداد ~~سوءا. فقد كن يصلن إلى أقصى حدود قدرتهن على التحمل؛ مما كان يعود بالسلب على والدي، ~~وبدأت دوامة الانهيار. # كانت الأزمة تبدأ مع الصباح، عندما يعجز الجميع عن إرضائه، وفي تلك الأوقات كان أول ما ~~يقوله أبي: ~~«لو تعرف كم تساء معاملتي هنا!» # ولم تكن هذه اللهجة تتغير بقية اليوم، وكان مثلا يتحمل صوت الموسيقى بالكاد، ولا ~~يعجبه مذاق طعام الغداء: ~~«لا أظن أن بإمكاني تناول هذا الطعام.» # خرج مرة بعد الغداء إلى الحديقة متذمرا وبال في إناء به أكبر نبتة صبار زرعها فيرنر. ~~سمعت صوت البول فهرعت إليه وأخبرته أنه غير مسموح له بفعل ذلك، لكنه قال: ~~«بالطبع يمكنني ذلك، هذا عقاب على ما تفعلونه بي. حضراتكم تستحقون عقابا أكبر كثيرا من ~~هذا.» # والأسوأ كانت الليالي التي يستيقظ فيها ويبدأ في البحث عن أولاده. كان هذا الموقف يتكرر ~~بصورة مفاجئة وبوتيرة غير مفهومة. وفي مثل تلك الحالات كان من المستحيل مواساته؛ لأنه يصبح ~~بائسا جدا وفي قمة الحيرة، وكأنه يبحث في الحرب بين أطلال البيوت المدمرة عن أحياء. ~~أحيانا كنا نفلح في طمأنته عندما ندعي أن أولاده سيحضرون في الصباح، ولكنه في أحيان ~~أخرى كان يقضي نصف الليل في البحث حتى يسلمه التعب إلى النوم. وفي الصباح كان يستأنف ~~البحث عن أربعة أطفال صغار لم يناموا في أسرتهم ولم يختبئوا تحتها، ولم يجدهم في حوض ~~الاستحمام ولا في الخزانات خلف القمصان، ويبقى حزينا لأنه لم يجد أيا منهم. # وكان ~~يقول: ~~«لقد ms65 تم ترحيلهم ولم يرهم أحد منذ ذلك الوقت. لقد بحثت عنهم كثيرا واتصلت بجميع ~~الجهات المسئولة ليساعدوني، والآن لم يعد لدي أمل في أن أراهم مجددا.» # وعندما كنت أخبره أني أعتقد أنهم بخير وأنهم سيتزوجون وينجبون أطفالا، كان يقول: ~~«كل ما تقوله ممكن، لكني لا أظن أنه سيحدث.» # وكان يعقد ما بين حاجبيه وكأنه يريد تذكر شيء، ويشير بيده إلى خزانة الحجرة ويقول إن ~~هذا هو الاتجاه الذي أخذوا الأطفال فيه. ~~«أين يمكن أن يكونوا؟ لقد رحلوا، لقد أخذوهم، لقد رحلوا، لقد أخذوهم.» # كاد الأمر أن ينجح أيضا مع المشرفة فلاستا، ولكن أمها مرضت واتصلت بنا وقالت كيف يعقل ~~أن تبقى فلاستا في النمسا لرعاية الغرباء بينما أمها في الفراش تحتاج لمن يعتني بها؟ # أما المشرفة آنا، فلم تستطع أن تتواصل مع أبي رغم شدة ذكائها وبذلها كل ما في ~~استطاعتها. فقد كان الأمر في غاية السوء؛ فعندما كانت تخرج معه للتنزه ويقابله المارة ~~ويسألونه عنها كان يقول: «إن هذه البقرة الغبية تضايقه طوال الوقت.» # أسوأ ما بدر منه تجاهها كان يوم أشار بيده إلى عنقه موحيا برغبته في قتلها، فخافت ~~بالفعل من أن يذهب ويحضر سكينا من الدرج. عندما أخبرتني أخفيت صدمتي، ونصحتها ألا تأخذ ~~ذلك على محمل الجد، ولكن، هل كنت واثقا من ذلك؟ لذلك استطردت قائلا: ~~«إنه رجل مريض، فلا مانع من اتخاذ بعض الحيطة، وعلى أسوأ الفروض فهو ليس بالقوي ولا ~~بالسريع.» # كلام مطمئن بالتأكيد! # وأثار دهشتنا أيضا أنه بمجرد ترك أي مشرفة للبيت لأنها وأبي لم يتفاهما، وتولي دانيلا ~~أو أمي مسئولية رعايته مجددا، كان أبي بعد يومين أو ثلاثة يصبح هادئا مثل الحمل ~~الوديع، ويصبح سعيدا ومسالما ومراعيا لمشاعر الآخرين، وكأنه اللطف والود شخصيا، ~~وكنا نسمع منه تعليقاته الغريبة من جديد. # هل أنت راض يا أوجوست؟ # أنا دائما راض، حتى عندما كنت طفلا رضيعا كنت راضيا. # لا أعرف كيف ستسير الأمور. # سأعتني بكل شيء. # إياكم أن تنسوني، لن يكون ذلك عدلا. # لن نفعل ذلك ms66 يا أبي. # يا هذا، ما تقوله ليس بهذه السهولة. # بكل تأكيد، لن ننساك أبدا. # | الفصل التاسع # أنهك مرض ألزهايمر أبي على مدار أكثر من عشر سنين، وتوضح الصور العقلية المتقطعة التي ~~يرسمها المريض في خياله حجم الدمار الذي ألم بعقله؛ مع ذلك كان أبي يخرج من وراء أسوار ~~مرضه للحظات كل يوم ويسأل بطريقة أو بأخرى: ~~«ماذا جرى لرأسي؟» ويضرب جبهته بيده مضيفا: ~~«لقد تلف شيء ما هنا، هلا أخبرتني كيف عسانا نصلحه!» # وكان ينظر إلي منتظرا المساعدة، ولكن خيبة الأمل كانت تواتيه عندما أعطيه إجابة غير ~~مقنعة؛ مثل: ~~«ستأتي المساعدة من بريجينتس.» # هذا ما كتبه فرانتس كافكا في يومياته، قبل عشر سنوات تقريبا من يوم ميلاد أبي؛ أي يوم 6 ~~يوليو 1916. ولا شك أن شعور أبي كان مماثلا لشعور أحد أبطال كافكا، رغم أن أبي كان يستطيع ~~رؤية بريجينتس من نافذة منزله. # وتابع كافكا في يومياته: ~~«وعندما حدق المريض بعينيه المتعبتين قال له الطبيب: «بريجينتس في فورآرلبرج.» ~~فرد المريض قائلا: «لكنها بعيدة».» # أيضا بالنسبة إلى أبي كانت بريجينتس بعيدة، على الأقل قياسا بمدى عجزنا عن مساعدته. في ~~لحظات اليقظة التي كانت تمر به، كان يتلوى شوقا إلى عقل سليم، إلا أن التحسن لم يطرأ ~~عليه. لم يفلح ضربه بيده على جبهته كما كان يفلح في صغري عندما كان يضرب بيده على ~~التليفزيون كلما تشوشت الصورة. # في أحد أيام ربيع 2009 جهزت دانيلا أبي للخروج في نزهة، وارتدى حذاء الخروج والسترة، ~~ووضعت القبعة فوق رأسه وقالت: ~~«ها هي قبعتك.» ~~«كلام سليم وجميل، ولكن أين عقلي؟» # أجبته من المطبخ: «عقلك تحت قبعتك.» # رفع أبي القبعة ونظر فيها وقال: ~~«لو حدث هذا، فستكون معجزة.» تردد قليلا ثم سأل خجلا: «هل عقلي فعلا تحت ~~القبعة؟» # قلت له: «نعم، إنه هناك في مكانه.» # رفع حاجبيه وذهب ذاهلا وراء دانيلا نحو الباب. # وتزايدت تلك المواقف السريالية التي تبدو عندما أحكيها فكاهية ومرحة بعض الشيء ~~وغريبة بعض الشيء، ولكن من ينصت جيدا يجد فضلا عن المرح ms67 كثيرا من القلق والحيرة، وفي ~~أغلب الأحوال كان المرح يغيب عن الصورة تماما. # ومما كان يزيد كثيرا من المواقف صعوبة عدم قدرة أبي على فهم جدوى الأمور؛ فكان يغضب ~~لأن عليه أن يبتلع أدوية لا يستسيغ طعمها، ولا يدري أن حالته ستسوء دون الأدوية؛ لذا كان ~~يعترض قائلا: ~~«لا يمكن أن تفعل بي هذا!» ~~«هذا لصالحك.» ~~«يمكن لأي شخص أن يدعي ذلك.» جاءت إجابته بلهجة حادة، ثم استكمل كلامه لي: «إياك أن ~~تظن أني سأنخدع بشخص غير متزن مثلك! أعرف جميع ألاعيبك القذرة.» # كنت أدرك بطبيعة الحال أن المرض هو الذي يتحدث؛ ومع ذلك كان إحساسي بأن أبي ينهرني دون ~~ذنب بهذه الطريقة مؤلما، وكان وقع ذلك أشد إيلاما على الأشخاص الذين لا يمتلكون الخبرة ~~التخصصية ولا يعرفون أبي جيدا وليسوا ملتزمين تجاهه بشيء. ~~«ارحل من هنا! إن لم تتركني لحالي فسأحضر سلاحا وأطلق الرصاص على مؤخرتك!» # كان يقول لي ذلك، وكنت أجده مضحكا؛ لأنه يذكرني بطفولتي عندما كنت أخوف الآخرين ~~بأخي الكبير. لكن بعض المشرفات لم يتفهمن ذلك، ولم يقدرن على فهم الرسالة وراء مثل تلك ~~التهديدات؛ ألا وهي تفضيل أبي أن يترك في هدوء في ذلك العالم المليء بالوجوه ~~الغريبة. # مكثت دانيلا قرابة ثلاثة أعوام لدينا، وكانت تقسم حتى آخر يوم أنها لن تجد بسهولة ~~مكانا يعجبها مثل بيتنا. بالنسبة إليها كان أبي بالرغم من مرضه شخصا ذكيا ومرحا ~~ومستعدا لتقبل الدعابة دائما، ومع أن عقله يتخلى عنه تماما في بعض الأحيان، فإنها ~~كانت تعرفه بما يكفي كي تدرك أنه شخص مسكين ومسالم فعلا. # كان علينا كل ثلاثة أسابيع أن نحضر مشرفة أخرى مكان دانيلا؛ حتى تزور أسرتها في ~~سلوفاكيا. وللأسف لم تتمكن أي من زميلاتها على مدار عامين من تكوين علاقة طيبة مع أبي ~~مثلها، ولم يكن يمكثن فترة طويلة لدينا. مع تفهمي لذلك في معظم الأحيان. # فقد كان أبي في أغلب الأوقات يتصرف بعناد، ويرفض كل شيء من الصباح حتى المساء. وكان ~~أيضا يميل إلى طرد ms68 الأشخاص الذين يعتبرهم غرباء ويتسببون في شعوره بالحيرة والقلق. معظم ~~المشرفات كن يتحدثن إليه أكثر مما ينبغي، وبلهجة غير مناسبة وكأنه طفل صغير. ولأن أبي ~~كان لا يزال شخصا ملفتا برأسه الكبير وتعبيرات وجهه المعبرة، فقد كانت المشرفات يشعرن ~~أحيانا ببعض الخوف منه؛ فعندما كان يرى أنهن يضغطن عليه كان يدفعهن جانبا. # وحينها لم تكن أي تأكيدات على أن أبي رجل لطيف تجدي. كذلك لم تنفعهن نصائحي بأن ~~يتحاشينه عندما يكون غاضبا. # فالكلام سهل. والمشرفات لم يكن متخصصات، ولا يملك كل إنسان بالضرورة القدرات اللازمة ~~للتعامل مع مريض ألزهايمر، وأفضل دليل على ذلك كان إيفا أصغر حفيدة لأبي، تلك التي لم تعرف ~~جدها إلا على هذه الحال. كانت المودة التي تعامله بها كبيرة، لدرجة كانت تجعله يتجاوب ~~معها بصورة تلقائية، ولأن الصغيرة كانت خالية الذهن، فقد كان أبي في حضرتها خالي الذهن ~~أيضا. # وكان الأمر مشابها مع دانيلا، التي تفاهمت معه من البداية بطريقة جيدة جدا، وكانت ~~تعامله بأريحية شديدة، وبدا أبي وكأنه مغرم بها إلى درجة ما؛ فقد كان على أي حال يحاول ~~عادة إبعادي عندما تكون هي معه. كانت قادرة على إعطائه الإحساس بأهميته؛ فقد كانت مثلا ~~تعطيه سلة المشتريات ليحملها عنها، أو تتركه يدفع دراجتها. كذلك قام هو بتعليمها اللغة ~~الألمانية، وأمضى ساعات في تعليمها نطق الكلمات وقواعد النحو، في الوقت الذي كان فيه ~~عاجزا عن تذكر أسماء أبنائه الأربعة. وعندما سألته عن سبب فعله ذلك، قال إنه يقوم بكل ~~ذلك كي تبقى معه. # كانت تلك أسبابا كافية دفعت السيدة الشقراء القادمة من نيترا في سلوفاكيا إلى البكاء ~~عندما أخبرناها في شهر مارس من عام 2009 بقرارنا أن الوقت قد حان لدخول أبي دار مسنين، في ~~حين أن أنا اعتذرت عن رعايته بعد فترة قصيرة، ولم يكن هناك أي أمل في أن تعود إلى بيتنا ~~مرة أخرى، بعد ما عايشته معه طوال عام مضى. كانت الأيام التي صبغتها نوبات الرفض ~~والعناد كالقشة التي قصمت ظهر البعير. # من ms69 الشائع أن يشعر المرء بتأنيب الضمير عندما يقرر إدخال أحد أفراد الأسرة دار مسنين، ~~وبالتأكيد يخلق مثل هذا القرار حالة من الحيرة ، ولكن في الوقت نفسه لا ضير من مراجعة بعض ~~تلك الأعراف الثابتة. كانت دار المسنين في قريتنا تمتاز بوجود عمالة مؤهلة، تعمل في ظروف جيدة، ولديها فرصة ~~لتبادل الرأي والخبرة حول المشاكل الملحة. وهناك يعرفون أبي، حتى قبل مرضه، هناك يرون فيه ~~الشخص والإنسان الذي له تاريخ حياة طويلة، طفولة وشبابا؛ إنسانا حمل اسم أوجوست جايجر ~~لأكثر من ثمانين عاما وليس مع بداية المرض فحسب. # أما في البيت فلم يعد توفير مثل هذه الرعاية ممكنا رغم كل الدعم الذي تقدمه الأسرة. ~~إن الاعتراف بالهزيمة قد يكون في بعض الأحيان انتصارا، ولن يسعد أحد إذا تضرر آخرون في ~~الأسرة. لسنوات طوال كان الأب المريض المحور الذي يدور حوله كل شيء، ومن يعاني مشكلة ~~شخصية كان عليه أن يجد بنفسه سبيلا لحلها؛ فقد كان الجميع منهكا بالتفكير ليل نهار في ~~أبينا، وكنا نسأل أنفسنا طوال الوقت: ترى ماذا سيحدث بعد ذلك؟ كنا قد تخطينا حدود ~~التحمل. # وقد جعل إحساس أبي وهو في بيته بأنه ليس في بيته كل جهودنا تذهب أدراج ~~الرياح. # بدأ آخر يوم لأبي في البيت مثل أي يوم من سابقيه. لم يعد يقاوم تماما منذ تم تغيير ~~أدويته، وأصبح يجفف نفسه بنفسه بعد الاستحمام، ثم يأكل ببطء ورضا طعام الإفطار. كان ~~صباحا دافئا ومشمسا؛ لذلك أجلسته أمي على كرسي حديقة أمام البيت، وكانت قد حضرت ~~لرعايته بعد استسلام أنا. تبادل أبي من مقعده بعض الكلمات مع الجيران الذين يمرون أمام ~~البيت، بينما كانت أمي تحيك قطع قماش صغيرة تحمل اسمه في ملابسه، وأيضا في ~~مناديله. # على الغداء تناول وجبة تقليدية من العصيدة والجبن، ثم رقد في غرفة المعيشة، وبعد دقائق ~~قليلة نام. استيقظ في الثالثة عصرا تقريبا وشرب شايا، وساعدها في حمل حقيبته إلى ~~السيارة، ثم ركب السيارة، وأوصلته أمي إلى دار المسنين. # أمام البوابة كان أحد ms70 أعضاء المجلس المحلي السابقين جالسا، فقام وأمسك لهما الباب ~~ليدخلا؛ فلعله كان يعرف أن الباب معطلا ولن يفتح تلقائيا. لم يتعرف عليه أبي، ~~ولكنه حياه فقط. # في قاعة الاستقبال كانت تجلس سيدة ضعيفة البنيان على الأريكة. رفع أبي يده وحياها، ثم ~~ذهب إليها وأخذ بيدها وتبعا أمي إلى باب قاعة الانتظار في دار المسنين. هناك حيته مديرة ~~الدار وأرته حجرته وصورة جديه التي كانت بالفعل معلقة على جدرانها، فقال إنه قد ~~رآهما قبل ذلك ولكنه لا يعرفهما. طرحت المديرة بعض الأسئلة المتعلقة بعاداته وأدويته، ثم ~~خرجت معه إلى الحديقة، فجلس إلى جانب بقية النزلاء في الظل وبدا مستريحا. بعد فترة ~~ودعته أمي، فلوح لها بيده مودعا. ~~••• # عندما زرته بعد أيام، كان جالسا عند وصولي إلى طاولته وحده يغني. انتظرت قليلا ثم جلست ~~إليه. تحدثنا ولعبنا لعبة مصارعة الذراعين، واندمج بشدة، حتى إن وجهه الجامد استطاع أن ~~يرسم بسمة. وكانت الفرحة ظاهرة عليه، ولم يبد كإنسان مجبر على تحمل الحياة، وكان ~~مرحا بالرغم من حالته الصحية، وأهم شيء هو أنه كان سعيدا. # قلت له: ~~«كم أنت قوي جدا!» # ابتسم مجددا وقال: ~~«ربما لست قويا بما يكفي كي أدفن أحدا في الثلج، ولكني لست هزيلا. أردت أن أريك ~~ذلك، وإلا لما كنت فعلته.» # ثم أردف قائلا: ~~«ليس أمامنا إلا أن ندافع عن أنفسنا، وإن لم نفعل فسنضيع.» ~~••• # لا يمكن اعتبار معاناة أبي من مرض ألزهايمر بمثابة مكسب له، إلا أن أولاده وأحفاده قد ~~تعلموا من خلاله الكثير، وهذا دور الآباء والأمهات أن يعلموا أولادهم. # كما يعد التقدم في العمر، بوصفه آخر مراحل الحياة، شكلا ثقافيا يتغير بصورة ~~دائمة ويجب إعادة تعلمه باستمرار. وإذا كبر الأب ولم يعد قادرا على تعليم أولاده شيئا ~~جديدا فعلى الأقل يمكنه أن يعلمهم معنى أن يكبر المرء ويمرض. وإذا توافرت الشروط ~~الجيدة، فإن هذا سيعني أيضا علاقة أبوة وبنوة قوية؛ إذ لا يمكن أن نتدرب على مقاومة ~~الموت إلا ونحن أحياء. # قالت ألكسندرا إن جدها السيد بيرلينجر ms71 يشكو من سوء المعاملة، فحاولت أمها ~~عندما زارته أن تقنعه بأن هذا لا يحدث. بعد قليل حضرت ممرضة لتبدل له قناع ~~الأكسجين وقالت له: ~~«يا سيد بيرلينجر، سأدخل هذا الأنبوب في أنفك، وسيدغدغك قليلا.» # عندها نظر جدها إلى زوجة ابنه وهز رأسه عدة مرات بطريقة اختلط فيها الغضب ~~بالإحباط، ثم قال: ~~«أرأيت ... إنهم يدغدغونني هنا!» # كانت جدة العمة ماريانا، زوجة روبيرت، مريضة بمرض ألزهايمر هي الأخرى، وكانت ~~تقول دائما: ~~«الوضع في رأسي يشبه برميل الزبد؛ يدور ويدور، ولا أستطيع أن آخذ منه زبدا ~~بالرغم من ذلك.» اضطرت العمة - وهي أكبر إخوتها السبعة - إلى النوم معها، حتى بدأت ~~تجري حوارات غريبة. نشأ عندها جنون منتظم؛ ذات مرة كان القس في زيارتهم، وعندما ~~هم بدخول غرفتها صرخت: ~~«لن يدخل هذا القس القميء هنا! هذا الشيطان!» # وحكت لي صديقتي كاتارينا عن جدها الذي كان أيضا مريض ألزهايمر قائلة: عندما ~~حضر الابن الأكبر على دراجته انتظر الجد حين لم يلحظه أحد وتسحب إلى ~~الدراجة وركبها وانطلق بها. # أما ليليانا فتحكي أن أمها مريضة ألزهايمر كانت تنظر إليها من وقت لآخر ~~وتسألها: ~~«هل أنا ميتة بالفعل؟» # وفي مرة قالت لها: ~~«أرجوك أن تخبريني عندما أموت.» # فوعدتها قائلة: ~~«بالتأكيد يا أمي، عندما تموتين سأخبرك.» # وأخبرني فولفجانج عن جدته الطاعنة في السن التي كانت تأخذ دواء الليستين ~~المقوي، وكانت زجاجته محفوظة في الثلاجة. وأكثر من مرة كانت تفتح الثلاجة ولا ~~تخطئ يدها زجاجة نبيذ دورنكات الموضوعة بجانب دوائها، وكانت تفتحها وتأخذ منها ~~جرعة كبيرة، ثم تقول متعجبة: «طعمه اليوم غريب!» ولتتأكد كانت تأخذ جرعة ~~ثانية. # وذكر نوربيرت أن أم أحد أصدقائه كانت تعاني من مرض ألزهايمر، ولم تكن ~~تتعرف على ابنها منذ فترة طويلة، ولكن عندما كان يريها صورته كانت تقول: «هذا ~~ابني!» حتى عندما كان يريها صورا حديثة له، كانت تقول: «هذا ابني!» في حين بقي ~~غريبا عنها وهو حاضر شخصيا أمامها. # وحكى فيلهلم عن صديق فقد قدراته على مدار سنوات ولكنه كان يستيقظ كل يوم ms72 في ~~الثالثة صباحا ويذهب إلى طاولة المكتب الخاصة به ويجلس وهو لا يدري ماذا يفعل. ~~وبالنهار كان يجلس هناك ويضع أمامه بطاقات اللعب ويلفها ويرغب في إشعالها؛ لأنه ~~يعتقد أنها سيجار. # كذلك قصت علي أورزولا قصة عمها الأكبر، الذي كان في عمر جدتي، والذي كانت ~~أورزولا تزوره أحيانا في آخر سني عمره في دار المسنين أيام الأحد وتأخذه في نزهة ~~إلى أوبيرفيلد. وذات مرة بعد أن قضيا عدة ساعات معا وجاء موعد الرجوع إلى دار ~~المسنين سألها: ~~«هل علي فعلا أن أعود إلى المعسكر؟» # كان ذلك العم شخصية جذابة في طفولتي. في الجزء الأمامي من شارع أوبيرفيلد في ~~اتجاه الكنيسة، وقبل أن ينحدر الشارع إلى الكنيسة، كانت توجد بئر لها حوض خشبي ~~متهالك، تجري فيه مياه النبع باستمرار، وكان هذا العم الذي لم يتزوج أبدا يذهب ~~للاستحمام في ذلك الحوض كل صباح؛ سواء في الصيف أو في الشتاء، وهو مقتنع بأن ما ~~يفعله سيجعله صحيحا مدى الحياة. وبالفعل فقد عاش بعد وفاة جدتي، وكان آخر مواليد ~~عام 1898 في فولفورت، وورث ما بقي من مال في صندوق الادخار المخصص للمناسبات ~~الخاص بمواليد ذلك العام. كنا في طفولتنا، ونحن في طريقنا إلى روضة الأطفال أو ~~إلى المدرسة، ننبهر لرؤيته يصهل مثل الخيول وهو يغتسل في ماء النبع دائم البرودة ~~المتجمع من غابة إيباخ. # وحكى كريستيان عن جارة مسنة لم تعد تجد مفتاح مصباح الفناء، فخرجت ذات يوم ~~إلى المصباح أمام الباب وضربته بعصاها فحطمته. # | الفصل العاشر # انسحب المرض من المشهد مجددا؛ فلم تعد تظهر على أبي أي علامة من علامات القلق والتوتر ~~التي عهدناها عليه في الأشهر الماضية، وكنت أشعر كل يوم بأنه مستريح. كان يضحك ويمازح ~~ويتبسم في وجوه الآخرين، وكان منتبها ومراعيا لمشاعر من حوله. # كانت المشاعر تأتي من داخله بتلقائية وسرعة، ولم يبد عليه أبدا أنه هادئ بتأثير ~~الأدوية. كان يتعامل بإيجابية مع وضعه، وكانت دعاباته تسعده، وأيضا كان يسدي النصح ~~لكل من يسأله؛ فقد قال مثلا لفيرنر: ms73 ~~«يمكنك تعلم الكثير مني.» # إلا أن الاضطرابات الإدراكية كانت تظهر عليه من وقت لآخر، بينما أصبحت نوبات الهلوسة ~~أقل وطأة. # ذات مرة سأل كاتارينا: «هل رأيت أيضا الأقزام السبعة الذين مروا من هنا؟» ~~«بالتأكيد، لقد انعطفوا عند الناصية.» # وانتهى الأمر عند هذا الحد. # وعندما كانت حدة الهذيان تزداد بشكل استثنائي، كنا نحضر إيفا، التي كانت تذهب إليه ~~وتعانقه، فكان يهدأ وتعود الحياة إلى طبيعتها، ويضحك الجميع في اندهاش. # كان أبي يشكو كثيرا من عدم قدرته على القيام بأي شيء، ومن أنه أصبح «أحمق»، إلا أنه كان ~~يقول في بعض الأحيان: ~~«لم أصبح بهذه الدرجة من الغباء حتى أعجز عن عمل أي شيء نافع!» # وساعده ضعفه في مواقف عديدة على استعادة ذكرياته؛ مثل مواقف «النجاح والسعادة التي ~~عاشها»؛ إذ كان يقول: ~~«عندما كنت أفعل شيئا نافعا فيما مضى، كنت أسعد بذلك كثيرا. لم أكن شغوفا ~~بالقيام بكل تلك الأعمال، لكني كنت أعرف أنها مهمة، وأنه لا يوجد أحد غيري يمكنه القيام ~~بها بنفس الإتقان مثلي. في أي مكان كنت فيه كنت أؤدي تلك الأعمال بسرعة البرق. لم يكن ~~ذلك جميلا على الدوام، ولكنه كان إحساسا طيبا. وأنت أيضا كنت تحب مشاركتي ~~دائما.» ~~«كنت أحب مشاركتك.» ~~«أنت تضحك! لقد كنا فعلا نحب العمل معا. لو لم نكن معا لكنا مسكينين ~~تعيسين. لم تكن مجرد أعمال يمكن أن تقرأ طريقة القيام بها من ورقة إرشادات. فقط ~~الأعمال البسيطة يمكن أن تقرأ طريقة القيام بها من ورقة إرشادات، وليس كل الأعمال. كنت ~~فخورا بذلك؛ كما تعلم، كانت أشياء لا يعرف جدواها سوى القليلين. ولكننا كنا نعرف ذلك. ~~وكنت سعيدا لأني أستطيع القيام بأشياء لا يمكن القيام بها دون إمعان الفكر. مثل تلك ~~الأشياء كنت أتولاها، ودائما أنجح في أدائها! والطريقة التي يمكن أن تدير بها الأشياء ~~المعقدة في الاتجاه الصحيح، كانت ... كنت متخصصا في ذلك. كم كنت بارعا في معالجة ~~الأمور! وقد رأيت بنفسك سعادتي وأنا أقوم بذلك، ما دون ذلك لم يكن لينجح ms74 أبدا. لقد ~~شعرتم بالتأكيد بأني كنت أفعل ذلك بسرور، وأن آرائي فيما يحدث كانت جيدة. أعرف أنه لم ~~يبق الآن الكثير من ذلك ، لم يبق الكثير، لم يعد باستطاعتي سوى القليل، تقريبا لا شيء. ~~كانت الأعمال والأشياء المتنوعة في الماضي فعلا جيدة، لا أعرف من الذي كان يحضرها، من ~~الذي كان يفعل ذلك كله. أظن أنك كنت مشاركا فيه، وإميل أيضا. أما أنا فقد كنت أخلع ~~الأشياء القديمة، وأركب الجديدة في لحظة. كم كان هذا العمل جيدا! وعندما كان كل شيء ~~يسير على ما يرام - يا إلهي! - كان ذلك يملؤني شعورا بالقوة!» جمع قبضتيه وضمهما إلى ~~صدره، ونظر إلي مبتسما وأردف: ~~«أتعلم؟ لم أعتقد بالضرورة أني قد أصبحت أحمق، فأنا أعرف أني قادر على إنجاز أشياء ~~جيدة إذا بذلت جهدا. ذات مرة جاء شخص وامتدحني؛ لأني أحسنت القيام بشيء، جاء وامتدحني. ~~كنت فخورا بقيامي بذلك؛ لأنني كنت ذكيا بما يكفي لأقول لنفسي: انتظر! لقد كان ذلك ~~رائعا!» # وفي موقف آخر قال: ~~«لم تكن المواقف السعيدة في حياتنا محض صدفة، بالتأكيد كان بينها مواقف خدمنا فيها ~~الحظ، لكن لم تكن المواقف السعيدة في حياتنا محض صدفة.» ثم فرك طرف إبهامه وسبابته ~~والوسطى من يده اليمنى وهو يقول: «كنا أكثر مهارة من الآخرين، فمم عسانا أن نشكو ~~إذن؟!» # وبالفعل لم أشك؛ فقد أمكنني النظر إلى المستقبل بشيء من الثقة. لقد تلاشى التوتر ~~تماما، ووجدتني أرى العلاقات بوضوح لم أعتده؛ سواء العائلية أو الخاصة أو المهنية. ~~وبدأت فترة هدنة. عدنا لنقف على أرجلنا من جديد. # كانت الأيام الماضية تنتهي غالبا بآمال خائبة؛ وخصوصا في أثناء إقامتي في فولفورت، ~~وكانت الأفكار التي تداهمني في الليل تستحوذ علي بقوتها الكئيبة، حتى إن الصباح كان يأتي ~~علي وأنا منهك من معركة الليل، وعند الظهيرة أكون منهكا مثل الكلب الضال. حتى وأنا في ~~فيينا بعيدا عن فولفورت لم يكن التفكير في البيت مريحا، أما الآن فقد عاد اليوم إلى ~~طبيعته، وأصبحت أشتاق إلى أسابيع الصيف التي أقضيها ms75 في بيت والدي؛ تعويضا عن الشتاء ~~والربيع البائسين. # ونجحت في كتابة روايتي الخامسة، وأنا أشعر بأن الأمور تسير بسهولة لم أجدها منذ فترة ~~طويلة. أدركت ذلك، على نحو أكبر، عندما تسلقت إلى أعلى فرع في شجرة الكرز في يوم ~~وصولي، فلم أصل إلى هناك منذ كسرت لي ثلاثة أضلع وأنا أحاول القيام بهذا العمل ~~البهلواني قبل أعوام. يا له من إحساس بالحرية أن أشعر بأني أستمتع بحياتي مجددا، وأن ~~أستيقظ في الصباح وأنا أعرف أن بمقدوري الاستمتاع باليوم! كان ذلك تغيرا ~~جوهريا. # في الأعوام الماضية تخلت عني الرغبة في القيام بشيء في فولفورت. كنت أحبس نفسي في ~~البيت؛ لعلمي بأن شيئا ما يمكن أن يحدث في أي لحظة. وكانت الأيام تمضي الواحد بعد الآخر، ~~وكانت الأحداث مملة وغير متوقعة؛ لذلك لم يكن جيراني في القرية يرونني كثيرا، أما ~~الآن فلدي ليس فقط الوقت وإنما أيضا الطاقة. كنت أتصل بإخوتي وبزملاء أبي القدامى ~~وأخبرهم برغبتي في الحديث معهم من أجل كتاب أعمل على إتمامه. # وعادة كنا نتحدث في المساء؛ إذ كنت أزور أبي في الصباح مرة أو مرتين. # منذ اليوم الأول رأيته متزنا وهادئا ومنتبها، وكان يسألني عن حالتي وعن خطتي، ~~وكان بصورة عامة راضيا، ولكنه - حسب قوله - كان ينتظر اللحظة المناسبة للهرب. # وقد أخبرني وكأنه يحكي عن مؤامرة: ~~«عندها لن تراني هنا مجددا.» # ثم أسند ظهره إلى المقعد وابتسم. # كان قد فقد الكثير من وزنه، حتى إن ملابسه كانت واسعة عليه جدا؛ فقد أصبح مقاس رقبته ~~مختلفا، ولكنه ظل يرتدي القمصان نفسها. وكان ماهرا كعادته؛ فقد كان يفتح ويغلق الزر ~~العلوي للقميص بإصبعين بجمال غير معتاد، دون عناء ودون أن ينقطع حبل أفكاره وهو يتكلم. كان ~~أبي يعجبني ككل، الإنسان ككل، ورأيت أنه بخير، وأن حالته المزاجية طيبة، وتذكرت ~~القول المأثور: حسن الختام. # وإن كان استمر على ذلك لتحقق فيه ما قرأته يوما في رواية لتوماس هاردي، عندما قال ~~عن رجل مسن: «إنه يقترب من الموت مثل القطع الزائد للخطوط ms76 المستقيمة.» فهو يتقدم ~~مغيرا مساره ببطء شديد؛ مما يجعل من غير الواضح إذا كان والموت سيلتقيان يوما ما ~~بالرغم من قربهما الشديد. # فقد كانت لدى أبي رغبة حقيقية في أن يعيش فترة أطول، وكان موقفه واضحا في هذه النقطة ~~تحديدا. ~~••• # كان يوم ثلاثاء عندما دخلت في منتصف الظهيرة إلى غرفة الانتظار في دار المسنين، وكان ~~أبي يجلس إلى طاولة أحد زملاء الدار، الذي سأله أبي قبل أيام: ~~«من تكون؟» # فأجابه الرجل: «اسمي فرد.» # فقال له أبي ممازحا: ~~«أظن أنك بالأحرى فردلي (شخصية كرتونية يمثلها حصان).» # تحدث الاثنان طويلا، وعجبت وسعدت عندما رأيت أنهما أجريا حديثا جيدا، وأبدى كل ~~منهما اهتماما بالآخر، مع وجود بعض أوجه القصور في الحوار؛ نظرا لظروف مرضهما. # قال فرد إنه كان بالأعلى عند القديس بطرس في السماء، وإن المكان جميل جدا هناك؛ لأن ~~لديهم مساكن جديدة. فقال أبي: ~~«ليس هذا ما يستهويني، أفضل التنزه قليلا؛ فربما أجد من أتحدث معه هنا.» # فعلق فرد قائلا: «هذا لن يكون متاحا هناك بالتأكيد.» # بينما كان والدي وفرد يتحدثان، كانت هناك سيدتان تناديان الممرضة بالتبادل وتطلبان ~~المساعدة في هذا الأمر أو ذاك. تجاهل أبي تلك الاستغاثات، أو تغاضى عنها، لا أعرف؛ لم ~~يتغير شيء تماما في تعبير وجهه الفرح، ولم يلتفت برأسه إليهما. وكان جل تركيزه ~~منصبا على فرد وعلي، ولم يكن يهتم بما يجري خلفه إلا عندما كان فرد يلتفت إليهما. ~~وبقدرة كبيرة على صياغة الكلام باقتضاب كان فرد يلقي على أسماع السيدتين ملاحظات لاذعة، ~~وكان بمنزلة «شوبنهاور» دار المسنين. ~~«أغيثوني! أغيثوني! هلا يساعدني أحد!» ~~«اصمتي يا هذه!» ~~«أريد الذهاب إلى بيتي!» ~~«إذن فاطلبي سيارة أجرة!» ~~«أحتاج إلى طبيب!» ~~«لقد أنهى عمله!» ~~«يا عزيزي الطبيب!» ~~«إنه في البيت مع حبيبته!» ~~«أحتاج إلى المساعدة!» ~~«لم يعد بإمكان أحد مساعدتك!» # فقالت السيدة بخجل: «يا إلهي، لم أكن أعرف ذلك!» # وعجبت كثيرا لأن السيدتين من فولفورت والمنطقة المحيطة بها، ومع ذلك فقد صاغتا شكواهما ~~باللغة الألمانية الفصحى، وكأنهما تريدان بذلك تأكيد جدية ms77 معاناتهما. # وكان أبي أيضا يتكلم مع فرد غالبا بالفصحى، ولكن بارتياح شديد وكأن الذي يهمه ~~هو فقط جدية محتوى كلامه. # ووراء أبي كانت تجلس إلى طاولة سيدتان تطالعان الصحف، ولم تنزعجا أيضا بما كان يدور ~~حولهما. بالنسبة إلي كان الأمر مقلقا أن ينادي شخص طلبا للمساعدة ويقاطعه فرد بتعليقاته ~~الساخرة. ولكن بما أن العاملين في الدار والنزلاء الآخرين تقبلوا الأمر وكأنه أمر عادي ~~مثل دقات الساعة، فقد حاولت أن أعتبره أنا أيضا كذلك. ولكني غضبت قليلا عندما كان أبي ~~في أيام أخرى ينشد أغنية وكانت إحدى السيدتين اللتين كانتا تقرآن الصحف تنادي بشيء ~~من الإصرار: ~~«ماذا؟ ماذا؟ يجب على هذا الشخص أن يصمت!» # عندها قال أبي لفرد: ~~«الأوقات تتبدل، ولكن لن تظل الحال هكذا دائما.» # قالها بحزم وترنحت لهجته بين الأسى والاستسلام للقدر. # فقال فرد: «ليتني أستطيع الذهاب بعيدا! كم أود صعود جبال الألب ثم الهبوط عند ~~ريكاتشفينده!» # فرد أبي: «لن أذهب معك إلى هناك.» ~~«ولم لا؟» ~~«لأني لا شيء.» ~~«أنت ما زلت شيئا ما.» # ابتسم أبي وقال: «لا أعتقد.» # فقال فرد: «يجب عليك فقط أن تريد.» ~~«لم تعد الإرادة كبيرة لدي، وإنما فقط الأمل. كنت شخصا ارتحل كثيرا في ~~حياته.» # فقال فرد شيئا لم أسمعه، لكن ظهرت على أبي الحيرة وقال: ~~«حسنا، لقد فهمت ... وماذا سنفعل الآن؟ نتلو صلاة المسبحة الوردية؟» ~~«لا!» ~~«سيستغرق ذلك طويلا.» ~~«ولن يجدي شيئا. هل تستطيع أساسا تلاوة صلاة المسبحة الوردية؟» ~~«أعتقد نعم.» ~~«إذن فكيف هي؟ قل وسأكرر!» # هز أبي رأسه وغير الموضوع. وعندما دار الحديث مجددا عن أن أبي لم يعد قادرا على ~~فعل الكثير وأن الأمر لن يبقى هكذا، قال فرد: ~~«إذن سيضعونك في التابوت ويرسلونك إلى الآخرة.» # فقال أبي: «ولكني أفضل البقاء قليلا، والثرثرة. كما تعلم، لم أعد قادرا على تمهيد ~~الطرق، ولكن بإمكاني الذهاب والمجيء ورؤية بعض الأشياء والتقاطها.» # فقال فرد إنه كان بالأعلى عند القديس بطرس وتفحص المكان، وأن المكان هناك أعجبه، إلا ~~أن القديس بطرس قال إن اسم فرد ms78 غير موجود على القائمة. # واستطرد فرد قائلا: «لديهم مساكن جديدة كثيرة هناك، يجب أن تذهب إلى هناك.» # فكرر أبي قوله: «ليس هذا ما أصبو إليه، أفضل البقاء قليلا ومشاهدة بعض ~~الأشياء.» # فقال فرد: «لكنك أنهيت مدة حياتك.» ~~«وأنت؟ هل ترغب في البقاء قليلا والعيش هكذا؟» # فرد صديقه فرد ضاحكا: «سيسعدني أن أعيش بعض الأعوام الأخرى.» ~~«نعم، يبدو عليك فعلا أنك ما زلت شديد القوة.» # فتح أبي الزر العلوي لقميصه الأزرق ذي الرسومات البسيطة، وعندما انفتح الزر جذب ياقة ~~القميص ليكون مفتوحا إلى أقصى حد، وقال ضاحكا: ~~«يجب أن أدخل بعض الهواء إلى هناك.» # كان يجلس معهم إلى نفس الطاولة رجل نحيف في كرسي متحرك، وكان معظم الوقت يحرك ~~قدميه ببطء وكأنه يخطو، بينما ظل وجهه وجسده دون حراك. قال له أبي في معرض الحديث وهو ~~متعجب بعض الشيء: ~~«إن ما تفعله لن يجدي كثيرا.» # قال فرد: «إنه يجول طوال اليوم، ولكن عقله يجول في اليوم الواحد عبر النمسا ~~كلها.» # فرد أبي: «المشكلة عندي في الأجزاء السفلية.» ثم أمسك بفخذيه وأردف: «لقد أصبحت ~~مترهلة، والأجزاء السفلية مهمة جدا بالنسبة إلي.» ~~«ولكن أجزاءك السفلية ما زالت تعمل.» ~~«أظن ذلك.» ~~«كم عمرك الآن يا أوجوست؟» ~~«هل من المفترض أن أعرف؟» ~~«في الحقيقة، نعم.» # ساعدت أبي وقلت إنه سيتم في القريب عامه الثالث والثمانين، فشكرني بشدة قائلا: ~~«يا هذا، شكرا، هذا لطف منك. سأقدر لك هذا الصنيع.» # فأضاف فرد: «لم نعد على أي حال في العشرين.» # فقال أبي: «أمي أيضا بخير، ولكن عدا ذلك ...» # نادت السيدة المتكئة على الأريكة: ~~«أيتها الممرضة المقدسة! أيتها الممرضة المقدسة! أيتها الممرضة المقدسة! ~~تعالي وساعديني!» # فعلق فرد قائلا: «لم تعد الممرضات اليوم مقدسات!» # قالت سيدة أخرى: «أنا متعبة جدا! أنا متعبة جدا!» # فقال فرد: «إذن فاذهبي إلى غرفتك! اذهبي إلى غرفتك ونامي!» # قالت السيدة من على أريكتها: «لم أقترف ذنبا! يا إله السماوات ساعدني! يا إله ~~السماوات!» # قال فرد: «أنزل علينا رحمتك!» # فسأل أبي متفاجئا ومسرورا: «حقا؟» # فقالت السيدة: ms79 «ولم؟ ولم؟» # قال فرد: «ولم لا؟» # قال أبي: «أراك مستعدا لتلاوة «الصلاة الربانية: أبانا الذي في السماوات». إذا تركتك ~~تفعل، فأنت تبدو وكأنك ما زلت قويا جدا، وكأن الرغبة ما زالت تراودك.» # فقال فرد: «نعم، الرغبة موجودة بالفعل.» # فقال أبي معبرا عن كامل تقديره: «أنت ما زلت قويا جدا وصلبا!» # فضحك فرد وقال: «لقد أصبحت صلبا.» # ثم حكى أن الإسعاف نقلته في الصباح إلى المستشفى في فيلدكيرش، وراودته رغبة قوية في أن ~~يقول للسائق، ذلك الشاب أخضر العود، كما وصفه: ~~«ابتعد ودعني أقد العربة!» # وبعدها تحدثا مرة أخرى عن الهرب، ثم عاد فرد للحديث من جديد عن أنه كان عند القديس بطرس ~~هناك بالأعلى، إلا أن القائمة لا تزال خالية من اسمه: ~~«كانت الإقامة هناك ستعجبني.» # قال أبي: «بالتأكيد، الوضع هناك جيد جدا، لكني أفضل مع ذلك البقاء في ~~فولفورت.» # عندما قدم الطعام وأردت أن أودع أبي قال لي: ~~«نعم، اذهب أنت إلى البيت. لا يسعني إلا أن أسديك نصيحة واحدة: ابق في البيت ولا ~~ترحل!» ~~••• # عندما جئت لأول مرة إلى دار المسنين، شعرت لوهلة بالتعاطف مع كل الذين يعيشون أو عاشوا ~~أو سيعيشون هناك، ومع مرور الوقت اعتدت على ذلك الوضع الغريب، وفي نهاية الأمر لم أعد أجد ~~طريقة الحياة تلك أغرب من غيرها. كان الجو العام إجمالا هادئا ومنتظما بسبب الأصوات ~~دائمة التكرار التي تملأ المكان، وأصبحت أصوات الهمهمة الآتية من الحلق والنداءات المبحوحة ~~الصادرة من أحد النزلاء، التي كانت تقلقني في بادئ الأمر، مألوفة ولا بأس بها بعد أن ~~تعرفت إلى صاحبها الطيب الودود. # لم يكن إخوتي يتحملون الجو في غرفة الانتظار بدار المسنين؛ لذلك كانوا يصطحبون أبي ~~إلى الخارج قدر الإمكان. عندما كنت أرغب في أن أعرف من أختي ما يمكنها حكيه عن زياراتها ~~الكثيرة هناك كانت ترفض؛ فقد تمثلت استراتيجيتي في الحكي، وتمثلت استراتيجيتها في كبت ~~ما تعايشه هناك. كانت تقول إنها ستكون سعيدة إذا استطاعت أن تنسى ما تراه هناك بعد خروجها ~~من باب ms80 دار المسنين بخمس دقائق، وكلما كان ذلك أسرع، كان أفضل. إنها لا ترى الأمر شائقا، ~~بل مبكيا. وأخبرتني أنها يمكن أن تبتسم وهي تقرأ ما أكتبه، ولكن الموقف نفسه يكون ~~مرعبا. # وعندما يقول أخي الأصغر إنه يفضل عدم الذهاب إلى هناك لأنه لا يحتمل ذلك، فإنه فعلا ~~لا يحتمله. وهو ليس الوحيد الذي يشعر بذلك؛ لذلك كنا كثيرا نحضر أبانا إلى ~~أوبيرفيلد. # كم هم مختلفون! هؤلاء البشر! أو لعل أبي كان سيعبر عن ذلك المعنى بقوله: إن الرب ~~لديه ضيوف مختلفون بعضهم عن بعض تماما. بالنسبة إلي كان الجو في دار المسنين لطيفا ~~ومثريا، والعاملات فيه ودودات وهادئات، كلهن من المنطقة، ويتحدثن دون كلفة. معظم ~~النزلاء متمسكون بالحياة بطريقة بدائية جدا، وإذا كان العالم في الخارج لم يعد ~~يضعهم في مصاف أقرانهم، فقد كنت أرى أنهم يناسبونني تماما. ~~••• # ولسوء الحظ كان أبي عند زيارتي الأخيرة له في نهاية الصيف في حالة مزاجية سيئة، حتى إن ~~ممرضة فلبينية، استقبلتني أمام الدار قائلة: ~~«ها قد أتى أرنو لحسن الحظ. إن أوجوست يرغب منذ ساعات في الذهاب إلى البيت.» # دخلت إليه واصطحبته إلى الحديقة في الخارج، فأخبرني بأنه حزين لوضعه؛ لأنه لا يفلح في ~~عمل أي شيء، ولأن كل مساعيه لكي يذهب إلى البيت لم تفلح تماما. طأطأ رأسه وقال بطريقة ~~مثيرة للشفقة إن الأمر ربما يتعلق بأنه كان في عطلة نهاية الأسبوع مرتين في أوبيرفيلد ~~واليوم السابق على ذلك مع إخوته في بيت والديه. حكت لي العمة ماريانا أن اللقاء كان ~~رائعا، وأن الجميع سعد برؤيته، ولم يحتاجوا إلى بذل الجهد ليجدوا مواضيع للحديث، ولا ~~يحتاج باول خصوصا من يطلب منه أن يحكي شيء ما، وكان أوجوست يستمع إليه طوال الوقت بإعجاب ~~واهتمام شديدين. # وعند زيارتي لأبي مساء، ظنني باول، وأخذ يسألني عن بقية الحكايات، وإذا كنت سأساعده على ~~الذهاب إلى البيت، وكان شارد الذهن جدا من شدة الهم، وذكر عدة مرات أنه حزين. اجتهدت ~~في تهدئته، وأخبرته أن لدينا الوقت، ويمكن ms81 أن نجلس قليلا قبل أن ننطلق إلى البيت. فسألني ~~بدهشة وبشيء من الخجل، إذا كنا فعلا بعد ذلك سنذهب إلى البيت. أكدت له ذلك وقلت إننا ~~سننتظر قدوم هيلجا ثم نذهب جميعا إلى البيت. ربت أبي على خدي مرتين أو ثلاث بباطن يده ~~ومرة بظاهرها، ثم شكرني؛ لأن ما قلته أسعده جدا. كنت قد أحضرت معي صحن توت، وأخذت أعطيه ~~التوت الواحدة تلو الأخرى. بعدها ذهبنا إلى حجرته واستمعنا إلى الموسيقى، وتحدثنا من وقت ~~لآخر. لم يواسه ذلك، ولكنه كان سعيدا لأن أحد «إخوته» يزوره. بعد قليل شعرت أنه هدأ ولم ~~يعد يفكر كثيرا في الذهاب إلى البيت. ولأن وقت نومه اقترب وكان علي أن أحزم حقيبتي، ~~فقد تسللت خارجا. لم أقدر على وداعه؛ لذا مشيت دون كلمة واحدة، وشعرت ببؤس شديد وأنا ~~ذاهب، حتى إني وددت الرجوع إليه وأنا في الردهة وتذكرت التعبير القائل: شخص ينتزع ~~نفسه من المكان انتزاعا. # هذه ورشتك يا أبي، هل تذكرك بشيء؟ # نعم، أشياء كثيرة ما زالت موجودة هنا؛ اعتقادا مني أنها ستكون نافعة فيما بعد. توجد ~~أشياء كثيرة قديمة هنا. وأنت، هل تستخدمها؟ # أحتاج أحيانا لمفك أو مبرد منها. # أنا أحب استخدام أدواتك. # أما أنا فلا، لقد فقدت كثيرا من قدراتي العقلية، ولو كانت موجودة حتى الآن لكنت ~~استمتعت أيضا بالعمل. # أنا أستمتع بذلك. # هذا يرضيني، لا أشعر أني وحيد أو محبط. لقد مررت بأشياء مختلفة، وكانت لدي أشياء ~~مختلفة، وحققت أشياء مختلفة. ليس الأمر بهذا السوء؛ ألا أكون اليوم قادرا على فعل ~~الكثير. # أظن أنك تقلل من قيمتك، أما أنا فلا أقلل من شأنك أبدا. ما زال لديك الكثير، حتى ولو ~~لم يكن القدرة على الإنجاز بالمعنى الدارج. # نعم، نعم، قديما كنت أفعل أشياء بناء على أفكاري، لكن الآن لا يحدث ذلك كثيرا. لا ~~يهم. لو كنت متضايقا أو محبطا لطلبت منكم المساعدة، لكني راض تماما. كان لدي ~~الكثير، لكن الآن - بل منذ فترة طويلة - لم أعد أرغب في شيء. ومنذ مدة ms82 طويلة تتقلص قدراتي ~~وتقل إنجازاتي. عندما كنت شابا، كنت ناضجا وقادرا على فعل الكثير، أما الآن ~~فالحقيقة هي أني لم أعد قادرا على فعل أي شيء، لا ... لا. أفشل في كل شيء أحاول القيام به؛ ~~ومع ذلك فلست تعيسا تماما لعجزي عن فعل كثير من الأشياء؛ فقد ولت تلك الأيام ببساطة، ~~وأشعر بسعادة عندما ينجح الآخرون، لكن قدراتي أنا انتهت. # | الفصل الحادي عشر # أدى البيت مهمته، كبر فيه الأطفال ونضجوا، وظل ذلك البناء القديم متماسكا، حتى ~~نقل أبي إلى دار المسنين. أصبح الآن كل شيء غريبا فيه ولا يتواكب مع صيحة العصر، وتعددت ~~المواضع التي كانت تقلقنا فيه. كان أبي قد بنى البيت بيديه وتبعا لرؤيته، ومنذ ~~السبعينيات وهو يضيف إليه ويغير فيه. ماذا أقول؟ مثل هذه البيوت يعد بصورة غير ~~مباشرة بمثابة لوحة ذاتية لبانيها. # كان البيت يعطي انطباعا بأنه بدائي ومرقع. عندما كان أبي يضيف إلى البيت أو ~~يعدل أجزاء منه لم يكن يطلب المساعدة إلا بعد فوات الأوان. في عمله كان قد تعلم على ~~مدار عشرات السنين كل ما يحتاج إليه كي يؤدي عمله باستقلالية. وفي عمله في البيت كان يثق في ~~أن لديه ما يكفي من الدراية، ولكن النجاح لم يكن يحالفه بصورة كاملة؛ ففي بعض الأماكن كانت ~~توجد نواقص كبيرة، فضلا عن ذلك كان لدى أبي رفض مرضي للتخلص من أي شيء، وأصبح على ~~الأبناء الآن القيام بذلك. # وافق عيد ميلاده الثالث والثمانون عطلة نهاية الأسبوع، ولأن جميع أفراد الأسرة كانوا ~~حاضرين فقد جهزت أمي حاوية كبيرة أمام البيت؛ لرغبتنا في التخلص مما لا نحتاج إليه في ~~البيت. # بدأ العمل بسرعة ودون جلبة. وقل ثقل الأمر على الجميع كلما قلت الأشياء من غرف ~~التخزين، وكلما بدت الحديقة ومرأب السيارات في صورة أفضل. ولكن الذي أحبطنا هو عدم قدرة ~~الحاوية على مواكبة ما قمنا به بشغف؛ فقد كانت تمتلئ بالكاد بعد ثلاث دورات؛ لذلك لم نمس ~~المنطقة العلوية من البيت، وظل القبو ممتلئا بأشياء ظن أبي ms83 أنها ستنفع يوما، إلا أنها ~~أصبحت بمرور الأيام غير ذات نفع. أحد الجيران، الذي استعرنا منه مشمعا لأن النشرة الجوية ~~قالت إن الطقس سيسوء، أخبرنا محذرا من أنهم قد احتاجوا إلى حاويتين للأشياء التي ~~تخلصوا منها في بيت والديه. # ومع نهاية شهر أغسطس كانت الحاوية الثانية أمام بيتنا، وكانت أختي قد اشترت مشمعا؛ لأنه ~~كان من المتوقع سقوط الأمطار. لذلك أنجزنا جزءا كبيرا من العمل يوم الجمعة، وكانت أمي ~~وكاتارينا معنا. وكان الدور قد جاء لتنظيم السندرة. بيتنا كبير نسبيا، يرتفع بنوافذه إلى ~~ثمانية أمتار عن مستوى الشارع، وكنا نقذف بالأشياء المخزنة بالسندرة منذ سنوات وعقود من ~~إحدى نوافذ الغرفة التي كانت لبيتر قديما إلى الحديقة؛ ألواح خشبية وألواح جصية، ~~وصناديق كرتونية ممتلئة بالملابس القديمة، وأسرة قديمة ذات مستويين، وألواح أبواب، ~~وطاولات من التي توضع في الأركان، وسجاجيد، وحقائب سفر، وستائر نوافذ معدنية، وأسرة ~~ومراتب قديمة محشوة بالريش، وبعض قطع الأثاث التي كانت تتحطم عند ارتطامها بالأرض، وبدت ~~وهي ملقاة في الحديقة مثل السكارى فاقدي الوعي. # ومن بين اللعب التي ألقيناها كانت لعبة الحياة؛ فقد انتهى أمرها. ~~••• # واستمر هطول المطر من يوم السبت إلى يوم الأحد، ثم سطعت الشمس بعد ظهر يوم الأحد، ~~فاستطعنا استكمال العمل. أحضرت أمي أبي إلى البيت، وساد جو من السعادة، وبدا أبي متأقلما ~~مع عالمه. عندما خرجت معه إلى الشرفة الخارجية ووضعت ذراعي على كتفه نظر إلي بمكر ~~وقال: ~~«أتبحث الآن عن كتفي كي تستند قليلا أيها الكسول؟» ~~«أعترف لك أن هذا كان مريحا بالفعل.» # وبعد ذلك عندما عدنا إلى العمل قال أبي: ~~«يمكن أن أساعدكم، إذا كنتم فعلا في حاجة إلي، مع التأكيد على كلمة فعلا! إذن، ها ~~أنا أخبرتكم وعليكم الآن التفكير وتحديد ما تريدون، أعتقد أنكم نابهون بما يكفي.» # ومع حلول الظهيرة كان قد شرح لي ولهيلجا كم كان حاذقا عند بناء سور الحديقة أمام البيت، ~~وكيف كان تفكيره محكما عند بناء المنزل. كان في حالة مزاجية طيبة وعالية، وكان مستمتعا ~~بامتداحنا ms84 له بأفضل العبارات. ~~«نعم، إننا دائما نتعلم منك!» # بالتأكيد تعلمنا من تصرفاته أيضا أنه من الأفضل عدم الاحتفاظ بالأشياء وتكديسها لمجرد ~~أن ذهننا تفتق عن أننا ربما نحتاجها في يوم من الأيام. الاختلاف بين البيت وغرفته في دار ~~المسنين كان صادما؛ لأنه يعيش هناك في مساحة ضيقة لا يستطيع فيها تخزين الأشياء كما ~~اعتاد. وماذا يمكن أن يحتاج المرء وهو ينتظر وفاته؟ فكرت في ذلك كثيرا ونحن نرتب البيت؛ ~~لأنه حتى هناك لم نجد سوى بضعة أشياء كانت مرتبطة بحياة أبي بدرجة تجعلنا نصمم على ~~الاحتفاظ بها. أما معظم ما جمعناه من أركان المنزل فكان أشياء ببساطة لا تعدو أن تكون مجرد ~~خردة. # في مساء يوم الأحد، عندما بدأ الظلام يحل توجه أبناء أبي الأربعة إلى القبو؛ بيتر ~~وهيلجا وفيرنر في الورشة وأنا في غرفة التخزين، وهناك وجدت ماكينة قهوة ومطرقة اللحم ~~الخشبية ومظلات مصابيح قديمة والحوض الخاص بأول غسالة كانت لوالدي، وصناديق نبيذ فارغة ~~وأشياء للفك والتركيب. وعندما عطست من كثرة التراب والعفن فتحت النافذة الصغيرة الطويلة ~~تحت السقف، وهي تعلو مستوى الشارع مباشرة. عبر هذه النافذة دخلت ذات مرة مع بيتر إلى البيت ~~وكنا في سن الثالثة عشرة والعاشرة، عندما عدنا من رحلة غطس مع شباب مجموعة حماية البيئة ~~وتركتنا المجموعة في الليل أمام البيت. # حينها تسحبت إلى فراشي وكانت هيلجا راقدة فيه، ~~ربما كان سريرها مؤجرا لضيوف يقضون العطلة هنا. دخلت تحت الغطاء فانتبهت وقالت لي إن ~~العم ألفين زوج ميلا قد مات ودفن. أفزعني أن يحدث مثل هذه الأمور وأنا غائب؛ الدفن وغياب ~~العم بهذه البساطة. # والآن أتذكر تلك الأحداث وكأنها أصداء أصوات أفزعناها من مخبئها في زوايا البيت ~~المتربة. # عندما أحضرت هيلجا مصيدتي فئران من الورشة وسألت إن كان لهما استخدام الآن (لا، لم يعد ~~هناك الكثير من الفئران في فولفورت، حتى إنه يمكن وضعها على قائمة الحيوانات المهددة ~~بالانقراض)، حينها تذكرت إجابة عمي باول عن سؤالي عن أكبر موهبة يتحلى بها أبي، حين ~~قال: ms85 ~~«صيد الفئران!» # في ربيع عام 1939 كانت الإدارة المحلية تدفع بعض المال في مقابل كل فأر يتم اصطياده، ~~واستطاع كل من باول وأوجوست أن يكسبا من ذلك ما يكفي لشراء دراجة؛ أحدهما اشتراها من ~~نوع «إن إس أو» والثاني من طراز «فيكتوريا». قام باول بدور المساعد فقط، في حين كان أبي هو ~~العقل المدبر. وبالإضافة إلى الحقل الخاص بنا قاما أيضا بتطهير حقل جارنا من ~~الفئران. # جمع الأشياء كان له مدلول إيجابي؛ فقد كانت الإدارة تقدم مكافأة مالية أيضا في ~~مقابل كل كيلوجرام يتم جمعه من الدودة البيضاء. كان يوزيف وروبيرت يذهبان إلى طرف حقل ~~بريجينتس بالعصا والمشمع، حيث يوجد عديد من الأشجار المورقة، واستطاعا في يوم واحد جمع ~~أربعين كيلوجراما من الديدان. وكانت تلك هي الإمكانية الوحيدة أمام الأطفال لجني ~~المال. ~~••• # أزحت التراب بالمكنسة إلى خارج الباب، وانتهينا من العمل في التاسعة والنصف مساء، لكننا ~~لم نغط الحاوية؛ لأن النجوم كانت تتلألأ في السماء. ثم ذهبت إلى الحجرة ذات الشرفة، ~~وكانت قد خصصت لي منذ كنت في الثالثة عشرة من عمري، ويرجع الفضل في ذلك إلى علاقات ~~النفوذ غير الواضحة في بيتنا. عادت أمي إلى المنطقة العلوية من المنزل، في حين رجعت ~~كاتارينا يوم السبت بالقطار الليلي إلى فيينا. جلست إلى الكمبيوتر المحمول الخاص بي ودونت ما حدث، وتذكرت أن فيرنر أبدى ملاحظة ~~وهو يرتب الورشة، واسترعى ذلك انتباهي؛ فقد وجد على الرف بجوار حجرة التخزين أوراقا، ~~بعضها يتعلق بأمور خاصة جدا؛ لذا لم يحدق فيها كثيرا. # ذهبت إلى الورشة ووجدت ملفا من ثلاث عشرة ورقة بين وثائق وأوراق مختلفة، كان أبي قد ~~سجل فيها وهو في سن الرابعة والعشرين ذكرياته عن نهاية الحرب، ولم يقرأها أحد منذ عشرات ~~السنين، ولم أكن أعرف بوجودها قبل ذلك. # رجعت إلى المطبخ عبر الردهة خافتة الضوء، وجلست أقرأ تلك الأوراق. الحرب - التي لم ~~تعن الكثير لأبي وهو في الثامنة عشرة والتي اعتبر وقته فيها عاما مسروقا من حياته - ~~انتهت بسرعة، ومع نقله ms86 من الجبهة بدأت وتيرة الحكاية تتباطأ. كتب أبي بالتفصيل عن الوقت ~~الذي أمضاه في المستشفى، وعن رحلة العودة المضنية عندما كان يبحث عن أشخاص يتحدثون بلهجة ~~فورآرلبرج، ليسألهم قطعة خبز، دون أن يبدو وكأنه شحاذ. # صدمتني التفاصيل بسبب فجاجة وضوحها من ناحية، ومن ناحية أخرى لأني شعرت بأني لا أعرف ~~الكثير عن أبي ونشأته وانكساراته ومخاوفه وآماله، بالرغم من كل ما بذلت من جهود. # كنت أعرف أنه أكل عظمة فاسدة عندما كانوا ينقلون غنائم الحرب، وأصابته الدوسنتاريا ~~جراء ذلك، وأنه فقد وزنه بسرعة وأصبح يزن أربعين كيلوجراما فقط، وهو ما كان يذكره في بعض ~~الأحيان مشيرا إلى الصورة الموجودة في حافظة نقوده خلف غطاء بلاستيكي خفيف. الجديد هو أن ~~أبي كان قد قضى قبل تاريخ تلك الصورة أربعة أسابيع راقدا بين أشخاص يحتضرون وآخرين أموات. ~~في ذلك المخزن الذي تحول إلى مستشفى بالقرب من براتيسلافا صنعوا أرففا خشبية بسمك خمسين ~~سنتيمترا لتكون أسرة للمرضى. على عدة طبقات كانوا يضعون كل مريضين على أحد تلك الأرفف، ~~يرقدان على جانبهما ملتصقين أحدهما بالآخر، مما جعل الوضع مروعا؛ وخصوصا بالنظر إلى ~~أمراضهم المعدية وجروحهم التي لا تجد رعاية جيدة. # وعلى خلاف النهار كان الليل باردا، وكنت أتجمد أحيانا من شدة البرد؛ لأن ~~الممرضات الروسيات، اللاتي لا أذكرهن بخير أبدا، كن لا يسمحن بأكثر من غطاء ~~واحد لكل رجلين منا؛ لذلك اضطررت إلى رجاء أحد زملاء المعاناة، ممن تخطوا ~~المرحلة السريرية، أن يبحث لي عن رداء لأرتديه. وبالفعل جلب لي واحدا في اليوم ~~التالي وقال لي إنه خلعه عن رجل مات بالأمس، وإنه فعل ذلك قبل أن يلحظ الروس ~~موته. # كان المكان الذي رقدت فيه لفترة طويلة يقع في مقابل معسكر الموت الذي كان ~~الأطباء ينقلون إليه الأشخاص الذين تدهورت حالتهم المرضية. كان هؤلاء المساكين ~~عاجزين عن الذهاب إلى الحمام، ولم يكونوا قادرين على تناول الطعام، وكانوا ينزفون ~~في أماكن رقادهم عدة مرات في اليوم، وبصوت ضعيف وتائه ينادون على الممرضين ~~ليساعدوهم على الذهاب ms87 إلى الحمام ... كان المنظر فظيعا. كنت أرى تقريبا كل يوم كيف ~~يموت واحد منهم أو أكثر، وقد تخلى عنهم العالم ولم يساندهم أحد. كان معظمهم في ~~كامل وعيه، ولكن أجسادهم كانت كهياكل عظمية. # ظلت أشباح هؤلاء الموتى تهمس لي في الظلام لأعوام طويلة، وعندما يهمس الأموات فإنهم ~~يفعلون ذلك بإلحاح وعناد. إذا جمعنا الآراء عما هو أفضل: الموت أم الحياة، فإن الأموات، ~~الذين هم أكثر عددا، سيصوتون لصالح الموت. # استمرت تلك الحال مدة يومين، وبعدها ذهبت عني الحمى. ولا عجب في أنهم جعلوني ~~أعمل مجددا، وكان عملي هو المشاركة في دفن الموتى. العشرة الذين ماتوا في اليوم ~~السابق وضعوا فوق عربة بعد أن نزعت عنهم ثيابهم ووضعت فوقهم أغطية خرقة، ~~واستخدم ثمانية من السجناء بدلا من حيوانات الجر، وهكذا كانوا يجرون ~~العربة خلال بعض الشوارع الجانبية في بريسبورج وصولا إلى منطقة التفريغ، حيث توجد ~~حفرة يتم إلقاء الموتى فيها. وكان علي القيام بالمهمة البغيضة؛ ألا وهي ردم ~~الحفرة فوقهم. ولا يعرف أحد عدد الموتى الذين دفنوا هناك، ولكن على أي حال يوجد ~~هناك كثير من القبور، هذا إذا صحت تسمية تلك الأماكن قبورا. # لم يكن في العالم الذي أتى منه أبي مثل هذه الوحدة الموحشة؛ فهناك في عالمه كان الناس ~~يموتون في بيوتهم وسط عائلاتهم وفي حضور القس. وكان دافنو الموتى يعرفون أسماء من ~~يدفنونهم. ربما كان هذا هو السبب الذي دفع أبي على مدار سنوات طويلة لجمع التبرعات في عيد ~~«جميع القديسين» لصالح حركة «الصليب الأسود». عدا ذلك لم يكن أبي يلتقي بقدامى ~~المحاربين، ولم يكن يحكي لنا ونحن أطفال أي تفاصيل. اكتفى بكتمان الأمر بينه وبين الموتى، ~~الذين كانوا يهيمنون على منامه ويسكنون خياله ويؤثرون في إلحاح وصمت على قراراته، كدأب ~~الأموات دائما. ~~«نعم، اذهب أنت إلى البيت. لا يسعني إلا أن أسديك نصيحة واحدة: ابق في البيت ولا ~~ترحل!» ~~••• # في ليلة الإثنين كان القمر يسطع مباشرة فوق آخر شجرة صنوبر أمام غرفتي ملقيا بضوئه على ~~سريري، وشعرت ms88 برياح قوية هبت في نصف الليل الثاني وفي الصباح، وسمعت صوت أوراق الصحف ~~على الدرج المؤدي إلى غرفتي، بعد أن حملها الريح إلى هناك ؛ مما أزعج نومي. مع ذلك كانت ~~الحاوية الثانية قد أخذت ونحن نيام دون أن يلحظ ذلك أحد. أغمضنا أعيننا قليلا ثم ~~استيقظنا، فكان المكان أمام البيت قد أصبح في ضوء الشمس فارغا، وكأن شيئا لم يكن. # في الأيام التالية كنت وأمي نتخلص مع كل خروج بالسيارة من أوراق وملابس وأشياء معدنية ~~قديمة، وبالتدريج أصبح مرأب السيارات أيضا خاليا، ولم يبق سوى بعض الأخشاب مع تلك ~~الأشياء التي احتفظنا بها لسوق الكشافة الخيري، وكانت مقارنة بما سبق أشياء قليلة. ~~وسافرت أمي مرة أخرى، وبقيت أنا عدة أيام، وأنا أعلم أن أبي لن يرى كثيرا من حجرات البيت ~~مجددا أبدا؛ لأنه سيجلس في أيام الأحد وفي الأعياد في المطبخ وفي غرفة المعيشة، في حين ~~لم تعد غرفة نومه، التي أصبحت خاوية مثل ساحة الرقص، جزءا من عالمه الجديد. # كنت أطوف كثيرا بأروقة البيت، وتعتصر قلبي حقيقة أن هناك شخصا قد بذل الكثير من الجهد ~~ليبني مكانا كهذا يمنحنا الإحساس بالأمان والاحتواء. والآن تحطم كل شيء، الرجل والبيت ~~والعالم. وفكرت في تأليف كتاب بعنوان «أرض حزينة بعد الهزيمة». # في ذلك الوقت مع بداية شهر سبتمبر جاء موعد الحصاد الثالث. قام إيريش، ثاني أصغر أخ لأبي، ~~بجز الحشائش من حديقة الفاكهة بالمنجل، كل شيء كان يتم باليد، قطعة قطعة، وشعرت بارتياح ~~لرؤيته وهو يفعل ذلك. وكانت أواخر الصيف أحب الأوقات إلى قلبي عندما كانت الأشجار ~~الكبيرة بتفاحها أحمر الخدود وحباتها من الكمثرى الصفراء تقف بارزة وسط الحقل. وأحيانا ~~تهب الريح فيدوي حفيف الأشجار وكأنه صوت فرقاطات، والأطفال يلعبون في حديقة الجيران، ~~وظلال الأشجار وفروعها تكون بعد جز الحشائش المتسلقة الواضحة المعالم في ضوء الشمس ~~المنحنية على الحقل أكثر من أي وقت آخر. # كنت أرى من طاولة مكتبي ما وراء حديقة الفاكهة وحديقة الجيران، كان العم إيريش والعمة ~~فالتراود يعملان تقريبا ms89 كل يوم في الحقل. ذات يوم رأيت طفلا، ربما في السادسة من عمره، ~~يسكن في البيت المجاور، ورأيته قبل ذلك عدة مرات وهو يسير خلف العم إيريش ويناديه ~~«جدي»؛ مما كان له أثر داعم في بناء هوية ثقافية جديدة لكلا الطرفين؛ لأن المجتمع ~~التقليدي الذي نشأ فيه أبي وإخوته كان قد تفكك. كان لا يزال هناك عمل فلاحين ولكن لم ~~تعد هناك حياة فلاحين. ما يسمى بتغير الهياكل الاجتماعية جعل من فولفورت مجتمعا ~~سكنيا وصناعيا. وعندما كان أحد السكان يزرع شجرة فاكهة كبيرة، كانت الإدارة المحلية ~~تدفع له مكافأة تشجيعية؛ حتى تصبح في القرية هنا وهناك زوايا تذكر بثقافة تحتضر في ~~هذا البلد. # كان الطفل يمشي متبخترا عبر الحقل وهو يقضم تفاحة عندما أجاب نداء طفل آخر: ~~«كوكوكوكو! كوكوكو!» # ثم ذهب إلى طرف قطعة الأرض، حيث بني العام الماضي - في المكان الذي كانت فيه حديقة ~~الفاكهة الخاصة بجيراننا - مبنيان جديدان. وقف الغلام يشاهد شابا وهو يؤرجح ابنته من ~~يديها وقدميها في الحديقة الصغيرة، ثم دخل معها عبر باب الشرفة الخارجية إلى البيت ~~الجديد، وكان هذا الشاب حفيد المرأة التي أخذ أبي غرفتها في دار المسنين بعد وفاتها. جرى ~~الفتى إلى إيريش الذي كان يجر العربة المحملة بالقش في اتجاه البيت، وبعد ذلك بقليل ~~أصبحت حديقة الفاكهة خالية، وظهر بريق الثمار المتبقية في الحقل على خلفية لونه الأخضر ~~الفاتح الناعم. # وجاء المنطاد من ميناء فريدريش طائرا، واستدار فوق طرف أوبيرفيلد، كما هي عادته في الصيف ~~عدة مرات كل يوم، عندما يكون الجو جيدا. وكان هناك صقر يحوم فوق الحقل السفلي، فهاجمه ~~غرابان في الهواء بمنقاريهما في ظهره وجناحيه، ولكنه لم يبد مهتما بما يفعلان، أو ~~على الأقل لم يكلفه تجنب ضرباتهما عناء كبيرا. وبهدوء انطلق نحو النهر عند ~~بريجينتس. # وتذكرت عندما كانت عاصفة تهب وكان خمسة عشر أو عشرون من العائلة يهرعون لنقل القش ~~قبل أن يصيبه المطر، وصيحات الرجال العالية في اتجاه الجرار الذي كان يسحب عربة القش، ~~وأصوات التأوهات ms90 عندما كانوا يرفعون القش على العربة، وكنا ونحن أطفال نستقبله ونوزعه ~~ونحشو به أركان العربة، وصوت صنادل النساء، اللاتي يسرعن خلف العربة لجمع ما يقع من القش. ~~وكان يطغى على ذلك كله صوت الجرار المرتفع وزئير العاصفة يقترب منا، ثم الانطلاق سريعا في ~~اتجاه غرفة التخزين. وكنا ننام على بطوننا فوق القش؛ كيلا تضرب آذاننا فروع شجر الكمثرى ~~التي يمر تحتها الجرار. وكانت بعض حزم القش تبقى عالقة في الأفرع أياما بعدها. وأتذكر ~~أيضا اصطدام قطرات المطر الكبيرة بعد ذلك بأرجلنا العارية التي أحدث القش بها خدوشا، ~~وصياح أبناء وبنات الأعمام والعمات في سعادة وهم يهرولون وراء العربة، ودائما كان شخص يسبق ~~على الدراجة لفتح باب غرفة التخزين. وأتذكر كذلك المناورة لإدخال العربة تحت السقف الأمامي ~~للغرفة والأصوات تتعالى، بينما المطر يتساقط على السقف ومنه إلى الشارع، وذلك الهواء الساخن ~~الخانق في غرفة التخزين. # وكنا بعد ذلك نجلس في غرفة جدينا نشرب العصير ونأكل المثلجات، ثم نستحم في البيت ~~والأنوف يملؤها غبار القش، وبعدها نتناول عشاء سريعا أمام التليفزيون ونحن متعبون لدرجة ~~تحول بيننا وبين متابعة الصور التي كانت تبدو لنا وكأنها أحلام مبكرة. وعند الدخول إلى ~~الفراش كانت المفارش الكتانية الخشنة تعطي إحساسا مريحا على الأقدام المخدوشة، وكنا ~~ننام على الفور. # وأذكر أيضا كيف كان أعمامي وأبي يتقابلون مع شروق الشمس لجز الحشائش من فوق التل، ~~وكان ذلك يحدث كل عام مرتين أو ثلاثا في السبعينيات وبدايات الثمانينيات. وكانوا عادة ~~خمسة: إميل وأوجوست وباول وروبيرت وإيريش، وكان كل منهم يحضر معه منجله وحجر الشحذ. باول ~~وأبي كانا يذهبان في حذاء كرة القدم القديم؛ لأن البروز فيه كان يساعدهم على الثبات إذا ~~داست أقدامهما على الديدان البزاقة. وكان الإخوة الخمسة يجزون حشائش التل المنحدر في ~~صفوف متساوية. كانت الغرفة التي تقاسمتها مع فيرنر تطل بنافذتيها على التل، وكنا في ~~الصيف نترك النافذتين مفتوحتين بطريقة مائلة طوال الليل؛ لذلك كنا نستيقظ في الخامسة ~~صباحا على صوت أحجار الشحذ. أحيانا كان يقوم ms91 رجلان بالشحذ في نفس الوقت ويصدر عن ذلك ~~صوت منتظم «شيت، شيت، شيت»، وفي الخلفية تصدر أصوات المناجل منتظمة أيضا وهي تجز ~~الحشائش التي بللها الندى. وكان ذلك يستمر قرابة الساعة والنصف، ونحن ننام ونستيقظ في ~~أثناء ذلك. وبعدها كان أبي وإخوته يعودون إلى البيت والمناجل على أكتافهم، يغتسلون ثم ~~يذهبون إلى أعمالهم في البنك العقاري وفي الإدارة المحلية وفي الغابة وفي قراءة عدادات ~~الكهرباء وفي المكتبة الوطنية. ~~«أيام الإنسان مثل الحشائش.» # وبينها زهور الحرف المرجي. ~~••• # في إحدى زياراتي لأبي هذا الأسبوع حاولت مرارا أن أقنعه بأن يلعب معي لعبة مصارعة ~~الذراعين، في البداية كان يدفع ذراعه في الاتجاه الخاطئ، فشرحت له الطريقة السليمة ~~للعبها، فأدرك ما قلته ولعبنا وتركته يفوز مرتين. فرح أبي بالمزاح والضحك أكثر من الفوز ~~الذي لم يعلق عليه، ولكنه قال مبتسما: ~~«من يفعل ما نفعله نحن هنا سيطردونه بالتأكيد.» # الشيخوخة يا أبي؟ # نعم، إنها تعطي الانطباع بأني لم أعد شابا، وأني من كبار السن أو من المسنين. لا ~~يهمني كيف نسمي ذلك. # هل تخاف من الموت؟ # مع أنه من العيب ألا أعرف، فإنني لا أعرف. # | الفصل الثاني عشر # كانت الساعة الرابعة إلا الربع عصرا، وبعد أن زودت إطاري دراجتي بالهواء، ذهبت ~~إلى دار المسنين، ولكني لم أجد أبي في غرفة الانتظار. وجدته في حجرته محدق ~~العينين. # لم يستجب لندائي، فناديته مجددا، لكن عينيه بقيتا محدقتين دون أن يعطي أي استجابة. ~~تأكدت من أنه ما زال يتنفس؛ فبالفعل كان قفصه الصدري يعلو وينخفض. مع ذلك تسارعت دقات ~~قلبي؛ لأن صوتي لم يصل إليه بالرغم من رفع صوتي، وظننت أنه قد أصابته صدمة أو ما شابه، ~~ولكنه في المرة العاشرة أو الحادية عشرة من النداء اهتز ونظر إلي مشدوها، وكأنه يعجب ~~كيف وصلت إلى سريره فجأة، سألته وأنا مضطرب عن حاله، فهز كتفيه وقال: ~~«أتمنى أن أكون بخير.» ~~••• # إن كل حكاية هي بمنزلة «بروفة نهائية» للموت؛ لأن كل حكاية لا بد أن تنتهي، إلا أن ~~الحكي يعيد ms92 الأشياء الضائعة، عندما يحكيها. # أو كما قال شكسبير: «دعنا نجلس على الأرض ونحك قصصا حزينة عن موت الملوك.» ~~••• # بعدها جلست على الكرسي ونظرت عبر النافذة إلى شارع لاوتراخ، حيث تمر سيارة من وقت ~~لآخر، وسألت أبي إذا كان يرغب في الذهاب معي إلى الخارج، ولكنه لم يرد ذلك، حاولت أن ~~أغريه بالجلوس في الهواء الطلق، لكن الفكرة لم ترق له. ~~«أترغب في الخروج معي يا أبي؟ يمكننا التنزه قليلا.» ~~«إلى أين؟» ~~«نتنزه في الخارج، بالحديقة.» ~~«لا أريد.» ~~«إلى فولفورت إذن يا أبي.» # نظر إلي وهز رأسه بالموافقة، وقال مبرهنا على أن قلبه ما زال يعرف ما يعشق: ~~«هذا بالتأكيد أمر مختلف.» # قام وذهب معي إلى الباب، ولسعادتي بأنه ما زال حيا علقت يدي في يده. ~~••• # كلما ابتعد المرء عن موطنه شعر بأنه عاش فترة أطول، وإذا طبقنا ذلك على أبي فإن حياته ~~حتى بداية الحرب كانت قصيرة، ثم طالت لفترة قصيرة، ثم قصرت لفترة طويلة، ومع إصابته بمرض ~~ألزهايمر عادت طويلة. ~~••• # جاء أحد النزلاء وقال لي إن قصة «الذئب والصغار السبعة» تحكي عن قتل الصغار، فرددت عليه ~~بأنه ربما يكون محقا، وأنه علي أن أفكر في الأمر. # تبع أبي الرجل بعينيه وكأنه لم يره من قبل، ثم نسيه بعد ذلك. ~~••• # كان يسمي زملاءه في دار المسنين «الفقراء البؤساء، الذين لا تجتمع فيهم الرغبة ~~والقدرة»، وأحيانا «الكسالى»، دون أن يستثني نفسه من ذلك الوصف. ولكنه كان يشعر بالراحة ~~لوجوده بين من يشبه حالهم حاله. كان يقول أحيانا: ~~«يوجد هنا مزيد من الكسالى. لقد جمعتهم في هذا المكان بنفسي.» # وفي مرة أخرى قال متضامنا معهم: ~~«كلنا هنا مساكين.» ~~••• ~~«أنا شخص مسالم في أرض الرب، شخص لا يقوم بقفزات كبيرة، ويغادر الحياة في ~~النهاية.» ~~••• # إذا أردت مقارنة أبي بشخصية من الأدب فسيخطر ببالي ليفين، الشخصية الذكورية الرئيسية في ~~«أنا كارنينا»، ليس فقط لأن ليو تولستوي يصفه وهو يجز الحشائش بالمنجل، بل لأن هناك شيئا ~~يجمعهما؛ ألا وهو الرغبة في جعل الأشياء تصبح أفضل. ms93 حتى اليوم ما زال أبي يتجول في حديقة ~~دار المسنين ويقول: ~~«توجد هنا أشياء تحتاج إلى تحسين، لقد اكتشفت ذلك بعيني الماهرتين. أعجب كيف ~~رتبوا الأشياء هنا بهذه الطريقة. لا أفهم الميزة في ذلك، ما فعلوه لا يقنعني!» # كان أبي ينشغل كثيرا بخطط كبيرة ويقول: ~~«لدي كثير من الأفكار، لكنها لم تعد تعبر ~~عن نفسها.» ~~••• # خطر ببالي شكل جيوبه المنتفخة، وأنه يوما قام بطلاء مرأب السيارات وهو محتم من الشمس ~~بمظلة، بينما كان الجيران ينامون تحت مظلاتهم. وكثيرا كان يضع منديلا على رأسه بعد عقد ~~أطرافه الأربعة ليحتمي من الشمس. ~~••• ~~«وما هذا؟!» ~~«هذه أشجار يا أبي.» # رفع حاجبيه وقال: ~~«ولكنها لا تعطي الانطباع بأنها أشجار!» ~~••• # جلسنا على أحد مقاعد الحديقة، وأخذ يراقبني باهتمام وأنا أدون بعض الملاحظات في كراسة ~~قديمة، وأمسك لي بالكراسة حتى لا تنزلق وأنا أكتب. سألني: ~~«كيف سارت الأمور مع أوراقك؟» # فأجبته: «الأمور تسير مع أوراقي بصورة طيبة دائما.» # فقال: «وأنا أيضا.» ~~••• # كانت تركيبة غريبة؛ فقد كان لا يستطيع الاحتفاظ بما أعطيه له، وكنت أتمسك بكل قوة ~~بما يعطيني إياه. # كانت تلك الساعات تطول، وكان لدي الوقت للانتباه لأشياء كثيرة. لم يكد شيء يمر دون أن ~~ألحظه؛ فقد كنت أظل منتبها وحاضر الذهن، وكل الأمور كانت تصلني بوضوح شديد وكأن ضوءا ~~شديدا ينتشر فجأة من حولي. ~~••• # كان أبي يراقبني أثناء الكتابة، ولسان حاله يقول: ~~«اجلس هادئا يا ولدي؛ يجب أن تستذكر درسك!» ~~••• # يوجد شيء بيننا جعلني أنفتح على العالم أكثر، وهو على عكس ما يقال عادة عن مرض ~~ألزهايمر بأنه يقطع الصلات؛ فأحيانا يكون سببا في توطيد العلاقات. ~~••• ~~«عندما ذهب ما تمنيناه أدراج الرياح، عندها فقط بدأنا نعيش.» ~~••• # زادت السعادة مع الاقتراب من الموت، هناك حيث لم نحتسب. ~~••• # كما قال الجنرال ديجول ردا على السؤال عن الطريقة التي يريد أن يموت بها: «أريد أن أموت ~~حيا!» ~~••• # عندما ذهبت بعد ظهر يوم سبت لزيارة العمة بيرتي، زوجة باول الأولى، كنت قد أتممت لتوي ~~عامي التاسع عشر، وكانت العمة ms94 ترغب في توديع أبناء وبنات أخواتها الكثيرين، وكان أحد ~~الرهبان قد غادر للتو وهو يتمنى لها الشفاء، فقالت لي: من السخيف أن يتمنى أحد الشفاء ~~لشخص يحتضر. وكانت تبدو محبطة وتعيسة. وتركت في هذه اللحظة القصيرة أعظم الأثر، عندما ~~طلبت امرأة وأم لثلاثة أطفال، اثنان منهم في سن ما بين الطفولة والشباب، ألا نغض ~~الطرف عن الحقائق، حتى ولو تعلق الأمر بالموت. # أحيانا نتعلم في لحظة واحدة ما لا نتعلمه في عام دراسي كامل. ~~••• # شهد ذلك الوقت أحداثا حزينة أخرى؛ إذ مات ثلاثة أطفال ممن تبناهم أبي: جوي وماريا ~~وإيرمي. كانت تلك أكبر تعاسة عائلية لم يسلم منها أحد في الأسرة، بما فيها من مصادفة ~~رهيبة وحزن يصعب نسيانه. # عندما حدثت أبي عن تلك الفترة لم يتذكر منها شيئا. # وقال: «لا، لا أعرف شيئا عن ذلك.» # ولكنه رغم ذلك كان يعتقد أن أمه، التي ماتت في نفس الفترة، لا تزال حية، وكان كثيرا ~~ما يقول: ~~«يجب أن أذهب إلى البيت؛ فأمي بانتظاري!» ~~••• # كان مفهوم القدر على مدار ألفية كاملة مفهوما أساسيا، أما اليوم فيكاد يصبح الحديث ~~عن القدر أمرا مستهجنا؛ إذ يجب إيجاد تفسير لكل شيء. ولكن أحيانا تحدث لنا أشياء لا ~~نقدر على تفسيرها ولا على إيقافها. فبالمصادفة يحدث شيء لأقوام، وبالمصادفة لا يحدث لآخرين، ~~لماذا؟ يبقى ذلك لغزا. # الشوق لما عشناه وللأشخاص الذين تركونا نحيا ورحلوا. ~~••• # في لحظة ما سيأخذ أبي نفسا لن يتبعه آخر، وهذا يشعرني بالغضب، كل هذا العناء، ولماذا؟ ~~ثم أفكر مجددا في أن هذا الأمر فيه شيء كتب عنه جوليان جرين في يومياته وهو في سن ~~الثمانين قائلا: إنه ليست لديه مشكلة في أنه يفقد بعض قدراته وأنه سيموت؛ فالرب يأخذ ~~الممحاة ويمحو المكتوب على اللوح؛ كي يكتب اسمه فوقه. # على خلافي كان أبي دائما متدينا جدا، ولكن حتى في ظل المفاهيم الدنيوية يعجبني ما ~~قال جوليان جرين عن ذلك الآخر الذي يكتب اسمه على اللوح، الأماكن التي نستخدمها يستخدمها من ~~بعدنا آخرون، الشوارع ms95 التي نقود عبرها مركباتنا، سيمر بها غيرنا، المكان الذي بنى فيه أبي ~~بيتا، سيسكنه أشخاص آخرون، وشخص آخر سيروي يوما القصص التي أحكيها أنا . # وبقدر ما أن هذا الترتيب عبثي وحزين، إلا أنه يبدو لي سليما. ~~••• # قرأت في الصحيفة أن الصراصير قد نجت من تجارب أجريت على القنابل الذرية في منطقة بكيني ~~أتول، وأنها ستبقى بعد فناء البشرية. وهذا شيء آخر سيبقى بعد أن أنتهي. كنت قد تأقلمت مع ~~فكرة أن النبيذ والفتيات سيبقيان بعدي، ولكن أن تبقى الصراصير تستمتع بحياتها بعد موتي، ~~فهذا يؤرقني قليلا. ~~••• # أردت ذات مرة إحضار زجاجة نبيذ من غرفة التخزين، وكانت نافذتها نصف مفتوحة، فسمعت أبي، ~~الذي كان يجلس بالخارج على السور الصغير مع دانيلا، يقول: ~~«ربما يحين الوقت يوما ...» ~~••• # لو كان البشر خالدين لكانوا أقل تأملا، ولو كان الناس أقل تأملا لكانت الحياة أقل ~~جمالا. # لولا غرابة الحياة ووجود الموت لما كتبت قصتا «المزمار السحري» و«روميو وجوليت»، ولما ~~كان أحد سيكتبهما أبدا. ~~••• # إن الموت من الأسباب التي جعلت الحياة تبدو لي جذابة؛ فهو الذي يجعلني أرى الحياة بطريقة ~~أوضح. # مع ذلك فأنا لا أرحب به، وأعتبره مزعجا؛ فخسارة ما يضيع كبيرة، ولكن حقيقة أن الموت ~~أمر لا مفر منه، جعلتني أرى أن الغضب منه يشبه النباح في الليل، هذا بالنظر إلى الحياة ~~التي تفرض نفسها. # بالرغم من كل الاعتراض سيستمر الزمان في مساره. ~~••• # أعتقد أن الحوار القصير التالي كان في فيلم «سيدة من شنغهاي»: ~~«لا أريد أن أموت.» ~~«وأنا أيضا. وإن كان هذا حتما علي، فلأكن آخر من يموت.» ~~••• # بقدر ما يتعلق البشر بالحياة، فإن الموت في بعض الأحيان لا يأتي بالسرعة المطلوبة؛ ~~وخصوصا عندما لا تصبح الحياة جيدة بما يكفي، عندها يدور الحديث بين الأقارب عن الموت ~~الرحيم، في حين يكون من الأفضل أن يتحدثوا عن عجزهم في التعامل مع الوضع الذي تغير. ~~والسؤال هو: هل يرغبون في إراحة المريض من معاناته، أم أنفسهم من عجزهم؟ ~~••• # مذنب؛ لأنه لا يزال حيا! لا يزال! ms96 ~~••• # أفاجأ دائما عندما يضع أبي يده بحنان شديد لم ألحظه فيه من قبل على خدي، أحيانا باطن ~~يده وكثيرا ظاهرها، عندها أدرك أني لم أكن بهذا القرب منه مثل تلك اللحظة. ~~••• # سأتذكر ذلك دائما، دائما، دائما! أو على الأقل ما دمت قادرا على ذلك. # وضعت يدي على كتفه وقلت: ~~«كيف حالك أيها المحارب القديم؟» # فسألني متفاجئا: «أنا؟!» ~~«نعم، ألست محاربا قديما؟» ~~«هذا يتوقف على فهم ذلك ... كما تعلم، المحارب القديم يكون قويا ...» # ثم نظر إلي وتفحصني بود وقال: ~~«أنت شخص أحب أشياء كثيرة، وهناك أشياء لم تحبها البتة.» # فقلت: «هناك أشياء أحببتها كثيرا.» ~~«كنت تحب المغامرات، أما أنا فلا.» ~~«وماذا كنت تحب يا أبي؟» ~~«الذهاب إلى البيت.» ~~••• # في مرة أخرى عندما أخذت يده وربت عليها سألني: ~~«لم تفعل ذلك؟» # فقلت له: «هكذا وحسب.» # فنظر إلي نظرة اختلط فيها الفضول بالضيق، ثم قال: ~~«يمكنك إمساك يدي كما تشاء، ولكن يهمني أن أعرف سبب فعلك هذا.» # فأجبته: «أفعل ذلك لأني أحبك.» # شعر أبي بالخجل، وقال بلهجة تتعلق بإحساسه بأنه أصبح عديم ~~النفع: ~~«أنت تقول ذلك وحسب ...» # فقلت له وأنا مضطرب، ولذلك لم يكن كلامي مقنعا بما يكفي: «طبعا، أحبك.» # فطأطأ رأسه وترك الكلام وغير الموضوع. ~~••• # عندما أسأل نفسي أي نوع من البشر أبي، أراه مناسبا جدا لأحد النماذج، ولكنه يعود ~~دائما ويحطم جميع الصور الكثيرة التي رسمها لنفسه طوال حياته؛ سواء لدي أو لدى ~~الآخرين. ~~••• # هذه القدرة التي لا تستنفد على أن يكون مرحا ويضحك ويعقد الصداقات بسرعة! # انتفع أبي من موهبته في كسب ود الآخرين عدة مرات عندما كان في طريق عودته من الحرب، ~~واحتفظ في مذكراته عن نهاية الحرب بأسماء الذين ساعدوه في محنته بعناية. كان عليه أن يدفع ~~ثمن تذكرة العبارة التي أقلته عبر نهر الدانوب، ودفعها عنه شخص يدعى ألفونس ماير من ~~ريد في إنكرايس. أما في أورفار فقد حصل على قطعة خبز من إيفالد فيشر وجيدو أورزينجر من ~~كينيلباخ، وقام شخص آخر بتزييف شهادة خلوه من القمل ms97 كي يسمح له بالرقود تحت سرير ~~سيارة الإسعاف: زيجفريد نوسكو من دورنبيرن. وتقاسم رجل معه وجبته: معلم الموسيقى فرانتس ~~جروبر من بريجينتس، الذي كان يعزف للأمريكيين موسيقى للرقص. ~~••• # كان الجميع يفشل في رسم صورة لأبي، ولكن ربما لم ينجح أب مثله في أن يفي بالصورة التي ~~يرسمها الأطفال لأبيهم. # ماذا عساه يحكي لي عن المرض، لو عاد من هناك كما فعل ريب فان فينكل بعد عودته من الليلة ~~التي استمرت عشرين عاما وهو يلعب «البولينج»؟ بالتأكيد كنا وقتها سنستطيع أن نتحدث بصورة ~~مختلفة معا، بانفتاح ومباشرة وذكاء أكثر. # وأبناؤه - هذا ما اتضح - سيتعلمون من الأحداث بشكل أو بآخر. ~~••• # من الواضح، أن الأحداث قد تركت أثرا عميقا فينا. ~~••• # بعد أعوام من الانفصال والاستقلال سامحته زوجته على زيجتهما الفاشلة، وتحققت رغبته في ~~علاقة تدوم مدى الحياة لدرجة ما. # فقبل أيام كان يجلس في البيت على كرسي في المطبخ، ثابتا في مكانه، وأمي تقص له ~~شعره. ~~••• # خصوصا في العلاقات العائلية والثنائية نعرف أحاسيس سارت في مسارات «ملتوية ومتعرجة ~~وحلزونية». ~~••• # كثيرا ما أرى في هذا الإنسان المسكين الذي سرق منه عقله أبي الذي كنت أعرفه في الأيام ~~الخوالي. عندما كانت عيناه تريانني بوضوح ويبتسم لي، وهو الأمر الذي كان يحدث لحسن الحظ ~~كثيرا، كنت أعرف أن الزيارة قد آتت ثمارها بالنسبة إليه أيضا. # وكثيرا ما كان يبدو وكأنه لا يعرف شيئا ويفهم كل شيء. # وذات مرة عندما مددت يدي لأصافحه، أسي لحالي؛ لأن يدي كانت باردة، فقلت له إني أتيت ~~لتوي من الخارج حيث تمطر، فأخذ يدي بين يديه وقال: ~~«افعلوا ما عليكم فعله، أما أنا فسأبقى لأدفئ هذه اليد.» ~~••• # وبعد ذلك جلسنا على أريكة في نهاية الحجرة، وعندما كنا نحدد أين سيجلس كل منا، قال: ~~«أنا ولد أكبر سنا ولا أحب الأمور الصعبة.» # وبصوت منخفض كانت موسيقى موتسارت تنطلق من مكبر الصوت، وعندما مر شخص، قال له أبي: ~~«هلليلويا!» (التي تعني «هللوا للرب»؛ أي اشكروه) وتبعه بنظره. ولما كررها ثانية وضحك ذلك ~~الشخص، ms98 علق أبي مازحا وهو يشرح لي ولكاتارينا قائلا: ~~«تسقط عليهم تلك الكلمة مثل القنبلة.» ~~••• # ذلك الرجل العجوز ورغباته الصغيرة، التي كان يفضلها على مسكن جديد في الجنة؛ وهي ~~التنزه، ومقابلة شخص يمكنه التحدث إليه قليلا. ~~••• # لا يوجد الكثير مما يتوقع حدوثه في دار المسنين؛ خدمات ترفيهية بسيطة، وجوه ضاحكة، ~~هرة تتمسح، دعابة تضحك الآخرين. يعجبني أن الأشخاص الذين يعيشون هنا قد تحرروا من ~~المجتمع القائم على الإنتاج والإنجاز. # أحيانا يكون نقص الإمكانات شيئا محررا. أتصور الأمر مثل الانتظار على رصيف المحطة ~~في سيبيريا على مسافة كيلومترات بعيدا عن التجمع السكاني التالي، يجلس المرء يأكل ~~اللب. بالتأكيد سيأتي القطار وقتا ما، سيحدث شيء في لحظة ما، بالتأكيد. ~~••• # ارتشف أبي من فنجان القهوة رشفة، ثم وضع الفنجان بجوار طبقه، ونظر إلى شخصين ~~وسأل: ~~«هل هما قريبان؟» # فأجبت: «نعم.» # فقال: «اعتقدت ذلك أيضا بسبب اللون.» ~~••• # كتبت الصحيفة أن الخراف السوداء أصبحت نادرة بسبب ارتفاع حرارة الأرض! ~~••• # واكتشفت أن تخوفي من أن الجزء الجيد من القصة قد انتهى غير صحيح؛ فلم تصح توقعاتي ~~إلا نادرا. لعل أبي في هذا الموقف كان سيقول لي عدة مرات بطريقته الحكيمة: لقد أخطأت في ~~توقعاتك. لذلك لم أعد أنظر إلى المستقبل بنفس درجة الخوف التي كنت أشعر بها في البداية. ~~لم أعد أرى الأمر قاتما بهذه الدرجة. ~~••• # بتوقع مطمئن. ~~••• # أردت أن أعطي نفسي وقتا لتأليف هذا الكتاب، ووفرت له ست سنوات. في الوقت ذاته كان ~~يراودني أمل في أن أكتبه قبل أن يموت أبي؛ لم أرد الكتابة عنه بعد موته، أردت الكتابة ~~عن شخص حي؛ لأني رأيت أن أبي، مثل أي إنسان آخر، يستحق مصيرا تبقى نهايته ~~مفتوحة. ~~••• # وفي هذه اللحظة تحديدا وأنا أكتب هذه السطور، يبلغ عمري نصف عمر أبي. طال الأمد حتى ~~وصلت إلى هذه النقطة. لقد طال الوقت لاكتشاف الأمور الأساسية التي جعلت منا هؤلاء ~~الأشخاص الذين أصبحنا إياهم. ~~••• # قال أبي لي ولكاتارينا: «كنت في السابق غلاما قويا، لا ولدا ضعيفا مثلكما!» ~~••• # والحكمة تقول: من ms99 ينتظر بما يكفي، يمكن أن يصبح ملكا. ms100