######OpenITI# #META# URI: 1450SamihCabdKarimSalih.TaammulYawmBacdYawm.Hindawi82951514 #META# Tags: arts #META# ID: 82951514 #META# Title: تأمَّل يومًا بعد يوم: ٢٥ درسًا للعيش بوعي كامل #META# AuthorID: 59279313 #META# Author: كريستوف أندريه #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 15869491 #META# Translator: سامح عبد الكريم صالح #META# Related_books: 1450ChristopheAndre.MediterJourApresJour (TRANSL) #META#Header#End# # تحية واعتراف بالفضل‏ # شكر وتقدير‏ # تقديم المترجم‏ # مقدمة‏ # الجزء الأول: أن ندرك أن الوعي الكامل حالة ذهنية‏ # 1 - أن نعيش اللحظة الحاضرة‏ # 2 - أن نتنفس‏ # 3 - أن نتواصل مع أجسادنا‏ # 4 - أن نغمض عيوننا وننصت‏ # 5 - أن نراقب أفكارنا‏ # 6 - أن نعطي مساحة لمشاعرنا‏ # 7 - أن ندرب انتباهنا كي نزيد حدة وعينا‏ # 8 - أن نكون حاضرين في اللحظة الحالية‏ # الجزء الثاني: أن نعيش وعيون روحنا مفتوحة على اتساعها وأن تكون هذه هي فلسفة حياتنا اليومية‏ # 9 - أن نرى كل ما هو عادي‏ # 10 - أن نرى كل هو مخفي‏ # 11 - أن نرى ما هو مهم‏ # 12 - أن نكون حاضرين أثناء الفعل‏ # 13 - أن نشحذ انتباهنا‏ # 14 - أن نفهم ونقبل ما هو موجود‏ # الجزء الثالث: أن نتجاوز العواصف بالاحتماء بملاذ اللحظة الحاضرة‏ # 15 - أن نتحرر من سجوننا الذهنية‏ # 16 - أن نتخلى عن إصرارنا‏ # 17 - أن نبقى حاضرين في هذا العالم‏ # 18 - أن نستمر بالتقدم رغم جروحنا‏ # 19 - أن نقبل الغموض‏ # 20 - أن نلمح السعادة وهي تبزغ ببطء‏ # الجزء الرابع: أن نكون أكثر انفتاحا ويقظة وندرك أن ذلك هو أكثر الأسفار بعدا‏ # 21 - أن نعمل‏ # 22 - أن نتأمل‏ # 23 - أن نحب‏ # 24 - أن نختبر تمدد الذات وانحلالها‏ # 25 - أن نصل للوعي الكوني‏ # تنزيل تمارين التأمل المرتبطة بالكتاب‏ # 10 تلميحات للتأمل باستخدام تمارين التأمل المرتبطة بالكتاب‏ # قراءات إضافية‏ # مواقع إلكترونية مفيدة‏ # المراجع‏ # تحية واعتراف بالفضل‏ # شكر وتقدير‏ # تقديم المترجم‏ # مقدمة‏ # الجزء الأول: أن ندرك أن الوعي الكامل حالة ذهنية‏ # 1 - أن نعيش اللحظة الحاضرة‏ # 2 - أن نتنفس‏ # 3 - أن نتواصل مع أجسادنا‏ # 4 - أن نغمض عيوننا وننصت‏ # 5 - أن نراقب أفكارنا‏ # 6 - أن نعطي مساحة لمشاعرنا‏ # 7 - أن ندرب انتباهنا كي نزيد حدة وعينا‏ # 8 - أن نكون حاضرين في اللحظة الحالية‏ # الجزء الثاني: أن نعيش وعيون روحنا مفتوحة على اتساعها وأن تكون هذه هي فلسفة حياتنا اليومية‏ # 9 - أن نرى كل ما هو عادي‏ # 10 - أن نرى كل هو مخفي‏ # 11 - أن نرى ما ms001 هو مهم‏ # 12 - أن نكون حاضرين أثناء الفعل‏ # 13 - أن نشحذ انتباهنا‏ # 14 - أن نفهم ونقبل ما هو موجود‏ # الجزء الثالث: أن نتجاوز العواصف بالاحتماء بملاذ اللحظة الحاضرة‏ # 15 - أن نتحرر من سجوننا الذهنية‏ # 16 - أن نتخلى عن إصرارنا‏ # 17 - أن نبقى حاضرين في هذا العالم‏ # 18 - أن نستمر بالتقدم رغم جروحنا‏ # 19 - أن نقبل الغموض‏ # 20 - أن نلمح السعادة وهي تبزغ ببطء‏ # الجزء الرابع: أن نكون أكثر انفتاحا ويقظة وندرك أن ذلك هو أكثر الأسفار بعدا‏ # 21 - أن نعمل‏ # 22 - أن نتأمل‏ # 23 - أن نحب‏ # 24 - أن نختبر تمدد الذات وانحلالها‏ # 25 - أن نصل للوعي الكوني‏ # تنزيل تمارين التأمل المرتبطة بالكتاب‏ # 10 تلميحات للتأمل باستخدام تمارين التأمل المرتبطة بالكتاب‏ # قراءات إضافية‏ # مواقع إلكترونية مفيدة‏ # المراجع‏ # | تأمل يوما بعد يوم # | تأمل يوما بعد يوم # | 25 درسا للعيش بوعي كامل # تأليف # كريستوف أندريه # ترجمة # سامح عبد الكريم صالح # | تحية واعتراف بالفضل # إلى جون كاباتزين لرؤيته. # إلى زيندل سيجال لعلمه. # إلى ماثيو ريكار لقدوته. # ولثلاثتهم، لما علموني إياه، ولصداقتهم. # | شكر وتقدير # أتوجه بالشكر لصوفي دي سيفري لدعمها المطلق وحسها الجمالي وذوقها الفني المرهف. ~~إنها السبب في الجمال الموجود في هذا الكتاب. وإن كان هذا الكتاب، الذي يعد عملا فنيا ~~صغيرا، قد أبهر عينيك، فالفضل يرجع إليها. # وأنا ممتن أيضا لكاثرين ماير لتوفرها الدائم لمعاونتي وحدسها ونصائحها. لقد ~~ساعدتني في الوصول إلى أوضح أسلوب ممكن وأكثره إيحاء. وإذا كان هذا الكتاب يتحدث إليك ~~ويلمسك، فالفضل يرجع إليها. # وأقول للاثنتين، شكرا على إمدادي بالمصادر والوقت اللازمين لوضع تخطيط هذا الكتاب ثم ~~تأليفه. # أشكركما على كل هذا، وعلى كل شيء. # | تقديم المترجم # «حين تأتي العاصفة تمسكوا بتنفسكم، إنه مرساة النجاة.» هذا ما يقوله كريستوف أندريه ~~في كتابه: «تأمل يوما بعد يوم». # تعتبر حالة التأمل بالوعي الكامل # Mindfulness ~~، وهي إحدى ~~الممارسات التأملية، أكثر من طريقة علاجية أو ممارسة يومية لنشاط ما. إنها طريقة ~~للعيش، تفتح لنا أبوابا موصدة، وتقودنا إلى غياهب لم نكتشفها قبلا، لكنها كانت ms002 دوما في ~~دواخلنا. # بعد ظهور التحليل النفسي في بداية القرن العشرين، وبقائه طويلا في كبد سماء العلاج ~~النفسي، بدأت طرائق العلاج الأخرى بالظهور في ستينيات القرن العشرين، ومنها العلاج المعرفي ~~السلوكي، والعلاج بالتنويم، وعلاج الرضوض النفسية بتفعيل الحركات المتواترة للعينين ~~( # EMDR ~~)، وطرائق أخرى بدأت تشق طريقها في المقاربة ~~الحديثة للاضطرابات النفسية المختلفة، وحتى في مقاربة العديد من الأمراض الجسدية. # إن حالة الوعي الكامل هي بكل بساطة أن نعي في لحظة ما كل ما هو موجود حولنا؛ المكان، ~~والأشياء، والأصوات. أن ندعها تتشربنا لنصير جزءا منها، أو ليصير كل ما حولنا جزءا من ~~وجودنا. إنها أيضا وفي الوقت نفسه أن نعي كل ما يحدث داخلنا؛ تنفسنا، ونبض قلبنا، وتوتر ~~عضلاتنا، ووضعية جسدنا. أن نعي أيضا نهر أفكارنا ومشاعرنا الذي لا يكف عن الجريان ~~والتبدل. كل ذلك في لحظة دون أن نحاول تغييره أو الرد عليه. ويمكننا مع الممارسة، أن ~~نعيشه في لحظات كثيرة من يومنا. # اختبر الانسان حالة التأمل منذ بدء الخليقة؛ فالتأمل أساسي كالنوم والحركة. وعاش كل واحد ~~منا حالات من الوعي الكامل مرارا دون إدراك لهذه الحالات. يقول أنسي الحاج: «أعجب من شخص ~~يرى لوحة جميلة، أو يسمع مقطوعة موسيقية ويقول لنفسه: يا إلهي، ما أجملها! ثم لا تتغير ~~حياته.» # في كل مرة نقف فيها مشدوهين أمام الجمال، نكون في حالة وعي كامل. إنها تلك اللحظة التي ~~تسرق كل حواسنا. # لقد استمد علماء الغرب مبادئ التأمل (بمفهومه العلمي والعلماني) من الديانات والتيارات ~~الفلسفية الشرقية؛ فلسفة الزن اليابانية، والبوذية، والكونفوشية، وأيضا من فلسفة المتصوفة. ~~قاموا بممارسته ودراسته، ثم نقلوه إلى الآخرين دارسين ومرضى. إنه يشبه في ذلك تفاصيل ~~حياتنا التي لا يجدي فيها النقل النظري والتحليلي، وإنما الممارسة، لهذا فإن كل أساتذة ~~ومعالجي التأمل مارسوه قبل أن يقوموا بنقله. # والآن أدعوكم إلى اختبار هذه التجربة البسيطة: لنغمض أعيننا ونتخيل أننا وحيدون في ~~عاصفة بحرية هائجة. لا ضوء ولا منارة هادية؛ فإذا نظرنا حولنا لا نجد إلا الظلام والخوف، ~~حيث السماء ms003 قريبة والغيوم ثقيلة والريح تعصف بكل شيء. إننا وحيدون في سفينة تائهة تتقاذفها ~~الأمواج، ويهددها الغرق. لنمسك إذن دفة السفينة بهدوء وثبات ونحافظ عليها فوق الماء. ~~لنتخيل الآن أننا لسنا فقط ربان السفينة لكننا السفينة ذاتها؛ لنشعر بالماء البارد يدفعنا ~~في كل اتجاه، يجرفنا دون نهاية، ونشعر بالأمواج ترفعنا ثم تسقط علينا من فوق ومن كل جهة ~~قبل أن تنحسر للحظة استعدادا للهجوم من جديد على الجسد الخشبي المرتعش. وماذا لو كنا ~~البحر أيضا، الذي يبقى في المكان بأعماقه التي لا تسبر وسطحه المتموج الذي يرزح تحت ~~العاصفة الغاضبة والمتوعدة، يحاول أن يأخذ لحظة راحة، لكن العاصفة تعود من جديد بقوة ~~أكبر. ورغم ذلك لن يتوقف عن حمل السفينة الخائفة وربانها الوحيد. وماذا لو كنا نحن ~~أنفسنا هذه العاصفة التي لا تهدأ؛ مليئة بالغضب والحركة، مضطربة وضائعة. افتحوا وعيكم على ~~اتساعه على هذا الربان الوحيد، والسفينة الخائفة، والبحر الهائج، والعاصفة العاتية التي لا ~~تهدأ. والآن ماذا لو قمنا، في هذه اللحظة، بخطوة جانبا «أن نقف على حدة»! خطوة واحدة ~~بهدوء وبطء، بسلام وراحة؛ أن نخطو خارج العاصفة بثقة وثبات، فلا نجد غير بحر يحملنا كسرير ~~نوم، وسماء صافية، غطاء دافئ ومشمس. إن هذه الخطوة هي بالضبط ما يدعونا إليه كريستوف ~~أندريه في دروس التأمل التي يقدمها في كتابه هذا. # أود تقديم خالص شكري للصديقة والأخت العزيزة ميساء القصير، التي راجعت هذا الكتاب بكل ~~أقسامه، ولولا جهودها وملاحظاتها القيمة لما وصل الكتاب بصيغته هذه للقراء. # سامح صالح، مونبلييه # 25 / 06 / 2019 # المعجزة هي أن تسير على هذه الأرض. # تيك نيات هان # أن نعيش حالة وعي كامل هذا يعني أن نعطي اهتماما منتظما وهادئا للحظة الحاضرة. قد ~~تغير هذه الحالة من طبيعة علاقتنا مع العالم بشكل جذري، وتخفف من معاناتنا وتزيد من ~~ابتهاجنا. إن حالة الوعي الكامل هي أحد أشكال التأمل التي يمكن أن نتعلم ممارستها بسهولة ~~وسرعة، لكن الوصول إلى التمكن الكامل يتطلب سنوات من التمرين (مثل أي نشاط مهم نقوم ms004 به في ~~حياتنا اليومية). # لممارسة التأمل بالوعي الكامل، يجب أولا فهم مكنونه وكيفية ممارسته؛ وهذا ما تقدمه ~~لنا أجزاء هذا الكتاب. بعد ذلك يجب التحرر من الكلمات، لترك المكان ببساطة لما نشعر به وما ~~ندركه، وستساعدنا لوحات الكتاب في ذلك. وفي النهاية، يجب أن نمارس ونجرب بأنفسنا؛ ~~ستجدون تمارين ونصائح في العديد من صفحات الكتاب. حاولوا أن تدركوا ، أن تشعروا. ~~وتمرنوا كثيرا، فليس هناك سر آخر لكي تعيشوا حالة وعي كامل. # | مقدمة # | الحضور ... لا الفراغ # أتأمل كإله ... وأبتسم للكائنات التي لم أخلقها. # جيوم أبولينير، «كحول» # قبل كل شيء، يوجد ذلك الضوء الأصفر الكثيف لشمس شتوية تشع في الخارج. شمس تبهر ~~العيون، لكن لا تدفئ. ثم نكتشف وجود هذا الرجل المسن الجالس دون حركة. لقد أدار وجهه عن ~~مكتبه وعن الكتاب الذي يقرؤه؛ ربما كي يفكر، أو كي يرتاح، أو يتأمل. تنزلق نظرتنا إلى ~~الجهة اليمنى لتلاحظ الباب المنخفض للقبو، يجذبها فيما بعد الدرج الحلزوني الشكل. ~~وفي اللحظة التي تتهيأ لصعود الدرجات الأولى تكتشف النار التي تطقطق في الموقد والمرأة ~~التي تؤجج الجمر. ثم تعود فتتبع صعود السلالم التي لا تقود إلا إلى الظلمة. # لوحة «فيلسوف في حالة تأمل» (1632) لرامبرانت (1606-1669)، وهي لوحة ~~زيتية على الخشب، بأبعاد 0,28 × 0,34 متر، متحف اللوفر، باريس. # إنها لوحة صغيرة الأبعاد، والمكان الذي تقدمه يبدو معتما، ومع ذلك يتملكنا شعور ~~بالاتساع. إنها عبقرية رامبرانت، الذي يجعل نظرتنا تسافر في كل الأبعاد. يتملكنا هذا ~~الشعور بشكل أفقي، بدءا من الجهة اليسرى حيث يشع ضوء الصباح، وفي الجهة اليمنى حيث نجد ~~النار الواهية التي تكاد تكون بلا فائدة؛ هذا الحوار بين شمس تضيء دون أن تدفئ، والنار ~~التي تدفئ دون أن تضيء؛ إنهما شمس الحكمة ونار الشغف؛ عنصرا الفلسفة الأساسيان؛ وإذا ~~اتجهنا بنظرنا نحو الأعلى، إلى هذا الدرج الممتد بشكل حلزوني، الذي نجده يربط بين ~~الأعماق السرية للقبو والظلام الغامض في الطابق الأول؛ وفي العمق أيضا بدءا من وسط اللوحة ~~حيث يجلس الفيلسوف وحتى دائرة الظلام التي ms005 تحيط به. شعور الاتساع هذا يأتي من التلاعب ~~البارع بين ما هو مخبأ وما هو مكشوف في اللوحة. إن ما يهم هو ما يمكننا تخيله؛ ما هو ~~مرئي بالقرب من النافدة، وما هو مخبأ وراء باب القبو وفي أعلى الدرج. لكن ما هو أوسع ~~من هذه الفضاءات المخبأة التي مرت عليها عيوننا بسرعة لهي روح الفيلسوف، عالمه ~~الداخلي؛ ظلمات وظلال، والقليل من الضوء، والقليل من الدفء، وروح في حركة دائمة. أليس هذا ~~هو حال عالمنا الداخلي؟ # أن نتأمل، يعني أن نتوقف # هذا يعني أن نتوقف عن الفعل، عن الحركة، عن البلبلة. ننسحب قليلا، نبتعد منفردين ~~عن العالم. # في البداية سيبدو لنا الأمر غريبا؛ هناك فراغ (فراغ الحركة والفعل)، وانشغال (اضطراب ~~الأفكار والأحاسيس التي نعي فجأة وجودها). هناك شيء ما ينقصنا؛ معاييرنا، و«الأشياء ~~التي يجب القيام بها». لكن، فيما بعد، يظهر ارتياح آت من هذا الفراغ. هنا لا تجري ~~الأمور كما في «الخارج» حيث تتمسك روحنا بعدد من الأشياء أو المشاريع، أو ربما القيام ~~بفعل ما، أو التفكير بموضوع معين، حيث يبقى انتباهنا منشغلا بمسألة ما. # في هذه التجربة التأملية الخالية من الفعل الظاهري، نحتاج إلى وقت كي نعتادها، لتكون ~~رؤيتنا أكثر وضوحا؛ كما هي الحال في اللوحة، عند مرورنا من الضوء إلى العتمة، نكون ~~حينها قد وصلنا إلى دواخلنا الحقيقية بالفعل. لقد كانت قريبة جدا منا، لكننا لم ~~نجرب الذهاب إليها. كنا نتسكع في الخارج؛ في زمن الضغوط الحثيثة والتنبيهات ~~المتعبة، حيث يبقى التواصل بذواتنا بورا، ودواخلنا مهجورة، بينما كل ما هو خارجنا ~~كان أسهل في الوصول إليه وأكثر وضوحا. في التجربة التأملية، سنجد في دواخلنا غالبا ~~أرضا بلا طرق معبدة. في البهو الذي يتأمل فيه الفيلسوف نجد قليلا من الضوء، علينا ~~إذن أن نفتح عيوننا أكثر. في دواخلنا أيضا، يوجد قليل من الوضوح والطمأنينة، علينا إذن ~~أن نفتح عيون روحنا على اتساعها. # إننا نتوقع أو نأمل أن نجد هدوءا وفراغا، لكننا نجد أنفسنا في سوق كبيرة، صخب، ~~وفوضى. نتوق ms006 إلى الوضوح، لكننا نجد الارتباك. وأحيانا يعرضنا التأمل للقلق ~~والمعاناة؛ إنه يعرضنا لما يجعلنا نتألم ونحاول تجاهله بالتفكير بشيء آخر، ~~بالانشغال بمكان آخر. # تهدئة الاضطراب # يبدو الأمر يسيرا ظاهريا، نظن أنه يكفينا أن نجلس ونغلق عيوننا، لكن الأمر ليس ~~كذلك. إنها البداية فقط. بداية لا بد منها، لكنها ليست كافية. # إذن؟ ... إذن يجب البدء بالعمل، أن نتعلم كيف ننظر، وكيف نبقى حاضرين هنا، لكن على بعد ~~خطوة من العالم. هكذا، ونحن جالسون، وعيوننا مغمضة، نتعلم كيف نصفي ~~اختلاجاتنا. # إنها أول خطوة علينا تجاوزها؛ أن نبقى صامتين، دون حركة ما يكفي من الوقت إلى أن ~~يأتي نوع من الهدوء يغطي ثرثرة روحنا الداخلية، ما يكفي كي نرى بوضوح أكثر، دون ~~إصرار، أو رغبة بأن يتحقق الأمر فورا؛ لأن ذلك قد يدفعنا إلى الفوضى. إذن؛ علينا ترك ~~كل شيء كي يأتي تلقائيا من دواخلنا. # أحيانا يجب الانتظار طويلا؛ لأننا لا نستطيع استعجال هذه العملية. نود ذلك، لكن ~~لا نستطيع. فالتأمل يأخذ وقته، وقد تمضي أيام لا يتراءى لنا فيها شيء. هذا فظيع، أليس ~~كذلك؟! خصوصا في زمننا هذا المليء بالوعود الآنية، والنتائج المضمونة. يروي لنا حكماء ~~فلسفة الزن قصصا بهذا الشأن. ومثال على ذلك هذه القصة التي يسأل فيها تلميذ معلمه: ~~«سيدي، كم من الوقت يلزمني كي أصل إلى حالة صفاء الروح؟» بعد فترة صمت، يجيبه ~~الفيلسوف: «ثلاثون سنة.» يقول التلميذ: «أوه ... هذا وقت طويل. ماذا إذا ضاعفت جهودي، إذا ~~عملت بجهد أكثر، نهارا وليلا، إذا لم أفعل شيئا آخر؟» بقي الحكيم فترة طويلة صامتا، ~~وقال في النهاية: «إذن، خمسون سنة ...» # نكون حينها قد وصلنا إلى دواخلنا الحقيقية بالفعل. لقد كانت قريبة جدا ~~منا، لكننا لم نجرب الذهاب إليها. # كيف يمكن أن نرى بوضوح أكثر؟ # لقد توقفنا الآن، جلسنا وأغمضنا أجفاننا، ليس من أجل أن ننام، ولا لكي نستريح، ~~وإنما كي ندرك؛ ندرك ما نختبره، ونجلي هذه الفوضى، التي ليست سوى صدى العالم ~~داخلنا. ندرك وجود طريقين؛ ذلك الذي يمر عبر التفكير ms007 (التدخل، التصرف، لي عنق ~~الحقيقة حسب هوانا، حسب وعينا أو جهودنا)، وذلك الذي يمر عبر التجربة (إدراك الحقيقة ~~عارية كما هي، تركها تغلفنا، تسكننا، تتشربنا، في حالة من الانتباه الشديد، تاركين ~~كل جهد جانبا). # في كلتا الحالتين؛ التفكير والتجربة، نبقى في تواصل مع العالم، لفهمه واستيعابه ~~بوضوح أكثر. كلا الطريقين مثاليان، لكل منهما طبيعته، ولا فضل لأحدهما على الآخر. إننا ~~نحتاجهما معا، وهما في حالة حركة فعالة. # كي نيسر الأمر، لنقل إن الطريق الأول هو انعكاس تجربتنا الفلسفية، والثاني ~~(احتواء العالم دون التفكير بتفاصيله، والتفكير به دون كلمات، وما وراء الكلمات ~~والمعاني)، هو طريق الوعي الكامل. إن هذه التجربة التأملية في حالة الوعي الكامل هي ما ~~يهمنا في هذا الكتاب. # أن نكون حاضرين بوعي كامل # تقتضي حالة الوعي الكامل تكثيف حضورنا في اللحظة الراهنة؛ التوقف وتشربها بدلا من ~~الهروب منها أو محاولة تغييرها، عبر الفعل أو التفكير. # حالة الوعي الكامل هي هذه الحركة التي يقوم بها الفيلسوف في اللوحة، حين يغض البصر ~~للحظة عن عمله الذهني، منتقلا إلى فضاءات أخرى؛ ربما هضم واستيعاب نتاج تفكيره أو ~~ما اكتشفه في تلك اللحظة، وربما الاستعداد للذهاب أبعد بالتوقف لحظة إدراك. # الوعي الكامل ليس حالة فراغ، وليس حالة تفكير؛ هو أن نتوقف كي نتواصل مع تجربة العيش ~~التي تبقى في حركة دائمة والتي نحن بصدد الشعور بها الآن، وكي نراقب طبيعة علاقتنا مع ~~هذه التجربة، طبيعة حضورنا في هذه اللحظة. # إنها ما يحدث الآن إذا قمتم، وأنتم تقرءون ببطء هذه السطور، بالانتباه إلى أنكم ~~تتنفسون أيضا، وتدركون أحاسيس جسدكم. الانتباه إلى وجود أشياء أخرى في ساحة بصركم ~~غير هذا الكتاب، إلى الأصوات حولكم، إلى الأفكار التي تأخذكم إلى أماكن أخرى، أو تهمس ~~لكم بالثناء على ما تقومون الآن بقراءته أو نقده. # الوعي الكامل هو هذه اللحظة التي تتهيئون أثناءها لطي هذه الصفحة والانتقال إلى ~~الصفحة التالية (ربما تكون يدكم في حالة استعداد الآن، حتى قبل أن تقوموا بالانتهاء من ~~قراءة هذه السطور)؛ فتتوقفون ms008 عند هذه الحركة وتراقبون؛ تراقبون تهيؤكم الداخلي لطي ~~الصفحة، أن تقولوا لأنفسكم: «سأقلب هذه الصفحة.» بدلا من أن تقوموا بهذه الحركة دون ~~وعي منكم. # حالة الوعي الكامل، هي هذه؛ أن تبتكروا، للحظة، فضاء صغيرا كي «تروا ما تفعلون». ~~ستقولون لي إن طي صفحة ليس أمرا جديرا بالاهتمام. هذا صحيح، ولكن من ناحية أخرى، ~~سيكون ذلك مفيدا في لحظات أخرى كثيرة في حياتكم. # الجزء الأول # | أن ندرك أن الوعي الكامل حالة ذهنية # وهكذا، لا تنظر الروح للأمام، ولا للخلف. الحاضر وحده هو موطن ~~سعادتنا. # جوته، «فاوست، الجزء الثاني» # الفصل الأول # | أن نعيش اللحظة الحاضرة # إنه الآن، فقط الآن ... بعد قليل هذا أمر آخر؛ سيكون طائر العقعق قد طار، والشمس ~~ستصبح أعلى في السماء، وسيتراجع ظل السياج إلى الوراء أكثر. لن يكون ذلك أفضل أو أقل ~~كمالا؛ سيكون فقط مختلفا. # إذن يجب التوقف الآن، والإحساس بالهواء البارد الواخز في الأنف، والإنصات للأصوات ~~الخافتة. تأملوا هذا الضوء الآتي من شمس شتاء ثلجي، وابقوا هنا أطول فترة ممكنة، ~~دون انتظار شيء محدد. من المهم ألا ننتظر شيئا، وإنما أن نبقى بكل بساطة في محاولة ~~لإدراك هذا الثراء اللانهائي للحظة؛ كتل الثلج التي تسقط من الأشجار محدثة ضجة ~~خفيفة، هذا الضوء الأبيض المائل للازرقاق لظل السياج، تململ الغراب باحثا عن دفء ضوء ~~الشمس. كل شيء ينضح بالكمال. لا ينقص هذه اللحظة أي شيء كي تملأنا بالرضا. # حالة الوعي الكامل، هي أن نكون بكل بساطة حاضرين في هذه اللحظة من النعمة، هذه اللحظة ~~العادية والمضيئة. # لوحة «طائر العقعق» (1868-1869) لكلود مونيه (1840-1926)، وهي لوحة ~~زيتية على القماش، بأبعاد 0,89 × 1,30 متر، متحف أورسيه، باريس. # للحصول على نهار شتائي رائع كهذا اليوم، لا بد من هواء صاف ومتلألئ بندف ~~الثلج؛ ما يكفي من البرد، دون رياح أو القليل منها. ولا بد أن يأتي الدفء ~~مباشرة من أشعة الشمس وليس من ذوبان الثلج. فلا يجب لقوى الطبيعة أن ~~تتراخى. # هنري ثورو، «مذكرات (فبراير 1854)» # أخذ القرار بعيش اللحظة الحاضرة ms009 # تعلمنا حالة الوعي الكامل، كيف نفتح عيوننا. إنه أمر مهم؛ لأنه يوجد حولنا ~~باستمرار عوالم لا نكترث لها. هنا والآن. إننا نستطيع ولوج هذه العوالم بإيقاف ~~الجريان التلقائي لأفكارنا وأفعالنا. # من المؤكد أن ما يهيئ هذا الولوج، هي لحظات من إدراك جمال ما حولنا؛ ~~كالشمس، والثلج، وطائر العقعق في لوحة مونيه. لكنه أيضا اتخاذ القرار بذلك، وهذا ~~ممكن في كثير من اللحظات؛ اتخاذ القرار بأن تلمسنا الحياة، أن تتواصل معنا، وأن ~~تصفعنا أيضا. إنها مسألة فعل واع وإرادي. هو أن نقرر فتح روحنا لكل ما هو ~~حاضر، بدلا من الاختباء في إحدى قلاعنا الداخلية؛ التأملات القلقة، التفكير، ~~التأكيدات، التوقعات. # إنه فعل تحرر. إنه تحرر من تفكيرنا بالمستقبل أو بالماضي. إن حالة الوعي ~~الكامل تعيدنا إلى الحاضر. إنها تحررنا من الأحكام المسبقة، لتعيدنا إلى ~~الحضور. إن روحنا مزدحمة بكثير من الأشياء؛ بعضها مهم، بعضها الآخر قد يكون ~~جديرا بالاهتمام، ومنها ما ليست له أي أهمية. كل ذلك يمثل حواجز أمام الرؤية؛ ~~حواجز أمام التواصل مع العالم. إننا بحاجة إلى الماضي وإلى المستقبل، بحاجة إلى ~~الذكريات، والمشاريع المستقبلية. لكننا أيضا بحاجة إلى الحاضر. الماضي يهمنا، ~~والمستقبل أيضا. فلسفة اللحظة ليست أن نقول إن الحاضر «أكثر أهمية» من المستقبل ~~ومن الماضي، وإنما أكثر هشاشة، وعلينا حمايته. هو ما سيختفي من وعينا حالما ~~يهزنا شيء، أو يشغلنا أمر. يجب أن نعطيه مساحة أوسع؛ كي يوجد. # أن نشعر أكثر من أن نفكر؛ الوعي المغمور # التأمل بوعي كامل لا يعني «تحليل» اللحظة الحاضرة، أو على الأقل ليس كما ~~نظن. # إنه اختبار اللحظة، الإحساس بها بكل كياننا، ودون كلام. قد لا نكون معتادين على - ~~أو قد لا يكون مريحا بالنسبة لنا - أن نقضي أوقاتا طويلة من حياتنا دون كلام. من ~~الصعب البقاء صامتين، لكننا نستطيع القيام به. أما مسألة التوقف عن «التفكير» ~~واختبار تجربة التواصل مع أحاسيسنا الداخلية، فأيا كان رأينا فيها، فإننا قد عشنا ~~هذه التجربة سابقا. إن ما يحدث حقا، ويذهب أبعد من الكلام، موصوف ms010 بدقة في هذا ~~المقطع من «رسالة اللورد شاندوس»؛ إنها قصة رائعة للكاتب النمساوي هوجو فون ~~هوفمانستال: «منذ ذلك الحين، أعيش حياة سيصعب عليكم اكتشاف كنهها، ما دامت تجري ~~خارج الروح ودون أفكار ... سيصعب علي أن أوضح لكم من أي مادة هي مصنوعة هذه ~~اللحظات الهانئة. ها هي تعجز كلماتي ثانية؛ لأن ما يحدث ليس له اسم، ولا يمكن ~~أصلا تسميته. إنها هذه التباشير التي تأتيني لتملأ، في تلك اللحظات، التجليات ~~اليومية حولي كجرار بدفق طافح بالحياة الكثيفة والمثيرة. لا أستطيع إلا أن أتوقع ~~منكم فهمي دون أمثلة. وألتمس منكم الغفران على هذه التداعيات السخيفة؛ مرش ماء، ~~مجرفة عشب متروكة، كلب يتمدد في حقل، مقبرة بائسة، معاق، بيت ريفي صغير، كل ذلك قد ~~يصبح في لحظة مادة وحي لي. قد يأخذ أي من هذه الأشياء، وآلاف من الأشياء ~~الأخرى، التي قد تغض عنها العين العادية دون اهتمام، وبشكل مفاجئ، في لحظة، ودون ~~قصد مني، وجودا من السمو والتأثر لدرجة أن أي كلمة لوصفه تبدو لي شديدة ~~السطحية.» # يقول أحد الحكماء البوذيين: «لا يقوم الوعي الكامل بالاستجابة لما يراه، إنه يرى ~~بكل بساطة، ويفهم دون كلام.» في لحظات معينة قد تساعدنا الكلمات بشكل كبير؛ ~~تسمية ألم أو فرح ما قد تساعدنا على تحمله، تجاوزه، فهمه، أو تذوقه. لكنها ~~لا تستطيع فعل شيء أمام شرح تعقيد حالة ما نعيشها. حتى إنها قد تمنع، تزور أو ~~حتى تبدد التجربة التي نعيشها. هناك لحظات يفضل فيها ألا نقول شيئا. علينا ~~أحيانا عبور حقيقة ما نعيشه بشكل مختلف، بإحساسه واختباره. # نستطيع أن نتكلم هنا عما يسمى ب «الوعي المغمور» لوصف هذه الحالة الخاصة ~~جدا لوجداننا حين يكون مأخوذا بشكل كثيف، لكن دون نتاج فكري إرادي، حيث نكون فقط ~~«داخل التجربة». # الطابع الكثيف للتجربة # في أحد دروس التأمل بالوعي الكامل، أذكر كيف طلب منا مدربنا القيام بتمرين ~~فريد من نوعه، إنه أحد تلك التمارين التي يفهم سرها حكماء التأمل؛ لقد طلب منا ~~أن نقوم بخطوة نحو الأمام. ms011 وبعد عدة ثوان من الصمت قال لنا: «والآن، حاولوا ألا ~~تكونوا قد قمتم بخطوتكم تلك.» حتى تلك اللحظة لم أكن قد سمعت مطلقا، أو عشت، تجربة ~~بهذا الوضوح عن عدم جدوى الندم. ولم أفهم بالضبط قبلها بوضوح هذا الفرق بين التعليم ~~عبر الشرح والتعليم عبر التجربة. في حالة المفاجأة والحيرة تلك، حالة التردد ~~واضطراب الفكر، وجسدي لا يعرف ماذا سيفعل في تلك اللحظة؛ عندها تم إيصال هذه الفكرة ~~عن عدم إمكانية أو جدوى الندم. # يعلمنا الوعي الكامل أن التجربة هي بنفس أهمية المعرفة؛ القراءة عن التأمل ليس ~~كعيشه. الانصات إلى تمارين التأمل من خلال قرص مضغوط ليس كالقيام بهذه التمارين. لا ~~تحل التجربة، بوصفها طريقا نحو ما هو واقعي، محل الوعي أو الذكاء، لكنها ~~تكملهما. وليس هناك ما هو أيسر من التجربة، يكفي أن نعطي أنفسنا الوقت الكافي ~~وأن نتوقف للحظة لعيشها، أن نرى، نسمع، ونشعر. يجب فقط أن نوقف الفعل والحركة. ~~قوموا بذلك الآن. توقفوا عن القراءة. توقفوا الآن. أغلقوا عيونكم، وأدركوا. سجلوا ~~في أذهانكم بماذا هي مجبولة تجربتكم. فقط الآن وهنا. الآن لمدة لحظة. لا يوجد شخص ~~آخر يستطيع أن يقوم بذلك بدلا منكم، ولا يستطيع أي شخص أن يتأمل عوضا عنكم. ~~أغمضوا عيونكم. ~~«الدرس الأول» # العيش هو عيش اللحظة الحاضرة. لا نستطيع العيش في الماضي، ولا في المستقبل. لا ~~نستطيع سوى التفكير بهما، تحليلهما، الشعور بالندم، بالخوف، أو الأمل تجاههما. ~~وأثناء ذلك لن نكون موجودين بشكل فعلي. أن نعي بشكل متكرر غنى اللحظة الحاضرة ~~يعني أن نعيش أكثر. إننا نعرف ذلك، هذا شيء أكيد، فقد قرأناه وسمعناه، حتى إننا ~~فكرنا به. إن كل هذا ليس سوى ثرثرة، يجب أن نقوم بذلك الآن، بشكل فعلي. فلا شيء ~~يحل محل عيش اللحظة الحاضرة. # الفصل الثاني # | أن نتنفس # لا يحدث شيء؛ لا حكاية، ولا حكمة. لا شيء سوى سمكة شبوط من ورق، وحيدة في أعلى ~~السارية. وجودها يشعرنا بطراوة الغسق، ونسمع معها همسات المدينة. نطل على كيوتو ~~الجميلة والملغزة برفقة ms012 أسد حجري يراقب حركة المارين العائدين إلى منازلهم، وسمكة ~~شبوط أخرى معلقة إلى سارية بعيدة. # لا يحدث شيء، لا نسمع شيئا غير صفق الجسد الورقي للسمكتين في الريح. نشعر بمرور نسيم ~~المساء على جلدنا، إنه يعبر السمكتين ويملؤهما ليعطيهما حياة عابرة. ربما سيتركهما ~~غدا، أو ربما سيمزقهما. لكن في هذه اللحظة، إنهما ما تزالان هنا عاليتين في السماء، ~~وتخفقان بشجاعة. # لا يحدث شيء. لا يوجد سوى الرياح والفراغ. لكن هذا الفراغ يجعل روحنا تتنفس براحة ~~أكبر. إننا نشعر بوجود الهواء في اللوحة، رغم أنه غير مرئي. # كذلك هو نفسنا الموجود في جسدنا. # لوحة «سواري أسماك الشبوط في كيوتو» (1888)، للوي دومولين ~~(1860-1924)، وهي لوحة زيتية على القماش، بأبعاد 0,46 × 0,53 متر، متحف ~~الفنون الجميلة، بوسطن. # الريح تهب حيث تشاء، وتسمع صوتها، لكنك لا تعلم من أين تأتي، ولا إلى أين ~~تذهب. # القديس يوحنا، «إنجيل يوحنا، 3، 8» # التنفس في صميم التأمل # يأخذ التنفس مكانا أساسيا في بدء ممارسة التأمل. إنه الوسيلة الأكثر فعالية ~~كي نركز على اللحظة الحاضرة (أو أن ندرك أننا لا نستطيع التركيز). ولهذا فإن ~~النصائح الأكثر بساطة وفعالية التي يمكن إعطاؤها للمبتدئين هي أن يأخذوا قليلا ~~من الوقت أكثر من مرة في اليوم كي يراقبوا تنفسهم؛ أن يتنفسوا فقط لمدة ~~دقيقتين أو ثلاث. # تأتي أهمية التنفس في التأمل لعدة أسباب؛ فلكي لا يكون موضوع اهتمامنا أثناء ~~تمارين التأمل سببا في انخفاض انتباهنا يفضل التركيز على «هدف متحرك»، وهكذا ~~يكون من السهل تثبيت الانتباه، دون إرهاقه، على موضوع حاضر لكنه في حركة دائمة. ~~لهذا السبب بالضبط نستطيع البقاء طويلا بحالة اندهاش وتيقظ أمام أمواج البحر، أو ~~لهب النار، أو الغيوم المارة؛ إنها دائما هنا، لكنها لا تتشابه أبدا. هكذا هو ~~تنفسنا، إنه في حالة حضور دائم، وحركة دائمة، ولا تتشابه أي حركة من حركاته مع ~~سابقتها أو تلك التي تليها. ولا يجب أن ننسى تلك الرمزية المرتبطة بالنفس؛ ~~النفس هو الحياة! # تأتي أهمية التنفس أيضا، من كوننا نستطيع التحكم به بشكل ms013 نسبي ولكن ملموس، ~~بتسريعه أو إبطائه. لكننا لا نستطيع القيام بنفس عملية التحكم بالوظائف اللاإرادية ~~الأخرى لجسدنا، حيث إنه من الصعب علينا تغيير سرعة حركات القلب، أو ضغط الدم، كما ~~أنه وبنفس الدرجة من الصعوبة نستطيع تسريع أو إبطاء حركات الجهاز الهضمي. إن ~~لتمارين التنفس أيضا أهمية؛ كونها تمتلك تأثيرا على شعورنا العاطفي. # يمكن للتنفس أن يهدئ من روعنا، ليس بالتحكم به، وإنما بالتواصل الهادئ معه، ~~ومرافقته بتمهل. وإن القيام بتجربة قبول شعور مؤلم عبر مرافقة التنفس والمراقبة ~~في نفس الوقت لهذا الشعور هي بداية مهمة من أجل الولوج إلى جدلية الإرادة والقدرة ~~على تهدئة أنفسنا، وسنتكلم عن ذلك فيما بعد. عندما نعاني من الاكتئاب أو القلق، ~~عندما نشعر أننا لسنا بصحة جيدة، يصبح تنفسنا واهنا تعبا. صحيح أن تمارين ~~التنفس لن تحل المشكلة في هذه اللحظات، ولن تزيل كل الآلام، لكنها ستخفف من ~~معاناتنا. لماذا إذن لا نستفيد منها؟ # الدروس التي يقدمها لنا التنفس # يعرف العالم المسيحي جملة يسوع: «قم وامش.» التي قالها إلى شخص مشلول. يخطر لي ~~أحيانا أن أتخيل شخصا قلقا قدم إلى بوذا يطلب منه النصيحة. سيقدم له بوذا ~~كلاما مماثلا لهذا: «توقف وتنفس.» والحقيقة أن التنفس يقدم لنا العديد ~~من الدروس. # درس في الإدراك: # إنه غير مرئي، ونحن ننسى وجوده معظم الوقت. لكن دوره حيوي جدا؛ ~~فنحن بحاجة مطلقة للتنفس. وفي حياتنا يوجد كثير من الأشياء ~~المهمة مثله، إنها تدعمنا ولا نعي وجودها. # درس في الاعتماد والهشاشة: # إن حاجتنا للتنفس تبقى أكثر وضوحا وآنية من حاجتنا للطعام، ~~للشراب، أو للحب. يعلمنا التنفس أننا مقيدون باعتمادنا على ~~العديد من الأمور. لكن هذه القيود تكوننا وتغذينا في نفس ~~الوقت. إن فكرة الاعتماد والقيد تخيف أحيانا الأشخاص القلقين: ~~«وإذا فقدت كل ذلك؟! وإن لم أستطع في أحد الأيام مواصلة ~~التنفس؟» فيحاولون جاهدين أن ينسوا أو يتناسوا تنفسهم. من ~~المؤكد أن الحل لن يكون بكبت فكرة أن حياتنا متعلقة ~~بتنفسنا، بل بالتوصل إلى قبول هذه الفكرة، التي تعكس الحقيقة ms014 ~~فعلا، وذلك بأن نتأملها مرارا، وأن نسمح لها بأن تسير بحرية في ~~ذهننا. وبهذا، تصبح مألوفة لنا، ويخف القلق. # يمكن للتنفس أن يهدئ من روعنا، ليس بالتحكم به، ~~وإنما بالتواصل الهادئ معه، ومرافقته بتمهل. # درس في البراعة: # يتواجد النفس في الداخل وفي الخارج. إنه يخلط الحدود بين الذات ~~وما هو خارجها. إنها حدود وهمية في كثير من الأحيان، وأحيانا أخرى ~~تكون مصدرا للمعاناة. إن التمسك الشديد باليقين بأننا منفصلون ~~عن العالم - أي، له حدوده ولنا حدودنا - ليس بالفكرة الجيدة. ~~حاولوا أن تتأملوا بالتركيز على النسيم الصيفي الحار، وستكتشفون ~~تجربة ذات نكهة عذبة؛ فبعد مرور عدة لحظات سيحصل اندماج بين النفس ~~الحار الداخل إلى رئتينا والنسيم الذي يهب في الخارج. # درس في التواضع: # لكون التنفس إراديا ولا إراديا في نفس الوقت، فهو ~~يعلمنا قبول حقيقة أننا لا نتحكم بكل شيء، وأن الأمر ليس كما ~~يحاول المجتمع تقديمه لنا عن طيب خاطر بأن كل شيء قابل للسيطرة. ~~لكن التنفس يعلمنا أيضا ألا نكون مستسلمين وسلبيين لأننا ~~نستطيع التدخل بشكل متواضع ولكن فعال في كل ما لا نستطيع ~~التحكم به بشكل كامل. # درس في الواقعية: # رغم أهميته، لا يملك النفس هوية خاصة به؛ إنه يتشكل ويتبدد بشكل ~~متواصل. هذا ما يسميه البوذيون ب «الفراغ». لا يعني ذلك أنه ~~غير موجود، لكنه ليس بالحقيقة الصلبة كما نتوقعه أن يكون كي نتعلق ~~به ويشعرنا بالأمان. إنه، كالغيم، كالريح، والموج، أو قوس قزح؛ ~~حقيقي لكنه غير دائم؛ ودائم الحضور، لكنه يكتفي بالعبور. # تنفسنا ذو الحضور الدائم # إن حركات التنفس التي تملأ جسدي دائما موجودة معي، كنبع لا ينضب، وهي تبقيني ~~متيقظا متصلا باللحظة الحاضرة، وأنا أراقبها دون أن أحاول ~~تغييرها. # التنفس هو مرساة حالة الوعي الكامل؛ إذ يساعدنا على الرسو في ميناء اللحظة ~~الحاضرة. إنه يشبه أحيانا ما يسميه البحارة بالمرساة الطافية؛ تلك التي ~~تساعد السفينة على إبطاء سرعتها فلا تنقلب في العاصفة، حين لا تجدي كل المناورات ~~الأخرى. إنه كصديق دائم الاستعداد للمساعدة. علينا ألا ms015 نطلب منه المستحيل؛ فلا جدوى ~~من طلب العون منه كي نتخلص بشكل كامل من شعور بالضغط، أو القلق، أو الخوف، أو ~~الحزن، أو الغضب. لكنه سيساعدنا حتما كي لا يبتلعنا شعور ما مضن. علينا أن ~~نستعين به كما نطلب من صديق حميم أن يكون بقربنا كي نتجاوز المحنة. # حين يصيبك مرض، تنفس. وتنفس أيضا في وقت الشدة. في البداية بدت لي هذه ~~التوجيهات ذات أفق محدود. فيما بعد فهمت المقصود منها. فالرسالة الكاملة هي: «ابدأ ~~بالتنفس، وستتضح الأمور فيما بعد.» ستصبح أفكارنا أكثر وضوحا، وسنعرف ماذا سنفعل ~~لاحقا. صحيح أن التنفس لن يغير الواقع، لكنه سيغير نظرتنا لهذا الواقع ~~وسيضمن قدرتنا على التصرف في مواجهته. # بعد الممارسة المتكررة للتنفس، سيختلف الأمر؛ لأننا لن نكتفي بتنفسنا، لكننا ~~سنبدأ بمراقبته، وسيشارك جسدنا كله في عملية التنفس. سنصير داخل نفسنا. سنندمج ~~معه. ونصير هو. ذلك ليس وهما ولا إيحاء. كل ما في الأمر هو أننا وصلنا، باستخدام ~~وعينا لحركات تنفسنا، إلى جوهر آلاف من الظواهر التي تجعل منا كائنا ~~حيا. # وهكذا، يصير التنفس أكثر أهمية مما هو عليه؛ يصير طريقا للتواصل والتبادل مع كل ~~ما هو داخلنا وكل ما هو حولنا، سواء أكان ذلك مؤلما أم عذبا لأننا نستطيع، ~~بالتأكيد، أن نتنفس أمام العذوبة والجمال أيضا. ~~«الدرس الثاني» # هناك فكرة عامة مفادها أننا لا نستطيع أن نفعل شيئا جديرا بالذكر بظاهرة يسيرة ~~ومعروفة جيدا كالتنفس. أي خطأ هذا؟! على العكس، نحن نستطيع أن نجني فوائد جمة حين ~~نعي تنفسنا؛ هذا يعني أن نعي بسهولة وجوده وكل أحاسيس جسدنا المتعلقة به، دون ~~أن نحاول تغييره، وأن نعيره اهتمامنا، عندما نكون سعداء أو تعساء، دون أن ننتظر ~~منه شيئا أو نطلب أن يحل مشاكلنا. وعلينا أن نفهم حقيقة أننا حين لا نستطيع أن ~~نحل مشاكلنا، من الأفضل ألف مرة أن نعير انتباهنا لتنفسنا بدلا من اجترار ~~هذه المشاكل في ذهننا. # الفصل الثالث # | أن نتواصل مع أجسادنا # إنه يقف هناك، بسرواله القصير، وأكمامه الطويلة، والأربطة الحمراء ms016 على حذائه. إنه ~~عتيق الطراز حتى بالنسبة لزمنه. تلفت نظرنا هذه الكتلة البيضاء للرداء الحريري ~~المتموج. بييرو يفقأ العين كما يقال. ورغم أنه في وسط اللوحة، لكن أحدا لا يهتم ~~به. يبدو أن الأشخاص الثلاثة الموجودين أيضا في اللوحة يظهرون اهتماما بشخص رابع ~~يصل راكبا حماره ذا النظرة الكئيبة. # يبدو بييرو هادئا وحزينا؛ لا بد أنه يتساءل إن كان المشاهدون ينظرون إليه ~~معجبين أم هازئين. هو غير مبال، ومستسلم؛ لقد اعتاد ألا يكون مصدر إعجاب، وأن ~~يكون منسيا. لكنه يبقى هنا في اللوحة مدركا أيضا أننا سنفهم سريعا أن لا غنى عن ~~وجوده. فالحكاية لا يمكن أن تستمر دونه. # لوحة «بييرو» (1718-1719 تقريبا) لجان-أنطوان واتو (1684-1721)، وهي ~~لوحة زيتية على القماش، بأبعاد 1,85 × 1,50 متر، متحف اللوفر، ~~باريس. # إذن، رغم أنه ليس جميلا بالفعل، فإن لديه شيئا ما. حضور ما، يسير وواضح. إن بييرو ~~يذكرنا بما نحن بحاجة لتذكره؛ أنه ليس من الضروري أن يكون جسدنا جميلا قويا أو ~~رشيقا كي نحبه ونفهم إلى أي حد هو أساسي في حياتنا، ولأي درجة يمكن أن يكون دليلنا ~~في فضاء الوعي الكامل. # هل الجسد والروح منفصلان؟ وإذا كان الأمر كذلك، فأي منهما يجدر بنا أن ~~نختار؟ # وودي آلان # التأمل برفقة جسدنا # يظن غير العارفين بالتأمل أنه ممارسة روحية فقط. أي خطأ هذا؟! إنه، في الحقيقة، ~~ممارسة جسدية بامتياز، حتى إن عدة ساعات من التأمل قد تنهك الجسد أكثر من ~~الذهن. # يعد الوعي الكامل من الممارسات التأملية التي ترتكز على تجربة الاهتمام بأحاسيس ~~الجسد. نستطيع التركيز على جسدنا بإيلائه الانتباه والاهتمام. ولا يعني ذلك أن ~~«نفكر» بجسدنا، ونحكم على ما يحدث داخله، ونصر على استرخائه أو التركيز على ~~آلامه. وإنما، بكل بساطة، أن نتواصل معه، بإدخاله في إطار وعينا واهتمامنا. هذا ~~يعني أن يكون في مجال إدراكنا، دون البحث عن تغيير أي شيء فيه، على الأقل في ~~البداية. # نجد في كل مقاربات الوعي الكامل تمارين تركز على الجسد، نستعرض أثناءها ~~باهتمام هادئ أجزاء ms017 جسدنا، جزءا بعد جزء. إذ يجب أن يصبح جسدنا مركز جاذبية ~~اللحظة الحاضرة. نستطيع مثلا أن نمارس كل صباح تمارين تأمل تتعلق بوضعيتنا بأن ~~نقوم بعشر حركات شهيق وزفير بوضعية الوقوف محاولين الحفاظ على استقامة جسدنا دون ~~أن يكون متشنجا. سيكون علينا أن نعي هذه الوضعية، وأن نصححها بهدوء وبشكل ~~طبيعي لتصبح أكثر راحة ووقارا. ثم نأخذ الوقت الكافي لكي ندرك ما تقدمه هذه ~~الوضعية لجسدنا من أحاسيس. يمكننا أيضا أن نقوم بحركات شد الجسم ببطء ونحن في ~~حالة وعي كامل. من المؤكد أن هناك عددا لا يحصى من التمارين. # ليست المسألة رياضة بدنية، لكنها طريق إلى معرفة الذات؛ طريق لا يمر عبر الكلمات. ~~قد يكون أكثر غلاظة، لكنه أكثر «بدائية» من الاستبطان الذهني. إنه شكل من أشكال ~~الاستبطان الجسدي الهادئ والخير. إنه يعني أن نقول لأنفسنا بهدوء: «حسنا، لنأخذ ~~بعض الوقت كي نرى ونشعر بما يحدث هنا في الداخل.» قد يساعدنا ذلك حين يكون الذهن ~~مشوشا وتائها؛ فالجسد لن يكذب علينا؛ إنه سيعلمنا بالأمر. ومن المهم ~~بالتأكيد ألا نسخر منه كما يقول نيتشه: «لدي كلمة لهؤلاء الذين يحتقرون أجسادهم. ~~لن أطلب منهم أن يغيروا من رأيهم أو معتقدهم، وإنما فقط أن يخرجوا من أجسادهم، ~~كي يصبحوا بكما.» أحيانا لا يكون الأمر احتقارا للجسد، وإنما نسيانا له. ~~أحيانا ننسى أجسادنا ظانين أنفسنا أذهانا فقط. نعامله كأداة. ننتظر منه الصمت ~~(عندما يكون بصحة جيدة)، والمتعة (في الحواس والأعضاء)، والإذعان (ليخدمنا وينقلنا ~~من مكان إلى آخر). هذا جيد، لكنه كثير. فجسدنا أكثر أهمية من كل ذلك. # الجسد: باب الدخول إلى الروح # الجسد والروح مرتبطان دائما؛ لا يترك أحدهما الآخر. وحين نخفف العبء عن ~~أحدهما، سينعكس ذلك على الآخر، والعكس صحيح. كثيرون هم من يستخدمون هذه الثنائية ~~الديكارتية، وكأن الجسد والروح شيئان منفصلان، لكن ديكارت لم يقل ذلك أبدا. ولم ~~يقله أي شخص آخر. فهذه الثنائية ترتكز غالبا عند الناس على مبدأ الأولوية؛ ~~اقتناعهم بالأقوى بينهما، وأي منهما سيخضع الآخر. يظن الناس عموما ms018 أن الروح يجب ~~أن تكون أقوى من الجسد. لكن الأمر، في الحقيقة، هو كما في حالة الزواج؛ يختلف الأمر ~~من فترة إلى أخرى، من مجال إلى آخر. تتغير العلاقة وتتطور. وهذا شيء عظيم. # الجسد والروح ليسا شيئا واحدا، كما أنهما ليسا شيئين منفصلين؛ إنهما ~~حقيقتان مختلفتان، لكنهما مرتبطتان بشدة. إن وعينا بهذه العلاقة يعلمنا ~~الكثير. يعلمنا مثلا أن اختبار تجربة وعي الجسد لا يكون بأن نقول لأنفسنا بشكل ~~خاطف ومبهم : «حسنا، لدي جسد، ومن المهم العناية به.» وإنما بالتوقف في كل مرة ~~تسنح لنا الفرصة كي نلتقط هذا الإحساس بما يحدث داخله في هذه اللحظة. علينا أيضا ~~أن نتواصل معه باستمرار؛ ليس فقط عندما يعاني أو يشعر بالمتعة. # علينا أن نتعلم قراءة أحاسيسنا، وإعطاءها انتباهنا؛ فهي لوحة التحكم التي ~~ستقدم لنا المعطيات اللازمة لمعرفة ما إن كان هناك توازن أم لا في ذهننا. ~~أحيانا حين ندع جسدنا يعيش داخل روحنا، سنختبر أحاسيس غريبة؛ وكأننا نخرج من ~~جسدنا، أو كأن نشعر به يطفو، أو كأنه ثقيل جدا أو أنه يغير من شكله. وفي أحيان ~~أخرى ستتملكنا أحاسيس مزعجة؛ سندرك مثلا آلاما أو شدة خبأناها في ~~انشغالاتنا أو اجترارات تتعلق بأمور خارجية أخرى. من هنا تأتي أهمية الفرق بين ~~ممارسة التأمل وممارسة الاسترخاء. فالتأمل لا يسعى، في أولوياته، للوصول إلى الراحة ~~الجسدية أو الاسترخاء، وإنما إلى حالة وعي، بكل سهولة، لما يحدث داخلنا. وأحيانا ~~يكون ما يحدث مؤلما. يدعونا الوعي الكامل إلى مراقبة وقبول وحتى استضافة هذه ~~الآلام بدلا من الهروب منها. # الفوائد # نحن نعلم منذ وقت طويل أننا حين نقوم بما هو جيد لأجسادنا، فإننا نقدم ما هو ~~جيد لأذهاننا؛ على سبيل المثال، التمرينات البدنية، الراحة والاسترخاء، وأيضا ~~الضحك، والوضعيات المريحة. كل ذلك يعود بالفائدة على الذهن، وله تأثير تراكمي على ~~المدى الطويل؛ فلن يفيدنا انتظار فوائد مباشرة وآنية. إننا لا نستطيع التنبؤ ~~بنتائج التأمل؛ لهذا نطلب من الذين يمارسونه ألا «ينتظروا» شيئا؛ ألا يسعوا ~~للحصول على الاسترخاء، ألا يتوقعوا الشعور ms019 بالراحة، وألا ينتظروا الوصول إلى حالة ~~معينة. هذا على الأقل أثناء ممارسة التأمل. ففي هذه اللحظات ليس علينا انتظار ~~شيء محدد، وإنما الانفتاح بكل بساطة على كل ما هو موجود، هنا في هذه اللحظة، ~~واستضافته في وعينا لا أكثر. إن كلمة السر هي إذن «إتاحة الفرصة». # إن إتاحة الفرصة شيء مهم؛ لأنه، منذ عدة سنوات، بدأ الخبراء يرون أن الجسد قادر ~~على «إصلاح» نفسه (انتبهوا، فالأمر لا يعني الشفاء من الأمراض أو الوصول إلى ~~الأبدية). وهذه القدرة تزداد عندما نمنحه المتعة والسعادة، ولكن أيضا عندما نعطيه ~~حيزا من تفكيرنا؛ عندما نستمع إليه، ونسمح له أن يعبر عن نفسه. يبدو أن للتأمل ~~دورا في إبطاء شيخوخة الخلايا، بتأثيره على التيلوميرات، تلك القلنسوات الموجودة ~~في نهايات الصبغيات. # إن إعطاء وقت كاف بشكل متكرر لأحاسيسنا الجسدية دون شك يعود بالفائدة على ~~صحتنا. لهذا، توصي ممارسة الوعي الكامل، مثلا، بتكرار هذا التمرين الذي ينطوي على ~~استعراض كل أجزاء جسدنا بهدوء ولطف؛ وكأننا نسير في الطرقات المتفرعة لغابة كي ~~نلتقط الأغصان اليابسة، ونتأكد من أن كل شيء يسير على ما يرام. وحتى لو كان هذا ~~الجسد مريضا، متعبا، أو هرما، يجب أن نعطيه أفضل ما لدينا، هنا والآن؛ علينا ~~أن نعطيه الانتباه، والعناية، والوقت، والعطف. # ومع الوقت، سنساعد هذا الجسد الذي كان في حالة انتظار، وكان بعيدا عنا. ~~وسنقبله كما هو، فيصبح مسالما، وسيساعدنا هو بدوره، لتصبح روحنا مسالمة ~~وجلية. ~~«الدرس الثالث» # من المثير للغرابة إلى أي مدى قد ينسى كثير منا أجسادهم، أو قد يقلقوا بشأنها ~~بشكل مفرط، مارين من إنكارها الكامل حين نكون بخير إلى الأفكار الوسواسية حين ~~نكون متعبين. يوصينا الوعي الكامل بأن نقوم بزيارات ودية لجسدنا، وذلك بالتواصل ~~مع ما يقدمه لنا من أحاسيس، والقيام بتفقده، باستعراض أجزائه بلطف، قبل أن نخلد ~~إلى النوم، عند الاستيقاظ، وفي وقت الراحة. علينا أن نراقب ما يحدث، وكالعادة، ~~دون البحث عن حل أو محاولة تسكين ألم ما. فقط علينا مراقبته. وسيكون لذلك، بوصفه ~~بداية، ms020 فائدة كبيرة، وهي أن نعطي جسدنا مكانا داخل إدراكنا. # الفصل الرابع # | أن نغمض عيوننا وننصت # لم يخلق فن الرسم للعيون فقط؛ إذ تستطيع بعض اللوحات أن تهمس لنا في آذاننا. كهذه ~~اللوحة مثلا؛ إنها لوحة رسمت كي ننصت إليها. إنها رسمت لنشاهدها أيضا ~~بالتأكيد، ولكن على وجه الخصوص كي نستمع إليها. # سنجد صراخ الأطفال الذين يلعبون، ونداء أمهاتهم وهن يقمن بتهدئتهم. سنسمع أيضا ~~حفيف أوراق الأشجار الذي تحدثه ريح خفيفة ، وغناء العصافير، وربما النباح البعيد لكلب ~~أو كلبين. # ولكن، تفاجئنا ضجة غريبة، تقترب ببطء؛ تش، تش، تادم ... إنها صوت القطار البخاري الذي ~~يظهر ببطء ثم يملأ المكان بلهاثه، وقرقعة العجلات على السكة الحديدية. تشوت، تشوت ... إنه ~~صوت الصفارة التي يطلقها السائق، بدافع العادة أو الطرب وهو يعبر الجسر. ثم يخفت ~~صوته ويختفي القطار. ما زلنا نسمع ضجيجه من بعيد، وبعد لحظة ... لا شيء. تغيب الضجة وتذوب ~~ببطء، ولا يبقى سوى ذكرى مرور القطار. في أي لحظة بالضبط اختفى صوت القطار؟ كم من الوقت ~~بالضبط قام بلفت انتباهنا؟ قد تكون مثل هذه الأسئلة بلا أهمية. ربما، وقد تكون جديرة ~~بالاهتمام؛ فهي توضح لنا كيف تنصت روحنا للحياة، إن كانت تفعل ذلك. # لوحة «قطار في الريف» (1870 تقريبا) لكلود مونيه (1840-1926)، وهي ~~لوحة زيتية على القماش، بأبعاد 0,50 × 0,653 متر، متحف أورسيه، ~~باريس. # إنها الحياة التي تستمر لحظة إثر لحظة، وببطء تعود إلى ساحة وعينا صرخات الأولاد ~~والأمهات، صوت الريح وغناء العصافير، وربما النباح البعيد لكلب أو كلبين. # أستمع إلى صوت ذلك العصفور، ليس من أجل غنائه وإنما من أجل الصمت الذي ~~يليه. # يون نوجوتشي، «ينابيع الحكمة الشرقية» # أصوات من كل نوع # ما الفرق بين الضجة، والأصوات، والموسيقى؟ # الضجة هي كل ما يصل إلى آذاننا؛ أي كل إحساس صوتي. أما الصوت فهو ضجة لها معنى ~~(صوت شخص أو رنين جرس)؛ أي أنه ضجة منتظمة، محددة، قام ذهننا بالتعرف عليها. ~~أما الموسيقى، فهي مجموعة من الأصوات المتراكبة المنتظمة والمتناغمة. # إننا نسبح في عالم ms021 لا نهائي من الأصوات الدائمة، لكننا لا نعي وجودها إلا في بعض ~~الأحيان. يستطيع مهندسو الصوت في السينما والإذاعة إعادة إنتاج تلك الأصوات؛ ~~الأصوات الإنسانية (مثل تلك التي توجد في السوق، أو المطعم، أو المكتب) أو أصوات ~~الطبيعة (مثل شاطئ البحر، أو الغابة الخريفية)، إلخ. وحين ننصت بانتباه، ندرك ~~تعقيد وجمال هذا العالم الصوتي. # إننا بحاجة إلى هذه الأصوات، خاصة تلك الأصوات الحقيقية النابعة من الحياة، ومن ~~الطبيعة. إنها الغذاء «الطبيعي» لآذاننا والذي يقدمه لنا بكرم كل من البحر ~~والجبل والريف. لهذا السبب فهي تمتلك قوة مهمة في تهدئة روعنا؛ فهي الأصوات الأقدم ~~لجذورنا الأصلية. # لنسمع، وننصت، ونفكر # حين نسمع نكون في حالة تلق؛ إنها حالة «سلبية» أو بالأحرى لا نكون عندها في ~~حالة تدخل. في الإنصات يكون انتباهنا في حالة استعداد، يراقب بشكل إرادي هذه ~~الأصوات ويحاول تحليلها. # وهنا يبدأ تفعيل الخواطر والأفكار. مثلا، حين «نسمع» صوت سيارة إسعاف، «ننصت» ~~إليه فورا ونعطيه معنى. «نفكر» حينها، بشكل غير واع ربما، أن حادثا ما قد ~~وقع أو أن هنالك شخصا مريضا جدا، وربما سنشعر حينها بالشفقة، أو بالقلق أو ~~بالحزن. # وحين «نسمع» أصوات خطوات في الشقة التي تعلو شقتنا، «سننصت» بانتباه أكبر ~~ونحاول «معرفة» صاحب هذه الخطوات؛ قد نتخيل شخصا محددا (ربما امرأة إذا كانت ~~ضجة حذاء نسائي ذي كعب عال، أو شخص نعرفه ونستطيع التعرف عليه من طريقته في المشي ~~التي اعتدنا عليها). أحيانا نطلق حكما؛ فنحب هذا الصوت أو لا نحبه، ويأخذنا ~~التفكير بكل مدلولاته. إن نتاج أفكارنا هذا انطلاقا من الأصوات التي نسمعها حولنا ~~قد يغني داخلنا أو يفقره. إن سمة الأصوات تدخل في تنافس مع إدراكنا لهذا ~~العالم. # وحالما ننطق بالكلام، نترك حينها التجربة الحسية، فلا نوجد في عالم الأصوات، إننا ~~نتركه لندخل عالمنا الذهني. لا مشكلة في الأمر، حتى إن ذلك ضروري وأحيانا حيوي. ~~فأن نشعر فقط، ليس ذلك كافيا؛ فيجب أن نفهم أيضا. لكن من المهم أيضا أن نفهم ما ~~يحدث داخلنا، كما هو ms022 الحال بالنسبة لكل التداعيات التلقائية لذهننا، والتي يجب أن ~~نتجاوزها لنعود إلى الإنصات الحيادي والمتلقي للحياة. فالعودة إلى الإنصات في ~~حالة الوعي الكامل قد تمكننا أحيانا من إدراك «ما هو غير مسموع»؛ ذلك الذي لم ~~نسمعه قط لأننا لم نكن ننصت فعلا. # التلقي الهادئ للأصوات # عندما يكون الصوت موضوع اهتمامنا في حالة الوعي الكامل، نحرص على تلقي كل ~~الأصوات. سنقاوم في البدء رغبتنا في تصفية ما نتلقى («تبا، تشتتني هذه ~~الضجة، فسأحاول ألا أفكر بها»)، والحكم عليه (إنهم مزعجون؛ هؤلاء الذين ~~يحاولون تسخين محرك سيارتهم بالضغط على دواسات السرعة). أذكركم أن حالة ~~الوعي الكامل ليست حالة استرخاء (الاسترخاء يحتاج إلى الصمت والهدوء)، وإنما هي نوع ~~من التأمل (الذي يسعى إلى تطوير إدراك هادئ للعالم). إننا نستطيع ممارستها حتى ~~بوجود ضجة، وحتى لو كنا لا نفضل ذلك، يجب تعلم كيفية القيام به. # نتمرن في حالة الوعي الكامل على إعطاء اهتمامنا للأصوات ببساطة، لما هو أساسي ~~فيها؛ هل هي بعيدة أم قريبة؟ حادة أم منخفضة؟ مستمرة أم متقطعة؟ هل هناك ~~فترات من الصمت؟ إننا نحرص على تلقي صفاتها الأولية وتلقيها كما هي. # من المؤكد أن ذهننا سيحاول تفسير الأصوات («إنه صوت كذا وكذا»)، وإطلاق ~~الأحكام («هذا مريح، وهذا مزعج»)، وتسلسل الأفكار التي تليها («هذا يذكرني ب ~~...»، «هذا يجعلني أحلم ب ...») كل هذا طبيعي، لا فائدة من الانزعاج منه؛ لأن روحنا ~~تتصرف دوما على هذا الشكل؛ تطلق الأحكام وتلفع بالثرثرة تجاربنا وأحاسيسنا. لن ~~يكون بالأمر سوء ما دمنا نعيه وندركه؛ عندما نركز انتباهنا على الأصوات، ~~سنقوم بمراقبة الكيفية التي يقوم بها ذهننا بالتفريق بينها وبين مدلولاتها الفكرية. ~~ثم لا بد من العودة إلى الاستماع البسيط إلى الأصوات دون مدلولاتها. ستعود الأفكار ~~للتدخل. هذا طبيعي، بل إنه ممتاز. إن ذلك يدربنا على إدراك هذه الحركية ~~الدائمة لذهننا. وعندما تهدأ الأفكار، تتركنا بسلام ونستطيع حينها أن نستمتع من ~~جديد بالإنصات إلى الأصوات حولنا. # في بعض الأحيان، ونحن نقوم بجلسة تأمل علاجي جماعي، يحدث أن يرن ms023 هاتف أحد ~~المرضى في الصالة. أقوم حينها، دون أن نوقف الجلسة، بتوجيه المرضى بالطريقة ~~الآتية: «إنها صدفة رائعة، لنبق في تمريننا، عيوننا مغمضة، ولننصت إلى هذا ~~الرنين، ونراقب ما يحدثه لدينا من أفكار؛ «هذا مزعج.» «لا بد أن صاحب هذا ~~الهاتف يشعر بالإحراج الآن.» «هذا ليس جيدا.» «هل هاتفي مغلق؟ أرجو ذلك.» ~~لنراقب بهدوء، ونحن نبتسم، كل ما أحدثه هذا الرنين من أفكار ...» وعندما يصل أحد ~~المرضى متأخرا، وقد بدأت الجلسة، نبقي أعيننا مغمضة ، نستمع له وهو يقوم ~~بتجهيز وضعيته للبدء، ونسلي أنفسنا بتسجيل كل الأصوات التي يحدثها والأفكار ~~التي تليها في أذهاننا. إن أخذ مكان المراقب الهادئ هو جوهر الممارسة في الوعي ~~الكامل. # الصمت # يشبه الصمت في علاقته مع الصوت، علاقة الظلام والضوء، أو النوم واليقظة. إنه ~~وجه آخر لا بد منه. إن الاجتياح المستمر للضجة حولنا له تأثير سيئ. إنه يساهم ~~في تراكم الإثارة والاهتياج الذي تفرضه علينا هذه الحياة «العصرية». وحتى ولو كانت ~~جديرة بالاهتمام (مثل الأخبار المتواصلة في الراديو) وحتى ولو كانت متناغمة (مثل ~~الموسيقى التي نسمعها في كل مكان)، فإن وجودها المستمر يتعبنا، يرهقنا، يمنع ~~روحنا من التنفس، ومن العيش بسلام. إنها تلك الثرثرة المتواصلة التي تأخذ المكان ~~كاملا على حساب أفكارنا. # علينا إذن أن نتذكر قوة الصمت. إنه صدى أصوات الحياة. لا يعني ذلك أن يطغى الصمت ~~طوال الوقت، وإنما أن يوجد بين الأصوات، بين الفترات التي لا نستطيع فيها تلافي ~~الضجيج (كالمرور بالسيارة في المدينة)، أو عندما تكون الأصوات ضرورية (كالحديث مع ~~الآخرين أو الموسيقى في حفلة مسائية). إن فترات الصمت هذه تعتبر لحظات التقاط ~~أنفاس، أو فترات فاصلة. إنها تزيد من أهمية الأصوات التي نحبها، وتريحنا من تلك ~~التي تزعجنا. # مليء بالقوة هذا الصمت، وكذلك قريبه الهدوء. وجودهما لا يعني غياب كل الأصوات، ~~وإنما غياب للأحاديث غير المهمة، والتداخلات المتكلفة. بهذه الطريقة يستطيع كل ~~من الصمت والهدوء مساعدتنا على الإنصات إلى موسيقى الحياة. ~~«الدرس الرابع» # علينا أن نتوقف، ونغمض عيوننا وننصت. لنتلقى ms024 كل الأصوات حولنا؛ المرغوبة منها ~~(غناء عصفور) وغير المرغوبة (ضجيج محرك). وأيضا تلك الأصوات داخلنا؛ المريحة ~~(صوت تنفسنا)، والمزعجة (طنين الأذن، وصوت أمعائنا). ليس الهدف من تمارين الوعي ~~الكامل السمعي هذه الشعور بالراحة بشكل مباشر، وإنما أستطيع القول إن الهدف منها ~~هو فتح رؤيتنا على هذه العوالم الصوتية حولنا، وما تحدثه لدينا من مشاعر وأفكار ~~وانفعالات، وبالتأكيد الاستمتاع بالصمت. # الفصل الخامس # | أن نراقب أفكارنا # لقد توقف هذا الرجل الذي كان يتنزه، وتوقف حينها صوت الأوراق اليابسة التي كان ~~يطؤها، الصوت الذي كان يهدهد سيره. أخذ يراقب بركة الماء أمامه وهو يقول لنفسه: ~~يبدو أنها أمطرت كثيرا في الآونة الأخيرة، فالأرض لم تعد تستطيع استيعاب المزيد من ~~الماء؛ لهذا تركت ما تبقى منه ينتظر بعض الوقت على السطح. إنها كصاحب فندق مزدحم ~~يطلب من زبائنه الانتظار. # لوحة «الانعكاس (كيف تبدو روحك؟)» (1996) لبيتر دويج (1959-)، وهي ~~لوحة بأبعاد 2,80 × 2,00 متر. # لقد توقف وأخذ يقول لنفسه ... أو بالأحرى هو لا يقول شيئا؛ إن ذهنه هو الذي يثرثر: ~~«جميلة هي كل هذه الألوان.» «يبدو أن بعضها بدأ يتعفن.» «هل سيتلف حذائي إذا مشيت في ~~بركة الماء؟» «كنت أفعل ذلك عندما كنت صغيرا، لكنني كنت أنتعل أحذية من المطاط.» «كم ~~الساعة الآن يا ترى؟» «في يوم من الأيام سأموت مثل هذه الأوراق.» «لقد أحسنت صنعا ~~أنني لبست المعطف الطويل؛ فالطقس بارد، ولقد جاء الشتاء مبكرا هذه السنة ...» ثم ~~بالتدرج سيهدأ داخله، وتهدأ هذه الأفكار المتدافعة، وينتبه إلى تنفسه ثم إلى جسده، ~~ثم تلفت انتباهه، من جديد، ورقة آخذة بالتعفن. ينظر إليها، ثم إلى كل الأوراق ~~اليابسة أمامه. ليس لديه أية رغبة في المغادرة. إنه يبقى ساكنا كما هو. ومن وقت لآخر ~~تعبر أفكار ذهنه؛ إنه يسمعها في نفس الوقت الذي يراقب فيه الأوراق العديدة. إنه ~~حاضر لكنه ينفصل بمسافة عن كل هذا. فكرة تهمس له: «أفكارك مثل هذه الأوراق، يوجد كثير ~~منها، من كل الأنواع، دعها تأتي وتذهب بسلاسة، هذا جيد. إن هذه اللحظة ~~لرائعة!» ms025 # ثم، يأتي صمت الأفكار، ونفس اللحظة الأبدية. # هناك عمليتان لا يمكن للإنسان إيقافهما ما دام هو حيا؛ تنفسه، وتفكيره. ~~في الحقيقة، إننا نستطيع إيقاف تنفسنا فترة زمنية أطول من قدرتنا على إيقاف ~~أفكارنا. ومن ثم، فإن هذا العجز عن إيقاف أفكارنا هو قيد مخيف. # جورج ستاينر، «عشرة أسباب (ممكنة) للأفكار الحزينة» # ثرثرة روحنا # عقلنا أداة مذهلة لإنتاج الأفكار؛ مذهلة لكن من الصعب إيقافها. حالما نستيقظ ~~تبدأ أفكارنا بالظهور. يتكلم سينيك في عمله «راحة الروح» عن «عواصف الذهن التي لا ~~تستطيع السكون على أي شيء محدد ...» منذ الصباح، أن نستيقظ يعني أن نبدأ بالتفكير، ~~أو بالأحرى أن نتعرض لدفق من الأفكار التي تحدثنا عن كل شيء؛ الماضي، والمستقبل، ~~وبشكل أقل الحاضر. # وفي الحقيقة إن ما نسميه تفكيرا ليس عملية «إنتاج» الأفكار (فهذه العملية ~~موجودة أصلا خارج إرادتنا أو تدخلنا)، وإنما هو أن نقوم بتنظيم هذه الأفكار، ~~وترتيبها حسب أهميتها، ومحاولة التركيز على بعضها، والعمل على تطويرها، وفي نفس ~~الوقت إبعاد بعضها. لهذا السبب فإنه من العبث الاعتقاد أن ممارسة التأمل ستقودنا ~~سريعا وبإرادتنا إلى حالة من صمت ثرثرة ذهننا، أو غياب الأفكار. قد يحدث ذلك في ~~بعض الأحيان، لكن للحظات، ثم تعود ثرثرة الروح. # يقول بول فاليري: «يصبح الوعي الملك، لكنه لا يحكم.» أحب هذه المقولة؛ ~~لأنها تقول ما هو أساسي على ما أعتقد؛ إنه الفرق بين المقدرة والمقدرة المطلقة. ~~يقارن ماتيو ريكار في التقاليد البوذية بين تدفق الأفكار وقطيع من القردة في ~~حالة اضطراب. إنها تصيح دون توقف. وتقفز من غصن لآخر في حركة دائمة. أي شغب ~~هذا الذي يقود المرء إلى الخلط والارتباك! فما العمل؟! إذ لا يمكن إيقاف هذه ~~الحركية أو التحكم بها. قد يقودنا كل ذلك إلى السعي إلى التركيز على فكرة واحدة ~~طوال الوقت، هذا ما نسميه بالوسواس. طبعا لن تكون الحال أفضل. وهناك خطر آخر ~~وهو محاولة إلهاء أنفسنا؛ لأننا سنحاول ملء ذهننا بأشياء أخرى خارجية، سهلة، ~~ومحددة، وفعالة بما فيه الكفاية لتلفت انتباهنا؛ فنوقف ms026 هذه الثرثرة بثرثرة ~~أخرى. هذا ممكن، لكننا نستطيع أن نطور سبلا أخرى. # سنحاول في حالة الوعي الكامل أن نمتنع عن محاولة الهرب من أفكارنا أو السعي ~~لإيقافها. وسنختار مراقبتها، وكأننا نقوم بخطوة جانبا؛ أن نفكر ونراقب أنفسنا ~~ونحن نفكر. إن فلسفة الزن تقترح الصورة المجازية للشلال؛ إننا نقف بين الشلال ~~(تدفق أفكارنا)، والحاجز الصخري للجرف. إننا نقف جانبا، نراقب أنفسنا ونحن ~~نفكر. لسنا تحت تدفقها (انفصال)، لكننا لسنا بعيدين أيضا (حضور). إننا نستطيع ~~بهذه الطريقة أن نستخدم قدرة وعينا المرن، الذي يستطيع أن يراقب ذاته. لكن هل ~~من الممكن فعلا أن نراقب أفكارنا؟ لفترة طويلة من الزمن قلل من شأن علم ~~النفس الذاتي أو الداخلي، أو ما يمكن أن نسميه علم نفس الظواهر. كانوا يقولون: ~~«كيف يمكنك أن تعتبر نفسك طرفا وحكما في نفس الوقت؟» وكان يقول أوجست كونت: ~~«لا نستطيع أن ننظر من النافذة لنشاهد أنفسنا ونحن نعبر الشارع.» عندما يتعلق ~~الأمر بالوعي والإدراك، يكون هذا ممكنا. لكن يتطلب ذلك كثيرا من ~~المران. # مشاهدة أفكارنا وهي تعبر # سنتخلى، كعادتنا في الوعي الكامل، عن كل فعل صدامي أو عنيف. فمن غير المجدي ~~محاولة إلغاء أفكارنا؛ لأن ذلك سيؤدي في معظم الوقت إلى رد فعل عكسي. وفي نفس ~~الوقت من الصعب القول: «إذن سأقوم بمراقبة أفكاري.» سيتملكنا حينها الانطباع بعدم ~~وجود أفكار. ذلك لأننا صرنا «داخلها»، في صميمها، لدرجة أننا «تماهينا» معها وبدت ~~لنا وكأنها الواقع. # يقول لنا الوعي الكامل الحقيقة البسيطة الآتية: لا جدوى من محاولة إلغاء ~~أفكارنا، ولا جدوى من المحاولة الحثيثة للحاق بها، بل الأفضل هو إعطاء مساحة أوسع ~~لروحنا. # للقيام بذلك يجب أن نبدأ تمرين التأمل بشيء آخر؛ أن نجلس بهدوء وراحة وأن نثبت ~~بهذه الوضعية ثم نقوم بالتركيز على اللحظة الحاضرة بمساعدة التنفس، والإنصات إلى ~~الأصوات حولنا، وإدراك أحاسيسنا الجسدية. سنكون عندها في حالة تتيح لنا مراقبة ~~حركية أفكارنا. وهكذا، في الوقت الذي يكون فيه موضوع اهتمامنا أمرا آخر، كالتركيز ~~على تنفسنا، سنلاحظ في لحظة من ms027 اللحظات أننا ابتعدنا. كان التنفس موضوع ~~تمريننا، وفجأة بدأنا «نفكر بشيء آخر». لقد تتبعنا، دون أن ننتبه، فكرة ~~عبرت ذهننا. ولم نلاحظ ذلك إلا بعد حدوثه. # مع الممارسة المتواصلة، سنستطيع تحديد الأفكار التي ستبدأ بإعطائنا أوامر حين ~~نحاول تجنبها. وهكذا بينما نقوم، أثناء تمرين الوعي الكامل، بالتركيز على ~~حضورنا، على تنفسنا، أو على الأصوات حولنا، فجأة تأتي فكرة ملحة: «توقف ~~الآن، افتح عينيك، قم بهذا أو ذلك الأمر، إنه أكثر أهمية ...» وإذا حاولنا ~~المقاومة، ستلح علينا أفكارنا: «قم بذلك «الآن» وإلا ستنسى!» سنظن أن ذلك هو ما ~~نريده فعلا وما نحتاجه فورا في هذه اللحظة. لكنني لا أعتقد أن تكون تلك هي الحالة ~~فعلا. الدليل على ذلك هو أننا حين نقرر ألا نطيع فورا وبشكل آلي هذه الأوامر ~~المتنكرة على شكل رغبات، أو تطفلات، أو ضرورات، سندرك غالبا أنها أمور لا ~~تمتلك هذه الأهمية فعلا وأننا نستطيع تجنبها. # في حالة الوعي الكامل، نستطيع أن نقرر بأنفسنا إن كنا سنتبع أفكارنا ~~(إذا أردنا ذلك) أو سنختار أمرا آخر. # من الأمثلة على هذه الأوامر: «قم بحك أنفك.» «افتح عينيك لترى كم الساعة ~~الآن.» «يجب أن تسجل أن عليك مهاتفة أخيك.» إننا نستطيع عدم إطاعتها أو تأجيلها. ~~لكن كي ننجح علينا أولا أن ندرك أن هذه التطفلات ليست سوى أفكار. # في البداية سننتبه إلى هذه الأفكار في لحظة تدخلها واصطحابها ذهننا خارج موضوع ~~التمرين. فلم نعد في موضوع التنفس أو تركيزنا على جسدنا، ولكننا بصدد «التفكير ~~بأمر ما». هذا طبيعي، هذا ما يقوم به ذهننا طوال الوقت. عندها، ودون انزعاج سنعود ~~إلى موضوع التمرين. لكن الأفكار ستأتينا من جديد، وسندرك ذلك فنقوم بالعودة إلى ~~التمرين، وهكذا. إن هذه الحركية هي القاعدة الأساسية في تمارين الوعي الكامل. ~~أفكارنا ليست هي المشكلة، وإنما المشكلة هي ألا نكون مدركين لبعثرة وهياج الذهن، ~~وخاصة هذا الخلط بين الأفكار والحقيقة، وهذا الاستعداد لاعتبار «كل» الأفكار مهمة. ~~وليست المشكلة أيضا في محتوى الأفكار، أو حركيتها بقدر ما هي علاقتنا ms028 بها. يجب ~~عدم محاولة منعها أو طردها، ولكن أيضا يجب عدم اتباعها، أو الخضوع لها أو إطاعتها. ~~علينا أن نستقبلها ونراقبها في إطار إدراك أوسع (من هنا، أهمية الرسو والثبات في ~~اللحظة الحاضرة باستخدام النفس، والجسد والأصوات). وبكل بساطة علينا التوقف عن ~~تغذيتها. # وبالتدرج، مع المران، سنرى بشكل أوضح أنها مجرد أفكار، وسنحدد بشكل أفضل أنها ~~ظواهر ذهنية عابرة، وليست ثوابت دائمة. سنراها وهي تظهر، وإذا لم نقم باتباعها، ~~سنراها وهي تختفي، ثم تظهر من جديد . إن «عيش هذه التجربة» هو أكثر أهمية من القراءة ~~عنها والدراية بها؛ لأننا نعرف أن أفكارنا ليست سوى أفكار. لكنها حين تملأ ذهننا ~~فإن هذه المعرفة لن تساعدنا بشيء. إن التمرين المستمر والتجربة وحدهما يستطيعان ~~أن يساعدانا على النأي عن التفكير والتعود على ترك أفكارنا تختفي وحدها. # في حالة الوعي الكامل نستطيع أن نقرر بأنفسنا إن كنا سنتبع أفكارنا (إذا أردنا ~~ذلك) أو سنختار أمرا آخر. يمكن أن نختار مثلا البقاء جالسين، مغمضي العينين، ~~ونحن نتنفس هنا والآن في هذا الدفق من الأفكار التي تقول لنا: «تحرك»، «افعل»، ~~«فكر»، «تعجل». والتي قد تنزعج وتصرخ قائلة: «ألا تظن أن عليك أن تترك هذا ~~التمرين لتقوم بجميع الأشياء المهمة التي تنتظرك. إنك تستطيع العودة إلى التمرين ~~لاحقا ...» ولكن لا، فقد قررنا هذه المرة ألا نستجيب لأفكارنا. سننتظر قليلا لنرى ~~إن كان من الضروري المضي في هذه الاتجاهات. سنتنفس أيضا بعض الوقت، وسنجد أنها ~~ليست مهمة. كم هو حسن ألا نكون عبيد أذهاننا؛ أن نحصل على القليل من ~~الحرية. # أن نتحرر من أفكارنا ~~«أنا أفكر، إذن أنا موجود.» هذا ما أعلنه ديكارت. لكن بول فاليري أضاف: «أنا ~~أفكر أحيانا، وأحيانا أنا موجود.» ويستنتج الوعي الكامل منهما ما يأتي: «لا ~~يتعلق وجودي فقط بما أنا بصدد التفكير فيه.» ولهذه الجملة معنيان؛ الأول أن وجودي ~~ليس مرتبطا بعملية التفكير، والثاني بمعنى التعلق واللحاق بالشيء؛ أي، أنني لا ~~أتبع طوال الوقت ما أفكر به. هذا ما نسميه «الفصل» في علم ms029 النفس المعرفي؛ إنه ~~العمل على تخفيف هذا الخلط بين ما نفكر به وبين إدراكنا. إنه يعني أن نفهم أن ~~أفكارنا ليست سوى أحد عناصر الإدراك وليس الإدراك كاملا؛ وألا نعتمد كليا على ~~أفكارنا، دون أن نرفضها في نفس الوقت؛ ببساطة علينا أن ننشئ علاقة مختلفة ~~معها. # وهكذا فإن هناك فرقا بين القول: «إنني أعيش حياة حزينة.» و«إنني بصدد التفكير أن ~~حياتي حزينة.» حين نعتبر أفكارنا ظواهر ذهنية، سنرى بشكل أفضل أنه يسكنها كثير من ~~الأحكام القيمية، والأفكار التلقائية، والانفعالات، التي لسنا بالضرورة موافقين ~~عليها. إن هذه التجربة، الغريبة قليلا، الخاصة بالافتراق عن حركية العملية ~~الذهنية، وهذا الجهد للاستعانة بالعقل ذاته كي لا نقع في مصيدته، هي بالضبط ما ~~يقترحه الوعي الكامل. إنه يعلمنا كيف ننشئ مساحة تفكير خاصة بنا كي نصقل ~~خبرتنا بوصفنا مراقبين خارجيين. إنه يساعد على الانتباه إلى الفرق بين الضجة ~~المحيطة بنا في سهرة مسائية، وبين الحديث الذي نقوم به والذي يهمنا؛ أو اختيار ~~الخروج وترك هذه الضجة والاستماع لهمسات الليل. ~~«الدرس الخامس» # لنغمض العينين، واضعين النفس مركزا لاهتمامنا. ثم لنقم بتسجيل كيف تتحرك ~~روحنا بسرعة، أو بالأحرى كيف تتدخل أفكارنا لتصبح مركز اهتمامنا، كالأطفال ~~المزاجيين غريبي الأطوار. إنها الأفكار الخاصة بأشياء يجب القيام بها، أو بالصعوبة ~~التي نواجهها للبقاء في تمريننا. وعلينا ممارسة تمرين حالة الوعي الكامل ~~المتعلق بالأفكار، والذي يتلخص في أن نكون واعين لثرثرة روحنا التي لا يمكن ~~كبحها، وأن نعي طاقتها الجاذبة؛ ففي لحظة ما لن نستطيع مراقبة أفكارنا وإنما ~~سنصير داخلها، جزءا منها، مجبولين بها. من ثم، يجب العودة بهدوء إلى التنفس، ~~والبدء من جديد بمراقبتها. وبالتدرج سيبدو لنا جليا الفرق بين: «التفكير بشيء ~~ما»، و«إدراك أننا نفكر بشيء ما». هذا ما يمكن تسميته الوضوح، أو امتلاك ~~قوانا العقلية. وهذا يتطلب المران المتكرر. # الفصل السادس # | أن نعطي مساحة لمشاعرنا # إن هذه اللوحة عبارة عن خليط غريب، وصعب التفسير من النظام والفوضى، والذي يضع المرء ~~في حالة مبهمة من الضيق. لا نفهم بالضبط ms030 ما يريد أن يقوله لنا الرسام. تمر فترة وجيزة ~~من الانتظار دون أن يصبح الفهم أكثر وضوحا، لكننا نبدأ بعد ذلك في إدراك منظومة ~~اللوحة. # لوحة «الحزن» (1528)، للوكاس كراناخ الأب (1472-1553)، وهي لوحة ~~زيتية على الخشب، بأبعاد 1,13 × 1,72 متر. # في الجهة اليسرى اضطراب؛ بلبلة عجيبة في الأعلى حيث يهجم جيش من الأرواح أو الأشباح ~~محمول على سحابة. وهناك فوضى عادية في الأسفل حيث يدور عراك بين أطفال عراة وكلب صيد؛ ~~إنه متضايق من إزعاجهم ويحاول تهديدهم ، مظهرا لهم أسنانه، وأذناه للخلف وكأنه ~~يقول لهم: «إذا لم تتوقفوا، فسأقوم بعضكم.» # في الجهة اليمنى هدوء أكثر، لكن الحالة ليست أكثر وضوحا؛ شجرة تفاح تعرض ثمارها ~~الذهبية اللون. قصر يعتلي صخرة ذات منحدر. امرأة وبعض الأدوات عند قدميها. إنها ~~تقوم بتقليم عصا من الخشب، وكأنها تريد إمضاء الوقت. وجهها بعيد، ضجر، يزدري الفراغ، ~~وهي تراقب بحذر هذا الصراع بين الأطفال والكلب. # يوجد في تلك اللوحة ما هو حقيقي وما هو خيالي؛ قلق وهدوء؛ فعل وضجر. هناك أمور ~~نفهمها قليلا، وأخرى تتجاوز قدرتنا على إدراكها ولدينا شعور داخلنا أننا لن نستطيع ~~فهمها أبدا. # لكن أليس هذا بالضبط ما تقدمه لنا تجربتنا الشعورية؟ # كل شيء مرتبط ببعض الأفكار التي تخيفنا، والتي لا نستطيع أن ~~نواجهها. # بول فاليري، «كما هي» # التجربة الشعورية # لا تتكلم مشاعرنا، لكنها تعبر عن ذاتها عن طريق الأحاسيس الجسدية، والسلوك، ~~والأفكار التلقائية الحدية والمبسطة. # إننا نعرف الآن أن الكلمات لن تستطيع بالضرورة تهدئتها أو تخفيفها، وإنما يجب ~~المرور عبر الجسد (التنفس) والسلوك (السير إذا كنا قلقين أو حزانى، والاستلقاء ~~إذا كنا غاضبين). إن من أصعب الخطوات التي يمكن القيام بها في حياتنا النفسية أن ~~نأخذ مسافة عن الأفكار المليئة حتى الإشباع بالمشاعر التي لا نستطيع إلا بالكاد ~~كبتها أو إبعادها. يعتقد الآن، أننا نستطيع خلق هذه المسافة بسهولة أكثر عندما ~~نقوم بتلقي ومراقبة حالتنا الشعورية، بدلا من سعينا الحثيث لإلغائها أو، وهذا ~~بديهي، إطاعتها الكاملة. إن اختبار تبدلاتنا الشعورية هو تجربة ms031 في التواضع ~~والواقعية؛ فهو في أغلب الوقت أكثر قوة منا، في البداية على الأقل. هذه التجربة ~~في أشكالها الواضحة كما في المشاعر القوية، أو في أشكالها غير المباشرة كما في ~~الحالات المزاجية والتبدلات النفسية تبقى صعبة الإدراك. كتب فرانسوا دي لا ~~روشفوكو: «تمتلك حالاتنا المزاجية مسارات تبدل من إرادتنا دون إدراك منا، ~~إنها تأتي مجتمعة، وتمارس سيطرة سرية على جزء مهم من تصرفاتنا، حتى دون معرفة ~~منا.» # الفوضى العاطفية # قد لا تكون هذه التجربة التي نختبر فيها عواطفنا بالضرورة، تجربة إيجابية أو ~~مفهومة لنا. من المؤكد أن فوضى مشاعرنا قد تكون خلاقة أحيانا، لكنها قد ~~تقودنا أيضا إلى المزيد من الارتباك. # نستطيع حينها محاولة الهرب عن طريق القيام بنشاط ما أو التلهي. وهناك أيضا ~~ذلك السعي للتحكم الكامل بها بأن نمنع المشاعر المضنية من الوجود، ونمنع أنفسنا ~~من اختبارها. إنها محاولات منطقية، لكنها محفوفة بالمشكلات. ففي سعينا هذا، في ~~محاولة منا لقطع كل صلة مع مشاعرنا وأحاسيسنا، سنعرض أنفسنا إلى ما يسميه ~~أطباء الأعصاب «إزالة التدفقات الواردة»؛ أي، القيام ببتر ذكائنا العاطفي. لقد ~~التقيت بمرضى شديدي الحساسية قاموا بتجميد دفق عواطفهم التي تسبب لهم ألما. إن ~~حالتهم تذكرني ب «الجليد السرمدي»، تلك الطبقة من القشرة الأرضية الواقعة تحت ~~الجليد القطبي والتي تبقى طوال الوقت في حالة تجمد مانعة نمو النباتات. إن ~~الحالة العاطفية تكون هنا في حالة من الفقر الشديد بسبب الحماية الزائدة. # الوضوح العاطفي: قبول ما نشعر به # يذهب تأمل الوعي الكامل، عكس ما اعتدنا القيام به بأن نحافظ على ما هو ~~مبهج وإلغاء ما هو مضن. لهذا السبب لن تكون جلسات التأمل وتمارينه لحظات ~~مريحة بالضرورة (وهذا فرق آخر عن جلسات الاسترخاء). # إننا نلتقي في الوعي الكامل مع أحاسيسنا العاطفية السلبية أو المؤلمة، ونسمح ~~لها بالوجود بكل بساطة. وهكذا نستطيع، بدلا من إبعاد الحزن أو محاولة إيجاد حل ~~للقلق، أن نقبل بوجودهما أولا. وهذا لا يعني قبول الرسائل والأوامر التي تريد أن ~~تلقننا إياها. إن قبول الحزن هو ms032 أن ندرك أننا حزانى، لكن ليس بالضرورة أن نقبل ~~ما يهمس لنا به الحزن («لا يستحق عيش هذه الحياة، ولا شيء فيها يجدي نفعا»)، أو ~~القلق («هناك خطر ما، ويجب عليك التصرف بسرعة وإيجاد حل»). # لا يعجب المرضى القلقين أو المكتئبين أن نقول لهم إن عليهم أن يبدءوا بقبول ~~مشاعرهم كما هي. إن ذلك يغيظهم بعض الشيء: «كنت أحاول دائما أن أفعل العكس؛ ~~ألا أعاني منها.» كما أنه يخيفهم أيضا: «إذا فتحت صنابير المياه، إن غضضت ~~النظر ، فستأكلني المعاناة.» # إننا نلتقي في الوعي الكامل مع أحاسيسنا العاطفية السلبية أو المؤلمة، ~~ونسمح لها بالوجود بكل بساطة. # ولكن ذلك ليس صحيحا، اطمئنوا، لا تجري الأمور بهذه الطريقة؛ فعواطفنا السلبية هي ~~كالحيوانات (أو البشر) التي نريد تهدئتها، فنقوم بالركض وراءها كي نبعدها أو كي ~~نوثقها ونحبسها. إنها كلما حاولنا الارتماء عليها واللحاق بها، دافعت عن نفسها ~~أكثر وحاولت إيذاءنا. # من الأفضل لنا أن نخلق حولنا مساحة أوسع للسماح لها بالعيش، وأيضا كي نتمكن من ~~مراقبتها: ما تأثيرها على جسدي؟ أي أفكار تحاول فرضها علي؟ أي سلوك هو الذي ~~تدفعني للقيام به؟ ... وهكذا لا نكون في صميم هذه المشاعر وإنما في تجربة عيشها؛ إننا ~~نقبل بها مخففين بذلك من معاناتنا منها. قد يكفينا ذلك لنصبح أكثر راحة وهذا ~~يسمح لنا باتخاذ القرار بالسلوك الذي سنتبناه. # إن المشاعر المضنية هي المصدر الذي يفعل الأفكار السلبية؛ إنها تعطي هذه ~~الأفكار قوتها وتساعدها على أن تكون أكثر صلابة. إن قبول مشاعري كما هي يسمح لي ~~بتفكيك الطاقة التي تمارسها على الأفكار وتدفعها أمامها متخفية. وهكذا أستطيع ~~بسهولة أكبر مراقبة وتحليل أفكاري الغاضبة لو أنا أدركت وقبلت أولا حالة الغضب ~~التي تنتابني الآن، وأستطيع التفكير بالتداعيات المقلقة حين أعترف لنفسي وأقبل ~~حالة القلق. أما إذا بقيت أقول لنفسي: «لا، أنا لست غاضبا، وما يحدث ليس ~~مقبولا.» أو: «لا، أنا لست قلقا، إن ما يهددني حقيقي.» عندها لن أستطيع ~~التعامل مع أفكاري. وما دام الذهن لا يعدها أفكارا، وإنما ms033 هي الحقيقة، فمن سيعترض ~~على ما هو حقيقي وبديهي؟! # إعطاء أنفسنا الوقت كي نشعر # علينا إذن أن نمرن أحاسيسنا؛ ليس من أجل إلغائها، وإنما مراقبتها. نستطيع، ~~مثلا، عندما ننتقل كل يوم من نشاط إلى آخر ونحن متعجلون ومنهكون، أن نأخذ ~~قليلا من الوقت، عدة مرات كل يوم، كي نشعر بما يحدث داخلنا؛ علينا أن نخلق حالة من ~~التواصل مع حالتنا العاطفية. نستطيع أيضا أن نستفيد من فترات الانتظار كي ندرك ~~ذاتنا. قد يكون ذلك أفضل من قضاء هذا الوقت في حالة من غياب إدراك الذات، غائبي ~~الذهن، منفصلين عن ذواتنا وأرواحنا، ونحن في مكان آخر نتلهى بالقيام بالأعمال، ~~أو بالاجترارات الذهنية. # الأولوية للهدوء والراحة ومن ثم علينا الاعتياد أولا على حالة هادئة وفضولية من ~~الاستبطان الداخلي. ومن ثم عندما نكون في حالة معاناة؛ حزانى، أو غاضبين، أو ~~قلقين، أو تعساء، يجب ألا نحاول تغيير ما نشعر به، وألا نحاول مواساة أنفسنا ~~أو تهدئتها. ليس فورا، وإنما يكفي أن نكون مدركين لما نشعر به. علينا أن نتنفس ~~بشكل جيد، وألا «نسعى» وراء شيء آخر غير التمسك بتنفسنا، ومراقبة ما يحدث. التنفس، ~~الحضور، الوعي الكامل؛ إنها كضوء القنديل في العتمة. نستطيع أن نرى أين نحن ولو كان ~~الوقت ليلا. وأحيانا، وهذا ما قد يفاجئنا، إننا بقبول أحاسيسنا المؤلمة، ~~بالاكتفاء بقبولها وهي تعبرنا، سنكتشف أن ما يحدث يشبه عبورنا للغيمة؛ ففي ~~النهاية، نجد أن لا شيء صلب داخلها، وعندما نخرج ستنير الشمس من جديد. # الوعي الكامل للمشاعر # لن تكون مشاعرنا، حتى المؤلمة منها، تلك «النباتات الضارة» التي تعرش في ~~أذهاننا. إنها أيضا جزء من النظام البيئي لحياتنا النفسية. لهذا لن يكون قبولها ~~ممكنا وحيويا إلا إذا قمنا في نفس الوقت بإدراكها وفهم آليات تأثيرها القوية ~~والمتخفية. إنها تسعى بشكل طبيعي إلى فرض نفسها علينا. إذن يجب التصرف حيال ~~تأثيرها علينا، وليس حيال وجودها الطبيعي داخلنا. لهذا فإن هدف ما نسميه في علم ~~النفس «التنظيم العاطفي» لا يعتبر الوصول إلى الفراغ، أو الهدوء، أو ms034 الزن. ليس ~~فورا على كل حال، وليس بشكل مباشر. وإنما الهدف منه هو الإدراك والوضوح. # يوجد في الوعي الكامل «مهارتان» أساسيتان كي نستطيع السير نحو التوازن العاطفي؛ ~~تقتضي الأولى أن نخلق مساحة داخلية تسمح لنا أن نكون حاضرين في اللحظة الحاضرة. أما ~~الثانية فهي أن علينا تلقي واستقبال هذا الحضور كما هو؛ أن ندعه يوجد. كي نتجاوز ~~ألما أو انزعاجا ما، يجب أولا أن نقبل بوجودهما داخلنا. إننا لا نستطيع ترك ~~مكان ما لم نقبل قبلا أننا وصلنا إليه. ولن نستطيع التخلص من معاناة ما لم ~~نعترف بها أصلا. # بهذه الطريقة فقط، نستطيع في لحظات المعاناة العاطفية أن نستمع وأن نؤمن بما ~~نقوله لأنفسنا من كلام يريحنا. كأن نخاطب أنفسنا قائلين إن ذلك ليس بذي شأن وإن ~~هذه الفترة الصعبة ستمر بخير ... إلخ. وذلك لن «ينجح» إلا إذا قبلنا المشكلة كما هي ~~بشكل كامل، فلا نبقى في حالة رفض لوجودها («لا يمكن ذلك، هذا ليس عدلا»). # لا تنمو بذور الطمأنينة إلا على أرض تجلي الوعي، وليس على الإنكار والكذب على ~~الذات. ولكي يكون الكلام المطمئن مطمئنا فعلا، يجب أن نعطي الوقت الكافي ~~لتلقيه، للإنصات إليه، والشعور به، وحتى عيشه. علينا أن ندعه يحيا داخلنا. بالضبط ~~كما فعلنا قبلا مع مشاعرنا المؤلمة، علينا، بالتأكيد، أن نعطي مساحة أيضا ~~للمشاعر الإيجابية لأن ذلك ليس مستحيلا. ~~«الدرس السادس» # عندما أكون في حالة اضطراب، ارتباك أو قلق، من المهم ألا أحاول التفكير أو ~~الانشغال بأمر آخر ظانا أن ذلك سيحررني ويريحني. بالعكس، فإذا كان لدي قليل ~~من الوقت، يجب أن أراقب ما يحدث داخلي. ما هي العاطفة التي تسكنني؟ بأي اتجاه ~~تدفعني؟ يبدو ذلك سهلا، لكن في الحقيقة ليس الأمر بهذه السهولة؛ فكما في حالة ~~أفكارنا، تسعى مشاعرنا أيضا لفرض نفسها علينا. إنها لا تقدم نفسها على أنها ~~ظواهر نسبية، وإنما تريد فرض ذاتها على أنها بديهيات، حقائق لا تقبل النقاش. إذن ~~يجب ألا أحاول تغيير ما أشعر به أو أسعى جاهدا أن أهدئ ms035 من روعي أو أواسي ~~نفسي. وإنما يكفي أن أكون حاضرا. ويجب أن أتنفس بشكل جيد ومريح؛ فلا «أسعى» ~~وراء شيء آخر غير التمسك بتنفسي مراقبا ما يحدث داخلي. # الفصل السابع # | أن ندرب انتباهنا كي نزيد حدة وعينا # يبدو كل شيء بسيطا في البداية؛ تظهر اللوحة المقسومة إلى قسمين، من اليمين حاويا ~~متجولا، ومن اليسار جمهورا يراقبه. وطاولة تفصل بينهما. ومن ثم ندخل في ~~التفاصيل؛ تمتعنا الأناقة المصطنعة للحاوي، بقبعته الغريبة المظهر. ثم نكتشف ~~البومة الصغيرة، رمز المكر والنفاق، التي يضعها خفية في السلة التي يمسكها بيده ~~اليسرى، بينما إلى يمينه تظهر لنا كرة أظهرها بلا شك من تحت إحدى القوارير المقلوبة على ~~الطاولة. نلاحظ أيضا الحجم الكبير للرجل المشدوه الذي ينحني فوق الطاولة، وندرك ~~اللص الذي يجرده من محفظته وهو ينظر بشكل غريب إلى الأعلى كما لو أنه يريد تشتيت ~~انتباه الحاضرين. نتساءل: هل اللص شريك الحاوي كما المرأة ذات اللباس الأنيق الأحمر، ~~التي تشير بإصبعها؟ # إذن، تشد انتباهنا تفاصيل غريبة؛ الرجل الذي تتم سرقته بينما يسيل لعابه في لحظة ~~انشغاله، والشخصيات الأخرى جميعها تقريبا تنظر باتجاهات مختلفة؛ بعضها ينظر إلى ~~الطاولة وبعضها الآخر ينظر إلى الحاوي، أو إلى الشخص الطويل المنحني، بينما يغلق ~~آخرون أعينهم، وأيضا ذلك المتفرج المنسي؛ ضفدع ساكن جاثم على الطاولة وهو ينظر إلى ~~الحاوي بانتباه شديد. # كما هي الحال دائما عند بوس؛ الرموز كثيرة، ودلالات هذه اللوحة الغريبة عديدة. ولكن ~~شيئا واحدا يهمنا هنا؛ فهذا العمل الفني المثالي يحدثنا أيضا عن الانتباه وعن ~~الوعي. إنه يحدثنا أيضا عن الفائض من الانتباه أو القليل جدا منه، اللذين ~~يتشابهان بأنهما يضيقان ساحة وعينا ويضعفانه مسببين العديد من الإزعاجات ~~لنا. # لوحة «الحاوي» (أواخر القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر) ~~لجيليس بانهيديل/هيرونيموس بوس فان أكن (المعروف بجيروم بوس) ~~(1450-1516)، وهي لوحة زيتية على الخشب، بأبعاد 0,53 × 0,65 متر، ~~المتحف المحلي، سان جرمن آن لي. # حافظ على جسدك ساكنا. # حافظ على الصمت. # لا تلجم أفكارك؛ دعها تأتي. # ودع وعيك ms036 يتحرر. # في حال من الاسترخاء الكامل. # بوصولك إلى هذه النقطة، يختفي تعلقك بالتأمل، # أو بعدم التأمل. # ولا تصير الروح المتحررة من كل التوجيهات العقلية # سوى وعي صاف، # واسع وشفاف. # شابكار، «ذكريات يوجي من التبت» # الوعي # نستطيع تعريف الوعي كالآتي: هو أن نشعر وندرك في نفس الوقت، وأن نعلم أننا نشعر ~~وأننا ندرك. إن الوعي يفترض اليقظة؛ مع أن النائم يشعر ويدرك، ولكنه لا يعلم ~~ذلك؛ إنه غير واع. إن الوعي بلا شك هو العملية الأكثر حساسية وتعقيدا في أذهاننا ~~وقد أجريت آلاف الدراسات العلمية في هذا الموضوع. ولكن ما نحتاجه هنا هو نموذج ~~لمفهوم لا يحمل كثيرا من الخطأ وفي ذات الوقت ليس كثيرا التعقيد. لتبسيط الأمر نقول ~~إنه توجد ثلاثة مستويات من الوعي. # الأول هو ما ندعوه بالوعي الأولي، الذي هو مجموع انطباعاتنا وأحاسيسنا. # إنه نوع من الوعي الحيواني (وعي ما قبل النطق عند الطفل)، الذي يساعدنا على ~~التأقلم مع العالم المحيط. على سبيل المثال، إنه ذلك الوعي الذي يجعلك تدرك، في ~~ذات الوقت الذي تقرأ فيه هذه السطور، جسدك، والأصوات التي تصل إليك، والحركات ~~المحيطة بك، إلى آخره. # المستوى الثاني هو وعي الهوية الذي يعبر عن وعينا ل «ذواتنا» نتيجة عن ~~انطباعاتها. إنه الوعي الذي يساعدنا على إجراء تحليل شمولي لما نعيشه، وإدراك أن ~~كل هذه الأحاسيس هي عائدة لنا. # نحن، بالطبع، معتادون على هذه «البديهيات»، لكننا ننساها، وفي بعض الأحيان عندما ~~نمر أمام مرآة، أو عندما نسمع أحدا يلفظ اسمنا، فإننا ندرك فجأة أن هذا هو نحن، ~~ويسيطر علينا ضياع غامض للهوية: «كيف؟ أهذا أنا، هذا الوجه، هذا الشخص الذي ~~ينادونه؟» # المستوى الثالث هو ذلك الوعي الرؤيوي القادر على أخذ مسافة عن هذه «الذات» ~~ومراقبة آلياتها. إنه الوعي الذي يساعدنا على الفهم والتفكير؛ إنه هو الذي يقودنا ~~لكي ندرك أننا كنا أنانيين جدا، أو أننا بدأنا نغضب أو أننا نقلق. # ماذا عن «الوعي الكامل»؟ أين موقعه من كل هذا؟ لنقل إن ممارسته تدمج المستويات ~~الثلاثة بشكل كامل؛ ms037 الوعي الأولي ذو الأهمية البالغة لأنه يؤمن لنا شكلا من ~~الإدراك والتأقلم مع الظواهر الجسدية والعاطفية، والوعي الذاتي الذي هو نقطة ~~الانطلاق لمراقبة تسلسل أفكارنا، والوعي الرؤيوي الذي يسمح لأذهاننا أن تنفصل ~~وتتحرر من حركية العقل الذاتية. # الانتباه # يقول ويليام جيمس، أحد مؤسسي علم النفس الحديث، والذي كان رائدا في دراسة ~~الوعي والانتباه: «الانتباه هو استحواذ الذهن، بشكل واضح وفعال، على شيء أو على ~~فكرة من مجموعة أفكار حاضرة في ذات الوقت ... إنه يقوم بإبعاد مواضيع معينة بهدف ~~معالجة مواضيع أخرى بشكل أكثر فعالية.» # الانتباه هو الأداة الأساسية للوعي؛ لا انتباه يعني لا وعي. هذا بلا شك هو السبب ~~الذي يجعل الجملة التي يكررها مرشدو التأمل كثيرا هي: «الآن، ركزوا بهدوء ~~انتباهكم على ...» ولكن الانتباه والوعي هما كيانان مختلفان. في الانتباه نحن نستبعد ~~«ما لا يهمنا»، بينما في الوعي، نحن نتلقي. يقوم الانتباه بعملية استبعاد، بينما ~~الوعي يقوم باحتواء. إنها على سبيل المثال مشكلة القلق والكآبة، اللذين هما بشكل ~~من الأشكال من اضطرابات الانتباه؛ فنحن لا نعير انتباهنا سوى لمصادر همومنا، ~~ونستبعد الباقي. لذلك سيوفر لنا استدعاء الوعي الكامل حلا ممكنا من أجل ~~معالجة هذا الانتباه المريض؛ بأن نوسع حقل انتباهنا في اللحظات التي نشعر فيها ~~بالحزن أو القلق. # نوعية الانتباه # لنعد إلى الانتباه، وعلاقته بالوعي. إننا نستطيع بصعوبة أن نتعامل بطريقة ~~مباشرة مع وعينا. للوصول إلى هذه الغاية يتوجب علينا، بشكل عام، أن نتعلم كيف ~~نعدل انتباهنا. يمكن القيام بهذا العمل وفق اتجاهين. # يقتضي الاتجاه الأول أن نوسع انتباهنا؛ يمكن للانتباه أن يكون مركزا ~~(ضيقا) أو منفتحا (واسعا). نقوم في الانتباه المركز بتوجيه شعاع تركيز ضيق ~~مثلا على فعل ما (أن نركز على ما نفعله)، أو على عرض ما (أن نكون مأخوذين بما ~~نشاهد أو نسمع)، أو أفكار معينة («نستغرق» في انعكاساتها أو تداعياتها). ~~الانتباه المنفتح، هو على العكس، يتجه نحو الاتساع، نحو الانفلات من مواضيع ~~اهتمامه الأساسية، نحو التحرر بهدوء من الاندماج مع الأفكار أو المشاعر، شاملا ~~مواضيع ms038 أخرى. هذا ما يحدث عادة عندما نكون في طور مراقبة ما نشعر به داخل جسدنا، ~~فإننا في ذات الوقت نستطيع أن نحتوي بشكل متعاقب الأصوات حولنا، والأفكار، ~~والمشاعر أثناء تمرين وعي اللحظة الحاضرة. هذا الانتباه الأكثر اتساعا يمتد بشكل ~~طبيعي نحو ما يمكن أن نسميه «وعيا منتبها»، والذي يقترب بقوة من الوعي ~~الكامل. # ولكن هناك شيء آخر في حالة الوعي الكامل. لا يركز الاتجاه الثاني الممكن ~~للتمرين على «انفتاح» الوعي فقط وإنما أيضا على «نوعية» وعينا؛ أهو «تحليلي» أم ~~«مغمور»؟ الوعي التحليلي هو ذلك الوعي الذي نستخدمه عندما نركز على حل مشكلة ما، ~~رياضية أو وجودية. يعمل عندها ذكاؤنا بطاقته القصوى، وتتسلسل أفكارنا، وتتطور ~~محاكمتنا، ونقوم بتحليل أسباب ونتائج المشكلة بدقة. أما الانتباه المغمور فإنه يكون ~~في مستوى آخر؛ إنه يجعلنا ننسى ما نفكر به أو ما نفعله. الانتباه المغمور يمكن ~~أن يتعلق بأنشطة بسيطة؛ أن نكون مأخوذين بفيلم مثير، أو بإيقاع خطواتنا أثناء ~~الجري. ولكنه يتعلق أيضا بأمور أكثر تعقيدا؛ هبوط منحدر تزلج، العزف على آلة ~~موسيقية، أو الاستغراق في مسألة فكرية. في كل هذه الحالات، نكون منتبهين بشكل ~~كامل إلى ما نقوم به (وإلا سوف نسقط، أو نعزف نغمة خاطئة، أو سنكون بشكل دائم ~~مشتتين عما نقوم به). حين نكون في حالة من الانتباه الذي ندعوه «مغمورا»، نكون ~~حاضرين بشدة لما نقوم به حيث نكون «داخله» بشكل كامل، دون الحاجة إلى التفكير أو ~~تحليل ما يحدث. # كلما ازداد اتساع انتباهنا وانغماره، اقتربنا من حالة الوعي الكامل؛ إنه حضور ~~مكثف ومنفتح، ليس ذهنيا فقط وإنما عاما (محتويا كامل جسدنا) للتجربة ~~التي نعيشها لحظة بلحظة. # تدريب الانتباه للحفاظ على الوعي # في حياتنا الذهنية، لا تحدث الأشياء فقط لأننا نرغب بحدوثها أو لأننا قررنا ~~حدوثها، كذلك هو الأمر بالنسبة للانتباه. # العمل على الانتباه هو ضرورة اكتشفت منذ زمن طويل، في الشرق كما هو الحال في ~~الغرب. لنستمع من جديد إلى ويليام جيمس: «إن القدرة على إعادة توجيه انتباهنا الذي ~~يتشتت طوال ms039 الوقت، بشكل طوعي، تشكل أساس الحكم، والشخصية والإرادة. لا يكتمل ~~الشخص الذي لا يملك هذه القدرة ... ولكن من الأسهل لنا أن نعطي معلومات نظرية عن هذه ~~الحالة المثالية من أن نعطي إرشادات عملية من أجل القيام بها.» # إن هذه القدرة على جعل انتباهنا حاضرا هي في الحقيقة قاعدة أساسية لفعاليتنا ~~العقلية كما لصحتنا النفسية، خصوصا أن طرق حياتنا المعاصرة تنحو إلى إضعافها ~~وإفقارها؛ إننا نتطور أكثر فأكثر في بيئات «مسمومة نفسيا»؛ إنها تشتت انتباهنا ~~عن طريق فرض مؤثرات متعددة (إعلانات الراديو أو التلفزيون أو التدفق ~~المستمر للبريد الإلكتروني أو الرسائل القصيرة)، ومن خلال تقديم مغريات كثيرة ~~وجذابة (التزايد الخطير، مثلا، في السينما كما في التلفزيون، في عدد الصور في ~~الدقيقة الواحدة). المشكلة هي أن عقلنا يميل أصلا إلى هذا الاتجاه، نحو التسلية ~~والتشتت. إن أرواحنا تؤخذ بالصخب والسهولة، كما تميل أذواقنا نحو الطعم الحلو أو ~~المالح فقط. # هذا النوع من البيئات (وغياب وجود جهد لإيجاد حالة التوازن في مقابل ذلك) يجعل ~~انتباهنا يميل إلى العمل دوما بناء على سجل انتباهي ضيق ومحدود. فيعتاد على ~~البقاء في حالة تركيز ولا يفعل شيئا سوى الانتقال من موضوع إلى آخر، ومن هم إلى ~~آخر، ومن تسلية إلى أخرى، إلخ. إننا نعتقد اليوم أن تكون حركية الانتباه هذه، ~~المبنية غالبا على نمط ضيق وتحليلي، هي في الحقيقة مسئولة عن الاجترار الذي ~~يغذي حالات القلق والاكتئاب. # من هنا تأتي الأهمية الكبرى للعمل على تطوير قدرات الانتباه، من أجل حمايته أو ~~ترميمه. إن ممارسة التأمل، من خلال وجهة النظر هذه، يمكن اعتبارها نوعا من تدريب ~~الانتباه، حتى لا نكون بعد الآن مسروقي الوعي أبدا. ~~«الدرس السابع» # إن تدريب انتباهنا لهو في صميم ممارسة الوعي الكامل. اجلسوا، ركزوا على ~~تنفسكم، راقبوا كيف تغادر أفكاركم بعيدا، وعودوا إذن بانتباهكم إلى تنفسكم. ~~مرة، عشر مرات، مئات المرات. لقد احتجتم إلى المئات من الخطوات قبل أن تتعلموا ~~المشي، وأنتم تقومون الآن بمئات الخطوات للحفاظ على هذه القدرة. إنه ذات الأمر ms040 فيما ~~يخص قدرات الانتباه؛ فإذا كنتم تعيشون في حالة تشتت وتستمتعون بالاستجابة ~~للمغريات، أو المضي هنا وهناك، تاركين انتباهكم يتبع كل ما يضيء وكل ما يصدر ~~صوتا، ستصير قدراتكم فقيرة جدا. إن تمارين الوعي الكامل، وخاصة «حركية الخروج» ~~من التمرين والعودة إليه (العودة بالذهن في كل مرة إلى اللحظة الحاضرة) تمثل ~~تدريبا ذهنيا استثنائيا. مارسوا، ثم مارسوا، وإلا لا تستغربوا أن يمارس ~~ذهنكم كثيرا من الحيل عليكم. # الفصل الثامن # | أن نكون حاضرين في اللحظة الحالية # إنها لوحة صوتية بامتياز ؛ لكنها ككل لوحات الرسام لا تور، أكثر ما يضج فيها هو ~~الصمت. لا يوجد داخل هذه الغرفة الصغيرة، ولا خارجها، أي كلام، أي حركة أو ضجة. إننا في ~~العمق الأكثر ظلمة لليل. # هناك حوار وحيد، إنه حوار الضوء والظلال. حوار هذا اللهب مع انعكاسه في المرآة. وهذه ~~الشمعة مجاز عن هشاشة حياة الإنسان، وانعكاسها في المرآة تعبير عن وعينا لهذه الهشاشة. ~~كلتاهما، الشمعة وصورتها، محاطتان بالعتمة من كل اتجاه. فإذا أطفأنا هذه الشعلة ~~بأصابعنا، فستطغى الظلمة على كل شيء. # لوحة «مريم المجدلية التائبة» أو «مريم المجدلية الخاصة بآل ~~رايتسمان» (تقريبا 1638-1643) لجورج دي لا تور (1593-1652)، وهي لوحة ~~زيتية على القماش، بأبعاد 1,334 × 1,022 متر، متحف المتروبوليتان ~~للفنون، نيويورك. # تظهر الأشياء المحيطة بالشمعة، والملفعة بالضوء الضعيف، وكأنها يتامى. والمرآة لا ~~ينظر فيها أحد؛ فلا يوجد فيها سوى انعكاس اللهب. وهذا العقد المتروك جانبا، يذكر ~~بماضي مريم المجدلية بوصفها عاهرة، والجمجمة تذكرنا بالعبثية ورسالتها الجوهرية؛ ~~تذكر أنك ستموت يوما. لكن لا تخش الموت. تذكر أن الحياة على هذه الأرض قصيرة، ~~هشة، ودون جدوى، وتذكر أن كل ما هو أساسي وجوهري لا يسكنان هذه الحياة الفانية. لكن ~~تذكر أيضا أنه يوجد سبيل آخر لعيشها ... وهو أن تعيها. ربما هذا ما تفكر به مريم ~~المجدلية، بشعرها الطويل وثوبها الأحمر المطوي، وقميصها الأبيض الخالي من الأشرطة أو ~~الزخرفة. فهل تشبه في وضعيتها هذه شخصا محكوما عليه أم شخصا في طريقه لتحرير نفسه ~~من الماضي ومن ms041 الذنوب؟ وكل ذلك من أجل الذهاب إلى أين؟ لفعل ماذا؟ ... لاحقا، لاحقا ... ~~يكفي الآن التجرد، والهدوء، وكثافة اللحظة الحاضرة. وضعت مريم المجدلية يديها على ~~الجمجمة. لقد أدارت وجهها عن المشاهد، بل إنها تديره عن العالم أجمع. لكن ما الذي ~~تنظر إليه؟ الشمعة؟ لا. هي لا تنظر إلى أي شيء. لقد غاصت عيناها في العدم الذي يسكن ~~هذا الجدار الموجود خلف المرآة. # لقد توقفت عن الإيمان ب «الأحداث العظيمة» التي يرافقها الصراخ والدخان. ~~وأرجوك أن تصدقني، يا ضجيج جهنم العزيز، أن الأحداث الأكثر أهمية ليست ~~لحظاتنا الأكثر ضجة، وإنما تلك الأكثر صمتا. # نيتشه، «هكذا تكلم زرادشت» # الخشوع # الخشوع ضروري في تأمل الوعي الكامل. إنه يعني هنا العودة إلى الذات؛ أن نسكن ~~ذاتنا من جديد، وأن نتواصل مع أنفسنا، خصوصا أن كثيرا من الأماكن، والأنشطة تلغي ~~هذا التواصل، أو أنها على الأقل تحتكرنا وتبعدنا عن هذه اللحظات التي نشعر ~~أثناءها ب «وجودنا»، نشعر بأننا هنا؛ لأننا أوقفنا كل «فعل». # تساعد بعض الأماكن على الوصول إلى حالة الخشوع هذه، كالكنائس وأماكن الصلاة ~~مثلا. يحدث أحيانا أن يكون لدي بعض الوقت قبل موعد ما، أذهب حينها إلى إحدى ~~الكنائس لأمنح نفسي بعض الوقت للتأمل. لا يهم أن تكون خارج المدينة؛ يكفي أن تكون ~~على بعد «خطوة» من ضجيج المدينة، وشحنتها الزائدة من التنبيهات. والطبيعة ~~بالتأكيد، تعزز لحظات الخشوع. وأعتقد أن هذا الأمر هو من الأسباب الرئيسية التي ~~تجعل التردد المتكرر على الطبيعة من الأنشطة التي تحسن حالتنا الصحية، كما ~~تظهر كثير من الدراسات الحديثة. إن التواصل مع الطبيعة يساعدنا على إيجاد ~~الهدوء، والبطء، والاستمرارية. إنه غذاء لروحنا، يمكننا من الوصول إلى حالة ~~الوعي الكامل. # لكننا نستطيع أن ندخل في حالة خشوع ونحن وسط بلبلة الحياة أيضا، بأن نأخذ القرار ~~بالتوقف. أن نأخذ لحظة من الانكفاء في حمية الفعل. وبسبب طبيعتها المتناقضة قد ~~تكون هذه اللحظات المسروقة من زخم المدينة غنية جدا. فبالإضافة إلى الراحة ~~العاطفية التي تمنحنا إياها، قد تشعرنا هذه اللحظات وبشكل مفاجئ، ms042 بوجود مساحة ~~أوسع داخلنا، وأيضا بالمزيد من الوضوح الذهني. كمثل شخص فاجأه وهو يتنزه انهمار ~~وابل من المطر، فقرر الاحتماء بمكان يقيه البلل، وبدلا من أن يلعن المطر ~~والطبيعة، يمكنه الاستفادة من هذه اللحظة لتوجيه وعيه لما هو موجود حوله؛ أن ~~يعتبر توقفه هذا لحظة انكفاء، معتبرا إياها لحظة التقاط أنفاس. سيكون حينها قد ~~اختبر تجربة ذات تأثير إيجابي جدا على حالته الصحية. # الخشوع يعني العودة إلى الذات؛ أن نسكن ذاتنا من جديد، وأن نتواصل مع ~~أنفسنا، خصوصا أن كثيرا من الأماكن، والأنشطة تلغي هذا التواصل. # يمكن أيضا الاستفادة من اللحظات التي تسبق الفعل أو النشاط الذي نتهيأ للقيام ~~به، كأن نبقى واقفين عدة ثوان، نشعر بتنفسنا، ثم نجلس إلى مكتبنا محاولين ~~التواصل، دون كلام أو هدف، مع المدلول العميق لعملنا؛ وأيضا قبل العودة إلى المنزل ~~مساء، أو قبل الذهاب لزيارة صديق، أو استقبال المرضى إذا كنا نعمل في المجال ~~الصحي. لقد وجدت هذه اللحظات سابقا؛ الصلاة قبل قطع الخبز على طاولة الطعام. أين ~~ذهبت لحظات الخشوع هذه في حياتنا الحديثة؟ لن نجدها حتما عندما نقوم بتشغيل ~~التلفزيون أو الراديو لحظة وصولنا إلى البيت، ولا في الشاشات التي تستعبدنا في كل ~~لحظة. كل أشكال السلوك هذه التي صرنا نقوم بها بشكل تلقائي ظانين أنها ستخفف ~~عنا عبء أفكارنا، إنها في الحقيقة تختلف تماما في أثرها علينا عن المعنى الذي ~~يقدمه الخشوع والتأمل. # أتذكر أحد المرضى الذي كان في بداية تعلمه للتأمل بجلسات الوعي الكامل. لقد ~~روى لي بابتهاج كيف استطاع القيام بتمرين يشبه ما ذكرناه آنفا. بدلا من أن يقوم ~~بتشغيل راديو سيارته كل صباح بشكل تلقائي، كان يجلس في السيارة واضعا يديه على ~~المقود ثم يبدأ بتمرين مراقبة تنفسه وإدراك ما يدور في أحاسيسه. وأوضح لي كيف ~~استطاعت هذه اللحظة كل صباح، ولحظات أخرى من التأمل، قام بإضافتها إلى يومه، أن ~~تخفف من قلقه. # وأتذكر أيضا هذا المقطع الغريب، للسيرة الذاتية من دون شك، في كتاب باسكال ~~كينيار «الظلال ms043 الهائمة»: «لماذا في أحد أيام أبريل من عام 1994 حيث كان الطقس ~~جميلا والشمس ساطعة، لماذا وأنا أخرج من متحف اللوفر، بدأت بحث خطاي؟ رجل ~~حث خطاه وهو يقطع نهر السين، ناظرا إلى قناطر الجسر الملكي، وإلى النهر ~~المغطى بالبياض اللامع. إنه يرى السماء الزرقاء فوق شارع بون، ثم يدفع راكضا ~~الباب الخشبي الضخم في شارع سيباستيان بوتان، ويستقيل من وظيفته. فالمرء لا يمكن ~~أن يكون حارسا للسجن وهاربا منه في نفس الوقت.» أن نعيش بوعي ليس أمرا دون ~~خطورة، وحالة الخشوع تدفعنا في معظم الوقت نحو التجرد، ليس لزيادة فقرنا الروحي، ~~وإنما لنصير أكثر خفة. # التجرد # التجرد هو الضرورة الثانية لحالة الوعي الكامل. وليس من الضرورة أن نتجرد من ~~ثيابنا أو ماضينا كما فعلت مريم المجدلية، وإنما من بعض عاداتنا النفسية. من ~~الخطوات الهامة بهذا الاتجاه، تخفيف أفكارنا التلقائية، وأيضا توقعاتنا وأفكارنا ~~المسبقة. وهنا نجد أربعة أمور مهمة في الوعي الكامل؛ ألا نطلق أحكاما، وألا ~~نقوم بالانتقاء، وألا نتعلق بشيء، وألا ننتظر شيئا. إنها أربعة أشكال من السلوك ~~علينا أن نعززها في تمارين التأمل بالوعي الكامل، وبنفس الوقت نكون بصدد القيام ~~بأربعة أشكال من العدول. # العدول عن إطلاق الأحكام: # مثلا عدم الحكم على تمرين التأمل الذي قمنا به بأنه نجح أو فشل. ~~هل هذه مسألة صعبة؟ هذا صحيح. «ألا نطلق أحكاما» بالأحرى هو ألا ~~نستسلم للأحكام التي تصل حتما إلى وعينا؛ ألا نترك لها كل القدرة، ~~أو ألا نتوقف عندها دائما؛ كي لا تحتل كل المكان. # العدول عن الانتقاء: # لقد تحدثنا عن ذلك سابقا؛ يتعلق الأمر بالسماح لأحاسيسنا ~~الجسدية، ولأفكارنا، ولمشاعرنا (حتى غير المريحة منها) أن تكون ~~حاضرة معنا. مثلا، علينا أن نتخلى عن الأمل بتوقف الضجيج حولنا ~~بينما نقوم بجلسة التأمل. علينا قبول الأمور المزعجة، ولكن أيضا ~~وبالتأكيد تلقي وقبول ما هو جيد ومريح. هذا يعني ألا نتبع ~~طريق تعذيب الذات أو مذهب المتعة فقط، وإنما أن نكون في حالة من ~~الوعي المنفتح والفضولي، الذي يتلقى كل شيء، ms044 لكنه لا يذهب إلا ~~حيث يريد. # العدول عن التشبث: # علينا ألا نبحث دوما عما هو مبهج؛ لأنه تصرف تلقائي ~~لدينا. وعلينا ألا نحاول طوال الوقت أن نستخدم تنفسنا وسيلة ~~للحفاظ على حالة عاطفية جيدة. بماذا ينفعنا هذا السلوك؟ بدلا من ~~التمني بأن تدوم هذه الحالة، علينا أن نتمرن على ألا نقلق من عدم ~~استمراريتها. علينا أن نتجاوز الأمل: «أرجو أن يدوم ذلك طوال ~~الوقت.» والتحرر من قلقنا الموجود بالفطرة، ذلك الذي يتشبث بكل ما ~~هو مريح. إن من الأجدى الاستمتاع بما يقدمه لنا الوعي الكامل ~~من راحة، بدلا من القلق المستمر من أن تغادرنا هذه الحالة ~~فيما بعد. إن «قلق الحفاظ على الراحة» هي تلك الحالة التي يصعب على ~~كثير من القلقين والمكتئبين تجاوزها. # العدول عن الانتظار: # إنه من دون شك الجزء الأكثر إثارة للحيرة لدى المتمرنين ~~الجدد؛ يجب ألا ننتظر شيئا، ألا نأمل أن تكون جلسة التأمل مصدرا ~~للمزيد من الجلاء والراحة. ما زلت أتذكر الشكوك التي أبديتها في ~~البداية: «هل علي أن أتخلص من توقعاتي؟! لكن دون انتظار، دون ~~هدف، لن نصل إلى أي مكان.» هذا هو الأمر بالضبط؛ ففي التأمل بالوعي ~~الكامل نحن لا نسعى إلى الذهاب إلى أي مكان غير ذلك الذي نحن ~~موجودون فيه أصلا. # الصدق # إن الأمر الأخير هو الأصعب. يجب ألا يكون الانتظار فخا نصبناه لأنفسنا (كأن ~~نتظاهر بعدم الانتظار، مخبئين هذا السر في قلوبنا)، وألا يكون حالة من جلد ~~الذات (بأن نكون غير مهتمين بالسعادة). إننا نقوم هكذا بكل بساطة بعملية التفاف على ~~أنفسنا. # إن ما نستطيع الوصول إليه أو بناءه بجهودنا وإرادتنا هو ما قد وصلنا إليه وما قد ~~بنيناه مسبقا. ولكن هناك كثير من الأشياء، خاصة على الصعيد العاطفي، تقاوم ~~جهودنا للتحكم بها أو إخضاعها لإرادتنا، وعلينا أن نحاول العدول عن «الرغبة في ~~إيجاد حل». نستطيع حينها اختبار شيء آخر؛ إنه القبول المجبول بالحفاوة لما هو موجود ~~أصلا، والذي يتلخص بعدم الرغبة في شيء آخر غير وعي اللحظة الحاضرة. إن ms045 التأمل ~~بالوعي الكامل هو كل تلك اللحظات التي أشعر فيها، وبشكل عميق، أنني وصلت إلى حيث ~~أريد؛ أن أكون هنا والآن! # حضور محض، وانتباه إلى لا شيء # بمتابعة الممارسة والعمل على التوسيع المتدرج لمجال انتباهنا، والتخلص من ~~توقعاتنا ومن الانتقاء الذي يقوم به ذهننا، سيتحول وعينا إلى وعي كامل. سيصبح ~~أكثر شمولية ولن يركز على موضوع محدد. إنه حضور محض. # هل هو وعي دون موضوع محدد؟ إنها مسألة يختلف حولها أحيانا المنظرون ~~والممارسون. يقول الفلاسفة مثلا إن كل حالة إدراك، هي إدراك لأمر ما . يقتضي ذلك ~~أن يكون الوعي محاولة للتركيز على موضوع ما. لكن الممارسين للتأمل يعتقدون أننا ~~نستطيع ممارسته دون موضوع محدد. لقد اختبروا ذلك مرارا؛ إنه نوع من الوعي الذي ~~يحتوي باتساعه كل شيء. إنه كالحب دون شروط للوجود. إنه أن نرى ما هو هنا معنا، وأن ~~نحبه بأفضل ما نستطيع. وبعضهم يتكلم عن حالة وعي كامل دون خيارات؛ إنها حالة مهمة ~~جدا. إنها ليست أكثر أهمية، على الصعيد الداخلي، من حالات وجودنا الأخرى، وهي ~~ليست أيضا نوعا من الرياضة المجانية لروحنا. لكنها حالة خاصة لأنها فريدة من نوعها، ~~وقد تحمل معها كثيرا من الفوائد على صعيد الشفاء، وحرية الذهن، والوضوح. # يختبر كثير منا حالة الوعي دون موضوع محدد، غالبا بشكل عابر أكثر منه حالة ~~دائمة؛ لأننا لا نستطيع لمس الحضور المحض إلا للحظة. ويمكن لهذا الحضور أن ينقلنا ~~إلى ما هو أبعد. هل هذا وحي أم وهم؟ بكل الأحوال هي حالة من السعادة التي لا ~~توصف! # في البداية تكون لحظات من النعمة التي تأتينا من السماء، أو هي جسور تأتي إلينا ~~بالصدفة. هي لحظات يكون فيها كل شيء كامل البهاء دون أي تدخل منا. وبالتدرج ~~سنعرف كيفية استدعائها، لحظات الحضور المحض هذه. إنها حالة بسيطة التعريف: «أن نكون ~~هنا والآن.» لكن استدعاءها يبقى صعبا ما دمنا لا نستطيع أن نكون كذلك؛ لأننا ~~نتدخل، نفعل، نوجه اللحظة، نحاول فرضها. كل ذلك يقض مضجعنا، والقيام بكل ذلك ~~يريحنا. ms046 الفعل، إنه نقطة قوة الإنسان ونقطة ضعفه في ذات الوقت. لكننا نعرف الآن ~~كيف نتوقف عن الفعل، ونتخلص من طريقة عيشنا السطحية. إننا نفعل ذلك بأن نضع جانبا ~~ماضينا ومشاريعنا المستقبلية، كي نلج للحظة إلى اللانهائي، إلى أبدية عابرة؛ تلك ~~الحالة التي تغطيها أفعالنا وأفكارنا. وسيكون كل شيء بها جميلا ومؤثرا في ~~نفس الوقت. إنه اضطراب هادئ. ~~«الدرس الثامن» # علينا أن نستدعي الخشوع، أن نفتح روحنا بشكل متكرر لما نعيشه كل يوم. وعلينا ~~أن نتجاوز الكلام، والأفكار، والأشياء والأفعال. يجب أن نترك «الفعل» للوصول إلى ~~«الحضور»، وأن نستطيع عزل أنفسنا عندما يكون هناك كثير من البلبلة حولنا أو داخلنا، ~~والتخلص من كل أشكال «الرغبة والفعل». علينا ألا نريد شيئا. وعلينا أن نتوقف عن ~~البحث؛ إنه نوع من العدول عن كل شكل من أشكال التفكير أو الفعل ولو للحظات. يجب ألا ~~نفعل شيئا غير أن نكون هنا والآن، وأن نعي فقط أننا هنا تملؤنا الحياة. # الجزء الثاني # | أن نعيش وعيون روحنا مفتوحة على اتساعها وأن تكون هذه هي فلسفة حياتنا اليومية # لم أفعل شيئا هذا اليوم. ~~- ماذا؟ ألم تعش؟ # ذلك ليس أساسيا فقط، بل إنه أيضا أكثر أنشطتك مكانة. # مونتين، «مقالات» # الفصل التاسع # | أن نرى كل ما هو عادي # أثناء مرورك، تقرر التوقف؛ لأن شيئا ما مميزا شدك. ربما هو الضوء في هذا ~~الوقت من النهار، عندما تبدأ ظلال الليل بامتلاك المكان، لكن وهج مصابيح الإنارة يصنع ~~ببطء جزرا من الضوء في هذا الظلام. أو ربما هو الهواء العليل. أو أنها هذه الغابة ~~الكثيفة والداكنة المحيطة بالمكان. # ستلاحظ تلك التفصيلة البسيطة؛ إنه الحصان المجنح على لوحة الإعلان المضيئة. ~~ستلاحظ هذا الحصان المجنح الأحمر الكبير هو وإخوته الثلاثة الصغار، وهم يحاولون ~~بنفاد صبر القفز خارج الإعلانات كي يحلقوا في السماء، نحو الليل اللانهائي. وبدءا ~~من هذه الصورة للحصان المجنح كمرساة لانتباهك، تصبح فجأة حاضرا في تلك اللحظة ~~العادية العديمة الأهمية. ستعير انتباهك إلى رائحة البنزين، ثم إلى الموسيقى القديمة ~~والمعروفة التي يصدرها ms047 الراديو من المنزل المضاء. لم يكن لا الغرابة ولا الجمال ما ~~استوقفك روحا وجسدا في هذه اللحظة. إنك لا تحتاجهما لتوقف للحظة دفق أفكارك، ~~وأفعالك ومشاريعك. لقد توقفت لأن هذه اللحظة لا مثيل لها. أنك لن ترى مجددا ~~هو بالضبط ما أنت بصدد رؤيته الآن، ولن تعيش هذه اللحظة مرة ثانية أبدا. نعم، هذا هو ~~الأمر، لقد فهمت؛ توقفت لأن ما هو أساسي تبدى لك؛ إنك بصدد لمس قطعة من ثوب الحياة. ~~كيف يمكننا أن ننسى ذلك معظم الوقت؟ ننسى أننا محظوظون بعيش هذه الحياة، وأن كل لحظة ~~في حياتنا هي معجزة. لقد غلبت الليل، وغلبت الموت، وغلبت العدم. كيف يمكننا أن ننسى ~~ذلك! لا تنس أبدا أن تعيش. الآن مثلا، ارفع رأسك، وانظر حولك بعيني طفل ولد ~~للتو، وكأنك ترى كل شيء لأول مرة! # لوحة «محطة وقود» (1940)، لإدوارد هوبر (1882-1967)، وهي لوحة زيتية ~~على القماش، بأبعاد 0,667 × 1,022 متر، متحف الفن الحديث، ~~نيويورك. # لا تنس أن ذواتنا قد تشكلت من خلال تجاربنا الأكثر بساطة. وقول إن أمرا ~~ما مبتذل وبسيط، هو القول بأنه من ضمن الأمور التي ساهمت في خلق أفكارنا ~~الأكثر أهمية. # بول فاليري، «أفكار سيئة وأشياء أخرى» # إنارة ضوء وعينا فترات أطول # يستيقظ وعينا في كل مرة نكون فيها على موعد مع الجمال، مع كل ما هو مؤثر وغير ~~متوقع. لكننا نظل فيما تبقى من الوقت ليس أكثر من رجال آليين نعمل ونحن ~~غائبو الحضور. ومن فترة لأخرى نستيقظ؛ فقد نظم هذا العصر حياتنا واضعا كثيرا من ~~العلامات الإرشادية في كل مكان لتدلنا على الطريق («تفضلوا من هنا ... من هناك») ~~والإعلانات («الآن ... انظروا! اسمعوا! استمتعوا!») واللحظات المحددة بدقة التي ~~«يجب» أن تذهلنا أو تقلقنا (سينما، مسرح، متحف). إنها لحظات حتمية، محددة ~~لنا ... لكن حياتنا ليست زيارة يقودنا فيها دليل! ومن كثرة ما سمحنا لأنفسنا أن نقاد ~~بهذه الطريقة صار ذهننا فارغا، وروحنا ميتة أو في حالة سبات. # أحبوا ما هو عادي وبسيط. انتبهوا إلى هذه اللحظات. احترموها. ms048 اشحذوا وعيكم ~~بها. افتحوا ذواتكم لكثافة البساطة؛ فلا يوجد جو خاص كي يلائم الوعي الكامل. ~~بالطبع هناك لحظات وأجواء تسهل الوصول إليه، لكننا نستطيع عيشه في أي لحظة. يكفي ~~أن نتمرن بقليل من الجهد. يكفي أن نبقى كائنات يقظة وكاملة الحضور. # ألا نفعل، بل أن نكون حاضرين # إننا «نفعل» أشياء طوال الوقت؛ فنحن دائمو الحركة، نقوم بالقفز من نشاط إلى آخر. ~~وحتى في صميم الفعل نكون غائبين، وروحنا متخمة بالرغبة بالقيام بنشاط آخر أو ~~بذكرى ما كنا نقوم بها. # هذه هي الحال في لوحة محطة الوقود؛ فكم من الزبائن لم ينتبه لما تظهره اللوحة؟ ~~كم منهم لم ير شيئا؟ «سأطلب تعبئة سيارتي بالوقود، وأدفع، ثم سأذهب متعجلا ~~وأنا أفكر بالوصول إلى الفندق، كي لا أصل متأخرا. سأحجز نفس الغرفة كالعادة، ~~وسأرتب أغراضي، وأنظف أسناني، وأنا أفكر بعملي الذي ينتظرني غدا. سأضبط ~~المنبه على الوقت المحدد صباح الغد، ثم سأشاهد التلفزيون وأنا أقول لنفسي: ~~أتمنى أن أنام جيدا؛ لأستيقظ نشطا غدا ...» كثيرة هي الأيام التي كنت أقوم ~~فيها بأنشطة محددة، وأنا أفكر في نفس الوقت بشيء آخر. لكنني أثناءها لم أعش ~~حقا، ولم أكن حاضرا، ولم أشعر حتى بوجودي ... لقد كنت رجلا آليا! # لكن أن نكون حاضرين بدلا من أن نكون فاعلين، ليس بالأمر الجيد مطلقا. إننا ~~نحتاج لكلتا الحالتين. ولأننا «نحتاجهما كلتيهما»، علينا أن ننتبه إلى أن طريقة ~~عيشنا تنسينا أو تبعدنا دون قصد عن حالة «أن نكون حاضرين». لهذا يهمس لنا الوعي ~~الكامل بأن علينا الخروج من حالة «الفعل»، وأن ننتقل - ولو للحظات قليلة - إلى حالة ~~«الحضور». # لنكن حاضرين: لنعتبر الحياة كأنها تمرين تأمل وعي كامل # إنها مسألة بسيطة؛ أن نكثف حضورنا في اللحظات العادية؛ أن ندع وعينا يسكنها. ~~علينا ألا نبقى أطيافا، وأن نخرج من النسيان؛ هذا النسيان الذي لا يمت للموت ~~بصلة بالطبع، ولكنه نوع من غياب الحياة. يجب أن نكون حاضرين، وهذا يعني أن نكون ~~حقيقة على قيد الحياة. # علينا أن نراقب ذواتنا أثناء التجربة، حيث ms049 نحن، وليس فقط حين يتاح لنا الأمر. ~~يجب أن نراقب ذواتنا في اللحظات العادية، وأحيانا في الأوقات الصعبة أيضا. ~~لنفعل ذلك مثلا في الفترات المؤقتة بين نشاط وآخر، وفي فترات الانتظار؛ إذ ~~نستطيع أن نستفيد منها بأن ندرك وجودنا وأن ندرك ما نحن فيه أثناءها. وهكذا لا ~~نكون في حالة «انتظار» وإنما نكون حاضرين هنا! في أحد الأيام بينما كنت مسافرا ~~للمشاركة في مؤتمر، كنت أنتظر القطار على رصيف إحدى المحطات. كنت أنتظر القطار ~~فعلا، وأنظر إلى الساعة ثم إلى الأفق البعيد وأنا أتساءل إن كان القطار سيصل من ~~الجهة اليسرى أو اليمنى. هذا رغم أنني كنت أعرف أنه لن يغادر قبل عشر دقائق. ~~وصرت أتساءل إن كان سيأتي من محطة أخرى أو أنه سينطلق في رحلته بدءا من هذه ~~المحطة؛ لأنني أستطيع عندها الصعود مباشرة. باختصار، كانت روحي مليئة بأفكار غير ~~مهمة وغير مفيدة. لحسن حظي أنني انتبهت إلى ذلك (طبعا أنا لا أنتبه إلى هذه الحالة ~~دائما). وللحظة وجدت نفسي وأنا أنتظر هذا القطار كمثل كلب ينتظر طعامه. قلت ~~لنفسي عندها: لا، لا يمكن أن أعيش حياتي بهذه الطريقة، ولا حتى جزءا منها. لهذا ~~بدأت أفكر بمرضاي وبتمارين الحضور التي كنا نمارسها بشكل متكرر، وقررت ~~أن أفعل مثلهم؛ أن أفعل بالضبط ما كنت أعلمهم إياه بنفسي. وهكذا تركت الفعل ~~(وبالأحرى ابتعدت عن نفاد الصبر الذي كنت أشعر به وأنا أنتظر القطار مراقبا ~~وصوله في أي لحظة) وانتقلت إلى الحضور؛ فتوقفت عن النظر بإلحاح إلى الساعة ثم إلى ~~الأفق في آخر السكة الحديدية، وأعرت انتباهي إلى تنفسي، ثم إلى وضعية جسدي، ~~وبدأت أجعله مستقيما بهدوء. رفعت كتفي ثم رأسي وبدأت أنصت إلى أصوات ~~المحطة، إلى أصوات الناس وضجيج العجلات على السكة الحديدية، وغناء الطيور. راقبت ~~الضوء في هذا اليوم الربيعي، والانطلاقة البطيئة لقطار البضائع في الجهة الأخرى من ~~المحطة. راقبت الغيوم، المحلات، العلامات الإرشادية، الأبنية البعيدة، وأخذت أشم ~~رائحة الحديد البارد. لقد كان ذلك مذهلا. كان حضوري الكثيف لهذه ms050 اللحظة من حياتي ~~مثيرا للاهتمام، وباعثا على الراحة. وعندما صعدت إلى القطار كنت شديد الهدوء كما ~~لم أشعر من قبل. لم أكن «أنتظر» حينها، وإنما «عشت» لحظة كثيفة من حياتي، لحظة ~~شديدة الغنى. # أعرت انتباهي إلى تنفسي، ثم إلى وضعية جسدي، وبدأت أجعله مستقيما ~~بهدوء. رفعت كتفي ثم رأسي وبدأت أنصت. # كن حاضرا، بوعيك. انتبه لحقيقة أنك كائن حي. أيعني هذا ألا تفعل شيئا؟ لا، ~~عش اللحظة بوعي كامل. دع كل ما هو بسيط وعادي يلمسك ويهزك. ودع كل ما هو طبيعي ~~وغير ذي أهمية يضيء لك الطريق، ودع الحياة تبهجك وتسعدك. ~~«الدرس التاسع» # علينا أن نكون حساسين وحاضرين لكل ما لم نعد نراه؛ لكل ما هو مألوف وعادي؛ لكل ~~ما لم يعد يثير اهتمامنا. علينا أن ندعه يلمسنا بدلا من استعباده أو وطئه ~~بأقدامنا دون انتباه. يجب أن ندعو العالم لدخول ذواتنا كي نكتشف رقته وتنوعه، ~~بدلا من التركيز في يومنا على المتطلبات الآنية. هذا ليس صعبا؛ يكفي أن ~~نحقق ثلاثة شروط؛ الإرادة (أن نقصد العيش في العالم الموجود وليس الافتراضي)، ~~وإتاحة الفرصة (بتخفيف العبء عن أذهاننا، وتوسيع وعينا)، والممارسة (أن نرفع ~~رءوسنا، ونفتح عيوننا، وننظر بحق). # الفصل العاشر # | أن نرى كل هو مخفي # إنها تحدثنا، تهمس لنا، لكن ماذا تقول؟ يجب التوقف للحظة كي نستطيع أن ننصت ~~إليها، إلى همساتها. ثم يجب محاولة فهمها. # علينا التوقف قليلا لمراقبة التنفس، ثم الغوص في تأمل هذه الأشياء الموجودة في ~~لوحة الطبيعة الصامتة هذه. ~~«طبيعة صامتة»، ما هذا التعبير الغريب؟! إنه يعرف أيضا ب «الطبيعة الساكنة» وهذا ~~أقرب إلى الحقيقة. فهذه اللوحة تظهر حياة صامتة، هادئة، مفعمة بالارتياح. وتدعونا ~~إلى الانضمام إليها. إنها تدعونا إلى التوقف للحظة في هذا العالم المليء بالحركة، هذا ~~العالم النفعي لأنها حياة دون حركة، فهي حياة لا نفع منها. لا نفع منها؟! هل لأنها لا ~~تظهر إلا ما هو عادي ومألوف؟ # إنها في الحقيقة تظهر لنا ما هو مألوف، ذلك الذي اعتدنا عدم النظر إليه. # لوحة ms051 «كوب ماء وركوة قهوة» (1761 تقريبا) لجان-باتيست شاردان ~~(1699-1779)، وهي لوحة زيتية على القماش، بأبعاد 0,325 × 0,413 متر، ~~متحف كارنيجي للفنون، بيتسبيرج. # وإذا نظرنا، فإننا سنجد البساطة بكل حالاتها. هناك حضور كثيف في هذا الجماد. فإذا ~~نظرنا إليه، سنجد أنه ذو أهمية، رغم كونه لا يضيء، لا يتحرك، لا يهتز، ولا يصدر ~~ضجة. سنجد جمالا وذكاء أيضا، وحتى إننا نستطيع أن نرى نعمة البساطة فيه. إنه متاح ~~وحاضر. # أتذكر حديثا لي مع راهب زن كان يوصيني باحترام كل جماد. لكن ما هو الجماد؟ إنه ~~كان يقول لي: «ذلك الذي لا يصرخ عندما نضربه.» إنه كل تلك الأشياء والأغراض التي لا ~~تصرخ أبدا، لكن التي تتحدث أحيانا. # ابحث في كل هذه الأشياء البائسة والمبتذلة في الحياة الريفية، تلك الأشياء ~~الموضوعة جانبا، أو الملقاة والتي لا ينتبه إليها النظر عادة. تلك الأشياء ~~التي لا تثير بوجودها الانتباه، هي ذات طبيعة جامدة، لكنها قد تصبح مصدرا ~~لسعادة غريبة، وصامتة، ولا حدود لها. # هوجو فون هوفمانستال، «رسالة اللورد شاندوس» # دروس الأشياء # أن نعيش حالة وعي كامل، هو أن نأخذ وقتا في تأمل الأشياء، أن ندعها تلامسنا. ~~تلك الأشياء التي نصادفها كل يوم وننسى وجودها لكثرة ما مررنا بها، فلا نعد ~~نراها. علينا أن نتركها تدخل نفوسنا، وأن تسبر دواخلنا. علينا أن نكسر الحدود التي ~~تفصلها عنا، وكأننا نتوحد معها فندعها تخطفنا وتذهلنا، دون هدف ما. # علينا أن نجلس في إحدى زوايا المنزل تاركين أنفسنا لحضور الأشياء الصامت. يجب أن ~~ندرك إلى أي مدى هي مصدر للهدوء، وللبطء وللاستمرارية. علينا أن نقترب منها ~~ونتشربها، وأن نسمعها وهي تهمس لنا بألا نستسلم للحركة («افعل! افعل»)، ولا للسرعة ~~(«أسرع! أسرع») اللذين هما بلاءا العصر الحديث. يقول الشاعر بول-جان توليه: ~~«انتبهوا إلى رقة الأشياء ...» نعم؛ لأن هذه الرقة تحملنا بعيدا. لكننا نستطيع أن ~~نقوم بأكثر من «الانتباه» إليها فقط. إننا نستطيع «الحرص» عليها أيضا. علينا أن ~~نحب رقة الأشياء، فطريق اللاحركة هذا سيحملنا في سفر مذهل نحو السكون. ms052 # روابط سرية # هذه الأغراض المألوفة ليست بالأغراض العادية، بل إنها رائعة. الماء، الكوب، ركوة ~~القهوة، الطاولة، الحائط، ثمرة الثوم. إنه لأمر رائع أن نشرب، أن نأكل، أن نصنع ~~الأشياء، أن ننتمي إلى نوع ذكي، وفضولي وكادح. حقا إنه لشيء رائع أن نفتح عيوننا ~~على كل هذا الغنى الذي نعيش فيه والذي لا يقدر بقيمة ولا تسبر أغواره. # بالتأكيد لا بد من جهد ما؛ جهد بسيط لا بد من بذله. يجب أن يكون هناك قليل من ~~الحضور ومن التأمل كي نتمكن من رؤية ما هو غير مرئي، وكل ما لم نعد نراه. يجب أن ~~ندرك أننا لسنا وحيدين أبدا لأنه عبر آلاف من الروابط نعرف أن أناسا آخرين قد ~~صنعوا هذه الركوة، هذه الطاولة، وبحثوا عن منابع المياه وبنوا القنوات كي نرتوي، ~~وفهموا كيف يمكن صنع الزجاج من الرمل، وقاموا بزراعة وقطف ثمار الثوم. ونعرف أنه ~~منذ عدة قرون قام رجل اسمه شاردان برسم هذه المعجزة لأجلنا، وها نحن ننظر إلى هذه ~~اللوحة كما رآها كثيرون قبلنا وسيراها آخرون بعدنا. ونعرف أن أناسا مثلنا عاشوا ~~تجربة شرب الماء بكل بساطة، وعرفوا رائحة وطعم الثوم وقاموا بلمس سطح الطاولة ~~بأصابعهم. # هكذا فتح البسيط والعادي الطريق نحو إنسانيتنا؛ لأننا قبلنا به، ~~استقبلناه، أنصتنا له، نظرنا إليه، شعرنا به، وأحببناه، دون أن نستبدله أو ~~أن نجمله ولا أن نغير فيه. لقد قمنا بتأمله كما هو. # هكذا فتح البسيط والعادي الطريق نحو إنسانيتنا؛ لأننا قبلنا به، استقبلناه، ~~أنصتنا له، نظرنا إليه، شعرنا به، وأحببناه، دون أن نستبدله أو أن نجمله ولا أن ~~نغير فيه. لقد قمنا بتأمله كما هو وشعرنا بإنسانيتنا وسعدنا بها. إننا سعداء ~~بجلوسنا هنا في زاوية المطبخ وهذه الأشياء العادية أمامنا؛ سعداء بهذا الاتصال ~~الهادئ مع الطبيعة، مع إنسانيتنا، مع تاريخنا. كل غرض تافه يصبح صندوق كنز ثمين ~~حين ننظر إليه كما أتاح لنا شاردان. فهذا الغرض أهداه لنا شخص، وهذا الغرض اشتريناه ~~عندما كنا في ذلك المكان وذلك الوقت، وذاك أتم ms053 صناعته أناس يعيشون في قارة ~~بعيدة ذات حضارة قديمة جدا، وهذا الغرض جاء من ... # إن هذه الأشياء تذكرنا بما هو إنساني فينا وحولنا؛ إنها كدين من الفرح ~~وامتنان يتسع حتى اللانهائي. فكيف بعد كل هذا نستطيع أن نكره الآخرين أو نمتلئ ~~بالكبرياء؟ # التوجه نحو كل ما هو أساسي # نستطيع أيضا أن نقوم بما هو أبعد. # نستطيع أن نذهب إلى ما وراء كل هذه الأشياء الصامتة، وما بعد كل تلك الحكايات ~~التي تحكيها لنا والتي تعيش في الظل داخل وعينا. إننا نستطيع أن نتأملها ببساطة دون ~~أن نفكر بها أو أن تدفعنا إلى الحلم. إن ما نسميه «تأمل» غرض ما «هو حالة ~~الوعي عندما نكتفي بالتعرف على ما هو موجود، دون رغبة في امتلاكه، أو استخدامه، أو ~~الحكم عليه». إن هذا التعريف الرائع قدمه لنا أندريه كونت-سبونفيل. # إن تأمل الشيء هو أن ننظر دون أن نأمل فيه، أو أن نرغب به، ولا أن نحكم عليه. إنه ~~تبني حالة من التواضع الممزوج بالفضول والانفتاح على العالم المحيط بنا، خاصة ~~نحو هذا العالم الصغير الصامت وغير المرئي. يجب أن نرى الأشياء كما هي مع الابتعاد ~~ببطء عما تحاول أن تقوله لنا. علينا الابتعاد ببطء عن قصصها؛ («أحدهم أهداه لي»، ~~«لقد التقطه»، «اشتريته في يوم ممطر وكنت حزينا») واستخداماتها («سيساعدني على ~~فعل هذا أو ذاك»)؛ ومن حكمنا عليها («هذا جميل»، «هذا بشع»، «هي أغراض غريبة») ~~علينا التحرر ببطء من هذه التداعيات الذهنية؛ أي، عبورها والذهاب أبعد. يجب رؤية ~~الأشياء عبر سر وجودها الهادئ، والاكتفاء بما هي عليه وتلقي حكمتها الصامتة دون ~~أي كلمة. # إن الساكن يبوح بما هو غير مرئي، كما يبوح الصمت بما هو جوهري. فلنحرص إذن على ~~تلقي العالم كما هو قبل أن ندعي تحليله. ~~«الدرس العاشر» # علينا أن نترك أنفسنا تقع تحت تأثير تأمل الأشياء العادية؛ تفاحة، حذاء، غريسة، ~~عشب ... تأثير لمسها، مداعبتها، مراقبتها. علينا أن نترك أنفسنا تنصت في البداية ~~لكل ما تريد قوله لنا هذه الأشياء؛ كثير من الذكاء ms054 والجهد مكنها من الوجود، وكثير ~~من الذكريات سمحت لها بالدخول إلى حياتنا والمكوث هنا أمامنا. ومن ثم بهدوء علينا ~~ترك هذه الأفكار تنحسر رويدا لنبقى فقط مع جوهرها دون أن نطلب شيئا سوى وجودها ~~الصامت. غريب هذا الهدوء وهذه الراحة الأسطورية التي تنبعث من وعاء طبخ أو من ~~إسفنجة مهملة منسية، لكنني انتبهت إليها. يجب أن تكون هذه الزيارات المتكررة ~~لكل ما هو تافه وعادي، نوعا من الشكر ورد الاعتبار لحظنا المذهل بأن نكون ~~كائنات بشرية تعيش وتعي. # الفصل الحادي عشر # | أن نرى ما هو مهم # إنه عنف مبهج، ودود، لا يحمل أي رغبة بالشر. طوفان فرح من الأشكال والألوان التي ~~تأخذ مكانها في خلفية اللوحة وتفرض نفسها على المشاهد، تدخل عينيه رغما عنه ثم ~~تكمل طريقها إلى الذهن. إنها لوحة جميلة لكنها عنيفة ومستبدة بالحواس. إنها تجبر ~~ذهننا على الانتباه مجذوبا بقوة الصورة، حتى يكاد يرغم على الدوران مع الخطوط ~~الحلزونية، والنجوم، والتموجات والوميض. يقول لنا الباحثون في مجال فسيولوجيا الأعصاب ~~إنه أثناء مراقبتنا للوحة تقوم بعض المناطق الدماغية بخلق أشكال إضافية في الذهن غير ~~موجودة في اللوحة. # إنها لوحة متطفلة وغير مهذبة؛ فهي تفرض ذاتها على وعينا دون استئذان، دون لطف. ~~لكن كان يكفي ألا ننظر إليها بكل بساطة؛ سيقول لنا الآخرون ذلك؛ أي، ألا نكون حاضرين ~~هنا أمام هذه اللوحة. لحسن الحظ نجد هذا الرجل الطويل الذي يبدو جديا بإطلالته ~~وملامحه الحادة وتعبيرات وجهه الجامدة والجدية. لا يبدو أنه مهتم بهذا الضجيج البصري ~~حوله؛ فنظرته مثبتة على زهرة بيضاء جميلة تشبه زهرة الزنبق، رمز النقاء، وكأن ~~عينيه قد خلقتا كي تنظرا إليها فقط. وهكذا، بفضله نفهم فجأة أنها هي ما يهم في ~~هذه اللوحة. بفضله نفهم أن هذه الزهرة الهشة، التي لا لون ولا قوة لها، هي ما يجب أن ~~يعنينا. علينا أن نراقبها ونحميها. # لوحة «القطعة 217. على خلفية منتظمة من المينا ذات إيقاعات وزاويا ~~ونغمات وصبغات (بورتريه فيلكس فينيون)» (1890)، لبول سينياك ~~(1863-1935)، وهي لوحة زيتية على ms055 القماش، بأبعاد 0,735 × 0,925، متحف ~~الفن الحديث، نيويورك. # هذا يرجع إلى أن هذه الخطوط الحلزونية المشاكسة، والمتطفلة والاستبدادية هي ~~انعكاس لمجتمعنا الاستهلاكي الجبار والمتلألئ. وإنها لجاهزة لتنويمنا، ولاستعبادنا ~~والتهام أذهاننا، إلا إذا استطعنا الانتباه إلى الزهرة، واستطعنا امتلاك وعينا ~~كاملا. # أوه! كم أنا بحاجة للوحدة! لقد تسلقت الهضبة، عند الغروب؛ كي أرى خطوط ~~الجبال في الأفق. # هنري ثورو، «مذكرات (أغسطس 1854)» # بلبلة وحيل # لا بد أننا نلوم كثيرا من الأشياء في عصرنا هذا. لكن علينا أن نعترف له بميزة ~~مهمة، وهي أنه مثير للإعجاب، ويمتلك غنى لا يصدق. وهو مليء بالتغيرات، بالسرعة ~~والتمازج. إنه يقدم لنا كثيرا من المتعة والإمكانات كما لم نعرف قبلا. كل ذلك ~~بفضل أجيال سبقتنا. لكن ألا يخبئ كل هذا الغنى وكل هذه السرعة نوعا من ~~الخطر؟! أليس من الممكن أن يخبئ كل ما هو متلألئ وبراق، كل ما هو مثير ~~للاهتمام، والذي يشكل كل ما هو خارجي في يومياتنا؛ بؤسا في داخله؟ هذا ما ~~يظنه الشعراء الكبار، الذين رأوا ولادة ونشوء عصرنا الحالي. يقول شتيفان تسفايك: ~~«إن الظروف الجديدة لوجودنا تبعد البشر عن كل حالة تأمل، وترميهم خارج ذواتهم ~~وهم في حالة من الغضب القاتل، كما في حرائق الغابة التي تطرد الحيوانات من عزلتها ~~العميقة.» ويقول نيتشه: «أليست كل مؤسسات العصر تسعى إلى منع الناس من الشعور ~~بحياتهم، بما تسببه من تشتيت لأفكارهم؟» # كي يستطيع وعينا أن يوجد ويتطور، علينا أن نحميه من عالم، مغذ ومنشط ~~بالتأكيد، لكنه متطفل وسام. # تلوث الروح # هناك ما ندعوه بالتلوث الكيميائي؛ إنه ذلك الذي يلوث الطعام، والهواء والماء. ~~وهناك أيضا التلوث النفسي ذلك الذي يصيب روحنا، ويتعدى على خصوصيتنا ويثير ~~الاضطراب في توازننا الداخلي. العلامات الإرشادية، الإعلانات وغيرها من وسائل ~~التلاعب التجاري بعقولنا. يوجد الآن كثير من الدراسات عن هذا التلوث النفسي ~~الاستهلاكي، والذي من المعروف عنه الآن أنه يسبب العديد من النتائج الضارة ~~المختلفة. إنه مثلا يخطف باستمرار انتباهنا، ووعينا، وحتى دواخلنا. فإلى أي حال ~~ستئول روحنا بسبب هذا ms056 الاختلاس المستمر لانتباهنا؟ لقد صار انتباهنا سهل الالتقاط ~~ويمكن جذبه وحتى تجزئته وتقطيعه. وصار في النهاية «مدمنا» لكل ما هو صاخب، ~~ولامع وسهل؛ كل ما هو مهيأ ولا يحتاج إلى تفكير. وإلى أي حال ستئول روحنا بعد ~~سرقة وعينا؟ إن ذهننا مليء بأفكار ومشاريع، وأشياء لا أهمية لها؛ إننا نقرأ دون ~~توقف كل الإعلانات التي نصادفها في كل مكان، ونأخذ الخيارات دائما بين ~~«الرخيص» و«الأرخص»، ونبذل جهدا للوصول إلى «صفقات» ترضينا لشراء هذا الغرض أو ~~ذاك. ونملأ وعينا بالأخبار التي تدور حول ذاتها وتتكرر كل يوم. وإلى أي حال وصلت ~~روحنا من شدة ما سرقت دواخلنا؟ إننا نغرق أكثر فأكثر في الملهيات الخارجية ~~والمسرات الاستهلاكية، وفي الأنشطة الفارغة التي تملأ أذهاننا وأفعالنا. وكما أن ~~الصمت ضروري كي يتم الاستماع إلى ما يقال، كذلك لا بد من مساحة ذهنية حرة كي ~~يعبر وعينا ودواخلنا عن ذاتيهما. لكن مع الأسف فإن القرص الصلب لوعينا قد امتلأ ~~بأشياء كثيرة غير مفيدة. # ولأن وعينا ودواخلنا هما شيء واحد، إذن، ما دمنا نسعى نحو ما هو خارجي وسطحي فإن ~~وعينا سيضمر أكثر فأكثر. ومع هذا الاختلاس المستمر لانتباهنا ووعينا سيحدث اختلال ~~في دواخلنا، وستغدو أفكارنا قصيرة المدى، وأكثر سطحية. يقول تيتسيانو تيرتساني: ~~«في هذا العصر، أصبح كل شيء متطلبا لدرجة أن أذهاننا لا تستطيع أن تجد السلام؛ ~~ضجة التلفزيون، صوت الراديو في السيارة، هاتفنا الذي يرن دون توقف، الإعلان ~~المعلق على الحافلة التي تمر أمامنا. لم نعد نستطيع التعامل مع الأفكار على ~~المدى الطويل، ولقد صارت أفكارنا شديدة الإيجاز من كثرة إيقافها في كل لحظة.» نعم ~~صارت أفكارنا قصيرة المدى، كما أنها لم تعد تتجه نحو الداخل، وكأنها مسجونة خارجا ~~في كل هذه البلبلة وهذه الانعكاسات في هذا العالم المصطنع. وببقائها خارجا تختفي ~~مع الوقت أفكارنا الخاصة ولا تغدو سوى محتويات عقلية معلبة آتية من الخارج، ولا ~~تغدو سوى صدى لهذا العالم الخالي من أي روح. كتب الأديب لوي رينيه دي فوريه يقول: ~~«لا توجد ms057 أي علاقة بين الإفراط والعوز.» لكن في الحقيقة إن أرواحنا بصدد فقد ~~خصوصيتها من كثرة ما تركت نفسها تمتلئ من الصخب الخارجي الفارغ. # وهكذا عندما نحاول أن نفكر بأنفسنا؛ أي، أن نمارس الاستبطان الداخلي، ونحن ~~في هدوء تام وصمت تام، في حالة من الاستمرارية، لا ننجح. وربما يكون الأمر أكثر ~~سوءا؛ فقد فقدنا هذه القدرة (أو أننا لم نمتلكها قط). عندها يظهر القلق ~~والملل، وتعود الاجترارات الخاصة بالقلق التي تدور حول نفسها دون فائدة؛ لهذا ~~فإننا نحاول الخروج فورا من دواخلنا باتجاه البلبلة الخارجية والانشغال ~~المهدئ. إننا في الحقيقة مصابون بخلل عام في القدرة على التواصل مع دواخلنا ~~لأن مجتمعنا ينقصه كل ما يدعم هذا الاستبطان الداخلي. إننا في حالة عوز. # التمهل، والهدوء، والاستمرارية في حالة من العوز # إن الأمراض الناتجة عن العوز هي أمراض كامنة. إذا كان لدينا عوز في فيتامين ج ~~أو د أو أوميجا 3، أو السيلينيوم، فإن المرض لن يتطور فورا. لن نعاني في البداية، ~~ولن نلزم الفراش لأنه لا يوجد تأثير مباشر لهذا النقص. ولكن وبشكل بطيء تبدأ بعض ~~الأعراض بالظهور. إنها أعراض العوز. بهذه الطريقة تظهر كل أمراض العوز؛ بهدوء، ~~ببطء، بشكل كامن ... ولا تظهر أبدا بشكل مفاجئ! # إن الوعي الكامل يساعدنا على الانتباه إلى هذا النوع من التلوث الذي ~~يؤثر على روحنا، ويحمينا منه أيضا. إنه يسمح لنا بترميم قدرتنا على ~~الاستنباط، وعلى إعادة التواصل مع ذواتنا. # هذه هي حالة مجتمعنا الحالي المليء بكل ما يفيض لكنه يخلق في دواخلنا العديد من ~~حالات العوز، والعلاقة بينهما وثيقة. فإذا أخذنا مثلا أمراض الإفراط، سنجد أنها ~~أمراض العصر. ونعني بها كل ما يزيد عن حاجتنا؛ الأكل الزائد الذي يسبب السمنة، ~~الرغبة بالتملك الزائد الذي يقود إلى الحزن. إن الزيادة في شيء ما تؤدي حتما ~~إلى النقص في شيء آخر، والإكثار سيؤدي إلى العوز. إننا نعرف مثلا أن هذا ~~الطعام الجاهز، هذه الوجبات المحضرة بعناية والمعقمة جدا، مضرة بالصحة؛ ~~بسبب «الإفراط»؛ الزيادة في العرض وسهولة الوصول، الزيادة ms058 في السكر، والزيادة في ~~إثارة الشهية؛ ومن ثم الزيادة في احتمال الإصابة بأمراض السمنة والسكري، وأيضا ~~بسبب «العوز»؛ إذ نجد أن بها نقصا في العديد من الفيتامينات، والعناصر النادرة. ~~وهكذا تكون هذه الوجبات مؤذية للصحة بشكل مضاعف. وبنفس الطريقة يصيب العوز ~~صحتنا النفسية لأننا بحاجة إلى الهدوء، إلى التمهل والاستمرارية. من أجلها يجب أن ~~نعمل ونقاوم كي لا نصاب بالأمراض النفسية (الضغوط النفسية، والاضطرابات ~~العاطفية، وتشتت الذهن). # لكن كيف نقاوم عوز التمهل هذا؟ علينا أن نخصص الوقت الكافي لأنفسنا، فلا ~~نركض من نشاط إلى آخر، ولا نقوم بعدة أشياء في نفس الوقت، ونتصرف قدر الإمكان بكثير ~~من اللطف والهدوء. وعلينا أن نقوم بجلسات هدفها «عدم القيام بأي شيء» أو البساطة، ~~أو الهدوء، أو جلسات وحيدة النشاط. ويجب الانتباه إلى طريقتنا الخاصة بملء جدول ~~أعمالنا ومراجعتها، وإلى طريقتنا المجنونة أحيانا الخاصة بملء جدول أعمالنا حتى ~~التخمة في عطلة نهاية الأسبوع أو في العطلات الأخرى ... إلخ. وكيف نقاوم عوز ~~الهدوء؟ نقاومه بالهرب من العنف، من التنبيهات الملحة. علينا أن نصير من جديد ~~حساسين لكل ما هو زائد عن حده؛ موسيقى طوال الوقت، صور طوال الوقت، شاشات طوال ~~الوقت. علينا التخلص من هذه القيود. إنها عملية تحرر! أن نغمض عيوننا عن هذه ~~الشاشات التي تسرق انتباهنا، وتخطف وقتا نستطيع أن نكرسه لذهننا ولراحتنا. وكيف ~~نقاوم نقص الاستمرارية؟ علينا أن نستطيع تحديد كل المنبهات الملحة التي ~~تتدخل في استمرارية يومنا، وأن نرفع مستوى انتباهنا إلى درجة أعلى من مستوى ~~تأثيرها. يجب أن نقاوم النظر المستمر إلى بريدنا الإلكتروني، وإلى رسائلنا على ~~الهاتف، أو الاتصال الدائم بالآخرين والمتابعة الملحة للإنترنت. # إن الوعي الكامل يساعدنا على الانتباه إلى هذا النوع من التلوث الذي يؤثر ~~على روحنا، ويحمينا منه أيضا. إنه يسمح لنا بترميم قدرتنا على الاستنباط، وعلى ~~إعادة التواصل مع ذواتنا، بدلا من البقاء تحت تأثير الالتزامات، والمشتتات ~~والأنشطة الخارجية. # إن ممارسة الوعي الكامل تقترح علينا ألا نقوم بأي فعل. يكفي البقاء هنا والآن، في ~~قمرة ms059 المراقبة، في قمرة الاستبطان الداخلي. إنها تساعدنا على التنحي جانبا؛ ~~فلا نبحث عن شيء، ولا نسعى لهدف معين، ونعطي لأنفسنا الوقت، ونقرر - بحرية ~~- أن نتقدم بهدوء. نأخذ الوقت للجلوس، للمراقبة وللتجربة. # إن هذا جيد حتى لو كان ذلك لوقت قصير، للحظات قليلة؛ لأننا نستطيع أن نكون في ~~حالة وعي كامل في أي لحظة نغمض فيها عيوننا ونقرر أن نتوقف عن الفعل. سنعيش ~~حينها لحظة من الحرية. # الممارسة التأملية: الخيار المثالي للتفريق بين ما هو مهم وما هو عاجل # كما خلقت حياة المدينة الحديثة لدينا حاجتنا الجسدية للقيام بالتمارين ~~الرياضية، خلقت المنبهات الزائدة حولنا الحاجة الروحية للتأمل. وكما رأينا، ~~يستطيع الوعي الكامل مساعدتنا على الاقتراب أكثر من الحاجات الأساسية؛ التمهل، ~~الهدوء، الاستمرارية. إنه لأمر مهم أن نستطيع تحقيق هذه الحاجات. المسألة ليست ~~مسألة عاجلة، ولكنها مهمة. # وهكذا نستطيع أن نفرق في حياتنا بين ما هو عاجل وما هو مهم؛ العاجل هو الرد ~~على رسائل بريدنا الإلكتروني، إنهاء عملنا، التسوق، تصليح صنبور الماء الذي ~~ينقط. إذن أنا، إن لم أقم بما هو عاجل، سأعاقب سريعا بشكل من الأشكال عند ~~ظهور بعض المشكلات. أما المهم، فهو السير في الطبيعة، مراقبة الغيوم وهي تمر، ~~الحديث مع الأصدقاء، إعطاء نفسي الوقت لمراقبة تنفسي، عدم القيام بأي شيء، الشعور ~~بالحياة تنبض في عروقي. فإذا لم أقم بما هو مهم، فلن يحدث لي شيء، فورا. ولكن ~~ببطء ستصبح حياتي سطحية وحزينة، أو أنها ستفرغ بغرابة من كل معنى. # توجد معركة يومية في حياتنا بين ما هو عاجل وما هو مهم، فكيف نستطيع ألا نضحي ~~بالمهم لصالح العاجل؟ كيف يمكننا ألا نخضع لدكتاتورية ما هو عاجل حين يحول كل ~~نشاط ليبدو كأنه حالة عاجلة حتى لو لم يكن كذلك فعلا، أو على الأقل ليس للدرجة ~~التي يبدو عليها؟ # يمكننا ذلك بأن نعطي أنفسنا وقتا للتفكير، وأيضا للتأمل! # وحتى حين نمارس التأمل بالوعي الكامل، تواجهنا نفس المعضلة. يكفي أن أجلس، ~~أن أغلق عيني لتبدأ الأفكار بمهاجمتي لتحدثني عن كل ms060 ما يجب فعله: «تذكر ~~أن ترسل هذه الرسالة الإلكترونية، ولا تنس أن تهاتف ذلك الشخص. انتبه! يجب أن ~~تسجل هذه الفكرة قبل أن تنساها بدلا من البقاء هنا وأنت تحاول ممارسة التأمل. ~~انهض وابدأ بالقيام بكل هذه الأشياء التي تنتظر وإلا ستنساها. والأكثر من ذلك: إن ~~تمرين هذا اليوم غير مجد، وذهنك ليس مهيأ اليوم. هيا! دع ذلك، وانهض، ستجد ~~لحظة أخرى. يمكن للتأمل الانتظار لكن عملك لا يستطيع الانتظار ...» # سيحاول العاجل أن يأخذ مني هذه المساحة الصغيرة التي أمنحها لنفسي لأقوم بما ~~هو مهم. وإذا لم أستطع أن أقول «لا» لكل هذا، إذا لم أستطع القيام بهذا الجهد، ~~فسأضيع. سأعيش ما يمكن أن نسميه اللاحياة، كرجل آلي يتحرك ويفعل لكنه فارغ من ~~الداخل. أهذا ما أريد الوصول إليه؟! # يعلمني الوعي الكامل أن أحمي كل ما هو مهم، أن أقول لنفسي بلطف: «لا، لا. لن ~~أنهض، لن أفتح عيني، لن أوقف الجلسة، سأبقى هنا مغلق العينين، وأنا أتأمل ~~بوعي تنفسي، وتنفس العالم من حولي. إنه أمر مهم، شديد الأهمية، مهم بشكل غير ~~محدود. لا شيء آخر أكثر أهمية من هذه اللحظة التي أبقى فيها جالسا هنا.» علينا ~~تعلم قول «لا» بلطف خلال جلسات التأمل، واكتشاف تجربة ال «لا» هذه وفوائدها؛ ~~لأنها ستوسع منافع هذه الجلسات لتشمل كل مجالات حياتنا. أن نتمكن من قول «لا» ~~سيساعدنا على التخفيف من كل ما هو عاجل، على زيادة الوضوح في أذهاننا أمام تلك ~~الإنذارات المزيفة مثل: «قم بذلك ... هيا بسرعة ... فورا.» # وكل نصر صغير في هذا الصراع سيجعلنا أكثر وعيا وأكثر سعادة. إن فهم هذه المسألة ~~يدعونا للابتسام، ويساعدنا على أن نعطي مساحة أكثر فأكثر إلى كل ما هو مهم. ~~تذكروا ما قاله ثورو الذي غادر كي يعيش سنة في غابات وولدن: «عندما يستطيع المرء ~~أن يحصل على الجوهري، سيجد بديلا عن البحث المستمر عن كل ما هو فائض، وهو أن ~~يغامر في حياة اللحظة الحاضرة.» ~~«الدرس الحادي عشر» # علينا أن نحمي ذهننا بلا ms061 كلل من تعديات ومتطلبات الحياة الحديثة. يعني ذلك، ~~من بين ما يجب فعله، أن نطرد باستمرار كل تلك العادات التلقائية بتشغيل الراديو، أو ~~التلفزيون، أو الكومبيوتر. وعلينا الحفاظ بإصرار على فترات زمنية من الاستمرارية ~~(بأن نمنع قطعها بالرسائل الإلكترونية أو الاتصالات الهاتفية). ويجب أن نعتبر أن ~~الهدوء والصمت هما غذاءا روحنا، نحن هذه الكائنات المدنية النشطة، وأن حرماننا ~~منها لفترة طويلة سيؤدي بنا إلى المرض. # الفصل الثاني عشر # | أن نكون حاضرين أثناء الفعل # ستكون جميلة هذه الأرضية الخشبية! أما الجدران فقد أصبحت جاهزة؛ إنها رائعة، بيضاء ~~بزخارف ذهبية اللون تمتد بفرح حتى أرابيسك الشرفة. يتقدم العمال الثلاثة بنشاط ~~وهدوء في عملهم، يدفعهم هم التفاصيل الصغيرة والإتقان؛ راقبوا حركة العامل في الجهة ~~اليسرى؛ إنه يتعامل مع مقصه الخشبي بكثير من الإتقان والدقة. في نفس الوقت يتبادل ~~زميلاه الحديث وهما يمرران المسحج على الأرضية. هل هما يتكلمان عن هذه الأرضية ~~الخشبية التي قاما بصناعتها من الخشب الخام؟ أم أنهما يتساءلان عن أجرهما، أم عن التنزه ~~بالقارب الذي سيقومان به يوم الأحد في نهر المارن في منطقة نوجان قرب باريس؟ أم عن ~~الحب، أم الانتخابات، أم الحياة التي تجري؟ # لقد رسم كايبوت في هذه اللوحة أشكال الفعل المختلفة؛ العفوي، والمتعمد؛ الفردي ~~والجماعي. إنه يقترح علينا أيضا توقف الفعل بعد قليل؛ إنها فترة الاستراحة ~~المستحقة لعمال الأرضية هؤلاء؛ كي يتذوقوا رشفة كأس نبيذ ممزوجة برائحة نشارة ~~الخشب وعرق التعب. # لوحة «كاشطو الأرضية» (1875) لجوستاف كايبوت (1848-1894)، وهي لوحة ~~زيتية على القماش، بأبعاد 1,02 × 1,47 متر، متحف أورسيه، باريس. # عندما أرقص، فأنا أرقص. وعندما أنام، فأنا أنام. لكن عندما أتنزه وحيدا في ~~بستان جميل، تغيب أفكاري مرارا في أحداث غريبة، لكنني أستطيع في لحظات أخرى ~~أن أعيدها ثانية إلى نزهتي، إلى البستان، إلى جمال لحظة الوحدة هذه، وأيضا ~~أعيدها إلي. # مونتين، «مقالات» # ضرورة الفعل للتأمل # أن نكون وحيدين ومنفصلين عن العالم؛ نعم، هذا ما تبدو عليه تمارين التأمل ~~بالفعل. لكن ذلك سيكون لوقت محدد، وكأننا نأخذ ms062 نفسا بين نشاط وآخر لأننا نعود ~~دائما لمباشرة نشاط ما. في الحقيقة إن التأمل يحب الفعل بشكل من الأشكال؛ ~~فلولا الفعل لن يكون للتأمل معنى. إننا نتأمل قبل أن نقوم بنشاط، وبعد القيام به. ~~وحتى «أثناء» الفعل نستطيع أن نتأمل، وهكذا نستطيع أن ننهيه، أو لا، ونحن بحالة ~~تأمل بوعي كامل. # يجب علينا أن ننتبه لهذه الفكرة: «التأمل دون أي فعل»، وننظر إليها مثل الخضراوات ~~والحبوب التي دون تربة والتي تنمو في بيوت بلاستيكية في خليط من المواد المغذية ~~الذي لا يشبه بأي من الأشكال التربة الحقيقية. يجب علينا أن نشك دوما بهذه ~~الأفكار النظرية لهؤلاء الذين لا يحتكون بواقع الفعل اليومي. كتب جوته يقول: «يجب ~~أن نضع الفعل تحت اختبار التفكير، والتفكير في تجربة الفعل.» لكن يجب ألا يكون ~~الفعل عبدا للأفكار، بأن يكون محصورا بهدفه فقط («لقد انتهيت تقريبا! هذا يأخذ ~~كثيرا من الوقت ...») أو أن يحدده الحكم عليه («هذا جيد»، «هذا ~~متعب ...»). # علينا أن نحرر الفعل، بأن نسمح له بأن يكون من وقت لآخر ما هو عليه ~~فقط. # أن نحرر الفعل باتباع أسلوب «لا شيء إلا ...» # لنحرر أفعالنا، ونكثفها في نفس الوقت؛ لكي تكون «لا شيء إلا» ما هي عليه. ~~علينا أن نأكل فقط (دون أن نقرأ، أو أن نستمع إلى الراديو في نفس الوقت)، وأن نسير ~~فقط (دون أن نتحدث بالهاتف، أو أن نقوم بالتفكير واستباق ما سنقوم به لاحقا)، وأن ~~نستمع إلى الآخرين فقط (دون أن نحضر أجوبتنا، أو أن نطلق أحكاما على ما يقال ~~لنا). ورغم البساطة الظاهرية لهذا، فإنه صعب المنال بشكل لا يوصف. فقد اعتدنا على ~~القيام بعدة أشياء في نفس الوقت. إننا في الحياة اليومية اعتدنا أن نأكل ونحن نقرأ، ~~أن نسير ونحن نهاتف الآخرين. وفي ذهننا يحدث الأمر ذاته؛ فنقوم بشيء ونحن نفكر ~~بشيء آخر (نأخذ حمامنا في الصباح ونحن نفكر بيوم عملنا الذي ينتظر). ومن ثم، ~~نقوم بعمل كل شيء في حالة من الغياب الكامل، بدلا من الوعي الكامل. ms063 # يوصي الوعي الكامل بالتبني السليم والبسيط لأفعالنا، ليس بشكل دائم ولكن بشكل ~~منتظم. إنه يدعونا مثلا إلى تناول وجبة في الأسبوع في حالة وعي كامل (بصمت، دون ~~أن نقرأ، وبلا راديو أو أحاديث)، أو الممارسة المتكررة للمشي في وعي كامل؛ ~~بهدوء، ببطء، ونحن نشعر بجسدنا وهو يسير، ونتلقى كل ما يحيط بنا، في بحر من ~~الأحاسيس التي تعتمر في دواخلنا. علينا أن نسير من أجل السير، دون غضب، دون ~~استعجال. علينا أن نقوم بغسل أواني الطبخ ورمي الأوساخ في حاوية القمامة، ونحن في ~~حالة وعي كامل ... إلخ. # فوائد أن نكون حاضرين أثناء الفعل # لماذا نقوم بكل هذه الجهود؟ لماذا لا نقبل في النهاية أن نعيش حياتين في نفس ~~الوقت، بأن ننجز شيئين في كل لحظة؟ لأننا في الحقيقة، حين نسعى للعيش مرتين، ~~نخاطر بأن نعيش مرتين أقل لأنهما ستخلقان ضغطا مضاعفا، وحزنا مضاعفا، ~~وغضبا مضاعفا، وفراغا مضاعفا. # من المهم النجاة من «جنون إنهاء العمل». وحين نقوم بنشاط ما يجب ألا يكون ~~تركيزنا على «الفعل» فقط، ولكن أن نكون بحالة «حضور» أثناء العمل. إن الحضور أثناء ~~الفعل يزيد إحساسنا بكوننا بشرا، بأننا موجودون في هذا العالم، ويبعد عنا هذه ~~الأفعال التلقائية التي ننسى سريعا أننا قمنا بإنجازها. إنه يساعدنا أيضا على ~~الاقتراب أكثر من جوهر ما نقوم به. أن نكون حاضرين مثلا أثناء تناول وجبتنا ~~يساعدنا على تذوقها بشكل أفضل. والحضور أثناء الاستماع يساعدنا على الإصغاء ~~فعلا إلى ما يقوله هذا الشخص الذي يحدثنا، فلا نقوم بنفس الوقت بالحكم على ما ~~يقوله أو التظاهر بالاستماع ونحن في الحقيقة في صدد تحضير ردودنا. # يساعدنا الحضور أثناء الفعل، في النهاية، على إدراك إلى أي مدى تكون بعض ~~أفعالنا بلا جدوى؛ فمثلا يساعدنا الحضور ونحن على المائدة على إدراك اللحظة التي ~~لا نعود فيها بحاجة إلى الطعام والشراب. إنه يساعدنا أيضا على إدراك اللحظة التي ~~يصير فيها الحديث بلا جدوى؛ أي، في أي لحظة يفضل أن نصمت وفي أي لحظة يمكن أن ~~نتكلم. # عدم ms064 إطاعة الإلحاحات # لقد تكلمنا في الفصل السابق عن الإلحاحات التي تدعونا لإيقاف جلسة التأمل كي ~~نقوم بما هو «عاجل». قد يحدث الشيء نفسه أثناء قيامنا بنشاط ما (خاصة عندما يكون ~~هذا النشاط مجهدا، أو مملا، أو مصدرا للضغط). قد تأتينا مثلا بشكل مفاجئ ~~الرغبة بأن نتفقد بريدنا الإلكتروني أو هاتفنا، لعلنا تلقينا رسالة، أو الرغبة ~~بالاتصال بأحد ما، أو أخذ فنجان قهوة، أو ربما الرغبة بالحديث مع أحد الزملاء في ~~العمل، أو تناول قطعة حلوى ... إلخ. # يساعدنا التأمل بالوعي الكامل على الانتباه لظهور هذه الأشياء قبل أن نقوم ~~بإطاعتها، ويطلب منا ألا «نتماهى » معها، وأن نفهمها: «أوه، يبدو أن لدي رغبة ~~بإيقاف ما أقوم به الآن؛ لأنه عمل مجهد.» وأن نقرر بشكل حيادي إذا كنا سنستجيب ~~لها أو لا: «هل من الضروري أن أستجيب لهذه الرغبة الملحة؟» في معظم الأوقات لا ~~يكون الأمر جديرا بالاهتمام أو ضروريا. إلحاح ما فقط، لحظي كالعادة (افعل، ~~افعل، افعل ...) أو أنه رغبة في الهروب مما نقوم به عندما يكون العمل صعبا، أو حين ~~تثيرنا أو تلفت انتباهنا فكرة ما، أو عندما يصيبنا الملل، وحتى في الحالات ~~العادية، حين نكون تحت تأثير منبهات خارجية قوية. وهكذا فإننا سنستجيب بسهولة ~~لهذا الإلحاح أو ذاك عندما يأتي فجأة، ونقوم بالفعل كي نرتاح. # من الأفضل أن ندرك الإلحاحات البسيطة في البداية، وسيساعدنا ذلك فيما بعد ~~على إدراك تلك الأكثر تعقيدا؛ مثلا، الرد بعنف عندما ينقدنا الآخرون، الاجترار ~~الذهني عندما نكون حزانى، القلق في أوقات التردد. إن مرونة الوعي الكامل تساعدنا ~~بكل بساطة على تطوير سلوكنا بشكل أفضل أمام تعقيدات الحياة. # أن نتعلم عدم إطاعة الإلحاحات لهو فعل بسيط في الإيضاح، وفي الحرية ~~الذاتية. # التوقف عن الفعل # ماذا لو قمنا بشكل متكرر بترك أرواحنا تتنفس بين فعل وآخر؟ مثلا، نتوقف ~~قليلا بعد اتصال هاتفي، ولا نجري اتصالا آخر بعده فورا، بل نتوقف، ونغمض ~~أعيننا للحظة؛ كي نشعر بتنفسنا ونفكر قليلا بما قيل في المكالمة. وبعد مغادرة ~~الأصدقاء، لا نقوم ms065 فورا بترتيب كل المنزل قبل أن نخلد للنوم؛ بل نتوقف قليلا، ~~ونغمض أعيننا، ونشعر بتنفسنا ونفكر بهذه اللحظة المليئة بالأحاديث والمشاعر. ~~وبعد مشادة مع أحد المعارف القريبين، لا نقوم بإخفاء حالتنا النفسية وحزننا ~~خلف نشاط ما، وإنما نتوقف، ونغمض أعيننا للحظة، ونشعر بتنفسنا ونفكر بما ~~حدث لهذه العلاقة العزيزة على قلوبنا. # وماذا لو نتعلم، بعد القيام بأفعالنا بحالة وعي كامل، الحضور الكامل في لحظة ~~عدم القيام بشيء بعدها مباشرة؟ هذا يعني أن نتعلم التوقف عن نشاط ما لسبب آخر غير ~~التعب؛ أن نمارس اللافعل. # إن اللاحركة في تمارين التأمل تعلمنا كثيرا عن مفهوم اللافعل هذا. فعندما ~~نكون في حالة حضور، جالسين دون حركة، في حالة من اليقظة والتقبل، نفهم أحيانا أن ~~حالة اللاحركة هذه ليست فعلا إضافيا، كما أنها ليست فعلا نقوم به «مجبرين»، ~~وكأنه مفروض على جسدنا وإنما هي فعل «قصدي». وهكذا نتركها تملأ جسدنا، ليس عن طريق ~~التحكم به وإنما عبر الابتعاد والمراقبة؛ مراقبة هذه الفكرة التي تدعوك كي تتحرك، ~~كي تحك أنفك، كي تقف وتذهب. راقبها جيدا، وقرر فعلا بأن تستجيب لها أو ~~لا. # في كل الأحوال، لا تتبعها فورا، مهما يكن، انتظر قليلا. وابق دون ~~حركة. ~~«اللاحركة، هي ليست نشاطا آخر، أفرضه على جسدي، ولكنها غياب للفعل يملأ كياني.» ~~هذا ما يقوله لنا أحد الحكماء في هذا المجال. هذا هو الأمر! إنه هذا السكون الذي ~~يتنفس من خلاله وعينا. إنه مصنوع من العدول وليس من الإكراه. # اللافعل والحرية # لكن العدول عن الفعل، وعدم القيام بأي شيء هي مسألة صعبة التحقيق! يبدو الأمر ~~بسيطا في البداية، لكنه ليس كذلك أبدا. إن حولنا كثيرا من الأشياء التي ~~تنادينا، وكثيرا من الأشخاص الذين يحاولون التواصل معنا! إنهم كثيرون لدرجة ~~أننا يمكننا أن نقضي كل حياتنا ونحن نستجيب لهم. وهكذا نموت دون أن نكون قد عشنا، ~~ونكون قد قضينا حياتنا ونحن نقوم بما يجب فعله. لهذا بالضبط نحن بحاجة إلى ~~اللافعل. # اللافعل هو تنفس النشاط. هو كالصمت بعد الضجة. إنه ms066 أن نحاول في عدة أوقات من ~~يومنا عدم المرور بسرعة إلى شيء آخر، إلى نشاط آخر. إنه أن نقرر أخذ ما يكفي من ~~الوقت، ليس كي نفكر، بل كي نشعر، وأن نترك أنفسنا تمتلئ بالإنجاز الذي قمنا به، ~~وأيضا تمتلئ بحضور اللحظة. # إنه يسمح لنا بزيادة مساحة حريتنا. فمع الوقت والممارسة أستطيع أن أشعر بالفرق ~~بين التصرف بردة فعل (أي، أن أستجيب بعمى إلى إلحاحاتي) وبين الاستجابة (بحالة ~~وعي). وسأتعلم كيف أختار الاستجابة لمتطلبات يومي، بوعي كامل، بدلا من القيام ~~بردود فعل دون وعي مني. لهذا السبب تمتلك الممارسات المتكررة للتأمل القدرة ~~على إحداث تغيير جذري في علاقتنا مع العالم، ولهذا السبب أيضا، فإنها توضح ما ~~يسميه بعضهم ب «المواطنة الداخلية». ~~«الدرس الثاني عشر» # علينا الاعتياد على الحضور أثناء كل ما نفعله؛ قبل العمل، أو تناول الطعام، أو ~~الاتصال بأحد المعارف، علينا أن نأخذ عدة لحظات ونقوم بالتنفس بحالة وعي كامل. ~~علينا أن نكون بحالة تواصل هادئ مع ما سنقوم به. إنها ليست رغبة بالقيام بحديث ~~فائق الأهمية أو الوصول إلى حالة عاطفية معقدة، وإنما ببساطة أن نكون في حالة ~~حضور ذهني. ومن المهم أيضا أن نقوم كل يوم وكل أسبوع بتمارين «لا شيء إلا ...» لا ~~شيء إلا تناول الطعام (تناول وجبة ونحن بحالة وعي كامل)، لا شيء إلا المشي (السير ~~دون التفكير بوجهة الطريق)، لا شيء إلا تنظيف الأسنان (دون التفكير باليوم الذي ~~ينتظرنا، أو باليوم الذي قضيناه). # الفصل الثالث عشر # | أن نشحذ انتباهنا # نظرة هادئة ومنتبهة. ووجه مفعم بالذكاء الهادئ. إنه لا يبدي تعابير لطف أو ~~عدوانية. لا شيء غير هم الإدراك والفهم الأكثر دقة. إنه توماس مور الذي يبدو حيا ~~بشكل لا يعقل في هذه اللوحة النابضة، رغم أنها رسمت منذ خمسة قرون. إنها لعبة ~~الأبدية! تظهر هذه اللوحة التي أنجزها هانس هولباين صديق توماس مور حدة انتباه مور ~~وقدرته على الغياب والحضور في نفس الوقت. لقد كان رجلا فعالا في حركية العالم؛ ~~شخصا رفيعا وذا شأن. ms067 شاهدوا لباسه الفاخر، وهذه السلسلة الذهبية التي تشير إلى ~~الخدمات التي قام بها للملك. كما نجد في يده ورقة صغيرة كدليل ربما على نشاطه الذهني ~~الكثيف. لقد كان أيضا رجلا مليئا بالإنسانية، والشجاعة والشرف، وكان مصلحا وصاحب ~~رؤية في كتابه الشهير «اليوتوبيا»، وصديقا للفيلسوف الكبير إيرازموس. لقد كان أيضا ~~أبا حريصا وعطوفا ولم يكن ذلك شائعا في زمنه. لنقرأ ما كتب يوما إلى ابنته ~~مارجريت: «أؤكد لك أنني، بدلا من أن أتركك تكبرين في الجهل والكسل، أفضل أن ~~أستغني عن كل شيء، وأن أقول وداعا لمتاع الدنيا؛ كي أستطيع الاهتمام بأطفالي، الذين لا ~~يوجد بينهم من هو أغلى منك، يا ابنتي المحبوبة.» هذه الابنة التي ستبقي معها حتى ~~موتها رأس والدها المقطوع. # لوحة «توماس مور» (1527 تقريبا) لهانس هولباين الابن ~~(1497 / 1498-1543)، وهي لوحة زيتية على الخشب، بأبعاد 0,749 × 0,603 ~~متر، مجموعة فريك، نيويورك. # فبعد أن كان رجل دولة مهما، حكم عليه بالموت من قبل ملك إنجلترا هنري الثامن؛ ~~لأنه عارض ذلك الوحش الاستبدادي الذي كان لا يأكل إلا اللحم، وكان يغير زوجاته كما ~~يغير المرء قميصه. راقبوا جيدا وجهه؛ انظروا إلى عينه اليسرى المليئة بالعطف ~~والرقة، أما عينه اليمنى فهي حادة الانتباه. فهل نستطيع أن نكون مثل توماس مور، ~~قادرين كل يوم على تحقيق الحالتين؟ # إن كنت شاعرا، فستستطيع حتما أن تلاحظ الغيمة التي تسبح فوق هذه الورقة. ~~دون غيمة لن يكون هناك مطر؛ ودون مطر لن تنمو الأشجار؛ ودون أشجار لن نستطيع ~~صناعة الورق. لذا، فإن الغيم أساسي بالنسبة لها؛ إن لم يوجد، فلن يكون هناك ~~ورق. # تيك نيات هان # الذكاء التأملي # يقول باسكال: «هناك نوعان من المبالغة؛ إقصاء المنطق، وعدم القبول إلا به.» ~~يتلاقى التأمل والمنطق؛ فالتأمل يسمح للمنطق بتوسيع مجالاته. إن التأمل بالوعي ~~الكامل لا يضعف قدرات الذهن؛ فهو ليس حالة من التأمل السلبي. إنه على العكس غذاء ~~لذكائنا. # أن نمرن ذكاءنا يعني أن نخلق روابط تتلاقى فيها أفكارنا مع إدراكنا لما يحيط ~~بنا كي نخرج ms068 بنتائج وقرارات. ولكنه يعني أيضا أن ندرك وجود هذه الروابط، أو أن ~~ندرك إمكانية وجودها. أن نكون أذكياء، يكون أولا بمراقبة ما هو موجود أصلا، قبل ~~أن نبدأ بفرض أفكارنا على ما هو حقيقي. الذكاء هو أن نبدأ بالتواصل مع العالم ~~الموجود حولنا، قبل أن نقوم بربط عناصره بعضها ببعض والخروج بقوانين وأحكام. # إن هذا الشكل من التواصل مع العالم هو أساس التأمل بالوعي الكامل، والذي تكون فيه ~~الممارسة التأملية شكلا من أشكال المختبر الذي نراقب فيه حركية ذهننا (نستطيع ~~التكلم هنا عما يسمى «علم دراسة الذات») وفي نفس الوقت تساعدنا هذه ~~التمارين على تحسين قدراتنا الذهنية؛ كقدرتنا على التفكير، على التركيز، مقاومة ~~المشتتات، الإبداع، المرونة العقلية. # أن نكون أذكياء، يكون أولا بمراقبة ما هو موجود أصلا، قبل أن نبدأ بفرض ~~أفكارنا على ما هو حقيقي. # على سبيل المثال، يسهل التأمل بالوعي الكامل ما نسميه في علم النفس بعملية ~~«المطابقة». لقد قام عالم النفس السويسري جان بياجيه بتعريف وإيضاح مفهومي ~~«المواءمة» و«التمثيل العقلي» التي تصف قدرة الذهن على دمج الفروق بين ماهية العالم ~~وبين فكرتنا عن هذا العالم. وهكذا، إذا غالطت حقيقة ما قناعتي، أستطيع عندها أن ~~أقوم بتمثيلها عقليا؛ أي أنني أقوم بتغيير طبيعة هذه الحقيقة كي يتمكن ذهني من ~~دمجها. أو يمكنني مواءمتها؛ أي، أن أقوم بتغيير فكرتي السابقة كي تدخل مجال ~~الحقيقة. # إليكم المثال الآتي؛ أظن أن شخصا ما من محيط معارفي هو شخص أناني (اعتقاد)، وفي ~~يوم من الأيام يسلك هذا الشخص تجاهي سلوكا يدل على الغيرية (حقيقة). أستطيع حينها ~~أن أقوم بعملية «تمثيل عقلي»؛ فلا أغير فكرتي عنه، قائلا إنه يقوم بذلك لأنه ~~ينتظر شيئا مني؛ أي، أنه يفتعل تصرفه هذا. لكنني أستطيع أيضا أن أقوم بعملية ~~«مواءمة»، قائلا إن هذا الشخص يمتلك أيضا القدرة على التصرف بغيرية وكرم، ~~مغيرا بشكل جذري فكرتي عنه. لكنني أستطيع أيضا أن أضع رأيي جانبا تاركا ~~الحكم للزمن («سأنتظر قليلا وأرى كيف يتصرف كي أفهمه أكثر»). # يبقى التمثيل العقلي ms069 أكثر بساطة وسهولة؛ لأن هذه العملية لا تتطلب القيام بجهد ~~نفسي ولا تطرح أسئلة عن صحة أفكارنا (نقد الذات). إنه لا يقدم لنا شيئا غير ~~إضافة الزيت على صدأ بعض أفكارنا الجاهزة التلقائية. لكنه يلجم في نفس الوقت ~~قدرتنا على التحرر من ثوابتنا، وتطوير رأينا وحكمنا على الأشياء. إن تطوير قدرات ~~المواءمة لهو من فوائد الممارسة المستمرة للتأمل بالوعي الكامل. صحيح أنها نتيجة ~~طبيعية لحالة ذهنية من القبول وعدم الحكم، ولكنها تتجلى أكثر عبر التمرين المستمر ~~والممارسة اليومية للتأمل بالوعي الكامل؛ لأن هذه الممارسة تمثل الفرق بين الفهم ~~العام لهذه الحالة وتطبيقها يوما بعد يوم. # كتب فرويد يوما يقول: «إننا لا نصلح عراكا حين نساعد أحد الطرفين على ~~الفوز.» هكذا هو التأمل بالوعي الكامل؛ إنه يعلمنا ألا يكون النصر هدف تفكيرنا ~~أو وسيلتنا لرؤية العالم، وإنما أن نتلقى ونقبل أفكارنا كلها كما هي بثرائها ~~وتعقيدها. # الوصول إلى حالة استرخاء لقراءة أفضل للعالم # يعتبر الاسترخاء من الفوائد الأخرى للتأمل بالوعي الكامل، والذي بدوره يعتبر ~~مهما لذكائنا؛ فذكاء الانفعاليين والعصبيين يتعرض غالبا لحالة من الإقصاء ~~المثيرة للدهشة. من المؤكد أن عواطفهم القوية تعطيهم كثيرا من الطاقة، لكنها ~~تبدل وضوحهم الذهني، وتعرض بعد النظر لديهم إلى حالات متكررة من ~~الاختفاء الشديد. إن تداعيات واضطرابات عقلنا تنقص قدرتنا على اتخاذ الخيارات، ~~وتجعلنا تحت رحمة تبدلات عواطفنا، التي تكون بدورها تحت سيطرة الظروف ~~المحيطة. # من المهم في هذا السياق إضافة أنه يوجد طريقان للتأمل البوذي، والذي جاء منه ~~التأمل بالوعي الكامل. إنهما طريق الاسترخاء والمسمى «ساماتها»، وطريق «النظرة ~~العميقة» والمسمى «فيباسانا». والطريق الأول ضروري لخوض الثاني؛ فلا يستطيع ذهن ~~مضطرب ومتشتت أن يلقي نظرة جلية على العالم. يمكنه أن يشكل نظرة ما عن ~~العالم، لكنه لن يعيشه حقيقة. إنه ذكاء محدود، ضيق، فما فائدته؟ # سيساعدنا التأمل بالوعي الكامل على ألا نبقى أمام «صورة انعكاس» العالم؛ لأن ~~النظرة العميقة تساعدنا على سبر حقيقة الأشياء، فلا نبقى مأخوذين بالمظهر. لقد ~~كتبت الفيلسوفة سيمون فاي: «لا يتوجب على ms070 الذكاء أن يثبت الأشياء؛ عليه فقط ~~توضيحها.» وهكذا علينا في معظم الوقت أن نوضح في أذهاننا كل العوائق التي تحول ~~دون الوصول إلى نظرة دقيقة وصحيحة للعالم، والذي سيبدو لنا من خلالها كأنه حقيقة ~~محضة. إن الطريق إلى النظرة العميقة بالنسبة للفلاسفة البوذيين لا يعتبر مسألة ~~نظرية أو فلسفية؛ فالطريقة التي نرى بها الحقيقة ونفهمها تتعلق بشكل مباشر براحة ~~وهدوء ذهننا، وفي نفس الوقت تتعلق راحة البال بطريقة رؤيتنا للعالم. فإذا كانت ~~نظرتنا إلى هذا العالم غير متوافقة مع حقيقته أو غير ملائمة، يكون سبب ذلك ماهية ~~العالم بدرجة ما، ولكن أيضا وبدرجة ما بسبب معاناتنا. وهكذا سنجد، في بحثنا عن ~~الوضوح الذهني، عدة مفاهيم أساسية، من أهمها نذكر الاعتماد المتبادل، والفراغ، ~~وعدم الديمومة. # مفاهيم الاعتماد المتبادل، والفراغ، وعدم الديمومة # يقول مفهوم الاعتماد المتبادل بين الأشياء أن لا شيء في هذا الكون يمكن أن ~~يوجد بوصفه وحدة ثابتة ومعزولة. فلا يمكنني أن أكون شخصا منعزلا ومستقلا ~~تماما عن المحيط حولي؛ لأنني مدين بحياتي وبقائي لعدد لا متناه من الأشخاص، ~~وأيضا لكثير من الظواهر الطبيعية الأخرى. وهذه الأفعال والقرارات التي أسميها ~~«أفعالي وقراراتي» والتي تبدو صادرة عن رغبتي وإرادتي فقط، هي في الحقيقة محدودة ~~ومتعلقة بعوامل أخرى خارجة عني. لكن روابط الاستقلال هذه، هي في الحقيقة روابط ~~اعتماد متبادل؛ لأنني أكون في نفس الوقت النتيجة ونقطة البداية لكثير من ~~الدوافع والمبادرات الأخرى، والتي بدورها تمارس تأثيرها حولي. وما دمت لم أفهم ~~وأقبل ضمنيا كل روابط الاعتماد المتبادل هذه؛ ما دمت لم أقبلها فعلا بكل ~~مودة، فسأكون شخصا أعمى، وسأقع بشكل متكرر في فخ الأنا والكبرياء ومن ثم في ~~المعاناة. وبالعكس، بقبولي لها، لن يدفعني ذلك إلى حدود الإذعان للقدرية، ولكن إلى ~~المزيد من التواضع في أفعالي وقناعاتي. # مفهوم الفراغ هو ثاني أهم المفاهيم البوذية، وقد يكون من أكثر المفاهيم التي لم ~~يتم فهمها بشكل صحيح. إن «الفراغ من كل شيء» لا يعني أن لا شيء موجود حقيقة، ~~وإنما أن كل ما ms071 نراه لا يمتلك وجودا صلبا ومتماسكا. لنأخذ قوس قزح مثالا؛ ~~فوجوده يعتمد بشكل ما على موقعي، وانحناء أشعة الشمس، وأيضا الغيوم المارة. ~~وعندما تجتمع هذه العوامل، يظهر قوس قزح لي ولكنه لن يظهر لأشخاص آخرين لأنهم في ~~أماكن أخرى. ينطبق الأمر أيضا على مجموعة الأحاسيس القوية التي أحملها تجاه شخص ~~ما لأنه قال أشياء سيئة عني. إنني أشعر بهذا الشخص بشكل حقيقي وهو يجتاح روحي ~~وجسدي، ولكن في حال أنني عرفت أن كل تلك الأقوال التي نقلت لي، لم يكن فيها شيء ~~من الصحة، وأن هذا الشخص في الحقيقة قد قال أشياء جيدة عني، ما الذي سيحدث ~~عندها لتلك الأحاسيس، ولصلابتها التي كنت أشعر بها منذ لحظة؟ إنها ستختفي في لمح ~~البصر. لهذا فإن مفهوم الفراغ فيما يتعلق بشيء ما، لا يعني غيابه بالضرورة، أو عدم ~~وجوده، وإنما أن طبيعته غير صلبة، ومتحركة، ومعقدة، وقابلة للتأويل. وأخيرا، ~~نستطيع أن نقول إن مفهوم الفراغ هو وعينا بتعقيد الأشياء وارتباطها ومن ثم علينا ~~أن نبقى حذرين قبل استلابنا من «انعكاسات الواقع» أو تعلقنا بها. صحيح أن ~~مفهوم الفراغ قد يكون في البداية باعثا للشعور بعدم الأمان، وربما للحزن أيضا ~~وخاصة حين نجربه في تمارين التأمل، لكنه فيما بعد سيكون مصدرا للوضوح الذهني ~~وربما للسرور، تماما مثل مفهوم الاعتماد المتبادل. # لا يمكنني أن أكون شخصا منعزلا ومستقلا تماما عن المحيط ~~حولي؛ لأنني مدين بحياتي وبقائي لعدد لا متناه من الأشخاص. # ثم هناك مفهوم عدم الديمومة، الذي يعلمنا أن لا شيء يبقى دائما، وأن كل حدث ~~هو نتيجة تراكب وتحلل مجموعة عوامل؛ تنظيم وفوضى، وأن كل ذلك آني وسيئول إلى ~~الزوال. وهنا أيضا لا يعتبر هذا الكلام نوعا من الندب، وإنما هو دعوة إلى مزيد ~~من الوضوح والتحرر. # يقول بول فاليري: «ينتقل العقل من تفاهة إلى أخرى كما يطير العصفور من غصن إلى ~~آخر. الأساسي هو ألا نطمئن إلى ثبات أي منها ...» نعم فعقولنا تحتاج إلى قناعات ~~آنية، كحالة العصفور على الأغصان. لكن دعونا ms072 نمررها عبر مفاهيم الاعتماد ~~المتبادل، والفراغ، وعدم الديمومة. سنجد سريعا أننا أقل معاناة، وسنسبب معاناة ~~أقل أيضا. هذا لأن هناك مفهوما بوذيا أساسيا آخر لا تعني تلك المفاهيم ~~الثلاثة شيئا دونه؛ إنه العطف أو الغيرية، وهو ما سنتكلم عنه لاحقا. # لقاء مع الواقع # يقول المعلم البوذي تيك نيات هان: «التأمل ليس نوعا من الهروب من الواقع، ~~وإنما هو لقاء هادئ معه.» وهذا اللقاء الهادئ مع الواقع لا يلقن، وإنما نستطيع ~~تطويره مع كل تمرين حين نهدأ ونحن نتنفس، أو عندما نراقب بصبر تجربتنا مع اللحظة ~~الحاضرة، ملفعين بالعطف والإصرار حتى عندما تكون هذه اللحظة مؤلمة، أو ~~معقدة أو مضطربة. وهكذا نستمر بتنفسنا ونحن نراقب دواخلنا، ونقبل فكرة ~~أننا لا نفهم كل شيء، ولا نتحكم بكل شيء، لكننا نستمر بعيش التجربة، والشعور بها، ~~ومراقبتها. وهكذا نتعلم كيف نرى بشكل أوضح هذا العالم الذي هو أيضا مؤلم، ~~ومعقد، ومضطرب، وكيف نفكر بشكل أفضل، وأدق، وأوضح. ~~«الدرس الثالث عشر» # حرروا ذكاءكم من قيوده؛ لأنه قد يتصلب، وقد يكرر ذاته، ويدور في حلقة ~~مفرغة. كل ذلك بسبب كسلنا، وأيضا بسبب تلك القوة غير المرئية للأفكار التلقائية ~~و«الجاهزة». لا يمكننا شرح أو وصف كيفية الوصول إلى ذلك، ولكن يتم العمل عليه ~~وتعلمه. كيف يمكننا شحذ انتباهنا؟ يتم ذلك بالحفاظ على هدوئه وانفتاحه على ~~العالم، هذا أكيد، ولكن أيضا بالشك والتساؤل المستمر عن كيفية إدراكنا لهذا ~~العالم. وهكذا، في كل مرة نستطيع أن نقول لأنفسنا: «هذا ما أفكر فيه أنا فقط.» ~~«يبدو لي أن معي حقا.» «هذا رأيي فقط.» وحين لا تلامس هذه الأسئلة السطح فقط ~~وإنما نقولها بشيء من الحذر وكثير من التواضع، نكون حينها على صلة حقيقية مع ~~ذكائنا، ولا نكون في حالة من العمى. # الفصل الرابع عشر # | أن نفهم ونقبل ما هو موجود # كأننا غير موجودين أمامها. # إنها لا تنظر إلينا، لكن حركة يدها الخفيفة يوقفنا ويذهلنا. إننا نقف أمامها دون ~~حركة، ودون أن نزعجها بشيء. # يوجد آلاف من الإشارات في اللوحات التي ms073 يقدمها الفن الغربي، لكن هذه اللوحة ليست ~~كغيرها؛ كأننا نرى الملاك جبرائيل آتيا يعلن لها أنها حامل. فلا ندرك في هذه ~~اللوحة سوى العالم الداخلي لوالدة المسيح. نجد مريم الإنسانة، وهي مأخوذة بتجربتها ~~النفسية، وليس مريم ذات الطابع الإلهي وهي تتلقى شكلا من الوحي الروحي. # تظهر اللوحة لحظة محددة؛ إنها اللحظة التي تفهم فيها مريم الأمر، وتقبل به. إنها ~~لحظة معلقة، كصفحة الكتاب التي تركتها للتو كي تشد الحجاب على رأسها، كأنها ~~تغطي نفسها من القدر الذي ينفتح أمام عينيها. إن وجهها يشبه هذا الكتاب الذي ~~أمامها؛ إنه ليس مفتوحا على آخره لكنه ليس مغلقا أيضا . نظرتها تتجه نحو الداخل، ~~داخلها. إنها تفكر، وتشعر، وتتنفس. # لوحة «عذراء البشارة» (أو «البشارة») (1474-1475) لأنتونيلو دا ~~ميسينا (تقريبا 1430-تقريبا 1479)، وهي لوحة زيتية على الخشب، بأبعاد ~~0,45 × 0,35 متر، المعرض الفني الإقليمي لصقلية، باليرمو. # لننظر إلى هذه الحركة الغريبة ليدها اليمنى المرفوعة قليلا كأنها تقول: «حسنا، هذا ~~جيد، نعم، نعم، لقد فهمت، وإنني أقبل بكل ما يرسله الله لي.» إنها هذه اليد ~~المرفوعة التي تتلقى وتعبر عن السكينة، أو البحث عن الراحة، موحية بهذه اللحظة ~~الفريدة في اللوحة حيث يتم فيها قبول ما هو موجود قبل الالتزام به. # هل كانت تستطيع الرفض؟ من يستطيع أن يرفض ملاكا مبشرا أرسله الله؟ لكن كان ~~يمكن لمريم أن تكون أقل ذكاء، وأقل لباقة. لكنها تجاوزت خوفها، ذهولها ~~وشكوكها، وقبلت الإرادة الإلهية. هذه هي اللحظة التي تم رسمها في هذه اللوحة، والتي ~~قالت كل شيء. لم يكن هناك ملائكة، وأبواق وضجة، فقط مغامرة داخلية مذهلة. # اقبلوا! لأنه لا يوجد شيء آخر ... # سوامي براجنانباد، «خبرة الكمال» # القبول # القبول هو جزء مهم في صميم الوعي الكامل. ولا يعني القبول أن نقول إن كل شيء «على ~~أحسن ما يرام» (هذا يسمى استسلاما)، ولكن أن نقول: «كل ما حولنا موجود، إنه ~~موجود بالفعل.» # إننا لسنا مجبرين أن نحب فكرة ما، أو حالة ما، أو شخصا ما، أو تجربة ما، ~~كي نقبل بها. ms074 لسنا بحاجة لأن نحب هذه الفكرة (أو هذه الحالة، أو هذا الشخص، أو ~~هذه التجربة)، وإنما فقط قبول وجودها. إنها موجودة، وهي حقيقية في حياتنا؛ لهذا يجب ~~علينا أن نتآلف ونتقدم معها. # القبول هو حالة تتجاوز حالة الانكفاء. هي ليست سلوكا فقط؛ إنها أيضا قرار ~~وجودي وفلسفة حياة. إنها موقف طويل الأمد ونابع عن تفكير، نأخذه تجاه العالم الذي ~~يحيط بنا. في حالة الانكفاء هناك نوع من التنازل؛ التوقف عن كل أنواع التواصل. ~~بينما في القبول يوجد نوع من الرغبة في أن نبقى في الفعل ولكن بشكل آخر؛ بحالة من ~~الوضوح والهدوء. وفي كل مرة يحدث شيء ما، نستطيع أن نقول: «نعم، ها هو، إنه هنا ~~الآن.» إنه القبول الصادق والكامل للواقع حين يأتي كما هو. # لكن هذا التلقي لكلمة «نعم» لا يعني بأي شكل من الأشكال استسلاما أو تنازلا ~~عن التفكير أو الفعل، هو فقط إحدى هاتين الحركيتين المنتظمتين لذهننا كأنهما ~~تنفس روحنا؛ القبول (بما هو موجود) ثم التصرف (حسب ما هو موجود) والقبول (بما ~~حدث) ثم الفعل (بناء على ما حدث)، وهكذا باستمرار. ومع الوقت، كما يحدث في حالات ~~أخرى حين نتقن حالة نفسية ما، تمتلك هذه الحالة بعدا آخر؛ «ليس علينا أن نقبل ~~الأشياء؛ فهي موجودة أصلا.» وهكذا لا نقوم حتى ب «جهد» القبول لأنه أصبح قدرة ~~داخلية صامتة وهادئة، ونشعر حينها أننا صرنا أكثر قوة. # القبول بوصفه التفافا # يعلمنا القبول أن نختار أفضل الطرق للوصول إلى حيث نريد، وهذا الطريق ليس ~~خطا مستقيما بالضرورة. إن هذا يشبه تماما المسير في الجبال؛ فقد تكون فكرة ~~سيئة أن نقرر الصعود إلى القمة مباشرة، فنتبع طرقا تلتف وتحاذي جوانب ~~الجبل دون أن نتخلى عن فكرة الوصول إلى الأعلى في النهاية. إننا نقبل أن نأخذ ~~الممرات المنعطفة والصاعدة سائرين نحو القمة. وبنفس الطريقة، لا نستطيع تجاوز ~~بعض الجهود النفسية إلا عبر قبولنا لها. # قد يكون مثلا من غير المجدي أن نحاول مواجهة بعض أفكار الفشل كالقول: «لن ~~أستطيع القيام بذلك.» ms075 عبر تحفيز إرادتنا كأن نرد على أنفسنا: «بلى يجب أن أقوم ~~بذلك.» أو عبر الاستعانة بالتفكير المنطقي: «لا يوجد سبب يمنعني من القيام بذلك.» ~~إننا لن نتعلم أبدا - بإصرارنا هذا - كيف نقبل أفكار الفشل في دواخلنا (من الأفضل ~~أن نتعلم عدم إطاعتها من أن نحاول رفضها أو إلغاءها)، ولن تكف حينها عن أن ~~تسبب لنا حالات من عدم التوازن النفسي بطاقتها القوية. بالإضافة إلى ذلك، لن ~~نكون قد قبلنا أفكار الفشل كأحد الاحتمالات الموجودة. بينما الالتفاف على أفكار ~~الفشل هذه يمتلك في أغلب الأحيان، وعكس ما نظن، تأثيرا كاشفا، ومثيرا للراحة: ~~«نعم، أنا أقبل الأمر، ولا أعرف إن كان ذلك سيجدي نفعا، لكن لدي رغبة بتحقيق ~~ذلك. إذن سأحاول أن أفعل ما بوسعي، وبعدها سأرى النتيجة ...» # يعلمنا الوعي الكامل القيام بالتفاف كهذا عبر القبول؛ أي قبول فكرة الفشل. ~~علينا مراقبة تأثيرها علينا، دون أن نغذيها أو نعطيها الطاقة عبر محاربتنا لها، ~~أو محاولة إبعادها. علينا أن نتركها تترسب داخلنا عبر الاستمرار بالتنفس وترك ~~إدراكنا مفتوحا على آخره، وأن نظل في حالة من الوعي الكامل. ومن بعدها علينا ~~العودة إلى الفعل، والذي سيكون في معظم الأحيان الطريقة الوحيدة للتحقق مما إذا ~~كانت أفكار الفشل تلك حقيقية، أم لا. # القبول بوصفه نوعا من الحكمة ~~«إن أفضل الأماكن التي يمكنك أن تبحث فيها عن الحكمة، هي في الحقيقة تلك التي ~~لا تتوقع أن تجدها فيها؛ إنها أفكار مناهضيك.» صحيح هذا القول، وحقيقي. أليس ~~كذلك؟ لكن من أجل ذلك عليك أن تستمع إلى أفكار مناهضيك، وأن تسمح لها بالوجود ~~(نحن الذين نحلم دائما بألا يكون لنا غير «المؤيدين») حينها ستكون بمنزلة ~~كنز لك، وفرصة لتصير أكثر ذكاء. # يسمح لنا القبول أن نفهم البعد المأسوي للواقع، دون أن نحول حياتنا بالضرورة ~~إلى مأساة. إننا لا ننكر طبيعة الوجود المؤلمة وغير العادلة، وإنما نترك لها ~~مكانا، لكن دون أن نترك لها المكان «كاملا»، بل نحافظ على مكان آخر لكل ما هو ~~جميل وخير. # القبول سيسمح لنا ms076 بإدخال العالم كله في ذواتنا، بدلا من محاولة تشكيله ~~على صورتنا، وأن نأخذ منه فقط ما يلائمنا ويشبهنا. # ولأن كلمة «قبول» تزعج الكثيرين؛ لأنهم يفهمون منها معنى «الإذعان»، بحثنا ~~لها عن بدائل. يقترح علينا الفيلسوف ألكسندر جوليان مثلا كلمة «الافتراض» والتي ~~تعني لغويا «الأخذ بالأمر» وقبوله والالتزام به. آخرون اقترحوا كلمة «التوسع»، ~~ويعني إفساح المكان في دواخلنا، طوال الوقت، لكل شيء حتى ذلك الذي يزعجنا ~~ويقلقنا. علينا ألا نستسلم للأمور أبدا، ولكن أيضا ألا نتعلق بها بشكل سلبي ~~عبر رفضها. إن الرفض والكره، مثلهما مثل الخوف، سوف يؤديان إلى الهشاشة والضعف. ~~الأمر إذن، أن نوسع دواخلنا، ممددين بذلك اضطراباتنا ورفضنا في محتوى أكثر ~~اتساعا. وفي كل مرة يزداد شعورنا بالقساوة والرفض، تزداد حاجتنا لوعي أكثر ~~اتساعا، دون أي موضوع؛ وعي يتلقى كل شيء. # وأخيرا قد يقترح القبول علينا خيارا تناقضيا؛ وهو ألا نختار شيئا، وألا نرفض ~~شيئا، وألا نستبعد شيئا؛ حتى هذا «غير المرغوب»، و«غير الجيد»، و«غير الجميل»، ~~و«غير الخير» ... إلخ. فنقرر أن نقبل كل شيء، أن نتلقى ما يحدث، وما هو موجود. ~~إننا بالقبول نفتح مساحة داخلية لا نهائية؛ لأننا عدلنا عن فلترة كل شيء، ومحاولة ~~التحكم بكل شيء، ولم نعد نحكم أو نقيس أو نتحقق. بهذه الطريقة يصبح القبول ~~مصدرا لغذاء داخلي. وسيسمح لنا بإدخال العالم كله في ذواتنا، بدلا من محاولة ~~تشكيله على صورتنا، وأن نأخذ منه فقط ما يلائمنا ويشبهنا. هذا ما كانت تقوله ~~القديسة تيريزا من ليزيو بطريقتها الخاصة: «أختار كل شيء.» ~~«الدرس الرابع عشر» # قبول كل شيء يجعلنا أكثر هدوءا وأكثر ذكاء، ومن ثم أكثر قدرة على تغيير ما ~~يجب أن يتغير. هذا هو جوهر الفكرة. # ثم تأتي التجارب العملية التي من دونها يمكن أن يكون كل ذلك كلاما مرسلا. إن ~~كل إزعاجاتنا الصغيرة اليومية تعد فرصا رائعة للتمرين على القبول. # هل أنت متضايق، ومنزعج، ومتعب؟ ابدأ بالتنفس وأدرك كل ما هو موجود في هذه ~~اللحظة؛ أدرك الوضع، وتأثيره عليك، وأن كل ذلك موجود ms077 معك، وأنه لا يمكن إلغاؤه، ~~ومن ثم عليك قبوله. ثم حاول أن تجد ما يمكنك فعله أو التفكير به. إنه أمر سهل ~~الفهم، ورغم ذلك تم قوله وإعادته آلاف المرات؛ حتما لأن الشرح لا يكفي، وإنما تجب ~~ممارسته بشكل يومي. من المؤكد أن الممارسة أقل فخامة وأقل متعة من الكلام ~~الرنان، لكنها أكثر فعالية. # الجزء الثالث # | أن نتجاوز العواصف بالاحتماء بملاذ اللحظة الحاضرة # ذلك الذي يرى اللحظة الحاضرة، يرى كل ما حدث عبر التاريخ وما سيحدث حتى آخر ~~الزمان. # ماركوس أوريليوس، «تأملات» (6، 37) # الفصل الخامس عشر # | أن نتحرر من سجوننا الذهنية # يا له من رجل مسكين! كم يبدو قلقا وحزينا، وتعبا ومنهكا. # يبدو أنه قد تخلى عن محاولة الفهم أو الفعل؛ ومن ثم هناك هذا الانطباع الغريب بأن ~~رأسه قد حشر في النافذة ... وكأنه حين أراد أن ينظر خارجا، ليرى قليلا ما يحدث في ~~العالم، كي يخفف ثقل أفكاره قليلا، ويخرج من حزنه؛ وجد نفسه محشورا. وهو الآن ~~يعاني بصمت، ونظرته هذه تبدو كأنه لا ينظر، أو لا يرى شيئا. إن نظرته لا تتجه نحو ~~الخارج، وإنما نحو الداخل. إنها أيضا مسجونة داخل آلامه وأحزانه. # إنه محاصر، كما قد نكون أحيانا محاصرين بأفكارنا. إنه مسجون في صلابة حجارة ~~النافذة التي تحيط به؛ في صلابة الخشب والزجاج والحديد، تماما كما يحدث مع همومنا ~~أحيانا، حين تزيد من صلابتها اجتراراتنا بسبب القلق، فنسجن داخلها. سيقول لنا هذا ~~الفخ: «انظر، انظر عبر أفكارك القلقة، واجتراراتك التي ستخدع إدراكك. وإذا ذهبت أبعد ~~داخلها، فستسجن فيها. وإذا غذيتها، فستصير صلبة وقوية وكأنها الواقع. وإذا بقيت ~~منتبها لها، فستصير سجينها.» # لوحة «رجل في نافذته»، (1653)، لصامويل فان هوخستراتن (1627-1678)، ~~وهي لوحة زيتية على القماش، بأبعاد 1,11 × 0,865 متر، متحف تاريخ الفن، ~~فيينا. # كيف نستطيع التخلص من هذه البلبلة التي نسببها لأنفسنا؟ كيف يمكننا الخروج من ~~هذه المصائد الذهنية، تلك التي نضع أنفسنا داخلها في بعض الأحيان؟ فهل يختبئ الحل في ~~هذه القارورة الصغيرة الموضوعة على حافة النافذة؟ ولكن ms078 كيف يمكن الوصول إليها؟ # إن التربة العفنة التي تسببها الآلام الصغيرة تؤذي أكثر من أي رض ~~مهما كان عنيفا. # مونتين، «مقالات» # كيف تحتكر المعاناة وعينا؟ # يبدأ الأمر بالألم؛ هناك الآلام الجسدية والآلام النفسية، ومن ثم تأتي المعاناة ~~التي هي تأثير الألم على وعينا. # والمعاناة هي أيضا الجزء من الألم الذي نستطيع التعامل معه. أما الألم ذاته، ~~جسديا كان أم نفسيا، وخاصة إذا كان شديدا، فإنه يتطلب معالجة دوائية، ~~للحصول على درجة من الراحة. أما العلاج النفسي، فلا يأتي إلا لاحقا. ويجب أن يأتي، ~~ويجب إنجازه، وإلا فلن تغادرنا المعاناة أبدا. # تحاول المعاناة بطبيعتها أن تمتلك ذهننا. إنها كشمس سوداء ، وكل شيء حولها يدور ~~في حلقة مفرغة. وتضيق معها مساحة وعينا، ولن يكون هناك مكان إلا للآلام ولا شيء ~~آخر. هذا هو معنى المعاناة حين يأخذ الألم كل المساحة ويمنع الأفكار والأحاسيس ~~الأخرى من أن تجد لنفسها مكانا دائما. سيمتص الألم كل طاقتنا الذهنية، ولن يكون ~~هناك شيء آخر غيره. # الآلام الجسدية # هناك كثير من الآلام الجسدية التي يجب ألا نواجهها باستخدام قوة الروح فقط. ~~وعلينا ألا نتعامل مع هذا الأمر بكبرياء؛ لأن مضادات الألم قد تنقذ كرامتنا في ~~هذه الحالات، وإلا فسنصير عندها وحوشا تعصرها الآلام. ولكن ماذا بعد؟ ما الذي ~~يمكنه أن يساعدنا كي نكون أقل خوفا من الألم، وألا نسجن أنفسنا داخل معاناتنا؟ ~~هل يستطيع التأمل بالوعي الكامل أن يقوم بهذه المهمة؟ ربما؛ ربما نستطيع بمساعدته ~~أن نكون أكثر استعدادا لذلك. نستطيع أن نهيئ أنفسنا، دون أن نكون في حالة ~~انتظار للألم، وذلك بالتمرين المستمر على الآلام الخفيفة التي قد تصيبنا. # منذ وقت طويل، لوحظ ارتفاع مستوى القدرة على مقاومة الألم لدى الممارسين ذوي ~~الخبرة الطويلة في تأمل الزن (وهي ممارسة قريبة من ممارسة التأمل بالوعي الكامل). ~~وقد اكتشفت لاحقا لدى هؤلاء الممارسين تغيرات دماغية لها علاقة مباشرة بهذه ~~القدرة لديهم، وأن هذه «المرونة الدماغية» تتناسب مع عدد ساعات التأمل اليومية. إن ~~أحد التفسيرات العلمية يفترض أن بقاء ms079 هؤلاء الممارسين في وضعيات ثابتة دون حركة ~~فرضت عليهم مواجهة العديد من التشنجات العضلية والأحاسيس المرتبطة بعدم ~~الراحة، وهكذا تطورت قدرتهم هذه عبر المواجهة الهادئة والطويلة الأمد للآلام ~~الجسدية. # ما زلت أذكر المرة الأولى التي تعرضت فيها لهذا أثناء التأمل. كان ذلك في ~~صباح أحد الأيام، وكنت أمر بفترة صعبة. لم يكن الأمر شديد السوء، بل محنة بسيطة، ~~لكن كان يرافقها كثير من الإجهاد والضغط. عندما جلست على مقعد التأمل، وخلال ~~عشر ثوان، بدأت تشنجات عضلية شديدة في أسفل قدمي اليسرى، وكانت ردود فعلي ~~الأولى هي أن أتحرك كي أخفف الألم، وأن أفتح عيني، وأن أغير وضعيتي، أو ~~حتى أن أوقف الجلسة. ففي النهاية، كان لدي كثير من الأشياء الأخرى التي يجب أن ~~أقوم بها. وأكثر من ذلك، ما الذي يدفعني كي أسبب المعاناة لنفسي؟ ... ومن حسن حظي ~~أن مرضاي ينقذونني في معظم الوقت؛ فقد كنا قد تكلمنا في اليوم السابق في ~~المستشفى بهذا الشأن، وذلك أثناء التأمل العلاجي الجماعي. لهذا قمت بمحاولة مراقبة ~~هذه الفكرة («تستطيع أن تتحرك، وحتى أن توقف جلسة التأمل لتقوم بشيء آخر»). وبدأت ~~أعتبرها فكرة فقط وليست إلزاما. حاولت أن أتلقاها كما هي وأن أنأى ~~بنفسي عنها، معتبرا إياها كإحدى الظواهر التي ينتجها عقلي لا أكثر. إذن اتخذت ~~خيار عدم الوقوع في الفخ؛ ألا أتحرك، وألا أطيع أفكاري التلقائية؛ «أتشعر بألم ~~مضن، إذن انفصل عنه.» وقررت أنني قبل أن أتحرك (وكانت الرغبة قوية) سآخذ وقتي ~~في فحص هذا الألم التشنجي؛ أين يوجد بالضبط؟ هل هو ثابت أم أنه يتبدل؟ ما الذي ~~يحاول أن يجبرني على فعله؟ وبالتأكيد، اختفى الألم بعد دقيقة واحدة، وكأنه ~~تحلل وانتهى. # سمعت عن ذلك قبلا، لكنني كنت مندهشا، وحتى مذهولا أن ذلك قد حدث لي هنا ~~والآن، في جسدي أنا. إنه بالضبط هذا الفرق المذهل دائما بين «المعرفة» ~~و«التجربة». إنهما عالمان مختلفان بعيد أحدهما عن الآخر. بالطبع أعرف أن ذلك لن ~~يحدث في كل مرة. فقد نضطر أحيانا لتغيير وضعيتنا، أو ms080 حتى لإيقاف الجلسة، خصوصا ~~إذا كان الألم شديدا. فالتأمل ليس نوعا من تعذيب الذات. لكننا حين نتجاوز معاناة ~~ما، فقط عبر القبول بأنها هنا موجودة معنا، دون التصرف بعصبية، وإنما عبر الوعي ~~بها، فأي راحة تلك التي نشعر بها! إنه لقاء بين ما هو نظري وتعمد الفعل؛ بين ~~الكلام والحقيقة. وحتى بالنسبة إلى الأشخاص ذوي الخبرة في هذا الشأن، فهم لا ~~يملون من اكتشاف هذا الأمر وإعادة اكتشافه. فنحن نشعر بحالة من الانضباط، ~~والأمان، والاتساق. إن هذا ممكن، أعرف ذلك وقد قمت به بنفسي. # إذا كان التأمل يساعد على مواجهة المعاناة، فهذا لأن راحة الذهن لها تأثير ~~مخفف للآلام. إن ذهننا يقوم طوال الوقت بفلترة إشارات الألم الصغيرة كي لا ~~يزعج في كل مرة وعينا. هذا ما نسميه ب «التحكم الهابط». فإذا كنا قلقين أو ~~مكتئبين فلن يستطيع الذهن حينها القيام بهذه الوظيفة بنفس الفعالية، وسنشعر ~~حينها بآلامنا أكثر. أما إذا كنا في حالة من الراحة الذهنية، فسنعاني حينها بشكل ~~أقل من هذا الألم ذاته. إن تلك الحالة من الراحة الذهنية لا نستطيع أن نستدعيها ~~تلقائيا عندما نحتاجها، وإنما يجب أن نتمرن على ذلك حتى قبل أن تأتينا الآلام؛ ~~لأننا لا نستطيع أن نبدأ بصناعة مظلة النجاة في اللحظة التي تتعطل فيها محركات ~~الطائرة. # فهل ينطبق هذا الأمر أيضا على الآلام التي تصيب روحنا؟ # آلام الروح # حين نتعلق بأفكارنا المؤلمة، حين نقوم بتكرارها في ذهننا، فإننا نساهم في نفس ~~الوقت في زيادة صلابتها. إننا نعطيها شكلا ونعطيها أهمية، ونجتر آلامنا ~~محولين إياها إلى وحوش. # هذه الاجترارات هي عملية تصليب لثرثرة ذهننا الآلية. فمن حدث ما نخلق معاناة، ~~دون أن نقصد ذلك. وبالإضافة إلى كل ما يصيبنا مسببا حالات من القلق والاكتئاب، ~~تقوم أفكارنا وقناعاتنا (والتي نصدقها ونؤمن بها حتى لتبدو كأنها ثوابت) ~~بزيادة معاناتنا. ومن ثم نتعلق كأمهات بهذه الوحوش الصغيرة التي قمنا ~~بإنجابها. # الأفكار السلبية التي تأتي وتذهب لا تسبب لنا الألم. لكنها تصير مؤلمة حين ~~تجتاح وعينا وتطلق ms081 فيه جذورها مانعة الأفكار الأخرى من الوجود. ومع الوقت إذا ~~تركنا هذه الأفكار في عقولنا طويلا، فإنها ستخلق دروبا من المعاناة المخبأة في ~~أذهاننا والتي ستظهر فجأة من جديد في كل مرة نتعرض فيها لشدة ما. وهذا سيحدث ما ~~يسمى ب «الإلحاحات الأليمة»، والتي تكون مضنية، ومحبطة، ويصعب التحكم ~~بها. # مواجهة المشكلات اليومية # كيف يمكننا أن نمنع ذهننا من السير وراء تلك المشكلات؛ من أن يكون مأخوذا بها؟ ~~قد يبدو الحل تناقضيا؛ لأنه علينا بكل بساطة أن نعطي مساحة أكبر لآلامنا، كي ~~نفك ذاتنا من عناقها. # إن لممارسة التأمل بالوعي الكامل تأثيرا على الشدة والمعاناة اليومية؛ إنها ~~تمنع همومنا (التي هي غالبا شكوك مقلقة) من أن تتحول إلى حقائق، وتمنع مشاعرنا ~~(التي تكون في حالتها الطبيعية في حركة دائمة) من أن تكون مزمنة وتتصلب، فتصير ~~نزوات. إنها تساعدنا على ألا نبقى مكبلين، ومحاصرين في حالة ذهنية ~~مؤلمة. # تحت تأثير آلامنا قد نسجن ذواتنا دون أن ندري؛ لهذا علينا قبل تحريرها من سجنها ~~أن نرى هذه الحواجز أولا. إذن خطوتنا الأولى هي أن نقبل حقيقة هذه الشدة. علينا أن ~~نقبل وجودها في جسدنا، وأن نراقب الأفكار التي ترافقها والدوافع التي ستخلق ~~لدينا. إننا لا نحب أن تصيبنا المحن؛ لأنها تؤلمنا وتخيفنا، لكن صوت الوعي ~~الكامل يقول لنا: «ابق معها، لا تخف من أن تحافظ عليها في حقل وعيك. هل هي ~~حقيقية أم لا؟ ليس هذا هو السؤال، بل هو: هل تستطيع أن تئوي هذه المحنة داخلك وهذه ~~الأفكار والمشاعر، والحالات النفسية تلك، دون أن تنهار، دون أن يصيبك ذلك ~~بالذعر، ودون أن تسبب لك المعاناة؟» هذا ما يقوله بالضبط المثل الصيني: «إنك ~~لا تستطيع أن تمنع طيور الحزن من التحليق حول رأسك. لكن لا تدعها تضع أعشاشها في ~~شعرك.» # كي لا نبقى ضحايا اجترارات القلق علينا أن نقبل بوجودها معنا أولا، وبعد ذلك ~~علينا ألا ندعها تشغل كل مساحة وعينا. علينا أن ندعو ضيوفا جددا لدخول هذا الوعي ~~المشغول بالقلق؛ وعينا ms082 لتنفسنا، للأصوات حولنا، لجسدنا، وأيضا وعينا لكل الأفكار ~~الأخرى التي تمر، تبقى قليلا ثم تذهب، كي تعود من جديد. ولكي نعطي لأفكارنا من ~~جديد حرية التحرك بطلاقة، يلزمنا مساحة إضافية؛ مساحة أكبر. ليس علينا أن نسعى ~~لمطاردة اجتراراتنا أو إلغائها، بل علينا أن نسمح لها بالبقاء معنا، لكن دون أن ~~تكون وحيدة؛ وأن نتركها تمتزج وتنحل في محتوى أكثر اتساعا كي نخفف من ~~عبئها. # ثم علينا أن نتنفس؛ ففي لغة معلمي التأمل بالوعي الكامل نجد تعابير مثل ~~«تنفس مع»، و«تنفس عبر». هي ليست مصطلحات شديدة الدقة لكنها وصفية جدا؛ فأن ~~نقول «تنفس مع»؛ أي، أننا نستمر في مراقبة معاناتنا واضعين دائما تنفسنا في ~~قلب وعينا (وأن نفعل ذلك بصبر؛ لأن المعاناة ستعود مرارا لتحتل قلب وعينا). وأن ~~نقول «تنفس عبر»؛ أي، أن نقوم بمراقبة تأثير التنفس على آلامنا، وكأنه يعبرها. ~~وبتمريننا المستمر بهذه الطريقة أثناء المعاناة والمحن البسيطة، قد نصبح أقل ~~عجزا إذا أصابتنا المحن الكبرى ... ربما. # عدم ديمومة معاناتنا # قبل كل شيء يجب أن نعي وأن نمارس مفهوم عدم الديمومة الذي يذكرنا أن لا شيء ~~يمتلك صلابة نهائية، وأن كل شيء سيعبر وينتهي، وأن التعلق بحقيقة ما ليس سوى ~~طريقة تفكير مغلوطة قد تعززها المعاناة. إنه يهمس لنا أيضا بنصائح تذهب إلى ما ~~بعد كيفية «إدارة» المعاناة. فكلنا نملك هذا الأمل المجنون بأن يبقى كل ما نتعلق ~~به (أشخاص نحبهم، أشياء نملكها) معنا إلى الأبد. وفي نفس الوقت لدينا هذا اليأس ~~المجنون (عندما نكون قلقين) بأن هذه المعاناة التي نمر بها ستبقى معنا إلى ~~الأبد. # لكن لا شيء يبقى إلى الأبد، لا أفراحنا ولا أحزاننا؛ فلا تعلق ولا سجن. نستطيع ~~أن نفهم ذلك وعلينا أن نختبره. نستطيع في تمارين التأمل بالوعي الكامل أن نراقب ~~كل ما نتعلق به، وأن نبني معه علاقة مختلفة؛ لا أن نتخلى عنه، لكن أن نبحث عن ~~المزيد من الحرية في علاقتنا معه. فما هو عابر ليس بالضرورة دون أهمية، ومن الجنون ~~أيضا القول إننا ms083 نستطيع التحرر من كل شيء. كل ما علينا فعله هو مراقبة كيف ~~يمكننا عبور كل الأشياء، وتلقيها، دون أن نكون في حالة من التعلق، مع الاستمرار ~~بالعيش وبالاستمتاع. ~~«الدرس الخامس عشر» # إن أهم مصدر لمعاناتنا الذهنية هو تضييق قدرات وعينا؛ ألا ندرك أننا نغير ~~أحيانا بعض الحقائق ثم نتعلق بكل قوانا بهذه الحقائق المشوهة. يستخدم هنا علماء ~~النفس مصطلحات مثل «تحويرات» أو «اجترارات». ويعرفون أنه يجب علينا القيام فورا ~~بعمليتين؛ الأولى: أن ندرك أن ذهننا بصدد صنع فخ لنفسه، والثانية: أن نخرج من ~~هذا الفخ. في بعض الأحيان وحتى حين ندرك جيدا أننا نؤذي ذواتنا، نحن لا ~~نستطيع أن نخرج من وساوسنا واجتراراتنا. إن رسالة التأمل بالوعي الكامل بسيطة؛ فحين ~~يكون الأمر صعبا جدا علينا أن نعدل عن محاولة طرد هذه الأفكار المؤلمة ~~باستخدام الإرادة؛ وبدلا عن ذلك نستطيع أن نوسع إدراكنا لكل ما هو موجود في ~~لحظتنا الحاضرة. علينا ألا نترك كل المساحة في أذهاننا للاجترارات والوساوس، وأن ~~نجعلها تمتزج وتنحل في محتوى أكثر اتساعا كي نخفف من عبئها. يجب أن يتوسع ~~وعينا إلى ما لا نهاية! # الفصل السادس عشر # | أن نتخلى عن إصرارنا # ليس جسدها العاري هو الذي يفاجئنا في البداية، وليست هذه التفصيلة الغريبة للغطاء ~~الأبيض المفروش على تل مليء بالحصى، حيث بدأت بعض الأعشاب بالظهور. ولا هذه الوضعية ~~الجميلة والمرتبكة لقدميها. لا، إن ما يفاجئنا، هي نظرتها، ووجهها الخالي من أي ~~انفعال وكأنه وجه منتصر. إنه تعبير اليقين المطمئن هذا. وهذه النظرة كأنها تقترح ~~علينا أن ننظر إلى يدها اليسرى، وغصن الزيتون الذي تحمله كغنيمة نصر أو إثبات أو حجة؛ ~~غصن الزيتون الذي يشير إلى السلام والأمل. # خلفها جبل ممزق. حين ننظر إليه عن قرب نكتشف أنه ليس جبلا من الحجارة وإنما ~~أبنية مهدمة. وهذا السياج الذي يحيط بالحقول هو قبور عليها صلبان بائسة. # لوحة «الأمل» (1870-1871) لبيير بوفي دي شافان (1824-1898)، وهي لوحة ~~زيتية على القماش، بأبعاد 0,705 × 0,82 متر، متحف أورسيه، ~~باريس. # رسم بوفي ms084 دي شافان هذه اللوحة بعد سنة واحدة من الحرب الفرنسية-البروسية عام 1870 ~~والتي أهين فيها بلده بخسارة سريعة، مؤدية إلى سقوط الإمبراطورية الثانية. لقد ~~سماها «الأمل»، وتلقى عليها كثيرا من النقد. ولكن ما الذي كان يريده النقاد؟ هل ~~كانوا يريدون أن تحمل سلاحا بدلا من غصن الزيتون، كي تذهب إلى الحرب، أو ربما مجرفة ~~كي تعيد بناء ما تهدم؟ # إنها لا تبالي الآن وأبدا بأي نوع من الانتقام. لا تبالي في هذه اللحظة بفكرة ~~القيام بأي فعل. هذه الفتاة التي لا تملك قوة إلا جسدها النحيل والعاري. إنها تأخذ ~~وقتها، وتعي. إنها تشعر، وتنقل ما تشعر به عن المصائب التي مرت ، وعن وعيها أيضا ~~للزمن الجديد الآتي. # ونلاحظ أخيرا بالقرب من يدها اليمنى، التي تضعها برقة على الغطاء الأبيض، أن ~~هناك شجيرة سنديان صغيرة تندفع نحو السماء. # أين هو وجعي؟ # لم يعد لدي وجع. # إنه ليس سوى لغط # على حافة الشمس. # بول فور، «أغنية عند الصباح» # التوقف عن المقاومة # عندما نمر بصعوبات فإننا نسعى بشكل طبيعي لحلها. نحاول التخلص منها، أو ~~تغييرها، أو حتى الهروب منها. ولكن هناك صعوبات لا تجدي معها هذه المحاولات نفعا؛ ~~كتلك الصعوبات الموجودة داخلنا (بعض أفكارنا ومشاعرنا)، أو تلك المحن التي لا ~~نستطيع حيالها شيئا، أو تلك التي لم تحدث بعد (توقعاتنا القلقة). إذن قد يكفينا ~~أحيانا أن نتوقف عن الاعتراض والمقاومة؛ أن نتخلى عن عاداتنا السلوكية أمام ~~الآلام، ونقبل أنها لن تفعل شيئا أكثر من تعقيد المشكلات، وجعلها أكثر إرباكا ~~وألما. # عندما تسيرون على شاطئ رملي تاركين أقدامكم تغوص في الماء ثم في الرمل تحته، فإن ~~الرمل سيشكل غيوما صغيرة معكرا الماء. إذا أردتم أن يصير الماء صافيا من ~~جديد، تعرفون جيدا أنكم لا تستطيعون أن تزيلوا غيوم الرمل الصغيرة هذه بأقدامكم ~~أو بأيديكم؛ لأنكم عندها ستقومون بتشكيل غيوم رملية أخرى. وكلما حاولتم أكثر، صار ~~الماء عكرا أكثر. فلا حل آخر غير البقاء دون حركة، والسماح لهذه الغيوم الرملية ~~بالبقاء، وانتظار سقوطها من جديد. ms085 عندها تستطيعون مراقبة الماء الصافي حول أقدامكم. ~~الغيوم الرملية هذه هي التجارب المؤلمة في حياتنا. ولكي نرى بشكل أوضح ينصحنا ~~التأمل بالوعي الكامل بأن نتوقف عن محاولة التحكم بها، وبأن نكتفي بمراقبتها، وهي ~~تستقر ببطء في قعر الماء. # كتبت الفيلسوفة سيمون فاي: «لنحاول تخفيف المشكلات باستخدام النيات وليس قوة ~~الإرادة ... إن الطريقة الوحيدة هي مناشدة الذات لأنها ستساعدنا على تخفيف تصلب ~~العضلات التي لا علاقة لها بالأمر. فلا شيء أكثر غباء من تقلص العضلات وشد الفك ~~بسبب فكرة، أو قصيدة شعر أو مشكلة!» # ولكن إذا لم تكن أفعالنا هي الحل وإنما النيات، فإلى أين يجب علينا أن نتجه عندما ~~نكون محاصرين ، وكأننا نغوص ببطء في النهر؛ عندما نتوقف عن التقدم، ولا نستطيع ~~التراجع. ماذا نفعل إذن؟ # التوقف كي نتنفس # أمام المعاناة والشدة علينا قبل كل شيء أن نبدأ بالتنفس. # لكننا نفضل عادة التفكير في المشكلة وتأنيب أنفسنا؛ لأن ذلك سيبدو لنا أكثر ~~ملاءمة وأكثر واقعية أو أكثر فعالية، خصوصا حين نكون في صلب المشكلة. وبعد فترة ~~قصيرة ندرك أن قلقنا كان عبثيا. ولكننا ندرك ذلك متأخرا، ونفضل في ~~أغلب الوقت أن ننسى الأمر برمته، والتفكير بشيء آخر، وذلك بانتظار المشكلات ~~اللاحقة حيث سيبدأ كل شيء من جديد. # يقترح علينا التأمل بالوعي الكامل أن نبدأ دوما بالتنفس، وأن نتمرن على التعامل ~~مع المعاناة عندما تأتي. وفي اللحظة التي تكون فيها موجودة، علينا ألا نسعى إلى ~~إلغائها، أو إيجاد حل لها، أو حتى السعي لأن نكون أحسن حالا. فقط علينا البقاء حيث ~~نحن بمرافقة النفس، كصديق قديم لا يعرف بعد كيف ينصحنا، لكنه هنا معنا، وسيبقى ~~بقربنا. وعلينا أن ندرك أن وجوده، هذا الوجود الجميل، ربما هو أكثر أهمية من ~~المشكلة ذاتها. # ومع الوقت، سيعطي تنفسنا بوعي كامل تأثيرا مرخيا. وفي الوقت الذي تزيد فيه ~~الاجترارات من صلابة أفكارنا ومشاعرنا، فإن التأمل بوعي كامل سيزيد من طراوتها، كما ~~يزيد اللهب من طراوة الشمعة. فلنبق تجاربنا المزعجة في ضوء الوعي الكامل، حتى ~~عندما ms086 نشعر أننا متعبون وواهنون، وأن ذلك لن يغير المشكلة. لماذا يجب دوما ~~«البدء» بمواجهة المشكلة؟ ماذا لو نبدأ، من وقت لآخر، بتغيير طريقة استجابتنا ~~للمشكلة؟ # لماذا يجب دوما البدء بمواجهة المشكلة؟ ماذا لو نبدأ، من وقت لآخر، ~~بتغيير طريقة استجابتنا للمشكلة؟ # ملجأ اللحظة الراهنة # حين نتوقف كي نتنفس، وحتى عندما يكون كل شيء مؤلما، نستطيع أن نشعر كأننا نحتمي ~~في ملجأ؛ كقارب يحتمي من العاصفة في ميناء أو خليج. صحيح أن العاصفة مستمرة، ~~لكننا في أمان. هو ملجأ غير مثالي ومؤقت، لكنه يبقى ملجأ. بتنفسنا نفهم أننا ~~أحياء، وأن ذلك جوهري، وأن كل شيء آخر يمكنه الانتظار، على الأقل بضع ~~لحظات . # أن نحتمي في اللحظة الحاضرة لا يعني أننا حللنا المشكلة، أو أننا وجدنا حلا. ~~لا، فالمشكلة لا تزال موجودة، والحل لن ينبثق من النفس، وقد لا يكون هناك حل. ولكن ~~رغم بقاء المشكلة، فقد وجدنا مكانا آمنا نستطيع من خلاله مراقبتها دون أن ~~نناضل ضدها خوفا من أن نغمر بها أو أن نغرق. # أن نتنفس أثناء المحن، هو أن نضع روحنا في مكان آمن، ليس من أجل الهرب من ~~الواقع، وليس كي ننتقل إلى الفعل، وإنما كي نختار أن نرى بشكل أوضح؛ أن نختار ~~إفساح المجال للهدوء، وإعطاء فرصة لذكائنا. مهما فعلت ومهما فكرت، ستبقى ~~المشكلة، إنها هنا الآن. لكنني أنا هنا أيضا، موجود وحي. وبقدر ما أستطيع، سأستمر ~~بالعيش، وسأستمر بالتنفس لأن شيئا ما سيتغير. يجب علي فقط قبول أنني لا أعرف ~~بعد ما الذي سيتغير ولا متى. ~~«الدرس السادس عشر» # ماذا يعني العدول عن الإصرار؟ إنه ليس الهروب من الواقع عبر صرف الانتباه ~~(«هيا، علي أن أبدل أفكاري»)، أو الإقناع الذاتي («استرخ، وكل شيء سيكون على ~~ما يرام»)؛ هذه أشياء نقوم بها دائما، ونعرف أن ذلك قد ينجح أحيانا، لكن ليس ~~دائما. إن العدول عن الإصرار هو شيء آخر، وقد يكون شديد المنفعة أيضا؛ إنه البقاء ~~هنا حاضرا، في حالة عقلية خاصة. إنه أن نبقى حاضرين، وأن ms087 نتوقف عن محاولة السيطرة ~~على المشكلة أو إيجاد حل لها. فقط علينا البقاء هنا، والوثوق بما سيأتي. دون سذاجة، ~~وإنما بفضول، ويقظة دائمة؛ كالسباح الذي يوقف كل جهد، ويترك نفسه يحمله تيار ~~النهر. إنه ليس حالة من الكسل، وإنما حالة من الحضور. # الفصل السابع عشر # | أن نبقى حاضرين في هذا العالم # لا يحدث شيء استثنائي هنا. يحرث الفلاح أرضه، ويحرس الراعي خرافه وهو يراقب ~~الغربان، وينتظر الصياد أن يأكل السمك الطعم. وتبدأ سفن رحلتها. ومن بعيد، نجد ~~خليجا، جزرا وموانئ. يبدو كل شيء في مكانه. ولكن إلى ماذا ينظر هذا الراعي فعلا؟ ~~هناك رجل بأجنحة في الأعلى! إنه دايدالوس، وحيدا في السماء. إنه يدير رأسه إلى يمين ~~اللوحة وكأنه يبحث عن شيء ما أو عن شخص. # إنه لا يزال يطير، لكنه تحلى بالحذر ولم يقترب كثيرا من الشمس. وقد أدرك توا أن ~~ولده إيكاروس لم يعد بجانبه. إنه يبحث عنه في السماء. إنها لحظة من تلك اللحظات التي ~~تبدو عادية، ولكنها تسبق الكارثة. نبحث معه عن ابنه؛ لا شيء في السماء غير الضوء الباهر ~~للشمس الحارقة. ماذا إذا نظرنا إلى الأسفل؟ نعم إنه هناك؛ ألا ترون قدم المسكين ~~إيكاروس التي لم تغص بعد في البحر. # لوحة «سقوط إيكاروس» (تقريبا 1590-1595) لبيتر بروجل الأكبر ~~(تقريبا 1525-1569)، وهي لوحة زيتية على الخشب، بأبعاد 0,63 × 0,80 ~~متر، متحف فان بورين، بروكسل. # إنه سوف يموت غرقا أو محطما إثر سقوطه. لقد انتهى كل شيء بالنسبة إليه، ولكن ~~بالنسبة إلى الآخرين فإن الحياة تستمر. تستمر الحياة. هذا ما يقوله لنا بروجل؛ فقد بقي ~~كل شيء كما كان. لا أحد يهتم لموت إيكاروس؛ لا الفلاح، ولا الراعي، ولا الصياد، رغم ~~أنه قد سقط قريبا جدا منهم. وحتى حين يعلم الجميع بموته، هل سيختلف الأمر كثيرا؟ ~~فنحن نجد الموتى، الموتى المساكين، كل يوم وفي كل مكان. لكن الأرض ستستمر دوما ~~بالدوران. # هل هذا شيء فظيع؟ لا. إنه حدث ما؛ بعض من الزبد على شاطئ البحر. ولكن الأرض ms088 ~~ستستمر في الدوران، ولربما ذلك من حظنا. فماذا ينفعنا لو أنه في كل مصيبة تحل بنا ~~سيتهدم العالم معنا؟ # عليك أن تطور روحا واسعة وسع الفضاء، حيث يمكن للأحداث الجيدة ~~والسيئة أن تظهر وتختفي دون نزاع، دون مقاومة أو ألم. اجعل روحك واسعة ~~كالسماء. # بوذا، «مجموعة النصوص المتوسطة الطول» # علينا ألا نفقد العالم # يأخذ الألم كل المكان؛ إنه يجتاح وعينا، أو أننا نحن من ينكفئ عليه، خاصة في ~~حالات الحداد والفقدان لأن الألم يرتبط مباشرة بمن فقدناه، وقد يزيد شعورنا ~~بالفقد إذا نحن توقفنا عن المعاناة. سلوك الانكفاء هذا هو نوع من البحث عن ~~«وضعية مخففة للألم» كما يقول الأطباء، ولكنه أيضا نوع من التعلق بما بقي لنا. ~~لكننا، عندما نتصرف بهذه الطريقة، بانطوائنا على ذواتنا، على آلامنا وذكرياتنا، ~~سنكون حينها في خطر لأننا سنكون حينها قد خرجنا من العالم. تتكلم الفيلسوفة سيمون ~~فاي عن «درجة الألم التي نفقد عندها عالمنا». إذن كيف نستطيع في لحظة ما العودة ~~إليه؟ كيف نستطيع إذن أن نتلقى معاناتنا بصدق، حين لا نستطيع (وأحيانا لا نريد) ~~إبعادها، وأن نبقى في نفس الوقت متواصلين مع العالم الذي يحيط بنا؟ # كي لا ترمينا الآلام الكبيرة خارج الحياة، علينا أن نتمرن في حالات الألم الخفيفة ~~على البقاء على صلة مع العالم في أوقات الكآبة واليأس اليومية. علينا أن نتمرن في ~~أوقات الحزن البسيط كي نتهيأ قدر الإمكان أمام المشكلات الكبيرة. # في البداية علينا توسيع وعينا # علينا أن نحرص على ألا تكون المعاناة موجودة بمفردها، وألا يكون انتباهنا ~~مركزا عليها، بل أن يكون هناك عناصر أخرى حاضرة في وعينا؛ بإتاحة المساحة ~~لتنفسنا، لأحاسيسنا الجسدية، للأصوات حولنا. علينا أن نوسع الوعاء الذي ~~يحتويها، فلا ندع الألم يأخذ كل مساحة وعينا. ويجب أن ندعو كل قصاصات الحياة التي ~~ما تزال في متناول أيدينا. # علينا بعد ذلك مراقبة أفكارنا، التي ستكون هي أيضا مثبتة على الألم. علينا أن ~~نجلس، ونغلق عيوننا ونتنفس، ثم أن نأخذ وقتا كافيا كي نرى إلى أين ms089 تحاول أن ~~تدفعنا معاناتنا؛ إلى أي نوع من الانطواء والعزلة، وأن نستمر في نفس الوقت بالتنفس، ~~وبالإحساس، وبالعيش. وعلينا ألا نوقف تنفسنا مغلقين حياتنا على المعاناة ~~والآلام. # هل تمر بعض الأحزان بمفردها؟ أكيد دون شك، وربما بشكل أسرع إذا اتبعنا هذه ~~الطريقة. بكل الأحوال فإن تلك المعاناة التي سنتعامل معها بالوعي الكامل لن تترك ~~فينا أخاديد جاهزة كي تمر بها آلامنا اللاحقة. إنها لن تكون سوى ذكرى مزعجة بعض ~~الشيء، وليس قنبلة موقوتة مستعدة للانفجار. # المواساة # أن نكون وحيدين في المعاناة، إنها مسألة حقيقية وثابتة؛ فلن يعاني أحد بدلا ~~عنا، ولن يستطيع أي شخص أن يأخذ أوقية واحدة من آلامنا، لكن هل يعني ذلك أنه ~~من المستحيل أن تتم مساعدتنا؟ ألا توجد مواساة ممكنة؟ # الأمر ليس كذلك فعلا. الحقيقة هي أننا نحن من لا يريد أو لا يستطيع أن يتلقى ~~المواساة. إننا لا نستمع إلى مواساة الآخرين لأننا نظن غالبا، وبشكل مسبق، أنها ~~لن تجدي نفعا. وبالتأكيد سيكون ذلك صحيحا. إنها لن تجدي نفعا إذا أردنا أن ~~تعود الأمور كما كانت عليه تماما؛ أي، أن تختفي المأساة. لكننا إذا أدركنا أن ~~إصلاح كل شيء غير ممكن، وأنه لا يوجد بالضرورة حل لمعاناتنا، فقد ننصت حينها ~~إلى مواساة الآخرين، وقد نتعلم حينها شيئا آخر، وهو أنه يوجد دائما إلى جانب ~~معاناتنا، حياة مستعدة لاستقبالنا. # إذا قمنا بهذا الجهد، فسنكتشف أنه خلف المواساة يوجد أيضا العطف. إنه ليس ~~الدواء الشافي للمصائب، لكنه قارب نجاة. إنه تشجيع على الاستمرار في الحياة رغم كل ~~شيء. إنه يوسع وعينا لندرك وجود الحب والاهتمام من حولنا. وتصلنا الرسالة ~~البسيطة الآتية: أحيانا لا يكون هناك من إمكانية أمام القريبين منا غير عجزهم ~~وحضورهم. إنهم عاجزون عن «إصلاح» ما حدث، لكنهم حاضرون ليذكرونا أن علينا أن ~~نظل بشرا في خضم الحياة؛ فيجب ألا نتحول إلى وحش يعتصره الألم، وألا ندمر ~~ذواتنا، وألا نصلب أرواحنا، وألا نترك العالم، وأن نبقى أحياء. # هل علينا الاستمرار بالبكاء؟ # هل سيتوقف دايدالوس عن ms090 الطيران؟ أم أنه سيستمر بالطيران حالما بابنه؟ هل سيستمر ~~بتأمل جريان الشمس والغيوم، وجمال الأرض والبحر، والرسم الجميل للزبد على ~~الشاطئ؟ أم أنه سيختار أن ينكفئ على ذاته ليبكي إلى آخر العمر؟ # حلق يا دايدالوس، حلق واجعل ذكريات ابنك تحلق معك وتعيش معك. ماذا تستطيع ~~أن تفعل غير ذلك؟ وعندما تحلق لا تحاول كتم أو كبت معاناتك. عليك فقط أن تفتح ~~روحك على السماء اللانهائية. استقبل بكثافة في داخلك هذا الجمال الذي ينزلق تحت ~~جناحيك. كن حاضرا بملء قواك في مشهد العالم. ولا تخف من أن تدع معاناتك تسكن ~~داخلك أثناء طيرانك. حاول أن ترى ما كان يراه ابنك، أن تشعر بما كان يشعر به . ~~حاول أن تتنفس من أجله، أن تبتسم من أجله، وأن تحب هذا العالم من أجله. # هذه الحياة التي تستمر، هذه الحياة التي تؤلمك، ستكون أيضا خلاصك. كل شيء هنا، ~~إيكاروس ما زال هنا. إنه يحلق معك. ~~«الدرس السابع عشر» # حين نعاني كثيرا، سنكون تعساء جدا، وسنفصل أنفسنا عن العالم. لن نكترث له، ~~وسنجده غير مبال، وحتى عدائي. ولكنه مع ذلك، وبطريقته هو، سيحاول مساعدتنا ~~أو إنقاذنا. وكلما عانينا أكثر يجب أن نتأكد أكثر من بقائنا على تواصل مع كل ما ~~يحيط بنا؛ فالمعاناة تزداد قسوة، وتمتد في الزمن أكثر عندما نقطع علاقاتنا ونبتعد ~~عن محيطنا، وننطوي على ذواتنا. تمرين: عندما أشعر أنني حزين، سأحاول أن أحافظ ~~على حساسيتي لجمال هذا العالم، حتى حين لا يخفف ذلك من ألمي، وحتى عندما لا ~~يساعدني مباشرة؛ ففي لحظة ما كل شيء سيصير مختلفا، وسينقذني! # الفصل الثامن عشر # | أن نستمر بالتقدم رغم جروحنا # إذا ألقينا نظرة عابرة ونحن نمر بسرعة، نجد أن هذه اللوحة تظهر لحظة ريفية عذبة؛ ~~صبية يافعة تستلقي على العشب وتراقب بيوتا في أعلى التل. # لكننا إذا توقفنا لحظة، سنشعر حينها أن شيئا ما لا يجري على ما يرام؛ يبدو ~~العشب مسفعا من الشمس في سهل واسع مقيت لا ينتهي. البيوت بعيدة وداكنة جدا. ~~وحتى هذه ms091 الفتاة تعطي انطباعا غريبا. ننظر إليها بتمعن ونبحث من أين يأتي انزعاجنا ~~هذا؛ ربما من وضعيتها التي لا تبدو طبيعية تماما. إنها ليست وضعية شخص مسترخ وهو ~~ينظر إلى السهل دون هم. يبدو أنها وضعية شخص يزحف على الأرض. ثم هناك ذراعاها النحيلتان ~~جدا، ومرفقها الذي يبدو أنه مريض ومغطى ببقع على الجلد، ويدها اليسرى التي ~~تتمسك بالعشب والتي تعاني من التورم والتشوه ... ماذا يحدث هنا؟ ما الذي يريد أن ~~يقوله لنا كل هذا؟ إليكم قصة هذه اللوحة؛ هذه الصبية التي في اللوحة مريضة ومشلولة. ~~إنها لا تتأمل الطبيعة. هي بصدد العودة إلى بيتها زاحفة لأنها ترفض أن تستخدم العكاز ~~أو الكرسي المتحرك. بالإضافة إلى ذلك، هي ليست صبية صغيرة السن، وإنما امرأة عمرها ~~أربع وخمسون سنة. وايث الرسام يعرفها جيدا؛ إنها كريستينا أولسون، جارته في قرية ~~كوشينج في ولاية مين. # لوحة «عالم كريستينا» (1948)، لأندرو وايث (1917-2009)، وهي لوحة ~~تمبرا على جص، بأبعاد 0,819 × 1,213 متر، متحف الفن الحديث، ~~نيويورك. # إذن إننا نفهم الآن، بشكل أكثر وضوحا سبب انزعاجنا أمام هذه اللوحة. إنها تظهر ~~لنا معاناة خفية، كاشفة الغم والوحدة. لكنها تحكي أيضا قصة هذا الملجأ الذي يوجد ~~عند الأفق، والذي يجب علينا الاقتراب منه ما استطعنا. وأخيرا هي تطرح سؤالا عن السؤال ~~الذي يطرح نفسه علينا دائما في حياتنا؛ هل نستسلم، أم نكمل؟ هل نزحف ونتقدم رغم ~~جروحنا؟ # يجب ألا نسعى إلى إلغاء كل معاناة، أو تخفيفها وإنما يجب ألا نتأثر ~~بوجودها. # سيمون فاي، «الجاذبية والنعمة» # الجروح المخفية # هناك الجروح الجسدية الظاهرة. وهناك أيضا جروح الروح، وحالات الضعف الناتجة عن ~~الفقد، أو مآسي الماضي. إنها هي غير مرئية، ولكنها مسجلة في أرواحنا وأجسادنا. ~~قد نعيها أحيانا، وأحيانا أخرى تكون نائمة. هذه الهشاشة تجعل منا أناسا يعيشون ~~بين عالمين؛ طبيعيين في الظاهر، ومريضين في السر. # لقد حلمنا طويلا ألا تكون هذه الجروح، أو تلك الهشاشة، موجودة. ثم حلمنا أنها قد ~~تختفي يوما ما؛ في خضم الحياة والحب ومع الوقت. والآن ms092 ورغم الجهود ومرور ~~السنوات يجب أن نعترف لذواتنا بما يأتي؛ أنها ما تزال موجودة معنا، ولوقت طويل ~~أيضا، وربما دائما. # إذن سنحاول أن ننساها، وألا نفكر بها، وأن نتظاهر بذلك. في معظم الأحيان قد ~~ننجح. لكنها من وقت لآخر، وتحت تأثير هزات الضغوط والحزن، ستستيقظ من جديد وستخرج ~~الأشباح من خزانة الثياب. # استيقاظ الشياطين القديمة # إذا كنا قد عانينا من الاكتئاب، أو من القلق، أو من اضطرابات عاطفية أخرى، فإن ~~آثارها ستبقى نائمة داخلنا، ونكون حينها فيما يسمى «مرحلة نقاهة» لأن الوقت يمضي ~~ولأننا تغيرنا، وربما لأن الحياة صارت أكثر لينا. لكنها عندما تقسو من جديد، ~~ستفتح عندها الجراح ويعود إلينا الإحساس بأننا قد ننهار، هكذا أمام الجميع . إن هذه ~~الفترات التي يمتصنا فيها من جديد كل ما هو مؤلم داخلنا، هي فترات تشبه ~~مفارق الطرق؛ وسيكون بمقدورنا أن نتصرف ونواجه، حتى لو لم نكن نؤمن ~~بذلك. # لهذا السبب قمنا بنقل ممارسة التأمل بالوعي الكامل إلى علم النفس العلاجي لدعم ~~ما نسميه «الوقاية من الانتكاسات». إن العلاجات التقليدية، كالعلاج بالتحليل ~~النفسي، وتفكيرها المتعمق حول أصل معاناتنا، لم تعد تكفي. أما العلاجات الجديدة ~~كالعلاج المعرفي السلوكي فهي أكثر نجاحا، ولكن بشكل نسبي فقط. لهذا قمنا بإضافة ~~التأمل بالوعي الكامل إلى كل هذه الحلول وهذه الخطوات التي نقوم بها. ويبدو حتى ~~الآن أنها كانت فكرة جيدة؛ لأنه يبدو أن الانتكاسات لدى هؤلاء الذين يمارسون ~~التأمل بالوعي الكامل أقل تكرارا وأقل عنفا. # عندما نعي الأفكار المضنية حين تعود إلى نشاطها تحت تأثير الصخب اليومي، فإن ~~ذلك سيساعدنا على عدم الخضوع لها، على الأقل ليس بشكل كامل. نستطيع حينها أن نقوم ~~بخيار حقيقي وهو أن نصغي إليها، ثم ننتقل إلى شيء آخر. إن هذا الشيء هو أن نتقدم ~~وأن نحاول، حتى وهي تهمس لنا بأن ذلك غير مجد؛ وحتى حين تقول لنا إن ذلك أقوى ~~منا؛ وحتى حين تصرخ فينا بأن نتوقف عن القيام بهذه المحاولات. من المهم ألا ~~ننصت إليها. # يساعدنا الوعي الكامل ms093 على ألا نترك أنفسنا تحت تأثير التهديد القادم من عمق ~~ذواتنا. عندما لا نكون على ما يرام، فإننا بممارسة التأمل نقوم بوضع خوفنا وقلقنا ~~في مساحة الوعي الكامل. وأيضا بالممارسة، عندما لا نكون على ما يرام ولكن ليس ~~بشكل كبير، فإننا نواجه الأمواج الصغيرة كي نستعد بشكل أفضل للعواصف. # التقدم خطوة خطوة، مترا مترا # علينا بعد ذلك ألا نفقد الهمة؛ فهناك أصدقاء للوعي الكامل، الفعل على سبيل ~~المثال. نستطيع أن نقوم بنفس الشيء كما في حالة المسير المنهك؛ أن نخفض رأسنا ~~وأن نتقدم خطوة خطوة، مترا مترا. نستطيع أن نفعل وأن نتقدم حتى ولو لم نكن واثقين ~~من أن ذلك سيجدي نفعا، حتى دون يقين. علينا ألا نخضع لأفكار العجز التي تتدافع ~~حولنا. وعلينا أن ندرك أن هذه الأفكار التلقائية التي ستخرج من الماضي ستحاول ~~بسط سيطرتها، وأن علينا أن نستمر رغم ذلك. # والأهم ألا نقطع تواصلنا مع العالم. علينا أن نرفع رأسنا، وأن نتشرب كل ما يحيط ~~بنا. علينا أن ننتبه إلى انقضاض أفكار اليأس والانهيار، ولكن دون أن نبقى مسجونين ~~معها في دواخلنا. ويجب أن نفتح أبواب ونوافذ أذهاننا على اتساعها أمام العالم الذي ~~يحيط بنا. # التقدم حتى الوصول إلى ذلك الملجأ # تصل كريستينا أخيرا إلى بيتها. تجلس على عتبة المنزل وتراقب غروب الشمس. إنها ~~سعيدة بوجودها، رغم كل شيء. إنها سعيدة رغم شللها، وتعبها، ويديها اللتين ~~تؤلمانها، رغم الحزن الذي لا يوصف والذي يغمر حياتها طوال الوقت. يطلب منها ~~الرسام أن يرسم لها لوحة أخرى وهي جالسة على عتبة الدار في ضوء الشمس. وهي توافق. ~~وتنظر إلى الشمس مرة أخرى وتشعر أن تنفسها يهدأ بالتدرج. تتنهد، ثم تبتسم وتلك ~~هي اللحظة التي يختارها الرسام لرسمها فيها. ~~«الدرس الثامن عشر» # أحيانا نعاني لدرجة أننا نلجأ إلى الفعل فقط. نصير حيوانات تعمل بجهد كثيف ~~للاستمرار بالحياة؛ دون تفكير لأننا نعرف أن التفكير في ظل الألم قد يسبب مزيدا ~~من البؤس والعمى. أن نفعل يعني أن نعرف ما هو جيد ms094 وأساسي بالنسبة لنا، وهذا يعني ~~أننا قد فكرنا قليلا ومن ثم تصرفنا، وبتواضع كامل. إننا نفعل لأننا نعرف أن ~~ذلك سيساعدنا على الاستمرار. يمكن أن نمشي، أن نهتم بنباتات الحديقة، أن ~~نرتب، أن نصلح، وأن نذهب إلى العمل. إننا نفعل ليس للهرب أو للشعور بالراحة، ~~ولكن لأننا لا نستطيع القيام بشيء آخر، وإن لم نفعل شيئا، سننهار. قد لا يبعث هذا ~~الكلام على الراحة أو الشجاعة، لكن توجد لحظات كهذه في حياتنا. # الفصل التاسع عشر # | أن نقبل الغموض # في المهجع الشمالي لدير سان ماركو في فلورنسا، توجد لوحة فريسك الغريبة والرائعة في ~~نفس الوقت تغطي أحد جدران الغرفة رقم 7. إنها من أكثر اللوحات إثارة للاضطراب ~~والدهشة من بين تلك التي رأيتها. # في جو من الحلم والخيال، وفي حالة من السلام السماوي نجد المسيح وقد عصبت عيناه، ~~ويتم في نفس الوقت إهانته؛ ليس من قبل أشخاص حقيقيين، وإنما عبر صفعات وبصقات، ~~وضربات عصا، وكلها آتية من أيد غريبة معلقة في الهواء. إنهم يقومون بمضايقة ~~المسيح، لكنه في نفس الوقت متربع على عرش، ويحمل صولجانا من قصب، وكرة يحملها عادة ~~ملك العالم. كيف يمكننا أن نتعرض للإهانة ونكون مكللين بالنصر في نفس ~~الوقت؟ # لوحة «السخرية من المسيح وهو بصحبة مريم العذراء والقديس دومينيك» ~~(1438) لفرا أنجيليكو (تقريبا 1400-1455)، وهي لوحة فريسك، بأبعاد ~~1,87 × 1,51 متر، متحف سان ماركو، فلورنسا. # تجلس عند قدميه والدته مريم، والقديس دومينيك. هي تستسلم لحزن عميق وحالم، وهو ~~يقرأ. إنهما كعادتهما، يهتمان لحال المسيح؛ لأن حزن مريم هو من أجل ابنها، ومن ~~المؤكد أن دومينيك كان يقرأ قصة حياة المسيح في الإنجيل. إنهما يهتمان بأمر ~~المسيح، لكنهما لا يأبهان بآلامه على ما يبدو. هما لم يهجراه؛ لا يزالان على تواصل ~~معه؛ مريم بأفكارها، ودومينيك عبر قراءته. لكنهما لا يحاولان مساعدته أو مواساته. ~~لماذا؟ # رغم الضوء الساطع في هذه اللوحة، فلا توجد أشياء كثيرة يمكن للمنطق أن يتمسك بها، ~~ومن ثم، يبدو كل شيء غامضا. ولكن أليس هذا هو الوضع ms095 في أغلب الأحيان في حياتنا، حتى ~~لو حاولنا إقناع أنفسنا بالعكس؟ # الحقيقة أرض بلا طرق. # تيتسيانو تيرتساني، «رحلة الحياة الكبيرة» # علينا أن نتمسك بإنسانيتنا رغم المعاناة # إننا، كالمسيح المرسوم في اللوحة الفريسك، قد نغرق ونختنق، وترهقنا كل أنواع ~~العنف التي قد تسقط على رءوسنا. إن تجربة اليأس تجربة تعمي الأبصار؛ لأنها ~~تضيق رؤيتنا وأفقنا، فلا نرى سوى طوفان المحن الذي يحل بنا. إنها تنزع ~~عنا إنسانيتنا؛ فنصير حيوانات يملؤها الألم، ونصبح مجنوني معاناة. وعندها لن ~~نتمكن من التواصل مع العالم لأن آلامنا الشديدة ستعزلنا وتكبلنا وتجمدنا. ~~إنها ستخلق حالة غرق داخلي، بالإضافة للمصائب الخارجية. وتصير حياتنا محطمة من ~~الداخل كما هي من الخارج. # إذن علينا أن نحاول أن نبقى، بكل ما أوتينا من قوة، أناسا حساسين. علينا أن ~~نتمسك بإنسانيتنا وبكل ما يمكنه أن يوقظها من حولنا؛ كالطبيعة والجمال. علينا ~~أن نستمر بفتح وعينا على أشياء أخرى غير معاناتنا؛ ليس لكي نخفي المحن وننساها، ~~وإنما كي لا تحكم وحدها في حياتنا ووعينا كملكة مطلقة. يجب أن يكون الحال كما ~~في هذا المقطع من كتاب لأحد الناجين من معتقل داخو وهو الطبيب النفسي النمساوي ~~فيكتور فرانكل: «حدث ذلك في مساء أحد الأيام، حين كنا جالسين على الأرض الترابية ~~للزنزانة، منهكين من التعب بعد نهار طويل من العمل، وبأيدينا قصعات الحساء. في ~~لحظة ما أتى زميل لنا، راكضا متوسلا أن نأتي حالا رغم التعب ورغم البرد، وأن ~~نخرج كي نراقب غروب الشمس البهي.» هذا ليس نوعا من الهروب، أو إحدى وسائل ~~الدفاع للنجاة من الرعب، وإنما هو سلوك نابع من الوعي والذكاء الأسمى؛ ففي اللحظات ~~التي تحيط بهم فيها أمواج الموت، استطاع هؤلاء الناس توجيه أرواحهم نحو ما هو جميل أيضا ~~في هذا العالم. إنهم تائهون، عاجزون، ومغلوبون على أمرهم، لكنهم لم يتخلوا عن ~~إنسانيتهم. ~~«ثلاث قدرات سلبية» # في الرسالة المشهورة التي وجهها الشاعر البريطاني جون كيتس إلى إخوته في 22 ~~ديسمبر عام 1817، دعا إلى تطوير ما سماه ب «قدراتهم السلبية». إنه ms096 يجد فيها نوعا ~~من النضج والكمال النفسي: «كثير من الأشياء تتابع في ذهني، وفي هذه اللحظة، ~~فاجأتني صفة تساهم في صناعة الرجل المكتمل النضج، وبشكل خاص في مجال الأدب. ~~يبدو أن شكسبير كان يمتلكها بشكل كبير. أريد أن أكلمكم عن القدرة السلبية؛ هي ~~عندما يكون الرجل في حالة من عدم اليقين، والغموض، والشك لكنه لن يركض ساخطا ~~للبحث عن توضيح أو منطق.» # عدم اليقين، والغموض، والشك ... كيف يمكننا أن نطور قدرتنا على تحمل فقد ~~السيطرة على دواخلنا، أو فقد الوضوح، دون أن نحاول فورا التعلق بما هو منطقي ~~ومحدد؟ # كيف نتحمل عدم اليقين؟ إن عدم اليقين مصدر للقلق؛ حتى إنه يمكننا أن نقول إن كل ~~حالة قلق قد يكون سببها حالة من عدم اليقين. لهذا السبب يربكنا كل من الموت ~~والمستقبل، فهما دائما مجهولان. لهذا فإننا نحاول دائما في حياتنا أن نضع ~~حدا لكل ما هو غير مؤكد؛ بأن نحصل على ضمانات واحتياطات، وأن نقوم بالتحقق من ~~كل شيء، رغم كل ما يمكن أن يسببه ذلك من إرهاق لذواتنا من كثرة أشكال ~~الحماية والحواجز التي نضعها في حياتنا. إننا نحرص على ملء روحنا بكل ما هو ~~مؤكد، دون أن يطمئننا ذلك؛ لأننا نعرف في أعماقنا أن كل ذلك دون جدوى. كل هذه ~~الجهود، كل تلك التعويذات والابتهالات ليست سوى سلوك دون هدف؛ لأن الحقيقة هي ما ~~يأتي؛ توجد في حياتنا مشكلات لا حل لها، وعلينا أن نقبل بها لكن دون أن نتوقف ~~عندها، بل يجب أن نستمر بالعيش والسير قدما، حاملين هذه المشكلات في ~~حقائبنا. # كيف نتحمل الشك؟ علينا أن نقبل المرات التي لا نعرف فيها كيف نفكر أو ماذا ~~نفعل، وأن نعدل عن هذه الحاجة إلى التعلق بأحكام أو أفعال ثابتة، أو تبني ~~أفكار غير فعالة لكنها مريحة؟ علينا أن نتوقف عن أخذ الخيارات، أو اعتبار أن ~~خياراتنا هي دائما الخيارات الصحيحة؟ أحيانا لا يكون أمامنا حل سوى أن نقول ~~لأنفسنا: «لا أعرف، لا أستطيع أن أعرف، لا أستطيع ms097 إلا أن أشك.» لكن يجب ألا يمنعنا ~~هذا الشك عن الاختيار، أو الفعل إذا تطلب الأمر ذلك، وعلينا ألا نعيش فيما بعد في ~~حالة من الشك، من جديد، وألا نبقى في حالة «ماذا أفعل؟» وإنما في حالة «هل فعلت ما ~~هو صحيح؟» # كيف نتحمل الغموض؟ كيف نستطيع أن نتحمل ما هو غير مفهوم، أو ما يتجاوز فهمنا؟ قد ~~يبدو ذلك سهلا؛ لأننا نشعر دائما أن الغموض يبقى خارج نطاق إدراكنا، إذن نقبله ~~بشكل أفضل. لكن الغموض ليس الفوضى؛ لأنه قد يكون وراءه منطق ما، حل ما، معنى ~~ما. لهذا نظل بحالة سؤال إلى الأبد. لكن في حالات الغموض الملفعة بالحزن، ~~بالمعاناة، بالظلم، لن يكون هناك غير سؤال واحد: لماذا؟ دون جواب. وربما ذلك أفضل ~~لأنه عندما تأتي الأجوبة تكون غالبا أجوبة خطيرة؛ كونها محملة بيقين كاذب ~~تصلب في مغطس من الآلام: «إنني ملعون، لا شفاء لوضعي، لا يوجد حل.» ربما من ~~الأفضل ألا نحصل على أجوبة كهذه. وربما من الأفضل أن نتعلم، في بعض حالات الشدة، ~~ألا نطرح أسئلة عندما نكون في خضم المعاناة. ربما من الأفضل حينها أن نتنفس، وأن ~~نفتح روحنا. # اللحظة الحاضرة والفوضى # كيف يمكننا إذن أن نتصرف أثناء المحن، نحن الذين لا يمكن أن نمتلك هذا ~~اليقين الذي يمتلكه المسيح؟ نستطيع أن نلجأ إلى اللحظة الحاضرة، وأن نتمرن على ~~استضافة الشعور بعدم المعرفة أو الاستطاعة أو الفهم. علينا أن نراقب هذا الإحساس ~~غير المريح، وكيف يحاول أن يخنقنا بموجات من الشدة ونبضات مشوشة للذهن؛ ~~«هيا تحرك، افعل شيئا، لا تبق هكذا.» علينا أن ننمي ونطور قدرتنا على ~~احتمال هذه التجربة. وتماما كما يحدث عندما نستمع إلى صديق، يجب علينا في بعض ~~المرات أن نستمع إليه دون أن نشعر أننا مجبرون على حل مشكلاته أو محاولة إيجاد ~~حلول بدلا منه. علينا أن نتحرر من «ضغط إيجاد حل ما» قد يسبب مزيدا من ~~المعاناة. لنفعل الشيء نفسه عندما نفكر في مشكلاتنا؛ لنراقب بهدوء حالتنا، ~~الآن وهنا، قبل أن ms098 نمتلئ عنادا بضرورة امتلاك زمام الأمور؛ فهذا سيأتي ~~لاحقا. # ومن المهم أيضا أن نعتبر هذا العدول عن محاولة الفهم والتحكم بالأمور، حالة ~~تحرر وخيارا، وليس هزيمة أو إجبارا. علينا أن نعدل عن السعي إلى التحكم ولكن ~~أن يكون ذلك بشكل فعلي، دون تأوه أو ندم. ويجب أن يتم ذلك بعقلنا وجسدنا وروحنا ~~أيضا، ولا يجب أن نبتعد بجسدنا (بأن «نستسلم» ولا نفعل شيئا) ولكن روحنا تتأوه. ~~علينا أن نراقب إلى أي درجة يبعث هذا العدول على الراحة. # ولكن لننتبه؛ إذ يجب ألا يكون هذا هو سلوكنا الأول في كل مرة. علينا أحيانا من ~~دون شك، أو حتى في معظم الأوقات، البدء بالبحث عن حلول. ولكننا إذا لم نجد حلولا، ~~أو أنه رغم وجودها، عادت المشكلات، فقد يعني ذلك حينها أن طريق الخروج يكمن في ~~مكان آخر. # إن ذكائي ومنطقي هما الضوء الذي ينير لي ويساعدني على فهم مشكلاتي، وإيجاد ~~حلول لها. ولكن أحيانا، قد لا يكفي هذا الضوء، أو حتى إنه سيسجنني ويحجب عني ~~طرقا أخرى. فعندما تسطع الشمس، يعطينا نورها انطباعا أنه يكشف لنا كل ما هو ~~موجود أمامنا. ولكنها عندما تغيب ويحل الليل، نفهم فجأة، أمام هذا العدد الهائل ~~من النجوم أنه توجد أشياء أخرى لم نرها بسبب ضوء الشمس. ~~«الدرس التاسع عشر» # يجب ألا نضع أنفسنا في حالة ضعف أو عجز. لكننا لا نملك الخيار دائما. إذن هل ~~نستطيع أن نهيئ أنفسنا للحظات كهذه؟ ربما. عندما نمارس تمارين التأمل بالوعي ~~الكامل بشكل متكرر، سنعرض أنفسنا حينها إلى ذهن لا يفعل إلا ما يحلو له، ~~وإلى مشاعر وأحاسيس تؤلمنا. ولكننا عندما نقرر البقاء هنا، رغم كل هذا؛ أن ~~نبقى بالتمرين رغم عدم الراحة والفوضى، فإننا سنملك قدرة مهمة؛ إنها قدرتنا على ~~تحمل الإحساس بالفوضى وفقد السيطرة. أن نبقى رغم الألم ليس نوعا من محاولة ~~جلد الذات، أو حب تعذيبها؛ بل هو فقط أن نقبل إمكانية حدوث ذلك يوما ما في ~~حياتنا، وأن نكون مستعدين لذلك ولو قليلا. # الفصل ms099 العشرون # | أن نلمح السعادة وهي تبزغ ببطء # إنها كالوعد الذي يظهر ببطء من بعيد. جمال ساحر نراقبه ونحن نقترب في مياه الخليج ~~الضحلة. إنها مدينة البندقية. قريبا سنصل إليها، قريبا سنضع أقدامنا على أرضها ~~الهشة، سنكتشفها، ونزورها كاملة، هذه المدينة ذات الجمال الذي يخبو رويدا. تبدو ~~الشمس كأنها تستقبلنا وهي تقدم آخر خيوط الضوء والحرارة. إنها تملأ سماء الخليج ~~بشعلة صفراء ذهبية اللون. # لقد بدأ القمر صعوده عند الأفق في الزاوية اليسرى من اللوحة، حاملا معه قليلا من ~~البرودة. بعد قليل ستغوص الزرقة في ظلام الليل، وعندما سنصل إلى المرفأ تكون الشمس ~~وضوءها قد غابا. إن هذه اللحظة تهزنا وتبعث القشعريرة فينا. لقد غمرنا هذا النهار ~~بالسعادة، وكذلك فعل الغسق. فماذا سيحدث الآن عندما تغيب الشمس؟ # لوحة «الاقتراب من البندقية» (1844) لجوزيف مالورد ويليام تيرنر ~~(1775-1851)، وهي لوحة زيتية على القماش، بأبعاد 0,62 × 0,94 متر، ~~المعرض الوطني للفنون، واشنطن. # في كل لحظة، يمكننا أن ندخل الجنة ... أو نخرج منها. # كريستيان بوبان # السعادة والوعي # كل شيء يبدأ بشعور الرضا؛ الشبع، الهدوء، الدفء، غياب أي تهديد. إنه من الرائع أن ~~نمتلك شعورا كهذا. إنه شعور أساسي لكل الحيوانات والكائنات الحية، بما فيها ~~الإنسان. يمكننا البقاء هنا، لكن هذا الشعور هو ليس بالضبط السعادة؛ فما نسميه ~~سعادة هو شعور أبعد من ذلك. # إذا أدركت هذه اللحظات من الرفاهية، وقلت لنفسي: «إن ما أعيشه في هذه اللحظة هو ~~فرصة، وأعجوبة، ونعمة.» فحينها سيحدث شيء آخر، عندها ستسمو الرفاهية لتصير سعادة. ~~عندما أفتح روحي، وأتذوق بكامل إدراكي كل ما يحدث لي من أشياء جيدة وأنا كامل ~~الحضور لها، فإن تأثير ذلك سيكون مضاعفا بشكل لا يقاس. إنه سيتجاوز كثيرا ~~حالة إرضاء حاجاتي الجسدية والنفسية. وسيكون قادرا على إرضاء أو تخفيف تطلعاتي ~~أو إرهاصاتي الفكرية؛ المعنى، الانتماء، الحب، السلام، الأبدية ... # دون وعي ذلك، لن توجد السعادة. لن يكون سوى ذكراها، كما في هذا البيت الشعري ~~للشاعر والكاتب المشهور ريمون راديجيه: «أيتها السعادة، لم أعرفك يوما إلا عبر ms100 ~~هذه الضجة التي تحدثينها وأنت تذهبين.» دون وعي الحاضر سنندم على حالات الفرح ~~التي مضت والتي لم نعرف كيف نعيشها. إنها تلك السعادة التي تموت عند ولادتها؛ ~~لأننا لم نعطها الحياة بوعينا لها. هذا ما يحدث لنا عندما يتدافع أمامنا الوجود، ~~عندما يكون لدينا كثير جدا من الأشياء التي يجب أن نقوم بها لدرجة أننا لا نأخذ ~~الوقت الكافي كي نفتح عيوننا على كل احتمالات السعادة التي تصادف طريقنا. وهذا ما ~~يحدث لنا عندما نكون حزانى أو قلقين؛ إننا لا نسكن حينها الحاضر، وإنما تأخذ روحنا ~~مكانا في قلق المستقبل أو ندم الماضي. أما السعادة، فلن نستطيع إلا أن نأملها أو ~~نبكيها، لا أن نعيشها. # يستطيع التأمل بالوعي الكامل مساعدتنا على التذوق الكثيف «لفرص» السعادة ~~العديدة في يومياتنا. فإذا قمنا باجتيازها وروحنا في مكان آخر (في أفكارنا ~~ومشاريعنا ومشكلاتنا)، فإننا لن نرى ولن نشعر بأي شيء. أما إذا قمنا وبشكل ~~متكرر بفتح وعينا على كل ما يحيط بنا، دون بحث حثيث، فإننا سنرى لحظات السعادة ~~تلك. ودون أن نقصد، ستلمسنا نعمة تلك السعادة. وفي أغلب الأحيان ستصلنا السعادة على ~~شكل قطع صغيرة، على هيئة لحظات خاطفة، في سياق يومياتنا؛ فهي تكون خفيفة الطابع، ~~قصيرة المدة، غير كاملة ولكنها عديدة، مغيرة، مليئة بالحياة، ومتكررة. إنها ~~لحظات مرشوشة بغبار السعادة؛ لحظات قصيرة من الفرح بكل بساطة. # الوعي والسعادة الهشة # إن وعينا الذي سيصنع السعادة، هو نفسه الذي سيخلق خوفنا من فقدها. عندما نكون ~~فرحين، سنعي بشكل واضح أننا لن نبقى كذلك لفترة طويلة. لا يمكننا أن نمتلك ~~السعادة إلا عبر فواصل ومن ثم فإنها لن تبقى مستمرة طوال فترة حياتنا، فهي ستظهر ~~وتختفي. لا يكمن السر إذن في محاولة التمسك بها دون تركها، بالقلق أو الخوف أمام ~~فكرة ذهابها القريب، وإنما في تذوقها، وقبول كسوفها المتكرر والاستعداد ~~لعودتها كل مرة؛ لمرورها حتى لو كان سريعا. # لا يحتمل المستسلمون لليأس والقلقون قبول غياب السعادة المتكرر، ومن ثم ~~فهم يرفضون الاستسلام لها، وإلى كل ms101 ما هو جيد في حياتنا؛ لأنهم يعرفون أن ذلك لن ~~يدوم. إنهم على حق لأنها لا تدوم. ولكن، أليس علينا أن نتذوق الفرح أكثر لأنه ~~سيغادرنا حتما؟ لدينا الخيار بأن نكون سعداء لفترة وأن تغادرنا هذه السعادة، ~~أو أن نحرم منها للأبد؛ أن نتنفس السعادة لوهلة، وأن نعاني من ألم متشنج ~~لنمنع عن أنفسنا قدوم السعادة ومن ثم غيابها بعد لحظة. بالنسبة إلي، فأنا قد ~~أخذت قراري. فماذا عنك؟ # أثبت العلم أننا حين ندرك أننا نعيش لحظات سعادة أخيرة، فإن فرحنا بعيشها لا ~~ينقص وإنما يصبح أكثر تعقيدا. إنه يزداد كثافة؛ يصير أكثر حدة، أكثر وعيا. ~~ولكنه يبقى فرحا؛ فرحا هشا، يسكن صميم مأساة الحياة، دون أن ينكرها، ولكن دون ~~أن يستسلم لها أيضا. إذن ، هل السعادة فكرة تراجيدية؟ بالطبع! # السعادة وسط الحزن # لماذا يرتبط الفرح دوما بغياب المعاناة واللاوعي؟ لماذا لا يوجد أيضا إلى جانب ~~الجزء الحزين من الحياة؟ إننا نتمرن في التأمل بالوعي الكامل على تلقي وقبول كل ~~شيء؛ الآلام ولحظات السعادة. نتعلم أن نحتمل ونستقبل التجارب الصعبة، الهشة ~~والمزعجة، كما في حياتنا الحقيقية؛ ليس تلك الحياة التي نحلم بها، بل تلك التي ~~نعيشها فعلا؛ تلك التي تفرض نفسها علينا وتعري أحلامنا. ومن حظنا أنها تفرض ~~علينا نفسها؛ فهي الشكل الأكثر إثارة. # في الفرح أيضا، ومرة أخرى لا يدفعنا التأمل إلى الهروب من العالم، وإنما إلى ~~استقباله بشكل أفضل كما هو. والحقيقة هي أن الفرح والحزن يبقيان في معظم الوقت ~~جنبا إلى جنب؛ كالظل والضوء. وما من شك أن هذا ما كان يعنيه ألبير كامو عندما ~~كتب: «لا أريد بعد الآن أن أكون سعيدا، وإنما فقط أن أكون واعيا.» سنحاول إذن ~~أن نجمعهما معا، وأن نعمل على وعينا، ليس لكي يستعيض عن السعادة وإنما ليقوم ~~بتوضيحها وتكثيفها وإدخالها عالمنا. هذا ما يسميه أندريه كونت-سبونفيل «الحكمة»: ~~«تكمن قمة السعادة في قمة الإدراك.» # أتذكر تلك الدراسة الرائعة، التي تظهر أن الأشخاص الذين يمرون بحالة حداد ~~ويستطيعون أن يبتسموا عند ذكر ms102 شريكهم الغائب («أي معاناة هذه أنني فقدته! ولكن أي ~~سعادة هذه أنني عرفته!») هم الأشخاص الذين سيتحسنون أكثر من غيرهم بعد عامين من ~~الفقد، وذلك لقدرتهم على حماية سعادتهم من الغرق في بحر ألمهم. إنهم قادرون على ~~فهم أن الحياة تؤخذ بكليتها، وأن التعاسة لا تلغي كل لحظات السعادة الماضية، ~~ولا تأخذها منا. هذا لأننا قد اكتسبنا لحظات السعادة تلك إلى آخر العمر، ولدينا ~~الحق لأن نبكي ونبتسم في نفس الوقت. هذا لأننا قبلنا بهذا العالم، وقررنا أن ~~نحبه بكل قوتنا. # علينا أن نستسلم ونحن في حزننا لقصاصات السعادة؛ حتى لو كانت قصيرة، ~~حتى لو كانت هي نفسها ملفعة بالحزن، ولو كانت مجزأة. # لقد قررنا أن نحبه كما أحببنا مدينة البندقية بكل طاقتنا، هذه المدينة التي ~~تهرم منذ قرون عديدة وستختفي يوما تحت البحر. # لقد قررنا أن نحبه كما أحببنا من كل طاقتنا إتي هيليسم التي حبست في ~~معتقل فيستربورك، أول معتقلات الموت، والتي كتبت: «الحياة والموت، الألم ~~والفرح، تشققات الأقدام المؤلمة والياسمين خلف البيت، الاضطهاد، الأعمال ~~الوحشية التي لا تحصى، كل ذلك يقبع داخلي معا، ويشكل كلا قويا أقبله ~~ككل لا يتجزأ.» # لقد قررنا أن نحبه كما أحببنا بكل طاقتنا يفجينيا جينزبورج وهي في قاعة ~~المحكمة السوفيتية التي جرت إليها دون أن تفهم بماذا يتهمونها، وأخذت تنظر إلى ~~الخارج وهي تنتظر حكم الإعدام أو معسكر الأشغال الشاقة: «وراء النوافذ تقف ~~أشجار كبيرة قاتمة اللون. أسمع بفرح الهمسات السرية للأوراق، وكأنني أسمعها لأول ~~مرة، وأشعر كأنها تلامسني.» # إن هذا قمة الوعي الكامل، وقمة الإنسانية. لسنا قادرين على فعل ذلك بالتأكيد، ~~ولكننا نستطيع التعلم منهم. علينا أن نستسلم ونحن في حزننا لقصاصات السعادة؛ حتى ~~لو كانت قصيرة، حتى لو كانت هي نفسها ملفعة بالحزن، ولو كانت مجزأة. وعلينا ~~ألا ننتظر منها راحة إلا تلك الراحة غير المستقرة واللحظية؛ لأننا حالما نبدأ من ~~جديد بالعيش والتفكير قد يعود حينها الحزن من جديد. ولكننا نعود فنبدأ من جديد ~~أيضا وهكذا، دون تعب. علينا ms103 أن نبدأ دوما بتنفس حزننا، ووضعه بجانب الحياة؛ ~~أي، بجانب السعادة. ~~«الدرس العشرون» # فيما يخص السعادة، يعلمنا الوعي الكامل ببساطة ما يأتي؛ بما أن السعادة لا ~~تنفصل عن الحزن، وأن الحياة لن تتوقف عن وضعنا في مواجهة المأساة والضيق، فعلينا ~~إذن ألا نحلم بالسعادة الكاملة والدائمة، وإنما أن نتعلم تذوقها على شكل أجزاء ~~صغيرة. علينا أن نترك لها مكانا رغم المحن والهموم، أثناء مرورها بنا وليس عندما ~~تكون قد غابت أو اختفت (أن نشعر في يوم ما أن كل مشكلاتنا قد حلت، هذا الطرح ~~غير موجود، وخاصة إذا كنا قلقين أو مكتئبين). علينا أن نحافظ على لحظات ~~السعادة الصغيرة في المحن؛ خصوصا أثناء المحن لأنها اللحظات الأكثر حميمية، ~~والأكثر روعة، والتي لا يستغنى عنها . # الجزء الرابع # | أن نكون أكثر انفتاحا ويقظة وندرك أن ذلك هو أكثر الأسفار بعدا # جسدك اليوم حقيقي أكثر من روحك، وغدا روحك ستكون حقيقية أكثر من ~~جسدك. # جوستاف تيبون، «الوهم الخصب» # الفصل الحادي والعشرون # | أن نعمل # ما نراه غير موجود، أو على الأقل ليس بهذه الطريقة. تعرض هذه اللوحة مجموعة من ~~الأجزاء المعمارية وقد أزيلت بعض الجدران لإظهار ما هو أساسي داخل منزل كبير من ~~العصر القوطي؛ مما يسمح لنا باكتشاف أسراره ويسمح لنظرتنا أن تتجول في ثلاثة مستويات ~~متراكبة داخله. # في الوسط نرى القديس جيروم يعمل في مكتبه. لا تظهر هذه اللوحة قدسيته وإنما ~~عمله، عبر كل المخطوطات التي تحيط به، وتظهر أيضا إنسانيته عبر العديد من التفاصيل ~~المؤثرة؛ حذائه الذي قام بنزعه قبل صعود المنصة، القط الذي ينام بقربه. وحوله ~~هيكل بناء ضخم يوحي بأنه دير؛ إنه بناء صلب يحميه من شرود الذهن، لكنه في نفس ~~الوقت يسمح للحياة بدخوله. أترون في يمين اللوحة، داخل ممر الدير هناك أسد يتجول في ~~الظل. يقال إن القديس جيروم قد شفى هذا الأسد الذي تبعه حتى الدير وهناك قام ~~ساكنو الدير بتبنيه. # لوحة «القديس جيروم في مكتبه» (تقريبا 1475) لأنطونيلو دا ميسينا ~~(تقريبا 1430-تقريبا 1479)، وهي لوحة زيتية على ms104 الخشب، بأبعاد 0,457 ~~× 0,362 متر، المعرض الوطني، لندن. # أما المستوى الثالث في محيط الدير فإنه ينفتح على العالم؛ ففي القسم الأمامي من ~~اللوحة بالقرب من المشاهد يوجد بوابة ضخمة نجد على درجاتها طائر حجل وطاووسا. أما في ~~الخلف، فنجد نوافذ واسعة تكشف مناظر ريفية، ومدينة في الأفق، بينما تنفتح نوافذ أخرى ~~على السماء التي تحلق فيها طيور عديدة. # بين العمل الداخلي والعالم الخارجي هناك محيط آمن، لكنه مفتوح في نفس الوقت. إن هذه ~~الفكرة هي ما يجذب في هذه اللوحة. هذا ما أحاول أن أدفع اللوحة إلى قوله، وهذه هي ~~الطريقة التي أردت قراءتها بها لتخدم قصدي. عندما نظرت للقديس جيروم الموجود في ~~اللوحة، جعلني أفكر بممارسة التأمل بالوعي الكامل، بهذا التناوب المنتظم بين ~~العزلة المتأملة للذات، والانفتاح على العالم، وأفكر أيضا بالعمل الصبور ~~والمنتظم. # كل شيء يبدأ بالحاجة وكل شيء يجب أن ينتهي بالحرية. # موريس زاندل، «الحياة، والموت، والقيامة» # تمرين الذهن # من أين تأتي إذن هذه النزعة المذهلة إلى الاعتقاد أننا أسياد أذهاننا؟ واعتبار ~~قدرات الانتباه والوعي قدرات ثابتة وكاملة، دون الحاجة للعمل عليها؟ # لماذا نرى أن ذهننا، على عكس كل العضلات في جسمنا، لا يحتاج للتمارين، ولا يمكن ~~تطويره أكثر، رغم أننا نقبل بهذه الفكرة وبشكل بديهي بالنسبة لجسدنا؟ فنحن نعرف أن ~~التمارين الرياضية تطور تنفسنا وعضلاتنا، وأن غذاء متوازنا سيعود بالفائدة ~~على الجسد وهكذا. ولكننا يصعب إقناعنا، أو ربما لم نتعلم بعد، أن نفس الشيء ينطبق ~~على عالمنا النفسي؛ إن تمرين أرواحنا، أو نستطيع أن نقول تمرين الذهن، لذو أهمية ~~قصوى؛ فهو يستطيع على الصعيد العقلي «تطوير» قدرات التفكير والتركيز، وعلى الصعيد ~~العاطفي يخفف من ميلنا العفوي نحو القلق، والتعب النفسي، والغضب، وكل ما يدفعنا ~~إلى الانزلاق النفسي في يومنا. تخضع معظم قدراتنا النفسية لمبدأ التعلم؛ فكلما ~~تمرنا أكثر، تقدمنا أكثر. # في الحقيقة إن هذا بالضبط ما يحدث لنا بشكل عفوي؛ كلما غضبنا أكثر، صرنا أكثر ~~قدرة على الغضب. كلما مارسنا اليأس أكثر، صرنا أكثر خبرة في ms105 فرض اليأس على ~~الآخرين وعلى أنفسنا. وكلما قلقنا أكثر، أصبحنا خبراء في ممارسة القلق ... # من المؤكد أن الهدف ليس إبقاء ذهننا مقيدا بحبل، وممارسة سيطرة ~~كلية عليه، وإنما فقط تحقيق توازن قوى؛ أن نتمكن مثلا من الحصول على ~~تركيز أو هدوء ملائم في اللحظات التي نحتاج لأي منهما فيها. # هل نريد أن نطور ذواتنا في اتجاه آخر؟ إذا كان الأمر كذلك، فمن المهم أن نبدأ ~~بالعمل. إننا نقبل ذلك كي نتعلم اللغة الإنجليزية، أو التزلج، أو العزف على آلة ~~موسيقية. ولكن يصبح ذلك أقل سهولة عندما يتعلق الأمر بالتركيز وصفاء الذهن. ~~قد يقول بعضهم: «لماذا يجب أن نتمرن كل يوم؟ ألا تكفينا خبرة الحياة؟ ألا تكفي ~~العزيمة والإصرار؟» # لا، كل هذا لا يكفي. لأننا إذا بقينا عند هذه الرغبة الواهية بالتغيير، فإننا لن ~~نستخدم أبدا أذهاننا بشكل صحيح، سنبقى دائما ضحايا تشكو لكنها تقبل بكل ما هو ~~تلقائي، وهكذا سنحافظ على تلك الأفكار القصيرة نفسها، وتلك المشاعر الخارجة عن ~~سيطرتنا. لهذا السبب تكون ممارسة التأمل بالوعي الكامل، من جملة ما تكون، شكلا من ~~رياضة الذهن. وهي رياضة مهمة للجميع، وخصوصا لهؤلاء الذين يدركون إلى أي مدى ~~تهرب منهم أفكارهم، ولا تطيعهم. من المؤكد أن الهدف ليس إبقاء ذهننا مقيدا ~~بحبل، وممارسة سيطرة كلية عليه، وإنما فقط تحقيق توازن قوى؛ أن نتمكن مثلا من ~~الحصول على تركيز أو هدوء ملائم في اللحظات التي نحتاج لأي منهما فيها. لا أعتقد ~~أنه هدف طموح أو صعب المنال، ومع ذلك هل نستطيع تحقيقه دائما؟ # إن تمرين الذهن بشكل يومي لهو سلوك صحي؛ إنه بالضبط كرياضة الجمباز ~~لوعينا. # إنه ينظف أيضا كل الأوساخ الاجتماعية؛ فهو بمنزلة ترتيب داخلي متكرر ~~لذواتنا. وكما في حال الترتيب «الحقيقي»، إذا قمنا به بشكل متكرر فلن نشعر به ~~لأننا سنعتاد على الإحساس الجيد. ولكن إذا لم نقم به، فإننا سنرى ذلك سريعا، أو ~~بالأحرى سنشعر به. وربما ذلك هو «الخطر» الأكثر أهمية لممارسة التأمل بالوعي ~~الكامل؛ أننا نصير معتمدين عليها، ms106 فإذا أوقفنا الممارسة فسنلاحظ بالتدرج عودة ~~تبدلات المشاعر غير المستقرة، والأفكار المتطايرة. # الممارسة هي أيضا نوع من الزهد؛ فوراء بساطة الممارسة تكمن صعوبة المواظبة. هي ~~أيضا مدرسة في الصبر؛ إذ يجب دوما العدول عن الحصول على نتيجة آنية. وهي أيضا مدرسة في ~~التواضع؛ فالممارسة لن تضمن لنا شيئا؛ لأنه بعد حماسة البداية، والإحساس - أحيانا ~~حتى الحصول على نتائج واضحة - بأن التمرين المنتظم ساهم بتخفيف هشاشتنا النفسية، ~~نكون شبه متأكدين أننا قمنا بتحقيق تقدم (وطبعا ذلك صحيح)، ونصير واثقين أن ~~هذا التقدم فعلي ودائم (لكن ذلك ليس صحيحا)؛ لأننا ننتكس من جديد. إن تلك ~~«الانتكاسات التي تصيب الممارسين» هي القاعدة، إنها جزء أساسي من الطريق؛ فبعد ~~نجاحاتك وحماستك، ستسقط من جديد، تحت تأثير صفعات الغضب، والكآبة، والقلق ... هل ~~السقوط شيء مثير للخجل؟ هذا فقط إذا استخدمت تقدمك بالتأمل للافتخار، وأكثر إذا ~~عرضته على الجميع، وقلت لهم إنه الترياق، وحملت «حالة الزن» الجديدة خاصتك ~~كقلادة. وهل يكون السقوط مثيرا لخيبة الأمل؟ نعم، فقط إذا فرحت بشكل زائد، وحتى ~~إن كان ذلك سرا، «في داخلك». وهل هو مسل؟ نعم، إذا قبلت أن ذلك سيحدث يوما ~~ما، وإذا استطعت، في ذلك اليوم، أن تتلقى خيبة الأمل بهدوء، وبوعي كامل لأنك كنت ~~تعرف أن ذلك سيحدث، ولأنك قبلت به قبلا. إن كل ذلك لا يعني أكثر من أن نقول: ~~استمروا بالممارسة، استمروا دوما. # التمرين والممارسة # أقصد ب «التمرين» ممارسة التأمل بالوعي الكامل دون وجود سبب أو حاجة مباشرة؛ في ~~الوقت الذي تسير فيه حياتنا بشكل طبيعي، دون معاناة محددة. ويوجد ثلاثة مستويات ~~للتمرين: الممارسة المنهجية، والممارسة القصيرة الأمد، والمستوى الثالث هو عيش ~~الحياة نفسها، ولكن بحالة وعي كامل. # تتألف التمارين المنهجية من تمارين طويلة الأمد، يجب ممارستها بشكل متكرر؛ ~~بشكل يومي بالنسبة للمبتدئين، ثم مرة كل أسبوع وبعدها مرة في الشهر. نتعلم في بعضها ~~أن نمرر في الذهن كامل أعضاء الجسم، دون محاولة تغيير الأحاسيس الموجودة فيها ~~وإنما فقط إدخالها في إطار إدراكنا بهدوء واحترام؛ ms107 هذا ما نسميه ب «التصوير ~~الطبقي للجسم» لو استعرنا المصطلح الطبي. في تمارين أخرى نتواصل مع حركات ~~تنفسنا، أو مع الأصوات حولنا والحركية الدائمة لأفكارنا؛ هذا ما نسميه ب ~~«الوعي الكامل للأصوات والأفكار». وهناك العديد من التمارين الأخرى. نستطيع البدء ~~بالتمرين وحدنا بمساعدة مقطع صوتي، وهذا يساعدنا على البدء في تأمل الممارسة ~~وتحديد فوائدها وصعوباتها. ولكن في لحظة من اللحظات سنحتاج إلى النصيحة، وإلى أجوبة ~~على أسئلتنا، إذن لا بد من المشاركة بجلسات تمرين يديرها «معلم» لديه خبرة في ~~التأمل بالوعي الكامل. إن مصطلح «معلم» يؤكد على أن هذه التمارين ليست علاجا ~~نفسيا (رغم أن العلاج بالتأمل بالوعي الكامل يمكن وصفه للأشخاص الذين يعانون ~~من اضطرابات نفسية) وإنما هو شكل من أشكال التعلم. إنه مجموعة من «الإرشادات» التي ~~تساعد الشخص على الممارسة الذاتية لاحقا. # أما الممارسات القصيرة الأمد (عدة دقائق)، فإننا نستطيع القيام بها عدة مرات في ~~اليوم. وهي يمكن أن تكون على شكل حضور واع «بسيط» في لحظات محددة: مثل الحال ~~في بعض الأديرة البوذية عندما يقرعون الجرس مرة كل ساعة، أو التمارين التي يمكن ~~للطبيب أن يقوم بها بين كشفين على المرضى، أو عندما يقوم موظف بإنهاء عمل ما ~~والبدء بآخر، أو في أوقات الانتظار ... إلخ. ويمكن أن نقوم بها في أوقات الشدة ~~والمعاناة، بدلا من تجاهلها أو السماح للاجترارات المعتادة الخاصة بالقلق ~~بالظهور. سنحاول إذن أن ندركها ونستقبلها في روحنا التي ستكون مفتوحة على ~~اتساعها أثناء تلقيها لتجربة اللحظة الحاضرة؛ فمثلا هناك ما نستطيع تسميته «فضاء ~~تنفس»؛ عندما نشعر أننا نمر بفترة صعبة، نستطيع حينها، وكلما سنحت لنا ~~الفرصة، أن نتوقف ثلاث دقائق وندعو ما هو غير مريح داخلنا للحضور، وفي نفس الوقت ~~نبقى حاضرين لحركات تنفسنا، وبعدها نعود إلى نشاطنا الذي كنا نقوم به، مستفيدين ~~حينها من «حالة الوعي الكامل» التي فعلناها خلال عدة دقائق. # العيش بوعي كامل # وأخيرا، لدينا هذا المكان الأكثر رحابة للممارسة، إنه الحياة نفسها. الحياة التي ~~تعاش بوعي كامل. لقد قمنا بذكرها ms108 في كل أجزاء هذا الكتاب؛ هي، وبكل بساطة، أن ~~نعبر أكبر عدد ممكن من لحظاتنا وعيون وعينا مفتوحة على مصراعيها. إنها أن ~~نتوقف بشكل متكرر لثوان، أو لدقائق، أو أكثر لنشعر - بكثافة ودون أي كلمة - كل ~~ما يحدث داخلنا وحولنا؛ وكأننا في حالة مضغ وهضم هادئ لوجودنا (بدلا من التهام ~~وابتلاع كل لحظات حياتنا دون وعي). ويكون ذلك في اللحظات التي تبدو «عادية» أو تلك ~~المهمة؛ العادية مثل الأكل، المشي، الشرب، العمل، الكلام، الانتظار، عدم القيام بأي ~~شيء؛ والمهمة مثل المناسبات (لأن الوعي الكامل سيساعدنا على إعطاء المناسبة ~~حقها، بدلا من الخضوع للمشتتات الخارجية، أو ثرثرة روحنا الداخلية؛ أعياد ~~الميلاد، حفلات الزواج، المآتم ... إلخ)، واللحظات التي نواجه فيها الطبيعة، أو ~~الجمال ... # ملاذ ونقطة مراقبة # إذا مارسنا هذه التمارين بشكل متكرر، فسيصبح الوعي الكامل عندها ملاذا ~~داخليا مهما في حالة المعاناة. أولا سيصبح كملجأ؛ ملجأ اللحظة الحاضرة في ~~وجه كل أنواع الشدة، ثم كوسيلة لثبات انتباهنا لنستطيع من جديد القدرة على ~~الاستقبال والمراقبة ومن ثم أخذ القرار بما يخص سلوكنا. # ولكن يمكنه أن يكون أيضا نقطة مراقبة؛ عندما لا نفهم بشكل واضح ما يحدث، ~~وعندما لا تكفي رغبتنا، أو عندما لا نستطيع أن نتحكم باضطرابات وفوضى دواخلنا. ~~المرور حينها عبر الوعي الكامل سيساعدنا. سيساعدنا على ألا نعيش كيفما اتفق، ~~وألا «نبتعد» عما يعنينا. # ينطبق الشيء نفسه على حسن الحال؛ يساعدنا الوعي الكامل على السمو بحسن ~~الحال نحو السعادة. لقد ذكرنا ذلك. إنه يساعدنا على تكثيف رؤيتنا في اللحظات ~~السعيدة، وزرعها أعمق في دواخلنا، وإدخال فرحنا في جسدنا، وإعطاء هذه السعادة ~~حقها فقط، بأن نراها كما هي غير دائمة، دون أن يكون ذلك بحثا عن الحزن أو ~~الانفصال عن هذه اللحظات، ولكن لنحبها ونقدرها أكثر، وندرك جمالها. ~~يساعدنا الوعي الكامل على فهم أن السعادة تشبه الزهور، يجب استنشاقها ثم ~~تركها. هي لا تشبه القطع الذهبية، نتمسك بها ونجمعها. إنها زهور رائعة ~~وهشة وسريعة الزوال مثل حياتنا. إنه يساعدنا على العيش، بكل بساطة، ms109 وأن نعي في ~~كل تمرين أننا أحياء وأن ذلك شديد الروعة. ~~«الدرس الحادي والعشرون» # ينصحنا ممارسو التأمل الخبراء أن نبدأ يومنا وننهيه بالبقاء بضع لحظات بحالة ~~وعي كامل؛ عندما نفتح أعيننا في الصباح، وفي المساء عندما نتهيأ لإغماضهما، ~~علينا أن نعي لحظتنا الحاضرة (جسدنا، وتنفسنا، وثرثرة أفكارنا، وحركية عواطفنا ...) ~~وعلينا أن نقوم أثناء يومنا بإدخال لحظات متكررة من الوعي الكامل (عندما نكون في ~~قاعة انتظار، أو بين نشاطين). وأخيرا، وإذا أردنا الذهاب أبعد، يجب أن نقوم ~~بتمرين منهجي طويل مرة كل أسبوع، على مدى نصف ساعة أو ساعة كاملة، وسيكون ذلك أكثر ~~سهولة إذا قمنا به ضمن مجموعة وبحضور معلم خبير. # الفصل الثاني والعشرون # | أن نتأمل # وصل المسافر إلى أعلى الجبل، بعد أن قضى يوما كاملا بالصعود. # لقد انطلق في الصباح الباكر، قبل بزوغ الشمس بوقت كبير. وخلال طريقه الطويل للوصول ~~كان يتقدم وروحه خفيفة؛ منصتا لصوت حذائه، لنبضات قلبه، ولتنفسه، لانتظام وقع ~~خطواته، ولضربات المعدن في نهاية عصاه على الصخور. كل ذلك يملأ روحه بأصوات مهدئة. ~~أحيانا تأتي أفكار لتحدثه عن الصعوبات التي تنتظره، لكنه يفتح وعيه على اتساعه ~~للحظة الحاضرة؛ مسيره، الأصوات حوله، الأضواء الأولى للفجر. تختفي حينها الأفكار، ثم ~~تعود، ثم تختفي من جديد. إنها ليست أكثر ثباتا من ريشة في الريح، أو هذا الضباب على ~~رءوس الجبال. # لوحة «مسافر فوق بحر من الضباب» (تقريبا 1818) لكاسبر ديفيد ~~فريدريتش (1774-1840)، وهي لوحة زيتية على القماش، بأبعاد 0,948 × ~~0,748 متر، معرض الفن، هامبورج. # الآن إنه على القمة، وقد بدأ بالاستمتاع بالنصر: «لقد نجحت. لقد قمت بذلك!» يجب ~~دائما الاستمتاع بانتصاراتنا. وعلينا الشعور بالزهو، بالفخر والفرح؛ أن نتلقى هذه ~~المشاعر كاملة، ونترك أنفسنا تمتلئ برحيقها حلو المذاق واللاذع بعض الشيء، ثم ننتقل ~~إلى شيء آخر أكثر أهمية. علينا أن نذهب أبعد من كل ذلك؛ لنترك أنفسنا مأخوذة بهذا ~~الجبل، يجتاحها هذا الكون الذي يحتضننا ويقدم لنا حسن ضيافته. علينا أن نفتح وعينا ~~على كل ما هو موجود، في هذا الأفق ms110 الرائع؛ الهواء النقي، والصمت الذي يسكن الجبال، وصوت ~~الريح. # في كل شهيق، يشعر هذا المسافر أنه يمتلئ بالجبل بالكامل. وفي كل زفير يتلاشى جسده ~~وروحه فيه. إنه يشعر براحة لا متناهية، وكأنه في المكان الصحيح بشكل كامل ~~وكلي. # هذا الذي يحقق هدفه يكون قد فشل في كل شيء آخر. # إحدى مقولات الزن # التزام وانفصال # يساعدنا التأمل بالوعي الكامل على أن نلتزم بالنشاطات التي تهمنا، ومن ثم ~~يساعدنا على الانفصال عن العبودية لنتائجها. # إنه الفرق بين «الغاية» و«الهدف». فعندما يتمرن رامي السهام، فإن الغاية تعني ~~الرمي بشكل صحيح، أما الهدف، فيعني إصابة الهدف. إن الغاية تتعلق بي حيث يمكنني ~~إدراكها بالتمرين، بينما الهدف يتعلق بعوامل أخرى أيضا؛ قوة الرياح التي ستحمل ~~السهم، أو ضجة مفاجئة قد تدفعني للحركة في اللحظة الأخيرة. # بنفس الطريقة؛ يتطلب التمرين على التأمل بالوعي الكامل أن أبقى وبشكل متكرر ~~جالسا، مغمض العينين وأن أكرس نفسي لتلقي ومراقبة تجربتي الخاصة. ولكن يجب ~~علي أن أقبل حقيقة أن نتائج تجربتي بالجلوس قد تختلف بين يوم وآخر. الشيء الثابت ~~الوحيد هو أنه كلما جلست بشكل متكرر أكثر وبقيت في وضعيتي هذه فترة أطول، ~~وصلت إلى هدفي أكثر. # إن هذه الطريقة بالالتزام بتمارين الوعي الكامل تسمح لنا، ونحن نعيش حياتنا ~~اليومية، بأن نواجه ما هو جوهري فيها. إن هذا يحدث عبر الالتزام ثم الانفصال ~~كمسير بطيء وجاد باتجاه الجوهر الذي يتجاوزنا جميعا. لكن تعاقب الالتزام ~~والانفصال ليس بالشيء اليسير. # في البداية، عندما نبدأ تماريننا على حالة الانفصال، فإننا سنقوم بذلك بشكل سطحي ~~لأننا لا نكون فعلا منفصلين، وإنما نريد فقط أن نحمي أنفسنا من المعاناة، وأن ~~ينقذنا الانفصال من المعاناة والفشل، ومن الهجران والمشكلات اليومية. ولن نفكر ~~بالانفصال عن النجاح، والحفاوة، والمجد! إذن إننا نتعامل بمكر؛ نتظاهر! إنه ~~تواضع كاذب، ولامبالاة وابتعاد غير حقيقيين، وفي الحقيقة، في دواخلنا، فإننا ~~نضحك على أنفسنا ونخادع. ولكننا إذا واظبنا، وقررنا أن نتمرن على كل ذلك ~~باستمرار؛ إذا قمنا في كل مرة، وبعد كل نجاح ms111 بالجلوس لنصفي ذواتنا بدلا من ~~الانفعال عند الاحتفال، وأن نفعل الشيء نفسه بعد كل فشل، بدلا من الغضب وتأنيب ~~الذات، عندها وبالتدرج ستحدث أشياء غريبة في دواخلنا، سيهزنا حينها بشكل أقل ~~نتائج ما نقوم به، وسندرك أنه يوجد ما هو أكثر أهمية وراء كل ذلك؛ سنشعر كأننا ~~على قمة جبل. # الوعي الكامل، والروحانية والتصوف # يمكن للحياة الروحية أن توجد خارج الممارسات الدينية. الروحانية هي بكل بساطة ~~أرفع شكل لحياتنا النفسية، وهي التي نواجه بها المطلق وكل ما يتجاوزنا. إنها ~~تذهب أبعد من الأنا، وتبقى مفتوحة على كل شيء؛ إذ إنها تنفتح أيضا على ما هو غير ~~مدرك، وإلا فالأمر سهل جدا أن تكون روحنا مفتوحة على كل ما هو معروف، ومنطقي ~~ومقبول؛ على المتوقع. إنها لا تهرب أمام ما يتجاوزنا، وإنما على العكس، تنفتح ~~عليه بوعي كامل. ما هذا الذي يتجاوزنا؟ إنه هذا التيه الثلاثي؛ اللانهائي، ~~والأبدي، والمطلق. # تفترض الروحانية باستمرار هذه الحركية الثنائية التي ذكرناها؛ التزام وانفصال. ~~إننا نمارس ونستمر بالتقدم حتى النقطة التي نترك فيها كل شيء، حتى اللحظة التي ~~نتخلص فيها من كل حقائب جهودنا وأهدافنا. ثم نترك أنفسنا للتأمل. في الديانة ~~المسيحية، يعني التأمل «النظر طويلا بإعجاب»، ويتطلب ذلك قبلا «السلام وصفاء ~~القلب». يعني ذلك بشكل أبسط الهدوء وعدم الحكم؛ أي، الوعي الكامل. # أما بالنسبة للفيلسوف أندريه كونت-سبونفيل، فتقود حالة التأمل إلى ممارسة التصوف: ~~«يرى المتصوف الحقيقة وجها لوجه؛ إنه لا ينفصل عن الواقع عبر الكلام (أتكلم ~~هنا عن الصمت)، ولا عبر العوز (أتكلم عن الامتلاء)، ولا عبر الزمن (أتكلم عن ~~الأبدية)، وأخيرا عبر ذاته (أتكلم عن البساطة؛ فكرة «الأناتا» [أي، غياب الذات] ~~البوذية). حتى الإله نفسه يقوم بذلك؛ إنها تجربة المطلق الآن وهنا.» # ويكون الوعي الكامل بهذه الطريقة حقيقة تصوفية علمانية؛ السعي إلى ما وراء ~~الكلمات ومعانيها؛ استعداد للتنور وللمطلق، دون أن نأمل بها شيئا؛ لأن لا ~~شيء يمكن عمله غير تركه يمتلئ بنا وينيرنا. وهذا ما يوصلنا أحيانا إلى حالة ~~من النشوة الخفيفة، والهادئة ms112 والصامتة أحيانا. # النشوة، والافتتان، وحالة الوجد # النشوة هي الخروج من الذات والاندماج بشيء أكثر اتساعا؛ بوح إلهي، وأحيانا ~~جسدي؛ إنها دخول في عالم آخر مختلف عن المعتاد، وبحالة من الوعي المختلف أيضا. ~~إنها نوع من السقوط، أو القفز، أو الالتفاف لأننا عندما نعود، نكون بحالة من السمو؛ ~~نكون في المطلق. # الافتتان هو حالة من السقوط في الذات، حيث نكتشف أن كل شيء موجود فيها. إنه ~~الهدوء الذي سمحنا له بالخروج من الداخل؛ انفجار بركاني داخلي من الصفاء. إنه ~~لمؤثر جدا أن نشعر بهذه الراحة التي نصنعها بأنفسنا، وأن ندرك كيف يربطنا ~~هذا الهدوء «الداخلي» بالعالم بدلا من أن يفصلنا عنه، تاركين حالنا يتبدل، بدلا ~~من السعي والمحاولة دائما لتغيير ما يحيط بنا. # يحدث كل هذا في لحظات الوجد، تلك اللحظات التي غالبا لا نتوقع قدومها. إنها ~~لحظات من النعمة التي لا تنبثق إلا عندما نكون بوعي كامل، وبحضور كامل لما هو ~~حقيقي، كما في هذه اللحظة التي ذكرها الشاعر كريستيان بوبان: «كنت أقشر تفاحة ~~حمراء قطفتها من الحديقة عندما أدركت أن الحياة لا تهب لي ذاتها إلا بعد ~~المشكلات الرائعة التي لا حل لها. بهذه الفكرة، دخل إلى قلبي محيط من السلام ~~العميق.» # ليس علينا أن نتسلق الجبال؛ فتفاحة تكفي. ~~«الدرس الثاني والعشرون» # لا يطلب منا الوعي الكامل أن نقطع صلتنا بالعالم، أو أن ننعزل داخل صومعة، ~~ولا أن نكون الحكيم غير المبالي بشيء. إنه يحثنا على أن نتذوق طعم حياتنا، وأن ~~نتخذ خياراتنا وأن نتبع أهدافنا، ولكن دون أن نخلط ذواتنا بها، ودون أن نتمسك بقوة ~~بالنجاح أو بالكمال. فهل من الممكن أن نكون بحالة سعي بالخارج، وحالة انفصال ~~بالداخل؟ نستطيع ذلك بأن نقوم بأفضل ما لدينا بكامل الوعي وكامل الحضور، ولكن دون ~~أن نخضع جهودنا، التي تعتمد علينا وحدنا، للنتائج النهائية التي لا تعتمد علينا ~~وحدنا. وبدلا من محاولة تجاوز أنفسنا (أو الآخرين)، علينا أن ننجز ما يهمنا ~~فقط، وألا نهتم في حياتنا بالنصر أو الفشل، وإنما بخوض ms113 تجارب تنضجنا. # الفصل الثالث والعشرون # | أن نحب # إن سمعان قد فهم الأمر منذ وقت طويل؛ فهم أن هذا الطفل هو السيد المسيح، وأنه ~~سيغير كل شيء على هذه الأرض. لقد عرف كل ذلك سمعان، وقد عرف أيضا أنه لن يكون ذلك ~~دون تلك الآلام اللانهائية للمسيح، ومن ثم لوالدته. ومن ثم، سيقول لمريم: «وأنت ~~أيضا يجوز في نفسك سيف.» لقد عرف أن المسيح سيحمل ثورة الحب للأرض. ولم يسبقه أحد ~~بإعلان أن الله هو الحب، وأن الله يريد أن يسود الحب دون مشاركة. لم تكن الآلهة ~~القديمة تهيمن على قلب الإنسان إلا بالقوة والخوف. لكن المسيح تكلم عن إله الرحمة ~~اللانهائية، والمملكة التي ستأتي معه. إن هذه الرسالة - أولوية الحب المطلقة - ستغير العالم الغربي. في نفس الوقت ، في الشرق، كانت رسالة بوذا تتحدث عن أهمية ~~العطف، وعن ذلك الطريق الذي سيخفف آلام البشر جميعا. # لوحة «سمعان في المعبد» (1669) لرامبرانت (1606-1669)، وهي لوحة ~~زيتية على القماش، بأبعاد 0,985 × 0,795 متر، المتحف الوطني، ستوكهولم. # عندما كان سمعان يحمل يسوع بين ذراعيه ليقدمه إلى المعبد، كانت لديه رغبة عارمة ~~بمعانقته وتقبيله. أراد أن يشكره على كل ما سيحمله معه، وأن يواسيه على كل الآلام ~~التي سيعانيها. لكنه لم يفعل ذلك في البداية. لم يكن يتوجب عليه أن يلمسه بيديه ~~العاريتين، وإنما استخدم الغطاء الخاص بالصلاة عند اليهود، والذي تحول فيما بعد، في ~~الطقوس المسيحية إلى الحجاب الطقسي الذي يحمل به القس جسد المسيح في القربان ~~المقدس. إنه شديد التأثر كونه قد رأى أخيرا السيد المسيح الذي انتظره طويلا، ~~ويقول البركة التي ننشدها في صلاة النوم والتي هي كالآتي: «الآن تطلق عبدك يا سيد ~~حسب قولك بسلام؛ لأن عيني قد أبصرتا خلاصك.» يستطيع سمعان أن يموت الآن في سلام لأن ~~الحب سينتشر. # لن أتكلم ولن أفكر في شيء؛ ولكن الحب اللانهائي سيصعد إلى روحي ... # آرتور رامبو، «إحساس» # حليب الرقة الإنسانية # إنه تعبير شكسبير، في مسرحية «ماكبث» تقوله الليدي ماكبث نادمة على امتلاك زوجها ~~لهذه ms114 الصفة الإنسانية، وهي تدفعه لقتل ملك اسكتلندا دنكان: «أخاف من طبيعتك؛ إنها ~~مليئة بشكل زائد بحليب الرقة الإنسانية، وستمنعك من سلك الطريق الأقصر.» إن ~~«حليب الرقة الإنسانية» هذا تراه باعتباره شيئا يجب أن يوبخ عليه أو يندم ~~على وجوده فيه. إنه لن يمنع عملية القتل، لكنه سيقود ماكبث إلى الندم، وزوجته إلى ~~الجنون. يذكرنا هذا التعبير أننا كائنات تعتمد على التواصل والحب. فبدون هذا ~~الغذاء العاطفي، سنكون في خطر، فلن نكبر، ولن نزدهر. وبدون حب سنعيش الألم؛ ~~سنتصلب، ونغوص في الجنون والمرض. # قد تدفعنا الحياة إلى نسيان أو إهمال هذا البعد لدينا؛ لهذا يدعونا التأمل ~~بالوعي الكامل إلى التواصل معه بشكل متكرر. علينا أن نفعل ذلك كي نستطيع أن ~~نخفف آلامنا وآلام الآخرين، ولكي نفهم ونستخدم طاقته الرائعة بشكل أفضل . # يوجد حولي عدد هائل من الأشخاص الذين يحبونني، ويساعدونني، ويضحكون في وجهي ~~ويعطونني. هم يقومون بذلك الآن، وسيقومون به غدا. علي أن أكون واعيا لهذا ~~الدين، وأن أفرح به وأعبر عنه بالامتنان. ويجب أن أبقي وعيي بشكل متكرر ~~حاضرا لذلك، حتى الشعور به جسديا؛ إنه تأمل الامتنان. يوجد ثلاث خطوات في ~~تأمل الامتنان؛ إدراك أهميته، والتوقف للحظة كي نذهب أبعد من التفكير به فقط، ~~وتركه ينتشر في جسدنا، بوصفه شعورا وليس فكرة فقط؛ ثم بالتأكيد التعبير عنه أمام ~~هؤلاء الذين يحبوننا ويساعدوننا. فهو فكرة، وشعور، وسلوك. # وبشكل أوسع أيضا، إنه لأمر جوهري أن نعي الأهمية القصوى والمطلقة للحب بكل ~~أشكاله (الإيثار، والإعجاب، والحنان، واللطف، والعطف، والكرم ...) ومن المهم جدا أن ~~نختار الحب موضوعا للتأمل، وأن نمارسه كل يوم. هذا السعي لمساعدة البشر ~~يسمونه في المسيحية «الإحسان» وفي البوذية «حب الغير». ولكن من الواضح أن ~~الأمر يتعلق بنفس الفعل؛ إنه فهم، وتلق، وممارسة حب الآخرين. # التأمل وصلات الحب # تقوم عادة التعاليم البوذية، التي دونت حالات الحب، بمقاربة ممارسة ~~حب الغير عبر أربعة أنواع من التمارين التأملية، التي يجب فهمها على أنها ~~لحظات تحضير لممارسة فعلية لاحقة. # لدينا، أولا، تمارين التأمل الخاصة ms115 بحب الآخرين، والتي تقوم على التفكير ~~بالأشخاص الذين نحبهم، والشعور بهذا الحب بشكل فعلي في هذه اللحظة. ليس هذا أن ~~نقول فقط إننا نحبهم، وإنما أن نترك هذا الحب (أو هذه العاطفة، أو التقدير) يكبر ~~في داخلنا، وذلك حتى نشعر بتأثيراته الفيسيولوجية في جسدنا. تشبه هذه الحالة تلك ~~اللحظة التي تراقبون فيها طفلا نائما، أو تنظرون فيها إلى شخص تحبونه. ~~سيشارك حينها كل جسدكم حالة الحب هذه وليس فقط أفكاركم. في هذه التمارين ~~التأملية، سنحاول أن نعطي هذا الحب أكبر مساحة ممكنة في وعينا، ونسعى كي يكون ~~جسدنا شديد الحساسية لتلقي صدى هذا الشعور. # يجب ألا نملك فقط «أفكارا» حول العطف، أو «الرغبة» بالتعاطف، وإنما أن ~~نمتلك بشكل فعلي «مشاعر» الشفقة هذه. # ثم لدينا تمارين التأمل الخاصة بالعطف، والتي نوجه فيها تفكيرنا نحو المعاناة ~~التي يشعر بها (أو يمكن أن يشعر بها) الأشخاص القريبون منا. يجب أن نترك هذا ~~يملأ وعينا حتى يسكن داخلنا. ونتمنى من كل قلبنا أن تخف عنهم أو تزول. هنا، ~~أيضا، يجب أن يذهب هذا التمني إلى أبعد من أن يكون فكرة سطحية وعابرة. يجب أن ~~يخرج منا، ونحس به بكليتنا، لا أن نملك فقط «أفكارا» حول العطف، أو ~~«الرغبة» بالتعاطف، وإنما أن نمتلك بشكل فعلي «مشاعر» الشفقة هذه. عندما نعلم أن ~~شخصا يعاني، أو أنه مصاب بمرض ما أو أنه قد توفي، ماذا نفعل حينها؟ هل نتوقف ~~من أجله ولو عدة دقائق؟ هل نأخذ فعلا وقتا كي ندع صورة هذا الشخص تدخل فينا؟ أو ~~الوقت الكافي كي نمتلئ بمشاعر العطف والحب نحوه؟ خذوا وقتكم للقيام بذلك؛ إنها ~~تمارين التأمل الخاصة بالعطف. # أما تمارين التأمل الخاصة بالفرح الإيثاري، فهي أن نعتاد وبالتدرج على أن نفرح ~~بصدق لسعادة الآخرين. إنه الابتهاج أمام ما هو جيد للآخرين. إنه أن نفرح عند ~~رؤية الأطفال حتى لو لم يكونوا أطفالنا، والضحك والفرح عندما نرى عاشقين ~~متعانقين، أو أناسا يتحدثون أو يساعد بعضهم بعضا. ألا يوجد شيء آخر؟ ... ~~ماذا نفعل تجاه ms116 العنف والتعامل السيئ؟ إن تمارين التأمل الخاصة بالفرح الإيثاري ~~تساعدنا على ألا ننسى، حين نرى العنف وسوء المعاملة، أن هناك أيضا اللطف، ~~والسعادة، والحب. إننا نعلم ذلك لكن ممارسته والشعور به في وعي كامل يعطي قوة ~~أكثر لقناعاتنا. # وأخيرا، هناك تمارين التأمل الخاصة برباطة الجأش، التي تدعونا كي نتمرن لكي نبقى ~~قادرين على تمني الخير للإنسانية جمعاء، وحتى لهؤلاء البعيدين جدا عنا، ~~وللذين لا نعرفهم، وحتى لذوي الطباع السيئة والذين سببوا لنا المعاناة. إنها ~~تدعونا أن نتمرن على أن نتمنى لهم الخير، ونتعاطف معهم، ونفرح لهم عندما يكونون ~~سعداء. تعطينا هذه التمارين التأملية بشكل غير مباشر الشعور والقناعة بأن ~~المعاناة هي دائما سبب السلوك السيئ. فإذا كان الإنسان سعيدا ولم يكن يعاني ~~كثيرا، فإنه لن يسبب المعاناة لمن حوله. # أي نوع من البذور نريد أن نزرع في دواخلنا؟ # نستطيع أن نصير أبطالا في اللامبالاة، والحسد والغيرة، والأنانية في مشاعرنا. ~~يكفي ألا نقوم بأي جهد عندما تظهر هذه المشاعر داخلنا وأن نترك لها كل المكان، وأن ~~تملأ بشكل كامل وعينا. حينها سنكون متأكدين أنها ستصير أكثر قوة وحضورا. أن ~~نتركها حرة داخلنا لن يهدئها؛ بالعكس ستشبث جذورها عميقا في أرواحنا. إن ~~التنفيس لن ينفع عندما يتعلق الأمر بالمشاعر المثيرة للاضطراب. # لكننا نستطيع أيضا أن نصير أبطالا في الغيرية، وتمني الخير للآخرين، ~~والتعاطف ورباطة الجأش. يكفي أن نقوم بشكل متكرر وعميق بإعطاء كل هذه المشاعر ~~مكانا في دواخلنا. وهذا كل ما في الأمر. ~~«الدرس الثالث والعشرون» # يعطي التأمل بالوعي الكامل تجسيدا لنياتنا الجيدة. ستزداد دوافعنا ~~الخيرة تجاه القريبين منا والبعيدين عنا عندما نعبر عنها بالسلوك والكلام. ~~ويمكنها أيضا أن تكتمل في السر في دواخلنا. علينا أن نأخذ الوقت الكافي، وبشكل ~~متكرر، كي نشعر بالحب، وبالعطف، وبالشكر، وبكل العواطف الجميلة التي وهبتنا ~~الحياة. يجب ألا يكون هذا على هيئة نيات غير واضحة («يجب أن أقول له ذلك») أو ~~أفكار سريعة ونفعية («من حسن حظي أن هناك من يحبني») وإنما حالات تأملية ~~طويلة، ومتكررة ms117 ومتجذرة في أجسادنا. وسيغير ذلك كل شيء. # الفصل الرابع والعشرون # | أن نختبر تمدد الذات وانحلالها # ماذا يحدث هنا؟ ماذا تفعل هذه اليد اليسرى تحت الطاولة؟ من أين أتى هذا الحجر الغريب ~~الشكل، بفجواته الصغيرة؟ هل جاء من القمر؟ ولماذا اليد اليمنى ساكنة هكذا كعنكبوت، وقد ~~توقفت عن الحركة ولم يعد لها أي دلالة؟ ثم نجد رأس هذا الرجل الأنيق، الذي ينحل ~~بالتدرج في كرة من ضوء أصفر، وكأنها شمس عقلية تسطع فجأة ... إنه يشبه الضوء الذي ~~كان يسطع في نافذة الفيلسوف الذي يتأمل، في لوحة رامبرانت. هل تتذكرون؟ إنها لوحة تحكي ~~قصة اختفاء، أو حالة تحول. وبعد قليل سيبدأ هذا الطقم الأنيق (الحياة الجدية) بتفريغ ~~محتواه بالكامل. وهذه الروح التي تغلي كالشمس (الحياة الغامضة) سوف تفيض عن هذا الجسد ~~وتتركه . إنها لوحة عن توهج الذهن، وسرعان ما سيكون هناك ضوء فقط على القماش، ثم لا ~~شيء. # لوحة «مبدأ اللذة» (1937) لرينيه ماجريت (1898-1967)، وهي لوحة زيتية ~~على القماش، بأبعاد 0,79 × 0,635 متر، مؤسسة إدوارد جيمس سابقا، ~~ساسيكس. # تنتشر حياتي وتتبخر وتصبح كأوراق الشجر، وإبر الجليد التي تتلألأ ~~كأحجار كريمة على العشب والقش في صباح شتوي ... وعبر بساطة ما نسميه عادة ~~الفقر، تتكثف حياتي وتترتب، وتصبح كونا شاملا لا شكل له، كما كان عليه في ~~البداية. # هنري ثورو، «مذكرات (فبراير 1857)» # تمدد # يبدو الوعي الكامل كأنه امتداد لذواتنا؛ لأننا نمتص كل ما حولنا، نتشربه ~~ونصير هو؛ كدائرة تتوسع حتى تحتوي كل شيء. نحن في مركز هذا العالم، لكنه بقي ~~عالما غير واضح الحدود، وبدت حدوده كلها مثيرة للخوف. # يبدو أن الحال لم يتغير؛ فقد بدأت تمريني شاعرا بالضيق، ومنكمشا حول أفكار، ~~أو انفعالات، أو آلام عميقة، فقمت بالتوقف للحظة، وجلست وأغمضت عيني. هناك الآن ~~طنين في الأذنين؛ انزعاج، ارتباك، فوضى، تشتت. كل هذا الجهد للوصول إلى هنا؟ ~~سأوقف التمرين؟ لا سأكمل. وأكمل تمريني، لكنني لا أصل إلى شيء. لا أستطيع أن ~~أغير ما أشعر به الآن، لا أستطيع أن أمنع شيئا أو أحمي ms118 نفسي مما هو موجود الآن. ~~كل هذا، ربما، بل بالتأكيد، له سبب وجيه لبقائه. إذن علي أن أفتح ذاتي، أن ~~أوسعها، أن أدعو وأطلب من ضيوف آخرين ليحضروا في وعيي، فلا أبقى وحيدا في هذه ~~الفوضى العارمة، ولكن يجب أن أسمح لها بالوجود أيضا. يجب أن أتنفس، وأعي ~~تنفسي. # توجد أصوات حولي. يجب أن أعيها، وأعي كل جزء صغير من جسدي. علي أن أبدأ ~~بالشعور بأن الضيق بدأ ينفك عني، وأشعر أنني أستطيع أن أفتح عيني، كي أتأمل ~~الجدار، الأشياء، السماء. وأمتص كل ما يمر. وأجد أن الفوضى، والضيق، والأحاسيس ~~غير المريحة لا تزال هنا، وكذلك كل الإزعاجات الخارجية التي سببتها؛ لكن تبدو ~~كلها أصغر حجما، وأقل أهمية. وأستمر بابتلاع كل ما حولي، مثل العملاقين ~~جارجانتوا وبانتاجرويل؛ غول نفسي يبتلع ببطء العالم والواقع ، وكلما التهمت ~~شعرت أنني أكثر هدوءا. ولكن بعد فترة وجيزة يحضرني سؤال ما: من يبتلع ~~من؟ # انحلال # كثيرا ما نختبر في التأمل بالوعي الكامل أحاسيس تتكرر في تمارينه، إنها تلك ~~المتعلقة بانهدام الحواجز بيننا وبين الخارج؛ إنها أحاسيس بالاندماج مع ما يحيط ~~بنا، بانتشار العالم في دواخلنا. هل هذا الشعور يثير الخوف؟ بالعكس، إنه شعور ~~مريح ومطمئن لأننا ندرك إلى أي حد يكون الانعزال مع الأنا في النهاية خيارا ~~سيئا. # تذكروا عندما ذكرنا كيف تطرح البوذية في لغتها التصويرية والشعرية ما يسمى ~~«النظرة العميقة»، التي تساعدنا على إدراك الطبيعة الحقيقية للظواهر، وخاصة ~~«فراغها»؛ إننا كأقواس قزح؛ نوجد، ونتحلل، ونتشكل من جديد. # يأتيني هذا الشعور خصوصا عندما نقوم بجلسات تأمل في حديقة مستشفى سانت-آن ~~عندما يكون الجو لطيفا. نخرج من القسم، لنجد أنفسنا فورا واقفين على العشب ~~بأقدام عارية، مغمورين بالضجة البعيدة لباريس التي تصل إلينا من وراء الجدران ~~العالية للمستشفى، وفي مسبح الضجة هذا الذي لم نعد نميز فيه أي حدود. إنه ~~تمرين التمدد، والحضور الكثيف، دون الأنا. إنه يشبه الخروج من الذات، دون أن ~~يكون ذلك موتا. إننا لا نشعر أننا متنا، ولكننا بالعكس أحياء بكثافة. ms119 ولا نشعر ~~أننا سنختفي، وإنما على العكس ننتشر في كل شيء حولنا، ويصير وجودنا جليا. نشعر ~~كأننا «مثل السنابل التي تنمو أو المطر الذي يسقط»، وذلك بحسب كلمات إتي ~~هيليسم. # اهجر كل شيء. اهجر كل ما تعرفه، اهجر، اهجر. ولا تخف من أن تبقى دون ~~أي شيء؛ لأنه في النهاية سيكون هذا اللاشيء بقربك ... # تحرر # نشعر أننا حينها خفيفون لدرجة العدم. ولكن لا، ليس الأمر كذلك بالضبط. ليس الأمر ~~نوعا من الحركة باتجاه العدم، وإنما نحو انتماء يتجاوزنا. # يذكرني ذلك بمصطلح «مجال النو» للباحث اللاهوتي المسيحي تايار دي شاردن. فكما ~~نذكر المجال الجوي لطبقة الهواء المحيطة بالأرض، أو المحيط الحيوي للطبقة الحية من ~~النباتات والحيوانات التي تغطي سطح الأرض، نستطيع أن نتكلم عن مجال النو («النو» ~~في اللغة الإغريقية تعني الذكاء، والعقل ، والفكر) لكي نتحدث عن الطبقة غير ~~المرئية، غير الملموسة ولكن الحقيقية، لكل أفكار البشر، والتي تشكل «الذكاء ~~الكلي»، الذي هو مجموع ذكاء جميع البشر. # هذا يذكرني بالصورة المجازية للطوافة وعبور النهر؛ فبعد عبور النهر، أو ~~البحيرة، أو المحيط، تصبح الطوافة، التي كانت حتى هذه اللحظة شديدة الأهمية، غير ~~مفيدة ومزعجة. ولكي نكمل طريقنا في الأرض الجديدة التي وصلنا إليها، يتوجب ~~علينا أن نتركها مكانها دون ندم ونأخذ معنا ما هو أساسي فقط. # أذكر كلام الحكيم الذي قال: «اهجر كل شيء. اهجر كل ما تعرفه، اهجر، اهجر. ولا ~~تخف من أن تبقى دون أي شيء لأنه في النهاية سيكون هذا اللاشيء بقربك ...» # أذكر أيضا هذا القول لسيمون فاي: «إن المرء الذي تأخذ روحه الكون أجمع جسدا، ~~يصير هو هذا الكون.» وأفكر بهذا الفرق بين الأبدية والخلود. إننا نعرف أن الخلود ~~لن يكون من نصيبنا، لكننا حين نعيش ونختبر اللحظة الحاضرة بوعي كامل، ونشعر أننا ~~قد حققناها، فهذه هي الأبدية. إنها موجودة، ونحن نشعر بها. ~~«الدرس الرابع والعشرون» # يهدم الوعي الكامل الحدود غير المفيدة، كتلك التي تفصلنا عن بقية العالم. إننا ~~نخاف أن نختفي يوما ونتحلل، ولكننا إذا اختبرنا ذلك ms120 عشرات المرات، فبالتأكيد ~~سنكون أقل خوفا. إن التأمل بالوعي الكامل هو أن نتواصل مع العالم بقوة لدرجة أن ~~المسافة بين ذاتنا وما هو خارجها يصير بلا معنى، بلا فائدة، وزائدا عن الحاجة. ~~علينا أن نهيئ أنفسنا للعودة من حيث أتينا، كموجة ستختفي عما قريب في ~~المحيط. إذن لا توجد حدود بعد الآن، وإنما روابط فقط. # الفصل الخامس والعشرون # | أن نصل للوعي الكوني # وداعا، وتذكر أن الإيمان أكثر جمالا من الرب. # كلود نوجارو، «ريشة ملاك» # لوحة «حقول التبييض في الريف، بالقرب من هارلم» (تقريبا 1670) ~~لياكوب فون رويزدال (تقريبا 1628-1682)، وهي لوحة زيتية على القماش، ~~بأبعاد 0,625 × 0,552 متر، متحف كونستهاوس، زيورخ. # كنت هناك. # كنت هناك، يا ياكوب فون رويزدال، في خريف عام 1670، عندما كنت ترسم هذه اللوحة. كنت ~~هناك معك على هضبة هيت كوبج، على كثبان بلومندال، في شمال غرب هارلم. كنت هناك، ~~ومثلك، أسرتني هذه السماء الخلابة التي تهب ذاتها لنا كعرض فائق الجمال، ~~كسيمفونية. كنت هناك في ثنايا فرشاتك، في قطرات الماء داخل الغيم، في هبوب الريح، في ~~ألياف الكتان المنشورة في الحقول البعيدة، في تنفسك، ودخان غليونك، وتلك الذبابة التي ~~تزعجك - هل تتذكر؟ - وهي تدور حولك. # أنا هنا. # أنا هنا في هذا الكتاب، في هذه الورقة، وهذه الحروف المطبوعة، وفي الأفكار التي تمر ~~في ذهنك. وأنت أيضا تستطيع أن تشعر بشيء مني، أنت أيضا موجود في روحي، في هذه ~~اللحظة التي تقرأ لي فيها. وعندما سترفع رأسك وتذهب إلى النافذة كي تراقب السماء، ~~ستكون نفس السماء التي أنظر إليها أيضا، وسنتنفس الهواء ذاته، وسننظر لنفس الأرض. ~~وفي هذه الليلة، أو في الليلة القادمة، سنجد النجوم ذاتها، الكون ذاته. # أدرك كل ذلك. # كن حاضرا. # الآن. # ودائما. # | تنزيل تمارين التأمل المرتبطة بالكتاب # تستطيعون، إذا رغبتم، الاستماع للتمارين المصاحبة للكتاب باستخدام هاتف ذكي أو ~~جهاز لوحي. # ولتنزيلها، ما عليكم سوى نسخ العنوان الآتي في شريط برنامج التصفح الخاص بكم: # http://j29j06.arenes.fr/ ~~. # | 10 تلميحات للتأمل باستخدام تمارين التأمل المرتبطة بالكتاب # (1) # إن التأمل بالوعي ms121 الكامل طريقة تأمل بسيطة ويمكن للجميع ممارستها، إلا أن ~~ممارستها المنتظمة تحتاج إلى بعض الجهد! ~~(2) # بداية، علينا التوقف والجلوس وإغلاق أعيننا (أو إبقاؤها نصف مغلقة، دون ~~النظر إلى أي شيء محدد)، ثم علينا ملاحظة كل ما يحدث داخل أجسادنا ~~وعقولنا والترحيب به. ~~(3) # ليست هناك حاجة إلى أدوات خاصة لبدء التأمل: فقط ملابس مريحة ~~وكرسي. ~~(4) # في البداية، من الأفضل التمرن في مكان هادئ ومنعزل. وبعد ذلك، يمكننا ~~التأمل تقريبا في أي مكان. ~~(5) # إن التمارين الإرشادية المرتبطة بالكتاب، سواء كانت قصيرة أو طويلة، ~~تعد مناسبة لكل المستويات. ~~(6) # هناك مقدمة قصيرة تشرح كل تمرين تأمل ثم علينا الاستماع إلى ~~التمرين. ~~(7) # سيتم توجيهنا أثناء التمارين. حاولوا أن تشعروا بدلا من أن تفكروا؛ أن ~~تكونوا حاضرين بدلا من أن تفعلوا. إن لحظات الصمت ستسمح لكم بالتواصل مع ~~تجربتكم. ~~(8) # يمكن للتأمل في بعض الأحيان أن يهدئ من روعنا، لكن في أحيان أخرى يكون ~~غير مريح ويعلمنا تكوين علاقة مختلفة مع ما يجعلنا نعاني؛ لهذا، من الأفضل ~~ألا نتوقع أي شيء محدد منه؛ فهو أحيانا يكون ممتعا، وأحيانا يكون أقل ~~إمتاعا. لكن إن بقينا واعين بتجربتنا، فسيكون دوما مفيدا. ~~(9) # كل الأوقات مناسبة للتأمل، لكن بدء اليوم ببضع دقائق منه يسمح لنا ~~بإيقاظ قدراتنا الخاصة، بالتركيز وإحداث التوازن الشعوري، وتعزيزها. ~~(10) # كما هي الحال في كل أشكال التعلم، كلما زادت الممارسة، زاد التقدم. لكن ~~من الطبيعي، في بعض الأيام، أن يكون من الصعب ممارسة التمارين، وأن يبدو في ~~بعض الأحيان أنها لا تسير على نحو جيد. ومن الطبيعي أيضا في بعض فترات ~~حياتنا أن نتوقف عن الممارسة، قبل أن نعود إليها مرة أخرى. لقد مررنا ~~جميعا بهذا. # | قراءات إضافية # عن التأمل بالوعي الكامل: # أشعار # Kabat-Zinn J., # Où tu vas, tu ~~es. Apprendre à méditer pour se libérer du stress et des ~~tensions profondes ~~, Paris, J’ai lu, ~~1996. # Kabat-Zinn J., # L’Éveil des ~~sens. Vivre l’instant présent grâce à la pleine ~~conscience ~~, Paris, Les Arènes, ~~2009. # Kabat-Zinn J., # Méditer. 108 ~~leçons de pleine ms122 conscience ~~, Paris, Les Arènes, 2010 ~~(avec un CD d’exercices, lu par Bernard ~~Giraudeau). # كتب بوذية # Khyentsé Rinpoché D., # Le Trésor ~~du cœur des êtres éveillés ~~, Paris, Le Seuil, coll. ~~“Points”, 1996. # Nhat Hanh T., # Le Miracle de la ~~pleine conscience. Manuel pratique de méditation ~~, Paris, J’ai Lu, 2008. # Vénérable Hénépola Gunaratana, # Méditer au quotidien. Une pratique simple du ~~bouddhisme ~~, Paris, Marabout, ~~1995. # Mingyour Rinpoché Y., # Bonheur de ~~la méditation ~~, Paris, Fayard, ~~2007. # Ricard M., # L’Art de la ~~méditation ~~, Paris, NiL, 2008. # Ricard M., # Chemins spirituels. Petite anthologie des plus beaux textes tibétains ~~, Paris, NiL, 2010. # كتب علمية # Hanson R. et Mendius R., # Le ~~Cerveau de Bouddha. Bonheur, amour et sagesse au temps des ~~neurosciences ~~, Paris, Les Arènes, ~~2011. # Rosenfeld F., # Méditer, c’est se ~~soigner ~~, Paris, Les Arènes, ~~2007. # كتب علاج نفسي # Fehmi L. et Robbins J., # La Pleine ~~Conscience. Guérir le corps et l’esprit par l’éveil de tous les ~~sens ~~, Paris, Belfond, 2010. # Maex E., # Mindfulness: apprivoiser ~~le stress par la pleine conscience ~~, Bruxelles, De Boeck, ~~2007. # Kabat-Zinn J., # Au cœur de la ~~tourmente, la pleine conscience ~~, Bruxelles, De Boeck, ~~2009. # Segal Z. et coll., # La Thérapie ~~cognitive basée sur la pleine conscience pour la ~~dépression ~~, Bruxelles, De Boeck, ~~2006. # Williams M. et coll., # Méditer pour ne ~~plus déprimer. La pleine conscience, une méthode pour mieux ~~vivre ~~, Paris, Odile Jacob, 2009 (avec un CD d’exercices, ~~lu par Christophe André). # | مواقع إلكترونية مفيدة # عن الوعي الكامل في العلاج النفسي: # Association francophone (avec une liste de ~~praticiens): # www.association-mindfulness.org/ # Site de l’université de Louvain-la-Neuve, en Belgique, ~~dédié à la pleine conscience: # www.cps-emotions.be/mindfulness/index.php # Site de l’université du Massachusetts, aux États-Unis, ~~dédié à la pleine conscience: # www.umassmed.edu/cfm/index.aspx # Site de l’université de Bangor, au pays de Galles, dédié à ~~la pleine conscience: # www.bangor.ac.uk/mindfulness/ # | المراجع # مقدمة # الحضور ... لا الفراغ # Une belle étude scientifique sur la manière dont ~~Rembrandt faisait voyager à sa guise l’œil des observateurs dans les ~~différentes ms123 parties de ses tableaux: DiPaola S. et coll., ~~“Rembrandt’s Textural Agency: A Shared Perspective ~~in Visual Art and Science”, Leonardo ~~, vol. 43, ~~n° 2, avril 2010, p. ~~145-151. # Schama S., # Les Yeux de ~~Rembrandt ~~, Paris, Le Seuil, ~~2004. # Wallace B.A. et Shapiro S.L., # Mental Balance and Well-Being: Building Bridges Between ~~Buddhism and Western Psychology, American Psychologist ~~, vol. 61, octobre 2006, p. ~~690-701. # الجزء الأول: أن ندرك أن الوعي الكامل حالة ذهنية # الفصل الأول: أن نعيش اللحظة الحاضرة # Wildenstein D., # Monet: Vie ~~et œuvre ~~, tome 4, Lausanne, Bibliothèque des ~~Arts, 1985. # Vénérable Hénépola Gunaratana, # Méditer au quotidien. Une pratique simple du ~~bouddhisme ~~, Paris, Marabout, ~~1995. # الفصل الثالث: أن نتواصل مع أجسادنا # Sur le tableau de Watteau: Cheng F., Pèlerinage au Louvre ~~, Paris, ~~Flammarion, 2008. # Davidson R.J. et coll., ~~“Alterations in Brain and Immune Function Produced by ~~Mindfulness Meditation”, Psychosomatic Medicine ~~, ~~vol. 65, juillet-août 2003, p. 564-570. # Epel E.S., Daubenmier J., Moskowitz J.T., Folkman ~~S. et Blackburn E.H., ~~“Can Meditation ~~Slow Rate of Cellular Aging? Cognitive Stress, Mindfulness, ~~and Telomeres”, Annals of the New York Academy of ~~Sciences ~~, vol. 1172, août 2009, p. ~~34-53. # Jacobs T.L., Epel E.S., Lin J., Blackburn E.H., ~~Wolkowitz O.M., Bridwell D.A., Zanesco A.P., Aichele S.R., ~~Sahdra B.K., MacLean K.A., ~~“Intensive ~~Meditation Training, Immune Cell Telomerase Activity, and Psychological Mediators”, Psychoneuroendocrinology ~~, octobre 2010.; DOI: ~~10.1016/j psyneuen. 2010.09.010. # الفصل الرابع: أن نغمض عيوننا وننصت # La citation de Yone Noguchi est extraite du recueil # Sources de sagesse ~~orientale ~~. Genève, Weber, ~~1975. # الفصل الخامس: أن نراقب أفكارنا # Collectif, Peter Doig: ~~Contemporary Artists ~~, Londres, Phaidon, ~~2006. # Ricard M., Plaidoyer pour le ~~bonheur ~~, Paris, NiL, 2003. # الفصل السادس: أن نعطي مساحة لمشاعرنا # Brinkmann B., # Cranach ~~, Londres, Royal Academy of Arts, ~~2008. # Raes F. et coll., ~~“Mindfulness and Reduced Cognitive Reactivity to Sad Mood: ~~Evidence From a Correlational Study and a Non-Randomized ~~Waiting List Controlled Study”, Behaviour Research and ~~Therapy ~~, vol. 47, juillet 2009, p. ~~623-627. # Farb N.A.S. et coll., ~~“Minding One’s Emotions: Mindfulness Training ms124 Alters the ~~Neural Expression of Sadness”, Emotion ~~, vol. 10, ~~février 2010, p. 25-33. # الفصل السابع: أن ندرب انتباهنا كي نزيد حدة وعينا # Marijnissen R.-H., # Bosch ~~, Paris, Gallimard, ~~1996. # Shabkar, # Autobiographie ~~d’un yogi tibétain ~~, tomes 1 et 2, Albin Michel, ~~1999. Et aussi: Poèmes tibétains de ~~Shabkar ~~, Paris, Albin Michel, ~~2001. Parmi les recherches sur la conscience les plus ~~récentes et les plus passionnantes, lire par exemple Christof ~~Koch, # À La Recherche de la conscience, ~~une enquête neurobiologique ~~, Paris, Odile Jacob, ~~2006. Ou bien Antonio Damasio, # L’Autre ~~Moi-même, les nouvelles cartes du cerveau, de la conscience ~~et des émotions ~~, Paris, Odile Jacob, 2010. Et ~~aussi une synthèse accessible et rigoureuse de Philippe Presles, # Ce qui n’intéressait pas Freud. Les ~~nouveaux mystères de la conscience ~~, Paris, Robert ~~Laff ont, 2011. # La phrase de James sur l’attention: ~~“[Attention is] the taking possession of the ~~mind, in clear and vivid form, of one out of what seem ~~several simultaneously possible objects or trains of ~~thoughts. [...] It implies withdrawal from some things in ~~order to deal effectively with others.” # est ~~extraite de # The Principles of Psychology ~~, vol. 1, 1890, chap. 11, ~~“Attention” ~~, p. 403-404. Pour une ~~introduction en français à l’œuvre de William James: Précis de psychologie ~~, Paris, Les ~~Empêcheurs de penser en rond, 2003. # MacLean K.A. et coll., ~~“Intensive Meditation Training Improves Perceptual ~~Discrimination and Sustained Attention”, Psychological ~~Science ~~, vol. 21, juin 2010, p. ~~829-839. # Il existe de nombreuses études sur les ~~entraînements attentionnels dans les troubles anxieux et ~~dépressifs. Un bon exemple en français, appliqué à la peur de ~~rougir, est proposé dans l’ouvrage d’Antoine Pelissolo et ~~Stéphane Roy, # Ne plus rougir et accepter ~~le regard des autres ~~, Paris, Odile Jacob, ~~2009. # Sur les environnements psychotoxiques: André C. ~~“Consommer moins pour exister mieux!”, # Cerveau & Psycho ~~, ~~n° 36, mai-juin 2010, p. ~~16-17. # الفصل الثامن: أن نكون حاضرين في اللحظة الحالية # Cuzin J-P. et Salmon D., # Georges de La Tour, histoire d’une redécouverte ms125 ~~, Paris, Gallimard, coll. “Découvertes”, 1997. # Quignard P., # Georges de La ~~Tour ~~, Paris, Éditions Galilée, ~~2005. # Saint Augustin, # Les ~~Confessions ~~, Paris, Garnier Flammarion, ~~1964. # Claudel P., Psaumes ~~, Paris, Téqui, 1986. # De Mello A., # Un chemin vers ~~Dieu. Petits exercices pour apprendre à prier ~~, Paris, ~~Albin Michel, 2006. # Saint Ignace de Loyola, # Exercices spirituels ~~, Paris, Desclée de Brouwer, ~~1992. # Quignard P., # La Nuit et le ~~silence ~~, Paris, Flohic Éditions, ~~1995. # الجزء الثاني: أن نعيش وعيون روحنا مفتوحة على اتساعها وأن تكون هذه هي فلسفة حياتنا ~~اليومية # الفصل العاشر: أن نرى كل هو مخفي # Bott G.C., # Nature ~~morte ~~, Cologne, Taschen, ~~2008. # Comte-Sponville A., # Chardin, ou la matière heureuse ~~, Paris, Adam ~~Biro, 1999. Prigent H. et Rosenberg P., # Chardin, la matière silencieuse ~~, Paris, ~~Gallimard, coll. “Découvertes”, 1999. # Schneider N., # Les Natures ~~mortes ~~, Cologne, Taschen, ~~2009. # الفصل الحادي عشر: أن نرى ما هو مهم # La citation sur les “pensées courtes” est extraite ~~de l’ouvrage de Tiziano Terzani, # Le ~~Grand Voyage de la vie. Un père raconte à son ~~fils ~~, Paris, Le Seuil, coll. “Points”, ~~2009. # Thoreau H.D., # Journal ~~1837-1861 ~~, Paris, Éditions Pierre Terrail/ ~~Édigroup, 2005. # Thoreau H.D., # La Vie sans ~~principe ~~, Paris, Mille et Une Nuits, ~~2004. # Thoreau H.D., # Walden ou la ~~vie dans les bois ~~, Paris, Aubier, coll. ~~“Bilingue”, 1967. # Cioran, # Cahiers ~~, Paris, Gallimard, 1997. # Des Forêts L.-R., Pas à pas ~~jusqu’au dernier ~~, Paris, Mercure de France, ~~2001. # Sur le matérialisme: Kasser T., # The High Price of Materialism ~~, ~~Cambridge, MIT Press, 2002. Pélegrin-Genel E., # Des souris dans un labyrinthe. Décrypter les ~~ruses et manipulations de nos espaces quotidiens ~~, Paris, La Découverte, 2010. Raynor H.A. et Epstein L.H., ~~“Dietary Variety, Energy Regulation, ~~and Obesity”, Psychological Bulletin ~~, vol. 127, ~~n° 3, mai 2001, p. 325-341. ~~Schwartz B., # Le Paradoxe du choix, Paris ~~, Michel Lafon, 2006. # De Foucauld J.-B., # L’Abondance frugale. Pour une nouvelle ~~solidarité ~~, Paris, Odile Jacob, ~~2010. # Quelques sites de lutte contre le ~~matérialisme: # www.commercialfreechildhood.org # www.simpleliving.net # http://simplicitevolontaire.info # www.bap.propagande.org # الفصل الثاني عشر: أن نكون حاضرين أثناء الفعل Proudhon, # Du principe ms126 de ~~l’art et de sa destination sociale ~~, ~~1865. # La citation sur l’immobilité est extraite de ~~l’ouvrage de Jacques Castermane, # La ~~Sagesse exercée ~~, Paris, La Table Ronde, ~~2005. # Sur l’usage de l’action en ~~psychothérapie: Pour les professionnels de santé: Martell C.R. et ~~coll., # Behavioral Activation for ~~Depression. A Clinician’s Guide ~~, New York, ~~Guilford, 2010. Pour les patients: Addis M.E. et Martell C.R., # Vaincre la dépression. Une étape à ~~la fois ~~, Montréal, Les Éditions de l’Homme, ~~2009. # الفصل الثالث عشر: أن نشحذ انتباهنا # Buck S., # Hans Holbein, “Les ~~Maîtres de l’art flamand” ~~, Cologne, Könemann, ~~1999. # Moore A. et Malinowski P., ~~“Meditation, Mindfulness and Cognitive Flexibility”, ~~Consciousness and Cognition ~~, vol. 18, ~~n° 1, mars 2009, p. ~~176-186. # Nielsen L. et Kaszniak A.W., ~~“Awareness of Subtle Emotional Feelings: a ~~Comparison of Long-Term Meditators and ~~Nonmeditators”, Emotion ~~, vol. 6, août 2006, p. ~~392-405. Piaget J., # La ~~Représentation du monde chez l’enfant ~~, Paris, Presses Universitaires de France, coll. “Quadrige”, ~~2003. # La citation de Freud est extraite de son ouvrage # Introduction à la psychanalyse ~~, Paris, Payot, coll. “Petite ~~Bibliothèque”, 2004. # La citation de Thich Nhat Hanh est extraite de son ~~ouvrage # Le Miracle de la pleine ~~conscience ~~, Paris, J’ai Lu, ~~2008. # La citation de Simone Weil (ainsi que celles qui ~~sont présentes dans ce livre) sont extraites de son ouvrage # La Pesanteur et la grâce ~~, Paris, Plon, 1988. Pour approfondir les concepts bouddhistes: Khyentsé ~~Rinpoché D., # Le Trésor du cœur des ~~êtres éveillés ~~, Paris, Le Seuil, 1996. Nhat Hanh ~~T., # Le Cœur des enseignements du ~~Bouddha ~~, Paris, La Table Ronde, 2000. Midal F., # ABC du bouddhisme. Apprendre à ~~méditer, travailler sur soi, ouvrir son cœur ~~, Paris, Grancher, 2008 (ouvrage dont est extraite la citation sur ~~le “miroitement du réel”). Midal F., # Quel bouddhisme pour l’Occident ~~?, Paris, Le ~~Seuil, 2006. # الفصل الرابع عشر: أن نفهم ونقبل ما هو موجود # La citation “ # Vous n’avez ~~pas à accepter les choses: elles sont déjà là ~~” ~~est extraite du ms127 livre de Prakash S. # L’Expérience de l’unité. Dialogues avec Svâmi Prajnânpad ~~, Paris, Accarias L’Originel, ~~1986. # La citation sur “sagesse et opposants” est extraite ~~de l’ouvrage de Jonathan Haidt, # L’Hypothèse du bonheur. La redécouverte de la sagesse ~~ancienne dans la science contemporaine ~~, ~~Bruxelles, Mardaga, 2006. # Ouvrages permettant d’approfondir la réflexion sur ~~l’acceptation: Comte-Sponville A., # De ~~l’autre côté du désespoir. Introduction à la pensée de Svâmi Prajnânpad ~~, Paris, Accarias L’Originel, 1997. ~~Castermane J., # La Sagesse ~~exercée ~~, op. cit. Krishnamurti, Se libérer du ~~connu, Paris, Stock, 1969. Prakash S., # L’Expérience de l’unité. Dialogues avec Svâmi Prajnânpad ~~, op. cit. # الجزء الثالث: أن نتجاوز العواصف بالاحتماء بملاذ اللحظة الحاضرة # الفصل الخامس عشر: أن نتحرر من سجوننا الذهنية # Sur la douleur: Les modifications observées chez ~~les méditants zen expérimentés sont un accroissement de ~~l’épaisseur du cortex, notamment dans les zones du cortex ~~cingulaire antérieur et du cortex somatosensoriel, impliquées ~~dans la perception de la douleur. Grant J.A. et coll., ~~“Cortical Thickness and Pain Sensitivity in ~~Zen Meditators”, Emotion ~~, vol. 10, février 2010, ~~p. 43-53. Speca M. et coll., ~~“A ~~Randomized, Wait-List Controlled Trial: The Effect of ~~Mindfulness Meditation-Based Stress Reduction Program on ~~Mood and Symptoms of Stress in Cancer Outpatients”, Psychosomatic Medicine ~~, vol. 62, ~~septembre-octobre 2000, p. 613-622. Morone N.E. et coll., ~~“Mindfulness Meditation for the ~~Treatment of the Chronic Low Back Pain in Older Adults”, Pain ~~, vol. 134, n° 3, février 2008, p. ~~310-319. # Sur les modifications cérébrales liées à la ~~pratique de la pleine conscience: Luders E. et coll., ~~“The Underlying Anatomical Correlates of ~~Long-Term Meditation: Larger Hippocampal and Frontal Volumes ~~of Gray Matter”, NeuroImage ~~, vol. 45, avril 2009, ~~p. 672-678. Lutz A. et coll., ~~“Long-Term ~~Meditators Self-Induce High-Amplitude Gamma Synchrony During ~~Mental Practice”, PNAS ~~, vol. 101, n° 46, novembre ~~2004, p. 16369-16373. Rubia K., ~~“The ~~Neurobiology of Meditation and Its Clinical Eff ectiveness ~~in Psychiatric Disorders”, Biological Psychology ~~, ~~vol. 82, n° 1, septembre 2009, p. 1-11. # La citation sur “prison et barreaux” ms128 est extraite ~~du livre d’Alexandre Jollien # Le Philosophe nu ~~, Paris, Le Seuil, ~~2010. # Sur les ruminations, pour les professionnels de ~~santé: Papageorgiou C. et Wells A. (éds), # Depressive Rumination ~~, John Wiley, ~~2004. Davey G.C.L. et Wells A. (éds), # Worry and Its Psychological Disorders ~~, John ~~Wiley, 2006. # الفصل السادس عشر: أن نتخلى عن إصرارنا # Lemoine S. (sous la direction de), # De Puvis de Chavannes à Matisse et Picasso. ~~Vers l’art moderne ~~, Paris, Flammarion, ~~2002. # الفصل السابع عشر: أن نبقى حاضرين في هذا العالم # Marijnissen R.-H., # Bruegel. ~~Tout l’œuvre peint et dessiné ~~, Paris, Éditons ~~Charles Moreau, 2003. # الفصل الثامن عشر: أن نستمر بالتقدم رغم جروحنا Pour les professionnels de santé, quelques références ~~d’études classiques ou récentes sur l’usage de la pleine ~~conscience dans les troubles anxieux ou dépressifs: Teasdale ~~J.D. et coll., ~~“Prevention of ~~Relapse/Recurrence in Major Depression by Mindfulness-Based ~~Cognitive Therapy”, Journal of Consulting and Clinical Psychology ~~, vol. 68, n° 4, août 2000, p. 615-623. ~~Kuyken W. et coll., ~~“Mindfluness-Based ~~Cognitive therapy to Prevent Relapse in Recurrent ~~Depression”, Journal of Consulting and Clinical Psychology ~~, vol. 76, n° 6, décembre 2008, p. ~~966-978. Segal Z. et coll., ~~“Antidepressant Monotherapy Versus Sequential Pharmacotherapy and Mindfulness-Based Cognitive Therapy, or Placebo, for Relapse Prophylaxis in Recurrent Depression”, ~~Archives of General Psychiatry ~~, 2010. Barnhofer ~~T. et coll., ~~“Mindfulness-Based ~~Cognitive Therapy as a Treatment for Chronic Depression: A Preliminary Study”, Behaviour Research and ~~Therapy ~~, vol. 47, n° 5, mai 2009, p. 366-373. ~~Kenny M. et Williams J.M.G., ~~“Treatment-Resistant Depressed Patients Show a Good ~~Response to Mindfulness-Based Cognitive Therapy”, Behaviour ~~Research and Therapy ~~, vol. 45, n° 3, mars 2007, ~~p. 617-625. # Et pour nos lecteurs non-professionnels de santé, ~~cette recommandation: à ce jour, la méditation, quelle qu’en ~~soit la forme, n’a pas fourni assez de preuves lui permettant ~~d’être considérée comme un outil de traitement des maladies ~~psychiques (ni des autres d’ailleurs). Elle a par contre ~~démontré qu’elle est un bon outil de prévention des rechutes, ms129 ~~c’est-à-dire de maintien en aussi bonne santé que possible, en ~~tenant compte des fragilités et du passé de chacun. Si vous ~~souffrez (ou l’un de vos proches) d’une maladie psychiatrique, ~~la méditation pourra vous aider, mais non vous ~~soigner. # Berghmans C. et coll., “La méditation comme outil ~~psychothérapique complémentaire: une revue de question”, # Journal de thérapie comportementale ~~et cognitive ~~, vol. 19, n° 4, décembre 2009, p. ~~120-135. # الفصل التاسع عشر: أن نقبل الغموض # Hood W., # Fra Angelico at ~~San Marco ~~, New Haven, Yale University Press, ~~1993. # Spike J., # Fra Angelico ~~, Paris, Liana Levi, ~~2003. # La citation de Viktor Frankl se trouve dans le bel ~~ouvrage de Tzvetan Todorov, # Face à l’extrême ~~, Paris, Le Seuil, ~~coll. “Points”, 1994 (p. 99). # Lire aussi, de Viktor Frankl, # Découvrir un sens à ~~sa vie. Avec la logothérapie ~~, Montréal, Éditions de l’Homme, ~~2006. Phillips A., # Trois ~~capacités négatives ~~, Paris, L’Olivier, ~~2009. # La métaphore des étoiles cachées par le soleil est ~~d’André Comte-Sponville, dans son ouvrage # L’Esprit de l’athéisme. Introduction à une ~~spiritualité sans Dieu ~~, Paris, Albin Michel, ~~2006. # الفصل العشرون: أن نلمح السعادة وهي تبزغ ببطء # André C., # Les États d’âme. ~~Un apprentissage de la sérénité ~~, Paris, Odile ~~Jacob, 2009. Pour approfondir la vision chinoise du bonheur: Dan ~~Y., # Le Bonheur selon Confucius. Petit ~~manuel de sagesse universelle ~~, Paris, Belfond, ~~2009. Jullien F., # Nourrir sa vie à ~~l’écart du bonheur ~~, Paris, Le Seuil, ~~2005. # La citation de Camus sur bonheur et conscience est ~~extraite de son ouvrage # L’Envers et ~~l’endroit ~~, Paris, Gallimard, coll. “Folio ~~essais”, n° 41, p. 118. # La citation d’Etty Hillesum est extraite de son ~~ouvrage # Une vie bouleversée ~~, Paris, Le Seuil, coll. “Points”, 1995. # La citation d’Evguénia Guinzbourg est extraite de ~~son ouvrage # Le Vertige ~~, tomes ~~1 et 2, Paris, Le Seuil, coll. “Points”, ~~1997. # Wood A.M. et Joseph S., ~~“The Absence of Positive Psychological (Eudemonic) ~~Well-Being as a Risk Factor for Depression: A Ten Year ~~Cohort Study”, Journal ms130 of Affective Disorders ~~, ~~vol. 122, n° 3, mai 2010, p. 213-217. # Brown K.W. et Ryan R.M., ~~“The Benefits of Being Present: Mindfulness and Its Role in Psychological Well-Being”, Journal of Personality and Social Psychology ~~, vol. 84, n° 4, avril 2003, p. ~~822-884. # الجزء الرابع: أن نكون أكثر انفتاحا ويقظة وندرك أن ذلك هو أكثر الأسفار ~~بعدا # الفصل الحادي والعشرون: أن نعمل Perec G., # Espèces d’espaces ~~, Paris, Éditions ~~Galilée, 1974. # Barbera G., # Antonello de Messine ~~, Paris, Gallimard, ~~1999. # Zundel M., # Vie, mort, résurrection ~~, Montréal, ~~Éditions Anne Sigier, 2001. # La “cloche de la pleine conscience” est une ~~institution du célèbre Village des pruniers, fondé par Thich ~~Nhat Hanh. Informations: # http://villagedespruniers.net/ ~~. # الفصل الثاني والعشرون: أن نتأمل # Hofmann W., # Caspar David Friedrich ~~, Paris, Hazan, ~~2005. # La citation d’André Comte-Sponville est extraite de ~~son # Dictionnaire philosophique ~~, Paris, Presses Universitaires de ~~France, 2001. # Dictionnaire des mots de la foi chrétienne ~~, Paris, ~~Les Éditions du Cerf, 1989. # La citation de Christian Bobin est extraite d’une ~~de ses chroniques pour # Le Monde des religions ~~: “Le prophète au ~~souffle d’or”, mai-juin 2010. # Jossua J.-P., # Seul avec Dieu. L’aventure mystique ~~, Paris, Gallimard, coll. “Découvertes”, ~~1996. Panikkar R., # Le Silence du Bouddha. Une ~~introduction à l’athéisme religieux ~~, Arles, Actes Sud, ~~2006. # Sur le lien à la nature et la biophilie: Éric ~~Lambin, # Une écologie du bonheur ~~, Paris, Le Pommier, ~~2009. # الفصل الثالث والعشرون: أن نحب # La parole de Siméon à Marie se trouve dans Luc 2, ~~34-35. # Roscam Abbing M., # Rembrandt ~~, Paris, Gründ, ~~2006. # Les méditations sur l’amour altruiste sont ~~notamment détaillées dans l’ouvrage de méditation de Ricard M., # L’Art de la méditation ~~, Paris, NiL, 2008. # Sur l’utilisation de la compassion en ~~psychothérapie, voir pour synthèse: Gilbert P., # Compassion ~~Focused Therapy ~~, Routledge, 2010. Gilbert P. (éd), # Compassion. ~~Conceptualisations, Research and Use in Psychotherapy ~~, ~~Routledge, 2005. # Ainsi que cette recherche originale montrant que ~~la méditation altruiste améliore le lien aux autres: Hutcherson ~~C.A. et coll., ~~“Loving-Kindness ~~Meditation Increases Social Connectedness”, ~~Emotion ~~, vol. 8, n° ms131 5, octobre 2008, p. ~~720-724. # الفصل الرابع والعشرون: أن نختبر تمدد الذات وانحلالها Paquet M., # Magritte, la pensée visible ~~, Cologne, ~~Taschen, 2005. # Gohr S., # Magritte. Tentation de l’impossible ~~, ~~Anvers, Ludion, 2009. # Sylvester D., # Magritte ~~, Arles, Acte Sud, ~~2009. # Meuris J., # René Magritte ~~, Cologne, Taschen, ~~2007. # Teilhard de Chardin P., # Le Phénomène humain ~~, Paris, Le Seuil, ~~1965. # La citation “Abandonne tout, abandonne tout ce que ~~tu connais ...” est extraite de l’ouvrage de Tiziano Terzani, # Le Grand Voyage de la ~~vie ~~, op. cit. # Comte-Sponville A., # L’Esprit de l’athéisme. ~~Introduction à une spiritualité sans Dieu ~~, op. ~~cit. # Lenoir F. et Tardan-Masquelier Y., # Le Livre des ~~sagesses. L’aventure spirituelle de l’humanité ~~, Paris, Bayard, ~~2005. # Une étude (parmi d’autres) montrant comment nombre ~~de douleurs psychologiques sont liées à une focalisation ~~excessive sur soi: Way B.M. et coll., ~~“Dispositional Mindfulness and Depressive Symptomatology: ~~Correlations With Limbic and Self-Referential Neural ~~Activity During Rest”, Emotion ~~, vol. 10, n° 1, ~~février 2010, p. 12-24. # الفصل الخامس والعشرون: أن نصل للوعي الكوني # Büttner N., # L’Art des ~~paysages ~~, Paris, Citadelles & Mazenod, ~~2007. ms132