######OpenITI# #META# URI: 1450SaraRajaiYusuf.TarikhJunun.Hindawi52470362 #META# Tags: psychology #META# ID: 52470362 #META# Title: تاريخ الجنون: من العصور القديمة وحتى يومنا هذا #META# AuthorID: 61807194 #META# Author: كلود كيتيل #META# EditorID: 29647426 #META# Editor: داليا محمد السيد الطوخي #META# TranslatorID: 40904240 :: 51514819 #META# Translator: سارة رجائي يوسف :: كريستينا سمير فكري #META# Related_books: 1450ClaudeQuetel.HistoireDeFolie (TRANSL) #META#Header#End# # تمهيد‏ # الجزء الأول: العصور القديمة وجذور الجنون‏ # 1 - رب وأرباب‏ # 2 - مرض الروح‏ # 3 - التراث الأبقراطي‏ # 4 - طالما اعتنينا بالمجانين‏ # الجزء الثاني: ممارسات الجنون في العصور الوسطىوفي عصر النهضة‏ # 1 - الوضع الراهن للتفكير النظري‏ # 2 - وضع المجنون في المجتمع إبانالعصور الوسطى‏ # 3 - نماذج من الجنون وصور لإعادة تجسيده‏ # 4 - جنون ودين‏ # الجزء الثالث: احتجاز المختلين عقليا‏ # 1 - الإنجيل من منظور فوكو‏ # 2 - المشفى العام‏ # 3 - دور الاحتجاز الجبري تتسلم الراية‏ # 4 - مرحلة مستودعات التسول‏ # 5 - فكر الإصلاح‏ # الجزء الرابع: اختراع الطب النفسي‏ # 1 - إما الثورة وإما العودة إلى نقطة الصفر‏ # 2 - مداواة الجنون‏ # 3 - عودة سريعة إلى فوكو‏ # 4 - «بينيل» اسم صار علامة‏ # 5 - إسكيرول ونشأة مصحة الأمراض ~~العقلية‏ # الجزء الخامس: العصر الذهبي للطب العقلي‏ # 1 - قانون 1838 الخاص بالمرضى عقليا‏ # 2 - ازدهار المصحات في فرنسا‏ # 3 - جدران المصحة‏ # 4 - «جولة» في مصحات الأمراض العقلية في الغرب‏ # 5 - البوتقة النظرية في عصر اليقين‏ # الجزء السادس: عصر الشك‏ # 1 - المصحات العقلية لا تؤدي إلى الشفاء‏ # 2 - القرن الجديد‏ # 3 - ثورة الطرق العلاجية البيولوجية‏ # 4 - مناهضة الطب النفسي‏ # 5 - تجزؤ الطب النفسي‏ # الخاتمة‏ # مصادر مخطوطة‏ # مصادر مطبوعة‏ # الهوامش‏ # تمهيد‏ # الجزء الأول: العصور القديمة وجذور الجنون‏ # 1 - رب وأرباب‏ # 2 - مرض الروح‏ # 3 - التراث الأبقراطي‏ # 4 - طالما اعتنينا بالمجانين‏ # الجزء الثاني: ممارسات الجنون في العصور الوسطىوفي عصر النهضة‏ # 1 - الوضع الراهن للتفكير النظري‏ # 2 - وضع المجنون في المجتمع إبانالعصور الوسطى‏ # 3 - نماذج من الجنون وصور لإعادة تجسيده‏ # 4 - جنون ودين‏ # الجزء الثالث: احتجاز المختلين عقليا‏ # 1 - الإنجيل من منظور فوكو‏ # 2 - المشفى العام‏ # 3 - دور الاحتجاز الجبري تتسلم الراية‏ # 4 - مرحلة مستودعات التسول‏ # 5 - فكر الإصلاح‏ # الجزء الرابع: اختراع الطب النفسي‏ # 1 - إما الثورة وإما العودة إلى نقطة الصفر‏ # 2 - مداواة الجنون‏ # 3 - عودة سريعة إلى فوكو‏ # 4 - «بينيل» اسم صار علامة‏ # 5 - إسكيرول ونشأة مصحة الأمراض ~~العقلية‏ # الجزء الخامس: العصر الذهبي للطب العقلي‏ # 1 - قانون 1838 الخاص بالمرضى عقليا‏ # 2 - ازدهار المصحات ms001 في فرنسا‏ # 3 - جدران المصحة‏ # 4 - «جولة» في مصحات الأمراض العقلية في الغرب‏ # 5 - البوتقة النظرية في عصر اليقين‏ # الجزء السادس: عصر الشك‏ # 1 - المصحات العقلية لا تؤدي إلى الشفاء‏ # 2 - القرن الجديد‏ # 3 - ثورة الطرق العلاجية البيولوجية‏ # 4 - مناهضة الطب النفسي‏ # 5 - تجزؤ الطب النفسي‏ # الخاتمة‏ # مصادر مخطوطة‏ # مصادر مطبوعة‏ # الهوامش‏ # | تاريخ الجنون # | تاريخ الجنون # | ‏‏‏‏‏‏‏‏من العصور القديمة وحتى يومنا ~~هذا # تأليف # كلود كيتيل # ترجمة # سارة رجائي يوسف # كريستينا سمير فكري # مراجعة # داليا محمد السيد الطوخي # كل تقديري وامتناني إلى بريجيت # التي لولاها ما كتبت سطور هذا الكتاب # أبدا. # | تمهيد # لماذا بحق السماء هذا الاهتمام بتاريخ الجنون؟ لأننا جميعا مصابون بالجنون. ربما تكون هذه ~~إجابة الحكماء على ما يتردد من قول مأثور يرجع تاريخه إلى القرن السابع عشر: «إذا أردت أن ترى ~~مجنونا، فما عليك إلا النظر إلى نفسك في المرآة.» والحقيقة، ليس هذا هو الجنون - الشائع بين ~~الجميع - الذي نعنى هنا بدراسته، وإنما ما يعنينا هو دراسة تاريخ الجنون المرضي، ودراسة ما ~~توصلت إليه مجتمعاتنا الغربية من إجابات حول هذا الموضوع، على المدى الطويل. لكن لماذا نتطرق إلى ~~الحديث عن النوع الآخر من الجنون من المنظور الأخلاقي والفلسفي؟ لأنه، وعلى مدى قرون - أكثر من ~~ألفي عام في الواقع، وحتى ظهور طب الأمراض العقلية والنفسية في مطلع القرن التاسع عشر - ظل هناك ~~تضارب في تعريف كلمة «الجنون»؛ حيث كان في الغالب متأرجحا بين اتجاهين يحمل كل منهما معنى ~~مختلفا، فيميل أحدهما إلى الاتجاه الأخلاقي (بمعناه الفلسفي)، والآخر إلى الاتجاه الطبي؛ مما نتج ~~عنه التباس وغموض حول مفهوم هذه الكلمة. وقد شارك الأصل اللغوي للكلمة في تعزيز هذا الغموض؛ لأن ~~كلمة مجنون # fou # مشتقة من الأصل اللاتيني # follis ~~(ومنه اشتقت كلمة مجنون # fol # في العصور الوسطى) والتي تعني كيسا أو بالونا منفوخا بالهواء تتقاذفه ~~الرياح هنا وهناك. # وتشهد المعاجم الفلسفية الحالية على غموض هذه الكلمة، فنجد بها تأرجحا (كما لو كان هناك تردد ~~حيال وجوب ورود الكلمة أساسا في القاموس) ms002 في تعريف الجنون؛ ما بين اعتباره «مصطلحا مبهما ~~وعاما» يقصد به «فقدان العقل»، والإشارة إليه بوصفه حالة متباينة الأبعاد من الاضطراب العقلي ~~تندرج في مجال الأمراض النفسية. ومن هنا برزت أسماء أوائل المؤسسين للطب النفسي (أمثال بينيل ~~وإسكيرول وغيرهما)، الذين توارت أسماؤهم بعد ظهور ميشيل فوكو الذي قلب موازين هذا العلم وأعاد ~~وضع أسسه. وفي الواقع، سلط الضوء الإعلامي على غموض كلمة «جنون» مع صدور كتاب فوكو، في عام ~~1961 بعنوان: «الجنون والحماقة: تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي»، الذي سرعان ما ترك بصمة في هذا ~~المجال. فكيف لا ننطلق من هذه الأطروحة الشهيرة التي تعد اليوم راسخة رسوخا قويا وتفترض أن ~~العصر الكلاسيكي «فرض التزام الصمت إزاء موضوع الجنون، باتخاذ إجراءات عنيفة وغريبة»؟ وربما ~~تغيرت طبيعة احتجاز المجانين، مع إنشاء مستشفى باريس العام في عام 1656، ومع إرساء نوع جديد من ~~الخطاب - وفقا لما ذكره فوكو - عن مكافحة البطالة. وسنتطرق في الصفحات القادمة لنظريات فوكو، ~~ولكن يكفي الآن الإشارة إلى أن هذا الفيلسوف، في أثناء قيامه بتأريخ الجنون، تسبب في مشكلة من ~~الناحية التاريخية. ولكننا نعترف بفضله في إدراج هذا الموضوع ضمن نطاق العلوم الإنسانية التي لم ~~تكن حتى ذلك الوقت توليه اهتماما كبيرا، مكتفية فقط بعرض بعض المحطات المرتبطة بتاريخ الطب ~~النفسي والسير الذاتية لرواده على التوالي، وعلى رأسهم بينيل. # وتكمن صعوبة دراسة موضوع الجنون في كون كتابة تاريخه - نظرا لما يحمله من معنيين بينهما ~~اشتراك وعلاقة ازدواج - أمرا منوطا بكل من المؤرخ والطبيب والفيلسوف والطبيب النفسي والمحلل ~~النفسي وعالم الاجتماع، ولكل منهم نظرته الشخصية لهذا الموضوع. هناك العديد من القراءات التي ~~تطرقت إلى موضوع الجنون. ومن قبيل المفارقة أن المؤرخين، رغم أن الأمر يتعلق بالتاريخ، هم الأقل ~~اهتماما بدراسة هذا الموضوع. وعلى النقيض، كانت أصوات الفلاسفة ومن بعدهم علماء الاجتماع والطب ~~النفسي، دون أن نغفل بالطبع المحللين النفسيين، هي ~~الأعلى - (أما عن الأطباء النفسيين، فطالما أبدوا ~~اهتماما بتاريخ فنهم) ولا سيما بعد صدور كتاب ميشيل فوكو - وسط موجة عاتية ms003 مناهضة للطب النفسي ~~هزت الغرب في الستينيات والسبعينيات. # على الرغم من هذا القيد الأيديولوجي (وعلى نحو ما كرد فعل إزاءه)، كان لزاما على المؤرخ ~~أن يطرح أسئلة المؤرخين: هل يمكن اعتبار عام 1656 هو بداية تأسيس تاريخ الجنون؟ وهل السلطات كانت ~~تسعى دوما للتهرب من مشكلة احتجاز المجانين بدلا من العمل بالأحرى على إيجاد حل لها؟ وهل ~~المجانين - وليس الجهلاء أو الخطأة أمام الله، بل ~~مرضى الجنون والمعروفون بإصابتهم بأمراض عقلية - موجودون منذ الأزل، ووجودهم قديم قدم البشرية ~~نفسها؟ هل كانت السلطات تسعى في الأساس، ومنذ البداية، لعلاج المجانين؟ كل هذا يجعلنا نتساءل منذ ~~متى وعلى أي نحو كان يتم تمييز الجنون بوصفه مرضا عقليا عن الجنون بوصفه نقيضا للعقل ~~والحكمة. # لا بد من استئناف البحث، ولكن كيف؟ من منظور المؤرخ ... يجب، دون «جداول تحليلية» أو تحيز ~~أيديولوجي، تتبع الجنون والمجنون واقتفاء أثر هذا الأخير منذ ظهوره في تاريخ البشرية، وتضييق ~~نطاق البحث على نحو تدريجي للوصول إلى النتائج المتعلقة بقارة أوروبا ثم بفرنسا؛ وذلك باتباع نهج ~~يعتمد على التسلسل الزمني لمتابعة كل ما طرأ على هذا الموضوع من مستجدات حتى يومنا هذا. فبعد أن ~~شغل المؤرخون لفترة من الزمن بالمذهب التصوري الذي كان قد اجتاح العلوم الإنسانية، عادوا اليوم ~~على استحياء إلى ما كانوا قد رفضوا الاعتراف به حتى لا يتهموا بانتمائهم إلى مذهب «الوضعية ~~المحدثة» وهو: التسلسل الزمني والأحداث والتاريخ الكمي ... فالأحداث دائما ما تكون عنيدة! # إنه بحث طويل يمتد على مدار أكثر من ألفي عام لملاحقة الجنون ... بحث ميداني، كيف كان المجانين ~~في الواقع المعاصر، ومتى ظهروا، وأين؟ ما حجم المشاكل التي تسبب بها الجنون منذ قيام الحضارات ~~الأولى؟ وما الاستجابات النظرية والعلاجية وردود الفعل الاجتماعية والقانونية التي قدمتها ~~المجتمعات إزاء هذا المرض؟ # فضلا عن ذلك، ألا ينبغي أن يكون عنوان هذا الكتاب «تاريخ الطب النفسي» بما أنه يبحث في ~~الجنون باعتباره مرضا؟ كلا، وذلك لعدة أسباب: أولها أن «الطب النفسي» تعبيرا واصطلاحا لم يظهر ~~إلا في ms004 مطلع القرن التاسع عشر (في عام 1808 على يد رايل في ألمانيا، ثم مر وقت طويل - عام 1842 - ~~حتى تم إدراج هذا المصطلح في قاموس الأكاديمية الفرنسية). ولكن لأن الحديث عن الطب النفسي وتاريخه ~~(أو عن الأمراض العقلية) بالنسبة إلى الفترات السابقة على وجه الخصوص، ربما كان سيعد خطأ في ~~المعنى أسوأ من ملاءمة التسمية؛ وذلك لأن «اختراع الطب النفسي» جاء كمرحلة فاصلة في تاريخ الجنون ~~الذي كان قد بدأ بالفعل قبل ذلك بكثير. # وفضلا عن ذلك، فعنوان الكتاب «تاريخ الطب النفسي» يشير إلى المجال الطبي وحده، وهو المجال ~~المركزي بالطبع، ولكننا نود كذلك إحكام الصلة بين هذا المجال وبين سياقه التاريخي والثقافي. وبقدر ~~ما نرغب في رصد تاريخ المرض نفسه وتطور توصيفه يهمنا استعراض تاريخ الاستجابات العلاجية وردود ~~الفعل الاجتماعية إزاء هذا المرض. ذلك أن الجنون ليس كأي مرض آخر. إن إدراك البعد الأنثروبولوجي ~~للجنون يعد أمرا أساسيا لفهم تاريخه: «إننا لا نصبح مجانين برغبتنا، فقد تنبأت الثقافة بكل ~~شيء. ففي داخل عملية الاضطراب العصبي، والتي نسعى إلى الهروب منها من خلال الاضطراب العقلي، تأتي ~~الثقافة لتحدد لنا شكل الشخصية البديلة التي يتعين علينا تقمصها» (فرانسوا لابلانتين). # مما سبق، تتضح المكانة التي يشغلها تاريخ الطب النفسي. سنرى أنه خلافا لتاريخ معظم الأمراض، ~~عند دراسة التاريخ الطبي للجنون، فإنه لا يعنينا الحديث عن إنجازاته والتقدم الذي أحرزه بقدر ما ~~يهمنا تتبع أخطائه وتضحياته والنكسات التي تعرض لها، سواء في مجال النظريات الطبية، والاستجابات ~~العلاجية أو فيما يتعلق بردود الفعل الاجتماعية. إذا أردنا البحث في هذا التاريخ الطويل، الذي ~~يضاهي موضوعه غرابة وجنونا، عن سياسة قوة أو قمع من جانب السلطات، فإن جل ما نلحظه الغياب ~~الواضح لأساليب المعالجة الحكيمة لهذا الموضوع، سواء على المدى الطويل أو على المدى المتوسط. فقد ~~ظهرت - في ذلك الوقت - كلمات مثل التجريبية، والبراجماتية، وقلة الإمكانيات، واللامبالاة، بدت ~~كأنها كلمات مفتاحية في هذا المجال. # إضافة إلى أن الجنون يعد حالة مرضية بالمعنى الطبي الدقيق، فهو يمثل ms005 مشكلة من وجهة نظر ~~الفلسفة وعلم الاجتماع (وهو ما يفسر شرعية اهتمام هذه العلوم به)؛ وذلك لأنه يعبر عن سلبية كل ~~من «العقل» والقوانين المنطقية التي تحكمه في زمان ومكان محددين، فكل مجتمع لديه أنماطه الخاصة من ~~الانحراف ودرجات التحمل أو التساهل التي تتماشى معها. إن إجراء مقارنة بين حضارات مختلفة في زمن ~~ما يعد أمرا مثيرا للاهتمام (وذلك لأن كل نظام له منظور نسبي مختلف تجاه الآخر) وهذا هو ما ~~يهتم بدراسته - ولكن في عالم اليوم - علم الأنثروبولوجيا النفسية (الطب النفسي الأنثروبولوجي)، ~~وذلك باتباع نهج تصوري لا يعنينا الخوض فيه الآن. ومن الواضح أنه ليس ثمة جنون إلا جنون العالم ~~الغربي. بيد أننا نحيا في هذا الجنون وهو نفسه ما سنتناوله بالدراسة آملين أن يستمتع القارئ بهذه ~~الرحلة المحفوفة بالمخاطر التي سنخوضها عبر ما يقرب من ثلاثة آلاف عام. # الجزء الأول # | العصور القديمة وجذور الجنون # الفصل الأول # | رب وأرباب # كان اليونانيون القدماء هم أول من اهتم بدراسة الجنون؛ أي مرض الروح، لكن هل يعني هذا أنه ~~قبل ذلك الوقت لم يتطرق أحد إلى هذا الموضوع؟ نحن لا نقصد بالتأكيد الجنون بمعناه النظري، حتى ~~وإن كان غياب المصادر يجعلنا نتغاضى بعض الشيء عن مثل هذا القول. إنما نقصد المجانين بالطبع. هل ~~هناك حضارات أو مجتمعات، حتى الأولى منها، دون مجانين؟ نراهن أن الإجابة ستكون بالنفي. # جنون وآلهة # في الحقيقة، وحتى لا نستعرض إلا الحضارات التي سبقت اليونان وأثرت فيها، لا بد من البحث ~~عنهم والعثور عليهم؛ أولئك المجانين، الذين سبق أن ضبطوا في أثناء تلقيهم للعلاج. ومع ذلك، ~~نراهم هناك، ببساطة هناك. نجدهم في المعابد التي شيدت لغرض طبي في الحضارة البابلية وفي مصر ~~القديمة، كما في معبد ممفيس على سبيل المثال، والذي كان يعد مدرسة للطب ومشفى في الوقت ~~نفسه. من بين أولئك الذين كانوا يتوافدون على هذه المعابد طلبا للشفاء، نجد المجانين الذين ~~كانوا ينتظرون دورهم لحدوث معجزة معهم من خلال ممارسة بعض الطقوس. وسط أجواء من الشعائر ms006 ~~الدينية، كانت هناك ممارسات كالصوم والاغتسال والتطهر والدهن بالمسحة المقدسة تسبق الدخول ~~إلى المعبد، أحيانا ببضعة أيام، للمبيت فيه ليلة. في اليوم التالي ل «نوم حضانة المرض»، ~~والذي يمكن أن يصاحبه تناول بعض العقاقير، كان المريض يقص أحلامه على «الكهنة الأطباء»، الذين ~~كانوا بدورهم يقومون بتفسيرها للحصول على وصفات العلاج والأدوية والأنظمة الغذائية، والتي كان ~~الإله بنفسه هو من يمليها على المريض في بعض الأحيان عن طريق الأحلام. ويمكن الافتراض بأن ~~الحالات المرضية للرجال والنساء التي لا أمل في شفائها لم يكن يسمح لها بدخول المعبد؛ حيث ~~كانت سمعة المكان والإله على المحك. على أي حال، كان هذا الطب الكهنوتي ملائما تماما ~~للجنون. # أما المصريون، فقد كانوا يعتقدون أن مركز كل شيء هو «القلب»؛ فهو مقر «الهروب» ~~و«النسيان»، وأن الجنون يصيب المرء حينما تسكن قلبه قوة إلهية (في إشارة إلى الشيطان) ولا ~~يصبح بعدها مسئولا عن أفعاله. وحينما يعثر الإنسان على «قلبه» فإنه يستعيد في الوقت نفسه ~~عقله. وقد ظلت هذه الفكرة عن المجنون المغيب سائدة لوقت طويل، ثم عاودت الظهور خاصة مع نشأة ~~الطب النفسي، في أوائل القرن التاسع عشر، مع ظهور مفهوم الاغتراب (وهي كلمة مشتقة من الأصل # alienare # وتعني أن يكون الإنسان شخصا آخر غريبا)، ليس فقط ~~غريبا عن الآخرين وإنما أيضا غريب عن نفسه. # في الطب البابلي، كان هناك اعتقاد بأن لكل مرض شيطانا مسئولا عنه؛ ومن ثم فإن الروح ~~الشريرة التي تسبب مرض الجنون كانت تدعى إيديتا. في النصوص المسمارية الطبية، # 1 # جرى التمييز بين أنواع مختلفة من الجنون كما يلي: «بحسب ما إذا كان الشخص يعاني ~~كثيرا من نوبات حادة أو خفيفة من الصرع، أو بدأت تنتابه أفكار عن الاضطهاد وأن الآلهة غاضبة ~~عليه، أو إذا كان يصاب بهلاوس، أو لديه شعور دائم بالرعب والفزع ...» وبالطبع، فيما يتعلق ~~بالجنون، وكما هي الحال بالنسبة إلى الأمراض الأخرى، كان الطب البابلي يلجأ إلى العراف أو ~~الساحر # Asipu # مثلما يلجأ إلى الطبيب # Asu ~~، وأحيانا، إذا كان المريض ms007 يستحق العناء، كان يجري ~~استدعاء الاثنين معا. كان الطبيب، وهو في الوقت نفسه الصيدلي، يمتلك بالفعل صيدلية (تحتوي ~~على عقاقير ومراهم) لا يتورع العراف من جانبه، إضافة إلى ما يتلوه من تعويذات وعزائم، عن ~~استخدامها. # في بلاد فارس القديمة، كان هناك اعتقاد بأن ~~جميع الأمراض يتحكم بها شياطين، وأن المفهوم الثنائي للصراع الدائم بين الخير والشر يتجسد، ~~ليس في العالم فحسب، حيث يتنازع إله الخير «أهورا-مازدا» مع إله الشر «أهريمان»، وإنما أيضا ~~في الجسم البشري حيث تتعارض الصحة مع المرض. وكان هناك ثلاثة أنواع مختلفة من الطب كما يلي: ~~«طب المبضع أو الجراحة، طب العلاج بالأعشاب والنباتات، وطب الكلام»، ويقصد بهذا النوع الأخير ~~التلاوات المقدسة التي «تجلب السكينة للروح». ويعد اليونانيون أول من قام فيما بعد بتعريف ~~دقيق لماهية الروح. # في تلك العصور القديمة، نادرا ما نجد حالات من الجنون لها أسباب مرضية أو طرق علاجية ~~ملائمة، بعيدا عن نطاق التداوي بالسحر والدين. وبالرغم من ذلك، قبل ألفي عام من ميلاد ~~المسيح، عزا المصريون العديد من الاضطرابات النسائية، سواء أكانت جسدية أم نفسية، إلى هجرة ~~الرحم إلى أعلى الجسم؛ مما ينتج عنه حدوث ضيق في التنفس و«اختناق رحمي» (ما يقصد به ~~«الإصابة بالهستيريا»). انطلاقا من الفرضية القائلة بأن العضو المهاجر يهرب من الروائح ~~الكريهة بينما تجذبه الروائح الطيبة، وساد اعتقاد بضرورة الجمع بين استنشاق روائح غير محببة ~~وتطهير المهبل بالروائح العطرية لإجبار الرحم على العودة إلى موضعه الطبيعي. وهكذا نشأت ~~الهستيريا، والتي أصبحت حقلا واعدا على الصعيدين الطبي والاجتماعي للباحثين بهذا ~~المجال. # وقد اتبعت اليونان القديمة (وما بعدها من حقب) النهج الطبي نفسه القائم على الاستعانة ~~بالسحر والدين، متأثرة في ذلك بالطب المصري القديم. كان الكهنة أيضا هم القائمين على رعاية ~~صحة البشر، ولا سيما في العديد من المعابد المخصصة للإله أسكليبيوس. ووفقا للأسطورة ~~الإغريقية، فإن أسكليبيوس هو ابن الإله أبوللو والحورية كورونيس والذي عهد به إلى القنطور ~~شيرون لتربيته. وكان هذا القنطور يمتاز عن أقرانه، المتوحشين والجهلة، بالحكمة والطيبة. ms008 وقد ~~قام القنطور شيرون، بتعليم أسكليبيوس الطب، حيث نقل إليه ما سبق أن تعلمه على أيدي أبوللو ~~وأرطميس. وسرعان ما تفوق الطالب على أستاذه. ولم تقتصر قدرة أسكليبيوس على شفاء المرضى فحسب، ~~وإنما امتدت لتشمل أيضا إحياء الموتى. ولم يتحمل الإله زيوس ذلك، فغضب على أسكليبيوس وضربه ~~بالبرق. وأصبح أسكليبيوس هو إله الطب (وهو الإله إسكولاب عند الرومان)، وصارت ابنته هيجيا أو ~~هيجي ~~(Hygie) # إلهة الصحة (ومن اسمها اشتق الأصل اللغوي ~~لكلمة # hygiène ~~؛ أي النظافة الصحية). # يقع المعبد الرئيس للإله أسكليبيوس في مدينة ~~إبيداوروس، في أرغوليس. وكان يتوافد عليه المرضى منذ القرن السادس قبل الميلاد. وكما هي الحال ~~أمام مئات المعابد الأخرى المخصصة لإله الشفاء في جميع أنحاء اليونان، كان المرضى يصطفون ~~بانتظار قضاء ليلة حضانة المرض الشهيرة. وكان المؤلف المسرحي أريستوفان يسخر من هذا المشهد في ~~مسرحياته الكوميدية، قائلا بأن الأمر لا يعدو أن يكون عمليات احتيال وخداع كبرى. ولكن لم ~~يشاركه هذا الرأي أولئك المرضى الذين كانوا يحجون إلى هذه المعابد، مفعمين بالإيمان والاعتقاد ~~في الشفاء، ولم لا وقد عزز من إيمانهم هذا منظر آيات الشكر والعرفان والوفاء بالنذور التي ~~كانت تزين جدران المعابد. أما أولئك الكهنة الأطباء - الذين يدعون أنهم ينحدرون من سلالة ~~أسكليبيوس ويمثلون رابطة قوية - فكان من بينهم مختصون في علم التغذية، وصيادلة، وجراحون، ~~ومعالجون بالموسيقى، وكذلك - وقبل ظهور الكلمة نفسها - أطباء نفسيون. وكما هي الحال في مصر، ~~لم يكن الكهنة الأطباء يكتفون بالبقاء في معابدهم بل كانوا يقومون بجولات واسعة لتفقد المرضى. ~~وكان المجانين يمثلون الفئة المختارة لدى هذا النوع من الأطباء الذي يجمع بين السحر ~~والدين. # كما حدث في مصر، أنشئت مدارس تنافسية: في قوريني، ورودس، ولا سيما في كنيدوس، في آسيا ~~الصغرى، وفي جزيرة كوسفي دوديكانيسيا. وتزايد الاهتمام بتسجيل العوارض الصحية وطرق معالجتها ~~على ألواح، بحيث تكون في بعض الأحيان بمنزلة مرجع طبي متكامل، ونذكر على سبيل المثال في هذا ~~الصدد كتاب «الحكم الكنيديسية». ومع ذلك، كان الكهنة الأطباء من سلالة أسكليبيوس ms009 يميلون إلى ~~الاقتصار على معالجة الجروح والأمراض الحادة؛ ولهذا السبب هجر العديد من المرضى المصابين ~~بأمراض مزمنة معابد أسكليبيوس وأخذوا يترددون على صالات الألعاب الرياضية، اعتبارا من القرن ~~الخامس قبل الميلاد. ذاع صيت الألعاب الرياضية في اليونان إلى حد أنها لم تكن تعد وسيلة ~~للتمتع بصحة جيدة فحسب، بل أضحت طريقة لمعالجة الأمراض المزمنة، اعتمادا على التمارين ~~البدنية والسير لمسافات طويلة واتباع أنظمة غذائية. # أما فيما يتعلق بالجنون نفسه، فهو يحتل في الأسطورة اليونانية القديمة وقصائد هوميروس ~~مكانة خاصة؛ فقد كان ينظر إليه على أنه يمثل في أغلب الأحيان عقابا يبتلى به البشر الذين ~~يقعون ضحية الجموح والغطرسة. وهكذا، أصيب أوريستيس بالجنون بعد أن قتل والدته وعاقبته على ~~فعلته إلهات العذاب إيرينيس (المسماة فيوريس عند الرومان). كان الإغريق يخافون بشدة من ~~جنيات الجحيم إيرينيس، لدرجة أنهم كانوا يطلقون عليها «الجنيات الطيبة» حتى لا يغضبوها. ~~وكانت مهمة هؤلاء الإلهات معاقبة القاتل والمتغطرس أيضا. # لقد سلطت الآلهة الجنون على أوديسيوس، الذي كان يحرث الرمال بدلا من الحقول، وأجاكس، وهو ~~أشجع الرجال اليونانيين بعد أخيل. وعند موت هذا الأخير، طالب أجاكس بأسلحته ولكن القادة ~~الآخرين اختاروا أوديسيوس. وهكذا أصابت أجاكس لوثة الجنون وطفق يذبح قطيعا من الخراف ظنه ~~جيشا من الآخيين. وكتب سوفوكليس، في مسرحيته «أجاكس» (التي ألفها حوالي سنة 440 قبل ~~الميلاد)، مشهدا تظهر فيه الإلهة أثينا، حامية الآخيين، وهي تشرح لأوديسيوس كيف أنها بددت ~~غضب أجاكس؛ بأن ضربته ب «غشاوة على عينيه»: «سأوقع على عينيه الوهم الثقيل لانتصار كريه [...]، ~~وسأضغط على الإنسان الواقع ضحية هذيانه، وأدفعه نحو عمق شبكة الموت.» وعندما أدرك أجاكس خطأه، ~~لم يبق أمام هذا البائس إلا الانتحار. # بيد أن آلهة الأساطير الإغريقية لم تكتف بلعب دور المنتقمين أو الحماة. فقد كان لدى هذه ~~الآلهة جميعها عيوب الفانين نفسها. وهكذا كان زيوس زير نساء بمعنى الكلمة وكانت هيرا زوجته ~~(راعية الزواج وحامية النساء المتزوجات) غيرى بشكل رهيب. ونظرا لعدم قدرتها على الانتقام ~~من زوجها الفاسق، والذي يعد في ms010 الوقت نفسه كبير الآلهة أو رب الأرباب؛ كانت هيرا تتجه نحو ~~العديد من الفانيات اللائي نلن جانبا من إحسانها. وهو ما حدث على سبيل المثال مع ألكمن، ~~أميرة الميسينيين، التي أغواها زيوس بعد أن اتخذ شكل زوجها الغائب أمفيتريون، ثم حملت منه. ~~فاستشاطت هيرا غضبا وطلبت من ابنتها إيليثيا، إلهة الولادة، أن تطيل فترة حمل ألكمن. وبمجرد ~~ميلاد ابن ألكمن، لم تكف الإلهة الرهيبة هيرا عن وضعه في اختبارات كانت تبعث بها إليه، ولكنه ~~كان دائم الانتصار فيها. ومن هنا جاء اسمه: هرقل، ومعناه «مجد هيرا». وعندما أدركت الإلهة أنه ~~لا شيء يقدر على هزيمة هذا البطل، ضربته بلوثة جنون دفعته إلى قتل أبنائه (وأصبح لزاما عليه ~~فيما بعد القيام بالأعمال الاثني عشر الشهيرة للتكفير عن مثل هذه الجريمة). وقد قدم المؤلف ~~المسرحي يوربيديس نسخة شائقة من جنون هرقل في صورة عمل مسرحي؛ حيث أدركت هيرا فجأة، في تجل ~~مصحوب بإحساس شنيع بالابتهاج، أنه لا يوجد شيء أو شخص بإمكانه هزيمة هرقل. لا أحد، إلا نفسه! ~~وبناء عليه، فليعلن الآن الحرب على نفسه! وليصر مخبولا بحيث يكون، في جنونه، غير مدرك ~~لأفعاله؛ وبذلك يكره نفسه! # ورغم أننا هنا في نطاق الأسطورة الإغريقية والشعر التراجيدي، فالجنون المشار إليه، بعيدا ~~عن أي مجاز، لا يقل عن الجنون بصورته الحقيقية؛ لأن الجنون في صورته الأكثر عنفا والأكثر ~~خطورة يتجلى في: هوس هرقل الإغريقي، وغضب هراقليس اللاتيني الهائج. # الإله والجنون # مع آلهة الأسطورة الإغريقية، على الرغم مما كانوا يبدونه من قسوة مع البشر، فقد كان من ~~الممكن - في بعض الأحيان - تقديم تنازلات للوصول إلى اتفاق معهم. وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن ~~هذه الآلهة، التي تكون بشرية للغاية، في أحيان كثيرة، لا تتعامل بقسوة إلا بدافع العاطفة أو ~~التسلية، فإن ذلك يخلق مساحة مشتركة من التفاهم والعلاقات المتبادلة. ولا يوجد مثل هذا مع ~~الإله الأوحد لأول دين كتابي. مع عقيدة التوحيد بوجه عام، ليس هناك مجال للمزاح. إن إله ~~العبرانيين والعهد القديم، والذي يدعى يهوه، ms011 محب للانتقام وعنيف في أغلب الأحيان. ألم يطلب ~~من إبراهيم التضحية بإسحاق، ابنه البكر؟ وسيجيب البعض قائلا: إن يهوه لم يكن يريد إلا اختبار ~~عبده إبراهيم بدليل وجود كبش الفداء الذي حل محل ولده في اللحظة الأخيرة. إذا سلمنا بذلك، ~~فهذا لا يبرر أن الأب قد وافق، باسم الرب، على قتل ابنه؛ حيث كان إبراهيم قد قيد بالفعل ابنه ~~على مذبح المحرقة. وبالفعل، مد يده ليمسك بالسكين. وهكذا ظهر إله جديد. # وبعيدا عن هذا الإله العنيد، لا سبيل للنجاة (كما ضاقت سبل الخلاص). «أنا أميت ~~وأحيي. سحقت، وإني أشفي، وليس من يدي مخلص» (سفر التثنية، إصحاح ~~32، آية 39). الله يرسل المرض ليعاقب خلائقه. وماذا يكون العقاب الأمثل إلا الجنون؟ في هذا ~~السياق، يكتسب الجنون طابعا مبهما وباعثا على التشاؤم بشكل جذري. وعليه، يكون المجنون هو ~~بداية من يقع في الخطية - ثم يسقط في شباك الخطيئة والعقاب. «فكر الحماقة ~~خطية» (سفر الأمثال، إصحاح 24، آية 9). «لأن شعبي أحمق. إياي لم ~~يعرفوا. هم بنون جاهلون وهم غير فاهمين» (سفر أرميا، 4، 22). وترد في ~~سفر الأمثال على وجه الخصوص، بشكل متكرر ومهيمن، الصورة الأكثر تشاؤما للأحمق المتعارض مع ~~الحكيم: «الحكماء يذخرون معرفة، أما فم الغبي فهلاك قريب.» ومن ~~يهوه يغضب المخبول ويكون جنونه غير قابل للشفاء: «إذا ما سحقت معتوها بالهاون بين الحبوب، ~~فإن جنونه لا يحيد عنه.» ولذلك، لا بد من الابتعاد عن الأحمق: «ليصادف الإنسان ~~دبة ثكول ولا جاهل في حماقته» (سفر الأمثال، 17، 12). # عندما عرفت التعاليم اليهودية المجنون على أنه الإنسان الذي يفقد عطية منحت له، كان ~~يقصد بذلك المريض عقليا وأيضا الخاطئ الذي لم يستطع الحفاظ على إيمانه وفضيلته باعتبارهما ~~عطيتين من الله. بالإضافة إلى ذلك، أليس المريض عقليا مسئولا، في نهاية المطاف، عن السماح ~~لنفسه بالانزلاق في هوة الجنون؛ وذلك بنسيان الله ومن ثم الاستهانة به؟ # هذا الجمع بين المجنون والآثم لم يكف على أي حال عن التأثير في التقليد ~~اليهودي-المسيحي. وفي هذا الصدد، يمكن أن يأخذ الجنون طابعا جماعيا. هكذا، كان ms012 موسى يحذر ~~شعبه قائلا إنهم إذا حادوا عن طريق الإيمان، فسيضربهم الرب بالجنون وب «حيرة القلب» (سفر ~~التثنية، 28، 28). وهكذا كان اليهود يدعون السامريين بأسلوب مهين «شعبا مجنونا»؛ وذلك بسبب ~~انشقاقهم الديني (فهم لا يقبلون في الكتاب المقدس إلا التوراة). مجنون، آثم، شرير، كلها ~~مترادفات لشيء واحد. # ويبلغ التشاؤم ذروته حين يكون جنون الإنسان أمرا مثيرا للحزن أكثر من موته: «ابك ~~على الميت لأنه فقد النور وابك على الأحمق لأنه فقد العقل. قلل ~~من البكاء على الميت فإنه في راحة أما الأحمق فحياته أشقى من ~~موته» (سفر يشوع بن سيراخ، 22، 10-12). # ونتيجة لذلك، كان من الصعب معرفة مصير ~~المجانين «الحقيقيين»؛ فقد كان ينتظرهم بالطبع مصير لا يحسدون عليه، في إطار مناخ ديني متعصب ~~إلى أبعد حد عن الحضارات المؤمنة بعدة آلهة، وفي سياق بيئة دينية ترفض، بل وتحرم اللجوء ~~إلى السحر. وهكذا، كان للعديد من هؤلاء المجانين - المنبوذين من مجتمعهم والمختبئين في ~~الغابات حيث يعيشون حياة بدائية وهمجية - دور في مولد أسطورة الاستذآب (وهي كلمة مشتقة من ~~الأصل اللغوي «الرجل الذئب»، الذي عرف فيما بعد بالمذءوب). ويعد نبوخذ نصر، ملك بابل، خير ~~مثال على ما نقول؛ فلتوقيع العقاب على هذا الملك، الذي قام بغزو مملكة يهوذا ودمر معبد ~~أورشليم (في مطلع القرن السادس قبل الميلاد)، على غروره، ضربه يهوه بالجنون؛ حيث اعتقد نبوخذ ~~نصر أنه تحول ليس إلى ذئب ولكن إلى ثور، على غرار صور الثيران الكثيرة التي تزين جدران قصره. ~~وقد انطلق ليعيش على نحو بدائي في حدائقه الشاسعة، معرضا نفسه لسوء الأحوال الجوية، ولم يعد ~~يأكل إلا الحشائش وأطال شعره وأظفاره. ولكن ملك بابل لم يتعرض للعقاب إلا لفترة مؤقتة («سبعة ~~أزمنة»، كما ذكر الكتاب المقدس دون إعطاء مزيد من التوضيح). ثم صار بإمكانه أخيرا «استعادة ~~رشده» والتضرع في تذلل إلى الله الذي قبل طلبته ومن عليه بالشفاء. # ولكن من يمكن أن يكون مجنونا دون أن يكون خاطئا؟ «إنه ذلك الذي يخرج بمفرده في الليل، ~~ويبيت في المقابر، ويقذف ms013 الحجارة، ويمزق ملابسه، ويفقد ما يعطى له» (تكملة التلمود). وإلى ~~جانب هذا التعريف «الإكلينيكي» المبهم، أكد التلمودي ريش ~~لاكيش، في القرن الثالث بعد الميلاد، أن الإنسان لا يخالف ~~أحكام الدين إلا إذا دخلت إليه روح الجنون. # وقد ذكر الكتاب المقدس بعض حالات الجنون، بمفهوم المرض العقلي، أشهر هذه الحالات هو شاول، ~~أول ملوك شعب بني إسرائيل، وقد حدث ذلك قبل الميلاد بألف عام (حسبما ذكر في سفر صموئيل ~~الأول ، من الإصحاح التاسع إلى الإصحاح الحادي والثلاثين). بعد أن شاخ شاول وأصبح معتل المزاج، ~~لم يكن هناك إلا قيثارة داود، الذي كان لا يزال راعيا للغنم، هي التي بإمكانها تهدئته. ~~«فكان يرتاح شاول ويطيب ويذهب عنه الروح الرديء» (سفر صموئيل ~~الأول، 16، 23). ومع ذلك، ها هو الحديث عن الأرواح الشريرة، حتى وإن كان سفر الملوك يقدم لنا ~~الخلاصة في قوله: «وذهب روح الرب من عند شاول، وبغته روح رديء ~~من قبل الرب.» # لقد صور كل من رمبرانت ولوكاس دي ليدن في لوحاتهم، شاول مكتئبا ومصابا بالعين. كما ~~كان الملك الشيخ مصابا أيضا بجنون العظمة، أو البارانويا، وبالغيرة من نجاح داود زوج ابنته ~~التي كان شاول نفسه قد زوجه إياها بإرادته؛ هربا من انتقام شاول الذي يعد نموذجا ~~لثنائية المضطهد-المضطهد، وكان يتعين على داود الالتجاء إلى بلاط ملك مدينة جت. وهناك، ~~خوفا على حياته، تصنع هو نفسه الجنون حتى يبدو بمظهر المسالم، غير العدائي: «كان يضع ~~علامات على مصراعي الباب ويترك لعابه يسيل على ذقنه.» لدى رؤيته، صرخ الملك قائلا: «أنتم ~~ترون جيدا أن هذا الرجل مجنون، فلماذا إذن أحضرتموه إلي؟ أينقصني مجانين حتى أكون بحاجة ~~لرؤية ذاك يفعل حماقاته؟» وهكذا، انتحر شاول بعدما عاش وحيدا، ومهزوما من قبل الفلسطينيين ~~في جبل جلبوع؛ مما يثبت أن روح الرب كان قد فارقه. وخلفه داود وبلغت مملكة إسرائيل في ~~عهده أوج قوتها. # يعتبر العهد الجديد أقل تناولا لموضوع الجنون كما أنه أقل تشاؤما بهذا الصدد من العهد ~~القديم؛ فلم يعد يصور الجنون على أنه سلاح ms014 في يد إله يميل إلى الانتقام والقصاص، بل نجد هناك ~~إحياء للتقليد القديم المتعلق بالأرواح والشياطين، والذي يعد مترسخا في إيمان الحضارات ~~المتعددة الآلهة. فها هو يسوع يشفي الصريع: «فانتهره يسوع، فخرج منه ~~الشيطان. فشفي الغلام من تلك الساعة» (متى، 17، 18). أيضا، في ~~كورة الجدريين، أتى إلى يسوع رجل كان منذ زمان طويل لا يلبس ثوبا، ولا يقيم في ~~بيت، بل يعيش في القبور (في المغارات التي كانت منتشرة في هذه المنطقة). وكان يربط بسلاسل ~~لمنعه من التحرك ولكنه كان دائما يكسر قيوده. وعندما سأله يسوع عن اسمه، أجاب الرجل قائلا: ~~«لجئون»؛ لأن شياطين كثيرة دخلت فيه. ولأن الشياطين خافت أن يأمرها يسوع بالذهاب إلى ~~الهاوية؛ طلبت إليه أن يأذن لها بالدخول في قطيع من الخنازير كان يمر في ذلك الوقت. وما إن ~~دخلت الشياطين في الخنازير حتى اندفع القطيع إلى البحيرة وغرق. أما عن الإنسان الذي خرجت منه ~~الشياطين، فقد كان «جالسا عند قدمي يسوع، لابسا وعاقلا» (لوقا، 8، ~~26-39). # وفيما يتعلق بالجنون المجازي، فله مكانة محدودة، ولكن مميزة، في العهد الجديد. بداية أليس ~~هو جنون يسوع نفسه؟ فالشعب اليهودي الذي جاء المسيح ليعظه، ألم يقرن الكرازة بالجنون، بل ~~واعتبرها جنونا يعاقب عليه الدين التقليدي؟ وهكذا نجد الآية مقلوبة، فالمسيح مخلص البشرية، ~~يعد عمله الخلاصي على الصليب جنونا بينما هو الحكمة في أجلى صورها، على العكس من ذلك، تعد ~~حكمة العالم، وفطنته الكاذبة، هي الجنون بعينه: «إن كان أحد يظن أنه حكيم ~~بينكم في هذا الدهر، فليصر جاهلا لكي يصير حكيما! لأن ~~حكمة هذا العالم هي جهالة عند الله.» وفي موضع آخر: «فإن كلمة ~~الصليب عند الهالكين [بمعنى الخطأة] جهالة [بمعنى جنون]، وأما ~~عندنا نحن المخلصين فهي قوة الله» (القديس بولس الرسول، في رسالته ~~الأولى إلى أهل كورنثوس). # ها نحن الآن في القرن الأول الميلادي وقد بلغنا بالفعل مرحلة متقدمة على طريق التصوف ~~المسيحي. فلنعد إلى جنون العبرانيين كما كان يبدو لنا قبل عدة قرون من ميلاد المسيح وذلك حتى ~~نوضح ms015 إلى أي مدى كان مثل ذلك التصور الباعث على التشاؤم بخصوص الجنون يحبط سلفا أي ~~محاولة للتفكير النظري بشأنه. إننا أكثر قربا من الناحية الجغرافية، ولكن على طرفي نقيض من ~~الناحية الفكرية، من وضع البحث الفلسفي والطبي الذي كرس مفكرو اليونان الكلاسيكية، ومن بعدهم ~~مفكرو روما القديمة، أنفسهم له، ابتداء من ظهور المفهوم الأساسي لمرض الروح أو النفس. # الفصل الثاني # | مرض الروح # رأينا كيف كانت معابد الاستشفاء المخصصة للإله أسكليبيوس وصالات الألعاب الرياضية مهدا ~~للطب حتى قبل ظهور أبقراط. غير أن هناك جنية سهرت على رعاية هذا المهد، وهي جنية ~~الفلسفة. وبينما ظل الالتجاء إلى السحر والدين مستمرا (حتى إنه بلغ أوجه مع ازدهار معبد ~~إبيداوروس في القرن الرابع قبل الميلاد)، كانت الفلسفة في الوقت نفسه في طور النشأة. كان ~~الفلاسفة يسافرون ويتعلمون من أسفارهم. وكانوا يفكرون مليا بكل ما للكلمة من معنى في العديد ~~من التساؤلات، بدءا بعلم الكونيات (ما الكون؟) (من سنة 600 إلى سنة 450 قبل الميلاد)، وانتهاء ~~بعلم الإنسان (الأنثروبولوجيا) (ما الإنسان؟) (من سنة 450 إلى سنة 400 قبل الميلاد). كما كانوا ~~يدرسون الطبيعة، بما في ذلك تنظيم الأجسام وأصل الأمراض. # ومن بين هذه الدراسات، برز مفهوم مرض الروح بشقيه: الفلسفي، بما أن الأمر متعلق بالروح أو ~~بالنفس، والطبي، بما أننا بصدد دراسة نوع من الأمراض. وبناء على ذلك، ساد لفترة طويلة تقليد ~~طبي-فلسفي يجمع بين خبرتين؛ وهما: علم الأمراض النفسية من منظور طبي، وعلم الأمراض النفسية من ~~منظور فلسفي. ويتناول هذا الأخير بدوره مبحثين: المبحث الأول متعلق بأمراض الروح والجسد «يعالج ~~الطب الجسد من الأمراض، وتحرر الحكمة الروح من العواطف» (كما يقول ديموقريطوس). أما المبحث ~~الثاني فيشمل صحة الجسد وصحة الروح. يقول أبيقور: «لا بد من العمل للحفاظ على الجسد من المعاناة ~~والحفاظ على الروح من الاضطراب.» # ولكن، في البداية، ما الروح (في اللغة اللاتينية، كلمة # anima # تعني «النفخة»)؟ # وللإجابة عن هذا السؤال، كان لا بد من التوغل في حقل واسع محفوف بالمخاطر ... يعرف أفلاطون ms016 ~~(428-348ق.م) الروح على أنها «مبدأ الحياة والفكر أو الاثنين معا، باعتبارها حقيقة كائنة بشكل ~~منفصل ومستقل عن الجسد ولكنها تتجلى من خلاله.» أما أرسطو (384-322ق.م)، فقد عرف الروح على ~~أنها «جوهر كينونة الإنسان، أو صورة لجسد طبيعي به حياة بالقوة (وتمامية الفعل المتحقق للكائن ~~على عكس الذات الناقصة).» # هل الروح والجسد يشكلان كلا لا يتجزأ (الواحدية)، أم يمكن فصل أحدهما عن الآخر ~~(المثنوية)؟ جالينوس (الذي ولد عام 129م وتوفي تقريبا في عام 210م)، هو طبيب درس الفلسفة في ~~بداية حياته وأعرب عن عدم فهمه لما قاله أفلاطون بأن «الموت يحدث حينما تفارق الروح الجسد.» ~~وأكد من جانبه على مادية الروح لارتباطها بالطبائع الأربع (البارد، والرطب، والحار، واليابس)، ~~حتى وإن أوضح في بعض الأحيان أن هذه المعرفة لا تهم كثيرا مجالي الطب وعلم وظائف الأعضاء. ~~وقد أشار جالينوس في مؤلفاته إلى نظرية أفلاطون حول الأنفس الثلاث للإنسان (وهي نظرية شائعة ~~لدى أبقراط) كما يلي: النفس الشهوانية أو النباتية (التي تمثل منبع الرغبة) ومكمنها في الكبد، ~~والنفس النشطة أو الذكورية ومركزها في القلب، والنفس المفكرة أو الآمرة ومقرها في المخ. وهكذا ~~نجد نفسين غير عقلانيتين ونفسا عاقلة (يختص بها الآلهة وحدها). ويصاحب النفس الأولى فضيلة ~~الاعتدال، ويرافق النفس الثانية فضيلة الشجاعة، أما النفس الثالثة، وهي العاقلة، فتلازمها ~~فضيلتا الحكمة والعلم. هذا بالإضافة إلى العدالة التي تحافظ، بالقدر الملائم، على التناغم بين ~~الأنفس الثلاث. # ولأرسطو رأي مختلف تماما؛ فهو يرى أنه لا توجد إلا نفس واحدة متمركزة في القلب ولكنها ~~تجمع كل ملكات الأنفس الثلاث التي عرفها أفلاطون. ويعتقد الفلاسفة الرواقيون، أن الإنسان ~~يملك نفسا واحدة دون أن يميزوا بين الملكات. ويرون أن كل ما يتحرك يعد جسدا (بما في ذلك ~~الروح). أما خريسيبوس (القرن الثالث قبل الميلاد)، فيرى أن الروح نفحة مستمرة، تولد مع مولدنا، ~~وتتوغل في كل الجسد طالما ظل به تناغم الحياة. # ولكن ما هو مرض الروح، سواء وفقا لمذهب الواحدية أم وفقا للنزعة المثنوية (وبالأخص من ~~وجهة نظر العقيدة ms017 المثنوية؛ نظرا لأنها تفرق بين مرض الجسد ومرض الروح)؟ من الجدير بالذكر أن ~~جاكي بيجو كان أول، وربما كان لفترة طويلة هو الوحيد، من خصص رسالة ماجستير لبحث مرض الروح في ~~العصور القديمة. # 1 # وسنتابع بحماس في هذا الفصل ما تم التوصل إليه من خلال هذه الأطروحة. تعتمد فكرة ~~بيجو على تحديد إشكالية العلاقة بين الطب والفلسفة في العصر القديم، مع دراسة «الاستدلالات ~~القياسية المميزة التي يقدمها الطب لعلم الأخلاق، ولا سيما ما يتعلق بمرض الروح »؛ حيث لا يقدم ~~الطب استدلالا قياسيا فحسب، كما قلنا، وإنما هوية أيضا، بما أن «مرض الروح يأتي من خلال ~~الجسد»، والجسد «هو المكان الذي تنفذ الروح من خلاله»، وهذا لا يحدث دون ألم. # في محاورة أفلاطون «طيمايوس»، يحدث مرض الروح، ويقصد به الحماقة أو الجنون، بسبب حالة ~~الجسد، مع الفارق أنه إذا كانت الروح أقوى من الجسد، فإنها «تهزه بالكامل من الداخل»؛ وينتج عن ~~ذلك الإصابة بالهوس أو بالمس الجنوني. أما إذا كان الجسد أقوى، فإن الروح تسقط «في أشد أنواع ~~المرض؛ وهو الجهل» [نقيض الحكمة، أو نسيان الواقع] «لا أحد فاسد طوعا»؛ فكل عمل سيئ هو نتيجة ~~لحكم خاطئ يجعلنا نؤثر الشر على الخير. أما جالينوس، وهو أكثر تشددا من أفلاطون وأرسطو ~~اللذين أخذا بعين الاعتبار تأثير العوامل المادية والمعنوية عند تفسير دوافع الأفعال الإنسانية؛ ~~فيرى أن مزاج الروح مرتبط بمزاج الجسد، وبناء على ذلك يمكن القول: إن أمراض الروح هي انعكاس ~~لأمراض الجسد. # يرى القدماء أن أمراض الروح، أو بالأحرى الأمراض المشتركة بين الجسد والروح، تعد أمراضا ~~عضوية. وأكثر هذه الأمراض الجسدية شيوعا هو التهاب الدماغ الذي يصاحبه حدوث حمى حادة أحد ~~أعراضها الاضطراب العقلي. ومع الاتجاه التدريجي بين ما هو عضوي أو بدني نحو ما هو فلسفي، نجد ~~الهوس (أي «الهياج» عند اللاتينيين). ونظرا لأن الهوس يعد مرضا وفي الوقت نفسه عرضا لأمراض ~~أخرى (التهاب الدماغ، والملنخوليا)، فهو يمثل الجنون بامتياز؛ ولذلك سنتعمق في بحثه في ~~إطار دراسات أبقراط وخلفائه في ms018 هذا الصدد. في الأصل، لم يكن لمصطلح «الهوس» أي مرجعية طبية بشكل ~~خاص، وإنما كان مفهوما شائعا يشير إلى السلوك العنيف. # وقد ميز كل من أفلاطون وإيمبيدوكليس (في القرن الخامس قبل الميلاد) بين نوعين من ~~الجنون؛ وهما: نوع سيئ، وهو الهوس الذي يصاحبه ولع جسدي؛ ونوع جيد، ملهم وسماوي. وهكذا أضاف ~~الفلاسفة الإغريق معنى آخر للجنون، فضلا عن معناه المزدوج الذي قد يكون الخطيئة، وهو الجنون ~~الذي قد يكون خلاقا. ويميز أفلاطون في محاورته «فيدر» بين أربعة أنواع من الجنون الإلهي كما ~~يلي: الجنون النبوي والإله المسئول عنه أبوللو، والجنون المتعلق بالإدراك الحسي الأولي أو ~~الجنون الطقسي والإله المسئول عنه ديونيسوس، وهو إله الكرمة والخمر والنشوة، والجنون الشعري ~~المستلهم من ربات الإلهام والفنون، وأخيرا جنون الشهوة الجنسية المستوحى من الإلهة أفروديت ~~والإله إيروس. # يقول سقراط لفيدر: «إن الهذيان، عندما يكون ممنوحا لنا كعطية إلهية، يمثل مصدر الخيرات ~~الأعظم [...] ذلك أن الهبة الإلهية تفوق البراعة [الحكمة] البشرية» (من محاورة فيدر أو جمال ~~الأرواح). وفي هذا السياق نفسه، أشار سقراط إلى الكاهنة بيثيا في معبد دلفي، والتي من المفترض ~~أن ينطوي هذيانها ربما على النبوءات الموحى بها من الإله أبوللو. بالإضافة إلى ذلك، فالإنسان ~~ليس بوسعه أن يكون ناظما جيدا للشعر «دون جنون الإلهام الممنوح من ربات الفنون [...]؛ لأن الشعر ~~الذي ينظمه إنسان متزن ورابط الجأش دائما ما يتفوق عليه ذلك الشعر الذي يقرضه إنسان ملهم ~~(بمعنى إنسان خاضع لسيطرة روح).» أما الجماهير التي لا تدرك أن هذا الإنسان ملهم، فهي تقول ~~عنه: إنه مجنون. # ويشتق الفعل «يهذي»، من اللاتينية # delirare # وتعني «الخروج ~~عن المسار الصحيح»، سواء بالتخريف (ومن هنا نشأت كلمة «هذيان» في القرن السادس عشر)، أو بالتنبؤ ~~(تحدث أفلاطون عن «الهوس التنبئي»). # ومع الاتجاه المستمر نحو ما هو فلسفي، نذكر فيما يلي داء الكلب أو السعار. في نقطة التقاء ~~بين الفلسفة والطب، يعد هذا الداء «اعتلالا جسديا يؤثر على جودة الروح» (كاليوس ~~أوريليانوس، القرن الخامس الميلادي). وأخيرا، نأتي للسوداوية، التي ms019 تعد أكثر أمراض الروح ~~ارتباطا بالفلسفة؛ حيث تتجلى بوضوح في هذا المرض العلاقة بين النفس والجسد. ونود في البداية أن ~~نلقي الضوء على الأهمية التاريخية للسوداوية، والتي لن نكف عن الرجوع إليها تباعا. نبدأ ~~بذكر الأهمية التي أولاها القدماء في الطب إلى المرة ~~السوداء # melancholia ~~، التي يمكن أن تسبب بقطبيها المتناقضين اللذين يمزجان اللذة والألم ~~(الحلو والمر)، عواصف أو فترات سكون. # لم تتوقف تأملات القدماء حول مرض الروح عند هذا الحد، ولكن المجال لا يتسع لاستعراض كل هذه ~~الفكر. يرى لوكريسيوس أن الروح مادية فانية وقابلة للانقسام. ومن هنا تنبع خصوصية أمراض ~~الروح. فهناك أمراض خاصة بها وهي: الهم، والغم، وفقدان الذاكرة، ولا سيما الخوف من الموت الذي ~~يعد المرض الأصلي للروح نظرا لكونه «مرضا جذريا وأساسيا مرتبطا بجوهر الكائن ومتأصلا ~~في شعوره بحتمية الموت» [جاكي بيجو]، هذا بالإضافة إلى أمراض الجسد ذات البعد النفسي مثل: هذيان ~~الحمى والنوام (أو السبات) والسكر والصرع. # كان الرواقيون أكثر من تعمقوا في دراسة مرض الروح، فاعتبروه مماثلا للشغف. ورفضوا إقرار ~~المفهوم الأفلاطوني الخاص بمثنوية الروح والجسد، وكانوا يرون أن الاثنين أشبه ب «ورقة ذات ~~وجهين»؛ بحيث لا يمكن بأي حال من الأحوال فصل أحدهما عن الآخر. بين العاطفة والشغف والرذيلة ~~والجنون (بمعنى غياب الرقابة على النفس)، لا يوجد اختلاف في الطبيعة، وإنما في الدرجة. بعد أن ~~تخلى بينيل بدوره عن الإيمان بمذهب المثنوية، تبنى هذه الفكرة بقوة؛ مما أنذر بتحوله من طبيب ~~إلى فيلسوف. فقبل ظهور الطب النفسي وبروز إسهامات بينيل في هذا المجال، قام شيشرون الفيلسوف، في ~~مؤلفه المعنون ب «مناقشات توسكولوم»، بفصل الجنون عن الجسد، خلافا لرأي الأطباء الذي كان ~~سائدا في ذلك الوقت. ليس الأمر كذلك بالنسبة إلى الروح التي ينبغي أن تكون الفلسفة هي طبيبها. ~~يتعين على كل شخص أن يكون طبيب نفسه؛ وبناء على ذلك، يمكن تعريف المجانين بأنهم أشخاص غير ~~حكماء. # يشرح الفيلسوف الرواقي سينيكا - الذي عاش في القرن الأول الميلادي وكان يؤمن أيضا بمذهب ~~وحدة الوجود ms020 (الواحدية) - أن «الروح ليس لها مستقر منفصل وهي لا تراقب العواطف من الخارج»، ~~ولكنها تتحول هي نفسها إلى عاطفة. كما أوضح سينيكا في «رسالته الخمسين إلى لوكيليوس» أن صحة ~~الروح ليست طبيعة فطرية، وإنما هي مرحلة الشفاء، قائلا إنه «ما من أحد لم يمر بالجنون قبل بلوغ ~~الحكمة، فقد اجتاز جميعنا تلك المرحلة مسبقا: فتعلم المرء للفضائل يعني تخليه عن ~~الرذائل.» # الهوى يسبب استلاب العقل، هذا ما تبينه التراجيديا؛ فميديا التي تخلى عنها جاسون بعد أن ~~ارتكبت - بدافع حبها له - العديد من الجرائم، انتقمت بقتل أبنائها منه. وقد ألهم جنونها كلا ~~من يوربيديس، ومن بعده بيير كورني، وديلاكروا الذي رسم لوحة قاتمة عن «ميديا الغاضبة». يقول ~~يوربيديس على لسان ميديا: «أنا أعي ما هي الشرور/الجرائم التي سأرتكبها.» ولكن صوت أحشائها ~~الملتهبة كان أعلى من صوت العقل لديها. لقد أصبحت شخصا آخر؛ «الآخر حل محل الشخصية الأصلية ~~بصورة يتعذر كبحها. وهذا هو الاغتراب بعينه» (جاكي بيجو). # استغرق القدماء أيضا في تأمل الشفاء الفلسفي لمرض الروح؛ وهو ما أطلق عليه سوائية ~~المزاج، وهي كلمة مشتقة من الأصل اللاتيني # De tranquillitate ~~animi ~~. يعرف سينيكا هذه الحالة: ~~«بأنها روح تشعر بالهناء والتصالح مع نفسها»، وذلك نقيض الاكتئاب الجزئي [الذي يصاحبه الشعور ~~بالضيق وعدم الرضا عن النفس]. ويرى جاكي بيجو أن سوائية المزاج تمثل ذروة تقدم الفلسفة ~~نحو الطب. في الرواية الفلسفية «رسائل إلى أبقراط»، يجيب ديموقريطوس أبقراط قائلا: «إن ~~المعرفة الفلسفية هي بمنزلة أخت الطب ويعيش الاثنان تحت سقف واحد»؛ فالفلسفة تخلص الروح من ~~الأهواء، بينما الطب يخلص الجسم من الأمراض. بيد أن الطبيب يعد أهم من الفيلسوف؛ لأن صحة ~~الجسد هي الشرط الأساسي لصحة الروح. # الفصل الثالث # | التراث الأبقراطي # وأخيرا جاء أبقراط، شعرنا برغبة في صياغة الجملة على هذا النحو، حتى وإن لم تكن دقيقة من ~~الناحية التاريخية. لقد عاش أبقراط، الذي لقب ب «أبو الطب» في الفترة ما بين سنة 460 و377 ~~قبل الميلاد تقريبا. درس أبقراط - الذي ربما كان ابنا لأحد ms021 كهنة الإله أسكليبيوس - مع ~~ديموقريطوس وجورجياس، ثم سافر عبر اليونان وآسيا الصغرى قبل أن يستقر في جزيرة كوس، موطنه ~~الأصلي حيث مارس هناك الطب قبل أبقراط. ولكن قبل أبقراط، كان بعض الكهنة الأطباء وبعض الفلاسفة ~~يدرسون الطب. وكانت توجد مسبقا مدونة بأسماء الأمراض والمصطلحات الطبية. وتمت بالفعل الإشارة ~~في هذا الطب القديم إلى دور السوداء في بعض الأمراض. وقد ورد ذكر المرة السوداء ~~وارتباطها بالجنون في أعمال المؤلف المسرحي أريستوفان؛ أي في المجال الاجتماعي والشعبي. وقد ~~استبعد ديموقريطوس وأعضاء المدرسة الطبية بمدينة كروتوني فكرة تدخل الآلهة في تفسير ما يحدث في ~~الكون والطبيعة. وبينما كان أبقراط لا يزال طفلا، وضع إيمبيدوكليس نظرية العناصر الأربعة ~~(التي غالبا ما تنسب إلى أبقراط). ومن الجدير بالذكر أن إيمبيدوكليس نفسه قد استلهم هذه ~~النظرية من فيثاغورث. # بالطبع، تشبع أبقراط بهذه الروح العلمية، فاستقر بداية في جزيرة كوس لتلقي العلم. ~~«يذكر، نقلا عن إسترابون، أن أبقراط قد تدرب بشكل خاص على ممارسة الطب عن طريق دراسة قصص ~~معالجة الأمراض التي كانت محفوظة في معبد كوس.» # ولكن، ما هي إذن الإنجازات التي ينسب الفضل فيها إلى أبقراط؟ يقول سيلسوس، الطبيب ~~الروماني الذي عاش إبان حكم الإمبراطور أغسطس، والذي يعد أحد خلفاء أبقراط: إن هذا الأخير ~~هو أول من فصل الطب عن الفلسفة. يعد هذا القول صحيحا ولكن به شيء من المبالغة، هذا إن أغفلنا ~~المؤلفات السابقة مثل «الحكم الكنيديسية»، أو تأملات سقراط الذي كان معاصرا لأبقراط وقام ~~أيضا بالفصل بين الطب والفلسفة. ومن جهة أخرى، ليس في الإمكان تجريد أبقراط تماما من لقب ذي ~~وقع جميل؛ وهو لقب «فيلسوف»، عند قراءة إحدى الجمل التي كتبها في مؤلفه «الفصول» كما يلي: ~~«العمر قصير، والصناعة طويلة، والوقت ضيق، والتجربة خطر، والقضاء عسر.» # ناموس الطب لأبقراط # ماذا عن أبقراط والطب؟ نال أبقراط شهرة واسعة في حياته واشتهر بالأكثر بعد مماته؛ لدرجة ~~يصعب معها في أغلب الأحيان التمييز بين ما هو حقيقي وأصلي، وما هو خرافي وأسطوري. وتكمن ميزته ~~الأساسية ms022 في كونه مؤلف 76 مقالة بحثية، جميعها تحمل اسمه، سواء أكانت مكتوبة بواسطته أم ~~منسوبة إليه. وتجمع هذه البحوث كل المعارف الطبية التي وصلت إلينا نقلا عن مدرسة كوس. إضافة ~~إلى كون أبقراط مؤسس الطب، فهو أيضا مشرع المبادئ الأخلاقية لهذا العلم. ما الذي يقدمه لنا ~~ناموس الطب لأبقراط؟ يركز هذا الكتاب على العلاج ومتابعة تقدم المرض، مع التشديد على أهمية ~~الملاحظة، وهي الكلمة الرئيسة، وتنحية الفرضيات جانبا. فلا بد من دراسة الوقائع وإدراك ~~الروابط الموجودة بينها وبين أي شيء، بدءا بالتغذية (حيث إن أنواع الاضطرابات كافة إنما ~~تنتج عن نظام غذائي سيئ). وهكذا أصبحت دراسة مسببات الأمراض أمرا بالغ الأهمية. # ترتكز الفسيولوجيا الأبقراطية بشكل كامل على نظرية الأخلاط البشرية التي تتمازج وتتغير ~~داخل الجسم البشري، سواء في حالة الصحة أو في المرض. ما المقصود بهذه الأخلاط؟ يبلغ عددها ~~أربعة، وهي: البلغم، والدم، والسوداء (المرة السوداء، ويقصد بها الدم المتخثر من ~~الطحال)، والصفراء (عصارة المرارة)؛ ويقابلها أربعة أعضاء في الجسم وهي على التوالي: المخ، ~~والقلب، والطحال، والكبد؛ بالإضافة إلى ارتباطها بأربع طبائع، وهي: البلغمي والدموي والسوداوي ~~والصفراوي (المزاج الغضوب). كما أن هذه الأخلاط الأربعة تتوافق مع العناصر الأربعة (الماء، ~~والهواء، والتراب، والنار)، وأيضا مع الخصائص الأربع (البارد، والرطب، والحار، واليابس)، وهي ~~تلك النظرية التي كان منشؤها فلسفة إيمبيدوكليس. ويعتبر توازن الأخلاط شرطا أساسيا للتمتع ~~بصحة جيدة، وذلك عن طريق الغلي [التسوية]: «التعرض للغلي يعني امتزاج الأخلاط بحيث يلطف ~~بعضها بعضا وتسوى معا لتستعيد توازنها.» وحدوث اختلال في توازن الأخلاط من شأنه إصابة ~~الجسم بالمرض. # تشكل المعرفة التي يملكها الطبيب أفضل ضمانة للمريض، ولكن «الطبيعة هي من تقوم بشفاء ~~السقيم.» هذا بالإضافة إلى ذلك التحفظ الذي يعد أحد أعمدة أخلاقيات مهنة الطب: «إذا لم ~~تستطع فعل الخير، فأقله لا تفعل الشر.» # وماذا عن الجنون في كل ما سبق؟ ورد ذكر الاضطرابات العقلية ضمن أربعين مرضا داخليا آخر ~~في ناموس أبقراط الطبي كما يلي: التهاب الدماغ (أو الاهتياج)، الصرع، الهوس، ~~السوداوية، داء ms023 الكلب أو السعار، و«الاختناق الرحمي» (أو الهستيريا). يظل التهاب ~~الدماغ ممثلا للهذيان الكلاسيكي الحاد أو الجنون الحاد المصاحب للحمى. ويعد جنون النفاس ~~(ظهرت هذه الكلمة في أواخر القرن الثامن عشر)، على سبيل المثال، أحد أنواع الاهتياج. # وقد وردت دراسة أكثر حداثة حول مرض الصرع في البحث الذي يحمل عنوان «المرض المقدس». «لم ~~يبد لي أن هذا المرض يمتاز بشيء أكثر ألوهية وأكثر قداسة عن سائر الأمراض الأخرى [...] يرجع ~~ذلك دون أدنى شك إلى انعدام الخبرة وروعة هذا المرض؛ مما جعلنا ننظر إلى طبيعته وسبب الإصابة ~~به وكأنهما مظهران لقوة إلهية. وفي الواقع، لم يكن هذا المرض يشبه أيا من الأمراض الأخرى.» ~~كما أن «هناك أمراضا أخرى، ولا أحد يعتبرها مقدسة، لا تقل إبهارا وإثارة للخوف عن سواها ~~[...] رأيت أناسا مصابين باختلال العقل والجنون، دون أي سبب ظاهر، يقومون بالعديد من الأفعال ~~الطائشة وغير العقلانية.» # ويشدد أبقراط (أو المؤلف الأبقراطي) بأسلوب حاد ولاذع على الفكرة نفسها قائلا: «أرى أن ~~أولئك الذين يقرنون داء الصرع بالألوهية ينتمون إلى تلك الفئة نفسها التي ينتمي إليها ~~الدجالون المدعون، والسحرة، والمشعوذون، والمتزمتون دينيا؛ الذين يريدون إيهام ~~الناس بأنهم يعقدون صفقات مع الآلهة وأنهم يعرفون عن هذه الأمور أكثر من سائر البشر جميعا. ~~أمثال هؤلاء اتخذوا من الألوهية ستارا يخفون به قصورهم وعدم أهليتهم.» فبإمكاننا معالجة ~~الصرع بشرط تخير الوسائل المفيدة، «دون الحاجة إلى عمليات التطهير والحيل السحرية وكل ذلك ~~الدجل والشعوذة.» # وقد وصفت نوبة الصرع على النحو التالي: «يفقد المريض صوته ويختنق، ويخرج زبد من فمه، ~~وتصر أسنانه، وتتشنج يداه، وتحول عيناه، ويفقد وعيه بالكامل.» وبإمكان المرضى أن ~~يستشعروا دخولهم في نوبات الصرع. أما عن علاقة الصرع بالمخ، فهو أمر يمكن تبينه بشكل واضح: ~~«المخ هو أساس الإصابة بهذا المرض، كما هي الحال بالنسبة إلى جميع الأمراض الحادة الأخرى.» ~~مما سبق يتضح أن البحث المعنون «المرض المقدس» ليس مجرد دراسة بسيطة عن مرض الصرع، بل هو ~~أكثر من ذلك؛ فمنبع كل شيء هو المخ: «لأننا ms024 به نفكر ونفهم ونرى ونسمع ونميز بين القبيح ~~والجميل وبين الشر والخير [...] كما أن المخ هو مصدر إصابتنا بالجنون والهذيان.» # فنحن نهذي عندما يكون المخ غير سليم؛ تماشيا مع الاعتقاد بأن المخ يكون رطبا للغاية ~~ومتحركا من مكانه (مثل تلك الفكرة المتعلقة بالرحم). «طالما كان المخ مستقرا [بمعنى ثابتا ~~في موضعه]، يحتفظ الإنسان بوعيه.» لا بد كذلك أن نفرق بين تضرر المخ الناتج عن تأثره بالبلغم ~~البارد؛ مما يؤدي إلى إصابة المرضى بحالات جنون تجعلهم مسالمين «لا يصرخون ولا يهتاجون»، وبين ~~التضرر الناتج عن تعرض المخ لدرجة حرارة مرتفعة بفعل الصفراء؛ مما يؤدي إلى إصابة المرضى ~~بحالات جنون تجعلهم «صارخين ومؤذين ودائمي الحركة ودائمي الانشغال بفعل أمر خاطئ أو بإحداث ~~ضرر ما.» # في انتظار حدوث تطورات واسعة فيما يتعلق بالسوداوية على يد خلفاء أبقراط، عرف هذا ~~الأخير السوداوية باقتضاب في مؤلفه «الفصول» قائلا: «إذا استمر الشعور بالخوف والحزن ~~لفترة طويلة، فإن ذلك يعني أن الإنسان مصاب بحالة من الكآبة.» وفيما يتعلق بالهوس، جرى ~~التمييز بين نوعين في المؤلف الأبقراطي «النظام الغذائي»، وينتج كلا النوعين عن حدوث اختلال ~~في توازن أحد عناصر المزاج المثالي؛ إما الماء وإما النار. فإذا كان السبب العنصر الأول، فنحن ~~أمام «هوس المياه» الذي يصاحبه خمول وفزع وبكاء. أما إذا كان السبب العنصر الثاني، فنحن أمام ~~«الهوس الناري» الذي يصاحبه السرعة والاندفاع المفرط. # ومما يثير الفضول، كما يوضح جاكي بيجو في إحدى دراساته، # 1 # أن أبقراط، الذي كان يرفض الفصل بين علم النفس المرضي (الباثولوجيا النفسية) ~~والأخلاقيات في مؤلفه «المرض المقدس»؛ أقر هذا الفصل فيما يتعلق بالهوس: «الجنون # mania ~~، تلك الحالة التي يكون الإنسان فيها مغيبا عن العالم، ~~يمكن تفاديها إذا قمنا بتصحيح الطبيعة»، ولكن إلى حد معين، خاصة أن النظام الغذائي (كما ورد ~~في البحث الذي يحمل الاسم نفسه) «ليس بوسعه فعل شيء حيال حدة الطبع، والهدوء، والدهاء، ~~والصدق، والأريحية، والرفق، وسوء القصد أو النية.» والخلاصة، أن الطبيب لا يستطيع شيئا إزاء ~~الظواهر الأخلاقية. # ورد مرض ms025 «الاختناق الرحمي» (ولم تكن كلمة «هستيريا» قد ظهرت بعد)، في كتاب «أوجاع ~~النساء»، حيث جرى التأكيد على الاعتقاد القائل بأن سبب الإصابة بهذا المرض يرجع إلى انتقال ~~الرحم وتجوله داخل الجسم. كما جرت الإشارة إلى هذا المرض، الذي يعد غريبا تماما عن نظرية ~~الأمزجة والأخلاط البشرية ومناقضا للحداثة التي تجلت في كتاب «المرض المقدس»، في ناموس الطب ~~لأبقراط. يتعلق الأمر بوجه عام بطب الأمراض النسائية؛ ذلك أن انتقال الرحم داخل جسم المرأة ~~لا يفسر فقط الإصابة ب «الاختناق الرحمي»، وإنما أيضا ببعض أمراض النساء الأخرى؛ فانتقال ~~الرحم يمكن أن يؤثر على العديد من الأعضاء الأخرى؛ فإذا ضغط الرحم على القلب، يسبب الشعور ~~بالقلق والانزعاج والضيق النفسي، والدوار وقيء العصارة الصفراوية. «وحينما يكون الرحم عند ~~الكبد مما ينتج عنه حدوث الاختناق؛ يؤدي ذلك إلى انقلاب العين (ظهور بياض العين)، وتصبح ~~المرأة باردة وشاحبة اللون في بعض الأحيان، وتصر أسنانها ويمتلئ فمها باللعاب، وتكون في ~~هذه الحالة أشبه بالمصابين بنوبات الصرع.» # الخلفاء # يجدر أن نركز على الأهمية التي احتلتها عملية وضع المفاهيم، والتي تستحق أن نتوقف عندها ~~لنتناولها بشيء من التفصيل، خاصة وأن هذه العملية ستشهد تطورا استثنائيا في مرحلة لاحقة ~~ستستمر حتى أواخر القرن التاسع عشر. وهكذا، نجد اليوم مصطلحات مثل الهذيان والهوس والصرع ~~والهستيريا والسوداوية لم تفقد تماما صداها، كما لم تفقد مضمونها الطبي. # ساد التقليد القديم وحده لما يقرب من ألف عام (من القرن الخامس قبل الميلاد إلى القرن ~~الخامس الميلادي)، وشهدت هذه الفترة بزوغ العديد من المدارس، من بينها: المدرسة الدوجماتية، ~~وهي أكثر المدارس التزاما بالتعليم الأبقراطي، وتوصي بدراسة التشريح والبحث باتباع التفكير ~~المنطقي عن جوهر الأمراض ومسبباتها الكامنة. على النقيض، ظهرت المدرسة التجريبية التي ترفض ~~البحث عن أسباب الأمراض وترى أن ما يهم فقط - في فن مداواة المرضى - هو التجربة، سواء أكانت ~~مستندة إلى خبرة الطبيب الشخصية أم إلى التجارب والخبرات الجماعية المذكورة في المراجع ~~الطبية. من هذا التناقض بين المدرستين السابقتين، برزت المدرسة الثالثة، التي انتشرت ms026 أفكارها ~~في روما في أواخر القرن الأول الميلادي على يد سورانوس الأفسسي؛ وهي المدرسة المنهجية، التي ~~ترى أن الجسم يتألف من مجموعة من الجزيئات دائمة الحركة. وقد تأثرت هذه المدرسة إلى حد ما ~~بالمذهب الذري لأبيقور، كما قامت بدحض المذهب المرتكز على نظرية الأخلاط الأربعة. وفقا ~~لهذه المدرسة، هناك قنوات تمر عبر الجسم ومن خلالها تتدفق النفحة (الهواء) أو الروح بالإضافة ~~إلى سوائل الجسم. وتعتمد حالة الجسم سواء في الصحة أو في المرض على هذه الجزيئات، ومدى سهولة ~~أو صعوبة تدفقها، وشكلها ... إلخ، كما تعتمد على وضع هذه القنوات داخل الجسم. ومؤسس هذه ~~المدرسة هو أسكليبياديس البيثيني الذي عاش في (أواخر القرن الثاني قبل الميلاد)، وكان صديقا ~~لشيشرون. ومن الجدير بالذكر أن مؤلفاته لم تصل إلينا، ولكنها حفظت ونقلت على يد الطبيب ~~الروماني كاليوس. # تجدر الإشارة أيضا إلى المدرسة القائمة على الإيمان بمذهب النفحات، والتي كانت هي نفسها ~~مناهضة للمدرسة المنهجية. فالنفحة أو الروح تسري داخل الجسم، ولكنها لا تجعله في صحة جيدة إلا ~~إذا كان الضغط منتظما. هذا بالإضافة إلى بروز فئة تضم بعض كبار الأطباء الذين لم ينتموا إلى ~~أي من هذه المدارس الطبية، والذين رفضوا التسليم بأي من المعتقدات السائدة وأخذوا منها فقط ~~ما يناسبهم؛ ولذلك أطلق عليهم لقب «الاصطفائيين». نذكر من بين هؤلاء سيلسوس وأريتايوس من ~~كبادوكيا في القرن الأول الميلادي، ومن بعدهم جالينوس في القرن الثاني الميلادي، وهو ثاني ~~أعظم الأطباء في العصور القديمة بعد أبقراط. وقد شاع القول إن جالينوس كان معاديا لأفكار ~~أبقراط (فإذا قال أبقراط «نعم»، قال جالينوس «لا»). يعد جالينوس بالأحرى خليفة أبقراط، ~~كما أنه هو الذي أعاد إحياء نظرية الأخلاط والأمزجة البشرية. # بيد أن جالينوس نبذ نظرية الرحم المتجول المسبب للهستيريا (لنطلق على هذا المرض ذلك ~~الاسم الأكثر ملاءمة)، كما رفض نظرية احتباس دم الحيض ليستبدل بها نظرية احتباس المني، ~~استنادا إلى الفرضية القائلة بأن المرأة تفرز المني مثل الرجل (يحل المبيضان لدى المرأة محل ~~الخصيتين لدى الرجل). وبناء على ms027 ذلك، يسبب احتباس المني لدى المرأة، مثلما يحدث لدى الرجل، ~~آثارا مرضية. ويتعرض لهذا الأمر على وجه الخصوص النساء اللواتي ينقطعن فجأة عن ممارسة ~~الجنس بعد أن كن مداومات عليه بصورة منتظمة، مثل الأرامل. # ظل لجالينوس تأثير كبير حتى القرن الثامن عشر الميلادي. إضافة إلى كونه اختصاصيا في علم ~~التشريح والفسيولوجيا، كان جالينوس فيلسوفا أيضا، وكان على صلة وثيقة بأفلاطون وأرسطو. ~~ولكنه فند الفكرة القائلة بفناء الروح العاقلة بصفته طبيبا وليس بصفته فيلسوفا. وأوضح أن ~~الروح موجودة بالدماغ، كما أكد أفلاطون، ولكنها ليست فانية . بالنسبة إلى عالم الفسيولوجيا، ~~الروح عبارة عن وظيفة عضوية يتجلى من خلالها عمل عضو ما في الجسم. # على مدى القرون اللاحقة، تطورت المفاهيم التي عرفها أبقراط في أبحاثه ومؤلفاته بشكل ~~كبير، بحيث أصبحت أكثر وضوحا عن ذي قبل، ولكن أكثر تعقيدا في الوقت نفسه. وبالطبع، كان ~~الهوس - باعتباره خير مثال للجنون - هو أكثر مجال حظي باهتمام واسع. بالنسبة إلى أريتايوس ~~الكبادوكي، «هناك عدد لا يحصى من أنواع الهوس، أما عن الأعراض، فأبرزها [...] حدوث هذيان مستمر ~~دون حمى.» أعطى كاليوس وصفا تفصيليا للهوس كما يلي: «يصاب به على وجه الخصوص الشباب ~~والرجال في منتصف العمر [...] وأحيانا يباغتهم هذا المرض بشكل عنيف ومفاجئ، وفي أحيان أخرى ~~تحدث الإصابة بشكل تدريجي [...] وعندما يسيطر الهوس على فكر شخص ما، يظهر ذلك في صورة إحساس ~~بالغضب، أو الفرح، أو الحزن، أو التصرف بأسلوب طائش، أو كما يذكر البعض، الشعور بمخاوف لا ~~أساس لها من الصحة [...] وفي بعض الأحيان يستمر الجنون - أو لنقل: الهوس - لفترة طويلة، وفي ~~أحيان أخرى تخف حدته على فترات زمنية غير محددة، وما يحدث في هذه الفترات هو أن المريض إما ~~ينسى ما فعله وإما لا يدرك هفواته [...] لدى غالبية المرضى، عندما تنتابهم النوبة، تحتقن ~~أعينهم بلون الدم الأحمر وتصبح نظراتهم حادة. وقد يصابون أيضا بأرق دائم [...] وتصبح قوة ~~المريض على غير عادتها.» # فيما يتعلق بالهوس، يعد سيلسوس من أوائل الذين قدموا توصيفات لمرض الجنون، وفرق بين ~~ثلاثة ms028 أنواع من الجنون: التهاب الدماغ، والسوداوية، والهوس، وهو أكثر الأنواع امتدادا لفترة ~~طويلة؛ لأنه لا يهاجم إلا الرجال الأقوياء. كما ميز سيلسوس بين نوعين من المصابين بالهوس: ~~أولئك الذين يعانون من اضطراب عقلي، والذين تخدعهم صور (أي تراودهم أوهام وهلاوس). # ابتداء من النصف الثاني من القرن الثاني الميلادي، تشكلت ملامح الهوس باعتباره مرضا ~~محددا، يخضع لتشخيص طبي، بينما لم يكن في نظر أبقراط إلا مجرد عرض. وبالطبع، استمر ~~الاعتقاد في كلا الرأيين سائدا، كل على حدة، لدرجة أن المصطلح نفسه أصبح مبهما. غير أنه ~~قد ترسخ، في كل الأحوال، مبدأ الفصل بين أمراض الروح (الأمراض النفسية) التي تدخل ضمن نطاق ~~الفلسفة، والأمراض الجسدية التي يختص بها مجال الطب، حتى ولو أخذنا في الاعتبار أنه في حالة ~~الهوس، تكون لهذا المرض آثار على النفس؛ وعندئذ «يمتنع الطبيب عن التفلسف» (جاكي بيجو). ~~وهكذا، كتب كاليوس عن الهوس قائلا: «وأخيرا، يخطئ أولئك الذين يعتقدون أن الهوس يعد مرضا ~~نفسيا في المقام الأول، ومرضا جسديا في المقام الثاني؛ لأنه ما من فيلسوف قط استطاع ~~علاج هذا المرض.» خلاصة القول أن الجنون من اختصاص الأطباء. # المنافس الأول - إذا جاز التعبير - للهوس هو السوداوية، بأشكالها المتعددة. يقول كاليوس: ~~«يعاني المصابون بسوداوية متأصلة من إحساس عميق بالقلق والانزعاج والضيق، إضافة إلى الشعور ~~بحزن يصاحبه خرس وكراهية للمحيطين. ثم يشعر المريض أحيانا بالرغبة في الحياة، وفي أحيان ~~أخرى تنتابه الرغبة في الموت، ويشك في أن هناك مؤامرات تحاك له.» وهناك ذلك الشعور بالخوف ~~والحزن والنفور من الحياة وكراهية الذات والآخر. وغالبا، تكون النساء أكثر عرضة للإصابة ~~بالسوداوية من الرجال. كما ترتفع نسبة الإصابة لدى كبار السن؛ لأن المرة السوداء تتكون ~~على وجه الخصوص مع التقدم في العمر. # أضفى القدماء على السوداوية العديد من المعاني الأخرى، «ويمثل ذلك ذروة التفكير الطبي نحو ~~الاتجاه الفلسفي» (جاكي بيجو). أليست السوداوية هي المحرك الأساسي للمصير المأساوي؟ أليست ~~العبقرية سمة من سمات الشخصية السوداوية؟ قالها أرسطو على أي حال في مؤلفه «مسائل ~~أرسطوطاليس ms029 الطبيعية، الجزء 30»: «ترى لماذا كل الرجال العظماء في الفلسفة والسياسة والشعر ~~والفنون من ذوي الشخصية السوداوية؟ وقد كان بعضهم في الحقيقة مصابا بأعراض مرضية مرجعها ~~المرة السوداء.» وتتجلى مما سبق ازدواجية أخرى كما هي الحال بالنسبة إلى الهذيان الذي ~~يحمل أحيانا طابع الهوس، وأحيانا أخرى طابع الإبداع والتفكير الخلاق. من جانبه، يذكر ~~روفوس - طبيب يوناني من أفسس واختصاصي في علم التشريح عاش في أواخر القرن الأول الميلادي - أن ~~الأشخاص ذوي الفكر الثاقب الذين يتمتعون بقدر كبير من الذكاء يقعون بسهولة في براثن ~~السوداوية. # بالإضافة إلى ذلك، تعتبر السوداوية أفضل وسيلة توضيحية لإمكانية التحول من شكل إلى ~~شكل آخر من أشكال الجنون. لاحظ روفوس الأفسسي أن مرحلة الإصابة بالهوس تسبق مرحلة الإصابة ~~بالسوداوية. بينما يرى أريتايوس الكبادوكي، الذي عرف السوداوية بأنها: «الشعور ~~بحزن عميق في النفس مع التركيز على فكرة ثابتة»، أن حالات الملنخوليا هي التي تتحول إلى ~~هوس وليس العكس. # فيما يتعلق بالسوداوية كما هي الحال بالنسبة إلى أشكال الجنون الأخرى، لقيت قصص ~~الحالات المرضية اهتماما كبيرا من جانب الأطباء في العصور القديمة، وعلى رأسهم أبقراط، ~~وجالينوس الذي حدثنا، على سبيل المثال، عن إحدى الحالات لرجل من كبادوكيا «استقرت في رأسه ~~فكرة مجنونة وأصيب، نتيجة لذلك، بالملنخوليا.» وكان هذا الرجل قد صرح وهو يبكي بكاء ~~عنيفا أنه يخشى أن يكون العملاق أطلس (أحد آلهة الميثولوجيا الإغريقية) قد تعب من حمله قبة ~~السماء لفترة طويلة على كتفيه؛ مما قد يترتب عليه سقوط هذه القبة السماوية فجأة وتدمير كل ~~شيء. كما ذكر جالينوس حالة أخرى لرجل كان يعتقد أن أحد الموتى قد نادى عليه لدى مروره أمام ~~المقابر، ومنذ ذلك الحين أصيب هذا الرجل بالملنخوليا. وهناك حالة أخرى لمريض مصاب ~~بالملنخوليا كان يعتقد أن رأسه قد قطع لأنه طاغية. وشفي هذا المريض حينما وضعت قبعة ~~معدنية بشكل مفاجئ على دماغه؛ مما أعطاه الإيحاء بأنه قد وجد رأسه! # لا تكتفي هذه القصص بوصف ضروب الجنون فحسب، ولكنها توضح أيضا بالنسبة إلى غالبية الحالات ms030 ~~ما هي طرائق العلاج التي طبقت. ونستنتج من ذلك أنه منذ بدايات العصور القديمة، كان هناك ~~اهتمام بعلاج المجانين ... # الفصل الرابع # | طالما اعتنينا بالمجانين # أدى ثراء التفكير النظري للإغريق والرومان ~~بشأن الجنون إلى إعداد دستور علاجي لا يقل ثراء عن النظرية. لم يكن أبقراط - بما أنه يمثل ~~دائما نقطة البداية - يعطي وصفا دقيقا لأي مرض دون أن يذكر العلاج الملائم له. ففي نهاية ~~المطاف، المرضى هم نقطة الارتكاز. إليكم على سبيل المثال حالة «شخص مخبول» (مصاب بالتهاب ~~الدماغ)، نراه يتصرف على النحو التالي: «يهذي ؛ ويهيأ له أن هناك زواحف تتراءى أمام عينيه، ~~بالإضافة إلى حيوانات أخرى مختلفة الأنواع، وأن هناك جنودا مسلحين من الإغريق يقاتلون، وأنه هو ~~نفسه يقاتل إلى جوارهم، فيثور ويتمرد، ويهدد بما سيفعله إذا لم يتم إطلاق سراحه [...] أمام حالة ~~مماثلة، يصف الطبيب الدواء على النحو التالي: يوضع مقدار خمس وحدات أوبول (وحدة وزن في اليونان ~~القديمة تساوي 75 سنتيجراما) من نبات الخربق الأسود في خمر حلو ويعطى هذا الشراب للمريض، أو ~~تحضر حقنة شرجية للمريض كما يلي: نأتي ببلورات كبيرة الحجم من نترات الصوديوم [الملح الصخري] ~~من مصر، تسحق جيدا، ثم تخلط في وعاء مع إضافة مقدار نصف-كوتيل (وحدة قياس سعة السوائل في ~~العصور القديمة وهي تساوي 0,27 لتر) من أجود أنواع العسل، ونصف-كوتيل من الزيت، وأربعة كوتيلات ~~من ماء مغلي به نبات السلق، وبالإمكان إضافة لبن حمير دافئ بدلا من ماء السلق المغلي، ثم ~~يمزج هذا الخليط جيدا ويعطى للمريض عن طريق حقنة شرجية، سواء أكان مصابا بالحمى أم لا. يمكن ~~أيضا تحضير حساء عن طريق استخلاص القيمة الغذائية للشعير بغليه جيدا مع إضافة العسل. كما ~~يمكن أن يتناول المريض شرابا يحتوي على خليط من العسل والماء والخل.» # طالما كان هناك اهتمام في العصور القديمة برعاية المجانين ومعالجتهم، حتى وإن كان الأمر ~~يقتصر في العصور العتيقة على إرشادهم للذهاب إلى أحد المعابد. واعتبارا من القرن الثالث ~~الميلادي، كان الأطباء يملكون تحت أيديهم ترسانة حقيقية من ms031 الطرق العلاجية والأدوية. # بداية، ما هي الطرق العلاجية المستخدمة بما أن الأمر يتعلق بعلاج الجسد؟ في بعض الأحيان ~~يتم اتباع طرق المعالجة الإخلافية، وذلك لعلاج حالات الاضطراب النوعي للأمزجة أو الاختلال ~~الكيفي للأخلاط، وفي أحيان أخرى تستخدم أدوية تكميلية أو على العكس علاجات مفرغة؛ وذلك ~~لمعالجة الاختلال الكمي لسوائل الجسم. أيضا، من العلاجات التي كانت توصف للمريض، نجد الحمامات ~~المائية المهدئة والمراهم الشمعية (المصنوعة من الشمع والزيت)، والتي كانت تستخدم كدهان ~~موضعي، أو الكمادات وذلك بوضع إسفنجة مبللة بماء دافئ على العينين. هذا بالإضافة إلى الحقن ~~الشرجية (علما بأن هذه الكلمة لم تظهر إلا في القرن الثالث عشر الميلادي، ولقيت فيما بعد ~~اهتماما كبيرا في القرن الأكبر؛ أي القرن السابع عشر الميلادي). بيد أن الطرق العلاجية ~~المفرغة كانت هي الأكثر شيوعا فيما يتعلق بمعالجة الجنون، وتتمثل فيما يلي: الفصد، ~~والحجامة، واستخدام العلقات ولا سيما جذور نبات الخربق؛ فقد كان يستخدم الخربق الأبيض إذا ~~كان يراد تفريغ الجسم من الأعلى، والخربق الأسود إذا كان يراد تفريغ الجسم من الأسفل. نضيف إلى ~~ما سبق المهيجات (مثل: المواد الكاوية، ومسببات احمرار الجلد، والمنفطات) التي تؤدي إلى ~~إحداث تقيحات أو طفح جلدي. وكان هناك اعتقاد بأن المهيجات سواء أكانت مساعدة أم مكملة ~~للعلاجات المفرغة، فإنها من المفترض أن تسحب «من العمق» الأخلاط الفاسدة أو الزائدة عن حاجة ~~الجسم. # يعد نبات الخربق، الذي كان يوصف فعليا كعلاج لأشكال الجنون كافة، هو الأقوى تأثيرا ولكنه ~~الأشد خطورة من بين جميع العلاجات المفرغة. يقول هيروفيلوس - طبيب إغريقي من عائلة ~~أسكليبياديس - عن الخربق: إنه «قائد شجاع»، وأضاف العالم اللاتيني أولوس جليوس قائلا: «إن ~~نبات الخربق يقتلع بالطبع الأمراض من جذورها، ولكن هناك مخاطرة في أن ينتزع أيضا الحياة.» وقد ~~ارتبط هذا العلاج بأصول في الأسطورة الإغريقية كما يلي: بعد أن تسبب غضب هيرا في ضرب بنات ~~برويتوس - ملك تيرينثا - بالجنون، قام العراف ميلامب بشفائهن بعد أن سقاهن لبن المعز الخاصة ~~به التي كانت ترعى في أرض مزروعة بنبات ms032 الخربق. وكان يستحيل حصاد الخربق من أي مكان، بل كان لا ~~بد من الذهاب إلى مدينة أنتيسيرا، التي أصبحت مزارا علاجيا شهيرا يقصده طالبو الشفاء. ~~وأصبحت عبارة «الإبحار إلى أنتيسيرا» مثلا شعبيا يستخدم للإشارة إلى شخص مجنون. تجاهل ~~أبقراط كل هذه الخرافات والمهاترات السخيفة؛ فالخربق عنده عبارة عن مستحضر طارد للمواد ~~الصفراوية (عصارة المرارة)، ولا مانع من استخدامه ولا سيما أنه يقتصر على العلاجات ~~الجسدية. # أسس خلفاء أبقراط طريقة لعلاج الجنون قائمة على إشباع الحاجات النفسية الأساسية للإنسان، ~~وذلك مع احتفاظهم في الوقت نفسه بالعلاجات السابق ذكرها. في الواقع، إذا أردنا مداواة الجسد، ~~فلا بد أيضا من مداواة النفس لتأثرها بالتبعية بما يصيب الجسد؛ فيجب تفادي إثارة المريض، ولا ~~بد من الترويح عنه وإدخال السرور على قلبه بكل معنى الكلمة، مع محاولة تخليصه من الأفكار ~~المسيطرة عليه. كما أنه من الضروري ممارسة بعض التمارين المنشطة؛ سواء تلك التي يقوم بها المريض ~~بنفسه، أو تلك التي يكون دوره فيها مجرد متلق (بمعنى أن تأتي الحركات من الخارج). وهذا هو ما ~~يطلق عليه كاليوس الرجرجة، ويقصد بذلك: هدهدة المرضى بوضعهم في أسرة معلقة (ومثل ~~هذا التأرجح أو الاهتزاز من شأنه أيضا تيسير العودة إلى النوم)، أو نقلهم على طرق وعرة، وهكذا ~~برزت الفكرة القائلة بضرورة رج المريض بعنف. # فضلا عن رجرجة المريض، ينصح بالسفر لما له من تأثير على تغيير نفسية المريض. وينصح ~~أيضا بالاستماع إلى الموسيقى والذهاب إلى المسرح؛ إذ كان الاثنان يشغلان مرتبة غاية في الأهمية ~~في العصور القديمة. وأوصى كاليوس «بحضور عروض الفن الإيمائي إذا كان المجانين يعانون من الحزن، ~~أو على العكس من ذلك، حضور المسرحيات التراجيدية التي تتضمن الحزن والخوف إذا كان المجانين ~~مصابين بابتهاج طفولي مرتبط بضحالة الفكر. ذلك أنه يتعين تصحيح نوع الخلل العقلي بنقيضه.» ومن ~~جانبه امتدح أرسطو، في كتابه «فن الشعر»، التراجيديا؛ لأنها «تساهم، بإثارتها لمشاعر الشفقة ~~والخوف، في عملية التطهير (أو التنقية بحسب التعبير اللاتيني # catharsis ~~) الخاصة بالمشاعر والانفعالات.» وفي كتاب آخر ms033 له ~~بعنوان «السياسة»، أضاف أرسطو «الحماس» باعتباره يشيع في النفس، من خلال الأناشيد المقدسة، ~~«فرحا لا ضرر منه»، ويطهرها ويبث فيها شعورا بالراحة. # لا بد أيضا من نصح المريض بعقلانية دون إزعاجه، ولكن أيضا دون مسايرته أو التعامل معه ~~بلطف أكثر من اللازم. وهنا تكمن المشكلة. ما المقصود بالضبط بعبارة «دون مسايرته أو التعامل ~~معه بلطف أكثر من اللازم»؟ طالما ركزنا في تناولنا للموضوع حتى الآن على الجانب الطبي ~~(وبالأخص الجانب النظري)، غير أن هذا الجانب يتداخل بالضرورة مع الجانب الاجتماعي؛ فأفراد ~~المجتمع لا يبدون رد الفعل نفسه الذي يبديه الطبيب أمام مجنون، ولا سيما إن كان هذا المجنون ~~مزعجا، أو عنيفا وخطيرا. عند وصول الأمور إلى هذا الحد، يعد التصرف الأكثر عملية نوعا ما ~~هو استخدام القيود والسلاسل وعزل المجنون، وبالطبع ستكون طريقة التعامل مختلفة على حسب وضع ~~المريض الاجتماعي؛ بمعنى هل هو محاط بعائلة وبعبيد أم معوز وفقير، وفي مثل هذه الحالة ~~الأخيرة، هناك احتمال كبير أن يكون مصير المجنون الطرد من المجتمع والحكم عليه بالتشرد طوال ~~حياته. # ذلك التقليد القائم على استخدام القوة في «معالجة» الجنون لم ينشأ فقط عن صوت الشعب (وفق ~~التعبير اللاتيني # vox populi ~~) المستعد دائما لنبذ من يختلف ~~عنه، وإنما ارتبط أيضا بالمدرسة الرواقية التي ترى أن الإنسان مسئول عن جنونه مثلما هو مسئول ~~عن عواطفه (ويعتبر المصطلحان في هذه الحالة مترادفين). ولم يخش سيلسوس، رغم كونه طبيبا، من ~~أن يذكر في كتابه «حول الطب»، إمكانية اللجوء عند الضرورة إلى التعنيف والتجويع والتقييد ~~بالسلاسل والجلد بالسوط والضرب، ولا سيما إن كان الهدف من ذلك «قمع وقاحة وتجاسر المرضى.» ~~وأيضا من وسائل العلاج الأخرى: «إثارة الذعر والفزع المفاجئ. خلاصة القول: كل ما من شأنه إحداث ~~اضطراب كبير في ذهن المريض يعتبر مفيدا في علاج هذا المرض.» أما كاليوس، على الرغم من ~~انتمائه إلى المذهب المنهجي مثل سيلسوس، فلم يوافقه الرأي (وذلك علما بأن ما ذكره سيلسوس لا ~~يعني بالضرورة أنه يتبع بشكل أساسي مثل ms034 هذا الأسلوب العلاجي، ولكنها مجرد إمكانية.) وقد انتقد ~~كاليوس بشدة (مثل سيلسوس أيضا) القيود التي تجرح، وفرض العطش والصوم الشاق على المريض ~~بالطريقة نفسها التي يجري بها ترويض الحيوانات البرية، والحبس في مكان مظلم واستخدام الأغلال ~~والسوط وإجراء عمليات الفصد بشكل مفرط فيه (بالفعل!) وتخدير المريض بالخشخاش لينام نوما ~~عميقا. كما حرم كاليوس الموسيقى والخمر والحب، معللا ذلك بأنه لا يمكن الاستعانة بهذه ~~الأشياء كعلاجات في الوقت نفسه الذي نعتقد فيه أن الإفراط فيها طالما كان يعد أحد أسباب ~~الإصابة بالجنون. «من العبث التفكير في أن الحب ، الذي طالما اعتبر أحد أشكال الجنون، قادر على ~~قمع نوبة هيجان.» # ولكن، ما هو العلاج الذي وصفه كاليوس للجنون؟ يقول كاليوس: إنه لا بد من وضع المصابين ~~بالهوس أو الجنون في مكان هادئ على أن تكون جدرانه خالية من الرسوم. وتوخيا للسلامة، يوضعون ~~بالطابق السفلي. ومنع المرور المتكرر ذهابا وإيابا في هذا الطابق، وخاصة بالنسبة إلى الغرباء. ~~«وإذا انتابت المرضى نوبات هياج وأصبح من الصعب احتواؤهم، أو إذا تضايقوا لشعورهم بالوحدة، ~~وجب في هذه الحالة اللجوء إلى عدد من المشرفين وتكليفهم بتولي زمام الأمور، ولكن دون أن يدرك ~~المرضى ذلك [...] ويسمح فقط في بعض الحالات النادرة جدا، باستخدام الأربطة، ولكن مع توخي ~~الحذر إلى أقصى درجة.» وبالإمكان إجراء عمليات فصد للدم إذا كانت قوى المريض تسمح بذلك. كما ~~يجب اتباع نظام غذائي خفيف. «إذا ظل المرض متمكنا من الشخص، ينبغي حلق رأسه»، واستخدام الحجامة ~~أو العلقات. وعندما يهدأ المريض، يمكن تشجيعه على ممارسة التمارين والتنزه، ومطالعة بعض ~~القراءات البسيطة وإجراء حوارات غير مجهدة. أما عن المناقشات الأكثر جدية، فتأتي في مرحلة ~~متقدمة من العلاج. «وبالنسبة إلى المرضى الأميين، فإننا نتحدث إلى الفلاح عن زراعة الحقول، ~~ونتحدث إلى الملاح عن الإبحار.» ومع تحسن حالة المريض، يتم التنويع في نظامه الغذائي؛ فيمكن ~~تدريجيا إضافة اللحم (ما عدا لحوم الطرائد) والخمر «على أن يكون خفيفا وضعيف الأثر». وفور ~~اختفاء أعراض المرض وتحسن حالة المريض؛ بمعنى أن ms035 يصبح أقل حساسية ولا يكون سهل التأثر ~~والانفعال، لا بد من التفكير في تغيير الجو والسفر «سواء بالبر أو بالبحر»، أو حتى الاهتمام ~~بدروس الفلاسفة التي من شأنها «تبديد الحزن والخوف وفورات الغضب؛ ومن ثم المساهمة بقوة في ~~استعادة الإنسان لصحته». # ولكن، مرة أخرى، لا يبين لنا التناول الطبي للجنون ما هي ردود الفعل الاجتماعية تجاه هؤلاء ~~المرضى. ما هي درجة تساهل المجتمع، في الفترات المختلفة من العصور القديمة، مع هؤلاء المجانين؟ ~~متى كان يتم حبسهم؟ ومن كان يقوم بذلك؟ يتضح من خلال نصوص كاليوس أن عزل الشخص المصاب بالهوس ~~أو بالجنون كان يتم بشكل خاص وسري، في إطار محيط العائلة؛ لم يكن يوجد في ذلك الوقت مارستانات ~~أو مستشفيات للأمراض العقلية. وهناك أيضا مسألة الرعاية الطبية التي تستوجب أن تكون العائلة ~~قادرة على دفع أجرة الطبيب علما بأنه كان لا بد من دفع مبالغ مالية بشكل متكرر حتى يقوم كبار ~~الأطباء بتكريس جهودهم لعمل أبحاث وأطروحات كاملة لمعالجة المريض. # هناك سؤال آخر يطرح نفسه، أولئك المرضى الذين كانت تجرى معالجتهم بألف طريقة، هل شفوا في ~~بعض الأحيان؟ تصعب الإجابة عن هذا السؤال؛ نظرا لأن أبقراط وخلفاءه لم يتطرقوا إلى هذا ~~الموضوع الحساس. وترك الأمر للفيلسوف الرواقي سينيكا الذي قدم إجابة جميلة عن هذا السؤال في ~~رسالته الرابعة والتسعين إلى لوكيليوس، وهي إجابة تصلح لأن تكون شعارا في عصرنا هذا وهي: «ليس ~~معنى أن الطب لا يشفي كل شيء، أنه لا يشفي أي شيء.» # الجزء الثاني # | ممارسات الجنون في العصور الوسطىوفي عصر النهضة # الفصل الأول # | الوضع الراهن للتفكير النظري # لم يتطور التفكير النظري بشأن الجنون على الإطلاق في العصور الوسطى، ولا سيما إذا أخذنا في ~~الاعتبار الخصوبة غير العادية للفكر اليوناني واللاتيني في ذلك العصر. فعلى حد قول الكاتب ~~مالرو: «لم نعد في زمن حضارة البحث والتساؤل.» أيتعين أن نرى في هذا العصر - كما رأينا مع إله ~~العبرانيين - ثقل التوحيد؟ سنعود إلى هذه المسألة الحساسة فيما بعد عند التطرق إلى ms036 الشيطانية ~~التي اجتاحت الغرب المسيحي في أواخر القرون الوسطى. # وربما لن يكون من الإنصاف على أي حال أن نختتم عملنا، مثلما فعل العديد من المؤرخين، بتلك ~~الفترة من الصمت التي دامت ألف سنة حول مفهوم الجنون، وذلك على عكس ما أوردناه من ثراء فكري ~~مذهل في العصور القديمة. وليس هذا صحيحا إلا مع حلول القرن الحادي عشر، عندما هجر علماء الطب ~~والفلسفة الغرب، بعد أن اجتاحته الغزوات البربرية، ووجدوا ملجأ في بيزنطة ثم في أرض الإسلام. ~~غير أن بعض المؤلفين اللاتينيين أمثال سيلسوس وكاليوس أوريليانوس، لم يختفوا تماما عن الأديرة. ~~ولكن كان لا بد من الانتظار حتى مجيء القرن الحادي عشر لتعيد الترجمات العربية إحياء التفكير ~~النظري الطبي، وبالتالي التفكير في الجنون. # علماء اللاهوت # في إطار حضارة مسيحية كتلك التي سادت في العصور الوسطى، لم يكن ممكنا أن يغفل علماء ~~اللاهوت، في تأملاتهم حول الروح، التطرق لمجال الجنون. لقد أثارت أعمال القديس توما الأكويني ~~(1227-1274) الاهتمام على وجه الخصوص، أكثر من سابقيه الذين أضفوا بعض الرونق على أبحاثهم ~~بفقرات موجزة عن الجنون، الذي أطلقوا عليه اسم («الحماقة أو الجهالة»، وفق التعبير اللاتيني # stultitia ~~) أو عن الغباء # fatuitas # بينما شكل الجنون لدى القديس توما الأكويني جزءا أساسيا من ~~نظرته إلى العالم. درس هذا الراهب الدومينيكاني في مونتي كاسينو وفي نابولي حيث ذاع صيت ~~المؤلفين العرب. وتتلمذ على يد ألبيرتوس ماغنوس (المعروف أيضا باسم القديس ألبرت الكبير)، ~~كما درس فلسفة أرسطو حاذيا في ذلك حذو معلمه. ويرجع الفضل إلى القديس توما الأكويني في ~~كتابته للأطروحة الأكثر شمولا، في العصور الوسطى، عن فكر الديانة المسيحية، وذلك من خلال عرض ~~المفاهيم اللاهوتية والإيمانية بأسلوب منطقي يفهمه العقل وعرض المسائل الفلسفية بأسلوب ~~إيماني. # 1 # ومن الجدير بالذكر أن هذا المؤلف اللاهوتي (الخلاصة اللاهوتية)، القائم على ~~التنظيم والعقلانية مع إعطاء الأولوية للاهوت على الفلسفة، يعيد إحياء الأفكار التي آمن بها ~~القدماء فيما يتعلق بالمشاعر والعواطف. فالإنسان الذي يعرف بوصفه «أفقا بين المادة ~~والروح»، الأنيموس # animus ~~(أي ms037 ذلك الجزء من العقل المسئول عن ~~تنظيم أداء وظائف الجسم وإشباع رغباته من المتع والملذات)، والأنيما # anima ~~(أي ذلك الجزء من العقل الذي يتوافق مع الجانب الروحاني للنفس)، وهما ~~شقان لا ينفصلان أبدا بعضهما عن بعض ويكونان في صراع دائم؛ يتعين عليه أن يسيطر على عواطفه ~~بعقله (وهي الفكرة نفسها الواردة في كتاب أرسطو «عن الروح»، والذي اقتبس منه كثيرا القديس ~~توما الأكويني). غير أن هذا العقل الذي يمكن الإنسان من كبح جماح مشاعره وعواطفه، قد يتسبب ~~الجنون في فقدانه، وهذا هو «الخبل». وعندما يصاب الإنسان به، لا يتبقى لديه إلا الأنيموس. ~~ولا يعود يملك حرية ولا مسئولية؛ وفي هذه الحالة، لا يختفي تماما جانب الأنيما، وإنما يكون ~~محبوسا ومسجونا. أما ذلك الصراع النفسي أو الروحي، فتبتلعه بالكامل تلك العاطفة المحررة ~~التي أطلق لها العنان. # ما هذه العواطف؟ نجد في البداية الحزن، وهو أكثر العواطف إيذاء للجسم؛ لأنه يصيب الإنسان ~~بالسوداوية ويمكن أن يقوده إلى الهوس والجنون؛ ولذلك نجد أن القديس توما الأكويني قد ~~اهتم بذكر العلاجات التقليدية للحزن وتشمل: كل أنواع الفرح أو انشغال النفس فيما يبدد روح ~~الحزن عنها مثل الأصدقاء، والنوم، والبكاء، والاستحمام، ومن ذلك يتضح أنه يتحدث عن الحزن ~~بوصفه مرضا. وهناك عواطف أخرى كالحب (النشوة) والبهجة (الناتجة عن امتلاك ما يسر القلب ~~ويمتعه، سواء أكان أمرا متعلقا بالروح أم بالجسد). # ولن نجد بالطبع في الفلسفة التوماوية توصيفا حقيقيا دقيقا لمرض الجنون. ولكن يكفي أنه ~~قد ورد بالفعل ذكر للجنون وإحياء لفكرة ارتباطه بالعواطف في مجال علم اللاهوت. ذلك اللاهوت ~~الأخلاقي، حينما يتعلق الأمر بتعريف تلك الفضيحة الميتافيزيقية المتمثلة في انقطاع التناغم ~~بين الأنيموس والأنيما؛ لا يستنكف من أن يقترض من معجم علم النفس المرضي الموجود بالفعل ~~[الجنون في جانبه الطبي البحت]. إضافة إلى المجانين والمعاتيه الهائجين، نجد أيضا المختلين ~~عقليا وهم أكثر نشاطا وحيوية، وأكثر تطورا من المصابين بالخبل الذي يعتبر حرمانا مطلقا ~~من العقل، سواء بشكل دائم أم مؤقت. أما الاختلال العقلي، فيحدث نتيجة ms038 فقدان بمعنى هجر أو ~~تخل: حين يسمح الإنسان لجانب الأنيموس فيه أن يتغلب عليه ويتحكم به، مما يذكرنا بالمفهوم ~~الرواقي للجنون. وهكذا برز، بعيدا عن التعبيرات المجازية البسيطة، تشابه بين جنون الجسد ~~وجنون الروح الذي ترسخ وتطور الاعتقاد به في سياق المجتمع المسيحي. # وأخيرا، من المثير للاهتمام ملاحظة أن توما الأكويني يتجنب استخدام مصطلح «الجهالة»، على ~~الرغم من كونه المصطلح الأكثر شيوعا في العصور الوسطى للتعبير عن الجنون. حتى إن القديس بولس ~~الرسول استخدمه للإشارة إلى جنون الصليب (في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس). كما صرح ~~القديس توما الأكويني «بوجود نوعين من الحكمة ونوعين من الجنون [...] وبأن الإنسان الذي يتكل ~~على الله يؤكد على كونه الأكثر جنونا في حكم البشر؛ لأنه يحتقر الكنوز الأرضية التي تبحث ~~عنها الحكمة البشرية.» وسنتناول فيما بعد هذه المسألة بالتفصيل. # الأطباء # اعتبارا من القرن الحادي عشر الميلادي، انتعش الطب بفعل التأثير القادم من إسبانيا ~~وصقلية والمدرسة الطبية بساليرنو. واستفادت هذه الأماكن من المساهمة العلمية المزدوجة التي ~~قدمها العرب؛ فمن جهة كانوا يقومون بنقل النصوص اليونانية، ومن جهة أخرى كانوا يضيفون إلى تلك ~~النصوص دراسات وتأملات انتفع بها الطب الغربي في العصور الوسطى. # ما الذي يمكن أن نستخلصه من الخطاب الطبي بشأن الاضطرابات العقلية اعتبارا من هذه الفترة ~~وخلال القرون التالية، علما بأن هذه الحقبة قد شهدت انتشار المدارس الطبية (مثل مدرسة ~~مونبلييه التي تأسست في بداية القرن الثالث عشر، والعديد من المدارس الأخرى التي ظهرت في ~~إيطاليا في القرن الرابع عشر)؟ في الواقع، إن عدد المقالات البحثية التي خصصت بشكل حصري أو ~~بشكل رئيس لموضوع الجنون محدود للغاية. ولكن، في نهاية القرن الحادي عشر الميلادي، قام ~~قسطنطين الأفريقي، الذي ترهب بالدير البنديكتي بمونت كاسينو، بترجمة كتيب من العربية ~~إلى اللاتينية عن السوداوية (الكآبة)، يظهر فيه التأثر الشديد بفكر روفوس الأفسسي. ~~وهكذا، جرى استكمال الدراسات الطبية من حيث انتهى اليونانيون. # لا بد من البحث في المؤلفات العامة للعثور على الاضطرابات العقلية. وقد استمر قسطنطين ~~الأفريقي، من ms039 جانبه، في ترجمة العديد من المؤلفات من العربية إلى اللاتينية، نذكر من بينها ~~«زاد المسافر» لابن الجزار؛ وهو كتاب هام في الباثولوجيا (علم الأمراض) - بالرغم من أن عنوان ~~الكتاب لا يدل على ذلك - ويضم بين دفتيه فصلا عن «النسيان». وهذا المجلد الأخير يثير ~~اهتمامنا على نحو خاص؛ لأن قسطنطين الأفريقي ذكر في المقدمة أنه يخاطب ثلاث فئات من القراء: ~~أولئك الذين يودون ممارسة الطب، وأولئك الذين يودون إثراء معارفهم من خلال الاهتمام بمجال ~~الطب، وأخيرا أولئك الذين يطمحون إلى الاثنتين معا؛ أي الممارسة والمعرفة. ولم يكن الطب ~~علما منغلقا على ذاته، بل قدم فيما بعد، اعتبارا من القرن الثاني عشر الميلادي وخاصة في ~~القرن الثالث عشر، أداة محركة لأفكار وتأملات فلاسفة الطبيعة. # في المقاربة التي تعتمد بشكل أساسي على المنظور الجسدي، نجد أن تناول «أمراض الدماغ» ~~يقتصر في أغلب الأحيان على تعدادها، وإعطاء وصف سريري لها، وتكرار ما ورد في الدليل الخاص ~~بالأمراض العقلية التي جرى تعريفها في العصور القديمة. # 2 # وهذا هو النهج عينه الذي اتبعه أبو بكر الرازي (865-925) على وجه الخصوص، وهو ~~طبيب عربي شهير ومن أتباع أبقراط. بيد أن بعض المؤلفين حاولوا وضع تصنيف لهذه الأمراض، من ~~بين هؤلاء ابن سينا (980-1037)، وهو ليس طبيبا عربيا فحسب، ولكنه أيضا فيلسوف ومتصوف. ~~ويعد كتابه «القانون في الطب» من أكثر الكتب التي أجمع عليها العلماء والدارسون في الشرق ~~والغرب، وفي نهاية حقبة القرون الوسطى، أصبحت النسخة المترجمة عنه إلى اللاتينية أكثر الكتب ~~طباعة بعد الكتاب المقدس. # قسم ابن سينا الأمراض المسببة لحدوث اضطرابات عقلية إلى ثلاث مجموعات. تشمل المجموعة ~~الأولى التهابات جزء من المخ وهو ما يسبب النوام وجنون الاهتياج (ما كان يطلق عليه قديما ~~التهاب الدماغ). وبالنسبة إلى هذا النوع الأخير من الجنون، تحدث ابن سينا عن أحد أشكاله، وهو ~~فورة الغضب التي يشبهها ب «هوس يرافقه اهتياج». وتشمل المجموعة الثانية الأدواء التي ~~تحدث خللا في القدرات العقلية مثل: الجنون أو تشوش العقل، وتلف الذاكرة، وفساد ~~المخيلة، ms040 ثم الهوس، والسوداوية (الملنخوليا)، وتوهم الذئبية، والحب (وقد ورد هذا ~~الأخير، بوصفه شكلا من أشكال المرض، في الجدول العربي لتوصيف الأمراض بعد أن سبق ذكره في ~~العصور القديمة). وفي النهاية تأتي المجموعة الثالثة وهي تشمل الأمراض المسببة لاختلال حركي ~~مثل الدوار والصرع. ونلاحظ في هذا التصنيف، أن جميع الأمراض العقلية (أي تلك الأمراض ~~المفهرسة في العصور القديمة) مذكورة عمليا ضمن أمراض الفئة الثانية. وتقسم الأمراض ~~العقلية وفقا لثلاث ملكات عقلية؛ وهي: الذاكرة، والخيال، والحكم على الأمور. ولكن هذه ~~الملكة الأخيرة تشتمل وحدها على مفهومين رئيسين، وهما: الهوس والكآبة. # بعد صدور النسخة المترجمة من الكتاب الشهير «مسائل أرسطوطاليس الطبيعية، الجزء 30» في ~~القرن الثالث عشر الميلادي لمؤلفه أرسطو، وهو الكتاب الذي ذكر فيه أن أصحاب العقول العظيمة ~~الذين يتميزون بالتفكير الخلاق والإبداعي هم من ذوي المزاج السوداوي؛ ازدهرت ~~السوداوية في الغرب إبان العصور الوسطى، وذلك بعد أن كانت قد نالت اهتماما كبيرا من ~~قبل الأطباء والفلاسفة العرب. وبدأت السوداوية المرضية (الملنخوليا) تحتل، أكثر ~~فأكثر، مكانة متميزة على ساحة الاغتراب العقلي، خصوصا أن المفكرين في العصور الوسطى كانوا ~~يميلون إلى البحث عن الأسباب أكثر من الأعراض. # وأخيرا، نظرا للدور الهائل الذي لعبه الطب العربي وجالينوس، تم - في العصور الوسطى ~~المسيحية - إحياء الحوار بين الطب والفلسفة. واستند علم خصائص الشخصية إلى مبادئ نظرية ~~الأمزجة وارتباطها بالأخلاط. يزعم أرنو دي فيلنوف (1250-1313)، الذي كان طبيبا خاصا للملك ~~أراجون وللبطريرك ومترجما للمؤلفات من اللغة العربية، أن المزاج هو العنصر الجسدي الأكثر ~~قدرة على «تهيئة ظهور حوادث النفس». وهذا ما اتفق أفلاطون وجالينوس عليه، بل أضيف إليه أن ~~حوادث النفس يمكن بدورها أن تؤثر سلبا على المزاج. وقد أولت العصور الوسطى «الأرواح» ~~أهمية خاصة؛ تلك الانبثاقات الخفيفة والرقيقة التي تحمل «النفحة» وفقا للمصطلح المستخدم في ~~الفلسفة الرواقية، والتي تشكل جوهر الحياة والشعور (حيث تعمل بوصفها وسيطا بين النفس ~~والجسد). كما أولت العصور الوسطى اهتماما خاصا بالكيفية التي تتوزع بها الروح داخل ~~الجسد. # بيد أن علماء اللاهوت وضعوا ms041 حدا لهذا النمط من التفكير. وحسم جيوم دو سان تييري - ~~راهب من سيتو ومؤلف صوفي ظهر في النصف الأول من القرن الثاني عشر - هذه المسألة بقوله: «إن ~~السمات الطبيعية المتعددة للإنسان، سواء أكانت حيوية أم حيوانية، ليست هي الروح.» لم يعد يوجد ~~ما يسمى بمرض الروح (بالإشارة إلى العصور القديمة)، بما أن الروح غير مادية وغير قابلة ~~للفساد. وإذا بدا أن الروح يشوبها خلل ما في قدراتها أو ملكاتها، فهذا يعني أنها غير قادرة ~~على تملك زمام الجسد باعتباره الأداة التي تظهر من خلالها هذه الملكات. وبغية تفادي ~~إثارة استياء وغضب الكنيسة، تجنب الأطباء طرح مشكلة الروح في السياق الطبي. # الفصل الثاني # | وضع المجنون في المجتمع إبانالعصور الوسطى # لم يكن الجنون الوارد في المقالات البحثية الطبية مماثلا بالطبع لذلك الجنون الذي يتعامل ~~معه المجتمع بشكل ملموس؛ فالمجنون الذي نقرأ عنه في الكتب مختلف عن منظر المجنون الذي نراه ~~«على أرض الواقع». ما هي ممارسات الغرب في العصور الوسطى إزاء الجنون، ذلك الجنون الحقيقي ~~المجرد من أي زخارف بلاغية؟ # المحبة والضعف # الإحسان والمساعدة فضيلتان أساسيتان في الديانة المسيحية في العصور الوسطى، وتعني كلمة ~~الضعف بمعناها الشامل: المريض، والمعوز، وعابر السبيل، وبالرجوع إلى الأصل اللغوي ~~والاشتقاقي للكلمة، نجد أنها تعني «الضعفاء» بوجه عام. يرى القديس توما الأكويني أن الإحسان ~~يربطنا بالله من خلال المحبة، في حين أن الرحمة أو الرأفة (التي يتبعها تقديم العون ~~والمساعدة) تجعلنا نتمثل بالله. وهكذا نقرأ في كتاب «القاعدة»، الذي كتب حوالي سنة 540م على ~~يد القديس بنوا (بنديكتوس)، ما يلي: «لا بد قبل كل شيء من الاهتمام بمساعدة الضعفاء ~~والعاجزين، فنخدمهم كما لو كنا نخدم المسيح بذاته.» # انطلاقا من هذا الفكر الإنجيلي، نشأ «المشفى» (بالمعنى اللغوي لكلمة # hospitalis # التي تعني: منزلا مجهزا لاستقبال الضيوف). ~~ويعد غريغوريوس النازيانزي، الملقب بطبيب الكنيسة، أول من أعطى وصفا لمشفى مسيحي، وذلك ~~بأسلوب ينم عن التفاخر والتباهي. وقد كان وصفا لمشفى في مدينة قيسارية (ويقال لها أيضا ~~قيصرية) بكبادوكيا تم تأسيسه في ms042 سنة 374م، على يد القديس باسيليوس أسقف قيصرية، بالقرب من ~~الضيعة التي يقع بها الدير: «يا لجمال المحبة والبذل، والتفاني، ومساعدة الفقراء، ومعونة ~~الضعف البشري! اخرج من المدينة، وستجد مباشرة خارج الأسوار مدينة أخرى جديدة ستثير انبهارك ~~وإعجابك [...] مدينة يهزم فيها المرض بالصفاء والسكينة الداخلية التي تنبع من الحكمة. ~~هناك، ينظر إلى الشر باعتباره بركة ونعيما، وهناك نفتش عن الرحمة ونضعها تحت ~~الاختبار.» # 1 # وهكذا، بدءا من نهاية حقبة العصور الوسطى، ستنشأ إشكالية المساعدة (وتقديم العون ~~بطبيعة الحال إلى المجانين المعوزين) بسبب التناقض التام بين تلك المبادئ المثالية ~~المتعلقة بالمحبة وعمل الخير وبين الممارسة العملية في المشفى على أرض الواقع؛ بحيث سيتم قياس ~~صلاحية كلا الاتجاهين بالنظر إلى القيود المالية. # اعتبارا من القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلادي، تزايدت أعداد المؤسسات ~~الاستشفائية، في الوقت الذي شهدت فيه بعض المدن تطورا ملحوظا (مثل إيطاليا على وجه الخصوص). ~~كما تأسس العديد من الأخويات لخدمة المرضى في المدن الكبرى، مثل رابطة الروح القدس التي ~~أنشئت في مطلع القرن الثالث عشر الميلادي وكانت مراكزها الرئيسة تقع في روما ومارسيليا. ~~وكانت هذه الملاجئ تستقبل المعوزين من كل الفئات، وهم في أغلب الأحيان من المتشردين ~~والمتسولين، ومن ضمنهم عدد قليل من المجانين ... وكانت اللوائح تنص على «القيام، في جميع أيام ~~الأسبوع، بالبحث عن المرضى الفقراء والمساكين في الشوارع والميادين.» ولكن، في الواقع، هذا لا ~~ينبغي أن يدفعنا للظن بأن المعوزين، على الرغم من كثرة عددهم في العصور الوسطى، كانوا ~~يتهافتون على التوافد بأعداد غفيرة على هذه المشافي المنشأة حديثا. كما أن هناك فئتين، على ~~الرغم من التعارض الموجود بينهما إلى أقصى درجة، فإنهما رفضتا «الاحتجاز» في المشفى، وهما: ~~«الفقراء المستورون» (يطلق هذا الاسم على أعفة الفقراء الذين تأبى كرامتهم أن يظهروا في ~~صورة معوزين؛ ولذا يحاولون إخفاء فاقتهم)، والمتشردون، وهم في حالة صحية أفضل من ~~العجزة، بل لنقل: إنهم عجزة مزيفون، ولكنهم مع ذلك، أشبه بالذئب الهزيل المذكور في ~~الحكايات الرمزية، يسعون إلى «التحرك حيث يريدون ms043 دون أن يقيد حريتهم شيء». بالنسبة إلى أولئك ~~الذين ينتمون إلى الفئة الأولى، والأكثر أحقية بالشفقة والعطف، كانت المشافي تتولى تقديم ~~الصدقات وخدمات الرعاية إليهم في المنازل. # ومع ذلك، سرعان ما ازدحمت تلك «المشافي»، التي أطلق عليها أيضا «دور الرب» # hôtels-Dieu # أو «بيوت ~~الرب» # maisons-Dieu ~~؛ نظرا لضيق المساحة؛ ففي الأغلب لم تكن تستوعب إلا عشرة أسرة أو ~~عشرين سريرا بحد أقصى. ومنذ ذلك الحين، ظهرت الحاجة إلى تناوب العمل؛ مما دعا القائمين على ~~هذه المشافي إلى الحد من قبول الحالات المرضية التي لا سبيل إلى شفائها، بل ورفضها، بدءا ~~بمرضى البرص أو الجذام (والمصابين بالأمراض المعدية بوجه عام)، وأيضا المصابين بالشلل، ~~والمكفوفين، والمجانين ؛ أي جميع أولئك الذين لا يقتصر وجودهم على «تجميد» الأسرة فحسب، ~~وإنما يقتضي أيضا تخصيص أقسام منفصلة (وبالأخص، زنازين للمجانين الهائجين). على الرغم من ~~ذلك، نجد بعض المجانين في المشافي ذات المساحات الواسعة؛ بما يتيح تخصيص أماكن لعزلهم عن بقية ~~المرضى. في نهاية القرن الثاني عشر، نصت اللوائح الخاصة بمشفى سانت إسبري (الروح القدس) في ~~مونبلييه على ما يلي: «إذا وجد مجانين في المدينة، فاستقبلوهم وابحثوا عن سبب إصابتهم ~~بالجنون لإيجاد العلاج المناسب، ثم ضعوا كل مريض منفردا في مكان خاص؛ خشية أن يلحقوا الأذى ~~بعضهم ببعض.» # 2 # ومن وقت لآخر، تكشف السجلات الطبية للمشافي الرئيسة عن دخول حالات من فاقدي الرشد. في ~~مشفى مولن، ورد في سجلات الحسابات الخاصة بنهاية القرن الرابع عشر بعض النفقات التي صرفت ~~لرعاية المجانين على النحو التالي: 30 فلسا (عملة نقد معدنية) «لتغذية، وإشباع، وإعالة رجل ~~مسكين وفقير مجنون وفاقد لعقله»، أيضا أنفق مبلغ 20 فلسا لعمل سرير صغير لتنام عليه ~~راهبة «مصابة بجنون الهياج [و] لتقييدها إليه». في مشفى باريس، خصص للمختلين عقليا ~~أسرة معينة مغلقة بالكامل بحيث تكون شبيهة بالزنزانة، مع عمل نافذة صغيرة لمراقبة المريض ~~وأخرى كبيرة لتقديم خدمات الرعاية الطبية والتغذية. كما تم تزويد بعض الأسرة الأخرى بأحزمة ~~قوية (لتقييد المريض عند الضرورة). كان الاهتمام منصبا بشكل ms044 عام على التفكير في كيفية ~~احتواء المريض والسيطرة على هياجه. «يقتضي الطب، كما يقول بارثولوميوس الإنجليزي، وهو اختصاصي ~~في تبسيط العلوم في القرن الثالث عشر، أن يقيد المجانين حتى لا تكون هناك ذرة شك في ~~إمكانية إيذائهم لأنفسهم أو للآخرين.» وهذا لا يعني التعامل بقسوة من باب التخاذل في رعاية ~~المريض، وإنما كإجراء وقائي لاستحالة مراقبته بصفة مستمرة. # واعتبارا من القرن الرابع عشر الميلادي، بدأ ظهور «التخصص» في أقسام المنشآت الكبرى؛ ففي ~~ألمانيا، كان يجري في بعض الأحيان تخصيص أقسام بالمشافي الجديدة للمجانين على النحو التالي: ~~مأوى المجانين في إلبلاج، على أرض الفرسان التيوتونيين، وحظيرة المجانين (حرفيا «زريبة ~~المجانين») في مشفى إرفورت، وزنزانة للمجنون في مشفى هامبورج. بعد مرور مائة عام، في سنة ~~1471، أنشأت بلدية بامبرج، في فرنكونيا، «منزلا للأفراد فاقدي العقل». في إنجلترا، ينص ~~الميثاق التأسيسي لمشفى الثالوث الأقدس في ساليزبري على «أن يوضع المجانين في مكان آمن حتى ~~يستعيدوا رشدهم.» ولكن، يجب أن نأخذ في الاعتبار، لدى قراءة ذلك الإعلان الذي تظهر فيه نبرة ~~الفخر، العدد المحدود للغاية (ستة) للمجانين المحتجزين بمشفى سانت ماري بلندن، وهو الذي ~~سيعرف فيما بعد، في عام 1403، # 3 # باسم «مصحة الأمراض النفسية والعقلية». في إسبانيا، تم إنشاء ملاجئ خاصة للمجانين ~~بواسطة «مساهمات فاعلي البر والإحسان» [الجمعيات الخيرية]، أطلق على هذه المصحات اسم مشافي ~~الأبرياء وبنيت في فالنسيا وفي إشبيلية. وليس هناك ما يؤكد على الإطلاق وجود مشاف، في ~~العصور الوسطى، حتى وإن كانت محدودة المساحة، مخصصة بشكل حصري للمصابين بأمراض عقلية. ومع ~~ذلك، سوف نجد أن بعض المشافي، مثل مشفى فالنسيا وإشبيلية وهامبورج (1375) وغيرها، قد تباهت ~~فيما بعد - كل على حدة - بحمل لقب «أول مصحة للأمراض النفسية» في أوروبا. # إذا كانت نهاية العصور الوسطى قد شهدت ظهور مصطلحات جديدة فيما يتعلق بالمشافي، وذلك مع ~~الاتجاه نحو «التخصص»، و«علمنة» الوظائف وتقديم مزيد من الخدمات الطبية والصحية؛ فإن الطبيب ~~قلما كان موجودا في المشافي التي أنشئت في العصور الوسطى؛ فلم يكن يشكل ركنا أساسيا من ms045 ~~أركان المؤسسة الطبية. وإذا أردت أن ترى طبيبا وهو يمارس مهام عمله، فلتبحث عنه في مكان آخر، ~~«في المدينة»؛ حيث ستجده مشغولا بتقديم خدماته لقلة نظير أجر، أو مكرسا كل وقته وجهده ~~للعمل كطبيب خاص لإحدى الشخصيات من ذوي النفوذ. إن واجب المحبة يفرض على الطبيب معالجة ~~الفقراء بالمجان، ولكن هل من الوارد أن تقوم أي أسرة باستدعائه دون أن تكون قادرة على دفع ~~أجرته، بل ودفع تكاليف الأدوية التي لم تخل منها حقبة العصور الوسطى؟ وفي الواقع، زخرت هذه ~~الفترة بالعديد من المؤلفات في مجال الصيدلة، نذكر منها على سبيل المثال كتاب «فضائل الأعشاب» ~~أو كتاب «مخزن الدواء والترياق» لنيكولاس ساليرنيتانو، الذي توالت طبعاته منذ القرن الثالث ~~عشر الميلادي، بالإضافة إلى نسخة شبه رسمية من الأقرباذين؛ أي دستور الأدوية المعروفة في ذلك ~~الزمن. # الهوس، السوداوية، الصرع، النوام، كل هذه الأمراض نجد لها أدوية، وبأنواع متعددة: ~~مواد مستخلصة بالإغلاء، نقيع، شراب، حبوب أو أقراص، وكذلك زيوت، مراهم، لبخات، لزقات طبية ~~توضع على رأس حليق، ومعطسات [أدوية مسببة للعطس]. وتنقسم أدوية الجنون الموروثة عن العصور ~~القديمة إلى نوعين كما يلي: المهدئات والأفيون والمغد (جنس من النباتات من الفصيلة ~~الباذنجانية) مثل اليبروح أو البلادونا؛ والمقويات أو المنشطات مثل الأفسنتين، ~~والينسون، والقراص، والنعناع البري، والكزبرة، والقويسة أو المريمية، والهال، ~~وغيرها. كانت هذه النباتات، والتي نادرا ما تستخدم وحدها دون إضافات أخرى، تدخل في تركيب ~~مستحضرات طبية معقدة. فعلى سبيل المثال، يدخل في تركيب الدواء المضاد للكآبة أو ~~السوداوية ما لا يقل عن مائة مادة، من بينها مسحة من مادة مستخلصة من أنواع من ~~الصراصير في بيزنطة. وتندرج المعطسات المضاف إليها الفلفل تحت فئة المقويات أو ~~المنشطات (وليس كما قد نتخيل، فئة الأدوية المفرغة). نضيف إلى ما سبق مضادات التشنج ~~التي تؤخذ في صورة لعوق عن طريق الفم [مستحضر طبي طري أو لين كالمعجون]، وكان يجرى تركيبها ~~من خلال وصفات معقدة، ولكنها كانت تحتوي دائما على عنصر أساسي؛ وهو إفرازات القندس (وهي مادة ~~مستخلصة ms046 من الغدد التناسلية لحيوان القندس الواقعة بجوار الخصيتين)، أو المسك (ويستخلص من ~~غدة كيسية في بطن نوع من الظباء يسمى غزال المسك). وأخيرا، نضيف إلى القائمة الأدوية ~~المفرغة؛ نظرا لاستمرار الاعتقاد في نظرية الأخلاط البشرية. وفي بعض الأحيان كان يوصف ~~الخربق الأبيض والخربق الأسود (الأقل حدة) معا كدواء مضاد للسوداوية، ولكنهما لم يحققا ~~نجاحا كبيرا، ولم يلقيا الاهتمام نفسه مثلما حدث في العصور القديمة؛ فقد ظهر منافس آخر ~~لهما، وهو الأدوية المقيئة مثل الجوز المقيئ، وفطر الغاريقون، وجذر زهرة البنفسج، ~~وغيرها. ولكن ابتداء من عصر النهضة، انتقل الخربق تدريجيا إلى مجال الصور الاستعارية ~~والمجازية. فها هو المعلم تيودور «يجري عملية تطهير وفقا للقواعد المتبعة» للشاب ~~جارجانتوا باستخدام «خربق من مدينة أنتيسيرا»؛ حتى يخلصه بهذه الوسيلة من أي «تشويه أصاب المخ ~~أو أي عادة سيئة استقرت به.» وعلى الرغم من ذلك، ظل هناك مؤيدون من بين الأطباء لاستخدام ~~الخربق. # كما أدرجت أدوية أخرى، وهي مضادات التشنجات التي كان يتم إعدادها عن طريق الاستخلاص ~~بالإغلاء أو الحقن الشرجية، بالإضافة إلى استخدام العلقات، وعمليات الفصد، في قائمة ~~العلاجات المفرغة. وفيما يتعلق بعمليات الفصد، فقد كانت شائعة للغاية في القرون الأخيرة ~~من العصور الوسطى، وكانت خاضعة لقواعد صارمة، وفقا لسن المريض والموسم ومرات تكرارها. على ~~سبيل المثال، اختيار الوريد الذي يشق لإجراء عملية الفصد، يختلف تبعا لحالة المريض، إذا ~~كان مصابا بالسوداوية أو مصابا بجنون الهياج. # ولم تتوقف أدوية الجنون عند هذا الحد، بل نجد أيضا المعالجة المائية، سواء بحمامات الماء ~~الساخن أو الفاتر أو البارد، ورغم أنها لم تنل الاهتمام نفسه الذي نالته في العصور الوسطى، ~~فالأطباء كانوا يصفونها كعلاج للاضطرابات العقلية؛ فقد كتب جيلبرت الإنجليزي (القرن الثالث ~~عشر الميلادي) أنه «في جميع الأحيان، يعتبر الحمام مفيدا بالنسبة إلى مرضى ~~السوداوية؛ لأنه يبدد الأبخرة التي تحيق بهم وتعذبهم، مما يطرد الأخلاط الزائدة ويصحح ~~المزاج.» كما أخرج هذا الطبيب نفسه من إطار التفكير النمطي حينما نصح بأن يجرى إيقاظ ~~المصابين بالنوام عن طريق الصراخ ms047 في آذانهم مع نطق اسمهم والنفخ في البوق و... جر إناث ~~الخنازير من أرجلها أمام أسرة المرضى. # هكذا نقترب من الطرق العلاجية القوية التي ستبلغ فيما بعد، مع تقدم طب الأمراض النفسية، ~~أوج «مجدها». يقترح أرنو دي فيلنوف إجبار المصابين بالهوس على البكاء إما بتخويفهم وإما ~~بضربهم بالسوط أو بالعصي. عمليات الكي [بإحداث شق على شكل علامة الصليب] التي تجرى على رأس ~~حليق، يمكن تمديدها، في الحالات القصوى وخاصة في نوبات الصرع المتكررة، بإجراء عمليات ثقب ~~لعظام الجمجمة. وأخيرا، كما كتب بارثولوميوس الإنجليزي «إذا كانت عمليات التطهير أو العلقات ~~الطبية غير كافية، نلجأ حينئذ إلى فن الجراحة لشفاء المرضى.» # بعيدا عن هذه الحالات القصوى، نجد كل النصائح المتوارثة من العصور القديمة فيما يخص ~~قواعد الحفاظ على الصحة والنظافة، واتباع أنظمة غذائية متوازنة، وممارسة التمارين البدنية ~~بشكل معتدل، ومقاومة أفكار الهوس والهذيان، والعلاج بالموسيقى. وقد كان «العلاج النفسي» أقل ~~حظوة في العصور القديمة. نجد أن الشخص المصاب بالسوداوية، إضافة إلى اتباع نظام غذائي، ~~وتناول العقاقير، والخضوع لعمليات الفصد، وتهيئة مناخ ملائم له وموسيقى مفرحة؛ كان ينصح قبل ~~كل شيء بالخضوع لمعالجة سيكولوجية. غير أنه في العصور الوسطى كان الاهتمام منصبا على العلاج ~~الجسدي أكثر من «المعالجة النفسية»؛ لأن هذه النصائح كانت تسدى إلى المريض من أجل «تدفئة ~~القلب والمخ والكبد». # وعلى أي حال، نحن بعيدون كل البعد عن الاعتقاد السائد في العصور الوسطى فيما يتعلق بعدم ~~جدوى معالجة الجنون. علاوة على ذلك، هذه الترسانة الطبية لا تعد شيئا بالمقارنة مع رواج ~~رحلات الحج العلاجي. وقد كانت هذه الرحلات شائعة للغاية في اليونان القديمة، ثم انتشرت على ~~نطاق واسع في سياق الإيمان العميق بالمسيحية؛ فقد كانت العلاجات التقليدية باهظة الثمن، بينما ~~رحلات الحج، وخاصة المحلية منها، في متناول الجميع. وكان هناك لكل مرض، ولكل جزء مصاب بالجسد، ~~قديسه الشافي. بل كان البعض يربطون بين المرض واسم القديس الشافي؛ فنجد على سبيل المثال «داء ~~القديس يوحنا» كناية عن الصرع. وتعدد القديسون الذين اشتهروا ms048 بشفاء الجنون، ولا يتسع ~~المجال الآن لذكرهم جميعا. كان هناك قديسون على الأصعدة «المحلية» و«الإقليمية» و«الدولية»، ~~وكان الناس يأتون للتضرع إليهم من جميع أنحاء أوروبا. كان عددهم حوالي خمسين قديسا، هذا دون ~~احتساب القديسين «العموميين»، الذين لم يكونوا متخصصين في شفاء مرض ذي طابع خاص ~~كالجنون. # وبالطبع، كانت مدينة جيل (بلجيكا حاليا) أكثر الأماكن التي يقصدها الحجاج شهرة. ويعد ~~هذا المكان مكرسا للقديسة ديمفنا، تلك الأميرة الأيرلندية التي عاشت في القرن السابع ~~الميلادي، والتجأت إلى هذا المكان حينما لاذت بالفرار لتهرب من ملاطفات أبيها لها. ولكن ~~للأسف! وجدها الوحش وقطع رأسها. ثم جاءت الملائكة وثبتت رأسها على عنقها قبل دفنها، ومنذ ذلك ~~الحين سرعان ما أصبح ضريحها مزارا مبجلا ومقصدا يحج إليه أولئك الذين «فقدوا عقلهم»؛ أي ~~المجانين الذين أصبحت هذه القديسة بمنزلة شفيعة لهم اعتبارا من القرن العاشر الميلادي. وأمام ~~تدفق الحجاج المتزايد على هذا المكان، بنيت به كنيسة واسعة في القرن الثالث عشر الميلادي. ~~وشيد مبنى ملحق بالكنيسة لإيواء المجانين الذين يحجون إلى هذا المكان. غير أن الحجاج ~~كان عددهم كبيرا لدرجة أنهم كانوا يقيمون في بعض الأحيان لدى أحد السكان، وهكذا، أصبحت جيل ~~أول مستعمرة للمختلين عقليا في الغرب. # ومن الأماكن الأخرى التي كان يقصدها الحجاج، بلدية لارشان، في منطقة جاتينيه، وكان هذا ~~المكان مكرسا لشفيع آخر للمجانين، وهو القديس ماتورينوس، الذي كان يهتم بهذه الفئة أيضا ~~خلال حياته في روما. برز تخصص هذا القديس في شفاء الجنون في وقت متأخر، ولكن سرعان ما ترسخ ~~الاعتقاد في شفاعته حينما اعتاد المستشفى الرئيس بباريس إرسال فاقدي العقل إلى مزاره. وقد تم ~~إنشاء العديد من «المزارات الفرعية» - وذلك بتخصيص كنيسة صغيرة على اسم القديس داخل الكنيسة ~~الكبيرة ووضع تمثال بسيط للقديس بها - بحيث تكون بمنزلة مزار محلي لأولئك الذين لا يستطيعون ~~القيام برحلة الحج إلى لارشان، وخاصة أن السفر لم يكن بالأمر الهين في ذلك الزمن. فما كان يهم ~~بشكل أساسي هو «اقتياد المريض إلى القديس ماتورينوس». وسرعان ما ms049 أصبح الأمر معروفا، لدرجة ~~أنه ظهر تعبير شعبي دارج له مدلول سلبي أو بالأحرى ازدرائي، فكان يقال كناية عن شخص مجنون أو ~~غير متزن في أفعاله: «لا بد من اقتياده إلى القديس ماتورينوس!» وبالطبع يمثل هذا التعبير ~~إهانة إذا كان الخطاب موجها بشكل مباشر إلى الشخص المعني. أما الحج، بمعناه الذي ظهر في ~~المجمع الفاتيكاني الثاني، فكان يتم دائما في عيد العنصرة (يعرف أيضا بعيد حلول الروح ~~القدس على تلاميذ السيد المسيح). # كما كان يجري اصطحاب المجانين إلى بلدية هابر، في شمال فرنسا؛ من أجل التضرع إلى القديس ~~أكير (حيث كان يقال هناك «داء القديس أكير»). وقد أدى نجاح رحلات الحج إلى مزارات القديسين ، ~~اعتبارا من القرن الثاني عشر الميلادي، إلى إنشاء «مشفى» لعلاج المجانين في عام 1218م. وكان ~~المجانين يأتون إلى بلدية سان مينو، في مدينة بوربونيه؛ طلبا لشفاعة القديس مينو (أو ~~مينولف). كما كانوا يذهبون إلى بلدية سان ميان (إقليم إيل وفيلان حاليا) للتضرع إلى القديس ~~ميان، وإلى بلدية لوكمينيه (إقليم موربيهان حاليا) الواقعة أيضا في منطقة بريتاني بفرنسا ~~للتضرع إلى القديس كولومبان. كما كان كثيرون يتوافدون على ضريح القديس ديزييه في منطقة ~~الألزاس، وهناك أيضا، كان بإمكانهم الإقامة في منازل القرويين. نذكر أيضا، حتى لا يتبقى إلا ~~الأضرحة الرئيسة والكبرى في فرنسا، مزار القديس فلورنتين في بلدية بونيه (في إقليم الموز ~~بفرنسا)، ومزار القديس جرا في إقليم أفيرون، ومزار القديس فرونت في بيريجو (حيث كان التشفع ~~بهذا القديس أمرا معروفا وثابتا، ثم أضيف إليه قديس آخر يدعى القديس ميموار)، ومزار ~~القديس هيلدفرت في بلدية جورنيه-أون-بريه. وفي هذه الكنيسة، كان المرضى يتشفعون برفات القديس؛ ~~طلبا للشفاء من الجنون ومن الصاعقة، يا له من ترابط «مستنير» بين الاثنين! # كانت رحلات الحج العلاجي للاستشفاء من الجنون تمثل في العصور الوسطى مشهدا مذهلا ~~ومخيفا في الوقت نفسه. وبالطبع لم يكن المرضى يأتون بمفردهم، وإنما كان يصطحبهم بقوة وبحزم ~~أناس آخرون. وبطبيعة الحال، كان هؤلاء المرضى إما مصابين بالذهول وإما هائجين وإما ms050 غاضبين ~~وساخطين. وكان يتم دفعهم بشدة، أو حملهم بشكل يعيقهم عن الحركة، على محفات أو نقالات، ~~أو أيضا على نوع آخر من الأسرة يشبه النعوش بشكلها المزعج والمحزن. وكان يجري تهديد ~~المرضى الأكثر عندا وتمردا بضربهم بالسوط. أما الممسوسين (وسنتحدث عنهم لاحقا)، فقد لعبوا ~~دورهم باقتناع؛ حيث كانوا يتخبطون ويطلقون صرخات حادة ويتفوهون بألفاظ تجديف (الكفر بنعمة ~~الله والكلام عليه بالشتم) وسباب. وكان سكان هذه المناطق يخرجون من منازلهم ليتمتعوا برؤية ~~ذلك المشهد المدهش. وكانت الدعابات التي يطلقها هؤلاء القرويون وتعليقاتهم الساخرة، إضافة إلى ~~صراخ الأطفال ونباح الكلاب وقرع الأجراس في بعض الأحيان، كل هذه الأصوات، تضفي مزيدا من ~~الصخب والفوضى على هذا المشهد. # ولم تكن رحلات الحج تنقضي سريعا؛ فعلى شاكلة طقس حضانة المرض الذي كان يمارس في العصور ~~القديمة في بلاد الإغريق، كان المجانين يبيتون في المزار بضعة أيام، تسعة أيام بالضبط؛ أي ~~تساعية، وفقا لطقس شهير في الكنيسة المسيحية. خلال هذه المدة، كان لا بد من إيواء المرضى، ~~أو بالأحرى، احتجازهم في زنازين أو حجرات مفروشة بالقش. وكان المرضى يقيمون، في بعض الأحيان، ~~بمبنى ملحق بالكنيسة، أطلق عليه «غرفة المرضى»، أو في كنيسة صغيرة جانبية محكمة الغلق، ~~أو في قبو الكنيسة في أحيان أخرى. خلال التساعية، كانت تقام صلوات، وتراتيل، وقداسات، ~~وزياح (طواف بأشياء مقدسة داخل الكنيسة وخارجها) في المزار وفي المناطق المحيطة به، كما ~~كان المريض يغتسل ويتم تغطيسه في ينبوع مياه معجزية. وقد شيدت كنائس كثيرة، خلال القرون ~~الأولى لانتشار المسيحية، فوق العديد من المواقع الوثنية. وكان أقدس وقت في التساعية هو وقت ~~الصلاة والتضرع عند رفات القديس، وفي أغلب الأحيان عند قبره. وكانت بعض الأضرحة، مثل ضريح ~~القديس فلورنتين، مشيدة على أربعة أعمدة مرتفعة بما يكفي ليمر الحجاج تحتها ويطوفوا ~~بضريح القديس. وأحيانا، كان يتم عمل فتحة بالناووس حتى يدخل المجانين رءوسهم بها. نذكر على ~~سبيل المثال «ضريح القديس ~~مينو» # le débredinoire de ~~Saint-Menoux ~~(وكلمة # bredin # تعني في اللهجة المحلية ~~شخصا مجنونا أو غريب ms051 الأطوار)، وكانت هذه الخاصية تعتبر سمة مميزة للمزار، وقد زادت من نسبة ~~الإقبال عليه بشكل كبير. وفي الواقع، كانت تتلى صلوات وطلبات خاصة على رءوس المجانين وذلك ~~بعد حلاقة شعرهم. وفي كنيسة القديس فلورنتين ببلدية بونيه، كان يوضع على رأس المريض تاج ~~من النحاس به دلاية تحتوي على جزء صغير للغاية من عظام القديس. وفي بلدية سان جرا، توجد ~~خوذة رومانية غير معلوم أصلها، ولكن يقال إن القديس كان قد ارتداها، ويقوم المجنون بوضعها ~~على رأسه بضع ثوان حتى تغمره النعم والبركات. # وبالطبع، لم تكن هذه المراسم الطويلة تتم في هدوء؛ فالمجانين، الذين كان يتم عادة إلباسهم ~~رداء باللون الأحمر أو الأبيض، تذكيرا بالرداء الذي وضعه المسيح وقت الصلب والآلام؛ لم ~~يكونوا جميعا يخضعون بسهولة وعن طيب خاطر إلى كل هذه الطقوس، فكان أولئك الأكثر هيجانا ~~يبقون ملجمين في أسرتهم أو مقيدين إلى جدار مزود بحلقات حديدية على «دكة المجانين». ~~وكانوا كثيرا ما يجلدون بالسوط؛ وذلك لشيوع الاعتقاد بأن المجانين يسكن جسدهم شيطان، ~~وبناء على ذلك، لا يوجه الضرب إلى المريض، وإنما إلى الشيطان المستقر في غلافه ~~الجسدي. # وفيما يتعلق بمسألة معرفة إن كانت مثل هذه الممارسات تؤتي ثمارها في بعض الأحيان أم لا، ~~نجد أن المجلدات التي تضم معجزات هذا العصر تؤكد حدوث معجزات شفاء متكررة؛ ففي «السجل ~~التاريخي» لمعجزات الشفاء، الذي تحتفظ به الكنيسة بعناية، تحتل الأمراض العقلية المرتبة ~~الثالثة - بعد الشلل والعمى - في قائمة معجزات الشفاء. وتكون نسب حدوث الشفاء عالية إذا كان ~~المرض غير متوطن بالجسم منذ زمن طويل. وتكثر القصص التي تحكي عن الحالات التي حدثت معها هذه ~~المعجزات الشفائية، والتي تعد بمنزلة قدوة صالحة للغير، وقد ذكر في بعض هذه القصص أن ~~المريض كان ينال الشفاء أحيانا وهو في طريقه إلى مزار القديس. فعلى سبيل المثال، نجد مجنونا ~~ساخطا يصبح فجأة هادئا. وها هي «شابة مجنونة هائجة»، كانت تجدف في أثناء دخولها إلى الضريح، ~~ثم لمستها النعمة فطفقت تصلي فجأة عند سفح قبر القديس ms052 صانع المعجزات. أما إذا تتبعنا مصادر ~~أخرى غير تلك المتعلقة بسير القديسين، فسنجد أن الأمور لم تكن بالضرورة تسير على ما يرام؛ فها ~~هو بيير ناجو، من مدينة كاين، ذلك المريض الذي تم اصطحابه في عام 1384 إلى دير القديس سيفيه ~~حتى يقضي به تساعية، وقد ذكر عنه أنه «ظل مربوطا لمدة تسعة أيام، وكان يصرخ ويصيح لدرجة ~~أنه لم يكن ممكنا أن ينعم أي إنسان بالهدوء والراحة في الدير المذكور طوال مدة إقامته به، ~~ورغم ذلك لم ينل هذا المجنون الشفاء قط ولم تتحسن حالته، بل على العكس، زادت حالته سوءا وبدأ ~~يقوم بتصرفات جنونية لم يكن يفعلها من قبل.» # 4 # إقصاء # وبعيدا عن واجب المساعدة والمحبة تجاه المجانين ، أو بالأحرى قبل التطرق إلى هذا الموضوع، ~~لا بد أن نتساءل كيف كان المجتمع، في العصور الوسطى، يتعامل معهم فيما يتعلق بشئون الحياة ~~اليومية. من المرجح أنه في الأوساط التي يغلب عليها الطابع الريفي، كان هناك قدر من ~~التسامح أو التساهل النسبي في التعامل مع الحمقى، والبله # crétins ~~(وهي مشتقة من كلمة # chrétien ~~؛ أي ~~«مسيحي») والأغبياء # benêts ~~(مشتقة من كلمة # béni ~~؛ أي «مبارك»)، وذلك استنادا إلى تعاليم الإنجيل ~~(طوبى للمساكين بالروح)، ولا سيما امتلاك المجانين القدرة على القيام ببعض ~~الأعمال الموسمية؛ مما جعل المؤرخين يعتبرون حقبة العصور الوسطى بمنزلة العصر الذهبي للجنون. ~~ولكننا لا نملك التيقن من صحة هذا القول. # ولا يتعلق الأمر بالخوف من المجنون، وإنما باحتياجه إلى الرعاية، وبضرورة مراقبته عندما ~~تتجاوز أعراض مرضه حد القصور النفسي والعقلي لأولئك الذين يطلق عليهم «المساكين بالروح». ~~وتعد عائلة المجنون، أو مجتمع الأهالي الذين يعيش بينهم إذا كان وحيدا، مسئولة عنه مسئولية ~~مدنية، في حالة شروده أو تركه هائما على وجهه، مثل الحيوانات التي يقارنه القانون العرفي بها ~~إلى حد كبير، ولكن مع فصل أحدهما عن الآخر بالطبع. وتجدر الإشارة إلى أن المجنون، حتى وإن لم ~~يكن بالضرورة خطيرا، قد يرتكب عمليات تخريب أو سلب ونهب، وقد يخل بالأمن العام، أو ms053 يزعج ~~الآخرين على أقل تقدير، حتى إن بعض الأقوال المأثورة في العصور الوسطى تشهد على ذلك؛ فنجد ~~مثلا: «من المجنون، لا بد من أن نحترس»، أو «في اليوم الجيد، تخلص من المجنون.» كما كان ~~المجنون بمنزلة متنفس لأفراد المجتمع. فبعيدا عن تعاليم الإنجيل، كان الناس يسخرون منه ~~والأطفال يركضون وراءه، هذا إن لم يقذفوه بالحجارة؛ مما يقلب الآية التي كانت سائدة في العصور ~~القديمة، حيث كان المجنون هو من يقذفهم بالحجارة، أما في العصور الوسطى فأصبح الناس هم الذين ~~يطاردون المجنون، (ولكن، هل هناك احتمال في أن يكون الاثنان مجانين؟) # وهكذا، نجد أن المجانين على اختلاف أنواعهم - سواء أكانوا هائجين أم خائري القوى، يمارسون ~~العنف أم لديهم نزعة للانتحار، مخربين ومشعلين للحرائق أم وقحين (لم يكن هناك اهتمام ~~بتشخيص نوع الجنون، بقدر ما كان يهم مراقبة السلوكيات الناجمة عنه) - كان يجري حبسهم ~~واحتجازهم من قبل عائلاتهم، سواء بشكل مؤقت أو بشكل دائم، إما في زاوية بالإصطبل، وإما في ~~حجرة صغيرة رتبت على عجل تحت سلالم مخزن الغلال، وإما في كوخ صغير في آخر الحديقة. وإذا ~~كان أحد الأقارب (ذلك أن العائلات كانت أكثر عددا فيما مضى) يمتلك المال اللازم، فقد كان ~~يعهد بقريبه المجنون إلى إحدى الجماعات الدينية. وتخصصت الأديرة البنديكتية في قبول الحالات ~~المماثلة. وبعضهم كان يعيش بمفرده في مسكن متداع أو كوخ حقير بعيدا عن القرية؛ حيث كانوا ~~يعيشون على السرقة والنهب بدلا من استجداء المعونات والمساعدات الخيرية. وبطبيعة الحال، لا ~~نجد في السجلات المحفوظة أي تعداد لأولئك المجانين. هل كان عددهم كبيرا؟ على الأرجح لا، ~~ولكنهم كانوا موجودين بالفعل. # ومع ذلك، اعتبارا من القرن الثالث عشر الميلادي، بدأت السجلات تذكر أولئك المجانين ~~الهائمين على وجوههم و«المتشردين» [الذين لم يتعرف عليهم أحد، وبالتالي لا يوجد لهم ضامن ولا ~~كفيل]. وهنا برز سؤال خطير يطرح نفسه: من الذي سيتكفل بمصاريف هؤلاء؟ ففي سياق مستوى اقتصادي ~~يكفي المرء بالكاد للبقاء على قيد الحياة، ما من أحد - أفرادا أو جماعات - يقبل ms054 أن يثقل ~~كاهله بأعباء رعاية غرباء. وكانت هذه هي الحال في المدن الكبرى على وجه الخصوص؛ حيث انضم ~~المجانين المشردون إلى المتسولين لكسب قوتهم. وبناء على ذلك، ساد الاتجاه نحو «انعدام ~~التسامح»، كما أن البلديات رأت أنه يكفيها ما تواجهه من مشاكل فيما يتعلق بالمجانين التابعين ~~لها. ومن ثم، تم طرد المجانين «المتشردين»؛ وهو ما حدث في ألمانيا: حيث تم إقصاء 43 مجنونا ~~في هيلدسهايم في الفترة من 1384 إلى 1480، ويعتبر هذا العدد مساويا - ربما أكثر بقليل - لعدد ~~المجانين الذين تكفلهم المدينة. نجد النسبة نفسها أيضا في مدينة نورمبيرج، التي دأبت على ~~التخلص من أولئك المجانين غير المرغوب فيهم ونقلهم عبر جميع أنحاء ألمانيا، وأحيانا إلى ~~مناطق أبعد، وذلك بعد أن يجلدوا ويضربوا بالسوط. وفي فرنسا، على ما يبدو خلال القرن الرابع ~~عشر الميلادي، وفي المنطقة الشمالية بأكملها، كان بعض قضاة البلديات يقومون بإعطاء ملك ~~السفهاء بالمدينة بعض القطع النقدية حتى يطرد من البلدة بعض «المجانين أو البله» الغرباء، ~~سواء أكانوا إناثا أم ذكورا، وذلك كان يجري عادة بعد ضربهم وجلدهم. في مدينة ليل، على سبيل ~~المثال، كان هذا السيناريو يتكرر مرتين أو ثلاث مرات خلال العقد الواحد، مثلما حدث في عام ~~1447، حين تلقى ملك السفهاء 12 فلسا نظير قيامه «باقتياد امرأة مجنونة حتى بلدية كومين، ~~وكانت هذه المرأة التي سبق طردها من هذه المدينة تعاني من اضطرابات شديدة». «وفي مدينة أميان، ~~في مارس 1459، أصدر بعض قضاة البلديات أوامرهم بشأن أحد المجانين، وهو يدعى جاكو مانيت، ~~وكان قد فعل في المدينة المذكورة بعض التصرفات المثيرة للاستياء والانزعاج؛ مثل ضرب الناس ~~والأطفال، والدخول إلى منازل الصناع والتجار وإسقاط بضائعهم من على الرفوف، وأخذ غلاتهم ~~رغما عنهم. وبناء على ذلك، صدرت الأوامر بضربه بالعصي في شوارع المدينة المذكورة من قبل ~~رقيب هيئة العدل العليا، على أن يتولى هذا الرقيب مسئولية الحرص على عدم عودة هذا المجنون إلى ~~المدينة مرة أخرى. وإذا عاد ثانية، يقوم أفراد الشرطة المسئولون عن طرده من المدينة بإيهامه ms055 ~~أنه سوف يتم إغراقه في حالة رجوعه؛ وذلك حتى لا يعود مطلقا إلى هذه المدينة.» # 5 # وأحيانا كان يعطى المجنون زادا ومعونة وبعض الملابس، حتى يذهب بعيدا ليمارس ~~جنونه في مكان آخر. وهو ما حدث على سبيل المثال، في عام 1427، في فرانكفورت، مع امرأة «فاقدة ~~العقل». وقد كانت هذه المرأة تصطحب ابنها معها، وخشي الجميع من أن تقوم بقتله. وفي أحيان ~~أخرى، ولكن نادرا، كان يتم استدعاء بعض الأطباء، ربما على الأرجح لإثبات حالة الجنون أكثر من ~~الاهتمام بتقديم خدمات الرعاية الطبية. # بيد أنه كان لا بد من حبس المجانين الخطرين؛ «أي أولئك البله الذين يتصرفون بشكل جنوني ~~مبالغ فيه ويتسببون في مضايقات وإزعاج»، مع الطرح الدائم لذلك السؤال الملح بشأن من ~~سيتحمل تكاليف رعايتهم. وكان مثل هذا الإجراء يطبق على نطاق محدود للغاية وبشكل مقنن، كما ~~يتضح ذلك من خلال القانون العرفي لمدينة نورماندي كما يلي: «إذا كان هناك إنسان فاقد لرشده، ~~وكان يتسبب في إيذاء أو جرح وتعذيب أي شخص بأفعاله الجنونية، يجب في هذه الحالة إلقاء القبض ~~عليه ووضعه في السجن، ويتم الإنفاق عليه من أمواله الخاصة، أو أموال الصدقات، إذا لم يكن له ~~مورد يعيش منه. وإذا كان هناك شخص مجنون وهائج بأي شكل من الأشكال، وكان ثمة شك في أن يكون ~~قد تسبب بجنونه في اضطراب البلاد، سواء بالنار، أو بأي شيء مؤذ، فلا بد من تقييده، ويتولى ~~رعايته أولئك الذين لديهم حاجياته، ويجب ألا يرتكب أي خطأ في حق أي إنسان، وإذا لم يكن لديه ~~مورد مالي يعيش منه، يجب أن يقوم جيرانه بتعضيده ومساعدته، وكبح جماح جنونه» (عن المصابين ~~بجنون اهتياجي، بحث رقم 79). كما نص هذا القانون العرفي أيضا (الذي يعد بمنزلة نموذج ~~ممثل للقوانين العرفية الأخرى) على ضرورة حبس المجنون القاتل مدى الحياة؛ نظرا لكونها ~~الطريقة الوحيدة للتأكد من عدم تكرار فعلته. في عام 1425، على سبيل المثال، حكم على امرأة ~~بالحبس في سجن بايو؛ لأنها قتلت زوجها في نوبة جنون. وقد جاء ms056 نص الحكم كما يلي: «ستظل هذه ~~المرأة في السجن مدى الحياة أو سيتم التحفظ عليها بشكل آخر، تبعا لحالتها، ووفقا لعرف ~~مدينة نورماندي؛ وذلك للتيقن من أنها لن تفعل أي سوء في المستقبل.» # 6 # وبخلاف القتل الفعلي، يمكن أن يؤدي جنون الهياج إلى أن يتخذ المجتمع قرارا بتقييد وحبس ~~أحد أفراده في السجن، خاصة إذا لم يستطع أي شخص من عائلته أو من المحيطين به رعايته وكفالته. ~~ففي عام 1406، في مدينة كارنتان، كلف حداد ب «إحكام غلق زنزانة بها جيوم موجييه، وهو مجنون ~~وأبله وفاقد لعقله. وتم إيداعه السجن بعد أن ألقي القبض عليه من قبل ضباط تابعين للملك؛ ~~وذلك للحماقات والتصرفات الشاذة والغريبة التي كان يقوم بها، فضلا عن رفض أي أحد من أصدقائه ~~استقباله.» وفي مدينة أميان، في 13 يوليو 1501، قام أعضاء مجلس البلدية بحبس «شخص مجنون» ~~يدعى جيهان كوشي في أحد أبراج بوابة أوتوا؛ وذلك لأنه حاول قتل رقيب. # على الرغم من ذلك، ظل حبس المجانين (ولا نجرؤ أن نقول «اعتقال»، حتى وإن كان هذا هو ~~المقصود بالفعل) إجراء استثنائيا تركز العمل به في أواخر القرون الوسطى، وربما لا يرجع ~~السبب في ذلك إلا إلى نقص الأماكن. في ألمانيا، لا تشير التعدادات المحلية في مدينة هيلدسهايم ~~إلا إلى وجود 39 مجنونا تكفلهم البلدة، وذلك في الفترة من 1384 إلى 1480؛ أي على مدار قرن. ~~وفي مدينة نورمبيرج، تذكر السجلات أن عدد أولئك المجانين بلغ 20 مجنونا، وذلك في الفترة من ~~1377 إلى 1397، ثم أصبح العدد 31 في الفترة من 1400 إلى 1450؛ أي إنه في المتوسط يتناقص العدد ~~بمقدار واحد كل عام. # 7 # بيد أنه، في نهاية العصور الوسطى، وفي أعقاب حدوث مفارقة بين مرحلة البناء ~~المتأخرة ومرحلة تحويل المباني الدفاعية إلى غرض آخر (في فرنسا، تعلمنا الدروس المستفادة من ~~حرب المائة العام في وقت متأخر للغاية)؛ ظهر في معظم المدن ما يعرف ب «أبراج المجانين»، ~~نذكر من بينها: برج شاتيموان في كاين، وبوابة سان بيير في ليل، وأبراج ms057 روزندال وليزل في سانت ~~أومير وغيرها. غير أن هذه الأبراج كانت في الغالب تستوعب أعدادا قليلة للغاية؛ فلم نكن نجد ~~بها إلا بعض المجانين المحبوسين معا، وأحيانا كنا نجد مجنونا واحدا محبوسا بمفرده، هذا ~~بالإضافة إلى بعض النفقات التي كانت تصرف على أعمال النجارة، كما هي الحال في مدينة ليل، في ~~عام 1453؛ حيث ورد في السجلات الحسابية للمدينة المرتب الذي صرف للنجار نظير قيامه ببناء ~~«كوخ صغير» لتقطن به «امرأة بلهاء تدعى بيرويت». وفي مدينة سانت أومير، لم تتكرر النفقات ~~التي صرفتها البلدية لاحتجاز أحد المجانين وتقييد حريته في أحد هذه الأبراج إلا اثنتي عشرة ~~مرة خلال ما يقرب من قرنين (القرن الخامس عشر وثلثي القرن السادس عشر). # أما فيما يتعلق بتقييد المجانين المصابين بالهياج ~~والسيطرة عليهم، فقد تدفق الحبر غزيرا من أقلام فاعلي الخير في نهاية القرن الثامن عشر ~~الميلادي، ومن بعدهم من أقلام العديد من المؤرخين المعاصرين، ليروي بشاعة هذا المشهد بما ~~يشمله من حلقات حديدية ثقيلة تدمي الأجساد، وصوت قعقعة الأغلال الكريه (ناهيك عن البرد ~~والجوع والحشرات الطفيلية القذرة)، بالإضافة إلى سادية الحراس، والقسوة المفرطة في التعامل، ~~وذلك في عصر لم يكن يرى في المجنون إلا «طبيعته الحيوانية»؛ تلك الطبيعة الحيوانية الشهيرة. ~~وهذا تفسير خاطئ. فيما بعد، تداعت السجون التي شيدت في هذا العصر، وأصبحت الأبراج أثرا ~~بعد عين. أما عن الحراس، فقد كانوا قليلي العدد وفي الغالب عاجزين. ومن ثم بات من السهل ~~الهرب. وكان الحبس المشدد المتمثل في استخدام الأقفاص الحديدية لاحتجاز السجناء السياسيين، ~~(في سجن الباستيل على سبيل المثال أو في سجن جبل القديس ميشيل)؛ يمثل «سجونا داخل السجن»، ~~خاصة بالنسبة إلى أولئك الذين هربوا من قبل. مثلما حدث مع كولاس فافيرول؛ ذلك المجنون الهائج ~~الهارب الذي ألقي القبض عليه حين كان «يجوب الشوارع»، ثم وضع في قفص حديدي «حتى لا يؤذي ~~الناس». # ومن الجدير بالذكر أن حبس المجانين المصابين بالهياج لم يكن يتم كعقاب لهم، وإنما كإجراء ~~احترازي. وكان هناك إدراك من جانب ms058 المجتمع لعدم مسئوليتهم عن أفعالهم، كما يشهد بذلك القانون ~~العرفي لبلدة بوفيزيه كما يلي: «لا يحاكم المجانين مثل الآخرين؛ لأنهم لا يدركون ما ~~يفعلون.» ويعد العدد الإجمالي لمرتكبي جرائم القتل، الذين جرت محاكمتهم وحكم عليهم في ~~أغلب الأحيان بالإعدام، ثم قدمت الأسرة طلبا إلى المحكمة «لتخفيف الحكم» بدعوى إصابة ~~المتهم بالجنون وما يترتب عليه من عدم مسئوليته عن أفعاله (بحسب ما ورد في المادة 64 من ~~القانون الجنائي)؛ يعد عددا كبيرا نسبيا. ومع ذلك، نجد أنه في بعض القضايا، نظرا ~~لفداحة الجريمة المرتكبة ولشدة تأثر الرأي العام بها؛ كان القضاة ينسون طرح السؤال المتعلق ~~بمسئولية الجاني عن أفعاله، وكانوا يصدرون حكمهم بإرسال المسكين إلى المحرقة أو إلى ساحة ~~التعذيب على عجلة الموت. وهكذا، تعد الجريمة، نوعا ما، في حد ذاتها هي التي نبتغي معاقبتها ~~بشدة، ولكن يتم ذلك من خلال المجرم، غير المسئول عن أفعاله. # وقد أثيرت مسألة الجنون أيضا فيما يتعلق بحالات الانتحار. ففي العصور الوسطى، كان ~~الانتحار يعد جريمة انتهاك حرمات يرتكبها الإنسان في حق نفسه، وإهانة في حق الله والبشر. ~~وكان يحرم دفن المنتحر في المقابر، وكانت أملاكه وأمواله تصادر (مثلما يحدث مع المجرم)، ~~وفي بعض الأحيان، كان يهدم منزله؛ مما يعني أن العائلات المهددة بالإفلاس والعار، كانت تسعى ~~جاهدة إلى إثبات عدم مسئولية المنتحر عن أفعاله. فعلى سبيل المثال، درس مجلس النواب بباريس، ~~في 25 مارس 1278، قضية المدعو فيليب تستار، الذي حاول الانتحار مرتين؛ الأولى: حينما ألقى ~~بنفسه من النافذة، والثانية: حينما أجهز على نفسه بسكين. وقد تحدث الاثنا عشر شاهدا الذين ~~مثلوا أمام القاضي عن جنون المنتحر وهياجه منذ سبع سنوات، ولا سيما في الأشهر القمرية حينما ~~كان يكشط وجهه «وينتف شعره حتى ينزف دما من كل جسده». كما أن عمته نفسها كانت «مختلة ~~عقليا»، وقد تم تقييدها لمدة ثلاث سنوات إلى أن ماتت. وفي نهاية جلسة الاستماع إلى الشهود، ~~أقر المجلس بجنون المنتحر وصدر قرار برد أملاكه، التي كانت قد وضعت تحت الحراسة القضائية، ms059 ~~إلى أسرته. # 8 # بعيدا عن هذه الحالات المتطرفة، اختص القانون المدني بالنظر في الوضع القانوني للمصابين ~~بالجنون. وفقا للمادة المستمدة مباشرة من القانون الروماني، كان يصدر في أغلب الأحيان حكم ~~بعدم الأهلية المدنية ضد المجانين من ذوي الأملاك. وبالتالي، لم يكن في وسعهم الاحتفاظ بهذه ~~الأملاك أو توقيع أي عقود. كما لم يكن باستطاعتهم المثول للشهادة أمام المحكمة. غير أن بعض ~~الأطباء، مثل موسى بن ميمون الذي عاش في القرن الثاني عشر الميلادي (ولكنه مارس الطب في ~~الشرق، في بلاط السلطان صلاح الدين الأيوبي)، شددوا على مفهوم فترات الصحو والاستنارة التي ~~يتعين أن يعطى المريض خلالها كل حقوقه المشروعة كأي مواطن. ومن جانبه، أقر القديس توما ~~الأكويني بأهمية مفهوم فترات الصحو. وقد اهتم القانون العرفي الإنجليزي اهتماما بالغا ~~بحماية أموال وممتلكات المختلين عقليا، أما عن القيمين عليهم، في حالة الحجر، فلم يكن ~~يتم تعيينهم إلا عقب الانتهاء من إجراء تحقيق واف ودقيق. # كما كان القانون الكنسي يحد من ممارسة المجانين للأسرار المقدسة. فلم يكن بمقدورهم إبرام ~~عقد زواج أو إبداء الموافقة الشرعية اللازمة لإتمام مثل هذا الاتحاد بين الزوجين. وفي بعض ~~الأحيان، كانت ترفع دعاوى بطلان في هذا الصدد. ولكن، أيمكن منعهم من المعمودية؟ هذا سؤال ~~نموذجي؛ نظرا لأن الأغلبية الساحقة من الأطفال يتم تعميدهم بعد فترة وجيزة من ولادتهم. ولكن ~~الإجابة شائقة. كلا، يجيب القديس توما الأكويني؛ وذلك لأن البشر - على عكس الحيوانات - يملكون ~~روحا عاقلة. وإصابتهم بالجنون ليست إلا حدثا عرضيا أدى إلى فقدانهم للعقل. وهي نفس ~~الإجابة التي أعطاها القديس توما الأكويني فيما يتعلق بالتناول من القربان المقدس (سر ~~الإفخارستيا). وعلى الرغم من ذلك، كان الخوف من تدنيس قدسية خبز الذبيحة أو القربان المقدس ~~عظيما لدرجة أن المجانين، وقت ممارسة هذا السر الكنسي، لم يكونوا يتقدمون للتناول منه، إلا ~~إذا كانوا على شفا الموت. # الفصل الثالث # | نماذج من الجنون وصور لإعادة تجسيده # في القرون الوسطى، لم يكن بالإمكان تحجيم الجنون ليقتصر على الطب فقط، حتى وإن كان ms060 يتم ~~النظر إليه ودراسته ومعالجته، خلال العصور القديمة، باعتباره مرضا. ويبدو هذا القول منطقيا ~~إلى حد بعيد. والجنون يطرح أسئلة على تلك الحضارة القائمة على المعتقدات ويقينيات علم الوجود ~~(الأنطولوجيا) كما أنه يبث القلق فيها. وهو يضع ذلك المجتمع الذي يرى نفسه مرتكزا وقائما على ~~تعاليم الإنجيل أمام تناقضاته الخاصة. فالمجنون يضحك الناس ولكنه يخيفهم أيضا. وهو مبهر ~~وساحر ولكنه مثير للاشمئزاز في الوقت نفسه. بيد نطعمه، وباليد الأخرى نطرده. # السردية وجنون الحب # من الواضح أن الجنون والأدب المكتوب بالعامية اللاتينية القديمة كان لا بد لهما أن ~~يلتقيا، ولا سيما من خلال روايات العشق والغزل، التي انتشرت في النصف الثاني من القرن الثاني ~~عشر وفي القرن الثالث عشر، وتغنت بقصص الحب التي لم تكلل بالنجاح. وقد حظي بالفعل جنون ~~الحب بمكانة رفيعة عند اللاتينيين (مثل «أوفيد»)، وورد ذكره في الملاحم السلتية. كما كان ~~موضوعا شائعا إلى حد كبير في الأدب العربي خلال القرنين العاشر والحادي عشر. # وتتعدد الأعمال الأدبية التي تشهد على مدى الاهتمام الذي حظي به هذا الموضوع. في القرن ~~الثاني عشر نجد: «الجنونان»، و«تريستان»، و«إيبوميدون»، و«روبرت الشيطان»، و«أماداس وإيدوان»، ~~و«إيفان أو فارس الأسد»، و«برسيفال». في القرن الثالث عشر نجد: «جنون لانسلوت»، وسلسلة ~~«لانسلوت» النثرية، ورواية «تريستان»، و«معجزات نوتردام»، و«كليوماديس»، و«ملياسين»، و«لعبة ~~المخبأ الشجري». # 1 # ويبدو أن هذا الأدب، الموجه إلى جمهور أرستقراطي حصري، أقرب إلى الواقعية منه ~~إلى الصور الاستعارية عند تصوير الجنون، حتى إذا كان هؤلاء المجانين ينتمون إلى مستوى ~~اجتماعي رفيع. فترسم لنا هذه الأعمال الأدبية لوحة دقيقة وحقيقية إلى حد بعيد تصور لنا حالة ~~المجنون الهائج (أو بالأحرى المجنون «الغاضب»، والحانق على نفسه، مثل «هرقل الساخط») الهائم ~~على وجهه شريدا، وحيدا. والأبطال المصابون بلوثة الجنون يتحدثون بلهجة عبثية، ويمزقون ~~ملابسهم ويركضون «عراة، وهم يصرخون ويصيحون». وسلوكهم في الغالب يكون عنيفا كما جرى تصوير ~~نوبات الجنون بطريقة «سريرية» للغاية: وهكذا نجد، في رواية «ملياسين»، سيلندا تقذف الحجارة، ~~وتغطي نفسها بالطين، وتعض، وتخربش، وتسحب الناس من شعورهم، ms061 وتريد أن تقضم يد الطبيب ثم ~~تريد قضم يديها. وفي مسرحية «لعبة المخبأ الشجري»، نرى مجنونا، وهو أحد «الدراويش»، ساخطا ~~وهائجا، ينبح، ويقول إنه ضفدع ثم يقول في موضع آخر إنه ملك، ويدخل إلى إحدى الحانات صارخا: ~~«إلى الخارج! النار! النار!» كما كان الأبطال يحلقون رءوسهم «حتى يظهروا بمظهر المتسكعين ~~المستهترين والمخبولين» (إيبوميدون)، وهكذا، لم يعد الرأس الحليق علامة على التحضير لإجراء ~~علاجي، وإنما كان بمنزلة وسم أو علامة على الذبول وفقدان الحيوية أو سمة مميزة، على شاكلة ~~إكليل الرأس عند رجال الدين. # وتعد رواية «إيفان أو فارس الأسد»، التي كتبها كريتيان دي تروا في الفترة ما بين 1177 ~~و1181، أكثر الروايات - ربما حتى أكثر من «تريستان» و«لانسلوت» و«برسيفال» التي اختبر أبطالها ~~أيضا الجنون - تمثيلا لهذا الاتجاه الأدبي الذي شهد نجاحا ساحقا. كانت السيدات الجميلات ~~والآنسات النبيلات (وبالطبع، بعض الشبان أيضا) قد تعبن من قعقعة السيوف وأصوات الحروب ~~والأناشيد الملحمية. وهكذا، كان اللقاء بين العاطفة القاتلة والجنون مقدرا. فقد هجر إيفان ~~لودين ليسعى وراء المجد. ولكنه لم يف بوعده بالرجوع في خلال عام، فمنعته زوجته من العودة ~~إليها مرة أخرى. ومن ثم، أصيب إيفان بالجنون. و«لم يكن يكره شيئا بقدر كرهه لنفسه». وهرب إلى ~~الغابة وعاش فيها «كرجل ممسوس هائج ومتوحش». كان يلتهم فرائسه نيئة. وقد تحدث كريتيان دي تروا ~~في هذه الرواية عن «الحنق، والعواصف والأعاصير» (وليس بالإمكان استعراض كل هذا دون التفكير في ~~مرض توهم الذئبية). ثم يختلط الخيال بما يشمله من سحر وأحداث خارقة للطبيعة بأحداث الرواية. ~~فها هو إيفان ينقذ أسدا (ومن هنا جاء اسم الرواية) كان يصارع ثعبانا، ومنذ ذلك الحين، يصبح ~~هذا الأسد ملازما له ويرافقه في جميع مغامراته. وهكذا لم يكن ينقصه شيء حتى ينشد الشفاء وقد ~~ناله بالفعل؛ بفضل ناسك أشفق عليه وعامله بحنو حتى جعله في نهاية المطاف يقهر الخوف. ثم ~~استعاد إيفان صحته عقب قضاء ليلة حضانة المرض. وبعد أن استعاد حب زوجته، تخلى نهائيا عن ~~مغامراته. # خلاصة القول أن ms062 الحب الذي يصيب الإنسان بالجنون هو نفسه الذي يشفيه. وقد اختبر بطل ~~الرواية الاثنين بسبب المرأة ذاتها، إنها تلك «السيدة» ذات المتطلبات والشروط التي تبدو قاسية ~~في كثير من الأحيان ولكنها تهدف إلى «خدمة الحب». وذلك هو الدور الذي اضطلعت به لودين بالنسبة ~~إلى إيفان، وإيدوان بالنسبة إلى أماداس، والملكة جونيفر بالنسبة إلى لانسلوت. وقد كان يحلو ~~لمؤرخ الأدب العظيم جوستاف لانسون أن يكتب قائلا: إن تلك الحقبة تمثل بداية عهد المرأة، حتى ~~وإن كانت هذه الفكرة المثالية لا تزال حلما بعيد المنال. # نعود من جديد إلى فرساننا الذين كانوا يركضون عراة في الغابات في حالة هياج، عندما ~~تتملكهم نوبات الجنون. وقد تحدث العديد من المؤرخين بشكل متكرر عن الطبيعة الحيوانية والوحشية ~~للمجنون. وبالإمكان الحديث أيضا عن العودة إلى البراءة بوصفها مرحلة أولية وعابرة في الطريق ~~الطويل الذي يتعين على الإنسان أن يسلكه من أجل «خدمة الحب». يظل المجنون الهائم على وجهه ~~عاريا؛ لأن أحدا لم يعطه ملابس، ويكون همجيا ومتوحشا؛ لأنه لا يجد مأوى، ويظل عنيفا؛ ~~لأنه مضطر دوما إلى الدفاع عن نفسه وحمايتها من اضطهاد أصحاب العقول الرشيدة الذين يطاردونه ~~بضراوة بمجرد أن يلمحوه. ترى، بالنظر إلى الرمز الذي يعود إلى القرون الوسطى والذي يصور لنا ~~«مجنونا ممسكا بهراوة»، هل انقلبت الآية؟ وتزخر المؤلفات الأدبية في العصور الوسطى بهذه ~~المطاردات القاسية. فنجد، على سبيل المثال، تريستان المجنون «كان الجميع يسخرون منه ويستهزئون ~~به، ويقذفونه بالحجارة على رأسه». وكان يضرب ويقص شعره ويلطخ بالرماد من قبل الرعاة. ~~وكان الناس يستقبلون المجنون عند دخوله المدينة أو القرية بصيحات الاستهزاء والسخرية وبالضرب ~~المبرح. كان يتم إلقاء القمامة وإطلاق الكلاب عليه. وكان عامة الناس يتعاملون معه بمنتهى ~~القسوة وكأنهم سعداء لعثورهم على شخص مسكين أكثر بؤسا وشقاء منهم. كما كانوا يظهرون نفورهم ~~واشمئزازهم من أي شخص مختلف عنهم، وكان هذا هو السيناريو المتبع، على نحو مبتذل، لإثناء ~~المجنون عن البقاء في هذه الأماكن ولإرغامه على الرحيل. # مجانين أجراء ~~«أحيا» مجتمع العصور الوسطى ms063 الجنون ولكن على هيئة نمط المجنون الأجير أو المهرج (بيد أن ~~هذه الكلمة لم تظهر إلا في القرن السادس عشر الميلادي). وقد ارتبط هؤلاء بالبلاط الملكي ~~وأيضا بقصور الإقطاعيين ورجال الدين المسيحي، غير أنه في هذه الحالة الأخيرة، حرمت روما ~~وجودهم من حيث المبدأ. وقد اعتاد الأمراء، في وقت مبكر للغاية، على أن يحيط بهم، إضافة إلى ~~الحيوانات الأليفة، بعض الكائنات الكريهة مثل: الأقزام، أو الحدب، أو المجانين، وأحيانا كل ~~هؤلاء في الوقت نفسه، وكانت وظيفتهم تقتضي إبهاج وتسلية رب البيت وضيوفه الجالسين إلى موائد ~~طويلة في الشتاء. # ولكن، هل كان هؤلاء المهرجون مجانين حقا أم ~~أنهم كانوا يكتفون بتصنع الجنون؟ بالطبع، كانوا مزيجا من الاثنين معا. وعلى أي حال، ~~فالنعوت التي وصفوا بها تنطبق على الفئتين، وهي: أحمق ، معتوه، مخبول (و «مجنون» # fol # في اللغة الفرنسية القديمة). إن المجنون الحقيقي الفاقد ~~لرشده لا يمكن أن يضحك الناس لوقت طويل؛ ولذا كان لا بد لهؤلاء الأجراء أن يضيفوا قليلا ~~من السخافة والحماقة حتى يصبح الدور مسبوكا. فما يهم هو إضحاك الناس. في القرون الأولى من ~~العصور الوسطى، كان المهرج متعدد المهارات، فكان يقوم بالألعاب البهلوانية، وبالتمثيل ~~الإيمائي، وبتقديم عروض بصحبة حيوانات مدربة. ابتداء من القرن الثالث عشر الميلادي، ظهر ~~التخصص الذي ميز المهرجين عن لاعبي الخفة الذين كانوا يتنقلون من قصر إلى قصر لتقديم عروضهم، ~~بينما يظل المجنون مقيما في بلاط معين. ذلك المهرج، أو البهلوان، المعروف عنه سرعة البديهة، ~~والمشهور بقدرته على إلقاء نكات ودعابات والإتيان بأفعال مشينة أو التفوه بكلمات بذيئة، ~~والثرثرة في الكلام عن أي شيء، لم يكن يثير بحق ضحك الملك أو السيد الإقطاعي إلا عند قيامه ~~بالتهكم، وأحيانا بشكل قاس، على المدعوين. وتبلغ البهجة ذروتها حين يضيف إلى هذه الأفعال ~~مواهبه في تقليد الآخرين. وكل الكلام الذي لا يجرؤ السيد الإقطاعي على قوله لأحد تابعيه وجها ~~لوجه، كان يقوله لهم بنبرة دعابة. وبهذا الشكل لا يمكن لأحد أن يعيب على هذا الكلام، ألم يصدر ~~عن ms064 مجنون؟ وفي وقت لاحق، بدءا من عصر النهضة، كان بعض المهرجين، المختفين وراء عرش الحاكم، ~~يوقعون الرعب في نفوس الحاشية. وبالطبع، لم يكن المهرج - مما يدل على أنه ليس مجنونا تماما ~~- يتحدث إلى الملك عن عيوبه بمثل هذه الصراحة المطلقة، حتى وإن كان يخاطبه بطريقة حميمة وغير ~~رسمية، بل وفجة في بعض الأحيان. لكن ألم يكن كافيا بالنسبة إلى المجنون، مثل ذلك المخبول ~~التابع للملك لير، أن يكون هو الوحيد القادر على التعامل مع الملك بمثل هذه الحميمية؟ # ومن نهاية القرن الثاني عشر الميلادي، أصبحت وظيفة مجنون البلاط، منصبا يتهافت عليه ~~الجميع. وقد قام هنري الثاني، ملك إنجلترا، بمنح قطعة أرض للمهرج التابع له، المدعو روجيه ~~المجنون. أما عن جيوم بيكولف، وهو المجنون التابع لجون ملك إنجلترا أو ما يعرف ب «جون بلا ~~أرض»، فقد ترقى إلى مرتبة النبلاء ومنح قطعة أرض إقطاعية قابلة للتوريث، شريطة أن يظل في ~~خدمة الملك طوال حياته. وفي فرنسا، اعتبارا من عام 1316، أصبح تكليف المجنون وراثيا. وظلت ~~طريقة تعيينهم أمرا غامضا. # 2 # ففي بعض الأحيان، كان الأمير يتبناهم إذا صادفهم في طريقه، وفي أحيان أخرى، كان ~~يرسل في طلبهم من العائلات الموجود بها أفراد مجانين؛ مما تمخض عنه انتشار المجانين المحترفين ~~أكثر من المجانين الحقيقيين المصابين بأمراض عقلية. # وتشهد مجموعة الصور والرسوم، وخاصة الزخارف والنقوش، التي تمثل القرون الأخيرة من العصور ~~الوسطى؛ على إعطاء دور سياسي لمجنون البلاط. فنجد الملك والمجنون يظهران في هذه الرسوم وهما ~~يقفان وجها لوجه، وطولهما متساو. يجلس الأول على عرشه، لابسا التاج وممسكا بالصولجان ~~الملكي في يده. أما الثاني، فيبدو واقفا غير مرتب الهندام، أحيانا عاريا تماما، وحليق ~~الرأس وممسكا هو الآخر بصولجان في يده؛ وهي الهراوة، التي أصبحت اعتبارا من نهاية القرن ~~الخامس عشر الميلادي بمنزلة هوس، وهي عبارة عن عصا ينتهي طرفها برأس مهرج مثير للسخرية ~~مزينة بغطاء على شكل أذن حمار، وكان غطاء الرأس هذا هو نفسه الذي يرتديه مجنون البلاط ويضعه ~~على رأسه. وهكذا، تتجسد ms065 المواجهة أو بالأحرى يتجسد الحوار بين رمزية النظام والاتزان من جهة، ~~ورمزية الفوضى والإفراط من جهة أخرى. أحيانا، نجد الملك يرفع إصبعا علامة على الورع ~~والتهذيب. وقد كان إضفاء طابع الغموض مقصودا في هذه الصور الممثلة للجنون. ترى من هو صاحب ~~النفوذ الأقوى؟ العقل أم الجنون؟ # عيد المجانين # صورة أخرى من صور إعادة إحياء الجنون تتمثل في احتفالات المجانين، وهي طقوس حقيقية تأسست ~~في القرون الأولى من العصور الوسطى، متوارثة عن أعياد الإله ساتورن التي كانت تقام في الحقبة ~~الرومانية وكان يحل فيها العبيد محل السادة. كانت هذه الطقوس - التي يجري فيها تبادل الأماكن ~~وتختلف مراسمها من مقاطعة إلى أخرى - تسمح للجميع بأن يفرجوا عن أنفسهم ويطلقوا ~~لانفعالاتهم المكبوتة العنان، كما كانت تبيح لهم ممارسة الفسق والمجون في الفترة ما بين ~~السابع عشر والثالث والعشرين من شهر ديسمبر. يبدأ الاحتفال بقيام الكتبة وبعض أعضاء ~~الإكليروس بانتخاب «رئيس طائفة المجانين»، ويجرى تنصيبه وسط أجواء من الألحان الساخرة، وذلك ~~قبل أن تشيعه الجماهير بفرح إلى «منزله» حيث يقام احتفال هناك، يشرب فيه الحاضرون الخمور ~~بكثرة وينشدون مزامير هزلية. ثم يختار واحد من بين الجموع لينصب «أسقف المجانين»، ~~وأحيانا كان يلقب ب «بطريرك المجانين». وسعيد الحظ الذي يقع عليه الاختيار، كان يرافقه ~~رجل دين متنكر على نحو ساخر حتى يوصله إلى باب منزله. وكان يجري توصيله إما راكبا على فرس أو ~~برميل خشبي، وإما جاثما على ظهر حمار مرتديا تاجا أسقفيا. وطوال مسيرة هذا الموكب، كانت ~~تتعالى صيحات المباركة والتهليل ويراق الخمر. وكان هذا الاحتفال، المقصور في أغلب الأحيان ~~على المدن الكبرى، يبلغ أوجه في الكاتدرائية أو في المجمع الكنسي؛ حيث كانت تجرى محاكاة ~~ساخرة لطقوس الخدمة الكنسية أو صلاة القداس. وكان الحاضرون يأكلون لحم خنزير على المذبح أو ~~يقومون بلعب النرد. وكان يتم حرق النعال البالية في المباخر القديمة، وشرب الخمر في حقة ~~القربان المقدس. وكانوا يطوفون بهذا الموكب في جميع أرجاء وشوارع المدينة وهم يطلقون دعابات ~~ماجنة وفاسقة وسط مناخ عام ms066 من النشوة والسكر. # وبالطبع، نستطيع أن ندرك أن الكنيسة قد سعت جاهدة لمحاربة هذه الأفعال الماجنة. في عام ~~1451، أصدر مجلس كنيسة إفرو تحذيرا نص على ما يلي: «سنعاقب بالحرمان الكنسي أي شخص من ~~القساوسة أو رجال الدين التابعين لنا في حالة قيامه بالإتيان بأي تصرفات غير مقبولة في ~~كنيستنا؛ من قبيل إطلاق الدعابات والتكلم بسفاهة أو بوقاحة وممارسة ألعاب غير شريفة.» ورغم ~~ذلك تكررت هذه المحظورات. وعلى نحو ما، كانت هذه الفوضى التي تسود خلال بضعة أيام، وربما يوم ~~واحد، بمنزلة ضمانة لإحلال النظام والاستقرار خلال بقية العام. وتظل الانتهاكات تتخذ مظهرا ~~احتفاليا حتى في شططها. # صور رمزية # إن الجنون الذي أعادت المسيحية إحياءه في القرون الوسطى، هو الجنون بصورته الاستعارية، ~~وليس الجنون بمعناه الفلسفي والأخلاقي؛ أي جنون العالم. وقد برز هذا الجنون على وجه الخصوص ~~في كتاب «سفينة الحمقى» لمؤلفه سباستيان برانت (نشر للمرة الأولى في مدينة بازل، في عام ~~1494). وقد كتب هذا المؤلف في الأصل باللغة الشعبية ثم سرعان ما ترجم إلى اللاتينية ~~(ولم تكن هذه هي العادة في ذلك الزمن). رأى برانت، باعتباره عالما إنسانيا مسيحيا، أن ~~قراءة الكتاب المقدس لا تعالج البشر من رذائلهم ولا تصحح نقائصهم؛ ولذلك قدم في هذا الكتاب ~~نصوصا هجائية عن البشر على هيئة أبيات شعرية بلغ عددها سبعة آلاف بيت. العالم مجنون وسريع ~~الزوال بالنظر إلى المنحوتات الخشبية العديدة التي صورت «السفينة»، والتي أسهمت في نجاح هذا ~~الكتاب (حتى وإن كان من المؤكد اليوم أن هذه المنحوتات ليست من أعمال دورر)، نجد أن إحداها ~~تعطينا المفتاح لما سيحدث في اليوم الأخير على النحو التالي: بينما يقوم القديس بطرس في ~~المقدمة باجتذاب سفينة مملوءة بالمؤمنين المختارين نحو البر، يجلس المسيح الدجال، ~~المستلهم من الوحش المذكور في سفر الرؤيا، على عرش مقام على سفينة محطمة ومقلوبة، صاريها ~~في الماء، ويحيط بها مجانين يغرقون في حين يسعى آخرون جاهدين للوصول إليها. وقد حقق هذا العمل ~~الأدبي لبرانت نجاحا ساحقا. ويعد هذا الكتاب، الذي جرت ms067 ترجمته واستكماله وتقليده، والذي ~~استلهم منه الدعاة في مواعظهم، بمنزلة كتاب رئيس في الأدب الأوروبي في بداية العصر ~~الحديث. # ويتكرر الموضوع نفسه لدى توماس مورنر عندما اقتبس الفكرة في كتابه «طرد الأرواح الشريرة ~~من المجانين»، الذي تم تأليفه سنة 1512. ويؤكد توماس مورنر في هذا الكتاب، وبشكل أكثر وضوحا ~~من برانت، على هوية الجنون والخطية. كما نجد الموضوع عينه في كتاب «انتصار الجنون»، الذي تم ~~تأليفه في بداية القرن السادس عشر الميلادي. وعلى الرغم من أن الرسوم التوضيحية الواردة بهذا ~~الكتاب تبدو أكثر فجاجة وأقل عددا من تلك الواردة في كتاب «السفينة»، فإنها لا تقل عنها ~~بلاغة وتأثيرا. فنجد المجانين، بلباسهم التقليدي، يقودون العالم منذ بدايات الأزمنة: «مع ~~حواء، أم كل البشر.» وفينوس، بعد حواء، لم يكن لها دور قيادي قوي. وكانت تجلس على مركبة ~~تقودها حيوانات شيطانية على هيئة تيوس، وكانت هذه الكائنات تقول: «عربة نقل الشهوة، لإرضاء ~~الحمقى والسفهاء.» ومن جانبها، كانت فينوس تصدر الأوامر، فتقول عن نفسها: «دعيت إلهة ~~السفهاء؛ لأنني أدعو إلى الفسق وشهوات الحب.» # وتتجلى مقاربة معبرة إلى حد كبير من خلال كتيب ظهر في عام 1539م بعنوان «انتصار السيد ~~العظيم والقوي: الزهري»، ويعد بمنزلة طباق حقيقي لكتاب «انتصار الجنون». وفي عام ~~1495، انتشر مرض مخيف وجديد في أوروبا. إنه مرض «الزهري» # 3 # الذي ظهر، إذا جاز لنا التعبير، في الوقت المناسب. وقد ألف الفارس أولريخ فان ~~هيوتن، بعد إصابته هو نفسه بالزهري، كتابا عن هذا المرض في عام 1519؛ حيث نفث عن غضبه ~~الشديد في صورة لعنات قائلا: «يتلذذ الله بإرسال هذا المرض إلى عصرنا بينما لم يعرفه قط ~~أجدادنا. ويقول أولئك الذين يتحصنون بالكتاب المقدس: إن الزهري ناجم عن الغضب ~~الإلهي.» # في الرسوم الواردة بكتاب «انتصار الزهري»، نجد المجانين ماثلين، ويجرون المركبة ~~التي يستقلها السيد الجديد لرومانسيات البلاط: «الزهري»، وذلك على شاكلة «سيد الجنون». وكما ~~أن الحب يحكمه الزهري، فالعالم يحكمه الجنون. ونجد أن الصور الاستعارية والرمزية، التي كانت ~~منتشرة في ذلك الزمن، والتي تشير دائما ms068 إلى الموت والتعفن والانحلال، حتى ولو كانت تزينها ~~ألوان الشهوة المبهجة على وجه الخصوص؛ قد استعانت بدورها بصورة الجنون. وهكذا، في عام 1540، ~~صور لنا الفنان الماهر بيهام، والذي يضارع دورر في براعته، «مجنونا» مرتديا غطاء الرأس ~~التقليدي المزين بجلاجل على شكل أذن حمار، وهو ينحني أمام امرأة ليقدم لها زهورا. في العام ~~التالي، في إعادة تمثيل للفكرة نفسها، قدم لنا الفنان المشهد عينه ولكن مع بعض التعديلات ~~البسيطة بحيث بدا المجنون مقطب الوجه، يرتسم على ملامحه تعبير الموت؛ وبدلا من الزهور، ~~تلقت السيدة الجميلة ساعة رملية، وهي صورة تحمل رسالة ذات مغزى مزدوج: أن الجنون والموت ~~وجهان لعملة واحدة، وأن الوقت يدمر كل شيء ما عدا الجنون. # في سياق أقل قتامة وكآبة، كتب إراسموس مؤلفا بعنوان «مديح الحماقة» ظهر عام 1511. وقد ~~شرح إراسموس منهجه الفكري المتبع في إهدائه الموجه إلى توماس مور في مقدمة الكتاب كما ~~يلي: «أردنا أن نرسمها [الرذيلة] بأسلوب مضحك وليس بأسلوب بشع وكريه.» مثلما حدث مع كتاب ~~«السفينة»، يرجع جزء كبير من الفضل في نجاح ذلك الكتاب إلى الرسوم التوضيحية التي قدمها ~~الفنان هولباين الصغير في بداية مسيرته المهنية. بيد أن إراسموس يبقى كما هو. فيصور الجنون، ~~الذي يتخذ صورة امرأة (إلهة في الواقع) وهو يصعد على المنبر ليخاطب الإنسانية. ثم تشير هذه ~~المرأة في خطابها المهيب إلى جنون الآلهة، وجنون البشر، دون أن تغفل النساء اللائي يتمثل ~~جنونهن الأعظم في سعيهن إلى نيل إعجاب الرجال. وقد استهدف الكاتب من خلال كتابه رجال الدين ~~والكنيسة بصفة عامة قائلا: «تأسست الكنيسة على الدم، وترسخت بالدم، وكبرت بالدم.» كما انتقد ~~بحس ساخر الممارسات الخرافية، ومن بينها رحلات الحج العلاجي. وعد في مرتبة المجانين كلا ~~من علماء اللاهوت واليسوعيين، ولا سيما الفلاسفة الذين يعتبرون في نظره الأكثر جنونا ~~لادعائهم الحكمة. خلاصة القول: الجنون هو سمة الإنسانية، و«كلما زاد حيز الجنون عند الإنسان، ~~كان سعيدا.» # ولكن، بصفة عامة، كان موضوع السوداوية أو الكآبة هو الذي ألهم فناني النهضة أكثر من ms069 ~~موضوع الجنون. نذكر، على سبيل المثال، لوحة آلبرخت دورر الشهيرة «السوداء»، وهي عبارة عن ~~لوحة منحوتة على قطعة نحاس، وقد أنجزها الفنان في سنة 1514، بالإضافة إلى لوحة الفنان كراناش ~~الأكبر، ويوجد كثير من أوجه التشابه بين اللوحتين. يتجلى في هذين العملين الفنيين، ملاك ~~خنثوي، كئيب وصامت، يبدو على ملامحه الإلهام والتفكير في إتمام عمل ما. إنها سوداوية أرسطو ~~التي تعانقها العبقرية. # الفصل الرابع # | جنون ودين # إذا لم يكن باستطاعة الجنون والأخلاق أن يجدا نقطة التقاء المجتمع المسيحي في القرون ~~الوسطى، فماذا نقول إذن عن الجنون والدين؟ والمقصود هنا الدين ببعده الإسكاتولوجي [أي في سياق ~~علم الأخرويات الذي يهتم بدراسة كل ما يتعلق بالآخرة والإنسان]. في أواخر العصور الوسطى، بعد ~~مرور عدة أعوام من الألفية الأولى للميلاد، استحوذ القلق على عقول ونفوس البشر بشأن نهاية ~~الأزمنة، من جراء ما حاق بهم من مصائب وكوارث، مثل؛ تلف المحاصيل، والمجاعات، والحروب، ~~والأوبئة، وكذلك ضعف نفوذ الباباوات. ترسخ وسواس الخوف من الموت في قلب مجتمع قلق ومضطرب ~~وحائر. وأثر ذلك الهاجس بشكل عميق على طابع التدين والتقوى الذي استنكر اضطرابات العالم. في ~~فن الرسم، ازدهرت اللوحات التي تصور رقصة الموت؛ حيث تسحق عربة الموتى بلا شفقة ولا رحمة ~~العظماء والمتواضعين على حد سواء. لم يبق أمام الإنسان إلا أن يتواضع كليا أمام الله، كما ~~تحثه على ذلك المؤلفات الداعية للتقوى والورع والروحانية التي كانت منتشرة في ذلك الوقت. فعلى ~~سبيل المثال، نقرأ في أحد تلك المؤلفات، في كتاب عنوانه «الاقتداء بالسيد المسيح» العبارات ~~التالية: «فقد كثيرون تقواهم برغبتهم في كشف أسرار تفوق قدراتهم العقلية وذكائهم. فما هو مطلوب ~~منك أيها الإنسان هو الإيمان والسلوك بطهارة ونقاء في الحياة، وليس التعمق في الفكر وسبر أغوار ~~الأسرار الإلهية.» # الجنون والخطيئة # إذا كان المجنون، في الكتاب المقدس، كائنا ضعيفا بين الضعفاء ومحبوبا من الله بشكل ~~تلقائي وبديهي، فإنه يبدو الأكثر بعدا عنه: (قال الجاهل في قلبه ليس إله)، لدرجة أنه استحق ~~اللعنة التي ذكرت في مستهل المزمور ms070 الثاني والخمسين من العهد القديم. يعد سفر المزامير هو ~~الكتاب الأكثر قراءة في القرون الوسطى، وهو الكتاب الذي حظي بأكبر قدر من التعليقات والشروح ~~والتفاسير والإيضاحات. كيف يمكن القول إن «الكائن لا يكون»؟ وحده الأحمق هو من يستطيع تأكيد ~~مثل هذه الأكذوبة. غير أن مفهوم المجنون، أو الشخص غير الحكيم، بدأ يتخذ من وقتها معنى أكثر ~~عمومية وشمولية. فأصبحت صفة الأخرق، أو المختل عقليا، الذي ينكر المسيح تطلق على الملحد ~~أو اليهودي (في القرن الثالث عشر الميلادي). ولكن بالنظر إلى ما هو أبعد من ذلك، في سياق ~~العقيدة المسيحية المترسخة، نجد أن المجنون، هو الإنسان الذي يحيا حياة التجديف والخطيئة، ~~وذلك إحياء لمفهوم المختل عقليا عند العبرانيين؛ ومن ثم، سرعان ما يصبح مضيفا مميزا ~~للشيطان. لم يكن من الممكن بالنسبة إلى مجتمع مسيحي مماثل ألا يعيد طرح تلك المعادلة العزيزة ~~لدى ديانة العبرانيين والعهد القديم، والتي مفادها أن الخطيئة حماقة؛ والحماقة خطيئة. # لقد برز ذلك الربط بين الجنون والخطيئة في العصور الوسطى بشكل واضح وتجسد من خلال مثل ~~العذارى الجاهلات والعذارى الحكيمات اللائي زينت تماثيلهن المنحوتة العديد من البوابات، ~~وتيجان الأعمدة، ولوحات الجبهة والأقواس المعقودة بالكاتدرائيات. وقد وردت هذه القصة الرمزية ~~في إنجيل القديس متى على النحو التالي: «حينئذ يشبه ملكوت السماوات عشر ~~عذارى، أخذن مصابيحهن وخرجن للقاء العريس.» العذارى الخمس ~~الحكيمات (أي الحذرات، الفطنات) فكرن في أن يأخذن معهن زيتا في آنيتهن مع مصابيحهن. ~~أما العذارى الخمس الجاهلات (أي الحمقاوات)، فلم يأخذن معهن زيتا. وفي منتصف الليل، عندما ~~جاء العريس (المسيح)، وخرجت جميع العذارى للقائه، تنبهت العذارى الجاهلات فجأة أنه ليس معهن ~~زيت لمصابيحهن، أما العذارى الخمس الحكيمات فقد تمكن وحدهن من الدخول إلى قاعة العرس، ~~وأغلق الباب. وحينما جاءت أخيرا العذارى الجاهلات بعد أن أضأن مصابيحهن، رجون السيد ~~أن يفتح لهن الباب، ولكنه أجابهن قائلا: «الحق أقول لكن: إني ما ~~أعرفكن!» وانتهى المثل بتحذير متى الرسول لنا جميعا قائلا: «فاسهروا إذن ~~لأنكم لا تعرفون اليوم ولا الساعة التي ms071 يأتي فيها ابن ~~الإنسان.» # إن التأصل التوراتي لإنجيل متى يظهر بوضوح في موضوع ذاك العرس. فقد شبه الأنبياء ~~أيضا الله بالعريس الوفي لشعبه من بني إسرائيل. وشبه يسوع، الملتزم بهذا التقليد، ملكوت ~~السماوات بعرس دعي إليه الجميع ولكن لم يدخله إلا المستعدون فقط. نجد، في مثل العذارى ~~الحكيمات والعذارى الجاهلات، ما هو أبعد من التشدد الواضح في إنجيل متى؛ حيث تتجلى في ~~هذا المثل صرامة العهد القديم وقسوته. فالسيد هنا ليس الحب ولا المغفرة. ويا لسوء حظ ~~العذارى الجاهلات! فرفيقاتهن بالأمس؛ أي العذارى الحكيمات، لم يكن أكثر تعاطفا معهن، بل ~~قلن لهن: «لقد أطلتن النوم!» يضاف إلى هذا أن الرؤية السائدة في القرون الوسطى كانت ~~تبعث على التشاؤم. فالعذارى الحكيمات والعذارى الجاهلات يجسدن ما سيحدث في يوم الدينونة ~~الأخير؛ حيث سيتم التمييز في الحياة الأبدية بين الأبرار المختارين والملاعين الهالكين. في ~~الركنين الأسفلين من القوس الأمامي لكاتدرائية سان دوني، نجد تمثالين، أحدهما لعذراء حكيمة ~~والآخر لعذراء جاهلة. تقف الأولى على باب الفردوس، بينما تتأهب الثانية للدخول إلى ~~الجحيم. # مجانين في حب الله # إضافة إلى جنون الخطيئة الذي ذكرناه سالفا، البعيد كل البعد عن المحبة المثالية الواردة ~~في الإنجيل، نجد على النقيض الجنون الصوفي الذي يجسد الحب في أجلى صوره. «السلوك بزهد ~~واتباع المسيح الزاهد»، هذا هو ما أوصى به القديس جيروم في أوائل القرون الوسطى. وهكذا نشأ ~~مذهب مجانين في حب الله، وهم أولئك الذين يعيشون كنساك في الغابات، مجردين من كل شيء. ~~ولم يكن هذا الشكل المتطرف من أشكال التدين يلقى بالضرورة استحسانا لدى مختلف الرتب الكنسية. ~~في أواخر القرن الحادي عشر الميلادي، خاطب أسقف مدينة رين الفرنسية روبير داربريسل، مؤسس دير ~~فونتيفرو بأسلوب غير ودي يخلو من التهذيب واللباقة معلقا على هيئته: «ثوب رث وحقير يستر ~~جسدا كشطته المسوح، قلنسوة مثقوبة، ساقان نصف عاريتين، لحية شعثاء [...] (ثم يقول له) أنت ~~تتقدم حافي القدمين وسط الحشود وتقدم عرضا مذهلا للحضور. بل يمكن القول إنه ينقصك فقط ~~الإمساك بهراوة لتبدو ms072 كواحد من المجانين [المختلين].» # 1 # أصبح هذا الجنون المقدس موضوعا رائجا في أدب القرنين الثاني عشر والثالث عشر، ~~كما ازدهر بشكل عام لدرجة أن الغابات امتلأت بفرسان مجانين هائجين وعراة. # النهضة الروحية والإصلاح الديني على مستوى الإكليروس كانا كلاهما مستوحيين من جنون ~~الصليب. يؤكد القديس برنارد، وهو أول رئيس لدير كليرفو (وقد ترهب في القرن الثاني عشر ~~الميلادي): إن «المقياس الوحيد للحب هو أن تحب دون حدود» (من محبة الله). أما جيوم دو سان ~~تييري، الذي كان ينتمي أيضا لطائفة السيسترسيين، وعاش في أوائل القرن الثاني عشر الميلادي، ~~فيشدد على الطابع «الرائع» لجنون الصليب قائلا: إن «فطنة الراهب المبتدئ تكمن في وجوب أن ~~يصبح أحمق وجاهلا في كل شيء من أجل المسيح.» # 2 # في أوائل القرن الثالث عشر الميلادي، أكد القديس فرنسيس الأسيزي الكلام نفسه حين ~~قال: «الرب قال لي إنه يريد أن يجعل مني مجنونا جديدا في العالم، والله لا يريد أن يقودني ~~بغير هذه الطريقة.» # 3 # واختصارا للقول وبعيدا عن هؤلاء القديسين ~~المشاهير، كان أولئك المجانين في حب الله ممن يسيرون أيضا على دروب المرض. وكانت العصور ~~الوسطى مليئة بالفعل بالعديد من أشباه المسيح والأنبياء الكذبة، والمجانين في حب الله ~~ولكنهم بالأخص مجانين حقيقيون، وكان أولئك يتنقلون من مدينة إلى مدينة، ومن دير إلى دير، ~~يعظون ويبشرون، ويشجبون تجاوزات رجال الدين، وينذرون بنهاية الأزمنة. في أوائل القرن الرابع ~~عشر الميلادي، ذكر برنارد دي جوردون، وهو واحد من أبرز المعلمين بمدرسة مونبلييه، أنه من بين ~~«الملايين» المصابين بالسوداوية، «هناك أولئك الذين يعتقدون أنهم أنبياء أو أشخاص ~~موحى إليهم من الروح القدس، ومن ثم يقومون بالوعظ عن حال العالم في المستقبل أو عن مجيء ~~المسيح الدجال.» # كيف كان يجري استقبال هؤلاء المبشرين الأخرويين؟ لم تكن هناك قاعدة ثابتة. فقد كانوا ~~يستفيدون مبدئيا من الرأي الإيجابي المسبق حيالهم، ولكن أولئك الذين ذاعت شهرتهم (كما هو ~~شأن البعض) كان ينبغي لهم الاحتراس من الوقوع في البدع والهرطقات، مثلما حدث مع ذلك المدعو ms073 ~~إيودس دي ليتوال، في القرن الثاني عشر الميلادي، الذي زعم أنه ابن الله؛ ولذا قام مجمع رانس ~~في نهاية المطاف بإصدار أمر بإلقائه في السجن حيث توفي بعد اعتقاله بفترة وجيزة، بينما ~~أرسل أتباعه الرئيسون إلى المحرقة. # 4 # وعلى الرغم من قيامه بإظهار عصا مشقوقة وعرضها أمام الأساقفة زاعما، بنبرة شديدة ~~الجدية، أن أحد طرفيها يسند السماء بينما الطرف الآخر يسند الأرض، فإن أحدا لم يستخلص من ذلك ~~إصابته بالجنون. فلم يرد أحد إلا رؤية جريمة التدنيس وانتهاك حرمة المقدسات. # الجنون والشيطان # يعد الجدل بشأن الجنون وعلاقته بالشيطان قديما. فنجده قائما بالفعل في الطب البابلي أو ~~المصري (حيث لا يوجد، عدا ذلك، أي جدال)، كما أن باب النقاش، بطريقة أو بأخرى، ليس مغلقا ~~تماما اليوم، ليس في كل مكان على أي حال. بالرغم من الاعتقادات الشائعة ، لم يظهر الشيطان ~~بقوة في الجنون إلا في أواخر العصور الوسطى، ليبلغ الأمر ذروته في القرن السادس عشر والنصف ~~الأول من القرن السابع عشر. بيد أن كل شيء يتوقف على معرفة ما هو المقصود بالشيطان وما نعنيه ~~بالربط بينه وبين الجنون. # يميز جالينوس، «الملقب بأبقراط القرون الوسطى»، في تعليق له على أفلاطون، بين الاضطرابات ~~[العقلية] الناجمة عن أسباب «طبيعية» وبين تلك التي تنشأ من أسباب أخرى على النحو التالي: ~~«عندما يعتقد المرء أنه يرى ما لا يراه غيره، ويسمع أصواتا لا ينطق بها، وحينما يقول أشياء ~~مخزية، أو يتلفظ بكلام يدل على الكفر والإلحاد أو على الجنون التام؛ فإن ذلك يعد دليلا، ~~ليس على فقدان الروح لقواها الطبيعية فحسب، وإنما على دخول شيء إليها مناف لطبيعتها.» ~~ويتساءل إيتيان تريا، في كتابه الرائع «تاريخ الهستيريا»، # 5 # عن ماهية ذلك الشيء المخالف لطبيعة الروح: «ألم يكن جالينوس، ذلك المؤمن بإله ~~واحد، على استعداد لإدخال النفوذ المضاد للشيطان في أمراض الروح؟» دون الذهاب إلى القول بأن ~~جالينوس ربما يعد رائد علم دراسة الشياطين، وهي فرضية مثيرة للاهتمام. # أما القديس توما الأكويني، فقد أعلنها صراحة قائلا: «إن الشيطان ms074 يستطيع إيقاف استخدام ~~العقل تماما وذلك بالتشويش على الخيال والشهوة الحسية، كما يتجلى ذلك لدى المصابين بمس ~~شيطاني.» وهنا يبرز سؤال يطرح نفسه: ما الذي ينبغي أن نفهمه من ذلك التعبير الأخير؟ هناك طرق ~~عديدة يمكن للإنسان أن يكون من خلالها ضحية للشيطان، أو بالأحرى لعدد لا يحصى من الشياطين ~~المساعدين، فقليلون للغاية هم أولئك الذين ينالون شرف أن يخاطبهم شخصيا إبليس بذاته. هناك ~~شياطين سادية وشهوانية، تدعى الجاثوم أو الحضون (كلمة مشتقة من الأصل اللاتيني # incubus # وتعني الكابوس)، وهي أرواح شريرة أو شياطين تهاجم ~~الفتيات الجميلات في الليل وتغتصبهن في أثناء نومهن، خاصة إن كانت هؤلاء الفتيات قد نذرن ~~العفة. وتوجد أيضا، ولكن بأعداد أقل، شياطين أنثوية تدعى السقوبة (وتعني وفقا للأصل ~~الاشتقاقي للكلمة: «الاستلقاء تحت») وهي تهاجم الرجال. بيد أن الممسوس «الحقيقي» هو الذي يكون ~~له وحده شيطان معين يستحوذ عليه ويتملكه بشكل كامل، فيدخل هذا الشيطان في الجسم ويزعم أنه لن ~~يخرج منه أبدا، ويتسبب في إصابة ضحيته بمس جنوني يجعلها ترتكب آلاف الحماقات. # ومع ذلك، تعد لفظة «ممسوس» تعبيرا مبهما، كما هي الحال بالنسبة إلى لفظة «شيطاني» التي ~~كانت، في العصور الوسطى، مرادفا لكلمة «أحمق أو مخبول». بل إن المعجم الطبي نفسه يستبدل ~~أحيانا بكلمة «هوس» كلمة «شيطان» أو «روح شريرة». وكان يجري اقتياد المصابين بمس شيطاني إلى ~~الأديرة للحج. وبالطبع، لا تخلو قصص معجزات الشفاء من ذكر، بل وتسليط الضوء على حالات المس ~~الشيطاني التي كان يعاني منها أولئك الذين يتم اصطحابهم للحج. فها هي أودلين، تلك الفتاة التي ~~أحضرها والداها على نقالة إلى ضريح القديس جيبريان. ولقد تضرع هذان الأبوان إلى الله وتوسلا ~~إلى القديس بحرارة لدرجة أن «الشيطان أطاع وبسرعة خاطفة، خرج من [الفتاة].» امرأة شابة أخرى ~~تم اقتيادها إلى كنيسة القديس إيجولف: «وفي اليوم الثالث، حررها الشهيد العظيم من قبضة ~~الشيطان وأعاد إليها رشدها الذي كانت قد فقدته.» وهناك أيضا بيير دي فولينيو، ذلك المجنون ~~الهائج، الذي كان عليه أكثر من شيطان ms075 في آن واحد. وحينما نقل إلى ضريح القديس فرنسيس ~~الأسيزي، تركته الشياطين عند أول تلامس مع القبر. # 6 # إن مجموعة الصور والرسوم والأيقونات التي ترجع إلى القرون الوسطى مليئة بتلك المشاهد ~~الباعثة على التقوى التي تصور إنسانا مصابا بمس شيطاني، مكبلا بالسلاسل، أشعث الشعر وغير ~~منسق الهيئة، ثائرا وهائجا بشكل واضح، وهو يلفظ شيطانه ويطرده عن طريق الفم. نجد على ~~أحد النقوش التي ترجع إلى أوائل القرن السادس عشر الميلادي صورة للقديسة رادجوند، ملكة ~~الفرنجة في القرن السادس ومؤسسة دير سانت كروا (أي الصليب المقدس) الذي يقع بالقرب من ~~بواتييه، وهي تخرج شيطانا من جسد فتاة شابة ممسوسة. وتظهر الفتاة في هذا النقش موثقة إلى ~~أحد الأعمدة ولا يكاد يستر جسدها شيء. كما يظهر على أحد الأختام، الذي يرجع إلى القرن الرابع ~~عشر، ويخص دير القديس تيبيري، الواقع بالقرب من بلدية أجد الفرنسية، نقشا يصور القديس ~~جاثيا، وأمامه إنسان ممسوس يخرج من فمه شيطان. وفي بعض الأحيان، نجد المسيح هو الذي يتدخل ~~بنفسه مباشرة. # على الرغم من ذلك، يبدو أن هذه الفكرة المهيمنة ظلت سائدة لوقت طويل (في الواقع طوال ~~القرون الوسطى تقريبا) سواء بشكل رسمي أو مجازي، وكائنة جنبا إلى جنب مع الجنون المرضي ~~الذي يختص به الأطباء، بل إنها كانت في بعض الأحيان تحل محله. فلم يعد هناك اعتقاد في الشفاء ~~الطبي وإنما في معجزات الشفاء. منذ ذلك الحين، لم تعد الحرب التي يخوضها الله وقديسوه من ~~صانعي المعجزات موجهة ضد مرض جسدي («جسدي» من وجهة النظر الطبية السائدة في القرون الوسطى)، ~~وإنما ضد الشر الأبدي، متجسدا في الشيطان أو إبليس بذاته. في نهاية المطاف، نجد أن التسلسل ~~المنطقي يفرض نفسه، فالمجنون المنفصل تماما عن الله، والذي يعد نموذجا مناقضا للتقوى ~~والورع والحكمة (بالطبع، جنون الصليب بعيد كل البعد عما نقول)؛ يقود إلى المجنون الذي يصير ~~غلافه الجسدي، الشاغر نوعا ما، مسكنا للشيطان. # لقد كنا حتى الآن بصدد الحديث عن المعتقدات الشعبية التي تتصف بالتسامح إلى حد بعيد، ms076 ~~والتي ظلت على هذه الحال إلى أن تغير المشهد المجتمعي والديني في القرون الأخيرة من ~~العصور الوسطى. وقد سنحت لنا الفرصة بالفعل للإشارة إلى ذلك الشعور بالقلق والخوف من نهاية ~~الأزمنة الذي تملك هذه الحضارة، بيد أنه لا بد من التركيز بشكل أكبر على تزايد البدع ~~والهرطقات التي أضحت مكونا رئيسا، لا يستهان به، في تلك الحضارة. وبالطبع، سادت هذه البدع ~~والهرطقات طيلة القرون الوسطى. غير أن بدعة الكاثاريون أدت، في عام 1231، إلى إنشاء محاكم ~~استثنائية، وهي محاكم التفتيش. ولكن هذا لم يمنع المؤمنين بالحكم الألفي، ومواكب حركة ~~المتسوطين، والمذاهب المتعددة، وأولئك المجانين في حب الله؛ من التبشير بقرب نهاية ~~الأزمنة، ولم يحل دون قيام أكثريتهم بشن هجوم عنيف على الكنيسة. وقد أبدت محاكم التفتيش ردود ~~أفعال على قدر هذه الأحداث. ففي عام 1372 على سبيل المثال، حكم على بعض الهراطقة الذين ~~أطلقوا على أنفسهم اسم «أخوية الروح الحرة» بالصعود إلى المحرقة؛ لأنهم رفضوا وأنكروا وساطة ~~الكنيسة. وأخيرا، فإن الانشقاق الغربي الكبير الذي دام من عام 1378 إلى عام 1417، وحرم ~~خلاله اثنان من الباباوات أحدهما الآخر، ثم ما نتج عن ذلك من انعقاد مجامع دينية متعددة، ~~علاوة على ظهور بدع وهرطقات جديدة ذات طابع وطني وثوري، كل هذه العوامل ألقت بظلالها على ~~العقول وأثارت بلبلة في الضمائر. # لم يكن من المستغرب، في مثل هذا المناخ، أن يقوى نفوذ الشيطان وأن تشتعل المحارق في ~~جميع أنحاء أوروبا. فالهرطقة والشعوذة تسيران على خطى واحدة. ازدهر علم دراسة الشياطين مع ~~ظهور (مطرقة الساحرات)، الذي نشر في عام 1486، على أثر مرسوم بابوي يأمر بالكشف عن ~~الساحرات؛ لأن النساء هن المعنيات بالطبع. ففي المحاكمات المتعلقة بالسحر والشعوذة، التي ~~تضاعفت منذ ذلك الحين واستمرت حتى منتصف القرن السابع عشر، نجد مقابل كل أربع نساء رجلا ~~واحدا. إن «وباء السحر» ذاك، الذي كان سيدوم لمدة 150 عاما، لم ينشأ، وفقا لآر إتش ~~روبنز، # 7 # عن ظاهرة فولكلورية (بالمعنى الاشتقاقي لكلمة «فولكلور»؛ أي «علم الشعوب»)، وإنما ~~نشأ عن ms077 هرطقة مسيحية حقيقية انبثقت من جديد عن الوثنية القديمة. # في سياق هذه الهستيريا الجماعية، لم يبق أمام النظرية الشيطانية للجنون، التي كانت قائمة ~~بالفعل ولكن لم تكن قد بزغت بعد، إلا أن تتبلور وتبدأ في جذب الانتباه. وقد عارض جاك ديبار - ~~الذي توفي عام 1458، وكان يدرس الطب في باريس - مماثلة الجنون بالشيطان، قائلا: «من ~~الشائع لدى العامة وبعض علماء اللاهوت القول بأن المصابين بالسوداوية أو بالهوس لديهم شيطان ~~يسكن الجسد، وهو ما يصدقه المرضى في أغلب الأحيان ويجاهرون به. أولئك الذين يؤمنون بهذه ~~الأفكار المبتذلة لا يسعون، من أجل علاج مرضهم، للحصول على مساعدة من قبل الأطباء، وإنما ~~يطلبون عون القديسين المعروف عنهم أن الله قد منحهم القدرة على طرد وإخراج الشياطين.» فضلا ~~عن ذلك، أدان ديبار موضة اللجوء إلى التنجيم التي استفحلت في المجتمع، لدرجة أنها أصبحت منذ ~~ذلك الحين تؤثر بشكل عميق على تشخيصات وتقديرات الأطباء فيما يتعلق بمدى خطورة أو حدة المرض ~~وتطوراته واحتمالات الشفاء. # أما الراهب الدومينيكاني الألماني يوهانس نيدر، فقد اكتفى في كتابه «عش النمل»، الذي ~~نشر في عام 1475، بطرح إشكالية الموضوع، وذلك عن طريق قيامه، في مؤلفه، بخلق حوار بين ~~عالم لاهوت وخصم له؛ حيث يتناولان في نقاشهما أعمال السحر والتعاويذ المؤذية والخرافات، ~~فيجتهد أحدهما لتفسير كل شيء وفقا لأسباب طبيعية، أما الآخر فينبري في تفسير هذه الأمور ~~وفقا لتدخلات شيطانية. وسواء أكان ذلك الأمر مرده اعتقاد أم واقع، قد يحدث المس الشيطاني ~~نتيجة «تهيؤ سوداوي». وهكذا بلغت الحظوة التي نالها مصطلح «السوداوية» في العصور الوسطى، ~~لدى علماء اللاهوت والأطباء على حد سواء؛ أوجها. وربما يكون هناك ثمة ألفة معينة بين ~~السوداوية والشيطان. هذا التآلف لا يتعلق بالمجانين المصابين بالسوداوية فحسب، وإنما يشمل ~~أيضا الطبائع التي تلونت بنفس هذا المزاج. يعطي أمبرواز باريه وصفا مطولا للشخص المصاب ~~بالسوداوية على النحو التالي: «لديه وجه أسمر أو ضارب إلى السواد، ونظرة متقلبة، شرس وزائغ ~~وشارد الذهن، حزين، كئيب ومتجهم [...] أولئك الأشخاص الذين يعانون من السوداوية، تكون ms078 ~~أجسامهم باردة وقاسية وخشنة الملمس، وتنتابهم أضغاث أحلام مروعة وأفكار رهيبة عند النوم؛ إذ ~~يرون في بعض الأحيان شياطين، أو ثعابين، أو قصورا مظلمة، أو قبورا وجثثا وأشياء أخرى ~~مماثلة.» # 8 # فكيف لا يعشش الشيطان داخل إنسان يشبهه بالفعل؟ «وفقا لما كتبه جون تاكسيل، إن ~~الأجساد التي يتملكها الشيطان داخليا تعاني من الكآبة والسوداوية؛ لأن هذا المزاج هو ~~المستقر الحقيقي الذي يسعد فيه الشيطان ويجد به لذته، ومن خلاله يحدث آثارا شديدة ~~الغرابة.» # 9 # وبطبيعة الحال، وخلافا لفرضية راسخة، ليس ثمة تشابه، وفقا للمنظور الجدلي للمحققين في ~~محاكم التفتيش، بين الشعوذة والجنون؛ فهذا يتطلب أن يكون الأحمق قد عقد اتفاق تحالف مع ~~إبليس، وهو ما يعد، من وجهة نظر محقق محكمة التفتيش، أمرا مستحيلا؛ لأن المجنون، حسب ~~التعريف، لا يملك حرية الإرادة. وربما كان يتعين أيضا على المحققين أن يطرحوا مسألة الجنون ~~لدى المتهمين بممارسة السحر. في القرن السادس عشر، حيث كانت مطاردة الساحرات والمشعوذات على ~~أشدها، ها هو مونتين يدلي بشهادته في هذا الشأن قائلا: «قبل بضع سنوات، مررت بأراض تابعة ~~لأحد الأمراء الذي تفضل وسمح لي؛ إكراما لخاطري وإمعانا في نفي شكوكي، بأن أرى في حضرته، ~~وفي مكان خاص، نحو عشرة أو اثني عشر سجينا من هذا النوع [المشعوذين] ومن بينهم ساحرة عجوز، ~~مشعوذة حقيقية بما بها من قبح وتشوه ودمامة، وذات شهرة واسعة في هذه المهنة منذ أمد بعيد، ثم ~~عاينت الأدلة والبراهين واستمعت إلى اعترافات حرة [...] وفي النهاية، أمرت، وفقا لما تقتضيه ~~الأمانة، بأن يحضروا لهم بالأحرى الخربق بدلا من الشوكران؛ لأنهم بدوا لي مجانين وليسوا ~~مذنبين ...» # كما أعرب جواكيم دو بيليه عن استيائه من هذا الضلال الجماعي. قضى جواكيم الفترة من 1553 ~~إلى 1557 في روما، حيث كان يتبع عمه الكاردينال. وهناك، سنحت له الفرصة أن يشاهد مرور عدد من ~~مواكب الحج التي يقتادون فيها بعض الممسوسين. وقد تأثر بهذا المشهد تأثرا عميقا، لدرجة أنه ~~خصص له أغنية قصيرة (سونيتة) (في ديوانه الشعري # Regrets ~~؛ أي ms079 ~~«الندم») ووجهها إلى صديقه ريمي دولسين، الذي كان يعمل طبيبا: # دولسين، عندما أرى في بعض الأحيان هؤلاء الفتيات المسكينات، # اللائي يتملك الشيطان جسدهن، أو يبدون كما لو أنه يستحوذ عليهن، # يحركن أجسامهن ورءوسهن بصورة رهيبة، # ويفعلن ما تقوله أولئك العرافات العجائز، ~~[...] # وحين أراهن يصرخن بشكل مخيف، # وحين تنقلب أعينهن ويظهر بياضها، # يقشعر بدني كله، ولا أدري ما أقول. # ولكن حين أرى راهبا يتحدث باللاتينية، # يتحسس بطونهن من أعلى ومن أسفل ويمس حلمات أثدائهن، # يذهب عني ذلك الرعب، وأجد نفسي مضطرا للضحك. # وبالطبع، حرق العديد من المجانين، سواء أكانوا مصابين بالسوداوية أم لا، ~~في المحارق التابعة لمحاكم التفتيش. فلا يوجد ما هو أسهل من طرح مثل ذلك السؤال على المجنون: ~~«هل صحيح أنك قد أبرمت اتفاقا مع الشيطان؟» «نعم.» وقد عمل أحد الأطباء المعاصرين، وهو ~~الطبيب جون وير (1515-1588)، على محاربة هذا «الفكر الأوحد» بجدارة، ولا سيما أنه كان يؤمن ، ~~بالطبع، بوجود الشيطان بما أنه مؤمن بالله. كان هذا الطبيب تلميذا لكورنيليوس أجريبا، الذي ~~لم يكن يخشى توجيه انتقادات شديدة للمحققين بمحاكم التفتيش، واصفا إياهم ب «النسور المتعطشة ~~للدماء»، التي تهاجم «نساء القرية المسكينات»، وتنتزع منهن - تحت التعذيب - اعترافات بممارسة ~~السحر والشعوذة («تفاهة العلوم» 1530). وقد برهن وير على تلقيه تعليما جيدا على أيدي أكفاء ~~وعلى سيره على خطى معلمه حين نشر في عام 1566 كتابا باللغة اللاتينية بعنوان: «قصص، ومجادلات ~~وخطب عن أوهام وخدع ودجل الشياطين والسحرة الأدنياء، والمشعوذات والمفسدين، وعن المسحورين ~~والمصابين بمس شيطاني وشفاء هؤلاء، إضافة إلى العقاب الذي يستحقه السحرة والمفسدون ~~والمشعوذات». بالطبع، العنوان طويل، ولكن الكاتب وفى بوعوده؛ فقد فند وير بالتفصيل ما ورد ~~في كتاب «مطرقة الساحرات»، وميز بين السحرة «الحقيقيين»، الذين يعقدون اتفاقا مع الشيطان ~~بمحض إرادتهم واختيارهم، والمصابين بالسوداوية، الذين يقعون فريسة للشيطان بغير إرادتهم: «لأن ~~الشيطان يندمج بكل سرور مع المزاج السوداوي؛ إذ يجده مناسبا للغاية لتنفيذ عمليات التضليل ~~والتدجيل الخاصة به، وهو السبب الذي دفع القديس جيروم إلى القول بأن السوداوية هي ms080 المناخ ~~الملائم للشيطان.» (وبأسلوب أكثر إيحائية، يقول مؤلف آخر، وهو جاك فونتين: إن الشيطان يحب ~~التمرغ في الطبائع الفاسدة مثلما تعشق الخنازير التمرغ في الوحل.) «يستطرد وير قائلا إنه ~~على الرغم من ذلك، ليس كل المصابين بالسوداوية معذبين من قبل الشيطان، بل على العكس، ما يحدث ~~عادة هو أن جميع المصابين بمس شيطاني يصبحون كئيبين ويصابون بالسوداوية.» خلاصة القول: ~~الشيطان والجنون شيئان منفصلان؛ فالممسوس الذي يتملكه الشيطان لا يعد مجنونا بالمعنى ~~الطبي. لقد قام جون بودين، رجل القانون الشهير ومؤلف كتاب «الهوس الشيطاني للسحرة»، الذي ~~نشر في عام 1580، بتفنيد ودحض تلك النظريات التي أثيرت في هذا الجدال بشكل عنيف، ورفض أن ~~يعترف بتمتع جون وير بأي مهارة أو كفاءة، واصفا إياه ب «طبيب بسيط من راينلاند.» إذا كان ~~العمل الشجاع الذي قدمه وير لم يؤد فيما بعد إلى تقليل عدد المحارق، فإنه لا يمكن إنكار ~~حقيقة أن هذا الطبيب، سواء أكان بسيطا أم لا، قد ندد «بالظلمات [التي] كانت تلف متاهة ~~الأسحار»، وهي متاهة ضل فيها المحققون أنفسهم. # وقد حرص بعض الأطباء على أن يكون صوتهم مسموعا، علما بأن ذلك كان يجلب عليهم دائما غضب ~~رجال القانون والمطارنة. وهكذا، قام ميشيل ماريسكو، طبيب الملك وعميد كلية الطب بباريس، مع ~~أربعة من زملائه، بتسليط الضوء على المزاعم الكاذبة بشأن إصابة مارثا بروسييه بمس شيطاني في ~~أواخر القرن السادس عشر، وأوضح أنه لم يجد لدى هذه الفتاة إلا «الكثير من الدجل والقليل من ~~المرض.» يقول ماريسكو: «لا شيء ينبغي أن ينسب إلى الشيطان الذي لا يملك أي قوى استثنائية تعلو ~~على قوانين الطبيعة.» هذه الجملة على قدر كبير من الأهمية. نعم الشيطان موجود، لكن ينبغي ~~تحجيم منطقة نفوذه إلى حد كبير لصالح سلطان الطبيعة، ومن ثم الطب. ربما كان ميشيل ماريسكو ~~يفكر، عندما قال هذه الجملة الجريئة إلى حد كبير، في تلك الحكمة التي نطق بها أبقراط حين قال: ~~«أما فيما يخص الشق الإلهي في الأمراض، فينبغي أن يتعلم الطبيب كيفية التكهن ms081 بذلك ~~أيضا.» # الجزء الثالث # | احتجاز المختلين عقليا # الفصل الأول # | الإنجيل من منظور فوكو # عمدنا، منذ مقدمة هذه الدراسة، إلى الإصرار على أهمية كتاب ميشيل فوكو (1926-1984) «الجنون ~~والخلل العقلي: تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي»، # 1 # ذلك المؤلف المؤسس، الذي كان له الفضل في إنشاء حقيقة جديدة، والذي لا يزال ~~يشغل حيز الدراسة النقدية كاملا (الإبستمولوجية) للعلوم الإنسانية منذ بدء استخدام كلمة ~~«جنون». فكيف يمكن دراسة مسألة احتجاز المجانين في ظل النظام الفرنسي القديم دون الرجوع أولا ~~إلى هذه الأطروحة؟ وكيف للمرء أن يدعي فهمه لما كتبه فوكو في الوقت الذي يستخدم فيه هذا ~~المؤلف أساليب متعددة تتداخل عن عمد وقصد مع بعضها البعض؟ فأنى لنا أن نميز متى يكون ~~فيلسوفا، ومتى يكون عالما اجتماعيا، ومتى يكون مؤرخا؟ لذا، على شاكلة وقواق ديدرو الذي ~~كان يمجد الفكر المنهجي، فإننا لن نركز في هذه القراءة إلا على الخطاب التاريخي فحسب - بما أنه ~~يوجد بالفعل خطاب تاريخي - إذ إنه يمهد لتناول إشكاليات لم يعد بالإمكان تفاديها. # كيف نقرأ أطروحة ميشيل فوكو؟ بدءا من مقدمة كتاب «الجنون والخلل العقلي»، يصدم القارئ ~~بمدى صعوبة فهم ما يقصده المؤلف. حيث يفاجئنا دوما على نحو غير متوقع بأسلوبه الشائق ~~والرائع، وفكره الذي لا يقل عنه روعة، وجدليته المقنعة، حسبنا فقط أن ندعي قراءة هذا العمل ~~من منظور النقد التاريخي. يطرح فوكو بعض البديهيات، التي ما إن نسلم بها، حتى تقودنا طيلة قراءة ~~ذلك الكتاب، كما لو كنا تقريبا بصدد قبول قواعد لعبة سباق. بيد أن النرد مغشوش، منذ السطور ~~الأولى. ماذا يعني فعليا ذلك القول المقتبس عن باسكال: «إن الرجال بالضرورة مجانين لدرجة أن ~~عدم الجنون سيكون ضربا آخر من ضروب الجنون»؟ وما المقصود بذلك القول الذي تلا الاقتباس السابق ~~مباشرة، والذي جاء على لسان دوستويفسكي حين قال: «إن حبس جارك ليس هو السبيل لتتيقن من رجاحة ~~عقلك»؟ ماذا تعني هذه العبارات الواردة بهذا الشكل، إن لم يكن المقصود منها أولا تفنيد مفهوم ~~الجنون نفسه، أو بالأحرى ms082 عدم التمييز بين ما يتبع الجنون المرضي وما يتبع الجنون بمعناه ~~الفلسفي والأخلاقي؟ انطلاقا من وجهة النظر هذه، قد يجمع الجنون بين كلا الاتجاهين. وفقا ~~لفوكو، ربما يكون الجنون إذن «واحديا»، بيد أننا سبق أن رأينا الجنون في العصور القديمة وهو ~~يختلف تمام الاختلاف عن مثيله في العصور الوسطى. # ولكن ليست هذه هي المشكلة، فها نحن أمام هذه المسلمة المتعلقة ب «غير المجنون»، ذلك ~~المجنون الآخر «الذي يستخدم لغة تخلو من الرحمة»، والذي بدر منه يوما ما سلوك يتسم بالجنون. ~~يتعلق الأمر ب «إيجاد لحظة التآمر تلك». ومن ثم، إيجاد «نقطة انطلاق في تاريخ الجنون» - وبعيدا ~~عن كونها قديمة قدم تاريخ البشرية نفسها - إلا أنها قد تكون جاءت بعده بوقت طويل، فقد ظهرت في ~~«لحظة» ليست كغيرها: وهي لحظة «المؤامرة». لا مجال بالنسبة إلى فوكو للرجوع إلى العصور القديمة ~~في هذا الصدد، على الرغم من أنه قد سبقت الإشارة إلى مدى أهمية هذه المرحلة فيما يتعلق بالأمراض ~~العقلية. إن إشاراته النادرة إلى تلك الفترة جعلت منها حقبة زائلة، حتى لا نقول غير موجودة. هذه ~~الجدلية قادت فوكو إلى الاستشهاد بنيتشه (الذي أعطى أيضا الأفضلية للعقل على الحق) ليعلن، ~~بأسلوب غليظ وقاس، رفضه ونبذه للغرب وعقلانيته اللذين وضعهما، للبرهنة على صحة كلامه، في ~~مقابلة مع الشرق المؤيد ضمنيا لمذهب اللذة والمتعة. فها هو ذا الإنسان الغربي يقف متهما: «إن ~~الإدراك الحسي لدى الإنسان الغربي للزمان والمكان المحيطين به يكشف عن هيكلية للرفض، تتم من ~~خلالها إدانة قول باعتباره لا يمثل لغة، أو إيماءة باعتبارها ليست عملا، أو شخصية ما كما لو ~~كان لا يحق لها أن تأخذ مكانها في التاريخ.» ما يثير اهتمام فوكو، وما يود رؤيته، هو القرار ~~(وتوقيت ذلك القرار) الذي يربط ويفصل بين العقل والجنون. # يشدد فوكو على أنه لا يريد استعراض تاريخ الطب النفسي، وإنما تاريخ الجنون نفسه «في ~~عنفوانه، قبل أن تكبح المعرفة جماحه.» ولكن، ما هي التواريخ، أو على حد تعبيره، ما هما الحدثان ~~اللذان ms083 سيستند إليهما في بحثه؟ «1657» (في الواقع 1656): «إنشاء المستشفى العام والاحتجاز ~~الكبير للفقراء»، «1794» (في الواقع 1793): «إطلاق سراح المكبلين في بيستر». إنهما حدثان ~~يشكلان بالطبع (ضمن وقائع أخرى) لحظات حاسمة في تاريخ الاعتقال، ومن ثم في تاريخ الطب النفسي. ~~بين هذين التاريخين، كان هناك انتقال «من تجربة القرون الوسطى والخبرة الإنسانية في شأن الجنون ~~إلى تلك التجربة المستندة إلى خبرتنا الخاصة، والتي تؤطر الجنون ضمن حدود المرض العقلي. إبان ~~العصور الوسطى وحتى عصر النهضة، كان الجدل الدائر بين الإنسان والخبل جدلا دراميا يضع ~~الإنسان في صدام ومواجهات مع القوى الصماء في العالم؛ وهكذا كانت تجربة الجنون محفوفة بالصور ~~المتعلقة بالسقوط والكمال، والوحش، والتحول، وبجميع أسرار المعرفة المثيرة للدهشة. أما في عصرنا ~~الحالي، فإن تجربة الجنون يغلفها الصمت ويحيط بها هدوء المعرفة التي نسيتها بعد أن استغرقت ~~في بحثها وعرفت عنها الكثير.» نستنتج من ذلك أن الجنون «السابق»؛ أي الجنون النابع من الحمق ~~(الاختلال العقلي في العصور الوسطى)، كان ذا طبيعة خاصة وبنية مختلفة جذريا عن الجنون ~~«اللاحق» النابع من العقل (العقلانية في العصر الكلاسيكي). هذه المقدمة، التي تنتهي على ذلك ~~النحو، ليست إلا تمهيدا لبرهان تاريخي طويل أفضى، في الجزء الأول، إلى كتابة أطروحة نالت شهرة ~~واسعة عن «الاعتقال الكبير» - وهو تعبير أوجده ميشيل فوكو عبر مصطلح «الاحتجاز» التاريخي - حيث ~~قررت السلطة الملكية، باسم العقل، أن تسجن، سياسيا، المجنون. # كانت الفكرة الأولى التي وردت في الفصل المعنون «سفينة الحمقى» هي: مع اختفاء مرض الجذام ~~في نهاية القرون الوسطى، وانتفاء الحاجة إلى مشافي الجذام، أفسح المجال لظهور «انبعاث جديد ~~للشر، ووجه جديد للخوف، وطقوس سحرية متجددة للتطهير والإقصاء [...]» في البداية، حلت الأمراض ~~التناسلية محل الجذام، ولكن «الإرث الحقيقي للجذام [...] يكمن في ظاهرة أشد تعقيدا لم يكتشفها ~~الطب إلا بعد وقت طويل؛ ألا وهي الجنون.» وقد ذكر فوكو «الصور الرئيسة» للجنون، وذلك قبل أن ~~«تجري السيطرة عليه، نحو منتصف القرن السابع عشر.» يبدأ فوكو بسفينة الحمقى، ويرى أنها ليست ~~رمزا فحسب وإنما حقيقة واقعية ms084 أيضا: في العصور الوسطى، كان المجانين المطرودون من المدينة، ~~يعهد بهم أحيانا إلى بعض البحارة والسفن، التي كانت مخصصة هذه المرة بشكل كامل للقيام برحلات ~~الحج العلاجية، وربما كانت هذه السفن، على حد قوله، تجوب أنهار أوروبا صعودا ونزولا. يرى فوكو ~~أن هذه الرحلات الإقصائية، تمثل «طقوسا للنفي». يمزج فوكو، في إيجاز مثير للدهشة، بين جنون ~~الخطيئة وجنون المرض كما لو كانت القرون الوسطى لديها، مرة أخرى، مفهوم «واحدي» للجنون. # بيد أن هذه «الواحدية» الخاصة بالجنون لا وجود لها إلا لدى فوكو. ويتناقض هذا المذهب بشكل ~~مطلق مع النزعة الثنائية التي طالما فرقت بين ما هو فلسفي وأخلاقي وديني من جهة، وبين ما هو طبي ~~من جهة أخرى (وهكذا فإن «المخ الذي يعاني خللا بفعل الأبخرة السوداء المنبعثة من الصفراء»، كما ~~ورد في «تأملات» ديكارت، يتبع المجال الطبي). مع ذلك، سوف يستخلص فوكو مما سبق استنتاجات حاسمة، ~~وسيعمل جاهدا على الانتقال مباشرة إلى الحديث عن إنشاء دور الحجز في القرن السابع عشر باعتباره ~~«أحد علامات مجيء عصر العقل». وهكذا نصل إلى الفصل الحاسم (الفصل الثاني: «الاعتقال الكبير»): ~~«فقد أعاد عصر النهضة إلى الجنون صوته، ولكنه تحكم في عنفه، وسيأتي العصر الكلاسيكي لكي يسكته ~~بقوة غريبة.» # ها نحن إذن، أمام حيلة جديدة للخداع والمراوغة، على الصعيد نفسه المتعلق بالاحتجاز وخاصة ~~احتجاز المختلين عقليا: «نعرف أن المختلين عقليا كان يتم إيداعهم المعتقلات بأوامر ملكية ~~[...] غير أنه لم يتم على الإطلاق تحديد وضعهم بدقة داخل هذه الزنازين، ولا تحديد معنى ذلك ~~الاختلاط الذي كان يبدو وكأنه يمنح وطنا واحدا للفقراء، والعاطلين، والجانحين والمختلين ~~عقليا [...] منذ منتصف القرن السابع عشر، ارتبط الجنون بهذه الأرض الخاصة بالحجز، وبالسلوك الذي ~~كان ينظر إليها باعتبارها بؤرته الطبيعية.» وقد استند فوكو إلى هذا التأكيد كما لو كان أمرا ~~بديهيا: «إن احتجاز المختلين عقليا يشكل البنية الأكثر وضوحا في التجربة الكلاسيكية ~~للجنون.» # انطلاقا من هذه النقطة، يفكر ميشيل فوكو مطولا في أمر المشفى العام بباريس الذي أنشئ في ~~عام ms085 1656: «إن المشفى العام لا يحتوي على أي فكرة طبية، لا من حيث اشتغاله ولا من حيث خطابه. ~~إنه محفل من محافل النظام، النظام الملكي البرجوازي الذي كان منهمكا في تنظيم أوضاعه في تلك ~~الفترة في فرنسا.» خلاصة القول: «لقد اخترعت الكلاسيكية الاعتقال.» هذا الاختراع المتعلق ~~بالحجز، الذي يشكل «لحظة حاسمة»، هو نتاج «رد الفعل الجديد إزاء البؤس». «فابتداء من هذه اللحظة ~~لم يعد البؤس حلقة ضمن جدلية الذل والمجد، بل أصبح مرتبطا بثنائية أخرى هي اللانظام ~~والنظام، ثنائية تصنف البؤس ضمن الشعور بالذنب.» ومن ثم، يستطرد فوكو قائلا: إن العصور الوسطى ~~كانت تنظر إلى البؤس باعتباره أمرا مقدسا في مجمله، وبدأت الكنيسة المشرفة على حركة الإصلاح ~~المضاد تميز بين الفقراء الجيدين والفقراء السيئين الذين ضم فوكو طائفة المجانين إليهم: «وتلك ~~هي أولى الحلقات التي سيحصر ضمنها العصر الكلاسيكي الجنون.» عبر نزع طابع القدسية عن البؤس، ~~انتفت بالتالي عن الجنون صفة القداسة (بعد أن كان ينظر إليه قبلا باعتباره شيئا مقدسا). وبعد ~~أن كان الباعث على الحساسية في التعامل مع الجنون دينيا، أصبح الدافع لها اجتماعيا. وأصبح ~~له منذ ذلك الحين أفقا ضمن النطاق الأخلاقي. # بالرجوع إلى «الحدث الحاسم» المتعلق بإنشاء ~~المشفى العام ونظائره من المشافي الأوروبية، نجد أن فوكو يشدد على طابعه الحصري فيما يخص منع ~~البطالة، «إنها اللحظة التي نظر فيها إلى الجنون باعتباره أفقا اجتماعيا للفقر، وعدم ~~القدرة على العمل، واستحالة الاندماج مع الغير [...] وهكذا فقد انتزع الجنون من تلك الحرية ~~الخيالية التي كانت في تزايد مستمر في سماء عصر النهضة.» # و«على الجانب الآخر من أسوار المعتقل»، في «عالم الإصلاحيات» كما أطلق عليه (المذكور في ~~الفصل الثالث) ماذا نجد؟ «أولئك الذين جرى توزيعهم، بتردد كبير وخوف، على السجون والإصلاحيات ~~والمشافي النفسية أو عيادات الطب النفسي.» يشدد فوكو على أن الأمر لا يتعلق بإقصاء غير القادرين ~~على الاندماج اجتماعيا، بقدر ما يتعلق بذلك «الفعل المؤسس للاغتراب»، ومن هنا جاء قوله: «إن ~~إعادة كتابة تاريخ الإقصاء معناه القيام بأركيولوجيا الاستلاب. ms086 ذلك الحقل الاستلابي، الذي تم ~~تسييجه فعليا بفضاء الحجز، حيث شعر المجنون داخله بأنه مقصي مثله مثل مجموعة أخرى من ~~الكائنات تختلف عنه، في تصورنا، في كل شيء ولا وجود لأي رابط بينهما.» ذلك أنه لا يوجد، في عرف ~~الاحتجاز، أي فرق بين هذه الفئات، إنما يجمعها «نفس العار المجرد»: «الفاسق» و«الغبي» و«الضال» ~~و«المعوق» و«المختل عقليا» و«المنحل» و«الابن العاق» و«الأب المبذر» و«المومس» و«الأخرق». ~~ويسترعي فوكو الانتباه إلى هذه النقطة تحديدا: «إن الاندهاش من كونهم حبسوا المريض وخلطوا بين ~~المجنون والمجرم لن يظهر إلا لاحقا. نحن الآن أمام واقعة منسجمة.» # سوف نبين في الفصول التالية أن هذا المزج بين «الأشخاص غير الاجتماعيين» (حديث للغاية ~~وينطوي على مغالطة تاريخية في معناه) والحمقى لم يكن موجودا قط، ولن نخوض الآن في التفاصيل. ~~أيتعين علينا أيضا السير وراء فوكو، حين يؤكد أن «المصابين بالأمراض التناسلية كانوا ينتمون ~~بالكامل، منذ الشهور الأولى لاعتقالهم، إلى المشفى العام»؟ هذا الخلاف ليس عبثيا؛ لأنه يطرح ~~فرضيتين مختلفتين جذريا تتعلقان بطريقة إدارة وعمل المشفى العام. على العكس من ذلك، نجد أن ~~المصابين بالأمراض التناسلية، كما عرضنا في كتاب «داء نابولي»، # 2 # كان يجري طردهم بشكل صريح من المشفى العام ولم يتم قبولهم به إلا لاحقا لعدم وجود ~~مكان آخر يمكن وضعهم به (فلم تكن المشافي الرئيسة ترغب في قبولهم). هنا يتجلى الفرق بين التشغيل ~~الأيديولوجي والتشغيل البراجماتي للمشفى العام، وهو ليس بالاختلاف الهين. # ولكن لم التركيز على هذه النقطة الخاصة بالمصابين بالأمراض التناسلية، فقد خصص فوكو لهم ~~عدة صفحات من كتابه؟ السبب يرجع إلى أنه، في المشفى العام والدور الصغيرة (حيث يوجد بالفعل ~~مجانين، ومصابون بأمراض تناسلية، وتجدر الإشارة إلى الحرص آنذاك على الفصل بين الفئتين)، «على ~~امتداد مائة وخمسين عاما، سيخالط المصابون بالأمراض التناسلية المختلين عقليا داخل حيز واحد ~~مسيج؛ وستظل آثار ذلك الاختلاط حاضرة لمدة طويلة، وستكشف، عند الضمير الحديث، عن تقارب غريب ~~وغامض جعلهما عرضة لنفس المصير، ووضعهما داخل النسق العقابي نفسه [...] فباختراع فضاء الحجز داخل ms087 ~~الهندسة الخيالية للأخلاق، اهتدت الحقبة الكلاسيكية إلى وطن، وإلى مكان للخلاص المشترك من ~~الخطايا المضادة للجسد ومن الأخطاء المنافية للعقل.» ربما تبدو هذه الجدلية جذابة ولكن ذلك أبعد ~~ما يكون عن الحقيقة. في الواقع، كان النظام القديم ينظر إلى المصابين بالأمراض التناسلية ~~باعتبارهم آثمين ومذنبين، ولكنه لم يكن ينظر إلى المجانين النظرة عينها. ما يثير اهتمام فوكو ~~ليست الحقيقة بقدر ما هو الإدراك. ولم لا؟ ألا يملك الحرية التي يملكها الفلاسفة؟ تلك الحرية، ~~التي من أجلها، يغلب الفيلسوف الحس (إدراكه الخاص وحسه الشخصي) على الحق. نأمل أن يطرح ذلك ~~إشكالية في التاريخ. # تحول اهتمام فوكو عن المصابين بالأمراض التناسلية ليصبح منصبا على اللوطيين، الذين يمثلون ~~فئة كان مصيرها الحتمي القمع الشديد في ظل النظام القديم (إلا إذا كان المتهم باللواط ينتمي إلى ~~علية القوم أو إلى طائفة الأمراء الإقطاعيين). ما يريد فوكو إظهاره هنا هو تلك الصلة التي تربط ~~الشذوذ الجنسي بالجنون: كان العصر الكلاسيكي قد رسم معالم الانقسام بين «حب العقل وحب اللاعقل». ~~«ينتمي الشذوذ الجنسي إلى الفئة الثانية. وهكذا بدأ يشكل شيئا فشيئا درجة من درجات الجنون، ~~ويحتل في العصر الحديث موقعه ضمن اللاعقل.» وهذا يعني إغفال حقيقة أن النظام القديم لم يكن ~~يعد الشذوذ الجنسي مماثلا للجنون إلا بقدر محدود للغاية؛ لدرجة أن القضاء كان يعاقب على ~~الفعل الأول باعتباره جريمة (كما يتضح ذلك على أي حال من خلال النصوص ونادرا من خلال الوقائع ~~الفعلية)، بينما لم تراوده قط فكرة معاقبة مجنون على خلل عقله. # أما فيما يتعلق بالحالات التي يطعم بها فوكو أطروحته، فغالبا ما جرى تفسيرها طوعا على ~~نحو خاطئ. هكذا يجسد تورين «ذلك المصير المثير للشفقة الذي طواه التاريخ في صمته»، «افتراض بائس ~~لمرور عابر يرفضه المستقبل.» توحي هذه العبارات بأن تورين هذا لم يكن مجنونا. بيد أن هذا ~~الخادم العامل بالمنزل الكبير كان قد سمع أصواتا تدعوه لقتل الملك، وذلك عقب هجوم ~~داميان # 3 # مباشرة. وقد حبس تورين في سجن الباستيل، واشتبه في ms088 البداية بتظاهره بالجنون، ثم ~~تبين أنه مجنون بالفعل، وبالتالي وجب نقله فيما بعد إلى شارنتون. يذكر فوكو حالة أخرى متمثلة ~~في ديشوفور، الذي حكم عليه بالإعدام في عام 1726 لاتهامه باللواط، ولكن فوكو أغفل أن يضيف أن ~~المدان المذكور كان مقتنعا (هذا ما أكده وهو على حبل المشنقة) أنه كان يقوم بتدبير وتنظيم ~~عمليات اغتصاب جماعية لقاء المال لشباب كان يقوم أولا بإسقائهم خمرا ممزوجا بأفيون. وقد نجا ~~شركاؤه عبر قضاء بضعة أشهر في سجن الباستيل. # 4 # ليس بالإمكان كتابة التاريخ إلا باحترام الوثائق والسجلات، في مجملها. # استكمالا لعملية استكشاف الممارسات الجنسية المحكوم عليها بالانتماء إلى عالم اللاعقل في ~~العصر الكلاسيكي، يضيف فوكو - إلى ما سبق ذكره - البغاء والفجور. يلي ذلك المتهمون بتدنيس ~~المقدسات، سواء بالتجديف والقذف أو بالمس بالمقدسات الدينية وانتهاك الحرمات، حيث وضع هؤلاء ~~أيضا ضمن «عادات الاعتقال». وأخيرا، نود أن نتمكن من تتبع فوكو حين يتطرق لاحقا إلى معالجة ~~قضية السحرة والمشعوذين، الذين أصبحوا في عصر العقل، «سحرة كذبة». هنا، تم اتخاذ خطوة فعلية أدت ~~إلى حدوث انقسام وثورة، إن لم يكن في العقول، على الأقل على صعيد القانون. بيد أن فوكو يؤكد أن ~~السحر «في ذاته لا يعد جريمة، ولا عملا تدنيسيا»، ولم يعد يحكم عليه إلا «وفقا لما تكشف ~~عنه من غياب العقل.» بعيدا عن الشيطان وبعيدا عن أي دلالات لاعقلانية، أصبحت معاقبة المشعوذين ~~الدجالين تتم بموجب القانون العام باعتبارها جريمة كفر وإلحاد وتدنيس مقدسات. وهكذا فإن النظام ~~القديم، وبالأخص شرطة النظام القديم، لن يريا بعد الآن في السحر والشعوذة جنونا، ومن هنا جاءت ~~الصرامة في التعامل حيالهما. غير أن مثل هذا الخلط من شأنه أن يخدم أطروحة ميشيل فوكو، والتي ~~وفقا لها يكمن الخيط الرئيس للحجز في إصلاح الجنون بجميع أشكاله وصوره؛ حيث أصبح ينظر إليه على ~~أنه صورة سلبية للعقل لا يمكن احتمالها. # بالإضافة إلى ذلك، يبدو لنا من الخطأ تاريخيا الحديث في القرن السابع عشر عن خطاب جديد ~~بشأن العواطف. سوف نرى ms089 أن هذا الخطاب لم «يفسر من منظور الطب النفسي» إلا في نهاية القرن ~~الثامن عشر، ولم يكن له في البداية أي صلة بقضية الاحتجاز. في الواقع، يوجد هنا أمر - من وجهة ~~نظرنا - لا يسير على ما يرام. أيريد فوكو وضع المجانين بين جميع أولئك الحمقى الذين تستهدفهم ~~عمليات الحجز والاعتقال؟ سنرى أن الحجز، بصرف النظر عن كون الكاتب يعزي إلى هذه الحركة أهمية لم ~~تكن يوما لها، لم يكن يهدف إلى معالجة قضية الجنون، وإنما إلى مواجهة مشكلة متأصلة تعود إلى ~~وقت بعيد متمثلة في التسول والتشرد. أيرغب فوكو في أن يظهر شخصية المجنون على نحو مفاجئ؛ ~~وبالأخص المجنون المبطل عنه صفة القداسة؟ لقد رأينا أن المجنون بالمعنى المرضي كان موجودا ~~منذ أوائل العصور القديمة، وأنه لم يجر قط إضفاء طابع القداسة عليه في مجتمعاتنا ~~الغربية. # إن فك رموز خطاب فوكو يبدو أمرا بالغ الصعوبة، حتى وإن كنا نمتنع عن إبراز التناقضات ~~والتفسيرات الخاطئة، على الرغم من كونها مرتبطة جدليا بسياق الخطاب وبالبراهين المستخلصة منه ~~(على سبيل المثال، يطلق فوكو مصطلح «ساخط» على المجنون والمجرم دون تمييز، بينما يستخدم هذا ~~التعبير للدلالة على المجنون الثائر، وذلك بالرجوع إلى الأصل اللاتيني للكلمة # furor # التي هي بمعنى «جنون»). وهكذا فإن القرنين السابع عشر ~~والثامن عشر لا يكفان عن التداخل أحدهما مع الآخر، على الرغم من كونهما يمثلان فترتين ~~مختلفتين تماما فيما يتعلق بالاحتجاز؛ ولذا اعتمدت التقارير الصادرة (في وقت لاحق) عن تونون ~~وهوارد وديبورت وبالأخص عن إسكيرول، والتي تحتوي على تصريحات إنسانية تعبر عن شعور كاتبيها ~~بالاستياء والغضب حيال الوضع الإنساني المتردي لمؤسسات الحجز، باعتبارها مصادر تصف بموضوعية ~~احتجاز المجانين. كما يتناقض تأكيد تلك «الحساسية الطبية» المبهمة، التي لم تنشأ إلا في ظل ~~النظام القديم كتمهيد لتأكيد حالة الجنون الطبية التي ستصبح نتاجا للفلسفة الوضعية في مطلع ~~القرن التاسع عشر، مع الاكتشاف الذي ينسبه فوكو خطأ إلى عالم فقهاء القانون والمتعلق بنمط ~~تفكير طبي أصيل بشأن الجنون، ذلك التفكير، كما نكرر، الذي ms090 بدأ مع الثراء الذي نعرفه قبل عدة ~~قرون من ميلاد المسيح. # ومن ثم سيكون عالم المختلين عقليا ابتكارا خاصا بالعصر الكلاسيكي يجمع في طياته بين ~~الجنون واضطرابات السلوك، بحيث يكون هذان الاثنان مرتبطين به ارتباطا وثيقا ومدانين عما ~~يصدر عنه من أخطاء. وقد عزز من هذا الرأي الفكرة القائلة بأن العقل والجنون في العصر الكلاسيكي ~~كانا يتبعان الحكم الأخلاقي، بحيث يكون الجنون «حتما سلوكا لا إنسانيا»؛ ولذا لا يمكن ~~معالجته بأسلوب إنساني. ويستفيض فوكو في الحديث عن الطبيعة الحيوانية للمجنون وما يرافقها من ~~أقفاص وقيود، قائلا: «في العصر الكلاسيكي، شكل هذا الطابع [أي الطبيعة الحيوانية للمجنون] ~~تجليا مدويا تحدد داخله المجنون باعتباره ذاتا غير مريضة.» هذه أكذوبة تامة. وقد تحققنا منها ~~في القرون الوسطى، كما سنفعل الأمر عينه بالنسبة إلى النظام القديم. # هناك فكرة أخرى أكثر عمومية، ولكنها محورية لدى فوكو: «إن اعتقال المختل عقليا مع المنحرف ~~أو المهرطق يحد من واقعة الجنون، ولكنه يكشف عن إمكانية اللاعقل الأبدية. وهذا التهديد، في شكله ~~المجرد والكوني، هو ما حاولت ممارسات الحجز التغلب عليه.» # في الجزء الثاني من أطروحته، ينحي ميشيل فوكو جانبا قضية الاحتجاز (الاعتقال الكبير) ~~ليتعمق في التفكير الإبستمولوجي المعرفي بشأن معرفة الجنون في العصر الكلاسيكي. في الفصل الأول ~~(المجنون في حديقة الأنواع)، يؤكد فوكو أن الجنون الذي كان سائدا في القرن الثامن عشر (وهذه ~~المرة نحن نتحدث بالفعل عن الجنون بمفهومه المرضي)، والذي «فقد الكثير من صفائه»، لا يمت بصلة ~~لذاك الجنون القائم على «الفصل الصارم» في عصر النهضة. وهكذا «فإن فضاء التصنيفات ينفتح دون ~~صعوبة على تحليل الجنون، والجنون بدوره يجد موقعه بشكل ذاتي من داخله.» للحفاظ على هذا الموقع، ~~لا بد من حجب مرض الروح من جديد في العصور القديمة: «إن التساؤل حول الفصل بين الروح والجسم لم ~~يولد داخل الطب الكلاسيكي، إنه قضية تم استيرادها حديثا استنادا إلى قصدية فلسفية.» وهو ما ~~يؤكده فوكو بجعله من ذلك «الشيء الذي يضع الجسم والروح كليهما موضع تساؤل»، «إشكالية ms091 أضيفت، ~~بشكل متأخر نسبيا، إلى تجربة الجنون» (!) مما يبرر ~~إذن «تركها جانبا». إن إدراج الجنون في النوزوجرافيا الطبية لم يتم إلا في القرن الثامن عشر. ~~بيد أن فوكو يجد صعوبة في شطب مساهمة القدماء بجرة قلم ويشير إليها، على الهامش، كأنها تتلخص في ~~وضع «مفاهيم اصطلاحية بسيطة» (!) هكذا، تم اختزال النظريات الفكرية الرائعة بشأن المرض النفسي، ~~والتي تمثل النتاج الفكري لأفلاطون وأرسطو ولوكريسيوس وسينيكا وجالينوس وكثيرين غيرهم في هذه ~~العبارة. # يختتم فوكو هذا الجزء الثاني بالحديث عن «المواجهة بين الطبيب والمريض في العالم الخيالي ~~للعلاج» (الفصل الرابع: «أطباء ومرضى»)، موضحا أنه، كما كان الحجز والاستشفاء منفصلين عن الطب، ~~كذلك «لم يكن هناك تواصل حقيقي بين النظرية والعلاج» داخل هذا المجال العلمي نفسه. على العكس من ~~ذلك، رأينا من قبل إلى أي درجة كانت الممارسة العلاجية للجنون قديمة ومرتبطة ارتباطا وثيقا ~~بالنظريات الطبية، ولا سيما نظرية الأخلاط البشرية : حيث كانت العلاجات المفرغة أو الأدوية ~~المكملة تستخدم لعلاج الاضطرابات الكمية، وكانت طرق المعالجة الإخلافية تستخدم للسيطرة على ~~الاضطرابات النوعية. ليست هناك حاجة للتأكيد على الاتساق النظري للاستجابة العلاجية، بيد أن هذا ~~الاتساق ليس بالضرورة مرادفا للفاعلية. لم يظهر أي من هذا لدى فوكو الذي رأى، بالطبع، أن مثل ~~هذه الاستمرارية تتعارض وما يقدمه في أطروحته. فجل ما كان يهمه هو التأكيد على الطابع الوهمي ~~لهذه الطرق العلاجية، مذكرا في هذا الصدد باللجوء إلى «ترياق» لم يكن له وجود قط في تاريخ ~~الجنون (حتى الخربق، الذي تكرر ذكره لدى لافونتين، لم يشكل قط ترياقا ناجعا، إنما انتقل من ~~كونه دواء مطهرا قوي المفعول إلى كونه مجرد صورة رمزية). كما يضيف فوكو إلى ما سبق الأفيون ~~المعروف بخصائصه المهدئة منذ العصور القديمة، والمكونات الشعبية المختلفة (مثل مسحوق عظام ~~الجماجم، والأحجار الكريمة) التي ورد ذكرها في البحوث الطبية الخاصة بالصيدلة والمستحضرات ~~الدوائية في ذلك الزمن. على أي حال، ما يثير اهتمام الفيلسوف، ليس هو استعراض تاريخ الطب الثابت ~~والمقرر (وإلا، فما الفائدة من بحثه وتناوله؟) ms092 وإنما «المخطوطات الرمزية التي ظلت حية تعاند ~~الزمن، في طرق العلاج في العصر الكلاسيكي.» في الفصل الذي يتناول «معالجة الجنون»، سنتوقف ~~مطولا عند هذه المسألة، وخاصة لبحث المعالجة المعنوية التي ينفي فوكو وجودها في القرن الثامن ~~عشر، ليضعها بالأحرى في سياق القرن التاسع عشر في إطار الاتجاه «الأخلاقي» والمذهب «الوضعي» ~~(وهو ما يشكل هدفه الأساسي)؛ حيث «ستنتظم السيكولوجيا (علم النفس)، باعتبارها وسيلة للشفاء، ~~حول العقاب.» ~~••• # أما الجزء الثالث والأخير من أطروحة ميشيل فوكو، فقد كرس لظهور الطب النفسي في «القرن ~~التاسع عشر الوضعي». وسوف نقرؤه بالتفصيل عندما يحين الوقت لذلك، حرصا منا على الحفاظ، في هذه ~~الدراسة الممتدة على فترة زمنية طويلة، على مخطط زمني بحت. وسيتعين أيضا وضع النتاج الفكري ~~للفيلسوف المتمثل في هذا المؤلف ضمن نطاق الموجة المضادة للطب النفسي التي امتدت فيما بين ~~عامي 1960 و1970. # الفصل الثاني # | المشفى العام # ماذا عن «الاعتقال الكبير»، ذلك الحدث المفاجئ الذي كان له وقع الصاعقة والمتمثل في إنشاء ~~المشفى العام بباريس في عام 1656؟ وما علاقة الحمقى بكل هذا؟ يعد عام 1656 عاما هاما في ~~تاريخ الجنون والطب النفسي؛ مما يستوجب التوقف عنده بالبحث والتقصي والاستكشاف العميق. في ~~الفترة نفسها تقريبا، انتشرت لوحة تحمل نقشا باللغات الفرنسية والهولندية والألمانية. وكانت ~~تحمل العنوان التالي: «معلم الحجاج التنابلة، حضرة رئيس دير المعدمين الماكرين»، نرى في هذه ~~الصورة متسولا قصير القامة، ملتحيا وماكرا، متشحا بلباس غريب أشبه بزي الحج، عبارة عن ~~قبعة واسعة ووشاح مزدانين بزخارف كثيرة على هيئة محار سان جاك. تبدأ الرباعية بالبيت الشعري ~~التالي: «يا له من حاج غريب يصلي بتراخ!» هذا الرسم الكاريكاتوري وغيره من الصور الهزلية ~~والرسوم الساخرة التي طافت أرجاء أوروبا المسيحية تبدو غير متوافقة مع الروح الإنجيلية، ~~ومتناقضة تماما مع الحماسة المتقدة لفعل الخير والإحسان، التي كانت دافعا أساسيا وراء إنشاء ~~المشافي الأولى في القرون الوسطى، والتي كانت تنظر إلى الفقراء باعتبارهم أعضاء متألمة في جسد ~~المسيح. فماذا حدث؟ # احتجاز المتسولين # إن القرارات الخاصة بمنع التسول وحظر ms093 التشرد إذا كان الإنسان سليم البنية وبصحة جيدة تعود ~~إلى فترة بعيدة من الزمن. فنجدها ماثلة بالفعل في مدونة ثيودوسيانوس (المتسولون ليسوا ~~عاجزين)، أو في وثيقة شارلمان القانونية. وفي عام 1166، أثيرت هذه القضية في سياق جلسات ~~كلارندون التي عقدت في عهد هنري الثاني، ملك إنجلترا، في إطار تعزيز السلطة القضائية حيال ~~الخطاب المتعلق بالفقر، ومن أجل التصدي لانتشار الفقراء السيئين ممن كثر عددهم في أعقاب تزايد ~~عدد المتشردين الذين بدءوا يتدفقون على المدن للتسول والاستجداء بها. # 1 # كان نيقولا أوريسم، أسقف ليزيو في القرن الرابع عشر، ومترجم مؤلفات أرسطو، ~~والفيلسوف وعالم الاقتصاد؛ يرى أن الفقر يضر بالدولة ويسيء إليها، كما كان يعتقد أنه لا بد من ~~إجبار جماعات المتسولين الرهبانية على العمل. وقد لقيت هذه النظريات استحسانا في أوساط ~~الحياة السياسية (والعكس صحيح)، نذكر على سبيل المثال، ذلك المرسوم الذي أصدره جون الثاني ملك ~~فرنسا، الشهير بجون الطيب، في عام 1350، والذي أمر فيه الأشخاص «عديمي النفع والفائدة» ~~بمغادرة باريس. وقد سبقت إيطاليا بقية أجزاء أوروبا في التحضر والتمدن، كما كانت متقدمة كذلك ~~في مجال التشريع. فاعتبارا من القرن الرابع عشر، أصدرت مدينة البندقية قوانين تحظر على ~~المتسولين التشرد في الشوارع، وتفرض عليهم الإقامة في المشافي. وفي عام 1406، تأسست هيئة ~~للتقوى والبر بالفقراء في ميلانو، بحيث تكون مسئولة عن تنسيق المساعدات، وفي الوقت نفسه وضع ~~الفقراء (بما في ذلك عابري السبيل) في دور الضيافة، وهو الإجراء الذي كان متبعا قبل إنشاء ~~المشفى العام بميلانو في عام 1448 (ومن الجدير بالذكر أنه قد جرى إنشاء مشفى آخر في بريشا ~~في عام 1447، ثم أعقبه بناء مشفى آخر في برجامو في عام 1449). وهكذا فإن مصطلح المشفى العام ~~الذي ظهر في ذلك الوقت لم يكن يعني لا مشفى ولا سجنا بالمعنى الذي نعرفه اليوم، وإنما يمكن ~~تعريفه باعتباره مؤسسة تؤوي المتشردين والمتسولين؛ حيث كان يتم استقبالهم والإبقاء عليهم ~~بالقوة. وهكذا ستنشأ ثنائية الإحسان-القمع، وداخل إطار هذه الازدواجية ستكون للمصطلح الثاني ~~الغلبة على المصطلح الأول تدريجيا. ms094 # في أواخر القرون الوسطى وفي النصف الأول من القرن السادس عشر، أدت المصائب التي انتشرت في ~~ذلك الزمان إلى تضاعف عدد الفقراء في جميع أنحاء أوروبا. فيما يتعلق بمنطقة حوض البحر ~~المتوسط، يقدر فرناند بروديل عدد الفقراء في ذلك الوقت بما يتراوح ما بين 12 و14 ~~مليونا؛ أي ما يعادل 20٪ من السكان. بالطبع، ليس هؤلاء جميعهم متشردين ومتسولين، بيد أنه حتى ~~لو لم يكن هناك إلا عشر هذا العدد، لما كانت مشكلة الشرطة - التي طرأت بالتبعية - لتصبح أقل ~~حدة: من هم هؤلاء المتشردون؟ تشمل هذه الفئة - على سبيل المثال وليس الحصر - الأفراد الذين ~~يعانون من البطالة الموسمية والعاطلين «المحترفين»، والحجاج سواء أكانوا حقيقيين أم زائفين، ~~أو الواعظين، و«الأوغاد» [الجنود المشتتين]، والعاهرات، و«الشيوخ الهرمين»، والمعوقين، ~~والمكفوفين، والمصابين بالجرب وغيرهم من «المشوهين» (ومن بين هذه الطائفة الأخيرة نجد ~~المختلين عقليا والمصابين بالصرع)، والبوهيميين، «المصريين» والغجر الذين هاجروا إلى أوروبا ~~الغربية في أعقاب الغزو التركي، والذين تم إقصاؤهم وطردهم من مواطنهم الأصلية، والفرنجة ~~الحقراء المتصفين بالوضاعة والخسة و«مراقبي الطريق»، والأطفال المهجورين ... إلخ. # وقد وجهت السلطات العامة والنخب الكثير من اللوم إلى هؤلاء المتشردين: فكان ينظر ~~إليهم باعتبارهم السبب في جلب الطاعون أو الزهري، ذلك الوافد الجديد الذي نشر الخراب والدمار، ~~وباعتبارهم مسئولين عن ارتكاب كافة أنواع الجرائم وأقلها التسول «بكل وقاحة» (أي بالتهديد)، ~~والمشاركة في حركات التمرد المتعلقة بتوزيع حصص الحنطة وفي جميع «الثورات الانفعالية» الشعبية ~~بصفة عامة، بل والتجسس لصالح جهات خارجية. ولكن بالأخص وجه إليهم انتقادان أساسيان؛ ~~أولهما: أنهم يعيشون بلا دين (إن لم يكونوا وراء نشر البدع والهرطقات). وثانيهما، وهو السبب ~~الأكثر أهمية: أنهم عديمو النفع وكسالى. هذا «المنظور السلبي» للفقر أدى إلى الانهيار ~~التدريجي للنظام التقليدي للصدقة الفردية، ولا سيما أن فكر الإصلاح (الكالفينية تدين التسول ~~والتصدق) شهدت انتشارا واسعا وامتدت إلى الدول الكاثوليكية. وهكذا «بدأت أيديولوجية ~~جديدة للاحتجاز تتعارض مع النظرية اللاهوتية القديمة المتعلقة بالصدقة» (جون بيير جوتن). ألم ~~نر البابا بيوس الخامس يصدر مرسوما باباويا بمنع التسول ms095 في روما، وإلا يقع المذنب تحت ~~طائلة القانون وتتم معاقبته بالسجن، أو بالنفي أو بالأشغال الشاقة؟ ألم يفكر أيضا في إنشاء ~~معزل للفقراء في المدينة الخالدة؟ # وهكذا، بدأت السلطات العامة تحل تدريجيا محل الاختصاص الكنسي في جميع أنحاء أوروبا من ~~خلال الإجراءات التالية: علمنة المشافي، وتفويض مسألة تقديم المساعدات إلى قضاة الدوائر ~~المحلية، وإنشاء مكاتب للصدقات في المدن الكبرى. خلاصة القول أن «الفقر المدقع أصبح مشكلة تمس ~~النظام العام» (جون بيير جوتن)؛ ومن ثم، أصبح من الضروري مراقبة وتنظيم عملية الإحسان، وذلك ~~باتخاذ التدابير التالية: مركزة المعونات وإعادة تنظيم المشافي، ومضاعفة المراسيم ~~الملكية أو القرارات الصادرة من مجالس البلدية بشأن منع التسول، والقول بعدم وجوب إعانة ~~الفقراء إلا في محال إقامتهم (وفقا لمرسوم مولان، الصادر في فبراير 1566). هل هذا يعني أن ~~التيار السياسي-الإداري قد تفوق بالفعل على التيار الديني؟ بالطبع لا، ولن تبقى الحال على ما ~~هي عليه في القرن السابع عشر. بل على العكس من ذلك، الرجوع ~~إلى الكتب المقدسة في عصر النهضة يقتضي، ضمن أمور أخرى، إغاثة ومساعدة الفئات المحرومة. لكن ~~أصحاب نظرية المساعدة، أمثال فيفيس أو ميدينا، نجحوا في تطوير الفكرة القائلة بأن الإحسان لا ~~يمكن ويجب ألا يمارس دون تمييز؛ ومن ثم تتجلى ضرورة التفريق بين الفقراء الحقيقيين ومحترفي ~~التسول، وبين العاجزين والأصحاء. فالفئة الأولى تستحق الصدقة، أما الثانية فتستحق ~~الحبس. # بيد أن هذه النظريات لم تلق قبولا بالإجماع. وقد حاولت بعض الكتابات الاعتراض والرد على ~~ذلك بالقول بأنه من الصعب عمليا التمييز بين الفقراء الجيدين والفقراء السيئين، وأن إلغاء ~~التوزيع المباشر للمعونات والتبرعات على الفقراء ينطوي على مجازفة فقد يؤدي إلى نضوب معين ~~الصدقات (حيث إن أي رغبة في مركزة المساعدات من شأنها أن تفترض حظر هذه الممارسة التقليدية). ~~فما أهمية أننا نتعرض للخداع عندما نتصدق أو نعطي الفقير؟ يقول القديس توماس الفيلانوفي: ~~الأمر لا يعنينا في شيء كما أننا، بالمنطق نفسه، لا نستحق الثواب الأبدي الذي نناله كمكافأة ~~عن هذا الفعل. # ولكن هذا لا ms096 يمنع أن قمع الضالين والمتشردين، وبالأخص احتجازهم، بدأ يدخل حيز التنفيذ، ~~ومن جديد برزت إيطاليا في الصدارة. هذه هي الحال في روما، التي كان المتسولون يتدفقون عليها ~~من جميع أنحاء إيطاليا، إلى الحد الذي جعل مونتين يقول مازحا في كتابه «دفتر يوميات الرحلة ~~إلى إيطاليا»: إن «كل فرد، كان يأخذ حصته من إعانات البطالة الكنسية.» وفي عام 1581، أنشئ ~~أول مستشفى في عهد البابا غريغوريوس الثالث عشر، واحتجز به ما لا يقل عن 850 شخصا ما بين ~~متسول وعاجز وكفيف. عقب الانطلاقة الحماسية التي رافقت التأسيس، لم تدم هذه المشافي العامة ~~لوقت طويل، ويرجع ذلك لأسباب مالية. في نهاية القرن السابع عشر، كانت روما بصدد إنشاء المشفى ~~الثالث للفقراء، الذي سرعان ما وصفه «عامة الناس» بأنه مأوى للهالكين الميئوس منهم (حيث لا ~~ينال الشخص إلا اليسير من العناية بانتظار موته). وقد أوفد البابا إينوسنت الثاني عشر واحدا ~~من طلائع اليسوعيين، وهو الأب جيفار، لمواجهة الرأي العام. ورد هذا الأخير على ذلك الادعاء ~~قائلا: إن هذا الكلام ليس صحيحا، وحتى إذا ثبتت صحته، فإن ذلك الأمر لن يعدو أن يكون في ~~النهاية إلا عقابا على خطيئة التسول. # فرضت هذه المسألة نفسها بقوة في فرنسا، خصوصا أن هذه الدولة كانت هي الأكثر اكتظاظا ~~بالسكان في أوروبا (فقد بلغ عدد السكان في أوائل القرن السادس عشر 16 مليون نسمة)، وبالتالي ~~كان عدد الفقراء بها كبيرا مقارنة بالمناطق الأخرى. ورغم ذلك كان لا بد من الانتظار فترة ~~طويلة بما فيه الكفاية إبان ولاية الملك فرانسوا الأول حتى تتضاعف المراسيم الملكية بهذا ~~الخصوص. فالإعلان الملكي الصادر في 7 مايو 1526 تصدى في البداية لمشكلة أكثر أهمية، كما هي ~~الحال بالنسبة إلى روما، تتعلق بالعاصمة. هناك العديد من النماذج البشرية التي كان يجري الزج ~~بها في السجن أمثال «المتشردين العاطلين، والأشخاص سيئي السلوك والتصرف، والأفاقين، ولاعبي ~~الورق والنرد، والمجدفين على اسم الله، والقوادين، والشحاذين سليمي الجسد القادرين على ~~العمل الذين بإمكانهم كسب معيشتهم بطريقة أخرى غير التسول ms097 ...» وقد سار برلمان باريس على الدرب ~~نفسه حين أصدر في عام 1532 قرارا يقضي بإرسال المتسولين الأصحاء لتسليك وتنظيف مصارف المياه ~~بباريس، ولتنظيف الشوارع والمجاري، وللعمل في المناطق المحيطة بالحصون والأسوار. وسيتم ~~إطعامهم وإيواؤهم، ولكن مع الحرص على «إخضاعهم بشدة وقسوة قدر الإمكان». وقد صدر مرسوم ~~ملكي مماثل في 26 مايو 1537، وتم تعميم سريانه على المملكة بأكملها. # أما هنري الثاني، الذي تولى الملك في عام 1547 خلفا لأبيه، فقد أصدر في العام نفسه ~~لتوليه الحكم بيانا أشد قسوة وصرامة أوضح فيه أن الفقراء الحقيقيين المعاقين جسديا ~~محرومون من الصدقات بسبب المتسولين والشحاذين سليمي البنية؛ لذا سيتم إجبار هؤلاء المدعين ~~على العمل في الأشغال العامة، وسيتم وضع المعاقين المشردين الذين لا مأوى لهم في المشافي. ~~غير أن الإصدار المتكرر لقرارات الحظر وتغليظ العقوبات يظهر بشكل واضح أن هذه المعركة لا ~~نهاية لها. # في الوقت نفسه، أصبحت المساعدات منحصرة في مقرات مركزية: ففي عام 1531، أنشئ المركز ~~العام لتوزيع الصدقات في ليون، كما تم تأسيس مكتب للفقراء في روان في عام 1534، ومكتب كبير ~~للفقراء في باريس في نفس العام. واجتيحت باريس من قبل المتسولين، ولا سيما أنهم كانوا يأتون ~~من جميع أنحاء المملكة. وكانت هناك مخاوف من انتشار الطاعون «الذي طالما حفظ الله المدينة ~~منه». وتمثل الابتكار الأعظم في تعيين منشأة خاصة للشريحة الواسعة من المتشردين العاجزين، ~~والتي تنقسم ما بين «الفقراء الحقيقيين»، المراد إبقاؤهم في المناطق الرعوية التابعين لها على ~~أن يتم إرسال المعونات لهم في مقار إقامتهم؛ والمتسولين سليمي الجسد المراد طردهم من باريس. ~~ومن الجدير بالذكر أن مجذمة سان جرمان (الخالية من المجذومين)، التي كانت مهجورة ~~منذ عام 1544، أعيد «تأهيلها» في عام 1557، وتحولت إلى ~~مشفى سان جرمان المخصص «لإيواء وحجز وإطعام الرجال والنساء والفقراء غير القابلين للإصلاح ~~والتقويم أو المعاقين أو العاجزين». مساعدة واحتجاز ... هكذا نشأ المشفى العام - حتى لو لم يكن ~~تحت هذا الاسم نفسه - في فرنسا، وبالأخص في باريس، في منتصف القرن السادس عشر. # تشكل المادة 73 من ms098 مرسوم مولان (مارس 1566) أول قانون عام يصدر بشأن التسول. وقد نص على ~~أن الفقراء التابعين لكل منطقة يجب إطعامهم ورعايتهم والاعتناء بهم «من قبل سكان المدينة، أو ~~البلدة أو القرية التي ينتمون إليها، سواء أكانوا من سكانها الأصليين أم من القاطنين بها، ~~ويحظر عليهم التسكع أو الاستجداء خارج نطاق المكان الذي ينتمون إليه.» بالإضافة إلى ذلك، نص ~~هذا القانون أيضا على أن المراسيم الخاصة بإصلاح المستشفيات ستدخل حيز النفاذ، وهو ما يسهل ~~قوله عن فعله، كما سيظهر ذلك مرة أخرى من خلال تكرار هذه الأحكام في العقود التالية. # في باريس، تكررت أول محاولة لاعتقال المتسولين، والتي تعود إلى عام 1526، في عام 1611 مع ~~تأسيس، أو بالأحرى نشر، اللوائح الخاصة ب «مشافي الفقراء المحتجزين». وتولى العشرون رقيبا ~~الذين جرى تعيينهم لهذا الغرض مهمة «القبض على جميع الفقراء الشاردين بالمدينة». المستهدفون ~~بالطبع هم الفقراء المتشردون سليمو البنية، ولكن هذا لا يلغي القرار الذي ينص على إيواء ~~العاجزين والمرضى الميئوس من شفائهم في مكان منفصل. من المرجح أن هذه المحاولة الأولى لاعتقال ~~المتسولين على نطاق واسع في باريس كانت قد بدأت على نحو هزلي، استنادا إلى ما ورد في ~~المذكرة الهجائية والمتبصرة إلى حد بعيد، والتي صدرت لاحقا بعد خمس سنوات تحت عنوان ~~(«مذكرة بشأن الفقراء المحتجزين»، 1617). أعدت القضية من خلال حملة ملصقات في زوايا ~~الشوارع، لإلزام «المتشردين، والكسالى المتبطلين، والمتسولين والمستجدين، والأصحاء ~~والعاجزين، والغرباء والأجانب» الذين ليسوا من السكان الأصليين لباريس؛ بمغادرة المدينة. ثم ~~علقت لافتات جديدة وتم التنويه عن إعلانات في أثناء العظات التي ألقيت في الكنائس الرعوية ~~تتعلق بإصدار أوامر استدعاء لأولئك الذين بقوا، مع التنبيه على ضرورة وجودهم يوم الثلاثاء في ~~ساحة معرض سان جرمان في تمام الساعة الثامنة صباحا. وقد كان تعداد المتسولين في هذه المدينة، ~~طبقا لما ورد في المذكرة القانونية المشار إليها سابقا، يتراوح ما بين 8000 و10000، ولكن لم ~~يحضر منهم في اليوم المحدد إلا 91. وقد انتظر كل من رئيس مجلس النواب والنائب العام، اللذين ms099 ~~ذهبا إلى الساحة، طوال اليوم ولكن دون جدوى. أما عن المتسولين، فقد رأوا أنه من الأفضل ~~الاختفاء: «عد الأمر بمنزلة معجزة، أن ترجع المدينة خالية من الفقراء كما كانت، وأن ينسحب ~~منها المتشردون، والسائلون المعدمون، والفقراء السيئون.» وفي نهاية المطاف، بادر الفقراء ~~الأكثر احتياجا والذين يعانون من اعتلال صحي بتسليم أنفسهم في الأسابيع التالية، ليتم ~~احتجازهم على النحو التالي: احتجز الرجال سليمو البنية في ضاحية سان فيكتور؛ حيث تم الشروع ~~في بناء مشفى لا بيتييه (الرحمة)، بينما جرى احتجاز النساء والأطفال الصغار في ضاحية سان ~~مارسيل بسيبيون، أما العاجزون، فقد وضعوا في الدور الصغيرة (التي سنتحدث عنها فيما بعد). ~~يرجح أن العدد الإجمالي لهؤلاء المحتجزين كان 800، ثم زاد تدريجيا حتى بلغ 2200 في عام ~~1616. وهو ما يعد نجاحا، ولكنه نجاح نسبي، بالنظر إلى العدد الأصلي، وعلى وجه الدقة نجاح ~~وقتي وسريع الزوال. فكما يلاحظ مؤلفنا المجهول ويقول مازحا: «الأشياء الجيدة تحدث دائما في ~~البداية وتذبل وتضمحل في النهاية!» نظرا لأن الخدام والساسة قاوموا عمليات الاعتقال، قام ~~المفوضون بالمكتب الكبير للفقراء بشن حرب إدارية على مديري مشافي المحتجزين، وإذا أضفنا إلى ~~ذلك نقص الموارد المالية، فسنجد أن هذه الأسباب كانت كافية كي تفضي في نهاية المطاف إلى فشل ~~عملية الاحتجاز في عام 1612. خلاصة القول أن العناصر المختفية عاودت الظهور بينما استعاد ~~المحتجزون حريتهم. # لا يسعنا دون مجازفة استخلاص الكثير من هذه المذكرة المعادية بعنف للمتسولين الذين تكتظ ~~بهم العاصمة، ولكنها تخبرنا من خلال هذه اللهجة الحادة بتفاصيل مثيرة للاهتمام بشأن الحيل ~~التي يلجأ إليها المتسولون للتنكر والظهور بمظهر العاجزين أو المعوقين على النحو التالي: ~~«البعض يظهرون في صورة كتع وقطع، أو عرج أو مصابين بقروح في أجزاء متفرقة من جسدهم، ~~والبعض يجعلون بشرتهم تبدو وكأنها مشوهة، ويضعون على جلدهم دم بهائم، ويحدثون آثار انتفاخ ~~وتورم ويرقان بفعل الكبريت، ويعرضون مناظر مخيفة لجسدهم، وبخاصة للأعضاء التناسلية، وغير ذلك ~~من وسائل الغش والخداع التي لا نهاية لها، والتي يبتدعونها بهدف استغلال مصطلح «الفقر»، ms100 ~~والاحتيال على فاعلي الخير لكسب تعاطفهم والاستفادة بالمكر والخديعة من إحسانهم، وخداع ~~الجميع.» ومن هنا جاء تعريف ساحة المعجزات: «هي عبارة عن مكان أطلق عليه هذا الاسم؛ لأن ~~أولئك الصعاليك المتسولين لا يبدون في الحقيقة عرجا ولا مصابين بقروح إلا خارج هذه ~~الساحة.» تخبرنا هذه المذكرة أيضا عن جريمة تدنيس المقدسات التي تجاسر هؤلاء المتسولون على ~~ارتكابها بمنتهى الوقاحة والسفاهة: «لقد كانت الكنائس والشوارع مكتظة بالجنود، والخدام ~~العاملين في صفوف الجيش، والتابعين، والفلاحين، والرجال والنساء المتسولين، إلى الحد الذي ~~يستحيل معه التحدث عن أي أعمال أو تلاوة الصلاة الربانية دون التعرض للمقاطعة ثلاث أو أربع ~~مرات من قبل أولئك المتسولين، الذين كانوا يشكلون مصدرا للإزعاج والضيق بإلحاحهم الشديد، ~~وما يطلقونه من شتائم وتجديف على اسم الله، وسباب بأقذع الألفاظ؛ وهو ما جعل الشعب يتمتم ~~متسائلا باستغراب عن هذا العدد الكبير الذي يراه من المتسولين والشحاذين، وعن أقوالهم ~~المليئة بنبرات السخط والتجديف والسباب بالألفاظ النابية والإهانات، وتراه لا يستطيع أن يصدق ~~أنه يوجد آخرون في دور الحجز، فضلا عن إشاعة خبر، نشره بعض من الفقراء المذكورين، يفيد بأنه ~~قد فتحت لهم الأبواب.» # منذ إصدار مرسوم مولان، لم تعد المشكلة باريسية فحسب، وإنما أصبحت «قومية». نذكر في هذا ~~الصدد بيان ريشيليو الذي صدر في عام 1625 وقضى ب «ضرورة إحلال النظام وإقرار لوائح خاصة ~~بالفقراء في جميع المدن التابعة للمملكة»، وكذلك المرسوم الملكي المعروف باسم «قانون ميشو» ~~الذي صدر في يناير 1629 ونص على ما يلي: «في جميع المدن التابعة لمملكتنا، يتعين الالتزام ~~بالنظام وتطبيق القانون في مدينتي باريس وليون، فيما يتعلق باحتجاز ورعاية وتغذية الفقراء»، ~~بالإضافة إلى المرسوم الذي أصدره لويس الثالث عشر في عام 1639، غير أن صرامة هذا القرار ~~الأخير (الحكم بالسجن مع الأشغال الشاقة) وجدت ما يبررها، أو على الأقل ما يفسرها في سياق ~~حركات التمرد الشعبية التي هزت أرجاء المملكة (1635، 1636-1637، 1639 ...) في نهاية عهد الملك ~~لويس الثالث عشر، بدا وكأن المتشردين والفقراء باتوا يمثلون «فئة خطيرة» أكثر ms101 من أي وقت ~~مضى. # استجابة لهذه التعليمات المختلفة، قامت المدن الهامة في النصف الأول من القرن السابع عشر ~~بتخصيص مشفى عام، مثلما حدث بداية في مدينة ليون؛ حيث أنشئ في عام 1614 المشفى العام. ذلك ~~البناء الذي كان يعد نموذجا في عمل الخير والإحسان ومساعدة الغير، ولكن هذا لا ينفي أن ~~الاحتجاز كان حقيقة واقعة، إضافة إلى العمل الإجباري (غزل الحرير) والنظام الصارم (العقاب ~~البدني والحبس الانفرادي). ثم جاء الدور في عام 1641 على مدينة مرسيليا «لتجهيز دار للبر ~~والإحسان بغرض حجز الفقراء المتسولين، الرجال والنساء والأطفال اليتامى وغيرهم من المحتاجين ~~الذين لا يملكون أي وسيلة لكسب لقمة العيش بها، حيث تتم رعايتهم وتربيتهم في مخافة الله، ويتم ~~تكليفهم بالأعمال المتوافقة مع قدراتهم.» كما شيدت العديد من المشافي العامة الأخرى في بعض ~~المدن الأقل أهمية. # تأسيس المشفى العام بباريس # لا بد من دراسة المرسوم الصادر في عام 1656، في ضوء هذه الفترة الزمنية الطويلة، المليئة ~~بمجموعة من الإخفاقات الجزئية المتتالية، مع الحرص على فصل ذلك المرسوم عما سبقه أو تبعه من ~~مراسيم أخرى، التي لا يقل عددها، في الواقع، عن عشرين مرسوما ملكيا تقريبا، فضلا عن ~~قرارات وأحكام المجالس النيابية التي حاولت - طيلة حكم النظام القديم، ولكن دون جدوى - حظر ~~التسول وإصدار أوامر باعتقال المتسولين الأصحاء سليمي البنية. # كان عدد السكان في باريس يبلغ بالفعل 300 ألف نسمة. وقد كانت هي المدينة الأكثر اكتظاظا ~~بالسكان في أوروبا والأكثر شهرة في الوقت نفسه. ولكن، كم كان عدد المتسولين في الشوارع وفي ~~ساحات المعجزات؟ أهو 30 ألف؟ نجمت عن هذا الوضع مشكلة خطيرة تتعلق بالشرطة؛ ذلك أن المتسولين، ~~من كثرة عددهم، أصبحوا أكثر جرأة من ذي قبل، فبدوا وكأنهم يطالبون بقوت يومهم أكثر من كونهم ~~يستجدونه. بيد أن حالة الكلل والضجر العامة التي تفشت في أرجاء المملكة في أعقاب اضطرابات ~~لافروند قد منحت السلطة الحاكمة فرصة استثنائية؛ لاستعادة السيطرة التي كانت متركزة في ذاك ~~الوقت في أيدي الوصي على العرش، ومازاران، وكولبير أكثر ms102 من كونها في يدي لويس الرابع عشر ~~الذي لم يكن عمره يتجاوز، في عام 1656، ثمانية عشر عاما. باتت الظروف مواتية، ولا سيما أن ~~السلطة السياسية لم يكن عليها فرض إرادتها بقدر ما كان لزاما عليها إعطاء قوة قانونية للعمل ~~الدءوب الذي تقوم به بعض الشخصيات، التي كرست نفسها - منذ الفشل الذي حدث في عام 1612 - ~~لمشروع إحياء «مشافي الفقراء المحجوزين» الذي سيتخذ فيما بعد اسم المشفى العام. غير أن كلمة ~~«فشل» ليست هي الكلمة المناسبة. إن مستشفى سان جرمان موجود منذ منتصف القرن السادس عشر، وقد ~~أسفرت المحاولات التي بذلت في عام 1612 عن بقاء بعض الدور مثل: دار لا بيتييه (الرحمة)، وهي ~~عبارة عن مأوى للعاجزات المسنات والأطفال، ودار سيبيون للمسنين العجزة أو ذوي العاهات ~~والإعاقات، ودار بون سوكور (المعونة) للعاهرات، ودار سافونري؛ حيث كان يجري إلحاق الصبيان ~~اليافعين بالعمل في مصانع السجاد والمفروشات. وتجدر الإشارة بشكل عابر إلى أنه أجري فصل صارم ~~بين هذه الفئات المختلفة. # أخيرا، استعاد أنصار سياسة اعتقال المتسولين نشاطهم مع موجة حركة أعمال الخير والإحسان ~~التي نمت في فرنسا، خاصة في الفترة ما بين 1640 و1649. وهكذا رأينا قضاة باريسيين بارزين ~~يحرصون، في عام 1651، على المساهمة في إنشاء «متاجر خيرية»، ولكن الدور الرئيس اضطلعت به ~~جماعة سان ساكرمن (القربان المقدس)، التي أنشئت في عام 1629. فلجنة العمل الكاثوليكية ~~هذه - التي كانت نوعا ما سرية - كرست كل جهودها من ~~أجل مشروع معين يتمثل في العمل على اجتثاث التسول والقضاء على البطالة؛ مما يعني باختصار ~~إنشاء المشفى العام، ولكن بنجاح هذه المرة. ومن الجدير بالذكر أن دوقة إيجويون، وهي ابنة أخت ~~الكاردينال ريشيليو وكانت على صلة وثيقة بجماعة سان ساكرمن، ستلعب دورا رئيسا في هذا الصدد. ~~فهي التي أرست، في عام 1634، دعائم مستشفى جالير في مارسيليا، ثم أثارت اهتمام كل من بومبون ~~دو بليافر، رئيس مجلس النواب بباريس، ونيقولا فوكيه، النائب العام وناظر المالية، بخصوص مشروع ~~تأسيس مشفى عام كبير في باريس. ومع ذلك، رأى كثيرون أن ms103 هذا المشروع غير قابل للتحقق ووصفوه ~~بأنه «حلم يقظة يراود الأتقياء.» بعيدا عن تأييد ما قاله ميشيل فوكو بأن العصر الكلاسيكي ~~اخترع الاعتقال، ربما يكون من المهم أن نشرح كيف كانت محاولة 1656 باروكية أكثر منها ~~كلاسيكية. # جاء الإعلان الملكي الصادر في أبريل 1656 في صورة مرسوم ملكي ينص على «إنشاء مشفى عام ~~يوضع فيه فقراء ومتسولو مدينة باريس وضواحيها.» يبدأ هذا الإعلان بديباجة طويلة تقر وتعترف ~~بشكل صريح وواضح بفشل التدابير التي اتخذت منذ القرن الماضي «لمنع التسول والبطالة ~~باعتبارهما مصدر كل أشكال الفوضى»، وخاصة محاولة الاحتجاز في عام 1612. ويرجع السبب في هذا ~~الإخفاق إلى نقص الموارد المالية وعدم وجود قيادة قوية بما فيه الكفاية لتولي زمام الأمور. ~~«وصل انحلال المتسولين إلى حدوده القصوى بفعل انغماسهم في كل الجرائم التي تستثير لعنة الله ~~على الدول إذا لم يوضع حد لهذه الأعمال»، فضلا عن أن العديد من هؤلاء المتسولين كانوا يعيشون ~~في غفلة من الدين. وقد نظر بعين الاعتبار إلى هذه المسألة «استنادا إلى الدافع الخيري ~~وحده» وليس «تنفيذا لأوامر بوليسية»؛ (إذ ننظر إلى هؤلاء الفقراء المتسولين باعتبارهم ~~الأعضاء الأحياء للسيد المسيح لا باعتبارهم أعضاء غير نافعين للدولة.) بعيدا عن هذا التمهيد ~~الرائع، فإن الجزء المخصص في هذه الديباجة للحديث بإسهاب عن مروق وزندقة المتسولين، واحتقارهم ~~للشعائر، وعلاقاتهم التي يقيمونها دون زواج، وأطفالهم غير المعمدين؛ يظهر - على الرغم ~~من ذلك - أن مسألة البر وعمل الخير لم تكن هي الدافع الوحيد وراء ما تم اتخاذه من تدابير. كيف ~~يمكن لملك «مسيحي شديد التدين» (وهي صفة شرفية مدعاة للفخر كان يمنحها الباباوات لمن يختارونه ~~من الحكام) في سياق زمن تتمجد فيه قوة الله وتعلو قدرته، وفي ظل مملكة بدأ يجري فيها اضطهاد ~~أعضاء الطائفة البروتستانتية وملاحقة معتنقي مذهب الجنسينية؛ أن يظهر تسامحا إزاء فضيحة ~~كفر المتسولين، أولئك الذين ليسوا أفرادا نافعين للدولة؟ كيف يمكن الاستمرار في تحمل وقاحة ~~وتجاسر هؤلاء المتسولين وتدنيسهم للمقدسات في الكنائس، «فهم أناس يعيشون كوثنيين تحت مظلة ~~المسيحية، ms104 يزنون طوال الوقت، ويتساكنون من دون زواج، أو يعيشون بشكل مختلط ضمن مجتمعات ~~جنسية»؟ [تغذية وتهذيب الفقراء]، هذا ما سوف نقرؤه على الوجه الآخر للميدالية التذكارية التي ~~صنعت احتفاء بذكرى إنشاء المستشفى العام. # ولكن ما الذي ينص عليه مرسوم 1656؟ لا شيء إلا الأوامر المعتادة بخصوص منع التسول وإلقاء ~~القبض على المتسولين واعتقالهم، غير أن ما يعتبر أمرا جديدا في الواقع هو الأهمية التي ~~احتلتها المؤسسات التي تحمل اسم المشفى العام، وعددها الذي أخذ يتزايد منذ ذلك الحين. ما يعد ~~أمرا جديدا أيضا هو تخصيص دخول ثابتة لا يستهان بها قادرة - بصرف النظر عن التبرعات ~~المنتظمة - على تمويل نشاط هذه المؤسسات. بالإضافة إلى ذلك، تتجلى هذه الرغبة في الفعالية من ~~خلال الإعداد المتزامن للائحة بغرض مساعدتنا على أن نتبين بشكل أفضل ما هي الفئات المستهدفة ~~التي كانت تحجز في المشفى العام على النحو التالي: الفقراء المتسولون كافة سواء أكانوا ~~سليمي البنية أم عاجزين، ولكن باستثناء أولئك المتزوجين (لن يتم قبولهم في سالبيتريير إلا ~~لاحقا)، والمجذومين، والمصابين بالأمراض التناسلية أو غيرهم من المصابين بأي مرض معد. لن ~~يتم استقبال المتسولين المكفوفين إلا بصورة مؤقتة في المشفى العام، ريثما ينضمون إلى المؤسسات ~~التي أعدت خصيصى لهم (كانز فن وإنكورابل). أما الحمقى، فلم يرد لهم أي ذكر، ولم ~~ينبغي ذكرهم؟ «فالمشفى» لم يكن يقصد به مكان للرعاية والعناية الطبية. هذا صحيح، والدليل ~~على ذلك أن الإجراء المتبع حيال المرضى بالمشفى العام يقضي بأن يجري إما نقلهم - خلال فترة ~~تلقيهم للعلاج - إلى أوتيل ديو، وإما وضعهم في المستوصف التابع للمشفى العام (حيث سيقوم ~~جراحان واثنان من رفقائهما الصيادلة على رعاية هؤلاء المرضى وخدمتهم مجانا). ولكن واقع الحال ~~أن الحمقى مرضى. # كان مشفى باريس العام يتكون من دار لا بيتييه، وملجأ ضاحية سان فيكتور، ودار سيبيون، ودار ~~سافونري، ثم اشتمل بالتبعية على مؤسسة الأطفال اللقطاء ومشفى الروح القدس، ولا سيما منشأتين ~~رئيستين؛ وهما سالبيتريير وبيستر. وقد احتلت مؤسسة سالبيتريير مساحة شاسعة من أراضي ~~الترسانة الصغيرة التي ms105 أنشئت في عهد لويس الثالث عشر في الجهة المقابلة للترسانة الصغيرة، على ~~الضفة الأخرى من نهر السين. هذا المجمع الفسيح، الذي كان مخصصا في البداية لصناعة ملح ~~البارود، أصبح فيما بعد مهجورا بالكامل حينما وهبه الملك للمشفى العام. يحتوي هذا المجمع ~~على بعض مخازن الغلة، و«قصر» ومصلى، جميعها بحالة متداعية. ولكن العمل كان يجري على قدم ~~وساق كما تشهد بذلك «يوميات مسافرين شبان هولنديين» في أبريل 1657: «رأينا بالقرب من الترسانة ~~الصغيرة، التي خصصت على نسق بيستر ولا بيتييه من أجل احتجاز الفقراء والأشخاص الذين ~~يتسولون بدافع الكسل في الشوارع، استعدادات كثيرة لإيواء المعوزين: كان قد جرى بالفعل ~~تجميع عدد كبير من هياكل الأسرة، وأفرشة القش والحشايا. ووزعت هذه الأغراض على ~~المباني الكبيرة المتنوعة التي كان بعضها قائما بالفعل والبعض الآخر جرى إنشاؤه. بلغ عدد ~~الفقراء نحو أربعمائة أو خمسمائة فقير. وقد وضعت أوان كبيرة في المطابخ؛ مما يدل على أنه لم ~~تكن هناك رغبة في أن يعانوا من سوء التغذية. إنها أجمل منشأة يمكن أن يراها المرء في حياته.» ~~بعد سالبيتريير، يتطرق مسافرونا الهولنديون إلى الحديث عن بيستر على النحو التالي: «هذه ~~المؤسسة عبارة عن دار تقع على بعد حوالي أربعة كيلومترات من ضاحية سان مارسو. هذا المنزل كبير ~~للغاية، ومحاط بأربعة جدران عالية يحرسها جنود تم تعيينهم في مواقعهم لمراقبة كافة أشكال ~~الفوضى والاضطرابات التي قد تحدث.» # 2 # أصدر برلمان باريس، فور تجهيز الأماكن، قرارا يلزم جميع المتسولين، أيا كانت أعمارهم، ~~الأصحاء والعاجزين على حد سواء، بالذهاب إلى ساحة لا بيتييه في الفترة ما بين 7 و13 مايو ~~1657؛ وذلك «حتى يقوم المديرون بإرسالهم إلى الدور التابعة للمشفى العام المذكور وتوزيعهم ~~عليها؛ حيث سيتم إيواؤهم، وإطعامهم، ورعايتهم، وتعليمهم، وتشغيلهم بالورش والمصانع والقطاعات ~~الخدمية التابعة للمشفى العام المذكور.» وهكذا يمكن اعتبار هذا القرار عينه بمنزلة تجديد لحظر ~~التسول في شوارع باريس اعتبارا من ذاك التاريخ. وقد ألقيت عظة رسمية يوم الأحد الموافق 6 ~~مايو في جميع الكنائس الرعوية بباريس، وأرسل مضمونها ms106 على هيئة نشرة إلى جميع القساوسة ~~والوعاظ. باختصار، نحن أمام سيناريو 1612 الذي يتكرر من جديد، ولكن النتيجة هذه المرة ~~ملموسة وجديرة بالتقدير: فقد جرى احتجاز ما بين 4000 و5000 متسول في المشفى العام خلال الشهور ~~التالية، وكل ذلك «من دون ذرة انفعال». وعبر الناس عن افتتانهم بمثل هذا الإجراء قائلين: ~~«إنها لمعجزة أن نرى باريس خالية من المتسولين بعد أن كانت تعج بهم فيما مضى.» «تغير وجه ~~باريس في ذلك اليوم، انسحب الجزء الأكبر من المتسولين إلى الأقاليم، أما أولئك الأكثر حكمة ~~فقد فكروا في كسب عيشهم دون استجدائه، والأشد عجزا سجنوا بملء إرادتهم. مما لا شك فيه أن ~~الفضل فيما حدث يرجع إلى عناية الله وحمايته لهذا العمل العظيم؛ لأننا لم نعتقد قط أنه قد ~~ينقضي دون مشقة جمة، ولم نتوقع أن يتم إنجازه ويكلل بالنجاح على هذا النحو.» # 3 # في الحقيقة، لم يلق القبض إلا على أولئك الذين سلموا أنفسهم؛ أي العاجزين. ~~ومرة أخرى، إذا كان المتسولون الأصحاء القادرون على العمل اختفوا، فهم بالأحرى قد تواروا عن ~~الأنظار في الخلاء وليس في الدور التابعة للمشفى العام. # هناك مشكلة أخرى تتمثل في تمويل العملية. في البداية، كان التنافس قويا، على نسق ~~الهبات التي قدمت من قبل الملك، أو الملكة، أو مازاران (فقد كان الملك يتبرع ب 100 ألف ~~فرنك، وهو ما يعد مبلغا ضخما، لاستقبال المتسولين المتزوجين في مبنى منفصل عن مؤسسة ~~سالبيتريير). ولكن النفقات الضرورية كانت كبيرة للغاية، كما كان من المتوقع أن تتزايد ~~المصروفات مع تزايد عدد المحتجزين. وربما تقدر التكلفة الأصلية للعملية ب 400 ألف جنيه، أو ~~بالأحرى ب 450 ألف جنيه؛ نظرا لزيادة عدد المحتجزين عما كان متوقعا. بيد أن نصف هذا المبلغ ~~كان لا يزال مفقودا في عام 1657، وقد تضاعفت خلال السنوات التالية النداءات التي تحث على ~~العمل الخيري العام. يتناقض كل هذا مع فرضية المستشفى العام الذي يعتبر ثمرة الحكم الملكي ~~المطلق؛ إذ إن هذه الملكية، التي ترسخ نفوذها وتأكدت سطوتها في ms107 عام 1661، ستكون فيما بعد ~~مسئولة بشكل جزئي عن انحسار فورة الحماس الرائعة التي كانت قد رافقت تأسيس ذلك المشروع ~~الكاثوليكي العظيم، الذي أطلقته جماعة سان ساكرمن، والمتمثل في إنشاء المستشفى العام. في ~~الواقع، كان القلق يساور مازاران، قبيل وفاته، ومن بعده كولبير حيال تأثير ونفوذ الجماعة، ~~التي كانت تستأثر بجميع الوظائف الإدارية بالمشفى العام؛ حيث كان المديرون يعينون مدى ~~الحياة. وقد دأب كولبير بصورة منهجية على أن يتولى المناصب التي تصبح شاغرة رجال لا ينتمون ~~من قريب ولا من بعيد إلى الجماعة. هذه العلمنة وهذه النزعة إلى إقامة البيروقراطية ساهمتا في ~~إبطاء ثم في إخماد حركة المحبة والإحسان، التي كانت قد أسهمت بقوة في ميلاد المشفى ~~العام. # بإيجاز، يمكن القول إن مستشفى باريس العام كان يحمل، منذ نشأته، جرثومة عدد من الأمراض ~~الانتكاسية، فضلا عن أن هذا المشروع العظيم - حتى وإن كان هناك ترحيب رسمي وسريع بعض الشيء ~~بنجاحه الباهر - صنف «من قبل الشخصيات الحذرة في ذلك العصر، باعتباره خطة من وحي المخيلة ~~أكثر من كونه انعكاسا لصلابة القيادة.» # 4 # وهكذا يمكن أن نتحدث عن الأضواء الأخيرة لعصر الباروك بدلا من الحديث عن مجيء ~~العصر الكلاسيكي . وهكذا يمكن القول إن العصر الكلاسيكي - العزيز على فوكو - قد أعاق مشروع ~~المشفى العام أكثر مما أسهم في تأسيسه. # المؤسسات الاستشفائية في الأقاليم # إنه لأمر تقليدي أن نكتب قائلين إن إنشاء المشفى العام في باريس كان له أثر ملهم فيما ~~يتعلق بتأسيس المشافي المحلية العامة. هذا القول صحيح جزئيا فقط؛ إذ إن الحالات التي تدل ~~على أسبقية بناء المشافي في الأقاليم كثيرة، ولم تكن أيضا مبنية على مبادرة اتخذتها السلطة ~~المركزية، التي لم تكن قد توطدت بعد، وإنما على إجراء بادرت إليه السلطات المحلية، كما حدث ~~في مولان على سبيل المثال، من أجل مجابهة مشكلة المتشردين؛ حيث شكلت هذه التدابير حركة عامة ~~غالبا ما ترجع جذورها إلى القرن السادس عشر. في عام 1585، أصدر مجلس بلدية أنجيه أمرا إلى ~~الجلاد «بإلقاء القبض على جميع الفقراء ms108 الأصحاء القادرين على العمل واقتيادهم إلى الخنادق»، ~~ومن الجلي أن هذا الأمر سبق بوقت طويل إنشاء «مشفى المحتجزين» في عام 1622. لنذكر مثالا ~~آخر: في روان، على الرغم من أن تاريخ تأسيس المشفى العام رسميا يعود إلى عام 1681، فإن هذه ~~المدينة تصدت منذ وقت طويل لمشكلة التسول، كما تشهد على ذلك التدابير المتمثلة في تنظيم مكتب ~~للفقراء في عام 1534، وبناء أول دار لإيواء الفقراء في عام 1601، أعقبها إنشاء مؤسسات ~~الاحتجاز الأولى، في عام 1645 للفتيات الفقيرات، وفي عام 1650 للمشردين الريفيين، وفي عام ~~1653 للأطفال. # 5 # نرى بوضوح من خلال هذه الفئات أن الحجز في القرن السابع عشر لا يمت بصلة لمفهومنا ~~الحديث للسجن. فتلك المؤسسة ليس لها نظير اليوم؛ إذ إنها تجسد شكلا من أشكال المساعدة ~~«البوليسية» (وفق مفهوم «البوليس» في القرن السابع عشر، والمقصود به «الإدارة العامة»)، وهي ~~بعيدة كل البعد عن السجن بمعناه الذي يتضمن عقابا بدنيا قاسيا، ولم يكن موجودا في ظل ~~النظام القديم. # في عام 1617، في أعقاب فشل المحاولة الكبرى الأولى لإنشاء المشفى العام في باريس، كان ~~تيوفراست رونودو، طبيب الملك وسكرتيره والمفوض العام لشئون الفقراء بالمملكة (قبل أن ~~يخلد اسمه بتأسيس مجلة لاجازيت دو فرانس )؛ قد اقترح تعميم إجراءات الحجز على جميع أرجاء ~~المملكة؛ بغية منع استمرار تدفق الضالين والمشردين على العاصمة. # 6 # تجدر الإشارة أيضا في هذا السياق إلى تأثير جمعيات سان ساكرمن السرية، التي كانت ~~تتبع نهجا فكريا مماثلا لجماعة باريس، والتي يبدو أن أقدم فروعها هو ذاك الفرع الذي كان ~~قد تأسس في ليون. وهكذا، عقب إنشاء مؤسستين إحداهما في ليون فيما بين عامي 1613-1614، والأخرى ~~في مارسيليا في 1641 (حيث كان قد تقرر تطبيق الاحتجاز منذ منتصف القرن السادس عشر)؛ شيدت ~~مشاف عامة في المدن التالية: أميان (في عام 1640 تقريبا)، ونانت في 1650، وكاين وسينليس في ~~1655. ثم تسارعت وتيرة الحركة بعد عام 1656، وسارت هذه المرة على نسق النموذج الباريسي، ~~وبنيت العديد من المشافي في المدن التالية: بونتواز، وسواسون، وسان فلور، ونويون، ms109 وإيسودن، ~~وكليرمون فيران، وبورج في عام 1657، وبوفيه، ولو مان، وريوم، وتور، وبلوا في عام 1658، ومون ~~بريسون في عام 1659، وكاليه ومولان في عام 1660 ... معظم هذه المؤسسات هي نتاج مبادرات اتخذتها ~~المجالس البلدية، ولا يحركها أي هدف لتحقيق المركزية. ومن الجدير بالذكر أنه حال قيام مدينة ~~ما بإنشاء دار للحجز، يتراجع متسولوها نحو المدن المجاورة التي تشهد تبعا لذلك تزايد الحاجة ~~الملحة إلى إنشاء مؤسسة خاصة بها. «انتشر جو عام في أرجاء المملكة يدعو لممارسة أعمال ~~الخير والإحسان العامة تجاه أولئك الذين اشتدت بهم الفاقة وصاروا يعانون من البؤس ~~والشقاء.» # في بداية صيف 1662، إثر وقوع أزمة دورية ضربت بشدة النصف الشمالي من فرنسا، اكتظت مدينة ~~باريس من جديد بالمتسولين الذين اضطرتهم المجاعة إلى ترك المقاطعات التي كانوا يعيشون فيها. ~~وهو ما دفع السلطة الملكية إلى تعميم المرسوم الصادر في أبريل 1656، على نحو رسمي هذه ~~المرة، على جميع المدن والبلدات بالمملكة، وذلك من خلال إصدار إعلان يونيو 1662. يكشف هذا ~~الإعلان على الفور عن وجود اختلاف بينه وبين المرسوم السابق من حيث الحجم: فلم يذكر في هذا ~~البيان إلا المتسولون العاجزون؛ مما يعني أن السلطة الحاكمة وعت جيدا الدروس المستفادة من ~~سنوات الاحتجاز الخمس في مستشفى باريس العام ، وسجلت وجود أعداد هائلة من العاجزين والمعاقين، ~~ووصل الأمر إلى درجة إخفاء الوجود الكثيف للمتسولين الأصحاء سليمي البنية والقادرين على العمل ~~ووضع مسألة المساعدة في الصدارة. # في بادئ الأمر ظل إعلان 1662 حبرا على ورق في العديد من المدن ويعزى ذلك إلى نقص ~~الموارد بالطبع، ولكن أيضا إلى تنازع الاختصاص بين الأساقفة، والمجالس النيابية، والقضاة ~~الطبيعيين، والعمد وقضاة البلديات، وغيرهم. وهذا هو السبب وراء تجديد الأوامر الرسمية ~~الصادرة في عام 1662 بقرار من مجلس الدولة صدر بتاريخ 3 يونيو 1673، وبخطاب تعميمي أرسله ~~الملك في عام 1676 إلى الأساقفة والنظار وأرفق طيه نسخة من إعلان 1662. وفقا لما ورد في ~~الخطاب الملكي، توجد حقا صعوبات فيما يتعلق بإنشاء تلك المشافي العامة، ولكن الوسيلة الأولى ~~لتذليل هذه العقبات ms110 تكمن في أن يكون لدينا إيمان قوي بأننا نستطيع بالفعل التغلب على هذه ~~المعوقات. ولذا مجددا، بعد مرور عام، أرسلت مذكرة طويلة إلى جميع المدن التابعة للمملكة ~~«حتى يرى الناس أنه من السهل بناء مشاف عامة». تجدر الإشارة إلى أنه ببناء المشفى العام، ~~أصبح الأصحاء من جديد موضع اهتمام وعناية، مثلهم مثل العاجزين: «من خلال هذه الوسيلة، يحصل ~~جميع الفقراء على العون أيا كانت الفئات التي ينتمون إليها؛ الأصحاء والمرضى، والمتسولين، ~~والذين ينظر إليهم باعتبارهم مصدرا للخزي والعار، والسجناء، والهراطقة، ~~والمرتدين.» # بيد أنه لم تتضاعف عمليات إنشاء المشافي العامة في جميع أنحاء المملكة إلا اعتبارا من ~~1670-1680. وكانت تتم في الأغلب بناء على مبادرة من اليسوعيين، المبشرين الحقيقيين للاحتجاز. ~~أما بالنسبة إلى أولئك المتشككين وأصحاب الرؤى الذين كانوا يتنبئون بفشل هذه المؤسسات على ~~المدى القصير، فقد كان اليسوعيون يردون عليهم ببراعة قائلين إنه حتى لو لم تدم هذه المشافي ~~«القائمة على التقوى» (أي على الدافع الخيري وحده) إلا أربعا وعشرين ساعة، فإنها ستكون قد ~~أمدت الفقراء بالخبز طوال 24 ساعة. وهكذا سيكون اليسوعيون - خلال العقود الأخيرة من القرن ~~السابع عشر - وراء إنشاء أكثر من مائة مشفى عام، سواء عن طريق البناء أو عن طريق إصلاح ~~وترميم عدد لا بأس به من المنشآت الكائنة بالفعل. ولكن يجب ألا تخدعنا مثل هذه الأرقام؛ ~~إذ سرعان ما ستطرح مسألة قابلية هذه المؤسسات للبقاء والاستمرارية. بالإضافة إلى ذلك، فإن ~~المشافي العامة المحلية غالبا ما تكون ذات مساحة متواضعة للغاية؛ ومن ثم لا يمكن أن تستقبل ~~إلا بضع عشرات من الأفراد. # الحركة في أوروبا # إن احتجاز المتشردين في أماكن يقترن فيها المساعدة والقمع تعد ظاهرة أوروبية واسعة ~~النطاق. فقد سبق أن رأينا هذه الظاهرة في إيطاليا، حيث امتدت هذه الحركة لتشمل البندقية، ~~وتورينو، وروما، تلك المدن التي كان يحتجز المأوى الرسولي بين جنباته 1100 شخص في عام 1726 ~~(أغلبهم من المسنين المعوزين والأطفال الفقراء). # وفي إسبانيا، تعد أيضا ملاحقة المتسولين ممارسة قديمة للغاية، بالنظر إلى ms111 التدابير ~~الأولى التي اتخذت في هذا الصدد والتي تعود إلى القرن الرابع عشر. في القرن السادس عشر، صدر ~~عدد لا يحصى من المراسيم؛ مما يدل على أن الإجراءات المنصوص عليها في القوانين لم تدخل حيز ~~النفاذ في إسبانيا، كما هي الحال في فرنسا. في نهاية القرن السادس عشر، أنشئت ملاجئ لإيواء ~~الفقراء حيث كان يجري تجميع الفقراء في الليل مع السماح لهم بطلب الصدقة في أثناء النهار. كما ~~تأسست منازل الرحمة، وإلحاقها، على نحو متزايد خلال القرن الثامن عشر، بإصلاحيات مخصصة ~~للمتسولين الأصحاء سليمي البنية، وذلك مع رسوخ الفكرة القائلة بأنه من الضروري، وفقا للفكر ~~المسيحي، التفريق بين البؤساء الحقيقيين والبؤساء المزيفين مع الاعتراف بأن أولئك الذين ~~ينتمون إلى الفئة الأولى هم وحدهم من يستحقون العطف والشفقة العامة. وفي الواقع، كانت هذه ~~المنشآت متواضعة المساحة وقليلة العدد. من بين جميع البلدان الأوروبية، تعد إسبانيا بالتأكيد ~~واحدة من البلدان التي لم يطبق فيها الاحتجاز على نطاق واسع. ولكن أيتعين أن نرى في ذلك ~~إدراكا أكثر تقليدية لمفهوم المحبة المسيحية؟ # في إنجلترا، بإمكاننا إحصاء صدور 44 قانونا ضد التسول والتشرد في الفترة ما بين 1331 ~~و1492 وحدها. تعددت مراكز الاعتقال وتنوعت ما بين السجون، والإصلاحيات (سجون صغيرة ~~بالمقاطعات)، ومؤسسات التأديب والتهذيب والإصلاح الشبيهة إلى حد كبير بالمشافي العامة ~~الفرنسية، وأخيرا دور العمل وهي عبارة عن دور لتشغيل الفقراء. في عام 1697، أنشئ أول بيت ~~للعمل في بريستول. وقد نتج عن نجاح هذه المؤسسة ظهور منافسين لها، لدرجة أن معظم المدن في ~~إنجلترا صارت تمتلك، منذ العقود الأولى من القرن الثامن عشر، بيوتا للعمل لإعالة الفقراء ~~وتشغيلهم، ولا سيما بعد أن أضفى القانون الذي أصدره جورج الأول في عام 1722 طابعا رسميا ~~على هذه المؤسسة، ونص أيضا على أن أي شخص يرفض دخول بيت العمل سيتم شطبه من سجل المعونات ~~الرعوية. وقد اتبعت الإصلاحيات ودور العمل (في الواقع، ثمة تشابه كبير بين هاتين المؤسستين) ~~نظاما صارما يتمثل في عدم تقديم غذاء كاف للأفراد، وتكليفهم ms112 بأعمال إلزامية شاقة، وفرض ~~عقوبات بدنية عليهم. في أواخر القرن الثامن عشر، بدأت دور العمل تتحول إلى ملاجئ للفقراء ~~مخصصة لاستضافة العاجزين، والمسنين، والمعوقين، والأطفال. وهنا أيضا امتلأت هذه الملاجئ ~~بالعاجزين المعوقين أكثر من الأصحاء سليمي البنية. # في ألمانيا، نجد نوعا آخر من التأديب قريب الشبه بالمشفى العام أو بدار العمل، ~~ومتمثلا في # le schallenwerk ~~(وهو مصطلح يعني حرفيا «نواقيس ~~العمل»، وقد أطلق عليه هذا الاسم لأن المتسولين الأصحاء كانوا يكلفون بجمع القمامة ~~والتقاط القاذورات من الشوارع، وكان يتم تزويدهم بأجراس تحدث صوتا إيذانا بقيامهم بهذا ~~العمل الكريه الرائحة)، هذا بالإضافة إلى السجن الذي كان يضم أولئك الذين أدينوا بتهمة ارتكاب ~~جرائم بسيطة أو جنح، كما كان يؤوي المتشردين، وقد كانت هاتان الفئتان مفصولتين داخل تلك ~~المؤسسة. وفي الواقع، انعكس التنوع السياسي الألماني على الحلول التي جرى اللجوء إليها ~~لمعالجة مشكلة التسول. ففي ميونيخ، أنشئت مؤسسة لإعالة وتشغيل أكثر من 1500 فقير، وعند حلول ~~المساء، كان هؤلاء يعودون إلى بيوتهم. في لايبزيج، استخدم أحد المشافي القديمة، وهو مشفى ~~سان جورج الذي أعيد بناؤه في الفترة ما بين 1668 و1671، كملجأ أيتام وإصلاحية في الوقت نفسه. ~~في دريسدن، كان لا بد من الانتظار حتى منتصف القرن الثامن عشر لنشهد إنشاء أول بيت ~~للعمل. # ظهرت في المقاطعات المتحدة (هولندا) مؤسسات قريبة من دور العمل ، حيث يسود النظام الصارم ~~والعمل الإجباري والعقوبات. كانت إحدى هذه العقوبات تتمثل في وضع المتسول السليم البنية ~~العائد للإجرام في جوف بئر تمتلئ ببطء بالماء. وهكذا يتعين على المتسول أن يضخ الماء بلا ~~توقف، لكي ينقذ نفسه من الغرق، مكتشفا في الوقت ذاته إن لم يكن مذاق الجهد فعلى الأقل قيمته. ~~وربما يكون هذا المنهج قد تم اختباره جيدا لتحقيق فاعلية استثنائية. في أمستردام، وجنت، ~~وبروكسل، وإيبر، سميت هذه الإصلاحيات بمنازل التأديب. كما كان يطلق عليها أحيانا منازل صقل ~~الأخشاب، في إشارة إلى العمل الإجباري الذي كان يقتضي قشط نوع من الأخشاب المكسيكية كان ~~يستخدم كصبغة حمراء. استنادا ms113 إلى المبدأ نفسه، سميت دور أخرى بمنازل الغزل. وامتدت الحركة ~~عينها إلى السويد، وبولندا، وروسيا ... # بالطبع، لم يكن عدد المجانين داخل هذه المؤسسات أكبر منه خارجها، وفقا للهدف الأصلي. ~~وعلى أي حال، يبين هذا إلى أي مدى لم يأت مرسوم 1656 كحدث مفاجئ أشبه بالصاعقة، كما يوضح أن ~~السلطة الحاكمة لم تكن «تستهدف» (لاتخاذ لغة معاصرة لا تمت بصلة لروح العصر) «الجنون»، بل ~~الكسل، وما ينتج عنه من كفر وخطورة. # مختلون عقليا في المشفى العام # وما شأن المجانين بكل هذا؟ لم يرد أي ذكر لهم؛ لا في المراسيم المتعددة، ولا في ~~الإعلانات، ولا في اللوائح الداخلية، ولا في التقارير والمراسلات. من الواضح أنهم لم يكونوا ~~مستهدفين. وعلى الرغم من ذلك، نجد أن وضع المختلين عقليا المعوزين هو نفسه كما كان في ~~العصور الوسطى. ما زلنا لا نعرف أين يجب أن يوضعوا. نادرة هي المدن التي استطاعت التوصل إلى ~~حلول بهذا الشأن، كما هي الحال في سانت أومير؛ حيث تم إيداع المجانين بداية، خلال القرن ~~السادس عشر، في مبنى بعيد ملحق بالمشفى الرئيس ومخصص للمصابين بالطاعون. بالطبع، كان هناك ~~فصل تام بين القسمين، بيد أن تلك الجيرة بدت صادمة بما فيه الكفاية بالنسبة إلى السلطات ~~المحلية إلى الحد الذي أدى - في عام 1611 - إلى بناء بعض المباني على أرض مستقلة من أجل ~~«إيواء المعاتيه والاعتناء بهم». # أتاح بناء مشفى سان جرمان في عام 1557 الفرصة - وهو ما يعد أمرا استثنائيا - أمام ~~سلطات المدينة لإيداع عدد من الأفراد به، مثل ذلك المحكوم عليه بالإعدام الذي جرى الاعتراف ~~أخيرا بإصابته بالجنون، ثم وضع هناك لكي «يتم تعليمه، وتقويم فكره، ورده إلى معرفة الله ~~التي كان الفقر المدقع قد جعله يغفل عنها.» في أوائل القرن السابع عشر، ذكر جون هيروار في ~~يومياته، وبالتحديد في تاريخ 15 أبريل 1610 (أي قبل شهر بالتمام من اغتيال الملك)، وجود ~~مجانين في مشفى سان جرمان: «ذهب ولي العهد برفقة الملكة في تمام الساعة الرابعة والنصف لرؤية ~~المجانين المحجوزين ms114 بمشفى سان جرمان دي بريه.» يعتقد إذن أن عددهم في تلك الفترة كان كبيرا ~~بما يكفي ليشكل فئة خاصة. وعلى أي حال، تؤكد الدراسة التي أجراها الأب الموقر القس دو برول، ~~الذي قضى فترة خدمته الكهنوتية في سان جرمان دي بريه، أنه في عام 1639، كان استقبال المجانين ~~بالمشفى يجري على النحو التالي: «استقبل في المشفى المذكور العديد من النساء المريضات بداء ~~الصرع، المسمى بداء القديس يوحنا، وغيرهن من الفقيرات المستلبات في أموالهن وعقولهن، اللاتي ~~يتهن في الشوارع كالمجانين والمختلين عقليا، والكثير منهن استعدن - نظرا للمعاملة ~~الجيدة - صحتهن وعقولهن.» # 7 # وفي الحقيقة، تميزت هذه المؤسسة، خلافا للمشفى العام، بقيامها على شيء من الدعوة ~~الطبية، إضافة إلى تعيين طبيب وجراح كملحقين بها. لم يكن مشفى سان جرمان يشكل على وجه ~~التدقيق جزءا من المشفى العام، وإنما كان يتبع مباشرة المكتب الكبير لفقراء باريس. في النصف ~~الثاني من القرن السابع عشر، أطلق على تلك المنشآت اسم الدور الصغيرة، «سميت هكذا لأن ساحاتها ~~كانت محاطة بمنازل فائقة الصغر وشديدة الانخفاض» (في الموقع الحالي لمتنزه بوسيكو). في عام ~~1664، كانت الدور الصغيرة تضم 500 «مسكين من العجزة»، و120 مصابا بداء السعفة، و100 «فقير ~~مصاب بالزهري»، و80 «فقيرا مصابا بالجنون»، # 8 # وكانت تعمل بالتالي كمبان ملحقة بالمشفى الرئيس الذي لم يكن مجهزا للازدحام ~~بحالات المرضى المصابين بأمراض معدية أو المضطربين. «كان المجانين يحتجزون في غرف صغيرة ~~بالطابق الأرضي. وكان للمطيعين الحق في التحرك بحرية في الساحات.» وعلى الرغم من أن المختلين ~~عقليا لم يكونوا يشكلون الغالبية العظمى (فقد كانت نسبتهم تتجاوز 10٪ بقليل)، فإن الدور ~~الصغيرة أصبحت مرادفا لمشفى المجانين في ظل النظام القديم. كتب بوالو قائلا: «ليس مجنونا ~~على الإطلاق من يقوم، لأسباب وجيهة، بإدخال جاره الدور الصغيرة.» هناك أيضا ذلك القول ~~المأثور الحكيم: «ليس المجانين كلهم موجودين في الدور الصغيرة.» # وماذا عن المشفى العام في باريس وكبرى المؤسسات التابعة له على وجه الخصوص والمتمثلة في ~~سالبيتريير؟ على غرار مؤسسة بيستر المخصصة للرجال، كانت مؤسسة سالبيتريير تضم ms115 نساء ينتمين ~~إلى فئات متعددة وغير متجانسة: فتيات يتيمات أو متخلى عنهن في سن مبكرة، وفتيات حوامل ~~(حتى إذا ما تم إيواؤهن في هذه الدار الآمنة والسرية، لا يدفعهن الخوف من الفاقة أو من العار ~~إلى براثن اليأس أو إلى اتخاذ قرارات مخيفة تقضي بإجهاض ثمرات بطونهن)، وأزواجا مسنين، ~~وأخيرا جميع النساء «من الأعمار كافة، وعلى اختلاف عاهاتهن، سواء كن فاقدات لصوابهن، أو ~~مشلولات، أو مريضات بالصرع، أو كفيفات، أو عاجزات، أو هرمات، أو طاعنات في السن، أو مصابات ~~بالتهاب العقد السلي، وغيرهن من أولئك اللائي يعانين أمراضا مستعصية.» # 9 # تبين هذه النبذة، التي يعود تاريخها إلى عام 1676، أن الحمقى ذكروا ضمن الفئات ~~الأخرى من العاجزين وذوي العاهات. ولكن، متى ظهر الحمقى في سالبيتريير، وفي ظل أي ظروف؟ على ~~الرغم من أنه لم تتم الإشارة إليهم صراحة لا في مرسوم 1656، ولا في اللائحة الداخلية للمشفى ~~العام، فإنه يبدو أن عددهم كان - منذ الشهور الأولى لاشتغال مؤسسة سالبيتريير - كبيرا (ربما ~~حوالي عشرين من بين إجمالي المحجوزين البالغ عددهم 700 فرد تقريبا) بما يكفي، خاصة مع ~~اضطرابهم، لتتجلى ضرورة عزلهم على الفور في قسم منفصل. نجد هذه الحقائق مثبتة في التعداد الذي ~~أجري للنساء المحجوزات في سالبيتريير بعد عام من إصدار مرسوم 1656؛ حيث ورد ذكر «البلهاوات» ~~و«المخبولات» بين حوالي عشرين فئة. وقد سمح وجود «البغايا، والفاجرات والحقيرات» بين هذه ~~الفئات، بفرض نظام للقمع. أما الأخريات، أولئك الفتيات الصغيرات اللائي ما زال بعضهن ~~«رضيعات»، وأولئك العجائز «الهرمات»، والنساء المهجورات من قبل أزواجهن، وأولئك العاجزات ~~والمعوقات، وأولئك المريضات بالتهاب العقد السلي والمصابات بأمراض جلدية، وأولئك الكفيفات ~~الكثيرات؛ فأمام كل هؤلاء، كيف لنا أن ننطق بكلمة أخرى غير كلمة «المساعدة»؟ # وبدءا من عام 1660، تقرر أن «يخصص مكان لاحتجاز المجانين سواء الموجودون بالفعل بالمشفى ~~العام أو الذين سيلتحقون بالمشفى المذكور فيما بعد.» وفقا لما ورد في «إحدى الخرائط الخاصة ~~بتصميم المشفى العام»، والتي أعدت في عام 1658، كان هناك اقتراح يقضي بجمع «المحتجزين» في ~~مجمع معماري واحد. ms116 ولكن مشروع التنظيم المكاني هذا لم ير النور قط؛ نظرا لأن مؤسسة ~~سالبيتريير عنيت فيما بعد باستضافة النساء والأطفال حديثي السن، بينما عنيت مؤسسة بيستر ~~باستقبال الرجال. ولكن هذا لا ينفي أن الهدف كان مثيرا للاهتمام إلى حد كبير. كان هناك جدار ~~متوسط ومن الأمام كنيسة واسعة مبنية على شكل صليب، وهي نفسها منقسمة إلى جزأين، يفصل بين ~~الجنسين بشكل متماثل. وقد خصص القسم الأكبر من المباني للمحتجزين العاملين (في البستنة، ~~والأعمال اليدوية والنجارة وصناعة الأقفال، بالإضافة إلى تخصيص قسم مهم للمصانع)؛ مما يدل على ~~أننا ما زلنا نعيش في وهم احتجاز المتسولين الأصحاء. ومع ذلك، كانت هناك بعض الفئات التي تمثل ~~أقليات، والتي لم يكن يسمح باختلاطها بالفئات الأخرى. نشير في هذا الصدد إلى أنه كان يتم، في ~~المؤسسات الخاصة بالرجال، تخصيص أقسام منفصلة لإيواء «العاجزين»، و«المصابين بالتهاب العقد ~~السلي» (بشكل عام المصابين بالأمراض الجلدية ~~المعروفة في ذلك الوقت على اختلاف أنواعها ووخامتها: الجرب، والسعفة، والتورم الالتهابي ~~سلي المنشأ أو ما يعرف بسل العقد اللمفاوية، وغيرها)، والمكفوفين، وأخيرا «المختلين ~~عقليا» والمصابين بالصرع الذي يطلق عليه «داء القديس يوحنا»، كل على حدة. ونلاحظ أنه جرى ~~بالفعل التفريق بعناية بين الصرع والجنون. كما نلاحظ أن المكانة التي احتلها الجنون بين ~~الأمراض الأخرى تظهر إلى أي مدى أصبح ينظر إليه وفق معيار طبي. # فيما يتعلق بالمؤسسات الخاصة بالنساء، كانت النسوة «المعتوهات والمصابات بالصرع» يتشاركن ~~الفناء نفسه، ولكن يسكن في مبان منفصلة بعضها عن بعض. # لنتوقف عند مؤسسة سالبيتريير، كما شيدت في الواقع وكما يمكن أن نتأملها في نهاية القرن ~~السابع عشر. تعد هذه المؤسسة إلى حد كبير أهم منشآت المشفى العام: فقد كانت تضم 5276 سيدة ~~وطفلا ... فيما يخص شق الاحتجاز بمعناه الصارم والدقيق، بإمكاننا أن نحصي 465 «عاهرة» ومتشردة، ~~بالإضافة إلى 380 امرأة ما بين جانحة، وفاسقة، وداعرة. أما فيما يتعلق بشق المساعدة، نجد ما ~~لا يقل عن 1894 طفلا دون سن الخامسة عشرة، و594 امرأة ما بين «عجائز كفيفات أو ms117 كسيحات»، و329 ~~فتاة دون سن السادسة عشرة عاجزات أو مصابات بأمراض جلدية. نحصي أيضا من بين النساء اللائي ~~تلقين المساعدة 92 «مريضة بالصرع من مختلف الأعمار»، و300 امرأة ما بين «مجنونات هائجات أو ~~مختلات عقليا مسالمات». كان الأمر إذن أشبه ب «حي حقيقي للمختلات عقليا». وقد تزايد ~~عددهن بالنسبة إلى العدد الإجمالي على النحو التالي: 22 من 700 في عام 1657، و146 من 3963 في ~~عام 1679، و226 من 4000 في عام 1690. وهكذا ارتفعت نسبتهم من 3٪ إلى 6٪. # 10 # في منتصف القرن الثامن عشر، وصلت مؤسسة سالبيتريير إلى أعلى مستوى سكاني لها؛ حيث بلغ ~~عدد المقيمين بها 7800 سيدة وطفل في عام 1769، من بينهم 700 امرأة مجنونة (بلغت النسبة إذن ~~حوالي 10٪). وهو ما يعد عددا إجماليا ضخما في هذه الفترة، ويشكل بالتأكيد أعلى نسبة تركز ~~في أوروبا، حتى لو لم يكن ممكنا النظر إلى مؤسسة سالبيتريير باعتبارها بمنزلة مشفى كبير ~~للمجانين (ففي نهاية الأمر، 90٪ من نزلاء سالبيتريير لم يكونوا من المختلين عقليا). سوف ~~نتطرق فيما بعد إلى الآليات التي أدت إلى وجود هذا العدد الكبير، ولا صلة لها بآليات المشفى ~~العام في حد ذاته. وهكذا فرض بناء جديد نفسه في كل الأحوال. في عام 1760، بدأ تأسيس أولى ~~الغرف الفردية في الطابق الأرضي؛ حيث كان يجري احتجاز الهائجين المضطربين، بينما كان ~~«المختلون عقليا» والمصابون بالصرع يبقون في المهاجع القديمة. # وعلى أي حال، لم تكن الرعاية الطبية تحتل موقع الصدارة في مؤسسة سالبيتريير؛ بدليل وجود ~~مطالب في عام 1769 لتأسيس مشفى جدير بهذا الاسم. لقد اجتاح الجرب المهاجع. أما فيما يتعلق ~~بالمجنونات والمصابات بالصرع، فإذا كان أحد لم يفكر في التشكيك في إصابتهن بالمرض، فإن أحدا ~~لم يفكر أيضا في علاج مرض يعد عضالا إذا لم تتم معالجته في بدايته (في المشفى الرئيس على ~~وجه الخصوص). وأقل ما يمكن قوله في هذا الصدد هو أن المجنونات المحاصرات في دوامة الاحتجاز ~~لسن في المراحل الأولى من الإصابة بالمرض. وأخيرا، فإن الأخوات ومدبرات المنزل البالغ عددهن ~~مائة، ms118 بالإضافة إلى الخادمات البالغ عددهن 350 (واللواتي عين من بين الفتيات المحتجزات ~~وكن يتقاضين أجرهن بحصولهن على حصة مضاعفة من الغذاء) كان لديهن بالفعل ما ~~يكفي من المهام التي يتعين القيام بها فيما يتعلق بتوزيع العمل في المهاجع (العجائز كن ~~يقمن بغزل القنب، والشابات كن يتولين «الحياكة والتطريز»)، وقوافل المرور الطويل ~~على العنابر لتغيير الشراشف وتجميع الملابس المعدة للغسيل وتوزيع الأطعمة داخل مؤسسة ~~سالبيتريير المترامية الأطراف، هذا بالإضافة إلى الإشراف والمراقبة، دون أن ننسى أيضا ~~المحافظة على الطقوس الخاصة بالصلاة في كل مكان، والاهتمام بالقراءات الدينية، وإقامة ~~القداسات اليومية ... # كان وجود المجانين من الرجال في بيستر مشابها لوجود المجنونات في سالبيتريير. منذ ~~العام الأول لاشتغال مؤسسة بيستر، انقسم المعوزون الستمائة تقريبا الذين تجمعوا داخلها إلى ~~فئات مماثلة لتلك التي كانت موجودة بمؤسسة سالبيتريير. من بين هذه الفئات، كان هناك 20 ~~مجنونا و16 مريضا بالصرع. كما هي الحال في سالبيتريير، كان عدد المجانين والصرعى يتزايد ~~بالتزامن مع التوسع في البناء. في عام 1701، كان هناك 65 مجنونا و42 مصروعا من بين إجمالي ~~المحتجزين البالغ عددهم 1500 في ذلك الوقت. وفي عام 1726، بلغ عدد المجانين والمصابين بالصرع ~~208 من بين إجمالي عدد المحتجزين البالغ 2454، وهو رقم أقل بشكل كبير من مثيله في مؤسسة ~~سالبيتريير، ويمثل نسبة تتراوح ما بين 7 و8٪ من إجمالي عدد النزلاء في بيستر. # 11 # كانت منطقة «المختلين عقليا أو المجانين»، المعروفة على وجه التدقيق باسم («القطاع» ~~السابع، أو حي سان بري)، «تتألف من غرف متعددة». في المنطقة التي كان يطلق عليها «المبنى ~~الجديد» («القطاع» السادس)، نجد عنبرا مخصصا للمصابين بالخرف بالطابق الأرضي، وآخر ~~للمعاتيه بالطابق الثاني (سان فرانسوا)، وآخر للمصابين بالصرع بالطابق الثالث (سان فياكر). ~~وتجدر الإشارة إلى أن المصابين بالصرع، كان ينظر إليهم على أنهم «ليسوا مجانين على الإطلاق»، ~~علاوة على أنهم الوحيدون الذين كان لديهم الحق في حضور القداس. ومع ذلك، نجد في مكان آخر ~~داخل مؤسسة بيستر مهجعين؛ أحدهما مخصص ل «السذج الأبرياء»، والآخر ل «المكفوفين ms119 والمغفلين». ~~كما هي الحال في مؤسسة سالبيتريير، يقصد بالمصابين بخرف الشيخوخة (وهو مصطلح حديث للغاية ~~بالطبع) أولئك المحتجزون الذين لم يدخلوا مؤسسة بيستر بصفتهم حمقى، وإنما أصيبوا بهذا ~~الخلل العقلي مع تقدمهم في العمر. # لقد تحدثنا عن الكثير من الأمور، بعضها شديد البشاعة، فيما يتعلق بالأوضاع المعيشية، أو ~~بالأحرى ظروف البقاء، في مؤسسة بيستر. وسوف نعود فيما بعد إلى بيستر للحديث عن الخطاب ~~الخيري بها. ومما لا شك فيه أن الأوضاع في بيستر كانت أكثر تدنيا عما هي عليه في مؤسسة ~~سالبيتريير. وقد شددت الحراسة وفرض ممارسات وحشية؛ نظرا لأن الرجال كانوا يشكلون خطورة ~~كبيرة، سواء على صعيد المجرمين والجانحين أو على صعيد المجانين الذين كان يتم احتجازهم في ~~حجرات ضيقة لا تتعدى مساحتها مترين مربعين، موجودة غالبا في القبو حيث لا تصلها تدفئة ولا ~~تهوية جيدة، وكان يتم تكبيلهم بالحبال بل وبالأغلال عند أول بادرة تدل على الهياج، وكانوا ~~ينامون في معالف حجرية ملاصقة للجدار ومفروشة بقش الشيلم الذي نادرا ما كان يجري تجديده ~~أو تزويده بأغطية. والمجانين الذين كانوا يقومون في أغلب الأحيان بتمزيق ملابسهم، كانت لا ~~توزع عليهم إلا الملابس المستعملة من قبل السجناء. قلة نادرة هم من كانوا يملكون القدرة ~~على التنزه في أفنية الحي، ولم يكن ذلك بدافع القسوة بقدر ما كان ناجما عن نقص في الموظفين ~~(فلم يكن هناك إلا ستة أفراد يعملون بدوام جزئي في خدمة أكثر من 150 مجنونا، بالقطاع ~~السابع). وكثيرون كانوا يجدون أنفسهم مضطرين في فترات الازدحام إلى تشارك غرفة واحدة مع نزيل ~~آخر، أو إلى النوم في أسرة كبيرة يتقاسمها أربعة أو خمسة أو حتى ستة أشخاص في العنابر. ~~وتعطي اللوائح الداخلية الانطباع بأنه كان يتم تقديم كمية مناسبة من الغذاء، ولكن في هذا ~~المجال على وجه الخصوص، شتان ما بين الوعود والواقع، كما سوف نرى فيما يتعلق بالمصحات في ~~القرن التاسع عشر. # كما هي الحال في مؤسسة سالبيتريير، لم تكن التغطية الطبية تتسم لا بالاستقرار ولا ~~بالجودة، على ms120 الرغم من وجود مستوصفين أنشئا في وقت لاحق، ولا يعزى ذلك إلى أسباب صحية بقدر ~~ما يعزى إلى متطلبات أمنية. في الواقع، كان نقل المرضى بين بيستر والمشفى الرئيس لتلقي ~~الرعاية الطبية يمثل في كثير من الأحيان فرصة سانحة للقيام ب «حركات تمرد» أو عمليات هروب. ~~ولم يكن المجانين يتلقون أي علاج طبي خاص يزيد عما كان يقدم في مؤسسة سالبيتريير. بيد أن ~~المخطط الكلاسيكي الذي يظهر أن معالجة المجانين لم تكن تتم إلا في المشفى الرئيس ولم تكن ~~تستغرق إلا فترة زمنية قصيرة، وأن أولئك الذين كان يتم وضعهم في المشفى العام كان ينظر إليهم ~~باعتبارهم حالات مستعصية ميئوسا من شفائها؛ جدير بالدراسة من منظور نسبي بحت؛ نظرا لأن ~~نقل أحد الحمقى إلى المشفى الرئيس لتلقي العلاج لم يكن بالأمر النادر. كما كان يحدث أيضا أن ~~يطلق سراح بعض الحمقى المحتجزين في بيستر بعد التحقق من شفائهم، أو على الأقل بعد التأكد ~~من خمود المرض وخفوت حدته لديهم. وهناك قرار صادر عن البرلمان في عام 1784 يذكر بهذه ~~الوقائع، وهو بخصوص فرد محتجز في بيستر بسبب الاختلال العقلي، وقد ورد عنه أنه «لم يعد يعطي ~~الفرصة لأحد للشكوى من سلوكه.» هذا لا يعني أن تلك هي النتيجة الطبيعية لتلقي العلاج وفقا ~~للأصول الواجبة، ولكنه يثبت على الأقل إلى أي مدى كان هناك اعتراف بالوضع الطبي للجنون على ~~حاله كما يتجلى من خلال الحالات المحتجزة في المستشفى العام. وقد نص القرار نفسه على أنه قبل ~~إصدار الأمر بإخلاء سبيل أحد المجانين، يتعين على الأطباء والجراحين المنتدبين من قبل ~~المحكمة (التابعة لمجلس النواب) أن يقوموا بزيارة هذا المختل عقليا المعافى، ثلاث مرات كل ~~خمسة عشر يوما. # لم يكن اعتقال المختل عقليا في المشافي العامة في الأقاليم يسير على الوتيرة نفسها التي ~~تحدث في باريس، كما أن الأوضاع تختلف في هذا الشأن من مدينة لأخرى، أو تتفاوت بالأحرى وفقا ~~لكبر أو صغر المدينة. ففي المشافي العامة بالمدن الصغيرة، كان المديرون غالبا ما ms121 يرفضون قبول ~~الحمقى بحجة أن مراسيم الاعتقال المختلفة لم تأت على ذكرهم. ولقد كان عدم توافر أقسام مخصصة ~~للمجانين معزولة جيدا ومهيأة على نحو ملائم يشكل عائقا جذريا. في عام 1712، أعلن في ~~مدينة ليزيو عن «إيداع أحد المجانين السجن الصغير التابع للمشفى العام. وكان هذا المجنون قد ~~أتى إلى تلك المدينة منذ فترة وجيزة، فاتخذ ضده هذا الإجراء بهدف إرغامه على العودة من حيث ~~جاء.» فما كان احتجازه إلا لحثه على الذهاب إلى مكان آخر غير ليزيو ليمارس به تصرفاته ~~وأفعاله الجنونية. وقد كان هناك العديد من المشافي العامة الصغيرة، كمشفى بايو، حيث كان ~~المختلون عقليا يتركون على حريتهم وكانوا يتلقون يوميا رغيفا من الخبز من المشفى ~~العام. # أما في المدن الكبيرة، مثل كليرمون فيران، فقد كان المشفى العام يجتذب، رغما عنه ~~وبصعوبة، المختلين عقليا المحولين من منطقة أوفيرني الإدارية؛ وذلك نظرا لأنه مزود ~~(إذا جاز القول) بأقسام خاصة؛ حيث كان يعهد بالمجانين إلى «سجان» لم يكن يحتجزهم عادة إلا ~~في الليل، وكان يتولى تنظيف الأفنية والغرف، وتغيير القش المفروش على الأسرة، وتقديم ~~الطعام لهم ومعاملتهم «برفق وإنسانية قدر الإمكان». أما المجنونات، فكان يعهد بهن إلى إحدى ~~الأخوات. وقد كانت غرف المجانين قريبة للغاية من أقسام الأطفال، أما غرف المجنونات فكانت تقع ~~بالقرب من أقسام الفتيات ذوات السمعة السيئة. ولم يكن واردا في ذلك الوقت التفكير بأي معالجة ~~طبية. في مشفى روان العام، كانت هناك منشآت ضخمة تضم 2000 محتجز (حيث كان عدد النساء ضعف عدد ~~الرجال)، وكان المجانين والمصابون بالصرع قليلي العدد على النحو التالي: حوالي عشرة رجال ~~وستين امرأة «مريضات بالسوداوية ومجنونات ». في مدينة رين، انتقل عدد الحمقى المحتجزين ~~من حوالي عشرة في القرن السابع عشر إلى حوالي مائة في أواخر عهد النظام القديم. وفقا لما جاء ~~بالعديد من الكشوف الصادرة في القرن الثامن عشر، اشتملت المؤسسة على قسم مخصص للمجانين، وآخر ~~للمجانين الهائجين يتميز عن سابقه بكونه مجهزا بكمية هائلة من القضبان الحديدية المحيطة ~~بالنوافذ، والأقفال والرزات ms122 الداعمة للأبواب من أسفل، والكلاليب المزروعة حول أسرة ~~المرضى لتقييدهم، والجنازير المعدة لاحتواء فورات الهياج. # أتاح وضع ليون معاينة العلاقة الكائنة بين المشفى الرئيس والمشفى العام، تلك العلاقة ~~المبهمة التي لم يكن لها وجود إلا في المدن الكبرى بالمملكة. بادئ ذي بدء، كان يتم إدخال ~~المختلين عقليا بشكل تقليدي للمشفى الرئيس؛ حيث كان يتم علاجهم لفترة قصيرة نسبيا، شأنهم ~~شأن بقية المرضى. في المشفى الرئيس بليون، # 12 # ألقي المختلون عقليا في «غرف سفلية»، على طول نهر الرون: حيث خصصت في ~~البداية بعض الزنازين لهذا الغرض، منذ القرون الوسطى وحتى القرن السابع عشر، ثم خصصت حوالي ~~أربعين غرفة للمختلين عقليا في القرن الثامن عشر. بيد أن هذه القدرة المحدودة على استقبال ~~الحالات عوضها نظام التناوب السريع بالعمل؛ فقد كانت فترات الإقامة قصيرة، وكانت تنتهي ~~غالبا بإعطاء المريض تصريحا بالخروج دون التأكد تماما من شفائه. على أي حال، كان المرضى ~~يتلقون الرعاية الطبية في هذه الأماكن؛ نظرا لأن المشافي الرئيسة كانت ترفض استقبال الحالات ~~التي لا أمل في شفائها، وذلك على الرغم من الإلحاح المتزايد للحكام الذين لم يكونوا يدرون أين ~~يجب وضع المختلين عقليا المعوزين الموجودين في المقاطعات التابعة لإدارتهم. ولكن بفضل ~~إنشاء المشفى الخيري العام، أصبح بالإمكان الفصل لأول مرة بين «المجانين، والمختلين عقليا ~~والمصابين بهياج عقلي»، الذين استمر قبولهم بالمشفى الرئيس، وبين «السذج والخرق»، الذين ~~شاع عنهم أنه لا أمل في شفائهم ومن ثم كان يتم إيداعهم المؤسسات الخيرية. في الواقع، لم تكن ~~الأمور يوما محسومة إلى هذه الدرجة تحت حكم النظام القديم، وهناك بالفعل قسم كبير من الملفات ~~كان لا يزال موجودا بالمشفى الرئيس، خاصة تلك التي كان أصحابها ينتمون إلى عائلات لديها ~~المقدرة على دفع نفقة مرتفعة. وكان يجري احتجاز المجانين المصابين بهياج عقلي في مؤسسة ~~«بيستر» التي أنشئت كمبنى ملحق بالمشفى العام في سنة 1759. # في جنوب فرنسا، ولا سيما في بروفانس، يبدو أن استقبال المختلين عقليا سواء في المشافي ~~العامة أو في غيرها من المؤسسات هو ms123 ثمرة بذل جهد متواصل في سياق حياة اجتماعية محلية أكثر ~~نشاطا وفعالية، على نسق إيطاليا وإسبانيا، وربما أيضا أكثر اهتماما بأعمال الخير والإحسان. ~~وسوف تعطينا الأمثلة التي ستقدمها مدينتا مارسيليا وإكس، وهي أمثلة لا يستهان بها، لمحة عن ~~مدى تعقد الصلات التي تربط بين استقبال المختلين عقليا الذي يعود غالبا إلى زمن بعيد في ~~جنوب فرنسا، وتأسيس المشفى العام ... # في عام 1671، أتاحت المبادرة الفردية التي أطلقها أحد القساوسة في مرسيليا # 13 # ضم مجموعة من المختلين عقليا في نزل. في عام 1699، استقرت هذه الجماعة ~~الصغيرة في المشفى القديم الذي كان مخصصا لمرضى الجذام وكان يقع في إحدى الضواحي. وهكذا تأسس ~~مشفى سان لازار (القديس لعازر) أو مشفى الحمقى؛ بغية «مساعدة الأشخاص المصابين للأسف ~~بالاختلال العقلي والخبل وعدم الاتزان والهياج في أغلب الأحيان والتخفيف من آلامهم، سواء في ~~المدينة المذكورة أو في منطقة مارسيليا التابعة لها، وإعطائهم بعض المعونات لإعانتهم على تحمل ~~البؤس، والحيلولة دون وقوع اضطرابات أو أعمال فوضوية قد يتسببون بها.» اعتبارا من هذا ~~التاريخ، أصبح وضع مشفى سان لازار معقدا. طالما أطلق عليه «مشفى الحمقى العام»، بيد أن مشفى ~~مارسيليا العام، الذي كان في منتهى السعادة؛ نظرا لأنه أصبح بإمكانه رفض استقبال المختلين ~~عقليا، لم يرد ضم مشفى سان لازار إليه بوصفه ملحقا به؛ ومن ثم بقي مشفى سان لازار تابعا ~~للمشفى الرئيس حتى عام 1702 حين اشترت المدينة العقار ووضعته تحت رقابة أعضاء مجلس البلدية. ~~ثم برزت مشاكل مالية خطيرة ناجمة عن قدم المباني وتهالكها، وضيق مساحتها في مواجهة ذلك ~~التدفق المتزايد للمختلين عقليا الذين ازداد عددهم من 30 تقريبا في عام 1700 إلى 114 في ~~عام 1788؛ مما أدى في نهاية المطاف إلى طرد «الغرباء» (عن المدينة). في عام 1770، بنيت منشأة ~~جديدة حوت 24 غرفة. لم تكن هذه الغرف الخشبية - على الرغم من أنها كانت متسعة بما يكفي لتكون ~~لكل واحدة منها نافذة على حدة - مزودة بنظام تدفئة ولم يكن المختلون عقليا يشغلونها إلا في ~~الليل، بينما كانوا ms124 يتمتعون بقية الوقت بشبه حرية داخل جدران المؤسسة، باستثناء المصابين ~~بالهياج بالطبع. كانت كل غرفة تشتمل على سرير مثبت بإحكام وفراش محشو بالقش وتطل على ~~ساحتين منفصلتين وضيقتي المساحة؛ إحداهما مخصصة للرجال والأخرى للنساء، وتنتهيان عند ~~المصلى. بيد أنه بمعاينة الغرف الستين اللاتي اشتملت عليهن مصحة سان لازار في أواخر القرن ~~الثامن عشر، واللاتي بلغ إجمالي عدد النزلاء بهن 114 مجنونا؛ ثبت بما لا يدع مجالا للشك أن ~~هذه الغرف، على الرغم من أنها كانت مصممة في البداية لاستيعاب فرد واحد، فإن هناك العديد من ~~الغرف التي كان يشغلها اثنان أو حتى ثلاثة من المجانين. وإذا نظرنا عن كثب، فسنجد أن اللوائح ~~الداخلية تعرضت لتشويه وتحريف رهيب؛ مما أعطى الانطباع بأن هذه المنشأة تعد مؤسسة رائدة (نصت ~~تلك اللوائح بشكل خاص على وجود جراح لحلاقة المرضى وإجراء عمليات الفصد لهم، وتضميد الجروح، ~~وتوزيع المطهرات وجرعات الدواء)، وهو ما يخالف الواقع اليومي بكل تفاصيله: الغرف المزودة ~~بأفرشة القش القذرة، والمجانين المصابين بالهياج المقيدين بالأغلال، والمصابين بالخرف ~~المهملين دون أدنى رعاية أو اهتمام، والوفيات المسائية «التي لا تحدث إلا كنتيجة لعدم متابعة ~~حالة المرضى». وكان يجري تشغيل المختلين عقليا في الأعمال اليدوية بغية الحصول على بعض ~~المال؛ «مما أدى إلى تحقيق مدخرات كبيرة». وكانوا يعرضون يوم الأحد على زوار مارسيليا ~~الفضوليين مقابل فلس «أوبول». ومع ذلك، كان «المشفى يعاني من ناب الفقر الذي ينهشه»، على حد ~~تعبير أمين صندوق سان لازار. # أما فيما يتعلق بالمثال الآخر الذي تقدمه مدينة إكس آن بروفانس، فبإمكاننا ملاحظة التالي: ~~في بداية الأمر، قام المشفى العام باحتجاز المجانين المصابين بالهياج المنبوذين من قبل ~~المشفى الرئيس في الأقبية. ثم انضمت هاتان المؤسستان إلى المشفى الثالث بالمدينة، وهو مشفى ~~لاميزيريكورد (الرحمة)؛ من أجل إيجاد حل للمشكلة التي طرحتها مسألة اعتقال المجانين، وجرى ~~الاتفاق على إنشاء مأوى للمختلين عقليا، # 14 # في اليوم الموافق 2 سبتمبر 1691، مع تقاسم نفقات الإقامة والإعالة وصيانة ~~المنشأة. ويمثل هذا الاتفاق إحدى الحالات النادرة التي تتفق ms125 فيها المشافي الموجودة بمدينة ~~واحدة؛ ولذا ذكرت هذه المبادرة كمثال رائع جدير بالإعجاب والإشادة. وهكذا خصص مبنى منعزل ~~بما فيه الكفاية للمختلين عقليا، وفي اليوم الموافق 27 أكتوبر، احتجز به 11 «امرأة وفتاة ~~مجنونة كن منتشرات في أنحاء المدينة». وكان القائمون على هذا المأوى يحرصون على عدم إبقاء ~~المرضى لمدة أطول من اللازم، ولا سيما أولئك «الذين تنتابهم فترات صحو ووعي تمتد لوقت طويل ~~[...] ولكن مع توخي الحذر في كل شيء». في الواقع، كان معدل التناوب في بداية الأمر سريعا. ففي ~~الفترة من 1691 إلى 1768، بلغ متوسط عدد الحالات المقبولة سنويا سبع حالات، بحيث كان متوسط ~~عدد المختلين عقليا 17. ثم أدى قبول حالات الحمقى القادمين من جميع أرجاء بروفانس مقابل دفع ~~نفقات الإقامة إلى زيادة الأعداد بشكل كبير ليصبح عدد النزلاء 160 في عام 1785؛ مما تتسبب في ~~حدوث اكتظاظ نتج عنه في أغلب الأحيان وضع اثنين من المختلين عقليا في غرفة واحدة. # في مشفى نيم العام، لم يكن هناك في بادئ الأمر إلا عدد قليل جدا من المجانين. «هذا ~~النشاط الغريب عن هذه الدار قبل عام 1749، كان في الأصل محدودا للغاية؛ نظرا لأن تلك الفئة ~~البائسة كانت قليلة العدد ولا تحظى بأي اهتمام؛ ففي عام 1755، لم يكن عددها يتجاوز خمسة أو ~~ستة.» # 15 # ثم، مع مرور السنوات، ازداد عدد النزلاء تدريجيا حتى وصل إلى 35 مجنونا في عام ~~1781، في حين أن عدد الغرف لم يتجاوز العشر بالنسبة إلى الرجال، ومن ثم كان لا بد غالبا من ~~احتجاز المجنونات اثنتين اثنتين (نتج عن هذا النظام كثير من المشاكل) في الغرف المخصصة ~~«لفتيات السوء» اللواتي يطلق عليهن أيضا، على اعتبار ما سيكون بالطبع، «التائبات». وكان ~~هذا الخلط في الغرف يعد أمرا مؤسفا وغير طبيعي بالمرة، حتى في نظر المسئولين عنه. # ومع ذلك يبدو أن المختلين عقليا كانوا يحظون في النصف الجنوبي من المملكة بقدر أكبر من ~~الرعاية والعناية؛ فقد أولاهم مشفى مونبلييه العام اهتماما خاصا، ولكنهم في الحقيقة لم ~~يكونوا كثرا داخله. ms126 أما مشفى ألبي، # 16 # فقد أوجد حلا لمشكلة مجاورة المختلين عقليا المؤسفة (خاصة بسبب صراخهم ~~المزعج) بإنشاء غرف خاصة، في مبنى بعيد ملحق بالمشفى، تطل على فناءين؛ أحدهما للرجال والآخر ~~للنساء (إذ إنه من المفترض أن حسن استعمال الغرف الفردية يمنح المختلين عقليا الهادئين حق ~~التنزه في الساحات). يبلغ طول هذه الغرف 3,25 أمتار وعرضها 2,60 متر، ويزيد ارتفاع سقفها عن ~~ثلاثة أمتار. يغطي الأرضية بلاط من القرميد. وكانت كل غرفة تغلق بباب مثبت عليه قفل ضخم ~~ومزاليج من أعلى ومن أسفل. على أحد الجوانب، هناك نافذة مزودة بقضبان حديدية، مع وجود إمكانية ~~لغلقها تماما بمصراع خارجي سميك. ويشكل السرير المثبت إلى الأرضية والمزود بفراش من القش ~~وببطانيات في الشتاء (يحصل عليها المختل عقليا فقط إذا كان هادئا) قطعة الأثاث الوحيدة ~~بالغرفة، بينما يوجد مقعد مرحاض مجهز عند فتحة النافذة. وكان يتم الخضوع لفحص طبي ~~يوميا؛ إذ كان يتعين على الجراح الملحق بالمشفى المرور شخصيا على المرضى للحرص على قيام ~~السجان المسئول عن المختلين عقليا بمهام عمله المتمثلة في الحفاظ على نظافة الغرف وتغيير ~~الأفرشة القش والملاءات. سواء عولج المجانين أم لا، فهذا يعني أنه كان ينظر إليهم على أنهم ~~بالفعل مرضى. وعلى الرغم من ذلك، كان يجب أن يدفع المختلون عقليا المقيمون في مأوى ألبي ~~نفقة إقامتهم، وهو ما يتناقض تماما، كما هي الحال في ليون، مع مبدأ المشفى العام. في الواقع، ~~لم يكن هناك اهتمام في مختلف الأماكن بإرساء دعائم فكر أو مبدأ تقوم عليها المؤسسة بقدر ما ~~كان هناك انشغال عملي بمسألة إيواء الحمقى بطريقة أو بأخرى. # كما رأينا، خارج فرنسا كان المختلون عقليا - عددهم محدود ولكنه في تزايد - يقيمون في ~~المؤسسات المعادلة للمستشفيات العامة (مثل بيوت العمل في إنجلترا ، والسجون في ألمانيا، ~~والإصلاحيات بأنواعها المختلفة كمنازل التأديب ومنازل صقل الأخشاب ومنازل الغزل في المقاطعات ~~المتحدة، وغيرها). ويبدو من خلال القليل الذي نعرفه أنه كان هناك اتجاه، في وقت مبكر جدا، ~~نحو تأسيس مراكز متخصصة كمشافي المجانين، ms127 ودور إيواء المصابين بأمراض مستعصية والميئوس منهم، ~~وملاجئ الأيتام، ودور المسنين ... وهكذا خصص في لاهاي في أوائل القرن السابع عشر مأوى ~~للمجانين وللمصابين بالطاعون، كما أنشئت دار للمجانين في مدينة دلفت وافتتحت في عام ~~1677. وفي روسيا، في أواخر القرن الثامن عشر، في عهد الإمبراطورة كاثرين العظيمة، «بدأ يظهر ~~اعتراف تدريجي بالطابع الخاص الذي يميز المشفى عن دار المختلين عقليا، ويميز هذه الأخيرة عن ~~الإصلاحية.» # 17 # ومع ذلك، فإن أيا من المؤسسات لم تكن تستقبل حمقى بقدر ما كانت الداران ~~الباريسيتان الكبيرتان تستقبلان. # إفلاس المؤسسة # لم يستطع مرسوم 1656 إيجاد حل أفضل من سابقيه لمشكلة التسول في باريس، بعد زوال النجاح ~~العابر والنسبي للسنوات الأولى لاشتغال المشفى العام. في أعقاب حدوث مجاعة في عام 1662، اجتاح ~~المتسولون من جديد شوارع باريس. وفقا لما ورد في واحد من الكتيبات العديدة التي نشرها ~~المحافظون، «مقابل كل متسولين اثنين كان يجري اعتقالهما، كان يأتي أربعة أو ستة للتسول في ~~المدينة.» # وسرعان ما وجد مشفى باريس العام نفسه - بوصفه شخصا اعتباريا له كيان مالي - عاجزا عن ~~أداء مدفوعاته. ومن ثم أطلق المديرون صرخات الاستغاثة المثيرة للشفقة: «إن المشفى العام يهلك، ~~سينهار إن لم يتم إنقاذه بسرعة، أو لنقل بالأحرى إنه يتداعى بالفعل إن لم يتم النهوض به على ~~الفور. فلم يعد لديه مال، ولا مخزون، ولا رصيد ائتماني. ويتجلى من خلال بيان الذمم الدائنة ~~الذي أعد في الاجتماع الاستثنائي الذي عقد في الثالث عشر من شهر ديسمبر الجاري 1666، أن ~~المشفى العام مدين بمبلغ مائتين وخمسة وعشرين ألفا وثمانمائة وثلاثة وثلاثين جنيها واثني ~~عشر بنسا وتسعة دنانير.» # 18 # علاوة على ذلك، وفق ما ذكر، في بعض الأوقات، كان هناك تفكير في إلقاء بعض ~~الفقراء خارجا. بعض التبرعات الكبيرة فقط هي ما مكنت المشفى من الاستمرار، ولكن يبدو أن هذه ~~«الهبات الرائعة» أخذ معينها ينضب سريعا، ولا سيما أن المتبرعين كانوا يتيقنون كل يوم، ~~بالنظر إلى الشارع، من فشل المؤسسة. في منتصف القرن الثامن عشر، ومع وجود أكثر ms128 من 13 ألف ~~محتجز، أصبح الوضع المالي كارثيا بحق. هذه المرة بلغ العجز مبلغا ضخما يساوي 2,7 مليون ~~جنيه. تعددت التفسيرات، بدءا بانعدام الدخل. لم تعد الإيرادات وخاصة الصدقات كافية، وتدنت ~~بشكل كبير نفقات الإقامة التي كان يندر دفعها، وأصبحت حصيلة الأرباح العائدة من وراء عمل ~~المحتجزين صفرا. ولكن، قبل كل شيء، يجدر القول إن التوسع المفرط لمشفى باريس العام هو الذي ~~أدى إلى توقف مجلس الإدارة عن المتابعة. # ما قد يبدو، في الواقع، وكأنه «اعتقال كبير» هو في الحقيقة زيادة مصطنعة في عدد ~~المحتجزين، فوفقا لما ذكره المسئولون الإداريون في منتصف القرن الثامن عشر: «أصبح مشفى ~~باريس العام، منذ ذلك الحين، مشفى المملكة بأكملها؛ حيث كان يجري استقبال الفقراء الأصحاء ~~والعاجزين، والمجانين، والمصابين بالصرع، والمصابين بالتهاب العقد السلي، والمرضى المصابين ~~بأمراض تناسلية، وأيضا الأشخاص المسجونين قسرا؛ نظرا لعدم وجود أماكن آمنة في الأقاليم ~~لحبسهم.» # 19 # ومن ثم برزت شكاوى حيال هذا الوضع عززتها الأوامر المستمرة الصادرة من قصر فرساي ~~إلى حكام الأقاليم: «لا يمكن النظر إلى مشافي باريس باعتبارها مكب نفايات الأقاليم»، وردت ~~العبارة السابقة في خطاب صادر في عام 1749 بشأن إحدى المختلات عقليا التي أراد سكان بلدية ~~بيليم (التابعة لمنطقة ألنسون الإدارية) احتجازها في سالبيتريير. # ويتعين أن نلاحظ، استكمالا لحديثنا، أن ~~الزيادة الرهيبة في أعداد النزلاء بمشفى باريس العام في منتصف القرن الثامن عشر، بعيدا عن ~~كونها ناجمة عن «حصيلة» جيدة لعملية ملاحقة المتسولين في باريس؛ هي نتيجة لفشل الاحتجاز في ~~الأقاليم (لذا سيكون قياس النسبة المئوية لعدد المحتجزين في المشفى العام بالمقارنة مع عدد ~~السكان في باريس أمرا مضللا، وهو ما قاد ميشيل فوكو إلى تلك النسبة المذهلة التي تساوي ~~10٪). لقد كان المجانين موجودين بأعداد كبيرة خلال عمليات النقل إلى العاصمة، طبقا لما جاء ~~في القرار الصادر عن برلمان باريس منذ عام 1695 والذي ذكر بالفعل أن مديري المشفى العام ~~«أقروا بوجود العديد من الأطفال وأشخاص من جميع الأعمار، من كلا الجنسين، ومكفوفين، وحمقى، ~~وغيرهم ممن ms129 يعانون من أمراض أخرى، هؤلاء جميعهم كانوا يرحلون من مختلف الأقاليم وينقلون ~~إلى مدينة باريس.» # 20 # بالرغم من توبيخات السلطات الملكية، لم تتوقف هذه الظاهرة. وسنتناول بالتحليل ~~الآليات والأسباب المتعلقة بها، مع التطرق إلى الجزء المغمور من الجبل الجليدي المتمثل في ~~التأديب، الذي كان يتم في السجون أو منازل الاحتجاز الجبري بناء على طلب العائلات ~~و«المجتمعات المحلية». # إن تكرار المراسيم الملكية ما هو إلا دليل على فشل الاحتجاز. بدءا من عام 1661، ورد في ~~أحد المراسيم اعتراف بفشل عملية الاعتقال في عام 1657 وتذكير بالهدف المزدوج من إنشاء المشفى ~~العام والمتمثل في: «إظهار قدر من الشفقة والحنو تجاه الضعفاء يقابله قدر معقول من القسوة ~~والصرامة تجاه الكسالى الماكرين.» ودائما ما كانت تفرض عقوبات صارمة متصاعدة على المتسولين ~~الأصحاء في حالة اقتيادهم للمرة الثالثة إلى المشفى العام، وهو ما يناقض الدليل على أنه كان ~~يتم إطلاق سراحهم. وتعكس عمليات إطلاق السراح هذه الغير المناسبة - وهي التي أدينت بشدة من ~~قبل السلطة الملكية الحاكمة في السنوات التالية - الضائقة المالية التي ترزح المؤسسة تحت ~~وطأتها. # تكررت البيانات الملكية دون كلل أو ملل. وقد أحصى أحدها على وجه الخصوص، ضمن فئات أخرى، ~~«العاجزين المصابين بالصرع»، ولكن لم يرد أي ذكر للحمقى (ولن يرد أبدا في نهاية المطاف). ~~أطلقت السياسة القمعية الفعلية التي اتبعها المشفى العام تجاه المتسولين الأصحاء سياسة ~~المساعدة العاجلة. أصر الإعلان الصادر في عام 1724، أكثر من غيره، على إحياء ديناميكية المشفى ~~العام في جميع أنحاء المملكة، وذلك من خلال الإشارة بوضوح إلى اعتقال المتسولين الأصحاء. ثم ~~أصبح إعلان 1724، بعد هذه الانطلاقة القوية، حبرا على ورق اعتبارا من عام 1731، في أعقاب ~~المجاعة التي ألمت بالبلاد في عام 1725 وتسببت في تشريد عدد كبير من التعساء. في منتصف ~~القرن الثامن عشر، حان الوقت لمعالجة قضيتي العاجزين (الذين كانوا يحتلون في الواقع المشفى ~~العام) والمتسولين الأصحاء (الذين كان لا بد من إيجاد مؤسسة جديدة لإيوائهم) كل على حدة. ~~لقد حان الوقت أخيرا للتفريق بين المساعدة والشرطة. ms130 # في الأقاليم، كان الفشل أكثر وضوحا؛ لأن المشافي العامة لم تحقق نجاحا؛ لا فيما يتعلق ~~باعتقال الأصحاء ولا فيما يتعلق باعتقال العاجزين. ومع ذلك، فقد حاولت هذه المشافي تطبيق ما ~~جاء في إعلان 1724، ولا سيما أنه كان قد قطع وعدا متهورا بالتكفل هذه المرة بجميع النفقات ~~على حسابه. وهكذا أراد مشفى كوتانس العام، الذي أنشئ متأخرا، أن يدبر مكانا للمتسولين ~~الأصحاء. ومن ثم أبدى اعتراضا على فرسان المارشالية حتى لا يظهروا تعنتا عبر إلقاء القبض ~~على العاجزين فقط: «سيكون من الملائم [...] ألا يؤذن لهم باقتياد جميع الفقراء على اختلاف ~~أنواعهم من الأبرشيات المجاورة دون تمييز، وإلا فستجد المشافي أنفسها مكتظة بالمجانين، ~~والمعاتيه، والعاجزين، وغيرهم. أولئك ليسوا بالضبط المتسولين المحترفين ولا المتشردين الذين ~~يراد قمعهم.» لقد قيل ما فيه الكفاية. وإذا وجد مجانين، كما هي الحال ها هنا؛ فذلك لأنهم ~~«سرقوا» الأماكن المخصصة للمتسولين الأصحاء. بل والأفضل من ذلك، أن بعض المشافي العامة ~~المحدودة المساحة والمكتظة بالعاجزين من شتى الأنواع رفضت بالفعل احتجاز الأصحاء. # في معظم الأحيان، كانت المشافي العامة، التي تأسست على عجل، تكابد صعوبات مالية خطيرة. ~~لقد كان الوضع مترديا، خاصة إذا وضعنا في الحسبان مآسي الدهر. بالإضافة إلى ذلك، لم تستطع ~~السلطة الملكية الوفاء بالتزاماتها على الرغم من وعودها. أما فيما يتعلق بحركة العمل الخيري ~~التي مهدت الطريق لميلاد المشفى العام، فقد نضب معينها؛ سواء من جهة الأثرياء، أو من جهة ~~الأناسي المتواضعين الذين كان يطلب منهم في كثير من الأحيان دفع مبالغ مالية معينة في نطاق ~~ما يسمى ب «جباية الأموال». «لقد تباطأ إيقاع العمل الخيري، وأصابه الجمود، وكاد يخبو»، تلك ~~هي العبارة التي رددها بمنتهى الرقي مديرو مشفى بايو العام في سنة 1772. # في المشفى العام الكائن بمدينة سان لو، كان ينبغي زيادة عدد الأسرة المتاحة بمعدل ~~ثلاثة أضعاف. فقد تعين على المسئولين وضع «ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو حتى ستة من الفقراء معا ~~ليناموا في سرير واحد»، علما بأن عدد الفقراء كان يبلغ 207، في حين ms131 أنه كان يجب توفير مكان ~~يسع 600 فقير. وقد كتبت إحدى الراهبات العاملات في المشفى خطابا إلى الوكيل الموفد في السابع ~~عشر من ديسمبر 1724 قالت فيه: «لقد مرضت رئيستنا منذ ثلاثة أسابيع بالحمى وأصابها الحزن من ~~رؤية الفقراء بمشفانا يعانون، وتقطعت أحشاؤها حزنا؛ لأنها ترى نفسها عاجزة عن ~~التخفيف من آلامهم. وأؤكد لكم يا سيدي أن الإنسان الذي لا يتأثر بأوجاعهم وشقائهم ولا تتحرك ~~مشاعره لدى رؤيتهم شبه عرايا في ذلك الفصل الذي نحن فيه [...]، لا بد من أنه يمتلك قلبا من ~~حجر. أود أن أضيف فيما يتعلق بمتسولينا، أنهم أناسي مرضى، جميعهم مصابون بالصرع [؟] ومع كل ~~هذا، فإننا نجد شيئا من التعزية إذا استطعنا توفير مسكن وملبس لهم.» نقرأ في خطاب آخر يعود ~~تاريخه إلى أبريل 1733 العبارة التالية: «لقد استهلك تقريبا كل المخزون لدينا من الخشب، ~~والزبد، والشحم. واستعملت البياضات (قماش قطني أو كتاني يستعمل للملابس الداخلية وسواها) ~~بالكامل، كما ينقصنا خمر التفاح.» # في منتصف القرن الثامن عشر، لم يكن الوضع أفضل حالا في المؤسسات الكبرى. بيد أن هذه ~~المؤسسات كانت تمتلك دخلا عبارة عن مبالغ مالية مخصصة لها لا يستهان بها (متمثلة في جزء من ~~رسوم الدخول المفروضة على بعض السلع والبضائع، والغرامات على وجه الخصوص) بالإضافة إلى الناتج ~~الذي كانت تحصل عليه من المصانع التابعة لها. وعلى الرغم من ذلك، تجاوزت المصروفات بكثير ~~الإيرادات، وكانت هناك محاولات في كل مكان لسد هذا العجز الضخم. فقد قام مشفى روان العام، ~~الذي كانت تقدر خصومه في ذلك الوقت ب 216 ألف جنيه، بطرح قرض للاكتتاب. أما مشفى ليل، فقد ~~تنازل عن ملكية جزء من أصوله، كما فعلت العديد من المؤسسات الأخرى. في ظل هذه الظروف، لم يكن ~~هناك مجال لتمويل إنشاءات جديدة أو حتى لترميم وإصلاح المنشآت القائمة بالفعل. في كل مكان ~~تقريبا، كانت المباني التابعة للمشافي العامة، والتي لم تكن تتم صيانتها، على شفا ~~الانهيار. # الفصل الثالث # | دور الاحتجاز الجبري تتسلم الراية # سرعان ما رأت السلطة ms132 الملكية الحاكمة (أي ~~الدولة) أن الحاجة أصبحت ملحة لإيجاد بدائل للاحتجاز. وهو ما قاد في «القطاع العام» إلى إنشاء ~~مستودعات للتسول، في أواخر حكم الملك لويس الخامس عشر، كامتداد مباشر للمشفى العام. وسنتناول ~~هذه النقطة بالتفصيل لاحقا. أما بالنسبة إلى «القطاع الخاص»، فقد تسلمت دور الاحتجاز الجبري ~~الراية. منذ بداية القرن السابع عشر، بدأت العائلات، ولكن بأعداد قليلة، في إرسال أبنائها أو ~~بناتها السيئي السلوك أو المنحلين أخلاقيا إلى هذه الدور بغية إصلاحهم، كما كان يرسل إليها ~~أيضا الأزواج السيئون السكارى، وذوو السلوك العنيف، والمبذرون، والزوجات السيئات الفاسقات، ~~والأرامل ممن لا يزلن في ريعان شبابهن واللائي يتعرضن لإغراءات قد تؤدي إلى تورطهن في زيجات غير ~~موفقة، والجانحون المستترون الذين على وشك الوقوع في يد العدالة مما سيتسبب في إلحاق الخزي ~~والعار بأهلهم، وأخيرا المجانين. وهذا هو المكان الذي كان ينبغي، طوال عهد النظام القديم، ~~البحث فيه عن المجانين، بدلا من المشفى العام حيث لا يوجد إلا المعوزون وفقا لتعريف ~~الكلمة. يذكر أن المشافي العامة المنتشرة في أرجاء المملكة هي أبعد ما يكون عن أن تشكل أماكن ~~ضخمة للاحتجاز؛ فهي لم تكن تحوى في أواخر القرن السابع عشر إلا 5٪ من الحمقى، وذلك قبل أن تصل ~~هذه النسبة بشكل استثنائي إلى 10٪ في باريس في أواخر القرن الثامن عشر (مقابل نسب ضئيلة في ~~الأقاليم)، بالإضافة إلى الأبراج المشيدة فوق الأسوار والسراديب، والتي كانت لا تزال تعد ~~أماكن احتجاز لبعض المجانين منذ القرون الوسطى. تلك حقيقة واقعة، ولا سيما ~~أن دور الاحتجاز الجبري هي التي تمثل الجزء المغمور ~~من الجبل الجليدي، في حين تمثل مؤسستا سالبيتريير وبيستر الجزء الظاهر والخداع منه. اختلفت ~~الإجراءات المتبعة في منازل الاحتجاز الجبري، أو الإصلاحيات، عن سواها؛ إذ كان يتعين على ~~العائلة أن تتقدم بطلب مفصل لالتماس قبول الحالة مرفق بتعهد بدفع نفقات الإقامة. # وكان الخطاب المختوم الذي يحمل أمرا ملكيا استبداديا هو الوثيقة القانونية اللازمة ~~لوضع الشخص في إحدى دور الاحتجاز الجبري. إن الأمر الملكي، # 1 # بوصفه إجراء ms133 معقدا يعبر عن الإرادة الشخصية للملك، لا ينحصر في كونه مجرد أسطورة ~~سوداء تداولتها الألسن. كانت هذه الأوامر الملكية مقتصرة في بداية الأمر على المبادرات التي ~~يطلقها الملك وحده، ثم شاع استخدامها أكثر فأكثر في عهد لويس الرابع عشر، وازدهرت بشكل مذهل في ~~القرن الثامن عشر حين اعتاد القائد العام لشرطة باريس (الذي جعل من هذه الأوامر الملكية ~~«ملاذا اعتياديا لضعفه») ومن بعده حكام الأقاليم؛ اللجوء إليها لاستصدار أوامر من قصر فرساي ~~(بمعنى مقر الإدارة المركزية وليس بمفهوم قرارات مبنية على «إرادة ورغبة» الملك) باعتقال أحد ~~«المرشحين» للإصلاح. ولكن، وراء مظاهر النفوذ المتعددة هذه، كانت العائلات في الواقع هي التي ~~تظهر طوال القرن الثامن عشر باعتبارها المطالب الرئيس بإصدار الأوامر الملكية (في أكثر من ~~90٪ من الحالات). فعلى سبيل المثال، في منطقة كاين الإدارية (التي تمثل حاليا إقليم المانش ~~والنصف الغربي من إقليم كالفادوس)، تقدر نسبة الملفات التي صدر بشأنها أوامر ملكية خلال ~~القرن الثامن عشر بناء على طلب إحدى الجهات التي تتمتع بالنفوذ (الملك، أو الوزراء، أو ~~الكنيسة) 2,2٪ من إجمالي الملفات البالغ عددها 1723، بينما صدرت جميع الأوامر الملكية الأخرى ~~في باقي الحالات بناء على مبادرات فردية تقدمت بها العائلات في أغلب الأحيان والمجتمعات ~~السكانية في أحيان أخرى. # يرجع نجاح الأمر الملكي إلى سرعته وفي الوقت نفسه إلى سريته. فالعائلات التي كانت تسعى ~~للحصول عليه، يحركها دائما حالة طارئة ورغبة ملحة في إنقاذ الموقف؛ إذ تكون هذه العائلات، على ~~حد قولها، في كل مرة، على شفا تجرع مرارة الخزي والعار: «سيادة الملك، أسرة محترمة من مدينة ~~ليزيو، يتهددها كل يوم خطر الخزي والعار الذي قد يلحق بها بسبب أحد الرعايا المنحرفين، تلتمس ~~شرف الاستظلال بحمايتكم.» # طلبات الاعتقال # في هذه الدوامة الجديدة، التي تلت دوامة المشفى العام، سوف يتم ابتلاع الحمقى غير ~~المعوزين وغير المشردين، بعبارة أخرى الغالبية العظمى من المجانين. ومع ظهور منازل ~~الاحتجاز الجبري، برزت إمكانية جديدة لإيواء المجانين. وعلى الرغم من ذلك، لم يكن ممكنا أن ~~يكون هناك ms134 في ذهن مقدمي الطلبات، بل وفي ذهن السلطات العامة أيضا، أدنى خلط بين «المرشحين» ~~للتأديب والإصلاح الذين يعدون عناصر سيئة يلومها المجتمع، والحمقى، الذين ينظر إليهم كمرضى ~~يشفق عليهم المجتمع. هذا يعني أنه، فيما يتعلق بهذه الفئة الأخيرة، كان يجري التعامل بحذر ~~شديد وإظهار قدر كبير من التيقظ حيال مقدمي الطلبات. # يجب أن تكون العريضة المرفوعة للحصول على أمر ملكي بسبب ~~الجنون - والمقدمة إلى حاكم المنطقة الإدارية أو إلى ~~وزير الديوان الملكي - مفصلة وجماعية. فنجد على سبيل المثال أحد الآباء يقوم بسرد ~~السلوكيات العنيفة التي صدرت عن ابنه ذي الخمسة والعشرين عاما، وتهديداته بالموت. ولا بد من ~~وجود ما لا يقل عن اثني عشر توقيعا، من ضمنها توقيعات الأقرباء، أسفل العريضة. ثم يشهد كاهن ~~الأبرشية بخط يده على أن الشخص المعني مصاب ب «اختلال عقلي يصحبه هياج». ونادرا ما كان يتم ~~إرفاق شهادات طبية بهذا الطلب؛ نظرا لأن الأمر لم يكن يتعلق بالتشخيص وإنما بالتصرفات ~~والأفعال. نستشهد على سبيل المثال في هذا الصدد بإحدى الوقائع حين اجتمع سكان بلدية لينتو، ~~بمنطقة روان الإدارية، في الكنيسة يوم الأحد الموافق 19 ~~نوفمبر 1786 عقب صلاة القداس للاتفاق على بنود عريضة مرفوعة للحصول على أمر ملكي ضد المدعوة ~~ماري برونيه، إحدى رعايا الأبرشية. نقتبس بعض العبارات الواردة في نص العريضة على النحو ~~التالي: «لقد أصابها جنون يجعلنا نخشى على حياتها وعلى السلامة العامة. لقد ألقت بنفسها أكثر ~~من مرة في النهر وحاولت أكثر من مرة إضرام النيران في المباني التابعة للأبرشية ~~المذكورة.» # يسعى مقدمو الطلب للحصول على محضر إثبات حالة؛ ولذا نجد أن الألفاظ المستخدمة تدل على ~~حالة جنون بين، بدءا بكلمة «جنون» ومشتقاتها المختلفة («خطير»، «نوبات») وأيضا «بله، ~~وخرف، وخرف يرافقه هيجان، وهياج، واستلاب واختلال عقلي، والإصابة بفتنة تطير الصواب، ~~وفقدان الرشد، وفقدان تام للقوى العقلية». نقرأ في موضع آخر العبارات التالية: «رأسه (الشخص ~~المجنون) غير متزن تماما؛ مما يجعل التعرف عليه سهلا للناظرين.» من الجدير بالذكر أن ~~المصطلحات الطبية الكلاسيكية مثل ms135 الهوس، والملنخوليا، والتهاب الدماغ المسبب لجنون ~~الهياج، و«الاهتياج الرحمي»؛ كانت شديدة الندرة ولم تذكر إلا في فترة لاحقة، بالإضافة ~~إلى أنها لم تكن متطابقة مع أي تشخيص سريري محدد. # كانت العائلة المقدمة للطلب ترفق به في كثير من الأحيان شهادة من قس أهل للثقة بحيث لا ~~يمكن التشكيك في حسن نيته أو صدقه. فعلى سبيل المثال، في عام 1735، أيد كاهن بلدية بريل، ~~التابعة لأبرشية بوفيه، الطلب الذي تقدم به مزارع من أجل اعتقال ابنه «الذي أصيب باختلال ~~عقلي» ونصه كالتالي: «أشهد، أنا الموقع أدناه، القس وكاهن الرعية [...] أن المدعو فرانسوا تيبو، ~~قد أصابه منذ ثلاثة أسابيع تقريبا اختلال عقلي يتجلى لأعين الناظرين من خلال بعض التصرفات ~~الشاذة والمخالفة للصواب التي تصدر عنه، الأمر الذي أصاب والده وعائلته بحزن شديد.» # في بعض الأحيان، كانت السلطة نفسها، ممثلة في شخص قائد شرطة باريس أو حاكم الإقليم، هي ~~التي تتقدم بطلب الحصول على أمر ملكي كبديل عن الأسرة، إذا كانت غائبة أو غير معروفة. نذكر ~~على سبيل المثال قضية مشابهة في باريس، ترجع إلى عام 1717، وهي حالة المدعو روسو الذي اعتقل ~~مرتين من قبل وأثار شفقة المفوض المسئول عن منطقته على النحو التالي: «إنه لا يأكل إلا ~~قليلا من الخبز ويشرب يوميا مقدار نصف ستية من الجعة الممزوجة بالماء، قائلا إنه لا يشرب ~~إلا الماء. يرتدي هذا الشخص ملابس رثة لدرجة أن الشحاذين في الشوارع يبدون أفضل حالا منه [...] ~~إنه لأمر مثير للشفقة رؤيته بمثل هذا النحول والضعف الشديدين. أعظم عمل خيري يمكن القيام به ~~تجاه هذا الشخص هو الحيلولة دون هلاكه.» وقد اتخذ ضابط الشرطة، بعد تلقيه مذكرات جديدة تتصاعد ~~فيها نبرات القلق، قراره برفع طلب الحصول على أمر ملكي إلى الوصي على العرش. # بعد تلقي العريضة التي يقدمها المدعون، يأمر الحاكم أو القائد العام لشرطة باريس بفتح ~~تحقيق إداري دقيق. في عام 1764، كتب الوزير بيرتن إلى الحكام قائلا: «عليكم أن تحتاطوا ~~كثيرا فيما يتعلق بالنقطتين التاليتين؛ أولا: يجب أن تكون المذكرات ms136 موقعة من الوالدين، ومن ~~أقرباء الأم والأب. وثانيا: يجب أن تستفسروا جيدا عن الذين لم يوقعوا وعن الأسباب التي ~~منعتهم من ذلك، والاستماع إلى وجهة نظرهم بالإضافة إلى التحقق الدقيق من صحة ما ~~يقولونه.» # كان الإجراء المتبع يقضي بانتقال نائب الحاكم أو أحد ضباط شرطة باريس إلى مكان وجود ~~الحالة. ثم كان يجري استجواب الشخص المعني، والمدعين، والجيران، وأعيان ووجهاء المدينة. في ~~تقرير صادر عام 1746 عن الوكيل الموفد لمنطقة ألنسون الإدارية، نجد ما يؤكد ثبوت حالة جنون ~~الابن لوفيفر على النحو التالي: «لقد أصيب منذ عامين بجنون حقيقي ومستمر يتدهور في كثير من ~~الأحيان، فيتخذ صورة هياج متكرر وعنيف، لدرجة أنه كاد أكثر من مرة أن يقتل والده ووالدته. هذه ~~الوقائع معروفة للجميع ولنا. ولقد قمنا بزيارته بحثا عن مزيد من الإيضاح بما لا يدع مجالا ~~للشك، ووجدناه على هذه الحال المذكورة أعلاه.» كان الوالدان يقومان برعاية ولدهما ليلا ~~ونهارا ويعملان على مداواته، ولكن لم يعد لديهما بنس واحد. قبل ثلاث سنوات، كان الوكيل ~~الموفد عينه قد ذهب ليتحقق عيانا من جنون رجل دين؛ إذ لم يعد في حالة تسمح له بأن يبقى تحت ~~رعاية الخبازين الذين كانوا قد استضافوه. «يعاني رجل الدين المقصود من خلل ذهني تام وجنون ~~حقيقي يشكل خطورة؛ سواء على صعيد الدار حيث يجري احتجازه عند مقدمي الالتماس، أو على صعيد ~~الجوار في حالة هروبه.» بيد أنه لا يوجد مكان ملائم لاستقباله في منطقة ألنسون الإدارية ~~بأكملها؛ ولذا يقترح وكيلنا الموفد على الحاكم الالتجاء إلى الدور الباريسية، «التي اعتادت ~~استقبال الرجال الذين يصيبهم مكروه مماثل، وخاصة رجال الدين.» # غالبا ما كان الجنون يتجلى فارضا نفسه بشكل واضح: «وفقا للإجابات التي أعطاها (المريض) ~~عن الأسئلة التي طرحت عليه، من المؤكد أنه ما زال مختلا عقليا.» «من الصعب أن نتصور أن ~~هذه الثرثرة التي تحوي كلاما غير مرتب ولا تتمة له ليست صادرة عن شخص مختل عقليا.» ولكن، ~~نجد مرة أخرى أن تشخيص الحالة تم استنادا إلى ms137 الإدراك السليم والتفكير المنطقي المشترك وليس ~~استنادا إلى إثبات حالة طبية. وبالطبع، هذا لا يمنع توخي اليقظة. ونظرا لأن معظم الحالات ~~كانت مستعجلة؛ كان قصر فرساي غالبا ما يقوم بإرسال الأوامر الملكية دون إبطاء ومن دون ~~انتظار ذهاب الحاكم أو ضابط الشرطة للمعاينة، بيد أن هذه الأوامر كان دائما ما يرفق بها ~~توصيات كتلك التي أرفقت بالأمر الملكي الصادر في عام 1779 على النحو التالي: «برجاء عدم تنفيذ ~~هذه الأوامر الملكية إلا بعد التأكد بالتحديد من أن حالة السيد بلونديل تقتضي فعلا اتخاذ ~~هذا التدبير الاحترازي حياله.» # ومما يدل على يقظة السلطات، أنه لم يكن من غير المألوف رفض إصدار الأمر الملكي أو على ~~الأقل تأجيله (تم تأجيل طلبات في منطقة كاين الإدارية بنسبة تتراوح ما بين 15 و20٪، وفي ~~بروفانس بنسبة تتراوح ما بين 25 و30٪). نذكر على سبيل المثال حالة أحد النبلاء وهو السيد فير، ~~الذي كان منفصلا جسديا عن زوجته، وأرادت عائلته اعتقاله لإصابته بالجنون (فقد كان ينخس ~~خيوله بالسيوف، ويريد أن يتلو صلاة القداس ويقوم بسب وإهانة القس). ولكن التقرير الصادر عن ~~حاكم كاين، في أغسطس 1767، يقول شيئا مختلفا: «أنا مقتنع أن المصلحة وحدها والعداوة هما ~~الدافع لاتخاذ هذا الإجراء. وعدا ذلك، فإن هذا الشخص يملك عقلا محدودا بحيث يمكن مهاجمته مع ~~الإفلات من العقاب، ولكن لن يكون هناك أمر ملكي.» في عام 1763، كتب الوكيل الموفد تقريرا إلى ~~حاكم روان بشأن التحقيق الذي أجراه، قال فيه: «صحيح أن المدعو بليزو يبلغ من العمر حوالي 76 ~~عاما وأن هذه السن، إضافة إلى ماء الحياة (مادة مسكرة) الذي يشربه، قد أصاباه بحالة من ~~الهذيان وضعف العقل والمزاج العكر، ولكنه لا يشكل خطورة بالمرة سواء على حياة أي إنسان، أو ~~على حياته الشخصية، كما لا يخشى أن يقوم بإشعال أي حرائق.» واختتم الوكيل الموفد تقريره ~~قائلا بأن زوجته وبناته هن اللواتي يثرن معظم الوقت، بإهاناتهن، غضبه وانفعاله. ليس هناك ~~ما يدعو بأي حال من الأحوال استصدار أمر ملكي. أما ms138 فيما يخص ذاك الشخص الآخر الذي ألقى بنفسه ~~من النافذة، فيبدو «أن إخوته مسئولون عما أصابه بشكل كبير» (فدائما ما كانوا يقولون له: ~~«اسكت! أنت لست إلا بهيمة لا تفقه شيئا».) خلص الوكيل الموفد فيما يتعلق بهذه الحالة إلى ~~أنه يمكن استصدار الأمر الملكي، ولكن شريطة أن يجري علاج هذا الشخص ورعايته بعناية مع تقديم ~~تقرير كل ستة أشهر عن حالته الصحية. # على كل حال، كان قصر فرساي دائما هو الذي يتخذ القرار النهائي، مطالبا في كثير من ~~الأحيان بمده بمزيد من المعلومات، بل ومعربا من جانبه عن الشكوك التي تساوره حول صحة الطلب ~~ومشروعيته. وهكذا في عام 1755، فيما يتعلق بحالة المرأة التي أراد زوجها اعتقالها بسبب ~~الجنون: «اعترض الوزير قائلا: ألا يعزى السبب الحقيقي والوحيد في فورات الغضب التي تصيب هذه ~~السيدة إلى كونها قد أجبرت على الذهاب للعيش عند أبناء أخيها وهي لا تريد ذلك؟» «إن ~~الإكراه الذي يضغط على الإرادة يمكن أن يدفع الشخص إلى ارتكاب أكثر الأفعال شذوذا وحماقة، ~~ومن هنا يمكن القول: إن أي غضب عنيف يعد جنونا بما أن العقل لا يعمل بشكل سليم، ولكن لا ~~ينبغي أن يدفعنا هذا إلى استنتاج إصابة الشخص بالاستلاب العقلي.» # كان الدفع الإجباري لنفقات الإقامة يشكل عائقا آخر لا يستهان به؛ إذ كان يجب - في عريضة ~~استصدار الأمر الملكي - تحديد المؤسسة المطلوبة وتكلفة الإقامة المناسبة، بيد أن العديد من ~~مقدمي الطلبات كانوا يعانون من البؤس ويدعون احتجازهم للمجانين بلا مقابل. ولكن الإدارة لم ~~تكن تستجيب لهم بهذه الطريقة. فلكي يأكل المرء من «خبز الملك»، يجب أن يكون الملك هو الذي ~~اتخذ مبادرة إصدار الأمر الملكي، وهو ما يعد بعبارة أخرى أمرا مستحيلا أو شبه مستحيل في ~~الأقاليم؛ ولهذا السبب لم تكن العديد من الطلبات تؤتي ثمارها. وإذا كانت حالة الجنون تشكل ~~تهديدا خطيرا على الأمن العام، ينبغي إذن اللجوء إلى القضاء. # في بعض الأحيان، قد يصدر قرار اعتقال أحد الحمقى عن طريق السلك القضائي بدلا من الحصول ~~على ms139 أمر ملكي (ربما في 30٪ من الحالات). وتتخذ هذه القرارات أشكالا متنوعة. يشكل الحكم ~~القضائي بالحجر خطوة تمهيدية مهمة، ولكنه لم يكن شائعا نسبيا؛ نظرا لأنه يتطلب خوض ~~إجراءات شاقة ومكلفة. كما أنه يفترض أيضا وجود مصالح مادية على المحك؛ مما يحتم تعيين ~~قيم. بعيدا عن هذا الطريق الكلاسيكي القديم، كان بإمكان المجالس النيابية، والمحاكم ~~المختلفة (محكمة المشرفين الملكيين، ومحكمة الإقطاعيين، والمحكمة الكنسية) النطق بأحكام ~~الاعتقال. وهو النظام الذي كان يسري على وجه الخصوص في الحالات التي يكون الأحمق فيها واقعا ~~بالفعل تحت طائلة القانون. ومن المعروف أن مبدأ عدم المسئولية ينطبق دائما على المجنون، ولكن ~~في القانون الجنائي، ينطوي هذا المفهوم على العديد من القيود. بادئ ذي بدء، يحظر على القضاة ~~الأوائل فتح أي تحقيق خلال إقامة الدعوى متعلق بحالة الجنون، وتختص البرلمانات # 2 # وحدها بالنظر في هذه المسألة. ينبغي إذن لكي ينظر في قضية الجنون أن يتقدم ~~المحكوم عليه باستئناف، وهو ما يعد - بالنسبة إلى المختل عقليا، الذي يكون غالبا بلا ~~محام وبلا عائلة - إجراء بعيدا كل البعد عن المنهجية. ثم هناك ثلاثة أنواع من الجرائم تعفي ~~القضاء من فتح أي تحقيق بشأن الجنون؛ وهي الجرائم التي تكون ضد الملك، أو ضد الدين، أو ضد ~~«الجمهورية» [الدولة]؛ # 3 # الأمر الذي أدى إلى الحكم، غالبا في القرن السابع عشر أكثر منه في القرن الثامن ~~عشر، على أكثر من مجنون مسكين بعقوبة الإعدام. نذكر على سبيل المثال إحدى القضايا التي تعود ~~إلى عام 1670، وهي قضية فرانسوا سارازان، ذلك المجنون البالغ من العمر 22 عاما والمحتجز عند ~~والدته، والذي «ابتدع دينا جديدا» وكان يزعم أن ذبيحة القداس الإلهي عبادة أوثان. هرب ~~سارازان، ووصل إلى باريس، ودخل كاتدرائية نوتردام، واستمع في خشوع إلى صلاة القداس الأول، ثم ~~إلى صلاة القداس الثاني. عند رفع كأس القربان، اندفع ممسكا بالسيف في يده وحاول أن يخترق ~~القربان بالسيف، وأن يقطعه؛ مما تسبب في إصابة القس بجرح وإيقاع حقة القربان. حينما ألقي ~~القبض عليه، وتمت محاكمته، أوضح ms140 في هدوء أنه أراد أن يمنع عبادة الأوثان. إن جنون سارازان كان ~~بينا بما لا يدع مجالا للشك، وكذلك الحكم أيضا. وبعد أن صدر ضده حكم يقضي بإرساله إلى ~~المحرقة، كان يتعين عليه أولا أن يقر بذنبه ويعتذر جهارا أمام بوابة كاتدرائية نوتردام؛ حيث ~~قام الجلاد بعدئذ بقطع معصمه الذي دنس المقدسات، «ولكن دون أن يصدر عن المجنون أدنى صرخة، بل ~~على العكس ابتسم لدى رؤية ذراعه وقد أصبح بلا يد!» # 4 # لقد أراد بالفعل أن يستغفر الله باعتباره آثما، ولكنه لم يرد أن يطلب من الملك ~~الصفح عنه؛ نظرا لأنه لم يكن يعترف البتة بصحة مثوله أمام القضاء؛ ولذا اقتيد إلى المحرقة ~~وأشعلت فيه النيران «ولم يسمعه أحد يشكو». لم يكن المجرم هنا هو من يبتغى عقابه بقدر ما ~~كان الجرم نفسه هو ما يراد معاقبته عن طريق المذنب. ففي ظل النظام القديم، كانت الأخطاء ~~الكبرى يعاقب عليها بعقوبات كبرى أيضا. # بعيدا عن هذه الجرائم المتعلقة بتدنيس المقدسات، كان القتلة «البسطاء» يفلتون من عقوبة ~~الإعدام في حالة الإقرار بإصابتهم بالجنون، ولكن ذلك كان يتم بعد الحكم عليهم بالموت: هذا؛ ~~لأنه قتل خادمته على خلفية الإدمان المزمن للكحول، وذاك؛ لأنه اغتصب فتاة تبلغ من العمر 16 ~~عاما، وكان - وقت ارتكاب الجريمة - في حالة جنون وهياج شديد، لدرجة تحتم معها ضربه بالعصا ~~ضربا مبرحا، أو آخر أطلق الرصاص على أخيه فأرداه قتيلا، وكانت هناك رغبة في الاعتراف ~~«بالخلل الذي أصاب ألياف مخه». بالإضافة إلى ذلك، هناك العديد من جرائم قتل الأطفال ~~الرضع، ولكن في هذه القضايا على وجه الخصوص، كان لا بد من أن يكون الجنون جليا ~~ومثبتا؛ لأن العدالة لا ترحم حينما يتعلق الأمر بالجرائم الشنيعة. وفي بعض الأحيان، كانت ~~العائلات تحاول أن تأخذ زمام المبادرة، مثلما حدث في قضية ذلك المزور الذي كان صدور حكم ~~الإعدام ضده أمرا محتما. ما وراء الحجة الكلاسيكية المتعلقة بإلحاق الخزي والعار ~~بعائلة محترمة، تأتي حجة أخرى أكثر مكرا، تجلت في قضية ذلك النجار ms141 نصف المعتوه، الذي ~~انضم، وهو أب لأحد عشر طفلا، «بالقوة» إلى عائلة في مستوى اجتماعي أعلى من مستواه، وارتكب ~~جريمة التزوير مدفوعا بالفقر والبؤس، وضبط في أثناء محاولته الأولى لتزوير النقود؛ لأن ~~التقليد لم يكن متقنا للدرجة التي قيل معها إن مثل هذا العمل لا يمكن أن يصدر إلا عن شخص ~~مجنون. يتضح من هذه القضية أن العائلة (أو بالأحرى المحامي) على دراية جيدة بأسلوب تفكير ~~المؤسسة. فهم يدركون أن المجرم الأحمق، الذي يصدر ضده حكم بالإعدام ثم يجري العفو عنه، يبقى ~~مسجونا طوال حياته من دون أدنى إمكانية للخروج يوما ما. وهكذا قضى النظام القديم، استنادا ~~إلى منطق قد يبدو قاسيا اليوم، على خطر تكرار الجرم. ومن ثم، اقترحت العائلة إبقاء مزورها ~~الأبله محتجزا في أحد السجون. وقد علق أحدهم بظرافة قائلا: «لن يخشى إذن أن تسفر ~~محاولاته المتكررة عن زيادة مهاراته.» وبالفعل، حكم على مزورنا بالإعدام ثم تم العفو عنه ~~وسجنه مدى الحياة. # العديد من الجانحين اليافعين، سواء أكانوا لصوصا أم مثيرين للمتاعب أو للشغب، كانوا يرون ~~عائلاتهم تتبع الأسلوب نفسه في استدعاء الجنون أمام المحاكم مع التشديد على السوابق والتاريخ ~~المرضي. فهذا متهم «انتابته في شبابه نوبات جنون ودوار مختلفة، ثم عاودت الظهور مجددا في ~~الآونة الأخيرة بصورة مخزية للأسرة» (يتعلق الأمر بارتكاب سرقة). وذاك مجنون هائج ألقي القبض ~~عليه للتو، «وقد بدرت منه أفعال تستحق كل لوم وتوبيخ من جانب العدالة إن لم يبرأ لإصابته ~~بالجنون» (1778). بالنسبة إلى القلة التي أقرت حالتهم الجنونية، كان القضاء يعترف بعدم ~~مسئوليتهم عن أفعالهم ويأمر بالاعتقال. # 5 # تميزت بعض الطلبات بالصراحة، مثل ذلك الطلب الذي تقدم به مدير مدرسة ثانوية ضد ~~جارته قائلا على حد تعبيره أنها «مجنونة مثيرة للشفقة، ولكنها تسبب نهارا وليلا إزعاجا ~~للمنطقة بأكملها، ولي على وجه الخصوص.» # لا يوجد في القانون ما يسمى بتنازع الاختصاص بين القرارات القضائية والأوامر الملكية. ~~بالمقابل، كلما تقدمنا تدريجيا في القرن الثامن عشر، وكلما تحسن أداء أجهزة الإدارة ~~الملكية، وجدنا أن ms142 قصر فرساي أصبح أكثر فأكثر تساهلا حيال الموافقة على الاعتقالات التي ~~قامت بها السلطات المحلية، والتي كانت لا تزال كثيرة نسبيا، وكان يجري تنفيذها دائما بدافع ~~الحاجة الملحة. ومما لا شك فيه أن هذه الاعتقالات كانت تعطي بذلك ضمانات أقل، وتضفي طابعا ~~رسميا في كثير من الأحيان على ما كانت السلطة الملكية بصدد مقاومته بشدة وصرامة، والمتمثل ~~في اعتقال شخص ما بالاتفاق بين مقدم الطلب وأحد منازل الاحتجاز الجبري. # من المنطلق نفسه، سعى قصر فرساي فيما بعد إلى مكافحة «أوامر القضاة الخاصة»، والتي كانت ~~تعد بمنزلة خطابات حقيقية مختومة صادرة عن النواب العموميين أو رؤساء البرلمانات. وقد جرى ~~اعتقال العديد من المختلين عقليا بهذه الطريقة، كما حدث في الدور الصغيرة حيث كان للنائب ~~العام لبرلمان باريس اليد العليا. بالطبع كان من شأن هذا الإجراء أن يوفر ضمانات جيدة. ومع ~~ذلك، أثارت «هذه الأوامر الخاصة الصادرة عن القضاة» استياء قصر فرساي بشدة. في الرابع عشر من ~~شهر ديسمبر 1757، قام كونت دي سان فلورنتين، وهو وزير الديوان الملكي، بتوبيخ حاكم منطقة روان ~~الإدارية على النحو التالي: «إن جلالة الملك، إذ أحيط علما، أيها السيد، بأن الأشقاء في ~~دار سان يون يذعنون للأوامر الخاصة الصادرة عن القضاة، ويستقبلون بناء على ذلك أبناء عائلات ~~وآخرين لاحتجازهم بالقوة بحجة تلقي شكاوى من أهاليهم؛ يرى أن الحرية من أغلى وأثمن ما يملكه ~~الإنسان؛ ولذا لا يحق لأي أحد أن يسلب رعاياه حريتهم خارج النطاق القضائي من دون أن يكون ~~القضاء نفسه قد بحث بعناية الأسباب.» خلاصة القول أنه كان لا بد من الحصول على أمر ملكي دون ~~سواه. بعد مرور أسبوع، دعي رئيس سجن سان يون للتوقيع على تعهد بهذا الشأن. # الدوافع # ولكن، من هو المجنون في نظر النظام القديم؟ أو بالأحرى ما الدافع الذي يؤدي في لحظة ما ~~إلى صياغة طلب اعتقال؟ وما المساحة التي يحتلها الجنون في طلبات الاحتجاز؟ بالتأكيد، يحتل ~~مساحة محدودة؛ بدليل أن العديد من المختلين عقليا كانوا من جديد يفلتون من ms143 التحقيقات. ففي ~~نهاية المطاف، أولئك الذين ورد ذكرهم في السجلات المحفوظة لا يمثلون إلا الأقلية المضطربة ~~والمزعجة على نحو مفاجئ. هذا من دون احتساب أولئك الذين كانت عائلاتهم تتدبر أمورها بشكل أو ~~بآخر في التعامل معهم، عن طريق احتجاز المختل عقليا بصرامة في بعض الأحيان، وإخفائه دوما ~~عن أعين الجيران. ولا ننسى أيضا أولئك الذين احتجزتهم أسرهم في بعض الأديرة بالاتفاق مع ~~القائمين عليها. # لقد كان الجنون موجودا من قبل بصورة شبه دائمة. إليكم جون شاتيل، ذلك الرجل «المصاب ~~بالجنون» منذ سبعة أو ثمانية أعوام. «لقد استسلم لمعاقرة الشراب وأثر ذلك على دماغه الذي لم ~~يكن قط غنيا بالتفكير السليم.» بعد أن تخلت عنه عائلته منذ ثلاثة أشهر، أصابه «جنون ساخط» ~~وألقي في السجن «حيث صار كالمسعور». وإليكم حالة جاك دولاراك «المختل عقليا» منذ عامين، ~~استضافته أخواته «على أمل المساهمة في شفائه»، ولكن بدلا من أن تخف حدة جنونه، زادت. لقد ~~«رفع سكينا» على أخواته. وها هي ماري ديزوبرديار التي دفع جنونها أسرتها إلى طلب اعتقالها في ~~عام 1756، ثم ألغي طلب استصدار الأمر الملكي في أثناء سير الإجراءات؛ «لأنها أصبحت أكثر ~~هدوءا». بعد ذلك بعامين، انتابت المريضة نوبات غضب عنيفة أكثر من مرة في الكنيسة؛ مما اضطر ~~العائلة إلى تجديد إجراءات الاعتقال لسبب وجيه هذه المرة. أما فيما يتعلق بتلك المجنونة ~~الفقيرة واليتيمة التي لم يذكر التاريخ لها اسما، بعد أن اندمجت بشكل جيد منذ عدة سنوات في ~~مشفى بواتييه العام، حيث كانت تقوم بعمل نافع في المطابخ؛ إذا بها «تضايق المرضى بالمستوصف ~~وتسيء معاملة الأخوات». في بداية الأمر، تم التعامل معها بصبر، ولكن بالتأكيد لم تستمر الحال ~~هكذا، فلم يعد أحد يريد بقاءها: «لم نعد نريدها»، على حد تعبير أحدهم. # نذكر حالة أخرى تعود إلى عام 1778 وهي حالة القس دينيس لوازيل (كانت طلبات اعتقال الكهنة ~~شائعة، ولكن في الحقيقة كانت أفعالهم وحركاتهم، وبالأحرى تصرفاتهم السيئة محل اهتمام عام). ~~«ظهر عليه، في السنوات السبع أو الثماني الماضية، ضلال ذهني.» ms144 كان يعيش بمفرده مع خادمته، ~~التي أنجب منها طفلا. لم يضع حدا للفضيحة إلا قرار التعيين الحكيم للقس في أبرشية باريس. ~~ولكن «تملكته رغبة في العودة». وها هو لوازيل يعيش وحيدا في غرفة، وقد أعفي من تلاوة صلوات ~~القداس اليومية، ويحضر مسيرات الزياح مرتديا القبعة على رأسه (وهو ما يعد سلوكا شائنا على ~~وجه الخصوص)، ومطلقا شتائم ولعنات، ومدعيا أنه يقوم بإعطاء دروس دينية، لدرجة أنه كان لا بد ~~في كثير من الأحيان من إلقائه خارج الكنيسة. «وغالبا ما كان يلقي عظة أخلاقية متفردة، أو ~~لنقل بالأحرى عبرة صادرة من مجنون.» # يضاف إلى النمط الكلاسيكي للجنون الذي يعود تاريخه إلى سنوات عدة، ويتجلى فجأة في صورة ~~نوبات انفعالية قد تشكل خطورة أو تضر بالنظام العام، جنون من نوع آخر تعود جذوره إلى فترة ~~أبعد من سابقه، ويتمثل في ذلك الجنون الذي غالبا ما يكون هادئا وخاضعا تماما لسيطرة ~~الأقرباء، إلى أن ينقطع رابط التضامن. يندرج تحت هذا الجنون قائمة أترابية طويلة تضم ~~«البله»، والمعاتيه غير المؤذين، والمصابين بالصرع الذين ترعاهم نهارا وليلا أم أو ~~أخت. وعند إصابة هذه بعجز أو موت تلك، يكون لدينا مجنون آخر للاحتجاز. كما حدث مع ماري آن ~~لوجويكس، ذات الخمسة والأربعين عاما، التي كانت محبوسة في غرفتها منذ 14 سنة تحت رعاية ~~والدتها، التي «استنفدت ثروتها سواء لتوفير نفقات رعايتها أو لشراء الأدوية من كل نوع؛ أملا ~~في التخفيف من شقائها.» بيد أن الوالدة، حين بلغت من العمر 84 عاما، أصبحت طريحة الفراش، ولم ~~يعد في وسعها الاعتناء بابنتها. هناك أيضا حالة أخرى تدعو للدهشة، وهي حالة «تلك الفتاة ~~المعتوهة» البالغة من العمر 20 عاما، والتي كان يرعاها حتى هذه السن جدها الذي توفي للتو، ~~فاقتادها أهالي قريتها حتى أوصلوها إلى مدخل مستشفى سان لو حيث تركوها هناك، مثلما كان يحدث ~~في ذلك الزمان بالنسبة إلى الرضع الذين كانوا يتركون أمام الكنيسة. ونظرا لأنها لم تعرف ~~ما هو اسمها ومن أين أتت ؛ ظلت المسكينة مزروعة ms145 في هذا المكان طوال اليوم حتى استقبلتها أخيرا ~~إدارة المشفى. بعد مرور ثمانية أشهر (كان ذلك في عام 1786)، كانت لا تزال في المشفى. «إنها ~~ليست مجنونة البتة، إنما بلهاء فحسب، [لكن] لا يمكن أن تمكث في مكان آخر غير المشفى.» # غالبا ما كان يرد الحديث عن معالجة طبية سابقة على النحو التالي: «وفرنا لها في المراحل ~~الأولى كل المساعدات الممكنة تحت إشراف طبيب ماهر [...] ولكن دون جدوى.» نقرأ في موضع آخر: «لم ~~تكن العلاجات مجدية.» يفسر ذلك سبب ارتفاع متوسط أعمار المرضى لدى دخولهم؛ إذ يبلغ 30، بل 40 ~~عاما. # في جميع الأحوال، يمكن أن تتلخص نقطة الانتقال الحرجة إلى عالم الاعتقال في العبارات ~~التالية، كانت دائما تستخدم: «لا تسمح له حالته بممارسة حريته»، أو «إنه (إنها) غير قادر ~~(قادرة) على امتلاك زمام نفسه (نفسها).» أما إن أردنا، فيما وراء ذلك، إجراء دراسة تصنيفية ~~لدوافع الاعتقال، يجب أن نستبعد أولا الجنون الخطير الذي غالبا ما يمثل الذريعة الأساسية ~~(في أكثر من 50٪ من الطلبات). هناك ذلك الصياد البحري، المدعو جون بيير ميفل، والذي كان ~~مجنونا ولكنه ليس ماكرا، وقام في عام 1787 بجرح أحد أنسبائه بضربة مجداف. وهناك شارل لوفير، ~~الذي تسبب، في عام 1754، في إصابة زوجته بجرح بالغ إثر إطلاق النار عليها في نوبة جنون، كما ~~أطلق الرصاص على معلم بالمدرسة. بل إن بينيل نفسه أصاب زوجته بجرح «نازف»، وقيل عنه إنه: ~~عندما تتملكه نوبات الهياج والغضب، لا يمكن إحصاء أفعاله العنيفة؛ فقد جرح حصانه بضربة ~~منجل، وقتل خنزيرا مملوكا لأحد الجيران كان قد اشتبه في رغبته في أن ينهب حقله المزروع حنطة ~~سوداء، وهدد شقيقته وكذلك أحد الحجاب بالقتل. كما هدد أيضا بإضرام النيران في كوخه وهو ما ~~أثار بالأكثر مخاوف سكان القرية فتحالفوا على الإمساك به واعتقاله. نقتبس: «نعلم أنه مختل بما ~~يكفي لينفذ ما هدد به.» في الحقيقة، الآثار التي يحدثها ليست ذات قيمة كبيرة، ولكن المنازل ~~المجاورة ستتعرض لخطر، ومع انتقال النيران من منزل إلى آخر ، قد ms146 يؤدي ذلك إلى إحراق القرية ~~بأكملها. نذكر حالة أخرى لمجنون أكثر مرحا ولكنه دفع الرعية إلى تقديم عريضة التماس ~~لاعتقاله؛ لأنه «يريد أن يشعل النيران في القرية للاحتفال بعيد القديس يوحنا». لقد كان الحريق ~~واحدا من أهم بواعث القلق لدى النظام القديم، وكان ينظر إلى المختلين عقليا الهائمين على ~~وجوههم باعتبارهم مشعلي حرائق محتملين. بعضهم أشعلوا النيران في منازلهم، ولا يهم الجيران إن ~~كان فعلا متعمدا أم حادثا عرضيا بما أن النتيجة واحدة في الحالتين. آخرون كانوا ~~يشعلون أتنا حقيقية في أراضيهم المسورة أو يتجولون ليلا في مخازن الغلة وفي ~~العلالي وهم ممسكون شمعدانا في أيديهم. ماذا نقول إذن، حين نضيف إلى ذلك أن الحمقى كانوا ~~يهددون بإحراق منازل أولئك الذين يحاولون التصدي لتصرفاتهم الجنونية الشاذة، أو معارضة أفعال ~~السلب والنهب والتخريب التي كانوا يقومون بها! # إلى جانب عنف بعض المجانين الذين تخطوا مرحلة القول إلى مرحلة الفعل وهم قلة في النهاية، ~~هناك مجموعة ضخمة ممن يمارسون العنف المحتمل ويركضون، نهارا وليلا، في كل مكان، يصرخون، ~~ويسبون ويهددون بقتل أقاربهم. وقد أضاف أحد هؤلاء المجانين، الذي كان يهدد بصورة منتظمة ~~بإزهاق روح القس، أنه لا يخشى العدالة؛ لأن الناس لا يكفون عن القول له أنه مجنون. وذاك آخر ~~كان يتجول دائما ممسكا فأسا في يده. أيتعين أن ننتظر (يجادل أولئك الذين يسعون إلى استصدار ~~أمر ملكي) هذا المخبول حين يقتل أحدا لكي نحرك ساكنا، بينما سبق له أن هدد زوجته رافعا ~~عليها الفأس وهشم نافذته في أثناء إحدى النوبات؟ كانت فورات الغضب التي تنتاب الحمقى غالبا ~~ما تدفع الجيران إلى تقييدهم. نقرأ في أحد المواضع: «لقد كنا مجبرين على ربطه إلى السرير.» ~~وفي موضع آخر: «لقد قيدناه بالجنازير في مخزن الغلة.» كان بعض الحمقى يقومون بتمزيق أربطتهم، ~~وآخرون يلقون أوانيهم من النافذة. نشير في عام 1737، إلى حالة المدعو فران، الذي كان ~~مسالما إلى حد بعيد ولكنه مثير للقلق أيضا، والذي أدت خسارته للعديد من الدعاوى القضائية ~~«إلى المساهمة بقدر لا ms147 يستهان به في إصابته بخلل عقلي». فقد انزوى في منزله، ولم يعد يخرج ~~منه، وزينه بملصقات شائنة ضد جميع أولئك الذين يريدون إلحاق الأذى به، وهم كثر. وكان يتزود ~~بالمؤن من خلال النافذة عن طريق تدلية كيس إلى أسفل ثم جذبه إلى أعلى وكان يدفع ثمن مشترياته ~~عبر فتحة في الباب. يقال: «إنه كان دائما مسلحا وكان يخشى أن يقدم في لحظة يأس على ~~ارتكاب أي فعل يضر بنفسه أو بغيره.» # يشكل المختلون عقليا الانتحاريون فئة على حدة؛ إذ يعانون من الاضطهاد، ويكونون فريسة ~~للهلاوس، والهذيان والأوهام من كل نوع، وقلة في الواقع هم من كانوا يفشلون في محاولة ~~الانتحار، سواء بإلقاء أنفسهم من النافذة أو بالشنق أو بالغرق. هناك أيضا «القطع» (على حد ~~تعبير وكيل موفد)، مثل ذلك التاجر من روان الذي قطع عنقه مستخدما موسى الحلاقة الخاص به، ثم ~~نجا من الموت، وجرى تضميد جراحه ومعالجته، وانتهى به المطاف إلى إلقاء نفسه من النافذة بعد ~~مرور ثلاثة أسابيع وكتب له هذه المرة عمر جديد أيضا. ليست هناك حاجة على الإطلاق لتكرار ~~واقعة مماثلة لتبرير الاعتقال. # هناك شكل آخر من أشكال الجنون، أكثر شيوعا من الجنون الخطير، أو يفترض أنه كذلك، يتمثل ~~في الجنون الهائج والمثير للاضطرابات التي تخل بالنظام العام. نذكر على سبيل المثال أولئك ~~الذين يتسببون بفضيحة أمام المكاتب. وأولئك الذين يركضون في الشوارع شبه عراة. والمخابيل على ~~اختلاف أنواعهم. نقرأ في أحد التقارير الصادرة عن شرطة باريس في عام 1707، العبارة التالية: ~~«يتعذر تحمل هذا الجنون في أي مكان.» وكثيرا ما كان ذلك الهياج مقترنا بإدمان الخمر ~~وبالثمالة، التي غالبا ما كان يتم إثباتها: «مع استسلامه (أي المجنون) لزجاجة الخمر، فإنه ~~يطلق العنان لنفسه للقيام في الوقت عينه بكل أنواع التجاوزات»، «ضعف يومي في الذهن ~~يحدثه الشراب ويرافقه تصرفات جنونية وسلوكيات شاذة من كل نوع.» لم يكن من النادر رؤية بعض ~~المعاتيه غير المؤذين، الذين كان مرتادو الملاهي الليلية يجدون لذة دنيئة في جعلهم يشربون. ~~«حتى الآن، ms148 لم يؤذ (أي المعتوه) أحدا.» أما فيما يتعلق بمدمن الكحول، ذاك الذي كان يعاني ~~من الهلاوس ومن الاضطهاد، وكانت الشياطين تحدق به، فيقوم بإطلاق أعيرة نارية في الهواء ~~لإبعادها، «يخشى أن يختلط عليه الأمر يوما ما فيظن أحد جيرانه شيطانا.» هناك أيضا ~~المصابون بالهذيان المميزون، ويقصد بهم أولئك الذين يقال عنهم إنهم يملكون «مشاعر ~~استثنائية». أحدهم يظن نفسه غنيا، والآخر يحسب نفسه مفلسا. وتلك حالة أخرى تعود إلى عام ~~1705 لرجل «يتسلط عليه الجن الجهنمي». في ظل مجتمع متدين بهذا القدر، يقدم الدين تيمة ~~مفضلة للهذيان. «يكمن جنونه في كونه يلقب نفسه بالله الأبدي وحين يناديه أحدهم باسم آخر تأخذه ~~نوبات غضب عنيفة [...] لا بد من أن يكون المرء مجنونا بقدره لكي يقترح تركه طليقا.» وها هو ~~مصاب آخر بالهذيان قابله لاتود في شارنتون # 6 # يظن نفسه يسوع المسيح. في القداس الإلهي، عند حلول وقت تقديس الخبز والنبيذ، كان ~~يهرب لأنه لم يكن يحتمل أن يرى نفسه على وشك أن يؤكل حيا. وقد وصف في تقرير صادر عام ~~1753 بأسلوب أكثر إيجازا ولكنه ليس أقل بلاغة على النحو التالي: «رأس تشدخ بفعل ~~التدين.» وهناك العديد من أوهام الاضطهاد (وهو مصطلح حديث للغاية بالنسبة إلى هذا العصر) ~~أكثر قتامة مما سبق ذكره، مثل حالة جرمان سوبري، 37 عاما، الذي «كان يشكو من مخاوف وعذابات ~~يقاسيها منذ عام بسبب بعض الرجال ولكنه لا يعرف هويتهم. إنه يشعر بحرقة شنيعة كما لو أن أحدا ~~ينتزع أحشاءه ويخرجها عن طريق فمه.» # في أحيان كثيرة للغاية، يكون هذا النوع من الجنون، بالأمس كما اليوم، دافعا للتقدم بطلب ~~اعتقال أكثر من الجنون الذي يتسم، إن لم يكن بالهدوء بصفة دائمة (قلما يوجد هذا النوع)، على ~~الأقل بفترات هدوء طويلة بما يكفي ليتحمل المحيطون بالمريض الأزمات العابرة. ومع ذلك، لم ~~يختف بسطاء العقل، و«البله» من المشهد: فهذا سقط من برج الجرس - «وتسببت السقطة في إضعاف ~~عقله» - وذاك، على الرغم من كونه غير مؤذ، «يؤدي حركات بهلوانية ويقوم ms149 بالتواءات بشعة ~~لدرجة أنه يخشى على النساء الحوامل من رؤيتها.» # الدور # في بداية القرن الثامن عشر، وجدت الإدارة الملكية نفسها في مأزق، على الرغم من التقدم ~~الذي وصلت إليه، في ميدان الاحتجاز. فلم يكن السجن، باعتباره عقوبة بدنية، موجودا. وكان ~~المدعى عليهم في قضايا إجرامية (كانت السرقة تعد جرما)، باستثناء أولئك الذين يتم ~~إسقاط التهم عنهم من وقت لآخر، يعاقبون بالنفي في أفضل الأحوال، وبالأشغال الشاقة أو ~~بالإعدام في أسوئها. ومن ثم كان هناك فراغ قانوني كبير فيما يتعلق بالجانحين المستترين، ~~ومرتكبي الجرائم البسيطة على اختلاف أنواعهم الذين كانت عائلاتهم، الحريصة على عدم تلويث ~~سمعتها، تطالب عن طريق استصدار أمر ملكي بإرسالهم إلى إصلاحية أو ما يطلق عليه «منزل احتجاز ~~جبري». بشكل مبدئي، وأيا كان ما قد نقوله في هذا الشأن، فلم يكن للحمقى أي علاقة بكل هذا؛ ~~نظرا لأن حالتهم المرضية معترف بها؛ ولأنهم، خلافا «للجانحين»، يستحقون الشفقة. نعم، ~~ولكنهم بحاجة أيضا إلى أماكن للاحتجاز، وفي ظل غياب الدور المتخصصة، كانت العائلات ~~والمجتمعات السكانية تطالب باستخدام الدور عينها المخصصة للجانحين. يبدو المذهب البراجماتي ~~الذي اتبعه النظام القديم في التعامل مع هذا الموضوع صادما في أعين عالمنا المعاصر، تلك ~~البراجماتية التي انتهت على عجل إلى الخلط، في نظر أولئك الذين يؤيدونه، بين الجانحين ~~والمجانين. وسوف نرى أن هذا الخلط لم يكن موجودا على صعيد الممارسة العملية بقدر ما تجلى ~~بالأحرى على الصعيدين القانوني والفكري. لم يحدث إلا ضم أماكن احتجاز المجانين إلى السجون، ~~وهو الوضع الذي كان قائما بالفعل في السجون [التي تعادل المعتقلات اليوم]؛ حيث كان يعثر ~~من وقت لآخر على مختل عقليا محتجز هنا أو هناك. وفي كل مرة كان يحدث فيها هذا، كان الوضع ~~يعتبر من قبل السلطات نفسها غير مقبول. وعلى الرغم من ذلك، في سجون بلدة بو، تعين في عام ~~1777 إنشاء ثلاث دور «لحبس المجانين» (في الواقع، كانت هذه الدور عبارة عن «ثلاث زنازين في ~~آخر الحديقة» تعلوها سقيفة مائلة). وما مصير الإنسان المختل ms150 عقليا الذي لا يريده أحد؟ كما ~~هي حال جون كروازيه، الجندي السابق بوحدة بيارن العسكرية، الذي انتهى به المطاف في سجن إبرنيه ~~في عام 1784. «نظرا لعدم توافر مكان ملائم لاحتجاز شخص من هذا النوع، ولعدم وجود من يرعاه»؛ ~~تقاطعت مراسلات السلطات المختلفة وتكدست دون جدوى. وقد كان وزير الحرب يريد تخصيص 150 جنيها ~~سنويا كنفقة إقامة ورعاية بإحدى المؤسسات. ربما بيستر؟ ولكن في ذلك الوقت، كان قد مضى ~~بالفعل عامان وكروازيه لا يزال محتجزا في سجن إبرنيه. # أمام فشل المشفى العام وتكاثر طلبات استصدار الأوامر الملكية، ونظرا لأن الدولة لم تكن ~~تمتلك إلا أربعين سجنا (أشهرها سجن الباستيل) مخصصة أساسا للسجناء السياسيين وحدهم، بدأت ~~الإدارة الملكية تشجع على التحويل المنهجي لأماكن تجمعات الطوائف الدينية إلى سجون أو ~~دور احتجاز جبري. تمتلك هذه الأماكن الدينية ميزة مزدوجة؛ فهي، من جهة، منتشرة في جميع أرجاء ~~المملكة، ومن جهة أخرى، قادرة بحكم تعريفها على احتضان نزلائها في جو يسوده الصمت، والصلاة، ~~والانضباط، والعمل، الذين هم في أشد الحاجة إليه. كما أنها تمتلك ميزة أخرى، وهي أنها تضم ~~فئات متباينة يتفاوت مستواها الاجتماعي بين الغنى والفقر، ومن ثم ستكون تكاليف الإقامة ~~مناسبة لمختلف الميزانيات. بالطبع، لم يكن هذا الإجراء جديدا وإنما تعود جذوره إلى القرون ~~الوسطى، ولكنه لم يكن ينطبق في ذلك الوقت إلا على عدد محدود للغاية من الأفراد؛ إذ لم يكن ~~المكان الواحد يستوعب غالبا سوى فرد أو اثنين على الأكثر. لم يكن هناك داع إذن لتسمية هذه ~~الدور «دور الاحتجاز الجبري». # في هذا الصدد، تعد دار رعاية (المخلص الصالح) بمدينة كاين مثالا بارزا على قوة النفوذ ~~الملكي خلال هذه الفترة. لقد تم إنشاء هذه الدار عام 1720، وكانت تتكون من مجموعة صغيرة مكونة ~~من أربع راهبات، تعمل في منزل متواضع على رعاية وإغاثة الفقراء. من أجل البقاء، بدأت الدار في ~~استقبال نزلاء لقاء دفع مبالغ مالية (فتيات يلتحقن بالدار من أجل تلقي العلم) بالإضافة إلى ~~سيدات مسنات، مقابل دفع نفقات أيضا، يرغبن ms151 في عيش أيامهن الأخيرة بسلام في ظل الإيمان ~~المسيحي. ولكن، كان لزاما على الدار، أن تأخذ تصريحا عن طريق الحصول على براءات ملكية. في ~~عام 1733، مارس قائد شرطة مأمورية كاين ضغوطا مباشرة على أسقف بايو حتى توافق الدار على ~~«احتجاز الأشخاص المنحلين لكي يعيشوا حياة منضبطة». وأضاف بتهكم قائلا: إن قبول هذا العرض من ~~شأنه التعجيل بالموافقة على طلب استصدار البراءة الملكية المتعثر. بالإضافة إلى أن خدام ~~الدار سيتم إعفاؤهم من أداء الخدمة العسكرية. أما بالنسبة إلى الدار التي ترفض استقبال أحد ~~الجانحين، فستجد نفسها مرغمة على استضافته بموجب الأمر الملكي عينه الذي ينص على ~~الاعتقال. # في النهاية، وافقت دار بون سوفور؛ لأن تلك كانت هي الطريقة الوحيدة لتأمين ميزانية كافية. ~~وقد وصلت البراءات الملكية، التي كان من المنتظر إصدارها منذ ثلاثة عشر عاما، اعتبارا من ~~العام التالي على الرغم من خوض معركة مع بلدية كاين بسبب التأخير في إرسال البراءات، زاد من ~~حدتها «وجود اعتقاد راسخ على حساب الحقيقة بأن جنس هذه المدينة فاسق لدرجة أن النساء والفتيات ~~يحترفن الدعارة.» لم يكن يتعلق الأمر في البداية إلا بتقويم وإصلاح «الفاجرات». بيد أن دار ~~بون سوفور، التي انتقلت إلى مقر أكثر اتساعا، كانت تحوي في عام 1785، إضافة إلى 30 راهبة، 12 ~~«فتاة يجري تعليمهن وتهذيبهن»، و15 سيدة متقاعدة، و24 نزيلة محتجزة بالقوة، من بينهن 12 ~~امرأة «مختلة عقليا». تمثل هذه النسبة المرتفعة للمختلات عقليا (لم يكن أي من الدور ~~الموجودة آنذاك يستقبل مجانين بشكل حصري) بداية مرحلة «التخصص»، كما تدل على ذلك اللوائح ~~الأولى للدار (حوالي عام 1780). كانت دار بون سوفور مقسمة إلى أربعة «قطاعات» على النحو ~~التالي: «قسم المجنونات، قسم الفقراء، قسم التعليم والتربية، قسم الآثمات التائبات»، وكان كل ~~قسم من هذه الأقسام يشمل غرفا منفصلة ومستقلة تماما بعضها عن بعض. # في أواخر القرن الثامن عشر، بلغ تعداد دور الاحتجاز الجبري بالمملكة ما يقرب من 500 دار، ~~أكثر من ثلثيها خاص بالجماعات الدينية. شكلت مثل هذه الشبكة بما توفره ms152 من ضمانات الإحسان ~~والتعامل الأخلاقي، على الرغم من كونها تقدم خدماتها نظير دفع مبالغ مالية، مكانا مخصصا ~~بالفعل لاحتجاز المختلين عقليا الذين كانوا يمثلون 15٪ من إجمالي المحتجزين قسرا. في ~~الواقع، يخفي هذا المتوسط وجود تفاوت كبير؛ نظرا لأن بعض هذه الدور لم تكن تستقبل فعليا ~~حمقى كغيرها، مثل دار بون سوفور بكاين التي بلغ تعداد المجانين بها ما يقرب من نصف عدد ~~النزلاء لديها. وكانت تكلفة الإقامة متفاوتة داخل هذه الدور ذات المساحات و«وسائل الراحة» ~~المتباينة للغاية؛ حيث كانت تتراوح، في أواخر القرن الثامن عشر، ما بين 200 و1500 جنيه ~~سنويا (وذلك في الوقت الذي كان أجر العامل فيه عن كل يوم عمل يساوي جنيها أو أقل). # على غرار دار بون سوفور، بدأت بعض الجماعات الدينية تدريجيا، ولا سيما جمعيات الرجال ~~بالنسبة إلى الأغلبية العظمى، تتخصص في استقبال المختلين عقليا (ولكن، نشدد على أن استقبال ~~النزلاء لم يكن قط قاصرا على المختلين عقليا وحدهم) كما هي حال جماعة «إخوان الرحمة» التي ~~أسسها القديس يوحنا الإلهي (سان جون دي ديو) وتعددت منشآتها في أوروبا. في فرنسا، في نهاية ~~القرن الثامن عشر، كانت جماعة «إخوان الرحمة» تمتلك وتدير، إضافة إلى ما يقرب من ثلاثين ~~مشفى، عشر دور مخصصة لاحتجاز «النزلاء المصابين باختلال عقلي أو الجانحين الخاضعين ~~للإصلاح». وكانت هذه الدور تحتجز وحدها ما يقرب من 40٪ من مجمل المختلين عقليا بالمملكة، ~~سواء بأوامر ملكية أو أحكام قضائية. وكانت أبرز هذه الدور الجمعيات الخيرية بكاديلاك، ~~وبونتورسون، وشاتو تييري، وسينليس، وبالأخص شارنتون. من جهة أخرى، نجد أن العدد المطلق ~~للمختلين عقليا ليس كبيرا (بل إنه يعد ضئيلا بالنظر إلى ما ستصبح عليه المصحات في القرن ~~التاسع عشر). في دار شاتو تييري، التي أصبحت دارا للاحتجاز منذ عام 1670، بلغ عدد ~~المحتجزين بناء على أمر ملكي، في عام 1778، 29 شخصا فقط، من بينهم 21 أحمق. في سينليس، ~~التي زاد عدد «النزلاء» بها من أربعة في عام 1675 ليصبح 80 في نهاية القرن الثامن عشر، ولم ~~تتجاوز نسبة ms153 المختلين عقليا الثلث. أما شارنتون، قبل أن يصبح اسمها مرادفا لمشفى المجانين، ~~فتعد دارا باريسية كبيرة للاحتجاز الجبري يعود تأسيسها إلى عام 1641، بينما لم تكن في ~~الأصل إلا مشفى يحوي سبعة أسرة. في القرن الثامن عشر، كان تعداد نزلاء دور الحجز يتراوح ~~في المتوسط ما بين 120 و130 نزيلا، من ضمنهم ما بين 80 و85 أحمق. # وقد استقبلت أيضا أديرة الرهبان الفرنسيسكان المنتشرة في المملكة، والتي بلغ تعدادها نحو ~~40 ديرا، نسبة كبيرة من المختلين عقليا (25٪ تقريبا). في دير نوتردام دو لا جارد، الكائن ~~في بلدية نوفيل أون آيز [في مقاطعة إلواز]، كان يوجد في المتوسط حوالي ثلاثين شخصا محتجزين ~~بالقوة يشغلون المؤسسة، نصفهم من المختلين عقليا المعزولين بشكل صارم في غرف فردية. وفي بعض ~~الأديرة الفرنسيسكانية الأخرى، كان عدد المختلين عقليا أقل بكثير، خاصة فيما يتعلق بحالات ~~الاحتجاز الرسمية. فعلى سبيل المثال، في عام 1746، لم يكن يوجد في دير فيك لو كونت (منطقة ~~ليموج الإدارية) إلا مختل واحد محتجز بناء على أمر ملكي. ولكن الوكيل الموفد الذي زار ~~المؤسسة في عام 1735 كتب تقريرا قال فيه: «يوجد في هذا الدير حجيرات محكمة الغلق مصممة ~~خصيصى للمصابين بالهياج. كما نجد بالدير أيضا غرفا لا بأس بها صالحة للسكنى ~~مجهزة لذوي السلوك الهادئ الذين لا تستدعي حالتهم المستقرة مراقبتهم عن كثب.» # 7 # هناك إذن آخرون؟ تلك هي المسألة التي ستشغل بال الإدارة الملكية في أواخر ~~القرن الثامن عشر، والمتعلقة بحالات الإيداع المباشر من قبل العائلات. # نذكر في هذا الصدد أيضا، بالنسبة إلى الرجال كذلك، دار بون فيس (الأبناء الصالحون)، التي ~~كانت تضم سبع دور للاحتجاز منذ القرن السابع عشر، بالإضافة إلى رهبانية إخوة المدارس ~~المسيحية. أما عن دور الاحتجاز الخاصة بالنساء، فلقد كانت أقل عددا وفي الوقت عينه أكثر ~~تحفظا، بل وأشد معارضة حيال استقبال المختلات عقليا، فيما عدا بيوت روفوج (المأوى)، وبعض ~~المنازل التابعة لرهبانية الأخوات أورسولين أو دار بون سوفور في كاين التي كانت تشكل ~~استثناء. # بيد أن دور ms154 الاحتجاز التي كانت تديرها الجماعات الدينية لم تكن هي الأماكن الوحيدة التي ~~تستقبل المختلين عقليا. ولكي نفهم بشكل أفضل تنوع المؤسسات، ينبغي أن ندرس توزيعها ~~الإقليمي. ولن نتناول بالطبع إلا بعض الأمثلة. في منطقة روان الإدارية، تعد دار رهبانية إخوة ~~المدارس المسيحية بسان يون بمنزلة دار المختلين عقليا «الكبرى». ففي عام 1776، كانت تضم 30 ~~مختلا، جرى احتجازهم جميعا بموجب أمر ملكي (من بين إجمالي المحتجزين الذين بلغ عددهم ~~77). نجد أيضا بعض المختلين عقليا، ولكن بأعداد ~~قليلة للغاية، في العديد من دور الاحتجاز الأخرى مثل: أخوية القديسة بربارة في قرية كرواسيه، ~~ورهبانية الثالوثيين، ودير نوتردام دو روفوج في روان الخاص بالنساء. كتبت رئيسة هذا الدير في ~~عام 1777 إلى الحاكم قائلة: «إن ديرنا ليس سجنا، ولم ينشأ ليحتجز أحد داخله.» وعلى الرغم ~~من ذلك، كان هناك نزيلة محتجزة داخله بموجب أمر ملكي، منذ عام 1769؛ «نظرا لأن عقلها ما زال ~~مختلا وهي في حالة لا تسمح لها فعليا بإدارة ممتلكاتها» (كانت هذه النزيلة موضوعة تحت ~~القوامة). كما تم إيداع بعض المختلين عقليا، منذ أواخر القرن السادس عشر، في المزرعة ~~التابعة لأبرشية سانت أوبن لا كومباني، بالقرب من روان. وقد كانت بمنزلة سجن زراعي. كان ~~المختلون عقليا المحتجزون بهذه الدار، والذين بلغ عددهم حوالى خمسة عشر شخصا، ينعمون ~~بحريتهم إلى حد ما، ولم يكن هذا الوضع مقبولا لدى الجميع، كما يشهد على ذلك الاحتجاج الذي ~~تقدم به السيد الإقطاعي في عام 1785 على النحو التالي: «من الضروري احتجاز المجانين بطريقة ~~أخرى غير تلك التي يجري بها احتجازهم؛ إذ إن الحرية التي يتمتعون بها ليست في محلها. ولا يمكن ~~أن تكون نية الحاكم تهديد السلامة العامة، كما أن أبرشيتي يجب ألا تتعرض أبدا لأي من الحوادث ~~المؤسفة التي قد تنشأ عن لقاء غير متوقع مع هؤلاء الناس.» # 8 # وهذا ليس كل شيء؛ منذ نهاية القرون الوسطى، تمت مواصلة احتجاز المختلين عقليا ~~المعوزين في أحد الأبراج المشيدة فوق السور المحيط بمدينة روان. وشهد القرن الثامن ms155 عشر ~~حدثا جديدا تمثل في احتجاز بعض المختلين عقليا في مشفى روان العام بموجب أمر ملكي؛ مما ~~يعني في الوقت نفسه إضفاء طابع السجن، ولكن بصورة هامشية، على هذا النوع من المؤسسات، وهو أمر ~~لم يكن ذا تأثير يذكر في مدينة روان والمدن الأخرى بالمملكة، بينما كان له عظيم الأثر - كما ~~سوف نرى - على مؤسستي بيستر وسالبيتريير. # نجد هذا التنوع وذلك التعقيد في جميع أرجاء المملكة. منطقة كاين الإدارية وحدها كان بها ~~حوالي ثلاثين دار احتجاز، من بينها ستة منازل كانت تقبل استضافة المختلين عقليا. وكان هؤلاء ~~يشكلون 18٪ من إجمالي عدد النزلاء المحتجزين بالنسبة إلى النساء، و25٪ بالنسبة إلى الرجال. ~~كما كان من المتوقع إيجاد المختلين عقليا في الجمعيات الخيرية، ولا سيما في جمعية بونتورسون ~~(في عام 1774، كان هناك 16 مختلا عقليا من بين إجمالي النزلاء البالغ عددهم ~~47) أو في جمعيات الرهبان الفرنسيسكان في بايو. بيد ~~أن دير الدومينيكان ببلدية مينيل جارنييه، في جنوب كوتانس، بالإضافة إلى سجن الدولة الموجود ~~بجبل القديس ميشيل والمعروف باسم باستيل البحار، كانا يستقبلان كلاهما أيضا بعض المجانين. ~~وبتحليل المائة والثلاثة والخمسين أمرا ملكيا التي جرى تسليمها في الفترة ما بين 1666 ~~و1789، نلاحظ أن # 9 # 35 أمرا فقط صدر بناء على مبادرة السلطة الملكية، بينما 21 أمرا صدر بناء ~~على مبادرة السلطات الكنسية (ضد بعض رجال الدين)، و97 أمرا صدر بناء على مبادرات العائلات، ~~من ضمنها 11 حالة بسبب الجنون. نحن إذن بعيدون كل البعد عن «آلاف السجناء» الذين كانوا ~~يعانون اليأس والملل والغم في الباستيل. وقد كانت القدرة الاستيعابية، في السجن كما في سائر ~~الأماكن، أقل بكثير من الطلب. # أما مدينة كاين، عاصمة المنطقة الإدارية، فقد كانت تحتجز المختلين المعوزين في برج ~~شاتيموان. يقدم هذا البرج المشيد فوق أحد الحصون، والذي بني في أواخر القرن السادس عشر ~~وسرعان ما أصبح عديم النفع من وجهة النظر العسكرية، مثالا جيدا على «أبراج المجانين» التي ~~نجدها منذ نهاية العصور الوسطى تقريبا في كل المدن الكبرى بالمملكة، ms156 حتى لا نقول في أوروبا ~~بأكملها، والتي استمر استغلالها لهذا الغرض طوال عهد النظام القديم. (هكذا، في تورناي، تلك ~~المدينة التي تارة ما تكون فرنسية، وتارة نمساوية، كان يتم استخدام بوابة مارفي كبرج للمجانين ~~اعتبارا من القرن السادس عشر وحتى هدمه في عام 1770.) يعترينا الذهول أمام برج شاتيموان ~~الماثل بارتفاعه البالغ 30 مترا، ومستوياته الثلاثة وجدرانه التي يبلغ سمكها سبعة أمتار؛ ~~حيث جهزت غرف مصممة على شكل شبه منحرف لوضع قطع المدفعية الجديدة. في القرن السادس ~~عشر، كان يجري حبس أسرى الحرب داخل هذا البرج بينما كان المشفى الرئيس بالمدينة يضع المجانين ~~في برج آخر أقرب، وهو برج ماشار. ثم بدأ برج شاتيموان، خلال القرن السابع عشر، يحتكر ~~تدريجيا احتجاز الحمقى الذين لا يريدهم المشفى الرئيس، ولا حاكم القصر (حينما يتعلق الأمر ~~بالجنود العسكريين)، ولا السجن (حينما يتعلق الأمر بالمختلين عقليا الذين ألقي القبض ~~عليهم بسبب تصرفاتهم السيئة). 80٪ من هؤلاء كان ينظر إليهم باعتبارهم يشكلون خطرا على ~~الأمن العام أو يثيرون شغبا يخل بالنظام العام. في القرن الثامن عشر، تضاعفت عمليات الاعتقال ~~في «برج المجانين»؛ لأن العائلات كانت تتوجه مباشرة إلى سلطة البلدية. في عام 1720، عين حارس ~~للمبنى. وقد وقع في ذلك التاريخ إيصالا باستلام سبعة جنيهات، و17 فلسا، وستة دنانير ~~«للتكفل بمصاريف رعاية تسعة أشخاص من المختلين عقليا، بالإضافة إلى خمسة وأربعين فلسا من ~~أجل القش.» وكان المشفى الرئيس يتولى إعالة المختلين عقليا من الفقراء. أما الآخرون فكانت ~~عائلاتهم تتكفل بمعيشتهم بدفع نفقة إقامة ضئيلة للغاية. وكان مستوى «الرفاهية» يتفاوت نسبيا ~~تبعا للقيمة المدفوعة. كان الاثنا عشر مختلا المحتجزون هناك (رجال، وبشكل استثنائي، بعض ~~النساء) يتم توزيعهم فيما بين القاعة العليا؛ حيث أعدت غرف خشبية، والزنازين المصممة ~~داخل تجويف الحائط السميك، وغيابة السجن، حين لا تكون السراديب مغمورة بالمياه. منذ منتصف ~~القرن الثامن عشر، بدأت العائلات تشكو من أوضاع الاحتجاز في البرج، متهمة الحارس بترك ~~المختلين عقليا «مفتقرين إلى كل شيء» (إلا في حال إعطائه مزيدا من المال مقابل ms157 الطعام، ~~والتدفئة، والإضاءة). كما اتهمت العائلات الحارس «بأنه يقوم بعرض المختلين عقليا للمتفرجين ~~لكسب المال.» لقد كانت ظروف الاحتجاز مضنية ومحزنة، لدرجة أن تقريرا صادرا عن السلطات ~~المحلية في عام 1766 أشار إلى وضع أحد هؤلاء المحبوسين على النحو التالي: «لقد نسينا هذا ~~الرجل الذي ليس مجنونا، ولكنه قد يصبح كذلك.» # نجد النسب مماثلة في غالبية المناطق الإدارية الأخرى، كما في بلدية ريوم (منطقة ~~أوفيرني) التي بلغ تعداد دور الاحتجاز بها حوالي عشرين دارا، من ضمنها خمس أو ست دور كانت ~~تستقبل حمقى. الأمر نفسه في بريتاني (التي لم تكن مقسمة إلى مناطق إدارية، ولكنها كانت عبارة ~~عن مقاطعة كبرى مؤلفة من ولايات، وتحظى بقدر أكبر من الاستقلالية)؛ حيث نجد الدار الواقعة في ~~بلدية سان ميان، بالقرب من مدينة رين، التي كانت تستقبل الحجاج منذ القرون الوسطى والتي جعلها ~~وضعها المختلط أشبه بالمشفى العام وبدار الاحتجاز في الوقت نفسه (حيث كانت تضم 45 محتجزا ~~بموجب أمر ملكي في عام 1787، من بينهم 18 مختلا). في الأقاليم الجديدة، كما في دوقيات لورين ~~وبار، كان احتجاز المختلين عقليا أكثر تمركزا؛ حيث تركز بالأكثر في ماريفيل، بالقرب من ~~نانسي، بالنسبة إلى الرجال، وفي نوتردام دو روفوج في نانسي، بالنسبة إلى النساء. # في منطقة ميدي (جنوب فرنسا)، كانت المؤسسات الكبرى الأكثر تخصصا تشكل أيضا أماكن جذب ~~للمنطقة بأسرها. وقد سبق أن رأينا ذلك فيما يتعلق بمشفى الحمقى في مارسيليا، وألبي، أو حتى في ~~مشفى لا ترينيتيه (الثالوث الأقدس) بإكس آن بروفانس، والذي كان يعد مشفى عاما ودارا ~~للاحتجاز في الوقت نفسه. ينبغي أن نذكر في هذا الصدد أيضا مشفى أوفر دو لا ميزيريكورد (عمل ~~الرحمة) بأفينيون الذي تأسس في عام 1681 بإيعاز من نائب المفوض الباباوي. بعد «توظيف» محدود ~~في المدينة، تضاعفت عمليات الاحتجاز خلال القرن الثامن عشر. في عام 1779، تلقت العائلات التي ~~تعيش في هذه المقاطعة وتحتجز مختلا لديها (مما يدل على أن مثل هذه الحالات كانت موجودة ~~بالفعل) منشورا باباويا يأمر بإحضاره إلى ms158 المشفى. وانطلقت صرخات مدوية تطالب محاكم التفتيش ~~بضرورة تعديل المنشور. كان مشفى أفينيون، الذي يعد بالتأكيد سابقا لعصره، يطلب شهادة طبية ~~لدى احتجاز أحد المختلين عقليا. تعود أقدم شهادة طبية معروفة إلى عام 1690: «أقر أنا الموقع ~~أدناه، طبيب حاصل على شهادة الأستاذية في الطب من جامعة أفينيون، لمن يهمه الأمر، أن المدعوة ~~فرانسواز جوساند مختلة عقليا، كما تبين لي من خلال توقيع الكشف الطبي عليها.» # أما في باريس، فلا بد على الرغم من ذلك الخروج من الإطار الإداري الوحيد والمعقد الذي ~~أحاط بدور الاحتجاز الجبري لفهم مدى تنوع المؤسسات التي كانت تستقبل المختلين عقليا. ما هذه ~~الدور التي انتشرت في أواخر القرن الثامن عشر؟ وما عامل الجذب لديها؟ لقد سبق أن حظينا ~~بالفعل بفرصة للحديث عن العلاقة المتداخلة التي ربطت بين المشفى الرئيس بباريس والدور ~~الصغيرة، التي كانت بمنزلة مشفى ملحق مخصص للحالات المعدية والميئوس من شفائها. في المشفى ~~الرئيس، الذي كان يحوي خمسة وعشرين جناحا مخصصة على وجه التحديد للمرضى على اختلاف أنواعهم ~~(أطفال مرضى، ومصابين بالجدري، وغيرهم)، نجد «المجانين القابلين للعلاج» في جناحين بعيدين ~~تماما أحدهما عن الآخر. الرجال في جناح سان لويس المكون من 42 سريرا، والنساء في جناح سانت ~~جونفياف المكون من 32 سريرا. ولم يفصل بين هذا الجناح الأخير وبين ذاك المخصص «للمهتاجات» ~~إلا حاجز. وفي جميع أرجاء المشفى الرئيس، كانت الأسرة، الموروثة عن القرون الوسطى، في ~~معظمها كبيرة بحيث تسع أربعة أفراد. بإمكاننا أن نتخيل ما هي فرص شفاء المجانين (وبالأخص ~~«المهتاجين») في ظل وضع مماثل يرغمهم على النوم أربعة في سرير واحد. ولكي يحظى الفرد بسرير ~~منفصل ينام عليه وحده، يتعين أن يكون ذلك بناء على توصية، مثلما حدث في عام 1768 بالنسبة إلى ~~ذاك القس «المختل العقل»، الذي أوصي «بوضعه في سرير منفردا». في مشفى باريس الرئيس على ~~وجه الخصوص، مقارنة بالأماكن الأخرى، كان «المجانين يعانون من الضيق وعدم الراحة»، ولا سيما ~~أن المشفى كان يستقبل الحالات الآتية من جميع الأقاليم. «منذ ms159 ما يقرب من عشرين عاما - نقرأ ~~في سجل المداولات، بتاريخ 11 أغسطس 1780 - تزايد هذا المرض لدرجة أن الأجنحة المخصصة للمرضى ~~من الجنسين لا تفرغ مطلقا، وتزايد بالتبعية عدد الحالات التي يمكن إرسالها إلى بيستر.» ~~ورغم ذلك كان نظام العمل بالتناوب يسير بإيقاع سريع للغاية. وكان الحمقى يمكثون هناك شهرين ~~على أقصى تقدير، قبل أن يصرح لهم بالخروج أو بالالتحاق بالمشفى الرئيس بباريس أو بالدور ~~الصغيرة. # تعد هذه المؤسسة الأخيرة (التي كانت تضم، في عام 1787، 44 مختلا عقليا، من الرجال ~~والنساء) بالأحرى مأوى لا يتلقى المجانين فيه أي علاج. فضلا عن ذلك، كان لا بد من إعداد ~~شهادة تفيد بأن المختل العقلي تمت معالجته وبأن مرضه غير قابل للشفاء. وكان الحد الأدنى ~~لنفقة الإقامة يستلزم دفع 300 جنيه. لقاء هذا المبلغ الزهيد، «الغرف أفضل بقليل من تلك ~~الموجودة ببيستر». نحن هنا على أي حال في سياق تقديم خدمات رعاية بعيدة عن نمط الاحتجاز ~~المؤسسي (أي خارج إطار المشفى العام ومنازل الاحتجاز الجبري). هذه هي حال ما يقرب من 20 نزلا ~~خاصا ومدنيا في باريس، تلك الدور التي نشأت في نهاية القرن الثامن عشر لتلبي الطلب ~~المتزايد من قبل العائلات القادرة على دفع تكلفة إقامة مرتفعة. وقد تركزت هذه المنشآت ~~الصغيرة - والمتفردة في استقبال المختلين عقليا حصريا - في ضواحي سان أنطوان، وسان جاك، ~~ومونمارتر. بعض هذه الدور لم يكن يستقبل سوى عدد محدود من النزلاء، والبعض الآخر - كل دار على ~~حدة - كان يستقبل حوالي 30 نزيلا. بلغ عدد النزلاء إجمالا حوالي 300 مختل، كان «البله» ~~(ندر وجود «مصابين بالهياج») هم الذين يشغلون في الأغلب هذه الدور في ظل انعدام الرقابة ~~الإدارية. # يبقى إذن، فيما يتعلق بشق الاحتجاز هذه المرة، دور الاحتجاز الجبري والمشفى الرئيس. كانت ~~دار شارنتون، على الرغم من بعدها النسبي، تتبع العاصمة. وقد كانت تكلفة الإقامة فيها مرتفعة ~~(إذ كانت تتراوح ما بين 600 و1200 جنيه) تبعا للفئات المختلفة: النبلاء، والبرجوازيين، ورجال ~~الدين، والجنود العسكريين، وقد كانت مصاريف إقامة ms160 هذه الفئة الأخيرة على نفقة الملك. وكانت ~~هناك وحدة تمريض - مما يعد حدثا نادرا - للمختلين عقليا المرضى وحدهم. وكان سجنا الباستيل ~~وفنسين يتخلصان من المجانين الذين يثيرون الشغب لديهم بإيداعهم دار شارنتون. وبالفعل كان يوجد ~~مجانين في هذين السجنين الكبيرين. # لقد احتجز الباستيل وحده - ذلك السجن المتعدد الاستعمالات - خمسين مختلا في الفترة ما ~~بين 1661 و1789. # 10 # في القرن الثامن عشر، كان قد تم وضع المختلين عقليا في السجون لعدم وجود أماكن ~~أخرى (ذكر في بيان يعود إلى عام 1643 - وهو يعد أحد أوائل البيانات الصادرة عن الباستيل - ~~أن عدد المختلين عقليا بلغ ثلاثة من بين إجمالي المسجونين البالغ عددهم عشرين سجينا، من ~~ضمنهم «كاهن مخبول» و«رجل شرير مملوء خبثا»). هؤلاء المختلون عقليا الذين «كنا نحظى بشرف ~~استقبالهم في سجن الباستيل»، كانوا يأتون أحيانا من إحدى دور الاحتجاز البعيدة؛ حيث لم يعد ~~أحد يطيق وجودهم (وهذا دليل على القابلية العالية للاختراق المؤسسي). فكانوا ينقلون إلى ~~الباستيل ريثما يهدئون. «هذا القصر ليس مخصصا لحبس هذه الأنواع من البشر»، يذكر بذلك ~~وزير الديوان الملكي في عام 1715. ولكن، نجد أيضا في سجن الباستيل، وبأعداد لا حصر لها، جميع ~~أولئك الذين سجنوا لاعتبارهم أشباه مجانين (الجواسيس الكذبة، وكاشفي المؤامرات الكاذبين، ~~والمحتالين والنصابين، والقصاصين، و«أصحاب المشروعات»)، والذين أصبحوا مجانين بالفعل فور ~~إغلاق بوابات الحصن الضخمة عليهم. نذكر على سبيل المثال، عام 1764، ذلك المدعو بوكيه الذي ~~أمطر الوزراء وماركيز دي بومبادور برسائل فضح المؤامرات، أو ذلك النائب العام الأسبق بشاتليه ~~الذي كتب في عام 1771 إلى الملك «اثني عشر خطابا بأسلوب ذميم للغاية»، وقد نقل هؤلاء، فور ~~إقرار إصابتهم بالجنون، إلى شارنتون. وقد رحب القائد العام لشرطة باريس بهذا القرار ولا سيما ~~أنه «سيسفر عن تقليل النفقات التي يدفعها الملك» (فليس هناك بالتأكيد كلفة إقامة واجبة الدفع ~~في سجون الدولة؛ حيث إن السجناء ينتمون إلى طائفة «من يعيشون على خبز الملك»). وفي الوقت ~~عينه، حرص هذا القائد نفسه على ألا تنطلي عليه ألاعيب المجانين الكذبة الذين ms161 ينوون الفرار ~~من سجن الباستيل. «لا يخدعننا عبوس وجوههم وتعابيرها المصطنعة»، تلك هي النصيحة الصادرة ~~من فرساي. في بعض الأحيان، كانت تنجح الحيلة بشكل يفوق توقعات الشخص المدعي: «لقد تظاهر ~~بالجنون وأصبح مجنونا بالفعل.» # بالإضافة إلى دار شارنتون، كانت دار سان لازار هي دار الاحتجاز الباريسية الأخرى التي ~~تتولى حبس الحمقى، مبدئيا بموجب خطاب مختوم يحمل أمرا ملكيا فقط. فمقابل دفع نفقة إقامة ~~قدرها 600 جنيه بحد أدنى (كانت هناك أيضا نفقات إقامة تبلغ 1000، بل 1200 جنيه)، كان هذا ~~المنزل، الذي تديره جماعة «قساوسة الإرسالية» التي أسسها فنسان دي بول، مخصصا للعائلات ~~الميسورة على غرار دار شارنتون. كما هي الحال في دور الاحتجاز الأخرى بالمملكة، كانت دار سان ~~لازار تحتجز أيضا جانحين خاضعين للإصلاح (على نمط الفارس دي جريو، بطل إحدى الروايات ~~الأدبية). في نهاية القرن السابع عشر، كانت الدار تحوي 48 غرفة للجانحين و38 غرفة للمختلين ~~عقليا الذين تضاعف عددهم خلال القرن الثامن عشر. # أما مشفى باريس العام، فقد استمر في العمل خلال القرن الثامن عشر باعتباره مشفى ودار ~~احتجاز جبري - وهي الخطوة التي شكلت انحرافا ملحوظا في الأقاليم - عن طريق حبس الجانحين ~~والمختلين عقليا بناء على طلب العائلات. ولقاء دفع تكلفة إقامة قدرها 200 جنيه سنويا، ~~كانت هذه الدار تعد أرخص دار احتجاز في المملكة. وتبعا لذلك، كانت الأوضاع المعيشية متردية ~~داخلها بما رافقها من ضيق وعدم ارتياح وازدحام نتج عنه اختلاط غير مرغوب فيه، وقد ظل «المشفى» ~~كما هو محتفظا بهيبته بحيث كان اسمه وحده يثير الذعر في نفوس القاعدة العريضة من الفقراء ~~(ولفترة طويلة كانت عبارة «الانتهاء في المشفى» تعد في اللغة الشعبية مرادفا للموت بؤسا). ~~«هذا مكان لا يليق بكاهن»، يذكر قصر فرساي في عام 1739. وكانت العائلات، من جانبها، تستنكف من ~~طلب المشفى من أجل المختلين عقليا لديها (لأن اسم المشفى يجرح مخيلتهم)، ولكن هناك أيضا ~~تكلفة الإقامة التي لا مفر منها، والتي تزيد قيمتها خمسين جنيها بالنسبة إلى الطلبات القادمة ~~من الأقاليم؛ مما يدل ms162 على وجود محاولات للحد من هذه الطلبات. ومع ذلك، على الرغم من تشديد ~~الإجراءات، حدث «تدفق» عظيم خلال القرن الثامن عشر من جميع أرجاء المملكة نحو بيستر ~~وسالبيتريير. أضيفت إلى طلبات الإيداع المباشرة تحويلات عديدة قادمة من دور الاحتجاز الجبري ~~الأخرى؛ حيث كانت العائلات تعجز عن دفع تكاليف الإقامة المقررة مع عدم وجود إمكانية في الوقت ~~نفسه لإطلاق سراح المختل عقليا . # وهذا هو ما يفسر العدد الكبير للمختلين عقليا المحتجزين، وليست اعتقالات المشفى العام، ~~وهو عدد يجب من ثم عدم مقارنته مع عدد سكان باريس. في نهاية القرن الثامن عشر، بلغ عدد ~~المحتجزين في بيستر ثلاثمائة مختل عقليا على النحو التالي: 92 «مجنونا هائجا مقيدون ~~بالسلاسل»، و138 «مجنونا معتوها أو ضعيف العقل»، وأقل بقليل من مائة مريض بالصرع، وهؤلاء ~~كان يتم تمييزهم بعناية عن المختلين عقليا، وكان يجري تسكينهم بشكل منفصل متى كان ذلك ~~ممكنا، ولكن كان من الصعب للغاية إحصاؤهم؛ لأننا كنا نجد بعضهم أيضا في القطاعات الخاصة ~~«بالعاملين أو بالأطفال». وأولئك الذين كانوا يوضعون في قطاع المجانين هم المرضى الذين كانت ~~تنتابهم فقط نوبات صرع خطيرة. بالإضافة إلى ذلك، كان لا بد من إخفاء «هذا المرض المرعب ~~والقادر على زرع الفوضى والاضطراب والذعر كل يوم في نفوس المرضى» عن الأعين. أما فيما يتعلق ~~بالمجنونات ذائعات الصيت في سالبيتريير، فقد بلغ عددهن سبعمائة (من بينهن 300 مريضة بالصرع)، ~~ولكن، لا ننس أن هذا العدد الإجمالي للمحتجزين في ذلك الوقت كان يبلغ 7800 شخص. كانت المؤسسة ~~مترامية الأطراف، لدرجة أننا حين نقول «المشفى»، فإننا نقصد بذلك مشفى سالبيتريير. لم يكن ~~قطاع المجنونات، المسمى ب «الغرف»، حتى إذا أضيف إليه مبنى سانت جان للمعتوهات ومريضات ~~الصرع، سوى واحد من ضمن 14 قطاعا داخل مؤسسة سالبيتريير، وكانت جميع هذه القطاعات معزولة ~~بعناية بعضها عن بعض. بعيدا عن أي مقارنة، كان يتم احتجاز الجانحين في «قسم الحبس القسري» ~~الذي أنشئ عام 1684 (حيث كان بالإمكان دائما رؤية المبنى الذي يشمل هذا القسم في ms163 نطاق مجمع ~~لا بيتييه-سالبيتريير الاستشفائي). وكانت هناك أربعة أجنحة منفصلة مخصصة للاحتجاز على النحو ~~التالي: جناح «العامة» (للعاهرات اللواتي لا أمل في تقويمهن)، و«الإصلاحية» (للعاهرات أيضا ~~ولكن لأولئك اللواتي هناك أمل في إصلاحهن)، و«جناح الحجز المشدد» (الذي يضم المحتجزات بناء ~~على أمر ملكي)، و«السجن» (للمذنبات الموسومات بالعار اللواتي تمت إدانتهن). يتعلق الأمر ~~بالفعل هذه المرة بالنساء اللائي اقترفن جريمة؛ حيث كن يخضعن لنظام أشد صرامة عما كان سائدا ~~في القطاعات الأخرى. ينطبق الأمر عينه على بيستر. إنهما عالمان مختلفان لهما جغرافيا ~~مشتركة. ولن يتسع المقام للخوض في تفاصيل أكثر لإبراز هذه الفكرة بشكل أقوى. # كانت المشافي العامة تحتجز وحدها بصفتها دور احتجاز جبري ربع المختلين عقليا في ~~فرنسا، مع وجود الأغلبية الساحقة منهم في سالبيتريير وبيستر. وقد دارت عجلة النظام بشكل أسرع ~~في أواخر القرن الثامن عشر، على الرغم من الحل الآخر الذي لجأت إليه الإدارة فيما بعد كوسيلة ~~لتدارك الأمور، والمتمثل في: مستودعات التسول ... # الحياة اليومية # ربما نستطيع أن نتوقع أن مستوى الحياة اليومية للمختلين عقليا داخل دور الاحتجاز الجبري ~~يختلف وفقا لتكلفة إقامة الفرد، سواء كانت 200 جنيه أم 1200 جنيه. وغالبا ما كانت الأسعار ~~تختلف داخل المؤسسة الواحدة تبعا لقوائم الخدمات. وفي حالة تحديد سعر موحد، تكون هناك دائما ~~مبالغ إضافية تدفع نظير خدمات أخرى وليس فقط للكماليات، مثل: الخشب لتدفئة للنزلاء الذين ~~يتسمون بالهدوء والأثرياء بما يكفي ليسمح لهم بتملك مدفأة (إذ كانت الغرف خالية ~~بالطبع من المدافئ) والشمعدان للإنارة، ومزيد من الطعام، وتغيير الملابس أو فرش الأسرة ~~أو القش، والتمتع بقدر أكبر من حسن المعاملة ورقتها بفضل البقشيش الذي يقدم إلى الحارس أو ~~التبرعات المقدمة إلى القسيس. علاوة على المبالغ الأخرى التي كان يتم دفعها للزيارات الطبية ~~والأدوية، بالنسبة إلى المرضى القلائل الذين لا يزال هناك بصيص أمل في شفائهم. # على أي حال، كانت حياة المختل عقليا، بصرف النظر عن تكلفة إقامته، تختلف جذريا وفقا ~~لهدوئه أو حالة هياجه. ففي الحالة الأولى، يتمتع النزيل بحرية ms164 التنزه في الباحة أو الفناء، ~~ولا يعود إلى مهجعه أو غرفته إلا في أوقات الغذاء أو النوم. أما في الحالة الثانية، فبالإضافة ~~إلى تعيين موظفين لإخضاعه للمراقبة المشددة، قد يجري عزله وحبسه بشكل دائم. في بعض المؤسسات، ~~كما في مشفى لا ترينيتيه بإكس آن بروفانس، كانت هناك محاولات للاستعاضة عن الجنازير بقيود ~~تتيح للمختلين عقليا مع ذلك أن يتحركوا ويتنقلوا في الفناء، فضلا عن الحبس والتقييد ~~بالمعنى الحرفي، كانت هناك العديد من الأدوات التي يتم استخدامها بصورة منتظمة للعقاب: ~~الأغلال أو القيود الحديدية، والأقفاص كما في شارنتون. # يبقى أن نعرف ما إذا كان المختلون عقليا يتلقون عموما معاملة جيدة أم سيئة. إذا صدقنا ~~ما ورد في اللوائح والتقارير الصادرة عن دور الاحتجاز الجبري، نجد أن كل شيء كان معدا ~~لتحسين حالة المختلين عقليا (ليس هناك إلا مشفى باريس العام الذي لم يتكبد حتى عناء محاولة ~~تطبيق هذا النظام في تقاريره). في شارنتون، كان يتم اصطحاب ذوي السلوك الهادئ من المختلين ~~عقليا في نزهة تصل أحيانا إلى الريف. أما ذوو السلوك العنيف، فكان يتم حبسهم في زنزانة لا ~~تتضمن «سوى غرفة صحية مؤمنة أكثر من الغرف الأخرى». وكان يتم إخضاعهم لحمامات، وعمليات ~~فصد، وعلاجات مختلفة لمعالجة الجنون (سنعود إلى هذه المسألة لاحقا). وكان المستوصف يستقبل ~~أولئك وهؤلاء لدى إصابتهم بأي توعك. وكانت هناك مكتبة منتقاة بعناية مجهزة لأولئك الذين ~~لديهم الحق في القراءة. وكانت وجبة الغداء (الفطور بالنسبة إلينا) تتكون من «قطعة من أجود ~~أنواع الخبز ومقدار نصف ستية [25 سنتيلترا] من النبيذ(!)» أما وجبة العشاء (الغداء بالنسبة ~~إلينا)، فتشمل «قطعة لحم بقري أو لحم ضأن مسلوقة، أو شريحة لحم خنزير مطبوخة بالماء المملح مع ~~التوابل، وطبق مقبلات، ومقدار نصف ستية نبيذا». وفي ~~وجبة المساء، كان يقدم «لحم العجل أو الضأن المشوي، ونصف ستية من النبيذ». في سان يون، ~~كانت قائمة الطعام تتغير يوميا، وهناك أيضا كانت تقدم اللحوم في الوجبتين، عدا يوم الجمعة ~~بطبيعة الحال؛ إذ كان يقدم فيه «سمك ms165 القد أو غيره من الأسماك المملحة» في العشاء والبيض ~~كوجبة مسائية. «وكانت تقدم الحلوى جميع الأيام ما عدا ثلاث مرات في الأسبوع؛ حيث يتم استبدال ~~السلطة بها.» في دور الاحتجاز الجبري ذات الميزانية المتواضعة، يبدو أنه كان هناك اقتناع بأن ~~«ثلاثة أرغفة من الحنطة زنة اثنتي عشرة أوقية [366 جراما]، وثلث كأس نبيذ [60 سنتيلترا] ~~وحساء سميكا نهارا وليلا، مع خضراوات، ولحوما ومعكرونة» تمثل حصة غذائية كافية ~~يوميا . # ومن ثم، لن يكون مفاجئا الحصول على صدى متباين للغاية في الخطابات التي أرسلها بعض ~~المختلين عقليا القادرين على صياغة شكاواهم. في الواقع، كان يحق لأي مسجون بموجب أمر ملكي، ~~سواء أكان سجينا سياسيا، أم جانحا، أم مختلا عقليا، رفع شكوى أو تظلم، ويجب تحويل ~~مذكرته للعرض على فرساي. ينطبق الأمر عينه على المعتقلين بناء على أحكام قضائية، الذين كان ~~بإمكانهم مراسلة النائب العام لبرلمان باريس وكان يتم إجراء تحقيق إثر تلقي شكاواهم، خاصة إذا ~~كان الشخص المعني يحتج على اعتقال تعسفي أو حجز متعنت. ولكن، هل كانت تتم دائما إحالة هذه ~~العرائض، بالنظر إلى أن رؤساء الديوان الملكي كانوا يقومون أولا بفرز الكتابات التي يرونها ~~جنونية؟ # الشكاوى التي وصلت إلينا تقدم لنا صورة مختلفة تماما لحياة يومية مليئة بأنواع شتى من ~~الحرمان، مع إجبار المحتجزين على تناول الخبز الجاف والماء عند ظهور بوادر انحرافات سلوكية، ~~وتقييدهم وحبسهم دون مبرر، وضربهم من قبل الخدم السود، بل والرهبان. وكان المتظلمون ~~يرفقون شكاوى جماعية ومذكرات دفاعية بخصوص هذه الاتهامات. في عام 1767، قدم أحدهم شكوى إلى ~~رئيس أساقفة تولوز يلوم فيها الآباء الرهبان الفرنسيسكان بدير سان بيير دو كانون على قيامهم ~~باحتجاز المختلين عقليا لتحقيق منفعة خاصة، منتهزين فرصة أن المختلين عقليا، خلافا ~~للجانحين الآخرين، يمكن أن يظلوا محتجزين مدى الحياة ومحرومين من كل شيء بما أن وضعهم لا يسمح ~~لهم بالشكوى. وفقا لمذكرة دفاع نشرت في عام 1697، كان المختلون عقليا المحتجزون بسان ~~لازار يتعرضون لإساءة المعاملة مثلهم مثل الجانحين: «يقوم الإخوة الخدم أو الحراس ms166 بأخذ ~~المختلين عقليا في نزهة في ساحة الدار في فترات العصر وفي أيام العمل. إنهم يقودونهم جميعا ~~والعصا في اليد كما يقاد قطيع من غنم، وإذا انسل أحد خارج القطيع، أو كان لا يستطيع السير ~~بسرعة الباقين نفسها، تنهال عليه العصي بمنتهى القسوة والوحشية لدرجة أن بعضهم يصاب بعجز أو ~~تشوه، وآخرون تهشم رءوسهم ويموتون من فرط ما تلقوه من ضرب.» # 11 # حتى لو لم يجب التسليم تماما بما جاء في هذه المذكرة التي تعد مقالة نقدية لاذعة موجهة ~~ضد سان لازار (وهو ما فعله، على الرغم من ذلك، ميشيل فوكو فيما يتعلق بهذا النص)، فإن هذا لا ~~يمحي السمعة السيئة التي شاعت عن الآباء الرهبان خلال القرن الثامن عشر. لقد كان السوط سمة ~~مميزة للمؤسسة، لدرجة أن الرهبان أطلق عليهم لقب «الإخوة المعاقبون بالضرب». # 12 # العديد من الجانحين كانوا يشتكون من هذه المعاملة، كما هي الحال بالنسبة إلى ~~نزلاء سجن جبل القديس ميشيل الذين كانوا يشكون أنهم «يتعرضون للضرب» و«يوضعون في أقفاص» من ~~قبل الرهبان. ولكن يتعلق الأمر بالجانحين الذين يجب بحق، في نظر الرأي العام، تأديبهم. تكمن ~~المسألة في معرفة إلى أي مدى - في ظل حياة يومية تتسم بالتفاهة والابتذال - يعي الرهبان ~~القائمون على إدارة دور الاحتجاز الجبري الفرق بين الجانحين والمختلين عقليا، بحيث يحتفظون ~~لأنفسهم بحق إساءة معاملة الجانحين وحدهم، واضعين نصب أعينهم أن المختلين عقليا مجرد مرضى. ~~شتان ما بين فرساي وهذه العقول المستنيرة. # في منتصف الطريق بين هذين المصدرين المتناقضين، من المؤسف عدم امتلاكنا لشهادات مباشرة ل ~~«مستخدمين». هناك بعض الأقوال، شديدة الندرة بالنسبة إلى المؤرخ، رواها بعض الجانحين، مثل ذلك ~~الكاهن الذي كان محتجزا في لاسيليت، على حدود منطقة أوفيرني الإدارية، وكتب في عام 1736 ~~رسالة إلى حاكم المنطقة قال فيها: «جميع أولئك الذين أتعسهم الحظ وسكنوا في سجن لاسيليت ~~الشنيع حيث يسمعون اسم الله القدوس يجدف عليه نهارا وليلا من قبل الحمقى، يعانون ليس من ~~الطعام البشع والمقزز فحسب، بل أيضا من الضجة ms167 المتواصلة التي يحدثها المختلون عقليا ~~المذكورون، الذين وصل بهم الأمر إلى حد تهديد المصلين يوميا بالقتل.» # 13 # إن شهادة لاتود، # 14 # الذي نقل من الباستيل إلى شارنتون في عام 1775، مثيرة للاهتمام، حتى ولو كان لا ~~ينبغي التسليم بها بشكل مطلق. إن مذكراته، التي ظهرت في بداية الثورة، جعلت منه «واحدا من ~~أكثر ضحايا الاستبداد الملكي إثارة للشفقة». لقد سجنه الملك منذ عام 1749 وحتى عام 1789. بعد ~~أن أصبح هذا السجين لا يطاق في الباستيل - السجن نفسه الذي هرب منه في عام 1756 - نظرا لأنه ~~كان مصابا ب «هوس الكتابة»، وقد وصل به الأمر إلى حد الكتابة على قميصه بدمه (يمكن ~~الاطلاع على المستند الذي يثبت هذا الكلام والموجود في أحد صناديق المحفوظات بمكتبة ~~الترسانة)؛ جرى نقله إلى شارنتون «بسبب إصابته بخلل عقلي». بالطبع لا يعتبر لاتود نفسه ~~مجنونا، وهو على الأرجح ليس مجنونا تماما، ولكن ما يهمنا هنا هو تلك العلاقة التي يبرزها ~~لنا، نوعا ما كخلفية، عن المجانين في شارنتون. «صممت دار شارنتون خصيصى لتكون ~~بمنزلة مصحة للمجانين: بعضهم يكون في حالة مستمرة من الجنون والهياج والغضب الشديد مما يجعلهم ~~خطرين؛ ولذا يجري حبسهم وتقييدهم بالسلاسل في أماكن مغلقة أشبه بالحجرات، حيث لا يخرجون منها ~~أبدا. وآخرون لا تنتابهم فورات الغضب ونوبات الهياج إلا بصفة دورية وفي أوقات معينة من ~~السنة، وفيما خلا ذلك ينعمون بالهدوء والاتزان العقلي، ومن ثم تترك لهم الحرية الكاملة داخل ~~الدار حيث لا يتم احتجازهم إلا حينما يكونون على وشك الانزلاق في هذه الحالة المؤسفة. ~~وأخيرا، هناك أولئك المصابون بجنون هادئ ومسالم بل ولطيف في بعض الأحيان، وغالبا لا يثير ~~جنونهم إلا فكرة واحدة أو شيء وحيد، وفيما عدا ذلك يبدو أنهم يتمتعون بذهن صاف وحاضر. ~~هؤلاء، يسمح لهم عادة بالخروج من غرفتهم والالتقاء بالآخرين والتجمع والتنزه في جميع أرجاء ~~الدار، بل إن بعضهم يحصل على إذن بالخروج من الدار خلال النهار.» في موضع آخر، يضيف لاتود: ~~«لقد قلت إنه كان هناك بالفعل مجانين ms168 تأتيهم نوبات الهياج والغضب بشكل دوري: وحين تنتابهم تلك ~~النوبات، كان يتم إنزالهم في حجرات سفلية أو سراديب تحت الأرض أشبه بالمقابر حيث كان يجري ~~تقييدهم، وأحيانا كان يتم وضعهم في أقفاص حديدية. وحين تنقضي نوبة الهياج، كان يجري اصطحابهم ~~إلى المبنى الرئيس الذي يحوي غرف النزلاء الآخرين.» في عام 1777، ألقي لاتود، الذي كان قد ~~أفرج عنه ولكنه سرعان ما أدين في قضية احتيال أخرى، في بيستر. وهو أمر مؤسف بالنسبة إلى ~~التحقيق الذي نجريه، فلم يتم وضعه هذه المرة لدى المجانين وإنما لدى الجانحين. «ما زلت أرتعد ~~حين أنطق اسم بيستر.» زنازين الحبس الانفرادي، ضربات العصي، القمل والبراغيث، الجرب، ~~الإسقربوط، المجاعة على وجه الخصوص ... أين أيام الباستيل «الجميلة»، حين كان يسمح لنا ~~بمناقشة قوائم الطعام، وأين أيام شارنتون بحدائقها، ومكتبتها وصالة البلياردو التابعة لها؟ ~~ولكن في حقيقة الأمر، إن دار بيستر للمجانين لا يمكن أن تكون أكثر راحة من الإصلاحية. # ولكننا يجب ألا نستنتج من ذلك أن الحمقى المحتجزين كان يجري تسليمهم إلى دور الاحتجاز ~~الجبري دون رقابة. إذ إن سجلات الدخول والخروج، والوفيات، والتقارير المنتظمة، وعمليات ~~التفتيش التي كان يقوم بها القائد العام لشرطة باريس أو النائب العام أو حكام الأقاليم بشكل ~~شبه سنوي؛ تشهد على أنه كان هناك حرص دائم على عدم التخلي عن المختلين عقليا وتركهم ~~لمصيرهم. إن عمليات التفتيش تلك، التي كان يتم إجراؤها دائما بمنتهى الدقة، تعد دليلا ~~قيما على الجنون، ليس في المرحلة السابقة للاحتجاز، بل بالأحرى في أثناء فترة الاحتجاز. هذه ~~هي الحال في شارنتون وسان لازار على وجه الخصوص. العديد من البيانات تكتفي باستخدام بعض ~~التعبيرات المختصرة على شاكلة: «مختل العقل دائما»، «مجنون هائج على فترات»، «أصبح معتوها»، ~~بعض التقارير الأخرى تتكلف عناء إجراء مقارنات بين الملاحظات التي يبديها كل مختل على حدة ~~والمطابقة بينها، زيارة بعد أخرى، مع رصد تطور الجنون. كان القاضي يدخل كل غرفة، وكل حجرة، ~~ويستجوب شخصيا الأحمق. ومرة أخرى، نجد أن الجنون لم يكن يتم الحكم ms169 عليه استنادا إلى ~~التقييم الطبي، وإنما استنادا إلى الخلفية السلوكية التي أفضت إلى الاحتجاز في المقام الأول. ~~في الواقع، للتعرف على المجنون، نحن لسنا بعيدين تماما عن الصيغة التي وردت بأحد كتيبات ~~محاكم التفتيش في أواخر القرون الوسطى: «وكيف للمرء أن يعرف أنه يتعامل مع مجنون؟ الغبي يتحدث ~~بغباء.» # 15 # هذا «يتحدث عن ملايين»، وتلك «تنادي لويس الخامس عشر، ولويس السادس عشر، وجميع ~~الأمراء واحدا تلو الآخر.» يضاف إلى ذلك ما نتبينه عند النظر إليه للوهلة الأولى: «يبدو ~~السبب الكامن وراء حبسه مطبوعا على وجهه ومتغلغلا في كامل شخصه.» في بعض الأحيان، تمثل ~~عمليات التفتيش فرصة لنقل أولئك الذين يبدو عليهم بشكل واضح أنهم ليسوا مجانين (أو إذا أردنا، ~~أولئك الذين لا يظهر الجنون في تصرفاتهم بما فيه الكفاية) إلى الإصلاحية التي يجري فيها حبس ~~الجانحين: «لا يمكن أن نعده في مصاف المختلين عقليا دون أن يكون في ذلك إجحاف بحقه وإهانة ~~لعقله.» # ها هو السيد دوكلو دي بوسار في شارنتون: «إنه أحمق أكثر هياجا من غيره. يقول: إن جميع ~~من يراهم مسممين [...] وإنه هو الوحيد الذي لديه القدرة على السيطرة على الأرواح والجن. ~~يبدو لي أن خطابات مماثلة هي عناوين دالة إلى حد ما على الجنون.» في عام 1709، «إنه أكثر ~~هياجا من أي وقت مضى.» وفي عام 1711، «يتحدث الآن قليلا جدا ويفكر أقل، وهكذا سرعان ما ~~سيقتاده جنونه إلى بله معتاد سينتهي بالموت.» ها هو سيمون دو لوبيل في سان لازار: «إنه ~~مخبول وهائج في كثير من الأحيان، والألمان يعذبونه.» في عام 1706، كان يظن نفسه القديس فيلبس، ~~وفي عام 1710، لويس الرابع عشر. تدهورت صحته تدريجيا، وفي عام 1711، بات قريبا جدا من ~~نهايته. ودائما في سان لازار، هناك ذلك المدعو ميشيل أمبرواز، الذي «يتجلى جنونه في تحدثه ~~باللاتينية كلاما غير مفهوم وغير مترابط [...] ولكنه وديع إلى حد كبير، وكل ما نستطيع أن نأمله ~~هو ألا ترتفع درجة حرارة مخه.» في عام 1708، «وصلت حالة البله لديه إلى ذروتها. كان غالبا ما ms170 ~~يرفع دعوى على نفسه ويترافع فيها. وحين يشعر بالسأم، كان يمضي أياما بأكملها دون أن يفتح فمه ~~ودون أن تكون لديه أي رغبة في تناول الطعام.» لم يحدث أي تغيير حتى عام 1711. هناك أيضا بول ~~لوكوك دو كوربوي، «مختل العقل الذي لا يتحدث إلا عن الأمور المالية والعقارات». في عام 1702، ~~ازداد جنونه: فكان «يغني دائما ولا يشغل مخيلته إلا الكنوز المزعومة، أو الشمبانيا أو ~~متعة الصيد». «تكرر الشيء نفسه في الأعوام 1709، و1710، و1711 وتحسنت صحته عن المعتاد ». فيما ~~يتعلق بالصحة الجسدية، حين تكون بحالة جيدة، تأتي الملاحظات تهكمية أحيانا. هناك ذلك الكاهن ~~الذي لم يرد أن تتم تدفئة غرفته وقضى هكذا فصل الشتاء الرهيب لعام 1709، وأثارت حالته التعليق ~~التالي: «ولكن صحته لم تكن يوما أفضل حالا وتهدد بأنه سيعيش طويلا.» وعن آخر، قيل: «إنه ~~على خير ما يرام.» وعن آخر أيضا: «لقد أصبح سمينا جدا على نحو يثير الدهشة، ولكن يخشى ~~ألا تدوم حياته لفترة طويلة.» # هناك أيضا الذين يصمتون بعناد، بحيث لا يريدون (أو لا يستطيعون) قول اسمهم ولا سنهم. هذا ~~الرجل العسكري، الذي كان الملك يدفع نفقة إقامته، «يريد بشكل مطلق المكوث في غرفته، والتزام ~~الصمت كيفما يشاء، ولكن هذا الإفراط في السكوت أظهر أن حالته الذهنية تتدهور وتزداد سوءا.» ~~وهناك الذين يرفضون الأسرار المقدسة؛ مما يعد - في ظل مجتمع مسيحي متشدد - مؤشرا غير جيد. ~~وهناك أيضا الذين يصرون على وجه الخصوص على هذيانهم بشكل متعنت سواء فيما يتعلق بجنون ~~الدين، أو العظمة، أو الاضطهاد، أو الثراء: «إنه يظل متشبثا بهذه الخرافات.» يكمن نمط ~~الاحتجاز الأكثر كلاسيكية في الانتقال التدريجي، مع مرور السنوات، من حالة الجنون الذي يرافقه ~~اهتياج إلى حالة «البله»: «بعد أن كان مجنونا هائجا حين اقتيد، صار معتوها وصموتا. ~~ضعيف الذهن» ... «يغفو طوال الوقت، لم يستيقظ إلا في أوقات الوجبات» ... «لقد أصبح في الفترة ~~الأخيرة عبارة عن كتلة من اللحم لا حياة فيها» ... «لم يعد يعيش إلا على لحوم البهائم» ... وفي ~~كثير من الأحيان، تأتي ms171 هذه العبارة المقتضبة والقاطعة في الختام؛ «في مرحلة الطفولة». وفي بعض ~~الأحيان، تأتي نوبات عرضية من الغضب والهياج لتقاطع حالة الخمول هذه: «عقل مختل على فترات ~~ينتابه اهتياج حينما نحدثه عن والدته» ... وذاك أحمق آخر في سان يون، «فيما عدا الأوقات التي ~~يكون فيها في حالة ثورة واضطراب شديدين حين نضايقه، هو عادة هادئ للغاية ومنضبط في سلوكه.» ~~تلك الحمقاء نزيلة السالبيتريير ليست هائجة بالمعنى الدقيق، ولكنها تمزق دوما أغطيتها ~~وملابسها. «ينبغي حتما تقييدها بالأصفاد إذا أردنا أن نجعلها تتنشق الهواء.» # معظم المختلين عقليا هناك منذ فترة طويلة ~~للغاية، بعكس الجانحين، الذين لا يبقى أغلبهم إلا بضع سنوات. في سان لازار وشارنتون، أكثر من ~~نصف المختلين عقليا موجودون هناك منذ ما يزيد على عشر سنوات، وبعضهم منذ أكثر من عشرين ~~عاما. بل إن بعض «العمداء» يتجاوزون الثلاثين عاما في الحجز. بالنسبة إلى أولئك، لا ينتهي ~~الاحتجاز إلا بانتهاء الحياة، جميعهم يموتون «دون أن يتعرفوا إلى أنفسهم». وهو ما يفسر، ~~بالإضافة إلى العدد المحدود للأماكن المتاحة، أن معدل التناوب، هناك كما في الأماكن الأخرى، ~~ضئيل للغاية، مع دخول بعض الحالات الجديدة سنويا. لم تستقبل مؤسسة شارنتون، في الفترة من ~~1686 إلى 1714، إلا 347 مختلا، بينما لم تستقبل سان لازار، في الفترة نفسها، إلا بالكاد ~~مائة مختل تقريبا. وفي عام 1776، بلغ عدد المختلين عقليا الذين دخلوا مشفى سان يون (في ~~روان) قبل عام 1770 اثنين وعشرين شخصا، وبعد هذا التاريخ، سبعة فقط. كان الجانحون يمضون ~~والمختلون عقليا يبقون، ويشغلون ببقائهم الأسرة القليلة المتاحة. # بصرف النظر عما قاله النقاد ومتصيدو الأخطاء عن هذه الحقبة (لقد كانوا موجودين ~~بالفعل، ولكنهم كانوا قلة)، لم يكن يتم الإبقاء على الشخص محتجزا في حالة انتفاء المبرر ~~لذلك، ولا سيما أنه كان هناك طلبات احتجاز معلقة موضوعة على قائمة الانتظار للأسرة ~~القليلة المتاحة. خلال عمليات التفتيش، تفرض مسألة الخروج نفسها على نحو منتظم. إذا كنا نقرأ ~~أحيانا بعض التعليقات مثل: «يبدو الآن وديعا ولكن التغيير الذي طرأ عليه ms172 ربما يكون في حاجة ~~إلى اختبار أطول»، فإننا غالبا ما نقرأ ملاحظات أخرى مثل: «علمت أن دماغه بحالة جيدة جدا ~~[بعد سنة واحدة]. ومن ثم، أظن أنه يمكن إطلاق سراحه.» وبالفعل يخرج المختل بعد هذا التصريح. ~~أما نيقولا دوبويسون - 45 عاما - المحتجز في شارنتون منذ عام 1710 (نحن الآن في عام 1712)، ~~فنقرأ عنه «لا تظهر عليه مخايل الضعف الذهني إلا في رغبته في التحدث إلى الملك، ولكنه لا يشرد ~~أبدا عند التحدث في مواضيع أخرى، وطالما بدا شديد التدين والوداعة. وبناء عليه ، أظن أننا ~~يمكن أن نخلي سبيله إذا استطعنا تعيين شخص من أهل الثقة بحيث يكون على استعداد لإعادته إلى ~~بلده.» في الواقع، عاودته نوبات الهياج في العام التالي، لكي يخرج مع ذلك في عام 1714، على ~~الرغم من الملحوظة التي نقرؤها بشأنه والتي جاء فيها: «البلاهة المعتادة دوما، والتي يبدو ~~أنه لا أمل في شفائه منها أبدا.» فما حدث هو أن عائلته اتخذت في غضون ذلك قرارا باسترجاعه؛ ~~إما بدافع التعاطف وإما على الأرجح بدافع توفير نفقة الإقامة. وهكذا فإن العديد من الحمقى، ~~الذين كانوا لا يزالون غير قابلين للشفاء ولكنهم استعادوا هدوءهم، كانوا يخرجون بعد بضع سنوات ~~بناء على طلب عائلاتهم. في الأقاليم، كان الحاكم والعائلة يقدمان في كثير من الأحيان ~~طلبات مشتركة لإلغاء الخطابات المختومة الصادر بموجبها أوامر ملكية: «لقد أمضى الفصول الأربعة ~~دون أن تظهر عليه علامات الجنون» (مون سان ميشيل، 1784). وكانت الأفضلية تعطى بصورة منهجية ~~للطلبات القابلة للنجاح. لا يقصد بالضرورة ب «قابل للنجاح» الحمقى الذين نالوا الشفاء (فقد ~~كانت الأغلبية الساحقة منهم ميئوسا من شفائها منذ دخولهم)، ولكن يقصد بهذا التعبير ~~المختلون عقليا القادرون على «العودة إلى المجتمع دون التسبب بأي ضرر». في عام 1760، أراد ~~زوج استعادة زوجته، التي احتجزت في سالبيتريير بموجب أمر ملكي لأنها مجنونة؛ ولذا توجه ~~إلى القائد العام لشرطة باريس، الذي ذهب بدوره إلى رئيسة «المشفى» التي أجابت قائلة: «هذه ~~المرأة لديها دوما الأفكار نفسها ولكنها ليست مصابة بالهياج، ولا ms173 شريرة. ومن ثم، ~~بما أنها هادئة، فأعتقد أنه لا مانع من بقائها مع ~~عائلتها.» لم تكن الإدارة توافق دائما على خروج النزيل: «أظن أنه لو لم يكن في هذه الدار، ~~لوجب إيداعه بها. وأعتقد أن مطالبات أنسبائه من ناحية الأم بالإسراع في إخراجه لن تبدو لهم ~~صائبة إذا رأوا وضعه الحالي.» وفي كل الأحوال، كانت مسألة التصريح بخروج المجانين الذين ينظر ~~إليهم باعتبارهم خطرين غير واردة بالمرة. # في أغلب الأحيان، يكون الخروج مرتبطا ببعض الشروط الواجب استيفاؤها، أولها أن تتعهد ~~العائلة المطالبة بخروج المريض بمراقبة مريضها جيدا، بل وإبعاده عن الأماكن التي ارتكب ~~فيها أفعالا جنونية. فها هي تلك الفتاة الشابة التي غرقت في «سوداوية عميقة» استدعت حبسها، ~~بعد أن تسببت في «مصرع الرجل الأكثر وسامة في الوحدة العسكرية» بمدينة لاون، أردنا إخلاء ~~سبيلها بما أن حالتها الصحية تحسنت، ولكن بشرط ألا يتم ذلك في بلدية لاون؛ حيث إنه «ما زال ~~فيلق الجيش التابع للملك متمركزا في مواقعه الدفاعية بالحامية العسكرية.» وحين يصرح لشخص ~~ما بالخروج مع وجود بعض التحفظات من جانب الإدارة (سيكون في حالة يرثى لها، إذا خرج من ~~المشفى)، لا يكون الانتكاس مستبعدا أبدا؛ مما قد يؤدي إلى التقدم بطلب احتجاز جديد: «منذ أن ~~تمتع بحريته، صدرت منه الكثير من التصرفات الجنونية الشاذة» (تكسير الأبواب، ضوضاء ليلية ...) ~~«بعد أربعة أشهر، عاودت نوبات الهياج الظهور لديه وأصبح من الضروري حرمانه كليا من حريته» ~~(وفقا لما ورد في طلب الاحتجاز الثاني في بيستر، 1771). # نحصي بعض عمليات الهروب ولكنها أقل شيوعا بكثير عما هي عليه لدى الجانحين. نذكر على سبيل ~~المثال حالة أحد كهنة كاتدرائية أوتون الذي فر من سان لازار في عام 1705، «ولكن نظرا لأنه لم ~~يتصرف على نحو عاقل بما فيه الكفاية، لم تكن هناك صعوبة في إعادته مرة أخرى إلى المشفى.» نتج ~~عن عمليات الهروب أو محاولات الفرار العديد من عمليات النقل بين دور الاحتجاز الجبري ذات ~~الأنظمة المختلفة. في عام 1771، هرب المدعو دو لاجونكيير - ذو الثلاثين ms174 عاما - من دار سان ~~بيير دو كانون حيث كان محتجزا، ولم يخل هروبه من محاولة إحراق الدار. بعد أن ألقي ~~القبض عليه وثبت أن «السياج المحيط بدار سان بيير دو كانون لم يكن مؤمنا جيدا»، تم ~~حبسه في سجن الدولة بجزيرة سانت مارجريت. بدأت سجون الولايات تنفر أكثر فأكثر من استقبال ~~المختلين عقليا الثائرين. فقد أعرب رهبان مون سان ميشيل عن اعتراضهم قائلين: «هذا القصر ليس ~~معدا لإرسال المختلين عقليا إليه»، وذلك حين تمكن مجنون هائج في إحدى الليالي، بعد أن ~~تخلص من قيوده، من تكسير كل شيء في غرفته، بما في ذلك الباب والنافذة ثم قذف السكان ~~الموجودين بالأسفل بالحطام المتنوع. # وكانت هناك تحويلات أيضا تتم بناء على طلب العائلات؛ أحيانا على أمل أن يؤدي التغيير ~~إلى حدوث تحسن، وغالبا لأن نفقة الإقامة تزداد غلوا مع مرور السنوات. وهكذا نرى العديد من ~~المختلين عقليا يتنقلون بلا هوادة من دار احتجاز إلى أخرى إلى أن ينتهي بهم المطاف في بيستر ~~أو في سالبيتريير. وينتج عن كل هذا مسارات معقدة في أغلب الأحيان. فهذه البلهاء احتجزت بادئ ~~ذي بدء في يونيو 1737 في دار شاريتيه بكاين، حيث أشعلت النيران. وها هي في سبتمبر في دار سانت ~~بيلاجي بباريس، ثم في دار رهبانية الأخوات أورسولين بكرافان (بالقرب من أوكسير) في عام 1743، ~~ثم انتقلت إلى دار رهبانية الأخوات أورسولين في أفالون في 1748. أما عن تلك الأرملة المدعوة ~~كرونييه، فيظهر مسارها بشكل واضح مدى تعقيد وبراجماتية اعتقالات المختلين عقليا في ظل ~~النظام القديم. كاترين كرونييه - التي لا نعرف عمرها، ولكن من المؤكد أنها كانت لا تزال شابة ~~- أرملة منذ عام 1760؛ ولذا «داهمتها الأبخرة». وهذا، بالإضافة إلى ما أظهرته من «سلوك غير ~~سوي تماما»، دفع عائلتها إلى تركها في رعاية والدها. ولكن هذا الأخير توفي. ومن ثم، قضى ~~الأمر الملكي الصادر بناء على الطلب الذي تقدمت به العائلة باحتجازها في عام 1769 بأحد ~~الأديرة في كودبيك. وهناك، أدت فورات الغضب والهياج التي كانت تنتابها إلى ms175 نقلها في عام 1772، ~~بموجب أمر ملكي جديد، إلى دار بون باستور (الراعي الصالح) في روان؛ حيث أصابتها «نوبات هياج ~~حادة لدرجة أنه كان لزاما تقييدها.» ثم جرى نقلها من جديد في عام 1776 إلى دار بون باستور ~~بليزيو، وفي عام 1781 إلى بيرناي. في ذلك العام، حصلت العائلة على حكم بالحجر عليها بناء على ~~طلب تقدمت به. وهكذا وضعت كاترين في دار بون سوفور بكاين. وفي عام 1785، كتبت رئيسة الدار ~~عنها قائلة: «حالة الجنون لديها تكون - في بعض الأوقات - حادة بما يكفي لجعلها غير قادرة على ~~العيش في العالم، على الرغم من مرورها بفترات صحو وجلاء ذهني.» ومع ذلك، فهذه هي الحقبة - ~~وسنتناول ذلك باستفاضة - التي عكفت فيها الإدارة الملكية بهمة ونشاط على تنظيم عمليات ~~الاعتقال التي تمت بموجب الأوامر الملكية. وفي الواقع، منذ عام 1772، لم تكن هناك أي أخبار ~~جديدة بخصوص الخطابات المختومة أو الأوامر القضائية (لم يكن الحكم بالحجر كافيا). كانت ~~كاترين كرونييه في الحجز منذ سبعة عشر عاما حين أرسل حاكم منطقة كاين الإدارية، في عام 1786، ~~خطابا شديد اللهجة ليس إلى رئيسة دار بون سوفور، التي لم تلتزم بضرورة وجود أمر ملكي فحسب، ~~بل أيضا إلى محل إقامة العائلة: «إنني أتساءل باندهاش كيف لا يوجد، وسط هؤلاء الاثني عشر ~~شخصا [يقصد العائلة، وهم: أخ، وعم، وعشرة أبناء عم] الذين عرفوا جيدا كيف يجتمعون للحجر على ~~امرأة مسكينة تئن تحت وطأة الأسر؛ شخص واحد على استعداد لاختبار ما إذا كانت الحرية تحقق ~~بالنسبة إليها نجاحا أكثر مما حققته خمس سنوات من الحبس» (لا يتحدث الحاكم هنا إلا عن ~~السنوات التي تولت الرئيسة خلالها المسئولية). أعارت العائلة أذنا صماء للحاكم ولكنه أصر على ~~موقفه. لماذا لا «نقوم بتهدئة أبخرة الحزن أو الغضب لديها بمنحها متعة الحرية؟» بعد مضي بضعة ~~أشهر، بعد أن استبد الغضب بالحاكم؛ نظرا لعدم تغير أي شيء، حضر بنفسه أمام بوابة بون سوفور، ~~وأمر بأن تفتح له البوابة وبأن يتم إرشاده إلى غرفة كاترين كرونييه. وهناك، ms176 أمام الراهبات ~~المذعورات، قال لها: إن بإمكانها الخروج وقتما تشاء. منذ ما قبل الثورة، بدأ شيء ما يتغير ~~... # الفصل الرابع # | مرحلة مستودعات التسول # بعد انتهاء مرحلة دور الاحتجاز الجبري، ظهر ~~بديل آخر للمشفى العام، في نهاية عهد لويس الخامس عشر؛ ألا وهو مستودعات التسول. في سياق مجتمع ~~ما زال يميل إلى الإقصاء - ربما حتى أكثر من مجتمع القرن السابع عشر - أصبح الخطاب حول ~~المتشردين والمتسولين أشد عنفا وصرامة من أي وقت مضى: «إنهم قراصنة ينضمون إلى حلف الأصدقاء أو ~~الأعداء، بحسب ما يرونه يشكل خطورة عليهم أكثر أو أقل [...] إنهم دبابير، مجموعة من الزنابير ~~القاسية التي لا تكتفي فقط بكونها عديمة النفع في الخلية، ولكنها تدمر أيضا النظام القائم ~~داخلها وسرعان ما تتلف إنتاجها من الشمع والعسل.» # 1 # يرى جان جاك روسو أن المتسولين خرقوا المعاهدة الاجتماعية (الخاصة بالعقد ~~الاجتماعي). كما كان سكان المناطق الريفية يتعاملون بمنتهى الجدية والحزم مع هذه المسألة، ~~معربين عن رفضهم أكثر من أي وقت مضى للمشردين الذين بدأ عددهم يتزايد أكثر فأكثر، وعن إدانتهم ~~للمزارعين الذين استمروا في استقبال هؤلاء المشردين. # 2 # لا إحسان من قبل النخبة، ولا إحسان من قبل الشعب. ولا حتى العمل الخيري المتضارب ~~الذي قدمه المشفى العام في بداياته، والذي تكشف الدروس المستفادة منه عن فشل واضح، وعن ضرورة ~~التمييز بصورة جلية من الآن فصاعدا بين القمع والمساعدة. وهكذا نجد تفرقة جديدة تفرض نفسها: ~~يجب ألا تستخدم الأماكن ذاتها، المخصصة للاحتجاز، للقمع وفي الوقت نفسه للمساعدة. وهذه المرة، ~~لا مجال للسماح للمتسولين الأصحاء بالفرار. # إنشاء المستودعات # في عهد لويس الخامس عشر، أصبح من الآن فصاعدا بإمكان الإدارة الملكية الاعتماد على ~~الشبكة القوية للمناطق الإدارية، بحكامها الذين كان يقال عنهم إن كل واحد منهم بمنزلة «الملك ~~الحاضر في محافظته». وهكذا بدأ المسار الإداري يسود. في الثالث من أغسطس 1764 نشر «الإعلان ~~الملكي بشأن المتسكعين والمتشردين». حيث تم الاعتراف بفشل عمليات الاحتجاز السابقة. ~~واستن من جديد قانون بشأن إلقاء القبض على «المتشردين والمتسكعين، ms177 سواء أكانوا متسولين أم ~~غير متسولين»، وعهد بهذه المهمة إلى كتائب المارشالية؛ مما بشر بقدوم مستقبل واعد. ~~وغلظت العقوبات الخاصة بمعاودة الجرم. ولكن ظل الإعلان غامضا فيما يتعلق بأماكن الحبس، ~~مشيرا إلى تلك الأماكن القائمة بالفعل. # إن القرار الصادر عن مجلس الدولة التابع للملك بتاريخ 21 أكتوبر 1767، إذ يأخذ علما بأنه ~~«في معظم الأقاليم، لا تملك المشافي دخلا كافيا وليست لديها أماكن احتجاز مؤمنة بشكل ~~جيد»، يسد هذه الثغرة عن طريق القيام في كل منطقة إدارية بإنشاء «دور مغلقة بشكل كاف بحيث ~~تكون مخصصة لاحتجاز المتشردين والمتسكعين المحكوم عليهم بالحبس ». حيث سيتم إيواؤهم ورعايتهم ~~«على نفقة صاحب الجلالة». يمثل هذا القرار إجراء حاسما، لم يكن موجودا من قبل في بيان 1764 ~~إلا بالنسبة إلى الذين تتكفل بهم المحافظة المجاورة. وهكذا نشأت مستودعات التسول. بشهادة ~~السلطات نفسها، لم تصل التدابير يوما قط إلى مثل هذا المدى البعيد. # ومن جديد كان من المنطقي ألا يرد أي ذكر للحمقى، مثلهم مثل باقي العجزة. ومع ذلك، جاء في ~~خطاب تفسيري أرسل إلى أساقفة المملكة «أن توقيع أشد العقوبات على المتسولين الأصحاء سيكون ~~بلا جدوى، إذا لم نتنبه إلى ضرورة فتح مؤسسات للعجزة في الوقت نفسه وتقديم يد العون إلى جميع ~~أولئك الذين تجعلهم السن أو الإعاقة غير قادرين على العمل لكسب رزقهم.» ومن ثم سيكون هناك على ~~الأقل في كل منطقة إدارية «مشفى عام يكون في الوقت نفسه مؤسسة للاحتجاز، بحيث يصبح مخصصا ~~لاستقبال الفقراء العاجزين الذين لا يمتلكون أي مأوى آخر يلتجئون إليه، و«المختلين عقليا»، ~~والذين سيصدر ضدهم حكم بالحبس». بداية، نلاحظ عودة غريبة إلى مفهوم المشفى الذي يفعل كل شيء. ~~وتجدر الإشارة على وجه الخصوص إلى أن تلك هي المرة الأولى التي يرد فيها ذكر المختلين ~~عقليا بصورة رسمية. في الواقع، في أثناء قيام اللجنة المجتمعة بمبادرة المراقب المالي العام ~~لافيردي بإعداد إعلان 1764، تم وضع خطة لتصنيف الفقراء؛ حيث ورد، بعيدا عن التقسيم إلى أصحاء ~~وعاجزين، «المجانين، والمختلون عقليا، ومرضى الصرع» جنبا ms178 إلى جنب مع المكفوفين، والمقعدين ~~و«ذوي السبعين عاما» في مصاف «الإعاقات المعتادة». # وقد أرسل لافيردي كتابا إلى حكام الأقاليم في السابع من أغسطس 1764 للاستفسار عن الوضع، ~~في كل منطقة إدارية على حدة. أجابه حاكم محافظة كاين قائلا: «يجب أن يقوم الأمير أيضا بحجز ~~الحمقى، والمهتاجين، والمصابين بتشوهات كبيرة للغاية وجميع الذين نراهم يسقطون يوميا في ~~نوبات الصرع؛ لأنه لا شيء يخل بالنظام إلا لقاء هؤلاء الضحايا البائسين الذين يجسدون الشقاء ~~الإنساني.» من الواضح أن المؤسسات القائمة بالفعل لم تكن كافية في ذلك الوقت. # إن فكرة مستودع التسول ليست جديدة تماما، بالنظر إلى أن أحد الإعلانات الملكية الصادرة ~~عام 1750 نص عبثا - دون أن يستخدم التعبير نفسه - على تجهيز مكان مماثل (وقد أنشئت بالفعل ~~بعض المستودعات بعد الإعلان الصادر في عام 1724). ولكن هذه المرة، كانت المملكة بأكملها هي ~~التي يتعين عليها تنفيذ ما وعدت به، تحت قيادة الحكام الذين تلقوا وعودا بإعطائهم كل الوسائل ~~والإمكانيات التي تعينهم على تحقيق ذلك. في كل منطقة إدارية، يجب أن يشكل مستودع التسول حلقة ~~جوهرية في سلسلة الاحتجاز: بحيث يكون بمنزلة دار احتجاز مدنية «رخيصة» («دار احتجاز جبري ~~بمصاريف قليلة»، كما كتب قائد الشرطة في عام 1767) خاضع لإشراف الإدارة الملكية؛ مما سيكون ~~من شأنه تخفيف العبء بشكل واضح عن بيستر وسالبيتريير، والنجاح بالإضافة إلى ذلك في حبس ~~المتسولين الأصحاء. تستهدف هذه المستودعات في المقام الأول هؤلاء: «فلقد أضحى من الضروري ~~وبشكل حتمي - وفقا للكتاب المرسل من فرساي - أن يخشى هؤلاء الإقامة في المستودعات؛ لأنهم ~~يخشون أن يتعرضوا لحالة تستدعي إيداعهم بها.» # انطلقت العملية بسرعة ونشاط. فقد مر أخيرا قرن على صدور مرسوم 1656، ولكن هذه المرة، مع ~~وجود إمكانيات القرن الثامن عشر، نحن بحق في زمن فكر «الاحتجاز الكبير». حققت «الاعتقالات» ~~(بما رافقها من صرف مكافأة لأفراد المارشالية عن كل رأس) المعجزات. ففي الفترة ما بين 1764 ~~و1777، ألقي القبض على 11 ألف شخص. وسط هذا الجمع الضخم، نجد بالتأكيد مختلين عقليا، إما ~~أحيانا معترفا ms179 بحالتهم منذ «القبض» عليهم - كنا نتفادى بعناية استخدام كلمة توقيف - وإما ~~غالبا يظهر جنونهم بعد عدة أشهر من الحبس. نلاحظ على وجه الخصوص وجود العديد من حالات الصرع، ~~ولكن نجد في كثير من الأحيان حالات أخرى مثل ذاك الأعور، أو تلك الكتعاء التي تبين أنها ~~«معتوهة تماما». وفي بعض الأحيان، يضاف إلى ما سبق هذه الملحوظة الأكثر شيوعا بالنسبة ~~للنساء: «إنها هنا بحالة أفضل عما هي عليه في أي مكان آخر»، والتي تكشف عن وجود الرحمة حيث لا ~~نتوقع وجودها. # في أقل من عشر سنوات، غمرت مستودعات التسول ~~المملكة، بوجود مستودعين أو ثلاثة في كل منطقة إدارية. في السنوات الأولى تم إحصاء ما لا ~~يقل عن 88 مستودعا، ولكن سرعان ما أغلق العديد منها؛ نظرا لعدم توافر أماكن كافية، لصالح ~~مستودعات التسول الكائنة بعاصمة المنطقة الإدارية. في الواقع، تسبب تورجو في عرقلة العملية ~~للمرة الأولى، حين أعرب عن رأيه بأن المساعدة (في الأبرشية) يجب أن تسبق القمع الذي لا بد من ~~أن ينحصر تطبيقه على الأفراد «الخطرين وغير القابلين للإصلاح» فقط. أما نيكر، الذي خلف تورجو ~~في تولي وزارة المالية في عام 1777، فكان يود إنشاء مكتب للصدقة في كل أبرشية. مثلما كتب أحد ~~قساوسة الأقاليم إلى الأسقف التابع له في عام 1775 قائلا: «يجب عدم التركيز على مضاعفة ~~المشافي بقدر ما يجب العمل بالأحرى على ألا يحتاج المواطنون إليها أبدا.» على الرغم من ~~التردد الذي ساور السلطة الحاكمة، ظلت المستودعات قائمة. في جميع هذه المستودعات، كان هناك ~~قسم خاص ومنفصل للمختلين عقليا؛ نظرا لأنه، كما قيل عن مستودع رين، «لا يوجد أي مؤسسة أخرى ~~لتخليص المجتمع من هؤلاء البؤساء». في مدينة رين ذاتها، يلخص مرسوم صادر عن الحاكم إلى قائد ~~فيلق المارشالية الوضع جيدا على النحو التالي: «لقد علمت للتو أن المدعو ماثورين لوفلور من ~~مدينة إنبو قد أصابته منذ بضعة أشهر حالة جنون شديدة الخطورة على عامة الشعب. وبما أن عائلته ~~- حسبما أكدوا لي - غير قادرة على دفع تكاليف ms180 معيشته في إحدى دور الاحتجاز الجبري، أطلب إليكم ~~أن تتكرموا بإصدار أوامر إلى فرسانكم بضرورة نقله فورا إلى مستودع التسول في رين.» # في مستودع التسول الكائن في مدينة بايون، تم في عام 1774 إحصاء 21 مختلا من بين إجمالي ~~97 رجلا، و11 مختلة من بين إجمالي 66 امرأة. في مستودع سواسون، كان هناك في عام 1786، 23 ~~مجنونا و24 مجنونة من بين إجمالي المحتجزين البالغ عددهم 208. في مستودع روان، كان هناك في ~~عام 1789، «22 مجنونا و16 معتوها» من بين إجمالي 236 شخصا. في نهاية عهد النظام القديم، ~~وصلت نسبة المختلين عقليا في المستودعات إلى 20٪ تقريبا (في الواقع، 15٪ بالأحرى في ~~المتوسط) مقارنة بنسبتهم في سالبيتريير التي بلغت 10٪. يفسر هذه النسبة الكبيرة التناوب ~~السريع للمحتجزين الأصحاء، بينما يبقى - مرة أخرى - المختلون عقليا (وكذلك المعاقون وذوو ~~العاهات) ماكثين في أماكنهم. خلافا للمشافي العامة، كانت مستودعات التسول تعد مراكز فرز؛ حيث ~~يجرى فيها الفرز بين الأصحاء والعاجزين، وبين المتسولين المحترفين والمتسولين بغير إرادتهم ~~الذين نحاول إرسالهم إلى الأبرشيات التابعين لها، مما يعد حلما مستحيلا بالنسبة إلى ~~الإدارة؛ نظرا لأن ثلاثة أرباع هذه الأبرشيات عاجزة عن تنظيم المعونات. وهكذا، في نهاية عهد ~~النظام القديم، يجدر البحث بالأحرى في مستودعات التسول، وليس في المستشفيات العامة، عن ~~المختلين عقليا المعوزين. يزيد عددهم على ألف بالتأكيد، ربما يبلغ ألفين. معظمهم يعيشون ~~هناك «على خبز الملك»، ولكن هناك قطاع لا يستهان به ممن تم احتجازهم بناء على طلب العائلات ~~وفقا للإجراءات التقليدية. كانت العائلات، حين يتم التعرف عليها، تلزم بالدفع إذا كانت ~~تمتلك المقدرة المادية. كان الحد الأدنى لتكاليف الإقامة يبلغ مائة جنيه؛ أي ما يعادل أقل من ~~نصف القيمة التي كان يتم دفعها للمشفى العام بباريس. يبقى أن نرى كيف تنعكس مثل هذه التكلفة ~~المنخفضة على حياة المحتجزين. # يمثل كل مستودع، كما هو متبع في ظل النظام القديم، حالة خاصة على حدة. في بزنسون، كان ~~هناك مستودع يعمل قبل اكتماله نهائيا، منذ صدور إعلان 1724: وهو مشفى بيلفو، الذي قسم ms181 ~~المشفى العام بالمدينة، ذلك أن المشفى العام كان يقوم بطرد المصابين بالأمراض المعدية، ~~والميئوس من شفائهم وجميع «المجانين، ومدعي الرؤى والأشخاص المضطربين». # 3 # ومن ثم، أصبح مشفى بيلفو هو مستودع التسول بالمدينة بعد إعلان 1764، واستتبع ذلك ~~زيادة عدد العاملين به بصورة جذرية، وبالمقابل زيادة عدد المختلين عقليا. وقد بنيت بعض ~~المستودعات الأخرى من العدم، أو بأقل القليل، على أثر الإعلان الصادر عام 1764. كما هي حال ~~مستودع بوليو في كاين. # دير بوليو # نشأ مستودع التسول بكاين في مارس 1768 على موقع مشفى الجذام القديم، في الضواحي الغربية ~~للمدينة. بقيت بالمكان كنيسة صغيرة متداعية، وهي كنيسة نوتردام دي بوليو. كان صحن الكنيسة ~~يوفر جدرانا ضخمة وسقفا لغرفتين متطابقتين، إحداهما مخصصة لخمس وستين سيدة، والأخرى مخصصة ~~لستين رجلا. أما مذبح الكنيسة، فقد ظل مخصصا لإقامة صلوات القداس التي سيتمكن المحتجزون ~~المستقبليون من «الاستماع إليها دون مغادرة غرفهم». في الأعوام التالية، شيد مبنيان ~~جديدان في فير وفالوني. وتضاعفت عمليات «الاعتقال» في منطقة كاين الإدارية، كما في المناطق ~~الأخرى. في نهاية عام 1769، تردد حديث أيضا عن الإمساك بالمتسولين القاطنين في محل ~~إقامة. # كان الاتجاه السائد، منذ السنوات الأولى، يقضي بالإفراج عن المتسولين الذين يتعهدون بعدم ~~معاودة التسول على الإطلاق، مع عدم الإبقاء إلا على العائدين إلى الإجرام وكذلك العاجزين، ~~والمختلين عقليا مثل تلك المتسولة، «المصابة بعجز بالغ والفاقدة تماما لرشدها [والتي] لم ~~يطالب أحد بها. لا يمكن بأي حال من الأحوال إطلاق سراحها.» أما عن ذلك المصاب بالصرع ذي ~~الأربعة والعشرين عاما، الذي ألقي القبض عليه في شهر يوليو 1768، فلم يفرج عنه إلا بشرط ~~أن يمكث عند والدته على أن تتم معاقبته بالحبس نهائيا في حالة معاودة الجرم. كان المشردون ~~الذين «يصرعهم الداء الأعظم» - أي مرضى الصرع - كثيرين ومعظمهم من الشباب. # في أعقاب تصريحات تورجو التي تسببت في عام 1775 في عرقلة هذا المشروع، أغلقت مستودعات ~~فير وفالوني (في عام 1769، بلغ عدد الحمقى في مستودع فير أربعة من بين إجمالي 14 شخصا)، ~~ولكن واصل مستودع ms182 بوليو نموه وتطوره؛ حيث كان عدد المحتجزين يتراوح في الثمانينيات ما بين 200 ~~و300 شخص. وكان يجري التذكير على الدوام بالغرض المزدوج من إنشاء المستودع، كما ورد في الخطاب ~~الذي بعث به حاكم كاين إلى فرساي في عام 1775: «طالما كان لدار الاحتجاز التابع لمشفى الجذام ~~والواقع بالقرب من كاين هدف مزدوج؛ الأول: أن يكون بمنزلة مأوى أو سجن للمتسولين والمتشردين ~~والمتسكعين، والثاني: أن يحتوي المجانين والمنحلين والعناصر الفاسدة التي من مصلحة العائلات ~~احتجازها حتى لا تلوث سمعتها [...]» وهكذا، من وجهة النظر المؤسسية، كان يتم احتجاز المختلين ~~عقليا على وجه التدقيق في دار احتجاز جبري (رسمي) وليس في مستودع للتسول في بوليو. # في عام 1784، بلغ عدد المختلين عقليا 43 (27 رجلا و19 امرأة) من بين إجمالي 283 شخصا. ~~يضاف إلى الأشخاص الذين تم توقيفهم باعتبارهم مشردين، أولئك الذين تم إيداعهم الدار بموجب أمر ~~ملكي وبناء على طلب العائلات، وفي أحيان كثيرة بشكل متزايد نزولا عند رغبة المجتمعات ~~المحلية. تم إعداد حجرات المختلين عقليا في جناح بعيد، على مستويين، على جانبي ممر مركزي. ~~وكانت كل حجرة، بمساحة «ستة أقدام مربعة» [3,80م # 2 ~~]، تحتوي على ~~نافذة صغيرة مرتفعة وباب قوي مزود بشباك صغير؛ «لتمرير حصة الطعام للمرضى من خلاله.» الجدران ~~والبلاط قوامهما الأحجار التي تنتجها مدينة كاين. نصف الحجرات تقريبا ذات مساحة مضاعفة؛ مما ~~يدل على أن السبب وراء ذلك، إن لم يكن توفير قدر أفضل من الراحة والرفاهية بشكل استثنائي، ~~يكمن في أنه كان يتم غالبا وضع اثنين، بل وأحيانا ثلاثة، من المختلين عقليا معا. أما ~~المصابون بالهياج، فكان يجري تسكينهم بالطبع في غرف منفردة. كان العدد في بوليو كثيرا، وفقا ~~لتقارير سلوك كل واحد منهم. «إنه مجنون هائج، خطر ويخشى منه، إنه محبوس بشكل متواصل في ~~غرفته.» أما عن المختل الذي يتشارك حجرته مع آخر والذي «تنتابه في بعض الأوقات نوبات هياج»، ~~فيوضع مؤقتا - ودون وجود أي اتجاه للخلط بين الفئتين - في إحدى زنازين الحبس الانفرادي ~~التأديبية المخصصة للمسجونين. # على الرغم ms183 من أن المختلين عقليا في بوليو كان لديهم مكان لإيوائهم ووضع مستقل، فإن ~~حياتهم اليومية لم تكن تسير على ما يرام تحت سقف هذه الدار الفسيحة ذات الاستخدامات المتعددة؛ ~~حيث لم يكن المتسولون الأصحاء هم الأكثر عددا، إنما، مما يثير المفارقة، أيضا العاجزون ~~والمعوقون والمصابون بالأمراض التناسلية، والمصابون بالجرب ... هل كان المختلون عقليا ~~يتلقون معاملة جيدة في بوليو، بالمقارنة مع المشفى العام؟ حدد قصر فرساي، في عام 1770، ~~القواعد المنظمة على النحو التالي: «طالما فكرت الوزارة في أن المحتجزين في المستودعات، إذ ~~يتعين دوما إخضاعهم لنظام تأديبي بهدف إصلاحهم، من الضروري - لإشعارهم بثقل جرمهم وبغية ~~تقويم سلوكهم في المستقبل - ألا تتم معاملتهم بصورة جيدة تماما، ونظن أنه لا بد من اتباع نهج ~~وسطي نوعا ما بين الطريقتين اللتين يتم بهما إطعامهم في السجون وفي المشافي.» في موضع آخر، ~~نجد الحاكم يذكر المهندس المعماري «أن دار الاحتجاز الجبري لا تتطلب إلا الصلابة ~~والبساطة»، بعيدا عن «التصاميم الزخرفية المعمارية التي تكلف دائما الكثير من المال». من ~~البداية، كان حاكم كاين، المسئول المباشر عن بوليو، يجري وراء المال الذي يعطيه إياه قصر ~~فرساي بالتقتير وببخل مفرط يتزايد مع تفاقم الأزمة المالية التي أصابت البلاد في عهد النظام ~~القديم. أصبح مستودع بوليو، مثل العديد من المستودعات الأخرى، مؤسسة تجارية. في عام 1781، ~~كان هناك مائتا محتجز من بين مائتين وخمسين يغزلون القطن، بيد أن نتاج هذا العمل لم يكن ~~كافيا لموازنة الميزانية، فضلا عن أن الحاكم ندد ب «عمليات النصب والاحتيال» التي يمارسها ~~المقاول. # كل تفاصيل الحياة اليومية جرى تنظيمها بشكل مستفيض وبمنتهى الدقة. القادم الجديد، كان ~~يجرد من أسماله البالية (وتعاد إليه بعد نقعها في ماء مغلي وغسلها جيدا بمساحيق التنظيف ~~عند خروجه)، ويحلق شعره وذقنه (ويظل هكذا طوال مدة إقامته)، ويتم تنظيفه وإلباسه الزي الموحد ~~للمستودع: سترة بنية مصنوعة من النسيج الصوفي الغليظ، وسروالا أبيض اللون من قماش الشبيكة، ~~وطاقية بنية اللون من الصوف الغليظ للرجال؛ أما النساء فكان زيهن الموحد يتكون من تنورة ms184 بنية ~~مصنوعة من النسيج الصوفي الغليظ، ومشد نسائي أبيض اللون مصنوع من نسيج قطني مشبوك الحبك، ~~وقبعة من القماش وقلنسوة من القطن أو الحرير المضلع، بالإضافة إلى قميص أصفر اللون من ~~القماش الفضفاض، وجوارب صوفية وأحذية لكلا الجنسين. ولكن، ماذا يتبقى من كل هذا فوق جسد ~~الحمقى بعد بضعة أسابيع؟ من المؤكد على أي حال أنه لم يكن يسمح لهم بانتعال الأحذية، التي ~~قد تصبح سلاحا في أيديهم وكان يتم الاستعاضة عنها بالخفاف. وفيما يتعلق بالأسرة، فقد ~~كانت مكونة من هيكل خشبي وفراش من القش رقيق للغاية أشبه بحزمة من القش، يجرى تجديده بشكل ~~مبدئي كل شهرين للمختلين عقليا الثائرين أو الذين يميلون إلى تمزيق الأشياء. # في مستودعات التسول، كما هي الحال في جميع الأوساط الأخرى المتعلقة بعالم السجون، أكثر ما ~~يهم المحتجزين هو الطعام. ولقد كان النظام الغذائي الموحد المطبق بالنسبة إلى الحد الأدنى من ~~نفقة الإقامة (120 جنيها) أكثر من مقتصد؛ إذ كانت وجبة الطعام البسيطة تتألف من: رطل ونصف من ~~الخبز المكون من ثلثين من الشعير وثلث فقط من الحنطة (مع النخالة)، وأوقيتين (حوالي 60 ~~جراما) من الأرز في يوم، وأربع أوقيات من الخضراوات المجففة في اليوم التالي. هذا كل شيء، مع ~~الماء. من الواضح أن هذا النظام أبعد ما يكون عن قوائم الطعام والنبيذ اللذين تقدمهما دور ~~الاحتجاز الجبري «الفاخرة». بالإضافة إلى أن الأرز، باعتباره مادة غذائية جديدة، لم يكن ~~مقبولا وكان يثير استياء النزلاء، بالرغم من أن قصر فرساي، الذي كان يتولى توزيع وصفات ~~الطعام في جميع المستودعات، قد عمل على الترويج جيدا لهذا المنتج. لقد كان الأرز بديلا ~~للقمح الذي يوشك مخزونه دائما على النفاد، وذلك في انتظار البطاطس، التي ستلقى أيضا مقاومات ~~شديدة. في بوليو، كان يتم طهي الأرز تارة بالدهون أو بالزيوت المستخرجة من المكسرات، وتارة ~~بالحليب. ولكي يكون للنزيل الحق في تناول اللحوم أو حساء المرق الدسم (لسنا بعد في زمن حضارة ~~الفواكه والخضراوات الطازجة)، يجب ألا تقل نفقة إقامته عن ms185 200 جنيه. لقاء هذا السعر، يمكن أن ~~نشرب خمر التفاح «المخفف» (نصف الكمية ماء، والنصف الآخر «عصير التفاح المختمر»)، مع شيوع ~~الاعتقاد بأنه «في البلدان المنتجة للنبيذ»، يتم إعطاؤه للمرضى كشراب؛ «ليتعافوا بسرعة أكبر». ~~خمر التفاح «في هذا البلد، يحدث الأثر نفسه [الذي يحدثه النبيذ] ولن يكون منصفا حرمان هؤلاء ~~التعساء من هذا العون». هذا ما كان يظنه حاكم كاين، ولكن قصر فرساي لم يوافقه الرأي وجاءه ~~الرد كالتالي: «ذلك ترف غير ضروري لا مكان له في أي من مستودعات المملكة؛ حيث يجب ألا تحصل ~~هذه النوعية من البشر إلا على الماء كشراب» (وهذا خطأ). لقاء 300 جنيه، يحصل المرء على اللحم ~~في الوجبتين - ناهيك عن غرفة خاصة (حيث تتولى العائلة تأثيثها) - ويختلف «خبز النزلاء» ~~المصنوع بالكامل من الحنطة عن «خبز المتسولين ». على أي حال، كان النزلاء الذين يدفعون تكلفة ~~إقامة تتجاوز المائة والعشرين جنيها قليلي العدد للغاية (أربعة فقط في عام 1770) وكان النظام ~~الغذائي الموحد هو السائد بالنسبة إلى الأغلبية الساحقة. فضلا عن ذلك، كان هذا النظام ~~الغذائي مرنا وقابلا للتغيير. فعندما يكون الشخص مريضا، يتبع حمية غذائية - أي يتناول ~~نصف الحصة المقررة - ويقدم إليه أحيانا «حساء بلا دهن» كمكمل غذائي. وقد ورد في البيانات ~~المفصلة التي تؤرخ لنهاية القرن الثامن عشر، وصفا تفصيليا للتمييز الذي تحظى به الفئات ~~المميزة؛ مما يعد أمرا جيدا، حتى على هذا المستوى، وفقا لفكر النظام القديم. كما هي حال ~~«السقائين» أو «الأشخاص الشرهين»، وهي الفئة المؤلفة من العمال المشتغلين في الأعمال ~~اليدوية أو المعاونين بمختلف أنواعهم، الذين كان يتم بحكم الأمر الواقع الاعتناء بتغذيتهم على ~~نحو أفضل. علاوة على ذلك، كان «الأجر» الذي يحصل عليه المحتجزون يتيح لهم تحسين وضعهم ~~الاعتيادي، بما في ذلك شراء النبيذ في الخفاء. كل ما سبق، لا يعني بأي حال الحمقى المعزولين ~~في قسمهم. # خفضت العمالة إلى الحد الأدنى؛ فانحصرت في وجود حاجب (أي ما يعادل رئيس حرس في العصر ~~الحديث) مطلق السلطات كما في سائر الأماكن الأخرى ms186 وغير مطالب بتبرير أفعاله إلا أمام وكيل ~~المدير الغائب دائما، وأربعة صرافين، وعشرة حراس مسلحين. «الموظفون» الآخرون جميعهم ~~عينوا من بين المحتجزين، بما في ذلك أولئك الذين كانوا يتولون رعاية المختلين عقليا. ~~بالإضافة إلى ذلك، كان هناك قسيس، وطبيب وجراح. وكان هذان الأخيران يفعلان ما في وسعهما، ولكن ~~لم يكن في استطاعتهما الكثير، خاصة حيال المختلين عقليا، الميئوس من شفائهم جميعا. أما ~~فيما يتعلق بالشكاوى النادرة المقدمة من الجانحين، والتي وصلت إلينا، فهي تضفي لونا قاتما ~~على اللوحة؛ إذ تزعم إظهار الوجه الخفي للوائح الداخلية: بواب لص يأخذ لنفسه إتاوة عن كل شيء، ~~اختلاط غسيل الأصحاء بغسيل المصابين بالأمراض الجلدية كالجرب والقوباء والزهري، قش لا يتم ~~تغييره مما يوفر مناخا ملائما لتكاثر الحشرات الطفيلية القذرة وانتشارها، زنازين حبس ~~انفرادي أو التقييد بأغلال في الفناء عند أول هفوة، ضرب بالعصي ... أما الطعام، فقد كان يهدر ~~بكميات هائلة لصالح موظفي الإعاشة والعاملين بالمستودع؛ كانوا يأخذون لأنفسهم أفضل القطع ~~المنتقاة من لحوم الذبائح، ويدخرون لأنفسهم كمية من الملح لاستخدامهم الشخصي عند تناول ~~الأطعمة المقددة (كان الملح باهظ الثمن في ظل النظام القديم؛ إذ كانت تفرض عليه ضريبة). ~~بالطبع، كان الجانحون هم الذين يشتكون مما قد يدفعنا للاعتقاد بأن المختلين عقليا - غير ~~المذنبين ولكن المرضى - كانت تتم معاملتهم على نحو أفضل. كتب أحد الوكلاء الموفدين بخصوص إحدى ~~الجانحات قائلا: «لقد كانت قبل [...] مقيمة في جمعية خيرية، ولم تخرج منها إلا لأنها كانت ~~تعتقد أنها ستكون أفضل حالا في بوليو. يبدو أنها انجذبت لاسم المكان (حيث تعني بوليو ~~بالفرنسية «المكان الجميل»). ولكن، لم يكد يتم حبسها داخله حتى رأت بنفسها أن هذا المنزل لا ~~يمكن أو يجب ألا يدعى هكذا إلا من وحي خيال واهم.» بوليو، هذا الاسم الذي ليس على مسمى، ~~لا يعدو أن يكون في الواقع سوى سجن من أشد السجون صرامة، ومنبع لحركات التمرد وعمليات الهروب. ~~فهذا المكان، مثل غيره من المستودعات، ليس إلا مأوى للهالكين الذين ينتظرون حتفهم. # فشل # بعد انقضاء ms187 خمسة عشر عاما على إنشاء مستودعات التسول، بدا فشلها جليا. بالطبع، عانى ~~230 ألف شخص من هذا الفشل، ولكن في حقيقة الأمر، كانت الفئة المستهدفة أساسا من هذا المشروع، ~~وهي الأصحاء، الأكثر تضررا؛ فقد كانت تكلفة العملية باهظة: تتراوح ما بين 900000 و1500000 ~~جنيه سنويا. وكانت الظروف المعيشية بغيضة. وعلى عكس المشافي العامة، كان نظام التأديب ~~قاسيا والمستودعات محكمة الغلق بشكل صارم وخاضعة لإشراف الجند. كانت العقوبات والضربات تنهال ~~كالمطر، وكان يكلف بالحفاظ على الانضباط داخل كل غرفة مراقب يعين من بين المحتجزين، ~~ويفضل أن يكون رجلا عسكريا سابقا. ومن ثم، كانت حركات التمرد وعمليات الفرار كثيرة، ~~وغالبا ما كانت تنتهي بوقوع قتلى. فعلى سبيل المثال، هرب حوالي ستين محتجزا (نصفهم من ~~النساء) من بوليو في الرابع عشر من يوليو 1783، على أثر اندلاع حركة تمرد أسفرت عن مصرع ~~شخصين. في روان، استدعي فوج (وحدة عسكرية) من المدينة، في عام 1775، للمساعدة على إخماد ~~تمرد. وقد وجد الضابط المسئول نفسه، «بعد أن أطلق أعيرة نارية» [خراطيش فارغة]، مضطرا ~~«للجوء الحتمي إلى إطلاق الرصاص»؛ مما أسفر عن سقوط العديد من القتلى. # بالإضافة إلى ذلك، كانت الأوضاع المادية سيئة؛ فقد عبر قصر فرساي عن استيائه من الأوضاع ~~في مستودع روان، حيث يتم وضع المجانين دون سواهم في الحجرات، وهذا يعني أنه كان يتم أحيانا ~~إيداع الجانحين الذين يقضون فترة عقوبة في الحجرات الخاصة بالمختلين عقليا، والأسوأ أنه لم ~~يكن هناك تمييز فعلي بين الفئتين. تلقى مستودع بايون انتقادا عنيفا موجها من أحد قساوسة ~~المدينة على النحو التالي: «يا سيدي [الخطاب مرسل إلى الحاكم]، هؤلاء البؤساء عراة، لا ~~ينتعلون أحذية، ولا يرتدون جوارب، بل إن بعضهم لا يلبسون سترة ولا سروالا [...] حين تصيبهم ~~الأمراض، يتعرضون لسوء المعاملة، ولا يتم إعطاؤهم الأدوية اللازمة» (1774). لم يقل الوكيل ~~الموفد، وهو في الوقت ذاته مدير المستودع، شيئا مختلفا: «خلال زيارتي الأخيرة، لفت هؤلاء ~~البؤساء المساكين نظري إلى العري البشع الذي يعاني منه معظمهم، وأروني الأفرشة القش ~~والأسرة التي ينامون ms188 عليها وإذا هي ممزقة ورثة [...] كان يتم تجديد القش على الأقل من وقت ~~لآخر للمجرمين العتاة.» في مستودع التسول الكائن بمنطقة الألزاس الإدارية (إينسيسهايم)، ~~الكائن في مقر مدرسة ثانوية قديمة تابعة لليسوعيين (الذين طردوا من المملكة في عام 1764)، ~~تبدو الأوضاع أقل ترديا؛ إذ كانت «حجرات المجانين مبنية من الخشب، وجيدة التهوية، وكانت كل ~~حجرة تمتلك مراحيض خاصة متصلة مباشرة بالقناة المائية، مما لا يترك مجالا لانبعاث الروائح.» ~~جاء هذا الكلام على لسان أحد المفتشين في أثناء قيامه بجولة. بدا له أن الطعام كاف وأثنى على ~~عدد المواقد الكبير وأشاد به باعتباره «ترفا واضحا». ولكن ها هو مفتشنا في المستوصف. بطبيعة ~~الحال، يقوم كل من الطبيب والجراح الذي يساعده بزيارات يومية وينهمكان في عملهما بنشاط بلا ~~كلل، فيضمدان عددا لا يحصى من الجروح، ويجريان عملية تطهير هنا، وعملية فصد هناك، ~~بيد أن المرضى يرقدون على الأسرة اثنين اثنين. كانت وحدة التمريض الخاصة بالرجال قذرة بشكل ~~يثير التقزز، ومكتظة، ونتنة. وقد اختلط الحمقى المرضى مع الآخرين. «وسط المرضى يوجد شخص مصاب ~~بالهوس، وقد امتلأ سريره بالقمامة [الفضلات]؛ مما قد ينجم عنه، ليس انتقال العدوى إلى جميع ~~من في الغرفة فحسب، وإنما غالبا ما يقوم المختل، حين ينهض في منتصف الليل، بتلويث ~~الأسرة المجاورة له بالقذارة التي كان غارقا فيها.» # في كل مكان، ونظرا لعدم الكفاية المالية المزمن، كانت المباني متداعية، وغير صحية ~~ومكتظة. يقضي هذا الازدحام، باعتراف الحكام أنفسهم، على أي أمل في إعادة تأهيل المتسولين ~~الأصحاء، على الرغم من أن ذلك كان الهدف الأول من إنشاء هذه المستودعات. ومن جديد، كما هي ~~الحال في المشافي العامة، سرعان ما أصبح العاجزون والمعوقون والمختلون عقليا النزلاء ~~الدائمين للمستودعات، من دون أن تكون لديهم أي إمكانية للخروج منها (نظرا لأنهم لن ينالوا ~~الشفاء أبدا ولن تطالب بهم أي عائلة). في هذه الأثناء، أخلي سبيل ثلاثة أرباع المتسولين ~~قبل انقضاء عام. وتسبب الاكتظاظ، وسوء التغذية، وقلة النظافة في ارتفاع معدل الوفيات بشكل ~~مخيف: ففي الفترة ms189 ما بين 1768 و1789، من 20٪ إلى 30٪ من الأصحاء، و40٪ من العاجزين، وأكثر من ~~50٪ من الحمقى لقوا حتفهم في المستودعات. # تلك المؤسسات، التي كان ينظر إليها باعتبارها مأوى للهالكين، هوجمت في نهاية عهد النظام ~~القديم من قبل من كانوا أنفسهم يتمنون تحويلها من حلم إلى حقيقة. استنكر لويس سباستيان ~~مرسييه وجود هذا العدد الكبير من الفقراء المنافقين، والمخادعين والكسالى، ولكنه أدان بشكل ~~خاص المستودعات. «إننا ندفنهم [أي المتسولين] بمنتهى الوحشية في منازل نتنة ومظلمة، حيث ~~يتركون لحالهم. ثم سرعان ما تجعلهم عوامل مثل البطالة، وسوء التغذية، والإهمال، وتكدس ~~رفقائهم في البؤس والشقاء؛ يختفون واحدا تلو الآخر.» # 4 # في عام 1780 نشر ملخص لعدد من الأبحاث التي تنافست على بحث مشكلة التسول. # 5 # كانت هذه الأبحاث تشير دائما إلى التسول باعتباره فعلا مذموما ومهينا، وقد ~~اقترحت حلولا جذرية لهذه المشكلة بالرغم من أن العنوان الفرعي لهذا العمل يوحي بالحنو والعطف ~~(من دون إتعاسهم). وفقا لما ورد في هذا الكتاب، يجب أن يعمل المتسولون المعاقون أيضا: «من ~~لديه ساق واحدة فقط سيتم تكليفه بعمل يدوي، من لديه ذراع واحدة فقط سيكون قادرا على قيادة ~~السيارات [...] حتى المكفوفون يمكننا الانتفاع بهم في شيء ما (تدوير عجلة على سبيل المثال). ~~المعاتيه أنفسهم والمجانين، حينما لا يكونون في حالة هياج، يجب ألا يظلوا عاطلين.» لقد كانت ~~المشافي العامة موضع شجب واستنكار. فهي تعد مكلفة للغاية، بالإضافة إلى أنها توفر مناخا ~~يساعد على التسول بدلا من أن يقضي عليه. ولكن، ماذا نقول إذن عن مستودعات التسول؟ «في هذه ~~المقابر البشعة، دفنا الآلاف من البشر أحياء؛ إذ إننا أمتناهم بهذه الوسيلة من أجل ~~المجتمع [...] العديد من مستودعات الفقر لدينا هي صورة للجحيم.» # إن الصراع بين التسول والتشرد ليس على وشك الانتهاء وسوف تتوحد دفاتر التظلمات للتنديد ب ~~«حقارتهما» وللمطالبة بقمعهما. كما لم تحل بعد مسألة مساعدة العاجزين والمختلين عقليا ~~المعوزين، التي برزت في إثرهما. النقطة الوحيدة التي يتفق عليها الجميع هي أن من يتناولون ~~هذه المسألة ليسوا في ms190 محل هؤلاء الأشخاص، سواء في المشافي العامة أو في مستودعات التسول. في ~~الواقع، وحتى لا يتبقى لنا سوى المختلين عقليا (ولكن المشكلة ما زالت قائمة أيضا بالنسبة ~~إلى المكفوفين على سبيل المثال)، فربما بدأت تتبلور فكرة تخصيص مآو لهذه الفئات. # الفصل الخامس # | فكر الإصلاح # لم تبدأ الإدارة الملكية في التفكير في الإصلاح الكامل لنظام تقديم المساعدة في المملكة ~~إلا متأخرا، بعد أن تنبهت إلى إخفاق المشافي العامة وإلى أسلوب الإدارة غير المرضي لدور ~~الاحتجاز الجبري ومستودعات التسول. كان لا بد من البدء من نقطة الصفر، واضعين في الاعتبار أن ~~المختلين عقليا لا يشكلون إلا فئة من بين الفئات الأخرى من المبتلين. فما العمل - على سبيل ~~المثال - مع الأطفال اللقطاء، الذين يتزايد عددهم أكثر فأكثر؟ كيف يمكن تحسين تنظيم عملية ~~إيداعهم في دور الحضانة في الريف؟ وكيف ينبغي التعامل مع المصابين بالأمراض التناسلية، بينما ~~ينتشر بسرعة متنامية «مرض الزهري» [السفلس]؟ # هذا الفكر الإصلاحي الذي ساد العقود الأخيرة من النظام القديم، كان يحركه الاتجاه القوي ~~نحو المحبة الإنسانية ومساعدة الغير، الذي ازدهر في هذه الفترة، وفي الوقت نفسه الإنجازات ~~الهائلة التي حققتها المركزية الملكية، والتي أعطت دفعة ثانية لنظام الحكم المطلق الذي خفف ~~منه فكر التنوير. # الإحسان والجنون # بدأ تيار العمل الخيري، الذي كان متأصلا بالفعل في إنجلترا، يزدهر في فرنسا في نهاية حكم ~~لويس الخامس عشر، وذلك في الفترة التي شهدت بزوغ نجم العلماء الموسوعيين. يتميز هذا التيار ~~على وجه الخصوص ب «النفور الفطري الذي يشعر به الإنسان إزاء رؤية معاناة نظيره» (روسو). هذه ~~الشفقة نحو الآخر وهذا التطلع إلى مساعدة الغير، يتميزان عن تيار العمل الخيري التقليدي (الذي ~~خمد بشكل كبير) بأن أهدافهما ليست إلا وقتية. فقد بدأت تنشأ عقيدة المساعدة على أساس أن ~~الشقاء هو نتاج الوضع الاجتماعي. فالمجتمع ملزم بإصلاح الضرر الذي تسبب فيه. ويعد واجب تقديم ~~المساعدة عند الحاجة أمرا أقرته القوانين (ديدرو)، وهي فضيلة علمانية تماما تصبح الدولة ~~بمقتضاها هي الكيان الأكثر قدرة على الوفاء بمتطلبات ms191 الإنسانية. وهذا هو المقصود بكلمة ~~«المساعدة العامة». # في سياق هذا الفكر، أنشأ تورجو، الذي تولى منصب مراقب عام الشئون المالية في الفترة من ~~يوليو 1774 إلى مايو 1776، لجنة تقصي حقائق بقيادة رئيس أساقفة تولوز لوميني دي بريان. وهو ~~العمل الذي كان من شأنه أن يسفر فيما بعد عن وضع خطة شاملة لتنظيم المساعدة. وبالطبع، اقترح ~~محبو العمل الخيري العام إصلاحات أخرى، خاصة في مجال التعليم والتربية، والصحة والقضاء، ولكن ~~المساعدة شكلت الأولوية القصوى، ولا سيما وقد اشتعلت جذوة النقاش بعد حريق المشفى الرئيس ~~بباريس في 30 ديسمبر 1772. خلف نيكر - واحد من أبرز الشخصيات في مجال العمل الخيري (وكذلك ~~زوجته التي اتخذ نشاطها طابعا شبه رسمي) - تورجو في عام 1777، وأنشأ في العام نفسه لجنة ~~مكلفة بالبحث عن الوسائل اللازمة لتطوير نظام المشافي. # في كل مكان سلط الضوء على الوضع المؤسف للمشفى الرئيس والمشفى العام بباريس. أما عن ~~المؤسسات الموجودة بالأقاليم، فكان ينظر إليها على أنها نماذج مصغرة عن بيستر؛ أي مشافي ~~رئيسة صغيرة تخفي نفس الفظائع. «أنا مقتنع - كتب رئيس الدير دي فيري في دفتر يومياته - بأن ~~المريض، المتروك لطبيعته وحدها ولتعاطف جاره، سيبرأ بالتأكيد، الأمر الذي ليس مضمونا في حال ~~تلقيه للرعاية المزعومة التي من المفترض أنها تقدم له في المشافي الرئيسة بالمدن.» أما ~~لوكلير دو مونلينو، فقد أطلق التصريح التالي: «فلنتوقف عن التصدق ولنهدم جميع المشافي!» ~~المراد من هذا القول هو أنه، خلافا للتجمعات المركزية الكبيرة، كان يجب تطوير فكرة الإعانات ~~المنزلية والاهتمام ببناء مؤسسات صغيرة. قدم نيكر مثالا يحتذى، بإنشائه في عام 1778 مشفى ~~نموذجيا مصغرا، بشارع سيفر، وعهد إلى زوجته بإدارته. وتكمن الفكرة هنا أيضا في إضفاء طابع ~~التخصص على المشافي، وهي فكرة ليست بالجديدة بالنظر إلى أنه في أثناء إحدى المداولات التي ~~أجريت بمكتب المشفى الرئيس في عام 1525، أعرب المسئولون عن رغبتهم في الاقتداء بإيطاليا في ~~«إلزام المشافي الكائنة في هذه المدينة بالتخصص في استقبال الحالات؛ بحيث يستقبل بعض المشافي ~~النساء على حدة، وبعض آخر الجرحى، ms192 والباقي المختلين عقليا، بالإضافة إلى مشفى للأطفال ~~الصغار، وآخر للمصابين بالأمراض الجلدية والتناسلية، وهكذا يجري الفصل بين المرضى.» # وهكذا استطاع أنصار تيار العمل الخيري، في هذا السياق، اكتشاف الحمقى، بكل ما أحاط بهم من ~~زنازين وقيود. لقد خلق الجنون ومحبو العمل الخيري ليلتقيا، كما تكشف عن ذلك قصة إليونور ~~التي حددت شكل حقبة ما قبل الرومانسية الناشئة. يتحدث إلينا طبيبها الذي قرر - بالاتفاق مع ~~الأب - إخراج إليونور من أحد أديرة تور؛ حيث تم احتجازها لإصابتها ب «الاهتياج الرحمي» ~~[غلمة]. «لن أستطيع أن أصف حجم الرعب الذي تملكني عند دخول هذا المنزل؛ حيث يسكن السخط ~~والجريمة واليأس [...] يا له من مشهد قبيح جدا ومخيف للغاية! يا لهاتين العينين الزائغتين ~~والغائرتين، وهذه البشرة الصفراء الشاحبة، وهاتين الوجنتين المترهلتين الباهتتين، وهذه الشفاه ~~المتدلية ذات اللون البنفسجي، وذلك الفم المزبد الذي تنبعث منه رائحة نتنة، وهذه الأسنان ~~السوداء المتخلخلة، وذلك القوام المحني والمشوه! في المجمل يا لتلك البشاعة! أيمكن أن أظن ~~أنك كنت يوما ما جميلة وتمتلكين مفاتن؟ [...] حين أبلغت الرئيسة بأنني مكلف باصطحاب ~~إليونور لإعادتها إلى منزلها، قالت لي إنني سأكون المسئول، ولكن الأمر يبدو لها مستحيلا، ما ~~لم تقيد بالسلاسل في عربة مسقوفة، وأنه على الرغم من هذه الترتيبات قد تتسبب إليونور ~~بصرخاتها المخيفة في إحداث بلبلة واضطرابات وإثارة فضيحة شنيعة في الطريق. أجبتها بأنني أعددت ~~العدة لكل شيء. أما بخصوص وسيلة تقييد إليونور، فلن أسمح بذلك.» # 1 # فظاعة زنازين الحبس الانفرادي والقيود هما أكثر ما أثار شفقة محبي الخير، حتى عدالة ~~النظام القديم تأثرت بهذا الأمر، كما ورد في نص ذلك القرار الصادر في عام 1781 عن محكمة ~~برلمان روان: «بناء على التنبيه الموجه إلى البلاط من قبل النائب العام للملك، والذي أوضح ~~أن الجنون يعد أحد أكثر الأمراض إذلالا وإيلاما للبشرية، ومن ثم، فإن هذا المرض بقدر ما ~~يحتاج إلى الرحمة، يتطلب اللجوء إلى أشد الوسائل عنفا لوقف نوبات الهياج وفورات الغضب ~~المصاحبة له. ومن هنا تأتي تلك الزنازين المليئة ms193 بالجنازير والقضبان الحديدية حيث يقاسي ~~المجنون غالبا [المقصود بالطبع المختلون عقليا]، العقوبات نفسها تقريبا دون أن يكون ~~مذنبا في أي من الجرائم التي تستوجب التعذيب.» # لقد أتاحت عملية نقل المجموعة الأخيرة من المختلين عقليا، التي كانت موجودة في برج ~~المجانين بكاين، إلى مستودع بوليو للتسول، في السابع والعشرين من أبريل 1785؛ الفرصة لإعادة ~~اكتشاف شناعة عالم السجون وويلاته التي يعانيها المختلون عقليا. ثم تقرر أخيرا تدمير هذا ~~البرج المشئوم. بالطبع، كان الأمر يتعلق في البداية بإحدى عمليات التعمير العامة (حيث كان ~~من المقرر إنشاء محاكم في هذا الموقع)، ولكن هذا البرج كان ينشر الرعب في قلوب الجميع، بدءا ~~بالحاكم الذي كتب في العام الفائت بشأن حبس مجنون قاتل قائلا: «أرى أنه يجب سجن هذا المختل ~~مدى الحياة، ولكن لا ينبغي أن يكون ذلك في برج شاتيموان؛ لأن ما سيلاقيه هناك من عذاب يبدو لي ~~أسوأ من الموت .» وهذه المرة يجدر القول بأن ضباط المارشالية كانوا هم من رووا لنا في أحد ~~تلك المحاضر الدقيقة والتفصيلية التي كانوا بالفعل على دراية كاملة بدوافعها الكامنة؛ وقائع ~~استخراج المختلين عقليا، واحدا تلو الآخر، من البرج. «في البداية، فتحت لنا أكثر من ~~حجرة خشبية في إحدى الشقق الموجودة في وسط البرج، ثم خرجت من إحدى هذه الحجرات المدعوة ماري ~~جان جيدون [...] لقد كانت عارية تماما، وكانت قد سقطت من أعلى البرج؛ ولذا لم يكن بإمكانها ~~الوقوف. ألبسناها كيفما اتفق قدر استطاعتنا، ثم حملها الشيالون الذين حضروا خصيصى لهذا ~~الغرض ووضعوها في عربة نقل مفروشة بالقش ومعدة لاستقبالها.» ثم أخرجت خمس سجينات ~~أخريات من هذه الحجرات ووضعن في عربات النقل. «وفي ثنايا التجاويف الموجودة بزوايا جدران ~~البرج السميكة، في الغرفة نفسها، وجدنا أولئك المدعوين وقمنا بإخراجهم.» كانوا ثلاثة مختلين ~~عقليا، من بينهم «رجل طويل وقوي مسجون منذ عشرين عاما. كان مجنونا هائجا، عاريا وخطرا، ~~ولم يكن قد فتح له الباب منذ زمن طويل للغاية لدرجة أنه تعين كسر القفل والمزاليج [...] ثم ~~تسلقنا أسوار المدينة ووجدنا، داخل ms194 سمك الجدار المذكور، المدعو نيقولا ديشان - مجنونا - ~~راقدا على القش مرتديا قميصا رثا وكان جزء من فخذه متآكلا. في موضع آخر من الجدار عينه، ~~وجدنا داخل وعاء حقيقي للعدوى والعفن والرعب المدعوين [...] الذين جرى أيضا حملهم ونقلهم إلى ~~العربات. ثم نزلنا إلى عمق سحيق لا يتسلل إليه الضوء إلا عبر شباك مزود بقضبان حديدية على ~~ارتفاع يزيد عن ثلاثين قدما، وأخرجنا من إحدى الزنازين المصممة داخل أسس هذا البرج المدعو ~~فيليب، الذي كان قد جرى تقييد قدميه بسلاسل حديدية مربوطة إلى الجدار. كان ذلك الرجل مسجونا ~~في هذه الزنزانة منذ ثلاثة عشر عاما، لم يكن يستطيع تحمل الضوء، ولم تكن ساقاه الضعيفتان ~~تقويان على حمله. وقد وضع كالباقين السالف ذكرهم في إحدى العربات ...» # كانت مؤسسة بيستر، كما هو متوقع ربما، ~~الأكثر إثارة للخزي والعار. «قرحة مروعة في الجسم السياسي، قرحة كبيرة وعميقة ومتقيحة»، على ~~حد تعبير لويس سباستيان مرسييه. وقد خصص لها ميرابو كتيبا. «لقد واتتنا الشجاعة للذهاب إلى ~~بيستر، أقول الشجاعة [...] كنت أعلم كالجميع أن بيستر مشفى وسجن في الوقت نفسه، ولكنني كنت ~~أجهل أن المشفى بني لتوليد الأمراض والسجن أنشئ لإنتاج الجرائم.» انتهينا من المصابين ~~بالأمراض التناسلية، وها هم المجانين: «هذا بالأحرى معرض للعقول المضطربة وليس مشفى؛ حيث ثمة ~~تفكير حقيقي في شفاء هؤلاء المختلين عقليا [...] القادمون الجدد يطلقون بصورة عشوائية على ~~هذا الحشد الصاخب من الحمقى: ومن وقت لآخر، يجري عرضهم كوحوش مثيرة للغرابة والدهشة على أول ~~فظ مستعد لأن يدفع ستة قروش لرؤيتهم. إزاء معاملة مماثلة، أيتعين أن نندهش إذا تدهورت نوبات ~~الاستلاب العقلي الطفيفة وتحولت إلى نوبات من الغضب الشديد بحيث تصل إلى ذروة الهياج؟ أيتعين ~~أن نندهش إذا انتابنا سخط حيال المجنون؟ أن يتم السماح بمثل هذه التسلية المؤلمة في بلد ~~متحضر، لهو أمر يصعب تصديقه، ولكن أن يجري التغاضي عنها في أمة مقتنعة تماما بإنسانيتها ~~وفخورة للغاية بها، كالأمة الفرنسية، فهو ما لا يمكن تصوره أبدا.» # 2 # التعليمات المتعلقة بطرق التحكم بالمختلين عقليا ms195 ... # أصبح وجود عدد متزايد من المختلين عقليا داخل المشافي العامة ودور الاحتجاز الجبري ~~ومستودعات التسول يطرح مشكلة، ليس على الصعيد الأيديولوجي، وإنما على الصعيد العملي المتعلق ~~بوجودهم الجماعي وبالحاجة الملحة إلى قانون خاص ينظم عملية احتجازهم. إذا سلمنا بأن المختل ~~عقليا مريض، فلم يوضع في أماكن تأديبية؟ # أكب جيه إف دوفور - طبيب ذاع صيته عام 1770 حين نشر بحثا بعنوان «دراسة حول عمليات ~~الإدراك البشري والأمراض التي تصيبها بالخلل» - على تقصي مسألة محددة؛ ألا وهي احتجاز «ضحايا ~~الأهواء البشرية أو الحظ العاثر»، # 3 # وذلك بتفكيره في حلول جديدة إثر حريق المشفى الرئيس بباريس. نادى دوفور بإنشاء ~~مشفى خاص، يحوي غرفا واسعة، وأراضي مسيجة حيث يمكنهم التنزه، وأماكن جيدة التهوية ~~لاستنشاق الهواء النقي، وسريرا لكل مريض مع ضرورة فصل مرضى طور النقاهة عن المرضى الذين ما ~~زالوا يتلقون العلاج. وقد وافقته الرأي لجنة التحقيق حول المشافي، التي أنشئت بقيادة رئيس ~~أساقفة تولوز لوميني دي بريان: «بعض هؤلاء المعاقين تقتضي المصلحة العامة احتجازهم، مثل ~~المجانين والمختلين عقليا، بل ومرضى الصرع في بعض الأحيان. فينبغي أن يتم إيداعهم في ~~المشافي أو في الدور المخصصة لهذا الغرض.» # تأسست في عام 1781 هيئة للتفتيش العام والدائم على المشافي المدنية ودور الاحتجاز الجبري. ~~وعهد بها إلى الدكتور كولومبييه، وعين له مساعدان هما الطبيبان دوبليه وتوريه. وسرعان ~~ما بادر كولومبييه إلى القيام بجولة حقيقية لتفقد الأوضاع في المشافي العامة ومستودعات التسول ~~في أرجاء فرنسا. رأى كل شيء، واطلع على الرسوم التخطيطية، وندد بلا هوادة بالوضع المؤسف ~~للمنشآت، ناظرا بعين الرعاية إلى المختلين عقليا على وجه الخصوص. بدأ في كل مكان يوصي ~~بإنشاء أبنية جديدة، وتحسين الظروف الصحية والمعيشية. ولكن، أين هي الإعانات المالية اللازمة ~~للقيام بذلك؟ لا أحد، بدءا بالدولة، يملك المال. كان مديرو المشفى العام بكليرمون فيران، في ~~مذكرة أرسلوها إلى المراقب العام في يونيو 1786، هم أول من أقروا أن «الحجرات الحالية تكشف ~~عن منظر منفر لمكان مخصص لحيوانات قذرة.» وبينما لم يكن المكان يسع إلا ms196 عشرة من المختلين ~~عقليا، ازدحم بالكثير من المختلين القادمين من مختلف الأقاليم و«لم يعد المشفى قادرا على ~~تقديم المساعدة لهؤلاء البؤساء وسط هذا الوضع المزري.» واختتم المديرون مذكرتهم بطلب إعانات ~~مالية، حتى ولو كانت متواضعة، من أجل تشييد مبنى جديد، وأرفقوا طي خطابهم المخطط الهندسي ~~لهذا المبنى الذي سيشمل «22 حجرة جديدة، وأفنية واسعة، وملاعب، وحمامات». في مستودع التسول ~~بروان، لم يكلف أحد نفسه حتى عناء الرد على كولومبييه الذي تمت مقارنته «بمشروعاته الهائلة، ~~بالذبابة». كان المفتش أحيانا يجد المؤسسة مدارة بصورة جيدة. كما هي حال المشفى العام ~~بشارتر، «ولكن مبانيه كانت على وشك الانهيار». # كان احتجاز المختلين عقليا دائما ما يطرح مشكلة اتخذت قالبا رسميا بصدور «تعليمات ~~حول الطريقة التي يجب اتباعها من أجل التحكم في المجانين والعمل على شفائهم في المصحات ~~المخصصة لهم» في عام 1785 بناء على أمر من الحكومة. تم نشر هذا المنشور المكون من 44 صفحة، ~~«على نطاق واسع» في الإدارات العامة (بالنسبة إلى تلك الحقبة)، وهو يعد شهادة ميلاد تكفل ~~السلطات العامة بالجنون على نحو خاص. نقرأ في المقدمة بعض الكلمات المتعلقة بحب الخير ومساعدة ~~الغير على النحو التالي: «يلتزم المجتمع بتوفير الحماية الكاملة وخدمات الرعاية للأفراد ~~الأكثر ضعفا والأشد بؤسا.» وهم - بالإضافة إلى الأطفال - المختلون عقليا. «إذا كانوا ~~يثيرون الشفقة، إلا أننا - إذا جاز التعبير - نميل إلى الابتعاد عنهم لتجنب المنظر المؤلم ~~للعلامات البشعة الموسومة على وجوههم وأجسادهم في غيبة عقلهم.» تضاعفت المصحات في فرنسا، ~~ولكنها «لم تخفف إلا من الذعر العام، ولم تستطع إرضاء الإحساس بالشفقة [...] إذ جرى حبس الآلاف ~~من المختلين عقليا في دور الاحتجاز الجبري دون أن يفكر أحد أدنى تفكير في علاجهم. وكان ~~يخلط بين نصف المجنون والمجنون الكامل، الفاقد تماما لرشده، وكذلك بين الغضوب الهائج ~~والمجنون الهادئ [...] وما لم تتدخل الطبيعة لنجدتهم بإبرائهم، فإن آلامهم ستنتهي بانتهاء ~~حياتهم.» # الجزء الأول، «المتعلق بكيفية إيواء المختلين عقليا ورعايتهم وتوجيههم»، يرجع الفضل فيه ~~إلى كولومبييه. (أما الجزء الثاني، الذي حرره دوبليه ms197 وتم تخصيصه للحديث عن المعالجة، فهو أقل ~~ابتكارا؛ إذ اكتفى فقط بتلخيص نظريات ذلك العصر التي سنتوقف عندها بالتأكيد لاحقا.) إن ~~الغني، الذي يتلقى العلاج في المنزل، قد يشفى. فلم لا يشفى الفقير؟ «من الضروري وجود أماكن ~~لائقة مخصصة لاستقبال هؤلاء الأشقياء، بحيث تنقسم هذه الأماكن إلى نوعين؛ أحدهما: مخصص ~~للعلاج، والآخر: مخصص لاحتواء أولئك الذين لا يمتثلون للأوامر.» وفيما يتعلق بهؤلاء، تظل هناك ~~دائما إمكانية لحدوث الشفاء «الطبيعي» وليس لأحد أن يعوق ذلك. بإيجاز، لا بد من توفير مساحات ~~كافية، وهواء، وماء، ومبان نظيفة وصحية، وأماكن للتنزه، مع مراعاة وضع نظام غذائي مناسب (أي ~~لا يحتوي على كثير من اللحوم)، واتباع جدول مواعيد منظم بدقة، والسماح بالزيارات اليومية ~~لمفتشي الصحة ... وليتم تقسيم القطاع الخاص بالمختلين عقليا إلى عدة أقسام فرعية في الطابق ~~الواحد، بحيث يكون كل قسم محاطا بفناء ورواق للتنزه تابع له على هيئة مربع. وفي الزوايا تكون ~~الغرف والمهاجع ، وعلى الجانبين الغرف الشاسعة التي تبلغ مساحتها «ثمانية أقدام مربعة» (وهي ~~أكبر بقليل من المساحة المعتادة). كما يتم إنشاء مراحيض في كل زنزانة، وتوفير حمامات مياه ~~ساخنة وباردة. وأخيرا، وهنا تكمن الفكرة الأكثر ابتكارا، يتم وضع المختلين عقليا في مناطق ~~بحسب التصنيف على النحو التالي: «لا يمكننا إغفال تخصيص قاعات للأنماط المختلفة من المجانين ~~[...] قسم للبله، وآخر لذوي السلوك العنيف من المجانين، وثالث للمجانين ممن يتسمون بالهدوء، ~~ورابع لأولئك الذين يتمتعون بفترات صحو تدوم لبعض الوقت ويسيرون في طريقهم نحو ~~الشفاء.» # كانت مهمة الحكام تنفيذ «التعليمات» الصادرة في عام 1785، بيد أن ردود الفعل كانت مغرقة ~~في التشاؤم. كتب حاكم بريتاني شخصيا: «يجب ألا نأمل أن تنفذ هذه التعليمات في مشافي ~~بريتاني، ليس لأننا لا نستقبل بها تقريبا أي مجانين فحسب؛ ولكن لأن هذه المؤسسات الاستشفائية ~~جميعها غير قادرة على دفع المصاريف اللازمة لإيواء المختلين عقليا ورعايتهم.» وقال رؤساء ~~مشفى لا ترينيتيه بإكس آن بروفانس الكلام نفسه، ولكن بأسلوب أكثر دبلوماسية: «نحن ملتزمون ~~ببذل قصارى جهدنا والعمل بحماس ومثابرة؛ ms198 من أجل المساهمة في تحقيق المساعي الخيرية لجلالته في ~~حدود ما يسمح به الوضع الحالي للمشفى، آملين في مستقبل أكثر إشراقا كي يصبح في متناولنا ~~تطبيق القواعد المقررة حرفيا وبمنتهى الدقة.» # 4 # فنحن نأمل في الحصول على معونات لإنشاء حجرات جديدة (لم يكن يوجد إلا 117 حجرة ~~بينما بلغ عدد المختلين عقليا 160) وصيدلية، و«قاعة للحمامات؛ إذ ثبت أن الحمام هو ~~العلاج الأكثر فعالية ضد الجنون». في شيربور، ثمة من اعترض لأن التصنيف المنصوص عليه في ~~التعليمات يستلزم وجود مؤسسات كبرى، على الأقل واحدة في كل منطقة إدارية. في سان لو، لوحظ أن ~~الرواتب «متدنية للغاية لإلزام الطبيب بالتفرغ حصريا لعلاج المرضى المحبوسين في الدار». ~~يأسف لذلك الوكيل الموفد الذي كتب هذه السطور: «فتور عام عند جميع الأطباء المتقدمين في العمر ~~قليلا وتراخ عن التعلم وتجربة علاجات مختلفة. لا بد لهم من مرضى جديرين بالاحترام لكي يتحفز ~~هؤلاء الأطباء للاعتناء بهم على أكمل وجه وينحون جانبا العلاج الروتيني الذي عاينوا ~~بأنفسهم مئات المرات عدم فعاليته.» كانت هذه الفترة مختلفة بالتأكيد عن تلك الحقبة التي كان ~~يختتم فيها أحد «كبار موظفي» الإدارة الملكية تقريرا من تلك التقارير المخيبة للآمال؛ ~~إذ يكتب السطور التالية: «سوف تظل الموارد المقدمة من الحكومة بلا أي تأثير على الإطلاق، هكذا ~~كان وهكذا سيكون مصير غالبية الاكتشافات التي توصلت إليها الإنسانية وفلسفة القرن ~~المستنيرة.» # مقابل خيبة الأمل هذه، أظهر رؤساء مشفى سان لازار بمارسيليا حماسا غير اعتيادي: «معربين ~~عن رغبتهم في الانخراط قدر الإمكان في خطط الحكومة»، وعينوا لمدة عام طبيبا في خدمة الدار ~~براتب 300 جنيه. «وكانت الحمامات والعلاجات الأخرى توصف بشكل أكثر تكرارا.» أخيرا، أسفرت ~~هذه الجهود عن انخفاض عدد وفيات المختلين عقليا في عام 1787 بمقدار اثنتي عشرة حالة عما كان ~~عليه في عام 1786؛ مما يعد من وجهة نظر رؤساء المشافي إنجازا عظيما. ففي السابق، مقابل كل ~~حالتي خروج من المشفى، كانت هناك حالة وفاة. # السيطرة على دور الاحتجاز الجبري وفرض الرقابة عليها # على الرغم ms199 من عدم استمرار وظيفة حكام الأقاليم، خلال تلك السنوات التي شهدت أزمة مالية ~~حادة، ظل الفكر السائد متجها نحو الإصلاح. حتى الإدارة الملكية سعت إلى تنظيم أكثر ما كان ~~يعد مستهدفا في حملات الرأي العام: وهو الخطاب المختوم. في الواقع، تضاعفت الأوامر ~~الملكية بشكل عجيب خلال القرن الثامن عشر، ولم يكن يهم النقاد كثيرا كونها صادرة بشكل ~~أساسي بناء على طلب العائلات. كتب لنجيه - أحد سجناء الباستيل السابقين - في عام 1783 ~~قائلا: «غريب أمر هذا الخطاب المختوم، إنه آفة هذه المملكة، تماما كالطاعون في مصر.» # بغية معالجة هذه المسألة التي أصبحت بالفعل بمنزلة ساحة حرب حقيقية بين المفكرين ~~والبرلمانيين، والسيطرة على ظاهرة الحبس الخاص؛ أرسل بارون بروتوي - وزير الديوان الملكي - في ~~مارس 1784، إلى كل من حاكم المملكة والقائد العام للشرطة، «منشورا بشأن المسجونين بموجب ~~أوامر ملكية.» وفي الوقت نفسه، برزت من جديد مسألة المختلين عقليا. راجع الوزير قضايا ~~الأشخاص الذين سجنوا بناء على أمر ملكي. «سترون أن بعض هذه الاعتقالات تعود إلى فترة بعيدة ~~للغاية. ليس لدي أي شك في أنه قد حان الوقت لإطلاق سراح الكثيرين.» اقترح الوزير وضع بعض ~~الضوابط، والتمييز بين ثلاثة أنواع من المحبوسين: «النوع الأول يضم المساجين المختلين ~~عقليا، أولئك الذين حرمهم خللهم العقلي من ممارسة حياة طبيعية، أو أولئك الذين يشكل سخطهم ~~وهياجهم خطرا على غيرهم. فينبغي التأكد من أن حالتهم هي ذاتها لم تتغير، وللأسف، في هذه ~~الحالة سيستمر حبسهم طالما أن حريتهم قد تسبب أضرارا للمجتمع، أو قد تعد إحسانا لا فائدة ~~منه بالنسبة إليهم.» يأتي بعد ذلك الجانحون، الذين ينقسمون بدورهم إلى فئتين وفقا لما صدر من ~~أحكام قضائية ضدهم. ومن الجديد الملاحظ أن المختلين عقليا ذكروا في البداية؛ مما يعد ~~دليلا على الأهمية التي بدءوا يحظون بها من قبل السلطات العامة. بالإضافة إلى ذلك، ألزم هذا ~~المنشور الحكام والقائد العام للشرطة بتفتيش دور الاحتجاز الجبري المختلفة شخصيا. وأصبح ~~لزاما من الآن فصاعدا تحديد مدة حبس الجانحين. «بالنسبة إلى الأشخاص المرشحين ms200 للحجر بسبب ~~الاستلاب الذهني، يقتضي القانون والحذر ألا يؤخذ بالأوامر (أوامر الملك) إلا إذا كان هناك ~~حكم قضائي بالحجر، إلا إذا كانت العائلات عاجزة تماما عن دفع مصاريف الإجراءات التي تسبق ~~الحجر. ولكن في هذه الحالة يجب أن يكون الجنون معروفا ومثبتا بالدلائل التي تؤكد ~~ذلك.» # تعد هذه الخطوة على قدر كبير من الأهمية، حتى وإن لم تؤد إلا إلى تعزيز إجراءات تتسم ~~بالفعل بدرجة عالية من الحذر. يوطد الحكم بالحجر الوضع القانوني للجنون ويمنحه تعريفا ~~باعتباره «حالة شخص ضعيف العقل لدرجة تمنعه من التمييز بين الخطأ والصواب في ~~أفعاله». # 5 # بيد أن فقه القانون يفرق بين درجات الجنون؛ فهناك «الجنون العابر، والجنون الذي ~~يأتي على فترات، والجنون المطلق». إن الحجر الذي يقر بثبوت حالة الجنون قانونيا لا يمكن ~~أن يتم الحكم به بلا ترو أو إقامة دعواه باندفاع. «ينبغي أن نتعامل بمنتهى التحفظ والحيطة ~~حيال إقامة هذه الدعوى؛ نظرا لأن الأمر يتعلق بإعادة إنسان ناضج إلى مرحلة الطفولة وما ~~يستتبعها من ضوابط.» # 6 # بالإضافة إلى أن دعوى الجنون «تعني ضعفا في العقل يطلق عليه بله يجعل الشخص ~~عاجزا عن التمييز بين الخير والشر». # 7 # أما فيما يتعلق بالمجانين الذين يصيبهم الجنون على فترات، فيجب ألا يحجر عليهم ~~خلال فترات الصحو. يبقى أن نتساءل: كيف سيتم تفعيل هذه الإجراءات الشاقة (ليس على الصعيد ~~الإداري فحسب بل والمالي أيضا) على أرض الواقع؟ في الحقيقة، سوف تظل دعاوى الحجر أمرا ~~نادرا يكشف عن العديد من مواطن الضعف، أبرزها أن القاضي وليس الطبيب هو الذي يقوم بإقرار ~~الجنون. وكان القضاة هم أول من اعترفوا بأن استجواباتهم للمدعى عليهم غير مجدية في حالة ~~ما إذا كانوا كتومين أو «مجانين مجادلين» أو مصابين ب «الهوس البارد». # أما فيما يتعلق بالشهادات الطبية، فقد نزعت إلى التضاعف خلال النصف الثاني من القرن ~~الثامن عشر، ولكنها لم تكن إجبارية، حتى ولو بدأت ترفق بشكل متزايد أكثر فأكثر بالعرائض ~~التي تطالب بالاحتجاز أو بالنقل. ولقد كانت هذه الشهادات، من ms201 وجهة النظر الطبية، شديدة ~~الإيجاز بالقياس إلى الإنجازات النظرية التي تم التوصل إليها في هذا العصر. «نشهد بأن المدعو ~~برتراند بدا لنا في حالة من السوداوية جسدية أكثر منها معنوية، وقد كانت إجاباته عن أسئلتنا ~~صحيحة إلى حد كبير، ولكنها ممزوجة بدهشة وحرج وارتباك مما ينم عن حالة من البله» (1786). ~~«نقر بأن المدعوة رينيه رينيل - البالغة من العمر حوالي 20 عاما - مصابة بثورة دموية سببت ~~لها الكثير من الأذى لشخصها لدرجة أثرت على أذهان الحيوانات» (1786). وهكذا نجد أن الشهادة ~~الطبية غالبا ما تكون إثباتا لحالة سلوكية مصحوبا بعبارات على غرار «مصاب بالهوس» أو «مختل ~~العقل تماما». # أراد منشور بروتوي وضع الأمر الملكي فوق الشبهات (ولكن دون جدوى في ظل المناخ السياسي ~~الذي كان سائدا في ثمانينيات القرن الثامن عشر.) بيد أن عمليات التفتيش سلطت بالأحرى الضوء ~~على العدد الكبير للمختلين عقليا (والجانحين) المحبوسين في دور الاحتجاز الجبري من دون أمر ~~ملكي أو قرار قضائي، لدرجة أن قصر فرساي أصدر في عام 1786 أوامر إلى الحكام «بالتحقق في الدور ~~الدينية المختلفة والمشافي ودور الاحتجاز الجبري من حالات الأشخاص المحتجزين من دون أمر ~~ملكي أو قرار قضائي.» بالطبع، كان على الحكام القلق بالفعل حيال حالات الاحتجاز التي تتم ~~بناء على اتفاقات بين العائلات ودور الاحتجاز الجبري، ولكن ها هم وقد وجدوا أنفسهم مكلفين ~~«من قبل الملك». خلال زيارات التفتيش الحقيقية، اكتشف الحكام ونوابهم (الأكثر صرامة وتشددا ~~أيضا) الوجه الخفي لدور الاحتجاز الجبري. مما لا شك فيه أنه كان هناك فراغ قانوني فيما يتعلق ~~بالجانحين الذين كان ينظر إليهم في دور الاحتجاز الدينية باعتبارهم «متطوعين»، ولم يكن أصحاب ~~الشأن (نساء إجمالا) يقولون شيئا مختلفا حين يستجوبهم الوكيل الموفد عن الحاكم. «لقد أتت ~~طواعية إلى هذه الدار لتقويم بعض السلوكيات الخاطئة وللتكفير عن الآثام التي ارتكبتها في ~~العالم.» كثيرات دخلن تلك الدور طاعة للوالد أو الأخ، ولكنهن يتقن الآن إلى استعادة ~~حريتهن. ليس جميعهن بالطبع. نحن هنا إزاء وضع أشبه بوضع الجانح المحتجز في ms202 إصلاحية. ومع ~~ذلك، فإن شرط «الطواعية»، الذي كان يعد بالفعل موضع شك في نظر الإدارة الملكية، لم يكن يتم ~~التطرق إليه عندما يتعلق الأمر بالمختلين عقليا، وهم كثر في حقيقة الأمر. # اكتشف الوكيل الموفد لبلدية أفرانش خلال زيارته التفتيشية للجمعية الخيرية ببونتورسون في ~~عام 1768 (قبل صدور منشور بروتوي) ثمانية من المختلين محتجزين بالدار وقد أودعوا مباشرة ~~بناء على طلب العائلات. وقد بعث الوكيل الموفد إلى الحاكم بمذكرة على النحو التالي: «على ~~سيادتكم والوزير تقرير ما إذا كان يمكنهم البقاء في دار الاحتجاز الجبري دون أمر ملكي.» بحلول ~~تاريخ صدور المنشور، لم يكن الوضع أفضل حالا في منطقة كاين الإدارية. لقد سبق أن رأينا كيف ~~احتدم الخلاف بين الحاكم ورئيسة دار بون سوفور بكاين. في عام 1785، من بين إجمالي النزلاء ~~البالغ عددهم 24 شخصا، بلغ عدد أولئك الذين جرى احتجازهم من دون أمر ملكي ولا حكم قضائي 12 ~~نزيلة، جميعهن مختلات عقليا. وعندما تيقن الحاكم بنفسه من أن هؤلاء المخبولات مجنونات ~~بالفعل (ثلاث منهن كن محتجزات منذ خمسة عشر عاما)، سأل الرئيسة لماذا لا يوجد أي أمر ملكي ~~بخصوص هؤلاء. وأجابت رئيسة الدار، بأسلوب لا يخلو من الوقاحة، قائلة: «ليس من المعتاد تلقي ~~أوامر من أي جهة غير العائلات فيما يتعلق بهذه النوعية من الأشخاص.» # في الرابع والعشرين من شهر ديسمبر 1784، في تمام الساعة الثامنة صباحا، حضر نائب حاكم ~~جرانفيل بشكل مفاجئ إلى دير مينيل جارنييه. وطلب من الأب رئيس الدير أن يحضر إليه السجلات. ~~كان هناك 14 نزيلا، من ضمنهم 12 مختلا: ثمانية كان قد تم إيداعهم في الدير بموجب أوامر ~~ملكية، أما الستة الآخرون - جميعهم من المختلين عقليا - فقد وضعوا هنا «باتفاق العائلة ~~وترتيبها». أراد الوكيل الموفد الالتقاء بهم جميعا. طلب أن يتم إرشاده إلى غرفتهم واستجوبهم ~~واحدا واحدا. تبين أن المجانين مجانين بالفعل؛ فهذا تعذبه الأرواح في الليل، وذاك يتحدث إلى ~~الملائكة، وثالث «عاري الجذع، يمشي على يديه ورجليه كالحيوانات ولا يتحلى بذرة عقل واحدة». ~~استمرت الزيارة ms203 على هذا النحو من يقظة الضمير والأمانة والدقة، وسعى الوكيل الموفد جاهدا ~~للكشف عن بصيص من المنطق قد يكون مدعاة للتشكيك في جدوى عملية الاحتجاز، كما هي الحال أحيانا ~~في بعض الأماكن الأخرى. # أما فيما يتعلق بمنطقة كاين الإدارية، فقد أرسل الوكيل الموفد بسان لو إلى الحاكم، في عام ~~1786، محضر «فحص الجنون أو العته لدى الأشخاص المحتجزين في دار بون سوفور [وهو منزل مختلف ~~عن مثيله في كاين] وفي المشفى الرئيس بالمدينة.» من بين المختلات الأربع المحتجزات بالمشفى، ~~أشار الوكيل الموفد إلى الآنسة دي مونترابو. بادئ ذي بدء، لم يكن هناك خطاب مختوم يحمل أمرا ~~ملكيا ولا حكما قضائيا بشأنها. ثم إنها أجابت بعقلانية شديدة على الأسئلة التي وجهها ~~إليها الوكيل الموفد. وأخيرا تبين أن الاختلال العقلي الذي أدى إلى إيداعها دار الاحتجاز ~~«ليس شديدا بما فيه الكفاية لحرمان هذه الفتاة الشابة من حريتها». وكان لا بد من أن يتقدم ~~شقيقها، الذي وضعها هناك، لاستعادتها أو أن يتم إيداعها في نزل حر. في المقابل، أشاد الوكيل ~~الموفد بدار سان لو وأعجب بها إعجابا شديدا. «لقد انبهرت بالطريقة التي ترعى بها راهبات ~~بون سوفور الفتيات الست المجنونات اللواتي عهد بهن إليهن وكيف تقمن بالاعتناء بهن ~~ومعالجتهن. تشكل الدور المماثلة موردا ثريا في الإقليم. ويجب أن تعمل الإدارة على تشجيع ~~هذه النوعية من دور الاحتجاز، وتوفير كافة الإمكانات اللازمة لزيادة مواردها حتى يتسنى لها ~~قبول أبناء العائلات المحترمة الذين يعانون من أمراض مشابهة. أظن أن هؤلاء الراهبات لا يرغبن ~~في استقبال المزيد من المرضى؛ نظرا لأنه ليس لديهن ما يكفي من المساكن لإيواء المزيد، ولأن ~~رعاية أولئك المرضى تكلف أكثر من رعاية الأشخاص الأصحاء.» وفي 21 ديسمبر 1785، كتب الوكيل ~~الموفد بشيربور تقريرا إلى الحاكم بشأن الوجود غير القانوني لاثنتين من المخبولات في ~~المستشفى العام الذي «استقبل هاتين المرأتين إرضاء لعائلتيهما اللتين لم تكونا تدريان، وما ~~زالتا لا تدريان، أين يجب وضعهما.» وأحال الحاكم التقرير إلى قصر فرساي الذي أعرب عن قلقه ~~وأبدى ms204 اهتماما وأرسل يطلب مزيدا من التوضيح. في ذلك العصر، كانت الإدارة ترد على المراسلات ~~بسرعة، على الرغم من أننا كنا في زمن الكتابة بالريشة وامتطاء الخيل كوسيلة ركوب، بدليل أننا ~~لم نكن إلا في اليوم الثاني من شهر يناير. منذ متى وهاتان المرأتان هناك؟ «أوليس من الممكن ~~توقع نتائج جيدة من اتباع إحدى الطرق العلاجية التي ربما لم تستخدم بعد؟» فسواء أكان ~~مقررا إطالة فترة العلاج أم لم يكن هناك أمل في الشفاء، فلا بد من تقنين وضع المريض داخل ~~المشفى أو الدار. # ينطبق الأمر عينه على جميع المناطق الإدارية الأخرى. «المريض يجب ألا يخضع لأي عقوبة»، ~~كما يقول أحد حكام الأقاليم. وحين يكون الجنون مشكوكا فيه، على الرغم من تأكيدات الرهبان، ~~يطالب الحكام والوكلاء الموفدون بعقد لقاءات فردية مع النزلاء في غير وجودهم. وفيما يتعلق ~~بالراهبات اللواتي كن يقمن بالخدمة في الدور الصغيرة، كان المحافظ قد بدأ يفقد صبره إزاء ~~«استحالة كشف هالة الغموض التي أحاطت بها الراهبات تفاصيل إدارتهن». فها هي الأخت بروبيون ~~متهمة بإساءة معاملة المختلين عقليا «بلا داع»، وكذلك الأخت أنياس التي ضربت إحدى ~~المخبولات بعصا المكنسة. # وكان يسمح بخروج المرضى فور «تحسن حالتهم العقلية». كانت الآنسة دو لافريير - 24 عاما - ~~محتجزة لإصابتها بضعف ذهني، ولكن «هل عقلها ضعيف لدرجة تمنعها من إدراك وضعها البائس؟» ~~أما عن طلبات الاعتقال الجديدة، فقد بدأ يتم التصريح بها مع توخي مزيد من الحذر عن ذي قبل ~~(حتى ولو بدا أن الحكم بالحجر كان يظل غالبا حبرا على ورق). في بعض الأحيان - وهذا أمر ~~مستحدث كليا - كان يمنح الخطاب المختوم الذي يحمل أمرا ملكيا لمدة عام واحد فقط، وهو ~~الوقت الكافي للتأكد من استمرارية الجنون. وفي كل مكان، أصبح لزاما توفير «إمكانية التتبع». ~~فأصبح توثيق حالة المريض، في السجلات والكشوف السنوية المطبوعة التي تحدد بدقة تاريخ صدور ~~الأوامر الملكية وأسماء الوزراء الذين وقعوا الأوامر المذكورة، أمرا إلزاميا أكثر من أي ~~وقت مضى. وأصبح يتعين، من الآن فصاعدا، تحديد الدافع وراء ms205 صدور الأمر الملكي. في نهاية عهد ~~النظام القديم (ولكن أحدا لم يكن يعلم أنها النهاية)، صار الأمر الملكي، بعكس الأسطورة ~~السوداء التي ارتبطت به، أكثر من أي وقت مضى هو أفضل ضمانة للحماية من الاعتقالات ~~التعسفية. ~~«مشاف تقوم بذاتها بوظيفة العلاج» # في أواخر عهد النظام القديم في فرنسا، كان المختلون عقليا محتجزين تقريبا في كل مكان، ~~في انتظار تقنين وضعهم وتحديد مكان احتجاز خاص بهم (وفقا لما ورد في منشور «التعليمات» ~~الصادر في عام 1785). بدأت مظاهر الإصلاح تلوح في الأفق وكان شبح الإفلاس الذي يهدد المملكة ~~هو الذي يحول دون تفعيلها. # برزت على الساحة بعض دور الاحتجاز الجبري «المتخصصة» بالفعل كمنازل مرشحة للتحول إلى «دار ~~للمجانين». كما هي حال بلدية سان ميان، التي أعدت في عام 1786 «مشروعا لإنشاء دار ~~للمجانين في مقاطعة بريتاني»؛ بحيث تكون هذه الدار بمنزلة مأوى علماني مخصص لاحتجاز المختلين ~~عقليا، سواء الفقراء أو أبناء العائلات القادرة على دفع نفقة إقامة، والتي كانت تدفع بالفعل ~~تكاليف إقامة ذويها في الدور الخاصة الكائنة خارج المقاطعة؛ «حيث كان هؤلاء يعانون غالبا؛ ~~لأنه لم يكن يتم قبولهم في تلك الدور الخاصة إلا بإغراء دفع النفقة المرتفعة». نشير في هذا ~~الصدد أيضا إلى مستودع التسول الكائن في ليون، والذي كان يطلق عليه اسم معبر؛ وهو ~~«لاكارنتين» (الحجر الصحي)، أو اسم تقليدي بالأكثر؛ وهو «بيستر». في اللائحة التأسيسية ~~لعام 1783، كرست المنشأة فصلا كاملا للعاجزين والمختلين عقليا. وجرى التأكيد على الاتجاه ~~العلاجي للمؤسسة (إذا كان المرض في مراحله الأولى)، وهو ما انتقده المشفى الرئيس بالمدينة ~~الذي أراد أن يجعل من هذه المؤسسة مجرد ملجأ للمرضى الميئوس من شفائهم بالإضافة إلى دار ~~احتجاز جبري للهائجين في الوقت نفسه. بعيدا عن هذه الصراعات الإدارية، فإن مشروع إنشاء ملجأ ~~مخصص حصريا للمختلين عقليا رأى النور في عام 1787. # 8 # في عام 1785، طلب الملك إلى أكاديمية العلوم إبداء رأيها فيما يتعلق بإصلاح المشافي. وكان ~~جاك رينيه تونون (1724-1816) أحد أعضاء اللجنة. كلف تونون - الجراح الأول في سالبيتريير، ms206 ~~وعضو بأكاديمية الطب ثم بأكاديمية العلوم، الذي كان يناضل من أجل التلقيح ضد الجدري - من ~~قبل الملك بالذهاب لزيارة مشافي إنجلترا التي كان ينظر إليها في جميع أرجاء أوروبا على ~~أنها نموذج يحتذى به. في عام 1788، تمت طباعة «خمسة أبحاث حول مشافي باريس» تحوي الملاحظات ~~التي سجلها تونون، بأمر من الملك. أحصى تونون، استنادا إلى المعلومات المحددة التي نقلها ~~إليه القائد العام للشرطة، وجود 1331 مختلا عقليا محتجزا في باريس (من بين إجمالي ~~نزلاء المشافي البالغ عددهم 28799 شخصا) في نهاية شهر يناير 1787. بيد أن تونون لم يقم للأسف ~~بحساب إجمالي العدد في المملكة بأكملها؛ مما شكل بالتأكيد تحديا بالنسبة إلينا، ولكننا ~~نقبل بخوضه، مع توخي الحذر والحيطة إلى أقصى درجة. ربما كان عدد المختلين عقليا يبلغ 1500 ~~شخص في مستودعات التسول، وربما 2500 في دور الاحتجاز الجبري في الأقاليم، وفقا لتقدير أكثر ~~عشوائية إذا ما نظرنا إلى المختلين عقليا - وهم في نهاية المطاف كثر - الذين اكتشفت الإدارة ~~الملكية مؤخرا عدم وجود محل ثابت مخصص لهم. بل لعله من الأصعب أيضا إحصاؤهم في المشافي ~~العامة ، باستثناء بيستر وسالبيتريير. وبالطبع، كان عدد المختلين عقليا داخل هاتين المؤسستين ~~قليلا، على الأرجح أقل من 500 شخص؛ نظرا لأن المختلين المعوزين التحقوا بمستودعات التسول ~~الكائنة في الأقاليم التابعين لها. تشير هذه الإحصاءات، إضافة إلى التعداد الذي قام به تونون ~~بالنسبة إلى باريس، إلى ترجيح فرضية تقول بأن: العدد الإجمالي للمختلين عقليا المحتجزين ~~في فرنسا في عام 1789 كان يبلغ 5800 شخص (أو 5000 شخص على أقل تقدير). وهذا هو ما أدى إلى ~~«الاحتجاز الكبير» للمختلين عقليا من وسط إجمالي 26 مليون فرنسي في ذلك الوقت؛ أي إن نسبة ~~المختلين عقليا كانت تبلغ 1 إلى 4500، بل 4700، وكان ذلك في أواخر القرن الثامن عشر. في ~~أواخر القرن السابع عشر، بلغ إجمالي عدد السكان 20 مليون فرنسي، ولم تكن نسبة المختلين ~~عقليا تتجاوز بالطبع 1 إلى 25000. ينبغي أن نذكر مباشرة، على سبيل المقارنة، أن هذه النسبة، ~~التي ms207 يجري حسابها دائما بالقياس إلى عدد السكان، سوف تبلغ 1 إلى 1000 في نهاية الإمبراطورية ~~الفرنسية الثانية و1 إلى 500 في نهاية الجمهورية الثالثة. # يستأنف تونون، في سياق «تعليمات» 1785، خطابه الإنساني حول الجنون: «إن الوضع المحزن ~~للمجانين المصابين بالهياج وجه أنظار الحكومة إلى حالتهم التي يرثى لها وجعلها تنظر ~~إليهم بعين الرعاية. فقد كانت هناك مخاوف من أن يسيء هؤلاء المجانين، في ظل حرمانهم من عقلهم ~~وتمتعهم في بعض الأوقات بقوة خارقة، استغلال قدرتهم وقوتهم؛ ولذا كان ينبغي الحرص على ألا ~~يؤذوا أنفسهم بأي شكل من الأشكال، ومن ثم لم يكن هناك مفر من احتجازهم، ولقد أخذنا على عاتقنا ~~أداء هذا الواجب الاجتماعي. ولكن قبل أن نقتطع المجانين من المجتمع، كان لزاما على هذا ~~الأخير التأكد مما إذا كان مرضهم قابلا للشفاء أم لا. وبعد أن استنفدنا كل الوسائل الممكنة، ~~اضطررنا إلى السماح بالموافقة على الحل المؤسف الذي يقتضي حرمان أحد المواطنين من حريته.» هذا ~~الخطاب الذي تلا صدور «تعليمات حول الطريقة التي يجب اتباعها من أجل التحكم في المجانين ~~والعمل على شفائهم في المصحات المخصصة لهم»، لا يمكن اعتباره جديدا إذا لم يكن تونون قد أضاف ~~إليه رؤية جوهرية وعميقة للمستقبل القريب. كتب قائلا: خلافا لمباني المشافي التي لا تمثل ~~بالنسبة إلى المرضى الآخرين إلا «وسائل مساعدة»، فإن المشافي بالنسبة إلى المجانين «تمثل هي ~~نفسها وسيلة للعلاج [...] إذ يجب ألا تتم مضايقة المجنون خلال فترة العلاج، وينبغي أن يكون ~~بإمكانه، في الأوقات التي يكون فيها خاضعا للمراقبة والإشراف، الخروج من حجرته والتجول في ~~الرواق، والذهاب إلى المتنزه، والتريض وممارسة التمارين التي تسري عنه والمناسبة له ~~تبعا لحالته.» # مشاف تقوم بذاتها بوظيفة العلاج ... سنرى كيف سينقل إسكيرول كل كلمة من هذا الاقتراح ~~وينسبها إلى نفسه، ولكن دون إشارة إلى أي مرجع سابق. خلال السنوات الأخيرة من عهد النظام ~~القديم، كان الطب النفسي المؤسسي بالفعل في طور النشأة. # الجزء الرابع # | اختراع الطب النفسي # الفصل الأول # | إما الثورة وإما العودة إلى نقطة ms208 الصفر # اشتهرت الثورة الفرنسية - التي اندلعت في الخامس من مايو 1789 - على غرار جميع الثورات ~~الأخرى، بأنها «طوت صفحة الماضي». فإذا حاولنا البحث في تأريخ مرحلة اليعاقبة وما بعد اليعاقبة ~~- وحتى عصرنا الحالي - عن الإنجازات الإيجابية للنظام القديم، فلن نجد شيئا. بل إن مصطلح ~~«النظام القديم» نفسه، الذي عممه ميرابو في عام 1790، يعد تعبيرا تحقيريا؛ إذ يشير إلى ~~مجتمع ظلامي ورجعي كان ينظر إليه على أنه مرتع للتعسف والمظالم. وحتى لا نحيد عن موضوعنا ~~الرئيس، فقد سطعت شمس 1789، بعد ليل اجتماعي وطبي طويل، تحمل معها ربما رياح الإصلاحات ~~الإنسانية الواسعة. وهكذا نجد أن الإصلاحات التي بدأت في نهاية عهد لويس السادس عشر، لم يتم ~~إلغاؤها فحسب بفعل الأحداث (بينما كانت بالكاد قد بدأت) بل وحجبت أيضا، وكأنها أسقطت ~~من التاريخ. فالثورة الفرنسية وحدها كان يمكنها إنتاج العمل الخيري الإنساني. وهكذا لم يكن ~~للتاريخ الفرنسي، ذلك التاريخ الحافل بالتقدم والتضامن، أن يبدأ إلا مع بزوغ الثورة الفرنسية ~~وبفضلها. # إلغاء الأوامر الملكية # في دفاتر التظلمات والشكاوى، كما في جلسات الجمعيات الإقليمية التي عقدت فيما بين عامي ~~1787 و1790، احتلت مسألة المساعدة العامة مكانة كبيرة، وهي المكانة نفسها التي حركت الرأي ~~العام والسلطات منذ عقدين. استنكر الجميع الوضع المزري للمشافي، وكانت هناك مطالب في كل مكان ~~تقريبا لإنشاء مآو للفئات الماثلة بالفعل في جميع مشروعات الإصلاح السابقة: الأيتام، ~~والأطفال المهجورين، والمكفوفين، والصم والبكم، والمختلين عقليا ... طالبت بعض التظلمات ~~بتخصيص مآو منفصلة لهذه الفئة الأخيرة: «فلتنشأ في كل محافظة دار يجرى فيها استقبال ~~ومعالجة المختلين عقليا الذين يشكل وجودهم خطرا على المجتمع» (الدفتر الخاص بالطبقة ~~الثالثة (أي العوام) في إقطاعية تروا). وركزت بعض الدفاتر القليلة بشكل أكثر تفصيلا على ~~مسألة المختلين عقليا دون غيرها. فعلى سبيل المثال، نجد الدفتر الخاص بالإكليروس التابع ~~لقهرمانية كليرمون، في أوفيرني، يطالب بإنشاء مؤسسة للمصابين بالهياج العقلي وأخرى للمصابين ~~بالصرع، «يحصل فيه المرضى، مع العلاج اللازم، على متطلبات الإعاشة تبعا لحالتهم المؤثرة». ~~كما كانت هناك مطالبات بأن تكون هذه ms209 المؤسسات «مزودة بالأطباء والجراحين المتعلمين». اهتمت ~~بعض الدفاتر الأخرى بهذه القضية نفسها ونقلت - دون الإشارة إلى المرجع الأصلي - ما ورد في ~~«تعليمات» 1785، أو استلهمت من هذا المنشور مباشرة بعض المبادئ والآراء على النحو التالي: ~~«سنهتم في المشافي بصورة أكثر جدية من ذي قبل بفن شفاء المهووسين. فنحن نظن أننا فعلنا كل ما ~~ينبغي القيام به، حين نضيق الخناق عليهم ونحتجزهم في أركان مظلمة قادرة على إفساد عقل ~~الإنسان الأكثر اتزانا، ظانين أننا بهذا الشكل نكون حميناهم من إلحاق الضرر بأقرانهم» ~~(الدفتر الخاص بالعوام التابع لدائرة جماعة الإكليروس المكرسين النظاميين التي أسسها القديس ~~جايتان دي تيين [باريس]). # تجدر الإشارة على وجه الخصوص إلى إجماع جميع دفاتر التظلمات والشكاوى على المطالبة بإلغاء ~~الأوامر الملكية التي كانت تعد رمزا لتعسف السلطة الملكية، حتى ولو كانت بعضها تأمل في ~~إمكانية إجراء بعض الترتيبات على النحو التالي: «فليسمح للعائلات، بالنسبة إلى حالات الجنون ~~أو العته أو غير ذلك من الاضطرابات التي تستدعي تأديبا وإصلاحا وليس عقابا، بتقديم عريضة ~~إلى مقر محكمة المشرفين الملكيين المختصة، والتي قد تأمر، بعد إجراء تحقيق غير قضائي، بأن ~~يجري حبس المتهم لفترة طويلة نوعا ما في إحدى الإصلاحيات» (دفتر الإكليروس التابع لإقطاعية ~~رانس). # لقد ورد مبدأ إلغاء الأوامر الملكية في إعلان النوايا الذي أصدره الملك، وعرض على مجلس ~~النواب في الثالث والعشرين من يونيو 1789: «يدعو جلالة الملك [...] الجمعية الوطنية بفئاتها ~~الثلاث - رجال الدين والنبلاء والعوام - إلى البحث واقتراح الوسائل الأكثر ملاءمة للتوفيق بين ~~إلغاء الأوامر الملكية المعروفة باسم الخطابات المختومة، والحفاظ في الوقت نفسه على السلامة ~~العامة والأمن، مع اتخاذ التدابير الاحترازية اللازمة، سواء للحفاظ على شرف العائلة في بعض ~~الحالات، أو للإسراع في قمع بدايات التمرد والعصيان، أو لحماية الدولة من آثار وجود عقل ~~إجرامي مدبر لدى القوى الأجنبية.» ظن هذا الملك (الذي أصبح مجردا من ألقاب التفخيم) أنه لا ~~يزال سيد الموقف، ولكن هيهات، فما حدث بالتحديد هو أنه بعد انتهاء هذه الجلسة مباشرة انقلب كل ~~شيء رأسا ms210 على عقب؛ إذ لم يعد أسلوب الترويع والترهيب يجدي نفعا مع طبقة العوام. # نص إعلان حقوق الإنسان والمواطن، الذي تم التصويت عليه في السادس والعشرين من أغسطس 1789، ~~في مادته السابعة على ما يلي: «لا يجوز اتهام أي إنسان ولا القبض عليه ولا سجنه إلا في ~~الحالات التي يحددها القانون ووفقا للأشكال التي ينص عليها. ويجب أن يعاقب كل من يلتمس ~~إصدار أوامر تعسفية أو يرسلها أو ينفذها أو يأمر بتنفيذها.» أما عن الإلغاء الملموس للأوامر ~~الملكية، فكان لا بد من انتظار عريضة مستقلة، في نوفمبر 1789، لكي تقرر الجمعية التأسيسية ~~إنشاء لجنة للخطابات المختومة، وهي تلك اللجنة التي كان ميرابو أحد أعضائها. بعد نقاشات مطولة ~~هيمن عليها القلق والانشغال ليس بوضع المختلين عقليا، وإنما بمصير الجانحين (إن أحدا - ~~بدءا بميرابو الذي احتجز فيما مضى في فنسين بموجب أمر ملكي بناء على طلب والده - لم يتحدث ~~عن كونهم ضحايا أبرياء)، صوتت الجمعية التأسيسية على قرارات إلغاء الأوامر الملكية في جلستيها ~~اللتين عقدتا يومي 16 و26 مارس 1790، «لقد وصلت الجمعية الوطنية أخيرا إلى اللحظة السارة ~~للقضاء على الأوامر التعسفية، وتدمير السجون الغير القانونية، وتعيين أجل محدد لإطلاق سراح ~~السجناء المحبوسين فيها، لأي سبب كان أو بأي ذريعة.» ومع ذلك، ارتأت الجمعية المذكورة «أنه من ~~الضروري تمديد فترة حبس أولئك الذين احتجزوا بسبب الجنون، لفترة طويلة بما يكفي لمعرفة ما ~~إذا كان يجب إطلاق سراحهم بموجب حكم نهائي، أم معالجتهم والاعتناء بهم في المشافي القائمة ~~بحيث يجري تفتيشها وإدارتها بمنتهى اليقظة والحكمة والإنسانية تبعا لما تقتضيه حالتهم.» وصدر ~~قرار يقضي بإطلاق سراح جميع الأشخاص المسجونين في منازل الاحتجاز الجبري في غضون ستة أسابيع، ~~ما لم يكن قد صدر حكم بإدانتهم أو بالقبض عليهم واقتيادهم إلى السجن، أو «ما لم يكن قد تم ~~اعتقالهم بسبب الجنون». ونصت المادة التاسعة على أن «الأشخاص الذين اعتقلوا بسبب الجنون ~~سيستجوبون، لمدة ثلاثة أشهر، اعتبارا من تاريخ نشر هذا القرار، وبناء على طلب النائب ~~العام، من طرف القضاة وفق ms211 ما هو معمول به، وبأمر من هؤلاء القضاة سيزورهم الأطباء الذين ~~سيقدمون، تحت إشراف مديري الدوائر، تقريرا حول حالة المرضى الحقيقية حتى يتسنى - تبعا للحكم ~~الذي سيصدر بناء على وضعيتهم - الإفراج عنهم أو معالجتهم في المشافي التي ستخصص لهذا ~~الغرض.» # وقد نفذت بالفعل عمليات التفتيش ولكن بأعداد قليلة نسبيا؛ نظرا لتزايد الاضطرابات ~~السياسية. وكانت تجرى على طريقة سؤال وجواب (أو بالأحرى غياب الجواب). وكتب الضباط المحليون ~~بكاين في الثاني والعشرين من يونيو 1791 بشأن طلب اعتقال: «ينبغي لنا الامتثال [للقرارات ~~الجديدة] وعدم إحياء النظام القديم الذي كان يعتدي على حرية الأفراد.» في الواقع، اعتمدت لجنة ~~الخطابات المختومة في المقام الأول على ما وردها من وثائق وتقارير مكتوبة في إطار التحقيق ~~الموسع الذي أطلقته في جميع المشافي العامة، ودور الاحتجاز الجبري ومستودعات التسول المنتشرة ~~في أرجاء المملكة. وسرعان ما تدفقت تقارير وافية للغاية؛ لأنه لا أحد من مديري المؤسسات أراد ~~أن يبدو بصمته متواطئا في جريمة «الأوامر التعسفية» (وهو ما يفسر بالتأكيد، دون مزاح، ~~قيام رئيس دير الرهبان الفرنسيسكان في دونجون أون بوربونيه بالرد سريعا «للوفاء بقرارات ~~سادتنا أعضاء الجمعية الوطنية»). ذكر بالطبع في تلك التقارير المجانين المسجلون بالفعل في ~~القوائم التي سبق إعدادها من قبل الإدارة الملكية، في بعض الأحيان منذ ما يقل عن عام مضى. ~~فنجد محافظ قصر سومور يعرب عن استيائه قائلا: «لقد أرسلت بالفعل مرتين بيانا بحالة ثلاثة ~~سجناء مجانين ما زالوا محبوسين لدي.» وهكذا ظهر المختلون عقليا على الساحة، ولا سيما أن ~~العديد من دور الاحتجاز الجبري، التي امتثلت على الفور لقرارات الجمعية الوطنية، تخلصت من عبء ~~الجانحين المحبوسين لديها. على سبيل المثال، أطلقت دار ماريفيل سراح 34 جانحا خلال صيف 1790، ~~وهكذا تبقى من بين الخمسة والأربعين نزيلا المحتجزين بالقوة في الدار ثمانية وثلاثون ~~مجنونا. في بعض المؤسسات، كما في جمعية سينليس الخيرية، لم يتبق في دار الاحتجاز الجبري ~~إلا المجانين. # أصرت جميع المؤسسات على أن المجانين المحتجزين لديها مختلون عقليا بالفعل ووصفت ~~جنون كل واحد ms212 منهم؛ فهذا يأكل فضلاته، وتلك «تبحث عن وسيلة للانتحار، وفيما عدا ذلك فهي في ~~غاية الوداعة والاستقامة»، وذاك «يشكل مصدر رعب للدار؛ حيث يجري احتجازه منذ عام 1773 على أثر ~~قتله لشقيقه.» في الواقع، العديد من هؤلاء المختلين عقليا كانوا محتجزين منذ فترة طويلة ~~لدرجة أنهم أصبحوا «عاجزين عن العودة إلى المجتمع، حتى ولو كان ذلك لسلامتهم الخاصة». «فلا ~~يمكن للمرء أن يستعيد حريته بعد أن حرم منها طيلة 22 عاما دون أن يصاب بصدمة قوية يعجز ~~دماغ ضعيف وغير متزن كدماغه عن احتمالها ومقاومتها؛ الأمر الذي قد يفضي إلى حالة من الهيجان ~~والعنف مما قد يستدعي في نهاية المطاف حبسه من جديد.» # وقد رفضت بعض المؤسسات، مع تقديمها للإحصاءات المطلوبة، أن يتم اعتبارها كدور احتجاز ~~جبري. كما هي حال «المشفى العام للمختلين عقليا في مدينة إكس آن بروفانس»: «هذا المشفى ليس ~~بتاتا دارا للاحتجاز الجبري، ولكنه مؤسسة خيرية يديرها مواطنون؛ مأوى مخصص لبؤساء المدينة ~~والإقليم الذين يعانون من شقاء فقدان العقل.» # ومرة أخرى، يبدو أن الاعتقالات التي تمت بموجب أمر ملكي بعيدة عن أن تشكل أغلبية، وهكذا ~~تأكد من جديد بما لا يدع مجالا للشك أن الإيداعات المباشرة من قبل العائلات والمجتمعات ~~المحلية هي السبب الرئيس وراء أغلبية حالات الاحتجاز، حتى حينما يتعلق الأمر «بعريضة موقعة من ~~عدد كبير من المواطنين». بل إنه في العديد من المؤسسات الصغرى، كانت الأوامر الملكية تشكل ~~استثناء. # لجنة التسول # بالتزامن مع إلغاء الأوامر الملكية، وضعت أملاك الإكليروس تحت تصرف الأمة (نوفمبر ~~1789)، وفي المقابل تولت هذه الأخيرة، ضمن أمور أخرى، مسألة المساعدة العامة وتكفلت بها. يأتي ~~هذا الإجراء أيضا كنتاج للحركة الخيرية الإنسانية التي انطلقت منذ عشرين عاما، والمرتبطة ~~بالفكرة المتكررة التي تقول بأن المساعدة، باعتبارها ليست إحسانا وإنما واجب، تقع على عاتق ~~الدولة. ومن ثم، فإن فكرة تقديم مساعدة عامة ذات صبغة علمانية تغذيها الضريبة وليس الصدقة - ~~مع العلم بأنها ليست بالفكرة الثورية (بمعنى أنها لم تخرج من رحم الثورة) - فرضت نفسها بقوة. ms213 ~~وهو الغرض الذي من أجله تأسست لجنة التسول في مطلع عام 1790. كان أعضاء هذه اللجنة جميعهم - ~~والبالغ عددهم 19 عضوا - بدءا برئيسها لاروشفوكو ~~ليانكور؛ أنصارا لتيار العمل الخيري ومساعدة الغير، وكانوا يناضلون لمكافحة البؤس. وقد كان ~~أحد هؤلاء الأعضاء، وهو الأب دو كولمييه - نائب طبقة الإكليروس في باريس - مديرا لدار ~~شارنتون. # تخطى اختصاص اللجنة - على الرغم من اسمها - مسألة التسول التي كانت تعد دوما مشكلة ~~مؤرقة، ليشمل أمورا أخرى؛ إذ كلفت الجمعية الوطنية أعضاء هذه اللجنة «بأن يقدموا إليها ~~مقترحات بشأن قوانين لتطوير المشافي، ودور الاحتجاز الجبري والسجون.» وقد عقدت سبعون جلسة ~~حتى انتهاء عمل الجمعية التأسيسية في الثلاثين من سبتمبر 1791. كان من الضروري أولا تحديد ~~فئات المعوزين المستحقين للعون وتقييم الوضع في المنشآت، بدءا بالمؤسسات الاستشفائية في ~~العاصمة. وقد كانت هناك حوالي عشر مؤسسات تابعة للمشفى العام وحده. فقد كان بمنزلة «آلة ضخمة» ~~تعمل على إغاثة ما يقرب من 12 ألف شخص. وقد احتلت العديد من الفئات الأولوية على الجنون، وأتى ~~على رأس القائمة الأطفال اللقطاء أو المهجورون. فقد كان مشفى باريس العام يستقبل سنويا ما ~~بين 5 آلاف و6 آلاف طفل لقيط، وكان ثلثاهم يموتون خلال الشهر الأول. # ذهبت اللجنة في زيارتها الأولى إلى بيستر. وسلط الضوء من جديد على أوجه القصور - التي ~~أدينت منذ ما قبل الثورة - مع التركيز على البطالة العامة. وقد كونت اللجنة انطباعا طيبا ~~فيما يتعلق بالمجانين (الذين تفاوتت الأسماء التي أطلقت عليهم، ما بين «مختلين عقليا» وفقا ~~للتعبير الذي كان سائدا في عهد النظام القديم، ومصطلح «المرضى عقليا» الذي لم يكن قد فرض ~~نفسه بعد ولكنه أصبح أكثر تداولا) البالغ عددهم 219 شخصا، بالإضافة إلى 89 أبله، جميعهم ~~كان «ينظر إليهم على أنهم غير قابلين للشفاء منذ وصولهم إلى الدار». وتبين وجود حالات شفاء ~~(بلغت نسبتها حوالي الخمس) من بين أولئك الذين تم إرسالهم للعلاج في المشفى الرئيس بالمدينة، ~~وأيضا أولئك الذين، في ظل غياب أي طرق علاجية أو أدوية، «منت عليهم الطبيعة ms214 بنعمتها». ~~لقد بدأ مجانين بيستر «يستعيدون الهدوء والوداعة في سلوكهم»، أما أولئك الذين لم يكونوا ~~مصابين بالهياج، فقد كانوا يمنحون حرية التنزه في الأفنية الجيدة التهوية. «عشرة فقط كانوا ~~مقيدين بالسلاسل يوم زيارتنا». أما عن الحجرات، «فهي ليست بالسيئة بالنسبة إلى رجل واحد» (بيد ~~أن الحجرة الواحدة يتشاركها اثنان). الأمر الوحيد الذي جرى استنكاره وشجبه بشدة هو تلك ~~الممارسة التي كانت سائدة هناك، والمتمثلة في وضع بعض الجانحين أو مرضى الصرع على سبيل العقاب ~~في عنابر المجانين (ما لا يقل عن 50 شخصا كانوا على هذه الحال في يوم التفتيش). # أما بخصوص زيارة سالبيتريير - تلك المؤسسة التي بدا بشكل عام عدم السيطرة عليها نظرا ~~لاتساع المكان - فمن الواضح أنها تركت انطباعا سلبيا ولم ينل هذا المشفى استحسان اللجنة ~~فيما يتعلق بالمجنونات البالغ عددهن آنذاك 550 مختلة عقليا. «حال المجنونات هنا (أي في ~~سالبيتريير) أسوأ بكثير من حال المجانين في بيستر؛ فالهواء داخل الحجرات القديمة ملوث ونتن ~~الرائحة، والحجرات صغيرة، والأفنية ضيقة. كل شيء في حالة محزنة من الإهمال لدرجة تفوق حد ~~التصور ... كل أنواع الجنون بأشكاله المختلفة مختلطة بعضها ببعض: فالمجنونات المقيدات بالجنازير ~~(وهن كثيرات) مجتمعات في مكان واحد مع المجنونات الهادئات المسالمات، وأولئك اللواتي تنتابهن ~~نوبات غضب عارم وهياج شديد كن تحت أعين أولئك اللواتي يتحلين بالهدوء. منظر ~~التلوي، والهياج، والغضب، والصرخات، والصياح المتواصل، كل ذلك يحرم تماما من الراحة ~~جميع أولئك اللاتي هن في أمس الحاجة إليها، ويجعل النوبات المرافقة لهذا المرض الرهيب أكثر ~~تكرارا، وأشد عنفا، وأشد قسوة وأكثر استعصاء. في تلك الدار، لا يوجد في النهاية أي نوع من ~~أنواع الرفق، أو التعزية، أو العلاج. تم بناء حجرات جديدة أكبر قليلا وأفضل من حيث ~~التهوية، وأقل عرضة للتلوث، ولكنها كانت لا تزال خاضعة للنظام نفسه السائد، وبالتالي لم تحل ~~المشكلة من جذورها وبقيت المساوئ وأوجه القصور الجوهرية على ما هي عليه. وجدنا 22 من ~~المجنونات، الهادئات إلى حد ما، ينمن في أحد عشر سريرا، بالإضافة إلى ms215 44 من البله كن ينمن ~~أيضا مثنى. وقد كانت القاعات غير نظيفة وخالية من الهواء النقي المتجدد.» # فيما بين عامي 1786 و1789، قام شارل فرانسوا فييل - المهندس المعماري للمشفى العام ثم ~~لبيوت الإيواء في باريس - ببناء حجرات جديدة في مؤسسة سالبيتريير الاستشفائية. وكان يتعين ~~للمرة الأولى إيواء ألف مريضة عقليا وفقا للمتطلبات الصحية الجديدة التي كان ينبغي ~~مراعاتها: أنشئت 257 حجرة و6 مهاجع مقسمة على أجنحة متباعدة بشكل كاف بعضها عن بعض، في سياق ~~تنظيمي متماثل، وتم الشروع في تصنيف المرضى إلى أربعة قطاعات (مختلات عقليا في مرحلة ~~المعالجة، «مجنونات مصابات بالهياج، ومختلات عقليا لا أمل في شفائهن»، مجنونات مصابات ~~بالجرب وبالصرع، مريضات ميئوس من شفائهن وبلهاوات). إزاء النقد اللاذع الذي وجهته لجنة ~~التسول لمؤسسة سالبيتريير، ولا سيما بسبب اكتظاظ الحجرات، وأيضا بسبب عدم هدم الحجرات ~~القديمة؛ لم يكن من المستغرب الاحتجاج على الصورة الرومانسية الجميلة وشبه المثالية التي قام ~~برسمها فيليب بينيل، بعد عشر سنوات، لمستشفى سالبيتريير. فها هو يتحدث عن الفناء الذي يحوي ~~فسقية وصفين من أشجار الزيزفون، والمختلات عقليا «اللائي تنعم كل واحدة منهن بالمكوث في ~~غرفة منفصلة»، والمريضات عقليا المسالمات اللواتي يتنزهن بحرية، والمصابات بالخرف ~~الشيخوخي اللائي يجري الاعتناء بهن ورعايتهن بواسطة «فتاة مسئولة عن الخدمة تحرص على تلبية ~~احتياجاتهن وتهتم بنظافتهن»، والمهاجع الرحبة بما يكفي لتهيئة مساحات متباعدة بين ~~الأسرة «التي تشع نظافة ...» # طالبت لجنة التسول في تعليقاتها الختامية أن يراعى في المؤسسات الخيرية التي سيتم ~~إنشاؤها، «الاهتمام بشكل أكثر رفقا وحنوا، على وجه الخصوص، بمصير هؤلاء التعساء الذين ~~يعانون - إذ تدهورت حالتهم حتى انتهت بالعودة بهم إلى أنبل وأطهر جزء فيهم، وإذ أصبحوا لعبة ~~تحركها مخيلة مريضة - أبشع أنواع الشقاء الإنساني وأشدها ترويعا.» طالما وضعنا السلامة ~~العامة - تستطرد اللجنة - في مقدمة أولوياتنا. لم يبذل أي جهد في هذا البلد من أجل شفاء ~~المجانين، خلافا لإنجلترا، وإيطاليا وإسبانيا. إحياء للرؤية المثالية حسب تصور النظام ~~القديم، أوصي في المقام الأول بتقديم المساعدات المنزلية، ولكن هذه المرة ms216 في إطار التقسيم ~~الجديد إلى مقاطعات بالنسبة إلى الريف وإلى «أحياء» (الحي يعادل دائرتين إداريتين) بالنسبة ~~إلى المدن، مع ضرورة تعيين طبيب مختص بمعالجة الفقراء في كل قطاع. # بالإضافة إلى ذلك، تقرر «إنشاء مشفيين لعلاج الجنون» في باريس. وبالمثل، اقترحت اللجنة، ~~أن يتم - في العاصمة أيضا - إنشاء مشفيين للمصابين بالأمراض التناسلية، ودارين للنقاهة، ~~وثلاث دور للمسنين والعجزة، ودار للأطفال اللقطاء، بحيث يكون كل هذا تحت اسم الأمراض ~~الكلاسيكية. علاوة على ذلك، اقترحت اللجنة تخصيص مؤسستين أخريين للمتسولين والمتشردين. بدا أن ~~علاج الجنون في المشفى الرئيس بالمدينة لم يعد ممكنا؛ نظرا للازدحام والخلطة بين المرضى من ~~شتى الأنواع وعدم الاهتمام بالرعاية الفردية. وكان من المقرر أن يتم إنشاء المشفيين ~~المختصين بعلاج الجنون في موقع بعيد عن وسط العاصمة؛ حيث بدا أن «الهدوء والبعد عن أي ضوضاء ~~شرطان أساسيان للشفاء من هذا المرض القاسي.» هذا فضلا عن تخصيص مبان للمرضى القادرين على ~~الدفع. وهكذا فإن هذه المؤسسات «لن تكلف الدولة شيئا»، وفي المقابل تستمر هذه الأخيرة في ~~التكفل بالمرضى المعوزين. وقد كان من المقرر أن يخصص أحد هذين المشفيين للمجانين غير ~~القابلين للشفاء؛ «إذ تتم معاملة المرضى بمنتهى الرقة واللطف، وإذ يخضعون للإشراف الدقيق ~~والمتابعة النشطة على الدوام لكل ما يطرأ على حالتهم من تغيرات، فإن الكثيرين ربما يدينون ~~لتلك الرعاية بالفضل في هذا الأثر المحمود وغير المتوقع لمعالجتهم [بمعنى أسلوب التعامل ~~معهم]. أما بالنسبة إلى أولئك الذين تبقى حالتهم على ما هي عليه دون أدنى أمل في الشفاء - وهم ~~كثر - فسيتمتعون على الأقل بكل تلك التجهيزات، ووسائل الراحة والتعزية المتوافقة مع حالتهم، ~~والتي من شأنها إشعارهم بآدميتهم، وهو ما يعد واجبا على المجتمع الإنساني نحوهم.» # وفيما يتعلق بالمشفى المقرر تخصيصه لمعالجة الجنون، فلم يذكر أي شيء بشأنه. ومع ذلك، ~~بدأ الحديث عن شارنتون. خلصت لجنة التسول إلى أن الرهبان الذين يعتنون بالمجانين في شارنتون ~~«يولونهم أكبر قدر من الرعاية والاهتمام، ويسعون بكل الوسائل إلى جعل بقائهم في الحجز مريحا ~~قدر الإمكان ms217 وفق ما تقتضيه وما تسمح به حالتهم»؛ ومن ثم «تستحق هذه المؤسسة كل تقدير وإشادة». ~~في ديسمبر 1790، قام ثلاثة مفوضون من بلدية باريس بجولة تفتيشية لاحقة لتفقد مؤسسة شارنتون، ~~بناء على طلب لجنة الخطابات المختومة التي تلقت شكاوى بخصوص عمليات اعتقال تعسفية أو حجز ~~متعنت، فضلا عن ذلك، «كان ثمة ادعاءات بأن الزنازين غير صحية، وقذرة وبشعة». ولكن التقرير ~~المطول الناتج عن هذه الزيارة لم يكف بدوره عن الإشادة بدار شارنتون والثناء عليها. وقد ~~فندت الاتهامات واحدا واحدا. أولئك «الذين لم يروا عن قرب مآسي إنسانية تأثروا لدرجة ~~جعلتهم يروون أمورا مجافية للحقيقة»؛ «ولذا ليس من المستغرب ظنهم بأن تلك الغرف، ذات ~~القضبان الحديدية والأقفال التي يقيم بها المهووس المحبوس، زنازين غير صحية وشنيعة.» في ~~موضع آخر، أشيد بالنظام الممتاز للدار: موقع جغرافي متميز، طعام ممتاز وصحي ومتنوع، نزه، ~~عدد كبير من الموظفين، ناهيك عن «الرهبان المستنيرين والمؤهلين منذ فترة طويلة لتقديم خدمات ~~الرعاية والقيام بالواجبات الشاقة.» باختصار، «لماذا لا تشيد الأمة مؤسسة جديرة بعظمتها ~~ولا سيما بإنسانيتها؟» # ما زلنا في عام 1790، ولم يكن أحد يتخيل أن البنية التحتية الدينية قد تختفي في يوم من ~~الأيام. بالطبع كانت النذور الرهبانية محظورة (فبراير)، ولكن استثنيت من ذلك الراهبات ~~اللواتي كن يخدمن في دور التعليم العام والمؤسسات الخيرية. ومع ذلك، كانت لجنة التسول ~~يساورها القلق حيال ما ستصدره الجمعية الوطنية من «قرارات تمس مصير الأخوات اللائي كرسن ~~حياتهن لخدمة المرضى». # فراغ قانوني # السؤال الذي طرحته لجنة التسول بقلق بالغ، تلقت عنه إجابة في الثامن عشر من أبريل 1792 مع ~~صدور قرار بإلغاء الجماعات الدينية؛ تمهيدا لتنفيذ عمليات إقصاء وطرد في الأعوام التالية. ~~بعد إبطال الأوامر الملكية، أدى إلغاء دور الاحتجاز الجبري بحكم الواقع (كلها تقريبا) إلى ~~تدمير نظام احتجاز المختلين عقليا المعقد وغير المرضي الذي كان سائدا في ظل النظام ~~القديم. بيد أن الجنون استمر. اختفى الجانحون كسرب من الطيور، بينما بقي المجانين. أما فيما ~~يتعلق بطلبات الاحتجاز الجديدة، فإنها لم تتوقف ms218 بسبب الثورة. ما هي إذن الأحكام القانونية ~~الجديدة التي ظهرت بعد طي صفحة الماضي الموصوم؟ في الحقيقة، لم تكن هناك أي نصوص قانونية ~~جديدة في هذا الصدد، أو لنقل: إنها لم تتخذ شكلا محددا ومعرفا في إطار قانون كبير، على ~~الرغم من أنه كان أمرا منتظرا في أعقاب أعمال لجنة التسول. القوانين الوحيدة التي صدرت في ~~سياق الجمعية التأسيسية والمجلس التشريعي والمتعلقة بشكل غير مباشر بالمرضى عقليا تتمثل في ~~حكمين قانونيين مختصين بالشرطة - أحدهما في الفترة من 16 إلى 24 أغسطس والآخر من 19 إلى 22 ~~يوليو 1791 - ينصان على معاقبة أولئك الذين يتركون المختلين عقليا مشردين هائمين على ~~وجوههم. ولكن أيعني هذا أن المختلين عقليا عادوا من جديد يجوبون الشوارع بلا مأوى ولا ~~هدف؟ # كان الفراغ القانوني، الذي لم تستطع الثورة ولا الإمبراطورية ملأه، جليا. فإذا كان ~~المرسوم الصادر في أغسطس 1790 يشير إلى إجراءات إدارية للحبس وفقا للشرطة العامة، يجدر القول ~~إن هذه الإجراءات كانت مشددة بصورة استثنائية، بحجة «أننا ينبغي ألا نعيد إحياء النظام القديم ~~الذي كان يعتدي على حرية الأفراد». على سبيل المثال، في مكان ما في فرنسا، في تسعينيات القرن ~~الثامن عشر، أبلغ عن مجنون يتجول في الطرقات وأصبح يمثل «آفة المقاطعة». فكيف يمكن احتجازه؟ ~~لكي يتم ذلك، كان لا بد من أن يحصل النائب العام المسئول عن البلدية على قرار رسمي من مجلس ~~البلدية، ومحضر تحقيق لإثبات حالة الجنون موقع من قبل اثنين من مفتشي الصحة. ومن ثم ~~يمكن للنائب العام المسئول عن هذا القسم الإداري أن يطلب من مجلس المديرين التابع لهذه ~~الدائرة أو المقاطعة إصدار أمر بالحبس في «أحد مستودعات الأمن». # لم تتوقف الإجراءات عند هذا الحد، ولكن ~~بداية، ما المقصود بمستودع الأمن؟ لقد شكل موضوعا بارزا في التشريع الثوري، ولا سيما فيما ~~يتعلق بالمجالين الجنائي والقضائي؛ فقد صنفت المؤسسات العقابية المدنية إلى ثلاث فئات: ~~السجن التابع لمحكمة الجنح، ومستودع الأمن الخاص بالدائرة والتابع لمحكمة الشرطة (المختصة ~~بالجرائم البسيطة)، و«دار الاحتجاز الجبري ms219 والحبس»، الذي تأسس بموجب التشريع الصادر في الخامس ~~والعشرين من سبتمبر 1791 من قانون العقوبات، في كل مقاطعة. في الواقع، بسبب نقص الأماكن ~~والموارد، لم يكن هناك مفر من الالتجاء معظم الوقت إلى مستودعات التسول القديمة. فإذا كانت ~~الجمعية التأسيسية قد ألغت التسول رسميا، فإن المستودعات لم تغلق أبوابها. في الرابع ~~والعشرين من شهر فنديميير من العام الثاني للتقويم الجمهوري الفرنسي (الموافق 15 أكتوبر 1793 ~~في التقويم الميلادي)، أنشأ المؤتمر الوطني - متبنيا هذه المرة مشروع مرسوم صادر عن لجنة ~~التسول بشأن قمع التسول - «دارا للقمع» في المقر المركزي الإداري الخاص بكل مقاطعة. جل ما ~~حدث هو أن مستودعات التسول غيرت اسمها، ولفترة وجيزة فحسب؛ نظرا لأنه سيعاد استغلالها فيما ~~بعد إبان عهدي حكم المديرين والإمبراطورية. كان المتسولون هم المعنيين وحدهم بهذا المرسوم، ~~عدا أن المادة السابعة من الباب الثالث ذكرت «أولئك [أي المتسولين] المحتجزين في الوقت ~~الحالي بسبب الجنون، وحددت أن الآباء سيكون لهم مطلق الحرية في المطالبة باستعادة ذويهم الذين ~~يقيمون في هذه الدور على نفقتهم الخاصة أو بتركهم في بيوت القمع.» بينما أمرت المادة التالية ~~بإرسال المصابين بالأمراض التناسلية، الذين ما زالوا في المستودعات، إلى المستشفيات. وهكذا ~~بدا أن الوضع الطبي للمجانين الذي طالبت به بإلحاح لجنة التسول قد طواه النسيان ~~تماما. # لنعد إلى «آفة المقاطعة» التي ذكرناها سلفا. فقد تم حبس هذا المجنون في المستودع الأقرب ~~ولكن الثورة لم تستطع - ليس أكثر من النظام القديم - اعتبار ذلك المجنون «كواحد من السجناء» ~~(تلك هي الكلمة الرسمية) المحبوسين هناك بسبب التسول؛ ولذا، لم يكن هذا الحبس إلا مؤقتا، في ~~انتظار قيام المحكمة بإصدار حكم بشأن جنونه ومن ثم توجيهه إلى أحد الملاجئ أو المشافي، أما ~~مسألة تقرير أيهما، فتلك مشكلة أخرى ... ولكن كثرة التدابير الاحترازية تضر بمبدأ الحيطة، فقد ~~انتهى المآل بتلك الإجراءات الإدارية المشددة إلى التوقف في منتصف الطريق، ولم يتبق إلا ~~القرار الإداري. وهكذا كان أمام «آفتنا» كل الفرص، إذا جاز التعبير، ليرى وضعه المؤقت يتحول ~~ليصبح ms220 نهائيا. في اليوم الموافق 15 ثيرميدور من العام التاسع بحسب التقويم الثوري الفرنسي، ~~كتب وزير العدل رسالة إلى وزير الداخلية ليذكره بأن إيداع المختل في أحد مستودعات الأمن هو ~~«تدبير مؤقت أساسا ولا يمكن أن يغني أبدا عن قيام المحاكم بإصدار حكم نهائي بشأن ~~حالته. وللمحاكم فقط الحق في إصدار حكم لإعلان حالة الجنون لدى الأفراد الذين أبلغ عن ~~إصابتهم به، وذلك بعد استجوابهم وسماع الشهود ومضاهاة حالاتهم بما ورد في تقارير مفتشي ~~الصحة.» كما أن السلطة القضائية، وليست التنفيذية، هي من تمتلك وحدها صلاحية السماح بالإيداع ~~المباشر داخل إحدى المصحات، إذا كان الأمن العام لا يستلزم الحبس التمهيدي، أو الأمر بإخلاء ~~السبيل، «إذا كان الشخص الذي أقرت حالة الجنون لديه بموجب الحكم الصادر قد استعاد ~~عقله». # ولكن، مرة أخرى، يطرح السؤال نفسه، عن أي مصحات بالضبط يتحدثون؟ في الثالث والعشرين من ~~نوفمبر 1792، انكب المؤتمر الوطني لفترة على دراسة هذه المسألة، وانتهى بالرجوع إلى نقطة ~~الصفر. وقد كلف المؤتمر الوطني وزير العدل بتخليص الدولة من دور الاحتجاز كافة، «أيا كانت»، ~~حيث يوجد أشخاص مسجونون بسبب «الجنون، أو السخط والهياج أو لأي سبب آخر». يعد هذا اعترافا ~~مسبقا بأن هذه الدار كانت متعددة الأنواع. وكنا نعثر على مختلين عقليا حتى في السجون، التي ~~ظلوا بها غالبا لمدة طويلة؛ لأنه بمجرد دخولهم هناك، يصبح من العسير للغاية إيجاد مأوى ~~لإيداعهم فيه بشكل دائم. هكذا في مقاطعة نييفر، في العام السادس، لم ندر أين نضع ذلك الشاب ~~المختل الفقير البالغ من العمر تسعة عشر عاما، إن لم يكن في باريس. لم يعر وزير الداخلية ~~الأمر اهتماما وأرسل مفوضين للتأكد من أنه لا يوجد مآو قائمة في تلك المنطقة. وكان هذا هو ~~الوضع بالفعل. لم توافق الوزارة إلا بشكل جزئي. وكان المقرر ألا تتكفل بنفقات السفر، ولا سيما ~~أنه ينبغي التحقق أولا من أن الجنون قابل للشفاء، وإلا فلن يرسل هذا الأحمق إلى باريس، ~~وإنما إلى دار القمع الأقرب؛ «حيث كانت هذه المؤسسات معدة، ms221 في حالة الافتقار إلى مآو، ~~بحيث تكون بمنزلة ملاجئ لجميع أولئك الذين لا يستطيعون العيش داخل المجتمع بسبب عاهاتهم أو ~~إعاقاتهم.» # لم يمر هذا الحدث باعتباره حدثا معزولا، بل إنه كشف عن مفارقة تتجلى في أن هذه الأماكن ~~«الجديدة» المعدة للحفاظ على السلامة أصبحت مخصصة لاحتجاز المجانين بصفة مؤقتة، وبعضها ~~بصفة دائمة، وهو ما يثبت سيادة حالة من عدم الاتساق والتضارب بين المؤسسات آنذاك. ظل المجانين ~~متفرقين هنا وهناك ومنتشرين في كل مكان تقريبا، كما في أسوأ أيام النظام القديم. ها نحن ~~نجدهم في المشافي، وقد أصبحوا منسيين أكثر من أي وقت مضى، و«مهملين ومعزولين في الحجرات ~~الأكثر قذارة والأبعد عن الخدمة ومتروكين لمواجهة مصيرهم البشع» (تقرير دوبليه عن منطقة ~~الألزاس في نهاية عام 1789). وكنا نجد بالفعل بعض المجانين منبوذين ومطروحين في مخازن الغلال ~~أو إسطبلات المستشفيات، «لعدم وجود مكان أفضل». # وفيما يتعلق بدور الاحتجاز الجبري الدينية، التي ألغيت مبدئيا، فقد استمر الكثير منها ~~في العمل بشكل غير رسمي. فلنلق نظرة أخرى على دار بون سوفور بكاين؛ إطلاق سراح النزلاء ~~المحتجزين بالقوة، ثم حظر النذور الرهبانية، وأخيرا إلغاء الجماعات الدينية، كل هذا كان من ~~المفترض أن يمثل نهاية تلك الطائفة. بيد أنها بعد أن طردت من مقراتها في عام 1792، انزوت ~~في العديد من المنازل بضاحية كاين. وقد كان أحد هذه المنازل يؤوي بين جنباته اثنتي عشرة فتاة ~~حمقاء كن باقيات من عهد النظام القديم ولم يكن بالإمكان إطلاق سراحهن. أما السلطات المحلية، ~~إذ كان يساورها القلق حيال التكفل بهؤلاء المختلات؛ ونظرا لأنها كانت في نهاية المطاف معادية ~~للجبليين في العاصمة، فقد أغلقت عيونها عما يحدث. وشهد على ذلك الوضع الراهن التعميم الذي ~~أرسله وزير الداخلية إلى مديري مكتب المشافي المدنية بمقاطعة الكالفادوس، بتاريخ 30 فينتوز ~~(شهر الرياح) من السنة الرابعة، فيما يتعلق بمستودع بوليو (ما زال يطلق عليه «مستودع» لا ~~«دار القمع»). ورد في هذا التعميم بشأن المجانين من الرجال والنساء الموجودين في مستودع ~~بوليو، أنه يجب عدم الإبقاء إلا ms222 على الفقراء المعوزين منهم، ولا ينبغي «أن يسمح المستودع ~~لأولئك الذين يعيشون عالة عليه بالبقاء طويلا ما داموا يستطيعون سواء بأنفسهم أو بمساعدة ~~عائلتهم الحصول على المساعدات والمعونات التي يحتاجون إليها من مكان آخر»، ذلك «المكان الآخر» ~~مثير حقا للدهشة؛ لأنه يشير ضمنيا إلى مؤسسات ملغاة (ولا سيما جمعية بونتورسون الخيرية ~~للرجال، ومشفى بون سوفور بكاين وسان لو للنساء). ها نحن نشهد في عام 1805، عقب حيازة المباني ~~القديمة التابعة للجماعة الرهبانية الكبوشية، عملية النقل - الرسمية هذه المرة - للجماعة ~~الرهبانية وللخمس عشرة امرأة المحتجزات «سرا» لديها (ثلاث نزيلات جديدات أتين في تلك ~~الأثناء). وهكذا نجت من الثورة المؤسسة التي مثلت النواة المستقبلية لمشفى بون سوفور الكبير ~~للأمراض العقلية. # انطبق الأمر عينه على دير نوتردام دو لا جارد للرهبان الفرنسيسكان «سابقا»، الكائن في ~~مقاطعة واز. أغلق هذا الدير بصورة رسمية ولكن ظل المختلون عقليا، وأصبح الرئيس الأسبق ~~للدير - الذي تحول بحكم الواقع إلى المواطن تريبو - مديرا ل «دار دو لا جارد». في عام 1799، ~~ترك تريبو منزل دو لا جارد، بعد بيعه بوقت قصير، ليستقر - مع المرضى عقليا الأواخر الذين ~~تبقوا - في كليرمون، في المقر الذي أصبح فيما بعد أكبر مصحة في فرنسا في نهاية القرن التاسع ~~عشر. بإمكاننا مضاعفة الأمثلة على هذا النحو. أثبتت مؤسسة لا ترينيتيه الاستشفائية بإكس بنجاح ~~«أنها ليست دارا للاحتجاز الجبري وإنما مؤسسة خيرية يديرها مواطنون، بمنزلة مأوى مخصص ~~لبؤساء المدينة والإقليم الذين يعانون من شقاء فقدان العقل.» # 1 # وهكذا، يظل المأوى الذي كان يضم، في نهاية عام 1790، 165 مختلا عقليا، رجالا ~~ونساء، صامدا ولكنه سيفقد تدريجيا استقلاليته؛ نظرا للصعوبات المالية التي ~~ستواجهه. # في باريس، نالت الدور الخاصة التي تحولت إلى «مشاف» أهمية بالغة بشكل مفاجئ؛ نظرا ~~لأنها استطاعت، لكونها علمانية، أن تظل مفتوحة. نذكر في هذا الصدد على وجه الخصوص دار بيلوم ~~الكائنة في 70 شارع شارون، في ضاحية سان أنطوان. في الأول من مايو 1791، بلغ عدد النزلاء بها ~~47؛ ما بين مختلين عقليا وعاجزين، رجالا ونساء، أقدمهم ms223 موجود في هذه الدار منذ عام 1774. ~~وقد التحق بهذه الدور زهاء عشرين شخصا منذ الثورة. جميعهم كانوا يدفعون نفقة إقامة، ~~وكثيرون لم يمروا على أي محكمة، وبعضهم لم يذكروا في سجلات الدخول إلا بعبارة موجزة: ~~«مجنون، وحر.» نالت دار بيلوم شهرة واسعة لعدة أسباب؛ فقد كان يختبئ بها إبان عهد الإرهاب - ~~مقابل دفع نفقات مالية باهظة - عدد من الرءوس التي حالفها الحظ في الهرب والنجاة بهذه الطريقة ~~من المحكمة الثورية. ازدهرت التجارة بشكل كبير لدرجة أنه أصبح لزاما على المؤسسة أن تتوسع، ~~وانتهى الأمر بإلقاء القبض على جاك بيلوم. ولكنه هرب ونجا من المقصلة وظلت الدار مفتوحة أثناء ~~وجوده في السجن. وحين توفي في عام 1824، خلفه ابنه البكر - الذي كان يعمل طبيبا - مدشنا ~~بذلك العصر الطبي الحقيقي للمشفى. وهناك أيضا، في دار بيلوم، شرع ذاك الطبيب المبتدئ، الذي ~~جاء إلى باريس في عام 1778 ليبدأ مسيرته المهنية، في معالجة مرضاه عقليا الأوائل في عام ~~1786. إنه الطبيب فيليب بينيل. # وضع حرج # في كل مكان كان الوضع حرجا. في باريس، كانت الدور الخاصة باهظة للغاية وتحولت الدور ~~الصغيرة إلى مآو للأرامل المسنات والعجزة. ومن جديد لم يتبق على الساحة إلا بيستر ~~وسالبيتريير؛ هاتان المؤسستان اللتان أصبحتا أكثر اكتظاظا، وأكثر تخصصا من أي وقت مضى في ~~استقبال الميئوس من شفائهم الذين «أصبحوا لا يستثيرون إلا مشاعر الشفقة والعطف الأكثر عقما ~~والأشد قسوة، وهي مشاعر لا يخفف من حدتها أدنى أمل في الإغاثة.» لم تكف نزيلات سالبيتريير ~~المجنونات عن التزايد، فقد بلغ عددهن 600 في مطلع يناير من العام الحادي عشر (1803)، و794 في ~~عام 1813، و1542 في عام 1821، و1760 في عام 1824، وهي السنة التي توفيت فيها أقدم نزيلة بلا ~~منازع في المشفى، وهي المدعوة ماري لويز بوديه، المريضة بالصرع. كانت هذه النزيلة قد دخلت ~~مؤسسة سالبيتريير في اليوم الموافق 12 ديسمبر 1758، وهكذا قضت هناك 66 عاما. # في الأقاليم، تضاعفت صيحات الإنذار التي أطلقها مديرو المشافي ودور الإيواء لدى وزارة ~~الداخلية. ففي كل مكان، كانت الميزانيات، ms224 التي أصبحت منذ ذلك الحين ملقاة على كاهل الدولة، ~~غير كافية. وكانت دور الإيواء في مارسيليا تعاني من المجاعة وتطالب بنقل المأوى الذي يضم ~~المختلين عقليا؛ نظرا لتهالك المباني (العام السادس). أما مأوى شاتو تييري الخيري، فكان ~~يطالب باستمرار بمده على وجه السرعة بخمسمائة قنطار من القمح: «ما مصير هؤلاء المرضى ~~المساكين، وأرباب العائلات البؤساء، وأولئك العاجزين الأشقياء من المختلين عقليا الذين ~~أودعتهم الحكومة هذه الدور؟» (10 مسيدور، العام الرابع). في شاتوبريان، «كان وضع المأوى ~~مزريا لدرجة أنه في غضون أيام قليلة، إن لم يتلق مساعدات، فسيتم إغلاقه» (الأول من ~~فروكتيدور، العام السابع). كان الوضع مماثلا في بلوا، وليل، وكاربنترا؛ حيث بعث المديرون بلا ~~مواربة رسالة إلى الوزير على النحو التالي: «ها نحن بصدد رسم لوحة تعكس لكم الويلات التي ~~نقاسيها منذ فترة طويلة من جراء البؤس الأشد قسوة الذي حاق بنا، ونجرؤ على القول إن صمت ~~الحكومة هو المسئول الوحيد عن هذا الوضع» (4 فينتوز، العام الثامن). «الجوع لا يعرف التأجيل»، ~~بهذه العبارة المقتضبة والمصاغة بأسلوب بليغ لخص بيزو - نائب تارن في مجلس القدماء - الوضع ~~القائم (16 مسيدور، العام السابع). اختتم المسئولون الإداريون في مقاطعة شير خطابهم الذي ~~أرسلوه بتاريخ 28 بريريال من العام السادس إلى «المواطن الوزير» على النحو التالي: «إن دور ~~الإيواء التابعة لهذا المركز الإداري، والتي نكتب إليكم بشأنها ليست هي المؤسسات الوحيدة التي ~~تعاني من الفاقة ونقص الموارد بشكل يدعو للقلق. ففي مستودعات التسول وأيضا في الدور التي ~~تحتجز أولئك المساكين المصابين بالهياج والجنون، والذين يصل المبلغ الإجمالي لنفقتهم الشهرية ~~إلى 2200 فرنك، الخبز على وشك النفاد. ولا يمكن أن تنظر الحكومة بعين التجاهل واللامبالاة إلى ~~تلك الكائنات التي ستشكل خطرا بالغا إذا ما أطلقت في المجتمع، والأمر يتطلب من جانبكم ~~اتخاذ تدابير سريعة للوفاء باحتياجات هؤلاء الأشخاص واتقاء التجاوزات الحتمية والمشاهد ~~المؤلمة التي قد نشهدها من جراء ذلك.» وهكذا، لم يعد بالتأكيد إضفاء الطابع الطبي على الجنون ~~موضع اهتمام وعناية. # كان وضع المختلين عقليا ms225 في مستودعات التسول دراميا بالفعل. في بوليو، بلغت نسبة ~~الوفيات بين المختلين عقليا 57٪، مقابل 13٪ بين المسجونين. في أغسطس 1800، كان المستودع يضم ~~41 مجنونا ومجنونة، من بين إجمالي عدد النزلاء البالغ نحو 350 سجينا. يذكر أن أحد عشر ~~شخصا كانوا موجودين هناك قبل عام 1790. كانت الاعتقالات وعمليات الاحتجاز في هذا المستودع لا ~~تزال إذن مستمرة، مع وجود نسبة 13٪ من المحتجزين قادمة من السجون. وقد جعلت الضائقة ~~المالية الفصل بين المختلين عقليا والفئات الأخرى من السجناء أصعب من أي وقت مضى (بالإضافة ~~إلى أن المختلين عقليا أنفسهم - فيما يعد انحدارا رهيبا بالمقارنة مع النظام القديم - ~~كان ينظر إليهم باعتبارهم سجناء بحكم الأمر الواقع.) لم يكن من المستغرب، في ظل هذه ~~الظروف، أن يصبح الجنون مزمنا، كما هو مبين في الشرح الذي قدمه طبيب بوليو في الثاني عشر ~~من مايو 1793: «لم نر في الحوادث الصادرة عن المواطنة لوتيلييه - المسجونة في بوليو - إلا ~~عاطفة سوداوية بحق، ومخيلة يستحوذ عليها بقوة شيء رئيس، وقد يضعف من حدة هذا الخيال بشكل مفيد ~~مهام التنظيف المنزلية التي تقوم بها للعناية ببيتها، ورفقة زوجها، ومداعبات أطفالها الذين ~~تحبهم، وصورة المجتمع الدائم الحركة والنشاط. أما إذا تركت لحالها بعيدا عن أي مصدر ~~إلهاء، فبإمكاننا على الأقل أن نتوقع عودة هذه المريضة تدريجيا إلى الحالة السيئة التي كانت ~~عليها، وربما يصل الأمر إلى انعدام الأمل في شفائها على الإطلاق.» # الفصل الثاني # | مداواة الجنون # ربما يكون وضع المجانين الذين تم احتجازهم في عهد النظام القديم - إذا استثنينا من ذلك ~~الإصلاحات التي أجريت بعد فوات الأوان، إلى جانب ذلك الوضع الذي خلفته الثورة الفرنسية، بمجرد ~~أن توقفت أعمال لجنة التسول - يدفعنا إلى التصور أنه، فيما عدا خدمات الرعاية المبهمة التي كانت ~~تقدم للبعض، لم يكن هناك أي تفكير حقيقي جدير بأن يسمى تفكيرا بشأن الجنون أو معالجته. ~~ولكن هذا ليس صحيحا، وهي ليست بمفارقة بسيطة حين يتكشف أن المجانين والجنون قد سلك كل واحد ~~منهما بطريقة أو بأخرى طريقا منفصلا عن الآخر. ms226 لقد كونا - في نهاية الثورة - عالمين استمرا ~~متوازيين. وقد سادت حالة متبادلة من الإنكار والتجاهل بين ردود الفعل الاجتماعية والاستجابات ~~الطبية، والدليل على ذلك قلة حالات الاحتجاز الناتجة عن تشخيص الطبيب. ولكن هذا ليس المقياس ~~الذي يتم على أساسه الحكم على الجنون. وتعبير «الحكم على» مناسب لمقتضى الحال، بما أن القاضي هو ~~الذي يقرر في النهاية من يعد مجنونا، ومن ليس كذلك. أما فيما يتعلق بالرعاية التي كانت ~~تقدم إلى المريض في المشفى الرئيس بباريس وفي المشافي الأخرى بالمدن الكبرى، فقد اقتصرت - مع ~~توافر حسن النوايا - على دستور العقاقير والحمامات اللذين يتم التوصية بهما منذ العصور ~~القديمة. بيد أن البحث (إذا كان لدينا الجرأة على قول ذلك) حول الجنون كان ثريا للغاية وأسهم، ~~أكثر بكثير مما هو شائع، في ميلاد الطب النفسي. ومع ذلك، لم تسفر هذه النظريات في زمانها - ~~لتعددها ولجرأتها في كثير من الأحيان - عن ممارسات تطبيقية. وقد عبرت لجنة التسول عن أسفها ~~الشديد حيال هذا الوضع على النحو التالي: «مما لا شك فيه أنه قد نشر عدد كبير من المؤلفات ~~العلمية الهامة والغنية بالمعلومات حول هذا الموضوع الشائق، ولكن هذه المذاهب لم تحقق أي نفع ~~ولا فائدة لهذه الطبقة البائسة ولم تخفف من آلامها.» # تأملات نظرية # إذا أردنا حقا أن نتحدث عن القرن السابع عشر بوصفه لا يمثل ميلاد تاريخ الجنون، على حد ~~قول فوكو، وإنما إحدى مراحله (متسائلين في الوقت نفسه بصورة أعم عما إذا كان التقسيم التاريخي ~~للجنون يشكل في حد ذاته ضربا من ضروب جنون المؤرخ)؛ فسيتعين تناول هذا الموضوع بالنظر إلى ~~سياق الثورة الفكرية، التي اندلعت شرارتها مع ديكارت. إن عدم التسليم في العلوم إلا بما يتفق ~~مع العقل، يعد المبدأ الذي شكل بصورة صارخة قطيعة مع الفلسفة المدرسية (الإسكولاستية) ... مع ~~ظهور المؤلف الذي نشره ديكارت في عام 1649 بعنوان «انفعالات النفس»، نشأت ثنائية الجواهر ~~(ماهية المادة) والفسيولوجيا العصبية النظرية التي منحت الغدة الصنوبرية [الجسم ~~الصنوبري] دور «الرقيب»: فعن طريق هذه الغدة يتلقى ms227 الجسم الأوامر من الروح. يرى ديكارت ~~باعتباره معارضا لفكرة ازدواجية النفس، التي تقول بوجود نفس عاقلة وأخرى حسية، أنه لا يوجد ~~إلا نفس واحدة فقط، وهي النفس المفكرة المتحدة اتحادا وثيقا بالجسد، بحيث ينتج عن اتحادهما ~~في الجوهر كيان ثالث وهو الإنسان المادي الملموس. أما فيما يتعلق بنظرية الأهواء، التي تعد ~~قديمة قدم القدماء أنفسهم، فهي تسمح بالتمهيد لفكرة «حركات النفس» التي تقدم تعريفا، إذا ~~جاز التعبير، للطابع النفس-جسمي للانفعالات. # يدحض سبينوزا (1632-1677) - المؤمن بمذهب الواحدية - الثنائية الديكارتية، والتي شكلت ~~فيما بعد مصدر إلهام لقطاع كبير من الطب النفسي المعاصر. يرى سبينوزا أن التعارض بين النفس ~~والجسد ليس إلا تناقضا بين إدراكين لواقع واحد. ويشير كورو دو لاشامبر (مؤلف كتاب «سمات ~~الأهواء»، 1640) إلى المنفعة الاستراتيجية التي حققها الأطباء والفلاسفة بتفضيلهم للأهواء، ~~لكي يتمكنوا بذلك من الحفاظ على موقفهم كأخلاقيين مع بقائهم في الوقت ذاته في حقل الفلسفة، ~~وكاختصاصيين في علم النفس بتطرقهم إلى الطب. # بخلاف النظامين الطبيين-الفلسفيين اللذين تشاركا التفكير الطبي السائد إبان القرن ~~السابع عشر (العناية الطبية الآلي والعناية الطبية الكيميائي)، واللذين تركا فيما بعد بصمة ~~على الطرق العلاجية، استمر الطب في عدم الفصل بين دراسة أمراض الجسد ودراسة أمراض النفس. فكما ~~تصيب الأمراض الكبرى الأشخاص موفوري الصحة، تبتلى أيضا العقول العظيمة والممتازة بأفظع ~~ضروب الجنون، التي تحدث اضطرابا في القوة الجسدية لدرجة تجعل الإنسان يفعل أشياء غريبة ~~واستثنائية، ومن ثم يتم استدعاؤنا لإبداء رأينا حول هذا الاختلاف، ولمعرفة ما إذا كان مصدر ~~هذه الأفعال خبث المريض أم غلبة المرض. وللحكم بدقة على الحالة وكتابة تقرير أمين عنها، لا بد ~~من تفحص المريض ودراسة جميع عاداته وسلوكياته لمعرفة ما إذا كانت سوداوية أم صفراوية، وسؤاله ~~عن العديد من النقاط، ولكن بأسلوب دقيق ومحدد ينم عن مهارة وذكاء؛ لأنه يجب ألا يتوقف المرء ~~عند الرأي أو الاعتراف الذي يدلي به شخص مصاب بالسوداوية؛ إذ إنه غالبا ما يقول ما لا يعرف، ~~ويظن أنه يرى ما لا يراه فعليا، وحين يتصور ms228 أشياء خاطئة، فإنه يتشبث بها بحزم لدرجة قد ~~تجعله يفضل بالأحرى مكابدة الموت على أن يغير موقفه أو يناقض كلامه، وهنا تتجلى قوة حركة ~~مخيلته المختلة # 1 ~~(1609). # للبقاء على أعتاب القرن السابع عشر الذي ما زال قريبا من عصر النهضة، لا بد من التوقف ~~برهة عند مؤلف هام وفريد من نوعه، كتبه بيير دو لانكر، أحد قضاة بوردو. ونحن لا نقصد هنا ~~كتابه الشهير المعنون «جدول تقلب الأرواح الشريرة والشياطين» (الذي أبدى فيه تأييده ~~العنيف لمطاردة الساحرات والمشعوذات، ولكن يتعلق الأمر، بالنسبة إليه كما يتعلق بالنسبة إلى ~~العديد من العقول بأي شيء آخر غير الجنون)، وإنما المقصود هو مؤلف آخر أقل شهرة من سابقه، ~~وهو كتاب «جدول تبدل وتقلب الأشياء؛ حيث يتجلى أن الله وحده هو مصدر الثبات الحقيقي ~~الذي يجب أن يهدف الإنسان الحكيم إلى الوصول إليه» (1607). هذا المؤلف الأخلاقي، كما يتضح ~~من عنوانه، يتناول بأسلوب غاية في السلاسة واليسر بعض التأملات والأفكار الطبية الأصيلة، ~~والدليل على ذلك أن المرء يستطيع إذن (ولكن لفترة قصيرة فحسب) أن يكتب بحثا قيما عن الجنون ~~دون أن يكون طبيبا ولا فيلسوفا. الحكمة لا تأتي إلا «بشكل عابر»، بينما «تكمن بذرة الجنون ~~داخل كل واحد منا.» بإيجاز، منذ الجنون الأول والأعظم؛ أي جنون حواء «حين أكلت الثمرة ~~المحرمة»، أصبحنا جميعا «جنسا من المجانين». ولكن هذه الاستعارة سرعان ما دخلت في نطاق ~~المقارنة بالجنون الطبي: «أحد أكبر التهديدات التي اعتاد الله توجيهها إلى البشر الخطأة، ~~وإحدى المصائب العظام التي يبتلى الإنسان بها ، هو الجنون؛ أي تركنا لهلاكنا لنسقط في هوة ~~الخطيئة السحيقة.» يتناول دو لانكر في خطابه الهلاوس (بالتأكيد، من دون استخدام المصطلح نفسه) ~~التي تنتاب المهتاجين الساخطين، ويتحدث أيضا عن المخ باعتباره مقر الجنون ومسكنه. وبدأ يؤسس ~~على استحياء نظاما حقيقيا لتوصيف الأمراض على النحو التالي: «الجنون أشبه بشجرة [...] تتفرع ~~منه أنواع وأشكال متعددة كما تتدلى الأغصان والفروع من الشجرة وترتبط بها. فهناك الحمقى، ~~والمصابون بالهياج والهوس والسعار، والمعاتيه ذوو المزاج المتقلب، وسريعو ms229 الانفعال [...] ولا ~~أريد أن أغفل أيضا اليائسين [...] بالإضافة إلى عدد من المصابين بالسوداوية والحالمين.» علاوة ~~على ذلك، يشير دو لانكر أحيانا بشكل صريح إلى الجنون المرضي، الذي يطلق عليه «الجنون ~~الطبيعي»، والذي يصاب به الإنسان بالولادة أو عن طريق المصادفة، وفي هذه الحالة الأخيرة يحدث ~~ذلك بسبب «العواطف المفرطة»، التي تمثل في حد ذاتها أشكالا متنوعة من الجنون؛ كالهوس، ~~والسوداوية، والحب، والغضب، وغيرها من المشاعر. وأخيرا، يتناول دو لانكر بوضوح شديد مسألة ~~تشرد المجانين، معربا عن استيائه بشكل خاص من «ترك المجانين يتجولون بحرية في جميع الأماكن ~~من دون أن يقيدوا بإحكام، حتى ولو كانوا في الكنائس؛ وذلك لأن المجانين، إضافة إلى كونهم ~~دوما خطرين، يخشى أن يأتوا بأي فعل مذموم ينم عن وقاحة، ولا سيما في حق القربان ~~المقدس.» # لم يكن روبرت بيرتون طبيبا ولكنه كان عالما لاهوتيا وعميدا لكلية أوكسفورد. وقد حقق ~~كتابه «تشريح السوداوية»، الذي نشر في عام 1621، نجاحا باهرا في زمانه. # 2 # يعد هذا المؤلف كتابا جامعا لكل ما كتب قبله عن السوداوية، كما أنه يقدم ~~في الوقت ذاته - على الرغم من الدلالات الخرافية والمتطيرة - تفكيرا أصليا بشأن الاكتئاب ~~(قبل ظهور الكلمة نفسها)، يتعلق في جزء كبير منه بسيرة الكاتب الذاتية (في الواقع، سيلقى ~~بيرتون مصرعه منتحرا). يدل النجاح الفوري الذي حققه هذا الكتاب على أن الاهتمام بالسوداوية ~~لم يتناقص. فقد اتسع مجال هذا المرض - الجذاب قطعا - ليشمل حقولا جديدة، مثل سوداوية الحب، ~~التي أفرد لها بيرتون فصلا كبيرا في كتابه تحت عنوان (الحب-السوداوية ). بعد ذلك بعامين، نشر ~~جاك فران في باريس «داء الحب أو السوداوية الشبقية». لم يكن هذا المؤلف، الذي ورد ~~به مصطلحا الهوس والسوداوية باعتبارهما مترادفين، ليحظى باهتمام كبير لو لم يطعم ببعض ~~التأملات الفكرية البديعة، التي استحقت لروعتها أن يرد ذكرها في القصص والحكايات (الطريفة) ~~الخاصة بهذه الفترة: «حب النساء أعظم وأسوأ من حب الرجال.» يرجع ذلك إلى العديد من الأسباب؛ ~~من بينها، لدى المرأة، «تقارب الأوعية المنوية». على النقيض، دفعت الطبيعة ms230 هذه الأوعية، عند ~~الرجال، «بعيدا خارج البطن؛ خوفا من أن تصاب قوى النفس الرئيسة، والمخيلة، والذاكرة ~~وملكة الحكم على الأمور، باضطراب شديد نتيجة لتأثرها بالأعضاء التناسلية وقربها ~~منها.» # ولكن يتعين أن نعود إلى اثنين من الإنجليز الرواد في هذا المجال؛ وهما بالتأكيد توماس ~~سيدنهام (1624-1689) وتوماس ويليس (1621-1675)، لقب الأول ب «أبقراط الإنجليزي»، واشتهر في ~~البداية بأبحاثه في النقرس (فقد لاحظ هذا المرض ودرسه على نفسه شخصيا)، ويعد من أوائل الذين ~~نظروا إلى الهستيريا على أنها مرض مختلف عن الأمراض الأخرى؛ إذ إنها تستطيع وحدها محاكاة سائر ~~الأمراض المزمنة في مجملها. «هذا المرض متلون ويتخذ عددا لا حصر له من الأشكال المختلفة، ~~فهو أشبه بالحرباء التي تغير ألوانها إلى ما لا نهاية.» # 3 # إن نظرية الأبخرة، التي جعلت الهستيريا تحظى بكل هذا الاهتمام والعناية، قد ~~وضعت لرصد مظاهر هذا المرض التي لا يمكن التنبؤ بها. بعد شارل لوبوا (1563-1633)، كان ~~سيدنهام، بالإضافة إلى ويليس، واحدا من أوائل المدافعين عن الأصل الدماغي للهستيريا التي لم ~~تعد، وفقا لما كانت قد ساقته نظرية الرحم المتجول، حكرا على النساء. في الواقع، كان لا بد ~~من الانتظار قرنين حتى تعتمد الكلية بشكل رسمي مفهوم الهستيريا الذكورية. أما عن الثاني؛ أي ~~توماس ويليس - طبيب سريري وعالم متخصص في تشريح الجهاز العصبي - فقد أعد أول خطاب ~~عقلاني ومتسق في الوقت نفسه حول الباثولوجيا النفسية، # 4 # واضعا حدا لمسألة الشيطانية، ورافضا العلاقة السببية بين الركيزة ~~الخلطية والجنون، ونابذا الطابع الديكارتي الميتافيزيقي للنفس والعقل. يرى ويليس أن ~~العقل كف عن أن يكون مطلقا، وحلت الوظيفة (دور أحد الأعضاء وعمله) محل الملكة ~~(العقل). # 5 # وقد طرح ويليس أيضا، بعد أريتايوس وروفوس الأفسسي، احتمالية وجود روابط بين ~~الهوس والسوداوية. # شهد القرن الثامن عشر، المختلف اختلافا جوهريا، ظهور ظروف مواتية لبزوغ فكر علمي جديد. ~~بعد ديكارت ونيوتن، أصبحت الطبيعة تكتب بلغة الرياضيات. وكما يؤكد فولتير، ليس من الملائم ~~بالنسبة إلى هذا القرن المستنير أن يتبع خطى هذا الفيلسوف أو ذاك؛ فلا ms231 وجود بعد الآن ~~لمؤسس مذهب معين، وإنما المؤسس الحقيقي هو البرهان. ها قد أتى العصر الذي شهد بزوغ نجم ~~لافوازييه وبوفون، ولينيه وكوفييه، الذين شرعوا عن طريق وضع تصنيفات واسعة في تنظيم الطبيعة. ~~حذا الأطباء حذو الباحثين في علم التاريخ الطبيعي وخاطروا بوضع أولى التصنيفات الكبرى ~~للأمراض. أقدم فرانسوا بواسييه دو سوفاج - طبيب من مونبلييه - على الخطوة الأولى من هذا النوع ~~حين أصدر في عام 1732 مقالاته البحثية الأولى تحت عنوان «صنوف جديدة من الأمراض»، ثم وردت هذه ~~التصنيفات من جديد بشكل موسع في كتابه الصادر عام 1763 تحت عنوان «علم تصنيف الأمراض ~~المنهجي». يحتوي هذا المؤلف على وصف لما لا يقل عن 2000 مرض؛ حيث جرى تقسيم هذه الأمراض ~~إلى فئات، ورتب وأنواع. خصصت إحدى الفئات العشر - القسم الثامن - ل «الذهان العقلي أو ~~الجنون على اختلاف أشكاله وأنواعه: ويقصد به الخلل العميق نوعا ما، الذي يصيب ملكات الفهم ~~والإدراك.» نجد في الفئة الأولى الهلاوس أو الضلالات الذهنية «التي يجب أن تنشأ عن عيب بعضو ~~ما خارج الدماغ، ومنه تأتي الضلالات التي تصيب المخيلة.» يندرج تحت هذه الفئة الدوار، ~~والغشاوة، والعثرة، والارتباك (طنين بالأذن يرافقه هلاوس سمعية يعاني منها الشخص المصاب)، ~~وعصاب توهم المرض والسرنمة. في الرتبة الثانية، نجد الكآبة والمزاج العكر [غرابة ~~الأطوار] التي تتجلى في صورة «شهوة منحرفة أو اشمئزاز وكراهية شاذة». يندرج تحت هذه الرتبة، ~~القطا (الرغبة الملحة طويلة المدى في اشتهاء أكلة واحدة أو أكثر من المواد غير الصالحة ~~للأكل لمدة شهر على الأقل) أو شهوة الغرائب [اشتهاء مواد غير صالحة للأكل بشكل مرضي]، ~~والنهام أو الشره المرضي، والعطاش النفسي المنشأ [العطش المفرط]، والنفور، ~~والحنين أو الشعور بالغربة، والرهاب الشامل [الهلع]، والشبق، والغلمة أو شدة الشهوة ~~الجنسية عند الإناث التي يطلق عليها (الاهتياج الرحمي)، والرقوصة [مرض عصبي كان سائدا ~~في جنوب إيطاليا، ويظهر في صورة رقص هستيري متنوع، وتسببه لدغة حشرة الرتيلاء]، ورهاب الماء ~~أو داء الكلب. نجد في الرتبة الثالثة الهذيانات التي تعرف على أنها ms232 «أرق أو تشويش في ~~الحكم على الأمور منشؤهما خلل في الدماغ.» يندرج تحت هذا التصنيف الهذيان (نقلة أو اغتراب، ~~بمعنى هذيان عابر يحدث بفعل السم أو غيره من الأمراض)، والهبل أو العته، والسوداوية، ~~والهوس (الجنون) وهوس الشياطين. سوف نلاحظ أن بواسييه دو سوفاج قد صنف بحكمة، على غرار ~~ابن سينا، أنواع الجنون الرئيسة ووضعها في الرتبة ذاتها. وأخيرا، تأتي الرتبة الرابعة التي ~~تشمل أشكال الجنون اللانمطية (ذهان عقلي شاذ) المتمثلة في فقدان الذاكرة والأرق. تنقسم كل فئة ~~بدورها إلى العديد من الفئات الفرعية؛ حيث يشتمل العصاب المراقي (عصاب توهم ~~المرض) على عشر فئات فرعية، والعته على اثنتي عشرة فئة فرعية، ويندرج تحت السوداوية - بما ~~أن لكل مقام مقالا - أربع عشرة فئة فرعية. # كانت هذه التوصيفات المرضية العامة تعاني تارة من ارتباطها بشكل حصري بمبحث ~~الأعراض (بواسييه دو سوفاج، أو كولين، كان هو أول من استخدم في عام 1769 مصطلح العصاب ~~للدلالة على الأمراض غير المصحوبة بالحمى أو بالآفات الموضعية)، وتارة من كونها ~~«سيكولوجية» (على سبيل المثال، ميز فايكهارد في عام 1790 بين نوعين من الجنون: جنون ~~العاطفة وجنون العقل). وقد حاول مؤلفون قليلون، مثل توماس أرنولد في إنجلترا، # 6 # التوفيق بين الاتجاهين. # ومن بين الابتكارات التي تعزى أيضا إلى القرن الثامن عشر ابتداع الدراسات السريرية ~~المكرسة حصريا للجنون، وذلك في إطار التيار الأوروبي واسع النطاق الذي تميز بالثراء والذي ~~لا يتسع المقام الآن لتناوله بشكل كامل. وتجدر الإشارة إلى الإنجازات التي حققها الإنجليز في ~~هذا المجال، ولنبدأ بذكر ويليام باتي (1703-1776)، وهو أحد أوائل من شهدوا على الجمع بين ~~النظرية والتطبيق - إن لم يكن أولهم - في كتابه «أطروحة حول الجنون» (1758). وسوف نرى ما هو ~~الدور المحوري الذي اضطلع به في مجال إصلاح تقديم خدمات الرعاية الطبية في المشافي للمرضى ~~عقليا في إنجلترا، وفي نشأة العلاج المعنوي. فيما يتعلق بمفهوم الجنون، يرى باتي أن الجنون ~~هو اضطراب في الحس والشعور والمخيلة (الجنون، أو خطأ الإدراك) أكثر من كونه انحرافا في العقل ms233 ~~والذكاء. نذكر أيضا ريتشارد بلاكمور الذي درس السوداء في عام 1725، وجورج تشين الذي نشر ~~في عام 1733 كتاب «المرض الإنجليزي» (المرض الإنجليزي أو أطروحة حول الأمراض العصبية على ~~اختلاف أنواعها مثل السوداء، والأبخرة، والاكتئاب، والأمراض المتعلقة بالعصاب المراقي ~~وبالهستيريا). حقق هذا الكتاب الأخير نجاحا عظيما وبدا عصريا بشكل مثير للدهشة؛ نظرا ~~لأنه أرجع كل هذه الأمراض «العصابية» إلى أسباب مثل الخمول البدني، وفرط التغذية، ~~والاكتظاظ في المدن المزدحمة. # في إيطاليا، تميز مورجانيي (1682-1771) - أحد مؤسسي الباثولوجيا التشريحية - ~~بدراساته العديدة التي أفردها لفحص المخ في حالات الشلل والعته. ولقد ثبت ابتداء من هذا ~~العصر أنه لم يعثر على أي آفات في الدماغ يرجع السبب فيها إلى الإصابة بالجنون، ولكن هذا ~~الكشف لم يخلق جوا تنافسيا يلهم آخرين للسير على الدرب نفسه. شياروجي (1759-1820)، وهو ~~طبيب ممارس أسندت إليه في عام 1788 مسئولية رعاية المختلين عقليا بمستشفى القديس بونيفاس ~~في فلورنسا؛ ونشر له فيما بين عامي 1793-1794 المجلدات الثلاثة من «أطروحته حول الجنون» (في ~~شأن الجنون وتصنيفاته)؛ حيث وضع أسس الملاحظة العلمية ~~للجنون، محاولا أن يأخذ في الاعتبار الآفات التشريحية والاضطرابات الفكرية. # لقد كان للفرنسيين بصمة أيضا في هذا المجال بظهور للو كامو (مؤلف كتاب «طب العقل»، 1753) ~~أو دوفور، الذي تظاهر للمطالبة بإنشاء «منزل خاص لعلاج الجنون» بعد حريق المشفى الرئيس بباريس ~~في عام 1772. ولقد أشرنا من قبل إلى المقالة البحثية التي كتبها بعنوان «دراسة حول عمليات ~~الإدراك البشري والأمراض التي تصيبها بالخلل» (1770). يعرض هذا المؤلف، الذي يقدم تمثيلا ~~نموذجيا لعصره، اقتراحا جريئا يتمثل في «التقريب بين الأقوال الأكثر إثارة للاهتمام التي ~~صرح بها الفلاسفة من جهة والأطباء من جهة أخرى بشأن هذه المواد وتشكيل نوع من الفسيولوجيا ~~المرضية للإدراك البشري.» في الحقيقة، لم يف هذا المشروع الجميل إلا بالقليل من وعوده. ~~فيرى دوفور، حاذيا في ذلك حذو أستاذه بورهاف - الأستاذ بجامعة ليدن - أن مقر الأمراض العقلية ~~ليس في الدماغ، إلا في حالة إصابته بالخلل بفعل التواد (أي العلاقة بين الجسم والعقل، ms234 التي ~~تؤدي إلى تأثر أحدهما بالآخر). «إن العيوب الموجودة في مختلف أجزاء الجسم الأخرى تتسبب أيضا ~~في حدوث خلل وبلبلة في أفكار العقل» (نذكر على سبيل المثال تأثير الخثلة في حالة عصاب ~~توهم المرض أو في العديد من الاضطرابات العقلية الأخرى)؛ «ولذا ليس من المستغرب عدم ~~إحراز الطب لأي تقدم يذكر في علاج تلك الأمراض؛ نظرا لأنه كان يبحث عن أسبابها في الدماغ.» ~~ولا تعد هذه النظرية المتعلقة بالأصل الودي للجنون (ويقصد بالأصل الودي أو التعاطفي ~~للجنون: «تضامن فسيولوجي يتم عن بعد»؛ بحيث يؤثر إصابة عضو ما في الجسم بتضرر أو خلل على ~~إصابة الإنسان بالجنون أو الاختلال العقلي) نظرية معزولة. # نشر سيمون تيسو (1728-1797) - وهو طبيب أيضا - بحثا بعنوان «دراسة حول الصرع»، وهو ~~الجزء الثالث من الأجزاء الستة التي يضمها كتاب «أطروحة عن الأعصاب وأمراضها»، ولكنه اشتهر ~~بكتابه «بيان للشعب بشأن صحته» الذي صدر في عام 1761، والذي يعد أحد أوائل المؤلفات التي ~~اهتمت بالتثقيف الطبي، كما اشتهر بكتابه «الاستمناء - دراسة حول الأمراض التي تسببها العادة ~~السرية». وقد حقق هذا المؤلف، الذي ترجم إلى لغات عدة، نجاحا باهرا، وصدر منه ما يزيد ~~على 30 طبعة فيما بين عامي 1760 و1842. لم يكن الطب النفسي قد نشأ بعد وها هو يتوغل ليغزو ~~أراضي جديدة. بسبب الاستمناء، وبشكل عام، «الكمية الكبيرة من المني التي تبدد بغير الطرق ~~الطبيعية»، وقعت حوادث أسوأ وأفظع بكثير بالفعل من تلك «التي تصيب الأشخاص الذين يفرغون ما ~~بداخلهم في الاتصال الجنسي الطبيعي.» بطريقة أو بأخرى، إنها الحماقة التي تجعل الشخص مجنونا ~~... وبعيدا عن كون هذه الآراء تشكل نظرية بلا مستقبل، سوف يسيطر هاجس الدمار البدني والعقلي ~~الناجم عن «الرذيلة الفردية» على القرن التاسع عشر بأكمله. # كان مجتمع القرن الثامن عشر - ولا سيما صفوة المجتمع وأهل النخبة - في حالة وفاق مع ~~علمائه، أكثر مما كان عليه الوضع في القرن السابق، مبديا اهتماما كبيرا بأبحاثهم. ما زلنا ~~حتى الآن بعيدين عن تلك المرحلة التي كانت فيها المعرفة غير متاحة ms235 إلا للمتخصصين؛ ومن ثم، ~~كانت المؤلفات العديدة التي خصصت للجنون تخاطب قاعدة عريضة من الشعب المستنير ولم تكن ~~مقتصرة، كما ستكون عليه الحال في القرنين التاليين، على المتخصصين المحترفين فقط. أما عن ~~المعاجم أو القواميس والموسوعات، فقد حظيت بقدر من الاهتمام من جانب عامة الشعب، حتى لو لم ~~تكن في طليعة المعارف والإشكاليات في ذلك العصر. من المثير للاهتمام إجراء مقارنة، مع الأخذ ~~في الاعتبار بالفارق الزمني الذي يزيد عن نصف قرن، بين «المعجم العام» الذي ألفه فورتيير ~~(1690) و«الموسوعة» (1765 بالنسبة إلى المجلدات التي تهمنا) فيما يتعلق بالجنون. نجد في معجم ~~فورتيير نحو عشرة تعريفات موجزة للغاية تبدو، حتى مع ارتدائها عباءة حقبة أواخر القرن الثامن ~~عشر، قديمة. فعلى سبيل المثال، يعد الهوس «بحسب التعريف الطبي، مرضا يسببه حلم يقظة، ويكون ~~مصحوبا بسخط وهياج من دون حمى، وهو ينشأ عن مزاج سوداوي ناجم عن التهاب المرارة أو ~~السوداء، أو حرق الدم.» في «الموسوعة»، نجد عشرين بيانا مستفيضا يشمل معلومات محددة ~~ومعرفة بدقة في مجال الطب. نذكر من بين المصطلحات الجديدة التي وردت بالموسوعة ~~المخ/الدماغ، والأهواء (خصص لهذا الموضوع تسعة أعمدة)، وأيضا هوس الشياطين، الذي هبط ~~بالضرورة إلى مرتبة الأمراض العقلية. والأطباء الذين كانوا لا يزالون يتجرءون على إثارة مسألة ~~تأثير الشيطان كانوا يوصفون بالفلاسفة السيئين، بل والأسوأ من ذلك كانوا يوصفون بكتاب ~~التراجيديا الفاشلين، الذين يستغلون هذا الموضوع «كمدد غيبي لمسرحية لا يعلمون كيف يسطرون ~~نهايتها.» نجد من بين المصطلحات الجديدة أيضا الأبخرة، بوصفها «مرضا مراقيا مشتركا بين ~~الجنسين؛ حيث يتأثر الدماغ بفعل التواد بتهيج الألياف العصبية للأحشاء، الرحم بالنسبة ~~للنساء والمراقان بالنسبة إلى الرجال.» لم يغفل «الاهتياج الرحمي »؛ إذ ورد ذكره على أنه ~~مرض يصيب «الجنس» [بمعنى مجموع النساء]، وتم تعريفه كهذيان تتجلى من خلاله «رغبة جنسية مفرطة ~~تدفع المرأة بعنف إلى إشباع ذاتها.» ويؤدي عدم إشباع هذه الشهوة إلى هياج (ومن هنا جاء اسم ~~«الاهتياج الرحمي» أو الغلمة). المعادل الذكوري لهذا المرض هو «الشبق» الذي قيل عنه إنه ms236 ~~أقل شيوعا؛ نظرا لأن الرجال يستطيعون بسهولة إطلاق العنان لنزعاتهم التناسلية ولشهواتهم ~~الجنسية. ولقد تم تعريف المصطلحات الكلاسيكية المعروفة منذ العصور القديمة بأسلوب تقليدي ~~وكلاسيكي للغاية. ولكن، في الواقع، ما هو الجنون في نظر المؤلفين الموسوعيين؟ قد يكون الجنون ~~أخلاقيا أو طبيا: «حين يحيد المرء عن العقل ويكون مدركا لذلك وشاعرا بالندم؛ لأنه تحت ~~نير عبودية هوى عنيف، فهذا معناه أنه ضعيف. أما حين يبتعد المرء عن العقل بثقة وباقتناع تام ~~بأنه يتبع طريق الصواب، فهذا فيما يبدو هو ما نطلق عليه الجنون. هؤلاء هم على الأقل أولئك ~~المساكين الذين يتم احتجازهم، والذين ربما لا يختلفون عن سائر البشر إلا لأن جنونهم من نوع ~~أقل شيوعا ولا يدخل في نطاق نظام المجتمع وأمنه.» # عرف فولتير في مؤلفه «القاموس الفلسفي» (1764) مصطلح «الجنون» على النحو التالي: ~~«الجنون هو ذلك المرض الذي يصيب أجهزة الدماغ ويجعل الإنسان بالضرورة غير قادر على التفكير أو ~~التصرف مثل الآخرين. وبما أنه لا يستطيع إدارة ممتلكاته، فإننا نحجر عليه، وبما أنه لا يملك ~~أفكارا ملائمة للمجتمع، فإننا نقصيه عنه. وإذا كان يشكل خطورة، نقوم باحتجازه. وإذا كان ~~هائجا، نقوم بتقييده [...] المجنون هو شخص مريض يعاني بسبب تضرر دماغه، كما يعاني مريض النقرس ~~بسبب الآلام التي يشعر بها في يديه وقدميه.» ومن جانبه، يشرح ديدرو إلى صوفي في أحد خطاباته ~~(رسائل إلى الآنسة فولاند) ما هي السوداء، أو «الأبخرة الإنجليزية». كما ألهمت هذه الأبخرة ~~نفسها مرسييه في كتابه «لوحة باريس»: «إن الخيال هو الذي يفتح المجال للألم؛ لأن هذه القوة ~~العقلية، حين لا تجد ما يجذب اهتمامها ويستحوذ عليه، تمتلك المقدرة على تحويل كل ما يحيط بها ~~إلى مصادر للألم والوجع.» # عصر الباروك العلاجي # بالطبع، كان كل هذا التفكير النظري حول الجنون مصحوبا بإرشادات علاجية. نادرة هي ~~المؤلفات التي لم تتطرق إلى الجانب العلاجي. ولقد كانت الإرشادات العلاجية وافرة في هذه ~~الحقبة أكثر مما كانت عليه في العصور القديمة أو العصور الوسطى، لدرجة أن غزارتها، وليس ~~غيابها، هو ms237 ما بدا بالنظر إلى الماضي أمرا غير مطمئن. في الواقع، كان جدول الطرق العلاجية ~~في أواخر القرن الثامن عشر مستفيضا بقدر ما كان متنوعا. نجد في المقدمة الطرق العلاجية ~~الكلاسيكية المنصوص عليها في أواخر القرون الوسطى. في العديد من المقالات البحثية كما في ~~منشور التعليمات الصادر في عام 1785، تنوعت أساليب المداواة تبعا لأنماط الجنون المختلفة: ~~الهوس، والسوداوية، والوساوس المرضية، والتهاب الدماغ المسبب لجنون الاهتياج، والعته ~~والبله. # أصبحت عملية الفصد رائجة أكثر من أي وقت مضى منذ بروز أعمال هارفي المتعلقة بالدورة ~~الدموية، وكانت توصف تقريبا في جميع حالات الجنون، ولكن بدرجات متفاوتة. فكلما كان الجنون ~~حادا (هوس، جنون الاهتياج)، وجب «إجراء عملية الفصد بجرأة». ويتم التخفيف من حدة الفصد إذا ~~كان المريض مصابا بالسوداوية، خاصة إذا كانت الحالة قديمة. ولكن لا بد من توخي الحذر، ~~وفق ما ورد في «تعليمات» 1785، وعدم «الإفراط» في الفصد في حالة الهوس؛ لأن هذا قد يؤدي إلى ~~«إضعاف المريض وإصابته غالبا ببله غير قابل للشفاء». ورد في دورية الطب الرسمية تقرير بشأن ~~العلاج الذي خضعت له في السابع والعشرين من سبتمبر 1778 الفتاة ذات الخمسة عشر ربيعا المصابة ~~ب «هوس حقيقي لا تصاحبه حمى». يتحدث الطبيب المعالج قائلا: «جعلتني حالة الفتاة أشخص ~~هذا المرض فعليا على أنه هوس وراثي يسببه تدفق دم الحيض نحو الأعضاء التناسلية [لم تكن ~~الفتاة المعنية قد حاضت بعد]. ولإجراء عملية التفريغ الأولى، أوصي بالفصد من القدم.» بيد أن ~~المريضة اهتاجت جدا، وباستشارة أحد الجراحين، اقترح استخدام العلقات. وبصعوبة استطعنا ~~وضع ست علقات «متعطشة للدم» على قدمي المريضة المغمورتين في الماء. بعد مرور بعض الوقت، ~~قطع الطبيب أذناب العلقات. «كلما كان الدم يخرج، كان رأسها يتحرر من وطأة الجنون. وبعد ذلك ~~بأربعة أيام، حين قبلت طواعية بأن يتم إجراء فصد لها من القدم، استعادت عقلها في ~~النهاية.» # وفي المقابل، لماذا لا نلجأ إلى نقل الدم؟ لقد لاقت النظرية، بل وأيضا التطبيق، رواجا ~~في باريس في الفترة ما بين 1660 و1680، وكان ms238 بطلهما هو الدكتور ديني، الذي ادعى أنه قد شفى ~~العديد من المجانين بهذه الطريقة، بينما أكد المغتابون أنه قد قتلهم. في يوم الإثنين الموافق ~~19 ديسمبر 1667، أجرى الطبيب دينيس تجربة علنية على مجنون حقيقي كان يركض نصف عار في شوارع ~~ماريه وبات أضحوكة الحي. حضر هذه التجربة «بعض الشخصيات المحترمة من ذوي الوجاهة والمقام ~~الرفيع، وطبيبان، وسبعة أو ثمانية فضوليين، وجزاران وهما اللذان أحضرا العجل.» حيث يتعلق ~~الأمر في الواقع بنقل دم العجل إلى المريض؛ إذ إن هذا الدم «قد يسهم بعذوبته وطزاجته ونقائه ~~في التلطيف من حدة فوران وغليان الدم الذي سيختلط به.» وقد تكررت عملية نقل الدم بعد مرور 48 ~~ساعة «بمعدلات كبيرة». بل لقد كان هناك تفكير في إخضاع المريض قبل إخلاء سبيله لعملية نقل دم ~~للمرة الثالثة (لإنهاء ما بدأته العمليتان السابقتان). «لقد أصبح حاليا في حالة من الهدوء ~~التام.» تبول المريض ملء كوب كبير بولا ذا لون داكن للغاية كما لو كان قد مزج بسخام ~~المدخنة. وتعد هذه البيلة الهيموجلوبينية [وجود دم في البول بسبب تكسر كريات ~~الدم الحمراء الناجم عن عدم التوافق بين دم المتبرع ودم المتلقي] مؤشرا جيدا بتفسيرها ~~على النحو التالي: «يرجع السبب في وجود خضاب الدم في البول إلى تعرض المرة السوداء ~~للتفريغ وتصريفها عن طريق الأبوال، وذلك بعد أن كانت محتبسة قبلا داخل الجسم وكانت ~~تبعث بأبخرة إلى الدماغ؛ مما كان من شأنه أن يؤثر في وظائفه ويحدث بها خللا.» ونحن لا نعلم ~~ما إذا كان هذا المجنون المسكين قد نجا أم لا، ولكن عمليات نقل الدم الأخرى التي أجريت لاحقا ~~كان لها عواقب وخيمة؛ مما أسفر عن إدانة هذه الممارسة اعتبارا من بداية القرن الثامن عشر، ~~فضلا عن ذلك، بدأ يظهر تيار قوي لمعارضة إجراء عملية الفصد للمجانين، ولا سيما إذا كان ~~الجنون مستعصيا. وخصصت كتب بأكملها لتناول هذا الموضوع، ولكن تجدر الإشارة إلى أن ما تم ~~التنديد به بالأحرى هو الإسراف في اللجوء إلى هذه الطريقة العلاجية وليست ms239 الممارسة في حد ~~ذاتها. # وفيما يتعلق بطرق التفريغ العلاجية الأخرى، فلم يطوها النسيان. فقد اتفق جميع أطباء هذا ~~العصر على ضرورة تصريف المرة والأخلاط الحمضية (خصوصا حالة السوداوية)، وإفراغ الجسم ~~منهما، و«تخليص الاقتصاد الحيواني» منهما، على أن يكون كل هذا مستندا بالطبع إلى الخلفية ~~الراسخة لمذهب البقراطية. كان الأطباء يصفون المطهرات والمقيئات في جميع الحالات. ~~وتشير «تعليمات» 1785 إلى أن «استخدام المطهرات كانت أهم بكثير من إجراء عملية الفصد.» وهناك ~~عدد لا حصر له من وصفات المطهرات، بدءا بالراوند والسنامكي (أصبحا فيما بعد من ~~العلاجات الشائعة) وانتهاء بالوصفات الغريبة والعجيبة إلى أقصى الحدود، على سبيل المثال: «خذ ~~ثلاث ملاعق من مرق ديك عجوز، بعد حشوه ب ...» أما عن المقيئات، فتمتلك خاصية إضافية، وهي أنها ~~تهز المريض وتجعله يرتجف وينتفض، وسرعان ما أثارت هذه الهزة اهتمام الأطباء المتخصصين في ~~علاج الجنون؛ نظرا لما تحدثه من إلهاء في «الاقتصاد الحيواني». # بدأ استخدام هذه الطرق العلاجية القائمة على الصدمة، قبل إقرار صورتها النهائية، منذ ~~العصور القديمة (لدى سيلسوس، على سبيل المثال) ثم في القرون الوسطى. يشير أمبرواز باريه (1509 ~~تقريبا-1590) - الأب الروحي للجراحة الحديثة - إلى إحدى الحالات التي تمت معالجتها بهذه ~~الطريقة في الفصل الذي خصصه في مؤلفاته ل «سبل الشفاء المتنوعة». # 7 ~~«مؤخرا قام مريض يدعى جاسكون، مصاب بحمى حادة، وبالتهاب في الدماغ المصاحب ~~لجنون الاهتياج إثر تدهور حالته، بإلقاء نفسه في الليل من نافذة بالطابق الثاني، فسقط على ~~البلاط وأصيب بجروح في مواضع متفرقة من جسده. وقد استدعيت لتطبيبه، ووجدت أنه بمجرد أن ~~وضع على السرير، بدأ يستعيد عقله وهدوءه وزال عنه جنون الاهتياج تماما.» وبخلاف «الملاحظة» ~~العارضة، بدأت فكرة إحداث صدمة لغرض علاجي تشق طريقها نحو التطبيق. فقد أشار كولين في هذا ~~الصدد إلى العقوبات البدنية. وقال ويليس: إنه في حالة الهوس، تكون الآلام والأوجاع أكثر فائدة ~~من الأدوية والعقاقير. انطلاقا من هذا المبدأ، نجد من بين الوسائل المتبعة، التي كان القدماء ~~قد أوصوا بها، الحمام المفاجئ والحمام الإجباري. في ms240 عام 1783، قام أحد القساوسة ~~باستدعاء الطبيب؛ لأن الطاهية التي تعمل لديه مصابة بالجنون. لم تفلح مع حالتها العلاجات ~~الكلاسيكية كالفصد، وعمليات التطهير وإفراغ الأمعاء بالمطهرات، والحقن الشرجية. وأمام ~~نوبات الهياج والسخط التي تضاعفت، لم يجد الطبيب بدا من إلقاء المريضة في النهر المجاور، ~~بعد ربطها أولا بحبل. وبالفعل، شفيت المريضة. # 8 # ثم بدأ الحديث يكثر عن حمامات البحر المرعبة: «كانت الحمامات البحرية ~~رائجة، سواء في حالة الهوس أو رهاب الماء/داء الكلب. بيد أنها لم تكن تحدث سوى خوف يضر ~~أكثر مما ينفع» (تعليمات 1785). كفى، فهذا كثير. # كان القرن الثامن عشر يعد رائدا باختراعه الصدمة الكهربية، في الوقت الذي كانت ~~فيه الكهرباء قد تم للتو اكتشافها، فكيف لنا أن ننكر هذه الحقيقة؟ تلك الحظوة التي نالها ~~«السائل الكهربائي»، والتي استحوذت على اهتمام المجتمع وانعكست بالتالي على الطب. في البداية، ~~بدت حالات الشلل مؤهلة لتطبيق تلك الطريقة العلاجية عليها، بل وأيضا الأمراض العصبية ~~والاضطرابات التي يصاحبها تشنجات. ولم تكن هناك إلا خطوة واحدة تفصل هذه الأمراض عن الجنون. ~~بدأنا ب «كهربة» المريض بوضعه بالقرب من مصدر انبعاث شرارات، # 9 # ولكن نظرا لأن «هذه الحمامات الكهربائية» لم يكن لها تأثير كبير، فكرنا فيما بعد ~~في «الصدمة الكهربائية». وقد نص منشور التعليمات الرسمي الصادر في عام 1785 على اللجوء إلى ~~هذه الطريقة في حالات البله والهوس، «ولكننا ما زلنا لا نستطيع الاستشهاد فعليا بأي حالات ~~عولجت بهذه الوسيلة.» # لنعد إلى العلاجات المفرغة، ماذا حدث للخربق؟ يبدو أن الاهتمام بعشبة أنتيسيرا ~~الشهيرة أصبح من الآن فصاعدا أدبيا أكثر منه طبيا. بيد أن «تعليمات» 1785 نصت على ~~استخدامه، ولكن ربما كان الدافع لذلك يتمثل بالأحرى في وجوب عدم إغفال أي شيء. لقد شكلت ~~المطهرات التي توصف بجرعات عالية، خاصة في حالة السوداوية، إحدى طرق العلاج بالصدمة؛ ~~نظرا لما تحدثه من هزة معوية عنيفة. بعد العلاجات المفرغة، كانت المهيجات أيضا ~~مسئولة، ولكن بوصفها قرحا مفتعلة، عن إتمام عمليات التفريغ الصعبة. فقد كانت عمليات الكي، ~~والخزامة، والقرح المصطنعة ms241 تسبب تقيحا أو طفحا بغية جذب الأخلاط الفاسدة، ومن ثم طردها ~~خارج الجسم (لم يعد يشار إلى أبقراط إلا قليلا، ولكن مذهب البقراطية ظل سائدا). حين كان ~~يعزى سبب الإصابة بالجنون إلى «فيروس نقيلي» [فيروس يعني إذن سما]، كان يتم في بعض ~~الأحيان التلقيح بالجرب، اعتقادا بأن هذه التقنية من شأنها طرد نوع من السموم لسم ~~آخر. # استطاعت المرطبات، المتوافقة أيضا مع نظرية الأخلاط البشرية، أن تفرض نفسها وتحتل مكانة ~~متميزة على الساحة وتحقق فائدة أكثر من أي علاج آخر استخدم لمداواة الجنون في القرن الثامن ~~عشر. كما يعد العلاج بالتبخير باستخدام المرطبات هو العلاج الذي نجح بامتياز في جميع حالات ~~الجنون. وقد ورد هذا في الأطروحة التي قدمها الطبيب بيير بوم وحظيت بنجاح كبير في أواخر عهد ~~لويس الخامس عشر. # 10 # إن «استرخاء الجهاز العصبي» يعززه استخدام المرطبات والمشروبات المغلية التي ~~تحتوي على أعشاب أو نباتات، وشرب الماء بكميات كبيرة (بدءا بمياه الينابيع الحرارية التي ~~كانت رائجة للغاية في هذه الفترة)، والاغتسال وبالأخص في الحمامات، سواء أكانت نهرية أم ~~منزلية، وساخنة أم دافئة أم باردة، والتي «تمنح الألياف قوة ومتانة. فقليلة هي الوسائل التي ~~تعزز بصورة فعالة الجهاز العصبي وتستعيد مرونة أنسجته العضوية.» بالطبع أشعل بيير بوم، الذي ~~أصبح طبيب البلاط الملكي، نار الغيرة في نفوس زملائه، الذين نشروا شائعات تفيد بأنه قد تسبب ~~في موت بعض مريضاته الشهيرات. ولكنه وجد مدافعا ممتازا عنه في شخص فولتير، المريض الدائم ~~بوسواس المرض. بوم ليس هو الوحيد، على أي حال، الذي امتدح المرطبات؛ فحين يصبح التهاب الدماغ ~~وما يصاحبه من جنون الاهتياج، مرضا مزمنا، يوصى كذلك بترك الماء البارد يتدفق على رأس ~~المريض. تكشف لنا تعليمات 1785، التي أوصت أيضا باستخدام المرطبات ، عن «قلنسوة أبقراط» ~~الغريبة التي كانت توضع على رأس المختل العقلي الحليق منذ بداية غزو المرض. وهي عبارة عن ~~عصابة يشد بها رأس المريض مع الحرص على أن تكون مبللة دائما بترطيبها بإسفنج مغموس في ~~خليط من الماء البارد والخل. ms242 # لم يغفل دور المهدئات والمخدرات في معالجة الجنون. فقد شاع استعمال الأفيون وشهد ~~بذلك جميع الكتاب في أواخر القرن الثامن عشر، ولا سيما في حالات جنون الهياج. بالإضافة إلى ~~ذلك، نجد السيكران، والبلادونا، والداتورة، والكافور. مع هذا المهدئ الأخير، نستعيد ~~مضادات التشنج التي ترجع إلى العصور الوسطى، وأصبحت رائجة على وجه الخصوص في القرن ~~الثامن عشر. يضاف إلى إفرازات القندس والمسك الكلاسيكيين الحلتيت وخصوصا «زهور الزنك» ~~(أكسيد الزنك)، الذي أقرت إنجلترا استخدامه بحماس ولم تستحسنه فرنسا في بادئ الأمر ثم أثنت ~~عليه لاحقا بدورها. # ولقد كانت المقويات والمنبهات أقل عددا؛ لأن استخدامها كان يأتي في المرتبة ~~الثانية بعد المهدئات. ولكن، ما الذي كان يتم إعطاؤه للمصابين بالسوداوية، وللمعاتيه؟ ~~في القرن الثامن عشر، كان الاهتمام منصبا على نبات الكينا. فقد كان يوصف في البداية كمضاد ~~للحمى خلال القرن السابع عشر، ولكنه رفع في القرن التالي إلى مرتبة المقويات، ~~والمهدئات، ومضادات التشنج. وتوجد بعض أنواع المنبهات الداخلية الأخرى، مثل الخردل، وفجل ~~الخيل البري (الملعقية)، ومسحوق الذراح (الذباب الإسباني المجفف) الذي ~~كان معروفا بأنه مثير للرغبة الجنسية، ولكن كان يوصف أحيانا في بعض حالات العته. أما عن ~~المعطسات المعروفة بالفعل، والتي يمكن تصنيفها ضمن فئة المهيجات، فقد كان لها أيضا ~~أنصار. وقد تشتمل المقويات على فرك بعض النباتات (الكينا والجنطيان؛ «كينا الفقراء»)، ~~والحمامات المضاف إليها طحين الخردل، أو الحمامات الكبريتية ... علاوة على ذلك، ظل الأطباء ~~متمسكين للغاية بالوصفات الطبية المتعلقة بالأنظمة الغذائية الملائمة لكل حالة على ~~حدة. # كل ما تم ذكره حتى الآن من طرق علاجية ما هي إلا أساليب كلاسيكية لمعالجة الجنون. لقد حان ~~الوقت لنتساءل عما إذا كانت هذه الترسانة تدخل تحت بند النظرية أم التطبيق، وفي الحالة ~~الثانية، من المستفيد ؟ مما لا شك فيه أن المرضى الأثرياء استفادوا، إذا جاز القول، من هذه ~~الأدوية والأساليب العلاجية التي لا تعد ولا تحصى. وكانت استشارة الطبيب تقتضي الحصول على ~~وصفة طبية، وهو الغرض الذي لأجله استدعي الطبيب في المقام الأول. ومع ذلك، ms243 فلا مجال لطرح ~~مثل هذا السؤال المبتذل حينما يتعلق الأمر بالنتيجة، حتى ولو كانت جميع الحالات المذكورة، ~~على سبيل المثال في «دورية الطب، والجراحة، والصيدلة» - التي ظهرت في القرن الثامن عشر، والتي ~~ربطت بشكل وثيق بين الأوصاف السريرية والمؤشرات العلاجية - تبدو وكأنها تنتهي دائما نهاية ~~سعيدة: «أتاه النوم»، «قلت الأزمات»، «شفي المريض»؛ مما قد يضفي طابعا أكاديميا بعض ~~الشيء على جميع هذه القصص. # وماذا عن المجانين الآخرين، المختلين عقليا الذين تعج بهم المشافي ودور الاحتجاز ~~الجبري؟ سواء أكانوا قد احتجزوا مباشرة في إحدى دور الاحتجاز الجبري أم «مروا أولا على ~~أحد المشافي الرئيسة بالمدينة»، كانت توصف لهم العلاجات الأكثر شيوعا: الفصد، والحمامات ومن ~~ضمنها الحمامات الإجبارية، والشربة بمختلف أنواعها. في عام 1767، قدم دستور ~~الأدوية الخاص بمشفى باريس الرئيس عددا من الصيغ المتعلقة بعلاج المختلين عقليا. نجد ~~من بينها «مستخلصا مغليا لحالات الهوس أو الهياج» (يضاف إليه الخربق الأسود، وهذا دليل ~~على أن هذه العشبة الشهيرة لم تختف تماما)، و«حبوبا مضادة للسوداوية»، و«شربة ~~ضد الهوس» (ملينا) و«مسحوقا ضد الصرع» يشتمل بشكل أساسي على هدال البلوط أو الدبق، ~~والفاوانيا أو عود الصليب، والناردين، والكونفالاريا المسمى أيضا زنبق الوادي والزيزفون. ~~ومع ذلك، يتدخل عنصران هامان لحفظ التوازن؛ أولا: العلاجات التي كان يتم وصفها لمختلين ~~عقليا - ولا سيما المعوزين - كان يتم التقليل بالضرورة من كميتها ومن معدل تكرارها (بالنظر ~~إلى هذه العلاجات اليوم، نجد أنها لم تكن بالتأكيد سيئة تماما). ثانيا، والأهم من ذلك: أن ~~هذه العلاجات وخدمات الرعاية الصحية لم يكن يتم توفيرها للمريض إلا في «بدايات الجنون». تتكرر ~~هذه العبارة باستمرار. فإذا لم تتحسن حالة المريض في غضون ستة أشهر إلى ثمانية أشهر من ~~المعالجة، يخيم شبح الإقصاء الرهيب ويوضع المريض في مصاف الميئوس من شفائهم. أقصى ما كان ~~يتم عمله هو تجربة علاج جديد في وقت لاحق، عند نقل المريض من مكان إلى آخر، خاصة إذا كان ~~الشخص المعني لا يزال شابا. # يضاف إلى هذه البانوراما الواسعة من الطرق العلاجية الكلاسيكية ms244 العديد من العلاجات التي ~~تبدو مجنونة بقدر الجنون نفسه. تعرض مجموعة الأيقونات والصور التي تمثل القرنين السادس عشر ~~والسابع عشر أحد هذه الأساليب العلاجية المجنونة: استخراج حصوات الرأس، أو حجارة الجنون. ~~ويصور لنا بيتر برويغل الأكبر على وجه الخصوص وأيضا جيروم بوش في رسومهما إحدى هذه العمليات ~~الهزلية؛ حيث نجد طبيبا يبدو كأحد الدجالين أو المشعوذين يحدث شقا، عند مستوى الجبهة، في ~~فروة رأس مريض مقيد إلى كرسي ثابت ومتين، حتى يستخرج منه حجرا صغيرا ومستديرا، وهو ~~حصوة الجنون. نظن أن الأمر لا يعدو أن يكون قصة رمزية، ولا سيما أن العملية تتم غالبا في جو ~~احتفالي أشبه بالكرنفال. في رسوم بوش، نجد الجراح الذي يجري العملية يرتدي قمعا على رأسه. ~~وقد انضمت حصوة الجنون - ذلك الضيف غير المرغوب به - إلى القائمة الطويلة التي تشمل ~~النعرة، والزنبور، والجعل، وعنكبوت السقف. ألا نقول في فلاندر: «فلان لديه حجر في ~~رأسه»؟ بيد أن واقعية تفاصيل العملية نفسها (كما تتجلى بالأخص في رسم جون تيودور دو براي) قد ~~تجعلنا نفترض أن عمليات مماثلة أجريت في بداية عصر النهضة، في المعارض والأسواق التي كان ~~الناس يتوافدون عليها أيضا لخلع أسنانهم. ربما كان لدينا أمل في شفاء ذلك المجنون، الذي أظهر ~~له الدجال بحيلة ما الحصاة المسئولة عن جنونه. لم ينس أمبرواز باريه أن يذم «أولئك الجراحين ~~المدعين، الذين هم في حقيقة الأمر مخادعون ومحتالون، وفاسقون ولصوص.» # في وقت لاحق من القرن السادس عشر، صورت لنا الأيقونات والرسوم ممارسة طبية أخرى غريبة ~~لمعالجة الجنون متمثلة في المواكب الراقصة. لم تختف رحلات الحج العلاجي التي كانت رائجة في ~~القرون الوسطى، ولم تكن لتختفي بالأحرى بعد انقضاء عهد النظام القديم. يقدم لنا بيتر برويغل ~~الأكبر من خلال بعض النقوش الرائعة صورة حية لإحدى رحلات الحج العلاجي في مولنبيك (فلاندر). ~~وهنا أيضا قد تعطينا واقعية المشاهد الإيحاء بأنها قد رسمت على الطبيعة: نساء ~~يتلوين، وقد أمسكت بأذرعهن بقوة ممرضتان في كل جانب، يسرن في موكب راقص يشرحه ~~برويغل ms245 على النحو التالي: «هؤلاء هم الحجاج الذين يتعين عليهم الرقص في يوم عيد القديس يوحنا ~~في مولنبيك، بالقرب من بروكسل. وحين يرقصون أو يقفزون من أعلى الجسر، ينعمون بالشفاء من داء ~~القديس يوحنا لمدة عام كامل.» نشير في هذا الصدد أيضا إلى المرضى المصابين بداء رقص القديس ~~غي (وفقا للمفهوم الشامل آنذاك، الذي يضم العديد من المتلازمات العصبية و«النفسية» المختلفة، ~~وذلك قبل أن يبدأ سيدنهام بعزل داء الرقص في 1685، وكان أول من وصفه ولذا سمي برقص ~~سيدنهام). وكان لداء رقص القديس غي موكب راقص خاص في اشترناخ (لوكسمبورج)؛ حيث توفي القديس غي ~~في عام 698. وكان إيقاع الرقص يستلزم اتخاذ ثلاث خطوات إلى الأمام، وخطوة إلى الخلف، حتى ~~الوصول إلى ضريح القديس ويليبرورد [القديس غي]. ما زال هذا الطقس موجودا إلى يومنا هذا، ~~ويتكرر في يوم الثلاثاء من عيد العنصرة. # اتسمت بعض هذه الطرق العلاجية بالشذوذ لدرجة قد تجعلنا نتساءل عن حقيقة وجودها الفعلي ~~(ولكننا لن نعلم ذلك أبدا؟) نذكر على سبيل المثال بيانو الهررة المثير للفضول الذي وصفه الأب ~~كيرشر - اليسوعي الألماني إبان القرن السابع عشر - والذي افتتنت به الأوساط الطبية. من ~~المرجح أن يكون هذا البيانو قد اخترع لتبديد السوداوية والكآبة عن أحد الأمراء ~~العظام. تعتمد فكرة هذا البيانو على اختيار تسعة هررة وفقا لصوت موائها واحتجازها داخل ~~الخانات الضيقة لصندوق متصل بمفاتيح البيانو التسعة. ينتهي كل مفتاح بطرف حاد وقاطع لوخز ذيل ~~أحد تلك المخلوقات المسكينة؛ مما ينتج عنه صدور صوت المواء المرغوب. وبما أن الأمر يتعلق ~~بالموسيقى، كان يحرص على وضع القطط وفق ترتيب معين من الصوت الأغلظ إلى الصوت الأكثر حدة. ~~تبنى جوهان كريستيان راي (1759-1813)، وهو اختصاصي ألماني شهير في تشريح الجهاز العصبي ~~ويعد ممثلا بحق للطب النفسي الألماني في الحقبة الرومانسية، فكرة بيانو الهررة موضحا بدقة ~~ضرورة وضع المريض «بالشكل الذي يتيح له رؤية تعابير الحيوانات وإيماءاتها». # 11 # واقترح أيضا اتباع طريقة «التعذيب بلا ضرر»، التي تقتضي ضمن أمور أخرى تعليق ~~المريض عقليا على ms246 ارتفاع معين بواسطة الحبال وتركه على هذا النحو سابحا بين السماء والأرض. ~~كان يتم أيضا ترويع المريض عن طريق إطلاق بعض الأعيرة أو تفجير بعض الألعاب النارية بالقرب ~~منه. وإذا لم يكن كل ذلك كافيا، فلنسمعه بعض المقطوعات الموسيقية الأوبرالية! # قد يتصور البعض أن القرن الثامن عشر كان أقل «رجعية»، ولكن الأمر ليس كذلك. فقد كان ~~الأطباء الذين يستشهدون بالعلاجات التقليدية القديمة؛ بغية التنفير منها وإبراز أهمية وفعالية ~~العلاجات الحديثة مقارنة بها هم الأقل عددا. بينما كان الباقون يكتفون بالإشارة من جديد إلى ~~تلك العلاجات القديمة؛ متسببين بذلك في زيادة الفوضى وتفاقم الوضع. من بين العلاجات التي كانت ~~تستخدم لمعالجة الصرع وحده، نذكر دون ترتيب «دود الأرض (الذي كان يؤخذ على الريق في شهر ~~يونيو قبل شروق الشمس)، وحافر حيوان الموظ، وعقب الأرنب البري، ومخ الغراب، وقرن الكركدن، ~~وعظيمات أذن العجل، وصفراء الكلب الأسود الطازجة، وزبل الطاوس، وروث الأسد، وشوكة (بنية ~~تشريحية عظمية) للعمود الفقري لسحلية متآكلة في عش نمل.» أما عن «القاموس الدوائي» الذي ظهر ~~في عام 1757 بتوقيع طبيب مشكوك في أمره وهو الدكتور جيه جي، # 12 # فإليكم الدواء الذي يقترحه لعلاج الهوس: «خذ مخ كلب، وقم بإذابته في ثمن ~~جالون من النبيذ الأبيض، ثم بعد مرور أربع وعشرين ساعة قم بتقطيره. ويعطى المريض ملء ملعقة ~~صغيرة من هذا الخليط مضافا إليه دم حمار بالمقدار نفسه، في كوب من مغلي البطونيقا، كل ~~صباح.» بل لقد كان من الممكن في بعض الأحيان استخدام مكونات من أصل بشري مثل: كشاطات فقرات ~~ودماغ رجل مات ميتة عنيفة، والمشيمة أو الحبل السري لطفل حديث الولادة. ولكننا نقترب هكذا من ~~السحر الأسود، وتلك قصة أخرى. فقد كان يطلب من الساحر أو المشعوذ أي شيء، بما في ذلك شفاء ~~أحد المجانين، ولكن الطلبات من هذا النوع كانت قليلة للغاية، وهي أقل بكثير من طلبات الرغبة ~~في الفوز بقلب أحدهم أو موت والد ما للحصول على الميراث. # قد يصعب تفهم ما يشيعه البعض اليوم عن ms247 سذاجة النظام القديم دون أن نأتي على ذكر «أنصار ~~المدرسة التجريبية». فالنظام القديم ليس ساذجا، ولكنه مؤمن. إن جميع فئات المجتمع على اختلاف ~~مستوياتها، تؤمن بالله، والشيطان، والمعجزات الكبيرة والصغيرة. وكان أنصار المذهب التجريبي، ~~الذين لا يحصى لهم عدد، يتباهون بقدرتهم على الشفاء دون الحاجة إلى مساعدة الأطباء الذين ~~ليس في وسعهم الكثير. كان لكل مؤمن بالمذهب التجريبي سره الخاص. كان هناك اعتقاد في قوة ~~الأسرار. كان الجميع يلجئون إلى التجريبيين، بالرغم من الحرب التي كانت دائرة على استحياء ~~بينهم وبين الأطباء. «الطبيب - كما كتب مرسييه في مؤلفه «لوحة باريس» - بوجه شاحب وصوت ~~مزماري النغم، وعين حائرة، يجس نبضكم بفتور، وينطق بتلك الجمل اللبقة التي تشعركم مع ذلك ~~بالفراغ والخواء. ويبدو وكأنه يريد المماطلة مع المرض [...] أما التجريبي، فيتمتع على العكس من ~~ذلك بجرأة في الكلام، ويملك نظرة واثقة [...] الطبيب بارد، أما الآخر؛ ذلك التجريبي الدافئ ~~والعاطفي والمتقد الحماس، فيقول لك: خذ، ولتنعم بالشفاء!» يعد الجنون حقلا مناسبا تماما ~~لأنصار المدرسة التجريبية. في عام 1772، كتب حاكم كاين تقريرا في منتهى الجدية إلى وزيره ~~يخبره فيه بوجود أحد أتباع المدرسة التجريبية في المنطقة الإدارية الخاضعة لسلطته؛ حيث كان ~~ذلك الشخص الشهير معروفا بقدرته على شفاء داء الكلب «بواسطة سر قديم للغاية متوارث في ~~عائلته». «السيد دوميسنيل لديه أيضا سر خاص بشفاء الجنون، ولكنه يمتلك من النزاهة والأمانة ~~ما يجعله يعترف بأن النجاح لا يكون حليفه دائما. في الواقع، من بين عشرة أشخاص مصابين ~~بالجنون، لم يشف العلاج إلا خمسة فقط. أعرف بشكل شخصي مثالين بارزين وحديثين للغاية ~~لحالتين حظيتا بالشفاء بتلك الطريقة.» وأخيرا، ألم يرغب الملك في امتلاك هذا السر؟ في مكان ~~آخر، كان هناك قس هو الذي «يعالج بنجاح الصرع »، وكان يطلب أيضا مساعدات من الملك. # لا يمكن للطب إلا أن يكون تجريبيا. لقد أبرأ شيراك - الطبيب الأول للويس الخامس عشر - ~~رجلا إنجليزيا من السوداء بواسطة رحلة على متن عربة خفيفة يجرها حصان. وهنا يطرح السؤال ~~نفسه، أيرجع الشفاء إلى ms248 السفر أم إلى العربة؟ ينبغي أن نشير في هذا السياق إلى أن كاليوس كان ~~يقوم بالفعل بهدهدة مرضاه في أسرة معلقة، أو كان يهزهم بقوة باصطحابهم للتنزه في طرق ~~وعرة (الرجرجة). تجدر الإشارة إلى أن خاصية الارتجاج والتحرك كانت توفرها «كراسي ~~الاهتزاز» الأولى (1734) التي كان بوسع المرضى الأغنياء استخدامها في المنزل. وقد ذكر فولتير ~~تلك الكراسي في رسالة موجهة إلى كونت أرجنتال. وماذا عن اللجوء إلى الحيلة والخديعة في علاج ~~الجنون؟ ألا يعني ذلك تشجيع الجنون بغية محاربته؟ سوف تكون هذه المسألة محل جدال في القرن ~~التاسع عشر ولكن ليس تحت مظلة النظام القديم. يروي أمبرواز باريه - الجراح الكبير في القرن ~~السادس عشر - أنه شفى أحد المختلين عقليا كان يعتقد أن هناك ضفادع داخل بطنه، وذلك بإجراء ~~عملية تطهير له (من خلال إفراغ الأمعاء بالمطهرات)، وألقى خلسة بعض الضفادع في وعاء موجود ~~بغرفته. إنه المبدأ نفسه، ولكن بصورة أقل إيلاما، الذي تنبع منه عملية حصوات الجنون. # أبإمكاننا الحديث عن المدرسة التجريبية فيما يتعلق بمسمر (1734-1815) وب «المغناطيسية ~~الحيوانية» التي تمثل الخطوة الأولى على طريق التقدم العلمي الذي تم إحرازه في اتجاه التطور ~~اللاحق الذي شهده فيما بعد الطب النفسي الديناميكي؟ تأكدت الخصائص الطبية ~~للمغناطيسية، التي تم استشعارها منذ العصور القديمة، إبان القرن السابع عشر، وأشار إليها ~~في القرن الثامن عشر فرانز أنطون مسمر - الطبيب النمساوي - بعد أن عرج على اللاهوت ~~والفلسفة والقانون. وضع مسمر نظريته بشأن «المغناطيسية الحيوانية» في فيينا؛ حيث رفع زواجه ~~من امرأة ثرية من قدره وجعل منه طبيبا اجتماعيا مرموقا متخصصا في معالجة أهل النخبة ~~والأغنياء. يقول مسمر: إن الكون مفعم بسائل رقيق، يعمل كوسيط بين الإنسان والكون. سوء توزيع ~~هذا السائل هو المسئول عن إصابة الإنسان بالمرض ويكفي توجيه السائل المذكور نحو مراكز معينة ~~عن طريق إحداث «أزمات» لتحقيق الشفاء. مثل هذه النظرية، المتناغمة تماما مع نظرية الأبخرة، ~~كان مقدرا لها النجاح في باريس، حيث وصل مسمر في عام 1778. هرعت سيدات الطبقة الراقية ~~«المصابات باضطرابات وخلل ms249 عقلي بفعل اختلال الأخلاط وتصاعد الأبخرة السيئة إلى الدماغ» إلى ~~عيادته الفخمة الكائنة في حي لويس لو جراند [ميدان فوندوم]. وقد ساعده شارل ديسلون - الطبيب ~~الأول للكونت دارتوا - الذي ربطته به علاقة وثيقة، على أن يحظى بإنعامات البلاط الملكي، على ~~الرغم من العداء الواضح الذي أظهرته الكلية تجاهه. في شقة فسيحة مزينة بديكور أنيق، حيث يتسلل ~~ضوء خافت رقيق قائم على تقنية الجلاء والقتمة، وضع «سطل» (أصبح فيما بعد أربعة)، وهو عبارة ~~عن إناء معدني كبير ذي فوهة مغلقة مستوحى من قوارير ليدن [المكثفات الكهربائية الأولى] ~~تنبثق منه القضبان الموصلة التي يمسك بها المرضى. يتيح هذا الجهاز العبقري معالجة عدد من ~~المرضى يصل إلى عشرين مريضا في وقت واحد، حيث يربطون بحبل حول الخاصرة، ويشكلون دائرة ~~ممسكين بعضهم بأيدي بعض. ثم يقترب مسمر، مرتديا زيا رائعا من الصوف المطرز بالورد ~~الأرجواني بألوانه المتباينة، وواضعا شعرا مستعارا مصففا بعناية، برفقة المساعدين ~~المتخصصين في المسمرية أو العلاج بالقوة المغناطيسية، شباب وسيم وقوي يطلق عليهم ~~«الخدم ذوو اللمسة الشفائية». يوجه مسمر بعصاه الحديدية، السحرية بقدر ما هي ممغنطة، ~~السائل نحو أحد المشاركين، متسببا في إحداث الأزمة الشافية. وهكذا دشن مسمر أسلوب ~~العلاج الجماعي الذي كان ينتظره مستقبل مشرق. ثم يندفع أحد «الخدم من ذوي اللمسة الشفائية» ~~ليسيطر على المريض الذي انتابته التشنجات ويقتاده إلى غرفة مجاورة؛ حيث يسمح للأزمة ~~المخلصة بالتعبير عن نفسها بمنتهى الحرية. «كانت هناك بعض النساء اللاهثات اللاتي تعرضن ~~لخطر الاختناق؛ ولذا كان لا بد من فك وثاقهن. وهناك أخريات كن يضربن الجدران أو يتدحرجن على ~~الأرض، كما لو كان هناك ما يطبق على حناجرهن، وكن يشعرن بتدفق الأبخرة الباردة أو الملتهبة ~~في ثنايا الاقتصاد الحيواني، تبعا للمسار الذي رسمته العصا القادرة.» # 13 # لا تقتصر المغناطيسية الحيوانية على علاج الهستيريا الاجتماعية، ولكنها تشمل أيضا ~~الأمراض العصبية كافة، وكذلك جميع الأوجاع والآلام بشكل عام، ويمكن تطبيقها على الرجال ~~والنساء، الأغنياء والفقراء على حد سواء. وقد خصص مسمر للفقراء سطلا، وذلك قبل ms250 أن يقوم ~~بمغنطة شجرة من أجلهم تقع في نهاية شارع بوندي. وقد جنى ثروة تقدر ب 340 ألف جنيه في ~~عام 1783 بعد أن أسس جمعية الانسجام، التي كان يحق لكل مساهم فيها أن يكشف له عن «سر» من ~~أسرار المغناطيسية، بشرط أن يقسم على أن يحتفظ بهذا السر لنفسه ولا يبوح به لأحد. وكان رسم ~~الانضمام إلى هذه الجمعية يبلغ مائة لويسية (2400 جنيه). انتقد مرسييه بشدة نزوع الإنسان ~~الطبيعي إلى كل ما هو عجيب وخارق وساحر ومثير للدهشة (فالفضول هو ما جعل الناس يتهافتون على ~~الذهاب إلى المنومين المغناطيسيين). وبدأت الكلية في التحرك. ففي عام 1784، عين ~~لويس السادس عشر لجنتين لتقصي الحقائق. وكانت إحدى هذه اللجان تضم لافوازييه، وبنجامين ~~فرانكلين وطبيبا يدعى جيوتن، كان يشغل حينئذ منصب أستاذ بكلية الطب في باريس، وكان مشهورا ~~«بتفانيه في خدمة الإنسانية المعذبة». جاءت النتائج الختامية للتقارير حاسمة؛ فلا وجود ~~للسائل المغناطيسي الحيواني، وجميع الآثار الملاحظة «تحدث بفعل اللمس، والخيال». وهكذا ~~انتهت مسيرة مسمر المهنية وغادر فرنسا في عام 1785. وسنترك كلمة النهاية لشارل ديسلون: «إذا ~~كان طب الخيال هو الأفضل، فلم لا نمارسه؟» # 14 ~~«انطلاق» العلاج المعنوي # بالتوازي مع ما سمحنا لأنفسنا بتسميته بأثر رجعي «عصر الباروك العلاجي»، الذي كان يعد - ~~وينبغي أن نشدد على ذلك - متوافقا مع التفكير الطبي السائد في ذلك الوقت؛ بزغت - منذ العصور ~~القديمة - فكرة «العلاجات المعنوية»، التي مهدت الطريق ل «المعالجة الأخلاقية أو العلاج ~~المعنوي». وكان كاليوس أوريليانوس قد نصح بالاستعانة بكل ما يؤثر في علاقة المريض بالطبيب ~~وبالبيئة المحيطة به: التعليم، والسلطة، بل والإكراه من جهة، والرقة والوداعة، وتجاذب أطراف ~~الحديث، والترفيه من جهة أخرى. بإمكاننا الحديث عن نوع من العلاج الترابطي، وخاصة فيما ~~يتعلق بتطبيق مبدأ «يشفى الضد بالضد» (كأن نتحدث مثلا مع مرضى السوداوية عن أشياء مفرحة). ~~في القرن السادس عشر، عكف خوان لويس فيفيس - واضع نظرية المساعدة، والعالم الإنساني ~~واللاهوتي، وعالم الاجتماع - ضمن أمور أخرى على دراسة مسألة المختلين عقليا؛ «لأنه لا يوجد ms251 ~~في العالم ما هو أكثر تميزا من الإنسان، ولا يوجد في الإنسان نفسه ما هو أكثر تميزا من ~~العقل.» ينبغي أن يكون العلاج ملائما لكل حالة على حدة: «فالبعض يحتاج إلى تناول مهدئات ~~واتباع نظام غذائي، والبعض الآخر يجب التعامل معه برفق وعطف حتى يتم ترويضه رويدا رويدا ~~كوحوش البرية، وآخرون بحاجة إلى أن يتم تعليمهم وتثقيفهم وتوعيتهم، وهناك من ينبغي إخضاعهم ~~بالاحتجاز والسلاسل.» # 15 # لم ينس باجليفي - طبيب إيطالي من القرن السابع عشر - بعد أن قام بإعداد لائحة طويلة ~~تتضمن أساليب المعالجة الفيزيائية الخاصة بمداواة الجنون، أن يضيف إلى هذه القائمة تأثير ~~«الانطباعات المعنوية»، المبهجة، أو الرقيقة أو الانفعالية تبعا لكل حالة على حدة. وهكذا ~~انساب مصطلح «الجانب المعنوي» في مجال العلاج إلى ميدان تاريخ الجنون، وذلك في الوقت نفسه ~~الذي أعاد فيه هذا التاريخ إحياء الخطاب حول الأهواء. يعد هذا المصطلح، الذي سنلاقيه مرارا، ~~مبهما. وسيظل محاطا بهالة من الغموض. يقصد به في المقام الأول كل ما له علاقة بالنفس أو ~~العقل، ونشير في هذا السياق إلى التناقض بين العلاجات المعنوية والعلاجات الفيزيائية، مثلما ~~نفرق بين البؤس المادي والبؤس المعنوي. وفقا لهذا المعنى، علينا أن نفهم التصريح التالي بشأن ~~إحدى المختلات عقليا التي أدخلت مشفى شيربور العام في سنة 1786: «النظام الغذائي ~~والعلاجات المعنوية قد جعلاها تتحسن ومنحا الأمل في شفائها.» ولكن، أمام الاتصال النشط ~~بالمشاعر والأهواء، طوال القرن الثامن عشر، اكتسب الجانب «المعنوي» إشراقة وحيوية، وأصبح ~~يشمل أيضا بعدا أخلاقيا يقصد به كل ما هو منضبط، وعادل، ونزيه وخير في مقابل الشر. ~~وتحول النعت # moral ~~«معنوي» إلى اسم # morale ~~«مبادئ أخلاقية» في القرن السابع عشر، ولكن وفقا ~~للمعنى المعياري الذي نعرفه اليوم، والذي يتوافق مع إحياء الفلسفة الرواقية. نذكر بأن ~~الجنون، من وجهة نظر الرواقيين، ليس إلا التهاب المشاعر؛ أي عدم القدرة على ضبط النفس أو ~~التحكم في الأهواء وانعدام الرقابة الذاتية. وهكذا فالمرء مسئول بشكل ما عن جنونه، بما أنه ~~مسئول عن عواطفه. ومن ثم، بالنسبة إلى ms252 القرن التاسع عشر، سنجد أن ذروة التقدم - أو لنقل ~~التجسد النهائي للعلاج المعنوي - سيتمثل في «توبيخ ووعظ» المريض عقليا. # أقر القرن الثامن عشر الفلسفي، الذي أعاد قراءة مؤلفات القدماء، هذه الأفكار، كما تشهد ~~بذلك «الموسوعة» التي ورد فيها أن الأهواء «تنزع عن الإنسان الحرية تماما، وتجعله في حالة ~~تصبح فيها النفس بشكل ما سلبية # passive ~~، ومن هنا جاءت تسمية ~~العاطفة بالهوى # passion ~~.» وهكذا يجد الإنسان المثقل نفسه ~~«لا يملك حرية التفكير في أي شيء إلا فيما له صلة ~~بهلاكه؛ ولذا تعد الأهواء أمراض الروح.» ولا يعني هذا أن الأهواء غير ضرورية، كلا، فهي تمثل ~~«المحرك الرئيس لكل شيء»، وإنما لا بد من السيطرة عليها. # من ثم، تراجعت مدرسة الجسدنة (التي عادت فيما بعد) لصالح مدرسة علم النفس. «إيقاظ ~~حساسية الروح وإحياء ذوقها وشجاعتها اللذين انطفأت جذوتهما، وذلك من خلال الاستعانة بكثرة ~~بعوامل الإثارة والتحفيز وجذب السرور الذي تستطيع الروح تذوقه: وبهذه الوسيلة نثير داخل ~~الدماغ فكرة أقوى بحيث تقوم بمحو تلك الفكرة السخيفة التي تحتل النفس» (دوفور). إن خدمات ~~الرعاية التي يقدمها الطبيب غالبا ما تكون غير مجدية؛ لأنه لا يعرف بما فيه الكفاية ~~«معنويات» مريضه (تيسو). «إذا كان سبب الداء معروفا، فأين نجد الدواء؟ في مصدر الداء نفسه - ~~أي في المخيلة - فهي التي قدمت السم، ومن ثم لا بد من أن نجد عندها الدرياق.» # 16 # أوضح الأب شارل ليون روبن، الذي ترجم من الإنجليزية مؤلفا عن مشفى بيت لحم ~~(بدلام) للمجانين بلندن، # 17 # أن «فن شفاء المجانين لا يزال في مهده». لا بد من الاهتمام بدراسة «معنويات ~~المرضى» غالبا أكثر من الاهتمام بصحتهم الجسدية، ومتابعة أي فكر تطرأ على بالهم أو أي ~~استدلالات منطقية، وتمييز اللحظات والمناسبات التي تنقطع فيها هذه السلسلة الفكرية، و«علينا ~~أن نكتشف أي شعور عنيف من شأنه إحداث فوضى واضطراب، وأن نعرف كيف نتقرب من وجهات نظرهم ~~وأذواقهم وأهوائهم؛ بحيث يتسنى لنا دائما إخضاع إرادتهم وإجبارها على الرضوخ، والسيطرة على ~~مشاعرهم وأفكارهم وتأملاتهم [...] هذا الفن ms253 المجهول هو ما سيحث المختل عقليا بشكل تدريجي ودون ~~أن يشعر على معرفة الأفكار والاستدلالات المنطقية التي تزعجه وتسبب له تشويشا ~~واضطرابا.» # انضم جوزيف داكين (1757-1815) - محب للأعمال ~~الخيرية وعضو بالجماعة الماسونية، وطبيب غامض من شامبيري - إلى هذا التيار حين نشر في عام ~~1791 «فلسفة الجنون». العنوان وحده بمنزلة بيان تأسيسي لتيار جديد. ما الذي يقصده داكين بكلمة ~~«الفلسفة»، التي يرى أنها «ربما تمثل المساعدة الوحيدة التي يمكن تقديمها في علاج الجنون»؟ ~~يقدم داكين نفسه - وهو ما لا يرد في العنوان - بصفته ممارسا يواجه المشكلات التي يطرحها ~~المجانين الميئوس من شفائهم الذين يتولى علاجهم في مأوى شامبيري، وليس بصفته عالما نظريا. ~~كما يشير إلى نفسه أيضا باعتباره من أنصار تيار الإنسانية وحب العمل الخيري؛ نظرا لأنه يهدي ~~كتابه للإنسانية، «ذلك أن الجنون هو اللوحة التي تجسد أعظم شر يصيب الحياة، والإحسان هو أعظم ~~دواء له.» «هلموا إذن، أيها البشر الفخورون والمتغطرسون، يا من تحتقرون نظراءكم، ادخلوا معي ~~هذه الحجرات الضيقة البشعة [...] تحسروا على ما أصاب النظام الطبيعي من تشوه وتدمير ~~مماثل!» # يقر داكين بأن احتمال شفاء الجنون ضعيف. وتقع مسئولية ذلك في المقام الأول على عاتق ~~الأطباء. «بعض الأطباء لديهم، لعلاج هذا المرض، نمط معين يتبعونه في جميع الحالات تقريبا، ~~وحين يستنفدون كل علمهم، وينفرون المرضى سواء بسبب كمية الأدوية أو بسبب صرف أدوية خاطئة ~~لهم، وحين يصابون تماما كمرضاهم في نهاية المطاف بالضجر والإرهاق؛ فإنهم يتخلون عن المرضى ~~ويتركونهم يواجهون مصيرهم المشئوم، إلى أن تقرر العناية الإلهية إراحة العالم منهم.» بيد أن ~~داكين لم يرفض كليا طرق علاج الجنون الرئيسة (باستثناء الخربق)، ولكنه يرى انعدام قيمتها ~~إلا إذا اقترنت ب «صحة الروح»، التي «من المفترض أن يكون لها وحدها تأثير كبير على عقل هؤلاء ~~المرضى أكثر من كل العوامل الفيزيائية التي تم الاستعانة بها حتى الآن.» ويشكل كل من النظام ~~الغذائي الذي يتبعه المجانين و«نمط المعيشة» بشكل عام جزءا أساسيا من العلاج، تماما ~~كإنشاء مصحات خاصة، ولم يستفض داكين ms254 في تناول هذه النقطة. وتركزت تطلعاته على الطبيب ~~بالتأكيد، الطبيب الفيلسوف. «لن أقول أبدا، مثل جان جاك روسو، إن الطب يأتي من دون الطبيب. ~~وإنما أزعم على العكس من ذلك أن الطبيب يأتي مع الطب، ولكن مع ذلك الطب المجرد من الهراء ومن ~~الدجل والشعوذة، ولا سيما من العقاقير والتراكيب. أود أن يأتي الطبيب مزودا بفكر الملاحظة ~~الذي يتيح له مراقبة مسار الطبيعة؛ من أجل تعزيز سبلها، وتيسير خطاها في حال سيرها على الطريق ~~السليم، أو تقويم انحرافها في حال سلوكها طريقا خاطئا.» # يعود داكين، في ختام مؤلفه، إلى ما يعنيه ب «فلسفة الجنون»، التي يقصد بها اجتماع ~~وسائل يكون معها «أقل عدد من أدوية الصيدلة» لازما. فلا بد من إظهار قدر من الصبر، والرفق، ~~والاهتمام والتقدير، و«الحذر المستنير»، و«الأفكار المنطقية والأقوال المعزية» خلال «فترات ~~الصحو التي يتمتع بها المرضى في بعض الأحيان [...] وأزعم أن المساعدات المعنوية ربما يجب أن ~~تكون هي الوسائل الوحيدة التي ينبغي الاستعانة بها.» # النموذج الإنجليزي # يثني داكين، مثل أغلبية زملائه الفرنسيين، على الأطباء الإنجليز قائلا: «ما من أمة حتى ~~الآن وفرت مثل ما وفره الإنجليز من رعاية طبية، ولا حققت مثل ما حققوه من نجاح باهر في شفاء ~~المجانين.» وقد أقرت لجنة التسول بأن «فرنسا متأخرة كثيرا فيما يتعلق بهذا النوع من العلاج ~~عن جميع الممالك المجاورة وخاصة إنجلترا. أمامنا، في هذا الصدد، دروس عظيمة لنتعلمها من ~~إنسانية الإنجليز المستنيرة؛ إذ تجمع مشافي المجانين لديهم كافة المزايا، وكل وسائل الراحة، ~~وجميع وسائل الشفاء التي قد يبتغيها المرء أو يتوقعها.» ولقد أرسلت اللجنة في الثالث والعشرين ~~من أبريل 1790 استبيانا إلى الدكتور هانتر، أحد مؤسسي مشفى المجانين بيورك، لمعرفة الطريقة ~~المتبعة لعلاج الجنون؛ حيث «تجري الاستعانة بالوسائل الأكثر رفقا التي أثبتت نجاحها في تحقيق ~~الشفاء، حتى بالنسبة إلى المرضى عقليا الأشد هياجا.» ولم تتلق اللجنة جوابا عن هذا ~~الاستبيان، على الرغم من أنها عاودت إرساله بعد ذلك بستة أشهر. # لماذا تتمتع إنجلترا بهذه السمعة الطيبة؟ يعزى ms255 ذلك جزئيا إلى إسهامها النظري، بدءا ~~بما قدمه ويليس في هذا المجال، ولكن قدرتها على ربط الجانب النظري بالجانب العملي هي التي ~~حظيت على وجه الخصوص بالإشادة في جميع أنحاء أوروبا. # 18 # لم تكتف إنجلترا بتمني امتلاك مشاف مخصصة للمجانين، وإنما حولت الحلم إلى حقيقة ~~ببنائها إياها. وكانت البداية في القرن السابع عشر مع إنشاء المشفى الأشهر بين المشافي ~~جميعها، وهو مشفى بيت لحم بلندن، المعروف باسم بدلام، والذي أصبح مرادفا لمشفى المجانين في ~~جميع أرجاء البلاد. كان مشفى بدلام ديرا تأسس في القرن الثالث عشر، ثم صادره الملك هنري ~~الثالث ومنحه إلى مدينة لندن. وقد بدأ في استضافة المجانين منذ نهاية القرن الرابع عشر، وذلك ~~قبل أن يصبح في القرن السابع عشر المشفى الوحيد للمجانين في إنجلترا. على غرار مشفى باريس ~~العام، كان مشفى بدلام مركزا يتدفق عليه المختلون عقليا من جميع أنحاء المملكة. على الرغم ~~من الأعمال الإنشائية الهامة التي تم إنجازها فيما بين عامي 1675 و1676، كانت قائمة الانتظار ~~طويلة. مقابل 50 مريضا عقليا محتجزين، كان هناك ما بين مائة إلى مائتي مريض ميئوس من ~~شفائهم ينتظرون أحيانا خمسة أو ستة أعوام لدخول المشفى. وكما هي الحال في فرنسا، تزايدت ~~عمليات الاحتجاز بشكل ملحوظ إبان القرن الثامن عشر. وفي عام 1730، بلغ تعداد المجانين في ~~بدلام 250 مجنونا إجمالا، سواء القابلون للشفاء أو الميئوس من شفائهم، ومن ثم تجلت ضرورة ~~إجراء توسعات جديدة. في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وزعت 275 حجرة على خمسة أروقة ~~مسقوفة. ومنع مرضى الصرع والمعاتيه من دخول المشفى. وكان الصيدلاني يمر يوميا على ~~المشفى، والطبيب ثلاث مرات أسبوعيا. «يعد مشفى بيت لحم أثرا بارزا ومشهورا للإحسان ~~البريطاني. وسواء أخذنا في الاعتبار فخامة المبنى التي تليق به، أو التصميم الداخلي المناسب ~~وتوزيع الغرف بشكل مريح، أو الراحة التي يوفرها للبؤساء المقيمين فيه؛ فإننا نستطيع أن نؤكد ~~أن هذا المشفى لا مثيل له في الكون كله.» # 19 # وبمتابعة هذا الإطراء المبالغ فيه، نجد أن ms256 أحمقين من بين كل ثلاثة «كانا يستعيدان ~~عقليهما» بعد الخضوع لعلاج لمدة عام واحد. ومع ذلك، ترسم لنا بعض الروايات المرعبة التي تصف ~~بدلام صورة مناقضة تماما لما ذكرناه سابقا. فعلى سبيل المثال، لم يلغ عرض المجانين - حيث ~~كان المتفرجون يدفعون المال لقاء مشاهدة المختلين عقليا - الذي كان يشكل موردا رسميا لا ~~يستهان به لدخل المشفى إلا في عام 1770. وقد ألهم هذا العرض العديد من الفنانين مثل ويليام ~~هوجارث. وتبين اللوحة التي صور فيها هذا المشهد في عام 1735 أن هذه المؤسسة لم تكن يوما ~~ميناء لراحة المرضى عقليا. فيما وراء الهجاء اللاذع، يعكس لنا الفنان ببصره الحاد صورة من ~~وحي الطبيعة لما قد يعد بالنسبة إلى المجنون أبشع من جنونه الخاص: وهو مشهد جنون الآخرين، ~~الذي يجد نفسه مرغما على معايشته في نطاق مساحة ضيقة للغاية. # من الواضح أن بدلام كانت هي المؤسسة الوحيدة المخصصة لاستقبال المختلين عقليا؛ إذ كنا ~~نجدهم في جميع مؤسسات الاحتجاز غير المتخصصة مثل السجون في حال ارتكابهم جريمة، وبيوت العمل، ~~والإصلاحيات، والمنازل التي توفر المسكن والمأكل نظير دفع نفقة إقامة (وهي منازل للرعاية ~~وليست للعلاج) ... وهو الوضع الذي يذكرنا، حتى منتصف القرن الثامن عشر، بمثيله في فرنسا. في ~~إنجلترا أيضا، توالت التشريعات في البداية على استحياء. كنا نرى بلها أثناء عمليات مطاردة ~~المتسولين، التي لم تكن أمرا خاصا بفرنسا وحدها. وقد خصصت للمختلين عقليا مادة في ~~قانون 1744، الذي جاء في أعقاب أعمال لجنة برلمانية كانت مكلفة بإعادة النظر في قوانين ~~التشرد. وكان السؤال الأبدي الذي يطرح نفسه دوما ~~هو: من سيتكفل بمصاريف رعاية، وحراسة، وعلاج هؤلاء المختلين عقليا أو المجانين (العائلة، ~~أم الأبرشية، أم المدينة، لم يرد أي ذكر للملك)؟ أما عن الجملة التي نقرؤها مرارا بشأن أحد ~~المجانين: «تم احتجازه سالما في مكان آمن»، فهي تشدد على فكرة الاحتجاز الآمن، ولكنها تظل ~~غامضة حيال تحديد مكانه. كنا في انتظار ميلاد مشافي المجانين، باستثناء مشفى بدلام الذي بدا ~~وكأنه مأوى أكثر منه مشفى للمجانين. ms257 # كان مشفى بدلام مكتظا على أي حال؛ ولذا كان من المنطقي تماما إنشاء مشفى القديس لوقا ~~للمجانين في لندن، عن طريق الاكتتاب العام. يرتبط ميلاد هذا المشفى الخاص ارتباطا وثيقا ~~بشخص الدكتور ويليام باتي (1703-1776)، الطبيب الأول بالمشفى وعضو الكلية الملكية للأطباء، ثم ~~رئيسها. لقد سبق أن ذكرنا «أطروحته الهامة حول الجنون»، والتي عرض فيها وسائل العلاج التي كان ~~بصدد تطبيقها في مشفى القديس لوقا. لماذا - يتساءل باتي - أنشأنا في لندن مشفى آخر ~~للمجانين؟ يتعلق الأمر بتزويد هذا المشفى بعدد من الأطباء الشباب وبفريق عمل مؤهل؛ من أجل ~~«دراسة وممارسة واحد من أهم فروع الطب». علام يرتكز علاج الجنون في مشفى القديس لوقا؟ كان ~~علاج الجنون يجري باتباع الطرق العلاجية التقليدية، ولا سيما العلاجات المفرغة ومضادات ~~التشنج. بيد أن ما وضعه باتي في المقدمة وسلط عليه الضوء هو «الإدارة» بما تشمله من [سلوك، ~~وحكم، وتوجيه]: الإدارة تفعل أكثر مما يفعله الطب في هذا المرض. لا يمكن معالجة الجنون إلا ~~في مصحة خاصة؛ حيث يتم الاعتناء بالمجنون ورعايته بشكل كامل في كل ساعة من اليوم. فالمصحة ~~التي تنتزع المجنون من بيئته المتسببة في مرضه تسمح باسترداد الجسد لعافيته، وفي الوقت ~~نفسه كبح جماح الغرائز المنحرفة وتبديد الفكر الثابتة المتسلطة على رأس المريض. وهكذا ~~استقر العلاج المعنوي لأول مرة - بالطبع قبل ظهور المصطلح نفسه - في المصحة وأصبح جزءا لا ~~يتجزأ من عملية الاستشفاء. # حاول جون مونرو - طبيب ببدلام - أن يسخر من المذهب الجديد (ملاحظات على أطروحة دكتور باتي ~~عن الجنون)، مدافعا عن الطرق العلاجية التقليدية (العلاجات المفرغة وبالأخص المطهرات ~~المعوية)، ومؤكدا أن أطباء بدلام، الذين يرى أنهم تعرضوا ضمنيا لهجوم في بحث باتي، يقومون ~~أيضا بتطبيق «الإدارة» والاحتجاز العلاجي. ولقد ذهب مونرو - إذا صدق القول - إلى أبعد من ~~زميله في اتباع الطرق العلاجية غير الفيزيائية، وذلك من خلال العمل على التأثير في المختلين ~~عقليا باللين وليس بالخوف، وذلك بعد البحث عن سبب الجنون عند كل واحد منهم. أما عن مبدأ ~~استبدال عاطفة ms258 بأخرى، الذي تركه باتي لتقدير الممارس، فقد كان مونرو معارضا له؛ إذ يرى أنه ~~خطأ شائع منذ العصور القديمة. فهجمات عاطفة ثانية لن يكون لها إلا آثار سلبية على عقل المريض ~~الذي أضعفته العاطفة المستحوذة عليه. تكمن أهمية هذا الجدال بين طبيب بدلام وطبيب مشفى القديس ~~لوقا في أنه أثار نقاشا حول فكر معالجة الجنون، وهو نقاش ظل مرتبطا بشكل ملموس ببناء ~~مشافي المجانين. أنشئت مشفى مانشستر للأمراض العقلية في عام 1763، ومشفى نيوكاسل أبون تاين ~~في عام 1767، ومشفى يورك في عام 1777، ومشفى ليفربول في عام 1790، والعديد من المشافي الأخرى. ~~واعتبارا من عام 1753، أصبح يسمح لأطباء مشفى القديس لوقا بتعليم وتدريب تلاميذ في مشفاهم؛ ~~«من أجل الصالح العام»، مجسدين بذلك حلم باتي الأساسي الذي عد رائدا للتعليم السريري للطب ~~النفسي. # لم يكن هذا العمل الخيري الإنساني مصحوبا دائما بشفقة مبالغ فيها. فيما يتعلق بمشفى ~~مانشستر، تمت الإشارة بشكل حاسم في أحد المؤلفات المترجمة إلى الفرنسية في عام 1777 # 20 # إلى ضرورة إنشاء مشاف متخصصة ومجانية للفقراء؛ ليس فقط لأن المجنون جدير بالشفقة ~~والرحمة ولذا يستحق مشفى، وإنما أيضا لأنه مثير للإزعاج، ومن ثم يجب أن يتوارى عن أعين ~~الجميع. «وبتجميع عدد من المختلين عقليا في مصحة مشتركة، يصبح بالإمكان التقليل من عدد ~~المشرفين.» وأضاف المؤلف قائلا: «إنه تفكير محزن حقا، حين نظن أن الأمل نادر في ~~الشفاء التام من هذا المرض.» يتطلب علاج الجنون «إدارة» قاسية: «ففي فن المداواة يجب أن يكون ~~الاهتمام منصبا بشكل كامل على وسائل اكتساب سلطة حقيقية على الطبع والأهواء، وذلك من خلال ~~الاستعانة بالعواطف والأفكار العقلية المناقضة؛ وهي مهمة تقتضي ملاحظة مستمرة، وخبرة كبيرة، ~~في التعامل مع الحالات المماثلة، بالإضافة إلى الحزم والأمن اللذين تستطيع العادة وحدها ~~توفيرهما.» # في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، افتتحت مصحات عامة أو شبه عامة للأمراض العقلية ~~في غالبية المدن، لتضاف بذلك إلى المؤسسات الخاصة المتعددة، التي كانت تستقبل منذ القرن ~~السابع عشر، خلافا لدور الاحتجاز الجبري الفرنسية (وعلى غرار ms259 الدور الخاصة الباريسية)؛ ~~المختلين عقليا دون غيرهم من المرضى. بيد أن هذه المصحات كانت أكثر تنوعا؛ فبعضها، مثل ~~مؤسسة السير جوناثان مايلز الكبرى في شرق لندن، كان يحتجز المجانين المعوزين الذين يتكفل بهم ~~المسئولون القائمون على تنفيذ قانون الفقراء. والبعض الآخر كان يضع قائمة بالأسعار المختلفة ~~لنفقة الإقامة، التي قد تصل أحيانا إلى خمسين ضعفا للسعر الأساسي المقرر لتكلفة إعالة ~~المعوزين، كما هي الحال في دار تايسهرست هاوس (ساسكس)، التي ظلت تديرها لما يقرب من قرنين ~~عائلة نوينجتن، وكان يعمل بها مائة وخمسون خادما وحارسا لخدمة ورعاية أقل من نصف هذا العدد ~~من النزلاء. كان يوجد أيضا دور عديدة ذات مساحة صغيرة للغاية؛ حيث كان يقوم المالك غالبا ~~بإيواء اثنين أو ثلاثة من المختلين عقليا في بيته الخاص. في النصف الثاني من القرن الثامن ~~عشر، تعالت الأصوات منددة بما أطلق عليه «تجارة الجنون». وقد أثار العديد من حالات الاحتجاز ~~المشكوك فيها الصحافة وهيجت الرأي العام. لم يستطع أحد أن ينسى أنه في ظل هذه المملكة، ~~وليس في مكان آخر، تم التصويت رسميا في عام 1679 على قانون المثول أمام القضاء، الذي يحق ~~بمقتضاه لكل مواطن محبوس أن يمثل أمام القاضي الذي وقع على أمر توقيفه؛ حتى يتم بالدليل ~~القاطع إثبات وجود دافع للاعتقال [عليك إحضار الشخص بشحمه ولحمه للمثول أمام القاضي]. وفي ~~حالة عدم توافر هذا الدليل، يصبح لزاما على القاضي إصدار أمر بإطلاق سراح الشخص المحتجز. ~~لقد كان تيار العمل الخيري الإنساني الذي كان ساريا إبان القرن الثامن عشر أكثر رسوخا في ~~إنجلترا منه في فرنسا، وقد حلت محله بقوة الماسونية التي أوجدها كذلك في إنجلترا مذهب الفلسفة ~~النفعية، ولا سيما الطوائف البروتستانتية، مثل الكويكرز (جمعية الأصدقاء الدينية) أو ~~الإنجيليين. # في عام 1774، صوت البرلمان على قانون تنظيم مشافي المجانين الخاصة الذي نظم عملية احتجاز ~~المختلين عقليا في المصحات الخاصة وقننها. بموجب هذا القانون ، لم يكن ممكنا افتتاح أي ~~مؤسسة أو تشغيلها دون الحصول على ترخيص من السلطة العامة، التي ms260 يتعين إعلامها بجميع حالات ~~الدخول المستجدة. وكانت جولات التفتيش التي يقوم بها المفوضون المعينون من قبل البرلمان، ~~والذين تتولى كلية الطب الملكية دفع رواتبهم، تستهدف التأكد من أن عمليات الاحتجاز قانونية ~~وأن المختلين عقليا يعاملون بإنسانية. في الواقع، كان لا بد من الانتظار عدة أعوام لتصبح ~~هذه التدابير فعالة، ولكن هذا لا ينفي أنه قد أعطيت دفعة قوية أولية لتشريع خاص بشأن المرضى ~~عقليا. بالإضافة إلى أن جنون الملك جورج الثالث، الذي أصبح واضحا ابتداء من عام 1788، وما ~~استتبعه من عراك بين الخبراء، كان من شأنهما تعزيز انشغال الرأي العام بهذه المسألة. # بلغ هذا «النموذج» الإنجليزي أوج ازدهاره وتجلى في أبهى «صوره» مع إنشاء مأوى ذا ~~ريتريت في يورك، الذي أسسته عائلة توك المنتمية إلى طائفة الكويكرز. في عام 1791، لقيت إحدى ~~سيدات الكويكرز مصرعها في ظروف مريبة داخل مشفى المجانين بيورك، الذي كان قد أنشئ قبل ذلك ~~بعشرين عاما. وقد استنكر ويليام توك (1732-1822) - وكان يعمل تاجرا للشاي والقهوة - الأوضاع ~~المعيشية السيئة داخل مشفى يورك، وانتهى بإقناع أعضاء طائفة الكويكرز بتمويل بناء دار مخصصة ~~للمصابين بالجنون، بحيث تكون هذه الدار - التي لا تعد مشفى ولا ملجأ ولا سجنا - بمنزلة ~~مؤسسة إنسانية، أو بالأحرى بيت خلوة، ومن هنا جاءت تسميته ذا ريتريت. فتحت المؤسسة أبوابها في ~~عام 1796، وكانت تضم في ذلك الحين ثلاثين مريضا وسبعة موظفين. وقد أسهم هؤلاء الموظفون ~~السبعة، من الطبيب إلى الحارس، في تطبيق نظام الإدارة بأسلوب غاية في الإنسانية. فكما ترتدي ~~اليد الحديدية قفازا مخمليا، ينصهر الطابع التربوي والمعياري للاحتجاز في بوتقة الإحسان ~~والرحمة والرفق التي يغلفها هيكل شبه عائلي. # شارك هنري، الابن البكر لويليام، في حياة المؤسسة الجديدة، ولكنه توفي قبل الأوان. ثم ~~خلفه ابنه الأكبر صموئيل (1784-1857) الذي قدم للعالم الغربي «بيت الخلوة»، في عام 1813، من ~~خلال كتابه «وصف بيت الخلوة، تلك المؤسسة الواقعة بالقرب من يورك والمخصصة للمرضى عقليا ~~التابعين لجمعية الأصدقاء. لمحة تاريخية عن أصل هذه الدار، وإنجازاتها، وطرق العلاج المتبعة ~~فيها، وعرض ms261 للحالات.» بعد عرض تاريخ «ذا ريتريت» وإعطاء وصف دقيق للأماكن وللائحة الدار، ~~خصص فصلان؛ أحدهما للعلاج الطبي، والآخر - تقريبا أطول من مثيله بثلاث مرات - للعلاج ~~المعنوي الذي برز بوضوح كمرادف للإدارة. في هذه الأثناء، ظهر المصطلح في كتابات فيليب بينيل، ~~الذي كان صموئيل توك يستشهد به في كثير من الأحيان، وسنتطرق بالطبع إلى هذه النقطة فيما بعد. ~~علام يرتكز العلاج المعنوي في «بيت الخلوة»؟ بما أن الجنون مصدره الذهن، يتعين أولا التأثير ~~في العقل. يملك المختلون عقليا («المجانين»، ولكن صموئيل توك أعلن عن استعداده لتبني مصطلح ~~«المريض عقليا» المقتبس من الفرنسية) درجة من التحكم في «ميولهم السيئة». إن حسهم الفكري ~~والأخلاقي غالبا ما يكون مشوها أكثر منه مدمرا. ومن ثم بإمكاننا التأثير في عقل الأحمق عن ~~طريق كسب ثقته وتحويل انتباهه إلى أغراض مناقضة لجنونه. ينقسم العلاج المعنوي إلى ثلاثة ~~أجزاء. في الجزء الأول، لا بد من مساعدة «المريض» على ضبط نفسه. الخوف ليس محظورا، ولكن ~~ينبغي التحكم في جرعته كما يحدث عند تربية الطفل. فيجب أن تسبقه التربية والسلطة. تساهم ~~العديد من العوامل المتمثلة في الحياة المنضبطة، والعمل، والدين؛ في تعزيز ضبط النفس. يتوقف ~~الجزء الثاني عند وسائل الإخضاع: التقييد في السرير، وفي الغرفة، والحبس في غرفة مظلمة، ~~والتغذية القسرية بالنسبة إلى العديد من المختلين عقليا الذين يرفضون تناول الطعام، ~~والأحزمة الجلدية وسترات المجانين المخصصة لتقييد المهتاجين والسيطرة عليهم (باستثناء سلاسل ~~العار)، ويتم تطبيق هذا النظام بدقة وبصورة منتظمة مصحوبا بكلمات الإقناع. يعقب هذه المرحلة ~~الثانية، التي وطدتها المرحلة الأولى، المرحلة الثالثة التي تقتضي استكشاف سبل الترويح عن ~~النفس والتعزية والراحة المتمثلة في الحوار المناسب لكل مريض على حدة، والأنشطة الترفيهية ~~التي تهيئ المناخ الملائم للتواصل الاجتماعي، والقراءات المنتقاة ما عدا الروايات، وزيارات ~~الأصدقاء التي تعد سلاحا ذا حدين؛ ولذا لا يتم السماح بها إلا للمرضى اللذين هم في طور ~~النقاهة. # ولكن، بما أنه لا كرامة لنبي في وطنه، فإن وصف بيت الخلوة، الذي سرعان ما حظي فيما بعد ms262 ~~بأهمية كبيرة لدى أطباء الأمراض العقلية في العالم أجمع باعتباره نموذجا، أثار جدلا واسعا ~~في إنجلترا، بتحريض من مصحتي بدلام ويورك اللتين اعتبرتا أنفسهما موضع نقد، وهو ما حدث ~~بالفعل. نتج عن هذا الجدل تحقيق برلماني أسفر في عام 1815، بعد أن تقدم السيد ويليام توك ~~الهرم للإدلاء بشهادته شخصيا أمام مجلس العموم، عن انتصار «بيت الخلوة» وعلاجه المعنوي ~~الذي أصبح أخيرا نموذجا رسميا في بلاده. # الفصل الثالث # | عودة سريعة إلى فوكو # نحن بحاجة الآن إلى الرجوع سريعا إلى أطروحة ميشيل فوكو لنرى ماذا يقول عن العلاج المعنوي، ~~وعن ميلاد الطب النفسي؟ وفقا لفوكو، الفرق بين العلاجات الفيزيائية والعلاجات المعنوية ~~(النفسية) «لم يعرف طريقه إلى الوجود بكامل عمقه إلا [...] حينما أدخل القرن التاسع عشر الجنون ~~وشفاءه، من خلال اختراعه «للطرق الأخلاقية» الشهيرة، ضمن لعبة الذنب. إن التمييز بين الفيزيقي ~~والأخلاقي لم يصبح مفهوما عمليا في الطب العقلي إلا في اللحظة التي انتقلت فيها إشكالية ~~الجنون إلى التساؤل حول الذات المسئولة»، باستثناء أنه لا يوجد ترادف في تاريخ الجنون بين ~~المسئولية والذنب. إن المفهوم الرواقي للمسئولية - غير المباشرة (إذ إن المسئول الحقيقي، هو ~~الأهواء) - لا يمكن أن يجعل من المجنون مذنبا، حتى ولو على المستوى «الأخلاقي» وحده. بيد أن ~~هذا التحويل في المعنى أمر لا غنى عنه لميشيل فوكو للوصول إلى أطروحته المركزية؛ فهو لا يستهدف ~~في نهاية المطاف العصر الكلاسيكي وإنما القرن التاسع عشر؛ حيث سترتبط معالجة الجنون - في رأيه - ~~بالعقاب (ستنتظم السيكولوجيا، باعتبارها أداة للعلاج، حول العقاب). فالجنون المختبر في العصر ~~الكلاسيكي بوصفه حماقة «سيصادر كله ضمن الحدس الأخلاقي» في إطار القرن التاسع عشر الوضعي، ~~و«لن ينظر إليه إلا باعتباره مرضا». # في الواقع، لم يخترع القرن التاسع عشر العلاج المعنوي، الذي رأينا كيف تشكل ببطء طوال ~~القرن الثامن عشر وكيف تعود جذوره القوية إلى العصور القديمة التي يتجاهلها فوكو عمدا؛ نظرا ~~لأن استمراريتها تضر بخطابه كثيرا. وإذا اعتبرنا أن العلاج المعنوي (أو العلاج الأخلاقي) هو ~~ألف باء الاستراتيجية الطبية للقرن ms263 التاسع عشر فيما يتعلق بمعالجة الأمراض العقلية؛ فهذا يعني ~~تجاهل انهياره السريع، حتى قبل التصويت على قانون 1838. فلقد تلاشى العلاج المعنوي - كما سنرى - ~~بفعل الممارسة داخل المشافي نفسها التي شهدت نشأته. # يستهل ميشيل فوكو الجزء الثالث والأخير من أطروحته بالتفكير في المعنى العميق للحوار ~~الفلسفي، الذي كتبه ديدرو في مؤلفه «ابن شقيق رامو»، ولا سيما في تأملات ابن الأخ حين قال: ~~«أنت تعرف أني رجل جاهل ومجنون وسفيه وكسول.» يقول فوكو: «قد يحلو لنا للوهلة الأولى أن نصنف ~~«ابن شقيق رامو» ضمن القرابة القديمة بين المجانين والبهاليل.» ولكن فوكو يرى فيه على العكس من ~~ذلك «نموذجا فكريا مختصرا للتاريخ [...] يرسم الخط المنكسر الذي يسير من «سفينة المختلين ~~عقليا» إلى الكلمات الأخيرة لنيتشه، وربما إلى صراخ أرتو.» وهكذا يظهر «ابن شقيق رامو» بوصفه ~~الشخصية الأخيرة التي يجتمع فيها الجنون واللاعقل، قبل الفصل الباثولوجي بينهما في القرن التاسع ~~عشر. وسيرتكز خطاب فوكو، في هذا الجزء الأخير، على «إعادة رسم حركة هذا التمييز من خلال ظواهره ~~الأنثروبولوجية الأولى»: «إن هذا الميدان غير القابل للاقتسام الذي تعينه سخرية «ابن شقيق ~~رامو» كان من الضروري أن يأتي القرن التاسع عشر من خلال روحه الجدية؛ لكي يفك رموزه ويرسم بين ~~ما كان غير قابل للفصل حدودا مجردة للباثولوجي.» # ومع ذلك، نعتقد أننا أوضحنا بما فيه الكفاية أن الجنون بمعناه الطبي واللاعقل بمعناه ~~الفلسفي والأخلاقي، كان يتم التمييز بينهما بوضوح منذ أوائل العصور القديمة (ولا يوجد تقريبا ~~أي ربط بين الجنون والخطيئة إلا في دين العبرانيين، ثم في دين المسيحيين). طالما كان التذبذب ~~بين المعنيين، حتى في القرون الوسطى، ضربا من الاستعارة أو المجاز أو التماثل على أقصى ~~تقدير. لم يكن هناك قط أصل مشترك (إن لم يكن على صعيد الكلمة نفسها)، ولا بالأحرى «حدود مجردة ~~للباثولوجي». # أعلنت نهاية القرن الثامن عشر - يستطرد فوكو - أن الوقت قد حان لإجراء «تقسيم جديد» ... تشكلت ~~«صور» ومنها انبثقت أساطير الاعتراف الموضوعي والطبي بالجنون، ولقد قادت هذه الصور إلى «الطب ~~العقلي ms264 الوضعي». لا يمكن وصف هذه الصور من خلال حدود معرفية، وإنما من خلال هياكل معينة: في ~~إحداها، اختلط الفضاء القديم للحجز بالفضاء الطبي. وقد حرص فوكو على أن يثبت أن منشور 1785 «ليس ~~له قيمة كشفية ولا قيمة تتعلق بتحول في طريقة التعامل مع الجنون.» ولكننا، من جانبنا، أوضحنا ~~على العكس من ذلك أهمية «التعليمات حول الطريقة التي يجب اتباعها من أجل التحكم في المجانين ~~والعمل على شفائهم في المصحات المخصصة لهم»، في سياق حركة الإصلاح الخيرية التي بدأت في عهد ~~لويس السادس عشر. وسنلاحظ، وهو أمر غريب، أن عبارة «العمل على شفائهم في المصحات المخصصة لهم»، ~~على الرغم من أنها تعد أساسية وذات أهمية جوهرية، اختفت في كتابات فوكو. (فقد كتب، وهو ليس ~~على الإطلاق الأمر نفسه: «تعليمات مطبوعة بأمر الحكومة وبتمويلها حول الطريقة التي يجب اتباعها ~~من أجل التحكم في المجانين والتعامل معهم».) # بالنسبة إلى فوكو، «ليس الفكر الطبي هو من كسر أبواب الحجز. وإذا كانت السلطة الآن بيد ~~الأطباء في المصحة، فإن ذلك لم يتم من خلال حق منتزع، بفضل القوة الحية لحبهم للعمل الخيري ~~ولمساعدة الغير، أو بفضل حرصهم على الموضوعية العلمية؛ إنما تم ذلك لأن الحجز ذاته بدأ، شيئا ~~فشيئا، يمتلك قيمة علاجية من خلال إعادة النظر في كل المواقف الاجتماعية والسياسية، وفي كل ~~الطقوس، الخيالية أو الأخلاقية، التي كانت، منذ ما يزيد على قرن، تواجه الجنون واللاعقل.» ~~بالاستناد إلى ما ذكره كابانيس، يعرف فوكو بنية ثانية حاسمة: «إن الأساس في تجربة اللاعقل، ~~هو أن الجنون كان موضوعا لذاته، أما في التجربة التي كانت في طور التكوين في نهاية القرن ~~الثامن عشر، فإن الجنون كان مغتربا في علاقته بذاته من خلال حالته كموضوع.» يختتم فوكو هذا ~~الفصل بقوله: «إن صفة الموضوع هذه ستفرض، منذ الوهلة الأولى، على كل فرد أعلن مستلبا.» هذه ~~الجدلية الغريبة قادت فوكو إلى إعلان ظهور المجنون، المفعول به، في الوقت الذي كانت فيه أهم ~~الأبحاث تنظر إليه باعتباره فاعلا (ولا سيما ms265 كما يتجلى ذلك في أعمال جلاديس سواين المبتكرة، ~~التي سنتوقف عندها بالتأكيد لاحقا). # وأخيرا البنية الثالثة، لدى فوكو، هي حين «وجد المجنون نفسه في مواجهة المجرم.» وهكذا أصبح ~~هذا الجنون الذي اكتسب طابعا متفردا يسائل جميع المسئولين عن النظام ويطرح قضايا ملحة، خاصة ~~فيما يتعلق باللامسئولية في مجال القانون الجنائي. لقد كان «الإنسان الكلاسيكي» [في ظل النظام ~~القديم] يعترف بالجنون مستندا في ذلك إلى حسه السليم وليس إلى حقوقه السياسية، أما الآن، فإن ~~المواطن يمارس سلطة أساسية تسمح له بأن يكون في الوقت ذاته «رجل القانون» و«رجل ~~الحكومة». # شهد هذا العصر الجديد للجنون تلاقي تجربتين، فقد بدا الجنون معروفا وواقعا تحت السيطرة في ~~الوقت نفسه «ضمن وعي واحد، هذا ما هو موجود في قلب التجربة الوضعية للمرض العقلي.» هذا «الرابط ~~الأساسي في الثقافة الحديثة [الذي] لم يتم إلا على مستوى الفكر [...] أصبح فيما بعد وضعا ملموسا ~~بفضل بينيل وتوك ...» يقول فوكو في مقدمة الفصل المكرس لميلاد المارستان: «هذه الصور مألوفة ~~لدينا.» «لقد ألفها تاريخ الطب العقلي كله، وكانت وظيفتها هي الكشف عن أسرار ذلك العصر السعيد ~~الذي تم فيه أخيرا الاعتراف بالجنون والتعامل معه وفق حقيقة ظل الناس يتجاهلونها لمدة ~~طويلة.» ثم يصف فوكو بإسهاب توك وبيت الخلوة «ذا ريتريت» في يورك، وبينيل وتحرير المرضى عقليا ~~في بيستر، مظهرا في كل ذلك أن قوة هاتين القصتين إنما هي مستمدة من أشكال خيالية. فها هو ~~يرسم لنا صورة «الشكل الأمثل للمارستان؛ مارستان لن يكون قفصا للإنسان العائد إلى وحشيته، بل ~~ما يشبه جمهورية الحلم، حيث الروابط شفافة وفاضلة.» هذا المارستان المحرر الذي ينشده توك ~~وبينيل هو «إعادة بناء لمجتمع استنادا إلى موضوع مطابقة أنماط معينة»؛ ومن ثم «فإنه سيؤدي ~~حتميا إلى الشفاء.» # وسرعان ما اكتسب هذا المبحث أهمية خاصة عند فوكو، وأصبحت اليوم مترسخة في الثقافة كتيمة ~~عالم يستقر فيه، تحت ستار القضاء الظاهري على القيود والاحتجاز، احتجاز آخر أشد غموضا ~~وتعقيدا، ضمن نسق المكافأة والعقاب، يندرج «ضمن حركة الوعي الأخلاقي ms266 [...] إن الأمر يتعلق ~~بالانتقال من عالم الإدانة إلى عالم المحاكمة»؛ حيث يكون إصدار الأحكام مبنيا على الأفعال ~~وحدها. فالجنون ليس مسئولا «إلا عن ذلك الجزء المرئي من ذاته، وما تبقى يلفه الصمت. إن الجنون ~~لا يوجد إلا ككائن ينظر إليه. فهذا القرب الذي أصبح سائدا في المارستان، والذي لن تنال منه ~~القيود والقضبان، ليس هو من يخلق حالات النظرة المتبادلة: إنه ليس سوى جوار لنظرة تحرس وتراقب ~~[...] إن علم الأمراض العقلية، كما قد يتطور في المارستان، لن يكون أبدا سوى نوع من الملاحظة ~~والتصنيف، ولن يكون حوارا.» ولذا، كان لا بد من الانتظار حتى «يتخلص التحليل النفسي من ظاهرة ~~النظرة التي كانت أساسية في مارستان القرن التاسع عشر» و«يجعل سلطات اللغة بديلا للسحر ~~الصامت». ولكن، لنطمئن، فالتحليل النفسي لم يجد نعمة في عيني ميشيل فوكو: «سيكون صحيحا القول ~~إن هذا العلم قد ضاعف من النظرة المطلقة لحارس الكلام القائم على المونولوج المطلق للشخص الذي ~~يحرسه. وبذلك يتم الحفاظ على البنية المارستانية القديمة للنظرة غير المتبادلة، ولكن من خلال ~~خلق توازن في تبادل غير تماثلي، عبر بنية جديدة للغة لا تملك جوابا.» في موضع آخر، يعود فوكو ~~إلى فرويد والتحليل النفسي اللذين، بالتأكيد، «خلصا المريض من هذا الوجود المارستاني الذي كان ~~قد نفاه داخله «منقذوه»»، ولكنهما استعادا الخصائص الإعجازية للطبيب وسلطات المارستان، بل ~~وضخما منها: «نظرة مطلقة [...] صمت خالص ومكبوت [...] قاض يعاقب ويجازي ضمن محاكمة لا تصل إلى ~~حدود اللغة.» باختصار «يظل الطبيب، باعتباره صورة مستلبة، هو مفتاح التحليل النفسي.» ولذا، فإن ~~التحليل النفسي، ليس أكثر من الطب النفسي الوضعي، «لا يستطيع [...] ولن يستطيع [...] سماع صوت ~~اللاعقل.» وسنعود إلى هذه المسألة حين نبلغ ضفاف مناهضة الطب النفسي. # المراقبة والمحاكمة ... هاتان هما الكلمتان الرئيستان في خطاب فوكو. توك هو النموذج الأصلي ~~للشخصية المقدر لها أن تكون محورية في مارستان القرن التاسع عشر. لقد حلت السلطة محل القمع. ~~شكلت مؤسستا بيستر وسالبيتريير في عهد بينيل الصورة المكملة لبيت الخلوة الذي أسسه توك. خلافا ms267 ~~لدار توك التي تعد «بانعزاله عن العالم، فضاء للطبيعة والحقيقة المباشرة»، الدين بالنسبة ~~لبينيل ليس ركيزة للحياة المارستانية. لقد كان المارستان «حقلا دينيا بلا دين»، أما الآن، ~~فيجب أن يكون تجسيدا «للاستمرارية الكبيرة للأخلاق الاجتماعية». وهذا هو ما يكسب مارستان ~~بينيل طابعا عالميا. إنه «ميدان موحد للتشريع، مكان للتأليف الأخلاقي» الذي تنظمه ثلاث وسائل ~~تتمثل في: الصمت من جهة (وهي الفكرة التي تتلخص لدى فوكو في الاختفاء الكامل للغة المشتركة بين ~~الجنون والعقل [؟] بينما كان هناك في الحجز الكلاسيكي «بين العقل واللاعقل حوار صامت هو في ~~الأصل صراع»)؛ والتعرف من خلال المرآة من جهة أخرى (فالجنون، وقد تحرر من القيود التي جعلت منه ~~موضوعا خالصا للرؤية، قد فقد - من باب المفارقة - أهم ما في حريته، فقد ما يشكل تمجيدا ~~لعزلته، لقد أصبح الجنون مسئولا عما يعرفه عن حقيقته، لقد أغلق على نفسه في النظرة التي لا ~~تحيل إلا على نفسها إلى ما لا نهاية. لقد ربط في النهاية إلى المهانة الكامنة في أنه موضوع في ~~ذاته)؛ وأخيرا المحاكمة الأبدية (في المارستان، «ذلك العالم القانوني الصغير»، كل شيء كان ~~منظما لكي يتعرف المجنون على نفسه في عالم المحاكمة هذا الذي يحيط به من كل جانب، «يجب أن يعرف ~~أنه مراقب ومحاكم ومدان»). # تشكلت بنية أخرى متعلقة بعالم المارستانات مع «تمجيد الشخصية الطبية» (ما زال فوكو هو الذي ~~يتحدث). «إن إنسان الطب لا يستمد سلطته في المارستان باعتباره رجل معرفة، بل باعتباره حكيما. ~~فالمهنة الطبية مطلوبة باعتبارها ضمانة قانونية وأخلاقية، لا بوصفها علما.» وهنا يتلاقى عمل ~~بينيل مع عمل توك، «ولكن سرعان ما انفلت معنى هذه الممارسة الأخلاقية من بين يدي الطبيب؛ نظرا ~~لأنه كان يحتجز معرفته ضمن معايير التيار الوضعي.» «لقد أصبح الطبيب، في نظر المريض، صانعا ~~للمعجزات. فسلطته التي كان يستمدها من النظام والأخلاق والعائلة، يبدو أنه يستمدها اليوم من ~~ذاته [...] وهكذا، وبينما كان المصاب بمرض عقلي مستلبا كلية في الشخصية الواقعية لطبيبه، فإن ~~الطبيب كان يكشف حقيقة المرض العقلي ms268 في المفهوم النقدي للجنون. بحيث لن يظل هناك، خارج الأشكال ~~الفارغة للفكر الوضعي، إلا واقع واحد ملموس: الثنائي الطبيب-المريض الذي تتلخص فيه وتقام ~~وتتلاشى كل أشكال الاستلاب.» # سوف نلاحظ كلما تقدمنا أن فوكو ينتقد بشدة وبشكل مستمر «الوضعية»، التي ترد في كتاباته كما ~~لو أنها تهمة (وسيندد أتباعه، وما زالوا مستمرين في ذلك، ب «الوضعية المحدثة»). إذا كنا ما زلنا ~~نذكر أن هذه الفلسفة التي أسسها أوجست كونت تدعي، ربما بسذاجة، وفقا لدلالتها الأولية، أنها ~~تستند إلى معرفة الحقائق وحدها، وإلى التجربة العلمية، وإلى ما هو واقعي ومحدد، على النقيض مما ~~هو وهمي ومبهم، لأمكننا أن نفهم أن الوضعية لا تستطيع أن تعوق إلا من يدعي أنه ينظر إلى ~~التاريخ من خلال «جدول تحليلي». # مع ملاحظة أن الأمر لا يتعلق بالخاتمة، خصص ميشيل فوكو الفصل الأخير من كتابه إلى ما أسماه ~~«الدائرة الأنثروبولوجية»؛ حيث أراد التركيز على بعض الفكر المركزية؛ أولها: حرية المجنون، ~~المتضمنة بقوة في مفهوم الجنون نفسه، والتي ظننا «أن بوسعنا حصره ضمن بنية موضوعية»، ولكننا «لم ~~نجن إلا سخرية التناقضات»، فنحن لم نحرر المجنون وإنما أضفينا صبغة موضوعية على مفهوم ~~الحرية. # هناك فكرة أخرى محورية أيضا في أطروحة ميشيل فوكو، وهي تلك الفكرة المتعلقة بلغة الجنون ~~التي أصبحت «أنثروبولوجية»؛ لأنها «لغة تستهدف في الوقت ذاته، من خلال غموض كانت تستمد منه ~~سلطاتها المقلقة لدى العصر الحديث، حقيقة الإنسان وفقدان هذه الحقيقة، وبالتالي، حقيقة هذه ~~الحقيقة»، ذلك أن لغة الجنون غير الأسير تبلغ في النهاية أعماق الإنسان وتصل إلى جوهره. فخلافا ~~لتصورنا، السبيل إلى «الإنسان الحقيقي» يمر من خلال المجنون: إن المارستان الذي «حرر المجنون من ~~لاإنسانية قيوده، قد قيد الإنسان وحقيقته بالجنون»؛ مما جعل فوكو يقول: إنه بترك «اللغة تتابع ~~انزلاقها في المنحدر»، يتبين لنا أن «الإنسان السيكولوجي هو سليل إنسان أسير ذهنه». # أما الفكرة الثالثة، فتتعلق بإعادة ظهور الجنون ، بعد «الصمت الكلاسيكي الطويل»، في مجال ~~اللغة (كما رأينا مع «ابن شقيق رامو») وإحيائه للغة تمثل توهجا ms269 غنائيا، «لغة لا تظهر من ~~خلالها الصور غير المرئية للعالم، بل الحقائق السرية للإنسان.» # وأخيرا، نجد مشروع دراسة لاحقة، ولكنها محددة المعالم بدقة؛ حيث يشكل اتساق الفكر ~~الأنثروبولوجي الكامن مرجعا للصراعات العلمية التي نشأت في القرن التاسع عشر حول الاستلاب ~~العقلي (لا سيما بين القائلين بالأصل العضوي للمرض وبين أولئك القائلين بالأصل النفسي للمرض). ~~وفقا لفوكو، بدأت المفاهيم التوصيفية للشلل العام، والجنون الأخلاقي والهوس الأحادي، في إنشاء ~~حقل التجربة الطبية النفسية، على نطاق واسع، في النصف الأول من القرن التاسع عشر. لم يبال ~~الفيلسوف بحقيقة أن هذه المصطلحات تعد من الناحية الطبية متباينة وغير متجانسة، وأن الجمع ~~بينها ينطوي على مغالطة تاريخية؛ لأنه لا يريد أن يرى إلا ما يوجد تحت هذه الطبقة الطبية. إنه ~~لا يريد أن يبصر هنا إلا «بنية جديدة للتجربة»، و«أنثروبولوجيا ضمنية تتكلم عن الذنب نفسه» (ها ~~نحن نعود إلى تلك النقطة). # وهكذا نصل إلى الفكرة النهائية: «لقد كانت نهاية اللاعقل، في مكان آخر، تجسيدا لأشكال ~~جديدة.» يود ميشيل فوكو للمرة الأخيرة أن يستسلم لسحر «تلك الصور المنسية للجنون» التي ~~تتجلى في أعمال بوش، وجويا، ودي ساد، ونيتشه، وفان جوخ، وأرتو، إنه ليس جنونا يتسرب إلى العمل، ~~ولكنه «ذلك الجنون الذي هو قطيعة مطلقة في العمل.» «حيلة وتفوق جديدان للجنون: فهذا العالم ~~الذي كان يعتقد أنه يعرف حجم الجنون ويبرر وجوده من خلال السيكولوجيا، عليه الآن أن يبرر وجوده ~~أمام الجنون، ذلك أن هذا العالم في سعيه ونقاشاته يقيس حجمه بلا محدودية عمل كعمل نيتشه وفان ~~جوخ أو أرتو. ولا شيء داخله، وخاصة ما يمكن أن يعرفه عن الجنون، يضمن له أن أعمال الجنون هذه ~~تبرره.» وهنا يجب أن نتساءل: عن أي مجانين وعن أي جنون يتحدث فوكو بالضبط؟ إنه لا يكف بالطبع ~~عن الرجوع إلى تاريخ الطب النفسي، وهذا هو ما يجب أن تنصب عليه قراءتنا النقدية . بيد أن ~~الفيلسوف يشير باستمرار إلى جنون «سابق»، إنه جنون لم تقض عليه الباثولوجيا؛ التي تعد في حد ms270 ~~ذاتها تعبيرا عن السلطة، جنون كان يتحدث لغة اللاعقل. «في فضاء معد بهذا الشكل، لا يمكن ~~للجنون أبدا أن يتكلم لغة اللاعقل [...] سيستوعب الجنون كلية داخل عالم الباثولوجيا. لقد ~~اختزل القرن التاسع عشر الوضعي التجربة الكلاسيكية للاعقل في إدراك أخلاقي محض للجنون، سيكون ~~لاحقا وبشكل خفي، نواة لكل التصورات التي سيثمنها القرن التاسع عشر باعتبارها علمية وإيجابية ~~ومحسوسة.» # لقد أوضحنا بما فيه الكفاية استمرارية الجنون كمرض منذ أوائل العصور القديمة، وثبات التوصيف ~~المرضي للاضطرابات العقلية الذي سرعان ما استقر (الهوس، السوداوية ...)، وعدم استيعاب العصور ~~الوسطى للاستعارات والصور الرمزية الخاصة بالجنون، ومن ثم عدم الالتفات إلى «التجربة الكلاسيكية ~~للحماقة» ولا إلى العبور التاريخي من مرحلة اللاعقل إلى مرحلة الجنون ذي الطابع الطبي. ومرة ~~أخرى، ما المقصود بال «لاعقل» الذي يستدعيه ميشيل فوكو باستمرار ولكنه قلما يفسره؟ أي جنة ~~للعقل، و«لحرية الكلام» تكمن في هذا الإطار النظري الغامض؟ # الفصل الرابع # | «بينيل» اسم صار علامة # وفقا لتصور غريب للتاريخ، ولكنه تصور كلاسيكي، «ظهر الرجل المعجزة ...» إذا أعدنا صياغة ~~الجملة التي وردت على لسان لامارتين ولكن مع قلب معناها، ربما نجرؤ على القول: «إن ظهور كائن ~~واحد، أعطى لكل شيء نبض الحياة!» هذا الرجل الذي ترك بصمة في تاريخ الطب النفسي والذي أرسلته ~~العناية الإلهية يدعى بينيل، الطبيب فيليب بينيل. قبله، كان تاريخ الجنون محاطا بهالة من ~~الغموض. وبعده، أو بالأحرى اعتبارا من مجيئه، بدأ تاريخ الطب النفسي. «لقد اهتم بينيل على وجه ~~الخصوص بدراسة الأمراض العقلية، وكان له الفضل في إلغاء أساليب العلاج الوحشية التي كان يتم ~~تطبيقها على المرضى عقليا» (قاموس روبير لأسماء الأعلام). # مثل هذا التصور سيجعلنا بالتأكيد ننظر إلى الدراسة السابقة بأكملها على أنها «قصة طريفة»، ~~فضلا عن أن مؤرخي الطب النفسي التقليديين يتحاشون غالبا التحدث عنها. أما عن ذلك الجدال ~~الدلالي الزائف المتعلق بالفصل بين تاريخ الجنون وتاريخ الطب النفسي ، فإن هذا سيكون من شأنه ~~إغفال حقيقة أن مسيرة علاج المجنون، التي رأينا أنها قديمة قدم الجنون نفسه، أرست ms271 دعائم الطب ~~النفسي. يبقى أن نبحث في الكلمة نفسها. ظهرت لفظة «طبيب نفسي» في اللغة الفرنسية في عام 1802 ~~(وهي كلمة معاصرة على نحو ذي مغزى لبينيل)، بينما لم ترد لفظتا «الطب النفسي» و«طب عقلي» في ~~القواميس إلا في عام 1842، وهو تاريخ يتعلق بطريقة أو بأخرى بالتنظيم المؤسسي. # سنذكر في هذا الصدد مقولة جلاديس سواين، صاحبة الأعمال التي أوضحت بشكل كبير هذا الفصل من ~~الكتاب (والتي نحيي ذكراها الآن): «ما يجب أن يطلق عليه «ميلاد الطب النفسي» في القرن التاسع ~~عشر بدا لأول وهلة كحدث غير متوقع غير في مسار الأحداث التالية. وبالطبع، لا نعني بهذا الحدث ~~إنتاج أو بزوغ جذري لشيء جديد تماما، فالأمر ليس مماثلا لإنشاء خطاب ملهم طبيا حول الجنون ~~من العدم؛ فهذا الخطاب كان موجودا قبله بكثير.» # 1 # رجل أفعال # لقد رأينا الطبيب فيليب بينيل يصل بتواضع إلى دار بيلوم في عام 1786. كان يبلغ من العمر ~~آنذاك 41 عاما. وكان متحمسا في البداية للمثل الثورية، ولكنه سرعان ما انضم إلى معسكر ~~المعتدلين في عهد الإرهاب. وقد عين، بفضل توريه، في سبتمبر 1793 في بيستر؛ حيث مكث حتى أبريل ~~1795. في «القطاع السابع»؛ أي في المنطقة التي تضم الحجرات المخصصة للمجانين المصابين ~~بالهياج، كان يلاحظ، أكثر من كونه يوجه، نشاط كبير المشرفين لديه، جان باتيست بوسان. ولقد ~~أصبح هذا الأخير فيما بعد المنفذ الحقيقي لعملية تحرير المرضى عقليا الشهيرة من قيودهم، ~~التي نادى بها فاعلو الخير منذ عقد من الزمن. سنعود إلى هذا الحدث البارز الذي وضع ركائز الطب ~~النفسي وصنع مجد بينيل في الوقت ذاته. # جنى بينيل ثمار تأييده لأحداث ثرميدور (التي مثلت انتفاضة في الثورة الفرنسية ضد تجاوزات ~~عهد الإرهاب)؛ فقد عين في وظيفة أستاذ مساعد في الفيزياء الطبية وعلم الصحة بالمدرسة ~~الجديدة للصحة في باريس، وأستاذ في الباثولوجيا الباطنية، ثم رئيس أطباء بمشفى سالبيتريير، ~~حيث واصل مسيرته المهنية حتى وفاته. ثم توالت نجاحاته؛ فقد كان من أوائل من تقلدوا وسام ~~الشرف، وعين بعد ذلك في ms272 معهد فرنسا في عام 1803. تعرض لوصمة عار سياسية نسبية، في عام ~~1822، كما تعرض لبعض المشاكل الأسرية وهما عاملان ألقيا بظلالهما الداكنة على السنوات الأخيرة ~~من حياته، التي انتهت في عام 1826. # وهكذا وضع بينيل مؤلفاته النظرية خلال فترة عمله في مشفى سالبيتريير، وكان أول أعماله ~~«البحث الطبي-الفلسفي» الذي صدرت منه طبعتان. ولكن دعونا نتابع المسار الطبيعي للأحداث الذي ~~يقودنا إلى «القيود التي تمت إزالتها». منذ قدومه إلى سالبيتريير، طالب بينيل «لاقتناعه ~~بالمزايا الثمينة للنظام الداخلي الذي وضعه المواطن بوسان، وأشرف على تطبيقه بحزم ودقة، بشأن ~~التعامل مع المختلين عقليا في بيستر»؛ بنقل هذا الأخير إلى سالبيتريير إلا أنه حصل بصعوبة ~~بالغة على موافقة بتنفيذ قرار النقل. يشرح بينيل سبب طلبه هذا قائلا إنه منذ تعيينه في ~~سالبيتريير، «لم يستطع مباشرة علاج الجنون بسبب الفوضى التي كان يشهدها هذا القطاع من ~~المؤسسة.» ومن ثم كان لا بد له أن ينتظر حتى التاسع عشر من مايو 1802 لينضم إليه أخيرا ~~بوسان؛ مما يعد دليلا في جميع الأحوال على أن بوسان (الذي عمل بمشفى سالبيتريير حتى وافته ~~المنية في عام 1811) كان هو الجندي الحقيقي في الميدان، ولم يخف بينيل ذلك. كان دور بوسان، ~~«بصفته مشرفا على المجانين في بيستر»، رسميا منذ بداية الثورة. فقد أرسل خطابات عديدة إلى ~~لجنة مسئولي الإدارة المدنية، والشرطة والمحاكم، ليسأل عما إذا كان بإمكانه - دون أن يتسبب ~~ذلك في تعرضه لأي عواقب - السماح للمرضى بالتنزه في الأفنية «عندما لا يكونون في حالة هياج ~~شديد». # ولقد كتب بوسان، بينما كان لا يزال في بيستر، وبالتأكيد بناء على طلب من بينيل، ~~«ملاحظات» عظيمة الفائدة. # 2 # لندع جانبا الإحصائيات - التي تركز ضمن أمور أخرى على نسبة الوفيات المرتفعة - ~~والملاحظات الكلاسيكية حول أهمية العمل والنظام الغذائي والإلهاء، للوصول إلى القضية المركزية ~~المتعلقة بالمراقبة، واستخدام القوة والقهر، والتقييد. يشرح بوسان كيف واجه صعوبة بالغة في ~~منع «الخدام» من ضرب المجانين. ولكنه لم يسمح للمرضى، ولا للموظفين ولا لإدارة بيستر بالتأثير ~~عليه، أو إثنائه عما ms273 اعتزم القيام به من اتباع نهج نموذجي قائم على العمل الخيري الإنساني ~~«الشاق». فقد كان مؤمنا بأن المراقبة النشطة تغني عن عنف القيود. «لقد نجحت في إلغاء ~~القيود (التي كانت تستخدم للسيطرة على المصابين بالهياج) والاستعاضة عنها بأقمصة التقييد التي ~~تسمح للمريض بالتنزه وبالاستمتاع بأكبر قدر ممكن من الحرية، من دون أن يشكل خطرا على من ~~حوله [...] لقد أثبتت لي التجربة، وما زالت تبرهن لي يوميا، أنه لإحراز أي تقدم في شفاء هؤلاء ~~المساكين، لا بد من التعامل معهم قدر الإمكان باللين، والسيطرة عليهم بالرفق، وعدم إساءة ~~معاملتهم، وكسب ثقتهم، ومكافحة سبب إصابتهم بالمرض، وتوجيه نظرهم نحو مستقبل أفضل وأكثر ~~إشراقا وسعادة. خلاصة القول: طالما كافحت هذا المرض بشكل أساسي بالعلاجات المعنوية، وإذا ~~كان الحظ قد حالفني في تحقيق نجاح، فإن الفضل في ذلك يرجع إلى هذه الأساليب العلاجية ~~المعنوية.» # نعود إلى الحدث المتعلق «بالقيود التي أزيلت». لقد ألغيت القيود رسميا في بيستر بعد ~~رحيل بينيل، ويشير هو نفسه إلى هذا الحدث على أنه حادث سخيف، وهو كذلك بالفعل. فقد كان يتم ~~دائما نزع قيود المجانين المصابين بالهياج ووضعها لهم من جديد. علاوة على ذلك، ظل التقييد ~~بالقوة بسترة المجانين محل جدل كبير. ولكن المشكلة ليست في هذه المسألة. فما لا يرغب فاعلو ~~الخير في سماعه قبل وبعد الثورة، هو صوت الأغلال الشنيع. لم يكن هذا الاشمئزاز المعلن ليكتفي ~~تاريخيا بذلك التصرف الذي أقدم عليه بوسان - وهي بادرة بعيدة الاحتمال حتى بمفهومها المبالغ ~~فيه - والذي يرمز بالأحرى إلى نهاية ممارسة سبق أن أدينت بالفعل. وبدا بينيل، باعتباره كبير ~~الأطباء بسالبيتريير وصاحب البحث البارز، أكثر ملاءمة لمثل هذه البادرة «الإعلامية». ولقد ~~نشر سيبيون بينيل - الابن - الأسطورة، في عام 1823، ~~باستحضاره لذكريات مزعومة منسوبة إلى والده؛ حيث نرى بينيل يخلص المرضى عقليا واحدا تلو ~~الآخر من قيودهم: «أيها القائد - يخاطب بينيل أحد المجانين - إذا نزعت عنك قيودك الحديدية ، ~~وأعطيتك حرية التنزه في الفناء، أتعدني بأن تكون عاقلا وبألا تؤذي أحدا؟ أعدك، ولكنك ~~بالتأكيد ms274 تمزح؛ فالجميع، بمن فيهم أنت، يخشونني.» وهكذا يحرر بينيل بشجاعة أول مجنون مصاب ~~بهياج لديه، وقد كان رجلا عسكريا خطيرا، وعلاوة على ذلك، إنجليزيا. أما عن المريض ~~عقليا الأكثر مهابة، فهو ذلك المدعو شوفنجيه، الذي ظل مكبلا بالأغلال لمدة عشر سنوات، ~~«لم يحدث قط أن شهد أي عقل بشري مثل هذا الانقلاب المفاجئ، بمثل هذا القدر من الاكتمال. لدرجة ~~أن الحراس أنفسهم تملكتهم دهشة بالغة وانحنوا احتراما أمام هذا المشهد الذي قدمه لهم ~~شوفنجيه. فبمجرد أن تحرر من قيوده، صار لطيفا وخدوما، ومتنبها، ومتابعا بعينيه لجميع ~~حركات بينيل لتنفيذ أوامره بمنتهى البراعة والسرعة.» # في عام 1849، صور شارل مولر في إحدى لوحاته، التي اشتهرت باسم «جنون هايدي» العظيم، بينيل ~~وهو يقوم بنزع قيود المرضى عقليا في بيستر. في لوحة أخرى رسمها طوني روبرت فلوري، في عام ~~1878، يظهر بينيل وهو يقوم بتكرار هذه الحركة المهيبة نفسها مع المريضات العاقلات في ~~سالبيتريير. هناك عمل فني آخر يتميز بهذا الطابع الأكاديمي نفسه، وهو ذلك التمثال المصنوع من ~~البرونز لبينيل، والذي نجده قائما أمام المدخل الحالي لمشفى لابيتييه- سالبيتريير. عند قدمي ~~هذا التمثال، وسط القيود المحطمة، تنظر فتاة شابة عارية الذراعين نحو بينيل بوجه يبدو عليه ~~الشعور بالامتنان البالغ. ونقرأ على قاعدة التمثال العبارة التالية: «إلى الطبيب فيليب بينيل، ~~المحسن إلى المرضى عقليا.» # وقد أسهم إسكيرول، من جانبه، في بناء تلك الأسطورة بالحديث عن ~~بينيل - وفي هذا مفارقة - على النحو التالي: «ثمانون ~~مصابا بالهوس، كانوا عادة يقيدون بالسلاسل، نزعت عنهم القيود وخضعوا لمعالجة أكثر هدوءا ~~ونفعا، وكثيرون منهم نالوا الشفاء. لقد أعطت أفكار هذا العصر أهمية كبيرة لعملية تحرير ~~المجانين المكبلين في بيستر.» # 3 ~~«وهنا يتجلى الدهاء الأعظم، كما كتبت جلاديس سواين، الذي من خلاله وضع البناء ~~الأسطوري نفسه بمنأى عن التناقض؛ إذ يقدم نفسه ليس باعتباره حقيقة ثابتة ومؤكدة، وإنما ~~باعتباره دعامة متواضعة، بل أداة عرضية، لحقيقة لا تدركها الأسطورة نفسها ولا تصرح بها على ~~وجه التدقيق. إنه يحقر من شأنه ليستقطب بشكل أفضل [...] وهكذا ms275 تتكرر دون كلل أو ملل ~~التفسيرات المتعلقة بمشهد الخلاص هذا الذي من المفترض أنه يكشف بشكل ما عن سر دخول الجنون في ~~مجال الطب.» # 4 # رجل صاحب قلم # يعد بينيل رجلا صاحب قلم، أكثر من كونه رجلا صاحب أفعال يرفض علم التأريخ نسبتها ~~إليه، فهو في المقام الأول عالم نظري. لقد كان بينيل يملك ثقافة كلاسيكية واسعة، فكان يعرف ~~أبقراط، وأريتايوس، وسيلسوس، وكاليوس أوريليانوس، وجالينوس. وقد قرأ بعناية كتاب «مناقشات ~~توسكولوم» لشيشرون، وتبنى منه النظرية الرواقية القائلة بأن الجنون مصدره الأهواء. ولقد ذاع ~~صيته بعد صدور كتابه «التصنيف الفلسفي للأمراض العقلية» في عام 1798. ونشر في العام التاسع ~~للثورة (1800-1801) «البحث الطبي الفلسفي عن الاستلاب العقلي، أو الهوس»، يبدأ هذا الكتاب ~~بمقدمة طويلة تعطي لمحة عامة لا هوادة فيها عن تاريخ الاستلاب العقلي، حتى ولو أثنى بينيل على ~~أنصار النزعة الخيرية الإنسانية، وأشاد بالدور الرائد الذي اضطلع به الإنجليز، على الرغم من ~~أنه شدد على أن علاجهم المعنوي يجب أن يفهم وفقا لمعناه الأكثر عمومية. لا يزعم بينيل أنه ~~أول من طور تفكيرا نظريا في إطار فلسفي. فلا ننس أن داكين قد حاول، من قلب مأوى ~~شامبيري، اعتماد مقاربة مماثلة منذ عام 1791 في مؤلفه «فلسفة الجنون». لم يتحدث بينيل قط ~~عن داكين، بينما أهدى إليه هذا الأخير الطبعة الثانية من كتابه، التي صدرت في عام 1804. كان ~~هذا الصمت سببا وجيها في انتقاد بينيل، لدرجة أنه أثار جدلا في منتصف القرن التاسع عشر حول ~~أسبقية داكين. كما لم يأت إسكيرول أيضا على ذكر داكين. فما قام به بينيل وإسكيرول في ~~المدينة غطى على ما قام به داكين في الريف. # سلط الضوء في «البحث» على الهوس، الذي يمثل الجنون الأكثر شيوعا ولكن الأكثر قابلية ~~للشفاء في الوقت ذاته. لا يؤمن بينيل بالأصل العضوي المباشر لأمراض الدماغ؛ مما تسبب في إثارة ~~عداء راعيه وصديقه كابانيس (1757-1808)، الذي كان مقتنعا من جانبه بضرورة ربط دراسة الظواهر ~~النفسية بعلم وظائف الأعضاء وليس بالأحاسيس («العلاقات التي ms276 تربط بين الجانبين المادي ~~والمعنوي للإنسان»، 1802). يرى كابانيس أن بينيل عويص المعاني وغامض، وأنه لا يؤمن كثيرا ~~بالفسيولوجيا: «هذا العقل الممتاز لا يجهل أن كل ما له صلة بالجانب المعنوي يوقظ أفكارا ~~مبهمة وخاطئة.» بالنسبة إلى كابانيس، يرجع سبب الإصابة بالجنون في أغلب الأحيان إلى تهيؤ ~~الجسم للمرض: الروابط بين ضروب الجنون والتهاب الأحشاء عند الخثلة، والآفات التي تصيب لب ~~الدماغ أو الأجزاء المجاورة ... أما عن أنواع الجنون الفكرية البحتة، فربما تكون عدم دقة ~~التحليل هي التي أكسبتها طابعا نظريا. # 5 # وهكذا وضعت أسس الجدال الكبير حول الأصل التشريحي-الباثولوجي للاستلاب العقلي. وفي هذا ~~الصدد، يشير بينيل بالأحرى، وبصورة غامضة، إلى تلف الدماغ الناجم بفعل التواد عن اضطرابات ~~الأحشاء الموجودة أسفل البطن (وهي الفكرة التي كانت رائجة إبان القرن الثامن عشر)، التي تسبب ~~بدورها الانفعالات والأهواء. الطبعة الثانية من «البحث الطبي الفلسفي» (1809)، التي فقدت ~~الجزء الثاني من عنوان الكتاب الأصلي (أو الهوس)، تميل إلى وضع تصنيف الأمراض العقلية على ~~منحدر سلوكي؛ حيث نجد على نحو ظاهر توصيف الأمراض الذي ورد بالموسوعة: السوداوية، أو الهذيان ~~الجزئي الموجه نحو غرض واحد، والهوس الذي يلي غالبا السوداوية ويأتي في صورة هذيان عام ~~وأحيانا «هوس هياجي دون هذيان»، والخرف الذي يعد ضعفا ذهنيا عاما، والعته الذي ~~يمثل «فقدانا كاملا لملكات الفهم والإدراك». بالإضافة إلى ذلك، في المقدمة المستفيضة التي ~~كتبها بينيل في عام 1808 تمهيدا ل «الموسوعة المنهجية» (المجلد الثامن)، والتي خصصها ~~ل «الهوس، والذهان العقلي والاستلاب العقلي، أو أنواع الخلل التي تصيب الوظائف الفكرية»؛ أضفى ~~طابعا رسميا على استخدام مصطلح «الاستلاب العقلي»، باعتباره «مصطلحا موفقا يعبر عن شتى ~~أنواع الاختلال الذي يصيب الفهم والإدراك.» # كل هذا لا يبدو ثوريا بما يكفي لتأسيس الطب النفسي؛ فلا بد من النظر في موضع ~~آخر. # 6 # وفقا لبينيل، ينبغي أن يكون المرء طبيبا، وألا يعطي الأفضلية للعلاج على حساب ~~الملاحظة. كما يجب أن يكون ممارسا، ولكن ليس كثيرا أيضا ، وأن يولي كذلك أهمية كبيرة لرصد ~~المرض العقلي. بالمقابل، ms277 لا بد من أن يكون المرء فيلسوفا حقا (يستخدم بينيل في بعض الأحيان ~~تعبير «الطب الفلسفي»، وها نحن نعود من جديد إلى داكين، الخالد المنسي). فالفلسفة يجب أن تكون ~~صاحبة الكلمة الأخيرة في مجال الجنون؛ لأن منشأها الأهواء. ويذكر أن بينيل لا يتبع ~~الرواقيين الذين يطمحون إلى اجتثاث تلك الأهواء. ويقترح من جانبه أن «توازن» بعضها البعض. ~~كما أنه ينفصل عن القدماء، حين يريدون إحداث انقسام صارم بين النفس التي يختص بها الفيلسوف ~~والجسم الذي يختص به الطبيب. # وهكذا يتخطى بينيل الحاجز الذي يصعب فيما وراءه - سواء من الناحية الفلسفية أو الطبية - ~~النظر إلى المجنون على أنه شخص آخر تماما، كما لو أنه منغلق على ذاته. استبدل بينيل بالخطاب ~~الخارجي ذي النزعة الإنسانية، معرفة إنسانية المجنون: «إنه كائن لا ينعزل عن الآخرين بقدر ~~ما يحصن نفسه ضد ما يأتيه من الخارج. إن الأمر لا يتعلق بالانطواء على النفس، ولا باغتراب ~~المريض عقليا عن ذاته، وإنما بحضور مفجع يتجسد في الخلل الذي يعاني منه والقلق المتواصل من ~~الآخر. وهنا تتجلى إمكانية خلق صلة علاجية مع هذا الشخص الذي يعرف باستلابه ويدافع عن نفسه ~~ضده. ومن هنا نشأت فكرة اتباع طريقة معالجة ترتكز بشكل تام على عنصر العلاقة ~~بالكلام.» # 7 # وهكذا بإمكاننا أن نقيس من جديد إلى أي مدى نحن على طرفي نقيض من أطروحة ميشيل ~~فوكو. # وضع هذا الانقسام النظري أسس الطب النفسي. بيد أن هيجل (1770-1831) لم ينخدع بذلك، وهو ~~الذي كتب قائلا: «ولذا يتبنى العلاج النفسي الحقيقي بحزم وجهة النظر القائلة بأن الجنون ليس ~~فقدانا مجردا للعقل، سواء على صعيد الذكاء أو على صعيد الإرادة والمسئولية، وإنما هو خلل ~~بسيط، تناقض بسيط ضمن حدود العقل الذي يظل حاضرا تماما، كما أن المرض الجسدي لا يعني ~~فقدانا مجردا؛ أي كاملا، للصحة (فقدان مماثل هنا سيعني الموت)، ولكنه تعارض ضمن حدود هذه ~~الصحة. هذا العلاج الإنساني؛ أي الرحيم والمعقول - يستحق أن نعترف بفضل بينيل العظيم لما قدمه ~~من خدمات في هذا ms278 الصدد - يفترض مسبقا أن المريض كائن عاقل، ويشكل هذا الاعتقاد نقطة ارتكاز ~~أساسية للمضي قدما، كما يعتمد - من وجهة نظر النشاط الجسدي - على الحيوية، التي تتضمن داخلها ~~الصحة» («موسوعة العلوم الفلسفية»، فلسفة العقل، 1817). # بينما يرى هيجل أن الجنون عبارة عن تناقض داخل العقل، يرى كانط (1724-1804) أنه الغياب ~~المجرد للعقل، الذي يعزل المريض عقليا عن سائر البشر ضمن إطار جنون كامل («أنثروبولوجيا»، ~~1798). «لقد أعاد هيجل الجنون إلى داخل العقل، بعد أن كان كانط قد وضعه خارجه. إن «الوعي ~~الرشيد» و«عالمه الموضوعي» حاضران في الجنون: إن نقطة البداية التي انطلق منها هيجل هي بالضبط ~~النقطة نفسها التي انبثق منها نهج بينيل أو إسكيرول.» # 8 # ومن الجدير بالملاحظة أنه، في تلك السنوات، أحرز كل من شياروجي في إيطاليا، وكريشتون في ~~إنجلترا (وهو المؤلف الوحيد الذي أثنى عليه بينيل)، # 9 # وراي في ألمانيا؛ تقدما مماثلا إلى حد كبير. وهذا لا ينفي حقيقة أن بينيل، كما ~~شهد بذلك هيجل، هو «اسم صار علامة» (جي لانتري لورا). ويمكننا الرد على ذلك بأن بينيل لم يقل ~~قط أمرا مماثلا. ولكن هذا لا يهم! «فما ظن بينيل أنه قد وضعه في كتابه، ظن عصره أيضا أنه ~~قد عثر عليه» (جلاديس سواين). # بينيل والعلاج المعنوي # منذ عام 1799، شرح بينيل ما المقصود ب «العلاج المعنوي للمرضى عقليا»، # 10 # وأعاد في بحثه نصا ما سبق أن ذكره. إن تعبير «العلاج المعنوي» سبق طرحه بكل ما ~~يتفرع عنه من بنود (وسائل معالجة معنوية، وأدوية معنوية)، ولكن الأمر في الواقع كان أشبه ~~قليلا بفندق إسباني صغير لا يجد المرء فيه إلا ما أحضره معه. فما الذي أحضره بينيل من جانبه؟ ~~«أظن أنني ضاعفت الأمثلة بما يكفي لأثبت أن العلاج المعنوي للهوس هو أحد الأجزاء المهمة ~~للغاية، والأقل تقدما حتى الآن في مجال طب الملاحظة.» يتعلق هذا العلاج المعنوي بالبيئة، ~~وبالمريض نفسه: ويعتمد على تقنية التعامل برفق وبعطف مع المريض لتشجيعه على البوح بأسراره ~~والكشف عما في قلبه. إن المرضى عقليا «المعروفين منذ ms279 وصولهم بسرعة انفعالهم وشدة خطورتهم ~~[...] ربما يكتسبون فجأة طبيعة مغايرة؛ لأننا نتحدث معهم بهدوء، ونتعاطف مع آلامهم ونمنحهم ~~الأمل المعزي في أن يكون لهم مصير أكثر سعادة.» ~~«من هذا المنطلق، قد يبدو العلاج النفسي الناشئ مرتكزا على النفاق والزيف إذا لم يتضمن ~~المبدأ الذي يقوم عليه الطب النفسي، والمتمثل في إعطاء المريض الفرصة، عن طريق الإصغاء إليه ~~والتعاطف معه؛ لاستعادة كرامته كإنسان معترف به من جديد وتقديره لذاته [...] أما عن «الأمل في ~~مصير أكثر سعادة»، فيعد المحرك لهذه العلاقة العلاجية ولكنه شرك لها في الوقت نفسه. في ~~الواقع، هذا الأمل هو ما يمنح الإنسان الإيمان بالشفاء، ويتيح هذا التحول الذي يتبنى المريض ~~من خلاله نظام معتقدات المعالج [...] ولكنه يمثل أيضا فخا يمكن أن ينزلق فيه هذا الأخير في ~~لعبة من الإغراءات النرجسية التي قد تؤدي به إلى الانزواء» (جاك بوستيل). # ولكن هنا أيضا، ربما نبالغ في الحديث عن دور بينيل في مجال «العلاج النفسي». فهو، ~~بداية، ليس الأول ولا الوحيد، الذي اعترف بتأثير الروح والنفسية في علاج الأمراض، ولا سيما ~~الجنون بأشكاله المختلفة. بالإضافة إلى أنه لم يأت بجديد فيما يتعلق بضرورة التعامل بهدوء، ~~ورفق، وتفاهم، والاهتمام بما نطلق عليه اليوم «الإصغاء». وبما أن بينيل - ذلك العالم النظري ~~- هو من أعاد فرضا إلى المختل عقليا وضعه وكرامته كشخص، فقد أصبح الحوار مع هذا الأخير، ~~وليس «الاستماع إليه» فحسب، ممكنا. وأصبح عقل الطبيب قادرا على الدخول في علاقة مع عقل ~~المريض عقليا، المختل والمتناقض (بالمعنى الهيجلي)، و«الحاضر بشكل ما». للقيام بذلك، ~~تمرن بينيل - كما يروي في الطبعة الأولى من «بحثه» - على إخضاع المريض لعلاج نفسي خالص، ~~بالبحث عن السبب السيكولوجي (الإعلال النفسي) للهذيان بعد «رؤية الأمور من منظور المريض ~~عقليا». وهكذا كان العلاج المعنوي في ذلك الوقت في أوج ازدهاره؛ لأن الأمر لم يكن يتعلق فقط ~~بنصح المريض وإقناعه منطقيا، وإنما أيضا بالتفكير بعقلانية معه، من داخل هذيانه. # نذكر على سبيل المثال حالة ذلك الخياط المصاب بالسوداوية، الذي استحوذ عليه منذ ms280 الثورة ~~هاجس الخوف من أن يعدم بالمقصلة. كان هذا الخياط قد قاوم كل أساليب العلاج وأصابته حالة ~~من الوهن والإعياء الشديد. وكان يقضي وقته راقدا على أرضية زنزانته، منتظرا باستمرار ~~جلاديه. وهنا فكر بينيل، على حد تعبيره، في «حيلة» تمثلت في عرض مسرحية كوميدية على هذا ~~المريض بالسوداوية، أجريت خلالها محاكمة ثورية زائفة؛ حيث عملت هيئة المحكمة على استجوابه ~~مطولا لتبرئته على نحو أفضل، مع إلزامه بالمكوث لمدة ستة أشهر أخرى في بيستر «ليمارس بها ~~مهنته من أجل خدمة المرضى عقليا». ترك هذا العرض أثرا عميقا في نفس المريض ولكنه لم ~~يشفه، لا على الفور، ولا فيما بعد (خاصة بعد أن قيل له إن الأمر كله كان مزحة). حتى لو أخذنا ~~في الاعتبار الكشف غير الحكيم للحيلة، لبدا منذ تلك التجربة الأولى أن الخدعة، التي ذكرها ~~من قبل بعض السابقين (نتذكر أمبرواز باريه والخدعة المماثلة التي لجأ إليها باستخدام ~~الضفادع)، لا تؤدي إلا إلى طريق مسدود، ذلك أن تبني منطق الهذيان وإقراره في الوقت نفسه لا ~~يؤديان إلا إلى ترسيخ الجنون لدى المريض. وقد اعترف بينيل بهذه الحقيقة في ختام الطبعة الأولى ~~من «بحثه» قائلا: «لقد نظرت منذ ذلك الحين إلى حالته باعتبارها غير قابلة للشفاء.» ولكنه في ~~الطبعة الثانية، أخفى فشله حرفيا، بل وحوله إلى شبه نجاح (استعاد المريض عقليا، بعد ~~«صحوة إدراكية»، عمله وقد وجد فيه «متعة جديدة»). في هذا الإغفال المتعمد، الذي يلاحظه ~~ويعلق عليه جاك بوستيل، هناك «اعتراف لا واع بحدود العلاج المعنوي: حيث أصبحت العناصر ~~المتمثلة في الانشغال النشط، والعمل الإجباري، ونظم المعيشة و«اللائحة الداخلية المنظمة» ~~لمؤسسة الرعاية؛ تشكل جوهر هذه «الوسائل المعنوية» التي نادى بها طبيب مشفى سالبيتريير. ولم ~~يعد هناك وجود لعلاج يخاطب «ما تبقى من عقل» المريض المصاب بالجنون.» # 11 # لم يتبق من علاج بينيل المعنوي إلا السلطة؛ وهي النقطة التي يركز عليها بينيل، في ~~كتاباته، أكثر من تركيزه على الحوار مع المختل عقليا و«البقية الباقية من عقله»، فيشدد على ~~سلطة الطبيب ms281 الذي سرعان ما سيطلق عليه، على نحو ذي مغزى، طبيب الأمراض العقلية. يجب أن ~~يقوم هذا الأخير، فيما يخص المهووسين، ب «كسر إرادتهم في الوقت المناسب وترويضهم [...] عن طريق ~~وسيلة تبث الرعب في قلوبهم لإقناعهم بأنهم لا يملكون حرية اتباع رغبتهم الجامحة؛ ومن ثم، لا ~~سبيل أمامهم إلا الخضوع.» # 12 # كتب بينيل هذا الكلام في عام 1794، بينما كان لا يزال في بيستر ولكنه، فيما بعد، ~~لم يقل ما يخالف ذلك: «يرتكز هذا العلاج، إذا جاز التعبير، على فن إخضاع وترويض المريض ~~عقليا، وذلك بجعله تابعا بشكل أساسي لرجل مؤهل، بصفاته الجسدية والأخلاقية، وبتطبيقه ~~المتواصل لمبادئ النزعة الإنسانية الخيرية في أنقى صورها، للسيطرة عليه بشكل لا يقاوم ~~ولتغيير سلسلة الأفكار التي تستحوذ عليه.» # ها هو مريض عقليا «منهار»، بسبب الإطاحة بالمذهب الكاثوليكي في فرنسا إبان الثورة، ~~وخائر القوى منذ ثلاثة أشهر. إنه يرفض تناول أي طعام حتى ولو كان القليل من ذلك «المرق ~~اللذيذ» الذي يقدمونه إليه؛ مما حدا بالطبيب، الذي يطلق عليه بينيل «المدير» قاصدا من وراء ~~ذلك مغزى معينا، إلى التحدث إليه «بصوت مدو» (ذكر هذا التعبير أكثر من مرة في كتابات ~~بينيل)، ثم قام بتجميع كل الأشخاص القائمين بالخدمة وهدد بأنه سيستخدم معه الوسائل الأكثر ~~تطرفا. أربكت هذه النبرة الحازمة المجنون وأرعبته، فعزم إذن على تناول القليل من الطعام. ~~وبدأ يستعيد شيئا فشيئا قواه وينتظم في نومه. وصار في طريقه نحو الشفاء. وهكذا تغلبت على ~~إرادته (السيئة) إرادة «المدير» (الطيبة). # ولكن إلى أي مدى ينبغي المضي في «زعزعة مخيلة المريض عقليا من خلال زرع الشعور ~~بالخوف الشديد داخله»؟ يجيب بينيل قائلا إنه لا بد من «ترهيب المريض عقليا، ولكن مع عدم ~~السماح مطلقا باللجوء إلى العنف.» ويشدد بينيل كثيرا على هذا التحفظ قائلا إنه يجب التعامل ~~«بحزم جريء وصارم خال من أي إهانة أو تعد.» وأوضح بينيل أنه ضد الحمامات المفاجئة، على أن ~~تستخدم فقط «في الحالات القصوى والأكثر خطورة.» ومع ذلك، أتاحت لنا الطبعة الثانية من ~~«البحث» ms282 قياس المسافة التي تفصل بين النظرية والتطبيق بشكل أفضل. فقد شكلت الحمامات في مشفى ~~سالبيتريير «الركيزة الأساسية في علاج المصابين بالهوس والسوداوية»؛ حيث كان يتم، «خلال ~~جزء كبير من النهار»، استخدام اثني عشر مغطسا مغطى بغطاء من قماش الكتان المتين لا يظهر ~~منه إلا الرأس؛ مما يسمح بالحفاظ على الحشمة والسيطرة على المريض في الوقت عينه. ويمكن الدمج ~~أحيانا بين حمامات المياه الساخنة أو الباردة والرشاش، الذي قد يصبح سيلا من الماء المثلج. ~~هذا هو «دش القمع»: «حيث كانت تغمر رأس المريض عقليا فجأة بالماء البارد لإجباره على ~~الالتزام بالنظام [...] كانت هذه الحمامات، التي تعد إحدى وسائل القمع، تكفي غالبا لإخضاع ~~إحدى المريضات عقليا للقانون العام للعمل اليدوي، وللتغلب على رفض إحداهن العنيد لتناول ~~الطعام، ولترويض المريضات عقليا اللائي تستحوذ عليهن حالة مزاجية مضطربة وواعية. وهكذا كنا ~~نستغل فرصة وجود المريضة بالمغطس لأخذ حمام، ونذكرها بخطأ ارتكبته أو بواجب مهم أخلت به، ثم ~~نقوم بواسطة الصنبور بترك تيار الماء البارد يتدفق فجأة على رأسها؛ مما يكون من شأنه غالبا ~~إرباك المريضة عقليا أو إبعاد فكرة مسيطرة عن ذهنها، بفعل التأثير القوي وغير المتوقع. وإذا ~~أصرت المريضة على التشبث بهذه الفكرة المستحوذة على عقلها، نقوم بتكرار الدش، ولكن يجب أن ~~نتجنب بعناية استخدام لهجة قاسية أو ألفاظ صادمة قد تدعو إلى التمرد والثورة، بل على العكس من ~~ذلك، نجعلها تسمع أن هذا لصالحها وأننا مضطرون - ببالغ الأسف - إلى اللجوء إلى هذه الإجراءات ~~العنيفة، ونمزج كلامنا أحيانا بالدعابة، مع الحرص على عدم المبالغة فيها. فإذا تراجعت ~~المريضة عن عنادها، يتم حينئذ إيقاف هذا القمع على الفور، وتتبعه لهجة رقيقة تنم عن عطف ~~ومحبة.» جاء هذا الكلام على لسان بينيل الذي أضاف قائلا: إن هذه الوسيلة كانت «شائعة للغاية ~~في المصحة.» # هذا هو التناقض الفكري الكامن في مفهوم العلاج المعنوي لدى بينيل الذي يتوجه عصره ~~باعتباره أبا للطب النفسي. وهو ليس في حقيقة الأمر تناقضا بقدر ما هو تحول ينطوي على ~~مفارقة؛ فالأمر ms283 لا يتعلق بالعلاج المعنوي المجرد، العلاج المعنوي الفلسفي كما يعرفه هيجل، ~~وإنما العلاج المعنوي المتوافق مع الواقع اليومي القاسي داخل المارستان والذي يظل، حتى وإن ~~أراد التجديد، مارستانا. وهو ما شرحه بينيل نفسه، بأسلوب لا يخلو من التواضع، منذ صدور ~~الطبعة الأولى من «بحثه»: «إن ارتياد مصحات المجانين هو السبيل الوحيد لإعطائنا فكرة عن ~~صعوبات الخدمة: مشاعر تقزز ونفور تنشأ باستمرار يجب إخفاؤها، مخاطر يتم التعرض لها، صراخ ~~متواصل وألفاظ مقذعة تتردد على المسامع، وغالبا أعمال عنف مرفوضة نسعى إلى السيطرة ~~عليها.» # الفصل الخامس # | إسكيرول ونشأة مصحة الأمراض ~~العقلية # ولد جان إيتيان دومينيك إسكيرول في تولوز عام 1772، وهو التاسع في أسرة مكونة من عشرة ~~أطفال. وقد نذر نفسه في البداية للحياة الكنسية، ولكن الثورة قطعت دعوته، فشرع في دراسة الطب في ~~عام 1792. وعين مفتشا للصحة إبان الحروب التي شنتها الثورة وحكومة الإدارة (الديركتوار)، ~~واستأنف دراساته الطبية في مونبلييه، قبل أن يبدأ مسيرته المهنية في باريس عام 1799، حيث انضم ~~إلى العمل في خدمة كورفيزار في المشفى الخيري، كما عمل مع بينيل في مشفى سالبيتريير. وناقش في ~~عام 1805 أطروحته بعنوان: «الأهواء كأسباب وأعراض ووسائل علاجية للاختلال العقلي». ها هو يبلغ ~~من العمر نحو 34 عاما ولم يعد مبتدئا، بل أكثر من تلميذ، إنه معاون بينيل. حين توفي بوسان في ~~عام 1811، عين إسكيرول طبيبا مشرفا على قسم المريضات عقليا في سالبيتريير، ثم أصبح في ~~العام التالي طبيبا خاصا للقسم نفسه. # سنكتفي هنا بهذا القدر من سيرته الذاتية حتى ~~نتعرف بشكل أفضل على المرحلة الهامة، في ميلاد الطب النفسي، التي تمثلها أطروحة إسكيرول. في ~~كتاب «ممارسة العقل البشري»، يشدد كل من مارسيل جوشيه وجلاديس سواين # 1 # بحق على أن: «إسكيرول كتب بعد تأسيس «المبادئ التي وضعها البحث حول الهوس»، ولكنه ~~كتب أيضا قبل التحول الحاسم لتمثيل سبل ووسائل العلاج المعنوي، الذي نجم تدريجيا وفرضته ~~تجربة المشفى الكبير، والذي انتهي بحمله إلى سالبيتريير.» أي بعد تأسيس حقل طبي نفسي وفق تعريف ~~بينيل وقبل إيجاد ms284 حل مؤسسي. # أهواء ... # رفيق درب بينيل في تبنيه لمنظور قابلية الجنون للشفاء، وهو من أكمل الطبعة الأولى من ~~بحثه عن العلاج المعنوي، إنه إسكيرول الذي كتب «بحوثا عملية» ترتكز على الممارسة التطبيقية. ~~لقد أراد تناول الاستلاب العقلي «بوصفه أحد مواضيع الطب السريري.» ومن الجدير بالذكر أن ~~إسكيرول افتتح عام 1817 في سالبيتريير محاضرة سريرية في الطب العقلي، توافد على حضورها طلاب ~~العلم. كان إسكيرول أيضا قارئا لكتابات القدماء وبخاصة الفلاسفة الرواقيون، وأراد أن يجعل ~~من نظرية الأهواء «طريقة جديدة لوضع الجنون في قلب الموضوع البشري.» # 2 # فالأهواء تشكل الحدث الأولي للاستلاب العقلي. ولمعرفة الجنون، لا بد من الرجوع ~~إلى أصول الخلل؛ «بحيث يصبح مضمون الهذيان الأكثر استحواذا قابلا، على الأقل جزئيا، لأن ~~يفك شفرته ويحلل رموزه أولئك الذين يعرفون كيف يكشفون لعبة العلاقات والروابط وما يترتب عليها ~~من آثار.» # كما هي الحال بالنسبة إلى بينيل، يعد الهوس (الذي يمثل دوما الجنون بامتياز) «حالة ~~عصبية بحتة». فلا توجد أي آفة عضوية، ومن هنا تتجلى ملاءمة العلاج المعنوي. ومع ذلك، يعد ~~إسكيرول وبينيل «من أنصار النظرية العضوية»، على غرار عصرهما. «الأهواء تنتمي إلى الحياة ~~العضوية، ويشعر الإنسان بانطباعاتها في المنطقة الشرسوفية أسفل المعدة، وسواء أكان ذلك ~~بشكل أساسي أم ثانوي، يكمن مستقرها هناك.» في الجدال الكبير حول الأصل التشريحي الباثولوجي ~~للجنون، انتصر علماء التشريح (أو «مؤيدو النظرية العضوية»): فقد شكلت أعمال جال ركيزة أولية ~~للمذهب التشريحي. فرانز جال (1758-1828) - طبيب من فيينا - هو مؤسس علم فراسة الدماغ، وهو علم ~~جديد يقوم على أساس أن الدماغ يتألف من أجهزة خاصة بقدر ما يوجد من ميول ونزعات، ومشاعر ~~وملكات عند الفرد. وبناء على ذلك، فإن أشكال الجمجمة، التي يفترض تطابقها بشكل وثيق مع ~~محتواها، تتيح، من خلال إجراء قياسات معقدة ودقيقة (نطلق عليها عملية «تنظير القحف»)، ~~«قراءة شخصية الفرد» (ومن هنا جاء تعبير «لديه نتوء ...» بمعنى لديه موهبة). وهكذا عكف أطباء ~~الأمراض العقلية على البحث عن نتوء الجنون (وهو ما جرى ربما فيما بعد ms285 بشأن البحث عن النتوء ~~المسئول عن الجريمة، كما تجلى ذلك من خلال المجموعة المثيرة للاهتمام المحفوظة بكلية ~~الصيدلة بكاين، التي تضم قوالب جماجم لأشخاص أعدموا بالمقصلة). ولقد عملت السلطات في فيينا، ~~في مطلع القرن التاسع عشر، على الحيلولة دون انتشار «معتقد الدماغ» هذا؛ لأنها كانت ترى أن ~~هذه النظرية قد تؤدي إلى «تقويض أسس الدين ونشر المادية.» ولكن، بمساعدة سبورزهايم ~~(1776-1832)، تمكن جال، الذي استقر في باريس، من نشر أطروحته بشأن المراكز الدماغية ~~المرتبطة بالوظائف المختلفة. وتشارك كل من جيوم فيريس، وفيليكس فوازن (1794-1872) - عضو ~~مؤسس بجمعية فراسة الدماغ - وفرانسوا بروسيه (1772-1838)؛ الافتتان نفسه بهذا المذهب. # ولقد نشر بروسيه في عام 1828، قبل أن يصبح من أنصار علم فراسة الدماغ، كتابا بعنوان ~~«التهيج والجنون»، يرتكز على مذهب فسيولوجي مفاده أن الجنون ينشأ عن التهاب في الدماغ ~~وفي أغشيته؛ تارة لأسباب معنوية، وتارة لأسباب «سمبثاوية (أو ودية)» منتشرة بفعل التواد ~~والتأثر بإصابة عضو آخر؛ لأن «الدماغ لا يعاني أبدا وحده»؛ مما يبرر نظرية الخثلة (في حالة ~~«تهيج الجهاز الهضمي»). وقد حذا حذوه كل من سيبيون بينيل، وألكساندر بريير دي بواسمون ~~(1797-1881)، مؤلف أطروحة مهمة نشرت في عام 1845 بعنوان «هلاوس». # بيد أن تفرد «الشلل العام»، # 3 # ذلك التناذر المرضي الذي يدخل ضمن دائرة اختصاص الطب النفسي العصبي، هو ما أدي ~~فيما بعد - على وجه الخصوص - إلى تأييد نظرية الأصل العضوي للأمراض العقلية. كتبت شهادة ~~ميلاد الشلل العام في عام 1822، تحت اسم «التهاب العنكبوتية المزمن»، في الأطروحة التي دافع ~~عنها أنطوان لوران بايل (1799-1858)، تلميذ أنطوان أثاناز رواييه كولار، في شارنتون. «أكون قد ~~حققت الهدف الذي أصبو إليه إذا استطعت أن أثبت في هذا الجزء من عملي أن التهاب العنكبوتية ~~المزمن موجود بالفعل، وأنه سبب الإصابة بالاختلال العقلي المترافق بأعراض.» في دراسة جديدة ~~نشرها عام 1826، اختزل بايل بشكل أساسي أعراض التهاب العنكبوتية المزمن في الإصابة بشلل عام ~~غير مكتمل وخرف يتميز في المقام الأول بجنون العظمة. وبينما كان إسكيرول وإيتيان جان جورجيه ~~لا ms286 يزالان يدافعان في سالبيتريير عن نظرية الثنائية (الشلل والخرف مقترنان ولكنهما يشكلان ~~مرضين مختلفين)، أقر بايل وكالميل في شارنتون، وبارشاب في سان يون، تصورا أحاديا (فالشلل ~~والخرف ليسا سوى مرض واحد). وهكذا، أصبح «الخرف المصحوب بشلل» أو «الشلل العام» معزولا. ولو ~~لم يسارع أنصار النظرية العضوية إلى الاستحواذ عليه ليجعلوا منه النموذج المثالي للمرض العقلي ~~العضوي، لأمكننا إضافته إلى قائمة توصيف الأمراض النفسية التي كانت آنذاك قيد الإعداد. ~~فلأول مرة، عثر على آفات محددة في الدماغ! # بعد مورو دي تور (1804-1884)، الذي كان يعد الجنون «آفة عصبية بحتة وبسيطة»، انتصر، ولمدة ~~طويلة، مؤيدو النظرية القائلة بأن الإصابة بالجنون ترجع إلى سبب عضوي بالضرورة؛ مما يعني أن ~~«الوظيفيين»، المعارضين للعقيدة القائمة على النظرية العضوية، هم قلة قليلة. نذكر من بينهم ~~لوريه وآرشامبو. نشر هذا الأخير عام 1840 - فيما كان يتردد على القسم الذي يعمل به إسكيرول - ~~الترجمة الفرنسية للبحث الذي كتبه إيليس الإنجليزي. # 4 # تكمن أهمية هذه الترجمة في أنها مزودة بهوامش عديدة لإسكيرول وآرشامبو. وقد انتهى ~~إيليس أيضا إلى أن الاستلاب العقلي مرجعه آفة تسبب التهابا في المخ. وهكذا جلب عليه هذا ~~التأييد الحاسم للنظرية العضوية عداء مترجمه. # في عام 1820، نشر إيتيان جورجيه (1795-1828) - وهو تلميذ قديم لإسكيرول - مؤلفا صنع ~~شهرته بعنوان «الجنون: تأملات في هذا المرض، ومقره، وأعراضه ...» حيث سعى أيضا إلى «تحديد مقر» ~~الجنون. اقترح جورجيه - محاولا تجاوز الخلاف بين ~~علماء التشريح (أنصار نظرية الأصل العضوي للمرض)، والوظيفيين (أنصار نظرية الأصل النفسي ~~للمرض) - فصل الجنون إلى حقلين مختلفين: فمن جهة، هناك الاضطرابات العقلية المصحوبة بأعراض، ~~والناشئة عن سبب عضوي معروف، والتي تعد نتيجة «غير مباشرة وودية»؛ ومن جهة أخرى، هناك ~~«اعتلال مجهول السبب يصيب الدماغ»، وهو ذو طبيعة غير معروفة ولكنها «مباشرة وجوهرية» [بمعنى ~~أنها ليست عرضا لعلة أخرى]. # على أي حال، كما أوضح جوشيه وسواين، لا يمكن «القول إن أطباء الأمراض العقلية الأوائل ~~توصلوا إلى تعريف «نفسي» بحت للاضطراب العقلي، بالمعنى الذي نفهمه اليوم.» # 5 # ولم يبين ms287 إسكيرول، مثله مثل بينيل، «الخصوصية المطلقة للحدث الباثولوجي ~~النفسي.» # 6 # ومن ثم، سيكون بوسعنا الحديث عن «الطب النفسي المعنوي». # بيد أن إسكيرول ذهب إلى أبعد مما ذهب إليه بينيل. «إننا لم نسع يوما لمعرفة الوضع ~~المعنوي والفكري للمريض عقليا: لقد افترضنا أنه؛ بما أن قواه العقلية متضررة، فليس بإمكانها ~~أبدا العمل بحرية. أفلا يوجد، في أشد الآلام قسوة، فترات هدوء، بل ومتعة؟ [...] إذا كانت ~~الإصابات الجسدية تتخللها أوقات راحة، فلم لا تتخلل الإصابات المعنوية فترات خمود؟» # هذا هو ما يعيدنا إلى العلاج المعنوي، الذي يفتح لنا بالتأكيد بوابة سحرية تقودنا نحو طب ~~نفسي في طور النشأة. نجد لدى إسكيرول، في سنة 1805، علاجا معنويا لا يزال ممكنا بالمعنى ~~الهيجلي (أو إذا أردنا القول: بالمعنى البينيلي؛ نظرا لأن هيجل نسب كل شيء إلى بينيل)؛ لأن ~~المريض عقليا يعقل الأمور بطريقة ما (يمكن أن يتصرف بعقلانية)، وهنا يأتي دور الطبيب. ومع ~~ذلك، في نوع من الجدلية الذاتية التي تنطوي على شيء من التشويه، يرد إسكيرول على نفسه قائلا: ~~«إذا بدا لنا العلاج المعنوي عديم الفائدة ووهميا، فهذا يعني أننا لم نفهم جوهره الحقيقي. ~~فهو لا يقتصر أبدا على مواساة وتعزية المرضى عقليا، وزيادة شجاعتهم، وقمع هياجهم وغضبهم، ~~والتفكير بعقلانية معهم، ومكافحة انحرافات مخيلتهم. ولم ندع قط شفاءهم عن طريق التحاجج ~~معهم؛ إذ إن مثل هذا الادعاء أثبتت التجربة اليومية عدم صحته: فهل تخضع الأهواء للمنطق ~~العقلاني؟» إنه لتفكير رهيب، له عواقب وخيمة تتجلى في ذلك المسعى الذي ينطوي، مرة أخرى، على ~~تلك المجازفة الخطيرة المتمثلة في الانتقال من المسلمات إلى التطبيق. إن المسيرة المهنية ~~لإسكيرول هي التي صنعت هذه الهوة، فها هو يتحول من إسكيرول المدافع عن أطروحته حول «الأهواء» ~~... إلى ذلك الإسكيرول صاحب الفكر المؤسسي، الذي نشر في عام 1838 كتابا من جزأين يضم مؤلفاته ~~السابقة بعنوان «الأمراض العقلية وما يتعلق بها من روابط طبية، وصحية، وطبية شرعية»؛ حيث لم ~~يرد بهذا المؤلف الجامع - على نحو ذي مغزى - أي ذكر لأطروحة 1805. # المصحة: ms288 أداة للشفاء # لنترك إسكيرول في بداية العقد الثاني من القرن التاسع عشر (1810) في سالبيتريير، ولنذهب ~~إلى عام 1817 تقريبا، الذي بدأ فيه في استقبال بعض المريضات عقليا نظير دفع مبالغ مالية في ~~مسكنه الكائن بشارع بوفون. ولقد تزايد عليه الطلب لدرجة أنه أنشأ في عام 1827 مشفى على قطعة ~~أرض شاسعة في إيفري. في عام 1825، شغل منصب كبير أطباء البيت الملكي في شارنتون إثر وفاة ~~رواييه كولار، الذي كان يشغله طيلة 20 عاما (ويذكر أنه كان قد نذر نفسه أيضا للحياة ~~الكنسية). وكان رواييه كولار قد رشح في عام 1819، لتولي كرسي الأستاذية في قسم الباثولوجيا ~~النفسية، الذي كان قد أنشئ حديثا في كلية الطب (محاضرات حول الأمراض العقلية من جهة علاجها ~~الخاص، والطب الشرعي والصحة العامة). ثم خلفه إسكيرول، الذي كان عضوا بأكاديمية الطب منذ ~~1820. فقد كانت مكانته تؤهله لهذا المنصب. يعد مشفى شارنتون الجديد المكان الأمثل - أكثر ~~من بيستر أو سالبيتريير - لتطبيق الطرق العلاجية المعنوية؛ حيث يتعين «على الطبيب المتخصص في ~~فن المداواة الاستعانة بالفلسفة والتعامل بأكبر قدر من الإنسانية والحنو» (منشور الأول من ~~نيفوز، العام السادس). لم يكن يقبل في شارنتون سوى المرضى عقليا القابلين للشفاء، مع ~~تحديد مدة العلاج، على غرار المشفى الرئيس، بالنسبة إلى المعوزين (شهرين في المشفى الرئيس، ~~وثلاثة إلى ستة أشهر في شارنتون) قبل نقلهم إلى بيوت الإيواء المخصصة للميئوس من شفائهم. أما ~~المرضى عقليا الذين كانوا يدفعون نفقة إقامة فكان بإمكانهم البقاء. # قبل تعيينه في شارنتون، جذب إسكيرول انتباه السلطات العامة ~~بتقريره - بشأن «المؤسسات المخصصة للمختلين عقليا ~~في فرنسا وسبل تطويرها» - الذي قدمه إلى وزير الداخلية في عام 1818، والذي سرعان ما أصبح ~~سببا في شهرته بعد أن نشر، في العام نفسه، في «قاموس العلوم الطبية». # 7 # وهذه المرة، ارتكز التقرير على البحث الميداني. «لقد جبت جميع مدن فرنسا لزيارة ~~المؤسسات المحتجز بها المرضى عقليا.» ها قد مر ثلاثون عاما على بداية الثورة، وما زال ~~محضر المعاينة سلبيا تماما. فعدد المؤسسات المخصصة حصريا للمرضى ms289 عقليا وحدهم قليل ~~جدا. وكان المرضى يتركون داخل هذه المؤسسات بلا رعاية: «هؤلاء التعساء الذين يعانون أبشع ~~أنواع الشقاء الإنساني، تساء معاملتهم أكثر من المجرمين، ويحط من قدرهم حتى يصلوا إلى ~~مرتبة أسوأ من مرتبة الحيوانات. لقد رأيتهم عرايا، أو مغطين بالخرق، لا يحميهم من برد ~~الأرضية الرطبة التي يرقدون عليها إلا غطاء من القش. رأيتهم يطعمون بمنتهى الغلظة ~~والخشونة. رأيتهم محرومين من الهواء الذي يتنفسونه، ومن الماء الذي يروي عطشهم، ومن الأشياء ~~التي لا غنى عنها للحياة. رأيتهم وقد سلموا إلى سجانين حقيقيين وتركوا تحت رحمتهم ~~يعانون من مراقبتهم الوحشية. رأيتهم في أكواخ ضيقة قذرة كريهة لا يدخلها الهواء أو الضوء، وقد ~~قيدوا بالسلاسل في أوجار لا يمكن أن تحتجز داخلها الوحوش الضارية التي تتكفل الحكومات ~~المرفهة بدفع مصاريف كبيرة لرعايتها في العواصم. هذا ما رأيته تقريبا في جميع أرجاء فرنسا، ~~وتلك هي الطريقة التي يعامل بها المرضى عقليا تقريبا في جميع أنحاء أوروبا.» # في عودة قاسية ومباغتة إلى الخلف، تتلاقى صيحة الإنذار هذه مع غضب أنصار النزعة الإنسانية ~~الخيرية؛ حيث نستعيد شناعة الأغلال التي لم تختف على الرغم من البادرة التي قام بها بينيل: ~~«كانت السلاسل قيد الاستخدام تقريبا في كل مكان»، ويرجع السبب في ذلك، من بين أمور أخرى، إلى ~~«أن استخدام قميص التقييد كان مكلفا.» «كان المرضى ~~يوثقون بأطواق حديدية، وأحزمة حديدية، وقيود حديدية حول القدمين واليدين. في إحدى المدن ~~التي أخشى ذكر اسمها، قيد المصابون بالهياج بطوق حديدي موصول بسلسلة طويلة طولها قدم ونصف، ~~مثبتة بدورها إلى وسط الأرضية، وقد أكدوا لي أن تلك هي الوسيلة الأكثر أمانا لتهدئة المهتاج. ~~في تولوز، وفي قاعة مسقوفة تضم نحو عشرين سريرا، علقت إلى الجدران وفوق كل سرير سلسلة ~~تحمل حزاما من حديد؛ حيث كان المرضى عقليا يربطون في الحزام الحديدي، عند صعودهم إلى ~~أسرتهم، فيتم تقييدهم أثناء الليل.» يتجسد بامتياز نموذج المريض عقليا المكبل بالأغلال في ~~شخص نوريس، في بدلام، الذي انتشرت صوره في أماكن كثيرة في ms290 أوروبا، والذي وجدناه ماثلا في تلك ~~اللوحة التي نقشها تارديو، ووردت في «أطلس اللوحات» المرفق بكتاب «الأمراض العقلية ...» يصف ~~إسكيرول نوريس على النحو التالي: «تمت السيطرة على هذا البائس بوضع أطواق حول رقبته ورجليه، ~~وقيد جذعه بحزام حديدي أوثقت إليه اليدان. وكان الطوق والحزام ينزلقان، بواسطة حلقة ~~ملحومة بسلسلة طولها عشر بوصات، على طول قضيب حديدي مثبت عموديا إلى السقف والأرضية. لم يكن ~~هذا المسكين يستطيع التمدد على سريره وعاش هكذا طيلة تسعة أعوام.» # قلة قليلة فقط من الدور لم ينصب عليها غضب إسكيرول، باستثناء ثماني مؤسسات متخصصة؛ ذلك ~~أنها كانت تستقبل حصريا مرضى عقليا (أرمنتيير، وأفينيون، وبوردو، وشارنتون، وليل، ~~ومارسيليا، وماريفيل بالقرب من نانسي، وسان ميان بالقرب من رين)، وأيضا لأن «تلك المؤسسات ~~تعد، على حالتها هذه، أفضل من دور أخرى سأتحدث عنها فيما بعد» (ومع ذلك، أشار إسكيرول إلى ~~المختلين عقليا والمصابين بالهياج في مؤسستي ماريفيل وأرمنتيير، الذين كان يجري احتجازهم في ~~سراديب). في الطبعة الصادرة عام 1838، حدث إسكيرول البيان الصارم الذي أصدره قبل عشرين ~~عاما وأضاف إليه مزيدا من التفاصيل. مما لا شك فيه ~~أن الصورة باتت تبدو أقل قتامة، ولكن تظل هناك حاجة لإجراء تطوير شبه شامل، ولا سيما في ~~المصحة وفقا لتصور إسكيرول: «مشفى المجانين هو أداة للشفاء، بين يدي طبيب ماهر، وهو يمثل ~~العامل العلاجي الأشد تأثيرا في مقاومة الأمراض العقلية.» بيد أن هذا التصريح النظري، الذي ~~تم الاستشهاد به مرارا واعتباره بمنزلة بيان تأسيسي للطب النفسي المؤسسي، لا يعد مجددا ~~إلى هذا الحد. فعلينا أن نتذكر في الواقع أن تونون قد عبر عن المعنى نفسه، منذ عام 1788 (حين ~~قال: إن مشافي المجانين «تقوم بذاتها بوظيفة العلاج»)، مرددا من جانبه ما سبق أن ورد في ~~«تعليمات» 1785 بشأن «كيفية التحكم في المختلين عقليا». # كيف تصبح المصحة في حد ذاتها «أداة للشفاء»؟ وكيف يستعيد العلاج المعنوي مكانته في ظل هذه ~~المسلمة المدهشة مبدئيا؟ يشدد إسكيرول دائما على مبدأ العزلة، وهو مبدأ مركزي في رأيه، ms291 ~~بل لقد خصص له بحثا قرأه في المعهد عام 1832. «عزل المرضى عقليا [بمعنى حجزهم] يقوم على ~~إنقاذ المختل عقليا من جميع عاداته وحمايته منها؛ بإبعاده عن الأماكن التي يسكن فيها، ~~وبفصله عن عائلته وأصدقائه وخدامه، وبإحاطته بغرباء، وبتغيير نمط حياته بالكامل. يهدف العزل ~~إلى تغيير الاتجاه المنحرف للذكاء ولعواطف المرضى عقليا: تلك هي الوسيلة الأكثر فعالية، ~~وعادة الأكثر فائدة، لمكافحة الأمراض العقلية.» وللقيام بذلك، أين نجد مكانا أفضل من المصحة، ~~تلك المصحة المؤسسية الجديدة التي ستساهم - بمظاهرها اليومية - في تحقيق هذا الهدف ~~العلاجي؟ # سيترك المريض عقليا مجتمعا ممرضا ليلتحق بمجتمع نموذجي، حكيم، منظم وقادر على محو ~~الجنون. لقد أرادت الثورة تغيير الإنسان، أما المصحة فتغير المجنون. كما كتب جوشيه ~~وسواين، # 8 ~~«المريض عقليا يمثل الإنسان الذي ينبغي تغييره» ببراعة، وهكذا تصبح المصحة ~~بمنزلة مختبر سياسي. يجري روبرت أوين - وهو مصلح اجتماعي واشتراكي بريطاني - هذه المقاربة ~~قائلا: يتعين أن نحكم المجتمع (المريض) بقوانينه غير الرشيدة، ونعالجه بالطريقة نفسها التي ~~يعالج بها الطبيب المرضى عقليا ويحكمهم (في المشافي الأفضل من حيث التنظيم) («الثورة في عقل ~~الجنس البشري وممارسته»، 1849). # 9 # كتب آرشامبو - رئيس أطباء مشفى ماريفيل - في عام 1842: «لترتيب فكر المرضى ~~عقليا، لا بد من زرع النظام والترتيب حولهم.» # العزلة والنظام ... قاعدتان ارتكزت عليهما معالجة المريض عقليا حتى ظهور هذه الجملة التي ~~كتبها بوشيه، تلميذ إسكيرول المقرب، في «الحولية الطبية النفسية» الصادرة عام 1849، بشأن ~~«العمل المفروض على المرضى عقليا»: «يجب أن تختفي الفردية الاجتماعية لتذوب في الحياة ~~المشتركة [...] أي أن تطبق نفس مبادئ الشيوعية على النظام الذي يخضع له المرضى عقليا. ~~ففي أغلب الأحيان، لا يكون المرض إلا نتيجة للفردانية المفرطة؛ ولذا يكمن علاجه في الاتجاه ~~المعاكس.» # ومن ثم، أصبح المريض عقليا جزءا من كل أكثر من كونه فردا مستقلا بذاته. ومن هذا ~~المنطلق، أصبح العلاج المعنوي كما يعرفه إسكيرول، من الآن فصاعدا، مختلفا عن ذلك العلاج ~~الذي تصوره في أطروحته بعنوان «الأهواء» ... وبشكل أقل من أي وقت مضى، لم تعد مسألة الحوار ms292 مع ~~المختل قائمة: «لقد ظننا أن العلاج المعنوي المطبق على المصابين بالهوس يقتضي التفكير ~~بعقلانية، والتحاجج معهم: هذا وهم؛ فالمهووسون لا يستطيعون السيطرة على انتباههم بما يكفي ~~ليتمكنوا من الإصغاء ومتابعة الاستدلالات المنطقية التي نعرضها عليهم.» لقد رأينا من قبل أن ~~هذا القيد كان قد بدأ بالفعل في أطروحة 1805، ولكنه سيبلغ من الآن فصاعدا ذروته: «لا بد من ~~أن يمتلك المرء شيئا من المهارة العقلية وخبرة كبيرة ليستطيع فهم الفروق الدقيقة اللانهائية ~~التي يطرحها تطبيق العلاج المعنوي، وتحديد مدى ملاءمة هذا التطبيق. ففي بعض الأحيان، يتعين ~~اللجوء إلى التضليل في مراحل الشفاء الأكثر استعصاء من أجل التغلب عليها، وذلك من خلال ~~الإيحاء إلى المرضى بعاطفة أشد من تلك التي تسيطر على عقلهم، واستبدال خوف حقيقي بخوف وهمي. ~~وفي أحيان أخرى، ينبغي كسب ثقة المرضى، وتقوية شجاعتهم الواهنة، عن طريق بث الأمل في قلوبهم. ~~لا بد من تطبيق الطريقة التي تحدث اضطرابا، ومقاومة التشنج بالتشنج، وإحداث هزات معنوية من ~~شأنها تبديد السحب التي تغطي الذكاء، وتمزيق الحجاب الذي يفصل بين العالم الخارجي والإنسان، ~~وكسر السلسلة المفرغة للأفكار، ووضع حد لعادة التداعيات السيئة وتدمير ثباتها المحبط، وإبطال ~~السحر الذي يبقي كل القوى الفاعلة للمريض عقليا في حالة تعطل.» باختصار، «يدخل في نطاق ~~العلاج المعنوي كل ما يمكن أن يؤثر على الدماغ، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، ويغير إنساننا ~~المفكر، وكل ما من شأنه السيطرة على الأهواء وتوجيهها.» # في هذا الصدد، يشير إسكيرول، مثل بينيل، إلى الترهيب والتخويف، ولكن ذلك الخوف المعتدل ~~الذي يخفف من شدته، إذا جاز التعبير، اللطف. «بالرغم من أن هؤلاء المرضى وقحون ومتهورون، ~~فإنه يسهل ترويعهم. للخوف سلطان كبير عليهم، لدرجة أنهم يصبحون خجولين ومرتجفين وخاضعين أمام ~~الأشخاص الذين يعرفون كيف يسيطرون عليهم [...] ولكن يجب ألا يصل هذا الشعور إلى حد الرعب.» ~~يتابع إسكيرول قائلا إن قلة قليلة شفيت. ينبغي استعمال الخوف، على أنه أيضا «أداة للشفاء»، ~~بحكمة ومهارة، ومن هنا تتجلى أهمية توافر «صفات معينة جسدية، وفكرية ms293 وأخلاقية» في من يقتربون ~~من المرضى ويقومون برعايتهم وعلاجهم. وهكذا قد تساهم «الهزات المعنوية والانفعالات القوية ~~وغير المتوقعة» في شفاء المصابين بالهوس. «إذا كان القمع ضروريا، فلتمارسوه من دون احتداد، ~~أو وحشية، وإلا فلن يرى مريض الهوس في سلوككم إلا الغضب.» ويضيف إسكيرول أن الطبيب يجب ألا ~~يقوم بزرع الخوف مباشرة في نفس المريض، وإنما يتولى مساعدوه ذلك؛ إذ يجب أن يظل هو ~~«مواسيا» بحيث يجمع بين الطيبة والحزم ويكون محط احترام وتقدير المرضى. # ها هي مريضة بالهوس (من جراء مآسي الثورة) متعجرفة للغاية ومستعدة دائما لضرب الآخرين. ~~يكفي إلباسها مرتين قميص التقييد «لمدة ساعة واحدة فقط وإشعارها بما تنطوي عليه مثل هذه ~~المعالجة من مهانة ومذلة.» وكما هي الحال عند بينيل، يعد الماء البارد «عاملا علاجيا ~~فعالا»؛ إذ إن له «مفعولا جسديا» و«تأثيرا معنويا» في الوقت ذاته «باعتباره وسيلة ~~قمع». «معظم المرضى في طور النقاهة يقولون بشكل عام إنهم شهدوا تحسنا بعد استعمال الماء ~~البارد. بل إن بعض المصابين بالهوس يطلبونه، ولكن يجب عدم الإفراط في استخدامه.» # كان هذا النوع من العلاج المعنوي الجماعي قد أصبح بالفعل ضرورة حتمية في المصحات الكبرى، ~~التي جعلت من المستحيل «فعليا» تطبيق أي نوع من العلاج الفردي. وأصبح إسكيرول مؤيدا لهذا ~~الأسلوب العلاجي، ولا سيما بعد استقراره في شارنتون. فبينما كان يريد فيما مضى «تحديد الحجم ~~الأمثل للمؤسسات على أساس إمكانية عيش الطبيب داخلها وسط المجانين وبقائه على مقربة منهم»، ها ~~هو قد أصبح «نموذجا أوليا للطبيب العقلي الذي يعرف ويوجه عن بعد، ولا يتعامل مع المرضى، ~~في الحالة القصوى، إلا عبر أجهزة المؤسسة التي ينظمها ويديرها ويسيطر على كل شبر ~~فيها.» # 10 # وهكذا ولدت مع إسكيرول شخصية طبيب الأمراض العقلية، الذي يضطلع في الوقت ذاته ~~بدور المدير الإداري، والطبيب، وكبير المشرفين. # وهكذا بدأت تتضح معالم المؤسسة العلاجية، على الرغم من أنها لم تكن قد نشأت بعد؛ حيث ~~سيتعلم المريض تدريجيا، بعد أن انتزع من دائرة الوحدة التي يفرضها عليه جنونه، كيف يندمج ms294 ~~من جديد وسط الآخرين داخل المصحة. ولكن أي آخرين؟ إن مجتمع المصحة ليس مثل المجتمع باختصار. ~~أما عن قابلية الجنون للشفاء، فإن الآمال العريضة التي رسمها بينيل وإسكيرول في تصورهما ~~المبدئي، قبل عام 1810، تبددت ليحل محلها صمت حذر. وهنا تتجلى قمة التناقض بين «الانقسام ~~البينيلي» و«تجسيده المؤسسي»؛ # 11 # حيث اصطدمت قابلية الشفاء النظرية بقابلية الشفاء الفعلية. في عام 1816، وفي أحد ~~التقارير الختامية، أشار بينيل، الذي كان قد ذكر قبل عدة أعوام مضت أن هناك حالة شفاء واحدة ~~من بين كل حالتي دخول إلى مشفى سالبيتريير، إلى «خطورة حالات الخلل العقلي وتواترها الفريد ~~وعدم قابليتها للشفاء على الإطلاق.» أما إسكيرول، فلم يتطرق إلى هذا الموضوع إلا فيما يخص ~~شارنتون، التي أقر بأن نسب الشفاء فيها مقابل حالات الدخول بلغت 1 إلى 3 في الفترة من 1826 ~~إلى 1833. وإذا استبعدنا من حسابنا مرضى الشلل العام والبلهاء والمصابين بالصرع - أي ~~الميئوس من شفائهم - سنجد أن النسبة تبلغ 1 إلى 2,33، وفيما يتعلق بالإحصائيات الإطرائية ~~المقدمة في صورة جداول لا تشوبها شائبة يعد إسكيرول، هنا أيضا، رائدا. فضلا عن ذلك، ~~أنب إسكيرول زملاءه الذين «يحتقرون الإحصاء؛ لأن الناس يسيئون استعماله» (بالفعل؟) أما عن ~~أولئك الذين يتذرعون بعدم دقته - يضيف إسكيرول على نحو غامض - فهم ينسون أن طبيب الأمراض ~~العقلية، الذي يعتبر بحكم التعريف فوق الشبهات، يتعين أن يكون أيضا خبيرا ~~إحصائيا. # التحول النهائي للعلاج المعنوي # في عام 1828، شرع بيتر سولومون تاونسند - طبيب من نيويورك - مثل العديد من زملائه في ~~زيارة المشافي الباريسية، وخاصة مشافي المجانين. وفي هذا النصف الأول من القرن التاسع عشر، ~~أصبحت باريس قبلة الطب. وقد كتب تاونسند، وكان يبلغ من العمر آنذاك 32 عاما، تحقيقا ~~صحفيا مفصلا للغاية ونابضا بالحيوية عن هذا التحول. # 12 # حين وصل إلى مدينة لو هافر في الرابع والعشرين من ديسمبر 1827، ذهب على الفور ~~لزيارة المشفى الرئيس بالمدينة. لم يكن القسم الخاص بالمختلين عقليا يؤوي إلا اثنين من ~~المصابين بالهوس. كانت غرفتاهما مريحتين ولكن أحدهما كان مقيدا ms295 «قليلا». في الواقع، لم يكن ~~المجانين يتركون هناك إلا بصفة مؤقتة ريثما ينقلون إلى مشفى الأمراض العقلية بروان، التي ~~زارها مسافرنا، وهو في طريقه إلى باريس. ولقد التقى أولا بالطبيب فلوبير (والد جوستاف) - وهو ~~طبيب مشهور كان يشغل منصب رئيس الجراحين بالمشفى الرئيس - قبل ذهابه إلى مشفى المجانين بسان ~~يون، الذي كان يديره في ذلك الوقت الطبيب فوفيل، والذي كان يحتجز 250 مختلا عقليا (ولكنه ~~يمكن أن يسع حتى 400). بدا كل شيء في نظر تاونسند مثاليا ربما باستثناء الغرف (الحجيرات) ~~التي وجدها ضيقة للغاية. ولقد كانت الحمامات شائعة هناك أيضا؛ حيث كان المرضى عقليا ~~يستلقون لمدة ساعتين في الماء الساخن، بينما يظل كيس من الثلج زنة أربعة أرطال موضوعا على ~~رءوسهم باستمرار طوال فترة الحمام. ولقد صرح الدكتور تاونسند بأنه كان شاهدا بنفسه على ~~«التأثير المهدئ» لهذا الأسلوب العلاجي. وكانت وسيلة الردع المستخدمة في هذه المصحة عبارة عن ~~أنبوب رش قوي يجري تسليطه على أي مريض عقليا معاند. وأبدى تاونسند ملحوظة مخيبة ~~للآمال مفادها أن هذه الوسيلة تعد طريقة غريبة للغاية لضبط الأهواء والمشاعر، حتى ولو كانت ~~متبعة أيضا في إنجلترا وفي الآونة الأخيرة في الولايات المتحدة. # ولكن ها هو طبيبنا الأمريكي في باريس يزور المشافي الكبرى، والسوربون والمسارح. ويتابع ~~زيارات كل من دوبويتران إلى مشفى باريس الرئيس وبروسيه إلى فال دو جراس. في الخامس من مارس، ~~ها هو في مشفى سالبيتريير منذ السابعة صباحا. هدفه الأساسي مقابلة باريزيه، خليفة بينيل، ~~الذي يتولى مسئولية 800 مريض عقليا من بين الستة الآلاف مريض المقيمين بالمشفى. بدت له ~~القطاعات المختلفة بالمشفى مجهزة جيدا، بيد أن التدفئة لم تكن كافية. وهنا أيضا، بدا دش ~~العقاب بالنسبة إليه موضع شك، ولكن لحسن الحظ كان يستعاض عن هذا الإجراء في بعض الأحيان ~~بالاستخدام الحديث لسترة المجانين المصنوعة من القماش المتين، التي تقيد الذراعين من دون ~~إعاقة حرية الحركة والتنقل. وفي الرابع والعشرين من شهر مارس، قام بزيارة جديدة إلى المشفى، ~~وكان لا يزال برفقة باريزيه، ms296 الذي ربطته به علاقة صداقة؛ إذ كان هذا الأخير يصطحبه معه في ~~حفلات العشاء الباريسية التي يحضرها. ونتيجة لذلك، أخذ تاونسند يجزل الثناء على الخدمة ~~المقدمة للمرضى عقليا ويشيد بالطريقة التي استطاع بها باريزيه أن يحمل الشعلة التي أضاءها ~~بينيل. فما من قيود، وهناك تغذية جيدة، وملبس جيد، وتدفئة جيدة (؟) أما عن وسائل الإخضاع، فلم ~~يتبق منها إلا «تلك السترة الرائعة المسماة قميص التقييد» (ولقد ذكر هذه الكلمة الأخيرة # camisole # باللغة الفرنسية في النص). ولم يشر على الإطلاق ~~إلى أي علاج معنوي. # وهكذا لم يبق على خلفاء إسكيرول المباشرين إلا توجيه الضربة القاضية لهذا العلاج ~~المعنوي المتلون الشبيه بالحرباء، والذي كان في النزع الأخير. أوضح جورجيه أن العلاج المعنوي ~~ينحصر في اتجاهين هما: الاتجاه السلبي الجماعي عبر العزل في المصحة، والاتجاه النشط الفردي ~~(المتمثل في «التعليم الطبي» المباشر للمريض)، وهو الاتجاه الذي يفضله. بيد أن جورجيه يشدد، ~~بعد إسكيرول، على ضرورة وجود سلطة طبية مطلقة، لكونها تشكل مبدأ أساسيا في العلاج المعنوي. ~~«يجب أن يكون التحكم بالمجانين مطلقا. ويجب أن يرجع القرار النهائي في جميع المسائل إلى ~~الطبيب [...] فإذا كانت هناك أكثر من جهة تتنافس على السلطة وتتنازع على النفوذ، فلن يحدث توافق ~~إلا نادرا؛ مما سيجعل المناخ مهيأ لاندلاع عصيان من جانب طرف أو آخر.» # ولكن فرانسوا لوريه (1797-1851) - وهو أيضا ~~تلميذ لإسكيرول، وكان يشغل منصب كبير الأطباء بمشفى بيستر منذ عام 1836 - هو الذي دفع العلاج ~~المعنوي إلى أقصى حدود المنطق. يفسر لوريه ذلك في كتابه «العلاج المعنوي للجنون» (1840) ~~قائلا: «أقصد بالعلاج المعنوي للجنون، الاستخدام المعتدل لجميع الوسائل التي تؤثر مباشرة على ~~عقل وعواطف المرضى عقليا [...] لقد دأبت على جعل الفكر غير العقلانية شاقة ومضنية، لكي يبذل ~~المريض جهدا فيطردها، وحرصت دائما على طرح فكر أخرى، متوافقة مع المنطق والتفكير السليم، ~~وعملت على إضفاء طابع من الجاذبية والمتعة عليها.» يجب أن يكون العلاج المعنوي «بالغ التأثير؛ ~~لأن المرضى عقليا معرضون للوقوع في الخطأ.» ولكن، ما المقصود ب «بالغ ms297 التأثير»؟ في عام ~~1837، لم يكن عمر الدكتور بليني إيرل - وهو طبيب أمراض عقلية من نيويورك - يتجاوز الثامنة ~~والعشرين حين شرع في القيام بجولة تثقيفية في أوروبا لزيارة مشافي المجانين الرئيسة. في ربيع ~~1838، ذهب إلى باريس وزار مشفى بيستر تحت قيادة الطبيب لوريه. «لقد أراني القاعة المخصصة ~~للحمامات، وشرح لي كيف تستخدم لفرض نظام عقلي وأخلاقي وجدته مضرا [مؤذيا].» حيث كان ~~يوضع المرضى عقليا في مغاطس يغطيها لوح لا يظهر منه إلا الرأس. وعند صدور الأمر من ~~الطبيب، يندفع تيار قوي من الماء المثلج ليتدفق على رأس المريض. يدعي أحد هؤلاء المرضى أنه ~~زوج دوقة بيري. في اليوم السابق، أذنا له بالكتابة، بشرط ألا يأتي على ذكر «سخافاته ~~المعتادة»، وهو ما فعله على أي حال. أمسك دكتور لوريه بالخطاب موضوع الخلاف في يده وسأل ~~المريض عقليا عما إذا كان لا يزال يصدق هذه الترهات. «نعم، سيدي» (ورد هذا الرد باللغة ~~الفرنسية في النص). «أعطوه إذن حماما»، هكذا أمر الطبيب. «أخذ المريض يصرخ ويتلوى متوسلا ~~لكي نتوقف، وبالفعل توقفنا، وسألناه عما إذا كان لا يزال يصدق أنه الصديق الحميم لشارل ~~العاشر، «نعم، أنا هو بالفعل»، إذن «أعطوه حماما».» وأخذ المشهد يتكرر بحذافيره لمدة نصف ~~ساعة، حتى اقتنع المريض عقليا بأن الإجابة الصحيحة هي «كلا»، بالتأكيد، فهو ليس زوج دوقة ~~بيري كما أنه لا يعرف شارل العاشر. واتبع النهج نفسه مع مريض عقليا آخر لم يكن يريد أن ~~يعمل. وهذه المرة، دش واحد كان كافيا، بعده صاح المريض قائلا: «أريد أن أعمل! أريد أن ~~أعمل!» صدم الطبيب الأمريكي من هذه الطريقة المتبعة، التي وجد أنها ليست أفضل من استخدام ~~القيود، التي حرر منها بينيل المرضى عقليا. # 13 # لقد سبق أن رأينا إسكيرول وبينيل يستخدمان الدش كوسيلة عقابية، ولكن لوريه هو الذي سينصب ~~عليه غضب المجتمع الطبي. فسيؤخذ عليه قسوته إزاء المرضى عقليا، و«أسلوب الترهيب الذي يتبعه ~~في التعامل معهم [...] والذي ينتزع به من المريض - إذا جاز التعبير - طاقة وقوة جبارة، وإنكارا ~~قسريا لأفكاره» ms298 (لجنة الأكاديمية الملكية للطب، 1838). وسيستاء الناس على وجه الخصوص من ~~قيامه بسرد تجاربه بصراحة ممزوجة بتهكم لاذع وبسخرية مؤلمة. «من لا يعلم ما هو الدش؟ كل من ~~يستحم في البحر لا بد من أن يكون قد اغتسل بالرشاش ومرر الدش فوق رأسه. إنه لأمر بالغ ~~التأثير، ومن الصعب تحمله. ولكن، إذا كنا لا نخشى التعرض له عند الاستحمام في البحر، حيث نذهب ~~عادة للشفاء من مرض أقل خطورة، فلم لا نقبل التعرض له إذا كان الأمر يتعلق باستعادة العقل؟ ~~لقد كان الدش بالكاد مؤلما قبل أن يدخل في نطاق العلاج المعنوي، ولم يتحول إلى وسيلة تعذيب ~~وحشية إلا مؤخرا، وفي الكتابات التي نشرت ضدي. ولقد سبق أن استخدمه بنجاح كل من بينيل ~~وإسكيرول - حتى لا نتحدث إلا عن الموتى - ونجده في جميع مؤسسات المرضى عقليا سواء العامة أو ~~الخاصة التي أنشئت وفقا لأفكار هذين العالمين الاختصاصيين في الطب النفسي. وهكذا فإن ما ~~استعنت به، سبق أن استعان به أسلافي.» علاوة على ذلك، أراد لوريه «تقييم الآثار المترتبة على ~~استخدام الدش»، فجربه على نفسه وكذلك على مساعديه. «إن الدش يجمد الدماغ ويعيق التنفس. ومع ~~ذلك، استطعنا جميعا تحمله لعدة ثوان.» # وأخيرا، أألقينا باللوم على لوريه لقيامه بالوشاية؟ ألم يحسب أن المريض عقليا ~~بإمكانه الاجتماع برئيس الأطباء لمدة تتراوح، تبعا لحجم المؤسسة، ما بين 18 و37 دقيقة ~~سنويا؟ فكيف يمكن إذن، في ظل هذه الظروف، ادعاء تطبيق علاج معنوي فردي؟ لقد اتهمناه على أي ~~حال بأنه يريد «تجريد بينيل من واحد من أعظم إنجازاته العلمية» (د. بلانش، «خطورة القسوة ~~البدنية في معالجة الجنون»، 1839). بيد أن لوريه يدافع عن نفسه قائلا: «لقد اعتقد الناس، أو ~~تظاهروا بالاعتقاد بأن العلاج المعنوي يتمثل بالنسبة إلي في التعامل بقسوة وهمجية، وشن هجوم ~~عنيف على مشاعر وأهواء المختلين عقليا، وإخضاع هؤلاء المرضى لنظم جسدية صارمة؛ أي باختصار ~~اتباع أسلوب الترهيب والترويع.» كلا، يجيب لوريه. يشكل الألم، في حقيقة الأمر، جزءا من ~~المعالجة، ولكن ليس دائما وليس مع ms299 جميع المرضى. «تكمن فائدة الألم بالنسبة إلى المرضى ~~عقليا، كما في المسار الطبيعي للحياة، في التعليم.» «فبين الأطفال والمرضى عقليا، هناك ~~العديد من أوجه التشابه.» # قبل ذلك بستة أعوام، كتب لوريه في مؤلفه «شظايا سيكولوجية حول الجنون » (1834) ما يلي: ~~«لا تستخدموا أساليب المواساة والتعزية؛ لأنها غير مجدية. لا تلجئوا إلى الاستدلالات ~~المنطقية؛ لأنها غير مقنعة. لا تظهروا حزنا عند التعامل مع المصابين بالسوداوية؛ لأن حزنكم ~~سيؤجج حزنهم. ولا تشيعوا جوا من المرح والسعادة؛ لأن ذلك سيجرحهم. وتحلوا بقدر كبير من ~~الثبات ورباطة الجأش، بل والصرامة، عند الضرورة. ولتكن حكمتكم نموذجا لهم في السلوك. ما ~~زال هناك وتر واحد يهتز لديهم، وهو وتر الألم، فليكن لديكم ما يكفي من الشجاعة ~~للمسه.» # أيتعلق الأمر بانحراف العلاج المعنوي أم ببلوغه أقصى حدود المنطق؟ كما يوضح جاك ~~بوستيل، # 14 # إن زوال التكيف الاستفزازي الذي مارسه لوريه جعل منه رائدا معترفا به ~~في مجال أساليب المعالجة السلوكية الأنجلوساكسونية (العلاج السلوكي). ولكن، ما جلب عليه في ~~الواقع العداء الصريح الذي أعلنه أطباء الأمراض العقلية في عصره، بقيادة مورو دي تور، زميله ~~في بيستر، «هو أن، العلاج المعنوي الذي نادى به لوريه، كان يندرج، على الرغم من تجاوزاته، في ~~إطار علاقة سببية نفسية مرتبطة بالمرض العقلي، ويتعارض بالتالي مع خطاب طب النفس ~~والأعصاب المتعلق بالنظرية العضوية، والذي كان بصدد غزو مجال الطب النفسي. ولم يكن بإمكانه ~~أن يفعل ذلك، للأسف، إلا من خلال إعادة تجسيد علاقة العنف المتطرف، بصورة صريحة وواضحة بين ~~الطبيب النفسي والمجنون، والتي سيحاول الخطاب الرسمي الجديد إخفاءها بعناية تحت ستار الحيادية ~~«العلمية» الظاهرية للموقف التشريحي-الإكلينيكي. بطريقة ما، حجة «النزعة الإنسانية الخيرية» ~~أخلت الساحة لحجة «النزعة العلمية الطبية»، وبقي لوريه وحيدا بين هاتين الحجتين.» # 15 # وهكذا لن يتبقى على الساحة إلا شارل لازيج (1816-1883) - فيلسوف ثم طبيب - لمعارضة ~~النظرية العضوية النفسية والإبقاء على مسار العلاج المعنوي. ولقد أقر بالفعالية المحدودة ~~للعلاج الجماعي (الذي أطلق عليه اسما جذابا وهو العلاج «الإداري»)، واعتزم أن يعيد إلى ms300 ~~«العلاج الفردي» النشط قيمته ومكانته العلاجية. فيجب عدم «إزالة الداء مثلما يفعل مبضع ~~الجراح» (وفي هذا إشارة إلى لوريه)، بل ينبغي العثور داخل المريض نفسه على «مبدأ ~~الشفاء». # 16 # على طرفي نقيض من الحمى التصنيفية التي اجتاحت عصره (وهي التي سنتوقف عندها ~~لاحقا)، يرى لازيج أن ما يعد بالأحرى أكثر أهمية الآن، بدلا من التنويع اللانهائي للجنون، ~~هو الانشغال ب «درجة العقل» لدى المرضى عقليا من خلال تصنيفهم «بحسب نسبة العقل الإجمالية ~~الثابتة.» ولقد طرح للمناقشة أيضا مسألة شخصية الطبيب نفسه، التي يثير تنوعها، في رأيه، ~~مشاكل متعددة باختلاف المرضى. أهي معرفة مسبقة بنقلة عكسية انفلت زمامها لدى لوريه؟ «من ~~المؤكد أنه كان على الطريق الصحيح»، هكذا يختتم جاك بوستيل كلامه مذكرا بأن لازيج - بتوجيه ~~مسيرته المهنية نحو الطب الشرعي (سيشغل لمدة 23 عاما منصب «طبيب الأمراض العقلية بقسم ~~الشرطة»، «المشفى الخاص» المستقبلي) - لم تكن أمامه فرصة كبيرة لانتهاج سبيل المعالجة ~~النفسية، الذي كان قد تنبأ به جيدا. # الجزء الخامس # | العصر الذهبي للطب العقلي # الفصل الأول # | قانون 1838 الخاص بالمرضى عقليا # بينما كانت ملامح الطب النفسي تتشكل، ظل الجنون والقدرة على السيطرة عليه من الأمور القائمة ~~على أرض الواقع، بينما تزايدت الهوة أكثر من أي وقت مضى بين النظرية والتطبيق. لقد رأينا أن ~~الثورة أجلت المسألة إلى أجل غير مسمى، وأهملت معالجة الوضع الحرج الذي وصلت إليه الأمور. ~~ومع ذلك، فإن أحدا لم يعد النظر في اعتقال المرضى عقليا، على الرغم من أن هذا الاعتقال لا ~~يرتكز على أي أساس قانوني أو إداري. وهكذا ظهرت معضلة جديدة، نابعة من التأكيد لمذهب قابلية ~~الجنون للشفاء: ينبغي منع المرضى عقليا من إحداث ضرر (بما في ذلك لأنفسهم)، ولكن لا بد أيضا ~~من معالجتهم، وأن يتم ذلك داخل المؤسسة نفسها. وقد شجب تقرير صادر عن الإمبراطورية هذا الوضع ~~بوضوح: «من الصعب جدا أن نحدد ما إذا كان يجب اعتبار مؤسسات المختلين عقليا دور احتجاز أم ~~بالأحرى بيوت إيواء؛ إذ إن وظيفة هذه المؤسسات ms301 تقتضي من جهة احتجاز الأفراد الذين يضرون ربما ~~المجتمع، ومن جهة أخرى، توفير سبل الشفاء للأفراد المرضى.» # 1 # في العقود الأولى من القرن التاسع عشر، برزت هذه الفجوة المؤسسية من خلال ذلك ~~الصراع الذي بدأ يتفاقم بين السلطات: السلطة القضائية، والسلطة الإدارية التي كانت مهمتها تتمثل ~~- من القائد العام للشرطة إبان عصر التنوير إلى المحافظ في عهد الإمبراطورية - في تنظيم كل ما ~~يمس الحياة العامة (بالنسبة إلى المجنون ما يتعلق بالسلامة العامة أو بالمساعدة)، وأخيرا ~~السلطة الطبية، التي أرضت غرور القضاء بإعطائه سلطة تقرير متى يكون المرء مجنونا، ومتى لا يكون ~~كذلك. وإذا أضفنا، إلى هذا الخلط بين السلطات، التعثر المالي المتوطن الذي يؤثر بالسلب دائما ~~على المساعدة - بما في ذلك مساعدة المرضى عقليا - فسنفهم سبب تأخر صدور تشريع بشأن المرضى ~~عقليا. ولكن ما أهمية إصدار قانون مماثل؟ # تقييم الوضع # ينبغي أن نتساءل كيف كان الوضع في نهاية عهد الإمبراطورية وإبان عصر عودة الملكية. يكفي ~~القول إنه لم يكن ممتازا. ففي عام 1818، أجري تقييم شامل، ونشرت نتائجه في «التقرير ~~المرفوع إلى الملك بشأن وضع المأوى، والأطفال اللقطاء، والمرضى عقليا، والتسول والسجون» على ~~النحو التالي: «من بين جميع الإعاقات التي تصيب الإنسان، يأتي الاستلاب العقلي في المرتبة ~~الأولى التي تستحق أكبر قدر من الاهتمام؛ نظرا لأنه يحرم الإنسان من جميع ملكاته، كما أنه ~~يصيب جميع الأعمار، وشتى الطبقات، في مختلف الظروف. ومع ذلك، لم نوله إلا أقل القليل من ~~الاهتمام في مجال تقديم المساعدات [...] ولم تطل التحسينات الكبيرة التي أدخلت على نظام ~~المشافي إلا القليل من الأماكن المخصصة للمرضى عقليا.» ومرة أخرى، تمت الإشارة إلى إنجلترا ~~التي أصبحت مثلا يحتذى به في هذا المجال. «لا يمكن لفرنسا أن تظل في الخلف.» تلا ذلك بيان ~~بخصوص «احتجاز المرضى عقليا»: ورد فيه أن عددهم يتراوح ما بين ثمانية إلى تسعة آلاف، وهم ~~موزعون على 24 مأوى ومشفى، و15 مستودع تسول (وهناك العديد من الحالات التي لم تسجل؛ ~~لأن الجميع لم يقم بإرسال البيانات ms302 المطلوبة لهذه الدراسة الاستقصائية)، بالإضافة إلى عدد غير ~~محدد من دور الإيواء الصغيرة والسجون. وإذا أضفنا إلى ذلك المؤسسات الخاصة، التي لم يذكر ~~بشأنها أي شيء، فسنجد تقريبا الانتثار نفسه لأماكن الاحتجاز الموروث من النظام القديم. كانت ~~شارنتون، التي لم تخل من الانتقادات، تضم من 430 إلى 440 «مختلا»، أما مؤسستا سالبيتريير ~~وبيستر، اللتان أدخلت عليهما «تحسينات كبيرة»، فكانتا تضمان 1200 و550 مختلا عقليا. ~~وهكذا كانت المؤسسات الثلاث الكبرى في باريس تضم وحدها 43٪ من إجمالي المرضى عقليا ~~المحتجزين في فرنسا. ومن بين المصحات السبع التي خصصت في الأقاليم للمرضى عقليا، يعد ~~أهمها مشفى ماريفيل، الواقع بالقرب من نانسي، والذي بلغ عدد المحتجزين به 250 شخصا. وفي عام ~~1814، تأسس مشفى ماريفيل باعتباره «مشفى مركزيا للمرضى عقليا» في المقاطعات التالية: ~~مورت، وأردين، ومارن العليا، وموز، وفوج، وموزيل، والراين السفلى، وسون العليا ودو. بيد أن ~~المستودعات ودور الإيواء هي التي كانت على وجه الخصوص موضع انتقاد في تقرير 1818: «في كل مكان ~~تقريبا، كان المختلون عقليا يشغلون المباني النائية الأكثر انعزالا، والأقدم، والأشد ~~رطوبة، والأقذر. وكانت الزنازين، التي يطلق عليها حجيرات، بلا تهوية، وضيقة، وذات أرضية ~~مبلطة بالحجارة كالشوارع. كما كانت توجد غالبا في مستوى أكثر انخفاضا من سطح الأرض، ~~وفي بعض الأحيان داخل أنفاق تحت الأرض أشبه بالسراديب. ولم تكن هذه المساكن تشتمل عادة على أي ~~فتحات باستثناء الباب وثقب مربع أعلى الباب نفسه، ولم يكن الهواء يتجدد داخلها، كما لم يكن ~~النظام والطعام ملائمين على الإطلاق لحالة المرضى. لم يكن المرضى عقليا يملكون المساحة ~~اللازمة للتنزه. وكان يتم دائما احتجاز مرضى الهياج العصبي؛ حيث كان هؤلاء الأشقياء يتركون ~~في كثير من الأحيان فريسة لنزوات القائمين بالخدمة وقسوتهم.» # في عام 1809، صدر تقرير عن دار إيواء لا بروفيدانس (العناية الإلهية) بسومور يكشف - على ~~الرغم من أنه يعطي الإيحاء بالرضا الذاتي للمؤسسة عن أدائها - واقعا لاشعوريا لهذا الوضع ~~المحزن: فها هي حجرات المختلين عقليا، التي قيل عنها إنها «صحية للغاية»، منحوتة في الصخر. ~~«كذلك الحال ms303 بالنسبة إلى الغرفة المشتركة التي ليست سوى كهف ضخم يؤوي فقيرات الدار، ~~والبلهاوات، والمصابات بالشلل، والمكفوفات، ومريضات الصرع، وبعض المجنونات المسالمات. تحتوي ~~هذه الغرفة على ثلاثة صفوف من الأسرة موزعة على طول الكهف، بحيث يشتمل الصف الواحد على ~~عشرين سريرا تقريبا. جميع الأسرة نظيفة للغاية ومرتبة بعناية قدر الإمكان بحسب ما تسمح ~~به الظروف. للوهلة الأولى، قد يبدو لنا هذا المنزل غير صحي، ولو حكمنا بناء على الظلام ~~السائد في هذا المكان وعمقه فحسب، لتأكدت لدينا القناعة بصحة هذا الرأي. ولكن، إذا نظرنا بعين ~~الاعتبار إلى ما يقدم من خدمات رعاية للتغلب على المساوئ الناتجة عن اجتماع هذا العدد ~~الكبير من الأفراد في غرفة واحدة، فستتبدد مخاوفنا.» ولقد وصل الأمر لدرجة أن الأماكن الأكثر ~~إثارة للاشمئزاز بدت مدعاة للرضا: «بجوار الكهف الكبير الذي تحدثت عنه للتو، توجد الكثير من ~~الكهوف الأخرى الأصغر حجما التي تؤوي عددا من المجنونات ومريضات الصرع اللائي يصعب تركهن ~~وسط الأفراد الآخرين، من دون أن يشكل ذلك خطورة على أحد. في الواقع، تنبعث من هذه المساكن ~~الصغيرة رائحة نتنة، بيد أن هذه الرائحة ناتجة عن قذارة ساكناتها اللواتي لا يتخيرن أبدا ~~الأماكن المناسبة لتصريف فضلاتهن، فيتخلصن منها في فراشهن. ولكن حرص الإدارة على عزلهن، ~~والاعتناء بهن وتنظيفهن باستمرار، والسماح لهن بالخروج من وقت لآخر؛ كل هذه التدابير ~~الاحترازية مجتمعة من شأنها الحيلولة دون انبعاث هذه الرائحة الكريهة حتى لا يشمها الآخرون، ~~وانتشار الأمراض المعدية.» # 2 # هذا التقرير ذو قيمة؛ لأنه لا يستنكر ولا يثور على الأوضاع، بل يخفف بحكم العادة من وطأة ~~بشاعة ظروف الاحتجاز. ومع ذلك، تعالت صيحات الإنذار التي سلطت الضوء على فقر الموارد. وقد كتب ~~أحد أعضاء مجلس البلدية تقريرا عن زيارته لقصر أنجيه (سجن قديم كان تابعا للدولة في عهد ~~النظام القديم) في العدد الصادر من «صحيفة مقاطعتي ماين ولوار ومايين» بتاريخ 6 أكتوبر 1834: ~~«بعد أن استعرضت المسجونين المدانين، طلبت أن أرى المجانين. اقتادوني عبر كومة من الركام ~~والأنقاض إلى مكان، تبلغ ms304 مساحته طولا نحو أربعين قدما وعرضا نحو عشرين قدما، تحيط به ~~جدران شاهقة لدرجة تسمح بالكاد بانسياب الهواء، الذي يأتي ملوثا بفعل مروره على كومة من ~~القمامة الناجمة عن التفريغ اليومي للدلاء. نجد ناحية الشمال خمس حجرات، تبلغ مساحة كل ~~واحدة منها عشرة أقدام طولا وستة أقدام عرضا. مستوى الطابق منخفض للغاية ؛ ولذا يتسلل ضوء ~~النهار الخافت بصعوبة بالغة عبر طاقة صغيرة فوق الباب. تؤوي هذه الغرف حاليا أحد عشر فردا. ~~لا تحوي الحجرة إلا القليل من القش الذي يجدد كل خمسة أيام، ودلوا، وهذا كل ما بها من ~~أثاث، سواء في الصيف أو في الشتاء. أما عن هؤلاء التعساء، فقد كان بعضهم عرايا بالكامل، ~~والبعض الآخر تكسوهم خرق، وقد تركوا فريسة للحشرات الطفيلية تنهش فيهم. وكانوا يكدسون ~~كل ثلاثة داخل هذه الحجرات الملوثة؛ حيث كانوا يرقدون وسط القاذورات على بلاطات من الأردواز ~~رطبة دائما؛ نظرا لعدم تغطيتها بكمية كافية من القش. اثنان من هؤلاء المختلين عقليا كانت ~~تنتابهما في بعض الأحيان حالة من الهياج؛ ولذا كان يجري احتجازهما بصورة مستمرة، كل على حدة ~~في حجرة منفصلة، وحرمانهما من ضوء الشمس. أما الآخرون فكانوا يتواصلون بحرية بعضهم مع بعض ~~أثناء النهار، ولكن لم يكن هناك أي حارس لمراقبتهم؛ مما يجعل الضعيف عرضة للوقوع تحت رحمة ~~القوي. في الثامنة صباحا، كان يتم إحضار حساء لهم. وكان يقدم إليهم يوميا رطل ونصف من ~~الخبز. ولقد كنت حاضرا وقت تناولهم طعام العشاء، ووجدته يتكون من نوع من العصيدة السوداء ~~المفرودة على الخبز، التي تسبح فيها بعض قطع البطاطس. ولقد سألت السجان عن طبيعة هذا الطعام، ~~فأجاب قائلا: «إنها يخنة، وهي لذيذة».» وهكذا رسم السجان بإجابته عن السؤال الذي طرحه عليه ~~عضو المجلس البلدي صورة تعبر ليس فقط عن غياب الرحمة والشفقة، وإنما عن العوز التام. «اعترف ~~لي السجان (الذي يعمل بهذا القصر منذ ما يقرب من أربعين عاما)، والذي أصبح متآلفا للغاية مع ~~المآسي الإنسانية، أنه كان يشعر بالنفور والاشمئزاز، وأنه بالرغم من ms305 تعاطفه مع هؤلاء المرضى ~~وشعوره بالشفقة نحوهم، يمتنع، قدر الإمكان، عن زيارتهم، ويزيح عن كاهله عبء هذا الجزء من ~~الخدمة. وعلى الرغم من نواياه الطيبة، كان من المستحيل بالنسبة إليه إدخال أي تحسين أو تطوير ~~على هذا المكان. فلم يكن هناك أحد معين خصيصى تحت إمرته لهذه الخدمة. ولم تعط له أي ~~ملابس للمجانين. فلم يستطع أن يمنحهم إلا الأسمال الخاصة ببعض المدانين. ولم يكن يمتلك أي ~~وسيلة للقمع، ولا أي وسيلة وقائية، حيال من يقومون بالتكسير والتهشيم، ولكن من دون أن تكون ~~لديهم أي نية خبيثة: فلا شيء إلا القيود الحديدية، ودائما القيود الحديدية.» # 3 # ولم يكن المجلس العام التابع لمنطقة ماين ولوار ينتظر هذا التاريخ لإبداء قلقه إزاء وضع ~~المرضى عقليا داخل المقاطعة، منددا بما يلقاه «هذا الفرع من الإدارة العامة» من إهمال تام ~~منذ تدمير دار الرهبان الفرنسيسكان. اعتبارا من عام 1807، إذ أعرب المجلس العام عن انشغاله ~~بمسألة المجانين «المتروكين من جديد في الشوارع وعبر الحقول، والذين يشكلون تهديدا على حياة ~~المواطنين، وشرف السيدات»؛ قد طرح فكرة إنشاء مؤسسة خاصة بالمقاطعة، بل بأكثر من مقاطعة في ~~الواقع، لاستقبال المرضى عقليا المعوزين والقادرين على الدفع على حد سواء، بحيث تغطي ~~المبالغ المالية التي تدفعها الفئة الثانية نفقات الفئة الأولى. # 4 # لقد رأينا إسكيرول يندد بشدة بحالة مشافي المجانين في فرنسا، ومع ذلك، فقد تم إحراز بعض ~~التقدم في الفترة ما بين 1818، وهو تاريخ نشر تقرير إسكيرول، و1838، الذي هو تاريخ إنجازه ~~لجميع مهامه على أكمل وجه. كما أن التقرير المقدم من جيوم فيريس، # 5 # الذي عين في عام 1835 مفتشا عاما على مصحات الأمراض العقلية، شهد أيضا - ~~على الرغم من أنه بدا شديد التحفظ - بتحقيق العديد من الإنجازات في هذا المجال. بيد أن أبرز ~~ما يركز عليه فيريس في تقريره، هو تنوع المؤسسات واختلافها من مقاطعة لأخرى. بانتظار صدور ~~القانون الكبير بشأن المرضى عقليا الذي طال ترقبه في فرنسا، وتأخر بفعل التغيرات ~~المستمرة في النظام الحاكم، كان لا ms306 بد من معالجة المشكلة الأكثر إلحاحا. ففي كل مكان ~~تقريبا، شرعنا منذ بداية عهد عودة الملكية في إعادة تنظيم، وتوسيع، وبناء المؤسسات. وفي بعض ~~المقاطعات، «كان لا بد من البدء من نقطة الصفر.» كما هي الحال، على سبيل المثال، في بوش دو ~~رون؛ حيث كان المرضى عقليا موزعين في دارين من دور الإيواء بمارسيليا: سان جوزيف وسان ~~لازار، ولقد كانت الثورة تمثل كارثة بالنسبة إلى هاتين المؤسستين؛ إذ أدى ارتفاع نسبة ~~الوفيات إلى تقليص العدد من 114 في عام 1789 إلى 44 في عام 1802. # 6 # في عام 1832، قفز عدد المحتجزين إلى 208، متسببا في اكتظاظ المكان، لدرجة أنه ~~كان يجري أحيانا تكديس عدد يصل إلى ستة مختلين عقليا في حجرة واحدة. وكانت المباني ~~متداعية. في تقرير مرفوع إلى باريس، عبرت إدارة بيوت الإيواء عن الوضع بالعبارة التالية: «لن ~~تعطي الإدارة أي وصف لمباني مشفى سان لازار؛ إذ ستكون الصورة قاتمة ومؤلمة للغاية.» # كان لا يزال العديد من المرضى عقليا في السجون، وكان العدد الأكبر منهم لا يزال في ~~مستودعات التسول. العديد من المقاطعات تدبر أمره بطريقة أو بأخرى مع جيرانه. ومن الجدير ~~بالذكر أن تلك المقاطعات التي كانت تعتز بنفسها وتشعر بالرضا عن مستواها لم يكن لديها دائما ~~ما يدعو لذلك. فها هو فيريس يعلق على الوضع في مشفى أفينيون قائلا: «إن المشفى ليس مثاليا ~~كما قد نتصور في البلاد»؛ فالأبواب، والنوافذ، والحجرات، جميعها «مسلحة بكمية كبيرة من ~~الحديد». # وماذا عن المؤسسات الثلاث الكبرى في باريس؟ لم تعد سالبيتريير مؤسسة نموذجية، على الرغم ~~من القطاعات الجديدة التي أنشئت داخلها. ولقد جرت إزالة صف كامل من صفي الحجرات «لإعطاء ~~الآخرين الفرصة لتنشق الهواء والاستمتاع بالضوء»، وفتح نوافذ داخل الزنازين، وإنشاء ~~متنزهات، وتغطية البلاطات الحجرية بأرضية خشبية. في بيستر، جعل فيريس - وكان آنذاك رئيس أطباء ~~المشفى - المرضى يهدمون بأيديهم الحجرات القديمة غير الصحية، واستبدل بها صفين من الحجرات، ~~يشتمل كل صف منهما على عشرين حجرة مبنية على مستوى مرتفع بين ساحتين مسقوفتين [باحتين]، ms307 ~~إحداهما للشتاء والأخرى للصيف. وقد أضيفت إلى الأفنية القديمة متنزهات وحدائق مزروعة بالبقول ~~والخضراوات والفاكهة. في «مساء» اليوم الموافق الحادي والثلاثين من ديسمبر 1824، كانت ~~المؤسستان الباريسيتان الكبريان تضمان عددا من المرضى عقليا بلغ تعدادهم على التوالي 1842 ~~امرأة و830 رجلا. أما عن مشفى شارنتون (فقد بلغ تعداد المرضى عقليا به، في الأول من يناير ~~1826، 492)، وقد أثنى فيريس على المستوى الرفيع لهذه المؤسسة، ولكنه انتقد بشكل عابر الأسلوب ~~الذي اتبعه إسكيرول في إعداد إحصائيات الشفاء الخاصة به استنادا إلى هذا المشفى؛ ففي الوقت ~~الذي صرح فيه إسكيرول بأن نسب الشفاء تبلغ 1 إلى 3، أوضح فيريس أن النسبة تبلغ بالأحرى 1 إلى ~~6، ولكن هذه الأرقام مشكوك بها أيضا على أي حال. وهنا نجد مسألة هامة للغاية تطرح نفسها، ~~ولكننا سنعود إليها فيما بعد. # ومن جانبه، منح إسكيرول مؤسسته شهادات الرضا الذاتي، حتى ولو كانت هذه المصحة تمثل ذلك ~~النمط من المشافي الذي - إذ كان قائما بالفعل - لم يكن بالإمكان هدمه وإعادة بنائه من جديد. ~~في الواقع، يعد المخطط الخاص بهذه المصحة، بصرف النظر عن القطاع الجديد الذي شيد للنساء ~~في عام 1828، متشابكا إلى حد بعيد؛ إذ إنه يشتمل على العديد من المباني ذات الطوابق وهو ما ~~انتقده إسكيرول. ولقد أدخلت العديد من التطورات والتحسينات المنتظمة على هذه المصحة: ~~فزودت القطاعات المختلفة بنظام التدفئة الذي كانت تفتقر إليه، وبدورات مياه جديدة ~~(1821)، وحمامات جديدة ووحدة تمريض، وحدائق وباحات. # وكلما دعت الحاجة إلى القيام بتوسعات في المصحة، كانت هذه العمليات الإنشائية المتعاقبة ~~تنفذ على وجه الخصوص في المؤسسات الخاصة التي تتولى الجماعات الدينية إدارتها. ولقد ~~استعادت هذه الجماعات قواها في عهد عودة الملكية، بدءا بجماعة القديس يوحنا الإلهي (سان جون ~~دي ديو) أو جماعة القديسة مريم؛ عذراء الصعود. ويقدم لنا تاريخ طائفة بون سوفور بكاين الخاص ~~بهذه الحقبة مثالا بارزا على ما نقول. لقد رأينا كيف صمدت دار الاحتجاز الجبري القديمة ونجت ~~بطريقة ما من الثورة، بمريضاتها عقليا «المستترات» البالغ عددهن خمس عشرة، عن طريق ms308 المكوث ~~في أحد الأديرة القديمة التابعة للرهبان الكبوشيين. ولقد كانت المباني متداعية للغاية، ~~وسرعان ما بدأت أعمال الترميم والبناء التي لم تتوقف قط. استعادت دار بون سوفور صفتها الرسمية ~~عام 1809، مع موافقة الحكومة على قوانينها الجديدة. «تضع فتيات بون سوفور نصب أعينهن الأهداف ~~التالية: (1) أن يعتنين بالمجانين المقيمين بالدار سواء أكانوا رجالا أم نساء، ويقدمن لهم ~~خدمات الرعاية مع إظهار أكبر قدر ممكن من المحبة تجاههم.» وهكذا نلاحظ أن هذه الدار أصبحت من ~~الآن فصاعدا تستقبل كلا الجنسين. اختفت الفتيات سيئات السمعة، ولكن ظلت المدرسة الداخلية ~~المخصصة «للآنسات الشابات» و«دار العجائز المعدة للسيدات المسنات اللائي يردن العيش في هدوء ~~وعزلة» مفتوحتين، الأمر الذي كان يوفر دخلا للجماعة. ومع ذلك، استمرت الصعوبات المالية ~~المتفاقمة حتى عام 1818 الذي شكل منعطفا؛ إذ إنه العام الذي حول فيه محافظ كالفادوس ~~مستودع بوليو إلى سجن مركزي. ومن ثم، بات من الضروري إخراج المرضى عقليا من هذا المكان. في ~~البداية، بدت الراهبات مترددات، ولكنهن وافقن في النهاية على عقد اتفاق مع المقاطعة؛ من أجل ~~إيجاد حل لمشاكلهن المالية. وهكذا أصبحت دار بون سوفور مصحة خاصة تقوم بوظيفة المصحة العامة، ~~بمعنى أن هذا المشفى قد أصبح قادرا على احتجازه - بالإضافة إلى المرضى عقليا الذين يدفعون ~~نفقة إقامة - عددا غير محدود من المرضى عقليا الفقراء من الجنسين، والذين ستتكفل بهم ~~المقاطعة. منحت المقاطعة الجماعة قرضا بقيمة 50 ألف فرنك لبناء قسم للرجال (سان جوزيف). ~~وخلال ستة وثلاثين عاما؛ أي في الفترة من 1817 إلى 1853، تزايد عدد المريضات عقليا من 37 ~~إلى 100، بالإضافة إلى وجود 70 مريضا عقليا. ثم قدمت المقاطعة قرضا آخر مما أتاح القيام ~~بتوسعات جديدة (ولا سيما تشييد مبنى جديد للنساء، وهو مبنى سانت ماري). وهيأت السياسة ~~المنهجية التي جرى اتباعها لشراء المنازل والأملاك المجاورة إجراء توسع كبير بالمشفى. ~~فأنشئت أجنحة مريحة مزودة بحدائق للمرضى عقليا القادرين على دفع نفقات إقامة مرتفعة ~~للغاية. وبطريقة ما، كان الأثرياء يدفعون للفقراء داخل مؤسسة بون سوفور التي أصبحت ms309 بمنزلة ~~ساحة بناء كبيرة. # في بلدية كليرمون بمقاطعة إلواز، كانت الثورة قد أغلقت الدير حديث النشأة الخاص بالرهبان ~~الفرنسيسكان؛ وهو دير نوتردام دو لا جارد، الكائن في بلدية نوفيل أون آيز، وأطلقت سراح ~~النزلاء المحتجزين بالقوة، ولكنها ألقت في الوقت ذاته المختلين عقليا في الشارع. ولقد ~~استضاف أحد المواطنين، وهو السيد تريبو، ستة من هؤلاء المختلين في منزله الخاص الذي يملكه ~~بالمدينة. وهكذا تشكلت النواة الأساسية لما سيصبح فيما بعد أكبر مصحة للأمراض العقلية في ~~فرنسا في القرن التاسع عشر (مصحة خاصة تقوم بوظيفة المصحة العامة). في عام 1832، لم يكن هناك ~~إلا ستة عشر مريضا عقليا من كلا الجنسين، حين عقد الطبيب لابيت، وهو خليفة السيد تريبو ~~وصهره، اتفاقا مع مقاطعة إلواز، وذلك بعد أن كان قد شيد خلال عامي 1822-1823 مبنى مهما ~~مكونا من طابق واحد (طبقا لإرشادات إسكيرول) بواجهة يبلغ ارتفاعها 33 مترا منقسمة إلى ~~جزأين متلاصقين؛ واحد للرجال وآخر للنساء. وبإضافة فناء خلفي شاسع لتربية الدواجن وزريبة ~~للبقر، تتشكل لدينا الباحة الأمامية الرائدة لمزرعة مترامية الأطراف. ثم عقدت مقاطعتا سينواز ~~وسوم بدورهما اتفاقا؛ نظرا لأنهما كانتا تفتقران أيضا إلى وجود مصحة عامة. خلال سبعة أعوام ~~ونصف، وبعد حيازة المزيد من الأراضي والإنشاءات، قفز عدد المحتجزين إلى ما يقرب من ~~الخمسمائة. # ولقد عاب إسكيرول على هذه المؤسسات الخاصة وقوعها في أماكن بعيدة جدا، نتيجة لتوسعاتها ~~المتعاقبة؛ نظرا لأنه ينادي باتباع خطط نموذجية. وقد وجه انتقاداته بشكل خاص للأديرة ~~القديمة: «العديد من مصحات المجانين المنشأة داخل أديرة لا يوجد بها مخطط عام، ولا توزيع ~~مناسب لأولئك الذين يقطنون فيها، ولا وسائل راحة للخدمة، ولا تسهيلات للمراقبة والإشراف.» ~~فالمباني متجاورة للغاية، ولا توجد بها مساحات كافية ولا أفنية، ولا تنظيم داخلي يأخذ في ~~الاعتبار الأسعار المختلفة لنفقات الإقامة والمعايير الطبية العقلية ... # لا يزال انطلاق المصحات العامة يحتاج إلى بذل المزيد من الجهود. وهو ما شرحته وزارة ~~الداخلية في التعميم الموجه إلى المحافظين والصادر بتاريخ 29 يونيو 1835: «إن العقبات التي ~~تواجهها ms310 الإدارة مرجعها سبب واحد: نقص الموارد المتاحة وعدم كفايتها. ولا يمكن التغلب على هذه ~~العقبات إلا بالقانون.» علاوة على ذلك، جميع هذه المصحات تقريبا لم تبن من الصفر؛ مما نجم ~~عنه العديد من المشاكل. ففي سان يون، كان هناك دير ثم ألغي في عام 1792، ثم أصبح تباعا سجنا ~~ثوريا، وترسانة، ودار احتجاز، ومشفى عسكريا، ومستودعا للتسول، إلى أن شرعنا في عام 1821 ~~في بناء مصحة للمجانين وفقا للمعايير الجديدة. فضلا عن ذلك، ذهب إسكيرول وبنجامين ديبورت - ~~مدير دور الإيواء المدنية في باريس - شخصيا إلى روان للإشراف على المنشآت الجديدة. وتحولت ~~المباني القديمة ذات الطابع الديني إلى مراكز لإدارة المرافق، وأنشئت حولها خمسة قطاعات ~~حديثة. ومع ذلك، جرى تجهيز مهاجع في الدير القديم، على حساب المخطط العام. # يعد دير مان التلميذ الممتاز الوحيد الذي سار على النهج السليم، فهو أول دير يبنى، ~~ابتداء من عام 1828، من العدم. يشيد إسكيرول بمزاياه قائلا: «يستحيل تقديم وصفة لبناء أكثر ~~بساطة، وأكثر صحة، وأكثر ملاءمة لخدمة المرضى عقليا، والإشراف عليهم، والاهتمام برفاهيتهم.» ~~ومع ذلك، في هذا الدير أيضا، يلعب متغير «الملجأ»، بفئاته الثلاث، دورا مؤثرا على التصنيف ~~الطبي. # قبل التصويت على قانون 1838، بدأت المصحات على الفور في التطور في جميع أنحاء فرنسا، ولكن ~~رافق هذا التطور شيوع فوضى عارمة. ففي بداية عهد ملكية يوليو، بلغ تعداد المرضى عقليا ~~المحتجزين ما يقرب من 10 آلاف تم توزيعهم على 140 مؤسسة متباينة على جميع الأصعدة: المعدات، ~~وحالة المباني وحجمها، والنظام الإداري (فقد كان هناك مصحات خاصة للمرضى عقليا وحدهم، ~~ومصحات مشتركة داخل المشافي أو دور الإيواء المزودة بقسم خاص للمرضى عقليا)، والوضع ~~القانوني (هل هي مصحة خاصة، أم عامة، أم خاصة تقوم بوظيفة العامة)، وتكلفة الإقامة باليوم ~~بالنسبة إلى المرضى عقليا المحتجزين، التي تبدأ بسعر معين ثم قد تصل إلى خمسة أضعافه ... ويجب ~~ألا ننسى أيضا المرضى عقليا المعوزين الذين بلغ عددهم نحو 6 آلاف شخص، والذين كانت ~~البلديات ودور الإيواء والعائلات تنتظر الفرصة السانحة لإدخالهم إحدى ms311 المصحات. ومن ثم، لم يعد ~~من الممكن تأجيل إقرار قانون، حتى ولو كان العديد من النواب ما زالوا يهددون بشبح الهاوية ~~المالية. # الإدارة والنقاش # بعد سقوط النسور، عاد عهد عودة الملكية إلى نقطة الصفر فيما يتعلق بالتشريع، أو بالأحرى ~~غياب أي تشريع بشأن المرضى عقليا. في السادس من نوفمبر 1815، قيد قرار وزاري نفقات ~~المرضى عقليا على حساب البلديات تبعا للمقر المسئول عن تقديم المعونات التابع له المريض، ~~أو في حالة عدم وجوده، على حساب المقاطعة. ومع ذلك، على الرغم من المذكرة الشهيرة التي أرسلها ~~إسكيرول إلى وزارة الداخلية في عام 1818 والتعليمات الوزارية المليئة بالأحلام الوردية، ظهرت ~~من جديد فجوة مؤسسية وبدأت تتسع إبان العقد الثالث من القرن التاسع عشر (1820)، حتى ولو كان ~~الدور الذي يضطلع به المحافظون قويا بالفعل. فنجد على سبيل المثال أن لائحة 1820 الخاصة ~~بمصحة سان فنان - التي أصبحت تخدم المقاطعة بأكملها - وضعها محافظ بادو كاليه بنفسه، وقد نصت ~~على أنه «لن يقبل أي مريض عقليا لأي سبب من الأسباب إلا بعد صدور أمر من المحافظ ولمدة ~~معينة» (المادة الثانية). كما «سيتولى أحد المديرين تنظيم النواحي الإدارية بالمؤسسة، تحت ~~قيادة المحافظ وإشراف لجنة خاصة، على أن يتولى طبيب إدارة المؤسسة فيما يتعلق بالشق الطبي» ~~(المادة السادسة). # كان لا بد من انتظار مملكة يوليو لكي تظهر من جديد مسألة المرضى عقليا على الساحة في ~~عام 1832، حين رفض مجلس النواب مشروع قانون قدمته الحكومة بخصوص إدراج نفقات المجانين ~~المعوزين (المشكلة الأبدية) في سجل نفقات مجلس البلدية الإلزامية. تلك هي بداية المسألة ~~المالية، التي ستؤدي بعد جهد جهيد إلى إقرار قانون 1838 ... في الدراسة الاستقصائية التي بعث ~~بها وزير الداخلية إلى المحافظين في الرابع عشر من سبتمبر 1833، غطت المتطلبات المالية على أي ~~انشغال طبي أو حتى خيري. ولقد طلب من المحافظين تقديم إحصائية عن المرضى عقليا الذين لا ~~يتلقون أي معونة أو مساعدة. وكانت جميع الأسئلة المطروحة تقريبا، فيما عدا العدد، والسن، ~~والجنس، ومعرفة الأسباب الرئيسة للإصابة بالاستلاب العقلي ms312 (متى كان ذلك ممكنا)، تتعلق ~~بالنواحي المالية: من يدفع؟ (العائلة، البلدية، المقاطعة؟) ما هي أسعار نفقات الإقامة في ~~المؤسسات المختلفة؟ ما هي المبالغ التي تصوت عليها سنويا المجالس المحلية لتخصيصها لصالح ~~المرضى عقليا؟ كم ستبلغ تكاليف احتجاز المرضى عقليا المعوزين، سواء في مصحة عامة أو في ~~مصحة خاصة؟ وأخيرا، كيف «يمكننا جمع الأموال اللازمة»؟ # انطلقت البداية الحقيقية لطرح مشروع قانون بشأن المرضى عقليا للمناقشة من خلال المذكرة ~~التي أصدرها وزير الداخلية (أدولف تيير)، في التاسع والعشرين من شهر يونيو 1835، والذي يمكن ~~أن نلخصها على النحو التالي: ما زال الأمن العام مهددا بسبب المختلين عقليا المعوزين الذين ~~يجوبون الشوارع بحرية، ويلتمس القضاء «من السلطة الإدارية تقديم المساعدة». غير أن العقبات ~~التي تواجهها الإدارة، وهي عقبات مالية على وجه الخصوص «لم يعد بالإمكان التغلب عليها من الآن ~~فصاعدا إلا بالقانون.» أما عن النفقات، التي من الواضح أنه سيتحتم على المقاطعات في المستقبل ~~التكفل بها، فيجب أن تقدر قيمتها من أجل التصويت عليها في موازنة 1836. لم تذكر المسألة ~~الطبية إلا مرة واحدة، عند الانتقال من فقرة إلى أخرى وبأسلوب تقييدي: من هنا ينبع، بالنسبة ~~إلى السلطة الإدارية، الواجب أو بالأحرى الحق في مطالبة القانون والمجتمع بتوفير الوسائل ~~اللازمة لفتح مصحات مخصصة لاستقبال المختلين عقليا المعوزين؛ بحيث يصبح بإمكانهم تلقي علاج ~~شاف، إذا كان مرضهم قابلا للشفاء، أو - في المقابل - تلقي خدمات الرعاية والمساعدات التي ~~يتلقاها العاجزون، والمسنون الفقراء في دور الإيواء التابعة لنا. ولم تتحرك مجالس البلدية ~~لتلبية النداء، على الرغم من رسائل التذكير شديدة الإلحاح التي بعثت بها الحكومة؛ ومن ثم، ~~تضاعفت الدراسات الاستقصائية. وأخذ مكتب «إحصائيات فرنسا»، الذي تأسس حديثا، يطالب بإعداد ~~جداول جميلة وكبيرة؛ حيث يأخذ الجانب الطبي-الاجتماعي مكانه أخيرا على الساحة، وقد اشتملت ~~هذه الإحصائيات على البيانات التالية: مهنة المرضى عقليا، وأسباب الاستلاب العقلي وهنا تم ~~التمييز بين الأسباب الجسدية (آثار السن، والعته، والتهيج المفرط، والإرهاق الناجم عن الإفراط ~~في العمل، والفقر المدقع، والاستمناء، والأمراض الجلدية، والضربات والجروح، والزهري، ms313 واستسقاء ~~الدماغ، والصرع والتشنجات، والحمى، والسل وأمراض القلب، وانبعاث المواد المضرة، والإسراف في ~~شرب الخمر والمشروبات الروحية) والأسباب المعنوية (الحب والغيرة، والحزن، والأحداث السياسية، ~~والطموح، والغرور، والدين الذي يساء فهمه). # ها نحن الآن يفصلنا أقل من شهر عن التصويت على قانون المالية، الذي سوف يذكر فيه للمرة ~~الأولى المرضى عقليا، وقد أجري بحث وزاري جديد (تعميم صادر في 25 يونيو 1836) في محاولة ~~جديدة لتطويق المشكلة. وهذا البحث هو الأخير في تلك السلسلة الطويلة التي تسعى جاهدة، منذ عهد ~~الإمبراطورية ، لتسليط الضوء على مسألة المختلين عقليا، إن لم يكن حلها. في ذلك الوقت، كان ~~الفكر الحكومي قد نجح أخيرا في معالجة قضايا رئيسة؛ كإدراج نفقات المرضى عقليا المعوزين في ~~بند المصروفات المتغيرة للمقاطعة (دون المساس بالمساهمة المقدمة من البلدية التابع لها ~~المريض)، وآليات قبول وتوزيع المرضى عقليا غير المحجور عليهم، وضمانات حمايتهم من ~~الاعتقالات التعسفية، والإدارة المؤقتة للممتلكات، وطبيعة المؤسسات، والمتطلبات المعمارية ~~والتنظيمية، والخدمات الطبية والدور الذي يجب أن يضطلع به كبير الأطباء في هذا الصدد. ومع ~~ذلك، كانت الإحصاءات - على الرغم من تقديم فيريس للعديد من المذكرات وقيامه بعمليات التفتيش - ~~افتراضية، ولا سيما فيما يتعلق بالعدد الإجمالي للمجانين المعوزين، سواء المحتجزون أو غيرهم. ~~كما بدت المعلومات الواردة عن النفقات أكثر غموضا. فلا أحد يريد أن يدفع: لا الدولة، ولا ~~المقاطعة، ولا البلدية، ولا العائلة. # دامت المناقشات ثمانية عشر شهرا (من 6 يناير 1837 إلى 14 يونيو 1838)، وهذا دليل على ~~اهتمام مجلس النواب وديوان البير (أي أهل المشورة الأولى) بهذه المسألة. ولم يرتفع أي صوت قط ~~للاعتراض على مبدأ المشروع نفسه. وبعيدا عن المسألة المالية، يهدف هذا المشروع إلى التوفيق ~~بين متطلبات الإنسانية والنظام الاجتماعي. يتعين على الإدارة، الممثلة في شخص المحافظ، أن تحل ~~محل القضاء على أن تبقى تحت إشرافه، سواء لتلقي طلبات الاعتقال التي تتقدم بها العائلات، أو ~~لاتخاذ الإجراءات اللازمة لإصدار أمر احتجاز مباشر. ولم يكن هناك مجال كبير أمام الطب النفسي ~~الناشئ لقيادة المناقشات. فمن بين أكثر ms314 من ألف صفحة من المحاضر، لم يحق لبينيل أن يكتب إلا ~~خمسة أسطر فقط على سبيل الإحالة المرجعية. بالطبع، ذكرت الأسباب الطبية ولكن ليس من وجهة ~~نظر الطبيب، كما هي الحال على سبيل المثال حين أوضح كابانيس «أن الجنون لا يدوم بطبيعة الحال؛ ~~لذا لا يمكن تبينه إلا في اللحظة نفسها التي يوقع فيها الكشف الطبي على المريض. فعادة ~~ما يستعيد المختل عقليا، من وقت لآخر، صوابه، وبالتالي يتعين حينئذ إعطاؤه كامل حقوقه ~~المدنية.» # 7 # ولكن من سيطالب إذن بإطلاق سراحه؟ # ولقد جرت استشارة أطباء الأمراض العقلية العظماء في ذلك الوقت، ولا سيما إسكيرول وفيريس ~~وفالريه. ولم يكتب فيريس تقريرا بالمعنى الدقيق عن مشروع القانون، وإنما أوضح رأيه بهذا ~~الشأن في كتابه «المرضى عقليا» # 8 ~~... حيث نلاحظ أن جل ما يهمه هو الحفاظ على الحرية الفردية؛ مما سيؤدي به إلى أن ~~يكون فعليا المدافع الوحيد عن مبدأ الإيداع بناء على أمر من السلطة القضائية. وعلى الرغم ~~من كونه طبيبا، فإن السلطة الطبية وحدها بدت له خطيرة: «طالما بدت لي تلك السلطة الحصرية ~~للطبيب أمرا مبالغا فيه، وأنا على قناعة تامة بهذا الرأي؛ نظرا لما ألاقيه من صعوبات بالغة ~~عند ممارستها.» # ولقد قدم جان بيير فالريه (1794-1870) - وهو تلميذ لبينيل وإسكيرول، وطبيب بقسم البلهاوات ~~في سالبيتريير، وعضو بأكاديمية الطب - تقريرا وفقا للأصول الواجبة، # 9 # شدد فيه على إجماع الأطباء على رفض الحكم بالحجر المنهجي. على النقيض من فيريس، ~~انتقد فالريه بقوة قلة الحالات التي تجلت فيها السلطة الطبية؛ حيث خبت «أضواء الطب» لصالح ~~السلطة القضائية أو الإدارية. هذه السلطة الأخيرة «تتدخل في عقد ثقة تربط بين الطبيب ~~والأسرة»؛ مما يهدد بدوره نجاح العلاج المعنوي. وفيما يتعلق بالفكرة التي طرحت، في المذكرة ~~التوضيحية التي عرضها وزير الداخلية أمام مجلس النواب، بخصوص احتجاز «المرضى عقليا الذين تم ~~الاعتراف بأن حالتهم ميئوس من شفائها من قبل مؤسسات أخرى غير تلك التي اختصت بمعالجة ~~الاستلاب العقلي»؛ فقد عارضها فالريه، ولا سيما بسبب الخطورة التي يشكلها ms315 ذلك الاستبعاد ~~التعسفي للميئوس منهم؛ مما يؤدي بدوره إلى إعاقة تقدم علم الطب. ويرى فالريه على أي حال أن ~~تسمية هؤلاء المرضى ب «الميئوس منهم» تعد في حد ذاتها «إهانة للإنسانية». كما صاغ فالريه ~~العديد من الانتقادات الأخرى (من ضمنها معارضته، على سبيل المثال، للمؤسسات المشتركة لصالح ~~المؤسسات الخاصة)، لدرجة أن تقريره أسهم بشكل ملموس في تدمير المشروع الذي اقترحته أساسا ~~الحكومة، والذي ستجري له لجنة مجلس النواب تحولا جذريا. # لم يظهر تقرير إسكيرول # 10 # إلا في مطلع عام 1838، قبل أشهر قليلة من التصويت النهائي، وبالتالي لم يكن له ~~تأثير كبير على المناقشات كتقرير فالريه. إذا كان إسكيرول قد أعرب عن سعادته بتفوق السلطة ~~الإدارية على السلطة القضائية، فإنه لم يقلل من انتقاداته. يرى إسكيرول أن التدابير ~~الاحترازية العديدة التي اتخذت لمكافحة الاعتقالات التعسفية لا يمكن أن تؤدي إلا إلى ~~الإضرار بحسن سير المؤسسات وبعلاج المرضى عقليا. ولقد ذكرت أمثلة على الانتهاكات ~~مستوحاة من إنجلترا. في الواقع، ليس هناك مجال للخوف من حدوث هذا في فرنسا؛ حيث «تضعنا عذوبة ~~أخلاقنا ورقتها، ونزاهة طبعنا بمنأى عن مثل هذه التجاوزات.» وها هو سيل من الانتقادات ينهمر: ~~فالمؤسسات العامة المخصصة للمرضى عقليا يجب ألا توضع تحت قيادة الحكومة، بل المشافي. ليست ~~الحكومة هي المخولة بإعطاء التراخيص للمؤسسات الخاصة، وإنما تتولى السلطات المحلية ذلك. على ~~غرار فالريه، يرى إسكيرول أن مسئولية إصدار الحكم بالاحتجاز المباشر تقع على عاتق عمدة ~~البلدية (شريطة أن يستشير المحافظ)؛ لكونه أكثر قربا وأكثر قدرة على الحكم على الأمور من ~~المحافظ. ولقد دعي عدد كبير جدا من السلطات لزيارة المصحات: «يا لكثرة الزيارات! ويا ~~لكثرة الزوار! ويا لكثرة الأفراد الذين اخترقوا خصوصية مرض يسعى الجميع إلى إخفائه!» لقد ~~أثارت هذه الزيارات فيما بعد اهتياج المرضى، كما تسببت في فقد «الرؤساء» «لهيبتهم الأخلاقية» ~~(وهو ما قاله فالريه). وفيما يتعلق بخروج المرضى عقليا، يقترح إسكيرول أن نحتذي في ذلك ~~بالنموذج الألماني؛ حيث يسبق الخروج النهائي خروج مبدئي على سبيل التجربة في نطاق ms316 العائلة؛ ~~«حتى يختبر المريض قواه العقلية والعاطفية.» ولكن، لماذا يجب إعطاء المحافظ سلطة السماح ~~بالخروج الفوري لأي مريض عقليا أدخل طواعية [أي أودع المصحة بناء على طلب عائلته] ~~بمجرد أن يطالب المودع بذلك، ودون أن تكون استشارة الطبيب إلزامية؟ وقد بدت العديد من ~~الانتقادات الأخرى كمجادلات في سفاسف الأمور، على نحو غير متوقع، مثل انتقاد وجود سجل ~~للاحتفاظ بالبيانات المتعلقة بكل مريض عقليا، بما في ذلك الملاحظات الطبية الشهرية (يصرح ~~إسكيرول بشكل قاطع قائلا: لا فائدة من هذا السجل؛ لأنه لن يكون دقيقا). ويختتم طبيب الأمراض ~~العقلية قائلا: المشروع ليس جيدا. فنحن لا نضع في الاعتبار بشكل كاف مصلحة العائلات. كما ~~أن عدد الالتزامات الكبير للغاية يجعل هذا القانون غير قابل للتطبيق. # وهناك تقرير آخر لم يفطن له أحد تقريبا، وهو الذي قدمه آديودا فيفر، # 11 # الطبيب السابق بمأوى أنتيكاي في ليون، ولم يستشر بصورة رسمية. بل لعل هذا ~~التقرير أكثر أهمية من تقارير كبار أطباء الأمراض العقلية الباريسيين. لقد صيغت معظم المواد - ~~ينتقد فيفر - بهدف حماية حرية فردية ليست موضع تهديد، ولكن، في الوقت نفسه، تعوق هذه التدابير ~~عملية الإيداع، ولا تحترم خصوصية العائلات أو السرية الطبية. وندد فيفر، مثل إسكيرول، بالسلطة ~~التعسفية التي تعطي للمحافظ الحق في أن يصدر بمفرده أمرا مباشرا بإيداع أو خروج مريض ~~عقليا دون الحاجة إلى أي شهادات طبية. # باختصار، لا يسعنا الحديث عن قانون 1838، كما هي الحال في كثير من الأحيان، على أنه قانون ~~أملاه أطباء الأمراض العقلية، أو على الأقل أخضعوه لسيطرتهم القوية. بالطبع، يتعلق الأمر في ~~المقام الأول بقانون مالي (لا أنوي مناقشة المسألة الطبية - يقول أحد النواب - فنحن بصدد ~~إعداد تشريع، وليس ممارسة الطب)، ولكن ما زال بإمكاننا التعبير عن اندهاشنا إزاء وضع الطب ~~والأطباء في المرتبة الثانية. لقد أشارت المادة الأولى بالفعل إلى «مؤسسة عامة، معدة ~~خصيصى لاستقبال وعلاج المرضى عقليا» (يظل ذلك أقل القليل)، ولكن لم يرد على الإطلاق، ~~حتى ولو كان ذلك من باب التأكيد على مبدأ ms317 أساسي، أي ذكر للعلاج المعنوي ولا للدور المحوري ~~الذي يضطلع به طبيب الأمراض العقلية، والذي تحدث عنه إسكيرول قائلا: «ينبغي أن يكون الطبيب، ~~بطريقة ما، جوهر حياة المشفى. ومن خلاله، يجب أن يتم تسيير كل شيء.» أكان تطبيق العلاج ~~المعنوي في المصحة ضمنيا لدرجة أنه لم يكن هناك داع لذكره؟ أم على العكس، كان الاعتقاد ~~الهائل في قابلية الجنون للشفاء متزعزعا لدرجة أننا لم نعد نجرؤ على التحدث عنه؟ # القانون وتطبيقه # بعد أن أقر المجلس الأعلى في البرلمان القانون بالإجماع، صوت عليه مجلس النواب في ~~الرابع عشر من يونيو 1838 (216 صوتا مقابل 16) وصدر القانون في اليوم الموافق 30 يونيو. علام ~~ينص هذا القانون الذي طال انتظاره؟ أصبح لزاما على كل مقاطعة أن تمتلك من الآن فصاعدا مصحة ~~للمرضى عقليا أو أن تعقد اتفاقا مع مؤسسة أخرى عامة أو خاصة. وتتولى السلطة العامة إدارة ~~المؤسسات العامة والإشراف على المؤسسات الخاصة، التي ستصبح من الآن فصاعدا خاضعة للترخيص. ~~ولقد كلف المحافظ، ونائبوه، ومفوضو وزارة الداخلية (لم تكن قد أنشئت بعد وزارة الصحة)، ~~ورئيس المحكمة، والنائب العام، وقاضي السلام، وعمدة البلدية بزيارة المؤسسة (بحيث يقوم النائب ~~العام على الأقل مرة كل ثلاثة أشهر بزيارة المؤسسات الخاصة ومرة كل ستة أشهر بزيارة المؤسسات ~~العامة). وأصبحت عمليات الإيداع في المشافي خاضعة لتنظيم محدد وفقا لنمطين: الإيداعات ~~الطوعية والإيداعات المحكومة بأوامر صادرة من السلطة العامة (التي أطلق عليها فيما بعد ~~«الإيداعات الرسمية»). في الحالة الأولى، ينبغي تقديم طلب قبول موقع من أسرة المريض، وشهادة ~~طبية من طبيب لا يمت بصلة للمؤسسة أو للعائلة. ترسل بعد ذلك نشرة دخول يذكر بها المستندات ~~المقدمة خلال أربع وعشرين ساعة إلى المحافظ، مع إرفاقها بشهادة من طبيب المؤسسة. ثم يتعين أن ~~يقوم المحافظ من جانبه بإخطار النائب العام في غضون ثلاثة أيام. وبعد ذلك، يتعين إرسال شهادة ~~طبية ثانية من طبيب المؤسسة إلى المحافظ، في غضون خمسة عشر يوما، تفيد بتأكيد أو تعديل ~~الشهادة الأولى. # من الواضح أن هاجس ms318 الاعتقال التعسفي استحوذ على المشرع، الذي أدخل ثلاث سلطات لتحقيق نوع ~~من التوازن في القوى (وهي سلطة المحافظة، والسلطة القضائية، والسلطة الطبية). في حالة ~~«الإيداع الرسمي»، يأمر المحافظ مع التعليل بإيداع أي شخص - سواء أكان محجورا عليه أم لا - ~~«قد تشكل حالة الاختلال العقلي لديه خطرا على الأمن العام أو سلامة الأشخاص.» ويتعين أن يقوم ~~خلال أربع وعشرين ساعة باتخاذ قرار بشأن تدابير الاعتقال المؤقت داخل دور الإيواء أو المشافي، ~~ولكن مع الأخذ في الاعتبار بأن هذا الاحتجاز لا يمكن أن ينفذ «بأي حال من الأحوال» في أحد ~~السجون. و«في غرة كل شهر»، يقوم طبيب المؤسسة بكتابة تقرير وإرساله إلى المحافظ عن «حالة جميع ~~الأشخاص الذين يجري احتجازهم، وطبيعة مرضهم ونتائج العلاج. ويصدر المحافظ حكمه على كل فرد على ~~حدة، فيأمر ببقائه داخل المؤسسة أو بخروجه منها.» # أيا كان نمط الإيداع، كان يتم إعداد سجل - خاضع لإشراف أولئك الذين يملكون حق زيارة ~~المؤسسة - بحيث يشتمل بالنسبة إلى كل مريض على مجمل البيانات الإدارية، وشهادات الدخول، ~~والخروج أو الوفاة، والملاحظات الطبية على أن يجري تحديثها على الأقل شهريا. ويحق للمريض في ~~حالة الإيداع الطوعي، الخروج من المؤسسة، حتى دون إتمام العلاج، إذا تقدم المودع بطلب. وإذا ~~بدا أن هذا الخروج قد يهدد الأمن أو السلامة العامة، يمكن حينئذ أن يطلب العمدة إلى المحافظ ~~إصدار أمر بالإيداع الرسمي. يحق لكل شخص محتجز في مؤسسة للمرضى عقليا، كما يحق لكل والد أو ~~صديق، الالتجاء إلى المحكمة للمطالبة بالخروج. # إلا أنه لا قيمة للقانون وحده دون إرفاقه بالمذكرات المتعلقة بتطبيقه. ولقد ركزت هذه ~~المذكرات بشكل خاص على توضيح النقاط المالية التالية: مساهمات البلديات بالقياس إلى المجالس ~~العمومية التي تستنكف من الدفع، ومساعدات دور الإيواء، وتحديد أسعار الإقامة باليوم ... # بعيدا عن هذه المسائل، هناك جملة قصيرة وردت في المادة 25 من القانون، وأبعدت إلى ~~القسم الثالث (مصروفات قسم المرضى عقليا)، ولم يتنبه أحد إليها على الرغم من أهميتها: ~~«يقبل أيضا بالمؤسسة المرضى عقليا الذين لا ms319 تشكل حالتهم العقلية أي خطورة على الأمن ~~العام أو سلامة الأشخاص.» تفسر المذكرة الصادرة بتاريخ 5 أغسطس 1839 هذا الجزء على النحو ~~التالي: «يبدو أن النصوص الواردة في الفقرة الثانية من المادة 25 من القانون لم تفهم بشكل ~~كامل.» أوضح الوزير أن التزام المقاطعات لا يتوقف فقط عند متطلبات السلامة العامة. فالقانون ~~«ليس قانونا شرطيا فحسب، وإنما هو قانون يتعلق أيضا بالبر والإحسان. هناك مرضى عقليا ~~يعيشون في أوضاع مؤسفة للغاية، على الرغم من أنهم لا يهددون بأي صورة أمن المواطنين، فلم لا ~~يساعدهم المجتمع؟ جميع أولئك على وجه الخصوص، الذين يجدون أنفسهم بصدد الوقوع في براثن ~~المراحل الأولى لداء يستطيع فن الطب مداواته؛ يجب أن يحصلوا على فرصتهم لتلقي معونات العلم ~~والإحسان. فلا يمكن، في الوقت الذي تنتشر فيه المشافي في جميع أرجاء البلاد وتفتح أبوابها ~~أمام الأمراض المختلفة التي تصيب البشرية، أن نحرم أشد هذه الأمراض قسوة، وهو الاستلاب ~~العقلي، من هذا الخير.» وحيث كان النظام القديم يزعم (ببخل) أنه لا يقوم إلا باحتجاز المختلين ~~عقليا المصابين بالهياج، نجد القرن التاسع عشر، الذي بدأ يشهد بزوغ الطب النفسي، يضع أمامه ~~هدفا مغايرا تماما: من الآن فصاعدا، قانون 1838 يعنى بكل المجانين. # أتاح المرسوم الصادر بتاريخ 18 ديسمبر 1839 للقانون أن يدخل حيز النفاذ، ولا سيما فيما ~~يتعلق بلائحة وتشغيل المؤسسات. فأصبح يتعين على المؤسسات الخاصة التي كانت قائمة بالفعل ~~الحصول على تراخيص في غضون ستة أشهر. وأصبح لزاما على المدير، إن لم يكن هو نفسه طبيبا، ~~توظيف أحد الأطباء لمعاونته في مهام الإدارة. أما عن المؤسسات العامة، فسيقوم الوزير بتعيين ~~مدير لها. و«إلى جانب» (وهو التعبير المستخدم) المدير، يوجد رئيس الأطباء الذي يعين أيضا ~~من قبل الوزير. «يتضمن علاج الاستلاب العقلي رعاية خاصة، ونظاما يهتم بالجانبين المعنوي ~~والجسدي؛ مما يتطلب بالضرورة أن يتمتع الطبيب بنوع من الاستقلالية تتيح له اتخاذ كافة ~~التدابير التي يراها ملائمة لإعادة المريض إلى صوابه.» ومع ذلك، كانت الإدارة المركزية في ذلك ~~الوقت لا ms320 تزال تجهل الكثير فيما يتعلق بحقيقة الوضع داخل كل مقاطعة. ويتعين على المقاطعات، من ~~جانبها، استيضاح كل نقطة من القانون، بدءا، كما هي الحال دائما، بالمسائل المالية. تلا ذلك ~~تنظيم مكثف خلال الأعوام 1840، و1841، و1842. # لكن هذه ليست النهاية. فقد نصت المادة السابعة من القانون الصادر ~~بتاريخ 30 يونيو 1838 على أن اللوائح الداخلية الخاصة ~~بمؤسسات الأمراض العقلية يجب أن تعرض على الوزير وتحصل على موافقته. في الواقع، معظم ~~المؤسسات الخاصة لم تكن ترسل شيئا. أما المؤسسات العامة، فكانت تضع لوائح وقوانين تنظيمية ~~بها عوار لدرجة أن الوزير لم يكن يعتمدها. وهو ما يفسر إعداد لائحة نموذجية نشرت بقرار رسمي ~~بتاريخ 20 مارس 1857. هذا القانون التنظيمي الكبير، بمواده البالغ عددها 189 مادة، وجداوله ~~التي تشتمل على 15 نموذجا، ولائحته التنفيذية التي تفسر جميع المواد تفصيليا؛ لم يترك ~~شيئا للمصادفة. وسيكون بمنزلة الكتاب المقدس لمصحات الأمراض العقلية بما يشمله من معلومات ~~عن: الإدارة، والخدمة الطبية (7 مواد - على سبيل المثال - عن مهام الصيدلي فقط)، والحياة ~~اليومية والجداول الزمنية، والنظام الغذائي وعمل المرضى عقليا ... ولقد أعلن الوزير صراحة أن ~~هذه اللائحة تعد مكملة لقانون 1838: «بعد تكريس ثمانية عشر عاما من الخبرة من أجل هذا ~~الإنجاز، يمكن القول إن هذا العمل هو نوع الأعمال التي تستطيع بحق أن تفخر بها الإدارة ~~الفرنسية، التي تقدم مادة ثرية تقتبس عنها التشريعات الأجنبية.» # الفصل الثاني # | ازدهار المصحات في فرنسا # لقد طرح التصويت على قانون 1838 ضمنيا قضية إنشاء مصحات جديدة، ولكن ما المقصود ب «مصحات ~~جديدة»؟ كان التفكير في الشكل الذي يجب أن يكون عليه - على وجه التحديد - مشفى المجانين، قد بدأ ~~بالفعل قبل التصويت على قانون 1838 مع صدور «تعليمات حول الطريقة التي يجب اتباعها من أجل ~~التحكم في المجانين والعمل على شفائهم في المصحات المخصصة» لهم عام 1785. اعتبارا من هذا ~~التاريخ - وبالتالي قبل إسكيرول وقبل ظهور نموذجه «المصحة: أداة للشفاء» - تم التأكيد على ~~«ضرورة تصنيف الأنواع المختلفة من الجنون وفصل بعضها عن بعض». ولقد ms321 رأينا مع ذلك أن معيار ~~التصنيف كان يرتكز بالأحرى على السلوك وليس على علم توصيف الأمراض (النوزوجرافيا). # وحينما لاح في الأفق قانون 1838، بدأ تصميم قطاعات التصنيف، بشكل نظري، وكأن كل قطاع منها ~~بمنزلة مصحة داخل المصحة، وحدة معمارية وعلاجية منغلقة على نفسها ومستقلة طبيا. إن إضافة هذه ~~القطاعات إلى بعضها البعض، مع تعميم الخدمات، هو ما شكل المصحة، التي كانت تخصص أحيانا ~~لجنس واحد، وأحيانا أخرى للجنسين، مع ما كان يستتبع ذلك من تكرار للنموذج القائم نفسه. فضلا ~~عن ذلك، سبق أن رأينا، فيما يتعلق بإنشاء مشفى دو مان، أن التصنيف، الذي كان يترنح بين ~~النوزوجرافيا والسلوك، أصبح أكثر تعقيدا بسبب المعايير المالية. فهناك من جهة ، المعوزين، ومن ~~جهة أخرى النزلاء، وبالنسبة إلى هذه الفئة الأخيرة، كان يوجد أيضا تقسيم داخلي إلى طبقتين أو ~~ثلاث متميزة بعضها عن بعض بحسب القدرة على الدفع. # هناك العديد من المسائل المهمة الأخرى التي طرحت نفسها على مشارف القرن التاسع عشر. ما هي ~~مساحة مصحة الأمراض العقلية؟ كان تونون وكابانيس يفضلان أن تكون المشافي محدودة المساحة (بحيث ~~تسع من 100 إلى 150 سريرا)، لشكهما في فرص الشفاء داخل مؤسسات كبرى وشاسعة. بيد أن هذا ليس ما ~~نصبو إليه، وإنما على العكس، نحن نتجه نحو إنشاء مؤسسات كبيرة، بل كبيرة للغاية بحيث تصبح ~~تكلفتها نسبيا أقل، وأيضا؛ لأن هذه المؤسسات الكبرى هي الوحيدة القادرة على إيجاد حل لمشكلة ~~التصميم المعماري المؤرقة الناجمة عن التقسيم إلى قطاعات بحسب التصنيف. أما عن أولئك الذين لا ~~يؤيدون وجود المصحات على الإطلاق، فهم قلة قليلة لدرجة تدفعنا للإشارة هنا إلى ذلك الصراع الذي ~~شنه عبثا المدعو مور، محافظ مقاطعة فار في عام 1791. # 1 # لا لمصحات الأمراض العقلية - هكذا قال - لأنه يفضل وجود الداء على الدواء. بالطبع، ~~المصحات التي يشير إليها هنا هذا المواطن هي المصحات «التي تنتمي إلى مرحلة ما قبل إسكيرول». ~~بيد أن انتقاداته، التي صاغها وفقا لمبادئ العلاج المعنوي، هي المبادئ نفسها التي تلقي بالفعل ~~بظلالها الثقيلة ms322 على المصحة المستقبلية. فالمختلون عقليا، حين يمرون بفترات الصحو، لا يسعهم ~~إلا الشعور بالهلع والرعب واليأس عند رؤية منظر جنون الآخرين، ذلك الجنون الذي يغرقهم أكثر ~~فأكثر في جنونهم الخاص. وفيما يتعلق بالعدد الكبير للمختلين عقليا المحتجزين داخل المشفى ~~ذاته، فهو يوضح لنا استحالة الاهتمام فيه بشكل حقيقي بكل مريض على حدة؛ إذ يجب «أن يكون المعالج ~~موجودا باستمرار مع المريض للاستفادة من هذه اللحظات السعيدة التي تكون فيها روحه لا تزال ~~منفتحة على نور الحقيقة.» أليس من الأفضل توزيع هؤلاء المختلين عقليا في المشافي بالقرب من ~~أسرهم؟ ولكن ذلك سيكون باهظ التكلفة. المحافظ هو الذي يتحدث هذه المرة. # مبادئ معمارية # لقد كان عصر المصحات بلا أدنى شك هو عصر اللقاء بين أطباء الأمراض العقلية والمهندسين ~~المعماريين وسط أجواء حماسية من الهندسة المعمارية. كتب إسكيرول قائلا: «إن المخطط الخاص ~~بمصحة الأمراض العقلية ليس أمرا بلا قيمة بحيث يتعين تركه للمهندسين المعماريين وحدهم.» ومن ~~ثم، فإن المشروعات التي سيكتب لها النجاح ستكون نتاجا لهذا التعاون. # بيد أن المهندسين المعماريين أنصار التيار الخيالي لم يفشلوا. فإذا كان السجن، في بداية ~~القرن التاسع عشر، هو التيمة الكبرى للهندسة المعمارية الوظيفية في فرنسا، # 2 # فإن المشفى وبالأحرى مصحة الأمراض العقلية، بسبب أهدافها المزدوجة، يشكلان ~~تجسيدا لنظرية معمارية، تتسم بالمبالغة والغلو في بعض الأحيان. يضاف إلى المبدأ الأساسي ~~القائم على التماثل التام؛ أي صورة الجسم المثالي، مبدأ آخر وهو مبدأ الهندسة المعمارية ~~المرتكزة على المراقبة، التي يعد المثال الأبرز لها هو نموذج البانوبتيكون الشهير أو النموذج ~~شمولي الرؤية (وهو نوع من السجون يسمح بمراقبة جميع السجناء دون أن يشعروا) الذي صممه جيريمي ~~بنثام (1748-1832)، وهو فيلسوف نفعي وفقيه قانوني إنجليزي. لنتذكر سريعا هذا المبدأ: «مبنيان ~~(دائريان) متداخلان أحدهما مع الآخر. يتكون المبنى المحيط من شقق السجناء [مع] وجود زنازين ~~مفتوحة من الداخل [...] هناك برج يحتل الوسط، وهو مسكن المراقبين [...] يحيط ببرج المراقبة رواق ~~مغطى بمشربية شفافة؛ مما يتيح للمراقب أن يتوغل بنظره في أعماق الزنازين، ms323 ولكن دون أن يراه ~~أحد [...] وسواء أكان غائبا أم حاضرا، فإن فكرة حضوره فعالة كحضوره نفسه.» # 3 # ويذكر بنثام صراحة مصحات المجانين ضمن المؤسسات القابلة للتنظيم على شاكلة ~~التصميم المعماري شمولي الرؤية. في إطار رؤية للجنون «تنتمي إلى مرحلة ما قبل الطب العقلي» ~~حيث كان الاحتجاز هو العنصر الوحيد الذي يؤخذ في الحسبان (نحن نتحدث عن عام 1791)، يوضح ~~بنثام أن الحجرات المنفصلة بعضها عن بعض والخاضعة للمراقبة المركزية «تغني عن استخدام القيود ~~وغيرها من وسائل القمع»، بالإضافة إلى أنها توفر ميزة أخرى تتمثل في حماية المجانين في الوقت ~~نفسه من اعتداءات الحراس؛ لأن كلا الطرفين يجدون أنفسهم خاضعين لنظام من المراقبة التي تتسم ~~بالشفافية المطلقة. # في الوقت ذاته، اتجه بعض المهندسين المعماريين ، بوصفهم الورثة الروحيين لكلود نيقولا ~~لودو، الذي تأثر هو نفسه بمفهوم التصميم المعماري شمولي الرؤية، إلى «ذلك البناء القائم وسط ~~الأشعة، حيث لا يفلت أي شيء من المراقبة»، # 4 # كما نرى على سبيل المثال في تصميم مبنى الملاحة الملكية في آرك إي سينان أو ~~لإيتيان لويس بوليه، نحو تصميم مخططات عملاقة ذات نزعة معمارية شمولية. ولقد رسم جان باتيست ~~هارو رومان - المهندس المعماري بكالفادوس - أثناء قيامه ببناء سجن بوليو المركزي الجديد (من ~~وحي التصميم المعماري شمولي الرؤية) في موقع مستودع التسول نفسه القديم بكاين؛ تصاميم مصحة ~~الأمراض العقلية ذات الطابع الانعزالي الشبيه بالأديرة؛ حيث نقرأ فوق بوابة الدخول الوحيدة ~~والضيقة، العبارة الآتية على الشاهد: هنا يوجد مختلون عقليا. # يظهر هذا الطراز المعماري المزود بإشعاع للمراقبة، الذي نجده بالفعل في مشاريع مصحات ~~القرن الثامن عشر، في مشروع إنشاء «مؤسسة لمعالجة الاستلاب العقلي» (1827)، الذي قدمه فيريس - ~~كبير الأطباء بدور الإيواء في بيستر - بالاشتراك مع بيير فيليبون، المهندس المعماري ~~بالحكومة. يتمثل هذا المشروع في إنشاء أربعة أجنحة مزودة بالإشعاع للمرضى عقليا الذين ~~يحتاجون إلى مراقبة خاصة. بحيث يمكث في المبنى المركزي طاقم الخدمة و«المشرفون الرئيسون». ~~«ومن خلال هذه الترتيبات، يصبح الأشخاص القائمون بالخدمة والمكلفون بحراسة المرضى عقليا ~~الغاضبين أو الثائرين، أكثر ms324 قربا من بعضهم البعض؛ مما يتيح لهم تبادل المساعدة فيما بينهم ~~عند الحاجة، كما يسهل تحركهم وتنقلهم في أرجاء المكان من دون أن يكونوا مضطرين لقطع مسافات ~~طويلة داخل المؤسسة. وهكذا أصبحت المراقبة العامة أكثر سهولة، وأكثر نشاطا وحيوية، كما أصبحت ~~تغطي كافة أنحاء المؤسسة، ولم يعد يوجد أي منطقة محرومة منها. وكان من المقرر إنشاء مبان ~~أخرى لاستقبال المرضى المسالمين، في نهاية القسم المكون من حجرات مخصصة للمرضى عقليا ~~الهائجين.» # ومع ذلك، كان مقدرا للمخططات المعمارية ~~الشعاعية - من قبيل التصميم الذي وضعه مونروبير (مهندس معماري في ليون) في عام 1835 وأطلق ~~عليه اسما جميلا هو «المخطط الفسيولوجي» - أن تظل مجرد تصاميم على لوحات كرتونية. وتزايدت ~~الانتقادات: إن نظام المراقبة المركزية، وإن كان أساسيا في السجون، إلا أنه ثانوي في ~~مصحات المجانين؛ حيث يتعلق الأمر بتفريق المرضى بدلا من تجميعهم بالأحرى؛ الأمر الذي يؤدي ~~بهم إلى الهياج والضوضاء. كما أن القسم الواحد ليس مجزأ بما يكفي إلى عدد من الأقسام ~~الفرعية. فضلا عن ذلك، يضفي المخطط الشعاعي مظهرا قبيحا على الأفنية، ويحتم إطالة الأشعة ~~بشكل مفرط أو زيادة عدد الطوابق متى زاد عدد المحتجزين بشكل كبير. وبمنتهى الجدية الممكنة، ~~يضيف جوزيف جيزلان (1797-1860) - رائد الطب العقلي البلجيكي (نطلق عليه أحيانا «بينيل ~~البلجيكي») - بخصوص الشكل الشعاعي، قائلا: «عند النقطة المركزية، يوفر هذا التصميم تدفق ~~تيارات الهواء.» لقد بنيت مصحة مونديفيرج، في فوكلوز، عام 1843، على الطراز الشعاعي، وكان ~~لها فيما بعد ثقل كبير خارج فرنسا. # من الواضح أن إسكيرول قد أولى اهتماما خاصا لذلك المخطط الذي كان من المفترض أن يصبح ~~مصحة للمرضى عقليا، مشيدة خارج المدينة على أرض شاسعة، وقادرة على استيعاب من 400 إلى 500 ~~مريض. لقد استعان بالمهندس المعماري لويس-إيبوليت لوبا لتنفيذ التصاميم، ثم عرض على المجلس ~~العمومي لدور الإيواء في باريس المخطط الأول لمشروع إنشاء مصحة كبرى للأمراض العقلية، وهي ~~المصحة التي كان مقدرا لها أن تكون نموذجا للإنشاءات التي بدأ يتم تنفيذها في العديد من ~~المدن الفرنسية. ms325 فوق محور مركزي، حيث نجد المصحة التي تعد بمنزلة نقطة ارتكاز حقيقية لهذه ~~المدينة داخل المدينة، تقع مباني الإدارة والمرافق (المطابخ، والحمامات، وورش العمل). ولا ~~ننس أيضا ذلك البناء المركزي بكل ما تحمله الكلمة من معنى، والمتمثل في الكنيسة، ذات ~~الأبعاد الكبيرة في الغالب. من كلا الجانبين، عموديا وفي تماثل تام، بحيث يكون الرجال ناحية ~~اليمين والسيدات ناحية الشمال، نجد مناطق التصنيف، وهي عبارة عن «كتل من المباني رباعية ~~الأضلاع ومعزولة، وتمتلك من الداخل فناء محاطا برواق مسقوف، [مع] وجود جانب رابع مغلق ~~بقضبان حديدية يطل على حدائق واسعة أو الريف [...] كتل معزولة كثيرة لتصنيف جميع المرضى بحسب ~~طبيعة مرضهم وفترة الإصابة [...] وكان من المقرر أن توفر جميع هذه المباني المبنية على الطابق ~~الأرضي، مساكن منفصلة ومجهزة للمرضى عقليا: المصابين بالهياج، وبالهوس دون دوافع ~~عدوانية على الإطلاق، وللسوداويين الهادئين، وللمصابين بالهوس الأحادي، وهم عادة يتسببون في ~~صخب كبير، وللمختلين عقليا المصابين بالخرف، وللمختلين القذرين، وللمصابين بالصرع وبأمراض ~~عرضية، وأخيرا، للمرضى في طور النقاهة الذين يتعين أن يكون مسكنهم مجهزا تجهيزا معينا ~~بحيث لا يصبح في إمكانهم رؤية أو سماع المرضى الآخرين، بينما يظلون هم أنفسهم على مقربة من ~~المبنى الرئيس» ... ومن جديد، كانت الغلبة والسيادة للتصنيف على أساس المعيار السلوكي. # وفي عام 1862، أثناء افتتاح تمثال إسكيرول في شارنتون، أعرب جان باتيست بارشاب ~~(1800-1866) - وهو مفتش عام على قسم المرضى عقليا منذ عام 1848 - عن تقديره لهذا الأب ~~المؤسس، وصرح بأن «هذه المعطيات الأساسية، التي تعد فكرا طبيا، ستكون بمنزلة الأساس ~~الراسخ الذي سيرتكز عليه، من الآن فصاعدا، المثل الأعلى لمصحة الأمراض العقلية. يتمثل هذا ~~الفكر في تصنيف المرضى وتقسيمهم على مناطق منفصلة ملائمة لاحتياجات ومتطلبات العلاج المعنوي، ~~تبعا لطبيعة وشكل وحدة المرض [...] وهكذا، فإن تبعية الهندسة المعمارية للمعالجة، التي تجلت ~~للمرة الأولى في التصاميم المقدمة والمستوحاة من إسكيرول، سترتبط بجميع التطورات المتتالية ~~التي سيجري إدخالها في مجال تأسيس، وإنشاء، وتنظيم مصحات الأمراض العقلية.» # 5 # إذا كان البرنامج الذي اقترحه بنجامين ms326 ديبورت - مدير مكتب المساعدة العامة - وعرضه، في ~~عام 1821، على المجلس العمومي للمشافي ودور الإيواء المدنية في باريس، يعد بمنزلة تكرار ~~للإرشادات الجوهرية التي سبق أن أوردها إسكيرول، فإنه (البرنامج) تغلغل في بعض التفاصيل ~~الخاصة بالتنفيذ وفي بعض الاعتبارات؛ مما أدى في النهاية إلى إرساء دعائم البناء الاستشفائي ~~في بداية القرن التاسع عشر. # 6 ~~«إن المصحة المكرسة لمعالجة الاستلاب العقلي هي بمنزلة صرح خيري تفتقر إليه ~~فرنسا.» أو أنه لم يكن في الإمكان محاكاة الدول المجاورة، التي تضحي مؤسساتها بالتنسيق ~~والترتيب الداخلي في سبيل «عظمة التنفيذ». «ينبغي على فرنسا تقديم هذا النموذج.» فلا يتسم ~~مشفى الأمراض العقلية بأي مغالاة معمارية: «تعتمد فخامة مصحات الأمراض العقلية على توفير أكبر ~~قدر من الرفاهة لكل فرد من خلال توفير مكان مريح ونظيف له ؛ فيجب ألا تظهر عبقرية المعماري إلا ~~من خلال النسب الدقيقة والخطوط المستقيمة دائما والتنسيق المعين للكتل، بحيث تمر عليها العين ~~بسهولة. أما فيما يتعلق بالموقع، فنجد مبادئ إسكيرول: «مساحة واسعة خارج المدن (والدافع ~~الفكرة الواضحة التي تستهدف إبعاد المختلين لإلهائهم عن أفكارهم الثابتة، وفي ذات الوقت عزلهم ~~عن فضول الآخرين) وهواء نقي وموارد مياه وفيرة ... على أن يكون مكان المباني ناحية الشرق، كما ~~ينص إسكيرول. وبالتالي يجنب المرضى «حرارة الجنوب في الصيف وبرودة الشمال في الشتاء»، [...] ~~الأمران اللذان يساهمان في تأجيج خيالاتهم.» في حين أن الشرق - بغض النظر عن جودة ونقاوة ~~الهواء «وانتعاشه الذي يهدئ من احتدام الذهن» - يتيح للمرضى الاستفادة من وضوح أشعة الشمس ~~الأولى، التي لها القدرة على تحسين حالتهم وتهيئهم للخضوع دون مقاومة للرعاية التي ~~يتطلبها وضعهم.» # يسع مثل هذا النوع من المصحات خمسمائة مريض: ثلاثمائة امرأة ومائتي رجل «يفصلهم أكبر قدر ~~ممكن من الفراغ»، لدرجة تحولهم إلى مصحتين داخل واحدة كبيرة، مع الاحتفاظ بإمكانية المرور ~~بسهولة من واحدة للأخرى. ويتكون كل من هذين الجزأين الكبيرين من اثنتي عشرة منطقة على ~~الأقل؛ أي اثني عشر مشفى صغيرا منفصلا بعضها عن بعض دون أن يستطيع أحد رؤية أو سماع ms327 ما ~~يدور في أي منها: «مجانين ثائرين أثناء العلاج ومجانين ميئوس من شفائهم في حالة هياج، ومجانين ~~هادئين في طور العلاج موضوعين في غرف، إلى مجانين في حالة صرع وهياج، ومجانين مصابين بالصرع ~~في مهجع، وأيضا مجانين هادئين موضوعين في المهجع ومجانين هادئين ميئوس من شفائهم، بخلاف ~~المصابين بالسوداوية والبله والأمراض العرضية ومن هم في طور النقاهة.» # وتعد هذه المناطق الاثنتا عشرة أكثر بكثير مما أنشيء في الواقع، فعادة ما يتعارض تواضع ~~الميزانيات مع المشروعات الطموحة. إلا أن ديبورت يرى وجوب إضافة تقسيمات فرعية أخرى: «توجد ~~بين المجانين فروق، وقد يرغب الأطباء في تصنيفهم منفصلين وفقا لها»، كما يجب تجنب مشاهدة ~~المجانين لنوع آخر من الجنون غير الذي أصابهم؛ ومن ثم فإن مضاعفة هذه التقسيمات قد يعني ~~مضاعفة وسائل الشفاء في الوقت نفسه. ويعتقد ديبورت أن - في جميع الأحوال - وجود اثنتي عشرة ~~منطقة للتقسيم إنما يعد الحد الأدنى. «أي تقسيم أقل من ذلك قد يعرض الأطباء إلى فشل محاولات ~~العلاج.» # وفقا لفكرة إسكيرول، فإن تلك المباني لن تنشأ إلا من طوابق أرضية وقباب مضفية على ~~الأراضي نقاوة أفضل. ويضيف ديبورت أن هذا التصميم يتطلب مساحة أكبر من الأرض، ولكن تكمن ميزته ~~في مضاعفة الباحات والمتنزهات والحدائق. ويكون المحور الرئيس هو «الحاجز الأول للمراقبة بين ~~الجمهور والمرضى.» وبالإضافة لمكوناتهم التقليدية كما في أي مصحة أخرى (كنيسة ومشرحة ومطبخ ~~ومخبز ومغسلة وحجرة للبياضات وأيضا المباني الإدارية)، ينبغي أن تكون المباني بأقسامها ~~الأربعة والعشرين ظاهرة جميعها للعين، وأن تمتلك خدمة متطورة للاستحمام بصفة خاصة. ويخصص ~~ديبورت كتابات مطولة لما يجب أن تكون عليه المنشآت الخاصة بالعلاج بالمياه، الذي هو العلاج ~~الأمثل للجنون. # يكون لكل مناطق الأقسام تكوين مماثل، يتضمن مهاجع وزنازين وقاعة طعام وغرفة اجتماعات ~~ومشغلا ورواقا مغطى ورواقا في الحديقة ونافورة ومراحيض (ويدرس ديبورت بدقة ترتيب وتكوين ~~هذا المكان الحساس في مصحات الأمراض العقلية)، وغرفا وباحة مخصصة للخدمات. وتقع مسئولية ~~الاختيار بين الاحتجاز في المهجع أو الزنزانة على عاتق الإداري الذي يقدر ms328 بأن عدد الزنازين لا ~~بد أن يكون قليلا قدر الإمكان. ويكون الباقي عبارة عن مهاجع بها أربعة وعشرون سريرا؛ حيث إن ~~الانفراد هو الاحتجاز في حد ذاته، فيجب ألا يعزل أحد داخل المصحة؛ لأن الحياة في مجتمع - ~~وهي النتيجة المنطقية لتلاشي القيود - إنما هي شرط وضمان إعادة الاندماج. ويرى ديبورت في ~~المهجع هذه الميزة (إنه يعطي إحساسا بالطمأنينة في حد ذاته)، «فهو يساعد على الاحتماء من ~~التقارير التي يعدها الموظفون عن المرضى، خاصة وأن هذه الطبقة قد لا تمتلك دائما القدرات ~~المطلوبة. فحتى من يمتلكون منهم قدرا عاليا من الحساسية، قد يفقدونها في بعض الأحيان ~~ليتحولوا في نهاية المطاف إلى كائنات غير آدمية.» # عندما نشر الطبيب سيبيون بينيل - ابن بينيل الكبير - في عام 1836 مؤلفه «بحث كامل عن ~~النظام الصحي للمختلين عقليا، أو دليل المؤسسات المخصصة لهم»؛ أصبح هو رائد أول النتائج في ~~هذا المجال. ولقد أهله اسمه إلى جانب بعض الإضافات (كان برنامج ديبورت أقدم باثني عشر ~~عاما) للوصول إلى صياغة أكثر تحديدا للمبادئ الملموسة لعلم الطب العقلي، كل هذا في الوقت ~~الذي أعلن فيه عن التصويت على قانون للتمويل بشأن هذا الموضوع الذي ظل طويلا موضعا للنقاش. ~~إلا أن العنوان المزدوج لبحث سيبيون بينيل يؤكد بالفعل على القضية الرئيسة: فالنظام الصحي ~~للمرضى عقليا إنما يندرج برمته داخل المؤسسة العلاجية التي هي المصحة. ويستند سيبيون بينيل ~~في البداية إلى برامج ديبورت وإسكيرول، دون إغفال تعاليم والده الشهير. ولقد استقى من هذا كله ~~الخطوط العريضة لخطته التقليدية التي تقوم على ثلاث كتل متماثلة تربطهم ممرات تصل مناطق إقامة ~~المرضى عقليا بالمباني المركزية وتعطي للمصحة طابع الوحدة والتماسك. إلا أن خطة سيبيون ~~بينيل كانت تقدم بعض ملامح الإبداع: تكون الكتل الثلاث الرئيسة ثلاثة تجمعات رأسية أكثر منها ~~أفقية. وتنشأ الأجنحة في منتصف الفناء وليس حوله. وفي النهاية، يحيط بالأجنحة مزرعة للرجال ~~وغرفة للبياضات والغسيل للنساء، وكأنهما العضوان الفاعلان في هذا الجسد المريض الضخم. # وتعد القضية الأكثر أهمية التي عكف سيبيون بينيل ms329 على دراستها طويلا هي مناطق التقسيم. ~~يتحدث لويس-جاك مورو دي لاسارت عن تصنيفات المرضى «الذين يجري توزيعهم في البلدان المختلفة في ~~مختلف المناطق بحسب نوع الجنون الذي أصيبوا به.» ومن جانبه، يذكر هنري داجونيه «تصنيفا لا ~~يقل أهمية على المستوى العملي عن النظري.» # 7 # يقترح سيبيون بينيل ست مناطق للتصنيف تضم تقسيمتين فرعيتين أساسيتين: تخصص أربع ~~مناطق للمرضى عقليا ممن هم في طور العلاج (قطاع للتمريض وقطاع لمن هم في فترة النقاهة وآخر ~~للمرضى عقليا المسالمين وآخر للمرضى الثائرين داخل الزنازين)، بينما تخصص منطقتان للمرضى ~~الميئوس من شفائهم (واحدة للمسالمين منهم والأخرى لمن يعانون من حالات الهياج أو الصرع). ~~للوهلة الأولى، يقدم هذا التقسيم الحل للمشكلة التي ستظل منذ ذلك الحين موضع انتقاد في كافة ~~مصحات الأمراض العقلية؛ ألا وهي السلوك صعب الانقياد للمرضى عقليا المزمنين. «فهمنا أخيرا ~~أن مصحة الأمراض العقلية مخصصة ليس فقط للعلاج الفعال للجنون، بل وأيضا للاحتجاز الدائم ~~للمرضى عقليا الميئوس من شفائهم»، هكذا كتب سيبيون بينيل. لماذا إذن ستة تقسيمات فقط، بدلا ~~من الاثني عشر التي اقترحها ديبورت؟ ويبرر سيبيون بينيل الأمر باستدعائه للخبرة المكتسبة من ~~تقسيمات مصحة سالبيتريير وبيستر اللتين أنشأهما ديبورت. ويكون الاقتصاد في النفقات بضم المرضى ~~الهادئين الميئوس من شفائهم إلى المصابين بالبله، وبإلغاء الزنازين الخاصة بالمرضى الهادئين ~~في طور العلاج ونقلهم بالتالي إلى المهجع. والشيء نفسه مع النساء؛ حيث تكون هناك منطقة من ~~الزنازين لا تصلح إلا للمصابات بالهوس الجنسي والهستيريا وأولئك اللاتي يطيب لهن العيش عرايا ~~بين القاذورات. ولكن تلك الحالات ليست بالكثرة التي تتطلب تشكيل قطاع كامل خاص بها، ومن ثم ~~فإن الاحتجاز لا يؤدي إلا إلى تفاقم حالات هؤلاء المرضى: «يجب وضعهم في المهجع طالما كان ذلك ~~في الإمكان، وعند الضرورة القصوى قد يكون لدينا زنازين داخل الأجنحة المعزولة.» # تنقسم المنطقة الخاصة بالمرضى عقليا الميئوس من شفائهم، سواء المصابون بالهياج أو ~~الصرع، إلى قسمين يفصلهما جدار لتفادي اختلاط المرضى الذي هو أمر مخالف للتقاليد الطبية. ولقد ~~انشغل سيبيون ms330 بينيل بهذه المسألة الخاصة بالجدران خاصة السياج الخارجي، كما اهتم غيره من ~~المعماريين وأطباء الأمراض العقلية أيضا خلال العقود التالية بدراسة ضرورة إحاطة مستشفى ~~الأمراض العقلية بسور خارجي من عدمه. إنها مسألة نظرية بحتة، ولا سيما أن جميع المصحات لها ~~أسوار، ولكنها كانت مفارقة في ذات الوقت؛ لأنها تقدم صورة لمصحة الأمراض العقلية كمصحة وسجن ~~في آن واحد. وبنوع من السذاجة، حاول علم النفس الوليد على الأقل أن يخفي هذه الجدران البغيضة: ~~«بما أن جميع المرضى عقليا يقولون ويعتقدون أنهم سجناء لأسباب أخرى غير مرضهم، فيجب قدر ~~الإمكان محاولة محو فكرة وجودهم داخل سجن أو حبس إجباري عن طريق إخفاء الجدران بكتل ضخمة من ~~الأشجار والزهور.» # يتبقى لنا الجزء المركزي للمباني الإدارية، والذي يقوم أيضا بعدة وظائف خاصة بالعلاج: ~~فقبل كل شيء هو المبنى حيث توجد دورات المياه - التي ثبتت أهميتها العلاجية على مدار مائة عام ~~- وأيضا قاعة الاستقبال، ويعكس قربها من المكاتب الإدارية الرغبة في منع أي زيارات داخل ~~مناطق المرضى، بل وأيضا مراقبة أي علاقة بالخارج عن كثب. وتضم هذه المباني أيضا قاعة ~~الترفيه والمكتبة المخصصة للموظفين وأيضا للمرضى «الذين يتمتعون بالوعي»: «يمكن للمرضى الذين ~~هم على قدر من التعليم دخول هذه الأماكن عند بلوغهم مرحلة النقاهة للتعود تدريجيا على طرق ~~الاندماج داخل المجتمع.» أخيرا، نظرا لعدم وجود منطقة للمراقبة كما هي الحال في كافة مصحات ~~القرن التاسع عشر، فكر سيبيون بينيل على الأقل في إنشاء وحدة للاستقبال تكون في المبنى ~~الرئيس، «تكون مكانا آمنا يمكن للمريض أن ينتظر فيه حتى موعد الزيارة التي يقوم بها طبيبه ~~في اليوم التالي، وخلالها يقرر الطبيب بعد فحص دقيق نقل المريض إلى القسم المناسب له وفقا ~~لنوع مرضه. وإذا كان هناك شك في نوع جنونه، يمكن للطبيب أن يبقي المريض عدة أيام في هذه ~~الوحدة حتى يتأكد.» # وفي النهاية، منع سيبيون بينيل - شأنه شأن سابقيه - أي تصميم معماري جديد أو فخم أو فاخر ~~للمشفى. ففخامة المشفى تكمن في نظامه وتجانسه ونظافته. ms331 وعلى الرغم من ذلك، فلقد ظهرت بعض ~~المشاريع المعمارية الجريئة، مثل ذلك الذي قدم في عام 1847 في مدينة رون. فلماذا يجب أن ~~يحرم مشفى للمرضى عقليا تماما من «العظمة والأناقة التي تروق للجميع بجودة ذوقها ~~وبساطتها دون إغفال الجانب الاقتصادي. ينبغي أن نمحو من أذهان المرضى أي صورة لدور الاحتجاز ~~الإجباري والتأديبي.» # 8 # وفي الواقع، كان المشروع يقوم على: التقسيم التقليدي للمباني إلى ثلاثة أجزاء ~~تحوطهم مساحات خضراء شاسعة تفصلها ممرات مزروعة بالأشجار منسقة على الطريقة الفرنسية في وضع ~~متماثل يضفي بريقا على المشهد ويضفي طابعا جليلا. ومما يزيد من إبداع المشروع وجود جناحي ~~المرضى المقيمين على زاويتي المكان، بالإضافة إلى وفرة عدد الممرات المزينة التي يمكن تغطيتها ~~وتدفئتها خلال فصل الشتاء. ويمتد الشارع الرئيس في هذه المدينة (التي يقيم فيها من تسعين إلى ~~مائة وعشرين موظفا وما بين ستمائة إلى سبعمائة مريض عقليا) لمسافة خمسمائة متر (ويصل عرضه ~~إلى خمسة أمتار)، عبورا بجميع وحدات الخدمات ليفصلهم وينظمهم في ذات الوقت. كانت تلك هي ~~«الحدود القصوى» للمصحة على حد قول أصحاب المشروع الذي كان بمنزلة تصور أولي لما سيصبح ~~عليه شكل المصحات بنهاية القرن التاسع عشر. # ولا يزال تقسيم المناطق لتصنيف المرضى مثارا للجدل، على نحو مختلف من مصحة لأخرى، بل ~~وداخل المصحة الواحدة ومن عصر لآخر وفقا لإمكانيات التنسيق والزيادات المتتالية في العدد. ~~ولا تزال أيضا قضية التقسيم بين مرضى يمكن علاجهم وآخرين ميئوس من شفائهم تطرح بقوة أكثر من ~~تلك المتعلقة بالمرضى القادرين على تحمل نفقات العلاج ومن يعالجون بالمجان. وتراجعت تماما ~~فكرة تخصيص مصحة للمرضى الميئوس من حالتهم (لكونها أليمة للمرضى ولعائلاتهم وللرأي العام ~~وأيضا للطب). # 9 # ويلاحظ أيضا وجود ذات النفور من تخصيص منطقة من المصحة للمرضى الميئوس من ~~شفائهم. إلا أنهم موجودون بكثرة هؤلاء المرضى، ولكن موزعون بين أقسام المصابين بالهياج ~~والمختلين والمشلولين والقذرين وحتى البله؛ باختصار، في كل مكان. ولكن - من ناحية أخرى - ~~ألا يجب أن يحظى البله والمصابون بالصرع بمصحات خاصة بهم؟ ms332 ولكن لا يظهر في الأفق إلا المصحة ~~الشاملة التي تجمع كل الأمراض العقلية. # ولقد قدم كل طبيب شهير للأمراض العقلية في نحو مثالي تصوره عن المصحة العقلية. ففي ~~عام 1852، # 10 # عرض جوزيف جيزلان نتائجه في حديث مطول عن مسألة تصنيف المرضى. ولقد قارن بين ~~الطريقة النظرية (التي تقضي بتنظيم المرضى بحسب النوع وتصنيف المرض المصابين به)، والطريقة ~~«العملية والتجريبية التي تقوم على التأثير السلبي أو الإيجابي الذي يمكن أن يحدثه المرضى ~~عقليا على بعضهم البعض.» وكتب جوزيف بأن الطريقة الأولى آخذة في الزوال، فالقيام بجمع كافة ~~المصابين بالسوداوية معا «يعني الحكم عليهم جميعا بالعيش في محيط تغمره الكآبة.» وعلى ~~المستوى التقليدي للتنظيم الجيد - مع قدر قليل من التنازل - يقترح جيزلان التصنيف التالي: ~~المرضى في حالة النقاهة، «والواعون مع نوبات دورية، والعاجزون وطريحو الفراش، والمرضى ~~المسالمون، والمصابون بالسوداوية، والمرضى في حالات الانتشاء، والمصابون بالهوس السلمي ~~وبالهذيان، والمختلون، والبله الهادئون» (ويكون الشرط الأساسي للوجود ضمن هذا التصنيف هو ~~«القدرة على التصرف تقريبا مثل الشخص العاقل»؛ ثم المرضى المصابون بالهياج، «المصابون ~~بالسوداوية والقلق، واليأس، والمرضى ذوو الميول الانتحارية، والمتجولون، والمتحركون والمصابون ~~بالهوس والثرثرة وإلصاق التهم بالآخرين، والمغنون، والمصابون بالهذيان والمختلون والبله ~~الماكرون، ومرضى العناد، والمصابون بالصرع لفترات طويلة.» (ولكي يدرج المريض في هذا التصنيف ~~عليه ألا يتشاجر أو يمزق ثيابه، بل وأيضا عليه أن يحسن التصرف ليلا داخل المهجع)، باختصار ~~عليه «أن يمتلك قدرا من الذكاء يمكنه من الخضوع لنظام هادئ»)، وأخيرا، المرضى المضطربون ~~والمدمرون «الذين يتشاجرون ويحطمون الأثاث ويمزقون ثيابهم، والخائنون أو الميالون للانتقام، ~~والمصابون بنوبات غضب عنيفة، والأغبياء المصابون بالصرع، والمصابون بالهوس المضطربون ~~الغاضبون، والميالون للقتل»، والمختلون «الذين أصيبوا بضعف ~~شديد في الوظائف العقلية، والبله والمصابون بالصرع دون هوس أو خرف، و(المصابون بهوس جنسي ~~متعلق بالبول والبراز)»؛ أي إنهما ستة تصنيفات كبرى، معزولة بشدة بعضها عن بعض. # تم التخلي عن فكرة إسكيرول باستخدام الطوابق الأرضية لصالح نظام مختلط دعا إليه جيزلان: ~~وضع المرضى عقليا المصابين بالخرف والمضطربين والخطرين في الطابق الأرضي، ms333 وباقي المرضى ~~المسالمين في الطوابق الأخرى. # في عام 1852، نشر فالريه - تزامنا مع جيزلان - تصوره الخاص عن مصحة الأمراض ~~العقلية # 11 # التي ترتكز - بالإضافة إلى مقولة إسكيرول الهامة (إن مصحة الأمراض العقلية إنما ~~هي إحدى أدوات العلاج) - على الشعار التالي: «يجب أن يكون إنشاء مصحة للأمراض العقلية تحقيقا ~~لمبادئ الطب العقلي أكثر منه عملا معماريا.» ونجد في هذا التصور - الذي يعد في فرنسا ~~مرجعا في هذا الموضوع - جميع المسائل التي طالما نوقشت وبالتأكيد الإجابات نفسها، ولم يكن ~~ظهور فكرة المهجع محط جدل؛ لكونه يخدم فكرة الحياة المشتركة، مثله مثل إنشاء قاعات الطعام ~~والاجتماعات، بل وأيضا مبدأ العمل المشترك الذي من شأنه تنظيم إيقاع الحياة اليومية في ~~المصحات. كل شيء خاضع للتحليل والحساب والقياس: مساحة الزنزانة (التي زادت) ومادة تصنيع ~~السلالم والأرضيات وفتحات النوافذ (في ثلاث صفحات على الأقل عند فالريه)، دون إغفال المراحيض: ~~«تعد مسألة المراحيض غاية في الأهمية في أي تجمعات بشرية كبيرة إلى حد ما، وتزيد أهميتها في ~~مصحات الأمراض العقلية؛ بسبب ميل المرضى العام إلى القذارة، بل وأيضا لميولهم الانتحارية، ~~أو بسبب حالات الاستمناء التي تتطلب مراقبة خاصة.» # ماذا عن العلاج المعنوي في كل هذا؟ لا يستخدم فالريه - مثله مثل زملائه - هذا التعبير ~~المشوه بالفعل، وإنما تساءل أيضا، في خاتمة بحثه، عن مدى عمق فاعلية هذا «العلاج العام» وهذه ~~«الرتابة» في المرض العقلي. وأخذ حينئذ يحلم بوضع تصنيفات خاصة أوحت إليه بها الدراسة الطبية ~~وليس المبادئ الإدارية، وبمضاعفة المساحات الصغيرة التي تتيح للمرضى ممارسة تأثير مفيد على ~~بعضهم البعض؛ أي ما يسمى ب «علاج متبادل» حقيقي. # أما بارشاب فإنه يتمسك أكثر بالأوضاع على أرض الواقع، ومن ثم يبدو أكثر عملية. كان ~~متشددا في ممارسة مهامه بعيدا عن جمود التفكير، ولم يكن يشغله ~~فكرة «أن تحديد شكل أو نمط معين يفرض على المصحات بشكل عام ~~أمرا عقلانيا أو ممكنا.» كان يعتقد بالأحرى في «التحسين المستمر لتصنيف المرضى عقليا»، ~~وعندما طلبت منه وجهة نظره حول الشكل الذي يجب أن تكون ms334 عليه مصحة الأمراض العقلية، أجاب: ~~«أعطوني برنامجكم، وأروني أرضكم.» # 12 # إلا أن هذا لم يمنعه من امتلاك فكر جديدة لم يجر تنفيذها. كان يريد أن يحتجز ~~الأغنياء في المصحات الخاصة، وأن يفصل الجنسان في مصحات منفصلة، وأن يكون الطبيب هو المدير ~~الوحيد للمؤسسة؛ حيث إن المشاركة في السلطة لها دور كبير في رفاهية وشفاء المرضى، ولكن على ~~حساب النفوذ والفعالية. لم يرد بارشاب - الذي هو من مؤيدي فكرة المساحة المتواضعة للمهجع - أن ~~تكون الزنازين (المخصصة للحبس الانفرادي والإجباري، والمزودة بمعدات خاصة) مخصصة للإقامة ~~الدائمة. # إنشاءات # لا يوجد في فرنسا العديد من مصحات الأمراض العقلية الحديثة والنموذجية. فلم يبدأ أثر ~~تنفيذ قانون 1838 في الظهور إلا بعد فترة طويلة من الوقت. كان لا بد من الانتظار حتى صدور ~~مرسوم الخامس والعشرين من مارس 1852 (مرسوم آخر!) والذي يعطي للمحافظين قدرا أكبر من ~~الاستقلالية، وأيضا فترة التوسع الاقتصادي في العقدين التاليين اللذين بدآ مع فترة ~~الإمبراطورية الثانية، كل هذا لنشهد حركة انطلاق حقيقية في إنشاء مصحات الأمراض ~~العقلية. # ويساعد «التقرير العام حول خدمات المرضى عقليا في عام 1874» - الذي قدمه مفتشو الهيئة ~~(كونستانس ولونييه ودوميسنيل) إلى وزير الداخلية في عام 1878 - على قياس التقدم الذي طرأ منذ ~~التصويت على قانون عام 1838. حينه كانت فرنسا تضم مائة وأربع مؤسسات لرعاية المرضى عقليا: ~~ست وأربعون منها خاضعة لإدارة السلطة العامة، وثمان وخمسون تحت إشرافها. هذه الأخيرة كانت ~~إما أماكن للاستضافة (ثماني عشرة)، وإما مصحات خاصة للأمراض العقلية (أربعين؛ منها ثماني عشرة ~~فقط تؤدي دورها كمصحة عامة، أما الباقي فلم تكن تستقبل المواطنين). ويضاف إلى هذه المؤسسات ~~المائة والأربع المصرح بها، مصحات وأماكن استضافة، كانت لا تزال تستقبل المزيد من المرضى ~~عقليا، بالمخالفة للقانون. # كان هناك الكثير من المصحات التي لم تنشأ من العدم، والتي اجتهدت كيفما اتفق في سبيل ~~تنظيم مناطق تصنيف المرضى وفقا للتوسعات والزيادات المستمرة، وبالتالي فإنها كانت تتوسع دون ~~أن تكون هناك خطة كاملة لها من البداية. تلك هي الحال مع أكبر ms335 مصحة للأمراض العقلية بفرنسا: ~~كليرمونت في مقاطعة إلواز، والتي كانت تضم ألفا وأربعمائة وخمسة وستين محتجزا في الحادي ~~والثلاثين من ديسمبر عام 1874. فإلى جانب مرضى إلواز، كانت تستقبل الكثيرين من مناطق لاسوم، ~~وسين ومارن، وسين وواز وجزءا من مرضى منطقة السين. ويتكون المشفى من مبنى رئيس في وسط ~~المدينة (وهو المبنى الأصلي) وعدة ملحقات زراعية واسعة في الريف (من بينها فيتز-جيمس). ولقد ~~لاقت هذه الملحقات استحسان المفتشين العمومين، على عكس المقر الرئيس بمبانيه القديمة. والأمر ~~كذلك بالنسبة إلى مصحة بون سوفوربكاين: «يمتلك هذا المشفى - المقام على قطعة أرض غير كافية - ~~بعض العناصر الجيدة للغاية: ثلاث أو أربع باحات واسعة، ومهاجع جميلة وغرفا ملائمة للغاية، ~~إلا أن كل هذا كان مكدسا ومتقطعا ومتشابكا، لدرجة أنه لم يكن هناك في الواقع أي تصنيف أو ~~فصل للفئات المختلفة من المرضى عقليا.» في الواقع، فيما يتعلق بالنساء، كان يجب الانتظار ~~حتى عام 1880 لتنشأ أول منطقة خاصة بالمريضات الفوضويات، وحتى عام 1900 لتخصيص منطقة خاصة ~~بالمصابات بالهياج، وأخرى خاصة بالتمريض. أما بالنسبة إلى الرجال، فلم تشهد المناطق المخصصة ~~للمرضى تنوعا في التصنيف إلا ابتداء من عام 1905: منطقة الفوضويين، ومنطقة المصابين بالهياج، ~~ومنطقة المصابين بالصرع، ومنطقة من هم في مرحلة النقاهة، ومنطقة الأطفال، ومنطقة العاملين، ~~وأخيرا منطقة جهاز التمريض (التي تستخدم كمنطقة للمراقبة). ولكن لم تجد المصحات العقلية ~~الخاصة التي أنشئت داخل الأديرة القديمة أي قبول لدى المفتشين، مشاطرين إسكيرول الرأي ذاته؛ ~~ومن ثم، قيل عن المصحة الخاصة بمنطقة كوت دور (دير ديجون سابقا) - على الرغم من التعديلات ~~الهامة التي أجريت عليها - إنها: «لا يمكن اعتبارها مؤسسة جيدة، ومن المشكوك فيه أن تصبح ~~كذلك.» # في الواقع، تعد كل مصحة عقلية حالة خاصة؛ ففي مصحة شير بمنطقة بورج، كانت هناك محاولات ~~لاستخدام ما هو متاح بالفعل، إلا أن عدد المحتجزين - الذي لم يكن يتجاوز الأربعين عام 1839 - ~~زاد ليصل إلى مائتين وأربعة وثلاثين في عام 1873. وعليه كان القرار في العام التالي بإنشاء ~~مصحة جديدة بالكامل (بوروجارد)، ms336 ليبدأ العمل بها في عام 1882 وهي لا تزال تحت الإنشاء. وفي ~~مصحة أورن بمنطقة ألنسون، تم البدء في إعادة إنشائها في عام 1841 بناء على خطة رائعة، إلا أن ~~الإنشاءات توقفت. وأبقي على بعض المباني العتيقة، بينما شجعت قلة الأماكن على بقاء الأكواخ ~~والزنازين في مختلف أماكن الاستضافة بالمنطقة. وبحلول عام 1874، كان سيعاد بناء كل شيء في ~~مكان ما خارج المدينة. وفي عام 1893، أنشئت أخيرا وحدة سليمة للعلاج بالمياه (في العام ~~السابق، كانت اللجنة قد لاحظت - بنوع من الفزع - أن عملية الضخ تتم باستخدام أربعة من ~~المختلين يديرون عجلتين هائلتين من داخل قفص مظلم مليء بالرطوبة). # ولقد راقت المصحات العقلية التي أنشئت خصيصى خارج المدن للمفتشين العموميين بصورة ~~واضحة. ومن بين أمثلة عدة، نذكر مصحة برون على بعد خمسة كيلومترات من مدينة ليون التي استغرق ~~إنشاؤها الفترة ما بين 1868 و1875، ولها جناحان منفصلان يتوازيان ويتعامدان على المحور ~~المركزي. وعلى الرغم من قدرتها الاستيعابية التي تتجاوز الخمسمائة (من ألف ومائة وحتى ألف ~~ومائتين)، فإن التصنيف داخلها كان شديد الاقتضاب دون أدنى تعليق من المفتشين: مرضى هادئون وفي ~~مرحلة النقاهة، مرضى ضعفاء ومسنون، مرضى «ثائرون» وفوضويون، وشبه مصابين بهياج. أما إفرو، فهي ~~عبارة عن مبنى واحد يمتد طوله حتى أربعمائة متر، وبدأ بناؤه عام 1858 واستمر حتى عام 1874 ~~دون أن ينتهي تماما. ويعتقد المفتشون أنه «مبنى غاية في الجمال»، على الرغم من أنهم ليسوا ~~من مؤيدي المباني المكدسة. وفي مدينة روان، أنشئ مشفيان للأمراض العقلية جنبا إلى جنب: ~~مشفى سان يون الجديد للنساء، ومشفى كاتر مار للرجال. # ويعد مشفى بايول - الكائن على بعد ثمانية وعشرين كيلومترا من ليل، والذي فتح أبوابه منذ ~~عام 1863 - «أحد أجمل، بل وأفضل، مصحات الأمراض العقلية لدينا وفقا للعديد من التقارير، حتى ~~وإن بدا تصميمه فخما، بل ومغاليا في الفخامة من بعض النواحي.» كان هذا المشفى مخصصا للنساء ~~فقط، ويضم ستمائة وعشرين من المعوزات ومائة وأربعين من النزيلات. ولقد خالف تصنيفهن - في سبيل ~~قدر ms337 من التنوع - كل معايير تصنيف الأمراض: نزيلات هادئات، نزيلات مصابات بالهياج وفوضويات، ~~نزيلات هادئات في مرحلة النقاهة ونزيلات في حالة هياج، نزيلات فوضويات، نزيلات شبه هادئات، ~~نزيلات مصابات بالصرع (مع تخصيص أجنحة وغرف للنزيلات الثريات). وتعتمد هذه الاختلافات الضخمة ~~في حجم المؤسسات وتصميمها وتوزيعها وتاريخ إنشائها أو إعادة إنشائها الكلي أو الجزئي على ~~السبل المادية الواقعية أو المتفق عليه لكل منطقة. # عادة ما يكون تاريخ أي مصحة للأمراض العقلية أمرا يتعلق بالأشخاص. كانت هذه هي الحال مع ~~مستشفى أوكسير - الذي انتهى إنشاؤه عام 1858 - وهو نتيجة تعاون وثيق بين كبير الأطباء جيرارد ~~دي كايو، والمحافظ هوسمان بعد تعيينه في منطقة إيون في عام 1850. كانا شديدي التفاهم أحدهما ~~مع الآخر، تملؤهما الحيوية وحب النظام، مفعمين بالطموح الاجتماعي. كان هنري جيرارد كايو - ~~شأنه شأن جميع أطباء الأمراض العقلية - يولي اهتماما كبيرا للعمارة، «التي ينبغي أن تزيل من ~~ذهن المريض فكرة كونه محبوسا»، وتسهل بالتالي تصنيف المرضى وفقا لتوزيع منظم للمباني. ويروي ~~البارون هوسمان في مذكراته: «كانت روح المبادرة والنشاط الحاد لجيرارد سببا كبيرا في نجاح ~~عمله. لم تكن تشغله فكرة أخرى عن عمله، بل ظل يتابعه باجتهاد وإصرار وصبر، متخذا من مرضاه ~~أصحاب الأفكار الثابتة - المختلين الواعين أو العاقلين - مثالا يوميا له. ولهذا كان يطلق ~~عليه على سبيل المداعبة: «كبير المرضى».» # 13 # ولقد أضفت كتابات جيرارد دي كايو العديدة نوعا من البريق على تأثير المعمار على ~~العلاج. وسرعان ما أعطت الدعاية التي قام بها هذان الرجلان لمبنى أوكسير هذا الطابع النموذجي. ~~كان مشفى النساء هو الوحيد الجديد، بينما ظلت مناطق الرجال تابعة للمباني القديمة المتبقية من ~~المبنى القديم الذي كان قبلا مركزا للتسول ثم تحول إلى مشفى عام. وهكذا كانت الحال مع ~~باقي الإنشاءات الموجودة. # وبعيدا عن هذه الأمثلة لمصحات الريف، تظل منطقة السين أكثر منطقة شهدت أكبر موقع عمل ~~لإنشاء مصحة للأمراض العقلية؛ نظرا للزيادة الكبيرة في عدد سكان العاصمة باريس، وأيضا بسبب ~~نسب الاحتجاز العالية، وهي بدورها مسألة هامة لن ms338 نغفلها. في عام 1836، كان هناك ألفان ~~وثلاثمائة وستة مرضى عقليا محتجزين، وبلغ عددهم ثلاثة آلاف وخمسمائة وستة في عام 1856 ... ولم ~~تعد مصحات سالبيتريير وبيستر وشارنتون كافية، على الرغم من التوسعات. فلم تعد شارنتون المؤسسة ~~النموذجية كما كانت وقت إسكيرول. أما بالنسبة إلى بيستر وسالبيتريير، فيشير تقرير عام 1874 ~~أنه إذا لم تكن منطقة السين تمتلك اليوم إلا «هذين المشفيين، فلن تحتل في هذا التقرير سوى ~~مركز متواضع للغاية.» في عامي 1844 و1845، صدر تقرير نشرته جريدة (إيلوستراسيون) حول مصحات ~~الأمراض العقلية بالعاصمة - وكان مليئا بالصور ويسمى (المرضى عقليا في مصحاتنا) - ينتقد ~~بقسوة مصحة بيستر وسالبيتريير، على الرغم من المباني الجديدة بهما: «نصطدم في البداية بالطابع ~~البائس لما هو خارج الزنازين في كلا المشفيين.» وبالنظرة القريبة داخلهما، نجد ما هو أسوأ. ~~وتدعو الجريدة إلى إنشاء «مشفى يبنى خصيصى للمرضى عقليا، وليس مشفى يقام داخل مبان ~~قديمة.» # وقد لجأت منطقة السين، انتظارا لإنشاء المصحات الجديدة، إلى اتباع سياسة مكلفة تقتضي ~~القيام بتنقلات داخل مصحات الإقليم (وهي سياسة لن تتوقف). والآن ها هو هوسمان بعد أن تم ~~تعيينه في باريس، يروي في مذكراته المتواضعة: «قبل حركة الإصلاح التي أخذت بجسارة زمام ~~مبادرتها، كانت خدمة المرضى عقليا في منطقة السين تتم في ظروف لا تليق بمثل هذا الإقليم ~~وعلى نحو مهين للمحافظ المسئول عنه.» ولأسباب تتعلق بالميزانية، كان لا بد من الانتظار حتى ~~عام 1860 للشروع في الإنشاءات. وهنا تذكر هوسمان جيرارد دي كايو الذي أنشئ من أجله منصب ~~المفتش العام لخدمات المرضى عقليا بمنطقة السين. هكذا كان بارشاب واضعا للنظريات، بينما ~~سيكون جيرارد دي كايو المنفذ لها. # كان هوسمان قد فكر في إنشاء ما لا يقل عن اثنتي عشرة مصحة للأمراض العقلية حول باريس تسع ~~ستمائة مريض. ولكن في الواقع، لم تفتح إلا ثلاث منها أبوابها للعامة تحت حكم الإمبراطورية ~~الثانية: في عام 1867، افتتحت مصحة سانت آن المقامة في مزرعة سانت آن، والتي كانت حتى ذلك ~~الحين فرعا زراعيا لمصحة بيستر، ثم ms339 في عام 1868، مصحة إفيرارد، على بعد ستة عشر كيلومترا ~~شرق باريس، وأخيرا عام 1869، مصحة فوكلوز التي تبعد أربعة وعشرين كيلومترا جنوب باريس. ثم ~~نشبت الحرب في عام 1870، وعطلت - ولمدة طويلة - مشروعات الإنشاءات (فقد كان لا بد من سداد ~~ديون الحرب لألمانيا). وتحولت مصحة سانت آن - نظرا لموقعها داخل باريس ذاتها - إلى مشفى طبي ~~مخصص للتعليم والبحث (على الأقل في المستقبل؛ لأن عدد المحتجزين ظل ثابتا منذ ذلك الحين عند ~~اثنين). وأصبحت - وفقا لشارنتون - المصحة النموذجية التي يتردد عليها بانتظام الأطباء ~~والمعماريون والإداريون وحتى أولئك القادمون من الخارج. ولقد عاب المفتشون فقط على مصحة سانت ~~آن عدم إنشائها في الريف. # زيادة حالات الاحتجاز # لم تكن حركة بناء أو إعادة بناء مصحات الأمراض العقلية - على الرغم من الجهود المبذولة - ~~قادرة قط على مواكبة العدد المتزايد لحالات المرضى المحتجزين. ودائما ما يغلب الطلب على ~~«العرض»، وهذا ما استدعى إنشاء الهيئة. (إلا أنه، كما كتب جيد: «في النهاية ، تدعو الهيئة إلى ~~العمل».) # 14 ~~«تحتوي كل المصحات تقريبا على كثافة إشغال تفوق قدرتها الاستيعابية، عادة ما ~~تكون مكتظة بالمرضى.» ومن ثم فإن هناك ضرورة تستدعي إنشاء المزيد من المصحات أو توسيع الموجود ~~منها (تقرير عام 1874). في عام 1834، حدث أن تخطى عدد المرضى حاجز عشرة الآلاف مريض بعد أن ~~كان العدد لا يتجاوز بضعة آلاف تحت حكم النظام القديم، في عصر «الاحتجاز الموسع» ~~الأسطوري. # تجاوزت الأعداد الخمسين ألفا في عام 1883، وبلغت أكثر من ثمانية وثمانين ألفا في عام ~~1931. وسنرى أن الرقم قد بلغ أوجه في عام 1969 عندما تخطى عدد المحتجزين مائة وثمانية عشر ألف ~~مريض. في الفترة من 1690 وحتى 1931، تضاعفت نسبة المحتجزين لعدد السكان الكلي (بنسب ثابتة) ~~ثلاثين مرة، وهو رقم هائل بالفعل، ويفسر بالطبع سبب القصور في الخدمات المحلية. إلا أن هذه ~~النسبة - حتى في أعلى معدلاتها - لم تتجاوز 0,236٪ من عدد السكان، بما يوازي مريض محتجز لكل ~~أربعمائة واثنين وعشرين مواطنا (بمعدل 1 لكل ثلاثة عشر ألفا وثلاثمائة وثلاثة وثلاثين ~~مواطنا تحت ms340 حكم لويس الرابع عشر، وواحد مقابل خمسة آلاف ومائتين في عام 1789). وإذا اكتفينا ~~بدراسة التناسب بين الأعداد، يمكننا نفي وجود ما يسمى بحركة الاحتجاز الموسع في القرن ~~التاسع عشر. # التاريخ # عدد المحتجزين # نسبتهم المئوية من إجمالي عدد السكان # 1690 # حوالي 1500 # 0,007 # 1789 # حوالي 5000 # 0,019 # 1834 # حوالي 10000 # 0,033 # 1851 # 21353 # 0,059 # 1871 # 37717 # 0,104 # 1883 # 50418 # 0,13 # 1931 # 88427 # 0,21 # ويخفي هذا النمو - الهائل وفقا للأرقام المطلقة - تفاوتا كبيرا باختلاف الأقاليم. وفي ~~أسفل التقييم، نجد أن كورسيكا لا تضم في عام 1874 إلا 15,6 مريضا محتجزا لكل مائة ألف مواطن ~~(وأيضا تضم مناطق اللاند وإيندر وكروز وبيرينيه العليا ولاسوم والألب العليا ما يقل عن ~~أربعين محتجزا)، في حين تضم منطقة السين على النقيض الآخر ما يقرب من ثلاثمائة وأربعة مرضى ~~لكل مائة ألف مواطن (بينما تضم مناطق الرون وبوش دي رون والسين السفلى أكثر من مائة مريض). ~~فالمدن الكبرى لا تضم فقط عددا أكبر من المرضى المحتجزين بالتناسب، وإنما تمثل أيضا مراكز ~~جذب للعائلات التي تقيم بعيدا وترغب في إبعاد الشخص المريض عن محيط أقاربهم وجيرانهم. وتتأثر ~~هذه العائلات القادرة على تحمل تكاليف إقامة المريض بشهرة المؤسسات العلاجية بالعاصمة (بينما ~~يظل الفقراء في مناطقهم). وتمتلك كل مصحة عقلية نطاق جذب يتجاوز بشدة الإقليم الخاص به، ~~مثلا: مصحة بون سوفور بكاين، الواقعة في شمال غرب البلاد، وأيضا المصحات العقلية الكبرى ~~بباريس، فهي تغطي فرنسا كلها على غرار سالبيتريير وبيستر تحت حكم النظام القديم (إلا أن السبب ~~في ذلك العصر، كان يرجع إلى أن هذه المؤسسات كانت هي الأقل تكلفة). # نجد أيضا هذا التفاوت في النفقات العادية ~~المخصصة لخدمة المرضى عقليا (بخلاف الإنشاءات): في عام 1874، كانت النسبة 171,25 مريضا ~~عقليا لكل مائة مواطن في منطقة السين، بينما كانت النسبة 11,64 مريضا عقليا في كورسيكا. ~~وفي المقابل، كانت هناك زيادة ثابتة بالنسبة إلى كل المناطق (41٪ في المتوسط من عام 1864 وحتى ~~عام 1874). من ناحية، يسبق هذا النمو الهائل في عدد المرضى ms341 المحتجزين - أثناء الثلثين ~~الأولين من القرن التاسع عشر - ظاهرة تعويض وزيادة في عدد الأماكن المتاحة وتراجع نسبة تردد ~~العائلات، خاصة في المناطق الحضرية. # في عام 1874، كانت فرنسا تضم مائة وأربعة مستشفيات للأمراض العقلية. لن يزيد هذا الرقم، ~~بل ولن يتجاوز المائة والخمسة عشر كحد أقصى خلال العقود الأولى للقرن العشرين (اثنان وسبعون ~~مستشفى عاما وثلاثة وأربعون مستشفى خاصا). في الأول من يناير 1880، شهد عدد المرضى ~~المحتجزين زيادة - في أقاليم الجبال ومنتصف البلاد - بعدد 22101 مريض عقليا و24964 مريضة ~~عقليا (وسنعود لدراسة هذه الزيادة في نسبة عدد النساء، والتي - خلافا للاعتقاد القديم - لا ~~تعني أن النساء أكثر جنونا). بالإضافة إلى العلاقة الجلية بين ذلك بالمدن الكبرى؛ حيث تتأثر ~~مناطق الغرب والشمال بصورة أكبر، وسنرى أسباب ذلك، ولا سيما ما يتعلق بإدمان الخمور. # بالطبع يطرح أطباء الأمراض العقلية قضية زيادة أعداد المرضى المحتجزين. وكما يحذر أصحاب ~~تقرير عام 1874، فإن «جميع الحضارات كان لها نصيب من المرضى عقليا بالتناسب مع معدل نموها. ~~وإذا كانت الأجيال الحاضرة تشهد أعدادا أكبر من المصابين بهذه الأمراض العقلية، فإنما يرجع ~~هذا إلى أن التيارات السريعة التي تهب على المجتمعات الحالية دافعة إياها نحو الأفضل والجديد، ~~بل والمجهول، إنما تترك أيضا أثناء مرورها ليس فقط مبادئ أكثر غنى، بل وتسبب المزيد من ~~الظواهر الفطرية والعرضية.» ويضيف الشهود على العصر على هذا مجموعة مختلطة من الأسباب؛ منها ~~الثورات والسياسة والأزمات الصناعية والمالية وتنقلات السكان وتقدم التعليم، كل هذا دون إغفال ~~دور العاطفة الدائم، وهي التي تشهد نوعا من الاستثارة لم تشهده من قبل. تلك هي حالة باريس، ~~«مركز كافة الطموحات، ومكان التقاء جميع الأحلام الفانية، ومصدر كل الافتراضات، ومحور جميع ~~المشاعر والمتع، وأيضا جميع المآسي؛ ولذا فباريس هي صاحبة نصيب الأسد في عدد المرضى عقليا ~~في فرنسا.» # 15 # ويشير المحافظون - في تقاريرهم - إلى أسباب ~~أكثر وضوحا. فبالنسبة إلى العديد منهم، الزيادة ليست في عدد المصابين بالجنون، وإنما في ~~سهولة وتعجل قرار الاحتجاز للإصابة بمرض عقلي. «في الحقيقة، في سبيل ms342 تخليص بلداتهم من ~~المتسولين البله والمصابين بالصرع ومن المخبولين من فرط الرذيلة والفساد، وجميعهم تقريبا ~~غير مؤذين، وإنما لهم مظهر مزعج؛ يعتمد السادة المحافظون بسهولة بالغة الطلبات المقدمة لهم ~~بشأن هؤلاء لإيداعهم المصحة.» # 16 # ولا يقتصر الأمر على المحافظين فحسب، بل وأيضا العائلات: «فكثير من العائلات في ~~العديد من المناطق، والتي كانت تتحمل قبلا نفقات أفرادها المصابين بمرض عقلي، تبحث - بمجرد ~~السماع عن افتتاح مصحة جديدة - عن وسيلة لإيداع هؤلاء المساكين بها وللتملص من النفقات التي ~~تفرضها الإدارة.» # 17 # ودائما ما يبرز على السطح «أنانية العائلات التي تتحرر من الواجبات التي تفرضها ~~عليها الطبيعة.» # 18 # فلم تعد خطورة المريض وحدها ضرورية لتقديم طلب باحتجازه، ويبدي الكثير من ~~المحافظين ندمهم على عدم بقاء الحال كما كانت في السابق، خاصة مع استحالة العودة إلى ما كان. ~~«إذا لم تقف السلطة دون هوادة ضد التجاوزات التي تتفشى دائما، فستكتظ مصحات الأمراض العقلية ~~بكافة أنواع البشر المعتلة نفسيا وكافة العقليات المشوشة - وهي كائنات تعيسة - التي تسبب ~~الحرج والتقزز للمسئولين عنها من عائلاتها، دون أن تشكل في واقع الأمر أي خطر أو قلق ~~للمجتمع.» # 19 # باختصار، ينتقد جميع المحافظين تقريبا أن ~~طالبي الاحتجاز (العائلات وأيضا الإدارات المحلية ) يعدون مصحات الأمراض العقلية أماكن ~~للاستضافة والإيواء. إلا أن كل هذا لم يكن من اختصاص إدارة التمويل العام. وبالتالي، بلغت ~~نفقات خدمة المرضى عقليا في كالفادوس - في الفترة من عام 1841 وحتى 1905 - 5,7٪ في المتوسط ~~من إجمالي الميزانية الخاصة بالمنطقة، وهو أمر بالغ الخطورة، ولا سيما أن عدد السكان كان يقل ~~في ذلك الوقت، لدرجة أن التكلفة زادت أربعة أضعاف للفرد. # 20 # لاقت الزيادة الهائلة في عدد المصحات عائقا ~~من جهة الإدارة ذاتها - أثناء فوكو وما بعده - فيما يتعلق باحتجاز المرضى بدافع المجاملة أو ~~تعسفا. ومنذ القرن التاسع عشر، لم يعد المحافظون يقبلون - كما رأينا - استمرار الوضع كما هو. ~~بدأت البلديات تتذمر من الدفع، خاصة وهي مجبرة في الغالب على دفع حصتها من خلال التسجيل في ~~ميزانية ms343 البلدية. والعائلات أيضا كانت ترغب في إرسال مريضها عقليا ولكن دون أي نفقات؛ مما ~~يعني قيامهم بإخفاء دخولهم الحقيقية. كما تسبب ارتفاع تكلفة إقامة المرضى الفقراء إلى ثلاثة ~~أضعاف في نوع من التذمر العام إزاء الدفع. وباتت تكلفة الرعاية الصحية العقلية ضخمة. وابتداء ~~من عام 1840 - أي في أعقاب التصويت على قانون عام 1838 - أسهب وزير الداخلية في الحديث عن ~~أماكن إيداع المرضى عقليا غير الخطرين، مؤكدا بالطبع أن القانون يشمل جميع المرضى عقليا، ~~ولكن تبعا لشروط تحددها المجالس العامة. باختصار، أصبح من الواضح أن أماكن إيداع المرضى ~~عقليا ليس مكانا عاديا مثل أي مكان أو إدارة أخرى، ومن ثم فإن طلبات الإفراج لا بد من أن ~~تحظى بمرونة أكبر. # وعني المحافظون ورؤساء الأحياء بتصفية وفرز طلبات الاحتجاز. وهكذا، في عام 1921 بلوفيني ~~بالقرب من كاين، تقدمت سيدة وصية على امرأة تبيع البقول - شبه متشردة ومقيمة بالمنطقة - بطلب ~~لاحتجازها كمريضة عقليا، مشيرة إلى إدمانها الكحول وقيامها ببعض السرقات من حدائق المنطقة ~~وحياتها البائسة في كوخ قذر. وفي خطابه للمحافظ، أعلن رئيس البلدية موافقته على كل هذا، ولكنه ~~قرر أنه لا يوجد خطر منها على الأمن العام، وبالتالي «فلا يوجد داع لاحتجازها». # 21 # وزادت الردود من هذا القبيل بصورة واضحة خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر ~~وأيضا العقود الأولى للقرن العشرين. # لا يمنع هذا من الإشارة إلى أنه مع الانتقال التدريجي من فكرة الأسرة الكبيرة والريفية ~~إلى الأسرة الصغيرة الحضرية المحدودة، لم يعد للمرضى عقليا مكان بين ذويهم. في «ذكريات ~~الطفولة والشباب» لإرنست رينان - عام 1883 - يروي بصيغة الماضي قصة «مجانين تريجييه»: «بدلا ~~من حبسهم، كانوا يتركون يتجولون طوال اليوم. كانت الناس تحبهم، وكانوا هم يقومون ببعض ~~المساعدات.» كان أحد هؤلاء المجانين يعتقد أنه كاهن، وكان يقضي أياما في الكنيسة: «كانت ~~الكاتدرائية مملوءة طوال الظهيرة بهمهمة ترانيمه، كانت هي صلاة المجنون المسكين التي تساوي ~~الكثير. كان لدى الناس الذوق والحس الراقي في تركه يفعل ما يشاء، وعدم اللجوء لتمييز سخيف ms344 ~~بين البسطاء وعامة الشعب الذين يأتون ينحنون أمام الله.» وفي رواية «الكونتيسة سيجور»، تفقد ~~الأخت جريبوي مكانها لكونها - على الرغم من الضغوط الممارسة ضدها - رفضت استغلال قانون عام ~~1838 لإيداع شقيقها البسيط العقل إحدى المصحات، بعد أن أقسمت على ألا تتخلى عنه. ولنذكر قول ~~دوستويفسكي المأثور: «ليس عن طريق حبس جارك، تتيقن من رجاحة عقلك» بالطبع! # الدفعة الثانية # بمجرد إنشائها، أصبحت مصحات الأمراض العقلية محط انتقادات عديدة، شأنها شأن قانون 1838. ~~وسنعود لدراسة مسألة التنديد الطويل بمصحة الأمراض العقلية: انتقادات شديدة من الصحافة ومن ~~الأدب ومن محتجزين سابقين، بل وأيضا من بعض أطباء الأمراض العقلية، الذين زاد عدد المحبطين ~~منهم من جراء قلة النتائج العلاجية التي تعطيها هذه المصحات الكبيرة الجميلة والمكلفة ~~والمنغلقة على ذاتها. وسرعان ما أدركوا أن المصحة - هذه المؤسسة العلاجية التي كان من المفترض ~~أن تكون في حد ذاتها علاجا - أصبحت، بسبب نوع من المنطق الفاسد، وسيلة ليس للشفاء كما كان ~~يطالب إسكيرول، وإنما لصناعة المزيد من الميئوس من شفائهم. # منذ الإمبراطورية الثانية، والجدل يدور ما بين مؤيد ومعارض مبدأ عدم القيود، استنادا إلى ~~نموذج إنجلترا؛ حيث قرر طبيب الأمراض العقلية جون كونولي (1794-1866) إلغاء استخدام كافة ~~وسائل الحبس في مشفى هانويل منذ عام 1839: سترات المجانين أو كراسي الاحتجاز وكل أنواع ~~القيود. ومن هنا نشأ مبدأ عدم استخدام القيود الذي يضعه الإنجليز - بنوع من الاحتقار - كمقابل ~~لنظام التقييد المطبق في المصحات الفرنسية. ولقد أحدثت هذه الثورة الحقيقية هزة في عالم أطباء ~~الأمراض العقلية. وينتقد مورو دي تور بعنف هذه الفكرة «الإنجليزية المنشأ التي ترجع إلى بعض ~~أشباه النظريات النفسية، والتي تغالط جميع فكر علم الطب العقلي» # 22 ~~(ويذكر أن مورو دي تور كان رائد فكرة الأصل العضوي للأمراض العقلية). «أتظن أن ~~المرضى عقليا في إنجلترا لهم طبيعة أخرى غير التي لمرضانا؟ ربما هم أقل هياجا، وأقل ~~استجابة للاستثارة؟» # 23 # ويستكمل مورو دي تور حديثه بأن كل هذه إنما هي أوهام وأكاذيب؛ ففي حالة إصابة ~~مريض مهووس بنوبة غاضبة، ms345 سيتطلب الأمر من الحرس استخدام أساليب أشد عنفا من مجرد ارتداء سترة ~~المجانين للسيطرة عليه. ويضيف مورو دي تور - بسذاجة فجة - أن استخدام سترات المجانين إنما ~~يعوض نقص العاملين. في الواقع، لم يأخذ مبدأ عدم القيود في الانتشار في فرنسا إلا في العقود ~~الأخيرة من القرن التاسع عشر، خاصة في سانت آن على يد فالنتين مانيان (1835-1916). # ثم، ما الفائدة من تطبيق مبدأ عدم القيود إذا كان المشفى ذاته - «هذه السترة ~~الحجرية» # 24 ~~- لم يحرر بعد؟ في عام 1896، صدر مقال لمارندون دي مونتييل - كبير الأطباء ~~بمصحة مدينة إفرار - يعرض فيه لحصيلة قرن بأكمله من الاحتجاز لأسباب علاجية: «عندما حطم بينيل ~~قيود المريض عقليا، لم يعطه أيضا حريته. وأعتقد - مثله مثل من تبعوه حتى الوقت الحاضر - ~~أنه في سبيل علاج مريض، لا بد من إخضاعه لنظام صحي خاص، وكان هذا النظام هو العزل. وأصبحت ~~المصحات محاطة جميعها بأسوار عالية [...] فقد كان هناك اعتقاد راسخ بأنه يجب وضع المريض ~~عقليا في بيئة مختلفة عن التي يغوص فيها عقله ووضعه بمنأى عن الانفعالات كافة، حتى الأكثر ~~شرعية والأكثر رقة.» # 25 # هل كانت مصحة الأمراض العقلية في طريقها إلى الزوال بناء على ذلك؟ بالطبع لا! يكفي ~~استبدال نظام الحرية، بنظام العزل: «لا توجد جدران، لا داخلية ولا خارجية، ولا في البدروم، ~~ولا ممرات مغطاة، وإنما فيلات موزعة في متنزه أو مجمعة على هيئة قرية، فيلات لها أبواب ونوافذ ~~مفتوحة لأكثر من ستين بالمائة من المرضى الموجودين بالمصحة، وتغلق فقط باستخدام قفل صغير ~~وشبكة لمن يشكل ربما تجولهم بحرية نوعا من الخطورة؛ أي إيجاد مكان يذكرهم بالحياة ~~العادية.» # 26 # بالإضافة إلى زيارات إرادية وعطلات. # في الواقع، جرت بالفعل بعض محاولات لتحرير المرضى عقليا: وضعهم في منازل في الريف أو ~~إنشاء مصحات محلية ... إلا أن تقرير عام 1874 قرر فشل هذه المحاولات: «جرت تجربة هذا النظام على ~~نطاق صغير، ولكننا اضطررنا إلى التخلي عنه سريعا. بمجرد معرفة أصحاب منازل الريف أن هؤلاء ~~مرضى عقليا، سرعان ما ms346 جاهدوا للتخلص من الذين كانوا في عهدتهم، أو بدءوا في معاملتهم كدواب؛ ~~ومن ثم كان لا بد من إخراجهم من هذه المنازل.» # عندها، تقرر التوجه إلى المستعمرات الزراعية، ومنذ عام 1847، أنشئت المستعمرة الزراعية ~~فيتز-جيمس بمشفى كليرمون (إلواز) بناء على فكرة قديمة لفيريس: جعل المرضى عقليا يحيون ~~بالكامل داخل وحدة زراعية مرتبطة بالمشفى، وكأنها مزرعة - مثل المزارع الموجودة في العديد من ~~المصحات - ولكنها أصبحت هي المصحة ذاتها. وفي عام 1861، صدر كتاب ساهم في جعل فيتز-جيمس ~~نموذجا «للمستعمرات»: «من وجهة نظر طبية، يقوم الشرط الأساسي للمؤسسة على بعدها عن المصحة ~~[...] فعلى المستعمرة أن توفر لمن هم في فترة النقاهة وللمرضى المسالمين الذين هم في طور ~~العلاج، الوسائل التي تعجل بتحسن حالتهم؛ فعليها إذن أن تطور من قواهم البدنية من خلال ~~التطبيق الحكيم لهذه الأعمال، وتؤدي جاذبية هذا إلى حدوث تحسن في طبيعة إصابتهم العقلية، ~~وتقود الحرية التي يعيشون فيها إلى تسهيل دخولهم تدريجيا في تفاصيل عادات حياتهم ~~الخاصة.» # 27 # ولكن إذا نظرنا عن كثب، فسنجد أن تلك الحياة في المزرعة جبرية مثلها مثل المصحة: ~~فممارسة الأعمال الترفيهية فقط من حق النزلاء الذين سددوا النفقات، أما الفقراء فيجبرون على ~~القيام بأعمال إنتاجية. والأسوأ أن المهام المختلفة تقسم هذه المرة بالنظر إلى الفئات ~~المرضية. ففي بيكريل - الملحق الذي تتم فيه أعمال الغسيل للمصحة كلها - نجد المرضى بالهذيان ~~الصاخب يقومون بطرق الأحواض، بينما يقوم المصابون بالاكتئاب بفرد الغسيل، والمصابون بالهوس ~~بفكرة مسيطرة ولكن يقومون بتطبيقه الهادئون، وأخيرا يتولى البله والأغبياء مسئولية نقله. ~~فالأمر إذن أصبح يشبه استخدام المرضى عقليا بالسخرة، كما تبدو طريقة استغلال أنواع مرضهم ~~أمرا مثيرا للجدل. إلا أن المسئول عن فيتز-جيمس لم يكن يشعر بذلك، فما يهم هو «أن يكتسب ~~المرضى الميئوس من شفائهم من النظام وانتظام وتيرة الحياة - وهي العناصر الأساسية التي يعنى ~~بها - عادات الترتيب والعمل التي تجعل منهم عمالا مطيعين ومجتهدين.» # في جميع الأحوال اقتصرت الفكرة على التحول من المشفى المقيد إلى المصحة الريفية؛ الأمر ~~الذي غير، ربما جذريا، ms347 خلال العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر ليس المؤسسة العلاجية ~~للأمراض العقلية نفسها، بل تنظيمها الداخلي ومعمارها. هذا ما يسمى بالأبواب المفتوحة. ولقد ~~أتت هذه الفكرة (لا نجرؤ على القول الموضة) أيضا من إنجلترا، وهي تقول بفتح، لا أبواب المصحة ~~الخارجية، وإنما على الأقل الأبواب داخلها؛ فقد انتهى عهد المصحات العقلية التي تشبه الثكنة ~~العسكرية. وبدأ إنشاء مؤسسات علاجية ضخمة في الريف. «يجب أن تمتلك المباني المكونة للمصحة ~~طابع منازل المعيشة، وليس دور الإقامة الجبرية. وظهرت تلك الغرف والفيلات المبهجة الأنيقة ~~والمريحة دون أسوار تحجب الأفق، بل ويحيطها الحدائق والحقول الزراعية التي تبعد أي فكرة قيد ~~أو حبس. وتعطي مجموعة هذه المباني بتجمعاتها الرائعة صورة قرية صغيرة وليس مصحة.» # 28 # بالطبع، ما يجب أن تتحول هي المؤسسة ذاتها، وليس مصحة الأمراض العقلية وحدها. فالعزل داخل ~~زنزانة «يضر بطرق مراقبة المرضى». # 29 # فخارج نوباتهم، يكون المرضى عقليا أحرارا في التجول داخل المؤسسة، بل ويمكنهم ~~الخروج منها بإذن لعدة أيام؛ وبالتالي يكون المريض عقليا قد ارتفع إلى منزلة المريض ~~العادي. # في مطلع القرن العشرين، لم تنته في الواقع، فكرة المصحة المغلقة إلا نظريا فقط. ونظرا ~~للأسباب المادية (فكان لا بد من إعادة إنشاء كل المصحات على المستوى الوطني) وأيضا بحكم ~~العادة، لم تبدأ المصحة المغلقة بالكامل في الاختفاء من فرنسا إلا بصورة تدريجية للغاية. ~~ولزمن طويل، لم يعد يبقى منها إلا عدد مخصص لبعض العمليات المتطورة. في أعقاب الحرب العالمية ~~الأولى، افتتح الطبيب إدوارد تولوز (1865-1947) في عام 1921 بسانت آن أول «هيئة لعلاج المرضى ~~النفسيين الذين لا تتطلب حالتهم وضعهم في مصحات وفقا لقانون الثلاثين من يونيو 1838.» وظهرت ~~أول خدمة مفتوحة من هذا النوع للنور، على الرغم من مسارعة المجلس العام إلى منطقة السين - ~~الذي وقع على هذا القرار التاريخي - بإضافة بند له طابع فرنسي في المادة الثالثة: «يجب عدم ~~الالتزام بدفع أي نفقات إضافية بسبب إنشاء هذه الهيئة الجديدة.» ولقد لاقت هذه المبادرة كافة ~~أنواع المقاومة واللامبالاة. وقبل الحرب العالمية ms348 الثانية، كان عدد مصحات الأمراض العقلية ~~التي قررت خوض هذه المغامرة نادرا للغاية. # ويشرح الدكتور تولوز في مقالة بلاغية بعنوان: «هل علينا تحرير مرضى الأمراض العقلية؟» ~~الصادر في مجلة التثقيف الطبي «جيرير (شفاء)»، قائلا: «هناك العديد من مرضى الأمراض العقلية ~~محتجزون في المصحات» (110 ألف في عام 1938). وبالمقارنة بباقي الأمراض الأخرى، نجد أن تكلفة ~~الرعاية للصحة العقلية هي الأعلى، ويرجع ذلك إلى حركة دائرية على نطاق أوسع. «فالمصحات تحتفظ ~~بمرضاها لفترات طويلة.» لم يتوقع «الميثاق الشهير للجنون» - الذي اهتم بتنظيم كل شيء لوضع ~~مرضى الأمراض العقلية في المصحات ونظامهم - هذا الأمر، ولم يشغله كيف سيستعيد المريض توازنه ~~داخل المجتمع. «والأكثر، أعليهم الخروج؟» على عكس الاعتقاد العام، فإن مصحة الأمراض العقلية ~~تستقبل مرضاها بسهولة، ولكنها تحتفظ بالفريسة للأبد. ويدين الدكتور تولوز زملاءه الكثيرين ~~الذين يحتفظون بمرضاهم في المصحة؛ «فقط لأنه الإجراء الأكثر أمنا من وجهة النظر الإدارية.» ~~باختصار، «يجب أن يتحول المشفى القديم السري والمحاط بالأسوار وكأنه سجن، إلى مصحة حقيقية ~~مفتوحة لا يقتضي دخولها إلا الإجراءات المستخدمة في باقي المشافي العادية.» # وفي سبيل مواجهة التكدس داخل المصحات العقلية، جرت محاولات إنشاء جمعيات لتوجيه مرضى ~~الأمراض العقلية الذين نالوا الشفاء والذين هم في طور النقاهة. لم تكن الفكرة جديدة، فلقد ~~أنشأ جان بيير فالريه في عام 1843 هيكلا من هذا النوع بمصحة سالبيتريير، المخصص للمرضى ~~الفقراء في مرحلة النقاهة ولكن على شفا الانتكاسة. في عام 1856، أنشئ مشفى-مشغل، وافتتحت ~~مراكز أخرى لتوجيه وتدريب المرضى في نانسي وبايولولوكيمبر. في الحقيقة، مقارنة بمدى توسع هذه ~~المراكز في ألمانيا وسويسرا، فإنها في فرنسا لم تحقق تطورا ملحوظا، ولا سيما عندما ادعت ~~حركة العلمانية - التي بدأت في مطلع عام 1880 - أنها جاءت كبديل للجمعيات الدينية. باختصار، ~~فإنه على الرغم من إنشاء «الجمعية الفرنسية لتدريب مرضى الأمراض العقلية الذين تحقق شفاؤهم في ~~منطقة السين» في عام 1896، فإن التجربة لم تدم طويلا. إلا أنه - بمقتضى قانون عام 1902 ~~المنظم للصحة العامة - بدأت حركة من التنسيق بين العلاج الطبي ms349 وإجراءات المساعدة للمرضى. وفي ~~أثناء المؤتمر الدولي الثاني لمساعدة مرضى الأمراض العقلية - المقام عام 1906 بمدينة ميلانو ~~- طرح مفهوم المصحة النفسية لأول مرة، إلا أنه لم يصل فرنسا إلا في عام 1937. # على الرغم من جميع المحاولات الرائدة، لم يكن هناك إلا المصحة المغلقة، تماما مثل المصحة ~~النفسية والعقلية التقليدية. فإحداهما تقتضي الأخرى والعكس صحيح. في مطلع القرن العشرين، عرض ~~يوهان ساندريت - المعماري الحكومي - مبادئ جديدة لإنشاء مصحات الأمراض العقلية، # 30 # ولم تكن متعارضة مع التنسيقات السابقة. وظل التصنيف تماما كما هو، يقوم على ~~تمييز السلوك والعمر والثروة. واحتفظت الخطة المقترحة بتماثل وتنسيق ذي طابع تقليدي. كان ~~الأمر الجديد الوحيد هو: اتجاه واضح لتقسيم الأجنحة. وتحدد الحد الأقصى لعدد المرضى ~~المحتجزين بستمائة مريض. إلا أن ساندريت - المعماري المحنك - طرح بصراحة مسألة التكلفة: ماذا ~~سيحدث إذا اضطرت منطقة إلى قبول أكثر من ستمائة مريض عقليا؟ أسيكون علينا إنشاء مشفيين ~~يحتوي كل منهما على ستمائة سرير؟ إلا أن ذلك سيكلف كلا منهما 5454000 فرنك، بينما لن يتكلف ~~إنشاء مصحة واحدة بها ألف ومائتا سرير إلا 7600000 فرنك. # واستكمالا لتفكيره الواقعي، طرح المعماري ~~ساندريت قضية الزنازين، التي «على الرغم من انتقاد بعض أشهر الأطباء لها - استمر إنشاؤها في ~~كل مكان.» بالطبع أصبحت الزنازين أكثر اتساعا من ذي قبل (3,40 × 2,80 و3,55 أمتار ارتفاعا)، ~~ولم تعد مخصصة للإقامة الدائمة. ويستكمل ساندريت حجته حول كون الزنزانة مصدرا لاستثارة ~~المريض عقليا عند حبسه داخله، ويقول: ألن يكون وضع مريض هائج في المهجع سببا لاستثارة ~~باقي المرضى؟ في الحقيقة المشكلة لا تتوقف عن النمو، فالخيار ليس بين استخدام الزنازين أم لا، ~~وإنما بين تخصيص منطقة للزنازين ليس لها شعبية، وبين وضع زنازين داخل كل منطقة. على أي حال، ~~فإن كلمة زنزانة ذاتها أصبحت مرفوضة، وتسمى من الآن فصاعدا: غرف عزل. # ورغم كل شيء، أصبحنا نسير في اتجاه جيل جديد من مصحات الأمراض العقلية، ظهرت بوضوح مع ~~مشروع إنشاء المشفى السابع في منطقة السين عام 1907. # 31 # كان مشروعا ضخما، ms350 على عكس مشاريع هدم أي مشفى قديم: ألفا مريض موزعون على خمس ~~خدمات طبية كبرى (ثلاث للنساء واثنتين للرجال)، بمعدل طبيب واحد لكل أربعمائة مريض، في بداية ~~القرن العشرين. وتؤكد الخطة العامة للمشروع الاتجاه الجديد لدمج المناطق المختلفة داخل المصحة ~~وليس ربطها فحسب بعضها ببعض في إطار مشهد منظم، خاصة وأن التصميم الإجمالي للمشروع ظل يحاكي ~~التصميمات التقليدية المماثلة. وجرى تمديد المحور المركزي للمباني - على غرار البيت الأبيض ~~الذي بني قبل بضع سنوات في عام 1900 - من خلال إضافة منحدرين يتيحان - دون فصل الجنسين بجدار ~~مانع - «مراقبة المرضى من كل الجوانب لمنع اختلاط الجنسين». إلا أن الجدار الخارجي كان أمرا ~~لا غنى عنه. # وخصصت لكل من الخدمات الخمس الكبرى ثمانية أجنحة يختلف تصميمها المعماري وفقا للفروق ~~الطبية المخصصة لها، تفصلها مساحات وأشجار ومشهد لا يحده أسوار أو واجهات أخرى. أنشئ الجناح ~~الأول الذي يضم خمسين مريضا في الدور الأرضي، وخصص للاستقبال والملاحظة المستمرة (بعد فصل ~~هذين العنصرين). وتم الاحتفاظ بغرف العزل للداخلين. ويمتلك كل من هذين القسمين صالة للطعام ~~وصالة اجتماعات وقاعة استقبال، بينما تم تخصيص الجناح الثاني - الذي يضم خمسين مريضا ويمكن ~~عند الضرورة إضافة طابق إليه - مقرا لجهاز التمريض. ويمتلك الجناح الثالث، الذي يضم ثلاثين ~~مريضا، طابقا خصص للمصابين بالوهن العصبي الواعين والذين يعانون من وجودهم مع مرضى آخرين ~~مصابين بالهذيان. والجناح الرابع مخصص لخمسين مريضا ممن في مرحلة النقاهة، وهناك يتبع ~~«نظام أكثر حرية يقترب من الحياة العادية ويسمح بالحكم على قدرة المريض على الخروج». أما ~~الجناح الخامس، فيضم أيضا طابقا يحتوي على خمسين مريضا من العاملين والمرضى الهادئين. ~~والسادس، وله طابق أرضي، يضم المرضى الضعفاء والمصابين بالخرف كل في قسم مختلف. وتصل قدرته ~~الاستيعابية إلى مائة مريض. كلما زاد عدد المهاجع، زادت القدرة على وضع تصنيف محدد (مثلا ~~تخصيص مهجع للمصابين بالخرف والهياج). ويختص الجناح السابع - مع إمكانية إضافة طابق - بالمرضى ~~شبه المصابين بالهياج. وفيه أيضا تقسم أماكن الإقامة الليلية إلى الحد الأقصى بغية تجنب ~~انتقال ms351 «عدوى الهياج بين المرضى». وأخيرا، يأتي الجناح الثامن وبه طابق وقسمان، ويضم ستين ~~مريضا كلهم ممن هم في حالة هياج. ويسمح وجود العديد من الغرف المجاورة للمهجع القيام ~~بتقسيمات داخلية. لم يعد هناك منطقة مركزية للزنازين، وإنما غرف للعزل داخل كل جناح يوجد بها ~~أيضا قاعة للطعام ودورات مياه غير مركزية. # إلا أنه كان من الصعب اتخاذ قرار بالتخلص من الجناح الفخم «المقدس» المخصص للعلاج ~~بالمياه، الذي خضع - مثله مثل قاعة الاحتفالات - لنظام دقيق وفصل مشدد بين الجنسين. وضعت ~~قاعة الاحتفالات بالقرب من مدخل المصحة؛ لكي يصل للمرضى الجدد الإيحاء بأن «أبواب المصحة ليست ~~هي بأبواب الجحيم»، وأيضا حتى إذا ما دعيت إحدى العائلات لا يكون عليها الدخول إلى مناطق ~~محظورة. # إذن في النهاية لم يتم إنشاء هذه المصحة ~~السابعة في السين - على غرار المشروع الذي قدمه الطبيبان راينييه ولوزييه # 32 # عام 1935 - فيجب أن نرى في ذلك مدى البؤس الأبدي للميزانية المخصصة لهذا الأمر، ~~وليس التخلي عن المبادئ المعمارية التي تظل - على الرغم من كل شيء - الأساس الملموس لطب النفس ~~العقلي. ويعد الدليل على ذلك أنه بمجرد صدور نظرية جديدة خاصة بالمشفى- القرية ذات الأجنحة ~~المنتشرة المتعارضة مع فكرة «المشفى-الثكنة» (وهي أكثر تماثلا وجمالا للنظر عن الأخيرة)؛ ~~ظهرت للنور عقيدة معمارية في العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين؛ وهي المصحة المقسمة ~~إلى مناطق. فيعاب على المصحة-القرية تبعثر المباني وانتشارها؛ مما يعقد عملية المراقبة ~~والإدارة ويطيل من كافة دوائر النظام الذي يظل مركزيا في النهاية. في المصحة المقسمة إلى ~~مناطق، يمكن التمييز في البداية بين المنطقة الطبية التي تشكل الخدمة المغلقة الخاضعة لأحكام ~~قانون عام 1838. وتنقسم هذه المنطقة إلى قسمين: قسم مخصص للعلاج وللتمريض، وقسم آخر كمأوى ~~للحالات المزمنة والخرفين والمرضى بالصرع؛ أي إن الهدف هو الفصل الجذري بين الحالات القابلة ~~للشفاء والحالات الميئوس منها (الأمر الذي كان مرفوضا قبل ذلك). أما المنطقة الثانية، وتختلف ~~تماما عن الأولى، فهي تختص بالخدمات المفتوحة (التي لا تخضع لقوانين 1893 و1905): الأطفال ~~وضعاف العقول والمسنون ms352 والمصابون بالصرع غير الجنوني والمرضى النفسيون غير المختلين والمصابون ~~بالوهن العصبي ... من المقرر أيضا أن ينشأ في هذه المنطقة مصحة للأمراض النفسية. وإلى جانب ~~هاتين المنطقتين الكبيرتين، توجد أيضا مناطق أقل مساحة: مناطق صغيرة للخدمات الخاصة (أطفال ~~غير طبيعيين، خدمات أمنية للمرضى ذوي النزعات الإجرامية أو المنحرفين)، ومناطق للخدمات الطبية ~~الملحقة (جراحة، دار حضانة ... إلخ)، ومنطقة للإقامة (لذوي المنح المتوسطة، وانتهت فكرة الإقامة ~~في الأكواخ)، ومنطقة إدارية بالطبع، وفي النهاية، «منطقة خاصة لتجميع الخدمات الاقتصادية» ~~(ورش صناعية، منتجات زراعية) بالقرب من مناطق العمال. كان تخفيض المساحة هائلا: 11 ونصف ~~هكتار لكل مائة مريض؛ أي إن عدم كفاية الميزانية كانت لها الكلمة الأخيرة مرة أخرى. # في الواقع، قبيل الحرب العالمية الثانية، استمرت غلبة فكرة مصحة الأمراض العقلية المغلقة ~~- التي أصبحت على مر السنين المشفى القديم - في كافة أرجاء فرنسا تقريبا. ويبدو أن كل هذا ~~التقدم المؤسسي والمعماري - الذي لم تتحقق الاستفادة منه مطلقا - قد أضفى عليها بصورة مفارقة ~~نوعا من الشرعية: لكونها المصحة بمعناها المعروف؛ أي المصحة التي نحتاج إليها. # الفصل الثالث # | جدران المصحة # كما جاء في التقارير الرسمية والصحافة المحافظة في عهد حكومة يوليو الملكية والإمبراطورية ~~الثانية، وجد المرضى عقليا أخيرا في مصحة الأمراض العقلية - الذي طالما أراده مؤسسو الطب ~~النفسي - الرعاية الجيدة التي طالما افتقدوها. كان ذلك هو عصر الحكايات المبهرة التي كان يعدها ~~الزائرون للبلد التي بها تلك المصحة. ويكتب أحد الزائرين: «قمنا بزيارات طويلة لكل من مصحة ~~بيستر وسالبيتريير.» # 1 ~~«وبمجرد رؤيتنا لبعض الأشخاص المحتجزين هناك على كراسي مربوطين بأحزمة وسيور، انشغل ~~باقي المرضى في هدوء تام بالقيام بأعمال مختلفة، وإذا لم نكن بالفعل نعلم ما هو الوضع النفسي ~~لهؤلاء البائسين لاعتقدنا أننا داخل إحدى الورش الصناعية العادية.» وقد حضر زائرنا تقديم ~~الوجبات ومعها الشوك والسكاكين في قاعة الطعام. «رأينا النظام الرائع والصمت الذي يخيم على ~~القاعة.» كان الخبز جيدا واللحم أيضا ومعه المرق. اتسمت المهاجع بالنظافة الرائعة، والسرائر ~~النظيفة والمنظمة والأغطية الدافئة. «كم تغيرت الأوضاع إلى ms353 الأفضل!» كانت هناك أيضا نزهات في ~~الهواء الطلق وأعمال صباحية، وأيضا أغان وموسيقى في المساء، وهكذا «انمحت الفكرة الثابتة في ~~عقل المريض تدريجيا.» كان الشفاء أكيدا، ما عدا بعض الحالات الاستثنائية؛ ففي أي مرض دائما ~~ما تكون هناك حالات مستعصية، يتطلب شفاؤها معجزة. ولكن يجب عدم المبالغة ... # كان الحماس في العلاقات أمرا مقبولا: «جميع المرضى دون ~~استثناء - المستكينين والمصابين بالهياج - كانوا ~~يستمتعون بالهواء الطلق والشمس والمساحة والحرية التي يشوبها الحذر، والتي تتناسب مع طبيعة ~~هلوستهم ومتطلبات علاجهم ونظام المؤسسة. وتحت الشروط نفسها، كانوا يراسلون عائلاتهم ويتلقون ~~زيارات من ذويهم وأصدقائهم.» الفراغ والخضرة و«المهاجع الممتازة وقاعات الطعام عالية النظافة» ~~والأعمال المفيدة ووسائل الترفيه المسلية و«الانشغال بالعمل»؛ كلها كانت باختصار «الصورة ~~الممكنة الكاملة للأحوال العادية للحياة العائلية؛ كانت هذه هي الصورة الحقيقية لمصحة الأمراض ~~العقلية.» # 2 # هناك شكوك في أن واقع المصحة كان مغايرا تماما. بالتأكيد كانت الثقة في الدور العلاجي ~~للمشفى العقلي في منتصف القرن التاسع عشر راسخة لدرجة تدفع إلى تخيل مثل هذه الصور المثالية ~~الرقيقة (الصورة الحقيقية لمصحة الأمراض العقلية)، بل ويبالغ أحد الزائرين الموثوق بهم في ~~التعبير عن رضاه عن المشفى لدرجة أنه يتساءل: «أين هم المجانين؟» إلا أن المرضى كانوا هناك ~~بالفعل خلف الجدران العالية للمصحة، كما كان يمكن ملاحظتهم يوميا في بداية القرن العشرين، ~~العصر الذي بلغ فيه علم الطب العقلي أقصى سرعاته في التقدم. وسنرى لاحقا من كانوا من الناحية ~~الطبية ، إن كانوا يشفون أم لا إذا ما جرى احتجازهم لفترات طويلة. ويكفي الآن رؤية كيف كانت ~~المصحات العقلية في ذلك العصر تنظم حياتها اليومية. ~~«نظام ثابت وانتظام لا يتغير» # الفزع الحقيقي في مصحة الأمراض العقلية هو الفراغ. فيجب عدم ترك أي دقيقة من اليوم ~~للمصادفة، فيجب إذن توجيه المرضى لكيلا يترك لجنونهم الفرصة في السيطرة عليهم. الأمر الذي ~~يتفق عليه جميع أطباء الأمراض العقلية: «يجب أن يكون هناك نظام ثابت وانتظام لا يتغير داخل ~~جميع أجهزة المصحة. فهذا الانتظام يجب أن يكون مشددا مثل ms354 حركة الساعة؛ بمجرد أن ينطلق يسير ~~دائما دون توقف. ويكون لكل فترة من فترات اليوم مهمة وواجبات.» # 3 # يكون الاستيقاظ في السادسة صباحا خلال فصل الصيف وفي السادسة والنصف في فصل الشتاء ~~(تختلف المواعيد بشكل طفيف من مصحة إلى أخرى). ويقوم الحراس والراهبات الممرضات بفتح أبواب ~~المهاجع وغرف العزل. وإيقاظ المرضى ليس بالأمر الهين؛ فيجب عمل جرد سريع بالخسائر الليلية: ~~ملابس ولوازم فراش ممزقة وخدوش في الأثاث والأشياء وأسرة متسخة. إنه «اختبار القش» (مرتبة ~~القش)؛ حيث يجب التأكد من أنه لا توجد قشة واحدة على الأسرة. كما يجب مساعدة العاجزين ~~والكسالى على الخروج من الفراش، والتأكد من أن من لا يزالون في فراشهم هم مرضى بالفعل ~~وسيحولون إلى قسم التمريض، وليسوا متمردين. تتم مساعدة كل مريض على ارتداء جميع ملابسه ~~«برقة وحزم». في جميع الأحوال، تشدد اللائحة على هذا الأمر. تخصص نصف ساعة للنظافة ~~الصباحية. هناك مرضى يذهبون إلى لأحواض بمفردهم، ولكن يجب مراقبتهم لمنع أي تدافع أو شجارات، ~~وأيضا لاكتشاف من يتظاهرون فقط بالاستحمام. وهنا تكمن أهمية دور الحراس، والذين أصبحوا ~~ممرضين بالفعل الدلالي منذ بداية القرن العشرين. فيتعين عليهم إجبار المريض - دون عنف - على ~~النظافة الشخصية الجيدة، دون إغفال أي منطقة: الفم والأذنين (فهناك مرضى اعتادوا الاحتفاظ ~~ببعض القاذورات داخل القناة السمعية) والعيون والأعضاء التناسلية. ويجب عدم إغفال البحث عن أي ~~طفيليات؛ «فالممرض الجيد يعرف من هيئة مرضاه إن كانت أيديهم قذرة، وأيضا ما بين أصابعهم ~~وأعضائهم التناسلية؛ فهذا يعني أن الممرض مهمل وغير نظيف.» # 4 # وبينما يتم اقتياد المرضى إلى صالة الطعام، يجري تنظيف المهاجع والغرف بالمياه وإخراج ~~القمامة ووضع المراتب والملابس المبللة لتجف، وأيضا تفريغ وتنظيف أوعية غسل الثياب وتطهير ~~المراحيض ومحاولة إزالة الرائحة الكريهة الموجودة في كل مكان. يجب أيضا التأكد من أن الملابس ~~ليست متسخة أو ممزقة؛ ولذلك فإن استهلاك الملابس والبياضات يكون هائلا. ويذكر تقرير صدر في ~~منتصف القرن التاسع عشر: «هناك مرضى يحتاجون إلى تغيير الملاءات والملابس الداخلية يوميا، ~~بل وقد يحتاجون ms355 إلى أكثر من قميص يوميا. ويوجد منهم من يتسبب في خسائر كبيرة: فيكسرون ~~الفراش، ويحطمون الزجاج ويمزقون أحذيتهم وملابسهم ويلقون بها أو بطعامهم على ~~الحائط.» # 5 # وفي دورات المياه، لا بد من وجود مراقبة خاصة: «على الأقل يجب أن تكون هناك حارسة (نتحدث ~~عن مستشفى ماريفيل) لتراقب المراحيض بصفة خاصة، ولا سيما عند خروج المرضى من المهجع؛ لأنه في ~~تلك اللحظة قد تحدث أحداث جانبية في بعض الأحيان أثناء التكدس؛ مناقشات أو شجارات بين المرضى ~~ويكون لها عواقب وخيمة. يجب ألا يغفل أحد في أي وقت من اليوم عن دورات المياه؛ لأن هناك أيضا ~~محاولات الانتحار تحدث، أو قد يستسلم أحد المرضى لبعض الممارسات الغريبة، مثل أكل فضلاته على ~~سبيل المثال ... إلخ.» # 6 ~~••• # تسبق الصلاة الصباحية الإفطار، وتتلى عادة داخل قاعة الطعام؛ حيث يرددها بصوت عال أحد ~~المرضى أو الحراس، وتتكرر قبل كل وجبة وأيضا قبل النوم. وكما أن الصلاة اليومية تعتبر مفيدة، ~~هكذا أيضا بالنسبة إلى صلاة القداس والتناول. وفي هذا الشأن يجب التفريق بين فترتين ~~مختلفتين؛ فحكومة يوليو الملكية والإمبراطورية الثانية اتسمتا تماما بالطابع الكاثوليكي، وفي ~~هذه الفترة أقر كبير الأطباء فالريه الصلاة كركيزة من أهم ركائز الشفاء النفسي. أليست هي في ~~ذاتها إجابة لكل شيء؟ ولكن، حينما أصبحت الجمهورية الثالثة علمانية وسادت موجة الهجوم على ~~الكنيسة - وعلى الرغم من أن المصحات العقلية الخاصة (ذات الطابع الديني على الأغلب) ظلت تعتبر ~~الدين محور الحياة اليومية - حاولت المشافي العامة السير دون جدوى في اتجاه العلمنة. «لم يعد ~~الكثير من الأطباء الكبار يريدون وجود كنيسة وكهنة داخل مصحة الأمراض العقلية [...] ولا يسعنا ~~إلا التفكير في أن وجود كنيسة وخدام قد يكون له أثر ضار في تفاقم حالات الهوس بالفكرة الواحدة ~~التي تتخذ طابعا دينيا وتطورها إلى صور وأشكال غريبة، خاصة في البلاد التي لا تزال تخضع ~~لسلطة دينية كاثوليكية.» # 7 # على أي حال، فإن القرار يرجع لكبير الأطباء في حضور المراسم الدينية من عدمه، مع العلم ~~بأنه داخل الكنيسة يكون ms356 هناك فصل صارم للجنسين، بل ويفصل المرضى أنفسهم عن باقي المشاركين ~~في الصلاة. وفي خطاباتهم - التي تخضع للرقابة - يشتكي العديد من الكهنة أو الراهبات المحتجزين ~~لإصابتهم بأي نوع من الهذيان الديني من عدم قدرتهم على حضور صلاة القداس والتناول على الأقل. ~~فعندما يأتي كاهن المنطقة لزيارة المرضى والعاملين، كان يمتنع عن التعامل مع المرضى الذين ~~حذره منهم كبير الأطباء لكونهم مصابين بهذيان ديني. # كان الإفطار الذي يوزع في كل منطقة يتكون من خبز وقهوة باللبن، وأحيانا تبعا للأوقات أو ~~المناطق كان يوزع حساء أو جبن. وهنا أيضا يجب أن تكون هناك مراقبة يقظة؛ حيث يجب منع أي ~~مشاجرات وإجبار المرضى الرافضين للأكل على الإفطار، وعلى العكس منع المرضى الشرهين من الإفراط ~~في الطعام والاستيلاء على نصيب الآخرين. كما يجب إطعام العاجزين، وإحضار الطعام إلى الملازمين ~~الفراش، ثم عد أدوات المائدة عدة مرات لكيلا تستخدم لأغراض سيئة. # بحلول الساعة السابعة في الصيف، أو السابعة والنصف في الشتاء، يكون موعد العمل. في ~~الأساس، من وجهة النظر العلاجية النفسية، فإن هدف العمل هو «الإلهاء عن الجنون» (بمعنى إبعاده ~~أو انتزاعه أو على الأقل الابتعاد عنه). ويجعل كابانيس من العمل «المنظم الحقيقي للطبيعة ~~النفسية»، ويرى أن لا داعي للتخوف من ترهيب من يرفض العمل في سبيل إجباره عليه. # 8 # ودون النزوع لهذا النهج الثوري، يشاطر سيبيون بينيل باقي أطباء الأمراض العقلية ~~الرأي: «إن العمل الدائم يغير من تلك الحلقة المفرغة للأفكار، ويصلح مهارات التفاهم عن طريق ~~النشاط، ومن ثم يستطيع بمفرده الحفاظ على النظام بين مجموعة من المرضى عقليا ...» # 9 # ولكن على مر العقود، أصبح العمل لغاية علاجية عملا فقط بل وثقيلا أيضا: حتى عشر ساعات ~~يوميا (ثمان فقط في النصف الأول من القرن العشرين). وبغض النظر عن طبيعة جنونهم، كان معظم ~~المرضى يمارسون داخل المؤسسة نشاطا فعالا (وليس بهدف «شغلهم» كما يتضح لاحقا). في عام ~~1867، كانت نسبة المرضى الذين يعملون بدوام كامل في مصحة بون سوفور بكاين تبلغ 68٪ للرجال ~~و78٪ للنساء. في عام ms357 1893، أنجز 61 ألف يوم عمل؛ خصص ثلثها لأعمال التنظيف، والثلث الثاني ~~للخدمات: المطبخ والغسيل. وانقسم الثلث الثالث - الذي يخضع لمراقبة لصيقة من الموظفين ~~الخارجيين - ما بين الورش والمزرعة. ولا يمكن التصديق بأن هذا العمل كله كان لأهداف علاجية؛ ~~فمزرعة أو مزارع بون سوفور كانت تنتج في عام 1926 ثمانية وعشرين طنا من البطاطس، وسبعين ~~طنا من الخضراوات الأخرى (مثل الكرنب)، وخمسة وثمانين طنا من التفاح، وثلاثة آلاف دستة من ~~البيض، ومائة وخمسة آلاف لتر من اللبن، وثلاثة عشر طنا ونصف طن من لحم الخنزير، كل هذا لم ~~يكن يكفي إلا بالكاد لإطعام المشفى الضخم (الثالث على مستوى فرنسا عام 1875، والذي يضم 1023 ~~مريضا). # وتستلزم رعاية الحدائق والمساحات الخضراء - اللازمة لأي مصحة - عددا كبيرا من المرضى. ~~كما تتطلب أعمال الخبز وإصلاح الأحذية وورش الصيانة وترميم المباني جهدا ورجالا أشداء. أما ~~المريضات، فكن يستخدمن بكثرة في أعمال نظافة وتقشير الخضراوات وغسل الملابس والأواني، ~~وأحيانا كن يعملن في الورش لأعمال التريكو وإصلاح الملابس والتفصيل والتطريز. في عام 1853، ~~في مصحة سالبيتريير، كان تسع وستون بالمائة من المريضات يعملن وينتجن ما يقرب من نصف مليون ~~قطعة مصنوعة: قمصان وسترات المجانين وملابس داخلية وجوارب ومناديل وتنورات داخلية ومفارش ... ~~إلخ. ويمكن القول بأنه بالنظر إلى قلة ما يدفع لهؤلاء المرضى العاملين، لن تكون ميزانية ~~المصحة قادرة على التخلي عن أيدي عاملة بهذه الضخامة. واستمرت هذه الحال حتى العقود الأولى من ~~القرن العشرين - حينما بدأ هذا التناسب في الانخفاض - خاصة بعد أن أصبح استغلال المصحات ~~للمرضى في أعمال «تسخيرية» واضحا للعيان. فلم تكن الجرأة الشديدة التي سادت في القرن التاسع ~~عشر حيال هذا بالأمر «السليم سياسيا». # كان الضغط الذي تمارسه المصحة على المرضى لتحفيزهم على العمل قويا للغاية، ولأن من يرفض ~~العمل كان يتعرض لعقوبات عديدة: الحرمان من بعض الحريات في التحرك، أو منعه من التدخين أو أي ~~طعام أو نبيذ إضافي، بل وقد يصل الأمر إلى توقيع عقوبات حقيقية عليه. ويبدو هذا الخطاب ~~الاحتجاجي الذي أرسلته مريضة ms358 في عام 1880 مفيدا لنا في هذا الشأن وإن كان من جانب واحد فقط: ~~«حينما كنت في الجناح الثاني (في مصحة أوكسير) كنت أعمل في تصليح البياضات، وكنت أنجز ما يقرب ~~من ثلاث ملاءات جديدة يوميا، وكنت أصنع أيضا أغطية للرأس تستخدم أثناء الليل. وكنت أعمل ~~أيضا في تصليح القمصان النسائية وأغطية الوسادات والمناشف والأقمشة، ولم يكن يشوب عملي أي ~~خطأ. (في المنطقة الرابعة) جاءت الراهبة آر ... - المسئولة عن قسم الطي - لتحضرني لأصبح مسئولة ~~عن طي الملاءات، وهي واحدة من أصعب المهام، وكانت تبقيني واقفة على قدمي لما يقرب من سبع ~~ساعات؛ حيث كنت أقوم بطي حوالي مائتي ملاءة لأضعها في آلة الكي ثم أقوم بطيها أو أمررها ~~للتصليح. في شهر أبريل، قلت للراهبة آر ... إني أعاني من آلام في قدمي، وإني لم أعد أرغب في طي ~~الملاءات. فأعادتني إلى قسم التصليح. (كان النقل إلى مصحة بون سوفور في كاين «كنا جميعا ~~مستقرين جيدا».) كنت أجلس في غرفة كبيرة يعمل بها ما بين أربعين إلى خمسين شخصا تحت إشراف ~~الراهبة إم ... وكنت أعمل على إصلاح الملابس الداخلية لقضاء وقتي، ولكني بمجرد أن شعرت أن هذا ~~العمل إجباري رفضته على الفور. قالت لي الراهبة إم ... إنه إذا أصررت فسيتم إرسالي إلى عنبر ~~المصابات بالهياج. أجبتها بأني سأذهب إلى هناك. وبالفعل ذهبت، وهناك قمت بتطريز ما يقرب من ~~أربعين مترا من الدانتيل للسيدة إف ... صاحبة العمل.» للأسف، لا يوجد مثل هذه الخطابات التي ~~تشرح كيف كانت الحياة اليومية هناك إلا نادرا. ففيما يمكن اكتشافه من مراسلاتهم، يظل مرضى ~~الأمراض العقلية حبيسي عالمهم الخاص وهذيانهم، وبالتالي نادرا ما يأتون على ذكر الحياة ~~الواقعية. # كانت القدرة على العمل معيارا محايدا للخروج؛ حيث يثبت أن المريض أصبح قادرا على ~~الاندماج ثانية في المجتمع (مما يثبت ثانية أن السلوك الاجتماعي يعد عاملا مهما، بل وأكثر ~~أهمية من المقياس «النفسي»). وعلى العكس، فإن المريض الفقير العاجز عن العمل أو الرافض له ~~تندر فرص خروجه، والدليل على ذلك ms359 ما كتبه كبير الأطباء في عام 1848 بنوع من الخبث بخصوص مريض ~~في مصحة بون سوفور بكاين: «يقول المريض: إنه شفي وإنه على استعداد تام للعمل، بل ويطلب أي ~~وظيفة، ولا سيما وظيفة المحافظ.» # في الأساس، يحدد كبير الأطباء، وليس سواه، من هم المرضى القادرون على العمل، إلا أن ~~الحقيقة والواقع يختلفان تماما. نظريا، تكون زيارة الطبيب يوميا قبل بدء العمل داخل ~~المصحة، إلا أن جميع الشهادات أجمعت على أن هذه الزيارات كانت تتم مقابل مبلغ مالي. وبمصاحبة ~~كبير المراقبين والمتدربين معه والطبيب المساعد إن وجد، كان كبير الأطباء يمر بالمرضى ~~المصطفين بطول الجدار. وكما يروي ماكسيم دي كامب في تحقيقه الموسع حول باريس - والذي درس ~~فيه بإسهاب وضع مصحات الأمراض العقلية # 10 ~~- «فإن المرضى لديهم كلمة معتادة، تعبير لا يتغير يلقنوه لنا؛ فكانوا يقولون: ~~الطبيب يمر، الطبيب سيمر. كان الطبيب يمر بالفعل، لم يكن بمقدوره فعل شيء آخر؛ لأنه لم يكن له ~~الحق في التوقف.» ويجري دي كامب حساباته بأن كل طبيب أمراض عقلية في منطقة السين يكون لديه ~~مائتان وواحد وستون مريضا لزيارته، وفي حين أن اللائحة الداخلية بتاريخ العشرين من مارس 1857 ~~تحدد أن تلك الزيارة لا بد من أن تكون يومية. وفي الواقع، فإن الأطباء أنفسهم هم أكثر من ~~يبدون أسفهم لهذا الإهمال. في عام 1905، كتب أحدهم: «أنريد رفع المرضى عقليا مصاف وكرامة ~~المرضى العاديين أم لا؟» # 11 # إذا كانت الإجابة بنعم، «فإن المرضى في حاجة إلى أطباء!» وينعى هذا الطبيب أن ~~كبير الأطباء - نظرا للظروف - لا يعتني إلا بالمرضى الجدد (حيث يكون عليه تقديم شهادات ~~إجبارية لقبولهم بالمصحة) وبالحالات الحادة، تاركا المرضى بأي مرض عقلي مزمن. «وبالتالي، ~~بطريقة غير محسوسة، قد يصل به الأمر إلى إقناع ذاته بأنه لا يمكن شفاء هؤلاء المرضى؛ لأنه لا ~~يرى أيا منهم قد شفي.» رهيبة هي الكلمات التي خطتها ريشة ماكسيم دي كامب: «لدينا علماء على ~~أعلى مستوى، ولكن على الرغم مما لديهم من علم، ينقصهم الإيمان، ومن ثم ms360 يبدون غير واثقين من ~~قدراتهم، وهذا هو أخطر شيء.» # في منتصف القرن العشرين، كان كبير الأطباء «يمر» - على ما يبدو - بسرعة شديدة. ولقد تمكن ~~أندريه سوبيران - طبيب ومؤلف كتاب «الرجال ذوو المعاطف البيضاء»، أحد أشهر الكتب في عصره - من ~~إجراء زيارة طويلة لمصحة سانت آن للأمراض النفسية، وعلى وجه الخصوص قسم التمريض المتخصص ~~الشهير الذي أنشئ في عام 1872؛ حيث كانت الشرطة تودع «الأفراد المشتبه في إصابتهم بمرض عقلي» ~~لإخضاعهم للملاحظة. ولقد حول الدكتور سوبيران هذه الجولة إلى رواية # 12 # قد تتسم حبكتها ببعض الشحوب، ولكن تكمن قيمتها في الوصف الذي تقدمه لهذه الحياة ~~داخل المصحة. في قسم التمريض المتخصص، يوضع المرضى بالطبع في زنازين، ثم يحل موعد زيارة كبير ~~الأطباء بصحبة مساعده وكبير المراقبين واثنين من الممرضين. «يدوي صوت فتح الأقفال، ثم يسمع ~~سؤال: «كيف الحال؟ ما الجديد؟» موجه سؤاله ليس للمريض وإنما للحارس. وبعد انقضاء الوقت المخصص ~~لرد الحارس وتقرير الطبيب المتدرب، يسمع صوت غلق الباب والأقفال. وتستكمل الزيارة بهذا ~~المعدل السريع.» # في الظهيرة، تبدأ «خدمة الطاولات» المخصصة للمرضى في النظام العادي، ويليهم النزلاء من ~~أبناء «الطبقات العليا». تضم مصحة بون سوفور بكاين خمس درجات، وتختص الدرجة الخامسة بمرضى ~~المنطقة. أما الأربع الأخر، فتقدر تكلفة الإقامة وفقا لوجود طاقم للخدمة ومكان إقامة ~~مريح وقوائم طعام متنوعة. ويقدم الطعام لنزلاء الدرجتين الأولى والثانية في حجراتهم، بل في ~~«أجنحتهم». ولا يتناول المرضى الوجبات جماعيا إلا ابتداء من الدرجة الثالثة. «وأيضا تتسم ~~مائدتهم بالوفرة.» بالنسبة إلى الدرجة الرابعة، «تكون وجباتهم وفيرة أيضا ولكن دون تكلف أو ~~مبالغة.» وسنهتم بدراسة ماذا كان يأكل أو ماذا كان من المفترض أن يأكل مرضى الدرجة الخامسة. ~~وتحدد اللائحة الداخلية لعام 1857 بدقة شديدة قوائم الطعام والكميات (والتي تكون قليلة أيام ~~الجمعة والسبت، ودسمة باقي الأيام). نظريا، تبدو الوجبات كافية، خاصة بالمقارنة مع ما كانت ~~تأكله الطبقات العاملة خارج المصحة: في الظهيرة، يقدم طبقان أحدهما به لحم والآخر خضراوات أو ~~بيض أو جبن؛ وفي المساء، حساء أو ms361 مرق لحم (يقدم ما يعادل 250 جراما من اللحم يوميا)، ~~وأيضا طبق من الخضراوات الطازجة أو المجففة. وعلى مدار وجبتي الظهيرة والمساء، يقدم ~~الخبز (ما يعادل 600 جرام يوميا) والنبيذ (ما يعادل 0,60 لتر يوميا، ويمكن زيادة الجرعات ~~بنسبة 0,25 لتر للعاملين من الجنسين). وطوال مدة حكم النظام القديم، ظل الخبز واللحم سائدين ~~في نظام التغذية. والأمر كذلك بالنسبة إلى النبيذ الذي كان يقدم بكميات قد تكون مفاجئة (في ~~البلاد المنتجة للكروم، كان يمكن للنزلاء إحضار النبيذ الخاص بهم). ويمكن تفسير هذا التساهل ~~الشديد - على الرغم من أن إدمان الخمور يعد أحد أهم أسباب الاحتجاز داخل مصحات الأمراض ~~العقلية - بأنه في ذلك العصر كان هناك فرق واضح بين النبيذ «كمشروب للطاقة» أو «مشروب صحي» ~~(وقد ينضم إليه الجعة وخمر التفاح في بعض المناطق) الذي يمنح لمرضى الأمراض العقلية المزيد ~~من القوة؛ وبين «المشروبات الكحولية» (القوية) التي تعرف بأضرارها. لم تفند هذه المسألة ~~الخطيرة إلا في النصف الثاني من القرن العشرين. ولكن يجب ألا ننسى أن المياه ذاتها (التي تأتي ~~من الآبار) كانت حينها مشروبا خطيرا لكونها تنقل التيفويد والكوليرا. # يبقى الآن السؤال عما إذا كانت هذه الوجبات المحددة بالجرام كانت تقدم بالفعل للمرضى. ~~يظهر المفتشون العموميون تشككا واضحا إزاء هذا الأمر: «كنا عادة إذا لاحظنا - خلال جولاتنا ~~التفتيشية - عدم كفاية كمية اللحم المقدمة للمرضى، كانوا يجيبوننا بأن المرضى ربما يحصلون ~~على أكثر مما يكفي؛ ولذلك فهم يتركون أو يلقون بعضها. ولكن في الواقع، نادرا ما يحدث هذا إذا ~~كان اللحم من نوعية جيدة ومطهيا ومتبلا جيدا.» # 13 ~~(إنها مسألة الإسراف نفسها سواء في الشراء أو «الاستقطاعات» التي تتم داخل ~~المطبخ.) وتنعي جولة تفتيشية أخرى أن ما يتبقى من مائدة المرضى النزلاء يقدم للمرضى ~~الفقراء. كما أنه عادة ما يكون طول المسافة بين المطبخ وصالة الطعام سببا في تناول الطعام ~~فاترا وليس دافئا. ولقد اشتكى بالفعل بعض المرضى من هذا الأمر في مراسلاتهم الخاضعة للرقابة ~~بالطبع. هناك بالتأكيد بعض منها يصل، ms362 ولكن تكون نسبتها ضئيلة للغاية كما سبقت الإشارة. وفيها ~~يروي المرضى بشكل خاص مدى تعسف احتجازهم، ولكن ما يهم في هذا الجزء هي التفاصيل التي يروونها ~~حول حياتهم اليومية داخل المصحة. وبالتالي، يصف أحدهم - جرى احتجازه لمدة سبعة وخمسين يوما ~~عام 1902 في مصحة شارنتون قبل اتخاذ قرار باعتباره غير مريض (هناك بالفعل حالات من هذا ~~النوع) - «العار المعتاد» الذي يصم المؤسسة: «دائما ما نجلس في صالة الطعام الكئيبة، حيث ~~تفوح من المطبخ رائحة كريهة تملأ الهواء الخانق. كانت رائحة سيئة وقوية تشبه الغسيل وبقايا ~~طعام محروق. يا للقرف! كم كنت أتمنى أن أهرب منها [...] لا توجد أطباق، ويقدم الطعام في أوان ~~بشعة على هيئة أطباق صغيرة مستديرة لها أطراف عملاقة. كنت أرى أمامي كتلة سوداء تسبح في سائل ~~أبيض مائل للاخضرار، يشبه أنقاض «بازار الصدقة» بعد أن داهمه الحريق. وفي طبق آخر، كانت توجد ~~مكرونة على هيئة شرائط متلاصقة، ذكرتني بمحتويات أواني الصيدلي. وكانت هناك قطعة خبز إلى جانب ~~هذه الأشياء البشعة؛ التي لم أبدأ في تناولها إلا بعد مضي بعض الوقت. إلا أنني كنت أبذل جهدا ~~لمضغ الخبز ولبابه الذي يشبه الصمغ وقشرته المطاطية كالجلد. واحتسيت رشفة من زجاجة نبيذ لها ~~طعم يشبه الحبر الممزوج بالخل [...] كان اللحم قاسيا وله مذاق يصعب وصفه، فمن المستحيل التمييز ~~بين لحم الثور والضأن والعجل. فهذه القطع من الأعصاب والعظام اللزجة تكون مغطاة بخليط أبيض أو ~~بني غامض ذي رائحة ومظهر وطعم يثير التقزز. وحتى الخضراوات، التي عادة ما تكون فاسدة، فإنها ~~تأتي مبللة بمياه لزجة. مرتين في الأسبوع، يكون هناك ثمرة كمثرى أو تفاح فاسدة على سبيل ~~التحلية.» # 14 # من المستحيل أن يقترب هذا الوصف من القوائم الرسمية المكتوبة. # ويجب أن نأخذ في الاعتبار الجو العام لصالة ~~الطعام ... بالطبع، يكون هناك عدد من المرضى الذين يتسببون في فوضى رهيبة ولا يأكلون حصصهم. ~~بالإضافة إلى المرضى شديدي الهياج أو المصابين بالشلل غير القادرين على المضغ، وبالتالي يجب ~~إرغامهم على شرب اللبن أو ms363 الحساء والمرق أو الطعام المهروس ولو حتى بصعوبة. وفي المقابل، يخشى ~~المرضى الشرهون من أن يسرق أحد طعامهم، فنجدهم يبلعونه مرة واحدة لدرجة تجعلهم يقاربون على ~~الاختناق؛ ولذلك، فإنه من المعتاد أن يكون للحارس عصا محنية تسهل له إخراج الطعام الذي يسد ~~التنفس لدى أي مريض. ولكن يستدعي هذا الأمر ملاحظة سريعة؛ ولذلك يكثر وقوع بعض هذه الحوادث ~~المميتة. بينما يرفض بعض المرضى تناول الطعام، إما لاعتقادهم أنه مسمم، وإما لاعتقاد بعضهم ~~أنهم موتى بالفعل، وإما لإصابة بعض المصابين بالهذيان المتعلق بالحواس بانسداد الأمعاء أو ~~إنهاك المعدة، إلى جانب بعض المرضى في حالة من الوهن تعجزهم عن الإمساك بالملعقة ورفعها إلى ~~فمهم. ومن ثم تكون حياتهم في خطر؛ ولذلك يموت الكثير منهم بسبب نقص التغذية على الرغم من ~~المراقبة. # إلا أن كل الوسائل تستخدم لحملهم على تناول الطعام: من توسلات وتهديدات وحتى استخدام ~~القوة في النهاية. في منتصف القرن التاسع عشر، كانت تستخدم «الزجاجة- المكممة» لتجنب استخدام ~~القوة لفتح الفكين بواسطة ما يشبه اللجام. و«الزجاجة-المكممة هذه عبارة عن أداة خشبية تثبت ~~اللسان بقوة وتثبت خلف الرأس بلجام من المطاط.» يوضع المريض عقليا في مغطس مغلق، ويتم ~~إرجاع رأسه إلى الخلف لربط «الزجاجة-المكممة»، «وإذا رفض المريض الشرب مباشرة، يمرر سلك فضي ~~داخل الزجاجة يتيح وصول السائل إلى اللهاة، ثم يسد الأنف ليصبح المريض مجبرا على البلع رغم ~~إرادته.» # 15 # وينتقد الدكتور بلانش - مدير المشفى الباريسي الشهير وطبيب الأمراض العقلية ~~المعروف - بقسوة هذه الممارسات «الوحشية»، # 16 # كما يعيب تقرير عام 1874 من جانبه أنه في بعض ~~الحالات - حتى وإن كانت نادرة - تنزع سن أو أكثر ~~للمرضى للسماح بدخول المسبار داخل فمهم: «إنها وسيلة وحشية لا يسعنا الموافقة عليها.» ولكن، ~~سرعان ما أصبح المسبار البلعومي هو الوسيلة المتفق عليها في كل مكان. فكان يجري إدخاله عن ~~طريق التجويف الأنفي وحتى فتحة الحنجرة، وفي بعض الأحيان حتى المعدة. وهناك العديد من المرضى ~~الذين يقبلون تناول الطعام فقط خوفا من المسبار، فليس هناك ما يمنعه من ms364 الأكل، ثم التوجه ~~مباشرة إلى دورة المياه ليتقيأ كل ما أكله. في النهاية، من لا يريد أن يأكل فلن يأكل، وسنرى ~~لاحقا أثر هذا الأمر على نسبة الوفيات. # تدوم فترة الراحة والترفيه التي تعقب ذلك ساعة ونصف. بحلول الساعة الواحدة والنصف، بينما ~~تعج المصحة بضوضاء الغسيل والتنظيف، ويستعد النزلاء من المرضى الأغنياء للتنزه في الحدائق ~~وللألعاب الاجتماعية، يتوجه المرضى العاملون إلى ورش عملهم. أما المرضى العاجزون عن العمل، ~~فإنهم يعودون إلى القاعة المشتركة (غرفة التدفئة القديمة؛ وسميت كذلك لأنها قديما كانت هي ~~الغرفة الوحيدة التي بها جهاز للتدفئة). «يمكث هناك ثلاثون رجلا لمدة اثنتي عشرة ساعة ~~يوميا [...] وفي غضون لحظات، أخرج من معي على الطاولة جميع أدواتهم السرية من علب ألوان ~~وقوائم وآلة لف السجائر، وبدءوا في العمل. ونظرا لأنه لم يكن مسموحا لنا باستخدام أعواد ~~الثقاب؛ كان يوقد قنديل غاز طوال اليوم لنتمكن من إشعال السجائر. وعلى الفور أحاط به ~~البله، وأخذوا يذيبون الغراء للقيام بأعمال غاية في الأهمية، مثل تغطية نشافة المكتب بورقة ~~نظيفة عن طريق لصق ورقة أخرى فوقها لئلا تتسخ، وأخرى على الورقة الثانية للسبب لنفسه. بينما ~~انشغل آخرون برص أعقاب السجائر فوق جهاز التبريد. ومضى آخرون يتشاركون في هدوء في بعض جرائد ~~الأطفال.» # 17 # تدق الساعة السادسة في الصيف أو الخامسة في الشتاء معلنة موعد وجبة المساء - مثل جميع ~~المصحات - والتي تتكرر فيها كافة مراسم الوجبة الصباحية. وتتلوها استراحة أطول. ويكون هذا هو ~~وقت السلام النسبي؛ حيث يخرج المرضى المسالمون - قبل التوجه إلى المهجع - للعب الورق أو ~~الشطرنج أو الدومينو. بينما يحظر القمار بأنواعه كافة بتاتا ، إلى جانب أنه يمنع اللعب مع ~~الحراس. لدى الرجال، يمكن إشعال الغليون أو السيجارة (في الواقع يكون الحارس هو من يشعلهما؛ ~~لأن الثقاب والقداحة من الأشياء المحظورة تماما). بينما تعمل النساء في التطريز أو التريكو. ~~أما المرضى الأغنياء - الأكثر ثقافة - فيمارسون القراءة. كما تتميز وسائل الترفيه عندهم بنوع ~~من الرقي، فيمتلكون طاولة للبلياردو وبيانو. تفتخر مصحة شارنتون - من بداياتها ms365 - بروعة ~~مكتبتها. إلا أن المكان - على حد وصف بعض الشهادات - يبدو أبعد ما يكون عن السكون؛ حيث يقرأ ~~العديد من المرضى بصوت عال، بل ويصيحون، بينما قد يتشاجر آخرون ملقين بالكراسي ~~والكتب. # وبحلول الساعة الثامنة في الصيف أو السابعة في الشتاء، يجب أن يكون المرضى جميعهم في ~~الفراش. وتتلى صلاة قصيرة قبل الشروع في هذا الحدث الأخير في اليوم. ويعد هذا الأمر وقتا ~~صعبا للحراس الذين يتعين عليهم «التأكد من خلود مرضاهم إلى النوم بلياقة وهدوء قدر الإمكان.» ~~فيجري التفتيش على الملابس وإغلاق مكان حفظها بالمفتاح (فمن الصعب الهروب أثناء ارتداء ملابس ~~النوم). كما تغلق النوافذ والأبواب بعناية. إلا أن مفهوم الفراش لا يزال يحدث جدلا؛ فقبل ~~انتشار الفراش الحديدي في كل مكان، كان السرير الخشبي المقوى هو السائد، وكان يحتجز المريض ~~بالمعنى الحقيقي للكلمة. في المقابل، حولت بعض المصحات الخاصة هذه الأسرة إلى نوع من ~~الخزانات الشفافة التي تغلق بمفتاح طوال الليل، وبالتالي فهي تترك مكانا لمزيد من الأسرة ~~داخل المهجع. إلا أن هذا النظام لاقى هجوما بالإجماع من المفتشين، مثله مثل نظام الستائر ~~الذي كان «يمنع تجديد الهواء ويجعل المراقبة أكثر صعوبة». # يتنافس أطباء الأمراض العقلية في المهارة، ويسعون للتعريف باكتشافاتهم في الدوريات الطبية ~~المختلفة. ولقد وضع الطبيب ليلو بمصحة سالبيتريير تخيلا لفراش مخصص لمرضى الصرع. فكان فراشا ~~معدنيا شديد العمق (يشبه الجرن)، ويمكن نزع وتركيب جانب الرأس وجانب القدمين لإخراج المريض ~~أو إدخاله بسهولة. «وتوضع عليه وسادات سميكة، ويمكن ترك المرضى فيه أثناء أعتى النوبات التي ~~قد تصيبهم دون أدنى خطر عليهم.» # 18 # أما فيما يتعلق بإجبار الخرفين على النوم، فلقد خصصت الكثير من المؤلفات لهذا ~~الصدد. وفي غالبية الأحيان، استخدم سرير يمتلئ قاعه بأخاديد يؤدي منحناها إلى ثقب يسمح ~~بخروج البول إلى داخل درج من الزنك. في المجمل، يكون القاع مصنوعا من القش الرقيق، «وليس من ~~القش الخشن لئلا يجرح المريض». # 19 # ولا يساعد هذا النظام إلا على حل مشكلة التبول بالطبع. # لا تمتلك معظم المهاجع ms366 نظاما للتدفئة، ما عدا المخصصة للتمريض: «لا توجد ضرورة لتجاوز ~~الخمس عشرة أو الست عشرة درجة مئوية، ويجب قدر الإمكان ألا يهبط مؤشر الحرارة عن اثنتي عشرة ~~درجة مئوية.» # 20 # وتشهد اللوائح - التي تذكر الحراس بأن المرضى يجب ألا يتعرضوا للبرد بسبب ~~أضراره وخطورته - بغياب نظام التدفئة الموجود لدى غالبية الفرنسيين في ذلك الوقت. في عام ~~1917، نجد شقيقة أحد المرضى الأغنياء بمصحة بون سوفور بكاين تشكر بشدة المدير لموافقته على ~~منح أخيها غرفة مدفأة طوال فصل الشتاء، في مقابل زيادة مائة فرنك. وتخضع أجهزة التدفئة - إن ~~وجدت - لحراسة مشددة. وتوضح رسوم دانييل فيرج الأخاذة عن مصحة سالبيتريير أن هذه الأجهزة كانت ~~محاطة بشبكات ساخنة ضخمة. وداخل المصحة، لا تكون المأساة مستبعدة؛ «ففي عام 1900، بمصحة ~~فيلجويف، نجحت إحدى المريضات في فتح باب الشبكة، وذهبت لتجلس بملابس النوم على القدر الضخم ~~المشتعل، فاحترقت حية.» # 21 # كان الالتزام بالتوقيت اليومي شديدا، وأيضا بجدول العمل الأسبوعي والشهري والسنوي. يبدأ ~~الصيف في الخامس عشر من مايو، والشتاء في الخامس عشر من أكتوبر. كان من الممكن أن تندلع حروب ~~وثورات أمام جدران المصحة دون أن يتم المساس بأي شيء في الحياة اليومية بالداخل. فانتظام ~~الأمور والوقت هو أول علاج لفوضى العقول. كل يوم جمعة، يحين موعد حلاقة لحى وشعور المرضى ~~وتقليم أظافرهم. وأيام السبوت وليالي الأعياد، تخصص لتوزيع بياضات الأسبوع وملابس يوم الأحد. ~~تسهل الأزياء الموحدة للمرضى عملية المراقبة، بفضل غطاء الرأس المميز الذي يختلف من مصحة ~~لأخرى. يكون هنا عبارة عن قبعة أو منديل للرأس، وهناك طاقية أو قطعة قماش. وفي الأقدام، يتم ~~ارتداء أحذية بدلا من القباقيب الخشبية التي قد تتحول - في يد مريض عقليا مهتاج - إلى سلاح ~~خطير. # يسمح للمرضى، يوم السبت كل أسبوعين، بكتابة مراسلاتهم، ولكن بالطبع يمنع المصابون بهوس ~~الكتابة من حضور هذا اليوم؛ لكيلا يسترسلوا في إخراج هذيانهم الطويل على الورق. وتستعيد جهة ~~الرقابة على الرسائل كل هذه المراسلات دون صعوبة، كما تمارس مراقبة قاسية على أي مراسلات غير ~~مصرح ms367 بها؛ لكيلا تتسبب في قلق العائلات التي يكون تدخلها ضارا في بعض الأحيان، ولا سيما ~~حينما تستقبل خطابا سريا من مريضها يدعي فيه شفاءه ويدعوهم لإحضاره من المصحة على وجه ~~السرعة. في الواقع، تمنع الرقابة دخول أي بريد سري، مثلما تشير جهة التفتيش على الطرود إلى ~~وجود حركة للتهريب تقوم بها العائلات بانتظام أثناء الزيارات. # عادة ما تكون للزيارات العائلية أثر كارثي على المريض: «كان هناك نوع من التحسن، إلا أنه ~~عقب زيارة تطفلية قامت بها أسرتها، أصيبت السيدة بحالة ذهول ولامبالاة وصمت لم يستطع شيء ~~إخراجها منها. فلم تعد تعتني بنفسها، بل وأصابها نوع من الخرف» (مصحة بون سوفور - عام 1863). ~~وفي الأغلب تسبب هذه الزيارات نوعا من الاهتياج للمريض؛ ولذلك لا يسمح بها كبير الأطباء ~~إلا في أضيق الحدود. وتتم فقط في بهو الاستقبال أو في الحدائق خلال الفصول ذات المناخ الجيد ~~وتحت إشراف أحد الحراس. ويجب أن تتوقف فور ظهور أي أثر اضطراب على المريض. # وعلى النهج نفسه، تعطى تصريحات الخروج (داخل نطاق العائلة فقط) بالأحرى بتضييق شديد، ولم ~~تتح أبدا إلا في بداية القرن العشرين. ويجب - من أجل الحصول على مثل هذه الميزة - أن يكون ~~المريض قريبا بالفعل من الشفاء ومن مرحلة الخروج. وتكون مدتها وجيزة للغاية، بل وتقتصر في ~~بعض الأحيان على يوم واحد؛ مما يجبر المريض على العودة إلى المصحة قبل حلول الليل. أما تصاريح ~~الخروج الأطول، فتكون هناك تجارب قبل التصريح بخروج المريض. وفي جميع الأحوال، يجب أن يكون ~~أحد أفراد العائلة ضامنا للمريض، ويعد تصريح الخروج أحد أكثر الوثائق إلزاما: «سيادة ~~المدير، أرجو التكرم بإخراج والد زوجتي - السيد س. - اليوم لقضاء اليوم معنا، وأتعهد ~~بمراقبته، وأخلي المصحة من أي مسئولية تجاهه. كما أتعهد بإرجاعه في ذات اليوم قبل الساعة ~~السادسة مساء.» على ظهر البطاقة عادة ما يكتب إشارة كاملة موجهة بوضوح إلى الشرطة في حالة ~~هروب المريض توضح: العمر، الطول، ولون العيون والشعر، والملابس: «معطف رمادي قديم، وبنطلون ~~أزرق قديم ولكن في حالة ms368 جيدة، أحذية عمل بأربطة وواقيات للساق من الجلد وقبعة من القش ~~(بالمصادفة يكون ارتداء القبعة هو علامة يوم الأحد).» # لا تكون اتصالات المريض مع الخارج (العائلة فقط) إلا في أضيق الحدود، بل ولا تشكل حقا ~~له أمرا كبيرا: فيمكن لمريض أن يجد نفسه ممنوعا من أي علاقات مع العالم الخارجي لشهور أو ~~لأعوام، بل ولعقود. و«العالم الخارجي» هو كلمة سحرية، كوكب بعيد بالنسبة إلى من يقيمون بين ~~جدران مصحة الأمراض العقلية. # حفلة راقصة للمريضات عقليا # على خلاف النظام الصارم للحياة اليومية في المصحة، وفيما قد يبدو كصدى بعيد لأعياد ~~المجانين في العصور الوسطى، كان إقامة حفلة راقصة للمريضات عقليا تبدو كنوع من الترويح ~~السريالي عن النفس؛ حيث يكون الجنون هو محور الاحتفال. وتبين لنا بعض الرسومات من نهاية ~~ثمانينيات القرن التاسع عشر «الحفل المقام للمريضات المصابات بالهستيريا في مصحة سالبيتريير». ~~وفي إحداها، تظهر مريضة كبيرة مصابة بهستيريا شديدة وهي تلوح بما يشبه عصا الطبلة الكبيرة ~~وتفتتح بقوة عرض الحفل التنكري. وفي رسم آخر، تظهر بداية الحفلة في جو من البهجة والنظام. وفي ~~الخلفية، تقف الحارسات بقبعاتهن وملابسهن البيضاء ليرقبن القاعة، إلى جانب الأطباء بزيهم ~~الأبيض فوق ستراتهم. وفي المقدمة، على اليمين نلحظ، بصعوبة، حارستين تصطحبان مريضة في حالة ~~هياج شديد، وإن ظلت متماسكة مكتفية بتسديد ضرباتها إليهما. # كل هذا قد يكون موضوعا للوحات تصويرية متعارف عليها، إلا أن الأمر ليس كذلك. ففي عام ~~1812، أقيم حفل للمرضى بمصحة شارنتون انتقدته مذكرة دعوى قضائية في ذلك الوقت بشدة: # 22 ~~«أما بالنسبة إلى الحفل الذي يعقد كل خميس، فإنه ضرب من المبالغة لا يضاهيها شيء ~~[...] ففي المصحة - التي يجب فيها إضعاف الأهواء التي سببت المرض - لا يتورع من هناك عن إذكائها ~~بالجمع بين الجنسين وتحت تأثير الموسيقى والرقص والتلامس والأوضاع المختلفة ... إلخ! ومن يقمن ~~بالرقص هن النساء الأكثر استثارة من الناحية العصبية وخاصة المريضات بالهيستريا والهوس ~~الجنسي!» على العكس الحفل المقام في سالبيتريير لأفراد الجنس الواحد، يجمع شارنتون باستخفاف ~~بين الرجال والنساء. في ms369 عام 1900، يذكر مدير المصحة أن هذه الحفلات قد استمرت فيقول: «سيصدم ~~الغريب من الزي الرائع ومن التنسيق الشديد للراقصات والفرسان. وباستثناء حالات نادرة ترجع إلى ~~نوبات مفاجئة، يدور كل شيء بالشكل الأمثل.» # 23 # لا يرى الجميع الأمر بتلك النظرة المثالية نفسها: «تجلس سيدة على البيانو تحرك ~~أصابعها بطريقة تشبه تلغراف «شاب»، وتعزف رقصة البولكا، بينما أخذ عدد قليل من المخبولين ~~يدورون بوتيرة واحدة [...] فكان مشهدا مثيرا للشفقة أكثر من كونه حفلا، كان حفلا كئيبا. ~~يظل بعض ممن يرقصون الفالس يقفزون بصورة رهيبة، وفي كل لفة، يرتطم فكا أحدهما محدثا صوتا ~~تعسا. بينما يحرك آخر من اليمين إلى اليسار عينيه التائهتين، موجها في ذات الوقت «لامرأته» ~~عبارات رقيقة، بل وقد تكون غزلية [...] وعلى الضوء المرتعش الباهت لقناديل الغاز الرديئة، تكتسي ~~القاعة بجو كئيب. ولقد لاحظت أنه كلما ازداد اضطراب عقل المريض، ازداد استمتاعه بالحفل. في ~~حين تستحوذ على المصابين بالخرف السلمي - وهم الأكثر عددا في القاعة - حالة من الكآبة تشق ~~على النفس رؤيتها. وتمكث غالبية المريضات في صمت، جالسات في صفين وكأنهن في قداس. قد تتمتم ~~بعضهن بصوت خافت بعبارات كالصلوات. أما من يرقصن فيبدو عليهن التيه، ويوحي شكلهن بوضعهن ~~المقلق.» # 24 # ويتذكر ماكسيم دي كامب هو الآخر حفلا للمريضات بمصحة سالبيتريير: «مرة أخرى حضرت حفلا ~~تنكريا للمريضات عقليا، حيث فتح له متجر الملابس، وتنكرت كل منهن على ذوقها في زي ~~ماركيزة أو بائعة حليب أو مهرجة. عادة ما يكون جنون النساء أكثر إثارة من جنون الرجال، الذين ~~يصبحون أكثر عنفا أو انغلاقا، يفكرون حتى في ظل غياب عقلهم. أما النساء، وهن الأكثر ~~انفتاحا فالواحدة منهن تبالغ في دورها، تتحدث وتومئ وتروي قصصا، وكأنها تفتح منذ الوهلة ~~الأولى أبواب كل خبايا وأسرار جنونها. وأذكر في تلك الليلة رؤيتي لعجوز حدباء؛ كانت تذهب ~~وتجيء تعاني بوضوح من فرط النشاط الجنسي، فكانت تحوم حول رجلين أو ثلاثة كانوا هناك، وتمد ~~يديها النحيفتين ناحيتهم بتعبير يائس. كان الأمر يسير على ما يرام مع باقي ms370 المريضات، كانت ~~إحداهن تدق على البيانو، بينما أخذت ترقص الفتيات القائمات على الخدمة مع المريضات بنظام ~~وضعته بتدقيق إحدى المريضات التي ألبسوها قبعة ذات ريشة كرمز للقيادة. وكانت شديدة الفخر ~~بالمهام الموكلة إليها وبقبعتها البيضاء، وكانت تجول منظمة أي مكان في حاجة إليها.» # 25 # قدمت بعض العائلات شكوى - مثل زوجة أحد المرضى - عند قراءة الجريدة المحلية عام 1892: ~~«يذكر المقال أنه بمناسبة الرابع عشر من يوليو، سينظم حفل للمرضى والمريضات عقليا، ~~للترفيه عن بعض المرضى المميزين، وهم بالتأكيد أكثر رقيا وبالتأكيد الأكثر جنونا بين نزلاء ~~المصحة. وأنت تدرك يا سيدي مدى ألمي بل وغضبي عند قراءة هذا المقال؛ حيث إن زوجي نزيل في تلك ~~المصحة للأمراض العقلية. إني أعترض بشدة على كل من يريدون أن يجعلوا من هؤلاء التعساء، ومن ~~زوجي على الأخص، أضحوكة ومحطا لسخريتهم؛ ومن ثم أرفض بشدة أن يكون زوجي ضمن الحاضرين لهذا ~~الحفل الشنيع ...» # 26 # إن الطريق إلى الجحيم مفروش بالنوايا الحسنة. # ولا يكف أطباء الأمراض العقلية ومديرو المصحات عن إظهار تبرمهم من «الملل والكسل اللذين ~~يسودان في أيام العطلات الرسمية». # 27 # وفي سبيل مواجهة ذلك، كانت تنظم رحلات إلى الريف أو إلى البحر. وتمتلك كل ~~مصحة حافلة للنزهات تجرها الخيول، يجلس فيها المرضى بزيهم المخصص ليوم الأحد، وعلى سطح ~~الحافلة يستقر الحراس والحارسات بزيهم الموحد، ويقود الحافلة حوذي من الحراس رافعا سوطه. ~~وداخل العربة تخفى بعض سترات المجانين، «قد يستلزم استعمالها في حال أصيب أحد المرضى بنوبة ~~مفاجئة للسيطرة عليه.» # يسعى من في المصحة أيضا إلى وضع إيقاع للعام عن طريق بعض الأحداث الاحتفالية، ومن ثم ~~يأتي الدين في المقدمة، مثل موكب عيد الغطاس - والذي يأخذ في مصحة سالبيتريير طابع الأعياد ~~الباريسية. هذا إلى جانب المسرح، الذي تارة يقدم عليه مسرحيات كوميدية قصيرة لممثلين ~~محترفين - مثل ما يحدث في مصحة فيل إفيرارد - أو أيضا بعض عروض الألعاب الخفيفة. بالإضافة ~~إلى مسرحيات يقدمها المرضى أنفسهم، وتكون نسبتها ضئيلة مثلما في مصحة بيجار في السواحل ~~الشمالية: «حيث يحتفل ms371 بأعياد ميلاد مديرة المصحة أو الكهنة الزائرين كمناسبات للترفيه عن ~~المريضات اللاتي يتدربن بالتنافس مع العاملات على تمثيل بعض المسرحيات القصيرة. ودائما ما ~~يتم الترحيب بهذه الجلسات الترفيهية، التي تمتع الممثلات والمشاهدات لمدة ساعات من السعادة ~~تنسيهن مدى تعاستهن.» # في مصحة شارنتون، يعد المسرح مؤسسة فعلية، تعود بطريقة ما إلى دور الاحتجاز وفقا للنظام ~~القديم وإلى ساد، الذي - على الرغم من احتجازه ككاتب إباحي على حد وصف خطاب رسمي ~~مختوم # 28 ~~- أصبح خلال حكم الإمبراطورية الثانية مخرجا لعروض مسرحية، بينما كان فرانسوا دو ~~كولمييه مديرا للمصحة في ذلك الوقت، وكان من المحبين لها بصورة خاصة. إلا أن إسكيرول قد ~~انتقد بوضوح هذه العروض، حتى وإن لم يمثل فيها المرضى بأنفسهم: «إن المريض بالسوداوية يتأثر ~~بكل ما يصدم حواسه، ومن ثم سيتحول إلى غذاء لهذيانه، أما المريض بالهوس، فسيستثار من أسلوب ~~التعبير عن العواطف وحيوية الحوار وتمثيل الممثلين.» # 29 # ويضيف إسكيرول أنه في شارنتون: «لم تكن تقام إلا عروض قليلة ولم تتبعها حالات من ~~الهذيان العنيف أو الانتكاسات.» # ولقد استطاع رواييه كولار - كبير الأطباء بمصحة شارنتون والعدو الصريح للمدير دو كولمييه ~~- استصدار أمر عام 1813 بحظر هذه العروض (وأيضا الحفلات)، إلا أنه في نهاية القرن التاسع ~~عشر، عاد المسرح إلى مكانته القديمة في المصحات، وكانت العروض تقدم إما عن طريق ممثلين ~~وإما يقدمها المرضى أنفسهم. في عام 1900، وقف مدير مصحة شارنتون مدافعا: «لم تعقب هذه العروض ~~ولو حالة واحدة من الانتكاس أو نوبات ثورة. ويظهر النزلاء - بعد كل سهرة مسرحية - ليس فقط ~~رضاهم بل ورغبتهم في المزيد. وإذا كان الأمر مختلفا، فإن الأطباء لم يصروا على عودة هذه ~~العروض التي يعتبرها الجميع عيدا حقيقيا .» # 30 # وانتقد أيضا «تلك الأسطورة المبالغ فيها، تلك الأسطورة المقدسة التي ترجع إلى ~~أكثر من قرن!» (متحدثا بالطبع عن إسكيرول). ويشير أيضا إلى سعادة «النزلاء» بهذه العروض ~~التي تشحذ من قدراتهم على التخيل. «لا توجد مؤسسة تهتم بالترفيه مثل المشفى الوطني، الذي ~~يتفنن في إبداع مزيد من ms372 العروض والأعياد والبرامج المختلفة.» وكأن كولمييه بعث من جديد في ~~شارنتون. # وفي خضم هذه الخلافات، كان للموسيقى وضع خاص. ألا يتفاخر الجميع منذ العصور القديمة ~~بالآثار الجيدة للموسيقى واللحن على النفس؟ وعلى نهج الأطباء التقليديين للأمراض العقلية، ~~يبدأ إسكيرول بالقول إن «القدماء بالغوا في تقدير آثار الموسيقى، مثلما بالغوا في أشياء أخرى ~~كثيرة»، ولكنه يضيف أنه يجب عدم إهمالها على الرغم من ذلك. على أي حال، فإن جميع الأطباء ~~اتفقوا على أن الموسيقى - حتى وإن لم يكن لها آثار علاجية مؤكدة - تمتلك تأثيرا ترفيهيا ~~وصحيا على المرضى عقليا. وكانت جميع المصحات تمتلك بالفعل فرقة ومدرسة للموسيقى، مثل مصحة ~~بيستر؛ حيث كون ديزيريه بورنفيل (1840-1909) فرقة من البله والمختلين. وبلغ الأمر أن هناك ~~مصحات تخصصت في هذا الأمر، مثل مصحة كاتر مار؛ حيث تتغير حال العازفين تماما أثناء العزف: ~~«فتتبدل نظرات بعضهم من الكمد إلى الذكاء، بينما يدب آخرون بأرجلهم لتحديد الإيقاع بانتظام ~~وقد اكتسبوا وقفة أكثر اعتدالا وحيوية؛ مما يدل على أن العقل يخضع للتأثير الرقيق ~~للموسيقى.» # 31 # ومما لا شك فيه، أن الموسيقى والدين يتماشيان على الوجه الأكمل، على حد ذكر تقرير عام ~~1874: إن وجود الكنائس في المصحات لا يهدف فقط إلى ممارسة المرضى للعبادة (فرأينا مدى الحرص ~~في السماح للمرضى بهذه الممارسة)؛ وإنما لأن ممارسة العبادة، خاصة بمصاحبة الموسيقى والترتيل، ~~لها أثر نافع لعدد من المرضى. وبالتالي، تمتلك الكنائس مكانا للموسيقى في معظم ~~المستشفيات. # الساحات # ولكن من هم هؤلاء المرضى عقليا؟ سيحين قريبا وقت دراستهم من الناحية الطبية (ففي ~~النهاية، هذا هو سبب احتجازهم في مصحات الأمراض العقلية)، ولكن لنلاحظ أولا كيف يبدون داخل ~~المصحة. على غرار بول كلي - صاحب عبارة أن الفن لا يعيد إنتاج ما هو مرئي وإنما يجعله مرئيا ~~بالفعل - استطاع قليل من الكتاب أن يجعلوا من المرضى في المصحات العقلية أمرا مرئيا. فقد ~~استيقظ، يوم السبت الرابع من أكتوبر 1856، جول باربي دورفيلي مبكرا؛ لأن الدكتور فاستيل - ~~كبير الأطباء بمصحة بون سوفور - «سيريه بعض المجانين»، ms373 وعلى وجه الخصوص الفارس دي توش، ~~ويريد دورفيلي كتابة قصة حياته. اجتاز باري ساحات المناطق المختلفة المخصصة للرجال: «كما أنه ~~في الواقع الإنساني، تكون العواطف الكبرى نادرة، فإن حالات الجنون العنيف هي الأقل شيوعا بين ~~مرضى المصحات العقلية. كان أكثر ما صدمني، بل واخترقني وترك في نفسي انطباعا لا ينسى، هم ~~المجانين التعساء. كان هناك الكثيرون منهم بين المرضى الآخرين البله الذين لا يكفون عن ~~الثرثرة والابتهاج، وكانت لديهم حالة من اليأس والضعف والكآبة ذكرتني ببعض الأبيات التي كتبها ~~دانتي في «الجحيم»، من بين كل الأشياء الحزينة، لم أر من قبل ما هو أكثر حزنا من ذلك. كانت ~~أوضاعهم غريبة جديرة بأن يدرسها نحات! وكأنهم عمدان أو أضرحة! كل هذا يلتحف بطابع أسميه - دون ~~أن أقترب من التعبير بالفعل عما رأيته - حدة الألم التي تتخطى الإنسانية. إنها بالفعل تتخطى ~~الإنسانية؛ لأن الإنسانية قابعة في نطاق الذكاء والإشراق. ما أعجب هذه الجبهات المنحنية ~~والأعناق الممدودة على الصدور، والأيدي المتشابكة فوق الرءوس، وطرق الجلوس على الأرض أو ~~الالتصاق بالجدار أو إخفاء الوجه بين الكفين أو الركبتين! ~~[...] في النهاية، رأيت البطل الذي أريده، الذي أتيت خصيصى إلى المصحة لمقابلته. كان جالسا ~~على مقعد حجري أسفل رواق المعرض الذي يضفي على المصحة طابع السجون القديمة. جاءه الطبيب ~~وناداه باسمه، فنهض من مكانه وحيانا بأدب جم، وأراد الطبيب - الذي استمر في محادثته - أن يبين ~~لي ماذا أصبحت حال هذا العقل الذي أطاحت به طلقات الرصاص، والذي تساوي لديه الآن طلقة واحدة ~~ما هو أفضل من الحياة. كان دي توش فاقدا للعقل تماما، ولكنه كان من القوة البدنية أبعد ما ~~يكون عن البلاهة [...] تركناه وهو يهلوس، ولكن بعبارات منتقاة، بسيطة وصحيحة، وكأن التربية ~~القديمة تفرض لغتها حتى على الجنون. تركنا بأدب، مثلما استقبلنا، عاد إلى مقعده أسفل القنطرة ~~الحجرية. عدت لرؤيته مرة أخيرة، كان هادئا، وإن زادت سرعة تنفسه، كانت عيناه - الزرقاوا ~~اللون مثل البحر الذي طالما تأمله في فترات الهدوء والعاصفة والضباب - مثبتتين في شرود ms374 على ~~أسوار الحديقة المزينة بالورد الأحمر، وإن لم يبد عليه أنه كان يراه أصلا! ~~[...] ومن أكثر المشاهد المؤثرة التي عدت بها من هذه الزيارة - وهي من أكثر ما أثارني - ~~كانت هيئة كاهن شاب وحالته وجنونه الهادئ غير الملحوظ، كان يبدو كأنه يحلم، وليس كمن هو مصاب ~~بالجنون، مستندا إلى الحائط في الحديقة حيث الشمس فقط. كان الجو به غيوم - كما أحبه بالضبط - ~~وكان يتماشى مع زهور الحديقة ومع هذا الشخص الهادئ. كان طويلا وكان لونه أبيض شاحبا مرتديا ~~طاقية من المخمل الأسود، وكان في حالة من الاستسلام والتيه، وإن بدا عليه التفكير ... ولكن ~~يفكر في ماذا؟ كان هذا هو الكاهن إم ... لم أرد أن أسأل الطبيب عن جنون هذا الكاهن الشاعر ~~الذي يبتسم للحائط. كان يمسك بكتاب صلواته بجانبه بيده البيضاء النحيفة المليئة بالعروق ~~الزرقاء الضعيفة [...] بدا لي وكأن الملاك الحارس لهذا الكاهن واقف على الناحية الأخرى من ~~المقعد، ينظر إليه بعينين ملائكيتين دامعتين.» # 32 # وفي سجل آخر، يبين الدكتور سيلين: «كانت المصحة تسمى في المكاتبات «دار الشفاء» بسبب ~~الحديقة الكبيرة التي تحيط به؛ حيث يتنزه المرضى خلال الأيام ذات الجو الجميل. كانوا يتجولون ~~هناك ويبدو عليهم أنهم يحافظون بصعوبة غريبة على توازن رءوسهم، كمن يخشى باستمرار سكب ~~محتوياتها إذا سقطت. وداخل هذه الرءوس كانت تتصادم كافة الأشياء الغريبة والشاذة التي يتمسكون ~~بها بضراوة [...] ولم تكن إمبراطورية بأكملها قادرة على نزع هذه الأفكار من عقولهم. فالشخص ~~المجنون هو شخص له ذات أفكار الشخص العادي ولكنها حبيسة رأسه [...] في بعض نوافذ قاعات الطعام ~~التي تطل على الشارع، كان بعض المجانين يصرخون أحيانا أو يثيرون المحيطين بهم، إلا أن الفزع ~~الأكبر كان يبقى قابعا في الداخل. كانوا ينشغلون به ، ويحتفظون به في مواجهة كافة المحاولات ~~العلاجية. كانت هذه المقاومة هي شغفهم» (رحلة حتى نهاية الليل). # عانى هؤلاء المرضى طويلا من الصدمة النفسية لأولى ساعات الاحتجاز. ربما تكون هذه هي ~~اللحظة الأسوأ حين يكتشف المريض المرضى الآخرين. ويستشعر الفزع من رؤية الناس تعامله ms375 كمجنون، ~~بل وحين يكتشف نوعا ما جنونه بالفعل؛ كل شيء يشكل ضربا من الرعب: أصوات المفاتيح والأقفال ~~والصراخ والحبس. ويكتب كاهن محتجز في مصحة بون سوفور في عام 1854: «يعذبني ما أراه كل يوم ~~وتؤرقني بشدة الصرخات التي أسمعها. ماذا أفعل وسط هذه الضجة وهذا الصخب؟» أما عن مريض آخر ~~أعيد احتجازه: «فأكثر ما يخشاه هو أن يوضع مع المرضى التعساء المصابين بالهذيان ويسبون ~~أثناء نوباتهم ... إلخ.» # لا يعتقد الكثير من المرضى أنهم مجانين، ويتساءلون عن سبب وجودهم في المصحة؛ «لأن مصحات ~~الأمراض العقلية ليست مصممة لتضم من لديهم وعي كامل بما يفعلونه.» # 33 ~~«أعيش بين ما يقرب من مائة رجل، بعضهم بله تماما وآخرون مجانين يصرخون ويومئون ~~ويصيحون، إنه جحيم يصيب بالجنون الشخص السليم. أنا لا أنتمي إلى هنا.» # 34 # ولكن الأمر هنا لا يتعلق إلا بالمحتجزين الذين لديهم القدرة على إدراك ما يحدث حولهم. ~~فهناك الكثيرون يصلون في حالة من الهذيان الكامل مثلما توضح محاضر استقبالهم: «لا أخشى شيئا ~~من أعلى، فأنا أمتلك أوامر البركة واللعنة.» وهناك مريض آخر يظن نفسه «الإله، ابن الله الأبدي ~~وشقيق المسيح.» كان يسير عاريا في طرقات بايو، إلى أن قابله شرطيان. ويصل مرضى آخرون في حالة ~~مفزعة: «جاء أحدهم عاريا لا يغطي جسده بالكاد إلا بقايا ملابس، ولحيته غير مهذبة تصل حتى ~~بطنه، وشعره مفرط الطول في حالة فوضى كاملة يغطيه كمعطف. كان يعيش منذ فترة طويلة في العراء، ~~فارا من الأماكن المأهولة بالبشر.» # 35 # وقد يأتي مرضى مغطون بالكدمات. كان هناك مرضى مصابون بهياج يجرى تقييدهم حتى ~~تمزق القيود جلدهم؛ وهو الأمر الذي كان يسارع أطباء استقبال المرضى بتسجيله بوعي كامل لإخلاء ~~أي مسئولية عن المصحة. وتجدر الإشارة إلى أن أطباء الأمراض العقلية لم يكونوا يرون في جميع ~~الداخلين مرضى بالفعل: «يبدو هذا الشاب متشردا وقحا وكسولا ذا هيئة قذرة، ولكن صحته ~~النفسية سليمة.» # وبعد ملاحظة شكلية، يدخل المرضى إلى المنطقة التي يحددها لهم الطبيب. في عام 1879 في مصحة ~~بون سوفور ms376 (تضم حينها 1129 مريضا)، كانت النساء الأكثر عددا، حتى بلغ عددهن ستمائة وستا ~~وستين مريضة. وكان الجناح الكبير المسمى نوتردام يضم أربعمائة وثلاثا وعشرين مريضة وإحدى ~~وعشرين راهبة، موزعات على ما لا يقل عن عشر مناطق: الهادئات (ثلاثة أقسام) والمصابات بشبه ~~هياج، والمصابات بهياج كامل وخرف، والثائرات، والمريضات بالصرع، ومن في مرحلة النقاهة، ~~والمريضات (قسم التمريض)، والعاجزات والأطفال. بينما حاول جناحا النزلاء إدخال تصنيف يقتصر ~~على الهادئات والمصابات بشبه هياج، والمصابات بهياج كامل. بالنسبة إلى الرجال؛ الذين بلغ ~~عددهم أربعمائة وثلاثة وستين بالإضافة إلى اثنين وخمسين حارسا وست وعشرين راهبة، فإلى جانب ~~جناحي النزلاء، كان التقسيم كما هو مع زيادة منطقة واحدة للمصابين بالهياج وأخرى للتمريض تضم ~~العاجزين والمرضى. # تمتلك كل منطقة ساحة أو فناء (ساحة محاطة بممرات مفتوحة). قد تكون هذه الساحة أو الساحات ~~صغيرة. وهناك يكون المكان الذي تتبدى فيه مظاهر الجنون. «خلف الممرض، اجتزت ممرات وساحات أكثر ~~كآبة وإهمالا من تلك التي أودعت فيها. قبع فيها بقايا البشر يئنون ويومئون ويصطدمون في ~~تحركاتهم الفوضوية. جلس اثنان أو ثلاثة على مقاعد بعيون ثابتة وذهن شارد يتفوهون بصوت أجش ~~بعبارات ناقصة تصاحبها حركات غير مفهومة. وفي أحد أركان التقسيم الرابع، لم نستطع المرور بسبب ~~شجار نشب بين المرضى والممرضين. كان أحد المرضى قد تشاجر مع آخر، ورقد على الأرض في حالة من ~~اللاوعي، بينما اختفى خصمه. وخلفه هرع ثمانية رجال ليقيدوه بسترة المجانين.» # 36 ~~«للوهلة الأولى، نعرف في أي منطقة نحن بمجرد دخول الساحات، فلا داعي لسؤال الحارس عما إذا ~~كنا في منطقة المرضى المسالمين أو المصابين بالهياج؛ فالحديقة وحدها مؤشر كاف. فالحديقة ~~المخصصة للمجانين المسالمين تكون نظيفة، ذات حشائش خضراء لا تدوسها أقدام المتنزهين [...] يتحدث ~~فيها المرضى فيما بينهم ويقرئون ويحيون من يمر، أما تلك المخصصة للمصابين بشبه هياج، فتكون ~~نصف مزروعة وتندر بها الورود؛ حيث يتمرغ المرضى على العشب. أما بالنسبة إلى المصابين بهياج ~~كامل، فتكون الفوضى هي السائدة في الحديقة؛ فتنتشر الرمال العالقة بأقدامهم في الممرات، ms377 ~~وتتقاطع على الحشائش ممرات رسمتها أقدام المرضى المصابين بهوس السير من الصباح إلى المساء، ~~دائما على الخط نفسه، مثل الحيوانات المفترسة حبيسة الأقفاص. بينما تأخذ بعضهم البلاغة، ~~فيمضون يتحدثون بطريقة مسرحية ويكررون العبارات نفسها دون توقف. ويسير آخرون خافضي الرءوس في ~~حالة من التعاسة وأيديهم معقودة على صدورهم بفعل سترة المجانين.» # 37 # ويمثل مرضى هوس السير بالطبع فئة من نوع خاص: «خايلني شيء يسير بسرعة ويغير اتجاهه بسرعة ~~من طرف الغرفة، ويستكمل مساره حتى يصل إلى الركن الآخر، ثم يغير من جديد اتجاهه من زاوية إلى ~~زاوية إلى ما لا نهاية. كان الرجل الذي يسير هكذا مرعبا، يسير باندفاع شديد بخطوات خفيفة ~~تشبه الحيوانات الحبيسة التي تسير على خطاها نفسها حتى تصل إلى نهاية القفص وتكتشف أنها لا ~~يمكن أن تمضي أكثر من ذلك.» # 38 # ويتم تشبيه مكان مرضى هوس السير - بالمعنى الحقيقي للكلمة - ب «كهف الدببة»: «انظروا! - ~~قال زميلي - إنهم يزينون كهف الدببة. فقلت: «كهف الدببة»، انتبه إذن! فأمام كبير الأطباء ~~والممرضات لا يوجد سبيل للمزاح! إذا أردت أن تستنشق الهواء، فقل: «أنا ذاهب إلى الساحة» أو ~~أفضل قل: «أنا ذاهب للخارج.» وتعتبر الساحة أيضا نوعا من السجن [...] يسير في كافة أرجائها ما ~~يقرب من عشرين محتجزا، يضطر حارسان إلى البقاء في القاعة، في حين يتنزه الاثنان الآخران ~~بملابسهما البيضاء وبوجهيهما وافري الصحة بين قطيع المرضى البائسين. كان يبدو على الجميع كمن ~~يتنكر لحضور أحد الكرنفالات، فكان ثوب الراهبات موحدا تقريبا بلونه الأزرق الباهت مضفيا ~~على أشكالهن نوعا من الفكاهة [...] وفي خضم هذه التعاسة البشرية، رأيت نظرات ميتة أو مضيئة، ~~نظرات مقلقة أو أخرى توحي بسذاجة خادعة، وابتسامات ساخرة تثير الخوف. ولكنني إذا ما رأيت ~~وجها يبدو لي هادئا وسط هذا الفناء كنت أتساءل عن الهلاوس المفزعة التي تختبئ خلف هذا ~~القناع، مثل تلك المنازل الهادئة التي تخفي في داخلها أعمال السكر والعربدة.» # 39 # لا يوجد مريض يشبه الآخر، فلا يوجد هذيان يطابق الآخر. وإذا رغبنا في المبالغة في ms378 ~~التصنيف، فيجب أن يكون لكل ساحته ومنطقته الخاصة به. «يظلون ثلاثين شخصا منعزلين، وليس ~~مجموعة واحدة، ثلاثين مجنونا تعسا وحيدا في كراهيته الواعية، كل منهم يحتمي في جنونه ~~وبؤسه اللذين أصبحا بالنسبة إليه صورة وجهه وقبحه.» # 40 # لنتطرق الآن إلى ساحات المرضى المسالمين، حيث يسعى المصابون بالكآبة وعقدة الاضطهاد ~~وذوو النزعات الروحية إلى الوحدة، فلا يتنقلون ولا يعملون ولا حتى يأكلون إن لم يخبرهم أحد. ~~لدى النساء، كانت هناك مريضة «تجلس دائما القرفصاء في أحد الأركان بحجة رعاية أبقارها». ~~بينما «ترقد الأخرى على المقعد في الحديقة طوال اليوم، وبمجرد رؤية الطبيب تهرع إليه وتسير ~~معه متمتمة بكلمات غير مفهومة». كثيرون منهم - رجالا كانوا أو نساء - يتجولون في صمت ~~كالأشباح، يتحدثون أحيانا مع كائنات غير مرئية، يقفون دائما في مكان معين في الممر أو ~~الفناء ولا يبرحونه أبدا. بينما يقوم آخرون بجمع الأشياء الصغيرة من الأرض، ويلتقطونها ~~كأشياء قيمة. وهناك مرضى يمكثون دائما بالقرب من الأبواب يتصيدون لحظة الهروب. (نجح أحد ~~المرضى بفعل تمثيله لمشهد الهروب كل يوم أن يقنع الحراس بتجاهله، حتى تمكن من الهروب بالفعل.) ~~ويظل آخرون صامتين تماما حتى إن وجه إليهم أي حديث، ويكون أهدأ أنواع المرضى هم من يظنون ~~أنفسهم موتى بالفعل. # لا يعرف الكثير من المرضى وضعهم بالفعل، حتى أولئك الذين يعتادون عليه: «لا يوجد لديه أي ~~إدراك للمكان، ولا ينفك يشكر الرجال الطيبين الذين يؤوونه ويطعمونه دون أن يطالبوه ~~بالمقابل» (1874، مريض يبلغ من العمر سبعين عاما). ويقول كبير الأطباء عن هذا المريض، البالغ ~~من العمر ثمانية وأربعين عاما: «إنه يظن نفسه في فندق يقيم فيه حتى إقلاع السفينة التي ~~أوفدها إلى الهند.» أما عن هذا المريض ذي الثمانية والأربعين عاما من نزلاء مصحة بون سوفور، ~~فهو يظن أنه يقيم في «منزل ريفي ساحر». # عادة ما يندرج المصابون بالخبل العقلي ضمن المرضى المسالمين غير المؤذين، لدرجة أن ~~الأطباء ظلوا لفترة طويلة يقولون: إن مكانهم هو دار رعاية المسنين وليس مصحة الأمراض العقلية. ~~إلا أن هذا ms379 ليس صحيحا دائما. «إنهم يجلسون معظم الوقت على كراسي كبيرة تتناسب مع عجزهم ~~المهين، غير شاعرين بشيء، وقد عادوا إلى الطفولة الأولى عبر طريق طويل كانت كل خطوة فيه ضربا ~~من المعاناة، ولكنهم لا يزالون أحياء، كان هذا هو كل ما يمكن أن يقال. وإذا طرأت عليهم مؤقتا ~~عودة يائسة للنشاط، واستجمعوا شيئا من قوتهم الخامدة، فإنما يكون هذا لمحاولة إشعال النيران ~~في فرشهم المصنوعة من القش أو خنق حارسهم؛ أي إنه حتى في هذه الحالات يكون المجنون خطيرا. ~~إنه مشهد أليم: أيمكن أن تموت الروح قبل الموت الفعلي؟ [...] منذ بضعة أعوام، كنت في زيارة ~~لمصحة للأمراض العقلية وتوقفت لأشاهد شيئا ما اتضح لي أنه امرأة. كانت جالسة كحطام على كرسي ~~ضخم - إنه أمر مؤثر - وكان اللعاب يسيل من شفتها السفلى، وارتفع جفنها بالكاد عن عينها ذات ~~النظرة المطفأة، ورأسها الحليق يظهر العظام. كان يكسوها جلد مجعد، ولها جسم شديد الهزال. ومن ~~وقت لآخر كانت تقول بصوت أجش مسكين: «آه، آه، آه»!» # 41 # ويعتقد العديد من الأطباء أيضا أن مكان البله والمختلين عقليا هو دور الرعاية، وليس ~~مصحة الأمراض العقلية. يكتب ماكسيم دي كامب عن البله الشباب في مصحة بيستر: «عندما نشاهدهم ~~نرى خطأ الخليقة الواضح، ونتساءل لماذا فرضت الحياة على مثل هذه الكائنات المحكوم عليها ~~بالبقاء في هذا اللاكيان الدائم؟!» # 42 # عادة ما يجري احتجازهم في سن صغيرة، ولذلك يحطمون أرقاما قياسية في البقاء داخل ~~المصحة (نصف قرن في بعض الأحيان). وينتهي الأمر بالنسبة إلى بعض منهم بالحصول على وضع «مميز» ~~داخل المصحة؛ مثل ذلك الأبله في مصحة بون سوفور الذي حصل على مكان مشمس مخصص له منذ ثلاثين ~~عاما. وقد تمتد حريات التحرك داخل المصحة إلى كافة أرجائها، بل وقد تفوق حريات الحراس الذين ~~لم يعودوا يراقبونه . ثم سرعان ما نهبط إلى أسفل سلم الحريات: هناك مرضى في مناطق المسالمين لا ~~يخرجون في الصباح والظهيرة إلا للعمل، وهناك أيضا المصابون بالخرف ومرضى الصرع والمصابون ~~بالهذيان الشديد الذين يحظر ms380 خروجهم من منطقتهم، بالإضافة إلى المرضى الشديدي الهياج الذين لا ~~يبرحون غرفة العزل الخاصة بهم؛ أي هبطنا من بضعة هكتارات إلى بضعة أمتار مربعة ... # وإذا كانت الساحات المخصصة لمرضى الصرع والخرف هادئة في أغلب الأحيان، فإنها تحتاج إلى ~~مراقبة خاصة؛ فالمصابون بالصرع قد يسقطون من أعلى ويصابون بجروح خطيرة، دون إغفال ميلهم للضرب ~~ولا سيما قبل وبعد نوبات الصرع. فيما يتعلق بالمصابين بالخرف، فإن ميلهم للجنس - الليلي في ~~أغلب الأوقات - قد يصبح نهاريا أيضا. كما يوجد مرضى «قذرون» يلعبون بإفرازاتهم، فيلطخون ~~أنفسهم بها ويلوثون الجدران، ولكن دون ضوضاء أو صوت. وفي بعض التقارير الطبية في بداية القرن ~~العشرين، يتم التحايل على مرض «الخرف» بالقول بأنه «اضطراب السلوك الخاص بالعضلة ~~العاصرة.» # في ساحات المصابين بشبه هياج أو بهياج كامل، سنجد مرضى واقعين فريسة لهذيانهم؛ فهناك ~~المرضى ذوو النزعة الدينية، نجدهم جاثمين يصلون أو يردون على الرؤى والظهورات. فها هو مختل في ~~الثالثة والسبعين من عمره يدعي: أن الله يأتيه يحادثه ويعزيه ويرشده، وأنه يسمع صوت العذراء ~~مريم، وأنه يتناول الأسرار المقدسة في روما أثناء أحلامه. ويقضي اليوم كله يتمتم بصلوات ~~ومسبحته في يده. ومريض آخر يبلغ من العمر سبعة وثلاثين عاما ظن أن «الله يدعوه ليأتي معه، ~~فما كان منه إلا أن التحف بملاءته وقفز داخل المدخنة.» # 43 # هناك هلاوس متعددة، ولكنها عادة ما تكون سمعية، مثل تلك المريضة ذات التسعة والثلاثين ~~عاما، التي «تسمع أصواتا بالليل وأثناء النهار، تأتيها العصافير لتحادثها؛ ولذلك فهي تغلق ~~فمها بيديها لكيلا تدخله هذه العصافير.» وأحيانا ما تكون الأصوات التي تسمع قادمة من ~~الساحة سبابا وتهديدا ولعنات؛ لأن زوجها وأولادها ماتوا غرقا. وكثير من المرضى يسمعون ~~خطوات الجلاد الذي جاء لأخذهم وقيادتهم إلى المقصلة، بينما يسمع آخرون أجراسا تدق بأسمائهم، ~~ولكنه ليس بالرنين المبهج. # وقد تكون الهلاوس حسية أيضا: «عند التنزه بهذا المريض ليلا، كان يعتقد أن مبنى ~~التمريض كله يسير معه.» وقد يرى بعض المرضى أشياء غريبة تتحرك في السماء. «هناك مريضة يعيش ~~والدها ms381 في منزله، ولكنها تراه وتتحدث معه.» عادة ما تكون هذه الهلاوس الليلية المخيفة مرتبطة ~~بإدمان الخمور: «هناك حيوانات تنزل من السقف وتأكل قدمه، أو أن أحدا يدق مسامير في نعوش، أو ~~يقطع جثث الموتى.» بينما يظن أحدهم أن فمه مليء بدبابيس تجعله لا يتوقف عن البصق. أو أن أحدا ~~وضع ثعابين في فمه؛ ولذلك لا يستطيع أن يأكل أبدا. وأن هناك من يرسل إلى أحدهم روائح كريهة ~~عبر الأرض، وإلى آخر شحنات كهربائية (في بداية القرن العشرين، كانت الكهرباء موضوعا ~~مفضلا)، «فكان يعذب بالكهرباء والكيمياء، وكان معذبه يقيم في قبو كبير أسفل قاعة ~~المرضى.» # ما بين المصابين بالهياج الدائم أو ذوي النوبات العرضية، كان المرضى بشعور الاضطهاد هم ~~الأكثر عددا، وتتفاوت موضوعات هذيانهم إلى ما لا نهاية. فالشياطين وأشباح أهله المتوفين ~~والماسونيون واليسوعيون والجيران والأقارب، كلهم شخصيات ترتبط بضياع المريض بالهذيان، وتطارده ~~باستهزائها، تدخل غرفته ليلا عبر ثقب في السقف وتضربه وتحرقه، وتقتله ببطء. «إنهم يريدون ~~الانتقام منه، يطاردونه؛ ولذلك يسمع المريض دائما أصواتا وصليلا وبصقات من خلفه.» فهذا ~~التاجر اليائس لا يتوقف عن الصراخ: «لقد انتهيت، انتهيت، انتهيت! في أوروبا كلها، لا يوجد من ~~هو محطم مثلي!» وتشتكي هذه المريضة ذات التسعة والستين عاما من كونها تحمل أختها المتوفاة ~~طويلا على ظهرها. وبعد الإفراج عنها و«شفائها»، أصيبت بانتكاسة بعد ثلاثة أشهر، معتقدة الآن ~~أن أختها في رأسها. أما هذا المريض ذو التسعة والعشرين عاما والمحتجز عام 1881، فهو يعتقد ~~«أن هناك شخصا آخر داخله يتكلم عنه ويملي عليه تصرفاته ويعذبه ويجعل منه أضحوكة.» في عام ~~1922، كانت هناك مريضة تشتكي من «أن جسدها بداخله رجل صغير يضايقها». # كل هذا إلى جانب المرضى المصابين بأفكار العظمة والثراء. «فهذا مطرب في الأوبرا، وهذا ~~لواء، بل إمبراطور يعتلي عرشا من ذهب»، «وهذا إله ، يمتلك الأرض بأسرها»، «وبسمارك يعمل لدى ~~هذا كمساعد، واشترى له روسيا؛ ولذلك فعليه أن يرسل له مائة مليون.» دائما ما تكون محاور ~~جنونهم مبالغا فيها، ويتكاثر المليارديرات مع الأباطرة على نحو ms382 طريف، مثل هذا المريض البالغ ~~من العمر واحدا وأربعين عاما والمحتجز منذ عام 1890، والذي يعتقد أنه تعرض لسرقة «عدة ~~مليارات بالإضافة إلى زوج من الأحذية الجميلة.» ففي مثل هذه الحالات قد تمتزج هلاوس العظمة ~~وعقد الاضطهاد بسهولة، مثل هذا المريض ذي الأربعين ربيعا المحتجز عام 1880، والذي - بالإضافة ~~إلى اعتقاده بأنه مايكل أنجلو (كان رساما على ~~الزجاج في الحياة الواقعية) - كان يظن أنه سيد الكون، وكان يقول «إنهم سيرون قريبا، وإنه ~~يجب أن يعترف الجميع بأنه القدير.» وبما أن أحدا لم يتعرف به، تبدأ فكرة الاضطهاد بالسيطرة ~~عليه، ولا يكون عبارة عن اضطهاد سلبي يقوم على الشكوى، وإنما اضطهاد فعلي وانتقامي. ومن ثم ~~ظهر نموذج «المعذب-المعذب» التقليدي الذي ينطبق على قسم المصابين بالهياج (فالحراس لا ~~يقسمون المرضى إلا إلى مصابين بالهياج وغير مصابين بالهياج). # يصرخ ضحايا الهذيان ويومئون بإشارات مجيبين على هلاوسهم، حتى وإن رفضوا الاعتراف بهذا. ~~فيقلبون ملاءات السرير ويمزقون مراتبهم؛ بحثا عن محور هلوستهم، ويتمرغون في التراب أو في ~~الطين بحسب الموسم. يجرون فجأة بين الممرات وهم يصرخون أن الشيطان يطاردهم ليحملهم إلى ~~الجحيم، وتكون صرخاتهم مفزعة ومخيفة. في بداية الخمسينيات، كان من يمر بالقرب من مصحة للأمراض ~~العقلية، يعرف أن هذا المكان مخصص للمجانين: بسبب الصيحات التي تارة تكون متقطعة وتارة أخرى ~~تتوالى كعاصفة من الصراخ. # يتنقل المرضى المضطربون من منطقة إلى أخرى، وينتهي المطاف بالأكثر هياجا بينهم مربوطين ~~بسترات المجانين أو محتجزين في زنزانة؛ أي ينتهون إلى معرفة ما يسمى على استحياء ب «الالتزام ~~الأخلاقي» عن طريق اختبار الوسائل العقابية المتنوعة. كما يمكن نقل بعض المجانين إلى مصحات ~~أخرى، على الرغم من رفض المصحات استقدام المزيد من المرضى الذين تكتظ بهم جدرانها. ولقد وقعت ~~حادثة عجيبة في مصحة بون سوفور عام 1872، حينما احتجزت شابة تبلغ عشرين عاما. ومن المعروف ~~أن المشاعر العاطفية تخبو لدى المرضى بدليل لامبالاتهم بزيارات عائلاتهم. إلا أن والدة الشابة ~~احتجزت هي الأخرى في المصحة، والتقت المرأتان في ساحة المريضات المسالمات. ولقد استحقت هذه ms383 ~~الحادثة أن ترد في تقرير: «أثبتت هذه الفتاة التي التقت والدتها في مصحة بون سوفور خاصية ~~شديدة الندرة، وهي أن المشاعر العاطفية لم تختف عند الأم ولا الفتاة؛ مما نتج عنه مشاهد ~~حانية يومية كانت تتسبب في اضطراب باقي المصحة؛ الأمر الذي تطلب نقلها إلى مصحة بيجار.» كان ~~من الصعب بالطبع عزل كل من المرأتين في زنزانة بسبب الحنان. ~~«الالتزام الأخلاقي» ~~«هناك عدة تساؤلات تطرح نفسها؛ أولا: هل معاقبة المريض عقليا أمر شرعي؟ ثانيا: هل من ~~المنطق أن يعاقب مريض عقليا؟ إنه لا يعي أفعاله، ومن ثم فهو ليس مسئولا ويجب عدم ~~معاقبته. تعد الرغبة في تطبيق هذه القاعدة مبالغة شديدة داخل المصحات. بالطبع، من غير ~~المعقول، بل من اللاإنسانية توقيع عقوبة شديدة على المرضى عقليا بسبب الأفعال التي ~~يرتكبونها. إلا أن غالبيتهم - في معظم الحالات - يعرفون جيدا أنهم يرتكبون عملا رديئا ولا ~~يوجد علاج نفسي أو تأديب ممكن إذا شعروا بذلك.» # 44 # وسنلاحظ عودة مصطلح «العلاج الأخلاقي» مرة أخرى على استحياء، ولكنه مصحوب هذه ~~المرة بنوع من الالتزام بأن تكون وسائله متنوعة ومتدرجة من حيث الشدة. في البداية، يأتي ~~التوبيخ، والحرمان من التبغ أو التنزه أو من بعض الحلوى في الطعام أو من أي خرق للائحة أو ~~لنظام الزيارات والعمل. كما يمكن نقل المريض المتمرد من منطقة المسالمين إلى منطقة المصابين ~~بالهياج، بل والخرف، ولكن كثرة ممارسة هذه الطريقة كانت تتعارض مع فكرة تصنيف المرضى الذي ~~يقوم على قاعدة طبية وليس تنظيمية. ولكنها كانت بالفعل عقابا رهيبا، ما عدا هذا المريض ~~البالغ من العمر ثمانية وستين عاما والمصاب بهلاوس العظمة (1881): «إنه لا يسعد إلا في صحبة ~~المصابين بالهياج، على الأقل - على حد قوله - يوجد من يتحدث!» # لا يتم الانتقال إلى الوسائل الأخرى القمعية بالمعنى الحقيقي للكلمة إلا بعد فشل كل هذه ~~الطرق. عندما يصاب المريض بنوبة هياج غاضبة ومفاجئة، فيبدأ بسب الحراس والطبيب، ويهجم على ~~زملائه، أو في حالات المصابين بالميل إلى التعري أو المصابين بهوس ممارسة العادة السرية. ms384 ~~عندها لا بد من القيام بشيء، وهذا الشيء يكون سترة المجانين، المصنوعة من قماش قوي للغاية، ~~وهي عبارة عن قميص مفتوح من الخلف بأكمام طويلة تتشابك من الأمام وتربط خلف الظهر. بهذه ~~الطريقة، تمنع حركة اليدين، لا الساقين. ويمكن تثبيت سلسلة من العنق تتيح ربط المريض بفراشه ~~أو في سور الساحة. إلا أن استخدام السترة ليس من دون خسائر، فهو يسبب جروحا خطيرة في الجلد ~~الذي يحتك بالقماش القوى، بل وقد يتسبب في مشاكل بالتنفس؛ ولذلك، يوصى بعدم ارتداء السترة ~~لفترات طويلة، على الرغم من كثرة استخدامها في المصحات الفرنسية (على عكس المصحات البريطانية؛ ~~حيث يعوض عن تطبيق سياسة عدم القيود بوجود عدد أكبر من الزنازين). عادة ما يكفي التهديد ~~باستخدام السترة أو أحد مشتقاتها: الكم الإجباري والبنطال؛ والأول هو عبارة عن سترة مصغرة لا ~~تمنع إلا استخدام الأيدي، أما الثاني فهو زي أكثر تعقيدا يغطي الجسم كله، ويمكن تشبيهه بزي ~~عمل ثقيل، ولكنه يسمح بشكل ما بحركة الذراعين في أي وقت. وبدافع طريف من الاهتمام بالجماليات ~~والحياء، «تضاف تنورة إلى زي النساء، لئلا يرفضن ارتداءه.» # 45 # كما يوجد أيضا الكرسي الإجباري، والذي يطلق عليه أحيانا التسمية الجميلة ~~«الكرسي المهدئ»، وكان يسمح، في صورته الأولى، بالسيطرة على المصابين بالخرف والقذرين على ~~مدار يوم كامل. وإذا كان المرضى عقليا بارعين، فأطباؤهم كذلك، بدليل هذه الطريقة لتقييد ~~القدمين للمرضى الذين ينزعون أحذيتهم باستمرار في الساحة المجاورة أو يستخدمونها كسلاح: وهي ~~وضع قفل صغير يمنع خلعها. # كما يظل الدش أو الحمام، سواء أكان باردا أم ساخنا وطويلا أم قصيرا، وسيلة تقليدية ~~للعقاب، أو بعبارات أكثر تهذبا «للالتزام الأخلاقي». أثناء الإمبراطورية الثانية، يتحدث مريض ~~في الكثير من خطاباته الصادرة من مصحة بو: «عزيزتي، خرجت لتوي من إحدى أصعب المحن التي ~~عذبتني، يسمونها الاستحمام الإجباري ، وأرجوك أن تتخيلي الماء وشكله التعذيبي المؤلم بصورة ~~تفوق استخداماته أثناء محاكم التفتيش. تخيلي الصناديق الحديدية الطويلة المملوءة بالمياه ~~المغلية أو المثلجة التي يجلسوننا فيها لخمس أو ست ساعات [...] يقبض ms385 عليك الحراس، ويدفعونك ~~إليها ويرمونك بحيث لا تكون لديك أي فرصة للخروج واضعين فوقك غطاء من الحديد يشبه حد المقصلة ~~[...] كل هذا يضاف إلى صرخات الضحايا الذين يلاقون إلى جوارك العذاب نفسه.» # 46 # ولقد كان الاستحمام بالمياه الباردة بالنسبة إلى هذا المريض ذي الخمسة والعشرين عاما ~~والمحتجز منذ عام 1853، والذي كان «لا ينطق كلمة واحدة ومصابا بالخرف، فسرعان ما أصبح نظيفا ~~متكلما عقب أخذه حماما باردا بعد بضعة أيام (من دخوله المصحة).» # 47 # وبالنسبة إلى هذه المريضة البالغة من العمر سبعة وثلاثين عاما، «والتي تتسبب في ~~إحداث اضطراب ليلا ونهارا داخل المؤسسة، فكان الحمام البارد هو الوسيلة لتهدئتها ~~وإخافتها.» # 48 # كان الخوف الذي يحدثه الحمام البارد في نفس هذه المريضة ذات الثلاثين ربيعا ~~(ورأينا مفهوم المصحة عن الاستحمام) «هو الوسيلة الوحيدة لجعلها مطيعة». # وتبقى وسيلة الحجز داخل زنزانة طوال اليوم؛ وفي تلك الحالة كان يجري إظلام الزنازين أو ~~يتم الحبس فيها ليلا؛ لأنه في انتظار وصول المسكنات كان لا بد من الحفاظ على أكبر عدد ممكن ~~من المرضى مستغرقين في النوم. وقد يمتد العقاب بالإقامة لعدة أيام أو أكثر. ويروي المريض نفسه ~~- الذي اشتكى من تعذيبه بالاستحمام البارد - قصة إقامته في «الزنزانة» بعد أن تشاجر مع كبير ~~الحراس «الذي يتحكم في مصائر المقيمين هناك [...] أكثر ما يعذبني أثناء وجودي في أحد هذه ~~الكهوف، ليس عدم وجود فراش إلا قليل من القش وغطاء خفيف، وليس فقط عدم قدرتي على رؤية شيء إلا ~~جزء صغير من السماء عبر كوة صغيرة ضيقة يغطيها قضبان حديدية، وليس سماعي لأصوات الصراخ ~~والعويل بجواري ليلا ونهارا في الزنازين المجاورة؛ حيث يتشاجر المرضى، لا، ليس هذا؛ إنما هي ~~الرائحة الكريهة والمقززة التي تنبعث من الماء الآسن الذي يتجمع كل يوم والفضلات بكل أنواعها ~~التي تتراكم من الوحوش المحبوسة هنا!» # 49 # في تقرير صدر عام 1874، كتب مفتشو العموم: «نفضل ترك مريض مصاب بحالة هياج يتجول في ~~الساحة مرتديا سترة المجانين أو مكبلا بالأصفاد، عن حبسه داخل زنزانة حتى ms386 ولو كانت مبطنة.» ~~إلا أن الزنازين لم تختف، بما فيها تلك التي تستخدم للحبس لفترات طويلة، كما يوضح هذا ~~التقرير التفتيشي ليومي التاسع عشر والعشرين من أغسطس عام 1930 بمصحة بون سوفور. كان ذلك في ~~منطقة الرجال، «وكانت المنطقة المخصصة للزنازين مختلطة مع تلك المخصصة للمرضى المصابين ~~بالهياج. كانت تتكون من ثماني زنازين قديمة وعلى أدنى مستوى [...] ومن الأفضل ألا تستخدم ~~للإقامة طوال النهار والليل، وأن تكون مخصصة فقط للحبس المؤقت خلال الليل وفي حالات الضرورة ~~القصوى مع بعض الحالات الخاصة. ويكون من الأفضل التخلي تماما عن فكرة استخدامها. أثناء ~~زيارتي، وجدت ثلاثا من هذه الزنازين يقيم فيها مرضى ليلا ونهارا. في إحداها، رأيت مريضا ~~عنيفا للغاية يرقد على الفراش المصنوع من القش، كان هناك منذ سنوات، ويرفض الخروج قطعيا ~~على حد قول الطبيب كوركيه. وسيكون من المستحيل - أيضا على حد قول الطبيب - إخراجه منها ووضعه ~~في وسط مرضى آخرين. وفي الزنزانة المجاورة، كان هنا مريض يمزق كل فراش يقدم إليه، ولكنه ~~جمع القش في كومة واختفى وسطها.» وفي عام 1875، ورد ذكر هذا الأمر - ولو بطريقة رمزية - ~~ولكنه يثبت أن العديد من المرضى يقيمون بالكامل في هذه الزنازين: «يوجد مريض يسعد بإقامته ~~هناك، حتى إنه يصنع لنفسه زيا من القش المضفر.» # 50 # وأقول بخجل، اكتشف المفتش العام عام 1930، وجود سلاسل من الصلب تربط بكاحل ومعصم المرضى ~~الذين يجدون وسيلة لفك قيودهم المصنوعة من القماش أو الجلد. ويقول مدير المصحة وكبير الأطباء: ~~إن المرضى - على الرغم من اضطرارهم للقفز - يفضلون هذه الطريقة عن الطرق الأخرى للتقييد؟ ولقد ~~اكتشف المفتش هذا الأمر الذي ساءه كثيرا. أليست هذه - بطريقة ما - عودة لعصر السلاسل ~~والقيود؟ # في العقود الأولى من القرن التاسع عشر، انتشرت طرق أخرى غريبة للتقييد، ولكنها سرعان ما ~~انتهت. في شارنتون مثلا، كان هناك السرير-الصندوق المصنوع من سلال الصفصاف وكان يوضع فيه ~~المريض المصاب بالهياج، ولا تظهر منه إلا رأسه ويغلق عليه، وكأنه تابوت. وفي الوقت نفسه، كانت ~~هناك نسخة أفقية منه، ms387 يذكرها الطبيب البلجيكي جوزيف جيزلان وتسمى الخزانة-الساعة. ويذكر أيضا ~~- في ألمانيا - حبلين؛ أحدهما مشدود أفقيا والآخر رأسيا، ويجعل المريض واقفا وذراعاه ~~على هيئة صليب بين جدارين. بالطبع، نفضل الاعتقاد بأن «المرضى المضطربين أو المتمردين يعودون ~~إلى حالة النظام بعد قضاء مدة من ثمان إلى اثنتي عشرة ساعة - على الأكثر - في هذا ~~الوضع.» # 51 # في عصر الطب النفسي الرومانسي، كان يستخدم قناع من الحديد الأبيض له وعاء أسفل ~~الذقن ليحتوي اللعاب الذي يسيل من المرضى البله في مصحة تيرلمون ببلجيكا عام 1842. «كان هناك ~~مريض تعس يرتدي هذا القناع باستمرار منذ ستة أعوام.» # 52 # وكان هناك أيضا الكمامة؛ وهي قناع من الجلد الصلب يمنع فتح الفم، ويحول صراخ ~~المرضى الهائجين إلى صمت أو همهمات غير مفهومة # 53 ~~(يذكرنا بقناع هانيبال ليكتر). # رأينا مدى النجاح الذي لاقاه في عهد النظام القديم كتاب الطبيب تيسو عن الاستمناء في ~~القرن التاسع عشر، كان هذا هو هاجس أطباء الأمراض العقلية. فالعادة السرية، سواء مارسها ~~الرجال أم النساء، كانت تبدو كأحد أسباب الجنون. وتتعدد سبل منعها وتتراوح من الدين والتعليم، ~~وحتى الرياضة والألعاب البدنية، مرورا بحمامات المياه الباردة. إلا أنه بدأ التفكير في سبب ~~عدم وجود نوع من القيود أو «جهاز جراحي ضد الاستمناء»؛ ومن ثم، صنعت أزياء ثقيلة مضادة ~~للاستمناء للشباب والفتيات، وأيضا تم اختراع فراش مخصوص ليقيد ذراع النائم أو النائمة في ~~العقود الأولى من القرن التاسع عشر. «في تلك الحالة، كما في الآلاف غيرها، يبدو الطب انبعاثا ~~إلهيا يأتي ليريح البشر ويمنعهم من السقوط في الهاوية.» # 54 # أما هؤلاء الذين يستمرون في هذا الطريق، فلا ينتظرهم إلا التعاسة! كسل ووهن ~~وفقدان للذاكرة وهزال وانحراف الحواس والبله وانقباضات، وأخيرا الجنون: اكتئاب، صرع، خبل مع ~~مؤشرات لما هو أسوأ. مثل هذا المريض بالاستمناء يكون ضحية لجفاف شديد، حتى إنه يمكن سماع صوت ~~مخه يتخبط داخل جمجمته. «أما بالنسبة إلى النساء، فإنهن يسقطن ضحايا مخاوف تتعلق بالرحم ~~تودي بحيائهن وعقلهن أيضا، وتنحدر بهن إلى مصاف الشهوانيات الشرهات ms388 حتى يأتي الموت البائس ~~يخلصهن من الآلام والعار.» «إذا اقتضت الحاجة؛ أي في حالة وجود خطر بالموت الفوري»، يمكن ~~اللجوء في النهاية إلى التكميم (نظام من الأحزمة والمشابك على الأعضاء الجنسية للفتيات أو ~~الفتيان تجعل الانتصاب مستحيلا لدى الذكور) أو إلى الختان، وهو «عملية أقل ~~إيلاما». # 55 # بعد ما يقرب من قرن - في العقود الأولى للقرن العشرين - يرفض الأطباء ومعهم كل الحق مثل ~~هذه الممارسات القديمة والوحشية. إلا أنه - كما رأينا على مستوى الطرق العلاجية - ظلت الوسائل ~~المبالغ فيها تتوالى، حتى وإن لم تتشابه. في سبيل تعويض منع الحبس في زنزانة - الذي يعود بنا ~~إلى عهد النظام القديم وطرقه الرديئة - استبدل بالعزل ملازمة الفراش الإجبارية. في عام ~~1860، اقترح لودفيج ماير من هامبورج معالجة المرضى الذهانيين ذوي الحالات الحادة بطريقة ~~«العلاج في الفراش». انتشرت تلك الطريقة في ألمانيا كلها، قبل أن تجد طريقها إلى فرنسا على يد ~~مانيان في عام 1897. خلال ثلاثة أعوام، اكتسحت هذه الطريقة وسادت في مجال الطب العقلي ~~الفرنسي. «فالوضع في الفراش يجعل من منطقة الزنازين قاعة عادية للمرضى. ومن ثم يزيد من كرامة ~~المريض، ويجعله مثل مريض القلب أو الدرن.» # 56 # ويعرف عن العلاج بملازمة الفراش المستمر أو العلاج السريري تزويده للمخ بالراحة ~~اللازمة في بعض حالات الذهان الحاد، إلى جانب كونه وسيلة للملاحظة. وفي النهاية، فهو أيضا ~~طريقة «للعزل الجماعي» فهو في النهاية إلزام إجباري بالفراش. في عام 1901، تحدث طبيب أمراض ~~عقلية عن نتائج هذا النظام غير الناجحة مطلقا إلا في إخلاء الساحات من المريضات المصابات ~~بالهياج ومن صراخهن عن طريق حبسهن في الفراش. ولكن على الأقل، فإنه قلل من تعرضهن للتقلبات ~~المزاجية. وعن ملازمة الفراش الإجبارية، قال مارك ستيفان - أحد المرضى القدامى لمانيان - إنه ~~«الخمول والوهن الدائم.» # يزداد تعقد هذا الأسلوب العلاجي في حالة هياج المريض لدرجة تجعل هناك اضطرارا إلى تقييده ~~في الفراش. وتعطينا هاتان الشهادتان عن الفراش الإجباري في مصحة سانت آن - حيث أسس مانيان هذا ~~النظام - صورة بعيدة تماما عن فكرة الهدوء ms389 والراحة. نحن الآن في قسم التمريض الخاص: «دخلت ~~في وسط ضجة عارمة تشبه غابة يملؤها الصراخ [...] وحولي من الجانبين صفان من الأسرة، كانت ~~الإضاءة حزينة جعلت كل شيء خامدا. لا توجد حركة، بالكاد رعشة. وكان العويل يجثم حرفيا على ~~هذه السلسلة من الوجوه الملتصقة بالفراش، لم يكن هناك مظهر للحياة عليها إلا الأفواه السوداء ~~التي تبدو وسط الظلال كجروح مفتوحة يتفجر منها غضب عارم. وبمشاهدتي لهذه الوجوه عن كثب أدركت ~~في النهاية سبب ثورتهم العاجزة. كان بعضهم مقيدا بسترة المجانين بقوة لدرجة جعلت أقل حركة ~~مستحيلة تماما، فلم يعد باستطاعتهم إلا الصراخ في نوع من الجنون [...] كانوا جميعا من حولي ~~مقيدين بالسترات يدا ناحية اليمين والأخرى لليسار، والساقان كذلك. وتربطهم بالفراش قطع من ~~القماش السميك. بل وكان بعضهم مقيد العنق برباط يمنعه من النهوض [...] في الساعة الرابعة ~~صباحا، يكون موعد التغيير، فرأيت الممرضين الثلاثة الذين استقبلوني يبدءون في تغيير ملاءات ~~الأسرة. كانت معظم الملاءات ملطخة. وفي نوع من الجمود التام، كان الحراس يغيرون الملاءة ~~ويعيدون المرضى ثانية إلى الفراش. بعد قيامهم بفك المرضى المقيدين، كانوا يربطونهم من جديد ~~إلى فراش آخر قبل المضي لتغيير ملاءته؛ ولذلك كانوا يمرون من وقت لآخر يسألون: ألوثت ~~نفسك؟» # 57 # في عام 1932، ذهب بول ليوتو لزيارة صديق له محتجز بمصحة سانت آن، ولكن في منطقة المرضى ~~المسالمين: «من كل جانب، كان هناك ستة أو سبعة أسرة، ولكن لا يوجد أي كرسي على الإطلاق. وفي ~~أحد الأسرة، صبي جميل، ذو وجه مليح وعينين جميلتين، وبنية قوية، كان يقضي وقته في الصراخ ~~أو في تلاوة القداس أو بعض الأناشيد، ويوجه ابتسامات لمن حوله؛ تارة من على اليمين، وتارة من ~~على اليسار وتارة تهديدات، وفي أحيان أخرى تصيبه حالة من الهياج تجعله يضرب بكفيه على صدره: ~~«أنا ابن الله! اللعنة عليكم جميعا!» ثم يستكمل التراتيل اللاتينية. لم يتوقف المريض البائس ~~عن ممارسة جنونه على الفراش. وكانت تجلس على طرف فراشه امرأة شابة - والدته كما علمت لاحقا ~~- وكلما اقتربت ms390 منه كان يصرخ: «أنت مرة أخرى أيتها العاهرة القذرة، أما زلت تمارسين عملك في ~~الشوارع! لا تقتربي مني وإلا حطمت وجهك!» ثم يستأنف أناشيده وتراتيله [...] وعلى فراش آخر، كان ~~هناك رجل هرم قصير، له وجه ينم عن الذكاء ووجه ورأس حليق يشبه البيضة. كان يرفع ملاءته، كل ~~ربع ساعة، ويبصق على فراشه، ثم ينزل الملاءة ثانية ويربت عليها كمن يمسح بصقته وهو يراقب ~~المرضى بنوع من المكر والسعادة. كان أمرا منفرا! ولوحظ أيضا على هذا المريض، أنه عند ~~اقتراب الممرض من فراشه، كان يفزع فيرفع ذراعه ليحتمي كطفل يستعد لتلقي ضربة قوية. ويدعو هذا ~~الأمر للتفكير فيما يدور داخل هذا المكان عندما لا يكون هناك زائرون. بينما يختفي مرضى آخرون ~~بين ثنايا ملاءاتهم من الرأس إلى القدم فلا يظهر منهم شيء.» # 58 ~~«كلما ازدادت مهارتهم؛ ازداد خوفي منهم!» # هل هذا يعني أنه لا يوجد علاج داخل المصحة، أو بالأحرى لا توجد مصحة؟ كلا! فالعلاج ~~بالمياه كما رأينا يتقدم الساحة دائما، فهناك حمامات والمزيد من الحمامات ... «فالحمامات ~~بالنسبة إلى المريض بالجنون تعد وسيلة ناجحة للشفاء: وينبغي أن تمتلك المصحة كافة أشكال ~~الحمامات، وبوفرة ...» # 59 # وفي مستهل عصر الجمهورية الثالثة، كان يمكن التمييز بين ثلاثة أنواع كبيرة من ~~العلاج بالمياه: المحول، المهيج أو على العكس المسكن؛ أي إنه كان قادرا على علاج مختلف ~~أنواع الجنون. في حالات الجنون المحتقن، توجه دفعات المياه المحولة القوية على المغطس، ~~ومن المعروف أن الأطراف السفلى لها القدرة على إراحة المخ. في حالات الجنون الاكتئابي، تستخدم ~~الحمامات المنشطة القصيرة. «أما في حالات الانقباضات والجنون الموسع، يكون العلاج بحمامات ~~باردة أو بلف المريض داخل ملاءات مبللة. ويكون كل شيء محددا ومعروفا: درجة حرارة المياه ~~وتواتر الاستحمام، زمن الاستحمام الذي قد يمتد لساعات، وحينها كانت الوجبات - نظرا لاستحالة ~~تغيير موعدها - تقدم للمريض وهو في المغطس (والأمر كذلك بالنسبة إلى قضاء الحاجة). ومن ~~جانبه، كان كازيمير بينيل (ابن شقيق بينيل الكبير) يمتد بمدة الحمام في بعض الحالات حتى أربع ~~وعشرين ms391 ساعة، إلا أن المدة المتوسطة تقدر بثلاث ساعات إلى أربع ساعات. وتوجد أيضا الحمامات ~~المصحوبة بالأدوية: القلويات والملحيات والكبريتيات والمخردلات ... بالإضافة إلى حمامات البخار ~~وحمامات التعقيم. # إن العلاج بالمياه، سواء كانت ساخنة أم باردة، في المغطس أم بدفعات المياه؛ له أثر شاف ~~حقيقي من الهوس وجنون النفاس والعصاب، منذ العصور القديمة؛ حيث كان يستخدم الرش بالمياه ~~الباردة بصورة طبيعية وكان يحقق نجاحات ساحقة ...» # 60 # كما يعد «الغمر بالمياه» أفضل وسيلة لعلاج الهذيان والرعشة ومرض الرقاص العصبي ~~والهوس الجنسي و«نوبات الصرع حتى ذروتها»، وأيضا الهستيريا؛ وفي هذه الحالة يفضل استخدام ~~الحمام البارد برشات متقطعة توجه على الجسم كله ما عدا الرأس. ويحذر جوزيف جراسيه (1849-1918) ~~في ثمانينيات القرن التاسع عشر من أن العلاج بالمياه «عملية طبية حقيقية» يجب ألا يمارسها ~~إلا المتخصصون. وبلغ نجاح هذه الوسيلة إلى حد علاج المصابين بالخرف عن طريق حمامات باردة توجه ~~بطول العمود الفقري وإلى البطن. واستطاع بنديكت أوجستين موريل في عام 1850 علاج ما بين خمسين ~~وستين مريضا في الساعة: يقف ستة مرضى بعد حكهم جيدا بإسفنجة رطبة، ثم يخضعون لاستحمام مشترك ~~بواسطة خرطوم الحريق، ويكون الاحتكاك في سبيل تنشيط الدورة الدموية. في بداية حكم الجمهورية ~~الثالثة، وحتى إذا كان استخدام خرطوم الحريق يبدو صادما، فإن العلاج بالمياه ظل محط تقدير، ~~«فلم يكن هناك طبيب إلا ويمتدح فوائده.» # 61 # ولم ترتفع إلا أصوات نادرة من أطباء الأمراض العقلية للتشكيك في فعالية هذا ~~العلاج المائي. وجازف أحدهم في عام 1874 بالقول: «لم يحدد بعد دور العلاج المائي في ~~معالجة الجنون بطريقة ملائمة.» # 62 # ليس من المؤكد أن هناك مرضى عقليا يستطيعون التمييز بين الاستحمام كعقاب أو كعلاج. إنهم ~~يشتكون منه في جميع الأحوال: «أمي العزيزة، إنهم يفعلون بي أشياء مستحيلة، ويخضعونني لحمامات ~~رهيبة، إنهم يقتلونني.» # 63 ~~«إنه حمام لم أره من قبل، أربعة حمامات مريعة، بل ويزيدون من قوتها.» دائما ما ~~تظهر في الحمام البارد العنيف فكرة العلاج بالصدمة التي ولدت في نهاية القرن الثامن عشر. ms392 في ~~مطلع القرن التاسع عشر، تساءل طبيب الأمراض العقلية الإنجليزي ماسون كوكس عما إذا كانت غالبية ~~الطرق العلاجية الخاصة بعلاج الجنون «لم تشتهر إلا بسبب الأحاسيس المؤلمة والسيئة التي تسببها ~~للمرضى، وليس بسبب أي قدرة خاصة بها.» # 64 # وينصب ماسون كوكس نفسه وريثا حقيقيا ~~للطرق العلاجية القديمة (ولكن ما هو الجديد في مجال علاج الجنون؟) عن طريق اعتماده على المقعد ~~الدوار المسمى أيضا بطريقة «الدوران». وتضيف هذه الطريقة - المختلفة عن «الهزهزة» التي ظهرت ~~في القرن الثامن عشر - إلى العلاج البسيط نوعا من الخوف والصدمة، اعتمادا على فكرة داروين ~~التي تقول بأن الجنون يولد من حركات غير منظمة للألياف العصبية؛ ومن ثم فإن الدوران السريع ~~للجسم من شأنه إصلاح هذه الفوضى. بينما ينصح الطبيب الأمريكي بنجامين روش (1746-1813) - وهو ~~تلميذ كولين، معتمدا على نظرية مختلفة تقوم على أن الدوران يعمل على تقليل تدفق الدم إلى ~~المخ - باستخدام الجيراتور أو الصدمات الكهربائية (وهو الذي وضع أيضا تصورا للمهدئ؛ وهو ~~مقعد ثقيل يقيد به المريض وتعلوه علبة توضع فيها رأسه لإبعاده عن المثيرات الخارجية، وهو يشبه ~~بطريقة مذهلة الكرسي الكهربائي). طبق ماسون كوكس نظام الدوران في إنجلترا، قاصدا إضافة ~~مؤثرات ظلام وضوضاء غير عادية. وعلى نحو تجريبي، صنع إسكيرول أول كرسي دوار في فرنسا. إلا أنه ~~سرعان ما أهمل استخدامه بسبب «بعض عيوبه»: قيء ونزيف أنفي ودوار وإغماء، بل وحتى سكتة دماغية. ~~لقد بدت، بالطبع طريقة «الدوران» كوسيلة إرهاب. في ملاحظته الثانية والعشرين والأخيرة، يوصي ~~ماسون كوكس بشأن إحدى مريضاته قائلا: «لم يكن من الضروري اللجوء للعلاج بالدوران إلا لخمسة ~~أو ستة أيام، وبعدها أصبح يكفي فقط تهديدها به لكي تخضع لما نريده.» # 65 # أما بالنسبة إلى الكهرباء، فكان لها مستقبل واعد. أليست بطبيعتها الأكثر قدرة على إحداث ~~صدمة؟ بدأ اعتمادها كعلاج في القرن الثامن عشر، ولكن طبقت أول صدمة كهربائية في عام 1804، ~~عندما جرى إخضاع مريض بالسوداوية «لتأثير عامود كهربائي». كانت المحاولات الأولى هي استخدام ~~اليدين قبل أن تصل إلى الجمجمة. واستمرت ms393 التجارب بمضاعفة الهزات؛ مما حقق ما يسمى بنجاح كامل: ~~«ما من رجل مصاب بالاكتئاب أو الإحباط إلا وارتسمت على وجهه سعادة رقيقة.» # 66 # وعلى الرغم من نشأته القديمة، فإن العلاج بالصدمات الكهربائية، استطاع وبعد مرور ~~مائة وثلاثين عاما تحقيق الكثير من النجاحات الساحقة # 67 # في علاج السوداوية. لا تستخدم الكهرباء فقط في العلاج بالصدمات الكهربائية، وإنما ~~في كافة طرق العلاج الكهربائي، والذي كان يسمى في البداية «الكهربة». في عام 1845، حاول كبير ~~الأطباء بمصحة دو سيفر اختبار التأثير الجلفاني على «الجهاز غير المكتمل للمرضى البؤساء في ~~مصحة لابروفيدانس (من المختلين عقليا والبله).» # 68 # وأثناء عمله بمصحة ماريفيل، استكمل أسلوبه في استخدام الكهرباء مع المرضى خائري ~~القوى لإخراجهم من حالة الجمود، ومع المصابين بالهياج لتهدئتهم. ولكنه لا يمانع أيضا من ~~استخدام صدمة كهربائية صغيرة بهدف التأديب. # وسرعان ما بدأ استخدام العلاج بالكهرباء بكافة أشكاله بهدف التجريب في علم النفس. في عام ~~1859، كتب الطبيب أوزوي بيانا بهذا الشأن في مصحة بو، # 69 # متحدثا عن تجربته على كافة أنواع الجنون. واستخلص منه أن «التيار لا يؤثر على ~~البله، ويحدث أثرا طفيفا على المختلين عقليا، بينما يتناسب أثره لدى المخبولين بمدى ~~تدنيهم العقلي، وهكذا يكون أقل شدة وألما كلما هبطنا على سلم الإصابات النفسية. ويشعر ~~المصابون بالهوس ومرضى الوسواس - خارج نوبات الذروة - بشدة هذه الهزات الكهربائية التي تسبب ~~لهم آلاما موجعة. أما المصابون بالهوس بفكرة واحدة، فعلى الرغم من عنادهم الشديد أثناء ~~اضطراباتهم الهلاوسية، فإنهم يتخلون عنها مؤقتا بمجرد وقوعهم تحت تأثير الكهرباء. فالألم ~~البدني يتسبب في تهدئة الهذيان ويعيدهم مؤقتا للشعور بالواقع. ولقد استطعت بهذه الطريقة ~~اقتناص ردود من مرضى حكموا على أنفسهم لسنوات بصمت إرادي لم يكن ليقهر حتى استخدام الكهرباء. ~~إلا أن الكهرباء تحرز نتائجها الأكثر ثراء بالأخص في علاج السوداوية (حالة اكتئابية من ~~التعاسة العميقة)؛ حيث يضاف إلى السوداوية حالة من الذهول تتملك المرضى [...] يتملك هؤلاء في ~~البداية جمود وبلادة شديدة إزاء المحفزات الكهرومغناطيسية، ولكنهم يصبحون تدريجيا أقل ~~مقاومة لتأثير التيار ms394 الكهربائي الذي ينتهي - في غضون بضع جلسات - بصدمهم بطاقة قوية. في ~~اللحظة التي يدرك فيه المرضى الصدمة ويتألمون منها، نستبشر خيرا بأن جهودنا قد أثمرت، ونقرر ~~الاستمرار.» بدءا من الصدمات الكهربائية «الخفيفة» إلى ما هو أكثر ... # في نهاية القرن التاسع عشر، لم يكن هناك بد من تقابل الهستيريا مع الكهرباء. أمن المعقول ~~عدم تجربتها على مرضى الهستيريا؟ في مصحة سالبيتريير، كان الجميع حتى مرضى الوهن العصبي ~~يعالجون بالكهرباء، ولكن بطرق مختلفة: حمامات كهربائية، لفحات من هواء مكهرب، شرارات مسكنة أو ~~محفزة ... إلخ. ويبين لنا سيلين في رواية «بارابين» كبير الأطباء في مصحة فيني سير سين للأمراض ~~العقلية: «في ساعات محددة، مرتين أسبوعيا، كان يحدث عواصف مغناطيسية فوق رءوس مرضى ~~السوداوية المتجمعين عن قصد داخل غرفة مغلقة ومظلمة تماما» (رحلة إلى نهاية الليل). # لم يختف العلاج بالكهرباء. في عام 1903، يصف بابينسكي - الطبيب المساعد بمصحة شاركو - ~~«صدمة كهربائية مخية» لعلاج مريضة بالسوداوية، صنفت حالتها على أنها ميئوس منها بعد أن ~~جربت معها كافة الوسائل: الإقناع، العلاج بالمياه، الأفيون، جرعات عالية من مادة مستخلصة من ~~نباتات تستعمل ضد التشنج. ولكن استطاعت سلسلة من الشحنات الكهربائية على الدماغ أن تصل بها ~~إلى نتائج، يقول عنها بابينسكي بحرص: «أقول بصورة عامة إن هذا العامل (الكهرباء) غير توجه ~~المخ، وأحدث انطلاقا أعاد إليها التوازن.» # 70 # في أعقاب فترة من عدم الاهتمام، عاد العلاج ~~بالكهرباء بقوة في ثلاثينيات القرن العشرين، في اتجاه العلاج بالصدمات، بعد أن اتخذ اسم «علاج ~~التشنجات». إلا أن هذا العلاج لم يكن في حاجة دائمة للكهرباء، على غرار محاولة ويليام مالامود ~~في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1940 علاج مرضى الفصام عن طريق حقن سحايا معقمة داخل العقد ~~المشبكية الموصلة للنبض العصبي بين فقرات العمود الفقري. ومن جانبهما، تسبب كل من ليبتز ~~وكوجيل في حدوث تشنجات، بل وغيبوبة، بسبب نقص الأكسجين في المخ (عدم كفاية الأكسجين القادم ~~إلى العضو الأكثر حساسية)، بسبب إعطائهما للمرضى # 71 # الأزوت الخام ليستنشقوه، وكان ذلك في عصر لم تزل ms395 فيه وسائل الإنعاش بسيطة للغاية. ~~وهكذا لم تعد وسائل العلاج البالية حكرا على النظام القديم أو الحقبة الرومانسية. # كما كانت تطبق على نحو تجريبي طرق أخرى للعلاج بالصدمات - ولكن أقل شهرة من الصدمات ~~الكهربائية - في العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين: الصدمة الرئوية (مسح مخي غازي) ~~والصدمة باستخدام سائل النيتروسيليلوز (حقن في مواضع مختلفة تحدث لدى المريض أعراضا خطيرة ~~لفرط الحساسية في بعض الأحيان)، وأخيرا صدمة الأنسولين. وترتكز هذه الطريقة الأخيرة - ~~المعروفة باسم علاج ساكيل (وهو اسم طبيب الأمراض العقلية الذي اخترعها) - على إحداث غيبوبة ~~بسبب نقص السكر في الدم بحقن الأنسولين. وخلال فترة العلاج التي تتراوح من ستة إلى ثمانية ~~أسابيع، يفترض أن يتيح الضعف التراجعي للمريض فرصة للفريق المعالج (بدأت الكلمات تتغير ~~بالفعل) أن يقيم معه «علاقة حانية عميقة وممتدة». وظل علاج ساكيل مستخدما في المصحات حتى ~~ظهور العلاج بالانقباضات العصبية، وحتى بعد ذلك. # وادعت الجراحة - وهي «أفضل» من العلاج بالصدمة - أنها تستأصل المرض من جذوره، كما نفعل مع ~~الحشائش الضارة. كان علم الأمراض العقلية ينطلق في حقيقة الأمر - بطابعه التجريبي - من ~~ملاحظات عابرة لشفاء بعض المرضى عقليا ممن أصيبوا بجروح في الرأس. واستكمل القرن التاسع ~~عشر - بطابعه النظامي - هذا النهج، ولا سيما بإحداث ~~ثقوب في رءوس مرضى الصرع (خاصة لدى البريطانيين والأمريكيين). في عام 1907، عرض جراح أمام ~~جمعية علم التنويم وعلم النفس فكرة أن علاج الأطفال المتأخرين عقليا «تكون بإجراء عملية ~~وحيدة وهي قطع القحف (أي استئصال جزء من المخ).» # 72 # وتقوم فكرتها على إعطاء مساحة أكبر لتمدد المخ. وعلى العكس، يتعمد أنصار نظرية ~~القدرة على تمييز الطبع والشخصية من شكل الجمجمة إبقاء المخ مقولبا، وبالتالي الجمجمة التي ~~تغلفه. هذه المرة لا يتعلق الأمر بشفاء الجنون، وإنما منعه عن طريق تركيب «قالب مخي» على ~~جمجمة الأطفال الصغار جدا بمهارة وذكاء. يمكن تعديل ضغط هذا القالب بعدة لمسات، ومن شأنه ~~«تحسين شكل الدماغ وعمله العام». # 73 # وعلى الرغم من شكوك الجمعيات العلمية، بل وسخريتها، فإن رائد فكرة القالب المخي ms396 ~~تنبأ بعصر بعيد سيجري فيه تطبيق جهازه عالميا، محققا خدمات جليلة للأخلاق وللدين، عن طريق ~~«تقوية العضو الوحيد القادر على التعقل وتشغيل الأعضاء الفكرية والمعنوية.» # لم يتردد الأطباء في التصدي بشجاعة لمادة المخ نفسها. فقد ظهرت الجراحة النفسانية عندما ~~تصور طبيب الأمراض العقلية النمساوي جوتليب بورخهارت (1836-1907) - انطلاقا من مبدأ أن ~~الحياة النفسية تتكون من «عناصر تتجمع في المخ» - أنه يمكن معالجة بعض المرضى عقليا الميئوس ~~من حالتهم عن طريق استئصال أجزاء من قشرة المخ. وفي عام 1888، على الرغم من أنه لم يكن ~~جراحا، لم يتردد في إزالة حوالي خمسة جرامات من المادة الرمادية من الفص الأيمن لمخ مريضة ~~تبلغ من العمر أربعة وخمسين عاما مصابة بهذيان وتهور. وخضعت المريضة نفسها لثلاثة تدخلات ~~جراحية خلال عامين. ثم أجرى بالطريقة نفسها لخمسة مرضى آخرين عمليات مشابهة، قبل أن يعلن ~~بورخهارت عن تدخلاته في مؤتمر برلين عام 1890، حيث توصل إلى هذه النتيجة المطمئنة: «إنه حتى ~~وإن لم يتم استعادة الذكاء، فعلى الأقل لم تتدهور درجته.» # 74 # وشهد مجتمع الأطباء احتجاجات عديدة على هذه الطريقة. في فرنسا، يتساءل طبيب ~~الأمراض العقلية رينيه سيميليني: «ما هي حدود هذا الجنون في الجراحة؟ ألأن المريض يضرب ~~بقدميه، نستأصل من مخه المركز المحرك لأعضائه السفلى؟» # 75 # وبعد نصف قرن - في عام 1936 - ظهرت الجراحة النفسية الحديثة فعليا مع أول عملية ~~جراحية في المخ تقوم على فصل الفص الأمامي من مراكز المخ المجاورة (المهاد البصري والمهاد ~~الأعلى) بهدف تخليصه من التدفقات العاطفية والعصبية المريضة. وعلى مدار عشرين عاما، قدر ~~النجاح لهذه العملية التي تعنى بالأخص بمرضى الذهان المزمن والمصابين بحالات القلق الحاد، ~~ولا سيما في الولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث كان يتم إجراؤها على مرتكبي الجرائم الجنسية. ~~إلا أن مسألة الأخلاق الطبية ظلت مطروحة بشدة، بالإضافة إلى كثرة حالات الانتكاس؛ مما أثار ~~العديد من التحفظات. وبمجرد ظهور علم التداوي النفسي، توارت الجراحة النفسانية سريعا، فاختفت ~~تماما من فرنسا، بينما ظلت مستخدمة في الولايات المتحدة الأمريكية. # وسرعان ما اتجهت هذه ms397 «التقنيات الحديثة» إلى الأعضاء الجنسية . ففي النصف الثاني من القرن ~~العشرين، حدثت مواجهة بين مؤيدي ومعارضي إخصاء المرضى عقليا من الرجال واستئصال المبايض لدى ~~النساء. وكان مؤيدو هذا الإجراء هم الأمريكيين والكنديين والإيطاليين والبلجيكيين، بينما رفضه ~~الفرنسيون. وفي عام 1886، رفع شرام في ألمانيا «من أهمية استئصال المبايض - حتى السليمة - إلى ~~درجة اعتبارها طريقة لعلاج الصرع الهستيري.» # 76 # في عام 1869، دعا الجراح البريطاني إيزاك بايكر براون - «خاصة بالنسبة إلى ~~الأرامل» - إلى «استئصال البظر»، وخاصة في حالات العادة السرية المزمنة التي تؤدي إلى نوبات ~~صرع واضطرابات عقلية. وتم استكمال هذه العملية بأخرى لاستئصال الشفرين الصغيرين بواسطة سكين ~~«مجلفن كاو». ولقد كلفت هذه النظرية صاحبها شطبه من جمعية طب التوليد بلندن. # أما بالنسبة إلى الطرق العلاجية التقليدية، فلقد احتفظت بمكانتها، بدءا من المهدئات، ~~التي تنوعت وتعددت كثيرا. ولقد حظي نبات الناردين باهتمام كبير في النصف الأول من القرن ~~التاسع عشر، ولكنه تراجع لصالح أصباغ نبات كف الثعلب، الذي - إذا تم تناوله بجرعات كبيرة ~~أثناء علاج الهذيان والرعشة - «يحدث نعاسا، ويأتي بعده الشفاء.» # 77 # كما كان يتم تناول الحشيش بجرعات كبيرة، بدافع من تلك النظرية المتناقضة؛ أن ~~الهلوسة تطرد الأخرى: «يفقد المريض بمجرد سيطرة الأحاسيس الجديدة عليه حتى ذكرى الهلاوس ~~القديمة.» # 78 # في المقابل، كان يصف آخرون - اعتمادا على مبدأ مقاومة الهذيان - مخدرات فعلية ~~ولكن بجرعات محددة. وفي مطلع القرن العشرين، سادت في الولايات المتحدة الأمريكية موجة من علاج ~~الداء بالداء، حتى إن عدد المصحات العقلية التي أخذت تعالج مرضاها بهذه الطريقة تجاوز الست، ~~مثل مصحة ميدلتاون في نيويورك، والذي بلغ عدد مرضاها ألفين وستة وأربعين عام 1913. # فور اكتشافها عام 1826، استخدمت أملاح البروم لعلاج نوبات الصرع، وضد الهلاوس البصرية ~~المصحوبة بارتجاف. وتوالت الاكتشافات الحديثة مع سرعة التقدم الكيميائي: الكوديين وكلوريدات ~~المورفين وعقار زهرة الخشخاش (أحد القلويات المستخرجة من الأفيون) وجرعات الكلوروفورم ~~والكلوروفورم السائل ... إلخ. إلا أن هذه المواد الحديثة الاكتشاف لم تبطل العمل بالمسكنات ~~التقليدية، لدرجة أنه في نهاية القرن التاسع عشر، اشتكى بعض ms398 الأطباء من كثرة منتجات الأدوية ~~المتاحة أمامهم. ولاقى ظهور البربيتورات في القرن العشرين تطبيقا فوريا في علاج الصرع، ~~أثناء انتظار نتائج علاجات النوم. وهذه الطريقة - على الرغم من الأمان التي يوحي بها اسمها - ~~ليست بالهينة، حتى إن هناك إحصائية لعام 1925 تسجل خمسا وعشرين حالة وفاة من بين ثلاثمائة ~~وإحدى عشرة. # 79 # فالعلاج بالنوم - بأنواعه المختلفة (النوم العميق لستة أو عشرة أيام بدءا من عام ~~1952، والنوم الخفيف والنوم المتقطع على مدار ثلاثة أسابيع) - لم يكن ليستمر كثيرا داخل ~~المصحات حتى اكتشفت مضادات الذهان. # إذا كان معدل استخدام الأدوية المقوية - كما كان الأمر في الماضي - لقلة أنواعها أقل من ~~المهدئات، فإنها كانت دائما موجودة مثل مشروب الكينين، الذي لم يختف من تراث علم الصيدلة ~~النفسية إلا في نهاية القرن التاسع عشر. وإلى جانب الأدوية المقوية التقليدية، كان الإفراط في ~~التغذية هو أحدث صيحة في الولايات المتحدة الأمريكية خلال العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر ~~في علاج الوهن العصبي. فبعد اتباع نظام غذائي قائم على اللبن لعدة أيام، نشرع في توفير تغذية ~~وفيرة وغنية بالدسم مزودة بنبات الصبار والحديد، وأيضا بزيت كبد الأسماك بالإضافة إلى مواد ~~مستخلصة من الشعير أو الشمبانيا أو القهوة أو الخمر (ويستخدم الأخير بجرعات قليلة). وتجاوزت ~~صيحة الدواء المقوي جدران المصحة، وأصبحت تستخدم مع الأطفال في عهد الجمهورية الرابعة؛ حيث ~~يقدم إليهم زيت كبد السمك، أو مع الكبار، فيقدم إليهم «المقبلات المقوية» مثل الكينا (حيث ~~يستخدم عقار الكوينتونين الذي يباع في الصيدليات ويخلط في الأغلب مع النبيذ الأحمر بنسبة ثلاث ~~عشرة نقطة؛ مما أضفى على هذه الوجبة المقوية البسيطة الطابع الطبي). # هذا بالإضافة إلى المفرغات: المطهرات والمقيئات (حيث انتهى دور نبات الخربق ومضى طي ~~النسيان)، والوسائل المسيلة للدورة الدموية والتي ظل يشار إليها، على الرغم من عداء إسكيرول ~~لها. «ينتشر الدم بكميات رهيبة، وتسيل دماء المرضى عقليا الذين ينزفون حتى تخور قواهم؛ ~~اعتقادا من الأطباء أنهم يشفونهم.» كانت هناك أشكال معينة من السوداوية المحتقنة والهذيان ~~الحاد لدى المرضى ms399 الشباب تستدعي استخدام العلقات والحجامة. فيوصي بها كبير الأطباء بمصحة ~~شارنتون-كالميل (1798-1895): «إذا رأينا نوعا من احمرار الوجه وثقل الرأس وغيرها من المؤشرات ~~المقلقة التي تحملنا على الاعتقاد بضرورة سحب كمية من دم المريض، نفضل استخدام العلقات عند ~~الشرج أو الصدغ خلف الأذن عن استخدام الأدوية المسيلة للدورة الدموية التي ذاع استخدامها ~~بكثرة خلال قرون.» # 80 # إلا أنه كان هناك مؤيدون متطرفون لهذه الأدوية، مثل بنجامين روش - صاحب اختراع ~~الجيراتور والمهدئ - والذي اقترح استخدام أدوية قد يصل حجمها إلى أربعة أخماس الكتلة الدموية ~~الكلية للجسم. # تعمل الأدوية المهيجة - التي يمكن ربطها بالمفرغات - على الحل محل عمليات الإفراغ غير ~~الكافية. على مدار القرن التاسع عشر بأكمله، كان المرضى غير المتجاوبين يخضعون إلى الفتيلة ~~المنفطة، والاحتكاكات المهيجة ولاصقات الخردل اللاذعة. ويصف راي - بحسه الابتكاري - استخدام ~~الشمع الساخن. بينما يقترح جيزلان وبينيل البلجيكيان - رش ملابس المريض «بمادة نباتية مسببة ~~للحكة.» # 81 # كما يقول المثل الإنجليزي، إذا كنت تعيسا فاشغل نفسك بشيء آخر، وبعيدا عن ~~نظريات الخلطات القديمة - التي لم تزل إلا على مضض وادعت دائما أنها قادرة على تغيير الحالة ~~المزاجية - ظل التجريب القديم في علاجات الجنون حاضرا. # ويعمل «العلاج بالحمى» (استخدام الحمى لأسباب علاجية) بالطريقة نفسها لعمل المهيجات (ومن ~~بينها يضع قاموس ديشامبر الطبي استخدام نبات القراص لعلاج حالات الشلل الهستيري). وكالمعتاد، ~~ولدت الفكرة من ملاحظة عابرة: بعض حالات الشفاء من الأمراض العقلية تمت على إثر عدوى شديدة. ~~في مطلع القرن العشرين، كانت الحقن الزيتية الكبريتية تحت الجلد تسمح بإحداث نوبات هياج ~~متكررة. إلا أن جائحة البرد تصل بالعلاج بالحمى إلى ذروته. وبعد عدة عقود من التجارب القائمة ~~على إحداث نوبات من الملاريا للمصابين بالشلل العام، استطاع طبيب الأمراض العقلية جوليوس ~~فاجنر فون جوريج (1857-1940) من فيينا عام 1917 أن يقوم بحقن ثلاثة بيتا جرامات من الدم ~~مأخوذة من رجل عسكري مصاب بحمى المستنقعات ودخل حديثا إلى المشفى. ومن هنا ولدت فكرة «العلاج ~~بالملاريا» التي تقوم على إحداث سلسلة من نوبات الحمى ms400 (حمى شديدة كل يومين) يجري التحكم فيها ~~باستخدام الكينين. ونال صاحب هذا العلاج جائزة نوبل في الطب عام 1927 - والوحيدة التي أهديت ~~إلى طبيب أمراض عقلية - وحقق العلاج ذاته نجاحات غير عادية، واستطاع أن يفرض نفسه حتى ظهور ~~العلاج بالبنسلين في أعقاب الحرب العالمية الثانية. # وفي وسط هذا الزخم العجيب، تظهر وسائل علاجية نظن أنها كانت في طي النسيان. كانت هذه هي ~~حال المحاولة القديمة للدخول في منطق المريض عقليا؛ وهي الطريقة التي انتقدها إسكيرول بشدة. ~~أفليست أفضل طريقة لتثبيت هلاوس المريض عقليا هي موافقته عليها؟ «فموافقتنا للمريض على ~~واقعية هذيانه ورؤاه، تعني ليس فقط أنه ليس مجنونا، وإنما صحة من يدعي أن يكونه، مثل ~~اعتقاده أنه المسيح.» # 82 # وعلى الرغم من ذلك، يدافع شارل شتراوس مدير مصحة شارنتون عن هذه الطريقة في مطلع ~~القرن العشرين قائلا: «نعتقد أنه هناك فائدة من خلق وجود خاص لغير الأسوياء، يكون مناسبا ~~لحالتهم الخاصة: متابعة ودفع تلك المحاولة مع محاولة محاكاة مظاهر تتماشى مع التفاوت الغريب ~~في أفكارهم [...] باختصار، نحن نأمل في وجود نية أو محاولة للتأقلم مع عالم الأوهام المتجانس مع ~~هلاوس المريض (ويذكر شتراوس مقطع فيليب بينيل: «في بعض الظروف، يمكننا استخدام المكر واللجوء ~~للكذب الماهر لكسب ثقة المريض والدخول إلى أحلامه بهدف شفائها تدريجيا») [...] كانت هناك ~~امرأة - في وسط أعنف نوبات جنونها - تصرخ باسم طفلها الذي تسبب موته في إصابتها بحالة من ~~الهلع، ولحسن الحظ جاء الإلهام للدكتور ريتي بشراء دمية لطفل وليد بمستلزماتها ومهده وإعطائها ~~لها، وبالفعل هدأت نوباتها وقل توترها، وكانت تقضي وقتها حاملة طفلها بين ذراعيها تغمره ~~بقبلاتها وتضعه بحرص على فراشه.» # 83 # كان من الممكن تصور أن المريض المحتجز يخضع أو يطبق عليه إحدى هذه الوسائل العلاجية فقط ~~تبعا لحالته أو لرأي الطبيب، إلا أن كثرة أنواع وطرق العلاج الموجهة المريض نفسه إنما هي شيء ~~يدعو للعجب، وخاصة إذا كان المريض مصنفا كقابل للعلاج وليس حالة ميئوسا منها. فمع مريض ~~الهوس يستخدم: العزل والحمامات الفاترة والباردة ms401 والأدوية المسببة للنزيف والمسببة للقيء ~~والملينات والأفيون ونبات كف الثعلب والبوروم ونظام تغذية معين. ولمريض السوداوية: ~~الحمامات بكافة أشكالها والاحتكاكات والأدوية المهيجة والمسببة للقيء ووسائل التسلية ~~والتمارين، بينما يستخدم مع مريض الصرع: البوروم والبربيتورات وثقوب الجمجمة، بل وحتى بعض ~~أنواع السموم. ولعلاج مريض الهستيريا: اللعبة الكبرى: تيار مجلفن وعلاج بالمعادن (وضع قطعة ~~معدنية على الجلد) ومضادات التشنج والعلاج بالمياه للتسكين والتنويم المغناطيسي والأدوية ~~المقوية والتمارين البدنية والأدوية المهيجة والمخدرة ... باختصار كل شيء تقريبا. # تختلف هذه الوسائل بالطبع تبعا لزمن الاحتجاز؛ فعلاج هذا المريض ذي الثلاثة والثلاثين ~~عاما - المحتجز في بون سوفو عام 1848 (والذي بدأت هلوسته في وقت حصار مدينة روان) وشخصت ~~حالته «بهوس مستمر وشديد مع حالات هياج شديدة ومتواصلة» - استلزم استخدام الأدوية المسيلة ~~للدورة الدموية العامة والموضعية والملينات والحمامات اليومية ونبات كف الثعلب «بجرعات ~~عالية ومستمرة لفترات طويلة». ولكن لم يفلح شيء منها في تهدئته. فعزل، وبعد مضي شهر، خضع ~~لعملية وضع فتيلة في الرقبة (قطعة من القطن تمرر تحت الجلد لتشكل منفذا؛ أي إنها جرح ~~صناعي يسبب تقيحا موضعيا). مرت ثلاثة أشهر، والهياج مستمر، فوصف له علاج زئبقي، ولكن دون ~~تحسن. وأخيرا توفي المريض بسبب الكوليرا في يوليو 1849 قبل أن يتمكنوا من تجربة علاج آخر أو ~~استبعاده. # في نهاية عهد الإمبراطورية الثانية، روى محتجز سابق في مذكراته: «أعترف أن الجميع يقبلون، ~~بل ويباركون، تلك الأساليب الوحشية التي تدعي حب البشر، مثلما يقبلون ويباركون الأعمال ~~الوحشية اللازمة للجراحة بنية فعل الخير، ولكني أضع لهذه الأشياء شرطا واضحا؛ وهو أن يكون ~~هناك يقين أو على الأقل احتمالية للشفاء بعد تطبيقها.» وبالنسبة إلى الأطباء، يوجه لهم ~~جراسونيه - مريض محتجز سابقا - هذه الكلمة في النهاية: «كلما ازدادت مهارتهم، ازداد خوفي ~~منهم!» # 84 # احتجاز المجانين # على الرغم من التعدد المذهل لأساليب علاج الجنون، فإن الأمر كان يقتصر في القرن الذهبي ~~لطب الأمراض العقلية على احتجاز المجانين وليس علاجهم كمرضى؛ أي إبعادهم عن الآخرين وحمايتهم ~~من أنفسهم. ففي الحياة اليومية للمرضى المحتجزين، ms402 نجد أول شيء الحراس. هم دائما هناك أول ~~الموجودين بل وأحيانا الوحيدون الذين يتوسطون العلاقة بين المريض والجهاز الطبي والإداري ، ~~وفي يدهم القدرة البسيطة والرهيبة على تخفيف أو تغليظ اللائحة والعمل و«الالتزام المعنوي»؛ ~~ولذلك يأتي الحارس في مرتبة قبل الطبيب، وأحيانا أعلى منه. # يتحكم الحراس - كما رأينا - في كل لحظة من لحظات الحياة اليومية داخل المصحة؛ فيستيقظون ~~قبل المرضى بوقت طويل، ويخلدون للنوم بعدهم. هم من يقع على عاتقهم احترام جدول المواعيد ~~المقدس، ورعاية النظافة واللياقة داخل المصحة وتهدئة الخلافات ومنع المشاجرات. يجب ألا يغيب ~~مريض واحد عن عيني حارسه. وفي كل لحظة يجب توقع أي حركة فجائية، ويتعين على الحارس مواجهتها. ~~وتذكر اللوائح العديدة المخصصة للحراس أنهم «ليسوا بخدم، وليسوا بسجانين»، وإن كانوا يمارسون ~~هذه الأدوار إلى جانب وظيفتهم كممرضين (لم يظهر المصطلح نفسه إلا في العقدين الأول والثاني من ~~القرن العشرين). # حتى العقود الأولى من القرن العشرين، كان ~~للحراس سمعة سيئة لدى الإدارة والجهاز الطبي. والدليل على ذلك كثرة العقوبات التي كانوا ~~يهددون بها. فعند أقل خطأ، كانوا يعاقبون، إذا نسي أحدهم مثلا إغلاق أحد الأبواب ~~الكثيرة بالمفتاح داخل المنطقة، أو إذا سار أحدهم في مكان ما داخل المصحة غير مصرح له ~~بالتجول فيه. وهناك أيضا حالات من الفصل الفوري ودون تعويض في حالة: سب أو تعنيف أو ضرب ~~مريض، أو سرقة شيء، أو السكر، أو «الثورة ضد السلطة»، أو التشجيع على أي مراسلات، أو تجارة ~~غير قانونية، أو الخروج دون إذن خاصة أثناء الليل. وفي تقريره المرفوع إلى محافظ سير عام ~~1893، ينتقد كبير الأطباء بمصحة منطقة بورج «طاقم الإشراف» بلهجة قاسية، منددا بعدم كفايتهم ~~عدديا وقلة كفاءتهم مهنيا. «وينقسم الحراس إلى أربع فئات: المتسكعين داخل المصحة ~~والمتشردين والأشرار واللصوص والسكارى والمهملين - ولا أريد أيا من هؤلاء بأي ثمن - ثم من ~~هم أقل مستوى وهم غير مستقرين ولا تتناسب كفاءاتهم مع ادعاءاتهم، وهناك أيضا الطموحون الذين ~~يقبلون على مضض وظيفتهم كحراس في انتظار وظيفة جديرة بقيمتهم، وأخيرا عمال ms403 مزارع دون ~~مهارة أو عمال مفصولون من المصانع الخاصة والورش العسكرية بسبب سنهم أو عجزهم. وهؤلاء هم ~~الأفضل، فعادة ما يكونون مسالمين وأمناء، وخاصة المزارعين منهم، يبقون في المصحة ويتعلقون بها ~~أحيانا، إلا أن جهلهم وكسلهم وذكاءهم يفوق كل خيال.» # 85 # من هم هؤلاء الحراس على وجه التحديد؟ عادة ما يكونون رجالا غير متزوجين لم يتجاوزوا ~~الأربعين عاما، تعليمهم بسيط، قادمين من الريف. وعندما علموا بوجود وظائف في المصحة، حضروا ~~أحيانا في جماعات. يتقاضون راتبا ضئيلا للغاية؛ مائتي فرنك سنويا طوال معظم القرن التاسع ~~عشر، في الوقت الذي كان يجني فيه النجار ثلاثة أضعاف هذا المبلغ. وكان الحراس الذين يعملون مع ~~المرضى المصابين بالهياج أو بالصرع يتلقون زيادة قدرها عشرون فرنكا. ويضاف إلى ذلك وجبة ~~الظهيرة ولتر من النبيذ يوميا، وزوجان من الأحذية في نهاية كل عام. كانوا يعالجون ~~بالمجان، وأحيانا يتم تنظيف ملابسهم وإصلاحها أيضا. كان يمكن للحارس أن يحظى بإذن لثلاثة ~~أيام للذهاب لبيته مرتين كل عام. خروجه من المصحة محدود للغاية، خاصة عندما كان يبيت فيه، ومن ~~المثير أن منهم من كان يفضل أن تكون له غرفة في المدينة على الرغم من ضآلة راتبهم. قبل صدور ~~قانون 1838، أبدى فيريس - أول مفتش لمصحات الأمراض العقلية - تأثرا شديدا من هذا الموضوع. ~~«كان يحب أن يكون هؤلاء الحراس شبابا وأقوياء وذوي مشاعر إنسانية، ويكرسون كل حياتهم لرعاية ~~هؤلاء التعساء الذين عهد إليهم بهم. تحاصرهم في كل لحظة - ليل نهار - الصرخات والصياح ~~الصادر عن المرضى، بل وقد تتعرض حياتهم للخطر. ومقارنة بما يتقاضاه أقل عامل ومع هذا الكم من ~~التعب والقلق، يتقاضون مكافأة شهرية - قليلة للغاية مع إضافة الغذاء والكساء.» # 86 # ولا يختلف تقرير عام 1874 كثيرا في هذا الصدد: «إذا تصادف وجود عنصر جيد في الحراس، ~~نادرا ما يظل يعمل في المصحة أكثر من الوقت الذي يستغرقه البحث عن وظيفة أخرى أفضل وأقل ~~تعبا [...] أما العناصر السيئة منهم، أو أكثرهم سوءا، فسرعان ما يتعرضون للفصل من عملهم؛ مما ~~ينتج عنه ms404 تغيرات دائمة تؤثر سلبا على انتظام الخدمة وعلى المرضى أنفسهم.» ويضيف التقرير أن ~~الوضع يتحسن في المصحات التي يخضع فيها الحراس لإشراف راهبات. # بالفعل، نادرا ما يمكث الحراس طويلا في مكان واحد؛ سواء لإصابتهم بالإحباط أو لفصلهم من ~~المصحة، أقل من ستة أشهر في الغالب (على الرغم من أن الراتب يزيد إلى مائتين وخمسين فرنكا ~~بعد هذه الأشهر الستة السيئة). لم يكن التحسن في الوضع سريعا بل كان بطيئا جدا. وتكونت ~~بالفعل أسر من الحراس، فيخلف الابن والده، والأمر كذلك بالنسبة إلى الموظفين. وها هم يظهرون ~~في صورة لأحد الهواة في الثلاثينيات من القرن العشرين، مرتدين قميصا أبيض طويلا فوقه بدلة ~~من الكتان الأسود لها أزرار ضيقة، وربطة عنق وطاقية مزينة بشرائط ومربوطة بالحزام بواسطة حبل ~~طويل، وممسكين بكمية مذهلة من المفاتيح؛ وهي الميزة الوحيدة بل وشعار وظيفتهم. وترتسم على ~~وجوههم نظرة فخر. وكونوا من الآن فصاعدا اتحادا. # وعلى مدار القرن الذهبي لطب الأمراض العقلية، ظل الحراس فاعلين رئيسين في تكوين «حقيقة ~~وواقع المصحة العقلية»، ولم يستطع أحد المؤرخين اكتشافهما. فلم تنقل السجلات كل شيء، وكل ما ~~لا يقال يدور على مستوى الحراس وحدهم في مواجهة المرضى الذين لا يبتعدون عنهم كثيرا على ~~المستوى الاجتماعي والثقافي. فهم - أكثر من الأطباء - الذين يجعلون داخل المصحة الواحدة ألف ~~مصحة. لقد كان أحد أسباب إلغاء سترة المجانين في مصحة القديس لوقا ببو عام 1896، أن الحراس ~~كانوا يستخدمونها من تلقاء أنفسهم، بل ويسيئون استخدامها، في حين أنه ليس لهم الحق في عقاب أي ~~مريض من تلقاء أنفسهم. # 87 # أما فيما يتعلق بعمليات التهريب الصغيرة اليومية، فقد رأينا واقع الأمر بالنسبة إلى ~~البريد: إذا مر بريد غير شرعي، فهذا يعني أن هناك من جعله يمر، حارسا أو موظفا. وهناك أيضا ~~- في المصحات كما في السجون وكل أماكن الاحتجاز - ما أسماه علماء الاجتماع الأمريكيون بالمكان ~~الحر؛ حيث يتم تجاهل اللوائح قليلا. هذه هي حال الحانات السرية التي تختفي في أعماق الورشة، ~~وحيث يجلس الحراس جنبا إلى ms405 جنب مع المرضى المحتجزين. حتى إنه في نهاية حكم الإمبراطورية ~~الثانية كانت هناك حانة مرخصة داخل مصحة الإخوة سان ~~جون دي ديو بمدينة ليل، وكانت تسمى «البطة البيضاء»، وكانت تبيع للمرضى «الجعة والنبيذ ~~والقهوة والبراندي والسيجار بأسعار زهيدة». # 88 # بيد أن اللائحة الداخلية لهذه «الحانة» الغريبة تنص على أن يكون هناك أمين سر ~~مسئول عن تسجيل أسماء من يشرب وما يشربه وتكون الكميات محددة طبقا لكل حالة. كانت حانة ~~«البطة البيضاء» تقدم للعاملين بالمؤسسة وسائل ترفيه شريفة، وتصل فوائدها إلى تقديم وليمة ~~دورية لكل زبائنها. # يجب الاستفادة من كل شيء لتسيير العمل بالمصحة، وينطبق هذا على الآنسة بوتار كبيرة ~~الممرضات بشاركو بسالبيتريير، التي كانت تشبه «البطة البيضاء». في عام 1891، نظمت المعونة ~~الشعبية «حفلا علمانيا» في المسرح الكبير بمصحة سالبيتريير للاحتفال باليوبيل الذهبي لخدمة ~~مارجريت بوتار. لقد أصبحت هذه المرأة المسنة النحيفة ذات الهيئة الصارمة - والتي أطلق عليها ~~الأطباء «ماما بوتار» أو «بابوت» - نموذجا للممرضة العلمانية في أوج الهجوم الثوري على ~~المؤسسات الدينية، ولقد كرمت بوسام الشرف في عام 1898 على يد الوزير لويس بارتو شخصيا. ~~وتقاعدت وهي في التاسعة والسبعين من عمرها لتقيم في سالبيتريير بموجب قرار أصدره مازاران في ~~هذا الوقت، يعطي الحق لأي موظف خدم لأكثر من عشرين عاما بالمصحة العامة أن يقيم ~~بها. # وخضعت الآنسة بوتار إلى الترتيب الطبقي، الذي يعطي تدرجا للرتب في الجيوش؛ ففي المصحة، ~~يدعى «الرقيب» كبير المشرفين، وتكون له سلطة على الحراس، فيفتش دون إبطاء منطقته بدءا من ~~المناطق المهجورة في أوقات معينة من اليوم، ويكون عليه مراقبة قائمة العاملين والقيام بدور ~~رئيس العمال في الورشة، ويتولى أيضا تفتيش الداخلين، وأي عمليات تفتيش، ويراقب الممرات ~~والبهو، وأخيرا - وعلى وجه الخصوص - يكون هو المتحدث أمام الإدارة والطبيب؛ فمن بين ~~المفارقات داخل المصحة أن يضطر المريض عقليا - إذا ما أراد مخاطبة كبير الأطباء - إلى توجيه ~~الحديث في البداية إلى كبير المشرفين الذي يحكم هو إذا ما كان الأمر يستدعي مقابلة كبير ~~الأطباء أم لا. أليست ms406 هناك زيارة يومية؟ ولكننا رأينا كيف تتم تلك الزيارة. يكون كبير ~~المفتشين هو السيد، وعلى كبير الأطباء الذي يرفض التفاهم معه أن يتوقع أياما صعبة داخل ~~المصحة ... # ولكن أين كبير الأطباء من كل هذا؟ يجب ألا تجعلنا الأسماء الكبيرة والشهيرة - التي تظهر ~~على الأبحاث الضخمة، والتي تطلق على كيانات متخصصة في العلاج النفسي - ننسى الجزء المختفي من ~~الجبل الجليدي للطب العقلي؛ أي هؤلاء الأطباء المغمورين المحبوسين داخل مستشفياتهم بعيدا عن ~~المؤتمرات وأضواء الأحداث الجارية. فحقا، لا يصنع هؤلاء تقدم النظريات، وإنما يتولون هم ~~مسئولية تطبيقها وتشغيل المصحة، حتى ولو بشكل سيئ. ربما يمكننا الاعتقاد بأن قلة ظهور كبير ~~الأطباء وضعف حضوره يرجع لكونه أعلى قمة في المصحة والمدير بلا منازع، إلا أن هذا ليس ~~صحيحا. # حقا، يتخذ كبير الأطباء قرارات الاحتجاز والخروج، وهذا ليس بقليل. ويتحدث المرضى ~~باحترام للحراس، وخاصة كبير المفتشين، الذين يتحدثون بدورهم بإجلال مع كبير الأطباء. وهذا ~~أيضا ليس بالأمر الهين. وفي النهاية، فإنه يتلقى أجرا جيدا؛ ففي المصحات العامة يتراوح ~~راتبه بين ثلاثة آلاف وستة آلاف فرنك سنويا تبعا للخمس فئات التي تحدد مسيرته المهنية ~~(ولنتذكر راتب الحارس)، ولكن هذا لا ينفي كم الهموم التي يحملها على عاتقه. في البداية، يجب ~~أن يتقاسم كبير الأطباء (ويسمى هكذا حتى وإن كان الطبيب الوحيد كما هي الحال عادة في النصف ~~الأول من القرن التاسع عشر) السلطة مع المدير أو الرئيس (وفي الأغلب يكون امرأة) لمؤسسة ~~دينية. ويخضع مرسوم عام 1852 تعيينه في المستشفيات الخاصة إلى موافقة المحافظ - الذي يمكنه ~~رفضه - بينما يجري تعيينه في المصحات العامة بقرار من الوزير. وفي الواقع، يشكل هذا الأمر ~~نوعا من الاختلاف، إلا في حالة اختلاط المنصبين، وهو أمر شائع (ولقد كان هناك اثنتان وثلاثون ~~مصحة بهذه الحالة عام 1874). أما بالنسبة إلى المصحات الخاصة، فلا يكون كبيرو الأطباء أكثر من ~~موظفين - بالطبع محترمين ومكرمين - ولكن يمكن استبدالهم بكل تأدب. وإذا كان في مشفى عام أو ~~خاص أو حتى خاص تابع لجهة عامة، على ms407 كبير الأطباء أن يقاوم ضد إدارة تافهة ومتدخلة؛ ففي مصحة ~~بون سوفور، تملأ الراهبات التقارير الصحية للمرضى، بالطبع بناء على تعليمات الطبيب، ولكن ~~بأسلوب وعبارات من اختيارهن. لا يشعر كبير الأطباء القابع في أعماق مصحته في الأقاليم يمارس ~~عمله كطبيب أمراض عقلية على أرض الواقع بأنه مهتم بحركات الإصلاح والاكتشافات «الباريسية»، ~~ولكنه قد يحاول دون جدوى إدخال بعضها إلى خدمته. وعن هؤلاء - وهم الأكثر عددا في الواقع - ~~يكون من الصعب الحديث عن «ارتداد الشخصية الطبية» (ميشيل فوكو). # في النهاية، فإن «احتجاز المجانين» ليس آمنا. فلا يكون الحراس أو الأطباء دائما بمأمن ~~من أي اعتداء. في مقال صادر بتاريخ 1911، # 89 # يعدد طبيب للأمراض العقلية بمصحة فيلجويف - بنوع من التضخيم - حالات القتل ~~والإصابات البالغة التي تجاوزت الخمسين وراح ضحيتها أطباء وحراس بالمصحة؛ إلا أن هذه الأرقام ~~تمتد خلال عشرين عاما وعلى مستوى العالم أجمع. كما أن المصحات الكبرى تعرض إراديا كافة ~~الأسلحة التي تضبط مع المرضى: سكاكين وآلات ثقب ودبابيس، وإن كان فعل الاعتداء نفسه، حتى ولو ~~على مريض آخر، يشكل حالات غاية في الندرة. أما عن التمرد، فهو يحدث بشكل نادر؛ مما يجعله ~~حدثا جاذبا للصحفيين. في مايو 1890، حينما تسلق المرضى المصابون بالهياح بمصحة بيستر الأسطح ~~للاحتجاج على الطعام، لم ينجح تفريقهم إلا بعد استخدام خراطيم رجال الإطفاء التي استخدمت لأول ~~مرة كوسيلة للقمع، واقترح أحد الصحفيين الموجودين بنوع من الدعابة استخدامها كوسيلة لتفريق ~~المظاهرات السياسية. وتم الأخذ بحديثه. # وإذا كان كبير الأطباء يكرس القليل من وقته وجهده لدراسة الطب النفسي، فإنه يحرر في ~~المقابل عددا لانهائيا من التقارير: شهادات دخول ومتابعة ودفتر للزيارات (ودفتر للأدوية ~~ليوقعه) وتقرير نصف سنوي وبيانات إحصائية وإجابات لطلبات ضرورية دائما للمحافظين حول حالة ~~معينة، ناهيك عن حالات الهرب أو الانتحار. ولمدة طويلة، ظل الطبيب يوزع وقته في المدينة ما ~~بين الأنشطة الخاصة والعامة. ولم يكن يقيم في المصحة؛ ففكرة إقامة الطبيب في المصحة - وهو أمر ~~ضروري لملاحظة المرضى - لم تبدأ إلا بعد ظهور فكرة الطبيب ms408 المساعد الذي يقوم بدور ~~المتدرب. # عقدت أول مسابقة إقليمية لاختيار طبيب نفسي ابتداء من عام 1888، وأجريت أول مسابقة موحدة ~~(وطنية) منذ عام 1902. وقبلت أول امرأة في هذه المسابقة في عام 1908. ويعين الأطباء ~~المقبولون في المسابقة في وظيفة طبيب مساعد. وأحيانا ما كان يتعين عليهم الانتظار لعدة سنوات ~~قبل أن يترقوا لمنصب كبيري أطباء. منذ عام 1922، ألغيت وظيفة الطبيب المساعد، وتحولت ~~المسابقة إلى مسابقة اختيار أطباء لمصحة الأمراض العقلية، ثم في عام 1937، إلى اختيار أطباء ~~للمصحات النفسية. بيد أن مهنة الطبيب النفسي - التي ظهرت بقوة - لم تجعل من كبير الأطباء ~~السيد المطلق في المصحة؛ فالسيد المطلق هناك هو المصحة ذاتها، التي تفترس أبناءها مثل إله ~~القدر كرونوس. # الفصل الرابع # | «جولة» في مصحات الأمراض العقلية في الغرب # لم يكن القرن الذهبي لطب الأمراض العقلية ذا طابع فرنسي، ولم يكن ظهوره محددا التواريخ ~~نفسها من بلد إلى آخر (فعام 1838 هو تاريخ فرنسي تماما)، حتى وإن كان بإمكاننا الحديث عن القرن ~~التاسع عشر بأكمله الذي يمتد على الأقل إلى الحرب العالمية الأولى. وبعيدا عن أي كيان نظري ~~أساسي مشترك وضعه بينيل - وسوف نأتي لاحقا على ذكر مدى ثرائه على مدار هذه الفترة - لم تكن ~~الاستجابات المؤسسية واحدة، حتى داخل العالم الغربي نفسه. # شكلت بلجيكا # 1 # التي نالت استقلالها عام 1830 - والقريبة من فرنسا على عدة مستويات - لجانا مختصة ~~بدراسة مسألة مرضى الاعتلال العقلي، والتي قادت إلى إصدار قانون السابع عشر من يونيو عام 1850، ~~الذي ينص على ضرورة الحصول على تصريح لإنشاء مؤسسة للأمراض العقلية. كانت البلاد تضم ما لا يقل ~~عن 54 مؤسسة، أغلبها صغير. وكانت ثمة المستعمرة العائلية «جيل» التي ظلت تضم مرضى، كانوا في ~~الواقع محتجزين. في عام 1862، أصبحت المستعمرة ملكا للدولة وتحولت إلى مستوصف، ثم أضيفت إليها ~~مصحة للأمراض العقلية. ثم جاء قانون الثامن والعشرين من ديسمبر يعدل ويكمل القانون السابق. ~~فأصبح الطبيب - الذي كان حتى ذلك الوقت يختار بناء على قرار مدير المصحة - يعين بقرار مباشر ~~من وزير العدل ms409 وليس الصحة. وتسمح الأحكام الجديدة - وإن شابها الكثير من القسوة فيما يتعلق ~~بالحريات - بفكرة التطور نحو الخدمات المفتوحة قبل فرنسا. كانت هذه «الأجنحة الحرة» موجودة منذ ~~زمن طويل للمرضى القادرين على الدفع، ولكنها كانت تلقى مقاومة من جانب الإدارة التي كانت ~~تعتبرها مصحات غير قانونية. وبعد الحرب العالمية الأولى، افتتح في بلجيكا العديد من المستوصفات ~~النفسية للكبار وللأطفال (أنشئت أول مؤسسة مغلقة لعلاج الأطفال عام 1920)، متجهة بذلك - قبل ~~فرنسا أيضا - إلى سياسة تقسيم القطاعات. # في هولندا، كان الوضع مختلفا بالكامل، # 2 # وكان قانون عام 1841 يدير الحد الأدنى من مشاكل المرضى. فلم يضع لوائح إلا في أضيق ~~الحدود، ولم يلزم الأقاليم بإنشاء مصحات للأمراض العقلية، محجما دور الطبيب بشكل كبير. ولم ~~يكن قانون عام 1884 أكثر إلزاما، ومن ثم كانت الأقاليم تفضل اللجوء إلى مساعدات المؤسسات ~~الدينية. في ذات العام 1884، تأسست جمعية المعونة المسيحية لمرضى الأمراض العقلية والعصبية. ~~وتهدف هذه المؤسسة البروتستانتية إلى مزج الطب بالدين داخل وحدات صغيرة تأخذ شكل العائلة. ~~وهكذا، يسمى رئيس الجناح «رب الأسرة» (أو «ربة الأسرة»). ويقدم هناك علاج معنوي له طابع أخلاقي ~~... لم يتمكن الكاثوليك من الاندماج في هذه المساعدة، وأنشئوا مؤسساتهم الخاصة تحت إشراف جمعيات ~~الرهبان والراهبات مثل جمعية المحبة أو الخير. وعلى الرغم من فصل الطب النفسي عن الدين هذه ~~المرة، ظل عمل الأطباء خاضعا لإشراف لصيق من الكهنة. # أما الدول الإسكندنافية # 3 ~~(بما فيها أيسلندا وفنلندا)، فقد شهدت تطورات مختلفة. في النرويج - المتحدة في ذلك ~~الوقت مع السويد - جرى التصويت على القانون النرويجي لعلاج وحماية مرضى الاعتلال العقلي في عام ~~1848. وأنشئت أول مصحة للأمراض العقلية عام 1855 على غرار مصحة أوكسير بفرنسا. وفي العقود ~~التالية، تم إنشاء ثلاث مؤسسات أخرى. في السويد، كان الأمر يتم عبر منظمة خيرية - «مجموعة ~~السيرافيم» - والتي كانت مسئولة عن نظام المصحات حتى عام 1876. في فنلندا - الخاضعة في ذلك ~~الوقت للسيادة الروسية - كانت الدولة هي المسئول الوحيد عن احتجاز مرضى الاعتلال العقلي. وأنشئت ~~أول مؤسسة هناك عام ms410 1841، ثم تلاها ثلاث أخر في النصف الثاني من القرن. وفي الدنمارك، كانت ~~المصحات تابعة للدولة أيضا. وافتتحت الأولى عام 1820، ثم خمس أخر ما بين 1852 و1888. كما ~~تأسست خدمة خاصة للمتأخرين عقليا منفصلة عن المصحات النفسية في عام 1855. أما أيسلندا، فلم ~~تفتتح بها مصحة للأمراض النفسية إلا في عام 1907 بمدينة ريكيافيك. وتشترك هذه البلاد جميعها ~~في تأثرها العميق بالطب النفسي في ألمانيا. # حتى القرن التاسع عشر، كانت مسئولية رعاية مرضى الاعتلال العقلي في ألمانيا تقع على عاتق ~~البلديات. كان في كل مصحة رئيسية في كل منطقة مجموعة من الغرف. واقتضى الأمر الانتظار حتى عام ~~1764 لإنشاء أول مؤسسة خاصة لعلاج مرضى الاعتلال العقلي بالقرب من بريم. وفي أعقاب الحروب ~~النابليونية، قادت حركة العلمنة في البلدان المختلفة إلى دفع هذه البلاد إلى تولي مسئولية مرضى ~~الاعتلال العقلي بنفسها. في عام 1805، «أنشئت مصحة مرضى الاعتلال العقلي» ببيرويث، وفي عام ~~1820، أنشئت مصحة أخرى في شليزويج. إلا أن عدد هذه المصحات لم يتضاعف إلا بعد عام 1850. في عام ~~1899، كان في ألمانيا ما لا يقل عن مائتين وتسع وسبعين مصحة لمرضى الاعتلال العقلي (من بينهم ~~مائتان وأربع وخمسون مصحة جديدة تماما). كما تم إنشاء مائة وست مصحات خاصة في الفترة من عام ~~1840 وحتى 1869. بدأ الأمر بمصحات صغيرة (يقترح راي أن يكون بالمصحة ما بين مائة وعشرين ومائة ~~وخمسين سريرا)، إلا أن الطلب تجاوز الأعداد المتاحة، مثلما حدث في فرنسا. أصبحت المصحات تضم في ~~المتوسط ثلاثمائة مريض في منتصف القرن التاسع عشر، وزادت الأعداد بكثرة في مقتبل عام 1900. ~~وأنشئت مصحة كليف عام 1911 لتستقبل ألفين ومائتي مريض عقليا. تمتاز ألمانيا في الأساس بعدم ~~الخلط بين المرضى الذين يمكن علاجهم والمرضى الميئوس من حالاتهم. ولكن في الواقع - لئلا تجرح ~~مشاعر العائلات - ظل عدد كبير من المرضى الذين انتقلوا من الفئة الأولى إلى فئة الميئوس من ~~شفائهم في أماكنهم نفسها (سميت مصحات «التوافق النسبي»). كانت الطرق العلاجية هي ذاتها ~~المستخدمة في فرنسا. في المقابل، لم تكن ms411 هناك أحكام تشريعية ألمانية محددة، ولم تظهر إلا في عام ~~1949. # اصطبغت العقود الأولى من القرن التاسع عشر في ألمانيا # 4 # بطابع الطب النفسي الرومانسي الذي يعتزم تصحيح مفهوم المرض الروحي. ويعد أهم ممثلي ~~هذه المدرسة هم جوهان كريستيان راي (الذي التقيناه قبلا) وجوهان كريستيان هينروث (1773-1843) - ~~الذي يعد متقدما ومتأخرا على عصره في ذات الوقت. كان متأخرا عندما حاول - وهو من أنصار لوثر ~~- أن يعيد إدخال مفهوم الخطيئة كسبب لحدوث الجنون. ومتقدما لتمييزه بين «هذا» الذي يتضمن ~~الغرائز والمشاعر و«الأنا»، وبين كيان آخر يوصف ب «نحن العليا»؛ وهي ليست الأنا العليا بعد؛ مما ~~جعله رائدا من رواد التحليل النفسي. وكان أول من استخدم مصطلح «نفسي جسمي». إلا أن صاحب الفضل ~~في تحول الطب النفسي الألماني من الرومانسية إلى الإيجابية والأكاديمية في الأساس هو فيلهلم ~~جريزينجر (1817-1868) أستاذ الطب بتوبنجين وكييل وزيورخ، والذي أصبح قبل وفاته بعدة سنوات ~~أستاذا للطب النفسي وعلم الأعصاب ببرلين. كما يعد أحد مؤسسي علم الطب العصبي النفساني. ولقد ~~أسفر هذا الطب النفسي الجامعي الوليد - كما سنرى - عن محاولة لإنشاء نظام أو أنظمة لتصنيف ~~الأمراض العقلية. ولقد ساهم جريزينجر في تطوير مصحات الأمراض العقلية في ألمانيا، خاصة بإدخاله ~~سياسة عدم تقييد المرضى أو ما يسمى بالمستعمرة الزراعية. # ومن بين أطباء الأمراض العقلية الألمان الكثيرين، نذكر جوهان فون جودن (1824-1886) - الطبيب ~~المساعد بمصحة سيجبورج (بالقرب من بون) ثم بمصحة إلينو (في باد). تولى في عام 1855 إدارة مصحة ~~فيرنرك (بالقرب من ورتزبورج) - أول مؤسسة ألمانية تطبق فيها سياسة عدم تقييد المرضى. وفي ~~عام 1869، أصبح مديرا للعيادة النفسية الجامعية بزيورخ، ثم في عام 1872، تولى إدارة مصحة ~~جابيرزي ببافاريا العليا، ونال أيضا كرسي الأستاذية في الطب النفسي بميونخ. عهدت إليه الحكومة ~~البافارية برعاية الملك لويس الثاني «الملك المجنون» - والمحتجز في قصر بيرج. في مساء الثالث ~~عشر من يونيو 1886، لم يرجع الملك ولا طبيبه من نزهتهما عند بحيرة ستارنبرج. ووجدت جثتاهما ~~غارقتين هناك، وظهرت على جثة الطبيب آثار خنق. يبدو جليا ms412 أن الملك المجنون - ذا البنية الضخمة ~~- قتل طبيبه قبل أن ينتحر. # شهد الطب النفسي النمساوي # 5 # في القرن التاسع عشر ثراء بشكل خاص، إلا أن تطوره العلمي تم خارج أسوار المصحات ~~(وسندرس الأمر في الفصل التالي). ولنبقى في نطاق الطب العقلي، كان من المثير ملاحظة أن «برج ~~المرضى» الشهير بفيينا-إيرنتهورم الذي افتتح عام 1789 كان سببا للإحباط؛ فلقد ترك هذا المبنى ~~الدائري الضخم أثرا سيئا. وعندما زاره إسكيرول قال: «أمر جوزيف الثاني ببناء هذا البرج ذي ~~الطوابق الستة، بزنازينه التي تطل على ممر دائري، بينما تستمد كافة الطرقات الضوء من مركز ~~الساحة التي لا يزيد قطرها عن ثلاثة توازات (حوالي ستة أمتار). إنه مبنى كريه.» # 6 # ويضيف مورو دي تور مقارنا بين برج فيينا وقصر سانت أنج المشئوم بروما: «إنه أثر ~~يرجع إلى عصر بعيد، ولكنه مكان بشع للإقامة.» ولا يختلف رأي أطباء الأمراض العقلية النمساويين ~~كثيرا. في عام 1816، أنشأ بي جورجين - أحد كبيري الأطباء ببرج فيينا ذائع الصيت - مؤسسة صغيرة ~~خارج فيينا لاستقبال المرضى المسالمين، وسرعان ما اقتصر البرج على المرضى الفقراء والميئوس من ~~شفائهم. ومستندا إلى أفكار راي، أنشأ في عام 1819 أول مؤسسة خاصة لمرضى الاعتلال العقلي ~~الأثرياء، والتي يقوم فيها العلاج على الموسيقى ولعب البلياردو والورق وركوب الخيل. ومنذ عام ~~1820، بدأ التفكير في استبدال البرج (الذي لم يكن قد جاوز الثلاثين عاما) بمؤسسة كبيرة تتماشى ~~مع مبادئ طب الأمراض العقلية الجديدة. وزار كبير أطباء آخر من مصحة برج فيينا - إم فون ~~فيسزانيك - مصحات فرنسا وألمانيا وسويسرا في عام 1843. # كان هذا هو العصر الذي ينبغي فيه أن يقوم كل طبيب أمراض عقلية، ليكون جديرا بلقبه، بجولة ~~(بمعنى زيارة) كبيرة نسبيا في مصحات الأمراض العقلية خارج بلاده. كان هذا يعد تدريبا ~~إجباريا للبريطانيين والأمريكيين يتيح لهم مقارنة الأنظمة المختلفة والإفادة منها. بينما لم ~~يهتم الفرنسيون كثيرا بهذا النشاط. وكان مورو دي تور - الذي رأيناه سابقا يزور برج المجانين ~~بفيينا - خارجا عن النموذج الفرنسي لكثرة «زياراته العلاجية» التي كان ms413 يقوم بها بناء على طلب ~~مديره إسكيرول. وبعد مناقشة رسالته في عام 1830، قام بزيارة إلى سويسرا وإيطاليا. وفي عام 1836، ~~شرع في زيارة استغرقت ثلاثة أعوام عبر مصر والنوبة وفلسطين وسوريا وآسيا الصغرى، واكتشف خلالها ~~الحشيش. وفي عام 1845، نشر دراسة «مقال عن الحشيش والجنون»، كما رأى في ألياف نبات القنب الهندي ~~«وسيلة فعالة ومتفردة للبحث في علم نشوء الأمراض العقلية» (متقدما بذلك الدراسات المستقبلية في ~~علم الأمراض النفسية التي تسببها مادة معينة والتي جرى تجريبها على المواد المهلوسة). # وعودة إلى النمسا، أنشئت أول مؤسسة تتسع لسبعمائة مريض في منتصف متنزه واسع في عام ~~1853. وعلى غرار مصحة براج - التي تأسست عام 1822 - خصصت غرف فيها لأساليب العلاج التي تقوم ~~على العمل اليدوي. وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر، جرى تأسيس العديد من المصحات العقلية. ~~فمنذ عام 1863، أنشئ حوالي واحد وعشرين مشفى عاما وسبع مصحات خاصة. وكان القانون يحظر ~~احتجاز أي مريض دون شهادة من طبيب حكومي في المنطقة أو البلدية. وحتى في الحالات الطارئة، لا ~~يمكن تأجيل هذا الإجراء لأكثر من أربع وعشرين ساعة. كما كان يمكن للمرضى مغادرة المصحة - سواء ~~أتموا شفاءهم أم لا - بناء على رغبة ذويهم، بشرط أن يتعهد هؤلاء برعايتهم. # وكما كانت الحال في ألمانيا، ظل هناك تصوران مغايران في النمسا؛ الأول نفسي إنساني والآخر ~~جسدي. ومنذ نهاية القرن الثامن عشر، يعد مسمر في الحالة الأولى وجال في الحالة الثانية مثالا ~~لهذا. إلا أن الاثنين يشتركان في قرارهما بترك فيينا لتعارض نظرياتهما مع التصورات الأخلاقية ~~والدينية في عصرهما. ويعد إرنست فون فوشتيرسليبين (1806-1849) الممثل الأهم للطب النفسي ~~النمساوي الرومانسي. وفي مؤلفه «صحة الروح» - الذي طبع أربعين مرة خلال خمسة وعشرين عاما ~~وترجم للغات الأوروبية الرئيسة - يوضح ضرورة مقاومة مبادئ الجنون الموجودة لدى كل واحد منا دون ~~توقف أو رحمة. كان هو أول من درس الطب النفسي في فيينا، وكان رائدا للصحة العقلية (قبل أن ~~تحظى بهذا الاهتمام في الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية). ثم جاء ms414 - مثل ~~ألمانيا وبإيحاء من جريزينجر - زمن الملاحظة الإكلينيكية والوصف. ولقد حاول جوزيف ديتيل ~~(1804-1878) - ولا سيما في «التشريح الإكلينيكي للأمراض العقلية» (1845) - ربط المرض العقلي ~~بإصابات في المخ. وبعيدا عن التكهنات، أصبح الأمر من الآن فصاعدا يقوم على إيجاد تشخيص موضوعي ~~للأمراض العقلية. إلا أن المدرسة «الموضوعية» بفيينا انقسمت بدورها إلى مدرسة تشريحية باثولوجية ~~يمثلها بوضوح ثيودور مينيرت (1833-1892) - الذي اتخذ فرويد تلميذا له لفترة من الوقت، ومدرسة ~~أخرى وصفية ترتكز على علم أسباب الأمراض. وهكذا أكد ريتشارد كرافت إبينج (1840-1902) - في ~~محاضرته الافتتاحية بعيادة الطب النفسي الإكلينيكي الملحقة بمصحة فيينا للأمراض العقلية - أن ~~«الطب النفسي الحالي يجب أن يكون قبل كل شيء علما وصفيا وليس تفسيريا.» # في الحقيقة، وبعبارات نظرية، لا يوجد طب نفسي قومي خالص، خاصة في بلاد منفتحة مثل النمسا. ~~والأمر كذلك بالنسبة إلى العديد من الأطباء. فماكس ليدزدورف (1818-1889) درس في النمسا ولكنه ~~أقام في ألمانيا، ثم فرنسا وبريطانيا وروسيا. وشغل منصب كبير الأطباء في مصحة الأمراض العقلية ~~بسان بطرسبرج، قبل أن يبدأ سيرته المهنية في النمسا؛ حيث جمع بين إدارة مصحة خاصة وبين تدريس ~~الطب النفسي بالجامعة. # وعلى الرغم من صغر مساحتها، فإن سويسرا # 7 # كانت تتسم باللامركزية الشديدة، وكذلك طب الأمراض العقلية لديها. فحتى بعد صدور ~~الدستور السويسري عام 1848، ظلت الأقاليم محتفظة باستقلالها فيما يتعلق بميزانية التعليم والصحة ~~العامة. في الفترة ما بين 1830 و1900، كانت المقاطعات التي تجاوز عدد سكانها مائة ألف تنشئ ~~مصحات أمراض عقلية تضم من مائتين إلى ثلاثمائة سرير. بالإضافة إلى مؤسسات دينية تهدف عادة لخدمة ~~مرضى الصرع. وتكمن خصوصية سويسرا في أن الأطباء مديري المصحات العقلية هم من يعهد إليهم بتدريس ~~الطب النفسي، ومن ثم لا يكون هناك انفصال بين النظرية والتطبيق العملي. وعلى العكس، توجد خصوصية ~~أخرى؛ ألا وهي الفصل الواضح بين الطب النفسي وعلم الأعصاب (الذي يرتبط بالطب الباطني). كان ~~أطباء الأمراض العقلية يأتون عادة من ألمانيا ويشغلون كرسي الأستاذية في العيادة النفسية ~~الجامعية بزيورخ والمسماة «البيرجولزي». في ms415 عام 1879، عين أوجست فوريل (1848-1931) من ~~مقاطعة فود مديرا لتلك العيادة. ولقد بدأ هو أيضا مسيرته المهنية خارج بلاده ثم - بعد دراسته ~~في زيورخ وفيينا - تم تعيينه معيدا بالعيادة النفسية بميونخ لمدة خمسة أعوام (كان لفوريل عدة ~~اهتمامات أخرى، مثل دراسة النمل). ولم يتوان خليفته وتلميذه في البيرجولزي منذ عام 1898، يوجين ~~بلولير - كما سنرى - في كسب شهرة عالمية للمكان . # وماذا عن أقصى الشرق، عن روسيا؟ # 8 # لم تكن العناية المقدمة لمرضى الاعتلال العقلي تتقدم هناك بصورة أسرع من المجتمع ~~ذاته. فلم يبدأ الحكام المحليون في إنشاء مستعمرات زراعية لمرضى الاعتلال العقلي إلا في عام ~~1861 بعد إلغاء العبودية. وأكثر مما كان الأمر عليه في النمسا، فإن البحث العلمي كان يتطور خارج ~~المشافي، ولكن ازداد الأمر تعقيدا لكون الصفوة الروسية ممزقة بين تيار القومية السلافية وتيار ~~يميل إلى الغرب. ولقد نظر الأطباء النفسيون من ممثلي هذا التيار في سان بطرسبرج وموسكو إلى ~~فرنسا وألمانيا، خاصة في عهد جريزينجر. أنشئ أول كرسي أستاذية للطب النفسي في روسيا عام 1857 ~~بالأكاديمية الطبية العسكرية بسان بطرسبرج. ومنح لإيفان بالينسكي (1827-1902) الذي أسس عام ~~1861 جمعية بطرسبرج لطب الأمراض العقلية. منذ عام 1869، شرع في توفير مصحات للأمراض العقلية في ~~عدة مدن روسية. ويعد فلاديمير بيشتيريف (1857-1927) أحد خلفائه. بعد أن درس الطب في سان ~~بطرسبرج، مارس عمله في عدة خدمات في ألمانيا وأيضا في مستشفيات شاركو وسالبيتريير بفرنسا. وفي ~~عام 1893، عين أستاذا للأمراض العقلية والعصبية بسان بطرسبرج، حيث مكث عشرين عاما أعاد ~~خلالها تنظيم التعليم الإكلينيكي. وأسس في عام 1907 معهدا للأبحاث حول المخ (وقبيل وفاته، ~~كان ينوي إنشاء مبنى يشبه البانثيون لتدريس علم التشريح العصبي «ويصلح لتخزين ودراسة أمخاخ ~~العباقرة»). مثل الكثير من الأطباء النفسيين وأطباء الأعصاب الروسيين، اهتم بيشتيريف أكثر ~~بالبحث عن الممارسة داخل مصحة. وفي روسيا مثل فرنسا، لم يهتم الأطباء النفسيون الكبار بالذهاب ~~لمواجهة الحياة اليومية داخل مصحات الأمراض العقلية. كذلك إيفان بافلوف (1849-1936) وسيرجي ~~كورساكوف (1854-1900) اللذان ذاعت شهرتهما عالميا ms416 في مجال البحث. وقد عكف الأخير - الذي سنأتي ~~لاحقا على ذكر متلازمة الأعراض التي اكتشفها - على تحسين الإصلاح في مؤسسات العلاج النفسي. كما ~~انشغل فلاديمير سيربسكي (1855-1917) - إلى جانب عمله الجامعي - (كان يشارك بفاعلية في أنشطة ~~جمعية الطب النفسي وعلم الأعصاب بموسكو) بالطب النفسي والطب الشرعي، وبالتالي سعى إلى الحصول ~~على ضمانات للخبرة في مجال الأمراض العقلية. # في إيطاليا، # 9 # تبرز فترة زمنية طويلة تضم النصف الثاني من القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن ~~التاسع عشر. كانت حالات الجنون الحادة تعالج في المشافي العامة، بينما أقيمت مصحات في المدن ~~الكبرى والمقاطعات الرئيسة لإيواء المرضى المزمنين. فأنشئت مصحة لوك لعلاج مرضى الهوس مثلا ~~في عام 1773، وكانت تقدم هناك بعض الرعاية الطبية. في غضون بضعة أشهر، بلغ عدد المرضى هناك ~~أربعة وعشرين رجلا وثلاثا وثلاثين امرأة. في عام 1881، ارتفع هذا العدد تدريجيا حتى بلغ ~~أربعمائة وستين مريضا. # 10 # ثم توالت المؤسسات: بارما وسيينا وبيروس على أراضي البابا ومقاطعة ريجيو إيمليا ~~(دوق مودين) وبالرما، إلا أن التفاوت على المستوى التشريعي كان شديدا. أصدرت توسكاني وحدها ~~قانونا خاصا باحتجاز مرضى الاعتلال العقلي، مخضعا القبول والخروج لتصريح من محكمة. أما غير ~~ذلك، فلم يكن هناك أي التزام إلا إبلاغ المحافظ عن أي احتجاز، ولكن ألم تكن الحال هكذا أيضا في ~~قاعات مرضى الاعتلال العقلي في فينيسيا أو فيرونا؟ لاقى الجيل الأول من أطباء الأمراض العقلية ~~مصيرا أكثر بؤسا من زملائهم الفرنسيين. فكان راتب طبيب المجانين في مصحة أفرسا كامباني - التي ~~أنشئت عام 1813 بقرار من مورا - يعادل راتب حارس عقار؛ أي ما يوازي تسعة دوكات شهريا، بينما ~~كان «معلم المجانين» (أي كبير الحراس) يتقاضى خمسة وعشرين دوكا؛ نظرا لأهمية دوره. # زار ألكساندر بريير دي بواسمون - في بداية مسيرته المهنية كطبيب للأمراض العقلية - العديد ~~من المصحات الإيطالية للأمراض العقلية. وبدت له مصحة جنوة بعيدة كل البعد عن أفكار العصر حول ~~علاج ومصحات مرضى الاعتلال العقلي. كان كل شيء حوله يسبب له «التقزز والشفقة». # 11 # كان ms417 المرضى هناك مربوطين بل مكبلين بالسلاسل. ولم يكن هناك في الغرف الأربع المخصصة ~~للرجال والاثنتين المخصصتين للنساء أي تقسيم أو فصل. «لن نضيف إلا كلمة واحدة عن هذه المؤسسة: ~~لا يتمكن المرضى من الخروج من هناك إلا بعد تأدية سر الاعتراف.» ولم تنل مصحة سينافرا ~~الخيرية - بالقرب من ميلانو - تقديرا أعلى من ذلك بكثير. في عام 1850، جاء تيوفيل جوتييه إلى ~~إيطاليا، ليس كطبيب وإنما كصحفي، وزار مصحة سان سيرفولو بفينيسيا المقامة منذ عام 1733 على ~~جزيرة. بدت له المباني غاية في الرتابة. «فلم يبذل الكثير من الجهد لتحويل غرف الرهبان إلى ~~زنازين للمجانين.» إلا أن المرضى أنفسهم تركوا فيها أثرا كبيرا: «لا يجد ما هو أكثر بؤسا ~~وغموضا منهم، وكأنهم سفن تسير دون بوصلة، شعلة تركت مصباحها، وحياة من دون كيان. لعل الروح ~~المظلمة القابعة داخل المجنون تستعيد وعيها بعد الموت، أم ستكون هناك أرواح مجنونة إلى الأبد؟ ... ~~كان هناك مرضى يلعبون في هدوء بالكرات في الحديقة الجرداء تحيط بهم الجدران، وعلى الجانب الآخر ~~يلعبون الليدو، بينما يتنزه اثنان أو ثلاثة بخطوات متعجلة تطاردهم هلاوس مخيفة. بينما وقف آخر ~~ساكنا وله هيئة جافة ونحيفة ورأس عار مكشوف للرياح وكأنه طائر البلشون يقف فوق أحد ~~المستنقعات، ولا شك في أنه كان يعتقد أنه هذا الطائر الذي يتقمص وقفته.» # 12 # بعد كل تلك الفترة البائدة، التي كان من الصعب فيها إيجاد مبادئ شياروجي التي تطبق في مصحة ~~القديس بونيفاس بفلورنسا، لاح في الأفق منعطف هام في منتصف القرن التاسع عشر، بتخطيط عام هذه ~~المرة. أصبح الأطباء مشهورين وأصبحوا هم من يقدمون المشاريع. فأندريا فيرجا (1811-1895) - مدير ~~مصحة سينافرا بميلانو، ثم مدير المشفى العام منذ عام 1865 حيث كان يدرس الطب النفسي - كان قد ~~أسس في عام 1873 «جمعية علاج الشرايين الإيطالية»، والتي ستتخذ في عام 1935 اسم جمعية الطب ~~النفسي. ولكونه نائبا بالبرلمان، دافع عام 1876 عن ضرورة وضع تشريع خاص بمصحات الأمراض ~~العقلية. ويعد فيرجا وتامبوريني بروما وتانزي بفلورنسا ومورسيلي بجنوة ms418 وآخرون؛ هم الآباء ~~المؤسسين لقانون الرابع عشر من فبراير 1904، المماثل لقانون عام 1838 بفرنسا. ودون جدوى، حلم ~~هؤلاء الأطباء - ذوو النزعة المعادية لرجال الدين - بعلمنة كاملة للعلاج النفسي في بلاد شديدة ~~التمسك بالكاثوليكية كإيطاليا. في عام 1875 - حيث أجري أول تحقيق وطني حول مسألة مرضى ~~الاعتلال العقلي - كانت إيطاليا تضم ثلاثا وأربعين مؤسسة (بلغت مائة وأربعين عام 1914) و12913 ~~محتجزا (بلغوا 54311 في عام 1914)، بينما ظل عدد العاملين - سواء من الأطباء أو الممرضين - لا ~~يتجاوز الحد الأدنى دائما. # كما نرى، فإن «القرن الذهبي لطب الأمراض العقلية» يختلف بشدة من بلد أوروبي إلى آخر. في ~~إسبانيا، # 13 # يصعب مثلا الحديث عن قرن ذهبي في هذا الأمر. شهدت رعاية مرضى الاعتلال العقلي - ~~التي جاءت كرياح تغيير في عصر التنوير الإسباني متأثرة بالطب العربي الإسباني (فنذكر أول مصحة ~~لمرضى الاعتلال العقلي في أوروبا، وهي مصحة بلد الوليد عام 1409) - انهيارا متتابعا بسبب ~~الدمار الذي أحدثته حرب الاستقلال (1803-1813)، ذلك في الوقت الذي كان يشهد نوعا من الحظوة في ~~باقي دول أوروبا بدرجات مختلفة. فقد كان مرسوم من السلطة المحلية التي يديرها أحد القضاة كافيا ~~لاحتجاز أي شخص دون أي شهادة طبية. ولم يستطع قانون عام 1822 - الذي صمم على النموذج الفرنسي - ~~أن يفرض إصلاحاته على الرغم من التأكيدات المتكررة. كانت رعاية مرضى الاعتلال العقلي في مأزق، ~~ما عدا بعض المحاولات المنفردة، مثل إنشاء مصحة الصليب المقدس ببرشلونة (حيث كان للمدير نفوذ ~~وسلطة أوسع من الطبيب). وفي كتالونيا - التي كانت تشهد تقدما واسعا مقارنة بباقي البلاد - ~~اتسعت حركة إنشاء المصحات الخاصة لمرضى الاعتلال العقلي؛ بسبب تراجع الدعم الحكومي: مصحة ~~تورلوناتيكا بمدينة لوريه دي مار (1844) وسان بوديليو دي يوبريجات (1854) ونوفا بيلين (1857) ... ~~وفي كتالونيا أيضا، أنشئ عام 1863 أول معهد لدراسة الدماغ، والذي شدد بطريقة «ثورية» على أن ~~يتولى مسئوليته بالكامل الطاقم الطبي. في برشلونة، ولدت أول مؤسسة تضم الأطباء النفسيين عام ~~1911. وفي مدريد، أنشئت أول مصحة خاصة للأمراض العقلية عام 1877. وفي باقي البلاد، كانت ~~مصحات سان جون ms419 دي ديو تستقبل المرضى الفقراء، ولكنها لم تكن تكفي أعدادهم. أما تدريس الطب ~~النفسي التقليدي المستوحى من المدرسة الفرنسية، فلم يبدأ في الاستقرار إلا متأخرا في القرن ~~التاسع عشر، ولم يدخل الجامعة إلا كفرع من الطب الشرعي. # شرعت البرتغال # 14 # أيضا في محاكاة النموذج الأوروبي، ولكن بتطور مختلف. من القرن السادس عشر وحتى ~~القرن الثامن عشر، كان يغلب على قطاع رعاية مرضى الاعتلال العقلي طابع القديس جون دي ديو؛ ~~المولود عام 1595 في البرتغال ومؤسس تنظيم خيري وعلاجي. ولقد انتشر هذا التنظيم - على غرار دور ~~الاحتجاز الجبري في عهد النظام القديم - في كافة أرجاء أوروبا، ولا سيما فرنسا تحت اسم تنظيم ~~الإخوة للأعمال الخيرية. ولقد خصصت المصحات التابعة لهذا التنظيم مكانا لاستقبال مرضى الاعتلال ~~العقلي بدءا من البرتغال وإسبانيا. إلا أن صيحة التحذير التي أطلقها الطبيب برناردينو أنطونيو ~~جوميز عام 1844 - عقب جولته في مصحات الأمراض العقلية في أوروبا (حيث بدا له النموذج الألماني ~~هو الأصلح) - تثبت أنه في مجال الرعاية العامة لمرضى الاعتلال العقلي لا يزال هناك الكثير ~~لتحقيقه. فلم يكن هناك إلا مشفى كبير في لشبونة - ساو جوزيه تمتلك بالفعل مناطق مخصصة بمرضى ~~الاعتلال العقلي. ولقد زار طبيب أمراض عقلية فرنسي مباني هذا المشفى في التاريخ نفسه، ووجدها ~~رديئة، بينما اتسمت المؤسسة نفسها بالنظافة والأطباء بالتفاني. # 15 # وبعد الاستعلام عن هذا النقص في المصحات، وضع الطبيب عدة تفسيرات هامة: يأتي ثلاثة ~~أرباع المرضى المحتجزين البالغ عددهم مائتين وواحدا وثمانين من لشبونة، بينما «يوجد في القرى ~~والمدن - بما فيها لشبونة - مرضى اعتلال عقلي مسالمون، نتساهل مع وجودهم في الشوارع؛ لأنه لا ~~توجد لدينا مؤسسة يمكنها استقبالهم.» أما «المرضى سيئو السلوك أو الخطرون»، فتضطر السلطات ~~المحلية - نظرا لصعوبة نقلهم - إلى «حبسهم مؤقتا في السجون أو المشافي العادية». بينما يجري ~~علاج مرضى الاعتلال العقلي «الأثرياء في منازلهم، أو يجري إرسالهم إلى بلد آخر». في عام 1849، ~~افتتحت مصحة للأمراض العقلية بالفعل في لشبونة - ريافول - حيث يتم فقط استقبال المرضى ~~الأثرياء الذين يمكن ms420 علاجهم. ولكن هذا لم يمنع أن أصبح ثلاثة أرباع هؤلاء المرضى ميئوسا من ~~شفائهم. وعلى الرغم من افتتاح مصحة كوند دي فيريرا ببورتو عام 1881، ظل ثمانية آلاف مريض ~~عقليا مطروحين في القرى أو في السجون، في انتظار أن يتوافر مكان لهم، ولذلك كانت الحاجة إلى ~~قانون. ولقد ساهم الطبيب جي ماريا دي سينا بقوة في هذا الأمر عن طريق كتاباته وزيارته لمصحة ~~شارنتون بفرنسا وأيضا مصحات فيينا وزيورخ. وبالفعل، صدر قانون في الخامس عشر من يوليو 1889، ~~لينظم أخيرا خدمة مرضى الاعتلال العقلي على مستوى البلاد. وتأسس مشفى كبير يسع لستمائة مريض ~~مزود بملحقين من غرف الاحتجاز للمرضى والمريضات ذوي النزعة الإجرامية، يتيح أيضا «تدريس علم ~~الطب النفسي الإكلينيكي» في لشبونة، وأنشئ اثنان آخران أصغر حجما في كويمبرا وفي جزيرة ساو ~~ميجيل (آسور). وأصبح المشفى القديم ريافول وآخر بني في بورتو مخصصين فقط لرعاية مصابي ~~الصرع والبله ومرضى العته غير المؤذين من الجنسين. # وبالمقارنة مع البرازيل، # 16 # نتمكن من قياس مدى اختلاف العقليات الذي يوجد بين بلد قديم وآخر حديث. فحتى ~~استقلالها عام 1822، كانت المستعمرة البرتغالية الضخمة تحتجز مرضى الاعتلال العقلي في المؤسسات ~~الدينية، وخاصة مصحة سانتا كازا دي ميزيريكورديا بباهيا (السلفادور) فيما يسمى «كازينها دي ~~دودو» (أي منازل صغيرة للمجانين). وبعد استقلالها، اتجهت البرازيل للطب الأوروبي الفرنسي ~~بالتحديد. وبدأت حلمها لرعاية مرضى الاعتلال العقلي من داخل جمعية الطب والجراحة التي تأسست عام ~~1829. وقدم الطبيب دا كروز جوبيم عام 1830 - لجمعية الصحة العامة - تقريرا غاضبا عن المصير ~~البائس لمرضى الاعتلال العقلي المحتجزين بمصحة سانتا كازا دي ميزيريكوديا: «لا يسعنا تصديق أن ~~في ريو هذا القدر من الوحشية يمارس في مكان من المفترض أن يخفف من معاناة هؤلاء المرضى، الذي ~~قد يصاب أي منا بما أصابهم.» أنشئت أول مؤسسة لعلاج مرضى الاعتلال العقلي على الطراز الفرنسي ~~عام 1852 في مدينة ريو دي جانيرو، والتي أصبحت مصحة وطنية عام 1890. وتوالى بناء المصحات خلال ~~النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بما فيها مصحة ساو ms421 باولو لمرضى الاعتلال العقلي عام 1898؛ ~~وهي الكبرى على الإطلاق في أمريكا الجنوبية. وخصص أول كرسي أستاذية في الطب النفسي عام 1884، ~~بناء على المدرسة الفرنسية، قبل أن يتحول اتجاهه في مطلع القرن العشرين إلى الطب النفسي ~~الألماني. جاء التشريع متأخرا، فلم توضع أي لوائح محددة لطرق الاحتجاز إلا في عام 1893، وفي ~~عام 1903، صدر أول قانون ينظم مسألة علاج مرضى الاعتلال العقلي بالكامل. # ومن جانبها، اتسمت الأرجنتين # 17 # بمزيد من الديناميكية، خاصة بالمقارنة مع محتلها القديم. قبل استقلالها، كان ثلاثة ~~أرباع مرضى الاعتلال العقلي لا يدخلون المشافي أو يجري احتجازهم. وبعد الاستقلال عام 1816، بدأت ~~الأرجنتين تطبق سياسة أكاديمية جريئة في الجامعات، تقوم أساسا على الطب. وفي عام 1827، ناقش ~~دييجو آلكورتا (1801-1842) أول رسالة في الطب النفسي في أمريكا الجنوبية (عن الهوس الحاد). كان ~~يتبع أفكار بينيل وإن عاب عليه عدم التعمق في التشريح الباثولوجي للمرض العقلي. لم يتحسن وضع ~~مرضى الاعتلال العقلي البائس المحتجزين في منطقة المجانين بالمشفى العام ببيونس أيرس حتى منتصف ~~القرن التاسع عشر. ففي عام 1854، افتتحت أول مؤسسة لعلاج مرضى الاعتلال العقلي فقط في بيونس ~~أيرس، بناء على مبادرة من طبيب الأمراض العقلية فنتورا بوش (1814-1871) والسياسي المحب للخير ~~تومازا فيليز سارسفيلد، وأطلق على قطاعين أو ثلاثة من قطاعات المشفى أسماء «بينيل» و«إسكيرول». ~~أما أعداد المرضى المحتجزين، فازدادت من ثمانية وستين إلى ألفين في بداية القرن العشرين. كما ~~نقل المرضى المحتجزون بالمشفى العام عام 1863 إلى مؤسسة علاجية جديدة، وهي مصحة سان ~~بينافونتورا (وأصبح اسمها لاس مرسيدس منذ عام 1873). وشهدت حركة إنشاء مصحات الأمراض العقلية ~~دفعة جديدة في ثمانينيات القرن التاسع عشر، نتيجة حركة الهجرة المتزايدة. ويربط لوتشيو ميلينديز ~~اسمه بهذه الفترة الزمنية، بعد أن منح كرسي الأستاذية في طب الأمراض العقلية (الذي أنشئ ~~مؤخرا عام 1886) بكلية الطب. كان يعمل أيضا كبير أطباء بمصحة لاس مرسيدس، مازجا - بطريقة لا ~~تحدث إلا نادرا في أي بلد - بين التدريس والتطبيق العملي في المصحة. خلفه دومينجو كابريد ~~(1859-1929) عام 1892 في المنصبين، ms422 مستكملا عمل أستاذه في توجيه مصحات الأمراض العقلية في ~~الأرجنتين نحو تجربة المستعمرة الزراعية أو «الأبواب المفتوحة». # 18 # كما قام هو الآخر بجولة في كبرى المصحات الفرنسية والألمانية. واستلهم من طرق ~~بورنفيل في بيستر لتعليم الأطفال المتأخرين عقليا (وفي عام 1920 أنشئ أول كرسي للأستاذية ~~في العالم للطب النفسي للأطفال). في بداية القرن العشرين، كانت الرعاية النفسية في الأرجنتين هي ~~الأكثر تقدما على مستوى أمريكا الجنوبية كلها. ~~«وأخيرا وليس آخرا»، ماذا عن بريطانيا التي كانت تمثل النموذج الذي تسير على خطاه أوروبا ~~كلها بما فيها فرنسا في القرن الثامن عشر كما رأينا؟ لا يسعنا بالتأكيد قصر الطب العقلي ~~البريطاني على نموذج مصحة «ذا ريتريت»، ولا سيما أن هذا المشفى لم يكن يحتجز إلا القليل من مرضى ~~الاعتلال العقلي (لم يكن يتجاوز الأربعين في بداية القرن التاسع عشر، ولم يزد عن المائة نحو عام ~~1840)، # 19 # ولا أيضا مصحة بدلام أو مصحة القديس لوقا. في عام 1808، صرح مرسوم مشافي المقاطعة ~~لأصحاب المقاطعات إنشاء مشاف تضم مرضى الاعتلال العقلي الفقراء ولكن على نفقة الشعب، ولذلك ~~كانت نتائجها هزيلة للغاية. في عام 1841، لم تكن مقاطعات إنجلترا الاثنتين والخمسين، بما فيها ~~إمارة الغال، تحتوى إلا على خمس عشرة مؤسسة علاجية عامة. # 20 # في عام 1828، صدر قانون يستبدل باللجنة القديمة بالكلية الملكية للأطباء هيئة ~~جديدة من المفتشين - المفوضين الخاصين بالجنون على مستوى المدن الكبرى - وكانت لهم صلاحيات ~~واسعة. وأخيرا، في عام 1845، جعل مرسوم مشافي المقاطعة وجود مصحة عامة للأمراض العقلية أمرا ~~إلزاميا في كل مقاطعة. ومن ثم اتسع دور الأطباء، في الوقت الذي كانت جمعية الضباط الأطباء في ~~المشافي العامة ومصحات الأمراض العقلية التي أنشئت عام 1841 قد أضفت بالفعل على أطباء الأمراض ~~العقلية هوية مهنية. كان هناك اعتراف عام بقدراتهم، وأصبح هناك نطاق قانوني لعملهم. في منتصف ~~القرن التاسع عشر، عمل إف بي وينسلو (1810-1874) على تعريف المجتمع البريطاني بضرورة وجود خبراء ~~في الطب النفسي في المحاكم. ونشر جيمس بريتشارد (1786-1848) مؤلفا في عام 1842 ms423 - «حول الصور ~~المختلفة للجنون وعلاقتها بالعدالة» - درس فيه القضية الصعبة التي تقف أمام الطبيب أو القانوني ~~إزاء تحديد المسئولية الجنائية للمريض عقليا. وأعاد فيها استخدام مفهوم «خلل الصحة ~~النفسية» # 21 # الذي وضعه في بحثه بتاريخ 1835، وهو عبارة عن جنون معنوي يقوم على خلل جزئي في الحس ~~الأخلاقي والسلوكيات الاجتماعية دون المساس بقدرات الذكاء (وهو الأمر الذي أطلق عليه بينيل ~~«الهوس دون هذيان»). # في عام 1844، بلغ عدد المصحات المصرح به في «ضواحي العاصمة لندن» ستا وثلاثين مصحة ~~للأمراض العقلية، منها ثلاث وثلاثون لا تستقبل إلا المرضى القادرين على الدفع. كانت هذه المصحات ~~تحتجز حوالي 6105 مرضى (من بينهم 2683 من الفقراء). ولم تكن أي من هذه المصحات موجودة وقت ظهور ~~نظام «عدم تقييد المرضى» الذي أسسه - كما رأينا - جون كونولي، الذي تعد سيرته المهنية مثالا ~~لأطباء الأمراض العقلية العظام في عصره. بعد أول منصب تولاه في مصحة ستراتفورد آبون أفون - ~~مدينة شكسبير - بدأ يعمل في التدريس بالجامعة بلندن. وهناك، استطاع إدخال تدريس الأمراض العقلية ~~إلى مناهج الدراسات الطبية. في عام 1830، عين مفتشا في مشافي مقاطعة وارويك، ثم في ~~برمنجهام في عام 1838، قبل أن يصبح في العام التالي كبير الأطباء بمصحة هانويل للأمراض العقلية ~~بالقرب من لندن، وهي أكبر مصحة لمرضى الاعتلال العقلي ببريطانيا. وهناك، تمكن على مدار خمس ~~سنوات من فرض طريقته «بعدم تقييد المرضى»، على الرغم من أن آخرين (خاصة تشارلزورث ثم هيل ~~بمستشفى لينكولن) حاولوا القيام بذلك من قبله. كان الأمر بمنزلة ثورة أشعلت عالم أطباء الأمراض ~~العقلية بالكامل. ويدافع كونولي - الذي تخلى عن مناصبه عام 1844 - عن فكرته: «لا يوجد هناك ~~مشفى واحد في العالم لا يمكن فيه إلغاء نظام الحبس التلقائي، ليس فقط في أمان كامل، بل وبنتائج ~~جيدة لا تعد.» # إلا أن نظام «عدم تقييد المرضى» لم ينتشر في كافة ربوع بريطانيا. فعلى حد قول أحد المراقبين ~~الأجانب (دائما ما يكونون أكثر نقدا)، كان «الاستخدام المعتدل للسلاسل والقيود لتقييد بعض ~~الأجزاء من جسم المريض لا يزال ms424 موجودا بقوة» # 22 # في بعض مصحات الأمراض العقلية المخصصة للفقراء. ولاحظ نفس المراقب - أثناء وجوده في ~~إحدى مناطق مشفى بريستول - أنه يجري حبس مرضى السلوك العنيف أو المتمردين في مخازن مغلقة ~~بإحكام، بها ثقب يتيح تجدد الهواء. في المقابل، «لم يعد القناع الجلدي يستخدم على الإطلاق، ~~والذي كان يربط بسير في وجه المريض الذي اعتاد أن يعض الآخرين.» كان «سوء استغلال هذه الأدوات ~~يتراجع كل يوم بفضل نشاط الأعضاء الحاليين في جمعية لندن.» ومنذ منتصف القرن التاسع عشر، بدأ ~~استخدام وسائل بديلة عن الحبس داخل المصحة وطبقت مع المرضى المسالمين (إلا أن عددهم ليس ~~كبيرا): مثل طريقة «النظام العائلي» التي وضعها جييل في قرى الاستقبال بعيدا عن المصحة (في ~~اسكتلندا خصيصى)، أو بالقرب منها، مثل طريقة «نظام الأكواخ» والتي تطبق داخل إحدى العائلات ~~(غالبا ما تكون عائلة أحد الموظفين). وأخيرا، تمهيدا لنظام شهد فيما بعد تطورا كبيرا في ~~أوروبا في النصف الثاني من القرن العشرين، ظهرت طريقة «الاحتجاز الانتقالي» التي تتم فيما بين ~~المؤسسة العلاجية والمنزل. # في بريطانيا العظمى كما في الخارج، كانت مصحات الأمراض العقلية مكتظة بالمرضى. وكان على ~~الأطباء - الذين يتولون الآن مسئولية الإدارة أيضا - أن يتفرغوا للمهام اللوجستية والإدارية ~~على حساب العلاج والبحث. وحاول بعض أطباء الأمراض العقلية والنفسية من الشباب أن يخرجوا عن تلك ~~القاعدة. كانت هذه هي الحال مع هنري مودسلي (1835-1918)، الذي عمل طبيبا للأمراض العقلية بمصحة ~~مانشستر، بعد أن كان قد بدأ عمله كجراح. وأثر عمله كجراح على تفكيره؛ حيث ظل يبحث عن كل ما هو ~~جسدي خلف المرض العقلي، مثل فشل عملية التكيف العصبية (فسيولوجيا وباثولوجيا العقل، 1867). كان ~~يريد تطبيق مبادئ الفسيولوجيا وعلم النفس والباثولوجي على ممارسة الطب النفسي. ثم أصبح عضوا ~~بالكلية الملكية للطب بلندن، وأستاذا للطب الشرعي بالجامعة. وفي عام 1908، أهدى ما يقارب ~~الثلاثين ألف كتاب بهدف إنشاء مصحة حقيقية للطب النفسي مخصصة للبحث والتدريس. وبالفعل أنشئت ~~مصحة مودسلي التي استقبلت لاحقا أول مصابي الحرب العالمية الأولى النفسيين. # أما الولايات ms425 المتحدة الأمريكية الشابة، فإنه من عادة التأريخ الأنجلوساكسوني أن يقارن بين ~~تاريخ الطب النفسي البريطاني والأمريكي، في حين أن النقاط المشتركة قليلة للغاية، باستثناء ~~اللغة العلمية المشتركة التي سهلت انتشار وتداول النظريات أساسا من بريطانيا إلى أمريكا. في ~~الواقع، كان التطور المؤسسي هناك قد اتخذ نهجا مختلفا. قبل الاستقلال، أنشئ أول مشفى عام ~~في فيلادلفيا عام 1751 - والتي كانت تعد الأولى بين ثلاث عشرة مستعمرة إنجليزية. وأيضا في عام ~~1751، قدم بنجامين فرانكلين «الأول» في فيلادلفيا عريضة للمجلس المحلي لإنشاء مصحة خاصة ~~«لاستقبال المرضى الفقراء [...] وأيضا لإيواء ورعاية المجانين.» # 23 # وبالفعل، خصص قسم لمرضى الاعتلال العقلي؛ لأن «أعداد الأشخاص ذوي العقول ~~المضطربة والمحرومين من قدراتهم على التعقل، كان في ازدياد مطرد.» في عام 1773، تأسست أول مصحة ~~للأمراض العقلية بفيرجينيا بويليامزبرج. كانت المصحة مجهزة بثراء، وغير مكتظة بالمرضى، وكأنها ~~بداية لظهور المصحات العقلية الخاصة (والتي سميت هكذا؛ لأنها أنشئت في الأساس بفضل الاكتتابات ~~الخاصة)، والتي شهدت زيادة كبيرة على الساحل الشرقي في نهاية القرن الثامن عشر وفي العقد الأول ~~من القرن التاسع عشر. واتخذ المشفى من مصحة ذا ريتريت الإنجليزية - التابعة لعائلة توك - ~~نموذجا له مطبقا طريقة العلاج المعنوي، مع الأخذ في الاعتبار أفكار بينيل الذي أسقط القيود ~~من على كاهل مرضى الاعتلال العقلي. # وبعد الاستقلال، كان الأطباء الأمريكيون - أكثر من زملائهم الأوروبيين - يقومون بجولات ~~استكشافية في مصحات الأمراض العقلية الإنجليزية والفرنسية والألمانية قبل أن يصبح الواحد منهم ~~طبيبا في مصحة عقلية. كان وضعهم الاجتماعي ضعيفا أيضا، ولكن في أعقاب سلسلة من التعديلات على ~~لائحة المشافي، أصبحوا أطباء ومديرين للمصحات في ذات الوقت. إلا أن هذا لم يكن يعني أنهم أحرار ~~يفعلون ما يشاءون. في عام 1844، تأسست «الجريدة الأمريكية للمرض العقلي»، وهي الأداة الرسمية ~~«للجمعية الطبية للمراقبين الطبيين في المؤسسات الأمريكية لعلاج الأمراض العقلية». # كان المجتمع الأمريكي الجديد يتميز بميل واضح «للاحتجاز» - أكثر من أوروبا القديمة - مظهرا ~~تشددا متناميا تجاه الجنون، بالتناسب مع نمو حركة التصنيع والتعمير السريعة؛ خوفا من شبح ~~الفاقة ms426 و«الفساد» الذي تسببه حركات الهجرة (دعارة، سكر، إجرام، جنون). في مثل هذا السياق ~~السياسي والاجتماعي المرتبط بثقافة دينية بروتستانتية، كان العلاج المعنوي يمتاز بطابع «أخلاقي» ~~لم يشهده من قبل. وفي عام 1874، تأسس «المؤتمر الوطني للأعمال الخيرية والإصلاحية»، الذي أصبح ~~في القرن العشرين - بعبارات أكثر ملاءمة للعصر الحديث - «الجمعية الوطنية للخدمة الاجتماعية». ~~ومثلما كان الأمر في الغرب، سرعان ما حل التشاؤم محل الأمل في شفاء مرضى الجنون. ويشدد عالم ~~الاجتماع والمؤرخ للصحة في أمريكا ديفيد ميشانيك # 24 # بفطنة على أهمية هذا الشعور بالإحباط وثقل وطأته في أمريكا عن أوروبا. ويعرض فكرته ~~المفارقة والمثيرة بأن مهنية الطب النفسي شكلت في النهاية عقبة أمام الرعاية الفعلية لمرضى ~~الاعتلال العقلي؛ بسبب أنها أصبحت مجموعة من المعارف السرية، مما شكل حاجزا أمام محبي الأعمال ~~الخيرية الذين هم أساس هذه المصحات. # بدأت الآلة تدور، وافتتحت أول مصحة عامة للأمراض العقلية - «ورسيستر ستايت» - في ~~ماساتشوستس عام 1830. وارتفعت معدلات الاحتجاز بسرعة رهيبة خلال العقدين الثالث والرابع من ~~القرن التاسع عشر. وأصبحت مصحة بلومينجدال بنيويورك تضم أكثر من ألف وستمائة مريض بين عامي 1824 ~~و1836، ومعظمهم من القادرين على الدفع وليس المعوزين، ومن بينهم ما لا يقل عن ثلاثة وعشرين ~~بالمائة من المرضى مدمني الكحوليات. وازدادت الأعداد في الأماكن الأخرى. وعلى الرغم من وجود ~~ثلاث مصحات خاصة ومشفى عام في بوسطن (يضم 2632 مريضا)، استعدت ولاية ماساتشوستس في عام 1854 ~~لإنشاء المشفى العام الثالث. كان هذا هو عصر انتصار النظريات الطبية المعمارية ~~لتوماس س. كيركبرايد (1809-1883) - كبير الأطباء وكبير ~~المراقبين بمشفى بنسلفانيا لمرضى الاعتلال العقلي ببنسلفانيا الذي تأسس عام 1841. ولقد تأثر ~~كيركبرايد بأسس الإنشاء التي آثرها أطباء الأمراض العقلية الفرنسيون في العقود الأولى من القرن ~~التاسع عشر. في البداية، يجب ألا تشبه مصحة الأمراض العقلية السجون لطمأنة المرضى وعائلاتهم ~~وأيضا الزائرين (يجب إخفاء وسائل الأمن). # 25 # ويكون التصميم متماثلا بالطبع، وخطيا في ذات الوقت يشتمل على مجموعة متسلسلة من ~~الأقسام الخلفية تحيط من الجهتين بالجناح المركزي، وفي آخره تكون ms427 الكنيسة. تتسع المصحة لمائتين ~~وخمسين «مريضا». تكون مناطق التصنيف أبسط من النموذج الفرنسي، وتقوم أساسا على التصنيف بناء ~~على السلوك. يجري الاعتناء بشدة بالتهوية؛ مما يتضمن إنشاء المصحة في الريف. وبناء على هذا ~~النموذج، أنشئ عدد من المصحات على مدار القرن التاسع عشر، مثل مصحة إلينوي الشمالية لمرضى ~~الاعتلال العقلي عام 1872. كان كيركبرايد ينشر تقريرا سنويا حول وضع مصحة بنسلفانيا للأمراض ~~العقلية التي ازداد عدد مرضاها من ثلاثمائة وأربعة وستين عام 1857 حتى خمسمائة وخمسة وتسعين عام ~~1868. كان يمتدح فيه اهتمامه بالرياضة البدنية الخفيفة وقاعات القراءة. واستغرق في أحلامه حتى ~~تخيل إنشاء مكان للترفيه (؟) يقيمه المرضى بأنفسهم. # انتهى هذا العصر الطوباوي للطب العقلي بالتداعي منذ عام 1880. ويسجل التعداد الفيدرالي في ~~هذا التاريخ وجود - في مقابل خمسين مليون مواطن - 41500 مريض عقليا في مشافي الدولة ، وضعف ~~هذا العدد في دور الإيواء. كانت النسبة تفوق مثيلتها في أوروبا، ولكنها كانت أقل من عام 1955؛ ~~حيث بلغ عدد المرضى المحتجزين في الولايات المتحدة حوالي 559000؛ أي 0,33٪ من إجمالي عدد ~~السكان # 26 ~~(في التاريخ نفسه، كانت فرنسا تضم محتجزين يمثلون 0,23٪ من عدد سكانها). ولكن - كما ~~في فرنسا وفي كل البلاد الأخرى - تلاشى الأمل في الشفاء قبل ذلك بكثير. في ثمانينيات القرن ~~التاسع عشر، عقد الكثير من المحاكمات بسبب الاحتجاز القسري. واحتدم هجوم أطباء الأعصاب - ~~بدوافع أخرى - على أطباء الأمراض العقلية، متهمين إياهم «بخداع ثقة الشعب بإصرارهم على عدم ~~انتهاز الفرص المتاحة لتحسين علم الطب النفسي.» وقد رأينا من قبل كيف كانت الحال مع الجراحة ~~النفسية. وانتهى المطاف بعلماء الأعصاب بفقد ثقة الجمهور الذين أرادوا كسب ثقته، بسبب مبالغاتهم ~~(ألم يتحدثوا عن السعي وراء «المادة غير المستفاد منها»؟) # 27 # ولقد شهد العقد ذاته مولد الجمعية الوطنية لحماية مرضى الاعتلال العقلي والوقاية من الجنون. ~~في الوقت الذي تزدحم فيه المصحات بالمرضى المزمنين الذين «تدهورت حالاتهم» (بي روزنكرانتز)، ~~لماذا الاستمرار في تكديس المصحات بصورة تزيد من عددهم؟ (بلغ عددهم مائتين في الولايات المتحدة ~~بنهاية القرن التاسع عشر). ms428 منذ عام 1874، طرحت مسألة مستقبل المرضى المزمنين وكيفية مساعدتهم ~~خلال أحد المؤتمرات الوطنية بأمريكا. بنهاية القرن التاسع عشر، شهد قطاع مصحات الأمراض العقلية ~~تدهورا سريعا. وكان من الممكن أن تتسبب الزيادة السكانية، وفشل بعض الطرق العلاجية - بداية من ~~العلاج المعنوي - ونسبة الوفيات المرتفعة المرتبطة بتحول الإصابة إلى مرض مزمن؛ في التخلي عن ~~سياسة مصحات الأمراض العقلية، وليس - من باب المفارقة - في زيادة شديدة في عدد المرضى ~~المحتجزين، حتى منتصف القرن العشرين، بل وبعد ذلك. «وعلى عكس مبادئ النظام والسيطرة التي يفرضها ~~المعمار والإدارة، كان نظام الحياة في المصحة يميل دائما نحو الفوضى والتفكك» (سكول). إلا أن ~~مصحة الأمراض العقلية صمدت على الرغم من الناقدين. ويستكمل سكول حديثه بأن المصحة استمرت؛ لأن ~~أقل المستشفيات جودة كان يمثل حلا لبعض الأسر اليائسة. وهكذا، «لم تكن مصحة الأمراض العقلية - ~~كمؤسسة يلجأ إليها في نهاية المطاف - في حاجة أبدا لمزيد من الزبائن.» # الفصل الخامس # | البوتقة النظرية في عصر اليقين # ربما نستطيع أن نفهم منذ الآن أن التفكير النظري - في فرنسا - أصبح في جميع الأحوال منفصلا ~~أكثر فأكثر عن المؤسسة العلاجية وعن ممارسة الطب العقلي. ففي فرنسا على وجه الخصوص - على عكس ~~ألمانيا مثلا - كان البحث الإكلينيكي متمركزا في العاصمة بشكل كبير، بل وفي سانت آن على وجه ~~التحديد حيث عين أفضل أطباء الأمراض العقلية، ولم يكن يتم الإبقاء إلا على «أفضل» المرضى ~~(كان المرضى الميئوس من شفائهم ينقلون إلى الأحياء المتاخمة أو إلى سجون الأقاليم). # واستطاع الطب النفسي، بعد أن تحرر من الفكرة التي كانت هي أساس تكوينه (كون المستشفى أداة ~~للشفاء)، خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين؛ أن يستعيد قوته وأن ~~يؤكد - بشكل ما - يقينيات جديدة عن طريق مضاعفة التصنيفات (التي هي عمليا واحدة) وتعميق ~~المفاهيم القديمة مثل الصرع والهستيريا، وخلق كيانات جديدة: الشلل العام (الذي بدأ تمييزه منذ ~~مطلع القرن التاسع عشر) والانحطاط العقلي، والعصاب، والذهان على وجه التحديد. وعن طريق وضع ~~تشخيص، كان الطبيب النفسي «يزيل بضربة ms429 واحدة مصدرين للقلق: الطابع المجهول للجنون والعلاقة مع ~~المريض؛ لأنه بمجرد تسميته، يصبح المرض شيئا مألوفا مستقلا بذاته يدخل معه الطبيب مباشرة في ~~علاقة، دون الحاجة إلى المريض.» # 1 # الشلل العام # سبق أن رأينا كيف جعل مؤيدو فكرة الأصل العضوي للأمراض العقلية - وهم أغلبية - من نظرية ~~بايل حول «الشلل الجنوني» أو «الشلل العام» الحجة التي يرجعون إليها دائما. ومنذ ذلك الحين ~~اتخذ الشلل العام «وضعا ملحميا» (جي لانتري لورا) في تاريخ الأمراض العقلية، وأصبح هو ~~«نقطة الانطلاق التاريخية لضم علم الأعصاب لمجال الجنون». # 2 # يتفق الجميع على خصوصية الوهن العصبي المصاحب «للشلل العام التدريجي» الذي يملأ ~~المشافي بالمرضى من الرجال بين خمسة وأربعين وستين عاما. وتتميز المرحلة الأولى من المرض ~~بأفكار الثراء والعظمة، وأيضا بنوع من فوضى الأفعال يصاحبها نوبات غضب واضطراب في الكلام ~~ومشاكل في الحركة وعدم تكافؤ في حدقة العين، والمرحلة الثانية بتفاقم التدهور البدني والفكري، ~~يصاحبها عادة نوع من الخرف ونوبات صرع؛ مما يؤدي إلى الموت خلال شهور. فها هو على سبيل المثال ~~رجل يبلغ من العمر اثنين وثلاثين عاما محتجز عام 1887: «المريض مصاب بالشلل العام، وأيضا ~~بهذيان مستمر وغير مترابط تدور أفكاره كلها حول البذخ والعظمة والثراء وملايين الأطفال ... إلخ. ~~تعاني حركته من خلل، وكلامه من نوع من التردد، فيختلج لسانه ولا يمكنه البقاء داخل فمه، وتظهر ~~على عضلات الوجه الأعراض نفسها من الارتعاش كلما هم المريض بالتكلم. فقدت يداه مهارتهما، ~~واتسمت خطواته بعدم الثبات. ويعاني من نوم قليل وحالات هياج مستمرة.» وهناك أيضا هذا المريض ~~ذو السبعة والثلاثين عاما، والمحتجز في المستشفى منذ عام 1909: «يعاني من جنون تام وخرف ~~وعبارات مضطربة وعدم تساوي حدقتي العينين، كان يسير نصف عار ويسقط منه بنطاله مفكوك الأزرار، ~~كان قذرا غير واع بما يدور حوله.» # في المقابل، لم يكن التصنيف العلمي «للشلل العام» معلوما في البداية. فطالما دافع مانيان ~~عن فكرة التسمم بالكحول كسبب مباشر ورئيس للمرض. إلا أنه منذ عام 1857، كان كل من إيسمارخ ~~ويسين أول من أكد ms430 أن مرض الزهري هو سبب الإصابة بالشلل العام. وعلى الرغم من دعم الكثير من ~~الباحثين لهذه النظرية في الأعوام التالية، لم تستطع أن تفرض وجودها، ثم جاءت نظرية «الشلل ~~العام الخاطئ»، والذي لا يسببه الزهري، لتقضي عليها (أيضا لازيج، عام 1884). في عام 1879، ~~عكفت أعمال ألفريد فورنييه # 3 # على تدمير هذا التمييز الخاطئ، عن طريق إثارة الشكوك طويلا لدى أطباء النفس ~~والأعصاب. وهكذا، وفي عام 1888 بسانت آن، لم يرد أن يناظر إلا أربع حالات مؤكدة من الزهري ~~وخمسا مشكوكا فيها من أصل مائة حالة إصابة بالشلل العام. وفي عام 1905، وضع أحد أهم خصومه، ~~أليكس جوفروا - التلميذ القديم لفورنييه - هذه ~~الصيغة العجيبة: «أعرف جيدا أن الشلل العام يصيب ~~مرضى الزهري، ولكني لا أعترف بوجود شلل عام يسببه مرض الزهري.» # 4 # ولكن، المادة الطفيلية المسببة للمرض كانت موجودة. وكان لا بد من الانتظار حتى ~~عام 1906 حين ظهر التحليل المصلي مع بورديه وفاسرمان، بل حتى عام 1913 مع اكتشاف طفيليات ~~مرض الزهري في مخ المصابين بالشلل العام، حتى يتم إقرار الأصل المرتبط بالزهري للشلل العام. ~~وأصبح بالفعل مرض التهاب السحايا المخية الذي يسببه الزهري الثلاثي. # نظرية الانحطاط العقلي # في منتصف القرن التاسع عشر، شهدت نظرية الانحطاط العقلي # 5 # نجاحا ساحقا وممتدا؛ لكونها تمثل أول محاولة لوضع تفسير عام للجنون. وكانت ~~أعمال بنديكت أوجستين موريل # 6 ~~(1809-1873) - كبير الأطباء بمشفى ماريفيل ثم مشفى سان يون - هي ما أعاد هذا ~~المفهوم القديم إلى مجال الطب النفسي. ويقترح موريل تصنيفا للأمراض العقلية يرتبط أكثر ~~بالأسباب وليس بالأعراض، مشددا على «العلاقات غير الطبيعية التي تقوم بين الذكاء وأداته ~~المريضة؛ أي الجسد.» كان الأمر بالنسبة إليه عبارة عن تحول باثولوجي للإنسان الكامل كما خلقه ~~الله، وتبدو الخطيئة الأولى هي السبب الأولي للانحطاط العقلي. ما هي إذن أسباب «هذا ~~الانحراف المرضي للنوع»؟ تكون هذه الأسباب تارة وراثية وتارة حتمية. تقود هذه الميول الأولية ~~- البدنية أو المعنوية، الفردية أو العامة - عن طريق الوراثة إلى الجنون بمجرد ظهور سبب حتمي. ms431 ~~ويضع موريل تصنيفا للأمراض العقلية من فئتين: الأمراض العرضية ذات الطابع الإكلينيكي الحاسم، ~~والأمراض البنيوية أو الوراثية. ويندرج تحت النوع الأول حالات الجنون بسبب التسمم: الجنون ~~الهستيري، والصرع، وجنون الوسواس المرضي، والجنون السمبثاوي (المرتبط بهم)، والجنون مجهول ~~السبب (الموجود بذاته دون أي أعراض أخرى). أما النوع الثاني - الأكثر عددا وفقا لتقسيم ~~موريل - فيتكون من حالات الجنون الوراثي، الذي يقسمها إلى أربع مجموعات تبدأ من «المبالغة ~~البسيطة في المزاج العصبي» وحتى الخرف التام. # في نهاية القرن العشرين، كان مانيان وتلاميذه يميزون - في تصنيفهم للأمراض العقلية - من ~~ناحية بين الحالات المختلطة، مستخدمين في ذلك الطب النفسي وأيضا الباثولوجي العام بسبب ~~علاقاتهم العضوية، وبين الذهن من ناحية أخرى بدءا من جنون المختلين. وإلى جانب البله ~~والمختلين عقليا التقليديين، ظهرت فئة جديدة من «المختلين» تتسم بالهذيان الفجائي (مفهوم ~~«نوبة الهذيان» الجديد). أما بالنسبة إلى المرضى الذين لا تظهر عليهم علامات واضحة للانحطاط ~~العقلي، فيجعلهم مرضهم الخفي أكثر استعدادا للجنون المتقطع أو «للهذيان المزمن المنظم» (وهو ~~هذيان منظم بعناية ذو نمط موحد). # كان لهذه النظريات أبلغ الأثر على الأفكار الجديدة حول العبقرية والجريمة وعلاقتهما ~~بالجنون. رأينا أنه في القرن الخامس قبل الميلاد ميز أفلاطون وإمبيدوكليس بين نوعين من ~~الجنون، أحدهما سيئ والآخر جيد مليء بالإلهام الإلهي. ولكن بالنسبة إلى مانيان ومن تبعوه، فإن ~~العبقرية ليست سوى «نوع من الخلل الأسمى». ونجد هذا المفهوم في الأسطورة التي تأصلت بقوة في ~~ذلك العصر واستمرت حتى قبيل الحرب العالمية الثانية، وتقول بوجود «زهري وراثي» # 7 # يتسبب في تكوين أجنة مريضة (عاجزة عن التفكير)، وفي أحيان أخرى عباقرة. في نهاية ~~القرن السادس عشر، اعتبر كتاب إسبان أن الزهري عدو الجسد، ولكنه في ذات الوقت صديق الروح. حتى ~~إن ليون دوديه - الذي لا يعتقد في الطب ولا الأطباء، ويصف القرن التاسع عشر بالحماقة - أظهر ~~حماسه للفكرة: «إن الميكروب المسبب للمرض الرهيب - الطفيلي - هو إذن المحرك للعبقرية والموهبة ~~والبطولة والتعقل، مثلما يسبب في الناحية الأخرى الشلل العام والهزال وباقي أنواع الانحطاط ms432 ~~العقلي تقريبا. ولقد لعب هذا المرض الوراثي؛ الذي يكون أحيانا مدعاة للنشاط والاستثارة، ~~وأحيانا أخرى سببا للخمول والشلل، آكلا ومستهلكا خلايا النخاع والمخ، مسببا الاحتقانات ~~والهوس والنزيف والاكتشافات العظيمة وأيضا التصلب؛ دورا يشبه روح الموت في العصور القديمة، ~~ولا سيما بسبب كثرة أنواع المرض، ولا يزال يلعبه وسيلعبه دائما. إنه تلك الشخصية الخفية ~~الحاضرة التي تحرك الرومانتيكيين والمختلين ومضطربي الفكر ذوي الطابع الأسمى والثوريين وذوي ~~السلوك الشجاع أو العنيف.» # 8 # في الحقيقة، مع أفكار دوديه، يجب أيضا أخذ عامل الاستفزاز في الاعتبار. ويعد ~~زولا أهم «معتنقي» هذه النظرية، فنراه يعود إليها باستمرار خلال مجموعة روايته «عائلة الروجون ~~ماكار» (الطبيب باسكال، 1893). أما سيزار لمبروزو (1836-1909) - المسئول عن تدريس الباثولوجيا ~~العقلية ببافي، والذي وضع إطارا منظما لنظريات مانيان - فكتب: «إن عمالقة الفكر يدفعون ~~بالأمراض العقلية والذهان ثمن قدراتهم الفكرية العظيمة.» # 9 # ولقد اشتهر لمبروزو بسبب أعماله حول الإجرام وعلاقته بالانحطاط العقلي وحول مفهوم ~~«الشخص المولود مجرما». # 10 # أصبحت نظرية الانحطاط العقلي معتقدا ثابتا في فرنسا لمدة نصف قرن واستمرت في صورها ~~المختلفة حتى قبل القرن العشرين. في ألمانيا، استقبلت هذه النظرية بحماس (على يد جريزينجر ~~وكرافت إبينج)، ولكن سرعان ما لاقت مقاومة شديدة منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر (على يد ~~كرابلين) بسبب شكليتها. ولم يمكنها إلا أن تشكل مصدرا أكثر إلهاما لعلم تحسين النسل في ~~الولايات المتحدة، بقوانينه التي تحظر زواج مرضى الصرع ومدمني الخمور ومرضى الزهري. ولم تكن ~~فرنسا بعيدة عن هذا الاتفاق الذي يهدف لحماية وتحسين «السلالة». # الصرع # منذ العصور القديمة، كان ولا يزال للصرع وضع خاص؛ فهو ليس مرضا عقليا في حد ذاته (وإن ~~كان هناك بعض الكتاب - وعلى رأسهم بينيل وكرابلين - يقولون العكس)، على الرغم من أن نوباته ~~ترتبط كثيرا باضطرابات نفسية مرضية خفية أو حادة، عرضية أو دائمة، ولا تزال طبيعة هذا ~~التلازم موضع جدل. # 11 # ويخضع مرض الصرع إلى عدة تصنيفات وظيفية أو مرضية، أساسية أو خاصة ببعض الأعراض، ~~عرضية أو دائمة. في منتصف القرن التاسع ms433 عشر، اقترح لويس ديلاسيوف (1804-1893) تصنيفا يقسم ~~المرض إلى صرع مرضي (نتيجة إصابة في المخ)، أو صرع غير معلوم سببه أو أساسي (دون إصابات ~~واضحة)، وصرع سمبثاوي (نتيجة أسباب خارجة عن المخ). بينما يؤيد ثيودور هيربين من جينيف ~~(1799-1865) - حتى قبل ظهور مضادات التشنج (البوروم) في الستينيات من القرن التاسع عشر - أن ~~الصرع يمكن شفاؤه في أغلب الحالات، بشرط أن يعالج في بداياته عن طريق التعرف على «عوارضه ~~الخفيفة». # 12 # كان البريطاني هيولينجز جاكسون (1835-1911) - طبيب وليس متخصصا في الطب النفسي، ورائد في ~~علم الأعصاب - قد وضع في عام 1861 أساس علم علاج الصرع الحديث. وكان أول من وضع تفسيرا ~~ماديا لاضطرابات النشاط الكهربي التي تحدد ظهور وتطور نوبة الصرع (شحنة مفاجئة قوية وسريعة ~~(تنشيط عنيف) للمادة الرمادية في بعض أجزاء المخ). ولقد ظل هذا المفهوم الخاص بالشحنة ~~الموضعية معمولا به، حتى بعد ظهور علم الأعصاب الفسيولوجي الإكلينيكي في نهاية القرن التاسع ~~عشر، بعد انقضاء عصر التشريح الإكلينيكي. كان الاستكشاف المباشر لوظائف القشرة المخية قد أسفر ~~في العقدين الثاني والثالث من القرن العشرين عن علاج جراحي لحالات الصرع الحادة التي استعصت ~~على أي علاج. في عام 1929، أجرى عالم الفسيولوجيا الألماني هانز برجير أول رسم مخ كهربائي ~~(شهد تطورا حقيقيا في خمسينيات القرن العشرين)، مؤكدا فرضية جاكسون؛ مما أتاح تشخيص الصرع ~~وأسباب تطوره وأيضا متابعة علاجه. # العصاب والهستيريا # يميز العلماء اليوم بشكل واضح بين بين العصاب والذهان، فالعصاب - على عكس الذهان - لا ~~يؤثر بعمق على الشخصية، ويكون مصحوبا عادة بنوع من الإدراك المؤلم والمبالغ فيه أحيانا ~~للوضع المرضي (فهو اضطراب مرضي قبل كل شيء). في قرن ازدهار طب الأمراض العقلية، كان مصطلح ~~العصاب يشمل المعنى الأعم والشمولي: كافة الأمراض المسماة «العصابية» بما فيها فئات المرض ~~العقلي المختلفة. # 13 # وكان كولين - كما سبق أن رأينا - هو من ابتكر الكلمة عام 1769، فقد كان حينها في ~~كرسي الأستاذية للفسيولوجيا بجامعة جلاسجو، وكان يولي عناية كبيرة لدراسة دور الجهاز العصبي ~~في تكون وتطور الأمراض. في ms434 كتابه «التصنيف الفلسفي للأمراض» (1798)، وضع بينيل - متأثرا ~~بكولين - جدولا للأمراض العصابية وقسمها إلى أربعة أنواع؛ في البداية يأتي «الجنون»: وسواس ~~المرض، والسوداوية، والهوس (ينقسم إلى أربعة أنواع: الهوس من دون هذيان، والهوس المصحوب ~~بهذيان، والعته، والبلاهة)، والسرنمة، والخوف المرضي من الماء. ويضم القسم الثاني: ~~«الاضطرابات العصبية الموضعية»، ولا يقل عددها عن سبعة أنواع (لن نذكر منها الآن إلا الألم ~~العصبي و«العصاب المثير للشهوة الجنسية» الذي يشتمل بدوره على عدة أنواع: الشراهة الجنسية، ~~وخلل النطاف، وأمراض العضو الذكري العصبية، والهوس الجنسي). وبعد القسم الثالث، يأتي الرابع ~~والأخير الذي يضم إصابات الغيبوبة: السكتة وتخشب الجسم والخدر (منها السكر) ~~والاختناق. # ولقد أصبح هذا الإطار التصنيفي للمرض - على اتساعه وتكلفه وكثرة تذبذبه - «جامعا للأشياء ~~المتنافرة التي انتهت إليها الأبحاث الطبية في القرن التاسع عشر» (جي بوستيل). وفي الوقت الذي ~~استقرت فيه منهجية التشريح الباثولوجي، لم يكن هناك الكثير ليبحث فيه. «فكافة تقسيمات العصاب ~~بنيت على تصور سلبي؛ فلقد ولدت في الوقت الذي وجد فيه التشريح الباثولوجي - المسئول عن تفسير ~~أسباب الأمراض من واقع اضطرابات أعضاء الجسم - نفسه في مواجهة عديد من الحالات الصعبة عجز عن ~~اكتشاف سببها.» # 14 # في الواقع، بدأ مصطلح العصاب «الذي يجمع الكل» في اكتساب مزيد من التحديد بفضل أعمال بول ~~بريكيه (1796-1881) حول الهستيريا، مؤكدا تماما على الطبيعة المخية للهيستريا التي تعد ~~«نوعا من العصاب يصيب الجزء المسئول عن استقبال الانطباعات العاطفية والأحاسيس في المخ.» «مع ~~بريكيه، بدأت الهستيريا تظهر كمرض يصيب القدرة الانفعالية.» # 15 # في عام 1859، نشر مؤلفه «بحث إكلينيكي وعلاجي عن الهستيريا»، وفيه وضع ~~أساسا واسعا يقوم على علم الأعراض المرضية، ويضم ما لا يقل عن ثمانية أقسام: حالات الحساسية ~~المفرطة وحالات الخدر وانحرافات الحساسية والتشنج العصبي اللاإرادي وحالات الشلل وخلل القدرة ~~على التقلص وتغيرات حالات الاستثارة والإفرازات. وينتقد بريكيه دور الإحباطات الجنسية، واضعا ~~إياها إلى جانب حالات الحزن العنيف والعواطف الممتدة لدى الأشخاص الذين لديهم نزوع طبيعي يزيد ~~من «قابليتهم للإصابة» أو بسبب عوامل وراثية. كما دحض ms435 الفكرة الثابتة القائلة بوجود هستيريا ~~خاصة بالنساء، على الرغم من أن نسبة المصابين كانت رجلا لكل عشرين امرأة. كانت الطريق مفتوحة ~~أمام أعمال شاركو وبيرنهيم وفرويد ... # كان جان مارتن شاركو (1825-1893) هو من اهتم - على وجه الخصوص - بتحديد الاضطرابات ~~«الوظيفية» للهستيريا. عين عام 1862 في مستشفى سالبيتريير، وهو - على حد قوله - «يشبه ~~المتحف الباثولوجي الحي الضخم الموارد.» في عام 1872، نال الأستاذية في التشريح الباثولوجي، ~~قبل أن يجري استحداث أول كرسي أستاذية في العالم في الطب الإكلينيكي للأمراض العصبية عام ~~1882، بناء على رغبته. واستطاع شاركو - بتطبيق طريقة التشريح الإكلينيكي للطبيب لايناك على ~~إصابات الجهاز العصبي - أن يجمع ملاحظات دقيقة من سلسلة من المرضى، ووضع رسما مبدئيا (كان ~~في الحقيقة رساما بارعا) للتقسيمات دون استثناءات، ~~محددا أنماطا مصحوبة بوصف لها وبأدلة تشريحية لدعمها. ويشهد هذا المتحف التشريحي والورشة ~~الفوتوغرافية (حيث تطورت الصور الفوتوغرافية القيمة الخاصة بمشفى سالبيتريير) بالحس الابتكاري ~~لشاركو، الذي كانت محاضراته الإكلينيكية تجذب الأطباء من فرنسا وخارجها، بل وأيضا شخصيات من ~~عالم السياسة والأدب والفن. كذلك كانت أمسياته كل ثلاثاء التي يقيمها في 217 شارع سان جيرمان ~~(منزل أمريكا اللاتينية الحالي). وفيما يتعلق بالهستيريا، فلقد كان له العديد من المطبوعات في ~~علم الأعصاب جعلت له شأنا في هذا المجال. في عام 1870، عهدت إليه إدارة المشفى بخدمة إضافية؛ ~~وهي «رعاية مرضى حالات الصرع البسيطة»، والتي تتضمن مرضى الصرع غير المختلين ومرضى الهستيريا. ~~وسرعان ما نما لدى شاركو - الذي كان قد قرأ ودرس أعمال بريكيه عن الهستيريا - ولع بهذا ~~المجال الجديد للبحث. «ترك المجال الذي يعرفه جيدا - الإصابات العضوية للجهاز العصبي - ~~ليغامر باستكشاف مجال خطير للغاية. وأدخل شاركو الهستيريا لنفس المجال، فكانت حتى ذلك الوقت ~~تندرج تحت الحالات التي تصيب الإنسان فتجعله كائنا مريضا، غريبا غير منظم، كائنا غير ~~مفهوم، له مظاهر متعددة وخادعة. فكيف نتناولها إذن لتقليل هذه الحالة من عدم الخضوع؟ وكيف ~~نجبره على الانصياع لقواعد محددة وعلى الدخول في نظام مشدد والالتزام بالسلوك الجيد؟» (إي ~~تريا). # شرع شاركو في ms436 وضع قواعد الهجوم الكبير للهستيريا «يمكن تطبيقها في كل العصور وفي كل ~~البلاد وعلى كافة الأجناس» بمراحلها الأربع المتتالية: الأورة، وهي الحالة السابقة للنوبة، ~~وفيها يبدأ المريض في الاضطراب دون أن يشعر؛ ثم المرحلة الخاصة بالصرع نفسه ويصاحبها شحوب ~~وصراخ وفقدان وعي؛ ثم مرحلة التشنجات - المعروفة ب «المضحكة» - ويصاحبها حالات انفعالية؛ ثم ~~المرحلة النهائية والتي تتميز بالبكاء والضحك، بل والهذيان. وفي ذات الوقت، صاغ شاركو قوانين ~~«للتنويم المغناطيسي البسيط»، وهي حالة من التنويم تساهم في تسهيل التمييز بين الوعي ~~واللاوعي، وأيضا تلك الخاصة «بالتنويم الطويل»؛ وهي حالة أعمق من التنويم يمكن بها عن طريق ~~الإيحاء إعادة تمثيل الأعراض الهستيرية. ابتداء من عام 1878 أدخل شاركو التنويم المغناطيسي ~~كوسيلة علاجية، وإن لم يكن يمارسه بنفسه، تاركا تلك المهمة لمساعديه أو تلاميذه الذين يتمثل ~~دورهم في أن يرووا «للمدير» ما يريد أن يعرفه اعتمادا على مجموعة من مريضات الهستيريا ~~«النجمات» أو على بعض ممثلات العروض العامة. وبعد فترة، كانت الواحدة منهن تتفاخر: «لقد عملت ~~مع شاركو.» # كان دوديه ، الأب والابن، قد حضرا هذه الجلسات الواسعة الشهرة. ويصف لنا الأب دوديه جلسة ~~داريت - إحدى مريضات الهستيريا اللاتي يعملن مع شاركو: «كانت فتاة طويلة في الثلاثينيات من ~~عمرها، لها رأس صغير وشعر مموج، وكانت شاحبة ونحيفة [...] كانت في مصحة سالبيتريير، مرتدية سترة ~~المجانين ووشاحا على رقبتها. ثم أمر الأستاذ: «قوموا بتنويمها!» فوضع المساعد الواقف وراءها ~~يديه للحظة على عينيها [...] وفجأة، نامت. كانت نائمة وهي واقفة بصلابة. كان جسدها التعس يتخذ ~~كافة الأوضاع التي يؤمر بها، فإذا مددنا ذراعها تبقى ممددة، وكأن كل عضلة تمس تحرك الواحدة ~~تلو الأخرى، بما فيها أصابع اليد التي ظلت مفتوحة وساكنة. كانت تشبه تماثيل العرض في المحال ~~ولكنها الأكثر طوعا ومرونة على الإطلاق. ويؤكد شاركو: «لا توجد وسيلة لخداعنا، فيجب أن تكون ~~هي أيضا على دراية بالتشريح مثلنا.» كانت تشبه الآلي البشري البائس واقفة في منتصف الدائرة ~~التي رصت حولها مقاعدنا، وكانت خاضعة لأي أمر، وتتغير تعبيرات وجهها باختلاف ms437 الحركة التي ~~نفرضها عليها! فتضع أصابعها على فمها وكأنها تقبل أحدا، وتبتسم شفتاها ويضيء وجهها، ثم ~~تغلق كفها بتشنج وكأنها تهدد أحدا، فتقطب جبينها وينفث أنفها بغضب مرتعش. «يمكن أن نفعل هذا ~~أيضا ...» يقول الأستاذ وهو يرفع قبضتها كمن يتهيأ للضرب ويربت في ذات الوقت على يدها اليمنى ~~بحنان. وعندها يتحرك الجسد كله يهزه شعوران مختلفان؛ أحدهما غاضب والآخر رقيق، وكأنه قناع ~~طفولي يضحك باكيا [...] ثم يقول شاركو: «يجب عدم إرهاقها، هيا أحضروا بالمان.» ولكن عاد ~~المساعد بمفرده؛ لأن بالمان رفضت المجيء، بعد أن غضبت لاستدعاء داريت قبلها. فبين هاتين ~~النجمتين المريضتين بالتصلب - اللتين كانتا أول من استخدمهما شاركو في مصحة سالبيتريير - ~~تستقر غيرة شديدة، بل وأحيانا شجارات ومشاحنات داخل غرفة الغسيل حيث كانتا تتبادلان بعض ~~التعبيرات القاسية؛ متسببتين في حالة هياج عامة داخل المهجع.» # 16 # أما ليون دوديه، فينتقد بقسوة الأستاذ ومساعديه. ويبدأ بالأستاذ: «كان وصول المدير كل ~~صباح «حدثا بسيطا»، أمرا يشبه - على أقل تقدير - دخول نابليون لصالونات البلاط في حفل ~~مسائي: «أيها السادة! الإمبراطور !» وكان لشاركو بالفعل - بوجهه الرائع شديد الانتظام والحزم ~~المخلوق لنيل الميداليات والتحلي بالنياشين - هذا النوع من المهابة التي تسمى النفوذ. فكان ~~يمد إصبعين لمدير العيادة، وإصبعا واحدة للأطباء المتدربين، ملقيا نظرات ازدراء للمساعدين، ~~محاولا رسم ابتسامة غامضة أثناء حديثه مع زملائه الأتراك والأرمن والألمان والإنجليز ~~واليابانيين الذين يقدمونهم إليه.» # 17 # والآن ها هن مريضات الهستيريا - «مريضات شاركو»: «كانت النساء اللاتي يدخلن ~~سالبيتريير، واللاتي يرسلهن إليه زملاؤه من باريس أو البروفانس ينتمين إلى فئة الخادمات ~~العصبيات، والمحملات فوق الطاقة أو حارسات العقار أو قارئات أخبار الحوادث، أو فتيات أو شابات ~~على نمط «مدام بوفاري» من الطبقة البرجوازية؛ يرغبن في أن يصبحن محور الأحاديث بعد أن سمعن عن ~~المرض الشهير في الصحف المنتشرة التي يباع العدد منها بخمسة سنتيمات، ولم يكن يعرفن أنه يجب ~~«بالضرورة» أن يكن مصابات بالمرض. وفور وصولهن يدركن من رفيقاتهن أنه لا يكفي السقوط ~~والصراخ مع لي الذراعين، بل ويجب «التقوس» ms438 والارتماء على الأرض سائلات اللعاب ورءوسهن ~~ملقاة للخلف. كان ذلك هو مرض التخشب الجسدي، إلا أن مصابات التخشب (اللاتي يغفلن المرحلة ~~الأولى عن جهل) كن يدركن على الفور أنها - وهي المرحلة الخاملة - تسمح بالدخول إلى فئة ~~الموضوعات المثيرة بالفعل، في حين أن المرحلة الثالثة - الخاصة بالسرنمة - تؤدي مباشرة - إذا ~~أتممن هدفهن - إلى الكثير من الهدايا الصغيرة. كان من المعروف أنه بمجرد أن يضغط أحد الأطباء ~~المتدربين على بطن المريضة بقبضتيه (أي على مبيضيها) كان من المفترض أن تهدأ تدريجيا وهي ~~تبكي وتئن. كان هذا الأمر يشبه الفن الطفولي، وكان المرضى ينجحون فيه ببراعة» (ليون ~~دوديه). # كانت لوحة بروييه الشهيرة - «درس إكلينيكي بسالبيتريير» - قد عرضت في صالون عام 1887 ~~الفني، في الوقت الذي بلغ فيه شاركو أوج مجده. وفي النصف الأيسر من اللوحة، نجد الأطباء ~~والمساعدين الذين أتوا بأعداد كبيرة جالسين في جدية وانتباه، بينما يظهر شاركو واقفا في ~~النصف الأيمن من اللوحة وإلى جانبه خليفته بابينسكي. كانا يمسكان بإحدى مريضات الهستيريا ~~الشهيرات - بلانش وايتمان - وهي ضحية نوبة عنيفة. وفي أقصى اليمين - بالقرب من النقالة - كانت ~~تقف الآنسة بوتار - المشرفة العامة - وهي تمد يدها خفية نحو هذا الجسد المغشي عليه وهذا الصدر ~~نصف العاري وقد سلط عليه الضوء واستسلم بالكامل لكل هؤلاء الرجال الذين يدرسونه. وبعد عامين، ~~اكتشف فرويد - بفضل مرضى شاركو - الطبيعة الجنسية للعصاب. # ويشرح ليون دوديه أن هناك احتمالا كبيرا أن يكون شاركو أول من انخدع بهذه الأكذوبة التي ~~وردت في مئات الكتب والقواميس. ولكن كيف؟ وبين السذاجة والعناد المغرور، لا يتردد دوديه في ~~وصف شاركو بأنه «كان شديد الغرور وعلى قناعة شديدة بأنه مدهش.» في مذكراته، يذكر الطبيب ~~السويدي آكسل مونت - أحد تلاميذه القدامى - الأمر ~~نفسه فيقول: «لم يكن شاركو يعترف أبدا بأي خطأ، وويل لمن كان يجرؤ على التلميح بأنه أخطأ.» ~~وينتقد مونت أيضا «تلك الخدعة السخيفة» عن العروض التي كان ينظمها في سالبيتريير. وسنلاحظ أن ~~الشخصية الوحيدة في سالبيتريير التي راقت لليون دوديه (الذي كان قد ms439 رسب في مسابقة اختيار ~~الأطباء المتدربين) هي الآنسة بوتار، التي شبهها «بقديسة علمانية، لها تفان مطلق يستحق ~~إعجابي. كانت متعلقة بهؤلاء البائسات اللاتي يمثلن وهن ضحايا، كانت تشعر إزاءهن بصبر ~~واهتمام غير عاديين. يمكن القول بأنها هي الوحيدة التي ذاقت النعيم على الأرض!» # بالنسبة إلى شاركو، فإن الهستيريا هي الشرط اللازم للقيام بالتنويم المغناطيسي، ومن ثم ~~فلا يمكن الفصل بين دراستهما ولا نقدهما. ولقد ازداد ثبوت الفكرة في عام 1882، حينما قدم ~~بيانا لأكاديمية العلوم صاغ فيه قوانين الهستيريا الصغرى والكبرى، وأيضا قوانين التنويم ~~المغناطيسي البسيط والعميق. وكان ذلك هو بداية اندلاع أحد أعنف الخلافات التي هزت عالم الطب: ~~المعركة الشرسة بين مدرسة سالبيتريير ومدرسة نانسي. ولقد نشأت الأخيرة على يد أوجست ليبو ~~(1823-1904) - الطبيب المعالج بالتنويم المغناطيسي - والذي لم يسلم من اتهامه بالشعوذة. كان ~~قد جاء في عام 1882 ليستقر في مدينة نانسي. ثم جاء إيبوليت بيرنهيم (1840-1919) - وقد أثاره ~~نجاح «عيادة الطبيب ليبو» - ليكشف لديه لإصابته - كما يقال - بعرق النسا. وسرعان ما أصبح ~~بيرنهيم صاحب نظرية «مدرسة نانسي» الرافضة لكل الطرق التي تستخدم السوائل والمغناطيس، مؤكدا ~~أن النوم المغناطيسي أو المفتعل إنما هو حالة فسيولوجية يمكن تطبيقها على أي فرد اعتمادا على ~~آلية الإيحاء. كان ذلك هو النفي التام لنظرية شاركو. أما عن الجلسات الشهيرة التي كانت تعقد ~~في سالبيتريير، فيشكو طبيب أمراض عقلية بلجيكي: «هناك الكثيرون مثلي لم يستطيعوا محاكاتها في ~~ظروف عادية.» # 18 # وفي النهاية يقول بيرنهيم: «إن التنويم المغناطيسي في سالبيتريير إنما كان عملا ~~مصطنعا، نتيجة للتدريب.» أما المسكنات المهدئة للحواس، فهي «اختراع بحت لهدف الاستكشاف ~~الطبي.» # واستمر الجدل حتى بداية القرن العشرين، محيطا أعمال شاركو جميعها بنوع من التشكك حتى قبل ~~وفاته عام 1893. ويبدو أنه - قبيل وفاته - اعترف شاركو - على حد قول سكرتيره جورج جينون - بأن ~~«مفهومه عن الهستيريا أصبح قديما، وأنه من الأفضل تجاوز هذا الفصل من تاريخ الطب العصبي ~~الباثولوجي». وأصبح على من تبعوه إنقاذ ما يمكن إنقاذه من فكره، فالإرث الذي تركه ms440 كان ~~عظيما حتى وإن كان يعيبه «تفكيكه للهستيريا»، على حد تعبير جوزيف بابينسكي (1857-1932) - ~~الابن الروحي لشاركو والخصم اللدود لبيرنهيم، على الرغم من أنه يبدو أنه اقترب إلى أفكاره في ~~النهاية. ألم يطرح بنفسه في عام 1901 فكرة اعتماد الاقتراح الذي يهدف إلى «استبدال» مفهوم خلل ~~المظاهر الوظيفية المصاحب للمرض العصبي بلفظ الهستيريا؟ إلا أن الهجوم المضاد الواسع الذي شنه ~~زملاؤه في مشفى سالبيتريير انتهى برفض الاقتراح وعزل بابينسكي (وإن عاد مفهوم «خلل المظاهر ~~الوظيفية المصاحب للمرض العصبي» بقوة أثناء وبعد الحرب العالمية الأولى كنوع من التلطيف ~~للاسم). بينما اتجه فيلجينس ريموند (1844-1910) - الذي خلف شاركو - وبيير جانيه (1859-1947) ~~نحو نظرية ترجع العصاب إلى أصل وأعراض باثولوجية نفسية. # كان جانيه - الفيلسوف والمتخصص في علم النفس - قد دخل مبكرا عالم أطباء الأمراض العقلية، ~~عندما ناقش في عام 1889 رسالته حول «الحركة التلقائية اللاإرادية النفسية» (بمعنى أنها نابعة ~~من اللاوعي)؛ «بحث عن الأشكال البسيطة للنشاط الإنساني». وبدأ بعدها في دراسة الطب، وانتهى ~~عام 1893 من رسالته: «إسهامات في دراسة الإصابات العقلية لمرضى الهستيريا». وقبل هذا التاريخ ~~كان قد بدأ يتردد بكثرة على شاركو، الذي أنشأ من أجله معملا لعلم النفس التجريبي ~~بسالبيتريير. «وبعيدا عن المدارس الصاخبة لشاركو أو بيرنهيم»، فتح جانيه طريقا ثالثا، ~~مؤكدا على الطبيعة النفسية للهستيريا وعلى ضرورة وجود طريقة لملاحظتها نفسيا. كان يحلم ~~دائما بمشروع توحيد الطب العقلي وعلم النفس، منتقدا أطباء الأمراض العقلية لأنهم «لم ~~يتطرقوا للبعد النفسي للمرض العقلي إلا لخفض الانفعال النفسي» (كلود بريفو). ومنذ عام 1901، ~~وضع تعريفا للنوع الآخر من العصاب الحاد: الوهن النفساني (الفزع والوسواس والشك والكبت ~~والهوس العقلي و«غياب القرار والإرادة واليقين والتيقظ»)، وهو مصطلح من اختراعه يستبدل به لفظ ~~الوهن العصبي. وفي تصنيفه الكامل لأمراض العصاب (1909) - الذي يعرفه بكونه «اضطرابات أو ~~توقفا في تطور الوظائف» - يضع الوهن النفسي إلى جوار «الحالة العقلية لمرضى الهستيريا»، إلا ~~أن هذين النوعين من العصاب يمكن وجودهما لدى المريض نفسه. # خلف جول دوجورين (1849-1917) ريموند عام 1911. وهو ms441 العام الذي نشر فيه «المظاهر الوظيفية ~~لمرضى الذهان العصابي وشفاؤهم بالعلاج النفسي». انتهى عصر الهستيريا في الغرف المغلقة. ويقول ~~دوجورين لاحقا: إن «الأعراض التي تميز الهستيريا الكبرى لم تستمر على الإطلاق لأكثر من أسبوع ~~خلال خدمتي.» فمن الآن فصاعدا، أصبح التركيز ينصب كله على الأصل النفسي للعصاب؛ مما يفسر ~~الاسم الجديد «الذهان العصابي»، الذي ينتزع الهستيريا من مجال علم الأعصاب ليجعل منها عصابا ~~نفسيا بالكامل. ومن جانبه، كان بول ديبوا (1799-1873) - المعروف بديبوا من بيرن - قد نشر ~~عام 1904 «الأمراض الذهانية العصابية وعلاجها النفسي.» كانت تلك عودة غير متوقعة إلى العلاج ~~النفسي المعنوي، الذي يقوم على مبدأ أن العلاج النفسي المعقول يعتمد على إقناع المريض ذي ~~الطبع غير العقلاني بالآلام التي يشكو منها. لم يقصد دوجورين هذه الطريقة، مفضلا تعزيز ثقة ~~ويقين المريض في طبيبه. «كل شيء يحدث على مستوى العاطفة» (تريا)، خاصة في العلاج كما في حدوث ~~الذهان العصابي الذي يندرج تحته الهستيريا والوهن العصبي (الذي يفصله عن الوهن النفسي كما ذكر ~~جانيه والذي يقوم على الوساوس، بينما ينتج الوهن العصبي بناء على اضطرابات وظيفية)، وأيضا ~~مرض فقدان الشهية العقلي . # ماذا كانت حال مدرسة نانسي - التي يسميها بابينسكي «الجامعة القروية» - في مواجهة مدرسة ~~سالبيتريير؟ كانت نانسي محل جذب لكثير من الأطباء - خاصة الأجانب - الذين اهتموا بالطرق ~~العلاجية هناك، والتي قامت نجاحاتها على فكرة الإيحاء، بعيدا عن أي «ضعف» في الجهاز العصبي ~~أو أي هستيريا. ويتيح الإيحاء تركيز انتباه المريض على أي جزء من جسده المريض. ويذهب بيرنهيم ~~إلى مدى أبعد من ذلك، مؤكدا في النهاية أن التنويم المغناطيسي ليس سوى تلاعب بالإيحاء عن ~~طريق النوم المصطنع أو من دونه؛ أي من دون تنويم - الذي أصبح لاحقا إحدى الطرق العلاجية. ومن ~~بين الأطباء الذين كانوا يترددون على مصحة نانسي، نذكر على وجه التحديد سيجموند فرويد ~~(1856-1939) الذي قضى هناك عدة أسابيع أثناء صيف عام 1889؛ «بهدف إتمام دراسة تقنية التنويم»، ~~وفقا لما ذكره بنفسه في مذكراته. # 19 # كان فرويد قد التحق ms442 أيضا بالخدمة التابعة لشاركو في الفترة من أكتوبر 1885 وحتى فبراير ~~1886. ولقد انبهر بالأستاذ و«سحره» - على حد قوله. وبعد شهرين من هذا التدريب، افتتح عيادته ~~الخاصة بفيينا. وكانت أعماله الأولى تتناول الهستيريا. وفي الخامس عشر من أكتوبر 1886، عقد ~~مؤتمرا حول الهستيريا الذكورية. ولقد فتح اكتشاف الهستيريا أمامه أبواب علم النفس ~~الباثولوجي. «إن نظرية التحليل النفسي برمتها هي وليدة الهستيريا» (تريا). في فيينا، توطدت ~~العلاقة بين فرويد وعالم الفسيولوجيا جوزيف بروير (1842-1925). ونشرا معا كتاب «دراسات ~~حول الهستيريا» عام 1895، الذي يبدأ بقصة آنا و... (برتا بابينهايم) التي تولى بروير علاج ~~الأعراض الهستيرية لديها دون اللجوء للإيحاء، مستخدما حالات من «التنويم التلقائي»، والتي ~~تسميها المريضة ذاتها ب «العلاج بالكلام» أو ما يشبه «تسليك المدخنة». وسرعان ما تلاشت ~~الأعراض الهيستيرية شيئا فشيئا كلما سلط الضوء على الظروف التي صاحبت ظهورها لأول مرة. ~~من هنا اخترعت طريقة «التفريغ» (نتذكر فكرة التنفيس لدى أرسطو). ويبقى استنتاج الأطر ~~النظرية، مثل معرفة العامل المحدد للحالة العقلية والعصبية للمريض لحظة وقوع الصدمة النفسية ~~والطريقة التي استقبلت بها الصدمة. وبينما يتمسك بروير بفكرة لحظة وقوع الصدمة، يهتم فرويد ~~بطريقة تلقي الصدمة. فما يهم لدى فرويد هو القيمة التي يمثلها الحدث بالنسبة إلى ~~المريض. # في سبيل معرفة معلومات من المريض، لا يعرفها الطبيب ولا المريض نفسه، # 20 # تخلى فرويد عن طريقة الإيحاء تحت التنويم، التي هي - على حد قوله عام 1904 - ~~«طريقة غير أكيدة، ولها طابع غامض»، وأيضا لكونها تتم مباشرة دون «مقاومة» تتعارض مع إعادة ~~اندماج الذكرى في مجال الإدراك، وتعيق استحضارها. ولذلك، كان يفضل طريقة التفريغ أو ما يسميها ~~ب «طريقة التداعي الحر» عن التنويم المغناطيسي. (كان فرويد يعتقد بالتالي «أن تاريخ التحليل ~~النفسي يبدأ في اليوم الذي ظهرت فيه طريقة مبتكرة تتخلى عن التنويم المغناطيسي».) # 21 # ويستخدم فرويد مصطلح «الهستيريا الدفاعية» (التحويل) عندما يتسبب الصراع النفسي ~~للمريض «الذي يدافع عن نفسه» (عن طريق استبعاد الصورة غير المقبولة من الوعي) في إنتاج ظواهر ~~بدنية ثابتة (خدر أو شلل ms443 أو تقلصات). ولقد أكد بروير وفرويد عام 1895 في كتابهما على الطبيعة ~~الجنسية لهذا «الدفاع» أو هذا «الكبح»: «تلعب المشاعر الجنسية دورا حاسما - وفقا لطب ~~الهستيريا الباثولوجي - فهي مصدر الصدمات النفسية والعامل المحرك لرفض وكبح بعض الصور خارج ~~نطاق الوعي.» واستكمالا للفكرة ذاتها، ميز فرويد المشاعر الجنسية الطفولية، باحثا عن الصدمة ~~النفسية الأصلية. «كانت نظرية التحليل النفسي بأكملها في طور التكوين خلال هذه الفترة الخصبة، ~~وكانت الهستيريا هي التربة التي نمت فيها» (تريا). وسرعان ما تخلى فرويد عن فكرة حقيقة الصدمة ~~الجنسية، وإن ظل مقتنعا «بحقيقتها النفسية». «كون الوهم - الذي يعطيه المريض هيئة الواقع - ~~يتسبب في أعراض حقيقية؛ يثبت مدى قوى وثقل وقدرة «الحقيقة النفسية»» (تريا). # يجب ألا نستنتج من هذا أن فرويد - متقدما بعمق فيما سيصبح التحليل النفسي - لم يكن يهتم ~~بالعصاب ككل. وانطلاقا من مفهوم «الدفاع» في الذهان العصابي وصولا إلى دراسة لأعراض المرض ~~(التي كانت على العكس نقطة انطلاق الأطباء الإكلينيكيين لدراسة الهستيريا)، يميز فرويد بين ~~ثلاث مجموعات: الهستيريا، والخوف المرضي والوساوس، والذهان. وفي الذهان، «تنتزع الأنا من ~~الصورة غير المتوافقة، وإن ظلت الأخيرة مرتبطة بشدة بجزء من الواقع، ولا سيما أن ~~الأنا - أثناء القيام بهذا الأمر - تنفصل أيضا ~~كليا أو جزئيا عن الواقع.» # 22 # وفي عام 1895، شرع فرويد في دراسة إكلينيكية تهدف إلى فصل مجموعة أمراض العصاب ~~التي يسميها «عصاب الفزع» # 23 # عن الوهن العصبي. # في عام 1904 - بعد صدور كتاب «تفسير الأحلام» عام 1900 - «أصبحت الأعراض الهستيرية ~~بالنسبة إلى فرويد بقايا أو رموزا لبعض الأحداث؛ أي رموزا تذكارية [...] ولا يدري المريض - ~~الذي يرسل رسائل مشفرة (أي الأعراض) - معناها؛ ولذلك يستطيع إنتاجها لأنه يجهل مغزاها. فإذا ~~عرف معناها، وقبلت الأنا هذا المعنى، فلن يكون في حاجة للأعراض. ويكون على المعالج ممارسة دور ~~الوسيط أو المترجم في محاولة لجعل الأنا تتقبل المعنى المختفي وراء الأعراض؛ التي تختفي ~~بمجرد انتفاء سببها. ولا يكون مريض الهستيريا بعد في أرض عدوة، وإنما يتصالح مع الأنا. ~~وبالوصول لهذه النقطة، لا نعلم ms444 ماذا يخص مريض الهستيريا وماذا يخص نظرية التحليل النفسي. ~~«فالمرض» يختفي في النظرية وفي الطريقة التحليلية، وتصبح الهستيريا هي التحليل النفسي» ~~(تريا). # الذهان # في البداية كان لمصطلح «الذهان» - الذي اخترعه إرنست فوشتيرسلبين عام 1845، وقبل أن يعمم ~~استخدامه في القرن التاسع عشر - معنى أوسع يقصد به - على «عكس العصاب» - الاضطراب العقلي ~~الدائم، والذي يؤثر على شخصية المريض بشكل عام (الهذيان). ومن هذا الكيان متعدد الأشكال شديد ~~الشمول، خرجت فئات محددة، لن نذكر في هذا الباب إلا أهمها. # 24 # ولنبدأ بتصنيف الأمراض الذي وضعه إسكيرول، والذي يقسم الأمراض العقلية إلى أربع مجموعات ~~أساسية: البله والخبل والهوس والهوس الأحادي. وتعد المجموعة الأخيرة - الخاصة بالهوس بفكرة ~~واحدة الناتج عن خلل اكتئابي كما قال بينيل - إضافة نظرية جديدة. ويتميز هذا النوع من الهوس ~~بهذيان جزئي مزمن - مرح أو حزين - ولكنه قاصر على موضوع واحد (ولهذا السبب سمي الهوس ~~الأحادي). ويقسمه إسكيرول إلى هوس أحادي فكري (ومن صوره «الكآبة المرضية المزمنة» أو الكآبة ~~المصحوبة «بهذيان جزئي مزمن تسببه عاطفة حزينة منهكة ومضنية»)، وهوس أحادي عاطفي أو عقلي، ~~وهوس أحادي غريزي (يضم الانحرافات المستقبلية). وفي ذات الوقت، يعطي إسكيرول للخيالات تعريفا ~~لا ينتقص من قيمتها: «الشخص الذي يعتقد يقينا بوجود أحاسيس ملحوظة بداخله، لا يستطيع أي عامل ~~خارجي آخر أن يثيرها فيه هو في حالة من الهلوسة» (أي إنها إدراك لشيء غير موجود). وعلى مدار ~~القرن التاسع عشر، نشب جدل حاد حول مفهوم الهلوسة، اعتراضا على تشبيهها بالوهم. # ظل جميع أطباء الأمراض العقلية في الجزء الأول من القرن التاسع عشر، يفكرون ويكتبون حول ~~مفهوم «الهلوسة المنظمة». وفي عام 1852، فصل لازيج هلوسة الاضطهاد عن باقي الأنواع. ولقد ~~أصبحت هذه النظرية أحد محاور تصنيف الأمراض لمانيان: «الهذيان المزمن ذو التطور المنتظم.» في ~~عام 1890، اقترح بول سيريو (1864-1947) - تلميذ مانيان - تقسيما ظل معمولا به حتى القرن ~~العشرين: ذهان المضطهدين والمضطهدين (دون خيالات)، وهلوسة الاضطهاد المنظمة المصحوبة ~~بالخيالات، وهلوسة الاضطهاد المنظمة غير المصحوبة بخيالات بناء على تفسيرات هلاوسية، وجنون ~~العظمة المصحوب ms445 بخيالات أو لا. ويعد «الذهان المشترك» (أو «الجنون المتبادل») - الذي أوضحه ~~بايارجيه عام 1860 - نوعا خاصا من هلوسة الاضطهاد المزمنة، ولقد قدم شارل لازيج وجول ~~فالريه (ابن جان بيير فالريه) وصفا لهذا المرض عام 1877. # وأثناء عملهما حول دراسة الهذيان المنتظم عام 1911، وضع كل من جول سيجلا (1856-1939) ~~وجيلبير باليه (1853-1916) وصفا للذهان المزمن المصحوب بخيالات. وفي عام 1920، طور جاتيان ~~دي كليرامبو (1872-1934) - تحت تأثير أعمال باليه (ولكن دون أن يأتي على ذكره) - نظرية الحركة ~~اللاإرادية التلقائية العقلية (ذهان قائم على حركات لاإرادية تلقائية)؛ حيث ميز بين الحركات ~~اللاإرادية الصغرى - التي هي «توقف التفكير والتفكك الصامت للذكريات التي تفرض» على المريض - ~~والحركات اللاإرادية الكبرى - وفيها يكون لدى المريض انطباع بأن هناك من «يعلق» على أفعاله، ~~وكأن هناك من يستبق أفكاره. وفي الهلاوس التي تتوالى، لا يكون الهذيان إلا نتيجة. ولقد رفض ~~جاتيان دي كليرامبو أي تفسير نفسي للذهان، بل وجعله قائما على عملية عضوية تتسبب في ألم ~~متقطع في الخلايا العصبية. # لاحظ القدماء وجود نوع من الجنون يقوم على حالات هوس وكآبة متناوبة. وفي منتصف القرن ~~التاسع عشر، تصارع جان بيير فالريه وجول بايارجيه (1809-1890) على أحقية كل منهما بالمفهوم ~~الذي أطلق عليه الأول اسم «الجنون الدوري»، بينما أسماه الثاني «الجنون ثنائي الشكل». ويبدو ~~أن الاثنين نسيا أن جريزينجر - منذ عدة أعوام مضت، تحديدا عام 1845 - كتب: «إن حالات الهوس ~~والكآبة المتناوبة أمر شائع للغاية. فكثيرا ما نرى المرض يقوم على دورة من شكلين يتناوبان ~~عادة بصورة متنظمة.» # 25 # وأخيرا، كان إيميل كرابلين (1856-1926) هو الذي قدم - عام 1899 في «بحث في الطب ~~النفسي» - مصطلح «ذهان الهوس الاكتئابي». # لم يكن جنون العظمة ليستقر من أول وهلة. ولأكثر من قرن، ظل ~~المصطلح - الذي وضعه الألماني فوجيل عام 1772 - ~~مرادفا للجنون المصحوب بهذيان في ألمانيا، قبل أن يوضع تعريف للهذيان المنظم غير المصحوب ~~بخيالات (مندل 1881). كان كرابلين أول من وضع تعريفا لجنون العظمة (بارانويا) أكثر تحديدا ~~وقدرة على الاستمرار: «نظام هذيان محدد ومستمر ms446 يستحيل زعزعته، يتكون مع الاحتفاظ الكامل بوضوح ~~الذهن وترتيب الفكر والإرادة والفعل.» في بداية القرن العشرين بفرنسا، انبثق منه مفهوم ~~«الشخصية المريضة بجنون العظمة» الأقل تنظيما وحدة، والتي تتميز بتضخم الذات وعدم الثقة ~~بالآخرين وعدم صحة الأحكام التي تصدرها. ومن جانبه، يصف إرنست كريتشمير (1888-1964) شكلا ~~محددا من جنون العظمة، وهو «جنون العظمة الحسي»، يظهر لدى الأشخاص الضعاف الذين يميلون إلى ~~الخجل والشك، ويؤدي إلى الإصابة بهلاوس الاضطهاد (المضطهد-المضطهد). ويؤسس كريتشمير علاقة ~~ترابط كاملة بين الشكل البنيوي للفرد وأنواع الذهان الكبرى «الداخلية» (التي تحدث بدافع من ~~الشخص نفسه المصاب بها، بغض النظر عن البيئة المحيطة به). كما نشر عام 1929 كتاب «العباقرة»؛ ~~حيث يشدد فيه على الدور الإيجابي لاختلاط الأجناس. ولرفضه أي ضغط خارجي، استقال كريتشمير من ~~منصبه كرئيس للجمعية الألمانية للطب النفسي الباثولوجي عام 1933 بمجرد وصول النازيين إلى ~~السلطة. ووافق كارل يونج - الذي سنتحدث عنه لاحقا - على تولي المنصب من بعده. # يتبقى أهم أنواع الذهان: الذهان الذي يتطور من الخبل المبكر ليؤدي إلى الفصام. ولقد جاء ~~متأخرا لقائمة تصنيف الأمراض، ولكنه سرعان ما انضم إليها. منذ عام 1832، لاحظ بنيديكت ~~أوجستين موريل أن مشفاه يضم «عددا ضخما من الشباب من الجنسين مصابين بالخبل المبكر، وأن ~~الشائع بين المرضى هو هذا الخبل الشبابي الذي أصبح يستخدم مثله مثل الخبل الذي يصيب المتقدمين ~~في العمر.» وفي «بحث حول الأمراض العقلية» (1860)، قرر استخدام مصطلح «الخبل المبكر». وتماما ~~مثل ذهان الهوس الاكتئابي، فهذا النوع أيضا يعد من الذهان الداخلي، الذي يمكن تعريفه بكونه ~~«حالات مرضية مختلفة تطرأ بعد إصابة قوية للحياة العاطفية أو للإرادة، تتطور تدريجيا حتى ~~تصل إلى التفكك التام للشخصية التي تأخذ شكلا أكثر عجزا» (بوستيل). # في ألمانيا، نشر كارل كاهلبوم (1828-1899) عام 1863 «تصنيف الأمراض العقلية»؛ حيث وصف ~~مرضا عقليا جديدا ينتهي سريعا بالخبل، ويبدأ في الظهور في مرحلة البلوغ؛ ولذلك أسماه ~~«العجز العصبي» (جنون الشباب). وبعد عدة أعوام، وصف كاهلبوم حالة من «الذهول» تصاحبها أعراض ~~حركية، أسماها «جنون التوتر» ms447 أو «زيادة توتر العضلات». وبعد عشرين عاما، وضع كاهلبوم ~~استنتاجا واسعا يستند إلى فكرة أن الطابع التطوري «للحالة النهائية» هو الذي يجب أن يحدد ~~التصنيفات النفسية. في عام 1898، جمع تحت اسم «الخبل المبكر» العجز العصبي وزيادة توتر ~~العضلات والخبل المصحوب بجنون العظمة. في البداية، لم يكن لهذه الأعمال صدى كبير في فرنسا؛ ~~حيث سرى نوع من معاداة كل ما هو ألماني في الوسط العلمي الرافض بشدة للاعتراف بأسبقية موريل ~~في الوصول إلى هذا المفهوم. ونجد في سجلات جريدة الطب وعلم النفس لعام 1915: «تنبهنا أن ~~ألمانيا قبل أن تغزو أراضينا، منذ وقت طويل قد أدركت أهمية غزو عالم الأفكار، لتخضعه لما يسمى ~~ثقافتها [...] لأنه يوجد بالفعل طب نفسي ألماني وطب نفسي فرنسي [...] لقد بنى الألمان معتقداتهم ~~الجديدة من لا شيء [...] ولكنهم ظلوا كطبعهم جامعين لا يكلون لإنجازات الغير.» # 26 # في عام 1911، استبدل السويسري يوجين بلولير (1857-1939) - حين كان يرأس البيرجولزي بزيورخ ~~منذ عام 1898 - بفكرة الخبل المبكر (ذي المعيار التطوري) فكرة أكثر ديناميكية وهي التفكك، ~~مقترحا لها اسم الفصام (من اللغة اليونانية وتعني الفصل والذوبان). «أطلق على الخبل المبكر ~~اسم الفصام؛ لأن أهم صفاته - كما أريد أن أثبت - هو تفكك الوظائف النفسية المختلفة.» ويميز ~~بلولير بين الأعراض الدائمة والأعراض الثانوية: «لا تخلو أي حالة من اضطرابات العلاقات ~~والمشاعر - بما فيها التوحد - وكأنها جزء لا يتجزأ من المرض؛ ولذلك تسمى أعراضا رئيسة. وإلى ~~جانب هذه الأعراض، توجد أعراض ثانوية قد تظهر أو لا تظهر: الضلالات والهلاوس وأعراض توتر ~~العضلات والإغماء التخشبي والذهول وفرط النشاط الحركي والرتابة والتصنع والسلبية (المقاومة ~~المرضية النشطة أو السلبية لأي طلب داخلي أو خارجي).» لقد كتب يوجين مينكويسكي تلميذ بلولير ~~(1885-1972): «إن مريض الفصام - وهو يعلم تماما أين هو - لا يشعر بوجوده في المكان الذي ~~يشغله، بل لا يشعر بوجوده داخل جسده [...] فعبارة «أنا موجود» لا تعني شيئا بالنسبة ~~له.» # 27 # لم يمر كل هذا بالطبع دون صراعات بين المدارس النفسية المختلفة؛ فدائما ما يتخذ ~~المفهوم الجديد سريعا ms448 طابعا امتداديا، مستفيدا من الحدود غير الواضحة جاعلا إياها ~~تتراجع دون توقف. وبسهولة جرى ضم العديد من الحالات العصية على التصنيف، حتى إن بلولير كان ~~يتحدث عما يسمى ب «الفصام الكامن»، الذي اعتبره النوع الشائع من الفصام ولكن دون تحديد معايير ~~التشخيص التي يجب أن تفرض عليه. # في الولايات المتحدة الأمريكية، تربع الفصام على عرش الأمراض العقلية. ولقد لعب السويسري ~~أدولف ماير (1866-1950) دورا رئيسا في هذا الأمر. أثناء عمله في الولايات المتحدة، كان ماير ~~معارضا لمفهوم كرابلين عن المرض الذي يشكل كيانا بذاته؛ ومن ثم كان رافضا لفكرة تصنيف ~~الأمراض. وكان يعلم أن الاضطرابات العقلية إنما هي طرق إجابة (ردود فعل نموذجية) لا تتناسب ~~مع المواقف المختلفة من منظور وراثي اجتماعي؛ ومن ثم يجب مساعدة المريض على بلوغ أكبر حالات ~~التأقلم. وانفتح الباب أمام توسع جذري في المفهوم، لدرجة جعلت مينكويسكي يقول: «لقد تمادى ~~الأمر حتى بلغ القول بأن الفصام - بسبب اتساع نطاقه - أصبح مرادفا للجنون. إنه أمر صحيح، مع ~~الفارق أن الصفة «مجنونا» تعني مجنونا ليس أكثر، بينما تعني «فصامي»: كونه قابلا لأن نفهمه ~~ونرشده [...] ولذلك نحن نعتقد أن الفصام يشكل خطوة حقيقية في الطب النفسي؛ لأنه يحرر، ليس فقط ~~المريض، وإنما الطبيب أيضا من القيود التي فرضت عليهما منذ أمد بعيد بفعل مفهوم الخبل [...] ~~ففقدان الاتصال بالواقع يتضمن فكرة إمكانية إعادة هذا الاتصال، سواء بالكامل أو على الأقل ~~جزئيا.» # 28 # أما طب الأطفال النفسي، # 29 # ففكرته ذاتها لم تظهر إلا في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر وببطء شديد. ~~فعلى مدار زمن طويل، كان الاعتقاد بالفعل بأن مشكلة الأطفال المتأخرين عقليا إنما هي مشكلة ~~في التربية. كان هذا هو الحلم المستحيل لجان إيتار (1774-1838) - في عهد الإمبراطورية الأولى ~~- من خلال «الطفل المتوحش» فيكتور ديلافيرون (الذي لم يكن طفلا مجنونا). ومن جانبهم، عكف ~~إدوارد سوجين (1812-1880) وإيبوليت فاليه (1816-1885) على إيجاد ممارسة تطبيقية يومية للتعليم ~~وللعلاقات العميقة مع الأطفال المتأخرين عقليا. ولقد قام ديزيريه بورنفيل بالأمر ذاته خلال ms449 ~~حكم الإمبراطورية الثانية. إلا أن أول طريقة طبية نفسية بحق لم تتم إلا في عام 1888 على يد ~~بول مورو دي تور (1844-1908، وابن الأول) عندما نشر أول وثيقة للطب النفسي للأطفال «الجنون ~~لدى الأطفال». في بداية القرن العشرين، وضع الإيطالي سانتي دي سانكتيس (1862-1935) وصفا عام ~~1905 «لخبل مبكر» - يشبه الخبل الذي اكتشفه كرابلين لدى مرضاه الشباب - ولكنه يعد - على الرغم ~~من الجدل الواسع الذي أثير حوله - أحد أوليات المحاولات للتمييز بين الحالات الذهانية لدى ~~الأطفال. ولقد كان هناك الكثير من الأعمال الرئيسة التي مهدت لولادة طب الأطفال النفسي؛ منها ~~أعمال ثيودور هيلير عام 1908 عن الخبل الطفولي، وأعمال جولييت لويز ديبير بين أعوام 1930 ~~و1937 بمعهد نيويورك للطب النفسي، والتي وصفت فيها أول حالة لطفل مريض بالفصام. # الأبحاث الكبرى # كان عصر اليقين هو ذاته عصر الأبحاث الكبرى، فما من طبيب أمراض عقلية ذاع صيته إلا وأراد ~~أن يؤلف بحثه الخاص. خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، كانت المدرسة الفرنسية هي ~~السائدة، ولكنها بدأت تفسح المكان للمدرسة الألمانية ابتداء من نهاية القرن (كان ذلك على ~~مضض، والدليل أن معظم الوثائق الألمانية لم تترجم إلى الفرنسية، حتى بعد الحرب العالمية ~~الثانية). # لم يكن من اليسير الدخول إلى العالم المتشعب للتصنيفات الفرنسية، وهي الأكثر تنوعا ~~بالطبع. كانوا يبالغون في كل شيء، فكل مشفى - وفقا لإحصاءاته - له تصنيف خاص به. # 30 # ولكي نظل في المجموعات الرئيسة، بدأنا بذكر تصنيف إسكيرول # 31 # وتصنيف موريل. # 32 # وتشترك المجموعتان - إلى جانب شهرتهما العالمية - في استخدامهما لطريقة مصورة ~~مبتكرة: فيكون الرسام هو المسئول عن رسم الأنماط المختلفة للمريض عقليا (وهو ما أسماه ~~البريطانيون - الذين قاموا بالعمل نفسه - علم فراسة المرض العقلي). في عام 1818، جعل إسكيرول ~~جورج فرانسوا ماري جابرييل يصمم مجموعة قيمة من بورتريهات لمرضى الاعتلال العقلي بمصحة ~~شارنتون. «إن الفراسة (الاستدلال على الطبع من الشكل) ليست مجرد فضول تافه؛ فهي دراسة تساعد ~~على تمييز طابع الأفكار والمشاعر التي تتسبب في هذيان هؤلاء المرضى. وكم ms450 كانت مثيرة النتائج ~~التي توصلنا إليها من هذه الدراسة! لهذا الغرض، قمت بعمل بورتريهات لأكثر من مائتي مريض، ~~ولعلي أنشر يوما ما ملاحظتي عن هذا الموضع المدهش.» ولقد وصل إلينا منها سبعون لوحة بقلم ~~الرصاص. # 33 # ولكن نادرا ما يصاحب هذه الصور تعليق، وإن وجد يكون موجزا للغاية: «رجل عسكري، ~~أجريت له عمليه ثقب للجمجمة، وأصبح مريضا بالاكتئاب»، «هوجو - شقيق الشاعر - مصاب بالبله ...» ~~أما عن التعبيرات، فلا بد من المزيد من الإرادة لتصوير الجنون - وهنا تكمن مشكلة «الصورة ~~الثابتة» سواء الرسوم أو الصور الفوتوغرافية. في عام 1838، نشر إسكيرول سلسلة أخرى مكونة من ~~سبع وعشرين لوحة مرسومة بالحفر لأمبرواز تارديو (صاحب اللوحة الشهيرة نوريس المريض بمصحة ~~بدلام، والتي ذكرناها من قبل). في هذه اللوحات، كانت أوضاع المرضى أكثر تعبيرا ومحاكاة ~~للمواقف: مرضى مقيدون في الكراسي، مريضة مرتدية سترة المجانين ... في ذلك الوقت - عصر الطب ~~النفسي الرومانسي - كانت الغلبة للحس الجمالي على الملاحظة الإكلينيكية. نحو عام 1820 - وبناء ~~على طلب جورجيه - رسم جيريكو عشرة بورتريهات لمرضى الاعتلال العقلي، من بينها «ضبعة ~~سالبيتريير أو المريضة بهوس فكرة الحسد»، # 34 # وهي من بين خمس لوحات وصلت إلينا. # سار موريل على النهج نفسه، إلا أن الرسم - خارج نطاق الطب النفسي للعصر الرومانسي - لم ~~يكن مقنعا بالقدر الكافي. كان الأمر يقارب فهرسة الأنماط المختلفة للأمراض. فها هو جان ~~باتيست تي، الذي قالوا عنه: «إنه مريض بالبله ولكن لا تزال لديه القدرة على تنظيم بعض الأفكار ~~تنظيما مرتبا. كان لديه نوع من الهوس الديني، يصاحبه ميول جنسية. إنها الغرائز المدمرة. ~~كانت لديه تعبيرات ولغة خاصة.» كانت التعليقات مصحوبة بصور مليئة بالملاحظات، ولكننا لا نرى ~~أيا من هذا في الرسم. ولن نراه بسبب ظهور التصوير الفوتوغرافي الطبي؛ ربما سنرى ما أراد ~~الأطباء إظهاره. كان أول بحث في فرنسا يدعو على استحياء إلى تصوير المرضى هو «بحث عن الأمراض ~~العقلية» لداجونيه، وقد طبع ثلاث مرات في الفترة من 1862 وحتى 1914. فلم يكن ينقص هذا المريض ~~- وقد ارتسم على وجهه ms451 تعبير ذو مغزى واضح - إلا ثلاثة نياشين على صدره لإظهار أنه مصاب ~~بهلاوس العظمة. وأيضا في ثلاثينيات القرن العشرين، نجد هذا المريض «المسافر» الذي وقف خلف ~~دراجته في الصورة التي نشرت في مقال «للجمعية الإكلينيكية للطب العقلي». في الواقع، كان ~~الجنون باديا عليه، كانت دراجته مرتفعة بصورة لا تتناسب مع قامته الضئيلة، ومزينة ببوق سيارة ~~وشرائط كثيرة بالعجلات. ونظرا لكونها غير مقنعة من الناحية الإكلينيكية (وكيف لها ذلك؟) ~~استمرت موجة تصوير أنماط لمرضى الاعتلال العقلي بشكل متقطع في أوروبا كلها حتى قبل الحرب ~~العالمية الثانية. ثم، شرع الانهيار السريع لليقين في إظهار ما يسمى الطابع شبه العلمي ~~للأنماط الشكلية للأمراض العقلية (ابتداء من بعض الصور الفوتوغرافية حول «انحطاط ~~السلالة»). # ما هي أشهر البحوث الفرنسية في نهاية القرن التاسع عشر، في ظل «المنافسة» الألمانية؟ نذكر ~~في البداية طبيب الأمراض العقلية الباريسي بنجامين بال (1833-1893)، الذي نشر عام 1883 وعام ~~1890 طبعتين من «محاضرات حول الأمراض العقلية»، وترجع أهميتها إلى كونها خلاصة معارف الطب ~~النفسي للعصر. كما نشر - أحد مديري العيادات - إيمانويل ~~ريجي (1855-1918) «الدليل العملي للطب النفسي»، والذي ظل يعاد طبعه بشكل متواصل من عام 1885 ~~وحتى عام 1923، وازداد حجمه تدريجيا من ستمائة صفحة حتى ألف ومائتي صفحة. وكان أول كتاب ~~يولي اهتماما - في طبعته الخامسة - بالتحليل النفسي، والمعروف منذ ذلك الحين ب «مذهب فرويد». ~~عام 1895، ظهرت «محاضرات إكلينيكية حول الأمراض العقلية» لجول سيجلا، وهو عمل شديد التركيز ~~والتجانس يضع إطارا دلاليا حقيقيا (تصنيف فعلي للأعراض) للأمراض العقلية. ولقد ظل تأثيره ~~ممتدا على المدرسة الفرنسية. # كان يتعين ذكر كافة أطباء الأمراض العقلية الفرنسيين ~~الكبار، ولكننا سنذكر على وجه التحديد جيلبير باليه الذي جمع في «بحث حول المرض العقلي ~~الباثولوجي» (1903) أسماء كبار أطباء الطب النفسي في ذلك العصر. قبل الحرب العالمية الأولى، ~~نلاحظ أيضا صدور «الوثيقة الدولية لطب النفس الباثولوجي» الضخمة (3000 صفحة) تحت إشراف أوجست ~~ماري (1865-1934)، جامعا فيها أشهر العلماء الفرنسيين والأجانب (في سابقة هي الأولى في ~~فرنسا). وتوالى إصدار ms452 البحوث واتسع مداها في الفترة ما بين الحربين، ولكنها سرعان ما قلت ~~تدريجيا بعد زعزعة اليقينيات الطبية النفسية. # وتمتلك جميع البحوث الفرنسية عاملا مشتركا في كونها تشكل مجموعة جيدة، دون أن تكون ~~متألقة لإسهاماتها النظرية الخاصة. لم يكن الأمر كذلك مع البحوث الألمانية التي بدأت في ~~الظهور بعد حرب عام 1870، وفيها يمكن التمييز بين تيارين: الأول الذي يفضل - وفقا لموريل - ~~نظرية الانحطاط (على سبيل المثال «الكتاب المدرسي في الطب النفسي» في عام 1879 لريتشارد كرافت ~~إبينج)، والثاني يميل - على خطى كارل ويستفال (1833-1890) - إلى نظريات الطب النفسي ~~الباثولوجي الجديدة. ولكن يظل إيميل كرابلين المعلم الذي ليس عليه خلاف في المدرسة الألمانية، ~~بل وفي مجال علم تصنيف الأمراض النفسية على مستوى أوروبا (أي عالميا). في عام 1883، نشر ~~«بحث في الطب النفسي» صدرت منه ثماني طبعات حتى عام 1915، وفي كل طبعة كان يضيف المزيد من ~~النظريات الجديدة. ومن بين الأبحاث العديدة التي ظهرت في ذلك الوقت، يجدر الإشارة إلى «وثيقة ~~آشافنبرج» - وهو عمل جماعي ظهر ما بين عامي 1911 و1913 - حيث جاء المقال المؤسس لبلولير حول ~~الخبل المبكر. أما كارل ياسبرز (1883-1969) - فيلسوف وعالم نفسي - فقد نشر عام 1913 مقالا في ~~الطب النفسي الباثولوجي، اقترح فيه - بأسلوب نقدي جذري لمفاهيم الطب النفسي - طريقة ظواهرية ~~للأمراض العقلية، تقوم أكثر على فهم العلاقات ذات المغزى للأنا المريضة بالعالم، أكثر من ~~العكوف على دراسة الأسباب (بي موريل). لم يترجم العمل إلى الفرنسية إلا بعد عشرين عاما، ~~بينما ترجمت هذه البحوث إلى الإنجليزية والإيطالية، محدثة أثرا عظيما على الطب النفسي في ~~هذه البلاد. # آفاق جديدة # دائما ما يبحث الطب النفسي الناجح - إلى جانب ولعه بالتصنيف والعمق النظري - عن آفاق ~~جديدة يستغلها. وكثيرا ما تفرض عليه بعض هذه الآفاق نظرا لأهمية وجودها داخل مصحات الأمراض ~~العقلية. كانت هذه هي حالة إدمان الخمور. وسنقيس ونناقش لاحقا أثره على معدلات احتجاز ~~المرضى، ولكن التركيز هنا سيكون على النظريات النفسية الباثولوجية التي انتهت بضم السكر ~~وإدمان الخمور إلى مجال الطب ms453 النفسي. لم يكن مفهوم «الجنون الكحولي»، أو بالأحرى «جنون ~~السكارى»، مجهولا تماما في العقود الأولى من القرن التاسع عشر. في عام 1813، كان هناك وصف ~~للهذيان المصحوب بارتجاف، وفي عام 1819 جرى توضيح سببها المتعلق بالخمور. في عام 1830، نشر ~~لوفييه «تاريخ جنون السكارى». كان السكر حتى ذلك الحين مشكلة اجتماعية بسيطة، ولكنه أصبح منذ ~~تلك اللحظة موضوعا طبيا. إلا أن مصطلح «إدمان الخمر» لم يظهر في الحقل الدلالي للطب النفسي ~~إلا على يد الطبيب السويدي مانيوس هاس (1852) (تاريخ إدمان الخمور). «يعد مصطلح «إدمان ~~الخمور» لفظا جديدا مناسبا؛ لكونه يوفر استخدام كنايات طويلة مثل «التسمم بواسطة مواد ~~كحولية» أو «فعل الخمر»، إلخ. ومن جانب آخر، فهو يكون مجموعة مرضية ويحددها ككيان ظل حتى تلك ~~اللحظة غير واضح، جامعا عددا كبيرا من العناصر المختلفة على أساس من تصنيف الأمراض.» ~~وهكذا، في رسالته في الطب، # 35 # يحيي فيكتور ألكساندر راكل أعمال مانيوس هاس من بين الكثيرين. ومن الطريف ملاحظة ~~أن أول من اهتم بهذا الموضوع من الأطباء الفرنسيين كان طبيبي الأمراض العقلية: موريل ~~ورونودان. # 36 # والاضطرابات العقلية التي يسببها إدمان الخمور هي التدهور الفكري، والذي قد يتطور حتى ~~الخبل والضلالات وحالات الهياج الغاضبة والميل إلى الانتحار. ولقد أولى الكثير من أطباء ~~الأمراض العقلية عناية كبيرة لهذا الموضوع. وهكذا في إحصاءاته لمصحات الأمراض العقلية، يميز ~~مانيوس بين ثلاثة أنواع «لإدمان الخمور النفسي»: الإدمان الحاد والإدمان شبه الحاد (المصحوب ~~بهذيان) والإدمان المزمن. ويحتل إدمان الخمور مركزا هاما في نظرية الانحطاط العقلي. «النقص ~~المخي - وهو السبب المباشر للإفراط في الشرب - يرجع عادة لأسباب وراثية؛ أي إن شاربي الخمور ~~مرضى، (وعلى الجانب الآخر) فإن إدمان الخمور يعد أحد أقوى أسباب الانحطاط العقلي؛ أي إن أبناء ~~مدمن الخمور يكونون مرضى.» # 37 # ولقد قادت هذه الحلقة المفرغة الطب العقلي إلى بحث يعطي وضعا متميزا لفكرة ~~دراسة الأسلاف على حساب الدراسة الإكلينيكية؛ مما جعل تصنيفه غير محدد وشموليا. وسرعان ما ~~انتقده بعض أطباء الأمراض العقلية مثل جول سيجلا. ولقد أدى الربط ms454 بين الهذيان وشرب الخمر إلى ~~استنتاج لا يتغير بوجود جنون كحولي يصيب الشخص ذا الاستعدادات الوراثية. # إلا أن علم الدلالة العصبي النفسي لم يتوقف عن التقدم: اضطراب كحولي شبه حاد، متلازمة ~~أعراض كورساكوف عام 1889 (ذهان لأسباب متعلقة بإدمان الكحول ويتسم باضطرابات في الذاكرة ~~يصاحبها اضطرابات عصبية)، أفكار ثابتة لما بعد الأحلام، هذيان يصيب الثملين، إلخ. لم يبدأ ~~تراجع مفهوم «الجنون الكحولي» إلا بعد عام 1920، بالتوازي مع مفهوم الانحطاط العقلي. وفي إحدى ~~الرسائل الجامعية في الطب # 38 # عام 1923، نقرأ: «كنا مضطرين إلى استبعاد عدد كبير من المرضى شاربي الخمور، إلا ~~أن إصابتهم كانت تتفاقم بعيدا عن عامل إدمان الخمور.» ومن الآن فصاعدا، ساد تصور جديد ~~لتصنيف الأمراض أكثر تحديدا، رابطا الإصابات المتعلقة بإدمان الخمور بجدول إكلينيكي طبي ~~نفسي محدد. # لم يكن من الممكن بالطبع عدم ضم إدمان المخدرات - الذي ظهر حديثا - إلى مجال الطب النفسي ~~في القرن العشرين. # 39 # كانت نشأة هذا النوع من الإدمان نتيجة للحماس الشديد لظهور المهدئات، ولا سيما ~~المستخدمة في التخدير (أثناء معركة واترلو عام 1815، كانت تجرى العمليات الجراحية وعمليات ~~البتر من دونها). ومنذ تلك اللحظة، بدأ الأثير والكلورال والكلوروفورم والمورفين والكوكايين ~~والهروين يتسببون في أنواع معينة من الإدمان. أثناء الحرب العالمية الأولى بفرنسا - في الوقت ~~الذي كان كل ما يهم هو «إنقاذ السلالة» (التي كانت تجري التضحية بها داخل الخنادق في الوقت ~~ذاته) - جرى التصويت على قانون في السادس عشر من مارس 1915 يحظر شرب الأفسنتين (كنا نتحدث ~~حينها عن إدمان الأفسنتين)، وآخر في الثاني عشر من يوليو 1916، وجاء فيه مفهوم «مواد مخدرة» ~~وكان يضم الجدول رقم «ب» (التصنيف القديم للمواد والأدوية المخدرة). # الأفيون هو أقدم المواد المخدرة، وهو موجود منذ قرون في تاريخ العقاقير (خاصة في صورة ~~اللودونوم)، حتى قبل ظهور إدمان الأفيون في إنجلترا في مطلع القرن التاسع عشر. أما الحشيش، ~~فقد كان يستخدم في البداية في الطب النفسي كما رأينا مع مورو دي تور، وقد كانت طريقته تقوم ~~على إعادة إنتاج الحلم ms455 تجريبيا. في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، تراجع الأفيون ~~والحشيش إلى المرتبة الثانية بعد ظهور مواد مخدرة جديدة (حتى استعاد الحشيش رونقه خلال سنوات ~~الهيبية). شهد المورفين (مستخرج من الأفيون) - «الصنم الأسود» - انتشارا واسعا بين 1875 ~~و1900. بدأ اكتشافه في بدايات القرن التاسع عشر، وتطور الأمر حتى أصبح مسببا للإدمان ابتداء ~~من منتصف القرن. ولشدة فعاليته في مقاومة الألم، أصبح المورفين يستخدم بكثرة مع جرحى حرب عام ~~1870، ومنذئذ أصبح «متاحا للعامة». وعلى عكس باقي المواد المخدرة المعاصرة - التي كانت ~~حكرا على المهربين - كان المورفين في نهاية القرن التاسع عشر يوصف قانونيا على يد الصيادلة ~~والأطباء، ومن بينهم تكونت مجموعة كبيرة من مدمني المورفين (نلاحظ أن نظرة المجتمع السيئة ~~لهذا الأمر لم تكن بنفس قوتها بالمقارنة مع القرن العشرين). # وفي الولايات المتحدة الأمريكية تم سريعا حظر الهروين - منتج مركب من المورفين ظهر عام ~~1898، بينما كان يوصف في فرنسا عام 1920 كعلاج ضد الأرق والصداع النصفي. أما الكوكايين - ~~الموجود من عام 1859 - فقد شهد في البداية - على شكل نبات الكوكا - نجاحا تجاريا وفيرا ~~حينما دخل في صناعة نبيذ مارياني. وهنا أيضا نجد أن استخدام الكوكايين كان قانونيا؛ مما ~~أخر ظهور مصطلح إدمان الكوكايين. كان الكوكايين محتفى به دائما، بل وقبل الحرب العالمية ~~الأولى كان يمكن شراء «الثلج» أو «الكوكو الرائع» داخل ملاهي بيجال ومونبارناس. كان لإدمان ~~الأثير - الذي «يهدئ الأعصاب المتوترة» - أتباعه أيضا. فموباسان مثلا كان مدمنا حقيقيا ~~للأثير، لدرجة أنه في شمال أيرلندا افتتحت ملاه خاصة لتعاطي الأثير. ومنذ نهاية القرن ~~التاسع عشر، بدأت أنواع إدمان البربيتورات تزداد؛ مسببة نوعا من التراجع في تعاطي المواد ~~المخدرة السالف ذكرها ، إلا لدى المهمشين بالمعنى الأوسع للكلمة. # ثم جاء التطبيب النفسي، مرتبطا بالنموذج الإكلينيكي لإدمان المورفين، والذي عرف مرة ~~بكونه اضطرابا نفسيا جسديا ومرة عصابا مستمرا ومرة ذهانا. ويرى ~~الأطباء - ومدمنو الخمور أيضا - أن مصحة الأمراض العقلية ~~ليست المكان المثالي للعلاج، في انتظار طرق بديلة قد تبدو غريبة. وهكذا، كان يوصف لعلاج ~~مدم ms456 ني المورفين مواد مثل البروم والزرنيخ والكحول ~~والحشيش والكوكايين والأثير والهروين ... كما كانت تطبق طرق الإيحاء في حالات اليقظة، وحتى ~~التنويم المغناطيسي، ولكن الأمر كان كما يقول شامبارد عام 1890 «كمن يوحي للجائع بأنه ليس ~~جائعا أو ظمآن!» # 40 # فيما يتعلق بطريقة «الوقف المفاجئ للمادة»، والتي تسمى طريقة ليفينشتاين - مدير ~~إحدى المصحات ببرلين - فكانت تقوم على حبس المريض في غرفة للعزل لمدة اثنتين وسبعين ساعة، ~~مهما كانت صرخاته وتوسلاته. وطبقت بالفعل على طبيب الأعصاب الشهير كارل ويستفال - الذي ~~أصيب بإدمان المورفين من فرط اهتمامه بدراسة هوس إدمان المورفين. ولكن عندما فتحوا الباب، كان ~~الأستاذ ويستفال (كان ليفينشتاين تلميذه) قد مات. # ومن الآفاق الجديدة التي فتحت أمام الطب النفسي الجنس والمشاعر الجنسية. تتمثل هذه ~~المشاعر في الاستمناء أو الزهري الوراثي أو الشلل العام. إلا أن الأمر ازداد اتساعا، بعيدا ~~حتى عن مجال اكتشافات فرويد. عام 1870، نشر ويستفال - الذي توفي نتيجة تطبيق سياسة المنع ~~لليفينشتاين - في المجلة الرسمية «أرشيف الطب النفسي» مقالا هاما عن الشذوذ الجنسي الذكوري ~~(الشعور الجنسي المعكوس). عام 1886، نال كرافت إبينج شهرة واسعة بسبب نشره مقاله «الأمراض ~~النفسية الجنسية»، يضع فيه تقسيما للانحرافات الجنسية، والتي قسمها إلى فئتين كبيرتين (تنسب ~~عادة إلى فرويد): انحرافات بحسب الموضوع وانحرافات بحسب الهدف. وكان هو صاحب مصطلحات ~~«السادية» و«المازوخية» و«السادية المازوخية». # في عام 1886، نشر بول سيريو - تلميذ مانيان - رسالة بعنوان «أبحاث إكلينيكية عن انحرافات ~~الغرائز الجنسية». كان هو من قدم أعمال كرابلين في فرنسا، ولكنه اهتم أيضا بدراسة خطابات ~~المرضى وكيف تعطي صورة عن حياة واحتجاز مرضى الاعتلال العقلي في عهد النظام القديم. كما اخترع ~~كيانا جديدا وجريئا يتماشى مع الوضع ، من شأنه فتح آفاق لانهائية أمام الطب النفسي، وهي فئة ~~«المرضى غير الطبيعيين بالتكوين»: المؤولين والمتطلبين ومؤلفي القصص؛ أي كل «المنحرفين أعداء ~~المجتمع»، وكل المختلين وغير المتزنين، وعددهم كثير في واقع الأمر. # ولم يخش أطباء آخرون من توسيع نطاق الانحطاط العقلي لدرجة أنهم ضموا إليه الشعراء. «أردت ~~فقط أن أبين أنه لدى ms457 بعض الأفراد، لا يكون الشعر إلا وسيلة للتعبير عن التفكك العقلي؛ أي ~~مظهرا من مظاهر تدني العقل.» # 41 # فالأمر لا يقتصر فقط على «مرضى الانحطاط السامي» على حد وصف مانيان؛ «فيمكن لبعض ~~المرضى بالانحطاط العقلي أن يشعروا بدفقات مفاجئة، ويمكنهم امتطاء أجنحة الشعر إلى ارتفاعات ~~لا يصلها أحد، ويصقلوا أبياتا رائعة الرقة تغلفها كآبة مؤلمة وساحرة مثل فيرلين أو جي ~~مورياس، بينما يظل المرضى الآخرون عاجزين عن تجاوز التعثر في النطق وتفكك الأفكار التي لا ~~تقوم إلا على السجع الصوتي. الأوائل هم من اتفق على تسميتهم بمرضى الانحطاط السامي، أما ~~الآخرون فليسوا إلا بلها ضعيفي العقل. ولكن لدى البعض والبعض الآخر، نجد - على الأقل لعدة ~~ساعات - آثار الخلل العقلي التي لا تمحى.» # ومن المظاهر الأخرى المميزة للانحطاط العقلي (خاصة لدى البله) الحب المفرط للحيوانات ~~المنزلية. «تدور حياتهم كلها حول هذا الحيوان الذي يرعونه ويهدهدونه كطفل، ويعملون من أجله، ~~وعلى استعداد لتقديم أكبر التضحيات في سبيله.» وفقا لمؤلفنا، فإن أسوأ شيء هو تعلق الشعراء ~~المفرط بالقطط. فها هو أحدهم وقد نقل ولعه هذا إلى زوجته: «كان لفظ قطة وكل ما يتعلق بالقطط ~~يتردد بكثافة في حواراتهما، فكانا يدلل أحدهما الآخر بقطي، وقطتي ... كانت القطة تسيطر على ~~حياتهما وكأنها ابنتهما. طبيب الأمراض العقلية سيقول إنها حالة هذيان مشترك» (د. ~~لوران). # إلى جانب إدراج الشعر وحب القطط إلى مجال الطب النفسي، ولكيلا يبدو الأمر كمزحة، نتطرق ~~إلى «تفاعل كرب القتال» أثناء الحرب العالمية الأولى. وتوجد قائمة مراجع طبية هائلة تعنى ~~بتحليل «ذهان الحرب» # 42 # والخوف - غير الطبيعي - داخل الجيوش. فالخوف - حتى المعتدل - يعد خوفا مرضيا ~~في جبهة القتال: «فالرجل يكون غير متأقلم على وظيفته، ومن ثم يتخلى عن واجبه ~~الحربي.» # 43 # لا يعتبر الأطباء النفسيون في فترة الحرب العالمية الأولى هذا الخوف عرضيا، ~~وإنما «بنيويا» لدى الأفراد الذين ظهرت لديهم «اضطرابات انفعالية». وقد يكون هذا «التكوين ~~الانفعالي كامنا»، وقد كشفته «أحداث الحرب». فها هو بي فيكتور «الذي أصيب بصدمة القذائف في ~~الحادي عشر ms458 من أكتوبر في الساعة الخامسة مساء. حين وجد كان مغطى بأشلاء ثلاثة من زملائه ~~قتلوا بجواره. في اليوم التالي، كان عاديا، ولكنه غرق منذ تلك اللحظة في صمت ~~تام.» # 44 # أما جي هيلير - مزارع يبلغ من العمر أربعين عاما - فكان عام 1915 «قد تعرض لهجوم ~~القذائف أربع مرات»، ولكنه ظل «جنديا جيدا حتى فبراير 1917». في هذا التاريخ، «تعرض لقصف ~~عنيف، ومن حينها لم يتوقف عن الارتجاف [...] منذ ثمانية أيام، نشك في أعراض فرط الحركة.» # وهكذا، أصبح تفاعل كرب القتال مجموعة مختلطة من الأعراض العقلية تحدث نتيجة ارتجاج أو ~~صدمة انفعالية. في عام 1918، ذكر رئيس الجمعية العامة لضحايا البتر في الحرب على استحياء - ~~بخصوص أحد المرضى - أنه بالإضافة إلى جروحه البالغة، أصيب بصدمة عصبية نتيجة انفجار في ~~الهواء. قد يكون الأمر نتيجة طلقة قذيفة، دون أي جروح خارجية، أو صدمات أخرى: كما أن أحد ~~القادة كان قد رأى العديد من رجاله يحترقون أحياء بعد أن ألقيت عليهم قنابل يدوية مشتعلة. ~~ولكنه استطاع إنقاذ واحد منهم، بعد أن لفه بعباءته، ولكنه سرعان ما شعر بدوار وفقد الوعي. ~~ومنذ ذلك الحين، وهو يعاني من هذيان يشبه الحلم يرى فيه نفس المشهد دون توقف. # ولكن لننتبه: يذكر الأطباء العسكريون (الأطباء المدنيون سابقا) مرارا أن هؤلاء «العرجان ~~عقليا» # 45 # لديهم استعداد سابق أو «مسمومون» بمزاجهم الانفعالي. ولكن ازدياد عددهم جعل من ~~الضروري إنشاء خدمة للعلاج النفسي في كل خط من خطوط الجيش. وتتعدد مظاهر الذهان المرتبط ~~بالحرب، من حالات الفوضى العقلية البسيطة المصحوبة بذهول وحتى الاضطرابات العصبية، بل وحتى ~~الهذيان والهلوسة. في جميع الأحوال، كان يتم فحص هؤلاء البؤساء بقدر كبير من التشكك. أليس من ~~الممكن أن يكون بينهم من يدعون المرض أو على الأقل يبالغون؟ كان ذلك هو هاجس أطباء الجيش. ~~«إن محاكاة المرض العقلي فكرة قد تخطر لشخص غير متزن يرغب في التخلي عن التزاماته ~~العسكرية.» # 46 # وتجدر الإشارة إلى أن الوضع بالنسبة إلى من هم أمام مجلس الحرب (بسبب الهرب من ~~وجه ms459 العدو أو التخلي عن الموقع) يكون صعبا للغاية سواء أكان جنونهم تمثيليا أم لا. # الجزء السادس # | عصر الشك # الفصل الأول # | المصحات العقلية لا تؤدي إلى الشفاء # لم ننتظر تصاعد الحركة المناهضة للطب النفسي في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين ~~لندرك أن مصحة الأمراض العقلية لا تؤدي إلى الشفاء. فبعد وفاة إسكيرول بقليل، بدأ الكثير من ~~أطباء الأمراض العقلية - كما رأينا - يعلنون استياءهم من الأمر، وقد لاحظوا الواقع المؤسف الذي ~~يحول المجانين المحتجزين إلى مزمنين. لم يغير من الأمر شيئا تغيير اسمهم إلى «مرضى الاعتلال ~~العقلي». وأن يكون قياس ظاهرة محورية بهذه الصورة تؤدي سريعا إلى زعزعة اليقين في المؤسسة ~~ككل، فكان يجب دراسة المسألة من وجهة النظر الإحصائية الطبية. ولكن أي إحصائيات؟ التي وضعها ~~إسكيرول ومن خلفوه. كيف يمكن تنفيذها بطرق أخرى؟ كان أمرا سيئا أن يخرج كبيرو الأطباء ليعلنوا ~~بالأرقام أن مصحاتهم تحولت إلى أماكن للموتى. كذلك كان الأمر وفق «إحصاءات فرنسا» الرسمية. ~~فإلام تشير هذه الإحصاءات في الفترة ما بين عام 1856 و1860؟ ما هي الإحصاءات الوطنية عن نسب ~~الشفاء؟ وعلى الرغم من أن الجداول تتراص بانتظام دون إغفال أي تفصيلة - على مدار ثلاثمائة ~~صفحة - كان هذا الأمر يشكل مشكلة ملحوظة. كيف نقوم بالعد؟ أبالمقارنة مع متوسط أعداد المرضى في ~~المصحات؟ أم بالمقارنة مع عدد المحتجزين في العام، مع حذف المرضى ذوي الحالات المزمنة؟ وإذا ~~اقتطعنا عدد المرضى في منطقة السين - الذين ينقلون بانتظام إلى مصحات الأقاليم - فماذا عن ~~المرضى الميئوس من شفائهم الذين «يدورون» بين مختلف المصحات، الذين «يفسدون نتائج الإحصاءات»؟ ~~الحقيقة أنه بالعد الطبيعي (أي بعد عد جميع المرضى) تكون النتائج مفجعة: لم تتجاوز نسبة ~~الشفاء 8,24٪ في الفترة من 1856 وحتى 1860. إنها نسبة ضئيلة ~~للغاية، ولا سيما بعدما رأينا ما هو المقصود بالشفاء. كما أن معدل فترات الاحتجاز سيئ للغاية: ~~62٪ من حالات «الشفاء» قضت أقل من ستة أشهر محتجزة في المصحة، في مقابل 10٪ مكثوا قيد الاحتجاز ~~لأكثر من عامين. في تقرير عام 1874 الضخم - الذي ms460 ذكرناه قبلا - رغب المفتشون العموميون أيضا ~~في تقديم إحصائية معقولة للشفاء. ولكنهم لم يستطيعوا تجنب النسبة «التي تحزن»: 7,04٪ من ~~«المرضى تم شفاؤهم». وسرعان ما أضاف المفتشون أنه لا يوجد تناسب مع معدلات الشفاء في بريطانيا - ~~الأمر الذي يجب الاعتراف به. # عينة من 18 ألف مريض محتجز # وما دامت ~~هناك شكوك حول الإحصاءات الرسمية عن المرض العقلي، فلم يكن هناك إلا الاعتماد على أنفسنا في ~~عمل الإحصاءات. ولقد قمنا - تحت رعاية الأستاذ بيير شونو (في مجال التاريخ الكمي) والأستاذ ~~بيير موريل (في مجال الطب النفسي) - بتفتيش سجلات الاحتجاز بمصحة بون سوفور بالكامل في الفترة ~~من 1838 وحتى 1925، وتوصلنا إلى دراسة طبية عامة لأكثر من ثمانية عشر ألف مريض عقليا لم ~~تستغل حتى اليوم. ولكن هل يمكن أن تعد مصحة بون سوفور ممثلا لباقي مصحات الأمراض العقلية ~~التي لكل منها خصوصيتها؟ ف «نظام الالتحاق» الخاص بالمصحة الموجود في الأقاليم يختلف عن ذاك ~~الموجود في منطقة السين، وكيف تجري مقارنة مصحة خاصة بمصحة حكومية؟ إلا أن مصحة بون سوفور ~~بكاين بدت جامعة لعدة صفات بالشكل الكافي الذي يجعلها ممثلة لباقي المصحات، فهي مصحة خاصة، ~~ولكنها تمارس دور المصحة الحكومية، كما تعد ثالث مصحة في فرنسا من حيث الأهمية في مطلع القرن ~~العشرين، وكانت تضم عام 1899، 1439 مريضا (من بينهم عدد كبير محولون من مصحات السين). # كان من الملاحظ بشكل كبير أن العوامل التي سبقت الاحتجاز أو الدوافع كانت ثابتة طوال ~~الفترة (1838-1925)، وكانت ملحوظة أيضا في عهد النظام القديم. فالإصابة بالجنون عادة ما تكون ~~قديمة (في 46٪ من الحالات تتجاوز العامين)، ومن ثم تقل فرص الشفاء. «كانت حبيسة في منزلها ~~لأعوام طويلة في حجرة بها شباك يقدمون إليها الطعام من خلاله، قبل أن تأتي إلى هنا.» كانت ~~ملحوظة «جنون قديم» تتكرر باستمرار، حتى وإن كان تاريخ إصابة عائلة ~~المريض عقليا غير معروف، خاصة بالنسبة إلى المرضى ~~المحتجزين بالقوة. أما بالنسبة إلى الدخول الإرادي للمريض، فكانت المحافظة تقدم استبيانات ~~كاملة للعائلات التي تطلب احتجاز ms461 مريضها، إلا أن الأسئلة المطروحة كانت أكثر تفصيلا من ~~الإجابات المقتضبة المقدمة. وكان يطلب أيضا - إلى جانب مقدم الدفع - معرفة ما إذا كان ~~المريض قد أصيب قبلا بنوبات جنون أو جرى احتجازه، إذا كانت له ممارسات جنسية زائدة أو متعلقة ~~بإدمان الخمور. أتوجد حالات جنون أخرى في العائلة؟ هل الجنون وراثي؟ في الواقع، لم تكن هناك ~~إجابات كاملة ومحددة إلا للجزء المتعلق بالدافع وراء طلب احتجاز المريض. لا نعلم الكثير عن ~~أجداد ماري إف - ثلاثين عاما - ولكن ما نعرفه جيدا أنها تركت عملها منذ ثلاثة أسابيع، وتحدث ~~ضجة عالية أثناء الليل مما يمنع جيرانها من النوم، وأنها كانت تسير في الشوارع ودخلت الكنيسة ~~وأحدثت فضيحة. # كان الاحتجاز في عهد النظام القديم (هذه المرة يوجد العدد) يتم في معظم الحالات بسبب ~~الجنون الذي يضر بالنظام العام، أو عادة بسبب حالات الانتحار: «ألقت نفسها في النهر»، «اعتقدت ~~أنها ملاك وألقت بنفسها من الطابق الثالث، وبدلا من أن تطير كما اعتقدت، سقطت على الرصيف ~~وانكسرت ذراعها وعمودها الفقري.» كان القفز من النوافذ شائعا بين النساء، بينما كان الرجال ~~يقتلون أنفسهم بقطع رقبتهم بشفرة الحلاقة (الذين يشنقون أنفسهم أو يلقون أنفسهم في بئر كانوا ~~ينجحون أكثر في محاولات انتحارهم). كانت هناك بعض محاولات الانتحار المبتكرة، مثل هذا المريض ~~بعقدة الاضطهاد، الذي أراد أن يهرب من الأصوات التي تنعته ب «القذر»، فقام بوضع رأسه في آلة ~~المنجلة وحاول إغلاقها عليه. # ويتضمن هذا التعليق المقتضب الكثير: «مريض (35 عاما) هادئ منذ يومين، أصيب بحالة هياج ~~منذ عدة أيام، كان يحاول ضرب زوجته ووالدتها»، وبهذه المعلومة الحاسمة، تقرر عجزه عن ~~الاستمرار في عمله. وهناك ملحوظة لها مغزى كبير خاصة بامرأة في الثامنة والثلاثين من عمرها، ~~محتجزة منذ عام 1877: «لم تستطع عائلتها ولا والدها الاحتفاظ بها [...] في النهاية أصبحت حالتها ~~لا تحتمل.» في عام 1912، طلب والد آليس دي (36 عاما) احتجازها. كانت تريد أن تصبح راهبة، ~~ولكنها عادت إلى المنزل مصابة بهلوسة الاضطهاد: «أثناء نوبتها الأخيرة - بتاريخ الأول ms462 من ~~أغسطس - جاءت ابنتي باكية ومعلنة بحركات غضب وتهديد أن هناك ~~شخصا ما - في أحد أركان الغرفة التي نحن فيها - ولكنها لا ~~تراه لأنها منومة مغناطيسيا، ولكنها تشعر بتأثيره، وأنني أتفاهم معه بالإشارات لأني أستطيع ~~رؤيته، وأنه كان يغتصبها لعدة ليال بالاتفاق معي. وفي اليوم التالي نحو الظهيرة، ومن دون سبب ~~واضح، تكرر هذا المشهد البشع ولكن بعنف وقبح أكثر. ظلت ابنتي تصرخ بقوة وشراسة أن هذا الشخص ~~الخفي - قد قام بمساعدة مني - باغتصابها لدرجة أنها لم تكن قادرة على الحركة، وظلت توجه لي ~~أقسى أنواع اللوم. وأخيرا، بعدما اعترضت غاضبا، صرت أسنانها وأخذت تلقي بالأشياء في ~~الشقة حتى وجدت سكينة مائدة وأخذت تحكها مهددة بأنها ستنتحر. في المساء، هدأت نسبيا، ولكنها ~~ظلت تردد أنه جرى اغتصابها وأن الشخص الخفي لا يزال قابعا في ركن الغرفة.» # كان من المعتاد رؤية هذه المقدمة: «كانت عائلته ترعاه على أكمل وجه، ولكن هلاوسه أصبحت ~~اليوم ...» يكون طلب الاحتجاز هو الحل الأخير، وليس من أول ظهور الإصابة: «لن تتحسن حالته، ~~ولكنه لا يزال محتفظا بعاداته وعلاقاته مع نفس الأشخاص الذين لا يسببون له أي فزع.» المتحدث ~~هنا كان طبيبا «ممارسا عاما»، فقد كانت شهاداته التي يقدمها عن المريض لازمة لتقديم أي ~~طلب احتجاز، وكانت تعد مصدرا قيما ولكن غير كاف، فقد نحتاج إلى «محاضر شرطة» من عدة صفحات ~~وأحيانا الاقتصار على صيغ نموذجية: «أقر أنا الموقع أعلاه الطبيب ... أن ... مصاب منذ عدة شهور ~~بخلل عقلي قد يصل لدرجة الجنون. [نحن في عام 1891]. ولا يمكنه الحصول في منزله على الرعاية ~~التي تتطلبها حالته، ويحتاج إلى إشراف متواصل؛ لأنه قد يتسبب في أشياء خطيرة. وعليه ...» كان ما ~~يهم هو أن يوقع المحافظ (أو الكاهن في ظل النظام القديم) على الشهادة؛ لاعتماد الحالة. # وبعيدا عن النموذج النمطي للمؤامرة العائلية، نجد حالة هذا الزوج الذي ضاق ذرعا بهلوسة ~~زوجته - التي احتجزت للمرة الأولى العام السابق في 1921. «إنها تردد على مسامعي باستمرار أنها ~~ليست مريضة وأنني أنا من يحتاج ms463 للعلاج، وهي حقيقة، فإذا استمر بي العيش هكذا، فسينتهي بي ~~المطاف بالجنون فعلا.» في مثل تلك الحالات - وهي كثيرة - لا يرسل المريض إلى المصحة «لينال ~~العلاج» إلا نادرا. فالحقيقة أنه يجري إرساله قبل كل شيء للتخلص منه وبسرعة لكي تستطيع ~~العائلة استئناف حياتها. واستنادا إلى طلب احتجاز تأجل طويلا، تبدو لنا الإحصائية القومية ~~«لحالات مرضى الاعتلال العقلي الذين يتلقون العلاج في المنزل» معبرة (حتى وإن تساءلنا عن ~~المعايير المطبقة للوصول لمثل هذه التقديرات). دائما ما يزيد العدد المقدر لمرضى الاعتلال ~~العقلي غير المحتجزين عن أولئك المحتجزين في المصحات: # 1851 # 1856 # 1861 # مرضى محتجزون # 20537 # 26286 # 31054 # مرضى مقيمون في المنازل # 24433 # 34004 # 53160 ~~«تظهر هذه النتائج الرفض المؤسف للعائلات بشكل عام للانفصال عن مرضاهم ووضعهم في مصحة ~~للأمراض العقلية؛ ربما بسبب تأخرهم في القيام بواجباتهم، أو بسبب ميل أعمى، أو أحيانا بسبب ~~الإهمال؛ مما يتسبب في حدوث آثار جسيمة على قابلية المريض للشفاء.» # 1 # ماذا عن نتيجة التحليل الكمي للألفاظ المستخدمة في طلبات الاحتجاز في مصحة بون سوفور؟ ~~هناك 46٪ من دوافع الاحتجاز تسمى «عنفا، هياجا، استثارة، نوبات مختلفة، أزمة، محاولة ~~انتحار.» وبالتأكيد هناك الكثير، إلا أن هذه الإحصائية لم تكن تمتلك الكثير من البيانات. بيد ~~أن فئة المرضى الخطرين المصابين بالهياج لا بد من أن تخضع لتقسيم أكثر نسبية، فإن المرضى ذوي ~~السلوك العنيف الكامن، عادة ما يجري ضمهم إلى مرضى العنف الصريح. فكلمة «مجنون هائج» قد تعني ~~قاتلا (عشرون حالة بالكاد من أصل ثمانية عشر ألف حالة) أو مريضا حطم لوحين زجاجيين ~~مهددا زوجته وأولاده بالموت. في الواقع، تعد حالات الاعتداءات على أشخاص نادرة. وفي ظل ~~النظام القديم، كان طلب الاحتجاز يبرر بسبب درجة الخطورة والمأساة الوشيكة الحدوث التي ~~سيمنعها الاحتجاز. # وفي المقابل، توجد الفئة الكبيرة الأخرى، فئة المكتئبين ومرضى السوداوية وعقدة الاضطهاد. ~~إلا أنه لا يمكن استبعاد خطورتهم بالكامل. ففي عام 1896، كانت هناك مريضة تدعى جوزفين تبلغ من ~~العمر أربعة وعشرين عاما. كانت تشعر بأنها محاطة بالأعداء، «بأشخاص ms464 يلقون عليها تعاويذ ~~شريرة. وأثناء الليل يحرقونها ويقرصونها ويشدونها من قدميها لإخراجها من فراشها.» وانتهت ~~بتحديد بعض جيرانها لكونهم هم سبب آلامها ومصدر تهديدها. وأقر طبيب البلدة قائلا: «احتجازها ~~الآن أصبح إجراء أمنيا. فمن بين كافة أنواع مرضى الاعتلال العقلي، يعد المصابون بعقدة ~~الاضطهاد هم الأخطر، وحينما يصلون إلى التعرف على أشخاص معينين كسبب لاضطهادهم - كما هي ~~الحالة - يصبح احتجازهم ضروريا.» وتمثل حالات الإصابة بالاكتئاب والهلاوس وهلاوس العظمة ~~والثراء والهذيان الديني والغيرة وعقدة الذنب والخوف المرضي من التسمم وعقدة الاضطهاد؛ حوالي ~~35٪ من أسباب الاحتجاز. «طوال الليل، تظل تصرخ خوفا من مغتالها أو من سارقها؛ مسببة إزعاجا ~~لجيرانها. كانت ترى قططا وكهنة وراهبات يتجولون حول سريرها ويحملقون فيها بنظرات ~~مرعبة.» # ثم يليه - بصورة أقل أهمية - «العاجزون» (المصابون بالعته والمتأخرون عقليا والبله) ~~ومرضى الصرع الذين تفاقمت حالتهم والمبذرون والمتسللون؛ أي جميع الذين لم يعودوا قادرين على ~~التصرف أو من ليس لديهم أحد يعتني بهم: «أصيب أخوه الذي كان يتولى رعايته بالشلل» (1924). ~~كان فقر غالبية هؤلاء سببا حاسما أيضا: «لا تستطيع أسرته - التي لا تمتلك نقودا - أن ~~ترعاه.» «تظهر على هذه المرأة أعراض واضحة للجنون العقلي ربما نتيجة لإصابتها بالشلل العام. ~~ونظرا لفقر المرأة التي لا تمتلك بالطبع القدرة على رعاية نفسها بطريقة فعالة؛ فمن الضروري ~~إذن إدخالها المصحة» (1906). # لا تزيد نسبة الاحتجاز الإجباري في مصحة بون سوفور (57٪) عن الاحتجاز الإرادي إلا قليلا ~~(43٪)، خاصة أنها - نظرا لكونها مصحة خاصة - تستقبل نسبة كبيرة من المحتجزين من الفئة ~~الثانية (وتشير الإحصائية الوطنية إلى أن متوسط نسبتهم يصل إلى 30٪). ويتوزعون على مساحة تشمل ~~البلاد كلها، وذلك دائما لرغبة العائلات في وضع مريضها بعيدا لأسباب تتعلق برغبتهم في كتمان ~~الأمر. وتمثل حالات الاحتجاز الإرادي حوالي 10٪ من الطلبات المقدمة من الجيش أو من الجمعيات ~~الدينية. كان هذا هو تخصص بون سوفور الذي يدعي أنه يقدم لنزلائه القدر الكافي من السرية ~~والمركز الاجتماعي. أما طلبات الاحتجاز الحكومية، فتضم نسبة لا بأس بها (من 15 حتى 20٪) من ~~الحالات تأتي من ms465 المصحات والملاجئ والمحاكم والسجون. وتزيد نسبتهم لدى الرجال عن النساء؛ مما ~~يدل على ارتفاع نسبة الخطورة لديهم. # يتراوح عمر المريض في خمسين بالمائة من الحالات عند احتجازه ما بين ثلاثين وخمسين عاما. ~~وهو ليس صغيرا ولا كبيرا على المستوى الوطني. أما بالنسبة إلى جنس المريض، ففي بون سوفور - ~~كما في باقي المصحات - تكون النسبة الأكبر للنساء. وقد تسبب عددهم سنويا (52 في مقابل 48 في ~~المتوسط) في نشر اعتقاد بأن النساء يقعن فريسة أسهل للجنون عن الرجال. إلا أن نسبة الرجال ~~الذين يجري احتجازهم تزيد عن النساء (من 105 إلى 115٪). ويرجع ذلك - كما سنشرح لاحقا - إلى ~~أن الرجال يموتون في المصحات أو يخرجون منها بطريقة أسرع. أما عن الحالة الاجتماعية، فإن ~~الأفضلية تكون للعزاب أو الأرامل؛ أي الذين يعيشون بمفردهم. # وتعد نسبة الانتكاسات غاية في الأهمية، وهي تدور حول 15٪، أو أكثر قليلا (وهي النسبة ~~نفسها على المستوى القومي). بشكل عام، فإن الانتكاسة لا تحدث مرة واحدة، بل عدة مرات. في عام ~~1901، احتجز هذا المريض عقليا ذو الستة والثلاثين عاما للمرة الرابعة عشرة لإصابته ب ~~«هوس متقطع». أما هذه المزارعة ذات الواحد والستين عاما، فقد دخلت المصحة للمرة السادسة ~~عشرة عام 1920، لإصابتها ب «حالة سوداء بسيطة يصاحبها اكتئاب». هؤلاء هم من يطلق ~~عليهم - على مستوى البلاد - «المعتادون على ~~المصحات»: # 2 # مدمنو الخمور، مرضى الصرع، «المختلون أخلاقيا». ففي مصحات منطقة السين، لم تكن ~~حالات الانتكاس المتعددة نادرة. ف «جاس» - نجم مصحة فيلجويف - كان قد دخل للمرة الخامسة ~~والستين في عام 1910، مضيفا إلى سجله خمس عشرة حالة هرب. وهناك أيضا جورج كا، الذي «أصبح ~~مقيما دائما في مصحات الأمراض العقلية بعد أن كان مقيما في السجون.» وهنا تظهر فئة جديدة ~~من المرضى، وهي «مرضى الاعتلال العقلي الأشرار» (الذين يميلون إلى الشر). وتضم هذه الفئة ~~الكثيرين، حتى الشحاذ الأعرج الذي يصطنع الجنون، سواء بوعي أو من دون. إلا أنه بالنسبة إلى ~~أطباء الأمراض العقلية، فإن أي شخص يصطنع الجنون إنما هو مصاب به إلى ms466 حد ما. ~~••• # كيف تمت حالات الاحتجاز الثمانية عشر ألفا ومائة وسبع بمصحة بون سوفور بين عامي 1838 ~~و1925؟ وماذا عن كون «المصحة أداة للشفاء»؟ # أقل من ثلاثة أشهر # من ثلاثة أشهر إلى عام # من عام إلى عامين # من عامين إلى خمسة أعوام # من خمسة أعوام إلى خمسة عشر عاما # أكثر من خمسة عشر عاما # الإجمالي (من أصل الثمانية عشر ألف حالة بين عامي 1838 و1925) # خروج للشفاء # 1601 # 1570 # 298 # 238 # 102 # 22 # 3831 # خروج للتحسن # 589 # 715 # 211 # 167 # 119 # 33 # 1834 # خروج من دون شفاء # 645 # 566 # 180 # 178 # 128 # 37 # 1734 # حالات خروج أخرى ~~* # 197 # 83 # 12 # 22 # 14 # 4 # 332 # تنقلات ~~(223) ~~(363) ~~(180) ~~(202) ~~(264) ~~(388) ~~(1620) # وفيات # 1592 # 1564 # 915 # 1172 # 1636 # 1907 # 8756 ~~* # هروب أو إقامة غير مبررة. # يظهر الجدول الإحصائي بوضوح فئتين من المرضى: ~~بعد حوالي عام من الاحتجاز. من بين الفئة الأولى، خرج حوالي 62٪ (سواء نالوا شفاءهم أم لا)، ~~في مقابل 30٪ من الفئة الثانية؛ مما يدل - على عكس الفكرة الثابتة - على نوع من الدوران ~~النسبي. استبعدنا من الحسابات حالات التنقلات (9٪)، مؤكدين على أن هذه التنقلات من مصحة إلى ~~أخرى، تضم كافة أنواع المرضى عدا الذين تم شفاؤهم. ومنها هذا النموذج المعروف: عام 1888، كانت ~~هناك هذه المريضة المحتجزة منذ أحد عشر عاما. في البداية كانت تبلغ من العمر ستة وعشرين ~~عاما، وكانت مصابة بالهستيريا مصحوبة بحالة هياج تستدعي القيود. وفي غضون عدة أعوام، أصيبت ~~بحالة خبل عام. كانت من مواليد منطقة أورن، ونظرا لأن تكاليف الإقامة اليومية في مصحة منطقة ~~ألنسون أقل من مصحة بون سوفور، التي كانت قد بدأت فعليا في التخلص من مرضى الاعتلال العقلي ~~الفقراء أصحاب الحالات المزمنة، والذين لا يقيمون في المنطقة التي ولدوا فيها؛ فقد حولت ~~المريضة إلى مصحة ألنسون للأمراض العقلية. كان الأمر يدور حول رغبة المصحات في التخلص من ~~الحالات الصعبة، حتى بلغت درجة أنها كانت تحاول إرسال المريضات العجائز المصابات بالخرف غير ~~المؤذي إلى دور المسنين. فها هي حالة مريضة تبلغ ms467 من العمر أربعة عشر عاما مصابة بالبله، حين ~~دخلت مصحة بون سوفور. في عام 1933، أصبح لديها ثلاثة وسبعون عاما قضت تسعة وخمسين منها في ~~المصحة. وهي مريضة هادئة، تمارس الأعمال المنزلية؛ مما يجعل دار المسنين مناسبة لها، حتى وإن ~~تطلب الأمر مساومات صعبة. فبمجرد حدوث النوبة أو صدور أي صرخات أثناء الليل - على الرغم من ~~أنه كان أمرا معتادا في دور المسنين - سيتم طرد العجوز المسكينة على الفور وإعادتها إلى ~~المصحة؛ حيث اعتادت عليه بعد أن قضت هناك أكثر من نصف قرن. لكننا سنرى أن هذه التنقلات للمرضى ~~«داخل المؤسسة» كانت قاتلة بالنسبة لهم. # بعيدا عن هذه التنقلات، كيف يتناقص عدد المرضى في الفئة الهامة التي تضم خمسة وخمسين ~~بالمائة من المرضى المحتجزين لأقل من عام (نصفهم لأقل من ثلاثة أشهر)؟ يموت حوالي 34,5٪ منهم، ~~بينما يخرج الباقون تارة بحجة شفائهم أو تحسنهم أو لعدم شفائهم. وتفرض المقارنة مع الجزء ~~الثاني (45٪) نفسها: فهنا تطول فترات الاحتجاز (20٪ من المرضى يقيمون لخمسة أعوام، و12٪ حتى ~~خمسة عشر عاما). وليس من النادر لدى النساء أن يمكثن لنصف قرن داخل المصحة. وتعد أقدم مريضة ~~محتجزة هي مريضة مصابة بالبله محتجزة منذ خمسة وستين عاما. يموت في الغالب ما يقرب من 77٪ ~~منهم، وتكون الدهشة كبيرة عندما نشاهد بعضهم يخرجون، ولا سيما بعد إعلان «شفائهم» بعد مرور كل ~~هذه السنوات. فنسبة الخروج من المصحة تتناسب عكسيا مع طول المدة التي يقضيها المريض في ~~المصحة. فهؤلاء الذين لا ينالون الشفاء ولا تتحسن حالتهم خلال العام الأول من الاحتجاز، تقل ~~فرصهم جذريا في الخروج، ولا سيما أن ثلاثة أرباعهم سيموت داخل المصحة. # بشكل عام، يخرج 23,2٪ من المرضى المحتجزين لشفائهم، و11,1٪ لتحسن حالتهم، وحوالي 10,5٪ ~~لعدم شفائهم. يخرج هؤلاء المرضى الذين لم يبرءوا بناء على طلب العائلة أو المؤسسة (في ~~حالة الاحتجاز الإرادي)؛ في أغلب الأحيان لأنهم يكونون على وشك الموت، وبالتالي فليس من ~~اللائق أن تترك العائلة أحد أعضائها يموت «وسط المجانين»: «زوجته تطلب خروجه، فهي لا ms468 تريده أن ~~يموت هناك» (1875). ولكن في معظم الأحيان، يرجع سبب الخروج إلى إدراك من طلب الاحتجاز لعدم ~~تحسن حالة المريض، بل تدهورها. يضاف إلى هذا مسألة دفع تكاليف الإقامة؛ حيث قد تضطر العائلة ~~إلى دفعها مدى الحياة، إذا تأكدت عدم قابلية المريض للشفاء. كذلك الحال مع مرضى الصرع الذين ~~مر عليهم وقت طويل دون أن تداهمهم أي نوبات، وإن ظلوا مندفعين ومن السهل استثارتهم، أو حتى ~~ضعاف العقول الذين أصبحوا مسالمين. ويمكن للطبيب أيضا أن يطالب بخروج المريض، أو المحافظ في ~~حالة الاحتجاز بناء على طلب الحكومة. وفي بعض الأحيان قد يتعارض رأي السلطة مع وجهة نظر ~~الطبيب: «إنه مدمن خمور خطير، وقد يرتكب أثناء نوباته أفعالا يعاقب عليها. ونحن نرى أنه لا ~~يجب إخراجه، على عكس رأي الطبيب الذي أبلغنا به» (ولكن خرج المريض رغم كل شيء). وفي المقابل، ~~قد يأتي الرفض من المحافظ لطلب قدمه الطبيب؛ نظرا لتكرار حالات الانتكاس. وفي الأغلب، يوافق ~~الطبيب على طلب الخروج الذي تقدمه أسرة أحد المرضى المحتجزين بناء على طلبها، ولكن دون ~~خداعها: «يبدو مظهره هادئا، ولكنه ليس أقل جنونا من الداخل.» يمكن للطبيب قبول الطلب أو ~~رفضه (المريض ليس في حالة تجعله يحسن التصرف) أو قد يؤجله قليلا. فهذا المريض ذو الثلاثة ~~والستين عاما احتجز عام 1855؛ بسبب عدم اتزانه وهوسه بالشراء بشكل غير معقول، كان في حالة ~~هياج عند دخوله المصحة، ولكن بدأ يتحسن منذ ستة أشهر، وكان على وشك الخروج. ولكن جاء في تقرير ~~كبير الأطباء: «نظرا لسلوكه العنيف للغاية مؤخرا تجاه مريض آخر أبله بائس، لا تواتيني ~~الجرأة على الموافقة على خروجه.» كان هذا المريض يستعد للخروج - وقد أصبح هادئا وواعيا ~~مؤخرا في غضون شهر من الاحتجاز - ولكن يقول كبير الأطباء: «بعد رؤيتي لسجله في البلدية، عدلت ~~عن قراري؛ فقد كان يهدد جيرانه بالقتل، وطارد بالفعل زوجته عدة مرات ممسكا بسكين في يده ~~ليذبحها. إنه يمثل رعبا في قريته.» إلا أن المريض خرج بعد سبعة أشهر. # وتوجد أيضا حالات ms469 - وإن كانت نادرة - لمرضى لم يتم شفاؤهم ولكنهم يفضلون البقاء في ~~المصحة، حتى وإن طالبت العائلة بخروجهم: «جاء والداه ليخرجاه، ولكنه رفض تماما المغادرة ~~وانتابته حالة هياج.» وعلى العكس، يوجد أيضا مرضى يهربون من المصحة ولكنهم قلة. ولا يبتعدون ~~كثيرا عن المصحة، وإن تمكن بعضهم من العودة إلى منازلهم. ويقول أحد الآباء عام 1920: «كانت ~~مفاجأتنا كبيرة عندما وصل ابننا المسكين صباح اليوم إلى المنزل. وأمام رفضه العنيف للعودة إلى ~~المصحة، وبعد وعوده بالبقاء هادئا، قررنا إبقاءه معنا.» كان هذا هو ما يحدث عادة، بشرط أن ~~تكون المسألة موضع نقاش إذا ما عاد المريض لعادته القديمة. # ومن النادر وجود حالات الاحتجاز غير المبررة لأكثر من أسبوع بقرار طبيب المصحة. فدوافع ~~الاحتجاز مهمة للغاية: «لا يمكننا اعتباره مريضا عقليا، بل بالأحرى متشردا ينقصه تماما ~~أي حس أخلاقي» (1888). «المريض مصاب بضعف عقلي مصحوب بانحرافات غريزية وغياب للحس الأخلاقي، ~~إلا أنه لا يعاني من أي هذيان؛ ومن ثم فمكانه ليس مصحة الأمراض العقلية» (1916). وأحيانا ~~تكون الفروق بين رأي طبيب وآخر هامة جدا؛ فقد يسمح أحدهم بالاحتجاز والآخر لا يسمح. وإذا ~~جرى اتباع القيود الموضحة سابقا، لكان عدد المحتجزين قد قل بصورة مؤكدة. # وأخيرا، ماذا عن «المرضى الذين تم شفاؤهم» و«الذين تحسنت حالاتهم»؟ تحمل هذه الصيغ - ~~التقليدية - قدرا من الغموض وتطرح إشكالية هامة حول معايير الخروج من المصحة. ولنبدأ بالذين ~~شهدت حالاتهم نوعا من التحسن ... فها هو واحد منهم كان يعمل بقالا ويبلغ من العمر ثلاثة ~~وخمسين عاما، ولقد أدخلته عائلته المصحة بإرادتها عام 1821. ثم خرج «لتحسن حالته» بناء على ~~طلب الأسرة ذاتها، وإن ذكر الطبيب الموقع على قرار الخروج الآتي: «أصبحت حالته أهدأ ~~وأفضل، ولكنه قد يصبح مضطربا إذا تعرض لضغط ما.» ولا تبدو الصيغة أكثر وضوحا من تعليق ~~الطبيب، «فالمريض الذي تحسنت حالته» هو أي شيء ولكنه ليس سليما، فهي تعني بالأكثر: إنه أصبح ~~هادئا. # وهكذا، في بون سوفور - وفي باقي المصحات العقلية - تخرج كمية كبيرة من المحتجزين بسرعة ~~نسبيا؛ مما يتعارض مع ms470 فكرة أنه بمجرد احتجاز المريض، فهو يبقى هناك للأبد. ويلقي المنشور ~~السنوي الوزاري بتاريخ العاشر من نوفمبر 1906 - الموقع من جورج كليمنصو رئيس مجلس الوزراء ~~ووزير الداخلية - الضوء على هذه المسألة الهامة. فالأمر لا يقتصر على اكتظاظ المصحات بالمرضى، ~~بل على «تخفيف التكدس فيها»: «تعاني غالبية المصحات العقلية في الأقاليم من تكدس فاضح [...] ومن ~~ثم يجب فورا إخراج كل من لم يعودوا في حاجة للبقاء فيها أو من لا يوجد داع لإقامتهم هناك. ~~من يستطيعون الخروج هم المرضى الذين لم ينالوا شفاءهم بالكامل، ولكنهم ليسوا في حاجة لعناية ~~خاصة [...] أما من يجب ألا يكونوا في المصحة أصلا فنوعان: المرضى الذين تم شفاؤهم، ولا يزالون ~~صغارا نسبيا في السن، واليوم يكون هناك دائما استعداد لإخراجهم بشرط توافر معلومة عما ~~سيئول إليه حالهم. والنوع الآخر - الذي لا مبرر لإبقائه في المصحة - هم كبار السن من الرجال ~~والنساء الذين يعانون من تدهور حالتهم العقلية، ولكنهم ليسوا مجانين أو مرضى اعتلال عقلي ~~بمعنى الكلمة، ولا تستدعي حالاتهم أي رعاية طبية خاصة، من ثم يكون مكانهم دور المسنين وسط ~~المسنين الفقراء غير المؤذين مثلهم.» وعلى الرغم من قلة شهرته وقلة العمل به (مثله مثل ~~الباقين)، يعد هذا المنشور هاما للغاية؛ لكونه يوضح ثانية أن الأمر لا يتعلق بتكدس المصحات ~~وإنما بإخلائها على الأقل جزئيا. # ومن حينها، أصبح هناك وعي أكثر بمنطق خروج المرضى، ليس فقط «من تحسنت حالتهم»، بل وأيضا ~~«الذين نالوا الشفاء». ولكن من هو «المريض الذي نال الشفاء»؟ ازدادت مصطلحات مثل «مريض شفي ~~ولكن تحت التجربة»، و«مريض من المفترض أنه شفي»، و«مريض شفي ظاهريا، ولا يبدو خطرا ويمكن ~~إخراجه من المصحة دون أضرار»، وإن اشتملت على بعض التناقضات في الألفاظ. وعلى سبيل الدعابة، ~~نذكر هذا التعليق: «مريض شفي مؤقتا.» باختصار، لا يكون المريض الذي أعلن «شفاؤه» أفضل ~~كثيرا من ذاك الذي «تحسنت حالته». والأمثلة كثيرة؛ فها هو طالب في المدرسة اللاهوتية ذو خمسة ~~وعشرين عاما ومحتجز منذ الثالث من أكتوبر 1925 لإصابته ب ms471 «هوس حاد». وفي اليوم الخامس من ~~الشهر ذاته، شخصت حالته على النحو التالي: «هوس حاد مصحوب بهياج شديد ومتقطع.» في التاسع ~~عشر من الشهر، بدأ يتحسن. وفي العشرين من الشهر ذاته، أعلن أنه ليس فقط يتحسن، وإنما شفي، ~~وخرج في اليوم نفسه. ومرة أخرى، تتكاثر الحالات من هذا النوع. فها هي مثلا حالة هوس حاد لدى ~~امرأة في السادسة والأربعين، تعاني من انتكاس لمرضها. كانت قد دخلت المصحة في الثامن من مارس ~~1924 وهي تعاني من «أفكار اضطهاد وحالة من الهياج والغضب والتهديد.» في الرابع والعشرين، ~~شخصت حالتها بالهوس الحاد. وبحلول اليوم السابع والعشرين من الشهر نفسه، تقرر خروجها ~~«لشفائها». حدث الأمر ذاته مع هذه المريضة بالاكتئاب السوداوي والتي خرجت من المصحة لشفائها ~~في أقل من شهر، ومع هذا المريض ذي الميول الانتحارية الذي دخل المصحة في شهر أكتوبر ليخرج في ~~نوفمبر. أو ذاك المريض الذي لا يفكر إلا في «عدم الكلام عن اختراعاته»، ومع ذلك يتقرر خروجه. ~~أو هذا المريض الذي يطلب عملا، فيطلب كبير الأطباء خروجه. وتلخص إحدى الشهادات - من بين أخرى ~~كثيرة - المقصود ب «المريض الذي يخرج لشفائه»: فقد جرى احتجاز هذا المزارع ذي الخمسة ~~والأربعين عاما في أغسطس 1881 بسبب نوبات هياج خطيرة انتابته، وأيضا بسبب عدم الإدراك (فلم ~~يعد يعرف من هو)، بالإضافة إلى هلاوس ثراء. وبعد ستة أشهر، لم تكن هناك إلا ملاحظة واحدة: إنه ~~هادئ. وبعد شهر آخر ونصف شهر، كان قد شفي وخرج من المصحة: «إنه في حالة من الهدوء الدائم ~~تسمح بإخراجه، صحيح أن نسبة ذكائه ضعيفة، ولكن لم يصدر عنه أي سلوك طوال فترة بقائه في المصحة ~~يحملني على الاعتقاد بأنه خطر ...» # وفيما يتعلق بنسبة الوفيات في المصحة العقلية، فهي تتمثل في هذه النسبة المرعبة: 53,1٪ من ~~عدد من دخل من المرضى. صحيح أنه - إذا أردنا النظر إلى نصف الكوب المملوء أو الفارغ - يمكننا ~~القول بأن نصف عدد المحتجزين يخرجون (أيا كانت حالتهم)، ولكن دائما ما تزيد احتمالية ~~الخروج من ms472 المصحة بسبب الوفاة عن الخروج منها على قيد الحياة. ويوضح الحوار الذي أجري عام ~~1974 مع الطبيب لومارشاند - البالغ من العمر مائة ~~وثلاثة أعوام، والمتدرب بمصحة فيلجويف منذ عام 1898: # المحاور ~~: # إذن، ماذا عن «مصابي الشلل العام»؟ أكان هناك علاج محدد لهم عام 1900؟ # الطبيب لومارشاند ~~: # لا. # المحاور ~~: # أكنتم تكتفون باحتجازهم؟ # الطبيب لومارشاند ~~: # كنا ننتظر موتهم. # وتعد نسبة الوفيات المسجلة في مصحة بون سوفور أقل بكثير منها في باقي المصحات العقلية. ~~وتزيد نسبة الوفيات في الرجال عنها لدى النساء (54,20٪ في مقابل 51,85٪)، ويزيد الفرق في أقل ~~من عام. ولكن ما هو سبب الموت داخل المصحة؟ أي شيء - كما في الخارج - وخاصة الدرن. فربما توجد ~~حالات وفاة لأسباب خاصة، مثل «حالات الوهن الحادة»، والتي هي السبب الرئيس للوفيات داخل ~~المصحة العقلية، وهي تبدأ بالضعف البدني العام الناتج عن قلة أو رفض الطعام؛ مما يؤدي إلى ~~الهزال الشديد والإسهال المزمن والموت في النهاية. ولم تعد الإصابة بخلل جميع وظائف الجسم ~~مقصورة فقط على المسنين؛ فيكثر الإصابة به في المصحة (وسنتحدث عن هذا الأمر لاحقا فيما يتعلق ~~بزيادة نسبة الوفيات وقت الحرب العالمية الثانية). لدى النساء - اللاتي تزيد فترات إقامتهن في ~~المصحة - يموت 62,50٪ منهن نتيجة الإصابة بخلل في جميع وظائف الجسم فوق عمر الستين، في مقابل ~~37,50٪ منهن يمتن قبل الستين. أما الرجال، الذين يكونون أكثر ضعفا داخل المصحة، فتكون ~~النسبة معكوسة؛ حيث تكون حوالي 43٪ بعد الستين في مقابل 57٪ قبل الستين. فالتقسيم المرضي لمن ~~هم تحت الستين يكون مختلفا - هم ضعاف عقليا أو بله أو مرضى بالصرع أو غالبا بالاكتئاب - ~~بينما من هم فوق الستين، يكونون دائما مصابين بالخرف. وتزيد معدلات «الوهن العام» الذي يسبب ~~الوفاة وفقا لأسباب معينة، ومن بينها نقل المرضى من مصحة إلى أخرى؛ مما يجعل المريض يفقد ~~عاداته والأماكن المعروفة لديه. ويعاني أغلبية المرضى المنقولين أساسا من منطقة السين - ~~غالبا بأعداد كبيرة (أربعين أو خمسين أو أكثر، وصل عددهم إلى مائة وأربعة عام 1890) - من ~~«الوهن العام»، ويموتون خلال بضعة ms473 شهور، بل بضعة أسابيع؛ ولهذا، التصقت بمصحة الأمراض العقلية ~~صورة المكان الذي يحوم حوله الموت. والأمر ذاته يكون مع حالات الاحتجاز المتأخرة، كما في ~~حالات العجائز المصابات بالعته، ولكنهن لسن فقيرات بالضرورة. ففي أغلب الأحيان، تقرر ~~عائلاتهن فجأة أنهم لا يرغبون في وجودهن؛ لأنهن أصبحن «شريرات» ... ومن ثم يدخلونهن المصحة وهن ~~بعمر الثمانين، بل والتسعين. ويمتن خلال أسبوعين. # ومن المثير للدهشة، أن نسبة حالات الانتحار في المصحة قليلة للغاية. فعلى مدار مائة عام، ~~لم ينتحر سوى أربعة وثلاثين رجلا وثلاث وعشرين امرأة (من أصل ثمانية عشر ألفا) محتجزين ~~بمصحة بون سوفور. وأكثر الطرق استخداما هي الشنق (وإلا فما هي الطريقة الأخرى؟) «شنق المريض ~~نفسه في أثناء الليل باستخدام السير المستخدم لتقييده في ملاءة سريره على عارضة إغلاق نافذة ~~مهجع التمريض [!]» (1914). إلا أن لفظ «الانتحار بمصحة الأمراض العقلية» لا يملك بالطبع ~~المعنى نفسه في الحياة «العادية». أيجب أن تتضمن هذه الفئة (نظريا، لاستحالة الأمر عمليا) ~~مجموعة مرضى الاعتلال العقلي - وهم كثر هذه المرة - الذين يمتنعون عن الطعام داخل المصحة بغرض ~~الموت؟ # أمام هذا المشهد، ندرك أن «مصحة الأمراض العقلية، أداة الشفاء» لا تشفي في الحقيقة. وفي ~~عام 1908، يذكر كبير الأطباء بمصحة بيجار (وهي فرع لمصحة بون سوفور مخصص للنساء في السواحل ~~الشمالية) أن «علاج مريضات المنطقة - وجميعهن تقريبا من ذوات الحالات المزمنة - كان يقتصر ~~للأسف على متابعة حالتهن البدنية.» ويؤكد الأمر ذاته هذا الخطاب المتواضع المرسل عام 1917من ~~والدة مريض في الثلاثين من عمره مصاب بالبله ومحتجز منذ ثمانية أشهر. «سيادة المديرة، مرفق ~~لسيادتكم مبلغ مائتين وخمسة وثلاثين فرنكا وعشرة سنتيمات، قيمة إقامة أندريه بي، لست مندهشة ~~من عدم تحسن الحالة العقلية لطفلي المسكين؛ لأنه منذ طفولته وتصرفاته غريبة. كان يلعب بالخيوط ~~طوال اليوم، ويتلذذ بالطعام أحيانا، ولكنه أصبح الآن غريبا مما يقضي عليه.» ولقد مات الشاب ~~بعد ذلك بسبعة أشهر. # من الناحية الطبية، كيف تكون الفترة ما بين ~~الدخول، والخروج أو الموت؟ وتتوالى الملاحظات والتشخيصات شهريا في السجلات القانونية، وإن ms474 ~~كانت تتركز أساسا على بداية الاحتجاز، ولا تتغير إلا في حالة حدوث تغيير ملحوظ. فالإقامات ~~ذات المدد الطويلة عادة ما تتضمن فترات طويلة من «الصمت» ما بين الدخول - أو على الأقل السنة ~~الأولى - وبين الملاحظات الأخيرة التي تسبق الخروج أو الوفاة. # ولا تهتم الملاحظات إلا بتدوين السلوك غير الطبيعي أو السلوك السلبي المخالف لما يجب أن ~~يكون عليه المريض عقليا النموذجي، ويتلخص في الآتي: «هادئ ومطيع، يعمل بجد وينام ويأكل ~~جيدا.» وتشير 37٪ من الملاحظات إلى حالات الهياج المستمرة أو النوبات بجميع أشكالها: «نوبات ~~الاستثارة أو النشوة أو الاضطراب أو التمرد أو الوقاحة أو الكلام أو الإزعاج.» ويضاف إليها ~~«نوبات الشر»: «الغضب والاندفاع وتمزيق الملابس وضرب من حوله والعنف والانتحار.» لكن، يجب ~~ألا تعطي هذه الملاحظات صورة دائمة عن اضطراب المكان. ففي حوالي 32٪ من الملاحظات نجد حالات ~~الانهيار بكافة صورها: «الضعف البدني والفكري واللامبالاة والبطالة والخمول والذهول والفتور ~~والبلاهة وحالات الخوف والحزن والبكاء والفزع والقلق»، إلخ. ويشتمل جزء كبير من الملاحظات ~~(35٪) على تعبيرات تحمل طابع الطب النفسي: «تفكك الأفكار أو العبارات، عدم القدرة على التعرف ~~على نفسه، الصمت، الهلاوس (خاصة السمعية)، أفكار الاضطهاد والذنب واللعنة والتسمم والإفلاس»، ~~إلخ. وأمام هذه الفئة الكبرى الأولى من الملاحظات، توجد فئة أخرى - ولكن بنسب أقل - تشير إلى ~~حالات التحسن المحتملة: فتأتي ألفاظ مثل «أفضل» و«هادئ» بعد «انخفاض حدة الهياج» أو «المريض ~~يعمل.» مثل هذه الملاحظات إنما تمهد الطريق للخروج. # وبالإضافة إلى قدم الملاحظات، يأتي قدم وسائل التشخيص. بالطبع، تختلف أنظمة تصنيف ~~الأمراض قليلا من طبيب إلى آخر (ويعد هذا الأمر من خصوصيات الطب النفسي بالمقارنة مع باقي ~~فروع الطب)، ولكن ليس بصورة قاطعة. فجميعهم يشتركون في تصنيف انتقائي للأمراض، يقدم ملخصا ~~عمليا لمختلف التصنيفات الرسمية (ونذكر الرئيسين منهم: إسكيرول وجورجيه وبارشاب وفالريه ~~وبايارجيه وموريل). ويعد هذا دليلا آخر على الفجوة الدائمة - في فرنسا بالأخص - بين النظرية ~~(النظريات) والتطبيق العملي في المصحات. في عام 1869، ينعى لودجر لونييه «غياب التوحيد في ~~طريقة وقواعد الأطباء في مصحات الأمراض ms475 العقلية؛ مما يعد عقبة أمام محاولة مقارنة الأرقام ~~التي يقدمونها.» والأشد طرافة أنه يمكن اكتشاف أن بارشاب أو موريل لم يكونا يستخدمان أبدا ~~تقسيماتهما النظرية الخاصة (وهي شديدة التعقيد) في الممارسات اليومية في مصحتيهما. # يمكننا الحديث إلى حد ما عما يشبه التصنيف الفعلي الذي يختلف من طبيب إلى آخر ومن مصحة ~~إلى أخرى، ولكنه يبقى ثابتا بشكل عام، وفيه نجد: ~~الهوس والهوس الأحادي والكآبة المرضية المزمنة ~~والهذيان والخبل والضعف العقلي والشلل العام والعته والبله والصرع وإدمان الخمور ... ولكن كيف ~~يتوزع هذا التصنيف «العام» في بون سوفور ما بين 1838 و1925؟ على رأس التشخيصات بنسبة 18,5٪، ~~تأتي الإصابة ب «الهوس» وكافة ملحقاتها: هوس حاد (واحد من كل خمسة) وهوس قديم وهوس مصحوب ~~بهياج وهوس متقطع وهوس مستمر وهوس مزمن وهوس اكتئابي وهوس متعلق بالنفاس، إلخ. ولكن كلما تقدم ~~الوقت، أصبح المصطلح بائدا، وإن كنا نراه حتى عام 1925، بل وحتى قبل الحرب العالمية الثانية، ~~في حين أنه اختفى تماما منذ زمن من الوثائق النظرية. فدائما ما يقصد به الهوس القديم الذي ~~تحدث عنه بينيل ومن قبله القدماء. وعلى العكس، لا يظهر لفظ «الهوس الأحادي» إلا ~~نادرا. # وبسبب تحول مرضى الاعتلال العقلي إلى مرضى مزمنين؛ تزيد نسبة «العته» إلى 18٪، وغالبا ما ~~يقصد به العته الذي يصيب المسنين بكافة درجاته، ومن جديد يؤثر نوع السلوك على التصنيف: خرف أو ~~هياج أو شر ... (ونرى عادة في تعليقات الطبيب هذه الملحوظة الغريبة ولا سيما لدى النساء: «إنها ~~أشر من أن تكون مريضة عقليا».) وعلى مدار الأعوام، انتشرت تعبيرات مثل «ميل إلى الخبل»، «في ~~طريقه للخبل»، «هوس (أو اكتئاب) يتحول إلى خبل.» أما اللفظ الطبي «الخبل المبكر»، فلم يكن ~~يظهر إلا في 1,2٪ من التشخيصات. # ويشكل «الهذيان» (17,5٪) ثالث أكبر فئة في التشخيص. وبعيدا عن التفرقة التقليدية بين ~~الهذيان الحاد والمزمن والمستمر (أو حتى بين هادئ ومهتاج)، يكون ما يقرب من نصف هذه الهلاوس ~~المتنوعة يتعلق بأفكار الاضطهاد في مقابل الهذيان الديني أو هذيان أفكار الثراء أو ms476 العظمة، أو ~~حتى «الهذيان العام». ومن قبيل الفضول، نجد أنه من أصل خمسة آلاف ملاحظة، توجد ثلاث حالات من ~~«الهذيان المبهج»؛ مما يدل على أن المجنون لا يكون سعيدا إلا في خياله. من وقت لآخر يظهر لفظ ~~«هلاوس » في التشخيص. # تنقسم 54٪ من التشخيصات بنسب متساوية بين «الهوس» و«العته» و«الهذيان». بينما لا تمثل ~~«السوداوية» - ويضاف إليها «الكآبة المرضية المزمنة» و«الهوس أو الهذيان الاكتئابي» - إلا 12٪ ~~فقط. ثم تقل نسب التشخيص لأقل من 10٪: إدمان الخمور (7,5٪)، و«ضعف العقل والضعف الفكري والوهن ~~العقلي والانحطاط العقلي» (7٪)، والشلل العام (6٪)، والبله والعته ~~(5٪)، والصرع (3,4٪)، و«الاضطراب العقلي» (1,8٪) ... ~~أما الهستيريا (وهناك أيضا «هوس هستيري»)، فتكون بعيدا عن باريس؛ حيث إن الهستيريا لا تمثل ~~إلا (1٪) من التشخيصات، بما فيها ملحقات الصرع. وتكون الإشارة إلى الذهان (0,3٪) والوهن ~~العصبي والوهن النفسي نادرة للغاية ... # يمكن أن تتجمع لدى المريض الواحد أكثر من فئة من هذه الأمراض؛ فمثلا قد يدخل مريض ~~لإصابته ب «الهوس» أو حتى «الكآبة»، ولكنه نظرا لطول مدة بقائه في الاحتجاز، قد تزيد «فرص» ~~إصابته ب «ضعف الوظائف العقلية» أو «الخبل»؛ ومن ثم فيجب عدم اعتبارها إلا في إطار مدى ترددها ~~الدلالي. وتمثل اثنتان من هذه الفئات مشاكل خاصة؛ إحداهما بسبب المبالغة في التقييم، والأخرى ~~على العكس لضعف التقييم. وتختص المبالغة في التقييم بالشلل العام (6٪)؛ أي حوالي ألف وستمائة ~~تشخيص، في حين أن الرقم الفعلي للمرضى بالشلل العام أقل بكثير (ربما عشر مرات أقل من هذا ~~التقدير). ولكن فلنحذر التشخيص بأثر رجعي! ويمكن تفسير هذا التضخم بأن علم الأمصال لم يظهر في ~~مصحة بون سوفور إلا في عام 1918، وأن التحليل التفاعلي لبورديه وفاسرمان لم يتم العمل به إلا ~~في عام 1906. وحتى هذا التاريخ، لم يكن سبب الشلل الرباعي المرتبط بالإصابة بالزهري معروفا ~~في مصحة بون سوفور، في حين أن الأطباء الممارسين خارج المصحة كانوا قد توصلوا إلى إدراكه. ~~فكان كبار الأطباء يرون أنه يرجع إلى «الإفراط في المشروبات الروحية.» في تقرير ورد عام 1899، ~~يفسر طبيب مصحة بيجار حالات الوفاة ms477 السبع عشرة من أصل إحدى وخمسين حالة مصابة بالشلل العام ~~بأنها نتيجة «فرط الإجهاد والحياة النشيطة.» وبدا الشلل العام تشخيصا جامعا وعاما (أكثر ~~من أي مرض آخر)، يقوم فقط على الدلالة. وعلى العكس، أظهر تطبيق تحليل بودريه وفاسرمان - ~~ابتداء من عشرينيات القرن العشرين؛ أي قرب نهاية فترة العينة - وجود كم كبير من الأمصال ~~التي تعالج الزهري (في عام 1921، كانت نسبتهم 26٪ لدى النساء فقط؛ وهو يبدو كثيرا). # 3 # إلا أن الإصابة الأولية بالزهري لا تعني بالضرورة الإصابة بشلل عام. # والفئة الثانية المشكوك فيها - ولكن دون داع هذه المرة؛ حيث إن النسبة فقط 7,5٪ - هي ~~إدمان الخمور النفسي («هوس كحولي» أو «هذيان كحولي»)، إلا أنه يجب دراسة هذه المشكلة الهامة ~~على المستوى الوطني. وسنركز هنا فقط على مسألة إدمان الخمور في فرنسا وآثارها النفسية. ~~«تصاعد الإصابة بالجنون بسبب إدمان الخمور» # سنظل في مصحة بون سوفور؛ حيث تشير التقارير الطبية في نهاية القرن التاسع عشر إلى أن ~~متوسط معدل إدمان الخمور بين المرضى المحتجزين بلغ 25,2٪ بين الرجال من عام 1899 وحتى ~~1908، # 4 # و16,6٪ بين الداخلين في الفترة من 1893 و1898 مع إضافة النساء، وهن أقل عددا ~~نسبيا. # 5 ~~«وإلى هذا الرقم، يجب إضافة الحالات التي يتسبب فيها شرب الخمور في الإصابة ~~بأمراض نفسية أخرى.» بالطبع، تبلغ الأعداد نسبة أكبر من 7,5٪ التي وضعت لتشمل الفترة من 1838 ~~و1925. وقد يرجع ذلك إلى تأخر إدراك الأطباء بمصحة بون سوفور لما يسمى بالمرض العقلي الناتج ~~عن إدمان الخمور، إلى جانب عدم الاهتمام بتسجيل كل الحالات. فبالإضافة إلى من تشخص حالتهم ~~كمدمني خمور، يوجد بالتأكيد كثيرون آخرون «مختفون»؛ إذ إنهم مصنفون في فئات مرضية أخرى: ~~الاضطراب العقلي والهوس (بعيدا حتى عن «الهوس الكحولي») والضلالات والوهن العقلي (بعيدا ~~أيضا عن «كونه نتيجة للإدمان») والانحطاط العقلي والهذيان الحاد والهياج الهوسي والخبل ~~(بعيدا عن «الخبل الناتج عن الإدمان») ... # وفي دراسة أخرى عن مصحة بون سوفور وفي الفترة نفسها (1838-1925)، توصل الدكتور فرانسواز ~~لوكلير من جانبه إلى أن النسبة ms478 قد تصل إلى 8,8٪. إلا أننا لا نزال بعيدين - كما سنرى - عن ~~الإحصاءات القومية. فمن أصل ألف وستمائة وسبعة محتجزين بسبب الإصابة بإدمان الخمور، تكون ~~النسبة 79,5٪ من الرجال و20,5٪ من النساء. ويدخل الرجال المصحة عادة ما بين عمر الثلاثين ~~والأربعين، بينما تدخل النساء ما بين الأربعين والخمسين. وعادة ما يتخذ قرار احتجازهم على ~~إثر حادثة خطيرة. # 6 # ولقد بدأ ظهور المريض المحتجز لإدمان الخمور أو المريض مدمن الخمور (وتكمن المشكلة كلها ~~في أن هناك فرقا بين الاثنين) في فترة مبكرة داخل المصحات (بل وحتى قبل ذلك كما في طلبات ~~الاحتجاز الواردة في خطابات مختومة في عهد النظام القديم). وهكذا، يرى بارشاب - بمصحة سان ~~يون # 7 ~~- أن 18,3٪ من أسباب الاحتجاز في الفترة من 1825 وحتى 1843 ترجع للإصابة بإدمان ~~الخمور. وتشير إحصائية للداخلين في مصحة بيستر إلى تزايد نسبة مدمني الخمور من 12,78٪ عام ~~1855 إلى 25,24٪ عام 1862. # 8 # ومن جانبهما، أشار مانيان وبوشرو أنه - بخصوص مصحة سانت آن عام 1870 - كانت نسبة ~~الداخلين 28,43٪ من بينهم 6,77٪ من مدمني الخمور. وعلى المستوى الوطني هذه المرة، يضم تقرير ~~عام 1874 11,88٪ من المصابين بإدمان الخمور (17,67٪ منهم من الرجال و5,41٪ من النساء). ويشدد ~~التقرير ذاته على أنه لا يزال هناك ضعف في تقدير العدد على الرغم من أن النسبة بلغت 8٪. ~~«غالبا ما تنقصنا البيانات، وفي بعض الأحيان لا نبحث عنها بالانتباه الكافي في بعض ~~المؤسسات.» # رأينا أيضا كيف جعل الطب النفسي النظري من إدمان الخمور أحد مجالاته الجديدة. فأصبحت ~~البحوث العلمية الكبرى والمجلات الشهيرة - مثل الجريدة السنوية للطب والطب النفسي - تخصص له ~~مقالات عديدة. # 9 # إلا أن إدمان الخمور لم يؤخذ فعليا على محمل الجد إلا في الثلث الأخير من ~~القرن التاسع عشر، ولا سيما بعد تقرير السيناتور نيكولا كلود، الذي قدمه لمجلس الشيوخ عام ~~1887. # 10 # كان مجلس الشيوخ قد أمر بالفعل بعمل تحقيقين حول إدمان الخمور عام 1849 وعام ~~1880، ولكن هذه المرة انصب الاهتمام بشكل خاص على «المرض ms479 العقلي الناتج عن إدمان الخمور». ~~كانت هذه هي الجزئية الأطول من هذا التقرير المسهب، وإن كان لا يأخذ في الحسبان إلا المصحات ~~الخاصة بالأقاليم (أي النصف). وفيما يسميه كلود «دي فوج» على سبيل الاقتراح «تصاعد الإصابة ~~بالجنون الناتج عن إدمان الخمور»، لا يتم التشديد على زيادة متوسط الإصابة على المستوى الوطني ~~(من 8 إلى 9٪ عام 1861 حتى 16٪ عام 1885)، وإنما على الفروق العميقة بين المناطق. ففي شمال ~~فرنسا، توجد مصحة كاتر مار للأمراض العقلية (مخصصة للرجال) في جنوب السين، تضم 40,34٪ من ~~حالات الاحتجاز لإدمان الخمور. وفي وسط فرنسا، نجد النسب أقل وتصل لحوالي 5٪. وكأنها مقارنة ~~بين الأماكن المعروفة بجودة الخمور وتلك التي لا تمتلك نوعية خمور جيدة ... «نعتقد أنه يجب ~~تجريم رداءة نوعية الخمور [...] فأنواع النبيذ الجيدة وخمر التفاح والجعة غير المغشوشة لا تتسبب ~~في إدمان الخمور.» ولقد ظلت هذه الفكرة الجامدة - التي دافع عنها بقوة نواب وأعضاء مجلس ~~الشيوخ في المناطق المعروفة بزراعة الكروم - ثابتة. ولقد ذهب تقرير كلود إلى التأكيد على ~~الآثار الجيدة «لخمر العنب الذي يتسبب في سكر غير مؤذ تزول آثاره سريعا.» وبغض النظر عن ~~هذا الوهم المحبب، هناك تأكيد لتكرار حالات الانتكاس، الناتجة عن قصر فترة الاحتجاز بالنسبة ~~للمرضى مدمني الخمور. # كانت تلك هي المشكلة الكبرى. ففي مصحة بون ~~سوفور، من بين المرضى الرجال المحتجزين لإدمانهم الخمور خرج 46٪ قبل ستة أشهر (و78٪ قبل مرور ~~عام)، أما النساء - اللاتي يمكثن فترة أطول داخل المصحة أيا كانت إصابتهن - فخرج 62٪ منهن ~~في أقل من عام. # 11 # وتوضح ملاحظة بتاريخ 1875 الكثير عن هذا الأمر: «يجب عدم اعتبار هذا الشاب المصاب ~~بإدمان الخمور مريضا عقليا بالمعنى الدقيق. فقضاء بضعة أيام دون تعاطي خمور مع بعض الراحة ~~سيعيدانه إلى حالته، وسيتمكن من مزاولة خدمته (العسكرية).» وتكثر الملاحظات من هذا النوع: ~~«سيسترد قدراته كاملة بعد ثمان وأربعين ساعة من الراحة والامتناع عن الشرب. ولا نظن أن هناك ~~أي داع لمد إقامته» (1880). هذا بالإضافة إلى حالات إدمان الخمور غير الملحوظة؛ لأن النوبة ms480 ~~كانت قد مرت بالفعل؛ مما يجعلها تندرج تحت بند «نوبة هوس». وبالطبع لا ينخدع الأطباء تماما ~~بهذه الأوهام: «يخرج المريض لشفائه، حتى حدوث أزمات جديدة بسبب نوبة هوس أخرى.» في عام 1907، ~~سجلت مصحة بون سوفور ثلاثا وتسعين حالة خروج لدى الرجال من بينها خمس وثلاثون من مدمني ~~الخمور. وكان كبير الأطباء أول المستاءين: «من الواضح أن شاربي الخمور الذين يصابون بالهذيان ~~للمرة الأولى أو الثانية يشفون بسهولة، ولكن تكمن المأساة في أنهم بمجرد خروجهم يصابون ~~بانتكاسة قد تكون حتمية، وبعد عدة انتكاسات يتحولون إلى مرضى ميئوس من شفائهم. وعلاج هذا ~~الأمر يكون بإبقائهم في المصحة لفترة كافية؛ ليس لكي يتخلصوا فقط من هلاوسهم، وإنما من عادة ~~الشرب نفسها، إلا أن القانون لا يسمح بتمديد فترة إقامة واحتجاز المريض بمجرد زوال أعراض ~~الاضطراب العقلي.» ولقد بلغ الأمر أوجه مع هذا القاتل الذي قتل عشيقته تحت تأثير الخمر، ~~وحكم عليه بالمؤبد. ولكن في غضون ثمانية أعوام، أطلق سراحه وهو في عمر الثانية والأربعين. ~~وسرعان ما خرج، حتى ألقي القبض عليه ثانية بسبب السكر والقيام بأفعال فاضحة في الطريق ~~العام. واحتجز بمصحة بون سوفور في الثامن عشر من يونيو 1903، قبل أن يخرج بعد إعلان شفائه ~~في الثلاثين من يوليو؛ أي بعد أقل من ستة أسابيع من الاحتجاز. # ما يتطلب الاحتجاز كان «الهذيان الناتج عن إدمان الخمور» وليس الإدمان في حد ذاته. في عام ~~1902، كتب إدوارد تولوز - كبير الأطباء بمصحة فيلجويف ورائد فكرة الخدمة المفتوحة كما رأينا - ~~في «مجلة الطب النفسي»: «يعد احتجاز مدمن الخمور في المصحة بعد زوال أعراض الاضطراب العقلي ~~الحادة من أكثر المسائل التي توجب على الأطباء التعامل معها بحساسية. فإذا أصدر شهادة لإطلاق ~~سراح المريض، فقد يعجل بخروجه؛ ومن ثم تعرضه للانتكاس، وإذا لم يخرجه وقرر إبقاءه، يكون الوضع ~~متعارضا مع الأحكام العامة لقانون عام 1838.» ويدرك مدمنو الخمور المحتجزون هذا الأمر جيدا، ~~مثل هذا المريض ذي السبعة والثلاثين عاما، الذي كتب في أكتوبر 1910 إلى عمته أثناء فترة ~~احتجازه منذ ms481 سبعة أشهر بعد أن نقل من السجن إلى المصحة: «إذا عوقب كل من ثمل، فسيكون لدينا ~~الكثير من المعذبين.» # وفي سبيل سد هذه الفجوة الإدارية، تمنى الكثير من أطباء الأمراض العقلية إنشاء مصحات ~~للأمراض العقلية مخصصة لعلاج إدمان الخمور، مثل مصحة إليكون بالقرب من زيورخ، التي أنشئت بناء ~~على مبادرة من أوجست فوريل، شديد الاهتمام بمقاومة هذا الإدمان (وهي تعرف الآن بعيادة فوريل). ~~«يجب الاعتراف بهذا الأمر، فمدمن الخمور يجب ألا يخضع لإعادة التأهيل النفسي والأخلاقي داخل ~~مؤسسة للمرضى عقليا: فالطبيب - الذي تشغله الحالات الخطيرة التي يجد لها بالكاد وقتا ~~لدراستها - لن يكون لديه الوقت ولا المواد المادية والمعنوية اللازمة للشروع في عملية شديدة ~~الحساسية مثل إعادة تأهيل مدمن للخمور. وبالتالي، يخرج المريض من المصحة - كما كان في السابق ~~- بالعادات والإفراط نفسه، ليعود ثانية بإصابة أبلغ؛ مما يقلل فرص شفائه. إن هذا الاحتجاز ~~المتكرر يعتبر في نظر المجتمع إجراء نافعا وحمائيا؛ لأنه يجعله بمأمن من أعمال مدمن ~~الخمور المهلوس الخطيرة، ولكن من ناحية فعالية هذا الإجراء في القضاء على الرغبة في الشرب، ~~فإنها فعالية وهمية؛ فهو في الحقيقة مجرد اعتقال للمدمن لكونه مريضا عقليا خطيرا، ولكن ~~ليس علاجا لمرضه.» # 12 # فإذا كانت هناك مؤسسات صغيرة (من أربعين إلى خمسين مريضا) في الريف مخصصة لإقامات طويلة ~~وبها نظام عمل منتظم - زراعي على وجه الخصوص - فسيكون هذا بالفعل علاجا لإدمان الخمور وليس ~~مجرد احتجاز وعزل الجنون الناتج عنه. في عام 1894، طالب فالنتين مانيان وبول لوجرين بإنشاء ~~سبع مصحات متخصصة في فرنسا على غرار تلك الموجودة في ألمانيا وسويسرا والنمسا والولايات ~~المتحدة الأمريكية. كان هذا الأمر يتطلب وسائل وتشريعات جديدة. ولقد تمخضت هذه المشروعات عن ~~لا شيء، فلم تنشأ إلا هيئة واحدة مخصصة لخدمة مدمني الخمور داخل مصحة الأمراض العقلية بمدينة ~~إفرار. وتبين لنا صورة فوتوغرافية من ذلك العصر صالة الطعام بها؛ حيث نجد الممرضين واقفين ~~بصلابة - فلا نميز بين هذا المشهد وبين مصحات للأمراض العقلية التقليدية - وعلى روافد السقف ~~نجد عبارات عملاقة ms482 مثل: «الكحول يفقد العقل ويدعو للشر»، «امتنعوا عن السكر وكونوا ~~مستقلين.» # خلال العشرينيات والثلاثينيات من القرن ~~العشرين، تغيرت خريطة توزيع نسب إدمان الخمور المرضي (أو إدمان الخمور فقط) بوضوح في الغرب؛ ~~فمنطقة نورماندي بدأت تنازع بريتاني على الصدارة. فما أكثر الكتب الصحية والوقائية ضد إدمان ~~الخمور التي كانت تذكر نورماندي على أنها المثال الذي يجب ألا نحتذي به: «يخلق إدمان الخمور ~~سلالة خاصة ويبدو كل أعضائها متشابهين. ففي القرى الصناعية بروان، نجد أن الجميع يتشابهون. ~~فاحذروا أن تظنوا أن هذا هو النموذج النورماندي! لا، إنه نموذج مدمن الخمر!» # 13 # ويعكس ازدياد عدد حالات الاحتجاز للجنون الناتج عن إدمان الخمور (مثل حالات إدمان ~~الخمور في المصحات وأمام المحاكم) مدى زيادة الميل للخمور لدى الشعب. وفي الوقت ذاته، تسببت ~~الحملة ضد إدمان الخمور في تضخم في التشخيص دعمته نظريات الانحطاط العقلي التي كانت في ~~أوجها. وفي خطاب أرسله عام 1886، يكتب لوجرين - كبير الأطباء بالخدمة الخاصة بمدمني الخمور ~~في مصحة إفرار والعضو المؤسس للاتحاد الفرنسي لمكافحة إدمان الخمور: «إن مدمني الخمور إنما هم ~~مرضى بالانحطاط النفسي.» # 14 # ولقد لاحظ المشرع هذا المزج بين إدمان الخمور كسبب رئيس في الاحتجاز وكونه عاملا مساعدا ~~بسيطا، في تحقيق عام 1907 الذي أجراه وزير الداخلية حول «أهمية الدور الذي يلعبه الخمر ~~والمشروبات الكحولية في التسبب في الجنون» (كنا بعيدين عن إدراك باقي المواد التي تحتوي على # C # 2 # H # 5 # OH ~~(الإيثانول) بما فيها النبيذ)، وطلب من مديري المصحات العكوف على التمييز بين ثلاث مجموعات: ~~(أ) إدمان الخمور البسيط (اضطراب عقلي وهذيان مصحوب بضلالات وصرع وضعف في القدرات والشلل ~~العام، إلخ)؛ حيث ثبت أن التسمم الكحولي هو السبب الحصري لهذه الاضطرابات العقلية. (ب) إدمان ~~الخمور الذي يزيد من تعقيده الإصابة بالانحطاط أو الوهن العقلي أو الوراثة. (ج) وجود أجداد ~~مدمني خمور. # وبعد كل هذا، ظل المرضى مدمنو الخمور - سواء أكانوا ذوي الحالات النفسية المرضية أم لا - ~~طوال القرن العشرين يتكدسون في مصحات الأمراض العقلية، باستثناء حالات «كمون ms483 المرض أو ~~الإقلاع» التي حدثت خلال الحربين العالميتين. ولقد ظل الأطباء النفسيون في المصحات يتساهلون ~~مع وجود هؤلاء المدمنين تحت رعايتهم، دون اعتبارهم في حاجة للطب النفسي. فإدمان الخمور شديد ~~التحول هذا سيختفي - على نحو مفارق - وراء وجوده الكلي، تاركا المبالغة و«الجنون الناتج عن ~~الكحوليات» (د. جان إيف سيمون) وصولا إلى الابتذال. # 15 # في التقرير الذي قمنا به عام 1983 حول موضوع «إدمان الكحول والطب النفسي» لصالح ~~اللجنة العليا لدراسة وجمع بيانات حول إدمان الخمور، # 16 # توصل الأستاذ هنري برنارد إلى الآتي: «يبدو إدمان الخمور من دون وجه ولا صوت ؛ فهو ~~يندمج في المشهد الكبير ككل، فاقدا عمقه كمجال خاص، ويشارك في رمادية الأشياء، ولا يستدعي ~~اهتماما مباشرا خاصا. وعلاوة على ذلك، ألا يعتبره الطب - مهما ازداد اهتمامه به - أمرا ~~إضافيا لا نفعل الكثير حياله؟ ألا يستخدمه كسبب خارجي غامض لأمراض كثيرة، عندما ظهر علم ~~تتبع سبب المرض ليحل محل علم نشأة الأمراض؟ الأمر مشابه في مجال الطب النفسي بشكل عام. فمكانة ~~إدمان الخمور في مجالات الدراسة والبحث وأدب التخصص لا تتناسب أبدا مع مكانته داخل خدمات ~~المصحات، وكأن باقي مجالات علم النفس الطبي كانت هي وحدها الجديرة بالتقدير والدراسة. ~~فالمناقشات الطويلة الفارغة حول انتماء إدمان الخمور من عدمه لمجال الطب النفسي - في الوقت ~~الذي كان فيه مدمنو الخمور موجودين بالفعل في مصحات للأمراض العقلية - إنما يدل قبل كل شيء ~~على عجز كبير. باختصار، يمكن القول بأنه إذا كان مدمن الخمور يحول إدمانه إلى أمر عادي، فإن ~~الطب النفسي يزيد من هذا الأمر!» # 17 # الفصل الثاني # | القرن الجديد # كان للتقلبات الجذرية التي شهدها الجزء الأول من القرن العشرين - بدءا بالحربين العالميتين ~~والثورة البلشفية - أثر كبير على حركة التفكير، بل وعلى الحالة النفسية والمشاعر العامة، بما ~~في ذلك تاريخ الجنون والطب النفسي؛ والذي بدأ منذ ذلك الحين التمييز بينهما بوضوح. فبعد القرن ~~التاسع عشر الطويل المليء باليقين والإيمان في التقدم والمستقبل، جاء قرن الشكوك والتساؤلات ~~بكافة أنواعها. فترك الشعراء - أول من ms484 تركوا - تصوير عالم مطمئن، كما كتب جول سوبرفييل قبلا: ~~«لا تمس كتف/الفارس الذي يعبر/لئلا يلتفت/ويحل الظلام»، للتعبير عن عالم آخر يخيم عليه شبح ~~العدم مهددا وجوده. # الحرب العالمية الأولى والحركة السريالية # تمثل الحرب العالمية الأولى منعطفا حاسما في تاريخ الطب النفسي. فعلى عكس «ذهان الحرب» ~~أو «تفاعل كرب القتال»، بدت الحرب للبعض كأنها هي الجنون في ذاتها، بل هي الجنون نفسه. كان ~~أندريه بروتون - قبل تجنيده في الجيش - يعمل كطبيب متدرب. وبعد تنقلات عدة بين مشاف مختلفة، ~~استقر به الأمر في مشفى «فال دي جراس» العسكري. ومن أكثر الحالات تفردا التي جذبت انتباهه، ~~كانت حالة تشبه ذهان الحرب، ولكن معكوسة، لجندي أودع المصحة ليس لشجاعته غير المألوفة، ~~وإنما للدافع وراء كونه شجاعا؛ # 1 # فقد كان مقتنعا بأن الحرب ليست سوى خيال كبير، وأن القذائف لن تؤذيه، وأن ~~الإصابات التي يراها ليست سوى مكياج. وفكرة المحاكاة (بما فيها «المحاكاة الإرادية» ~~التي يسببها المرضى العصبيون على حد قول بابينسكي) ~~لا تتعلق بالباثولوجيا العقلية، وإنما بالحرب ذاتها. «لديه حالة من الفكاهة السوداوية وهذيان ~~بالطبع، يصاحبهما شعور بالدهشة والمفاجئة، يبدو كمشهد سريالي في الحقيقة.» # 2 # كان الرفض للحرب وللحضارة التي تسببت فيها قد أدى إلى ظهور حركة الدادية (عام 1916 ~~بزيورخ). وانضم إليها أندريه بروتون - المطلع على أعمال فرويد ولوتريامون - ولكن صداقته ~~وتفكيره المشترك مع إليوار وأراجون وسوبو قاداه إلى آفاق جديدة. «منذ كتابة مراجعه الأولى، ~~وهو يرى أن السريالية تنمو في أرض الطب النفسي لتظهر عجائب اللاوعي.» # 3 # في «بيان السريالية» الأول (1924)، يعرف بروتون المصطلح: «حركة لاإرادية نفسية ~~بحتة، نستخدمها للتعبير [...] عن العمل الحقيقي للفكر. فالفكر هو من ينظمها، في غياب أي سيطرة ~~من العقل، وخارج أي اهتمامات جمالية أو أخلاقية.» في عام 1925، كتب روبرت ديزنوس - الذي انضم ~~إلى مجموعة السرياليين - في مجلة «الثورة السريالية» ~~- التي تأسست عام 1924 - مقالا يهاجم فيه بقسوة الأطباء النفسيين: «أيها السادة، أعطتكم ~~قوانين العادة الحق في قياس العقل [...] دعونا نضحك [...] نحن لا نهدف هنا إلى مناقشة قيمة ms485 علمكم، ~~أو الوجود المشكوك فيه للأمراض العقلية. ولكن من بين مئات الأمراض المدعاة التي تضطرب فيها ~~المادة والفكر، ومن بين مئات التصنيفات التي لا يزال مستخدما أكثرها غموضا، كم هو عدد ~~المحاولات النبيلة التي قمتم بها للاقتراب من عالم المرضى الذين تعتبرونهم سجناء؟ [...] نحن ~~نحتج على الحق المعطى لبعض البشر - سواء كانوا محدودي الفكر أم لا - في عقاب آخرين بالحبس ~~المؤبد بناء على أبحاثهم في مجال التفكير. وأي حبس! ونعلم - ليس بالقدر الكافي - أن مصحات ~~الأمراض العقلية - قبل أن تكون مصحات - إنما هي سجون مخيفة. نحن لا نقبل أن يعيق أحد التطور ~~الحر لأي هذيان شرعي ومنطقي مثله مثل أي سلسلة من الأفكار أو الأفعال البشرية [...] فالمجانين ~~هم ضحايا فردية للديكتاتورية الاجتماعية [...] أتستطيع سيادتك أن تتذكر صباح غد وقت الزيارة متى ~~ستقرر أن تتحاور مع هؤلاء الرجال الذين لا تمتاز عنهم بشيء إلا السلطة؟ ولنعترف بذلك.» # ويضيف بروتون: «في رأيي، كل حالات الاحتجاز تعسفية [...] أعلم أنه إذا كنت مجنونا ومحتجزا ~~منذ عدة أيام، فسأنتهز أي فرصة هدوء لأقتل بدم بارد أي شخص - يقع بين يدي وخاصة الطبيب. على ~~الأقل، سأفوز بالحصول على غرفة منفصلة خاصة بي مثل المرضى المصابين بالهياج.» استشاط أطباء ~~الأمراض العقلية غضبا. ويشبه بيير جانيه الأدب السريالي ب «اعترافات أناس مصابين بالهوس.» ~~ويجيب بروتون: «نحن نشرف لكوننا أول من قرر الترفع عما لا يحتمل؛ ورفض الاستغلال ~~المتنامي لبعض الأشخاص لسلطتهم، هؤلاء الأشخاص نراهم أقرب للسجانين منهم إلى الأطباء» (الطب ~~العقلي في مواجهة السريالية). وفيما يخص مصحة الأمراض العقلية نفسها، كتب بروتون في «نادجا»: ~~«ليس هناك داع لدخول مصحة للأمراض العقلية للتأكد من أنه ليس سوى مصنع للمجانين، كما أن ~~الإصلاحيات هي مصانع للسارقين.» ومن جانبه، كتب أنطوان أرتو - الذي انضم لفترة إلى المجموعة ~~السريالية: «لأن المجنون ليس سوى رجل رفض المجتمع أن يستمع إليه، بل وأراد أن يمنعه من البوح ~~بحقائق لا تحتمل.» في عام 1928 - عام ظهور رواية «نادجا» - احتفل السرياليون بحماس بالعام ~~الخمسين لاكتشاف الهستيريا ms486 «أكبر اكتشاف شعري في نهاية القرن التاسع عشر.» «فالهستيريا ليست ~~ظاهرة طبية، ويمكن - بجميع الأحوال - اعتبارها وسيلة سامية للتعبير» (أراجون وبروتون - ~~«الثورة السريالية» - الخامس عشر من مارس 1928). # وفي المقابل، أظهر السرياليون اهتماما واسعا بالتحليل النفسي، متخذين موقفا مزدوجا ~~تجاه فرويد، الذي كان يحاول في البداية بأدب، ثم بطريقة جذرية، أن يبتعد عنهم. «وفقا لفرويد، ~~الحلم يتنبأ بالماضي، وليس بالمستقبل.» # 4 ~~«فن الأمراض النفسية» ومجانين الأدب # بدا في هذا العصر وكأن الجنون لا بد من أن يخرج من عزلته كمرض عقلي. فلم يكن ينقص إلا أن ~~يفسح له الفن مكانا صغيرا أيضا. كان الأمر يتطلب لتحقيق ذلك أن يصبح الطبيب النفسي ~~الألماني بالمستشفى الجامعي بهايدلبرج - هانز برينزهورن (1886-1933) - مؤرخا في الوقت ذاته ~~لحركة الفن. منذ زمن طويل، ومرضى الاعتلال العقلي يرسمون ويلونون، إلا أن برينزهورن شعر ~~بانجذاب في الفترة من 1919 إلى 1921 لهذا الموضوع، وجمع ما يقرب من خمسة آلاف «تعبير عن ~~الحالة النفسية المرضية»، ونشرها عام 1922 في عمل مليء بالرسومات أسماه (تعبيرات ~~الجنون). # 5 # كانت تلك إحدى أوائل المحاولات - إن لم تكن الأولى بالفعل - لاستكشاف الحدود بين ~~الفن والطب النفسي، وبين الجنون والتعبير الإبداعي. ولقد عرضت مجموعة برينزهورن في المعرض ~~المفتوح بميونخ عام 1937 على يد النازيين كدليل على الفن المنحط، على النقيض مما يسمى «الفن»؛ ~~«أي الفن الألماني ذا القيمة الخالدة.» تحمس الكثير من الفنانين لهذا الأمر أيضا: بول ~~كيلي وماكس إرنست، وعلى طريقهم مضى باقي السرياليين. بالنسبة إلى بعض المرضى المحتجزين، كان ~~يمكن أن يطلق على رسوماتهم أعمال حقيقية. كانت تلك هي حالة أدولف ولفي، المحتجز منذ عام 1895 ~~بمصحة والدو للأمراض العقلية بالقرب من بيرن. بدأ راعي الماعز والمزارع هذا الرسم منذ 1899 ~~دون أن يتلقى أي تدريب، وظل يرسم حتى موته في المصحة عام 1930، تاركا إرثا مكونا من خمسة ~~وعشرين ألف صفحة هي سيرة ذاتية وهمية (سيرة حياة القديس أدولف)، مصحوبة بألف وستمائة رسمة ~~ملونة وألف وخمسمائة صورة، تعد الآن مصدر فخر لمتحف الفنون ms487 الجميلة ببيرن. كان طبيبه النفسي - ~~الطبيب والتر مورجنتهالر - هو الذي قام بالتعريف لأعماله عام 1921. # ومن فرط تأثره بالعمل الرائد لمجموعة برينزهورن، رأى فيه جان ديبوفيه «تصويرا فوريا ~~ومباشرا لما يدور في أعماق البشر.» ولكنه رفض مصطلح الفن النفسي (فلا يوجد فن للأمراض ~~النفسية، كما لا يوجد فن خاص بمرضى عسر الهضم أو آلام الركبة)، وأنشأ عام 1945 مصطلح «الفن ~~الخام» (الفن الخارجي كما يسميه الأنجلوساكسونيون). وهو يختلف عن الفن الساذج أو الفن الأولي ~~(اللذين يتغيران وفقا للمجتمع)، فهو بالنسبة إلى ديبوفيه تعبيرات «كاملة عن ثقافة فنية»، ~~بعيدة تماما عن «الاحترافية في الفن»، ولا تقتصر فقط على مرضى الاعتلال العقلي. فعلى حد ~~قوله، لا يوجد فن للجنون، وإنما يوجد مجانين في الفن. أما عن الجنون لدى الفنان، فهذا أمر ~~آخر: «لا تنخدعوا بهذا الأمر، فالمجنون في هذا المجال شيء مختلف، وإلا لما أتى الفنان بجديد» ~~(جان كوكتو). ولقد كون ديبوفيه - بعد أن زار مصحات فرنسا وسويسرا، مضيفا إليها ابتكارات ~~منفردة - مجموعة متفردة على مستوى العالم من الإبداعات، توجد حاليا في لوزان (مجموعة الفن ~~الخام). # وبعيدا عن استثماره في الفن، لم يكن التعبير النفسي بالرسم ليختفي، وظل تحت أعين الطبيب ~~النفسي، الذي ربما يجد فيه رابطة للتواصل مع مريضه أو وسيلة لفك شفرة هذيانه. في عام 1950، ~~أثناء انعقاد المؤتمر العالمي الأول للطب النفسي، نظم معرض «للفن النفسي» (ظل المصطلح كما ~~هو) بمصحة سانت آن بمشاركة ما لا يقل عن ثلاثمائة وخمسين «مريضا من العارضين». # الأمر يختلف عن العلاج بالفن - الذي يشهد طفرة هذه الأيام - وكان قد ظهر في بعض المصحات ~~لعلاج الأمراض النفسية في النصف الثاني من القرن العشرين. فالعلاج بالفن هو وسيلة للعلاج ~~النفسي عن طريق الفنون، وأحيانا ما كان يضاف إليها الموسيقى والرقص والمسرح. وانقسمت الآراء ~~حول هذه الطريقة - مثلما انقسمت حول طرق أخرى جديدة أو مطورة من طرق قديمة - وكانت النتائج ~~معتدلة. يمكن اعتبارها أيضا طريقة لتحديد بعض التشخيصات، فكل عائلة من الأمراض العقلية يكون ~~لها «أسلوبها» الخاص. في ms488 عام 1956، نشر روبرت فولما - بعد معرض سانت آن عام 1950 - فهرسا ~~حقيقيا لهذه اللوحات. وفي عام 1963، أنشأ المركز الدولي لتوثيق الفنون، الذي أصبح لاحقا ~~مركز دراسة طرق التعبير. على إثر إنشاء الجمعية الدولية للأمراض النفسية التعبيرية عام 1959، ~~أنشئت جمعية فرنسية تحمل نفس الاسم عام 1964. وتهدف الجمعيتان إلى «تكوين علاقات بين مختلف ~~المتخصصين المهتمين بدراسة العلاقة بين التعبير والإبداع والفن وبين الأبحاث في الطب النفسي ~~وعلم الاجتماع وعلم النفس والتحليل النفسي التي حاليا تشهد تطورا على مستوى العالم.» ~~(واليوم أصبحت هذه الجمعية تسمى: «الجمعية الفرنسية للأمراض النفسية التعبيرية وطرق العلاج ~~بالفن».) # أنجرؤ بالفعل على الاقتراب من مجال الأدب، كما حدث مع الفن الخام عن طريق فكرة مجانين ~~الأدب؟ ولكن ما المقصود بمجنون الأدب؟ يفضل المعالج أندريه بلافييه # 6 ~~- الذي أحصى عام 1982 ما يزيد عن ثلاثة آلاف منهم - أن يسميهم «شواذ أو غرباء». ~~ويتحدث بعض أطباء الأمراض العقلية عن «المهووسين بالكتابة». ويدخل هؤلاء أيضا هذه المرة في ~~نطاق التوافق الأدبي. ويعدد بلافييه: «يوجد مجانين لاهوتيون يؤسسون ديانات تتحدث عن نشأة ~~الكون، ويوجد مجانين علماء - خاصة في الرياضيات - ويوجد مجانين بارعون في تاريخ اللغات ~~واللغويات بشكل عام، ويوجد المجانين الأدباء بمعنى الكلمة والمجانين علماء الاجتماع والمصلحون ~~ومنقذو البشرية، ومجانين السياسة.» # كان شارل نودييه # 7 # قد اهتم بدراسة ما يطلق عليه غرباء الأطوار في مجال الأدب، السابقون لعصرهم. وفي ~~روايته «فتات الساحرة» (1832)، يجعل نودييه من جنون «غرباء الأطوار» وسيلة للجمع بين الحلم ~~والواقع. ومن بعده، استلم الراية جوستاف برونيه - تحت الاسم المستعار فيلومنست ~~جونيور # 8 # عام 1880. ويحدثنا الاثنان عن كثيرين، من بينهم أليكسيس بيربيجييه - المعروف ~~ببيربيجييه من تير نوف دي تيم (أرض الزعتر الجديدة) - المصاب بهلاوس الاضطهاد. ولقد نشر هذا ~~العلم من أعلام مجانين الأدب عام 1821 على نفقته الخاصة بما تبقى له من نقود «العفاريت: كل ~~الشياطين ليسوا من العالم الآخر». كانت القصة مملة، ولكن ما جعل أطباء الأمراض العقلية في ذلك ~~الوقت يشغفون بها، كانت العلاقة بين الهذيان المزمن وأفكار الاضطهاد ms489 التي تدور حول موضوع وحيد ~~(كل ما يحدث من شرور في العالم إنما هو عمل الشياطين الأشرار الذين شرع بيربيجييه في مقاومتهم ~~بضراوة). أما بينيل - والذي أرسل له بيربيجييه عام 1816 ووصف له علاج الحمامات - فقد انتهى ~~الأمر بأن اعتبره بيربيجييه في مصاف معذبيه الذين ينوي التخلص منهم بواسطة الإبر، أو حبسهم في ~~زجاجات مغلقة وعليها إشارة إلى من في داخلها. ونرى هنا أن الكفة تميل ناحية الجنون، ولكن ~~بالنسبة إلى معظم مجانين الأدب، تميل عادة ناحية الأدب. فيتحدث بعضهم عن عدم وجود الجحيم، ~~وآخرون عن «الأسباب الجبرية للجنس داخل النوع البشري». عام 1925، كتب - «ماركيز كامارازا» - ~~شيئا عجيبا يسمى «بحث تاريخي نظري عملي فلسفي فقهي شعري رياضي أكروباتي سياحي فني ورائع عن ~~العربة ذات العجلة الواحدة». وبالطبع يكون هؤلاء المؤلفون على اقتناع تام بما يكتبون. في جميع ~~الأحوال، كان هواة الكتب يشترون هذه النسخ ولكن بأعداد قليلة. فمجنون الأدب الذي يحترم ذاته، ~~هو مؤلف لم يقرأ له أحد. # ولقد كان ولع ريموند كونو - بعد انفصاله عن السرياليين - بدراسة مجانين الأدب، الذين ~~جسدهم في رواية «أطفال ليمون»؛ شديدا (1938). ووفقا لكونو، مجنون الأدب هو «مؤلف له كتب ~~منشورة، يختلف هذيانه (لا أقصد المعنى السيئ للكلمة) عن ذلك الذي ينشره المجتمع الذي يعيش فيه ~~[...] كل من كان له أتباع فهو ليس مجنون أدب.» ويرفض كونو - كما سيرفض بلافييه أيضا لاحقا - ~~إعطاء لقب مجنون أدب للمتصوفين «بكل أشكالهم». ~~«في مطلع القرن الحادي والعشرين، في عالم يسود فيه السياسة السليمة والتفكير الموحد»، ~~أتم إنشاء معهد طريف وغريب يسمى «المعهد الدولي لأبحاث واكتشافات مجانين الأدب وغرباء ~~الأطوار والمختلفين والمعزولين، وغيرهم.» وينوي المعهد - الذي أنشأ مجلة «دراسات المعهد» وصدر ~~العدد الأول منها في يونيو 2008 - استكمال ما بدأه السابقون. أي إن الاعتقاد في مجانين الأدب ~~لا يزال حيا. ولكن فلننتبه: الجنون ليس ضمانا للعبقرية. # نهاية الطب العقلي وميلاد الطب النفسي المعاصر # على سبيل الدعابة، قد نشبه الطبيب النفسي بطبيب الأمراض العقلية الذي تساوره الشكوك. ~~وبالفعل، نجد أن ms490 الكثير من الأطباء النفسيين ظلوا طويلا حابسين طبيب الأمراض العقلية ~~داخلهم. في حديثه عن «أطباء الأمراض العقلية الآخرين»، يقول كبير الأطباء باريتون في رواية ~~«رحلة إلى نهاية الليل» عن العصور الجديدة للطب النفسي: «لم يحاول أحد منا أن يصبح مجنونا ~~كالعميل [...] لم تكن موجة الهذيان بحجة أنها أكثر انتشارا قد ظهرت بعد، يا لها من موجة فاضحة ~~مثل كل شيء يأتينا من الخارج [...] وكأني أنقب داخلك! وأفتح عقلك! وأطغى عليك بالكامل! أليس ~~كذلك؟! حولهم ركام مقزز من البقايا العضوية ومزيج من أعراض الهذيان المختلطة التي ترشح وتقطر ~~من كل اتجاه. تمتلئ أيدينا بها ومن كل ما يتبقى في الذهن، ونكون كلنا لزجين وأفظاظا ومحتقرين ~~ومقززين.» # في مطلع القرن العشرين، كان الطب العقلي لا يزال مزدهرا على يد مانيان في فرنسا وكرابلين ~~في ألمانيا. وقبل اندلاع الحرب العالمية الأولى، تراجع الإيمان في العلم الإيجابي ليحل محله ~~التشكك والارتياب. وشهدت موجة الكيانات التصنيفية الضخمة - مثل الانحطاط - تراجعا، وأصبحت ~~تشخيصا سهلا جامعا تندرج تحته جميع الحالات المحرجة. رأينا إلى أي درجة تعايش المصطلحان ~~«الطب العقلي» و«الطب النفسي» طويلا (فالطب العقلي يختص بالمشفى، بينما الطب النفسي ~~بالنظريات). ولكن منذ عشرينيات القرن العشرين، بدأ الطب النفسي كمفهوم يفرض نفسه، بينما تلاشى ~~الطب العقلي كمفهوم أو على الأقل كمصطلح. في المقابل، ظل استخدام لفظ «المجنون» مستخدما حتى ~~عام 1925، على الرغم من تفضيل البعض، قبل ذلك التاريخ، استخدام كلمة «مريض عقلي». أما لفظ ~~«مصحة المجانين»، فتخلى بصعوبة عن مكانه لصالح «المشفى النفسي» رسميا عام 1937، وإن ظل لفظ ~~«مصحة الأمراض العقلية» مستخدما. # في عام 1906، تأسست مجلة «الدماغ»، والتي تهدف إلى «كسر العزلة التي فرضت مؤقتا على ~~المرض العقلي.» وكان علم الأعصاب وعلم النفس - لئلا نقول الطب ببساطة - دعوة لأطباء الأمراض ~~العقلية للخروج من مشفاهم. وعلى عكس فكرة الانحطاط - التي خلقت فجوة بين ما هو طبيعي وما هو ~~مرضي - وجدت نظرية جديدة (واحدة أخرى) وهي نظرية التكوينات التي سعت على العكس إلى سد هذه ~~الفجوة. # 9 # وأصبحت هناك هوية ms491 واحدة تجمع الآليات النفسية الطبيعية والمرضية، فلم يعد ~~الاختلاف على المستوى النوعي وإنما على المستوى الكمي. في عام 1919، قدم إرنست دوبريه ~~(1862-1921) تفسيرا لهذه التكوينات المرضية المشتقة من وظائف طبيعية مثل التخيل والانفعال، ~~وهي «عمل الإصابة العقلية القوية وسببها». واستنتج عام 1919 أن: «الأمراض العقلية هي أمراض في ~~الشخصية.» ومن جديد برزت تلك النظرية الجاذبة للكل - التي تقول بوجود ميول معينة تنقل ~~بالوراثة - لإعادة إحياء لنظرية الانحطاط العقلي لكل من موريل ومانيان. # كان لأعمال إيميل دوركايم (1858-1917) مستقبل أكثر ثراء، وافتتح بها تيار علم الاجتماع. ~~فخصوصية الوقائع الاجتماعية (طرق التصرف والتفكير والشعور الخارجة عن الفرد والتي تمتلك قدرة ~~قهرية تفرض نفسها عليه) «للحياة النفسية الجماعية» إلى جانب مفهوم «التفاعل»، يمكن تطبيقهما ~~أيضا في مجال الأمراض العقلية التي تعد حالة صراع مع المجتمع المحيط. # أما عن الطريقة الظواهرية في علاج المرض العقلي، فقد رأينا أنها كانت اقتراحا من كارل ~~ياسبرز منذ عام 1913 (دراسة للحالات المعنوية للمرضى). كان يوجين مينكويسكي هو الذي أدخل هذا ~~التيار أخيرا إلى فرنسا خلال فترة ما بين الحربين. وإلى جانب كتابه «الفصام» - الذي أعيد ~~طبعه مرتين يفصلهما ربع قرن (1927 و1951) - نشر مينكويسكي عام 1933 «الزمن المعيش، دراسة ~~ظواهرية ونفسية»، شدد فيه على شكل العلاقة وطريقة التعامل إزاء المريض. بطريقته الظواهرية، ~~يضع مينكويسكي - تلميذ هوسريل وبرجسون - المعرفة في حالة توقف مؤقت في لحظة الالتقاء نفسها ~~بكلام المريض، الذي اتخذ من الآن وضعا جديدا كشخص «يجري التعامل معه بنظرة كلية وفي ظل عمق ~~تاريخه.» # 10 ~~«وربما للمرة الأولى في تاريخ الطب النفسي»، لا يشمل مصطلح الفصام «أعراض المريض ~~فحسب، وإنما موقفنا تجاهه، متضمنا بالتالي الإشارة إلى السلوك الذي يجب أن نتبعه إزاءه ~~بصفتنا أطباء نفسيين معالجين، أو معالجين نفسيين قبل كل شيء.» # 11 # استقبل تيار علم الأعصاب إضافة جديدة. في عام 1920، أوضح كونستانتين فون إيكونومو ~~(1876-1931) - عالم الأعصاب النمساوي من أصول رومانية - بالتزامن مع جان رينيه كريشيه؛ ~~الطبيعة المعدية للعدوى المخية المعروفة بالخمول التي اجتاحت أوروبا مع ms492 «الأنفلونزا ~~الإسبانية». ويبرز نوعان من المرضى: مرضى الغيبوبة، ومن يعانون - على العكس - من حالة هياج ~~وهذيان وتبدو عليهم اضطرابات السلوك. يموت الكثيرون. وبدراسة أمخاخ النوعين، عرض فون إيكونومو ~~نتائجه في عام 1928، موضحا أن القسم الثاني يكون مصابا في الجزء الخلفي من تحت المهاد ~~(الهيبوثالامس) نتيجة فيروس التهاب الدماغ الذي يدمر مراكز النعاس. ولمزيد من الدقة، لم يكن ~~هذا الاكتشاف معززا لنموذج الشلل العام، بل فتح ثغرة جديدة في عقيدة التكوين الباطني ~~للذهان. # التحليل النفسي والطب النفسي # كان للتحليل النفسي الدور الأهم في تطوير الطب النفسي. ونؤكد أن حديثنا في هذا الكتاب لا ~~يهدف لدراسة تاريخ التحليل النفسي، وإنما دراسة مدى تأثيره على الطب النفسي الذي انبثق منه ~~كما رأينا أثناء حديثنا عن الهستيريا. # ولذلك، سنعود إلى بلولير في بيرجولزي بزيورخ قبل وبعد اندلاع الحرب العالمية الأولى. كانت ~~بيرجولزي هي المركز الأكثر نشاطا في الطب النفسي الأوروبي وملتقى أطباء الأمس والغد. وكان ~~بلولير من أوائل الأطباء النفسيين الإكلينيكيين الذين اعترفوا بفرويد، إن لم يكن أولهم ~~بالفعل. وكتب - في مقدمة أعظم إسهاماته «الخبل المبكر، أو مجموعات الفصام» في «بحث في الطب ~~النفسي» بآشافنبرج (1911) - ما ذكرناه قبلا: «التقدم والتوسع في مفاهيم الأمراض النفسية ليس ~~إلا تطبيق أفكار فرويد على الخبل المبكر.» كان بلولير لفترة ما منسقا لأول مجلة في التحليل ~~النفسي، والتي أسسها فرويد عام 1908 (مجلة البحوث في مجال الأمراض النفسية والتحليل النفسي). ~~ولكنه لم ينغمس كليا في حركة التحليل النفسي، بل وشهدت علاقته بفرويد نوعا من الفتور منذ ~~عام 1910. ولم يعد بلولير يستخدم مصطلحات فرويد في تحليله حول محتوى الهذيان والاضطرابات ~~النفس-حركية: «تحرك، تكثيف، ترميز، نكوص نرجسي، تعبير اللاوعي»، مؤكدا على التشابه بين تفكير ~~الحلم والتفكير المتوحد (تريا). # 12 ~~«يمثل نظام بلولير القطيعة مع الأطر التصنيفية الجامدة للأمراض، وأيضا مع ~~التشاؤم والاستسلام المميزين لنظام كرابلين. فهو يعيد للمريض وضعه ككائن تحركه المخاوف ~~والرغبات. فلم يعد المريض كائنا غريبا، مجنونا [...] بين كرابلين وفرويد، يأتي بلولير في ~~منتصف الطب النفسي المعاصر.» # 13 # وأيضا ms493 في بيرجولزي، اكتشف تلاميذ بلولير - كارل أبراهام (1877-1925) والسويسري لودفيج ~~بينسفاجنر (1881-1966) والأمريكي أبراهام أردن بريل (1874-1948) وخاصة كارل جوستاف يونج ~~(1875-1961) - التحليل النفسي، وعكفوا من حينها على نشره. وأصبح بريل - على حد تعبيره - ~~«الممثل الرسمي للأستاذ فرويد» في الولايات المتحدة الأمريكية والمترجم (تقريبا) لأعماله. ~~وقرب نهاية حياته، كتب: «عندما عرفت التحليل النفسي لأول مرة، لم أتصور أبدا أنه يمكن ~~اعتباره شيئا منفصلا عن الطب النفسي؛ وذلك لأني دخلت هذا العالم الجديد الغريب عني تماما ~~من خلال مركز الطب النفسي بزيورخ.» # 14 # ويعد المجري ساندور فيرينزي (1873-1933) تجسيدا لهذا الجيل من شباب الأطباء ~~النفسيين الذين سيعتمدون طريقة التحليل النفسي. في عام 1918، أصبح هو رئيسا لجمعية التحليل ~~النفسي الدولية (كانت قد تأسست أول «جمعية للتحليل النفسي» عام 1910). # كان الأطباء النفسيون الذين تأثروا بأفكار فرويد كثيرين، ولكنهم سرعان ما انفصلوا عنه ~~لكونه لا يقبل الاختلافات في المذاهب النفسية. كانت تلك هي حالة ألفريد آدلر (1870-1933) الذي ~~تعرف على فرويد عام 1902، ثم ترأس في عام 1910 جمعية فيينا للتحليل النفسي. وحدثت القطيعة عام ~~1911 عندما قدم آدلر بيانه حول «الاحتجاج الذكوري كمسألة محورية في العصاب». وقلل في بيانه من ~~دور الكبت والأصول الجنسية للعصاب، معليا من دور الشعور بالنقص. وإذ به يختزل عقدة أوديب ~~المقدسة في «حركة نفسية أوسع»: مفهوم «الاحتجاج الذكوري»، والمقصود بكلمة ذكوري ليس سياقها ~~الجنسي. ورفض بلولير أيضا نظرية فرويد «عن تفسير كل عمل وفقا لدوافع جنسية في العقل ~~الباطن.» ومن جانبه، ابتعد بينسفاجنر عن أفكار فرويد، ولكن دون قطيعة صريحة. فنظرا لدراسته ~~للفلسفة، أبدى اهتماما أكبر بالنظريات الظواهرية لهوسريل وهايدجر، محاولا بلوغ استنتاجات عن ~~طريق الاستفادة من إسهامات التحليل النفسي. ولكن مستلهما أفكاره بالتحديد من علم الظواهر، ~~وتوصل إلى طريقة علاجية جديدة في مطلع الثلاثينيات: «التحليل الوجودي». في كتابه النظري، يعمل ~~بينسفاجنر على إعادة تركيب وفهم عالم التجربة الداخلية للمريض عقليا. # كانت القطيعة الكبرى هي تلك التي ليونج، الذي كان يعد قبلا ولي عهد فرويد، ولكنه سرعان ~~ما انفصل ms494 عنه تماما منذ عام 1913. ثم وضع نظريته الخاصة «علم النفس التحليلي» أو «علم نفس ~~الأعماق» (علم الروح العميقة واضطراباتها). في كتابه الضخم «الأنماط النفسية» الذي صدر بتاريخ ~~1921 - والذي لم يكف عن إكماله وإثرائه في عمل ضخم ~~وهائل - كان يهدف إلى «إسقاط الطابع المطلق» الذي اتخذته نظريات فرويد المتناقضة، وأيضا ~~نظريات آدلر. فإلى جانب «اللاوعي الفردي»، يؤمن يونج بوجود «لاوعي جمعي» يكون نتاج تراكم ~~الخبرات البشرية عبر آلاف السنين، والذي يعبر عنه بنماذج كبرى توجد في أساطير جميع الحضارات، ~~ومن بينها «الأنيما» (وهو مبدأ أنثوي يوجد في كل رجل)، و«الأنيموس» (وهو المبدأ الذكري ~~الموجود في كل امرأة)، و«الظل» وهو صورة خيالية تعبر عن اللاوعي الفردي. وتعمل طريقة يونج ~~العلاجية (والتي تتميز بهذا قبل كل شيء) - وهي أكثر توجيهية من طريقة فرويد - على إعادة ربط ~~المريض على نحو نشط بجذوره باستخدام تحليل الأحلام وبرفض الدور الإيجابي للنقل. وعلى عكس ~~فرويد، لا يعترف يونج بالدور الحاسم للطفولة في الإصابة باضطرابات نفسية في سن النضوج، والتي ~~تتحدد «وفقا لتعامل الشخص مع العالم الخارجي». # 15 # ورافضا أي جمود في المنهجية، اقترح يونج على من يمارس التحليل النفسي، أو على ~~«أي شخص يريد التعرف على النفس البشرية»، أن يترك جانبا سترته وكتبه و«أن يتجول (كما فعل هو ~~ذاته) على غير هدى في شتى أنحاء العالم بقلبه البشري.» # كانت هناك الكثير من الخلافات (العميقة بلا شك) داخل ما يمكن تسميته ب «عائلة» المحللين ~~النفسيين. ولكن ماذا عن الاستقبال المتحفظ الذي لاقته أفكار فرويد لدى الأطباء النفسيين ~~«الأساسيين» خاصة في فرنسا؟ كان فرويد أول من اشتكى: «ماذا يريد هذا المحلل النفسي؟ [...] أن ~~يعيد إلى سطح الوعي كل ما هو مكبوت. ألم يكبت كل منا الكثير من الأشياء التي نحتفظ بها بصعوبة ~~في اللاوعي؟ كان التحليل النفسي يثير في نفوس كل من يسمع عنه المقاومة نفسها التي لدى المرضى. ~~ومن هنا تأتي بلا شك المعارضة القوية والغريزية التي يتميز علمنا بإثارتها.» # 16 # في الواقع، أبدى مجتمع الأطباء النفسيين ms495 بأكمله وعلى مستوى العالم رفضه لفرويد. وخارج ~~فرنسا، كان هناك كرابلين وفاجنر فون جوريج وآشافنبرج وغيرهم من المعادين لأفكاره بدرجات ~~مختلفة. في فرنسا، كان العداء شبه عام. كان هناك حديث عن «السم الفرويدي». «تأتي دراساته ~~العميقة بكثير من السفالة وبأسلوب خارج عن اللياقة» (تريا). ويصف شارل بلونديل - طبيب نفسي - ~~التحليل النفسي ب «الانحلال ذي الطابع العلمي»، ويندد «بالسخافات التي قد يؤدي إليها هذا ~~الهاجس بالفكرة الجنسية المسبقة.» كان أول طبيب نفسي فرنسي يدخل أعمال فرويد إلى فرنسا هو ~~آنجيلو هينسار (1886-1969)، ولكن بطريقة نقدية تماما لم تؤت فائدة لحركة التحليل النفسي. ثم ~~توالت الترجمات المتأخرة لكتاب «مقدمة في التحليل النفسي» (1922) و«علم الأحلام» (1926). ~~وتكونت مجموعة صغيرة حول رينيه لافورج (1894-1962) بسانت آن، والتي أصبحت عام 1925 «مجموعة ~~تطور الطب النفسي» (كان مينكويسكي واحدا منهم). وهناك كان يحيط بمينكويسكي آخرون غير أطباء، ~~مثل أوجوني سوكولنيكا (1884-1934) التي كانت هي المحرك لحركة التحليل النفسي في فرنسا، وماري ~~بونابرت (1882-1962) - المسماة ب «الأميرة»، وقد أطلق عليها لقب «قال فرويد». كانتا هما ~~الاثنتان قد خضعتا للتحليل على يد فرويد نفسه. وفي عام 1926، تأسست جمعية التحليل النفسي ~~بباريس، وظل لافورج يرأسها حتى عام 1930. # إلا أن هذا لم يمنع العديد من الأطباء النفسيين الفرنسيين - لكي لا نقول معظمهم - من ~~استكمال مقاومتهم لهذه الأفكار. ألم تنشر في عام 1929 «مجلة الطب والطب النفسي» - أقدم وأشهر ~~مجلة في الطب النفسي - دون أي مناقشة مسرحية بعنوان «حوار عائلي حول مذهب فرويد»، وهي هجوم ~~منظم ضد حركة التحليل النفسي؟ # 17 # واتهم فرويد فيها، ليس فقط بأنه أخطأ، بل بأنه مخادع. وقيل: إن التحليل النفسي ~~«إنما هو مزحة بحتة، وإن الطب النفسي ما هو إلا محض أوهام.» # كان لإدوارد بيشون (1890-1940) مكانة خاصة في ظل هذه المؤامرة. كان - وهو عضو بمنظمة ~~الحركة الفرنسية وصهر جانييه - مؤيدا لأفكار التحليل النفسي، ولكنه كان ضد فرويد شخصيا. ~~كان أحد مؤسسي جمعية تطور التحليل النفسي بباريس. وأراد أن يخلص التحليل النفسي، ليس فقط من ~~الأفكار القائلة ms496 بالدافع الجنسي وراء أي فعل، وإنما أيضا من التأثير الألماني، بل اليهودي. ~~أفلتت هذه الكلمة عندما حاول صهره - قبل الحرب العالمية الثانية ببضعة أعوام - أن يلتقي خصمه ~~القديم بفيينا، ولكنه رفض مقابلته من أمام الباب. وفي خطاب إلى هنري إي، كتب بيشون: «إن ما ~~بين الرجلين إنما هو سوء تفاهم شخصي سخيف، ولكنه منع أفكارهما من الاندماج [...] لم يكن فرويد ~~[...] يفهم طريقة المناقشات على الطريقة الفرنسية، فتضايق!» يقول بيشون، متطرقا إلى اللقاء ~~الذي رفضه فرويد: «لا أعتقد أن هذه الحركة، خاصة وهما في نهاية حياتهما، كانت لائقة من طرف ~~سيجموند اليهودي التشيكي.» # 18 # وبطريقة ما، يعد بيشون ممثلا لعصره. # لم يكن فرويد مخطئا عندما قال: «إن الطبيب النفسي، وليس الطب النفسي، هو من يعارض ~~التحليل النفسي. فالتحليل النفسي بالنسبة إلى الطب النفسي، كعلم الأنسجة (جزء من علم التشريح ~~يهتم بدراسة الأنسجة العضوية) لعلم التشريح؛ فواحدة تدرس الأشكال الخارجية للأعضاء، والأخرى ~~الأنسجة والخلايا التي تتكون منها الأعضاء نفسها. ولا يمكن تصور وجود أي نوع من التعارض بين ~~هاتين الدراستين؛ لأن الواحدة تكمل الأخرى.» # 19 # إذن، فالتحليل النفسي «يعطي الطب النفسي الأساس النفسي الذي ينقصه؛ سعيا وراء اكتشاف أرض ~~مشتركة تجعل اللقاء بين الخلل البدني والخلل النفسي مفهوما.» # 20 # فهي في حد ذاتها ليست أكثر من فعل علاجي: «فالتحليل النفسي ليس بحثا علميا ~~محايدا، وإنما فعل علاجي، فهي في جوهرها لا تسعى لإثبات أي شيء وإنما إلى ~~تعديله.» # 21 # إلا أن هذه الطريقة العلاجية لها حدودها. فيكتب فرويد: «إن مجال عمل التحليل النفسي محدود ~~بشكل المرض نفسه. ويوصف العلاج التحليلي في عصاب النقل والخوف المرضي والهستيريا والعصاب ~~الوسواسي، وأيضا في خلل الشخصية الذي يظهر أحيانا بدلا من هذه الإصابات. بينما في الحالات ~~النرجسية والذهانية ... إلخ، لا ينصح بتطبيق التحليل النفسي. ومن ثم يكون من المنطقي تماما ~~تجنب فشل محقق باستبعاد تلك الحالات.» # 22 # وإلى هذا التحفظ يضيف فرويد أنه «عادة لا يمكن أن نقوم بتشخيصاتنا إلا بعد ~~التحليل.» ويسوق فرويد مثلا، وهو ms497 ملك اسكتلندا الذي كان يمتلك طريقة لا تخطئ لمعرفة ~~الساحرات. فكان يغرق المشتبه فيها في الماء المغلي، ويتذوقه بعد ذلك: «نعم، كانت بالفعل ~~ساحرة!» أو «لا، لم تكن منهن!» ويقول فرويد: «إن الأمر كذلك في حالتنا، ولكننا نحن من يحرق. ~~[...] فنحن نشخص دون أن نرى [...] وينتقم المريض، عندما يزيد من قائمتنا الطويلة للفشل، أو عندما ~~يتخيل نفسه طبيبا نفسيا أحيانا - خاصة لو كان مصابا بجنون العظمة - ويمضي يؤلف كتبا في ~~التحليل النفسي.» # وأشار بول بيرشيري # 23 # أن هذا التحديد الصارم تم تجاوزه سريعا، أو أن «الطب الإكلينيكي التحليلي تجاوز ~~في الحقيقة الإطار النفسي، رافضا التقسيم الحكيم للمهام والاختصاصات الذي يقترحه فرويد. «وفي ~~فترة ما بين الحربين»، ظهر كيان يسائل الطب النفسي.» # 24 # وخلال هذه الفترة شاع استخدام «الطب النفسي التحليلي» كأداة للعلاج. كان هذا ~~بمنزلة انتصار «للطب النفسي الديناميكي». كتب فرانز ألكسندر (1891-1964) الطبيب النفسي ثم ~~المحلل النفسي المهاجر منذ عام 1930 إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أسس في شيكاجو عام ~~1932 معهدا للتحليل النفسي، قائلا: «وضع تقدم الطب النفسي الديناميكي نهاية لعزلة لطب ~~النفسي. وبصفته طريقة علاجية، أصبح التحليل النفسي في طريقه للالتقاء بالطب، الذي يستخدمه ~~كطريقة نفسية طبية.» ولكن في عام 1939، لم يكن فرويد يريد أيا من هذا، واشتكى من «ميل ~~الأمريكيين لتحويل التحليل النفسي إلى خادم للطب النفسي.» # 25 # جرى الحشد على مستوى أوروبا، على الرغم من أن الأمر كان شاقا خاصة في فرنسا. «وعادة ما ~~كان الجيل الثاني من الأطباء النفسيين الباريسيين يمرون بالمصحات النفسية.» # 26 # ونذكر أشهرهم وهو جاك لاكان (1901-1981)، وكان تلميذا لكليرامبو، وناقش رسالته ~~عام 1932 «عن الذهان المصحوب بجنون العظمة وعلاقته بالشخصية». وفي عام 1934، جرى قبوله في ~~هيئة الأطباء بالمصحات النفسية (ولكنه لم يتول قط هذا المنصب) وفي جمعية التحليل النفسي ~~بباريس. واشتهر هناك بعد عامين بفضل بيان ألقاه في مارينباد حول «مرحلة المرآة». وقبل الحرب ~~العالمية الثانية، لم يكن لاكان يحظى بعد بالشهرة التي حظي بها فيما بعد، وإن كان بيشون ms498 ~~الغضوب قد وجه له اللوم بسبب «غرابة ألفاظه التي لا تهدف - على ما يبدو - إلا إلى إثارة ~~الدهشة.» # عند وفاة فرويد عام 1939 بلندن، كان التحليل النفسي قد أصبح حركة عالمية، ربما كان ذلك ~~لأن النازيين أجبروا رموز مدارس فيينا وبرلين وبودابست على الهجرة إلى لندن وباريس ونيويورك ~~وشيكاجو ... ولكن ظل التعايش بين التحليل النفسي والطب النفسي يحمل طابع الخصومة والمنافسة. ~~«وبالتالي، تكون طب إكلينيكي تتسم علاقته بالمعرفة الطبية النفسية بالنزاع أكثر من التقسيم ~~الدبلوماسي الذي اقترحه فرويد للسلطات والاختصاصات في الخطوة الأولى أو علاقات التداخل ~~والتنافس، والتي أصبحت تقوم على الخصومة والاستبدال التام والبسيط أكثر من التعاون والتحسين ~~المتبادل» (بي بيرشيري). ويبقى لنا أن نرى كيف - بعد الحرب العالمية الثانية - «تمكن التحليل ~~النفسي - الذي كان في البداية شيئا جنونيا، ثم فقيرا، ثم علما تابعا يستقبله الناس ~~بتردد، ثم حليفا قيما قادرا على تحريك الممارسات والطرق الجامدة [...] - من أن يفرض ذاته ~~كمنافس قوي، قبل أن ينتهي الأمر بالتشكيك وزعزعة أسس هذه المؤسسة ذات الحظوة حتى وقت قريب» ~~(بي بيرشيري). # مصير مرضى الاعتلال العقلي خلال الحرب العالمية الثانية # يبدأ التأريخ للقرن العشرين بعد الحرب العالمية الثانية. وفيما يتعلق بتاريخ الطب النفسي، ~~نتساءل بالفعل أليس من الأفضل اختيار الحرب العالمية الثانية كنقطة قياس لمصير مرضى الاعتلال ~~العقلي خلال الحرب، باعتبارها ليست بداية لعصر جديد وإنما نهاية لعصر مضى؟ فلا يوجد اليوم جدل ~~ضخم حول الجنون، ولا حتى بين المتخصصين. وكأنه أصبح أمرا عاديا، قلت أهميته وسط المشهد ~~الاجتماعي الهش، في الوقت الذي تراجعت معه أهمية الطب النفسي نفسه (وسنعود لهذا الأمر في ~~نهاية هذه الدراسة). إلا أن النخبة المثقفة عادت من جديد لتبدي ولعا بقضية ارتفاع نسبة ~~الوفيات بين مرضى الاعتلال العقلي المحتجزين في فرنسا أثناء فترة الاحتلال الألماني. وتوالى ~~فيضان من المؤلفات والمقالات والبرامج والندوات والمواقف، بل وظهرت عريضة تطالب فرنسا بإعلان ~~أسفها، وكان الجميع يندد منذ عقدين بما عرف ب «الحل النهائي» لمرضى الاعتلال العقلي خلال ~~أعوام الحرب. أما عن ms499 المؤرخين النادرين الذين حاولوا التطرق لهذه الأطروحة الخطيرة، فسرعان ما ~~تم اتهامهم بأنهم عملاء لحكومة فيشي. ولكن يجب الانتباه للكلمات ومدى تضخمها؛ لئلا نقلل من ~~شأن الأمر في الوقت ذاته. «في كثير من الأحيان تحل الكلمة محل الشيء نفسه، الذي يذهب هو أدراج ~~الرياح» (جيد). وسنسعى إلى إماطة اللثام عن مثل هذا الموضوع. ولكن قبل التطرق إليه بكل سكينة، ~~ينبغي أن نعرض أولا كيف كانت إبادة مرضى الاعتلال العقلي في ألمانيا وقت الحكم ~~النازي. # عند وصول هتلر إلى السلطة، كان علم تحسين النسل مقبولا بدرجات مختلفة في شتى أنحاء ~~العالم الغربي. وكان يهدف إلى تحسين وحماية «السلالة» (لفظ آخر كان مقبولا للغاية في ذلك ~~الوقت)، على نحو إيجابي عن طريق تحفيز إنجاب من هم أكثر كفاءة، ولكن أيضا بطريقة «سلبية»؛ ~~حيث «يعيق نمو غير الأكفاء»، ومن بينهم كان هناك المتأخرون عقليا ومرضى الاعتلال العقلي. ~~كانت الولايات المتحدة من رواد هذه الحركة، خاصة من خلال عمليات التعقيم الإجباري لهم. إلا أن ~~الموانع الديمقراطية والتشريعية وأيضا الرأي العام كان لها دور في الحد من هذه الممارسات. ~~ولقد حظرت بريطانيا كل هذه الإجراءات. وكذلك فرنسا، على الرغم من وجود تيار مؤيد لتحسين النسل ~~يتزعمه ألكسيس كاريل - الحائز على جائزة نوبل في الطب عام 1912 - الذي كان يدعو إلى منح «سلطة ~~للأطباء» بموجبها يكون للكائنات «الموهوبة وراثيا وبيولوجيا ضرورة للاندماج مع كائنات ~~لها الخواص العليا نفسها.» كان هذا هو الحلم المجنون والمؤسف، بلوغا إلى نتائجه مع برنامج ~~«ليبينزبورن» داخل المنطقة الوقائية. وإلى جانب هذا التحسين «الإيجابي»، يوجد التحسين ~~«السلبي». عام 1935، نشر كاريل «الإنسان، هذا المجهول»، والذي باع أكثر من عشرين ألف نسخة حتى ~~عام 1939. «لا تزال قائمة تلك المشكلة الخاصة بالجموع الهائلة من العاجزين والمجرمين. ولقد ~~أصبحت تكاليف السجون ومصحات الأمراض العقلية - لحماية العامة من اللصوص والمجانين - باهظة كما ~~نعلم. ولقد بذلت الدول المتحضرة مجهودا ساذجا في سبيل الحفاظ على كائنات غير مفيدة وضارة، ~~فغير الطبيعيين يعيقون تطور الطبيعيين. فلماذا لا يتعامل المجتمع مع ms500 المجرمين والمجانين ~~بطريقة أكثر اقتصادية؟ [...] فمؤسسة للموت الرحيم مزودة بأنواع الغازات الملائمة التي تتيح ~~التعامل معهم بطريقة اقتصادية وإنسانية. أوليس من الممكن تطبيق الطريقة نفسها مع المجانين ~~الذين ارتكبوا أفعالا إجرامية؟ [...] وأمام هذه الضرورة، يجب أن تختفي جميع الأنظمة الفلسفية ~~والأحكام المسبقة العاطفية.» # وبسبب هاجس «اختفاء السلالة» (فولكستود)، شرعت ألمانيا النازية في تطبيق سياسة طبية ~~بيولوجية تبدأ بعمليات تعقيم مكثفة بقرار من «محاكم صحية» حقيقية. ولقد أجبر على الخضوع ~~لقراراتها حوالي مائتي ألف شخص من ضعاف العقل ومائة وخمسين ألف مريض عقليا أو مريض بالصرع ~~محتجزين داخل المصحات، بالإضافة إلى المعاقين بدنيا، بل وأيضا الصم وفاقدي البصر لأسباب ~~وراثية. ولقد ساهمت حركة النازية الطبية - التي تجمع بين الحماس لنظريات تحسين النسل والإرهاب ~~الموجه لمن يريد الإبقاء على منصبه - في الوصول إلى مدى بعيد من هذه السياسات بلوغا إلى ~~«الموت الرحيم»؛ أي إلى القتل الطبي المباشر. # 27 # لم تكن الفكرة جديدة، ولا سيما أنها تستند إلى كتاب بتاريخ 1920 «الحق في القضاء ~~على الحياة التي لا تستحق أن تحيا .» وكان مؤلفا الكتاب جامعيين بارزين؛ أحدهما قانوني ~~والآخر طبيب نفسي. # في عام 1937، أثناء اجتماع الحزب، أعلن هتلر: «إن أعظم ثورة حدثت في ألمانيا هي تفعيل ~~المبادرات المنظمة التي تستهدف تحسين النسل وصحة الشعب، بل وحتى تكوين الإنسان الجديد.» إلا ~~أنه لم يتحدث قط علانية عن إبادة المتأخرين عقليا أو مرضى الاعتلال العقلي. ولم يكن الرأي ~~العام ولا الأطباء والكنائس مستعدين لهذا الأمر، على الرغم من أن عمليات التعقيم كان مصرحا ~~بها. ولكن، ابتداء من عام 1933، تقلصت القروض الموجهة إلى المصحات النفسية جذريا، وسرعان ما ~~أصبحت في وضع حرج. كان هذا يهدف لتشجيع الأطباء والممرضين على عدم رعاية مرضاهم. وشهد الشعب ~~إذاعة «أفلام تسجيلية» تظهر مرضى معتلين عقليا من ذوي الحالات الصعبة. وكان الإعلام النازي ~~يريد أن يبين عدم جدوى بقائهم على قيد الحياة، منددا بكونهم يحيون في «قصور» مقارنة بالمنازل ~~المتواضعة للعمال الذين يكدون ويعملون. في الوقت ذاته، كان أساتذة تحسين النسل ms501 (في كل جامعة ~~كان هناك كرسي أستاذية في هذا العلم) ينشرون هذه النظريات القاتلة. ويشير الأستاذ إتش دبليو ~~كرانتز إلى ضرورة التخلص من ما يقرب من مليون «كائن أدنى». # كان هتلر في انتظار الحرب؛ حربه. فلم يكن الأمر يقتصر فقط على انتظار شيء يلفت انتباه ~~الرأي العام، ولا حتى ظروف استثنائية تتماشى مع هذه الإجراءات الاستثنائية. ففي المنطق النازي ~~الطبي، يجب تعويض الانتخاب السلبي للسلالة (الجنود الذين يلقون حتفهم على الجبهة) بحركة تحسين ~~جذري للنسل (القضاء على كل من لا يستحقون الحياة). وخلال عام 1939، بعد أن اعتمدت خطط الحرب، ~~دعيت مجموعة صغيرة من الأطباء النازيين إلى اجتماع أقرت خلاله برامج الموت الرحيم لمرضى ~~الاعتلال العقلي. ولقد سهل من انطلاق البرنامج الطلبات التي كانت تقدمها العائلات التي لديها ~~أطفال يعانون من إعاقات شديدة. ولقد تابع هتلر شخصيا أول عملية موت رحيم لطفل صغير كفيف ~~ومشوه ومصاب بالبله التام. وكان يجب أن يصنف الأطفال الذين سيلاقون ذات المصير من المشوهين ~~أو ضعاف العقول منذ ولادتهم. ويتم «العلاج» بواسطة الحقن بالباربيتورات أو المورفين. وفي ~~شهادتها أمام محكمة نورمبرج، قالت ممرضة: «كان الجميع يتحدثون عن الأمر، حتى الأطفال. كانوا ~~جميعا يخافون من الذهاب إلى المستشفى؛ خوفا من ألا يعودوا من هناك.» # 28 # وفي خريف عام 1939، قرر المكتب الثاني لمستشار الرايخ أن تمتد عمليات الموت الرحيم إلى ~~البالغين، تحت اسم «البرنامج تي4». كان على المصحات العقلية الألمانية والنمساوية أن تسجل ~~كافة المرضى المصابين بالفصام والصرع والخبل والخرف والشلل العام، أو أي مرض بسبب الزهري أو ~~البله، أو أي إصابة عصبية ميئوس من علاجها. وإلى هذه القائمة، يضاف أي مريض عقليا محتجز ~~منذ ما يزيد عن خمسة أعوام، وبالأحرى أي مريض عقليا محتجز على إثر ارتكابه جريمة أو جنحة. ~~جرى إعداد ستة مراكز للإعدام، مزودة بغرف غاز تبدو كحمام عادي وبأفران للحرق. وكان يختار ~~طاقم العمل بناء على مدى الثقة فيهم سياسيا وليس مدى كفاءتهم الطبية. لم يتم ذلك بموجب ~~قانون، فقد كانت عمليات نقل و«علاج» ms502 المرضى تتم خفية. وتكون مهمة الأطباء في «مراكز الرعاية» ~~اختراع سبب طبيعي «للعلاج» يسجل في شهادة الوفاة. وبلغت المهزلة حد إرسال صندوق المتوفى ~~إلى الأسر، وإخفاء المقابر الجماعية في صورة مدافن فردية. أما عملية القتل الطبي، فلم يكن من ~~الممكن القيام بها إلا في إطار طبي وتحت إشراف طبيب. فيذكر مدير مكتب المستشار: «يجب أن يمسك ~~الطبيب بالحقنة.» ويشهد أحد أطباء البرنامج: «تخيلت أنه سيكون هناك إجراء فردي [...] أي واحدا ~~واحدا. ولكن لا [...] كان عملا بالجملة [...] أعتقد أنه من الناحية الإنسانية هناك فرق بين ~~الاهتمام بشكل فردي بالشخص الذي سيخضع لمثل هذا الإجراء وبين [...] القيام به بصورة ~~جماعية.» # 29 # ولقد ظل الأطباء (بعيدا عن هؤلاء التابعين للوحدة الوقائية) المتورطون في هذا ~~العمل المميت - ضد أخلاقهم - متأثرين بالأساتذة العلماء (والأطباء) الذين شرعوا «علميا» ~~الموت الرحيم «للفاسدين». بالإضافة إلى حالة الرعب والإرهاب التي كانت تمارس ضدهم، كان ~~التهديد الحقيقي بالموت، أو على الأقل النقل إلى معسكر اعتقال، يخيم دائما على الأطباء ~~والممرضين العاملين - أحيانا دون تفكير - في برامج الموت الرحيم. # ولكن ظهرت بعض المقاومة لبرنامج (تي4) من قبل بعض الأطباء النفسيين والممرضات في المؤسسات ~~العلاجية التي تديرها الراهبات - كجزء من الشعب - بعد أن أبلغتها السلطات الكنسية وعائلات ~~«المرضى الذين خضعوا للبرنامج». كان هذا الرفض الشعبي هو الذي قاد هتلر إلى التخلي رسميا عن ~~البرنامج في أغسطس 1941. كان مركز هادامار للموت الرحيم - المصحة النفسية سابقا - قد احتفل ~~للتو - في احتفال صاخب مليء بالخمور (كانت الكحوليات تقدم بوفرة للعاملين في مراكز الموت ~~الرحيم) - بالمريض رقم عشرة آلاف المقتول بالغاز، وقد عرضت جثته عارية ومزينة بالورود أمام ~~فرن الحرق. # 30 # دمرت غرف الغاز أو جرى تفكيكها لإرسالها للمناطق الشرقية. وليس من قبيل ~~المصادفة أن يطبق برنامج جديد للموت الرحيم يدعى (14إف13) ابتداء من ربيع عام 1941 على ~~المعتقلين غير القادرين على العمل في المعسكرات، تمهيدا «للتصفية النهائية لليهود» (مؤتمر ~~وانسي، العشرين من يناير 1942). وبالفعل، جرى إعدام سبعين ألف مريض عقليا. ولم يمنع هذا ~~الأمر البرنامج ms503 من الاستمرار عن طريق ما أسماه النازيون أنفسهم ب «الموت الرحيم الوحشي»، ~~تاركين المبادرة للقائمين على تنفيذه. وبدلا من الخنق بالغاز، كان يحرم المرضى من أي عناية ~~أو تدفئة وبشكل خاص من الغذاء. ويعد الحرمان من الطعام - إذا جرى تنظيمه على نحو علمي - ~~قاتلا في غضون ثلاثة أشهر. كان يسمى «النظام الغذائي ب». وحتى نهاية الحرب، مات أكثر من ~~ثلاثين ألف مريض عقليا، إلى جانب هؤلاء الذين تتم «تصفيتهم» أولا بأول مع زحف ألمانيا ~~ناحية الشرق. # كانت حالة فرنسا تحت الاحتلال الألماني مختلفة تماما. في هذه المرحلة من الحرب، لم يكن ~~مصير مرضى الاعتلال العقلي في فرنسا يهم النازيين. وعندما نقل مائة مريض عقليا من مصحات ~~منطقة ألزاس العقلية إلى مركز إبادة هادامار في نهاية عام 1943 # 31 ~~(مما يدل على استمرار برنامج تي4)، كان هذا لأن منطقة ألزاس كانت خاضعة لحكم ~~الرايخ الألماني. أما حكومة فيشي، فلم تكن تعنيها على الإطلاق مسألة مرضى الاعتلال العقلي مثل ~~الحكومات السابقة، فلم تهتم حتى بوضع جنحة للعدوى بالزهري، وهي القضية التي شغلت الطب الفرنسي ~~كله في فترة ما بين الحربين، الذي طالب بإصرار بتطبيق إجراءات عنيفة ضد «وباء الزهري». وكان ~~القانون الوحيد ذو الصلة بتحسين النسل الذي أصدرته حكومة فيشي (ظل ساريا حتى نهاية عام 2007) ~~هو الفحص الإجباري قبل الزواج، وإن لم يكن في سلطة الطبيب بأي حال أن يعترض على ~~الزواج. # ويبقى أنه - أثناء الاحتلال - على الرغم من انخفاض نسبة الاحتجاز (ربما بسبب انخفاض ~~معدلات إدمان الخمور)، شهدت معدلات الوفيات قفزة ضخمة مقارنة بنسبة الوفيات المرتفعة بشكل ~~عام. فبلغت نسبة الوفيات في إقليم السين - 1,27٪ عام 1937 - حوالي 1,68٪ عام 1941. وكان ~~الأكثر ضعفا هم المتأثرين بها: الأطفال والمسنين. فازدادت نسبة الوفيات بينهم إلى ~~25٪. # 32 # ولوحظ هذا الارتفاع في معدلات الوفيات أيضا في المناطق المحتلة في فرنسا، بل ~~وأيضا في بلجيكا ويوغوسلافيا واليونان. # 33 # والأسباب معروفة بالطبع، فلا داعي لتكرارها. فبسبب الاستقطاعات الموجهة إلى ~~ألمانيا، كانت فرنسا تعاني من الجوع والبرد، بصورة ms504 لا يمكن للأجيال التي لم تعش هذه الفترات ~~القاتمة تخيلها. فأي مواطن فرنسي يكتفي بالحصة المخصصة له كان محكوما عليه بالموت، بالمعنى ~~الحرفي للكلمة. كانت المأساة من نصيب من لا يفكر في الخطة البديلة، الاستعانة بالسوق السوداء ~~- أو السوق الرمادية (سوق سوداء ولكن مسموح بها إذا كانت تساهم مباشرة في إبقاء أسرة على قيد ~~الحياة) - أو من لا يتلقى طرودا من الأقاليم المسماة «عائلية» (بلغ عددها 1350000 عام 1942)، ~~أو من لا يمتلك دراجة (حوالي مليونين في باريس عام 1943 في مقابل ثلاثة ملايين مواطن، وكانت ~~تتم سرقة سبعة آلاف كل شهر). وبالطبع، كان المرضى في المصحات والملاجئ جزءا من هؤلاء ~~التعساء. # 34 # كانت النحافة الزائدة - التي انتشرت بالفعل بين الشعب (انخفضت الأوزان بنسبة من ~~10٪ إلى 30٪) - قد اجتاحت هذه الأماكن، مشجعة على انتشار القاتل الأشرس لهذا العصر؛ مرض ~~الدرن، لدرجة أنه في بعض الأحيان كنا نجد مصطلح «درن المجاعة». # 35 # لم تنج المصحات النفسية من هذا المصير، وكان الأطباء النفسيون أول من ثاروا ضد هذا ~~الأمر. منذ الثامن والعشرين من أبريل 1941، ألقى الطبيب فرانتز آدم بيانا أمام الجمعية ~~الطبية النفسية: «أعتذر أيها السادة عن النزول عن مستوى مناقشاتكم العلمية والمثيرة لكي أتطرق ~~إلى مسائل - قد تبدو في الأوقات العادية ثانوية - تتعلق بحالات ملازمة الفراش والنظام الغذائي ~~للمرضى لدينا. ولكننا نحيا الآن في عصر صعب بل وقاس، يتم فيه التضحية بالضعفاء [...] وتثير ~~البيانات القادمة من مختلف الجهات قلق، بل وأقول تقزز، الزملاء الذين يرون كل يوم انخفاض ~~حالة - بل وكميات - الغذاء المخصصة لمرضاهم؛ مما يزيد من نسبة الوفيات لديهم.» وتضاعفت صيحات ~~التحذير هذه طوال عام 1941. كان الأمر يشبه الحالة خلال فترة نهاية الحرب العالمية الأولى في ~~معسكرات المساجين والمشافي العامة والنفسية. ولوحظت الظاهرة نفسها في ألمانيا. # 36 # وفي بيان آخر بتاريخ الرابع والعشرين من نوفمبر 1941 بالجمعية الطبية النفسية ~~(بيسيير وبريمون وتالايراش)، جاء ذكر نقص الغذاء المزمن القاتل. وازداد الأمر بالأكثر لدى ~~الرجال، ولدى ذوي الأمراض المزمنة المحتجزين منذ فترة طويلة ولدى ms505 المسنين، بل وأيضا لدى ~~«المحرومين من الطرود»، كل هذا في ظل الحرمان من التدفئة. كانت بوادر الأمر عبارة عن انخفاض ~~كبير تدريجي في الوزن (من عشرة إلى خمسة وعشرين كيلوجراما). وتتسم متلازمة الأعراض بارتفاع ~~شديد في الحرارة وبأوديما قلبية وبإسهال يتطور إلى الموت. وعلى المستوى النظري، يكون من ~~المستحيل إعادة تغذية المريض بعد بلوغه مرحلة معينة لا رجعة فيها. # وفي عام 1941، سجل الطبيب سيزاريت - كبير الأطباء بمشفى روش جاندون (مايين) - أيضا وجود ~~10٪ من حالات الوفاة لدى النساء و20٪ لدى الرجال، في حين أنها كانت تدور قبلا حول حاجز ال ~~6٪. «وأسباب هذه الزيادة ليست كثيرة ولا غامضة. فلم يكن هناك أي وباء؛ بل كان السبب الوحيد ~~لتلك الزيادة هو نقص التغذية [...] ومثل تلك المشكلة لا يمكن حلها، خاصة إذا كانت تتعلق بجميع ~~المشافي التي لا تستطيع أن تحصل على أكثر من الحصص الرسمية المقننة لكل فرد؛ ولذلك، حكم على ~~مرضانا بالموت جوعا.» وفي عام 1941 أيضا، عبر الطبيب كالميت - مدير مشفى إقليم فيينا العليا ~~- عن أسفه لتضاعف نسبة الوفيات، على الرغم من الجهود المبذولة لزيادة عائدات المزرعة والحقول ~~الملحقة بالمشفى. والأمثلة كثيرة؛ # 37 # ففي مؤتمر أطباء الأمراض العقلية الذي عقد بمونبلييه في أكتوبر 1942، ندد كل من ~~الطبيب كارون ودوميزون وليكولييه «بالتضحية المفزعة بالمرضى التي تتم منذ يونيو 1940.» # وفي كل مرة، تتلقى إدارة المحافظة تحذيرا، ولكن - بغض النظر عن الركود الهائل في الخدمات ~~العامة - كانت الإدارة تخضع تحت ثقل طلبات الإمدادات الإضافية بالغذاء التي تقدمها لكافة فئات ~~الشعب. وبالطبع، لم تكن المصحات النفسية من الأولويات. يمكننا أن نرى في ذلك بالطبع عمليات ~~«تحسين النسل» ولكن بسبب العوز، ولكن إذا اعتبرنا أن الإدارة التي تدير هذا النقص تسير وفقا ~~للأولويات، فإننا بهذا ننظر للمشكلة بالعكس: الرضع على سبيل المثال، أو أطفال المدارس ~~(توزيع اللبن والرقائق داخل الفصول من قبل الإنقاذ الوطني). # في دراسة حديثة عن ارتفاع نسبة الوفيات بين ~~المحتجزين على المستوى الوطني، اقترحت إيزابيل فون بيلتزينجسلوين # 38 # إجراء عملية حسابية بسيطة. باستقراء ms506 نسبة الوفيات «الطبيعية» للفترة من 1935 وحتى ~~1939 واستكمالها بالنسبة نفسها ولكن لفترة الاحتلال الألماني، كان من المفترض أن تكون النتيجة ~~34143 حالة وفاة، وليس 78287 حالة جرى تسجيلها؛ أي إن النسبة المرتفعة في الوفيات هي نتيجة ~~الطرح؛ أي ما يساوي 44144 حالة. بيد أن هذا الإجمالي كان يجب أن يوضع في منظور الحركة السنوية ~~للوفيات بالتناسب مع نسبة الموجودين والذين يتم استقبالهم للاحتجاز. فها هي الإحصائية السنوية ~~لمؤسسات الرعاية، والتي تمثل تطور نسبة الوفيات بسبب الإصابة بخلل في جميع وظائف الجسم (ولكن ~~ينقص هذه الإحصائية الكثير من الأقاليم؛ لذلك لن نذكر إلا النسب المئوية): # 1938 # 1939 # 1940 # 1941 # 1942 # 1943 # 1944 # 1945 # 1946 # 6,3٪ # 6,6٪ # 9,9٪ # 17,6٪ # 17,8٪ # 11,7٪ # 9,4٪ # 7,6٪ # 6,5٪ # وباختلاف بعض المتغيرات، نجد المنحنى نفسه في كل مصحة للأمراض العقلية. ومرورا، كان لا ~~بد من ملاحظة أن خلل جميع وظائف الجسم ليس ظاهرة جديدة في المصحات العقلية، كما سبق أن رأينا، ~~وهو الأمر الذي فعله بعض الأطباء في ذلك الوقت. ويعلق بيير شيرير: # 39 ~~«بل هو مشكلة طالما وجدت داخل المصحات النفسية كنتيجة للمرض العقلي»؛ ولذلك وجد ~~خلل وظائف الجسم تربة خصبة للانتشار بسبب سوء التغذية. ولقد استطاع بعض المديرين التصرف بصورة ~~أفضل من الباقين (أو على الأقل خصصوا مزيدا من الوقت). إلا أن الخطة البديلة كانت صعبة ~~للغاية، بل مستحيلة على مستوى عدة مئات من المرضى. فقد كانت تفترض في جميع الأحوال مبادرات ~~جريئة، بعيدا عن الأساليب الإدارية. كانت تلك هي حالة مصحة روديز الصغير؛ حيث نظم كبير ~~الأطباء والمدير هناك - الطبيب جاستون فيرديير - سوقا سوداء حقيقية للبطاطس مقابل التبغ الذي ~~كان يمنعه عن بعض فئات المرضى. # 40 # وإلى حصص التغذية غير الكافية بصورة مأساوية، يزيد - أو ينقص - نوع من التبديد العام. ~~ورغم أنها ليست بالظاهرة الجديدة، فإنها تضاعفت في سياق من النقص والاحتياج العام. من ناحية، ~~كانت هناك الاقتطاعات المصرح بها: الوجبات التي تقدم إلى العاملين وأسرهم (200 وجبة بمصحة ~~لواز للأمراض العقلية)، وأيضا ms507 بيع أو توزيع المحاصيل والفحم على العاملين. في كليرمون ~~بمقاطعة إلواز، اتسعت هذه الاقتطاعات إلى حد كبير حتى أطلق على المؤسسة اسم «سامار» # 41 ~~(إقليم بالفلبين). بالطبع لم تكن مصحة كليرمون استثناء. ومن ناحية أخرى، كان ~~هناك الكثير من الالتفاف: محاصيل مزيفة في المزارع والأراضي الزراعية بالمصحات العقلية، ~~استقطاعات على اللحوم تخصص للمطابخ (أفضل القطع)؛ حيث انخرط بعض الطباخين في العمل بالفعل في ~~السوق السوداء. ويطالب منشور وزاري بتاريخ الثالث من مارس 1942 المفتشين المحليين للصحة ~~بالتأكد من أن «المنتجات التي تسلم إلى هذه المؤسسات تكون محفوظة ومخصصة للمرضى.» ومن ثم كان ~~على مديري المصحات القيام «بحملات تفتيشية مفاجئة وقت الوجبات للتأكد من أنها توزع على ~~المرضى.» # 42 # ويروي جاستون فيرديير في مذكراته عن وصوله إلى مصحة روديز في يوليو 1941: «جمعت ~~كل العاملين، وقلت إنه ليس من المقبول أن نحيا على الغذاء الموجود في المصحة.» # 43 # وجرى فصل الكثيرين، على الرغم من ضرورة التكتم. في مايو 1942، يذكر محافظ ~~فوكلوز مدير المصحة النفسية بمنطقة مونديفيرج ليروز - عقب فصل ممرض وثلاثة من العاملين - أنه ~~«يجب عدم محاكمة أي شخص إلا في حالات السرقة المادية أو الأشياء المنقولة، أما اختلاس ~~المحاصيل أو المنتجات الغذائية، فيجب على العكس أن يحظى بأكبر قدر من الكتمان؛ نظرا للأوضاع ~~الراهنة.» # 44 # أما العائلات - ولا سيما أنها تعاني ذاتها من الحرمان - فلم تعد تهتم بمرضاها، الذين ~~كانوا يتنقلون عادة من مصحة إلى أخرى. وإذا حدث أن تذكرتهم، فنادرا ما تبعث أحد الطرود. ~~كانت تلك هي حالة بول كلوديل، أثناء الزيارة الوحيدة التي قام بها لشقيقته كاميل المحتجزة ~~حينها بمصحة مونديفيرج. كان ذلك في سبتمبر 1943 في ذروة الفقر المدقع. كانت كاميل - على الرغم ~~من أنها من النزلاء الذين يدفعون مقابل إقامتهم - تموت جوعا مثل الباقين. ولم يستطع أخوها ~~تجاهلها، بعد أن قامت قريبة لهما قبلا بزيارة هذه البائسة المحتجزة منذ سبعة وعشرين عاما، ~~فعادت وكتبت له بأنها تقريبا تحتضر، مضيفة: «أنها تعاني من تورمات بسبب نقص الغذاء [...] وأن ms508 ~~طبيبتها تقول إنه يجب أن يرسل لها طرد صغير (عن طريق البريد بالطبع) كل خمسة عشر يوما يحتوي ~~فقط على الزبد والبيض والسكر والمربى والكعك المصنوع منزليا مثلا بجودة عالية ومكونات ~~سليمة. إنه أمر صعب، ولكننا نستطيع أحيانا أن نمارس ضغوطا لصالح المرضى المساكين. على الأقل ~~ربع كيلوجرام من الزبد كل أسبوعين، سيكون هذا كافيا لها.» # 45 # عند وصوله، كان أول شيء يقوله له مدير المصحة إن المرضى يموتون فعليا من الجوع. ~~وما كان من الشاعر المسيحي الشهير - الذي حضر بيدين فارغتين - إلا أن يصرخ بحماس وهو يقبل ~~جبهة شقيقته: «فلتستريحي أيتها الرائعة العبقرية!» وماتت كاميل كلوديل بعد شهر. ولم يحضر بول ~~كلوديل أو أي فرد من أسرتها مراسم دفنها في المقبرة الجماعية. كانت هناك عائلات ~~أخرى - كالعادة - لا تظهر إلا بعد الجنازة، كأنها ~~اكتشفت مؤخرا وجود مريضها. كانت الأوقات صعبة على الجميع. # ماذا عن سلطات الدول وسط كل هذا؟ بالمقارنة مع بطئها المعتاد، تحركت الدولة بسرعة نسبية ~~بنشرها لمنشور في فبراير 1941 يوصي المحافظين بمراقبة قوائم الطعام على نموذج عام 1938. ولقد ~~أبدى العاملون في المجال استياء شديدا لهذا النقص في الواقعية. ويجيب مدير مصحة الطب النفسي ~~بمنطقة أوش بسخرية لاذعة: «ملاحظة الوصفات المنظمة فيما يتعلق بالتغذية هي بلا شك أكثر ما ~~يرغب فيه كل من يتولى مسئولية علاج وإطعام مرضى الاعتلال العقلي. يا له من تشجيع ودعم قوي ~~يتيح لنا بقوة مواجهة الصعاب المختلفة التي تتوالى كل يوم لتأمين الغذاء لمرضانا! في الواقع، ~~يصعب اليوم الاقتراب - على الأقل من الناحية الكمية - من قوائم الطعام النموذجية لعام 1938 ~~التي تبدو لنا شاهدا على حياة البذخ البعيدة السابقة!» # 46 # في جميع الأحوال، لم يكن لمرضى الاعتلال العقلي الأولوية في مخالفات التقنين الصارم - ~~الذي هو أقل من المعدل اللازم للبقاء. كان التقنين الأساسي يتضمن ثماني فئات، تبدأ من الأطفال ~~من ثلاثة إلى ستة أعوام، وتتدرج حتى المسنين فوق السبعين عاما. ولهؤلاء، كانت البطاقة # V # لا تعطيهم أكثر من مائتي جرام من الخبز ms509 في اليوم (كان ~~الخبز طعاما أساسيا)، بدلا من ثلاثمائة وخمسين جراما للبطاقة # A ~~(من واحد وعشرين عاما حتى سبعين)، والتي انخفضت إلى ~~مائتين وخمسة وسبعين جراما اعتبارا من التاسع والعشرين من مارس 1941. كان مرضى الاعتلال ~~العقلي الذين لهم الحق في كمية أخرى هم أساسا من الذين يعملون ويمكنهم التقدم بطلب الحصول ~~على البطاقة # T # والمسماة ب «بطاقة العاملين بالإكراه» (حوالي ~~أربعمائة وخمسين جراما من الخبز يوميا). ولكن كانت الإدارة تعطيهم هذه البطاقات بنوع من ~~التردد، ليس لأنها تعتبرهم مجانين؛ وإنما لأنها لا تعتبرهم عاملين بالإكراه. # تحت ضغط من الأطباء والرأي العام، قررت الحكومة أن تتحرك أخيرا بطريقة غير التوصيات. ~~ولقد تقرر، بموجب النشرة الصادرة بتاريخ الرابع من ديسمبر 1942 عن وزارة الأسرة والصحة، منح ~~حصص إضافية للمصحات النفسية: من مائتين وعشرين إلى مائتين وخمسة وعشرين سعرا حراريا ~~يوميا، وحوالي أربعمائة سعر لربع المحتجزين. # 47 # وكعادة هذا الوقت، كانت تلك الهبة هامة للغاية، على الرغم من أنها قد تبدو اليوم ~~تافهة (فلا نزال تحت الألفين والأربعمائة سعر اللازمة في المتوسط يوميا للفرد). إلا أن هذه ~~الإضافات الضعيفة - بالإضافة إلى يقظة أكبر ومحاولات محلية لإعادة التنظيم - قد بدأت تؤتي ~~ثمارها التي تزامنت مع تقليل عدد العاملين؛ مما تسبب في تراجع نسبة الوفيات ابتداء من عام ~~1943. # لم يكن هناك إذن - لا من ناحية الأطباء، ولا من ناحية السلطات - أي محاولات ولو خفية ~~«لإبادة» مرضى الاعتلال العقلي بفرنسا. فلا يزال يوجد فرق طفيف بين «أن نترك شخصا يموت ~~جوعا» وأن «نميت شخصا من الجوع». كان أبشع ما في هذه المأساة أن من تحملها كانوا الأكثر ~~فقرا والأكثر براءة. وعلى الرغم من كل شيء، طرحت القضية المسئولية. كان هناك نوع من ~~اللامبالاة وانعدام المشاعر والأنانية ضاعفت منها حالة الحرب والاحتلال ... ولكن، يجب أن نضع في ~~الاعتبار السياق الذي اتسم بانتشار فكر تحسين النسل التي سادت منذ فترة ما بين الحربين، حتى ~~وإن لم يكن هناك في فرنسا عمليات لتحسين النسل السلبي، على الرغم من وجود ms510 بعض الفكر ~~المتفرقة لألكسيس كاريل (والدليل أنه الوحيد الذي نذكره في هذا الأمر). كان مرضى الاعتلال ~~العقلي يعانون - حتى من قبل الحرب - من الفكر المسبقة السيئة عنهم. في أبريل 1937، في الوقت ~~الذي كان يشغل فيه منصب عمدة ليون، تساءل إدوارد هريوت - الرئيس السابق للمجلس والمتحدث باسم ~~اليسار والذي سيتم ترحيله مستقبلا - بخصوص أحد مرضى الاعتلال العقلي الذي قضى عشرة أعوام في ~~المصحة بفيناتييه، مكلفا المنطقة مبلغ ثمانين ألف فرنك: «ألا توجد تحفظات على التقدم الذي ~~يزيد بؤس حياته لأعوام طويلة بدلا من أن يشفي المريض؟» # 48 # ويصر هريوت، ويقول بعد بضعة أشهر - أثناء مراجعته لتكلفة إقامة مريض عقليا ~~محتجز منذ عشرة أعوام: «إن التكلفة تفوق تكلفة تربية طفل في ظروف جيدة؛ ولذلك فمن حقنا القول ~~بأنه من الأفضل ترك مريض عقليا يموت في سبيل إنقاذ طفل.» مثل هذا الحديث ولا سيما أنه صادر ~~عن شخص منتخب، لم يعد مقبولا اليوم. في ذلك الوقت، كانت هذه الأفكار تقوم على اتفاق عام. ~~وتضيف إيزابيل فون بيلتزينجسلوين - التي ذكرت هذا التصريح - أن هذه الملاحظات الشديدة التطرف، ~~لم تكن تؤدي إلا إلى اقتراحات وإجراءات معتدلة للغاية. # لقد قوبل المنشور الوزاري للرابع من ديسمبر 1942 الذي يقضي بزيادة حصص الغذاء لمرضى ~~الاعتلال العقلي؛ بسوء فهم، واستنكرته الخدمات المسئولة عن التموين. ويعلق أحد الأطباء وعضو ~~لجنة التزويد بالغذاء قائلا: # 49 ~~«أعرف الكثيرين من العمال العاقلين والذين يعانون أيضا من سوء التغذية، والذين ~~سيسعدون إذا ما تلقوا اهتماما كمرضى الاعتلال العقلي.» وفي «جريدة الطب بليون»، كتب كل من ~~الطبيبين روكيه وروفيردي عام 1943: «لم يكن من الممكن ألا يؤثر العصر الغريب الذي نحياه ~~جذريا على تطور المرض العقلي في فرنسا، ولكنه فعله بطريقة غير متوقعة على الإطلاق، في ~~صورة تحسين كبير وتدريجي للصحة العامة.» بالنسبة إلى المؤلفين، هذا التحسن يرجع إلى انخفاض ~~عدد المقيمين بمصحة الأمراض العقلية. هذا الانخفاض قد يرجع إلى قلة عدد الداخلين، أو سرعة ~~خروج المرضى في أوقات السلم، وبشكل خاص إلى ارتفاع نسبة الوفيات ms511 بين مرضى الاعتلال العقلي. ~~ويرى الطبيبان في هذا الارتفاع في نسبة الوفيات - الذي يربطانه مباشرة بالقيود المفروضة ~~عليهما - «صورة من صور تحسين الصحة العامة عن طريق انتخاب طبيعي حقيقي [...] فالعصر الحالي، ~~بقسوته البدائية وصرامته التي لا ترحم، يبدو وكأنه في حالة تطهير للصحة النفسية.» # 50 # أكان لمثل هؤلاء الأطباء دور في تشجيع نقص التغذية بين المرضى المسئولين منهم؟ ~~على الأرجح لا. في لعبة الاستشهادات الجزئية، بل والمنحازة، يجب ألا نغفل هنري إي - كبير ~~الأطباء بمصحة بونيفال (يور إليوار) في الفترة من 1933 وحتى 1970 - والذي كان ممثلا لمهنته، ~~عندما كتب في فبراير 1941 بخصوص مرضاه: «إنهم مصابون بأحد أكبر آلام البشرية، ويتحولون إلى ~~كائنات لا ترغب في العيش. ويجب علينا - وفقا للمبدأ الأعظم لشرف مهنتنا - أن نحافظ على ~~حياتهم، حتى وإن بدا الأمر عبثيا.» فبالنسبة إلى إدوارد إي وزملائه الفرنسيين، كان قسم ~~أبقراط لا يزال ذا معنى (أمتنع عن أي شر أو أي ظلم، ولن أدس السم لأحد حتى وإن طلب مني ~~...) # عندما انتهت الحرب، طويت تلك الصفحة. كان سبب قلق الأطباء النفسيين الفرنسيين إزاء قلة ~~الأعداد داخل مصحاتهم هو معرفة ما إذا كانت السلطات العامة ستستغل هذا الأمر لتغير تخصص ~~بعضهم. وبشكل طريف، تحول النظر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بعد الحرب، لاكتشاف حملة ~~تنديد بالمصير المخصص لمرضى الاعتلال العقلي هناك. وفي العدد الصادر بتاريخ السادس من مايو ~~1946 من مجلة «الحياة»، ظهر مقال، له عنوان موح: «بدلام 1946»، ربما رجوعا إلى الفيلم ~~«بدلام» الذي كان يعرض في الوقت نفسه في صالات العرض، ويظهر فيه بوريس كارلوف مجسدا شخصية ~~مدير مصحة بدلام القاسي في القرن الثامن عشر. وكتب ألبرت كيه مايزل - صاحب المقال «بدلام ~~1946» - في مقدمته: «تعد معظم مصحات الأمراض العقلية بالولايات المتحدة رمزا للخزي والعار.» ~~وجاءت التقارير والصور المؤلمة الملحقة بالمقال لتصدم أمريكا، التي لم تكد تفيق من هول صدمة ~~اكتشاف معسكرات الاعتقال. وأجري تحقيق في اثنين من المشافي العامة: بابيري ببنسلفانيا، ~~وكليفلاند بأوهايو. ورأينا هناك مرضى الاعتلال العقلي في ms512 أشد حالات الإهمال والعوز ~~الكامل. # في الأعوام التالية، استأنف المراسل ألبرت دويتش التحقيق حول مصحات نفسية أخرى، ووصف ~~الوضع ذاته في سلسلة من المقالات، ثم جمعها في كتاب ظهر في عام 1948 «عار الولايات المتحدة، ~~المرض العقلي والسياسة الاجتماعية: التجربة الأمريكية». في مصحة ولاية فيلادلفيا، التي تضم ما ~~يقرب من ستة آلاف وخمسمائة مريض، انخفض عدد الأطباء من خمسة وستين إلى ثمانية عشر، وعدد ~~الحراس من واحد لكل خمسة وعشرين مريضا إلى واحد لكل خمسمائة. وبشكل كبير، فإن «رعاية» مرضى ~~الاعتلال العقلي الموجودين بست وخمسين مصحة نفسية قد عهد بها جزئيا إلى المستنكفين ~~ضميريا البالغ عددهم 3000 (معظمهم من طائفة الأصدقاء أو الميتدوديست أو المنونيت من الطوائف ~~البروتستانتية). ويعكس هذا الأمر توجها نموذجيا يميل إلى تحسين النسل: «أشخاص عديمو ~~الفائدة يحرسهم آخرون عديمو الفائدة»؛ لأن الممرضين والأطباء الحقيقيين جرت تعبئتهم بشكل ~~«جيد». أما باقي الحراس، فيكونون عادة من معدومي المؤهلات، وأيضا عديمي الأخلاق (على عكس ~~المستنكفين الذين أدلوا بشهاداتهم عقب الحرب). # 51 # كان مرضى الاعتلال العقلي يجبرون بانتظام على أعمال سخرة، ويبقون مقيدين بالأصفاد ~~وسترات المجانين لمدة أيام كاملة، كما كانوا يتعرضون للضرب أو الاغتصاب؛ وكانت النتيجة وفاة ~~بعضهم. والدليل على مدى النظرة المحتقرة التي كانت توجه إليهم، أنه عندما لا يكون في استطاعة ~~إدارة المصحة غض الطرف عن بعض هذه الممارسات، كانت توقع عقوبات لا تتعدى الفصل، ويكون من حق ~~المجرمين أن يلتحقوا ببساطة بالعمل في مصحة أخرى ليمارسوا هناك مواهبهم في التعذيب. # وهكذا، كان مصير مرضى الاعتلال العقلي في الولايات المتحدة يتسم بشكل ملموس بمظاهر تحسين ~~النسل السلبي؛ الذي لم تشهده فرنسا نفسها إبان حكم فيشي على الرغم من ارتفاع نسبة الوفيات ~~هناك بشكل مخيف. وإذا لم يكن مرضى الاعتلال العقلي في أمريكا يموتون من الجوع بأعداد كبيرة؛ ~~فذلك لأن بلادهم كانت تشهد نظاما لتقنين الغذاء أقل وطأة بكثير من الذي كانت تشهده دول ~~أوروبا. # ففي فرنسا، بعد الحرب العالمية الثانية، كان يتم التطرق أحيانا لمسألة ارتفاع نسبة ms513 ~~الوفيات داخل المصحات النفسية تحت الاحتلال، فلم تعد سرا في عالم الطب. كانت تطرح تارة دون ~~جدل، كما حدث عام 1966 مع الطبيب أيم، # 52 # أو في عام 1978 مع الطبيب سيفادون الذي عقد مقارنة (كمية وكيفية) مع فترة ~~1914-1918، # 53 # وتارة أخرى تكون محملة بطابع الاتهام كما جاء في مجلة «عقل» عام 1952: «كان يتم ~~التزام الصمت بصورة رائعة؛ بحيث يمكن الاحتفاظ خلف الجدران وفي أعماق الحدائق بما يزيد عن ~~أربعين ألف مريض عقليا على وشك الموت من الجوع والبرد والدرن تحت الاحتلال الألماني [...] كان ~~يجب أن يموت المجانين والمسنون أولا، كان هذا هو النظام.» # 54 # وفي العدد نفسه، كان هناك مقال آخر بقلم لويس لوجيان ولوسيان بونافيه، وقد تمادى ~~أكثر من الآخر قائلا: «كان هناك تكدس ضخم في المصحات النفسية قبل الحرب، وإزاء هذا الأمر ~~أوجدت الشرطة الفاشية «المعاونة» حلا جذريا لمرضى الاعتلال العقلي بدعم من حكومة فيشي. ~~فمات ما يقرب من أربعين ألف مريض عقليا من جراء الجوع والبرد خلال الحرب.» # ولقد أصبحت هذه الأحداث تحت الاحتلال «القضية المحورية» في كتاب ماكس لافون الذي ظهر عام ~~1987 بالعنوان الصادم: «الإبادة الرقيقة: موت أربعين ألف مريض عقليا في المصحات النفسية ~~بفرنسا تحت حكم فيشي». # 55 # بالنسبة إلى المؤلف، كان الأمر يقوم على «قياس مدى نسيان الإنسان للإنسانية، وإلى ~~أي مدى قد تصل الحوارات والأفعال في مجتمع فقد الحس الأخلاقي وواجباته وحدوده.» ~~ففرنسا - التي كانت تعيش في ذلك الوقت أجواء محاكمة ~~كلاوس باربي - تحركت ولا سيما بعد أن أشارت الصحافة إلى: «جبن وعدم وعي الأطباء النفسيين [...] ~~الذين وجدوا في الأمر موضوعا علميا رائعا لدراسته»، على حد وصف الطبيبة إسكوفييه لامبيوت ~~في العاشر من يونيو 1987 في جريدة لوموند؛ حيث تتولى باستمرار مسئولية العمود الطبي. ومن ~~جانبها، تشدد الجريدة الطبية «الممارس العام» في الرابع عشر من يوليو 1987، طابع كشف ما هو ~~سري للكتاب الذي «أظهر في صورة مؤكدة ما كان قبلا مجرد إشاعات مكتومة في الأوساط المطلعة: ~~إبادة آلاف المرضى.» ولقد ms514 وضع الطبيب النفسي الشهير لوسيان بونافيه (1912-2003) مقدمة هذا ~~الكتاب. ويتحدث باعتباره «شاهدا مباشرا لعمليات الإبادة الأولى لمرضى الاعتلال العقلي.» كان ~~حينها مديرا للمصحة النفسية بسانت آلبان (لوزير العليا)، وكان مقاوما ومناضلا شيوعيا. ~~وكان أيضا - كما سنرى - من رواد «الطب النفسي الاجتماعي»، في العقود التي تلت الحرب. وعندما ~~وجهت إدارة التحرير بجريدة «الممارس العام» ملحوظة أن لفظ «إبادة» قوي بعض الشيء، أجاب: ~~«أعتقد أنه على العكس ملائم للغاية.» وبسؤاله: «لماذا هذا الصمت لمدة أربعين عاما؟» أجاب: ~~«لم يكن هناك صمت، كانت هناك رقابة.» # ثار غضب واحتجاج الأطباء النفسيين، إلا أن الاتهام البشع الذي تم توجيهه لم يتوقف عن ~~التصاعد. فقد ظهرت روايتان هامتان لدعم أطروحة الإبادة الرقيقة: «قطار الموتى» لبيير ~~ديوران # 56 # عام 1988، و«حق اللجوء» للطبيب النفسي باتريك لوموان # 57 # عام 1998. كان هذا ما يسميه دانييل كونرود برجاحة: «احتدام الذاكرة» # 58 # الذي نتج عنه أيضا عريضة على شبكة الإنترنت (بعنوان «لكي ينتهي ~~الألم»)، # 59 # والتي تنتهي بهذا الطلب: «نطالب بأن تعترف السلطات العليا الفرنسية بأن الدولة ~~الفرنسية في ظل حكومة فيشي تركت بشرا محتجزين داخل المصحات النفسية يموتون خلال الحرب ~~العالمية الثانية. ونطالب بأن يتم معرفة وضع وتحليل المسئوليات المتعلقة بهذا الأمر - على ~~مستوى الأيديولوجية والنظام السياسي المؤسسي. ونطالب بأن يتم تحديد هؤلاء المسئولين وجرائمهم ~~وإدخالها في البرامج والكتب المدرسية.» # أول محاولة لنبش الماضي كانت مع أوليفييه بونيه عام 1990 بمناسبة الندوة الثامنة للجمعية ~~الدولية لتاريخ الطب النفسي والتحليل النفسي. # 60 # وتوصلنا إلى أول الشواهد على أطروحة «الإبادة الرقيقة»، التي عانينا جراءها من ~~هجوم عنيف. # 61 # لم يكن من المفترض التشكيك في حقائق أكيدة وثابتة بهذا الشكل. كان لا بد من ~~الانتظار حتى عام 2007 لتوضع نقطة شبه نهائية في هذا الأمر مع كتاب «التضحية بالمجانين» ~~لإيزابيل فون بيلتزينجسلوين. # 62 # وبعد دراسة كاملة (خمسمائة واثنتي عشرة صفحة) لاقت استحسان النقاد ~~جميعا. # 63 # أكدت المؤرخة عدم صحة الأطروحة القائلة بوجود مجاعة منظمة عن قصد من قبل حكومة ~~فيشي لأهداف تتعلق بتحسين ms515 النسل. وفي ختام كتابها، ذكرت إيزابيل فون بيلتزينجسلوين بأن «واجب ~~الذاكرة يكون عديم المعنى إذا لم يكن عملا دقيقا.» # الفصل الثالث # | ثورة الطرق العلاجية البيولوجية # عندما نذكر - فيما يتعلق بالبحث العلمي - كلمة «السرنديبية» (وهي تعني بالإنجليزية المصادفة ~~السعيدة؛ أي اكتشاف أشياء عرضا)، نميل إلى التركيز فقط على المصادفة، ناسين أنها لا تأتي ~~بمفردها، وأنها عندما تحدث يجب أن نعرف كيف «نقودها». هنا يكمن المعنى الحقيقي للفن الإرشادي. ~~كانت كلمة # sérendipité ~~(التي تأخذ أحيانا طابعا فرنسيا في ~~نطقها) قد ظهرت في إنجلترا عام 1754، وهي مقتبسة من قصة فارسية تحكي عن ثلاثة أمراء لجزيرة ~~سرنديب (سيلان) كانوا يكتشفون دوما أشياء ومكافآت لم يكونوا يبحثون عنها عن طريق «المصادفة ~~وحدة الذهن.» # كانت هذه هي الحال وقت الاكتشاف الثوري لأول مضاد للذهان، في سياق من المعارف الخاصة ~~بالفسيولوجيا العصبية، ولا سيما الوسائط العصبية (مواد كيميائية عضوية تطلقها الخلايا العصبية ~~وتخلق «وسطا» كيميائيا يؤثر على وظائف خلايا عصبية أخرى). ولقد بدأ هذا الاكتشاف السرنديبي ~~بعملية تركيب الفينوثيازين من كلورور الميثيلين عام 1883. كان الفينوثيازين يستخدم في البداية ~~كمبيد للحشرات؛ للديدان (لمكافحة الطفيليات المعوية في الطب البيطري). وبعد ذلك، في عام 1937، ~~اكتشف أن بعض مشتقات هذا الجزيء تمتلك خواص مهدئة ومضادة للهستامين (والهستامين مادة تفرز ~~من العضو المصاب، مثل حالة الحساسية). كان الفينيرجان يستخدم كمضاد للهستامين منذ عام 1940 على ~~يد الطبيبين النفسيين جيرو ودوميزن؛ لقدراته المهدئة في حالات هياج المرضى. وهناك أنواع أخرى ~~من الفينوثيازين تستخدم في مجال علم الأعصاب بسبب خواصها المعالجة لمرض الشلل الرعاش ~~(باركنسون)، ولكن دون أن يكون هناك تفسير لطريقة عملها. عقب الحرب العالمية الثانية، أصبحت ~~دراسة آثار مشتقات الفينوثيازين الهدف الرئيس للباحثين. خلال حرب المحيط الهادئ ، كان الأمريكيون ~~قد بدءوا بالفعل في دراسة الفينوثيازين ومشتقاته في إطار أبحاثهم لمكافحة الملاريا، ولكنهم ~~تركوها عام 1944. في عام 1949، استخدم هنري لابوريت (1914-1995) - الجراح التابع للبحرية في ~~موقع فال دي جراس - أحد مشتقات الفينوثيازين لتجنب صدمة الجراحة، وهو الكلوربرومازين، من خلال ~~«شراب محلولي» يعطى للتخدير ms516 ويتسبب للمريض في «حالة من اللامبالاة بما حوله». اختبر لابوريت في ~~البداية الكلوربرومازين على أحد زملائه الأطباء الذي شعر «بحالة من الانفصال عن كل ما ~~حوله». # ولكن كل هذا ليس إلا استخدامات تجريبية محدودة، حتى وإن كان لابوريت هو رائد ومحرك علم ~~الأدوية النفسية في المستقبل. ولكن اختلف الأمر في السادس والعشرين من مايو 1952، عندما نشر ~~طبيبا علم النفس العصبي جان ديلاي (1907-1987) - أول رئيس مؤتمر وطني للطب النفسي عقد في ~~باريس قبل عامين - وبيير دينيكر (1917-1998)؛ نتائج أول سلسلة من عشرين حالة مصابة بالذهان ~~الحاد عولجت فقط بالكلوربرومازين. # 1 # وبدا الكلوربرومازين - كعلاج ممتد - يؤثر ~~تحديدا على بعض المظاهر الذهانية، ولا سيما الهلاوس. وكان علاج حالات الذهان الحادة في قلب ~~اهتمامات الأطباء النفسيين في ذلك العصر. ولقد أدركت المطبوعات الأجنبية أهمية الحدث حتى قبل ~~نهاية عام 1952. وتمت أولى المحاولات الإكلينيكية في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا منذ مطلع ~~العام التالي. # ونال الكلوربرومازين شهرة واسعة تحت اسمه التجاري «لارجاكتيل» (أي «ذو التأثير الواسع»). ~~وكان للاكتشاف صدى كبير، لدرجة أنه - بناء على مبادرة جان ديلاي - أقيم احتفال دولي في مكان ~~ميلاد الاكتشاف في سانت آن عام 1955، ألقي فيه ما لا يقل عن مائة وسبعة وأربعين بيانا، تنطق ~~بمدى الأمل الوليد. وفي العام ذاته، بأكاديمية الطب، اقترح ديلاي ودينيكر مصطلح «الشلل العصبي»، ~~الذي أصبح فيما بعد «المثبط العصبي». ويفضل الأمريكيون الحديث عن «المهدئ الأخطر» (وهو مصطلح ~~غير مناسب؛ لأن المهدئات المعروفة حتى ذلك الوقت لم يكن لها أي تأثير فعال على الذهان). # ويعد الدخول لعصر علم الأدوية النفسية ثورة على عدة أصعدة؛ فهي «تجبر الطبيب النفسي على ~~التفكير بطريقة فسيولوجية» (جان ديلاي)، ولا سيما أنها تعدل جذريا بنية المصحات النفسية. كانت ~~طرق العلاج بالصدمات المستخدمة حتى ذلك الوقت طرقا علاجية للأزمات. ولكن أصبح لدينا أخيرا ~~أدوية فعالة ويمكن استخدامها في العلاج الممتد، تسمح بالتأثير على المدى الطويل على تطور الذهان ~~المزمن. # ومن نتائج هذا الاكتشاف - وهو ليس بالأمر الهين - التطور العظيم للمثبطات العصبية في ms517 ~~الأعوام التالية، الذي شجعته حركة التنافسية البحثية، بينما أعلن ديلاي ودينيكر الخاصية ثنائية ~~القطبية النفسية والعصبية. في عام 1954، كان اكتشاف الريزيربين - دواء يستخلص من زهرة «راولفيا ~~سربتينا» - (السيربازيل)، وهو مادة قلوية تستخرج من ذوات الفلقتين بجبال الهيمالايا. كانت ~~الزهرة نفسها تستخدم منذ العصور القديمة في آسيا لعلاج لدغات الحيات، وكانت تسمى «عشبة ~~المجانين» كما هو مسجل في الطب الهندي في القرن السادس عشر. وكان من توصل إلى فصل القلويات ~~الأساسية لهذا النبات هم أطباء هنودا في ثلاثينيات القرن العشرين، ومن بينها الريزيربين الذي ~~أصبح فيما بعد المثبط العصبي الوحيد المستخلص من مادة طبيعية. كما اكتشفت جزيئات أكثر قوة من ~~اللارجاكتيل في أعوام 1959 و1960 و1968 و1977 و1978. وتطلبت كثرة عددهم وضع تصنيف لهم. ويضم ~~تصنيف ديلاي ودينيكر عام 1973 ما لا يقل عن ثماني عائلات كيميائية للمثبطات العصبية، تنتج خمسة ~~عشر دواء مختلفا يتراوح ما بين المهدئات وحتى الكوابح مرورا بالأدوية متعددة الوظائف. # ويضاف إلى المثبطات العصبية المهدئات ومضادات القلق. وتتجاور آثارها المهدئة للقلق والتوتر ~~الانفعالي إلى آثارها المنومة؛ مما جعلها مفضلة أكثر من البربيتورات. في عام 1954، ظهرت مجموعة ~~الكربامات (من بينها الإيكانيل)، ثم في عام 1957، ظهر أول بنزوديازيبين (بي دي زي)، وهو نوع ~~جديد من الأدوية ذات الخواص المنومة والمضادة للقلق والتشنجات وفقدان الذاكرة والمساعدة على ~~ارتخاء العضلات. كان هذا هو الكلورديازيبوكسيد - والذي صنع في البداية بالخطأ، قبل أن يصبح ~~أحد أكثر الأدوية نجاحا في تاريخ صناعة الأدوية: الليبريوم. في الأعوام التالية، ستسوق ~~أنواع أخرى من البنزوديازيبين: الفاليوم والترانكسين والسيريستا والليكسوميل ... وسرعان ما تجاوز ~~وصف هذه المهدئات لحالات القلق الإطار الصارم للمرض العقلي، وأصبحت تصرف بأمر الممارس ~~العام. وفقا لتحقيق عام 1984، كان الأطباء الممارسون يصفون بالفعل ثلاثة أرباع الأدوية المخصصة ~~لعلاج الأمراض العقلية والنفسية ، سواء لأغراض العلاج الذاتي أو لاستخدامها في مجال الرياضة. ~~وهكذا، كان القناصة يتعاطون أحيانا البنزوديازيبين ليساعدهم على القضاء على تشنج العضلات. كما ~~يستخدمها المدمنون كمسكنات في حالة عدم توافر المخدر الذي يدمنونه. # ولدت العائلة الكبيرة ms518 لمضادات الاكتئاب خلال الخمسينيات (فلم يكن البنزوديازيبين ملائما ~~كمضاد للاكتئاب). في غضون عدة شهور، في عام 1957، ظهر بحثان طبيان يعلنان الوصول إلى طريقة شفاء ~~حالات الكآبة عن طريق جزيئين شديدي الاختلاف: إيبرونيازيد وإيميبرامين. ويستخرج الأول من ~~الإيميوزادين (ريميفون) الذي يستخدم في علاج الدرن، وقد لوحظت آثاره المنشطة والمحفزة منذ عام ~~1952، لدرجة دفعت إلى التخلي عن استخدام الدواء. أعاد الأمريكي ناثان كلاين دراسة هذا الدواء من ~~منظور الطب النفسي، ونشر في أبريل 1957 أول نتائج هذا «المنشط النفسي» في حالات الاكتئاب. وأصبح ~~الإيبرونيازيد هو نموذج الأدوية المضادة للإنزيمات التي تحفز أكسدة الموصلات الطبيعية. # في أغسطس من العام نفسه، شكلت إعادة تحويل الإيميبرامين فرصة جديدة للسرنيديبية. فقد تم ~~اقتراح استخدام الإيميبرامين (تقترب بنيته من الكلوربرومازين) كمثبط عصبي، ولكنه أثبت عدم ~~فعاليته، وسرعان ما «لحق بمقبرة الجزيئات عديمة الفعالية» (بيرون- مانيان)، عندما راود الطبيب ~~النفسي السويسري رولاند كون حدس ما باستخدامه مع مجموعة من المصابين بالاكتئاب. وكانت مفاجأة ~~الأطباء كبيرة عندما اتضح أن الإيميبرامين مضاد قوي للاكتئاب. وظل هو الجزيء المرجعي الذي تشتق ~~منه باقي مضادات الاكتئاب (المحفزة للمزاج لدى المكتئب)، حتى اكتشاف جزيئات جديدة مثل مضادات ~~الاكتئاب رباعية الحلقات وحاصرات البيتا. # لم يعد ينقص إلا طرق تنظيم الحالة المزاجية لكي تصبح كبرى التقسيمات للأمراض العقلية ~~مستوفاة عمليا. تم هذا في وقت متأخر بعض الشيء مع ظهور الليثيوم. كان لهذا المعدن الرخو - ~~المكتشف منذ عام 1817 والذي جرى فصله عام 1855 - استخدام في علاج النقرس ثم الصرع (دون إغفال ~~استخدامه المعاصر كقطب صاعد للبطارية) في صورة أملاح الليثيوم. في عام 1949، قدم الطبيب النفسي ~~الأسترالي جون كاد هذه الأملاح كعلاج لحالات الهياج الهوسي. إلا أن بعض حوادث التسمم، بالإضافة ~~إلى وصول المتقبضات العصبية قد أدت إلى التخلي عن استخدامها. ولكن ابتداء من عام 1954، أعاد ~~طبيبان نفسيان دراسة أملاح الليثيوم، وأوضحا عام 1967 الدور الوقائي لليثيوم في حالات الذهان ~~الهوسي الاكتئابي. وبعد إعادته وتحويله مرة أخرى، أصبح الليثيوم الممثل الأول للفئة الجديدة من ~~الأدوية النفسية وأدوية ms519 علاج الاضطراب ثنائي القطبية وأدوية ضبط المزاج. # أتاح ظهور مضادات الاكتئاب وأدوية ضبط المزاج في السوق تلبية الطلب المتنامي على الاهتمام ~~بعلاج الاكتئاب. ويتحدث بيير بيشو عن «الدخول في عصر الاكتئاب»، اعتبارا من ستينيات القرن ~~العشرين. في عام 1976 - ولأول مرة في فرنسا - تراجعت نسبة الاحتجاز بسبب الإصابة بالفصام، التي ~~بلغت 31348 حالة (وأصبحت معاييره تميل أكثر فأكثر إلى الاتساع)، في مقابل 32712 حالة مصابة ~~باضطرابات ذهانية دورية هوسية اكتئابية - التي سميت لاحقا ب «ثنائية القطبية» - و«اضطرابات ~~أخرى للغدد الصعترية» (ولا سيما «أحادية القطب»: الاكتئاب الدوري دون مرحلة «الهوس»). # لقد كان ظهور علم الأدوية النفسية خلال بضعة أعوام من شأنه إحداث تغيير جذري في علاج ~~الأمراض العقلية؛ حيث أتاح وجود علاجات في العيادات الخارجية (دون الحاجة إلى إقامة طويلة في ~~المصحة) قادرة على كبح التزايد في حالات الاحتجاز التي استمرت بعد الحرب. في الولايات المتحدة ~~الأمريكية، يمكننا حتى أن نتحدث عن الحركة في الاتجاه العكسي. كان الاستخدام المكثف ~~للكلوربرومازين (وباقي علاجات الذهان التي ستضاف إليه) ابتداء من عام 1955 قد تسبب في تقليل ~~نسبة الاحتجاز في المصحات التي كانت قد بلغت ذروتها بحوالي 550 ألف فرد (أي أعلى من عام 1945 ~~بحوالي 90 ألف مريض). في عام 1960، انخفض العدد إلى 500 ألف فرد تقريبا، ثم إلى 400 ألف عام ~~1970. في عام 1975، أصبح العدد 200 ألف # 2 ~~... في فرنسا، عام 1957، جاء في التقرير السنوي بمصحة بون سوفور بكاين: «على المستوى ~~العلاجي، تؤدي العلاجات الممتدة بالكلوربرومازين إلى نتائج مدهشة. ونال الكثير من المرضى، الذين ~~كانوا في عداد المرضى المزمنين، الشفاء واستعادوا نشاطهم الاجتماعي والمهني الطبيعي.» ~~«اختفت المظاهر الصاخبة للجنون، أو جرت السيطرة عليها سريعا» (جاك هوشمان). ففي عام 1985، ~~كتب جان كريستوف روفين - مختص الطب النفسي العصبي بمصحة سانت أنطوان بباريس في ذلك الوقت: «إن ~~الاختفاء التقريبي لأكبر صور الجنون في التاريخ قد فتح الطريق لطب إكلينيكي يختص بأوجه الجنون ~~الأخف والمختفية والمبتدئة أو المتبقية.» # 3 # ومنذ ذلك الحين، بدأ الحديث عن «التمويه ms520 النفسي». «في النهاية، أوجد هذا التبسيط ~~للمرض العقلي في صوره الأعتى الماضية الظروف المناسبة لظهور حركة فكرية تسمى «المضادة للطب ~~النفسي».» # 4 # وكان من نتائج تلك الثورة العلاجية، إعادة تقييم مهنة الطبيب النفسي. فبعد أن كان ~~ينظر إليه بوصفه الأب المسكين للطب، أصبح الطبيب النفسي يصف علاجات وتحسده معامل الأدوية. ولقد ~~ظهر تحسن وضعه، بالتالي تحسن الأجر الذي يتقاضاه. # على غرار المصحات الأخرى، سرعان ما استحوذت ~~مصحة بون سوفور بكاين على هذه العلاجات الثورية (مظهرة المزيد من التفاعل أكثر من مثيله لدى ~~الاستماع للنظريات «الباريسية»). منذ عام 1954، يقول كبير الأطباء في قسم الرجال: «في مجال ~~العلاج، نحصل دائما على نتائج ممتازة عن طريق الاستخدام الموسع للعلاجات البيولوجية التي أصبحت ~~اليوم تقليدية.» لم يظهر التقرير الصيدلي إلا عام 1960، ليحظى من وقتها بمكانة متنامية بين ~~التقارير السنوية المقدمة للمحافظ؛ ذلك لأن استهلاك الأدوية النفسية لم يتوقف عن الازدياد، ~~وبطريقة سريعة للغاية: مثبطات عصبية ومهدئات وبربيتورات ومخدرات ومضادات للاكتئاب ومنشطات نفسية ~~... بلغ الاستهلاك ألف لتر (بالنقطة!) وأكثر من أربعمائة ألف حبة دواء في عام 1962، وألفا ~~وخمسمائة لتر وما يقرب من مليون حبة عام 1970 - كل هذه الأرقام تغطي عدد المرضى في المصحة ~~العقلية (حوالي ألف ومائة). لقد كانت المنتجات الجديدة تلغي دائما بقوة ما سبقها، وإن لم تختف ~~تماما، ففي عام 1959، نقرأ: «إن العلاجات الحالية للحالات الذهانية ازدادت ثراء هذا العام ~~بإضافة الكثير من المهدئات (المثبطات) العصبية والمهدئات و«مضادات الذهان»، التي تحدث تحسنا ~~ملموسا في التنبؤ بالأمراض العقلية.» أما عن عام 1960، فعلى الرغم من شكوى الطبيب «من وجود بعض ~~الحالات التي يعجز فيها العلاج (الخبل والخرف)، أو لا يمكنه فعل الكثير حيالها (التأخر العقلي)، ~~أو يكون العلاج غير مضبوط (العصاب)»؛ فإنه يوجد خبر طيب: «يسعدنا أن نشكر مخترعي هذا الدواء ~~الجديد: هالوبيريدول الذي يصنع عجائب في حالات الهوس والهلاوس.» # في عام 1970، بمصحة بون سوفور، كانت الأدوية التي تعالج الجهاز العصبي (جاء في حصر لإحدى ~~اتفاقيات الأمم المتحدة أن عددها مائة وأحد عشر في ms521 ذلك الوقت) تحتل المركز الأول في نفقات ~~الأدوية: 45٪ متقدمة بكثير عن المضادات الحيوية (9٪). كانت المثبطات العصبية وحدها تشكل ثلاثة ~~أرباع هذه الأدوية، متضمنة ثلاثة وثلاثين دواء مختلفا، متقدمة أيضا على المهدئات والمنومات ~~(تقلل اليقظة) ومضادات الاكتئاب والمنشطات (تزيد من يقظة المخ). وفجأة، ارتفعت الميزانيات. في ~~مصحة بون سوفور - مقارنة بعام 1960 - زادت نسبة النفقات الدوائية بنسبة 119٪ عام 1967، ولم يكن ~~هذا إلا البداية: 241٪ عام 1969 و321٪ عام 1971 ... # إلا أن هذا النجاح للأدوية النفسية لم يكن ليمر دون عواقب. فقد كانت الأدوية العصبية تتسبب ~~جميعها تقريبا في إدمان ذي أعراض عنيفة. كما كانت تسبب حالات من الهذيان غير مفهومة. وأخيرا ~~- في معظم الحالات - كان العلاج بالنسبة إلى الذهان وقتيا وليس علاجا شافيا. «صحيح أن ~~الفصامي الذي يشعر أن العالم من حوله يشكل تهديدا يستخدم هلوسته كنظرية لهذا التهديد وأيضا ~~كحصن له ضده. وهكذا، فإن بعض الفصاميين الذين لا يشعرون بهلاوس يكونون كمثل الأرامل اللاتي في ~~حالة عوز.» # 5 # كانت الأعراض الجانبية كثيرة وقوية: نعاس واضطرابات في الذاكرة واختلاط الأفكار ~~واضطرابات في الكلام وسمنة ورعشة وحركات غير طبيعية كمرض باركنسون وسقوط وموت مفاجئ في بعض ~~الحالات، أو أيضا آثار متعارضة (حيث يزيد العرض بدلا من أن يقل أو يختفي). أحيانا، تكون ~~الآثار ضارة لدرجة تستدعي وقف الدواء. ولكن عادت هذه الأدوية من جديد في التسعينيات بعد أن ~~انخفضت درجة سميتها؛ مثل البروزاك الذي يعد أشهر دواء من فئة السيروتونينات (التي تزيد من كمية ~~السيروتونين في الجهاز العصبي المركزي)؛ مما زاد من استهلاكها (الذي تضاعف في فرنسا من عام 1992 ~~وحتى 1997) بصورة أكثر من ذي قبل خارج المصحات، أو حتى من دون وصفة طبية. فعندما يكون هناك ~~مواطن فرنسي من كل أربعة مواطنين يتعاطى أدوية نفسية (دفع التأمين الاجتماعي مقابل مائة وخمسين ~~مليون علبة دواء عام 2000)، يصبح من الصعب تحديد المرض العقلي. # وفيما يتعلق بالمحتجزين في المصحات، ارتفعت أصوات منذ عام 1955 تندد بدواء لارجاكتيل ~~«كأسبيرين نفسي». وبعد عشرة أعوام، انتشر الحديث عما ms522 يسمى «سترة المجانين الكيميائية» فيما ~~يتعلق بالأدوية التي تؤثر على الجهاز العصبي. وأصبحت المشاكل الأخلاقية المتعلقة بالعلاجات ~~البيولوجية تطرح بسهولة من قبل الأطباء النفسيين ذاتهم؛ مما ساهم في نشر نوع من الإحباط في ~~نهاية الستينيات. فلم يتوصل الطب النفسي البيولوجي إلى تحديد طريقة عمل الاضطرابات التي تفسر ~~المرض العقلي. ألدينا الحق في استخدام المريض عقليا كمادة للتجارب؟ ألم نتوصل عبر معركة مشكوك ~~فيها إلى هذه «السلبية التي تحول على نحو مأساوي المريض عقليا الهائج - ولكن الحي - إلى ~~كتلة طيعة من اللحم خالية من أي روح للمبادرة؟» (جي هوشمان). في النهاية، ألا يؤدي اللجوء ~~العملي للعلاجات البيولوجية - على نحو مفارق - إلى تنحي الطب النفسي؟ «أي القول بالضبط أن ~~التخلي عن العلاقة والرابطة النفسية مع المريض يصاحبه تضخم في استخدام العلاج ~~الكيميائي.» # 6 # فحتى هنري لابوريت رائد الطرق العلاجية البيولوجية ساورته الشكوك حولها. فرأى فيها في ~~البداية مستقبل الإنسان الذي تخلص أخيرا من «التعقيدات ما قبل الدماغية التي ينغمس فيها أكثر ~~فأكثر.» ابتداء من السبعينيات، تغيرت لهجته في كتاباته، ربما بعد فشل أحد الأدوية العصبية ~~الجديدة التي كان يروجها وهو الكانتور، بعد أن طغى عليه البروزاك. ويندد لابوريت: «يا له من ~~عالم غير متماسك بسبب كثرة اليقينيات الرائعة! هذا العالم الذي له ضمير مرتاح؛ لأنه لا يمتلك ~~ضميرا في أي شيء، هذا العالم الذي لا يبحث عن شيء؛ لأنه وجد كل شيء.» # 7 # بالطبع، تجاوزت ثورة الطرق العلاجية البيولوجية إطار الرعاية فقط لتشمل الجنون بأكمله. تغير ~~الوضع، وفتح التقدم المذهل أبوابا جديدة، طارحا تساؤلات جديدة. «منذ ذلك الحين، أصبح الطب ~~النفسي يرجع كثيرا إلى النموذج العصبي التشريحي - على المستوى المجهري - بطريقة عمله المعقدة ~~كنموذج للمرض العقلي. وأعيد تشكيل تقسيمات وتصنيفات الأمراض. كان الطب النفسي كله مدعوا ~~للتغيير، على مستوى تصور المرض العقلي وأيضا على مستوى بروتوكولات العلاج. ولكن لم يكن إكسير ~~الهدوء مقبولا كعلاج ناجع للمعاناة النفسية، وفي مقابل اتساع مدى الثورة الدوائية، كانت هناك ~~حركات واسعة مناهضة للتحليل النفسي والطب النفسي.» ms523 # 8 # أيمكن القول بأن الطرق العلاجية التقليدية قد اختفت فجأة؟ نعم ولا؛ فقد حدث تعديل بالغ في ~~هذا المجال، ولكنها لم تختف تماما. فعلاجات النمساوي ساكيل لم تختف، ولا اختفت طريقة العلاج ~~بالصدمات الكهربائية. واليوم أيضا - بعد مرور خمسين ~~عاما على ظهور العلاجات البيولوجية - لا تزال الصدمات الكهربائية موجودة تحت اسم «العلاج الإليكتروكونفولسيفي» # ECT ~~. ولكن تطورت بشدة طريقة إخضاع المريض ~~له: يكون المريض تحت التخدير الكلي، ويصاحبه علاج آخر للحد من آثاره الجانبية. وتكون موافقة ~~المريض «الواعية» إجبارية، وإذا كان في حالة لا تخوله الموافقة، فيجب أن يوافق الوصي القانوني ~~عليه. وعلى الرغم من الجدل، تبلغ حالات العلاج الإليكتروكونفولسيفي في فرنسا سبعين ألف مرة ~~سنويا، ومائتي ألف مرة في بريطانيا عام 1999. ويعني هذا أن هذا النوع من العلاج لم يختف. ~~وتظل المؤشرات عديدة: فعالية علاجية على المدى القصير في حالات الاكتئاب الشديدة، بل وأيضا على ~~المدى المتوسط، سواء بمصاحبة أو كبديل عن علاجات دوائية أخرى. وبعيدا عن مؤشراته في علاج ما ~~كان يسمى قبلا بالسوداوية، فلقد أثبت العلاج الإليكتروكونفولسيفي فعاليته في «استثارة أعراض ~~الفصام»، وأيضا - ولكن بصورة أقل قطعية - في حالات الصرع المعقدة. # نخطئ إذا تخيلنا أن العلاج بالمياه البالغ من العمر ألفي عام قد تراجع بمجرد وصول العلاجات ~~البيولوجية. في الستينيات والسبعينيات، أراد الطبيب النفسي الأمريكي مايكل وودبري أن يجدد ~~بالطبع عندما ابتكر طريقة «التغليف»، وهي طريقة تقوم على لف المريض من ساعة إلى عدة ساعات في ~~ملاءات مبللة بالماء البارد (ولكن دون خفض حرارته) على مدار عدة جلسات يومية. ويستخدم «التغليف» ~~أساسا في حالات الذهان الحادة، ولا سيما الفصام. ومن المفترض أن يتسبب في خلق ظروف تسهل تراجع ~~المرض، و«تساعد المريض على استعادة صورة جسدية عن طريق تحفيز حواسه وانفعالاته». ولقد نالت هذه ~~الطريقة التي تستخدم في كل الأوقات - خاصة مع الأطفال المصابين بالتوحد أو الذهان # 9 ~~- انتقادات عنيفة. واعترضت الجمعيات التي تضم أهالي الأطفال المرضى: «أوقفوا سوء ~~معاملة الأطفال المتوحدين!» في الواقع، جرى التوصل إلى شيء جديد ms524 اعتمادا على القديم، فقد كتبت ~~الجريدة الساخرة «شاريفاري» - في العدد الصادر عام 1842: «يقوم (ممرضك) بتغطيتك بعناية في أغطية ~~انتشلت حالا من أعماق إحدى الآبار، حيث ظلت هناك لمدة أربع وعشرين ساعة [...] ويتركك، وهو يقول ~~لك بصوته العذب: «تصبح على خير يا سيدي، فلتنم وتعرق جيدا».» # كانت توجد أيضا طريقة معالجة التسمم الكحولي بواسطة إسبيرال (التي تسبب اضطرابات مؤلمة ~~أثناء تعاطي الكحوليات). أما فيما يتعلق بعمل المريض عقليا، فأصبح يسمى «المداواة بالعمل». ~~ظلت المهام كما هي في السابق، ولكن على العكس لم تعد موكلة إلى المرضى. إلا أن هذا الأمر لم ~~يفلح، على الرغم من إيجاده لمهنة جديدة في مجال الرعاية الصحية: المعالج بالعمل. وتتضمن ~~المداواة بالعمل الجماعي ألعابا وأنشطة ترفيهية؛ بهدف تيسير إدماج المريض في بيئته وزيادة ~~استقلاليته، ولكن لم يفلح هذا الأمر أيضا. # الفصل الرابع # | مناهضة الطب النفسي # الحديث عن مناهضة الطب النفسي يقودنا تلقائيا إلى الاستشهاد بأسماء مثل بازاليا وفوكو ~~وساس وكوبر ولاينج ومجموعة مؤيديهم، الذين يقارب عددهم الخمسين فردا، والذين نشروا - خلال ~~الستينيات والسبعينيات - مقالات شديدة اللهجة لانتقاد مؤسسة الطب النفسي التي لم تعد قادرة على ~~فعل شيء. ولا يمكن اعتبار هذه الهوجة - ذات النتائج المدمرة بالنسبة إلى الطب النفسي التقليدي - ~~ثورة مفاجئة. ففي الحقيقة، تعد حركة مناهضة الطب النفسي قديمة قدم الطب النفسي ذاته، ولقد ~~بدأت مظاهرها خلال القرن الذهبي للمصحات العقلية. إلا أن المؤسسة الطبية النفسية - على عكس ~~الستينيات والسبعينيات - كانت في ذلك الوقت مؤسسة صلبة. # حركة مناهضة الطب النفسي قديمة قدم الطب النفسي # نظرا لعدم إظهار الإمبراطورية الثانية ميلا لتشجيع المعارضة السياسية أو الاجتماعية، ~~فقد كانت المطبوعات المناهضة للطب النفسي نادرة، ولم تكن تلقى قبولا واسعا. ولكن يلاحظ على ~~الرغم من ذلك وجود بعض الكتابات الطبية، مثل «عزل المجانين في مصحات للأمراض العقلية، والأثر ~~السلبي على هؤلاء، وعدم كفاية الحماية التي يوفرها القانون للمريض عقليا» بقلم الطبيب تورك ~~عام 1864. ولكن اختلف الوضع تماما مع الأعوام الأولى للجمهورية الثالثة؛ حيث نجد الصحافة ~~المعارضة تهاجم بضراوة ms525 قانون 1838 وتنتقد المصحات العقلية، على إثر بعض القضايا المثارة حينها ~~حول الحبس التعسفي. وفي أكتوبر 1879، شنت مجلة «المصباح» - التي اشتهرت منذ عددها الأول عام ~~1868 بفضل «الستة والثلاثين مليون موضوع، إلى جانب موضوعات أثارت الاستياء» - حملة ضد مصحات ~~الأمراض العقلية. # 1 ~~«لم نعد نسمع أصوات صرير الأبواب الثقيلة ذات المفصلات الصدئة: تم تزييت كل ~~المفصلات.» كان قانون عام 1838 هو محط الهجوم: «وضع هذا القانون ليس لصالح مرضى الاعتلال ~~العقلي، وإنما لصالح عائلاتهم. دائما ما يسيطر النظام على المنظومة الاجتماعية: دائما تكون ~~التضحية بالفرد لصالح أي جماعة، وكأن هذه الجماعات ليست مكونة من أفراد!» ويرد أطباء الأمراض ~~العقلية: «أما عن الأطباء، فأعتقد دوما أنه لا يوجد إلا القليل جدا منهم الذي قد يلجأ إلى ~~مناورات غير شريفة ليحرم فردا من حريته تحت ادعاء المرض العقلي» (هنري داجونيه بسانت آن، كان ~~لجريدة «المصباح» بالضرورة مراسلون يمدونها بالمعلومات). ولم يعد الطبيب - المسلح بقانون عام ~~1838 - محطا للتأنيب أو السخرية: «فلم يكن الطبيب كامباني - وكله ثقة - يقبل بإدخال أي شخص ~~يقدم إليه على أنه مريض عقليا، سواء برضاه أو رغما عنه. ولم يفته إلا أمر واحد، وهو أن ~~يقدم نفسه كنمط «المتفاخر المغرور». صحيح أنه وفقا لما ذكره، إذا أردت أن تكون مجنونا ~~مفكرا، فلا بد من أن تكون ذكيا. إن تشدده في البحث عن هذه الصفة الأخيرة، كان يضمن له ~~عدم الخطأ في تشخيص مرضاه.» # لقد مضى قانون 1838 وسط العواصف؛ حيث كتب ماكسيم دي كامب عام 1873: «إنه قانون ممتاز في ~~أحكامه الأساسية، إلا أنه يعمل دون أي عوائق لصالح المستفيدين منه، ولمدة عشرين عاما، وفجأة، ~~دون أي دوافع جدية، يشن عليه هجوم حاد بعنف مبالغ فيه. فيتحدث الناس عن حبس تعسفي وإنكار ~~للعدالة وخطابات سرية [...] وتمت الاستعانة بكلمة، يمكنها إثارة العقول في فرنسا بسهولة، وبكل ~~اللهجات؛ وهي أن الحديث يدور حول الحرية الفردية.» # 2 # منيت مشروعات قوانين - أعدت بجهد شديد - بالفشل في أعوام 1882 و1886 و1893 ~~و1907 ... أيجب إعطاء مزيد ms526 من السلطة للقاضي، أم للإدارة، أم للطبيب؟ # وعندما روى جول فاليسا - أحد أنصار الثورة الفرنسية الرابعة القدامى، الذي حكم عليه ~~بالإعدام، والعائد من المنفى بعد تخفيف الحكم عام 1882 - عن زيارته لمصحة سانت آن في رواية ~~«جيل بلاس»، # 3 # كان ذلك ربما يثير انتقادا لاذعا من جانب الرأي العام. ولكن ما حدث كان أسوأ. ~~ففي لوحة مليئة بملامح الإحباط والفزع، روى قائلا: «انتهت الرحلة، جعلونا نرى أثناء المرور ~~مغسلة الثياب بما فيها من أثواب للتعذيب وسترات المجانين المصنوعة من ليف القنب الجديد الناعم ~~الأصفر. كانت الملابس التي ترتديها كل مريضة وقت دخولها المصحة موضوعة في صفوف بالترتيب، وقد ~~تمت خياطة أرقامها على البطن. لعله كان يجب إحضار بعض الأزواج أو الآباء إلى هنا الذين لا ~~يرغبون أن يروا زوجاتهم أو بناتهم وقد تحولن إلى كائنات محطمة صامتة تجر أمامهم في الممرات؛ ~~فربما تعرفوا على الثوب أو الشال أو السلة الصغيرة، هذا الدانتيل على غطاء الرأس، هذا القماش ~~على قبعة القش.» ومن خلال قصة بسيطة، يصدر فاليسا حكما بخصوص المؤسسة: ذهبنا إلى منطقة ~~المريضات المسالمات المشغولات بأعمال الخياطة، «كانت بعضهن يأخذن قطعة من الشرائط ويضعنها في ~~سلاتهن أو وردة صغيرة يضعنها في شعورهن، ولم يكن الطبيب راضيا بذلك. كان يخاف من الورد، ولا ~~يحتمل الشرائط الوردية. كان يفضل رؤية المريضات يعملن ويخطن كسندريلا في انكسار. كان يحب ~~بالتحديد المريضات اللاتي لا يتذمرن أبدا ولا يعارضنه عندما يؤكد لهن أنهن مجنونات.» # جاءت هذه الهوجة على هوى رسامي الكاريكاتير، كما اتضح في العدد الصادر بتاريخ الثالث ~~والعشرين من يوليو 1904 من مجلة «أسيت أو بور» بعنوان المصحات والمجانين. ولكن يظل التقرير ~~الأكثر مناهضة للطب النفسي هو الذي كتبه ألبرت لوندر عام 1925. ولقد اشتهر هذا الصحفي الكبير ~~الملتزم - الذي كتب: «ليست مهنتنا أن نسعد الناس، ولا أن نشهر بالأخطاء، بل أن نضع ريشتنا على ~~موقع الداء» - العام السابق بفضل مقاله «دانتي لم ير شيئا»، وهو تنديد عنيف بالمستعمرات ~~العسكرية للعقوبات. من السادس وحتى العشرين ms527 من مايو 1925، كتب - لجريدة «الباريسي الصغير» - ~~سلسلة من المقالات حول مصحات الأمراض العقلية. كان هو نفسه قد حاول أن يدخل رعاية التمريض ~~التابعة للمستشفى الحكومي على أنه مريض عقليا. فاقترح عليه الطبيب كليرامبو - الذي تظاهر ~~بأنه لا يعرفه (كانا قد التقيا قبل عشرة سنوات في تسالونيكي) - أن يقيم في زنزانة مبطنة؛ ~~فتراجع لوندر خوفا من عدوى المكان. فأعاد له كليرامبو قبعته قائلا: «حاول أن تدخل مصحة ~~أخرى.» # 4 # لم يكتف ألبرت لوندر بالمشاهدة: «المجنون يكون فرديا، فلا يهتم بمن هو بجواره؛ ~~فيقوم بحركته، ويطلق صرخته بكل استقلالية [...] إنهم ملوك منعزلون. والجسد الذي نراه إنما هو ~~بديل يخفي وراءه شخصية أخرى غير مرئية للعامة أمثالنا، ولكنها تحيا داخله. وعندما يبدو لنا ~~المجنون كائنا عاديا، فربما خرجت شخصيته الثانية تتجول [...] فالمجنون الهائج يمكن أن يهدأ ~~أو تقل حدة هياجه. لا أحد يسأله ماذا يفعل، فعندما لا يكون هناك وقت كاف لتهدئته، يتم تخفيض ~~هياجه. وعندما ينخفض، يمكن حينها تهدئته. يتم التعامل معه كأنه أحد أواني الطبخ التي تغلي. ~~هناك بعض الحالات - لدى الرجال - يتم التعامل فيها مع المريض بنعل الحذاء. لا يأمر الأطباء ~~بهذه الطريقة في المعاملة، ولكنها تحدث بالتحديد أثناء الليل.» كان يذكر في كل صفحة: ~~«المجانين متروكون دون رعاية، دون حراسة. وإذا نال أحدهم الشفاء، فإنما يكون هذا بمحض ~~المصادفة [...] واجبنا ليس التخلص من المجانين، وإنما تخليص المجنون من جنونه.» # وقد نالت هذه الحملات الصحفية فرصة الاستمرار بفضل من جاءوا بعده. في عام 1866، كتب شخص ~~غامض يدعى فالابريج موبخا: «لم يكن الأمر يحتاج جهدا كبيرا للتأكد واقعيا مما كنت قد ~~درسته قبلا، من أنه - بملاحظتها عن كثب - تبدو مصادر هذا الفن ثابتة تقريبا منذ عهد الملك ~~شارل الرابع.» # 5 # وأيضا في نهاية عهد الإمبراطورية الثانية، كان لجرسونيه - الذي ذكرناه قبلا ~~(كلما ازدادوا مهارة؛ ازددت خوفا منهم) - بصمة أكثر استمرارية. فعلى عكس نظرائه الذين ~~يروون أدق تفاصيل معاناتهم، تركزت مذكراته بالكامل حول ضرورة إصلاح قانون 1838، وذلك في ضوء ~~فترتي الاحتجاز المتتاليتين ms528 اللتين تم علاجه خلالهما «بطريقتين مختلفتين». ويندد جرسونيه ~~بتعسفية القانون (الذي يشبه بالفعل «شبكة العنكبوت») وبعجز الحامين الطبيعيين للمريض عقليا ~~- أي عائلته - (فأين هي في النهاية؟) والقضاء (المخدوع إن لم يكن المتواطئ). كانت الآلة تدور ~~بنفسها: «فتلك السلطة لا تتبع أحدا، أو بالأحرى تتبع الجميع.» ويذكر جرسونيه «هذه الآلات ~~والاختراعات الحديثة» (كنا في عام 1869) ذات التروس الرائعة: «يكفي أن تعلق بها قطعة قماش، ~~لتجر معها الفرد كله.» أما عن غاية الاحتجاز، «يا له من نفاق لغوي! لا تدع نفسك تقول إنه ~~مريض، وإنهم يأخذونه ليعيدوه إليك قريبا وقد نال شفاءه. لا وألف لا! إنه ضحية، يعتقد أن ~~التضحية به ضرورة للأمن العام.» ويختتم جرسونيه ببراعة وهو يقتبس عن الطبيب تورك: «إن فاعل ~~الخير الحقيقي للبشرية، هو من يدمر عمل بينيل.» # وتضاعفت الشهادات بعد انهيار النظام الإمبراطوري، وحملت عناوين ضخمة: «نظام مرضى الاعتلال ~~العقلي في فرنسا»، «مصحة شارنتون»، «جرائم تمهيدية للخارج»، «سرقات وتبديد»، «أفعال تعسفية»، ~~«مفاسد إدارية منظمة من الداخل» ... # 6 # ويندد المؤلف - الذي يقدم نفسه كمريض هارب - بالمفاسد والمعاناة داخل المصحة ~~العقلية، مشددا على الحرمان من الآدمية الذي تعانيه أي ضحية جديدة تدخل المصحة. أما عن أي ~~وسيلة يمكن اللجوء إليها، فيقول: «إنه لا يوجد قانون ضد القانون!» # كان هذا ما ناضلت ضده إليزابيث باكار في الولايات المتحدة الأمريكية. فلقد تم احتجازها - ~~وهي زوجة كاهن من أتباع مذهب الكالفينية - بناء على طلب زوجها بمصحة جاكسونفيل (إلينوي) من ~~عام 1860 وحتى 1863. ويبدو أن السبب كان قصصا تعيسة عن اختلافات تتعلق بالمذهب (أو ربما كانت ~~هي النهاية؟) أطلق سراحها بناء على طلب زوجها، ولكن تم حبسها في المنزل، وعندها قررت أن ترفع ~~الأمر إلى القضاء بصورة مزدوجة ضد احتجازها الذي اعتبرته تعسفيا وضد السلطة ~~العرفية. # 7 # وأصبحت تلك بالتحديد المعركة النسائية التي ستتذكرها الأجيال القادمة. # 8 # وفي نهاية المحاكمة التي نالت اهتماما إعلاميا واسعا، انتصرت إليزابيث باكار. ~~وخلال جلسات الاستماع، بدا الطبيب الذي أعلن أنها مجنونة مضطربا: ففيما يتعلق بالخلافات ~~الدينية بين ms529 الزوجين، يجب الاعتراف بأنه ليس خبيرا في اللاهوت. ويسأله القاضي: إذن ماذا كانت ~~أعراض الجنون الأخرى لديها؟ فيرد الطبيب بسذاجة: «كانت تشعر بغضب شديد عندما نقول لها إنها ~~مجنونة. وأظهرت عداء قويا لي حتى قبل أن أنهي الحوار معها، وكانت تعاملني باحتقار.» ولم ~~تعترف المحكمة فقط بأن إليزابيث باكار سليمة العقل، بل أيضا حكمت بألا يكون هناك (في إلينوي) ~~أي احتجاز دون قرار مبدئي من هيئة محلفين. إلا أن عددا من أطباء الأمراض العقلية والصحافيين ~~الأمريكيين الذين تابعوا القضية لم يبدوا ارتياحا لهذا القرار. ففكرة اللجوء إلى هيئة ~~محلفين ليست بجديدة، ولكن كيف للجنة مكونة من مجموعة مواطنين بسطاء أن تفصل في الجنون أفضل من ~~طبيب؟ باختصار، فإن المناهضين للطب النفسي في ذلك الوقت لم يكونوا يريدون قضاة بقدر رفضهم ~~للأطباء. # لكل من هؤلاء «الشهود والفاعلين» الذين شنوا حملة ضد الاحتجاز لأسباب نفسية، كان السؤال ~~الذي يطرح بالطبع هو معرفة ما إذا كانوا بالفعل مجانين أم لا. لم يصل الأمر إلى حالة ~~إليزابيث باكار - التي كان يشتبه في إصابتها بحالات سابقة من المرض العقلي # 9 ~~- الأمر الذي لم يغير إطلاقا من حجاجها القانوني. وفيما يختص بهارسيلي روي، ~~فالسؤال لا يستحق أن يطرح. في عام 1883، ظهر كتابها «مذكرات مريضة عقليا». فبعد أربعة عشر ~~عاما من الاحتجاز المتقطع، رفعت قضية ونالت من الدولة تعويضا ضخما بسبب الاحتجاز غير ~~القانوني. وها هي تصبح في فرنسا بطلة حالات الاحتجاز التعسفي، مشعلة الجدل مرة أخرى حول ~~قانون 1838. في الواقع، تم تنقية طبعات كتابها «مذكرات» التي صدرت بعد وفاتها (توفيت عام ~~1881) بعناية من هذيانها المتعلق بميلادها الغامض (تعتقد أنها ابنة دوقة بيري، ولكن تم ~~اختطافها من قصر التويلري). إلا أن الحكم استند إلى خطأ في الشكل وليس في المضمون. فجأة، جذبت ~~رواية هارسيلي عن عائلتها اهتمام الأطباء النفسيين الذين اعتبروها نموذجا لحالات «الهذيان ~~الواعي» (هلوسة منطقية ومتماسكة). وهكذا، من هذه الناحية، تمكنت من أن تثبت أنها ضحية ~~احتجاز تعسفي ونالت شهرتها. لكن هذا لا يمنع أنه ms530 يتم ذكرها على يد المؤرخين إلى اليوم ~~باعتبارها ضحية للحبس النفسي. # 10 # وأيضا في عام 1883، ظهر ديوان للذكريات كتبه أندريه جيل بمصحة شارنتون. # 11 # كان جيل رسام كاريكاتير، ولكنه لم يعرف إلا البؤس طوال حياته. كان صديقا لجول ~~فاليسا، وتم احتجازه بشارنتون عام 1881 بسبب إصابته بهلاوس الثراء والعظمة المصحوبة ب «هياج ~~هوسي»، وفي النهاية تم تشخيصه بالشلل العام. أطلق سراحه للمرة الأولى، وأثناء نقاهته، رسم ~~لوحة تعبر عن ظروفه في صالون عام 1882: «المجنون»، وهي تجسد مريضا عقليا مقيدا بسترته ~~وملقى في زاوية الزنزانة (ولسخرية القدر، كانت هذه اللوحة أفضل لوحة بيعت من مجمل أعماله). ~~ولكن أعيد احتجازه مرة أخرى بشارنتون، ومات عام 1885 في الخامسة والأربعين من عمره. إن جنون ~~جيل ليس موضع شك لأي شخص، كما يظهر ذلك في لوحة الملاحظات الطبية الكئيبة حول حالته. # 12 # كان يمكن أن تذهب كتاباته القصيرة أدراج الرياح - شأنه شأن الكثيرين - لولا أن ~~ألفونس دوديه - الذي كان أحد أصدقائه - كان قد وافق على كتابة مقدمة لها. «فجأة، أبلغت أنه ~~محتجز في مصحة شارنتون. وقيل لي: إن المقيمين حوله لم يندهشوا من هذا الأمر. ولكن بالنسبة ~~إلي، سبب لي الأمر ذهولا ورعبا. كان جيل هو ثالث عضو في مجموعتنا الصغيرة الذي يصيبه ~~الجنون: شارل باتاي وجان ديبوا كانا قد ماتا في مصحات الأمراض العقلية.» وفي الفترة ما بين ~~الاحتجازين، التقى دوديه بجيل: «لقد خرجت من شارنتون، لقد شفيت.» «وبعد ثلاثة أيام، وجدوه ~~ملقى في إحدى الطرق الريفية فوق كومة من الحجارة والفزع يملأ عينيه، فاغرا فمه، فارغ العقل، ~~مجنونا! كان ذلك منذ عدة شهور، ومن حينها وأنا أسعى لكتابة مقدمة مؤلفه مقاوما الرعشة ~~التي تنتابني بمجرد إمساكي لريشتي. جيل يا صديقي! أأنت هنا؟ أتسمعني؟ أين أنت؟ ... أقسم إني ~~أردت أن أقدم لك شيئا فصيحا، كتابة جيدة مثلك، وفيرة وفنية ومشرقة مثل مذكراتك العزيزة. لقد ~~حاولت، ولم أستطع.» ولكن يبدو الأمر هنا متعلقا أكثر بالخوف من الجنون منه بمناهضة الطب ~~النفسي. فلم يخطر لأحد ms531 أن ينكر الجنون. # ولم يكن هناك بد من تورط الأدب. ولكن لن نتوقف هنا إلا عند تعبيره عن مناهضة الطب ~~النفسي، دون التطرق لقضية الجنون الإبداعي أو الخبل الشعري الذي تحركه مصادر الإلهام. «وصمني ~~الناس بالجنون، ولكن العلم لم يقل لنا إلى الآن عما إذا كان الجنون أسمى درجات الذكاء أم ~~لا، وعما إذا كان كل ما هو عميق يأتي من مرض في التفكير» (إدجار بو). وسنترك جانبا حالات ~~الجنون المعترف بها، التي أصابت بعض الكتاب مثل جيرارد دو نيرفال وهولدرلين وأنطونين أرتو، ~~ولا سيما أن هذا الأخير قد أصبح - خاصة منذ فوكو - أحد أعلام مناهضة الطب النفسي. ألم يقل ~~أرتو - أثناء حلقة إذاعية عام 1946: «إن مصحات الأمراض العقلية ليست سوى مستودع للسحر الأسود ~~الواعي والمتعمد.» وليس فقط أن الأطباء يشجعون هذا السحر بطرق علاجهم، بل إنهم يمارسونه ~~أنفسهم. فإذا لم يكن هناك أطباء، فلن يكون هناك مرضى؛ لأن المجتمع بدأ أولا بالأطباء، وليس ~~المرضى. فالذين يحيون إنما يحيون من الأموات، ولكن يجب أيضا أن يحيا الموت [...] لا يوجد شيء ~~مثل مصحة الأمراض العقلية يخفي الموت بكل هدوء، ويحتفظ بالموتى. وكتب أرتو أيضا: «يوجد لدى ~~كل مخبول قدر من العبقرية غير المفهومة، ولكن فكرته التي تشع في رأسه تثير الخوف، فلم تستطع ~~أن تجد مخرجا لها من الضغوط التي تمارسها ضدها الحياة إلا الهذيان.» # لم تكن الروايات في النصف الأول من القرن العشرين، والتي يمكن وصفها بالمضادة للطب النفسي ~~- أو إذا أردنا الدقة المناهضة لأطباء الأمراض العقلية - لها أيديولوجية اجتماعية أو سياسية ~~بالمعنى الذي نقصده اليوم. كانت لها أيديولوجية نوعا ما في طريقتها في إظهار التخوف من مصحة ~~الأمراض العقلية والطب العقلي. كانت هذه هي حال أول جائزة جونكور أهديت عام 1903 لجون أنطوان ~~عن روايته «القوة المعادية». # 13 # لم تكن الرواية في حد ذاتها تقدم شيئا هاما. وكان المؤلف أندريه توركيه (اسمه ~~الحقيقي) كتب عدة مسودات من قصته، وفي إحداها تدور أحداث الرواية على ظهر سفينة أشباح، وفي ~~النهاية ms532 كان مسرح الأحداث هو المصحة؛ حيث يشارك القارئ فشل البطل. أهو مجنون؟ في جميع ~~الأحوال، إنه يشعر بأن هناك «قوة معادية» تسكنه، كما يظهر في نص الرواية المكتوب بصيغة ~~المتكلم؛ حيث تتجلى باستمرار ازدواجية شخصية البطل. ولكن وعيه ويقظته انتهيا بأن تحول ~~الأطباء والممرضون إلى متهمين. فالطبيب بيدهوم - الشرير قبيح الشكل - انتهى بأن أصبح هو نفسه ~~مجنونا في أجمل مشاهد الرواية على الإطلاق. في قاعة العلاج بالمياه، حيث أوشك فيلي - البطل - ~~على الموت غرقا تحت عنف دفقات المياه، أثناء جولة الطبيب بيدهوم الذي يملك ما يكفي من النفوذ ~~ليعطي الممرضين أوامر بالعمل: «أعطوه دفقة صغيرة كالطفل! احترسوا؛ فعظام كتفه رقيقة! أمطارا ~~قليلة! لا أحد يطلب منكم طوفانا!» انتهى الأمر بفيلي بالفرار، وانتهت الرواية - التي ازداد ~~اختلاطها - كأنها رواية حب ومغامرات في أعالي البحار. نتعجب عندما نتخيل أن كبار الكتاب في ~~ذلك الوقت (ويسمانس وميربو وليون دوديه) قد تحمسوا لمثل هذا الكتاب! ولكن ما يهمنا هنا هي ~~الرؤية الشديدة القتامة التي تقدم عن مصحة الأمراض العقلية. لا! فالمصحة لا تشفي ~~بالطبع. # يزداد الجو قتامة في رواية «مدينة المجانين - ذكريات عن سانت آن»، وهي سيرة ذاتية لمارك ~~ستيفان (مارك ريتشارد) ظهرت عام 1905. # 14 # كان المؤلف مدمنا للمورفين، وتم احتجازه لمدة ثلاثة أشهر بمصحة سانت آن، ويروي ~~رحلته داخل هذا الجحيم الفردي والجماعي. إنه سجن يرتدي فيه الناس الثياب البيضاء، و«فيه يتم ~~تعذيب بقايا البشر البائسين بكل وقاحة على يد مجموعة من المخابيل مدمني الخمور أو مجموعة من ~~مدعي العلم، الذين تدل حركاتهم الجنونية غير المتماسكة على أنهم أول مرضى للاعتلال العقلي ~~داخل المصحة.» إنه مكان لا سبيل للخروج منه ... # ونجد بشكل واضح نفس الجو في رواية «الغرفة رقم 6» لتشيكوف، الذي كان طبيبا قبل أن يتفرغ ~~بالكامل للعمل الأدبي. وفيها أيضا نجد الجحيم والفزع. جاء طبيب جديد ليغرق في البداية في ~~حالة من اللامبالاة (لم يعد يذهب للمستشفى كل الأيام)، حتى لمسته إنسانية مريض عقليا ~~مصاب بهلاوس الاضطهاد. وعبر محادثات طويلة، بدأ ينغمس ms533 هو الآخر تدريجيا في الجنون حتى ~~انتهى به المطاف في النهاية إلى الاحتجاز في الغرفة رقم 6. «وفجأة، وفي عمق هذه الفوضى، ظهرت ~~داخله وبطريقة عاصفة فكرة مفزعة لا تحتمل، بأن هناك ألم شديد يرزح تحته هؤلاء الرجال منذ ~~أعوام يوما بعد يوم، حتى بدءوا يشبهون الظلال السوداء تحت ضوء القمر. كيف استطاع طوال ~~العشرين عاما الماضية ألا يعرف أو حتى يرغب في المعرفة؟» # في منتصف القرن العشرين، جاء أيضا ذكر الرواية الوثائقية لأندريه سوبيران، والتي ذكرنا ~~بضعة مقاطع منها قبلا. ويفسر مؤلف رواية «الرجال ذوو الثياب البيضاء» الأسباب التي قادته ~~كطبيب إلى استكشاف عالم المصحات النفسية. وانطلاقا من مرضى الاعتلال العقلي المجرمين، توصل ~~إلى ملاحظة المرضى الآخرين المسالمين «الذين يستحقون عن جدارة كل الشفقة، بل وكل الاحترام مثل ~~أولئك الذين يعانون أمراضا جسدية»؛ فهم «محبوسون ومكدسون، وفوق ذلك مجردون من كل شيء حتى من ~~كرامتهم.» «فعندما نفرض على سفينة حجرا صحيا لأنها تحمل مرضى معدين، لا يجرؤ أحد أن ~~يدعي أن هذا لرعايتهم.» ويذكر الطبيب سوبيران ما يسميه «الموت الروحي الطويل في وسط الجهل ~~واللامبالاة العامة داخل مؤامرة من الصمت المطلق.» # ويجب أيضا ذكر هيرفيه بازين لروايته التي تشبه السيرة الذاتية «الرأس يضرب الحائط» ~~المنشورة عام 1959 وأيضا لتحقيقاته المرعبة حول مصحات الأمراض العقلية التي أجراها خلال ~~الخمسينيات. وهناك العديد من الكتاب الآخرين، ولكن ليس من العدل أن نعتقد أنه خلال العقد الذي ~~تلا الحرب العالمية الثانية لم يكن إلا الأدب الذي أعلن سخطه إزاء مؤسسة مصحات الأمراض ~~العقلية التي فقدت مصداقيتها بالكامل. فهناك الكثير من الأطباء النفسيين - الذين تأثروا ~~بالأعوام السوداء للاحتلال والذين كانوا يخوضون على الأرجح معارك سياسية أو نقابية - كانوا ~~أول من نددوا بالمؤسسة كلها. والمثال على ذلك الطبيب لوسيان بونافيه - الذي التقيناه قبلا ~~أثناء الحديث عن مرضى الاعتلال العقلي الذين ماتوا جوعا خلال فترة الاحتلال الألماني - ~~المناضل لصالح «طب نفسي يبعد عن الطب العقلي»، منددا في مجلة «عقل» بالظروف التي يحيا فيها ~~عشرات الآلاف من مرضى ms534 الاعتلال العقلي ممن يعانون من «وضع أبعد ما يكون عما توصلت إليه ~~المعارف الطبية في هذا المجال، بل ويعانون من قسوة لا تغتفر.» # 15 # في هذا العدد من المجلة الصادر بتاريخ ديسمبر 1952 حول موضوع «مأساة الطب ~~النفسي»، كتب هنري إي: «عندما نعتبره (المريض) «إنسانا آليا» (يستخدم إي بعد ذلك صورة ~~«المريض الآلة»)، يرفض الجميع أن يقارنوا به أو أن يضعوا أنفسهم مكانه بهذه الآلية ~~المتفجرة، يكون الأمر خطيرا ومقلقا، فالجميع بدءا من طبيب الأمراض العقلية وحتى المشرع، ~~مرورا بالأقارب والعائلة والأصدقاء والممرضين، إنما هم موجودون لإقصائه بعيدا عن المجتمع ~~وحرمانه من دليل إنسانيته.» # 16 # وفي العام ذاته، كتب سيوران: «نحن نتحصن خلف وجوهنا، أما المجنون فيخونه وجهه. ~~فيظهر بجلاء أمام الآخرين منتقدا ذاته. فبعدما فقد قناعه، أصبح يعلن عن فزعه ورعبه ويفرضه ~~على كل من يأتيه، مظهرا ألغازه كلها. كل هذا القدر من الانكشاف يزعج بالتأكيد. ومن الطبيعي ~~أن نقيده ونعزله» (مقاييس المرارة، 1952). # هوجة الستينيات والسبعينيات # ليس من المفارقة أن يبلغ تاريخ الجنون - الذي لم يكن يهم أحدا حتى هذا الوقت - درجة من ~~الاهتمام الشعبي بفضل الهوجة المضادة للطب النفسي في أعوام الستينيات والسبعينيات. وأصبح ~~المجنون - أكثر من الجنون ذاته - فجأة في مقدمة الأحداث والاهتمام الإعلامي، ليتحول إلى صورة ~~كبش الفداء لمجتمع يرفضه. # لا يسعنا أن نعي أو نقيس مدى اتساع حركة مناهضة الطب النفسي في النصف الثاني من القرن ~~العشرين دون أن نضعها في سياقها التاريخي والاجتماعي؛ ألا وهو أزمة الغرب، أزمة البلاد الثرية ~~في عصر «الثلاثين عاما التي تلت الحرب العالمية الثانية». كان «المجتمع الاستهلاكي» محطا ~~لكافة أنواع الانتقادات. فالزيادة المطردة في الإنتاج ليست دليلا كافيا على نجاحه، ولا ~~علاجا للمشكلات الاجتماعية (جي كيه جالبرايث «عصر الثراء»، 1958). وكانت أزمة القيم والتمرد ~~الطلابي الناتج عن الزيادة السكانية قد زعزعا بالفعل المجتمعات الغربية. في الولايات المتحدة ~~الأمريكية، اتسمت الستينيات بالصراعات - العنيفة أحيانا - ضد «السلطة» لصالح حقوق «السود» ~~والنساء والأقليات وحرية التعبير والسلوكيات. في بيركلي، ظهرت حركة «حرية التعبير» عام ms535 1964، ~~لتسبق وتلهم حركة مايو 1968 في فرنسا. وبالفعل، في بيركلي، تمكن هيربرت ~~ماركوس - الفيلسوف الألماني الذي هاجر إلى الولايات ~~المتحدة خلال صعود النازية - من التنديد باغتراب الفرد وضياع قيمته وسط المجتمع الذي أصبح ~~يتسم بالوفرة. ويصم هذا الماركسي الفرويدي مبدأ الربح نفسه بالطابع اللاإنساني الذي يقوم ~~بإخضاع وتشويه الغرائز وكبت الطاقات البشرية الكامنة. وفي كتابه «الإنسان ذو البعد الواحد» ~~(1964) - المترجم إلى الفرنسية عام 1968 - ينتقد العالم الذي يأتي في نفس الوقت بالرأسمالية ~~والشيوعية، العالم المصنوع من الاحتياجات الوهمية، والذي يتم فيه إبعاد أي عقل نقدي أو أي ~~معارضة للنظام. هذا ما أسماه ماركوس «الرفض الأعظم». # وتأتي معارضة الطب النفسي إذن في هذا السياق الواسع، وتختلف في هذا تماما عن المعارضة ~~التي صاحبت الطب النفسي طوال تاريخه، والتي لم تكن تهدف إلا إلى تخليصه من العيوب. هذه المرة، ~~تطرح جذريا مسألة نسبية ما هو طبيعي وما هو مرضي. فالجنون ذاته، وليست المصحة العقلية ~~فحسب، هو الذي يخضع للتشكيك. وأصبح الجنون - بمعناه الواسع - صورة مجازية لكل ما يزعج ~~المجتمعات ذات المقاييس الموحدة «للإنسان ذي البعد الواحد». «إن أصل التحريم، هو تحريم ~~التفرد. فعندما تكون مختلفا عن المجموعة، تكون ضدها. وإذا كنت ضدها، فقد تدمرها. وفي هذه ~~الأوضاع وفي سبيل الحماية، يجب على المجموعة أن تقصي الخطر الذي يمثله الاختلاف.» # 17 # فالمجتمع الذي يقصي، يحدد النموذج الذي يرفضه في المريض عقليا نفسه ... منذ عام ~~1979، ذكر ميشيل كروزيه «سنوات مناهضة الطب النفسي الجنونية»: «إن منطق اليسار - السائد في ~~ذلك الوقت - كان منطقا جنونيا؛ أي من دون حدود أو قيود. ولم تكن حركة مناهضة الطب النفسي ~~إلا أحد مظاهره ولكن أكثرها قوة، ولا سيما في بلد كانت دائما حذرة بل ومتأخرة في هذا المجال. ~~كان يسود هذه الأعوام أساسا مزيج عجيب وغير عادي من العنف المناهض للمؤسسات والأساليب ذات ~~المضمون الثقافي الأكثر جذرية من دون أي تماسك إلا هذا المنطق.» # 18 # يعد توماس ساس أحد الآباء المؤسسين لحركة مناهضة الطب النفسي المعاصرة، وأحد أكثرهم ~~تشددا، ms536 وإن كان دوره قد بدأ يخبو اليوم أمام الذين استلهموا أفكاره (وعلى رأسهم فوكو). ولد ~~ساس في بودابست عام 1920، ثم هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1938. كان يعمل ~~فيزيائيا، قبل أن يصبح طبيبا ويتحول في النهاية إلى طبيب نفسي. وسرعان ما حرمته مواقفه ~~العنيفة تجاه مؤسسة الطب النفسي منذ بداية الخمسينيات من متابعة نشاطه في العمل داخل ~~المستشفيات. ومنذ عام 1956، أصبح أستاذا للطب النفسي بجامعة نيويورك (سيراكيوز) وحتى تقاعده ~~عام 1990. ويزخر تاريخه المهني بالكتب النظرية (ما يقرب من الثلاثين كتابا) نذكر منها ~~بالتحديد: «أسطورة الطب العقلي» (1961)، # 19 # و«الأيديولوجية والجنون» (1970)، # 20 # و«صناعة الجنون» (صناعة الجنون: دراسة مقارنة لمحاكم التفتيش وحركة الصحة ~~العقلية) (1970)، # 21 # وأيضا «أسطورة العلاج النفسي» (1978). # 22 # ويستحق كل عنوان من هذه أن يصبح منهجا يدرس. المرض العقلي أسطورة. بالطبع، يوجد ~~«تفاوت في السلوك داخل المجتمع» (يتحدث ساس أيضا عن «المشكلات الوجودية»)، ولكن من الخطأ ~~اعتباره مرضا. «في مجتمعاتنا المعاصرة، يتم إذن فرض تشخيص للمرض العقلي بمجرد أن نتمكن من ~~تحديد الفجوة بين السلوك الفردي بالنسبة إلى بعض المعايير النفسية الاجتماعية والأخلاقية أو ~~القانونية [...] فما يسمى بالأمراض العقلية ليست في معظم الحالات إلا حوارات تعبر عن أفكار غير ~~مقبولة، تترجم أحيانا في لغة غريبة» (الأيديولوجية والجنون). # وينطلق ساس من الفكرة القائلة بأن الحكومات تتآمر دوما ضد رعاياها لتبقيهم في حالة ~~عبودية بفضل الأيديولوجيات. ولكن اختلف الفخ: «في عصر الإيمان، كانت الأيديولوجية مسيحية، ~~والطريقة كهنوتية والخبير هو رجل الدين، ولكن في عصر الجنون، أصبحت الأيديولوجية طبية ~~والطريقة إكلينيكية والخبير هو الطبيب النفسي» (الأيديولوجية والجنون). ويعود ساس كثيرا إلى ~~هذا التشبيه: «من يجرؤ أن يسخر من الله أو يعارضه داخل مجتمع ديني؟ المهرطق فقط! ومن يجرؤ على ~~السخرية من الصحة (العقلية)، بل ويعارضها في مجتمع علاجي؟ المجنون فقط!» # 23 # انتقلنا إذن من عصر الإيمان إلى عصر العقل (ويتعمد ساس أن يسميه «عصر الجنون»). ~~«فبدلا من أن يولد الإنسان حاملا الخطية، فهو يولد حاملا المرض.» وهكذا، بعيدا عن أن يكون ~~عالما حياديا كما ms537 يدعي، ينحاز الطبيب النفسي (فلا يمكنه معالجة أحد إن لم يسئ معاملة ~~الآخر)، وتحولت دلالة الطب النفسي إلى ألفاظ جديدة لتصف وتروج لقيم أخلاقية وبالتالي ~~سياسية. «كل هذا ليس سوى خداع كبير.» كما أن الأمر يتعلق بالترويج لقيم أخلاقية، وليست لقيم ~~طبية؛ لأن «القيم الأخلاقية تخص الجميع، ولا يمتلك أي فصيل أن يدعي أنها ملكه وحده» (على ~~عكس القيم الطبية التي تظل حكرا على المتخصصين في مجال الصحة). # وفي كل أعماله، ظل يندد بهذه المحاولات لوضع معايير موحدة لكل شيء: «إذا لم تنجح الفاشية ~~والشيوعية في فرض أيديولوجية جمعية على المجتمع الأمريكي، فربما تنجح أدبيات المرض العقلي في ~~هذا الأمر.» وقد تمتد هذه السطوة لتطول العالم أجمع، وقد أصبحت هي مجال التطبيق العملي للطب ~~النفسي. باختصار، أصبحت الصحة هي الحجة الجديدة لسيطرة الإنسان على الإنسان. فنحن نتجه إلى ~~«الدولة العلاجية» ضد الفردية والاستقلالية، ضد حماية المواطنين من الدولة، وأيضا ضد الحكم ~~الحر والمسئولية الفردية. # سندع الآن جانبا التجاوزات العديدة في الحوار، التي سبق بها من تبعوه، والتي لم تساهم ~~بالطبع في جعل حركة مناهضة الطب النفسي أكثر مصداقية. وبالتالي، فكرة أن المجنون حتما هو ~~كبش الفداء الذي تضحي به «مجتمعاتنا الرحيمة» والذي تنقذ تضحيته المجموعة كلها من التفكك ~~والأنا من الانحلال ... أيمكننا أن نضيف إلى المجنون الساحرات واليهود؟ كما يخصص كتاب «صناعة ~~الجنون» فصلا كاملا «لكبش الفداء المثالي للطب النفسي: الشخص المثلي الجنس»، في حين لم يكن ~~يهتم به الطب النفسي التقليدي إلا نادرا. ويتحدث فصل آخر عن «منتج جديد: جنون الاستمناء» ~~الذي رأينا أن تشخيصه قد ظهر منذ العصر الرومانسي للطب النفسي. إن المبالغة الكبرى بالطبع هي ~~التأكيد على أن المرض العقلي ليس له وجود، على الرغم من أن هذه الفكرة كانت هي الترجمة ~~المختصرة لأفكار ساس في فرنسا بالتحديد. فإذا بحثنا جيدا، فسنرى أن ساس قد تقبل فكرة الجنون؛ ~~بما أنه يعتقد أن طرق العلاج النفسي لها مكان بشرط أن تكون مطلوبة. # يدين ساس أيضا التحليل النفسي بشكل ms538 قوي. فيعتقد أن العلاج النفسي إنما هو أسطورة (مثله ~~مثل المرض العقلي) وأن التدخلات العلاجية النفسية إنما هي طرق علاجية مجازية، وكأن العلاج ~~النفسي صورة من صور البلاغة. أما عن النموذج الذي اتخذه - أي التحليل النفسي - فهو ليس علما ~~كما ادعى فرويد، وإنما دين جديد مليء بالمعتقدات الثابتة. بل ووصل الأمر بساس حتى الحديث عن ~~طوائف داخله. فيرى في عقدة أوديب (وليست وحدها) مفتاح لغة التحليل النفسي، والتي توازي ~~مكانتها بالنسبة إلى المحلل النفسي التقليدي، مكانة سر التناول لدى الكاثوليكي. ولقد صنع منها ~~فرويد واقعا - بعيدا عن أي مجاز - تماما مثل سر القربان المقدس. «فبالنسبة إلى كنيسة ~~فرويد، فأي طفل ذكر يرغب في قتل والده وممارسة الجنس مع والدته، والفتيات العكس.» ولقد أبعد ~~فرويد يونج لرفضه أن يتقبلها إلا في صورتها الرمزية. «محاولا دحض اعتراضات يونج الذي رفض أن ~~يعتبر عقدة أوديب السبب وراء كل أنواع العصاب، كشف فرويد من جديد عن الطابع الفظ ~~لبلاغته.» # 24 ~~«كان حماسه بالإضافة إلى مواهبه هو ما أتاح لفرويد أن يتحول إلى أسطورة في مجال ~~الجنون في النمسا.» ولكن فرويد مدعي ثقافة، مصاب بجنون العظمة وكاره للنساء (وفوق هذا يهودي ~~ينتقم تاريخيا من المسيحية)، # 25 # كان يستخدم لغة شبه علمية للتدليل على عبقريته: «وبالتالي، يصبح الذهن الجهاز ~~النفسي، والعاطفة ليست إلا ال «هو»، والشخصية هي «الأنا» والضمير هو «الأنا العليا».» # في عصره، أصبح ساس من المناهضين القلائل للطب النفسي الذين عارضوا أيضا التحليل النفسي؛ ~~مما تسبب في فزع كبير في وسط حركة مناهضة الطب النفسي في فرنسا؛ حيث كان التحليل النفسي ~~فيها يحظى بأوج فترات الانتصار. ولقد تولد عن هذا الأمر مؤامرة صامتة نسبيا. ولكن هذا لم ~~يمنع رولاند جاكار - المؤرخ لحركة الجنون والتحليل النفسي - من أن يكتب في عموده بجريدة ~~«لوموند»: «تعد أعمال ساس القطعية في رفضها والمفرطة في النقد وذات المنطق الضعيف من الأعمال ~~التي تسير ضد التيار، ضد كل ما يقال وكل ما يفعل في مجال الطب النفسي، بل وأيضا التحليل ms539 ~~النفسي [...] وباسم العقلانية والإنسانية المتفتحة، تعد دفاعا شديدا عن الإنسان لم نقرأ مثله ~~منذ أمد بعيد.» # ومثله مثل الطب النفسي والتحليل النفسي، لم يلق الطب النفسي الحيوي قبولا لدى ساس، الذي ~~يقول لجي سورمان في لقاء عام 1988: # 26 ~~«دعونا نتوقف عن القول بأن خلف كل تفكير ملتو، جزيئا ملتويا داخل الدماغ.» ~~«فإذا كانت الحال كذلك، فيجب إذن علاج الفصام مثل أي مرض عادي، ولا نجعل من الأمراض العقلية ~~فئة منفصلة نعزلها ونعتني بها بموجب سلطة ما.» # وهكذا، تكون تفسير شامل للجنون من منظور علم الاجتماع، في الوقت الذي كانت العلوم ~~الإنسانية تفرض نفسها بقوة في الجامعات. وكثيرون هم الرواد في هذا المجال. ومنذ ذلك الحين، ~~كرس أدولف ماير (1866-1950) - عالم الأعصاب السويسري المهاجر إلى الولايات المتحدة عام 1890 ~~- نفسه لدراسة طب الأمراض العصبية والنفسية. ولكنه كان معارضا لتصور كرابلين عن كيان ~~الأمراض، وكان يدرس أن الاضطرابات العقلية إنما هي طرق غير ملائمة للتفاعل مع المواقف ~~المختلفة، وأن العلاج النفسي يجب أن يقوم على مساعدة المريض على التأقلم بصورة أفضل. في ~~إنجلترا، بعد الحرب العالمية الثانية، كان ماكسويل جونز - أحد رواد الطب النفسي الاجتماعي - ~~يدرس من جانبه أن المرض العقلي يجب ألا يعد مطلقا مجموعة من الأعراض، وإنما «المورد الأخير ~~لفرد ينقصه الدعم الاجتماعي المناسب ويعجز عن مساعدة نفسه.» # 27 # ومبكرا، اقترح ما يسمى ب «المجتمع العلاجي» كحل ليكون نموذجا نظريا وأداة ~~عملية في ذات الوقت (مثل سيفادون وأوري وتوسكيل في فرنسا). ويقوم الأمر - وسنرجع إليه لاحقا ~~- على تحويل تنظيم المصحة لكي نضمن أن يكون هناك دور لكل فرد؛ المعالج والمعالج في ~~المشروع العلاجي. # ولن يكون البحث عن أسباب الجنون «داخل» الفرد وإنما خارجه. (بالنسبة إلى ليفي ستروس، فإن ~~المجنون - خارج مجتمعاتنا - يمثل بالفعل الملمح الأقل أهمية من نظام الجنون.) وعلى عكس التصور ~~الفردي الذي يؤكد على الشخص المريض، لم يعد الجنون موجودا داخل الشخص، وإنما داخل نظام ~~العلاقات والبيئة المرضية التي تحيط به. «علمتني خبرتي الإكلينيكية أن الفرد يصاب بالفصام ms540 ~~جزئيا بسبب الجهد المتواصل - بنسبة كبيرة في اللاوعي - الذي يبذله المحيطون به لجعله ~~مجنونا» (سيرلز، محلل نفسي أمريكي). # 28 # كان هذا هو العصر الذي ارتسمت فيه صورة والدي الفصامي الشاب: «أم متحكمة ~~عاطفيا ومبالغة في الحماية بنفس قدر إبعادها لابنها، بينما يكون الأب ضعيف الشخصية وسلبيا ~~ومنشغلا أو مريضا أو «غائبا» بشكل أو بآخر كعضو حقيقي في العائلة.» وبالتالي، تنتج الكثير ~~من حالات الذهان ليس بسبب انقطاع العلاقات الأسرية، بل بالعكس بسبب توطدها الزائد. ويضيف ~~رولاند جاكار: «من بين المحللين النفسيين الفرنسيين الذين درسوا طريقة سير العائلات الذهانية، ~~يجب أن نفرد مكانا خاصا لفرانسواز دولتو، التي وصفت كيف يشكل الوالدان زوجا عصابيا ~~منطويا على ذاته، يهتمان فقط بتنشئة أولادهما ماديا، «فيعملان» و«يربيان» فقط. وكأن ~~أطفالهما ليسوا إلا ثمرة رغبات يخجلان منها ولا يعترفان بها. فيربيانهم في جو من السخافة ~~والفزع من الجنس الذي يكبتونه بعنف، شاعرين بالذنب الدائم إلى درجة خطيرة؛ لأنه لم يكن لديهم ~~والدان يسمحان لهما بالتعبير عن الرغبة الجنسية بفخر.» # في جميع الأحوال، ليس المريض هو الذي في حاجة للطب النفسي، بل الأسرة والمجتمع، ذلك ~~المجتمع غير الإنساني الذي ندد به المناهضون في فترة الستينيات. ويقول جورج ديفرو (1908-1985) ~~- رائد التحليل النفسي العرقي: إن الفصام وضياع الهوية إنما يتسبب فيهما المجتمع الذي هو ذاته ~~مضاد للهوية محاولا تفكيك أي كيانات. باختصار، المجتمع هو الذي يعاني من الفصام. ~~«المرض العقلي ليس كيانا في ذاته، فلا وجود له؛ لأنه ينتج عن المواجهة بين فردين، يقدم ~~أحدهما ألغاز اضطراباته، ويحاول الآخر تفسيرها.» # 29 # فالمرض العقلي «شيء يدور بين المريض والطبيب»، # 30 # ولكنه في النهاية «حوار بين قسمين من المجتمع أكثر منه حوارا بين ~~فردين.» # 31 # إلا أن هذين العالمين يشكلان جزءا من نظام عالمي. «النظام الذي نسميه نظام ~~العقليات الطبيعية يعد جزءا لا يتجزأ من عالم الجنون [...] فنحن نحمل جميعنا داخلنا تلك الهوة ~~التي قد تبتلع عقلنا (حسب التعريف المتفق عليه اجتماعيا)، ليمثل الجنون ظهور هذه الميول ~~الدفينة الموجودة لدى ms541 كل البشر [...] أي إننا نشعر جميعا داخلنا بخلجات الآخر المظلم الذي يسكن ~~فينا.» # 32 # هذا الجنون، الجنون الذي يعتبر كبش فداء لمجتمع العقل، قد بلغ ذروته مع أطروحة ميشيل فوكو ~~عام 1961. لم يرد فوكو أن يكون مؤرخا ولا مناهضا للطب النفسي ، ولكنه أصبح كذلك بصفته ~~امتدادا لنظريات ساس في فرنسا (على الرغم من أنه لا يقتبس عنه أبدا): «لم يكن الطب هو من ~~وضع حدودا بين العقل والجنون، ولكن منذ القرن التاسع عشر والأطباء أصبحوا مكلفين بمراقبة هذا ~~الخط الفاصل بيقظة.» بعد كتابه «الجنون والحماقة» عام 1961، استأنف فوكو في محاضراته بكلية ~~فرنسا تدريس نظرياته المضادة «لسلطة الطب النفسي». # 33 # وظل الجنون - أو العلاج الإكلينيكي للجنون - «نوعا من التخصص» يختلف عن أي تخصص ~~آخر بسبب «طابعه الطبي». «فلم يعد هناك مكان للقراءة الرومانتيكية (أطروحة عام 1961) التي ~~ترتكز على تاريخ الظواهر وأزمة الحدود التي يمثلها الجنون بكونه تجسيدا «لعدم التعقل»، بل ~~القراءة المناضلة تستخرج جذور «التخصص» الذي كان يسمى بالطب العقلي، بكونه نظاما لا يتوقف ~~شكله - وهذا هو قلب المحاضرة - على ظهوره في كافة مناحي الحياة الاجتماعية كنموذج مميز للسلطة ~~وعلى بقائه بعد تدهوره كنمط طبي نفسي، في ظل حالة من التعميم لوظيفة «الطبيب النفسي» في ~~المدرسة وفي القضاء ... إلخ.» # 34 # ومرة أخرى، لم نكن لنركز انتباهنا في هذه النقطة على فوكو، لو لم يكن يحتل اليوم تقريبا ~~كل الساحة التأريخية للجنون. فلا يوجد اليوم كتاب عن تاريخ الجنون أو قاموس أو موسوعة إلا كتب ~~فوكو، وهذا ليس أقل مفارقة من أن نراه يتحول في النهاية إلى المؤرخ الرسمي للجنون. وباستثناء ~~بعض المحاولات التي تعنى بتحليل «فوكو والجنون» # 35 ~~- وهو ليس بالأمر الهين - يظل الباقون في أغلب الأحوال متقبلين لآرائه. ~~«يعتبر ميشيل فوكو الفيلسوف الأكثر أهمية في عصرنا [...] فهو معلم لا يضاهيه أحد في فن ~~الكشف عن كافة آليات السلطة. ولم يتجنب نقده، الذي هدم كافة علاقات السيطرة والقمع والسلطة، ~~الطب النفسي التقليدي ولا عنف السجن ولا جو الاعتقال ولا علاقة الإنسان ms542 بالجنس في المجتمعات ~~الحديثة [...] الجنون في البداية: فلقد أعاد فوكو للمحتجزين بالآلاف الذين يملئون مستشفياتنا ~~النفسية صوتهم وعباراتهم وحواراتهم. فقد كان المجنون - مثله مثل الطفل أو المرأة - لمدة طويلة ~~محروما من اللغة والكلام. فجاء فوكو ليعيد إليه صوته [...] بإتاحته فهم العلاقة بين العقل وعدم ~~التعقل، ظل كتابه «تاريخ الجنون» يبدد الأوهام حول موضوع العنف في المستشفيات النفسية الذي ~~كان يتم تبريره بادعاءات علمية. وتعد أعماله قراءة واعية ودرسا لا يزال صالحا لعصرنا هذا، ~~في وقت كان كلام المجنون يظل دائما دون صدى، ويظل سؤاله دون إجابة. جاءت أعمال فوكو لتبحث ~~بعمق وتحطم سطح ظاهرة الاحتجاز لأسباب نفسية. وليس من العجيب أن تساؤل فوكو حول السلطات قد ~~بدأ بتحقيق حول الجنون؛ لأن الجنون ذا المعايير المحددة إنما هو نتاج جميع أبنية الطب العقلي ~~وجميع حالات الإقصاء وجميع القيود وكل أنواع الرفض والحصار.» # 36 # كان ذلك في عام 1979 وفوكو لا يزال على قيد الحياة، أما الآن فالحوار لا يزال متعلقا في ~~الأغلب بالطابع التاريخي. ويتساءل الفيلسوف بلاندين كريجيل: # 37 # ما الذي يتبقى من ميشيل فوكو؟ ولماذا فوكو أكثر من آلتوسير ولاكان «اللذين تركا ~~هما الآخرين أثرا لا يمحى على جيلنا؟ لماذا - من بين كل هذه الشخصيات - نختاره بالذات؟» ~~ذلك لأن فوكو - على عكس الاثنين الآخرين - «كان بعيدا عن أي تصنيف سريع. ومن هنا، برز سحره ~~الخاص والتأثير الجذاب الذي مارسه علينا جميعا، المتمثل في رفضه أن يتم تحديده أو قولبته في ~~دور اجتماعي معين [...] ومن هذا التلاشي المقصود وهذه الحرية التي لفوكو، والتي تسمح بتأويلات ~~مختلفة ومتعددة لأعماله، خرجت تعبيرات متناقضة ومتفرقة. أعاد فوكو الصوت للبائسين، مثلما أعاد ~~بيكون اللون الأكثر بدائية، ليس للتقليل من شأن الثقافة وإلصاقها بعادات وقمع، وإنما للانتصار ~~للبشرية التي اقتنصت حريتها: كان هذا هو ما علمنا إياه فوكو، وهذا هو ما يتبقى من عظمة أي ~~كلمات أو لوحة انتهت بإعطائنا قدرا من السعادة.» # وفي هذا الاتجاه تحدثنا عن «الإنجيل وفقا لفوكو»، لدرجة أن كتابه «تاريخ الجنون» ms543 لا يتم ~~تقديمه أبدا كسابقة تاريخية لحركة مناهضة الطب النفسي. إلا أن كبار الأطباء النفسيين ~~المعاصرين لنظرية فوكو كانوا يتحدثون بوضوح، على عكس الجيل الشاب الذي أغرته «الحركة الثورية» ~~التي للعصر وأخافته حالة الإرهاب الفكري التي ملأت الأجواء. في عام 1969، كانت الأيام السنوية ~~لجريدة تطور الطب النفسي مخصصة «للتصور الأيديولوجي لتاريخ الجنون لميشيل فوكو». # 38 # ولقد قدم جورج دوميزون له «قراءة تاريخية» مشددا - على غرار هنري ستولمان (جنون ~~أم مرض عقلي؟ دراسة نقدية ونفسية ومعرفية لمفاهيم ميشيل فوكو) - على «الغموض الدائم لمفهوم ~~الجنون، الذي هو محور تفكير المؤلف.» هنا في الحقيقة تكمن نقطة الضعف، وسنجد في هذه التقارير ~~نفس انتقاداتنا عند قراءة فوكو. «نادرا ما نأسف لأن عملا متفردا بجمال لغته، ورقة وجودة ~~بعض تحليلاته، والحماس المذهل الذي يتطلب عملا غير محدود؛ تنتقص قيمته في النهاية بسبب غفلة ~~مؤلفه عن الحقيقة الإكلينيكية في مجال العلاج النفسي» (ستولمان). # ومن جانبه، لم يكن هنري إي رقيقا (تعليقات نقدية حول تاريخ الجنون لميشيل فوكو): «إن هذا ~~الفيلسوف المتبحر في مجال الطب، والدارس جيدا لبعض نقاط تاريخه، ولكن مدفوعا بمزاج سيئ تجاه ~~الأطباء؛ قد شرع في إثبات أن «المرض العقلي» [...] ليس إلا تأثير قمع اتجاهات عدم التعقل عن ~~طريق العقل والفضيلة ومصالح المجتمع. ومن هنا ينوي فوكو عدم الفصل بين الجنون (الذي يدور حوله ~~وحده مجال الطب النفسي) وعدم التعقل [...] وهكذا، أصبح لدينا علم بالجريمة التي سيرتكبها الطب ~~النفسي باستيلائه على مجال لا يتبعه: عدم التعقل العجيب [...] أي القول بأن الجنون إنما هو نتاج ~~ثقافي يولد ولا يتطور إلا في هذا الحيز؛ حيث يدين العقل عدم التعقل. من مثل هذا المنظور - ~~الذي نسميه «الأيديولوجي» - كون الشخص مجنونا أو كونه يبدو مجنونا أو موصوما بالجنون ليس ~~له صلة بظاهرة طبيعية: فلكل شيء يحدث في التاريخ مثل في التطبيق العملي لمفهوم المرض العقلي ~~وكأن «الباثولوجيا» الخاصة به مصطنعة بالكامل وعلاجه اجتماعي تماما. هذا بالطبع يعني التقليل ~~من قيمة ما يتضمنه الموضوع من ثوابت متماسكة في «الخلل ms544 العقلي». إلا أن هذه المقاومة بالتحديد ~~وهذا الثقل النفسي الباثولوجي هو الذي يمثل بالنسبة إلينا أساس الطب النفسي. [...] «فالمرض ~~العقلي» هو مرض الواقع والحرية المقيدة - مثل الحلم - بفوضى الشخص الواعي؛ أي إنه يظهر ~~تقريبا في مرضه العقلي عكس العلاقات التي تنظم عضويا الكائن الواعي داخل اللاوعي.» # ولم يكن هناك بد أمام الكتب النادرة التي تناولت تاريخ الجنون (لم تهتم جميعها إلا ~~بالفترة المعاصرة) - التي تلت «تلك اللحظة» من الجنون وفقا لفوكو - من أن تتخذه مرجعا لها، ~~مثل «نظام الطب النفسي: العصر الذهبي للطب العقلي» # 39 # لعالم الاجتماع روبرت كاستل. فنجد اتباعه لأعمال فوكو جليا من الوهلة الأولى: ~~«فهي تمثل نقطة فاصلة، لا تستطيع أي محاولة من هذا النوع إلا أن تندرج تحتها.» ولكن لننتبه! ~~فروبرت كاستل يحرص على أن يرفض «لهجة الإدانة الأخلاقية (و) موقف ملقن الدروس.» ولكن ماذا ~~نقرأ؟ «لعلنا قلنا بما يكفي إن المعرفة الطبية النفسية لم تكن جدية وإن طرق التحليل النفسي ~~كانت رتيبة. على أي حال، فإن القائمين عليها لم يكونوا سذجا يتسلون أو مدعين وقحين، بل ~~كانوا فنيين على مستوى عال تمتد معرفتهم ويزداد نفوذهم.» وبعيدا: «إن عملية تآكل القانون ~~عن طريق المعرفة (أو عن شبه معرفة، ولكنها ليست قضيتنا الأساسية هنا) والتخريب التدريجي ~~للشرعية عن طريق أنشطة تعتمد الخبرة؛ يمثلان أحد أكبر الانحرافات التي - منذ صعود المجتمع ~~البرجوازي - تتولى عملية اتخاذ القرار الذي يشكل المصير الاجتماعي للبشر، بداية من العقود ~~وحتى الوضع تحت الوصاية. ولقد كان الطب العقلي عاملا أساسيا في هذا التحول.» ويتلخص الطب ~~النفسي للقرن التاسع عشر في «الرغبة القهرية للأطباء النفسيين في تعريف الجميع بأنهم ليسوا ~~أقل علما من الأطباء الآخرين، وأن السيطرة على الجنون أصبحت أخيرا ممكنة بفضلهم [...] وبدأت ~~سلسلة طويلة من الأحداث المرعبة ترتكب بدم بارد باسم العلم والعقل.» # 40 # ولكن - وليس فقط في دراستنا - يبدو أن نقد «أسطورة» فوكو قد بدأ منذ قليل. كانت هذه هي ~~الحال مع المقدمة الجديدة للطبعة الثانية عام 2007 من «العقل البشري التطبيقي» ms545 (جوسيه ~~وسواين)؛ حيث صيغت بوضوح القطيعة المعرفية بين فوكو وتابعيه: «ما أنتجه فوكو - بحماسته ~~المعروفة عنه - ليس إلا «أسطورة»، يشير أثناء روايتها إلى لعنة منذ الميلاد. فالإقصاء هو ~~الدافع إليها وإقصاء الجنون هو نموذجها. لقد أسرت الأسطورة التاريخ «ابتداء من حاضر اعتقد في ~~ذاته القدرة على الخروج عن المألوف» [...] باختصار، اتضح أن التشبه بالجنون المتخيل هو العامل ~~المؤدي إلى إنكار الجنون الحقيقي. اختفى الألم النفسي وراء نشوة جنون الكتابة. ومن مبدأ أن ~~المجانين مثلنا، ومن ثم يجب معاملتهم بناء على هذا، واستنادا إلى فكرة أن الجنون ليس له ~~وجود؛ لا توجد أي خطوة سهلة يمكن تجاوزها بما أن المنطق التكافئي يعمل بطريقة عاطفية وأحادية ~~الجانب.» ويحدق بنا جهل آخر: «الجهل بالعصر الحديدي القديم لعدم المعرفة الإرادية» الذي ينبع ~~من «تأصل المحددات الضرورية التي يفرضها المنطق التكافئي». # 41 ~~••• # وبلهجة أكثر اعتدالا، كان مؤرخو الطب النفسي الأنجلوساكسونيون أيضا من مناهضي الطب ~~النفسي (أكثر من مؤرخي الجنون). لن نذكر هنا إلا «متاحف الجنون» لأندرو تي سكول، # 42 # الذي يسترشد التاريخ الذي كتبه عن الطب النفسي البريطاني في القرن التاسع عشر ~~بأكمله بفكرة مقدسة؛ وهي «الاستحواذ الطبي على الجنون»؛ أي المؤامرة الكبرى. صدق الأطباء ~~على أطروحة الجنون المرضي، الذي تقع مسئولية علاجه على عاتقهم بنوع من الاحتكار الأيديولوجي. ~~مرت الأعوام، وبدأت الأيديولوجية الفوضوية تمحي، مع وجود شبكة التأويلات المناهضة للطب ~~النفسي. وبدوره، وضع جان جولدشتاين في كتابه «عالج وصنف» # 43 # أساس شكل تسييس الطب النفسي. ويدعو للعجب التحول الذي جعل من العلاج المعنوي أداة ~~فرنسية، متناسيا أنه في الأصل كان فكرة إنجليزية، وأنه لا يمت بصلة للنظام الديني أو لنظام ~~العلاج. ونقرأ - بنحو ذي مغزى - في مطلع خاتمته هذه الجملة التي اقتبسها عن بروست: «لدى ~~الكاهن كما لدى طبيب الأمراض العقلية؛ يوجد لديهما شيء يشبه قاضي التحقيق.» # وأيضا، ثار الأطباء النفسيون في ذلك الوقت، ولكن لم تسمع اعتراضاتهم في وسط صخب حركة ~~مناهضة الطب النفسي. في يونيو 1971، أثناء ندوة بروزيز المخصصة لحركة مناهضة الطب ms546 النفسي، ~~اتهم هنري ستولمان - الطبيب والمحلل النفسي - متهميه: «إن الباثولوجيا أشمل من دراسة الشذوذ ~~ولا تقتصر عليه فقط»، # 44 # وإن النمطية «ليست دليلا على الصحة العقلية.» وتخلط حركة مناهضة الطب النفسي ~~بين مفهومين مختلفين. «أن مثل هذا المزيج الموجود لدى ميشيل فوكو - الذي لم يعرف عن الجنون ~~سوى حوار مع الأرشيف - ليس مفاجئا. ولكن أن يتمكن الأطباء النفسيون - لعلهم كانوا من ~~المناهضين للطب النفسي - من التجاوز عن مشاهد الاقتياد إلى الموت، وأن يسدوا آذانهم عن سماع ~~شكاوى اليأس؛ هذا ما يثير العجب!» ويقارن ستولمان مناهضة الطب النفسي بأزمة المراهقة: الميل ~~إلى العقلانية ورفض النظريات والزهد والنرجسية وطفرات الهوية ... «أقول في النهاية إنه يجب ~~الاعتراف بأن مناهضة الطب النفسي تمتلك أسبقية؛ فهي تجري تحقيقا مع كل منا بعنف رقيق. ~~فعندما تكون معارضة الطب النفسي نقدا جذريا للمؤسسة، أكون مناهضا للطب النفسي، ولكن عندما ~~تحتمي وراء نفي وجود المرض العقلي، أعارضها.» # وأثناء نفس الندوة - التي لم تتصدر بالطبع الصفحات الأولى في الجرائد التي كانت تذكر ~~بالكاد حركة مناهضة الطب النفسي الغامضة - ندد هنري موريل - عضو جريدة تطور الطب النفسي - ~~من جانبه بسخافة المصطلح الجديد «مناهضة الطب النفسي». ويتساءل، فماذا يفعل كوبر بازاليا إذن ~~إذا لم يكن الطب النفسي؟ بالطبع هم مصلحون ومجددون، ولكنهم يبقون في النهاية أطباء وأطباء ~~نفسيين. أما إنكار وجود المرض النفسي وقصره على كونه «منتجا ثقافيا»، فهذا تراجع كبير: ~~«أمن الضروري التذكرة بأنه منذ زمن طويل قد وعى الأطباء النفسيون أن القضية التي يطرحها ~~الجنون ليست معرفة ما إذا كان المريض الذي يهلوس محقا أم لا، أو إذا كان المريض بالغيرة ~~المرضية مخدوعا فعلا أم لا، أو أن المصاب بوسواس المرض مريض بالفعل بأي إصابة باطنية أو ~~قلبية؟» # 45 # ويستكمل موريل حديثه بأن مناهضة الطب النفسي ليست سوى نوع من التناقض: «فنفي ~~الجنون يرتبط عادة - في مضمون مناهضة الطب النفسي - بالاعتراف به. فبعد تفكيك «أسطورة المعيار ~~الطبيعي»، نال الجنون حقه بشرط أن يصبح في مصاف القيم. بينما تميل مناهضة ms547 الطب النفسي - تحت ~~غطاء التنديد بالعنف - إلى تحويل مجال الطب النفسي إلى مجال ثوري.» باختصار، يجب إزالة ~~الأوهام حول مناهضة الطب النفسي. «فهناك تيار من المثالية والتصوف والتنبؤ والرومانتيكية ~~والعقلانية المشوبة بجنون العظمة بدأ يسري في «مملكة» مناهضة الطب النفسي البائسة.» # بالنسبة إلى هنري إي، فمناهضة الطب النفسي ليست سوى احتجاج على الطب النفسي السيئ. «ولكن ~~بإصرارها على الرفض المطلق، تتحول إلى أيديولوجية أسوأ من أساطير الطب النفسي التي تنتقدها؛ ~~لأنها بذلك لا تناقض خطاب الطب النفسي الرديء، وإنما طبيعة المرض العقلي نفسه.» ومرورا، ~~يتساءل إي بخبث، لماذا لا نتحدث عن «مناهضة علم النفس» أو «مناهضة علم الاجتماع» - مشيرا ~~بذلك إلى هؤلاء الذين انكشفوا بوضوح. «الطب النفسي لا يمكن أن يكون سوى فرع من الطب؛ لأن ~~المرض العقلي ليس ظاهرة ثقافية، وإنما أثر ارتباك وتفكك الكائن نفسيا.» # 46 # اتخذت حركة مناهضة الطب النفسي أوسع مدى لها داخل المصحة النفسية ذاتها على يد ممارسين ~~كانوا - من دون أن ينكروا وجود الجنون الذي يواجهونه يوميا (نتحدث عن المرض العقلي دون أن ~~يكون سبق لنا رؤية مريض) # 47 ~~- يعارضون جذريا الطب النفسي بالطريقة التي يمارسونه بها، والذين يجبرهم ~~المجتمع (الرأسمالي) عليها. وإذا جاز القول، فإن الأطباء الإنجليز هم من كانوا في الطليعة. ~~كان ديفيد كوبر (1931-1986) يدير في البداية وحدة تجريبية للفصاميين تسمى «الجناح 21» بمستشفى ~~شيلي بلندن من عام 1962 وحتى 1966. واجتمع فيه فريق علاجي - بعيدا عن أي ترتيب طبقي وبإلهام ~~من ماكسويل جونز - أطباء وممرضون ومرضى. إلا أن عداء الجهاز الطبي والنزاعات الدائمة مع إدارة ~~المصحة، بالإضافة إلى إنهاك المعالجين نفسيا، قد سارع بوضع نهاية لهذه التجربة الرائدة. ~~اعتقد كوبر أن الجنون ليس مرضا عقليا، وإنما تجربة شخصية واجتماعية، «حالة معدلة من ~~الوعي»، أو «رحلة» يجب اتباعها. # 48 # في الوقت ذاته، اعتبر عالم الأنثروبولوجيا البريطاني جريجوري باتيسون ~~(1904-1980) أن الفصام رد على الأوامر المتناقضة والمتعارضة (القيود المزدوجة) التي تنتج عن ~~مرض في التواصل. ويتحدث كوبر أيضا عن «المجنون الموجود في كل منا، ms548 في حين أن كل شخص طبيعي ~~بالكامل لا يحمل داخله إلا جثة مجنونه المقتول داخله.» وكان هو أول من استخدم مصطلح مناهضة ~~الطب النفسي، # 49 # ككيان معارض، ليس للمجتمع فحسب بل وأيضا لأسرة المريض عقليا. «من الغباء ~~الحديث عن موت الله أو موت الإنسان - بالسخرية من الأحاديث الجادة لبعض اللاهوتيين والفلاسفة ~~البنيويين المعاصرين - قبل أن نعي بالكامل موت الأسرة (النواة)، هذا النظام الذي - بموجب ~~التزامه الاجتماعي - يقضي بخبث على أساس تجربتنا؛ وبالتالي يحرم أفعالنا من أي تلقائية ~~حقيقية.» # 50 # أعيد إحياء تجربة «الجناح 21» مرة أخرى عام 1965 بتأسيس دور لرعاية الفصاميين - هذه ~~المرة بعيدا عن إطار أي مستشفى عام - ومن أشهرها دار كينج سي، المكان التاريخي للحركة ~~العمالية البريطانية في شرق لندن. ويرجع الفضل في هذه المبادرة «المستشفى-المضاد» لديفيد كوبر ~~وآرون إيستيرسون ورونالد لاينج (1927-1989). ويقول الأخير في كتابيه «الأنا المنقسمة» ~~(1960) # 51 # و«سياسة التجربة» (1967)، # 52 # إن الأزمة النفسية هي رحلة يسميها «شفاء النفس» (التحول والتغيير الروحي). ~~وبالنسبة إلى لاينج، تكمن هنا التجربة الثرية أو «المنعطف الرائع لتطور الشخصية»، بشرط أن ~~يكون هناك من يصحبها جيدا ولا يعالجها نفسيا إلا إذا أصبحت مزمنة. بل وذهب إلى الدعوة إلى ~~«هذه الرحلة» على غرار من يتعاطون ثنائي إيثيل أميد حمض الليسرجيك (عقار الهلوسة # LSD ~~). إلا أن لاينج - الذي تم اتهامه لاحقا بالتشجيع على الإدمان ~~- قد شكك في أعماله عام 1985 في سيرته الذاتية «حكمة وعدم تعقل وجنون». أما عن تجربة دار كينج ~~سي، فلم تستمر لما بعد عام 1970، لعداء المحيطين بالإضافة إلى طابعها المتعلق بأقلية ~~صغيرة. # نتيجة تأثرهما بالفيلسوف سارتر (العقل والعنف، 1984)، كان التزام لاينج وكوبر سياسيا ~~وثوريا؛ فكانا يرفضان المجتمع الغربي ككل: «إن الشخص الذي يفضل الموت على أن يكون ~~شيوعيا (كان ذلك في أوج الحرب الباردة) طبيعي. أما الشخص الذي يعلن أنه فقد روحه، فهو ~~مجنون. والإنسان الذي يقول إن البشر ما هم إلا آلات قد يعد عالما كبيرا. ولكن الشخص الذي ~~يقول إنه آلة يكون مريضا بتفكك الشخصية وفقا لمصطلحات ms549 الطب النفسي» (لاينج). في عام 1967، ~~بلندن، عقد مؤتمر عن جدلية التحرر بناء على مبادرة منهما. وكان من بين الحاضرين هيربرت ~~ماركوس. كان الأمر يتعلق بتكوين «وعي حقيقي ثوري، يضم الأيديولوجية إلى العمل المباشر مع ~~الأفراد والجموع دون رفض العنف إذا كان ضروريا» لدى الجزء الأكثر تقدما. ويذكر جاك بوستيل ~~بمكر: «يبدو أن المعارضين الإنجليز للطب النفسي يمارسون أناركية مثالية للغاية. من الصعب ~~إيجاد فعل مقاومة بهذه الجدية والخطورة في هذا المجال، بما ينصحون به لتمزيق الجريدة اليومية ~~الفاسدة التي اشتراها من بائع الجرائد علانية. وسرعان ما غرقت حركة مناهضة الطب النفسي ~~الإنجليزية في هذه المثالية الطوباوية.» # 53 # في إيطاليا، حظيت حركة مناهضة الطب النفسي بنجاح أكبر بفضل نشاط فرانكو بازاليا ~~(1924-1980) المولود في فينيسيا، ويعمل طبيبا منذ عام 1949 وطبيبا نفسيا منذ 1959. كان ~~شديد التأثر بالفكر الظواهري الوجودي وبأعمال بينسفاجنر ومينكويسكي، واهتم بتعزيز قيمة اللقاء ~~مع المريض عقليا. كان متأثرا أيضا بأفكار ماكسويل الذي تدرب معه في لندن. وإيمانا منه ~~بفائدة المجتمعات العلاجية، رفض الطب النفسي التقليدي والتحليل النفسي، الذي هو «الصورة ~~المثالية للمجتمع الرأسمالي». تسببت آراؤه السياسية في نفيه في المصحة النفسية الكئيبة ~~بجوريزيا بالقرب من ترييست؛ حيث اصطدم بالواقع الحزين للحال في المصحات العقلية. ومن هناك، ~~تأصلت مواقفه وقرر إطلاق سراح مرضاه، وهم في الأغلب الفقراء الذين لفظهم المجتمع. «العلم ~~دائما ما يكون في خدمة الطبقة المسيطرة»، والمصحة النفسية «هي إحدى مؤسسات العنف». ولقد ضمت ~~حركة «تحرير المرضى من التمييز في المصحات النفسية»، التي ساهم في تأسيسها حوالي ألفي عضو ~~(أطباء وعلماء نفس واجتماعيين وممرضين) عام 1971. في عام 1968، ظهر كتابه: «نفي المؤسسة: ~~تقرير عن مصحة جوريزيا للأمراض النفسية». # 54 # لم تعد القضية تحسين أوضاع مصحة الأمراض العقلية وإنما القضاء عليها. تم تعيينه ~~في ترييست عام 1972، ونظم هناك عام 1977 اللقاء الثالث للشبكة الدولية لبدائل الطب النفسي. ~~ومنذ ذلك الحين أصبحت الحركة الإيطالية متزعمة حركة مناهضة الطب النفسي، في حين أن بازاليا ~~نفسه كان يرفض أن يكون «مناهضا للطب ms550 النفسي». # نجحت حركة «تحرير المرضى من التمييز في المصحات النفسية»، وهي تمثل أقلية يسارية ومؤثرة - ~~بالضغط على السلطات العامة وبنيل تأييد المعارضة النقابية والحزب الشيوعي الإيطالي (وإن كان ~~ستاليني النزعة أكثر من كونه يساريا، إلا أنه لم يكن من الممكن إعلان ذلك في ذلك العصر) - ~~في الحث على إنشاء لجنة برلمانية يتم فيها تمثيل كافة الأحزاب السياسية. في الواقع، لم يكن ~~هناك من يريد استمرار قانون 1904 القديم، الذي كان يعهد بقرار الاحتجاز الأساسي إلى السلطة ~~القضائية. وأضاف «تعديل 1930» في عهد إيطاليا الفاشية خطوة تسجيل المرضى المحتجزين في ملف ~~قضائي. في السابع عشر من مايو 1978، تم التصويت على «القانون 180» الذي لا يلغي - كما كان ~~يكتب عادة - المصحات النفسية، وإنما يحظر أي احتجاز جديد بها أو إنشاء أي مصحات جديدة. ~~وتأسست وحدات صغيرة للطب النفسي داخل المستشفيات العامة، في حين أن الاحتجاز الرسمي (الذي ~~أصبح يسمى «العلاج الإجباري») لم يعد مسموحا له بأن يتجاوز ستة أشهر، ويجب عدم اللجوء إليه ~~إلا بعد الفشل المعلن لكافة البدائل الأخرى. وأنشئت مراكز للصحة العقلية في كافة المناطق، ~~وكان لها بنية متوسطة: مستشفيات اليوم الواحد وبيوت وشقق علاجية. بالطبع، لم يكن مناضلو حركة ~~«تحرير المرضى من التمييز في المصحات النفسية» راضين عن هذه الإجراءات، التي اعتبروها «نوعا ~~آخر من التطبيب» للجنون بعيدا تماما عن آمال الثورة وتغيير المجتمع. # وإذا كانت النتيجة حدوث طفرة سريعة (اثنا عشر يوما في المتوسط مقابل سبعة وأربعين يوما ~~في باقي دول أوروبا)، فإن حدود النظام الجديد بدأت تظهر على مدار الأعوام. في البداية، لم ~~تتبع الأبنية الجديدة الطريقة نفسها من منطقة إلى أخرى. ولم يكن يتم احتجاز مرضى إلا المصابين ~~بنوبات هائجة من الذهان (وتتم معالجاتهم بجرعات عالية من الأدوية المضادة للذهان)، في حين أن ~~المرضى المزمنين كان يتم «إخفاؤهم» في الملاجئ ودور الرعاية. وكان يذهب القادرون على الدفع ~~إلى الإقامة في عيادات خاصة. ولكن انتبهت العائلات إلى خطورة سلوك المريض ذي الميول ~~الانتحارية، أو تهميش المرضى النفسيين المتروكين دون ms551 رعاية؛ مما تسبب في إنشاء جمعيات جديدة، ~~مثل «الدفاع عن مرضى الاعتلال العقلي من ذوي الحالات الصعبة»، لتطالب بإلغاء قانون ~~180. # 55 # أصبحت الظاهرة مخيفة، ولا سيما بسبب تشرد وتسكع مرضى الاعتلال العقلي المزمنين في ~~الولايات المتحدة عقب إغلاق عدد ضخم من مصحات الأمراض النفسية. «كان بازاليا قد قال إن التأخر ~~الموجود في بلاده سيتيح تغييرها بطريقة أكثر من الدول الأخرى، إلا أن هذه النبوءة لم ~~تتحقق.» # 56 # واليوم في الحقيقة، تشهد إيطاليا إقبالا أقل على الرعاية النفسية؛ نظرا للظروف ~~هناك. إن مناهضة الطب النفسي دمرت الطب النفسي، ولكنها لم تستطع أن تحل محله. # في فرنسا، انصهرت حركة مناهضة الطب النفسي قليلا في الثورة الثقافية في مايو 1968. ~~وكما تشير مود مانوني، فإن خطاب مايو لم يكن يدور «كثيرا حول «المريض» بقدر الحديث عن الوضع ~~المزري الذي وصل إليه. أيجب الاستمرار في حماية المجتمع ضد الجنون؟ أم هل حرية المريض عقليا ~~هي التي يجب الدفاع عنها في مواجهة مجتمع لا يتقبله؟» # 57 # ولم يغب عن الأحداث الممارسون «المعارضون للطب العقلي» المناضلون في أغلب الأحيان ~~منذ زمن طويل: دوميزون وبونافيه وسيفادون وتوسكيل وأوري ... # يتميز روجيه جينتيس - الطبيب والمحلل النفسي - بكتاباته اللاذعة التي جعلت منه أكثر ~~الأطباء النفسيين الفرنسيين معارضة للطب النفسي في عصره. في عام 1970، ظهر كتابه «جدران ~~المستشفى العقلي» الذي يقول فيه: «إن الأطباء النفسيين أنفسهم هم الذين يفقدون يوما بعد يوم ~~إيمانهم بالطب النفسي، مثلما يتضاءل إيمان البرجوازيين بأيديولوجية طبقتهم.» فما فائدة الطبيب ~~داخل المصحة النفسية؟ «فالطبيب عندما يقابل مريضا - إذا حدث - يكون اللقاء في مكتبه، في ~~«عيادته». إن سلطة الأساطير مرعبة: فبعد عشرين عاما من تجربة المصحة العقلية، بعد ثلاثين ~~عاما منها، ثلاثين عاما من الفساد والاختناق داخل فساد المصحة؛ لا يزال هناك أطباء يعتقدون ~~في العلاقة بين الطبيب والمريض، ويؤمنون بمزاياها وسحرها العلاجي.» ويضيف جينتيس: «وماذا عن ~~الممرضين؟» ألا يمارسون هم أيضا العلاج النفسي لساعات وساعات يوميا؟ وماذا عن الأدوية؟ ~~إنها «المهزلة الكبرى»؛ فالمرضى لا يأخذونها إلا إذا أرادوا، ms552 والعاملون يتغاضون عن الأدوية ~~إذا لم يكونوا موافقين على ما وصفه كبير الأطباء، أو في حالات المرضى المزمنين «الذين استقر ~~وضعهم وحياتهم وليس هناك رغبة في تغيير هذا.» أليس المريض هو محط استغلال الجميع في المصحة؟ ~~باختصار، فإن الأطباء «ليسوا عالمين بمجريات الأمور»، ولا يهتم أحد في المصحة بإعلامهم أي ~~شيء. أما «الطب النفسي الحديث»، (الذي يتنكر للطب النفسي القديم ويشبه جينتيس ب «المؤيدين ~~الجدد للاستعمار»)، فسيكون من الخطأ الاعتقاد بأنه سيتمكن من الاستغناء عن المصحة العقلية ~~التي أصبحت مكتظة: «لا أحد يظن أن عقلية المصحة بسبب الرعب الذي يمارسه الطب النفسي تجاهها، ~~والذي اتضح أنه ناجح معها، ستتغير بهذا الشكل، وأن الناس سيتقبلون الآن مثل هذا الأمر التافه ~~الذي يعرفه الجميع منذ زمن طويل، متظاهرين بأنهم لا يعرفونه، بأن الجنون موجود في كل منا ~~وأننا نحمله معنا منذ ميلادنا، ودونه لن نكون ما نحن عليه بالفعل.» # في عام 1973، في مقال «الطب النفسي لا بد من أن يمارسه ويتجنبه الجميع»، اتفق جينتيس على ~~واقعية «تلك التجربة الضخمة التي تمثلها نوبة هذيان»، وضرورة «وجود أماكن لرعاية الجنون» ~~بالتبعية. ونلاحظ أن لفظ «الجنون» - الذي رفضه الطب النفسي العقلي - عاد مرة أخرى إلى الظهور، ~~فلم يكن يتبقى إلا التحرر من الألفاظ. وبأماكن رعاية الجنون، كان جينتيس يقصد «جمعيات تتولى ~~مسئوليتهم». إلا أن الطب النفسي كان أمرا يخص الجميع مثل التعليم. فلقد أصبح وعدا بالحرية، ~~بينما وعد الأمس لم يكن إلا «مزحة سيئة من التاريخ». وماذا عن التحليل النفسي؟ في ذلك الحين ~~(نحن في عام 1973)، كان جينتيس أكثر تدقيقا، الأمر الذي ستغيره الأعوام المقبلة. ولاحظ أن ~~المحللين قد ثبتوا أقدامهم في المؤسسة عن طريق القيام ب «التحليل النفسي من دون أريكة». ~~ويؤكد أنهم في جميع الأحوال يسيرون في اتجاه التاريخ. ولكن، يجب ألا يكون التحليل النفسي ~~حكرا فقط على المتخصصين، أو «الامتياز الممنوح للمثقفين البرجوازيين»، بل «وسيلة فعالة لقلب ~~النظام الاجتماعي ولنشر حقيقة تحرير الرغبة.» وأصبح التحليل النفسي يتماشى إذن مع مناهضة الطب ~~النفسي. ms553 # بعد مرور أربعة أعوام، لم يهدأ جينتيس - على الرغم من تفتت أحلام ثورة مايو 1968 - بل على ~~العكس. # 58 # ماذا يرى في تجربته الجديدة للقطاع (الذي سنتحدث عنها لاحقا)؟ «كل ما تنطقون به ~~إنما هو بؤس.» بؤس مادي وعاطفي وجنسي. ويندد جينتيس أيضا بالوحدة: «قد يكون من المفروض على ~~من يمارس الطب النفسي أن يمارس تمارين للوحدة.» وفيما يخص المجتمع، «فهو مصحة للأمراض العقلية ~~من الخارج» أو «مؤسسة لانتزاع روح المبادرة والمسئوليات من الأفراد، وهناك الكثيرون الذين ~~يرون ذلك أمرا جيدا.» «إذا أردت أن تتحدث عن الصحة العقلية، فأخرج زجاجة المولوتوف خاصتك! ~~فالمهووس على الأقل شخص يفكر قليلا بمفرده ولا يقبل بالطرق التي ترسمها له العقلانية ~~المثبتة.» # كانت طريقة مود مانوني (1923-1998) أكثر اعتدالا. # 59 # وتعد مود مانوني - المحللة النفسية وتلميذة لاكان والمعروفة بسبب أعمالها حول ~~الطب النفسي للأطفال والشباب - منظرة وأيضا من رواد التطبيق العملي. في سبتمبر 1969 أسست ~~بالاشتراك مع روبرت لوفور - متخصص الطب النفسي للأطفال والمحلل النفسي على طريقة لاكان - ~~مدرسة تجريبية ببونوي سير مارن (لا تزال تعمل)، لتستقبل الشباب المصاب بالتوحد والأمراض ~~النفسية أو الخبل، في إطار تجربة مضادة للطب النفسي تشهد باستفادة التحليل النفسي من هذا ~~المجال. # لم يوصف «التوحد المبكر لدى الأطفال» للمرة الأولى إلا عام 1943، على يد الطبيب النفسي ~~الأمريكي ليو كانر في مقال بعنوان «الاضطراب التوحدي للاتصال العاطفي». وتميز الوصف ~~الإكلينيكي للمرض بعجز الطفل عن إقامة تواصل عاطفي مع المحيطين به (مع بداية ظهور للاضطرابات ~~قبل عمر العامين). وجعل منه كانر متلازمة أعراض إكلينيكية تختلف تماما عن الفصام، وإن كان ~~لفظ «التوحد» (أوتيزم) قد اخترعه بلولير عام 1911 للإشارة إلى فقدان الاتصال مع الواقع ~~الخارجي في حالات الفصام لدى البالغين (من الكلمة اليونانية «أتو» التي تعني ذاتيا). «ولكنه ~~ليس كما في الفصام لدى البالغين أو الأطفال بداية من علاقة تواصل أصلية موجودة؛ فهو ليس ~~تراجعا عن المشاركة في الوجود السابق. يعاني مريض التوحد، منذ بداية ظهور أعراض المرض، من ~~شعور شديد بالوحدة؛ ms554 فهو يحتقر ويتجاهل ويقصي، متى استطاع ذلك، أي شيء قادم من خارجه» ~~(كانر). وإلى جانب التوحد الذي يصيب الأطفال، تم تحديد أمراض ذهانية أخرى تصيبهم، وأصبحت هناك ~~طرق رعاية خاصة تضاف إلى المقررات الدراسية. في باريس عام 1959، قام سيرج ليبوفيتشي ~~(1915-2000) - المتخصص في الطب والتحليل النفسي للأطفال وفي العلاج النفسي الجماعي - بافتتاح ~~أول مستشفى لليوم الواحد للأطفال، ثم افتتح رينيه دياتكين (1918-1998) مركزا للكشف والعلاج ~~للحالات العرضية. في الثمانينيات، أسس ليبوفيتشي - الذي اهتم في ذلك الوقت بالعلاج النفسي ~~الباثولوجي للطفل - خدمة للعلاج النفسي الباثولوجي للأطفال والمراهقين بمستشفى أفيسين ~~بوبينيي. # كانت فكرة تطبيق تعاليم التحليل النفسي على «الأطفال المجانين» حديثة نسبيا في فرنسا. ~~فأول أعمال تتناول هذا الأمر في ذلك الوقت كانت أعمال فرانسواز دولتو (1908-1988) المحللة ~~النفسية والصديقة المقربة لجاك لاكان. إلا أن برونو بيتليهيم (1903-1990) كان قد فتح الطريق ~~لهذا الأمر في مدرسة «تقويم النسل» بشيكاجو. ولدى وصوله لم يكن هناك محلل نفسي واحد وطئت ~~قدماه المدرسة المخصصة للأطفال الصعاب المراس بما فيهم المرضى النفسيون. إلا أنه بالنسبة إلى ~~بيتليهيم، فكان من الواضح أن الطب النفسي للأطفال لا يقدر على الاستغناء عن طريقة العلاج ~~بالعلاقات ومن ثم التحليل النفسي. وكان علاجا فرديا كما تشهد «ثلاث حالات» في كتاب ~~«القلعة الفارغة». # 60 # كان العلاج أمرا يخص الجميع، وأصبح المعالجون يشاركون الأطفال حياتهم اليومية ~~طوال الأربع والعشرين ساعة. ومهما كانت الأعراض الظاهرة لدى النزلاء، كانت هذه الطريقة هي ~~الرد الأفضل على مخاوفهم، كما يؤكد بيتليهيم (والذي يلاقي اليوم انتقادات كثيرة). # في مدرسة بونوي، كان جميع العاملين - بما فيهم الطاهي وعمال النظافة - أعضاء في الفريق ~~العلاجي، الذي ينال معظمه تدريبا في التحليل النفسي. ويجب ألا يكون التحليل النفسي هنا مجرد ~~أداة للمعرفة، وإنما وسيلة عمل وتبادل مع الآخر. ويهدف مفهوم «تدمير المؤسسة» إلى الاستفادة ~~من كل شيء غريب يظهر (لا أن نقهره) والانفتاح على العلاقات المختلفة التي تساعد في إظهار ~~«الفرد الذي يتساءل حول أي شيء يريده». # 61 # في ظل روح مناهضة ms555 الطب النفسي السائدة في ذلك العصر وحتى الآن، كان يجب على ~~المتدربين في مجال علم النفس أن يتركوا أجهزة الحاسب المحمولة وأدوات القياس ليغوصوا تماما ~~في الحياة الجماعية بالمدرسة. لا يكون لديهم ملفات يطلعون عليها؛ حيث إنه أقل أهمية من معايشة ~~الواقع الفعلي للطفل. إلا أن مود مانوني تحذر: «إذا اتخذنا موقفا مناهضا للطب النفسي، ~~فسنكون رافضين للنظرية التي تفترض وجوده. فكل مراجعنا النظرية مراجع بنيوية.» # 62 # وإذا كانت مانوني تبتعد عن مناهضة الطب النفسي المثالي (فالاعتقاد بأنه في وجود ~~الحرية سيختفي الجنون هو اعتقاد خاطئ)، فإنها تعتقد بأنه من الممكن وجود تعاون بين «المواقف ~~المناهضة للطب النفسي والأبحاث التحليلية.» كان هذا الأمر مستحيلا داخل مؤسسة الطب النفسي ~~التقليدي، الذي هو مكان للحبس لا يهتم فيه أحد بخلق مؤسسة (مؤسسة التحليل النفسي) تهدف ~~لتحرير التعبير. وتستكمل مانوني أنه على عكس الأطباء النفسيين - الذين يغارون من معرفتهم ~~ويعطون تشخيصا لا يفعل المريض شيئا حياله - يكون المحلل «أكثر اهتماما بالحقيقة التي تخرج ~~من وراء حوار المريض النفسي. وهو الأمر الذي سعى المناهض للطب النفسي (لاينج) للمحافظة عليه ~~في صورة تحليل ولكن دون أن يصيغه بصورة واضحة؛ أي إنه صورة للمعرفة تنكشف عبر لغة «المريض» ~~[...] فهو يسعى لوضع شروط تتيح لأقوال المجنون أن تخرج دون قيود.» وتشيد مانوني بالتجربة ~~الإنجليزية (التي تقول بأن الهذيان عملية لاستعادة الشفاء)، والتي يرجع استحقاقها إلى أنها ~~«اتبعت أقوال فرويد حرفيا». # سنلاحظ أنه من الآن فصاعدا، أصبح «هذا التساؤل الثاني» للجنون يتضمن الذهان بالطبع. ولم ~~يرغب التحليل النفسي - المنتصر في ذلك الوقت - أن يكتفي بكلام الأنا لدى العصابي، وإنما أراد ~~أن يهتم أيضا (بل وبالتحديد) بالأنا «المباشرة» لمريض الذهان. ولم يعد المثل الذي قاله فرويد ~~عن ملك اسكتلندا وطريقته لمعرفة الساحرات قابلا للتطبيق. وفي ظل هذه الهوجة الضخمة المعارضة ~~للطب النفسي في الستينيات والسبعينيات، لم يعد التحليل النفسي كما كان - بالضبط كما تنبأ ~~فرويد عام 1939 - الأداة التي تقوم بكافة المهام للطب النفسي. وسرعان ما سينقلب الأمر إلى ms556 ~~العكس. # وعلى عكس مناهضة الطب النفسي تحت حكم الجمهورية الثالثة الذي لم يجذب عددا كبيرا من ~~المريدين، كان هناك تركيز إعلامي ضخم على الحركة خلال الستينيات والسبعينيات بسبب تأثر الرأي ~~العام بها. في كل العالم الغربي، كانت هناك مؤلفات ولقاءات ومناقشات جعلت من مناهضة الطب ~~النفسي والجنون محور الأحداث. كان طلبة مايو 1968 يقرءون بحماس أعمال ساس ولاينج وكوبر وفوكو ~~وجينتيس ... ولم تكن هناك تجربة معارضة للطب النفسي لم تصبح هدفا للتقارير الصحفية (بل وتقارير ~~ذاتية)، إلى جانب الدور الهام الذي لعبته السينما التسجيلية. ومن بين أوائل الأفلام التي ظهرت ~~«نظرة إلى الجنون» (1962) بفضل الطبيب بونافيه الذي سمح بالتصوير في مصحته سانت آلبان بمنطقة ~~لوزير. عام 1967، غاص فيلم «تيتيكاتفوليز» في أعماق مصحة بريدجووتر للأمراض النفسية ~~بماساتشوستس. ولقد منع عرض هذا الفيلم لأكثر من خمسة وعشرين عاما. كان الفيلم هو أول عمل ~~إخراجي لفريديريك وايزمان المولود عام 1930، الذي استكمل سعيه وراء سينما الحقيقة في كل مكان، ~~في مستشفى عام أو في سجن أو حتى في مركز تدريب تابع للجيش. رفضت أمريكا الاعتراف بوجود مثل ~~هذه الأماكن التي كان إرفينج جوفمان (1922-1982) - عالم الاجتماع الأمريكي - يدرسها ويصفها ~~بالمؤسسات الكلية (والتي تمت ترجمتها إلى الفرنسية عن عمد إلى «المؤسسات الشمولية»). # 63 # وسعى جوفمان إلى إثبات أنه داخل المصحة العقلية - مثل السجن - يتأسس فصل تام لا ~~يمكن تجاوزه بين الحراس والمحبوسين (ولا يعدو «المكان الحر» إلا التعبير المعارض له) عن طريق ~~قوانين غير مكتوبة ولكن مطبقة بشدة لا تقبل أي تفاهم. # ظهر فيلم «الحياة في بونوي» في دور العرض عام 1970 و«مصحة الأمراض العقلية» (مجانين ~~الحياة) عام 1972. ويبين لنا الفيلم الأخير بقيادة الطبيب لاينج الحياة اليومية لمجتمع الطب ~~النفسي بأرشواي بلندن. وجذبت التجربة البريطانية الرائدة انتباه وسائل الإعلام بشدة. ومن بين ~~رموزها كانت ماري بارنز - عملت ممرضة أثناء الحرب - ولكن تم احتجازها عام 1952 بسبب الفصام في ~~مصحة هانويل. وبعد أن قرأت عام 1962 كتاب «الأنا المنقسمة»، اتصلت بالطبيب لاينج والتحقت عام ~~1965 بكينجسلي ms557 هول (كان الالتحاق يتم عن طريق التصويت بين الموجودين بالداخل). وهناك خضعت ~~للعلاج التراجعي، الذي مهد لاكتشاف موهبتها في الرسم. وأصبحت فنانة كبيرة، ونشرت أعمالا ~~كثيرة حول الفن والجنون وطفولتها. وكان الفصل الأول من كتابها «حسابان لرحلة عبر الجنون» يحمل ~~عنوان «عائلتي اللطيفة غير الطبيعية». # لم تكن هذه الموهبة السينمائية وقتية أو مرهونة بالظروف، فقد استمرت ومعها مناهضة الطب ~~النفسي، كما يشهد بذلك عقد مهرجان السينما التسجيلية النفسية عام 1977 بلوركان داخل المصحة ~~النفسية القديمة بهذه المنطقة الصغيرة في اللورين. وحتى وإن لم يذكره التلفاز، فإن المهرجان ~~لا يزال يعقد. عام 2005، أتاح لنا فيلم متوسط الطول لأرنو هوبين في تلفاز الإقليم الفلامندي ~~أن نتواصل ثانية مع جيل (أحد رواد حركة مناهضة الطب النفسي): 33 ألف مواطن، من بينهم 550 ~~مجنونا يعيشون في أسر تتبناهم ويقيمون هناك إقامة كاملة وليس مجرد إجازات، ويمرون على أربع ~~عائلات متتالية خلال الفصول الأربعة ... عام 1982، قام ريموند دوباردون - الخليفة الفرنسي ~~لوايزمان - بتصوير فيلم «سان كليمنت» على جزيرته المطلة على بحيرة فينيسيا، التي تشبه على نحو ~~غريب سجن ألكاتراز. ولكن دوباردون كان في الأساس مراسلا ومصورا كما يظهر في الصور الرهيبة ~~التي قام بتصويرها عام 1980 بمصحة ترييست للأمراض العقلية، حين كان بازاليا هناك. وتمتلك تلك ~~الصور بالأبيض والأسود قوة هائلة تحركنا ولا يضاهيها أي كلام؛ ممر الحمامات لدى الرجال، وفناء ~~منطقة النساء (الهادئات)، وتلك القاعة التي تضم هذا المجنون الخائر القوى، وفي الجانب الآخر ~~توجد شجرة عيد الميلاد، وعلى الحائط كتابة بالطباشير: «عيد سعيد». # ومن جانبها، اهتمت السينما العادية أيضا بالجنون منذ «جنون الدكتور تيوب» (1915) لآبل ~~جانس و«عيادة الدكتور كاليجاري» (1919). كما اهتمت أيضا بالتحليل النفسي ... كان «ألغاز الروح» ~~(1926) هو أول فيلم يدور بأكمله حول هذا الموضوع. لم يرغب فرويد في مثل هذا الأمر (لم أعتقد ~~أنه من الممكن التعبير فنيا عن أكثر ما بداخلنا تجريدا). كما تسبب مزيج السريالية والجنون ~~في إنتاج «صفحة مجنونة» (1926) للياباني تينوسوك كينوجاسا، أحد أوائل أعمال مخرج فيلم «باب ~~الجحيم». وكان ms558 ل «كهف الثعابين» (1948) - أول فيلم سينمائي مأخوذ عن رواية سيرة ذاتية وبالطبع ~~مناهض للطب النفسي - صدى ناجح وكبير. وقد قام داريل إف زانوك بإنتاج هذا الفيلم للمخرج ~~الأمريكي أناتول ليتفاك، بعد رفض العديد من المنتجين. ولقد قضى كتاب السيناريو ثلاثة أشهر في ~~مختلف المصحات النفسية، وتلقوا النصائح من بعض الأطباء النفسيين ليتمكنوا من عرض قصة فيرجينيا ~~المصابة بالفصام، والتي تروي لنا جحيم الاحتجاز والصدمات الكهربائية والطرق العلاجية النفسية ~~المفزعة. ولقد أدت أوليفيا هافياند - الرائعة في الحقيقة - دورها ببراعة وتقمص لشخصية المريضة ~~بالفصام. وحتى اليوم، لم يفقد الفيلم شيئا من قيمته بسبب اهتمامه بالتفاصيل والملاحظة والرسم ~~الخلاب لشخصيات المرضى و«الذين يرعونهم». # كانت السينما تتأثر وتستلهم من حركة مناهضة الطب النفسي. ومن بين عدة عشرات من الأفلام، ~~لن نذكر هنا إلا تلك الأفلام (الأساسية) التي تبدو غايتها المناهضة للطب واضحة للعيان، مثل ~~«ممر الصدمة» (1963) لصامويل فولر، حيث يخطر لصحفي شاب فكرة رديئة بطلب الاحتجاز ليتمكن من ~~عمل تحقيق صحفي؛ و«الحياة العائلية» (1971) لكين لوتش، وفيه تعيش جانيس - 19 عاما - جحيما ~~بسبب ضغط الأسرة عليها نفسيا، وتقاسي لأنها تكون موصومة بالفصام (ولقد استلهمت شخصية ~~الطبيب دونالسون «محامي الدفاع» من شخصية لاينج). كان عام 1975 عاما زاخرا بفيلم «قصة بول» ~~لريمي فيريه، و«مجنون يطلق سراحه» لماركو بيلوتشيو، وخاصة «طار فوق عش المجانين» لميلوس ~~فورمان المأخوذ عن رواية كين كيسي (1962). وتوالت أفلام أخرى: «فرانسيس» (1983)، و«بيردي» ~~(1984)، و«الأشخاص الطبيعيون ليسوا مميزين» (1993)، إلخ. لكن لم يكن لأي منهم حتى اليوم قوة ~~التعبير التي لماك ميرفي (جاك نيكلسون) في مواجهة كبيرة الممرضات المرعبة، الآنسة راتشد ~~(لويز فليتشر)، في معركة خاسرة مقدما من الطرف المعزول، مجنون أم لا - لا نعرف الكثير عن هذا ~~الأمر - ولكنه كان في جميع الأحوال ماكرا ووقحا مليئا بالحيوية في مواجهة مؤسسة الطب ~~النفسي في شكلها الجديد الهادئ المبتسم، ولكن الذي لا يرحم والمجسد في صورة الممرضة. تم تصوير ~~هذا الفيلم، الذي حاز على خمس جوائز أوسكار، في مصحة أمراض نفسية حقيقية (مستشفى سالم ~~بأوريجون). كانت بعض ms559 الشخصيات من المرضى الحقيقيين، ولكن لم يسبق لفيلم ما أن قدم مثل هذا ~~القدر من المعارضة للطب النفسي للجمهور العريض. # في عام 1961، نرى أيضا هذا الفيلم الشهير «البرتقالة الميكانيكية» لستانلي كوبريك، وفيه ~~يندد بالمجتمع ذي المستقبل غير المعلوم ولكن القريب، ونرى فيه الدولة ترد بالعنف على عنف ألكس ~~وعصابته من المجرمين. لم يكن هناك إعدام، ولا سجن، وإنما يتم إعادة تأهيل باستخدام طرق العلاج ~~السلوكي نفسها التي كانت ترى النور في الولايات المتحدة (واتسون، سكينر) استنادا إلى مبدأ ~~الاستجابة الشرطية التي أثبتها العالم الفسيولوجي بافلوف. وخلال هذه الفترة - التي اتسمت ~~بالمعارضة الشديدة - لم يعد الطب النفسي القديم هو موضع الانتقادات، بل الحديث، وعلى الأخص ~~النظرية السلوكية التي تقلص الطريقة التأملية الباطنية للعمليات العقلية لصالح طريقة السلوك ~~كهدف أي فرد (مفهوم وظيفي). وعلى الرغم من النتائج الجيدة، ولا سيما في مجال علاج الخوف ~~المرضي، يتهم العلاج السلوكي بأنه يجرد المريض من إنسانيته من قبل تيار جديد من علم النفس ~~الأمريكي، وهو علم النفس الإنساني (كارل روجرز) الذي يسعى إلى إعادة الإنسان إلى مركز ~~الاهتمام في مجال العلاج النفسي غير الموجه ولا الرنان، عاكفا على تنمية القدرة على القيام ~~باختيارات خاصة لدى من يستشيره. ويسمى «القوة الثالثة»، إلى جانب طرق التحليل النفسي والعلاج ~~السلوكي. # كما أن الفاعلين في المجال هم الذين خلقوا من مناهضة الطب النفسي تيارات جديدة طبية ~~وتحليلية نفسية. ولقد تمرد العديد من الآباء الذين كونوا جمعيات ضد المبالغة في تطبيق ~~النظريات النفسية الوراثية التي «تتهمهم» بكونهم السبب وراء الاضطرابات النفسية التي أصابت ~~أبناءهم. ألم يكن هناك حديث وقتها عن «الأم المسببة للفصام»؟ ولقد أدى رد الفعل المتصاعد هذا ~~ضد «لوبي الأطباء النفسيين» إلى طمس حقيقي للتقدم الذي أحرز في هذا المجال، ولا سيما طب نفس ~~الأطفال. وندد المستخدمون المباشرون - أي المرضى - الذين يعرفون أكثر ب «السترة الكيميائية»؛ ~~أي الأدوية، وبالاعتداءات على حريتهم. في هولندا، نجد أنهم - بالتعاون مع الحركة الطلابية - ~~تمكنوا من تكوين تجمعات من المرضى (روتردام، أوترخت). عام ms560 1971، اجتمعوا في «فيدرالية ~~العملاء» التي لا تهدف فقط إلى تحسين الرعاية وإنما إلى تغيير المجتمع. # 64 # وتأسست جريدة للمجنون، وظلت تظهر حتى عام 1978، حينما أعلن أنه ليس من الممكن ~~بلوغ الهدف الأصلي: السماح للمجنون أن يحقق ثقافته المضادة الخاصة. # أما عن حركة مناهضة الطب النفسي العنيفة التي شنتها كنيسة الساينتولوجي التي تأسست عام ~~1954، فأين يجب تصنيفها؟ فعقيدة الساينتولوجي ترفض قطعيا الطب النفسي وتصفه بأنه «صناعة ~~قاتلة». عام 1969، تأسست جمعية تحمل اسما مطمئنا ولكن باعثا على الحيرة في الوقت ذاته ~~بدعم من توماس ساس: «لجنة المواطنين لحقوق الإنسان» التي هي النظير الفرنسي للجنة نفسها في ~~الولايات المتحدة. كان يوجد في فرنسا أيضا «جمعية للأطباء والمواطنين ضد العلاجات المهينة ~~التي يستخدمها الطب النفسي.» كانت الحكومة تفرض «فائدة للتأخير» على تطبيق العلاج النفسي، ~~بالإضافة إلى وجود لجنة متعددة المجالات تهدف إلى «الترويج لرؤية جديدة للإنسان والصحة تختلف ~~عن تلك التي تدعو لها باستمرار مؤسسة الطب النفسي.» ويهدف كل هذا في الواقع إلى اقتراح ~~«تكنولوجيا» منافسة - «الصحوة الروحية» - والتي تعرف بأنها أثر الروح على الجسد؛ أي قوة ~~الفكر على البدن. «تتيح الصحوة الروحية الكشف عن مصدر الأحاسيس والانفعالات غير المرغوب فيها، ~~وأيضا عن الحوادث والجروح التي تسبب الأمراض النفس-جسمية. وتسمح أيضا بعلاج أسبابها بقضائها ~~على «التفاعل العقلي»، الذي هو سبب الضغط والقلق وقلة الثقة بالنفس وباقي الأمراض ~~النفس-جسمية.» # 65 # في الرأي العام للعالم الغربي، تلقى الطب النفسي الرسمي التابع للدولة الضربة القاضية ~~بعد الكشف عن استخدامه على يد اتحاد الجمهوريات السوفييتية الاشتراكية في ذلك الوقت. وهو ~~الأمر المعروف جدا اليوم، وشهد ضجة إعلامية ضخمة في إطار الدعاية الإعلامية خلال الحرب ~~الباردة، وكان بمنزلة الصاعقة في ذلك الوقت، ليس فقط في أوساط المناضلين الشيوعيين. ويجب ~~أيضا القول إنه في عالم الطب الغربي للخمسينيات كان الطب النفسي السوفييتي مثلا يحتذى، حتى ~~في الولايات المتحدة الأمريكية. ولم يتردد جوزيف ورتيس (1906-2008) - الطبيب والمحلل النفسي ~~الذي حلله فرويد شخصيا - والذي يعد أحد رموز الطب النفسي الرسمي بالولايات المتحدة ms561 حيث أدخل ~~إليه علاج ساكيل؛ أن يكتب عام 1953: «يسير الطب النفسي السوفييتي على نمط بافلوف؛ فهو ~~فسيولوجي وطبي وتجريبي، ويعتبر في الوقت ذاته اجتماعيا. ويتميز عن علم النفس السوفييتي ~~بكونه تعليميا وعمليا وموجها لإنتاج نشاط صحي وخصب بين المواطنين السوفييتيين في المجتمع ~~الاشتراكي. ولقد ساهم كل من الطب النفسي وعلم النفس السوفييتي في دعم الانهيار العميق للطب ~~النفسي الغربي، خلف الملامح الاستنباطية والصوفية التي تدعو إلى إعادة التذكير بآراء فرويد ~~ونقصه الأساسي في التجربة المادية وابتعاده عن الممارسة الحية.» # 66 # وفي ذروة المكارثية، كانت هذه الآراء كفيلة بتحويل قائلها إلى التحقيق على يد ~~لجنة داخل مجلس الشيوخ مكلفة بمراقبة أي محاولات للتسلل الشيوعي في التعليم. ودافع ورتيس عن ~~نفسه بطريقة غامضة: «علمتني والدتي دائما أنه من غير اللائق أن أسأل أحدا عن آرائه ~~السياسية.» # 67 # وفي غمرة الحماس، برر ورتيس طريقة الاحتجاز في الاتحاد السوفييتي، الذي تتولي ~~مسئوليته لجنة متخصصة تضم بالطبع طبيبين، منهم طبيب نفسي، ولكن يرأسها «مدير الهيئة الصحية ~~بالمنطقة». وكان «لمحاكم الشعب، وهي بنية قانونية وقضائية في الاتحاد السوفييتي» «حرية تصرف ~~واسعة لتأويل هذه المبادئ في الاتجاه الذي يناسب الظروف دون أي اعتبار لهدف القانون والمصلحة ~~العامة أو الرسميات البسيطة للدليل.» # بعد عشرة أعوام من هذه التصريحات الفخورة، في الوقت الذي بدأت ممارسات الطب النفسي ~~السوفييتي تغري نظيره الأمريكي، لدرجة أنه استوحى منها طرق العلاج السلوكي، ظهر في بريطانيا ~~كتاب «بلوبوتل» (لاموش، 1963)، الذي ينتقد بضراوة الحياة والنظام في الاتحاد السوفييتي بتوقيع ~~من إيفان فاليري. كان في الحقيقة اسما مستعارا فرضه الناشر، ولكنه كان معروفا في الاتحاد ~~السوفييتي بأنه لفاليري تارسيس، الكاتب والمترجم الذي أعلن بقوة معارضته للنظام. وبعد عامين ~~من ظهور «بلوبوتل»، تم القبض على تارسيس واحتجز بمصحة كوشينكو للأمراض النفسية بموسكو. وعلم ~~أنتوني دي ميوس - محرر ومترجم «كتابات ساميزدات» والوسيط بين تارسيس وناشره البريطاني - سبب ~~احتجازه في مصحة الأمراض العقلية: «قرأ أحدهم على نيكيتا خروشوف «لاموش»؛ حيث كتب تارسيس أن ~~الثقافة بالنسبة للرجل الأعظم في الكرملين ms562 تقتصر على زراعة البطاطس والذرة. فاستشاط خروشوف ~~غضبا وأعلن أن تارسيس هذا لا بد من أن يكون مجنونا. ولقد نفذ الشهود على المشهد كلامه ~~حرفيا، وبعد بضعة أيام وجد تارسيس نفسه في مصحة الأمراض العقلية بموسكو، وظل هناك لستة ~~أشهر.» # 68 # بالطبع، يجب أن نتساءل حول صحة هذه القصة، «الجميلة بصورة مبالغ فيها». # فالاحتجاز النفسي للمعارضين ليس بالأمر الآمن، بما أن شهادة تارسيس في كتابه «الغرفة رقم ~~7» # 69 ~~(في إشارة واضحة إلى رواية تشيكوف «الغرفة رقم 6») قد بلغت أقصى جنبات العالم. ~~«كان العصابيون والفصاميون والمصابون بجنون العظمة والهوس والمكتئبون كلهم تتم معالجتهم ~~باستخدام الأمينودين العلاج العام كزيت الخروع في «الغرفة رقم 6» لتشيكوف .» وفجأة اكتشف الغرب ~~في ذهول أنه يوجد معسكرات اعتقال نفسية للمعارضين. ~~«كانت رواية «القاعة رقم 7» بمنزلة فلك نوح الذي وجدت فيه كافة أنواع الخليقة. وكانت ~~الأنواع المذكورة في الرواية تنقسم أساسا إلى ثلاثة: أولا أصحاب محاولات الانتحار الفاشلة ~~الذين يتم تصنيفهم كمجانين باعتبار أن من لا يكون سعيدا بالفردوس الاشتراكي لا بد من أنه ~~مجنون [...] وكانت تتم معالجته على مدار شهور باستخدام الأمينودين، وأحيانا لسنوات. كان البعض ~~يعتاد عليه ويرفض التخلي عنه. كان بعضهم من ذوي المزاج المتشائم يقول: «ربما الوضع بالخارج ~~أسوأ» [...] أما المجموعة الثانية من حيث الأهمية، فكانت مجموعة «الأمريكيين» أو الأشخاص الذين ~~حاولوا الاتصال بسفارة أجنبية أو بسائحين في العالم الحر. والأشجع بينهم هم الذين جاهروا ~~برغبتهم في الهجرة إلى الخارج. وأخيرا كانت هناك فئة الشباب دون أي تعريفات أكثر إيضاحا، ~~ويبدو أنهم من فشلوا في أن يجدوا لأنفسهم مكانا في مجتمعنا فرفضوا مبادئه. ربما لا يزالون ~~لا يدرون ماذا يريدون، ولكنهم يعرفون بالتحديد ما لا يريدون [...] لم يكن هناك في الواقع مرضى ~~ولا أطباء، فقط سجانون مهمتهم حراسة المواطنين المتكدسين.» # ولا يمكن عزل حالة تارسيس؛ والدليل على ذلك قضية بوكوفسكي التي أثارت ضجة كبيرة. ولد ~~فلاديمير بوكوفسكي عام 1942، وتم إرساله من يونيو 1963 وحتى فبراير 1964 إلى مصحة الأمراض ~~النفسية لقيامه بتنظيم لقاءات شعرية ms563 في وسط موسكو أسفل تمثال مايكوفسكي (الشاعر الثوري ~~المحبط، فبعد إيمانه بتحرير الفرد، انتحر عام 1930). عام 1967، ألقي القبض ثانية على بوكوفسكي ~~لدفاعه عن المعارضين. ثم أفرج عنه عام 1970، وتمكن من إرسال مجموعة كتابات إلى الغرب يتحدث ~~فيها عن المعاملة السيئة داخل المصحات النفسية، مطلقا حملة للرأي من الغرب إلى الشرق. وها ~~هو يعتقل ثانية. ونشر بالتعاون مع زميله في الزنزانة - طبيب نفسي - «دليل الطب النفسي ~~للممرضين» و«مرض عقلي جديد في الاتحاد السوفييتي: المعارضة». # 70 # في ديسمبر 1976، أفرج عنه بالتبادل مع زعيم شيوعي قديم من شيلي مسجون في الغرب. ~~ثم جاء واستقر في كامبريدج. وفي مواجهة الصحافة الغربية التي تهاجمه، أجاب: «لست من معسكر ~~الرجعيين ، ولست من معسكر الثوريين، أنا من معسكر الاعتقال.» # عام 1975، أثناء عيد الإنسانية، أعلن بونافيه رفضه وتنديده بالاستخدام القمعي للطب النفسي ~~بالاتحاد السوفييتي. (عام 1949، كان من الموقعين «رغما عنه» على البيان الشيوعي «التحليل ~~النفسي والأيديولوجيا الرجعية» - كان الاتحاد السوفييتي بعد انهيار الرايخ الثالث قد حرم ~~التحليل النفسي.) أما ساس - أكثر من سار ضد التيار - فقد اعتقد أنه فيما يتعلق «باستخدام الطب ~~النفسي»، لم يقدم الغرب دروسا تحتذى. فالفرق بين الاتحاد السوفييتي والعالم الغربي ليس إلا ~~درجة استغلال الطب النفسي فقط. «لم نصل بعد إلى هذه الدرجة، ولكن في الشرق كما في الغرب، ~~يكون الأطباء النفسيون عملاء للدولة.» # 71 # على أي حال، انسحب الاتحاد السوفييتي عام 1983 من الجمعية العالمية للطب ~~النفسي. # بعد مرور عشرين عاما، جاء دور الصين لتكون في موقع الاتهام من قبل الجمعية العالمية للطب ~~النفسي، التي تظاهرت بأنها تفاجأت من وجود طرق استغلال الطب النفسي على الطريقة السوفييتية في ~~الصين. إلا أن المنطق واحد، فيصبح التشخيص مباشرة سياسيا دون الالتفات للنواحي الطبية ~~النفسية. وبدأ الحديث عن «الفصام السياسي»، ودوره في تماسك النظام. # 72 # كانت المسألة كلها تتعلق - كما في الاتحاد السوفييتي سابقا - بمعرفة النسبة ~~المئوية لهؤلاء المجانين الجدد الذين يجب أن يكونوا موجودين. وأكثر من أي مكان في العالم، كان ~~الطب النفسي يبدو بالطبع ms564 للنظام الصيني كطفل غير مرغوب فيه للطب. على الأقل هنا اتضح الأمر، ~~على الرغم من أن العولمة الجارية ستكون عولمة للطب النفسي. ولكن يمكننا أن نتساءل عما إذا ~~كانت الضربات التي سددتها مناهضة الطب النفسي في الغرب لا تظهر وجود هذا الطفل غير المرغوب ~~فيه، الذي أصبح اليوم بالغا بل ومسنا؛ ألا وهو تلك المؤسسة الضيقة والمكدسة التي تشبه ~~الفنادق الإسبانية بالفعل؛ حيث لا يوجد شيء إلا ما يحمله الشخص معه. # الفصل الخامس # | تجزؤ الطب النفسي # غداة الحرب العالمية الثانية؛ أي قبل الهوجة الكبرى من مناهضة الطب النفسي، لم يكن من ~~الممكن النظر إلى الجنون والتجاوب معه بطريقة الماضي؛ فقد تغيرت الكثير من الأشياء. ولم يكن ~~الأمر يتعلق بوازع جديد لاحترام الإنسان بعد كثير من المعاناة، وإنما فكر جديد حول حريته ~~وضميره. وعكف سارتر - بالتحديد في «الوجود والعدم» (1943) - على إثبات أن الضمير هو مرادف ~~للحرية. وفي إطار تصوره الصلد للحرية المطلقة في الحكم على الأشياء، يقول سارتر إنه وإن لم يكن ~~كل شيء يعتمد علينا في الكون، فإننا ما زلنا مسئولين بالكامل. وعبر عن فكره بقوله: «نحن محكوم ~~علينا بالحرية.» إنها الحرية الكاملة، ولكن في ذات الوقت المسئولية التي لا تنتهي. # كانت حرية الإنسان وحسه للعمل وأيضا وحدته وزعزعة يقينياته (وبحثه عن ثوابت جديدة)؛ عوامل ~~لم تضع المرض العقلي (أو لم تعد وضعه إذا لم نصر على تغافل العصور القديمة) وإنما الجنون في ~~قلب تأملاته حول الكائن وحريته. وحلقاته النقاشية التي كان يعقدها منذ عام 1953 في سانت آن ~~والمدرسة العليا الطبيعية والكلية العملية للدراسات العليا ثم في السوربون، كان جاك لاكان ينتقد ~~النظرية العضوية للجنون الذي لم يعد أكثر من مرض عقلي: «بعيدا إذن عن كون الجنون عرضا ملازما ~~لضعف الإنسان، فإنه التعبير الافتراضي الدائم عن الثغرة المفتوحة في جوهره [...] وبعيدا عن كونه ~~«إهانة» للحرية؛ فالجنون هو رفيقها الوفي، ويتبع خطاها بالضبط. وليس أن الكائن البشري لا يمكن ~~فهمه من دون الجنون فحسب، بل إنه لن يكون كائنا بشريا ms565 إن لم يحمل في داخله الجنون كحد ~~لحريته.» ويختتم لاكان بهذه الدعابة: «ليس كل من يريد أن يصبح مجنونا يتمكن من ذلك.» # 1 # نهاية الحبس # بدا في البداية أن المصحة النفسية الفرنسية - على الرغم من الأحداث الرهيبة التي راح فيها ~~كثيرون ضحية الموت جوعا خلال الاحتلال الألماني - لا تزال تمتلك أملا في مستقبل أفضل. ~~بالطبع، لدى الجميع الرغبة في تغييره جذريا، حتى وإن لم تكن الألفاظ الجديدة للتغيير لا ~~تقوم في النهاية إلا باسترجاع القديم: استخدام المصحة كمكان للشفاء تحت الاسم الجديد «العلاج ~~النفسي المؤسسي»، ووضع تصور للمعمار (أحد أهم قضايا الطب العقلي القديم) يتناسب مع هذا الهدف ~~والترويج للعلاج بالعمل تحت اسم المداواة بالعمل. إلا أن ثورة العلاجات البيولوجية وظهور ~~التحليل النفسي كان لهما دور في تعديل الطب النفسي بصورة كبيرة، كل هذا قبل إعصار مناهضة ~~الطب النفسي. # في فرنسا، عادت نسبة دخول المصحات بسبب الأمراض النفسية إلى نموها التاريخي منذ عام 1946، ~~ولكنه لم يمكن تعويض النقص الهائل في العاملين بسبب الحرب حتى عام 1960. ويبدو لنا - في ~~مفارقة اعتاد عليها تاريخ الجنون - أن المؤسسة هي من أوجدت هذه المهنة. فإذا كانت المصحات ~~النفسية مزدحمة، فهذا لأنه ليس لدينا الكثير منها؛ ومن ثم يجب إنشاء مصحات أخرى. والأرقام ~~تتحدث عن نفسها: # 2 # 70500 مريض داخل المصحة عام 1916، 98000 عام 1954 و112000 عام 1962 ... في هذا ~~التاريخ، ازداد عدد المرضى الرجال بطريقة هائلة (بلغ ضعف عدد النساء على الأقل)، دائما بسبب ~~تأثير إدمان الخمور. ويجب أيضا الإشارة إلى زيادة عدد النساء المسنات؛ وذلك لسبب ديموغرافي ~~بسيط وهو طول مدة عمرهن، مما يجعلهن أرامل وقت إصابتهن بالخبل (يكون أزواجهن قد ماتوا قبل ذلك ~~الوقت). # في عام 1969، بلغ العدد 119000 مريض محتجز داخل المصحات النفسية (من أصل 160000 حالة دخلت ~~إلى المصحة) (أي 0,25٪ من عدد السكان)، وفي هذا الوقت بدأت حالة من انخفاض الأعداد لم تتوقف ~~حتى أيامنا هذه. وفي ذات الوقت انخفض مؤشر التكدس بصورة كبيرة (هناك مؤشر بالفعل للتكدس ~~بمقارنة ms566 عدد المرضى المحتجزين بعدد «أسرة المرض»): 1,15 عام 1968 ليصبح 0,95 عام 1974. في ~~هذا التاريخ، كان التقسيم بناء على نوع المريض والشريحة التشخيصية للمرض ويظهر في المقدمة ~~حالات الفصام (27932) لتسبق بكثير التأخر العقلي (14508) والهذيان المزمن (14106). ويليهم ~~إدمان الخمور (11826) (8938 حالة لدى الرجال و2888 لدى النساء)، في حين أن الفئات السابقة ~~أظهرت توازنا أكثر بين الجنسين. في المقابل، يأتي إدمان الخمور في المركز الأول في حالات ~~دخول المصحة: 22,5٪، وبمقارنة هذا الرقم بنسبة المرضى المحتجزين بالمصحة لإدمان الخمور وهي ~~10٪، يتضح لنا سرعة خروج المرضى المصابين به. # من عام 1952 وحتى 1962، تضاعف عدد الأطباء النفسيين في فرنسا سبع مرات، على الرغم من أن ~~السكان لم يزيدوا إلا بنسبة 20٪. وكانت الحالة مشابهة في باقي الدول الغربية. وعادت مسألة ~~تكلفة الصحة العقلية لتطرح من جديد. عام 1971 بمصحة بون سوفور يجب ألا يقل عدد العاملين عن ~~779 (كل العاملين بمن فيهم ستة أطباء مديرون للخدمة واثنا عشر متدربا) في مقابل 1110 مرضى. ~~كان المرضى النفسيون في فرنسا يمثلون في ذلك الوقت 35٪ من عدد المرضى في المستشفيات العامة. ~~وبالطبع، تكون تكلفة الإقامة لأسباب نفسية أكبر خمس مرات منها عن تكلفة يوم في غرفة الإنعاش، ~~إلا إذا مكث هذا الشخص في غرفة الإنعاش لمدة عام، بل عامين أو ثلاثة. باختصار، إنه حتى في ظل ~~الضمان الاجتماعي، لا يزال الطب النفسي مكلفا للغاية. وبغض النظر عن أي اعتبارات أخرى، أصبح ~~من اللازم تقليل عدد المرضى الداخلين وعدد أيام الاحتجاز (ولم تعد فكرة الإقامة لسنوات ~~مطروحة!) أصبحت تكلفة اليوم هي الكلمة السحرية التي تتعلق كلها بالمصحة، ولكن يفوقها اتجاه ~~معين للتقسيم يستقر ببطء. وساعدت هذه الأداة الرسمية للقياس على الأقل في ملاحظة أن الاحتجاز ~~في المصحة للإصابات الخطيرة هو الأكثر تكلفة. # 3 # منذ عام 1952، قامت لجنة خبراء في الصحة العقلية تابعة لمنظمة الصحة العالمية بصياغة ~~مبادئ جديدة تحكم بنية وعمل المصحات النفسية. ولقد أشارت هذه اللجنة تحديدا إلى «مدى إفادة ~~كون هذه المصحات يغمرها طابع المجتمعات العلاجية.» وبعيدا ms567 عن الكلمات - التي لا تثبت شيئا ~~في مجال توالت فيه التصريحات عن حسن النية دون انقطاع منذ عام 1785 - كان ما تغير بالفعل أنه ~~منذ الخمسينيات أصبحت المصحة تعد حلقة هامة ولكن مؤقتة في سلسلة العلاج. أصبحت المؤسسات ~~الضخمة والاحتجازات الطويلة سيئة السمعة (كهوف الثعابين). لم تختف المصحة النفسية، ولكن ~~أصبحت تعد مركزا علاجيا انتقاليا: «من بين كل الحلول، تعد الإقامة الطويلة داخل المصحة ~~هي الأكثر تكلفة. وتنطوي ضمنيا على رفض الجماعة نهائيا للفرد المريض، وتفرض على العاملين ~~عملا لا أمل من ورائه في أي نتائج علاجية، بل وتحكم على المريض بتفاقم حالته.» # 4 # ولكن ما هي باقي الحلقات في سلسلة العلاج؟ في البداية يأتي العلاج في المكان (العلاج ~~المتجول)، أو في الأسرة، ثم تأتي العيادة النفسية ومركز العلاج المبكر (به أسرة)، ولكن ~~يسبقه وحدة العلاج النفسي داخل أي مستشفى «عام »، ثم مصحة النهار (يبيت المرضى ويقضون نهاية ~~الأسبوع في منازلهم). وبعد تدخل كل هذه الخطوات المتنوعة، يأتي دور المصحة النفسية إذا تطلب ~~الأمر. تقوم الفكرة على أن الاستشارة المبكرة تتوقع، بل وتقي إذا أمكن، من الاحتجاز التقليدي. ~~ويوفر فريق العمل النفسي (أطباء نفسيون وممرضون متخصصون وعلماء نفس إكلينيكيون ومعالجون ~~بالعمل وأخصائيون اجتماعيون ومربون ومتطوعون، وغيرهم) استمرار الرعاية في «جو مشجع ~~نفسيا.» فيجب أن يستشعر المريض الأمان، وأن يسعد بالحميمية النسبية بفضل «وحدات الإقامة» ~~(لا يعجز الطب النفسي أبدا عن اختراع تسميات جديدة) وهي تضم من عشرين إلى ثلاثين سريرا، ~~وأحيانا أقل في حالات المرضى الصعبين الذين يعانون في توجيههم. ويجب أن تحترم تلك النسبة من ~~قبل الوحدة النفسية داخل المستشفى العام، وأيضا من قبل المصحة النفسية المتخصصة التي يجب ~~ألا تتجاوز الثلاثمائة مريض (هناك فكرة لجعل المكان يشبه القرية). لم يعد هناك مهجع، بل غرف ~~بها أربعة أو خمسة أو ستة أسرة، وبها مكان مخصص للمريض ليزينه بحسب رغبته، ودولاب خاص به ~~يغلق بمفتاح. # ولقد أتاح اختفاء التقسيم إلى مناطق للتصنيف ~~القيام بتوزيعات جديدة كانت كثيرا ما تخطئ قبلا، ms568 ولا سيما في مجالات رعاية الأطفال وطب ~~الشيخوخة. وتساهم المداواة بالعمل والاحتفالات الصغيرة التي تقام في إعادة إعداد المرضى ~~للحياة الاجتماعية من جديد. وعند الخروج من هذه المصحة النفسية الجديدة، تكون هناك حلقات أخرى ~~من العلاج لتدعم من اندماج المريض ثانية في الحياة الفعلية: دور للرعاية اللاحقة داخل المدن، ~~وهي تشبه المنازل الخاصة أو الفنادق الصغيرة إلى جانب ورش عمل مؤمنة، ومجموعات عمل زراعية ~~وصناعية تضم ما بين عشرين وخمسين مريضا خارج المصحة، وتهدف أيضا إلى رعاية مرضى الفصام ~~المزمنين. # تطلب تنفيذ هذه البنية الجديدة للمصحات - التي ظهرت المطالبة بها منذ الخمسينيات وأصبحت ~~في الإمكان بسبب ظهور بعض أنماط للعلاج انتقدها الجميع، وإن ظلوا يعملون بها - عشرين عاما. ~~في فرنسا، دائما ما يطول الوقت بين الفكرة والتنفيذ. فعلى أرض الواقع، نجد في الأغلب مصحات ~~نفسية ضخمة يجب تحويلها بخطط ومشروعات متباعدة في معظم الأحيان إلى نموذج المستشفى القرية، ~~الذي يحلم به ما تبقى من الأطباء النفسيين المعماريين. وخلال فترة طويلة - على الرغم من ~~الإصلاحات المدونة على الورق - استمر ما يقرب من 100 ألف مريض عقليا يعيشون في مصحات ~~الأمراض العقلية التي ترجع إلى القرن التاسع عشر. # بدأ تنفيذ تفكيك «مركزية المصحات» رسميا بمنشور الخامس عشر من مارس 1960 الذي أنشأ ~~«القطاع»، وهو تقسيم جغرافي سكاني مكون من 70 ألف مواطن، وسرعان ما أسماه مناهضو الطب النفسي ~~«فليسياتري». نجد فيه كافة المبادئ المنصوص عليها، وبموجبها يجب أن تأخذ الأبنية خارج المصحة ~~مكانا أكبر. كان الهدف ثلاثيا: العلاج في مرحلة مبكرة وعدم فصل المريض عن أسرته وبيئته إلا ~~في أضيق الحدود وتوفير رعاية لاحقة لتجنب الاحتجاز مرة ثانية. ويتولى الفريق النفسي والطبي ~~الاجتماعي في أي قطاع مسئولية كافة الأبنية التابعة له. ونتذكر حينها أن إدوارد تولوز عام ~~1927 قد قام بتنظيم خدمة الوقاية الصحية العقلية في منطقة السين: الحالات البسيطة في العيادة، ~~والمرضى ذوو الإصابات البالغة في المصحة، والخارجون يخضعون لمتابعة طبية. ولكن هذه المرة، ~~كانت حركة الإصلاح تستهدف فرنسا برمتها، تلك ms569 الحركة التي غيرت جذريا المؤسسة الطبية ~~النفسية. وأقر قانون الحادي والثلاثين من ديسمبر 1985 مبدأ التقسيم إلى قطاعات نهائيا، ~~معدلا بذلك قانون 1838؛ حيث لم يعد يلزم الأقسام والمناطق بأن يكون لديها مؤسسة عامة (أو ~~خاصة لها مهمة عامة). وجاء مرسوم التطبيق في الرابع عشر من مارس 1986 ليميز بين قطاعات الطب ~~النفسي العام وقطاعات الطب النفسي للأطفال والشباب والطب النفسي في المؤسسات العقابية. # استغرقت عملية تطبيق التقسيم إلى قطاعات طويلا، وكان السبب الأساسي هو التمويل. في ~~البداية، كان الضمان الاجتماعي لا يسدد إلا تكاليف الرعاية في المصحة أما الباقي فتسدده ~~المنطقة أو الدولة. كما توجب أيضا تعيين فريق عمل من الأطباء النفسيين والتعامل مع الرفض ~~المتكرر للعاملين الفعليين التنقل إلى مكان آخر، إلا في حالة ترك المصحة للعمل في أحد تلك ~~الأبنية القريبة من القطاع. عام 1981، استشعر اثنان من الباحثين بالمعهد القومي للدراسات ~~الإحصائية القلق: «يرجع فشل سياسة التقسيم لقطاعات إلى التشدد الكبير من قبل المؤسسات التي ~~تعطي الطب النفسي التطبيقي وضعا متأخرا بشدة عن باقي المعارف النظرية. ويرجع هذا التشدد إلى ~~المباني القائمة نفسها وإلى البيروقراطية الإدارية والاتجاه المحافظ على التقسيمات الاجتماعية ~~المهنية المتورطة في الموضوع. أو ربما لم يتم التوصل إلى وسائل مادية لتنفيذ التغيير ~~المطلوب.» # 5 # في النهاية، تم تنفيذ خطة التقسيم بنجاح رغم كل شيء. وشهدت طريقة استقبال المرضى وإدخالهم ~~المصحة ثورة عميقة مع تعميم الدخول الحر للمصحات؛ أي بموافقة من المريض الذي أصبح له الآن نفس ~~حقوق أي مريض في مستشفى عام. فمن حقه أن يرفض أي علاج أو أن يغادر الوحدة. تأسس الدخول الحر ~~للمصحات منذ عام 1937، ولكنه بدأ في النمو بعد الحرب العالمية الثانية. عام 1980، أصبح يمثل ~~58,5٪ من نسبة دخول المصحة (26,8٪ عام 1971). خلال عشرين عاما - من 1965 حتى 1984 - بلغ عدد ~~خدمات الطب النفسي الملحقة بالمستشفيات العامة 130 خدمة (79 عام 1975). # 6 # وانخفضت بنسبة 28٪ حالات الإقامة الكاملة داخل المراكز العلاجية المتخصصة، أو في ~~المصحات النفسية الخاصة التي تمارس عمل المستشفيات العامة ms570 وفي خدمات الطب النفسي داخل ~~المستشفيات العامة، كما انخفض متوسط الإقامة من أحد عشر شهرا عام 1965 حتى ثلاثة أشهر عام ~~1984. إلا أن هذا لم يمر دائما دون زيادة حالات الدخول الثاني للمصحة (لم نعد نقول ~~انتكاسات): 281٪ بين عامي 1965 و1984، بل أيضا ونسبة دخول المصحة: 152٪. وتسمى هذه القفزة ~~الكمية الهائلة في حالات الدخول الثاني للمصحة في الولايات المتحدة «ظاهرة الباب الدوار». ~~وبالطبع يجعل هذا الأمر القول بانخفاض نسبة دخول المصحات أمرا نسبيا، يشهد تغيرات ولكنه لا ~~يختفي. كانت المراكز العلاجية المتخصصة هي التي تجتذب أكبر قدر من تمويل القطاع. أما نسبة ~~الوفيات، التي كانت الشبح الأكبر للطب العقلي، فلم تكن تزيد عن 1,57٪ عام 1984، في حين أنها ~~كانت قد شهدت ارتفاعا عام 1965 حين بلغت 3,42٪ (وهنا نتذكر نسبة الوفيات التي كانت تصل ~~أحيانا إلى خمسين بالمائة خلال العصر الذهبي لمصحة الأمراض العقلية). # لم يكن قانون 1838 القديم ليستمر وسط هذا الزخم من ~~الإصلاحات. فاستبدل به قانون السابع والعشرين من يونيو 1990، الذي ينظم شروط دخول المصحة ~~لمرضى الاعتلال العقلي وحماية حقوقهم. وفي القانون تم التمييز بوضوح بين الدخول الحر للمصحات ~~والدخول «دون موافقة المريض»؛ أي بناء على طلب طرف ثالث (أي «الاحتجاز الطوعي» القديم) وبين ~~دخول المصحة بناء على طلب جهة رسمية، وهو لا يختلف كثيرا عن الاحتجاز الإجباري الذي نص عليه ~~قانون 1838: في تلك الحالات يجب أن يكون هناك قرار من المحافظ أو شهادة طبية من طبيب المصحة ~~(موضحة في تقارير يومية، ثم كل أسبوعين ثم كل شهر). كما تم تعزيز وسائل المراقبة والعقاب في ~~يد الجهاز الطبي، أكثر من التي في يد المحافظ، حتى وإن كانت هناك في كل قطاع «لجنة من ~~المحافظة للإشراف على حالات دخول المصحة لأغراض طبية نفسية مكلفة بفحص أوضاع وحالات الأشخاص ~~الداخلين للمصحة بسبب اضطرابات عقلية؛ لضمان احترام الحريات الفردية وكرامة الإنسان.» ومن ~~المفترض أن تلعب اللجنة دورا هاما في حالات إدخال مرضى للمصحة دون موافقتهم؛ ولذلك يجب ~~إبلاغها فورا بمثل هذه ms571 الحالات. كما يجب عليها أيضا التحقق من كافة البيانات المدونة في ~~السجلات القانونية وزيارة المصحات وتلقي الشكاوى من المرضى ... هذا مثير! ولعل أحد المتشائمين ~~يقول إن الورق لا يدل على شيء. # من المرض العقلي إلى اضطرابات الشخصية # قبل تفكيكه، كان للمصحة النفسية «الكاملة» ~~بريق كبير في العقد الذي تلا الحرب العالمية الثانية، في وقت ظهور طب نفسي جديد يرغب في ~~الابتعاد عن الطب العقلي (كما رأينا مع إي وبونافيه ولوجيان). من الآن فصاعدا أصبح الاهتمام ~~يدور حول المصحة. في عالم الطب النفسي الفرنسي أولا، كان التيار الماركسي يغلب على تيار ~~فرويد الذي اعتبر أنه يشجع على الفردية ويحمل طابعا برجوازيا. أصبح الأمر يدور أكثر حول ~~الطب النفسي الاجتماعي. وبدأ الحديث عن «العلاج الاجتماعي» (محاولة للتشجيع على الاندماج ~~والتآلف مع قيود الحياة داخل المجتمع)؛ ونتيجة لذلك، أصبحنا نتحدث عن الأصل الاجتماعي ~~للاضطرابات العقلية. درس لويس لوجيان «العصاب الذي يصيب العاملين بالتليفونات» (باستخدام ~~ملاحظات في وقت الدليل الموحد)، أو أيضا «الأعراض النفسية المرضية التي قد تصيب الخادمات ~~اللاتي يقمن بكل الأعمال، ويعشن في وضع غريب في عائلة ليست عائلتهن ويعتمدن عليها تماما ~~دون أي تعويض كالأطفال، في حين أنه يتوجب عليهن إطعام العائلة، وهي المهمة التي من المفترض أن ~~يتولاها الآباء.» # 7 # ويعيد كتاب «عصر المناضلين» (جاك هوشمان) تعريف العلاج المعنوي الجديد الذي اتخذ ~~اسم «العلاج النفسي المؤسسي». ولقد ظهر المصطلح للمرة الأولى عام 1952 بناء على اقتراح من ~~جورج دوميزن (1912-1979). ويعد هذا الطبيب النفسي - كبير الأطباء بمستشفى البيت الأبيض من عام ~~1951 حتى 1952 قبل تعيينه سكرتيرا عاما لنقابة الأطباء النفسيين لاستقبال حالات الاحتجاز ~~بمصحة سانت آن - أحد أهم الفاعلين في حركة الإصلاح الفرنسية لفترة ما بعد الحرب العالمية ~~الثانية. وبعد رسالة مميزة عام 1935 كرسها لدراسة وضع العاملين من الممرضين في مصحات الأمراض ~~العقلية، أنشأ عام 1949 - بالتعاون مع جيرمان لوجيان - دورات التدريب والتأهيل الأولى ~~للممرضين في مجال الطب النفسي. وقد انخرط أحد المتدربين معه - فيليب بوميل - عام 1960 ms572 في ~~مغامرة أول مركز طبي للصحة العقلية، في التقسيم الثالث عشر بباريس على هيئة جمعية تطوعية ~~طبقا لقانون 1901. # كانت هذه الحركة المفعمة بالحيوية (بل إنه كانت هناك ~~مجلة للعلاج النفسي المؤسسي) مليئة بالآمال التي فجرتها حركة التحرير، وكانت تهدف إلى ~~«استخدام الحياة وسط الجماعة لمساعدة المرضى على استعادة العلاقات الاجتماعية، والتواصل ~~الفعال مع الواقع الذي حرمهم منه المرض والعزلة» (جاك هوشمان). أخذ الاضطراب الذي يظهر في ~~المحيط الاجتماعي في الاعتبار أكثر من الذي يؤثر على الحياة النفسية للمريض فحسب. ولهذا ~~الغرض، كان لا بد من تغيير العلاقة بين المريض والمعالج داخل المصحات النفسية، أو بالأحرى ~~«وحدة العلاج» كلها «بفريقها» لما هو أبعد من جدران المصحة العقلية عن طريق مضاعفة لقاءات ~~المعالجين بعضهم ببعض، ولقاءات المعالجين بالمرضى. في البداية، تعددت الطرق المتبعة واختلفت ~~بين بريطانيا؛ حيث انحصر التركيز في النموذج النفسي الاجتماعي لإدارة النزاعات بين فريق العمل ~~(ماكسويل جونز)، وفرنسا؛ حيث فرض الطب النفسي ذاته كأداة علاجية جماعية في الستينيات، ومن ثم ~~أصبح حتى للممرضين وظيفة نفسية علاجية. إلا أنه في البداية في فرنسا، لم يقترب أحد من المصحة، ~~فكان الهدف الأول هو الاستعاضة عن «صحة العزل» المفضلة لدى إسكيرول ب «صحة الحرية». # بلغت هذه الثورة العميقة في طريقة النظر وعلاج ~~الجنون حتى التشكيك في مفهوم المرض العقلي ذاته، بكل ما يحمله المصطلح من تعبيرات مطلقة. وفي ~~هذا الصدد، لعب النموذج الأمريكي في فترة ما بين الحربين - الذي اعتمدته أوروبا منذ عام 1945 ~~- دورا هاما: النظرية السلوكية في البداية، والتي تتمحور حول طريقة تفاعل المريض ورد ~~فعله على موقف معين. وهكذا، أصبحنا نتحدث عن «ردود فعل فصامية» أكثر من الحديث عن الفصام ~~نفسه. ثم تلته نظرية التعددية بين الطب النفسي والأنثروبولوجيا، والتي تهدف إلى دراسة التجربة ~~الفردية اعتمادا على الأبنية الاجتماعية، ولا سيما العائلية (إيه كاردنيه). ويتكامل في هذا ~~الطب النفسي الاجتماعي والتحليل النفسي والطب النفسي؛ لدرجة أنها أصبحت تشكل منهجا ~~واحدا كما في الولايات المتحدة الأمريكية. # بصورة أقل براجماتية، لم ms573 تكن فرنسا تنوي أن تحرم نفسها من متعة مناقشة الأفكار كما يبين ~~لنا عمل هنري إي، الذي أدرك خلال عقد ما بعد الحرب العالمية الثانية خطر تفكك الطب النفسي. ~~واعترض هذا الطبيب «غير المنحاز» على جاك لاكان - المدافع عن أطروحة الأصل النفسي للجنون ~~(خطاب حول السببية النفسية) - وأيضا على العديد من الأطباء النفسيين في ذلك العصر، الذين ~~يؤيدون النظريات القائلة بالأصل النفسي للمرض العقلي. ويرد إي على لاكان بأنه لا يمكن خلط ~~العقل والجنون، ويرد على الآخرين بأن مفهوم الاندماج في مجموعة لا يمكن أن يكون معيارا للصحة ~~العقلية. # 8 # إلا أن إي يجمع هذه الإسهامات في طريقة تجميعية لتكامل وتفكك الحياة النفسية. فهو ~~وريث نظريات أستاذه هنري كلود (1869-1945)، الذي كان يحمل هو ذاته صبغة نظريات علم الأعصاب ~~لجاكسون، والتي تقول بأن الأعراض المرضية تظهر بتفكك المراكز «التي تتحكم فيها وتنظم وظائف ~~المخ بنوع من التجانس.» وبالطريقة نفسها، وضع إي نظرية نفسية مرضية تؤدي إلى اعتبار المرض ~~العقلي كدرجات مختلفة لتفكك النشاط النفسي تخضع لعملية عضوية مشابهة للنوم الذي يطلق العنان ~~للأحلام . وتقدم نظرية «الحركة العضوية» - ظهرت لأول مرة عام 1936 وتطورت على مدار عقود ما بعد ~~الحرب - رؤية «ديناميكية وجدلية للعلاقات بين ما هو نفسي وما هو معنوي»؛ مما يفترض أن «أي ~~صورة نفسية مرضية تقتضي لتكوينها اضطرابا عضويا أساسيا يصحبه بالضرورة بنية نفسية معينة ~~تمثل قاعدته الوجودية كما في علم الظواهر.» # 9 # وتعد بالفعل هذه المحاولة لتجاوز التناقض بين الأصل النفسي والأصل العضوي للمرض ~~العقلي «أيديولوجية صراع أكثر منها مذهبا علميا. فهي تتيح تبرير استقلالية الطب النفسي ~~كعلم التفككات العامة والوظيفية للوعي، بالمقارنة مع علم الأعصاب الذي هو علم التفككات ~~الموضعية نتيجة إصابة. كما تحدد أيضا مجال الأطباء النفسيين، الذي هو المرض ذاته - الذي ~~يختلف بوضوح عن التغيرات البسيطة في المعايير - لتبعده بذلك عن أطماع علماء النفس وعلماء ~~الاجتماع والمحللين النفسيين غير الأطباء.» # 10 # عام 1967، في «الكتاب الأبيض للطب النفسي ~~الفرنسي» - الذي يختتم العديد من الجلسات السنوية ms574 للتفكير لمجموعة تطوير الطب النفسي، والتي ~~تدور حول مستقبل الطب النفسي - أعلن إي الذي كان يترأس هذه الجلسات وقف النزاع: «يميل تيار ~~عارم إلى الفصل العملي بين هذين المجالين الطبيين (الطب النفسي وعلم الأعصاب).» # 11 # وبالفعل، عام 1968، انفصل الطب النفسي عن علم الأعصاب، وأصبح يمتلك كراسي أستاذية ~~منفصلة في التعليم الجامعي. كان ذلك بسبب ظهور نظريات «الحركة العضوية»، ومن الآن أصبح مجال ~~الطب النفسي برمته موضعا للتطور. وتشير إليزابيث رودينسكو أن الطب النفسي الديناميكي (اكتشاف ~~اللاوعي واستخدامه في العلاج) # 12 # وأيضا العلاج النفسي المؤسسي، شهدا تراجعا بسبب تسارع عجلة التاريخ الذي أتى ~~بحركة مناهضة الطب النفسي (التي كانت أكثر من مجرد «تمرد طلابي»). ولكن ألا يستبق ما تسميه ~~رودينسكو «الانحدار الكبير للطب النفسي الديناميكي» الانحدار الكبير للطب النفسي بأكمله؟ ~~وبالحديث عن هذا الانحدار، فإن مناهضة الطب النفسي ذاتها سرعان ما تراجعت، بل وأجبرت على ~~التخلي عن مبالغاتها لتحتفظ في النهاية (بل لتمتلك) الإصلاحات التي بدأت غداة الحرب العالمية ~~الثانية (القطاع، الفريق المعالج ... إلخ). في نهاية السبعينيات - في حين أن مناهضة الطب النفسي ~~لم تستقر في أي مكان بصورة مستمرة (إلا في إيطاليا، ولكن في النهاية اقتصر الأمر على التقسيم ~~إلى قطاعات الذي تابعنا حدوده) - كان وضع المرض العقلي داخل الطب غامضا بطريقة لم يسبق لها ~~مثيل؛ وذلك نتيجة لذاتيته. «ومن هنا تظهر القضية التشخيصية المؤلمة التي تطرح على مدار تاريخ ~~الطب النفسي كله: كيف نجعل الذاتي موضوعيا؟» # 13 # ولكن لم ينته التوتر بين الطريقة النفسية الديناميكية والطريقة البيولوجية، بل وتدخل ~~العامل الاقتصادي في الصراع. في الولايات المتحدة الأمريكية - بل وفي كل العالم الغربي بفروق ~~طفيفة في الوقت - تدخلت التأمينات في الرعاية ~~الصحية، مرجحة كفة العلاجات البيولوجية الأسرع (ولكن الأقل فعالية في النهاية إذا ما استخدمت ~~بمفردها) على حساب طرق العلاج النفسية الديناميكية. عام 1980، انقطعت القروض الفيدرالية التي ~~تمول الطب النفسي، بينما توقف تسديد نفقات الرعاية النفسية طويلة المدى. لم يعد يؤخذ في ~~الاعتبار إلا العلاج الكيميائي والعلاجات السلوكية التي تقوم ms575 على أعراض واضحة. # 14 # ولذلك، كانت هناك حاجة إلى نظام تصنيف جديد، يأخذ في الحسبان عملية «إعادة ~~المعالجة» (لم يعد أحد يتحدث عن «إبطال العلاج»). وبطريقة ما، يمكننا القول بأن وضع تصنيفات ~~متتالية ابتداء من عام 1952 (الدليل التشخيصي والإحصائي للمرض ~~العقلي) # DSM # يعد مناهضة للطب النفسي في حد ذاته. ألغيت حالات العصاب، بالإضافة إلى ~~أي إشارة لأي آلية نفسية مرضية تعتبر شديدة النظرية. فتلك الطريقة لتشخيص المرض العقلي إنما ~~هي وصفية بالكامل، وقد تخلت عن نموذج التحليل النفسي القائل بأن العرض إنما هو التعبير الرمزي ~~عن اضطراب في اللاوعي، لصالح نموذج طبي بيولوجي غير نظري. لم يعد هناك مجال للتأويل، ولا ~~للعرض أي اعتبار. وتم استبدال مفهوم المرض بمفهوم الاضطراب أو الخلل. # وكان يجب أن يصطدم هذا التصنيف الجديد - الذي فرض منذ عام 1980 في العالم الغربي مع نظام ~~«الدليل التشخيصي والإحصائي للمرض العقلي» - مع علم تصنيف الأمراض التقليدي، إلا أن هذا العلم ~~كان في حالة يرثى لها. فكتب بيير جيرو (1882-1974) حينما كان في سانت آن: «إن علم تصنيف ~~الأمراض يشبه الموضة في عدم ثباته [...] فمرة واحدة نقدم تصنيفا لمئات الأمراض، وبعد بضعة ~~أعوام لم يعد يتبقى منها إلا مرض يسمى الانحطاط العقلي والفصام.» ومن ثم، لم يعد أحد - خارج ~~فرنسا - يرغب في فئات تشخيصية يستخدمها المعهد القومي للصحة والأبحاث الطبية «لعمل إحصاءات ~~للطب النفسي»، والتي زادت منذ عام 1968 من خمس عشرة إلى عشرين فئة: ~~(1) # ذهان هوسي اكتئابي. ~~(2) # فصام مزمن. ~~(3) # هذيان مزمن. ~~(4) # ذهان مصحوب بهذيان حاد وحالات اضطراب. ~~(5) # ذهان بسبب إدمان الخمور. ~~(6) # اضطرابات عقلية بسبب الصرع. ~~(7) # حالات ضعف بسبب الخرف وخبل ما قبل الشيخوخة. ~~(8) # اضطرابات عقلية عرضية نتيجة إصابة مخية غير المذكورة. ~~(9) # اضطرابات عقلية عرضية نتيجة إصابة بدنية عامة غير المذكورة. ~~(10) # عصاب وحالات عصابية. ~~(11) # شخصيات وطباع مرضية. انحرافات وإدمان (غير إدمان الخمور). ~~(12) # إدمان الخمور (غير ذهان إدمان الخمور). ~~(13) # حالات اكتئاب غير ذهانية. ~~(14) # اضطرابات نفس-جسمية، واضطرابات جسمية شبه نفسية الأصل. ~~(15) # اضطرابات منعزلة غير مصنفة. ~~(16) # المستوى الأدنى. ~~(17) # الخبل العقلي. ms576 ~~(18) # التأخر العقلي المتوسط (البله). ~~(19) # التأخر العقلي العنيف (العته). ~~(20) # حالات غير مصنفة في الفئات السابقة. # ويضم هذا التصنيف - الذي لا يتضمن فئات خاصة لاضطرابات الطفولة (والتي يجب أن توزع على ~~كافة الفئات التشخيصية الأخرى) - رقما مرتبطا ثالثا تفصل فيه أشكال أو روابط (مثلا: 2-2 ~~فصام مزمن في صورة شلل). # جاء الدليل التشخيصي والإحصائي للمرض العقلي في الوقت المناسب إذن؛ حيث شكل لغة مشتركة ~~طالما تمناها الأطباء النفسيون، بل أيضا كافة الجهات المؤسسية والاقتصادية وشركات التأمين، ~~وممثلو الصناعات الدوائية الذين أبدوا اهتماما كبيرا، لدرجة تقديم دعم مالي قوي لكافة ~~الأعمال التي تتعلق بالأدلة التشخيصية والإحصائية للمرض العقلي المتتابعة. وفي إطار طريقة لا ~~تنظر إلا إلى العرض أو الخلل السلوكي، بل المزاجي، دون التورط في البحث عن أسباب نشوء المرض ~~المختلف عليها، بدت سوق الأدوية النفسية واعدة أكثر من أي وقت سابق، بل وعلى المستوى ~~العالمي، تماما مثل الدليل التشخيصي والإحصائي للمرض العقلي. فبلغ رقم الأعمال للأدوية ~~المضادة للاكتئاب وحدها أكثر من عشرين مليار دولار سنويا. # ظهر الدليل التشخيصي والإحصائي للمرض العقلي الرابع عام 1994 (وسرعان ما حل محله الخامس ~~الذي لم يقدم إلا تغييرات تتعلق بالمجتمع الأمريكي فحسب ). وتم الاحتفاظ بأربعة معايير: # الخواص الوصفية للعرض المستهدف. # تواتره ومدته. # السن التي ظهر فيها العرض. # مقاييس الإقصاء المستندة إلى وجود تشخيصات أخرى. # ووضع أربعمائة وعشرة «اضطرابات» نفسية (لم يكن هناك سوى مائتين وثلاثين في الدليل ~~التشخيصي والإحصائي للمرض العقلي الثالث) على خمسة محاور كما يلي: # المحور الأول: الاضطرابات الإكلينيكية. # المحور الثاني: اضطرابات الشخصية والتأخر العقلي. # المحور الثالث: الإصابات الطبية العامة. # المحور الرابع: الاضطرابات النفسية الاجتماعية والبيئية (أي شيء خطير حدث في حياة ~~الفرد: عوامل مؤثرة، أو صدمات، إلخ). # المحور الخامس: التقييم العام وطريقة تفاعل المريض وتأقلمه بشكل عام. # ويميز المحور الأول بين: # اضطرابات تشخص عادة في فترة الطفولة المبكرة أو الطفولة أو المراهقة. # هذيان وخبل واضطرابات فقدان الذاكرة وباقي الاضطرابات المعرفية. # اضطرابات عقلية ناتجة عن إصابة طبية عامة. # اضطرابات متعلقة بمادة معينة (الكحول والنيكوتين ms577 والمخدرات والأدوية). # فصام أو أي اضطرابات ذهانية. # اضطرابات المزاج (الاكتئاب والاكتئاب ثنائي القطبية). # اضطرابات القلق (الخوف والمرض والوساوس القهرية ... إلخ). # اضطرابات لها شكل بدني (منها الوسواس). # اضطرابات وهمية. # اضطرابات مفككة (منها تفكك الشخصية). # اضطرابات جنسية واضطرابات الهوية الجنسية (لم تعد المثلية الجنسية موجودة في ~~التصنيف التشخيصي والإحصائي للمرض العقلي الثالث). # اضطرابات السلوكيات الغذائية. # اضطرابات النوم. # اضطرابات التحكم في البواعث غير المصنفة (هوس إشعال الحرائق وهوس السرقة واللعب ~~المرضي). # اضطرابات التكيف. # أما المحور الثاني، فهو يميز بين الشخصيات التالية: المريضة بجنون العظمة أو الميالة ~~للفصام أو الفصامية أو الحدية أو الهستيرية أو النرجسية أو المتجنبة أو الاعتمادية أو غير ~~الاجتماعية أو المصابة بالوسواس القهري. ~~••• # وسرعان ما اتخذ هذا «الدليل الدولي» (وهو كتاب ضخم يهدف لإرشاد الممارس الذي يقع في ~~الحيرة) صفة «القانون»؛ مما يعكس الهيمنة الأمريكية منذ عام 1945. عام 1983، أشاد رئيس ~~الجمعية العالمية للطب النفسي في طبعة الدليل التشخيصي والإحصائي للمرض العقلي الثالث «كونه ~~وثيقة حقيقية للطب النفسي»، تمثل «تاريخا هاما في تطور الطب النفسي تضاهي ظهور الطبعة ~~السادسة من وثيقة كرابلين عام 1896، التي حددت الأطر الرئيسة لمفاهيم الطب النفسي، والتي لا ~~تزال تسيطر حتى الآن على تخصصنا.» من جانبه، رأى بول بيرشيري في الدليل التشخيصي والإحصائي ~~للمرض العقلي لغة مشتركة كانت ضرورية بسبب الفوضى التي شهدها مجال الطب النفسي. فهؤلاء هم ~~الذين يرون في الدليل التشخيصي والإحصائي للمرض العقلي لغة مشتركة لدى جميع الإكلينيكيين لا ~~غنى عنها لاتخاذ إجراءات الصحة العامة، مضفية على المجال نظاما يقاوم أي محاولات لجعله ~~موضوعيا. # ولكن من ينتقدون الدليل التشخيصي والإحصائي للمرض العقلي هم الأكثر عددا؛ وذلك لأن ~~الإحصائية حلت محل الطب الإكلينيكي والتشخيص، وأصبحت هي ذاتها تشخيصا يمنع أي تفكير حول ~~الجانب النفسي الباثولوجي. فلم يعد الشخص هو ما يتم تقييمه، بل اضطرابه فقط: «ألم يعد الشخص ~~في الدليل خاضعا للعلم، وكأن الجانب البشري تقلص إلى مجرد ظاهرة وقتية؟» ويشكك موريس كوركوس ~~الذي طرح هذا السؤال بشأن البرهنة غير النظرية التي هي الدليل الرابع، ms578 ويقول: «أليس ذلك لأنه ~~من الصعب تصور أن واضعي هذا الدليل ليسوا مثل باقي البشر كائنات نظرية واجتماعية؛ أي إنهم لا ~~يستطيعون الوجود بمفردهم، بل يعيشون في وسط بيئة ثقافية وأيديولوجية وأسطورية تخضع لقوانين ~~معينة، وأن إدراكهم ثم تعبيرهم عن الواقع إنما هو تأويل وترجمة لهذا الواقع؟» # 15 # ويسري الأمر على الصور التي للمجتمع الأمريكي «الصحيحة سياسيا»، والتي تعنى في ~~المقابل بتحديد الكائن الصحي السليم المتكيف. ~~«ويدعو هذا النداء إلى الخروج عن الإطار النظري الاعتقادي أو أسطورة العلم المحض الذي ~~يتحدث عن فرد بحت [...] ويشكل هذا الوهم تراجعا خطيرا في اتجاه علم الصحة في القرن التاسع ~~عشر. فسيأتي يوم ندرس فيه مجموعة الأدلة التشخيصية والإحصائية للمرض العقلي كنموذج تاريخي ~~لإعادة تمثيل المعتقدات السائدة في عصر ما. وسيعتبر الدليل في حد ذاته قاموسا للأطباء ~~النفسيين المتجولين، أو يعتمده مجموعة من التقليديين مرجعا ثابتا يهتدي به التائهون الذين ~~يتوقون إلى معيار للطبيعية، مقدما صورة كاملة للمجالات العقلية خادعة كحدود البحر على الكروت ~~البريدية التي بسبب كونها شديدة التساوي والتعديل، تعطي تقييما براجماتيا للنفس يفسر الوهم ~~واللاوعي والدوافع وما هو جنسي، وتختزل تنوع الحياة النفسية.» # 16 # وفي انتظار تحول الدليل إلى محط الانتقادات والإهانات - الأمر الذي لم يتأخر على غرار ~~كافة الأنظمة التي سبقته منذ قرنين - يكمن الخطر الحالي في «الافتقار الرهيب في فن اللقاء ~~والحوار والتعاطف والدراسة في سياق» ممارسة الطلاب في فترة التدريب والتأهيل النفسي ~~الباثولوجي اعتمادا فقط على الكتاب النظري «الدليل التشخيصي والإحصائي للمرض العقلي» ~~الرابع: # 17 ~~«إن الطبيب النفسي أو الممارس العام المستقبلي - الذي لم يحتك بأي عامل غير ~~متوقع أو مزعج في العلاقة لكونه ملاحظا علميا غير منحاز - لن يكون أكثر من خبير في وصف ~~سطحي للسلوك الإنساني المحدد.» # 18 # كان من الممكن أن يصطدم الانتشار العالمي السريع للدليل التشخيصي والإحصائي للمرض العقلي ~~بتصنيف منظمة الصحة العالمية «التصنيف الدولي للأمراض» # CIM ~~. ~~كان هذا التصنيف الإحصائي وحيد المحور (اختيارا حصريا لمرض رئيس) يعتمد في الواقع منذ ~~إنشاء منظمة الصحة ms579 العالمية عام 1945 على تصنيف الأمراض الأوروبي. وبعد اثني عشر عاما من ~~المناقشات بين منظمة الصحة العالمية والجمعية الأمريكية للطب النفسي، كان لمبادئ الدليل ~~التشخيصي والإحصائي للمرض العقلي الغلبة في النهاية عام 1992؛ بنشر الطبعة العاشرة من التصنيف ~~الدولي للأمراض الذي يتوافق مع الدليل: الأسس نفسها والنظام نفسه متعدد المحاور والألفاظ ~~المستخدمة نفسها مما يتيح توافقا أكبر بين التصنيفين. ومن أصل واحد وعشرين «فصلا» تضم كافة ~~الأمراض البشرية، يتناول الفصل الخامس «الاضطرابات العقلية والسلوكية» (من إف. 00 وحتى إف. ~~99). في حين باقي الفصول معنونة بكلمة «أمراض»، يطلق على هذا الفصل «اضطرابات». إلا أن الأمر ~~لا يتعلق بالمرض العقلي، فإن إضافة «اضطرابات السلوك» إلى «الاضطرابات العقلية» تفتح آفاقا ~~غير واضحة ولكن لانهائية. وفي تفصيله، يؤكد التصنيف الدولي للأمراض الطبعة العاشرة باستمرار ~~على مفهوم الاضطراب (فقط التأخر العقلي لم يكن من الممكن إخضاعه لهذه التسمية الجديدة): # اضطرابات عقلية عضوية، بما فيها النفس-جسمية. # اضطرابات عقلية وسلوكية ناتجة عن استخدام المواد التي تؤثر على الحالة النفسية ~~(بالمعنى الأشمل للكلمة وليس الأدوية فقط). # الفصام والاضطرابات الفصامية والاضطرابات المصحوبة بهذيان. # اضطرابات المزاج (العاطفية). # الاضطرابات العصابية المتعلقة بالضغط النفسي والاضطرابات البدنية. # متلازمة أعراض السلوك المرتبطة بخلل فسيولوجي أو بعوامل نفسية . # اضطرابات الشخصية والسلوك. # الاضطرابات العقلية. # اضطرابات التطور النفسي. # اضطرابات السلوك والاضطرابات الانفعالية التي تظهر عادة خلال الطفولة ~~والمراهقة. # اضطرابات أخرى. # التصنيف الدولي للأمراض في طبعته العاشرة ليس إذن بديلا للدليل الرابع والخامس. البديل ~~الحقيقي هو الدليل التشخيصي النفس-حركي PDM # 19 # الذي يبدو تكميليا أكثر من كونه منافسا للدليل الرابع والذي تم تطويره على ~~أيدي أهم المنظمات الأمريكية في التحليل النفسي لإعادة تقديم طب إكلينيكي «نفس-حركي». وهكذا، ~~يصف الدليل التشخيصي النفس-حركي بطريقة منظمة: # سير الشخصية السوية والشخصية التي يظهر عليها الاضطراب. # النماذج الفردية للعمل العقلي. # أشكال الأعراض (بما فيها الفروق الشخصية والذاتية لهذه الأعراض لدى كل شخص). # باختصار، كان الأمر يتعلق بإعادة تقديم «الشخص الكامل» داخل التشخيص. «تم تطوير الدليل ~~التشخيصي النفس-حركي بناء على فكرة أن وجود تصنيف نافع ms580 إكلينيكيا يجب أن يبدأ بفهم طريقة ~~عمل العقل السوي. فالصحة العقلية تتضمن ما هو أكثر من غياب الأعراض، بل تشمل السير العقلي ~~العام للشخص بما في ذلك علاقاته وثباته الانفعالي وقدراته على التكيف ومراقبة ذاته. فكما أن ~~صحة القلب يجب ألا تعرف فقط بأنها غياب الألم في الصدر، فإن الصحة العقلية تتجاوز غياب ~~الأعراض التي يلاحظها الطب النفسي الباثولوجي. ويشتمل هذا على مجموعة كاملة من القدرات ~~البشرية المعرفية والانفعالية والسلوكية.» # 20 # أزمة أم انهيار؟ # لم تكن أزمة الطب النفسي - التي فجرتها هوجة مناهضة الطب النفسي - إلا البداية. وتعددت ~~التساؤلات التي تطرح منذ الثمانينيات، والتي يمكن تلخيصها في الآتي: هل اتخذ الطب النفسي ~~بداية خاطئة؟ # عام 1984، قام كل من مارسيل جوشيه (فيلسوف) ومارسيل جاجير (عالم اجتماع) وجلاديس سواين ~~(طبيبة نفسية) - الذين كانوا في محور الصراعات المناهضة للطب النفسي ولكن يمكن اعتبارهم من ~~«غير المنحازين» (ولقد واتتنا الفرصة قبلا للتوقف عند كتاب «ممارسة العقل البشري» الذي نشره ~~جوشيه وسواين عام 1980) - بالرد بوضوح على هذا التساؤل العصيب، مع ملاحظة «الصمت المستسلم» ~~للأطباء النفسيين، متسائلين عن أسبابه. # 21 # ورأوا فيه في البداية «انهيارا للخطاب المعارض السائد وموتا لليسارية الثقافية ~~التي كانت حركة مناهضة الطب النفسي تمثل أحد وجوهها الأساسية.» كانت مناهضة الطب النفسي هذه ~~«هي الأيديولوجية التي باسمها تم اعتماد التحليل النفسي الذي يمارسه غير الأطباء مع الجمهور ~~ودخوله إلى مجال الرعاية الطبية النفسية.» ويؤكد المؤلفون أن هذا التحليل النفسي «تخرج ~~ممارسته عن أي إطار تنظيمي». كما بدا لهم البديل للعلاج النفسي التحليلي في هذا العصر في حالة ~~تراجع داخل المهنة وعلى مستوى الرأي العام (وهو ما ليس صحيحا تماما في ذلك الوقت، وإن حدث ~~لاحقا). كان «الجنون هو محور الأحداث، ولكنه لم يعد كذلك». # وعلى نحو مثير للمفارقة، في العقدين الأخيرين من القرن العشرين، أسف العديد من الأطباء ~~النفسيين القدامى لاختفاء الطب النفسي كنظرية وليس كخطاب. لم يعد هناك خصوم ولا مؤسسات ~~لتحاربها، بل إن عددا كبيرا من مطالب حركة مناهضة الطب النفسي ms581 دخلت بالفعل حيز التنفيذ، ~~قاطعة بذلك الصلة بين السياسة والصحة، ومحولة موضوعيا الأفكار الثورية إلى حركات إصلاحية. ~~ذهب الهدف الأساسي، فقد شهد هذا العصر رواج أفكار الانحدار. أما الأقل تشاؤما فكانوا يكتفون ~~بالإشارة إلى عوامل تدمير الطب النفسي: عدم المساواة في الرعاية داخل الخدمات العامة، وتوجه ~~العناصر الجيدة في الطب النفسي إلى التحليل النفسي، وانخفاض الإنفاق على الصحة؛ فقد كانت ~~الفكرة السائدة، هي أنه «من بين جميع أنواع الطب، كان الطب النفسي في أضعف موقف ~~للمقاومة» # 22 ~~(بسبب أن بنيته نفسها كانت تتعرض لانتقادات شديدة من داخل المهنة ذاتها). # واليوم، على الرغم من موته المعلن، فإن الطب النفسي لا يزال موجودا، لا يزال موجودا ~~كما أن الجنون لا يزال موجودا. تماما كما في عرض مسرحي، حينما يتم تغيير الديكور أمام ~~ناظرينا، يكون التغيير كبيرا لدرجة أنه يمكن أن نقول بطريقة ما إن الديكور «اختفى»، لكن ~~سريعا ما يولد من جديد. كذلك الطب النفسي؛ فلقد تعدد وتنوع واختلفت طرقه، ولكن لا تعبر ~~إحداها بمفردها - مهما ادعت - عن المجال بأكمله. أصبحت الانتقائية هي السائدة. # وعلى نحو مواز للطريقة التجريبية التي يؤسسها الدليل التشخيصي والإحصائي للمرض العقلي ~~والتصنيف الدولي للأمراض، لم تستطع الطريقة البيولوجية أن تفي بوعودها الرنانة. عام 1983، ~~ظهر «الإنسان العصبي» لعالم الأعصاب جان بيير شانجو، والذي عني بنشر نموذج جديد أصبح مرجعا ~~لدرجة أن وسائل الإعلام أعلنت حينها نهاية الطب النفسي. «إن الإمكانيات التركيبية المرتبطة ~~بعدد وتنوع الاتصالات العصبية في مخ الإنسان تبدو بالطبع كافية لإدراك القدرات البشرية. ولكن ~~ليس هناك تفسير للتفاوت بين النشاط العقلي والنشاط العصبي. من الآن فصاعدا، ما فائدة الحديث ~~عن الذهن؟ فلم يعد هناك سوى جانبين لحدث واحد يمكن وصفه بمصطلحات مقتبسة عن لغة علم النفس (أي ~~الاستبطان)، أو لغة علم الأعصاب.» ونذكر بصورة عابرة أنه عام 1845، أعلن جريزينجر أن «الأمراض ~~العقلية هي أمراض في المخ.» في الواقع، كان أبقراط قد أكد من قبله أن كل شيء - بما في ذلك ~~الجنون - يأتي من المخ. أسنرى، وعلى ms582 عكس كل التوقعات، هذه النظرية «المبسطة» تتحقق أخيرا؟ في ~~جميع الأحوال، كانت الطريقة العصبية البيولوجية في أوجها (والدليل على ذلك كم القروض ~~المخصصة للأبحاث)، وبدا أن المخ لم يقل كلمته الأخيرة. «تبدو بعض المناطق في المخ المتعلقة ~~بالتعرف على الانفعالات وكأنها تعمل بطريقة غير طبيعية لدى المصابين بالتوحد والفصام؛ مما ~~أثبت - عن طريق اختبارات معينة - وجود نقص في المعارف الاجتماعية في حالات الفصام والتوحد لدى ~~الأطفال؛ أي عدم وجود القدرة على استيعاب وفهم الحالات العقلية المختلفة عن حالاته وإضفائها ~~على الآخر.» # 23 # وقلت الحاجة إلى حسم الجدل القديم بين الأصل العضوي (التحدي) والأصل النفسي ~~(المفضل) للمرض العقلي، وأصبح هناك اتجاه لتجاوزها أو الالتفاف حولها في إطار تعريف جديد ~~للعلاقات بين الجسد والذهن. # وحاليا تشهد الطريقة المعرفية - أحدث القادمين - أكبر قدر من التشجيع، فهي علم النفسي ~~التجريبي الذي أصدر الافتراضية بأن التفكير إنما هو عملية معالجة للمعلومة (على غرار علم ~~التحكم الآلي)، الذي يدرس المبادئ التي تدير تفاعل الكيانات الذكية مع بيئتها. وتعد النظرية ~~المعرفية هي أساس تقنية جديدة للعلاج النفسي: العلاج المعرفي السلوكي، الذي ظهر في الولايات ~~المتحدة بالتزامن مع العلاجات السلوكية. وتعمل طريقة العلاج المعرفي بطريقة تكاملية على أفكار ~~المريض التي تظهر نوعا من التشوش المعرفي. وهي تؤكد على أهمية الأشكال التوضيحية غير ~~الواعية للفكر، والطريقة التي يمكن أن تتسبب بها هذه الأشكال المعطلة (آراء أو معتقدات) في ~~الإصابة باضطرابات عقلية. ولا تهدف العلاجات المعرفية السلوكية إلى تعديل جذري لمجمل الشخصية ~~عبر جلسات طويلة ومكلفة للمريض أو للتأمينات. اعتمادا على التقويمات المتتالية التي تعالج ~~كميا بحرص، يكفي التأثير على هدف محدد يبلبل حياة المريض: الهوس المرضي أو الإدمان أو ~~الوسواس القهري أو اضطرابات السلوكيات الغذائية، بل وأيضا تحمل الألم، ولإدارة الضغوط في ~~الرياضة أو التحكم في التعلم، وفي الحالات الاكتئابية لدى المرضى المتقدمين في العمر ... ~~إلخ. # 24 # كل هذا في ظل اتساع لمجال الطب النفسي، وسنتطرق إليه لاحقا أثناء الحديث عن ~~الصحة العقلية. # حتى طريقة التحليل النفسي ذاتها شهدت ms583 تنوعا ~~ليس له مثيل من قبل. ويجب أن نبدأ بذكر مواطن اختلافها عن العلاجات المعرفية السلوكية التي ~~تميل حاليا إلى اكتساح مجال الطب النفسي كله، مصحوبة بدعم الإدارات الصحية. وسنذكر فقط ~~أنه - على عكس العلاجات المعرفية السلوكية (التي لا تشكل نظرية) - يكون العرض من المنظور ~~النفسي الباثولوجي التحليلي - كما يتضح من اسمه - ذا معنى بالنسبة للمريض؛ لأنه يتكون كتعبير ~~عن التفرد والتاريخ الذاتي المرتبط باللاوعي. وهذا هو الفرق بين السبب والأصل. اهتم بعض ~~المحللين النفسيين بدراسة العلاجات المعرفية السلوكية، ولكن يظل غالبيتهم معادين لها، متهمين ~~إياها بعدم أخذ «البعد الإنساني للمريض» في الاعتبار مثلها مثل الدليل التشخيصي والإحصائي ~~للمرض العقلي. وجاءت دراسات حديثة تؤكد حججهم، مبينة أن النتائج الجيدة للعلاجات المعرفية ~~السلوكية لا تستمر طويلا مع الوقت. # 25 # أصبحت هذه التقارير أكثر خلافية، ولا سيما أن «أوضاع التحليل النفسي والعلوم المعرفية في ~~مجال المعارف لا يزال ينقصها مزيد من التحديد.» # 26 # وتضيف هيلين أوبنهايم - الطبيبة والمحللة النفسية - أنه إذا كانت هاتان الطريقتان ~~مختلفتين تماما، «فإن المناقشات الإكلينيكية والحوارات النظرية حول الطرق الخاصة بكل منهج ~~وحول حدودها (قضايا مثل التوحد والفصام والمرضى المصابين في المخ وحالات الخبل) قد تكون ~~محفزة. ويمكن للطب النفسي - نظرا لتعدد مرجعياته الضرورية - أن يكون أحد أطر استقبال هذه ~~المواجهات.» # 27 # إلا أن «المحللين النفسيين المتورطين في النزاع» لم يكونوا أكثر اتفاقا، فتصف إليزابيث ~~رودينسكو العلاجات المعرفية السلوكية ب «الطرق المهجنة». وفي حوار في جريدة ~~ليبراسيون، # 28 # يقول جاك آلان ميلر - صهر لاكان ومؤسس مدرسة السبب الفرويدية عام 1981 والجمعية ~~العالمية للتحليل النفسي عام 1992 - عند سؤاله عما إذا كانت النظرية المعرفية تفسر أي شيء: ~~«آه! نعم! فهي أيديولوجية تحاكي العلوم الصعبة وتتطفل عليها وتقدم ملخصا وهميا. ولكن ~~انتشارها الهائل يرجع إلى أنها تعبر عن شيء شديد العمق، عن طفرة في علم الوجود وتغيير في ~~علاقتنا بالكائن. واليوم، نحن على يقين بأنه يوجد شيء ما، وأنه قابل للترقيم. أصبح الرقم هو ~~ضمان الكائن. ويرتكز التحليل النفسي أيضا ms584 على الرقم، ولكن بصورة الرسالة المشروحة، فهي تستغل ~~غموض الكلام. وفي هذا الصدد، تكون متعارضة مع النظرية المعرفية، بل لا تحتملها.» ويسأله نفس ~~الصحفي: ألا يزال التحليل النفسي في وضع الدفاع عن ذاته؟ ««فلنعش سعداء، فلنعش في ~~الخفاء»، كان ذلك هو شعار المحللين النفسيين، ولكنه لم يعد كذلك؛ فالانغلاق على ذواتهم قد ~~يكون قاتلا للتحليل النفسي؛ ببساطة لأنه لا يوجد مجال محدد لهم. باختصار، فإن الأطباء ~~النفسيين لن يستطيعوا تجنب المشاركة في الجدل العام.» # دائما ما ظلت طريقة التحليل النفسي ثابتة، حتى وإن تكاثرت الهجمات وحركات التشكيك مع ~~اقتراب القرن الحادي والعشرين. وهي تتناسب مع الغرور الذي تملك المحللين النفسيين - باعترافهم ~~اليوم - عندما بدأ الطب النفسي غير التحليلي في الظهور. في عام 1980، أشاد بول بيرشيري ب ~~«التدخل الفعال للمحللين النفسيين - زاد عدد الذين يمتلكون بينهم لقبا أو تأهيلا في الطب ~~النفسي - في مؤسسة الطب النفسي [...] ولقد شرع التحليل النفسي بقوة في عمله لتفكيك الطب النفسي ~~بسرعة تآكل الحمض.» ويختتم بيرشيري حديثه قائلا: «إن الحالات الصعبة التي يواجهها الأسلوب ~~الإكلينيكي (على سبيل المثال؛ صعوبة الفصل في قضية الأصل العضوي أو النفسي للمرض العقلي) ~~سيكون من السهل تجاوزها عندما يتخلص المحللون كعلاج من الطبيب النفسي (بالمعنى السيئ للكلمة) ~~الذي يرقد بداخلهم. وحينها، سيتمكنون من اكتشاف الآليات داخلهم التي تنظم الذهان، والتي يمنع ~~هذا الرقيب الفصل بينها.» # 29 # ولم ينتظر الفيلسوف جيلز دولوز والمحلل النفسي فليكس جاتاري حالة التشاؤم التي صاحبت ~~نهاية القرن لينشرا عام 1972 كتابهما «ضد أوديب»، # 30 # الذي هو هجاء أحدث ضجة رافضا مفهوم الغربة باعتباره نقصا يستدعي وجود آلة تنتج. ~~فالمقصود بأوديب هو ناتج تطور الرأسمالية. لم يكن اللاوعي مسرحا، بل كان مصنعا. وكان للعامل ~~«الاجتماعي» الغلبة على ثنائية «الأب والأم» (أوديب)، ولم يعد يقتصر عليها. # 31 # فالأمر بالنسبة لمؤلفي «ضد أوديب» يتعلق ب «زعزعة أسس المذهب الفرويدي بفضل آراء ~~ماركس، والعكس صحيح»، # 32 # ومن هنا بلغ «المذهب الفرويدي الماركسي» ذروته. # ابتداء من التسعينيات، سادت هوجة «عالمية من الكراهية ms585 والإقصاء» (لاستخدام نفس ألفاظ ~~بومارشيه) ضد التحليل النفسي. دائما في وضع الاستعداد، ندد جينتيس عام 1998 ب «الإرهاب ~~اليساري»، المتمثل في تأصل نظرية التحليل النفسي في فرنسا، «والتي كانت تقدم نفسها في وسائل ~~الإعلام بكونها أداة لا تقارن للتحرر»، ولكنها سرعان ما أصبحت «أداة للتفكير التقليدي ~~الشمولي». كما يتهم جينتيس المحللين النفسيين بأنهم «كسروا» (على الأقل في بعض الأماكن) حركة ~~التغيير في الجانب المعالج. وهو هنا لا يهاجم التحليل النفسي (لا أحد يعتقد بالطبع أنه سيحمل ~~إجابة عن جميع الأسئلة، ولكن يلاحظ أنه يوضح بعض المشكلات، ونكون مخطئين إذا استغنينا عن ~~دوره)، بل المحللين النفسيين في وسط الطب النفسي. على أي حال، حتى بعد بلوغه عامه السبعين، ~~لم يفقد جينتيس من حدته: «لا ينبغي لنا أن نتعجب في مثل هذه الظروف من وجود رد فعل قوي مناهض ~~للطب النفسي. فالقيام بعمل التحليل النفسي - أي أن يكون الشخص محللا نفسيا - لا يعني أن ~~يعزل نفسه في مكتبه لعدة ساعات أسبوعيا مع بعض المرضى المختارين، على اعتبار أن الباقي ليس ~~ذا أهمية، بما أن التحليل النفسي لا يستطيع أن يفعل شيئا حياله.» # 33 # ولكن كل هذا لا يضاهى بالهجمة الشرسة خلال هذه الأعوام الأخيرة. عام 2002، جاء كتاب ~~«أكاذيب فرويد ...» # 34 # لعالم النفس الإكلينيكي والمحلل النفسي للأطفال جاك بينيستو ليتحدث بلهجة حازمة ، ~~منددا ب «أكاذيب» المذهب الفرويدي، متهما فرويد ذاته بأنه لم يلق إلا الفشل في علاج ~~حالاته، ولكنه فشل «حوله إلى انتصار ليجتذب مزيدا من الأتباع وليتلاعب بمعجبيه.» (كتب جاك ~~كوراز عنه في المقدمة «مدع بقامة عملاق».) أصبحت هذه الوسائل مدرسة لمن خلفوه، «الذين ~~انتظموا في شبكات صلبة تحمي ذاتها وتتفنن في الحفاظ على سلطتها وغموضها عن طريق تقديم الكثير ~~من الأشياء المغلوطة.» عام 1995، ما زلنا مع نفس الناشر البلجيكي (ربما كان قطاع النشر أكثر ~~انفتاحا عنه في فرنسا)، قام جاك فان ريالير بنشر «أوهام التحليل النفسي». ويعرض هذا العالم ~~النفسي الإكلينيكي والأستاذ بكلية الطب بلوفان، وأيضا المحلل النفسي السابق، لأسباب «ارتداده ms586 ~~عن التحليل النفسي»، مهاجما «الطابع السري الباطني والتعصب والتكبر والتلهف على الكسب وحب ~~السلطة، وقبل كل شيء أسس المذهب الفرويدي ذاته؛ تلك الأسس التي لم تثبت إلا نادرا أمام أي ~~اختبار علمي.» # ثم كانت الصاعقة مع «الكتاب الأسود للتحليل النفسي» # 35 ~~(2005)، الذي ينتقد بقسوة وعلى مدار أكثر من ثمانمائة صفحة الأكاذيب (الوجه ~~الخفي لتاريخ فرويد) والطريقة وفعاليتها وشرعية المحلل (بالأمس كانوا ثائرين ومن دعاة ~~الحداثة، واليوم أتباع فرويد ولاكان هم الأكثر عدائية ودفعا عن معاقلهم الفكرية الجامدة) ~~والخضوع في النهاية بالتزامن مع قانون الصمت الإعلامي إزاء أي انتقادات للتحليل النفسي. ولا ~~يكفي القول بأن «الكتاب الأسود» قد أثار جدلا عارما في فرنسا، حتى إن مجلة «لونوفيل ~~أوبسرفاتور» قد جعلت منه غلافا لها (أيجب القضاء على التحليل النفسي؟) بينما انحازت جريدة ~~«فيجارو» إلى لاكان (التحليل النفسي: وثيقة المرفوض). وتتساءل إليزابيث رودينسكو: «لماذا كل ~~هذا الكره؟» # 36 # في كتاب يحمل نفس الاسم، بينما ظهر في العام التالي «الكتاب الأسود للتحليل ~~النفسي المضاد». # 37 # كانت الحرب دائرة أيضا على شبكة الإنترنت، ونأسف لعدم استطاعتنا تقديمها كلها في ~~هذه الدراسة. كما سنجد أيضا الأستاذ فان ريالير الشديد الميل للتهكم، وأحد مؤلفي «الكتاب ~~الأسود للتحليل النفسي»؛ يجيب عن الهجوم اللاذع الذي شنته عليه رودينسكو التي غضبت من كون ~~فرويد يشنع عليه وتلصق له صفات «الكذاب والمزور والسارق والمنافق ومدعي الشهرة وأنه ~~يمارس زنى المحارم»، فيجيبها ريالير بسخرية: «لم نقل قط إن فرويد كان يمارس زنى ~~المحارم.» # 38 # قبل هذه المشاجرة، كانت إليزابيث رودينسكو - أثناء أحد العروض العامة للتحليل النفسي عام ~~2000 - قد ألمحت أنه «من الآن فصاعدا، أصبح المعالج الحديث مجردا من أي معرفة حول فن معالجة ~~وشفاء المريض بالمريض نفسه [...] لأنه الآن أصبح المريض هو من يصنع علاجه بنفسه باستخدامه ~~لعلاجات نفسية متعددة بنفس الطريق التي يتناول بها أي مواد كيميائية: يوما أدوية واليوم ~~التالي علاجا بالحوار، ولماذا لا يتبعه محاولة علاج الداء بالداء أو المعالجة بالنباتات؟ ~~يوجد مرض في نهاية القرن يقوم على ms587 تسارع العلاجات المتعددة أو على معالجة ذاتية دائمة تستند ~~إلى التحرر من أوهام العالم.» # 39 # وبالعودة إلى التحليل النفسي، تختتم رودينسكو بأن التحليل النفسي هو «المذهب ~~النفسي الوحيد في نهاية القرن التاسع عشر الذي ربط بين فلسفة الحرية ونظرية نفسية [...] ومن ثم، ~~يجب عليه أن يكون اليوم قادرا في مثل هذه الظروف على تقديم رد إنساني في مواجهة وحشية ~~مجتمع يميل إلى توحيد الشكل، وإلى اختزال الإنسان في كائن فردي نرجسي، تغمره عبادة الذات ~~ويسعى دون توقف إلى محو الحلم واللاوعي.» ومن جانبه، عمل جوان دافيد نازيو على إثبات أن ~~«أوديب» # 40 # وأيضا الهستيريا # 41 # لا يزالان موجودين. # ويتساءل جي داركور - الطبيب النفسي وعضو جمعية التحليل النفسي - عما إذا كان التحليل ~~النفسي لا يزال نافعا للطب النفسي، # 42 # وسرعان ما أجاب بنعم، محاولا إثبات أنه يمكن إيجاد حوار بناء بين الطب ~~والتحليل النفسي، مفسرا الانحدار الذي شهده الأخير بسبب إمبريالية الدليل التشخيصي والإحصائي ~~للمرض العقلي والعلاجات المعرفية السلوكية (التي تمثل بالنسبة لمعارضيها آلات تنتج كائنات ~~تتأقلم مع «مقتضيات الإمبراطورية»: مرونة وتنافسية، إلخ). ومثله مثل الكثيرين من زملائه، أصبح ~~جي داركور من دعاة «العلاجات المركبة»، وهو الأمر الذي أصبح - بعيدا عن نزاعات المدارس ~~المختلفة - الطريقة المتبعة بالفعل. وعلى نفس التساؤل (أيمكن للتحليل النفسي أن يكون نافعا ~~للطب النفسي؟) يجيب بيير هنري كاستل: ~~«بلغ التراجع التدريجي للتحليل النفسي في مجال الطب النفسي أقصى مداه تقريبا في هذه ~~الأعوام العشرين الأخيرة. وتقترح بعض المؤشرات أن الكفة تميل برفق إلى الجانب الآخر، في الوقت ~~الذي نستشعر فيه لدى الجمهور دعوات فردية لتولي مسئولية العلاج، وإن كانت ليست «موضوعية» في ~~كل الأحوال، حيث أظهرت فيه الفضائح الصحية المختلفة من جديد ضرورة وجود طب نفسي اجتماعي (مكان ~~طبيعي للتفاعلات النفس-حركية القوية)، وأن البدائل العلاجية المعارضة للطب النفسي السلوكية ~~والدوائية تمثل ببساطة «خطوة ما تبقى لعلاج ما لا يتحكم فيه الإنسان». في الوقت ذاته، أعتقد ~~أنه لبعض الأسباب، يمكننا أن نراهن أن الميزان لن يعود إلى حالته ms588 خلال الثمانينيات. فالقطيعة ~~- على حد ما أفترض - ستظل نهائية بين الوضع الفكري للتحليل النفسي (مما يجذب علماء النفس) ~~والطابع العلمي العصبي البيولوجي الذي سيصبح هو السائد (محددا سيرة الطبيب النفسي ~~المهنية).» # 43 # وعلى نحو أكثر عملية، يدافع سيمون دانيال كيبمان - رئيس قسم «التحليل النفسي في الطب ~~النفسي» بالجمعية العالمية للطب النفسي - عن وجود تدريب على التحليل النفسي داخل منهج الأطباء ~~النفسيين المهني. # 44 # كل هذا الفوران كان ناتجا بنسبة كبيرة عن تعديل مشروع قانون حول سياسة الصحة العامة ~~لنائب حزب «الاتحاد من أجل حركة شعبية» برنارد أكواييه. ولكن ماذا يفهم عن القانون من ~~ديباجته؟ «يعد الفرنسيون على مستوى العالم أكثر المستهلكين للأدوية النفسية، وشيئا فشيئا ~~يزداد عدد الشباب الذين يصابون بأمراض نفسية خطيرة في الغالب. وعادة ما يعهد برعاية هذه ~~الأمراض النفسية إلى العلاجات النفسية. إلا أنه في هذا المجال، كان هناك فراغ قضائي كامل حول ~~هذا الموضوع في فرنسا. فهناك أشخاص غير مؤهلين بالقدر الكافي، بل غير مؤهلين تماما يدعون ~~كونهم «معالجين نفسيين». ويمكن أن يتسببوا في أخطار جسيمة للمرضى الذين هم بالطبيعة ضعاف وقد ~~تتفاقم أزمتهم وحالتهم بسرعة [...] ومن ثم كان من الضروري أن يكون المريض على دراية تامة ~~بمهارات وجدية القائمين على علاجه. ويجب أيضا اعتبار العلاجات النفسية علاجا حقيقيا. ~~وفي هذا الصدد، يجب أن تكون وصفات الأدوية واستخدامها مهمة المتخصصين الذين يحملون شهادة ~~جامعية وشهادة تدريب مهني مؤسسي تضمن الكفاءة النظرية، ويمكن زيادتها بالخبرة العملية.» أيوجد ~~ما هو أفضل من ذلك؟ ألم يكن الأمر عبارة عن مقاومة النصابين والمشعوذين؟ إلا أن المحللين ~~النفسيين (حوالي خمسة آلاف في فرنسا، موزعين فيما يزيد عن عشرين جمعية؛ أي المعدل الأعلى في ~~العالم) شعروا بأنهم هم المستهدفون، واستشاطوا غضبا، واتهموا الدولة بالرغبة في «تصفية ~~العلاج النفسي المؤسسي والتحليل النفسي.» # 45 # وبمناسبة إحدى القفزات العديدة لفكرة «التعديل الدنيء» (عام 2008، طرح مجلس ~~الدولة تلك القضية المحرجة)، اقتحم جاك آلان ميلر المعركة بموهبته في الجدل. تسعى الدولة إلى ~~الاستعاضة عن طبيب العائلات: «الذي ms589 يسمعكم» و«أمامه تستطيعون أن تكشفوا ذواتكم بكل حرية» ب ~~«الطبيب التقني». «والحقيقة أن هذا الطبيب ليس طبيبا: إنما هو عامل للسيطرة الاجتماعية ~~الكاملة، ويخضع هو ذاته لرقابة دائمة. أنا أعلم: يبدو وكأننا أمام مشهد خيال علمي، فحتى ~~ستالين نفسه لم يجرؤ على فعل هذا الأمر. وبسيطرة تفوق أمن الدولة في ألمانيا الشرقية، يتم وضع ~~ميكروفونات، ويأتي تقني ليراقب عمل أدمغتكم.» # 46 # نحن أمام تفسير جميل، ولكن بعيد عن القضية المطروحة في التعديل. # نتحدث اليوم عن «حرب الأطباء النفسيين» ... فالمحللون النفسيون يشنون حربا على المعالجين ~~بالطرق البيولوجية والمعرفية ويتهمونهم بالرغبة في أن «يحلوا محلهم». أما الأطباء النفسيون، ~~الذين تلاشت أخيرا الضغينة التي يحملونها للمحللين، فيتصارعون بالأحرى مع علماء النفس ~~الإكلينيكيين على أرض الواقع في المستشفيات. فطريقة معالجة كل منهم للمريض مختلفة تماما، ~~دائما في إطار ثنائية الطبيب/غير الطبيب. في الفريق العلاجي (على الأقل لا يزال موجودا)، ~~يحتفظ الطبيب النفسي بالمسئولية والسلطة، بينما يتعين على علماء النفس إقامة روابط وعلاقة ~~شخصية مع المريض (الذاتية المتبادلة)، وفجأة أصبح الأطباء النفسيون - الذين اقتصر دورهم على ~~التشخيص - يحسدون علماء النفس على الحرية والوقت الذي يقضونه خلال العلاج الإكلينيكي. «في ~~الواقع، دفع انخفاض عدد العاملين في الطب وزيادة الطلب وثقل عبء الإدارة هؤلاء المختصين ~~(الأطباء النفسيين) إلى التخلي عن كونهم معالجين نفسيين، والتحول إلى خبراء يقوم عملهم على ~~توزيع المهام. وسرعان ما أبعدهم دورهم الأساسي ، الذي هو إعادة توزيع العمل بين المتدربين ~~وإدارة تنوع المواقع والأوضاع المهنية، عن مكانهم القديم «كممارسين عموميين نفسيين»؛ حيث ~~كانوا هم من ساهموا في اختراع الطب النفسي وتحويله بفضل نظام القطاع.» # 47 # وعلى جبهة المستشفيات، كان على الأطباء النفسيين أن يتخلوا أكثر فأكثر عن المرتبة ~~الأولى لصالح علماء النفس، بل وحتى الممرضين. باختصار، فإن من يرغب على الرغم من كل هذا في ~~استكمال عمله الإكلينيكي (أي أن يصبح طبيبا) يتم إغراؤه بترك الخدمة العامة. # 48 # في الولايات المتحدة، بلغ عدد علماء النفس الإكلينيكيين 20000 عام 1980 في مقابل ~~26000 طبيب نفسي، ms590 وعلى مدار الأعوام استمر استقلال الأوائل. وفي هذه الدولة أولا رأينا ~~طاقما صحيا من غير الأطباء يحل محل الأطباء النفسيين. فشخصية الآنسة راتشد - كبيرة ~~الممرضات في «طار فوق عش المجانين» - هي التي تدير جلسات علاج جماعي ليست فقط على ~~الشاشة. # كان جورج لانتري لورا (1930-2004) - الذي ذكرناه قبلا عدة مرات، وهو الطبيب النفسي، ~~وأيضا الفيلسوف ومؤرخ الطب النفسي - قد ذكر أن الطب النفسي لا يمكن اختزاله بالكامل في الطب، ~~متسائلا هو الآخر عما إذا كان يجب الاستسلام لفكرة اختفاء الطب النفسي لصالح المعالجين ~~البيولوجيين وعلماء النفس، «التقنيين القادمين للاوعي والمعرفة والسلوك». # 49 # وهو تساؤل شهير أجاب عليه بالنفي. فلا يوجد إخضاع ولا تفوق فيما بين «المناهج ~~النظرية أو التطبيقية، بل طرق أسهل لفهمها.» ويضيف أن الطب النفسي «أصبح أكثر استعدادا من ذي ~~قبل.» ولكنه ينعى الخطر المتناقض الذي يمثله تراجع الطب النفسي إلى المرتبة الثانية: «ففي ~~مواجهة مريض واحد، نعرف ما يجب فعله بطريقة أفضل يوما بعد يوم، ولكننا قد نتعرض لخطر عدم ~~امتلاكنا للطرق الملموسة.» # حرب الأطباء النفسيين ... حرب ضد الأطباء النفسيين ... أصبح الطب النفسي في أزمة تفوق أزمته ~~خلال العقدين اللذين شهدا حركة مناهضة الطب النفسي. ولكن يجب ألا يكون الصراع داخليا. ~~وتوالت اللقاءات عامة (مثلا في مونبلييه عام 2003) والمنتديات على شبكة الإنترنت. وينصح توبي ~~ناثان - أستاذ علم النفس الإكلينيكي والباثولوجي، وأيضا الطبيب النفسي الأنثروبولوجي - مثله ~~مثل الكثيرين بأنه من الممكن العمل معا: «فلنترك الكاريكاتير! فلا يوجد بين الأطباء النفسيين ~~«مروضو وحوش» ولا مشعوذون. ومن ثم فلا يوجد صراع بين «التحليل النفسي الإنساني» على اليسار ~~وبين التفكير العلمي على الطريقة الأمريكية الذي يهدد الحضارة الأوروبية على اليمين! فالمجال ~~في حالة فوران وأزمة، بل وطفرة: فالعلاج النفسي [...] وتعدد طرقه ليس شرا بل فرصة! ففي وسط ~~هذا الزخم بالتحديد يمكن الاستفادة من خبرات المرضى الذين يشاهدون ويختبرون ويتناقشون ~~وينتقدون.» # 50 # وسنلاحظ أن «خبرة المرضى» تعود لتتقدم المشهد من جديد. وسنلحظ أيضا أن ثنائية ~~اليسار/اليمين تطرح هنا حرفيا (بينما كانت عادة ms591 ضمنية). ومن المؤكد أن «هذه الشبكة من ~~التحليلات» - التي أصبحت هاجسا في فرنسا - كانت كافية لتقسيم الآراء. # وكانت هناك المؤلفات التي تحذر من أن الطب النفسي أصبح الحلقة الأضعف في سلسلة الصحة التي ~~تتدهور: # 51 ~~«اتسمت بداية هذه الألفية بأزمة كبرى لنظامنا الصحي. فالحال التي قادته إليه ~~النظام الاقتصادي الحر قد أفقدته رؤية ضرورة المشاركة في دعم الجانب الإنساني.» # 52 # وماذا عن «الأطباء النفسيين الأساسيين» في كل هذا؟ «إن معظم ~~الممارسين - الذين أحبطوا بسبب الخطاب النظري الذي ~~يزداد تعقيدا بعيدا عن متطلبات الممارسة اليومية - قد تحولوا عنه ليكونوا معرفة خاصة ~~بهم، مكونة من مقاطع نظرية مأخوذة عن نماذج مختلفة وغالبا متعارضة، في محاولة لملاءمة ~~المعارف المكتسبة مع الحاجات التي يواجهونها مع مرضاهم.» # 53 # ويظل المنهج التجريبي والمنهج الاختياري هما الوصفات الدائمة ... # الطب النفسي في كل مكان # القول بموت الطب النفسي - أو على أقل تقدير بانهياره - بسبب وجود انتقادات توجه إليه، ~~أو منافسته من قبل طرق علاجية أخرى؛ يرجع إلى رؤية الأمور من زاوية ضيقة. ويمكننا أيضا أن ~~نتوقف عند نقد القطاع الذي لم يف بعهوده، في محاولة لمواجهة الطلب المتزايد على الرعاية ~~بتوفير عدد أكبر من الأسرة التي تقل باستمرار، وأيضا مراكز جديدة غير متوافرة للطب النفسي ~~العام. وعلى الرغم من كل هذا، كانت فرنسا تضم 12500 طبيب نفسي (5500 يعملون أحرارا، و4000 في ~~المستشفيات العامة، و4500 في القطاع و750 منهم في المستشفيات الخاصة - مع الأخذ في الاعتبار ~~الخدمات المختلطة). ويعني هذا - بالمقارنة بعدد السكان - أنها أكبر نسبة في العالم (صحيح أن ~~وضع رقم مغلق لفترة التخصص في الطب سيشهد انخفاضا إلى 7500 عام 2020). أما عن الجمعية ~~العالمية للطب النفسي ومقرها منذ عام 1996 في نيويورك - وهو أمر ذو مغزى، فهي لا تضم أقل من ~~180000 عضو. وإذا أضفنا إلى هذا الرقم عدد الأطباء النفسيين غير المتخصصين في الطب - وهو أكبر ~~بكثير - لا يصبح الطب النفسي أو علاج الاضطرابات النفسية بشكل عام في طريقه للاختفاء، بل ~~للازدياد. # أما عن طلب ms592 الرعاية فأهميته لا تقل عن تنوعه. في فرنسا، لم يتوقف الطلب عن التقدم: شهد ~~زيادة بنسبة 17٪ من الحالات التي تولى مسئوليتها أطباء نفسيون أحرار بين أعوام 1992 ~~و2000، في نفس الفترة شهد أيضا زيادة بنسبة 46٪ في القطاع العام. عام 1995، تولت القطاعات ~~متابعة حالة 920000 مريض بالغ و330000 طفل ومراهق (في عام 1999، زادت النسبة بمعدل 20٪). في ~~الطب العام، كان مريض من كل أربعة تظهر لديه أعراض الاضطراب العقلي. # 54 # ومن الآن فصاعدا، أصبح هناك طلب، دون أدنى حركة تطور في الطب النفسي. «فكل شيء ~~يتم كما لو كان مفهوم العصاب - الذي رفضه الدليل التشخيصي والإحصائي للأمراض العقلية - قد عاد ~~مرة ثانية من خلال الضغط العصبي والأمراض المسماة «ذات الشكل البدني» (وهي تختلف عن الأمراض ~~النفس-جسمية، التي هي أمراض عضوية بالفعل)» (هوشمان). # في بداية القرن الحادي والعشرين، يأتي المرض العقلي في المرتبة الثالثة على مستوى الأمراض ~~في العالم (المصدر: منظمة الصحة العالمية)، ولقد شهد تراجع الذهان لصالح اضطرابات القلق ~~والسلوك، ولا سيما الاكتئاب الذي أصبح المفهوم الشامل الجديد. ومنذ الستينيات، كان بيشة - ~~رأيناه قبلا - يتحدث عن «الدخول في عصر الاكتئاب». وهو بالفعل اليوم من أكثر أمراض ~~المجتمع # 55 # اجتياحا. وأيضا وفقا لمنظمة الصحة العالمية، فإن الاكتئاب سيصبح عام 2020 ~~السبب الأول للعجز في الدول المتقدمة بدلا من أمراض القلب والشرايين. # 56 # تغير مشهد الأمراض العقلية بالكامل، ولم يعد هناك حديث عن الطب النفسي، بل الصحة العقلية. ~~وانتقلنا من المرض العقلي إلى الاضطرابات العقلية، ومنها إلى «المعاناة النفسية» وإلى سوء ~~الحال، وأصبح هناك «ثقافة فعلية للألم الداخلي » # 57 # الذي تأصل اليوم في مجتمعاتنا. ويقول عالم النفس الأمريكي ألبرت إيليس - أحد رواد ~~العلاجات المعرفية السلوكية - إن النوبات الاكتئابية تأتي من الرؤية العظيمة التي لدينا عن ~~أنفسنا، وهي رؤية يهدمها الواقع بالطبع. # في فرنسا عام 1994، كان هناك أربعة عشر مليون وصفة طبية بمضادات الاكتئاب (دون باقي ~~الأدوية النفسية). عام 2007، تم بيع أكثر من مائة وتسعة ملايين علبة دواء نفسي - أي أكثر من ~~المضادات الحيوية - وتولى ms593 الضمان الاجتماعي تسديد نفقاتها. وتأتي فرنسا في المرتبة الثالثة ~~عالميا في استهلاك الأدوية، والأولى في أوروبا في استهلاك الأدوية النفسية. وتعد كل هذه ~~الأدوية من الجيل الجديد أكثر تكيفا وقبولا من سابقتها، ولم تستطع الاتهامات الحديثة بأنها ~~أدوية وهمية دون عناصر فعالة أن تقلل من ظاهرة استهلاكها. وكما تشهد الكثير من ~~المطبوعات، # 58 # فإن تعديل أكواييه لم يكن الوحيد الذي تأثر لهذا الرقم الذي لا نحسد عليه. ولقد ~~نشرت مجلة «علوم نفسية» (يباع منها 285000 نسخة) في أغسطس 2008 نداء من خمسة عشر طبيبا ~~ينددون فيه بمخاطر «المبالغة في علاج حالات عدم الارتياح»، ويذكرون «بوجود بدائل أخرى غير ~~دوائية.» ولقد تفاقمت المشكلة بسبب أن من يصفون الأدوية هم في الأساس ممارسون عموميون (من 60 ~~إلى 70٪، بل 75٪ وفقا للتحقيقات)، الذين لم يتلقوا أي تأهيل مبدئي في الطب النفسي الذي هو ~~تخصص منفصل. أليس من المفارقة أن يكون على غير الأطباء النفسيين أن يجيبوا عادة على هذا ~~السؤال: ما هو حد استخدام الأدوية النفسية بين العلاج والراحة، ولكن راحة من؟ ولقد أجرت صحفية ~~بمجلة «علوم نفسية» تحقيقا بين ثمانية ممارسين عموميين # 59 ~~(أربعة رجال وأربع سيدات تم اختيارهم بالمصادفة من الدليل)، وفي كل مرة قامت بوصف ~~وجود أعراض الضغط والقلق وصعوبة النوم والاستيقاظ، ولكن دون الإشارة إلى أي عرض محدد ~~للاكتئاب. ومنذ الزيارة الأولى، وصف لها سبعة من أصل ثمانية أدوية مضادة للاكتئاب أو مضادة ~~للقلق، وأحيانا النوعان معا. ولقد بدأ ممارس عام منهم - الذي لم يتجاوز متوسط مدة جلسته ~~سبع دقائق - العلاج بوصف مضاد للقلق، ثم أضاف إليه دواء آخر. وعندما سألته المريضة المزيفة ~~عن ماهية هذا الدواء، كانت الإجابة: «إنه لرفع حالتك المعنوية.» كان الدواء هو «ستابلون»، وهو ~~من مضادات الاكتئاب. ولم ترفض إلا طبيبة واحدة إعطاء مضادات الاكتئاب: «إذا كنت تريدين ~~دواء مضادا للاكتئاب فلن تنالي منه هنا!» ولكن لم تطلب الصحفية في أي لحظة علاجا معينا، ~~بل اكتفت بسرد أعراضها المحفوظة. ولكننا نخطئ إذا اعتقدنا أن جميع المرضى ms594 أبرياء. ويكفي ~~للتأكد الاطلاع على منتديات الأدوية على شبكة الإنترنت. في معظم الأحيان تكون الرسائل مفجعة، ~~فقد نرى لدى بعض المصابين بالهذيان: «صباح الخير، أنا أتعاطى الحشيش وبدأت أتناول دواء ~~ستابلون؛ لأني أعاني من حالة اكتئاب وفقدان للرغبة الجنسية تصاحبها مشاكل في الانتصاب [...] ~~والأمر على ما يرام، وأعتقد أنني سأتمكن سريعا من التوقف عن تناول ليفيترا (دواء لعلاج مشاكل ~~الانتصاب). أرغب في معرفة رأيكم الطبي حول الخلط بين دواء ستابلون مع الحشيش؛ لأنه يتسبب لي ~~في حالات سيئة وتسمم؛ نظرا لحالة الاكتئاب لدي. ولكن، أأستطيع الآن الاستفادة من المخدرات ~~التي تسعدني دون المخاطرة بإفساد العلاج؟ شكرا.» # إنه طلب فردي، بل وأيضا طلب مجتمعي ... ويتطور القطاع (70000 مواطن في مجال الطب النفسي) ~~من هيكل منطو (الطب النفسي الإجباري) إلى هيكل منفتح، يتعاون مع باقي الأجهزة الصحية والطبية ~~الاجتماعية. يجري الحديث الآن عن «التداخل بين القطاعات» («مخزن للوسائل والإمكانيات» فيما ~~يتعلق بإدمان الخمور مثلا أو الإدمان) أو أيضا عن العمل في شبكات. فأصبح للطبيب النفسي الآن ~~دور في مجال أمراض الشيخوخة وعلاج السرطان، بل وأيضا في حالات الطوارئ، وأيضا مع المعاقين ~~بالتحديد. في فرنسا، يوجد في المستشفيات العامة ما يقرب من ثلث القطاعات النفسية. # إلا أن المصحة النفسية المغلقة لم تختف على الرغم من كل هذا، بل إن عدد حالات «دخول ~~المصحة دون موافقة المريض» (الاحتجاز الإجباري سابقا) لا يتوقف عن الازدياد: بلغ 86٪ بين ~~أعوام 1992 و2001، عقب إصدار قانون السابع والعشرين من يونيو 1990 الذي كان من المفترض أن يحل ~~محل قانون 1838، بينما كانت الزيادة قبلا بين أعوام 1980 و1988 لم تكن «سوى» 34٪. # 60 # ولا تشير هذه المؤشرات المتوسطة إلى وجود تفاوت إقليمي كبير، فهناك بعض القطاعات ~~لا تتوافر لديها الإمكانات البديلة لإدخال المريض للمصحة. ويبدو أن «اللجوء المعتاد لإدخال ~~المريض المصحة دون موافقته أصبح هو الدليل على حدود حركة السعي لإخراج المرضى من المصحات.» ~~ويصطدم المصطلح الرنان والحديث، دائما، «إخراج المرضى من المصحات» # 61 ~~- والذي يطمح إلى «إعادة استقلالية المرضى ms595 وضمان حقوقهم وحرياتهم وتخفيض نفقات ~~الصحة» - بالعديد من حالات الدخول الثاني للمصحة، وأيضا بتنوع واختلاف «طرق العلاج النفسي»، ~~وكذلك بارتباطها بتقنين تولي الأطباء مسئولية رعاية المرضى بطريقة متقطعة ومتشتتة بين عدة ~~مؤسسات، ويصطدم أيضا بالحدود التي تختلف كلية باختلاف الوسط الاجتماعي والعائلي. # 62 # في الولايات المتحدة الأمريكية، نتحدث عن إعادة تكيف أو إعادة اندماج نفسي، والتي تترجم ~~للأسف - أو إذا أردنا بشكل ذي مغزى - بكلمة «إعادة التأهيل». # 63 # أنشئ في البداية مركز إعادة التأهيل النفسي بجامعة بوسطن بهدف إعادة تأقلم المرضى ~~الذين يعانون من اضطرابات نفسية كبرى؛ وذلك لتحسين «سيرهم وعملهم» عن طريق برامج لدعم الدراسة ~~والوظائف والسكن. # أصبح الطب النفسي من الآن في عصر «الصحة العقلية» - مفهوم ممتد وبدأ في الظهور منذ عقود ~~ما بعد الحرب العالمية الثانية - يتماشى مع آمال الطب النفسي الاجتماعي (بل وأيضا بعض ~~أوامره). وظهر مفهوم الصحة العقلية و«المواطنة» ... «وتسللت إجراءات ضمان الصحة العقلية داخل ~~إجراءات الاندماج المجتمعي.» # 64 # وأصبح من اللازم مواجهة «المعاناة النفسية» عن طريق فحوصات ورعايات غير ثابتة. ~~وفي الواقع، لم يعد الكثير من المهمشين في وضع يخولهم المطالبة بأي شيء؛ ومن ثم نشأ «الطب ~~النفسي الاندماجي»، الذي يقوم على بنية معينة، بل وأيضا «ترتيبات صغيرة»: # 65 # شبكات صحية قريبة، وفريق عمل متنقل، و«أماكن» وطرق علاج «ديل» (حالات الإدمان)، ~~وأيضا أماكن للاستماع والرعاية الصحية؛ وهي كلها عوامل تتدخل بصورة طارئة ولا تتوقف عن لعب ~~دور متنام في مجال الصحة العقلية. # 66 # ويتوسع مجال الطب النفسي بالتناسب: علاقة الأسرة/الطفل وأيضا العمل/البطالة، فنتحدث الآن ~~مثلا عن «متلازمة أعراض الإنهاك والقلق والاكتئاب الذي يصيب المدرس.» # 67 # وكذلك ظهر ما يعرف ب «شعائر العنف» أو «الهوية الممزقة» ... كما يصاحب أي كارثة ~~إنشاء وحدة للمساعدة الطبية النفسية. وتقول كارولين إلياشيف (محللة نفسية) ودانيال سوليز ~~(محام)، # 68 # إننا في الحقيقة أصبحنا في عصر يميل إلى «الإيذاء»، ولكن في ظل مجتمع يشجع ~~إعلاميا كل ما هو تعاطفي وانفعالي؛ مما يشكل خطرا على الضحايا أنفسهم؛ ربما لأن «الدعاية ~~التي تصاحب ms596 الأمر (الاهتمام الإعلامي والجمعي) لا تكون متوافقة مع عملية إعادة بناء خصوصيته ~~الداخلية.» # 69 # واليوم، اتخذ «علم الدراسات المتعلقة بالضحايا» - والذي نشأ بنوايا طيبة عقب ~~الحرب العالمية الثانية على يد المحامي الجنائي بنجامين مندلسون - من الضحايا أنفسهم رهائن، ~~وهم عاجزون حتى عن التعبير عن أحزانهم وهم محتجزون بهذه الطريقة. # كما يوجد ما يعرف ب «إدارة العائلة» - الذي يدفعنا إلى التفكير في برنامج الواقع ~~التليفزيوني «سوبر ناني (المربية الخارقة)» (وسرعان ما اتضح أن مصطلح «المربية» يحمل معنى ~~نفسيا عميقا، ولا سيما أن «الدولة المربية» تعني «الدولة الأبوية»). واتخذ الطلب - الخاص ~~أو المؤسسي - للطفل أو المراهق أهمية بالغة. وإلى الاضطرابات الخطيرة التي تؤثر على تطور ~~الطفل وسلوك المراهق (فقدان الشهية المرضي والإدمان والسلوك العنيف أو الانتحاري، إلخ)، يضاف ~~حالات السقم «التي قد تظهر بعنف أو بهدوء في صورة مشاكل جسدية أو مدرسية.» # 70 # وتتكون البنية التحتية العامة من قطاع محدد: قطاع الطب النفسي للأطفال والشباب ~~(يشمل حوالي 200 ألف مواطن). وتضم فرنسا ثلاثمائة وواحدا وعشرين منهم، ولكن بنسب غير ~~متساوية. وهنا أيضا شهد عدد أسرة المصحات انخفاضا جذريا أمام الهاجس المستمر للميزانية ~~والخوف المحتمل من فكرة «الاحتجاز»، معطيا فرصة لظهور بدائل للعلاج غير المستمر (97٪)، وعادة ~~بدوام جزئي. وفي عام 2000، تمت متابعة ما لا يقل عن 432 ألف طفل ومراهق، بزيادة تقدر بالضعف ~~عن عام 1986 (زيادة في عدد الصبية أقل من خمسة عشر عاما والعكس بعد ذلك). ويضاف إلى هذا ~~النظام العام، مؤسسات أخرى ملحقة، ولعل أكثرها أهمية هي المراكز الطبية النفسية التربوية، ~~والتي وصل عددها عام 1996 إلى ثلاثمائة وثمانية مراكز. كما نلاحظ أيضا التدخل المتزايد ~~لروابط الأهالي الذين أصبح لديهم دور، وإن كان لا يتفق في كثير من الأحيان مع فريق «الأطباء ~~النفسيين». # وعلى الرغم من كل هذا النظام (وهو بالتأكيد أكثر تعقيدا مما نقوله هنا) وهذه الخطط ~~العملية الدورية - التي ظلت دون تنفيذ (مثلا خطة الكشف المبكر عام 2001) - فقد أدت زيادة ~~الطلب على هذا العالم المغلق للصحة العقلية «عالم ms597 داخل عالم» إلى حافة الاختناق. وأصبح من ~~العادي أن تمتد مدة الانتظار للخضوع للكشف الأول إلى ستة أشهر. «نحن نساعد عددا من الشباب، ~~ولكن الكثير منهم لا يتمكن من بلوغ أنظمة الرعاية التي نوفرها»، # 71 # وفي انتظار تحقق ذلك، يعد «الهاتف الطبي» (المستوحى من «الهاتف الاجتماعي» ~~للكبار) طريقة للرعاية موجهة خصيصى للمراهقين. وأيضا، بدأ الطب النفسي عن بعد (لئلا ~~نخلطه بالطب النفسي التليفزيوني الذي يعدنا بوعود جميلة)، الذي هو امتداد للتطبيب عن بعد، ~~بوضع شبكات جديدة للمساعدة النفسية عن بعد. وبدأ الأطباء النفسيون يتحدثون عن الأدوات وآخرون ~~عن التطور الحتمي (والأقل تكلفة للجميع). # وبعيدا عن الابتهاج بقدوم هذا الطب النفسي الجديد، أعرب الأطباء النفسيون بكل الطرق عن ~~قلقهم إزاءه. فكان هنري إي قد ندد بالفعل بالاتجاه - التابع للطب النفسي الاجتماعي بعد الحرب ~~- إلى «معالجة كافة التغيرات الطبيعية للسلوك الإنساني نفسيا: الطفل الذي يبكي بصوت عال، ~~أو الطالب الذي يرسب في امتحان البكالوريا، أو الطاغية الذي يأمر بمذبحة [...] هذه هي بالفعل ~~صورة الطب النفسي الاجتماعي الصرف، الذي - نظرا لغياب أي تعريف لبنية الحدث النفسي ~~الباثولوجي بعلاقته السببية الحقيقية - يخلط بينه بالضرورة وبين كافة آثاره ~~الممكنة.» # 72 # ووفقا لإي، كان الأمر يتعلق بحكم الطب النفسي على ذاته بألا يضع تحديدا للشكل ~~النفسي الباثولوجي للمريض، و«بألا يفسره أبدا، بل ولا يفهمه إلا بمعناه المضاد.» # وبعد عشرين عاما، أثار هذا النفي للطب النفسي بسبب الامتداد غير المحدد لهدفه قلق ~~لانتري لورا: «تميل ممارسة الطب النفسي إلى التدخل في مجالات قريبة، وإن بدت لنا ملاءمتها ~~محطا للنقاش؛ لأنه باسم أي معرفة مزعومة يمكننا أن نعطي رأيا تقنيا حقيقيا يتعلق ~~بالقدرة على التبني أو المشورة الزوجية أو مخاطر الانتكاس؟» # 73 # ويخشى لانتري لورا من التوسع المبالغ فيه للممارسة - المشروعة - للطب النفسي، ~~«ليس فقط في مهام جديدة لم يتم التأكد فيها من قدرات الطبيب النفسية بصورة قطعية، بل أيضا في ~~مجالات تقليدية، ولكن بأهداف جديدة مثل الخبرة الجنائية.» # وتعد هذه المشكلة الأخيرة من المشاكل الجسيمة، فخبرة الطب ms598 النفسي لم تتوقف عن ملازمة ~~الجنون؛ سواء لإصدار حكم بالمنع ضد المريض عقليا بسبب عجزه المدني (مأخوذ عن القانون ~~الروماني)، أو لتقييم مسئوليته عن عمل إجرامي. وتنص المادة رقم 64 من القانون الجنائي لسنة ~~1810 على الآتي: «لا توجد أي جريمة أو جنحة إذا كان المتهم في حالة من الجنون أثناء ارتكابه ~~للفعل، أو إذا كان مقيدا بقوة لا يمكنه مقاومتها.» وعلى مدار قرنين، انقسم الأطباء النفسيون ~~حول قدراتهم على تعريف وتقدير ما هي «المسئولية». ويقول جيلبير باليه: «نحن لسنا مؤهلين للحسم ~~في قضية المسئولية التي هي قضية ميتافيزيقية وليست طبية.» # 74 # إلا أن هذا لم يمنع مجال ممارسة الطب النفسي عن التوسع ليشمل المجال الجنائي ~~أيضا (إطلاق السراح المشروط لأحد السجناء مثلا)، بل وأيضا المجال المدني (مثل البحث حول ~~العواقب النفسية للإصابات الجسدية). # واليوم، أصبح هناك مجال واسع يسمى الطب النفسي الشرعي. وفيما يتعلق بمجال الاستعانة بالطب ~~النفسي، فقد تنوعت أشكالها؛ فقد يضاف إلى طلب القاضي أو المحامي تقرير نفسي إلى جانب ~~التقرير الطبي النفسي (على الرغم من أن القانون ينص على الثاني فقط). كما اتسعت المجالات ~~المعنية: أنواع الوصاية المختلفة وحقوق الضحايا و«التشريح النفسي» عقب حالة انتحار (12 ألف ~~حالة سنويا في فرنسا، وعلى الأرجح عشرة أضعاف هذا العدد من المحاولات) والأوامر العلاجية ~~(الإجبار على الخضوع للعناية الطبية) تحت متابعة الإدارة العامة للشئون الصحية والاجتماعية في ~~حالات الإدمان وإساءة المعاملة، بما في ذلك الإصابة «بمتلازمة أعراض مانشهاوزن» (وفيها يحضر ~~الآباء أبناءهم للخضوع للفحص النفسي لإصابتهم بأعراض تسبب فيها الأبوان ذاتهما)، إلخ. # ومن الناحية القانونية، لا تعد المادة 64 من القانون الجنائي هي الأساس في مجال الطب ~~النفسي. فالمادة 122 الجديدة تنص في فقرتها الأولى على بند المسئولية الجنائية، ولكن تنص في ~~فقرتها الثانية على أن: «الشخص الذي كان مصابا وقت الواقعة باضطراب نفسي أو عصبي نفسي أحدث ~~خللا في قدرته على التمييز أو أعاق سيطرته على أفعاله؛ يظل خاضعا للعقاب. إلا أن القضاء ~~يأخذ في الاعتبار هذه الظروف ms599 أثناء تحديد العقوبة وتنظيم طريقة تطبيقها عليه.» ولكن أي نظام؟ ~~على مستوى المؤسسة، يتم احتجاز مرضى الاعتلال العقلي الخطرين في «وحدات خاصة بالمرضى ذوي ~~الحالات الصعبة»، ويبلغ عددها خمسا في فرنسا. وتم إنشاء قطاعات خاصة داخل المؤسسات العقابية ~~البالغ عددها مائة وسبعا وثمانين داخل فرنسا؛ حيث تزداد المشكلات الطبية النفسية: مثل قطاعات ~~الطب النفسي في الأوساط العقابية. وتتساءل الطبيبة بيتي براهمي كبيرة الأطباء بقطاع الطب ~~النفسي للمؤسسات العقابية بسجن فلوري ميروجي، ونائبة رئيس جمعية القطاعات النفسية بالمؤسسات ~~العقابية: «لماذا يوجد هذا العدد من المرضى عقليا داخل السجون الفرنسية؟» عام 1997، كانت ~~نسبة «المرضى النفسيين» في السجن تصل إلى 30٪ من السجينات و20٪ من السجناء. بينما تشير أرقام ~~أخرى إلى وجود 45٪ من حالات الاكتئاب الحاد. ولقد قدمت تفسيرات عديدة لهذا الأمر على يد هذه ~~الطبيبة الممارسة: لا تميز العدالة - ولا سيما في حالة المثول الفوري - إلا نادرا المتهمين ~~المصابين باضطرابات عقلية. أما الخبراء، فهم ليسوا على دراية ببيئة السجن، ويقللون تدريجيا ~~من الإعفاء من المسئولية الجنائية، تاركين بالتالي مرضى اعتلال عقلي حقيقيين يذهبون للسجن؛ ~~أحيانا بحجة «استعادة مكانهم أمام القانون»، وأحيانا أخرى لئلا يفرضوا على زملائهم العمل مع ~~«هذا النوع الصعب من المرضى.» وإلى كل هذا، يضاف لوم الرأي العام لكل حادثة مأسوية تشكك في ~~عدم مسئولية الفاعل جنائيا. ووفقا للأطباء النفسيين، فلا يوجد مجال لاستمرار حجز شخص داخل ~~المصحة النفسية (حتى وإن كان غير مسئول جنائيا) دون سبب لبقائه في المصحة. نعم، قد تحدث ~~انتكاسة بعد الخروج، ولا سيما إذا توقف المريض عن العلاج. ولكن، كما يشير الخبير الطبي النفسي ~~دانيال زاجوري: «فإن الانتكاسة الخطيرة هي استثناء الاستثناء. فكل مرة، تكون المشكلة أن هذا ~~الأمر يفجر داخل الإعلام والسياسات خطابا يتمحور حول الجانب الانفعالي فقط.» # 75 # وتضيف الطبيبة براهمي أن عدم معرفة محاكم النقض بهذه الحالات النفسية قد يؤثر ~~سلبا على متهم مريض بالفصام، والذي تترك طباعه «السلبية» انطباعا سيئا لدى القاضي ~~والمحلفين. # ويعد تأثير ظروف الاعتقال على المحتجزين معروفا، ولن نزيد ms600 عليه. فهذه الظروف تفسر ~~«الإصابات النفسية مثل نوبات الهذيان الحاد التي تصيب أشخاصا لم يتم اعتبارهم مرضى اعتلال ~~عقلي خارج السجن.» ولا تبدي الطبيبة براهمي أي تهاون أمام الطب النفسي العام الذي يبرر - ~~على حد قولها - «جزءا من زيادة عدد مرضى الاعتلال العقلي المعتقلين.» فهناك دائما نقص في ~~الوسائل، ومقاومة من الإدارة، وقلة في عدد الأسرة وعدد المراكز، وقلة المتابعة بعد العقوبة ~~... ولقد نص قانون التوجيه والبرمجة للعدالة (قانون آخر جديد) بتاريخ التاسع من سبتمبر 2002 على ~~إنشاء وحدات علاجية مهيأة خصيصى ومزودة بفريق عمل من الأطباء النفسيين، ولكن في حماية ~~فريق عمل من المؤسسة العقابية. لم يلق هذا الحل البراجماتي إجماعا، إلا أن مجتمعنا من باب ~~الحيطة (ليس فقط أخذ ما هو محتمل في الاعتبار، بل محاولة القضاء على أي احتمالية) # 76 # جعله متضمنا للخطر النفسي منطقيا. ~~«وكتب بوريس سيرولنيك # 77 ~~- دون أن ندري بالضبط من أين له هذه الإحصاءات المماثلة - أن شخصا من كل اثنين ~~في نهاية حياته يكون قد تعرض لحدث يمكن وصفه بالصدمة النفسية، أو خضع لعنف ما جعله يقارب ~~الموت. وأن هناك شخصا من كل أربعة أشخاص قد يتعرض لعدة نوبات من الهذيان. وأن هناك شخصا من ~~كل عشرة أشخاص لن يتمكن من التخلص من آثار هذه الصدمة النفسية.» وهذا بالطبع عدد كبير، إلا أن ~~الطب النفسي موجود في كل مكان، حتى وإن ألمحت عالمة الاجتماع ديلفين مورو «أنه بدأ يتراجع على ~~ساحة التصور العام، ليغوص في أشكال غير مرئية.» # 78 # | الخاتمة # ليس بالإمكان اختتام هذه الدراسة؛ لأن تاريخ الجنون لم ينته، وعلى الأرجح لن ينتهي إلا ~~بانتهاء تاريخ الإنسانية نفسها. هذا ما نأمله على الأقل. تتبادر إلى ذهننا تلك العبارة الجميلة ~~التي صاغها جيرارد بايل، رئيس جمعية التحليل النفسي في باريس: «الحياة مرض يشهد نموا ~~متزايدا.» # على أي حال، فلنراهن على أن الجنون سيصبح من الصعب للغاية القضاء عليه - إلا إذا ثبتت ~~بالقطع صحة النظرية القائلة بأن منشأه عضوي بحت - تماما كالقتلة العظام المتجسدين ms601 في أمراض ~~القلب والأوعية الدموية والأورام السرطانية. كان إسكيرول يتهكم في بعض الأحيان قائلا: «اشرحوا ~~لي كيف يفكر الإنسان تفكيرا عقلانيا، وسأقول لكم كيف لا يفعل ذلك!» وعلى الرغم من جميع ~~الآثار المترتبة على الإعلان عن الإنجازات التي تم تحقيقها في مجال التعرف على المخ وعلاقاته ~~بالفكر (فسيولوجيا المعرفة)، فهل صرنا نعرف كيف يعقل الإنسان أكثر بكثير مما كانت عليه الحال في ~~زمن إسكيرول؟ # إن هذا الجنون الشبيه بالضفدع المبرقش ذي الأشكال الجذابة المراوغة التي يصعب الإمساك بها، ~~لم يكف عن إدهاش العالم على امتداد القرون. كيف سيبدو الجنون بعد مائة عام؟ أو بعد خمسة قرون؟ ~~هذا هو ما سيكون من الشائق معرفته! في الخامس من أبريل 1877، كتبت صحيفة التايمز، مبدية مخاوفها ~~إزاء تزايد عدد الاعتقالات، ما يلي: «إذا استمر الاستلاب العقلي في النمو على هذا النحو، فسرعان ~~ما سيصبح المجانين هم الأغلبية، وعندئذ لن يكون أمامهم، بعد أن يقوموا بتحرير أنفسهم، إلا ~~احتجاز ذوي العقل السليم.» ومع تقلص جدران المصحة، بات سيناريو جديرا بالعالم الشمولي ~~الأورويلي، وهو بالطبع أقل عبثية؛ حيث ستضع الصحة العقلية - ذلك القادم المدعو كنوك - الجميع ~~في فراش المرض، ونقصد بذلك إخضاعهم لمؤثرات نفسية من خلال تناول بعض العقاقير أو على الأقل ~~وضعهم تحت مراقبة نفسية. ألم نتحدث بالفعل، وبجدية هذه المرة، عن «صحيفة الحالة النفسية»؟ ~~«فالمجنون يجد دائما شخصا أشد جنونا منه يفقده صوابه ويثير جنونه»، على حد قول أندريه ~~بلافييه. في خريف 2008، قدم فيليب كولين برنامجا جديدا على قناة فرانس إنتر الإذاعية: «هلع في ~~الوزارة النفسية»، كان برنامجا فكاهيا، ولكن إذا تأملنا قليلا في العنوان، فسنجد أن ~~«الوزارة النفسية» يبدو كتعبير له رنة مستقبلية. # يطيب لنا التحدث عن «الدروس المستفادة من التاريخ» (يرى سيوران أن التاريخ يعطينا «أعظم درس ~~يمكن تخيله في السخرية.» علاوة على ذلك، بالنسبة له التاريخ لا معنى له، وإنما هو مجرد مجرى ~~للأحداث). ومع ذلك، إذا أردنا الاعتراف بأن تاريخ الجنون يمثل تاريخ أخطائه المتعاقبة، فيمكننا ~~على الأقل أن نستخلص ms602 من ذلك درسا عظيما في الحذر. وهنا نتذكر شارل ديسلون، حين كان يتحدث عن ~~المغناطيسية الحيوانية، و«طب الخيال». بخلاف الأمراض الأخرى، التي تقتادنا فيها معرفة المرض ~~وبالتالي الاستجابة العلاجية، حتما ولكن بصعوبة أحيانا، من الظلام إلى النور؛ أقل ما يمكن أن ~~يقال عن الجنون، هو أنه لا يسير وفق نظام خطي؛ ولذا فهو جنون. تداخلت العديد من الثقافات مع ~~الجنون، ومن ثم ينبغي قياس يقينيات اليوم في ضوء يقينيات الأمس - ولا سيما أنها قد تكون هي ~~نفسها في بعض الأحيان! # ها قد استعرضنا الماضي، وهو ماض سحيق بالفعل، بما أننا رأينا أن الجنون تمت معالجته ~~ودراسته (بالترتيب ذاته) منذ بدايات العصور القديمة، وإنه ليكون خطأ معرفيا (إبستمولوجيا) ~~فادحا أن نقلد تاريخ الجنون وتاريخ الطب النفسي. ولكن، ماذا عن اليوم؟ لقد رأينا اليوم أنه يتم ~~الجمع، على نحو مثير للمفارقة، بين الطلب الذي لا يكف عن التزايد فيما يتعلق بصحة العقل ~~والالتباس الكبير في المقاربات. ولم تعد ممارسة الطب النفسي تحتذي بأي نموذج. بالطبع، لم يحل ~~هذا دون تطور التقنيات الحديثة في الرعاية، بل على العكس تماما. وبطريقة ما، يظل الطب النفسي ~~في عصرنا الحاضر علما تجريبيا، حتى لا نقول إنه ما زال يتحسس خطواته ويتلمس طريقه. وأخيرا، ~~علينا أن نتذكر ذلك التأمل الرائع لسينيكا: «ليس معنى أن الطب لا يشفي كل شيء، أنه لا يشفي أي ~~شيء.» # ينبغي أن نتساءل عما إذا كانت إشكالية الجنون قد أصبحت تدور من الآن فصاعدا حول معرفة أين ~~هو بالضبط مكان الإنسان داخل هذا السياق - أو على ~~الأقل التساؤل بهذا الشأن. في عام 1988، نشر صديقنا المأسوف عليه إدوارد زاريفيان (1941-2007) ~~كتابا بعنوان «بستانيو الجنون». # 1 # ولقد حقق هذا المؤلف عن جدارة نجاحا باهرا لدى الجمهور العريض؛ لأنه يخاطب ~~بنزعة إنسانية ومنطق سليم جميع أولئك الذين هم ليسوا ممارسين ولا اختصاصيين في مجال العلوم ~~الإنسانية، والذين كانوا وما زالوا يطرحون تلك الأسئلة البسيطة: ما تعريف الجنون اليوم؟ وأي ~~رؤية لدينا عنه؟ من مجنون ومن ليس ms603 كذلك؟ ولقد عمل إدوارد زاريفيان جاهدا على التنديد ~~بالأيديولوجيات المختلفة للجنون، التي تحتل كل واحدة منها «مكانة إمبريالية حصرية». لقد كنا إذن ~~في عام 1988، ومنذ ذلك الحين، فقد كل تيار الكثير من روعته، بدءا ب «أيديولوجية التحليل ~~النفسي الشمولية». «كان يتعين على الطبيب النفسي الشاب اختيار معسكر ما»، و«كان الضحايا ~~الحقيقيون هم دوما المرضى وعائلاتهم - التي كان يتم إساءة معاملتها، وإشعارها بالذنب.» أما عن ~~«الاكتشافات المميزة في مجال البيولوجيا العصبية، فلقد استغلت دائما بطريقة غير ~~شريفة فكريا [...] وطرحت الفرضيات بصفتها حقائق، والتكهنات بصفتها يقينيات.» وظل غالبية ~~الأطباء النفسيين «مفتتنين، كما هي الحال دائما؛ لأنهم لا يفهمون». بيد أن إدوارد زاريفيان ~~- الذي كان طبيبا نفسيا بالمصحة النفسية وأستاذا جامعيا (وكلف بالعديد من المهام ~~الوزارية، ولا سيما فيما يتعلق بتناول الأدوية التي تؤثر على الحالة النفسية) - كان من «مؤيدي ~~أفكار المؤسسة التي يعمل بها.» بل لقد اتهمه البعض بأنه ينادي ب «نزعة جديدة لمناهضة الطب ~~العقلي». ومع ذلك، لم يدافع، متقدما بذلك على زملائه بفارق عشرين عاما، إلا عن «توحيد خدمات ~~الرعاية»، زاعما أنه بحث في مختلف المناهج دون أن يعطي الأفضلية لأيها. ولكن «رفض تفضيل نموذج ~~تفسيري، معناه أيضا التخلي عن فكرة امتلاك الحقيقة.» # يختتم إدوارد زاريفيان قائلا: «الجنون، تلك النبتة الغريبة التي تنمو في أي مجتمع إنساني، ~~يزرعها عدد لا يحصى من البستانيين. من هم؟ إنهم أنتم، وأنا. إنهم جميع أولئك، العائلات، ~~والأطباء النفسيين، والمعالجين الذين يساهمون، كرها، في إدامة الجنون. إن المجتمع بأكمله، من ~~فرط الخوف، والظلامية أو الادعاءات العلمية، والأنانية، والمحافظة بنزعتها التقليدية، والتعصب؛ ~~قد سد، شيئا فشيئا وبلا هوادة، أي فتحة مطلة على العالم الخارجي، وأغلق الطريق أمام أي ~~احتمالية لانعكاس الأمور أو انقلاب الآية، وحكم بذلك على الجنون بتكرار ذاته، إلى ما لا نهاية، ~~باعتباره ضحية لاسمه [...] إن الجنون في جوهره هو جدلية للإقصاء، ولكن في هذه اللعبة، المريض هو ~~الذي يخسر دائما.» في مؤلف آخر، يقول زاريفيان إن الطب النفسي لا ينبغي أن ينظر إليه ms604 ~~باعتباره العلم المختص بالأمراض العقلية، وإنما هو الطب الذي يعنى بالشخص المتألم. # 2 # هل يعني ذلك أنه في بداية هذا القرن الحادي والعشرين، يثير الجنون القدر نفسه من الخوف، أو ~~على الأقل من سوء الفهم الذي كان يثيره في عصر الطب العقلي؟ بالطبع لا، بالإضافة إلى أن الكلمة ~~نفسها، التي ظلت محظورة لوقت طويل، لم تعد محرمة، بل وأصبحت من جديد قيد الاستخدام؛ إذ ~~تبددت، وتغلغلت في الحياة اليومية، وعادت إلى الحياة بشكل عام. لقد تم ترويض الجنون، أو إذا ~~أردنا القول، تكييفه، حتى في أشكاله الأكثر استعصاء. وفيما يتعلق بمستهلكي العقاقير التي تؤثر ~~على الحالة النفسية، فسوف يتفاجئون بالطبع حين نقول لهم إنهم يندرجون أيضا تحت مظلة الجنون. ~~ولم يعد الجنون، فيما عدا بعض الاستثناءات، هو ذلك الجنون الجبار الذي نعاينه عند جينيول ~~الكبير، بنوبات الهلاوس المرعبة التي تصيبه، والتي تبدو اليوم ذات طابع كاريكاتوري. لم يعد هناك ~~جدران تحيط بالمصحة، وتفصل بوضوح بين هؤلاء الموجودين في جانب، وأولئك الموجودين في الجانب ~~الآخر. نحن نعلم بالتأكيد قصة ذلك المجنون الذي يطل من نافذة حجرته بالمصحة ليسأل أحد ~~المارين: «أأنتم كثيرون هناك؟» هذه ليست مزحة: فنحن بالفعل كثيرون هنا. # | مصادر مخطوطة # الأرشيف الوطني (الأقسام الرئيسة) # DV Comité des Lettres de cachet. # AF1 Comité de Mendicité. # Dans F4, F13, F15, F16: dépôts de mendicité. # F15: versements des ministères XIX # e # S. ~~(Asiles d’aliénés - Rapports et correspondance-Départements) (une centaine de ~~cotes). # Dans F2, F20, F21, F22, F80 versements ministères ~~XIX # e # S. (d°). # X # 2b # 1335-1336. PV de visites à Charenton, ~~Saint-Lazare et aux prisons de l’Hôtel de Ville. # Dans AJ # 2 ~~: Maison nationale de Charenton (34 ~~cotes). # مكتبة فرنسا الوطنية (قسم المخطوطات) # Dans fonds Joly de Fleury (Hôpital général, Hôtel-Dieu, Saint-Lazare, ~~Charenton, etc. = 31 cotes). # Dans fonds Clairambault 985, 986 (Charenton, ~~Saint-Lazare). # Dans fonds français 16750, 18605, 18606, 21804, 22743, na21804, na22742 ~~(papiers Tenon). # محفوظات مؤسسة المساعدة العامة # Fonds de l’Hôpital général ~~(XVII # e ~~-XVIII # e # S.). ms605 # المكتبة التاريخية لمدينة باريس # Ms 18937. # أرشيف مركز المحافظة # AB 380, 381, 382 (lettres de cachet). # أرشيف المقاطعات # série C: pour les fonds de l’Intendance ~~(XVII # e ~~-XVIII # e # S.) (notamment ~~internements par lettres de cachet). # série M: santé publique XIX # e # S. # série X: administration hospitalière, assistance ~~XIX # e # S. # Fonds consultés: # Calvados, Orne, ~~Seine-Maritime, Aisne, Ille-et-Vilaine, Pas-de-Calais, Gironde, Hérault, Puy-de-Dôme, ~~Vaucluse, Pyrénées-Atlantiques. # أرشيف البلديات (العصور الوسطى والنظام القديم) # Fonds consultés: # Angers, Caen, Le ~~Havre, Rouen. # المحفوظات الخاصة # Essentiellement le riche fonds du Bon-Sauveur de Caen (aujourd’hui versé ~~aux Archives départementales du Calvados) ( # cf ~~. Claude ~~QUÉTEL, # Le Bon-Sauveur de Caen-Les cadres de la folie au ~~XIX # e # siècle, # Thèse doctorat ~~3 # e # cycle, Paris-Sorbonne, 1976). # | مصادر مطبوعة # ذكرت هذه المصادر تباعا في هذا الكتاب. فيما يتعلق بالعصور القديمة، نشدد على أهمية ~~مؤلفات أريتايوس الكبادوكي، وكاليوس أوريليانوس، وسيلسوس، وجالينوس، بالإضافة بالطبع إلى «ناموس ~~الطب» لأبقراط. ~~••• # فيما يتعلق بالقرون الوسطى، نشير إلى القديس توما الأكويني مؤلف (الخلاصة ~~اللاهوتية). ~~••• # فيما يتعلق بعصر النهضة وبداية القرن السابع عشر، استعنا بمؤلفات جون وير، وجون بودين، ~~وبيير دو لانكر، وإف بلاتر «الممارسة الطبية»، وخوان لويس فيفيس «مساعدة الفقراء»، وبي ~~بيجراي. ~~••• # بالنسبة للقرنين السابع عشر والثامن عشر: # استندنا إلى العديد من مذكرات الدفاع، والكتيبات واللوائح التي نشرت حول مسألة التسول ~~والمستشفى العام، وكذلك إلى القوانين والمجلدات، بدءا بمرجع إيزامبير الأساسي، الذي يقع في 29 ~~مجلدا، والذي صدر في باريس في الفترة من 1822 إلى 1833، بعنوان «الجامع للقوانين الفرنسية ~~القديمة منذ عام 420 وحتى الثورة الفرنسية عام 1789». وأيضا دليل جويو في الفقه القانوني ~~(1784-1785). # كما اطلعنا على العديد من التقارير الرسمية، بدءا بذلك التقرير غير المشهور الذي نشر عام ~~1785، والذي يعد مع ذلك مؤسسا للطب النفسي، وهو تقرير «تعليمات حول الطريقة التي يجب ~~اتباعها من أجل التحكم في المجانين». # هذا بالإضافة إلى العديد من المراسلات المنشورة (على سبيل المثال، تلك الصادرة في ثلاثة ~~أجزاء عن دار نشر إيه إم بواليل بعنوان ms606 «مراسلات المراقبين العموميين للشئون المالية مع حكام ~~الأقاليم»، باريس، 1874-1897). # وأخيرا، استعنا بالمذكرات، مثل مذكرات تونون حول مستشفيات باريس (1788). أما عن الأطباء ~~الفرنسيين (دوفور، وداكين ولوبوا) أو الإنجليز (بيرتون، وسيدنهام، وباتي، وتوماس ويليس)، فإن كل ~~بحث من أبحاثهم يشكل بالتأكيد مرجعا قائما بذاته (ويعد كتاب «فلسفة الجنون» لداكين، الذي ~~صدرت الطبعة الأولى منه عام 1791، مرجعا أساسيا في نشأة الطب النفسي). # اعتبارا من الثورة: # بدأت المصادر المطبوعة تتضاعف بصورة جذرية منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر: تقارير ~~مطولة، ومذكرات، ولوائح، وقوانين ونصوص تشريعية ... وأخذ «مخترعو الطب النفسي» ينشرون بغزارة، ~~أمثال بينيل، وإسكيرول، وفيريس، وكابانيس، وفالريه، وبارشاب، وبريير دي بواسمون، وكالميل، ~~ولوريه، وجورجيه، وتريلا؛ هذا إذا اقتصرنا على ذكر الفرنسيين فقط. ~~••• # خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين (العصر الذهبي ~~لمستشفى الأمراض العقلية)، أصبح هذا التدفق المفرط للمصادر هو أكثر ما يخشى منه: # تقارير سنوية لمستشفيات الأمراض العقلية والنفسية، وتقارير المفتشين العموميين (من بينها ~~«التقرير العام» الذي لا غنى عنه والصادر في 1874)، والإحصائيات القومية السنوية ... # ولقد سار كل طبيب للأمراض العقلية - الذي سرعان ما سيصبح طبيبا نفسيا - على نهج خاص ~~وفقا لبحثه العظيم : فكانت المدرسة الفرنسية ضد المدرسة الألمانية ... وصدر من مؤلف كرابلين ~~البحثي وحده ثماني طبعات في الفترة من 1883 إلى 1915. وخلال هذه الفترة، تغير بالطبع العديد من ~~المفاهيم والتصنيفات. وترددت عشرات الأسماء، فنحن لم نركز إلا على الأسماء الرئيسة ... بل ومئات ~~في العقود الأولى من القرن العشرين. ~~••• # هناك مصدر آخر متمثل في مجلات الطب النفسي المتعددة، التي تعد من أهم المراجع بالنسبة ~~للمؤرخ حين يتم البحث فيها وفرزها مع مراعاة التفاوت والفارق الزمني بصورة كافية. من بين ~~المجلات الفرنسية التي استمر صدورها، نذكر على سبيل المثال: «الحولية الطبية النفسية» ~~(اعتبارا من عام 1843)، و«التطور الطبي النفسي» (اعتبارا من عام 1925)، و«الدماغ»، و«المعلومة ~~النفسية»، و«آفاق طبية نفسية» ... فيما يتعلق ببريطانيا العظمى، نذكر «دورية الطب النفسي ~~البريطانية» التي يتيح موقعها على شبكة الإنترنت الاطلاع على أعدادها الأرشيفية حتى ms607 عام 1855. ~~ولا يسعنا أبدا أن ننسى «دورية الطب النفسي الأمريكية» (منذ عام 1921 - والتي كانت تصدر منذ ~~عام 1844 تحت عنوان: «الجريدة الأمريكية للمرض العقلي»). ~~••• # كما أفرز الجنون إنتاجا أدبيا ضخما شكل لنا مادة ثرية للبحث، تمثلت في روايات الشهود ~~أو - إذا صح التعبير - الفاعلين. # وعلى أي حال، طالما بدا الحد الفاصل بين المصدر المطبوع والببليوجرافيا واضحا ومحددا بدقة ~~بالنسبة لنا. # | الهوامش # الجزء الأول: العصور القديمة وجذور الجنون # الفصل الأول: رب وأرباب # الفصل الثاني: مرض الروح # الفصل الثالث: التراث الأبقراطي # الجزء الثاني: ممارسات الجنون في العصور الوسطىوفي عصر النهضة # الفصل الأول: الوضع الراهن للتفكير النظري # الفصل الثاني: وضع المجنون في المجتمع إبانالعصور الوسطى # الفصل الثالث: نماذج من الجنون وصور لإعادة تجسيده # الفصل الرابع: جنون ودين # الجزء الثالث: احتجاز المختلين عقليا # الفصل الأول: الإنجيل من منظور فوكو # الفصل الثاني: المشفى العام # الفصل الثالث: دور الاحتجاز الجبري تتسلم الراية # الفصل الرابع: مرحلة مستودعات التسول # الفصل الخامس: فكر الإصلاح # الجزء الرابع: اختراع الطب النفسي # الفصل الأول: إما الثورة وإما العودة إلى نقطة الصفر # الفصل الثاني: مداواة الجنون # الفصل الرابع: «بينيل» اسم صار علامة # الفصل الخامس: إسكيرول ونشأة مصحة الأمراض ~~العقلية # الجزء الخامس: العصر الذهبي للطب العقلي # الفصل الأول: قانون 1838 الخاص بالمرضى عقليا # الفصل الثاني: ازدهار المصحات في فرنسا # الفصل الثالث: جدران المصحة # الفصل الرابع: «جولة» في مصحات الأمراض العقلية في الغرب # الفصل الخامس: البوتقة النظرية في عصر اليقين # الجزء السادس: عصر الشك # الفصل الأول: المصحات العقلية لا تؤدي إلى الشفاء # الفصل الثاني: القرن الجديد # الفصل الثالث: ثورة الطرق العلاجية البيولوجية # الفصل الرابع: مناهضة الطب النفسي # الفصل الخامس: تجزؤ الطب النفسي # الخاتمة ms608