######OpenITI# #META# URI: 1450SaraTahaCallam.Rajnaruk.Hindawi28648582 #META# Tags: literature #META# ID: 28648582 #META# Title: راجناروك: نهاية الآلهة #META# AuthorID: 92537057 #META# Author: أنتونيا سوزان بيات #META# EditorID: 35803081 #META# Editor: محمد يحيى #META# TranslatorID: 50307169 #META# Translator: سارة طه علام #META# Related_books: 1450AntoniaSusanByatt.Ragnarok (TRANSL) #META#Header#End# # شكر وتقدير‏ # ملاحظة عن الأسماء‏ # طفلة نحيلة في زمن الحرب‏ # نهاية العالم‏ # الطفلة النحيلة في زمنها‏ ~~«راجناروك»‏ # الطفلة النحيلة في زمن السلم‏ # أفكار حول الأساطير‏ # المراجع‏ # شكر وتقدير‏ # ملاحظة عن الأسماء‏ # طفلة نحيلة في زمن الحرب‏ # نهاية العالم‏ # الطفلة النحيلة في زمنها‏ ~~«راجناروك»‏ # الطفلة النحيلة في زمن السلم‏ # أفكار حول الأساطير‏ # المراجع‏ # | راجناروك # | راجناروك # | نهاية الآلهة # تأليف # أنتونيا سوزان بيات # ترجمة # سارة طه علام # مراجعة # محمد يحيى # إلى أمي، # كيه إم درابل، # التي أهدتني كتاب «أسجارد والآلهة». # | شكر وتقدير # أتوجه بالشكر إلى جيمي بينج على تحمسه لهذا المشروع، وكذلك فرانسيس بيكمور على رؤيته ~~التحريرية الحكيمة وصبره. كما أخص بالشكر أيضا نورا بيركينز. وصديقتي جيني أوجلو، التي ~~تشاركني في أفكاري وشغفي بالقصص الاسكندنافية. وأدين بالكثير على وجه الخصوص للمترجم ~~الدنماركي، كلاوس بيخ، الذي أعطاني رواية «راجناروك» للمؤلف فيلي سورينسن باللغتين ~~الدنماركية والإنجليزية، كما أطلعني على أسماء الأسماك باللغة الدنماركية. كذلك ساعدتني ~~كثيرا المترجمة الألمانية، ميلاني فالس، في النسخ الألمانية من الأساطير. أوجه الشكر ~~كذلك إلى وكيلة أعمالي ديبورا روجرز، التي أبدت حماسة فائقة وقدمت لي مساعدة مذهلة، ~~وكذلك محسن شاه من وكالة «روجرز كولريدج آند وايت»، الذي عمل على تنظيم جميع الأمور بأقصى ~~قدر ممكن. أشكر أيضا زوجي، بيتر دافي، الذي ينصت دوما إلى مشكلاتي وحماستي، ويمدني ~~بأفكار جديدة. كذلك ابنتي ميراندا دافي، التي قضت في فترة ما بعض الوقت في أبحاث عن ~~الذئاب، وأرشدتني إلى الكتب التي علي قراءتها، وأطلعتني على سلوكيات الذئاب. # | ملاحظة عن الأسماء # نسجت هذه القصة من قصص عديدة بلغات مختلفة، مثل الأيسلندية والألمانية وغيرهما. ~~ولذا تختلف أسماء الشخصيات في الأسطورة من رواية لأخرى. فعلى سبيل المثال «إدونا» هي ~~نفسها «إدون». وكذا توجد طرق عديدة لتهجئة اسم «يورمنجاندر» بالأيسلندية. وعن نفسي، ~~فإنني أشعر بسعادة أكبر عندما أستخدم طرق تهجئة مختلفة، بدلا من محاولة تحقيق ~~تناسق مصطنع. فالأساطير تتغير في عقولنا اعتمادا على الرواية؛ ومن ثم لا توجد ~~نسخة صحيحة إجمالا. # «فودان» أثناء الصيد البري. # | طفلة نحيلة في ms01 زمن الحرب # كانت هناك طفلة نحيلة، تبلغ من العمر ثلاث سنوات، عندما اندلعت الحرب العالمية. ولكنها ~~بالكاد تذكر الفترة التي تسبق الحرب، عندما كان العسل والقشدة والبيض متوفرة بكثرة، حسبما ~~أخبرتها أمها مرارا. وهي طفلة نحيلة، هزيلة، وناتئة العظام، مثل سمندل الماء الصغير، ~~وشعرها خفيف كالضباب الرقيق المصاحب لضوء الشمس. كان أجدادها ينهونها عن فعل هذا، ~~ويأمرونها بتجنب ذلك؛ لأن «هناك حربا دائرة». كانت الحياة عبارة عن حالة تدور فيها رحى ~~حرب مضرمة. ومع ذلك، ومن مفارقات القدر أن السبب الوحيد لبقاء هذه الطفلة على قيد ~~الحياة ربما يعزى إلى أن أهلها قد تركوا المدينة الصناعية المحمل هواؤها بالكبريت من ~~جراء المداخن التي تعج بها ودخانها السام، وانتقلوا إلى بلدة ريفية، لا تشكل أهمية ~~لقاذفات العدو. ومن ثم نشأت في الجنة المعهودة للريف الإنجليزي. وعندما بلغت الخامسة ~~من عمرها، كانت تسير مسافة ميلين إلى المدرسة عبر المروج المغطاة بزهور الربيع، ~~والحوذان، والأقحوانات، والبيقية، والمحاطة بأسيجة شجيرات مليئة بالأزهار ثم التوت، والخوخ ~~الشوكي، والزعرور البري، وورود النسرين، وشجرة المران الرمادية الغريبة ذات البراعم ~~السخامية اللون. # كانت والدتها تقول دائما، عندما تنبت هذه البراعم، إنها «سوداء مثل براعم شجرة ~~المران في أوائل شهر مارس.» وكان مصير والدتها أيضا ينطوي على مفارقات، فنظرا إلى الحرب ~~الدائرة، أصبح من الجائز لها قانونا أن تفكر في أمر غير مسموح لها به، وأن تعلم ~~الأولاد الأذكياء، وهو ما كان محظورا على النساء المتزوجات فعله قبل الحرب. وقد تعلمت ~~الطفلة النحيلة القراءة في عمر مبكر للغاية. وكانت ~~والدتها تنتهج أسلوبا أكثر واقعية ولطفا عندما تسألها عن الأحرف المتاخمة لبعضها في ~~الصفحة. كان والدها غائبا عن المنزل؛ إذ كان طيارا يشارك في الحرب في أفريقيا، ~~واليونان، وروما، في عالم لا يوجد إلا في الكتب. إنها تتذكره. فهو ذو شعر ذهبي مائل ~~إلى الحمرة وعيون زرقاء صافية، وكأنه إله. # شجرة المران الرمادية، «إجدراسيل». # كانت الطفلة النحيلة تعلم أن أجدادها يعيشون في خوف مرحلي من الدمار الوشيك، ~~ولكنها تجهل أنها ms02 تعلم ذلك. لقد واجهوا نهاية العالم كما يعرفونه. ولكن عالم الريف ~~الإنجليزي لم ينته، كما انتهت عوالم أخرى عديدة، ولم تجتحه الجيوش، ولم تقصفه ~~وتساوه بالوحل. ولكن كان الخوف متأصلا، حتى لو لم يتحدث أحد عنه مع الطفلة النحيلة. ~~فهي تعلم بداخلها أن والدها البارع لن يعود. وفي نهاية كل عام ترتشف الأسرة عصير التفاح ~~في نخب عودته سالما. أما الطفلة النحيلة، فكانت تشعر بيأس لم تكن تعلم أنها تشعر ~~به. # | نهاية العالم # (1) البداية # كانت الطفلة النحيلة قليلا ما تفكر (أو هذا هو ما يبدو عليه الأمر الآن) من أين ~~أتت هي نفسها، ولكنها فكرت كثيرا في ذلك السؤال القديم؛ لماذا يوجد شيء بدلا من ~~عدم وجوده؟ كانت تلتهم القصص بشراهة، سطور من العلامات السوداء على صفحات بيضاء، ~~تشكل جبالا وأشجارا، ونجوما، وأقمارا وشموسا، وترسم تنانين، وأقزاما، وغابات ~~تحوم فيها الذئاب والثعالب، ويغلب فيها الظلام. كانت تقص حكاياتها الخاصة وهي تسير عبر ~~الحقول، حكايات عن فرسان جامحين ومستنقعات عميقة، عن مخلوقات طيبة وساحرات ~~شريرات. # في مرحلة ما، عندما صارت أكبر سنا قليلا، اكتشفت كتاب «أسجارد والآلهة». كان ~~مجلدا متينا، ومغلفا باللون الأخضر، وعلى غلافه صورة مثيرة ورائعة ل «أودين» أثناء ~~صيده البري وهو ينطلق على صهوة جواده مندفعا عبر سماء ملبدة بالغيوم وكأنه ~~يمزقها وسط صواعق متعرجة من ضربات البرق، بينما يراقبه، من مدخل يقود إلى كهف ~~مظلم تحت الأرض، قزم يرتدي قبعة، ويبدو فزعا. كان الكتاب مليئا بنقوش على ~~الصلب شديدة التفصيل وغامضة، للذئاب والمياه الهائجة، والأشباح والنساء السابحات. كان ~~كتابا أكاديميا، تستخدمه والدة الطفلة النحيلة في الواقع كمصدر تستقي منه امتحانات ~~اللغتين الأيسلندية القديمة والاسكندنافية القديمة. ومع ذلك، كان الكتاب باللغة ~~الألمانية. وقد اقتبس من أعمال الدكتور دبليو فاجنر. وكانت الطفلة النحيلة تميل إلى ~~قراءة الكتب من الغلاف إلى الغلاف. قرأت المقدمة التي تتحدث عن استعادة «العالم ~~الجرماني القديم بأسراره وعجائبه ...» وحيرتها فكرة الألمان. وراودتها أحلام بوجود ~~ألمان يختبئون تحت فراشها، والذين ينشرون قوائم سريرها حتى يصلوا إليها ms03 ~~ويدمروها، بعدما ألقوا بوالديها داخل حفرة خضراء في إحدى الغابات المظلمة. من ~~كان هؤلاء الألمان القدامى، مقارنة بمن يحلقون في السماء الآن، وينشرون الموت ~~من سماء الليل؟ # ذكر الكتاب أيضا أن هذه القصص تعود إلى الشعوب «الاسكندنافية»؛ أي النرويجيين ~~والدنماركيين والأيسلنديين. وقد كانت الطفلة النحيلة نفسها، في إنجلترا، ذات ~~أصول اسكندنافية. فقد هاجرت أسرتها من أرض غزاها الفايكنج واستقروا فيها. إذن هذه ~~هي قصصها. ومن ثم أصبح الكتاب شغفها. # كانت تنجز الكثير من قراءتها في وقت متأخر من الليل، وهي تخفي مصباحا أسفل ~~أغطية الفراش، أو بالدفع بالكتاب عبر الفتحة الضيقة لباب غرفة النوم والقراءة على بقعة ~~الضوء الخافت على بسطة السلم المعتمة. أما الكتاب الآخر الذي قرأته، مرارا ~~وتكرارا، فهو كتاب «رحلة الحاج» للكاتب جون بنيان. كانت تشعر في قرارة نفسها بثقل ~~العبء المعجز الذي حمله «الإنسان» الغارق في «مستنقع اليأس»، وتابعت أسفاره عبر ~~البرية و«وادي الظل»، ومواجهته مع «اليأس العملاق» و«أبوليون» اللعين. وقد حملت قصة ~~بنيان رسالة ومعنى واضحين، أما «أسجارد والآلهة»، فلم تكن كذلك. فهذا الكتاب هو قصة ~~لغز، عن نشأة العالم، وامتلائه بالكائنات السحرية والجبارة، ثم وصوله إلى نهاية. ~~«نهاية» حقيقية، نهاية العالم. # صورت إحدى الرسومات «الصخور» في جبال «ريزينجيبيرجا» العملاقة. ونهرا يجري عبر ~~صدع تعلوه كتل صخرية شاهقة لها ما يشبه الرءوس العديمة الملامح، وجذوعا ما تشبه ~~الأذرع، تقف بين أعمدة مغروسة لا تشبه في هيئتها أي شيء حي. وقمم غابات مستدقة الطرف ~~رمادية اللون تغطي أحد المنحدرات. وأناسا ضئيلي الحجم، يشبهون النمل، وغير مرئيين ~~تقريبا يحدقون لأعلى من الشاطئ القريب. وأطياف غيوم حاجبة تعلقت بين هذه الأشكال ~~والطفلة وهي تقرأ. فواصلت القراءة: # تطورت أساطير العمالقة والتنانين تدريجيا، شأنها شأن كل الأساطير. في ~~البداية كان ينظر إلى الأشياء الطبيعية على أنها تطابق هذه الكائنات العجيبة، ~~ثم أصبحت الصخور والصدوع مساكن لها، وأخيرا، اعتبرت شخصيات مميزة قائمة ~~بذاتها وحظيت بمملكتها الخاصة في «يوتنهايم». # شعرت الطفلة بمتعة غامرة وغامضة على أثر الصورة. كانت تعرف أن مدى الدقة ms04 التي طمست ~~بها معالم الصخور على الرغم من تصويرها المتقن هو مبعث الرضا الغامر، ولكنها لم تستطع ~~التعبير عن ذلك لفظا. لا بد أن تبذل عين القارئ الجهد اللازم كي تضفي عليها الحياة، ~~وهذا ما فعلته الطفلة، مرارا وتكرارا، وفي كل مرة كانت تجربة جديدة، كما أراد الفنان. ~~فقد لاحظت أن إحدى الشجيرات، أو الجذوع، المرئية من بعيد على المسار بين المروج، يمكن ~~لوهلة أن تبدو كلبا رابضا، ومزمجرا، أو يمكن أن يبدو أحد فروع الأشجار المتدلية ~~ثعبانا مكتملا، وله عينان لامعتان ولسان مشقوق يتحرك بسرعة. # كانت هذه النظرة هي السبيل الذي أتت منه الآلهة والعمالقة. # لقد جعلها العمالقة الحجريون ترغب في الكتابة. # لقد ملئوا العالم بطاقة وقوة مخيفة. # رأت وجوههم عديمة الملامح، وهي تحدق في ذاتها من وراء قناع الغاز الذي ترتديه، أثناء ~~التدريب على الغارات الجوية. # كان أطفال المدرسة الابتدائية يذهبون كل أربعاء إلى الكنيسة المحلية ليتلقوا ~~دروسا في الكتاب المقدس. وهناك يعاملهم القس بلطف، بينما ينسل الضوء عبر نافذة ملونة ~~فوق رأسه. # كما توجد صور وأغان وديعة ومتسامحة للمسيح الطيب. وظهر في واحدة منها وهو يعظ مجموعة ~~من الحيوانات الوديعة المنتبهة، أرانب، وظبي، وسنجاب، وطائر عقعق في أرض مقطوعة ~~الأشجار. وقد بدت الحيوانات حقيقية أكثر من شخصية الإنسان المقدس. حاولت الطفلة ~~النحيلة التجاوب مع الصورة، لكنها أخفقت. # تعلموا تلاوة الصلوات. وكان لدى الطفلة النحيلة حدس ينبئها باقتراب الأذى لأنها ~~شعرت أن الصلوات التي تتلوها كانت تذهب هباء في سحابة رقيقة من العدم. # كانت طفلة تتسم برجاحة العقل، مقارنة بغيرها من الأطفال. لم تفهم كيف يمكن ل «إله» ~~لطيف وطيب وصالح، كالذي يصلون له، أن يدين الأرض كلها بسبب الخطيئة وأن يغرقها، أو أن ~~يحكم على «ابنه» الوحيد بالموت بطريقة شائنة نيابة عن الجميع. إذ يبدو أن موته هذا لم ~~يعد بالكثير من النفع. فهناك حرب دائرة. ومن المحتمل أنه ستظل هناك حرب دائرة دائما. ~~والمقاتلون على الجانب الآخر أشرار وملعونون، أو ربما كانوا بشرا ومصابين . # لقد اعتقدت ms05 الطفلة النحيلة أن هذه القصص بنوعيها - سواء كانت القصص اللطيفة، والناعمة ~~التي تتسم بالوداعة والتسامح، أو قصص التضحية الوحشية التي تتسم بالشماتة - ما هي إلا ~~تكوينات بشرية، مثل حياة العمالقة في جبال «ريزينجيبيرجا» العملاقة. لم تجعلها هذه ~~القصص بنوعيها ترغب في الكتابة، ولم تغذ خيالها. بل خدرته. حاولت أن تتخيل نفسها ~~شريرة لتفكيرها في هذه الأشياء. فقد تكون مثل شخصية «الجهل» في قصة «رحلة الحاج»، الذي ~~وقع في الهوة عند بوابة السماء. حاولت أن تشعر أنها شريرة. # ولكن عقلها انجرف بعيدا، نحو المكان الذي يشعر فيه أنه نابض بالحياة. ~~(2) «إجدراسيل»: شجرة العالم الرمادية # أعرف شجرة مران رمادية تدعى «إجدراسيل» # شجرة كثيفة، تكسوها سحابة لامعة بالندى. # في البداية كانت الشجرة. اندفعت الكرة الحجرية عبر الفراغ. وتحت القشرة كانت النار. ~~غلت الصخور، وتصاعدت الغازات. وانبثقت الفقاقيع خارجة من القشرة. والتصق الماء المالح ~~الكثيف بالكرة المتدحرجة. وانزلق الوحل عليها وفي الوحل تغيرت الأشكال. إن أي نقطة ~~على كرة ما تكون بمثابة المركز لهذه الكرة، والشجرة كانت في المركز. لقد حافظت على ~~تماسك العالم وترابطه، في الهواء، وفي الأرض، وفي النور، وفي الظلام، وفي ~~العقل. # لقد كانت مخلوقا ضخما. دفعت نهايات الجذور الحادة كالإبر في غطاء التربة السميك. ~~وبعد النهايات المحجوبة جاءت الخيوط والحبال والحزم الغليظة التي جست وأمسكت وبحثت. ~~وامتدت جذورها الثلاثة تحت المروج والجبال، وتحت «ميدجارد»، الأرض الوسطى، وخرجت إلى ~~«يوتنهايم»، موطن عمالقة الجليد، ثم نزلت في الظلام إلى أبخرة «هيل». # كان جذعها الطويل يتكون من حلقات خشبية مضغوطة، كل منها داخل الأخرى، تتجه نحو ~~الخارج. وبالداخل بالقرب من قشرتها، توجد حزم من الأنابيب، تسحب أعمدة لا تنقطع من ~~الماء إلى الأغصان وقمة طرف الشجرة. حركت قوة الشجرة تدفق الماء، وصولا إلى ~~الأوراق، التي تفتحت في ضوء الشمس، وخلطت الضوء والماء والهواء والتربة لتكوين مادة ~~خضراء جديدة، تتحرك مع الرياح، وتمتص المطر. تغذت هذه المادة الخضراء على الضوء. وفي ~~الليل، عندما يتلاشى الضوء، كانت الشجرة تستعيده، وتسطع لفترة وجيزة في الشفق مثل ms06 مصباح ~~شاحب. # كانت الشجرة تأكل وتؤكل، وتتغذى ويتغذى عليها. كانت شبكتها ومساراتها ~~السفلية الشاسعة من الجذور موبوءة ومحاطة بخيوط من الفطريات التي تتغذى على الجذور، ~~وتزحف كالديدان نحو الخلايا نفسها وتمتص الحياة منها. وفي بعض الأحيان فقط كانت هذه ~~الكائنات الخيطية المزدهرة تندفع لأعلى عبر أرض الغابة، أو من خلال لحاء الشجرة، ~~لتكون فطر عيش الغراب أو عيش الغراب السام، وهو فطر قرمزي اللون وصلب ومرن، ~~مع بثرات بيضاء، ومظلات هشة شاحبة اللون، ونتوءات ذات طبقات خشبية على اللحاء نفسه. أو ~~كانت تخرج من الأرض على هيئة سيقان تعلوها كرات الفطر النفاث التي تنفجر وتنشر الخلايا ~~الأحادية مثل الدخان. كانت تتغذى على الشجرة، ولكنها تحمل الغذاء إليها في الوقت ~~نفسه، فتات دقيق يحمل في عمود الماء الذي يتدفق لأعلى. # وهناك ديدان، مكتنزة كأصابع اليد، وملساء كالشعر، تندفع بأنوفها الخشنة عبر غطاء ~~التربة، وتأكل الجذور، وتخرج فضلاتها التي تكون بمثابة غذاء للجذور. كما تنشط الخنافس ~~في اللحاء، حيث تصر وتثقب، وتتكاثر وتتغذى، وتلمع كالمعادن، بلونها البني الذي ~~يشبه الخشب الميت. أما نقار الخشب، فهو يحفر اللحاء ويأكل اليرقات المكتنزة التي تأكل ~~الشجرة. وهي تلمع على الفروع، بلونها الأخضر والقرمزي، والأسود، والأبيض، والأرجواني. ~~وهناك أيضا العناكب التي تعلقت بخيوط الحرير، بعدما حاكت شبكات منسوجة بدقة بأوراق ~~الشجر والأغصان، واصطادت الحشرات، والفراشات، والعث الأملس، وصراصير الليل المتبخترة. ~~وجحافل النمل التي احتشدت وكأنها جيوش مسعورة، أو ترعى حشرات المن الحلو، وتضربها بقرون ~~الاستشعار الدقيقة. وتشكلت برك في الحفر التي تشعبت فيها الفروع، ونبتت الطحالب، ~~وسبحت ضفادع الأشجار اللامعة في البرك، ووضعت بيضا هشا، وابتلعت الديدان المرتجفة ~~والمتلولبة. وغردت الطيور على أطراف الأغصان وبنت أعشاشا من كل الأنواع، أكوابا ~~طينية، وأكياسا مكسوة بالزغب، وأوعية ناعمة مبطنة بالقش، مخبأة في ثقوب داخل اللحاء. ~~كان سطح الشجرة كله مكشوطا ومنبوشا، مقضوما ومثقوبا، مفروما ومهروسا. # رويت حكايات عن مخلوقات أخرى في المجتمع الكائن بين الفروع المنتشرة. فعند قمتها، ~~على ما يبدو، وقف نسر، يغني بلا مبالاة عن الماضي، ms07 والحاضر، وما سيأتي. كان اسمه ~~«ريسفلجر» (مبتلع اللحم)، وعندما يضرب بجناحيه، تهب الرياح، وتعوي العواصف. وبين عيني ~~الطائر الضخم يقف صقر جميل، اسمه «فيدرفولنير». كانت الأغصان الضخمة تشكل مرعى ~~للمخلوقات الآكلة العشب، وهي أربعة أيائل، «داين»، و«دفالين»، و«دونير»، و«دوراثرور»، ~~وعنزة، اسمها «هيدرون»، التي كان ضرعها مليئا بخمر العسل. أما السنجاب الأسود النشط، ~~«راتاتوسكر» (سن المثقاب)، فقد كان منهمكا في الصعود إلى قمة الشجرة ثم الهبوط سريعا ~~إلى جذورها والعكس، حاملا رسائل شريرة من الطائر الجاثم على قمة الشجرة إلى التنين ~~الأسود اليقظ، الملتف حول الجذور، واسمه «نيدهوجر»، والمتشابك مع ديدان ملفوفة فقست ~~حديثا من بيضها. وكان «نيدهوجر» يقضم الجذور، التي تعيد تجديد نفسها. # كانت الشجرة ضخمة للغاية، وهي تدعم، أو تظلل، قصورا وقاعات عالية. لقد كانت ~~عالما قائما بذاته. # ويوجد أسفلها بئر سوداء، بلا قرار، تمنح مياهها الداكنة الحكمة لشاربها، أو البصيرة ~~على الأقل. وعند حافتها، تجلس «الأخوات القدريات»، «الاسكندنافيات»، اللواتي ربما أتين ~~من «يوتنهايم». كانت «أورد» ترى الماضي، و«فيرداندي» ترى الحاضر، و«سكولد» ترى ~~المستقبل. وقد سميت البئر «أورد» أيضا. كانت الأخوات غزالات؛ فقد كن يغزلن ~~خيوط القدر. كما كن بستانيات الشجرة وحارساتها. ذلك حيث يسقين الشجرة بمياه البئر ~~السوداء، ويغذينها بطمي أبيض نقي، اسمه «آور». وهكذا كانت الشجرة تتحلل، أو تتضاءل، ~~من لحظة لأخرى، ولكنها في الوقت نفسه كانت دائمة التجدد. ~~(3) «راندراسيل» # نمت في غابات الأعشاب البحرية شجرة هائلة من عشب الثور، إنها «شجرة البحر»، ~~«راندراسيل». وقد تشبثت جذورها بشدة بالصخرة الموجودة في أعماق البحر، التي خرجت منها ~~ساق الشجرة وكأنها سوط أطول من صواري المراكب أو عوارض أسقف المباني، لتكون بذلك ~~الجذع. ارتفع الجذع عاليا من أعماق البحر إلى سطحه، وهو لا يزال زلقا، تضربه الرياح، ~~ولكنه يتمايل بكسل وتراخ. انتشر الجذع على السطح عند نقطة التقاء الماء بالهواء مكونا ~~أجمة من الأوراق السرخسية والشرائط الملونة، يطفو كل منها بواسطة جيب غازي، موجود في ~~قاعدة الشجرة وكأنه كيس ممتلئ بالهواء. تحتوي الأوراق السرخسية المتفرعة، مثلها مثل ~~أوراق الشجرة ms08 الموجودة على اليابسة، على خلايا خضراء تلتهم الضوء. تمتص مياه البحر ~~الضوء الأحمر، بينما يمتص الغبار والحطام العائم الضوء الأزرق؛ ولذا غالبا ما تكون ~~الأعشاب البحرية العميقة التي تقبع في الضوء الخافت حمراء اللون، بينما يمكن لتلك ~~الأعشاب التي تطفو على السطح، أو التي تتشبث بالنتوءات الصخرية التي تغسلها أمواج المد، ~~أن تكون خضراء براقة أو صفراء لامعة. نمت شجرة البحر بسرعة كبيرة. وتمزقت الشرائط ~~الملونة ونبتت أخرى جديدة، وتدفق من الأوراق السرخسية بيض جديد على هيئة سحب بيضاء، ~~أو خضراء، من المخلوقات البحرية التي تسبح بحرية ثم تتشبث بالصخور. كانت المخلوقات ~~في الغابة المائية تأكل وتؤكل، مثلما هو الحال في جذور الشجرة وأغصانها على ~~اليابسة. # تتغذى الحلزونات المتجولة وبزاق البحر على الشجرة، التي تجتمع فيها الكائنات الدقيقة، ~~والحيوانات، والنباتات. وكان الإسفنج الذي يتغذى على الجزيئات الصغيرة يمتص الغذاء من ~~جذوع الشجرة الضخمة، بينما تشبثت شقائق النعمان بالأعشاب المتعلقة، وهي تفتح أفواهها ~~الغليظة المهدبة وتغلقها. وكانت المخلوقات المغطاة بالقرون والمخلبية والقريدس وجراد ~~البحر الشائك ونجوم البحر الهشة وزنابق البحر ترتشف الغذاء. بينما تتجول قنافذ البحر ~~وهي تمضغ طعامها. وتوجد أنواع عديدة من سرطانات البحر مثل: سرطانات البحر الشفافة، ~~وسرطانات البحر العنكبوتية الضخمة، وسرطانات البحر العقربية، وسرطانات الحجر الشائكة، ~~وسرطانات الرمل، وسرطانات البحر المستديرة، وسرطانات البحر الصالحة للأكل، والسرطانات ~~الخضراء الشاطئية، والسرطانات السابحة، والسرطانات الزاوية، والتي لكل منها أرضها ~~الخاصة التي تتجول فيها. وهناك خيار البحر، ومزدوجات الأرجل، وبلح البحر، ومحار ~~البرنقيل، والغلاليات، والديدان المتعددة الأشواك. كلها كانت تأكل الخشب وتطعم الأعشاب ~~بفضلاتها وبما يموت ويتحلل منها. # تمايلت الكائنات، وانزلقت، وسبحت عبر الغابة البحرية، وكانت تصطاد وتصطاد. بعضها ~~كان لحم سمك متخفيا في هيئة أعشاب، مثل أسماك أبو الشص المغطاة بأسدال تشبه السرجس، ~~وأسماك عثة البحر المعلقة في الماء والتي لا يمكن تمييزها عن الأشكال التي تشبه ~~الأوراق السرخسية، والمغطاة بشيلان وساريات تجعلها تبدو وكأنها نتوءات نباتية ممزقة. ~~كما توجد أسماك ضخمة ذات أجسام نصلية، ينكسر عليها الضوء، تختبئ في الظلال ms09 الداكنة ~~وكأنها جزء منها، ويتغير لون زعانفها المتمايلة مع تدفق الضوء عبر الماء وتشتته. # كانت شجرة البحر تعيش وسط عالم يموج بكائنات بحرية أخرى، بدءا من المساحات الشاسعة ~~التي تغطيها طحالب الصخور إلى متشابكات البحر، والأعشاب المتشابكة، وطحالب اللاميناريا ~~الإصبعية، وأحزمة فينوس، وأعشاب ذنب الخيل البحرية، وطحالب السكرينة العريضة التي تشتهر ~~باسم مآزر الشيطان، وطحالب الأسيتابولاريا التي تشتهر باسم كئوس نبيذ حوريات البحر. ~~مرت أسراب من الأسماك الكبيرة والصغيرة، وأسراب مندفعة على شكل كرة ضخمة من ~~أسماك الرنجة، وأسراب سريعة من أسماك التونة. وهناك أنواع عديدة من أسماك السلمون ~~التي تسبح في رحلاتها الطويلة، مثل الشينوك، والكوهو الفضي، والسوكي الأحمر، ~~والوردي، والتشم والكرزي. وتوجد سلاحف خضراء ترعى في الأوراق السرخسية. كما توجد ~~أشكال مختلفة من أسماك القرش الانسيابية، مثل قرش الدراس، والماكو القصير الزعنفة، ~~وبربيجل، والتوب، والفهد، والغامق، وقرش الجرف الرملي، والقرش الليلي، وهم صيادو ~~صائدي الأسماك الأخرى. مزقت الحيتان الضخمة الحبار العملاق من الأعماق، أو فتحت ~~المناخل الضخمة في أفواهها لتصفية العوالق. وقد بنت المخلوقات البحرية منازل على قمة ~~«راندراسيل» تماما مثلما بنت المخلوقات البرية منازل في «إجدراسيل». حيث بنت ثعالب ~~البحر مهودا وتدلت من الأوراق وهي تقلب المحار وقنافذ البحر بمخالبها الأمامية ~~المعقدة. ورقصت الدلافين وغنت، وهي تنقر وتصفر. وصاحت الطيور البحرية التي ~~تحلق بالأعلى واندفعت كالأسهم نحو الماء. وسحبت المياه هنا وهناك بفعل الشمس ~~والقمر. وزحفت أمواج المد والجزر إلى الشواطئ، وامتصت في الخلجان الصغيرة، ~~وانكسرت على هياكل الصخور محدثة رذاذا أبيض يشبه الشرائط، واندفعت بنعومة ~~وارتقت، أو سالت وانعطفت في الدلتا. # كانت «شجرة البحر» تتشبث بقوة بسفح جبل يمتد على عمق سحيق للغاية تحت سطح الماء، ~~بالقدر الذي يمكن أن يبلغه آخر قدر ضئيل من ضوء القمر أو الشمس. كانت هناك أشياء أعمق. ~~كائنات تعيش في الظلام أضاءت أشكالها المطلية، أو رءوسها الشوكية أو اللحمية، كما لو ~~كانت مصابيح لامعة تسبح في عتمة الظلمات. وكائنات تستهدف فريستها بطعم يبرز ~~من مقدمة رأسها، وهي كائنات تسطع عيونها ms10 في الظلام المرئي. # عند سفح شجرة العالم «إجدراسيل» يقع بئر «أورد» بمياهها السوداء الساكنة والباردة. ~~وعند سفح شجرة البحر «راندراسيل» توجد ثقوب وأنابيب، يخرج منها البخار وهو يصدر ~~صوت صفير، وتقذف أحجارا منصهرة من جوف الأرض المتوهج المحموم. هنا أيضا، تزحف ~~الديدان في الظلام، وتومض قرون الاستشعار الشفافة للقريدس الشاحب. بينما تجلس ~~الاسكندنافيات الثلاث من «يوتنهايم» على حافة الينبوع ويطعمن «الشجرة» ويسقينها، ~~وكذلك يجلس «إيجير» و«ران» في التيارات التي تدور باتجاه معاكس حول جذور ~~«راندراسيل» القوية. ويعزف «إيجير» الموسيقى بقيثارة وترية ومحارة لؤلئية. وقفت ~~الحيتان والدلافين بلا حركة، ترتشف الأنغام عبر تجاويف الصدى الموجودة في رءوسها. ويكون ~~وقع الأصوات كالزيت على المحيط؛ فهي إما تبعث على هدوء باهت، أو هدوء متلألئ، وترى ~~شفافة من الأعماق، ومثل الشرر من الأعلى. توجد نغمات أخرى تصيب التيارات بالاضطراب، ~~وترسل ألسنة ضخمة من الماء الخوار عاليا، فوق السطح الرقيق مثل علو الشجرة فوق ~~جذورها القوية. تصمد المياه، ذات اللون الأخضر الشفاف والأسود البازلتي، محافظة على ~~ارتفاعها للحظة أبدية ثم تنهار قمتها لأسفل وتغوص في الأعماق مرة أخرى، محدثة رغوة، ~~وزبدا كثيفا، ومليارات من فقاعات الهواء. أما «ران»، زوجة «إيجير»، فتلعب بشبكة ~~ضخمة تلفها حول المخلوقات الميتة والمحتضرة وهي تهوي عبر الأعماق الكثيفة. يقول ~~البعض إن الكائنات التي تعلق في شباكها ليست ميتة ولا محتضرة، ولكنها مفتونة فحسب بصوت ~~التدفق. أما ما تفعله بالعظام وعظام فكوك الحيتان، والجلد والرقاب، فهو أمر مجهول. ~~يقال إنها تغرسها في الرمال، لتطعم الكائنات التي تزحف وتتسلل أسفلها. ويقال إنها ~~تجمع الأجمل بين المخلوقات - حبارا مضيئا، بحارا ذا شعر ذهبي كثيف وعيون زرقاء ~~وقرط لازوردي، ثعبان بحر شاردا - وترتبها في حديقة عشبية، بهدف أن تحظى بمتعة ~~التحديق فيها. أولئك الذين رأوها لا يرون أي شيء آخر، ولا يعودون مرة أخرى كي ~~يصفوها. ~~(4) الإله ما هو إلا إنسان # كانت الطفلة النحيلة في زمن الحرب منشغلة بالسؤال عن كيفية خلق شيء من العدم. ~~طبقا للقصة التي تروى في الكنيسة الحجرية، فإن شخصية ms11 تشبه الجد، ولديها استياء ~~تجاه فكرة الافتراض، قد قضت ستة أيام ممتعة في صنع الأشياء؛ السماء والبحر، والشمس ~~والقمر، والأشجار والأعشاب البحرية، والجمل، والحصان، والطاووس، والكلب، والقطة، ~~والدودة، كل المخلوقات التي تعيش على الأرض لتغني له بأصوات مبتهجة، لترتل ~~تمجيداته في الواقع، كما تفعل الملائكة على الدوام. وقد وضع البشر في مكانهم وأمرهم ~~ألا يبرحوه وألا يأكلوا تفاحة إدراك الخير والشر. كانت الطفلة النحيلة تعرف ما يكفي ~~من القصص الخيالية لتدرك أن الغاية من وجود المحظور في أي قصة هو أن يتم خرقه. كان ~~مقدرا للبشر الأوائل أن يأكلوا التفاحة، فانقلب القدر عليهم. كان الجد مسرورا ~~بنفسه. لم تجد الطفلة النحيلة أحدا في هذه القصة لتتعاطف معه. ربما باستثناء ~~الثعبان، الذي لم يطلب أن يستخدم كوسيلة غواية. فكل ما كان يرغب فيه الثعبان ببساطة ~~هو الالتفاف حول نفسه في الأغصان. # ما الذي كان موجودا في البداية في قصص أسجارد؟ # في العصر الأول، # كان العدم، # لا رمال ولا بحار، # ولا أمواج باردة؛ # لم تكن هناك أرض، # ولا سماء عالية. # انشق الخليج # ولم يكن هناك عشب نابت في أي مكان. # كان الخليج الخاوي يسمى «جينونجاجاب»، وهو اسم كررته الطفلة ~~النحيلة مرارا وتكرارا. كانت تراه كلمة رائعة. ولم يكن هذا الخليج عديم الشكل تماما. ~~كان محددا باتجاهات البوصلة. إلى الشمال كانت «نيفلهايم»، أرض الضباب والبرودة ~~والمطر، التي انطلق منها اثنا عشر جدولا عنيفا من المياه الجليدية. وإلى الجنوب كانت ~~«موسبلهايم»، أرض الحرارة، حيث تأججت النيران وتصاعد الدخان. تدحرجت الجبال ~~الجليدية من نيفلهايم وذابت حتى تحولت إلى بخار بسبب الانفجار المحموم من موسبلهايم. ~~وفي خضم هذه الفوضى المضطربة تكونت هيئة بشرية من المادة المتطايرة، إنه ~~العملاق «يمير»، أو «أورجيلمير»، الذي يعني اسمه الطين المستعر أو الحصى الصائح. ~~قال البعض إنه مصنوع من الطين الأبيض النقي الذي كانت «الاسكندنافيات» تغذي به ~~«إجدراسيل». كان عملاقا؛ كان كل شيء، أو كل شيء تقريبا. رأته الطفلة النحيلة على ~~هيئة نسر باسط جناحيه، ومتلألئ في كل بقعة، ولسبب ما ms12 لم يكن له وجه، ورأسه عبارة عن ~~كرة صخرية. # كان هناك مخلوق آخر في «جينونجاجاب»، وهو بقرة ضخمة، تدر الحليب باستمرار وهي تلعق ~~الملح الموجود على الصخور الجليدية. وقد تغذى «يمير» على هذا الحليب. لم تستطع ~~الطفلة النحيلة تخيل كيف كان ذلك. كان العملاق شديد الضخامة. وهو الأب لكل عمالقة ~~الجليد، «الهيرمثرسيون»، الذين نبتوا من جسده الهائل. ففي الحفرة حيث تلتقي ذراعه ~~اليسرى بجذعه، تكونت المخلوقات، من ذكور وإناث؛ والتفت قدماه معا وتمخض منها ~~ذكر. وفي غضون ذلك كانت البقرة العظيمة منشغلة بالتهام الملح بلسانها النهم، ~~فكشفت أولا عن شعر مجعد، ثم لحم من الصقيع لعملاق آخر نائم، إنه «بر»، الذي أنجب ~~عملاقا آخر، ألا وهو «بور»، الذي وجد في مكان ما (أين؟ هكذا فكرت الطفلة النحيلة، ~~ورأسها مزدحم بالعمالقة الذين يملئون «جينونجاجاب») عملاقة تدعى «بيستلا»، والتي ~~أنجبت ثلاثة أبناء، وهم الآلهة الأولى: «أودين» و«فيلي» و«في». # وقد هاجم هؤلاء الإخوة الثلاثة «يمير» وذبحوه وقطعوا أوصاله. # حاولت الطفلة النحيلة تخيل هذا. وهو ما كان من الممكن تأمله إذا قلصت حجم كل ~~شيء، بحيث تصبح «جينونجاجاب» وكل ما تحتويه أشبه بكرة زجاجية سميكة، يهب داخلها ~~الضباب كالحبال، ويتمدد الرجل الطيني في الفضاء، متلألئا بالصقيع. لقد تسللت، ~~الآلهة الأولى، نحوه ومزقته بالأظافر، وبالأسنان، وبالمناجل، وبالخطاطيف، بماذا؟ لقد ~~مزقته إربا، وهي عبارة تعرفها جيدا. لم يكن لهؤلاء الآلهة الثلاثة وجوه؛ إذ لم ~~يكونوا أشخاصا، وكانوا يتحركون بخفة مثل ظلال سوداء راكضة، كالرجال القوارض، يطعنون ~~ويبحثون. لقد حدث الفعل الأول للآلهة الجديدة، بأول ثلاثة ألوان يراها البشر ~~ويسمونها: أسود، أبيض، أحمر. كانت «الفجوة» سوداء، ذات درجات عديدة من اللون الأسود، ~~سميكة وناعمة، براقة وغامضة. كان العملاق الجليدي أبيض اللون، باستثناء الأماكن التي ~~ألقت عليها أجزاؤه الضخمة ظلالا بيضاء بنفسجية؛ مثل الإبطين، وفتحتي أنفه الضخمتين، ~~وأسفل ركبتيه. مزقت الآلهة الجديدة «يمير» إربا وضحكت. تدفقت الدماء من الجروح التي ~~أحدثوها، وسالت من رقبته على كتفيه، وانزلقت كثوب ملتهب على صدره وخصره، واشتد ~~تدفقها، حتى ملأت الكرة الزجاجية ms13 باللون القرمزي المتدفق، وأغرقت العالم. كانت ~~دماؤه تتدفق بجموح لا يتوقف؛ فقد كانت هي الحياة التي تسكن بداخله، أسفل الطين ~~والجليد، ولكنها استنزفت حتى الموت. كانت هناك قصة في كتاب «أسجارد» لم تحبها الطفلة ~~النحيلة، وهي عن عملاق يدعى «بيرجلمير» بنى قاربا ونجا من الطوفان، فأصبح سلفا ~~للعمالقة الآخرين. لم تعجبها القصة لأن الكاتب الألماني قال إنها ربما تكون محاكاة ~~لقصة «نوح والطوفان». أرادت الطفلة أن تبقي هذه القصة منفصلة. # خلقت الآلهة العالم من العملاق الميت. شعرت الطفلة النحيلة بالانزعاج من اضطرارها ~~لتخيل ذلك؛ إذ لم يكن هناك مقياس يمكن لها قياس هذا العالم به، على الرغم من أنها ~~تمكنت من فهم الأشكال المظللة التي ربطت أجزاء «الإنسان» الميت بمخلوقات هذا العالم ~~وتكويناته. # من لحم يمير، # تشكلت الأرض. # ومن عظامه تشكلت الجبال، # ومن جمجمة العملاق الباردة كالصقيع # تشكلت السماء. # ومن دمه، # انبثق البحر وماج. # تشكلت البحيرات من عرقه، والأشجار من شعره المجعد. وداخل ~~التجويف الشاهق لجمجمته، تكونت السحب الجارية من دماغه. أما النجوم فربما كانت عبارة ~~عن شرارات شاردة من «موسبلهايم» احتجزتها الآلهة وثبتتها أسفل عظام الجمجمة. أو ~~ربما كانت عبارة عن أضواء فوق العظم، تلمح من خلال الشقوق والثقوب التي حدثت أثناء ~~قتل «يمير». # تغذت الديدان واليرقات بجميع أنواعها على اللحم العفن. جعلت الآلهة من هؤلاء ~~سكانا للكهوف، إنهم الأقزام، المخلوقات الخارقة القوية البطيئة، والجان الداكن ~~البشرة. وأخذوا حواجب «يمير» الكثيفة من جثته وصنعوا منها سياجا كثيفا، يطوق ~~«حديقة الأرض الوسطى»، «ميدجارد». وفي قلب «ميدجارد»، بنوا منزل الآلهة، «أسجارد». ~~أطلقت هذه الآلهة على نفسها اسم «إيسر»؛ أي الأعمدة، وكان «أسجارد» محاطا من كل اتجاه ~~ب «ميدجارد»، التي كانت بدورها محاطة بالبحر الدموي، الذي يقع خارجه «أوتجارد»؛ أي ~~العالم الخارجي، حيث تكمن الأشياء الرهيبة وتتسلل خلسة. # خلقت الآلهة أيضا الشمس والقمر، ومعهما الوقت. كانت الأرض عبارة عن جثة نابتة، ~~والسماء تجويف جمجمة. وكانت الشمس والقمر بشريين أيضا في هيئتيهما. كانت الشمس ~~امرأة مشرقة، تقود عربة يجرها حصان، يدعى «أرفاكير» (أي ms14 المستيقظ باكرا). وكان ~~القمر؛ «ماني»، فتى براقا يركب حصانه «ألسفيدر» (أي الشديد السرعة). وكانت الأم ~~«ليلة» تقود حصانا داكنا، يدعى «هريمفاكسي» (أي ذا العرف الجليدي)، ويتبعها ابنها ~~«نهار» على حصانه «سكينفاكسي» (أي ذا العرف المضيء). انطلقت هذه الأشكال البشرية، ~~تبدل بين العتمة والنور، في موكب لا ينتهي أسفل الجمجمة، فوق السحب. # كان هناك شيء غريب في هؤلاء السائقين والفرسان الساطعين والمظللين. ذلك حيث تلاحق ~~الذئاب كلا من الشمس والقمر لحاقا محموما ولصيقا، بأفواه مفتوحة، وتحاول نهشهما، ~~وهي تثب عبر الفراغ. لم تذكر القصة أي شيء عن كيفية خلق الذئاب؛ فقد ظهرت فجأة وبكل ~~بساطة، مزمجرة وداكنة. كانت الذئاب جزءا من إيقاع الأشياء. لا ترتاح ولا تتعب أبدا. ~~كان العالم المخلوق موجودا داخل الجمجمة، وكانت الذئاب التي تتجول في عقل الجمجمة ~~موجودة منذ بداية الموكب السماوي. # بنت الآلهة «أسجارد» بروعة. وصنعت أدوات وأسلحة، وأواني وأكوابا من الذهب؛ فقد ~~كان الذهب وفيرا، كما صنعت أقراصا ذهبية للرماية، ونحتت أشكالا ذهبية للعب الدامة ~~والشطرنج. كانت الآلهة قد خلقت الأقزام والمخلوقات الخارقة القوية البطيئة، والجان ~~الداكن البشرة والنور. وعند هذه النقطة، وبشكل يكاد يكون عرضيا، خلقوا البشر، ~~لإرضاء أنفسهم وتسليتهم. # كان هناك ثلاثة آلهة تركت «أسجارد» وذهبت للتمشية بغرض المتعة في الحقول الخضراء في ~~«ميدجارد». ذلك حيث تزهو الأرض بالعشب الأخضر والكراث الغض. هؤلاء الثلاثة هم «أودين»، ~~و«هونير»، و«لودر» الذي ربما كان «لوكي» السريع ولكن في هيئة أخرى، مثلما أوضح كتاب ~~«أسجارد». وصلت الآلهة الثلاثة إلى شاطئ البحر ووجدت هناك جذعين ميتين من شجرتين ~~مختلفتين، «أسك»، شجرة مران رمادية، و«إمبلا»، التي ربما كانت شجرة جار الماء، أو ~~الدردار، أو إحدى الكرمات. كان هذان الجذعان فارغين لا يحتويان على أي شيء. # كانا بلا عقل، # وبلا إحساس، # بلا دم وبلا صوت، # وبلا ألوان زاهية. # حولتهما الآلهة الثلاثة إلى مخلوقات حية. أعطاهم «أودين» العقل، ~~وأعطاهم «هونير» الحواس، بينما أعطاهم «لوكي» المتقد الدم واللون. وبذلك أصبحت ~~الآلهة القاتلة الثلاثة هي الآلهة الثلاثة المانحة للحياة، ولكن هذا على افتراض ms15 أن ~~«فيلي» و«في» اللذين اختفيا من القصة، قد حل محلهما ببساطة كل من «هونير» ولوكي، ~~مثلما ظنت الطفلة النحيلة. كان هناك دائما ثلاثة آلهة؛ فهذه هي القاعدة في جميع ~~القصص، سواء الأسطورية أو الخيالية. إنها «قاعدة الثلاث». كان الثلاثة في القصة ~~المسيحية هم الجد المستاء، والرجل الطيب المعذب، والطائر الأبيض ذو الأجنحة ~~المرفرفة. أما في قصة هذا العالم، كان أودين خالقا، وهكذا كان الإلهان الآخران ~~أيضا، فشكلوا معا ثلاثة. # تخيلت الطفلة النحيلة الرجل الخشبي الجديد والسيدة الخشبية الجديدة. كانت بشرتهما ~~ناعمة، وكأنها لحاء جديد، وعيونهما لامعة مثل الطيور اليقظة؛ حركا أصابع يديهما ~~وقدميهما ببطء واندهاش، مثل الفراخ أو الثعابين الصغيرة وهي تخرج من البيض، وتتعثر ~~قليلا بينما تتعلم المشي. فتحا فمهما ليبتسم كل منهما للآخر. لم يأكلا شيئا؛ ~~فقد كانا عبارة عن مادة نباتية ميتة؛ ولكن فميهما المليئين بالأسنان البيضاء ~~القوية والجديدة كانا يحويان أيضا الأنياب الحادة التي تميز آكلي اللحوم، كالذئب ~~الذي يقبع في الرأس. # لم يعرف بعد ذلك أي شيء عن مصائر «أسك» و«إمبلا» سواء السعيدة أو التعيسة. ~~وشأنهما شأن الكثير من الأشياء في هذه الحكاية، فهما يبقيان معا لفترة وجيزة، ثم ~~يعودان إلى الفجوة المظلمة. ولكن «أودين»، الإله، كان أحد محركي القصة. ولوكي ~~أيضا؛ إذ كان الإله الهائم الثالث من النوع المخادع فعلا، كما فضلت أن تعتقد ~~الطفلة النحيلة؛ لأن الروابط التي تحيك نسج الحكاية ستصبح أقوى لو كان موجودا وقت ~~خلق البشر. # سارت الطفلة النحيلة عبر الحقل الجميل في كل الظروف الجوية، وهي تحمل حقيبة كتبها ~~وأقلامها التي يتدلى منها القناع الواقي من الغاز، مثل العبء الذي كان يحمله المسيح ~~عندما يسير عبر الحقول، وهو يقرأ كتابه المقدس. وبينما كانت تسير، فكرت طويلا ~~ومليا في معنى الإيمان. إنها لم تصدق القصص الموجودة في كتاب «أسجارد والآلهة». ~~ولكن هذه القصص كانت ملتفة في جمجمتها كالدخان، وتطن فيها كما يطن النحل الداكن في ~~خليته. وقد قرأت القصص الإغريقية في المدرسة، وقالت لنفسها إنه ذات مرة كان هناك أناس ms16 ~~جلبوا «الإيمان» إلى هذه الآلهة المتقلبة والعدوانية، بيد أنها كانت تقرأ هذه القصص ~~مثلما تقرأ القصص الخيالية. «القط ذو الحذاء»، و«بابا ياجا»، وجنيات الليل التي تساعد ~~في الأعمال المنزلية، والعفاريت والجنيات، الحمقى منهم والخطيرين، وحوريات البحر، ~~وحوريات الغابة، والهيدرا، والحصان الأبيض المجنح؛ «بيجاسوس»، كل هذه القصص ~~والمخلوقات الخيالية منحت العقل المتعة التي يمنحها الخيال عندما يكون لفترة وجيزة أكثر ~~واقعية بكثير من العالم المرئي نفسه. ولكن هذه القصص لم تعش فيها، ولم تعش هي في ~~تلك القصص. # كانت الكنيسة تحتوي على بوابة صغيرة حقيقية، مثل تلك الموجودة في كتاب «رحلة الحاج»، ~~مكتوبة عليها عبارة «اطرق على البوابة، وستفتح لك». هرولت عبر تلك البوابة، ووضعت ~~الحقيبة والقناع، ثم حملت عبء ما كان مطلوبا منها تصديقه وهي «لا تستطيع» تصديقه، ~~وكانت تعلم، في أعماق عقلها وجسدها، وفي رئتيها اللاهثتين وفي الفراغ خلف عينيها، ~~أنها «لا تريد» تصديقه. كان بنيان سيجد عقابا رهيبا لها، كأن تنزلق في قدر من الزيت ~~المغلي، أو أن يحملها شيطان ذو مخالب بعيدا ويضعها فوق قمم أشجار الغابة. # تحدث القس بلطف عن المسيح اللطيف، وشعرت أنها «وقحة» إن لم تصدقه. # ما كان حيا في هذا المكان الحجري النظيف الذي تفوح منه رائحة دهان تلميع النحاس ~~والأخشاب، هو اللغة الإنجليزية. أيها الآب القدير والرحيم؛ لقد أخطأنا، وانحرفنا عن ~~طريقك كالخراف الضالة. لقد أسرفنا في اتباع أهوائنا ورغبات قلوبنا. لقد أسأنا إلى ~~نواميسك المقدسة. لقد تركنا ما كان يجب علينا فعله ولم نفعله؛ وقد فعلنا ما كان يجب ~~علينا ألا نفعله؛ وليس بنا صلاح. أما أنت يا إلهي، فارحمنا، نحن الخطاءون البائسون. ~~واعف، يا إلهي، عمن يعترفون بخطاياهم. # كانت الطفلة النحيلة تحفظ هذه الكلمات عن ظهر قلب. وترنمها أحيانا وهي تسير بجانب ~~السياج، مشددة على الكلمات للحفاظ على الإيقاع، وهي تتخيل الخراف الضالة وهي تثغو ~~وتحدق حولها في حقل رمادي. أما أسس العقيدة فلم تستطع ترديدها. إنها لم تؤمن لا ~~بالآب، ولا بالابن، ولا بالروح القدس. حاولت ترديد هذه الكلمات ms17 فشعرت كأنها الابنة ~~السيئة في الحكاية الخيالية، التي يمتلئ حلقها وفمها بالضفادع والعلاجيم ~~المتمعجة. # لقد صنعت لنفسها أسطورة عن المروج وهي تهرع ذهابا إلى المدرسة وتتلكأ إيابا منها ~~في أوقات الظهيرة الطويلة. كانوا يغنون، في الكنيسة، وفي المدرسة قائلين: # زهور الأقحوان هي فضتنا، # وزهور الحوذان هي ذهبنا؛ # فهذا هو كل الكنز # الذي يمكننا حمله أو امتلاكه. ~~••• # قطرات المطر هي ماساتنا، # وندى الصباح، # أما الياقوت المتلألئ # فهي زهور الفيرونيكا الزرقاء. # كانت الطفلة تحب رؤية الأشياء وتعلمها وتسميتها. الأقحوانات. ~~قسمت المرادف الإنجليزي لهذه الكلمة، # Daisies ~~، إلى ~~جزأين # Day’s eyes ~~، وتعلمته بشيء من المتعة. زهور ~~الحوذان، صفراء لامعة، لونها أجمل من الذهب، وزهور الهندباء الموجودة في كل مكان، شديدة ~~الصفرة ذات الأوراق المسننة ورءوس البذور الأنعم من الصوف، بذورها عبارة عن نقاط ~~سوداء كالضفادع الصغيرة التي تسبح في كرات من الهلام في البركة. في الربيع كان الحقل ~~يمتلئ بزهور بريمولا الصفراء؛ وفي سياج الشجيرات، وفي الضفة المتشابكة، وأسفل سياج ~~الزعرور البري وشجرة المران، تنتشر زهور بريمولا البيضاء وزهور البنفسج ذات الألوان ~~العديدة، من اللون الأرجواني الزاهي إلى اللون الأبيض الذي يميل إلى البنفسجي الفاتح. ~~والهندباء؛ أي ناب الأسد، مثلما أخبرتها والدتها. ذلك حيث كانت والدتها تحب الكلمات. ~~وكانت هناك نباتات البيقة ونبات قش الفراش، وزهور آذان الفأر الرومانسية والفيرونيكا، ~~وزهور قفاز الثعلب، والأخيون، وبقدونس البقرة، ونبات عنب الديب (الذي كان يغطي ~~الأسيجة الشجرية ويكللها)، وعشبة السنفية والغرنوقي، والحرف الزغبي، والكربل (وهو ~~مفيد لعلاج الجروح واللسعات)، والماميران الربيعي، والسيلين واللخنيس. كانت تراقب ~~كل واحدة منها، بينما تنبت في مجموعات شجيرية متناثرة عبر العشب، أو كزهور منفردة ~~مستترة في المصارف أو ملتصقة بالحجارة. # كانت الضفة المتشابكة تعج بأشكال الحياة، وهي ~~غير مرئية في معظمها، ومع ذلك كان من الممكن سماعها، في حركتها وسط حفيف الأوراق ~~الميتة، وسكونها وهي تنصت إلى الطفلة المنصتة. كان بإمكانك سماع انتباه طائر مخفي، أو ~~جثوم فأر من فئران الحقول. شاهدت العناكب تنسج أفخاخها الهندسية المتقنة، أو تقبع ~~تحت قمع حريري ms18 سميك وجذاب. كانت هناك أسراب من الفراشات، في أوقات مختلفة من العام، ~~فراشات صفراء وبيضاء وزرقاء وبرتقالية وسوداء مخملية. وامتلأت الحقول بالنحل الطنان ~~المرتشف. وسكنت الطيور الفروع والسماء. وحلق طائر القبرة عاليا من الأرض ~~العارية وصولا إلى السماء الزرقاء وهو يغرد. وضربت طيور السمنية الحلزونات في ~~الحجارة تاركة وراءها بساطا متكسرا من القواقع الفارغة. وقفزت الغربان بخطى ~~واسعة ونعقت وتجمعت في مجموعات كبيرة لامعة على قمم الأشجار. وحلقت أسراب ضخمة ~~من طيور الزرزور عاليا منطلقة وكأنها جناح أسود كبير، والتفت كأنها سحابة من ~~الدخان. وصاحت طيور الزقزاق. # كانت الطفلة النحيلة تنقب عن الضفادع الصغيرة والأسماك الصغيرة في البركة، والتي ~~كان هناك عدد لا نهائي منها. وجمعت باقات كبيرة من الزهور البرية، وزهور بريمولا ~~الصفراء المليئة بالعسل، وزهور أم رويس في وسائد زرقاء، وزهور النسرين، وأخذتها إلى ~~المنزل، حيث لم تعش هذه الزهور طويلا، وهو أمر لم يهمها؛ لأنه دائما ما كان يزهر ~~المزيد محل التي قطفت. ازدهرت الزهور ثم ذبلت وماتت ولكنها دائما ما كانت تعاود ~~الإزهار في الربيع التالي، وستظل تزهر حتى بعد فترة طويلة من وفاتها هي شخصيا، ~~هكذا فكرت الطفلة النحيلة. ربما أكثر زهرة كانت تحبها من بين بقية الزهور هي زهرة ~~الخشخاش البري، التي جعلت الضفة الخضراء قرمزية اللون كالدم. كانت تحب قطف برعم ~~مكتنز على وشك التفتح، وذي حواف خضراء مزغبة. كانت تفتح تخت الزهرة بأصابعها، ~~وتستخرج البوغ الأحمر الحريري المجعد - والذي ظنت أنه رطب قليلا - وتنثره في ~~ضوء الشمس. كانت تعلم في قرارة نفسها أنها ينبغي ألا تفعل ذلك. فقد كانت تنهي حياة ~~قبل أوانها، وتحدث خللا في المسار الطبيعي للأشياء، من أجل متعة إشباع فضولها وإلقاء ~~نظرة على قلب الزهرة القرمزي المجعد والمزخرف والمتواري. لقد ذبل هذا القلب على ~~الفور تقريبا بين إصبعيها. ولكن كان هناك دائما المزيد والمزيد منها. كانت كل أشكال ~~الحياة في الأصل شيئا واحد؛ الحقل، والسياج ، وشجرة المران الرمادية، والضفة ~~المتشابكة، والمسار المعتاد، وأشكال الحياة التي لا تعد ولا ms19 تحصى، والتي كانت ~~الطفلة النحيلة، بعدما وضعت حزمتها وقناع الغاز الخاص بها على الأرض، واحدة من بين ~~الكثير منها. ~~(5) أسجارد # كانت الآلهة في «أسجارد» تتناول الطعام الفاخر في أطباق ذهبية، وتحتسي شراب «الميد» ~~في كئوس ذهبية. كانوا يسعدون بالمشغولات المعدنية، ولا سيما تلك التي تصنع من ~~الذهب، وكانوا يكتنزون كميات ضخمة من الحلي والخواتم السحرية التي يصنعها ~~الحدادون داكنو البشرة من الأقزام. كانوا يمارسون الخدع المضحكة بعضهم على بعض، ~~ويتشاجرون. وذهبوا إلى حافة دائرة «ميدجارد» وواجهوا العمالقة، ثم عادوا وتغنوا ~~بمديح أنفسهم. شكلت الطفلة النحيلة وجهة نظر مفادها أن الجنة المسيحية ~~و«الاسكندنافية» كلتاهما مملتان؛ ربما لأن البشر الفانين لا يستطيعون فهمهما. فها هم ~~القديسون، في الترنيمة التي غنوها، يلقون بتيجانهم الذهبية حول بحر شفاف لامع. ~~كانت كلمات الترنيمة: بحر شفاف، ذهبي، جميل. ولكن الخلود كان يهدد بإصابة الطفلة ~~النحيلة بالملل. # عاش «أودين»، حاكم الآلهة، في «فالهالا»، أو «فالهول»، والتي تعني قاعة القرابين. ~~وهي قاعة شاسعة. إنها قاعة مسقوفة بدروع ذهبية ولها خمسمائة باب. كان سكانها هم ~~«الإينهيرجار»؛ أي المحاربون القتلى الذين اختطفوا في لحظة مقتلهم من ساحة المعركة من ~~قبل عذراوات «الفالكيري» المجنحات اللاتي يحملن دروعا. كانت المعارك هي ما عاشوا ~~من أجله. كانت المعارك هي مهنتهم الأبدية. ذلك حيث كانوا يخرجون كل يوم ويتقاتلون حتى ~~يتجرعوا الموت المرير. وفي كل مساء يعادون إلى الحياة من جديد ويتناولون في «فالهول» ~~اللحم المشوي للخنزير «ساهرمنير»، الذي، بعدما تشرب دماؤه ولا يتبقى منه سوى ~~عظامه، يعاد إحياؤه مرة أخرى، فيصدر شخيرا ويعود صلب البنية لكي يذبح مرة أخرى، ~~ويشوى ويؤكل، يوما تلو الآخر ويستمر هكذا إلى الأبد. # ارتجفت الطفلة النحيلة خوفا وانفعالا من فكرة أن «أودين» كان إلها شريرا ~~وخطيرا. لقد كان إلها معاقا، إلها أعور قدم إحدى عينيه ثمنا للمعرفة السحرية ~~التي تجرعها من بئر «أورد»، التي يقبع فيها الرأس المقطوع للعملاق «ميمير»، من سلالة ~~«يوتن»، يقص التاريخ، والقصص، وتعاويذ القوة، وقصائد الحكمة المكتوبة بالأحرف ~~الرونية. كان «أودين» إلها متواريا، يتنكر ms20 في زي رجل عجوز يرتدي عباءة رمادية ~~وقبعة تواري محجر عينه الفارغ. كان إلها يسأل أسئلة ملغزة ويدمر من يقدمون ~~إجابات خاطئة. وكان يحمل رمح الحرب، «جونجنير»، الذي نحتت عليه حروف رونية تكشف ~~أسرار البشر والوحوش والأرض. وقد صنع الرمح من غصن اقتلع من «إجدراسيل» نفسها. ~~وبعدها شذب حتى أصبح على شكله الحالي. وقد ترك جرحا وندبة لدى «أودين» (وكان أول ~~من سرد هذا الجزء من القصة هو ريتشارد فاجنر). # صور «أودين» في كتاب «أسجارد» في قصر الملك العملاق «جيرود» الذي ربط معصمي ~~الزائر المجهول بالحبال وشدهما وجعله يحترق بين نارين. وهي صورة جيدة؛ فقد كان الشكل ~~الأسود الغامض جاثما بين ألسنة اللهب المستعرة، لا مبتسما ولا عابسا، بل واجما. ~~بعد ثماني ليال دون طعام أو شراب، قدم إلى الزائر بوقا من الجعة، فراح يغني ~~وصوته يعلو أكثر فأكثر أغنية لأسجارد والمحاربين في فالهول ولإجدراسيل التي تضرب ~~بجذورها في كل جذور العالم. ثم كشف عن نفسه، فسقط الملك على سيفه. كان أودين إلها لا ~~يمكن توقعه، وكان يقبل قرابين بشرية في هيئة «نسور دامية» مربوطة بجذوع الأشجار، برئات ~~وأضلع ممزقة. وعلى الرغم من أنه إله، فقد عانى هو نفسه من العذاب، وهو ما جعله أشد ~~بأسا وأكثر حكمة وخطورة. # أعلم أنني كنت معلقا على شجرة في مهب الريح، # تسع ليال طويلة، # مصابا برمح يخص «أودين»، # وحيدا، معلقا على تلك الشجرة، التي لا يعلم أي إنسان. # من أين تمتد جذورها. ~~••• # لم يعطوني خبزا ولا رشفة ماء من قربة، # نظرت إلى أسفل؛ # أخذت الأحرف الرونية، أخذتها وأنا أصرخ، # ثم عدت من هناك. ~~••• # تعلمت تسع تعويذات قوية ... # كان «أودين» هو إله «الصيد البري». كما كان أيضا «الجيش الغاضب». وهو ~~جيش طيفي من الرجال المسلحين والصائدين، الذين يمتطون أحصنتهم ويصطحبون كلاب صيدهم، ~~وينطلقون عبر السماء. لا يتعبون ولا يتوقفون أبدا؛ فبينما كانت الأبواق تعوي في ~~الرياح، وحوافر الخيل تضرب، كانوا يحومون في مجموعات خطيرة تدور وتنعطف كأسراب طيور ~~الزرزور الوحشية. كان لحصان «أودين»، «سليبنير»، ms21 ثماني أرجل، وكان ركضه مدويا ~~كالرعد. في الليل، كانت الطفلة النحيلة داخل غرفة نومها المعتمة تسمع أصواتا في ~~السماء، وأنينا بعيدا، وصوت الأزيز والخفقان العنيف لمراوح الطائرات، وصوت الرعد وهو ~~يمر فوقها مباشرة ثم يختفي. لقد حدثت مشاهد التحطم واندلاع الحريق على مرأى ومسمع ~~منها عندما قصف مهبط الطائرات القريب من بيت جدها وجدتها. واختبأت مرتعبة في خزانة ~~أسفل السلم مثلما علم الناس أن يختبئوا، ويستلقوا منبطحين على الأرض، أثناء مرور ~~«جيش الصائدين». كان «أودين» هو إله الموت والمعارك. لم يكن هناك الكثير من حركة المرور ~~عبر أطراف المدينة الصغيرة التي تعيش فيها الطفلة النحيلة. معظم ما كان موجودا يشار ~~إليه باسم «القوافل»، وهي كلمة اعتقدت الطفلة النحيلة أنها مرادفة لمواكب المركبات ~~ذات اللون الكاكي، وهي تهتز وتسحق الأرض أثناء مرورها. كان بعضها يحمل شبانا يجلسون ~~في مؤخرة الشاحنات، يبتسمون للأطفال الملوحين، ويهتزون مع حركة الشاحنات. كانوا ~~يجيئون ويذهبون. ولم يعلم أحد إلى أين أو من أين. لقد كانوا «رجالنا». تخيلت الطفلة ~~والدها وهو يحترق في السماء فوق شمال أفريقيا. لم تكن تعلم أين تقع شمال أفريقيا. ~~تخيلته بشعره الأصهب المتوهج وهو يحترق داخل طائرة سوداء، وصوت مراوح الطائرة ~~يضج في السماء. كان الطيارون هم «الصائدين البريين». كانوا خطرين. ولو سقط أي ~~صائد عن جواده، يتفتت إلى غبار، هكذا قرأت الطفلة. كانت قصة جيدة، وذات معنى؛ فهي ~~تمزج بين الخوف والخطر، والأشياء الخارجة عن السيطرة. # في النهار، هناك الحقول المشرقة. أما في المساء، فقد كان الهلاك يدمدم في ~~السماء. ~~(6) الذئب ما هو إلا إنسان # ثم كان هناك «لوكي». وهو كائن لم يكن من الآلهة «الإيسير» ولا العمالقة «سلالة يوتن». ~~ولم يكن يعيش، لا في «أسجارد» ولا «يوتنهايم». كانت «الإيسير» محددة الهدف. فالذكور ~~منهم يركزون على المعارك والطعام، بينما تركز الإناث على الجمال، والغيرة، ~~والخواتم والقلادات. وقد عاشت الجميلة «إيدونا» في الغصون «إجدراسيل» الخضراء وزرعت ~~تفاح الشباب البراق، الذي كانت تطعمه للآلهة. ذات مرة، عندما أمسك عملاق ب «إيدونا» ~~وتفاحها، اتخذ ms22 «لوكي» شكل صقر وحملهما بمخالبه إلى المنزل. كان «لوكي» وحده، من بين ~~الآلهة، هو من يمكنه تغيير هيئته. كان يركض عبر مروج «ميدجارد» على هيئة فرس جميل. ~~جذب هذا الوحش الجميل انتباه الفرسة السحرية للعملاق الذي بنى جدران «أسجارد» بشدة، ~~حتى إنها أنجبت لاحقا «سليبنير»، فرس «أودين» ذا الثماني أرجل. واتخذ «لوكي» هيئة ~~ذبابة مزعجة، سرقت قلادة «فريا» الذهبية، «بريسينجامن». ذلك حيث كان على دراية بالأماكن ~~السرية. # كان يتنكر في هيئة مزارعة بريئة تحلب الأبقار، وكان بإمكانه تغيير جنسه مثلما ~~يغير هيئته. كان مخادعا. وقد صارع نافخ البوق «هايمدال» في هيئة فقمة. واتخذ ~~هيئة سمكة سلمون تقفز فوق الشلالات، أو تنزلق بسلاسة تحت سطح الماء. # اعتقد الألمان أن اسمه كان مرتبطا باللهب والنار، «لوهي»، «لوجي»، «لوجاي». كان ~~يعرف أيضا باسم «لوبتر»، إله الهواء. ولاحقا دمج الكتاب المسيحيون بينه وبين ~~«لوسيفر»، أو «لوكيفر»، حامل النور، والابن العاصي للصباح، العدو. كانت الروايات تؤكد ~~دائما أنه جميل، ولكن جماله من الصعب تحديده أو رؤيته، وهذا لأنه كان دائم البريق، ~~والوميض، والذوبان، والامتزاج، وهو على شكل لهب عديم الشكل، وكان الخيط المعاكس ~~للأشكال الإبرية التي ترى في الكتلة الضخمة للشلال العديمة الشكل. كانت الريح غير ~~المرئية التي دفعت السحاب في مجموعات كبيرة أو شرائط رقيقة. يمكنك أن ترى شجرة ~~جرداء في الأفق محنية بفعل الرياح، وتحمل أغصانا ملتوية وفروعا محنية، ولكن فجأة ~~تتحول هيئتها غير محددة الشكل إلى المخادع «لوكي». # كان مسليا وخطيرا، وفي الوقت نفسه لم يكن طيبا ولا شريرا. أما «ثور» فقد كانت ~~شخصيته أشبه بمتنمر الفصل الذي ارتقى مستواه إلى إحداث الرعد الهادر والأمطار ~~الجارفة. كان «أودين» هو القدرة والنفوذ، وهو من يسير الأمور. أما «لوكي» المتحور ~~المراوغ، فهو يشع دهشة ويمتع نفسه. # كان الآلهة يحتاجون إلى «لوكي» لأنه ذكي وضليع في حل المشاكل. عندما يحتاجون إلى نقض ~~الصفقات التي أبرموها بتهور مع العمالقة في أغلب الأوقات ، فإن «لوكي» هو من يساعدهم ~~في التملص منها. كان إله النهايات. وكان يقدم الحلول ms23 التي تنحل بها عقدة ~~الحكايات إذا أراد ذلك. ولكن غالبا ما كانت النهايات التي يختارها تؤدي إلى المزيد ~~من المشاكل. # لم تبن المذابح ل «لوكي»، ولم تنحت التماثيل له، ولم يكن معبودا. كان في ~~الأساطير هو الثالث والأخير في الثالوث، الذي ضم كلا من «أودين» و«هودير» ولوكي. في ~~الأساطير، دائما ما يأتي الأهم أولا في ترتيب الثالوث. لكن في القصص الخيالية ~~والفولكلورية، التي تلعب فيها هذه الآلهة الثلاثة أدوراها أيضا، تختلف قاعدة ~~الثلاثة؛ إذ يصبح اللاعب الأهم هو اللاعب الثالث؛ ألا وهو الابن «الأصغر»: ~~«لوكي». # كانت له زوجة تحبه في «أسجارد» اسمها «سيجين»، وابنان: «فالي» و«نارفي». # ولكنه كان دخيلا جامحا، ويميل إلى كل ما هو متطرف. # كانت الطفلة النحيلة، بعدما تقرأ هذه الحكايات وتعيد قراءتها، تشعر بأنها لا تكن ~~حبا ولا كراهية تجاه الموجودين فيها؛ إذ لم يكونوا «شخصيات» يمكنها أن تشغل خيالها ~~الخاص بأفعالهم. وكقارئة، فقد كانت متابعة جادة، وأحيانا منزعجة، وأحيانا أخرى ~~مبتهجة. ولكنها استثنت «لوكي» من ذلك تقريبا. كان وحده بين كل هذه المخلوقات يتمتع ~~بروح الدعابة والذكاء. كانت هيئاته المتغيرة جذابة، وبراعته ساحرة. كان يشعرها ~~بعدم الارتياح، ولكن لديها مشاعر تجاهه، أما الآخرون؛ «أودين» و«ثور» و«بالدور» الجميل، ~~فقد كانوا كما هم؛ هيئاتهم ثابتة لا تتغير، وهم حكماء وأقوياء ويتسمون ~~بالجمال. # شرقا تسكن العجوز في «الغابة الحديدية»، # تربي الذئاب من سلالة «فنرير»، # أحدهم مقدر له، يوما ما، # أن يصبح الوحش الرهيب الذي يدمر القمر. # كانت الغابة الحديدية، «آيرنوود»، تقع خارج جدران «أسجارد»، وخارج مرج ~~«ميدجارد»، وهي مكان مظلم شيطاني، تسكنه كائنات كل منها نصفه حيوان ونصفه الآخر ~~إنسان، أو حتى نصفه إله، ونصفه شيطان. والعجوز التي تشير إليها القصيدة هي «أنكربودا»، ~~جالبة العذاب، وهي عملاقة ذات وجه شرس، وترتدي ثيابا من جلد الذئب وفرائه، ولها ~~مخالب في أيديها وأرجلها، وأسنان حادة. لعب «لوكي» معها، متموجا كاللهب في جسدها ~~وفوقه ، كان يمتعها غصبا، حيث يمسك بها ويعانقها ويهرب منها، ويقتحمها دون ~~أن تتمكن من الإمساك به. كانا يتبادلان ms24 الحديث عبر الزمجرة والحفيف. لم تكن «سيجين» ~~لتتعرف على «لوكي» الشرس هذا ولا على عوائه المنتصر وهو يضع بذرة نسله داخل ~~«أنكربودا». هل تنبأ «لوكي» بشكل أطفاله؟ كان أحدهم ذئب جرو، مسلحا بالفعل ~~بمجموعة من الأسنان الحادة يقبع خلفها حلق أسود. وطفلة أخرى هي أفعى مرنة، ذات تاج ~~من قرون الاستشعار اللحمية وأسنان حادة كأسنان أخيها، ولكنها كانت مستدقة كالإبر. كان ~~لونها ذهبيا باهتا مع بريق أحمر قرمزي على قشورها وهي تتمدد وتلتف. # أما الثالثة، فكانت امرأة من العمالقة أو الآلهة. ذات لون أو ألوان غريبة. هيئتها ~~قاسية، ومستقيمة القامة، مع سيقان طويلة، ويدين قويتين متمكنتين، وقدمين ثابتتين. ~~كان وجهها قاسيا؛ إذ لا توجد كلمة أخرى لوصفه. ووجنتاها منحوتتان، وفمها عريض، غير ~~مبتسم، وبداخله أسنان حادة قوية، كأسنان الذئب، لتمزيق أعدائها. وأنفها رفيع، ~~وحاجباها داكنان كالدخان، كالكناية «الأعشاب البحرية للتلال»، التي تستخدم في العالم ~~السفلي للإشارة إلى «الغابة». وفي تجويف العين استقرت عينان داكنتان لا تطرفان، ~~كبرك القطران، أو الآبار التي لا ينعكس الضوء فيها. أما لونها، فقد كانت نصف سوداء، ~~ونصف زرقاء. وقال من رأوها أيضا إن نصفها كان جسدا حيا، والنصف الآخر ميت. وفي ~~بعض الأحيان كان الخط الفاصل بين اللون الأسود واللون الأزرق يقسمها بدقة، ويمتد من ~~أعلى رأسها، مرورا بأنفها الطويل، وذقنها، وعظام صدرها، وعانتها، وصولا إلى الفراغ ~~بين القدمين. ولكن في أحيان أخرى كان اللونان الأسود والأزرق يمتزجان معا. كانا ~~جميلين؛ فقد كان اللون الأزرق مثل آخر خط من زرقة السماء يعانق ظلمة الليل القادمة. ~~وكان لون الكدمات الموجودة على لحمها المهترئ أو الميت بشعا. كانت تنام عارية، ~~منكمشة وملتفة مع أخويها البشعين، بقشورهم، وفرائهم، وخطومهم، وأنيابهم، ~~وجفونهم التي تخفي عيونا حادة غاضبة. وهم يصدرون أصوات فحيح وخرخرة صاخبة. لقد ~~أسعدوا «لوكي». ذلك حيث كان يطعمهم ويشاهدهم وهم يكبرون. ولكن من كان يدري ما قد ~~يفعلونه؟ لقد كبروا، أكثر فأكثر. # جلس «أودين» على عرشه، «هليدسكيالف»، ممسكا بحربته، «جنجنير»، وهو يتفقد ~~«أسجارد» و«ميدجارد» و«يوتنهايم» و«آيرنوود». أخبره ms25 غرابان أسودان، وهما «هوجين» (أي ~~الفكر) و«مونين» (أي الذاكرة)، بما رأياه أثناء تحليقهما. فأدار وجهه القاسي نحو ~~«آيرنوود». # كان «لوكي»، في البداية، في الزمن الذي غمرت فيه دماء «يمير» المتدفقة «الفجوة»، ~~أخا «أودين» بالتبني. وقد أقسما بدمائهما على عهد الأخوة، وركبا القارب نفسه وأبحرا ~~فوق هذا الدم. أما الآن فقد فرض «أودين» النظام، بينما ابتسم «لوكي» للفوضى. علمت ~~الآلهة أن الوحوش الثلاثة خطيرة، وأنها ستصبح أكثر خطورة. ومن ثم أرسل «أودين» قوة ~~لجلبهم، تتألف من «هيرمودر» الساطع و«تير» إله الصيد. فعبرا الجسر المشرق «بيفروست»، ~~الذي يربط «أسجارد» بالعوالم الأخرى، وعبرا النهر «إيفينج» حتى وصلا إلى حيث كان ~~«لوكي»، في أرض «الهيرمثرسيين» المظلمة. وقبضا على الوحوش الثلاثة وعادا بهم إلى درجات ~~سلم «هليدسكيالف». فتثاءب الذئب. بينما لفت الأفعى نفسها على شكل عقدة. أما ~~«هيل» فوقفت جامدة، بلونيها الأزرق والأسود، وهي تحدق. # ومن ثم تصرف «أودين». فألقى باثنين منهم في الفضاء. حيث أضاءت الأفعى الصغيرة ~~في الهواء ضوءا باهتا، وسقطت، ثم طارت، ثم سقطت مرة أخرى، وهبطت على سطح المحيط ~~الأسود اللامع الذي يحيط ب «ميدجارد». تمددت، وسبحت لبعض الوقت، وهي ترتفع وتهبط ~~على الأمواج. ثم هوت أو غطست في الماء، واختفت عن الأنظار. فصفق الآلهة. # أخذ «أودين» «هيل» وألقاها نحو «نيفلهايم»، أرض الضباب والبرودة والظلام. فبقيت ~~جامدة، مثل سهم انطلق من أحد الأقواس، أو صاروخ ذي مقدمة حادة مستدقة الطرف، وظلت ~~مندفعة، وظلت تهبط إلى الأسفل أكثر فأكثر؛ إذ ظلت تسعة أيام تسقط ويتقلب عليها ~~ضوء الشمس، وضوء القمر وضوء النجوم، متجاوزة عربات الشمس والقمر، وأطراف شجر الشوح ~~الصنوبري مرورا بجذورها، ثم دخلت في المستنقعات والبرك المظلمة في «نيفلهايم» ومرت ~~من خلالها، ثم مرت عبر التيار البارد لنهر «جيول» وصولا إلى «هيلهايم»، حيث كان ~~عليها أن تحكم الموتى من البشر الذين لم يحالفهم الحظ بالموت في المعارك، فيما ~~يسمى أرض الظلال. كان الجسر الذي يمر فوق «جيول» جسرا ذهبيا، والسياج الذي ~~يحيط ب «هيل» سياجا حديديا شاهقا ولا يمكن اجتيازه. أما ms26 داخل القاعة المظلمة ~~فقد كان هناك عرش ينتظر المخلوقة السوداء المزرقة، ذات الكدمات، تلك الإلهة والطفلة ~~الوحشية، كما كان هناك تاج موضوع على وسادة سوداء، مصنوع من الذهب الأبيض، وأحجار ~~القمر، واللؤلؤ الذي يشبه دموعا متجمدة، والبلورات التي تشبه الصقيع. وعندما حملت ~~التاج والعصا الموضوعة بجانبه، بدأ الموتى يتدفقون إلى قاعتها مثل الخفافيش الهامسة، ~~مثل أشباح لا تعد ولا تحصى. رحبت بهم دون أن يعتلي وجهها أيما ابتسامة. كانوا ~~يلتفون حولها، وهم يصفرون بضعف، أما هي فقد أحضرت أطباقا من الفاكهة واللحم ~~الطيفيين، وأكوابا تحتوي على طيف شراب الميد، تعلوه فقاعات طيفية عند الحافة. # وماذا عن الذئب، ما الذي حل به؟ تجري الذئاب بقوة عبر غابات العقل. ويسمع البشر ~~عواءها في الظلام، مثل الموسيقى الطارئة الملحة، وكأنها جوقة جذلة تتبادل الألحان؛ ~~كانت الذئاب الراكضة الواثبة المتسللة، التي لا تكل ولا تمل، غير مرئية وقابعة داخل ~~الرأس. وهناك، أيضا، الفرو الخشن، والخطم، والأسنان، والدم. ينعكس ضوء النار وضوء ~~البدر في عيون الوحوش، ويتلألأ في الظلام، كبقع من الضوء تسطع في الظلال الداكنة. ~~يحترم البشر الذئاب؛ لما تمتاز به قطعانها من قرب ودفء، ولبراعتها في المطاردة، ~~ولعوائها وزمجرتها، التي هي بمثابة رسائل ترسلها من حلوقها. كان لدى «أودين» في ~~«أسجارد» جروان أليفان يرقدان عند قدميه، وهو يلقي إليهما اللحم الذي لم يتناوله. إن ~~الذئاب حرة ووحشية، وهي أسلاف الكلاب، التي تهوى الجلوس بجانب المدفأة وتتسم بحب ~~المطاردة، والتي استبدلت بقائد قطيعها آخر بشريا. وقد كون البشر والآلهة قطعانهم ~~الخاصة لمطاردة وقتل قطعان الذئاب. ربما أخذت جراء الذئاب من أحد المخابئ بعدما ذبح ~~والداهم، وأطعمت الحليب واللحوم، وجلبت من البرية. ربما جلس جرو وحيد على مؤخرته ~~عند حافة إحدى الأراضي المقطوعة الأشجار وعوى، فأخذته امرأة وأطعمته وروضته. إنهم ~~يوجهون خطامهم نحو القمر ويعوون. # كان الإله «تير» صيادا ومقاتلا. وهو يرتدي عباءة من جلد الذئب؛ بينما ثبتت الرأس ~~الميتة الضخمة فوق وجهه الملتحي، شعثاء عمياء مكشرة عن أنيابها. عندما تردد ~~«أودين» حول كيفية التخلص ms27 من الجرو «فنريس»، قال «تير» إنه سيأخذه، ويطعمه، وربما ~~يروضه، كي يصطاد معه. زمجر «فنريس» في حلقه وأرجع أذنيه إلى الخلف متأهبا. ~~تساءلت الطفلة النحيلة في زمن الحرب: لماذا ببساطة لم يقتل أودين الذي يعلم كل شيء ~~الذئب والثعبان، اللذين كانا سامين ومروعين بكل وضوح، وكذا مشحونين بالعداء ~~تجاه آلهة «الإيسير». لكن من الواضح أنه لم يستطع فعل ذلك؛ فقد كان مقيدا ببعض ~~القوة الأخرى، التي شكلت القصة التي كان هو جزءا منها. قررت القصة أنه لا بد من ~~بقاء المدمرين على قيد الحياة. وكل ما يمكن للآلهة فعله هو كبح الوحوش وتعطيلها. ~~اعتقد «تير» أنه يعرف الذئب؛ وهذا لأنه كان يعرف كل ما هو بري جامح. فأخذه إلى غابة ~~«ميدجارد» وأطعمه، وركض معه عبر الأشجار. لقد لعبا معا، وعندما يكبر الوحش، ~~سيصطادان معا. # ومن ثم كبر الذئب. وكان مثل والده جامحا. اخشن صوته وعلا، فكان يصدر ~~سلسلة من الزمجرات المتدرجة، والنباح الخافت، والعواء الكامل المرتفع الذي كان ~~يمكن سماعه أعلى وأعلى في «أسجارد» البعيدة. كان هذا العواء بالنسبة إلى «تير» هو ~~موسيقى البرية الجامحة. بالنسبة إليه هو فقط. أصبح الجرو اللعوب صغيرا واثبا بحجم ~~الخنزير، وكان ينمو كل يوم. كان يقتل من أجل المتعة، وهو ما أرجعه «تير» إلى ~~اللعب واللهو الذي يتسم به الصغار. فهو يترك أرانب نازفة في الجليد، وصغار غزلان ~~بأحشاء ممزقة في الغابة. وقد كبر حتى صار في حجم الحمار، ثم المهر، ثم العجل. كان ~~صدى صوته المدوي يتردد في «ميدجارد»، أما صمته فكان نذير شؤم؛ ذلك أنه يعني أنه ~~يتربص بإحدى الفرائس ويطاردها، ولم يكن أحد يعرف - ولا حتى الآلهة - ما الذي ينوي ~~مطاردته بعد ذلك. أحضر له «تير» أجزاء كاملة من لحم الخنزير والإوز النافق ليرضيه ~~ولينال ثقته. فكان «فنريس» يبتلع، ويعوي، ويقتل. # قررت الآلهة تقييد الذئب. كانت الكلمات التي استخدمها البشر لوصف الآلهة هي نفسها ~~التي استخدموها للتعبير عن القيود أو الروابط، وهي الأشياء التي تجعل العالم ~~متماسكا، ضمن الحدود المسموح بها، ms28 وهو ما يمنع اندلاع الفوضى والشغب. حكم «أودين» ~~بحربة مصنوعة من فرع مأخوذ من «إجدراسيل»، ومنحوتة عليها الأحرف الرونية لكلمة ~~العدالة، حربة جلبت الحرب إلى العالم لحل النزاعات، حربة قضت على المحاربين ~~وقادتهم إلى «فالهالا» حيث يتناولون لحم الخنزير المشوي والعسل، ويلعبون الشطرنج إلى ~~الأبد. تحكمت الآلهة في زمام الأمور. كان الذئب هو الابن الغاضب ل «لوكي» الغامض ~~والمتقلب، الذي سخر من رسمياتهم وقال إنها لن تنتهي نهاية جيدة. ولكن شيئا ما في ~~مفهومهم حول النظام دفعهم أن يقرروا تقييد الوحش الضخم وتعذيبه فحسب، بدلا من ~~محاولة قتله. ولكي يتحقق لهم ذلك كان عليهم التصرف بدهاء حتى يتمكنوا من ~~خداعه كي يتعاون معهم، وإخضاعه. # ومن ثم صنعوا قيودا قوية أطلقوا عليها اسم «ليدنج»، وذهبوا في عصبة إلى الذئب في ~~الغابة، وتحدثوا إليه بلطف، وقالوا إنهم أحضروا له هذه اللعبة كي يستعرض قوته. ~~قالوا إنهم سيقيدونه بها على سبيل المتعة، وإنه سيكسرها ويتحرر، ويظهر لهم ~~قوته العضلية والعصبية. ارتفع شعر عنقه متأهبا، ونظر إليهم نظرة باردة حذرة، ~~وضاقت حدقته حتى صارت كالدبابيس. وقال إنه يمكنه فعل ذلك، وهو يلف عضلاته القوية ~~المنحوتة تحت فروته اللامعة. ولكن لم عليه فعل ذلك؟ كانوا قد راهنوا، حسبما ~~قالوا، على مواجهة الوحش عند حافة الأرض المقطوعة الأشجار، حيث يمكن أن يختفي في ~~الغابة المظلمة، أو يثب مهاجما الآلهة بأسنانه ومخالبه، وراهنوا على المدة التي ~~سيستغرقها للتحرر من القيود. كان يمكن لنافخ البوق «هايمدال» الذي يحرس بوابة ~~«أسجارد» الشاهقة أن يسمع العشب وهو ينمو على الأرض، والصوف وهو يخرج من جلود الغنم. ~~ولذا أمكنه سماع دماء الذئب النابضة، وفروته وهي تتمدد. «العب معنا.» هكذا قال ~~للوحش، الذي ألقى نظرة حذرة على «ليدنج» واستلقى على أرض الغابة ورفع كفه الضخم ذا ~~المخالب. فأخذوا القيد، وقيدوا قدميه، وكتفوهما معا، وقيدوا فكه متجنبين رائحة ~~أنفاسه اللحمية الساخنة، وحملوه كثور مهيأ للشواء. أطلق صوتا مخنوقا، وهز رأسه ~~يمينا ويسارا، وسعل داخل حلقه المقيد، ثم سعل مرة أخرى، وهز نفسه، حتى ms29 انتفخت ~~جميع مفاصله، فانشق القيد والتوى ثم سقط على الأرض. وقف الذئب على قدميه وحدق ~~في الآلهة وأصدر صوتا بين العواء والخرخرة، وهو ما كانوا يعرفون أنه ضحك. نظر إليهم، ~~وهو يتوقع المزيد من اللعب تقريبا، ولكنهم تراجعوا وعادوا إلى «أسجارد». # أخبروا حداديهم أنه يتعين عليهم القيام بعمل أفضل من ذلك. فصنعوا سلسلة جديدة، ~~بحلقات مزدوجة، ومدمجة معا بمهارة. كان اسمها «درومي». فأخذوا السلسلة الجديدة ~~إلى الذئب، الذي وضع رأسه على جانب واحد، ليقيس قوتها. وقال إنها قوية جدا. كما ~~قال أيضا إن حجمه قد زاد منذ أن حطم «ليدنج». فقالت الآلهة إنه سيصبح وحشا ~~مشهورا إذا تمكن من التعامل مع مثل هذه السلسلة المعقدة المصنوعة بمهارة. وقف ~~وفكر، ثم قال لهم إن هذه السلسلة أقوى فعلا. ولكن هو نفسه كان أقوى كذلك. ولذا سمح ~~لهم بتقييده مرة أخرى. ثم هز نفسه بعنف، وهو ملتو ومشدود، وركل بقدميه فكسر ~~القيد إلى شظايا طارت هنا وهناك. وابتسم للآلهة، وكان لسانه يتدلى خارج فمه، وضحك ~~بسخرية. واستمر في النمو، وكان «هايمدال» يستطيع سماعه. # أرسل الآلهة «سكيرنير»، وهو مرسال شاب، إلى الأقزام الذين يعيشون في أعماق موطن ~~الجان الداكن البشرة. وكان الأقزام يصنعون خيوطا مرنة من أشياء مستحيلة. كانت هناك ~~ستة منها مغزولة معا، وهي صوت وقع خطوات قطة، ولحية امرأة، وجذور جبل، وأوتار دب، ~~ونفس سمكة، وبصاق طائر. كان هذا الشيء خفيفا كالهواء وناعما كالحرير، وهو عبارة عن ~~شريط طويل وحساس. أخذوا هذا إلى الذئب، وقالوا له بمكر إن هذا الحزام أقوى مما يبدو ~~عليه. وحاولوا تمزيقه بأيديهم، واحدا تلو الآخر، ولكنه لم يخدش. كان الذئب ~~مرتابا. وأراد أن يرفض تحديهم، ولكنه خشي أن يسخروا منه. وقال لهم إنه يشك ~~في سوء نيتهم. ويرتاب من خداعهم. وقال إنه سيلعب هذه اللعبة لو وضع أحد الآلهة يده ~~بين فكيه، كضمان لصدقهم وتعهدهم على حسن النية. فوضع «تير» يده على رأس الوحش ~~الساخن، كما قد يفعل مع كلب غاضب، ثم وضع يده بهدوء في ms30 فم «فنريس». فأخذ الآلهة ~~يلفون شريطهم المرن حول خاصرة «فنريس» وفخذه وكفه ومخالبه ورقبته وردفه. هز ~~الوحش نفسه والتوى، فالتصق القيد به واشتد وثاقه. كان هذا ~~أمرا لا مفر منه. وما كان لا مفر منه أيضا أنه ~~قبض بأسنانه على يد «تير»، فقطع اللحم والجلد والعظم. شاهدت الآلهة الذئب وهو يصر ~~بأسنانه ويبتلع، وربطوا يد «تير» المبتورة والنازفة. فحدق الذئب فيهم بغضب ~~مستعر، وقال إنه إذا كان ممكنا أن تؤكل يد إله، فسيكون من الممكن قتل الآلهة عندما ~~يحين وقت الذئب. وكان رد الآلهة أنهم أخذوا الحبل الذي كان جزءا من «جليبنير» - ~~وكان اسم هذا الحبل «جيلجيا» - ولفوه حول لوح حجري ضخم اسمه «جيول». ودفعوا به إلى ~~داخل الأرض، ثم ربطوه بصخرة ضخمة أخرى اسمها «ثفيتي». عوى الذئب بشراسة، وصر ~~بأسنانه. فأخذت الآلهة الضاحكة سيفا ضخما ودفعوا به في فمه. بحيث استقر المقبض ~~على لثته السفلية؛ ورأس السيف على اللثة العلوية. تلوى الوحش الضخم ألما، ووسط ~~عوائه انبثق نهر من بين فكيه المفتوحين. وكان اسم هذا النهر هو «هوب» أي ~~الأمل. # ولكن الأمل في ماذا؟ # كانت الآلهة تعرف، وكذلك «أودين»، أن زمن الذئاب سيأتي لا محالة. سينضم الذئب ~~إلى إخوته عند نهاية العالم. جرى التنبؤ بالأهوال التي ستحدث، مثل تحرر الذئب من ~~أسره، أو كلب الصيد «جارم»، وهو حارس بوابة مملكة «هيل» السفلية. كان هذا الوحش ~~مرتبطا بالذئبين اللذين يركضان باستمرار عبر السماء داخل جمجمة «يمير» في ملاحقة ~~عربات الشمس والقمر. رأت الطفلة النحيلة، التي كانت تقرأ عن العالم المتماسك الذي نشأ ~~عندما قطعت أوصال «يمير»، نقشا يبين الليل والنهار، والشمس والقمر، وهما يركبان ~~عربتين تجرهما خيول رائعة. كانا يمران باستمرار بسرعة خاطفة؛ ذلك أنهما، كما رأت ~~الطفلة النحيلة وفهمت، كانا يعيشان في خوف دائم. فخلف الشمس والقمر، تعدو الذئاب بكامل ~~سرعتها، والشعر على أعناقها منتصبا في تأهب، وألسنتها متدلية، لا تكل ولا ~~تمل، كما هو حال الذئاب عند المطاردة، فهي فقط تنتظر أن تتعثر فريستها أو تسقط. ~~لم تكن ms31 الطفلة النحيلة تعلم من أين أتت هذه المخلوقات الرهيبة. قالت الأساطير إنهم من ~~نسل العملاقة القاسية التي تسكن «آيرنوود»، وإنهم إخوة الذئب «فنريس». فكرت الطفلة ~~النحيلة في أنه لا بد من وجود زمن كان فيه الشمس والقمر، اللذان صنعتهما الآلهة، ~~يتحركان بإرادتهما الحرة، وربما يتلكآن، أو يتوقفان مؤقتا، فيطيلان وقت يوم ~~جميل، أو صيف جميل، أو ربما ليلة مظلمة تخلو من الأحلام. في إحدى القصص العتيقة كانت ~~للذئاب أسماء. كان «سكول» هو من يطارد الشمس، بينما هرع «هاتي هرودفيتنسون»، عازما ~~على الإمساك بالقمر. ومن ثم، كما فهمت الطفلة النحيلة، فقد نتجت حركة الضوء ~~والظلام وتعاقب الليل والنهار والفصول عن الخوف من الذئاب الموجودة في العقل. لقد ~~نبع النظام من القيود والتهديد بالأسنان والمخالب. قرأت الطفلة النحيلة في زمن الحرب ~~بتجهم نبوءة ذئب جبار آخر قادم، إنه «مونجارم»، الذي سيملأ نفسه بدماء الحياة من ~~كل من يموت، وسيبتلع الأجرام السماوية، ويرش الدماء في الجنة والسموات كلها. ~~وهذا من شأنه أن يخل بحرارة الشمس وضوئها ويعيقهما، مما سيؤدي إلى هبوب رياح ~~عنيفة، في كل مكان وتدمير الغابات ومساكن البشر والحقول والسهول. ستضرب السواحل ~~وتنهار، وسيهتز النظام المستقر للأشياء وتقوض أركانه. ~~(7) يورمنجاندر ~~(7-1) المياه الضحلة # سقطت الأفعى بعدما ألقى بها «أودين» عبر السماء بينما تتغير هيئتها. فتارة ~~تشبه الرمح عندما ينفرد عمودها الفقري، فتنطلق بسرعة وسلاسة، وتندفع ~~لبدتها التي تتكون من شرائط لحمية من جمجمتها الحادة إلى الخلف وتتموج، ~~بينما تومض أنيابها. وتارة أخرى كانت تسقط ملتفة في شكل حلقات، وكأنها سوط ~~ملفوف، أو مثل شريط خفيف يدور في دوامات الهواء. كانت غاضبة لأنها انتزعت من ~~إخوتها وأبعدت عنهم. كانت وحشا ذا إحساس؛ فقد كان اندفاع الهواء يسعدها، وكذا ~~شم رائحة غابات الصنوبر، والأراضي القاحلة، والصحراء الساخنة، وملح البحر. لقد ~~رأت أمواجه التي لا تهدأ، والزبد الذي يعلوها، واللون الأزرق الفولاذي ، ~~وقابلت سطحه مثل الغطاسين، برأسها أولا ثم تبع ذلك ذيلها القوي بسلاسة. ~~فغاصت، عبر هذا العنصر الجديد، حتى القاع الرملي، وأحدثت حركتها ms32 دوامات من حبات ~~الرمال، وانزلقت بسلاسة بين النتوءات الصخرية. كانت وحشا بريا؛ فقد تربت في ~~الغابة الحديدية «آيرنوود»، ولعبت في الظلال الخضراء الداكنة، والتفت حول نفسها ~~في التراب. لكنها بدأت تتأقلم مع المياه المالحة، وشعرت بخفة جديدة في ~~عضلاتها، وهي تطفو بتراخ على السطح، مثل الفضة وصغار أسماك الأنقليس، حيث عانق ~~الضوء جلدها المبتل. في البداية بقيت في المياه الضحلة، تتنفس هواء الشاطئ ~~من خلال فتحات أنفها ذات اللون الأحمر القرمزي، وتشق طريقها عبر برك الصخور، ~~وتنزلق على امتداد خطوط المد، وتلتقط سرطانات البحر وقواقع البطلينوس والمحار، ~~وتكسر القريدس المرجاني بأنيابها الحادة، وتخرج منها اللحم الغض بلسانها ~~المشقوق. لقد استمتعت باكتشاف أساليب التمويه. فقد لاحظت سرطانات الناسك وهي ~~تجري مسرعة بخطوات قصيرة، لتختبئ داخل الأصداف المهجورة. # وقد كشفت بعينيها الحادتين الخاليتين من الجفون في رأسها الحاد أسماك الداب ~~وأعجبت بها وهي تنثر بقعا رملية على سطحها كي تشبه الرمل نفسه، بينما عيناها ~~السوداوان تستقران على رأس مسطح مثل الحصى المضطرب. كما أعجبت بالحافة الدقيقة ~~لهدب الزعنفة والذيل، التي بدت كظل خفيف بين قشرة السمكة الرملية اللون والرمل ~~نفسه. ومن ثم نفخت في الرمال، واصطادت المخلوقات ولفتهم بلسانها المشقوق. ~~كانت تحب العوالق الدقيقة، وتمتصها، وتبتلعها، ثم تبصقها. كانت دائما جائعة، ~~ودائما ما تقتل أكثر مما تحتاج، بدافع الفضول، أو الحب، أو الانشغال ~~النهم. # ولهذا نمت. ونما لها خياشيم، بين لبدتها اللحمية، حتى لم تعد بحاجة إلى ~~الصعود إلى السطح للتنفس، أو لزيارة الشاطئ ما لم يكن ذلك مسليا لها. # لم يكن لديها أسلوب تمويه خاص بها، لكن في تلك الأيام الأولى كان يصعب رؤيتها؛ ~~لأن حركاتها سريعة وماكرة. كانت مغطاة بقشور شفافة ناعمة، وأسفل هذه القشور كان ~~جلدها مزيجا من اللون الأسود، والأحمر، والأخضر العشبي عندما يسقط الضوء عليه، ~~ويعكسه درعها ذو القشور. كانت تستمتع بالاستلقاء والانتظار في بسط أعشاب الفوقس ~~الحويصلي وثناياها، وتتمايل مع حركتها البطيئة أثناء تحركها مع المد، حيث تسحب ~~بداخلها، ثم تمتص خارجها، وكانت لفائفها مجمعة على ms33 نحو عشوائي، وطبيعي مثل ~~الطحالب المبللة تماما، بينما كانت قمة رأسها التي تكسوها مستشعرات تشبه ~~أجمة صغيرة من النباتات التي أطلت من خلالها عيون يقظة. # لقد لعبت لعبة خاصة بها في الخلجان المنعزلة. وسبحت إلى الجزء الأكبر من المياه ~~الرقيقة، واستلقت على الموجة وتركت نفسها تتحرك معها، بعضلات مسترخية، وتطفو ~~مثل حطام سفينة أو طرح البحر. عندما ارتفعت الموجة إلى قمتها، ارتفعت معها ~~الأفعى، وعيونها السائلة تتلألأ مثل عملات معدنية بفعل ضوء الشمس على السطح، ثم ~~تقوست كي تهبط مع الماء الأبيض المليء بالهواء والضوء حتى أصدرت كل من ~~الأفعى والموجة هسيسا على الرمال وتدحرجتا معا في كسل. وبعد واحدة من هذه ~~الغطسات المشابهة نظرت إلى الأعلى ورأت شخصا فارع الطول، يرتدي عباءة، ويعتمر ~~قبعة مشدودة فوق عينيه. اعتقدت لوهلة أنه «أودين» الأعور، قد أتى لتعذيبها، ~~فأرجعت رأسها إلى الخلف لتهاجمه. وعندئذ استدار وحدق فيها من أسفل حافة ~~قبعته، فرأت أنه «لوكي» المخادع، سريع البديهة، إنه والدها الذي يصعب تذكر ~~شكله، حتى بالنسبة إليها؛ وهذا لأن شكله كان يتغير ببراعة، ليس فقط من يوم ~~ليوم، ولكن من لحظة إلى أخرى. ومن ثم رفع قبعته، فظهرت خصلات شعره اللامعة. ~~وابتسم ابتسامة عريضة. ~~«سعيد بلقائك، يا ابنتي. أرى أنك تكبرين، وتزدهرين.» # لفت نفسها حول كاحليه العاريين. وسألته عن سبب قدومه. فقال إنه قد أتى ليرى ~~كيف حالها. ولكي يدرس الأمواج الهائجة. وما إن كان هناك شكل ما يتوارى في ~~انعدام شكلها. تلاحقت الأمواج، واحدة تلو الأخرى، في تتابع منتظم. ولكن مياه ~~الأمواج هذه كانت هائجة؛ فقد تدفقت دواماتها في كل اتجاه. ولكن هل كان هناك نظام ~~ما في زبد الأمواج؟ قالت الأفعى إنها تدغدغ جلدها كالإبر، وإن هذا الشعور ممتع. ~~جلس النصف إله القرفصاء بجانبها وصنع صفا من الحصى المبلل والمحارات ~~الشفافة التي تعكس ألوان قوس المطر. وقال إن لديه مشروعا لرسم خريطة للخط ~~الساحلي. ولكن ليس على شكل أنصاف دوائر منتظمة مثلما قد ترسم الآلهة والبشر هذا ~~الخليج كي يصنعوا مرفأ ms34 لسفن التنين. بل خريطة صغيرة، تظهر كل حجر، وكل ~~غدير، وكل نتوء، حتى وإن كان صغيرا مثل هذه الأصابع، وناعما ودقيقا مثل هذه ~~الأظافر. خريطة لبراغيث الرمال وأنقليس الرمال؛ وهذا لأن كل شيء مرتبط ببعضه؛ ~~ومن ثم يمكن تدمير العالم بفرط الاهتمام، أو انعدامه، تجاه أنقليس الرمال، ~~مثلا. «ولذلك»، هكذا قال «لوكي» الساخر لابنته الأفعى، «لا بد أن نعرف كل شيء، أو ~~قدر ما نستطيع على الأقل. تمتلك الآلهة رموزا رونية سرية تساعدهم في الصيد، أو في ~~تحقيق النصر في المعارك. إنهم يطرقون، ويشقون خصومهم. ولكنهم لا يدرسون. أما ~~أنا فأدرس. وأعلم.» ركل حاجزه القصير جانبا في طبقة الماء الرقيقة. وتحسس ~~بأطراف أصابعه كما لو كان يتنصت بأذنه، وكشط الرمال وسحب دودة رمل خشنة، سوداء ~~ومرتجفة، ثم قدمها لابنته، التي ابتلعتها. ~~(7-2) الأعماق # بعد هذا اللقاء التقت به كثيرا، ليس فقط حيثما تلتقي اليابسة بالماء، ولكن ~~أيضا في الأعماق. في رحلاتها الجائعة، كانت تحتك بخطافات البشر، التي امتدت ~~كالثعابين في خطوط طويلة، وبأقفاص وأكياس مصنوعة من الشباك تحدق منها كائنات حية ~~غاضبة، مستسلمة ومذهولة. كانت تستمتع بإخراج سمكة قد سمينة من خطاف ~~منحن، أو بتمزيق سلة مليئة بالكائنات المضطربة. كانت تبتلع بعض أسماك ~~القد، وتشاهد البعض الآخر وهو يهز نفسه ويسبح بعيدا. كانت تترك المئات من ~~أسماك الرنجة تخرج مندفعة من إحدى شباك الصيد، ثم تلتقط الدفعة الثانية ~~بأسنانها، وتقضمها وتبتلعها، تاركة الدماء والعظام تلوث مياه البحر. وعندما ~~كانت تقابل خطافا معقدا ومتشعبا بحيث يستحيل العبث به فهي تصعد إلى سطح ~~الماء لتحيي الصياد مخلفة رذاذا من الماء على ثيابه. وعندما تجد شباكه ~~مربوطة بعقد محكمة ليس لها مثيل؛ فهي تسبح في دوائر ضخمة حول قاربه، في ~~انتظار ندائه، ثم ترتفع مندفعة مبتلة، وتضحك كما تضحك الثعابين. # ومن ثم لعبا لعبة التنكر والاكتشاف. «امسكي بي.» هكذا قال لها، واختفى ، ~~تاركا ظل عباءته المتلاشي مقابل السماء الزرقاء. كان يصعب العثور عليه عندما ~~يتنكر في شكل سمكة ماكريل، كسمكة ماكريل واحدة غير ms35 مهمة، تسبح بعيدا عن ~~السرب. كان جلد الماكريل هو إحدى حيل الاختفاء والتواري عن الأنظار. فعلى طول جلدها ~~الأملس توجد خطوط من تموجات الماء، تحاكي الشمس والظل، وضوء الغيوم والقمر وهي ~~تهبط مخترقة المياه الكثيفة، وتحاكي الأعشاب البحرية الزاحفة والموجات ~~المتدفقة وهي تومض بينما تتقلب الحراشف التي تشبه المرآة. كان موجودا؛ فقد ~~كان هو هذه السمكة المرئية واللامرئية، وعندما تندفع ابنته الأفعى في الماء ~~يغير شكله لبقعة غير ثابتة من ضوء النهار، أو ضوء الليل، التي لا تلطخ سوى ~~صفحة المياه فقط. كان يقود الأفعى إلى أسراب الماكريل، اللامعة المسرعة، ويغير ~~شكله إلى سمكة أبي رمح أو سمكة أبي سيف، كي ينضم إلى الأفعى في المطاردة. كان ~~سرب الأسماك المندفع يبدو مثل مخلوق واحد هائل، ضخم البطن، يغلي ويلتوي ~~ويتحول من اللون الأخضر إلى الوردي ثم النيلي والفولاذي. كانت الأفعى ولوكي ~~المتحول يسوقان الأسماك البرية فقط من أجل المتعة المطلقة لمشاهدة الأشكال ~~المتغيرة للسرب المضطرب. ثم غاصا مرارا وتكرارا مقسمين السرب إلى ~~مجموعات صغيرة تدور، ويلتقطان الأسماك الضالة ويبتلعانها، ويدفعان السرب ~~المنطلق ويبتلعانه بالكامل. كانت الأفعى ~~جائعة دائما؛ لأنها تنمو باستمرار. لقد كانت مثل عضلة ذراع رجل، ثم صارت ~~كفخذ متينة، ومع ذلك هي لا تزال تنمو وتنتفخ، حتى صارت مثل حبل ضخم طويل من ~~العضلات الخالصة تضرب السطح عندما ترتفع وتهبط، وتسحق الأعشاب وهي تشق طريقها ~~سابحة، وتطحن الأشياء التي نمت في قاع البحر. # أصبح فكها الفاغر أكبر وأوسع، ونمت أسنانها الرهيبة لتصبح أقوى وأكثر حدة، ~~وصارت أكثر سماكة بسبب ابتلاعها للهياكل العظمية ولأصداف عدد لا يحصى من ~~المخلوقات التي تعيش تحت سطح الماء. # وقد تجولت حول العالم، من القطب الجليدي إلى القطب الجليدي المقابل، أو عبر ~~المحيطات الساخنة تحت أشعة الشمس الحارقة. سبحت تحت الأجراف الجليدية، وفي ~~الأنفاق البحرية والشقوق، مطبقة أنيابها على أجنحة طائر قطرس وهو يغوص في ~~الماء، باصقة الفراء المتشابك لصغير فقمة سمين. سبحت في مستنقعات المنجروف، ~~بين متاهة الجذور النامية في الوحل، والتقطت السرطانات ms36 الكمانية وأسماك نطاط ~~الطين، باصقة الصدف في فوضى كثيفة من الوحل، وبقايا الأوراق، والأعشاب البحرية. ~~استلقت في الوحل محدقة إلى الأعلى، وشاهدت أشكال البشر، وهم يسكبون السم على ~~السطح بحيث تختنق الأسماك، وتتصلب، وتطفو إلى أعلى. فقامت بحركات كسولة وابتلعت ~~كلا من الأسماك السمينة والسم. # لم تتوقف عن السباحة، وفي طريقها قابلت أسرابا من قناديل البحر الطافية التي ~~امتدت لأميال، بمظلاتها الشفافة النابضة، مفرزة خيوطا سامة رفيعة، ولكنها كانت ~~تبتلعها جميعا، بلا تمييز. ولم يؤذها السم. لكنه تجمع في أكياس خلف أنيابها؛ ~~وسرى كالزئبق في دمها. كانت تبصق سمها في عيون خنازير البحر وفقمات الراهب، ~~مما يصيبها بالعمى، فتبتلعها، وتبصق الأشياء غير المهضومة التي تغرق ببطء ~~وتتأرجح في تيارات المياه. ذات مرة، غاصت وطاردت سمكة رقيطة، وهي عبارة عن وحش ~~عريض مسطح وداكن، ولها ذيل كالسوط وعينان شبه مخفيتين. ولكن شيئا ما في حركة ~~هذه السمكة جعلها تتوقف، بينما رأسها مهيأ للهجوم، وفشلت السمكة، لفترة وجيزة، ~~في الاحتفاظ بشكلها الأنيق. ذلك حيث تلاشت إلى ظلال داكنة كالحبر، الذي يشبه ~~الحجب، ثم أعادت تشكيل نفسها على هيئة سمكة قرش صغيرة، مبتسمة، لونها رمادي ~~مائل إلى البترولي، فعرفت أنه والدها. # في إحدى المرات، ومن قبيل المصادفة، وهي تشق طريقها عبر غابة عشب البحر، ~~صادفت «راندراسيل» وحدائقها النامية تحت الماء. من المحتمل أن شجرة البحر لم تكن ~~دائما في المكان نفسه؛ فقد اجتازت الأفعى الضخمة طبقات الحشائش مرات عديدة، ولم ~~تر الأوراق الذهبية، أو الساق الكهرمانية، أو الجذور الثابتة الهائلة الحجم. كانت ~~الأفعى في هذه المرة الأولى، بحجم الأناكوندا في المستنقعات، أطول وأبدن ~~أناكوندا يمكن أن توجد على الإطلاق. وعلى مسافة غير بعيدة من «راندراسيل» ضربت ~~العواصف سطح الماء. بالقرب من «راندراسيل» نفثت الفوهات الموجودة تحت الماء ~~أحجارا بركانية قرمزية وحمراء ودخانا أسود كثيفا. ولكن كل شيء هنا كان كما هو، ~~كل شيء موجود بوفرة. الإسفنج، وشقائق النعمان، والديدان، وجراد البحر، والحلزونات ~~بمختلف ألوانها؛ الياقوتي، والطباشيري، والأسود الفاحم، والأصفر الزبدي، والرخويات ~~البحرية المخططة ms37 والمرقطة المبهرة الجمال، وهي تمتص الهلام من الأوراق ~~السرخسية. كانت كائنات أذن البحر تستقر حول جذور «راندراسيل» الثابتة القوية، ~~بالإضافة إلى حشود من القواقع الوردية، والحمراء، والخضراء، والبيضاء الناصعة ~~بشدة. كانت قنافذ البحر، المليئة بالأشواك الحية الدقيقة، ترعى في الطحالب الكثيفة ~~وأطلت مئات العيون المحدقة من بين الأوراق السرخسية الكبيرة التي تأويها وهي ~~تتمايل في التيارات المائية البطيئة. تحركت صغار أسماك الأنقليس مثل الإبر عبر ~~طحالب السرجس الوثيرة. التقطت «يورمنجاندر»، وهي مستلقية بكسل، وتحدق ببهجة، ~~الأسماك التي تسكن طحالب السرجس، والتي لها ذيول لحمية كالرايات الملونة التي ~~لا يمكن تمييزها عن الأعشاب البحرية، ولكنها كانت تتمكن من تمييزها، عبر عيونها ~~اليقظة، التي تشبه رأس الدبوس بين الأعشاب. كانت هناك تنانين البحر، التي تختبئ ~~في الأجمات المتمايلة؛ وهناك أسماك عشب بحر عملاقة، لها أجسام نصلية تشبه ~~الأوراق السرخسية السميكة نفسها. أما بالأعلى على سطح الماء، فقد صنعت الكائنات ~~أعشاشا من عشب البحر نفسه. طفت الطيور البحرية على وسائد طحلبية، بينما اضطجعت ~~ثعالب الماء ذات الفراء الناعم في أراجيح عشبية كثيفة، وهي تدير أذن البحر في ~~أيديها الماهرة، وتمتص الفتات. # وقفت «يورمنجاندر»، للمرة الأولى، ترصد المشهد بشيء من الحزن. فقد كانت شديدة ~~البدانة والوزن بالفعل، بحيث إنها لم تستطع دخول هذه الأجمة السحرية. كانت ~~كالمتفرجة التي تشاهد من خلال نافذة شارع وتحدق من الظلام والرطوبة في كنز ~~دفين ونفيس مبهر اللمعان. ومن ثم تراجعت. وحنت رأسها الوحشي واستدارت ~~بعيدا. وعندما ترى الشجرة فيما بعد ستكون قد تغيرت تماما. # لقد كبرت وازداد حجمها. ولم تعد بحجم أي ثعبان موجود. أصبحت بطول مصب نهر ~~أو طريق عبر المستنقعات. وهي بحاجة إلى المزيد من الطعام. فكانت تمتص قريدس ~~الكريل، وعلى غرار الحيتان الكبيرة، تبتلع أسرابا من أسماك الرنجة الهاربة. وغاصت ~~نحو المياه المظلمة. وفي قاع المحيط تعيش حبارات وحشية بلون الجيفة وحيتان ~~العنبر التي تمزقها بفكوكها الضخمة الثقيلة. ولم تكن هي مستعدة لمواجهة ~~الحيتان، وعلى الرغم من ذلك كانت تأكل اللحم المتبقي من جثة أحدها، ms38 وتبتلع مع ~~دهنه ذي المذاق المميز مستعمرات كاملة من الأسماك المخاطية، التي تشق برءوسها ~~في الوحش الميت. كانت على استعداد لمواجهة الحبار الطويل المتدفق، وتمزيق ~~مجساته، ودفع أنيابها في أعينه الشاحبة، مرتشفة ومبتلعة وسط سحابة من الحبر في ~~الماء الداكن الخالي من الضوء. # كانت تأكل في تلك الأثناء بدافع الجشع. وأصبحت تضاهي نهرا ضخما من حيث الطول ~~والعرض. دارت حول جبل جليدي ووجدت نفسها تلاحق وحشا غامضا مرتجفا اتضح أنه ~~هي، لقد كانت تتبع نفسها. وأصبح رأسها الذي كان أملس يزداد خشونة وتكتلا. ~~طاردت مجموعة من حيتان الأوركا، التي كانت تطارد سربا من الدلافين، وكانت جميعها ~~تصنع موجات مقوسة في الماء البارد. كان أحد حيتان الأوركا، الذي ابتعد قليلا عن ~~مجموعته، لامعا ومصقولا على نحو غير عادي، بلونيه الأسود والأبيض، فبدا ~~كالرخام الرطب. كما بدا فمه الضخم وكأنه يضحك، وكان يضحك فعلا، وكانت عينه ساخرة ~~وهو ما كان مستبعدا. حيا الشيطان وابنته أحدهما الآخر، حيث حيته هي بهز ~~تاجها الثعباني، بينما حياها هو بصفير وطقطقة وبلطم ذيله بقوة. # اصطاد الحوت والأفعى معا. التقطا الأسماك الكبيرة كأسماك القد السمينة، ~~والبطيئة، والكسولة، التي يضاهي بعضها في حجمه حجم الإنسان. كانا مسرفين في ~~تناول الطعام؛ حيث يقتلعان الأكباد والبيض، ويتركان الزعانف والعظام. ربما كانت ~~أكثر الأنواع متعة في مطاردتها هي أسماك التونة الزرقاء، بدمائها الدافئة، وجلدها ~~الأملس، وسرعتها الفائقة، وأعينها الساطعة، وهيئتها التي تشبه درعا باللونين ~~الأرجواني واللؤلئي. وقد قابلا فخاخا بشرية نصبت لصيد هذه الوحوش، ~~ومساحات شاسعة من الشباك، ذات المداخل المعقدة، والممرات والحجرات الداخلية ~~التي تقود إلى اتجاه واحد، ألا وهو المسلخ. مزق كلاهما هذه الحجرات بأنيابهما ~~وأسنانهما وعضلاتهما، مستمتعين باندفاع الأسماك المحررة، وهما يبتسمان ~~لبعضها، ويبتلعان بعضها الآخر. قادا الأسراب والتقطا الأسماك على جانبي ~~جسميهما. واصطادا الفقمة كما تصطادها حيتان الأوركا، كان الوحش الباسم ذو ~~اللونين الأبيض والأسود يقفز ليفحص ما حوله، وهو منتصب في الماء، ثم يرفع ذيله، ~~ويضربه على الماء، فتجرف المياه المضطربة الفقمات التي تتغذى على سرطان ms39 ~~البحر، وفقمات النمر، التي تتشمس على الصخور المسطحة، نحو فم أفعى البحر ~~المفتوح. # لعبا معا ولكن لعبهما كان ينتهي بالدماء والخنق. # استمرت طوال هذا الوقت في النمو. وأصبحت بطول جيش زاحف على الأرض. وبعرض ~~الكهوف الممتدة تحت الماء، عميقا في الظلمات. قضت المزيد والمزيد من الوقت في ~~أحلك الأعماق، التي لا يصلها ضوء الشمس؛ حيث كان الطعام شحيحا ومضاء بغرابة ~~بألوان حمراء متوهجة وزرقاء كوبالتية. قابلت سلاسل جبال في الماء، ومداخن ~~نافثة وأعمدة غاز ساخن. كانت تمتص الجمبري الأبيض الشفاف الموجود هناك، وتلتقط ~~الديدان المهدبة من شقوقها. لم يرها أي مخلوق وهي قادمة، وهذا لأنها كانت ~~شديدة الضخامة للغاية بحيث لم تستطع حواسهم تقدير حجمها أو توقعها. كانت بحجم ~~سلسلة من ألسنة اللهب، وكان وجهها كبيرا مثل غابة من عشب البحر، ومغطى بأشياء ~~تتشبث بزوائدها؛ جلود وعظام وأصداف، وخطافات ضائعة، وخيوط صيد منهوشة. كانت ~~بالغة الثقل. زحفت عبر طبقات المرجان الوردي والأخضر والذهبي، ساحقة المخلوقات، ~~وتاركة وراءها سطحا مسحوقا، طباشيريا، وشبحيا. ~~(8) «ثور» يصطاد السمك # صعدت من الأعماق ذات يوم ورأت رأسا بشعا مثل رأسها؛ رأسا ذا قرون بعيون زجاجية ~~شفافة ورقبة دامية، رأسا بحاجب كثيف وفتحتي أنف واسعتين. رفعت نفسها، متأرجحة مثل ~~حوت الأوركا وهو ينتصب في الماء ليرى ما حوله، وابتلعته. وكان داخل حلق الثور خطاف ~~ثقيل، يستخدم لتعليق القدور. لقد ابتلعته قبل أن يتاح لها الوقت لرؤيته. فجذبها ~~بعنف، وسحبها، فصعد الرأس الميت إلى أعلى، وتبعه رأس الأفعى، مندفعا عبر سطح البحر، ~~محدثا نافورة من الرذاذ النتن. # كان هناك قارب صيد، كالعديد من القوارب التي دمرتها دون قصد، أثناء لعبها. وعلى ~~متن القارب عملاق صقيع ضخم، لونه رمادي وفضي وأزرق، وذو شعر جليدي هائل ومتهدل، ~~ولحية ضخمة نامية رمادية اللون. كان مربوطا بخيط السنارة والخطاف ورأس الثور، وجه ~~بمثل شراسة وجهها، يشتعل غضبا وقوة، به عينان حمراوان تومضان أسفل حاجبين كثيفين، ~~ومتوج بشعر ناري ومحاط بلحية حمراء متوهجة. إنه «ثور» إله الرعد يسحبها ~~بخيط وعصا. ظلت تصعد، أكثر ms40 فأكثر، وكانت شاهقة مثل صاري القارب. ثبتت فمها ~~المتألم على الطعم وجذبته. فتقوست العصا واهتزت. وأمسك الإله بقوة، وانحرف ~~القارب في الماء. هزت الأفعى لبدتها اللحمية وأطلقت هسيسا مسموما. حدق الإله ~~بغضب شديد، وظل يشد ويسحب. وقال العملاق: «لقد انتهى أمرنا.» أظلمت السماء، ~~وتراكمت الغيوم في ركام أسود، والتوت الأفعى وأصدرت هسيسا، صمد الإله ممسكا ~~بقوة، بينما شق البرق غطاء السحب. لم يؤذ أي شيء الأفعى مثلما آذاها هذا. ~~كانت تضرب سطح البحر وتنخر. ثنى الخيط العصا، ولكن الرموز الرونية القوية أبقت عليه ~~ثابتا. # تحرك العملاق، الذي كان يدعى «هيمير»، عبر القارب المليء بالمياه المتلاطمة، ~~وأخرج سكين صيد ضخمة وضرب الخيط بقوة وقطعه. خارت الأفعى وغرقت. أخذ الإله ~~مطرقته القصيرة اليد، وهو يستشيط غضبا، وألقى بها على رأسها. فضربتها ضربة قاسية ~~وقوية. تدفق دمها الكثيف الداكن في مياه البحر. ثم سقطت المطرقة في المياه ~~المظلمة، وطاردتها الأفعى. قال «هيمير» بقسوة وصرامة إن «ثور» سيندم على تلك ~~الضربة، فأرجح الإله قبضته وسددها في رأسه الصخري ليوقع العملاق من القارب. ثم ~~سبح الإله واجتاز المياه إلى الشاطئ بصعوبة. حكت الأفعى نفسها في الصخور، محاولة ~~تمزيق الخطاف وخيط الصيد. وبصقت الرأس الميت، وضربت فمها الضخم المقوس على الصخور ~~الحادة كشفرات الحلاقة، فخرج الخطاف من فمها، ساحبا معه قطعا سوداء ممزقة من ~~حلقها. # صارت الأفعى أشد غضبا بعد هذا اللقاء الدامي. فراحت تقتل بوحشية أكبر، ~~وتحطم ألواح القوارب، وتقتلع غابات البحر لإشباع غضبها المحموم. وفي وقت لاحق، ~~مرت ب «راندراسيل» في غابة عشب البحر - وليس حيثما كانت من قبل - بضوئها الذهبي ~~والكهرماني، وجذورها القوية الراسخة في الأعماق، وجذعها الضخم الذي تدعمه وسائد ~~هوائية موجودة في الأكياس الهوائية التي تقع أسفل الشرائط الطحلبية. كانت قد رأتها ~~من قبل، فشعرت بالبهجة. أما الآن فهي تقترب منها بنية الذبح والتدمير؛ فلم ينج ~~منها لا أسماك النصل ولا حصان البحر، لا ثعالب الماء اللينة ولا طيور النورس في ~~أعشاشها، لا نجم البحر المكلل بالشوك ولا قنافذ البحر ذات ms41 الشوك، ولا قناديل البحر ~~الصغيرة ولا ثعابين البحر الرقيقة، ولا الرخويات ولا الحلزونات التي تلتصق بالأعشاب ~~البحرية. لقد مزقت بفكها الضخم أوراق الأعشاب البحرية السرخسية ذاتها، وهي تهز ~~لبدتها يمنة ويسرة، وتدمر مستعمرات بحرية بأكملها، حتى وصلت إلى جذع ~~«راندراسيل» نفسه وأصابته. علقت أذرع هزيلة ممزقة في الماء وظلت تدور وتنقلب. ~~وسادت العكارة في كل أرجاء المكان الذي امتلأ بدوامات كثيفة من الغبار. # ظلت ترتحل، وهي تكوم جسدها الضخم فوق الشعاب المرجانية ومستعمرات بلح ~~البحر، وتسحق وتطحن كل ما يقابلها. وفي يوم من الأيام، رأت في المياه المظلمة ~~شكلا مكوما، يرتعش وينتفض، فاعتبرت أنه حوت ضخم، ربما يكون جريحا، يستلقي في ~~قاع البحر. فمالت «يورمنجاندر»، التي لا تزال في مزاج سيئ، إلى الأمام وانقضت ~~لتهاجمه. كان الألم شديدا، وسرى في جميع أنحاء الأرض، ثم عاد إلى دماغها اللين الذي ~~يسكن جمجمتها الهائلة. لقد هاجمت ذيلها. فقد كانت «يورمنجاندر» الضخمة تلتف حول ~~الأرض كالحزام. وفكرت في أن تلتف حول نفسها وتستريح في قاع البحر إلى الأبد. كان ~~المكان الذي استلقت فيه عبارة عن عمق كثيف فارغ ومقفر، أسود اللون كحجر البازلت. ~~رفعت رأسها وبدأت تجر جسدها الهائل، ثم سبحت وهي تثني جسدها في ثنايا طويلة. ولكنها ~~لو أنها سترتاح، لاختارت أن ترتاح في مياه تعج بالحياة، وتستلقي على طبقات اللؤلؤ ~~والشعاب المرجانية، التي تسبح فيها أسراب من الأسماك كي تلتهمها، وحيث تتراقص ظلال ~~السفن على صفحة الماء، وحيث يوجد عشب البحر الحي كي تريح رأسها عليه، وحيث يوجد ~~المزيد والمزيد من الطعام الذي يشبع شهيتها الهائلة. ~~(9) «بالدر» # فكرت الطفلة النحيلة كثيرا في الإله «بالدر» الجميل. كان إلها قدر له الموت، ~~وهذا هو ما قيل عنه في الكتاب على أي حال. وبالمثل، كانت اللوحة التي تصور هيئة ~~المسيح وهو يتحدث إلى الحيوانات، بهيئته البيضاء الطيبة المشرقة كالذهب، تصور ~~إلها قدر له الموت. ولكن هذا الإله سيبعث من جديد ليحاسب الأحياء والأموات. ~~أو هكذا قيل لها. كان كتاب «أسجارد والآلهة» يحتوي على فقرات ms42 تفسيرية وشروحات ناقش ~~فيها مؤلفه الألماني الأكاديمي الأساطير ذات الصلة بالشمس والنباتات. ذلك حيث ~~توارت الشمس في الظلام عند الانقلاب الشتوي. بينما كمشت النباتات حتى لم يتبق ~~منها سوى جذورها القاسية كالحديد تحت سطح الأرض، وأصبحت المياه كالحجر، مثلما يغنون ~~في الترانيم. احتفت القصص بعودة الربيع، وبإشراق الشمس في السماء، وبنمو الأوراق، ~~والعشب الجديد الأخضر الزاهي. # ذهب «بالدر»، ولكنه لم يعد مرة أخرى. كانت الطفلة النحيلة تصنف في عقلها ~~حديث العهد الأشياء التي ذهبت وعادت، والأخرى التي ذهبت ولم تعد. كان والدها ~~بشعره المشرق كاللهب يحلق بطائرته تحت أشعة الشمس الحارقة في أفريقيا، وكانت تعرف ~~في أعماقها أنه لن يعود. لقد عرفت ذلك جزئيا بسبب ما لم يكن يقال بشكل محسوس عندما ~~يرفع أفراد الأسرة في عيد الميلاد، على سبيل المثال، أكوابا صغيرة من عصير التفاح، ~~ويشربون نخب والدها، ويتمنون عودته في عيد الميلاد القادم. كانت هناك قصص قد ~~انتهت، بدلا من أن تظل تدور في دوائر لا تنتهي، وقصة الإله الجميل واحدة منها، وقد ~~وجدتها الطفلة النحيلة مرضية بالرغم من كآبتها. كانت قراءاتها وإعادة قراءاتها لهذه ~~القصص في كل أوقات السنة قد أضفت عليها نوعا من التكرار الأبدي. وعلى الرغم من هذا ~~التكرار؛ فقد كانت تنتهي في كل مرة، ولكنها تبدؤها مجددا. # لقد فهمت منذ البداية أن هذه الآلهة هي آلهة مخيفة وخائفة في الوقت نفسه. كانت ~~«أسجارد» محاطة بجدران دفاعية وحراس يتولون المراقبة. ذلك حيث يسود «أسجارد» شعور ~~بتوقع الموت والهلاك. وها هي الجميلة «إيدون» التي تعيش في ظلة خضراء وسط غصون ~~«إجدراسيل» القوية، وتمنح الآلهة تفاح الشباب والقوة. وفي يوم من الأيام، مثلما ذكرت ~~القصة، اختفت «إيدون»، وبدون سبب، من الشجرة. ذبلت وضعفت أغصان «إجدراسيل» عند ~~الموضع الذي كانت «إيدون» تستقر فيه وتبتسم. ولم تعد الطيور تغني. أما بئر ~~«أودريريير» التي تحتوي على ماء الحياة الباردة والداكنة، والتي كانت تحرسها ~~«الاسكندنافيات»؛ فقد أصبح ماؤها غورا آسنا. # أرسل «أودين» غرابه «هوجين» (أي الفكر)، ليعرف مكان «إيدون». حلق الطائر ms43 ~~الضخم، وهبط في الظلام، داخل أرض الجان الداكن البشرة، حيث تحدث إلى ملكي الأقزام؛ ~~«دايين»، ويعني اسمه الميت، و«ثارين»، ويعني اسمه الجثة. كانا يغطان في النوم ولم ~~يكن إيقاظهما ممكنا، ولكنهما كانا يتمتمان بكلام عن الدمار، والظلام، والتهديدات، ~~والنهايات. فعاد الغراب وهو يحمل كلمات ملغزة. كانت السماء تهوي في ~~«جينونجاجاب». كان كل شيء ينهار. ذلك حيث تتأرجح دوامات من الهواء وتتقلب. ~~بينما تقبع «إيدون» أسفل جذور شجرة المران الرمادية المتدلية في عرين عملاق قديم، ~~يدعى «نارفي»، وهو والد «الليل» الأسود. ذهبت الآلهة ووجدتها هناك صامتة ترتجف. ~~فلفوها بجلد ذئب أبيض، غطى جبينها؛ حتى لا ترى الأغصان الحية التي سقطت منها، ~~فهدأت وشعرت بالارتياح. استجوبت الآلهة «أورد»، ~~«الاسكندنافية»، التي تقف عند حافة مرجل الحكمة. ما الذي تغير؟ هل نصب الوقت والموت ~~لهن شركا؟ هل تغيرن هن أنفسهن؟ كانت إيدون ترتجف داخل الجلد الأبيض الذي ~~تتدثر به، بينما بدت «أورد» العتيقة في ثوبها الأسود الرقيق، كالأقزام الناعسة، ~~المثقلة بالنوم. لم يستطعن الإجابة، بل بكين أنهارا من الدموع، التي فاضت من ~~عيونهن وأغرقت أيديهن. كانت قطرات الدموع الضخمة التي تتساقط واحدة تلو ~~الأخرى، وتنتفخ ثم تنفجر؛ تشبه المرايا التي لم تر فيها الآلهة المستجوبة ~~سوى انعكاس وجوهها القلقة. أصبح كل شيء فجأة بطيئا خاملا، ثم تسارع، واندفع ~~نحو نهاية ما. # غالب النوم «بالدر» المشرق أيضا. كان خاملا، ككائنات البيات الشتوي، التي لا ~~تستطيع الاستيقاظ، وتنكمش ناعسة في عالم الأحلام. حلم بالذئب ذي الفم الدامي، وهو ~~يتحرر من الحبل السحري الذي يقيده، ويهشم السيف في حلقه بين فكيه الهائلين. ~~وحلم بأفعى «ميدجارد» التي تلتف حول العالم من كل جانب، وهي تفرد ثناياها ~~الملتفة وترتفع فوق الأمواج، باصقة السم. وحلم ب «هيل» وردهاتها المظلمة، ~~ووجها نصف الحي ونصف الميت، وتاجها الباهت، والكوب الذي أعدته له عندما يحين الوقت ~~الذي سيأتي فيه ويجلس بجانبها . كانت الطفلة النحيلة تعرف أن معظم الأحلام ضعيفة ~~وهشة، ويمكن للنائم أن يمزقها إن عزم على ذلك، كما أنها يمكن أن تتحول ms44 إلى ~~عرض يشبه صندوق الدنيا أو لغز يصبح فيه الحالم مجرد متفرج، غير مهدد. ولكن ~~هناك أحلاما خانقة ومرعبة بحق، وتكون أكثر واقعية من العالم الذي يستيقظ الحالم ~~فيه؛ وهي ثقيلة خانقة ومليئة بالأذى وبتهديد هلاك قادم، والحالم فيها ضحية أذى لا ~~مفر منه. # كانت تحلم بأحلام من هذا النوع في زمن الحرب. كانت في بعض الأحيان أحلاما حمقاء. ~~وقد حلمت مرارا وتكرارا أن «الألمان» يختبئون تحت سريرها المعدني، وينشرون أرجله ~~بانتظام، حتى يتمكنوا من الإمساك بها وحملها بعيدا. كانت تعلم أنهم موجودون هناك، ~~حتى بعدما تستيقظ وتدرك أنه حلم سخيف. كانت محطات الحافلات والمقاهي بها ملصقات تظهر ~~خوذات رمادية تجلس القرفصاء تحت المقاعد وطاولات الشاي، تسترق السمع، وتستعد ~~للهجوم. إذا جاءوا، سينتهي العالم، ولكنها لم تتخيل قدومهم في يقظتها. # حلمت أيضا أنهم أخذوا والديها وربطوهما في حفرة وسط غابة مظلمة، غابة «آيرنوود». ~~رقد والداها مقيدين وعاجزين بين أجمة السرخس الميتة والوحل. تحرك الألمان ~~المبهمون ذوو الخوذات الرمادية بهمة، وفعلوا أشياء بالمعدن والحبال لم تستطع ~~فهمها. كانت الطفلة نفسها مختبئة فوق حافة الحفرة، وتنظر لأسفل على السجناء ~~المذعورين، ولم تكن حتى تريد معرفة ما كان الألمان على وشك القيام به. ما كان مخيفا، ~~كما فهمت الطفلة النحيلة، هو أن يصبح أبواها عاجزين. وقد كان هذا هو الصدع في ~~الجدار الواقي، هكذا كانت تعتقد، الذي يحيط بطفولتها التقليدية ويحميها. حلمت بأشياء ~~لا تعرفها، حلمت بأن والديها كانا خائفين ومتشككين. كانت طفلة مفكرة، وعملت ~~على حل هذه المشكلة. وعلى عكس أغلب حالات المعرفة، التي كانت بمثابة قوة وسرور، فقد ~~آذتها المعرفة في هذه الحالة. # سألت نفسها من هم الألمان الطيبون والحكماء الذين كتبوا «أسجارد والآلهة» بغرض جمع ~~«قصصنا ومعتقداتنا الألمانية»، حسبما قالوا. لمن كان صوت الراوي الذي استحوذ على ~~خيالها، واقترح تفسيرات بلباقة؟ ~~(10) «فريج» # شرعت الإلهة «فريج» في رحلتها لجعل كل شيء على الأرض، وفي السماء، وفي المحيطات؛ ~~يقسم على ألا يؤذي «بالدر». اقتبس المحرر الألماني في كتاب «أسجارد والآلهة»، من ~~كتاب ms45 «إدا» الأيسلندي الذي ألفه «سنوري سترلسون». تلقت «فريج»، حسبما قرأت الطفلة ~~النحيلة، وعودا جادة بأن «بالدر» لن يطوله أذى النار والماء والحديد، وجميع أنواع ~~المعادن، والأحجار، والتربة، والأشجار، والأمراض، والحيوانات، والطيور، والسم، ~~والأفاعي. حاولت الطفلة النحيلة تخيل مشهد القسم ذلك. صورت «فريج» في الكتاب ~~على شكل أنثى طويلة القامة ومهيبة الهيئة ومتجبرة، يكلل رأسها تاج ينسدل من ~~تحته شعر باهت مسترسل، يتمايل مع الرياح. كانت ترتدي قميصا واقيا ضيقا، وتنورة ~~لائقة، وصندلا إغريقي الطراز ذا سيور جلدية لا يتماشى مع باقي ملابسها. هل ارتحلت ~~بعربتها أم سيرا على الأقدام؟ كانت المخيلة البصرية للطفلة النحيلة تقودها إلى ~~تصور الأشياء على نحو حرفي، هكذا كانت طبيعتها. # فتخيلت الإلهة في عربتها، وهي تشق طريقها في السماء على عجل، وتنادي على السحب، ~~التي كانت تمثل عقل العملاق «يمير»، وعلى صواعق البرق المتشعبة، والبرد، والعواصف ~~الثلجية، والفيضانات، وهي ترجوهم ألا يؤذوا ابنها، وتخيلت الطفلة النحيلة أن جميع ~~هذه الكيانات قد توقفت للحظة عن اندفاعها، وجيشانها، وتأججها وانصاعت لرغبتها، ~~فكفت عن أي فعل لها. بيد أن الطفلة الهزيلة رأت بعين خيالها الإلهة تمشي على ~~قدميها كذلك. ذلك حيث تسير أغلب الوقت في مسارات منحدرة محيطة بجبال شاهقة ~~ووعرة، وتلك هي المناظر الطبيعية التي شهدت فوضى الصخور المهيبة التي حدثت في وقت ~~سابق، والتي، كما وصفها الكتاب الألماني، قد خلق البشر من رحمها في البدء الآلهة ~~وعمالقة الجليد، «هيرمثرس». خاطبت الإلهة التي كانت محاطة بهالة من الضوء الذهبي ~~البراق جميع هذه التكوينات الجامحة بشجاعة وتوسلت إليها ألا تؤذي ابنها. ~~ومرة أخرى، قوبل توسلها بلحظة من الهدوء والسكون إيذانا بالموافقة. فهرولت ~~الإلهة نازلة حتى أسفل نقطة في أعماق الجبال، إلى الكهوف المظلمة تحت الأرض التي كانت ~~التنانين والديدان العملاقة بداخلها تقرض جذور شجرة المران الرمادية، وتحدثت إلى ~~الوحوش، وليس فقط إليها بل تحدثت أيضا إلى جدران الكهوف المتوهجة، إلى حبيبات ~~الحجر الجيري والبازلت، وإلى عروق الحديد والقصدير والرصاص والذهب والفضة التي نسجت ~~نسجا معقدا في الأحجار. كما خاطبت ms46 الحفر الممتلئة بالحمم البركانية الحمراء ~~الفائرة وحجر الخفاف المتدفق الذي ينبعث منه البخار. وتحدثت إلى أحجار الياقوت ~~الأزرق، والماس، والعقيق، والزمرد، والياقوت الأحمر. واستطاعت الطفلة النحيلة، في قمة ~~نشوة خيالها، سماع صوت جميع هذه الجمادات وهي تهمس وتصر وتخشخش، وتقطع ~~وعودها. كل الأشياء اجتمعت لتشكل جزءا من عالم «واحد»، وهذا العالم لن يؤذي ~~«بالدر» الجميل. # أحيانا كانت الطفلة النحيلة تتخيل الحيوانات واقفة في صفوف منتظمة، وكأنها في ~~طريقها إلى «سفينة نوح»، أو كما كانت في أيام الخلق الأول. كانت الحيوانات مغطاة ~~بالشعر الأملس اللامع، وقد صاحب ارتفاع شفاهها العلوية زمجرة وكشفت عن أنياب ~~ممزقة. كانت هناك الفهود السوداء، والنمور المرقطة، والضباع المخططة، والأسود ~~المتهادية في مشيتها، والنمور التي تلمع أعينها ببريق كاللهب المتقد، والثعالب ~~المتواثبة، والذئاب بالطبع، الذئاب الرمادية، كلهم تجمعهم علاقة مع العدو ~~المتخيل سواء كانوا يلاحقونه كفريسة لهم، أو كان بينهم تحالف. وعدوا ~~جميعا، ومعهم قردة الغابة - القردة المنتحبة - وخلد الماء بأسنانه الفتاكة، ~~والدببة سواء تلك التي تعيش في المناطق الثلجية أو الغابات، بوجوهها الودودة التي تخفي ~~شراستها، كل هؤلاء قطعوا وعودا، ومعهم الحيوانات المفترسة التي تقطن السياج ~~الشجري، وهي ابن عرس، والقاقم، والغرير، والنمس، والزبابة. لم تكن لتلك المخلوقات التي ~~قدمت الوعود أي علاقة بالأرانب والسناجب الرقيقة التي أنصتت إلى تلك المعلمة ~~الإلهية في المنطقة المقطوعة الأشجار بالغابات. كانت تلك المخلوقات قاسية، وبالغة ~~الشراسة والضراوة، واتسمت بكونها صائدة وفريسة معرضة للاصطياد، على حد سواء، ومع ~~ذلك فقد توقفت عما تفعله لتعد الإلهة التي طمأنها ذلك الوعد فتنفست الصعداء ~~ومضت في طريقها. وكذلك وعدتها الطيور؛ النسور، والصقور، والحداء، وطيور القيق، ~~والعقعق، بجانب الخفافيش المعلقة مثل الجلد المطوي في الكهوف، بأفواهها الصغيرة التي ~~تشرب بها الدماء. # كانت الطفلة النحيلة ترتعد أثناء تخيلها للثعابين. فقد رأت ذات مرة جلد أفعى ~~منسلخا عن جسدها، ذي الرأس الماسي الشكل. فتحت الأفاعي أنيابها، وأصدرت فحيحها ~~وقطعت الوعد، بما فيها الحنش الصغير والحية الضخمة سيدة الأدغال، وأفعى الغضوب السامة، ~~والكوبرا، والأفاعي اللادغة، والنافثة، والجرسية، ms47 والأفاعي الضخمة العاصرة بالغابة، مثل ~~الأصلة العاصرة والأناكوندا. وكانت هناك ثعابين البحر الآخذة في الالتفاف والتي يبرق ~~جلدها على صفحة مياه البحر اللامعة، والحيوانات البحرية المفترسة، مثل تماسيح المناقع ~~وتماسيح القاطور، والأسماك، كأسماك القرش الملساء، والحيتان القاتلة المرحة، والحبار ~~العملاق، والقناديل اللاسعة، وأسراب أسماك التونة والقد. وما زال عدد لا نهائي من ~~المخلوقات آخذا في قطع وعوده حتى تلك الموجودة في شق الهلاك؛ مخلوقات بالكاد يمكن ~~اعتبارها مؤذية، مثل المحار، وأبو مقص، وشقائق النعمان في الغابات وعلى الشعاب ~~المرجانية، وحتى العشب، ومئات الأنواع من الحشائش. وكانت هناك جميع النباتات التي لم ~~يبد عليها أنها مؤذية أو تلك التي كان مظهرها مغريا وتأثيرها قاتلا، مثل المغد ~~الفتاك، ونبات القوطيسوس ذي اللون الأرجواني القاتم، الذي تتدلى منه براعم صفراء ~~فاقعة، وفطر الأمانيت فالوسياني ذي الشكل المبهرج، وفطر الحصان، وغاريقون ~~الذباب. # وذكر «سنوري»، من بين ما ذكره من أشجار وحيوانات، الأمراض كذلك. كيف يا ترى يمكن ~~جعل الأمراض تقسم على عدم إحداث الأذى؟ كانت الطفلة النحيلة تعاني الأمرين من ~~مرض الربو، الذي تسبب في ملازمتها الفراش وقراءتها للموسوعات وكتاب «أسجارد ~~والآلهة». تخيلت الطفلة الربو الذي كان يسكن جسدها كمخلوق غريب ودخيل، وقد كان هذا ~~الأمر صحيحا. تخيلته كيانا ضعيفا ذا لون أبيض نقي، ينشر جسده الطفيلي عبر ~~رئتيها البائستين، ورأسها المصاب بالدوار، وكأن له جذورا تشق طريقها في مبنى ~~حجري، أو كأنه مخلوق له صلة قرابة بالأصلة العاصرة وشجرة التين الخانقة. اضطرها ~~مرضها إلى أن تتعلم كيف تجلس، وكيف تستلقي، وكيف تمسك بقفصها الصدري ليتسع ~~لقبضته. وتخيلت أن «فريج» تتحدث إليه على عجل - طالبة منه ألا يؤذي ابنها - واللحظة ~~الوجيزة التي أرخى أثناءها قبضته، ليعدها بذلك. تخيلت أيضا الوجوه الشرسة للحصبة ~~والجدري؛ فهي وجوه حادة وجشعة، لكنها مع ذلك قطعت هذا الوعد. كانت الحصبة قد ~~استولت على جلدها لتنبعث منه حرارة لاهبة. كما طفح الجدري على جلدها في صورة بثور ~~شديدة السخونة. ومع ذلك، فقد وعدت هذه الأمراض «فريج» بأنها لن تؤذي ابنها. ms48 # كل الأشياء اجتمعت تحت راية تلك الاتفاقات. وكان سطح الأرض كأنه قطعة قماش ~~مطرزة رائعة، أو قطعة من النسيج الوثير، جانبها السفلي مكون من خيوط متصلة ~~ومحاكة معا بأسلوب معقد. اعتادت الطفلة السير في الحقول في طريقها إلى المدرسة، ~~أثناء فصلي الربيع والصيف. ذلك حيث تحيط إطارات من الزهور بحقول القمح، وهي مليئة ~~بالخشخاش القرمزي، وورود الذرة الزرقاء، وأقحوانات المروج البيضاء الكبيرة، ~~والحوذان، وآذريون الماء، وحوذان الذرة، وهندباء «أرنوسيريس»، والحلبلاب ~~المستدير الورق. كما كانت هناك نباتات سبيرج عريضة الأوراق، وقراص القنب الأحمر، وكيس ~~الراعي، وإبرة الراعي، وبقدونس الحصاد. وفي العشب الطويل بالمروج كانت هناك نباتات ~~الحرف الكاليفورني، والأوركيد، وعصا الراعي. # تحت الأرض كانت الديدان مشغولة؛ حيث تجري الديدان الألفية، وتزدهر حشرات قافزات ~~الذيل، بينما تحفر كل أنواع الخنافس جحورا وتضع بيضها. وتتلوى اليرقات والديدان ~~الصغيرة، التي أكلت الطيور الصغيرة وفئران الحصاد بعضها، أما بعضها الآخر فقد ~~تحول بأعجوبة إلى فراشات، بيضاء وذهبية اللون، وأرجوانية وبنية، وزرقاء ساطعة، ~~وزرقاء شاحبة، وخضراء كالنعناع، ومتلألئة بخطوط وأهداب لامعة وعيون تستقر على ~~جسد أسود مخملي. وانطلقت طيور القبرة من حقول الذرة، وحلقت مرتفعة وهي ~~تغني. وهبطت طيور الزقزاق في السماء، وهي تصدح بصوتها المميز. كان لدى الطفلة ~~النحيلة كتب عن الطيور، وأخرى عن الزهور، وقد لاحظتها كلها؛ عصفور الشجرة، وطائر ~~الدغناش، وطائر السمنة المغرد، وطائر أبو طيط، والعصفور التفاحي، وطائر النمنمة ~~المغرد. كانت تأكل وتؤكل، هذه هي الحقيقة، كانت تتلاشى وتختفي مع دوران الأرض، ثم ~~تعود مجددا عند الانقلاب الشمسي، وستعود دائما، على العكس من «بالدر» الذي على الرغم ~~من كل الوعود، كان الموت مقدرا له. إذا لم يعد والد الطفلة النحيلة، فإذن لن يعود ~~«بالدر» أبدا. # لا يوجد أثر عن أن «فريج» قد طلبت من البشر ألا يؤذوا ابنها. فربما كانوا دائما ~~ما يقفون عاجزين في مواجهة الآلهة. ربما كانوا لا قيمة لهم أو كانوا موجودين في قصة ~~أخرى. لم يكن البشر جزءا من نسيج القصة اللامع البراق، ولا من نقوشها الغائرة ~~والبارزة. ms49 # عرفت الطفلة النحيلة أن الوعد لا يمكن الوفاء به. لا بد أن هناك شيئا ما، في مكان ~~ما، قد فقد وذهب في طي النسيان. إن القصص حتمية. وفي هذه المرحلة من كل قصة، لا ~~بد أن يحدث خطأ ما، أو يخرج أمر عن مساره، مهما كانت النهاية التي ستقع. فحتى الآلهة ~~لا تحظى بفرصة اتخاذ احتياطات كاملة ومضمونة و«مثالية». دائما ما ستكون هناك ثغرة، ~~زلة، غرزة غير محاكة، أو لحظة من التعب أو عدم الانتباه. توسلت الإلهة «لكل شيء»، كل ~~شيء، وطلبت التعهد بعدم إيذاء ابنها. ومع ذلك، فقد كانت حبكة القصة تقتضي أنه لا بد من ~~تعرضه للأذى لا محالة. # احتفلت الآلهة باتحاد الأرض والهواء والنار والماء وجميع الكائنات التي تعيش في هذه ~~العناصر وعليها. وكما كان متوقعا، فقد احتفلوا بالقتال والصياح. كانوا ينخرطون في ~~المشاجرات التي تشبه المشاجرات المدرسية التي يجتمع فيها الجميع ضد ضحية أعزل، ولكن في ~~هذه الحالة، كان «بالدر» الجميل، هو ضحية الشجار؛ فها هو يقف هناك بسلام، وبشيء من ~~الفخر بحصانته ضد الأذى. فقذفوه بكل أنواع الأشياء، بكل ما وقعت عليه أيديهم. العصي، ~~والهراوات، والحجارة، ورءوس الفئوس المصنوعة من حجر الصوان، والسكاكين، والخناجر، ~~والسيوف، والرماح، حتى إن «ثور» في النهاية قذفه بمطرقته الرعدية، وشاهدوا بسعادة هذه ~~الأشياء وهي تندفع برشاقة مثل قطعة الخشب المقوسة المرتدة غير المؤذية وتعود إلى ~~أصحابها مجددا. وكلما عاد ما كانوا يقذفونه إليهم مرة ثانية، قذفوا أكثر وأغلظ ~~وأسرع. كانت لعبة جيدة. كانت أفضل لعبة على الإطلاق. ضحكت الآلهة وابتسمت وظلت ~~تلقي بالأشياء عليه، وتمادت في ذلك. # جاءت امرأة عجوز لرؤية «فريج» التي كانت في قصرها «فينسالير». لا يبدو أن «فريج» ~~قد تساءلت عن هويتها أو من أين أتت. كانت مجرد امرأة عجوز عادية مثل أي عجوز أخرى، بل ~~كانت امرأة عجوزا نمطية. ففي الواقع عند النظر إليها بتمعن سنجد أنها كانت عجوزا ~~شبه مثالية، تغطي وجهها ورقبتها شبكة من التجاعيد، وترتدي عباءة طويلة تنسدل ~~ثناياها المتشابكة فوق فستانها الداكن، ms50 فبدت أشبه بأيقونة للسيدات العجائز. إذا نظرت ~~إليك تلك العجوز - حتى لو كنت ملكة «الإيسر» - فلن يمكنك تحمل مواصلة النظر في عينيها ~~ذواتي النظرة الرمادية الباردة، ولكنك ستعلم أنك بحاجة إلى التحدث معها؛ فقد كانت ~~تثير تلك الحاجة في نفس من يراها، كما لو كانت تلك الحاجة هي ما جعلها تتجسد في ~~شكل امرأة عجوز. كانت هذ المرأة قطعا هي «لوكي» المتحول، الذي يمارس سحره ليأسر ~~العقول. ومن ثم سألتها «فريج»، كما أرادها أن تفعل، عما كانوا يفعلونه جميعا في ~~حقول «أسجارد» وهم يصرخون ويصيحون؟ # قالت المرأة العجوز إنهم كانوا يقذفون «بالدر» بالأسلحة، ولم يستطع شيء أن يؤذيه. ~~وأشارت بتواضع إلى أنه لا بد وأن شخصا ذا نفوذ عظيم قد أقنع كل الأشياء بعدم ~~إيذاء «بالدر». # فقالت «فريج»، كما كان يجب عليها وكما تتطلب الحكاية، إنها هي، والدته، التي طلبت ~~من كل الأشياء ألا تؤذيه، وقد استجابت لها. # فسألتها العجوز: «كل الأشياء؟» ~~«حسنا، لقد لاحظت برعما صغيرا ناميا على شجرة في غرب «فالهال». إنه شيء يدعى ~~نبات الدبق. كنت قد مررت به قبل أن ألاحظه، وكان بالكاد حيا، وواهنا، وأصغر من أن ~~يقطع وعدا.» # ومع ذلك، فكرت الطفلة النحيلة أنها لا بد قد شعرت بالقلق عند نقطة ما، وإلا فكيف كانت ~~ستتذكر هذا النبات الضئيل؟ # وبعدها، اختفت المرأة العجوز تماما وبكل بساطة. ربما لم تكن موجودة من الأصل. كان ~~المجهود الهائل الذي بذلته «فريج» قد أرهقها. فقد كانت عيناها لا تريان بدقة. واستمعت ~~إلى الصراخ المحموم للآلهة السعيدة. # ذهب «لوكي» بحثا عن الدبق. إن الدبق قاتل ضعيف. ذلك أنه يلتصق بأفرع الأشجار ~~وأغصانها، ويرسل خيوطا دقيقة تشبه الديدان الشعرية العمياء إلى أعمدة المياه ~~المتصاعدة التي تمتصها أوراق الشجرة، ثم تخرجها إلى الهواء. ليس للدبق أفرع ولا ~~أوراق حقيقية؛ فهو عبارة عن مجموعة متشابكة من السيقان الشمعية، ونتوءات غريبة على شكل ~~مفاتيح وحبات توت لونها أبيض غروي يمكن من خلال لحمها الشفاف رؤية بذور سوداء، تشبه ~~بيض الضفدع، مثلما ظنت الطفلة ms51 النحيلة دائما، كلما رأت كرات الدبق الثقيلة التي تنمو ~~بكثافة على الأغصان العارية شتاء. كانت أغصانها الصغيرة مثبتة على حوامل المصابيح، ~~وفوق المداخل في مطلع الشتاء، وكان الأحبة يتبادلون القبلات أسفلها؛ لأنها كانت ~~دائمة الخضرة ومتماسكة، فقد كانت تجسيدا للثبات والحيوية الدائمة. وبجانب شجرة البهشية ~~التي يلتف الدبق حولها أحيانا، كان يبدو شاحبا، وكأنه غير موجود أصلا. كانت ~~البهشية لامعة وقرمزية وشائكة وقوية. أما الدبق، فقد كان ناعما، ولينا، ولونه ~~مصفرا كالأوراق المحتضرة. لقد أخبرت الطفلة النحيلة عنه أثناء دراسة مادة ~~الطبيعة. وقد حذرت من أكله؛ لأنه سام، كما قيل لها، وهذا على الرغم من أنها ~~أخبرت أيضا أن الطيور تتغذى عليه وتبعثره في كل مكان وهي تنظف صمغه من ~~مناقيرها على لحاء الأغصان، تاركة البذور والصمغ. # ويمكن للدبق أن ينتشر على أي شجرة كالمعطف وأن يمتص ماء الحياة من الخشب، بحيث ~~يصبح الهيكل المتبقي مجرد دعامة جافة وميتة للأوراق السعفية ذات اللون الرمادي ~~والذهبي. # كما قيل لها: إن الدبق كان مقدسا لدى الكهنة الكلتيين، ولكنها لم تتمكن من معرفة ~~ما كانوا يفعلون به. وكان مرتبطا بالقرابين، بما في ذلك القرابين البشرية. # نزعه «لوكي» بلطف من جذوره النامية في إحدى أشجار المران. وأفلت قليل منه من ~~أصابعه الرشيقة. ففركه. كان الدبق يجعل مضيفيه ينبتون أجمة من الأغصان الدقيقة ~~المتكتلة الهزيلة، والتي يطلق عليها اسم «مكانس الساحرات»، فأخذ «لوكي» يفرك ويفرك ~~حزمة الدبق الكثيفة، ويسحبها، ويجعلها قاسية، ويلقي عليها كلمات حادة، حتى لم يتبق ~~شيء سوى ساق رمادية رقيقة ومضيئة بعض الشيء، وتشبه الثمرة الشاحبة المستديرة، وكان ~~لونها غريبا أشبه بلون جلد الثعبان أو القرش أكثر من لون اللحاء؛ ولكنها كانت ساقا ~~أدارها «لوكي» بين أصابعه الماهرة حتى توازنت كرمح خفيف ذي رأس رفيع جدا كرأس سهم ~~صوان مشحوذ. # مرة ثانية في صورته المشرقة، خطا «لوكي» بلا صوت وسط الحشد الهادر للآلهة التي تصرخ ~~وتقذف، متفاديا الأشياء المصوبة والمرتدة، التي تندفع كالصواريخ. أدار رمح ساق ~~الدبق في يده، وأمره أن يحافظ ms52 على شكله. ثم وجد من كان يبحث عنه يقف بعيدا عند آخر ~~الحشد، وغطاء رأسه يخبئ وجهه الداكن. كان هذا هو «هودور» ابن «فريج» الآخر، والذي كان ~~داكنا مظلما، بقدر ما كان «بالدر» ذهبيا مشرقا. كان «بالدر» هو من ولد أولا ~~ثم تلاه «هودور»، الذي كانت جفونه مغلقة، مثل هرة صغيرة عمياء. وظلت جفونه ~~هكذا. كان هو وبالدر كالنهار والليل؛ فقد كانت عتمته تناقض إشراقة أخيه. كان كل ~~منهما يحتاج إلى الآخر. وكان ل «هودور» طريقته الخاصة في التجول حول «أسجارد»، وهذا لأن ~~عينيه لم تبصرا النور من قبل، فكان يتحسس الأعمدة، ويعد الخطوات، ويميل رأسه ~~الداكن يمينا ويسارا وينصت بإمعان. وكان إذا طلب منه «بالدر» أن يصف له عدم القدرة ~~على رؤية أي شيء، يجيب قائلا: «كيف لي أن أعرف، وأنا لم أر أي شيء من قبل.» والآن، ~~بينما كان «لوكي» يتأمله، رأى رأسه خفيضا ومائلا قليلا، وهو ينصت للجلبة التي لم ~~يكن جزءا منها. ما الذي يدور داخل جمجمته، وكيف كانت تبدو؟ هل هي عبارة عن كهوف سوداء، ~~أم سحابة رمادية كثيفة، أم أضواء ساطعة مطوقة؟ لطالما أراد «لوكي» معرفة كل شيء، وربما ~~كان سيسأل، ولكنه الآن عازم على الأذى. فقط بغرض الأذى، وهذا لأنه هو وحده من يعلم كيف ~~يوقف الضجيج. # فسأل «هودور»: «لماذا لا تشارك في الألعاب؟ إنه لأمر ساحر أن ترى «بالدر»، هادئا ~~ومبتسما، وسط وابل من الحجارة الحادة والأسهم المدببة التي ترتد بعيدا عنه، وتسقط. ~~يجب أن تشارك.» # قال «هودور»: «ليس لدي سلاح. وكما تعلم جيدا، لا يمكنني الرؤية كي أصوب على ~~الهدف.» # قال «لوكي» مبتسما: «لدي هنا رمح أنيق يليق بالأمراء. ويمكنني أن أضع يدي على ~~يدك، لأساعدك في التصويب على هدفك. وعندئذ، ستكون قد أديت دورك.» # أخذ «لوكي» بيد الإله الأعمى وقاده إلى مقدمة الحشد. ووضع الرمح في يده ، وأطبق ~~أصابعه السريعة على أصابع «هودور» الداكنة. # قال «لوكي» وهو يشير بالرمح نفسه: «بالدر هناك. صدره عار وهو يبتسم، وينتظر ~~ضربتك.» # ورفع ذراعه ms53 الأخرى إلى نحو ارتفاع الكتف، وسحب الرمح إلى الخلف، ثم رفع قبضته، ~~وقال: «الآن، إذن. سدد رميتك الآن.» # فترك «هودور» الغطاء ينزلق عن رأسه المظلم، وألقى به إلى الخلف، ثم سدد رميته ~~بقوة. # ضرب رمح الدبق صدر «بالدر» واخترقه. # فسقط «بالدر» أرضا. وتدفقت منه الدماء واختنق. # بحث «هودور» عن «لوكي» وسط الصمت المفاجئ الذي عم المكان. فسمع صوت طنين بعوضة ~~بالقرب من أذنه. لقد اختفى «لوكي» المتحول. # كان حزن الآلهة مروعا. لقد انهاروا تماما. ولم يستطيعوا التحدث من كثرة ~~البكاء. كان «أودين» هو أكثرهم تأثرا؛ فالآلهة لا تسقط ميتة، وعندما يقتل ألطف ~~الآلهة وأجملها في لعبة ما، فسيكون القادم أسوأ. وقفت الآلهة المحتشدة لفترة طويلة ~~ببلاهة، غير قادرة على لمس الجثة، أو تحريكها. عبثت الرياح الخفيفة بشعر «بالدر» ~~اللامع. وقف «هودور» الداكن وحيدا، يستمع إلى البكاء. أغمضت الطفلة النحيلة عينيها ~~وحاولت تخيل ما كان بداخل رأسه وفشلت. # لم تكن «فريج» أما فحسب، بل إلهة. لقد عقدت العزم على جعل ابنها محصنا من الأذى، ~~وقد هزأ بها القدر الذي كان ينتظره وسخر منها. ولكن في خضم حزنها الرهيب وغضبها ~~الجامح رفضت الاستهزاء بها، ورفضت قبول الهزيمة وهذه النهاية المؤلمة. إذا كان «بالدر» ~~قد هبط إلى العالم السفلي، فيوجد آلهة هناك يمكنها مساومتها، والتوسل إليها. حتى ~~«هيل» الباردة ستتأثر بغضب «فريج» وحزنها الشديد، الذي كانت تعلم «فريج»، أنه أشد من ~~أي حزن شعرت به أي أم أخرى على ابنها. لا يمكن أن يحدث هذا لها، كما لم يكن ممكنا أن ~~يحل بابنها ما حل به. كانت القصة تسير في اتجاه معين، ولكنها ستغير مجراها، ~~وستقلبها رأسا على عقب، وستشكل نهايتها وفقا لرغبتها. # سألت «فريج» بصوت باك غليظ «الإيسر» قائلة: «من منكم سيهبط إلى «هيل» ويتوسل إلى ~~حاكمها أن يعيد «بالدر» المشرق إلى «أسجارد» مرة ثانية؟» # خطا الحارس «هيرمودر» بخفة إلى الأمام، وقال إنه سيذهب. ثم قال «أودين» إنه لا ~~بد أن يذهب إلى هناك على حصانه «سليبينير» ذي الثمانية أرجل؛ فهو أسرع ms54 الأحصنة على ~~الإطلاق، وقائد «الصيد البري»، وحصان «أودين» الخاص. اقتيد «سليبينير» إلى الأمام ووثب ~~«هيرمودر» بخفة على السرج وامتطاه، ولكزه لينطلق، فوثبا خارج بوابة «أسجارد» ~~وتوجها إلى «جينونجاجاب». # لم تستطع الآلهة معاقبة «هودور» لقتله شقيقه؛ لأن هذا الأمر وقع في «ثينج»، وهو ~~مكان مقدس. ولكنهم نفوه بعيدا جدا عن «أسجارد»، في غابات «ميدجارد» المظلمة، حيث ~~كمن هناك مختبئا في النهار، ومتجولا في الليل، وهو مسلح بسيف ضخم أعطته له ~~الشياطين المتوحشة للغابة. تساءلت الطفلة النحيلة عما إذا كانت «فريج» قد رثت هذا ~~الابن الآخر، أو اهتمت بمعرفة ما كان يشعر به؛ هل عرفت كيف خدع لإلقاء رمح الدبق ~~صوب أخيه؟ استمرت القصة كما هو مقدر لها، وألقت ضوءا ساطعا على بعض الأمور، ~~وتجاهلت الأخرى، مثل «هودور» الذي يقبع في الظلمات. # كانت جنازة «بالدر» واحدة من أروع أجزاء القصة، وأكثرها إشراقا. حيث حمل جسده إلى ~~الشاطئ، وهو في أبهى ثيابه، ثم وضع على متن سفينته الضخمة، «هرينجهورني»، ~~بمقدمتها العالية والمقوسة على شكل تنين، وهيكلها الطويل الرشيق المصنوع من ألواح ~~خشبية شديدة السواد. استقرت السفينة على عجلات فوق الشاطئ، وكانت مكدسة حتى آخرها ~~بالمتعلقات الثمينة، ذهب من «فالهالا»، وأكواب، وأباريق، ودروع ثقيلة، ودروع خفيفة، ~~والرمح المزود بفأس، وكلها مرصعة بالأحجار الكريمة، وملفوفة بالحرير والفراء. كما ~~أحضر الطعام؛ اللحم من الخنزير الذهبي، والنبيذ في أوان محكمة الغلق. جاء «أودين» ~~وأحضر معه الخاتم «دراوبنير»، أي «المقطر»، وهو خاتم سحري، يخرج منه ثمانية خواتم ~~جديدة، كل تسع ليال. انحنى «أودين» فوق وجه ابنه الميت الأبيض الشاحب، وهمس في أذنه ~~بشيء. لا أحد يعرف ما قاله. # عندما رأت «نانا»، زوجة «بالدر»، جثته ممددة في السفينة، شهقت بقوة وسقطت ~~مغشيا عليها. # هرعوا ليساعدوها، وحاولوا إفاقتها، ولكنهم وجدوا أنها قد ماتت. ومن ثم ألبسوها ~~أفضل ملابسها أيضا، ووضعوها إلى جانب زوجها على المحرقة، استعدادا لحرقهما . # كانت السفينة ثقيلة جدا. حيث وضع حصان «بالدر» الكبير بكل أحزمة سرجه البراقة ~~عليها. اعتزمت الآلهة أن تشعل جذوع الأشجار المكدسة، وتشعل النار ms55 في السفينة، وتدفعها ~~إلى البحر. ولكنها كانت ثقيلة جدا. لم يتمكن أحد من تحريكها. # كان هناك حشد كبير من المخلوقات الحزينة ينتظرون اندلاع ألسنة اللهب. «أودين» ~~و«فريج»، والغربان، و«هوجين» و«مونين»، وكل الفالكيريات اللاتي لم يتمكن من إنقاذ هذا ~~الإله الصريع. كان هناك عمالقة الجليد وعمالقة الجبال، والجان الفاتح البشرة، والجان ~~الداكن البشرة، و«الديسير»؛ وهي أرواح منتحبة مريعة تركب الرياح. قال أحد عمالقة ~~الجليد إن هناك امرأة في «يوتنهايم» تمتلك القدرة على اقتلاع الجبال وتغيير مواقعها. ~~أومأ «أودين» برأسه فحلق أحد عمالقة العواصف مسرعا نحو «يوتنهايم». كان اسم هذه ~~المرأة القوية «هيروكين». لم تأت على أجنحة العاصفة، بل جاءت، تمتطي ذئبا وحشيا. ~~كان لجامها عبارة عن أفاع سامة حية. اصطاد الآلهة والبشر - مدفوعين بالذئب الذي ~~يقبع في العقل، والثعابين التي تسكن في جذور الشجرة - كلا المخلوقين بلا رحمة، ~~ودمروا عرائنهما وجحورهما، وقضوا عليهما. وبينما كانوا يصطادون الذئاب الرمادية في ~~الغابات، ويذبحون الجراء، ويقتلون أمهاتهم بالرماح، صارت عشيرة «فينرير» في الغابة ~~الحديدية «آيرنوود» أكثر وحشية وأكثر جموحا. وبينما كانوا يسحقون رءوس الثعابين ~~ويدوسون على بيضهم، كدست عشيرة «يورمنجاندر»، مثل أفعى «ميدجارد» نفسها، سموما ~~أكثر سوءا وصارت أشد مكرا. كان ذئب «هيروكين» كريه الرائحة ومكشرا عن أنيابه، ~~وله عضلات ثور البيسون. بينما أصدرت الأفاعي هسيسا وتلوت وأظهرت أنيابها. ترجلت ~~المرأة من فوق الذئب الذي دار وزمجر. كان على «أودين» أن يأمر بحضور أربعة محاربين ~~«بيرسيركيين» من «فالهالا» لتقييده، وحتى هؤلاء المحاربون كانوا خائفين من الأفاعي ~~ذات الأسنان الحادة، التي كان لا بد من الإمساك بها وتثبيتها بفروع متشعبة. وفي خضم ~~العواء والهسهسة خطت المرأة الكبيرة بثقل وسهولة. كانت ترتدي جلد ذئب، مثل «تير» ~~الصياد، وكان رأس الذئب الميت يتدلى على وجهها المكتنز. ابتسمت بلا سرور، ووضعت ~~إحدى يديها على مؤخرة السفينة السوداء ودفعتها، فبدأت تتجه نحو البحر الأسود، ~~بسرعة شديدة حتى اندلعت ألسنة اللهب من العجلات التي استقرت عليها. فضحكت، وأثار ضحكها ~~غضب «ثور»، الذي على الرغم من كل هذه القوة التي يتمتع ms56 بها، لم يكن قادرا على تحريك ~~السفينة. ورفع مطرقته لتحطيم رأسها، فرفعت قبضة ضخمة للدفاع عن نفسها، وتوسلت ~~الآلهة المتجمعة طالبة السلام، والهدوء لإحراق الجثتين. رفع ثور مطرقته، ~~«ميولنير»، واستدعى الرعد والبرق لإشعال النار في السفينة وحمولتها. انتشرت النيران ~~الزرقاء بسرعة في مقدمة السفينة ومؤخرتها، وفي الملابس الثمينة والآلهة الشمعية، ~~ولبدة الحصان المرعوب والأخشاب المحترقة المكدسة حول فراش الموت. تحول اللهيب إلى ~~اللونين القرمزي والذهبي، وارتفع وزأر. تحركت السفينة ببطء، بحمولتها الرهيبة، فوق ~~صفحة الماء. كان أثر الموجة التي أحدثتها السفينة في الماء قرمزيا كالدم، وكان خط ~~التقاء السماء والبحر عبارة عن خط أسود، فعم السواد الحالك، الذي أضاءه وهج النيران ~~الهائلة. وقف «ثور» هناك صامتا، ومطرقته مرفوعة، وركض قزم فجأة أمام قدميه. ~~فركله «ثور» ودفعه في وسط ألسنة اللهب. كان اسمه «ليت». هذا كل ما عرف عنه، وأنه ~~قد ركض في الاتجاه الخطأ، فركل في نار أحرقته حيا. # كانت هناك رائحة تنتشر، رائحة لحم محترق؛ لحم آلهة، ولحم فرس، ولحم قزم، وأعشاب ~~حلوة وأخشاب معطرة، ونبيذ يغلي، وذهب ينصهر، وبخار ماء البحر. لم تكن نهاية العالم. ~~ولكنها كانت نهاية، وبداية نهاية أخرى. # انطلقت «هيروكين» بعيدا، على الرغم من رغبة «ثور» في قتلها. بكى الجان والأقزام، ~~والمحاربون والفالكيريات، وذرفوا الدموع الحارة. بينما لم تبك «فريج». فقد عقدت عزمها ~~على إبطال هذا الموت واستعادة ابنها الميت. ~~(11) «هيل» # على مدار تسعة أيام وليال امتطى «هيرمودر» الحصان ذا الثماني الأرجل متجولا في ~~مملكة الموت، في وديان وطرق رمادية خالية من الضوء، لا يظهر فيها إلا أجسام، وظلال ~~رمادية، ولا يتردد فيها صوت سوى وقع الدبيب المنتظم لحوافر الحصان. ثم وصل إلى النهر ~~«جيول»، الذي يحيط ببيت هيل، والذي يمتد فوقه جسر ذهبي. وكانت تحرسه حارسة عملاقة ~~تدعى «مودجد». فأوقفت «هيرمودر» وسألته عن سبب وجوده في هذا المكان. وقالت إن ~~حصانه المتفرد أصدر ضوضاء تفوق كل الضوضاء التي صدرت عن كل الأموات الذين عبروا ~~الجسر من قبل. بالإضافة إلى أن لونه كان مختلفا. إنه ms57 شديد الدموية. # قال «هيرمودر» إنه يبحث عن أخيه المتوفى «بالدر». أخبرته «مودجد» أن «بالدر» عبر ~~الجسر منذ وقت وجيز. وسواء أكان أزعجها، أو شعرت تجاهه بالشفقة؛ فقد سمحت له بعبور ~~الجسر واستمرار مسيرته في الظلام متجها نحو «هيل». ~~••• # كانت القاعات محاطة بسور حديدي، شديد الارتفاع. سار «هيرمودر» على طول السور، ولم ~~يجد أي بوابة، لكنه وصل إلى كهف صغير عليه حارس، يشبه كلبا ضاريا، أو ربما ذئبا ~~مشوها، يقطر دما من فكيه، ويصدر صريرا من أنيابه، ويزمجر باستمرار، وشعره منتصب ~~لأعلى. كان اسمه «جارم». حدق «هيرمودر» في هذا المخلوق المزمجر. إنه لم يأت إلى ~~هنا للعراك. فأدار حصان «أودين» وتحدث إليه بهدوء، وهو يتراجع. ثم هيأ «سليبينير» ~~لوضعية القفز، فنهض «سليبينير» وقفز على السور الحديدي، وهبط واثق الخطى على الجانب ~~الآخر داخل مدينة «هيل». # كانت هناك أصوات طحن وغليان من المرجل «هفيرجيلمر»، حيث يتغذى التنين «نيدهوج» ~~على الرجال الأشرار. واصل «هيرمودر» المسير. وقف الموتى صامتين على طول الطريق، ~~وحدقوا فيه، والدم الأحمر يجري في وجناته، والنفس الحي يتحرك في صدره وحلقه. ~~كان اللون الرمادي يكسو الموتى. ويعلو وجوههم تعبيران - أحدهما الغضب العاجز، والآخر ~~الخواء الطيع. لم يكن هناك أي ضوء في عيونهم الباهتة. بل كانوا محدقين. # وصل «هيرمودر» إلى قاعة «هيل». وترجل، ودخل متقدما «سلبينير» الذي لم يكن ~~ليفقده. كانت القاعة ثرية، تتدلى فيها ستائر ذهبية وفضية؛ وعلى الرغم من ذلك ~~البريق، فقد كانت باهتة وضبابية ورمادية. لم تحتفظ القاعة الكبيرة بشكلها بالضبط. فقد ~~شعر «هيرمودر» بأنها نفق ضيق يقترب منه، أو بأنها كهف شاسع يمتد في الأفق ~~البعيد. # كانت «هيل»، جالسة على عرشها، بلحمها الميت المسود، ولحمها الأبيض الشاحب، متجهمة ~~وعابسة. كانت متوجة بالذهب والماسات التي تشع بالضوء، ثم اختفت مثل ألسنة اللهب ~~عندما تنطفئ. كان «بالدر» بجوارها، جالسا على عرش مترف وبجواره زوجته، وأمامه طبق ~~فاخر من الفاكهة الشفافة، لم تلمسه يده. كان وجهه الساطع مبيضا. والكأس الذهبي ~~لشرابه لم تلمسه يد. # انحنى «هيرمودر» لملكة «هيل»، وقال إنه ms58 جاء متوسلا كي يعود «بالدر» إلى «أسجارد». ~~فالآلهة والبشر، وكل المخلوقات، قد أضناهم الحزن، وفي حاجة إلى عودة الإله الشاب كي ~~يعيد لهم حيويتهم، ويحيي الأمل في صدورهم. علاوة على ذلك قال «هيرمودر» إن الإلهة ~~«فريج» طلبت منه التوسل إلى «هيل» كي يعود «بالدر»؛ لأنها لا تستطيع العيش بدونه. ~~وردا على ذلك، أجابت «هيل» أن الأمهات على مر الزمان قد تعلمن كيف يحيين بدون ~~أبنائهن. كل يوم يموت شباب ويأتون في صمت عبر جسرها الذهبي. فقط في «أسجارد» يمكنهم أن ~~يموتوا في معركة يوميا، كما لو كانت لعبة، ويحيون مرة أخرى كي يقيموا مأدبة في ~~المساء. أما في العالم القاسي، وفي عالم الأشباح، لم يكن الموت لعبة. # قال «هيرمودر»: لكن هذا الموت قلل نور العالم. # فقالت «هيل»: حسنا. لقد قل إذن. # جلس «بالدر» فاتر الهمة، ولم يقل شيئا. ومالت «نانا» على كتفه، ولكنه لم ~~يحتضنها. # قالت «هيل»، ابنة «لوكي»، المطرودة من «أسجارد»: «أخبر «فريج» ... أخبر «فريج» أن ~~«بالدر» من الممكن أن يعود لو بكاه طوعا كل إنسان، وكل مخلوق، في السموات، وعلى ~~الأرض، وفي البحر، وتحت الأرض. هل يمكنها أن تنقذه من خلال الحزن، تلك التي لم تستطع ~~حمايته من خلال الحب؟ لو ظلت عين واحدة جافة بلا دموع، في أي مكان، فسيبقى «بالدر» ~~هنا. وكما ترى، فهو مكرم بين الموتى، وهو الضيف الرئيسي على مائدتي.» # عرف «هيرمودر» أنه لا بد أن يعود بهذه الرسالة. وعرف أيضا شكل هذه القصة. ورغم ~~ذلك، فقد اعتقد أن إرادة «فريج» القوية، وأن شدة حبها، وقوة صوتها، قد تغير شكل ~~القصة، وتحرر «بالدر» ليعبر الجسر، الذي لم يعد منه أي إنسان. ولذلك طأطأ رأسه، ~~وفتح «بالدر» فمه الشاحب وأخرج الخاتم السحري، «درابنير»، الذي وضعه «أودين» بجوار ~~جثته. وقال بلطف: «يجب أن يعيده «هيرمودر» إلى «أودين». إن «هيل » تعج بالذهب ~~والفضة. لسنا في حاجة إليه.» # ومن ثم أرسل «الإيسر» الرسل، والآلهة الصغيرة، والطيور الحكيمة، والفرسان، ~~والعدائين، برسالة واحدة لكل شبكة «ميدجارد»، الحي منهم والجماد، ذوات ms59 الدم الحار، ~~وذوات الدم البارد، المائي والحجري، تفيد بضرورة بكائهم على «بالدر» حتى يتحرر من ~~سلطة هيل. بكى «هودور» المظلم في عرينه الموجود في الغابة. ووقفت الماشية والأغنام ~~متبلدة الحس وأصدرت خوارا وشخيرا ونحيبا. والقردة الصائحة والدببة المتجولة ~~كفكفت دموعها المنهمرة من عيونها؛ وفحت الأفاعي والحيات ذوات الجرس وظلت ساكنة ~~وهي تذرف الدموع. وسقطت القطرات من صواعد الكهوف وهوابطها؛ وخلطت الفوارات الحارة ~~الدموع الدافئة في البخار المغلي؛ ونضحت الجلاميد والنتوءات الصخرية مياها دمعية، ~~مثلما تفعل عندما تتحول من الطقس الجليدي إلى الطقس الدافئ. كان هناك بخار في ~~الغابات والمروج من الأوراق التي تنهمر منها القطرات؛ كانت أسطح التفاح والعنب ~~والرمان وتوت الثلج وتوت العليق زلقة من البكاء. كانت السماء نفسها ملبدة بالغيوم ~~الكثيفة التي تكونت من الدموع، وبكت. وتحت السطح المالح، في غابة أعشاب البحر، ~~ذرفت المخلوقات المجتمعة في «راندراسيل» ملحا إلى الملح، ونجم البحر المكلل ~~بالشوك، والحبار البنفسجي، والقضاعات والبزاقات، والحلزونات البحرية والقواقع، ~~صبوا قطرات من المياه المالحة إلى المياه المالحة. عيون السمك الخالية من الجفون، ~~وعيون الحيتان الغارقة في الشحوم، ذرفت الماء في الماء وارتفع مستوى سطح البحر. ~~والأمر نفسه فعلته كل البرك الراكدة والينابيع المعشوشبة، وحتى الأحواض الحجرية ~~التي يوضع بها علف الخيول بكت داخلها الديدان الخيطية الحمراء على الضوء المشرق ~~الذي ذهب. وتسلقت المياه إلى داخل قنوات «إجدراسيل» وتساقطت من الأوراق المشبعة ~~بالماء على اللحاء الرطب والأرض المبتلة. وبكت الآلهة في قصرها الذهبي، وأخيرا بكت ~~«فريج» التي كانت متحجرة ولم تذرف دمعة في حزنها الشديد. رقدت الدموع كحجاب على ~~وجهها، كصفحة من الماء مثل تلك التي تفيض في الحشائش المغمورة بالماء حول الأنهار التي ~~فاضت على ضفافها. كانت الأرض والبحر والسماء شيئا واحدا، وبكت كشيء واحد. # ما عدا واحدا. إنه ليس نبات الدبق هذه المرة. وليس أي شخص أو أي شيء أغفلته سهوا ~~رسل الآلهة. إنه شيء، أو شخص، يقابل في حفرة صخرية، جافة مظلمة، في صحراء ~~سوداء. دخل الرسول الدءوب بشجاعة عبر سطح الصخر الباكي، ms60 إلى الأنفاق ~~المظلمة - التي ما زالت رطبة - ووصل أخيرا إلى ~~حفرة سوداء، مسدودة، غير رطبة، تجمع فيها شيء شاسع وتمايل. ولكن من كان هذا ~~الرسول؟ كان شخصا قريبا من «فريج»، ربما وصيفتها «جنا»، وهي فارسة كانت تجوب العالم ~~بناء على طلبها. أصدر الشيء الموجود في الحفرة السوداء صوتا يشبه الأوراق الجافة، ~~يشبه الصوفان، وأصدرت ملابسه خشخشة والتفت. كان جافا مثل عظمة جافة في مكان جاف، ~~وكان وجهه جافا مثل وجه عظمة، ومسودا مثل أغلفته، ومحجرا عينيه غائرين، وفمه ~~عديم الشفتين يعج بالأسنان السوداء. ظنت «جنا» أن هذا الشيء عملاقة من عمالقة ~~الجبال. واقتربت - بهدوء - وقالت إنها جاءت لتطلب من سكان الكهف أن يبكوا مع بقية ~~العالم، مع العالم كله، كي يتمكن «بالدر» من العودة إلى أرض الأحياء ويعيد إشراقته ~~معه. قالت: «من أنت، أيتها الأم؟» ~~«أنا «ثوك».» هكذا رد الصوت الجاف من داخل العظام المظلمة. # قال الصوت بنبرة آلية رتيبة: # يجب أن تبكي «ثوك» بعيون جافة، # على نهاية «بالدر». # لم يكن لي حاجة به لا في حياته، ولا في موته. # لتحتفظ «هيل» بما لديها. # وجدت «جنا» نفسها خارج المكان على الطريق بين الجبال. حيث يذرف كل ~~شيء الدمع. وعادت حزينة، وأخبرت «فريج» أن شيئا ما يدعى «ثوك» لن يبكي. # فقالت «فريج»: ««ثوك»، تعني الظلام، المظلم. لا أعتقد أن تلك العملاقة الجافة عملاقة ~~في حقيقتها، تماما مثلما لم تكن امرأة الدبق العجوز امرأة عجوزا.» # كان ربيع الدنيا قد ولى. وظهر قوس المطر لكنه كان خفيفا وغير مكتمل، مجرد ~~بعض بقع وردية اللون هنا وهناك بين السحب الكثيفة، التي لم يبد أنها ستنقشع ~~أبدا. أما المد والجزر الذي فاض بالدموع، فقد كانت حركته غير منتظمة وغير ~~متوقعة. انحنت الأشياء الموجودة على الأرض في بللها الذي بدا أنه لن يجف تماما. ~~كانت هناك بقع من العفن والتحلل على «إجدراسيل». كما غار ماء نهر «راندراسيل»، في بعض ~~الأماكن، بفعل الألسنة الكاشطة التي تلعق مياه الدموع. كان الكسل مسيطرا على كل ~~الأشياء. # قررت الآلهة أن ms61 «ثوك» كانت «لوكي» متنكرا. ولاموا «لوكي» على ما فعله من ~~استخدام الدبق، وعلى أمور كثيرة أخرى لم يكن له يد فيها، مثل أحلام «بالدر» السيئة، ~~والطقس المتقلب الشديد الرطوبة والشديد الحرارة، والأيام المظلمة، والرياح الشديدة. لقد ~~كان عدوا وقرروا أنه «العدو». وسينتقمون. إنهم بارعون في الانتقام. ~~(12) منزل «لوكي» # كان «لوكي» يمتلك منزلا في مكان مرتفع، منزلا عاليا منعزلا على منحدر يطل ~~على شلال عنيف، يدعى «فرانانج»، يصب في بركة عميقة، تفيض في نهر سريع الجريان. ~~كان منزله بسيطا؛ به غرفة واحدة، لها أربعة أبواب كبيرة تفتح في كل الاتجاهات. ~~أحيانا، كان يتخذ هيئة الصقر، ويجثم فوق سطح الشجرة وينظر بنظره الثاقب في كل ~~الاتجاهات بحثا عن الطريدة التي يعلم أنها ستأتي. كان المنزل شبه خال من الأثاث؛ ~~وهناك مدفأة كبيرة في المنتصف، تحت المدخنة، وطاولات، فرش عليها المخادع الأشياء ~~التي كان يدرسها. اكتسب «أودين» المعرفة في الخطر وبالألم، وكلفه ذلك إحدى عينيه. ~~تمثلت معرفة «أودين» في معرفة القوى التي تربط الأشياء معا، والرموز الرونية التي تفسر ~~تلك القوى وتسيطر عليها. كانت المعاهدات منقوشة على رمحه المستقيم، الذي أخذه من شجرة ~~المران الرمادية. حافظ هذا الرمح على السلام وحفظ قواعد الآلهة، الذين، كما رأينا، ~~كان يشار إليهم، من خلال البشر، بالكلمات التي تعني الروابط والقيود. تحكم «أودين» ~~في السحر، وهو نوع من المعرفة التي تسيطر على الأشياء والمخلوقات، بما في ذلك ~~مجتمعات الآلهة والبشر. كان «أودين» ينزل الموت عن بعد على أولئك الذين يغضبونه. ~~واستجوب «الاسكندنافيات»، والموتى، والقوى تحت الأرض، بما يخدم مصلحة «الإيسر» ~~و«الإينهيرجار». كان انتقامه مخيفا، وكانت القرابين التي تقدم له على القدر نفسه ~~من الرعب. كان يقتلع رئات المذنبين والأعداء من أقفاصهم الصدرية، فيبدون مثل ~~«نسور دامية» مروعة ومشوهة، ملتوية تتساقط منها الدماء. لم يستطع أحد أن يواجه ~~عينه الواحدة . كلهم كانوا يخفضون نظرهم في حضرته. # كان «لوكي» مهتما بالأشياء لأنه مهتم بها، وبطريقة وجودها في العالم، وبطريقة ~~عملها. ولم يكن طيبا أو لطيفا، بأي شكل من الأشكال، ms62 عندما سكن عالم الأساطير. في ~~عالم الحكايات الشعبية كان شيطانا ناريا، غير مؤذ في الغالب، يوفر الدفء للمدافئ ~~والأفران. وفي عالم «أسجارد» كان مبتسما ومتهورا، وكان يتمثل في صورة حريق غابة ~~يلتهم كل ما يقف في طريقه. # عندما يتخذ هيئة الصقر كان يصطاد مخلوقات صغيرة ويعود بها إلى منزله ويفرد ~~أمخاخها ورئاتها على الطاولة كي يستطيع دراسة الأشكال الكامنة في كتلتها العديمة الشكل ~~المعقدة، والمكونة من خلايا هوائية إسفنجية، ومن الأوردة المتفرعة، وشقوق جذورها. ~~كما كانت الأمخاخ، أيضا، تمتعه. أحب الكتل الملتفة المجدولة، البيضاء من الداخل ~~والرمادية من الخارج، والشقوق التي تمتد بين الفصوص. كان القربان البشري على شكل ~~صليب، أو شجرة مبسطة. رئة، ودماغ، كانتا تعقيدا خرج عن السيطرة، وفوضى عارمة وإن ~~كان يمكن أن يلتمس فيها نظام من نوع مختلف. # وجمع أيضا أشياء أخرى تبدو في الوهلة الأولى عديمة الشكل. كانت ريشة جناح أحد ~~الطيور منتظمة الشكل، حيث كانت عبارة عن ريش معقوف متفرع بشكل منتظم من شوكة الريشة. ~~أما في الداخل - داخل البطة، أو داخل البجعة ذات الخصلات الملبدة أو السائبة - فكان ~~الداخل فاتنا، كانت هناك إيقاعات وتكرارات كامنة في الخيوط المنفوشة. # وقد درس النار والماء في المقام الأول. النار كانت عنصره ولكنه أيضا غير هيئته ~~إلى سمكة سلمون كبيرة وشق طريقه سريعا عبر تلاطم الشلال، وعبر دوامات البركة ~~العميقة، مجتازا حافتها ومتجها نحو النهر المندفع، الذي يتفرع حول صخرة كبيرة، ~~ويتجمع مرة أخرى، ويتعرج ويصدر الفقاقيع. # يمكنك قراءة المستقبل في أعمدة الدخان، أو في الشرارات المتطايرة لألسنة اللهب ~~الحمراء والصفراء والخضراء المائلة للزرقة، التي لا تتوقف أبدا ولكنها تظل محتفظة ~~بشكلها. لماذا يتصاعد الدخان بسرعة وسلاسة في عمود مستقيم، ثم فجأة ينقسم إلى أعمدة ~~ملتفة، تزداد اضطرابا؟ لماذا يتدفق الماء بسلاسة نحو الصخور، بحيث يمكنك رؤية ~~خطوط محددة من الفقاعات المنسابة فيه، أو تدعها تجري على حراشفك اللامعة، باللونين ~~الوردي والفضي؟ ثم، فجأة، ينقسم الماء حول الصخر في كل اتجاه، مزبدا وملتفا في ~~منحنيات وخطوط ملتوية، ms63 ويتجمع أحيانا ويدور في دوامات مفاجئة. يشتد هياج الماء، ~~تماما مثل الدخان، ويشبهه في كثير من الأوجه. أراد «لوكي» التعلم من هذا، لا أن ~~يجيد التحكم في النار أو الماء، وإنما أن يفسر حركتهما. ووراء فضوله كان يكمن شعور ~~بالسعادة. فهو يسعد بالفوضى. كان يحب أن يزداد هياج الأشياء، وأن تصبح أكثر جموحا، ~~وخروجا عن السيطرة؛ فالاضطراب هو ما يشعره بالسكينة. وقد يثير الاضطراب ليرضي نفسه ~~ويحاول فهمه حتى يتمكن من إحداث المزيد منه. فهو يكون في أعمدة الدخان المشتعلة في ~~ساحات المعارك. أو في الأنهار الهائجة التي تغمر ضفافها، أو في شلالات مياه المد ~~المرتفع وهي ترتطم بمصدات الفيضان وتحطم السفن والمنازل. # لقد كان طائشا وماكرا في الوقت نفسه. ذلك حيث سبح في ممراته المائية بحثا عن ~~أماكن للاختباء حينما تأتي الآلهة؛ رقع من الحصى لا يمكن من بينها رؤية السمكة ~~الكبيرة الحرشفية اللامعة وهي تقف ساكنة، قنوات عميقة يمكنه عبرها الانزلاق نحو البحر، ~~برك مياه مضطربة تحجب فيها التموجات وموجات السحب الرؤية. # فكر بطريقة الآلهة حتى يستبقهم ويحبط مخططاتهم. فإن كان هو إلها، ويعلم ~~أن عدوه سريع ويتخذ شكل سمكة، فكيف سيصطاده؟ كان سيبدأ باستخدام شرائط طويلة ~~مجدولة من خيوط الكتان، ويصنع منها شبكة تمتد بطول المخرج من بركة المياه، يمكن ~~لسمكة ضخمة أن تعلق فيها. جذبت هذه الفكرة اهتمامه، واخترع عدة أنواع جديدة من العقد، ~~ونوعا من الأربطة كي تلتف حول السمكة التي تحاول الإفلات. فكر في نفسه، وقال إن ~~«هذا» لا بد له من الإمساك بها، ولاحظ فجأة تصاعد الدخان بشدة من ناره، فتصاعد ~~تدفق قوي ومنتظم من الدخان، إلى الأعلى، ثم تحول إلى الدوران في دوامات. كان هذا ~~علامة على عثور من يطاردونه عليه، وأنهم يمتطون السحب في طريقهم إليه. رمى شبكة ~~الصيد بسرعة في النار التي اشتعلت بلون أزرق والتهمت الشبكة. ثم تحول إلى طائر ~~وطار إلى شلال المياه حيث تحول إلى سمكة سلمون وسبح إلى الأعماق. ~~••• # ركب موكب الآلهة، بخيولهم الطائرة، وعرباتهم التي ms64 تجرها الماعز وحتى القطط، ~~الرياح الشمالية واقتحموا المنزل من أبوابه الأربعة. وتفقدوا المكان، ولكنهم لم ~~يجدوا أثرا ل «لوكي» المخادع. لاحظ أحدهم أنه قد غادر المنزل لتوه؛ إذ كانت ~~المدفأة، والرماد فيها، ما زالا دافئين. تقدم «كفاسير»، وهو إله متقد الذكاء، ~~اشتهر بنظمه للشعر، إلى الأمام وفحص الرماد الساخن. كان الرماد يتكون من أعواد ~~خشبية وبقايا نبات السرخس، التي لا تزال تحتفظ بأشكالها الرمادية التي تشبه الأشباح، ~~بيد أنها كانت عند لمسها تتهاوى إلى أشكال تخلو من المعالم. وفوق هذه النباتات ~~المحترقة استقر شكل متفحم، ومنتظم، من مربعات ومعينات وخيوط وعقد. تفحص «كفاسير» ~~العقد، وأخبر الآخرين ألا يلمسوا أي شيء، وعثر على مخزون «لوكي» من خيوط الكتان. قال ~~«كفاسير» للآلهة الآخرين إن هذا الشيء هو البقايا المحترقة لما كانت مصيدة أسماك ~~بارعة الصنع. وإنه يمكن صناعة واحدة جديدة تشبهها، بعد فحص متأن لأشكال العقد. ومن ~~ثم جلس القرفصاء، وعمل بسرعة ومهارة، وصنع شبكة جديدة. # خرج الآلهة وتوجهوا نحو الشلال، وهم يحملون معهم شبكة صيد الأسماك. سمعت السمكة ~~أصوات وقع خطواتهم في الماء، فغاصت إلى الحصى، ووقفت ساكنة لا تحرك إلا خياشيمها. ~~وقفت الآلهة حول بركة المياه العميقة وألقوا الشبكة فيها. لم يستطيعوا رؤية أي شيء بسبب ~~انتشار الفقاعات على سطح المياه المضطرب. حركت السمكة زعانفها من أجل تحريك الحصى، ~~ودفنت نصف جسدها فيه، واستقرت الشبكة الملقاة فوقها تماما. ففكرت في طريقة تفلت بها ~~من هذا المأزق، وخطر لها الانطلاق نحو طرف بركة المياه ثم إلى المجرى المائي المفتوح. ~~إلا أنهم قد يرونها، فبصرهم حاد للغاية. فكرت في أنها ربما تستطيع التصرف مثل سمك ~~السلمون وتفاجئهم بقفزة قوية إلى «أعلى» تيار الماء وتسبح بعيدا عنهم ضد التيار. قال ~~هذا المخادع لنفسه في عقله المتكبر وهو يتحرك فينشر الحصى من حوله إنه، وهو واثق من ~~هذا، أذكى من كل هذه الآلهة مجتمعة، وهذا أقل ما يقال في حقه. إلا أن «كفاسير» تبادرت ~~إليه فكرة إثقال الشبكة وسحبها عبر قاع البركة المغطى بالحصى؛ ms65 إذ يمسكها ثور من ~~جانب، وجميع الآلهة الأخرى من الجانب الآخر. وهذا ما فعلوه، وبدءوا في التحرك ببطء ~~وعزم، ثم شعروا باصطدام الشبكة بجسم صلب ومقاومته لها. فسحبوا الخيوط المجدولة بمهارة ~~وأخرجوا هذه السمكة الملساء المرنة ذات الأعين الغاضبة، وهي تناضل محاولة الإفلات. ~~ظلت تترنح حتى هاجموها عند وصولها إلى الحافة، وقفزت قفزة شديدة قوية، وكادت تهرب ~~لولا أن مد ثور يده الضخمة وأمسك بها من ذيلها. وظلت السمكة تقاوم. # ومن ثم أمسكه إله الرعد بإحكام، منتقما لنفسه على ما تعرض له من سخرية وعدد ~~لا يحصى من الحيل المزعجة. ولفوه في نسختهم من شبكته المحترقة وحملوه عائدين إلى ~~«أسجارد». # كلمة «الآلهة» هي نفسها الكلمة التي تعني «القيود»، ولوكي، مثل ابنه «فنرير»، كان ~~مقيدا. فأخذوه إلى كهف ووضعوا ثلاث صخور مسطحة، وأحدثوا ثقبا في كل منها. وأحضروا ~~أسرته لتشهد هزيمته - ليست أسرته الجامحة التي تسكن «آيرنوود»، وإنما زوجته ~~المخلصة «سيجين»، وابناها «فالي» و«نارفي». قالت الآلهة إن المتحول لا بد أن يرى ~~أشكالا تتحول أمامه، فحولوا الفتى الشاب «فالي» إلى ذئب شرس، انقض على أخيه على ~~الفور ومزقه إربا. وبعد ذلك قتلت الآلهة المبتسمة غبطة هذا الذئب؛ إذ غرس «أودين» ~~رمحه الضخم «جونجنير» في أحشائه. أخذ الآلهة، وهم يضحكون، الأحشاء والأوتار المضرجة ~~بالدماء لكل من الذئب وأخيه، وقيدوا بها «لوكي» بين الصخور الثلاثة؛ الأولى تحت ~~كتفيه، والثانية تحت خصره، والثالثة تحت ركبتيه. # تحرك «لوكي» بعنف في هذه الشبكة التي تقطر دما، ظنا منه أنه ربما يستطيع ~~التحول إلى ذبابة، أو حشرة أبي مقص، ويتسلل هاربا منها. إلا أن الآلهة تلوا ~~الأحرف الرونية على القيود المصنوعة من الأشلاء، فتصلبت وصارت حديدا وأحكمت قبضتها ~~عليه. # أحضرت إلهة العواصف «سكادي»، ساخرة ومتهكمة، ثعبانا هائلا ينفث السم وحبسته ~~في سقف الكهف فوق وجه «لوكي» تماما، حتى يظل ما ينفثه من سم يقطر عليه إلى ~~الأبد. # قالت الآلهة بقناعة ورضا: إنه لا بد أن يبقى هكذا حتى تحين «راجناروك». # تسللت زوجته إليه حاملة طبقا كبيرا ليسقط ms66 فيه السم. ويقال إنها كلما تأخذ ~~هذا الطبق بعيدا لتفرغ ما فيه من سم، كان السجين يتلوى في قيوده، وهذا ما كان ~~يسبب الزلازل التي يشعر بها البشر. # كانت الآلهة تضحك على مشهدهما. # فكرت الطفلة النحيلة فقالت في نفسها: ولكنهم كانوا يعلمون أن «راجناروك» ستأتي. ~~وقد كان «فنرير» الذئب مقيدا، وتحولت «يورمنجاندر» إلى قيد يلتف حول الأرض تحت ~~البحر. وتقبع «هيل» داخل حصنها. وغزت الذئاب والثعابين العقل، ولكن في حدود. فبينما ~~أحاطت الأفعى بالبحر، أحاطت الذئاب بالسماء، تلاحق طوال الوقت «النهار» و«الليل»، ~~و«الشمس» و«القمر»، ولا تمسك بهم أبدا، ولكنها لا تكل ولا تمل في سعيها. ~~«لوكي» مكبل في قيوده. # في كتاب «أسجارد والآلهة» تأتي «راجناروك» مباشرة بعد واقعة تقييد «لوكي»، كما لو ~~كانت لا توجد أي أحداث ذات قيمة يمكن تسجيلها في الفترة بينهما. يشرح الكتاب أن ~~«راجناروك» تعني نهاية الحكم، أو بعبارة أخرى «نهاية الآلهة»، ومنها يأتي مسمى ~~«فناء الآلهة»؛ ومع ذلك يشرح البعض أن كلمة «روك» تعني «محاكمة»؛ أي «محاكمة ~~الآلهة». وتبدو كلمة «فناء» مرضية إلى حد كبير، وإن بدت غير صحيحة من الناحية ~~الاشتقاقية؛ إنها «راجناروك»، المحاكمة أو المصير (فكلمة «راجنا» هي صيغة الجمع لكلمة ~~«ريجين»). ومن ثم، فإن «راجناروك» تعني بالأساس فناء الآلهة، ولكن كما قيل لنا: ~~إنها قد أسيء فهمها. # اندهشت الطفلة النحيلة من ذكر موت، أو نهاية، أو محاكمة، أو فناء الآلهة في القصة ~~الموجودة بين يديها. فجزء من غموض هذا الكتاب وبهجته هو ذكر كل شيء فيه عدة مرات، ~~بترتيب مختلف وبنبرات أصوات متفاوتة. فقد بدأ الكتاب بنوع من الفهرس المعنون ~~للآلهة، يذكر أفعالهم ومصائرهم. ويوجد مكان ل «راجناروك» في تلك القائمة؛ إذ تظهر ~~مبكرا في الصفحة رقم 16، ملخصة في نظم شعري. إلا أنها يعاد سردها بأسلوب ~~طبيعي أكثر في نهاية الكتاب، مع ذكر للمشاعر والأحكام، ثم يعاد سردها مرة أخرى في ~~ترجمة شعرية ل «الفولسبا»، أو «قصيدة الفناء»، في آخر جزء من الكتاب، بأسلوب مخيف ~~وأشبه بتعويذة. تروى هذه القصيدة في الزمن ms67 المضارع، وكأنها رؤية تنبئية للمستقبل، ~~نراها كأنها تحدث أمامنا في «العصر الحاضر». لقد أصبحت هذه الطفلة النحيلة شاهدة على ~~فناء العالم، في كل مرة تقرأ فيها هذه الأشكال من السرد المختلف للقصة. فحتى أحلام ~~«بالدر» السيئة كانت نبوءة بكوارث «راجناروك». لقد بدا هذا السرد مختلفا عن القصص ~~المسيحية عن نهاية العالم، وعودة الإله الحي لمحاكمة الأحياء والأموات. في هذه الواقعة ~~حوكم الآلهة أنفسهم واتضح تقصيرهم. من حاسبهم؟ وما الذي أحدث «راجناروك»؟ فقد ~~وصف انتظار «لوكي» ليعثروا عليه، ويحتجزوه، ويقيدوه، على أنه المعرفة بأن ~~عذابه هو بداية «راجناروك». فكان من المقرر أن يعذب حتى حدوث «راجناروك». فكرت ~~الطفلة النحيلة في نفسها أن أحدا لم يكن يشك في حدوث «راجناروك»، لا الآلهة، ولا ~~الذئاب، ولا الثعابين، ولا حتى المخادع المتحول. فقد وقفوا جميعا في أماكنهم ~~مشدوهين، يحدقون فيها، كما تحدق الأرانب في ابن عرس، دون التفكير في منعها. يعاقب ~~إله المسيحيين البشر الخطائين، ويبعث الموتى «الصالحين». وقد عوقب آلهة ~~«أسجارد» لأنهم كانوا سيئين هم وعالمهم. فهم لم يتمتعوا بالذكاء الكافي، وكانوا ~~أشرارا. فكرت الطفلة النحيلة في العنف الذي يحدث في ساحة اللعب وفي قصف لندن، ~~وراقت لها فكرة أن الآلهة سيئة، وأن الأشياء التي تحدث سيئة. فالقصة طالما كانت ~~موجودة، وطالما عرفها الممثلون. # | الطفلة النحيلة في زمنها # سورتر حاملا سيفه الملتهب. # إن تخيل نهاية الأشياء في سن الطفولة ربما يكون من الأمور ~~المستحيلة. كانت الطفلة النحيلة، على الرغم من الحرب التي تزداد ضراوة، تخشى من التعرض ~~لملل أبدي؛ من ألا تفعل شيئا له أهمية، من أن تمر ~~الأيام الواحد تلو الآخر دون أن تذهب إلى أي مكان، وذلك أكثر من خشيتها من الموت أو من ~~نهاية الأشياء. فهي حين تفكر في الموت تفكر في الفتى الصغير على الجانب الآخر من الطريق ~~الذي توفي إثر مرض السكري. ولم يعرف أحد في المدرسة، ممن علموا بهذا الأمر، كيف يتصرف. ~~فبعضهم ضحك. والبعض الآخر تململ في مقاعده. أما هي، ففي الواقع، لم تتخيل أن هذا ms68 ~~الفتى قد مات؛ وفهمت فقط أن هذا الفتى ليس موجودا معهم ولن يكون أبدا. كانت تعلم أن ~~والدها لن يعود، ولكنها علمت هذا كحقيقة في حياتها هي، لا في حياته هو. فهو لن يأتي مرة ~~أخرى. راودتها كوابيس عن عمليات الشنق، وكانت تفزع من فكرة أن يحكم إنسان على إنسان آخر ~~أن يعيش في وقت يعلم فيه أن النهاية آتية لا محالة. # | «راجناروك» # بدأ الأمر بطيئا. ذلك حيث هبت عواصف ثلجية حادة على حقول الشوفان والشعير التي حان ~~وقت حصادها. كان الجليد يغطي برك المياه الصغيرة في الليل، حين كان قمر الحصاد، ~~المكتمل أحمر اللون، لا يزال في السماء. غطى الجليد أباريق المياه، وهبت رياح حادة، ~~تتزايد في شدتها ولم تهدأ قط؛ لهذا اعتاد الناس على تغطية رءوسهم وخفضها. كان هناك ~~محصول وفير من العنب الذي يغطيه الصقيع، لصنع نبيذ «موزيل»، نبيذ الثلج، الذي يعبأ في ~~براميل. ذبلت خضراوات الشتاء على سيقانها؛ إذ تجمدت قبل نضوجها. كما تساقطت أوراق ~~الأشجار في الأدغال والغابات مبكرا، وطارت في دوامات من الرياح الحادة. كان ضوء النهار، ~~في البداية، صافيا وباردا؛ فكانت كل الأشياء تلمع، الثلج الذي يغطي آثار العربات في ~~الشارع، ورقاقات الثلج التي تزداد تكدسا على عتبات المنازل والشجيرات، لا تتقلص، ~~ولا تذوب، بل تأتي مندفعة. ثم مع حلول الشتاء أظلمت السماء. وامتلأت بسحب رمادية كثيفة ~~بلون الحديد مليئة بالثلوج، وأصبح الهواء ذاته مليئا بالثلوج والبرد، وهبت دوامات من ~~قطع الجليد. تصلب سطح الأرض، وانكمش وصار أكثر كثافة، ومتجمدا لأعماق سحيقة يصعب على ~~المجارف إزالتها. صار من الصعب انتزاع الخضراوات الجذرية أو إخراجها. وازداد سمك الجليد ~~على البحيرات وصار يزحف ببطء على مجاري الأنهار. غاصت الأسماك إلى أعماق كبيرة، ~~فسبحت في البداية تحت الألواح الجليدية، ثم انتهى بها الحال في الطين، باردة ونحيلة، ~~بالكاد تتنفس. خرج الرجال حاملين فئوسا كسروا بها الجليد إلى قطع وضعوها في دلائهم ~~وأخذوها إلى منازلهم لتذوب فيشربوا منها. في البداية أثار هذا الأمر حماستهم. فقد كان ~~اختبارا ms69 للقوة. واختبارا للرجولة. استبقيت الماشية بالداخل ومنعت الأغنام من الخروج، ~~ما بقي منها على قيد الحياة بعد الانجرافات التي اشتد ارتفاعها ولم تنحسر. دخل الدجاج ~~في المنازل، واستلقت الخنازير بجوار المدافئ. خرج الرجال يرتدون أحذية الجليد، وعلى ~~الزلاجات، وعربات التزلج، وقطعوا الأشجار لاستخدام خشبها في إشعال النار، واصطادوا ~~كائنات الغابة التي ازداد دهاؤها ومكرها، مثل الأرانب والأرانب البرية، والغزلان الصغيرة ~~وطيور الحجل، والديوك الصغيرة التي تتجمد أقدامها على غصون الشجيرات. # كان عليهم البقاء على قيد الحياة حتى فصل الربيع. حتى يصير النهار أخيرا أطول وتذيب ~~الشمس الثلج والجليد، وتهدأ الرياح، ويمكن تعريض الجلد للهواء دون أن يتجمد من ~~الصقيع. # حل أقصر يوم في السنة، فرقص البشر، وخاضوا في الثلوج، وأوقدوا النيران؛ احتفالا ~~باستقبال العام الجديد وتغير الأجواء. # إلا أن الأجواء لم تتغير كثيرا. فقد ازداد لون السماء الرمادية شحوبا، كان هذا كل ~~ما حدث من تغيير، بينما ظلت الأرض والهواء والماء في حالة تجمد. # فبدءوا يستخدمون أشياء لا يمكن استعاضتها. ذلك حيث شقوا حلق خنزير وقطعوا لحمه ~~وجمدوه وشووه. وخنقوا الدجاج الذي لم يكن يضع البيض ونتفوا ريشه وسلقوه، ولم يكن ~~من الممكن استعاضة هذا الدجاج لأن معظم الكتاكيت قد نفقت. أصبح إطعام الأغنام ~~والخيول والحمير يزداد صعوبة أكثر فأكثر؛ بسبب تلف المحاصيل وتجمد الحقول. وأصبحت الشجاعة ~~هي القدرة على الصمود، وزادت الحاجة الماسة إلى الحساء ليتناوله المحتضرون. # وفي الخارج، في الشفق الدائم، كانت الذئاب تعوي وتتجول. فقد كانت جائعة ~~وغاضبة. # لقد ظنوا أن هذا يشبه حتما ما سيحدث عندما يحل «الشتاء العظيم». فقد أصبحت الشمس ~~الكبيرة ذات لون أحمر باهت، ذاوية وكئيبة، مثل جمرة من نار. كانت تشع القليل من الضوء، ~~وكان الضوء الموجود أحمر أو قرمزي اللون كالدماء. لقد اشتاقت عظامهم وعقولهم إلى ضوء ~~صاف، ورياح دافئة، وبراعم متفتحة، وأوراق خضراء. امتد الشتاء إلى عام آخر، وعام ~~بعده. فتجمدت البحار، وارتطمت جبال الجليد بالشواطئ، وطفت في أنحاء الخلجان. لقد بدءوا ~~يدركون أن هذا ليس شبيها بالشتاء العظيم، بل ms70 هو نفسه الشتاء العظيم. # لقد صاروا غزاة. فاجتاحوا منازل بعضهم بعضا، يصيحون ويزأرون، فيذبحون الضعفاء، ~~ويفرغون المخزون الشحيح من الطعام. كانوا يشربون ما يجدونه من نبيذ الميد، ويتجرعون ~~النبيذ كما لو كان الغد لن يأتي، وهذا ما بدءوا يعتقدونه بالفعل. فالكائنات الجائعة ~~والبشر الجائعون سيتناولون أي شيء. أقام الفائزون في المعارك ولائمهم بين الجثث ~~النافقة، التي مزقتها الوحوش الزاحفة والرابضة. فقد كان بعضهم يمسك ببعض ويقعون حول ~~النيران، ويرتكبون الفاحشة مع أي الموجودين من البشر أو الجماد. فكانوا يأكلون ~~ويقبلون ويمضغون ويبتلعون ويتقاتلون ويتصارعون وينتظرون نهاية العالم، وهو الأمر الذي ~~لم يحدث بعد. وفي النهاية وصل الحال بهم، بالطبع، إلى أكل بعضهم بعضا. # ازدادت كثافة الغيوم في السماء أكثر فأكثر. وحملت الرياح نحيب «الديسير» - وهي كائنات ~~أنثوية مجنحة أجسامها مغطاة بالجلود - التي جثمت على الجروف الصخرية، تحدق وتصرخ. خرجت ~~«نيدهوج»، الدودة الهائلة التي نخرت جذور شجرة «إجدراسيل» لتمتص دم الموتى وهم راقدون ~~في الوحل المتجمد. ومن غابة الغليان «كيتلوود»؛ حيث يرقد «لوكي» مقيدا بين فوارات ~~المياه التي ما زالت تنفث مياها ساخنة، تعالت أصوات الذئاب أكثر فأكثر؛ ذئاب في الغابة، ~~ذئاب تخوض في الثلوج، ذئاب بأنياب دامية، ذئاب داخل العقل. # إنه «زمن الرياح»، «زمن الذئاب»، قبل انهيار العالم. # كان هذا هو زمنهم. # في «أسجارد» خبا لمعان الذهب، ولكن ما زال من الممكن تناول الخنزير البري السحري في ~~الليل وبعثه من جديد من أجل الوليمة التالية. كانت جميع أجزاء «إجدراسيل» تهتز، فتساقطت ~~أوراقها، وذبلت أغصانها، لكن بقيت الشجرة واقفة كما هي. نزل «أودين» إلى البئر الموجودة عند ~~جذورها وتحدث مع رأس «ميمير» تحت المياه السوداء العكرة. لم يعلم أحد قط ما عرفه ~~«أودين»، ولكنه عاد جامدا وباردا. انتظر الجميع. ولم يحركوا ساكنا، ولم يفكروا، ~~ربما لم يستطيعوا أن يفكروا . استلقت «إدون» ملفوفة داخل جلد الذئاب الخاص بها. لقد ذبل ~~تفاح الشباب وتغضن. # وتحت الجليد كانت الأرض تغلي. فجنوبا في «موسبلهايم» استعرت النيران الأزلية، وجابت ~~مخلوقات نارية عديمة الملامح، ملتهبة ومشتعلة، كما ms71 كان حالها دوما. لكن الآن صارت صخورا ~~ساخنة، وأمطارا من رماد حارق، وألسنة منتشرة من حمم لامعة، لونها ذهبي أحمر ~~وتتقاذف من كل مكان، وتتحول إلى لون أسود باهت ضارب إلى الحمرة، تشق طريقها عبر ~~قشرة الأرض الصلبة. ارتفعت القبب الحمراء أكثر وأكثر، وهي تغلي وتزبد، وتخرج غازات ~~قاتلة، تسقط على الغابات وتحولها إلى حطب. أطلق على مكان تعذيب «لوكي» اسم غابة ~~الغليان «كيتلوود» لأن الصخور التي تعذبه كانت داخل كهف بين فوارات مياه تغلي. والآن ~~صارت هذه الفوارات تنفث المياه بشراسة، فتخرج الرماد، وبدأت الأرض نفسها تهتز مثل وحش ~~يعاني من ألم بالغ، وانكسرت قيود «لوكي» المتحول. فوقف يضحك بين الدخان والبخار وزوبعة ~~من الصخور المتطايرة، وتوجه جنوبا وهو يسير وسط الفوضى. ودخل مسرعا في الغابة ~~المقدسة حيث كان «فنرير» الذئب مقيدا، وانفجرت التربة تحت خطواته وفتحت، وتلوت ~~الأشجار وسقطت، أما الحبل السحري «جليبنير»، المصنوع من آثار أقدام القطط ولحى النساء ~~وأنفاس الأسماك وبصاق الطيور، فقد انكمش وتفتت. وتثاءب «فنرير» وأخرج السيف من حلقه الذي ~~ينزف. وهز نفسه فأصدر شعره صوتا كحفيف النيران. وركض الأب والابن بخطى واسعة جنوبا ~~إلى أرض اللهب. # ظهرت شقوق قرمزية اللون تحت وطأة خطواتهما في طبقة الجليد السميكة الملساء. فضحك ~~الاثنان. وأصدرا عواء ممزوجا بالضحك. # جلس حارس «موسبلهايم» عند حدودها. كان اسمه «سورتر»، وهو يعني «الأسود». كان يحمل ~~سيفا ساخنا، يصعب النظر إليه من شدة لمعانه، وأحاطت به دوامة من دخان أسود اللون. فهب ~~واقفا على قدميه، وارتفع إلى أعلى فأعلى، وهز سيفه وصاح، فتحركت حشود «موسبلهايم» وهم ~~يحملون أسلحة بيضاء ساخنة وأدوات لقذف اللهب، وبدءوا المسير. # رآهم «أودين» من مقعده العالي «هيلدسكالف». كانوا يزأرون وهم يتوجهون نحو حقل يدعى ~~«فيجريد»، يمتد مائة فرسخ في كل اتجاه. لقد حانت اللحظة الحاسمة. إنها بداية النهاية. ~~لقد كان هؤلاء الآلهة يعيشون في حالة من الترقب، ينتظرون خوضهم لمواجهة أخيرة. وقف النذير ~~«هايمدال»، ونفخ في البوق العظيم، «بوق جيالار». لقد صنع هذا البوق مع آخر صرخة عظيمة ms72 في ~~العقل. هبت الآلهة واقفة وتسلحت بالسيوف والدروع والرماح والملابس الواقية، والذهب ~~اللامع، وفعل محاربو «الإينهيرجار» مثلهم تماما. نزل أودين مرة أخرى وتحدث مع رأس ~~«ميمير» في المياه السوداء، التي ازداد لونها سوادا بسبب السخام المتساقط عليها، والذي ~~انتشر في كل مكان. اهتزت الشجرة الكبيرة وارتعشت. فقد كانت التربة المرتفعة متفككة ~~عند جذورها. صارت فروعها تتخبط، وانتزعت أوراقها في العاصفة، وانضمت لتيار الهواء ~~الساخن، وبدأت مياه بئر «أورد» تغلي. # توجه الآلهة نحو جسر قوس المطر «بيفروست»، الذي يربط «أسجارد» و«ميدجارد». كانوا ~~محطمين بالفعل عندما بدءوا في التحرك. فقد خسر «تير» ذراعه بسبب الذئب، وفقد «أودين» ~~عينه بسبب «ميمير»، وتخلى «فرير» عن سيفه السحري، ورأت «سيف»، زوجة «ثور»، شعرها ~~السحري وهو يسقط بالكامل عن رأسها الذي صار أصلع. وحتى «ثور» نفسه، على حد قول بعض ~~الشعراء، فقد مطرقته التي رماها وراء أفعى «ميدجارد». أما «بالدر» فقد خسر حياته. في ~~القصص، توجد طريقتان للفوز في المعارك؛ وهما إما القوة الفائقة، وإما الشجاعة مع أمل بائس. ~~والآلهة لم يتمتعوا بأي من الصفتين. فقد كانوا شجعانا وفاسدين. # ذبلت «إجدراسيل» وتدلت، وظلت أوراقها العالقة تخفق. وانكمشت جذورها. وأصبحت أعمدة ~~الماء داخل لحائها مضطربة وواهنة. ثرثر السنجاب في خوف وتدلت رأس الأيل. طارت الطيور ~~السوداء وابتعدت في دوائر عن الأغصان متجهة إلى السماء الحمراء. # كان البحر أسود اللون كالبازلت، ومغطى برغوة مزبدة، وزبد متخثر لونه أخضر ثلجي، ~~وجدران عالية مهتزة مليئة بإبر من هواء ترتفع إلى أعلى وأعلى وتسقط لتصطدم بجدران أخرى ~~من الماء على شواطئ العالم المتهاوية. # أطلقت السفينة في الشرق، وكانت سفينة مهيبة وجميلة، مصنوعة من مادة طافية وشفافة على ~~نحو باهت؛ ألا وهي أظافر البشر الميتين الصلبة، التي انتزعت وهي ناتئة، بعدما توقف الدم. ~~لقد كانت سفينة أشباح بلون العظام ، فكان لونها رماديا مميتا، كما لو أن جميع أشكال ~~الفوضى العائمة في المياه، التي لا تتعفن ولا تتحلل، قد تجمعت والتصق بعضها ببعض في هذه ~~السفينة المنزلقة. كانت تدعى «نجلفار». وكان قائد دفتها ms73 هو العملاق «هريم». تخيلتها ~~الطفلة النحيلة بالطبع بحكم سنها الصغيرة مثل قارب شراعي بحبال شبحية ورايات خفاقة. ~~ثم صارت تتخيلها مثل سفينة ذات جسم طويل وعنق طويلة ومقدمة على شكل تنين، وتهدف إلى ~~الإغارة على السفن الأخرى، ومثل جلد ثعبان ميت مصنوع من طبقات من الحراشف المتمثلة ~~في أظافر أصابع الأقدام، يلمع لمعانا خافتا. كان يديرها عمالقة الجليد وعمالقة النار ~~معا، وانطلقت في سحابة من بخار يغلي. # مع تقاذف قشرة الأرض وغليانها، بدأ غطاء البحر يتراقص بجنون، مع اندفاع فوارات المياه ~~وارتطامها بالأمواج، التي كانت مليئة بالجثث الطافية، وأسراب من الأسماك اللامعة النافقة، ~~وجثث الحيتان، وكركدن البحر، والحيتان القاتلة، والسبيدج العملاق، وثعابين البحر، كلها ~~تتدافع لأعلى وتمزق إربا بفعل الحرارة والبرودة وقوى الطبيعة الأولية. # ثم ارتفع سطح البحر عاليا خلف مؤخرة «نجلفار» كأنه جبل هائل ومتدفق، به شقوق ~~وأخاديد متحركة، تنهمر منه أعشاب بحرية ممزقة وحبيبات الشعاب المرجانية المدمرة. وفي ~~وسط هذا الجبل ظهر الرأس المفزع لأفعى «يورمنجاندر»، أفعى «ميدجارد»، هذا الشريط من جلد ~~الثعابين الذي حافظ على شكل العالم المادي. ارتفعت الأفعى وخرجت وهي تسير متلوية إلى ~~الأمام، ويرتفع رأسها المغطى بلبدة لحمية عاليا، ويرتفع ذيلها من بين الصخور والرمال ~~محركا بذلك البحر بأكمله. طفت «نجلفار» بخفة على الدوامة التي أحدثتها حركة الأفعى، ~~وهز «هريم»، عملاق الثلج، فأسه لتحية هذا الوحش. كان جسمها ملفوفا بأعشاب بحرية ممزقة ~~وحبال وسلاسل البشر الميتين، التي لا تزال جثثهم المشقوقة تتدلى منها. بدأت تتلوى في ~~الماء، متجهة بعزم نحو ساحة المعركة «فيجريد». ضحكت تلك الأفعى الضخمة، تماما مثل والدها ~~وأخيها، بصوت مرتفع، وبدأ السم يقطر من أنيابها ويحدث لهيبا عند قمم الأمواج. غمرت ~~مياه البحر الشديدة الارتفاع السواحل والشواطئ والصخور وجدران الموانئ ودلتا الأنهار، ~~والمصبات والمستنقعات. فلم يعد من الممكن تمييز معالم العالم. # عندما فك القيد الموجود حول الأرض، انكسرت القيود الأخرى. قضم «جارم» كلب الجحيم ~~سلسلته وقفز إلى الخارج لينضم إلى أخيه الذئب. ضربت الشمس في عربتها، وضرب القمر في ~~عربته، خيولهما ms74 وهي تعدو في اندفاعهما الأبدي حول السماء. إلا أن الذئاب التي تبعتهما دون ~~كلل، والتي انضم إليها «جارم» بعينين وحلق قرمزيين، علمت أن وقتها قد حان، ~~فأسرعت في ركضها، وانقضت بأسنانها على السيقان الخلفية للحصان الفضي والآخر الداكن ~~اللون. فصرخ الحصانان وانحرفا عن الطريق، فجن جنون الضوء في العالم، وأصبح معتما، ثم ~~أبيض ملتهبا، ثم معتما كالجحيم، ثم أحمر قانيا. مزقت الذئاب حنجرتي الحصانين ~~والتفتت إلى السائقين في عرباتهما، السيدة الشمس، والأم الليل، والفتى القمر، والفتى في ~~عربة النهار المشرقة. في مكان ما في وسط الهواء، بينما كانت العربات تهوي إلى الأسفل، ~~مزقت الذئاب الشمس والقمر والنهار والليل إربا، وشربت دماءهم وابتلعتهم بالكامل. # أما النجوم فقد كانت، كما اعتقد البعض، أنوارا خارجية، تشع عبر ثقوب في جمجمة «يمير». ~~أما الآن، حين بدأت الذئاب تعدو ضاحكة عبر السماء نحو «فيجريد»، بدأ ضوء النجوم يخبو، ~~وتساقطت مثل الشموع المحترقة أو الألعاب النارية المنطفئة، وانهمرت على الأرض المشتعلة ~~التي تغلي. رأى «فنرير» إخوته في السماء فأصدر عواء لتحيتهم. لقد كبر حجمه. فصار ~~خطمه يحتك بجمجمة «يمير»، وفكه يقع على امتداد الأرض المحترقة. # تقدمت الآلهة ومحاربو «فالهالا» مثل البيرسيركيين الهائجين تجاه سهل المعركة. أصدروا ~~زئيرا في تحد - فهذا ما كانوا يجيدونه - فزأرت الذئاب والثعابين وعمالقة النار وعمالقة ~~الصقيع في المقابل وأصدرت حفيفا، بينما وقف «لوكي» مبتسما في ضوء ألسنة اللهب الحمراء ~~المتطايرة، والتي كانت مصدر الضوء الوحيد الموجود. ~~«راجناروك»، المعركة الأخيرة. # تقدم «أودين» نحو الذئب «فنرير»، وهو يعدل رمح المران «جونجنير». انتصب شعر رأس ~~هذا الذئب. ولمعت عيناه الخبيثتان. وتثاءب. فغرس الإله رمحه في فك الذئب الفاغر. هز ~~الذئب نفسه، وقضم الرمح، وتقدم ثلاث خطوات إلى الأمام، وأطبق على «أودين» الكبير ~~وهزه، ومزقه، وابتلعه. سرى النحيب بين «الإينهيرجار». وترنحوا، وتقهقروا، ثم تقدموا ~~مرة أخرى، ولكن في صمت الآن. فلم يسعهم فعل أي شيء آخر. # اعتلى أبناء «لوكي» ساحة المعركة، وقد امتزج صوت ضحكات الذئب بالحفيف الفرح للأفعى. ~~وبدافع الحزن الذي يغمره، رمى «ثور» نفسه ms75 فوق الأفعى، وانهال عليها ضربا بقبضتيه ومطرقته ~~الرعدية، فهشم جمجمتها. تلوت الأفعى، وسقطت، ونفثت السم. استدار «ثور» ليخبر الآلهة ~~أنهم لم يخسروا بعد، فقد قضى على الأفعى. لم يتقدم «ثور» سوى تسع خطوات في سيل ~~السم الذي غمرته به، ثم سقط ميتا. # حدثت معارك أخرى على غرار تلك المعركة. فقد قاتل «تير» بذراع واحدة، وهو لا يزال يرتدي ~~جلد الذئب، كلب الجحيم «جارم»، حتى أنهك كلاهما وسقطا مهزومين، ولم ينهضا مرة أخرى. ~~كذلك قتل «فرير» بسيف «سورتر» البراق. زحف أحد أبناء «أودين» الصغار، الذي يدعى ~~«فيدار»، بين الجثث وطعن الذئب «فنرير» في فرائه المضرجة بالدماء. سعل الذئب وسقط، ~~فخنق «فيدار» المنتقم تحت وزن جسمه. # وقف «لوكي» يشاهد ما ارتكبه أبناؤه الوحوش وهم يقتلون ويقتلون. ثم، حين بدأت ساحة ~~المعركة تغرق في وحل دام، شرع في مبارزة نافخ البوق بعيد النظر «هايمدال»، فقاتل كل ~~منهما بتهور وحماس المحكوم عليه بالهلاك. فقتل كل منهما الآخر؛ وسقطت جثة كل منهما في ~~مقابلة الأخرى دون حراك. # أصبحت الأرض ملكا ل «سورتر». فأحرقت نيرانه الأغصان الجريحة ل «إجدراسيل»، وأدت ~~إلى ذبول جذورها العميقة. سقطت منازل الآلهة في بحيرة النار. وجلست «فريج» المكلومة على ~~عرشها الذهبي منتظرة، بينما أحرقت النيران أعتاب بابها، والتهمت أساسات منزلها. ومن ~~ثم احترقت هي أيضا وهي جالسة دون حراك، وتقلص جسمها وصار أسود اللون، وأصبحت رمادا ~~بين الرماد المتساقط. # في مكان سحيق في غابات عشب البحر كانت نيران سورتر تغلي في ركائز البحر. وقد انفكت ~~دعائم «راندراسيل» وفقدت أوراقها السرخسية الجميلة لونها وحياتها، وهوت في الماء ~~الهائج بين الكائنات النافقة التي آوتها تلك الغابة ودعمتها ذات يوم. # بعد مرور وقت طويل، خمدت النيران أيضا. ولم يتبق إلا سطح منبسط من السائل الأسود يلمع ~~في نقاط الضوء الصغيرة الباهتة التي ما زالت تنبعث عبر فتحات النجوم. طفت بعض قطع الشطرنج ~~الذهبية وتمايلت على التموجات القاتمة. # | الطفلة النحيلة في زمن السلم # خزنت الطفلة النحيلة صورة نهاية العالم هذه، مثل قطعة بيضاوية رفيعة من ms76 البازلت الأسود ~~أو الإردواز، والتي ظلت مصقولة دوما في عقلها، بجوار الشبح الرمادي للذئب، واللفائف ~~اللامعة والخطم الغليظ للأفعى في العقل. لقد قرأت ما احتاجت إلى معرفته، واختارت عدم ~~تخيل، وعدم تذكر عودة الآلهة والبشر إلى سهل «إيدا» الأخضر المتجدد، التي ذكرت في ~~كتاب «أسجارد والآلهة». فقد ذكر المحرر الألماني الدقيق لذلك الكتاب أن هذا البعث هو ~~على الأرجح تشويه مسيحي للنهاية الأصلية البسيطة. كان هذا كافيا للطفلة النحيلة. وهو ما ~~جعلها تصدقه على الفور. فهي لم تكن تحتاج إلا إلى النهاية الأصلية، الماء المظلم الذي ~~يغطي كل شيء. # لقد كان الشيء الأسود في عقلها والماء المظلم المرسوم في صفحة الكتاب شيئا واحدا، نوعا ~~من المعرفة. وهذا هو تأثير الأساطير. فهي عبارة عن أشياء ومخلوقات وقصص تحتل العقل. إنها ~~أشياء لا يمكن تفسيرها، ولا تفسر شيئا؛ إنها ليست عقيدة ولا رموزا. لقد صار اللون ~~الأسود الآن داخل عقل هذه الطفلة النحيلة، وأصبح جزءا من طريقة استيعابها لأي شيء ~~يقابلها. # خزنت الطفلة «راجناروك» في عقلها لتواجه بها الوقت الذي ستتأكد فيه عدم عودة ~~والدها. إلا أنه، ذات ليلة، بعد منتصف الليل، عندما كانت النوافذ لا تزال مدهونة بطلاء ~~معتم تحسبا للغارات الليلية، عاد والدها، على نحو مفاجئ وغير متوقع. فأيقظوا ~~الفتاة النحيلة، ووجدته أمامها، يقف عند مدخل المنزل، بشعره الأحمر الذهبي اللامع، ~~والأجنحة الذهبية على سترته، وقد مد ذراعيه إلى الأمام ليحملها حين قفزت عليه. تهاوت ~~جدران الدفاع ضد الكوارث داخل رأس الطفلة النحيلة، ولكن ظلت معرفتها ب «راجناروك»، القرص ~~الأسود، في مكانها لم تتزحزح. # عادوا جميعا إلى المنزل، الطفلة النحيلة وأسرتها. كان منزلهم عبارة عن بيت رمادي ضخم، ~~به حديقة شديدة الانحدار في المدينة الفولاذية، التي كان لها جوها الخاص الذي يمكن ~~تشبيهه بجدار من سحابة كبريتية معتمة، رأوها وهم قادمون من الريف حيث جرى إجلاؤهم. شعرت ~~الطفلة النحيلة بضيق شديد في صدرها مع اقتراب هذا الهواء الفاسد منها. # يوجد قدر من التشابه بين قصة «بنيان» الرمزية والأماكن التي عادوا ms77 إليها. كان المنزل ~~القديم في «ميدو بانك أفنيو»، وهو مساحة بيضاوية أشبه بمقلاة طويلة، ينحدر منها ممر ~~ضيق، منحدرا إلى مكان يدعى «نيذر إيدج» (الحافة السفلى). كانت الطفلة النحيلة أكبر ~~قليلا في العمر حين فهمت جمال تعبير «الحافة السفلى»، في مقابل مجرد قولها بسرعة ~~والتفكير في المكان الذي يوجد فيه متجر الجزار، بما فيه من بلطات وسكاكين وأطراف دامية ~~للذبائح، وحيث تسير الحافلات الكبيرة مسرعة ومصدرة صوتا مدويا، وحيث كان بائع الأدوات ~~المكتبية يبيع الحلوى المثلجة والصحف وحلوى «جوبستوبر» المستديرة الصلبة. # تقع في وسط «ميدو بانك أفنيو» رقعة بيضاوية ضخمة من العشب عرفت باسم «جرين» (الرقعة ~~الخضراء)، يحيط بها جدار من الأحجار القصيرة السميكة، التي يمكن الجلوس عليها. وعند طرف ~~هذا الجدار توجد مجموعة من أشجار الزان والبلوط الطويلة. لا بد أن هذا المكان كان قرية ~~خضراء فيما مضى، حيث كان يسمع صوت أبناء بليك وهم يلعبون. لا يزال الأطفال يلعبون في ذلك ~~المكان في الوقت الحاضر، ولكنه صار حبيسا مع تغول الضاحية السكنية التي أحاطت به من كل ~~جانب. # اعتاد والد الطفلة النحيلة في وقت فراغه، الذي قل مع ازدياد نجاحه، الانشغال بإنشاء ~~حديقة. حيث توجد مرجة صغيرة ومكان للغسيل، خلف منزلهم، وفي نهاية هذه المرجة الصغيرة توجد ~~قنطرة خشبية، تذكرها الطفلة من أيام طفولتها الأولى، قنطرة تقليدية، مغطاة بالأزهار ~~المعتادة، بألوانها الحمراء، والبيضاء، والوردية السكرية. وتنحدر الحديقة انحدارا شديدا ~~تحت تلك القنطرة نحو «نيذر إيدج». نمت الأزهار نموا عشوائيا في فترة الحرب. فانتشرت ~~في أجمات شوكية مثل تلك الموجودة في القصص الخيالية. عمل والد الطفلة النحيلة، وهو يغني، ~~على السيطرة على تلك الزهور وتهذيبها، فربطها بالأعمدة الخشنة للقنطرة، ولعق أصابعه ~~المجروحة وضحك. وطلب أحجارا من الريف، أحجارا رمادية مثل تلك التي بنيت بعناية في شكل ~~جدران تحيط بأغنام المستنقع. بدأ في إعادة ترتيب تلك الحديقة المنحدرة بإقامة مصاطب ~~مدرجة حجرية جافة تحتوي على أحواض بها أزهار الزنبق، وخشخاش شيرلي، وشجيرات الورود، ~~واللافندر، والزعتر، وإكليل الجبل. استخدم حوضا حجريا ms78 قديما لصنع بركة تعوم فيها ~~صغار الضفادع وأسماك أبي شوكة، التي أمسكت بها الطفلة النحيلة داخل شبكة في إحدى النزهات، ~~وهي سمكة حمراء غاضبة أطلقت عليها الطفلة «أومسلوبوجاس». كانت حديقة رائعة الجمال في شكلها ~~الجديد، على الرغم من السخام الموجود في الهواء. أحبت الطفلة النحيلة والدها، كما أحبت ~~الحديقة، وكانت تتنفس بصعوبة. # ربما كان من المتوقع من والدة الطفلة النحيلة، التي أظهرت شجاعة شديدة وسعة حيلة في وقت ~~الحرب، أن تجد في عودتها إلى منزلها المريح الذي أبعدت عنه نهاية سعيدة. إلا أنها عانت في ~~الواقع مما أطلقت عليه الطفلة النحيلة فيما بعد الرتابة اليومية. لم تكن في الواقع أما ~~تجيد اللعب مع أطفالها، ولا تستطيع الطفلة النحيلة تذكر أن والدتها كانت تقرأ بصوت ~~مرتفع، على الرغم من الكتب التي لا حصر لها التي كانت تعطيها للطفلة. أما في أثناء الحرب، ~~حين كانت تعمل بالتدريس، فكان لديها أصدقاء. فصديقتها ماريان اعتادت أن ترتدي قبعة خضراء ~~بها ريشة أنيقة من ريش طائر الدراج، وتمثل دور روبن هود فتركض في الغابة وتطلق السهام من ~~الأقواس. كانت والدة الطفلة النحيلة تشاهدها في إحراج شديد، وريبة من هذا السلوك. كانت ~~الطفلة النحيلة تشاهد والدتها وتسجل ملاحظاتها. إلا أن والدة الطفلة قد عاشت في الريف ~~وفي قصصه. ومن الواضح أن الفتيان الذين كانت تدرس لهم قد أحبوها. فقد كانوا يهدونها ~~كائنات حية؛ قنفذا تتساقط منه براغيث على السجادة، وحوضا مليئا بأسماك سمندل الماء ~~الضخمة ذات العرف، التي كانت تحاول الهرب في وقت التكاثر، ولكنها وهنت وماتت تحت موقد ~~الغاز. أطلق سراح القنفذ في الحقل الموجود في نهاية الحديقة، وقيل لمانحه إنه هرب. فأحضر ~~واحدا آخر مليئا بالبراغيث أيضا في اليوم التالي، ولكن أطلق سراحه هو الآخر. حصلت كذلك ~~على كتل لزجة ضخمة من بيض الضفادع، ثم أحواض مليئة بصغار الضفادع السوداء كالحبر التي ~~أكلت بعضها. في تلك الأيام، كانت والدة الطفلة النحيلة تخرج لتتمشى، وتطلق بمحبة ~~أسماء على جميع الأزهار. كانت الطفلة النحيلة لديها مجموعة ms79 كاملة من كتب «جنيات الزهور» ~~التي تحتوي على أشعار بارعة النظم وصور رائعة الجمال. أزهار النسرين، واللوف الأبقع، وست ~~الحسن، والبنفسج، وزهور اللبن، وزهور الربيع. # تأكدت الطفلة النحيلة بعد عدة سنوات أن العودة التي طال انتظارها أفقدت والدتها ~~إقبالها على الحياة. إذ تغلبت عليها الرتابة. فجعلت نفسها وحيدة وصارت تنام في فترات بعد ~~الظهيرة، وتقول إنها تعاني من آلام في الأعصاب وصداع مرضي. فصارت الطفلة النحيلة ترى ~~أن كلمة «ربة بيت» هي مرادف لكلمة «سجينة». فطارد شبح الخوف من الحبس الطفلة النحيلة، ~~على الرغم من عدم اعترافها صراحة بهذا. # الصخور في «ريزينجيبيرجا». # لقد صارت المساحات الخارجية في زمن الحرب الذي عاشته؛ من حقل القمح، والمرج، وشجرة ~~المران، ونبات الزعرور، وسياج الأشجار، والبركة الطينية، والضفة المتشابكة، صارت جميعها ~~أشياء في عقل الطفلة النحيلة، تماما مثل اللوح الإردوازي أو البازلتي. كانت جميعها مضغوطة ~~في شكل أجمة كروية بجذور وبراعم ممتدة، يوجد معها أشياء زاحفة وطائرة وعائمة، ورقعة من ~~سماء زرقاء قوية، ورقعة أخرى من عشب أخضر، وأخرى من ذرة ذهبية، وأخرى من أرض داكنة تحت ~~السياج الكثيف. كان عالما صغيرا، نفيت أو أجليت إليه. إنها جنة على الأرض كانت ~~موجودة فيما مضى. # ما زالت تقرأ وهي على سريرها في الليل، فتعود دوما إلى «أسجارد والآلهة» و«رحلة الحاج»، ~~وقد استلقت على بطنها في مدخل غرفة نومها لتلتقط الضوء الساقط على الأوراق، وتزحف إلى ~~الخلف مثل الثعبان إذا سمعت حركات في الأسفل. انتهى زمن تعتيم زجاج النوافذ، وسطع ضوء ~~القمر عبر نافذة غرفتها وظهرت أشكال غريبة تومض وتتحرك في سقف الغرفة، أسواط تضرب، ~~ومكانس، وأفاع منتصبة، وذئاب متسابقة. حين كانت صغيرة للغاية، كانت تخاف تلك الأشكال. ~~إلا أنها الآن صارت تشاهدها في سعادة، وتكون منها قصصا ومخلوقات. لقد كانت تلك الأشكال ~~انعكاسا لحركة أغصان شجرة المران البرية التي تهزها الرياح، والتي ظهرت من تلقاء ~~نفسها، تماما كما تفعل تلك الأشجار في عناد عند عتبة منزل الحديقة. # قال والد الطفلة النحيلة إن هذه الشجرة لا ms80 بد من إزالتها. فقد كانت شجرة برية، ولا مكان ~~لها في حديقة منزلية. لقد أحبت الطفلة النحيلة الشجرة، وأحبت والدها، الذي عاد إليها ~~بالرغم من جميع توقعاتها السوداوية. وشاهدته وهو يأخذ فأسا ويتجه نحو الشجرة، ويغني ~~وهو يقطعها، ويقسم الشجرة الحية إلى حطب وجذع وحزم من عصي خشبية. فأغلقت بوابة ~~ما داخل رأسها. فلا بد لها أن تتعلم العيش في رتابة، هذا ما قالته في نفسها، في بيت، في ~~حديقة، في منزل، توجد فيه الزبد والقشدة والعسل مرة أخرى، وكانت جميعها طيبة الطعم. لا ~~بد لها من تذوق طعم زمن السلم. # إلا أنه على الجانب الآخر من البوابة المغلقة، يقع عالم أسود زاه دخلته وعايشته بعد ~~إجلائها. إنه عالم شجرة المران وجسر قوس المطر، الأبديان كما بدوا، واللذان دمرا ~~في طرفة عين. الذئب بشعر رقبته وأسنانه الدامية، والأفعى بلبدتها من الزوائد الجلدية، ~~ولوكي المبتسم بشبكة صيده وألسنة اللهب التي تحيط به، والسفينة الخشنة السطح المصنوعة من ~~أظافر الموتى، والشتاء العظيم، وحريق «سورتر» الهائل، والسطح الأسود غير الواضح المعالم، ~~تحت سماء سوداء غير واضحة المعالم، في نهاية العالم. # | أفكار حول الأساطير # كلمة أسطورة بالإنجليزية مشتقة من كلمة «موتوس» باليونانية، وتعني شيئا قيل مخالفا ~~لشيء حدث. إننا نعتبر أن الأساطير قصص، إلا أن هيذر أودونهو تقول في مقدمة كتابها الممتع عن ~~الأساطير الاسكندنافية، إن هناك أساطير ليست قصصا على الإطلاق. فنحن نفكر فيها بأسلوب غير ~~دقيق على أنها حكايات تشرح بدايات عالمنا أو تجسدها. وتقول كارين أرمسترونج في كتابها ~~«موجز عن تاريخ الأسطورة»: إن الأساطير وسيلة لجعل الأشياء مفهومة وذات معنى بمفاهيم البشر ~~(تصوير الشمس كعربة تقودها سيدة في عنان السماء) وإن جميعها تقريبا «ضارب بجذوره في الموت ~~والخوف من الفناء.» يرى نيتشه في كتابه «مولد التراجيديا» أن الأساطير تشبه أشكالا ~~نراها في الأحلام وقصصا مبنية على أساس المبدأ «الأبولوني» للشكل والنظام لحماية البشر ~~من استيعاب الحالات «الديونيزيوسية» من انعدام الشكل، والفوضى، والتدمير المبهج. وتتحكم ~~التراجيديا في القوة البدائية للموسيقى، عن طريق ms81 ما تقدمه لنا من أشكال جميلة وهمية ~~للآلهة، والشياطين، والرجال، والنساء، يصبح من خلالها الاستيعاب محتملا وممكنا. وقد ~~كتب نيتشه يقول: # بدون الأسطورة تفقد كل حضارة قدرتها الإبداعية الطبيعية السليمة. فوحده الأفق ~~الذي تحده الأساطير يضمن توحيد الحضارة. فقوى التخيل والحلم «الأبولوني» لا ~~يحفظها من الثرثرة العشوائية سوى الأساطير. فحتما تكون الصور الموجودة في الأساطير ~~هي الحراس الشيطانيون، المنتشرون ولكن دون أن يلاحظهم أحد، والتي تهيمن على نمو ~~عقل الطفل، وتفسر للإنسان البالغ حياته وما يمر به من صراعات. # كان بطلا نيتشه هما «أسخيلوس» و«سوفوكليس» اللذين قدمت شخصياتهما ككائنات ~~أسطورية. ولكنه لم يكن يتفق مع «يوربيديس»، الذي حاول إضفاء الطابع البشري على شخصيات تلك ~~القصص، وإعطاءها شخصيات وصفات فردية. # لقد أدركت، حتى وأنا طفلة صغيرة، وجود اختلاف بين قراءة الأساطير وقراءة القصص الخيالية، ~~أو القصص التي تدور حول أشخاص حقيقيين، أو القصص التي تدور حول أشخاص حقيقيين ولكنهم ~~متخيلون. فالآلهة والشياطين والشخصيات الأخرى الموجودة في الأساطير لا تكون لها شخصيات ~~أو صفات بشرية مثل الشخصيات الموجودة في الروايات. # إنها لا تتسم بخصائص نفسية، وهذا على الرغم مما انتهجه فرويد من اتخاذ حياة «أوديب» ~~الأسطورية سبيلا إلى تفسير آلية عمل اللاوعي. فهذه الشخصيات لديها صفات مختلفة؛ مثلا ~~تتصف «هيرا» و«فريج» بالغيرة، ويتصف «ثور» بالعنف، و«مارس» بحبه للحرب، و«بالدر» بالرقة ~~والجمال، و«ديانا» من «إفسوس» بالخصوبة والعذرية. أذكر أنني، حين رأيت التمثيل الحجري ~~لتلك الإلهة لأول مرة، بأثدائها المتعددة الطبقات، أدركت شعورا بأنها كانت حقيقية أكثر من ~~وجودي الآن أو في أي وقت من الأوقات؛ فقد آمن بها أناس كثر، وفكروا فيها، ورأوا أن ~~عالمهم بطريقة ما يعتمد على وجودها. # كما أن الكائنات الأسطورية تكون أكثر وأقل واقعية من شخصيات الروايات. إذ يحاول «دون ~~كيشوت» دخول عالم الأساطير، ويصبح التفاوت بين واقعه والعالم الذي يتخيله أشبه بقوى ~~أسطورية في حد ذاته. فآنا كارنينا، والأمير ميشكن، وإيما بوفاري، وجوستاف فون أشنباخ ~~جميعهم شخصيات بشرية بصفات وخصائص فردية، إلا أن قصصهم معقدة بسبب احتوائها على ms82 ~~أساطير غير بشرية. فيمثل أشنباخ ساحة معركة بين ما أورده نيتشه عن «أبولو» ~~و«ديونيسوس»؛ والأمير ميشكن إنسان يحاول التشبه بالمسيح. لقد عملت لعدة سنوات في تدريس فصول ~~مسائية عن «الأسطورة والواقع في الرواية»، عملنا فيها على دراسة الأشكال الأسطورية التي ~~ترسخت بشكل أو بآخر كخيط سردي واحد في الأدب الواقعي. وكذا يحتوي ما أكتبه من روايات ~~على خيوط سردية من الأساطير في الحكي، والتي تمثل جزءا لا يتجزأ من أفكار الكتب ~~وشكلها العام، وكذا من طريقة استيعاب الشخصيات للعالم. # وقد اخترت أسطورة «راجناروك» الاسكندنافية لأن خبرتي في قراءة كتاب «أسجارد والآلهة» ~~وإعادة قراءته مرارا وتكرارا، كانت المنطلق الأول الذي أدركت فيه الفرق بين الأسطورة ~~والقصة الخيالية. لم أكن «أومن» بالآلهة «الاسكندنافية»، وفي الحقيقة استخدمت شعوري تجاه ~~عالمهم للوصول إلى استنتاج أن الرواية المسيحية للعالم ما هي إلا أسطورة أخرى، وهي القصة ~~نفسها عن طبيعة الأشياء، ولكنها أقل تشويقا وأقل إمتاعا. لم تعطني الأساطير إشباعا ~~سرديا مثلما تفعل القصص الخيالية، التي تبدو لي قصصا عن قصص، تعطي القارئ متعة التعرف ~~اللانهائي على صور متباينة متكررة للأنماط السردية ذاتها. ففي القصص الخيالية، إن ~~تقبلت العنف الدموي والأشياء المريعة التي تحدث للشخصيات الشريرة، يكون المغزى حدوث ~~نتيجة متوقعة مبهجة ومرضية، يكافأ فيها الأخيار ويزداد عددهم، ويعاقب فيها الأشرار. ~~لقد ظن الأخوان جريم أن قصصهم الخيالية المجمعة تمثل المعتقدات الشعبية الدينية ~~لأسلافهم الألمان، ولكن يوجد اختلاف. فهانس كريستيان أندرسون لم يكتب قصصا خيالية بسمات ~~غير بشرية من ذلك النوع، أو على الأقل ليس في أغلب الأحيان؛ بل كتب قصصا متنوعة بشخصيات ~~ذات سمات ومشاعر، إنها قصص مؤلفة، وأعمال خيالية. شعرت بأنه كان يحاول إخافتي أو ~~إلحاق الأذى بي كقارئة. وما زلت أشعر بهذا. # عادة ما تكون الأساطير غير مرضية، أو حتى مفجعة. فهي تحير العقل الذي يصادفها ~~وتؤرقه. إنها تشكل أجزاء مختلفة من العالم الموجود داخل عقولها، ليس في صورة ~~محببة، بل في صورة مواجهات مع أشياء مستعصية على الفهم. بعبارة أخرى، أشياء خارقة ms83 للطبيعة، ~~وهي كلمة كانت دارجة للغاية حين كنت طالبة. كانت القصص الخيالية في عقلي أشبه بقلادات ~~صغيرة وبراقة من أحجار وأخشاب ومينا ذات نقوش معقدة. أما الأساطير فقد كانت مساحات غائرة، ~~مضاءة بألوان براقة، أو مظلمة، أو متوهجة، بها نوع من السحب الكثيفة ونوع من الشفافية ~~الشديدة التوهج. صادفت تعريفا لما تحدثه الأساطير من استحواذ على الإنسان في قصيدة ~~أعطتها لي والدتي، لوالتر جيه تورنر بعنوان «الرومانسية». # حين لم أتعد عامي الثالث عشر تقريبا، # ذهبت إلى أرض ذهبية، ~~«شيمبورازو»، «كوتوباكسي»، # جذبتني من يدي. ~~••• # توفي والدي، وكذلك أخي، # ذهبا مثل حلم عابر. # وقفت عند بركان «بوبوكاتابيتل»، # تحت أشعة الشمس المتوهجة. ~~••• # سمعت صوت السيد خافتا، # وأصوات أطفال يلعبون من بعيد، ~~«شيمبورازو»، «كوتوباكسي»، # خلبت لبي. ~~••• # مشيت داخل حلم ذهبي رائع، # ذهابا وإيابا من المدرسة؛ # ففي «بوبوكاتابيتل» المشرقة # تسود الطرقات المتربة. ~~••• # سرت إلى المنزل مع فتى ذهبي داكن البشرة، # لم أنطق بكلمة واحدة، ~~«شيمبورازو»، «كوتوباكسي»، # أفقدتني قدرتي على الكلام. ~~••• # حدقت مفتونا في وجهه، # الذي كان أجمل من كل الزهور! # آه يا «بوبوكاتابيتل» المشرقة # لقد كانت ساعتك السحرية. ~~••• # بدت المنازل، والسكان، والطرقات، # أحلاما متلاشية في ضوء النهار؛ ~~«شيمبورازو»، «كوتوباكسي»، # لقد سرقوا مني روحي! # أدركت جيدا تلك الحالة الذهنية؛ ذلك العالم الآخر. إلا أن الكلمات التي ~~كانت موجودة في ذهني لم تكن «شيمبورازو»، «كوتوباكسي»، بل كانت «جينونجاجاب» و«إجدراسيل» ~~و«راجناروك». ووردت مثل تلك اللحظات وتواترت لاحقا في الحياة. مثل رؤية «إينياس» ل ~~«عرافة كوماي» وهي تتلوى داخل الكهف. «تلوت العرافة في الكهف بعنف شديد.» أو ~~«الثعبان» البراق ل «ميلتون» وهو يعبر «الفردوس»، ويقف منتصبا على ثنايا جسمه ~~الملفوف. # عندما طلبت مني دار النشر «كانونجيت» تأليف ~~أسطورة، علمت على الفور الأسطورة التي أريد كتابتها. لا بد أن تكون «راجناروك»؛ فهي ~~الأسطورة التي تمثل نهاية كل الأساطير؛ فهي الأسطورة التي تفنى فيها كل الآلهة أنفسهم. ~~كانت هناك نسخ من هذه القصة يتعرض فيها العالم، الذي انتهى في سهل مسطح من الماء ~~الأسود، إلى التطهير ويبعث من جديد، مثلما يحدث ms84 للعالم في المسيحية بعد يوم الحساب ~~الأخير. إلا أني قد استنبطت من الكتب التي قرأتها أن هذا ربما يكون تحريفا مسيحيا، ~~ووجدته أمرا ضعيفا وواهيا مقارنة بالدمار الكامل المبهر. كلا؛ فقد التهم الذئب ملك ~~الآلهة، وسممت الأفعى «ثور»، واحترق كل شيء في ضوء أحمر وغرق في سواد حالك. لقد كان ~~هذا، إن صح القول، مرضيا. # وجدت أنه من الصعب أكثر مما توقعت العثور على نبرة غير تنبئية، أو ترنيمية، أو ~~وعظية بطريقة خاطئة، لسرد تلك الأسطورة. إن الثقافة التي أعيش فيها يقل تقديرها كثيرا ~~للأسطورة الصريحة، على حد ظني، كما انتهج الكثير من الكتاب في سلسلة «كانونجيت» ~~للأساطير فكرة صياغة الأساطير في صورة روايات، أو قصص حديثة، وإعادة سرد الحكايات الأسطورية ~~كما لو أن أفرادها يتمتعون بشخصيات وأبعاد نفسية. وهناك أسلوب مميز وممتع آخر ~~لإعادة سرد الحكايات اتبعه الروائي الدنماركي فيللي سورينسن، نشر باللغة الدنماركية ~~بعنوان «راجناروك، قصة الإله» وباللغة الإنجليزية بعنوان «سقوط الآلهة». نشأ سورينسن، على ~~حد قوله، في عالم متأثر بتعاليم القس نيكولا فريدريك سيفيرين جورندتفيج الذي زعم في ~~كتابه «الأساطير الشمالية» (1808 ميلاديا) أن الحرب بين الآلهة الاسكندنافية والعمالقة ~~كانت «حربا للروح ضد الجانب الأحقر من الطبيعة البشرية، تماما مثل الحرب الدائمة ~~للحضارة ضد الهمجية.» لقد آمن أتباع جورندتفيج بأن «العالم الجديد» الذي صور في إحدى ~~قصائد «أشعار إيدا» ينشأ بعد كارثة «راجناروك» - والذي سمي «جيملي» - ما هو إلا إشارة ~~إلى المجيء الثاني للمسيح؛ إنه الجنة الجديدة والأرض الجديدة التي تنبأ بها سفر الرؤيا. ~~فيقول سورينسن، تماما مثلما أشار الباحثون الألمان الذين ألفوا كتاب «أسجارد والآلهة»، ~~إنه نظرا لأن الأيسلنديين، الذين كتبوا تلك القصص، كانوا مسيحيين بالأساس، فلا بد أن ~~تأويلاتهم وشكل كتابتهم قد تأثرا بالديانة المسيحية. استحوذت على الدنماركيين فكرة ~~راجناروك التي أعقبتها جيملي، بعد هزيمتهم على يد البروسيين في عام 1864 ميلاديا، ونسخة ~~سورينسن ما هي إلا جزء من محاولة الاسكندنافيين إنقاذ تلك الأسطورة من الإيحاءات ~~الألمانية (والنازية في النهاية) المتضمنة في أحداث أوبرا فاجنر ms85 «فناء الآلهة». # إن طريقة سورينسن في إنقاذ الأسطورة الاسكندنافية وإعادة سردها تتمثل في إضفاء الطابع ~~الإنساني عليها بوصفها ساحة معركة بين القوة والحب، وجعل «لوكي» - الذي كان إلها ~~وعملاقا في الوقت نفسه - شخصية محورية ومتناقضة. و«فالهالا» عند سورينسن آدمية ومحلية. ~~فيصور أن الآلهة لديهم مشاعر وشكوك ومشكلات نفسية. # لا تنتهي رواية سورينسن ب «جيملي»، بل بنهاية العالم؛ فقد اختار، على حد قوله، بين ~~«راجناروك» و«جيملي»، وأثار بذلك حنقا شديدا بين الدنماركيين المتدينين. فما فعله ~~سورينسن، بطريقة مشوقة، هو بالضبط ما شعرت بأنه محظور علي فعله. # لقد حاولت مرة أو مرتين العثور على طريقة لسرد الأسطورة تحافظ على بعدها واختلافها، ~~وأخيرا أدركت أنني كنت أكتب للطفلة الموجودة بداخلي، ومن أجل طريقة فهمي للأساطير ~~وتفكيري في العالم حين قرأت «أسجارد والآلهة» لأول مرة. ولهذا قدمت شخصية «الطفلة ~~النحيلة في زمن الحرب». هذه القصة لا تدور حول الطفلة النحيلة؛ وقد يعزى السبب في جزء منه ~~وراء وصفها بالنحيلة إلى أنها «كانت» هزيلة الجسم، وأيضا لأن ما يرد وصفه من عالمها هزيل ~~ومشرق، وهو ما يعتمل داخل رأسها من قراءة وأفكار، وطرق ربطها لعوالم «أسجارد» ورواية ~~«رحلة الحاج» بالعالم والحياة التي عاشتها. # ربما تكون الحرب قد دمرت عالم الطفلة النحيلة. ولكنها خلقت أسطورتها المضادة في رأسها. ~~حتى لو وصلت - أو في الواقع عندما تصل - هي نفسها إلى النهاية، فإن الأرض ستواصل تجديد ~~نفسها. فقد امتلأ الحقل الواسع بالأزهار، وامتلأت السماء بالطيور، وأخفت الضفة المتشابكة ~~عالما من الصراع، وكانت المياه تعج بالحياة بكائنات تسبح وتتلوى فيها. إن موت الآلهة ~~ما هو إلا قصة خطية متسلسلة؛ لها بداية ووسط ونهاية. وحياة البشر قصة خطية متسلسلة ~~أيضا. وتنزع الأساطير إلى وقوع الكوارث، وربما إلى البعث . لقد آمنت الطفلة النحيلة ~~بالتكرار الأبدي للأشياء النامية، وبتقلب المناخ والأجواء. # ومع ذلك، فإنك حين تكتب نسخة من «راجناروك» في القرن الحادي والعشرين، سيطاردك حتما ~~تصور لنهاية مختلفة للأشياء. فنحن فصيلة من الحيوانات التي تجلب الدمار للعالم الذي ~~ولدنا فيه. ليس بدافع ms86 الشر أو الخبث، أو على الأقل ليس بالأساس، بل بدافع من مزيج غير ~~متكافئ من الذكاء الاستثنائي، والطمع الاستثنائي، والتكاثر الاستثنائي لنوعنا البشري، ~~بالإضافة إلى قصر نظر بيولوجي فطري متأصل فينا. أقرأ كل يوم عن حالة انقراض جديد، ~~وعن تبييض للشعاب المرجانية، وعن اختفاء سمك القد الذي أمسكته الطفلة النحيلة في بحر ~~الشمال بخطاف وخيط، حين كانت توجد الكثير من الأماكن التي يتوافر فيها هذا النوع من ~~الأسماك. أقرأ كذلك عن مشروعات بشرية تدمر العالم الذي تنشأ فيه ببراعة، مثل بناء آبار ~~نفط طموحة في المياه العميقة، ومد طريق عبر ممرات هجرة الحيوانات في حديقة «سيرينجتي» في ~~تنزانيا، وزراعة الهليون في بيرو، واستخدام بالونات الهيليوم في نقل المحاصيل بتكلفة أقل، ~~وتقليل انبعاث الكربون في الوقت الذي تستنزف فيه المزارع بمستويات خطيرة الماء الذي ~~تعتمد عليه الخضراوات والبشر والكائنات الأخرى. أردت الكتابة عن نهاية «ميدجارد» التي ~~نعيش فيها، ولكن ليس بغرض كتابة قصة رمزية أو وعظية. يعتقد الغالبية العظمى من ~~العلماء الذين أعرفهم أننا نتسبب في انقراض نوعنا بسرعة متزايدة. فالأعشاب التي تراها ~~الطفلة النحيلة في الحقول وتعتقد أنها ستظل موجودة إلى الأبد، قد انقرض بالفعل ~~الكثير منها بسبب أساليب الزراعة الحديثة. كذلك لم تعد توجد سحب من طيور الزقزاق. ولم ~~تعد طيور السمنة تهشم الحلزون على الصخور لتأكله، واختفى عصفور الدوري من حدائقنا. ~~إن أفعى «ميدجارد» هي الشخصية المحورية، بطريقة ما، في قصتي. فهي تحب رؤية الأسماك التي ~~تقتلها وتأكلها، أو على وجه الدقة التي تقتلها للمتعة، والشعاب المرجانية التي تسحقها ~~وتبيضها. إنها تسمم الأرض لأن هذه هي فطرتها التي فطرت عليها. حين بدأت العمل على ~~هذه القصة، كان عندي صورة مجازية في ذهني؛ فقد رأيت سفينة الموت «نجلفار»، المصنوعة من ~~أظافر الموتى، كصورة تعبر عما يعرف حاليا باسم «دوامة نفايات شمال المحيط الهادي»، وهي ~~دوامة تتجمع فيها المخلفات البلاستيكية غير القابلة للتحلل في المحيط الهادي، والتي ~~تفوق في حجمها ولاية تكساس. فكرت في كيف نمت تلك الدوامة من الأكواب ms87 البلاستيكية التي ~~شعر ثور هايردال بالأسى حين وجدها تطفو في المحيط الفارغ في رحلة «كونتيكي» الاستكشافية ~~التي انطلقت في عام 1947 ميلاديا. ومع ذلك، فقد أردت رواية الأسطورة بمفرداتها الخاصة، ~~تماما كما اكتشفتها الطفلة النحيلة. # قلت من قبل إني لم أرد إضفاء طابع بشري على الآلهة. ولكني وضعت في اعتباري طوال ~~الوقت الرؤية الحكيمة للمفكر المتقد الذكاء، لودفيج فيورباخ عن الآلهة والبشر ~~والأخلاق. كتب فيورباخ يقول: «الإله ما هو إلا إنسان.» واصفا كيف أن آلهة الحب والغضب ~~والشجاعة والإحسان، كانت جميعها إسقاطات لصفات بشرية صنعناها من شعورنا بأنفسنا. لقد ~~تحدث فيورباخ عن التجسيد البشري لإله المسيحية، وقال عنه إنه إله في صورة بشرية، وهو في ~~الحقيقة إنسان نسبت إليه صفات إلهية كما يراه فيورباخ. ترجمت جورج إليوت كتابه «جوهر ~~المسيحية» بطلاقة وسلاسة، ويظهر تأثيره واضحا بشدة في كتابات هذه الروائية. ومع ذلك، ~~هناك منطق فيما تتصف به الآلهة الاسكندنافية من صفات بشرية بطريقة مختلفة. إنهم كالبشر ~~لأن تفكيرهم قاصر وأحمق. فهم يتصفون بالجشع ويستمتعون بالقتال وممارسة الألاعيب. كذلك ~~يتصفون بالقسوة ويتلذذون بالصيد وإلقاء النكات. لقد علموا أن «راجناروك» قادمة، لكن لم ~~تكن لديهم القدرة على تخيل أي طريقة لتفاديها، أو لتغيير مسار القصة. لقد كانوا يعلمون ~~كيف يموتون ببسالة، ولكنهم لم يعلموا كيف يصنعون عالما أفضل. كتب هوبز في وصفه لصفات ~~الذئاب الموجودة داخل البشر: «الذئب ما هو إلا إنسان.» وهذا لأنه كانت لهوبز رؤية قاتمة ~~لحياة البشر؛ إذ يراها تتسم بالعزلة، والفقر، وهي حياة كريهة وهمجية وقصيرة. «لوكي» هو ~~الوحيد الذي يتسم بالذكاء، كما يتصف بعدم تحمل المسئولية والتمرد والسخرية. # يظهر ديريك كوك في دراسته الرائعة «رأيت نهاية العالم» لأوبرا فاجنر «سلسلة الخاتم»، كيف ~~صنع فاجنر شخصيته «لوجي » بذكاء، من المصادر المتاحة من الأساطير. ويقول كوك إن شخصية ~~«لوجي» لفاجنر هي إله النار وإله الفكر. أما «لوكي» في الأساطير القديمة فهو نصف إله، وعلى ~~الأرجح تربطه صلة قرابة بالعمالقة والشياطين. ومن المحتمل وجود اشتقاق خاطئ يربط روح النار ~~الجرمانية ms88 «لوجي»، ب «لوكي» من «الإيدا»، ولكن شخصية فاجنر «لوجي» تعمل على حل المشكلات ~~وجلب ألسنة اللهب التي دمرت شجرة المران. اعتدت في طفولتي على التعاطف مع «لوكي»؛ وهذا ~~لأنه كان شخصية منبوذة ذكية. إلا أنني حين بدأت في كتابة هذه القصة أدركت أن «لوكي» ~~كان يستمتع بالفوضى؛ فقصصه تحتوي على ألسنة لهب وشلالات مياه، وهي الأشياء العديمة ~~المعالم التي يرى فيها منظرو الفوضى نظاما في انعدام النظام. ف «لوكي» يهتم بالنظام ~~الكائن في التدمير، وبالتدمير الكائن في النظام. لو كنت أكتب قصة رمزية، لكان «لوكي» هو ~~الذكاء العلمي المنفصل، الذي إما ينقذ الأرض، وإما يسهم في سرعة دمارها. في واقع الأمر، ~~لقد انتهى العالم بسبب جهل الآلهة الشديد الشبه بالبشر، بجيوشهم وتناحرهم، وكذلك جهل ~~المفكر الناري المتقد الذكاء، بطريقة تنقذ العالم من الدمار. # | المراجع # الأساطير # Boyer, Régis, ed. and trans., # L’Edda Poétique ~~. (Paris: Fayard, 1992) In French; ~~with useful scholarly essays. # Magee, Elizabeth, selec. and ed., # Legends of the Ring ~~. (London: Folio ~~Society, 2004) This large collection includes translations of parts ~~of the Prose Edda # by Jean L. ~~Young, and some felicitous translations of # The Mythological Poems of the Elder Edda # by Patricia ~~Terry. # Sturluson, Snorri, # Edda ~~, ed. and trans. Anthony Faulkes. (London: ~~Everyman, 1987). # Stange, Manfred, ed., # Die ~~Edda ~~. (Wiesbaden: Marixverlag, 2004) In German; a ~~lively version. # Wägner, W., # Asgard and the ~~Gods ~~, adap. M. W. Macdowall, and ed. W. S. W. Anson. ~~(London: 1880). # كتابات حول الأساطير # Armstrong, Karen, # A Short ~~History of Myth ~~. (Edinburgh: Canongate Books, ~~2005). # Boyer, Régis, # Yggdrasill. La ~~réligion des anciens Scandinaves ~~. (Paris: ~~Bibliothèque historique Payot, 1981, 1992) Authoritative and ~~imaginative. # Cooke, Deryck, # I Saw the World ~~End. A Study of Wagner’s Ring ~~. (London: Clarendon Paperbacks, 1976) This unfortunately posthumously published and ~~uncompleted study of Wagner’s operas is full of interesting ideas ~~and information about the myths and Wagner’s use of ~~them. # Nietzsche, Friedrich, # The Birth ~~of Tragedy and The Genealogy of Morals ms89 ~~, trans. ~~Francis Golffing. (New York: Anchor Books, 1956) # Die Geburt der Tragödie # was first ~~published in Germany in 1872. # O’Donoghue, Heather, # From ~~Asgard to Valhalla ~~. (London: I.B. Tauris and Co., ~~2007) Studies both the myths and later literary uses of ~~them. # Sórensen, Villy, # Ragnarok ~~(1982), in Danish; trans. Paula Hostrup-Jessen, as # The Downfall of the Gods ~~. ~~(Lincoln, NE: University of Nebraska Press, ~~1989). # Steinsland, Gro, # Norrøn ~~Religion ~~. (Oslo: Pax Forlag, 2005) A beautifully ~~illustrated and interesting study which should be available in ~~English. # Turville-Petre, E.O.G., # Myth ~~and Religion of the North Holt ~~. (London: Weidenfeld ~~and Nicholson, 1964). # بعض النباتات والكائنات # Ellis, Richard, # Sea ~~Dragons ~~. (Lawrence, KS: University Press of Kansas, ~~2003). # Ellis, Richard, # Encyclopedia of ~~the Sea ~~. (New York: Alfred A. Knopf, ~~2006). # Gibson, Ray, Benedict Hextall and Alex Rogers, Photographic Guide to the Sea and Shore ~~Life of Britain and North-West Europe ~~(Oxford: Oxford ~~University Press, 2001). # Huxley, Anthony, Plant and Planet ~~. (London: Allen Lane, 1974); revised edition ~~(London: Pelican, 1978). # Jones, Steve, # Coral: A Pessimist in Paradise ~~. (New York: Little, Brown, ~~2007). # Kurlansky, Mark, # Cod ~~. (New York: Vintage, 1999). # Mech, L. David, # The Wolf: The ~~ecology and behaviour of an endangered species ~~. ~~(Minneapolis, MN: University of Minnesota Press, 1970, ~~1981). # Mech, L. David, and Luigi Boitani, eds., # Wolves: Behaviour, Ecology and ~~Conservation ~~. (Chicago: University of Chicago Press, ~~2003). # Tudge, Colin, # The Secret Life ~~of Trees: How They Live and Why They Matter ~~. (London: Penguin, 2006). # تحذيرات # Ellis, Richard, # The Empty ~~Ocean ~~. (Washington, DC: Island Press/Shearwater ~~Books, 2003). # Harvey, Graham, # The Killing of ~~the Countryside ~~. (London: Jonathan Cape, ~~1997). Pauly, Daniel, and Jay Maclean, # In a Perfect Ocean: The State of Fisheries and Ecosystems in ~~the North Atlantic Ocean ~~. (Washington, DC: Island Press, 2003). # Rees, Martin, # Our Final ~~Hour ~~. (New York: Basic Books, ~~2003). # Roberts, Callum, # The Unnatural ~~History of the Sea: The Past and Future of Humanity and ~~Fishing ~~. (London: Octopus, ~~2007). # والفوضى ... # Gleick, James, # Chaos: Making a ~~New Science ~~. (New ms90 York: Viking Penguin, 1987; and ~~various editions from then on). ms91