######OpenITI# #META# URI: 1450SaraYaqut.CajalatHazz.Hindawi57316482 #META# Tags: novels #META# ID: 57316482 #META# Title: عجلة الحظ #META# AuthorID: 1379FarajJibran #META# Author: إثيل لينا وايت #META# EditorID: 29797462 #META# Editor: هاني فتحي سليمان #META# TranslatorID: 86936095 #META# Translator: سارة ياقوت #META# Related_books: 1363EthelLenaWhite.WheelSpins (TRANSL) #META#Header#End# # 1 - بلا ندم‏ # 2 - التحذير‏ # 3 - محادثة قصيرة‏ # 4 - إنجلترا تنادي‏ # 5 - قطار الليل السريع‏ # 6 - غرفة الانتظار‏ # 7 - الركاب‏ # 8 - استراحة الشاي‏ # 9 - أبناء وطن واحد‏ # 10 - المقعد الخاوي‏ # 11 - إبرة في كومة قش‏ # 12 - الشهود‏ # 13 - حلم داخل الحلم‏ # 14 - أدلة جديدة‏ # 15 - مشهد التحول‏ # 16 - الشاهدة الرئيسية‏ # 17 - لم يكن ثمة آنسة فروي‏ # 18 - المفاجأة‏ # 19 - اليد الخفية‏ # 20 - غرباء يتدخلون‏ # 21 - أكاذيب‏ # 22 - إضاعة الوقت‏ # 23 - ضع رهانك‏ # 24 - وتدور عجلة الحظ‏ # 25 - اختفاء غريب‏ # 26 - توقيع‏ # 27 - اختبار الحمض‏ # 28 - ارفعي يدك‏ # 29 - ترييستي‏ # 30 - إنكار‏ # 31 - صحن حساء‏ # 32 - الحلم‏ # 33 - البشير‏ # 1 - بلا ندم‏ # 2 - التحذير‏ # 3 - محادثة قصيرة‏ # 4 - إنجلترا تنادي‏ # 5 - قطار الليل السريع‏ # 6 - غرفة الانتظار‏ # 7 - الركاب‏ # 8 - استراحة الشاي‏ # 9 - أبناء وطن واحد‏ # 10 - المقعد الخاوي‏ # 11 - إبرة في كومة قش‏ # 12 - الشهود‏ # 13 - حلم داخل الحلم‏ # 14 - أدلة جديدة‏ # 15 - مشهد التحول‏ # 16 - الشاهدة الرئيسية‏ # 17 - لم يكن ثمة آنسة فروي‏ # 18 - المفاجأة‏ # 19 - اليد الخفية‏ # 20 - غرباء يتدخلون‏ # 21 - أكاذيب‏ # 22 - إضاعة الوقت‏ # 23 - ضع رهانك‏ # 24 - وتدور عجلة الحظ‏ # 25 - اختفاء غريب‏ # 26 - توقيع‏ # 27 - اختبار الحمض‏ # 28 - ارفعي يدك‏ # 29 - ترييستي‏ # 30 - إنكار‏ # 31 - صحن حساء‏ # 32 - الحلم‏ # 33 - البشير‏ # | عجلة الحظ # | عجلة الحظ # تأليف # إثيل لينا وايت # ترجمة # سارة ياقوت # مراجعة # هاني فتحي سليمان # الفصل الأول # | بلا ندم # في اليوم الذي سبق وقوع الكارثة، انتاب آيريس كار للمرة الأولى في حياتها واجس خطر. كانت ~~قد اعتادت أن تكون في كنف زمرة من الناس تدعوهم - في إطراء عفوي - «أصدقاءها». لكونها ~~يتيمة ذات مال وجمال، دائما ما كان يحيط بها لفيف من الناس. كانوا يفكرون عوضا عنها - ~~أو بالأحرى، كانت هي توافقهم في آرائهم وفي المقابل كانوا هم يصدحون نيابة عنها - إذ لم ~~يكن صوتها مسموعا كفاية في المحافل الاجتماعية. # كان وجودهم الدائم حولها يعطي انطباعا وهميا بأن دائرة معارفها واسعة، لكن في ~~الحقيقة، كانت ms001 الوجوه نفسها تتكرر برتابة متعاقبة. كما أنهم جعلوها تتذوق حلاوة الشهرة؛ ~~فقد ظهرت صورتها في الصحف المصورة عندما عرض عليها أحد المصورين الشهرة، بعد إعلان خطبتها ~~على أحد أفراد زمرتها في الصحف. # كان ذلك يعني ذيوع صيتها. # ثم بعد ذلك بوقت ليس بطويل، فسخت الخطبة برضا الطرفين، وقد كانت تلك فرصة ذهبية ~~لالتقاط صورة أخرى؛ وهذا يعني مزيدا من الشهرة. كانت أمها، التي توفيت وهي تلدها ، لتبكي ~~أو تبتسم لتلك الومضات المثيرة للشفقة من بهرج الحياة البشرية، الذي يتعالى فوق الظلمات من ~~تحته كفقاعات غاز المستنقعات. # عندما شعرت آيريس بالخطر للمرة الأولى، حدث ذلك في خضم عافيتها وسعادتها بعد أن قضت عطلة ~~استشفاء غير تقليدية. بفرحة انتصار المستكشفين الأوائل، نزلت الزمرة بقرية خلابة فقيرة ~~لكن بديعة، متوارية في مكان متطرف بأحد أرجاء أوروبا، واحتلوها بتدوين أسمائهم في سجل ~~النزلاء. # لقرابة الشهر، احتلوا الفندق الوحيد بها؛ مما تسبب في ارتباك لا يخلو من السعادة لصاحب ~~الفندق وطاقم خدمته. تسلقوا الجبال، وسبحوا في البحيرة، ولم يتركوا منحدرا إلا وتشمسوا ~~فوقه. وعندما كانوا يقضون أوقاتا داخل الفندق، كانوا يملئون الحانة، يعلو صخبهم على صوت ~~المذياع، ويمنحون بقشيشا لقاء أي خدمة تافهة. كان المالك يبتسم لهم من وراء صندوق الدفع ~~المكتظ بالنقود، وكان النوادل يمنحونهم معاملة مميزة، وهو ما كان يثير سخط النزلاء ~~الإنجليزيين الآخرين المبرر. # في نظر هؤلاء الأشخاص الستة، كانت آيريس مجرد واحدة من الزمرة، فتاة من الطبقة شبه ~~الراقية، مغرورة وأنانية وعديمة النفع. بطبيعة الحال، لم يكن لديهم أي دراية بنظام استرداد ~~النقاط، وهي لفتة كرم كانت تجعلها تتحمل هي الفاتورة بحكم العادة عندما كانت تتغدى هي ~~و«أصدقاؤها»، ولفتة شفقة حقيقية تجاه المآزق التي كانت تتعرض لها. # كانت تنتابها لحظات قليلة من التبرم وازدراء الذات، لكنها كانت تعي وجود نزعة من الأنفة ~~لديها، دفعتها لأن تنأى بنفسها عن أي ميل للخوض في المجون. في تلك العطلة، سمعت آيريس ~~نداءات الإغواء، إلا أنها لم تذعن لها. # بعد مدة وجيزة، تراخت قيود العرف ms002 المتساهلة بين أفراد الزمرة؛ إذ لفحت الشمس بشرتهم، ~~واحتسوا الخمر فذابت الحدود بين المتزوجين منهم. كانت آيريس محاطة بأزواج وزوجاتهم من شتى ~~الألوان؛ لذا كانت صدمتها قوية عندما استيقظ حس التملك فجأة بعد فوات الأوان لدى إحدى ~~الزوجات - تدعى أولجا - واتهمتها بسرقة زوجها. # بجانب بشاعته، أغاظ ذلك المشهد حس العدالة فيها؛ فهي لم تفعل سوى أنها تحملت شكوى رجل ~~أهملته زوجته، وبدا مجرد ترس احتياطي في آلة الزواج المفككة. ليس خطؤها أن الرجل فقد ~~صوابه. # ومما زاد الطين بلة أنه في خضم تلك الأزمة، لم تر أي دليل على وفاء حقيقي من أصدقائها، ~~الذين لم يخفوا استمتاعهم بما نتج عن ذلك من إثارة؛ لذا، كي تخفف من توترها، قررت ألا ~~تعود إلى إنجلترا معهم، وأن تمكث يومين آخرين وحدها. # في اليوم التالي، كانت لا تزال تشعر بالإرهاق وهي ترافق زمرتها إلى محطة القطارات ~~الصغيرة البدائية. كانوا قد تأقلموا بالفعل على فكرة العودة إلى المدنية، فعادوا لارتداء ~~الملابس الفاخرة، وعاد كل زوج إلى زوجته الشرعية، كإجراء طبيعي لتسهيل التعرف على حقائب ~~السفر والحجوزات. # كان القطار متجها إلى ترييستي، وهي مدينة موجودة على الخريطة بلا ريب. وكان مكتظا ~~بالسياح، الذين كانوا هم أيضا في طريقهم إلى حيث الطرقات المرصوفة والمضاءة. بعد أن تركوا ~~وراءهم التلال وضوء النجوم، بدأت الزمرة تتفاعل مع الضجيج والعجيج العام، وبدا أن وفاءهم ~~القديم قد عاد إليهم وهم ملتفون حول آيريس. ~~«أواثقة أنك لن تملي يا عزيزتي؟» ~~«غيري رأيك واصعدي على متن القطار.» ~~«يجب أن تأتي معنا.» # عندما انطلقت الصافرة، حاولوا أن يجذبوها إلى داخل المقطورة، على حالها ذاك؛ بسروالها ~~القصير، وحذاء التسلق ذي النعل المدبب، ووجه تكسوه لمعة برونزية من لفحة الشمس وقد كان ~~خاليا من مساحيق التجميل. جاهدت بكل ما أوتيت من قوة كي تتحرر من قبضتهم، وبالكاد نجحت في ~~القفز من القطار بينما كان الرصيف قد بدأ يتحرك بمحاذاة النافذة. # وقفت تضحك وتلهث من الجهد الذي بذلته، ولوحت خلف القطار المبتعد، حتى اختفى وراء منعطف ms003 ~~الخور. # كادت تشعر بالذنب عندما غمرها الارتياح لفراق أصدقائها، لكن مع أنها قضت عطلة سعيدة، ~~كانت تستقي سعادتها تلك في الأغلب من المصادر البدائية؛ من الشمس والمياه ونسيم الجبل. وهي ~~في أحضان الطبيعة، كانت تكره نوعا ما تطفل البشر. # كانوا جميعا يلازم أحدهم الآخر على نحو متقارب وحميمي. في بعض الأحيان كانت تسمع ~~أصواتا ناشزة - ضحكة عالية حادة لامرأة - أو تلحظ هيئة رجل بدين يتأهب للقفز في الماء، مع ~~الصيحة المتكررة الطائشة: «يا إلهي!» # صحيح أنها صارت تنظر إلى أصدقائها نظرة ناقدة، لكنها مع ذلك ظلت تسبح مع التيار. على ~~غرار باقي رفقائها، كانت تطري بحماسة المناظر الطبيعية، فيما كانت تعتبرها أمرا ~~عاديا؛ فازدياد المناظر الطبيعية حسنا في مقابل تدني معايير الصحة العامة هو نتيجة ~~طبيعية للسفر إلى الأماكن النائية. # أخيرا، صارت وحدها في صحبة الجبال والسكون. بالأسفل منها، كانت هناك بحيرة زاهية ~~الخضرة، تعكس صفحتها البريق المتلألئ لضوء الشمس. وكانت تظهر معالم قمم الجبال التي ~~تغطيها الثلوج على مسافة بعيدة لقاء السماء بلونها الأزرق الزهري. على أحد التلال، وقف ~~ركام قلعة قديمة داكنة، لها خمسة أبراج شامخة في السماء، كأصابع مبسوطة ليد شريرة. # كانت الألوان الصاخبة حولها في كل مكان، وكانت أزهار عجيبة تكسو حديقة المحطة، تجمع بين ~~اللونين البرتقالي الناري والأصفر، ولها أوراق مدببة. وفي نقطة أعلى المنحدر، كان الفندق ~~الخشبي الصغير مطليا باللونين البني المصفر والقرمزي الزاهي. لقاء الجدار الأخضر للخور، ~~تصاعدت آخر حلقة دخان، فبدت مثل ريشات بيضاء تسبح في الهواء. # بعد أن تبددت، شعرت آيريس أن آخر خيط يربطها بزمرتها قد انقطع، فأرسلت قبلة مازحة في ~~الهواء، ثم التفت ونزلت في المسار المنحدر الحجري. عندما وصلت إلى النهر الذي يصب فيه ~~الجليد، ظلت واقفة على الجسر تلتمس الهواء المثلج الصاعد من مياهه المتلاطمة الخضراء ~~المشوبة بالبياض. # عندما استرجعت المشهد الذي وقع أمس، أقسمت إنها لا تريد رؤية تلك الزمرة مرة أخرى؛ فقد ~~ارتبطوا بواقعة تنافي فكرتها عن الصداقة. كانت تكن شيئا من الإعجاب لتلك المدعوة ms004 ~~أولجا، التي قابلت وفاءها لها بإظهارها الفج للغيرة. # نفضت عن ذهنها تلك الذكرى؛ فهنا، تحت تلك السماء الزرقاء التي لا حدود لها، تتضاءل للغاية ~~قيمة البشر، ولا يصبح لعواطفهم قيمة تذكر. فما هم إلا محطات عابرة في رحلة المرء من مهده ~~إلى لحده، يتقاطع سبيله معهم ثم يتركهم ويمضي، بلا أسف. # لحظة تلو الأخرى، كانت الفجوة بينها وبينهم تتسع. كانوا يتبخرون من حياتها. أيقظت تلك ~~الفكرة بداخلها شعورا بحرية كانت حديثة عهد بها، وكأن روحها تحررت على يد السكون ~~والوحدة. # لكن بعد عدة ساعات ليست بالطويلة، كانت لتقايض جميع مباهج الطبيعة مقابل استعادتهم مرة ~~أخرى. # الفصل الثاني # | التحذير # بعد نحو أربع ساعات، استلقت آيريس باسطة ذراعيها وساقيها فوق أحد منحدرات الجبل على ~~مسافة مرتفعة من القرية. بعد أن تركت وراءها الشفق البارد للخور، وعند ضريح تلتقي عنده ~~الطرق، سلكت مسارا متعرجا شديد الانحدار صعودا لأعلى. # بعد أن خرجت من حيز الظل، لفحتها الشمس بضراوة، لكنها لم تبطئ وتيرة سيرها؛ فقد كانت ~~أفكارها الحانقة تدفعها للمضي قدما؛ إذ لم تستطع طرد أولجا من فكرها. # كان الاسم يتردد بإلحاح في ذهنها. أولجا. أولجا التي أكلت خبزها، في صورة شرائح محمصة - ~~حفاظا على رشاقتها - ورفضت أن تأكل ملحها، لاتباعها تقليعة غذائية ما. وكان ذلك يسبب ~~العناء في المطبخ. أولجا التي استغلت هاتفها، وأساءت استخدام سيارتها. أولجا التي استعارت ~~معطفها المصنوع من الفراء، وأعارتها زوجا لا حاجة لها به. # عندما تذكرت أوسكار زوج أولجا، انطلقت آيريس تركض بسرعة. # قالت حانقة: «وكأنما سأقع في حب رجل يشبه «ميكي ماوس».» # كانت تلهث عندما ألقت بنفسها أخيرا فوق العشب وقررت أن تكتفي بذلك القدر. كانت قمة ~~الجبل الذي تحمست لصعوده تبتعد كلما تقدمت هي؛ لذا تخلت عن نيتها بلوغها. # وهي تستلقي مغمضة عينيها، تنصت لأزيز نسمات الهواء، عادت إليها سكينتها. نظرت إلى كومة ~~من نبات الجريس تقف إزاء خط الأفق، فبدت لها وكأنما تعاظمت وصقلت حتى صارت كبرج جرس ~~معدني، فيما شعرت بنفسها تتضاءل وتلتحم بالأرض وكأنما ms005 صارت جزءا منها، مثلها مثل الحجارة ~~وجذور النباتات. وفي مخيلتها، كادت تسمع دقات قلب ضخم ينبض تحت رأسها. # لم تلبث تلك اللحظة أن مرت؛ إذ عادت تفكر في أولجا مرة أخرى. لكن تلك المرة، نظرت ~~إليها من منظور مختلف؛ فقد منحها الارتفاع إيحاءه المعتاد بالأفضلية. تذكرت أن الوادي ~~يرتفع أربعة آلاف قدم عن مستوى سطح البحر، بالإضافة إلى أنها صعدت لارتفاع يزيد على خمسة ~~آلاف قدم أخرى. # وبناء على تلك الحسبة، يسعها أن تكون كريمة؛ إذ إنها الآن أطول من صديقتها السابقة ~~بتسعة آلاف قدم. هذا بالطبع على افتراض أن أولجا كانت كريمة كفاية وظلت في مستوى سطح ~~البحر. # قررت أن تنفض عنها تلك الذكرى باعتبارها لا تستحق أي غضب إضافي. # وقالت: «لكني لن أكررها ثانية قط. لن أمد يد العون لأي شخص بعدما حدث.» # حمل صوتها نبرة الانفعال الحماسي لمن تكرس نفسها لخدمة قضية ما. بالشعور الفاضل الذي ~~ينتاب من تعلم درسا دفع مقابله ثمنا باهظا، دخنت سيجارة قبل أن تنطلق في رحلة ~~العودة. كان الهواء صافيا حتى إن جبالا لم ترها من قبل بدأت تلوح في الأفق طافية في ~~السماء، وسط درجات من اللون البنفسجي الشفاف. رأت إحدى أذرع البحيرة، التي لم تعد خضراء، ~~بل عتم لونها إلى الأزرق الباهت بفعل المسافة. # نهضت على مضض؛ فقد حان وقت الرحيل. # لم تكن رحلة النزول رتيبة فحسب، بل كانت مؤلمة أيضا؛ إذ كانت إمالتها لجسدها للخلف ~~باستمرار ترهق عضلاتها غير الممرنة. فبدأت ربلتاها تؤلمانها، وكانت أصابع قدميها ترتطم ~~بالمسار الحجري. # نفد صبرها، فقررت أن تخرج عن المسار المتعرج لتسلك طريقا مختصرا في واجهة الجبل، ~~متخذة من البحيرة بوصلة تهتدي بها، اندفعت تنزل المنحدر. # كانت تلك مخاطرة جريئة، لكنها ما لبثت أن وجدت أن الانحدار شديد للغاية. كانت تنزل بسرعة ~~شديدة فلم تستطع التوقف، ولم يسعها إلا أن تنزل في وضع الجلوس وتتزحلق على العشب الزلق، ~~متكلة على الحظ. # منذ تلك اللحظة، تداعت الأمور بسرعة. في كل لحظة تمر، كانت سرعة ms006 نزولها تزداد رغم ~~محاولاتها كبحها بقدميها. وكانت تمر من جانبها بسرعة خاطفة رقع زرقاء وخضراء بينما كان ~~الوادي يقترب مسرعا لملاقاتها، فتلاقى مع السماء الزرقاء. أثناء ارتطامها بالأرض الخشنة، ~~جنحت ناحية صف من الأشجار في القاع، على أمل أن تحميها من السقوط الكامل. # لسوء الحظ، كانت الأشجار قديمة وعطنة، فتحطمت إثر ارتطامها بها لتسقط خلالها وترتطم ~~بالأرض في وسط المسار الحجري. # خففت الأشجار من حدة سقطتها نوعا ما، لكنها أحست بألم وذعر شديدين بينما كانت تهب ~~واقفة على قدميها. على الرغم من جروحها، لم تنس أن تضحك ضحكتها المفتعلة التي تعلمت في ~~المدرسة أن تقابل بها أي إصابة في لعبة رياضية. # تمتمت وهي تنزع الشظايا من ساقيها: «كان هذا ممتعا نوعا ما.» # لكن تهللت أساريرها عندما لمحت الضريح على بعد بضع أقدام منها في المسار؛ إذ كان ذلك ~~تكليلا لنجاح جنوحها. لم تكن بعيدة عن الفندق، فنزلت الوادي بخطى ثقيلة وهي تفكر في جميع ~~وسائل الراحة التي تنتظرها هناك؛ مشروب بارد كبير، وحمام دافئ، وعشاء في السرير. عندما لمحت ~~التماعة صفحة الماء عند انحناءة الخور، انطلقت تركض بخطوات عرجاء من فرط حماستها. # دارت حول المنعطف ثم توقفت تحملق أمامها في دهشة بالغة؛ إذ اختفت جميع المعالم ~~المألوفة لها، وكأنما محا شخص متطفل التضاريس بممحاة هندية. لم يكن هناك أي أثر لبيوت ~~خشبية صغيرة، ولا محطة القطارات، ولا المرفأ ولا الفندق. # أصابها الهلع إذ أدركت أن البوصلة التي استدلت بها على طريقها لم تكن صحيحة؛ فتلك ليست هي ~~البحيرة الخضراء المألوفة، التي اعتادت أن تسبح فيها يوميا هي وأصدقاؤها؛ فهي ليست بحيرة ~~عميقة وبيضاوية الشكل، بل بركة ملتوية لها لون أزرق باهت، وضفتان ضحلتان يكسوهما ~~البوص. # في وضعها الحالي، لم يكن أمامها سوى حل واحد؛ أن تعود أدراجها إلى الضريح ثم تسلك المسار ~~الآخر. # وجدت ذلك أمرا مسليا، فانطلقت منها ضحكة مجلجلة ثم بدأت تسير بخطى متثاقلة بطيئة ~~صاعدة مرة أخرى. # حبسها مزاجها المعكر للغاية من الاستمتاع بروعة المنظر الخلاب. كان ms007 مشهدا يعكس وحشة ~~مطلقة، صدعته الانزلاقات أرضية، وتجمعت فوقه أكوام عالية من الحجارة المحطمة. لم تر أي ~~زروع خضراء وسط الصخور الملساء الضخمة أو تسمع زقزقة أي طائر. كانت الأصوات الوحيدة ~~المسموعة هي خشخشة الأحجار التي تتزحزح تحت قدميها، وخرير تيار مائي ضعيف، يمر مزبدا في ~~مجراه شبه الجاف، مثل خيط أبيض متشابك. # كانت آيريس معتادة على الرفقة الدائمة، فبدأت تشتاق إلى الوجوه والأصوات. في خضم وحدتها ~~تلك، تضاءلت نفسها حتى لم يبق منها سوى قدر ضئيل من الشفقة على الذات. ذكرت نفسها أنها ~~عندما تعود إلى إنجلترا، فإنها لن تعود إلى منزلها مثل الباقين، بل سترجع إلى وطنها ~~فحسب. # في الوقت الحالي، كانت تسكن في فندق؛ فقد أجرت شقتها الصغيرة الفاخرة المستأجرة، مع ~~أنها هي من اختارت أسلوب حياتها. في ذلك الوقت وذلك المكان، شعرت أنها دفعت ثمنا باهظا ~~لقاء حريتها. # لم تدم حالتها المزاجية؛ ففي أعلى المسار، واجهت أمرا تطلب منها استدعاء رباطة جأشها. ~~فعندما تلفتت حولها تتبين الاتجاهات، اكتشفت أن ذلك الضريح مختلف عن المعلم الأصلي الذي ~~سلكت عنده المسار المتعرج. # تلك المرة لم تضحك؛ إذ شعرت أن ذلك سيكون مبالغة في التندر. عوضا عن ذلك، شعرت بالحنق من ~~نفسها. كانت تعتقد أنها تعرف تلك الجبال؛ لأنها جابت تلك الأخوار صعودا ونزولا مع ~~أصدقائها، كقطيع من الماعز البري. # لكنها كانت مجرد تابعة يسوقها الآخرون، وهي وسط الجماعة كانت تتبع القائد الحتمي؛ ذلك ~~الشاب الذي يحمل الخريطة. # لكن وحدها، لم يكن لديها أي فكرة عن اتجاهها. لم يكن أمامها سوى أن تتبع الخور صعودا حتى ~~يتشعب مرة أخرى معتمدة على الحظ. # قالت مجادلة: «إن تابعت المسير فأصل حتما إلى مكان ما، كما أن من يسأل لا ~~يتوه.» # كانت بحاجة لاستحضار جلدها؛ إذ كانت تشعر بإنهاك بالغ، بالإضافة إلى ألم كعبها الذي ~~يعيق حركتها. عندما وصلت أخيرا إلى مفترق طرق خيرها بين عدة طرق، لم يكن لديها ثقة في ~~حكمها كي تجرب. جلست على صخرة ملساء منتظرة الفرصة لأن ms008 تستوقف أي شخص يمر. # كانت لحظة فارقة في حياتها عندما أدركت أن استقلالها يتلخص فقط في قدرتها على توقيع ~~الشيكات لصرف أموال جناها آخرون، وفي شعبيتها التي لم تكن سوى عائد لتلك الشيكات. # قالت في نفسها: «طوال حياتي كنت أنساق وراء الآخرين. حتى إن مر شخص من هنا، فأنا أسوأ ~~خبيرة لغوية في العالم.» # كان في ذلك الوصف إطراء لها؛ إذ لا تملك أدنى حق في لقب خبيرة لغوية. كان جهلها باللغات ~~الأجنبية هو نتيجة دراستها في باريس ودريسدن. خلال مدة دراستها بالمدرسة، لم تكن تخالط سوى ~~الفتيات الإنجليزيات الأخريات، كما أن معلميها من أهل البلد كانوا يتقنون اللهجات ~~الإنجليزية. # كان ذلك هو تفسيرها لمعنى البيت القائل: «امنحنا النصر.» في النشيد الوطني. # لكن الوطنية لم تعنها في الوقت الراهن؛ فقد ساورها القليل من الشك عندما أقبل رجل ~~أسمر عريض المنكبين يرتدي سروالا قصيرا من الجلد وحمالات سروال ذات لون متسخ يسير ~~متهاديا في المسار. # من بين أصدقاء آيريس، كان هناك شاب ماهر باللغات. من خلال معرفته بالجذور المشتركة بين ~~اللغات، استطاع أن يستخدم اللغة الألمانية كلغة تواصل؛ لكنه كان يضطر لأن يستخدم مخيلته كي ~~يفهم الآخرين ويجعلهم يفهمونه. # تذكرت آيريس بوضوح كيف كان أصدقاؤها يصيحون مستهزئين من محاولاته الفاشلة، عندما نادت ~~على الرجل بالإنجليزية وطلبت منه أن يرشدها إلى القرية. # حملق بها، ثم رفع كتفيه وهز رأسه. # لم تلق محاولتها الثانية - التي تحدثت فيها بنبرة أعلى - نجاحا أكبر من سابقتها. شرع ~~الفلاح الذي كان يبدو على عجلة من أمره في متابعة طريقه، لكن آيريس سدت طريقه. # أدركت عجزها الشديد، وشعرت كأنها كائن أعضب قطع لسانه، لكن كان عليها أن تجذب انتباهه، ~~وأن تحمله على فهمها. شعرت أنها نزلت من مرتبة الإنسان العاقل، فاضطرت لأن تأتي بحركات ~~إيمائية، مشيرة إلى الطرق البديلة واحدة تلو الأخرى، بينما تردد اسم القرية. # قالت في نفسها: «يجب أن يفهم ذلك، وإلا فهو غبي.» # بدا أن الرجل فهم مضمون ما تنشده؛ فقد أومأ برأسه عدة مرات، ms009 لكن عوضا عن الإشارة إلى ~~اتجاه محدد، بدأ يتحدث بكلام غير مفهوم. # بينما كانت تصغي إلى سيل الأصوات الحنجرية، فقدت أعصابها فجأة، وشعرت أنها انقطعت عن ~~جميع صور التواصل البشري، وكأنما محي خط حدودي، وانقطعت بها السبل في بقعة نائية من آسيا ~~لا في أوروبا. # دون مال ودون لغة مشتركة، ربما تظل هائمة على وجهها للأبد. ربما هي الآن تسير مبتعدة عن ~~القرية في طريقها إلى الأدغال. كان للخور العديد من الروافد الفرعية، مثل تعرجات بحر ~~داخلي. # عندما بدأ الخوف يتملك منها بدأ وجه الفلاح يزيغ أمام عينيها وكأنها في كابوس. لاحظت أن ~~جلده يلمع، وأن لديه حرقدة صغيرة؛ لكن أنفها التقطت رائحته الفائحة المشوبة برائحة ~~الماعز؛ إذ كان يتعرق من أثر الصعود. # صاحت بهرع: «أنا لا أفهم كلمة واحدة مما تقول. توقف. أرجوك توقف. ستدفعني إلى ~~الجنون.» # بدوره، لم يسمع الرجل سوى سلسلة من الكلمات غير المفهومة. كان يرى فتاة ترتدي ملابس ~~الرجال، نحيلة على نحو غير جذاب - حسب معايير الجمال المحلية - ركبتاها متسختان ~~ومجروحتان. وهي فتاة أجنبية، مع أنه لا يعرف جنسيتها. علاوة على ذلك، فهي منفعلة للغاية، ~~وتتحدث بنبرة عالية عصبية، كما أنها شديدة الغباء. # إذ لم يبد أنها فهمت أن اسم القرية الذي تردده له لا يعدو حتى نصف الاسم، فيما هناك ~~ثلاث قرى صغيرة مختلفة تبتدئ أسماؤها بالبادئة نفسها. شرح لها ذلك، وسألها عن الاسم ~~كاملا. # حتى إن فهمت آيريس ما يقوله الرجل، لم تكن لتستطيع أن تخبره به؛ إذ إن اسم القرية كان ~~ثقيلا للغاية على اللسان فلم تحاول أن تتبين نطقه كاملا، بل اكتفت بأول ثلاثة مقاطع منه ~~كباقي رفقائها. # كان الوضع ميئوسا منه. للمرة الأخيرة قطب الفلاح وجهه وهز كتفيه، ثم مضى في طريقه ~~تاركا آيريس وحدها وسط الجبال. # أحاطتها الجبال مثل خطر محدق. كانت قد اشترت بطاقات بريدية تحمل صورها وأرسلتها بعد أن ~~كتبت عليها التعليق التقليدي: «منظر طبيعي خلاب.» حتى إنها كتبت على إحداها بعد أن رسمت ~~صليبا هازئا فوق ms010 إحدى القمم: «تلك هي حجرتي.» # ها هي الجبال تأخذ ثأرها منها الآن. بينما انكمشت خوفا أسفل الأجراف الشاهقة، شعرت أن ~~مجرد هزة في قممها الشامخة كفيلة بأن تسحقها إلى رماد تحت انهيار صخري. أشعرتها الجبال ~~بالضآلة، ومحت تفردها، وأطفأت حماستها. # لكن أصواتا تتحدث بالإنجليزية جاءت لتكسر التعويذة. فمن وراء منحنى المسار، جاء الزوجان ~~حديثا الزواج اللذان تعرفهما من الفندق. # كان هذان الحبيبان يحظيان باحترام الجميع حتى جماعة أصدقائها؛ لتحفظهما الشديد ومظهرهما ~~البهي. كان الزوج طويلا ووسيما، وله مشية مهيبة، وصوت واثق، وكان يرفع رأسه لزاوية ~~توحي بالفخر الزائد. كان النوادل يهرعون إليه عندما يومئ برأسه، وكان صاحب الفندق يخاطبه ~~بلقب «سيدي» على الأرجح استنادا إلى تأجيره غرفة جلوس خاصة. # أما الزوجة فكانت تقترب منه في الطول، وكانت صاحبة قوام ممشوق ووجه لا تشوبه شائبة. كانت ~~ترتدي ثيابا جميلة لا تناسب البرية على الإطلاق، لكن كان من الواضح أنها ترتديها بحكم ~~العادة، وإرضاء لزوجها دون سواه. # كان لهما معاييرهما الخاصة، وكانا يتجاهلان النزلاء الآخرين، الذين سلموا بأنهما ~~ينتميان إلى طبقة اجتماعية أعلى. كان يعتقد أن اسم «تودهانتر» المدون بسجل الفندق هو ~~اسم مستعار استخدماه لإخفاء هويتهما الحقيقية. # مرا من أمام آيريس دون أن يلحظاها تقريبا. رفع الرجل قبعته بشرود، لكن لم يبد من ~~نظرته أنه عرفها. أما زوجته فلم ترفع عينيها البنفسجيتين عن المسار الحجري؛ فقد كانت ترتدي ~~حذاء ذا كعب عال. # كانت تتحدث بصوت خافت، لكنه مع خفوته حمل نبرة حادة. ~~«لا يا عزيزي. لن أبقى يوما آخر، حتى إن كان من أجلك أنت. لقد مكثنا لوقت ...» # لم تسمع آيريس باقي العبارة. تأهبت للحاق بهما من مسافة بعيدة؛ إذ شعرت بخجل شديد من ~~مظهرها المنهك. # أعاد إليها وصول العروسين شعورها بالقيمة؛ إذ كان وجودهما دليلا على أن الفندق ليس ~~ببعيد، فهما لا يسيران قط لمسافات طويلة. تلك المعلومة جعلت الجبال تنكمش إلى حجمها ~~بالصور، بينما عادت هي من شخص تائه إلى فتاة لندنية تعنى عناية شديدة بقصة سروالها ~~القصيرة. # خلال ms011 وقت قصير تعرفت على الضريح الأصلي الذي تركت عنده المسار. نزلت في المسار بخطوات ~~عرجاء، وعلى الفور لمحت التماعة البحيرة القاتمة وأضواء الفندق تتوهج من وراء صفحتها ~~الخضراء القاتمة. # بدأت تفكر مرة أخرى في الحمام الدافئ والعشاء عندما تذكرت أنها مرهقة وجائعة. # كان واضحا أنه لم يتبق سوى الآثار الجسدية لمغامرتها، لكن حس الأمان لديها تلقى ضربة، ~~في واقع الأمر، وكأن مغامرتها تلك كانت خطرا قادما من المستقبل ليكشف لها عن هول شعور ~~العجز بعيدا عن كل ما هو مألوف. # الفصل الثالث # | محادثة قصيرة # عندما عاد الزوجان حديثا الزواج إلى الفندق، كان النزلاء الأربعة الباقون يجلسون بالخارج ~~في الساحة المرصوفة بالحجارة أمام الشرفة، يستمتعون بالزمن الفاصل المريح للأعصاب «بين ~~الضوءين». كانت الأجواء معتمة بما لا يسمح بكتابة الخطابات أو المطالعة، لكن الوقت لا يزال ~~مبكرا لارتداء ملابس العشاء. بدا من الأكواب الفارغة وبقايا الكعك على إحدى الطاولات أنهم ~~احتسوا شاي ما بعد الظهيرة في الهواء الطلق ولم يتحركوا منذ ذلك الحين. # كان معتادا من اثنتين منهم، الآنستان فلود-بورتر، أن تستقرا في مكانهما. لم تكونا من ~~النوع الكثير الحركة؛ كونهما قد بلغتا العقد الخامس من عمريهما، وتأقلمتا على قواميهما ~~وكذلك عاداتهما. كان لكليهما شعر أشيب مموج منمق، احتفظ بشيء من لونه الأصلي كان كافيا ~~ليمنح صاحبته لقب «شقراء» الشرفي. كانا يتشاركان أيضا بشرة صافية بطبيعتها وتعبيرات وجه ~~حادة. # كانت ببشرة الأخت الكبرى الرقيقة - الآنسة إيفيلين - تجاعيد بسيطة؛ إذ إنها شارفت على ~~الستين، بينما كانت الآنسة روز قد غادرت لتوها عقدها الرابع. كانت الأخت الصغرى أطول من ~~أختها وأكثر امتلاء، وكان صوتها أعلى، ولون بشرتها أدكن. كانت في شخصيتها الممتازة مسحة ~~تنمر ودية، جعلتها تميل إلى توبيخ أختها. # خلال زيارتهما، كونا فرقة رباعية مع القس كينيث بارنز وزوجته. كانوا قد جاءوا على ~~القطار نفسه، وكانوا ينوون العودة إلى إنجلترا معا. كان القس وزوجته يتمتعان بهبة حسن ~~العشرة، والتي أرجعتها الأختان - اللتان تفتقران إليها - إلى الأذواق والميول ~~المشتركة. # كانت الساحة مفروشة بكراس وطاولات ms012 حديدية مطلية بألوان زاهية، وتزينها أحواض بها ~~شجيرات دائمة الخضرة يكسوها الغبار. عندما تطلعت الآنسة فلود-بورتر حولها، تذكرت منزلها ~~المبهج الذي يقع في مدينة ذات كاتدرائية. # حسبما تذكر الصحف، هطل المطر في إنجلترا؛ لذا ستكون الحديقة حتما في أبهى صورها، بعشبها ~~الأخضر وسياجها الذي تغطيه أزهار الأسطر والأضاليا. # قالت: «أتطلع إلى رؤية حديقتي مجددا.» # قالت أختها فظة اللسان مصححة: «تقصدين حديقتنا.» # قال القس ضاحكا: «وأنا أتطلع إلى الجلوس في كرسي مريح. ها قد أتى الزوجان.» # على الرغم من اهتمامه العطوف برفقائه، لم يلق عليهما تحية ودية؛ إذ كان قد تعلم من ~~محاولته الأولى - والأخيرة - أنهما يكرهان أي تدخل في خصوصياتهما؛ لذا استرخى في مقعده، ~~ينفث دخان غليونه، وهو يراقبهما يصعدان سلالم الشرفة. # وقال بصوت يحمل استحسانا: «يا لهما من زوجين جميلين!» # قالت الآنسة فلود-بورتر معلقة: «أتساءل من هما حقا. وجه الرجل يبدو مألوفا بالنسبة لي. ~~أنا واثقة أني رأيته من قبل في مكان ما.» # قالت أختها مقترحة: «ربما في فيلم سينمائي.» # قاطعتها السيدة بارنز بحماسة على أمل أن تجد اهتماما مشتركا آخر؛ إذ كانت تكن شغفا ~~للسينما يشوبه الشعور بالذنب: «هل تذهبان إلى السينما؟» # ردت الآنسة فلود-بورتر مفسرة: «لا نذهب إلا لمشاهدة أفلام جورج آرليس وديانا ~~وينيارد.» # قال القس: «هذا يحسم الأمر؛ فهو قطعا ليس جورج آرليس، ولا هي ديانا.» ~~«لكني مع ذلك أشعر أن هناك أمرا غامضا يتعلق بهما.» # قالت السيدة بارنز موافقة: «وأنا كذلك. أتساءل، أتساءل إن كانا متزوجين حقا.» # سألها زوجها مباغتا: «ماذا عنك؟» # ثم ضحك ضحكة ودودة عندما احمر وجه زوجته خجلا. ~~«آسف على مباغتتك يا عزيزتي، لكن أليس من الأسهل أن نفترض كوننا جميعا ما ندعيه؟ حتى ~~القسيسين وزوجاتهم.» نفض الرماد من غليونه، ثم نهض من كرسيه. «أظن أنني سأتمشى حتى القرية ~~لأتحدث قليلا إلى أصدقائي.» # سألت الآنسة روز بفظاظة بعد أن غادر القس الحديقة: «كيف سيتحدث إليهم وهو لا يعرف ~~لغتهم؟» # أجابت زوجته بفخر: «هو يحملهم على فهمه. بالتعاطف كما تعرفين، وبالإنسانية المشتركة. لن ms013 ~~يمانع ملامسة أنفه بأنف رجل بدائي تحية له.» # قالت الآنسة فلود-بورتر: «أخشى أننا دفعناه للمغادرة بحديثنا عن الفضائح.» # قالت السيدة بارنز: «كان ذلك خطئي. أعرف أن الناس يحسبونني فضولية، لكني في الواقع أضطر ~~لأن أحمل نفسي على إبداء الاهتمام بشئون جيراني؛ فذلك بمثابة احتجاج مني على الخجل العارم ~~لدى أبناء وطننا.» # قاطعتها الآنسة روز: «لكننا نعتز بذلك؛ فإنجلترا لا تحتاج إلى الدعاية لنفسها.» ~~«بالطبع، لكننا لن نمر من هنا سوى مرة واحدة، ويجب أن أذكر نفسي أن الغريب الجالس ~~بجواري ربما يكون واقعا في ورطة ما وربما أستطيع مساعدته.» # نظرت إليها الأختان نظرة استحسان. كانت امرأة نحيلة في منتصف الأربعين، ذات وجه بيضاوي ~~شاحب، وشعر داكن، وملامح عذبة. كان الصدق والطيبة يطلان من عينيها البنيتين الواسعتين، ~~وكانت مخلصة في أفعالها. # كان من المستحيل أن يرتبط اسمها إلا بالنزاهة المطلقة. كانتا تعرفان أنها تتكبد عناء ~~الاسترسال في الشرح، خشية أن تخاطر بإعطاء انطباع خاطئ. # وهي بدورها، كانت معجبة بالأختين؛ فهما سيدتان ذواتا مكانة مرموقة ولا غبار على ~~احترامهما. يشعر المرء أنهما ستؤديان دورهما في لجان المحلفين بتميز، وتؤديان واجبهما ~~تجاه الرب وتجاه جيرانهما، دون أن تسمحا لأحد بإعطائهما توجيهات تخص طبيعة ذلك ~~الدور. # كانتا أيضا تنعمان بحياة رغيدة؛ إذ تملكان منزلا رائعا بحديقة، ولديهما خادمات ~~مدربات جيدا، وأصول مجمدة في البنك. كانت السيدة بارنز تعلم ذلك؛ لذا كونها بشرا، ~~شعرت بالأفضلية عندما فكرت أن الرجل الوحيد في جمعهم هو زوجها. # كانت تقدر شعور التملك ذلك؛ لأنها وحتى عيد مولدها الأربعين، كانت تقضي عطلتها السنوية ~~برفقة زمرة من النساء العزباوات الأخريات. منذ أن أنهت دراستها المدرسية، كانت تكسب عيشها ~~من الاشتغال بالتدريس، حتى حدثت المعجزة التي لم تمنحها زوجا فحسب، بل منحتها ابنا ~~أيضا. # كانت هي وزوجها مغرمين بطفلهما لدرجة كانت تجعل القس يخشى أحيانا أن حبهما الشديد له ~~قد يطمع فيه القدر. في الليلة التي سبقت مغادرتهما لقضاء عطلتهما، عرض عليها ~~اتفاقا. # قال موافقا، وهو ينظر إلى الطفل الغافي في مهده: ms014 «أجل، هو طفل جميل، لكني أشرف بقراءة ~~الوصايا العشر للناس. وأتساءل أحيانا ...» # قاطعته زوجته قائلة: «أعرف ما تعنيه. الوثنية.» # أومأ برأسه. # وقال معترفا: «أنا مذنب مثلك؛ لذا أنوي أن أؤدب نفسي. مقامنا بين الناس ~~يتيح لنا فرصا مميزة للتأثير على الآخرين. يجب ألا نحيد عن الطريق، بل علينا أن نرتقي ~~بشتى جوانب طبيعتنا البشرية. إن كانت تلك الرحلة فستفيدنا بشيء ، فسيكون ذلك تغييرا ذهنيا ~~تاما يا عزيزتي، ما رأيك أن نتفق على ألا نقتصر في حديثنا عن جابريال أثناء ~~رحلتنا؟» # وافقته السيدة بارنز، لكن الوعد الذي قطعته لم يمنعها من التفكير فيه طوال الوقت. تركاه ~~في رعاية جدته الكفء، لكنها مع ذلك كانت قلقة على صحته لدرجة جنونية. # فيما كانت تعد الساعات المتبقية على رجوعها لابنها، وفيما كانت الآنسة فلود-بورتر تبتسم ~~متطلعة لرؤية حديقتها، كانت الآنسة روز تتابع تسلسل أفكارها الأصلي؛ فهي دائما ما تظل ~~تفتش وراء الحقائق حتى تكشفها. # قالت: «أنا لا أفهم كيف يمكن للمرء أن يكذب، إلا إن كان شخصا مسكينا يخشى أن يطرد من ~~عمله. لكن ... أمثالنا! نعرف امرأة ثرية تتباهى بتقديم إقرارات غير حقيقية في المراكز ~~الجمركية. ذلك انعدام مطلق للأمانة.» # بينما هي تتحدث، ظهرت آيريس عند بوابة حديقة الفندق. بذلت قصارى جهدها كي تتفادى الجمع ~~الجالس حول الطاولة، لكنها لم تستطع تفادي سماع ما يقال. # علقت السيدة بارنز بصوتها الواضح الواثق الذي يميز مدرسات الصفوف: «لم تراودني رغبة في ~~الكذب يوما.» # قالت آيريس في نفسها: «كاذبة.» # كانت في حالة من الإنهاك البالغ تنذر بالانهيار. كانت قد استجمعت كل ذرة إرادة كي تحمل ~~نفسها على الوصول إلى الفندق. أثارت تلك المحنة أعصابها حد الانهيار. ومع أنها كانت تتوق ~~إلى سكون غرفتها، كانت تعرف أنها لا تقوى على صعود الدرج دون استراحة قصيرة. كانت كل عضلة ~~في جسدها تئن عندما ألقت بنفسها على أحد الكراسي الحديدية وأغمضت عينيها. # قالت في نفسها: «إن تحدث أحد فسأنهار.» # تبادلت الأختان فلود-بورتر النظرات وبرمتا شفتيهما امتعاضا، حتى عينا السيدة بارنز ms015 ~~الودودتان لم تحملا لها أي ترحيب؛ إذ إنها وقعت ضحية لسلوكيات جماعتها السيئة ~~وأنانيتهم. # كانوا يتصرفون كأنهم أصحاب الفندق، وكأن النزلاء الآخرين مجرد متطفلين، وكانوا يصرون ~~على تلقي معاملة خاصة يحصلون عليها بالرشوة. أثار ذلك التمييز في المعاملة حنق السائحين ~~الآخرين؛ لأنهم كانوا قد التزموا ببنود التكاليف التي دفعوها لوكالة سفر، والتي تتضمن ~~الخدمة. # استأثرت الزمرة بطاولة البليارد وكانوا يحتلون أفضل مقاعد، وكانوا أول من يأتيهم الطعام ~~أثناء الوجبات، وتقدم لهم الأصناف، يحظون بمياه دافئة للاستحمام. # حتى القس شعر أن حلمه قد نفد. كان يبذل قصارى جهده كي يلتمس العذر للشباب الطائش، مع أنه ~~كان يدرك أن عدة أشخاص من ذلك الجمع لا يصنفون شبابا. # مع الأسف، كانت جماعة أصدقاء آيريس المزعومين تتضمن شخصين يسيئان إلى صورة الشعب ~~الإنجليزي. ولأنه يصعب تمييز فتاة عن أخرى وهن يرتدين ملابس السباحة، كانت السيدة بارنز ترى ~~أنهن جميعا يفعلن الشيء نفسه؛ يثملن ويزنين. # كن يخللن جميعا بمعاييرها للأدب بتشمسهن، ويقلقون مضجعها بصخبهن؛ لذا كانت ممتنة ~~للغاية لقضاء يومين هادئين، وسط الطبيعة الخلابة والرفقة الودودة. # لكن على ما يبدو، لم يغادر الجمع كله؛ إذ تبقى بعض منهم، فها هي تلك الفتاة لا تزال ~~هنا، وربما هناك غيرها. كانت السيدة بارنز تتذكر آيريس بإبهام؛ لجمالها، ولأن رجلا بدينا ~~ممن يسبحون كان يسعى خلفها. # كان الرجل متزوجا؛ لذا كان اختياره لها في غير صالحها، لكنها بدت مرهقة لدرجة جعلت قلب ~~السيدة بارنز الحنون يؤنبها على عدم إشفاقها عليها. # نادتها قائلة بنبرة مبتهجة للغاية: «هل تركت بمفردك تماما؟» # جلعت محاولة التقرب غير المتوقعة تلك آيريس ترتعد. في تلك اللحظة، كان آخر ما تحتاج إليه ~~هو أن تحظى باهتمام شخص بالغ، والذي حسب خبرتها يخفي وراءه فضولا. # أجابت: «أجل.» ~~«يا إلهي، يا له من أمر مؤسف! ألا تشعرين بالوحدة؟» ~~«كلا.» ~~«لكنك صغيرة جدا على السفر دون رفقاء. ألم يكن بوسع أحد من أهلك مرافقتك؟» ~~«ليس لي أهل.» ~~«ليس لديك أي عائلة على الإطلاق؟» ~~«كلا، وليس لي أقارب. أولست ms016 محظوظة؟» # لم تكن آيريس قريبة بما يكفي لسماع شهقة الاندهاش التي صدرت من الأختين فلود-بورتر، لكن ~~صمت السيدة بارنز أخبرها بأن فظاظتها آتت بثمارها. تجنبا لأي محاولات استجواب إضافية، بذلت ~~جهدا عظيما للنهوض؛ إذ كانت جميع مفاصلها متيبسة، ونجحت في أن تجر نفسها إلى داخل ~~الفندق ثم إلى غرفتها بالطابق العلوي. # حاولت السيدة بارنز أن تتخطى تلك الواقعة بالضحك. # قالت: «أخشى أن أكون قد ارتكبت حماقة أخرى. من الواضح أنها كرهتني، لكني شعرت أن ليس من ~~الإنسانية أن نجلس كالتماثيل دون أن نبدي أي اهتمام بها.» # سألتها الآنسة روز: «وهل أبدت هي أي اهتمام بك؟ أو بنا؟ هذا النوع من الفتيات شديد ~~الأنانية. لن تحرك ساكنا أو تحيد عن طريقها قيد أنملة لمساعدة أي شخص.» # لم يكن لذلك السؤال سوى إجابة واحدة، لم تسمح طيبة قلب السيدة بارنز لها بالإفصاح عنها؛ ~~لذا كتمتها بداخلها؛ إذ ليس بوسعها أن تكذب. # لم يكن بوسعها هي أو غيرها التبصر بأحداث الأربع والعشرين ساعة القادمة، التي ستكابد ~~خلالها تلك الفتاة - التي ستقف وحدها في وجه حشد من الشهود - عذابا نفسيا يهدد سلامة ~~قواها العقلية من أجل امرأة غريبة لا تكن لها أي مشاعر شخصية. # هذا إن كان هناك وجود للآنسة فروي. # الفصل الرابع # | إنجلترا تنادي # لأن لديها مربعا على راحة يدها، وهو دلالة على الحماية حسبما قالت لها عرافة، كانت ~~آيريس تعتقد أنها تنعم بمساحة من الأمان، مع أنها ضحكت عندما أخبرتها بذلك. كانت تشعر ~~بالانبهار خفية، لأنها كانت تحيا حياة مصونة من الخطر. # في تلك الأزمة، شعرت أن النجوم تتبارى من أجلها كالعادة. كانت الجبال قد أرسلت لها ~~إنذارا أوليا. أثناء تلك الأمسية أيضا، تلقت بضع مفاتحات للرفقة التي ربما كانت ~~لتنتشلها من عزلتها الذهنية. # لكنها قطعت عن عمد كل خيط يربطها ببر الأمان؛ بدافع وفائها المغلوط لأصدقائها. # فور أن دلفت إلى الردهة الساكنة الخاوية، شعرت بأنها تفتقدهم. أثناء سيرها في الرواق، ~~مرت بغرف نوم خاوية، بسرائرها العارية وأرضياتها التي بعثرت فوقها المهملات. ms017 كانت ~~المراتب تتدلى من كل نافذة، والوسائد مكومة في الشرفات الصغيرة. # لم تكن الرفقة وحدها هي ما ينقصها، بل افتقدت الدعم المعنوي كذلك. لم يتكبد أصدقاؤها عناء ~~تغيير ملابسهم أثناء السهرة، إلا إن دعت الراحة إلى ارتداء السراويل الصوفية. في إحدى ~~المرات، حققوا انتصارا بأن قدمت ضدهم شكوى، عندما حضرت سيدة إلى طاولة العشاء وهي ترتدي ~~سروال السباحة. # كان مقدما الشكوى هما الأختان فلود-بورتر، اللتان كانتا دوما ترتديان فساتين سهرة باهظة ~~الثمن، لكن وقورة، أثناء العشاء. تذكرت آيريس تلك الواقعة بعد أن فرغت من الاستحمام. شعرت ~~بشيء من الخجل لإذعانها للرأي العام، لكنها بحثت في حقيبة سفرها عن ثوب سهرة من قماش الكريب ~~المجعد لم تكن قد أخرجته منها. # جدد الحمام الدافئ والراحة نشاطها، لكنها شعرت بالوحدة وهي تقف مستندة إلى سور الشرفة. ~~لفتت وقفتها المتأملة وثنايا ثوبها الانسيابية انتباه الزوج - المدعو تودهانتر حسب سجل ~~زوار الفندق - بينما كان يسير خارجا من غرفة نومه. # لم يكن لديه أدنى فكرة عن هويتها، أو أنه كان بمثابة نجم استرشدت به في الوادي. كان ~~يتناول هو وزجته وجباتهما في غرفة جلوسهما الخاصة، ولم يخالطا عامة النزلاء قط؛ لذا استنتج ~~أنها نزيلة وحيدة فاته أن يراها وسط التجمعات العامة. # استحسنتها عيناه الخبيرتان فتوقف. # وقال معلقا: «الأجواء هادئة الليلة. وهو تغيير جيد بعد صخب جماعة الغوغاء المريعة تلك.» # لدهشته، نظرت إليه الفتاة ببرود. # وقالت: «الأجواء هادئة حقا، لكني أفتقد أصدقائي.» # بينما كانت في طريقها إلى الأسفل، شعرت بالسعادة لأنها جعلته يدرك خطأه؛ فمناصرتها ~~لأصدقائها كانت أهم من غياب الاجتماعيات. لكن مع انتصارها، كانت تلك الواقعة بغيضة نوعا ~~ما. # كان عدم شعبية الجماعة مصدر زهو لها؛ إذ كان دلالة على الأفضلية نوعا ما. كانوا كثيرا ~~ما يرددون بنبرة عجب بالذات: «نحن لا نروق لهؤلاء القوم.» أو «هؤلاء الناس يبغضوننا ~~حقا.» حين كانت آيريس واقعة تحت تأثير التنويم الإيحائي الجماعي وسطهم، لم ترغب في أن ~~تنعت بأي وصف آخر. لكن الآن وقد صارت بمفردها، لم يكن من ms018 المبهج أن تدرك أن النزلاء ~~الآخرين، الذين من المفترض أنهم محترمون ودمثو الأخلاق، يعتبرونها دخيلة. # كانت في مزاج كئيب ومتمرد عندما دلفت إلى المطعم. كان غرفة مكشوفة كبيرة كسيت جدرانها ~~بورق حائط ذي لون أزرق داكن منقوش بالنجوم المذهبة التقليدية. كانت المصابيح الكهربائية ~~مثبتة في ثريات رديئة مصنوعة من الحديد المطاوع؛ مما كان يعطي إيحاء بأنه موقع تصوير ~~لفيلم هوليوودي تقع أحداثه داخل قلعة من العصور الوسطى. لم تكن هناك سوى طاولات قليلة ~~معدة، ولم يكن هناك سوى نادل واحد وقف منزويا عند الباب. # في غضون أيام قلائل، سيغلق الفندق أبوابه استعدادا لموسم الشتاء. فبعد مغادرة الحشد ~~الإنجليزي الضخم، صار معظم أفراد طاقم خدمة موسم العطلات زائدين عن الحاجة، وكانوا بالفعل ~~قد عادوا إلى منازلهم في المقاطعة. # لا يبدو أن النزلاء الباقين تأثروا بأجواء الإهمال والعزلة التي تلازم نهاية الموسم. ~~تشاركت الأختان فلود-بورتر مائدة مع القس وزوجته. كانوا في مزاج رائع، وبدا أن علاقتهم ~~توطدت؛ إذ كانوا ينهي أحدهم نكات الآخر المنتقاة من مجلة «بانش». # اختارت آيريس متأففة طاولة صغيرة في ركن بعيد، وجلست تدخن سيجارة فيما كانت تنتظر أن ~~يقدم إليها الطعام. كان الآخرون قد بدءوا بالفعل تناول طعامهم، وكان شعور مستجد على أحد ~~أفراد الحشد أن يكون ضمن المتأخرين. # نظرت إليها السيدة بارنز، التي لم يسمح لها كرم أخلاقها بأن تضمر لها البغض لفظاظتها، ~~نظرة إعجاب، وقالت: ~~«كم تبدو تلك الفتاة جميلة وهي ترتدي ثوبا!» # قالت الآنسة فلود-بورتر محددة: «ثوب ما بعد الظهيرة. نحن نحرص دائما على ارتداء ثوب سهرة ~~على العشاء عندما نكون في أي مكان داخل أوروبا.» # قالت الأخت الصغرى مفسرة: «إن لم نتأنق في ملابسنا، فسنشعر أننا خذلنا إنجلترا.» # مع أن آيريس تناولت وجبتها على مهل شديد، اضطرت لأن تعود في النهاية إلى الردهة. كانت ~~منهكة بما لا يسمح لها بالتنزه سيرا على الأقدام، وكان الوقت مبكرا على النوم. عندما ~~نظرت حولها، كادت لا تصدق أنه منذ ليلة واحدة فحسب، كان المكان يعمه التألق والبهجة ms019 ~~الأوروبيان. مع أن تلك الصفة الأخيرة جاءت معهم من إنجلترا. أما الآن وهي تخلو من الأصدقاء، ~~فقد أثار دهشتها أن لاحظت زينتها التصنعية الرديئة. كانت الكراسي المذهبة المصنوعة من ~~الخيزران قد فقدت بريقها، وكان البلى قد أصاب المفروشات والستائر المخملية القرمزية. # شعرت بغصة في حلقها عندما رأت كومة من أعقاب السجائر وأعواد الثقاب المستهلكة داخل أصص ~~النخيل. كان ذلك هو كل ما تركته زمرة أصدقائها من أثر. # فيما جلست بعيدة، راقبها القس وهو يضع غليونه في فمه قاطبا حاجبيه بتأمل. كان وجهه ذو ~~الملامح المميزة ينم عن القوة ورهافة الحس، ومزيج مثالي من المادية والروحانية. كان يشارك ~~شباب أبرشيته لعب كرة القدم الخشنة، وبعدها يأسر نفوسهم، وكان لديه تفهم حقيقي لمشكلات ~~نساء أبرشيته. # عندما أخبرته زوجته عن رغبة آيريس في العزلة، استطاع أن يتفهم شعورها؛ إذ كان يتوق في بعض ~~الأحيان إلى الهروب من الناس جميعا حتى زوجته. كان يميل إلى تركها لعزلتها المضجرة، لكن ~~قلبه رق لحالها عندما رأى الهالات السوداء تحت عينيها، والحزن الذي ارتسم على ~~شفتيها. # في نهاية المطاف، قرر أن يكابد صدها الجافي له في سبيل إراحة ضميره. كان يعلم أنه ~~سيلقاه؛ إذ رفعت بصرها إليه بسرعة تأهبا عندما رأته يقطع الردهة. # قالت في نفسها: «ها هو واحد آخر.» # من بعيد، كانت معجبة بروحانية تعبيرات وجهه، لكنها الليلة كانت تعده ضمن ناقديها ~~العدائيين. ~~«جماعة من الغوغاء المريعين.» حضرت تلك الكلمات في ذاكرتها فيما كان يتحدث إليها. ~~«إن كنت ستعودين إلى إنجلترا وحدك، فهل تودين مرافقتنا؟» # سألته: «متى سترحلون؟» ~~«بعد غد، قبل أن ينطلق القطار المباشر الأخير لهذا الموسم.» ~~«لكني راحلة غدا. شكرا جزيلا لك.» ~~«إذن، أتمنى لك رحلة سعيدة.» # ابتسم القس من قرارها السريع وهو يقطع الردهة ليجلس إلى طاولة ويبدأ في عنونة ملصقات ~~أمتعة السفر. # استغلت زوجته فرصة غيابه. رغبة منها في الوفاء بوعدها، ذهبت إلى النقيض فلم تأت على ~~ذكر طفلها لصديقتيها إلا مرة واحدة عندما ذكرت في معرض كلامها: «ولدنا الصغير». لكن الآن ms020 ~~وقد قاربت العطلة على نهايتها، لم تستطع مقاومة إغراء عرض صورة فوتوغرافية له كانت قد فازت ~~في مسابقة أطفال محلية. # نظرت لزوجها الذي يجلس موليها ظهره وهي تشعر بالذنب، وأخرجت من حقيبتها حافظة من الجلد ~~المرن. # وقالت وهي تحاول إخفاء فخرها: «هذا هو ابني الضخم.» # كانت الأختان فلود-بورتر من محبي الحيوانات فقط، ولم تكونا تحبان الأطفال كثيرا، ~~لكنهما ردتا بكل العبارات اللائقة وبأسلوب مقنع مهذب جعل قلب السيدة بارنز يمتلئ ~~زهوا. # لكن الآنسة روز تطرقت إلى موضوع آخر على إثر عودة القس من طاولة الكتابة. # سألته: «هل تؤمن بالأحلام التحذيرية يا سيد بارنز؟ فقد رأيت أمس في الحلم حادث ~~قطار.» # جذب السؤال اهتمام آيريس وحاولت جاهدة سماع رد القس. # قال: «سأجيب عن سؤالك إن أجبت أنت عن سؤالي. ما هو الحلم؟ هل هو توجس مكبوت؟» # سمعت آيريس صوتا مبتهجا يقول في أذنيها: «ترى، هل تودين رؤية صورة ولدي الصغير ~~جابريال؟» # أدركت آيريس ساهية أن السيدة بارنز - التي كانت تحافظ على المظاهر الإنجليزية بارتدائها ~~فستانا من الدانتيل البني الناعم - كانت قد جلست إلى جوارها وأظهرت لها صورة لطفل رضيع ~~عار. # تظاهرت بالنظر إليها فيما حاولت الاستماع لما يقوله القس. # كررت ساهية: «جابريال.» ~~«أجل على اسم كبير الملائكة. لقد أسميناه تيمنا به.» ~~«كم هذا لطيف! هل أرسل لكما طفلا أخرق؟» # اتسعت عينا السيدة بارنز باستنكار، واحمر وجهها المرهف. ظنت أن الفتاة أساءت إلى ~~الدين وأهانت صغيرها العزيز متعمدة بدافع الثأر من الملل، فزمت شفتيها المرتعشتين غيظا ~~وانضمت لصديقتيها. # شعرت آيريس بالامتنان عندما توقفت الهمهمة في أذنيها. لم تدرك زلة لسانها؛ فهي لم تسمع ~~سوى جزء صغير من شرح السيدة بارنز. كان اهتمامها لا يزال منصبا على النقاش الدائر حول ~~الهواجس. # قالت الآنسة روز طارحة وجهة نظر القس جانبا: «قل ما شئت، فالمنطق إلى جانبي. هم يحاولون ~~عادة حشر عدد زائد من الركاب في آخر قطار فاخر في الموسم. أعلم أني سأكون سعيدة للغاية ~~عندما أصل سالمة إلى إنجلترا.» # فور أن نطقت بتلك ms021 الكلمات، حامت روح التوجس في الأجواء من حولهم. # صاحت السيدة بارنز وهي تحكم قبضتها على صورة جابريال: «هل تخشين بالفعل وقوع ~~حادث؟» # أجابت الآنسة فلود-بورتر نيابة عن أختها: «كلا بالطبع، لكننا ربما نشعر أننا في مكان ~~منعزل عن العالم هنا، وأننا نبعد كثيرا عن أرض الوطن. والمشكلة أننا لا نعرف كلمة واحدة من ~~اللغة المحلية.» # قاطعتها الآنسة روز قائلة: «نحن لا نواجه أي مشكلة في الحجوزات وقسائم الشراء ما دمنا ~~نلزم الفنادق والقطارات، لكن إن وقع حادث اضطرنا لأن نقطع رحلتنا، أو فاتتنا وسيلة ~~مواصلات، أو شردنا في مكان صغير، فسنشعر بالتيه. علاوة على أن الأمور المالية ستكون مربكة؛ ~~إذ لم نحضر معنا أي شيكات مسافرين.» # اقتربت الأخت الكبرى من القس. # سألته قائلة: «هل تنصحنا باعتبار حلم أختي تحذيرا من السفر غدا.» # تمتمت آيريس بصوت خافت: «لا، لا تفعلا ذلك.» # انتظرت إجابة القس باهتمام مشوب بالألم؛ إذ لم تكن تتطلع للسفر على متن القطار نفسه مع ~~هؤلاء الأشخاص المختلفين عنها، والذين قد يشعرون أن من واجبهم مصادقتها. # قال القس: «افعلا ما تميلان له. لكن إن غادرتما قبل الميعاد، فسيكون ذلك انتصارا ~~للخرافات، كما أنكما ستحرمان نفسيكما من يوم آخر في ذلك المكان البديع.» # قالت الآنسة روز معلقة: «كما أن حجوزاتنا بتاريخ بعد غد. من الأفضل ألا نخاطر بحدوث أي ~~تعقيدات. والآن سأذهب لأحزم أمتعتي لرحلة العودة إلى وطني العزيز إنجلترا.» # لدهشة الجميع، طغت نبرة انفعال فجأة على صوتها المتسلط. تريثت الآنسة فلود-بورتر حتى ~~غادرت أختها الردهة، ثم قالت مفسرة: ~~«إنه التوتر. لقد تعرضنا لتجربة مرهقة للغاية قبل أن نأتي إلى هنا. أمر الطبيب بتغيير ~~كامل، فجئنا إلى هنا بدلا من سويسرا.» # بعد ذلك أتى صاحب الفندق، وقلب محطات المذياع حتى نجح في التقاط محطة لندن على الموجة ~~الترددية العالية في مجاملة لنزلائه. وسط التشويش الإذاعي، أخبرهم صوت عذب مألوف: «كنتم ~~تستمعون إلى ...» # لكنهم لم يكونوا يستمعون إلى شيء. # كانت الآنسة فلود-بورتر تتخيل حديقتها تحت بريق قمر الحصاد الفضي. تساءلت إذا ms022 ما كانت ~~براعم الأقحوان التي زرعت منها ثلاثة في كل أصيص قد تفتحت، وإذا ما نجت زهرات الميرمية من ~~الحلزونات. # بينما كانت الآنسة روز تضع أحذيتها بسرعة في قاع إحدى الحقائب، سرت في جسدها قشعريرة ~~عندما تذكرت أمرا؛ إذ رأت مرة أخرى حفرة واسعة في أحد مراقد الأزهار بالحديقة، كانت ~~تستقر فيها كومة من أزهار الدلفينيون العزيزة عليها منذ ليلة. لم تكمن المشكلة في خسارة ~~كنزهما فحسب، بل أيضا في عدم معرفة أين سيضرب العدو المرة القادمة، وهو أمر مرهق ~~للأعصاب. # وكان القس وزوجته يفكران في طفلهما النائم في مهده. عليهما أن يقررا إذا ما كانا ~~سيسترقان النظر إليه فحسب، أم سيخاطران بإيقاظه بقبلة. # أما آيريس فتذكرت أصدقاءها وهم يغادرون في القطار السريع الهادر، وفجأة لطمتها موجة من ~~الحنين إلى الوطن. # كانت إنجلترا تنادي. # الفصل الخامس # | قطار الليل السريع # استيقظت آيريس تلك الليلة كالعادة، على هدير القطار وسط العتمة. قفزت من سريرها، وبلغت ~~النافذة في الوقت المناسب لرؤيته يلف منحنى البحيرة بشريط ناري. بينما كان يمر مقعقعا ~~من أمام الفندق، تمددت اللطخة الذهبية لتصير سلسلة من النوافذ المضاءة، التي التحمت ~~مجددا مثل حلقات سوار بمجرد أن مر. # بعد أن اختفى وراء منعطف الوادي، تتبعت مساره عن طريق سحابة الدخان الأحمر الكثيف ~~المتراقص المتصاعد منه. ورأته في مخيلتها يمرق عبر أوروبا، وكأنه مكوك سريع يخترق نسيج ~~الخريطة الملتهب، يلتقط المدن ويسلكها في خيط متوهج مارق. مرت أمام عينيها في لمح البصر ~~أسماء مدن مضاءة ثم اختفت؛ بوخارست، ذاغرب، ترييستي، ميلان، بازل، كالييه. # اجتاحتها مجددا موجة من الحنين إلى الوطن، مع أن عنوانها المستقبلي سيكون فندقا، جالبة ~~معها عاصفة من التشاؤم؛ ذلك الإرث الذي تركته لها الجبال. ~~«ماذا إن وقع أمر ما ولم أتمكن من العودة أبدا؟» # في تلك اللحظة، شعرت أن أي شكل من أشكال الشر قد يعوق طريق عودتها. حادث قطار أو مرض أو ~~جريمة كلها احتمالات قائمة من المنتظر بالفعل أن تقع لآخرين. كانت تحدث حولها في كل مكان، ms023 ~~وربما ينقطع خط في مربع الحماية المرسوم على راحة يدها في أي وقت. # فيما كانت مستلقية تتقلب في فراشها، سلت نفسها بتذكر أن تلك ستكون آخر مرة تبيت في ذلك ~~الفراش غير المستوي المصنوع من الريش. وخلال الليلتين القادمتين، ستنطلق هي أيضا وسط ~~الطبيعة المظلمة، وسيبطل أي تعويذة خاطفة للنوم وميض الأضواء كلما مر القطار السريع ~~بمحطة. # لازمتها الفكرة عندما استيقظت في الصباح التالي كي تتطلع إلى ظل قمم الجبال المكسوة ~~بالثلوج لقاء ضوء الشروق الأحمر. # قالت لنفسها بابتهاج: «اليوم، أرحل إلى وطني.» # كان الهواء باردا نديا عندما تطلعت من نافذة غرفتها، وكان الضباب يرتفع من البحيرة ~~التي التمعت صفحتها الخضراء من وراء أوراق أشجار الكستناء المصفرة التي يحركها الهواء، ~~لكنها لم تكترث إلى جمال اللونين الأزرق والذهبي البديع للخريف اللذين كسوا الطبيعة. # ولم تبال أيضا بنواقص غرفتها التي كانت عادة تكدر ذوقها الانتقادي. كانت جدرانها ~~الخشبية مطلية بدرجة رديئة من اللون الأحمر المائل إلى الاصفرار. وعوضا عن المياه ~~الجارية، كان هناك حوض عليه علبة من القصدير تغطيها منشفة رقيقة. # معنويا، كانت آيريس قد غادرت الفندق بالفعل، وابتدأت رحلتها قبل أن تنطلق فيها. عندما ~~نزلت إلى المطعم، كانت تكاد لا تشعر بوجود النزلاء الآخرين، الذين شعرت بالنفور تجاههم منذ ~~بضع ساعات فقط. # كانت الأختان فلود-بورتر، اللتان ارتديتا ملابس تناسب كتابة الخطابات في الهواء الطلق، ~~تتناولان طعام الإفطار على طاولة بجوار النافذة. لم تتحدثا إليها، مع أنهما كانتا لتومئان ~~برأسيهما تحية لها إن التقت عيناهما بعينيها من باب الكياسة. # لم تلاحظ آيريس أنهما لم يفعلا؛ فقد خرجتا من حياتها تماما. احتست قهوتها في صمت لا ~~يقطعه سوى تعليقات الأختين من حين لآخر، متسائلتين إذا ما كان الطقس في إنجلترا قد ترفق ~~بحفل زفاف عسكري محلي. # ظل الحظ ملازما لها؛ إذ أعفاها من التواصل مع النزلاء الآخرين، الذين كانوا منهمكين في ~~شئونهم الخاصة. أثناء مرورها من أمام مكتب الاستقبال، كانت السيدة بارنز تلفت انتباه نادل ~~إلى خطاب موضوع في أحد كوات الرسائل. ms024 كانت حلتها الرمادية المصنوعة من القماش الناعم ~~وكذلك رزمة الشطائر التي تحملها تدلان على ذهابها في نزهة. # كان القس الذي كان يملأ غليونه في الشرفة يرتدي ملابس غير تقليدية أيضا؛ سروالا قصيرا، ~~وسترة، وحذاء تسلق، وقبعة محلية مصنوعة من اللباد تزينها ريشة زرقاء صغيرة كان قد اشتراها ~~تذكارا لعطلته . # كانت تعلو وجهه ابتسامة سعيدة للغاية، حتى إن آيريس شعرت أنه يبدو مبتهجا وصالحا في ~~آن واحد، مثل قديس اعوجت هالته وهو يترك ضريحه ليكسب جلده الشاحب لونا برونزيا من ~~الشمس. # تلاشى تسامحها عندما آل إلى مسامعها حوار كان مقدرا له أن يؤثر على مصيرها. # قال القس مناديا: «هل هذا خطاب من الوطن؟» # ردت زوجته بعد برهة من الصمت: «أجل.» ~~«اعتقدت أن الجدة أخبرتنا ألا ننتظر منها خطابات أخرى. ماذا تقول في خطابها؟» ~~«تريدني أن أشتري لها بعض الأشياء من لندن في طريق عودتنا؛ بعض الحرير من نوع «مارجريت ~~روز». الأميرة الصغيرة كما تعلم.» ~~«لكنك ستكونين مرهقة. ذلك طلب لا مراعاة فيه.» # قالت السيدة بارنز بنبرة حادة للغاية: «كلا، بل هو كذلك. لماذا لم تفكر في ذلك؟» # تغاضت آيريس عن سلوكها الفظ ليلة أمس، وتركتهما يتابعان نقاشهما. أخبرت نفسها أنه محق ~~في محاولة إعفائها من المهام المنزلية المملة التافهة. # فيما كانت تمر من أمام الفندق، اضطرت لأن تتراجع كي تتجنب التعدي على خصوصية الزوجين ~~الحديثين، اللذين كانت غرفة جلوسهما مفتوحة على الشرفة. كانا يتناولان إفطارهما المكون من ~~الخبز والفاكهة في الهواء الطلق. كان الرجل يبدو متألقا في ثوب منزلي صيني، وكانت زوجته ~~ترتدي دثارا أنيقا فوق منامة من الحرير. # كان الزوجان تودهانتر يثيران حنق آيريس؛ لأنهما يجعلانها تشعر بسخط غير مفهوم. كانت تشعر ~~بالفراغ نفسه الذي تحاول تجاهله عندما تشاهد مشهدا عاطفيا بين ممثل وممثلة في فيلم ما. ~~كان حبهما يطل في أبهى ثيابه منقحا بحصافة، ولا يظهر أمام الكاميرا إلا أفضل ~~جوانبه. # شعرت بحماسة عندما نظر الرجل في عيني زوجته باهتمام شخصي بالغ وسألها: «هل كانت العطلة ~~مثالية؟» # كانت السيدة ms025 تودهانتر تعلم بالضبط لكم من الوقت يجب أن تظل صامتة قبل أن تجيب عن ~~سؤاله. ~~«أجل.» # كان توقيت ردها مثاليا؛ إذ استشف منه ما لم تقله صراحة. # قال معقبا: «لم تكن مثالية إذن. حبيبتي، لكن هل ...» # غاب صوتهما عن أذني آيريس، فيما كانت لا تزال تشعر بشيء من الحسد . كانت تجربتها مع الحب ~~مجرد سلسلة من المواقف التي انتهت إلى تمثيلية خطبتها. # شعرت أن النهار لن ينتهي، لكنه أخيرا أخذ في التلاشي. لم يكن معها الكثير من المتاع ~~لتحزمه، فاتباعا للعرف، أخذ أصدقاؤها معهم الجزء الأكبر من أمتعتها تيسيرا عليها. أضاعت ~~أو بالأحرى أغرقت بضع ساعات من وقتها في البحيرة، لكنها كانت متعجلة فلم تستلق في ~~الشمس. # بعد أن بدلت ملابسها استعدادا لرحلة السفر، نزلت إلى المطعم. كان طبق اليوم مغطى ~~بالهلام بطريقة جذابة ومزينا بأعواد الطرخون والسرفيل والبيض المفروم، لكنها ظنت أنه ~~مكون من سمك الإنقليس المسلوق. أشاحت بوجهها متقززة، وذهبت لتجلس على طاولة صغيرة مطلية ~~باللون الأصفر الباهت في الحديقة المرصوفة بالأحجار، وهناك تناولت غداء مكونا من حساء ~~البطاطس وحبات العنب الصغيرة. # كان ضوء الشمس يتلألأ من خلال المظلة الكثيفة التي كونتها أشجار الكستناء، لكن الكرسي ~~الحديدي كان باردا وغير مريح. كان لا يزال أمامها أكثر من ساعة على موعد وصول القطار ~~السريع، لكنها قررت أن تنتظره في المحطة حيث بإمكانها الاستمتاع بجمال المنظر. # كانت قد أرهقت نفسها حد القلق؛ لذا كانت مغادرتها الفندق بمثابة خطوة في طريق رحلتها. ~~شعرت بسعادة غامرة وهي تسدد فاتورتها وتمنح بقشيشا لمن تبقى من طاقم الخدمة بالفندق. لم ~~تر أيا من النزلاء الآخرين، لكنها قطعت الحديقة مسرعة، كطالبة تتسلل من مدرستها، وكأنما ~~تخشى أن يحدث ما يحول بينها وبين المغادرة في اللحظة الأخيرة. # بينما كانت تقطع الممر الوعر يتبعها حاجب الفندق حاملا أمتعتها، كان غريبا عليها أن ~~تعود لارتداء حلة سفر أنيقة وحذاء ذي كعب عال مرة أخرى؛ إذ لم يكن بالشعور المريح بعد ~~أسابيع من الحرية، لكنها تقبلته بصدر رحب باعتباره ms026 جزءا من عودتها إلى الحياة المتمدنة. ~~عندما جلست على رصيف المحطة واضعة حقيبة سفرها عند قدميها، ترى بالأسفل التماع صفحة ~~البحيرة، أدركت أنها بلغت قمة سرورها. # كان الهواء خاليا من الرطوبة، وكان به لذعة البرودة التي تميز الارتفاعات. كان وهج الشمس ~~يلفحها، فشعرت بدفئها وضوئها يغمرانها. نزعت قبعتها وحدقت في عمود الإشارة تترقب بحماسة ~~لحظة هبوطه التي يعقبها ظهور محرك يبدو صغيرا عند طرف القضبان. # كان هناك آخرون على الرصيف؛ فقد كان وصول القطار السريع هو الحدث الرئيسي لذلك اليوم. كان ~~الوقت مبكرا للغاية بالنسبة للمسافرين الفعليين، لكن كان هناك جماعات من زوار القرية ~~وساكنيها يتسكعون حول أكشاك الصحف والفاكهة. كان حشدا مرحا وصاخبا اختلطت فيه لغات عدة. ~~لم تسمع آيريس أحدا منهم يتحدث بالإنجليزية حتى أتى رجلان من الطريق المؤدي للقرية. # وقفا مستندين إلى السياج خلفها، يتابعان جدالا ما. في البداية، لم يثيرا اهتمامها بما ~~يكفي لكي تلتفت لترى وجهيهما، لكن صوتيهما كانا مميزين لدرجة جعلتها تتخيلهما على ~~الفور. # كان للذي خمنت أنه الأصغر سنا بينهما صوت شغوف غير منمق. كانت واثقة من أنه يملك ~~ذهنا متقدا تتدافع فيه الأفكار. كان يتحدث بسرعة، وكثيرا ما كان يتلعثم محاولا إيجاد ~~كلمة مناسبة، لا لقصر مفرداته، بل لكثرة الاختيارات أمامه على الأرجح. # شيئا فشيئا حاز تعاطفها؛ لأنها أحست أن ذهنه متناغم مع ذهنها - أو بالأحرى ناشز ~~مثله - ولأنها أيضا نفرت من المتحدث الآخر غريزيا. كانت لهجته متحذلقة تعمد أن تكون ~~راقية، وكان يتحدث على مهل بنبرة سلطوية مثيرة للحنق فشلت في إخفاء جمود عقله. «لا يا ~~عزيزي هير.» شعرت آيريس أنه كان من الأحرى به أن يقول «واطسون.» «أنت مخطئ لدرجة كبيرة؛ فقد ~~ثبت قطعا أن أعدل وأفضل نظام قضائي هو نظام المحاكمة بواسطة هيئة محلفين.» # غمغم صاحب الصوت الأصغر سنا: «بل قل المحاكمة بواسطة هيئة من الخرقى. نحن نتحدث عن ~~مواطنين عاديين. صحيح أنه لا يوجد شخص عادي، لكن كل شخص لديه تراكماته الخاصة من الأحكام ~~المسبقة، ربما تكون امرأة ms027 ضغينة لبنات جنسها، أو كانت أخلاق رجل متزعزعة، جميعهم يلعنون ~~السجين لأسباب مختلفة، وجميعهم لديهم أعمال ومنازل يتلهفون للعودة إليها، فيعدون الساعات ~~ويتمسكون بظواهر الأمور.» ~~«هم يتلقون إرشادات من القاضي.» ~~«وكم يتذكرون من تلك الإرشادات؟ أنت أدرى كيف يشرد ذهنك وأنت تستمع إلى سلسلة من الكلمات ~~المرسلة. علاوة على ذلك، حتى بعد أن يضع لهم النقاط على الحروف، يهرعون ثم يخرجون إليه بحكم ~~خاطئ.» ~~«ولم تفترض أنه خاطئ؟ لقد توصلوا إلى استنتاجهم الخاص بناء على شهادات ~~الشهود.» # في خضم انفعاله، ضرب الشاب السياج بيده وقال: «الشهود! الشاهد هو الجزء الأسوأ من ذلك ~~النظام؛ فربما كان غبيا لدرجة تجعل منه عجينا يشكله محام مراوغ، أو ربما يتمتع بقدر ~~من الذكاء فيكذب ويضيع مستقبل رجل بائس، لا لسبب سوى أن يقرأ عن ذاكرته المدهشة وقوة ~~ملاحظته ويرى صورته في الصحف. جميعهم ينشدون الشهرة.» # ضحك الرجل الأكبر سنا ضحكة استعلائية ضايقت رفيقه وأخذها على محمل شخصي. ~~«عندما أتهم بقتلك يا بروفيسور، أفضل أن يحاكمني فريق من القضاة الذين يبحثون ~~الحقائق بعقول قضائية مدربة وعدالة نزيهة.» # قال البروفسور: «أنت متحيز، دعني أقنعك. هيئة المحلفين لديها ذكاء جمعي، يمكنها من ~~الحكم على الأشخاص. بعض الشهود يعول عليهم، وبعضهم الآخر يجب أن ينظر إليهم بعين الشك. ~~على سبيل المثال، كيف تصف تلك المرأة السمراء التي تضع رموشا مزيفة؟» ~~«جذابة.» ~~«مم! أما أنا فسأقول إن زينتها مبهرجة، وكذلك سيقول أي رجل عادي في العالم. الآن لنفترض ~~أن شهادتها تتعارض مع شهادة تلك السيدة الإنجليزية التي ترتدي معطفا ماركة «بيربري»، ~~إحداهما ستكون كاذبة قطعا.» ~~«لا أتفق معك؛ فربما يعتمد ذلك على وجهة النظر. الرجل العادي الذي يمتلك حديقة خلفية، إن ~~رأى زهرة بنفسج فهو على أتم استعداد لأن يقسم على أن ما يراه هو زهرة بنفسج، في حين أنه ~~إن ذهب إلى بستان نباتات فسيجد مكتوبا تحتها «سيرينجا».» ~~«الاسم النوعي ...» ~~«أعلم، أعلم. لكن إن أقسم مواطن عادي نزيه أن زهرة السيرينجا بيضاء اللون، وأقسم آخر ~~أنها بنفسجية اللون، ms028 فستكون هناك حتما فرصة لوقوع لبس. شهادات الشهود قد تكون ~~كذلك.» # سأل صاحب الصوت الجامد: «ألا ترى أنك حدت عن النقطة الأساسية؟ إن اعتلت كل من هاتين ~~المرأتين منصة الشهود على نحو منفصل، فأيا منهما ستصدق؟» # بدورها، قارنت آيريس الشاهدتين الافتراضيتين. كانت إحداهما امرأة إنجليزية مميزة من سكان ~~المقاطعات ، لها قوام ممشوق ووجه عذب نبيه. إن كانت تعبر المحطة وكأنها تملك حق المرور، فهي ~~بالنسبة لها مجرد طريق مختصر لغايتها النهائية. # أما الحسناء السمراء، فكان من الواضح أنها متسكعة. ربما تكون تنورتها الملاصقة لجسدها ~~وقميصها القروي المطرز هما ما ترتديه أي سيدة أوروبية أثناء عطلتها، لكن شفتيها الحمراوين ~~الجذابتين وعينيها المعبرتين لم يمنعوا آيريس من أن تراها كغجرية سرقت للتو دجاجة ~~لطهيها. # رغما عنها، كانت مضطرة لأن توافق البروفيسور في رأيه، لكنها مع ذلك شعرت بالحيرة تجاه ~~الشاب عندما توقف عن الجدال؛ لأنها كانت تدعم الجانب الخاسر. # قال: «أفهم ما تعنيه. معاطف الحماية من المطر البريطانية تفوز في كل مرة، لكن مطاط ~~الكونجو كان قضية دموية، وإن ساد الاعتقاد بقدرة المطاط على الحماية فقد يثير ذلك بلبلة ~~مريعة. تعال لنحتسي مشروبا.» ~~«شكرا لك، اسمح لي أن أطلبه أنا؛ فأنا أريد الاستفادة من كل فرصة ممكنة للحديث باللغة ~~المحلية.» ~~«أتمنى أن تنمحي من ذاكرتي؛ فهي لغة مثيرة للاشمئزاز، ومليئة بأصوات تشبه البصق والعطس. ~~أنت تدرس اللغات الحديثة، أليس كذلك؟ هل تحضر الكثير من الطالبات محاضراتك؟» ~~«أجل، لسوء الحظ.» # شعرت آيريس بالأسف عندما ابتعدا عنها؛ فقد أثار جدالهما اهتمامها بعض الشيء. تزايدت أعداد ~~الحشد على الرصيف، مع أن القطار لن يصل إلا بعد خمس وعشرين دقيقة، حتى إن وصل في موعده. ~~اضطرت لأن تتشارك مقعدها مع آخرين، بينما جلس طفل القرفصاء فوق حقيبة سفرها. # مع أن ذلك أتلف الحقيبة، لم تمانع تطفله. لم يستطع الارتباك أن ينال منها لأنها كانت ~~مستغرقة في اللحظة الحالية؛ فقد استحوذ عليها ضوء الشمس وأوراق الشجر المترقرقة والتماعة ~~البحيرة مجتمعين ليأسروها في حالة من السكون الهنيء. # دون ms029 سابق إنذار، أتى الهجوم. وقع الأمر على حين غفلة. # فجأة، شعرت بألم حاد في مؤخرة عنقها. وقبل أن تستوعب الأمر، اهتزت الجبال ذات القمم ~~البيضاء، وتحولت السماء الزرقاء إلى اللون الأسود، واكتنفها الظلام. # الفصل السادس # | غرفة الانتظار # عندما استردت آيريس وعيها، عادت إليها رقع من بصرها في بادئ الأمر . كانت ترى وجوها ~~غير مكتملة تطفو في الهواء. كان يبدو أنه الوجه نفسه؛ ذو البشرة الباهتة، والعينين ~~السوداوين، والأسنان النخرة. # شيئا فشيئا، أدركت أنها ممددة على دكة فيما يشبه السقيفة تلتف حولها مجموعة من ~~النساء. كن من الفلاحات، تتشابه ملامحهن العرقية، وعزز من تشابههن مصاهرتهن ~~لأقاربهن. # كن يحدقن فيها بفتور ولا مبالاة، وكأنها مشهد لافت للنظر في الشارع؛ حيوان يحتضر أو ~~رجل يعاني نوبة ما. لم يكن في وجوههم الخالية من التعبير أي ذرة تعاطف، ولم تحمل نظراتهم ~~المتبلدة أي لمحة فضول. بلا مبالاتهن التامة تلك، بدون وكأنما يفتقرن إلى الغرائز ~~الفطرية الإنسانية. # سألت بحدة: «أين أنا؟» # بدأت امرأة ترتدي ثياب عمل سوداء تتحدث بلغة حنجرية لم تحمل مقدار ذرة من معنى بالنسبة ~~لآيريس. أصغت إليها بالهلع والعجز نفسيهما اللذين تملكا منها أمس في الخور. في الواقع، ~~كان وجه المرأة قريبا جدا منها حتى إنها تبينت تجاويف بشرتها، والشعيرات النابتة في ~~فتحتي أنفها، لكن الفلقة بينهما كانت كبيرة لدرجة جعلتهما يبدوان وكأنهما يقفان على كوكبين ~~مختلفين. # كانت تتمنى أن ينير أحد ما عتمتها؛ أن يزيح الستار الذي يربكها ويعميها. لقد وقع لها ~~أمر ما لا تعرفه. # كان احتياجها يتخطى قدرة الإيماءات على الشرح؛ فلن يذهب ارتباك حواسها سوى تفسير واضح. ~~في تلك اللحظة، فكرت في نزلاء الفندق الآخرين الذين فرت منهم فعليا. كانت مستعدة الآن ~~أن تتخلى عن سنوات من عمرها كي ترى وجه القس القوي الروحاني، أو تنظر في عيني زوجته ~~الطيبتين. # في محاولة منها لاستيعاب الواقع، نظرت حولها. كان المكان مألوفا نوعا ما بحوائطه ~~الخشبية الداكنة وأرضيته المغطاة بالرمال التي كانت بمثابة مبصقة عامة. كان هناك شريط من ~~ضوء ms030 الشمس المشوب بالغبار يسقط على أكواب سميكة مرصوصة على رف، وعلى رزمة من إعلانات ورقية ~~يرفرفها الهواء. # رفعت رأسها أكثر فشعرت بنبضة من الألم الخفيف تبعه هجمة من الدوار. لوهلة شعرت أنها ~~ستتقيأ، لكن ما لبث أن طغت صدمة التذكر على الغثيان. # كانت تلك هي غرفة الانتظار في المحطة . كانت تجلس هنا أمس، مع أصدقائها يحتسون مشروبا ~~أخيرا. مثل شاحنات متدافعة تتصادم داخل عقلها، ترابطت أفكارها بدءا بسلسلة الأحداث التي ~~وقعت في محطة القطار. تذكرت أنها كانت تجلس على المنصة في ضوء الشمس في انتظار ~~القطار. # بدأت دقات قلبها تتسارع بشدة. كانت في طريقها للعودة إلى إنجلترا، لكنها لا تملك أدنى ~~فكرة عما حدث لها بعد أن فقدت الوعي، أو كم مر على ذلك من الوقت. قد يكون القطار السريع وصل ~~وغادر دونها. # في خضم إنهاكها، بدت تلك الفكرة كارثية. شعرت بالدوار مرة أخرى، وكان عليها أن تنتظر ~~ريثما تنقشع تلك الغيمة من أمام بصرها كي تتمكن من قراءة عقارب ساعة يدها الصغيرة. # تهللت أساريرها عندما اكتشفت أنه لا يزال أمامها خمس وعشرون دقيقة كي تجمع شتات نفسها ~~قبل أن تنطلق في رحلتها. تساءلت: «ماذا حدث لي؟ ما الذي جعلني أفقد الوعي؟ هل ~~هوجمت؟» # أغمضت عينيها وحاولت بأقصى جهدها أن تصفي ذهنها، لكنها لا تذكر في آخر لحظاتها قبل أن ~~تفقد الوعي منظر السماء الزرقاء والبحيرة الخضراء الزاهية وكأنما تراهما من خلف ~~بلورة. # فجأة، تذكرت حقيبتها وتلمست بيدها محاولة العثور عليها. ارتاعت عندما لم تجدها ~~بجوارها، ولم ترها على الدكة. كانت حقيبة سفرها على الأرض، وفوقها قبعتها وكأنما تؤكد على ~~حدود ممتلكاتها. # صرخت بعينين يملؤهما الهلع: «حقيبتي، أين حقيبتي؟» # كان بها نقودها وتذاكرها وجواز سفرها، ودونها سيستحيل عليها المضي في رحلتها. حتى إن ركبت ~~القطار دون أي نقود، عند أول خط حدودي سيعيدونها من حيث أتت. # أصابتها تلك الفكرة بالارتياع. كانت واثقة أن أولئك النسوة تكالبن لسرقتها، وأنها عاجزة ~~وواقعة تحت رحمتهن. عندما نهضت مسرعة من الدكة دفعنها لأسفل مرة ms031 أخرى. # تفجر غضبها وحاولت مقاومتهن بضراوة. بينما كانت تقاومهن، شعرت بدوامة من الارتباك؛ ~~بألم نابض، وأصوات تتعالى، وأضواء تومض أمام عينيها. سمعت أصوات نهيج ولهاث، وكأنها ~~تيار تحتي لصوت تدفق اندفاع مياه غريب، وكأن ينبوعا مكتوما تفجر فجأة من ~~الأرض. # رغم محاولاتها، جذبتها المرأة ذات المئزر الأسود لأسفل مرة أخرى، بينما دفعت فتاة ~~ممتلئة ترتدي مشدا يكاد يتمزق بكوب بين شفتيها. عندما رفضت أن تبتلع، عاملنها كطفل، فأملن ~~ذقنها وسكبن المشروب الكحولي في حلقها. # جعلها ذلك تسعل وتجاهد لالتقاط أنفاسها، حتى شعرت بالألم يعتصر رأسها. خشية هجوم آخر، ~~استرخت واستسلمت لبؤسها وعجزها. أنبأها حدسها بأنها إن انفعلت، فقد تهتز الحوائط في أي ~~لحظة كما فعلت الجبال التي يكسوها الجليد تمهيدا لغيابها عن الوعي تماما. # وتلك المرة ربما لن تفيق، كما أنها لا تجرؤ على أن تخاطر بأن تمرض في القرية وحدها ~~بعيدا عن أصدقائها. إن عادت إلى الفندق، فبإمكانها أن تطلب المساعدة المالية من النزلاء ~~الإنجليزيين، وحتما يمكن استخراج جواز سفر آخر، لكن ذلك يعني التأخير. # كما أن هؤلاء الأشخاص غرباء بالنسبة لها، وقد انتهت عطلتهم تقريبا. سيرحلون في غضون يوم، ~~بينما قد تظل هي عالقة هناك لأجل غير مسمى، لتصير عرضة للامبالاة أو حتى الإهمال. الفندق ~~كذلك كاد يغلق أبوابه. # قالت آيريس في نفسها: «يجب ألا أستسلم للمرض، يجب أن أهرب على الفور، بينما لا يزال هناك ~~وقت.» # كانت واثقة من أنها إن تمكنت من ركوب القطار، فمجرد إدراكها أنه سيبتعد بها ميلا بعد ~~ميل نحو المدنية كفيل بأن يجعلها تصمد حتى تصل إلى مكان تألفه. تذكرت بازل التي تقع على ~~نهر الراين ذي اللون الأخضر الفاتح، بفنادقها الممتازة التي يتحدث موظفوها الإنجليزية. هناك ~~يمكنها أن تمرض بينما تعامل بلغة مفهومة وتحتفظ بكرامتها. # كان كل شيء يعتمد على لحاقها بذلك القطار. ما تعانيه جعلها فجأة تريد باستماتة العثور ~~على حقيبتها. بينما كانت تحاول جاهدة النهوض مرة أخرى، أدركت أن أحدا ما يحاول أن ~~يتواصل معها. # كان رجلا عجوزا يرتدي ms032 قميصا متسخا، وله وجه صغير مجعد، ذو بشرة بنية وتملؤه ~~التجاعيد مثل ندبة خلفها غصن مقطوع في جذع شجرة. ظل يخلع قبعته الملوثة بالشحم ويشير ~~لأعلى ثم لرأسها. # على التو فهمت ما يعنيه. كان يقصد أنه بينما هي جالسة على الرصيف، أصابتها ضربة ~~شمس. # أراحها ذلك التفسير للغاية؛ فقد كان لغز علتها يخيفها ويربكها؛ فهي نادرا ما تمرض، ولم ~~يحدث من قبل أن فقدت وعيها. إلى جانب ذلك، كان دليلا على أنه رغم شكوكها، لم يكن التواصل ~~مستحيلا تماما، هذا إن كان بخصوص موضوعات غير معقدة. # مع أن قلقها من أن يفوتها القطار كان يسيطر عليها، استطاعت أن تبتسم للحمال ابتسامة ~~خفيفة، وكأنما كان ينتظر أي لفتة تشجيع، دس يده داخل عنق قميصه المتسخ وأخرج ~~حقيبتها. # نتشتها منه وهي تصرخ فرحا. تذكرت الحشد الموجود على المنصة، فاعتقدت أنه لا أمل لديها ~~في أن تجد نقودها، لكن ربما كان هناك فرصة ضئيلة ألا يكون جواز سفرها قد سرق. # فتحت السحاب بسرعة بأصابع مرتعشة، فوجدت لدهشتها أن جميع محتويات الحقيبة موجودة؛ التذاكر ~~والنقود وجواز السفر، وحتى فاتورة الفندق التي سددتها كانت لا تزال موجودة داخلها. # لقد أساءت الحكم على نزاهة أهل القرية، وهو خطأ أسرعت تحاول إصلاحه. أخيرا، ها هي في ~~موقف تستطيع فهمه. كما جرت العادة، أتى منقذ ليؤكد معنى مربع الحماية على كفها. كان دورها ~~الذي تمثل في دفع مبلغ زائد مقابل الخدمة المقدمة سهلا. # تلقت النسوة نصيبهن من تلك النفحة بتعبيرات متبلدة. يبدو أن الذهول صعقهن فلم يستطعن ~~إظهار فرحتهن أو امتنانهن. أما الحاجب العجوز فارتسمت على وجهه ابتسامة ظافرة، والتقط ~~حقيبة سفر آيريس كي يوضح لها أنه بدوره استوعب الموقف. # رغم مقاومتها لاحتسائه، أنعشها المشروب الكحولي الخام، وكذلك التغير الذي طرأ على ظروفها ~~بشكل كبير. شعرت أن حيويتها ردت إليها وأنها صارت تملك زمام أمورها مرة أخرى وهي تظهر ~~تذكرتها للحاجب. # كان وقع ذلك عليه كالصاعقة. ظل يثرثر بانفعال وهو يجذبها من ذراعها ويقودها مسرعا إلى ~~الباب. فور ms033 أن مرا عبره، عرفت آيريس مصدر الصوت المتواصل الغريب الذي ساهم في جعل ~~كابوسها أفظع. # كان صوت تدفق البخار الخارج من المحرك. ففيما كانت تهدر الدقائق النفيسة، وصل القطار ~~إلى المحطة. # والآن هو على وشك المغادرة. # كان المشهد فوضويا على الرصيف. كانت الأبواب تغلق، والناس يهتفون بصيحات الوداع ~~ويحتشدون أمام العربات. لوح أحد الموظفين بعلم وانطلقت الصافرة. # لقد وصلا متأخرين دقيقة واحدة. في اللحظة التي أدركت آيريس أنها هزمت، انتهز الحاجب ~~مجازا اللحظة المؤثرة نفسيا، وانطلق يرفرف معه. انتهز الفترة الوجيزة بين الاهتزازة ~~الأولى للمحرك ودوران العجلات ليخترق الحشد كنمر عجوز. # كان لا يزال في جسده الهرم النحيل ما يكفي من القوة والرشاقة كي يتمكن من بلوغ أقرب عربة ~~قطار وفتح بابها. # اعترضت طريقه سيدة ذات وقار ترتدي الأسود. كانت من النوع الذي يرتعد خوفا منه غريزيا ~~كونه فلاحا. على الجانب الآخر، فقد دفعت له زبونته مبلغا يزيد بكثير عما يجنيه من ~~بقشيش على مدى الموسم بأكمله. # لذا، كان يجب أن تأخذ مكانها في القطار. أحنى رأسه وعبر من تحت ذراع السيدة، وطوح حقيبة ~~آيريس داخل العربة ثم سحبها هي أيضا إلى الداخل. # كانت العربة قد بدأت تتحرك عندما قفز خارجها ليسقط متكوما على أرض الرصيف، لكنه لم يصب ~~بأذى؛ فعندما نظرت آيريس وراءها لتلوح له شاكرة، ابتسم لها كعفريت بلا أسنان. # كان يفصلها عنه بالفعل عدة ياردات. مرت المحطة من جوارهم، وبدأت مياه البحيرة ترتطم ~~بأوتاد رصيف المرسى. وخلال النافذة، تماوجت صفحتها الزبرجدية التي أهاجتها الرياح وصقلتها ~~الشمس. فيما كان القطار يسلك المنعطف في مساره مارا عبر الثغرة بين الصخور، التفتت آيريس ~~وراءها كي تلقي نظرة أخيرة على القرية؛ تلك الكومة المدهشة من المباني الصغيرة الملونة ~~التي استقرت على إفريز القرية الأخضر. # الفصل السابع # | الركاب # عندما مر القطار خلال النفق المحفور في الجرف وخرج منه إلى واد ضيق يعج بالأشجار، نظرت ~~آيريس إلى ساعة يدها. حسب عقاربها، لم يكن موعد وصول قطار ترييستي السريع إلى محطة القرية ~~قد حان ms034 بعد. # قالت: «لا بد أنها تعطلت عند سقوطي. يا لحسن حظي! كان من الممكن أن تجعلني أفوت ~~القطار.» # عندما تذكرت ذلك، شعرت بالامتنان الشديد لكونها انطلقت بالفعل في طريق عودتها إلى ~~إنجلترا. خلال الأربع والعشرين ساعة الأخيرة، مرت بمشاعر متضاربة لم تكن لتمر بها خلال ~~حياة كاملة من الرفاهية والنظام. ذاقت شعور العجز المريع لغياب الأصدقاء والمرض والإفلاس، ~~وانقطعت بها السبل؛ ثم عندما بلغ الأمر أشده، انقلب حظها، كما يحدث دائما. # بفعل التضاد، تحولت المواصلات العادية إلى مصدر مؤقت للنشوة. لم يعد السفر بالقطار ~~عبئا عليها أن تتحمله بمساعدة مخففات تتمثل في الحجوزات والأزهار والفاكهة والشكولاتة ~~والأعمال الأدبية الخفيفة وجماعة من الأصدقاء الذين يهتفون مشجعين. # بينما جلست محشورة في مقصورة غير مريحة داخل قطار تعوزه النظافة، شعرت بالحماسة كأنها ~~تنطلق في رحلتها الأولى. # ظل المنظر حولها محتفظا بطبيعته الوحشية وطابعه الوعر. سار القطار في طريقه مارا ~~برقع متصدعة من الأراضي بدت مثل رسمة نقشها الفنان دوريه على الفولاذ لجحيم دانتي. كانت ~~الشلالات تشق جوانب أجراف من الجرانيت بعروق من الفضة. وأحيانا، كانت تمر برقع ~~قاحلة تكونت فيها برك قاتمة يحفها بوص له ريش أسود داخل تجويفات مقفرة. # تطلعت آيريس إليها خلال فتحة النافذة، ممتنة لوجود لوح الزجاج الواقي؛ فقد كان ذلك ~~المنظر المهيب حطام عالم دمرته قوى الطبيعة، وذكرها بالأثر الذي تركته للتو أولى ~~مواجهاتها مع الواقع. # كانت لا تزال تنسحب من ذكرى الوقائع السابقة، مع أنه صار يفصل بينها وبين محطة القطار ~~الكابوسية جبال وجبال. الآن وهي تبتعد خلف ملفات القضيب في كل دقيقة تمر، صارت تجرؤ على ~~إدراك أنه كان يفصل بينها وبين كارثة قدر أنملة. # لا بد أنه كان هناك نسبة من أشخاص غير أمناء وسط الحشد على المنصة، الذين لم يكونوا ~~ليتورعوا عن استغلال وضع أجنبية فاقدة للوعي - وغير قادرة على الحساب - وحقيبة يد باهظة ~~الثمن تعد بغنيمة كبيرة، لكن الحظ وضع الحاجب الذي يشبه العفريت في طريقها. # قالت في نفسها: «دائما ما تسير الأمور في ms035 صالحي، لكن لا بد أن حظ بعض الناس ~~مريع.» # كانت تلك هي المرة الأولى التي تفكر فيها في قدر أولئك غير المحظوظين الذين ليس براحة ~~يدهم مربع. إن وقع حادث قطار، فهي تعلم يقينا أنها ستكون في الجزء الأوسط الذي لن يتحطم ~~منه، كما سيكون مقدرا لبعض الركاب أن يكونوا في المقصورات التي تحطمت. # اقشعر بدنها لتلك الفكرة، فنظرت ساهية إلى المرأة التي تجلس أمامها. كانت من النوع غير ~~المستحسن من جميع الجوانب؛ فهي في خريف عمرها، لها ملامح صغيرة غير محددة، وبشرة شاحبة، ~~وكأنما رسم أحد وجها ثم محاه حتى كاد يختفي. كان شعرها المجعد باهتا، وبشرتها شاحبة ~~تشبه في لونها دقيق الشوفان. # لم تكن ملامحها هزلية بما يكفي حتى لأن تليق بدور سيدة عانس على المسرح، حتى حلتها ~~المصنوعة من التويد وقبعتها التي تتماشى معها لم تكونا رثتي الهيئة، لكنهما كانتا ~~تفتقران إلى أي لمسات مميزة. # في الظروف العادية، لم تكن آيريس لتنظر إليها أو تفكر بها مرتين، لكن اليوم، كانت تتطلع ~~إليها بتعاطف. # قالت في نفسها: «إن وقعت هي في مأزق، فلن تجد من يمد لها يد المساعدة.» # كدرتها فكرة أنه يوجد حتما ضمن سكان العالم نسبة من الأشخاص الذين لا يملكون الأصدقاء ~~ولا المال ولا النفوذ؛ أشخاص عديمي الشأن لن يفتقدهم أحد، وإن اختفوا فلن يتركوا وراءهم أي ~~أثر. # كي تصرف آيريس عن ذهنها تلك الأفكار، حاولت أن تتأمل المنظر من حولها مجددا، لكن النافذة ~~كان يحجبها الآن المسافرون الذين لم يجدوا مقاعد لهم فوقفوا في الممر؛ لذا للمرة الأولى، ~~أحصت متعمدة الركاب الآخرين الذين يشاركونها المقصورة. # كان عددهم ستة - وهو العدد المناسب - والذي زادت عليه هي واحدا ليصبح سبعة، وهو ما لا ~~يسمح به. كان جانبها يشغله أسرة مكونة من أبوين ضخمين وطفلة صغيرة تبلغ نحو اثنتي عشرة ~~سنة. # كان الأب له رأس حليق، وشارب صغير مصفف بعناية، وذقون متعددة. منحته نظارته ذات ~~الإطار القرني وسيماؤه المريحة مظهر مواطن ثري. كان لزوجته قصة مفرودة من ms036 الشعر الأسود ~~المزيت، وحاجبان كثان يبدوان كأنهما محددان بالفلين المحروق. وكانت الطفلة ترتدي ~~جوربين طفوليين، لا يتماشيان مع ملامح وجهها البالغة. كان من الواضح أن شعرها ملفوف بحيث ~~يصبح به تموجات دائمة؛ فقد كان لا يزال مثبتا بالمشابك. # كان ثلاثتهم يرتدون حللا جديدة وأنيقة، تبدو مستوحاة من دليل كتابة اختزالية؛ فقد كانت ~~حلة الأب مقلمة، وحلة الأم مرقطة، وحلة الابنة منقوشة بالمربعات. خطر لآيريس أنهم إن ~~فرقوا ثم اجتمعوا مرة أخرى، وسط الزحام العام، فربما يوصلون للعالم رسالة مكتوبة بطريقة ~~الاختزال. # حسب ما هو واضح لها، فستكون تلك الرسالة شعارا للبيت؛ إذ بدت عليهم روح الوحدة وهم ~~يتشاركون صحيفة. كانت الأم تمر بعينيها على الأزياء، والطفلة تطالع صفحة الأطفال، ~~وخمنت آيريس من العواميد المتلاصقة أن رب الأسرة يبحث الشئون المالية. # نقلت بصرها منهم إلى الجانب المقابل من المقصورة. بجوار العانس ذات الحلة المصنوعة من ~~التويد كانت تجلس فتاة شقراء جميلة، يبدو أنها صاغت هيئتها من صورة أي ممثلة سينمائية ~~شقراء؛ فقد كان لها الشعر المموج اللامع، والعينان الزرقاوان الواسعتان، اللتان تزينهما ~~الرموش الاصطناعية، والحاجبان المقوسان. كانت وجنتاها مصبوغتين وشفتاها المقوستان ~~مطليتين باللون القرمزي. # مع أن ملامحها كانت منمقة، كان جمالها يتماشى مع المعايير ويفتقر إلى الروح. كانت ترتدي ~~حلة بيضاء ضيقة وتحتها قميص حريري أسود، وكانت قبعتها وقفازاها الطويلان وحقيبتها سوداء ~~اللون أيضا. كانت تجلس منتصبة القامة دون حراك، ثابتة على وضعية جامدة وكأن أحدا يلتقط ~~لها صورة فوتوغرافية دعائية. # مع أنها كانت نحيلة لدرجة تكاد تصل إلى حد الهزال، فقد تعدت على جانب العانس ذات الحلة ~~التويدية كي تترك مسافة كبيرة بينها وبين السيدة التي اعترضت على دخول آيريس. # كانت تلك السيدة الوقورة بلا شك تنتمي إلى إحدى الطبقات الحاكمة. كانت عيناها المنتفختان ~~تشعان فخرا، وأنفها يبدو كمنقار طائر متعجرف. كانت ترتدي الأسود وتتشح به، وكان قوامها ~~الضخم يشغل تقريبا نصف المقعد. # ولدهشة آيريس، كانت ترمقها بنظرة عدائية ثابتة، جعلتها تشعر بالذنب وبعدم ~~الارتياح. # قالت في نفسها: «أعلم أني ms037 اقتحمت المقصورة، لكن بها مساحة كافية. أتمنى لو أني استطعت أن ~~أشرح لها الوضع؛ إرضاء لذاتي.» # مالت للأمام وتحدثت بعفوية للسيدة. # سألتها قائلة: «هل تتحدثين الإنجليزية؟» # على ما يبدو أخذت السيدة سؤالها على محمل الإهانة، إذ أغمضت جفنيها بوقاحة متعمدة، وكأنما ~~لا تطيق رؤية منظر سوقي. # فقضمت آيريس شفتها ونقلت بصرها إلى باقي الركاب. كانت أعين الأسرة مثبتة على صحيفتهم، ~~والعانس ذات الحلة التويدية تسوي تنورتها، والحسناء الشقراء تحملق في الفراغ. بطريقة ~~ما، تولد لدى آيريس انطباع بأن غياب الحس المهذب ذلك هو لفتة احترام لتلك السيدة ذات ~~الشأن. # تساءلت بحنق: «أهي النظير المحلي للثور الأسود المقدس؟ ألا يمكن لأحد أن يتحدث حتى تفعل ~~هي؟ حسنا، بالنسبة لي ما هي سوى امرأة بدينة ترتدي قفازين طفوليين مريعين.» # حاولت التمسك بموقفها الانتقادي، لكن هباء؛ إذ كان يشع من المرأة الضخمة المتشحة ~~بالسواد حس من النفوذ الطاغي. # والآن وقد أخذت حماستها تزول، بدأت تشعر بتوابع ضربة الشمس الخفيفة التي تعرضت لها. كان ~~رأسها يؤلمها وتشعر أن مؤخرة عنقها متيبسة وكأنها مدعومة بعمود حديدي. كانت تلك أعراض ~~تحذرها كي تأخذ حرصها؛ فخطر المرض لا يزال يحيق بها، وهي تعلم أنها بحاجة لأن تحتفظ بكل ~~ذرة من قواها العصبية، ولا تهدر مخزونها منها في بغض متوهم. # لكن قرارها ذلك لم ينتشلها من الشعور المتزايد بالضيق؛ إذ لم تشعر بأن الأجواء في العربة ~~خانقة فحسب، بل شعرت أيضا أنها تعج بالقهر النابع من شخصية الأرملة المتشحة بالسواد. ~~كانت آيريس واثقة أنها بمثابة كتلة متخثرة من الأحكام المسبقة، حجر عثرة في شريان الحياة ~~الصحيح للمجتمع. كان من هم على شاكلتها جلطة قيد التكوين. # عندما بدأ العرق يتصبب من وجهها، نظرت تجاه نوافذ المقصورة المغلقة. كان الازدحام في ~~جانب الممر الذي تجلس فيه شديدا لدرجة تمنع دخول الهواء الخارجي؛ لذا جاهدت للوقوف على ~~قدميها وأمسكت بشريط النافذة. # وسألت بأدب يحمل نبرة إجهاد: «هل تمانعون؟» آملة أن يفهم الركاب الآخرون من نبرتها أنها ~~تستأذنهم في إنزال زجاج النافذة. ms038 # كما توقعت، نهض رب الأسرة قليلا وأخذ الشريط من يدها، لكن عوضا عن إتمام المهمة، نظر ~~باحترام إلى السيدة البارزة، وكأنها رمز مقدس، ثم نظر إلى آيريس عابسا وهو يهز رأسه ~~بالسلب. # عادت آيريس إلى مقعدها وهي تشعر بالحنق من تلك المعارضة. # قالت في نفسها: «يجب أن أتحمل ذلك . أتحمله دون معارضة؛ فأنا الدخيلة هنا.» # كان شعورا آخر مستجدا على أكثر أفراد الزمرة شعبية أن تكون ضمن الأقلية. بجانب ~~اضطرارها لأن تتحمل نقص التهوية، منحها عدم قدرتها على تفسير أفعالها أو الإفصاح عن رغباتها ~~شعورا عاجزا بأنها محرومة من حاستي الكلام والسمع. # في تلك اللحظة، انفتح الباب وحشر رجل طويل نفسه داخل المقصورة. مع أنها أدركت أن مشاعرها ~~باتت حساسة للغاية، خطر لها أنها لم تر وجها منفرا أكثر من وجهه. كانت بشرته شاحبة ~~مثل الصلصال اللدن، وله عينان داكنتان خاويتان، ولحية سوداء لها شكل البستوني. # انحنى للسيدة البارزة وبدأ يتحدث إليها فيما هو واقف. كان من الواضح أن قصته مثيرة ~~للاهتمام؛ إذ لاحظت آيريس أن الركاب الآخرين وفيهم الطفلة يستمعون إليه باهتمام ~~بالغ. # وهو يتحدث، طارت نظارته داخل المقصورة واستقرت عليها. نظر إليها نظرة ممحصة لكنها ~~موضوعية، وكأنها عينة على شريحة ميكروسكوب، لكنها تركت لديها انطباعا بأنها ليست عينة ~~مرحبا بها، أو عينة توقع رؤيتها. # انحنى حتى صارت شفتاه في مستوى أذن السيدة البارزة وهمس لها بسؤال، أجابته بصوت هامس ~~بدورها، فذكرا آيريس بذبابتين تئزان داخل قنينة. # تساءلت: «هل يكرهني أولئك الأشخاص حقا أم أن خيالي هو ما يصور لي ذلك؟» # كانت تعلم أن انطباع العداء العام المضمر ذلك بدأ يستحوذ على تفكيرها. كان في ظاهره ~~سخيفا، خصوصا أن ذا اللحية السوداء المدببة لم يرها من قبل قط؛ فهي لم تفعل سوى أنها ~~أزعجت بعض الغرباء الذين يفصل بينها وبينهم حاجز اللغة. # أغمضت عينيها وحاولت أن تصرف عن ذهنها ركاب المقصورة، لكن استمر شعورها بالضيق لوجود ذلك ~~الرجل. شعرت أن وجهه الأبيض يخترق جفنيها المغمضين، ويطفو في الهواء أمام ms039 ~~عينيها. # شعرت براحة كبيرة عندما توقف أزيز الهمس وسمعته يغادر المقصورة. فور أن غادر، عادت إلى ~~طبيعتها مرة أخرى، وأدركت أن أكثر ما تشعر به هو صداع مريع. كان أكثر ما يهمها في الحياة ~~هو الشاي والسجائر، لكنها لم تجرؤ على التدخين خشية الشعور بالغثيان، بينما بدا الشاي الآن ~~كإحدى سمات حضارة منسية. كان القطار يسير الآن خلال جزء مهجور من البلدة يتكون من أشجار ~~الصنوبر. كان أقرب تذكار على أنه كان مأهولا قلاعا قديمة جدا يصادفونها كل حين، غالبا ~~ما تكون أنقاضا. بينما تحملق في ذلك المشهد المهيب، أطل موظف برأسه من الباب وصاح ~~بكلمات لها وقع الطلاسم على أذنيها. # أصغى إليه الركاب الآخرون بعدم اكتراث، لكن آيريس شرعت في فتح حقيبتها؛ تحسبا لأن يطلب ~~رؤية تذاكرها أو جواز سفرها. في تلك اللحظة، دهشت لسماع صوت إنجليزي واضح. # كانت العانس ذات الحلة التويدية قد نهضت من مقعدها. # سألتها قائلة: «هل ستأتين إلى المطعم لاحتساء الشاي؟» # الفصل الثامن # | استراحة الشاي # ألجمت المفاجأة آيريس فلم تستطع الرد. نظرت غير مصدقة إلى الأراضي الممتدة التي تغطيها ~~الرمال والنباتات الشائكة التي تمر خارج النافذة، وكأنما تتوقع أن تراها تتحول إلى أكواخ ~~سويسرية، أو أنهار إيطالية زرقاء. # قالت مندهشة: «يا إلهي، أنت إنجليزية.» ~~«بالطبع. كنت أحسب أن مظهري تقليدي. هل ستأتين لاحتساء الشاي؟» ~~«أجل.» # تبعت آيريس مرشدتها إلى خارج المقصورة، وشعرت بالقلق عندما اكتشفت أن مقصورتهم كانت في ~~نهاية الممر. يبدو أن مربع الحماية بكفها لا يضمن لها الحماية من حوادث القطارات رغم كل ~~شيء. # سألت: «هل نحن قريبون من المحرك؟» # طمأنتها السيدة ذات الحلة التويدية قائلة: «كلا، بل يفصلنا عنه مقصورات الدرجة العادية. ~~ذلك القطار طويل للغاية، بسبب تزاحم نهاية الموسم. اضطروا لإقحام تلك المقصورات في القطار ~~عنوة.» # كان من الواضح أنها من النوع الذي يجمع المعلومات؛ فقد بدأت تبثها على الفور. ~~«فقط ألق نظرة في العربة التي تلي عربتنا عندما نمر منها، وسأخبرك أمرا.» # لم يثر ذلك اهتمام آيريس، بيد أنها أطاعتها. ms040 بعدها، ندمت أنها فعلت؛ إذ لم تستطع نسيان ~~ما رأته. # فعلى أحد المقاعد، رأت جسدا ممددا بطول المقعد ومغطى ببطانيات. كان يستحيل معرفة إن ~~كان لرجل أم لامرأة؛ فقد كانت الضمادات تغطي الرأس والجبهة والعينين، وكانت ملامح الوجه ~~مختفية وراء شرائط من الضمادات اللاصقة المتقاطعة. من الواضح أن الوجه كان مجروحا حد ~~التشوه. # تراجعت آيريس في هلع ازداد عندما أدركت أن الرجل الشاحب ذا اللحية البستونية هو المسئول ~~عن ذلك الشخص العاجز. بجواره كانت تجلس راهبة، تبدو القسوة البالغة على تعابير وجهها، حتى ~~إنه كان يصعب الربط بينها وبين أي عمل رحيم. # بينما كانا يتجاذبان أطراف الحديث، رفع المريض إحدى يديه بوهن. مع أنهما لاحظا حركة يده، ~~تجاهلاها. كانا أقرب إلى حاجبين مسئولين عن نقل كومة من الأخشاب، لا إنسان يتألم. # فجرت الأصابع المرتعشة داخل آيريس موجة من الشفقة الشديدة. ارتاعت عندما فكرت أنها ~~أيضا - إن لم يحالفها الحظ - كان من الممكن أن تكون ممددة تحت رعاية غريب غير ~~مبال. # همست: «تلك الراهبة تبدو كمجرمة.» # قالت لها السيدة ذات الحلة التويدية: «هي ليست راهبة، بل ممرضة.» ~~«إذن، فأنا أشفق على مريضها. إنه لأمر مريع أن يمرض المرء أثناء رحلة، كما أنها ليست ~~فرجة. لم لا يسدلان الستار؟» ~~«سيكون ذلك مملا بالنسبة لهما.» ~~«يا للمسكين! أفترض أنه رجل، أليس كذلك؟» # كانت آيريس تتوق بشدة لأن تكسر وجه التشابه بينها وبين الجسد الذي يرقد بلا حراك، لدرجة ~~أنها شعرت بخيبة أمل عندما هزت رفيقتها رأسها نفيا. ~~«كلا، بل هي امرأة. لقد استقلوا القطار من محطتنا من على مسافة أبعد. كان الطبيب يشرح ~~للبارونة وضعها. لقد أصيبت إصابة بالغة في حادث سيارة، وهناك احتمال حدوث إصابة خطيرة في ~~المخ. ويحاول الطبيب إرسالها إلى ترييستي بسرعة لإجراء عملية جراحية معقدة لها. إنها فرصة ~~أخيرة لإنقاذ تفكيرها المنطقي وكذلك حياتها.» # سألت آيريس: «هل الرجل ذو اللحية السوداء طبيب؟» ~~«أجل. وهو طبيب ماهر جدا أيضا.» ~~«حقا؟ أفضل أن يعالجني طبيب بيطري.» # كانت السيدة ذات الحلة التويدية ms041 تسبقها فلم تسمع تمتمتها الاعتراضية. اضطرتا لأن تشقا ~~طريقهما خلال الممرات المزدحمة، وكانتا قد قطعتا نصف المسافة عندما اصطدمت العانس بسيدة ~~طويلة سمراء ترتدي ملابس رمادية تقف على باب مقصورة مزدحمة. # قالت معتذرة: «أنا آسفة للغاية. كنت أنظر لأرى إن كان الشاي الذي طلبناه في الطريق. لقد ~~أمليت طلبي لأحد المضيفين.» # تعرفت آيريس على صوت السيدة بارنز، وتراجعت مجفلة لأنها لا ترغب في مقابلة القس ~~وزوجته. # لكن رفيقتها صاحت بسعادة: ~~«يا إلهي، أنت إنجليزية أيضا. هذا يوم سعدي.» # كانت عينا السيدة بارنز البنيتان الرقيقتان تدعوان إلى الثقة، فأضافت: «لقد قضيت عاما في ~~ذلك المنفى.» # سألت السيدة بارنز بتعاطفها الحاضر: «هل أنت في طريقك إلى الوطن؟» ~~«أجل، ولكن لا أصدق ذلك؛ فالأمر رائع لدرجة لا تصدق. هل أرسل أحد النوادل ليحضر لك ~~الشاي؟» ~~«سيكون ذلك لفتة طيبة منك؛ فزوجي مسافر يرثى له، مثل كثير من الرجال الأقوياء.» # استمعت آيريس لحديثهما بنفاد صبر؛ فقد بدأ الألم ينبض بشدة في صدغيها. عندما أتت السيدة ~~بارنز على ذكر اسم زوجها، علمت أنها ربما تتأخر عن احتساء الشاي لأجل غير مسمى. # فقالت: «ألسنا نعرقل الطريق؟» # عرفتها السيدة بارنز فمنحتها ابتسامة مصطنعة؛ إذ إن حادثة جابريال ما زالت تحز في ~~نفسها. # سألتها: «هل اندهشت لرؤيتنا؟ لقد قررنا في نهاية المطاف ألا ننتظر القطار الأخير، وقد ~~أتت معنا صديقتانا الآنستان فلود-بورتر. في الواقع، لقد أتى الجمع بأكمله؛ فالزوجان ~~الجديدان هنا أيضا.» # كانت آيريس تجاهد لشق طريقها في الممر المكتظ بعد أن ابتعدتا قليلا، عندما قالت لها ~~السيدة من وراء كتفها: ~~«تمتلك صاحبتك وجها عذبا، كوجه العذراء المتألم.» # قالت آيريس مطمئنة إياها: «بل هي امرأة مبتهجة، وهي ليست صاحبتي بكل تأكيد.» # عبرتا آخر معبر من المعابر بين العربات التي تصدر صوت صرير ينذر بالخطر، ودلفتا إلى ~~عربة المطعم التي كانت مكتظة بالفعل. كانت الآنستان فلود-بورتر - اللتان ارتدت كل منهما ~~معطف سفر أبيض من الكتان - قد أمنتا لنفسيهما طاولة، وجلستا تحتسيان الشاي. # عندما مرت آيريس من جوارهما في الممر ms042 الضيق، كانت إيماءتهما الرسمية لها بمثابة الإقرار ~~المشروط الذي يسبق الإظلام التدريجي للمشهد الأخير في فيلم. # كان لسان حالها يقول: «سنتحدث إليك أثناء الرحلة، لكن بمجرد أن نصل إلى محطة فيكتوريا ~~سنصير أغرابا.» # بينما لم تظهر آيريس أي نية للانضمام إليهما، لم تستطع الآنسة روز أن تمنع نفسها من أن ~~تدير الموقف. # فنادت آيريس قائلة: «صديقتك تحاول لفت انتباهك.» # التفتت آيريس لتجد أن رفيقتها اكتشفت آخر موضع شاغر - طاولة ملاصقة للجدار - وحجزت لنفسها ~~مكانا. عندما انضمت لها، كانت السيدة ضئيلة الجسد تتلفت حولها بعينين ~~لامعتين. # قالت: «لقد طلبت الشاي لصديقيك اللطيفين. أليس ذلك كله ممتعا؟» # كانت سعادتها عفوية وصادقة، فلم تستطع آيريس أن تتهمها بالمبالغة. حدقت بارتياب في ~~ستائر النافذة المخملية الباهتة ذات اللون الذهبي، ومفرش الطاولة المتسخ، والطبق الزجاجي ~~الذي يحوي مربى الكر؛ ثم نظرت إلى رفيقتها. # طالعها وجهها المتجعد الصغير ذو الملامح الباهتة، لكنها رأت التماعة في عينيها ~~الزرقاوين الباهتتين، وميزت نبرة حماسة طفولية في صوتها. # فيما بعد، عندما تحاول جمع الأدلة على ما تعتقد أنه مؤامرة غير عادية، سيجعلها ذلك ~~التعارض بين مظهر العانس التي في خريف عمرها وصوتها اليافع تشكك في حواسها. على أي حال، لم ~~تكن ذكراها جلية على الإطلاق؛ إذ لم تتذكر أنها نظرت بإمعان إلى رفيقتها مجددا. # كانت الشمس ترسل أشعتها الحارقة خلال النافذة، فاضطرت لأن تظلل عينيها بيدها معظم ~~الوقت بينما كانت تحتسي الشاي، لكن وهي تستمع إلى ثرثرتها المتصلة المتحمسة، شعرت أن من ~~تؤانسها هي امرأة تصغرها بكثير. # سألتها: «لم يرق الأمر؟» ~~«لأن ذلك سفر. نحن نتحرك. كل شيء من حولنا يتحرك.» # كانت آيريس تشعر كذلك أن المشهد كله يومض مثل فيلم سينمائي قديم. كان النوادل يسيرون ~~متأرجحين داخل المقصورة المهتزة يوازنون الصواني. مرت أجزاء من الريف سريعا بجوار ~~النافذة، وتساقطت ذرات السخام على الزبد وقطع الكعك اللزجة. وكانت ذرات الغبار تتراقص ~~في أشعة الشمس، ومع كل انتفاضة بالمحرك، كانت الأواني الخزفية تتأرجح. # بينما كانت تحاول احتساء بعض الشاي قبل أن ms043 يندلق كله من حافة الفنجان بفعل الاهتزاز، ~~علمت أن رفيقتها - التي تدعى الآنسة وينفريد فروي - تعمل معلمة لغة إنجليزية وهي في طريقها ~~للوطن لقضاء عطلتها. كانت مفاجأة صادمة لها أن علمت أن والدي تلك السيدة البالغة على قيد ~~الحياة. # قالت الآنسة فروي: «يقول أبي وأمي إنهما لا يتحدثان إلا عن عودتي؛ فهما ينتظراني بحماسة ~~الأطفال، وكذلك سق.» # رددت آيريس: «سق؟» ~~«أجل، اختصارا لسقراط. ذلك هو الاسم الذي يناديه به أبي. سقراط هو كلبنا، وهو من فصيلة ~~كلاب الرعي الإنجليزية القديمة - لا ينحدر من سلالة نقية - لكنه لطيف جدا، وهو متيم بي. ~~تقول أمي إنه يفهم أني عائدة للمنزل لكنه لا يعرف متى؛ لذا يذهب العجوز الأخرق لاستقبال كل ~~قطار يصل، ثم ما يلبث أن يعود منكسا ذيله، في تجسيد مثالي للاكتئاب. يتوق أبي وأمي لرؤية ~~فرحته الجمة في الليلة التي أصل بها بالفعل.» # تمتمت آيريس: «أود أن أراه.» # لم يحرك مشاعرها كلام رفيقتها عن فرحة والديها العجوزين، لكنها كانت تحب الكلاب ~~كثيرا. تخيلت بوضوح هيئة سقراط؛ كلب هجين له فراء كث كبير الحجم، وله هيئة مضحكة ~~للغاية، وعينان كهرمانيتان تلمعان تحت خصل شعره، يثب فرحا للقائها كجرو صغير. # فجأة، بترت الآنسة فروي حديثها عندما تذكرت أمرا. ~~«قبل أن أنسى، أريد أن أشرح لك لم لم أقف إلى جوارك في موقف فتح النافذة. لا عجب أنك ~~ظننت أنني لست إنجليزية حتما. لقد كانت المقصورة سيئة التهوية، لكني لم أتدخل احتراما ~~للبارونة.» ~~«أتعنين تلك المرأة المريعة التي ترتدي الأسود؟» ~~«أجل، تلك هي البارونة، فأنا مدينة لها. لقد وقع لبس حول مقعدي في القطار؛ فقد حجزت في ~~مقصورات الدرجة الثانية، لكن لم يتبق بها أي مقاعد شاغرة، فتحملت البارونة للطفها الجم ~~فارق الثمن كي أتمكن من السفر في مقصورتها بالدرجة الأولى. # تمتمت آيريس: «لكنها مع ذلك لا تبدو لي لطيفة.» ~~«ربما تكون مرهقة في المعاملات، لكنها تنتمي إلى عائلة نلت شرف العمل معلمة لديها. ليس ~~من الحكمة أن أذكر أسماء علنا، لكني عملت ms044 معلمة خاصة لدى أرقى عائلات البلدة؛ فتلك ~~المقاطعات المنعزلة لا تزال محكومة بالنظام الإقطاعي، وهي متأخرة عنا بقرون. لا يمكنك تصور ~~نفوذ ... نفوذ رب عملي السابق. ما يقوله ينفذ، دون أن يضطر لأن يتكلم حتى، بل يكفي أن ~~يومئ برأسه.» # تمتمت آيريس التي تكره السلطة: «يا له من أمر مهين!» # وافقتها الآنسة فروي قائلة: «هو كذلك حقا، لكنه سائد في الأجواء، وبعد مدة يعتاده المرء ~~ويصير خانعا. وهذا ليس من شيم الإنجليز. الآن وقد قابلتك، صرت أشعر بأني قوية. يجب أن نظل ~~معا.» # لم تقطع آيريس لها وعدا بذلك؛ فالحادث المفزع لم يغيرها تغييرا جذريا، بل وتر ~~أعصابها فحسب. كانت تتبنى ذلك الانحياز العصري لليافعين، كما أنها لا تنوي أن تظل ملازمة ~~لامرأة عانس في خريف عمرها لما تبقى من رحلتها. # سألتها بشرود: «هل ستعودين مرة أخرى؟» ~~«أجل، لكن ليس إلى القلعة. الأمر غريب بعض الشيء، لكني أردت أن أمضي اثني عشر شهرا ~~آخرين كي أتقن اللهجة؛ لذا قبلت بوظيفة تدريس لأبناء ... حسنا، لنسمه زعيم ~~المعارضة.» # خفضت صوتها حتى صار همسا. ~~«في الحقيقة، هناك جماعة شيوعية صغيرة لكنها تتوسع، معارضة لرب عملي السابق. في الواقع، ~~لقد وجهوا إليه اتهامات بالفساد والكثير من الفظائع الأخرى. أنا لا أشكك في صحة الأمر، ~~فذلك ليس من شأني؛ فأنا لا أعرف سوى أنه رجل مذهل، ذو شخصية جذابة رائعة. حسب صلة الدم ... ~~هل أطلعك على سر؟» # أومأت آيريس برأسها بوهن. كان الحر وأصوات القعقعة المتواصلة قد بدآ يشعرانها بالدوار، ~~ولم يعد إليها الشاي حيويتها؛ فقد انسكب معظمه في طبق فنجانها. كان المحرك يرتج صعودا ~~وهبوطا فوق القضبان المعدنية وكأنما يترنح، نافثا حلقات من الدخان الحار الذي كان يتدفق ~~من جوار نوافذه. # تابعت الآنسة فروي روايتها المتسلسلة، بينما استمعت لها آيريس باستسلام وضجر. ~~«كنت متشوقة جدا لأن أودع، أودع رب عملي، كي أطمئنه أن عملي لدى العدو - إن جاز ~~التعبير - ليس خيانة له. أخبرني خادمه وأمين سره أنه غادر إلى كوخ صيده، لكني شعرت بطريقة ms045 ~~ما أنهما يحاولان إثنائي عن مقابلته. على كل حال، ظللت مستلقية على سريري دون أن أنام حتى ~~الصباح الباكر، وقبل شروق الشمس، سمعت صوت مياه تتدفق في الحمام. وقد كان هو الحمام الوحيد ~~في القلعة يا عزيزتي فتصميمها بدائي، مع أن غرفة نومي كانت تشبه جناحا ملكيا كتلك التي ~~نراها على المسرح؛ فأثاثها كله مذهب ومصنوع من القماش المخملي بلون أزرق كريش الطاوس، ~~وبها مرآة كبيرة دائرية مثبتة في السقف. على أي حال، تسللت من غرفتي مثل فأر، فصادفته ~~في الممر. وقفنا رجلا عاديا أمام امرأة عادية. أنا في ثوبي المنزلي، وهو في رداء ~~الاستحمام، وشعره مبتل ومبعثر، لكنه كان يبدو ساحرا، بل إنه حتى صافحني وشكرني على ~~خدماتي.» # توقفت الآنسة فروي كي تدهن آخر قطعة خبز بالزبد، ثم تنهدت تنهيدة ارتياح سعيدة وهي ~~تمسح أصابعها اللزجة. # وقالت: «لا يسعني أن أخبرك كم شعرت بالارتياح لأني سأغادر تحت تلك الظروف الحسنة؛ فأنا ~~أحاول دائما أن أظل على وفاق مع الجميع. بالطبع، أنا لست بالشخص المهم، لكني بوسعي أن ~~أدعي صدقا أني لا أملك أي أعداء على الإطلاق في ذلك العالم.» # الفصل التاسع # | أبناء وطن واحد # قالت الآنسة فروي: «والآن، الأحرى بنا أن نعود إلى مقصورتنا لنفسح مكانا للآخرين.» ~~قدم النادل، الذي كان انتهازيا ويجيد الحكم على الأشخاص، الفاتورة لآيريس. لم تستطع ~~قراءة الأرقام المكتوبة بخط غير منتظم، فوضعت ورقة نقدية ونهضت من مقعدها. # سألتها الآنسة فروي: «ألن تنتظري باقي نقودك؟» # عندما قالت لها آيريس إنها ستتركها بقشيشا، شهقت. ~~«لكن ذلك مبلغ هائل جدا، كما أنهم يضيفون بالفعل نسبتهم على الفاتورة. أنا أدرى منك ~~بالعملة المحلية، فلم لا تدعيني أسوي حساب كل شيء؟ سأدون المدفوعات، ثم يمكننا أن نسوي ~~حسابنا في نهاية الرحلة.» # كانت تلك الواقعة دليلا جديدا على أن مربع الحماية براحة يدها يؤدي عمله بكفاءة. فمع ~~أنها تسافر وحيدة، ها قد ظهرت في طريقها مرافقة سياحية تتمتع بالكفاءة لتعرض عليها أن تتحمل ~~عنها جميع المسئوليات والمخاوف. # قالت في نفسها ms046 وهي تتبع الآنسة فروي في عربة المطعم المتأرجحة: «هي امرأة محترمة، مع أنها ~~مضجرة للغاية.» # لاحظت أن الأختين فلود-بورتر، اللتين لم تكونا قد انتهتا بعد من احتساء شايهما الفاخر، ~~لم تعبئا بها، بل نظرتا بإمعان إلى رفيقتها فحسب. # بدورها نظرت الآنسة فروي إلى الآنسة روز باهتمام صادق. ~~«هاتان السيدتان إنجليزيتان. هما تنتميان إلى طبقة إنجليزية في طريقها إلى الاندثار؛ طبقة ~~الأثرياء المهذبين الذين يسكنون بيوتا كبيرة ولا ينفقون دخلهم. أنا حزينة للغاية أنها ~~تندثر.» # سألتها آيريس: «لم؟» ~~«مع أني امرأة عاملة، أشعر أن الأشخاص اللطفاء المترفين يرمزون إلى العديد من الأمور ~~الجيدة؛ إلى التقاليد، وأعمال الخير، والمنزلة القومية. ربما لا ينظرون إلينا باعتبارنا ~~أندادا لهم في المقام، لكنهم يحرصون بحس العدالة لديهم على أن نحصل على حقوق ~~مساوية.» # لم تتكلم آيريس، مع أنها أقرت في نفسها أنه أثناء إقامتهم في الفندق، كانت الأختان ~~فلود-بورتر أكثر حرصا على الأرواح والممتلكات من أصدقائها. # بينما كانتا تقطعان رحلتهما الطويلة المهتزة خلال القطار، أدهشتها روح الآنسة فروي ~~اليافعة. # كانت ضحكتها تجلجل كلما اصطدمت بأحد الركاب الآخرين، أو أجبرتها انتفاضة من المحرك على ~~الإمساك بعمود. # بعد أن شقتا طريقهما إلى ممر أقل ازدحاما، أبطأت سيرها لتسترق النظر من نوافذ ~~المقصورات الخاصة. إحدى تلك المقصورات جذبت انتباهها لدرجة كبيرة، فدعت آيريس لأن تشاركها ~~ما تراه. # قالت تحثها: «تعالي ألقي نظرة. يوجد زوجان بهيان، يبدوان كنجمي أفلام تجسدا في ~~الواقع.» # كانت آيريس تشعر بالتعب الشديد، فلم تكن تأبه لأي شيء إلا إن كان حادث تصادم قطار، لكن ~~بينما كانت تمر من جانب الآنسة فروي، نظرت تلقائيا خلال النافذة لتجدهما الزوجين ~~الحديثين اللذين كانا ينزلان بالفندق. # حتى من خلال حدود الفتحة الضيقة، ظل الزوجان تودهانتر محافظين على أجواء الترف والانعزال ~~التي يعكسانها. كانت الزوجة ترتدي زي سفر فاخرا لا ترتديه سوى النجمات في مشاهد رحلاتهن ~~داخل استديوهات التصوير، وكانت حولها مجموعة كبيرة من الممتلكات الفخمة. # قالت الآنسة فروي بانبهار: «تصوري أنهما يتناولان فواكه الدفيئة مع الشاي؛ العنب ~~والنكتارين ms047 ... إنه يتطلع إليها بهيام شديد، لكني لا أرى إلا جانب وجهها، الذي يبدو كتمثال ~~جميل. أرجوك سيدتي أديري رأسك.» # تحققت أمنيتها؛ إذ صادف أن نظرت السيدة تودهانتر تجاه النافذة فور أن نطقت تلك العبارة. ~~قطبت جبينها عندما رأت الآنسة فروي، ثم قالت شيئا لزوجها الذي قام على الفور وأسدل ~~الستار. # مع أنها لم تشارك في الأمر، شعرت آيريس بالخجل من تلك الواقعة، لكن الآنسة فروي كانت ~~تتأجج حماسة. # قالت: «سيتعرف علي إن رآني مجددا. لقد نظر إلي وكأنما يريد أن يقتلني. وهذا أمر طبيعي؛ فأنا ~~أمثل له العالم الأرضي، الذي يريد أن ينساه، فهو الآن في الجنة. لا بد أن الوقوع في حب ~~شخص آخر أمر مدهش.» # علقت آيريس قائلة: «ربما لا يكونا متزوجين؛ إذ يمكن لأي شخص أن يشتري خاتم ~~زواج.» ~~«أتعنين أن حبهما آثم؟ يا للأسف! فهما يبدوان رائعين للغاية. أي اسم دونا في سجلات ~~الفندق؟» ~~«تودهانتر.» ~~«إذن، فهما متزوجان بالفعل. أنا سعيدة جدا لذلك. إن كانا في علاقة غير شرعية، كانا ~~سيسجلان باسم «براون» أو «سميث»، هذا ما يحدث دائما.» # بينما كانت آيريس تستمع لسيل الكلمات المندفع من خلفها، أربكها مجددا التناقض بين شخصية ~~الآنسة فروي ومظهرها. كانت أشبه بجنية غابات محبوسة داخل جسد عانس عجوز. # عندما بلغتا نهاية الممر، دفعها حدسها لا إراديا لأن تنظر إلى المقصورة التي ترقد ~~بداخلها الفتاة المصابة. لمحت الجسد المسجى والوجه المختبئ وراء الضمادات، ثم أشاحت ~~ببصرها قبل أن تلتقي عيناها بعيني الطبيب. # كانت عيناه تخيفانها؛ إذ تنمان عن قوة آسرة مهلكة. كانت تدرك أنهما لن تؤثرا بها في ~~الظروف العادية، لكنها الآن كانت قد بدأت تشعر بأن رأسها ثقيل وأنها غير حقيقية، وكأنها في ~~حلم تعاظم فيه كل شعور. # كانت تلك الحالة في الأغلب هي عرض ناتج عن ضربة الشمس التي تعرضت لها، وساهمت فيها ~~أيضا محاولتها أن تظل صامدة حتى تبلغ نهاية رحلتها حيث سيتسنى لها أن تنهار بأمان. كانت ~~توجه كل طاقتها نحو هدف واحد فقط، مستنفدة بذلك ms048 طاقتها. # ونتيجة لذلك كانت عرضة لتصور عداوات خيالية. عندما لمحت الوجوه المبهمة داخل ~~المقصورات المعتمة، تراجعت كارهة أن تدخلها. # لكنها تلقت دعما لم تتوقعه من الآنسة فروي، التي خمنت بحدسها عدم رغبتها في ~~الدخول. # فقالت هامسة: «دعينا لا نجلس صامتتين كأطفال الملاجئ أكثر من ذلك . حتى إن كنت مدينة ~~للبارونة، فسأذكر نفسي أن هؤلاء الأشخاص ليسوا سوى أجانب، وليس بوسعهم أن يؤثروا علينا؛ ~~فنحن إنجليزيتان.» # مع أن ذلك التذكير كان بمثابة وطنية تناقصت إلى الحد الأدنى من الجنجوية التطرفية، فإنها ~~شجعت آيريس على دخول المقصورة وقد استعادت شيئا من طيشها المعهود. نسيت الحذر، وأشعلت ~~سيجارة دون أن تنظر إلى الركاب الآخرين. # سألت آيريس الآنسة فروي: «هل سافرت كثيرا؟» # أجابتها بندم: «داخل أوروبا فحسب. لا تحب أمي أن أبتعد كثيرا عن أرض الوطن، لكنها تؤمن ~~أن الجيل الجديد يجب ألا يحرم حريته، لكني مع ذلك وعدتها أن أظل داخل حدود أوروبا، مع ~~أنني كلما مررت بالقرب من خط حدودي أود بشدة لو عبرته إلى آسيا.» ~~«هل أمك طاعنة في السن؟» ~~«كلا، بل هي بالأحرى فتاة يافعة في عمر الثمانين. هي امرأة مرحة تملك روح فتاة عصرية. أبي ~~يبلغ من العمر سبعة وسبعين عاما. لم يخبرها قط أنه أصغر منها، لكن سره انكشف عندما أحيل ~~للتقاعد من عمله في عمر الخامسة والستين. تضايقت أمي المسكينة للغاية عندما علمت بالأمر، ~~وقالت له: «لقد جعلتني أشعر كأنني عجوز استغلت شابا يافعا وتزوجت منه.» يا إلهي، لا ~~أصدق أني سأراهما مجددا عما قريب.» # راقبت آيريس الدخان المتصاعد من سيجارتها بينما كانت تستمع إليها. كانت أحيانا ترى وجها ~~صغيرا مبهما يتراقص خلال الدخان، مثل إرسال تلفاز مشوش. بدافع امتنانها للخدمات التي ~~قدمتها لها فيما سبق - والتي ستقدمها لها فيما سيأتي - حاولت أن تشعر بشيء من التقدير ~~تجاه الوالدين العجوزين، لكنها كانت تشعر بضجر شديد من تلك الملحمة الأسرية التي ترويها لها ~~رفيقتها. # علمت أن أباها رجل طويل ونحيل، ذو هيئة كلاسيكية، بينما أمها قصيرة ممتلئة القوام ms049 لكنها ~~وقورة الهيئة. على ما يبدو، يمتلك الأب حماسة وطاقة متقدتين؛ إذ بدأ يتعلم اللغة العبرية في ~~عمر يناهز السبعين. # قالت الآنسة فروي موضحة: «لقد وضع جدولا زمنيا مفصلا لكل شهر من حياته حتى يبلغ ~~التسعين. تلك هي النتيجة الحتمية لأن يكون المرء ناظر مدرسة . والآن، أمي تعشق بشدة ~~الروايات. الروايات الرومانسية، كما تعلمين. وهي تقطع مسافة كبيرة كل أسبوع بالحافلة كي ~~تبدل الكتاب الذي استعارته من المكتبة، لكنها لا تستطيع تخيل أحداثها على نحو صحيح إلا ~~إذا جعلتني أنا بطلتها.» # قالت آيريس: «أنا واثقة أنك حظيت بأوقات رائعة.» # كرهت الآنسة فروي تلك المحاولة للتلطف. # فقالت: «حظيت بأوقات رائعة ولا أزال. كان أبي قسا قبل أن يكون ناظر مدرسة، وكان رعاياه ~~دائما يطلبون يدي للزواج. أعتقد أن السبب في ذلك هو أني أملك شعرا مجعدا فاتح اللون، ~~وأني لا أزال أملك الحماسة والأمل في تحقيق ذلك المطلب الأزلي. أظل أذكر نفسي أن كل فتاة ~~صغيرة ولد لها فتى صغير، حتى إن لم نلتق بعد، فنحن نكبر معا، وإن قدر لنا اللقاء ~~فسنلتقي.» # فكرت آيريس بتشكك في الرجال الناضجين الذين يأبون الالتزام بالمواعيد، بينما كانت ~~تستمع لرفيقتها بحنق متزايد. كانت تريد أن تنعم بالسكون، لكن صوت الآنسة فروي ظل يتحدث على ~~نحو متواصل، مثل شريط فيلم سينمائي ناطق يكر. # لكن بعد فترة وجيزة، جذبت الآنسة فروي اهتمامها مرة أخرى عندما بدأت تتحدث عن ~~اللغات. # قالت: «أنا أتحدث عشر لغات، وفيها الإنجليزية. عندما يكون المرء في بلد أجنبي، في البداية ~~لا يفهم كلمة واحدة، ويشعر كأنه جرو ألقي في بحيرة، ثم يتخبط ويجاهد؛ لذا يكون مضطرا ~~ببساطة لأن يتعلم لغتها، إلا إن كان يريد أن يغرق. وبعد عام، يكون قد تمكن منها ~~كمتحدثيها الأصليين، لكني دائما أصر على البقاء لعام آخر، بدافع تحسين تعبيراتي ~~الاصطلاحية.» # قالت آيريس: «أنا أتوقع أن يتحدث إلى الأجانب بالإنجليزية.» ~~«ربما لا يفعلون في الأماكن النائية، وحينها قد يجد المرء نفسه في معضلة كبيرة. هل تودين ~~سماع قصة ms050 حقيقة؟» # دون أن تنتظر الآنسة فروي أي تشجيع من جانب آيريس، بدأت تروي قصة لم يكن القصد منها ~~التخفيف من حدة توتر آيريس. كانت القصة مبهمة للغاية ولم تفصح عن هوية أبطالها، لكن الشاهد ~~منها كان جليا. # شخصت امرأة معينة بالجنون، لكن بسبب لبس ما ، أخطأت عربة الإسعاف المنزل وأخذت عنوة ~~امرأة إنجليزية لا تفقه كلمة واحدة من لغة البلد، وليس لديها أدنى فكرة عن وجهتها. في خضم ~~انفعالها وهلعها عندما وجدت نفسها داخل مصحة نفسية خاصة، بدأت تتصرف باحتدام وعنف جعلهم ~~يعطونها عقاقير مهدئة في بداية الأمر. # عندما اكتشفوا الخطأ، خشي الطبيب - الذي كان شخصا معدوم الضمير - أن يقر به؛ فقد كان ~~حينها يمر بضائقة مالية، وخشي أن يدمر ذلك الخطأ سمعته؛ لذا نوى أن يبقي السيدة ~~الإنجليزية داخل المصحة لبعض الوقت ثم يفرج عنها بعد أن يقر بأنها شفيت رسميا. # قالت الآنسة فروي وهي تستدعي نبرة الأسى في صوتها: «لكنها لم تعلم أنها لن تظل حبيسة ~~المصحة مدى الحياة. كان ارتياعها من الموقف سيقودها على الأرجح إلى الجنون حقا، لولا أن ~~إحدى الممرضات كشفت خطة الطبيب بدافع الانتقام، لكن هل لك أن تتصوري ذلك الموقف العصيب ~~الذي وقعت فيه تلك السيدة الإنجليزية المسكينة؟ حبيسة، لا أحد يسأل عنها، أو حتى يلاحظ ~~اختفاءها، فهي مجرد سيدة أجنبية لا أصدقاء لها، تقضي ليلة في هذا النزل، وليلة في ذاك. لم ~~تكن تفهم كلمة واحدة، ولم يكن بإمكانها أن تشرح ...» # قاطعتها آيريس قائلة: «رجاء توقفي. أستطيع تخيل ذلك كله، وبوضوح، لكن هل تمانعين أن ~~نتوقف عن الكلام؟» ~~«بالطبع لا. هل أنت على ما يرام؟ يصعب أن أعرف يقينا، فقد لفحت الشمس وجهك، لكني أظن ~~أني رأيت وجهك يشحب مرة أو مرتين.» ~~«أنا بخير حال، شكرا لك! لكن رأسي يؤلمني قليلا؛ فقد أصبت بضربة شمس خفيفة.» ~~«ضربة شمس؟ متى؟» # كانت آيريس تعرف أنها مضطرة لإشباع فضول الآنسة فروي، فحكت لها باختصار عن النوبة التي ~~تعرضت لها. في أثناء ذلك، كنت تجول ببصرها ms051 داخل المقصورة. كان من الواضح من وجوه ركابها ~~التي خلت من التعبيرات أنهم جميعا لا يعرفون الإنجليزية، عدا واحدة. # لم تستطع آيريس أن تجزم بشأن البارونة. كان يرتسم على وجهها ذلك القدر الضئيل من الغباء ~~الذي يميز الحكام الذين يولدون في السلطة، لا أولئك الذين يصعدون إليها بحنكتهم، لكن كان ~~في عينيها بريق ذكاء فضح اهتمامها المستتر بقصة آيريس. # صاحت الآنسة فروي التي كانت تفيض عطفا: «يا لك من مسكينة! لم لم توقفيني عن الثرثرة من ~~قبل؟ سأعطيك حبة أسبرين.» # مع أن آيريس كانت تكره أن تثير ضجة، شعرت بالارتياح عندما استطاعت أن تسترخي في مقعدها ~~بينما تفتش الآنسة فروي في محتويات حقيبتها. # قالت بحسم: «أظن أنه من الأفضل ألا تتناولي عشاءك في عربة المطعم. سأحضر لك بعض الطعام ~~إلى هنا فيما بعد. والآن، تناولي تلك الأقراص، وحاولي أن تنامي قليلا.» # حتى بعد أن أغمضت آيريس عينيها، كانت تسمع الآنسة فروي لا تزال تحوم حولها، مثل طائر صغير ~~يحرس عشه. # منحها ذلك شعورا غريبا بالأمان، وكانت المقصورة دافئة فما لبثت أن شعرت بنعاس ~~لذيذ. # بينما أخذ مفعول الدواء يظهر، بدأت أفكارها تتشوش، فيما ظلت رأسها ترتج للأمام. وما ~~لبثت أن فقدت حسها بالمكان، فشعرت كأنها تنطلق إلى الأمام مع حركة القطار وكأنها تمتطي ~~حصانا. وأحيانا كانت تشعر أنها تقفز من فوق حاجز، عندما كان مقعدها ينسحب من تحتها ~~ليتركها معلقة في الهواء. # كلاكنكتي-كلانكتي-كلانك. ظل الصوت متواصلا، وظلت هي تتحرك بثبات لأعلى. ~~كلاكنكتي-كلانكتي-كلانك. ثم تغير إيقاع صوت القطار، فشعرت كأنها تنزلق في مسار منحدر ~~عكسيا. كليك-كليك-كليك-كليك. كانت العجلات تقعقع فوق القضبان، محدثة صوتا كصوت ~~الصنوج. # وكانت تغيب أكثر فأكثر، بينما أخذت المقصورة ترتج مثل محرك طائرة. كانت تحملها بعيدا - ~~وتدفعها إلى خارج المقصورة - نحو حافة هاوية. # فجأة، استيقظت فاتحة عينيها. كان قلبها ينبض بسرعة، وكأنها سقطت من مكان مرتفع. في ~~البداية تساءلت أين هي؛ ثم عندما بدأت تتعرف على محيطها تدريجيا، وجدت أنها تحدق ~~بالبارونة. # شعرت بارتباك طفيف، فأشاحت بوجهها عنها ms052 بسرعة، ونقلت بصرها إلى المقعد المجاور. # لدهشتها، كان مقعد الآنسة فروي خاويا. # الفصل العاشر # | المقعد الخاوي # كانت آيريس سعيدة للغاية لغياب الآنسة فروي؛ فقد أربكتها قيلولتها بدلا من أن تعينها ~~على استعادة حيويتها، وشعرت أنها لن تطيق حلقة أخرى من مسلسل تاريخ الأسرة. كانت تريد أن ~~تحظى بالسكينة. وبينما كان من المستحيل أن تنعم بالهدوء وسط هدير القطار وزئيره، كانت ترى ~~أنها تستحق أن تحظى على الأقل بالخصوصية. # نظرت إلى الركاب الآخرين، فرأت أنها في مأمن من خطر أن يحاول أحدهم التواصل معها، فلم ~~يعرها أي منهم انتباها. كانت البارونة نائمة في مقعدها، بينما جلس الركاب الآخرون في صمت ~~دون حراك. داخل المقصورة، كانت الأجواء دافئة ومكتومة. # لقد سكنت تلك الأجواء آيريس وجعلتها في حالة من النعاس الهادئ. شعرت بتبلد في المشاعر ~~والفكر، وكأنما دخلت في شبه غشية فصارت عاجزة عن تحريك أناملها، أو نطق كلمتين متتابعتين. ~~رفرفت رقع من مناظر طبيعية خضراء بجوار النافذة، كسرب من الطيور ذات اللون الزمردي. ~~كانت أنفاس البارونة الثقيلة تعلو وتنخفض بانتظام مثل المد والجزر. # خشيت آيريس نوعا ما عودة الآنسة فروي، التي ستكسر حتما تعويذة السبات تلك. كانت تترقب ~~في أي لحظة سماع وقع خطواتها السريعة في الممر. على الأرجح ذهبت كي تغسل وجهها، وبسبب ~~الازدحام، اضطرت لأن تتنظر حتى يحين دورها. # آملة خيرا، أغلقت آيريس عينيها مجددا. في البداية كانت تتوجس خيفة عندما تسمع أي شخص ~~يمر بجوار نافذة المقصورة، لكن مع كل إنذار خاطئ كان شعورها بالأمان يزداد. لم تعد ~~الآنسة فروي تمثل لها تهديدا، وصارت مجرد اسم، وعاد أبواها الثمانينيان إلى مكانهما ~~الصحيح داخل ألبوم صور فوتوغرافية قديم، حتى سقراط - الكلب الهجين الغبي كثيف الشعر، الذي ~~كانت آيريس قد بدأت تحبه - صار مجرد ذكرى محببة. # كلاكنكتي-كلانكتي-كلانك. تعالى صوت الأنفاس حتى صار كصوت بحر هائج ترتطم أمواجه بالصخور. ~~كان صوت هدير القطار يطغى عليه، لكنه كان يعلو متماشيا مع إيقاع ضجيج المحرك. ~~كلاكنكتي-كلانكتي-كلانك. # فجأة، علا صوت غطيط البارونة حتى صار كنهيم ms053 الفيل، فاستيقظت آيريس مجفلة. اعتدلت في ~~مقعدها، يسيطر عليها واجس من الخوف وقد تيقظت جميع حواسها. أيقظت الصدمة حاسة سابعة ~~جعلتها تتنبأ بكارثة عندما نقلت بصرها بسرعة إلى مقعد الآنسة فروي. # كان لا يزال خاويا. # اندهشت من غصة الإحباط التي شعرت بها؛ فمنذ وقت ليس بطويل، كانت تأمل أن تتأخر عودة ~~الآنسة فروي، لكنها الآن بدأت تشعر بالوحدة وتتوق للترحيب بها. # أقرت في نفسها: «أتوقع أنني سألعن وجودها قريبا جدا، لكن على كل حال هي بشر.» # نظرت إلى الشقراء الحسناء التي كانت قد بدأت تذكرها بتمثال من الشمع في واجهة محل. لم ~~تكن ثمة خصلة واحدة من شعرها المموج المبسوط ذي اللون الذهبي كالشهد شاردة، حتى عيناها ~~كان لهما شفافية الشمع الأزرق. # أصابها التباين بينها وبين حيوية العانس ضئيلة الجسد بالقشعريرة، فنظرت إلى ساعتها. كان ~~الوقت متأخرا فعلمت أنها غفت لوقت أطول مما توقعت، وشعرت أيضا بالقلق تجاه غياب الآنسة ~~فروي الطويل. # قالت في نفسها: «لقد غابت لوقت يكفي للاستحمام. آمل ... آمل ألا يكون قد أصابها ~~مكروه.» # كانت تلك الفكرة مزعجة لدرجة اضطرتها لأن تبذل كل ذرة من المنطق كي تطردها من ~~ذهنها. # قالت في نفسها: «تلك فكرة سخيفة، فما الذي يمكن أن يحدث لها؟ الليل لم يحل بعد لأظن ~~أنها فتحت بابا على سبيل الخطأ فسقطت من القطار في جنح الظلام، كما أنها مسافرة محنكة - ~~لا حمقاء عاجزة مثلي - وتتقن لغات عدة.» # تراقصت ابتسامة على شفتيها وهي تتذكر إحدى مواطن الثقة بالنفس لدى العانس ضئيلة ~~الجسد. ~~«تمنحني اللغات إحساسا بالقوة. إن حدثت أزمة ما في مقصورة قطار، ولم يكن ثمة مترجمون ~~فوريون، فبمقدوري أن أتقدم لأسد تلك الثغرة، وأغير مسار العالم.» # كانت تلك الذكرى بمثابة أحد التفسيرات المحتملة لمقعد الآنسة فروي الخاوي. هي على الأرجح ~~تشبع غريزتها الاجتماعية بالحديث مع الغرباء الودودين؛ فهي لا يفصلها عنهم حاجز اللغة، كما ~~أنها كانت مفعمة بروح الإجازة، وكانت تريد أن تخبر الجميع أنها عائدة إلى الوطن. # قالت آيريس مقررة: «سأمنحها نصف ساعة ms054 أخرى. هي حتما لن تغيب أكثر من ذلك.» # عندما نظرت من النافذة، ملأت السماء الملبدة بالغيوم قبيل الغروب نفسها بالكآبة. كان ~~القطار ينزل تدريجيا من فوق أراض مرتفعة، وكان الآن يقطع واديا أخضر مشجرا . كانت أزهار ~~الزعفران البنفسجية تبرز لأعلى وسط المراعي الكثيفة التي غمقت الرطوبة لونها. كان المشهد ~~خريفيا بحق، فجعلها تدرك أن الصيف ولى. # مر الوقت بسرعة شديدة؛ لأنها كانت تخشى انقضاء المهلة التي حددتها. إن لم تعد الآنسة ~~فروي فستضطر لاتخاذ قرار ما، وهي لا تدري ما الذي يجب عليها أن تفعله. ذكرت نفسها أن ~~الأمر لا يعنيها على الإطلاق بالطبع، لكن قلقها ظل يتزايد مع كل خمس دقائق تنقضي من مهلتها ~~التي تمر سريعا. # في تلك الأثناء، كان هناك حركة بين الركاب الآخرين. بدأت الفتاة الصغيرة تتذمر على نحو ~~مثير للأعصاب، بينما كان الأب يحاول أن يتفاهم معها بالمنطق. خمنت آيريس أنها تشكو قلة ~~النوم، وأنه نجح في إقناعها بأن تغفو قليلا، عندما رأت تحضيرات الأم كي تحافظ على مظهرها ~~المهندم أثناء ذلك. # بعد أن نزعت حزامها الأسود اللامع، وياقتها المصنوعة من قماش الأورغاندي، أخرجت شبكة ~~ووضعتها بعناية فوق شعرها المموج. ظهر على الشقراء الحسناء بوادر الحياة لأول مرة وهي ~~تراقب تلك العملية، لكن اهتمامها ما لبث أن خبا عندما نزعت الأم حذاء ابنتها ذا الإبزيم ~~وألبستها خفا منزليا رثا. # وأخيرا، أشارت إلى مقعد الآنسة فروي الخاوي. # شعرت آيريس بفورة غضب لا تتناسب مع الموقف عندما رأت الفتاة الصغيرة تجلس في مقعد العانس. ~~تمنت لو أنها استطاعت أن تعترض بالإشارات، لكنها كانت تخشى على صورتها أمام الناس فلم تشأ ~~أن تجعل من نفسها أضحوكة. # قالت في نفسها: «عندما تعود الآنسة فروي، ستطردها على الفور من مقعدها.» # لكن عندما أمعنت التفكير، صارت غير واثقة من أنها ستتصرف بذلك الحزم؛ فعندما تذكرت روح ~~الود التي كانت تقابل بها الآنسة فروي الجميع، شعرت أنها لا بد أن تكون قد بنت بالفعل ~~علاقة متفهمة ودودة مع باقي الركاب. # كانت الفتاة ms055 الصغيرة ناعسة لدرجة أنها أغمضت عينيها فور أن تكومت في المقعد. نظر ~~والداها أحدهما إلى الآخر وابتسما. جذبا انتباه الشقراء الحسناء، فحيتهما برأسها في ~~استحسان متأدب. وحدها آيريس ظلت خارج الدائرة. # لما كانت هي الدخيلة الفعلية بينهم، كانت تعلم أنهم منحازون ضدها بإجحاف، لكنها كرهت أن ~~تراهم يحتلون مقعد الآنسة فروي بذلك الهدوء. بدا لها أن الركاب الآخرين يستغلون فرصة ~~غيابها؛ إذ لن تستطيع أن تحمل طفلة نائمة على ترك المقعد. # أو ربما حتى كانوا يتصرفون بناء على معلومة سرية وردتهم. # إذ كانوا يتصرفون كأنما يعلمون يقينا أنها لن تعود. هلعت آيريس عندما نظرت إلى ساعتها ~~فوجدت أن نصف الساعة قد انقضى. # كان مرورها يبدو جليا خارج النافذة؛ إذ أظلمت السماء الملبدة بالغيوم أكثر، وبدأت ~~بوادر رقع السديم تتجمع في أرجاء الحقول الخضراء الزاهية. وبدلا من أزهار الزعفران، رأت ~~نوعا من الكمأة أو الفطر الشاحب المنبثق من الأرض. # تسللت إليها كآبة ضوء الغسق، فبدأت تشتاق إلى الرفقة. كانت تريد أن تسمع أصواتا وضحكات ~~وترى أضواء مبهجة؛ لكن مع أنها كانت تشعر بشيء من الحنين لزمرتها، فإنها كانت تشتاق أكثر ~~لرؤية وجه الآنسة فروي الصغير الذي تملؤه الخطوط وسماع صوتها العالي المندفع. # والآن وقد رحلت، بدت لها مبهمة كحلم. لم تستطع آيريس أن تستحضر في ذهنها صورة واضحة لها، ~~ولم تفهم لم تركت ذلك الفراغ. # تساءلت: «ترى كيف كانت؟» # صادف أن نظرت في تلك اللحظة إلى رف الحقائب. لدهشتها، رأت أن حقيبة الآنسة فروي لم تعد ~~موجودة. # رغم المنطق، بدأت أعصابها تختلج لذلك التطور الجديد؛ فبينما كانت تقنع نفسها أنه من ~~الواضح أن الآنسة فروي انتقلت لمقصورة أخرى، لم تكن الملابسات تشير إلى ذلك. فبداية، القطار ~~مكتظ للغاية، وسيكون من الصعب أن تجد مكانا شاغرا غير محجوز. # على الجانب الآخر، ذكرت الآنسة فروي شيئا حول حدوث لبس حول مقعدها. كان يحتمل أن يكون قد ~~اتضح لها في نهاية المطاف أنه متوفر. # قالت آيريس بحسم: «كلا، لقد دفعت البارونة بالفعل فرق الثمن ms056 كي تسافر على الدرجة الأولى، ~~وأنا واثقة من أنها لن تتركني دون أي توضيح؛ فقد قالت إنها ستحضر لي وجبة العشاء، كما أني ~~أدين لها بثمن الشاي. ببساطة يجب أن أجدها.» # نظرت إلى الركاب الآخرين، الذين ربما يحملون مفتاح ذلك اللغز. كانت الآن مشتتة الذهن ~~لدرجة أنها لم تعد تعبأ بالمظاهر، وبذلت محاولة في التواصل معهم. كانت تشعر أن كلمة ~~«إنجليزية» هي الكلمة التي ستنير عتمتهم. # فسألت بالألمانية: ~~“Wo ist die dame English?” # هزوا رءوسهم وأكتافهم تعبيرا عن عدم الفهم؛ لذا حاولت مرة ثانية بالفرنسية. # سألت قائلة: ~~“Où est la dame English?” # لم ترتسم على وجوههم أي أمارات للفهم، فتحدثت إليهم بلغتها الإنجليزية. # سألت قائلة: «أين السيدة الإنجليزية؟» # لكن محاولاتها ذهبت سدى؛ فلم تكن هي قادرة على الوصول إليهم، ولم يظهروا هم أي رغبة في ~~التواصل معها. فيما كانوا يحدقون بها، اقشعر بدنها من نظراتهم اللامبالية؛ إذ شعرت كأن ~~حدود واجبات البشر المتحضرين تجاه بني جنسهم لم تعد تشملها. # فجأة تمكن منها اليأس، فأشارت إلى مقعد الآنسة فروي ثم رفعت حاجبيها على نحو مبالغ فيه ~~كناية عن الاستفسار. تلك المرة، نجحت في أن تستثير قدرا من المشاعر؛ فقد تبادل الرجل ~~وزوجته نظرات مبتهجة، بينما برمت الشقراء شفتيها امتعاضا؛ ثم، وكأنما استشعرت حدوث أمر ~~مسل، فتحت الفتاة الصغيرة عينيها السوداوين، وبدأت تضحك ضحكات مكتومة ما لبثت أن قمعتها ~~نظرة تحذيرية من أبيها. # آلمها استهزاؤهم بها، فنظرت إليهم بحنق بينما دنت من البارونة وهزت ذراعها قائلة ~~باستجداء: ~~«هلا استيقظت رجاء؟» # سمعت صيحة اندهاش مكتومة من الركاب الآخرين، وكأنما انتهكت حرمة أحد المقدسات، لكنها كانت ~~منفعلة للغاية، فلم يخطر لها أن تعتذر عندما فتحت البارونة جفنيها وحدقت بها باستياء ~~مهيب. # سألت آيريس: «أين الآنسة فروي؟» # رددت البارونة: «الآنسة فروي؟ أنا لا أعرف أحدا يحمل ذلك الاسم.» # أشارت آيريس إلى المقعد الذي تجلس فيه الفتاة الصغيرة. # وقالت: «لقد كانت تجلس هنا.» # هزت البارونة رأسها. ~~«أنت مخطئة. لم تجلس أي امرأة إنجليزية في ذلك المقعد.» ms057 # بدأ رأس آيريس يدور، وقالت بإصرار: ~~«لكنها كانت تجلس هنا بالفعل. لقد تحدثت معها، وذهبت لاحتساء الشاي برفقتها. أنت حتما ~~تتذكرين ذلك.» # تحدثت البارونة بنبرة تأكيدية بطيئة. «لم يحدث شيء لأتذكره. أنا لا أفهم ما تعنينه على ~~الإطلاق. أؤكد لك أنه لم تكن هناك أي سيدة إنجليزية في تلك المقصورة في أي وقت من الأوقات، ~~سواك. أنت السيدة الإنجليزية الوحيدة هنا.» # الفصل الحادي عشر # | إبرة في كومة قش # همت آيريس بالحديث لكنها أطبقت فمها مجددا. إذ انتابها شعور عاجز بأن ثمة صوتا يصم ~~الآذان أخذ يصيح بها لإسكاتها؛ فقد أعطت البارونة تصريحا تناقض بشدة مع شهادة حواسها، لكنه ~~كان مدعوما بقوة نفوذها الطاغي. # بينما كانت تنظر بثبات إلى عيني الفتاة في تحد لإنكارها، أمعنت آيريس بدورها النظر إلى ~~التجاعيد العميقة التي تمتد من أنفها وحتى ذقنها العريض المكابر. كانت شفتاها ملتويتين في ~~عبوس ذكرها بقناع ميلبوميني إلهة إلهام المسرح المأساوي. # أدركت أنه لا فائدة من مواصلة الاحتجاج؛ فالبارونة ستبذل ما بوسعها لإحباط أي محاولة ~~للمعارضة. لم يكن أمامها سوى أن تهز كتفيها اعترافا بهزيمتها واستعلاء على مواصلة ~~الجدال. # كانت رباطة الجأش البادية عليها مجرد تمويه؛ إذ شعرت في داخلها بالارتباك البالغ وهي ~~تسترخي في مقعدها. كانت بالكاد ترى لقطات من مشهد الغسق الذي يعرض خارج النافذة، أو الركاب ~~الآخرين. ظهرت فجأة من وسط الظلال قرية، ما لبث الظلام أن ابتلعها. رأت في لمحة خاطفة ~~مجموعة أسقف داكنة ونهرا صغيرا بدا كلطخة بيضاء يمر من تحت جسر مسقوف. # في اللحظة التالية، اختفى برج الكنيسة والبيوت الخشبية وراءهم بينما انطلق القطار السريع ~~في طريقه إلى إنجلترا. كان يترنح ويصر في تناغم مع أفكار آيريس. ~~«لا وجود للآنسة فروي؟ غير معقول. تلك المرأة مجنونة حتما. هل تظنني خرقاء؟ لم تقول ~~ذلك؟ لم؟» # كان عدم وجود دافع هو أكثر ما يؤرقها؛ فالآنسة فروى شخصية ودودة غير مؤذية؛ لذا لا يوجد ~~ما يدعو أحدا لإسكاتها، وقد كانت على علاقة طيبة بالجميع. # لكن تظل حقيقة اختفائها ms058 قائمة، فآيريس قد صارت الآن متأكدة من أنها لن تعود إلى المقصورة. ~~وفي نوبة مفاجئة من الانفعال، هبت واقفة. # قالت مجادلة: «هي حتما في مكان ما على متن القطار. سأعثر عليها.» # لم تقر بذلك لنفسها، لكن ثقتها كانت مشوبة بصعوبة إيجاد سبب لغياب الآنسة فروي. كانت ~~قد اكتنفت آيريس برعايتها؛ لذا فإن انسحابها بغتة ودون رجعة هكذا لا يتسق إطلاقا مع ~~شخصيتها الودودة الفضولية. # تساءلت: «هل تظن أنني مصابة بمرض معد؟ ففي نهاية المطاف، هي تتوق بشدة للعودة إلى ~~والديها العجوزين وكلبها، ولا تود أن تخاطر بحدوث ما يعيق ذلك؛ لذا بطبيعة الحال، ~~ستضحي برفقتي.» # كان سيرها في ممرات القطار تجربة مريرة للغاية. كان صعبا بالفعل حينما كانت الآنسة فروي ~~تلعب دور القاطرة وتخلي الطريق لها. أما الآن وقد مل الركاب الجلوس داخل المقصورات ~~المكتظة وبدءوا يخرجون منها للتمشي أو التدخين، صار الممر يعج بالركاب كما يعج البطيخ ~~باللب. # لم تعرف آيريس كيف تطلب منهم أن يفسحوا لها الطريق، ولم تحب أن تتزاحم معهم. علاوة على ~~ذلك، لم يفت على بعض الرجال ملاحظة جمالها. كل مرة ينعطف القطار، كانت تندفع فترتطم برجل ~~غريب متربص، كان يظن عادة أنها تحاول التودد إليه. # رغم حنقها المتزايد، كان الشعور المسيطر عليها هو عدم الجدوى. لم يكن لديها أي أمل في ~~إيجاد الآنسة فروي وسط تلك الفوضى. في كل مقصورة تمر بها وتسترق النظر عبر نافذتها، كانت ~~ترى الوجوه المبهمة نفسها. # ولأن الحمى كانت قد بدأت تتملك منها، بدت لها تلك الوجوه مطموسة ومشوشة وكأنما تراها في ~~كابوس. شعرت بالارتياح عندما رأت القس وزوجته داخل إحدى المقصورات بينما كانت قد شقت ~~طريقها في القطار أثناء بحثها غير المجدي. # كانا يجلسان متقابلين. كانت عينا السيد بارنز مغمضتين ووجهه متجهما. رغم أن الشمس لفحت ~~بشرته، كان من الواضح أنه ليس على ما يرام، وأنه يبذل قصارى جهده كي يصارع أعراض ~~الدوار. # وكانت زوجته تراقبه باهتمام يشوبه الإرهاق. حمل وجهها الشاحب أمارات الأسى، وكأنما ~~تشاطره كل وخزة ms059 ألم في مخيلتها. # لم تبتسم لآيريس عندما دلفت بصعوبة إلى المقصورة وتحدثت إليها. ~~«آسفة على إزعاجك، لكني أبحث عن صديقتي.» ~~«حقا؟» # حمل صوت السيدة بارنز نبرة الابتهاج المتكلف المعهودة، لكن عينيها كانتا ~~حزينتين. # قالت آيريس مشجعة: «هل تتذكرينها؟ لقد أرسلت إليكما النادل بالشاي.» # دبت الحياة في القس. # قال: «لقد كان ذلك لطفا منها. هلا بلغتها شكري الخاص؟» # قالت آيريس واعدة إياه: «سأفعل عندما أجدها. لقد غادرت المقصورة منذ مدة، ولم ~~تعد.» # قالت السيدة بارنز: «أنا لم ألمحها تعبر من أمام النافذة. ربما ذهبت كي تغسل وجهها. على ~~أي حال، لا يحتمل أن تكون قد ضلت الطريق.» # لاحظت آيريس أن تركيزها منصب على زوجها، وأنها ليست مهتمة بامرأة غريبة مجهولة. # قال القس بشهامة، وهو يجاهد للوقوف على قدميه: «هل تودين أن أبحث عنها بدلا ~~عنك؟» # جاء صوت زوجته حادا. «قطعا لا. لا تكن سخيفا يا كينيث؛ فأنت لا تعرف حتى كيف ~~تبدو.» ~~«هذا صحيح. سأعيقك أكثر مما سأساعدك.» # جلس القس في مقعده مرة أخرى ممتنا، ونظر إلى آيريس بابتسامة مصطنعة وسألها: ~~«أليس أمرا مخجلا أن يكون المرء مسافرا مثيرا للشفقة إلى ذلك الحد؟» # قالت زوجته ناصحة: «إن كنت مكانك، لكففت عن الحديث.» # فهمت آيريس التلميح وخرجت من المقصورة. كانت هي أيضا ترى أن الوعكة الصحية التي يمر ~~بها القس نكبة كبيرة؛ فهي تراه رجلا غير ذي مبادئ رفيعة فحسب، بل كانت واثقة أيضا أنه ~~يمتلك قدرة على التخيل وعلى التعاطف مع الغير، لكنها مع ذلك لا تستطيع أن تطلب منه المساعدة ~~لأن الطبيعة أقعدته. # بدأت تخشى أنها ستفشل في مسعاها، فاشتد إصرارها على إيجاد الآنسة فروي، فستقع على ~~عاتقها مسئولية ثقيلة إن فشلت. # فمن بين ركاب القطار جميعا، كانت هي الوحيدة التي تشعر بغياب الراكبة المفقودة. # أخافتها فكرة إيقاظ هؤلاء الغرباء الفظين من تبلدهم. أخذ الركاب الآخرون الذين ~~يتزاحمون للمرور من جوارها يرتطمون بها، حينها شعرت أنها تمقتهم جميعا. في خضم إنهاكها، لم ~~تدرك أن أولئك الأشخاص ربما سيشعرون بالأمر نفسه ms060 إن وجدوا أنفسهم فجأة داخل قطار أنفاق ~~مزدحم بلندن أو نيويورك، يزاحمهم بالمناكب غرباء غير عابئين. # عندما بلغت الجزء المحجوز من القطار، كانت الستائر لا تزال مسدلة على نافذة الزوجين ~~تودهانتر، لكنها لمحت الأختين فلود-بورتر داخل إحدى المقصورات الخاصة. كانتا تجلسان على ~~جانبي المقصورة الصغيرة وقد بسطت كل منهما ساقيها على مقعدها. كانت الأخت الأكبر سنا ~~ترتدي نظارة ذات إطار قرني، وتطالع أحد كتب مطبعة «توشنيتز»، بينما كانت الآنسة روز تدخن ~~سيجارة. # بدا عليهما الرضا البالغ بالحياة، ورغم طيبتهما كان وقوف الآخرين في الممرات يعزز كثيرا ~~من تقديرهما لترفهما. # قالت آيريس في نفسها بأسى: «مغرورتان!» # كانتا تجعلانها تدرك مكانتها. ذكرت نفسها أنها أيضا كان يفترض أن تجلس في إحدى تلك ~~المقصورات المحجوزة، لا أن تزاحم الآخرين كي تقتحم خصوصية أشخاص غرباء. # تساءلت عندما التقت عيناها بعيني السيدتين: «لم أصبر على ذلك؟» كانت نظرة الآنسة روز ~~أكثر فتورا بدرجة محسوسة، وكأنما تتدرب على تجاهلها تدريجيا تمهيدا للتظاهر بعدم ~~معرفتها في محطة فيكتوريا. # أخيرا فرغت من تفتيش القطار بالكامل عدا عربة المطعم. والآن بعد أن انتهى وقت الشاي، كان ~~يحتلها أولئك الراغبون في احتساء مشروب أو التدخين في سكون. # ظلت آيريس واقفة عند الباب كي تتأكد من أن الآنسة فروي ليست بالداخل تبحث عن توأم روحها ~~الذي تحدثت عنه، وبينما هي كذلك لمس شاب متطلع ذراعها. قال شيئا لم تفهمه، لكنها ~~ترجمته إلى دعوة لاحتساء مشروب منعش، ثم رمقها بنظرة خبيثة. # أثار تصرفه الفظ غضبها فصدته، وكانت على وشك المغادرة عندما ميزت أذناها وسط صخب ~~أصوات الرجال الحروف المتحركة المميزة للكنة الأكسفوردية. # كانت تحاول أن تتبين مصدرها عندما لمحت الطبيب ذا الذقن المدبب. ذكرها رأسه الأصلع ~~المدبب وهو يظهر من وراء غمامة الدخان بقمر يسطع من وراء السحب. كان وجهه شاحبا ذا عظام ~~بارزة، وكانت عيناه تظهر متضخمتين من وراء نظارته السميكة. # بينما كان الحاضرون يرمقونها بنظرة غير عابئة، شعرت أنهم يصنفونها ضمن فئة معينة من ~~النساء. # وفجأة - ودون أي سبب - تذكرت ms061 الطبيب الذي ذكرته الآنسة فروي في قصتها المرعبة. # الفصل الثاني عشر # | الشهود # كانت آيريس تعي أنها جذبت اهتمام الموجودين، إلا أن قلقها الشديد جعلها لا تبالي بذلك. ~~رفعت صوتها وسألت سؤالا عاما. ~~«رجاء، هل منكم من يتحدث الإنجليزية هنا؟» # دفع منظر الفتاة الجميلة الواقعة في مأزق شابا لأن يهب واقفا. كان مظهره غير مهندم، ~~وله وجه عادي ودود، وعينان عسليتان جريئتان. # سألها سريعا: «هل يمكنني المساعدة؟» # كان صوته مألوفا لآيريس؛ فقد سمعته في محطة القطار قبل أن تصيبها ضربة الشمس مباشرة. ~~كان ذلك هو الشاب الذي عارض نظام المحاكمة بواسطة هيئة محلفين. كان مظهره كما تخيلت ~~بالضبط، حتى إنه كان له شعر نافر غير مشذب، من النوع الذي يستجيب للتصفيف مثل كلب مدرب، ~~لكنه ما يلبث أن يتنافر مرة أخرى فور أن تغادره الفرشاة. # في ظروف أخرى، كانت لتنجذب له غريزيا، لكن في خضم تلك الأزمة، شعرت أنه يفتقر إلى ~~الرزانة. # قالت في نفسها بسرعة: «يبدو من النوع الذي يغازل الساقيات، ويعامل شرطيي المرور ~~بوقاحة.» # قال الشاب: «حسنا؟» # راعها أن اكتشفت أنه يصعب عليها التحكم في صوتها أو لملمة شتات أفكارها عندما حاولت أن ~~تشرح له الوضع. # قالت بصوت مرتعش: «الأمر كله معقد للغاية. أنا واقعة في مأزق، لكنه على الأقل لا يتعلق ~~بي، لكني واثقة أن هناك خطأ مريعا وقع، كما أني لا أعرف كلمة واحدة من تلك اللغة ~~البائسة.» # قال الشاب مشجعا: «لا بأس، فأنا أتحدث اللغة. فقط أطلعيني على المشكلة.» # بينما ترددت آيريس، إذ لم تكن واثقة في اختيارها لمنقذها، نهض رجل طويل نحيل من كرسيه ~~على مضض، وكأن الشهامة واجب تستثقله نفسه. في تلك الحالة، لم يكن مظهره الأكاديمي خادعا؛ ~~ففور أن تحدث تعرفت آيريس على صوت بروفيسور اللغات الحديثة. # سألها بأسلوب رسمي: «هل تقبلين بخدماتي مترجما فوريا؟» # تدخل الشاب قائلا: «هو لن يفيد بشيء، فهو لا يعرف سوى قواعد اللغة. أما أنا فأعرف كيف ~~أسب باللغة المحلية، وربما احتجنا لاستخدام بعض الألفاظ النابية.» # كتمت آيريس ms062 ضحكتها؛ إذ أدركت أنها على شفا نوبة هيستيرية. # قالت للبروفيسور: «لقد اختفت سيدة إنجليزية من على متن القطار. هي حقيقية، لكن البارونة ~~تدعي ...» # خانها صوتها فجأة عندما لاحظت أن الطبيب ينظر إليها باهتمام بالغ، كما أن نظرة ~~البروفيسور الباردة ذكرتها بأنها تجعل من نفسها أضحوكة. # سألها: «هلا جمعت رباطة جأشك وتحدثت بكلام مترابط؟» # كان لنبرة الفتور في صوته وقع شراب مقو؛ فقد منحها القدر الكافي من القوة لأن تختصر ~~شرح الموقف الفعلي أمامهم في كلمات وجيزة. تلك المرة، حرصت على ألا تشير إلى البارونة، بل ~~اقتصرت في حديثها على عدم عودة الآنسة فروي إلى المقصورة، ثم تنفست الصعداء إذ بدا أن ~~البروفيسور مبهور من كلامها؛ فقد داعب ذقنه الطويل مفكرا بجدية. # سألها: «هل قلت إنها سيدة إنجليزية؟» # أجابته آيريس بحماسة: «أجل، الآنسة فروي. هي تعمل معلمة خاصة.» ~~«امم، أجل. هل أنت واثقة تمام الثقة أنها ليست في أي مكان على متن القطار؟» ~~«أجل واثقة. لقد بحثت في كل مكان.» ~~«امم. هي على الأرجح لم تكن لتترك مقعدها المحجوز إلا لسبب وجيه. متى غادرت المقصورة ~~بالضبط؟» ~~«لا أعلم. لقد كنت نائمة، وعندما استيقظت لم أجدها.» ~~«إذن الخطوة الأولى هي استجواب الركاب الآخرين. إن لم تكن السيدة قد عادت حتى الآن، فقد ~~أفكر في استدعاء الحرس وطلب إجراء تفتيش رسمي للقطار.» # غمز الشاب بعينه لآيريس كي يلفت انتباهها لكفاءة البروفيسور. # وقال: «تلك فرصة جيدة لك لتحسين معرفتك باللغة أيها البروفيسور.» # ذكرت ملاحظته تلك آيريس بأن معرفة البروفيسور باللغة هي معرفة أكاديمية، لكن الشاب على ~~الأرجح أكثر دراية منه باللغة الدارجة. وهذا مهم؛ فقد بدأت تعتقد أن اللبس القائم حول ~~الآنسة فروي نابع من عدم إتقان البارونة للغة الإنجليزية. كانت لكنتها جيدة، لكنها إن لم ~~تكن تفهم جميع ما قيل، فلن تقر بجهلها أبدا. # قررت آيريس ألا تترك أي شيء للحظ، فنظرت إلى الشاب العابث باستعطاف. # وسألته: «هلا رافقتنا أنت أيضا كي تسب نيابة عنا؟» # رد: «مثل عصفور؛ أعني مثل ببغاء. من بعدك ms063 يا بروفيسور.» # ارتفعت معنويات آيريس أثناء سيرهم عائدين إلى المقصورة. كانت لا تزال قلقة بشأن الآنسة ~~فروي، لكن مرافقها أضفى حسا بالصحبة. # قال لها: «اسمي هير. هو اسم طويل يصعب أن تتذكريه. من الأفضل أن تناديني ماكسميليان، أو ~~ماكس إن أحببت. ما اسمك ؟» ~~«آيريس كار.» ~~«سيدة؟» ~~«بل آنسة.» ~~«هذا جيد. أنا أعمل مهندسا هنا. أبني سدا وسط بعض الجبال.» ~~«يبدو ذلك مسليا. أما أنا فنكرة.» # كانت تملؤها الثقة في رفيقيها من أبناء وطنها، فتهللت أساريرها مع اقترابهم من ~~مقصورتها. كان السائحون - الجالسون على حقائب سفرهم - يعيقون الطريق، والأطفال يطارد أحدهم ~~الآخر دون أي اعتبار لأصابع أقدام البالغين. كان هير يفوق الآنسة فروي مهارة في تمهيد ~~الطريق؛ فبينما كانت هي تنعق لتنبيه الآخرين لمرورهم، كان هو يدفع الآخرين لإزاحتهم عن ~~الطريق مثل كاسحة جليد. # تنحى البروفيسور جانبا كي يسمح لآيريس بدخول المقصورة أولا. لاحظت على الفور أن ~~الطبيب ذا اللحية المدببة كان جالسا إلى جوار البارونة يتحدث إليها بنبرة خافتة سريعة. ~~لا بد أنه غادر عربة الطعام على عجل. # جعل ذلك آيريس تشعر بشيء من التوتر. # قالت في نفسها: «إنه يسبقني بخطوة.» # كانت الأسرة تتشاطر كيسا من النكتارين، ولم ينتبهوا إلى وجودها، بينما كانت الشقراء ~~منهمكة في تجديد طلاء شفاهها ذي اللون القرمزي. كانت البارونة تجلس جامدة كتمثال رخامي أسود ~~ضخم. # ظهرت التماعة في عيني آيريس وهي تعلن الأمر. ~~«لقد أتى رجلان إنجليزيان لإجراء بعض التحريات حول الآنسة فروي.» # رفعت البارونة رأسها ونظرت إليها شزرا، لكنها لم تعلق. كان يستحيل معرفة ما إذا كان ~~ذلك الإعلان صادما بالنسبة لها. # سأل البروفيسور: «هلا سمحت لي بالدخول من فضلك؟» # كي تفسح مجالا لإجراء التحقيق، خرجت آيريس إلى الممر. من حيث وقفت، كانت ترى مقصورة ~~الفتاة القعيدة والممرضة التي تجلس بالقرب من النافذة. رغم انشغال بالها، لاحظت أن وجهها ~~ليس منفرا، بل متبلد فحسب. # تساءلت متوترة: «هل أبالغ في كل شيء؟ ربما لست أهلا للثقة بالفعل.» # مع أنها كانت مشفقة على المريضة البائسة، شعرت ms064 بارتياح كبير عندما ظهرت الممرضة الأصلية ~~ذات القسمات القاسية عند الباب. اجتمعت غمامة الغموض مع الألم النابض في صدغيها فجعلاها ~~تتشكك في نفسها. # ابتسمت عندما تحدث إليها هير. # قال: «سأتنصت عليهم؛ فالبروفيسور ربما يكون حجة في الجانب النظري، لكنه ربما يرتكب خطأ أثناء ~~الممارسة العملية؛ لذا سأتحقق مما يقول.» # نظرت آيريس إلى ما وراء كتفه محاولة أن تتابع ما يحدث. بدا لها أن البروفيسور يجري ~~تحقيقه بدقة وصبر واعتزاز بالنفس؛ فمع أنه انحنى احتراما للبارونة، قبل أن يبدأ في شرح ~~الموقف، فقد كان يعطي انطباعا بعظم شأنه. # أمالت البارونة رأسها وبدا أنها طرحت سؤالا على باقي الركاب. لاحظت آيريس أنها أمعنت ~~النظر في وجوههم جميعا بنظرتها المتعجرفة، وأن صوتها حمل نبرة سلطوية. # حذا البروفيسور حذوها واستجوبهم واحدا تلو الآخر، فلم يتلق منهم سوى هزة الرأس الحتمية ~~التي يبدو أنها اللغة الرسمية لذلك البلد. تذكرت آيريس التجربة التي مرت بها، فهمست ~~لهير. # قالت: «ألا يستطيعون فهم ما نقول؟» # أجابها بإيماءة من رأسه استشفت منها أنه ينصت بإمعان لما يقال ولا يريد أن يزعجه أحد. ~~اضطرت للاعتماد على نفسها، فبنت ملاحظتها الخاصة وأبهجها أن لاحظت أن البروفيسور - مع أنه ~~يحاضر لفصول دراسية من الجنسين - فقد كان يخشى النساء، وفيهم الطفلة الصغيرة. # فما لبث أن قصر أسئلته على رجل الأعمال الذي كان يجيب ببطء وتأن. كان من الواضح أنه ~~يحاول بذلك مساعدة الرجل الأجنبي الذي ربما يواجه صعوبة في فهم كلامه. في النهاية، أبرز ~~بطاقته وأعطاها البروفيسور، الذي بدوره قرأها ثم أعادها إليه مصحوبة بانحناءة رأس ~~شاكرة. # رغم جو التهذيب السائد، فقدت آيريس صبرها فجذبت ذراع هير وسألته: ~~«هل عرف شيئا عن الآنسة فروي؟» # أصابتها الدهشة والانزعاج عندما رأت الجدية التي ارتسمت على وجهه. # قال لها: «الأمر معقد للغاية. الحديث كله مبهم.» # بدأت ثقتها تتزعزع؛ إذ بدأت تستشعر أجواء من العداوة. لم تنزع البارونة عينيها عن وجهها ~~طوال حديثها المقتضب، الذي استمع إليه البروفيسور باحترام بالغ. في نهاية حديثها أشارت ~~للطبيب، وكأنما تطلب ms065 منه أن يدعم شهادتها. # حتى تلك اللحظة، كان يتابع المشهد في صمت. جعله وجهه الفاتر وعيناه الجامدتان أشبه برجل ~~خرج من قبره للتو، كي يحضر عرضا مكررا لمسرحية الحياة، يتكرر حتى هلاكها الأبدي. # لكن فور أن بدأ حديثه بأمر من سيدته، بدأ يظهر عليه الانفعال بل وحتى الحماسة؛ إذ كان ~~يستخدم يديه لتوكيد كلامه. # عندما فرغ من حديثه، التفت البروفيسور نحو آيريس، وقال لها: ~~«يبدو أنك وقعت في خطأ جم؛ فلا أحد من ركاب تلك المقصورة يعرف أي شيء عن السيدة التي ~~تزعمين أنها مفقودة.» # نظرت إليه آيريس باستنكار وسألته بحنق: ~~«هل تعني أنها من وحي خيالي؟» ~~«أنا لا أعرف ما الذي يتعين علي اعتقاده.» ~~«إذن، سأخبرك. هؤلاء الأشخاص جميعا يكذبون.» # حتى قبل أن تنهي عبارتها، أدركت آيريس حماقة تلك التهمة؛ فهي تهمة عامة جدا، ولن يصدق ~~أي عاقل أن الركاب سيتحدون معا ليدلوا بشهادة كاذبة، بخاصة الأسرة التي كانت تبدو ~~أهلا للثقة والاحترام؛ فقد كان الأب على الأرجح يمتهن مهنة محاميها الخاص. # كان البروفيسور يوافقها الرأي؛ إذ احتدت نبرته. ~~«هؤلاء الأشخاص الذين تتهمينهم بالكذب هم مواطنون شرفاء، تعرفهم البارونة معرفة شخصية، ~~وتشهد بنزاهتهم. فذلك السيد المحترم ليس مدير مصرف معروف فحسب، بل هو كذلك مدير المصرف الذي ~~تتعامل معه البارونة.» نظر سريعا بحذر إلى الشقراء وتابع قائلا: «وتلك الفتاة الشابة هي ~~ابنة وكيل أعمالها.» # قالت آيريس محتجة: «لا يعنيني ذلك. كل ما أعرفه هو أني مدينة للآنسة فروي بثمن الشاي ~~الذي احتسيته؛ فقد دفعت هي ثمنه.» # قاطعهما هير: «يمكننا أن نتحقق من ذلك الأمر.» إن دفعت هي فسيكون ذلك في صالحك. فقط ~~عدي ما معك من النقود المعدنية.» # هزت آيريس رأسها نفيا. # قالت معترفة: «أنا لا أعلم كم كان معي من النقود؛ فأنا لست بارعة فيما يتعلق بحساب ~~النقود. ودائما ما ترد شيكاتي لعدم كفاية الرصيد.» # مع أن العبوس ارتسم على شفتي البروفيسور جراء ذلك الاعتراف، لكنه تدخل إثباتا لسعة ~~صدره. # قال: «إن احتسيتما الشاي معا، فسيتذكر النادل رفيقتك. ms066 سأستجوبه تاليا إن أعطيتني أوصاف ~~تلك السيدة.» # كانت آيريس تخشى تلك اللحظة لأنها لا تحتفظ بصورة واضحة للآنسة فروي. كانت تعلم أنها ~~بالكاد نظرت إليها طوال الوقت الذي قضته برفقتها؛ فأثناء احتسائها للشاي كانت الشمس تعميها ~~تقريبا، وعند عودتهما للمقصورة ظلت مغمضة عينيها بسبب الصداع، وفي طريق ذهابهم إلى ~~مقصورة المطعم وعودتهما منها، كانت تسير إما أمام رفيقتها أو خلفها. # قالت مترددة: «لا أستطيع إخبارك بالكثير؛ فليس بها شيء مميز ليجذب انتباهي. هي امرأة ~~في خريف عمرها، ومظهرها عادي، ووجهها شاحب.» # سألها هير مشجعا: «أهي طويلة أم قصيرة؟ بدينة أم نحيلة؟ بشرتها سمراء أم فاتحة؟» ~~«بين هذا وذاك، لكنها ذكرت أن لها شعرا مجعدا فاتحا.» # كرر البروفيسور: «ذكرت؟ ألم تلاحظي ذلك بنفسك؟» ~~«لا، لكني أظن أنه بدا فاتحا، لكني أتذكر أن عينيها زرقاوان.» # قال البروفيسور معلقا: «هذا لا يفيد كثيرا.» # سأل هير فجأة: «ماذا كانت ترتدي؟» ~~«حلة من التويد، لونها بيج ومرقطة بالبني، ومعطفا طويلا واسعا تغطي أكمامه أصابعها، ~~وله جيوب خارجية، وطرفا كميه مخيطان، وكذلك وشاحا، كان طرفا الوشاح مربوطين بأزرار زرقاء ~~مصنوعة من العظم، وقميصا من الحرير الطبيعي مخيطا بخيط أزرق - لكن بدرجة مختلفة - وتضع ~~منديلا صغيرا أزرق اللون في جيب سترتها الأمامي. يؤسفني أنه فاتني ملاحظة الكثير من ~~التفاصيل. كانت قبعتها مصنوعة من الخامة نفسها، ولها حافة مخيطة، وقمة على طراز «ريكامييه»، ~~وتبرز من ريشة زرقاء زاهية تبدو مضحكة.» # قال هير آمرا: «توقفي. ها وقد تذكرت القبعة، هلا قمت بمحاولة أخرى لتذكر الوجه الذي ~~تحتها؟» # كان سعيدا للغاية بنتيجة تجربته، فكانت خيبة أمله مثيرة للضحك عندما هزت آيريس رأسها ~~نفيا على الطريقة المعهودة المستفزة. ~~«كلا، أنا لا أذكر وجهها. كما تعلم لقد كنت أعاني صداعا مريعا.» # قال البروفيسور بأسلوب جاف: «بالضبط. يؤسفني أن ذلك هو السبب. لقد أخبرني الطبيب أنك ~~تعرضت لضربة شمس خفيفة.» # وكأنما ينتظر إشارة للحديث، تحدث الطبيب - الذي كان يستمع بانتباه - إلى آيريس قائلا ~~بإنجليزية بتأكيد متأن: «ضربة الشمس تلك تفسر كل شيء. لقد ms067 سببت لك هلاوس، وجعلتك ~~تتصورين امرأة لا وجود لها. بعد ذلك، نمت وحلمت، ثم الآن استيقظت وقد تحسنت حالتك ~~كثيرا؛ لذا لم تري الآنسة فروي. هي ليست سوى تهيؤات، أو مجرد حلم.» # الفصل الثالث عشر # | حلم داخل الحلم # في البداية، منعت المفاجأة آيريس من الاحتجاج. كان ينتابها ذلك الشعور المربك بأنها ~~العاقلة الوحيدة وسط عالم من المجانين. تحولت دهشتها إلى حنق عندما نظر البروفيسور إلى ~~هير وأومأ له في إشارة للفهم المتبادل. # ثم تحدث إلى آيريس بنبرة رسمية. ~~«أعتقد أن بإمكاننا أن نعتبر ذلك تفسيرا نهائيا. إن كنت أعلم بتلك الملابسات لما ~~تدخلت. أتمنى لك الشفاء عاجلا.» # قال هير بابتسامة متشككة: «من الأفضل أن نذهب ونترك الآنسة كار لتستريح.» # شعرت آيريس كأن أحدا يكتم أنفاسها بوسادة ناعمة، فكبحت غضبها، وحملت نفسها على الحديث ~~بنبرة هادئة. ~~«يؤسفني أن الأمر ليس بتلك البساطة. وحسبما أرى، فهو لم ينته بعد بأي حال من الأحوال. ~~لم قد تتصور أنني أكذب؟» # قال البروفيسور مطمئنا إياها: «أنا لا أتصور ذلك، بل أنا مقتنع أنك ارتكبت خطأ ما، لكن ~~بما أنك أتيت على ذكر الإنصاف، فيجب أن تقري أن كفة الأدلة لا ترجح لصالحك. يجب أن أكون ~~منصفا. هل بإمكانك أن توضحي لي ما الأسباب التي قد تدعو ستة أشخاص للكذب؟» # تيقظ حدس آيريس فجأة. # قالت: «لا أستطيع ذلك، إلا إن كان شخصا واحدا هو من ابتدأ الكذبة والباقي يدعمونه. وفي ~~تلك الحالة، ستكون كلمتي ضد كلمته. ولأني إنجليزية مثلك، ولأن الأمر يخص سيدة إنجليزية، فمن ~~واجبك أن تصدقني.» # أثناء حديثها، كانت ترمق البارونة بنظرة تحد واتهام. قابلت البارونة تلك التهمة بهدوء ~~تام، لكن البروفيسور كح معترضا. # وقال: «لا تخلطي بين الوطنية والتعصب. بجانب ذلك، فإن ما تلمحين إليه غير معقول، فما ~~دافع البارونة للكذب؟» # بدأ رأس آيريس يدور. # قالت بوهن: «لا أعرف. الأمر كله غامض للغاية، فلا أحد يرغب حتما في أن يلحق أذى ~~بالآنسة فروي؛ فهي ليست بالشخص المهم، كما أنها كانت تتفاخر بأنه لا ms068 أعداء لها، وقد أخبرتني ~~بنفسها أن البارونة عاملتها بلطف.» # سألت البارونة بدماثة: «ماذا فعلت؟» ~~«أخبرتني أنه حدث لبس بخصوص مقعدها، فدفعت أنت فارق الثمن كي تسافر في تلك ~~المقصورة.» ~~«يا لها من لفتة طيبة مني! يسرني أن أسمع عن سخائي. مع الأسف، أنا لا أعرف شيئا عن ذلك ~~الأمر، لكن قد يستطيع جامع التذاكر إنعاش ذاكرتي.» # التفت البروفيسور لآيريس بحكم المقتضى. # وسألها: «ماذا ينبغي أن أفعل؟ أنت تصعبين الأمر للغاية بإصرارك على وجهة نظرك تلك، لكن ~~إن كنت مصرة فسأستجوب الرجل.» # قال هير عارضا خدماته: «سأذهب لأعثر عليه.» # كانت آيريس تعلم أنه يريد فرصة للهرب. كانت تشعر أنها تحظى بتعاطفه لكن ليس بثقته. # بعد أن ذهب، بدأ البروفيسور يتحدث إلى البارونة والطبيب، على الأغلب لمزيد من الاستفسار. ~~كانت آيريس تتشكك في كل نظرة وكل تغير في نبرات الصوت، وخمنت أنه يشرح لهما حساسية موقفه، ~~ويشدد على سخافة تهمتها؛ إذ بدت على البارونة وداعة نمرة متخمة تقتل بدافع المرح ~~فحسب. # كانت سعيدة عندما عاد هير - وقد برزت خصلة شعره النافرة لأعلى مثل ريشة - مصارعا لشق ~~طريقه في الممر، يتبعه جامع التذاكر، الذي كان شابا عفيا يرتدي زيا موحدا ضيقا ~~للغاية، ويذكر آيريس بدمى الجنود، وتعلو وجنتيه العريضتين دائرتان قرمزيتان، وله شارب ~~أسود مصفف بالشمع. # عند دخوله، تحدثت إليه البارونة بحدة، ثم أشارت للبروفيسور كي يتابع هو الحديث. # خلال ذلك الوقت، كان توتر آيريس قد بلغ مداه. كانت واثقة للغاية أن جامع التذاكر سيكون ~~إحدى ضحايا التنويم الإيحائي الجماعي، فكانت متأهبة عندما قطب هير وجهه قائلا: ~~«إنه يخبر القصة نفسها.» ~~«بالطبع.» حاولت آيريس أن تضحك. «أتوقع أن يكون أحد فلاحيها؛ فهو يبدو ريفيا. على ما ~~يبدو، هي تملك الجميع، وفيهم أنت والبروفيسور.» # قال محثا: «لا تنفعلي. أنا أعرف كيف تشعرين؛ فقد مررت بذلك الأمر من قبل. سأخبرك ~~بالقصة كلها، إن استطعت أن أزحزح تلك السيدة الصغيرة من مكانها.» # قابلت الفتاة الصغيرة - التي كانت تنظر إلى هير نظرات تسبق سنها - إشارته لها بأن ms069 تترك ~~المقعد بهز كتفيها ونظرات محتجة عابسة، لكن في نهاية المطاف عادت على مضض إلى مقعدها ~~الأصلي، فجلس هو في المقعد الذي كانت تشغله في الأصل العانس المراوغة. # وقال لها: «هوني عليك، فما لم تكن الآنسة فروي غير مرئية، لا بد أن آخرين في القطار ~~رأوها حتما.» # أومأت آيريس قائلة: «أعرف، لكني لا أستطيع التفكير؛ فذهني مشوش للغاية.» # فهم البروفيسور الذي كان يهم بمغادرة المقصورة المغزى من حديث هير؛ فقد عاد أدراجه ~~ليتحدث إلى آيريس. ~~«إن جئتيني بدليل قاطع على وجود تلك السيدة، فسأظل على استعداد للاقتناع، لكني آمل بصدق ~~ألا تعرضينا أو تعرضي نفسك للمزيد من الإهانة.» # كانت آيريس تشعر بالإنهاك فلم تجادله. # بل قالت بوداعة: «شكرا لك! أين يمكنني أن أجدك؟» ~~«في قسم المقصورات الخاصة.» # أضاف هير: «نحن نتشارك مقصورة صغيرة. ألم تعرفي أننا أثرياء؟ فقد أطلقنا معا سلسلة متاجر ~~لبيع المنتجات الفاخرة.» # قالت آيريس باندفاع بعد أن غادر البروفيسور: «أنا أكره ذلك الرجل.» # قال هير محتجا: «كلا، هو ليس عجوزا فاسدا، لكنك أثرت خوفه الشديد لأنك يافعة ~~وجذابة.» # ثم تلاشت الابتسامة من أعلى شفتيه، وقال: ~~«أريد أن أضجرك بقصة حدثت بالفعل. منذ بضعة أعوام، شاركت في مباراة راجبي دولية باستاد ~~تويكنهام. قبل بداية المباراة، قدم الفريقان لأمير ويلز الذي صافحنا جميعا. بعد أن ~~سجلت الهدف الرابح - كان علي أن أشير إلى ذلك - تلقيت ركلة على رأسي أثناء إحدى ~~الهجمات أفقدتني وعيي. فيما بعد، عندما كنت أرقد مرتاحا في عنبر خاص داخل المستشفى، دخلت ~~علي الممرضة منفعلة وقالت إن زائرا مميزا جاء لرؤيتي.» # سألته آيريس، محاولة أن تبدي اهتماما حقيقيا: «أكان الأمير؟» ~~«هو بنفسه. بالطبع لم يمكث لأكثر من دقيقة. ابتسم لي فحسب وقال إنه يأمل لي الشفاء ~~العاجل، وإنه آسف لتعرضي لذلك الحادث. كنت منفعلا لدرجة أني حسبت أني لن يغمض لي جفن، ~~لكني نمت فور أن غادر. في صباح اليوم التالي، قالت لي الممرضات: «هل أسعدتك رؤية ~~مدربك؟» ~~«مدربي؟» ~~«أجل، مدرب الفريق.» لم يكن قطعا الأمير. ms070 ومع ذلك، رأيته بوضوح مثلما أراك الآن، وقد ~~صافحني وقال كلمات لطيفة عن محاولتي. لقد بدا لي حقيقيا، وهذا ما يمكن أن يفعله مقدار ~~ضئيل من تشوش الذهن لأفضلنا.» # زمت آيريس شفتيها بعناد وقالت: ~~«كنت أظن أنك تصدقني، لكنك مثلهم جميعا. أرجوك اذهب .» ~~«سأذهب لأني متأكد أنك يجب أن تنعمي ببعض الراحة. حاولي أن تنامي قليلا.» ~~«كلا، يجب أن أفكر في ذلك الأمر. إن تركت نفسي أصدقكم جميعا فسأخشى أن أكون قد جننت. ~~وأنا لست مجنونة. لست مجنونة.» ~~«هدئي من روعك.» ~~«كم تحسن تهدئة رضيع. لا ينقصك سوى قبعة مضحكة.» ثم خفضت آيريس صوتها وقالت: «اسمع. أنا ~~ينقصني الكثير من المعرفة هنا؛ لأني لم أفهم تلك الأسئلة. هل تفهم تلك اللغة حقا؟» ~~«صرت أعرفها أفضل من الإنجليزية الآن، وهي سهلة للغاية حتى لدرجة أن البروفيسور لا يمكن ~~أن يخطئ بها. آسف، لكن لا يوجد أي ثغرات في أي مكان، لكنك تبدين منهكة للغاية. دعيني ~~أحضر لك شيئا يساعدك.» ~~«كلا، لقد وعدتني الآنسة فروي أن تحضر لي شيئا، وأفضل أن أنتظرها.» # فهم هير من نظرة التحدي في عينيها أنها مصرة على رأيها؛ لأنه كان يرى أن الآنسة فروي ما ~~هي إلا شبح، لم يظن أن آيريس ستستفيد من أي شيء قد تحضره؛ لذا قرر أن يجدد عرضه لاحقا. ~~أما الآن فأفضل ما يمكن أن يقدمه لها هو أن يتركها وحدها. # لكن فيما كان يهم بالمغادرة تذكر أمرا، وأشار لآيريس كي تتبعه إلى الممر. # قال معترفا: «هناك جزء صغير لم أفهمه؛ فقد تحدثت البارونة لجامع التذاكر بلكنة غريبة ~~علي.» # صاحت آيريس بانتصار: «إذن هذا يثبت أنهما أبناء مقاطعة واحدة.» ~~«مم! لكن هذا لا يفيدنا؛ إذ لا نعرف ماذا قالت له. سلام عليك. أراك لاحقا.» # بعد أن غادر هير، انكمشت آيريس في مقعدها، وأخذت تتأرجح مع حركة القطار. كان يمر ~~مقعقعا خلال عدة أنفاق قصيرة متتابعة، وكان الهواء يعج بأصوات هادرة وكأنما تمر مدحاة ~~هائلة على السماء لتبسطها. في الواقع، أصابتها تلك الضوضاء ms071 بالقلق. لم تكن قد أكلت إلا ~~شيئا يسيرا طوال اليوم، فبدأ الإرهاق يتملك منها. لم تعتد شعور المرض؛ لذا كان الخوف ~~يعتريها، لكنها كانت تخشى أكثر ضجيج عقلها. # أجفلت بشدة عندما ظهرت ممرضة عند الباب وأشارت للطبيب، لكنها بالكاد شعرت بالراحة لغيابه؛ ~~فقد كانت أفكارها تتسابق في دائرة مشوشة مركزها حادثة الإغماء التي تعرضت لها. ~~«لقد كنت على الرصيف، وفي لحظة غبت عن الوعي. أين ذهبت؟ هل كان استيقاظي في غرفة ~~الانتظار، وتلك النسوة وذلك الحاجب العجوز المضحك حقيقيين؟ بالطبع كانوا كذلك، وإلا ما كنت ~~لأكون على متن القطار. # لكني قابلت الآنسة فروي بعد ذلك. هم يقولون إنها من نسج خيالي، لكن إن كانت من نسج خيالي ~~فهذا يعني أن غرفة الانتظار والقطار أيضا كذلك، وأني لست على متن القطار على الإطلاق، وأني ~~لم أستيقظ بعد. وإن كان ذلك صحيحا فهو كفيل بأن يدفع المرء إلى الجنون.» # جاهدت لتصارع موجة الهيستيريا المتصاعدة بداخلها. ~~«لكن ذلك غير معقول؛ فأنا مستيقظة، وأنا هنا في ذلك القطار. وهذا يعني أني قابلت بالفعل ~~الآنسة فروي، لكني بصدد لغز ما، وعلي أن أحارب مجموعة من الأكاذيب. حسنا. إذن ~~سأفعل.» # في تلك المرحلة، كانت قلقة على نفسها لا على الآنسة فروي. كانت مدللة منذ ولادتها؛ لذا ~~كان من الطبيعي أن تؤثر نفسها، ولأن نفسها تلك مرحة وجذابة، فلطالما اتحد الكون كي ~~يبقيها في تلك المكانة المميزة. # لكن الآن أنانيتها تلك كانت تتشابك مع مصير عانس مغمورة. مرة أخرى، بدأت تسترجع وقائع ~~مقابلتهما، وفجأة زالت الغمامة التي غشت ذهنها، وبدأ جزء كان معتما في عقلها ~~ينير. # نظرت إليها البارونة بينما نهضت بنشاط من مقعدها، وسألتها: «هل ساءت حالتك سيدتي؟» # أجابتها آيريس: «بل تحسنت، شكرا لسؤالك! سأختبر ذواكر إنجليزية، من باب التغيير. ~~سأتحدث إلى بعض الزوار الإنجليزيين ممن كانوا معي بالفندق ورأوا الآنسة فروي.» # الفصل الرابع عشر # | أدلة جديدة # الآن وقد أثبتت لنفسها أن الآنسة فروي موجودة حقا، بدأت آيريس تتساءل عما حدث لها. ~~عندما تذكرت بحثها المكثف ms072 للقطار، تأكد لها أنها لا يمكن أن تكون على متنه، لكن أيضا ~~يستحيل أن تكون في أي مكان آخر. # كانت الممرات والمقصورات تعج بالسياح؛ لذا يستحيل أن تكون قد فتحت بابا أو نافذة وقفزت ~~من القطار، دون أن تلفت الانتباه لنفسها على الفور . كان من المؤكد كذلك أنه لا يمكن لأحد أن ~~يكون قد لفها في حزمة وألقى بها على القضبان دون أن يثير انتباه الجميع. # لا يوجد مكان يصلح لأن تختبئ فيه. ولم تستطع آيريس أن تتصور سببا قد يدفعها لأن تقدم ~~على ذلك الفعل. في المجمل، كان وجود جماعة كبيرة من الشهود يحول بينها وبين وقوع أي مكروه ~~لها، عارضا كان أم مقصودا. # في يأس، طرحت آيريس تلك المشكلة جانبا، وقالت مجادلة: «لا يمكن إثبات أنها مفقودة حتى ~~أثبت أنها كانت موجودة في المقام الأول. تلك هي مهمتي. بعد ذلك، يحين دور الآخرين ليكملوا ~~من بعدي.» # عندما تذكرت معايير البروفيسور للأدلة التي يعتد بها، شعرت أنها تتفهم فخر صاحب معرض ~~بمعروضاته؛ فشهودها يجب أن يرقوا لأعلى معايير الذوق الرفيع؛ أن يكونوا إنجليزيين حتى ~~النخاع. # نظرت إليها البارونة عندما فتحت حقيبتها وأخرجت مرآتها الصغيرة وأحمر شفاهها. رغم أنها ~~بدت غير مكترثة على الإطلاق، وكان وجهها يخلو من أي تعابير، كانت تعطي بطريقة ما انطباعا ~~بأن عقلها يعمل في الخفاء، وكأنما تغزل خيوطا ذهنية. # قالت آيريس في نفسها بانزعاج مفاجئ: «إنها تحيك أمرا ضدي. يجب أن أسبقها.» # فور أن بدأت في التعجل، انهارت أعصابها مجددا. بدأت يداها ترتعشان فلطخت شفتيها بلطخة ~~حمراء فاقعة، أشبه بفاكهة مسحوقة أكثر منها بالزهر القرمزي الذي سميت باسمه درجة اللون ~~تلك. لم تستطع العثور على مشطها، فاستسلمت وخرجت مندفعة إلى الممر. # حدق بها الرجال وتمتمت النساء متذمرات بينما كانت تدفعهم جانبا دون اعتذار. في ~~الواقع، كانت تعي بالكاد وجودهم، إلا كعقبات عديدة في طريقها. بعد كل ذلك التأخير، كانت ~~تندم على كل لحظة ضاعت. في خضم انفعالها، رأت على مسافة كبيرة منها هيئة العانس الضئيلة ms073 ~~بإبهام. # يتعين عليها الإسراع للحاق بها، لكن ظلت وجوه تحول بينها وبين هدفها؛ وجوه مبتسمة أو ~~عابسة لغرباء. كانت ما تلبث تتلاشى مثل الضباب، لتفسح المجال لوجوه جديدة. رأت لمحات لعيون ~~وأسنان، وأجساد متلاصقة. ظلت تدفع وتجاهد، حتى احمرت وجنتاها، وسقطت خصلة مموجة من ~~شعرها على وجنتها. # عندما وصلت أخيرا إلى الجزء الأقل ازدحاما من الممر، ذكرها مظهر البروفيسور - وهو ~~يدخن سيجارا بينما يتطلع من النافذة - بالتقاليد. شعرت بالخجل من نتيجة تعجلها، فبدأت ~~تتحدث بسرعة. ~~«هل يبدو مظهري مزريا؟ لقد كان الحشد مريعا. لم يدعوني أمر.» # لم يبتسم البروفيسور، فمع جمالها الأخاذ كان شعرها غير المصفف واحمرار وجنتيها ~~يعطيان انطباعا عابثا لا يروق له. ولم يرق كذلك للسيد تودهانتر، الذي كان ينظر إليها ~~بانتقاد خلال باب مقصورته الصغيرة المفتوح. # مع أنه كان يدعي أنه يجيد الحكم على جاذبية النساء، كان من النوع الذي يفضل بركة ~~تزينها أزهار الزنبق على شلال. كان لا يقف أبدا ليتأمل صورة غير موضوعة داخل إطار، فتقديره ~~للجمال يتوقف على أن تتهيأ الظروف الصحيحة. فالتحرر في المظهر لا يسمح به إلا في ملابس ~~المنزل، وهو بالطبع لا يليق برحلة قطار. مع أنه رأى آيريس كثيرا، لم يلاحظها عندما كانت ~~واحدة ضمن حشد من جميلات ترتدين ملابس قصيرة، بل لم يلاحظها قط قبل ذلك المساء الذي ارتدت ~~فيه فستان سهرة جذابا. # سألت زوجته فيما كانت تقلب صفحات صحيفة مصورة: «من تلك الفتاة؟» # خفض صوته. ~~«واحدة من تلك العصبة التي كانت تنزل بالفندق.» ~~«تبا.» # في المقصورة المجاورة، رفعت الآنسة فلود-بورتر رأسها من وسادتها الجلدية الناعمة التي لا ~~تسافر دونها. أيقظت حركتها تلك أختها من قيلولتها، فحاولت هي الأخرى أن تنصت. # غير شاعرة بجمهورها، تحدثت آيريس إلى البروفيسور بصوت عال متحمس. ~~«لقد خذلك شهودك الرائعون. هم الستة جميعا كاذبون. هم الستة.» # نظر إلى وجنتيها المتوهجتين بقلق بارد. # وسألها: «هل زاد ألم رأسك؟» ~~«أنا على ما يرام، شكرا لسؤالك! وأستطيع إثبات أن الآنسة فروي كانت برفقتي؛ فقد رآها ~~النزلاء الإنجليزيون ms074 الذين كانوا معي بالفندق. سنتواصل مع المجلس البريطاني عندما نصل إلى ~~ترييستي ليتحفظ على القطار ويخضعه لتفتيش دقيق. سترى بنفسك.» # تحمست آيريس لانتصارها المرتقب. في تلك اللحظة شعرت كأنها ترى علم الاتحاد الملكي ~~يرفرف فوقها وتسمع أنغام النشيد الوطني. # ابتسم البروفيسور في صبر كئيب. # قال مذكرا إياها: «أنا أنتظر أن تقنعيني.» ~~«إذن ستقتنع.» التفتت آيريس لتجد نفسها أمام السيد تودهانتر. سألته بثقة: «ستساعدني في ~~إيجاد الآنسة فروي، أليس كذلك؟» # نظر إليها مبتسما مجاريا إياها، لكنه لم يرد على الفور، بل توقف تلك الوقفة القصيرة ~~المتريثة التي تميز أبناء مهنته. # ثم قال لها: «سيسرني أن أساعدك، لكن، من تكون الآنسة فروي؟» ~~«هي معلمة خاصة إنجليزية مفقودة من القطار. أنت حتما تذكرها. لقد استرقت النظر من نافذة ~~مقصورتك فنهضت أنت وأسدلت الستار.» ~~«هذا بالضبط ما كنت لأفعله في مثل ذلك الظرف، غير أنه في حالتنا تلك لم يحدث ذلك الظرف؛ ~~فلم تشرفني أي سيدة بالتلصص علي من نافذة مقصورتي.» # كانت كلماته مفاجئة لدرجة أن آيريس شهقت بقوة كأنها تهوي في الفراغ. # وقالت مندهشة: «ألم ترها؟» ~~«كلا.» ~~«لكن زوجتك نبهتك إلى وجودها. لقد تضايق كلاكما منها.» # تدخلت السيدة تودهانتر الحسناء، والتي كانت تصغي للحديث، بنبرة لا تحمل رقتها ~~المعهودة. ~~«لسنا صندوقا سحريا، ولم يتلصص أحد علينا. هل تمانعين إن أغلقت الباب؟ أود أن أرتاح ~~قليلا قبل العشاء.» # التفت البروفيسور لآيريس بلطف مصطنع. # قال: «لقد حاولت. دعيني أصحبك إلى مقصورتك.» # أزاحت آيريس يده قائلة: «كلا. لن أدع ذلك الأمر. هناك شهود آخرون. هاتان السيدتان ~~...» # اندفعت إلى داخل مقصورة الأختين فلود-بورتر اللتين جلستا مستقيمتين بوقار. # وقالت متوسلة إليهما: «ستساعدانني في إيجاد الآنسة فروي، أليس كذلك؟ هي سيدة إنجليزية.» # تدخل البروفيسور عندما نظرت إليه السيدتان مستفهمتين: «هلا شرحت لكما الأمر؟» # بالكاد استطاعت آيريس أن تتحكم في تبرمها وهي تستمع إلى شرحه المتكلف المهذب. كانت عيناها ~~مركزتين على وجهي الأختين الجامدين المدهوشين، ثم تحدثت الآنسة روز. ~~«أنا لا أذكر رفيقتك. ربما كان برفقتك أحد فعلا، لكني لم ms075 أكن أرتدي نظارتي.» # علقت الآنسة فلود-بورتر قائلة: «ولا أنا؛ لذا ستتفهمين أننا لن نستطيع مساعدتك؛ ~~فالتعرف على شخص لسنا متأكدين من هويته يخالف مبادئنا.» # علقت الآنسة روز: «إنه أمر غير منصف البتة؛ لذا، رجاء، لا ترجعي إلينا في ذلك الأمر . ~~إن فعلت فسنرفض التدخل.» # كادت آيريس لا تصدق أذنيها. # سألتهما بانفعال: «لكن ألا يخالف مبادئكما ألا تحركوا ساكنا لمساعدة امرأة إنجليزية ~~ربما تكون في خطر؟» # رددت الآنسة روز باستهزاء: «خطر؟ ما الذي يمكن أن يحدث لها على متن قطار مزدحم؟ كما أن ~~هناك أشخاصا آخرين يفوقوننا في قوة ملاحظتهم. على كل حال، لا يوجد سبب يدعوك لأن تتحاملي ~~علينا فقط لكوننا إنجليزيتين.» # تحطمت آمال آيريس فجأة وألجمها الذهول. شعرت أن أبناء وطنها قد خانوها. ربما تتباهيان ~~بارتدائهما فساتين سهرة حفاظا على مكانة بلديهما، لكنهما خذلتا إنجلترا. سقط علم الاتحاد ~~الملكي ممزقا إربا عند قدميها، وتلاشت أنغام النشيد الوطني المنتصرة حتى صارت مجرد صفير ~~مزمار صغير. # شعرت بكره شديد تجاههم جميعا جعلها تنظر بغضب إلى زوجة القس عندما أطلت برأسها من ~~الباب. # ابتسمت السيدة بارنز ابتسامة عريضة وهي تشرح سبب وجودها. ~~«زوجي نائم الآن؛ لذا فكرت أن آتي لنتحدث قليلا. أثناء السفر، ألعب أنا دور القائد، ~~وهي تجربة جديدة علي، ولا أتعرض لها سوى مرة واحدة في السنة.» # كانت تتحدث في لهفة كأنها تحاول تبرير نقطة ضعف زوجها، ثم التفتت إلى آيريس التي كانت ~~تهم بمغادرة المقصورة الصغيرة خلف البروفيسور. ~~«لا تدعيني أكون سببا في مغادرتك.» # قالت آيريس بخيبة رجاء: «لا يوجد سبب يدعوني للبقاء؛ فأنت بالطبع لم تري الآنسة فروي، ~~أليس كذلك؟» # سألتها السيدة بارنز: «أهي تلك السيدة الضئيلة التي ترتدي حلة من التويد، وتضع في قبعتها ~~ريشة زرقاء؟ بالطبع أذكرها، وأذكر لطفها. نحن ممتنون للغاية لها لإرسالها النادل ~~بالشاي.» # الفصل الخامس عشر # | مشهد التحول # شعرت آيريس براحة بالغة، فكانت دموعها توشك أن تتساقط من عينيها عندما التفتت إلى ~~البروفيسور. سألته بصوت مختلج: «هل اقتنعت الآن؟» # نظر البروفيسور إلى زوجة ms076 القس نظرة سريعة تكاد تكون اعتذارية؛ إذ كانت السيدة من النوع ~~المألوف الذي يروق له ويستحسنه، لكن فقط عندما تكون متزوجة بالفعل من رجل آخر. # قال: «لا داعي لذلك السؤال. فما وددت إلا أن أحصل على دليل يؤيد ادعائك. أنا آسف لأني ~~شككت بكلمتك في المقام الأول. لقد كان ذلك بسبب ضربة الشمس المؤسفة التي تعرضت ~~لها.» # قالت آيريس مصرة: «حسنا إذن، ماذا ستفعل؟» # كان البروفيسور قد ارتكب غلطة بالفعل؛ لذا لم يكن يود أن يتسرع تلك المرة. # فقال: «أعتقد أنه من الأفضل أن نستشير هير؛ فهو خبير لغات محنك، وله عقل راجح، مع أنه ~~قد يبدو غير مسئول في بعض الأحيان.» # قالت آيريس ملحة: «إذن لنعثر عليه في الحال.» # مع عجلتها، توقفت لتتحدث بعفوية إلى زوجة القس قائلة: ~~«شكرا لك جزيلا! أنت لا تدرين كم يعني ذلك لي.» # سألت السيدة بارنز باندهاش: «إنه لمن دواعي سروري، لكن علام تشكرينني؟» # تركت آيريس الأختين فلود-بورتر يشرحان لها الأمر، وتبعت البروفيسور. بدا الارتياب الحقيقي ~~على هير عندما عثرا عليه في عربة المطعم بعد بحث طويل. ~~«عجبا، هل أثير أمر الآنسة فروي من جديد؟ لكن هناك شيئا بخصوص تلك السيدة الصالحة يشغل ~~بالي. لا أمانع أن أعترف أني لم أصدق قط وجود تلك العجوز الودود، لكن ماذا حدث لها؟» # نزع البروفيسور نظارته كي يلمعها. دونها، بدت عيناه واهنتين لا باردتين، وأثار الحزان ~~الحمراوان المؤلمان على جانبي أنفه تعاطف آيريس. الآن وقد صارت قضية مشتركة تربطهما وهي ~~استعادة الآنسة فروي، شعرت آيريس بالود تجاهه. # قالت: «الآنستان فلود-بورتر لم تودا التدخل في الأمر؛ فقد بدا ذلك بوضوح، لكن لم كذب ~~ستة أجانب بشأنها؟» # قال البروفيسور بتوتر: «لا بد أنه سوء تفاهم ما قد وقع. ربما أكون قد ...» # قاطعه هير قائلا: «كلا لم تفعل. لقد قمت بدور المترجم الفوري ببراعة يا بروفيسور، ولم ~~تقع في أي أخطاء.» # أعجبت آيريس بسجيته السمحة الحاضرة التي دفعته إلى طمأنة البروفيسور؛ فقد كانت واثقة أنه ~~في نفسه يراه متباهيا مملا. ms077 # تابع هير قائلا: «سنلعب اللعبة القديمة «أين السيدة»، وفي تخميني أنها متنكرة في هيئة ~~الطبيب؛ فتلك اللحية السوداء واضحة جدا حتى إنها تسهل الأمر للغاية، أو ربما تكون هي من ~~تسير القطار، متنكرة في هيئة محرك أنثوي. لن أستبعد أن تفعل الآنسة فروي أي شيء.» # لم تضحك آيريس. # بل قالت: «هذا ليس مضحكا، يبدو أنك نسيت أنها بجانب كونها شخصا حقيقيا، فهي لا تزال ~~مفقودة. علينا أن نفعل شيئا ما.» # وافقها البروفيسور قائلا: «بالفعل، لكن تلك مشكلة محيرة، وأنا لا أريد أن أتصرف بشأنها ~~دون إمعان التفكير.» # قال هير مفسرا: «هو يعني أنه يريد أن يدخن. حسنا يا بروفيسور. سأعتني بالآنسة كار ريثما ~~تروي أنت ظمأك الذهني.» # على الجانب المقابل من الطاولة التي يغطيها رماد السيجار، ابتسم هير لآيريس. # وسألها: «هل الأمر كما فهمت؟ هل حقا الآنسة فروي تلك غريبة عنك تماما؟» ~~«بالطبع.» ~~«ومع ذلك أنت تكادين تفقدين صوابك قلقا عليها. لا بد أنك الشخص الأكثر إيثارا على وجه ~~الأرض. حقا، فذلك أمر غير عادي.» # قالت آيريس معترفة بصدق: «لكني لست كذلك، بل نقيضه. وهذا هو الأمر الذي يثير دهشتي؛ ~~فأنا لا أفهم نفسي البتة.» ~~«حسنا، كيف بدأ الأمر؟» ~~«على النحو التقليدي. كانت لطيفة للغاية معي، ومدت لي يد العون، وما إلى ذلك؛ لذا في ~~البداية افتقدتها لأنها لم تعد في ظهري، لكن وبعد أن ادعى الجميع أنها من وحي خيالي، ~~تحول الأمر كله إلى كابوس مريع. كان أشبه بمحاولة إثبات أن جميع من عداي مخطئ.» ~~«ذلك أمر ميئوس منه، لكن لم شعرت أنك مضطرة لإثبات أنها حقيقية؟» ~~«ألا تفهم؟ لو أني لم أفعل، لما استطعت أن أشعر أن أي شيء أو أي شخص أراه حقيقي ~~مجددا.» # علق هير بفتور: «لم أكن لأفقد صوابي لو كنت مكانك؛ فحينها كنت لأعرف أن تلك هي الأعراض ~~اللاحقة لإصابة بالمخ؛ ومن ثم كنت لأعتبره أمرا منطقيا للغاية.» # قالت آيريس محتجة: «لا يمكنك مقارنة تجربتك بتجربتي؛ فأنت رأيت شخصا حقيقيا لكنك خلطت ~~بينه وبين ms078 الأمير. بينما يفترض أني تبادلت الحديث مع شبح. لا يسعني أن أخبرك كم شعرت ~~بالراحة عندما تذكرتها السيدة بارنز.» # ارتسمت على وجهها ابتسامة مبتهجة وهي تتطلع من النافذة. الآن بعد أن رسخت قدميها في ~~العالم المنطقي مرة أخرى ، بعد أن ظلت هائمة في غياهب العالم الخيالي، لم تستطع كآبة ~~المنظر حولها أن تتسلل إليها. حل العصر مبكرا، فامتدت فترة الغسق مضيفة لمسة أخيرة إلى ~~كآبة البلدة الصغيرة التي كان يمر القطار من جانبها ببطء. # كلما عبروا من أمام شارع، كانت آيريس ترى محال متواضعة تعرض سلعا يسيرة مثيرة للشفقة، ~~وطرقا مرصوفة بالحجارة، ولمحات من نهر مزبد زاخر من خلال الفجوات بين المباني. بدت البيوت ~~- التي تتشبث بالتلال الصخرية مثل رقع من نبات الحزاز على سطح منزل - شبه متهدمة بفعل ~~الزمن والعوامل الجوية. منذ زمن بعيد، طلي خشبها وجصها باللون الرمادي، لكن المطر محا لون ~~بعض الحوائط والشمس أبلتها فصار لونها أبيض متسخا. كان كل جانب بالبلدة ينم عن الفقر ~~والعزلة. # قالت آيريس مقشعرة أثناء مرورهم بجوار بوابة حديدية صدئة وراءها حديقة نمت بها أعشاب ~~الحماض: «يا له من مكان مريع! أتساءل من بإمكانه أن يطيق العيش هنا، عدا المنتحرين.» # قال هير مقترحا: «الآنسة فروي.» # توقع أن تثور ثائرة آيريس، لكنها لم تكن تصغي إليه. # سألته: «متى نصل إلى ترييستي؟» ~~«في الساعة العاشرة وعشر دقائق.» ~~«وهي الآن السادسة إلا خمس دقائق. لا ينبغي أن نهدر المزيد من الوقت. يجب أن نعثر عليها. ~~أعلم أن ما أقول يبدو تماما مثل فيلم رديء، لكن أسرتها تترقب عودتها إلى المنزل. أبواها ~~عجوزان ومثيران للشفقة، وكلبها الغبي يذهب لاستقبال أي قطار قادم.» # بترت كلامها متعجبة من تهدج صوتها. لدهشتها، وجدت أنها تأثرت حقا عندما فكرت بترقب ~~الوالدين وصول ابنتهما. كانت المشاعر مخالفة لتقاليد الزمرة، فشعرت بخجل من ضعفها. # قالت وهي ترمش لتطرد الدموع التي تجمعت في عينيها: «سأحتسي ذلك المشروب رغم كل شيء. ~~فأنا أشعر أن حسي صار مرهفا، وذلك أمر سخيف، فالعجائز ليسوا جديرين ms079 بالشفقة بقدر اليافعين؛ ~~فقد أوشكوا أن يبلغوا نهاية رحلتهم. أما نحن فلا يزال أمامنا الطريق طويلا.» # وافقها هير قائلا: «أنت بالفعل تحتاجين إلى شراب. سأذهب لأجد النادل.» # بينما كان يهم بالنهوض، جذبته آيريس ليجلس مرة أخرى. # وهمست قائلة : «لا تذهب الآن؛ فقد أتى ذلك الطبيب المريع.» # بدا أن صاحب اللحية المدببة كان يبحث عن شخص ما، وعلى الفور لمح بنظارته الشابين ~~اليافعين لتنتهي بذلك رحلة بحثه. توجه إلى طاولتهما على الفور وانحنى تحية لآيريس. # قال: «لقد عادت صديقتك إلى المقصورة.» # قالت آيريس وقد نسيت نفورها منه في خضم انفعالها: «الآنسة فروي؟ كم هذا رائع! أين ~~كانت؟» # بسط كفيه وهز كتفيه. ~~«طوال ذلك الوقت كله كانت قريبة للغاية؛ فقد كانت في العربة المجاورة تثرثر مع ~~ممرضتي.» # قالت آيريس ضاحكة: «أجل، هذا هو المكان الذي كنت لأجدها فيه. ذلك أول مكان كان يفترض أن ~~أبحث فيه ولم أفعل.» # حك هير ذقنه متشككا. «مم! أمر غريب للغاية. هل أنت واثق أنها المرأة ~~المقصودة.» # رد الطبيب: «هي السيدة التي رافقت الآنسة إلى عربة المطعم. سيدة قصيرة ضئيلة الجيد، ليست ~~شابة، ولكنها ليست عجوزا كذلك، تضع ريشة زرقاء في قبعتها.» # صاحت آيريس: «تلك هي الآنسة فروي.» # قال هير مصرا: «لكن لم وقع كل ذلك الغموض؟ ولم أنكر الجميع معرفتها وكل ذلك؟» # هز الطبيب كتفيه باستنكار وقال: «أها؛ لأننا لم نفهم ما تقصده الآنسة؛ فقد كانت تتحدث ~~بسرعة وتذكر سيدة إنجليزية. وتلك السيدة ربما تكون ألمانية أو نمساوية، لا أعلم قطعا، ~~لكنها ليست إنجليزية.» # أومأت آيريس برأسها لهير. # وقالت له: «لقد وقعت في ذلك الخطأ أيضا في البداية؛ فهي لا تبدو من بلد معين، وتتحدث اللغات ~~كلها. تعال لنطمئن عليها.» # بدأت آيريس تعتاد الرحلة في ممرات القطار حتى إنها شعرت أنه صار بإمكانها أن تقطعها ~~معصوبة العينين. أثناء مرورها بجانب مقصورة الزوجين بارنز، استرقت النظر إلى داخلها. كان ~~القس يبدو بطوليا على نحو يبعث على الكآبة، وقد عقد ذراعيه أمام صدره وقطب حاجبيه، بينما ~~بدت أمارات ms080 التعب بوضوح على زوجته. كانت هالات سوداء تحيط بعينيها الغائرتين، لكنها ابتسمت ~~بشجاعة لآيريس. # وسألتها: «ألا زلت تبحثين عن صديقتك؟» # قالت آيريس: «كلا، لقد عثرنا عليها.» ~~«حمدا لله!» # اعترفت آيريس لهير بعد أن تابعا شق طريقهما مرة أخرى : «لم أكن أحب تلك السيدة المبجلة، ~~لكن قدرها ارتفع للغاية في نظري. هي حقا امرأة طيبة.» # عندما بلغا المقصورات المحجوزة، أصرت آيريس على اصطحاب البروفيسور الذي بشرته ~~بالخبر. # قالت: «أريدك أن تأتي لتقابل الآنسة فروي. ستتحمس للغاية عندما تعرف بالضجة التي ~~أثارتها.» # قال البروفيسور معلقا بنبرة لاذعة: «يبدو أن الرغبة في جذب الاهتمام صفة أنثوية ~~أصيلة.» # ضحكت آيريس من فرط حماستها؛ فقد انتفض قلبها فجأة. # صاحت قائلة: «ها هي. ها هي هناك في آخر الممر.» # مرة أخرى، فاضت بداخلها المشاعر الإنسانية التي طالما كانت تزدريها عندما رأت الهيئة ~~الضئيلة المألوفة ذات الحلة التويدية الفاتحة. # وصاحت بصوت متهدج: «الآنسة فروي.» # التفتت السيدة فرأت آيريس وجهها. فور أن رأته، تراجعت في ذعر وصرخت. # قالت: «تلك ليست الآنسة فروي.» # الفصل السادس عشر # | الشاهدة الرئيسية # بينما كانت آيريس تحدق في وجه السيدة الغريبة، عاد الظلام الدامس ليغمر عقلها. كانت قد ~~حسبت أنها خرجت منه إلى نور الصبح، وكان قلبها لا يزال يطرب فرحا لنجاتها منه، لكنها ~~انخدعت ببصيص من ضوء الشمس تسلل من فتحة بالسقف. # فالكابوس لا يزال مستمرا. كان الظلام يكتنفها؛ يخمد قواها العقلية ويربك حواسها. شعرت ~~بأنها أسيرة كابوس لن ينتهي إلا إن بذلت قصارى جهدها للفرار منه. # الآنسة فروي. يجب أن تتشبث بالآنسة فروي. في تلك اللحظة، تذكرت فجأة وجهها الباهت ~~بوضوح، ذلك الوجه الذي امتزج فيه النضوج والصبا الآسر، ذو العينين الواسعتين الزرقاوين، ~~والملامح البسيطة التي جار عليها الزمن وأبهتها بعض الشيء. # كانت تقف أمامها محتالة، ترتدي حلية الآنسة فروي التويدية البيج. كان الوجه الذي يطل من ~~تحت القبعة شاحبا، والعينان السوداوان يخلوان جميعا من أي تعبير. كان الوجه يبدو جامدا، ~~وكأنما لا يقدر على البكاء، ولم يعرف الابتسام يوما. # استيقظت آيريس ms081 من كابوسها. # وقالت متحدية إياها: «أنت لست الآنسة فروي.» # أجابت المرأة بالإنجليزية: «كلا، أنا لم أسمع هذا الاسم من قبل. أنا السيدة كومر، كما ~~أخبرتك عندما احتسينا الشاي معا.» ~~«تلك كذبة؛ فأنا لم أحتس الشاي برفقتك قط. أنت غريبة تماما عني.» ~~«بالطبع أنا غريبة عنك كأي شخص تقابلينه في رحلة، لكننا تحدثنا معا، لكن لم يطل ~~حديثنا لأن رأسك كان يؤلمك.» ~~«أها!» # تعمد الطبيب أن يحمل تعجبه نبرة تأكيدية، جعلت آيريس ترتعد تخوفا، مع أنها جعلتها تأخذ ~~حذرها كذلك. # قالت في نفسها: «يجب ألا أدعهم يثبطونني.» ثم التفتت للبروفيسور بيأس، وقالت ~~بحدة: ~~«تلك ليست الآنسة فروي.» # قال البروفيسور بنفاد صبر: «لقد أخبرتنا السيدة بذلك بنفسها. في الواقع، لا يبدو أن أحدا ~~غيرك سمع الاسم «فروي» غير الشائع نوعا ما.» # كان من الواضح أنه يعتقد أن الآنسة فروي تنتمي إلى شخصيات عالم الخيال. # قالت آيريس مصرة وهي تحاول أن تمنع صوتها من التذبذب: «لكنها ترتدي ملابسها. لم؟ لم؟ ~~ماذا حدث للآنسة فروي؟ تلك مؤامرة، وأنا خائفة. هي تقول إننا احتسينا الشاي معا، لكننا لم ~~نفعل. النادل سيعرف. أرسل في طلبه.» # ارتاعت عندما وجدت أن هير لم ينطلق في مهمته مثل هرمس بشير الآلهة الإغريقية، بل لوى ~~شفتيه وبدا عليه الارتباك. # قال مقترحا بنبرته الهادئة التي تثير حنق آيريس: «لم لا نختتم ذلك اليوم وتحظين بقسط ~~من الراحة؟» # لا أحد يصدقها، وجعلتها قوة شكوكهم مجتمعة تشك في نفسها. كان الظلام قد بدأ يكتنفها ~~مرة أخرى عندما تذكرت الشاهدة التي دعمت شهادتها؛ زوجة القس. # قالت بصوت خافت: «السيدة بارنز.» # قال البروفيسور الذي كان يتوق لوضع نهاية لذلك المشهد متطوعا: «سأذهب لأحضرها.» # مع أنه طيب القلب ومنصف للغاية - عندما يكون في بيئة مألوفة - كان متحيزا ضد آيريس، بسبب ~~واقعة مؤسفة أفسدت عليه نهاية الفصل الدراسي المنصرم؛ فقد خانت إحدى ألمع طالباته - شابة ~~يافعة رزينة لا تتمتع بالجاذبية، كان متحمسا للغاية من تقدمها الدراسي - نقضت العهد معه ~~فجأة وورطته في مشهد عاطفي مزعج للغاية. # عندما ms082 حضرت إلى مكتبه كي تودعه، انهارت تماما وأكدت له أنها لم تكد إلا لإرضائه، وأنها ~~لا تطيق فكرة فراقه. # ولما كان يصر على إبقاء باب مكتبه مفتوحا بدافع الحذر، تدوولت نسخة من تلك الواقعة؛ ~~مما سبب له انزعاجا شديدا؛ لذا كان يندب حظه الذي جعله يتورط مع فتاة هيستيرية أخرى وهو ~~يمر بالمقصورة الصغيرة التي تشغلها الأختان فلود-بورتر. # خلال الزجاج، رأى السيدة بارنز التي عادت لمتابعة دردشتها التي قطعت، فدخل. # قال محذرا إياها: «يؤسفني أن مزيدا من المتاعب بانتظارك. تلك الشابة اليافعة المنفعلة ~~للغاية تريدك أن تتعرفي على هوية شخص ما. هل تمانعين أن ترافقيني إلى مقصورتها؟» # قالت إدنا بارنز: «بالطبع لا أمانع. هل هي تلك السيدة اللطيفة الضئيلة التي ترتدي حلة ~~تويدية بلون فاتح مرقط بالبني، وتضع ريشة زرقاء في قبعتها؟» ~~«على الأرجح. أظن أني أذكر الريشة.» تطلع البروفيسور إلى وجهها المجهد وعينيها البنيتين ~~وأضاف بلطف. «تبدين شاحبة. أرجو ألا تكوني مريضة.» # قالت السيدة بارنز بنبرة حملت ابتهاجا زائدا: «كلا. زوجي هو المريض، لكني أحمل عنه ألمه ~~كي يتمكن من النوم.» ~~«العلاج بالإيحاء؟» ~~«شيء من هذا القبيل ربما. عندما يكون المرء متزوجا - إن كان بينه وبين زوجه رابط حقيقي - ~~فهو لا يشاطره دخله فحسب.» # قاطعتها الآنسة روز قائلة: «حسنا، أنا أرى أن تلك حماقة؛ فهو يفوقك قوة بكثير.» # لكن البروفيسور نظر إلى وجهها العذب وقد زاد احترامه لها. # قال: «لا أحب أن أزعجك بذلك الشأن. في رأيي، تلك الفتاة مهووسة ولا تريد إلا أن تكون محط ~~الأنظار. هي الآن تدعي أن السيدة التي وجدناها ليست هي السيدة الأصلية، التي لا تزال ~~مفقودة حسب زعمها.» # قالت الآنسة فلود-بورتر بهدوء معلقة: «فلنأمل أن تكون هي السيدة المنشودة لمصلحتك. إن لم ~~تكن، فستؤخرك في ترييستي، وستفوتك مواصلتك المتجهة إلى ميلان.» # وضعت السيدة بارنز يدها على عينيها وصاحت: ~~«أوه، آمل ألا يحدث ذلك؛ فزوجي يتوق لإنهاء تلك الرحلة اللعينة، لكن على المرء أن يقوم ~~بما يمليه عليه الواجب، أيا كانت العاقبة.» # عقبت الآنسة ms083 روز قائلة: «لكن ذلك الأمر لا طائل منه على الإطلاق. حسب وصفك، فتلك ~~المعلمة المفقودة ليست بالفتاة الساذجة، بل هي مسافرة محنكة، وهي إما أنها تتوارى عن ~~الأنظار وتتملص من الفتاة لسبب وجيه يخصها، أو أن ذلك كله محض هراء.» # علق البروفيسور وهو يصطحب السيدة بارنز إلى الممر قائلا: «هو بلا شك ذلك الأمر ~~الأخير.» # في الممر قابلا القس الذي جاء يبحث عن زوجته. # صاحت السيدة بارنز وقد تهللت أساريرها: «هذا هو زوجي. هل اعتقدت أني هجرتك يا ~~كين؟» # بينما وقفوا يتجاذبون أطراف الحديث، جلست آيريس تنتظر عودة هير ومعه النادل. لم يكن لديها ~~أمل حقيقي بخصوص ذلك؛ فقد بدأت تنظر إلى جميع الموظفين باعتبارهم عرائس تحركها البارونة. ~~هناك قوة غامضة تعمل على نطاق واسع، وهذا يربكها. والدليل على ذلك هو تلك المحتالة المريعة ~~التي تجلس أمامها في زي الآنسة فروي. مع ذلك، لا يوجد تفسير لتلك الواقعة؛ إذ لا ترى أي ~~دافع لتلك الحيلة غير المحكمة. # كل تفصيلة في هيئة المرأة تناظر بدقة الصورة التي تحتفظ بها للآنسة فروي في ذاكرتها، ~~وبينما تحملق في الأزرار الزرقاء المصنوعة من العظم المألوفة لها، بدأ الشك الحقيقي يتسلل ~~إلى ثقتها. وتساءلت في نفسها إن كانت بالفعل قد وقعت ضحية للهلاوس. القصة التي رواها هير عن ~~رؤيته للأمير تثبت أن الهلاوس أمر ليس بالنادر. # كانت تشعر بإنهاك شديد جعلها ترى أن ذلك يكاد يكون هو أسهل حل لمشكلاتها. ففي النهاية، ~~ستقصر جهدها على محاربة شبح المرض الذي يهددها باستمرار، دون أن تدخر منه شيئا للقلق ~~الإضافي بشأن لغز الآنسة فروي الذي يصعب حله. # قالت في نفسها: «قريبا أعرف.» # قال لآيريس: «قلت إنه الشاب ذو الشعر الفاتح. ها قد أتيتك بالنادل الأشقر الوحيد. ~~بالمناسبة، هو يتباهى بتحدثه الإنجليزية.» # تذكرت آيريس الشاب اليافع فور أن رأت شعره الذي يشبه القش في لونه والذي يصففه ~~بعناية، وجبهته المائلة. كان يرتدي نظارة ويبدو أشبه بطالب أو موظف إداري. # سألته: «هل تفهم حقا الإنجليزية؟» # أجابها بحماس: «بالطبع يا ms084 سيدتي؛ فمعي شهادة بإجادة النحو واجتياز اختبار ~~المحادثة.» ~~«حسنا، هل تذكر أنك قدمت لي الشاي؟ هل ذاكرتك يعتمد عليها في تذكر الوجوه؟» ~~«أجل سيدتي.» ~~«إذن أريدك أن تنظر لتلك السيدة.» أشارت آيريس للسيدة كومر وأضافت قائلة : «ليس إلى ~~ملابسها، بل إلى وجهها. والآن أخبرني، هل تلك هي السيدة التي احتست الشاي معي؟» # تردد النادل قليلا، بينما تلاشى التعبير من عينيه الفاتحتين للحظة، ثم أومأ برأسه ~~حاسما أمره. ~~«أجل سيدتي.» ~~«هل أنت واثق؟» ~~«أجل سيدتي، أنا واثق تماما.» # لم تعلق آيريس، فمنح هير بقشيشا للشاب وتركه يذهب في طريقه. مع أن الاستجواب سار كما ~~توقع، كان يشعر بضيق بالغ. نظر بضيق إلى البارونة والطبيب، لكن لم يبد على وجهيهما سوى ~~الصبر المتكلف، بينما ينتظران بفارغ الصبر انتهاء الاستجواب. # فجأة، دوت صرخة مكتومة من العربة المجاورة، فهب الطبيب من مقعده على الفور وأسرع ~~عائدا إلى مريضته. # كان الصوت غير بشري وغير ملفوظ بوضوح، ظل يردد مكتوما لكن منفعلا: «مم- مم-مم.» فذكر ~~آيريس بحيوان قطع لسانه، يحتج على معاناة لا يفهمها. كانت قد نسيت أمر المسكينة صاحبة ~~الجسد المتكسر - التي ترقد مضمدة لا حول لها ولا قوة في العربة المجاورة - معتمدة تماما ~~على سيدتين قاسيتين. # كانت تلك الذكرى كفيلة بأن توقظ مرة أخرى ريبتها الشديدة في الطبيب، تلك الريبة التي ~~كانت قد خبت. سألت نفسها ما المصير الذي ينتظر مريضته في نهاية الرحلة؟ هل خمنت أنه يسرع ~~بها إلى عملية جراحية ما، محكوم عليها بالفشل، لكنه أوصى بها باعتبارها مجرد تجربة لإرضاء ~~فضوله العلمي؟ # كانت آيريس تملك ما يكفي من المنطق كي تدرك أنها تستغرق في وساوس وتكهنات مرضية فأسرعت ~~تقطع حبل أفكارها. نبهها صوت مميز إلى قدوم البروفيسور، فأمالت ذقنها بتحد. # وقالت لهير: «لقد تذكرت السيدة بارنز الآنسة فروي عندما تظاهر الجميع بعدم تذكرها. أنا ~~واثقة أنها ليس بوسعها أن تكذب؛ لذا لا أهتم بما يقوله سواها، فأنا أعتمد عليها هي.» # تقدمت إدنا بارنز متأبطة ذراع زوجها وكأنما تستند إليه، لكن في الواقع، ms085 كان هو من ~~يستند إليها بشدة؛ إذ كانت اهتزازات القطار تسبب له الدوار. كان لا يزال متماسكا، لكن ~~وجهه كان يفصح عن إنهاك فارس أوشكت فترة صحوه أن تنتهي. # قال لآيريس متوليا زمام الأمر بحكم العادة: «أفهم أنك تريدين منا التعرف على صديقة ~~لك.» # ثم نظر إلى زوجته. # وسألها: «عزيزتي إدنا، هل تلك هي السيدة؟» # على العكس من النادل، لم تتردد السيدة بارنز؛ إذ تعرفت عليها على الفور. # قالت: «أجل.» # تقدم القس باسطا يده. # وقال لها: «أنا سعيد أن أتتني الفرصة لأشكرك على لطفك.» # قبلت الآنسة كومر ببرود الشكر الموجه للآنسة فروي، أم أنها هي الآنسة فروي فعلا؟ شعرت ~~آيريس بخفقان عنيف، وكأنما يرفرف طائر بجناحيه داخل رأسها، وهي تسقط في ظلام دامس. # الفصل السابع عشر # | لم يكن ثمة آنسة فروي # كان التأثير الفوري لإغماء آيريس هو تهدئة أعصابها. عندما استعادت وعيها، لتجد شخصا ما ~~يدفع برأسها لتحت مستوى ركبتيها. شعرت بالخجل من ضعفها، لكن لم يكن في صوتها أي أثر للهلع ~~وهي تعتذر. ~~«آسفة أن سببت لكم ذلك الإزعاج الشديد. لقد صرت بخير الآن.» # سألها السيد بارنز: «ألا تعتقدين أنه من الأفضل أن تستلقي. أنا واثق أن الآنستين ~~فلود-بورتر سيسرهما أن يعيراك مقصورتهما الخاصة.» # لم تكن آيريس واثقة من أن السيدتين يرقيان لمعايير القس للإحسان، لكنها شعرت أنها بحاجة ~~إلى مكان هادئ، يمكنها فيه أن تستجمع شتات عقلها. # قالت لهير: «أريد أن أتحدث معك.» ثم تركته يتولى الباقي. # كما توقعت، انتهز تلك الفرصة، وقال: «آسف لطردك يا بروفيسور، لكن مقصورتنا الخاصة ~~محجوزة للنصف الساعة القادمة.» # تمتم البروفيسور بعبوس: «هذا من دواعي سروري.» # بعد أن احتست بعض البراندي من قنينة القس، جاهدت آيريس للنهوض من مقعدها. كانت ركبتاها ~~ترتعدان وصدغاها لا يزالان باردين، لكن الفترة القصيرة التي غابت فيها عن الوعي خففت ~~الضغط عن قلبها، فجعلتها أفضل حالا. # بينما سارت مترنحة هي وهير في الممر - متأبطة ذراعه؛ وهو ما تسبب في انزعاج عام - ~~لاحظت أن أضواء القطار أضيئت. شعرت أن ms086 هذا التغير المفاجئ من النهار إلى الليل هو بمثابة ~~علامة فارقة في رحلتها. فالزمن يسير بسرعة مع القطار. كان المنظر الذي يمر سريعا بالخارج ~~مظلما كلوحة مبهمة رسمت بالفحم، بينما دلت الأضواء المبعثرة على أنهم قد بلغوا منطقة ~~حضرية، كانت البلدة الصغيرة البائسة هي أول أحيائها النائية. # الآن وقد حجب العالم الخارجي، بدت لها الأجواء داخل القطار السريع أكثر حرارة وتشبعا ~~بالأدخنة. في البداية، شعرت آيريس بشيء من رهاب الأماكن المغلقة عندما جلست بداخل المقصورة ~~الخاصة الضيقة. # قالت وهي تلتقط أنفاسها: «افتح النافذة على مصراعيها.» # استجاب لها هير وهو يقول متبرما: «هناك هواء كاف يأتي من الفتحة العلوية. سيخنقك ~~السخام ويغطيك حتى إن أمك لن تعرفك.» # قالت آيريس وهي تشعر فجأة بالأسف على حالها: «ليس لي أم، لكني لست هنا لأثير شفقتك. فهناك ~~أمر خطير وجدي للغاية على المحك. أريد أن أذكرك بشيء قلته هذا الصباح في محطة القطار. ~~كنت تتناقش مع البروفيسور وسمعتك تقوله. قلت إن المحاكمة بواسطة هيئة محلفين غير عادلة؛ ~~لأنها تعتمد على شهادة الشهود.» # قال هير: «بالفعل قلت ذلك، وأنا أعني كل كلمة.» # تابعت آيريس: «وحينها تحدث البروفيسور عن الشهادة التي يعول عليها، وعقد مقارنة بين ~~سيدتين؛ إحداهما سيدة إنجليزية من الأعيان، من النوع الذي يجمع جوزات الصنوبر ومثل تلك ~~الأشياء عندما تذهب في نزهة على قدميها، والأخرى سمراء تضع رموشا اصطناعية.» ~~«أذكرها. امرأة جميلة، كحبة كرز سوداء غضة.» ~~«لكن البروفيسور أدانها، وهذا هو ما يحدث الآن بالضبط. لقد أدنت أنا بأني شاهدة لا ~~يعتد بأقوالها، بينما تحيز لأولئك السيدات البريطانيات العجائز ومعلمات مدارس ~~الأحد.» ~~«هذا لأنهن لا يتمتعن بالجمال، أما أنت فتملكين وجها من نوع آخر. شكرا للرب على ~~ذلك!» # فشلت محاولة هير في تهدئة آيريس، فقد استشاطت غضبا. ~~«أنا أكره وجهي؛ فهو وجه سخيف لا يعبر عن شيء. بجانب ذلك، لم يحكمون علي بالظاهر إن ~~كان مظهري سيحكم ضدي؟ هذا ليس عدلا. أنت قلت ذلك. أنت قلت للبروفيسور إن ذلك قد يؤدي إلى ~~وقوع ms087 لبس كبير. لا يمكنك أن تخالف كلامك؛ لذا يجب أن تقف في صفي إلا إذا كنت رجلا متقلب ~~الأهواء.» ~~«حسنا، سأقف في صفك. ماذا تريدين مني أن أفعل؟» # وضعت آيريس كفيها المتعرقتين على المقعد ذي الغطاء المخملي الذهبي القديم اللزج، ومالت ~~للأمام لتلتقي عيناها بعينيه. # قالت له: «أنا أقول إن الآنسة فروي موجودة. يجب أن تصدقني، لكن ذهني مشتت كسيرك كبير، ~~وأفكاري مشوشة. هلا استعرضت الأمر معي خطوة بخطوة كي أستوضحه؟» # قال لها هير: «يسرني أن أسمع روايتك أنت.» # جلس يدخن مستغرقا في التفكير بينما قصت عليه روايتها بداية من مقابلتها للآنسة فروي ~~المزعومة، وحتى حادث اختفائها. # قال لها: «حسنا، لقد ذكرت حقيقة واحدة مؤكدة. فما أخبرتك به تلك السيدة حول رب عملها ~~صحيح، وأنا أستطيع أن أخمن بدقة من يكون. في الوقت الحالي، ثمة رجل من الأعيان هو محط ~~أنظار البلدة بسبب اتهامات له بالرشوة، والتلاعب بالعقود، وأعمال غير قانونية أخرى من هذا ~~القبيل. آخر تهمة وجهت إليه هي قتل محرر الصحيفة الثورية الرديئة الذي كان قد وجه له تلك ~~الاتهامات.» # التقط صفحة صفراء رقيقة من صحيفة مطبوعة برداءة. # وقال مفسرا: «هذا مذكور في عمود الأنباء العاجلة، لكن نظرا لأنه كان في كوخ الصيد الذي ~~يملكه وقت الجريمة، لم تدم الضجة حول تلك التهمة الأخيرة، لكن أحدا لن يهتم؛ فالنظام ~~الإقطاعي لا يزال سائدا بالفعل في تلك المقاطعات المتطرفة.» # صاحت آيريس بحماسة بالغة: «لكن هذا يثبت أني محقة، فكيف سأعرف كل ذلك عن رب عمل الآنسة ~~فروي إلا إن كانت هي من أخبرتني به؟ كما أن هناك أمرا آخر. عندما أخبرت الآنسة فروي عن ~~ضربة الشمس التي تعرضت لها، كانت البارونة تصغي لكلامي. فلا يمكن أن تكون قد عرفت بذلك ~~الأمر بأي طريقة أخرى. وهذا يعني أن الآنسة فروي كانت معي في المقصورة.» # بدا وجهها مشرقا للغاية حتى إن هير كره أن يحطم ثقتها. # قال: «يؤسفني أن ذلك لا يثبت إلا أن الآنسة كومر هي التي كانت معك في ms088 المقصورة، وأنها ~~أخبرتك بشأن رب عملها، وربما بنبذة عن تاريخ أسرتها عندما احتسيت الشاي معها. وفيما بعد ~~ذكرت لها أمر ضربة الشمس، إن كنت تذكرين، عندما صعدت على متن القطار بعد أن أفقت منها ~~مباشرة، كنت تحسبين أن جميع الركاب أجانب. عندما نمت ثم استيقظت مشوشة الذهن، ظهرت فجأة ~~الآنسة فروي.» # قالت آيريس محتجة: «لكنها كان لها عينان زرقاوان وضحكة فتاة صغيرة، كما أن هناك أمر ~~والديها العجوزين وكلبها. وهؤلاء لا يمكن أن أكون قد اختلقتهم.» ~~«لم لا؟ ألا تحلمين قط؟» # بانكسار خاطر، فهمت آيريس ما يقصده. ~~«أفترض أني أفعل، أنت محق حتما.» # تابع هير قائلا: «علي أن أذكرك أن القس أكد أن الآنسة كومر هي السيدة التي أرسلت ~~في طلب الشاي له ولزوجته. أنا لست محايدا لأن جميع أعمامي وآبائي قسيسون، ولأني قابلتهما ~~أثناء الإفطار، لكن كونه من رجال الكنيسة يعني ضمنيا أنه صاحب أخلاق رفيعة؛ فنحن نصر ~~على أن يتحلى القسيسون بمعايير أخلاقية تفوق معاييرنا نحن، بل نمتحن ذلك فيهم بشدة، وأنت ~~حتما لا تنكرين أنهم غالبا لا يخيبون آمالنا فيهم.» # تمتمت آيريس: «هذا صحيح.» ~~«كما أن هذا القس يملك وجها نزيها للغاية. وجه رجل دين صالح.» # ثم قالت آيريس مذكرة إياه: «لكنه لم ير الآنسة فروي قط. لقد كان يتكلم نيابة عن ~~زوجته.» # انفجر هير ضحكا وقال: «لقد أقنعتني. حسنا، هذا يبين كيف يمكن للمرء أن يزل؛ فقد تولى ~~هو الحديث بحكم العادة، فجعلنا جميعا نعتقد أنه هو الشاهد.» # قالت آيريس مقترحة باستبشار: «إن أخطأت بشأن أمر، فمن الممكن أن تكون مخطئا بشأن ~~آخر.» ~~«هذا صحيح. لنراجع الأمر مرة أخرى. أنت تقترحين أن البارونة تخلصت من الآنسة فروي - لا ~~يهم كيف - وأن الركاب الآخرين يدعمونها؛ كونهم من السكان المحليين وبدافع رهبتهم لتلك ~~العائلة. أنت محقة حتى تلك النقطة؛ فهذا ما سيفعلونه.» # قالت آيريس: «لكنها تبدو خطة غير محكمة على الإطلاق؛ أن تلبس سيدة لا تشبه الآنسة فروي ~~ملابسها، وتنتحل شخصيتها.» # قال هير مفسرا: «لكن ذلك الجزء ارتجل ms089 في اللحظة الأخيرة. لا تنسي أنك أفسدت خطتهم عندما ~~اقتحمت المقصورة في اللحظة الأخيرة، وعندما أثرت ضجة بشأن الآنسة فروي. في البداية أنكروا ~~وجودها، فلم تكوني سوى مجرد أجنبية لا يقيمون لها وزنا ؛ لذا ظنوا أن بإمكانهم الإفلات ~~بفعلتهم، لكن عندما ذكرت أن ثمة إنجليزيين غيرك رأوها، اضطروا لأن يأتوا بمن تحل محلها، ~~ويركنوا إلى الحظ في ألا يكون أصدقاؤك قد سمعوا بمدرسة بيلمان لتعزيز الذاكرة.» # كان يتحدث عن الآنسة فروي وكأن وجودها أمر واقعي، وكان ذلك أمرا جديدا على آيريس بعث ~~على الراحة، فحادت أفكارها إلى مسار آخر. # سألته: «ألا تستطيع جعل خصلة الشعر تلك تستوي؟» # أجابها: «كلا، لم يفلح معها اللين ولا الشدة. هي مصدر شقائي الخفي، لكن شكرا لك؛ فتلك ~~هي بادرة الاهتمام الأولى التي تبدينها تجاهي.» ~~«ألا تجد أن الآنسة فروي كانت سببا في زيادة القرب بيننا؟ ألا ترى أنك أنت أيضا تعتقد ~~بوجودها.» ~~«حسنا، ليس إلى ذلك الحد، لكني وعدتك أن أصدقك - حتى إن كان موقفك كتلك الفتاة ذات ~~الرموش الاصطناعية - وأن أقف في صفك ضد السيدات ذوات معاطف «بيربري» أمثال الآنستين ~~فلود-بورتر. في تلك الحالة، يجب أن نقبل بوجود مؤامرة، خطط لها الرأس المدبر، ونفذتها ~~قريبته البارونة ومتورط بها الطبيب، للتخلص من الآنسة فروي؛ لذا بطبيعة الحال، هذا يمحو كل ~~الأدلة.» # قالت له آيريس: «أنت مدهش للغاية حقا.» ~~«لا تتسرعي في مدحي. لننتقل إلى الركاب الإنجليزيين. الأختان فلود-بورتر تبدوان لي ~~تجسيدا مثاليا للمواطن الإنجليزي التقليدي. كيف هما؟» ~~«لقد حظيتا بأفضل تعليم وتخالطان نخبة المجتمع.» ~~«هل هما نزيهتان؟» ~~«أجل.» ~~«إذن ستقومان بما تمليه عليهما النزاهة. يؤسفني أن تلك نقطة لا تحتسب في صالح الآنسة ~~فروي. والآن لنتخط إلى الزوجين اللذين يقضيان شهر العسل - اللذين على الأرجح ليسا زوجين ~~عاديين - ونأتي إلى زوجة القس. ماذا عنها؟» ~~«لا أعلم.» ~~«تذكري أنك أقسمت، وأني أصدقك.» # ترددت آيريس وقالت: «حسنا، لا أظن أن بوسعها أن تكذب.» ~~«وأنا واثق من أنها لم تكن لتفعل. أنا أخالط أصحاب الحانات والعصاة ولا ms090 أعرف الكثير عن ~~الصالحين، لكنها تبدو لي امرأة صالحة حقا، كما أنها دعمتك في المرة الأولى. وهذا يبين ~~أنها لا تملك دوافع خفية. وقد ذكرت أن الآنسة كومر هي السيدة التي رافقتك لاحتساء الشاي. ~~ألا تظنين أننا يجب أن نصدقها؟» ~~«بلى، حسبما أظن.» ~~«حسنا إذن، كفة الأدلة غير راجحة لصالح الآنسة فروي، لكن لأني ذكرت أني لا أثق بالأدلة - ~~مهما بدت مقنعة - لذا سأزيحها جميعا جانبا. في ذهني، الأمر كله يتلخص في نقطة واحدة؛ ~~الدافع.» # رأت آيريس الآنسة فروي تنمحي شيئا فشيئا فيما تابع هير تحقيقه. ~~«ما فهمته هو أن الآنسة فروي كانت سيدة وديعة للغاية. ألا يمكن أن تكون متورطة في مؤامرة ~~ما؟» # أجابته آيريس: «كلا. لم تكن مساندة للشيوعية.» ~~«وهي لا تتمتع بالشباب ولا الجمال؟ لذا لم تختطفها جماعة القبعة الرسمية؟» ~~«لا تكن سخيفا.» ~~«هل لديها أي أعداء؟» ~~«كلا، لقد كانت تتباهى بأنها على علاقة طيبة بالجميع.» ~~«مم! أعرف أن ذلك ليس بدافع للقتل، لكن هل تضايقت العائلة من أنها ستذهب للتدريس في ~~المعسكر المضاد؟» ~~«كلا. لقد أخبرتني أن رب عملها صافحها عند وداعها وشكرها على خدماتها.» ~~«حسنا، هل صرت ترين الأمور بوضوح الآن؟ إذا لم تريني دافعا حقيقيا لمؤامرة يحيكها ~~أحد الأعيان ضد الآنسة فروي الفقيرة النزيهة، فيؤسفني أن أخبرك بأنه لا وجود للآنسة فروي. ~~ألا توافقينني؟» # ساد الصمت لفترة حاولت فيها آيريس أن تسبح ضد التيار الذي يحمل الآنسة فروي بعيدا. أقنعت ~~نفسها أنه لا يمكن لأشخاص كثيرين باهتمامات متفرقة أن يجتمعوا على كذبة. وكذلك، كما ذكر ~~هير، ما الدافع؟ # لم تجد طائلا من مصارعة التيار أكثر من ذلك؛ لذا تركته يحملها معه. # قالت: «أنت محق حتما. لا يمكن للمرء أن يتجاهل الحقائق، لكنها مع ذلك بدت لي حقيقية ~~للغاية، ووالداها العجوزان وكلبها بدوا حقيقيين كذلك.» # ثم أضافت قائلة وهي تشعر كأنها ذبحت طائرا مفعما بالحيوية والبهجة، ظل يرفرف ويصارع ~~متمسكا بحياته: «لقد فزت. لا وجود للآنسة فروي.» # الفصل الثامن عشر # | المفاجأة # لو علمت السيدة فروي ms091 أن أحدا شكك في حقيقة وجودها لثارت غضبا. # بينما كانت آيريس تتنفس الصعداء بعد أن صرفت شبحها الودود، كانت هي في منزلها الذي يستقر ~~في أعماق الريف، تضيف أصدقاءها في غرفة الاستقبال. # كانت غرفة صغيرة لها نوافذ معينة الشكل كستها النباتات المتسلقة، فغمرتها بالظلام، ~~فرشت أرضيتها بسجادة مهترئة، لكنها مع ذلك كانت غرفة رحبة، تناثرت بها كراسي من حقب زمنية ~~مختلفة تآلفت مع قطع من الخوص تبعث على الدفء، وعوضتها خزانة جميلة ذات طلاء أحمر لامع ~~زهو الألوان الذي كان يفتقر إليه القماش المنقوش الباهت للأثاث. # وأمام شبكة المدفأة الحديدية الخاوية، ارتصت آنية تحوي أزهار أقحوان ذهبية جميلة زرعها ~~السيد فروي. لربما كان الضيوف يفضلون إشعال المدفأة؛ إذ كان ثمة برودة خفيفة بالجو - ~~تلازم عادة المنازل الريفية القديمة - تشبه تلك النابعة من البلاطات الحجرية، لكن كانت ~~الشمس بادية من خلال ستار النباتات الخضراء، يسطع ضوءها على مراقد الأزهار بالخارج؛ فمع أن ~~الأضواء الكهربائية كانت مضاءة داخل القطار السريع، كان ضوء النهار لا يزال باديا في الأفق ~~جهة أقصى الشمال. # كانت السيدة فروي امرأة قصيرة ممتلئة، تملك شعرا كساه الشيب، وتتمتع بالكثير من الوقار. ~~بجانب شخصيتها المسيطرة في العادة، كانت تمتلئ بحيوية إضافية ذلك اليوم، نبعت من فكرة أن ~~ابنتها بالفعل في طريقها إلى المنزل. # كانت البطاقة البريدية تستقر على رف المدفأة، مستندة إلى الساعة المزخرفة الضخمة. على ~~ظهر البطاقة كانت ثمة صورة ملونة دون إتقان للجبال ذات القواعد الشديدة الخضرة والقمم ~~البيضاء وخلفها السماء الزرقاء الزاهية. في وسط السماء، وبخط متسق دائري، كتبت الرسالة. ~~«سأكون بالمنزل مساء يوم الجمعة. أليس ذلك رائعا؟» # أرتها السيدة فروي لضيوفها. # وقالت مفسرة بزهو مفرط: «كل شيء يبدو «رائعا» في نظر ابنتي. أخشى أنه فيما سبق كانت ~~تستخدم لفظة «بديع».» # نظرت إحدى الضيوف إلى سلسلة الحروف المتحركة المطبوعة أسفل الصورة وحاولت نطقها ~~ففشلت. # سألتها وهي تشير إلى السطر المكتوب: «أهي في ذلك المكان؟» ~~«أجل.» نطقت السيدة فروي الاسم بسرعة وبحدة، بغرض إبهار ضيوفها؛ إذ كان ms092 ما نطقته هو اللفظ ~~المحلي لعنوان ويني، لكن عندما تعود ابنتهما فستبين لهما النطق الصحيح، وتصحح لهما طريقة ~~نطقهما وهما يحاولان تقليد كلامها الحلقي السريع. # حينها ستمتلئ الغرفة بتلك الضحكة التي تزيدها حيوية ورحابة. # تابعت السيدة فروي حديثها قائلة: «ابنتي رحالة عظيمة. ها هي أحدث صورة لها. التقطت في ~~بودابست.» # لم تكن الصورة الشخصية تظهرها بوضوح؛ إذ كانت باهظة الثمن. كان يظهر بها الجزء السفلي من ~~وجه صغير مبهم الملامح، وقبعة تبدو واضحة للغاية في الصورة. # علقت السيدة فروي قائلة: «تبدو كرحالة مخضرمة للغاية في تلك الصورة والقبعة تغطي ~~عينيها. وتلك الصورة في روسيا. وتلك التقطت في مدريد، يوم عيد مولدها. وتلك في ~~أثينا.» # كانت مجموعة الصور في الأساس مجرد تذكارات جيوجرافية، فبينما كانت السيدة فروي فخورة بما ~~هو مكتوب على صورة الجبال، كانت تكره الفتاة الغريبة عنها التي بلغت خريف عمرها، والتي في ~~نظرها لا تشبه ابنتها في شيء. # أنهت الاستعراض بأن مدت يدها لتلتقط صورة شخصية باهتة موضوعة داخل إطار فضي على أحد ~~الرفوف. كانت الصورة قد التقطت في إلفراكوم، وتظهر بها فتاة صغيرة لها عنق دقيق ووجه ~~مبتسم، يحيط به شعر مجعد فاتح كثيف. # قالت: «تلك هي الصورة المفضلة لي؛ فتلك هي ويني الحقيقية.» # كانت تلك هي الفتاة التي تدرس بمدرسة الأحد، وتضحك في وجه موظفي الكنيسة، وترفض من يطلبون ~~يدها من رعايا أبيها، قبل أن تفرد جناحيها وتحلق بعيدا. # لكنها دائما ما تعود إلى العش. # نظرت السيدة فروي مجددا إلى الساعة. حاولت أن تتخيل ويني داخل القطار السريع القاري ~~الهائل الذي يمر بأوروبا كلها. كان على الفتاة المسكينة أن تصمد ليلتين في القطار، لكنها ~~كانت دائما تقسم إنها تحب تلك التجربة. كما أنها تعرف كل حيل الرحالة المحنكين لضمان ~~راحتهم. # مع أنها سيدة اجتماعية، بدأت السيدة فروي تتساءل متى سيرحل ضيوفها. وضعت وليمة شاي سخية ~~على مائدة غرفة الطعام تتضمن فطيرة توت أسود، وقد تركت إحدى الضيوف بقعة على أفضل مفرش ~~مائدة تملكه. كانت قد وضعت ms093 طبقها فوقها شاعرة بالذنب، لكن السيدة فروي رأتها. ولأن كل ~~دقيقة تمر قبل أن تدعك البقعة بالملح تجعل إزالتها أصعب، كان من الصعب عليها أن تغض الطرف ~~كعادة المضيفات. # كما أنها كانت تريد أن تنظر إلى الساعة وحدها، وتتأمل بغبطة حقيقة أنه مع كل دقيقة تمر ~~يقترب موعد عودة ويني. # كانت أصابعها تتوق لإزالة مفرش المائدة، إلا أنها بعد أن اصطحبت ضيوفها إلى البوابة، لم ~~تعد إلى المنزل على الفور؛ فأمامها كان الحقل الذي تجمع منه الفطر كل صباح. كان يكسوه ~~اللون الأخضر الزاهي، وكانت الظلال السوداء لأشجار الدردار تطول بينما تقترب الشمس من ~~المغيب. # كان المنظر كئيبا موحشا، فجعلها تفكر في زوجها. ~~«أتمنى لو يعود ثيودور إلى المنزل.» # يبدو أنه سمع أمنيتها؛ إذ ظهر فجأة في آخر المرعى؛ فقد رأت هيئته الطويلة السوداء تسير ~~على العشب، وكأنما يسابق ظلال أشجار الدردار. # وحوله يتقافز بمرح كلب يبدو أن له صلة ما بسلالة كلب الرعي الإنجليزي القديم، لكن ~~سلالته الأصلية زلت، فأقحمته في شجرة العائلة. أثناء موجة من الطقس الحار قلم فراؤه الكث، ~~فتحول إلى إحدى شخصيات والت ديزني. # كان سقراط بمثابة بشير العائلة ومبعوثها. فور أن لمح السيدة القصيرة الممتلئة ذات الشعر ~~الأشيب، انطلق في خط متعرج نحوها، وظل يدور حولها وينبح بحماسة حاملا إليها بشرى عودة ~~زوجها إلى المنزل. # بعد أن أدى واجبه في جانبها من الحقل، انطلق عائدا إلى السيد فروي حاملا أنباء سارة ~~تفيد أن سيدة المنزل بانتظاره. بينما كان يتنقل بينهما وهما يدنوان أحدهما من الآخر، كان ~~مالكاه يضحكان من وثباته المرحة الخرقاء. # قال السيد فروي: «لا بد أن الكلب المسكين يشعر براحة كبيرة بعد أن تخلص من ذلك الفراء ~~الكث. من الواضح أنه يشعر بالانتعاش والخفة الآن.» # قالت زوجته معلقة: «هو على الأرجح يخيل له أنه جنية. انظر كيف يطفو في الهواء مثل كومة ~~من زغب الشوك.» ~~«أيها الأخرق العجوز العزيز، كانت وينسوم لتضحك من ذلك، أليس كذلك؟» # في مخيلتهما، سمع كلاهما ضحكة فتاة صغيرة ms094 مبتهجة. # تابعت السيدة فروي: «ألن تسعد بما فعلناه في حجرتها؟ ثيو، لدي اعتراف. لقد وصلت السجادة ~~عندما كنت خارج المنزل، وأنا لست إلا بشرا.» # أخفى السيد فروي خيبة أمله. # سألها: «هل تعنين أنك فتحت غلافها؟ حسنا يا عزيزتي، أنا أستحق ذلك عقابا لي على هروبي ~~مع سقراط عوضا عن أن أظل معك وأساعدك في ضيافة زائريك.» ~~«تعال نصعد لأعلى لتراها. إنها تبدو كرقعة طحلب.» # كانا قد اشتريا سجادة جديدة لغرفة نوم وينفريد، مفاجأة لها بمناسبة عودتها. كانت تمثل ~~الاقتصاد الشخصي الصارم؛ إذ إنه بدخلهما البسيط، أي عملية شراء إضافية كانت تعني اقتصاص شيء ~~ما من ميزانيتهما الأسبوعية. # لذا قلص هو حصته من التبغ، وتخلت هي عن زياراتها النادرة للسينما، لكن الآن وقد انقضت ~~الأربعون يوما، ما كان ليبقى من تلك الأشياء الممتعة إلا الرماد وبواقي التذاكر. # لكن السجادة باقية؛ مربع فني أخضر. # عندما وصلا إلى غرفة النوم، نظر السيد فروي حوله بعينين راضيتين فخورتين. كانت غرفة نوم ~~فتاة صغيرة تقليدية، لها حوائط مطلية باللون الأصفر الشاحب، وصور محفورة ضوئيا مصفرة ~~لحسناوات الفنان جروز ذوات العيون الصافية وضعت داخل أطر مصنوعة من البلوط المطلي بلون ~~داكن. كانت اللمسة العصرية موجودة كذلك في صور فوتوغرافية للممثلين كونراد فيد وروبرت ~~مونتجمري، وكذلك لجماعات مدرسية وعصا الهوكي الخاصة بويني. # كانت الستائر ومفرش السرير الباهتة المصنوعة من قماش الكريتون ذي اللون الأصفر الشاحب قد ~~غسلت وكويت حديثا، وكانت تظهر على حوض غسل الوجه صابونة خضراء تبدو كالكعكة، ووضعت ~~شمعتان خضراوان - ليستا موضوعتين بغرض إشعالهما - في شمعدانين زجاجيين أمام مرآة طاولة ~~التزيين. # قال السيد فروي: «لقد جعلنا الغرفة تبدو جميلة.» ~~«أجل، لكنها لم تكتمل بعد.» # أشارت السيدة فروي للسرير الضيق المصنوع من البلوط، حيث يخبر النتوءان عند رأسه ونهايته ~~بوجود قربتين دافئتين. # قالت: «لن تكتمل حتى تنام في ذلك الفراش. لا أصدق أني بعد ليلتين سأتسلل إلى الغرفة ~~لأقبلها قبل النوم.» # قال السيد فروي ناصحا إياها: «في الليلة الأولى فقط. لا تنسي أن ابنتنا فتاة عصرية، ms095 ~~وجيلها يتحاشى إبداء العواطف.» # وافقته زوجته قائلة: «أجل، ويني فتاة عصرية حتى النخاع؛ لهذا السبب تنسجم مع الجميع ~~أينما ذهبت. أنا واثقة أنها حتى في رحلتها تلك، ستكون الآن قد اكتسبت بعض الأصدقاء النافعين ~~الذين قد يمدون لها يد المساعدة إن احتاجتها. أتوقع أن تكون قد تعرفت بخيرة الناس على متن ~~القطار. وعندما أقول «خيرة» فأنا أعني ذلك بكل ما تحمله الكلمة من معان. ترى أين هي في ~~تلك اللحظة؟» # من حسن حظ السيدة فروي أنها لم تعرف الإجابة. # الفصل التاسع عشر # | اليد الخفية # في نظر البروفيسور، كانت الآنستان فلود-بورتر تجسيدا للنخبة. في وطنه، كان يشتهر عنه أنه ~~رجل غير اجتماعي مكتف بذاته، لكن فور أن يسافر خارجه، تنتابه ريبة من التعامل مع أشخاص لا ~~يألفهم، وينمو لديه تهيب يجعله يسعى غريزيا للبحث عن الأمان لدى أبناء طبقته ~~الاجتماعية. # كان يريد أن يسمع شخصا ما يتحدث بلكنته - مهما كان غير ودود - شخصا ارتاد الكلية نفسها، ~~أو تغدى في ناديه، أو يعرف قريبا من أقرباء أحد معارفه. # بينما كان يدخن في الممر بعد أن نفي من مقصورته، نظر بشوق منقطع الرجاء إلى المقصورة ~~التي تجلس فيها الأختان. كان عمر الآنسة روز - مع أنها تكبره سنا - قريبا من عمره بما ~~يجعلها خطرا محتملا، لكن وجهها كان يبدد أي مخاوف من هيستيريا خامدة. كان فكها السفلي ~~بارزا قليلا، وكانت معالم شفتها وذقنها البارزين مطمئنة. # تراجع تلقائيا عندما التقت عيناه بعيني الأخت الأكبر سنا، فدعته للدخول بإيماءة ~~مبتسمة، لكنه دخل وجلس بجوار الآنسة روز متصلبا. # سألته الآنسة روز بحدة: «هل تمنعك تلك الفتاة من دخول مقصورتك المحجوزة؟» # عندما شرح البروفيسور الوضع، كان رد الأختين متذمرا. # قالت الآنسة روز بنبرة مستنكرة: «أغشي عليها؟ لقد مرت من جوارنا وهي تضحك متأبطة ذراع ~~ذلك الشاب. الأمر كله يبدو لي غامضا للغاية، لكني آمل من قلبي ألا تثير ضجة وتتسبب في ~~تعطيلنا جميعا في ترييستي دون داع.» # قالت الأخت الكبرى بصوت منخفض: «الأمر يتعلق بكلبها.» # عضت الآنسة روز ms096 على شفتها السفلى. # وقالت في تحد: «أجل، إنه سكوتي. أعترف أني أقلق بشأنه أكثر من اللازم، لكنه يحبني بشدة، ويذوى لفراقي. ~~الشخص الوحيد سواي الذي آمنه عليه هو رئيس الخدم .» # قال البروفيسور معلقا: «هذا غريب؛ فكلبتي تنفر بشدة من رؤساء الخدم، بخاصة رئيس خدم ~~عمي.» # ازدادت الحميمية في حديثهما، فأسرت إليه الآنسة روز ببعض من خصوصياتها. ~~«الأمر كالآتي، كولز - رئيس خدمنا - يخطط للذهاب في رحلة بحرية فور عودتي. تلك تجربة ~~جديدة بالنسبة له وهو متحمس لها. إن تأخرت في العودة فغالبا سيبقى في المنزل مع سكوتي، ~~وبالطبع أنا لا أريد أن تفوته الإجازة. وعلى الجانب الآخر، إن ذهب فسيصاب سكوتي المسكين ~~بالذعر، سيشعر أنه فقد كل أصدقائه.» # أضافت الآنسة فلود-بورتر قائلة: «لدينا طاقم خدمة بارع، لكن مع الأسف لا أحد منهم يحب ~~الحيوانات.» # ارتسمت ابتسامة على وجه البروفيسور المستطيل جعلته يبدو مثل حصان ودود. # قال لهما: «أستطيع تفهم ما تشعران به؛ فأنا أعترف أن كلبتي تجعلني أفقد صوابي. نادرا ما ~~أسافر خارج البلاد؛ لأني لا أستطيع اصطحابها معي بسبب قواعد الحجر الصحي، لكن تلك السنة بدا ~~لي التغيير الشامل مطلوبا.» # تبادلت الأختان النظرات. # وقالت الآنسة فلود-بورتر: «أليس ذلك غريبا؟ فهذا وضعنا بالضبط.» # اقشعر بدن الآنسة روز وغيرت مجرى الحديث بسرعة. سألته: «من أي فصيلة كلبتك؟» ~~«من فصيلة سيلهام. لها فراء أبيض.» # لم يعد البروفيسور يجلس منتصب القامة؛ فبعد أن بدأت صداقتهم بالحديث عن رؤساء الخدم، ~~ووطدها اشتراكهم في امتلاك كلب، شعر أنه يجلس في رفقة متآلفة؛ لذا تراخى حديثه من ~~الرسميات إلى القيل والقال. ~~«يبدو أن مسئولية تجاه تلك الفتاة الغريبة قد ألقيت على عاتقي. يبدو أنها مصرة على إحراج ~~الجميع. عرفت أنها كانت تنزل بالفندق نفسه الذي نزلتما به، ما رأيكما بها؟» # قالت الآنسة روز بحدة: «لا تسألني رأيي، فأنا متحيزة ضدها؛ لذا قد لا يكون من الإنصاف أن ~~أبدي رأيي بها.» # تولت أختها التفسير. ~~«نحن لا نعرف شيئا عنها هي، لكنها كانت برفقة زمرة من أشباه العراة، الذين ms097 يسكرون ليل ~~نهار، وكانوا مصدر إزعاج تام. كان صخبهم يفوق آلة حفر طرق تعمل بضغط الهواء، وقد أتينا إلى ~~ذلك المكان البعيد كي ننعم بالراحة والهدوء.» # طقطق البروفيسور . # وقال: «أتفهم جيدا شعوركما. ما أقصده هو هل تبدو لكما هيستيرية؟» ~~«لا أعرف سوى أن مشهدا مشينا وقع عند البحيرة أمس. كانت فتاتان تتشاجران بشأن رجل، ~~وكانت هي إحداهما.» # قال البروفيسور معلقا: «لا أستغرب ذلك. ففي الوقت الحالي، إما أنها تختلق حفنة من ~~الأكاذيب كي تلفت الأنظار إليها، أو أنها تعاني من هلاوس بسيطة نتيجة ضربة الشمس التي ~~تعرضت لها. والاحتمال الثاني يعد ترفقا، لكنه يعني أن على عاتقنا مسئولية. ففي النهاية، ~~هي من أبناء وطننا.» # بدأت الآنسة روز تتململ. عندما فتحت علبة سجائرها وأخرجت منها واحدة، كانت أصابعها ~~ترتعش. # سألته: «ماذا إن كان ما تزعمه حقيقيا؟ ليس من الإنصاف أن نترك الفتاة في ترييستي دون أي ~~مساندة. أنا قلقة للغاية لأني لا أعرف ماذا علي أن أفعل.» # لو سمعتها السيدة فروي، لصفقت بيديها العجوزتين المتيبستين. فأخيرا، كان موقف الآنسة ~~روز يتسق مع توقعاتها. خيرة الناس سيعتنون بويني؛ لذا لا يمكن أن يصيبها مكروه، لكن على ~~أية حال: «احفظها سالمة، وأعدها إلينا.» # لسوء الحظ، كان البروفيسور حصينا من قوة الدعوات. ارتسم على وجهه نظرة عبوس ~~متشككة. # وقال: «يبدو لي أن قصتها لا أساس لها من الصحة فلا أصدقها، لكن حتى إن لم تكن تلك المعلمة ~~المختفية مجرد أسطورة، لا أستطيع أن أفكر في سبب يدعوني للقلق بشأنها؛ إذ لا بد أن اختفاءها ~~كان طواعية، فإن كان ثمة مكروه قد أصابها، أو وقع لها حادث، كان سيبلغ به على الفور شاهد ~~عيان.» # وافقته الآنسة فلود-بورتر قائلة: «بالضبط؛ فالقطار مزدحم للغاية، وإذا كانت ملمة ~~بخباياه لاستطاعت أن تختبئ من جامع التذاكر لأجل غير مسمى.» # قال البروفيسور ملخصا الأمر: «إذن، إن كانت مختبئة بالفعل، فسيكون لديها دافع شخصي قوي ~~لتصرفها ذلك. أنا شخصيا أميل لعدم التدخل في المشكلات الخاصة أبدا. ستكون صفاقة وعدم ~~لياقة منا ms098 أن نبدأ البحث عنها علانية.» # سحبت نفسا عميقا من سيجارتها. # وسألته: «أنت إذن لا ترى أني حمقاء تماما لأني أقدم مصلحة سكوتي؟» # أجابها البروفيسور: «بل كنت لأعتبرك قد خذلت كلبك إن ضحيت بمصلحته في مقابل مشكلة غير ~~معقولة كتلك.» ~~«هذا ما أراه أيضا. شكرا لك يا بروفيسور!» تفحصت الآنسة روز كفيها القويتين ~~الورديتين. «لقد تلوثت يدي. أحرى بي أن أذهب للاغتسال.» # عندما خرجت إلى الممر، أسرت الآنسة فلود-بورتر للبروفيسور. # قالت: «لم يسعني أن أذكر الأمر أمام أختي - فهذا موضوع حساس بالنسبة إليها - لكننا مررنا لتونا ~~بتجربة محطمة للأعصاب، وأنا أرى أن ما فعلناه من خير ليس بالقليل. هل أضجرك؟» ~~«على الإطلاق.» # بدأت الآنسة فلود-بورتر تروي تلك الأحداث التي لعبت دورا في تشكيل سلوك الأختين؛ وبهذا ~~كان لها أثر - غير مباشر - على مصير امرأة غريبة. ~~«نحن نقطن في حي هادئ للغاية قريب من الكاتدرائية، لكن تعكر صفو الجميع عندما جاء شخص ~~مريع ليسكن به. أحد المتربحين من الحرب، هكذا أسمي أمثاله جميعا. في أحد الأيام، كان ~~يقود سيارته بسرعة جنونية - وهو سكير كعادته - فدهس امرأة. رأينا الحادث وأدلينا بشهادتنا، ~~فحبس على أثر ذلك ستة أشهر؛ إذ لم تكن القضية ضده متماسكة.» ~~«أهنئكما على حسكما بالمسئولية العامة.» ~~«يؤسفني أننا كنا كذلك راضيين جدا عن نفسينا، حتى خرج من السجن. بعد ذلك صرنا هدفا ~~له. آذانا ذلك الرجل بشتى الطرق بمساعدة صبيانه؛ فحطموا نوافذنا وأغاروا على مراقد ~~الأزهار، وألقوا بأشياء مريعة عبر أسوار الحديقة، وكتبوا رسائل بذيئة بالطباشير على ~~البوابة. لم نستطع أن نمسك بهم متلبسين، مع أننا لجأنا للشرطة فوضعوا حراسة خاصة على ~~المنزل. بعد مدة نال الأمر من أعصابنا. أينما نكون وأيما نفعل، دائما ما كنا نترقب سماع ~~صوت حادث آخر. كان أثر ذلك الأمر أكبر على أختي؛ إذ كانت تخشى بشدة أن يكون أحد حيواناتها ~~الأليفة هو ضحيتهم التالية. لحسن الحظ، قبل أن تصل الأمور إلى ذلك الحد، ترك ذلك الرجل ~~البلدة.» # قطعت الآنسة فلود-بورتر حديثها؛ فقد اجتاحتها الذكريات التي ms099 أيقظتها. # بدأ الأمر في ذلك الصباح الذي خرجت فيه إلى الحديقة لتجد أن أزهار الدلفينيون الفريدة ~~خاصتها قد اقتلعت من جذورها أثناء الليل. # بعد ذلك بدأ التوتر يتزايد، واستمرت المضايقات، والخسائر المالية التراكمية، ولم تعد ~~ثمة جدوى من الإصلاحات؛ إذ كان زجاج النوافذ يحطم مرة أخرى بعد استبداله. كان الأمر ~~أشبه بالوقوف في مفترق طرق في يوم عاصف تتلطمك دوارة ريح غير مرئية، تظل تدور حول نفسها ~~مرارا وتكرارا بعد أن تضرب ضربتها. كانتا تتوجسان خيفة كلما مر من جوارهما الصبية ~~الخبثاء مسرعين بدراجاتهم، ويبتسمون لهما ابتسامة انتصار وقحة، ثم بعد مدة تحطمت ~~أعصابهما، فجمح معهم خيالهما، وبدأتا تخشيان ما يخبئون لهما من شرور أفظع. # انتهى الأمر في تلك الليلة التي وجدت فيها الآنسة فلود-بورتر أختها روز تبكي. لو أن صخرة ~~جبل طارق ارتجت فجأة مثل الهلام، لما ارتاعت لهذا الحد. # رفعت عينيها إلى البروفيسور فالتقتا بعيني البروفيسور المتعاطفتين. # سألته: «هل بإمكانك أن تلومنا عندما أقول لك إني بعد ذلك الأمر، أقسمنا على ألا نتدخل في ~~أي شأن مرة أخرى، إلا إذا كان يتعلق بوحشية تجاه حيوان أو طفل؟» # عندما مرت آيريس من جوار النافذة، في إشارة إلى أنه صار بإمكانه العودة إلى مقصورته، ~~نهض البروفيسور. # قال ناصحا إياها: «اطلبي من أختك أن تتوقف عن قلقها، وأن تعود إلى كلبها بأسرع ما يمكن. ~~لن يكابد أحد أي عناء. وإن حدثت أي تعقيدات أخرى، بإمكانكما أن تثقا في أني سأتولى ~~الأمر.» # بعد بضع دقائق، عندما كررت الآنسة فلود-بورتر رسالته على مسمع أختها، شعرت الأنسة روز ~~براحة كبيرة. # قالت: «الآن بإمكاني أن أرجع إلى سكوتي مرتاحة البال، فأي شخص سيثق حتما في البروفيسور ~~ثقة تامة.» # لكنها أغفلت نقطة مهمة، وهي أن البروفيسور كان يتحدث على أساس أن الآنسة فروي هي خيال ~~صنعته الهيستيريا، لكن الأختين رأوها رأي العين. # الفصل العشرون # | غرباء يتدخلون # بعد أن اختفت الآنسة فروي كأن لم تكن، تركت آيريس لتعتمد على نفسها مرة أخرى. عندما مضى ~~شعورها المبدئي بالراحة ms100 بعد أن نحت ذلك اللغز عن ذهنها، بدأ قلقها يزداد تجاه ما تشعر به من ~~أعراض. كانت ركبتاها ترتعدان، وكانت تشعر أن رأسها خاو كقشرة بيضة مفرغة. # كانت الآنسة فروي لتدرك أن الإنهاك الذي تعانيه الفتاة سببه أنها لم تتناول أي غذاء ~~خفيف، هذا بجانب ما تعانيه من الآثار اللاحقة لضربة الشمس. في ذلك الموقف، كانت خسارتها لا ~~تعوض؛ إذ إن هير - بنية حسنة - كان لا يملك إلا أن يعرض عليها المنبهات. # بينما كانت آيريس تتشبث بالقائمة، تصارع نوبات الدوار المتكررة، قالت في نفسها إنها ~~مجبرة على الصمود حتى تصل إلى بازل. # قالت في نفسها بارتياع: «سيكون الوضع كارثيا إن خارت قواي. ماكس يافع للغاية وليس بوسعه ~~أن يساعد. سيزج بي شخص متطفل إلى خارج القطار عند أول محطة، ويرسلني إلى المستشفى ~~المحلي.» # وهناك يمكن أن يحدث لها أي شيء، كما حدث للفتاة في القصة المريعة التي روتها لها الآنسة ~~فروي، أم أن الآنسة كومر هي من روتها لها؟ # كانت تجد صعوبة كبيرة في الوقوف، لكن مع أنها أصرت أن تترك هير - عندما شعرت أن التحدث ~~والاستماع قد صارا مجهدين - شعرت بالتردد إزاء فكرة العودة إلى مقصورتها؛ فهي قريبة للغاية ~~من الطبيب وبعيدة للغاية عن أبناء وطنها. هناك في آخر الممر، تشعر أنها محاصرة خلف خطوط ~~العدو. # كما أنها أيضا كان يسكنها شبح العانس الضئيلة ذات الحلة التويدية التي ليس من الحكمة أن ~~تفكر بها طويلا. # كان الحديث الدائر بين الأختين فلود-بورتر بصوت حاد مرتفع - كان مسموعا خلال الباب ~~المفتوح - بمثابة تشتيت لذهنها. # قالت الآنسة فلود-بورتر: «لقد راسلت الكابتن باركر كي يلقانا بسيارته في محطة فيكتوريا؛ ~~ليساعدنا في تسريع إنهاء الإجراءات الجمركية.» # قالت الآنسة روز بتململ: «أتمنى أن يكون حاضرا. إن خذلنا فلربما فاتتنا المواصلة ~~التالية. أنا أيضا راسلت الطاهي كي يجهز العشاء في تمام السابعة والنصف بالضبط.» ~~«ماذا طلبت؟» ~~«لم أطلب الدجاج بالطبع. سأحتاج إلى بعض الوقت كي أستطيع تقبل أكل دجاجة مرة أخرى. طلبت ~~منه أن يعد شريحة ms101 مختارة بعناية من السلمون وفخذة ضأن صغيرة، والبازلاء إن أمكن، وإن كان ~~موسمها قد انتهى فليعد الفاصولياء الخضراء والكوسة. تركت للطاهي اختيار التحلية.» ~~«يبدو لي ذلك جيدا جدا؛ فأنا أتوق لتناول عشاء إنجليزي تقليدي مرة أخرى.» ~~«وأنا كذلك.» # ساد الصمت لبرهة قبل أن يتجدد قلق الآنسة روز. ~~«آمل ألا يحدث أي لبس بخصوص حجوزات عربات النوم في ترييستي.» # صاحت أختها قائلة: «يا إلهي! لا تقولي ذلك. لا أطيق فكرة الجلوس منتصبة القامة طوال ~~الليل. هل سمعت مدير الفندق يجري مكالمة بشأنها؟» ~~«بل كنت واقفة بجواره وهي يجريها. بالطبع لم أفهم أي شيء مما قال، لكنه أكد لي قطعا ~~أنه حجزها لنا.» ~~«حسنا، لنأمل الأفضل. لقد كنت أتصفح دفتر مواعيدي. سيقيم الأسقف آخر حفلة له في الحديقة ~~بعد يوم من عودتنا.» ~~«أوه، يجب ألا تفوتنا.» # ابتسمت آيريس نصف ابتسامة مريرة وهي تصغي إلى ذلك الحديث المميز الذي يدور بين مسافرتين ~~غير محنكتين تشعران أنهما ابتعدتا كثيرا عن مسارهما المألوف. # قالت في نفسها: «وأنا كنت أنتظر منهما أن تخاطرا بتفويت حجوزاتهما وإفساد خطة عشائهما. يا ~~له من أمل!» # أسندت ظهرها إلى النافذة مرة أخرى بينما رأت النادل ذا الشعر الأشقر يسير نحوها في الممر. ~~رأته الآنسة روز يمر، فلحقت به. # وصاحت بنبرة أودعتها أقصى ما بوسعها من تغطرس: «انتظر. هل تتحدث الإنجليزية؟» ~~«أجل سيدتي.» ~~«إذن أحضر لي بعض أعواد الثقاب رجاء. أعواد الثقاب.» ~~«أفهم سيدتي، حسنا.» # قالت آيريس التي صارت تتشكك في الجميع في نفسها: «أتساءل إن كان قد فهمها حقا.» # كانت شكوكها غير مبررة؛ إذ بعد برهة عاد النادل ومعه صندوق أعواد ثقاب. استخدم واحدا ~~منها لإشعال سيجارة الآنسة روز، ثم ناولها الباقي محنيا رأسه لها احتراما. # قال للآنسة روز: «سائق القطار يفي بالتزاماته، وسيصل القطار إلى ترييستي في موعده ~~المحدد.» أجابته بدورها: «أوه، ذلك أمر جيد بكل تأكيد.» # بدا متحمسا لخدمة الجميع. عندما نادت عليه آيريس بدورها، دار على عاقبيه برشاقة وكأنه ~~متحمس لخدمتها. # لكن عندما عرفها تغير وجهه. اختفت ms102 ابتسامته وتلفت حوله، وبدا كأنه يحاول أن يهزم ~~رغبته في أن يفر هاربا. # لكنه مع ذلك، استمع لها ممتثلا وهي تعطيه أمرا. # قالت له: «أنا لن أذهب إلى عربة الطعام لتناول العشاء. أريد منك أن تحضر لي شيئا لآكله ~~في مقصورتي، تلك التي في آخر الممر. أريد كوبا من الحساء أو مرقة بوفريل، أو حليب ~~أوفالتين. لا أريد أي جوامد. هل تفهمني؟» ~~«أفهم سيدتي، حسنا.» # انحنى لها وذهب، لكنه لم يحضر الحساء. # نسيت آيريس طلبها فور أن أملته له. بدأت مجموعة من الركاب تتدفق في الممر بجوارها، ~~وتسحقها في جانبه. كانوا جميعا يسيرون في الاتجاه نفسه، فنظرت إلى ساعتها. # رأت أن موعد تقديم وجبة العشاء الأولى قد اقترب. # قالت في نفسها بابتهاج بعد أن تحررت من إلحاح فكرة الدقائق المهدرة: «ثلاث ساعات فقط ~~ونصل إلى ترييستي.» # كانت تعيق سير الموكب حيث تقف - إذ كان معظم الركاب جوعى - فكانوا مستائين من وجودها ~~باعتبارها عقبة في طريقهم. لقيت منهم معاملة خشنة، ولكن لم يكن هناك جدوى من أن تصارع عكس ~~ذلك التيار من البشر للخروج منه. فعندما حاولت ذلك، كادت تسقط أرضا عندما بدأ بعض الركاب ~~الغليظين يدفعون غيرهم. # لا يبدو أن أحدا لاحظ المحنة التي لاقتها وهي تحاول الخروج من وسط الزحام. كان القطار ~~يسير بأقصى سرعته، فكان جسدها يرتج ويرض وهي متشبثة بالقضيب الحديدي. خافت أن تسحق، ~~فتعرقت راحتا يديها وتسارعت نبضاتها في هلع. # ثم أخيرا خف الزحام، وتنفست الصعداء وهي تنتظر حتى يمر الركاب الأكثر تهذيبا. حينها، ~~عرفت من مزيج الخطوط والرقط والشرط باللونين الأبيض والأسود أن الأسرة متجهة إلى العشاء ~~وقد شابكوا أيديهم. بعد أن تحرروا من قيد حضرة البارونة، كانوا يتحدثون ويضحكون، في مرح ~~متطلعين لوجبتهم. # كان الوالدان ضخمين بما يكفي كي يعتصراها بلا هوادة وهما يحشران نفسيهما للمرور من ~~جوارها، لكنها مع ذلك سعدت لرؤيتهما، إذ حاولت إقناع نفسها أنهما حتما يسيران في ذيل ~~الموكب. ثم انسلت من جوارها الشقراء - الباردة ككتلة جليدية - في رباطة جأش ms103 لا تتزعزع، لا ~~تشرد من شعرها شعرة واحدة. # كان الممر قد صار خاليا تقريبا، لكن آيريس ظلت مكانها، غير قادرة على مواجهة فكرة ~~العودة للمقصورة والجلوس وحدها مع البارونة. لكن تهللت أساريرها عندما ظهرت البارونة برفقة ~~الطبيب. لما كانت واثقة من أنها ستحظى بمقعد في عربة المطعم - مهما تأخرت في الحضور - فقد ~~انتظرت حتى انفض جمع الغوغاء. # عندما مرت بهيئتها الضخمة المتشحة بالسواد من جانب آيريس، تكون في ذهنها تشبيه مناظر: ~~حشرة تدهسها قدم عديمة الشفقة. # نظر إليها الطبيب نظرة مهنية متفحصة رصدت جميع أمارات القلق البادية عليها. أحنى رأسه في ~~تحية رسمية ثم مضى في طريقه، واستطاعت هي أن تعود إلى المقصورة الخاوية بعد أن ظلت تتخبط ~~وتتأرجح في الممرات. # ما إن جلست في مقعدها، بعد أن نظرت لا إراديا إلى الموضع الخاوي الذي كانت تجلس به ~~الآنسة فروي، حتى دلف هير إلى المقصورة مسرعا. # وسألها: «هل ستأتين إلى جولة العشاء الأولى؟ انتبهي؛ فالجولة الثانية لا يقدم بها سوى بقايا ~~الطعام.» # أجابته قائلة: «كلا، فالنادل سيحضر لي حساء إلى هنا؛ فقد خضت عراكا خشنا ولا أطيق ~~حرارة الجو.» # راقبها وهي تمسح جبينها المتعرق. ~~«يا إلهي! أنت تبدين منهكة تماما. دعيني أحجز لك مقعدا. كلا؟ حسنا إذن، لقد تعرضت ~~لتوي لتجربة مثيرة. وأنا في طريقي إلى هنا، أمسكت بكمي يد مرتعشة لامرأة، وهمست لي امرأة ~~بصوت مثير للشفقة: «هلا أسديت لي معروفا؟» التفت فإذا بي أتطلع إلى عيني زوجة القس ~~الجميلتين. ولا داعي لأن أقول إني تعهدت بخدمة السيدة الواقعة في مأزق.» # سألت آيريس: «هل طلبت منك إحضار قربة ماء ساخن لزوجها؟» ~~«كلا، بل طلبت مني إرسال برقية نيابة عنها فور أن نصل إلى ترييستي. وهنا يأتي الجانب ~~الشائق؛ فقط طلبت ألا أخبر زوجها أو أدعه يشك في أي شيء. وبعدها، لا يمكنني أن أشير إلى ~~الرسالة تلميحا.» # سألته آيريس بضجر: «ومن يهمه ذلك؟» ~~«أنا آسف. أرى أنك منهكة تماما. لن أزعجك أكثر من ذلك. أراك لاحقا.» # ما كاد هير ms104 يغادر المقصورة حتى أطل برأسه مرة أخرى من الباب. # وقال لها: «لم أر ملاك رحمة أقبح من تلك الجالسة في العربة المجاورة، لكن ما جاء بي حقا هو ذلك: ~~هل تعرفين من يكون جابريال؟» ~~«واحد من رؤساء الملائكة.» ~~«حسنا، يبدو أنك لا تعرفين.» # عندما مر الوقت ولم يأتها النادل بالحساء الذي طلبته، فاستنتجت أنه نسي طلبها بسبب ~~انشغاله الشديد، لكنها كانت مرهقة للغاية فلم تبال، فلم يعنها سوى عقارب ساعة يدها التي ~~تقربها في كل لحظة إلى ترييستي. # في الواقع، كان النادل الأشقر صاحب قلب من ذهب، ويد تهتز غريزيا كعصا العرافة في اتجاه ~~أي مصدر للبقشيش. كان ليجد وقتا ليحضر لها بسرعة كوب الحساء الذي طلبته مهما كان منشغلا، ~~لكن الشيء الوحيد الذي منعه هو أنه لا يعرف شيئا عن طلبها. # كمعظم أقرانه من الريفيين، كان يتقن اللغات بطريقة التبادل بين أبناء العائلات من جنسيات ~~مختلفة. كان طموحا، فرأى أن اكتسابه للغة إضافية قد يرجح الميزان في كفته عندما يتقدم ~~لوظيفة؛ لذا تعلم الإنجليزية من معلمه الذي تعلمها بدوره من كتاب صوتيات. # اجتاز النادل، الذي كان تلميذا فطنا، اختبارات مدرسته، وصار قادرا على أن يثرثر بسيل ~~من العبارات الإنجليزية، لكن في المرة الأولى التي سمع فيها بريطانيا يتحدث اللغة، لم يكن ~~يستطيع فهمها. # لحسن الحظ، كان السياح الإنجليزيون نادرين، وكانوا يقتصرون في أغلب حديثهم معه على ~~متطلباتهم التي تخص وجباتهم. كانت أذناه قد بدأتا تعتادان الأمر؛ لذا نجح في الاحتفاظ ~~بوظيفته بالحيلة وببراعته في التخمين. # عندما رأى سيجارة الآنسة روز غير المشعلة، خمن أنها تريد أعواد ثقاب، كما أن صوتها كان ~~مرتفعا، وكانت مقتضبة في حديثها. # لكنه ذاق هزيمته على يد آيريس؛ فصوتها المبحوح وكلماتها غير المألوفة غلباه تماما. بعد ~~تجربته الأولى الموترة للأعصاب، لم يسعه إلا أن يتراجع لإجابته التلقائية: «أجل سيدتي.» ~~ويهرع للاحتماء بساتر. # قبل أن يعود الركاب الآخرون إلى المقصورة، جاء آيريس زائر آخر؛ البروفيسور. نزع نظارته ~~كي يلمعها بتوتر، فيما بدأ يشرح طبيعة مهمته. ~~«لقد ms105 تحدث إلي هير، وهو قلق بشأنك بصدق. لا أريد أن أثير قلقك. بالطبع أنت لست مريضة ~~- أعني أننا لا نجزم بمرضك - لكننا نتساءل ما إذا كنت قادرة على متابعة الرحلة ~~وحدك.» # صاحت آيريس بذعر: «بالطبع أنا قادرة على ذلك. أنا بصحة جيدة، ولا أريد أن يقلق أحد ~~بشأني.» ~~«لكن إن تردت صحتك لاحقا، فستضعين نفسك وتضعيننا جميعا في موقف حرج. لقد كنت لتوي ~~أناقش ذلك الأمر مع الطبيب، وقد قدم لي اقتراحا من شأنه إنقاذ الموقف.» # صمت فبدأت نبضات قلبها تتسارع في خوف، إذ استشفت بحدسها ماذا سيكون الاقتراح. # تابع البروفيسور قائلا: «سيصحب الطبيب مريضة إلى مستشفى بترييستي، وقد عرض أن يتأكد من ~~وصولك بأمان إلى دار رعاية أوصى بها لتبيتي الليلة فيها.» # الفصل الحادي والعشرون # | أكاذيب # عندما عرض البروفيسور الاقتراح رأت آيريس فتحة الفخ، لكنه نسي أن يضع الطعم؛ فهي حرة ~~نفسها، ولا يمكن لشيء أن يجبرها على أن تسقط فيه. # قالت: «لن أذهب إلى أي مكان مع ذلك الطبيب.» ~~«لكن ...» ~~«أرفض مناقشة الأمر.» # شرع البروفيسور في جدالها؛ لذا رأت أنه لا وقت للكياسة. # قالت له: «لا يسعني أن أتظاهر أني ممتنة لاهتمامك؛ فأنا أعده تدخلا في ~~شئوني.» # تسمر البروفيسور عندما سمع تلك الكلمة الأخيرة. # قال: «أنا لا أرغب على الإطلاق في التدخل في شئونك، لكن هير قلق بشأنك صدقا، وقد طلب مني ~~استخدام نفوذي لإقناعك.» ~~«لا يستطيع أحد إقناعي بالذهاب برفقة ذلك الطبيب المريع.» ~~«في تلك الحالة، لم يعد ثمة ما يقال.» # كان البروفيسور ممتنا للغاية لانزياح تلك المسئولية عن عاتقه. كانت الفتاة مصرة على ~~معاداة كل من يمد لها يد العون. سيكون أمامه وقت كاف كي يدخن قبل الجولة الثانية من ~~العشاء. # لم يرق لآيريس وجه البروفيسور، لكن ظهره الذي أداره لها والذي تكسوه حلته المصنوعة من ~~نسيج «هاريس تويد» كان له طابع بريطاني مطمئن. أدركت في ذعر أنها من حملته على ~~الذهاب. # بعفوية، نادته قائلة: «لن أذهب برفقة ذلك الطبيب؛ فهو شبيه بالموت، لكني - بافتراض أني ms106 ~~انهرت، وهو أمر أجده سخيفا - فسأذهب برفقتك أنت.» # ظنت بذلك أنها ستسترضيه، لكنها لم تنجح إلا في إثارة ذعر كليهما . # قال البروفيسور بحدة حاول بها إخفاء توتره: «هذا مستحيل؛ فالظروف لا تحتم ذلك. لقد قدم ~~لك الطبيب عرضا سخيا معينا، أفضل من يقدمه رجل طب.» # فتح لها باب الفخ مرة أخرى، لكنها هزت رأسها. لن تدخل إليه أبدا إلا إن خدعت. # كانت تلك فكرة مقلقة؛ إذ بدأت تعتقد أنها لا يمكنها الوثوق في أحد، حتى هير خذلها؛ ففيما ~~كان قلقا بالفعل بشأن صحتها كان يمازحها بشأن السيدة بارنز، التي طلبت منه، حسب قوله، ~~إرسال برقية لرجل يدعى جابريال، وإخفاء أمرها عن زوجها. # لما كان يستحيل تصور أن تكون زوجة القس متورطة في علاقة غرامية سرية، استنتجت آيريس أن ~~هير كان يحاول تضليلها. # كرهت محاولته الواهية، خاصة أن السيدة بارنز كانت مرتبطة بذكرى مؤلمة؛ فهي من ساقت ~~الآنسة فروي بعيدا، وجعلتها تعود لتتحسس طريقها في غياهب العالم المظلم. # لم تستطع آيريس أن تغفر لها ذلك؛ إذ كانت تفتقد بشدة الدعم الذي لا يستطيع أن يقدمه لها ~~سوى تلك المعلمة الضئيلة. في ذلك الموقف، كانت لتعلم أنها ستكون بمأمن بين يديها الخبيرتين. ~~كانت خائفة، مريضة، بلا أصدقاء؛ فقد أحرقت جسورها معهم. # كما أنها كلما فكرت في ذلك اللغز، شعرت أنها تقترب من حدود ذلك العالم الذي تسكنه ~~الظلال المتحركة، حيث تطغي الخيال على الواقع، ولا يكون لها وجود إلا في حلم الملك الأحمر ~~ملك بلاد العجائب. لو لم تتمالك نفسها فلربما يتوقف احتفاظها بسلامتها العقلية أو فقدانها ~~لها على حقيقة وجود الآنسة فروي. # كان ثمة آخرون على متن ذلك القطار الذي يعج بالسائحين الذين يقضون عطلاتهم واقعين في ~~مأزق أشد مما هي فيه. أحد هؤلاء كانت الفتاة المقعدة في العربة المجاورة. مع أنها كانت ~~غائبة عن الوعي في أغلب الوقت، كانت كل ثانية تمر عليها واعية تختبر فيها هلع الصدمة التي ~~أسقطتها في غياهب الظلام، وإن طالت تلك اللحظة شيئا ضئيلا فإنها ms107 تفسح المجال لغيمة من ~~الشكوك المريعة. ~~«أين أنا؟ ماذا سيحدث لي؟ إلى أين يأخذونني؟» # لحسن حظها، قبل أن يتسنى لها الحصول على إجابات لتلك الأسئلة، دائما ما تنطفئ الشعلة مرة ~~أخرى؛ لذا كانت هي أفضل حالا من إدنا بارنز، التي كانت في كامل قواها العقلية وهي تكابد ~~عذابا ذهنيا مطولا. # كانت في بالغ سعادتها وهي تترقب آخر نزهة جبلية لها عندما رأت الخطاب في خانة المكتب. ~~شعرت بغصة تحذيرية خففت قليلا من وقع صدمتها من فحوى الخطاب عندما رأت خط يد ~~حماتها. # كتبت السيدة الجليلة تقول: «ظللت أتساءل ما هو التصرف الأمثل. لا أود إثارة قلقكما أثناء ~~رحلتكما الطويلة، لكني على الجانب الآخر أشعر أنه يتعين علي أن أهيئكما لخبر مخيب ~~للآمال. كنت آمل أن يكون جابريال في أفضل صحة عند عودتكما، وقد كان في أفضل حال حتى الآن، ~~لكنه أصيب بنزلة برد في صدره. هو مرتاح للغاية الآن، ويقول الطبيب إن كل شيء يسير حسب أفضل ~~التوقعات؛ لذا لا داعي لأن تقلقا.» # مرت إدنا بارنز بعينها في لمحة على الخطاب قرأت خلالها ما بين سطوره. إن كان غرض حماتها ~~من كتابته هو إثارة قلقها، فقد نجحت تماما في مسعاها؛ فقد ضمنته جميع عبارات الطمأنة ~~المألوفة. «لا داعي للقلق.» «حسب أفضل التوقعات.» «مرتاح.» تلك هي الصيغة المخففة للتعبير ~~عن حالة ميئوس من شفائها. # فنزلة برد في الصدر قد تخفي وراءها التهابا شعبيا أو حتى رئويا، وقد سمعت أن تلك ~~الأسقام إن أصابت رضيعا قوي البنيان فقد يقضي نحبه بعد بضع ساعات من المرض. كاد قلبها ~~ينفطر وهي تتساءل إذا كان قد مات بالفعل. # ثم ناداها زوجها ليسألها عن فحوى الخطاب. كانت إجابتها: «حرير مارجريت روز.» # كذبت بدافع غريزة الحماية القوية كي تجنبه العذاب الذي تكابده. لم يكن ثمة داع لأن ~~يعاني كلاهما، إن استطاعت أن تحمل هي عنه ألمه. أخفت عذابها وراء ابتسامتها المعتادة، ~~وفكرت مليا في سبب للمغادرة إلى إنجلترا في اليوم نفسه. # بينما كان القس يتناول حزمة الشطائر ms108 منها تجهيزا لانطلاقهما في نزهتهما، استغلت حلم ~~الآنسة روز فلود-بورتر التحذيري واتخذته ذريعة لذلك. # رغم خيبة أمله أذعن لطلبها . قررت الأختان أيضا ألا تجازفا عندما سمعتا أن زوجة القس ~~قد غيرت خطتها بناء على هاجس تطيري. كان العروسان قد قررا سلفا الذهاب؛ وبذلك اكتمل ~~خروجهما من الفندق. # للمرة الأولى، كانت إدنا بارنز سعيدة لأن زوجها يعاني من دوار الحركة في القطار. بينما ~~جلس مغمضا عينيه كازا على أسنانه، حظيت بفترة راحة من الادعاء. كان سلوانها الوحيد أنها ~~تعلم أنه في طريقها إلى المنزل؛ لذا عندما حدث ما قد يهدد بحدوث تأخير اضطراري في ترييستي، ~~شعرت باليأس. # حينها واجهت أول امتحان فعلي لمبادئها، وقد فاز فيها ضميرها؛ فقد كان خداعها لزوجها كي ~~تقيه من المعاناه كذبة كبيرة، لكنها الآن كانت تقول في نفسها إن دافع الإنسانية يجب أن يأتي ~~قبل الروابط العائلية؛ لأنه دافع إيثاري. # كانت مستعدة لأن تؤدي واجبها تجاه الآنسة فروي أيا كان الثمن، لكن عندما طمأنها أولئك ~~الذين تثق في حكمهم أن المشكلة لا تستحق الاعتبار، تراجعت في قرارها. # فالسبب لا يستحق أن تبذل في سبيله تلك التضحية. من الواضح أن الأمر لا يعدو كونه ادعاءات ~~اختلقتها فتاة مضطربة كي تلفت إليها الأنظار، لكن جابريال مريض، وهو بحاجة لها؛ لذا رجحت ~~كفته. # بعد أن تعرفت على الآنسة كومر باعتبارها الآنسة فروي، أدركت فجأة منفعة وجود شاب متأهب ~~للمساعدة بإمكانه إرسال برقية إلى حماتها. ولأنها كانت تشك أن بإمكانها أن تتلقى الرد دون ~~معرفة زوجها - إذ ربما ينادي موظف ما اسمها بصوت عال - طلبت أن تنتظرها آخر الأنباء في ~~كالييه. ستنعش الرحلة البحرية القس، وسيكون من القسوة أن تتركه على جهله حتى يصلا إلى ~~الوطن. # مع أن عينيها كانتا حزينتين، ابتسمت ابتسامة خفيفة عندما فكرت في غيابه عن الوعي. مثل ~~طفل كبير، كان يأسف على آلامه وأوجاعه، لكنه لم يكن يدري ما حبس عنه. # قالت في نفسها: «وحدها الأم تعلم.» # كان ذلك بالضبط هو ما استقر في قلب السيدة ms109 فروي وهي جالسة في ضوء الغسق تترقب بشوق عودة ~~ابنتها. # الفصل الثاني والعشرون # | إضاعة الوقت # بصفة عامة، كانت السيدة فروي تقطن في الجانب المشمس من الشارع، لكن ذلك المساء بدت ظلال ~~أشجار الدردار قد امتدت حتى بلغت ذهنها؛ إذ شعرت بكآبة لا تعلم لها سببا. # لم يعد ضوء الشمس المخضر يسطع من وراء النباتات المتسلقة التي كست النوافذ، لكنها اعتادت ~~الظلام؛ فلدواعي الاقتصاد كان المصباح لا يضاء إلا في آخر لحظة ممكنة، كما أنها لم تتأثر ~~بالمنظر الكئيب خارج غرفة نومها التي تطل على أحد جوانب ساحة الكنيسة. # لأن أسرة فروي عاشت في البيوت المخصصة لخادمي الأبراشية لمدة طويلة، فقد تأصلت فيهم ~~عادة السكن بالقرب من الكنسية. كانت قد عودت نفسها أن تتخيل، كلما نظرت إلى شواهد القبور ~~المائلة التي صار أصحابها في طي النسيان، مشهد بعث مهيب، تنفتح فيه القبور فجأة، وتتطاير ~~محتوياتها في الهواء كسيل من الشهب اللامعة. # تلك الليلة، عندما استحال الأخضر رماديا تماما، ساورها أول مخاوفها. ~~«أتساءل إن كان صحيا أن ننام قريبين إلى ذلك الحد من تلك الجثث المتعفنة.» # في الظروف العادية، كانت لتهزأ بتلك الفكرة، لكنها لم تستطع أن تزحزح القرد الأسود الذي ~~جثم على عاتقها. ظلت المخاوف والهواجس الغامضة تساور عقلها. # قالت لنفسها إنها ستكون ممتنة للغاية لعودة ويني سالمة. السفر حتما يحمل مخاطر، وإلا ~~ما كانت شركات السكك الحديد لتصدر سياسات التأمين. ماذا إن مرضت ويني أثناء الرحلة واضطروا ~~لأن يتركوها في غرفة انتظار ببلد أجنبي؟ # يمكن أن يحدث لها أي شيء؛ حادث قطار، أو حتى ما هو أسوأ. المرء يقرأ عن تلك الأمور ~~المريعة التي تحدث للفتيات اللاتي يسافرن بمفردهن. ويني لم تعد فتاة فعليا - حمدا لله - ~~لكنها تعد صغيرة بالنسبة لمن هم في عمرها. # في تلك اللحظة، تمالكت السيدة فروي نفسها. # ذكرت نفسها قائلة: «لم يبق سوى ليلتين. من المفترض أن تكوني في بالغ سعادتك، لا أن ~~تظلي مكتئبة تعانين وجعا بالبطن. والآن لتكتشفي ما وراء كل ذلك.» # بعد مدة ms110 قصيرة، ظنت أنها توصلت إلى السبب الفعلي لاكتئابها. كان السبب هو بقعة التوت ~~البري التي لطخت أفضل مفرش طاولة تملكه، والتي لم تزل تماما بعد بالملح. # قالت: «أيتها الحمقاء، سيزول عندما يغلى في المغسلة.» # نظرت باستهزاء إلى شواهد القبور، ثم خرجت من الغرفة بخطى ثقيلة ونزلت الدرج بحثا عن ~~زوجها. # على غير العادة، وجدته في الردهة جالسا في الظلام. # سألته: «لم لم تشعل المصباح أيها الكسول؟» ~~«سأفعل حالا.» كان صوت السيد فروي باهتا على نحو غير معتاد. «لقد كنت أفكر طويلا. تلك ~~عادة سيئة. غريب أن وينسوم سافرت مرات عديدة، لكن تلك هي المرة الأولى التي أتخوف فيها ~~على سلامتها. تلك القطارات التي تقطع أوروبا، أظن أني بدأت أشيخ، وأشعر أن الأرض تجذبني ~~إليها.» # تسارع قلبها فجأة وهي تصغي له. إذن، فقد تلقى هو أيضا التحذير الخفي. # دون أن تتكلم، أشعلت عود ثقاب، وأشعلت به فتيل المصباح وأنارته، ثم وضعت عليه مدخنته. ~~بينما كانت تنتظر أن يدفأ الزجاج، نظرت إلى وجه زوجها الذي كان ظاهرا في الوهج ~~الخافت. # بدا وجهه أبيض شاحبا بارز العظام، كوجه رجل يفترض أن يأوي إلى فراش في ركن مبتل أسفل ~~نافذتها لا رجل يفترض أن يشاركها فراشها الوثير. # فجر مظهره غضب تلك السيدة القويمة الكارهة للكآبة. # قالت له موبخة: «لا أريد أن أسمع منك ذلك الكلام مرة أخرى. أنت لا تقل سوءا عن السيدة ~~بارسونز؛ فهي تبلغ من العمر ستة وستين عاما فقط، ومع ذلك عندما كنا عائدين من البلدة في ~~تلك المرة الأخيرة، تذمرت من أن الحافلة ممتلئة وأنها مضطرة للوقوف. قلت لها: «يا عزيزتي، ~~لا تدعي الجميع يعرف أنك لست معتادة على الدعة.» ثم قلت لها: «خذي مقعدي؛ فأنا صغيرة ~~السن».» # سألها السيد فروي بامتنان: «وهل ضحك ركاب الحافلة؟» # زال شحوب وجهه في دائرة ضوء المصباح الخافت. قبل أن تجيبه زوجته حلت حبال الستائر، ~~وسحبت ستائر النافذة تغلقها، حاجبة ضوء الشفق الكئيب. # قالت: «أجل، لقد قهقهوا جميعا، ثم بدأ أحدهم يصفق، لكن عندما ms111 شعرت أن المزحة قد طالت ~~بما يكفي، بترتها بأن نظرت إليهم.» # مع أن السيدة فروي كانت تفخر بحس دعابتها ، كان حس الوقار لديها أقوى منه. رفعت رأسها ~~عاليا كأنها لا تزال تحاول إسكات جمهورها، وسألته: «أين سقراط؟» ~~«يؤسفني يا عزيزتي أنه ينتظر بالخارج حتى يحين موعد ملاقاة القطار. أتمنى لو استطعت أن ~~أجعله يفهم أن الجمعة هو اليوم المنشود.» # قالت السيدة فروي: «سأتولى أنا ذلك. سقراط!» # دخل الكلب الضخم مهرولا على الفور، فمع أنه مدلل للغاية فلا يطيع الأوامر في العادة، ~~كان يحترم نبرة حادة بعينها في صوت سيدته. # أخرجت السيدة فروي ثلاث قطع من الكعك اليابس من علبة من القصدير ورصتها في صف على ~~الأريكة المنخفضة، وقالت: «انظر يا عزيزي. مع أمك ثلاث كعكات لتعطيكها. تلك لليلة، لكن ~~ويني لن تعود الليلة. وتلك ليوم غد، لكن ويني لن تعود غدا. وتلك ليوم الجمعة، وويني ستعود ~~يوم الجمعة، وحينها يمكنك أن تذهب لملاقاة القطار. تذكر! تلك الكعكة.» # رفع سقراط بصره إليها وكأنما يحاول جاهدا أن يفهم. تشع عيناه ذكاء تحت خصلات فرائه التي ~~تنسدل عليها؛ إذ ترك رأسه دون تشذيب. # قالت السيدة فروي: «لقد فهم. لطالما كنت قادرة على التحدث إلى الحيوانات. ربما نتشارك ~~الطاقة الروحية نفسها؛ فأنا أعرف ما يدور بذهنه، ودائما ما أستطيع أن أجعله يعرف ما يدور ~~بذهني.» # التفتت مجددا تجاه الأريكة المنخفضة والتقطت أول كعكة. # قالت موضحة: «تلك كعكة الليلة، وقد انقضت تلك الليلة؛ لذا يمكنك أن تأكلها.» # بدأ سقراط يندمج في اللعبة. بينما كان يبعثر الفتات على البساط، تحدثت السيدة فروي ~~إلى زوجها. # قالت: «وها قد انقضت الليلة بالنسبة لنا أيضا؛ فحمدا لله على ذلك! أتمنى أن تتذكر أنه لا يصح ~~أن تسعى أنت وراء مشكلات ما كانت لتأتي إليك أو تنوي زيارتك طوعا. علام تضحك؟» # كان السيد فروي يقهقه وهو يشير إلى سقراط الذي كان يلتهم الكعكة الأخيرة. # قال مقلدا إياها في تهكم وديع: «لقد فهم.» # جعل مظهر وجهه السيدة فروي تنسى خيبة الأمل ms112 التي أصابتها للتو؛ إذ بدا أصغر عدة أعوام، ~~ولم يعد يراودها شك حول أين يفترض أن يبيت ليلته. # ربتت على ظهر سقراط، وقبلت أنفه، ونفضت عن فرائه فتات الكعك اليابس. # وقالت لزوجها بنبرة لاذعة: «أجل يفهم، بل يفهم أكثر منك. ألا ترى أنه يحاول أن يعجل ~~بمرور الوقت؟» # الفصل الثالث والعشرون # | ضع رهانك # بجانب السيدة فروي، ود آخرون لو عجلوا بمرور الزمن. بعضهم كان على متن القطار الذي ~~كان ينطلق بأقصى سرعته كي يصل إلى ترييستي في موعده المحدد. # إحداهم كانت السيدة تودهانتر التي أخفت تعجلها وراء ستار من اللامبالاة المتصنعة. أينما ~~ذهبت كانت تلتفت إليها الأنظار، وتحسدها النساء على تلك الهالة الحالمة التي تحيط بها؛ إذ ~~كانت تمتلك كل ما قد ترغب أي امرأة في أن تحظى به؛ من جمال ووقار وملابس فاخرة وزوج ثري ~~رفيع المكانة. # لكنها في الواقع كانت تتوق بشدة لأن ترجع إلى زوجها. # كانت متزوجة من كهل ضخم البنية يعمل مقاول بناء، ويدعى سيسل بارميتر. في وطنها، تسكن ~~السيدة لورا بارميتر في منزل جديد فاخر للغاية، تتوفر فيه جميع التحسينات التي يدخلها ~~زوجها على المباني السكنية التي يشيدها للغير بينما يفتقر إلى أي من مساوئها. كانت تنعم ~~بدخل وفير، ومصروف سخي، وخدم أكفاء، وعيش رغد، وزوج محب يثق بها، وطفلين ضخمين. # وفوق ذلك كله كانت تحظى باحترام الناس. # كانت بمثابة ملكة بين أبناء طبقتها الاجتماعية، لكنها مع ذلك لم تكن راضية عن حالها في ~~قرارة نفسها، وكانت تطمح لما هو أكثر. أثناء تجارب الأداء لعرض مسرحي محلي تتلاشى فيه ~~الفروق الطبقية، قابلت محاميا صاعدا حمل على المشاركة في العرض أثناء زيارته للمقاطعة. ~~لعب هو دور الملك ولعبت هي دور الملكة. # فتنه حينها جمالها الأخاذ، وقدرتها على اقتباس أبيات من أشعار سوينبرن وبراونين انتقتها ~~من كتاب «أكسفورد للشعر». بعد بضع مقابلات في لندن، أسفل شعار التفاحة، أخذها معه في مغامرة ~~غرامية متأججة. # زلت قدم السيدة لورا، لكنها ظلت محتفظة بعقلها؛ فوراء انجرافها معه كان يقف دافع ms113 خفي. ~~كانت قد قرأت قصيدة «التمثال الكامل والنصفي» أثناء إحدى المحاضرات حول براونينج، فتقمصت ~~روحها؛ لذا قررت أن تغامر بالرهان على رمية نرد جريئة، فرصة أن يطلق كل منهما ~~زوجه. # بعد أن تجتاز الفترة العصيبة التي ستلي طلاقهما، ستحتل مكانتها المستحقة في المجتمع ~~باعتبارها الزوجة الجميلة لمحام بارز؛ فالعالم ينسى بسرعة، كما أنها واثقة من قدرتها على ~~إرغام زوجها على منحها حضانة طفليهما. # لكنها خسرت الرهان، وكان براونينج ليفخر بروحها المعنوية العالية التي قابلت بها ~~خسارتها. # كان المحامي متزوجا من عجوز لاذعة اللسان، لكنها تمتلك الجاه والثروة. عندما اكتشفت ~~السيدة لورا أنه لا ينوي على الإطلاق تكليل مغامرتهما تلك بالزواج، منعها كبرياؤها من إبداء ~~خيبة أملها. # ربما ما سهل عليها تصنع اللامبالاة هو خيبة أملها؛ فتلك المغامرة الغرامية لم تأخذ ~~مسارها الموعود، لكنها علمتها أن الرجل المهني لا يختلف كثيرا عن رجل التجارة في الصفات ~~الأساسية، وأن هيئة كليهما قبل أن يحلق لحيته ويزر ياقته تكون واحدة. # بجانب ذلك، كان لدى المحامي سيئة عفي منها مقاول البناء؛ كان يغط بصوت مرتفع. # ومما زاد الطين بلة أنه كان لا يعير اهتماما لمساوئه، ومع ذلك كانت معاييره في ~~استحسان النساء دقيقة للغاية لدرجة جعلت الوفاء بها أمرا مرهقا. لم تستطع أن تسترخي على ~~الإطلاق، أو أن تكون على سجيتها، دون أن تلاقي منه نقدا أو نفاد صبر. # وبما أنها كانت امرأة عملية، فقد قررت أن تقطع العطلة كي تعود إلى زوجها بينما لا تزال ~~الفرصة سانحة. لحسن حظها، لم تكن قد أحرقت جسورها معه. اشترى لها زوجها تذكرة إياب إلى ~~تورين، وأخبرته ألا ينتظر منها أي خطابات بريدية؛ إذ كان يعتزم الذهاب في رحلة بحرية إلى ~~جزر شيتلاند. # كانت تنوي فراق المحامي في تورين - حيث انضم لها في رحلة الذهاب - ثم تبيت فيها ليلة كي ~~تختم حقائب سفرها بملصقات الفندق. # وينتهي كل ذلك بجمع شمل أسري سعيد، وتفاهم أفضل؛ إذ تعلمت أن تقدر رصانة زوجها؛ وبهذا ~~تنجو سفينة زواج أخرى من عاصفة ms114 مغامرة عبثية وميثاق أخلاقي محطم. # بينما جلس الزوجان تودهانتر في مقصورتهما الخاصة في انتظار تقديم جولة العشاء الثانية، ~~كانا محط أنظار السائحين الذين يمرون ببطء من جوار نافذتهما. لا بد أنهما لا يزالان ~~يعرفان بذلك الاسم الذي سجلا به دخولهما إلى الفندق؛ إذ كان المحامي حريصا على ألا ~~يوقع باسمه. # كان اسمه «براون». # لكن والديه كانا قد بذلا ما بوسعهما من أجله، وكان لقب «السير بيفريل براون» مشهورا ~~بخطورته، بجانب صورته الشخصية المذهلة التي كانت تظهر كثيرا في الصحف المصورة. # كما تقبلت هزيمتها من براونينج بصدر رحب، استمرت السيدة لورا في لعب دورها. كانت ~~لهجتها الطبيعية أحيانا تحل محل حديثها المتشدق، مع ذلك كانت تبدو فريدة ومتفردة مثل ~~أميرة حسناء، بمنأى عن الرعاع، لكن أصابعها ظلت تنقر فرش مقعدها المخملي الذهبي القديم، ~~بينما ظلت هي تنظر إلى ساعتها. # قالت بنفاد صبر: «لا يزال أمامنا ساعات وساعات. يخيل إلي أننا لن نبلغ ترييستي ~~أبدا، فما بالك بتورين؟» # سألها تودهانتر باستنكار: «أتتوقين لفراقي؟» ~~«أنا لا أفكر بك، لكن الأطفال يصابون بالحصبة، والأزواج الذين تهجرهم زوجاتهم يلجئون ~~للخيانة؛ فالعالم مليء بالضاربات على الآلة الكاتبة، وهن جميلات.» ~~«في تلك الحالة لن يسعه أن يلومك إن آل الأمر بينكما للمكاشفة.» # أجفلت عندما سمعت الكلمة. # صاحت بحدة قائلة: «المكاشفة؟ لا تخفني. هل تعتقد أن ثمة احتمالا بذلك؟» # داعب شفته، وقال لها: «بل أظن أننا في مأمن لدرجة كبيرة، لكنني توليت بعض القضايا ~~الغريبة في مسيرتي العملية. المرء لا يعرف أبدا ما قد يكشفه القدر. من سوء طالعنا أن ~~صادفنا زائرين إنجليزيين آخرين في الفندق، كما أن جمالك الأخاذ يصعب أن يظل مغفولا ~~عنه.» # أزاحت السيدة لورا يده. كان ما تنشده هو الطمأنة، لا الإطراءات. # قالت: «لقد قلت لي إنه لن يكون ثمة مخاطرة.» كانت قد تناست أن خطتها الأصلية هي إجبار ~~زوجها على مقاضاتها، فأضافت بأسى: «كم كنت مغفلة!» # سألها تودهانتر: «لم صرت فجأة متشوقة إلى ذلك الحد للعودة إلى زوجك؟» ~~«بصراحة فظة، كل منا يسعى ms115 وراء مصلحته، وهو بوسعه أن يمنحني أكثر مما بوسعك أنت أن ~~تمنحني.» ~~«أولم أمنحك ذكرى لن تنسيها أبدا؟» # تأجج الغضب في عيني السيدة لورا، فضحك تودهانتر. كان قد مل جمالها الفاتر وثقافتها ~~المتصنعة، لكن الآن وقد دبت فيها الروح فجأة، أفاق إلى حقيقة أنها تنفلت من بين ~~أصابعه. # قال: «لقد كنت أمازحك. بالطبع لن يعرف أحد بشأن مغامرتنا؛ فليس بوسعي المخاطرة بأمر كذلك، ~~لكن لولا أني استبقت الأحداث عندما سألتني تلك الفتاة عن السيدة التي كانت تسترق النظر ~~لوقعنا في ورطة.» # سألته لورا التي أدركت للتو أن تودهانتر لن يكلف نفسه عناء مناصرة امرأة غير جذابة في ~~خريف عمرها: «لم؟» # قال تودهانتر ضاحكا: «لم؟ لأنها اختفت. لو أني لم أنكر وجودها، لاضطررت لأن أدلي ~~بشهادتي في ترييستي، ولك أن تتخيلي عناوين الصحف: «اختفاء سيدة إنجليزية على متن القطار ~~الأوروبي السريع: صورة للسيد تودهانتر الذي كان عائدا من شهر العسل، عندما ... إلخ.» لن يطول ~~الأمر حتى تكتشف الصحافة الإنجليزية هويتي. تلك أحد المساوئ المحدودة للشهرة.» # لم يبد الانبهار الذي نشده على السيدة لورا؛ إذ كشفت لها كلماته تلك عن أمر جديد. # وفي نهاية المطاف ربما لم تخسر اللعبة؛ إذ إنها لم تنته بعد. مع أن تودهانتر لم يكن ينوي ~~المخاطرة بالوقوع في فضيحة عندما أقنعها بالقدوم معه في تلك الرحلة، رأت فرصة لحبك واحدة ~~وإرغامه على فعل ما تريد. # إن ذهبت للبروفيسور وأكدت له وجود الآنسة فروي، فستكون النتيجة حتما هي حدوث تعقيدات ~~في المستقبل. البروفيسور رجل لا غبار على نزاهته وتقديمه للصالح العام، وهو ما سيجعله يفتح ~~تحقيقا، مهما كلفه ذلك من متاعب شخصية. # فجأة، التمعت عيناها البنفسجيتان؛ فباعتبارها زوجة السيد تودهانتر المزعوم كانت تعد ~~عنصرا مهما في الصورة؛ عنصرا لن يسهو عنه المراسلون أو يكتمونه. لطالما كانت صورها ~~الفوتوغرافية جذابة. # بعد ذلك، سترفع قضية طلاق تكون مثار الاهتمام، وسيجبر السير بيرفيل - بدافع الالتزام ~~الأخلاقي - أن يتزوجها لتصير السيدة براون الثانية. # عندما خطرت لها تلك الفكرة، تنهدت تنهيدة عميقة؛ فهذا ms116 يعني أن عجلة الحظ ما زالت ~~تدور. # وأنها لم تخسر بعد رهانها. # الفصل الرابع والعشرون # | وتدور عجلة الحظ # جلست السيدة لورا تتطلع إلى النافذة التي انعكست صورة المقصورة المضاءة على زجاجها الذي ~~يتسارع خلفه الظلام. ابتسمت لانعكاس وجهها المعتم، وعينيها المظللتين، وشفتيها ~~المنتصرتين. عجلة الحظ لا تزال تدور بالنسبة لها. # ولأن قدريهما متشابكان، كانت عجلة حظ الآنسة فروي تدور أيضا. كانت العانس الودودة واقعة ~~في مأزق، لكنها كانت متفائلة عنيدة. تشبثت بأمل في أن ينصلح كل شيء في نهاية المطاف، وأن ~~تعود أخيرا بعد طول غياب إلى البيت. # كان حبها لديارها يشبه ذلك الولع المحموم الذي يحمل الوطنيين الغيورين على هجر مسقط ~~رأسهم، ويحمل الرجال على خيانة زوجاتهم. مثلهم، تركت وراءها أكثر ما تحب؛ من أجل فرحة ~~العودة. # كان غيابها المميز تجربة حماسية. أثناء الأشهر الستة الأولى في منفاها ذاك، كانت منبهرة ~~بتجربة العيش في محيط شبه ملكي، وهي تجربة كانت حديثة عهد بها. كل شيء كان مبالغا فيه ~~وغير حقيقي، حتى إنها كان ينتابها ذلك الشعور المربك بأنها داخل قصة خيالية. هامت على ~~وجهها وأضاعت طريقها وسط متاهة من الردهات ذات الأعمدة والشقق المذهبة. بدا أن السلالم ~~الرخامية بلا نهاية، وأن ثمة عددا غير محدود من الأروقة ضعفت جميعها في المرايا الضخمة؛ ~~وبهذا كان نصف القلعة على الأقل مجرد وهم. # حملت المناظر الطبيعية بجمالها الذي يحبس الأنفاس الطابع غير الواقعي نفسه. في خطاباتها ~~لأسرتها، تخلت عن محاولاتها وصف الجبال الزرقاء والأرجوانية، التي تبلغ قممها عنان ~~السماء، والأنهار الزبرجدية المتفجرة، والوديان الخضراء اليانعة، والأجراف الشاهقة. # فكتبت تقول: «لا أجد ما يكفي من الكلمات لوصفها، لكنها جميعا ببساطة رائعة.» # حسب الموعد المحدد، في مطلع الشهر السابع لغيابها، انكسفت شمس نشوتها للمرة الأولى، وبدأت ~~تدرك مساوئ السكن في قلعة. بادئ ذي بدء، لم تعد تضيع طريقها، ولم تعد السلالم الرخامية ~~اللامحدودة؛ إذ إنها عرفت مواضع المرايا. # لكن كان ثمة تفاصيل أخرى بغيضة، منها البراغيث التي تسكن السجاد كث الوبر والمفروشات ~~الفاخرة؛ إذ ms117 كان عدد الكلاب كثيرا وعدد الخدم قليلا. # وغرفتها الواسعة، التي تشبه شقة ملكية مسرحية، كانت غير مريحة وباردة؛ إذ كانت مدفأتها ~~الضخمة المصنوعة من الخزف الملون - والتي تشبه قطعة فنية في مذبح كاتدرائية - لا تزود ~~بالقدر الكافي من الحطب. # كان يقدم عشرة أصناف على العشاء، لكن لا يوضع أمام من يتناول العشاء سوى شوكة واحدة ~~وسكين واحدة، ينظفهما بمسحهما بالخبز. # الرجال جميعهم وسيمون ومهذبون، لكن لا يبدو أن أحدا منهم يدرك أنها فتاة ذات شعر مجعد ~~هوايتها المحببة هي رفض من يطلبون يدها. # قبل انقضاء آخر خمسة أشهر لها، غمرها الحنين للوطن حتى تحول شوقها لمنزل إنجليزي، يطل ~~على باحة كنيسة ريفية وخلفه بستان من أشجار التفاح، إلى شغف. كانت قد سأمت المناظر ~~المسرحية، فودت لو بدلت بجميع تلك الجبال والأنهار ركنا من مرج إنجليزي استقرت به ~~أجمة من أشجار الدردار وبركة بط. # في الليلة التي سبقت عودتها غمرتها الحماسة؛ إذ كانت تتطلع لرحلتها فلم تستطع النوم. لم ~~تصدق الأمر، مع أن أمتعتها قد حزمت وعنونت بالفعل. إحدى الحقائب كانت تحوي ملاءات متسخة، ~~تنوي غليها بعناية. كانت تغسل ملابسها الشخصية في الحمام خلسة؛ فقد رأت العديد من الدلاء ~~تكب في النهر الأخضر البديع الذي كان بمثابة مغسلة عامة. # بينما استلقت وتقلبت سمعت هدير محرك أخمدته المسافة، فكان كأزيز بعوضة متضخم. كان صوت ~~القطار السريع الليلي الذي أيقظ النائمين المشتاقين لوطنهم في الفندق في بقعة أبعد من ~~الوادي تبعته أفكارهم، كأنه زمار معدني ضخم يعزف لحنا ساحرا. # مثلما سينادي آيريس فيما بعد، انتشل العانس الودود من سريرها. هرعت إلى النافذة في الوقت ~~المناسب كي تراه يمرق خلف الخور كسهم ضوئي يخترق غياهب الظلام. # قالت في زهو: «في مساء الغد، أستقل أنا أيضا قطارا سريعا.» # كانت سعادتها غامرة وهي تترقب رحلتها الطويلة خطوة بخطوة وحدا بعد حد حتى تصل إلى محطة ~~القطار الصغيرة التي كانت مجرد محطة توقف بسيطة مبنية وسط الحقول الخاوية. لن تجد أحدا ~~في استقبالها هناك؛ فأبوها يخاف أن ms118 يقفز سقراط الأخرق في خضم فرحته الغامرة أمام محرك ~~القطار ويحاول أن يلعقه. # لكنها ستجدهم بانتظارها عند نقطة أبعد من الزقاق. دمعت عيناها عندما فكرت في ذلك ~~اللقاء، لكن حتى حينها ما ستكون قد بلغت نهاية رحلتها بعد، ليس قبل أن تعدو خلال بوابة ~~معتمة بيضاء وحديقة تضيئها النجوم لترى الضوء يتدفق من باب مفتوح. # قالت الآنسة فروي بغصة في حلقها: «أمي.» # ثم لمس قلبها خوف مفاجئ. # قالت في نفسها: «أنا لم أشعر من قبل بالحنين إلى الوطن. أهو نذير؟ ماذا إن وقع أمر ما ~~وحبسني عن العودة إلى الديار؟» # بالفعل وقع أمر، أمر وحشي للغاية وغير متوقع، حتى إنها لا تصدق أنه حدث حقا. كان ~~مغامرة لا يمكن أن تحدث لأي شخص غيرها. # في البداية، كانت واثقة من أن أحدا ما سيأتي لإنقاذها عما قريب. قالت لنفسها إن من حسن ~~طالعها أن قابلت تلك الفتاة الإنجليزية الفاتنة. كانتا من وطن واحد، وبإمكانها أن تعتمد ~~عليها بكل ثقة؛ لأنها تعرف أنها كانت لتقلب القطار رأسا على عقب بحثا عنها، إذا كان الوضع ~~معكوسا. # لكن بمرور الوقت بطيئا، دون أن يحدث شيء، بدأ الشك يتسلل إلى عقلها. تذكرت أن الفتاة ~~قد أصيبت بضربة شمس خفيفة وكانت على غير ما يرام. ربما ساء حالها، أو حتى وقعت فريسة للمرض ~~الشديد، كما أنه يصعب شرح الوضع عندما لا يتحدث المرء لغة أهل البلد. # هناك احتمال أسوأ، ربما حاولت آيريس التدخل فوقعت فريسة لتلك الآلة الهائلة التي انحشرت ~~هي في أحد تروسها. عندما راودتها تلك الفكرة، تعرقت شفتها من يأسها وخوفها. # ثم فجأة شعرت بالقطار يتوقف. خفت هديره وقعقعته حتى صارت كصوت سحق زاحف، ثم بارتجاجة ~~هائلة توقف المحرك. # قالت في نفسها بظفر: «لقد افتقدوني، والآن سيفتشون القطار.» # ثم عادت تتخيل الضوء المنبعث من خلال الباب المفتوح. # بينما هي تنتظر في ترقب فرح، كانت لتتفاجأ إن علمت أن العروس الجميلة - التي تبدو كنجمة ~~سينمائية - تفكر بها. # مع أنها لم تكن سوى دمية يحركها الآخرون، ms119 كانت هي العنصر الأساسي لمكيدة تهدف لأن تعيد ~~إليها حريتها؛ ففي تلك اللحظة كان البروفيسور يقف في الممر خارج مقصورة السيدة لورا الخاصة. ~~لم يكن عليها سوى أن تستدعيه كي تتحرك الأحداث التي ستقود في النهاية إلى تحرير الآنسة ~~فروي. # وحيث إنه كان أمامها وقت كاف قبل أن يبلغ القطار ترييستي، أجلت ذلك حتى تتأكد لها حكمة ~~قرارها. بمجرد أن تأججت في ذهنها الفكرة لم يسعها أن توقف وهج الشهرة. # غير أنها في الحقيقة كانت قد حسمت أمرها بالفعل. انكشفت لها عيوب المحامي، إلا أنه يظل هو ~~الجائزة التي راهنت عليها في الأساس؛ فعندما تحوز لقب السيدة براون سيصبح السير بيرفيل مجرد ~~زوج، وهي تعرف كيف تتعامل مع ذلك الحيوان المنزلي المفيد. حتى الآن، كانت تشعر بالخزي بعد ~~أن عرفت أن خطته لا تتضمن الزواج منها، وأنها في خضم توقها لإثارة انبهاره ونيل استحسانه ~~تكونت لديها عقدة نقص. # لكن تكتيكات الهجوم البارعة كانت تناسبها أكثر. كان صوتها متعجرفا عندما تحدثت إلى ~~المحامي. # سألته وهي تتطلع إلى رصيف قذر يظهر دون وضوح في الضوء المرتعش الذي تبثه بضعة مصابيح: ~~«لم توقفنا؟» # قال المحامي مفسرا: «الحدود.» ~~«تبا! هل علينا أن ننزل من القطار ونمر بنقطة التفتيش الجمركي؟» ~~«كلا، بل يصعد المسئولون على متن القطار. ما الذي ينوي ذلك المجنون الأشعث فعله؟» # قطب المحامي جبينه عندما رأى هير يندفع إلى مكتب البرق بينما يصيح بوجه الحارس الذي تبعه ~~وكان يصيح به بدوره. من الواضح أنهما كانا يخوضان مباراة تشاتم من الطراز الأول، لكنها كانت ~~غير مفهومة للركاب الإنجليزيين الذين فاتهم أفضل النقاط التي أحرزت فيها. # في الواقع، خطر للشاب النبيه أن بوسعه أن يوفر وقته الثمين في ترييستي إن استغل توقف ~~القطار في إرسال البرقية التي طلبت منه السيدة بارنز إرسالها إلى مدينة باث بإنجلترا، لكن ~~تلك الفكرة لم تجعله يحوز استحسان أبناء وطنه. # تذمر المحامي وهو ينظر إلى ساعة يده: «ذلك الأخرق يعطلنا.» # لكن فاجأه أن وجد لورا هادئة تماما تجاه الخطر ms120 الذي يهدد جدولهما الزمني. # قالت بتراخ: «وهل يهم ذلك؟ فسنصل على أي حال.» ~~«لكن ربما فاتتنا مواصلتنا؛ فهي لا يفصلها سوى القليل عن موعد وصولنا. هذا يذكرني بأمر. ~~كنت أتساءل إذا كان في صالحك أن نفترق قبل أن نصل إلى إيطاليا؛ فربما صادفنا شخصا نعرفه ~~هناك.» ~~«أنا شخصيا لا أرى أن إيطاليا بمثابة ميدان بيكاديلي، لكنها لا تزال بلدا معروفا. ~~فماذا تريد أن تفعل؟» ~~«بإمكاني أن أستقل قطار ترييستي-باريس السريع. هل تستطيعين تدبير أمورك بمفردك في ~~ميلان؟» ~~«على أكمل وجه. سأعثر على أحد ما، أو أحد ما سيعثر علي. على أي حال أستطيع أن أتدبر ~~أمري.» # حمل صوتها نبرة ثقة - كتلك المقترنة بصرف الطهاة إلى عملهم - إذ كان البروفيسور قد عاد ~~للتو إلى مقصورته. نهضت من مقعدها متأهبة لاتباعه، عندما ظهر موظفو الجمرك في نهاية ~~الممر. # كانت عملية التفتيش تلك ذات أهمية قصوى للآنسة فروي؛ لأن لورا لم تشأ أن يقاطعها أحد، ~~أرادت أن تنتظر ريثما تفتش أمتعة البروفيسور. خلال تلك الفترة، استشعر المحامي موقفا ~~دعاه لطرح بضعة أسئلة إيحائية. # سألها: «لم تلك الجدية البالغة؟» ~~«أنسيت أن ذلك قد يكون أمرا جادا بالنسبة لي؟» ~~«وكيف ذلك؟ فنحن لن نفترق للأبد، أليس كذلك؟ بإمكاني أن ألتقيك في لندن.» ~~«كم هذا لطيف!» # الآن ولم يعد كبرياؤها يحول بين طبيعتها الأنثوية وتعبيرها عن ذاتها، شعرت لورا أنها ~~سيدة الموقف؛ فهي تحمل بيدها البطاقة الرابحة. # قالت: «أتساءل إن كنت سأطيق حمل لقب براون، بعد أن كنت السيدة بارميتر.» ~~«وهل ستسنح الفرصة؟» ~~«إن وقع طلاق فسيصعب أن تخذلني؛ فالأمر لم ينته بعد، أليس كذلك يا عزيزي؟» ~~«لكن يا عزيزتي لن يقع طلاق.» ~~«لست واثقة تماما. أعرف أنك بينت لي بوضوح شديد أنك لا تنوي أن تضع بيد زوجتك دليلا ~~يحملها على تطليقك، لكنها ستقرأ عنا في الصحف، وليس ثمة امرأة تطيق ذلك.» ~~«أنت تبدين واثقة تماما من ذيوع صيتك. ربما أنت مطلعة على احتمالات ذلك أكثر ~~مني؟» # نظر إليها المحامي شزرا وكأنها شاهد عدائي؛ إذ ms121 أدرك الخطر الذي يختبئ وراء ~~ابتسامتها. # كان غرضها التعجيل بأمر ما. # قال ببرود: «بإمكاني أن أطمئنك بخصوص نقطة واحدة. إن رفع زوجك دعوى ضدك فقد تخسرين لقبك ~~البراق ذلك، لكني لن أطلب منك أن تقدمي تلك التضحية الكبرى؛ فهناك سيدة بروان بالفعل. ~~زوجتي لن تطلقني أبدا.» # نظرت إليه آيريس باستنكار. # وسألته: «أتعني أنها ستتلقى الخبر وهي مستلقية دون أن يهتز لها طرف؟» ~~«هل يهم على أي وضع ستتلقاه؟ ما أقصده هو أننا متفقان تماما. سيكون في غير مصلحتنا ~~المشتركة أن نفترق، لكني لا أظن أن خطر التشهير قائم بالفعل. ماذا عنك؟» # كان يعلم أنه ربح الجولة، ولم يخف ذلك عنها أيضا. حرك صوته الفاتر الذي لا تتغير ~~نبرته عاطفتها المتأججة. # قالت: «إن كان قائما، فيبدو لي أنني سأكون الخاسرة الوحيدة. فأنت تتباهى بأن زوجتك لن ~~تطلقك، لكن زوجي سيفعل، وأنا أحمد الله على ذلك؛ فعلى الأقل أنا متزوجة من رجل حقيقي يملك ~~مشاعر طبيعية لائقة.» # وضع المحامي نظارته أحادية العدسة على عينه في محاولة غريزية لحفظ ماء وجهه. # قال: «أخشى أني خيبت ظنك. لم أكن أعلم أني جعلتك تأملين فيما هو أكثر من مجرد عطلة ~~ممتعة غير تقليدية.» # قبل أن يتسنى للورا الرد، دخل موظف الجمرك إلى مقصورتهما، وكان مهذبا للغاية وودودا ~~عندما طلب فحص أمتعة السيد الإنجليزي البارز وعروسه الحسناء وجوازي سفرهما. # بعد أن غادر، ظهر البروفيسور مجددا في الممر وهو لا يزال يدخن غليونه. # سرت القشعريرة في جسد لورا فور أن وقعت عيناها عليه؛ إذ ذكرها بما كادت تفقده بسبب ~~تصريح متعجل. كانت لتخسر بيتها الفاخر، ومكانتها الاجتماعية، واحترامها، وربما حتى طفليها؛ ~~بسبب رجل لا ينوي الزواج منها. # قالت لنفسها: «حمدا لله أني استشففت نيته قبل أن أفعل!» # كان مكسبها خسارة للآنسة فروي؛ فالقطار السريع يحمل على متنه راكبة خفية، لم يفحص أحد ~~جواز سفرها مع أنه سليم؛ لأنها مسافرة محنكة، أدركت حقيقة ما حدث عندما بدأ القطار يتحرك ~~ببطء للمرة الثانية. # قالت في نفسها: «الحدود.» # لكن في ms122 الفترة بين صعود موظفي الجمرك على متن القطار ومغادرتهم، اجتاحتها دوامة من ~~المشاعر؛ إذ خرجت من جوف الليل إلى نور الشمس، مرورا بشفق الترقب المتدرج، ثم جاء الأمل ~~والقلق المؤجلين، قبل أن يبتلعها الظلام مرة أخرى. # وعاد القطار ينطلق مسرعا. # الفصل الخامس والعشرون # | اختفاء غريب # بعد أن غادر البروفيسور، استرخت آيريس في مقعدها وأصغت لهدير التيار المتذبذب لإيقاع ~~القطار المضطرب. كان البخار قد بدأ يتكون على زجاج النافذة المعتم، فجعل من العسير رؤية ~~أي شيء خارجها، عدا خط من الأضواء يرى كل حين وآخر عندما يمر القطار بسرعة من أمام محطة ~~صغيرة. # منذ أن أثبتت قوانين المنطق أن لا وجود للآنسة فروي، كانت تشعر بإنهاك لدرجة جعلتها غير ~~مهتمة بمحيطها. لم تجد في نفسها طاقة تكفي حتى لأن تظل حانقة على البروفيسور لتدخله في ~~شئونها. # قالت في نفسها متأملة: «جميع المسافرين أنانيون. لقد كانت الأختان فلود- بورتر هما السبب. ~~خشيتا أن تعلقا معي؛ لذا أثرتا على البروفيسور، وأتوقع أنه استشار الطبيب بشأن ما يمكن ~~فعله.» # اعتدلت في جلستها في محاولة لإراحة ألم ظهرها. أرهقها الاهتزاز المتواصل للقطار، وشعرت ~~بأن رقبتها متيبسة وكأنها مصنوعة من الجص الباريسي وستنفلق إلى نصفين إن حركتها حركة ~~مفاجئة. في تلك اللحظة تاقت إلى فراش مريح تأوي إليه لترتاح بعيدا عن القعقعة والطنين ~~المتواصلين. # كان ذلك ما اقترحه الطبيب؛ نوم ليلي مريح، لكن مع أنها بدأت تشكك في حكمته من السباحة ~~عكس التيار، ظلت ثابتة على إصرارها على عدم الامتثال لنصيحته. # في تلك اللحظة، دخل عليها هير وجلس قبالتها في مقعد الآنسة كومر. # سألها مستبشرا: «هل ستتوقفين في ترييستي؟» # أجابته آيريس بعناد: «كلا.» ~~«لكن هل أنت واثقة أنك قادرة على متابعة الرحلة؟» ~~«وهل يعنيك ذلك؟» ~~«كلا، لكن على أي حال أنا قلق للغاية بشأنك.» ~~«لم؟» ~~«لا أعلم البتة؛ فذلك ليس من عادتي.» # ابتسمت آيريس ابتسامة واهنة رغما عنها. كانت لا تقدر على نسيان الآنسة فروي، فذكراها ~~كانت بمثابة شعور خفي ملح، كضرس توقف نموه مؤقتا. ومع ذلك ms123 كان لحضور هير تأثير مسكن ~~موضعي للألم؛ فرغم بؤسها كانت تشعر بحماسة غريبة عندما تكون معه وحدها في تلك الرحلة ~~الكابوسية. # قال لها: «ابتهجي؛ فقريبا تكونين في الديار، وسط زمرة أصدقائك.» # بدت تلك الفكرة منفرة لآيريس فجأة. # قالت بنفاد صبر: «لا أريد أن تقع عيناي على أي منهم، ولا أريد العودة. ليس لي بيت. أشعر ~~أنه لا يوجد ما يستحق العناء.» ~~«ماذا تفعلين في حياتك؟» ~~«لا شيء سوى العبث.» ~~«مع الآخرين؟» ~~«أجل. جميعنا نقوم بالأمور نفسها. أمور خرقاء. ليس فيهم شخص واحد غير مزيف. أحيانا ~~يرعبني الأمر؛ فأنا أهدر شبابي. إلام سينتهي كل ذلك؟» # لم يحاول هير التخفيف عنها أو إجابة سؤالها، بل حدق في الظلام بالخارج وعلى شفتيه تراقص ~~شبح ابتسامة. عندما بدأ حديثه تحدث عن نفسه. ~~«حياتي تختلف كثيرا عن حياتك؛ فأنا لا أعلم قط ماذا ستكون وجهتي التالية، لكن حياتي ~~دائما خشنة. تحدث أمور لا تكون دائما سارة، لكن إن تسنى لي اصطحابك معي إلى وظيفتي ~~التالية، فسيكون ذلك بمثابة تغيير كامل بالنسبة لك؛ إذ ستحرمين كل وسائل الراحة المتاحة ~~في منزل فاخر، لكنني أراهنك على أنك لن تشعري بالضجر قط مجددا.» ~~«يبدو ذلك لطيفا. هل تطلب يدي؟» ~~«كلا، بل أنتظر ريثما تبدئين بقذفي بفطائر المهلبية كي أتفاداها.» ~~«لكن العديد من الرجال يطلبون يدي للزواج، كما أني أود الذهاب إلى مكان وعر.» ~~«حسنا. الآن صار بإمكاني أن أبحث الأمر بجدية. هل تملكين المال؟» ~~«أملك شيئا منه؛ مجرد فتات.» ~~«هذا يناسبني؛ فأنا لا أملك منه شيئا.» # بالكاد كانا يعيان ما قالاه في حديثهما العشوائي الذي خاضاه باللغة الوحيدة التي ~~يفهمانها، تخالف كلماتهما الواهية التوق البادي في عينيهما. # قال هير قاطعا فترة من الصمت: «أتدرين؟ كل ذلك ليس إلا هراء؛ فأنا ما أقوله إلا لإبعاد ~~تفكيرك عن مشكلتك.» ~~«أتعني الآنسة فروي؟» ~~«أجل، تلك المرأة اللعينة.» # تفاجأ عندما غيرت آيريس الموضوع. # سألته: «كيف هو عقلك؟» ~~«يتراوح بين الذكاء الشديد والمتوسط، هذا عندما يكون صافيا. الجعة هي أفضل وقود ~~له.» ~~«هل ms124 تستطيع كتابة قصة بوليسية مشوقة؟» ~~«كلا، فأنا لا أحسن التهجئة.» ~~«لكن هل بإمكانك أن تحل لغز واحدة ؟» ~~«أجل، أنجح بذلك في كل مرة.» ~~«إذن، ما رأيك أن تقدم لي تفسيرا؟ لقد نجحت ببراعة في إثبات أن الآنسة فروي لا يمكن أن ~~تكون حقيقية، لكن إن كان وجودها حقيقيا، فهل بإمكانك أن تكتشف ما عساه أن يكون قد حدث ~~لها، أم أن ذلك صعب عليك للغاية؟» # انفجر هير ضاحكا وقال: «لطالما ظننت أني إن أعجبت بفتاة، فستكون قائدة فرقة موسيقية لها ~~شعر مموج. لم يخيل لي قط أني سأضطر لأن ألعب دورا مساندا لمعلمة عجوز. أعتقد أن ~~الدهر ينتقم مني؛ فمنذ زمن طويل عضضت معلمة، وقد كانت معلمة بارعة بحق. حسنا، ~~لنبدأ.» # أشعل غليونه وقطب جبينه بينما راقبته آيريس باهتمام بالغ. بدا على وجهه - الذي زال عنه ~~التواني واللامبالاة - أمارات التركيز، فبدا كأنه رجل مختلف. كان تارة يمرر أصابعه خلال ~~شعره عندما تنتصب خصلة شعره الثائرة، وتارة أخرى يضحك ضحكات خافتة مكتومة، ثم ما لبث أن ~~صاح صيحة انتصار. ~~«لقد نجحت في حبك قصة ملائمة. يتخلل الخداع بعض أجزائها، لكنها تظل متماسكة. هل تودين ~~سماع القصة التي تدعى «الاختفاء الغريب للآنسة فروي» التي ألفتها؟» # أجفلت آيريس من نبرته المرحة. # قالت له: «سيسرني أن أفعل.» ~~«إذن، لك ما أردت، لكن أولا عندما صعدت على متن القطار، هل كان بالعربة المجاورة راهبة ~~واحدة أم اثنتان؟» ~~«لم ألاحظ إلا واحدة عندما مررنا بالمقصورة. كان وجهها مريعا.» ~~«مم! قصتي تتطلب وجود واحدة أخرى، فيما بعد.» ~~«هذا ملائم، فثمة أخرى. لقد قابلتها في الممر.» ~~«هل رأيتها منذ ذلك الحين؟» ~~«كلا، ولكني لم أكن لألاحظ على أي حال؛ فالزحام شديد.» ~~«هذا جيد. هذا يثبت أنه ما كان أحد ليلحظ على الأرجح إذا كان ثمة راهبة واحدة أم اثنتان ~~يرعيان المريضة المضمدة، لا سيما أن الزحام شديد في نهاية الممر. كما ترين كان علي أن ~~أقلب أمر تلكما الراهبتين المبجلتين في رأسي؛ لذا فهما مهمتان جدا.» ~~«أجل. تابع.» ms125 ~~«أنا لم أبدأ بعد. كان أمر الراهبتين مجرد تمهيد. إليك القصة الأساسية. الآنسة فروي ~~جاسوسة بحيازتها معلومات تحاول تهريبها خلسة إلى خارج البلاد؛ لذا يجب اغتيالها. وأي ظروف ~~ستكون أنسب لذلك الغرض من رحلة قطار؟» # سألته آيريس بوهن: «أتعني أنهم ألقوا بها على القضبان أثناء مرور القطار بأحد ~~الأنفاق؟» ~~«دعي عنك تلك السخافة، وذلك الشحوب أيضا. إن كانوا قد ألقوا بها على القضبان لعثر على ~~جثتها ولطرحت الأسئلة الغريبة. كلا، يجب أن تختفي. وما أرمي إليه هو ما يلي. إن اختفت ~~أثناء رحلة، فسيضيع الكثير من الوقت الثمين قبل أن يمكن إثبات أنها مفقودة حتى. في البداية ~~سيظن أهلها أن وسيلة مواصلات فاتتها أو أنها توقفت في باريس لليلة أو ليليتين للتسوق؛ لذا ~~عندما يبدءون بالبحث عنها سيكون أثرها قد انمحى تماما.» ~~«لكنهم لن يعرفوا ما يجب عليهم فعله؛ فهما عجوزان لا حول لهما ولا قوة.» ~~«يا لسوء طالعهما! أنت تجعلين قصتي تبدو مثيرة للشفقة تماما، لكن حتى إن كانا من ذوي ~~النفوذ ويعرفان الإجراءات اللازمة، سيجدان نفسيهما لقاء مؤامرة من الصمت عندما يبدآن في ~~التحري عنها.» ~~«يا للهول! هل الركاب جميعهم مشتركون في المؤامرة؟» ~~«كلا، فقط البارونة والطبيب والراهبتان. بالطبع سيكون هناك مؤامرة من الصمت السلبي، كما ~~ذكرت لك من قبل؛ فلن يجرؤ أي من الركاب من أهل البلدة أن يناقض أيا من أقوال ~~البارونة.» ~~«لكن لا تنس أن البارونة قالت شيئا لم تفهمه أنت لجامع التذاكر.» ~~«أتلك حكايتي أم حكايتك؟ لكن ربما أنت محقة، ربما تواطأ معهم موظف أو اثنان من موظفي ~~السكة الحديدية. في الواقع، لا بد أن تلاعبا ما قد حدث عند مفترق الطرق بخصوص مقعدها ~~المحجوز؛ إذ كان يجب أن يضمنوا أن تجلس في مقصورة البارونة، وأن تكون تلك المقصورة في مؤخرة ~~القطار.» ~~«وأن تكون مجاورة لمقصورة الطبيب كذلك، لكن ماذا حدث لها؟» # كانت آيريس قد قررت الاحتفاظ برباطة جأشها، ومع ذلك قبضت أصابع يدها في ترقب وهي ~~تنتظر. # قال هير بتأمل: «هنا يأتي دور ms126 ذكائي. الآنسة فروي ترقد في المقصورة المجاورة لتلك، ~~مغطاة بالأوشحة متخفية وراء الضمادات والقصاصات، حتى إن أمها ما كانت لتتعرف عليها ~~الآن.» ~~«كيف؟ متى؟» ~~«حدث ذلك عندما كنت تغط في النوم. حينها يدخل الطبيب ويسأل الآنسة فروي إن كان ~~بإمكانها أن تؤدي خدمة بسيطة لمريضته. أنا واثق أني لا أعلم كيف أقنعها بذلك، ومعه ممرضة ~~طوع بنانه، لكنها ستذهب معه.» ~~«أنا واثقة أنها كانت لتفعل ذلك.» ~~«فور أن تدلف إلى المقصورة، تجد بانتظارها أكبر مفاجأة في حياتها. بادئ ذي بدء، تجد جميع ~~الستائر منسدلة والظلام يعم المقصورة. ترتاب في الأمر، لكن قبل أن يتسنى لها أن تصرخ، ~~ينقض عليها ثلاثتهم.» ~~«ثلاثتهم؟» ~~«أجل! فالمريضة أحد أفراد العصابة. تقيدها إحداهما، وتكتم الأخرى أنفاسها حتى لا تتمكن ~~من الصراخ، بينما ينهمك الطبيب في حقنها بعقار يجعلها تفقد الوعي.» # شعرت آيريس بدقات قلبها تتسارع وهي تتخيل ذلك المشهد. قالت: «ذلك ممكن الحدوث.» # ابتسم لها هير ابتسامة فرحة. ~~«أتمنى لو أنك كنت حاضرة وأنا أقص حكايات مباريات الهوكي التي خضتها؛ فأنت تبدين رد ~~الفعل المناسب تجاه الأكاذيب؛ أعني الأكاذيب المحبوكة بمهارة بالطبع. بالمناسبة، إحدى ~~الراهبتين رجل؛ تلك ذات الوجه القبيح.» ~~«أظن أنها كذلك.» ~~«لا تكوني متحاملة؛ فالرجال ليسوا جميعا قبحاء. على أي حال، تسقط الآنسة فروي فاقدة ~~الوعي، فيتسنى لهم تضميدها بقوة، ولصق الضمادات الطبية على وجهها لإخفاء هويتها، ثم ~~يقيدونها، ويكممون فمها، ويمددونها حيث كانت ترقد المريضة المزيفة التي ترتدي بالفعل ~~الزي الموحد، إلا أنها كانت تخفيه تحت البطانيات؛ لذا لم يكن عليها سوى إزالة الضمادات ~~اللاصقة ووضع حجاب على رأسها المضمد كي تبدو كراهبة تقليدية. الراهبة رقم اثنين.» # أومأت آيريس برأسها. «لقد رأيت راهبة ثانية في الممر.» ~~«لكن في ذلك الحين، تعثرين على بعض الركاب الإنجليزيين ممن سيذكرون الآنسة فروي، حتى إنك ~~حملت زوجة القس على تأييدك. كما شرحت لك من قبل حسبما أذكر، كان على المتآمرين أن يأتوا ~~بشخص ما، ويتكلون إلى الحيلة؛ لذا ينسدل الستار مجددا، فيما ترتدي الراهبة الثانية - ~~التي ms127 كانت تلعب دور المريضة الأصلية - زي الآنسة فروي.» # ظلت آيريس صامتة بينما بدت الكآبة على هير. ~~«أقر بأنها قصة واهية، لكن ذلك هو أقصى ما بوسعي.» # بالكاد سمعته آيريس؛ إذ كانت تستجمع شجاعتها كي تطرح سؤالا. ~~«ماذا يكون مصيرها عند وصولهم إلى ترييستي؟» # قال هير مفسرا: «ذلك هو الجزء الذي سيعشقه قرائي. سيضعونها في عربة إسعاف ويأخذونها إلى ~~منزل معزول، يطل على مسطح مائي عميق مهجور - جدول أو فرع من بحيرة أو ما شابه. تعرفين ~~حتما ما أعني - مياه سوداء متعكرة تكتنف رصيفا بحريا مهجورا، ثم سيربطونها بثقل وما ~~إلى ذلك، ويلقون بها بعناية وسط الطمي والوحل، لكني لست عديم الرحمة بالكلية. سأدعهم ~~يتركونها مخدرة حتى نهايتها التعيسة؛ لذا فلن تشعر العجوز الودودة بأي شيء. هاك القصة. ~~ما الأمر؟» # هبت آيريس من مقعدها وكانت تجذب الباب محاولة فتحه. قالت لاهثة: «كل ما قلته قد يكون ~~حقيقيا. يجب ألا نهدر أي وقت. يجب أن نفعل شيئا.» # أجلسها هير في مقعدها مرة أخرى. # وقال: «اسمعي يا ...» كانت كل شيء بالنسبة له، ومع ذلك غاب اسمها عن ذاكرته تماما. «تلك ~~مجرد قصة ألفتها لأجلك.» # صاحت آيريس: «لكن يجب أن أصل لتلك المريضة؛ فهي الآنسة فروي. يجب أن أتأكد بنفسي.» ~~«دعي عنك تلك السخافة. المريضة التي ترقد في المقصورة المجاورة حقيقية، وقد تحطم جسدها. ~~إن اقتحمنا المقصورة عنوة وشرعنا في إثارة أي جلبة فسيطردنا الطبيب، وسيكون محقا في ذلك ~~أيضا.» # سألته آيريس بيأس: «إذن فلن تساعدني؟» ~~«كلا بكل تأكيد. أنا آسف لأني لا أكف عن ذكر ذلك، لكني لا أستطيع نسيان أنك تعرضت ~~لضربة شمس، وعندما أتذكر التجربة التي تعرضت لها وكيف أني خلطت بين مدربي ...» ~~«وأمير ويلز. أعلم، أعلم.» ~~«أنا آسف للغاية لأني جاريتك، لكني لم أفعل سوى أني أخبرتك كيف كانت الأمور لتتم، لكني ~~كتلك العجوز التي ترى زرافة للمرة الأولى. بصدق، «أنا لا أصدق ذلك».» # الفصل السادس والعشرون # | توقيع # وافقته آيريس قائلة بتبلد: «بالطبع هي قصة اختلقتها. يا لي من حمقاء!» ms128 # بينما كانت تحاول كظم خيبة أملها، بدأ شخص ما - على مسافة منهم من الممر - يتحدث بصوت ~~مرتفع على غير المعتاد. كانت كلماته غير مفهومة لها، وكان لها وقع تعويذة سحرية لهطول المطر ~~على أذنيها، لكن تهللت أسارير هير. # قال وهو يهب على قدميه: «أحد معه مذياع لاسلكي، إنها نشرة الأخبار. سأعود على ~~الفور.» # عندما عاد، أخبر آيريس بما سمعه. ~~«ها هي جريمة قتل مثيرة أخرى تضيع سدى؛ فأدلة الطب الشرعي في قضية مقتل المحرر تشير إلى ~~أنه أردي بالرصاص في منتصف الليل تقريبا، بينما غادر المتأبه بعد العشاء مباشرة متجها ~~إلى كوخ الصيد الذي يملكه؛ لذا لا يسعهم إدانته بها. يا للخسارة!» # بينما هو يتحدث، لاح في ذاكرة آيريس أمر ما، كبيوت العنكبوت الحلزونية التي تهفو في ~~الهواء في صباح يوم خريفي ساكن، انتبهت بينما كان هير ينظر إلى ساعته. # قال لها: «لقد اقترب موعد جولة العشاء الثانية، فهل ستأتين؟» ~~«كلا، لكن الآخرين سيعودون عما قريب.» ~~«وما همك أنت؟ هل تخافين منهم؟» ~~«لا تكن سخيفا، لكنهم يتجمعون كلهم في ذلك الجانب، وأنا ... وأنا لا أحب أن أكون قريبة ~~لتلك الدرجة من ذلك الطبيب.» ~~«لست خائفة إذن. حسنا، ستكون مقصورتنا خاوية بينما نتعشى أنا والبروفيسور. وأنا مستعد ~~لتأجيرها من الباطن لمستأجر جيد مقابل ثمن زهيد.» # بعد أن غادر، شعرت آيريس بالوهن القديم يتسلل إليها. علمت من صوت هرير ممطوط، يشبه صوت ~~نحيب روح معذبة، تبعه صوت يشبه هدير طلقات مدفع رشاش، أنهم يمرون عبر نفق. وهذا يشير ~~إلى احتمال وقوع أمر مريع. # ماذا إن كان أحد في تلك اللحظة يلقي بجثة خارج القطار؟ # ذكرت نفسها أن قصة هير من وحي خياله واستطاعت طرحها عن ذهنها، لكن قصة أخرى - قرأتها ~~في مجلة ويفترض أنها حقيقية - حلت محلها. # كانت تحكي عن سيدتين وصلتا مساء إلى فندق أوروبي، في طريق عودتهما من جولة بالشرق. حفظت ~~الابنة جيدا رقم غرفة أمها قبل أن تذهب هي إلى غرفتها. عندما عادت في وقت لاحق لم تجد أي ms129 ~~أثر لأمها، ووجدت بالغرفة أثاثا جديدا وورق حائط جديدا. # عندما طرحت الأسئلة، أكد العاملون بالفندق جميعا، بداية من المدير ومرورا بمن تحته ~~جميعا، أنها جاءت إلى الفندق بمفردها. لم يكن اسم الأم مدونا في سجل النزلاء. ودعم ~~المؤامرة سائق سيارة الأجرة والحمالون في محطة القطار. # اختفت الأم وكأنها لم تكن. # لكن بالطبع كان لذلك تفسير. في غياب الابنة، ماتت الأم بالطاعون الذي كانت قد أصيبت به في ~~الشرق. تلك الشائعة وحدها كفيلة بإثناء ملايين الزوار عن زيارة المعرض الذي سيقام في ~~المدينة. لما كانت مصالح مهمة إلى ذلك الحد تقف على المحك، كان لا مناص من التضحية بفرد ~~واحد. # بدأت كفا آيريس تتعرقان وهي تتساءل عن احتمال أن يكون اختفاء الآنسة فروي مناظرا لذلك ~~الحادث لكن على نطاق ضيق للغاية. في حالتها لن يتضمن مؤسسة كبيرة معقدة، أو مؤامرة مدهشة، ~~بل مجرد تحالف بين حفنة من ذوي المصالح. # وقد بين لها هير كيف من الممكن لذلك أن يحدث. # بدأت تحاول مطابقة الوقائع مع تلك النظرية. أولا، مع أن البارونة ثرية، فإنها تشارك ~~عامة القوم في مقصورة. لم؟ لأنها قررت القيام بتلك الرحلة في اللحظة الأخيرة فلم يتسن ~~لها حجز مقصورة؟ لو كان الأمر كذلك، لما استطاعت الأختان فلود-بورتر والزوجان تودهانتر ~~حجز مقصورة خاصة. # أكان ذلك شحا منها إذن؟ أم أنها أرادت أن تجلس في مقصورة معينة في نهاية الممر، بجوار ~~عربة الطبيب، حيث لن يراهما أحد أو يزعجهما؟ # علاوة على ذلك أهي صدفة أن يكون باقي ركاب المقصورة من السكان المحليين ممن تتحكم في ~~مصائرهم إلى حد كبير؟ # ظلت تلك الأسئلة دون إجابة، بينما لاحت غيمة جديدة من الشكوك في ذهن آيريس. كان من غير ~~العادي أن تترك الستائر دون إسدال في مقصورة المريضة. تركت في واجهة العرض - إن جاز ~~التعبير - للإعلان عن بضاعتهم. أكان الغرض من ذلك هو تمهيد الطريق لنسخة من الاستراتيجية ~~القديمة؛ إخفاء شيء حيث يكون على مرأى من الجميع؟ # لكن، ما الذي فعلته الآنسة فروي المسكينة؟ ms130 كان هير محقا عندما قال إنه لا يعنيه سوى ~~الدافع. إلى حد علم آيريس، أوفت الآنسة فروي بواجباتها بأمانة شديدة، حتى إن رب عملها ~~الموقر شكرها بنفسه على الخدمات التي أدتها له. # فجأة شهقت آيريس بانفعال. # وقالت بصوت هامس: «ذلك هو السبب.» # كان من المفترض أن يكون الرجل البارز في كوخ صيده وقت وقوع الجريمة، لكن الآنسة فروي، ~~والتي كانت مستلقية في فراشها دون أن تنام في غير كياسة، باغتته بخروجها من الحمام الوحيد ~~بالقصر، حيث كان يغتسل قبل أن ينسل خارجا. # بهذا تكون قد أسقطت حجة غيابه. # فمعرفتها تلك ستمثل خطرا مؤكدا لأنها كانت ستعود كي تشتغل بالتدريس لأبناء قائد الحركة ~~الشيوعية؛ فالجميع يعرف أنها تدمن الثرثرة والنميمة، وهي حتما ستفخر بحيازتها ثقة الرجل ~~البارز، ولن تخفي ذلك. ولأنها مواطنة بريطانية - لا مأرب لها من وراء الأمر - سترجح ~~كفة شهادتها في مقابل مجموع شهادات المعنيين. # عندما صافحها ذلك الرجل البارز بأدب جم، كان بذلك يسطر نهايتها. # تصورت آيريس الاجتماع العائلي الذي أجري عند مطلع الفجر، والاستدعاءات المستعجلة ~~للحلفاء الضروريين. كانت الرسائل السرية تتناقل بهمهمة عبر الهواتف حتما. في ضوء ذلك ~~الظرف الطارئ، تقرر بدافع الضرورة أن إسكات الآنسة فروي لا يمكن أن يكون جريمة ~~كاملة. # حاولت كبت جماح خيالها. ~~«ماكسميليان أو ماكس تتذكرينه. حبك لي قصة من خياله. كان يبالغ بالوقائع كي تلائم ~~قصته. ربما أفعل الأمر نفسه. لا جدوى من القلق بشأن امرأة ربما لا وجود لها؛ ففي النهاية ~~ربما تكون مجرد وهم كما يزعمون. أتمنى لو استطعت التيقن.» لم تكن قد نسيت اسمه منذ أن قال ~~لها: «هير اسم طويل يصعب أن تتذكريه.» # تحققت أمنيتها تلك بأسلوب مثير. كان الجو داخل العربة قد صار خانقا، وتدريجيا ~~تحول البخار المتجمع على زجاج النافذة إلى قطرات ماء بدأت تنساب لأسفل. # تابعت آيريس ببصرها إحداها وهي تنزلق من أعلى النافذة المتسخة إلى زاوية منها. # وفجأة أجفلت عندما لاحظت اسما كتب بخط دقيق على الزجاج الذي يغطيه البخار. # لما مالت نحوه، ms131 استطاعت أن تقرأ بوضوح التوقيع. كان «وينفريد فروي». # الفصل السابع والعشرون # | اختبار الحمض # حملقت آيريس في الاسم وهي تكاد لا تصدق أن عينيها لا تخدعانها. كان الخط دقيقا ذا ~~منحنيات دائرية غير حادة، كخط تلميذة مدرسية، وكان ينطق بشخصية المعلمة الودودة، التي تقف ~~بين وقار الكهولة وريعان الصبا. # كان دليلا مؤكدا على أن الآنسة فروي جلست مؤخرا في المقعد بتلك الزاوية. تذكرت آيريس ~~بإبهام أنها رأتها تحيك شيئا ما عندما دخلت المقصورة لأول مرة. عندما خطت اسمها على ~~الزجاج المعتم بطرف إبرتها، كانت تنفس عن شيء من حماستها للعطلة. # قالت آيريس وهي تطير فرحا: «لقد كنت محقة في النهاية.» # شعرت براحة غامرة لخروجها من غياهب كابوسها، لكن ما لبث أن طغى على فرحتها شعور بكارثة ~~حتمية. # لم تعد تحارب الظلال، بل تواجه خطرا فعليا. # فثمة مصير مريع ينتظر الآنسة فروي، وهي الشخص الوحيد على متن القطار الذي يدرك ذلك ~~المأزق، والوقت يمر دون هوادة. نظرت إلى ساعتها فوجدت أنها التاسعة إلا عشر دقائق. في أقل ~~من ساعة سيصل القطار إلى ترييستي. # وترييستي الآن تحمل دلالة بشعة؛ إذ إنها بمثابة غرفة الإعدام. # كان القطار يسير بسرعة هائلة، في محاولة لاستعاضة الوقت المهدر. كان يقعقع ويصر وهو ~~يسلك المنحنيات، تهتز عرباته كأنها لا تعبق برائحة حمولتها من البشر. شعرت آيريس أنهم في ~~قبضة قوة غضبى عديمة الشفقة، هي بدورها ضحية نظام لا يرحم. # فسيتعرض السائق لجزاء عن كل دقيقة يتأخرها عن موعد الوصول المحدد. # دفع حس آيريس بإلحاح الموقف لأن تهب واقفة من مقعدها، إلا أنها ما لبثت أن فعلت حتى ~~ترنحت مجددا؛ إذ ضربتها موجة مفاجئة من الدوار. نتيجة لتلك الحركة المتهورة، شعرت بنبض ~~داخل رأسها وبآلام مبرحة خلف محجري عينيها. أشعلت سيجارة في أمل واهن أن يكون لها تأثير ~~مهدئ. # أنبأها ضجيج الأصوات الآتي من الممر أن الركاب قد بدءوا يعودون من العشاء. كانت الأسرة ~~والشقراء أول الواصلين. كانوا جميعا في مزاج رائق بعد أن تناولوا وجبتهم فلم يعبئوا بآيريس ms132 ~~التي نظرت لهم شزرا من مقعدها. أحنقها سكوتهم عن المؤامرة، حتى مع أنهم يجهلون أن خطرا ~~يهدد الآنسة فروي، بل سرهم فحسب أن قدموا خدمة بسيطة للبارونة. # تبعتهم السيدة التي ترتدي حلة الآنسة فروي التويدية وقبعتها ذات الريشة. فور أن وقعت ~~عيناها على تلك المنتحلة، ارتفعت حرارة آيريس مجددا وهي تتساءل في نفسها إن كانت تلك هي ~~بالفعل الممرضة الثانية التي التقتها في الممر. # فكلتاهما لها عينان سوداوان باهتتان وبشرة شاحبة وأسنان نخرة، لكن الفلاحات اللاتي ~~رأتهن في غرفة الانتظار لم يختلفن عنها في شيء تقريبا. لما استحال أن تصل إلى أي استنتاج ~~نهضت آيريس واندفعت خارجة إلى الممر. # كانت متحفزة للتصرف وتنوي اقتحام المقصورة المجاورة، لكن البارونة اعترضت طريقها بجسدها ~~الضخم المتشح بالسواد الذي كاد يسد الممر الضيق. عندما شبت آيريس لتتطلع إلى ما وراء ~~كتفها، أدركت أنها محاصرة في منطقة الخطر بالقطار، بعيدا عن جميع من تعرفهم. # اعتراها فجأة شعور بالعجز والخوف وهي تشيح ببصرها عن الوجه العابس إلى الظلام الدامس ~~الذي يمرق خارج النافذة. زادت صرخات المحرك الجنونية واهتزازات القطار العنيفة من شعورها ~~بأنها داخل كابوس. مرة أخرى، بدأت ركبتاها ترتعدان وخشيت بشدة أن تفقد وعيها. # لكن خشيتها من أن تفقد وعيها فتصير تحت رحمتهم جعلتها تصارع الدوار بكل ما أوتيت من قوة. ~~بعد أن لعقت شفتيها الجافتين، تمكنت من الحديث إلى البارونة. ~~«دعيني أمر رجاء.» # عوضا عن أن تفسح لها الطريق، تطلعت البارونة إلى وجهها المختلج. # وقالت: «أنت تتألمين. هذا ليس أمرا جيدا؛ فأنت يافعة وتسافرين دون رفقاء. سأطلب من الممرضة ~~هنا أن تعطيك قرصا لإراحة ألم رأسك.» # قالت آيريس بحزم: «كلا، شكرا لك! رجاء، هلا تنحيت جانبا؟» # لم تلتفت البارونة لطلبها، أو لرفضها، بل صاحت بأمر حازم فخرجت الممرضة ذات الوجه القاسي ~~إلى مدخل مقصورة المريضة. لاحظت آيريس لا شعوريا أن كلمات البارونة لا تتسق وكونها طلبا ~~عاديا، بل كانت أمرا بالتحرك الفوري. # كان البخار قد بدأ يتجمع على زجاج نافذة مقصورة المريضة بفعل الحرارة، ms133 لكن آيريس حاولت أن ~~تلقي نظرة بالداخل. بدا كأن الجسد الساكن الممدد على المقعد لا وجه له، بل مجرد غشاوة ~~بيضاء. # فيما تساءلت في نفسها عما يستقر تحت تلك الضمادات لاحظت الممرضة اهتمامها، فتقدمت ~~بغتة وأمسكت بذراعها كأنها ستسحبها إلى الداخل. # تطلعت آيريس إلى ثغرها القاسي، والظلال الداكنة حول شفتيها والأصابع القوية التي تكسوها ~~شعرات سوداوات قصيرة، وقالت في نفسها: «إنه رجل.» # دفعها الذعر لأن تقدم على حركة غريزية دفاعا عن نفسها. بالكاد كانت تعي ما تفعل وهي ~~تدس طرف سيجارتها المشتعلة في ظهر كف السيدة. من دهشتها، أرخت قبضتها وهي تنطق بما يشبه ~~القسم. # في تلك اللحظة، اندفعت آيريس عنوة من جانب البارونة وانطلقت تركض في الممر وهي تشق طريقها ~~خلال سيل الركاب العائدين من العشاء. مع أنهم أعاقوا طريقها، كانت ممتنة لوجودهم لأنهم ~~شكلوا حاجزا بينها وبين البارونة. # بعد أن هدأ ذعرها، بدأت تدرك أن جميع من بالقطار يضحك منها على ما يبدو. الحارس لم يخف ~~ابتسامته الساخرة وهو يلوي شاربه القصير المنتصب. رأت لمحات من أسنان بيضاء وسمعت ضحكات ~~ساخرة مكتومة. من الواضح أن الركاب يرون أن مسا من جنون قد أصابها، وأنهم مستمتعون بعرض ~~مسل. # سخريتهم تلك جعلت آيريس تدرك الموقف. تنبهت لذاتها وشعرت بالخجل كأنها في حلم تسير فيه ~~عارية. # سألت نفسها: «يا للهول! ماذا فعلت؟ الممرضة لم تفعل سوى أنها قدمت إلي مسكنا أو ~~ما شابه، وأنا أحرقت رسغها. إن كانوا حقا نزهاء فسيحسبون أنني مجنونة.» # ثم استيقظ ذعرها مرة أخرى عندما تذكرت الآنسة فروي. ~~«لن يسمعوا إلي، لكن علي أن أجعلهم يفهمون الحقيقة بشأنها. هذا القطار طويل للغاية. ~~لن أصل إلى مقصدي أبدا. وجوه. وجوه ضاحكة. الآنسة فروي. يجب أن أصل في الموعد ~~المناسب.» # شعرت أنها سجينة كابوس مريع كأنما ثقلت فيه أطرافها بأثقال من رصاص ويأبى جسدها أن ~~يستجيب لإرادتها. كان الركاب يعيقون طريقها، فكانت كلما تقدمت خطوة للأمام ترجع خطوتين ~~للخلف. في خيالها المضطرب، كانت وجوه أولئك الغرباء رسومات هزلية للطبيعة ms134 البشرية، خاوية ~~وفاقدة للحس وبلا قلب. فبينما الآنسة فروي في طريقها لأن تقتل لا يكترث أي منهم لشيء سوى ~~العشاء. # بعد جهاد طويل في عدة أقسام من القطار - عندما استحالت الممرات الواصلة إلى كونسيرتينات ~~تعزف ألحانا لصرير الحديد - وصلت إلى عربة المطعم. عندما سمعت طنين احتكاك الخزف وهمهمة ~~الأصوات هدأت عاصفة ذهنها، فظلت واقفة عند المدخل يصارع حسها بالعرف خوفها وذعرها ~~الغريزيين. # كان الحساء يقدم، وكان من يتناولون العشاء يحتسونه بنهم؛ إذ انتظروا وجبتهم ~~طويلا. أدركت آيريس في لحظة من صفاء الذهن أن محاولة إقناع رجال جائعين بدءوا يتناولون ~~عشاءهم للتو لا أمل منها. # مرة أخرى، لاقت نظرات عدائية وهي تسير في الممر بين الطاولات. ضحك نادلان يتهامسان ضحكة ~~مكتومة، فرأت أنهما يسخران منها حتما. # كان البروفيسور، الذي تشارك طاولة مع هير، أول من رآها، فلاح على وجهه الطويل نظرة توجس ~~خاطفة. كان يتجاذب أطراف الحديث مع الطبيب، الذي بقي ليحتسي القهوة والنبيذ؛ إذ لم تكن ~~المقاعد للعشاء الثاني مشغولة جميعها. # حدقوا جميعا بآيريس فسرت قشعريرة في جسد آيريس من ذلك الاستقبال. حتى عينا هير لم ~~تحملا ترحابا؛ إذ تطلع إليها بعبوس قلق. # استجدت البروفيسور في يأس. ~~«بربك تابع احتساء حسائك، لا تتوقف، لكن اسمعني رجاء؛ فذلك أمر بالغ الأهمية. أعلم ~~يقينا أن الآنسة فروي موجودة، وأعلم أن مؤامرة تحاك ضدها، وأعلم سبب تلك ~~المؤامرة.» # هز البروفيسور كتفيه بإذعان وتابع احتساء حسائه. بينما كانت تروي قصتها غير المترابطة ~~باندفاع، هالها ضعف حججها، فيئست من إقناعه قبل أن تنهيها. استمع إليها في صمت تام، وبدا ~~منشغلا بإضافة نسبة الملح المضبوطة إلى حسائه. # بعد أن أنهت حكايتها، نظر إلى الطبيب رافعا حاجبيه مستفهما، فطفق ذلك الأخير يخوض في ~~شرح سريع. أدركت آيريس وهي تراقب وجوههم بعينين قلقتين أن هير انزعج مما يقال؛ إذ قاطع ~~الحديث. ~~«هي لم تحبك تلك القصة، بل أنا من فعلت. ألفتها على سبيل التسلية، فصدقتها الفتاة ~~المسكينة؛ لذا إن كنتم ستتهمون أحدا بالخبل فلتتهموني أنا.» # قطع حديثه وقد ms135 أدرك فجأة ما كشفه، لكن آيريس كانت ذاهلة للغاية فلم تلاحظ أي تعريضات ~~فيما قال. # قالت تترجى البروفيسور: «والآن، ألن تأتي معي؟» # نظر إلى الطبق الخاوي الذي وضعه النادل أمامه استعدادا لتقديم وجبة من الأسماك. # سألها بتثاقل: «ألا يمكن لذلك أن ينتظر إلى بعد العشاء؟» ~~«ينتظر؟ ألا تفهم؟ الأمر عاجل لأقصى درجة. عندما نصل إلى ترييستي، سيكون الأوان قد ~~فات.» # مرة أخرى، استشار البروفيسور في صمت الطبيب الذي ظلت عيناه مثبتتين على آيريس وكأنما ~~يحاول تنويمها بالإيحاء. عندما تحدث أخيرا تحدث بالإنجليزية كي تفهمه. ~~«ربما من الأفضل أن نذهب على الفور لنرى مريضتي. أنا آسف على إفساد عشائك يا بروفيسور، ~~لكن الشابة في حالة شديدة من التوتر العصبي، وقد يكون من الآمن أن نحاول ~~طمأنتها.» # نهض البروفيسور من مقعده وقد ارتسم على وجهه تعبير يشبه من وقع شهيدا لحس عدالته. ~~مجددا، قطع الموكب الصغير ممرات القطار المترنح في صف واحد. عندما أوشكوا على بلوغ وجهتهم، ~~التفت هير إلى آيريس وتحدث إليها بنبرة هامسة حادة. ~~«لا تتصرفي بحماقة وتقدمي على أي تصرف متهور.» # تولاها الجزع عندما أدركت أن نصيحته جاءت بعد فوات الأوان؛ فقد كانت الممرضة تري يدها ~~بالفعل للطبيب والبروفيسور. لاحظت آيريس دون تركيز أنها تلف رسغها بضمادة جروح وكأنما ~~تريد حجبها عن الفحص المتمعن. # التفت إليها الطبيب وتحدث بنبرة مطمئنة معسولة. ~~«يا فتاتي العزيزة، ألا ترين أن إحراق ممرضتي المسكينة تصرف متهور للغاية؟ هي لم تفعل ~~سوى أنها عرضت عليك قرص دواء لا ضرر منه لتخفيف ألم رأسك. أترى كيف يتشنج وجهها يا ~~بروفيسور؟» # تراجعت آيريس عندما لمس جبهتها بسبابته الباردة ليبين قصده. # فجأة، تذكرت أنه عندما يكون المرء على وشك أن يخسر لعبة دفاعية، يكون الهجوم هو أمله ~~الوحيد. استجمعت شجاعتها، وتمكنت من الحديث بصوت هادئ. ~~«لا يسعني أن أتأسف بما يكفي بشأن ذلك الحرق. لا يغفر لي أن أقول إنني كنت في حالة من ~~الهلع، لكن لدي ما يبرر حالتي تلك؛ فثمة أمور كثيرة جدا لا أفهمها.» ms136 # قبل الطبيب التحدي. # سألها: «أمور مثل ماذا؟» ~~«حسنا، أخبرني البروفيسور أنك عرضت أن تصحبني إلى دار رعاية في ترييستي.» ~~«وهو عرض لا يزال قائما.» ~~«لكن يفترض أنك تهرع بمريضة إلى المستشفى لإجراء عملية خطيرة لها، فكيف يتسنى لك أن ~~تشغل نفسك بغريبة؟ ذلك يدفع المرء للتشكك في خطورة إصاباتها، أو في أنها تعاني أي إصابات ~~على الإطلاق.» # داعب الطبيب لحيته. ~~«قدمت عرضي ذلك لا لسبب سوى إعفاء البروفيسور من مسئولية ثقيلة على نفسه، مسئولية تقع ~~في مجال اختصاصي لا في مجال اختصاصه، لكني يؤسفني أن أخبرك أنك تبالغين في تقدير أهميتك. ~~كانت نيتي هي أن أمنحك مقعدا في عربة الإسعاف التي ستصحبنا للمشفى، وبعد أن نصحب مريضتنا ~~للداخل سيتبع السائق التعليمات ويصحبك إلى دار رعاية أوصيت بها. لم يكن ذلك من أجل أن تلقي ~~رعاية متخصصة، بل كي تحظي بقسط جيد من النوم لتتمكني من متابعة رحلتك في اليوم ~~التالي.» # بدا العرض منطقيا للغاية، فلم يسع آيريس إلا أن تتراجع وتطرح سؤالها التالي. ~~«أين الممرضة الأخرى؟» # سكت البروفيسور طويلا قبل أن يجيب. ~~«لا يوجد سوى ممرضة واحدة.» # عندما تطلعت آيريس إلى وجهه الجامد الذي عززته لحيته السوداء المدببة، أنبأها حدسها ~~أن الاعتراض سيكون غير ذي جدوى؛ إذ سيسفر عن النتيجة نفسها؛ الإنكار من جميع الجوانب. فلن ~~يكون أحد سواها قد رأى الممرضة الثانية. وبالمثل، لن يصدق أحد أن توقيع الآنسة فروي أصلي. ~~هذا إن لم تمحه قطرات البخار. # توجه الطبيب إلى البروفيسور بالحديث. # قال له: «أنا آسف على إبقائك أكثر، لكن لدينا هنا سيدة شابة تعتقد في أمور مريعة. يجب أن نحاول ~~إقناعها بأنها متوهمة.» # سار إلى جسد مريضته المغطى، ورفع طرف إحدى البطانيات كاشفا عن ساقين مهندمتين، وسألها: ~~«هل تميزين ذلك الجورب أو ذلك الحذاء؟» # هزت آيريس رأسها نفيا وهي تنظر إلى الجورب السميك الحريري، والحذاء الرسمي البني ذي ~~الإبزيم الواحد الذي يرتفع عنقه إلى الربلتين. # قالت: «أنت تعرف أني لا أميزهما، لكن ربما كان حظك أفضل إن رفعت ms137 ضمادة واحدة فحسب وسمحت ~~لي أن أرى وجهها.» # قطب الطبيب وجهه في ذعر، وقال: «أها، أرى أنك لا تدركين الوضع. علي أن أخبرك بأمر غير ~~سار. أصغي إلي.» نقر بطرف إصبعه جبهة المريضة الملفوفة بالضمادات. «ليس ثمة وجه تحت ~~ذلك على الإطلاق. لا وجه. بل مجرد كتل من اللحم المكشوف. ربما تمكننا من منحها وجها ~~جديدا تماما إن حالفنا الحظ. سنرى.» # تحركت أنامله وحامت لبرهة فوق الضمادات التي تغطي عيني المريضة، ثم قال: «ما زلنا ~~ننتظر حكم طبيب العيون بشأن هاتين العينين. حتى ذلك الحين، لا نجرؤ على تعريضهما لمجرد ومضة ~~من الضوء. ربما يكون قد أصابها العمى الكلي؛ فإحداهما تحولت إلى عجينة، لكن العلم بإمكانه ~~أن يصنع المعجزات.» # ابتسم لآيريس وتابع حديثه. ~~«لكن أبشع إصابة هي إصابة الدماغ، لكني سأعفيك من وصفها؛ فالغثيان يبدو عليك بالفعل. ~~أولا، علينا أن نعالج تلك الإصابة. بعدها نهتم بباقي الإصابات. هذا إن ظلت المريضة على ~~قيد الحياة.» # قالت له آيريس: «أنا لا أصدقك. تلك كلها أكاذيب.» # قال الطبيب بنبرة هادئة: «في تلك الحالة، بإمكانك أن تقنعي أنت نفسك. ما عليك سوى أن ~~تنزعي إحدى تلك الضمادات اللاصقة عن وجهها لتتأكدي، لكن حذار، فإن فعلت فسيبدأ النزيف ~~مجددا وستموت المريضة على الفور بفعل الصدمة. ستدانين أنت بجريمة قتل وتعدمين شنقا، ~~لكن لأنك واثقة تماما من الوجه الذي سيطالعك من وراء تلك الضمادات، فلن تترددي. هلا ~~نزعت تلك الضمادة؟» # شعرت آيريس بأصابع هير تقبض على ذراعها بينما وقفت مترددة. أنبأها حدسها بأن الطبيب ~~يمارس خدعة، وأن عليها أن تنتهز أي فرصة وإن كانت الأخيرة لإنقاذ حياة الآنسة فروي. # لكنه أدى عمله على أكمل وجه؛ فقد جعلتها فكرة ذلك الوجه المشوه الذي تتفجر منه ينابيع ~~الدم تتراجع خوفا. وماذا ينتظرها بعد ذلك؟ حبل المشنقة أو السجن مدى الحياة في مصحة ~~بروودمور النفسية. كان ذلك مصيرا مريعا لم تتحمل التفكير فيه. # همست: «لا، لا أستطيع.» # قال الطبيب باستهزاء: «أها، أنت تتحدثين كثيرا لكنك لست شجاعة كثيرا.» # للمرة ms138 الأولى، خطر لآيريس أنه لم ينو قط تعريض مريضته للخطر. إن كان قد فعل، لكان ذلك ~~بمثابة انتحار مهني. كان يقف متأهبا هو وممرضته، في تربص لحركاتها. # لكن على أي حال، كان لديه مأرب خفي؛ إذ بدت عليه خيبة الأمل. # في ذلك الحين، كانت آيريس تشعر بحزن أكمد قلبها من جبنها الذي حبسها عن التمادي في ~~الاستفسار، وأدركت أن لديها خصمين داخل المقصورة. # الطبيب، ونفسها. # الفصل الثامن والعشرون # | ارفعي يدك # انتبهت آيريس من ذهولها لتدرك أن البروفيسور كان يتحدث عن العشاء. # كان يقول باستبشار: «إن عجلت بالعودة إلى عربة الطعام يا هير، فلربما شرحت للنادل أن ~~وجبة السمك قد فاتتنا.» ~~«لكنه سيدعي أنها لم تعد طازجة؛ فهم مضطرون للتعجيل بالعشاء الثاني قبل أن نبلغ ~~ترييستي.» # طقطق البروفيسور. «في تلك الحالة، يجب أن نعود على الفور. هلا سبقتني وطلبت لنا حصتين ~~إضافيتين من اللحم، فنحن ذهبنا دون أن نتناول وجبة السمك؟» ~~«ليس ذلك خطأهم؛ فنحن من ذهبنا وتركنا وجبة السمك، لكني سأرى ماذا بإمكاني أن أفعل بهذا ~~الخصوص.» # تريث هير والتفت إلى آيريس في شيء من التردد، وسألها: «هل تمانعين؟» # أجابته بضحكة هيستيرية؛ إذ خطر لها فجأة أن البروفيسور مع كونه واثقا في قدرته على ~~إدارة تحقيقها، لا يسعه المخاطرة بموهبته اللغوية حينما يكون المعني مصلحة حيوية. # ثم قالت: «عد بالله عليك؛ فلا شيء يهم أكثر من العشاء، أليس كذلك؟» # استاء البروفيسور الذي كان وجهه قد تهلل عند ذكر الطعام من عتابها. مع أنه كان يتضور ~~جوعا، شعر أنه مضطر للدفاع عن حس العدالة الدقيق المعروف عنه. # سألها: «هل أنت منصفة؟ لقد دفعنا ثمنا باهظا لقاء تلك الوجبة؛ لذا من حقنا المطالبة ~~بجزء منها على الأقل. كما أنك لا تنكرين حتما أننا لم ندخر وقتا أو وسعا في محاولة ~~إقناعك بخطئك.» # هزت رأسها نفيا، لكن عبء يأسها ألجم لسانها. بدا لها أنه لم يعد بيدها أن تفعل أي شيء ~~آخر لمساعدة الآنسة فروي، فأي محاولة تدخل لن تجدي نفعا، بل ستعرضها ms139 لردة فعل ~~انتقامية. # لم يكن خوفها من نفوذ الطبيب نابعا من الجبن فحسب، بل أيضا من المنطق؛ فلكونها ~~الوحيدة على متن القطار التي تصدق في وجود الآنسة فروي، يحتم المنطق أنها لن تفيدها إلا ~~وهي حرة الإرادة. # فرصتها الوحيدة تكمن في إقناع البروفيسور أن ثمة حاجة حقيقية لمتابعة التحقيق. هي لا ~~تحبه، لكنه يمتلك تلك الخصال التي لها وزن في مثل تلك الأزمة؛ فهو عنيد، وعطوف، لكن ذو ~~رباطة جأش، ولا يحيد عن الإنصاف. إن تأكد له فعليا أنه محق، فليس بوسع شيء أن يهزه، ~~وسيسعى بمثابرة لنيل غايته رغم أنف أي معارض. # لكن لسوء طالعها، كان تفكيره في تلك اللحظة منصبا على عشائه. # صفي ذهنها المشوش فيما كان يهم بمغادرة العربة. # قالت: «إن كنت محقة يا بروفيسور، فستقرأ في الصحف عن سيدة إنجليزية مفقودة، عن الآنسة ~~فروي، عندما تعود إلى إنجلترا. وحينئذ، سيكون الأوان قد فات على إنقاذها. ألن يطاردك الذنب ~~لما تبقى من حياتك لأنك تأبى تصديقي الآن؟» # قال البروفيسور مقرا: «ربما أندم على الأمر، إلا أنه لا يرجح أن تحين فرصة لذلك ~~الندم.» ~~«لكن لو أنك فعلت أمرا بسيطا للغاية، فلن تضطر للندم على الإطلاق، كما لن تضطر لبتر ~~وجبة عشائك.» ~~«وماذا تريدينني أن أفعل؟» ~~«رافق الطبيب إلى المشفى بترييستي وراقب نزع ضمادة أو شريط لاصق عن وجه المريضة، فقط ~~بالقدر الذي يكفي كي تتبين أن بها إصابة حقيقية.» # مع أن اقتراحها ذلك أذهل البروفيسور، أمعن التفكير فيه ببطء بضميره الحي المعتاد. شجع ~~ذلك آيريس على تتبع غنيمتها تلك بحجة جديدة. ~~«أنت تقر حتما بأن ليس بوسعي أن أفعل أي شيء؛ فأنا لست مخبولة، وقد يعد ذلك قتلا ~~عن غير عمد، كما أن الطبيب لن يسمح لي بذلك؛ لذا فالأمر يخلص إلى ذلك. اختباره النفيس لا ~~يعني أي شيء على الإطلاق.» # إبان كلماتها تلك، تسلل الارتياب من الطبيب إلى عقله للمرة الأولى. بدا ذلك على وجهه ~~المجعد وأصابعه الناقرة. اعتاد دائما أن يحسب التكلفة قبل أن يفكر ms140 في أي مشروع، مع أنه كان ~~من المعتاد ألا تثنيه عن حس الواجب اليقظ لديه. # في تلك الحالة كانت الخسائر عديدة، أبرزها المالية. هو ليس مسرفا، لكن راتبه لا يغطي ~~سوى مستوى المعيشة الذي يحظى به في كامبريدج؛ لذا يضطر لاجتزاز تكاليف عطلاته من رأس ~~ماله. كي يحظى بتغيير ذهني كامل، يسافر على الأقل ثلاث مرات في العام؛ مما يضطره إلى ~~الاقتصاد في إنفاقه. # لأن الجزء الأكبر من التكاليف في تلك الرحلة المميزة كان من نصيب رحلة القطار الطويلة؛ ~~فقد حجز تذاكرها من خلال إحدى وكالات السفر الرخيصة المتخصصة في الأسعار المخفضة؛ لذا لا ~~تتيح له تذكرته أن يقطع رحلته في أي مكان. # مما يصعب الأمر أنه يعوزه النقود؛ فقد دفعه كرهه للسفر في إحدى المواصلات العامة للرضوخ ~~إلى إغراء مشاركة مقصورة خاصة مع هير في رحلة العودة. # كما أن لديه سببا آخر أكثر إلحاحا لعدم التوقف في ترييستي والمبيت فيها؛ فالتأخير سيعني ~~أن يضحي بالتزام يعتز به؛ فهو مدعو لقضاء عطلة نهاية الأسبوع القادم برفقة زميل عجوز - ~~مثقف منزو - يعيش في ركن منعزل من ويلز. إن وصل إلى إنجلترا يوم السبت لا الجمعة، ~~فسيكون قد تأخر كثيرا. # راقبه الطبيب بإمعان وهو يقطب وجهه ويداعب عظمتي وجنتيه. # سأله: «ألا يناسبك التوقف في ترييستي؟» ~~«لا يناسبني قطعا.» ~~«هذا مؤسف؛ إذ إن مصلحتي تحتم علي أن أرجوك أن تفعل ما تطلبه منك تلك السيدة ~~الشابة.» # سأله البروفيسور وهو مغتاظ من ذلك الهجوم المزدوج على عطلة نهاية أسبوعه: «لم؟» ~~«لأني بدأت أقتنع أن ثمة سببا وراء قلق تلك السيدة المسكينة. هي دائما ما تردد اسم ~~«الآنسة فروي»، فهل ذلك اسم شائع في إنجلترا، مثل «سميث»؟» ~~«لا عهد لي به.» ~~«لكنها سمعته من قبل، وهو مرتبط لديها بتجربة مريعة. أنا لا أعلم ما حدث، لكني أعتقد أن ~~ثمة سيدة تدعى «الآنسة فروي»، وأن مكروها ما قد ألم بها. أعتقد كذلك أن تلك الشابة ~~المسكينة كانت على علم بالأمر، لكن الصدمة قد محت ذكراه.» # قاطعته ms141 آيريس: «تلك سخافة؛ فأنا لن ...» # قاطعها هير بحدة: «صه!» # كان يصغي باهتمام بالغ؛ إذ كان قد بدأ يتساءل إن كان الطبيب قد وجد التفسير الحقيقي ~~لأوهام آيريس؛ فقد ظلت غائبة عن وعيها حتى قبيل أن تتمكن من اللحاق بالقطار، مع أن تفسير ~~ذلك كان ضربة الشمس، ربما كان ذلك تفسيرا ساقه إليها شخص معني يريد تشويش ذاكرتها. # تابع الطبيب قائلا: «أنت تتفهم حتما أني لا أرغب في أن أقع تحت طائلة الشك إذا أعلن عن ~~فتاة مفقودة لاحقا.» # قال البروفيسور: «تلك فكرة محالة، كما أن سلطات المستشفى ستدعمك فيما تقول.» ~~«لكن كيف لي أن أثبت أن تلك التي أتيتهم بها هي المريضة لا منتحلة ما؟ لكن إن رافقتني ~~إلى المستشفى أيها البروفيسور وانتظرت حتى ينتهي الجراح من الفحص المبدئي، فلن يكون هناك ~~مجال للشك. أنا ألوذ بسمعتك الحسنة.» # ابتسم البروفيسور ابتسامة كئيبة؛ إذ كان جائعا بشدة. مع أنه بارع في لعب البريدج، لم يكن ~~لديه دراية بالبوكر؛ ومن ثم بدا له عرض الطبيب إثباتا قاطعا على أن نظرية آيريس العجيبة ~~ليس لها أدنى أساس من الصحة. # قال: «أظن أننا نبالغ في توخي الحذر المهني.» على عكس هير، كان معتادا على حفظ الأسماء، ~~فتابع قائلا: «الآنسة كار تدعي أنها ذهبت إلى عربة المطعم برفقة سيدة تدعوها الآنسة ~~فروي، ومنذ ذلك الحين وجدنا أن تلك السيدة اسمها الآنسة كومر. هي ليست على ما يرام، وهذا ~~يفسر الخطأ الذي وقعت به. في ظل تلك الظروف، لا يوجد أدنى دليل على أن الآنسة فروي الفعلية ~~- هذا إن كان لها وجود - موجودة على متن القطار على الإطلاق.» # سأله الطبيب: «إذن، إذا وقعت مشكلة في المستقبل، فهل بإمكاني أن أطلب إليك دعم أي أقوال ~~قد أدلي بها؟» ~~«بالطبع. سأعطيك بطاقتي.» # ثم دار البروفيسور على عقبيه قاصدا العشاء. # تكهن هير بأن آيريس على وشك الانفجار. # حتى تلك اللحظة، استطاع أن يكبح جماحها بإحكام قبضته على ذراعها تحذيرا لها، لكنها كانت ~~قد بلغت أقصى حدود صبرها. # قال: «لا ms142 تفتعلي مشكلة، فلن يجدي ذلك نفعا. عودي إلى المقصورة الخاصة.» # بدلا من الاستجابة لطلبه رفعت صوتها . ~~«آنسة فروي. هل بإمكانك سماعي؟ ارفعي يدك إن كنت تسمعينني.» # الفصل التاسع والعشرون # | ترييستي # سمعتها الآنسة فروي، ورفعت يدها. # مع أن الضمادات كانت تحجب بصرها، ميزت صوت آيريس من بين همهمات أصوات أخرى. أدركت ~~بارتباك أن ثمة أناسا يتحدثون، لكن نبراتهم كانت مبهمة ومتقطعة، وكأنما تأتي من مكان ~~بعيد، فكان لها طابع مكالمة بعيدة مشوشة. # حاولت التحدث إليهم، لكنها لم تستطع بسبب الكمامة. حاولت ذات مرة أن تحركها قليلا ~~بالضغط عليها بشدة، متذكرة كيف كان أبوها يمازحها بشأن قوة لسانها. وضعت كل ذرة من قواها ~~في صرخة الاستغاثة تلك، لكنها أصدرت صوتا شاذا مشوشا، كصوت حيوان يتألم. # لم يسمعها أحد، وأحكم خاطفوها ربط الكمامة على فمها؛ مما زاد من عدم ارتياحها. كانت ~~ذراعاها مربوطتين إلى جسدها من فوق مرفقيها، وساقاها مربوطة إحداهما بالأخرى عند الكاحلين ~~بضمادة طبية. لم يحاول الطبيب إخفاءها عندما كشف عن حذائها وجوربها كي تتعرف عليهم آيريس. ~~كان يعلم أن وراء تلك الضمادات الكثيرة، يصير تمييز المرء صعبا نوعا ما. # لكن يديها كانتا حرتين فيما فوق الرسغين؛ إذ كانت الضمادات قد نفدت، وعلى أي حال كانتا لا ~~تقويان إلا على التلويح بوهن. رقص قلب الآنسة فروي فرحا وهي تقول في نفسها إن فتاتها ~~النبيهة تعرف أن أي استجابة فورية لمطلبها، مهما كانت بسيطة، تعني أن المريضة ميزت اسمها ~~وتعطي إثباتا على هويتها. # لذا بسطت أصابع يدها كالمروحة ولوحتها في الهواء في استغاثة مثيرة للشفقة. # ثم ما لبث أن أظلم عقلها الذي لم يكن بوسعها التحكم فيه. كانت العقاقير تجعله مشوشا ~~ومعكرا، لكن كل حين وآخر، كانت تصفو زاوية منه، كبقع الشراب الحمراء التي تتخلل المربى ~~أثناء غليانها. في لحظات الصفاء تلك، كانت تجتاحها دوامة من الذكريات، لكن عقلها كان دوما ~~يعود إلى لحظة الصدمة الأولى. # كانت لحظة رهيبة ووحشية. كانت تجلس في مقصورتها حين دخل الطبيب وسأل إن كان أحد بمقدوره ms143 ~~أن يساعده على رفع مريضته. أوضح أن الممرضة غادرت المقصورة لبضع دقائق وأن المريضة المسكينة ~~المسئول عنها بدأت تتململ وكأنما تشعر بشيء من التململ. # كان من البديهي بالنسبة للآنسة فروي أن تستجيب لطلبه؛ فهي لم تكن مستعدة دوما لتقديم يد ~~العون فحسب، بل كانت متشوقة أيضا لرؤية ضحية حادث التصادم عن قرب، بجانب أنها ربما تعرف ~~المزيد عن الحادث؛ إذ سيكون شيئا ترويه لإثارة حماسة الأسرة عندما تروي مغامراتها مساء ~~الجمعة. # عندما دخلا إلى مقصورة المريضة، طلب منها الطبيب أن ترفع رأس المريضة بينما يرفع هو ~~جسدها. انحنت فوق الجسد الممدد بتعاطف جم؛ إذ تذكرت التباين بين حالهما. # قالت في نفسها: «أنا معافاة وسعيدة. أنا عائدة إلى البيت.» # فجأة خرجت ذراعان يغطيهما الكتان الأبيض وأطبقتا على رقبتها. # كانت المريضة العاجزة تقبض بيديها على حنجرتها بلا هوادة. في تلك اللحظة المريعة، تذكرت ~~مشهدا مرعبا في مسرح «جراند جويجنول»، عندما خنقت جثة مكهربة الرجل الذي أعادها إلى ~~الحياة الاصطناعية بواسطة تيار كهربائي، ثم ازدادت القبضة إحكاما، وبدأت ترى وميض أضواء ~~تحت جفنيها، ثم غابت عن الوعي. # لفترة من الزمن، كان الكسوف المغيم على عقلها تاما، ثم تدريجيا تخللت شقوق ~~متناهية الصغر حواسها الغارقة في الظلام. أدركت أنها مقيدة ومكممة، وأن عينيها ~~مغشيتان، بينما سمعت أصواتا مكتومة تناقش مصيرها. # لم يكن مصيرا مشرقا. مع أنها كانت تجهل جريمتها، كان لديها فكرة مبهمة عن عقوبتها. ~~كانت على اتصال بعربة إسعاف ستلاقيهم في ترييستي، بيد أنها لن تصحبها إلى ~~مستشفى. # لكن رغم قيدها وعطشها والآلام الجسدية والعذاب الذهني، لم تتخل قط عن الأمل. # كان يقال في العائلة إنها أخذت ذلك عن الخالة جين. طوال حياتها، تمنت تلك السيدة ~~الفيكتورية أن تمتلك دمية ناطقة، ودراجة بثلاث عجلات، وعملا في الغناء الأوبرالي، وزوجا، ~~وإرثا. لم تحظ بأي من تلك الأمور، لكنها لم تتخل عن أي من أمانيها، أو تشك في أنها ~~ستتحقق في نهاية المطاف. # عندما حانت نهايتها، كانت في عمر السابعة والسبعين وتتقاضى معاشا خيريا من ms144 عائلتها، ~~لكنها أطبقت جفنيها للمرة الأخيرة وهي متشبثة بأمل كبير في حصولها على تلك اللعبة الناطقة ، ~~وكذلك الإرث الذي سيضمن لها حياة رغيدة وموتا كريما. # ساعدت الخالة جين في تفسير سبب مواجهة الآنسة فروي لكل خيبة أمل جديدة بهدوء تام، لكن ~~رأفة بها كانت لحظات صفاء ذهنها قصيرة. أغلب الوقت، كانت في حلم خدر تحاول فيه إلى الأبد ~~الوصول إلى الديار. # كانت دوما ما تنجح في بلوغ البوابة ورؤية مسار الحديقة المضاء ذي التجاويف المبالغ ~~بها، حينئذ تنكشف لها حفرة وراء حجر في غير مكانه. يبدو سياج الشجيرات وأزهار الأسطر ~~الصينية زاهي اللون على نحو غير عادي في ضوء المصباح، بينما يحمل الهواء البارد عبير أزهار ~~الأقحوان الفائح. # لكن مع أنها كانت قريبة لدرجة أنها ترى القرميدة الحمراء المشروخة في أرضية الممر، كانت ~~تعلم أن ثمة خطبا ما، وأنها لن تبلغ قط الباب. كانت تجاهد للخروج من أحد تلك الأحلام ~~المغرية عندما سمعت آيريس تنادي اسمها وتطلب منها أن ترفع يدها. # لسوء حظها لم تعلم أن ثمة خللا في نظام التواصل لديها. لم تكن أي من قنواته واضحة، فلم ~~يستوعب عقلها الرسالة التي التقطتها أذناها إلا بعد أن دفع الطبيب - في هلع يشوبه الحنق - ~~بزواره حرفيا إلى الممر. حتى بعد أن فعل، مر بعض الوقت قبل أن تتواصل جميع مراكزها ~~العصبية مع مركز المعلومات، وحينها كان الأوان قد فات. # كانت الستائر قد أسدلت كلها، فلم يشهد أحد سوى الممرضة إشارة أصابعها الملوحة في ~~الهواء التي راحت سدى. # خارج الباب، مسح الطبيب وجهه بانفعال، وقال بصوت يهدجه الانفعال. ~~«لقد كان ذلك فعلا مريعا من جانبي. لقد أخطأت أن سمحت لكم جميعا بالدخول، لكني لم ~~أتصور قط أن الغباء سيبلغ بكم محاولة إيذاء مريضتي المسكينة.» # تراجعت آيريس أمام غضبه، فتوسل إلى البرفيسور. # قال: «أنت تتفهم يا بروفيسور أن الهدوء التام ضروري بالنسبة لمريضتي؛ فالإصابة البالغة التي ~~لحقت بالدماغ ...» # قاطعته آيريس بينما كان القطار يمر داخل أحد الأنفاق محدثا تلك الصرخة التي تصم ms145 ~~الآذان: «كيف لها أن تنعم بالهدوء في رحلة قطار؟» # قال الطبيب مفسرا: «هذا أمر مختلف تماما ؛ فالمرء بإمكانه أن يغط في النوم مع الضجيج ~~المروري، لكنه يستيقظ إن سمع أي صوت غير معتاد. إن كانت قد سمعتك فلربما استيقظت، بينما أنا ~~أبذل أقصى ما بوسعي - من باب الرأفة - كي أبقيها غائبة عن الوعي.» # قال البروفيسور مطمئنا إياه: «أتفهم ذلك تماما، وأنا آسف لحدوث ذلك.» كان صوته باردا ~~للغاية وهو يتوجه بحديثه لآيريس. «أحرى بك أن تعودي إلى مقصورتك يا آنسة كار.» # قال هير مستحثا إياها: «أجل، لنذهب.» # شعرت آيريس أنهم جميعا يقفون ضدها. في تحد مفاجئ شنت هجوما منفردا. # قالت لهم: «فور أن نصل إلى ترييستي، سأتوجه إلى السفارة البريطانية.» # كانت كلماتها شجاعة، لكن رأسها كان يدور وركبتاها ترتعدان بقوة جعلتها تشعر أنها غير ~~قادرة على تنفيذ تهديدها ذلك، لكن مع هذا ملأتها نياتها تلك بوهم النفوذ، ثم ما لبث هير ~~أن عرقلها بطريقته المحترفة المعهودة في مباريات الراجبي وحملها وسار بها في الممر باندفاع ~~شديد، بينما تبعه البروفيسور بخطوات متثاقلة. # ودع الطبيب قائلا: «أملي الوحيد هو أن أحصل على عشاء أيا ما كان.» # أربك ما حدث آيريس فلم تقاوم معاملة هير التعسفية. لم تفهم لماذا لم تلق صرختها أي ~~استجابة. زعزع ذلك ثقتها بنفسها وجعلها تشعر بأن جبنها الأخلاقي الذي جعلها تفشل في كشف ~~هوية المريضة الغامضة كان مبررا. # لكن حتى إن كانت بالفعل مريضة تعرضت لحادث حقيقي، يظل الخطر الذي يهدد الآنسة فروي ~~قائما. عندما أعادها هير إلى المقصورة الخاصة سألته سؤالا فاصلا. ~~«هل أنت معي أم ضدي؟ هل ستتوقف في ترييستي؟» ~~«كلا، ولا أنت كذلك.» ~~«أفهم، إذن أنت لم تعن ما قلته بشأن إعجابك بي وكل ذلك.» ~~«بل عنيت كل ذلك بالتأكيد.» ~~«حسنا إذن، إن لم ترافقني إلى السفارة فسأنهي علاقتنا.» # داعب هير ياقة قميصه بيأس. # وسألها: «ألا تدركين أني صديقك الوحيد؟» ~~«إن كنت صديقي حقا فلتبرهن على ذلك.» ~~«أتمنى لو استطعت ذلك، لكني لا أملك الشجاعة. ms146 باعتباري صديقك الأقرب، أحرى بي أن أصرعك كي ~~تظلي فاقدة الوعي حتى اليوم التالي وتريحي رأسك المسكين.» # قالت آيريس بحنق: «أوه، أنا أكرهك. بحق السماء اذهب من هنا.» # في المقصورة المجاورة، آل إلى مسمع الأختين فلود-بورتر مقاطع من ذلك الحوار. # قالت الأخت الكبرى بحدة: «تلك الفتاة فلحت حتما في أن تحظى ببعض الإثارة في رحلة ~~قطار.» # فيما كان الشابان يتشاجران بشأنها، كانت الآنسة فروي ترقد متسمرة وقد سكنت يداها. ~~استوعبت تدريجيا أن أحدا لا يراها؛ لذا ذهب تلويحها سدى، لكنها شعرت بشيء من الراحة ~~عندما ذكرت آيريس أنها ستلجأ إلى القنصلية البريطانية. سمعت صيحتها المتمردة عبر الباب ~~المغلق. # وعلى الفور أدركت أن ملاحظتها تلك لم تذهب سدى؛ إذ كانت مشاورات تجري بصوت منخفض داخل ~~المقصورة. # قال صوت رجولي: «ترييستي.» كان ذلك هو صوت سائق الطبيب الذي يرتدي زي الراهبة الممرضة ~~الموحد الذي يبدو غريبا عليه. «ماذا سنفعل الآن؟» # أجابه الطبيب: «يجب ألا نهدر أي وقت في ترييستي، يجب أن نقود السيارة بسرعة طوال الليل ~~حتى نصل إلى بر الأمان.» ~~«لكن أين سنتخلص من الجثة الآن؟» # ذكر له الطبيب مكانا. # وقال مفسرا: «إنه في طريقنا؛ المرفأ مهجور، وهو يعج بأسماك الإنقليس.» ~~«جيد. سيكونون جوعى. وقريبا جدا، لن يصبح ثمة وجه كي يتعرف عليه أحد، هذا إن عثر ~~عليها لاحقا. هل ستلقي بملابسها وأمتعتها هناك أيضا؟» ~~«أحمق! سيستدل بهم على هويتها إن ألقينا بهم هناك. كلا، سنأخذهم معنا في السيارة. ~~ستحرقهم دون تأخير فور وصولنا.» # مع أن عقل الآنسة فروي كان مشوشا، نبهتها ذبذبة ما بحواسها إلى أنهما يتحدثان عنها. ~~ارتعدت غريزيا وهي تتصور المياه السوداء الراكدة التي يمتزج بها الطمي وتتناثر بها ~~النفايات. كانت تبغض الفساد بشدة. # إلا أن المغزى الحقيقي غاب عنها. # تابع السائق توقع الصعاب. ~~«ماذا إن طرح أحد الأسئلة في مستشفيات ترييستي؟» ~~«حينها سنقول إن المريضة ماتت أثناء نقلها.» ~~«لكن ماذا إن طالبوا برؤية جثتها؟» ~~«سنريهم إياها. لن يكون ذلك صعبا فور أن نعود؛ فالمشرحة ستمدني بجثة امرأة ms147 وسأعمد إلى ~~تشويهها.» ~~«مم! أتمنى أن أرجع إلى الوطن سالما، لكن يظل هناك تلك الفتاة .» # علق الطبيب قائلا: «أجل، غريب كيف ينظر الإنجليزيون إلى أنفسهم باعتبارهم شرطة العالم! ~~حتى الفتاة لديها تلك العادة، لكن من الخطأ أن نحسبهم أمة غبية. ذلك البروفيسور يملك ~~ذكاء. هو ليس بغبي، لكنه لحسن حظنا شريف ويظن أن الكل شرفاء كذلك. سيدعم كل ~~أقوالي.» # قال السائق بإصرار: «أتمنى لو أعود.» # قال رب عمله مذكرا إياه: «المخاطرة كبيرة، وكذلك المكافأة.» # توقف طنين الأصوات الرجولية التي تشبه صوت دوران عجلة الحظ، والتي بلغت أذني الآنسة ~~فروي شبه المصمومتين. تخيل السائق الورشة التي سيبتاعها، بينما كان الطبيب يخطط للتقاعد ~~من المهنة. # لم يستسغ مهمته الحالية، لكنه كان مدينا بولائه للعائلة الحاكمة وكان العصيان في غير ~~صالحه. فور أن أرسلت البارونة في طلبه في سرية أثناء الليل، خرج بأفضل خطة تسنى له ~~حبكها في لحظتها لإزاحة عائق في طريق عظيم الشأن. # كان يعلم لم وقع الاختيار عليه؛ إذ إنه نفسه لم يكن ليستخدم مشرطا جراحيا دقيقا لقطع ~~حبل يلطخه القطران. كانت سمعته ملطخة بسبب حوادث مؤسفة وقعت حديثا في المستشفى المحلي؛ ~~ففضوله العلمي كان يغلب رغبته في القضاء على المرض، وكان محلا للشك بسبب إجرائه لجراحات ~~مطولة دون داع، يدفع المريض حياته ثمنا لها. # منذ بدايتها، لم يكن الحظ حليف مغامرته بسبب تدخل تلك الفتاة الإنجليزية. لولاها لنجحت ~~خطته تلك؛ لبساطتها، ولقلة عدد المتواطئين بها. كان يعلم أنه وسائقه سيحملان روحيهما على ~~كفيهما بينما يسرعان عائدين إلى وطنيهما خلال طرقات خطرة، وسيسلكان أجرافا شديدة الانحراف ~~على عجلة واحدة، محاولين استباق القطار السريع إلى موطنهما. # لكن بمجرد عودتهما ستنتهي جميع الطوارئ. سيجهز تفسيرا ملائما لتقديمه في أي تحقيق. لن ~~يصبح بحوزة أي شخص معلومة مريبة كي يفصح عنها، وسيقطع كل خيط يربط الآنسة فروي بالمريضة ~~المتوفاة. # سأل السائق فجأة: «هل ستتخلص من الفتاة الإنجليزية في المجارير أيضا؟» # أجابه الطبيب: «كلا، فأي تداعيات أخرى ستكون خطيرة، لكن عندما نصل إلى ترييستي ms148 لن تكون في ~~حالة تسمح لها بأن تسبب لنا المزيد من المتاعب.» # سمعت الآنسة فروي كلماته، فخانها تفاؤلها للمرة الأولى. ضربتها موجة من الحنين المرتاع، ~~فتصورت أسرتها في البيت؛ إذ كانت قد أرسلت لهما جدولا زمنيا لتحركاتها، وخمنت أنهما ~~سيتتبعانه على الخريطة. # صدقت توقعاتها؛ ففي اللحظة الحالية كانا يفكران بها. بذلا ما بوسعهما لمحاربة شعورهما غير ~~المعهود بالاكتئاب، فأوقدا نارا أغلب وقودها جوزات الصنوبر، وارتكبا جرم تناول وجبة غداء ~~فاخرة من البيض المقلي. # كان سقراط ممددا على السجادة يراقب ألسنة اللهب. رغم الترحاب الدافئ الذي لاقاه كان لا ~~يزال مغلوبا على أمره بعد أن خاب أمله؛ إذ كان قد هرع لملاقاة القطار بأمل جديد عصيانا ~~للأمر. # نظر السيد فروي إلى زوجته فلاحظ أن الشفاه السفلية من ثغرها الدقيق القوي كانت متدلية، ~~وأنها تجلس متراخية في كرسيها. للمرة الأولى أدرك أنها تكبره عمرا، وأنه هو أيضا صار ~~عجوزا. # ثم نظر إلى الساعة. # قال لزوجته: «لقد أوشكت وينسوم أن تصل إلى نهاية الجزء الأول من رحلة عودتها إلى الديار، ~~فقريبا تصل إلى ترييستي.» # مررت السيدة فروي تلك المعلومة إلى الكلب. ~~«يا سقراط، سيدتك الصغيرة صارت في الطريق بالفعل الآن. كل لحظة تقترب أكثر فأكثر. بعد نصف ~~ساعة ستكون في ترييستي.» # ترييستي. # الفصل الثلاثون # | إنكار # استطاع النادل أن يستخلص بعض العشاء للبروفيسور وهير، اللذين التهما وجبتيهما في صمت. ~~بعد أن انتهيا من الجبن والرقائق، أدخل الطبيب عربة المطعم وجلس على مائدتهما. # قال: «آسف على الإزعاج، لكني أريد أن أجتمع بكما بخصوص السيدة الإنجليزية الشابة.» # كظم البروفيسور صيحة دهشة؛ إذ خشي أن تكون آيريس قد أقدمت على تصرف طائش جديد. # قال للنادل: «أحضر لي القهوة دون حليب. ما المشكلة الآن إذن؟» # قال الطبيب مفسرا: «باعتباري رجل طب، أجد نفسي إزاء مسئولية. السيدة في حالة ذهنية ~~خطيرة.» # سأل البروفيسور الذي لم يقبل يوما بفرضية دون إثباتات: «على أي أساس بنيت ذلك ~~الاستنتاج؟» # هز الطبيب كتفيه. ~~«بالطبع لا يخفى حتى على من يفتقر إلى الذكاء أنها ms149 تعاني من وهم؛ فقد ابتكرت شخصية لا ~~وجود لها، لكن ثمة أعراضا أخرى؛ فهي تنفعل بسهولة، وتشك في الجميع، ولديها ميول ~~للعنف.» # لاحظ أن هير قطب وجهه تلقائيا، فقطع حديثه والتفت إلى الشاب. ~~«عذرا! هل السيدة الشابة خطيبتك؟» # قال هير مهمها: «كلا.» ~~«لكنها حبيبة أو صديقة عزيزة ربما؟ لكن لن أتفاجأ إن علمت أنها غضبت منك بشدة مؤخرا. فهل ~~فعلت؟» # قال هير مقرا: «لست محبوبا كثيرا في الوقت الحالي.» ~~«شكرا لك أن أفضيت لي بذلك! إذ إنه يؤكد تشخيصي. دائما ما يكون الانقلاب ضد أكثر من ~~يحبونهم مؤشرا على المرض العقلي.» # رأى أنه حظي بتعاطف هير، فتابع حديثه. ~~«لن يكون ثمة خطر حقيقي إن اتخذنا إجراء وقائيا. من الضروري في تلك المرحلة أن يحظى ~~العقل بالراحة. إن تسنى لها أن تنام لمدة طويلة، فأنا واثق أنها ستستيقظ وقد استردت ~~عافيتها، لكن إن تركناها تصر على إرهاق أعصابها حد الإعياء، فإن الضرر الذي سيلحق بعقلها ~~ربما يكون غير قابل للإصلاح.» # قال هير موافقا إياه: «أعتقد أنه محق يا بروفيسور. هذا ما كنت أفكر فيه.» # سأله البروفيسور بحذر: «ماذا تقترح؟» # أجاب الطبيب: «أقترح أن تقنعها بتناول مخدر غير مؤذ أعطيك إياه.» ~~«ستعارض ذلك.» ~~«سيتعين إذن أن تتناوله عنوة.» ~~«هذا مستحيل. لا يسعنا التحكم في أهوائها.» ~~«ربما تستطيع إذن أن تلجأ للحيلة لجعلها تتناوله.» # ظل البروفيسور صامتا بعناد، فهم الطبيب بالنهوض عن الطاولة. # قال: «أؤكد لك أن على عاتقي ما يكفي من المسئوليات فيما يخص مريضتي، لكني شعرت أن من ~~واجبي تحذيركما؛ فقد أقسمنا نحن الأطباء على خدمة الإنسانية، سواء تقاضينا أجرا لقاء ذلك ~~أم لا، لكن بعد أن شرحت لكما الوضع صار بإمكاني أن أترك لكما القرار؛ فقد أرحت ~~ضميري.» # كان الطبيب على وشك المغادرة بكرامة عندما ناداه هير. ~~«لا تذهب يا دكتور. أنا أشاطرك الرأي بخصوص ذلك الأمر، فلدي تجربة شخصية مع الأوهام ~~والارتجاج الدماغي.» ثم التفت بحماسة إلى البروفيسور وقال: «ألا يمكننا أن نتدبر حيلة ما ~~للقيام بذلك؟» # تمددت شفة ms150 البروفيسور العلوية تعبيرا عن الاعتراض. # وقال: «لا يسعني أن أكون طرفا في أمر كهذا. سيكون التدخل في حرية الآنسة كار أمرا مقززا، فهي ~~حرة نفسها.» ~~«إذن أنت تفضل الالتزام بما يمليه العرف والوقوف متفرجا بينما تفقد صوابها؟» # ابتسم البروفيسور ابتسامة لاذعة. # قال لهما: «في رأيي، هي ليست معرضة لذلك الخطر على الإطلاق. لدي خبرة بخصوص مثل تلك ~~الحالات، فأنا بحكم مهنتي أتعامل مع شابات مضطربات عصبيا، وأرى أن الآنسة كار تعاني ~~حالة هيستيرية لا أكثر.» # سأله هير: «ماذا تقترح إذن؟» ~~«أظن أن صدمة علاجية من شأنها أن تعيدها إلى صوابها.» # تقوى البروفيسور بوجبته فشعر أنه سيد الموقف. أنهى احتساء قهوته ومشروبه الكحولي، وطرح ~~فتات خبز عن صديرته، ثم نهض على مهل. # وقال: «سأتفاهم بالمنطق مع الآنسة كار.» # ثم غادر عربة المطعم بخطوات متمهلة وطفق يترنح في الممرات. أثناء مروره بمقصورة الآنستان ~~فلود-بورتر، شعر بميل للتخلي عن مهمته والانضمام لهما لتجاذب أطراف الحديث. بدت السيدتان ~~متماسكتين لا تشوبهما شائبة؛ إذ كانتا قد أنهيتا بالفعل تحضيرات الوصول إلى ترييستي، فكان ~~يأمل أن يكشف متابعة الحديث معهما عن صديق مشترك. # لكنه كان عازما على أداء واجبه الذي فرضه على نفسه، فدخل المقصورة وجلس قبالة آيريس. من ~~النظرة الأولى، علم أنها ظلت تشعل سيجارة وراء الأخرى، لكنها ما تلبث أن تلقي بها دون ~~أن تدخنها تقريبا. لم يكن فعلها ذلك سوى أمارة على التوتر العصبي، لكنه مع ذلك نظر ~~باشمئزاز إلى أعواد الثقاب المستهلكة التي تناثرت على الأرضية والمقاعد. # سألها بنبرة من يخاطب طفلا مشاكسا: «هلا قبلت مني نصيحة ودية؟» # أجابته آيريس بتمرد: «كلا. أريد أن أسمع الحقيقة من باب التغيير.» ~~«الحقيقة ربما تكون صادمة قليلا بالنسبة لك، لكنك طلبت سماعها؛ لذا سأخبرك بها. أخبرني ~~الطبيب للتو أنه نتيجة لضربة الشمس التي تعرضت لها، فإن خللا بسيطا ومؤقتا أصاب ~~عقلك.» # كان البروفيسور حقا يعتقد أنه يتعامل مع فتاة عصابية تختلق الأكاذيب بداعي حبها ~~للإثارة؛ لذا راقب رد فعلها بثقة مشوبة بالرضا عن النفس. عندما ms151 رأى الهلع في عينيها شعر أن ~~تجربته تلك كانت مبررة. # سألت بصوت هامس: «أتعني أني جننت؟» ~~«كلا، ليس ثمة ما يستدعي الخوف، لكنه قلق على سلامتك لأنك تسافرين وحدك، وربما يضطر لأن ~~يتخذ خطوات لضمان سلامتك، إلا إن استطعت أن تظلي هادئة تماما.» # سألته آيريس: «أي خطوات؟ أتعني دار الرعاية تلك؟ سأقاوم ذلك. لا يستطيع أحد أن يجبرني ~~على أن أفعل أي شيء يخالف إرادتي.» ~~«في ظل تلك الظروف، سيكون اللجوء للعنف خيارا غير حكيم على الإطلاق؛ إذ إنه لن يفيد إلا ~~في تأكيد مخاوف الطبيب، لكني أريد أن أوضح لك الوضع. أصغي إلي.» # لوح البروفيسور بسبابته مهددا وتحدث بنبرة لها وقع في النفس. ~~«ما عليك سوى أن تظلي هادئة وسيصبح كل شيء على ما يرام. لن يتدخل أحد في شئونك بأي طريقة ~~إلا إن ذكرتهم بوجودك. دون أي مواربة، لقد جعلت من نفسك مصدرا للإزعاج العام، ويجب أن ~~يتوقف ذلك.» # لم يكن البروفيسور عديم الرأفة كما بدا؛ فتجربته غير السارة مع طالبته التي كانت ~~متيمة به جعلته متحيزا ضد العواطف، لكنه ظن أن ما يفعله في صالح آيريس. # لذا لم يكن لديه أي فكرة أنه ألقى بآيريس في جحيم من الخوف. امتقع وجهها كله وهي تنكمش في ~~ركن من المقصورة. كانت خائفة منه، خائفة من جميع من في القطار، حتى هير يبدو أنه انضم ~~للمؤامرة ضدها. بدا لها أن العالم بأسره قد صار حلفا تكاتف لتهديد سلامتها ~~العقلية. # أشعلت سيجارة أخرى بأصابع مرتعشة، وحاولت أن تستوعب الموقف. كان من الواضح لها أنها ~~تدخلت في أمور مهمة، وتباعا لزم إسكاتها، وأن البروفيسور بعث إليها ليرشوها بالحصانة ~~مقابل صمتها. # حتى إن كانت ترفض تلك الصفقة بغضب، كانت مضطرة لمواجهة الحقيقة المرة. هي لا تملك حتى ~~شبه فرصة لمحاربة أولئك الأشخاص ذوي النفوذ. إن استمرت في سعيها لإيجاد الآنسة فروي فلن ~~يكون على الطبيب سوى أن يستغل نفوذه ليزج بها في إحدى دور الرعاية بترييستي. # تذكرت القصة التي روتها لها الآنسة فروي ms152 عن السيدة التي حبست بمصحة عقلية خاصة. ربما ~~يحدث لها الأمر نفسه. أي معارضة من جانبها ستستخدم إثباتا على فقدانها لصوابها. بإمكانهم ~~أن يبقوها حبيسة تحت تأثير العقاقير، حتى تنهار تحت الضغط. # لن يدرك أحد أنها مفقودة إلا بعد وقت طويل؛ إذ لا ينتظر أحد عودتها إلى إنجلترا؛ فهي لم ~~تتكبد عناء حجز غرفة في فندق، وسيظن أصدقاؤها أنها ما زالت خارج البلاد. عندما يتحرى عنها ~~محاميها أو البنك الذي تتعامل معه سيكون الأوان قد فات. سيتتبعون أثرها إلى دار الرعاية، ~~وعندما يصلون سيجدون مجنونة. # في خضم ذهولها، ألقت بنفسها في مستنقع من المخاوف المشوشة والمخاطر المبالغ بها، لكن مع ~~أن موجة عاتية من الهلع كادت تغمر تفكيرها المنطقي، ظل جزء من عقلها يحتكم للمنطق. # أقنعها أن إنقاذ الآنسة فروي قضية لا أمل منها على الإطلاق. # سألها البروفسيور بتصبر عندما ألقت بسيجارتها دون أن تدخنها: «ما جوابك؟» # فجأة اجتاح آيريس اشتياق ملتاع عندما تذكرت قطار كالييه-دوفر السريع، والتلال ~~البيضاء، ومحطة فيكتوريا. شعرت بالحنين إلى إنجلترا وإلى زمرة أصدقائها اللامبالين. ومض ~~أمام عينيها الشعار المألوف «الأمان أولا» بأحرف مشتعلة. # كرر البروفيسور: «ما جوابك؟ هل عدت إلى رشدك؟» # كانت منهكة بشدة وكان خوفها يشلها، فتاهت في وديان الآمال الضائعة. ذكرت نفسها أن ~~الآنسة فروي ليست سوى غريبة حاولت مساعدتها، وأن استمرارها في المحاولة لن ينتج عنه سوى ~~تضحية مزدوجة لا جدوى منها. # أجابت بتبلد: «أجل.» ~~«هل ستفتعلين أي ثورات غضب أخرى؟» ~~«كلا.» ~~«جيد. والآن هلا اعترفت لي بأنك من اختلقت الآنسة فروي؟» # شعرت آيريس أنها سقطت في الجحيم مع يهوذا الإسخريوطي وجميع الخونة وهي تنكر ~~الحقيقة. ~~«أجل. لقد اختلقها خيالي. لا وجود للآنسة فروي.» # الفصل الحادي والثلاثون # | صحن حساء # تابع الطبيب البروفيسور ببصره وهو يغادر عربة المطعم. # قال بفتور: «هذا رجل ذكي. يود أن يشفي مرضا بالتوبيخ، لكن ربما كان محقا. للمرة ~~الأولى في مسيرتي المهنية، آمل أن يثبت أني على خطأ.» # راقب وجه هير العابس بإمعان، ثم سأله: «ماذا ترى أنت؟» ms153 # قال الشاب متذمرا: «أنا واثق من أنه يرتكب خطأ مريعا.» # قال الطبيب مقتبسا : «رجل يعلم، ويعلم أنه يعلم، فهو حكيم. حسنا إذن، ماذا نفعل؟» ~~«لا أعلم البتة.» ~~«هل تشعر أن البروفيسور يفوقك ذكاء ربما؟» ~~«كلا، لا أشعر بذلك على الإطلاق؛ فمجالا عملنا مختلفان.» ~~«ربما لست معتادا إذن على فرض سلطتك؟» ~~«كلا، فعلي أن أتحكم بمئات الرجال صعبي المراس، وبعضهم يكون على أهبة الاستعداد ~~لافتعال المشكلات.» ~~«إذن، بصراحة، أنا لا أفهم ترددك، إلا إن كنت تخاف غضب السيدة الشابة عندما تكتشف أنها ~~خدعت؛ فلديها ما تسميه «شخصية قوية»، وما أسميه أنا «طبعا حادا»، فزوجتي امرأة لطيفة ~~للغاية. حسنا، أنت من تقرر ما إذا كنت تفضل كلمات حانقة من امرأة سليمة العقل أم ابتسامة ~~رقيقة من امرأة مخبولة.» # تمتم هير: «لا تلح علي. يجب أن أفكر في الأمر.» # قال الطبيب مذكرا إياه: «لم يبق متسع من الوقت.» ~~«أعلم ذلك، لكن تلك مخاطرة كبيرة.» ~~«على الإطلاق. هاك بطاقتي، سأكتب لك عليها إقرارا بأن العقار لا ضرر منه، وحال وقوع أي ~~أضرار جسيمة، إن مرضت السيدة بعدها بسبب الدواء، فسأفعل المزيد، وسأعطيك عينة منه لتعود بها ~~إلى إنجلترا كي تحللها.» # جذب هير شفته. كان يدرك أن عرض الطبيب جيد، لكنه لم يستطع طرد شكه في المجهول. # بدا أن الطبيب قرأ أفكاره. # فقال: «ربما كان ترددك سببه أنني لست الطبيب سميث الإنجليزي اللندني، لكن إن كنت في مدينة ~~غريبة، وأصابك ألم بالأسنان، فستبحث عن الشفاء لدى أول طبيب أسنان تصادفه. تذكر أن اسما ~~مدونا على لوحة نحاسية يليه أحرف معينة، هو الضمان الوحيد الذي تقدمه المهنة للعامة على ~~حسن النية.» # ترك هير يقلب حجته في رأسه وهو مستمر في الإساءة لوجهه وشعره، ثم ما لبث أن نظر إلى ساعة ~~يده، ثم أشهر رسغه أمام عيني الشاب. ~~«انتبه للوقت. يجب أن أعود إلى مريضتي.» # هب هير على قدميه وكأنما صعقه تيار كهربي. ~~«انتظر لحظة أيها الطبيب. كيف يمكننا أن نعطيها ذلك الدواء؟» # أدرك الطبيب أنه عبر ms154 الجسر فأسرع يشرح الأمر. # قال بعتاب: «الفتاة المسكينة لم تتناول العشاء. بالطبع ستأخذ لها صحنا صغيرا من الحساء، ~~فلن تسنح أي فرصة لذلك على متن القطار الإيطالي، حتى تلتحم به عربة الإفطار.» ~~«يا لحماقتي! لم أفكر قط في أنها ستكون جائعة، لكن إن نامت، فكيف سأتدبر أمر تبديل ~~القطار في ترييستي؟» ~~«يا سيدي العزيز، لا تتوقع المعجزات. أنت عجول جدا. العقار لن يؤدي مفعوله الكامل حتى ~~تصير على متن القطار الإيطالي. حينها ستنام طويلا، لكن في ترييستي ستكون هادئة وثقيلة ~~الحركة وطيعة فحسب.» ثم ضاقت عينا الطبيب وأردف: «كما ستكون خدرة للغاية فلن تقلق بشأن ~~السيدة الشبح.» ~~«يوافقني ذلك. سأقبل بالمخاطرة.» # رافقه الطبيب إلى عربة المطبخ وخاض معركة مع الطاهي المعترض. في نهاية المطاف، كانت ~~الغلبة لصاحب السلطة الطبية. بعد ذلك بوقت ليس بطويل، انطلق هير بعينين قلقتين وشفتين ~~مطبقتين، في رحلته المصيرية في ممرات القطار حاملا سلطانية مملوءة حتى نصفها. # لكنه كان يحمل ما هو أكثر من مجرد حساء؛ فداخل التجويف الدائري للسلطانية كان يستقر قدر ~~امرأة. # بينما كان يسير مترنحا في طريقه، وبصدفة صنعها التوقيت، توجه ذهن السيدة فروي في ~~المنزل الحجري الصغير بإنجلترا صوب الطعام. # قالت للسيد فروي: «آمل أن تكون ويني قد أكلت شيئا قبل أن تصل إلى ترييستي؛ فعشاؤها لن ~~يسد رمقها طوال الليل، كما أنها دائما ما تأخذها الحماسة فلا تأكل شيئا أثناء الرحلة؛ ~~فهي لا تأكل سوى القليل من أول وجبة غداء تتناولها في البيت.» # ابتسم زوجها ابتسامة مذنبة؛ إذ كان يعلم السبب وراء انعدام شهية ويني. # في أثناء ذلك، كان هير لا يزال خائفا من المسئولية التي تضعها على عاتقه الخطوة التي ~~اتخذها. طمأن نفسه بأنه في الواقع يحمل لآيريس هدية تحفظ عليها سلامتها العقلية، إلا أنه لم ~~يستطع التخلص من تخوفه. عذبه التردد، فعرض على نفسه اختبارا أخرق. ~~«إن لم أسكب منه شيئا فسيكون الأمر على ما يرام، لكن إن فعلت فسأتراجع عن ~~الأمر.» # تابع سيره بتذمر، وهو يتوخى كل العناية ms155 والحذر فيما كان القطار يزيد من سرعته على ما ~~يبدو. تطاير الحساء بقوة إزاء حافة السلطانية، يوشك أن ينسكب منها، لكن على نحو عجيب كان ~~دائما ما يدور في دوامة داخل حدود وعائه. # تذكر هير خدعة سيرك بسيطة اعتاد أن يمارسها عندما كان طفلا مستعملا طوقا كبيرا حول ~~وسطه وكوب ماء. من الواضح أن القاعدة نفسها تسري الآن، وأن الحساء لا ينسكب بفعل سرعة ~~الحركة. # لكن قبل أن يصل إلى جزء المقصورات الخاصة من القطار تعرض لنكسة تامة. فبينما كان يعبر ~~الممر الموصل، ارتطم به بقوة طفل صغير يطارد طفلة أصغر منه فتلقي معمودية حساء، واسما ~~كريها. # بتر هير شتيمته كي يمسح أصابعه. # قال مهمهما: «هذا يحسم الأمر. لم يعد بيدي شيء.» # في تلك الأثناء، كانت آيريس في قبضة عاصفة ذهنية. عندما غادر البروفيسور كان الخوف يشلها. ~~بدا أن باعثا حيويا في عقلها قد انهار، فلم يعد ذهنها سوى كتلة مشوشة واهنة. كانت ~~الآنسة فروي قضية خاسرة؛ لذا أنكرت وجودها، لكن دون غاية أو أمل أو احترام للذات لم يعد ~~لديها سوى الخواء. # قالت لنفسها: «لقد كنت فرصتها الوحيدة، وها قد انهرت أنا أيضا.» # كانت معرفتها عذابا حاولت عبثا نسيانه، لكن ظلت الصور المصغرة تومض أمام عينيها ~~المغمضتين. عجوزان يقفان متضامين في مدخل باب مضاء، ينتظران. وسقراط، الكلب الأخرق غزير ~~الوبر، وهو يندفع ليلاقي صاحبته التي لن تعود أبدا إلى بيتها. # كانت صورة الكلب هي أكثر ما أثر بها؛ إذ افترضت أن خرف الشيخوخة قد نال من الوالدين ~~العجوزين. قالت في نفسها إن الصدمة ستجهز عليهما معا على الأرجح؛ إذ لا بد أن كلا منهما ~~مخلص للآخر أو معتاد عليه لدرجة أنه لن يطيق متابعة حياته من دونه. حينها ماذا سيكون ~~مصير الكلب الذي سيترك شريدا يتضور جوعا في كوخ ريفي؟ # قلقت بشأنه حتى تمكنت منها الحمى. فيما ارتفعت حرارتها بدأ رأسها يؤلمها بشدة، حتى ~~إنه خيل لها أن سلسلة من الانفجارات الصغيرة تحدث بداخله تزامنا مع دورات العجلات ~~الثائرة. ms156 ~~«أنت تق تربين. أنت تق تربين.» # ثم تغير الإيقاع ليتحول إلى دقدقة سريعة مضطربة. «أقرب-فأقرب-فأقرب- فأقرب.» # أقرب إلى ترييستي. كان القطار السريع رهينا لقبضة الجدول الزمني التي لا ترحم. سرت نبضات ~~المحرك في جسد آيريس مثل شرايين راجفة لقلب تجاوز حدود مقدرته. كان يرتج ويزأر فوق ~~القضبان، كوحش حديدي يسابق خصما خفيا. # كان يجب أن يسبق الزمن. # عندما دخل هير إلى المقصورة، بالكاد رفعت عينيها ولم تتحدث إليه. # سألها: «أما زلت تكرهينني؟» # قالت بتبلد: «أنا لا أكره سوى نفسي.» # تطلع خلسة إلى وجهها المتشنج ووجنتيها المتوهجتين، الذين أكدوا في نظره تشخيص الطبيب ~~بتوتر أعصاب بلغ حد الخطر، فطمأن نفسه أنه يقدم لها خدمة جليلة؛ كونه عاجزا عن إفقادها ~~وعيها بتلك اللكمة الضرورية على فكها. # قال بنبرة مذنبة: «لقد أحضرت لك القليل من الحساء.» # تراجعت نافرة منه حتى وهي تشكره عليه. ~~«هذا لطف منك، لكني لا أستطيع لمسه.» ~~«حاولي. سيعيد إليك عافيتك.» ~~«حسنا إذن، هلا تركته وذهبت؟» ~~«كلا، فتلك حيلة قديمة جدا. فور أن أذهب ستسكبينه خارج النافذة. لن أتركه ~~وأذهب.» # أمسكت آيريس برأسها، وقالت متوسلة: «أشعر بإعياء شديد.» ~~«هذا يعود لنقص التغذية. اسمعي يا فتاتي، ثمة تاريخ من المثابرة مرتبط بسلطانية الحساء ~~البسيطة تلك؛ فقد ذبحت طاهيا كي أحصل عليها في الأساس، ثم بينما أنا في طريقي إلى هنا سكب ~~طفل شقي الحساء كله. فقلت: «قسمة ونصيب.» ثم ما لبثت أن قلت: هي لم تأكل شيئا طوال ~~اليوم، ولن تأكل شيئا حتى إفطار يوم غد، فعدت أدراجي وذبحت طاهيا آخر، كل هذا من أجل أن ~~أحضر لك سلطانية أخرى.» # قالت آيريس بإذعان: «أوه، حسنا، لكن هل أنا مضطرة لإبداء امتناني؟» # ارتشفت أول ملعقة حساء على مضض بعبوس وكأنما تتجرع شربة دواء مقززة، ثم تريثت، بينما ~~انتظر هير في ترقب بالغ. # سألته: «أي حساء ذلك؟ مذاقه يشبه الدواء للغاية.» # قال هير كاذبا: «إنه الحساء نفسه الذي نهمته على العشاء. هذا كل ما أعرفه.» ~~«حسنا إذن، من الأفضل أن أنهيه.» # رفعت السلطانية إلى ms157 شفتيها، وتجرعته باشمئزاز. # قال هير مطمئنا إياها وهو يأخذ السلطانية الفارغة من يديها المرتعشتين: «ستشعرين بتحسن ~~قريبا.» # جلسا في صمت لبعض الوقت، وظل يراقبها آملا أن يلاحظ عليها أولى أمارات النعاس. هو يعلم ~~أن العقاقير لها تأثير مختلف على كل فرد، وأنه من الصعب قياس الجرعة المناسبة لآيريس بسبب ~~حالتها غير العادية. # قال في نفسه بنفاد صبر: «إن حدث خطب ما فسأضطر لتحمل مسئوليته.» # كل حين وآخر، كان يسمع نبرة أنين بصوت البروفيسور الذي رفعه إلى آخره في المقصورة ~~المجاورة كي يسمع فوق هدير القطار. كان يجلس في المقصورة المجاورة، يوطد علاقته ~~بالآنستين فلود-بورتر، على أمل أن تكشف عن صديق مشترك يربطه بهما. # قال معلقا: «أنتما تعيشان في سومرسيتشاير، وهي مقاطعة مكثت فيها كثيرا. أتساءل إذا ما ~~كان بيننا أي أصدقاء مشتركين.» # قالت الآنسة روز بحنق، داحضة أي مطالب بالصداقة: «أنا أكره جميع من يسكن هناك.» # أضافت الآنسة فلود-بورتر: «بسبب صيد الأيائل.» # أراحه التفسير فبدأ البروفيسور بلطف وحنكة ينتشل بضعة أشخاص جديرين بالاحترام من ذلك ~~الحظر العام، كللت جهوده بالنجاح عندما تعرفت السيدتان على أحد الأسماء. ~~«أجل، أناس لطفاء. هم أصدقاء مقربون لنا.» # توطدت صلتهم وبدءوا جميعا يرفعون أصواتهم. # تعرفت آيريس على أصواتهم؛ إذ بعد مضي بعض الوقت قالت لهير: «ذلك صوت البروفيسور، أليس ~~كذلك؟ أتمنى أن تخبره أني أرغب في قسط من النوم، لكني لا أستطيع بسبب الصخب الذي يحدثه، ~~ثم اذكر بين طيات حديثك شيئا عن كونه مصدر إزعاج عام، هلا فعلت؟ سيكون ممتنا لك؛ فهذا ~~ما نعتني به.» # كانت كلماتها مرحة على نحو غير متوقع، فتطلع إليها هير متفاجئا. لم يدر إذا ما كان ~~يتخيل تلك التغيرات، لكن عينيها صارت أقل إجهادا، وزال عن وجهها الاحتقان الشديد نتيجة ~~الحمى. # قال في نفسه بغضب جم: «لقد أعطاني الطبيب دواء مزيفا؛ فهي لا تهدأ، بل تزداد نشاطا؛ ~~بذلك المعدل ستتأجج غضبا في ترييستي.» # في واقع الأمر، أعاق جهلهما بظروف عمل الدواء مؤامرتهما الصغيرة؛ ففي المرات النادرة التي ~~مرضت فيها ms158 آيريس، كانت استجابتها للعلاج تكاد تكون فورية، وفي حالتها غير العادية تلك كسرت ~~رقمها القياسي الشخصي؛ فمع أن تأثيراته يفترض أن تكون قصيرة المدى، شعرت آيريس أن الحساء ~~رد إليها حيويتها بأعجوبة، فيما كان الدواء قد بدأ يهدئ عاصفة ذهنها، مثل طبقة من الزيت ~~تنتشر فوق سطح بحر هائج. # شعرت بفورة من العافية المزيفة، تلتها دفقة من الثقة وهي تتسلق إلى خارج جحيم الخونة ~~الذي ألقت بنفسها فيه. # قالت في نفسها: «القضايا الخاسرة هي القضايا الوحيدة التي تستحق الجهاد من أجلها.» # شعرت براحة لاستعادتها عافيتها، فابتسمت لهير الذي ابتسم لها بدوره. # وسألها: «ألم أخبرك أنك ستتحسنين بعد احتساء ذلك الحساء المغذي قوي المفعول؟» # أجابته: «كان مذاقه كحساء المومياوات، لكنه رد إلي حيويتي؛ فذهني صار أصفى. أدرك الآن ~~أن البروفيسور كان محقا؛ فقد جعلت من نفسي أضحوكة.» # منح هير نقطة لصالح الدواء. # سألها غير مصدق: «أتعنين، أتعنين أنك دفعت بالآنسة فروي إلى خارج القطار؟» ~~«رجاء لا تأتي على ذكرها مجددا، فلا وجود لها بالطبع. هذا ما قلته للبروفيسور.» # شعرت آيريس بغصة لحظية وهي تتطلع إلى عينيه البريئتين. # قالت في نفسها: «إنه لأمر مؤسف أن أخدعه.» # كانت قد قررت اللجوء لحيلة قتالية. ستتصنع الوداعة كي تصرف عن نفسها الشكوك. عند الوصول ~~إلى ترييستي، ستدبر حيلة للتملص منهم، ثم تستأجر سيارة أجرة تتبع بها سيارة الإسعاف. لن ~~يتوقعوا أي اهتمام خارجي بتحركاتهم؛ إذ ستكون حتما قد خرجت من حساباتهم. # بعد أن تنبه سائق الأجرة مسبقا لحفظ العنوان الذي أخذت إليه الآنسة فروي، ستأمره أن ~~يهرع إلى السفارة البريطانية. لطالما توسمت في الإيطاليين البسالة ورهافة المشاعر؛ لذا ~~كانت واثقة من أنها ستنال تعاطفهم وأنهم سيتخذون إجراء فوريا. # كان عقلها المشوش من قبل يعمل الآن بسرعة فائقة. قالت في نفسها إن نجاح خطتها يعتمد ~~على قدرتها على خداعهم جميعا. يجب أن تعود إلى مقصورتها التي تعج بجواسيس الطبيب، وتتصنع ~~الوداعة واللين المطلوبين. # قالت لنفسها: «يجب ألا أبالغ في التصنع؛ إذ ربما يثيرون ضجة بشأني إن ms159 ظنوا أني ~~مريضة.» # كانت تتكل على الفوضى التي تعم عندما يبدل الركاب بأمتعتهم القطار في المحطة. يجب أن ~~ترسل هير في مهمة ما؛ فهو العائق الوحيد في طريقها. أما باقي الركاب فسيصدقون طبعهم، ولن ~~يعبئوا إلا بشئونهم. # رفعت عينيها لتلتقي بعيني هير الصادقتين. كان يفكر بقسط النوم الطويل العميق الذي ~~ينتظرها في القطار الإيطالي. # قال في نفسه: «إنه لأمر مؤسف أن أخدعها.» # الفصل الثاني والثلاثون # | الحلم # مع أن القطار لم يكن قد وصل بعد إلى ترييستي، كان يملؤه الضجيج والعجيج الذي يلازم ~~وصوله إلى وجهته. بدأ الركاب في إغلاق حقائب السفر المفتوحة وارتداء معاطفهم وقبعاتهم. ~~انتقلت إلى البروفيسور المتمهل عدوى القلق، فترك الآنستين فلود-بورتر ودخل إلى مقصورته ~~الخاصة. # قال ملمحا لآيريس: «لا أود إزعاجك، لكننا سنصل إلى ترييستي عما قريب.» # لم تبد آيريس أيا من ممانعتها المفرطة السابقة للعودة إلى مقصورتها. # قالت متحمسة لإثارة إعجاب البروفيسور بإذعانها: «يجب أن أحضر حقيبة سفري.» # كافأها بابتسامة استحسان. للمرة الأخيرة، قطعت الرحلة المتقلقة في ممرات القطار. لم يضحك ~~منها أحد أو يلاحظ وجودها حتى؛ إذ كان كل منهم منشغلا بأموره. كانت حقائب السفر ~~والحقائب الصغيرة قد أنزلت بالفعل من أعلى رفوفها ورصت خارج المقصورات؛ مما زاد من ~~تكدس الممرات. وكانت الأمهات يصحن في صغارهن الذين يطارد أحدهم الآخر في الممرات كي ~~يجمعنهم. # مسحن أفواههم العابسة التي تلطخها الشيكولاتة بأطراف مناديلهن التي بللنها. وكان قشر ~~الموز يلقى من النوافذ، والصحف تكدس تحت المقاعد. # كانت الحرارة والازدحام خانقين لدرجة جعلت آيريس تسر لبلوغها مقصورتها، لكن قبل أن ~~تدخلها تراجعت مجفلة عندما خرج الطبيب من مقصورة المريضة القعيدة. بدا وجهه يابسا وشاحبا ~~مثل لب شجرة صفصاف فوق الرقعة السوداء التي هي لحيته المدببة، وبدت عيناه اللتان ~~عظمتهما نظارته ككرتين سوداوين متورمتين. # عندما نظر إليها، شعرت أنه لا جدوى من محاولة خداعه. كلاعب شطرنج محنك، سيتوقع أي ~~حركة يحتمل أن تقدم عليها، وسيكون مستعدا لمواجهتها بضربة مضادة. # سألها: «هل تشعرين بتحسن يا سيدتي؟» ~~«أجل، أشعر بخمول فحسب. ms160 كل شيء صار مجهدا، وفور أن أجلس لن أود أن أتحرك مجددا.» # تحمست آيريس لنجاح خطتها عندما تبادل الرجلان نظرة فهم. دخلت مقصورتها، لكن لم يبد أن ~~أحدا أبدى أي اهتمام بعودتها. كانت الأم وطفلتها تعيدان جمع محتويات حقائب سفر الأسرة، ~~بينما كانت الشقراء تضع زينة منمقة. وتولى الأب حقيبة زينة البارونة، وبدا أنه مستعد ~~لتأدية دور المرافق مؤقتا. # جلست آيريس تراقبهم حتى ذكرها مشهد النسوة وهن يضعن المساحيق على أنوفهن ويصففن ~~خصلاتهن المموجة بحاجتها إلى إصلاح زينتها. كان من الضروري أن تعطي انطباعا جيدا في ~~السفارة. فتحت حقيبتها على مهل وأخرجت علبة مساحيق الوجه وهي تتثاءب إذ حل بها نعاس مفاجئ. ~~طرفت بعينيها بقوة، وبدأت تضع مسحوق الزينة وأحمر الشفاه. # قبل أن تفرغ كان جفناها لا ينفكان ينسدلان حتى إنها لم تعد ترى بوضوح. جزعت أن أدركت ~~أن موجات من النعاس تستبد بها. # كانت قوية لدرجة أنها لم تستطع مقاومتها، مع أنها جاهدت كي تظل متيقظة، لكن هيهات. كانت ~~تضربها واحدة تلو الأخرى، لا تنفك تتزاحم في تتابع مستمر. # بدأ الركاب الآخرون يتمايلون كالظلال. خارج النافذة، ظهرت ترييستي كوهج أحمر متراقص في ~~سماء الليل. هدر المحرك في محاولة أخيرة هائلة لمجابهة ذلك الشريط غير المرئي الممتد أمام ~~المصدات. صار بمحاذاته تقريبا، فمر فوق الظل الهائل مرفرفا جناحيه ومؤرجحا ~~منجله. # عمت البهجة غرفة المراجل وعربة السائق؛ إذ كان القطار يستبق بالفعل موعده المحدد. ~~نجحوا في استباق الزمن، فخففوا جهودهم وأبطئوا سرعتهم تدريجيا استعدادا لوصولهم إلى ~~ترييستي. # كان رأس آيريس قد مال للأمام وجفناها قد أطبقا، ثم نبح الكلب من بعيد فأيقظها من نومها ~~مفزوعة. تطلعت من النافذة بعينين زائغتين، فأخبرتها بضع إضاءات متفرقة تلمع في الظلام ~~أنهم قد وصلوا إلى ضواحي ترييستي. # في تلك اللحظة، فكرت في الآنسة فروي. # قالت بصوت مهتم: «ترييستي. يجب أن أظل مستيقظة.» # ثم بدأ كل شيء أمامها يزيغ مجددا، وغاصت مرة أخرى في مقعدها. # عندما عاد هير إلى المقصورة تدلى فكه عندما رآها متكومة. نادى ms161 الطبيب، الذي لم يفعل سوى ~~أن فرك كفيه النحيلتين برضا. # قال: «رائع! لقد استجابت بسرعة شديدة.» # سأله هير: «لكن كيف سأجعلها تخرج من القطار عندما نصل إلى ترييستي؟» ~~«لن تواجه مشكلة في ذلك؛ فبإمكانك إيقاظها بمجرد لمسة، فتلك مرحلة أولية من النوم، أو ما ~~تسميه نوما خفيفا. ستكون ذاهلة بعض الشيء فحسب.» # دار الطبيب على عقبيه، لكنه ما لبث أن توقف كي يسدي نصيحة لهير. ~~«من الأفضل أن تدعها على حالها حتى تؤجر حمالا. إن أيقظتها مبكرا فربما تنام مجددا، ~~وكل مرة ستكون أطول من سابقتها.» # سمع هير نصيحته ووقف في الممر يتطلع من النافذة. انعكست صورة القطار بأنواره طافية على ~~الأسطح والجدران الحجرية، فجعلتها أشبه بمنظر طبيعي ينعكس متراقصا على صفحة ماء. في كل ~~مقصورة كانت الأمتعة تنزل، والأصوات تتعالى مطالبة بخدمات، وكانت الصداقات العابرة التي ~~تبتدأ على متن رحلة قطار، توطد وتنهى في آن واحد بالمصافحات والوداعات. # نامت آيريس. # في مقصورة العروسين الخاصة، كان المحامي تودهانتر يبذل أقصى ما بوسعه - لبضع دقائق أخرى - ~~كي يوفق بين لفتة وداع وهروب استراتيجي في آن واحد. # قال ملمحا: «هل نتبادل عبارات الوداع الآن؟ قبل أن نصبح محاطين بلفيف من ~~الشهود.» # متجاهلة اقتراحه، قالت الآنسة لورا، وهي تعقص رموشها لأعلى بعناية: «وداعا! شكرا لحسن ~~ضيافتك! لقد حظيت بعطلة رخيصة، رخيصة بكل ما تحمله الكلمة من معان.» # في المقصورة الخاصة المجاورة، كانت الأختان فلود-بورتر تواجهان مأساة كبرى. كانت الآنسة ~~فلود-بورتر هي من فجرت المفاجأة. ~~«روز، هل رأيت حقيبة السفر البنية توضع في الشاحنة؟» ~~«كلا.» ~~«إذن أظن أننا نسيناها. لقد دفعت أسفل السرير، أتذكرين؟» # تجمدت الدماء في وجهيهما؛ إذ كانتا قد حزمتا جميع مشترياتهما في حقيبة واحدة للإفصاح ~~عنها لموظفي التخليص الجمركي بأمانة. # قالت الآنسة روز بأسف: «لقد كنت أعول على الكابتن باركر لتخليصهم من الجمارك لأجلنا، ~~لكنها ربما تكون في الشاحنة.» ~~«ربما. لا يسعنا سوى أن نأمل الأفضل.» # ظلت آيريس نائمة. # في طفولتها، عانت عقدة نقص لم تتوقعها بسبب التباين بين أغراضها وأغراض ms162 غيرها من الأطفال. ~~مع أنها كانت مدللة من الكبار، واجهت عداء سريا من بعض أقرانها. لم تكن أهلا للانتقام ~~لنفسها، لكن أثناء الليل وجدت رغباتها المكبوتة متنفسا لها في أحلامها حيث يكون لها ~~نفوذ، فتنهب متاجر الألعاب ومحال الحلوى بلندن وهي تتمتع بحصانة مهيبة. # جاء الزمن حاملا معه الثأر، ليضع آيريس على قمة عالمها الصغير، لكن الآن تحالف عداء ~~البروفيسور لها وخصومة الطبيب والبارونة، واستهزاء الركاب الآخرين بها، مع ضربة الشمس التي ~~تعرضت لها؛ ليعيدوا إحياء عقدة النقص القديمة. # كانت النتيجة أنها انتقلت من غياب الوعي إلى أحد أحلامها الطفولية بالنفوذ. # في حلمها كانت لا تزال في طريقها لإنقاذ الآنسة فروي على متن القطار السريع. وكانت ~~الممرات طويلة للغاية، فاستغرق فعل ما فعلته في حدود الدقيقة زمنا طويلا. ظل الطبيب وحشد ~~من المسافرين يحاولون إعاقة طريقها، لكنها لم يكن عليها سوى أن تدفع وجوههم ليتلاشوا ~~كالدخان. # كانت تحصد أرواحهم بالعشرات حين أيقظها صرير المحرك. أخبرتها الصيحات وومضات الضوء ~~المفاجئة أنهم يدخلون ترييستي بسرعة. # على الفور نهضت مترنحة، بين الحلم واليقظة، واتجهت مباشرة إلى المقصورة ~~المجاورة. # جاء فعلها مفاجأة للجميع، لم يتوقعه أحد منها؛ إذ ظنوا أنها نائمة. كان الطبيب وسائقه ~~المتنكر يتطلعان من النافذة، ويترقبان وصول عربة الإسعاف، لكن هير الذي كان يثرثر مع ~~الحارس رآها تدخل المقصورة، فبذل جهدا خرافيا لمنعها. # لكنه كان قد تأخر كثيرا. كانت آيريس لا تزال واقعة تحت تأثير حلم النفوذ الذي أشعرها ~~بأنها آمنة ومنحها حصانة جعلتها ترقى فوق الخوف من التبعات، فاندفعت نحو المريضة ونزعت ~~الضمادة اللاصقة عن وجهها. # كان إعطاؤها العقار المنوم هو الخطأ الأخير الذي ارتكبه الطبيب في مغامرته المشئومة ~~تلك. إن كانت قد نفذت تهديدها بالفعل ولجأت للسفارة، لربما لاقت استنكارا وتوانيا، لكن ~~الدواء هو ما منحها الشجاعة للإقدام على المستحيل. # بمجرد أن انتزعت الضمادات المتقاطعة وتدلت من بين أصابعها كنجمة بحر، حبس هير أنفاسه في ~~هلع، ثم صفر الحارس من ورائه مندهشا؛ إذ بدلا من ينابيع الدماء المتفجرة، واللحم ms163 ~~المشوه الذي لا يغطيه جلد ، طالعهم وجه سليم، لكن محمر، لامرأة في منتصف عمرها. صرخت ~~آيريس صرخة تعرف خافتة: «آنسة فروي.» # الفصل الثالث والثلاثون # | البشير # بعد يومين، وقفت آيريس على رصيف محطة فيكتوريا تراقب تفرق الركاب. كانت الآنستان ~~فلود-بورتر من بين أول المغادرين. كانتا واثقتين من استحقاقهما لمعاملة مميزة، فوقفتا ~~بمعزل عن الآخرين وقد ارتسمت على وجهيهما أمارات السرور، بينما كان رجل ذو نفوذ له صوت آمر ~~وأسلوب واثق مع الموظفين يصيح ويوجه أمتعتهم عبر التفتيش الجمركي. # وقع نظراهما على آيريس مرة دون قصد، لكنهما كانتا مشغولتين للغاية فلم تحيياها. كانت ~~تلك إنجلترا، حيث لا مكان لها في حياتهما. # لكنهما تعاملا بلطف شديد مع السيدة بارنز عندما ذهبت إليهما تودعهما. كان وجهها مشرقا ~~بسعادة منبعها برقية تلقتها في كالييه. ~~«لقد تحسن جابريال مجددا بعد نزلة البرد التي أصابته.» # رغم تعجلها للعودة إلى البيت وإليه، وقفت تستمع إلى أحدث الأقاويل من الأختين. # سألت الآنسة فلود-بورتر الكبرى: «ألا تجدين أمر تلكما العروسين غريبا؟ أعلم أنه لم ~~يستقل قطار فينيسا لأني بحثت عنه. لقد نزلت هي من القطار في ميلان، وحدها.» # أومأت السيدة بارنز برأسها. «أجل، أعلم أن زوجي لن يحب أن أقول ذلك، لكن الأمر يجعلني ~~أتساءل إن كانا متزوجين حقا.» # قالت الآنسة روز باستهزاء: «بالطبع ليسا متزوجين. أنا سعيدة للغاية لأننا لم نخالطهما. ~~إن رفعت دعوى طلاق فيما بعد فلربما استدعينا للشهادة.» # وافقتها أختها: «بالضبط، وهذا يبين كيف يجب على المرء أن يتوخى الحذر عندما يكون مسافرا ~~خارج البلاد. نحن دائما نلتزم بقاعدتنا، وهي ألا نتدخل في شئون الآخرين أبدا.» # ابتسمت آيريس بمرارة عندما سمعت نبرة الفضيلة المتيقظة التي حملها صوتاهما؛ إذ ذكرتها ~~بما كابدته نتيجة لسياسة الانعزال الشديد التي يتبعانها. هزت كتفيها وأدارت ظهرها ~~لمشهد الوداعات الحارة لتستعيض عنه بخطوط الأشعة الدقيقة البيضاء - تشبه أضواء كشافات لا ~~تعد ولا تحصى - التي تبثها الشمس عبر السطح الزجاجي. # مع أنها كانت لا تزال مضطربة، شعرت بأنها منحت حياة جديدة، وأنها ممتنة إلى ms164 عودتها ~~وإلى بقائها على قيد الحياة. فيما كان هير يحوم حول كومة من الأمتعة عادت بذاكرتها إلى ~~الرحلة. كانت ذكرياتها باهتة، تتخللها فجوات عديدة. # فقدت الوعي في ترييستي عندما انهار جسدها تماما، ولم تدر بمحيطها حتى صارت على متن ~~القطار الإيطالي الذي انطلق يشق الظلام. سيدة ما، لها عينان سوداوان براقتان كانت ~~تعتني بها، فيما كان هير يجيء ويذهب. كانت نائمة معظم الوقت، لكن كلما استيقظت كانت تشعر ~~بالسعادة. # كانت المقصورة تعج بركاب آخرين، جميعهم يصيحون ويدخنون ويلوحون بأيديهم. لم تفهم كلمة ~~واحدة مما يقال، لكنها شعرت أنها متآلفة ومتناغمة تماما معهم جميعا. كان ترقب جمع الشمل ~~المبهج يغمر العالم سعادة. زال حاجز اللغة، فلم يعودوا أبناء جنسيات مختلفة، بل أبناء ~~عالم واحد تجمعهم المشاعر المشتركة. # في الصباح، اكتشفت راكبة أخرى في المقصورة، سيدة ضئيلة باهتة الملامح في خريف عمرها، لها ~~وجه صغير تملؤه الخطوط وعينان زرقاوان. # هللت آيريس فرحا وهي تعانقها. ~~«آنسة فروي. يا لك من قاسية مريعة لتسببي لي كل ذلك العناء! أوه، يا عزيزتي.» # رغم فرحة التئام الشمل، تبين أن الآنسة فروي لم تكن بديلة مناسبة للغريبة الإيطالية؛ ~~فاهتمامها اللجوج وضحكتها الرنانة وثرثرتها المتواصلة صارت عبئا كبيرا، لدرجة أن هير ~~كان يضطر للجوء للحيلة كي يحظى بفترات من الراحة. # لكن رغم جميع العوائق، كان يغلف الرحلة حس بالمغامرة والآمال العالية. كادت الرياح ~~تعصف بهم وهم يقطعون المساحات المسطحة من فرنسا، وكان كل شيء يتحرك معهم؛ الدخان المتدفق، ~~والغيوم المضطربة. كانت الحقول الشاسعة والسماء البيضاء تسبحان في الضوء، فبدا كأنهم ~~يبحرون في بلد سحري. # مع أن آيريس صارت أفضل حالا، أبى هير أن يجيب عن أي من أسئلتها. # كان دوما يقول لها: «سأخبرك عندما نعود إلى لندن.» # ذكرته بوعده عندما عاد بحقيبة سفرها وقد وضعت عليها علامة بالطبشور. # قالت له: «لا أطيق الانتظار دقيقة أخرى.» # قال موافقا إياها: «حسنا، فلتجلسي إذن.» # جلسا معا على عربة نقل أمتعة ودخنا السجائر، بينما استمعت لروايته. ~~«جرى الأمر بهدوء شديد. لم يحدث ms165 أي مناوشات أو غيرها. كان الحارس بطلا حقا. كان يعرف ~~ما يجب فعله بالتحديد، وقد أذعن له الطبيب والممرضتان كالحملان. كما ترين، لن يدانوا على ~~الأرجح إلا بمحاولة اختطاف.» # سألته آيريس: «ماذا حدث للبارونة؟» ~~«لقد انسلت كالشعرة من العجين. لم يثبت أن لها صلة بالمقصورة المجاورة، لكنها ستستغل ~~نفوذها وتتدبر إخلاء سبيلهم. هي سلسلة معقدة من الفساد كما تعلمين.» # لم تكن آيريس مهتمة بمصيرهم. # سألته بحماسة: «ماذا قال الآخرون عندما علموا بأمر الآنسة فروي؟ ففي النهاية، كان الجميع ~~مخطئا ما عداي.» # قال هير: «بصراحة شديدة، تجاهلوا الأمر كأنهم لم يسمعوه. كاد القطار يفوتنا في فينيسيا، ~~وفقدت بعض أمتعة الآنستين فلود-بورتر. أصابهما ذعر شديد بشأنها فظلتا متجهمتين بعدها. ~~وزوجة القس كانت قلقة للغاية على زوجها.» ~~«لكن ماذا عن البروفيسور؟» ~~«هو من النوع الذي لا يحب أن يثبت أحد أنه على خطأ. عندما رأى الآنسة فروي تركض في ~~الأرجاء كطفلة بعمر السنتين، كان رأيه أن الأمر كله مبالغ فيه. سمعته عرضا يقول للآنسة ~~فلود-بورتر: «الناس ينالون عادة ما يسعون إليه بأنفسهم. لا أتخيل أن يحدث أمر كهذا ~~للآنسة روز».» ~~«ولا أنا، يبدو أن الجميع يودع بعضهم بعضا. ها هي الآنسة فروي العزيزة.» # أسرع هير يلوذ بالفرار في الوقت المناسب لتفادي السيدة الضئيلة. كانت تبدو في خير حال، في ~~الحقيقة، بدا أن تجربتها المريعة قد أعادت إليها الحيوية. # مع أن آيريس كانت تتضايق من لمسات هاتين اليدين الجافتين الخشنتين، شعرت بغصة ندم الآن ~~وقد صار الفراق وشيكا. # قالت الآنسة فروي مسرة إليها: «سأمكث في لندن لبضع ساعات. سأقصد متجر «سيلفريدجز» يا ~~عزيزتي، وسأتجول فحسب. سيكون هذا رائعا.» # تابعت هير بنظرها وهو يطارد سيارة أجرة، ثم خفضت صوتها. ~~«أنا أختلق قصة لأرويها لأسرتي عندما أعود للبيت. ستطرب لها أمي فرحا.» # عارضتها آيريس قائلة: «لكن أتظنين أن من الحكمة إخبارها؟ في عمرها هذا، ربما يتسبب لها ~~ذلك بصدمة.» # هزت الآنسة فروي رأسها نفيا، وغمزت بعينها لآيريس بتآمر كما تغمز تلميذة لزميلتها. ~~«أوه، أنت تعنين ما ms166 حدث لي. لن أخبر أمي بذلك، فستصاب بالذعر ولن تدعني أعود.» # سألتها آيريس: «وهل ستعودين؟» ~~«بالطبع. على الأرجح سيطلب مني أن أدلي بشهادتي في المحاكمة، كما أن جميع الأمور ~~المثيرة تحدث خارج البلاد.» ~~«أنت مدهشة، لكن ما القصة التي تختلقينها؟» # عادت الآنسة فروي شابة فجأة. ~~«إنها عنك، وعن مغامرتك العاطفية. هل الأمر حقيقي؟» # لم تعرف آيريس نفسها الإجابة حتى تلك اللحظة. # أجابت: «أجل. سأصحبه في رحلته التالية.» ~~«إذن سأكون أول من يهنئك، ويوما ما ربما تهنئينني أنت، والآن يجب أن أهرع لإرسال ~~برقيتي.» # بعد وقت ليس بطويل، وصلت برقية إلى المنزل الحجري الرمادي الصغير. قرأها السيد فروي ~~والسيدة فروي معا، ثم قرأها كل منهما وحده على مسامع سقراط. ~~«سأكون بالبيت الساعة 10 : 8. هذا رائع جدا. ويني.» ~~••• # في ذلك المساء، وقفت السيدة فروي في نافذة حجرة نوم ويني. مع أنها كانت لا تستطيع رؤية ~~محطة القطار، لمحت ضوء مصباح إشارة أصفر اللون خلال فرجة بين الأشجار. # كل شيء كان متهيئا لعودة ابنتها. كانت المائدة قد أعدت في غرفة الطعام وزينت ~~بزهريات تحتوي أزهار الأضاليا البيضاء وأزهار الجزر. وأزيلت قرب الماء الساخن من سريرها، ~~وأضيئ المصباح الذي نادرا ما يستخدم في الردهة، وفتح الباب الأمامي في تأهب، فسقط شعاع ~~من الضوء على أرضية مسار الحديقة الذي يكسوه الطحلب. # ووضع الغداء في الفرن ليظل ساخنا. دائما ما تكون الوجبة الأولى التي تطهوها السيدة ~~فروي هي النقانق والبطاطس المهروسة، ظنا منها أنهما طبق ويني المفضل. هما لم يعودا كذلك ~~منذ بضعة وثلاثين عاما، لكن ويني لم تملك الشجاعة قط لمصارحتها بالحقيقة. # كان الظلام والسكون يعمان خارج النافذة، وكانت النجوم ساطعة، والهواء البارد محملا ~~برائحة نيران الخلاء الخريفية، ثم فجأة شق السكون صرير القطار البعيد. # استطاعت السيدة فروي تتبع وصوله بواسطة الغمامة الحمراء التي تتراقص فوق شريط أشجار ~~الدردار الذي تختفي وراءه المحطة. علمت متى توقف؛ إذ لهث المحرك ونفث بعضا من ~~بخاره. # ثم ما لبث أن تابع سيره مقعقا ليتركها في حيرة. تساءلت إن ms167 كان قد أحضر معه ويني. ربما ~~فاتتها وسيلة مواصلتها في لندن. لم تستطع رؤية أو سماع أي شيء؛ إذ كان الصمم قد بدأ يتسلل ~~إلى أذنيها والعمى إلى عينيها. # كان الظلام المحيط يربكها ويخدع حواسها بوعود كاذبة، فكانت ترى هيئات تتقدم نحوها في ~~الظلام، لكن فور أن يثب قلبها فرحا تتبدل فتعود أشجارا. جاهدت عبثا لالتقاط أي بوادر ~~لأصوات بشرية، لنبرات زوجها العميقة ونبرات حادة مجلجلة لفتاة. # بينما كانت تحبس أنفاسها في ترقب، سمعت نباح كلب يأتي من بعيد. ظل ينبح وينبح بفرح شديد، ~~ثم ما لبث أن اندفع عبر البوابة المفتوحة والمسار المضاء كلب ضخم حليق الفراء، يثب فرحا ~~مثل جرو كبير، ويدور في دوائر، ويطارد ظله فيتعثر في خضم تعجله الأهوج. # كان ذلك هو البشير الذي استبق سيدته الصغيرة كي يبشر بعودتها إلى الديار. ms168