######OpenITI# #META# URI: 1450SayyidCaliIsmacil.HafizNajib.Hindawi62682937 #META# Tags: biographies :: literature #META# ID: 62682937 #META# Title: حافظ نجيب : الأديب المحتال #META# AuthorID: 91509525 #META# Author: سيد علي إسماعيل #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء‏ # المقدمة‏ # تمهيد‏ # اعترافات حافظ نجيب‏ # حافظ نجيب ... الصحفي‏ # حافظ نجيب ... الكاتب الاجتماعي‏ # حافظ نجيب ... الشاعر‏ # حافظ نجيب ... الروائي‏ # حافظ نجيب ... المسرحي‏ # رواية «الحب والحيلة»‏ # رواية «محور السياسة»‏ # إهداء‏ # المقدمة‏ # تمهيد‏ # اعترافات حافظ نجيب‏ # حافظ نجيب ... الصحفي‏ # حافظ نجيب ... الكاتب الاجتماعي‏ # حافظ نجيب ... الشاعر‏ # حافظ نجيب ... الروائي‏ # حافظ نجيب ... المسرحي‏ # رواية «الحب والحيلة»‏ # رواية «محور السياسة»‏ # | حافظ نجيب # | حافظ نجيب # | الأديب المحتال # تأليف # سيد علي إسماعيل # | إهداء # إلى أمي الحبيبة # صاحبة الدعوات المستجابة # دعواتي لك بالصحة والعمر المديد. # ابنك سيد # | المقدمة # ظهر في السنوات الأولى من القرن العشرين، كجاسوس على ألمانيا لصالح فرنسا، ثم سار في حواري ~~وأزقة القاهرة كبائع للحمص والفيشار وحلوى الأطفال، ثم عمل خادما في منزل رئيس النيابة، بعدها ~~وجدناه تاجرا يدعي بنفيه؛ حيث مات ودفن في القبر، وبعد ساعات عاد إلى الحياة، لنجده بارونا ~~يهوى الآثار، ثم يعيش عاما في أحد الأديرة القبطية حيث كان راهبا، ثم نجده يتنزه في يخت حاملا ~~لقب كونت سويدي ... وهكذا وجدناه في أكثر من شخصية بعد ذلك، منها: المسيو توندور، الخواجا غالي، ~~مسيو أنطوان دوريه، بنفيه خادم الملكة ناتالي، محمد صبحي، الشيخ بكر، الأمير يوسف كمال، ابن شقيق ~~أفلاطون باشا، المندوب السامي العثماني! # وهذه الأدوار والشخصيات، خلقت منه أسطورة شعبية، لا مثيل لها! فقد لقبه صديقه بنابغة ~~المحتالين، ولقبه آخرون بألقاب عديدة، منها: أرسين لوبين المصري ... اللص الظريف ... جحا ... الثعلب! ~~فمن هذا الشخص؟! # إنه حافظ نجيب ... الأديب المحتال! الذي قام بدوره الفنان محمد صبحي، في مسلسل «فارس بلا ~~جواد»، ذلك المسلسل الذي أحدث ضجة فنية وسياسية عالمية، منذ فترة قصيرة! وهذا الكتاب، يتعرض ~~لشخصية حافظ نجيب، في جوانب كثيرة مجهولة، لا يعلمها الكثيرون حتى الآن! بل هناك أشياء لا يعلمها ~~أي إنسان حتى صدور هذا الكتاب. فإلى من لا يعلم حقيقة حافظ نجيب، أقول له: # إن حافظ نجيب كان صحفيا، حيث شارك في تحرير مجلة «العالمين» عام 1923، وأصدر مجلة «الحاوي» ~~من منزله عام 1925. وفي هاتين المجلتين، كتب في أمور شتى ms001 ، منها: الأخلاق والاجتماع والقصص والنقد ~~والألعاب الرياضية والتدبير المنزلي! # ولم يكتف حافظ نجيب بكونه صحفيا، بل وجدناه كاتبا اجتماعيا وفيلسوفا؛ حيث تخصص في ~~ترجمة وتعريب الكتب الاجتماعية والفلسفية منذ عام 1912 إلى 1923. وفي هذه الفترة أصدر ستة كتب، ~~هي: «روح الاعتدال»، «غاية الإنسان»، «الناشئة»، «دعائم الأخلاق»، «مناهج الحياة»، «الغرور». وأول كتابين ~~أصدرهما باسم زوجته وسيلة محمد! # ومن الواضح أن هذه المجالات لم ترض غرور حافظ، فاقتحم مجال الإبداع الأدبي، حيث وجدناه ~~شاعرا، يكتب الأشعار وهو بين جدران السجون! ثم وجدناه روائيا يكتب الروايات الطويلة المؤلفة ~~والمترجمة، بالإضافة إلى القصص القصيرة! ومن هذه الأعمال: «الحب والحيلة»، «ثورة العواطف»، «عواطف ~~المرأة»، «غرام الملك»، «شقاء العشاق»، «عضو البرلمان»، «روايات جونسون»، «روايات ملتون توب»، ~~«الغرفة الصفراء»، «الشبح المخيف». # وأخيرا وجدناه مسرحيا حيث ألف مجموعة لا بأس بها من المسرحيات، منذ عام 1905 إلى 1927، ~~منها: «نكبات الهوى»، «الحب والحيلة»، «قوة الحيلة»، «الجاسوس المصري»، «محور السياسة»، «في سبيل ~~الحرية»، «بم بم»، «الهوسة». ومن خلال المسرح وجدنا حافظ نجيب يكون فرقة مسرحية عام 1919، ~~ظلت تعمل بصورة غير منتظمة حتى عام 1927. وكان حافظ صاحب الفرقة ... ومخرجها ... ومؤلف مسرحياتها ... ~~وممثلها الأول! # وإذا كانت أغلب أعمال حافظ نجيب الأدبية المطبوعة، من الصعب الحصول عليها، إلا أن المستحيل ~~بعينه هو أن تجد له مسرحية مطبوعة! والسبب في ذلك أن مؤلفاته المسرحية غير مطبوعة. والجديد الذي ~~سيجده القارئ في هذا الكتاب، يتمثل في وجود مخطوطتين، يتم نشرهما في هذا الكتاب لأول مرة! ~~المخطوطة الأولى لمسرحية «الحب والحيلة» المؤلفة عام 1915، والمخطوطة الأخرى لمسرحية «محور ~~السياسة» المؤلفة عام 1920. # والله ولي التوفيق ... # دكتور # سيد علي إسماعيل # القاهرة في 19 / 8 / 2003 # | تمهيد # | كلمة عن مسلسل «فارس بلا جواد» # ابتداء من أكتوبر عام 2002 ولفترة طويلة، أحدث المسلسل المصري «فارس بلا جواد» - بطولة ~~الفنان محمد صبحي - ضجة سياسية وفنية لفتت إليه أنظار العالم. ومن الآثار السياسية العالمية لهذه ~~الضجة، أن قدمت السفارة الأمريكية في مصر احتجاجا على عرض المسلسل؛ لأنه يعادي السامية، ~~لاعتماده على كتاب «بروتوكولات ms002 حكماء صهيون». وقد أذاعت شبكة # ABC # الفضائية الأمريكية خبرا حول هذا الموضوع، ونقلت عن إبراهام فوكسمان - رئيس مكتب مكافحة العداء ~~للسامية في نيويورك - نقده للحكومة المصرية، لسماحها بعرض مسلسل يزيد الكراهية لليهود. كما طالب ~~نائب وزير الخارجية الإسرائيلي بمنع المسلسل أيضا، فقام أعضاء لجنة الثقافة والإعلام بالبرلمان ~~المصري برفض هذه المطالب وهذه الاحتجاجات. # ومع قرب عرض المسلسل في أكثر من 22 قناة تلفزيونية عربية وفضائية، تطور الأمر إلى الدعوة ~~بسحب السفير الإسرائيلي من القاهرة، والتهديد باللجوء إلى اللوبي اليهودي القوي في الولايات ~~المتحدة الأمريكية، للعمل على وقف المساعدات المالية لمصر؛ لأن مصر انتهكت معاهدة السلام بعرضها ~~لهذا المسلسل. ووقف الفنانون والمثقفون المصريون موقفا إيجابيا ضد الحملة الإسرائيلية، وأصدروا ~~بيانا أكدوا فيه حرية الفنان في إبداء رأيه الفني، وأنه حق يكفله الدستور. كما أكدوا أن المسلسل ~~عمل درامي لا يشكل أي تهديد للسامية. # وقد قامت بعض الجماهير في أمريكا، بالتجمع أمام السفارة المصرية بواشنطن، مطالبة بوقف عرض ~~المسلسل، وقام أيضا أعضاء الكونجرس الأمريكي بمطالبة الرئيس محمد حسني مبارك بوقف المسلسل، ~~فأدان أحمد ماهر وزير الخارجية المصري هذه الضجة المفتعلة وغير المبررة. كما قام مركز المعلومات ~~والوثائق الإسرائيلية في لاهاي بهولندا، بتنظيم مظاهرة أمام السفارة المصرية اعتراضا على ~~المسلسل. أما نبيل فهمي سفير مصر لدى أمريكا، فقد فند الافتراءات التي تضمنتها افتتاحية صحيفة ~~واشنطن بوست، بخصوص انتقاداتها للحكومة المصرية، لعدم منعها عرض المسلسل. # وقد أكد الرئيس حسني مبارك لنظيره الإسرائيلي، بأن المسلسل ليس له أي طابع معاد للسامية. ثم ~~طالبت إسرائيل مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، بتوجيه اللوم إلى مصر، بزعم معاداتها للسامية ~~من خلال عرضها للمسلسل. وقد حاولت جماعات يهودية متطرفة في أوروبا، طرد الفنان محمد صبحي من ~~أية دولة يحاول زيارتها، مع إغلاق المكاتب التابعة للمحطات التلفزيونية، التي ستبث المسلسل، مع ~~فرض عقوبات على هذه المحطات. # ووصلت ضجة مسلسل «فارس بلا جواد» إلى مواقع الإنترنت، حيث طرح موقع # BBC # موضوعا للمناقشة، ومن ثم تلقى مشاركات زوار الموقع، ~~وكان الموضوع المطروح ms003 هو: «اعترضت الولايات المتحدة وإسرائيل على بث مسلسل فارس بلا جواد، الذي ~~ثار حوله جدل في وسائل الإعلام العربية، بين القائلين بأنه يفضح مؤامرة يهودية، ومن يرون أنه ~~يعتمد على كتاب بروتوكولات حكماء صهيون، الذي أكد باحثون عرب أنه عمل ساذج ومدسوس، ويخلو من المصداقية.» # 1 # وبالرغم من حدوث هذه الضجة السياسية، فقد تم عرض المسلسل في معظم القنوات التلفزيونية العربية ~~والفضائية، وبدأت الأقلام تكتب عن حافظ نجيب واعترافاته، ومدى الصدق التاريخي فيها، ومدى التزام ~~المسلسل بما جاء في الاعترافات من أحداث. كما قام الفنان محمد صبحي بالدفاع عن عمله، من خلال ~~توضيح بعض الأمور، منها أن المسلسل يعتمد على الحقبة التاريخية، التي اعتمدتها «اعترافات حافظ ~~نجيب»، الذي قاد المقاومة ضد الإنجليز. وأن إعجابه بحافظ نجيب كان بسبب قدرته على التنكر، وهو أمر ~~اكتسبه من صديقه عبد الله النديم خطيب الثورة العرابية. هذا بالإضافة إلى إخلاصه لقضيتين؛ الأولى: ~~التخلص من الاحتلال الإنجليزي. والأخرى: إحباط المخططات الصهيونية للاستيلاء على فلسطين. ولأنه ~~مشغول بكشف بروتوكولات حكماء صهيون، ويراها أساسا للصهيونية ومشروعها؛ فقد وجد صبحي في «اعترافات ~~حافظ نجيب»، خلفية درامية خصبة لتقديم عمل يكشف هذه البروتوكولات، خصوصا علاقة حافظ نجيب ~~بالزعيمين مصطفى كامل ومحمد فريد. كما أنكر محمد صبحي ما شاع عن حافظ نجيب بأنه محتال ونصاب، ~~وأكد أن هذه الاتهامات لا أساس لها، ولكنها شائعات أراد قائلوها تشويه المسلسل، وتشويه الدور ~~الوطني لحافظ نجيب! # وبسبب نجاح مسلسل «فارس بلا جواد»، وجدنا أكثر من شخص يدعي أنه صاحب فكرته، بل ويطالب ~~بحقه في المحاكم. ومنهم، طلعت نجيب المحامي، الذي رفع دعوى ضد محمد صبحي واتحاد الإذاعة ~~والتلفزيون وقناة دريم الخاصة، اتهمهم فيها بالاستيلاء على قصته «مع القدر وجها لوجه»، التي ~~عالجت قصة حافظ نجيب، وطالب بانتداب خبير لمقارنة قصته بقصة مسلسل فارس بلا جواد. ولكن قاضي ~~الأمور الوقتية بمحكمة القاهرة، رفض طلبه بسبب عدم تقديمه ما يثبت بأنه صاحب فكرة قصة ~~المسلسل. ثم وجدنا فضل عفاش - الكاتب والروائي السوري - يرفع قضية أخرى، ms004 يتهم فيها أيضا محمد ~~صبحي بأنه استولى على قصته «أنا لا أحبك يا وطني»، وحولها إلى مسلسل فارس بلا جواد. # 2 # غلاف المجلد الأول لمجلة «المشرق» عام 1898. # هذه خلاصة الضجة التي أثيرت حول المسلسل. ومهما يكن من أمر التزام أو مخالفة المسلسل، ~~لما جاء في «اعترافات حافظ نجيب»، التي تعتبر الأساس الأول لفكرته، فإن القائمين على ظهور ~~المسلسل بهذه الصورة، قد وفقوا إلى حد كبير في الوصول إلى أهدافه الفنية والسياسية. فالمسلسل ~~كان أكبر دعاية لإعادة قراءة كتاب «بروتوكولات حكماء صهيون»، وبثه في أكثر من موقع من مواقع ~~الإنترنت، وبالتالي إتاحة الفرصة للجميع لقراءته وتفهم ما فيه من مخطط صهيوني، ظهرت نتائجه - ~~وما زالت تظهر بقوة - في وقتنا الحاضر. هذا بالإضافة إلى أن المسلسل أعاد للأجيال الحالية فترات ~~زمنية تاريخية، كادت أن تنسى، مثل الحلقة الخاصة بمذبحة دنشواي. # أما على المستوى الشخصي، فقد أجاب المسلسل على تساؤل كان محيرا لي منذ فترة طويلة، مفاده: ~~لماذا ادعت إسرائيل بأن اليهود هم بناة الأهرام المصرية؟! وأظن أن القارئ لم ينس الضجة ~~التي أثيرت حول هذا الأمر، وكم الكتابات النافية لهذا الادعاء. وما زاد من حيرتي أمام هذا ~~الادعاء، أنني قرأت كما كبيرا من الكتابات عن الآثار اليهودية المكتشفة في مصر! تلك ~~الاكتشافات التي تبنى الكتابة عنها الأب لويس شيخو في مجلته «المشرق» في أواخر القرن التاسع ~~عشر، وأوائل القرن العشرين! # فقد ذكر لويس شيخو أن العالم الأثري الدكتور بيتري، اكتشف بلاطة عليها كتابة هيروغليفية ~~لرعمسيس الثاني وابنه منفتاح، تؤكد أن منفتاح استعبد شعوبا متعددة ومن جملتها إسرائيل، وأكد هذا ~~الأمر العالمان شاباس والأب يوسف أوتفاج. كما ذكر أن إقامة بني إسرائيل في مصر بلغت 215 سنة، ~~منذ دخول يعقوب وذريته في أرض الفراعنة، وأن العالم كلرمون غانو اكتشف في جزيرة اليفانتين أو ~~جزيرة أسوان في مصر، آثارا تدل على موقع مدينة «يب» اليهودية، ووجد فيها 124 قطعة من الخزف، ~~عليها كتابات آرامية، كتبها في القرن الخامس قبل الميلاد قوم من اليهود المستعمرين ms005 في تلك ~~الجزيرة. كما تم اكتشاف مجموعة من البرديات، مكتوبة من قبل يهود الجزيرة أيضا. وكان أهم اكتشاف ~~في هذه الجزيرة، هو اكتشاف بقايا الهيكل، الذي بناه اليهود في الجزيرة نفسها، وهو يتشابه إلى حد ~~كبير مع هيكل سليمان في فلسطين. # 3 # ومن الغريب أنني لم أجد باحثا أو عالما أثريا عربيا واحد، فند هذه الادعاءات في ~~وقتها! أو على أقل تقدير كتب رأيه العلمي في المجلة نفسها، سواء بالإثبات أو بالإنكار! رغم أن ~~لويس شيخو نفسه، أظهر نيته السيئة بذكر هذه الأخبار، عندما قال في مجلته (المشرق، 1 / 1 / 1908، ~~صفحة 55): «وخلاصة القول قد أظهرت بهذه المكتشفات العلاقة بين تلك الآثار الآرامية الجليلة، ~~وبرزت إلى الوجود صفحة عزيزة من تاريخ بني إسرائيل بعد جلائهم. وما يزيد الأمر قدرا أن ~~معارفنا عن ذلك العهد كانت أعز من بيض الأنوق، لا نكاد نعلم شيئا من أمر اليهود، منذ عهد نحميا ~~وعزرا إلى ملك الإسكندر، فجاءت هذه الكتابات تسد بعض الخلل في ذلك.» # ولعل القارئ يتساءل: ما علاقة هذا الأمر بمسلسل فارس بلا جواد؟ والإجابة على هذا السؤال، ظهرت ~~في إحدى حلقات المسلسل، عندما اتفق بعض اليهود مع الخواجا دي ماسون العالم الأثري الأجنبي - وهو ~~محمد صبحي متنكرا - بأن يعطوه بعض الآثار اليهودية، كي يضعها ضمن الآثار المكتشفة في مصر، مقابل ~~رشوة مالية! هذا المشهد فسر لي ما قاله لويس شيخو عن اكتشاف الآثار اليهودية في مصر منذ أكثر من ~~مائة عام! كما فسر لي أيضا لماذا ادعت إسرائيل بأن اليهود هم بناة الأهرام! فإذا كان المسلسل ~~فضح هذه المؤامرة الصهيونية، وكشف النقاب عن أسلوب اليهود في غرس آثارهم، وبالتالي وجودهم في ~~تاريخ الشعوب العربية، فيكون المسلسل قد نجح في هدفه السياسي عن طريق الفن! # ومن عجائب القدر، أن مسلسل «فارس بلا جواد»، لم يكن أول عمل فني يعرض على الجمهور عن ~~مغامرات حافظ نجيب! فقد قام حافظ نجيب منذ عام 1915 إلى عام 1921، بتمثيل مغامراته بنفسه أمام ~~الجمهور، من خلال مجموعة من ms006 المسرحيات، ألفها حافظ عن حوادثه ومغامراته. ومن هذه المسرحيات: ~~«الحب والحيلة»، «قوة الحيلة»، «الجاسوس المصري»، «محور السياسة »! وسوف نتعرف على هذا الأمر بالتفصيل ~~لاحقا. # ومن عجائب القدر أيضا، أن حافظ نجيب وقبل وفاته عام 1946 بدقائق معدودة «كان يناقش أحد ~~المخرجين السينمائيين، محاولا الاتفاق معه على تمثيل إحدى مغامراته»، # 4 # ولكن قدر الموت منع هذا العمل الفني، ليأتي الفنان محمد صبحي، ويحقق أمنية حافظ ~~نجيب بعد مرور ستين سنة! ومن عجائب القدر أخيرا، أن الفنان محمد صبحي تنكر فنيا في شخصية ~~حافظ نجيب عام 2002 في مسلسل «فارس بلا جواد»، مثلما تنكر حافظ نجيب في شخصية «محمد صبحي أفندي» ~~عام 1909 في إحدى مغامراته، عندما كان يسكن في شارع أبو السباع عند سيدة إيطالية تدعى مادلين. # 5 # وكأن القدر كتب على فرد منهما، أن يمثل دور الآخر! # وإذا أردنا أن نتطرق إلى مسلسل فارس بلا جواد، وعلاقته بكتاب «اعترافات حافظ نجيب»، سنجد أن ~~شخصية حافظ في المسلسل، تختلف اختلافا كبيرا عن حافظ نجيب في اعترافاته. فالمسلسل يظهر حافظ ~~نجيب بطلا شعبيا وقوميا، نذر حياته لمقاومة الإنجليز، وإحباط المحاولات الصهيونية في المنطقة ~~العربية، متخذا من التنكر والهروب الدائم وعلاقاته النسائية، وسائل للوصول إلى غايته الوطنية ~~السامية. # ورغم أن هذا الوصف بعيدا كل البعد عن حافظ نجيب في اعترافاته، إلا أن عدة أسطر قليلة جاءت في ~~هذه الاعترافات، تشير إشارة غامضة، بأن دورا وطنيا قام به حافظ نجيب في يوم ما، أثناء مرض ~~الزعيم مصطفى كامل، واستمر هذا الدور لفترة قصيرة بعد وفاة الزعيم! وهذه الإشارة اليسيرة، كانت ~~الأساس الذي بني عليه الدور الوطني لحافظ نجيب في المسلسل. وبسبب الشكوك المثارة حول وطنية حافظ ~~نجيب، وتصادمها مع ما عرف عنه بالنصب والاحتيال، نتوقف قليلا هنا لنبين حقيقة هذه ~~الإشكالية! # جاء في اعترافات حافظ نجيب، أنه ابتعد عن زوجته الكونتس سيجريس، فوجد نفسه ضائعا لا أمل له، ~~فأدمن الخمر أملا في نسيانها، ونسيان كل ما يحيط به من ضياع. وعندما فشل، فكر في ms007 الرهبنة عام ~~1908 - رغم أنه مسلم! - قائلا: «استعرضت الماضي كله فكان سلسلة من أنواع الشقاء وألوان ~~العذاب، وحددت حالي في المجتمع، فرأيته صورة لإنسان لا تربطه بالجماعة أية رابطة، من نوع ما ~~بين الناس وبعضهم. ليس لي أهل، ولا أقارب، ولا أصدقاء، ولا عمل منظم، ولا عقل مركز، ولا هدف، ولا ~~استقرار، ولا أمل. فما هي قيمة الحياة في نظر هذا الإنسان؟ وما هي الضرورة التي ترغمه على ~~البقاء وسط الجماعة، معزولا عنها؟» # 6 # ورغم هذا الإحباط الواضح من كلماته المريرة، والتي توحي بأنه سيقدم على الانتحار لا محالة! ~~نجده يقول: «عقدت العزم على دخول الدير والترهب. وعرضت الأمر على بعض الزملاء، المشتغلين ~~بالسياسة من منشئي النهضة الوطنية، فحبذوا رأيي.» # 7 # وهذا القول يتناقض مع نفسية حافظ نجيب في هذا الوقت، عندما اعترف بعدم وجود أية رابطة ~~بينه وبين المجتمع، ولا يوجد له أهل أو أقارب أو أصدقاء أو عمل أو عقل أو هدف ... إلخ! فكيف يعرض ~~أمر ترهبه على رجال السياسة؟! ومن هم هؤلاء الرجال؟! # نلاحظ أن قوله: «من منشئي النهضة الوطنية»، يقصد به رجال الحزب الوطني، وتحديدا يقصد ~~الزعيمين محمد فريد ومصطفى كامل، رغم عدم تصريحه بالأسماء، ولكن فحوى كلامه دل على ذلك، عندما ~~قال: «وقال أحدهم: «يجوز أن يكون الدير وسيلة لذهابك إلى الحبشة في منصب مطران الحبشة، وذلك البلد ~~لا يزال مستقلا، ومنصب المطران هناك منصب عظيم جدا، واحترام الأحباش للجالس على كرسي ~~المطرانية أعظم من إجلالهم للجالس على العرش.» وقال الثاني وهو على فراش مرضه الأخير: «وفي مقدور ~~المطران المثقف ثقافة عالية أن ينشئ هناك جيشا يعلم ضباطه في النمسا أو ألمانيا، فيصير في ~~مقدوره اغتصاب السودان وإنقاذ مصر من المحتلين.» وقال الأول: «هذا سر خطير ... فاحتفظ به لنفسك، ولا ~~تيسر لأي صديق معرفته».» # 8 # ومن الواضح أن المتحدث الأول في الحوار السابق هو الزعيم محمد فريد، والمتحدث الآخر هو الزعيم ~~مصطفى كامل، الذي كان على فراش مرضه الأخير في هذا الوقت، ولكن الغريب في ms008 الأمر، أن هذه الإشارة ~~التي تدل على علاقة حافظ نجيب بهذين الزعيمين وعلاقته بالحزب الوطني، لم يكن لها أي تقديم أو ~~تمهيد في الاعترافات قبل ذلك ، حيث إن هذه الإشارة جاءت عام 1908، والاعترافات تنتهي في عام 1909! ~~وبالرغم من ذلك فنحن لا نملك أي دليل على هذه العلاقة، سوى ما جاء عنها في هذه الاعترافات. # ونعلم من الاعترافات أيضا، أن حافظ نجيب بعد هذه المقابلة، أصبح الراهب غبريال إبراهيم في ~~دير بشوي، ثم الراهب غالي جرجس أو فيلوثاؤس في دير المحرق بأسيوط. وعندما مات مصطفى كامل في ~~10 / 2 / 1908، رثاه الراهب فيلوثاؤس أو حافظ نجيب بقصيدتين، تم نشرهما في جريدة ~~الوطن، فنال الراهب شهرة واسعة كشاعر، فطلب مقابلته غبطة البطريرك في القاهرة، ولكن الراهب أو ~~حافظ نجيب خشي أن ينكشف أمره، فلم يذهب إلى مقابلته، ولكنه ذهب إلى مكان آخر، قال عنه: «سافرت ~~في صباح النهار الثاني إلى القاهرة، وإلى بيت المرحوم محمد بك فريد، بدلا من مقابلة البطريرك. ~~واستاء المرحوم من قصدي إليه، وأنبني في غضب شديد، بسبب نشر المرثيتين في الصحف، وبسبب ما ~~أحدثا من الضجة حول الراهب الشاعر، وقال: «لقد ذهبت إلى الدير لتختفي فيه وتعتزل العالم وقتا ~~طويلا، لينساك الناس ولتصل من الدير إلى الهدف الذي تهدف إليه، فمن الحماقة التي لا تغتفر ~~ما فعلت؛ لأنه أحدث ضجة تمنعك من البقاء في الدير».» # 9 # وهنا نجد الأمر يتطور بالنسبة إلى وطنية حافظ نجيب، حيث يشير الكلام السابق، أن الزعيم محمد ~~فريد كان على علم بأن حافظ نجيب دخل الدير من أجل هدف معين، وهذا الهدف خطير وسري جدا! ولكن بكل ~~أسف لم نعلم ما هو هذا الهدف، ولم يوضحه حافظ نجيب في اعترافاته، بل زاده غموضا مصحوبا ~~بالتشويق، قائلا: «كنت أتصل بالجهة السياسية التي نصحت لي باللجوء إلى الدير بالمراسلة، أرسل ~~كتبي بعنوان رجل مسيحي كاتب بمكتب إسماعيل الشيمي المحامي، وكانت الإجابات ترسل إلى وعليها ~~توقيع عمتي المسيحية.» # 10 # وهذا الأمر يشير إلى أن حافظ نجيب كان ms009 يقوم بمهمة سياسية معينة، لصالح الحزب الوطني، بدليل ~~هذه الرسائل المتبادلة، تلك الرسائل التي كانت تحمل أسرارا خطيرة وصفها حافظ في اعترافاته ~~بأنها: «أسرار غاية في الخطورة؛ لأنها في الأيام الأخيرة كانت تلح علي بترك الدير والعودة ~~إلى القاهرة لتنفيذ أغراض سياسية لتلك الجهة.» # 11 # وفي إشارة نادرة، وجدنا حافظ نجيب يسرد واقعة صريحة، تعامل فيها مع الزعيم محمد فريد، ~~قائلا: «كانت الصحف القبطية تهاجم في عنف الأديرة القبطية بسبب خروجي من الدير، فصار اسم ~~الراهب حديث الجميع. واستغل محمد بك فريد هذه الضجة فدفع لي مالا لأنفق منه لتحضير حفلة عشاء ~~أدعو إليها جماعة من عظماء الطائفة القبطية ورئيس الحزب الوطني والشيخ عبد العزيز [جاويش]، فتمت ~~الحفلة في فندق ناسيونال بتاريخ 2 ديسمبر 1908، ونجح محمد فريد في خطته، وبدأت علاقات ودية جديدة ~~بين بعض إخواننا الأقباط المثقفين والحزب الوطني.» # 12 # وعلى الرغم من صراحة هذه الإشارة، فيما يتعلق بالمال المدفوع من قبل محمد فريد، وعلاقته ~~بحافظ نجيب، فإن الشك يحوط هذا الموضوع بصورة كبيرة! لأن حافظ نجيب ذكر هذه العلاقة فقط في ~~اعترافاته عام 1946، ولكنه أنكرها ولم يأت بقصة هذا المال ولم يشر إلى علاقته بمحمد ~~فريد، عندما ذكر تفاصيل هذا الموضوع لأول مرة عام 1924 في مجلة «العالمين»! # 13 # هذا هو كل ما جاء في اعترافات حافظ نجيب، بخصوص وطنيته وعلاقاته برجال الحزب الوطني! ومن ~~الملاحظ أن هذه الأقوال اليسيرة - بالمقارنة بما في الاعترافات من أحداث - لا تقطع بأن دورا ~~وطنيا قام به حافظ نجيب، كما أنها لا تدل مطلقا على هذا الدور، لما يحوطها من شك، ولخلوها من ~~الأدلة المنطقية أو من ذكر الأسماء، أو من ذكر الوقائع والأحداث والمغامرات الخاصة بهذا ~~الدور! وهذا أمر يثير الشك في هذا الدور وفي الاعترافات نفسها! لأن حافظ نجيب أسهب وأطنب ~~وفصل في أحداث كثيرة، تتعلق بهروبه وتنكره وعلاقاته النسائية وحياته الخاصة ... إلخ، مع ذكر ~~الأسماء الحقيقية والأماكن، ودل على أمور خطيرة بذكر أسماء أصحابها، وكان البعض منهم على قيد ms010 ~~الحياة وقت نشر الاعترافات، بل وتحدى القارئ إذا فكر في تكذيبه. # فعلى سبيل المثال، نجده في الاعترافات يذكر قصة دخوله الدير، وتنكره في شخصيتي الراهب ~~غبريال إبراهيم والراهب غالي جرجس أو فيلوثاؤس، ثم يذكر الأسماء الحقيقية للرهبان والقساوسة الذين ~~تعامل معهم في هذه الفترة، مع ذكر وظائفهم ورتبهم الدينية وأماكن عملهم في هذا الوقت، وما ~~استجد عليهم من تنقلات وترقيات في الوظائف والرتب الدينية التي تمت بعد ذلك. # 14 # ولعل القارئ يسأل: أليس من الممكن أن يكون حافظ نجيب، ذكر قصة الرهبنة التي تمت ~~عام 1908، وهو آمن ومطمأن من صعوبة تكذيبه؛ لأنه كتبها وتم نشرها عام 1946، فإذا كان قد كتبها قبل ~~ذلك بسنوات كثيرة، ربما وجد من يكذبه؟! # والحقيقة الغائبة أن حافظ نجيب - بالفعل - كتب قصة دخوله الدير، بكل تفاصيلها، ولأول مرة عام ~~1924 في مجلة «العالمين»! # 15 # قبل أن يذكرها بتفاصيل أحداثها الدقيقة في اعترافاته عام 1946! والأغرب من ذلك، أنه ~~اختتمها بكلمة قال فيها: «هذه قصة وجودي في الدير وخروجي منه، وشهودها أحياء، القمص إيسيذورس لا ~~يزال حيا يرزق وهو رئيس الدير الآن، ونيافة الأنبا باخوميوس وهو لا يزال أسقف الدير، والقس ~~بطرس وهو الآن مطران أخميم، والقمص باخوم وعاذر أفندي جبران وبيومي أفندي الشناوي وكلهم أحياء، ~~كذلك وكيل الدير تاضروس أفندي ميخائيل لا يزال حيا يرزق في منفلوط.» # 16 # والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: لماذا لم يذكر حافظ نجيب تفاصيل علاقته بالزعيمين مصطفى كامل ~~ومحمد فريد، ولماذا لم يوضح علاقته الحقيقية بالحزب الوطني، أو بالجهة السياسية التي نصحته ~~بالتخفي في الدير، وما هي حقيقة المهام الخطيرة السياسية التي قام بها لصالح هذه الجهة؟! أسئلة ~~كثيرة كان من الواجب على حافظ نجيب أن يجيب عليها في اعترافاته، إذا كان له دور وطني حقيقي؛ لأن ~~هذا الدور إذا صحت حقيقته، لكان هو النقطة المضيئة في اعترافات حافظ وفي حياته بأكملها؛ حيث إن ~~اعترافاته هي عبارة عن مجموعة من النقاط السوداء غير المشرفة لأي إنسان على وجه الأرض! وهذا ~~يجعلنا نشك ms011 في هذا الدور الوطني، بل ونعلل وجوده في الاعترافات بهذه الضبابية، إلى أنه دور ~~وطني مقحم على الاعترافات، لم يكتبه حافظ نجيب بقلمه، بل أقحم على اعترافاته بعد ~~موته! # أما إذا أردنا أن نتعرف على حافظ نجيب كما جاء في اعترافاته - بعيدا عن إشارات وطنيته ~~المشكوك فيها - سنجده إنسانا جاحدا لأهله، ضائعا لا هدف له، يسعى وراء غريزته الحيوانية، ولا ~~يستطيع أن يسيطر عليها، ويشرب الخمر ليل نهار، ويرتاد الملاهي والحانات، ويقيم علاقات آثمة ~~بالراقصات ويرتكب الموبقات، ويفاخر بإنكار العقيدة والدين ويجاهر بالكفر، ويعترف بالزنى! وبالرغم ~~من ذلك كله نجده ينفي عن نفسه تهمة النصب والاحتيال، ويدافع عن نفسه ضد هذا الاتهام دفاع ~~المستميت، وكأن جريمة النصب والاحتيال أهم وأكبر من ارتكابه للكبائر! # ولعل هاتين الصورتين، هما الصورتان الوحيدتان المعروفتان عن حافظ نجيب، رغم ما يحيطهما من ~~شك وجدل! فإما أن تتخذ صورة حافظ نجيب الوطني الثائر كما جاءت في المسلسل، وإما أن تتخذ صورة ~~حافظ نجيب الزنديق كما جاءت في الاعترافات! ولكن هناك صورة ثالثة غائبة ومجهولة، لم يطلع ~~عليها القارئ إلا في إشارات يسيرة، وهي صورة حافظ نجيب الأديب! ولعلها الصورة الحقيقية والواقعية، ~~والتي لا تقبل الشك أو الإنكار؛ حيث إن وثائقها وآثارها وأدلتها موجودة بين أيدينا! # وإذا كنا لا نستطيع أن نضيف جديدا على صورة حافظ نجيب كما جاءت في المسلسل، لعدة أسباب، ~~منها؛ أولا: أن معظم القراء تابعوا المسلسل، بسبب الضجة التي أثيرت حوله. ثانيا: أن المسلسل لم ~~يلتزم بالأحداث التي جاءت في الاعترافات التزاما حرفيا، بل تصرف فيها تصرفا فنيا من ~~الصعب علينا محاسبته في ذلك، تبعا لرؤيته الفنية والسياسية. ثالثا: أن أهداف المسلسل الفنية ~~والسياسية أقيمت على إشارة غامضة عن وطنية ضبابية لحافظ نجيب. وبناء على ذلك لم يبق أمامنا ~~إلا الحديث عن حافظ نجيب وصورته من خلال اعترافاته وما ينتاب هذه الاعترافات من شكوك، وأخيرا ~~الحديث عن صورة حافظ نجيب الأديب! # | اعترافات حافظ نجيب # يحكي حافظ نجيب في اعترافاته قصة حياته منذ مولده ms012 وحتى عام 1909. وتبدأ الاعترافات بقصة خطف ~~الباشا التركي للطفل محمد ابن التاجر حسن السداوي، الذي أطلق عليه اسم «محمد نجيب»، وعلمه حتى ~~أصبح ضابطا، فألحق بحرس الخديو إسماعيل، ثم تزوج من ابنة الباشا «ملك هانم». وفي يوم ما أثار ~~محمد غضب زوجة الباشا عليه، فطردته من القصر، وقامت بتعذيب ابنتها ملك هانم، التي أنجبت الطفل ~~«حافظ نجيب»، ثم ماتت من شدة التعذيب، فتبعها والدها الباشا، وتم دفنهما في يوم واحد. وبعد أيام ~~قليلة أخذ محمد نجيب ابنه من جدته التركية، رغما عنها، ومن ثم تركت الجدة مصر إلى الأستانة، ~~وانقطعت أخبارها. # عاش الطفل حافظ في بيت جده لأبيه، وسط أطفال العائلة، حانقا عليهم متمنيا العودة إلى رغد ~~العيش في قصر جدته التركية، ولكنه أسلم أمره للظروف المفروضة عليه، فتم تعليمه في أحد المكاتب ~~(الكتاتيب)، ثم التحق بمدرسة القربية، وأخذ يتنقل بين بيت أبيه في طهطا وبين بيت عمه في أسيوط، ~~وبالتالي انتقل إلى مدرسة الفرير بطهطا حتى حصل على الابتدائية عام 1892، فالتحق بالمدرسة ~~الخديوية ولكنه لم يفلح بها، فانتقل إلى مدرسة رأس التين، ومن ثم التحق بالمدرسة الحربية. وفي ~~هذه الفترة نشأت علاقة بينه وبين إحدى الراقصات. # وقبل إتمام حافظ دراسته، أقامت المدرسة الحربية مباراة في الرماية بالبندقية والمسدس، ففاز ~~حافظ نجيب بالمركز الأول، وقامت الأميرة الروسية فيزنسكي بتسليمه الجائزة، بعد أن أعجبت به، ~~فنشأت بينهما علاقة آثمة دامت سنوات طويلة. وفي هذه الفترة ساعدته الأميرة على السفر إلى الأستانة ~~وألحقته بالجيش التركي، ثم أرسلته لإتمام الدراسة في كلية سان سير بفرنسا، حتى التحق بإحدى الفرق ~~الفرنسية في الجزائر. وبعد عام عمل حافظ جاسوسا لفرنسا على ألمانيا بعد أن تنكر في شخصية خادم ~~أخرس، فتم كشف أمره في أول مهمة له وأودع السجن، فقامت فرنسا بتهريبه من ألمانيا إلى ~~مصر. # وبعد عودته، ساعدته الأميرة فيزنسكي بالمال، فأصبح يضارب في البورصة، وفتح مكتبا للقومسيون، ~~واشترى سيارة وبيتا وإسطبلا للخيول، بالإضافة إلى شرائه مدرسة الفرير وعمارة كورونيل، مع ~~امتلاكه لرصيد وافر في ms013 البنوك، حيث تزين بالبرلنت والزمرد والياقوت، ووضع اللؤلؤ بدلا من ~~الأزرار في قميصه! وهكذا بدأ في ارتياد المقاهي والبارات والكباريهات، ومجالسة الحسناوات ~~والراقصات والساقطات. # وفي أثناء ذلك، كان يداوم على اتصاله الآثم بالأميرة فيزنسكي في الإسكندرية، وفي إحدى زياراته ~~لها، شاهد عندها السيدة ألكسندرا أفيرينو # 1 # صاحبة مجلة «أنيس الجلس»، فتعرف عليها وتوطدت صداقتهما في عام 1905، حيث ~~أرسلت له صندوقا به نياشينها كي ينظفها عند الجواهرجي لاتنس، ولكنه احتفظ بالصندوق في ~~دولاب الراقصة حميدة، التي أخذت منه نيشان السلطان عبد الحميد، وارتدته أمام الجمهور في ~~أثناء رقصاتها المتعددة. ووصلت أخبار مجون حافظ ونزواته وعلاقاته النسائية إلى أسماع الأميرة ~~فيزنسكي، فأرادت الانتقام منه، فحرضت ألكسندرا أفيرينو كي تتهمه بتبديد نيشانها، وبالفعل حدث هذا ~~وتم القبض على حافظ نجيب، وأودع سجن الحضرة بالإسكندرية. # وبعد أن قضى حافظ مدة العقوبة، خرج من السجن ليجد قضيتين في انتظاره من تلفيق الأميرة ~~فيزنسكي، ومن ثم عاد حافظ إلى السجن مرة أخرى. وبعد قضائه مدة العقوبة الثانية، خرج مفلسا ~~معدما، فكتب رواية تمثيلية مثلتها إحدى الجمعيات على مسرح إسكندر فرح، فكسب منها بعض المال، ~~ثم تعرف على فرنسين اليهودية التي ساعدته بالمال أيضا، ثم تعرض إلى حادث اغتيال نجا منه ~~بأعجوبة، وعلم أن القاتل مأجور من الأميرة فيزنسكي. وبعد أيام تم القبض عليه بتهمة الاحتيال ~~على أحد المحال التجارية، والنصب على إحدى الراقصات وسرقة سوارها الذهبي، وجاء شاهد زور في ~~المحكمة مدفوعا من قبل فيزنسكي، وأدلى بشهادة كاذبة بأنه كان حاضرا في الوقعتين، فتم سجن حافظ ~~نجيب للمرة الثالثة، ولكنه قرر الهرب من السجن. # ساعدته اليهودية فرنسين في الهرب أثناء انتقاله من السجن إلى نيابة شبرا، واختفى في أحد ~~البيوت بالظاهر، وتنكر في شخص رجل يهودي بدين، وقام بمغامرة مع رئيس البوليس السري المسيو ~~كارتييه لتأمين مسكنه بالظاهر. وفي أحد الأيام قرأ حافظ في الصحف اتهاما له بتهمة الاحتيال على ~~رجل يهودي سرق ساعته، وأن التحقيق تم، وأحيلت القضية إلى قاضي الجنايات، فأصدر الحكم بسجن حافظ ms014 ~~نجيب لمدة ثلاث سنوات غيابيا. وبمرور الوقت تأكد حافظ بأن هذه التهمة لفقتها أيضا الأميرة ~~فيزنسكي، فقرر ترك اسم حافظ نجيب، والتنكر في أكثر من شخصية، هربا من مطاردة البوليس وتنفيذ ~~الأحكام، ولكي ينقذ البقية الباقية من سنوات عمره. # تنكر حافظ في شخصية عم دؤدؤ بائع الفشار والحلوى ولعب الأطفال، فعرفه كارتييه رئيس ~~البوليس السري وطارده في الشوارع والأزقة، حتى دخل حافظ في حمام بلدي للنساء، وهرب من بابه ~~الخلفي، وعندما دخل كارتييه وجنوده، انهالت عليهم النساء ضربا. ثم تنكر حافظ مرة أخرى في شخصية ~~مبروك الخادم، وعمل عدة أشهر لدى رئيس النيابة الذي يحقق في قضايا حافظ نجيب، وأخذ منه شهادة ~~خطية بحسن سيره وسلوكه. وفي عام 1913 سلم حافظ نجيب نفسه، وفي المحكمة وأمام اتهامات رئيس ~~النيابة بسوء سلوكه، كشف المتهم حافظ نجيب عن شخصيته الأخرى، وهي مبروك الخادم، فأحرج رئيس ~~النيابة أمام القاضي، خصوصا عندما قدم للقاضي شهادة حسن سيره وسلوكه المكتوبة بخط يد رئيس ~~النيابة. وتم الحكم بسجن حافظ، ولكنه كالعادة هرب من السجن. # بعد ذلك تنكر حافظ في شخصية المسيو بنفيه، وصناعته التجارة والوساطة بين مصانع أوروبا ~~ومكتب قومسيون مدام فرنسين اليهودية، ثم تنكر في شخصية البارون دي ماسون، الرجل الثري اليهودي ~~هاوي الآثار، فتعرف على الأرملة الكونتس سيجريس، ورافقها في رحلتها السياحية، فأعجب بها ~~وحماها من نظرات الطامعين في جمالها، خصوصا سرحان باشا، الذي دعاها بصحبة البارون أو حافظ نجيب ~~إلى إحدى حفلاته. وفي هذه الحفلة تحدى البارون الباشا، وبعد عدة مغامرات مع التلاعب بالألفاظ ~~والعبارات، حضر البوليس لأن البارون وعد الكونتس بأن حافظ نجيب سيحضر لمقابلتها في هذه الحفلة. ~~وبالفعل يكشف البارون عن نفسه، ويعترف أمام الجميع، بعد أن تخلص من تنكره، بأنه حافظ نجيب الهارب ~~من عدة أحكام. ويسلم نفسه طواعية للبوليس، بعد أن أعلن أمام الجميع بأنه سيقابل الكونتس سيجريس ~~غدا في جزيرة بالاس أوتيل لشرب الشاي. # وأمام هذا التحدي، قام البوليس بوضع حافظ نجيب في زنزانة شديدة الحراسة، وفي صباح ms015 اليوم ~~التالي لم يجدوه في الزنزانة ... وعلى الفور ذهبوا إلى موعد الكونتس سيجريس، فوجدوها بصحبة نخبة من ~~رجال المجتمع، ولم يحضر حافظ لمقابلتها كما وعد. ولكن الحقيقة أن حافظ نجيب هرب بالفعل وقابل ~~سيجريس لأنه كان موجودا ضمن ضيوفها باسم المسيو بنفيه. وبعد أن علمت سيجريس بقدرة حافظ في ~~الهرب والتنكر، زاد إعجابها به، فطلب منها الزواج، ولكنها رفضت بحجة أن حافظ نجيب طريد ~~العدالة، فأخذ منها وعدا بأنه سينهي هذه الإشكالية بشرط أن تحافظ على وعدها له بالزواج، ~~فوافقت. # غاب حافظ نجيب فترة من الزمن تنكر فيها في شخصية الشيخ صالح عبد الجواد، ثم قام بمحاولة ~~جنونية ساعده فيها صديقه خليل حداد. وتتلخص هذه المحاولة في شربه لدواء معين يظهره بمظهر ~~الميت، ومن ثم تم الإعلان عن موت الشيخ صالح، وفي الوقت نفسه قام خليل حداد بإبلاغ البوليس ~~أن الشيخ صالح المتوفى هو حافظ نجيب. وعندما حضر البوليس وتأكد من موت حافظ، صرح بدفنه وأغلقت ~~جميع القضايا المنسوبة إليه. وفي المساء تم دفن حافظ في قبره، وبعد عدة ساعات زال مفعول الدواء، ~~فتنبه حافظ من نومه، وخرج من القبر وعاش بين القوم باسم بنفيه، وتم زواجه من الكونتس سيجريس، ~~ولكن هذا الزواج لم يدم طويلا. # أدمن حافظ الخمر فترة من الوقت، وعاش في ضياع ويأس، حتى قرر أن يترهب. فشجعه البعض على ~~هذا الأمر، وظهر حافظ نجيب عام 1908، في شخصية الراهب غبريال إبراهيم في دير بشوي، ثم ظهر باسم ~~الراهب غالي جرجس أو فيلوثاؤس في دير المحرق بأسيوط. وظل حافظ في الرهبنة لمدة عام، ومن ثم ~~ترك الدير وتعرف في فندق ناسيونال عام 1909 على بارون سويدي يدعى ماير، وكان مريضا، ~~وبعد أيام قليلة يموت البارون متأثرا بمرضه، فينتحل حافظ شخصيته واسمه الحقيقي وهو شنيدر، ونزل ~~بهذا الاسم في فندق مينا هاوس. وبعد أيام قليلة لعبت الخمر برأس خليل حداد، فثرثر مع أحد ~~الصحفيين، وكشف عن شخصية حافظ نجيب وأنه من نزلاء الفندق، فأبلغ الصحفي البوليس الذي حضر وحاصر ms016 ~~المتهم حافظ، ولكن حافظ نجيب استطاع الهرب كعادته. وإلى هنا تنتهي الاعترافات. # هذه هي النقاط الرئيسية التي تدور حولها اعترافات حافظ نجيب، ومن خلال تفاصيل هذه النقاط، ~~نستطيع أن نظهر بعض صفات شخصية حافظ بصورة قريبة بعض الشيء، رغم ما يحيط هذه الاعترافات من ~~شكوك، سنبين عنها في موضعها. # أول صفة نستطيع أن نضع أيدينا عليها، أن حافظ نجيب جاحد لأهله، رافض لمعيشتهم، فعلى سبيل ~~المثال، نجده يقول عن والده: «والدي الذي سبب ما ذاقته أمي من عذاب وما لقيته أنا من هوان ~~في بيت الجدين، وكان أيضا السبب في طردي أخيرا من النعيم الذي كنا فيه، ثم في عذاب الجحيم ~~الذي تولاني في بيت والده الحاج حسن السداوي ... رحم الله الجميع ... وسامحهم ... وغفر لهم.» # 2 # ومن خلال الاعترافات، نجد أن حافظ نجيب كاذب في هذه الاتهامات! فوالده لم يكن السبب في عذاب ~~والدته؛ لأن من عذبها هي جدته التركية. وإذا كانت الجدة عذبت ابنتها انتقاما من زوجها ~~- والد حافظ - فالذنب يعود عليها، لا على زوج ابنتها. وإذا كان حافظ وجد بعض الهوان في حياته بعد ~~ذلك، فهذا الهوان كان بسبب تصرفات حافظ، وبسبب الظروف المعيشية المتواضعة، تبعا للظروف ~~الاجتماعية المحيطة بالأسرة. أي أن والده لم يكن السبب المباشر في هذا الهوان. # أما طرد حافظ من قصر الباشا التركي، فلم يكن لوالده يد فيه؛ لأن الوالد طالب بحضانة ابنه، ~~وهو التصرف السليم الواجب على كل أب. وكان من الممكن قبول كلام حافظ نجيب هذا في اعترافاته، إذا ~~كان قاله بنفسية الطفل وقتما حدثت هذه الأمور ... ولكن الحقيقة أن حافظ نجيب سرد هذه الأحداث، ~~وأدلى برأيه في والده وهو في سن كبير وقبل أن يموت، أي وهو يدرك كل كلمة وأنه قصد هذه الاتهامات ~~ومصر عليها، بدليل أنه يطلب من الله أن يرحمهم ويسامحهم ويغفر لهم! # هذا بالإضافة إلى أن حافظ نجيب كثيرا ما كان يتحامل على والده، وعندما يذكره يقول في بعض ~~الأحيان: «الضابط» بدلا من كلمة «والدي»! بل ويجحد ms017 أسرة أبيه جحودا شديدا، عندما عقد مقارنة ~~بينها وبين أسرة البستاني (الخادم) في قصر الباشا التركي، قائلا: «لم تكن هذه الجماعة في المستوى ~~الخلقي لكل من عاشرت في سراي الباشا، حتى زوجة البستاني وصغارها، فهؤلاء كانوا أوضح وأحسن ~~خلقا وأعظم اعتصاما في التصرفات .» # 3 # وفي موضع آخر نجد حافظ نجيب، يلصق بجده لأبيه صفة الجشع المادي، وينفي عنه عطفه على أحفاده، ~~ويصف بيت هذا الجد بالقذارة! وفي ذلك يقول: «جدي الحاج حسن لم يكن راضيا عن وجودي بعيدا عن ~~بيته، وكان يسعى في إصرار لنقلي إلى رعايته لا بتأثير العطف علي أو الرغبة في العناية بي إنما ~~للحصول على ال 150 قرشا التي ترسل للدادة من والدي في كل شهر، وعاونت زوج أبي «جميلة ~~هانم» ذلك الجد لتحقيق رغبته، فأطاع والدي مشورتها وأمر بنقلي إلى منزل جدي فاختل ~~نظام حياتي من جديد، وعدت إلى اللعب حافيا وإلى القذارة العامة في ذلك البيت.» # 4 # وعندما قدمت الأميرة فيزنسكي يد المساعدة إلى حافظ، نجده يقارن بين مساعدتها وبين قسوة ~~والده قائلا: «أسلمت أمري لهذه السيدة التي تظهر العطف علي والاهتمام بمستقبلي، بينما ~~أجد من والدي القسوة والنفور من وقوع نظره علي، وهو الذي انتزعني من أحضان جدتي، وكان سببا في ~~تعذيب المرحومة والدتي، وأهان جدتي وحملها على ترك مصر كلها والرحيل إلى تركيا نهائيا، ثم ~~قسا علي وقصر في تأدية واجب الوالد حتى أتمم الدراسة العالمية [أظنها العالية] أولا، ~~ثم الدراسة العسكرية.» # 5 # وفي هذا القول، نجد حافظ نجيب يعيد مشاعره الجاحدة ضد والده، ويكرر اتهاماته السابقة، ويضيف ~~عليها اتهامات جديدة! فمن غير المعقول أن يقسو والد لمجرد وقوع نظره على ابنه! علما بأن والد ~~حافظ لم يكن السبب في رحيل الجدة التركية من مصر، ولم يقصر في إتمام دراسة ابنه، بل إن الابن هو ~~المقصر في ذلك! وهذه الاتهامات الكاذبة غير بعيدة عن سلوكيات حافظ نجيب، حيث إنه كذب عندما اتهم ~~عمه باتهامات غير صحيحة، واعترف بذلك في اعترافاته قائلا: «وقد ms018 شكوت لوالدي من المعاملة التي ~~ألقاها في بيت عمي، ولكنني كنت كاذبا في كل ما شكوت منه؛ لأن عمي كانت له أخلاق رضية كريمة، وكان ~~منزها عن كل عيب ينسب إلى الأخلاق أو الرجولة أو العقل أو الوصف كرب أسرة هادئة تعيش في ~~اطمئنان وهناء.» # 6 # والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: لماذا كان حافظ نجيب جاحدا لأهله ناكرا لهم؟! سنجد الإجابة ~~تتمثل في كلمة واحدة، وهي «الفقر»، فحافظ نجيب عندما خرج من قصر جده لأمه «الباشا التركي»، إلى ~~جده لأبيه «حسن السداوي» في الدراسة، فقد خرج من نعيم الثراء إلى حرمان الفقر! ولأن حافظ نجيب ~~لم يكن مؤهلا لتحمل المسئولية، ولم يكن مستقيما في سلوكياته، ولم يكن سويا في تفكيره، ~~نجده يبحث عن المال ليعوض به حرمان الفقر، بكل وسيلة ممكنة، مهما كانت عواقب هذه الوسيلة! ~~فبدلا من أن يجتهد الطالب حافظ في استذكار دروسه، حتى يحصل على شهادة يحقق بها مستقبلا ~~زاهرا يبعده عن الفقر، نجده وهو في المدرسة الخديوية، يبيع كتبه الدراسية واحدا بعد الآخر من ~~أجل إمتاع نفسه! # 7 # ثم نجده بعد ذلك، يتهم والده بأنه قصر في تعليمه! # ومظاهر الحرمان التي ذكرها حافظ في اعترافاته، تمثلت في مرحلة دراسته الثانوية - على وجه ~~الخصوص - ومنها عدم مبارحته المدرسة أيام العطلة الأسبوعية لعدم وجود المال، كما أنه كان الطالب ~~الوحيد الذي يعود إلى المدرسة دون أن يقوم أهله بتزويده بأنواع الأطعمة الشهية، وبسبب فقره كان ~~يبتعد عن زملائه. # 8 # ومن الغريب أن هذه الأسباب كان من الممكن أن تكون دافعا قويا لتفوقه وتقويم سلوكه ~~إلى الأفضل! بدلا من أن يتهم والده بأنه قصر في رعايته ودراسته، رغم أنه يعلم حقيقة ~~فقر والده، والتي تتمثل في ضآلة راتبه، وفي ذلك يقول: «كانت ضآلة مرتب الرجل [يقصد والده] تجعله ~~عاجزا عن الإنفاق علي واستكمال حاجاتي الضرورية، فقضيت طول زمن الدراسة في عسر وضيق.» # 9 # ورغم هذا السبب الخارج عن إرادة الوالد، نجد الابن يجحد والده، وينكره ولا يذكره ~~باسمه أو ms019 بصفته كوالد، بل يذكره بكلمة «الرجل»! # ومن الصفات السيئة عند حافظ نجيب، كما جاء في اعترافاته، أنه كان يتمنى أن يكون غنيا، حتى ~~يقتطف ثمار الملذات الآثمة! وكمثال على ذلك، نجده يقول وهو طالب في المدرسة الحربية، عندما ~~تحدث عن الراقصة «ن»، التي كانت تثير غرائز الطلاب: «ونجحت حيلة المرأة فجذبت إلى دارها ~~جميع طلبة المدرسة الحربية ما عدا السودانيين، وعدا مصري واحد. هو أنا ... لم يكن الباعث الذي عطلني ~~على الاشتهاء والطلب هو المناعة الخلقية، أو التعفف بسبب التحصن بالأدب، إنما كان الباعث الأساسي ~~المفرد هو الفقر.» # 10 # وعندما زال الفقر، وجاء المال والجاه إلى حافظ نجيب، وجدناه يقتحم حصن الملذات الآثمة بكل ~~قوة، ويعترف بأنه اعتاد على ذلك، وبالأخص مع الأميرة فيزنسكي التي أعطته المال والجاه! وفي ذلك ~~يقول: «كنا في حفلة ساهرة في قصر أرملة من الطبقة الراقية، وكنت في ثوبي العسكري واضح الشباب ~~والقوة، ولست أدري كيف انصرفت عقب انتهاء السهرة من تلك الدار؛ لأنني استيقظت في الصباح فوجدت ~~نفسي في غرفة نوم البرنسيس ... أدركت من تلك الليلة المشئومة نوع رغبتها فلم أتردد في الخضوع ~~والطاعة، في حياء في بادئ الأمر ثم في جرأة المعتاد الراغب في الإرضاء.» # 11 # والملاحظ على هذا القول، أن حافظ نجيب يلصق تهمة السقوط الآثم على عاتق الأميرة، وينفيها عنه ~~في بادئ الأمر، ونسي أنه قبل ذلك اعترف بأن الفقر هو السبب الرئيسي الذي منعه من ارتكاب الكبائر! ~~فكيف نقبل أن الأميرة الروسية زوجة الرجل السياسي، هي التي جعلته يغيب عن وعيه، حتى يستيقظ في ~~الصباح فيجد نفسه في سرير نومها، بعد أن ارتكب معها الإثم المحرم! # وهذا يعني أن حافظ نجيب، يحاول أن يقنعنا بأن سقوطه في الآثام، لم يكن برغبته، بل كان ~~مرغما عليه من قبل الأميرة! وإذا اقتنعنا بذلك، فماذا نقول أمام اعتراف آخر له، قال فيه ~~عن الأميرة فيزنسكي أيضا: «ورغم حياة الشطط والسفه كنت أحتفظ بالنظام المفروض على علاقتي ~~بالأميرة فيزنسكي، أقابلها كل أسبوع في الإسكندرية ms020 وتقابلني في القاهرة. ولكنني كنت أشعر بانقباض ~~الصدر في تلك المقابلات الطويلة بسبب ظهور الهرم على المرأة، وبسبب ملذات اللهو التي ~~ألفتها وانحصرت فيها رغباتي.» # 12 # وهذا يعني أن الأميرة لم ترغمه على ارتكاب الآثام، كما حاول أن يوهمنا؛ لأنه هو ~~أصلا غارق في الملذات الآثمة مع غيرها من النساء، وأن كبر السن كان السبب المباشر لابتعاده عن ~~الأميرة، والتمتع بغيرها من صاحبات الجمال والأنوثة والشباب! # وعن هذا الأمر يقول - بعد أن هجر الأميرة وساءت العلاقة بينهما، بسبب علمها بسهراته ونزواته ~~من النساء: «اعتبرتني البرنسيس خائنا لأنني تناسيت عطفها علي ورفقها بي ومعاونتها ~~بالمال لتعليمي وتثقيفي ثم لتكويني في الحياة، ظنت أنها لهذه الأسباب القوية قد اشترتني ~~وصرت ملكا خاصا لها، ولكنها نسيت أنني في طور الشباب، وأنها وصلت إلى الكهولة، ولم ~~أنكر في أي وقت أفضال تلك السيدة ولا ما غمرتني به من أنواع الإحسان. ولكن الاحتفاظ ~~بالمعروف لا يؤدي إطلاقا إلى حال تمنع العين من رؤية المحاسن ولا من التأثير بالجاذبية، ولا ~~من الانطلاق مع الهوى، فدفعني نزق الشباب إلى كل ناحية ظننت فيها متعة للنفس واستجابة ~~لنداء الغريزة.» # 13 # وكان من الممكن لقارئ «اعترافات حافظ نجيب»، أن يقتنع بوجهة نظره، وأن الأميرة فيزنسكي هي ~~التي دفعته إلى السقوط، إذا كانت آثامه انحصرت في شخصية الأميرة وحدها! ولكن الحقيقة أن «اعترافات ~~حافظ نجيب»، هي مجموعة من غرامياته النسائية، مصحوبة بباقة من آثامه المتنوعة! فعلى سبيل المثال، ~~نجده يقيم علاقة مع الراقصة المشهورة «شفيقة القبطية»، ولكنه يسأم منها ومن إطالة علاقته بها، ~~فيهجرها إلى راقصة أخرى، هي حميدة. وعن هذا الأمر يقول عن شفيقة: «الحقيقة إنني لم أتأثر إطلاقا ~~بأنوثة هذه المرأة ولا بخلاعتها، وكنت أعرف يقينا أنها تمثل دور عاشقة في الظاهر ودور سلابة في ~~الواقع، وكنت أدفع ثمن التسلية في هذا الجو المضطرب؛ لأن لكل شيء من الرغبات ثمنه، فكذلك التسلية. ~~لم تدم طبعا هذه الحال لأن النفس تسأم الاستمرار على وتيرة واحدة لا تبدل فيها ولا ms021 جديد ~~عليها، فتحول الملل إلى رغبة في التجديد وإلى دور جديدة للغناء والرقص للبحث عن وجه جديد.» # 14 # ولم يكتف حافظ بالأميرة فيزنسكي ولا بالراقصة شفيقة، بل وجدناه يفصل علاقاته النسائية ~~الأخرى تفصيلا شديدا، متمتعا بسردها وشرحها وتحليلها! ومن هذه العلاقات علاقته بالراقصة حميدة، ~~وباليهودية فرنسين، وبالراقصة منتهى الأمريكية، وبألكسندرا أفيرينو، وبإحدى الفتيات اليونانيات، ~~وهذه العلاقات لم تسلم من اعتراف صريح من حافظ بأنه ارتكب فيها الآثام الشهوانية! حتى ~~المرأة الوحيدة التي تزوجها في اعترافاته - وهي الكونتس سيجريس - لم تسلم من تلميحاته الشهوانية! # 15 # فعلى سبيل المثال، نجده يقول عن الراقصة منتهى الأمريكية في قهوة إلياس: «حان وقت ~~انصراف الجمهور وإغلاق القهوة فألحت علي منتهى لنتم السهرة في بيتها فقبلت. نهضت ~~من الفراش في النهار الثاني وعزمت على الانصراف فوضعت على المنضدة شيئا من النقود أجرة المبيت.» # 16 # ومن الغريب أن حافظ نجيب يرتكب هذه الآثام، دون أن يشعر بلحظة تأنيب ضمير واحدة، ودون أن ~~يندم على ارتكابها، وكأنها ليست من المحرمات! والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: ما هو موقف حافظ ~~نجيب من الدين؟! وما هي عقيدته الحقيقية، حيث إنه تنكر في شخصية راهب، ومكث في الدير ~~عاما؟! والإجابة على هذا السؤال، جاءت على لسان حافظ نجيب نفسه، عندما قال في اعترافاته: «أنا ~~رجل بدون عقيدة وبدون دين، لم تؤثر في الوراثة؛ لأنني لم أنشأ نشأة منظمة، في حياة عائلية ~~تكون أبناءها بالتربية، وتكون سلوكهم بتأثير العادات والتقاليد. ولم تعلمني المدرسة ~~تعليما دينيا يثبت في عقيدة ويكون لي مبدأ ... واضطراب حياتي وجميع ظروفي على ظهر ~~الأرض لم تسنح فيها فرصة تحدوني إلى الاطلاع على كتاب ديني ... وأنا كسائر الخلق في هذا المجتمع لم ~~يطرأ علي الباعث الذي يرغمني على التفكير في العقيدة والدين.» # 17 # وإذا انتقلنا إلى صورة أخرى من صور حافظ نجيب، كما جاءت في اعترافاته، سنجده رجلا ذكيا، ~~ماهرا في التنكر # 18 # وابتداع الحيل المختلفة، ومبتكر الأساليب المتنوعة في التخفي والهروب! فاستحق ~~الألقاب العديدة التي خلعت عليه، مثل: ms022 نابغة المحتالين ... أرسين لوبين المصري ... الثعلب! وهذه ~~هي الصورة التي جعلت من اسم «حافظ نجيب»، اسما مشهورا كان حديث الناس في أوائل القرن ~~العشرين! # إذن ... الكذب والخروج عن الصواب، وعدم تحمل تبعات الأخطاء، بل وعدم الاعتراف بها، كانت ~~الصفات التي لازمت حافظ نجيب منذ الصغر! وهذه الصفات كانت توقعه دائما في مآزق شتى، فكان ~~يخرج منها عن طريق الحيل المختلفة ! فعلى سبيل المثال، نجده وهو طفل يهرب من المدرسة من أجل ~~اللعب مع الأطفال، فيقابله جده لأبيه في الطريق فيمسكه ويسأله عن سبب تواجده في الشارع، رغم أنه ~~من المفروض أن يكون في المدرسة؟! فنجد الطفل ينجح - في بادئ الأمر - في إيهام الجد بأنه طفل آخر ~~غير الطفل حافظ! وفي ذلك يقول: «فهيأ لي الخبث أن أضلل ذلك الشيخ بصورة تبعثه على الشك في ~~شخصيتي، خطرت لي الفكرة في سرعة ونفذتها بجرأة. صرخت في وجه جدي قلت له: «ما لك يا عم! عاوز ~~مني إيه؟»» # 19 # فتجمع المارة ظنا منهم أن الجد رجل شرير يريد خطف الطفل، فقرروا تسليمه إلى البوليس. وعبثا ~~حاول الجد إفهامهم الحقيقة، بسبب قدرة الطفل في تمثيل دوره، حتى حسم الأمر أحد المارة ممن ~~يعرفون الطفل وجده، فتعجب المتجمعون من حيلة هذا الطفل! # وعندما كان حافظ في المدرسة عند عمه بأسيوط، أراد أن يعود إلى والده في طهطا من أجل اللعب مع ~~أصدقائه، فهرب من منزل عمه عن طريق السير على قضبان السكة الحديدية، وعندما نجح في هروبه ~~ضربه والده، فلم يجد حيلة للخروج من هذا المأزق إلا الكذب على أبيه، حيث اشتكى من عمه ومعاملته ~~السيئة له، ثم نجده يعترف بأنه كذب في كل ما قاله عن هذا العم، كما مر بنا! # هذا فيما يختص بحيل حافظ نجيب عندما كان طفلا. أما أسلوبه في التنكر، فقد كانت له بداية ~~طفولية أيضا! وكانت هذه البداية في قليوب، عندما كان يسبح في الترعة مع الأطفال، وكان والده ~~ينهاه عن ذلك كثيرا، ولكنه لم يستمع لنصائح والده، حتى ms023 حدثت واقعة، قال عنها في اعترافاته: ~~«حدث مرة أنني كنت أسبح في الترعة فرأيت والدي آتيا على جسرها من ضبط واقعة، كان على جواد ~~وخلفه اثنان من العساكر، ففزعت وخشيت من غضبه، فهداني الخوف إلى خاطر سريع يسترني منه ~~فنفذته بسرعة، دهنت جسمي كله ووجهي بالطين، ووقفت مع بعض الصبيان على جسر الترعة ~~نلعب ونجري، فمر بنا حضرة المعاون وسمعته يقول لأحد الجنديين: «أهو الشقي حافظ بيعمل زي دول» ~~فحماني هذا التنكر من العلقة التي كانت محتملة لو رآني.» # 20 # وعندما أصبح حافظ شابا، ساعدته الظروف على صقل هذه المواهب، خصوصا عندما عمل جاسوسا على ~~ألمانيا لصالح فرنسا! ومن المؤكد أن المخابرات الفرنسية دربته تدريبا متقدما، حتى يصبح ~~جاسوسا تعتمد عليه. وعلى الرغم من كشف أمره في أول مهمة تجسسية قام بها، إلا أن قدرته ~~في تمثيل دور خادم أخرس في هذه المهمة، # 21 # يعكس لنا قدرته الفائقة في التمثيل والتحكم في النفس! # خرج حافظ من تجربة الجاسوسية بإمكانيات متقدمة في فنون الحيل والتنكر، استخدمها فيما بعد ~~في تصرفاته العملية، وفي الإيقاع بالنساء! فعندما رأى ألكسندرا أفيرينو احتال عليها حتى ~~أعجبت به ووثقت فيه، وسلمته صندوق نياشينها. وعندما أضاع أحد هذه النياشين أبلغت ~~عنه البوليس - بإيعاز من فيزنسكي - فتم القبض عليه وحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات، وفي الاستئناف ~~تم تخفيف الحكم إلى ستة أشهر، قضاها في سجن الحضرة بالإسكندرية، فكانت هذه أول مرة يسجن فيها ~~حافظ نجيب. # 22 # وعندما خرج حافظ من السجن، لفقت له فيزنسكي قضيتين، الأولى تمثلت في أنه قضى ~~ليلة حمراء في أحد بيوت الدعارة، وأكل وشرب الخمر، وفي الصباح هرب من البيت دون أن يدفع ثمن ~~ملذاته! والأخرى تمثلت في أنه ركب حنطورا وعطله لساعات طويلة دون أن يدفع للعربجي أجرته، فتم ~~القبض عليه على ذمة القضيتين. ويستكمل حافظ - في اعترافاته - هذه القصة قائلا: «وأرسلت في ~~الصباح إلى النيابة فحولتني إلى سجن الحضرة من جديد، وصدر حكمان في القضيتين بأمر حبس ~~احتياطي، ولما تحددت جلسة المحاكمة ms024 صدر الحكم بحبسي سنة ونصف، وأيد الاستئناف الحكم ~~الابتدائي فقضيت العقوبة في السجن.» # 23 # ومن الملاحظ هنا، أن حافظ نجيب حاول بكل جهده نفي تهمة النصب والاحتيال عن نفسه، خصوصا ~~فيما يتعلق بنيشان ألكسندرا أفيرينو، متهما الراقصة حميدة بأنها السارقة، وأن سجنه كان بسبب ~~فيزنسكي، وكأنه بريء من الموضوع برمته! فهل يعقل أن حافظ نجيب - بكل ما لديه من مهارة في الحيلة ~~والتنكر والهرب، وقدراته المكتسبة من عمله كجاسوس - يقع في مثل هذه القضية! وإذا كان بريئا ~~حقا، فكيف يتم تجريمه في الحكم الابتدائي والاستئناف أيضا؟! وإذا اقتنعنا ببراءته، فكيف نصدق ~~أنه بريء من تهمتي النصب والاحتيال على امرأة بيت الدعارة وعلى العربجي! فهل من المعقول أن يكون ~~بريئا، ويتم الحكم عليه والتصديق على الحكم في الاستئناف أيضا؟! # ونقطة أخرى في غاية الأهمية؛ كيف يتم سجن حافظ نجيب لمدة ستة أشهر، في تهمة تبديد نيشان لإحدى ~~الأميرات، ثم نجده يسجن سنة ونصف في جريمتي نصب واحتيال على امرأة لعوب وعلى عربجي؟! فمن ~~المؤكد أن الجريمة كانت أكبر من ذلك بكثير، وإلا لما كانت العقوبة قاسية، دون تخفيفها في ~~الاستئناف، بل التأكيد على الحكم الابتدائي، وهذا يعني أن الجريمة ثابتة بكل أركانها! # قضى حافظ مدة العقوبة، وبعد خروجه تعرض لمحاولة قتل، نجا منها بأعجوبة، واستطاع أن ~~يقبض على القاتل ومن ثم مصادقته، فعرف منه أن الأميرة فيزنسكي هي التي استأجرته لقتله! ~~وبعد هذه الحادثة تورط حافظ في مجموعة من جرائم النصب والاحتيال أيضا، منها احتياله على أحد ~~المحال التجارية، ومنها احتياله ونصبه على الراقصة منتهى الأمريكية، عندما استولى على سوارها ~~الذهبي بحجة استبداله بسوار من الماس، فتم القبض عليه ووضع في السجن! ثم نجده - في اعترافاته - ~~يدفع عن نفسه هذه التهم، بحجة أنها من تلفيق الأميرة فيزنسكي، # 24 # قائلا: «أدركت في الحال أن اليد الخفية لا زالت تعمل في الخفاء لتحضير وسائل ~~الانتقام، وأيقنت بأن الحكم ضدي سيكون شديدا ... ولكن الاستمرار في الرضوخ لنظرية احترام ~~الأحكام معناها إضاعة سني عمري بسبب ms025 التهم التي تكال لي وصدور أحكام ضدي بسببها. من حق كل ~~إنسان الدفاع عن حياته والاحتفاظ بالسلامة. ففي مقدوري عدم مخالفة القانون، ولكن ليس في مقدوري ~~دفع اتهام باطل تدبر أسبابه وتجمع اليد الخفية الشهود الزور لإثبات الإدانة، فصار من ~~المحتم علي أن أحمي حياتي من خصومي، والوسيلة المفردة للتمكن من الحماية هي عدم تنفيذ ما يصدر ~~ضدي من الأحكام، وهذه النظرية والوسائل التي لجأت إليها لتنفيذها هي التي خلقت شهرة حافظ نجيب.» # 25 # وهكذا نجد حافظ نجيب، يحاول تبرير كل جرائمه في النصب والاحتيال، بأنها جرائم ملفقة من ~~قبل الأميرة فيزنسكي! وهذا التبرير لا يقنع الطفل الصغير؛ لأن من غير المعقول أن تتدنى أميرة ~~روسية، صاحبة جاه ومال وسلطان وزوجة الملحق العسكري في الأستانة، فتقوم بتلفيق تهم النصب ~~والاحتيال وتتورط في محاولة قتل، بمساعدة بعض أعوانها! ألم تخش هذه الأميرة على اسمها ~~وسمعتها ومكانتها، إذا علم الأخرون بما تقوم به؟! ولماذا لم يقم حافظ نجيب نفسه بكشف ~~علاقته بها إلى زوجها، أو إلى أية جهة أخرى انتقاما منها، كنوع من إبعاد خطرها عنه؟! وهذا غير ~~مستبعد عن إنسان بأخلاق وتصرفات حافظ، علما بأنه اعترف كثيرا بأنه لم يحبها، بل كان يشبع ~~رغباتها الآثمة على مضض! ووجهة نظرنا في هذا الأمر، تتمثل في أن الأميرة فيزنسكي شخصية وهمية لا ~~وجود لها إلا في خيال حافظ نجيب وحده، وكأنها إحدى شخصيات رواياته الكثيرة؛ لأن شكوكا منطقية ~~تحيط هذه الشخصية من كل جانب - بل وتحيط «اعترافات حافظ نجيب» - كما سنرى. # وبالعودة إلى حافظ في اعترافاته، نجده يتعرف على فرنسين اليهودية، والتي ساعدته في الهروب ~~من السجن، بعد أن تم حبسه احتياطيا في جريمتي النصب والاحتيال الأخيرتين، وكان هذا أول ~~هروب لحافظ من السجون المصرية! وتمثلت قصة هروبه في أن فرنسين ذهبت إلى نيابة شبرا واتهمت ~~رجلا نصب عليها، واستولى على بعض مجوهراتها، وتظن أنه حافظ نجيب المحبوس احتياطيا في سجن ~~الاستئناف. فقام الضابط المسئول باستدعاء حافظ لعرضه على المرأة لعلها تتعرف عليه. ms026 وقام بحراسة ~~حافظ أحد الجنود، فتم استبداله بأحد أعوان فرنسين، وفي الطريق وأثناء الترحيل من سجن الاستئناف ~~إلى نيابة شبرا، هرب حافظ نجيب! # وهكذا تخلى حافظ بهروبه من السجن عن اسمه، وفي ذلك يقول لفرنسين: «لا تتوهمي أن المطاردة ~~ستكون سببا في عجزي عن التمتع بكل حريتي، إنهم سيطاردون حافظ نجيب، ولكنني سأترك لهم ذاك الاسم ~~الذي يلوثونه والصورة التي خلقها الله، وسأتحول إلى إنسان جديد يحمل اسما نكرة ووجها كاذبا ~~فأختفي عن العيون في ظلام التنكر، ولكنني سأعيش بين سمع الناس وأبصارهم؛ أمتع نفسي بكل ما ~~على ظهر الأرض من الملذات.» # 26 # ومن الغريب أن حافظ نجيب - أو من عبث باعترافاته ونشرها بعد وفاته - نسي أنه كتب في مجلة ~~«الحاوي» قصة بعنوان «زهرة هانم»، # 27 # وفي هذه القصة اعترف حافظ بأنه بطلها عندما كان شابا في العشرين من عمره، ~~حيث تعرف على زهرة هانم في أحد أسفاره، فتعلقت به المرأة إلى درجة الجنون، ولكنه ~~كان يصدها؛ لأنه شعر بأنها تريد امتلاكه. وعندما زاد صده لها استأجرت قاتلا محترفا ليقتله، ~~ولكنه فشل في مهمته. وبعد أيام قبض البوليس على حافظ نجيب يوم 14 / 12 / 1907، ثم أفرجت ~~عنه محكمة الموسكي الجزئية بكفالة مالية يوم 28 / 12 / 1907، وأرسل حافظ لأحد أصدقائه رسالة ~~يطالبه بدفع الكفالة قبل ظهر يوم 29 ديسمبر. # وفي صباح يوم 29 ديسمبر استدعت نيابة شبرا حافظ نجيب للتحقيق معه في قضية جديدة لا يعلمها ولا ~~يعرفها، فجاء عسكري لاستلامه من قسم الموسكي لترحيله إلى نيابة شبرا، واستقل العسكري بصحبة حافظ ~~سيارة أجرة، فلاحظ حافظ أن السيارة تسير في طريق آخر غير طريق نيابة شبرا، حتى دخلت السيارة ~~إلى قصر مهجور، وتم سجن حافظ في قبوه. وعرف حافظ أن هذا القصر لزهرة هانم، وأن العسكري ~~باعه لها مقابل المال، ولكن حافظ نجيب بدهائه استطاع أن يهرب من القصر. وفي صباح اليوم التالي ~~قرأ في الصحف هذا النبأ: خرج حافظ نجيب في حراسة عسكري للذهاب إلى قسم من الأقسام ففر منه ms027 في ~~الطريق. # ومن خلال هذه القصة، يتضح لنا أن فيزنسكي هي زهرة هانم، بكل تصرفاتها والأحداث المحيطة بها، ~~كما جاءت في الاعترافات! بل إن قصة زهرة هانم هي القصة الحقيقية الثابتة؛ لأنها منشورة عام 1925، ~~أثناء وجود حافظ نجيب على قيد الحياة، وعندما كان متمتعا بحياة مستقرة وصاحب إحدى المجلات! هذا ~~بالإضافة إلى وجود التواريخ الموثقة في قصة زهرة هانم، تلك التواريخ المهملة في معظم صفحات ~~الاعترافات! ولهذا يسهل علينا أن نشك في «اعترافات حافظ نجيب »، وأن هناك يدا عبثت بها ونشرتها ~~بعد وفاته! # هناك سبب آخر لهذا الشك. فقد اعترف حافظ نجيب في اعترافاته عام 1946، بأن هروبه من السجن ~~لأول مرة، كان بمساعدة فرنسين اليهودية، عندما قامت بتهريبه أثناء ترحيله إلى نيابة شبرا! ولكنه ~~في عام 1925 كتب قصة «عمر بك»، # 28 # وكان هو بطلها وباعترافه. وفي هذه القصة نجده يقول إن سبب هروبه من السجن لأول مرة، ~~كان بسبب فتاة تركية تعرف عليها وأحبها تدعى إقبال، كانت طريحة الفراش في مستشفى ~~بحلوان بين الحياة والموت، وعندما هرب مكث معها لحظاتها الأخيرة! فأي القصتين نصدق؟! القصة ~~التي كتبت عام 1925 بتوقيع صريح من حافظ نجيب، وباعترافه الصريح أيضا بأنه بطلها، أم القصة ~~التي كتبت ونشرت بعد وفاته في اعترافاته عام 1946؟! # ولم يقتصر الاختلاف بين أحداث اعترافاته، وبين الأحداث نفسها المنشورة في قصص مجلته على هاتين ~~القصتين، بل هناك قصص أخرى كثيرة، منها على سبيل المثال، قصة «علقة في الحمام» التي نشرت في ~~مجلة «الحاوي» عام 1925، # 29 # عندما تنكر حافظ في شخصية الحاج فرغلي بائع الحمص والفشار، واستطاع أن يهرب من ~~البوليس عن طريق حمام النساء، وتسبب في قيام النساء بضرب رجال البوليس بالقباقيب! وهي قصة ~~نشرت في الاعترافات، مع اختلافات كثيرة، أهمها أن الحاج فرغلي في القصة أصبح عم دؤدؤ في ~~الاعترافات عام 1946! وهناك قصة أخرى بعنوان «خادم الرئيس»، نشرت في «الحاوي»، # 30 # عندما تنكر حافظ في شخصية الخادم حسن، الذي عمل لمدة تسعة أشهر في منزل رئيس ~~النيابة، وهي ms028 القصة نفسها التي جاءت في الاعترافات، مع بعض الاختلافات من أهمها أن حسن الخادم ~~أصبح في الاعترافات الخادم مبروك! # وإذا كنا قد شككنا في شخصية الأميرة فيزنسكي، وأنها زهرة هانم، أو أنها شخصية روائية ابتكرها ~~حافظ، فسنجد أيضا أن شخصية الكونتس سيجريس، التي تزوجها حافظ في اعترافاته، هي أيضا شخصية ~~مشكوك في أمرها! فقد ألف حافظ عام 1915 مسرحية أو رواية «الحب والحيلة»، وهي تحكي قصته مع ~~الملكة الفرنسية ناتالي، والقصة بكاملها عبارة عن مراحل متنوعة من علاقته بسيجريس كما جاءت في ~~اعترافاته، مع الاختلاف في الأحداث والأسماء! # وفي عام 1920، ألف حافظ نجيب مسرحية «محور السياسة»، وفيها نجده يخدع الجميع بموته، ثم ~~عودته إلى الحياة مرة أخرى، هربا من مطاردة البوليس، وإسقاط التهم المنسوبة إليه، وذلك كي ~~يتزوج من تلميذته إحسان - بطلة المسرحية - وهذه المسرحية تمثل مرحلة من مراحل حياة حافظ نجيب، كما ~~جاءت في اعترافاته، عندما أراد الزواج من سيجريس! # وفي عام 1924، ألف حافظ قصة قصيرة بعنوان «غرام أنطوان دوريه»، نشرها في مجلة «العالمين»، # 31 # وهي تحكي قصته عندما تنكر في شخصية أنطوان دوريه، وأحب الفتاة أليس، التي حضرت ~~إحدى محاكماته وطلبت منه أن يهرب لمقابلتها، فوعدها وحدد الموعد والمكان، وأعلن للقاضي وسط ~~المحكمة بأنه سيهرب غدا لأنه ضرب موعدا للفتاة، ويجب أن يفي بهذا الموعد، وسط ضحكات من في ~~قاعة المحكمة. وبسبب هذا الإعلان تشددت الحراسة عليه في السجن، وفي صباح اليوم التالي ~~فتحت الزنزانة فلم يكن بها حافظ! وهذه القصة تمثل أيضا مرحلة من مراحل علاقته بالكونتس ~~سيجريس، وبالأخص ما حدث في حفل سرحان باشا، كما جاء في الاعترافات! # وأخيرا ألف حافظ نجيب قصة قصيرة بعنوان «الخواجا غالي»، نشرها في مجلة «الحاوي» عام 1925، # 32 # وهي تحكي قصته عندما تنكر في شخصية الخواجا غالي، هاوي الآثار، وعلاقته بالسائحة ~~إيزابيل، ومصاحبته لها لمدة شهرين، لمشاهدة الآثار المصرية. وهذه القصة تمثل إحدى مراحله مع ~~سيجريس كما جاءت في اعترافاته. فهل الكونتس سيجريس هي الملكة ناتالي، أم تلميذته إحسان، أم ~~الفتاة ms029 أليس، أم السائحة إيزابيل؟! أم هي إحدى شخصيات رواياته المؤلفة، وقام - أو من عبث في ~~اعترافاته - بإقحامها في اعترافاته، كما حدث لشخصية الأميرة فيزنسكي! # وإذا نظرنا إلى «اعترافات حافظ نجيب»، وإلى قضايا النصب والاحتيال، التي اتهم فيها ~~وجرم بسببها - كما مر بنا - سنجد هناك قضايا نصب واحتيال أخرى أضيفت إليه، منها احتياله ~~على رجل يهودي سرق ساعته، فحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات، ولكن حافظ نجيب في اعترافاته، برر ~~هذا الاتهام بأنه من تلفيق فيزنسكي. # 33 # وفي موضع آخر نجده يقول: «أسلمت نفسي للقضاء في 1913 لتصفية الحساب بيني وبين ~~الحكومة لأسباب هامة طرأت علي، وبدلت إصراري الأول بغيره، والعقوبات الصادرة بأحكام غيابية ~~من محاكم الجنايات تسقط بمجرد القبص على المحكوم عليه، فأعيدت الإجراءات من جديد ~~وقدمت لمحكمة الجنايات في إحدى القضايا.» # 34 # ومن الملاحظ على هذا القول، أن حافظ نجيب ولأول مرة، لم يبرر اتهامه في إحدى القضايا ~~بأنها من تلفيق فيزنسكي! هذا بالإضافة إلى أنه لم يوضح ما هو هذا الحساب الذي بينه وبين ~~الحكومة! بل ولم يوضح ما هي القضية نفسها، وما هو الاتهام الموجه إليه! وهذا التعتيم يثبت ~~أن حافظ نجيب بالفعل قام بمجموعة من الجرائم، أوجبت محاكمته، وكأن هذا التعتيم اعتراف ~~صريح من حافظ بأنه مجرم يستحق المحاكمة والسجن! وبالرغم من ذلك نجده يقول لصديقه خليل حداد: «لن ~~أنفذ أي حكم من الأحكام التي ستصدر ضدي، سأترك لهم اسم حافظ نجيب يكيلون له التهم ~~ويصدرون عليه الأحكام كما يشاء خصومي، سأختفي من العالم بجسمي وأترك لهم اسمي، وسأحمل أسماء ~~كثيرة أختارها للظروف المتنوعة والمناسبات، فيعجزون عن الاهتداء إلي ويتعذر عليهم تنفيذ الأحكام.» # 35 # وحقيقة الأمر أن حافظ نجيب، قام بكم كبير من قضايا النصب والاحتيال، فتم الحكم عليه ~~غيابيا بالسجن لسنوات كثيرة، وهذا يفسر لنا العدد الكبير من الشخصيات التي انتحلها وتنكر ~~فيها، هربا من تنفيذ الأحكام! وهي شخصيات جاءت في اعترافاته عام 1946، ومن قبل جاءت في قصصه ~~المؤلفة - والتي يعترف بأنه بطلها - والمنشورة في مجلتي ms030 «العالمين» و«الحاوي» منذ عام 1923. ومن ~~هذه الشخصيات: الجاسوس الأخرس، الرجل البدين، عم دؤدؤ أو الحاج فرغلي، الخادم مبروك أو حسن، ~~المسيو بنفيه، البارون دي ماسون، الشيخ صالح عبد الجواد، الراهب غبريال إبراهيم، الراهب غالي جرجس ~~أو فيلوثاؤس، البارون ماير أو شنيدر، المسيو توندور، الخواجا غالي، مسيو أنطوان دوريه، بنفيه خادم ~~الملكة ناتالي، محمد صبحي، الشيخ بكر! وقد أضاف الزركلي في أعلامه شخصيات أخرى تنكر فيها ~~حافظ نجيب، وهي الأمير يوسف كمال، ابن أخي أفلاطون باشا، المندوب السامي العثماني! # 36 # ويبرر حافظ نجيب تنكره في هذه الشخصيات، بقوله : «في صدري غل من الهيئة الاجتماعية بسبب ~~حملات الصحف علي اعتباطا لتلويث اسمي واعتقاد الناس صحة ما ينشر بدون وزنه. ولجوء الجميع ~~إلى التندر بهذا الاسم مع الإسراف في تخيل حكايات ونوادر ينسبونها إلي كما كانوا يفعلون بجحا، ~~فدفعني هذا الغل إلى التنكر للرأي العام وللهيئة الاجتماعية ثم استخففت بالقوانين والأخلاق ~~والعادات والتقاليد وتعمدت أن أعيش في حرية مطلقة بدون تقيد بنظم الاجتماع.» # 37 # وقبل أن نختتم الحديث عن صورة حافظ نجيب في اعترافاته، سنحاول الإجابة على سؤال يقول: لماذا ~~كتب حافظ نجيب اعترافاته؟! وهل كان في حاجة إلى كتابتها قبل وفاته؟! وتجيب على هذا السؤال «سعدية الجبالي» # 38 ~~- ناشرة الاعترافات بعد وفاته عام 1946 - قائلة: «أرغمت الأستاذ حافظ نجيب على ~~نشر اعترافاته في حياته بدلا من نشرها بعد مماته، لأمكن الناس من تكذيب ما لا يصدقونه، ~~ولأمكنه من الرد عليه، فلا ينهشون لحمه وهو جثة كما نالوا منه بنشر الأكاذيب والخرافات وهو ~~مطارد عاجز عن الدفاع عن نفسه. إن جلجلة صوت الحق تدمغ الباطل وتفزع الجبان.» # 39 # وهذا القول يعني، أن سعدية الجبالي كانت تهدف من نشر الاعترافات تكذيب كل ما أشيع عن حافظ ~~نجيب! فهل قامت الاعترافات بالتكذيب حقا؟! أنا أرى أن الاعترافات رسخت الأكاذيب وجعلت منها ~~حقائق ثابتة! وأي تكذيب ينفع أمام اعتراف حافظ نجيب بجحوده لأهله ... وبشربه للخمر ... وبارتياده ~~للبارات والملاهي ... وبمجالسته للساقطات والراقصات وبنات الهوى ... وبقيامه بارتكاب الكبائر! ms031 ومن ~~العجيب أن هذه الأمور بالنسبة إلى حافظ نجيب لا تعتبر من الأخطاء، بل هو يفتخر بذكرها؛ ~~لأنها مفيدة للناس؛ لأن هناك أفظع منها خجل حافظ من ذكرها، فتجنبها في اعترافاته! وفي ذلك ~~يقول: «في ماضي كثير من الأخطاء وقليل لا يشرف ذكره ولا يفيد الناس عرضه، وحب الذات ~~يقتضي كتمانه ونسيانه ومحوه من ألسنة الناس بمرور الزمن.» # 40 # إذن هناك غرض آخر لكتابة هذه الاعترافات، غير السبب الواهي الذي جاء في كلمة سعدية الجبالي! ~~بدليل أن حافظ نجيب يعترف بأن هناك أشياء لا يشرفه ذكرها، فكتمها عن الناس، ولم يصرح ~~بها في اعترافاته! إذن ما زال السؤال الأول مطروحا: لماذا كتب حافظ نجيب اعترافاته؟! ويجيب ~~حافظ على هذا السؤال قائلا: «أولادي يلحون علي لكتابة اعترافاتي. وقد عصيت هذا الإلحاح ~~زمانا طويلا؛ لأنني أنفر من نبش الماضي، ولكن الإلحاح المتكرر وصل إلى حد الضغط الشديد ~~والإكراه ... فخضعت وأطعت. وليس يهمني رأي الناس إذا عرفوا الحقيقة؛ لأنني قسوت على نفسي ~~بحكمي ... ولست أكتب اعترافاتي لهؤلاء، إنما أكتبها لأولادي إجابة لرغبتهم.» # 41 # وهذا القول يطرح سؤالا آخر! لماذا ألح أولاد حافظ نجيب عليه لكتابة اعترافاته؟! ولماذا ~~قاموا بنشرها بعد وفاته، رغم أن المنطق يقول إنها اعترافات غير مشرفة وتدين صاحبها وتتهمه ~~بالمجون والزندقة والكفر وارتكاب الكبائر! فهل أراد الأولاد تلويث سمعة أبيهم أمام الناس بعد ~~وفاته؟! أليس من الحكمة إخفاء هذه الاعترافات ودفنها مع صاحبها؟! # الواضح أن أولاد حافظ نجيب وقت كتابة ونشر اعترافات أبيهم، كانوا أصحاب مراكز مرموقة، ~~وبلغوا من العمر درجة النضوج، وأصبح لديهم مستقبل مشرق أرادوا الحفاظ عليه، وتنقيته من أية شوائب ~~كانت موجودة في الماضي! وأظن أن الشوائب الموجودة في اعترافات أبيهم كثيرة، ولكنها لا تؤثر ~~عليهم، بل تؤثر على سمعة أبيهم وحده، إلا شائبة واحدة، هي التي يخشون منها، وهي تهمة «النصب ~~والاحتيال»! فهذه التهمة وحدها كفيلة بأن توصمهم بالعار مدى الحياة؛ لأنهم سيوصمون بأبناء ~~النصاب المحتال! والنصب والاحتيال من الصفات التي تلازم الإنسان مدى الحياة، مهما ms032 كفر عنها ~~أو ابتعد عنها! أما شرب الخمر وارتياد الملاهي وارتكاب الكبائر، فمن الممكن للإنسان أن يقلع ~~عنها في شيخوخته، ومن الممكن تبرير القيام بها بأنها كانت وقت الشباب وثورته. # والدليل على هذا الأمر، أن حافظ نجيب في اعترافاته، كان يدافع عن نفسه أمام تهمتي النصب ~~والاحتيال بكل قوة، وكان يبرر الاتهامات الموجهة له، بأنها اتهامات من تدبير الأميرة فيزنسكي! ~~وعندما يتعرض إلى اتهام معين من الصعب تبريره، كان يمر عليه مرور الكرام، ولا يوضحه! # وهناك هاجس يراودني، ويتمثل في شكوك حول الاعترافات نفسها! فأنا أشك في أن حافظ نجيب هو ~~الذي قام بكتابة الاعترافات، وأشعر بأن أحدا آخر قام بذلك، من أجل تبرير تهم النصب والاحتيال! ~~وهذا الاحتمال له أسباب عديدة، منها أن حافظ نجيب اعترف بتصرفات مخزية كثيرة، كان منها الكفر! ~~فلماذا يتهرب من الاعتراف بجرائم النصب والاحتيال؟! ومن الأسباب أيضا؛ أن معظم أحداث الاعترافات ~~التي نشرت عام 1946، تم نشرها في مسرحيات وقصص ممثلة ومنشورة منذ عام 1915، قام حافظ ~~بتأليفها وتمثيلها ونشرها، والاعتراف بأنها قصص من حياته! لذلك كان من السهل أن يقوم أي إنسان، ~~بتجميع هذه الأعمال والعبث في بعض أحداثها، ونشرها على شكل اعترافات. # أما آخر الأسباب وأهمها - من وجهة نظري - والذي يؤكد أن هذه الاعترافات تم العبث بها من ~~قبل آخرين، أن حافظ نجيب توقف عن إصدار مجلته «الحاوي»، بعد صدور العدد رقم 41 بتاريخ ~~24 / 3 / 1927، ثم أعاد إصدار المجلة مرة أخرى عام 1929، وفيها بدأ في نشر اعترافاته، قبل أن ~~تظهر في شكل كتاب بعد وفاته عام 1946! فالعدد الثالث من مجلة «الحاوي» بتاريخ 26 / 8 / 1929، ~~به باب بعنوان «اعترافاتي»! وفي العدد نفسه إعلان يقول: «إن اعترافاتي بقلم حافظ نجيب تظهر في ~~«الحاوي» كل أسبوع باستمرار حتى تتم». وهذا يعني أن الأعداد الأول والثاني والرابع وما بعده، ربما ~~بها حلقات أخرى من «اعترافات حافظ نجيب»! ولكننا لا نملك الدليل على ذلك لفقد هذه الأعداد، حيث ~~إن دوريات دار الكتب المصرية، لا يوجد بها من أعداد ms033 مجلة «الحاوي» لسنة 1929 إلا العدد الثالث ~~فقط! # والملاحظ أن حلقة «اعترافاتي» المنشورة في العدد الثالث، كانت تشتمل على عدة أحداث، منها ~~زواج الكونتيس سيجريس وحافظ نجيب عندما كان متنكرا في شخصية البارون في مكتب الأستاذ فاتيكا ~~المحامي بشارع الساحة بتاريخ 1 / 2 / 1909، حيث قضى الزوجان السهرة في جزيرة بالاس أوتيل. وفي ~~أحداث أخرى من هذه الحلقة، وتحت عنوان «عند لويزة فلورانجي» نعلم أن حافظ نجيب كان يسكن بشارع ~~كوبري قصر النيل بالعمارة رقم 15 الدور الثاني، في شقة لويزة فلورانجي، وكان متنكرا في شخصية ~~الخواجا غالي جرجس، وكان على علاقة بلويزة، وعندما اكتشف خيانتها له تركها وذهب للسكن في غرفة ~~مفروشة في شارع أبو السباع أمام الكنيسة عند سيدة إيطالية شابة وجميلة تدعى مادلين، وكان هو ~~متنكرا في شخصية رجل يدعى محمد صبحي أفندي. هذا بالإضافة إلى أن هذه الحلقة بها بعض الأحداث ~~الخاصة بحافظ نجيب عندما كان متنكرا في شخصية الراهب فيلوثاؤس. # ولعل أحد القراء، يعارضني ويقول: إن المسرحيات الممثلة، والقصص المنشورة في مجلة «الحاوي»، ~~والتي قام حافظ نجيب ببطولتها، لا تعتبر اعترافات أو مذكرات؛ لأنها مسرحيات وقصص مكتوبة ~~بأسلوب فني، وهذا يفسر اختلافها في بعض الأمور عن الأحداث نفسها عندما نشرت في الاعترافات! ~~وإذا تقبلنا هذا الرأي، فماذا سنقول أمام حلقة «اعترافاتي» المنشورة عام 1929؟! أليست هذه ~~اعترافات صريحة كتبها حافظ نجيب ونشرها في مجلته، وهو على قيد الحياة؟! فلماذا جاءت هذه ~~الحلقة مختلفة اختلافا كبيرا عن الأحداث نفسها، التي جاءت في كتاب الاعترافات، المنشور بعد ~~مماته؟! ولماذا جاءت بها أحداث، لم نقرأ عنها ولم نعلم عنها شيئا، في كتاب الاعترافات ~~أيضا؟! # فعلى سبيل المثال، نجد أحداث حلقة «اعترافاتي»، تتحدث عن زواج حافظ بالكونتيس سيجريس عندما ~~كان متنكرا في شخصية البارون في مكتب الأستاذ فاتيكا المحامي بشارع الساحة بتاريخ 1 / 2 / 1909! ~~وهذا التفصيل الموثق غير موجود في كتاب الاعترافات! هذا بالإضافة إلى أن تاريخ الزواج غير مذكور ~~في كتاب الاعترافات، بل إن هذا التاريخ دليل كبير على العبث ms034 في «اعترافات حافظ نجيب»؛ لأن تاريخ ~~الزواج كان في عام 1909، علما بأن كتاب الاعترافات يثبت أن زواج حافظ بالكونتس وانفصاله عنها ~~كان قبل دخوله الدير في عامي 1907، 1908! فأي الأمرين نصدق؟! ونقطة أخرى مهمة، أن أحداث ~~حلقة «اعترافاتي» بها قصص عن علاقة حافظ نجيب بامرأتين؛ الأولى لويزة فلورانجي، والأخرى مادلين، ~~وكان حافظ متنكرا في شخصية رجل يدعى محمد صبحي، وهذه الأحداث كلها لا يوجد لها أي أثر في كتاب ~~الاعترافات؟! # فهل قام أحد المقربين من حافظ نجيب، بتجميع مسرحياته وقصصه المنشورة في مجلة «الحاوي»، وما ~~كتب عنه في الصحف من حقائق أو أكاذيب، وقام بصياغة كل ذلك في شكل اعترافات، قام بنشرها بعد ~~وفاته، كي ينفي عنه تهمة النصب والاحتيال؟! سؤال لا نملك الإجابة عليه حاليا، وربما تكشف الأيام ~~المقبلة عن إجابات وتفسيرات لهذا السؤال! ... فهذا هو جهدنا المتواضع، في إبراز صورة حافظ نجيب، ~~المستخلصة من اعترافاته المنشورة. والآن نتعرض لصورة حافظ نجيب عند معاصريه. # فمن الثابت أن الصحف المصرية، في أوائل القرن العشرين، بدأت تكتب بعض الأخبار المتفرقة عن ~~حافظ نجيب، وعن أعماله. ولكن هذه الكتابات لم تؤثر على القراء، ولم تكتب شهرة حافظ نجيب، إلا ~~بعد أن كتب جورج طنوس، # 42 # أول كتاب كامل عن حافظ نجيب، وكان بعنوان «نابغة المحتالين أو حافظ نجيب»! وتم ~~نشر هذا الكتاب فيما بين عامي 1909 و1912. # 43 # والكتاب عبارة عن مجموعة من أخبار وحوادث حافظ نجيب، ومجموعة من قصائده، ورواية طويلة ~~من تأليفه، استغرقت معظم صفحات الكتاب. # هذا بالإضافة إلى أن الكتاب به صورة شخصية لحافظ نجيب، تجعل الرائي يتعجب عندما ينظر إليها، ~~لشدة دمامة صاحبها، وملامحه المتوحشة! # 44 # فالناظر إليها لا يصدق أن صاحب هذه الصورة، هو حافظ نجيب الذي تزوج من الكونتيس ~~سيجريس، وكانت تحبه وتعشقه لدرجة الجنون الأميرة فيزنسكي، وكان يجالس ويراقص ويعشق الجميلات! فهذه ~~الصورة تثبت أحد أمرين، إما أن علاقات حافظ نجيب بالنساء، كانت علاقات وهمية من ابتكاره، ليعوض ~~بها مركب النقص، الذي كان يشعر به! لأن ms035 من غير المعقول أن امرأة دميمة، تستطيع أن تنظر لوجه ~~حافظ نجيب - تبعا لصورته المنشورة - أكثر من دقائق معدودة، فما بالنا بالأميرات ممن أوقعن في ~~حبه وعشقه! والأمر الآخر أن تنكر حافظ نجيب، كان بسبب تجميل وجهه أمام الناس وأمام النساء ~~بصفة خاصة، بالإضافة إلى سبب هروبه من مطاردة البوليس! # ويبين جورج طنوس عن هدفه من الكتاب، قائلا في تمهيده: «لا عجب إذا تشوق الناس إلى سماع كل ~~شيء عن حافظ نجيب المحتال الأشهر؛ لأنه أظهر بأعماله وفراره من أيدي رجال البوليس ثلاث مرات ~~متواليات، أنه داهية نادر المثال بين معاشر النصابين والسارقين. ولأن الناس مولعون دائما ~~بالوقوف على أخبار نوابغهم، سواء نبغوا في الشر أو الخير؛ لأنهم يعدون من مصف غير ~~مصاف سائر العالمين؛ إذ برهنوا بأعمالهم واقتدارهم على أن ليس في وسع غيرهم إتيان ما ~~أتوه، من غريب الأعمال ومدهش الأفعال؛ فلهذا رأيت أن أذكر بعض ما يهم من أخبار حافظ ~~نجيب، قبل الحكم عليه في حادث سرقته أوسمة حضرة الكاتبة الفاضلة السيدة ألكسندرا أفيرينو، ~~صاحبة مجلة «أنيس الجليس» تفكهة للقارئين.» # 45 # بعد ذلك بدأ طنوس بسرد أخبار حافظ نجيب، وهي عبارة عن رؤية مضادة للقصص التي كتبها حافظ نجيب ~~في مجلته «الحاوي»، أو في اعترافاته! فعلى سبيل المثال يقول طنوس: إن حافظ نجيب تنكر في شخصية ~~الراهب واختفى في دير المحرق، بسبب احتياله على راقصة تعمل في القهوات العامة! # 46 # وهذه المعلومة، تخالف ما ذكره حافظ بأن دخوله الدير، كان بسبب حالته النفسية ~~السيئة أثر انفصاله عن زوجته سيجريس، أو بسبب نصيحة رجال الحزب الوطني، كما مر بنا! # وقصة أخرى يرويها طنوس، تحت عنوان «الكونت الإيطالي وحافظ نجيب في فندق الكونتننتال»، وهي ~~تحكي عن وجود حافظ في فندق الكونتننتال متنكرا في شخصية ابن أمير مات والده. وفي الفندق ~~تعرف على كونت إيطالي، ووصل التعارف بينهما إلى أن حافظ نجيب عرف كل صغيرة وكبيرة عن ~~هذا الكونت. ومن ثم علم حافظ أن الكونت له يخت في البحر فعرف ms036 اسمه وأسماء بحاراته ومواقعهم ~~على هذا اليخت. وبعد أيام قليلة، انتحل حافظ شخصية هذا الكونت، وعن طريق النصب والاحتيال استولى ~~على اليخت، وسافر به إلى فرنسا ثم باعه أخيرا في أمريكا. # 47 # وهذه القصة تختلف اختلافا كبيرا، عما ذكره حافظ نجيب في اعترافاته، عندما قال إنه ~~تعرف على كونت سويدي اسمه ماير، وكان مريضا فساعده على كتابة وصيته، كما طلب منه أن يكتب ~~له توكيلا، حتى يستطيع أن يستخلص ثروته ليضمها إلى الوصية! وعندما مات الكونت انتحل حافظ شخصية ~~البارون الحقيقية، وهي البارون شنيدر، وذلك من أجل تنفيذ وصيته! وبهذا الفعل حصل حافظ على أموال ~~ويخت البارون! والغريب أن حافظ نجيب في اعترافاته لم يخبرنا بنهاية القصة، وما هو مصير اليخت ~~وأموال البارون، وهل قام بتنفيذ وصية البارون أم لا؟! بل إننا نجد في الاعترافات قولا لحافظ ~~نجيب، يشير إلى نيته السيئة تجاه البارون، ويوحي بأنه سيقوم بالنصب والاحتيال عليه! # 48 # فمثلا عندما طلب حافظ من البارون أن يكتب له توكيلا للحصول على ثروته، وقام البارون بكتابة ~~التوكيل بالفعل، تعجب حافظ من ذلك، قائلا: «لست أدري كيف أصغى لمشورتي وكتبها في غير ~~احتراس؛ لأن الأيام القليلة التي عاشرته فيها لم تكن كافية لحمله على الثقة بي كرجل غريب لا ~~يعرفه حق المعرفة، ثم عللت هذا التصرف غير الحكيم بأنه تم والرجل في حالة ضعف ~~أثرت في عقله تأثيرا منعه من وزن الأمر بعناية قبل كتابة الكتاب الخطير.» # 49 # ثم ينتقل طنوس إلى قصة أخرى، ذكرها تحت عنوان «حكاية حافظ نجيب مع البرنسس ألكسندرا ~~أفيرينو صاحبة مجلة أنيس الجليس»، وفيها نعلم أن حافظ نجيب تعرف على ألكسندرا أفيرينو، صاحبة ~~مجلة «أنيس الجليس»، عن طريق انتحاله لصفة شقيق إحدى المشتركات في المجلة. وبمرور الأيام زاد ~~التعارف بينهما، فرأى في مكتبها صورة زيتية مرسومة لها، فانتقد الرسام الذي رسمها، ووعدها بأنه ~~سيرسم لها صورة أفضل منها، فانتقت ألكسندرا صورة شخصية لها، وهي مزينة بالأوسمة ~~والنياشين. وبعد فترة اتصل بها حافظ، وأخبرها أن الأوسمة ms037 والنياشين غير واضحة المعالم والألوان في ~~الصورة؛ لذلك فهو يرغب في رؤية هذه الأوسمة والنياشين على طبيعتها. وبالفعل أرسلت له ألكسندرا ~~أوسمتها ونياشينها. وبعد عدة أيام ظهر حافظ نجيب أمام الناس مرتديا مجموعة من الأوسمة ~~والنياشين، بعد أن أوهمهم بأن السلطان فلان أعطاه هذا الوسام، وأن الأمير فلان أعطاه هذا ~~النيشان ... إلخ، وعندما تأخر حافظ عن ألكسندرا، شكت في أمره فأبلغت عنه البوليس وتم ~~القبض عليه، وسجن في سجن الحضرة لمدة سنتين. # 50 # وهذه القصة، رغم أنها تثبت تهمة النصب والاحتيال، إلا أنها جاءت مخالفة لما ذكره حافظ ~~في اعترافاته، بأن الراقصة حميدة هي التي سرقت نيشان ألكسندرا، ورقصت به أمام الناس، وأن ~~فيزنسكي هي التي دفعت ألكسندرا كي تتهمه بتبديد نيشانها، كما مر بنا . # ولم يكتف طنوس بذكر قصص حافظ الموجودة في قصص مجلة «الحاوي» أو في قصص اعترافاته، بل أضاف ~~إليها مجموعة من القصص الجديدة، التي تثبت جرائمه في النصب والاحتيال، ومنها على سبيل المثال ~~«حكاية الإرسالية»، وهي عبارة عن قصة، قام حافظ نجيب فيها بالنصب على إحدى الإرساليات المسيحية، ~~حيث حصل من رئيسها على مبلغ كبير من المال، أظهره أمام الناس في الإسكندرية بمظهر الأعيان. ثم ~~استكمل طنوس سرده لقصص النصب والاحتيال في حياة حافظ نجيب، تحت مجموعة من العناوين، منها: حكاية ~~العصا، في نادي الميسر، حادث الكمبيالة. # 51 # وقد أدلى طنوس برأيه في حافظ نجيب، وتناقض تصرفاته، قائلا: «ومن غرائب أمره أيضا، أنه ~~عندما بدأ يحترف صناعة النصب، كانت أطواره غريبة تدعو إلى الدهش الكبير. فقد كان يظهر اليوم ~~لناظريه والذهب يغطي أديم أصابعه ويزين صدره وجميع ملابسه، فلا تغرب شمس الغد إلا وقد باع كل ~~ذلك، وأنفقه مع ما كان معه من المال، وعلى من؟ على فتيات الهوى؛ لأنه كان مولعا بإنفاق الذهب ~~الرنان بالمئات في قهوات الرقص. وما ذاك إلا لاعتقاده أن هذه القهوات، تظهره للناس بمظهر ~~الوارثين والأغنياء ... بينما كنت تراه رث الثياب، خاوي الوفاض، وعلى وجهه ملامح الكآبة ~~واليأس، تراه بعد أسبوع ms038 على الأكثر، وقد ظهر لك بمظهر عظماء الرجال، واقتنى العربات الفاخرة، ~~والمطهم من الجياد.» # 52 # كما أن ناشر كتاب «نابغة المحتالين» أو طابعه، ذكر أيضا رأيه في حافظ نجيب، بالإضافة إلى ~~ذكر معلومات جديدة - تبعا لمعرفته الشخصية به - قائلا تحت عنوان «كلمة الطابع»: «كان حافظ ولا ~~ريب، في بدء حياته شابا نبيلا، كريم العواطف، شريف الأخلاق ... ولا يبعد أن يكون حافظ ... ربيب ~~الكرم والرخاء؛ لأن دخوله إلى المدارس الكبرى، وحصوله على الشهادات العالية، يدلان على أن ~~الذين كفلوه في صغره قوم كرام النفوس، وعلى سعة من العيش. فإذا ثبت هذا كان دخول حافظ في زمرة ~~المحتالين والنصابين، لا للغرض الذي يسعى إليه غيره، وهو حشد المال؛ لأن التحقيقات القضائية التي ~~أجرتها النيابة العمومية، والحوادث العديدة التي رويت عنه، تدل على أنه كان ينفق ~~بإسراف كل ما يحصل عليه من المال، حتى بلغ منه البذخ إلى أن ينفق في اليوم الواحد من خمسين إلى ~~مائة جنيه أو يزيد. فهو على ما يظهر، وفق في أول أمره إلى سلب مبلغ من أحد من الناس، فظن أن ~~الاحتيال على عباد الله أمر ميسور، وأنه من السهل عليه، نظرا لما أوتيه من الذكاء والاقتدار، أن ~~يجعل احتياله قانونيا، بعيدا عن غائلة العقاب، فلا يدع فيه مجالا لدخول رجال البوليس، ولكن ~~تهوره في الاحتيال، جره في آخر الأيام إلى السجون. وها هو لا يزال إلى اليوم ~~شريدا. # ومن غريب أمره أنه يأنف الابتعاد عن بلاده، ولو ظل فيها هدفا لسهام البوليس، وكوارث السجن. ~~يدلنا على هذا أنه بعد أن خرج من الأديرة القبطية، حاصلا على مبلغ كبير من المال، ناله من بعض ~~رؤسائها ورجالها ... لم يشأ أن يهرب إلى بلد غير مصر، ويعيش تحت سمائه حرا، خاليا من كل تعب، ~~بعيدا عن كل خطر. بل نزل في أعظم فنادق العاصمة، وأخذ ينفق المال بغير حساب، حتى اضطر في ~~نهاية الأمر إلى الاحتيال على إحدى السيدات الفرنسويات، احتيالا وقع من أجله في أيدي البوليس، ~~الذين كانوا ms039 يبحثون عنه ليل نهار. إن نابها كحافظ نجيب، لو استخدم ذكاءه في الخير، نفع ~~أمته ونفسه. ولكن الظاهر أن كثيرين من الأذكياء، كان ذكاؤهم اختصاصيا بالشر، فلا يعرفون ~~معنى الخير، ولا يميلون إليه. ولله في عباده شئون.» # 53 # ومن الغريب أن جورج طنوس، لم يكتف بإصدار كتاب «نابغة ~~المحتالين» عن حافظ نجيب، بل شرع في ذلك الوقت في طبع كتاب ثان، قال عنه تحت عنوان «نوادر ~~نجيب»: «بناء على رغبة الأكثرين من أهل الفضل والأدباء، شرعت الآن في طبع كتاب غير هذا باسم ~~«نوادر حافظ نجيب»، سيظهر بعد زمن قريب، مشتملا على كل ما أتاه حافظ من المدهشات والمستغربات، ~~منذ خروجه من سجن الحضرة إلى الآن. ولا سيما ما أجراه من غريب الحيل، في أديرة الرهبان، في ~~العام الذي قضاه معتزلا عن عباد الله ... حتى خرج بعد ذلك العام، يحمل ألفا وأربعمائة جنيه، حصل ~~عليها بطريقة مدهشة، متى اطلع عليها القارئون في الكتاب القادم، أدركوا أن حافظا، آية من آيات ~~الزمان في الخداع والاحتيال.» # 54 # وبالبحث لم نجد كتابا باسم «نوادر حافظ نجيب» من تأليف جورج طنوس أو غيره، ولكن أحمد حسين ~~الطماوي، أشار إلى أن هذا الكتاب صدر باسم «الراهب المسلم» عام 1910، # 55 # ولكنه لم يطلع عليه. كما أن هناك دليلا آخر على صدور هذا الكتاب، حيث قرر ~~حافظ نجيب رفع قضية عام 1919 على من تاجروا باسمه، وألفوا كتبا عنه حشوها بما لا ~~يرضيه، ولكن هذه القضية لم ترفع، واتضح أنها لعبة من ألاعيب حافظ. # 56 # أما الدليل الثالث، فقد جاء به حافظ نجيب نفسه، عندما كتب قصته في الدير لأول مرة، ~~في مجلة «العالمين» بتاريخ 21 / 1 / 1924، قائلا قبل أن يسرد القصة: ~~«ننشر اليوم هذه القصة، رغبة في ذكر الحقائق، التي شوهها بعض المرتزقين من الكتاب، ~~حين طمعوا بكسب دريهمات، من سبيل نشر الخرافات عنا والطعن فينا، يوم كنا لا نملك وسيلة لدفع ~~مفترياتهم، ولا فرصة لرد ألسنتهم البذيئة في أفواههم القذرة. ننشر هذه القصة اليوم ليعرف ms040 القراء ~~الحقيقة، في حادثة أرجف بها المرجفون، وطنطن بها المحتالون، ليكسبوا الدرهم من طريق ~~الكذب والتلفيق، لا يردهم أدب فقدوه، ولا مبدأ شريف لم يألفوه، وها هي الحقائق، لم ~~ننقص منها ولم نزد، ليعرف الناس قدر الذين نشروا عنا ما نشروا، يوم أمنوا التأديب من ~~رجل، ظنوه لن يعود إلى عالم الأحياء.» # وبعد أن سرد حافظ قصته في الدير بكل تفاصيلها المعروفة - كما جاءت في الاعترافات، مع بعض ~~الاختلافات - قال: «هذه قصة وجودي في الدير وخروجي منه، وشهودها أحياء، القمص إيسيذورس لا يزال ~~حيا يرزق وهو رئيس الدير الآن، ونيافة الأنبا باخوميوس وهو لا يزال أسقف الدير، والقس بطرس ~~وهو الآن مطران أخميم، والقمص باخوم وعاذر أفندي جبران وبيومي أفندي الشناوي وكلهم أحياء، كذلك ~~وكيل الدير تاضروس أفندي ميخائيل، الذي أرجف المرجفون بأنني أخذت منه مئات من الجنيهات، ~~لشراء آلة لاستخراج الذهب، لا يزال حيا يرزق في منفلوط ... فقارنوا بين ما نشره صغار النفوس ~~والعقول وبين الحقائق، تدركوا أن بعض الذين ينتسبون إلى الصحافة، كذبة ومنافقون، عاشوا ~~قذى في عين ذوي الفضل من رجال الأدب، ولطخة عار في جبين الصحافة، التي نكبت بوجودهم بين ~~رجالها.» # ومن الملاحظ على هذا القول، أنه موجه إلى كتاب ألفه جورج طنوس عن حافظ نجيب أثناء ~~تنكره في شخصية الراهب، وحياته في الدير! ولم يكن موجها إلى كتاب «نابغة المحتالين»؛ لأن ~~هذا الكتاب لم يتطرق إلى حافظ نجيب كراهب إلا بإشارة يسيرة! وهذا دليل على أن كتاب «نوادر ~~حافظ نجيب» أو «الراهب المسلم» صدر بالفعل. ومن الجدير بالذكر، أن حافظ نجيب لم يكتف بهذا ~~الرد على طنوس بخصوص كتاب «الراهب المسلم»، بل رد عليه أيضا بخصوص كتابه «نابغة المحتالين» في ~~مجلة «العالمين» بتاريخ 8 / 3 / 1924، قائلا في ثنايا قصته «غرام أنطوان دوريه»: «دام اعتقالي ~~أسبوعين، وخرجت يوما إلى دار النيابة في محكمة الموسكي، مكبلا بالحديد، حولي الجنود للحراسة. ~~وكان الزحام شديدا في المحكمة، كلهم يريدون مشاهدة «حافظ نجيب»، الذي من عليه «جورج طنوس»، ~~بشهرة تذهب ms041 بالكرامة، وتغري بالاحتقار، بما نشره اعتباطا، من القصص الموضوعة، والنوادر الكاذبة ~~في كتابه «نابغة المحتالين».» # وحيث إننا لم نجد كتاب «الراهب المسلم»، كي نتحقق مما فيه من اتهامات، ونقارن بينها وبين ردود ~~حافظ نجيب، إلا أننا من خلال اطلاعنا على كتاب «نابغة المحتالين»، نستطيع أن نقرر أن حافظ نجيب لم ~~يكن في ردوده على مستوى اتهامات طنوس! أي إن الاتهامات كانت أكثر قوة وحجة من حيث الأدلة ~~والبراهين، على قيام حافظ نجيب بالنصب والاحتيال، مقابل الهروب والتلاعب بالألفاظ والغموض الواضح ~~على رد حافظ نجيب السابق! وهذا وإن دل، فإنما يدل على أن حافظ نجيب قام بالفعل، بعدة جرائم نصب ~~واحتيال! # وعلى الرغم من ذلك، فإن شهرة حافظ نجيب، التي ملأت الأسماع والأصقاع في أوائل القرن العشرين، ~~كانت بسبب ما كتبه عنه جورج طنوس! لدرجة أن مجلة «الزهور» في يونيو 1912، طرحت استفتاء من خلال ~~سؤال عن: من هم نوابغ مصر؟ فجاء الاستفتاء يحمل اسم حافظ نجيب، ضمن هؤلاء النوابغ، أمثال: أحمد ~~شوقي، الشيخ علي يوسف، حافظ ابراهيم، جورجي زيدان، يعقوب صروف، سعد زغلول، سمعان صيدناوي # 57 # ومن الواضح أن شهرة حافظ نجيب، وبالأخص تنكره في شخصية الراهب، وحياته في الأديرة القبطية، ~~لازمته طوال حياته، وظل الناس يتندرون بها لسنوات طويلة! فعلى سبيل المثال، نشرت مجلة «مصر ~~الحديثة المصورة» في 15 / 8 / 1928، مسرحية من فصل واحد - دون ذكر اسم مؤلفها - بعنوان «إعدام ~~مائتي جريدة». وهي مسرحية تدور أحداثها في القاهرة بإدارة قلم المطبوعات بوزارة الداخلية، على ~~أثر صدور قرار وزاري يقضي بإلغاء جميع الجرائد اليومية التي لا تصدر بانتظام. ومن الطريف أن حافظ ~~نجيب كان أحد أشخاصها، وقد ظهر في حوار قصير، كالتالي: # حافظ نجيب ~~(داخلا) ~~: # استغفر الله العلي العظيم ... بسم الله الرحمن الرحيم ... إيه الراجل ده؟ # جورج طنوس ~~(داخلا) ~~: # إيه؟ جرى إيه يا خواجة إلياس؟ صحتك بالدنيا ... تعالي نروح نشرب لنا كاس ويلعن أبو ~~الجرايد. # إلياس زيادة ~~: # الحق معك يا ابني ... الفية عرق بستين ألف جرنال من ها الجرنالات الملعونة ... # حافظ ms042 نجيب ~~: # إيه رأيك يا جورج يا طنوس؟ أنا رايح أدور لي على دير من ديورة الأقباط أرجع أعمل فيه ~~قمص زي زمان. دي الحكومة بتحرضنا على إننا نغير طريقنا وما نمشيش في السبيل السوي ~~(تحدث ضجة في الخارج. ويدخل إسكندر مكاريوس صاحب اللطائف المصورة ومعه ~~فؤاد مغبغب المحرر بها والدكتور خوري مديرها) ~~. # 58 # وما يستفاد من هذا الحوار القصير، أن قصة تنكر حافظ في شخصية الراهب، واختفاءه في الأديرة ~~القبطية، كانت من القصص المعروفة عند الجميع. هذا بالإضافة إلى أنها قصة لا يعلم حقائقها وخفاياها ~~إلا اثنين فقط، حافظ نجيب وجورج طنوس، بدليل أن الحوار في هذا الأمر، كان بينهما فقط في هذه ~~المسرحية! # وإذا كان جورج طنوس هو صاحب شهرة حافظ نجيب بين الناس، في أوائل القرن العشرين، بما كتبه عنه ~~في كتابيه «نابغة المحتالين»، و«الراهب المسلم»، فإن أحمد حسين الطماوي هو صاحب شهرة حافظ نجيب، ~~في أوائل القرن الحادي والعشرين، عندما كتب عنه مقالته الشهيرة «حافظ نجيب الفيلسوف المحتال»، في ~~مجلة «الهلال، أغسطس 1994»! فهذه المقالة، كانت السبب في قيام - وباعتراف - ممدوح الشيخ بنشر ~~«اعترافات حافظ نجيب»، تلك الاعترافات التي نتج عنها مسلسل فارس بلا جواد، ذلك المسلسل الذي أثار ~~الضجة العالمية السياسية، تلك الضجة التي جعلت الكثيرين، ينهلون وينهبون مقالة الطماوي، سواء ~~أشاروا إليه إشارة غامضة، أو صرحوا باسمه على سبيل الذكر - لا العرفان - أو أنكروه وأنكروا ~~جهده! # | حافظ نجيب ... الصحفي # سنتحدث هنا عن صورة أخرى، من صور حافظ نجيب المتعددة، وهي صورته كصحفي! فقد صدرت مجلة ~~«العالمين» في 18 / 5 / 1922، لصاحبها عبد القوي الحلبي، ولكنها لم تصدر بانتظام في سنتها ~~الأولى، وكان كاتب أغلب مقالاتها وقصصها الأديب كامل الكيلاني، الذي كان يوقع بحروفه الأولى «ك ~~ك» على مقالاته وقصصه. أما مع بداية السنة الثانية لإصدار المجلة، في 10 / 10 / 1923، وتحت إدارة ~~علي الحمراوي أفندي - دبلوم تجارة - وعلى غلاف العدد الأول، وجدنا هذه العبارة: «مجلة العالمين ~~مجلة أسبوعية علمية أدبية اقتصادية روائية مصورة ... يحررها طائفة من كبار الكتاب ms043 أحدهم ~~الكاتب الاجتماعي حافظ نجيب»! # أما أبواب مجلة «العالمين»، فكانت متنوعة، منها: الاجتماع، الأخلاق، الاقتصاد، الأدب المختار، ~~التاريخ، التدبير المنزلي، الفكاهات والطرائف، التجارة، الزراعة، الألعاب الرياضية، الاكتشافات ~~الحديثة، قصة الأسبوع، روايات مسلسلة، أخبار الأسبوع، حوادث الأسبوع المصورة. وفي الكلمة ~~الافتتاحية، قال صاحب امتيازها: ~~«وعدنا القراء ... بعزمنا على تأجيل إظهار المجلة وقتا ما، لانتقاء بعض كبار الكتاب ليشاركونا ~~في تحرير المجلة، وللاستعداد لإظهارها كبيرة الحجم كثيرة الصور حافلة بالمواد العلمية والمختارات ~~الأدبية. وها نحن ذا قد وفينا الوعد، فانتخبنا للمجلة طائفة من كبار كتاب القطر ستظهر ~~أسماؤهم في ذيل الرسائل التي ننشرها لهم، وأضفنا إلى هذه النخبة الأستاذ «حافظ نجيب» الكاتب ~~الاجتماعي الكبير الذي اشتهر في الشرق كله بما نشره بقلمه من الكتب الاجتماعية والروايات ~~المشهورة، التي كانت في العامين الماضيين حديث القوم في كل مجتمع وسحرهم اللذيذ في كل ~~بيت.» # وهكذا بدأ حافظ نجيب عمله الصحفي. وبالرغم من أنه لا يعتبر صاحب امتياز المجلة، ولا رئيس ~~تحريرها، إلا أنه كان يقوم بأعبائها وحده! لدرجة أن هناك أعدادا كاملة قام بتحريرها بصورة كاملة! ~~فعلى سبيل المثال، نجده في العدد الأول - للسنة الثانية - يكتب مقالة بعنوان التربية في باب أبحاث ~~خلقية، ومقالة المرأة العصرية في باب أبحاث اجتماعية، وقصة طاهر وأمينة في باب قصة الأسبوع، ~~وأخيرا يكتب الحلقة الأولى من القصة المسلسلة «الغرفة الصفراء» ... كل هذا في عدد واحد فقط! # ومن الملاحظ، أن حافظ نجيب كان يكتب في شتى أبواب المجلة، لدرجة أنه كتب في أمور ما كنا ~~نصدق أنه كتب فيها، إلا بعد أن رأينا توقيعه الصريح عليها! فمثلا كتب مقالة بعنوان العروس ~~الجديدة في باب «التدبير المنزلي»! # 1 # وكتب مقالتين في باب «الألعاب الرياضية»، غطى في الأولى مباراة لكرة القدم بين فريق ~~الهايكو النمساوي، وبين فرقة منتخب القاهرة يوم 4 / 1 / 1924، وكانت تغطيته للمباراة تغطية خبير ~~رياضي. أما المقالة الأخرى فكانت بعنوان «حادث هام في عالم الألعاب الرياضية»! # 2 # وبداية من العدد التاسع عشر الصادر في 11 / 2 / 1924، أصبح حافظ ms044 نجيب رئيس تحرير وإدارة ~~المجلة، كما نشر تنويها، بأن جميع المكاتبات وكل ما يختص بأعمال المجلة، يرسل على عنوان حافظ ~~نجيب بمصر القديمة. ومن تتبعنا للمجلة، لاحظنا أن حافظ نجيب تعثر كثيرا في إصدارها بصورة ~~منتظمة، حيث أصدر العدد الأخير منها في 22 / 9 / 1924، أي بعد أكثر من خمسة أشهر، من صدور العدد ~~السابق عليه، الذي جاء بتاريخ 5 / 4 / 1924! # غلاف العدد الأول من مجلة «الحاوي» عام 1925. # وبعد توقف مجلة «العالمين» بعشرة أشهر، أصدر حافظ نجيب - من بيته بشارع مصر القديمة - ~~العدد الأول من مجلته «الحاوي» في 14 / 7 / 1925. وهذه المجلة كانت صورة مماثلة من مجلة ~~«العالمين»، سواء في أبوابها أو أسلوب مقالاتها. وكان من أهم كتابها: كامل الكيلاني، محمد أمين ~~حسونة، أبو مصطفى، أبو سعاد. ولكن الجديد فيها، كان مشاركة القراء في تحرير بعض أبوابها، وذلك ~~بنشر رسائلهم في أبواب معينه، هي: الشعر المختار، النكات، الفكاهات، الأبحاث الاجتماعية، ~~المتفرقات، النقد النزيه، الاختراعات الحديثة. # وفي افتتاحية العدد الأول، قال حافظ نجيب: «انقطعنا عاما عن الكتابة مكرهين، وقد كنا نظن ~~أن للبطالة ولتقليد المترفين في نوع المعيشة شيئا من اللذة، فلم نشعر بغير الوحشة لانقطاعنا عن ~~الاتصال بقرائنا، وبغير السآمة من سكون البلادة والخمول. أكرهنا بوسائل غير شريفة على وقف ظهور ~~«مجلة العالمين» وقد كانت كما يعرف القراء، قلما امتدت يد القدرة الإلهة فطهرت الوجود من السبب ~~الذي حدانا للامتناع عن إظهار المجلة. عدنا إلى عالم الصحافة مرددين قوله تعالي: # إن ربك لبالمرصاد ~~.» # وبداية من العدد رقم 22 بتاريخ 8 / 12 / 1925، أدخل حافظ تعديلات في شكل المجلة، حيث كان ~~ورقها من النوع الجيد، وخطها من النوع الراقي الجميل المنمق. هذا بالإضافة إلى وجود مقر ثابت ~~للمجلة، وكان عنوانه: 40 الدرب الواسع بشارع كلوت بك. # ظلت مجلة «الحاوي» تصدر بانتظام حتى العدد رقم 40 بتاريخ 12 / 11 / 1926، والعدد رقم 41 ~~بتاريخ 24 / 3 / 1927، حيث إنهما نشرتان إعلانيتان، أكثر من كونهما مجلتين! فقد صدر كل ~~عدد منهما في أربع صفحات فقط، وكان يوزع ms045 مجانا على الجمهور، حيث إن كل عدد كان عبارة عن ~~إعلانات متنوعة عن فرقة حافظ نجيب المسرحية، وما تقدمه وما ستقدمه من مسرحيات، سوف نتحدث عنها ~~لاحقا. # توقفت مجلة «الحاوي» ما يقرب من سنتين ونصف، ثم أعاد حافظ نجيب إصدارها مرة أخرى في عام ~~1929. وللأسف الشديد لم نستطع الاطلاع إلا على العدد الثالث الصادر في 26 / 8 / 1929 - حيث إنه ~~العدد الوحيد المحفوظ في دوريات دار الكتب - ونظن أن المجلة توقفت بعد إصداره! وهذا العدد به ~~تغييرات كثيرة في الشكل، حيث كان الورق من النوع الجيد، بالإضافة إلى الغلاف الملون والمنمق بصورة ~~جيدة، وهذا الشكل يختلف بصورة كبيرة عن شكل المجلة في أعدادها السابقة. # وهكذا كان دور حافظ نجيب في مجال الصحافة، بصفة عامة، حيث إننا سنتطرق بالشرح والتحليل إلى ~~بعض أنشطته الصحفية، في الموضوعات التالية، لارتباطها ببعض المقالات والقصص المنشورة في مجلتي ~~«العالمين» و«الحاوي»، ودور حافظ نجيب فيها. # | حافظ نجيب ... الكاتب الاجتماعي # كانت صفة الكاتب الاجتماعي كثيرا ما تطلق على حافظ نجيب، بسبب ترجمته لمجموعة كبيرة من ~~الكتب الاجتماعية، وهي: «روح الاعتدال»، «غاية الإنسان»، «الناشئة»، «الغرور»، «دعائم الأخلاق»، «مناهج ~~الحياة» ... وهي مجموعة من الكتب تندرج أيضا تحت علم الفلسفة، رغم كونها من علم الاجتماع! وقد ~~صدر الكتاب الأول «روح الاعتدال» عام 1912، عن مطبعة المعارف لصاحبها نجيب متري. وللأسف لم ~~نطلع على هذا الكتاب، لعدم وجود نسخة منه بدار الكتب، # 1 # ورغم ذلك، علمنا أن مؤلفه هو «شارل وانير»، وهو كتاب تدور موضوعاته حول الاعتدال ~~في العقل والروح والعقل والفكر والقول، وقامت السيدة وسيلة محمد بترجمته! # 2 # غلاف كتاب «غاية الإنسان». # وفي العام نفسه 1912، صدر الكتاب الثاني «غاية الإنسان» عن مطبعة المعارف أيضا، وهو كتاب ~~وضعه الفيلسوف جان فينوت، وقامت أيضا السيدة وسيلة محمد بترجمته! وهو يدور حول الأفكار ~~الإنسانية السامية، كالسعادة والفضيلة والحرية والواجب والحق ... إلخ هذه الأفكار. فعلى سبيل المثال ~~نجد المبحث الأول بعنوان «أين السعادة»، وفيه يقول المؤلف: ~~«لكل شيء غرض منه أو غاية يرمي إليها، والباعث ms046 على الشيء هو سبب وجوده، ونتيجة الوجود هي ~~الغاية التي يرمي إليها. فإذا كتب كاتب ما حداه إلى الكتابة هو الباعث عليها، ويكون الغرض منها هو ~~الغاية التي يقصد إليها. فكذلك الحياة؛ للإنسان غرض منها أو غاية يطمح إليها. وإجماع الأفكار على ~~تخصيص نوع الشيء يشير إلى دنو المجمع عليه من الصواب. فانصراف رغبات الناس جميعا، منذ خلق ~~النوع الإنساني، إلى غاية واحدة، دليل على أن هذه الغاية المفردة، هي الغاية من الحياة، وهي السعادة.» # 3 # والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: من هي السيدة وسيلة محمد، وما علاقتها بحافظ نجيب؟! والإجابة ~~على هذا السؤل، جاءت في مقالة أحمد حسين الطماوي، عندما أشار إلى أن جريدة المحروسة نشرت ~~حديثا صحفيا لحافظ نجيب في 3 / 12 / 1912، اعترف فيه بأنه صاحب ترجمة كتاب «روح الاعتدال» ~~و«غاية الإنسان»، ولم تقم بترجمتهما السيدة وسيلة محمد، كما هو معروف. # 4 # ونضيف إلى ذلك أدلة أخرى، منها أسلوب حافظ نجيب نفسه، حيث كانت له كلمات أثيرة، ذات معان ~~خاصة في كتاباته وإبداعاته، منها كلمة «المفرد» بمعنى الوحيد، أو «المفردة » بمعنى الوحيدة، وقد ~~جاءت هذه اللفظة مظللة، في نهاية الجزء السابق من مبحث «أين السعادة»! # 5 # ومن الأدلة أيضا غلاف كتاب «الناشئة» المطبوع عام 1915، وقد جاء فيه أنه ترجمة حافظ ~~نجيب، مترجم «روح الاعتدال» و«غاية الإنسان»! وقد تكرر هذا الأمر على غلاف كتاب «الغرور» لحافظ ~~نجيب أيضا، الصادر عام 1923. # هذا بالإضافة إلى اعتراف صريح من حافظ نجيب، نشره عام 1923، قال فيه: «النفس إذا ~~انصرفت إلى غاية لا تقف دونها إلا مرغمة مكرهة، والرغبة إذا قويت لا تحول دون تحقيقها ~~الحوائل والعقبات. علقت مطالعة كتب الاجتماع والأخلاق، ورغبت في إفادة أبناء بلادي بما ~~انتفعت بالاطلاع عليه، فلم يمنعني الاختفاء والتنكر من تحقيق هذا الغرض، فنشرت «روح الاعتدال» ~~و«غاية الإنسان»، منسوبة ترجمتهما إلى زوجتيى السيدة وسيلة محمد، فإذا لم يكن لهذه السيدة فضل في ~~الترجمة، فإن لها يدا في نشر هذين الكتابين، فهل من خطأ؟» # 6 # وعلى الرغم من أن ms047 كتاب «غاية الإنسان»، كما جاء على غلافه، هو ترجمة! إلا أن كلمة وسيلة محمد ~~في بداية الكتاب - أو بالأحرى كلمة حافظ نجيب - تفيد بأن الكتاب أقرب إلى التعريب أو التأليف منه ~~إلى الترجمة! ومما جاء في هذه الكلمة: «إنني لأكذب إذا نسبت كل ما في كتابي هذا إلى نفسي، ~~أو قصرت ما فيه من الأفكار على ثمرة عقلي. فقد تحديت الوقوف على أفكار من سبقوني إلى ~~الكتابة في هذا البحث، وطالعت شتاتا من صنوف الكتب، فعلق بذهني منها ما أدركته. وغاب عنه ~~ما استعصى علي فهمه. فالفضل في الواقع راجع إلى أولئك الحكماء لا إلي؛ لأنني منهم استمديت ~~وعنهم أخذت، ومن زبد أفكارهم كونت فكري ... فإنني صورت ما علق بفكري، وما انطبع عليه من صور ~~أحوال الحياة، على ما تمثلته تماما وظننت أنه الحقيقة. ولما كان ما يتمثله الفكر ويقرره الإنسان، ~~على أنه الحقيقة، قد لا يكون هو الصواب دائما؛ لهذا أتحاشى الجزم بكون ما كتبته هو الصواب، ~~وإنما أقرر كونه الحقيقة، على قدر ما تصورتها ووصل إليها إدراكي. فليحاسبني الناس على غايتي من ~~الكتابة، لا على دنوها من الصواب أو بعدها عنه، فإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى.» # 7 # وإذا كان حافظ نجيب قد ترجم - أو عرب أو ألف - كتاب «غاية الإنسان»، وأن كل كلمة فيه ~~منسوبة إليه، إلا أن زوجته وسيلة محمد لها في هذا الكتاب بضعة أسطر فقط، هي أسطر الإهداء، حيث ~~قالت فيها: ~~«إلى ابنتي العزيزة ... الدهر عبر، والحياة سير، والنفس بينهما لا تستقر. فمن تتقى ~~الأيام تأمن عبرها، ومن تعرف الحياة تجمل سيرها. والحوادث جائية ذاهبة، والأعمار فانية ناضبة، ~~فالحال لا تدوم أسعدت أم أشقت، والذكرى لا تفنى قبحت أم حسنت. فاتقي بنيتي العاقبة ~~الأخرى، فإنما الحياة هي الذكرى.» # وهذا الإهداء يعطي لنا معلومات مهمة عن حياة حافظ نجيب الشخصية، حيث إنه يشير إلى أن وسيلة ~~محمد، لها ابنة من رجل آخر غير حافظ نجيب! وأن هذا الإهداء كتب لها! ولم يكن إهداء ms048 لابنتها من ~~حافظ نجيب! والدليل على ذلك أن حافظ نجيب ذكر في إهداء كتاب «الغرور» أن ميلاد ابنته الأولى ~~كان في 14 / 12 / 1912. علما بأن حافظ نجيب اعترف في حديثه بجريدة المحروسة في 3 / 12 / 1912، ~~بأنه أصدر كتابين باسم وسيلة محمد، منهما كتاب «غاية الإنسان»! فكيف تكتب وسيلة محمد إهداء ~~لابنتها، قبل أن تولد أول ابنة لحافظ نجيب منها بعشرة أيام؟! # غلاف كتاب «الناشئة» عام 1915. # وبعد ثلاثة أعوام، أصدر حافظ نجيب ترجمة كتابه الثالث «الناشئة»، من تأليف شارل وانير - صاحب ~~كتاب «روح الاعتدال» - في أوائل عام 1915، عن مطبعة المعارف لصاحبها نجيب متري، ناشر جميع كتب ~~حافظ نجيب الاجتماعية. والكتاب الذي نحن بصدده، لا يختلف في موضوعه أو مباحثه، عن بقية الكتب ~~الأخرى، من حيث اهتمامه بالاجتماع والفلسفة. وقد قال حافظ نجيب في كلمة المترجم: ~~«الناشئ لأول عهده بالحياة كالغريب في المدينة الواسعة، يتهيب أهلها، ويجهل دروبها، يبحث ولا ~~يجد، وينظر ولا يرى، ولكن له من دهش المفاجأة وعدم الاعتياد عذرا مقبولا. والمدينة لا تماثل ~~الحياة إلا مماثلة الذرة للكون؛ لأنها ثابتة منظورة ومحصورة، أما الحياة فصروفها جمة ، ~~وأحوالها متبدلة، ومناهجها تؤدي إلى الفضل والهناء، كما تدهور إلى السفه والشقاء، والعقول عاجزة ~~عن حصر ما فيها عجزها عن إدراك ما وراء المنظور. فما العبرة إذن بالذي في الحياة من مختلف الأحوال ~~الظاهرة والخفية، وإنما بالتمييز بين منافع المحسوس ومضاره، وبين ما يؤدي إلى الغاية منها وما ~~يدفع إلى قرار الهاوية. والعجز عن حصر أحوال الحياة لا يمنع عرفان المعلوم منها والملحوظ؛ لأن ~~النور الضئيل خير من الظلام الحالك، ولأن المعرفة القليلة أفضل من الجهل التام.» # 8 # ومن الجدير بالذكر، أن حافظ نجيب كان سيهدي هذا الكتاب إلى ابنته، ولكنه أهداه إلى محاميه، ~~قائلا: إلى محمود بك أبو النصر المحامي ... سيدي الأستاذ الفاضل ... البذور إذا غرست في التربة ~~الجيدة تنتج وتثمر، وكذلك المعروف إذا أسدي إلى غير ذي نفس خبيثة، يؤثر فيه فيحتفظ بذكره. ~~وليس غريبا أن تمن وأنت رجل الفضل، وإنما ms049 أن يذكر مثلي تلك المنة، في زمان عرف كثير من ~~أهله بالجحود ونكران الجميل. لقد تقدمت للدفاع عني حين فقدت الأنصار، فقلت في نفسي: رجل ~~من المحاماة يؤدي واجبا إنسانيا، ولكن حين رأيتك تفحص نفسي، وتحلل معدنها بدراية ومهارة ~~أمام القضاء، عرفتك عالما من علماء الطبائع فأكبرتك. وما لمس من حرارة نفسك ونهضتها ~~لإنقاذ دخيل على الأدب، إكراما للحرفة التي احترف، وللسبيل التي طرق، ذلك أبقاني أحس بتلك ~~الحرارة إلى هذه اللحظة، وشجعني على الالتصاق بالأدب، وإن كنت لا أزال دون رجاله في كثرة ~~البضاعة وجودتها، وفي القيمة الشخصية. وإذا كان حب طفلتي هو الذي نفث في هذا الروح ورغبني ~~في الاعتصام، فإنك بعملك الواجب، وبما أظهرت من العواطف الإنسانية، تحيي تلك الروح ~~وتقويها، وتملأ نفسي الخاملة نشاطا وفتوة، وتسوقني إلى حب الحياة والاجتماع، وإلى خدمة ~~الإنسانية من طريق الأدب. وإذا أنا حرمت ابنتي هذه الهدية واختصصتك بها، فأنا لا أجني عليها ~~ولا أتهم بالتبديد؛ لأنها هي أيضا مدينة لك ضمنا بالمنة، أسيرة ذلك الفضل القديم. ~~وإنها لتبتهج بعرفان الوفاء من خصال أبيها أكثر من ابتهاجها بالإهداء إليها ، بل إن هذا ~~لدرسا عمليا يهذب نفسها ويرقق عواطفها، ويحضها على التكمل بالاقتداء وعلى التطبع ~~بالتحبيذ والنحو. فكن يا سيدي الأستاذ طيب النفس عند القبول، مطمئنا لهذه التقدمة، فالباعث ~~عليها قدر حقك من الفضل، والواجب علينا من الإخلاص والوفاء. نفع الله بك الأدب والفضل، ~~وجعلك مثالا حيا للمروءة وعلو الهمة. أنت رجل والرجال قليلون.» # 9 # وهذا الإهداء له علاقة بحياة حافظ نجيب الشخصية، حيث إنه في عام 1909، كان مقيما في فندق ~~ناسيونال باسم غالي جرجس، ولكن جندي إبراهيم صاحب جريدة الوطن تعرف على حافظ، فأبلغ عنه ~~البوليس، الذي حاصره في غرف الفندق، ولكن حافظ نجيب استطاع أن يهرب من الفندق، بعد أن هدد قوة ~~البوليس بأسلحة متنوعة، منها قنبلة ومسدس بالإضافة إلى تلغيم إحدى الغرف بالمفرقعات. وفي عام ~~1913، عرضت هذه القضية على محكمة الجنايات، برئاسة محمد توفيق رفعت وبحضور حافظ نجيب نفسه، ms050 ~~وكان ممثل النيابة محمد زكي الإبراشي، وقد تطوع المحامي محمود أبو النصر للدفاع عن حافظ نجيب، ~~حيث حصل حافظ على البراءة! # 10 # ولعل القارئ لا يرى غرابة، في أن يهدي حافظ نجيب أحد كتبه إلى هذا المحامي، الذي حصل له ~~على البراءة! ولكن الغرابة في أن البراءة التي حصل عليها حافظ في هذه القضية، لم تكن بسبب دفاع ~~المحامي، حيث إن المحكمة لم تر أي إقناع في دفاعه! والسبب الحقيقي في البراءة، كان في دفاع ~~حافظ نجيب عن نفسه! وهذا بالطبع بناء على ما جاء في «اعترافات حافظ نجيب»! ولعل هذا أيضا سبب ~~جديد، يضاف إلى أسباب شكوكنا في هذه الاعترافات! لأن من غير المعقول، أن تترك هيئة المحكمة ~~الحرية المطلقة، لمتهم في إحدى القضايا الجنائية، كي يدافع عن نفسه بصورة كانت أبلغ من ~~مرافعة محاميه، فيحصل على البراءة! وإذا كنا سنقبل هذا الخيال الروائي الغريب من أي ~~متهم، فمن المستحيل أن نقبله من حافظ نجيب، صاحب الخيال والأكاذيب! # ومما قاله حافظ نجيب في اعترافاته عن هذا الأمر: «وكان المحامي الذي تطوع للدفاع عني ~~حينذاك في هذه القضية وغيرها المرحوم محمود بك أبو النصر، فبنى دفاعه على تصرفي أنه كان للإيهام ~~بإطلاق النار مع عدم وجود النية على التنفيذ، في حالة عصيان أمري. ورأيت المحكمة غير مقتنعة بهذا ~~الدفاع؛ لأن القانون يعاقب على التهديد نفسه، لا على النية المستوردة [أظنها المستورة] ~~المجهولة، من الذي وقع عليه التهديد. فالتمست من المحكمة الإذن لي بالدفاع عن نفسي، فأذنت لي ~~بشرط عدم تكرار ما ذكر في دفاع المحامي.» # 11 # وإذا تركنا كتاب «الناشئة»، إلى الكتب الاجتماعية الأخرى لحافظ نجيب، سنجده عرب ونشر قبل ~~عام 1923 كتابين: الأول «دعائم الأخلاق»، والآخر «مناهج الحياة». والكتاب الأول يعتبر من الكتب ~~المجهولة، ولا نعلم عنه أي شيء، سوى ما أعلنه حافظ نجيب، بأنه عرب كتابا بهذا العنوان! # 12 # أما كتاب «مناهج الحياة»، فقد نشر ضمن المجلدات السبعة لروايات جونسون، وتحديدا ~~في نهاية المجلدين الثاني والثالث. وللأسف الشديد ms051 هذه المجلدات غير موجودة بصورة كاملة في دار ~~الكتب المصرية، والمجلد الوحيد الموجود، غير صالح للاطلاع! وبناء على ذلك، لا نستطيع الحديث عن ~~هذين الكتابين، سوى أنهما من الكتب الاجتماعية، قام حافظ نجيب بترجمتهما أو تعريبهما! # أما في عام 1923، فقد أصدر حافظ نجيب آخر كتبه المعربة، وهو كتاب «الغرور» لماكس نوردو، ~~ونشرته مطبعة المعارف. وهذا الكتاب عنوانه الأصلي «نقد المدنية الحاضرة ونظم الهيئة ~~الاجتماعية»، وتدور أبحاثه حول النظم الاجتماعية والاقتصادية. وفي كلمة المعرب، وضح حافظ هدفه ~~ومنهجه من تعريب هذا الكتاب، قائلا: «ليس هذا الكتاب ترجمة صحيحة لما كتب ماكس نوردو؛ لأنه كاتب ~~ملحد، وما تضمنه كتابه من النظريات والآراء بني على الإلحاد. وفي نشر الكتاب بالصورة التي ~~كتب بها ضرر عظيم، يؤثر في عقول النشء، والذين لم يتمكنوا من التعاليم الدينية، تمكنا ~~يحفظهم من تأثير قوة المؤلف في هدم المعتقدات والأديان السماوية. لم أكن أمينا في النقل عن ~~ماكس نوردو للسبب المتقدم، فاخترت من كتابه ما راقني من النظريات والانتقادات والآراء ونشرتها ~~في هذا الكتاب، وجعلت الأبحاث مرتكزة على مبدأ الإيمان بالإله الخالق. قد لا يرضي هذا النهج في ~~النشر بعض الذين يريدون الأمانة في الترجمة، ولكنني أوثر عدم الأمانة في الترجمة على إفساد عقائد ~~الكثيرين، بما أنشره من آراء الكاتب الملحد وحججه القوية في هدم الأديان والاستخفاف بالمعتقدات. ~~في هذا الكتاب آراء كثيرة وأبحاث نافعة وانتقادات جمة لماكس نوردو، وأضفنا إليها من الآراء ~~والنظريات التي تخالف معتقده، ونسبنا الكتاب كله إلى المؤلف، بسبب كثرة ما اقتبسناه من كتابه من ~~الأبحاث الكثيرة والانتقادات الوجيهة. لم أحجم في كل حياتي عن عمل خوفا من الانتقاد، أو ~~رغبة في إرضاء الرأي العام؛ لهذا نشرت هذا الكتاب متحديا النهج الذي ذكرته، فليسمه من ~~شاء ترجمة أو اقتباسا أو مسخا، فهكذا فعلت لأنشر ما اعتقدت أن في نشره فائدة، ولأمنع ~~ما رأيت في انتشاره أذى وإضرارا، فإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى.» # 13 # غلاف كتاب «الغرور» عام 1923. # ومن الملاحظ أن حافظ ms052 نجيب أهدى هذا الكتاب إلى ابنته من وسيلة محمد، والتي ولدت في ~~14 / 12 / 1912، قائلا: «ابنتي العزيزة ... الحال أقوى ما تكون تأثيرا في العقل إذا عرفها ~~بالاختبار، وفي النفس إذا انصدعت وتألمت منها، وقد حرم أبوك حنو الوالدين من طفولته، وساوى ~~الأذلين بين أهله، فعرف حقيقة الشقاء. وبقدر حرمانه من مظاهر العطف والحنان وتوقان نفسه إليهما، ~~دام الشجن يؤثر في شعوره فيحييه وفي عواطفه فيرققها، فقوي تأثيره فيهما وتضاعف ألم النفس. ~~ولما كان الافتقار إلى الحاجة يحدو إلى طلبها نشد تلك العاطفة في قلوب من عرف من الجنسين، ~~النشيط بالصداقة، واللطيف بها وبالحب، فأنفق الحياة بددا، وألفى ما عوض من الإخاء سوءا، ومن ~~الوفاء ختلا، ومن الحب غدرا ونكاية. ولو أن نفسا طيبة وفقت إلى عرفان ما امتلأت به نفس ~~والدك من الطيبة والوداعة، وقلبه من الحنان والشفقة، لذابت في حرارة هذا القلب ولامتزجت بتلك ~~النفس. فمن تصور هذه الحال المشجنة، وتأثيرها في فكره ونفسه، تدركين أيتها العزيزة موقعه ~~حيال الناس، ونظره إلى الحياة وكم كان فيها يتألم. ومن شكايته على ذويه تعرفين نوع حبه إياك ~~وقدر عطفه عليك وسروره بك واغتباطه بتربيتك. فهل يطول هناء نفسه بقربك، أم تحول بينكما الأقدار؟ ~~يا ألله من هول تلك اللحظة، فإن ألمي من توهم حينها يا عزيزتي يمزق أحشائي، فكيف بي إذا حانت؟ ~~ليس حب الذات هو الذي يزعجني عند فراقك، إنما الإشفاق عليك من اليتم والقهر وغلظة أكباد الناس، ~~ومن كل ما عرفت من صنوف الشقاء، فهل أنت واعية مبلغ إشفاقي فتعوضيني منه الترحم علي؟ أم ~~ينسيك الزمن من تحوم حواليك روحه وتحن إليك عظامه عاش أم مات؟» # 14 # ومما سبق يتضح لنا أن حافظ نجيب، عرب أو ترجم ستة كتب في الاجتماع أو الفلسفة. وإذا كنا لم ~~نتوقف كثيرا عند فحوى هذه الكتب، فهذا راجع إلى أن هذه الكتب تحمل أفكار كتاب وفلاسفة غربيين، ~~ولا جهد لحافظ فيها غير ترجمتها أو تعريبها! حتى كلمات حافظ أو إهداءاته التي تتناسب مع ms053 موضوعات ~~هذه الكتب، فهي في الوقت نفسه لا تتناسب مع شخصية حافظ نجيب، وما عرف عنه من الخداع والكذب ~~والتناقض والنصب والاحتيال ... إلخ! فمن غير المعقول أن نصدق أفكاره وآراءه في كلماته وإهداءاته، ~~المنشورة في هذه الكتب؛ لأنها أفكار وآراء تخالف كل ما هو معروف عن حافظ نجيب، إلا إذا كان قد ~~كتبها كنوع من التكفير عما اقترفه من أفعال وجرائم! وهناك احتمال آخر، وهو أن يكون حافظ نجيب ~~مصابا بانفصام في الشخصية! # ومن الجدير بالذكر أن حافظ نجيب، لم يكتف بترجمة وتعريب الكتب الاجتماعية فقط، بل قام ~~بترجمة أو كتابة بعض المقالات الاجتماعية، ثم قام بنشرها في مجلة «العالمين»، في بابي «أبحاث ~~اجتماعية»، و«أبحاث خلقية». ومن هذه المقالات على سبيل المثال: الحياة ونظر الناقد، المرأة ~~العصرية، الزواج، البساطة، الحارس، الهمة، الطاعة، النظم الاجتماعية. هذا بالإضافة إلى نشره جميع ~~أبحاث كتاب «الغرور»، على هيئة مقالات متفرقة في المجلة أيضا. # 15 # | حافظ نجيب ... الشاعر # لحافظ نجيب عدد قليل من القصائد والمقطوعات الشعرية، بعضها نشر في الصحف والمجلات في أوائل ~~القرن العشرين. ومنها على سبيل المثال ما قاله في رثاء الزعيم مصطفى كامل بجريدة الوطن، عندما كان ~~متنكرا في شخصية الراهب. ولكن بكل أسف لم نستطع الاطلاع على هذا الرثاء؛ لأن مجلد الجريدة ~~المشتمل على القصيدتين مفقود بدار الكتب! وقد جاء أحمد حسين الطماوي ببعض الأبيات من قصائد أخرى ~~لحافظ نجيب، نشرت في مجلتي «الأقلام»، و«المجلة المصرية». # 1 # ويشاء القدر أن يقوم جورج طنوس بذكر أكبر مجموعة من قصائد وأشعار حافظ نجيب في كتابه «نابغة ~~المحتالين»، ما عدا رثاء حافظ في مصطفى كامل. ونحن نظن أن الشعر الموجود في هذا الكتاب، هو كل ما ~~يستطيع المرء الحصول عليه من أشعار حافظ نجيب، # 2 # حيث إنه لم يقل الشعر بعد نشر هذا الكتاب، أو قاله بصورة نادرة، يصعب على الإنسان ~~الحصول عليه! والسبب في هذا الظن، أن حافظ نجيب توفرت لديه فرصة عظيمة، لنشر قصائده بعد صدور ~~كتاب «نابغة المحتالين»، وهي قيامه بتحرير ms054 مجلة «العالمين»، وأيضا إصداره لمجلته «الحاوي»، طوال ~~أعوام 1923-1929، ورغم ذلك لم نجد بيتا شعريا واحدا لحافظ نجيب، في هاتين المجلتين! # 3 # وإذا عدنا إلى أشعار حافظ في كتاب «نابغة المحتالين»، سنجد أول بيتين له، تم وضعهما أسفل ~~صورته الشخصية المنشورة في الكتاب - والتي تحدثنا عنها فيما سبق - يقول فيهما: # عجبت من البوليس كيف يرومني # وإني كالعنقاء في نظر ~~الرائي # جنون ووهم إن رأوا صورتي التي # أغيرها إن شئت تغيير ~~أزيائي # وفي هذين البيتين، نجد حافظ نجيب يتباهى ويتساءل متعجبا، كيف يطارده البوليس، وهو كالعنقاء ~~التي يظن الناس أنها احترقت فماتت واندثرت، ولكنها بعد فترة تخرج من رمادها، وتبعث حية من ~~جديد، في قوة وفتوة وشباب! لذلك فمن الصعب على البوليس أو غيره أن يرى صورته؛ لأنه يتنكر دائما، ~~ويغير من وجهه وهيئته، في سهولة ويسر كأنه يبدل ثيابه! وهذا وإن دل، فإنما يدل على ~~غرور وغطرسة حافظ، في تحديه للجميع بصعوبة رؤية صورته! وبسبب هذين البيتين، قام جورج طنوس بنشر ~~صورته في الصفحات الأولى من الكتاب، ووضعها أعلى هذين البيتين، وكأنه قابل تحدي حافظ بتحد ~~أكبر منه! # وتحت عنوان «أول عهده بالنظم»، ذكر جورج طنوس، قصيدة لحافظ، كان قد أرسلها له من سجن ~~الحضرة بالإسكندرية، بعد اتهامه بسرقة نياشين ألكسندرا أفيرينو، فقام طنوس بذكر بعض أبياتها تفكهة ~~للقارئ! وفي هذه الأبيات، يقول حافظ: # 4 # تحطمت الآمال وانصرم الحب # وما عاد يشجيني البعاد ولا القرب # وبات ضميري واهن الحول متعبا # فما عاد يحييه الطبيب ولا الطب # فقولوا لمن بات العتاب حديثه # يقلل من عتبي فلا ينفع العتب # فلست بذي سمع يصيح لمن أتى # يلوم فلا عذل يفيد ولا صخب # كفاني الذي لاقيت من صدق ودهم # ومن شاهد السكران مر له الشرب # ولا يحمل الثعبان من بعد لسعه # رشيد ولا يعلو جوادا به يكبو # غرست جميلي في أرض عقيمة # ومن يزرع الصحرا يليق به العطب # جدير بمثلي أن يرى الكون قائما # عليه وأحرى يا زمان به الندب # فقد كنت أعمى أجهل ms055 الدهر طائشا # يخادعني أهل الوشاية والصحب # وهذه الأبيات، بناء على ما ذكره حافظ في اعترافاته، تخص الأميرة فيزنسكي. وفيها يقول إن ~~آماله في الحياة والحب قد انتهت، بانتهاء علاقته بفيزنسكي، وأصبحت مشاعره متضاربة. فلا البعد عنها ~~يشجيه، ولا القرب منها يشجيه! لدرجة أن ضميره مات، فلا ينفع فيه طب ولا دواء مهما حاول الطبيب ~~إحياء هذا الضمير! ويطالب بعد ذلك بالكف عن عتابه، فما نفع العتاب في جسد ميت بلا روح ولا ضمير، ~~وما نفع الصياح أو الصراخ في إنسان فاقد لحاسة السمع! فكفى بهذا الإنسان خداع الغير، فقد لاقى ~~الصدق، وظنه صدقا صافيا، فوجده صدقا حالك السواد! وعلى هذا المنوال يسير حافظ في أبياته، ~~مستشهدا ببعض الأمثلة التراثية، والأمثال الشعبية، والأقوال المأثورة، ليثبت بها أنه الضحية، ~~وأنه المظلوم المخدوع! # وفي قصيدة أخرى، يقول: # 5 # وما أنا ذو ذعر وما أنا خائف # ولكن حكم الحب في أهله صعب # تذل له كل النفوس وإن علت # وأي محب لا يذلله الحب # وأمسيت لا أشكو البعاد ولا الهوى # ولا أذكر الماضي وتذكاره عذب # ليالي نام الدهر فيها ولم يفق # فبتنا سكارى خمرنا الوصل والقرب # وفي هذه الأبيات، يشكو لوعة الحب واشتياقه للمحبوبة؛ لأنه يعلم علم اليقين، أن حكم الحب على ~~الإنسان حكم نافذ، وهذا الحكم يطبق على الجميع مهما كانت منزلة الإنسان وعلو شأنه! وبالرغم ~~من ذلك فقد أصبح لا يشكو من البعد أو الحب، بل ولا يريد أن يذكر الماضي، رغم حلاوته وطيب ~~ذكرياته! وكفى من هذا الماضي ذكرى مقابلاته مع المحبوبة، حيث كان الدهر يتغافل عنهما، ليستمتعا ~~بنشوة الوصل والقرب، التي تجعلهما سكارى! # وفي قصيدة أخرى - وهي تكملة للقصيدة السابقة - يستكمل حافظ صورة العشيقين، قائلا: # 6 # ولما أفاق الدهر من بعد نومه # تقطعت الآمال وانصرف الحب # تجافت قلوب لم تكن تعرف الجفا # وفاضت عيون لم يكن دأبها السكب # ودس عزولي كل ما شاء حقده # ومن يرهب العذال يرعبه الثوب # ولكنني دست العذول وحبها # وقطعت عهدا لا يقطعه الغضب # فإن كنت في ms056 السجن الرهيب بكيدها # فإن فؤاد مطلق ما به عطب # وإن جاءني طيف اللئيمة زائرا # تفلت على وجه يشوهه الشيب # وما أنا في هذا المقام بخالد # وبعد خروجي يعرف الليث والذئب # وفي هذه الأبيات، يبين حافظ أن الدهر لم يغفل عن العاشقين فترة طويلة، بل استيقظ فهدم ~~آمالهما، وأصبح الحب قسوة في قلب الحبيبة، وتساقطت الدموع بغزارة كأنها فيضان نهر، فأصبح المناخ ~~بين الحبيبين مناسبا لتدخل العذول، الذي دس الحقد والكره! فما كان من حافظ إلا أنه احتفظ ~~بكرامته، فداس بقدمه هذا الحب، ولم يعبأ بهذا العذول، وقطع على نفسه عهدا بأن يتخلص من هذا الحب، ~~الذي كان سببا في سجنه! وتوعد المحبوبة بالانتقام؛ لأنه لن يمكث في السجن طيلة حياته، وعندما ~~يخرج للانتقام سيعلم الجميع من هو الأسد القوي، ومن هو الذئب الغادر! # ومن سجن الحضرة بالإسكندرية أيضا، قال حافظ: # 7 # إلى الله أشكو أم إلى الناس ما جرى # وقد باعني الهم المبرح واشترى # وأصبحت عبدا لا اسام بدرهم # وأن جاءني المبتاع عاب وعيرا # وأقضي طويل الليل للحظ ناعيا # فيغمض عيني السوط بالرغم لا الكرى # إذا ما مضى جيش الظلام تراجعت # لدى الصبح أحزاني وبت مفكرا # فاطم سما لا يميت وليته # يقصر أيامي فيسترني الثرى # ويسقونني بالكأس صبرا وعلقما # ويا ليته صبر على الضيم صبر # ويخرجني كالعير للحمل حارسي # ويكرونني للنذل بالقرش أشهر # وأنكرني من كان من قبل صاحبي # وعيرني بالذل والفضل أنكرا # وضاع جميل في الرجال غرسته # ولو كان في كلب لبان وأثرا # ولو كان في واد لأينع نبته # ولو كان في قفر لما ظل مقفرا # ولو كان في وحش لأصبح آنسا # وأعلن فضلي للوحوش وأشهرا # ولكنه الإنسان للفضل جاحد # وهيهات للمعروف أن يتذكرا # وهل ينظر الشمس المنيرة ذو عمى # لذلك فضل باب في الكون لا يرى # وقد ساءهم مني اقتدار وهمة # وعزم برى كيد الزمان وما انبرى # ولو قلت شعرا خاله الناس منزلا # وصلى عليه البعض والبعض كبرا # ولولا الهوى أصبحت للناس كوكبا # ولولا الهوى أمسيت في القوم ms057 عنترا # وكم عالم قد ضاع في الحب علمه # وكم عاشق في الرمس بات معفرا # ولولا الهوى ما بت في القيد مثقلا # ولا بت في وادي الهموم كما ترى # ولا تعجبوا أن بات لي السجن منزلا # فقد ينزل الإبريز في منجم الثرى # وقد يجهل الإنسان في الرمل قدره # ولكنه لو بان للعين أبهرا # فإن جاءك الساقي بماء ولم تذق # فهل تعرفن الماء إن كان كوثرا # كذلك أخفاني عن القوم جهلهم # وعاقبني القاضي جزاء لما جرى # وفي هذه القصيدة، يصور حافظ حالته النفسية، واشتداد عذابه داخل السجن، لدرجة أن الأمر اختلط ~~عليه: أيشكو أمره لله أم للناس؟! وهذا استفسار تعجبي، يعكس مدى حيرة حافظ. فقد لازمته ~~الهموم، لدرجة أنه أصبح سلعة لها تباع وتشترى! ويا ليتها سلعة ثمينة، فقد أصبح عبدا ثمنه أقل ~~من درهم، بسبب ما به من عيوب! لذلك يقضي الليل بطوله ينعي حظه، حتى يأتيه السجان فيجبره على النوم ~~بالسوط. وفي الصباح يبدأ حافظ يوما جديدا من عذاب الفكر في الهموم والأحزان، فيتمنى الموت في ~~هذا اليوم وفي كل يوم! فقد صبر بما يكفي، لدرجة أن الصبر مل من صبره! # ولم يبق له في الحياة أي صديق، فقد أنكره كل الأصدقاء، ممن استفادوا من فضله، وأصبحوا ~~يعيرونه بذله وسجنه! ولو كان قدم هذا الفضل إلى كلب لكان الكلب حفظ الجميل وأصبح أفضل ~~من الصديق! ولو قدم هذا الفضل في واد، لظهرت نتيجته في نباته اليانع، أو ظهرت خصوبته لو كان ~~واديا مقفرا! ولو قدمه إلى وحش، لاستأنس هذا الوحش، وتحدث بأفضال حافظ نجيب عليه وسط الوحوش! ~~ولكن بكل أسف قدم حافظ هذا المعروف إلى الإنسان الجاحد! الذي يتشبه بالأعمى، الذي لا يرى نور ~~الشمس. وهذا الإنسان الجاحد، ما هو إلا الحاقد الحاسد على حافظ بسبب همته واقتداره ونبوغه! # فعلى سبيل المثال عندما كان حافظ يقول الشعر، كان يظن الناس أن هذا الشعر كلمات مقدسة، فيصلي ~~به البعض، والبعض الآخر يكبر به! فلولا حبه وما جره عليه هذا الحب من ms058 مهانة وإذلال في السجن، ~~لكان نجما لامعا من نجوم المجتمع، ولكان في منزلة عنترة بن شداد! ولكن هذا هو حكم الحب الذي ~~يذهب بعلم العالم، وبقيمة الإنسان! وعلى الرغم من ذلك فحافظ نجيب، رغم أنه في السجن، إلا أنه ~~كالذهب المدفون في المناجم، ما أن يظهر للإنسان حتى يبهره ببريقه، مهما كان متسخا ~~بالأتربة والرمال! فعندما يتخلص حافظ من سجنه، سيعلم الجميع ~~مقداره الحقيقي، وكم هو مظلوم بسبب حكم قاض، حكم بالأدلة الظاهرة. # ومن سجن الحضرة أيضا، قال: # 8 # طال البعاد على السجين المغرم # فتندم الرجل الذي لم يندم # ما نام في ليل على مهد الأسى # إلا وقلبه النوى كالمجذم # تزكو به نار الغرام مكرها # ووقودها قلب المحب المكلم # ويعوده طيف يزور مقنعا # وقناعه ديجور ليل مظلم # في الليل يأتي كالطبيب لموجع # فإذا دنا ضمد الجراح ~~بمرهم # وإذا تلطف بالسلام أراحه # مثل العليل إذا أتوه ~~ببلسم # وإذا صحا عند الصباح ولم يجد # طيف الدجى ذرف المدامع ~~كالدم # كم مرة هزأ الخيال بمن غدا # بعد الدلال قرين لص ~~مجرم # يا صاح قد غدر الزمان ومن هوى # أحرى به سم بكاس ~~مفعم # خير من السجن الطويل وضيقه # فالسم أطيب من شراب ~~العلقم # ولقد سئمت من الحياة وذلها # وغدا الممات أحب من لئم ~~الفم # أني تعبت من الزمان وصرفه # وتحكم الدهر الذي لم ~~يحكم # من عاش حرا بين آل بلاده # صعب عليه الذل بعد ~~تكرم # وأخيرا قال حافظ نجيب: # 9 # بالله قل لي هل أراني واهما # أم ذي الحقيقة لا منام النوم # ضل الرشاد ولم يعد لي فكر # وغدا مقالي مثل شرح ~~الأيكم # وغدا يراعي لا يطاوع أصبعي # إلا إذا كان المداد من ~~الدم # وغدا غلاف الطرس من كفن الهوى # ونأى على عجل البخار ~~بدرهم # فعسى يذكر من تكبر وانتضى # سيف السكوت لكي يقل ~~تكلمي # ولعله يلقى مكانا في الصدو # فلا يضيق كضيق قيد ~~المجرم # ومن الملاحظ على هذه القصائد، أنها كتبت في فترة واحدة، وهي فترة سجن حافظ نجيب، كما أنها ~~تدور ms059 حول فكرة واحدة، تتمثل في براءته من التهم المنسوبة إليه! وهذا الشعر قال عنه أحمد حسين ~~الطماوي: إنه «يعد من شعر الشخصية ... وشعر الشخصية هو الشعر الذي يعبر فيه الشاعر عن ~~أحاسيسه، ويستظهر فيه أعماقه ... ويستمده من حياته، ومن هنا يكون مطبوعا وليس متكلفا، وشعر حافظ ~~نجيب كان ينقل فيه أحاسيسه ويضمنه معالم نفسه، ويعبر فيه عن تجاربه.» # 10 # وهذا الرأي من الممكن الأخذ به إذا قرأ شعر حافظ منفصلا عن حياته! ولكن إذا امتزج هذا الشعر ~~بحياة حافظ نجيب، سيكون الحكم مختلفا؛ لأن حافظ نجيب في هذه القصائد يكذب على الناس أولا ~~وأخيرا! فهذه القصائد إذا كان طنوس قد اكتشفها، بعد زمن طويل من كتابتها، كان من الممكن اعتبارها ~~تجربة شعورية ذاتية صادقة! ولكن الحقيقة أن هذه القصائد قد أرسلها حافظ من سجنه إلى طنوس كي ~~ينشرها على الناس! وهذا يعني أن حافظ نجيب أراد من نشر هذه القصائد، استجداء عطف الناس عليه، حتى ~~ولو عن طريق اختلاق مشاعر وأحاسيس غير صادقة! والدليل على ذلك، أنه لم يشر إلى تهمته، ولم يوضح ~~الجريمة المنسوبة إليه، وما هي دوافعها! أي إنه لم يتحدث مطلقا عن القضية، وكل شعره اتجه نحو ~~الشكوى والأنين، وقسوة السجن، وعذاب الحب ... إلخ ، من أجل التأثير على القارئ! # ومهما يكن من الأمر، فالذي لا شك فيه أن هذه القصائد كتبها حافظ نجيب، وهي تعتبر من أعماله ~~الإبداعية، التي تعكس فترة من حياته، وتدل على قدرته في صياغة الشعر، سواء كان شعرا صادقا أو ~~شعرا كاذبا! وكنا نتمنى أن نجد له شعرا في مناسبات أخرى، قيل في فترات متباعدة، حتى نحكم على ~~قدرته الشعرية! ولكن بكل أسف فقصائد حافظ نجيب في مجملها، قيلت في السجون، وفي فترة زمنية واحدة، ~~وحول غرض واحد، هو الشكوى! # | حافظ نجيب ... الروائي # إذا كنا لم نستطع الحكم على حافظ نجيب كشاعر قدير، بسبب قلة قصائده، ومحدودية أغراضها، ~~ومساحتها الزمنية الضئيلة! فإننا نستطيع أن نحكم بقدرته الروائية، بسبب كثرة رواياته الفنية، ~~المؤلفة والمترجمة، ms060 والتي تعكس بحق قدرة فنان روائي من الطراز الأول! وكفى بنا أن نعلم أن ~~الكاتب العالمي نجيب محفوظ، كان في صغره يقرأ بنهم كل ما يكتبه حافظ نجيب، حيث كان من أشهر ~~المؤلفين في هذا الوقت، بعد أن أعلن توبته. ومن أهم ما قرأه نجيب محفوظ من أعمال حافظ نجيب: ~~روايات جونسون وميلتون توب ومغامرات حافظ نجيب. # 1 # وينقسم إنتاج حافظ نجيب الروائي والقصصي إلى ستة أقسام؛ الأول: رواياته الطويلة المؤلفة. ~~والثاني: رواياته الطويلة المترجمة. والثالث: رواياته المسلسلة. والرابع: قصصه القصيرة المؤلفة. ~~والخامس: قصصه القصيرة المتشابهة مع قصص اعترافاته. والسادس والأخير: قصصه القصيرة المستمدة من ~~حياته، والتي لم تشتمل عليها اعترافاته. # ومن الروايات التي تندرج تحت القسم الأول، رواية بدون عنوان، نشرها جورج طنوس في كتابه «نابغة ~~المحتالين»، تقع في حوالي مائة صفحة ص53-145، كان قد أرسلها له حافظ نجيب وهو في سجن الحضرة ~~بالإسكندرية كي ينشرها. كما يعترف طنوس بأنه ينشرها في كتابه، دون أن يغير فيها حرفا واحدا. ~~والرواية تبدأ أحداثها منذ عام 1895، عندما التحق الشاب عزيز بالمدرسة الحربية، ولكن الحياة لم ~~تضحك له، فانقلب عليها وسخط على الجميع، وقام بأعمال كثيرة مشينة، انتقاما من الحياة ~~والمجتمع. # وهذه القصة، ما هي إلا فترة من قصة حياة حافظ نجيب نفسه، عندما التحق بالمدرسة الحربية، كما ~~جاءت في اعترافاته. ويؤكد هذا القول، طابع كتاب «نابغة المحتالين»، عندما قال في كلمته: «يخيل ~~لي من مطالعة هذه الرواية، أن بطلها «عزيز» هو حافظ نجيب بعينه؛ لأن كثيرا من الوقائع التي ~~حدثت فيها، حدثت لحافظ، وقد سبق له أن قص علي بعضا منها، قبل أن يأتي حادث البرنسس ~~ألكسندرا أفيرينو، ويودع سجن الحضرة بعد ذلك.» # 2 # أما ثاني الروايات الطويلة المؤلفة، فهي رواية «الحب والحيلة»، وقد نشرتها مطبعة الشعب في ~~أكثر من 160 صفحة، قبل عام 1915 تقريبا. وجاء على غلافها أنها «رواية واقعية مملوءة بالحوادث ~~المدهشة والحيل الغريبة، بطل وقائعها حافظ نجيب»! وهكذا نعلم من البداية أن هذه الرواية، ما هي ~~إلا ms061 فترة أخرى من فترات حياة حافظ نجيب! ولهذه الرواية أهمية خاصة، حيث تم تحويلها إلى نص ~~مسرحي بالعنوان نفسه، قامت فرقة أولاد عكاشة بتمثيله على المسرح، وقام حافظ نجيب بتمثيل دوره فيها ~~بنفسه! وهذا النص المسرحي كان مفقودا منذ عام 1915، حيث إنه لم يطبع حتى الآن، ولكنني وجدته ~~مخطوطا، وقمت بنشره في هذا الكتاب، كما سيأتي ذكره. ولهذه الأهمية، يلزم علينا ذكر ملخص ~~رواية «الحب والحيلة»، قبل الحديث عنها كمسرحية. # تبدأ أحداث الرواية في ميناء الإسكندرية عام 1905 تقريبا، حيث تقلع سفينة تحمل حافظ نجيب، ~~وهو شاب في عمر السادسة والعشرين، ومعه صديقه خليل حداد، إلى ميناء مرسيليا. ونعلم من حوار ~~الصديقين، أن حافظا يسافر إلى مرسيليا لسببين؛ أولهما: الهروب من مطاردة البوليس، والآخر: الذهاب ~~إلى فرنسا لمقابلة محبوبته الملكة ناتالي، التي تعرف عليها في مصر وأحبها، أثناء رحلتها ~~السياحية لمشاهدة الآثار الفرعونية، حيث كان حافظ مترجمها ومرشدها السياحي. ويصل حافظ إلى فرنسا، ~~ويذهب إلى قصر الملكة ناتالي متنكرا في شخصية الخادم بنفيه، الذي جاء للعمل لديها بخطاب توصية ~~من إحدى صديقاتها. فتوافق ناتالي على عمل بنفيه لديها، بعد أن تحذره من الخيانة؛ لأنها تعاني ~~من خيانة جميع أعوانها في القصر. # ومن جانب آخر نجد الملك - زوج ناتالي - يعشق كاترين ابنة دي توسكا ، رئيس حراس الملك ووكيل ~~الحزب الملكي وصديق الملك الحميم، وأن هذا العشق ذاع خبره بين الناس. كما نعلم أن كاترين لا تحب ~~الملك، بل هي تمثل عليه الحب، رغبة منها في إرضاء أبيها من جهة، وطمعا في أن تكون الملكة ~~المتوجة من جهة أخرى. ولتكتمل مؤامرة دي توسكا ضد الملك والملكة معا، نجده يقيم علاقة حب ~~سرية مع الملكة ناتالي، استمرت لمدة عامين. وتشاء الظروف أن يعلم بنفيه كل هذه الأمور، فيحاول ~~إبعاد دي توسكا عن حبيبته الملكة ناتالي بكل وسيلة ممكنة. ومن هذه الوسائل، أنه استغل فرصة إقامة ~~حفلة تنكرية في القصر، فقام بنفسه بعمل المكياج التنكري للملكة، عندما علم أنها تريد أن تتنكر في ~~شخصية ms062 حنة دوتريش ملكة فرنسا في عهد لويس الثالث عشر. وفي المقابل قام بنفيه بالتنكر في شخصية ~~الكاردينال ريشيليو عشيق الملكة حنة دوتريش وعدوها اللدود؛ لأنها أحبت غيره، والذي كان يحكم فرنسا ~~وأوروبا كلها بالعقل، في عهد لويس الثالث عشر أيضا. # ولم يكتف بنفيه - أو حافظ نجيب - بهذا، بل قام بعدة أعمال أفسدت الحفلة، ومنها قيام إحدى ~~صديقاته بالتنكر في زي شخصية كاترين دي توسكا التنكرية، فوقع أبوها في حيرة من أمره؛ لأنه وجد ~~فتاتين لا يعرف من منهما ابنته. هذا بالإضافة إلى قيام بنفيه بإطفاء النور، وفي الظلام قام ~~بتبديل النوت الموسيقية للفرقة العازفة، التي عزفت لحنا من اختيار بنفيه، الذي استغل الظلام ~~أيضا في سحب يد الملكة من دي توسكا، الذي كان يراقصها. وعندما عاد النور، وجدت الملكة نفسها ~~تراقص الكاردينال ريشيليو أو بنفيه، وسط غيظ دي توسكا، الذي بدأ يشك في الأمر، فقام بنفيه ~~بإطفاء النور للمرة الثانية، وهرب من باب جانبي، فاتبعه دي توسكا، ومن ثم اتبعتهما الملكة ~~ناتالي. وفي مواجهة كلامية بين بنفيه ودي توسكا، في حضور ناتالي، ينتصر بنفيه على غريمه، من ~~خلال مبارزة بالسيف، أدت إلى إحراج دي توسكا أمام الملكة أكثر من مرة، عندما أسقط بنفيه سيف دي ~~توسكا مرات عديدة، حتى انتهت المبارزة بهروب دي توسكا. # وفي مساء أحد الأيام، تسمع الملكة صوت موسيقى جميلة تنبعث من حديقة قصرها، يصاحبها غناء شاب ~~جميل، وفي الصباح وجدت الملكة باقة من الزهور بصحبة ورقة مكتوب عليها القصيدة المغناة في المساء، ~~وضعها الشاب المغني. فحاولت الملكة معرفة شخصيته دون جدوى، حيث تكرر الغناء وباقات الزهور ~~والقصائد المكتوبة عدة مرات. وفي يوم كانت الملكة تركب مركبتها الملكية وتتجول في الغابة، وفجأة ~~أصيب حصانها بحالة هياج، فأسرع في الجري متجها نحو النهر، فاستغاثت الملكة، فظهر فارس على حصانه، ~~وأنقذ الملكة بأن قفز في مركبتها، وقطع سرج الحصان، وأنقذ المركبة من السقوط في النهر. فتشكر ~~الملكة الفارس، ويدور بينهما حوار، فتعلم الملكة أنه المغني الشاب الذي تريد معرفة ms063 شخصيته. ومن ~~خلال هذا الحوار أيضا، يعلم القارئ أن هذا الفارس أو المغني، ما هو إلا حافظ نجيب أو بنفيه ~~متنكرا. # ويطول الحوار بين الفارس والملكة، فتفهم الملكة أن هذا الشاب يعلم كثيرا من أسرارها الخطيرة، ~~بل ويعلم من هو المخلص ومن هو الخائن من بين أفراد حاشيتها! ومن أهم هذه الأسرار، أن الملك قد ~~أهدى خاتما ثمينا لزوجته الملكة، التي قامت بإعطائه لعشيقها دي توسكا، الذي باعه - كما باع ~~خطاباتها الغرامية له - إلى الدوق هيس ويمر الألماني ألد أعداءها، كي يجمع أكبر قدر من الأدلة ~~على خيانتها، كي يحاكمها أمام محكمة علنية تحكم عليها بالموت. وأمام هذه الأسرار الخطيرة التي ~~يعلم بأمرها بنفيه أو الفارس، تشك الملكة في أمره، ولكنه يطمئنها، ويوعدها بأنه سيعيد إليها ~~الخاتم والخطابات. ويبدأ بنفيه أو حافظ نجيب في خطة استرجاع الخاتم والخطابات من الدوق هيس ويمر، ~~وذلك في ليلة رأس السنة؛ لأنه يعلم أن الدوق زير نساء، تعود على اصطياد الجميلات في هذه الليلة. ~~وفي إحدى الحانات يرى الدوق امرأة جميلة، فيتعرف عليها. وبعد لحظات يحضر زوج المرأة، الذي لا ~~يبالي بغزل الدوق لزوجته، مما جعل الدوق يألف وجود هذا الزوج. وبعد ساعات من السكر والعربدة، ~~يذهب الجميع إلى منزل الزوجين. # وفي المنزل تنكشف الحقيقة، حيث إن الزوج ما هو إلا حافظ نجيب أو بنفيه، وإن المرأة ما هي إلا ~~ماري إحدى صديقاته، فيقومان بتخدير الدوق ووضعه في سلة كبيرة، وسجنه في قبو قصر قديم. ومع الضغط ~~النفسي الشديد على السجين، يقر بمكان الخاتم والخطابات، حيث خبأ هذه الأشياء في مكان سري ~~بسرير نومه. وينجح حافظ في الحصول على الخاتم والخطابات، وقبل أن يهرب يقبض عليه هافار رئيس ~~البوليس، فيقوم بنفيه برش عين هافار بفلفل أسود، كان في جيبه، فيصرخ رئيس البوليس، ويحضر الخدم ~~فيستنجد بهم بنفيه، موهما إياهم بأن هافار هو اللص، وبهذه الحيلة يهرب بنفيه. وفي محطة القطار ~~تتكرر محاولة هروب حافظ وماري من هافار، الذي كان ينتظرهما للقبض عليهما، ولكنهما يهربان ms064 بعد أن ~~أوهما قوة البوليس المنتظرة على رصيف المحطة أن هافار هو اللص، بعد أن تبادل معه حافظ ~~الملابس. # وفي المشهد الأخير، نجد حوارا يدور بين دي توسكا وبين الملكة ناتالي، يشاركهما فيه بنفيه أو ~~الشاب المغني أو الفارس أو حافظ نجيب، حيث يكشف أمام الملكة خيانة دي توسكا، بعد أن يعطيها الدليل ~~على أقواله، وهو الخاتم والخطابات الغرامية المتبادلة بينها وبين دي توسكا. فتقوم مبارزة بين ~~بنفيه وبين دي توسكا، كان الفوز فيها من نصب بنفيه، حيث قام دي توسكا بالهرب. وهنا يكشف بنفيه ~~شخصيته الحقيقية للملكة، بعد أن يزيل وجهه التنكري، فتعلم الملكة أن بنفيه هو الفارس الذي أنقذها ~~من الموت وهو المغني وهو أخيرا حافظ نجيب مرشدها السياحي في مصر، فتستعيد معه عبارات الحب ~~والهيام، وتنتهي القصة. # أما الرواية الثالثة من روايات حافظ نجيب المؤلفة الطويلة. فهي قصة تقع في 78 صفحة، كتبها عام ~~1923، ونشرها في العدد رقم 28 من مجلة «العالمين»، بتاريخ 22 / 9 / 1924. # 3 # وهي قصة مصرية في موضوعها، حيث تناقش نفسية المرأة، وتأثير الحب عليها وعلى قلبها. ~~وتعتبر من القصص المؤلفة تأليفا صرفا، حيث إن الروايتين السابقتين، من الروايات المتعلقة بحياة ~~حافظ نجيب الشخصية. # أما رواية «ثورة العواطف»، فهي الرواية الرابعة من الروايات الطويلة المؤلفة، وتقع في ثلاثين ~~صفحة، نشرها حافظ نجيب في مجلة «الحاوي» عدد 37 بتاريخ 2 / 5 / 1926. وهذه الرواية، تتشابه مع ~~الرواية السابقة في تأليفها بعيدا عن حياة حافظ نجيب. وفكرتها تدور حول الصراع النفسي لفتاة ~~صغيرة السن، أمام زواجها من شخصين أحدها رجل يضاعفها في العمر، والآخر شاب صغير مناسب لها في ~~العمر! فتختار الفتاة الشاب، الذي يقسو عليها ويجعلها تندم في اختيارها. وفي كلمة ختامية لهذه ~~الرواية، قال حافظ نجيب: ~~«لقد كنت في زمن الشباب قويا أصرع خصمي في لحظة، فأصبحت بفضل الإهمال يصرعني الفأر إذا وثب ~~علي، وتزهقني الذبابة إذا انحطت على كتفي. وكنت سابحا أقطع أميالا في البحر، فأصبحت يصيبني ~~الدوار عند رؤية ماء النهر الوديع الساكن. ms065 وكنت عداء وثابا، فصرت إذا تحرك الترام من ~~مكانه لا أقوى على الحركة للحاق به، أو للوثب على سلمه. وقيل عني إنني كاتب أرضي بعض قرائي، ~~فلما انقطعت زمنا قصيرا لم أعد أحسن وضع القلم بين أصابعي، وأسأل ابنتي عن تهجئة الكلمات ~~خشية الخطأ. كنت مصورا هاويا، وكنت موسيقيا أحسن التوقيع على آلتين، وكنت كثير النكات، ~~فزالت كل هذه المعلومات بالترك. وقد كنت في زيارة في منزل صديق لنا - لبيب أفندي سعد المحامي - ~~فأعجبت بمنظر بيانو جديد اشتراه، فدعاني للتوقيع عليه، فخشيت أن أحطم الآلة إذا امتدت إليها ~~أصابعي فامتنعت. فالإجادة لا تتم إلا بانصراف الرغبة إلى عمل معين وبالمثابرة عليه؛ لهذا رأيت ~~أن أجعل عنايتي موجهة خاصة لنشر الروايات المترجمة أو غيرها، وسيجد القراء من اليوم في «الحاوي» ~~رواية تامة في كل عدد بالحجم الذي نشرت به رواية ثورة العواطف.» # 4 # وبالإضافة إلى الروايات المؤلفة السابقة، فهناك مجموعة أخرى من روايات حافظ نجيب، ولكنها ~~مفقودة، منها «عواطف المرأة»، و«غرام الملك»، و«توت عنخ آمون»، و«شقاء العشاق». وقد علمنا بهذه ~~الروايات، من إعلان نشره ناشر أعمال حافظ نجيب الروائية - وهو مصطفى محمد صاحب المكتبة ~~التجارية الكبرى - في نهاية رواية «عضو البرلمان». كما توجد رواية أخرى بعنوان «كنوز السلطان عبد ~~الحميد»، صدرت عام 1937. # 5 # إعلان قصص وروايات حافظ نجيب المنشور في آخر رواية «عضو البرلمان». # وإذا نظرنا إلى روايات القسم الثاني، وهي الروايات الطويلة المترجمة، سنجد حافظ نجيب ترجم ~~حوالي أربع روايات، تقع كل واحدة منها في 80 صفحة، وهي: «غرام العذراء»، «الفتاة العصرية»، «قلب ~~المرأة»، «عضو البرلمان» أو «النائب الجديد». وللأسف الشديد لم نستطع الاطلاع إلا على رواية «عضو ~~البرلمان» أو «النائب الجديد» فقط، التي نشرتها المطبعة التجارية الكبرى. # غلاف رواية «عضو البرلمان». # ويقول حافظ نجيب في إهداء هذه الرواية: «يتمنى الوصول إلى منصب الوزارة كثيرون، ينشدونها بكل ~~الوسائل حتى بالتضحية؛ لهذا يشك الناس في الجميع؛ لأنهم لا يميزون بينهم، فلا يعرفون من بلغ ~~إليها عن جدارة، ومن نالها بالشطارة. للظهور ms066 أسباب كثيرة، القصور الفخمة، والجياد الموسومة، ~~والسيارات الغالية، والثياب الأنيقة، والرياش الثمينة، والجواهر الكريمة، ثم الرتب والألقاب: ~~الأولى تشترى كلها بالمال، أما الثانية فإنها تنال بالجدارة أو بالاحتيال. عضو البرلمان ~~ينتخبه الناس من أصلح الناس، إذا تنزهت النفوس عن الأغراض والغايات، ورمت إلى اختيار الأصلح، ~~لفائدة البلاد والجماعات. ولكنا نرى في كل زمان ومكان كثيرين، من ذوي الجهل بين أهل الفضل، ومن ~~الفحول في زمرة أهل العقول. كذلك نرى في البرلمان خليطا من العقلاء النافعين، والأغنياء ~~«المطينين»، يطلبون المقاعد كأنها على الموائد، يجمعون الأصوات بمختلف الوسائل والعمليات. ~~فالذي يحصل على مقعد يستحقه، يغتصبه من الذي حقه أن يكون له. ومن يغتصب حق الغير بالقوة أو ~~بالحيلة، ليحل محله في البرلمان، أولى به أن يرسل إلى الميمارستان. وليس أفضل الناس الذي ~~يختاره الناس للبرلمان، إنما من يعرف قدر نفسه، فيترك ذلك المجلس لمن هو أصلح منه. فإلى هذا ~~الشريف إذا وجد أهدي روايتي.» # 6 # ويلاحظ على هذا الإهداء، أن حافظ نجيب يتحدث فيه حديث الخبير بالأمور، وكأنه كان نائبا في ~~يوم من الأيام، أو يتمنى أن يكون نائبا! فمن بين السطور يشعر القارئ بأن حافظ نجيب، يعطي ~~لنفسه قدرا كبيرا، وهذا القدر لا يعلمه الناس؛ لذلك استغل حافظ هذه الرواية، كي يبث ما في نفسه ~~من مشاعر وآمال! ومن الغريب أن هذا الأمل - بأن يكون حافظ نجيب ~~نائبا في يوم من الأيام - من الآمال المستحيلة؛ لأن حافظ نجيب محروم قانونا حتى من إعطاء صوته ~~في الانتخابات، فما بالنا بأمل الترشيح كعضو في البرلمان! ومما يؤكد هذا الرأي، كلمة المعرب ~~المنشورة في الرواية، وفيها يقول حافظ نجيب: ~~«الحمد لله الذي حرم علي أن أكون ناخبا أو منتخبا، وإلا لكنت أحد اثنين؛ ذا عقل ~~يدفن في مقعد غيري، أو ذا مقعد دفن فيه عقل غيري، فأكون في الحالة الأولى جيفة، وفي ~~الثانية قبرا، وأنا لا أرضى الحالين ... لقد حرمني القانون من حق الانتخاب، فأراحني من التألم لحال ~~هؤلاء المنكوبين في عقولهم، المأبورين في ms067 مبادئهم. أراحني أيضا من البحث عمن يصلح للنيابة. وما ~~داموا لا يجدون بينهم نائبا، بسبب الأثرة والأنانية وحب الذات والظهور، فمن حق كل عاقل أن يسأل ~~الله أن يمن عليهم بنائبة بدلا من نائب.» # 7 # ورواية «عضو البرلمان» أو «النائب الجديد»، تدور أحداثها حول الشاب أدريان باريزيل، الذي نجح ~~في انتخابات البرلمان الفرنسي، عن إحدى القرى الريفية. وعندما تم النجاح قرر السفر إلى باريس، ~~ليباشر عمله في البرلمان، فودعته خطيبته نيزيت على محطة القطار. وفي المحطة وقبل ركوب النائب ~~القطار، نجد ثلاثة أشقياء يدبرون خطة محكمة لخطف هذا النائب. وبدأت الخطة بأن أحدهم - وهو ~~بابيار - ركب في مقصورة النائب، وقدم نفسه له باعتباره أحد الصحفيين. فنشأ التعارف بينهما، ~~ووصل الأمر إلى أن هذا الشقي استطاع أن يقنع النائب بأن يسكن معه في منزله الكبير، الذي يليق ~~بنائب في البرلمان، فوافق أدريان على ذلك. # وفي هذا المنزل، يتم خطف النائب وسجنه في قبوه، وعندما يسأل أدريان عن سبب هذا الاختطاف، يجيب ~~عليه بيلوت زعيم الأشقياء، بأن الشبه التام بينهما جعل بيلوت يفكر في انتحال صفة أدريان في ~~البرلمان، حتى يتحصن بهذا المنصب، ويتزوج من سيدة غنية، كي يستولي على ثروتها. وبالفعل تنجح خطة ~~الأشقياء، وينتحل بيلوت اسم وصفة أدريان، ويذهب إلى البرلمان ويخطب فيه، ويثبت للجميع أنه النائب ~~أدريان. وبمرور الأيام تقلق نيزيت على خطيبها، الذي أرسل لها خطابات غرامية، دون أن يتحدث عن ~~أعماله السياسية في البرلمان، كما هي عادته معها في السابق قبل أن ينجح في الانتخابات. # وبسبب هذا القلق تسافر الخطيبة إلى باريز لمقابلته، وتفاجأ بوجود بيلوت شبيه خطيبها، وتكشف ~~أمره من أول نظرة، ولكن الشقي أقنعها بأنه فعل ذلك من أجل خطيبها، حيث إنه هرب إلى أستراليا ~~مع امرأة متزوجة، وحتى لا ينكشف أمره اتفق مع صديقه بيلوت لانتحال اسمه وعمله، حتى لا يعلم بأمر ~~هروبه زوج خليلته. وتصدم الخطيبة بهذه القصة، رغم شكها فيها، ولكن بيلوت قدم لها أوراقا ~~مزورة تثبت كلامه. وحاول الشقي الاعتداء على ms068 الخطيبة وهي في هذه الحالة، ولكنها هربت منه بعد أن ~~صرخت صرخة عالية، سمعها أدريان وهو في القبو، فعرف صوت خطيبته. وفي المساء وعن طريق الحيلة استطاع ~~أدريان أن يهرب من المنزل عن طريق نافذة الحمام، بعد أن أقنع الأشقياء بأنه استسلم لهم ~~ولأوامرهم. وبعد هروبه بدقائق، جمع الأشقياء كل متعلقاتهم من المنزل وهربوا منه. وفي الصباح ذهب ~~أدريان إلى خطيبته وشرح لها المؤامرة بكاملها، وفعل الأمر نفسه في قسم الشرطة، وأحدث هذا الأمر ~~ضجة صحفية كبيرة، وانتهت القصة بعودة أدريان إلى البرلمان. # وإذا نظرنا إلى روايات القسم الثالث، والتي تتعلق بالروايات المسلسلة الطويلة، سنجد حافظ نجيب ~~ترجم بين عامي 1921 و1922 «روايات جونسون» الفرنسية، وهي سلسلة روايات بوليسية غرامية فكاهية، ~~تتضمن بعض النصائح والمواعظ، بجانب مجموعة من الحيل والمغامرات. وبلغت روايات جونسون اثنتين ~~وعشرين رواية مسلسلة، هي: «خطف بارجة حربية»، «قيصر روسيا»، «قاضي التحقيق»، «أصبع الشيطان»، «موت ~~بيكار»، «عفريت بيكار»، «اختفاء بنوا»، «زواج جونسون»، «قاتل اللادي بلتهام»، «وفاء هيلين»، «حذاء ~~الميت»، «القطار المفقود»، «غرام الأمير»، «باقة الورد»، «الفارس المقنع»، «التابوت الفارغ»، ~~«هيلين فوق العرش»، «والدة بنوا»، «سارق الذهب»، «كنوز الذهب»، «مداعبة جونسون»، «خاتمة جونسون». ~~وقد نشرت هذه الروايات في سبعة مجلدات بالقاهرة. # 8 # وفي آخر المجلد الثاني والثالث كتاب «مناهج الحياة»، وجزء من رواية «موت حافظ نجيب» ~~بقلم الآنسة زينب فوزي. # 9 # وفي عام 1923، ترجم حافظ نجيب رواية «الغرفة الصفراء»، وهي رواية واقعية ذات وقائع غريبة ~~وحوادث غامضة، ومواقف غرامية مؤثرة، اعتمد في ترجمتها على الأدلة العقلية والمنطقية. وقد بدأها ~~بكلمتين، قال في الأولى: «العقل كالمصباح يهدي إلى الغاية، والمبدأ قوة دافعة في سبيل الحياة، ~~فالإنسان الذي له عقل ناضج ومبدأ قويم له غاية في الحياة وله قوة تبلغ به إلى هذه الغاية.» وفي ~~الأخرى قال: «يعتمد الإنسان في الليل على نور المصباح ليتمكن من الإبصار، كذلك العاقل يعتمد في ~~الأبحاث الغامضة على العقل والمنطق والاستدلال.» # وقد نشر حافظ هذه الرواية المسلسلة، في مجلة «العالمين» ابتداء من 10 / 10 ms069 / 1923 إلى ~~4 / 2 / 1924. ثم ضم إليها رواية مسلسلة أخرى بعنوان «سر الجريمة»، قال عنها إنها خاتمة رواية ~~الغرفة الصفراء! ولكن هذه الخاتمة، تعتبر رواية مستقلة بذاتها، حيث تم نشرها في مجلة ~~«العالمين» أيضا، ابتداء من 11 / 2 / 1924 حتى 5 / 4 / 1924. # وتعتبر رواية «الشبح المخيف» الرواية المسلسلة الرابعة لحافظ نجيب، حيث ترجمها ونشرها ~~في مجلته «الحاوي» ابتداء من 14 / 7 / 1925 وحتى 5 / 1 / 1926، وهي من الروايات البوليسية. ثم بدأ ~~في ترجمة ونشر رواية «رفائيل» للكاتب لامرتين، حيث نشر الحلقة الأولى في مجلة «الحاوي» عدد رقم ~~36 بتاريخ 7 / 3 / 1926، ثم توقفت المجلة؛ لأن العدد رقم 37 صدر بعد شهرين في 2 / 5 / 1926، ~~وكان خاليا من أية حلقة لهذه الرواية! # وبالإضافة إلى ما سبق، فهناك ثماني روايات مسلسلة، ترجمها ونشرها حافظ نجيب تحت اسم «ملتون ~~توب»، لم نطلع عليها، ولم نجد منها أية رواية، ولكن حافظ نجيب أشار إليها في أكثر من موضع. # 10 # وهي تتشابه إلى حد كبير بروايات جونسون. # أما القسم الرابع من روايات حافظ نجيب، فهو الخاص بالقصص القصيرة المؤلفة، وهي قصص قد نشرها ~~حافظ في باب «قصة الأسبوع» بمجلتي «العالمين»، و«الحاوي»، ابتداء من 10 / 10 / 1923 إلى ~~11 / 11 / 1925. وهذه القصص، هي: «طاهر وأمينة»، «حسن وجميلة»، «في خلوة»، «أسرار القصور»، ~~«الزوجة الخائنة»، «الغرام الصامت»، «سنية»، «جنى على نفسه»، «على شاطئ البحر»، «الجمال». وهي قصص ~~اجتماعية، تدور أغلب حوادثها في البيئة المصرية، وتناقش المشاكل الاجتماعية بأسلوب فلسفي، وبالأخص ~~المشاكل التي تتعلق بالمرأة ونفسيتها. # وإذا تطرقنا إلى القسم الخامس، سنجده يتعلق بالقصص القصيرة، التي جاءت فيما بعد في كتاب ~~«اعترافات حافظ نجيب». أي إنها قصص من حياة حافظ نجيب، تم تغيير بعض أسماء شخصياتها، والعبث ببعض ~~أحداثها، ومن ثم أعيد نشرها في الاعترافات. وبالرغم من ذلك، فإن الخطوط الرئيسية ثابتة في ~~القصة القصيرة، كما هي ثابتة في الاعترافات. وهذه القصص نشرها حافظ في باب «قصة الأسبوع» ~~بمجلتي «العالمين» و«الحاوي»، ابتداء من 7 / 1 / 1924 وحتى 22 / 9 ms070 / 1925. # وأول قصة كانت بعنوان «صحن الشمام»، وهي تحكي عن حادثة تمت بين حافظ نجيب، عندما كان ~~متنكرا في شخصية غالي جرجس، وبين الشيخ عبد العزيز جاويش، عندما قابله حافظ في فندق الناسيونال ~~بحضور الزعيم محمد فريد. # 11 # والقصة الثانية، كانت بعنوان «الراهب فيلوثاؤس»، وهي تحكي عن قصة حافظ نجيب، عندما ~~تنكر في شخصية الراهب غبريال إبراهيم أو غالي جرجس أو فيلوثاؤس، كما مر بنا. # 12 # والقصة الثالثة كانت بعنوان «غرام أنطوان دوريه»، وهي تحكي عن حافظ نجيب، عندما تنكر في ~~شخصية أنطوان دوريه وعاش قصة حب مع الفتاة أليس، ولكن البوليس يقبض عليه، وفي المحكمة تحضر أليس ~~وتطلب من حافظ أن يهرب ليقابلها غدا، فيعدها بذلك أمام القاضي. وفي الصباح فتح السجان زنزانة ~~حافظ نجيب فلم يجده؛ حيث هرب لمقابلة أليس! # 13 # وكانت قصة «خادم الرئيس»، هي القصة الرابعة، وتدور أحداثها حول حافظ نجيب عندما تنكر في ~~شخصية الخادم حسن، وعمل في منزل رئيس النيابة، نكاية فيه. # 14 # أما القصة الخامسة فكانت بعنوان «زهرة هانم»، وهي تحكي عن حافظ نجيب عندما كان في ~~العشرين من عمره، فتعرف على زهرة هانم، التي أحبته لدرجة الجنون، ولكنه تركها عندما شعر بأنها ~~تريد امتلاكه؛ لذلك قامت زهرة بإرسال من يقتله، ولكن القاتل فشل في مهمته، وأخيرا تقوم باختطافه ~~وحبسه في قبو قصرها، ولكنه في النهاية يهرب منها. # 15 # والقصة السادسة، كانت بعنوان «الخواجه غالي»، وهي تحكي عن علاقة حافظ نجيب بالسائحة إيزابيل، ~~التي تعرف عليها في فندق ميناهاوس، فصادقها لمدة شهرين ولازمها في سياحتها؛ حيث شاهدت ~~الآثار الفرعونية، وانتهت القصة بالقبض عليه في الفندق. # 16 # أما القصة السابعة والأخيرة، فكانت بعنوان «علقة في الحمام»، وهي تدور حول حافظ ~~نجيب، عندما كان متنكرا في شخصية الحاج فرغلي، بائع الحمص والفشار وحلوى الأطفال، حيث طارده ~~البوليس، فدخل إلى حمام النساء وهرب من بابه الخلفي. # 17 # ونأتي إلى القسم السادس والأخير، من روايات حافظ نجيب، وهو القسم الخاص بقصصه القصيرة، التي ~~تحكي فترات من حياته، دون ms071 نشرها في كتاب الاعترافات. وهذه القصص نشرت في باب «قصة الأسبوع» ~~بمجلتي «العالمين» و«الحاوي» ابتداء من 31 / 10 / 1923 إلى 29 / 9 / 1925. وأول قصة كانت بعنوان ~~«فتحي وبديعة»، وهي قصة شاهدها حافظ نجيب، وشارك في أحداثها، حيث تدور حول الراقصة بديعة التي ~~تخدع زبائنها من شبان العائلات الكريمة، حيث وقع بين أنيابها الشاب فتحي، فأحبها وأجزل لها ~~العطاء. ولكن الشقي سيد الذي يحب بديعة، قام برش مادة كاوية على وجهها انتقاما منها، ولكن فتحي ~~تلقى هذه المادة على عينيه فداء لبديعة، فيصاب بالعمى. # 18 # أما القصة الثانية، فكانت بعنوان «لحد الفضيلة»، وهي تدور حول حافظ نجيب عندما كان مدرسا؛ ~~حيث تعلقت به وأحبته تلميذته إحسان. وبمرور الوقت تعلم إحسان أن أستاذها حافظ زير ~~نساء، فتتفق مع خادمه على الدخول إلى منزله أثناء غيابه. وتذهب إحسان برفقة والدتها إلى منزل ~~حافظ، فيكتشفان صورا وخطابات من نساء كثيرات، فتصمم إحسان على إعطاء حافظ درسا قاسيا في الحب. ~~وهذا الدرس يتمثل في محاولتها إيقاعه في حبها لدرجة الجنون، وبالفعل تنجح إحسان في ذلك، ويسير ~~حافظ نجيب في الطريق المستقيم، بعد زواجه من إحسان. # 19 # وكانت قصة «عمر بك» القصة الثالثة، وهي تحكي عن حافظ نجيب، عندما نزل في فندق أوتيل آيات ~~بالإسكندرية باسم عمر بك. وكانت تسكن في الغرفة المجاورة الفتاة إقبال التركية. وفي يوم ما ذهب ~~حافظ إلى مقابر الإسكندرية، وجلس عند مقبرة والدته يبكيها، فتقابل مع إقبال التي جاءت تبكي ~~والدها، فنشأ بينهما التعارف، الذي تطور بمرور الأيام إلى حب جارف. وعلم حافظ من إقبال أنها ~~جاءت إلى مصر للاستشفاء في حلوان من علة الصدر، ففقدت والدها في الإسكندرية، ومن ثم أوقفت ~~العلاج. وأمام ذلك صمم عمر بك - أو حافظ نجيب - الذهاب معها إلى حلوان لاستكمال علاجها. وفي ~~حلوان اشتد المرض على إقبال، فلازمت الفراش مدة طويلة، وكان عمر بك بجوارها طوال هذه المدة، حتى ~~قبض عليه البوليس بعد أن كشف شخصيته، وأودعه السجن. وفي هذه الفترة وصلت إقبال في مرضها ms072 إلى ~~حالة متأخرة، حتى أصبحت بين الحياة والموت. وعندما علم حافظ بحالتها هذه هرب من السجن عن طريق ~~التنكر، ومكث معها لحظاتها الأخيرة قبل أن تموت. وكان هذا هو السر الذي دفع حافظ نجيب إلى ~~الهروب من السجن لأول مرة! # 20 # أما القصة الرابعة، فكانت بعنوان «الفريسة»، وهي تحكي عن إحدى مغامرات حافظ نجيب النسائية، ~~عندما تعرف على الفتاة جان، وهي من أم فرنسية وأب سوري توفي في القاهرة. # 21 # والقصة الخامسة والأخيرة، كانت بعنوان «الزالقة»، وهي تحكي عن حافظ نجيب، عندما ~~تعرف في يوم ما بفتاة طلبت منه مساعدتها للالتحاق بإحدى الفرق المسرحية، ولكنه خشي عليها من ~~دخول هذا العالم الغريب، ونصحها بالابتعاد عنه. وبعد فترة من الزمن قابل الفتاة مرة أخرى، ~~وذكرته بنفسها، بعد أن سقطت سقوطا شديدا في الرذيلة. وكان سبب السقوط أحد الإنجليز من ~~مستعمري مصر، حيث سلبها عفافها انتقاما من والدها، الذي كان ينافسه في بعض الأعمال. # 22 # | حافظ نجيب ... المسرحي # إذا كان حافظ نجيب، عرف عنه نظمه للشعر، وتأليفه للروايات وترجمتها، وتعريبه لبعض الكتب ~~الاجتماعية أو الفلسفية، فإن تفاصيل نشاطه المسرحي مجهولة عن الجميع في وقتنا الحاضر، ولم يكتب ~~عن هذا الجانب المسرحي إلا من خلال إشارتين لشخصي الضعيف، كتبتهما قبل عرض مسلسل «فارس بلا ~~جواد» بعدة أشهر! أي قبل أن تحدث الضجة التي صاحبت عرض المسلسل. # ومن الجدير بالذكر أن الإشارة الأولى، تم نشرها قبل عرض المسلسل بشهرين، في مقدمتي لكتاب ~~«المسرح المصري»، الموسم المسرحي 1921، الذي أصدره المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون ~~الشعبية عام 2002. أما الإشارة الأخرى، فتم نشرها بعد ظهور المسلسل بشهرين أيضا، في كتابي الأخير ~~«مسيرة المسرح في مصر: 1900-1935»، الجزء الأول: فرق المسرح الغنائي . الصادر عن الهيئة المصرية ~~العامة للكتاب عام 2003. وفي هاتين الإشارتين، تحدثت بكلمات موجزة، عن نشاط حافظ نجيب ~~المسرحي، من خلال عمله كممثل في فرقة أولاد عكاشة عام 1915، ثم تكوينه لفرقة مسرحية خاصة به، كانت ~~تحمل اسمه منذ عام 1919. # وإذا أردنا أن نتحدث بالتفصيل عن نشاط حافظ ms073 نجيب كمسرحي، سنجد أن أول كتاباته الأدبية، كانت ~~مسرحية مترجمة، هي «نكبات الهوى». وهذه المسرحية كانت السبب في تعارف جورج طنوس على حافظ نجيب. ~~فطنوس يقول عن هذا التعارف إنه قرأ إعلانا عن عزم إحدى الجمعيات التمثيلية، عرض رواية «نكبات ~~الهوى» بمسرح شارع عبد العزيز، بقلم حافظ نجيب، المدرس بمدرسة الاتحاد الإسرائيلي. فذهب جورج إلى ~~المسرح، وكان الأديب محمد إمام العبد من المدعوين، حيث استنجد به رئيس الجمعية محمد غندور؛ # 1 # لأن حافظ نجيب رفع عليه دعوة قضائية، فحكمت المحكمة لحافظ بالاستيلاء على مبلغ معين ~~من رئيس الجمعية، بالإضافة إلى نصف إيراد المسرح! # فقرر إمام العبد الثأر من حافظ، كي ينتقم منه لصالح رئيس الجمعية. وبعد انتهاء عرض مسرحية ~~«نكبات الهوى»، وقف إمام العبد وانتقد المسرحية، وأظهر عيوبها وغالى في نقده، فرد عليه حافظ ~~نجيب واتهمه بجهله باللغة الفرنسية، حيث إن الرواية مأخوذة من إحدى الروايات الفرنسية الشهيرة، ~~والتي تمثلها في هذا الوقت الممثلة العالمية سارة برنار. فتجمع بعض الأصدقاء لتهدئة الموقف ~~بينهما، وبالفعل نجحوا في إصلاح الأمور، بعد جلسة مطولة، تمت في مقهى بار عايدة أمام التياترو، ~~وكان معهم جورج طنوس، الذي تعرف على حافظ نجيب في هذا اليوم، ودامت صداقتهما سنوات طويلة. # 2 # وهذه القصة تمدنا ببعض المعلومات المهمة، عن أول مسرحية كتبها حافظ نجيب، ومنها أن المسرحية ~~مثلتها إحدى الجمعيات التمثيلية، وكان العرض في مسرح إسكندر فرح بشارع عبد العزيز، وأن ~~المسرحية مترجمة أو معربة عن رواية فرنسية. وهذه المعلومات تعتبر أفضل مما ذكره حافظ نجيب في ~~اعترافاته، حيث قال: «كتبت رواية تمثيلية ومثلتها جمعية بتياترو فرح بشارع عبد العزيز فربحت منها.» # 3 # ويضيف يوسف أسعد داغر معلومات أخرى، حيث أعلمنا بأن اسم الجمعية التمثيلية هي ~~«جمعية الاتحاد الشرقي»، # 4 # وأن مسرحية «نكبات الهوى» تم تمثيلها يوم 6 / 1 / 1905. # 5 # وبسبب كتاب «نابغة المحتالين»، وما كتب عن حافظ نجيب في الصحف، وما اشتهر عنه من قصص النصب ~~والاحتيال، والسجن والهروب ... إلخ، ذاعت شهرة حافظ نجيب، واستغلت فرقة ms074 أولاد عكاشة # 6 # هذه الشهرة، في ابتكار أسلوب جديد، لجذب الجمهور. وتمثل هذا الأسلوب في ~~الاتفاق مع حافظ نجيب، بأن يقوم بإلقاء محاضرة قبل بداية التمثيل. وعن هذا الأمر قالت جريدة ~~«الأفكار» في 3 / 2 / 1915، تحت عنوان «حافظ نجيب يلقي محاضرة في التربية بدار التمثيل ~~العربي»: ~~«لم يبق في مصر عالم أو جاهل، قارئ أو أمي، صغيرا أو كبيرا، رجل أو امرأة، إلا وقد ~~سمع باسم «حافظ نجيب»، وملأت أذنيه نوادره إن صادقة وإن كاذبة. وود لو أن رأى ذلك الرجل، ~~الذي تضاربت فيه الآراء واختلفت العقول، وهو أثناء ذلك كله، إما قابع في داره مشتغل بالتأليف ~~والتعريف، وإما بين جدران السجون، يقضي ما حكم عليه به القضاء. ولقد شاء الله أن يحل ذلك ~~اللغز، ويظهر ذلك المستخفي، ليعرف الناس حقيقته ناصعة، بعد أن شوهها خيال المتحرين. ففي ~~الساعة التاسعة من مساء يوم السبت 6 فبراير، يمثل جوق عبد الله عكاشة رواية «بائعة الخبز» ~~بدار التمثيل العربي، ويلقي حافظ نجيب محاضرة في التربية. وهناك يعرف الناس من هو حافظ نجيب. ~~وتطلب تذاكر تلك الليلة من مكتبة المعارف بشارع الفجالة، وإدارة جريدة الشعب، وإدارة هذه الجريدة، ~~وأجزاخانة المنسي بالسيدة زينب، ومن دار التمثيل العربى. ولا نظن أنا بحاجة إلى حث الجمهور على ~~شهود تلك الليلة الزاهرة.» # لم تكتف فرقة أولاد عكاشة باستغلال حافظ نجيب، في إلقاء الخطب قبل التمثيل، بل أقنعته ~~بعد شهرين فقط من الانضمام إليها كممثل ضمن أفراد فرقتها! بل ووصلت معه في الإقناع إلى درجة قيامه ~~بتحويل روايته «الحب والحيلة» إلى مسرحية بالعنوان نفسه، وأن يقوم بتمثيل دوره الحقيقي فيها على ~~خشبة المسرح! وعن هذا الأمر قالت جريدة «الأفكار» في 9 / 4 / 1915: ~~«11 أبريل هو اليوم المشهود، الذي يمثل فيه على مسرح دار التمثيل العربى رواية «الحب ~~والحيلة» لأول مرة. وهي قطعة تمثيلية ذات خمسة فصول، حوادثها واقعية وأبطالها أحياء يرزقون، ~~يشغلون مراكز اجتماعية سامية. قطعة مملوءة بالحيل الغريبة، والحوادث الخطيرة، وفيها يظهر دهاء ~~بطل الرواية، وصاحب وقائعها ms075 المزعجة حافظ نجيب. وسيمثل دوره بنفسه بعد ظهر يوم الأحد 11 أبريل في ~~الساعة الخامسة. فرصة نادرة لم يسبق لها مثيل؛ لأن الذي مثل هذه الأدوار الخطيرة، على مسرح ~~الكون الأعظم، سيعيد تمثيلها للعبرة والتفكه على مسرح التمثيل.» # 7 # ومن المؤكد أن هذه المسرحية لاقت نجاحا كبيرا، بدليل أنها مثلت أكثر من مرة، وفي أكثر ~~من مكان، بعد عرضها الأول. فعلى سبيل المثال نجد فرقة عكاشة تمثلها في حفلات محددة، تخصص دخلها ~~لحافظ نجيب! ومن هذه الحفلات، حفلة يوم 15 / 5 / 1915 بطنطا، وحفلة يوم 17 / 5 / 1915 بالمنصورة. ~~وقد قام بتمثيلها أفراد فرقة عكاشة في هذا الوقت، وهم: أحمد حافظ، ماري إبراهيم، محمد بهجت، حافظ ~~نجيب، علي مرتضى، عبد المجيد شكري، محمود حبيب، حسين حسني، أحمد ثابت، لبيبة، أحمد فهمي، فوزي ~~الجزايرلي، محمد يوسف، صادق أحمد، فكتوريا، نهوه، صالح. # 8 # ومن الجدير بالذكر، أن مسرحية «الحب والحيلة» - كما جاءت في المخطوطة، وكما هي منشورة في هذا ~~الكتاب - تعتبر فنيا أقل من رواية «الحب والحيلة» الأصلية. فعند تحويل الرواية إلى ~~مسرحية، لم يلتزم حافظ نجيب بالأسس الفنية لكتابة المسرحية! فعلى سبيل المثال، لم يهتم ~~بالإرشادات المسرحية، فكان الحوار ينتقل من شخص إلى آخر، بصورة فجائية دون وصف للموقف، أو شرح ~~للمكان، أو تحليل للظروف النفسية والاجتماعية للشخصيات، وقت إلقاء الحوار. لدرجة أن جميع ~~الإرشادات المسرحية الموجودة في النص المنشور - في هذا الكتاب - وضعتها بنفسي، بناء على قراءة ~~الرواية الأصلية. # هذا بالإضافة إلى افتعال بعض المواقف، أو إلغائها لصعوبة تنفيذها على خشبة المسرح، فجاءت ~~الأحداث ضعيفة بعض الشيء في بعض الفصول بمقارنتها بالأحداث نفسها، كما جاءت في الرواية الأصلية، ~~والسبب في ذلك راجع إلى أن حافظ نجيب ليس من كتاب المسرح في هذا الوقت، وكان دخوله في مجال ~~المسرح، دخولا متعجلا بسبب استغلال شهرته. # ترك حافظ نجيب المسرح ، واهتم بمغامراته النسائية، وأساليبه في النصب والاحتيال، حتى قبض عليه ~~وأودع السجن عدة مرات. وفي عام 1919، وبعد خروجه من السجن في إحدى قضاياه ms076 الكثيرة، نشر مجموعة ~~من الإعلانات، قال فيها إنه سيظهر من جديد على خشبة المسرح. وانتهزت هذه الفرصة جريدة ~~«الإكسبريس»، وقالت في 14 / 12 / 1919: ~~«حافظ نجيب العيار الشهير، رجل مولع بالشهرة. خرج من السجن أخيرا، ورأى أن الناس منصرفون ~~عنه بما هو أهم ... فما كان من صاحبنا إلا أنه ملأ البلد إعلانات طويلة عريضة، قال فيها إنه سيظهر ~~على أحد المراسح ليلتين متواليتين. لا ندري ماذا يفعل على المرسح. وكل ما نرجوه أن لا تكون أحبولة ~~لصيد جديد. فإن الرجل لا يهدأ باله إلا بالنط على الشناكل، ولو أداه عمله إلى المشنقة. مصيبة ~~حافظ نجيب في فنه، أو مصيبتنا فيه، أنه كاتب وأديب، ويأبى إلا أن يتعب الناس ويشقوا ويقدموا له ~~المال، وهو راقد على سريره، وإلا سلبهم ما يملكونه بطرق لا يعرفها إلا هو وإبليس.» # ومهما يكن من أمر رأي الجريدة في حافظ نجيب، إلا أن هذا الرأي يعكس لنا مدى شهرة حافظ نجيب ~~في مغامراته وحيله في النصب والاحتيال. لدرجة أن الجريدة تعتبر عودته إلى المسرح لعبة جديدة ~~من ألاعيبه في النصب على الآخرين! ولكن يشاء القدر أن يكون حافظ نجيب صادقا هذه المرة، حيث إننا ~~وجدناه يكون فرقة مسرحية تحمل اسم «الفرقة المصرية» مرة، وتحمل اسمه مرة أخرى. وظلت هذه الفرقة ~~في تمثيل مستمر منذ عام 1919، وحتى عام 1921. وقد قامت هذه الفرقة بتمثيل مجموعة من المسرحيات، ~~كتبها حافظ نجيب أو ألفها، مستغلا حوادث حياته وشهرته في أحداثها الفنية. أو بمعنى آخر، ~~كتب حافظ قصة حياته في مجموعة من المسرحيات، قام بتمثيلها بنفسه، كما سنرى. # بدأ حافظ نجيب تكوين فرقته المسرحية الأولى في أوائل ديسمبر 1919، وأطلق عليها اسم ~~«الفرقة المصرية»، وكان من أبرز ممثليها الممثل القدير يوسف عز الدين. # 9 # وهذه الفرقة مثلت أولى مسرحياتها، على خشبة مسرح برنتانيا في منتصف ديسمبر 1919، ~~وكانت المسرحية بعنوان «قوة الحيلة». وهي مسرحية من تأليف حافظ نجيب، وتحكي عن حادثة موته ودفنه ~~وخروجه من القبر حيا، وأيضا عن أسلوبه في الهروب من مطاردة ms077 البوليس، بالإضافة إلى بعض أفكار ~~حافظ نجيب وأسراره ومبادئه. واستمر تمثيل هذه المسرحية ما يقرب من شهرين، سواء على مسارح القاهرة، ~~أو على مسرح الهمبرا بالإسكندرية. # 10 # وقد قالت جريدة «الإكسبريس» في 25 / 1 / 1920، عن هذه المسرحية: «بين الإعلانات التي ~~توزعت في المدينة، إعلان وزعه حافظ نجيب المشهور، وأعلن فيه أنه سيمثل رواية «قوة ~~الحيلة». وقد مثلها في العاصمة، بعد أن أجهد نفسه، وأفرغ جعبة «حيله» في الإعلان عنها. ~~وخرج المشاهدون بعد التمثيل يسألون بعضهم ماذا رأينا؟ وماذا شاهدنا؟ وأين ما وعدتنا به ~~الإعلانات؟ فلم يجدوا غير جواب واحد، وهو أن صاحب الحفلة، والمعلن عنها، هو حافظ نجيب وكفى. ~~وإذا سألت حافظا عن موضوع روايته، يقول لك: إنها رواية تمثل حيلتي، وكيف اختفيت عن عين ~~البوليس، وتخلصت منه كلما طاردني. وكثيرون من المجرمين المحكوم عليهم، مثلوا مع البوليس ~~روايات مختلفة، وهربوا بأساليب غريبة، فلم يتمكن من القبض عليهم إلا بعد عناء. فإذا كان كل منهم ~~يتجر بمثل هذه الحيل، وتنخدع العامة بإعلاناتهم المنمقة، وعباراتهم المزوقة، فيربح من جيوبهم ~~مائة جنيه أو مائتين، لعاشوا سعداء، وتمنى كل فقير معدم، أن يرتكب جرمه ويمثل دوره مع رجال ~~البوليس ليسجن، ثم يفارق سجنه، ليمثل دوره ويربح منه الربح الجزيل.» # وفي أواخر فبراير 1920، ألف حافظ نجيب مسرحيته الثالثة، وكانت بعنوان «الجاسوس المصري»، ~~وهي أيضا تمثل فترة من فترات حياته، عندما تجسس على ألمانيا لصالح فرنسا - كما مر بنا سابقا ~~- وهذه المسرحية مثلتها فرقته لأول مرة في 20 / 2 / 1920 على مسرح الكورسال. # 11 # وقد قام حافظ نجيب بتمثيل دوره الحقيقي في المسرحية، وقاسمته البطولة الممثلة ~~ميليا ديان. # 12 # ومنذ ذلك التاريخ أصبحت مسرحيتا «قوة الحيلة» و«الجاسوس المصري» البرنامج الأساسي ~~لفرقة حافظ نجيب، حيث كان يجوب به مسارح الأقاليم المختلفة في مصر. # كانت أول رحلة لهذا البرنامج في بني سويف، حيث مثلت الفرقة مسرحيتي «قوة الحيلة» و«الجاسوس ~~المصري» يومي 24 و25 فبراير 1920. ثم انتقلت الفرقة إلى الإسكندرية، ومثلت المسرحيتين أيضا على ~~مسرح الكونكورديا في يومي ms078 4 و6 مارس 1920. ثم عادت الفرقة إلى القاهرة، ومثلت مسرحية «الجاسوس ~~المصري» على مسرح الكورسال يوم 7 مارس. ثم ذهبت إلى المنصورة، ومثلت المسرحيتين على مسرح تياترو ~~البلدية في يومي 15 و16 مارس. ثم انتقلت إلى طنطا والزقازيق، ومثلت المسرحيتين في 18 و19 مارس، ثم ~~عادت إلى القاهرة ومثلت المسرحيتين على مسرح برنتانيا يومي 25 و26 مارس، ثم انتقلت الفرقة إلى ~~بندر كفر الشيخ، ومثلت المسرحيتين أيضا، في 29 و31 مارس. كما مثلت هاتين المسرحيتين على مسرح ~~تياترو الزقازيق، في 13 و14 أبريل. وفي شبين الكوم أيام 28 و29 أبريل، وفي منوف يوم 30 أبريل. # 13 # عادت الفرقة إلى القاهرة، وبعد أخذ الراحة اللازمة من عناء السفر والتمثيل في الأقاليم، قام ~~حافظ نجيب بتأليف مسرحيته الرابعة الجديدة «محور السياسة». وهي كباقي مسرحياته، تحكي عن أحداث ~~حياته عندما كان مدرسا، وأيضا تحكي عن حيله في تضليل البوليس، وبالأخص حادثة موته الشهيرة، ~~وعودته إلى الحياة مرة أخرى. وقد مثلت «الفرقة المصرية» هذه المسرحية لأول مرة يوم 7 / 6 / 1920 ~~بتياترو برنتانيا بالقاهرة، # 14 # ثم أعادت تمثيلها مرة ثانية يوم 8 / 7 / 1920، ومرة ثالثة في أسيوط يوم 4 / 1 / 1921، ~~ثم أخيرا تم تمثيلها يوم 11 / 8 / 1921. وكانت من تمثيل حافظ نجيب، وتوفيق إسماعيل ومحمد إبراهيم. # 15 # 16 # الجزء العلوي من أول صفحة لمقدمة مخطوطة مسرحية «محور السياسة» عام 1920. # وإذا نظرنا إلى مسرحية «محور السياسة»، سنجدها تتحدث عن فترتين من فترات حياة حافظ نجيب، ~~الأولى عندما كان مدرسا، والأخرى عندما أوهم البوليس بموته، حتى يتخلص من شخصيته الحقيقية، ~~ويعيش بشخصية البارون، كي يتزوج من سيجريس، كما مر بنا. وعلى الرغم من عدم الربط بين الفترتين، ~~إلا أن حافظ نجيب جمعهما في عمل مسرحي واحد! فجعل الفترة الأولى مقدمة للمسرحية، والفترة الثانية ~~فصول المسرحية بكاملها! # وإذا أردنا أن نتحدث عن الفترة الأولى، وهي عمل حافظ نجيب في مجال التدريس، سنجده - كما جاء ~~في الاعترافات، وبعد خروجه من السجن - عمل مدرسا للرياضة في المدرسة التحضيرية بدرب ms079 ~~الجماميز، ثم مدرسا في المدرسة الإسرائيلية. # 17 # وعن الأخيرة يقول حافظ في اعترافاته: «جادت علي الظروف الحسنة بدروس في بيوت عائلات ~~إسرائيلية غنية زادت علي دخلي الأول ستة جنيهات.» # 18 # وعن هذه الدروس الخصوصية، كتب حافظ مقدمة المسرحية، والتي تحكي عن قيامه بإعطاء الدروس ~~الخصوصية لإحسان، التي تقع في حبه، ولكنها تكتشف علاقاته النسائية، وأنه يوقع بالحسناوات من أجل ~~إشباع شهواته؛ لذلك تصمم إحسان على علاج حافظ من نزواته، بأن تجعله يحبها لشخصها، لا لجسدها. ~~وهذه الأحداث صاغها حافظ مرة أخرى على شكل قصة قصيرة، نشرها مرتين في مجلتي «العالمين» و«الحاوي» ~~عامي 1924 و1925، بعنوان «لحد الفضيلة»، كما مر بنا. # وإذا كانت مسرحية «الحب والحيلة» جاءت ضعيفة بعض الشيء، عندما صاغها حافظ في الأسلوب المسرحي، ~~بعد أن كانت قوية في أسلوبها الروائي، فإننا نجده يعكس الأمر - بعد أن تمرس في الكتابة ~~المسرحية - حيث كانت مسرحية «محور السياسة» أفضل وأقوى من حيث البناء والحوار، من قصته «لحد ~~الفضيلة»! # والعيب الوحيد الذي يوجه إلى مسرحية «محور السياسة»، يتمثل في أحداث موت حافظ نجيب، ودفنه ~~ثم عودته إلى الحياة، فقد تمت هذه الأحداث بصورة سريعة مسرحيا، وبصورة غير مقنعة، بالمقارنة ~~بينهما وبين الأحداث نفسها كما جاءت في الاعترافات. # 19 # وكنا نتمنى أن نجد مسرحية «قوة الحيلة» أو قصة «موت حافظ نجيب» لزينب فوزي، حتى نقارن ~~بينهما وبين مسرحية «محور السياسة»، فيما يتعلق بحادثة موت حافظ! # وإذا عدنا إلى نشاط فرقة حافظ نجيب، أو «الفرقة المصرية»، سنجدها تفتتح ليالي العيد التمثيلية ~~بتياترو برنتانيا في 18 / 6 / 1920، بمسرحية جديدة، هي «في سبيل الحرية»، وكانت بطولة حافظ نجيب. # 20 # ومن المحتمل أنه ألفها، كبقية مسرحياته، مستغلا حياته الشخصية في أحداثها. ~~ولكننا لا نملك دليلا قاطعا على ذلك، حيث إن عنوانها جاء بصورة عامة، وغير محدد لفترة من ~~فترات حياته. هذا بالإضافة إلى قلة إعلانات هذه المسرحية، أو الإشارة إلى عرضها أكثر من مرة، ~~كبقية مسرحيات الفرقة! # وتتوقف الفرقة بعد عرض هذه المسرحية، لمدة عام تقريبا، ثم ms080 تظهر مرة أخرى بتكوين جديد في ~~إدارتها وعنوانها، حيث أطلق عليها صراحة «فرقة حافظ نجيب»، وكانت تحت إدارة الممثل حسن البارودي. # 21 # وقد قامت هذه الفرقة في مايو 1921 برحلة فنية إلى أقاليم ومحافظات الوجه القبلي، حيث ~~مثلت مسرحيتي «قوة الحيلة» و«الجاسوس المصري» في سوهاج وقنا والأقصر وأسيوط وملوي ومغاغة وبني ~~سويف، ابتداء من أول مايو وحتى 22 منه. # 22 # وفى أواخر عام 1921، وجدنا الممثل القدير عزيز عيد، # 23 # ينضم إلى فرقة حافظ نجيب، ويقوم ببطولة مسرحيتها الجديدة «البلياتشو»، والتي ~~مثلت لأول مرة في 10 / 11 / 1921، بدار التمثيل العربي، وقد ألقى حسن البارودي قصيدة جميلة ~~خلال فصولها. # 24 # ومن المحتمل أيضا أن هذه المسرحية ألفها حافظ نجيب من خلال أحداث حياته، كما هي ~~العادة، ولكننا لا نملك الدليل على ذلك. كما يوجد احتمال آخر، وهو أن حافظ نجيب ترجم هذه ~~المسرحية، عن مسرحية «البلياتشو» تأليف كزامير دي مونتبان، التي مثلتها فرقة رمسيس عام ~~1928. # صورة إعلان عروض فرقة حافظ نجيب في الوجه القبلي عام 1921. # إعلان مسرحية «البلياتشو» عام 1921. # بعد ذلك ترك حافظ نجيب المسرح، وتفرغ إلى عمله الصحفي في عام 1923، كما مر بنا، ولكنه ارتبط ~~بالمسرح في هذه الفترة، من خلال كتاباته النقدية. ففي مجلة «العالمين» بتاريخ 31 / 12 / 1923، ~~وتحت عنوان «مسارح التمثيل»، قال حافظ: «طلب إلينا الكثيرون من قراء «العالمين» الكتابة عن مسارح ~~التمثيل في مصر، وقد امتنعنا عن طرق هذا الباب لأن مسارحنا لم تبلغ الكمال الذي نتمناه لها، ولم ~~يبلغ أصحابها حد احتمال النقد النزيه، وكلها في حاجة إلى النقد إذا كانت تطمع بالارتقاء ~~وبلوغ حد الكمال الذي وصلت إليه المسارح الكبرى في الغرب. امتنعنا عن الكتابة في التمثيل حتى ~~ضج من سكوتنا الكثيرون واتهمونا بالتقصير في تأدية الواجب، وساقنا أحدهم بالإكراه لمشاهدة ~~رواية «المهراجا» ... كنا مخطئين حين ظننا أن الكتابة في التمثيل ستكون قاصرة على النقد الجارح. ~~أخطأنا حقيقة وكانت رواية «المهراجا» أوضح دليل على خطأ من يسيء الظن بالشيء قبل رؤيته ~~ووزنه.» # ثم وجدناه يحلل مسرحية ms081 «المهراجا» لفرقة رمسيس، تحليلا نقديا واعيا، ومتفهما لمهمة ~~النقد والناقد، رغم مبالغته بعض الشيء في مدح العمل بأكمله! ومن الملاحظ أن قدرة حافظ نجيب ~~النقدية في هذه المسرحية، جاءت بسبب أن المسرحية تتحدث عن نفسية الرجل والمرأة في الحب والحياة، ~~وما يتعلق بهذه الأمور من الناحية الاجتماعية. وهذه الأمور الفلسفية والاجتماعية هي من صميم ~~تخصص حافظ نجيب ككاتب وأديب، وأبلغ دليل على ذلك كتبه الاجتماعية، التي تحدثنا عنها سابقا. ~~وقد عاد حافظ مرة أخرى إلى الكتابة النقدية المسرحية، من خلال مقالته في باب «أبحاث اجتماعية»، عن ~~منيرة المهدية، التي نشرت في مجلة «الحاوي» في 9 / 2 / 1926. # وفي أواخر عام 1926، وقبيل توقف مجلة «الحاوي» نهائيا، عاد حافظ نجيب إلى المسرح، فكون ~~فرقة مسرحية، لعرض المسرحيات الفودفيلية الكوميدية. وقد بدأت هذه الفرقة التمثيل على مسرح ~~برنتانيا يوم 20 / 10 / 1926، بمسرحية جديدة من تأليف وتمثيل حافظ نجيب، كانت بعنوان «بم بم»! # 25 # وقد قالت مجلة «الفنون» في 31 / 10 / 1926، تحت عنوان «حافظ نجيب في رواية بم بم على مسرح ~~برنتانيا»: «انتقى حافظ نجيب كل الظروف ووضعها في رواية بم بم، الفصل الأول محاورات جميلة، ~~فكاهات بديعة، وأبدع ما فعل أنه ظهر على المسرح يمثل الرجل الأبله، فما رأى المتفرجون ~~حافظا في ثوب، حتى كادت تنشق قلوبهم من الضحك. وأنا واحد من الناس خفت أن يغمى علي من ~~السرور، فتركت القاعة وهربت. وأما الفصل الثاني، فإني أؤكد للقراء أنه ليس في مقدور إنسان، ~~أن يستمر على مشاهدته للآخر، فإنه ألعن من الأول. لكن حافظ الأبله كان شوية نبيه. وأما في الفصل ~~الثالث، فيجب على محبي حافظ أن يمسكوا أنفسهم ويتشجعوا، حتى يروا آخر الرواية. الرواية حلوة، ~~وحافظ جميل جمال خاص به، فهو جميل من حيث إن وجهه لا يشبه وجوه بني آدم، لا في فمه ولا في عينيه ~~ولا في أنفه ولا في حاجة أبدا. حافظ لا شبيه له من الحيوانات، ولا من النباتات، ولا من الأحجار. ~~حافظ يشبه حاجة واحدة فقط، حاجة غير ms082 محسوسة. وحافظ هو السرور في جسم، في جسم خاص بحافظ، فلا يرى ~~حافظا غاضب إلا ويرضى، ولا حزين إلا ويفرح. وكان حافظ وجوقه وروايته على المسرح السرور ~~مجسما. وقد أقبل عليه الهواة إقبالا عظيما. فاذهبوا وانظروا حافظا ثم احكموا فيما ذكرته ~~فيه.» # وقد أعادت الفرقة تمثيل هذه المسرحية يوم 12 / 11 / 1926، على مسرح برنتانيا أيضا، وقد ~~أعلنت عن ذلك مجلة «الفنون» يوم 7 نوفمبر، بعد أن كتبت ملحوظة في نهاية الإعلان، قالت فيها: «كل ~~من يحمل محفظة نقود، يسلمها قبل الدخول لشباك التياترو. وكل سيدة لها حلي تودعه في محل ~~الأمانات بالتياترو»! وهذا طبعا من باب الفكاهة، بسبب شهرة حافظ نجيب في النصب والاحتيال، تلك ~~الشهرة التي لازمته طوال حياته. # وفي يوم التمثيل الموافق 12 / 11 / 1926، أصدر حافظ نجيب العدد قبل الأخير من مجلته ~~«الحاوي»، وهو عبارة عن نشرة إعلانية مكونة من أربع صفحات، كانت توزع مجانا على الجمهور، ~~كدعاية لمسرحية «بم بم». وفيها من المعلومات أن فرقة حافظ نجيب تقدم حفلتين مسرحيتين كل شهر. ~~وأن مسرحية «بم بم» «أقوى فودفيل ظهرت على المسارح ... ليس بها حركات بهلوانية، ولا نكات حشاشين. ~~إنما قوتها المضحكة في سوء التفاهم المستمر، والمفاجآت المتعددة، والمواقف التي أوجدها الكاتب ~~المحتال «حافظ نجيب»، ليضحك الجمهور أو يضحك عليه»، هذا بالإضافة إلى أن محلات بلاتشي وحاييم ~~للموبليا، هي التي تقدم الديكورات والأثاث والإكسسوارات الخاصة بمسرحيات فرقة حافظ نجيب. # ومن الجدير بالذكر، أن الفودفيل نوع من أنواع الكوميديا شاع في مصر في أوائل القرن العشرين ~~على يد عزيز عيد، الذي أنشأ أول فرقة فودفيلية عربية، مثلت مسرحيات معربة عن الفرنسية، من ~~أشهرها: «خلي بالك من إميلي»، «يا ستي ماتمشيش كده عريانة»، «خلي مراتي أمانة عندك»، «سكرة ~~بنت دين كلب!» ومصطلح الفودفيل مركب من «فودي فير» أي «وادي فير»، وهي قرية من قرى نورمانديا في ~~شمال فرنسا، كان أهلها يتغنون بمقطوعات من الشعر المجوني، على سبيل التهكم والسخرية بالناس. ~~وقد تسرب هذا النوع إلى المسرح، واختلط بالكوميديا. وأصبح الفودفيل ms083 المسرحي، هو كل رواية تشتمل ~~على حوادث ذات مفاجآت ومواقف مضحكة. # 26 # وهذا المعنى، هو ما سار عليه حافظ نجيب في كتابة أو تمثيل مسرحية «بم بم». # وبعد تمثيل مسرحية «بم بم»، كتب ناقد مجلة «الفنون» مقالة عنها في 21 / 11 / 1926، قال فيها: ~~«حضرنا تمثيل هذه الرواية في يوم الجمعة الماضية في تياترو برنتانيا، فكان التمثيل بديعا، ~~والموضوع يدل حقيقة على عبقرية مؤلفها، الأستاذ حافظ نجيب النابغة في كل أعماله. ألف الرواية ~~حافظ نجيب، وعلم فرقته تمثيلها، وظهر على خشبة المسرح، فكان نعم الكاتب ونعم الممثل. ظهر ~~محاميا وطالبا للزواج، فأضاع لباقة المحامي بحياء موقفه الجديد، ثم أخذ ينتقل في التمثيل من فصل ~~إلى آخر، فكان يدهش النظارة بمفاجآته ونكاته، ويروح عنهم هموم اليوم بسرعة خاطره. أما ~~العروس التي جاء يخطبها، فقد أظهرت في التمثيل كل النجاح ... وقابلها الجمهور عقب كل موقف ~~بالتصفيق الحاد والتهليل، وتمنى كل من أسعده حظه برؤية هذه الفرقة أن تستمر في عملها الجديد. ~~أما والد العروس فكان مع كبر سنه خفيف الظل رشيق الحركات، وهذا أيضا من حسن اختيار حافظ نجيب ~~النابغة الأصلي. وكان الخادم الذي اشتغل في الفندق ثم اشتغل بعدئذ في خدمة العروس «زوج المحامي»، ~~طلق اللسان جريئا، كثير التوريات. ومع كل هذه المفارقات فالإعجاب به كان عظيما والتصفيق حادا. ~~وقد خرج المتفرجون مسرورين، يغبطون النابغة حافظ نجيب على فرقته، ويتمنون له استمراره في العمل ~~لخدمة هذا الفن، وأن يكون جديدا لا بليدا في إخراج الروايات، حتى لا يقل عن يوسف وهبي أو ~~الريحاني، اللذين يجهدان نفسهما لجذب الجمهور لمسرحهما. فاللهم وفق كل ظريف كحافظ نجيب.» # وهذا القول يضيف إلينا معلومات جديدة، منها: إن حافظ نجيب لم يكن مؤلف المسرحية وممثلها ~~فقط، بل كان مخرجها أيضا. فقد كان حافظ فيما مضى يعتمد في إخراج مسرحياته، على الفنان حسن ~~الباردوي «المدير الفني للفرقة». ولكن في هذه المسرحية كان حافظ نجيب «معلمها» أي مخرجها. ~~وأيضا علمنا من هذه المقالة، أن حافظ نجيب نجح كممثل كوميدي، ms084 مثلما نجح كممثل تراجيدي في ~~مسرحياته السابقة! هذا بالإضافة إلى أن المقالة، تعكس لنا الإقبال الجماهيري الكبير على مسرح حافظ ~~نجيب، ذلك الإقبال الذي فاق إقبال الجمهور على مسرحي يوسف وهبي ونجيب الريحاني في هذا الوقت! ~~وأخيرا نجد كاتب المقال، يكرر كلمة «النابغة»، ويقرنها باسم حافظ نجيب، وهذا يدل على أن ~~تأثير كتاب «نابغة المحتالين» على القراء، ما زال مستمرا حتى هذا الوقت. ولا ننسى أيضا كلمة ~~«ظريف» في نهاية المقالة، التي تشير إلى حافظ نجيب، تشبها بأرسين لوبين «اللص الظريف»! # توقف حافظ نجيب عن عروضه المسرحية، حوالي أربعة أشهر تقريبا، وفي مارس 1927، بدأ في تكوين ~~فرقة مسرحية جديدة، ضمت مجموعة من الممثلين، على رأسهم الفنان حسن فايق، # 27 # والمطربة ملك. # 28 # وبدأ العمل على قدم وساق، لعرض المسرحية الجديدة «الهوسة»! وهي من تأليف حافظ نجيب، ~~ومن نوع الفودفيل أيضا، وقد تقرر عرضها يوم 21 / 3 / 1927 على مسرح سميراميس بشارع عماد ~~الدين. وقبل العرض بأيام قليلة، نشر حافظ إعلانا، أخبر فيه الجمهور بتأجيل افتتاح مسرحيته ~~«الهوسة» إلى يوم الخميس الموافق 24 / 3 / 1927. # 29 # وفي يوم الخميس هذا، أصدر حافظ نجيب عددا من مجلته «الحاوي»، وهو عدد - شبيه بالعدد السابق ~~الذي صدر يوم افتتاح مسرحية «بم بم» - كان عبارة عن نشرة إعلانية عن تمثيل مسرحية «الهوسة»، ~~مكونا من أربع صفحات، وكان يوزع مجانا على الجمهور. والإعلانات الموجودة في هذا العدد، # 30 # تفيد أن مسرحية الهوسة ستمثل ابتداء من 24 مارس وحتى 27 منه. وابتداء من 28 مارس ~~حتى أول أبريل ستعيد الفرقة تمثيل مسرحية «بم بم». # وفي يوم العرض الأول لمسرحية الهوسة، ذهب الناقد الفني لمجلة «الفنون»، بدعوة شخصية من حافظ ~~نجيب، كي يشاهد المسرحية ويكتب عنها! وبالفعل ذهب الناقد بناء على دعوة صاحب الفرقة ومؤلف ومخرج ~~وممثل المسرحية «حافظ نجيب»، وكتب مقالة قصيرة جدا، نشرها في عدد المجلة بتاريخ 3 / 4 / 1927، ~~قال فيها: «حافظ نجيب محاط بالعجائب والغرائب دائما، وأعجب ما شهدناه أننا دعينا منه لحضور ~~رواية «الهوسة»، التي ms085 سيمثلها على مسرح سميراميس. ولكن ما كان أعظم دهشتنا، إذ ذهبنا في الموعد ~~المحدد، فإذا بالتياترو موصد الأبواب! فسألنا، فقال أحدهم: إنه يستريح الليلة ليستعد لتمثيل ~~رواية «بم بم»! وقال آخر: إنه لم يجد إقبالا عليه فعطل التمثيل! وقال ثالث: إنه أراد أن ~~يضحك من الناس ويهزأ بهم! وعلى أية حال فقد ذهبنا فلم نجد لا حافظ نجيب، ولا فرقة حافظ نجيب ، ~~والسلام!» # وكانت هذه الكلمات، آخر كلمات نشرت عن حافظ نجيب كمسرحي! فلم نسمع عنه كمسرحي بعد ذلك، ~~ولم نجد أية إشارة تدل على تمثيل مسرحية «الهوسة»، ولم نجد أي خبر عن فرقته! وهكذا يسدل الستار ~~على نشاط حافظ نجيب المسرحي، ذلك النشاط الذي كان مجهولا للجميع، قبل صدور هذا الكتاب، الذي ~~نتوجه - في الصفحات التالية - بنشر مخطوطتين لمسرحيتي «الحب والحيلة» و«محور السياسة»، وهما من ~~الآثار الأدبية النفيسة للأديب حافظ نجيب! حيث إنهما من تآليفه النادرة، التي لم تنشر منذ عام ~~1915! # | رواية «الحب والحيلة» # بقلم حافظ نجيب # غلاف مخطوطة مسرحية «الحب والحيلة». # الشخصيات # 1 # الملك: # أحمد حافظ. # الملكة: # ماري إبراهيم. # دي توسكا: # محمد بهجت. # بنفيه: # حافظ نجيب. # المحافظ: # علي مرتضى. # مدير البوليس: # عبد المجيد شكري. # الدوق: # محمود حبيب. # الأميرال: # حسين حسني. # جاك: # أحمد ثابت. # ماري: # لبيبة. # الخادم: # أحمد فهمي. # حاجب: # فوزي الجزايرلي. # متكلم أول: # علي مرتضى. # متكلم ثان: # محمد يوسف. # جارسون: # فوزي الجزايرلي. # إحدى صفحات مخطوطة مسرحية «الحب والحيلة». # الفصل الأول # المنظر الأول ~~(قصر الملكة) # الملكة ~~(لنفسها) # 2 ~~: # ليس بين كل النساء من لا تحسدني على جاهي وجمالي، وأنا أحسد أشقى النساء على سعادتها ~~وشقائي، ليس الهناء في الحياة بالجاه وألقاب العظمة ولا بوفرة المال وكثرة الرجال، إنما ~~الهناء بطمأنينة القلب، وابتهاج النفس بتحقيق رغباتها، يا نساء العالمين ... أيتها الحاسدات ~~... لا تتركن أبصاركن يلهيها تلألؤ الجواهر؛ فتنخدع بالزينة والظواهر، فتعمى عما في نفسي ~~من ألم الغيرة وذل الانكسار، وعما في قلبي من الحب والهياج. # يظنون أن الحب لهو ولذة # وأن هناء العيش في رفعة الجاه # فيا قلب هل هذا ms086 صحيح تحسه # وإلا غرور الناس بالظاهر الواهي ~~(يدخل الكونت.) # هذا أنت يا كونت؟ ما وراءك من الأخبار؟ # الكونت ~~(بدهاء) ~~: # كل ما يسر جلالة الملكة سماعه. # الملكة ~~(بمكر) ~~: # إذن ليس لديك ما تخبرني به؛ لأنك تعرف أني لا أسر من شيء، وما دام الذي تعرفه ليس ~~فيه ما يضاعف آلامي ومزعجات نفسي، فوفر عليك مشقة نقله إلي، فإنني لا أعنى بغير ~~شخصي. # الكونت ~~: # إذن أنت سعيدة يا مولاتي. الحمد لله الذي أوصلك من الفلسفة إلى حد اجتلاء حقيقة ~~السعادة؛ فقد سمعت أحد الحكماء يقول بأن ارتباط الفرد بالجماعة، يكسبه شيئا من ~~الفائدة الاجتماعية، ولكنه يدفع ثمنها من سعادته وهناء نفسه، وكلما قلت الرابطة، نقص ~~الثمن وتوفر للإنسان جزء من غبطته وهنائه. # الملكة ~~(بتعجب) ~~: # ما هذا يا دي توسكا؟! أراك ماهرا في كل شيء حتى في الفلسفة، دعني بربك من الدلالة ~~على مقدرتك واجلس إلى جانبي أقص عليك حادثا غريبا لست أدري أأنزعج منه وأتكدر؟! أم أضحك ~~منه وأبتهج؟! # الكونت ~~: # وهل تريد صاحبة الجلالة أن أهيئ نفسي للانزعاج معها أم للضحك والابتهاج؟! # الملكة ~~(بضيق) ~~: # اسمع الحديث أولا، ثم افعل ما يروقك بعد ذلك. # الكونت ~~(بأدب جم) ~~: # كلي أذان تسمع يا مولاتي. # الملكة ~~: # عدت ليلة من حفلة ساهرة، فسمعت بعد اضطجاعي صوت رجل يوقع على قيثارة، ويغني في ~~المرج، قريبا من نافذة حجرتي ... أعجبني ما سمعت! بل إن تأثير الصوت كان يبعث في نفسي، كل ~~ما أراده المغني بتوقيعه، فقمت إلى النافذة بالرغم مني أسمع، ونفسي تنتقل من الشجن إلى ~~الشجن، حتى بكيت من قوة الانفعال، ومن مشاركة عواطفي عواطف المغني أو الشاعر في قصيدته، ~~وفي الصباح سألت عن الرجل، فلم أهتد إليه! فنزلت إلى المرج كعادتي، فلم أجد زهوري على ~~شجيراتها، واستنتجت مما حولها من منتثر الزهر، أن يدا سبقتني إلى قطفها فاستأت، وقصدت ~~إلى النهر عند المظلة حيث أجلس عادة، فراعني أن وجدت الزهور منسقة في شكل باقة، وإلى ~~جانبها القصيدة التي سمعت صاحب القيثارة يتغنى بها، وعنوانها: تحت النافذة! # الكونت ms087 ~~(بانزعاج) ~~: # متى كان هذا يا مولاتي؟ # الملكة ~~: # منذ أسبوع. وقد تكرر هذا الحادث للمرة الثالثة، ولما لم أتمكن من الاهتداء إلى ذلك ~~المنشد الفرار زاد شوقي لمعرفته! فبثثت العيون في الحديقة، عسى أن يقبضوا عليه، فأعرف ~~من هو؟ وماذا يريد بغنائه؟ وبقطف الزهور وإهدائها إلي مع القصائد؟! ولكن لك أن تصدق ~~أنني غير حانقة على الرجل، ولا أريد به إلا الخير، فهلا يريد ذلك المسكين أن يسمع مني ~~عبارة الإعجاب به؟! # الكونت ~~(بغضب شديد) ~~: # يلوح لي أن مولاتي لا تعبأ بهذا الحادث! ولا تعنى منه بغير رخامة الصوت وجودة ~~التوقيع. أما أنا، فالواجب والعقل يقضيان علي بالتفكير وتدبير المحافظة على الملكة من ~~خصومها؛ فقد يكون المغني يرمي إلى غاية، لا قدر الله! # الملكة ~~(بضيق) ~~: # أية غاية تقصد؟! # الكونت ~~(بخبث) ~~: # أنا لا أعين غرضا بذاته، وإنما أقول: إن الذي يجيء بالليل ليغني قريبا من نافذة ~~الملكة ثم يفر عند البحث عنه حقيق بمحبي الملكة والمخلصين إليها أن يفكروا في ~~شأنه! # الملكة ~~(بضيق أكثر) ~~: # أنت تمثل دور العاشق يا كونت، وتظنني ساذجة، فأنت تتخذ من كل حادث أو حديث سببا ~~للدلالة على إخلاصك لي، وعلى تفانيك في الغيرة علي ... وعلى ... وعلى ... ولست أدري ما الذي ~~يجشمك مشقة التفكير وعناء الإجهاد في الاستنباط والتمثيل؟! # الكونت ~~: # مولاتي ... لا تؤلميني بهذا التهكم، فما أنا بحاجة إلى الدلالة على صدق ما أشعر به ~~نحو صاحبة الجلالة من الإخلاص والود، إن الحب القوي الصادق لا يحتاج للدلالة على وجوده بل ~~تحسه الروح، وتفعل قوته في قلب المحبوب ما تفعل تموجات الكهرباء ~~وسيالاتها. # الملكة ~~(بتهكم) ~~: # كلمات محفوظة يقولها كل شاب لكل حسناء. # الكونت ~~: # مولاتي ... أنا لا أطمع بغير الذي اكتفيت به ... القناعة بالنظر إلى ذاتك البهية ... ~~والشرف بخدمتك ... والشوق إلى تضحية حياتي بأمرك متى وكيف تريدين! # الملكة ~~: # حبذا لو يصدق الرجل! # الكونت ~~: # حبذا لو لم يكن قلب الحسناء قاسيا! # الملكة ~~: # لا تتألم من مزاحي يا كونت، فإنني واثقة من إخلاصك لي ومن الود الذي تذكر. # الكونت ~~: # ليس هو ms088 يا مولاتي ودا، ولكنه انفعال النفس بالقوة ال ... # الملكة ~~: # دعنا من هذا الحديث الآن؛ فأنت لا تريد أن تنتهي منه، وليس هنا مكانه، ألا تريد أن ~~تسمع شكري لك على الخادم الذي اخترته لي؟ # الكونت ~~: # تريدين بنفيه؟ # الملكة ~~: # كم أشكرك على هذه المنة، فالرجل عاقل رزين حريص على أسراري حرصه على حياته، وعلى ~~مرضاتي لا كمولاته، وإنما كابنته ... كمخلوق عزيز عليه ... لا تغر منه يا كونت فإنه ~~خادمي. # الكونت ~~: # أنا أغار عليك من النسيم يمس جسمك ... ومن الهواء تستنشقينه ... ومن الماء تروين به ~~ظمأك ... ومن كل ما تلمسين ويقع بصرك عليه ... وما اخترت لك بنفيه إلا لوثوقي مما عرفت من ~~خصاله، وخلاله الطيبة، ومن أمانته في نقل الرسائل إلي وإلى مولاتي. # الملكة ~~: # إذن ما عدت أرتعد عند الكتابة إليك ~~(تتذكر) # آه ~~يا كونت لو علمت كم جزعت عندما عرفت أن خادمي المرحوم، كان يخونني ويبقي رسائلي في ~~حقيبته بدلا من أن يوصلها إليك! آه يا ربي كم تألمت وكم جزعت! # الكونت ~~: # لقد لقي الخائن جزاءه العادل، فلا تخافي يا مولاتي، ولا تشكي في أمانة بنفيه ~~فإنه من خيرة رجالي اللاصقين بي. # الملكة ~~: # حسن جدا، فقد أزلت عني بعض همومي وثبت قلبي على الاطمئنان. فدعني الآن أسألك ~~عن حفلة الرقص، هل غرم الملك على الرقص فيها مع ... مع بعض السيدات! # الكونت ~~: # نظام الحفلة ذكر به الرقص، ولكن من يدري ... ماذا يفعل جلالته وهو الرجل المشهور ~~بالتردد وبكثرة التقلب؟! # الملكة ~~(تلتفت وتنظر إلى ملابسها) ~~: # وكيف تراني في هذا الزي؟! هكذا كانت تلبس حنه دوتريش زوج لويس الثالث عشر # الكونت ~~(ينظر إليها بإعجاب) ~~: # كان ينقص تلك الملكة العاشقة هذا الحسن الباهر، وهذا القلب الحساس الطاهر. # الملكة ~~(بدلال) ~~: # كفاك مداهنة يا دي توسكا، إلى الملتقى بعد قليل، فإنني بحاجة إلى الخلوة بنفسي قبل أن ~~تبدأ الحفلة، وما بقي عليها إلا دقائق ~~(يخرجان ويدخل بنفيه الذي ~~كان متواريا يستمع لحوارهما) ~~. # بنفيه ~~(لنفسه وكأنه يتحدث مع الملكة، مرددا إحدى العبارات التي جاءت على ~~لسان الكونت) ~~: # لا ms089 تشكي بأمانة بنفيه! نعم يا ناتالي يا مالكة فؤادي، لا تشكي بأمانة بنفيه، ~~بنفيه يحبك من كل قلبه، يحبك بجميع قوى نفسه، يحبك ويعطف عليك، لا كابنته كما تقولين، ~~ولكن كروحه كحياته كآماله ~~(بغيط وكأنه يتوعد إنسانا ~~أمامه) # دي توسكا ويل لك أيها المعشوق الخائن، ويل لك لأنك تخدع التي أحبها، ~~وتتخذ من ضعفها في حبك قوة للكيد بها وللانتقام لنفسك، ويل لك لأنها تحبك، وأنا أغار من ~~هذا الحب، أنت عقبة في سبيلي إلى قلبها فويل لك، ظننت أيها الأبله أنني من رجالك ~~واللاصقين بك، وأنك تستخدمني لتحقيق غايتك ولخدمة شهواتك السافلة، سترى من منا الذي ~~يهنأ بقلب هذه الملكة المتيمة بحبك، الغافلة عني وعما وراء هذا المشيب من نضارة الشباب، ~~ووراء هذا الضعف من قوة الحيلة، دي توسكا أيها المحبوب الخائن، سترى كيف أصرعك، فقد ~~وقفت على كل أسرارك، وعلى أسرار القصر، وكل من يلوذ بك ... ~~(بتهكم) # الملك يعشق كاترين ابنة دي توسكا، الملكة تحب دي توسكا وتغار على ~~زوجها، دي توسكا ناقم على الملك، يريد الانتقام منه بواسطة تلويث عرض الملكة، ثم بأعظم ~~من ذلك ... ~~(بتأثر) # يا لله من شرور الإنسان، ويا لله مما ~~تضمر الضمائر، إن صحيفة البحر تلوح ساكنة صافية، ولكن هل يصل النظر إلى ما وراء الجزء ~~الظاهر! وهل يبصر ما في جوفه من المخوفات ... # إن رجلا داهية كالكونت لا يستهان به، ولا من السهل خذله ومصادمة آماله ومقاصده، ~~فلكي أصل إلى تحقيق رغباتي يجب أن أنفذ هذه الخطة، أمنع الملك من الرقص مع كاترين، أمنع ~~دي توسكا من مخالطة الملكة في هذه الحفلة، أفضح تنكر دي توسكا، وأدل الناس عليه حتى ~~لا يتسنى له الدنو من الملكة ولا البقاء إلى جانبها، أخلو بالملكة وأحادثها ما دامت ~~متنكرة بزي حنه دوتريش، وأنا بزي وزيرها الكاردينال ريشيليو، وأجعل هذه المناسبة واسطة ~~للمحادثة، أهين دي توسكا أمامها، إذا بدرت منه بادرة غيظ أو صلف، وأغلبه على أمره ~~لأحقره في نظر الجميع ~~(بحزم) # هذا ما قررت تنفيذه ms090 ~~في هذه الحفلة ~~(بتحد) # دي توسكا، لقد تغلبت على قلب ~~الملكة بالخداع والتظاهر بالحب، وسأنتزعه منك على الرغم من كل شيء ومن كل قوة بالحيلة، ~~وسترى أية القوتين أضمن إلى تحقيق الرغبات. # المنظر الثاني ~~(حفلة رقص - صالون - الجميع يدخلون متنكرين) # الكونت ~~(بابتهاج إلى الملكة) ~~: # هذه الليلة من أسعد الأوقات التي عرفتها في حياتي؛ لوجودي إلى جانب الملكة العظيمة ~~حنه دوتريش. # الملكة ~~(تنظر إلى الملك ولا تبالي بالكونت) ~~: # ولكنها في نظري من أوقات الشقاء التي أحفظ ذكراها إلى أمد بعيد، فقد رأيت الملك يتهيأ ~~للرقص مع عشيقته يا كونت، وأنا زوج كثيرة الغيرة على زوجها. # الكونت ~~(بخبث) ~~: # الغيرة لا تكون قوية إلا مع وجود الحب، فهل مولاتي لا تزال تحب زوجها، بعد الذي ~~عرفته من أمره؟! # الملكة ~~(بذكاء) ~~: # هل نسيت يا سيدي أنني والدة أبنائه، وأنه أول رجل خفق له فؤادي ورقص من حبه قلبي. إن ~~المرأة قد ترغمها ظروف مخصوصة فتنسى واجباتها، أو تكون مثلي ضعيفة الإرادة فتستسلم ~~لعواطفها الطائشة فتخون زوجها، ولكنها لا تكرهه متى كانت قد أحبته، وترجع إليه لأول ~~داع إلى الوئام، وأؤكد لك أنه لولا سوء تصرف الأزواج ما سقطت الزوجات، ومن لا يحرص ~~على ما في حوزته يعرضه للتلف أو للضياع ~~(يدخل بعض ~~المدعوين) ~~. # متكلم أول ~~(يشير إلى الكونت) ~~: # انظروا! انظروا هذا الواقف إلى جانب الملكة دوتريش، هو الكونت دي توسكا! # متكلم ثان ~~(ينظر بتعجب) ~~: # هو! هو بعينه الكونت دي توسكا. # الملكة ~~(للكونت بانزعاج) ~~: # لقد عرفوك يا كونت، فدعني أبتعد عنك. # الكونت ~~(يذهب إلى من تحدث بغضب شديد) ~~: # من الذي يذكر اسم دي توسكا؟! # متكلم أول ~~(بحرج) ~~: # أنا يا سيدي الكونت. # الكونت ~~: # وهل بلغ بك السكر إلى حد التهكم علي وفضح تنكري في مثل هذه الحفلة؟! # متكلم ثان ~~(بتحد) ~~: # لا تحتد على رفيقي، فإنه لم يذكر اسمك قصدا، ~~(يشير إلى ~~ظهر الكونت) # وإنما قرأ ما هو مكتوب على ظهرك! # الكونت ~~(يلتفت وراءه بانزعاج وحرج شديدين) ~~: # على ظهري! ~~(تمسك يده بورقة ملتصقة على ظهره، وينظر فيها ms091 ~~بغضب) # من الشقي الذي كاد لي هذه المكيدة؟! الويل له إن عرفته! ~~(يخرج ويثرثر في ثورة غاضبة شديدة) ~~. # متكلم أول ~~(في حذر) ~~: # الكونت رجل جبار فما لكم وله؟! إنه لا بد أن ينتقم لنفسه منكم بسبب هذا التهكم ~~(يضحك) ~~. # متكلم ثان ~~(بضيق) ~~: # لا نظن الرجل على شيء من شرف النفس أو الشهامة، فلو كان من الذين ينتقمون ممن ينالون ~~من كرامتهم، ما غض الطرف عن سلوك ابنته كاترين، وقد افتضح أمرها مع الملك. # متكلم أول ~~(ينظر إلى القاعة) ~~: # عجيب أمر هذه الحفلة، فكل ما حدث بها غريب، فقد أرغم الجميع على عدم الرقص في ~~الشوط الأول بسبب ما حدث من انطفاء النور ومن سرقة نوتات الموسيقى! # متكلم ثان ~~(بتعجب) ~~: # حدث هذا في لحظة قصيرة جدا، ويغلب على ظني أنها مدبرة من قبل حدوثها! # متكلم أول ~~: # لا بد أن تكون للملكة يد في هذه الحادثة؛ لأنها الإنسان الوحيد الذي يهمه تكدير صفاء ~~الملك ~~(يضحك) # وإرغامه على عدم الرقص مع خليلته ~~كاترين! # متكلم ثان ~~(كأنه يفكر) ~~: # يلوح لي أن هذه الحادثة لها ارتباط بفضح تنكر الكونت دي توسكا والد كاترين، ~~وأراهن من يشاء، على أن اليد التي سرقت نوتات الموسيقى وقلبت نظام الحفلة، هي التي ~~وضعت هذه الورقة على ظهر دي توسكا ~~(يضحك) # الكونت دي ~~توسكا والد كاترين! # متكلم أول ~~(يبتسم ابتسامة خبيثة) ~~: # ما أكثر فكاهات هذه الحفلة الشائقة، تعالوا إلى ساحة الرقص؛ فلا بد أنه يحدث شيء ~~غير هذا، تعالوا ننظر ~~(يهم بالخروج من الجهة ~~اليمنى) ~~. # متكلم ثان ~~: # بل تعالوا نشرب ونسكر ~~(يخرج من الجهة اليسرى، بينما تدخل ~~الملكة، وخلفها بنفيه متنكرا في زي الكاردينال) ~~. # الملكة ~~(باندهاش) ~~: # لماذا كسرت الكأس التي شربت فيها يا سيدي الكاردينال؟ # الكاردينال ~~(ينظر إلى فمها) ~~: # لأنني أعلم قيمة من لمستها بشفتيها ... وأضن بتلك الزجاجة وقد تقدست أن يلمسها فم ~~آخر! # الملكة ~~(تنظر إليه بإعجاب) ~~: # يلوح لي يا سيدي أنك تمثل أطوار من تتزي بزيه، فإنه على ما ذكروا كان يحب ~~الملكة حنه دوتريش! # الكاردينال ~~: # ولكن ذلك ms092 العاشق ألم بغيرته من أحبها، وجعلها تقضي كل حياتها منغصة متعسة، ~~(بصوت هامس) # أما أنا فإنني أبذل حياتي رخيصة لكي لا تسيل ~~دمعة واحدة من عين من أحب بسبب هذا الحب، فثوبي هذا ثوب ريشيليو، ولكن قلبي عند ~~ذلك القلب المتحجر. # الملكة ~~(بخبث) ~~: # هل تعرف شخصي يا سيدي؟! إن في حديثك ما يشير إلى كونك تعمدت التزيي على هذه ~~الصورة لتسمعني حديثك، وأنا أشعر بأنك لا تلقيها جزافا، وأرجح أنها ليست تجيء صدفة؛ ~~لأنك تسوقنا وتحول كل شيء إلى هذا الغرض الذي تريد أن تتكلم فيه! # الكاردينال ~~(مبهوتا) ~~: # صدقت يا مولاتي. # الملكة ~~(بدهاء) ~~: # إذن أنت تعرفني! # الكاردينال ~~: # لا أنكر هذا. # الملكة ~~: # من أنا؟! # الكاردينال ~~(بصوت رقيق هامس) ~~: # أنت التي قضيت الليالي تحت نافذتها أنشد قصائدي ... أنت التي كنت أنمق لها الباقات ~~لتلمس يدها ما لمست يدي، صدقيني يا مولاتي إن روحي هي التي كانت تناجيك، لا صوتي الذي كان ~~يشجيك. # الملكة ~~(بفرح ممزوج بالتعجب) ~~: # أنت ذلك المغني! بربك من أنت؟! لقد زدتني شوقا إلى معرفة شخصك، تكلم ~~(يدخل دي توسكا ويبهت مما يرى) ~~. # دي توسكا ~~(بغضب وخبث) ~~: # ما عهدنا ذات الجلالة الملكة تخلو بعدوها الآن ريشيليو؟! فلعل مرور الأزمان يبدل ~~قلب الإنسان! # الكاردينال ~~(بذكاء وتحد) ~~: # ونحن ما عهدنا أن رجلا من النبلاء ينفضح سر تنكره في حفلة ويبقى فيها يروح ويجيء ~~بدون خجل ولا حياء! # دي توسكا ~~(في تحد كبير) ~~: # كان الكاردينال العظيم أوسع صدرا منك يا سيدي، وأكثر دهاء وحكمة، وما عرفنا عنه أنه ~~يتصدى لمثل ما تفعل من العداء جهارا؛ لأنه وإن كان قويا بفكره، إلا أنه كان ضعيف ~~الجسم، ولا أظنك إلا مثله في الجسم، وإن كنت دونه في الدهاء والحزم! # الكاردينال ~~(بلا مبالاة) ~~: # أهذا الذي جرأك على مناوأتي؟! # دي توسكا ~~(يتقدم نحوه في ثورة غاضبة) ~~: # بل على تأديبك، حتى لا يدفعك التزيي بزي العظماء إلى الاغترار والاعتداء. ~~(يشير إليه بأصبعه) # أنا أراهن على أنك أنت الذي ~~وضع على ظهري ورقة كتبتها يد اللؤم والسفالة. # الملكة ~~(بانزعاج ms093 من ثورة الكونت) ~~: # ماذا تقول يا دي توسكا؟! هل تجرأ أمامي على النطق بهذه الألفاظ؟! ~~(بتهديد) # إنك مندفع في سبيل قد يكون خطرا عليك! # دي توسكا ~~(في انكسار) ~~: # كأن مولاتي تشجع خصمي وتفل من عزمي. # الملكة ~~(تخفض من غضبها) ~~: # أنت مشاكس في هذه الليلة يا كونت، كأنك فقدت عقلك، ولست أرى خيرا إلا الابتعاد عنك ~~(تخرج جهة المقصف) ~~. # دي توسكا ~~(إلى الكاردينال في تحد) ~~: # أراهن على أنك أنت الذي سرقت نوتات الموسيقى! # الكاردينال ~~(بتهكم وهدوء) ~~: # ربما صح ما تدعي. # دي توسكا ~~(في غضب متزايد) ~~: # وأراهن على أنك الذي فضحت تنكري! # الكاردينال ~~(في هدوء أكثر) ~~: # قد تصدق فيما تظن! # دي توسكا ~~(يصرخ) ~~: # ما الذي تريد بما فعلت؟! # الكاردينال ~~(يقف أمامه وجها لوجه في تحد صريح) ~~: # إذا كنت مصيبا في الذي حذرت، وإذا كنت أنا الرجل الذي فعل ما تدعي أنني فعلت، ~~وإذا كان للحادثتين ارتباط ببعضهما يكون جواب ما تسأل. إنني أردت أن أمنع الملك من ~~الرقص مع خليلته ابنتك أمام الملكة ~~(يبهت الكونت) # حتى ~~لا تتألم من الغيرة، وحتى لا تتمكن أنت من اغتنام فرصة غيظ الملكة من زوجها لزيادة ~~التفريق بين الزوجين ~~(تبرق عين الكونت) # وأردت بفضح ~~تنكرك أن لا تبقى في هذه الحفلة مجهولا تدس الدسائس وتنصب الشراك لتهيئة أسباب انتقامك ~~ممن لم يسئ إليك ... من الذي نشأت في نعمته، وتحوطك رعايته، وتريد النكاية به وبزوجه، لا ~~لسبب غير ما انطبعت عليه نفسك من الشر ~~(يدفعه ~~بعيدا) # هذا الذي أردت، وهذا جواب ما تسأل عنه فلعلك فهمت. # دي توسكا ~~(في رعب داخلي، وجرأة كاذبة ظاهرة، شاهرا سيفه) ~~: # أنت رجل قضى على نفسه بالموت ~~(يفكر برهة، فيعيد السيف إلى ~~غمده) # ولكني لا أبارز رجلا لا أعرفه، فقد تكون غير شريف! # الكاردينال ~~(بتهكم وجرأة) ~~: # هل تظن الشرف والنبل بالألقاب؟! كم بين النبلاء من ذوي النفوس الخبيثة والخصال ~~السفيهة؟! وكم بين العامة من ذوي المحامد والمجد الصحيح؟! دعنا من المحاولات يا سيدي ~~الكونت، فمثلك ليس بالرجل الأبله، ولا بالذي يعتد بالشرف، ms094 وإلا فلماذا سكت على ~~سلوك ابنتك وأغمضت عينيك عن رؤيتها في أحضان خلي ... # دي توسكا ~~(في ثورة) ~~: # اسكت يا سفيه، ~~(يشهر سيفه مرة أخرى) # فقد آن أن ~~تسكت إلى الأبد ~~(يحاول طعن الكاردينال) ~~. # الكاردينال ~~(يتفادى الطعنة بمهارة) ~~: # حضرة الكونت الشريف أصبح قاتلا سفاكا ~~(يخرج سيفه وتبدأ ~~المبارزة) # هل هذا يا سيدي عمل النبلاء ~~الذين يخشى أن لا أكون منهم ~~(تشتد المبارزة، وتطيش جميع ضربات ~~الكونت) # رويدا رويدا يا سيدي القائد ... فقد لا تملك نفسك وأنت متهيج بالغضب ~~فتفلت يدك السيف. # دي توسكا ~~(يسدد طعنة أخرى) ~~: # مت يا لئيم وإلى جهنم. # الكاردينال ~~(يتفادى الطعنة وبمهارة يضرب يد دي توسكا فيسقط سيفه) ~~: # تناول سلاحك يا كونت، ألم أقل لك إن الغضب يجعلك لا تحسن استعمال السلاح ~~(يدخل البعض ومنهم الملك والملكة) ~~. # دي توسكا ~~(في رعب) ~~: # الملك، الملك ~~(متوعدا) # سنلتقي يا سيدي مرة أخرى ~~(يخرج) ~~. # الملك ~~(مبتهجا وسط مجموعة المدعوين) ~~: # إلى المقصف فقد حان الوقت ~~(يلتفت إلى امرأة جميلة، فيتعجب ~~عندما تكشف وجهها حيث إنها زوجته) # الملكة، هذه أنت يا سيدتي، لقد كنت كثير ~~الإعجاب برقصك البديع مع الكاردينال ريشيليو، يا ليتني لم أكن أجهل شخصك الكريم، ويا ~~ليتني سألتك الرقص معك، لقد أحسنت وأبدعت. # الملكة ~~(في فرح) ~~: # أشكر الله على النعمة التي نلت بلفت نظر جلالتك إلي، وأشكرك كل الشكر على عبارات ~~الإطراء والمديح التي أردت أن تتنازل لتسمعني إياها على غير استحقاق! # الملك ~~(في استرحام) ~~: # سامحيني يا مولاتي سامحيني، ولا تكوني قاسية القلب ~~(يقترب ~~مكنها أكثر) # لقد أسأت إليك وألمت قلبك، وها أنا أتقدم إليك معتذرا ~~سائلا العفو، وعهدي بك محبة للتسامح، قوية الإشفاق، كثيرة الغفران. # الملكة ~~(في دلال) ~~: # مولاي يعرف ما في قلبي من الحب والاحترام، وأنا أبتهج كل الابتهاج برضى جلالته عني، ~~ولا أذكر أبدا أنني كثيرة الحفيظة، نعم أعترف بكوني تألمت وبكيت، ولكن هذه اللحظة ~~السعيدة تنسيني كل ما مر من ساعات الآلام ونكد العيش. # الملك ~~(في حنان) ~~: # أنت ملك كريم يا زوجي، أنت خير أم وأفضل زوج، ms095 يا ليت نساء العالمين مثالك في ~~الصبر على نزق الأزواج، وفي التسامح والإشفاق، إنما الحكمة في إصلاح الأحوال بالرفق ~~والعقل لا بالتعنت والعناد. ~~(ستار) # الفصل الثاني ~~(صالة قصر الملك، والأميرال جالسا منهمكا في أعمال كتابية) # دي توسكا ~~(يدخل منزعجا) ~~: # لقد حبطت كل أعمالنا ... وضاعت مجهوداتنا بدون ثمرة! # الأميرال ~~(متعجبا في رعب) ~~: # ما هذا الخبر المزعج؟! # دي توسكا ~~(في خوف وإصرار) ~~: # الحقيقة أن تقال لا أن تكتم، فإذا أنا صرحت لك بما نالنا من الفشل والخيبة ~~فثق بأنها الحقيقة المؤلمة! # الأميرال ~~(يتصنع الهدوء) ~~: # أنا لا أشك في قولك يا كونت، ولكنني بحاجة إلى معرفة سبب هذا الفشل! وكيف فسد ما دبرنا ~~ورسمنا؟! # دي توسكا ~~(يجلس) ~~: # كان من خطتنا أن نوقع النفور والجفاء بين الملك والملكة، حتى لا يجتمع أصدقاء الفريقين ~~حزبا واحدا فيكونوا قوة عظيمة تعترض نجاحنا. # الأميرال ~~(يتذكر) ~~: # وأذكر أننا قررنا أيضا أن نجعل الفريقين يتصادمان، فينالهما معا الضعف والوهن، ~~ويشملهما جميعا الارتباك، فلا يعودون يوفقون للاتحاد، وإذا اتحدوا بعد هذا لا يعتد بهم، ~~بسبب ما نالهم من الضعف. # دي توسكا ~~(في غضب) ~~: # نعم كان هذا رأينا ~~(في يأس) # ولكنني لم أوفق إلى ~~تحقيقه، ولم أنجح إلا في القسم الأول منه، ~~(في تأثر ~~بالغ) # بعد تضحية عظيمة ~~(متذكرا) # رأيت الملك ~~قليل الاهتمام بكل نساء القصر، وبكل ما يختلط به، ولحظت عليه نوعا من الميل المبهم إلى ~~ابنتي كاترين، فأردت أن أجعلها هي الضحية التي أضحيها، والثمن الذي أدفعه لبلوغ ~~غرضي. # الأميرال ~~(في تأثر) ~~: # ثمن باهظ، وضحية عظيمة. # دي توسكا ~~(يقف غاضبا) ~~: # نعم، ولكن مثلي لا يتردد لحظة في تضحية كل شيء للانتقام من الرجل، ~~(يستعيد الذكريات) # رأيت أن الملكة تحب زوجها، وأن الزوج ~~يبادلها هذا الحب، وكلاهما حريص على كرامة الزوجية، فرأيت أن أهدم البيت من أساسه قبل أن ~~أضرب أفراده الضربة القاضية، وقد يسهل الإيقاع بالمخزون المذهول، فهيأت كاتريل ابنتي لهذا ~~الغرض، ودربتها حتى صارت قادرة على العبث بعواطف الملك، ودفعتها إلى هذا السبيل فنجحت، ~~إن الرجل بلغ سن ms096 الشيوخ، والقلب في هذا السن إذا عبثت به امرأة بحكمة ومهارة؛ لا يحبها ~~صفقة واحدة، ولكن الحب يجيء ببطء، وبحركة لطيفة تتقوى بدون أن تحس، حتى يبلغ الحب أقصى ~~درجاته، فينفجر القلب انفجارا، ولا يعود العقل والحكمة يقويان على مصادمة العواطف ~~الثائرة. # الأميرال ~~: # نهجت سبيلا قويما، ورسمت خطة مضمونة النجاح، ولكنني لا أزال أكرر أن الضحية كانت ~~عظيمة، وأن الثمن الذي تدفع أعظم من الذي تريد أن تربح! # دي توسكا ~~(في تأثر شديد) ~~: # لا تذكرني دائما بهذا الخطب العظيم، ودعني أمر عليه عرضا في حديثي؛ لأنني ~~أتألم وقلبي يتمزق لشرف ابنتي الذي ضحيت في سبيل مطامعي الوطنية وتحقيق رغباتي. # الأميرال ~~(يربت على كتفيه) ~~: # ثق بأنني أشاركك في مصابك هذا، وفي الألم العظيم الذي أحسه في قلبك. # دي توسكا ~~(يتذكر) ~~: # اسمع يا سيدي تتمة الحديث، أحب الملك كاترين بكل قوى نفسه، وعرفت الملكة الأمر ~~فانزعجت واضطربت، وأرادت أن تعالج قلب زوجها، فراعها ما وجدت فيه من قوة الحب التي ~~غلبته على أمره، وملأت قلبها يأسا أو حزنا، إن ظهور خيانة الزوج صدمة ينخلع لها قلب ~~المرأة وتفقدها الصواب، ولو لم أكن إلى جانب هذه المرأة ربما كانت نجحت في الانتصار على ~~زوجها بسبب ما عرف عنه من رقة العواطف، ومن حبه العظيم لأولاده وزوجته، ولكنني ضللت مساعي ~~الملكة، فلم تشك في نصائحي؛ لأنها تعلم أن مصابي بضياع شرف ابنتي أعظم من مصابها بطيش ~~زوجها، والملك قد يتحول عن حبه فيعود إليها، ولكن الشرف الملوث لا يطهر، والعرض ~~المبتذل لا يصان ولا يعوض منه. # الأميرال ~~(في تأثر) ~~: # نعم يا دي توسكا، الشرف الملوث لا يطهر، والعرض المبتذل لا يعوض منه، صدقت يا أخي ~~صدقت! # دي توسكا ~~(مستكملا) ~~: # فبواسطة المساعي التي سعيت، وبالنصائح المضللة، أمكن لي أن أفرق بين الزوجين، ففصلت بين ~~أنصارهما، ولكن حكمة الملكة وقوة صبرها واحتمالها حالتا دون توفيقي إلى إيجاد العداء ~~والمخاصمة بين الجماعتين، فانسحبت إلى عزلتها وتركت كل الشئون على غارب الملك؛ تركته ~~يتصرف بقلبه وبشئون الملك كيف ms097 شاء، بدون معارضة منها ولا من أنصارها، ولو أنها نصحت له ~~لعاداها، ولو هي أظهرت روح المعارضة لسحقها، ولكن سياسة اللين والمسالمة أطاشت السهم ~~الذي سددت، وبددت شيئا من قوة الشرك الذي نصبت للكيد لهما. # الأميرال ~~: # المرأة حكيمة. # دي توسكا ~~(باستخفاف) ~~: # لست أرى رأيك؛ لأنها سقطت في شراكي، ولو كانت حكيمة ما سقطت، إنما المرأة تمتاز بشيء من ~~الوداعة ولطف المعاشرة، تظهران في صورة الحكمة. فلا تنخدع يا صاحبي بمظاهر المرأة، ~~وابحث عن علل ما ترى فتدرك الحقيقة الصادقة. # الأميرال ~~(في تردد) ~~: # لست من علماء النفس يا دي توسكا، ومهنتي تجعلني دائما في معزل عن الناس، فبصفتي أميرال ~~الأسطول تراني دائما على ظهر بارجتي في البحر، أدرس أحوال الكواكب في السماء والعواصف ~~والأنواء والحديد والنار ... لا أكثر من هذا! # دي توسكا ~~: # آه يا صديقي! خمسة أعوام طويلة قضيتها في درس نفس هذه المرأة، ... وفي تهيئة أسباب سقوطها ~~حتى كدت أفوز، فإذا بقوة مجهولة تقاوم مجهوداتي، وتعرقل أعمالي ومشروعاتي ~~(متذكرا) # يا ألله من هول ما أنتقم من هذا الفضولي إذا ~~عرفته! # الأميرال ~~(بدهشة) ~~: # كيف اعترضك هذا الرجل؟ ومن هو؟ وهل هو بمفرده؟ أو واحد من جماعة؟ # دي توسكا ~~(مستنكرا) ~~: # كل هذه أسئلة لا أستطيع الجواب عليها؛ لأنني لم أتوفق لمعرفة أي شيء عن هذا الرجل، وكل ~~ما وصلت إلى الشعور به هو ما وضح من فشل تدبيري في حفلة الرقص ~~(بضيق) # ففاز هذا الداهية كل الفوز؛ أطفأ النور وسرق - بمهارة وخفة - كل ~~نوتات الموسيقى ... فتبدل برغم الجميع برنامج الموسيقى، فاستاء الملك ولم يرقص مع كاترين، ~~فانهدم بهذا التغيير أساس حيلتي وطاش سهمي. # الأميرال ~~(متعجبا) ~~: # ما هي العلاقة بين سرقة النوتات وبين عملك؟! # دي توسكا ~~: # الملكة قوية الغيرة على زوجها، ورقص الملك مع ابنتي أمامها كان يحرك في نفسها الغيظ ~~والحقد، فأجد من هذه الحالة النفسية واسطة لحملها على الاتفاق معي للانتقام من زوجها ومن ~~ابنتي ~~(بغيظ شديد) # فظهر الرجل المتنكر بزي الكاردينال ~~وفضح تنكري، فلم أستطع الرقص مع الملكة ~~(بتألم) # ورقص ms098 هو معها فأمكنه أن يتغلب على إرادتها الضعيفة، فاستمالها إليه وأمكنه بالدهاء أن ~~يجعلها تنحاز إليه ضدي، فعزمت على قتله؛ لأنه واقف على أسرارنا ووجوده خطر علينا، فحال ~~دون هذا مجيء الملك والمدعوين، وهرب الرجل مني، فلم أتمكن من اللحاق به ولا من معرفة ~~مكانه. # الأميرال ~~: # وهل قابلت الملكة بعد تلك الليلة؟ # دي توسكا ~~: # نعم! وهي لا تزال مستسلمة لحبها ولعواطفها نحوي، ولكنها من جهة أخرى لا تزال تعنى ~~بالرجل المتنكر وتعتمد عليه، مع كونها هي الأخرى لا زالت تجهل شخصه ولا تعرف من أمره ~~شيئا. # الأميرال ~~: # وهل يمكن لي أن أقابلها اليوم؟ لا بد أن أبرر مجيئي إلى القصر بمثل هذه الزيارة. # دي توسكا ~~: # انتظر قليلا حتى أستأذن لك ~~(يخرج) ~~. # الأميرال ~~(في خوف لنفسه) ~~: # إن قلبي يكاد ينخلع من الرعب لمجرد ظننا بوجود رجل واحد واقف على نوايانا وأسرارنا، ~~يا ألله من هول ما يصيبنا لو افتضح الأمر. # دي توسكا ~~(داخلا في غضب) ~~: # لقد خرجت اللعينة للتنزه منفردة، وهذه فرصة يجب أن أنتهزها للخلوة بها والتحدث معها ~~في كثير من الشئون، ويجب أن أعجل للانتهاء من كل هذه الأمور صفقة واحدة، فما عدت أحتمل ~~الصبر، وبت أخشى الخيبة والفشل ~~(يهم بالخروج) ~~. # الأميرال ~~(لاحقا بالكونت) ~~: # بادر إذن يا صاحبي للحاق بها، وكن حريصا في حديثك، فقد تكون تنبهت في ~~أمرك. # دي توسكا ~~: # اعتمد علي فما أنا بالرجل الساذج ~~(يخرج) ~~. # المنظر الثاني ~~(بنفيه وسط الأشجار في الغابة) # بنفيه ~~: # لا شيء في الوجود يتعذر على صاحب الإرادة القوية والعقل الناضج، وكل شيء يتحقق البلوغ ~~إليه بالتفكير فيه أولا ثم برسم السبيل المؤدي إليه، ثم بتنفيذ ما قرر العقل، فإذا ~~لم يصل الإنسان إلى مراده وحبط في عمله لا يكون هذا دليلا على التعذر، وإنما على خطأ ~~الإنسان أو على الارتباك في تنفيذ ما رسم العقل، أنا أحب الملكة وأريد أن أصل إلى ~~قلبها، وهو موصد في وجهي لأنها تحب دي توسكا، هذا هو كل موضوع البحث، فهل يمكن أن أبلغ ~~إلى غرضي ms099 وأحققه؟! إنه لأمر ممكن لأنه لا شيء متعذر، ماذا يجب أن أعمل لأنجح؟! يجب أن ~~أستأصل من نفسها حب دي توسكا ليتسع المجال لي، كيف يمكن هذا والحب والكراهة لا يكونان ~~بإرادة الإنسان المطلقة؟! حيث إن الحب يجيء لاعتقاد المحب بوجود صفات وخلال في شخص من يحب ~~يعجب بها وتجذبه إليه، فالوصول إلى العكس يقتضي وجود صفات تضاد الأولى؛ تبغضه ~~وتنفره، فإذا ثبت للملكة أن دي توسكا خائن، وأنه لا يحبها، وأنه ينافق ويسلم أسرارها ~~وكتبها إلى خصومها لتكون سلاحا في أيديهم يفضحونها به عند الوقت المناسب، فإنها بدون شك ~~تنفر منه، وينقلب حبها إياه بغضا وكراهة. وكيف أحول قلبها إلى حبي أنا؟! أخدمها ~~بإخلاص لا أدل عليه وإنما أجعلها تحسه وتدركه، وألفت نظرها إلي بأحوال شاذة وسلوك ~~غريب غير عادي ... أنقذها من أخطار أهيئها بنفسي لأنقذها منها فتكون مدينة لي بحياتها ~~وبشرفها، ولا تتردد بعد ذلك في الاستسلام إلى عاطفة الحب، إن قلبي لا يقوى على رؤيتها في ~~خطر ... ولكن ما حيلتي ما دمت لا لأضمن الاختصاص بقلبها إلا بعد إنقاذها من خطر داهم ~~(تدخل الملكة، راكبة فرستها، تستغيث وتصرخ) ~~. # الملكة ~~(لفرستها) ~~: # يا للمعونة! يا للمعونة! يا حارس الغابة ... ويلاه ماذا أصاب الفرس؟! # بنفيه ~~(مختبئا) ~~: # أرى المادة التي حقنت بها الفرس بدأ يظهر مفعولها! # الملكة ~~(تستغيث) ~~: # يا حارس الغابة، يا للمعونة! الفرس جنت، ألا من مغيث رباه! رباه إنها منطلقة إلى ~~النهر! # بنفيه ~~(يدخل) ~~: # لقد آن أن أنقذها فقد بلغت إلى حال الخطر المحقق ~~(يطلق النار على فرس الملكة، فيسقط ويسرع إلى الملكة الواقعة على الأرض) # لا تراعي يا مولاتي ولا تخافي فقد زال الخطر. # الملكة ~~(تنظر إليه) ~~: # الحمد لله، الحمد لله، فقد كدت أموت من الرعب، شكرا لك يا سيدي فقد أنقذت حياتي ~~من الموت المحقق. # بنفيه ~~: # لا تشكريني على واجب قمت به يا مولاتي، بل اشكري الله الذي جاء بي في طريقك في مثل ~~هذا الوقت. # الملكة ~~: # نعم أشكر الله ~~(تتسمع لصوته متذكرة) # من أرى؟ ... ~~أذكر أنني ms100 سمعت هذا الصوت قبل الآن! # بنفيه ~~(في خجل مصطنع) ~~: # نعم، حصلت على هذا الشرف في قصر الملك، في حفلة الرقص. # الملكة ~~(تتذكر) ~~: # آه يا سيدي، نعم، أنت الذي كنت متنكرا بزي الكاردينال، ما أضعف ذاكرتي! أنت صاحب ~~القيثارة والقصائد، أنت دائما في طريقي، وأنا دائما أكون مدينة لك بالشكر. # بنفيه ~~(برقة) ~~: # أنا من عبيد الملكة، وقلبي وحياتي وشرفي ... كلها أضحيها في خدمة ذات الجلالة. # الملكة ~~: # هذه الرقة في الحديث لا تمنع أن أكون مدينة لك بحياتي، فاطلب مني ما تشاء. تعرف ~~أنني لست ممن يجحدن المعروف. # بنفيه ~~: # بل أطلب إلى الله أن يحفظ مولاتي من كل شر. # الملكة ~~(في تأثر) ~~: # نعم يا سيدي، سله كثيرا من أجلي؛ فإنني بحاجة إلى من يسأله عني. # بنفيه ~~(متعجبا) ~~: # ولم هذا؟! ألا تسألين بنفسك؟! ما أنت بحاجة إلي؟! إن الله يصغي لكل من يسأله ~~بحرارة! # الملكة ~~: # ولكنني غير حقيقة بالتضرع إليه؛ لأنني أشعر بتوبيخ ضميري على خطيئات لا ترضيه! # بنفيه ~~: # تذكري يا مولاتي أنني أمثل دور الكاردينال تمثيلا، وما أنا بالكاهن الصادق ~~الذي يصح الاعتراف له بالخطايا، اذكري هذا ولا تستسلمي للضعف الذي انتابك بعد هذا ~~الاضطراب. # الملكة ~~: # أنا ضعيفة حقيقة، ولكن الضعف الذي تظنه طرأ الآن إنما هو مستمر دائما أحسه في نفسي، ~~فأنا بحاجة إلى قوة من الغير أستعين بها على مقاومة أحوال الحياة المتقلبة، ولكن هذا ~~الذي أنشد تمنح لي منه بضاعة مزيفة تضر ولا تنفع! # بنفيه ~~: # أنا أعلم من أحوال مولاتي ما لا تعلم هي عن نفسها! وإنني لواقف على أسرارها كلها، ~~وعلى ما يخفون منها وما يريدون بها! # الملكة ~~: # نعم. نعم أنت صادق؛ لأنك ذكرت لي شيئا من هذه الأسرار في حفلة الرقص، ولكنني كنت ~~مرتابة في أمرك؛ خصوصا بعد أن رفضت أن تعرفني بحقيقة شخصك! # بنفيه ~~: # لي العذر في هذا التنكر، فإنك ضعيفة الإرادة وواقعة تحت تأثير دي توسكا صديقك، وقد ~~رأيت بنفسك كيف كان يشاكسني ويطلب مصادمتي بعد أن رآني إلى جانبك نتحدث؛ لهذا كنت أخشى ~~أن ms101 يعرف منك حقيقة حالي واسمي في لحظة من لحظات الضعف، ولكن هل ما تزال مولاتي تشك في ~~إخلاصي لها؟! # الملكة ~~: # معاذ الله! هل تطمع مني بأكثر من حياتي، إنني مدينة لك بها وأدفع لك ثمنها ما ~~تشاء! # بنفيه ~~: # إن شعرة واحدة من رأس الملكة تفدى بكل الأرواح والمهج، فصدقي بأن تنكري عنك ~~واجب، إذا خالفته كنت سببا في الإضرار بشخصك المبجل المحبوب، ولولا وثوقي من هذا لجثوت ~~عند قدميك أذكر هذا الاسم الحقير. # الملكة ~~(متعجبة) ~~: # وكيف يكون تنكرك لفائدتي يا سيدي؟! أنا لا أدرك ما ترمي إليه! # بنفيه ~~: # إن تنكري يمكنني من بقاء خصوم الملكة الذين يكيدون لها في غفلة عني وعن سهري على ~~سلامتك، وعن اقتفائي خطواتهم في كل ما يقدمون عليه! # الملكة ~~(فرحة) ~~: # إذن أنت ساهر على سلامتي من خصومي! # بنفيه ~~: # بل إنني ضنين بلحظة من حياتي، تضيع في غير هذا الأمر! # الملكة ~~: # أشكر لك هذا الشعور يا سيدي. # بنفيه ~~: # هل تسمح لي مولاتي بأن أسألها عن أمر تهمني معرفته. # الملكة ~~: # نعم. # بنفيه ~~(في خبث) ~~: # أين يا مولاتي الخاتم، الذي أهداك الملك إياه، يوم عدت من سياحتك في الشرق؟! # الملكة ~~(تتذكر) ~~: # الخاتم ~~(متعجبة) # وهل وصل إلى علمك أيضا أمر ~~الخاتم؟! # بنفيه ~~: # نعم. وبودي أن تكوني صريحة في الجواب؛ لأنني أريد أن أدفع عنك خطرا جسيما، ربما ~~يصيبك بسبب هذا الخاتم! # الملكة ~~(بلا مبالاة) ~~: # فقد مني منذ شهور. # بنفيه ~~(بمكر) ~~: # إنك لا تزالين في شك من إخلاصي لك! # الملكة ~~(في تردد) ~~: # لا، لا. أنا واثقة منك كل الثقة، ولكن! # بنفيه ~~(في جرأة) ~~: # إذن دعيني أوفر عليك مشقة الإجابة على هذا السؤال الخطير، وأجيب عليه بدلا منك، ~~الخاتم يا مولاتي أهدي إلى دي توسكا، وحين أدركت خطأك بإهداء الخاتم إليه عدت ~~فطلبت استرداده فاعتذر لك بأنه فقد، وجاء بخاتم يشبهه كل الشبه ليحل في نظر ~~الملك مكان الخاتم الأول! # الملكة ~~(في خوف وتعجب) ~~: # عجيب! إنك واقف على كل شيء من أسرارنا ~~(في حزم) # يا ~~سيدي إنك ترعبني بهذه المقدرة! # بنفيه ms102 ~~: # والذي تجهلين من أمر الخاتم هو الجزء الأعظم خطرا في المسألة، الخاتم يا مولاتي ~~أرسل إلى دوق هيس ويمر، ولا يزال موجودا عنده! # الملكة ~~(في اندهاش) ~~: # دوق هيس ويمر ... ويلاه ويلاه. ماذا أسمع! # بنفيه ~~: # هل تعرفين ماذا يريد الدوق من الحصول على الخاتم؟! # الملكة ~~(في رعب) ~~: # رباه! أي سهم بقي في كنانة الدهر، ولم يصوبه إلى فؤادي؟! # بنفيه ~~(في ثقة يخرج ورقة من جيبه) ~~: # وهذه يا مولاتي صورة الخطاب الذي بعث به إلى دي توسكا تهدين إليه الخاتم، مأخوذة ~~بالفوتوغراف عن الكتاب الأصلي. وهو بخطك وتوقيعك! # الملكة ~~(تشيح بوجهها جانبا) ~~: # رحمة رحمة يا سيدي! # بنفيه ~~: # والدوق قد حصل على الصورة الأصلية وأبقاها عنده مع الخاتم ليقدمها إلى الملك في الوقت ~~المناسب، أي إنه يريد أن يهديك بهذا السلاح الماضي، ليحصل منك على ما يطمع، فإن امتنعت ~~ينتقم منك بلا شفقة، أي إنه يرغمك على الانتحار فرارا من العار! # الملكة ~~(تخفي وجهها بيديها) ~~: # رباه. رباه. ماذا فعلت وماذا أسمع؟! # بنفيه ~~: # تسمعين الحقيقة المؤلمة، ولكنها حقيقة يا مولاتي. # الملكة ~~(في استرحام) ~~: # سيدي، رحماك رحماك، خذ بناصري، يلوح لي أنك إنسان لا كسائر الناس، وما رأيت من عملك ~~إلى الآن إلا ما يدل على مقدرة فوق العادة، ولا أظنك تطلعني على هذه الأسرار لإزعاجي، ~~أنت الذي أنقذت حياتي، أنت الرجل القوي لا تريد إزعاجي أنا المرأة الضعيفة، أنا الملكة ~~التعسة الشقية، ولا تريد محاسبتي على ضعفي وعلى حب دي توسكا، فأنت تريد إذن إنقاذ شرفي ~~كما أنقذت حياتي، أليس هذا صحيحا يا سيدي؟! طمئن قلبي بكلمة منك. رد إلي نفسي ~~المسكينة والسلام! # بنفيه ~~(مشفقا عليها) ~~: # نعم يا مولاتي أردت أن أنقذك، ~~(في حزم) # وإنما بشرط ~~واحد لا مناص منه! # الملكة ~~(في توسل) ~~: # تكلم. إنني لا أرفض ما تسأل، ماذا تطلب؟! كل ثمن أدفعه ما دام في استطاعتي! # بنفيه ~~: # أشترط عليك أن لا تعودي لمثل هذا الخطأ، حتى نصلح الماضي ونخفي عوراته، أشترط عليك أن ~~لا تكتبي أبدا مثل هذه الخطابات. هل تعدين؟! # الملكة ms103 ~~(فرحة) ~~: # نعم يا سيدي بدون تردد! # بنفيه ~~(في حزم) ~~: # ولا لدي توسكا! # الملكة ~~(في خوف) ~~: # ولا لدي توسكا! # بنفيه ~~: # إذن ثقي بأنني أرد لك هذا الخاتم، وكل رسائلك التي تخافين من ظهورها، فإياك أن تبوحي ~~بهذا السر الخطير، فإن كلمة منك بخصوصه لأي إنسان تعرقل عملي وتدنيك من الانتحار. # الملكة ~~: # ثق بوعدي ولا تخف! # بنفيه ~~: # أخشى أن يعاودك الضعف؟! # الملكة ~~: # إن تصوري ما يتهددني من الخطر يقويني على هذا الضعف. # بنفيه ~~: # إذن عودي إلى قصرك، وإياك أن يعلم أحد بأمر هذه المقابلة. # الملكة ~~: # متى ترد إلي الخاتم والرسائل؟! # بنفيه ~~: # يوم أحصل عليها وأجيء بها من عند الدوق. # الملكة ~~: # أنت عناية الله بعثها لإنقاذي، فشكرا لله، ولكن ما الذي يدفعك يا سيدي للمخاطرة ~~بنفسك من أجلي؟! وأنت تعلم أن الدوق جبار من الجبابرة العظام، وتعلم أنني ملكة ضعيفة، لا ~~حول لي ولا قوة! # بنفيه ~~(في حنان) ~~: # يدفعني إلى الأخذ بيدك وانتشالك من الهوة التي سقطت فيها دافع قوي لا أعرف كيف أسميه؛ ~~فالأمر الذي يسبب ضعفك أمام دي توسكا هو بعينه السبب الذي يقويني لإنقاذك! # الملكة ~~(فرحة) ~~: # فهمت فهمت. أنت تحبني! ~~(ستار) # الفصل الثالث ~~(خمارة في لوكاندة، يظهر الدوق يحتسي الخمر بشراهة) # ماري ~~: # جاك ... من هذا الرجل الذي لا يشفق على كئوس الخمر؟! # جاك ~~(ناظرا إليه متعجبا) ~~: # ألا تعرفينه يا ماري؟! # ماري ~~(في استنكار) ~~: # ما رأيته غير هذه الليلة ~~(الدوق يشرب بكثرة مفرطة) # انظر انظر كيف يفرغ الخمر في جوفه؟ إنه يشرب بلا وعي ولا حذر، كأنه يريد أن ينتحر! # جاك ~~(يلتفت يمينا ويسارا في حذر) ~~: # هذا عظيم من أكبر عظماء أوروبا يا ماري! # ماري ~~(مستنكرة) ~~: # لعلك تمزح! وهل هكذا يفعل العظماء؟! يقتلون أنفسهم بالخمر؟! # جاك ~~: # لكل إنسان عيوب خاصة، ومكان ضعف معين، فمن عيوب هذا الرجل الاستهانة بقيود الواجبات ~~والعادات، والإدمان على الخمر، وحب النساء! # ماري ~~(في غضب) ~~: # وهل تعد حب النساء من العيوب يا جاك؟! سامحك الله، وماذا تفعل أنت؟ ألست ~~تحبني؟! # جاك ~~(مستدركا) ~~: # أحبك يا ماري، ولكن حب ms104 هذا الدوق للمرأة لا يماثل حب سائر الرجال إياها! # ماري ~~(في تعجب) ~~: # وهل هو دوق؟! # جاك ~~(في قوة) ~~: # هو دوق، ومن أرفع البيوت عمادا وأعظمهم جاها! # ماري ~~(تنظر في تعجيب) ~~: # وكيف يحب هذا العظيم السكير؟! # جاك ~~: # يحبها لأول لحظة يراها، وينساها لأول خطوة يبعد، ولا يفكر في النساء إلا وهو في حال ~~السكر، ويندر جدا أن لا يكون إلا سكرانا ثملا! # ماري ~~: # غريب أمر هذا الإنسان، وكيف ترضى عشيقته بهذه التصرفات؟! وكيف ترتبط به؟! # جاك ~~: # أراك لم تدركي ما أريد؟! ليس الدوق من الذين يرتبطون مع امرأة معينة بحب ثابت أو بقيد ~~دائم، ورأيه في المرأة لا يسرك أن تسمعيه، فالرجل يطلب الشراب يملأ به جوفه، ولا يكف ~~إلا إذا فاضت الخمر من فمه، وطاش عقله ونظره، فيطلب المرأة - وكل امرأة يصادفها ترضيه - ~~فيزعجها بأحواله الشاذة وسماجته، ولكنه يرضيها بسخائه، فإذا فارقها لا يعود يذكرها، أو يذكر ~~أنه عرفها، وكل نساء الشوارع والحانات يعرفن له هذه الفضيلة، ويستفدن منها كل الفائدة، فإنه ~~يحبهن جميعا، ولا يعرفهن أبدا، ولا يختار ولا يفكر في الاختيار، ولو صادفه دب في ثوب ~~امرأة لرضي به وجلس إليه يغازله، ويردد ما حفظ من العبارات لملاطفة المرأة! # ماري ~~(مستنكرة) ~~: # كان الأولى بالدوق أن يشرب من دن الخمر رأسا، بدلا من أن يتعب نفسه في تحويل الدن ~~إلى جوفه بواسطة الكئوس الصغيرة ~~(تدخل سيدة جميلة، وتجلس على إحدى ~~الموائد، فينظر إليها الدوق) ~~. # جاك ~~(يلحظ الموقف) ~~: # انظري يا ماري كيف يحملق إلى السيدة التي جلست إلى تلك المائدة، أنا أراهن على أنها ~~استلفتت نظره، وعلى أنه يفكر الآن في الانتقال إلى مائدتها! # ماري ~~(ترقب المشهد باهتمام) ~~: # السيدة جميلة جدا يا جاك ~~(في تهديد) # هل ~~تعرفها؟! # جاك ~~(في تردد) ~~: # ما رأيتها أبدا قبل هذه اللحظة، ولكن مظهرها وثيابها تشير إلى أنها نبيلة وشريفة، ~~انظري، إن المقاعد التي حول المائدة محجوزة، إن المرأة على موعد مع خليل أو مع قريب! # ماري ~~(في لهفة) ~~: # انظر يا جاك، انظر إلى الدوق، ها ms105 هو يتقدم إلى ناحيتها، لعله يعرفها! # جاك ~~: # أنا واثق كل الثقة من أنه لا يعرفها ولا رآها قبل الآن! # ماري ~~(في استغراب) ~~: # وكيف يتعرف إليها؟! وكيف يسمح لنفسه بالجلوس على مائدتها؟! # جاك ~~: # الرجل سكران، وسيختلق عذرا أو حيلة للجلوس، ~~(الدوق يتحرك ~~ويصل إلى مائدة السيدة) # انظري. ها هو يجلس بدون تردد ولا تكلف، كأنه لا يشعر ~~بوجودها! # السيدة ~~(مستغربة من جرأة الدوق) ~~: # تنبه يا سيدي. إن هذه المقاعد محجوزة لي ولمن معي، ولا يلبث أصحابها أن ~~يجيئوا! # الدوق ~~(بلا مبالاة) ~~: # محجوزة يا سيدتي! # السيدة ~~: # نعم محجوزة لنا من قبل! # الدوق ~~(يترنح في جلسته) ~~: # ولكنني في حالة تعب شديد، وقد اعتراني دوار في الرأس وألم في المعدة وارتخاء في ~~المفاصل، فهلا تسمح لي السيدة بالراحة بضع دقائق حتى تهدأ آلامي! # السيدة ~~: # إن اعتذارك يا سيدي يرغمني على قبول ما تبديه، فالإنسانية تقضي بهذا ~~(يدخل الخادم) ~~. # الدوق ~~(للخادم) ~~: # زجاجة شمبانيا # السيدة ~~(في استغراب) ~~: # ما هذا الفضول يا سيدي؟! إن تصرفك لا يتفق مع ما أبديت من العذر! وأنا لا أسمح لك ~~بالبقاء! # الدوق ~~(في جرأة) ~~: # لنفرض أنك لا تريدين بقائي، فكيف ترغمينني على ترك هذا المقعد؟! # السيدة ~~(في حزم) ~~: # أطلب إليك الابتعاد حالا! # الدوق ~~(في هدوء) ~~: # وإذا فرض وكنت سمجا ولم أطع هذا الأمر الذي لا يتفق مع إرادتي وسروري! # السيدة ~~: # أدعو الخادم فيطردك من هنا ~~(بتودد وهدوء) # ولكنك لا ~~تلجئني طبعا إلى هذه الغلظة! # الدوق ~~(فرحا) ~~: # طبعا طبعا؛ لأنني لا أريد أن أطرد، ولا أريد أن تتهم سيدة مثلك بالغلظة، خصوصا مع ~~رجل مثلي يدعى دوق هيس ويمر! # السيدة ~~(في اندهاش وفرح) ~~: # دوق هيس ويمر! # الدوق ~~(في غرور المنتصر) ~~: # نعم يا سيدتي! # السيدة ~~(تمد يدها بالسلام) ~~: # لي الشرف التام بالتعرف إلى سموك الكريم، آه يا سيدي كم يكون زوجي سعيدا حين يراك، إنه ~~مدين لصاحبة السمو الدوقة والدتكم بمنة عظيمة حفظت بها شرفه وحياته، وهو أبدا يذكر اسم هيس ~~ويمر مشفوعا بالدعاء لأهل هذا البيت ~~(يدخل الخادم بزجاجة ~~الشمبانيا) ~~. # جاك ~~(يترقب ms106 المشهد) ~~: # هل رأيت يا ماري كيف أنه تعرف إليها بلحظة، ها هما بدآ يشربان نخب بعضهما! # ماري ~~(ترقب المشهد باهتمام) ~~: # انظر، انظر. ها هو يضغط على يدها ويداعبها بقدمه! # الدوق ~~(في غزل) ~~: # إن جمالك فاتن جذاب! # السيدة ~~(في رقة) ~~: # بل إن لطف مولاي هو الذي يحمله على التنازل للنظر إلي! # الدوق ~~(يقترب منها) ~~: # بل إن هذا الحسن يجذب إليه عقلي وقلبي! # السيدة ~~(تقترب هي أيضا) ~~: # إنك تخجلني يا مولاي بهذا التعطف الذي لا أستحق! # الدوق ~~(يقترب أكثر) ~~: # أنت زهرة فاتنات باريس وعروس أحلام الشباب، بل أنت منيرفا إلهة الجمال ... ~~(يقدم إليها الكأس) # الخمر تذهب إلى الرأس، ولكن الكأس التي ~~أتناول من يدك تخطئ طريق الرأس وتذهب إلى القلب! # السيدة ~~(في دلال) ~~: # مولاي، إني سعيدة بهذه اللحظة التي أقضيها إلى جانبك ... وبودي لو تطول مدى الدهر! # الدوق ~~(في خبث ودهاء) ~~: # وإنني لأتوق إلى ما بعد هذه اللحظة ... وبودي لو يكون الاجتماع في غير هذا المكان المزدحم ~~بالجماهير! # السيدة ~~(تبتعد عنه فجأة) ~~: # ها جاء زوجي ~~(يدخل بنفيه متنكرا) ~~. # بنفيه ~~(معتذرا) ~~: # لقد أبطأت عليك يا تيريز، أعذريني فإن ... ~~(ينظر إلى الدوق ~~مستغربا جلوسه على مائدة زوجته) ~~. # السيدة ~~(تقاطعه) ~~: # اسمح لي أن أقدمك إلى السيد العظيم الذي غمرتك والدته بمنتها، والذي تذكر اسم ~~عائلته دائما بالدعاء والحمد! # بنفيه ~~(مقاطعا فرحا) ~~: # لعله مولاي الدوق هيس ويمر! # السيدة ~~(في سعادة) ~~: # نعم. هو بعينه ذلك السيد العظيم! # بنفيه ~~(مستبشرا) ~~: # ليلة مباركة، وشرف ما كنت أؤمله، وسعادة ما حلمت بها، ما أسعدك يا زوجي بالمكث مع ~~السيد العظيم ~~(يدخل الخادم) # زجاجات من الشمبانيا وكأس ~~لي. # الدوق ~~(ينظر إلى الزوجة) ~~: # سروري عظيم بمعرفة السيدة ~~(يملأ الكأس) ~~. # بنفيه ~~(غير مهتم بنظرات الدوق لزوجته) ~~: # أسيرة منتكم ... السيدة دي ترامبل! # الدوق ~~(في نشوة) ~~: # اسم سأذكره ما حييت، وأذكر هذه الليلة الحافلة. # بنفيه ~~: # هي ليلة رأس السنة الجديدة يا مولاي، وهي فأل حسن يجعلني أومل بأن العام الجديد يكون ~~عام خيرات وبركات لمناسبة حظوتنا بمعرفة شخصك الكريم ... ~~(يحضر ~~الخادم) # مولاي. بقيت دقيقة واحدة ms107 تودع أثرها العام الحاضر ونستقبل العام الجديد ~~(تدق الساعة الثانية عشرة) # فاسمح لنا أن نشرب نخب ~~سموكم في هذه اللحظة ليكون عامنا الجديد مباركا. # الدوق ~~(ينظر إلى المرأة وهو يترنح) ~~: # وأنا أقترح أن نشرب الكأس الثانية ... نخب زوجتك الجميلة السيدة ... ~~(يترنح أكثر من السكر) ~~. # بنفيه ~~: # دي ترامبل ~~(يتظاهر بالسكر أيضا) ~~. # الدوق ~~(متذكرا) ~~: # نعم السيدة دي ... دي ترامبل ~~(يكاد أن يسقط) ~~. # بنفيه ~~(يترنح أكثر ) ~~: # يلوح لي أنني ثملت من الخمر، وما عدت أستطيع الوقوف ~~(يكاد أن ~~يسقط) ~~. # السيدة ~~(تتظاهر بالشعور بالإغماء) ~~: # وأنا أشعر بدوار شديد في رأسي، وأحس المكان يرقص بمن فيه ~~(تتظاهر بالسقوط) ~~. # الدوق ~~(يسندها فرحا) ~~: # استندي على ذراعي يا سيدتي العزيزة، فأنا لا أشعر بشيء! # بنفيه ~~(يمسك بالدوق) ~~: # وأنا أستند على ذراعك الآخر يا مولاي، فإن الأرض تضطرب تحت قدمي ~~(يخرجون جميعا مستندين بعضهم على بعض) ~~. # المنظر الثاني ~~(منزل) # خادم ~~(غاضبا) ~~: # ما هذه الحياة؟! أقضي كل نهاري، والشطر الأعظم من ليلي في الخدمة، بدون أن أجد لحظة ~~قصيرة للتخلص من هذه الأعمال المتعبة، حتى في ليالي الأعياد، وفي ليلة رأس السنة الجديدة، ~~إن سيدتي ستجيء كعادتها متأخرة وثملة من الخمر، فلا أستطيع مبارحة المنزل إلا بعد انقضاء ~~أوقات النزهة، وا أسفاه! كنت أريد أن أسر ببدلتي الجديدة، لقد دفعت ثمنها غاليا، ~~وأعددتها لهذه الليلة لأتنزه بها وأنا مستند على ذراع حبيبتي كلايا، ويلاه ليت هذه السيدة ~~تجيء فأنصرف إلى موعد كلايا ~~(طرق بالباب) # يا ترى من ~~الطارق؟ ~~(يذهب ويفتح الباب، فيدخل الدوق والمرأة ممسكين ببنفيه ~~ثملا، فيأخذ مكان المرأة) ~~. # السيدة ~~(داخلة) ~~: # من هنا يا مولاي، رويدا رويدا، فإن جسمه ثقيل ~~(يدخل الدوق ~~والخادم يحملان بنفيه) ~~. # الدوق ~~(فرحا بعد أن وضع بنفيه) ~~: # لقد خلا لنا الجو! # السيدة ~~(بدلال) ~~: # انتظر يا مولاي حتى أصرف الخادم، فقد ينقل لزوجي ما يرى ويسمع ~~(للخادم) # هل انتهيت من عملك ~~(يشير ~~برأسه نعم) # لقد جئت مسرعة حتى لا أحرمك من النزهة والرياضة في هذه الليلة ~~الزاهرة ~~(تخرج مالا وتعطيه إياه) # خذ هذا الريال ~~أنفقه على ms108 سهرتك ... عام سعيد. # الخادم ~~(في فرح) ~~: # أعاده الله على مولاتي بالخير، هل تأذنين لي بالانصراف؟! # السيدة ~~: # نعم عن طيب خاطر، اذهب وكن عاقلا ولا تشرب كثيرا، واحترس من السكارى ومن طيش ~~المخمورين! # الخادم ~~: # سأعمل بنصيحة سيدتي ~~(يخرج) ~~. # السيدة ~~(تغلق الباب وراء الخادم وتخلع ثيابها وهي تقترب من الدوق) ~~: # لقد شرفت منزلنا يا سيدي الدوق، كم أنا سعيدة بهذه الخلوة، كم أسر يا مولاي ~~من الرجال الأقوياء، فإن الخمر لا تزيدهم إلا ثباتا وتعقلا ولطفا! # الدوق ~~(ناظرا إلى جسدها) ~~: # أنا أراهن من يشاء على شرب عشرين زجاجة من الشمبانيا بعد الذي شربت. # السيدة ~~: # ولكن زوجي ضعيف، يسكر من لا شيء، والقدر القليل من الخمر يذهب بصوابه، فلا أهنأ معه ~~في حفلة ولا في عيد ~~(تقترب منه بدلال ممسكة معطفه) # هل يريد مولاي الدوق أن يخلع معطفه؟! # الدوق ~~(يساعدها على خلع المعطف) ~~: # نعم، وأريد أن أخلع ثيابي أيضا. # السيدة ~~(تملأ له الكأس وتضع فيه شيئا) ~~: # ما هذه الرأس التي لا تفقد صوابها ~~(لنفسها) # لا ~~أظنه يقوى على هذا المخدر ~~(للدوق) # ليشرب مولاي هذه ~~الكأس نخب ليلتنا الزاهرة بوجوده. # الدوق ~~(يأخذ منها الكأس ويصبه في جوفه صبا) ~~: # سيبقى ذكر هذه الليلة في ذاكرتي إلى الأبد ~~(ينظر إلى ~~جسدها) # فإن جمالك الفتان ليس مما يزول تأثيره من القلب ... ~~(يبدأ في الترنح) # ولا صورته من الذهن، أنا أحبك يا سيدة ... يا ~~سيدة! ~~(يكاد أن يسقط من تأثير المخدر) ~~. # السيدة ~~: # ترامبلان. # الدوق ~~: # ترامبلان ~~(يشعر بدوار ويتلعثم في الكلام) ~~... ترام ... ~~بلان ... اسم لطيف ... أين أن ... ت ... أنا ما عدت ... أراك ... ما هذا الدوار؟ رأسي! رأس ... ي ~~(يسقط على الأرض) ~~. # بنفيه ~~(يفيق من إغمائه المصطنع) ~~: # أحسنت يا جوزيفين في تمثيل هذا الدور! # السيدة ~~: # كنت أخشى يا سيدي أن لا يؤثر فيه المخدر كما لم يؤثر فيه السكر! # بنفيه ~~(يتفحص الدوق ويتأكد من إغمائه) ~~: # الرجل قوي الجسم ومعتاد الشراب، أحسنت في إعطائه المخدر وإلا لأفلت من يدي، أحضري ~~السلة الكبيرة ~~(تذهب لإحضار السلة فيقول لنفسه) # المرأة ~~لا تؤتمن على ms109 السر، ولو كانت عاشقة فمن الحكمة أن يكتفى بها كآلة، وأن يتقى بجهلها شر ~~الوشاية والخيانة، المرأة ضعيفة، وأضعف منها من يركن إليها، ~~(تدخل جوزيفين ومعها السلة) # جوزيفين. تعالي إلى جانبي، فإنني بحاجة إلى ~~محادثة قصيرة، تعالي أيتها الجميلة. # السيدة ~~: # كل الناس يعجبون بهذا الجمال ويؤثر فيهم إلا أنت يا بنفيه، فإن قلبك كالصخرة، لا ~~يحس ولا يشفق على المرأة إذا أحبتك! # بنفيه ~~(بصوت رقيق) ~~: # وهل تحبينني حقيقة يا جوزيفين؟! # السيدة ~~(في حنان) ~~: # هل أنت في شك من هذا؟! أبعد كل الذي رأيت تشك في حبي إياك؟! جربني يا بنفيه ~~لتتحقق من صدق قولي، فإن قوة الحب الذي أشعر به تجعلني أضحي حياتي إطاعة لك، حيث تشاء ~~وكيف تريد! # بنفيه ~~(بخبث) ~~: # أنت جميلة أيتها الفتاة ~~(يبتعد عنها قليلا) # ولكن ~~الذي أحبه في المرأة ليس هو الجمال المغري، ولا المحاسن الجذابة، أحب فيها قلبها إذا كان ~~لها قلب، وأحب في القلب الإخلاص، فهل أنت مخلصة لي؟! # السيدة ~~(بعتاب) ~~: # ماذا يفيد القول؟! وهل مثلك يقنع من مثلي بالكلام والوعود والعهود، دع الحوادث ~~تظهر لك ما تسأل عنه! # بنفيه ~~: # يا جوزيفين. لقد شاركتك في أمر أضن على الرجال بمشاركتي فيه، وأطلعتك على ~~سر أخشى أن تبوحي به، نعم أنت تحبينني، ولكن المرأة ضعيفة وغير حريصة، فأخشى أن يهتدي ~~البوليس بواسطتك إلى سر هذه الحادثة فينتصر علي ويعرقل أعمالي، ولقد كنت إلى هذه ~~اللحظة أمزح معه وأسخر به، فأنا لا أشك في إخلاصك وأمانتك، ولكنني لا أركن إلى المرأة ولا ~~أثق بها للأسباب التي ذكرت ... ضعفها ... وعدم حرصها ... وإليك الدليل؛ ما اشترك رجل ~~وامرأة في حادثة، إلا وكانت المرأة سببا يرشد العدالة إلى شريكها. # السيدة ~~(في صدق) ~~: # صدقني يا بنفيه، إنني أوثر الموت على أن يصل إليك مكروه! # بنفيه ~~(في حنان) ~~: # قد يصدق ما تقولين، ولكن ذلك رأيي ولا أحيد عنه! # السيدة ~~(متعجبة) ~~: # وماذا تريد أن تعمل؟! ولماذا أشركتني في الأمر ما دمت لا تثق بي؟! # بنفيه ~~: # أشركتك في الأمر لأن المرأة هي الشرك ms110 الذي أصيد به هذا الدوق الفاجر، وأما منع ~~الخطر فإنني سأعتمد فيه على إخلاصك وعلى حبك إن كنت تحبينن! # السيدة ~~(في إصرار) ~~: # بنفيه، لا تتردد فيما تريد أن تفعل بي، ها أنا ذا بين يديك، مرني أطعك، أو ~~اقتلني إذا شئت، فإن القبر يضمن لك كتماني هذا السر! # بنفيه ~~(في ود وحنان) ~~: # لا حاجة لي بقتلك يا جوزيفين الجميلة؛ فإنني لم أتمتع بعد بهذا الحسن النادر، وكل ما ~~أريده منك أن تثبتي لي إخلاصك بتضحية أيام من حياتك تقضينها في السجن الذي أختاره ~~لك! # السيدة ~~(مندهشة) ~~: # في السجن ... في السجن! هل تريد أن تلقيني في السجن؟! ماذا تطلب إلي يا بنفيه! # بنفيه ~~: # أطلب إليك أن تتذكري أنني أحبك، وأن هذا الحبيب يريد منك أن تطيعيه، يريد منك أن ~~تغادري هذا المنزل، وأن تسجني نفسك في المكان الذي يختاره لك، إلى أن يضلل البوليس ~~ويغتنم ما يطمع به، ثم يعود إليك ليختطفك من باريس ويذهب بك إلى حيث تنعمين بالحب. # السيدة ~~(في خوف وتردد) ~~: # ألست تخدعني يا بنفيه؟! # بنفيه ~~(في ثقة) ~~: # هبي أنني أخدعك، هل ترفضين أن أخدعك؟! ألا تريدين أن تطيعي إرادتي؟! أنا لا أرضى ~~إلا أن تكون المرأة التي أحب طوع إشارتي، مجردة من كل إرادة، لا تفكر إلا برأسي، ولا ~~تنطق إلا بلساني، ولا تعمل إلا ما أريد وأقضي، أريد أن تفني ذاتية المرأة في حبها، ~~وأن يكون معنى الحب الإخلاص، هنالك أصدق أن المرأة تحب، وربما أسمح لقلبي بحبها، فهل ~~تريدين أن تكوني تلك المرأة؟! هل تريدين أن أحبك؟! # السيدة ~~(كالحالمة) ~~: # نعم ... # بنفيه ~~: # وهل تريدين أن تضحي كل شيء في سبيل مرضاتي؟! # السيدة ~~: # نعم ... # بنفيه ~~(يناولها كأس الدوق الذي به المخدر) ~~: # إذن خذي شيئا من المخدر الذي شرب منه الدوق، ودعيني أفعل بك ما أشاء. # السيدة ~~(مستسلمة) ~~: # لا بد إذن من هذه التضحية! # بنفيه ~~(بإصرار) ~~: # نعم ... # السيدة ~~: # هل تثق بإخلاصي لك بعد هذه التجربة؟! # بنفيه ~~: # ربما ... # السيدة ~~: # إذن أفعل عن طيب خاطر ~~(تشرب المخدر) ~~. # بنفيه ~~: # أشكر لك ms111 الثقة بي يا جوزيفين، ستنامين نوما عميقا، ثم تستيقظين في غرفة أعددتها ~~لإقامتك إلى أن يزول الخطر، يومين أو أكثر، فكوني مطمئنة واعتمدي علي كل ~~الاعتماد # السيدة ~~: # أنا أحبك وكفى، نعم أحبك يا بنفيه كل الحب ... أين أنت ~~(يغشى ~~عليها) ~~. # بنفيه ~~(ينظر إلى جسد الدوق النائم) ~~: # بارك الله في العلم، فقد هذبت به وسائل الانتقام والكيد واللصوصية، فالعلم يمكن أن ~~يؤدي إلى الخير ، كما يمكن أن يكون عدة للشر ~~(يخرج إبرة طبية ~~ويوغز بها جسد الدوق) # هذه الإبرة الحقيرة ستؤثر في كل هذا الجسم القوي، وتجعله ~~في حالة شلل وقتي يزول بزوال تأثير هذه المادة، فبهذه الإبرة الحقيرة أصل إلى أوراق ~~الملكة وأنقذها من الخطر ومن حب دي توسكا، وأفتح بابا إلى قلبها ~~(يفيق الدوق) ~~. # الدوق ~~(ينظر حوله) ~~: # ما هذا؟! أين أنا؟! ما لجسمي لا يطاوعني على الحركة؟! ~~(يرى ~~بنفيه) ~~. # بنفيه ~~(يربت على كتفه) ~~: # تنبه يا سيدي الدوق، فإن لي معك حديثا. # الدوق ~~(يحاول أن يتذكر) ~~: # من أنت؟! وما لجسمي لا يتحرك؟! # بنفيه ~~: # أنا خليل المرأة التي كنت تغازلها، وجسمك لا يتحرك لأنني أردت أن أوقف هذه الحركة، ~~إلى أن نتفق على إعادتها، أو على إيقاف حركة الرأس أيضا! # الدوق ~~(ينظر حوله) ~~: # وأين هي السيدة؟! # بنفيه ~~(مبتسما) ~~: # لا تزال تذكر السيدة، انظر، ها هي إلى جانبك لا حركة بها! # الدوق ~~(ينظر إليها في رعب) ~~: # هل قتلتها؟! # بنفيه ~~(في إصرار وحزم) ~~: # هذا لا يعنيك، تنبه جيدا وأجبني على ما أسأل عنه، واحذر أن تخونك الذاكرة، فإن ~~خانتك أو إذا حاولت أن تكذب فإنني أقتلك لا محالة! # الدوق ~~(يزداد رعبا) ~~: # تقتلني! ما هذه الرؤيا المزعجة؟ أفي يقظة أنا؟! لا شك أنني أحلم ~~(يضربه بنفيه على رأسه) # مهلا مهلا لقد ألمتني. # بنفيه ~~: # تيقظ لسؤالي وأجب بسرعة، أين وضعت خطابات الملكة ناتالي، وأين خبأت ~~خاتمها؟ # الدوق ~~(مبهوتا) ~~: # الملكة ناتالي! ~~(يتذكر) # خطاباتها ... خاتمها ... ما ~~شأنك أنت بالذي تذكر؟! # بنفيه ~~: # شأني أنني وعدت الملكة برد هذه الأشياء إليها، وأريد أن أفي بهذا الوعد، فأين ~~خبأتها؟ تكلم، ms112 واعلم أن حياتك مرهونة على الصدق، وعلى استرداد هذه الأشياء منك. # الدوق ~~: # لا أعرف الذي تقول، ولا أريد أن أجيب # بنفيه ~~: # أنا لا أعارضك فيما تختار لنفسك ~~(مهددا) # فإن لك ~~كل الخيار في إيثار الموت على الحياة! # الدوق ~~(مرعوبا) ~~: # تقتلني! # بنفيه ~~(بثبات) ~~: # لم لا، لقد اشترطت علي الملكة أن أجيء إليها بما حصلت عليه من الخطابات ~~والخاتم، وإذا تعذر الأمر آتيها برأسك، حتى تأمن شرك، وتأمن الانتقام والفضيحة، ~~وليس أيسر علي من إنجاز ما وعدت، ولا يكلفني أخذ رأسك سوى قطعها، إن موتك لا يترك ~~سبيلا للانتقام منها، ولو فرض وظهرت الخطابات بعد موتك فلا يوجد من يرغب في الانتفاع ~~بها من طريق الانتقام. # الدوق ~~(يزداد رعبا) ~~: # كيف يطاوعك قلبك على ارتكاب جريمة القتل؟! # بنفيه ~~(يزداد تهديدا) ~~: # وكيف يطاوعك قلبك أنت الآخر على الانتقام من امرأة ضعيفة، الموت أفضل جزاء لمثلك ~~لتلحق روحك روح دي توسكا في جهنم! # الدوق ~~(فزعا) ~~: # دي توسكا! هل مات دي توسكا؟! # بنفيه ~~(يستل خنجره) ~~: # سل روحه هذا الخنجر! # الدوق ~~(ينظر برعب إلى الخنجر) ~~: # ويلاه قتلت دي توسكا، لقد كان عدتي للانتقام من العاهرة العنيدة، ويلاه كيف ~~قتل؟! # بنفيه ~~: # سله في جهنم ينبئك بما تسأل عنه، وأقرئه هناك تحية الشيطان ~~(يستعد لطعن الدوق) # ناتالي أيتها الملكة المحترمة، هكذا أنتقم لك من الأشرار ~~الخائنين. # الدوق ~~(يتراجع متوسلا) ~~: # مهلا، مهلا يا صاحبي. ماذا تربح من قتلي؟! # بنفيه ~~(في إصرار) ~~: # أنا لا أبحث عن الربح، وإنما أريد منع الأضرار عن مولاتي الملكة. # الدوق ~~: # رحماك يا هذا، أصفح عني ارحمني. # بنفيه ~~(مهددا) ~~: # دلني على الخطابات وعلى الخاتم. # الدوق ~~(بمكر) ~~: # قد تقتلني إذا أرشدتك إلى مخبئها. # بنفيه ~~: # ماذا أخاف من الثعبان بعد خلع أسنانه. # الدوق ~~(منهارا) ~~: # اذهب إلى حجرة نومي، فالخطابات والخاتم في أكرة السرير السفلي ليمينك بعد أن تصعد ~~الدرج، هل ترد لي العافية والحرية؟! # بنفيه ~~(يسحب الخنجر من وجه الدوق) ~~: # نعم إذا كنت صادقا، وسأبقيك في هذا الطابق، لا يشعر بك الشيطان، ولا تهتدي لمقرك ~~الجان، حتى أثبت من ms113 صدقك وأحصل على هذه الأشياء، فإن كنت كاذبا كان هنا قبرك! ~~(ستار) # الفصل الرابع ~~(غرفة مكتب محافظ باريز) # محافظ باريز ~~(يقرأ في أوراق أمامه) ~~: # ما هذه المزعجات، لم يبق أمامنا من الأعمال غير دوق هيس ديمر؛ مجيء الدوق إلى باريز ~~... وسفره من باريز ... وحراسته في باريز ... ما هذه الأحوال المرتبكة؟! وما هذه العناية التي لا ~~مكان لها مع سكير فاجر؟! الدوق ... الدوق ... جاء الدوق ... غاب الدوق ... أين الدوق ... أنا أوثر ~~الاستغناء من منصبي ... على احتمال هذه الأمور الصبيانية ~~(يدخل ~~جندي) ~~. # جندي ~~(بعد أداء التحية العسكرية) ~~: # حضر يا مولاي مدير إدارة البوليس السري بناء على أمركم. # المحافظ ~~: # دعه يدخل ~~(لنفسه) # أنا لا أجد ما ألوم به هذا الرجل ~~القدير، ولكن ما الحيلة ووزارة الداخلية تزعجني دائما بشأن الدوق ... وغرام الدوق ... وسكر ~~الدوق ... ~~(يدخل هافار مدير إدارة البوليس السري فيقول له) # هل تعرف لماذا استدعيتك الآن يا هافار؟! # المدير ~~: # كلا يا سيدي، فهل حصل شيء هام؟! # المحافظ ~~(باستخفاف) ~~: # هل حدث شيء هام! تسألني عن الذي حدث! إذن ماذا تصنع في المدينة؟! وماذا يصنع جيشك ~~الجرار من رجال البوليس السري؟! إنني لا أشعر بوجود هذا العدد العظيم إلا يوم يجيئون لقبض ~~المرتبات! # المدير ~~(بحماس) ~~: # سيدي، العدل وحب الدفاع عن الحقيقة يسمحان لي بالدفاع عن أولئك الأبطال، أنت لا ترى ~~أولئك العمال المجدين؛ لأن لهم أعمالا تقضي عليهم بالتنكر والاختفاء عن الإنظار، فإذا كنت ~~لا تراهم فليس هذا جريمة ولا تقصيرا منهم، فإذا كان لسيدي الرئيس شكوى من عامل بخصوصه، أو ~~منا جميعا بسبب حادث أو شأن واضح تقصيرنا فيه، فليذكره سيدي المحافظ لنعرف موضع الخطأ ~~فلا نعود إليه، أو نعرف قصورنا فنترك وظائفنا لمن هو أكثر جدارة وكفاءة! # المحافظ ~~(بتهكم يعطيه بعض الأوراق) ~~: # خذ يا هافار، اقرأ ما يكتبه إلي الوزير، وانظر ما بعثت به إليه وزارة الخارجية، ~~(يأخذ المدير الأوراق ويقرأها) # أنا لا أريد أبدا أن ~~ينسب إلينا التقصير في أعمالنا، وأمثال هذه الملاحظات من وزيري الداخلية والخارجية ~~تفقدني الصواب! # المدير ~~(ينتهي ms114 من القراءة) ~~: # دائما بخصوص دوق هيس ويمر! لعن الله الساعة التي عرف فيها طريق باريز، إن دوائر ~~البوليس يا سيدي ما عاد يشغلها غير هذا السكير، وروحاته وغدواته وسهراته وسكره وغرامه ... ~~ومطاردة لص محنك أو مجنون خطر أيسر علينا من المحافظة على مثل هذا الأحمق! # المحافظ ~~(بعصبية) ~~: # أنا لا أسأل الآن عن صعوبة أو سهولة المحافظة عليه أو مراقبته ... وإنما أسأل عن الرجل ~~أين هو؟! وماذا أصابه؟! من الثابت أن الرجل في باريس، وها هو اختفى فجأة، بدون أن يدري ~~رجاله مكانه، وها هي حكومة بلاده مهتمة بأمره، فأين الرجل؟! لقد كررت عليكم أن لا تفارقه ~~عيونكم لحظة واحدة، فكيف غاب عنكم؟! # المدير ~~(يعيد الأسئلة متعجبا) ~~: # أين الرجل؟! ~~(باستخفاف) # وهل يكون الدوق إلا في ~~ماخوره مع بعض النساء ~~(يكرر السؤال) # كيف لا تفارق ~~عيوننا شخصه؟! ~~(بتهكم) # وهل يريد سيدي أن يدخل رجالي معه ~~إلى سرير المرأة التي يضاجعها؟! يكون مكان لهذه الملاحظات وللتأنيب الذي أسمع إذا كان غياب ~~الدوق بغير اختياره ولجريمة وقعت، أما إذا كان يغيب لإرضاء شهواته وملذاته فليس من قوة في ~~العالم تستطيع أن تقيد حريته ولا أن تمنعه من التغيب! # المحافظ ~~(ينظر إلى الأوراق التي أمامه) ~~: # بماذا أجيب على هذه الأوراق؟! أين الرجل؟! ~~(بعصبية) # أبحث عنه عين لي مكان وجوده، ودعني أزعج حكومته وقنصل بلاده ووزير الداخلية، وأذهب معهم ~~إلى ذلك المكان لأريهم الدوق في ملذاته ... في منكراته ... حتى يكفوا عن مثل هذه ~~المزعجات. # المدير ~~: # سأكلف رجالي بمعرفة مكانه إذا كان هذا يضع الحد الأخير بيننا وبين تصرفات الدوق الشخصية ~~وبين حكومة بلاده، لقد كان آخر عهدنا بأخباره ليلة رأس السنة؛ فإنه خرج مع سيدة كانت في ~~حالة سكر مع رجل سكران أيضا، وقد اشتبه أحد رجالي في أمر الرجل، وبعد غياب الدوق اقتفى ~~البوليس أثر الرجل، وربما كشفنا سر هذه الحوادث في أقل من يوم واحد. # المحافظ ~~(بارتياح) ~~: # هذا الذي أريد. # المدير ~~(يهم بالخروج) ~~: # هل يسمح لي سيدي بالانصراف. # المحافظ ~~: # كلا يا هافار، بل أريد ms115 أن تجيء معي إلى وزير الداخلية لتعيد على مسمعه هذه ~~الأقوال. # المنظر الثاني ~~(غرفة الدوق هيس ويمر وبها سرير نومه) # بنفيه ~~(يدخل متلصصا) ~~: # إذا لم يكن الدوق كاذبا ووجدت الأوراق والخاتم في المكان الذي دلني عليه أكون قد ~~هدمت كل ما بنى دي توسكا من وسائل الانتقام، وأكون واثقا من البلوغ إلى قلب الملكة ~~التي أحب، آه يا ناتالي يا ليت عينيك تبصران ما أعمل، والخطر الذي أعرض حياتي ونفسي ~~له، ليتك تعلمين أيتها المحبوبة ما أقاسي في سبيل إنقاذك، وبدافع الحب المتسلط على عقلي ~~ونفسي ~~(ينبش بعض الأشياء في الغرفة) # هنا لا أجد شيئا ~~(منزعجا) # أفيكون الدوق قد كذب علي وعرض نفسه ~~لانتقامي ~~(يزيد في البحث) # أو أجد الأوراق فأجد الراحة ~~والهناء والغبطة، وتتحقق كل أماني، إن قلبي يختلج في صدري وما عرفت نفسي ضعيفا أبدا ولا ~~جبانا ولا جزوعا، يا ألله إنني أسمع ضربات القلب بأذني ~~(يتسمع) # ما من أحد هنا، ومن هذا الذي يدري بمكان وجودي أو بعزمي على إتيان ~~هذا المكان، أنا لست خائفا من الناس، وإنما أخاف الفشل، ~~(يصعد ~~درجات سرير نوم الدوق) # أخاف أن لا أجد ما تجشمت من أجله كل هذه المتاعب ~~(يحرك أكره السرير) # الويل لك يا دوق إن كنت خدعتني ~~(تفتح الأكره) # الحمد لله، هذه خطاباتها بعينها، ~~الويل لك يا دي توسكا، لقد قبضت عليك، إن متاعب الأخطار تزول عند الشعور بلذة الانتصار ~~(يدخل رجل البوليس شاهرا مسدسه) ~~. # رجل البوليس ~~(يطلق رصاصة بجوار بنفيه) ~~: # يا بنفيه باسم القانون ألقي القبض عليك. # بنفيه ~~(يقف مبهوتا وظهره لرجل البوليس) ~~: # لو أراد الرجل قتلي بالرصاص ما أخطأ إصابتي، إذن هو يريد بإطلاق النار استدعاء الخدم ~~وأهل القصر للاستعانة بهم في القبض علي ~~(يفكر ~~سريعا) # كيف النجاة! ماذا أفعل؟ يا قوتي لا تخونيني، يا عقلي تنبه، ~~ما الحيلة ... كيف الخلاص؟ ~~(تسمع أقدام تقترب، فيقوم بنفيه ~~بإخراج فلفلا أسود من جيبه ويلتفت سريعا إلى رجل البوليس، ويرشه على عينيه، فيصرخ ~~ويسقط المسدس من يده، ويأخذه بنفيه ms116 ويطلق الرصاص في الهواء، وقت وصول الخدم وسكان ~~القصر، فيظنون أن الذي يصرخ هو اللص، فيقول لهم بنفيه) # إلي، ساعدوني على ~~القبض عليه ~~(فيقبض الخدم على رجل البوليس) ~~. # رجل البوليس ~~: # عيناي ... عيناي ... اللص ... اللص ... ابحثوا عنه، حذار أن يهرب منكم ... عيني ... عيني ... ~~عيني. # بنفيه ~~(إلى الخدم الممسكين برجل البوليس، وهو ينصرف هاربا) ~~: # إياكم أن يهرب منكم، احرصوا عليه حتى أستدعي الجنود ~~(ينصرف ~~وهو يصيح) # يا رجال البوليس، يا رجال البوليس ... إلى قصر الدوق ... المعونة ... ~~إلينا ... إلينا ... إلى قصر الدوق. ~~(ستار) # الفصل الخامس ~~(حديقة بها أشجار كثيفة ودي توسكا وحيدا بها، وبنفيه مقنعا يراقبه متخفيا وسط ~~الأشجار) # دي توسكا ~~: # عجيب أمر هذه المرأة، فبينما هي ضعيفة الإرادة تفعل ما يوحى إليها به بدون تردد ولا ~~فكر، تطاوع كل قوة دافعة، وتلين لكل قوة جاذبة، إذا بها تظهر فيها قوة الإرادة فجأة ~~وتتحول من الضعف إلى نقيضه، ومن المطاوعة المطلقة إلى التفكير والفحص وصدق الحكم، هل ~~تحولت عن حبي؟! محال أن يكون هذا؛ لأنها لا زالت معي كما كانت عواطفها وإحساساتها ~~وشعورها وحنوها واضحة تفضح سر الحب المملوء به قلبها. إذن ما هو سر هذا التعقل الذي منعها ~~من التورط ومن مطاوعتي في الطريق التي رسمتها لهلاكها، لقد ضاق صدري ولم يعد بنفيه من ~~باريز لينفذ الخطة الأخيرة للتعجيل بها، أنا ما عدت أستطيع الصبر على رؤية هذه المرأة ~~وزوجها رأسين متوجين، ولا عدت أحتمل تدنيس الملك عرض ابنتي، هذا العرض الملوث لا ~~يطهره إلا الدم ~~(إلى طيف الملكة) # مولاتي هل آن أن تذكري ~~عبدك الواله المعذب؟ هل آن لك أن تجيئي ~~(تدخل ~~الملكة) ~~. # الملكة ~~: # تأخرت عنك بالرغم عني يا دي توسكا. # دي توسكا ~~: # ليس لي أن أحاسب مولاتي الملكة على الذي تفعل، ألست عبدها؟! ألست الرجل الوحيد الذي ~~تستطيعين أن تقولي: إنني ملكت قلبه وعقله وجسمه وحياته! # الملكة ~~(بدلال) ~~: # ألا تزال تناديني بالملكة! دع هذا لغيرك يا دي توسكا، نادني باسمي، واذكرني باسمي، ~~ألا تزال تجهل أن لك قلبي وفؤادي وعقلي؟! ms117 أنا أحبك يا دي توسكا بكل قوة نفسي، حبا لا تبلغ ~~إليه عواطف المرأة، ولا يدركه عقل الرجل. # دي توسكا ~~(يتصنع الحب) ~~: # من هذا أتألم يا مولاتي، ولو استطعت أن أنتزع هذا الحب من فؤادك ما ترددت لحظة ~~(تبتعد خائفة) # لا تجزعي، لا تجزعي، إنني أحبك أكثر من ~~حبي للحياة، ولست أعيش إلا بقوة هذا الحب، ولكنني لا أرضى أبدا أن أكون سببا في إيلام ~~قلبك يوما ما، فإذا كنت صادقا في الحب يجب أن أضحي هنائي لتحقيق هنائك، أريد يا ناتالي ~~أن تكبحي عواطفك، وأن ترتدي عن حب دي توسكا! # الملكة ~~(في اندهاش) ~~: # ماذا تقول يا كونت؟! ماذا أصاب عقلك؟! هل تظن القلوب طوع الرغبة؟! نقول لها أحبي فتحب، ~~أو أرجعي عن الحب فترجع؟! # دي توسكا ~~(يتصنع التأثر) ~~: # مولاتي، يشق علي أن تذرفي دمعة واحدة بسببي، ويحزنني ويؤلمني أن أضيف إلى أسباب ~~انزعاجك من أحوال الحياة سببا جديدا أو باعثا على الاستياء والكدر! # الملكة ~~(في حيرة) ~~: # دي توسكا، ماذا تريد أن تقول؟! ألمثل هذا الحديث طلبت هذه المقابلة! # دي توسكا ~~: # مولاتي، أريد أن أكون صادقا في الحب إلى اللحظة الأخيرة من حياتي، وها قد دنت هذه ~~اللحظة! # الملكة ~~(كأنها تنتظر صدمة كبرى) ~~: # دنت اللحظة الأخيرة من حياتك! رباه ماذا تقول؟! دي توسكا، أوضح ما تضمر! لا تكلمني ~~بالألغاز والمبهمات، كن صريحا في قولك، ماذا تريد مما تذكر؟! # دي توسكا ~~(بجدية وحزم) ~~: # مولاتي، لكل امرئ غاية، ولكل شيء نهاية وقيمة، ~~الإنسان في الحياة بسيرته وبقدر ما يقدر له من القيمة الأدبية والشرف، وقد لوث زوجك ~~عرضي فقضى على سمعتي وعلى شرفي، فأمامي أحد أمور ثلاثة؛ إما أن أضحي الشرف وأقبل العيش مع ~~العار، أو أطهر هذا العرض بالدم، بدم من لوثه وهذا لا أفكر فيه، لأنه ملكي ولأنه ~~زوجك ووالد أبنائك، أو أختار سبيل الضعفاء وذوي الجبن فأنتحر، وعلى الأخير عولت؛ لأنني ~~أضن بحياة زوجك إكراما للملكة التي أحترمها وأحبها، سأنتحر يا ناتالي العزيزة بعد أن ~~أقتل ابنتي وأزيحها من ms118 طريقك إلى الملك، سأرد لك زوجك ... سأرد لك الهناء وراحة البال بثمن ~~قليل، بتضحية حبي أنا، بنسيان ما كان بيننا، بإغفال الماضي وأي حادث لا ينسى مع كرور ~~الزمان، بل أي حادث يضمن لي الخلود في فكر الإنسان! # الملكة ~~: # دي توسكا، هل تحبني حقيقة؟! وهل هذا الحب قوي إلى الدرجة التي أطمع بها؟! # دي توسكا ~~: # ويلاه! تسألني إن كنت أحبها؟! # الملكة ~~: # هل يعصى الحبيب التي يحب؟ ألست تطيع الملكة، بل المرأة التي تحبك؟! # دي توسكا ~~: # هل أنت في شك من أن حياتي كلها لك؟! # الملكة ~~: # إذن لا تبدد ما هو لي واحرص عليه. # دي توسكا ~~(يمثل التأثر والبكاء) ~~: # مولاتي، العار العار ... إن زوجك الملك يمزق قلبي بكل نظرة يوجهها إلى كاترين، ويهدم ~~شرفي بكل كلمة يسمعها إياها! # الملكة ~~(متشككة) ~~: # وهل أنت غير مدين للملك بمثل ما تشكو منه؟! ما ~~للناس ينظرون إلى عيوب غيرهم ويتغافلون عما بهم! يا دي توسكا عرض بعرض وشرف ~~بشرف! # دي توسكا ~~(في تودد مصطنع) ~~: # ولكن غرامنا يا مولاتي سر غير معلن؛ فشرف الملك وعرضه مصونان في نظر الناس! # الملكة ~~(في تعجب) ~~: # ما هذا يا دي توسكا؟! هل أنت من الذين يقدرون الأشياء والأحوال بقيمتها في نظر ~~الناس لا بقدر نسبتها إلى الحقيقة ودنوها منها أو بعدها عنها؟! لو أرادت ابنتك يا دي ~~توسكا أن يكون غرامها مع الملك سرا مجهولا من الناس ما عرفه أحد، ولكنها هي التي فضحت ~~هذا الأمر، فلماذا تنسب الخطأ إلى الملك؟! # دي توسكا ~~(في تحد) ~~: # هل تنكرين أنه أغرى ابنتي وأغواها؟! أليس لعرضي قيمة عند مولاتي؟! # الملكة ~~: # أنا أغار على زوجي أن ينظر لامرأة غيري، طبيعة الزوجين لا تتغير ولا تزول، ولكنني لا ~~أنكر الحقيقة التي تعرفها المرأة أكثر من الرجل، لا يستطيع الرجل أن يغري المرأة أو ~~يستغويها إلا إذا رأى منها تشجيعا على الذي يطمع به، وهي لا تفعل إلا إذا كان في نفسها ~~استعداد غريزي للانزلاق والسقوط، فما لك يا دي توسكا أن تظلم الملك والذنب كله ms119 لنزق ~~ابنتك وطيشها! # دي توسكا ~~(في شك) ~~: # مولاتي، إنك تدافعين عن زوجك كأنه لا جريمة له في تلويث عرضي، أنت تحبين زوجك أكثر مني ~~يا ناتالي. # الملكة ~~(بثبات) ~~: # إن عقلي يعترف بهذه الحقيقة إذا أردت أن أجيبك ~~من طريق العقل، ولكنني أطيع قلبي، وقلب المرأة ضعيف، فأنا أحبك بقلبي، وأحب زوجي بمقتضى ~~الحال وبالعقل. # دي توسكا ~~(يحاول استمالتها) ~~: # أواه يا ناتالي! أنت قاسية ، ليتك لم تكوني متزوجة؛ بل ليتك لم تكوني ملكة، أنا أحبك ~~كامرأة ... ملكت كل عواطفي وسكنت قلبي، ولا أريد إلا أن تكوني لي ... بعقلك وبقلبك ... فويلاه! ~~ويلاه من هذا الزوج! # الملكة ~~(تندفع إليه منهارة) ~~: # أنا لك يا دي توسكا ... بعقلي وبقلبي ... رباه ما أعظم لذة الحب وأقواها! إنها تسلب المرأة ~~عقلها، وتقلب إرادتها إن كانت لها إرادة. # دي توسكا ~~(في لذة المنتصر) ~~: # ماذا تقولين؟! أنت لي بقلبك وعقلك؟! وزوجك الملك ... هذا الذي تدافعين عنه! # الملكة ~~(تقاطعه) ~~: # أحبك أنت يا دي توسكا؛ لأنك تحبني، وماذا يرضي المرأة غير الحب المتبادل؟! # دي توسكا ~~: # لك أن تختاري بين زوجك وبيني، أحدنا لا أكثر! # الملكة ~~(تنهار أكثر) ~~: # لقد فقدت كل قوتي، أنا ضعيفة جدا بين ذراعيك يا دي توسكا، يا ألله من لذة ~~الغرام! # دي توسكا ~~: # لك أن تختاري ... بين هذا الرجل الذي يحبك، ولا يخفق قلبه إلا بذكرك ... وبين ذاك الذي ~~يخونك، ويكون عقبة في طريق هذا الحب # الملكة ~~: # دي توسكا، ارحمني، ولا تجعلني أضطرب وأخجل أمام هذا التصريح. # دي توسكا ~~(يخرج مسدسه ويصوبه إلى قلبه) ~~: # دعيني إذن أنتحر، فليس لي أمل في الحياة. # الملكة ~~(فزعة) ~~: # دي توسكا، حبيبي. # دي توسكا ~~: # كنت أعيش بهذا الحب، وكنت أطمع أن تكوني لي وحدي، تتخلصين من كل قيد ... من كل رابطة ... من ~~كل إنسان، وتكونين لهذا المخلص الذي أحبك لذاتك لا لشيء آخر، اتركيني يا ناتالي، فما عاد لي ~~أمل في الحياة، تلوث عرضي ... ضاع شرفي ... وخاب ظني في المرأة التي أحبها، فلماذا أعيش؟ # الملكة ~~: # دي توسكا، أنا أحبك. # دي توسكا ~~: # ولكنك تؤثرين ms120 زوجك، علي أنا كثير الغيرة! # الملكة ~~: # أوثرك أنت على زوجي. # دي توسكا ~~: # محاولة وتغرير. # الملكة ~~: # بل هذه هي الحقيقة يا كونت أدركتها في هذه اللحظة، إن قلامة ظفر منك ... تساوي حياة زوجي ~~وكل العالم، إن قلبي ينخلع لمجرد رؤية المسدس في يدك، آه يا قاسي! إن حياتك لي وليست ~~لك. # دي توسكا ~~: # أنا لا أطيق رؤية زوجك، هو مزاحمي فيك وفي عرض ابنتي ، دعيني أموت فرارا من العار، ~~ومن الحب، ويلاه! دعيني أموت يا ناتالي. # الملكة ~~: # أشفق علي يا كونت، ألا ترى أنني أكاد أجن. # دي توسكا ~~: # إن قوة الغيرة عليك ربما تحملني على قتل هذا الزوج، إن دفاعك عنه جعلني أمقته وأخشاه، ~~ويلاه! إن الغيرة تدفعني لقتل هذا الرجل ... لا ... لا ... هو زوجك ... دعيني أموت، فلست أنا الذي ~~يحزنك موته. # الملكة ~~: # دي توسكا حبيبي، هل تريد أن تقتلني حزنا وقهرا؟! دي توسكا، ارحمني، أشفق على هذا ~~القلب الضعيف الذي يحيا بك ولك. # دي توسكا ~~: # زوجك الملك، زوجك، أنا لا أطيق النظر إلى هذا الرجل، بعد أن رأيتك تدافعين عنه، أنت ~~تحبينه يا ناتالي، والمرأة لا تحب رجلين. # الملكة ~~: # أحبك أنت، أنت الذي تسكن هذا القلب، وتبعث فيه الحرارة والحياة. # دي توسكا ~~: # أنت تكذبين. # الملكة ~~(متعجبة) ~~: # ويلاه! إنه يهينني، دي توسكا، صدق الملكة، إنها تحبك وتقسم لك بأنها تحبك. # دي توسكا ~~: # دعيني أموت يا ناتالي، وإلا فإنني أقتل الملك. # الملكة ~~(فزعة) ~~: # لا لا ... لا أتركك تجني على نفسك. # دي توسكا ~~: # إنك تقتلين الملك بإبقائي على قيد الحياة، هل تؤثرين حياتي على حياة زوجك. # الملكة ~~: # آه، ما أضعف المرأة بالحب! نعم يا دي توسكا أوثرك أنت على زوجي. # دي توسكا ~~: # هذا لا يكفيني. # الملكة ~~: # ماذا تريد؟! ماذا تقضي به علي؟! لقد سلبتني كل قوتي ... الإرادة والعقل ... ها أنا بين ~~يديك، ماذا تريد للدلالة على صدق حبي؟! # دي توسكا ~~(بجدية) ~~: # اقتلي زوجك لتكوني لي كلك! # الملكة ~~(بتفكير عميق) ~~: # أقتل زوجي؟! جريمة ... زوجة تقتل! آه دي توسكا، أنا أحبك، ولكنني لا أحب الجريمة، ms121 إن أذني ~~لا تسمع، وقلبي يختلج، ورأسي لا تدرك، ويلاه ماذا سمعت؟! # دي توسكا ~~(يركع) ~~: # إذن أنت لا تحبينني ~~(يظهر بنفيه) ~~. # بنفيه ~~: # بل بالعكس، إنها تحبك يا دي توسكا، وأنت واثق من قوة هذا الحب، ولولا هذه الثقة ما ~~أقدمت على تحريضها على جريمة القتل! # دي توسكا ~~(فزعا) ~~: # من أرى؟! العدو المتنكر! أنت دائما في طريقي تتجسس علي؟! تبحث على أسراري، لقد جئت ~~لتموت، وما عادت الشياطين تنقذك ~~(يمسك بمقبض ~~مسدسه) ~~. # الملكة ~~(تعود إلى رشدها فرحة) ~~: # هل عدت يا سيدي؟ هل نجحت؟ إنك تظهر دائما في ظروف خطيرة وأوقات حرجة! # بنفيه ~~: # لقد عدت يا مولاتي لأدفع عنك الخطر ولأرد لهذا القلب الطمأنينة والسلام ~~(إلى دي توسكا) # لقد احتلت على هذه السيدة الكريمة، ~~وخدعتها بمظاهر الحب الكاذب، فعبثت بقلبها وعواطفها، أنا أعرف آمالك، وأعرف أمانيك، ~~وأكبر دهاءك، وأعجب باقتدارك، ولو بعدت عن الملكة ما تعرضت لك ولا وقفت في طريقك ~~ولا أفسدت عملك! # دي توسكا ~~(بغيظ شديد) ~~: # ستموت أيها النذل الجبان فالويل لك مني. # بنفيه ~~: # مولاتي، لقد خدعك هذا الرجل الداهية، دي توسكا لا يحبك، وليس في قلبه إلا البغض ~~والحقد عليك وعلى زوجك الملك. # دي توسكا ~~: # محتال كاذب، وأثر الوقيعة والفتنة في عملك وفي أقوالك. # الملكة ~~(متعجبة) ~~: # أنا لا أصدق ما أسمع، سيدي لقد بدأت أشك في أمرك. # بنفيه ~~: # مولاتي، لو كان هذا الرجل يحبك ما كان يحرضك على قتل زوجك! # الملكة ~~(في تباه) ~~: # الغيرة! # بنفيه ~~: # الغيرة تدفع الرجل إلى ارتكاب الجريمة بنفسه لا على تحريض المرأة بجبنه، لك ألا تميزي ~~بين الغيرة والمكيدة! # دي توسكا ~~(حانقا) ~~: # الموت ... الموت ... مولاتي ابعدي عن هذا المكان، دعيني أقتل هذا الدساس. # بنفيه ~~(بهدوء) ~~: # تمهل يا سيدي ريثما أرد للملكة ما وعدتها بالحصول عليه. # الملكة ~~(فرحة) ~~: # هل نجحت؟! هل أحضرت الأوراق؟! أين هي يا سيدي؟! # بنفيه ~~(يعطيها ورقة) ~~: # هذا واحد من تلك الخطابات يا مولاتي، انظري توقيعك وطالعي بإمعان ما ذيل به الخطاب ~~بالمداد الأحمر! # الملكة ~~(متعجبة) ~~: # نعم هذا خطاب، وهذا توقيعي ما هذا؟ ms122 وهذا توقيع دي توسكا ~~(يحاول دي توسكا خطف الخطاب فيبعده بنفيه) ~~. # بنفيه ~~: # دعها يا سيدي العاشق تعرف صدقك في الحب وإخلاصك في الغرام وأمانتك في الاحتفاظ على ~~أسرارها وعلى عرضها! # الملكة ~~(تنظر بعيون لامعة في الخطاب) ~~: # ويلاه! ماذا أقرأ؟! دي توسكا يرسل خطاباتي للدوق عدوي؟! دي توسكا يكيد لي؟! هل أصدق ~~نظري؟! رباه عطفا علي ... رحمة بي، فقد كدت أجن! # بنفيه ~~: # مولاتي، لقد غرس هذا الرجل بالدهاء والحكمة حبه الكاذب في قلبك هذا الطاهر، وألقى بك في ~~أعماق الهوة، ويدي هذه الضعيفة تمتد إلى هذا القلب فتنتزع منه هذا الحب بالرغم منك ومن ~~العاشق المخادع، هذه اليد تمتد إلى أعماق الهوة فتنتشل الفريسة من براثن الوحش لتردها إلى ~~الأرج الذي سقطت منه، وترد لها شرفها وإلى قلبها السلام والهناء، ~~(يعطيها الخطابات) # خذي، هذه أسلحة خصومك، هذه شراكهم وحبائلهم التي أعدوها ~~لسقوطك، خذيها ... مزقيها ... أحرقيها بالنار ... دعي النار تلاشي كل آثار تلك الجريمة ... جريمة ~~الرجل الخائن ... على المرأة الضعيفة! # دي توسكا ~~(يشهر مسدسه في وجه بنفيه) ~~: # لقد قتلت نفسك وقتلت هذه المرأة أيها المعتوه، الويل لك، هل تظنني أتركك تنتصر ~~علي وتقضي على آمالي ~~(يطلق رصاصة عليه، ولكن بنفيه لا ~~يصاب) ~~. # بنفيه ~~(مبتسما) ~~: # إن رصاص الخائن يخجل من الانطلاق، وفر عليك عناء هذه الجريمة؛ فإن الرصاص يطيعني ولا ~~يخرج من مسدسك بغير إرادتي ~~(يطلق دي توسكا الرصاص) # اثنين ~~... ثلاثة ... أربعة ... خمسة ... انتهت الرصاصات يا سيدي الكونت! ولو أطعتني لوفرت على نفسك ~~الخجل ومرارة الاندحار! # دي توسكا ~~(في إصرار) ~~: # إذن تموت بالسيف أيها النذل الجبان ~~(يحاول إشهار سيفه فلا ~~يخرج السيف من غمده) ~~! # بنفيه ~~(ضاحكا) ~~: # وسيفك الآخر يعلم سفالة ما عملت فلا يطاوعك على قتل من فضح مكيدتك، ومنعك من تنفيذ عملك ~~السافل! # دي توسكا ~~(متعجبا) ~~: # هل أفل نجمي ... صفقة واحدة يا للشياطين ~~(يحاول إخراج السيف ~~فيفشل) # ما لسيفي لا يطاوعني ورصاصي عصاني! ~~(يمسك ~~بمقبض خنجره) # مت بالخنجر كما يموت اللصوص ~~(يحاول ~~إخراج الخنجر فلا يطاوعه على الخروج) ~~! # بنفيه ~~(مقهقها) ~~: # ولا الخنجر ms123 يطاوعك، ألا ترى أنني جردتك من كل قواك ومن حيلتك ومن سلاحك، فلم تعد ~~تستطيع الانتفاع به، هكذا تفعل قوة الحيلة، وبهذا تقضي الحكمة، هل تريد أيها الأبله أن ~~أتعرض لرصاصة من مسدسك أو لطعنة من خنجرك في وقت الانتصار عليك وفضح أسرارك، فلا أعود أغنم ~~ثمرة الانتصار، ولا أنعم بلذة التغلب، لو كنت حريصا على نفسك يا سيدي الكونت ما تمكن ~~مثلي من الوصول إلى سلاحك والعبث به، ومن يقدم على ما أنت قادم عليه من الأعمال الخطيرة ~~واجب عليه أن يستعين بالحرص مع الحيلة، إن رصاص مسدسك نزع منه البارود، ونصل سيفك ~~ملتحم بقرابه ... وكذلك الخنجر، فهل فهمت الآن ماذا تعمل الحيلة والحرص؟ اخرج مدحورا أيها ~~العاشق السافل الخائن، إن جزاءك الموت، ولكنني أعفو عنك لتتعلم من هذه التجربة وتنتفع من ~~الدرس القهري، دع الأعمال للرجال؛ فإنك لا تزال طفلا، لست من رجال هذا المضمار، اهرب فهذا ~~طريق المدحورين! # دي توسكا ~~(في رعب وفزع) ~~: # هل في بلادي كلها رجل يقدم على الخيانة بمثل ما أقدمت؟ أنا لا أصدق أنك من هذا ~~البلد وإلا ما خنت ~~(يهجم عليه محاولا نزع قناعه) # دعني أعرف وجه خصمي ... وجه الخائن النذل ~~(يسقط القناع ويظهر وجه ~~بنفيه) # بنفيه! من كان يظن هذا؟! # الملكة ~~(في ذهول) ~~: # بنفيه! بنفيه خادمي! هل هذه يقظة؟! هذا جنون! # بنفيه ~~(لدي توسكا) ~~: # نعم بنفيه، الذي ظننت أنه من رجالك، وجئت به لخدمة أغراضك عند الملكة، انظر إلى ~~وجهي، هل عرفتني؟! أنا هو بنفيه. ~~(يجري دي توسكا هاربا) # هربا هربا ... وإلا علمتك كيف ينتقم الخادم الأمين من خصوم مولاته المخدوعة. # دي توسكا ~~(وهو يفر) ~~: # سنلتقي يا بنفيه، وسنرى لمن يكون النصر الأخير. # بنفيه ~~(للملكة) ~~: # مولاتي، لقد أزعجتك كل الانزعاج، وأنا أشفق على هذا القلب الرقيق أن يتألم، ولكنني ~~عرفت ما يرمي إليه هذا الخائن مع أعوانه وعصابته، ووقفت على سر المؤامرة المدبرة ضد ~~جلالة الملك وضد مولاتي، فدفعني إخلاصي للملكة وإشفاقي عليها إلى الذي رأيت من خذل الطاغية، ~~وإفساد كل ms124 ما دبر، ها خطاباتك ردت إليك، فلم يعد في أيدي أعدائك ما ينالون به ~~منك، فلا تمكنيهم من هذا السلاح! # الملكة ~~: # شكرا لك يا بنفيه، فأنا مدينة لك بحياتي أولا، ثم بشرفي ثانيا. # بنفيه ~~(يأخذ يدها) ~~: # إن شفتي لا تلمس هذه اليد الكريمة لئلا تحرقها، ولكنني أضع فيها الخاتم الذي أهدته ~~لدي توسكا ... الرجل الذي كانت تحبه. # الملكة ~~(في مكر) ~~: # بنفيه، بنفيه، ما عدت أشك أبدا في إخلاصك. # بنفيه ~~: # هل شفيت يا مولاتي من حب دي توسكا، إنه الحرير إذا لصق بالشوك يتمزق عند اقتلاعه ~~منه. # الملكة ~~: # وقد شعرت بقلبي يتمزق وأنت ترفع الستار عن خديعة دي توسكا. # بنفيه ~~: # أنا أحسد ذلك الرجل؛ لأنك كنت تحبينه، هل تعرفين يا مولاتي حقيقة بنفيه؟! # الملكة ~~: # لا أعرف عنك إلا الذي أردت أن تعرف. # بنفيه ~~: # هل تذكرين يا مولاتي المترجم الذي كان يرافقك في سفرك من القاهرة إلى الأقصر ... ومنها ~~إلى بورسعيد ... في سياحتك في القطر المصري. # الملكة ~~: # حافظ، نعم أذكره، لقد ترك ذلك الشاب أثرا في نفسي لوداعته وكياسته. # بنفيه ~~: # هل تذكرين صورة ذلك الشاب؟! # الملكة ~~: # أذكرها نعم. # بنفيه ~~(يزيل تنكره ويظهر بصورته الحقيقة) ~~: # هل تعرفين الآن من هو بنفيه؟! # الملكة ~~(متعجبة) ~~: # حافظ! حافظ! ما هذه المضحكات؟! ما الذي جاء بك؟! ولم عرضت نفسك لكل هذه ~~المخاطرة؟! # بنفيه ~~(في وداعة) ~~: # لأنني أحبك! # الملكة ~~(بدلال) ~~: # وأنا حذرتك من قبل هذا الحب! ~~(ستار) # | رواية «محور السياسة» # تأليف حافظ أفندي نجيب بالفرقة المصرية # 1 # غلاف مخطوطة مسرحية «محور السياسة» عام 1920. # الصفحة الأولى من الفصل الأول لمخطوطة مسرحية «محور السياسة». # المقدمة ~~(غرفة نوم في منزل) ~~(تدخل سيدة متنكرة تتجسس، ثم تعود وتدعو سيدة أخرى فتدخلان معا، وترتمي الثانية على مقعد ~~منهوكة القوى، وتقول للأولى.) # أسما ~~: # لقد تبعتك يا بنيتي حرصا على سلامتك أكثر من إطاعتي لرغبتك؛ لأنني كنت أخشى إذا ~~منعتك أن تفعلي في خفاء عني ما أقدمت على فعله الليلة في حراستي، وقد وعدت أن ~~تكشفي لي سر هذه الأعمال الغريبة؛ خصوصا دخولنا المنزل دخول ms125 اللصوص، ها أنا مصغية ~~إليك. # إحسان ~~(تتقدم إلى أمها وتقبلها) ~~: # أشكر لك يا أمي هذا الحرص، وما كنت لأقدم على دخول هذا المنزل مع أي مخلوق غيرك، ~~فما دخلته أنثى إلا وخلفت فيه أثمن ما تحرص عليه المصونة العفيفة، وما وطئته قدم حسناء ~~إلا ووقعت في أعمق هوات السقوط الأدبي! # أسما ~~: # إذن ... لماذا جئت بنا إلى هذا الجحيم؟! وكيف تطوع لك الجرأة أن تطرقي هذا ~~المكان؟! # إحسان ~~: # فعلت بدون وجل؛ لأنني جئت في حراسة ملاك الوقاية والصون، فهل تظنين أن شيطان ~~الغواية يحاول شيئا أمرا في وجودك؟ أو يبلغ إلى وطره وأنا في كنفك؟ لو علمت أن له هذه ~~القوة، أو عرفت أن لي ذلك الضعف النسائي، لنزعت قلبي من صدري بيدي وطرحته للكلاب! # أسما ~~: # كل هذا لم يشرح لي سر مجيئك الليلة إلى هذا البيت متلصصة! # إحسان ~~: # السر المريع الذي تنتظرين مني الإباحة به هو سر كل فتاة في طور الشباب، وأول ربيع ~~الحياة، أنا أحب يا والدتي، وهذا البيت هو للشاب الذي علقه قلبي، وعقدت العزم على اختياره ~~رفيقا لحياتي! # أسما ~~: # ما هذا الجنون يا بنية، وهل بلغ بك الطيش إلى المجيء بي إلى موعد غرامك؟ رباه! إنني ~~أكاد أفقد صوابي من الروع والكيد! # إحسان ~~: # معاذ الله يا أمي أن أهوى إلى مثل هذا السفه، إن الشاب لا يزال يجهل أمري، ولو بحت له ~~بحبي قبل أن تغريني عليه ما كنت جديرة بعطفك ولا بكرامة البيت الذي أنتسب إليه! # أسما ~~: # إذن ماذا أردت بالحضور إلى منزل رجل لم يأذن لك بدخول منزله! وليست بينكما أية ~~علاقة؟! وكيف وصلت إلى معرفة هذه الدار؟! وحصلت على مفاتيح الأبواب! وأنت لا تفارقين ~~دارنا إلا برفقتي! # إحسان ~~: # عهدت إلى خادمنا، فتجسس أحوال الشاب أكثر من ثلاثة شهور، ثم اصطنع مفاتيح الأبواب بعد ~~أن أخذت أنا طبعتها من المفاتيح الأصلية! # أسما ~~: # وما عسى أن تفعلي هنا! # إحسان ~~: # جئت لأمرين؛ الأول: أن أقف على شيء من أسرار قلب الفتى، والثاني: لأحمل إليه أول رسالة ms126 ~~من رسائلي إليه. # أسما ~~: # ويلاه مما يغري به طيش الصبا ونزق الشباب! هل تظنين يا ابنتي أنني أقرك على هذا ~~التصرف المستهجن؟ أنا لا أجد غرابة في تطرق الحب إلى قلبك، فإنك كسائر المخلوقات، لك عواطف ~~وشعور، ولا بد لك من الخضوع لناموس الطبيعة ... اليوم أو غدا، إنما الغرابة في كونك ~~تقصدين إلى غرضك في الخفاء وعلى غير السبيل المشروع! # إحسان ~~: # لو كان الذي أحببته يا أمي على مثال غيره من الشبان لمددت يدي إليه في جهر بعد ~~العزم على الاقتران به، أما وهو في شذوذ مريب فإنه يعوقني عن خطب يده، وعن القطع باختياره ~~زوجا لي، فربما أتحول عن عزمي وأرجع عن اختياره لنفسي! # أسما ~~: # أنا في حيرة تضاعف غرابتي وارتباكي! فبينما أنت يدفعك الحب الجائر إلى جرأة الاقتحام ~~والمجازفة، إذا بك تخافين العاقبة لريبة في نفسك من أطوار من علق به قلبك، فمن هذا الذي ~~عبث بك كل هذا العبث! # إحسان ~~: # هو الساحر بوداعته، الخلاب بعذوبته، الفنان بسكونه، المغرى بوجومه، هو ذلك الشاب الذي ~~تتجاذبه كل فاتنات باريس، وترتمي عليه العقيلات كما ترتمي على النور الفراشات، آه يا أمي! ~~أنا أعترف لك بكل صراحة؛ لأنني في خطر عظيم من الحب، فإذا وقع نظري على ذلك الشاب ينجذب ~~إليه فؤادي كما ينجذب الحديد إلى المغناطيس، ويدفعني الهوى فأكاد أرتمي على صدره ... أبوح له ~~بأمري ... أو أقع عند قدميه ... أتذلل له أن يرحمني لولا حزم ورثته عنك، يردني إلى ثبات الكبر ~~وحياء العفة، ويعصمني عن التبذل والصغار! # أسما ~~(تضم إحسان إلى صدرها) ~~: # أراك في عذاب عظيم من مغالبة النفس والقلب الضعيف؛ فكم لك في هذا العناء يا ~~ابنتي! # إحسان ~~: # عام طويل يا أمي، بدأ الحب يتسرب إلى نفسي بباعث الغيرة في حفلة الرقص التي شهدناها في ~~قصر السيدة دي لامول، ألا تذكرين؛ إنني طلبت إليك الرجوع إلى البيت قبل انتهاء ~~الحفلة! # أسما ~~: # أتذكر تلك الحادثة ... ولكن لم أخفيت عني أمرك إلى الآن؛ فربما كنت أتمكن من ~~معالجة الداء قبل تمكنه ms127 من نفسك. # إحسان ~~: # منعني الحياء، وظننت لنفسي قوة من الجلد والحكمة أدفع بها الطارئ المزعج فخاب ظني. آه ~~يا أماه لو تعلمين ما قاسيت وما عانيت من وقر الآلام البارحة ولوعة الوجد المضني! إذن ~~لرثيت لحالي ولرق قلبك لي. # أسما ~~: # لا باعث أبدا للألم والشقاء إذا كان الذي علقه فؤادك حقيقة بيدك؛ فأنت في حسن تحسدك ~~عليه أجمل فاتنات هذه المدينة ... وفي أدب وعلم لا يقل عن مثل ما بلغت إليه أرقى متعلمة في ~~المتحضرين ... ولك ثروة تأمنين معها الفقر ويطمع بها كل شاب، فما الذي يبعثك إذن على خشية ~~الفشل والخيبة؟ # إحسان ~~: # الشاب على جانب عظيم من كرم الأخلاق وأدب النفس؛ بل إن له من المبادئ والصفات ما يندر ~~وجوده في السواد الأعظم من النبلاء، ولو أنه أحس بما في نفسي أو عرف شيئا من سر هذا الحب ~~لانطرح عند قدمي يطلب يدي، ولكن الذي أخشاه هو المغامرة والمجازفة؛ فإن اندفاع الفتاة في ~~الحب واستسلامها لأول فزة من فزات النفس قد تندم عليها كل أيام حياتها! # أسما ~~: # يسرني أن تكوني حكيمة إلى هذا الحد يا ابنتي ... حريصة على هناء الحياة حرصك على كرامة ~~بيتك وشرف نفسك، ولكنني في حيرة من أمرك؛ فبينما أنت تذكرين محاسن الفتى وصفاته إذا بك ~~تنكمشين ريبة وحذرا! فهل تعرفين له صغارا ينفر منه وعيبا تتعذر ~~معالجته؟! # إحسان ~~: # إن التعليم والتربية وكل وسائل التهذيب النظرية لا تحول بين النفس وهواها إذا ألفت ~~أمرا أو اعتادت سبيلا؛ فكم من كرام الكتاب من تسمم جسمه بالأفيون ... أو المورفين ... ~~أو الكوكايين ... أو الخمر ... ولم نر أن قوة العلم أو وفرة الأدب منعته عما ألف من ~~المخدرات مع علمه بأضرارها، فكذلك يا أمي كل هوى تشبعت به النفس وتسرب إليها ميكروب ~~الاعتياد يتأصل فيها ويتعذر إقلاعها عنه، وأنا أعرف للفتى الذي أحبه شيئا من هذا ~~الضعف! # أسما ~~: # إذن هو من المدمنين المتسممين بالخمر أو المخدرات! معاذ الله يا ابنتي أن تكوني زوجا ~~لذلك الشاب. # إحسان ~~(تضحك) ~~: ~~... لا تتسرعي يا ms128 والدتي؛ فإن عيب الفتى غير تلك العيوب؛ هو لا يشرب الخمر، ولا يتعاطى ~~المخدرات، وإنما نشأ بين الفاتنات، وتقلب بين صنوف الهوى، وتنقل بين أذرع العاشقات، فهو ~~يخلع مع كل ثوب هوى قديما، ويعرف مع كل ليلة قمرا جديدا، ويترك في كل قلب أثرا؛ هو يحب ~~يا أمي كل الجميلات، وإنما غرامه لحظة، وثباته لمحة؛ فهو كالنحلة تحب الزهور الناضرة، إنما ~~لا تقع عليها إلا لمحة فتمتص عصارتها، ثم تطلب غيرها ... فغيرها ... ففي هذا البيت يمثل ~~الحب السفيه في كل ليلة رواية غرامية جديدة، وتحت هذا السقف تزهق أشرف الأعراض من ~~أجمل وأكرم الفاتنات، فيحق يا أمي بهذه الغرفة أن تسمى لحد الفضيلة ~~(تخرج من ثوبها قطعة خشب سوداء، كتب عليها بالحبر الأبيض «لحد الفضيلة» ~~وتضعها على السرير، ثم تشير إلى خطاب مزخرف بالورد، ملقى على المائدة) # انظري يا ~~أمي! هذه رسالة غرام من حسناء يدفعها الحب إلى السقوط، منعها الحياء أن تصرح بوجدها ~~مشافهة، فوكلت بذلك يدها فأودعت أسرارها في قصاصة من الورق، ويعلم الله كم كانت مضطربة ~~وهي ترسم بقلمها هوة سقوطها، ولكن الرعونة والهوس آتيا كل الاتيان على قوة إرادتها ... وعلى ~~عفافها، فجازفت بكرامتها ... تدفنها في هذه البؤرة بثمن حقير ... بساعة أنس وتمتع بين ذراعي ~~هذا الشيطان الظريف. # أسما ~~(تقبلها بحرارة) ~~: # زادك الله عقلا وحكمة يا بنيتي، وحماك من رعونة أولئك الطائشات. # إحسان ~~: # انظري يا أمي! هذه أربع زهرات من البنفسج ألصقت في ورق الغلاف، هذه زهرات أخذت ~~مما كانت تحمله تلك الحسناء في صدرها كل النهار، سول لها جنون الحب وحرارة الوجد أن هذه ~~الزهور التي كانت قريبة من قلبها أحست بما في ذلك القلب من نار الصبابة، فهي تنقل إلى ~~الحبيب ما لا يستطيع قلبها التعبير عنه بفصاحة. مسكينة هذه المرأة! فلو علمت كيف يكون حظ ~~خطابها عند ذلك الشيطان لبترت أناملها قبل أن تكتب، ولأزهقت روحها قبل أن يزهق الطيش ~~فضيلتها ويذهب بكرامتها وهي سكرى من القبل الحارة ... مستسلمة للذة العناق والحنو ... هي ساعة ms129 ~~من فجوة الليل ... تتبدد لذتها مع وجه النهار ... كما تتبدد لذة الأحلام بالرجوع إلى اليقظة، ~~ولكن هيهات بين الحصرتين، فالحلم يأسف في ابتسام الهازي بالوهم، وأما المرأة المنكودة فتبكي ~~بتألم بارح عرضا ضاع ... وسقطة لا رفعة معها ... ولذة لم تدم ولن تتجدد ... ثم تطلب ~~السلوى والعزاء بين ذراعي عاشق جديد ... فآخر ... فآخر ... فآخر ... # أسما ~~: # رباه! رباه! ما أفظع ما أسمع؟! كيف عرفت كل هذا يا ابنتي؟ # إحسان ~~: # هكذا يا أمي تسقط النساء، وهكذا يا أمي تكون نتيجة كل حب غير شريف ... وكل ارتباط يغري به ~~طلب اللذة الحمقاء ... وتحدو إليه فزة العواطف الطائشة ~~(تقول هذا ~~وتلقي الخطاب باحتقار على المائدة) ~~. # أسما ~~: # أراك يا ابنتي في حكمة أرقى الحكماء عقلا ... وأصالة رأي الشيوخ، ولم أكن أعرف لك شيئا ~~من هذه الخبرة؛ خصوصا في أمثال هذه الأبحاث. فكيف وصلت إلى هذا الحد من حكمة ~~الاختبار؟! # إحسان ~~: # لم يكن العالم في زمانك يا أماه في سفه وخبث، أهل هذا العصر ... وكل يوم يجيء ... يضاعف ~~منحدر الشطط والزيغ ... ويبعد عن الفضيلة والمبادئ السامية، وقد لاحظت هذا منذ وصلنا إلى ~~باريز؛ لما شاهدته في هذه المدينة من أحوال الجنسين ... النشيط واللطيف ... في تجاذبهما بباعث ~~الشهوة ... وانحدارهما إلى بؤر السقوط الأدبي ... على مزالق الدعارة ... يخفي شناعتها وفظاعة ~~السقوط حجاب كاذب من عناوين المدنية الخلابة والتحضر الكاذب. # أسما ~~: # ولكنني لم أر شيئا مما تشيرين إليه يا ابنتي، فكيف رأيت كل هذا ونحن لا يفارق بعضنا ~~بعضا خطوة واحدة. # إحسان ~~: # لقد نشأت يا أمي في حجاب الصون وسذاجة الطهر وسلامة التنبه ... في حرز من خبث الغواة ~~وتغرير البغاة ... كنت بمعزل عن الشر والأشرار وراء حجابك المصون، لهذا فأنت تمرين بهذه ~~الجماعات وأنت في طور الشيخوخة بباصرة الأجهر وأنف المزكوم، أما أنا، فإنني تنبهت لمجرد ~~وجود التقارير بين من أعرف من أهلي وأفراد هذا المجتمع المبتذل، تنبهت مع الحذر. # أسما ~~: # نعم يا ابنتي، إن المرأة التي يتطرق إلى نفسها الظن السيئ ترى ما لا يرى العاقل، وتدرك ~~ما لا ms130 يعني بإدراكه اللاهي المتكاسل. # إحسان ~~: # ما أصعب الدرس العملي لأول الأمر، أما الآن فإنني بفضل المقارنات المستمرة أصبحت قادرة ~~على تحليل الألفاظ والإشارات والعبرات ... وإشارات التحية ... ونظرات العيون وذبولها ... ~~والابتسامات ... وكل ما يبدو على الوجه والفم والعين ... ماذا تفهمين من الابتسامة يا أماه؟ لقد ~~اعتدت أن تبتسمي عند انشراح النفس، أليس كذلك! ولكن ابتسامات المرأة في هذا العصر يا أماه ~~قد تكون من ألم الغيرة ... وهكذا العين خلقت للنظر، ولكنها الآن تؤدي وظيفة اللسان، فترسل ~~نظرات للسخط أو الرضا ... للهزأ أو الإجلال ... للميل أو للنفور ... للعتاب أو للاستبشار ... للوعد ~~أو للوعيد ... للمطارحة والمجاذبة أو للمكارهة والمجانبة ... وهكذا، كل حركات اليد والرأس والفم ~~وسائر أعضاء الجسد، يستخدمها الإنسان المتمدين للغواية ... للعبث بعقل وقلب المرأة! # أسما ~~: # لقد ملأت قلبي ذعرا يا ابنتي لأول دخولنا هذا المنزل، أما الآن وأنت عالمة كل العلم ~~بمواطن النقص الأدبي من أحوال الناس ... ومن النظر إلى الأمور بعين التمحيص والنقد، فقد صرت ~~في طمأنينة عليك، ولكن يدهشني أن الزمن الذي قضيناه في باريز لم يكن كافيا لبلوغك هذا الحد ~~من الفهم والإدراك. # إحسان ~~: # صدقت يا أماه، لم يكن الزمن كافيا للتعليم الدقيق، فإن هذه العمليات المنطقية من أسمى ~~ما يبلغ إليه العقل البشري عند تمام نضجه بالتعليم وكماله بالتمرين العملي، ولكن الصدفة ~~خدمتني ... أوجدت في نفسي هذا الحب ... ثم الغيرة ... وهما قوتان لا يستهان بهما، ألا تذكرين يا ~~أماه شيئا من جرائم النساء بباعث الغيرة والحب؟! # أسما ~~: # أذكر كثيرا يا ابنتي، فإن الغيرة إذا تسربت إلى نفس المرأة دفعتها إلى عمل ~~المدهشات ... وحتى إلى ارتكاب الجرائم ~~(إحسان تفتح درج مكتب، وتخرج ~~منه عدة صور فوتوغرافية، ثم تأخذ تتفرس فيها واحدة واحدة) ~~. # إحسان ~~: # لقد صدقت كل ظنوني، ووجود هذه الصور في الدرج جاء آخر دليل على صدق نظري وصحة ~~استنتاجي # أسما ~~: # وما شأن هذه الصور يا ابنتي! # إحسان ~~(تضحك) ~~: # هذه صور فاتنات باريز، ونخبة من كرام العقيلات؛ سقطن جميعا في شراك الهوى، وساقهن ~~السفه إلى هذه البؤرة واحدة ms131 بعد الأخرى، فبقي فيها ظلهن كما ترين، فما من واحدة من هؤلاء ~~إلا ولها في الهيئة الاجتماعية لقب ضخم وجاه وعظمة، وما منهن إلا من ظنت أنها امتلكت ~~عنان ذلك الشيطان بفتنة حسنها وندرة جمالها ... وبما امتازت به من الكياسة والظرف، والحال ~~أنها في ضلال الغرور ... وسفه الغرام الأحول، كل هؤلاء عرفت أسرارهن، كل واحدة بدورها من ~~بدء قصة الغرام إلى آخر صفحة منها ، وكلما رأيت انكماش العاشقة بعد اندفاعها، وكآبتها ~~بعد انشراحها، وكلما توهمت دمعة الحسرة والأسف ترقرق بين جفنيها لأول تنبهها بعد ~~الكبوة؛ كلما تيقنت أن المأساة في فصلها الأخير، وأن تلك الدمعة مثال ما يضعه الكاتب ~~في ختام القصة. # أسما ~~: # وهل أحب الفتى كل هؤلاء؟! وهل وسع قلبه كل هذه الصور؟ # إحسان ~~: # وسعها يا أمي كما وسعها هذا الدرج. انظري! هذه صورة كونتس ... وهذه دوقة ... وهذه بارونة ... ~~وهذه راقصة ... وهذه عاملة في محل تجاري ... وهذه برنسيس ... وهذه مغنية ... حشرهن جميعا في درج ~~واحد، بدون عناية وبدون تمييز بينهن، مع اختلافهن في المراتب الاجتماعية. # أسما ~~: # ربما فعل ذلك بسبب الاستخفاف أو الإهمال. # إحسان ~~: # إن صاحبات الصور متفاوتات في درجات الحسن ومظاهر العظمة؛ شأن كل طبقات الهيئة ~~الاجتماعية، فمنهن الماركيزة ... والبارونة ... والأميرة ... واللادي والكونتس ... وبينهن الأرملة ... ~~والمتزوجة ... والآنسة ... والمغنية ... والممثلة ... ولكن الفتى لم يحفل بمراتب الاجتماع المزيفة، ~~وزجهن جميعا في لحد واحد، هل تعرفين لماذا؟ # أسما ~~: # لا يا ابنتي! # إحسان ~~: # لأنهن تساوين جميعا في عمل واحد؛ هو السقوط الأدبي وفقدان العفة والكرامة. # أسما ~~(تقبلها) ~~: # ليت أولئك النسوة يسمعن ما ترسلين من آيات الحكمة يا بنية؛ إذن لكفرن عن الخطيئة ~~والسقوط بالأسف الطويل، والتوبة مع الرغبة في النهوض. # إحسان ~~: # هل تظنين هذا ممكنا يا أمي، إن الحجر الذي يسقط من قمة الجبل لا بد أن يهوي في سقوطه ~~على المنحدر حتى يبلغ آخر الأعماق ... فكذلك الإنسان ... إذا زلقت نفسه واختل مركز توازنه ~~الأدبي بضياع العفة والاعتصام بالطهر، فإنه لا يزال في انحداره حتى يبلغ أبعد درجات السقوط، ~~فالمخمور تحلو له ms132 الخمر وهو يبتسم لها ويفقد إنسانيته، والباغي ينساق مع هوى النفس الساقطة ~~حتى يبلغ أسفل الدرجات. # أسما ~~: # ولكن الضمير يتنبه فيبعث على الندم. # إحسان ~~: # إن تنبه الوجدان بعد الكبوة الأولى يبعث حقيقة إلى الندم ويفيض دموع الأسف والتحسر، ~~ولكنه تنبه شبيه بتنبه الميت قبل الاحتضار، فإنه نشاط تعقبه ضجعة الموت التام والسكون ~~الأبدي، فكذلك تبكيت ضمير المرأة الساقطة ... لا يطول أمره ... يزول سريعا بإغراء شيطان الفجر ~~... تطلب المرأة الغواء في ذهول الغرام الكاذب ونشاط الشهوة العمياء. # أسما ~~: # صدقت ... صدقت يا ابنتي، ولكن من أين لك كل هذه الأفكار الناضجة السامية. # إحسان ~~(تتناول وردة من الأرض) ~~: # هذه الوردة كانت يانعة في الصباح، ناضرة على غصنها قبل أن تقطف، فكانت محاسنها ~~واتساق شكلها بواعث أغرت الفتى لقطفها، كانت لهذه الزهرة قيمة في نظره ومعزة في نفسه، فلما ~~تمتع بها قاطفها وملكتها يده زالت تلك القيمة وطرحت الوردة في مواطئ النعال، ~~فهكذا يا أمي شكل المرأة الحسناء في نظر العاشق الفاسق ... تزول قيمتها من نظره بعد البلوغ ~~إليها ... والتمتع بها ~~(تخرج خطابا من جيبها وتعطيه ~~لأمها) # اقرئي يا أماه هذا الخطاب، هو أول رسائلي إلى هذا الشيطان ~~(تأخذ الأم الخطاب وتقرأه بينما تقوم إحسان بوضع اللوحة المكتوب عليها ~~لحد الفضيلة إلى جانب السرير) ~~. # أسما ~~: # ما دام الشاب غير ثابت على حب واحد، وغير حريص على مودة من تشتري حبه بعرضها ~~وكرامتها، وتضحي من أجله الشرف وعزة النفس، فإنه غير حقيق بالعناية به ولا الالتفات ~~إليه. # إحسان ~~: # هذا صحيح يا أمي، لو كان الفتى يحب المرأة ثم يتحول عنها، ولكني واثقة من أن قلبه لم ~~يخفق إلى هذه اللحظة بعاطفة حب صحيح، وهو يحتقر المرأة التي تسقط، فكيف تريدين منه أن ~~يحفظ عهدها مع تحققه من خيانتها. # أسما ~~: # صدقت، ولكني إلى الآن لم أعرف اسم ذلك الشيطان الذي عبث بقلبك وأزعج راحة ~~بالك؟! # إحسان ~~: # هو أعز الناس لديك يا أمي، هو معلمي حافظ! # أسما ~~(تضرب صدرها بيدها) ~~: # تصفين حافظ الوديع الساكن بكل ما نسبت ms133 إليه من الطيش والانهماك على اللذات؟! ألا ~~تكونين ظالمة يا ابنتي؟! # إحسان ~~(تضحك) ~~: # إن الوداعة والظرف ... وعذوبة اللفظ ... والكلمات الرقيقة ... والمعاني السامية ... هي الوسائل ~~الفعالة في سحر العقول وجذب القلوب. # أسما ~~: # إذن أنا التي عرضتك لأعظم الأخطار باختيار الفتى لتعليمك، آه يا ابنتي! لقد خلعت ~~قلبي من صدري. # إحسان ~~: # معاذ الله أن أتهمه بفرية يا أمي، إنه يراني بعين الاستخفاف ... ويعاملني معاملة طفلة ... ~~فسحق قلبي ونال من كبريائي، فأضمرت له حربا ضروسا تطرحه عند قدمي ذليلا باكيا في قلبه ~~أحر نيران الوجد، وفي نفسه أبرح آلام الحب واليأس. # أسما ~~: # إذن تريدين غوايته؟! # إحسان ~~: # سأحاول فتنته والعبث بعقله وعواطفه، عبثا يشفيه ويجعله يحس الآلام التي أوجدها ~~بقسوته في قلب كل امرأة عرفته، سأنتقم لبنات جنسي بقهر السلطان الجائر، سأجعل صدره موقد ~~العواطف المتأججة ... والآلام المتعاظمة ... لا تفرج عنها الزفرات ... ولا تلطفها العبرات ~~(تأخذ الخطاب من أمها، فتضعه في الغلاف، وتضعه في كتاب، ثم تضع ~~الكتاب في مكانه. ثم تسمع دق جرس الباب) ~~. # إحسان ~~: # تعالي، تعالي يا والدتي بسرعة، فقد جاء الشيطان ~~(تأخذها ~~وتخرج) ~~. ~~(يدخل حافظ شاب متفرنج، فيلقي القبعة ويخلع جاكيته، ويعمل تواليت، ~~ويجلس للمطالعة فيجد الجواب الأول.) # حافظ ~~: # ما شاء الله! خطاب حمله البريد إلي ... غرام ليلة ... امرأة تريد أن تسقط ... ~~(يلقيه على المائدة) # لا تتعجلي، غدا أطالع رسالتك؛ فإنني ~~منهوك القوى في هذه الليلة، وقد سئمت النساء ~~(يجلس ويأخذ الرواية ~~للمطالعة فيقع الخطاب) # ما هذا؟ ~~(يتناول الخطاب من ~~الأرض) # خطاب بعنواني، هذا كتاب لم يحمله البريد! كيف وصل إلى هنا؟! كيف وضع في ~~الكتاب الذي أطالعه قبل النوم؟! طبعا أدخله خادمي، ويل لهذا الأحمق، كيف استطاع أن ~~يؤدي هذه الخدمة مع أني منعته من ذلك! ~~(يدق الجرس بعنف ... يدخل ~~الخادم) ~~(بغضب) # كيف وصل هذا الخطاب إلى غرفتي؟! وكيف وضع في ~~كتابي؟! # الخادم ~~: # لا أدري يا سيدي! # حافظ ~~(يقبض عليه بفظاعة) ~~: # لا أدري يا سيدي؟ ومن يدري إذن؟ أنا! ~~(يدفعه بقسوة) # قل ... تكلم ... من الذي جاء بهذا الخطاب ... تكلم ... تكلم ms134 ... اعترف أيها الشيطان، ألم أمنعك من ~~أمثال هذه الخدمات الصبيانية ... تكلم أو أقتلك، من جاءك بهذا الخطاب؟ # الخادم ~~: # سيدي ... عنقي ... دعني ... أكاد أموت. # حافظ ~~: # الخطاب من جاء به؟ لماذا وضعته في كتابي؟ # الخادم ~~: # سيدي ... صدقني ... أنا لم أره ولم أضعه ~~(يفلت من يده ~~فيجري ويقع حافظ وراءه حتى يخرج من الباب ثم يعود غاضبا) ~~. # حافظ ~~: # الويل لهذا الشيطان، سأطرده من بيتي شر طردة، أنا لا أريد أن يتدخل الخادم في شئوني ... ~~أبدا ... أبدا ... من هي صاحبة هذا الخطاب ... أغوت خادمي ... أغرته على وضع الخطاب في كتابي ... ~~سأنتقم منها ... سأهمل هذا الكتاب ولا أطالعه أبدا ~~(يلقيه تحت ~~قدميه) ~~. # الخادم ~~(يطل برأسه من الباب) ~~: # صدقني يا سيدي أنني لم ... # حافظ ~~(يجري وراءه) ~~: # اذهب من أمامي أيها الأحمق الكذاب ~~(ثم يخلع ثيابه) # ولكن ... لماذا لا أطالع الخطاب وأعرف كاتبته لأسحق قلبها فأنتقم منها على هذه القحة ~~(يأخذ الخطاب ويفتحه ويبحث عن الإمضاء) # ولكن الخطاب ~~بغير إمضاء ~~(يقرأ الخطاب ويضحك) # هذه مداعبة فظيعة، هل ~~تظنين أيتها الحمقاء أن إنكار الإمضاء يخفيك عني؟! أنت ساذجة، أنت بلهاء، عواطفك ~~المتفززة دفعتك إلى الكتابة وإلى الاتفاق مع خادمي، وتلك العواطف هي التي تفضح الأمر، ~~وتجيء بك ذليلة متلمسة إلى هذه الغرفة ... إلى هذا السرير ~~(يشير إلى ~~السرير فيجد اللوحة) # لحد الفضيلة ... ما هذه القحة ... ما هذه الجرأة ... تهينني ~~في مكاني ... في بيتي ... في غرفتي ... تبا لتلك المرأة ... ويل لهذا الخادم ~~(يدق الجرس فيدخل الخادم) # أنت لا تدري من وضع الخطاب في ~~كتابي؟ وهذه اللوحة من وضعها على سريري؟ # الخادم ~~: # أي لوحة يا سيدي؟ # حافظ ~~: # هذه يا نسل الشيطان ... يا ابن الأبالسة ... هذه ... هذه ... هذه ~~(يضربه بها) # ألا تراها هذه ... هذه ... هذه! ~~(ستار) # الفصل الأول # المنظر الأول ~~(غرفة في منزل إحسان ... والوقت عصر) # خالد ~~: # يجب أن تذعن لإرادتي ... يتحتم عليها أن تطيعني ... أن تعمل بمشيئتي. # أسما ~~: # سيدي البيه يعلم أنها عصبية المزاج، وأنها متعلمة تعليما راقيا لم تصل إليه فتاة ~~مصرية، تربت في الأستانة وتعلمت في باريس، فمثلها ms135 لا تكره على قبول زوج يختاره لها ~~أهلها. # خالد ~~: # وهل التربية والتعليم يمنعان الابنة من إطاعة والدها؟ ... ما أحسن ما تصفين به العلم ~~والتربية! # أسما ~~: # ربما لم أحسن التعبير عن غرضي، أردت أن أقول: إن الفتاة المتعلمة لا تكره ~~إكراها على الإذعان، تذعن بسهولة إذا اقتنعت بفائدة ما يطلب منها وبلزومه. # خالد ~~: # كأنك تشجعين إحسان على رفضها التزوج برمزي بك. # أسما ~~: # أبدا، أنا لا أشجعها، ولا أخاطبها بمثل هذه اللهجة، إنما اختصصتك بها حتى لا تعمد ~~إلى الوسائل القهرية كما فعلت أمس؛ فإن الإكراه يثير نفسها ثورة حمق وتعنت فترفض ~~بتاتا وتعاند. # خالد ~~: # أسحق رأسها بقدمي إذا لم تذعن. # أسما ~~: # إن سحق رأسها بقدمك لا يتمم الزواج؛ بل يمنعه، وأنت في أشد حالات الارتباك، وبحاجة ~~ماسة إلى المال. # خالد ~~: # لهذا أريد أن أتمم الزواج ... أريد أن يتم العقد وأقبض المال الذي وعدني به رمزي بك ~~... أريد أن أسدد بعض الديون ... وأمنع تردد المداينين على بيتي ... أريد أن أحفظ كرامتي ~~في نظر الناس. # أسما ~~: # أنا واثقة من أنك لم تجد وسيلة للحصول على المال إلا اتفاقك مع رمزي بك على إعطائه ~~ابنتك، وإحسان لا تحب رمزي ولا تعرفه، وأنت تتعجل وتريد إكراهها على القبول، ففطنت إلى ~~غرضك وعرفت أنك تبيعها بالمال لذئب من ذئاب البشرية، دعك من وسائل الإكراه، وعد ~~إلى الملاينة، أقنع ابنتك تذعن لإرادتك. # خالد ~~: # لم يعد لنا من متاع غير هذا البيت، وهو مرهون أكثر من مرة، وإذا لم ينقذني رمزي بك من ~~المداينين انتزعوه منا وألقونا في الشارع. # أسما ~~: # أنا لا أجهل ظروفك المحرجة ... ولهذا ألح عليك بملاينة إحسان ... بدلا من إكراهها ~~وقهرها ~~(يدخل الخادم) ~~. # الخادم ~~: # حضر يا سيدي المعلم حسنين الجزار ... وكاتب المخبز ... وحضر البقال. # خالد ~~: # قل لهم إنني غائب في العزبة. # الخادم ~~: # قلت ذلك لفريق منهم فذهبوا، ولكن البقال سمع صوتك وهو يلح في طلب مقابلتك. # خالد ~~: # قل له يعود إلي غدا فإنني مريض اليوم. # الخادم ~~: # سمعوا هذه الأعذار مئات من المرات، وعرفوا أنها غير ms136 صحيحة، فهي لا تقنعهم ولا ~~ترضيهم. # خالد ~~: # اصرف الرجل الآن بما شئت من الوسائل. # الخادم ~~: # والله يا سيدي أنا غلبت في توزيع الناس، وكل ما وزع واحد يجي بدله أربعة. # خالد ~~: # لكل شيء آخر، وسأدفع قريبا كل ما علي من الديون. # الخادم ~~: # ربنا يسمع منك، لأن المداينين ما يعرفوش حد غيري، سعادتك بتهرب وتسيبني لهم ياكلوا ~~في وشي ويسمعوني كلام زي السم. # خالد ~~: # ربنا يخلصنا منهم يا حسن. # الخادم ~~(وهو خارج) ~~: # آمين يا بيه. # خالد ~~: # هل رأيت يا أسما ما وصلت إليه الحال؟ # أسما ~~: # رأيت يا عزيزي، ولكن هذا خطؤك وحدك؛ لأنني منعتك عن المقامرة فلم تصغ إلي ... وعن ~~الإسراف فلم تحفل بقولي ... لقد بعت كل شيء، وها أنت تبيع آخر ما تظنه ملكا لك ... تبيع ~~ابنتك. # خالد ~~: # أنا لا أبيعها، وإنما أزوجها من رجل غني وجيه متعلم. # أسما ~~: # أنت ترغمها على قبول الزواج للحصول على المال، ترغمها على معاشرة رجل لا تحبه ولا ~~تعرفه، وتسمع عنه أنه مبذر ... سفيه ... مدمن على الخمر ... لا يفارق غرف المقامرة ... ولا بيوت ~~الفساد. # خالد ~~: # ألا تريد تلك الشريرة أن تنقذني من هذه المآزق المحرجة؟ ألا تريد أن تضحي شيئا ~~من أجل أبيها؟ أنا واثق من أن رمزي بك يحبها إلى حد الجنون، فإذا صارت زوجا له تستطيع أن ~~تتحكم في قلبه وفي ماله. # أسما ~~: # رمزي بك يحبها حقيقة، وإنما حب الرجل الفاسق للصبية الحسناء، اندفاع الرغبة القوية ~~بباعث الاشتهاء وحب التمتع حب لا يدوم إلا لمحة ... حب يتلاشى بعد الفزة البهيمية ~~الأولى. # خالد ~~: # إن خراب بيتنا متوقف على رفض هذا الزواج. # أسما ~~: # هذا صحيح، ولكنك تنظر إلى مصلحتك المفردة، وتضحي في سبيلها سعادة ابنتك وهناءها، ~~تلقيها بين ذراعي فاسق فاسد الأخلاق ... وارث ثروة ... يبددها إسرافا وسفها في كل موارد ~~الفسق والفساد. # خالد ~~: # أنت واهمة يا عزيزتي، والوهم يبعد بك في المغالاة ومضاعفة وجوه السوء. # أسما ~~: # إحسان في منزلة ابنتي، ولوالدتها المرحومة أفضال علي ... وعلى بيتي ... فمن المروءة ألا ~~أغفل عن تنبيهك إلى وجوه ms137 الخطأ فيما أنت عازم عليه ... أشير عليك ... ثم أترك لك حرية ~~العمل. # خالد ~~: # أنا واثق من إخلاصك يا عزيزتي أسما. # أسما ~~: # وهذا الذي يشجعني على مصادمة أفكارك؛ لأنك لا تنسب عملي لغاية ولا لغرض. # خالد ~~: # معاذ الله أن يتطرق إلي هذا الظن. # أسما ~~: # فاحذر إذن نتيجة ما أنت قاطع بإتمامه، وأؤكد لك أن إحسان لن ترضى به زوجا مهما كانت ~~الظروف والأحوال، ومهما أغضبك امتناعها ورفضها. # خالد ~~: # يجب أن ترجع عن هذا الرفض وإلا أثارت غضبي، وأرغمتني على القسوة والإرهاق. # أسما ~~: # احذر يا خالد بك أن تمد يدك إليها بغلظة؛ فإن إحسان تدافع عن مستقبلها بحكمة وجرأة، ~~وقد استدعت إليها رمزي بك أمس لتباحثه في هذا الأمر. # خالد ~~: # رمزي بك شاب ظريف، وأنا الذي أكرهتها على مقابلته، عسى أن يؤثر في نفسها جمال الشاب ~~وكياسته، فعهدي به عظيم التأثير في النساء؛ ينتصر بسرعة وفوزه محقق. # أسما ~~: # لرمزي بك مجال محدود، فتأثيره في بيئات الفساد على ساقطات مبتذلات راجع إلى تماثل في ~~الأخلاق، وإلى إسرافه المشهور عنه، فلا تتوهم له مثل هذا الفوز مع فتاة حكيمة رشيدة ~~كإحسان. # خالد ~~: # أؤكد لك أنه سيفوز عليها ويجذب قلبها إليه. # أسما ~~: # وأنا أؤكد لك أنه أخفق، وأنها ملأت نفسه يأسا وأقصته حتى لا يعود. # خالد ~~: # يا للشقية! هذا الذي منع رمزي بك من إرسال النقود إلي في هذا اليوم، يا لتلك الجرأة ~~والقحة! ستدفع إحسان ثمن هذه المنغصات ~~(يدق الجرس فيدخل ~~الخادم) ~~. # خالد ~~: # علي بإحسان ~~(يخرج الخادم) ~~. # أسما ~~: # أنا لا أسمح لك أبدا بالاعتداء على هذه الفتاة، إنها ملاك يا خالد بك، وأنت في حال ~~من الجنون لا تعرف معها ما الذي تعمل. # خالد ~~: # إن ملائكة السماء وشياطين الأرض لا ينجونها من العقاب، سترضخ طوعا أو كرها ~~لمشيئتي، ستذعن لإرادتي، ستكون زوجة لرمزي بك رضيت أم لم ترض ~~(تدخل إحسان بعد أن سمعت العبارة الأخيرة) ~~. # إحسان ~~: # أبدا يا والدي، خير لي أن أكون عاملة تربح خبزها بالكد والجهد من أن أكون زوجا ~~لفاسق مقامر. ms138 # خالد ~~: # برغم أنفك ستكونين. # إحسان ~~: # مهما كنت قاسيا يا والدي ... ومهما كنت مستبدا ... ومهما كانت أحوالك سيئة ... فإن لك ~~إنسانية الآدمي ورحمة الوالدين، فإذا ركعت عند قدميك بتذلل واسترحام أتوسل إليك ألا ~~تلقيني في بؤرة ذلك الذئب فإنك ترحمني ولا تفعل. # خالد ~~: # ماذا قلت لرمزي بك؟ # إحسان ~~: # قلت له إنني لا أحبه، قلت له إن صفاته لا ترضيني، وإن ماله لا يغويني. # خالد ~~: # أرغمك على قبول هذا الزواج. # إحسان ~~: # أتوسل إليك ألا تفعل، لا تهدم أماني في المستقبل، لا تهدم سعادتي وهنائي، واتق الله ~~في ضعفي فإنك والدي. # خالد ~~: # في هذه الليلة سيعقد عليك رمزي بك، لا جدال ولا مناقشة، هذه إرادتي وكفى. # إحسان ~~: # ترغمني يا والدي على العصيان، لا تدفعني إلى العقوق، لقد بلغت رشدي، وأمري في ~~يدي. # خالد ~~: # بلغت بك القحة إلى هذا الحد أيتها الشريرة الحمقاء ... تغالبي إرادتي ... تمنعين ~~مشيئتي ... ويل لك أيتها الشقية ~~(يرفع عصاه ويجري ~~وراءها) ~~. # المنظر الثاني ~~(الوقت نهار ... منزل) # بكر ~~: # لا تلمني يا صديقي على هذا الضعف؛ فالحب قوة دونها كل قوى الإنسان حتى الحازم ~~الجلود. # خليل ~~: # كلمات عقيمة، تقال للدفاع عن نفس ناكبة فارغة. # بكر ~~: # بل حقيقة يحسها كل الناس، تدركها العقول الرشيدة، إنما ينكرها من لم يجرب الحب، ~~ومن يتصدى للإرشاد اعتباطا. # خليل ~~: # العقل الحكيم! ماذا تدلي إلي حكمة العقل؟ هل تقول بأن سلطان العقل مسيطر على ~~العواطف؟ هل تدعي أن قوة الإرادة تدفع قوة الحب وتصادم تأثير الغرام في القلب؟ نظرية ~~قديمة طال فيها البحث والجدل، ولا قيمة للنظريات حيال الواقع المحس الملموس. # بكر ~~: # من الذي ينكر أن العواطف هي القوة المفردة ذات النفوذ على العقل والإرادة؟ قوة ~~الإرادة يا عزيزي واحدة من قوي النفس؛ فإذا كانت هذه خاضعة لقوة الحب الغاشمة فجزئياتها - ~~ومنها العقل والإرادة - خاضعة ضمنا، وبطبيعة الحال لا يكون لها حول ولا نفوذ، والمرء ~~بغير عقله وإرادته ضعيف مذعن للقوة ذات السلطان المهيمنة على كل مشاعره ووجدانه. # خليل ~~: # ما شاء الله! فلسفة ... اسمع يا شيخ بكر، أنا ms139 لا فيلسوف أناقشك ... ولا عالم أخلاقي ~~أباحثك، ماشي على المثل البلدي: على أد لحافك مد رجليك، فأنا على أد عقلي أفهم، ~~أنا بأقول لك: الرجل الذي يضعف للحب رجل ضعيف الإرادة ... طائش أرعن ... منحوس الطالع. # بكر ~~: # وهل تظن الحب عارا على الرجل. # خليل ~~: # مجرد الحب ليس هو العار، وإنما العار ما يغري به الحب ... ما يسوق إليه ... العار ذلات ~~الرجل في سبيل الحب، وباعث تأثيره في نفس المرء وأطاشئها. # بكر ~~: # إذن أنت لا تنكر الحب، وإنما تنكر على المحبين نزعات الطيش والزلل بباعث الحب. ~~الحمد لله، لقد كدت أن أربح الدعوى منك. # خليل ~~: # تربح الدعوى مني؟! عشمك عشم إبليس في الجنة. # بكر ~~: # ولم يا أخي. # خليل ~~: # لأنك في هذه اللحظة ستسخط على الحب ... وعلى المحبين ... وتقلع عن حبك ... وتلعن الحب ~~والحبيب ... وتهدم كل ما بنيت من نظريات الحب ... وتنظر إلى المرأة نظرك إلى العقرب ... ~~والحوى الأفعى. # بكر ~~: # لم أفعل كل هذا يا عزيزي؟ أنا راض بحالي ... قانع به ... متلذذ بالحب، فإن آلامه أشهى ~~وأطيب على نفسي من هنائه ونعيمه. # خليل ~~: # وهل تثبت على هذا الرأي ولا تتحول عنه. # بكر ~~: # نعم. # خليل ~~: # مهما حدث. # بكر ~~: # نعم، مهما حدث. # خليل ~~: # أنت مخطئ، انظر! هذه ورقة صغيرة، فيها طلسم عجيب، إذا قرأته انتزع الحب من قلبك، ~~وبغضك فيمن تحب كل البغض. # بكر ~~(يضحك) ~~: # يا لك من أبله! هل أنت ممن يؤمنون بالطلاسم والسحر وخرافات المخرفين؟! ما شاء ~~الله. # خليل ~~: # قالوا: الجمل طلع النخلة ... قال آدي الجمل وآدي النخلة. خذ هذه الورقة واقرأ ما فيها ~~من الطلاسم، فإذا لم تؤثر فيك وتنتزع الحب من قلبك وتبدل كل أحوالك في هذه الدقيقة ~~أكون رجلا أبله كذابا ... سخيف العقل ... خذ ... خذ يا عزيزي ... جرب فربما تؤمن ~~(يعطيه الورقة ... يأخذها بكر بتهكم) ~~. # بكر ~~: # بعد التعليم العالي ... وبعد الدرس والتجاريب ... لا زلت تؤمن بالخرافة! # خليل ~~: # يا سيدي اقرأ وكذبني. # بكر ~~(يفتح الورقة ويقرأ) ~~: ~~«رمزي بك المحترم، رأيت أن أقابلك للبحث في موضوع زواجنا بعد أن أذن أبي بهذه ms140 ~~المقابلة، لهذا أنتظرك في منزلي في الساعة الرابعة بعد ظهر الغد، وتقبل يا سيدي ~~الاحترام ... إحسان» ... ماذا قرأت! رباه ... هذا خطها ... هذا توقيعها ... هذا تاريخ أمس ... من هو ~~رمزي الذي تكتب إليه إحسان؟ إحسان ... إحسان حبيبتي تكتب إلى رجل آخر؟! إحسان خطيبتي تباحث ~~خطيبا جديدا في أمر الزواج؟! إحسان أملي في الحياة ... نصيبي من نعيم العالم ... إحسان ~~حبيبتي روحي وقوتي واغتباطي ولذتي ... تكتب لرجل تباحثه في أمر الزواج؟! رباه ماذا قرأت؟! ~~ماذا رأيت؟! دليلا على عدم الوفاء ... برهانا على الخيانة ... آه ما أشد آلامي! ~~(يرتمي على المقعد) # لا، أنا لا أريد أن أصدق. لا ... ابدا ... ~~حاشا للملاك أن يكون شيطانا ... حاشا لتلك الروح السامية والأخلاق الوديعة أن تكون إلا ~~أفعى قاتلة بخيانتها ~~(يلقي الورقة) # سحقا ليد ~~كتبتك ... لقلم زور هذه السطور ... حاشاك يا إحسان أن تكوني صاحبة هذا التوقيع ... ولكن ~~لا ... هذا خطها لا ريبة ولا شك ... ورقة وصلت ليدي ... أم صاعقة قذفتها علي السماء ... ~~رباه ... قصاصة من الورق ... قطرة من الحبر ... سطور سوداء تنتزع قلبي من صدري انتزاع الحرير من ~~الشوك ... ما أضعف المرء حيال الطوارئ! ما أظلم النفس باطمئنانها للهناء! ما أتعس الرجل ~~باستسلامه بعواطفه وسكونه لمظاهر الحسناء! خدعتني إحسان ... سلبت قلبي ... عبثت بعقلي ... أضاعت ~~رشادي ... أضعفت قوتي ... أوهنت جلدي ~~(يقول لقلبه) # لا ~~تختلج أيها الخفاق النزق ... أيها الأعمى المغرور ... كفاك خفقانا بين جوانحي ... كفاك ~~اضطرابا وجزعا وإلا انتزعتك من صدري بيدي وطرحتك للكلاب. # خليل ~~: # لو كنت أثق يا أخي بالمرأة ... لو كنت أومن بوفائها وثباتها ... ما نغصت عليك هناءك ~~الوهمي واغتباطك بعزة النفس وانتعاشها بالحب. # بكر ~~: # لقد صدمتني صدمة! زعزعت قوتي يا خليل، وخلعت قلبي خلعا عنيفا. # خليل ~~: # من هذا كنت أخشى، إلا أنني لم أحجم عن ردك عن شطط، ما دام البرهان المقنع قد وصل ~~إلي. # بكر ~~: # وكيف وصل هذا الكتاب ليدك؟ # خليل ~~: # رمزي بك رجل من معارفي ولي دلال عليه، قابلته اليوم في حديقة الأزبكية جالسا يطالع ~~الصحيفة الأخيرة من رواية، ولشدة إعجابه بها أهداها ms141 إلي لأطالعها، وبعد رجوعي إلى البيت ~~بدأت المطالعة، ولسوء حظك ... أو لحسن حظك ... وجدت هذه الورقة في الكتاب، فعرفت خط إحسان ~~ودهشت لأول الأمر. # بكر ~~: # ربما كان الخط لغيرها، وربما كان الإمضاء لإحسان غير التي أحبها. # خليل ~~: # كان هذا أول خاطر لي يا أخي؛ خصوصا وأن الفتاة تربت تربية عالية، وتهذبت تهذيبا ~~صحيحا، وتعلمت علما راقيا، فكان من الصعب علي جدا ... أن أصدق أنها غير وفية ... بعد ~~التضحيات التي ضحتها من أجلك ... وبعد كل ما كتبت إليك. # بكر ~~: # وما الذي جعلك تعدل عن الشك وتتحول إلى التصديق. # خليل ~~: # لم أحتمل أبدا البقاء على الشك، وأردت معرفة الحقيقة؛ خصوصا وأنني أجهل أن رمزي ~~يعرف إحسان، فقصدت شبرا وانتظرت قريبا، إلى أن دنا الموعد المحدد في الخطاب، فرأيت رمزي ~~بك بعيني يدخل بيتها متهللا فرحا. # بكر ~~: # آه ما أقساك يا خليل! إنك ترسل إلى قلبي الطعنة أثر الطعنة ... تمزق صدري ... وتأتي على ~~صبري ... آه ... آه. # خليل ~~: # عهدي بك رجلا يا صديقي، وليست هذه الصدمة أول الصدمات، ولا آخر المزعجات، الألم ~~يتلطف بمرور الأيام حتى يزول، وحب تردك عنه خيانة المرأة يندثر ويزول. # بكر ~~: # هل رأيت الرجل بعينيك؟ # خليل ~~: # نعم بعيني، على خطوات مني. # بكر ~~: # ربما خدعك النظر يا خليل. # خليل ~~: # ربما تحاول أن تتظاهر بالغباوة لضعف إرادتك وقلة نخوتك، قلت لك هذا خطها، ورمزي ~~صديقي رأيته في الموعد يدخل بيتها، هذا ما رأيت وعرفت، حملتني الصداقة على إطلاعك ~~عليه؛ حتى لا تبقى مخدوعا، فتصرف بعد هذا كيف شئت، وافعل ما توحيه إليك رجولتك ~~(يخرج) ~~. # بكر ~~: # أليس بينهن وفية؟! علم وتأديب تربية وتهذيب. تحول الشيطان لطهر الملائكة ~~وبراءتهم! فكيف لم تمنع إحسان عن عمل الشياطين؟! لماذا أغرتني ... لماذا أغوتني ... عاهدتني ~~... فلم خانتني ... أحيت نفسي بالأمل ... قتلتها باليأس ... المرأة ... المرأة ... ملاك إذا أخلصت ... ~~وأنى لها الوفاء والإخلاص ... بنانها الناعم أخشن من أصبع الشيطان وأقوى من اليأس، وعينها ~~الذابلة أحد من السيف وأفتك من السحر ... الشمس ترسل شعاعها النير لكل ذي بصيرة، والحسناء ~~تبتسم لكل ms142 رجل حفاز، تخلع مع كل حذاء هوى قديما، وتلبس مع كل ثوب حبا جديدا، آه من ~~المرأة! خدعتني تلك الساذجة ... قتلتني تلك الضعيفة، يا لقلبي من الألم! ~~(يرتمي على مقعد يبكي ... تدخل إحسان) ~~. # إحسان ~~: # أسعد الله مساءك أيها العزيز. لماذا لا تجيبني يا حافظ؟ أنائم أنت؟! # بكر ~~: # من أسمع؟! من أرى؟! رباه الآن! # إحسان ~~: # تنام مبكرا هكذا قبل الغروب؟! يا لك من كسلان! ألا تسرع إلي لتقبلني؟ # بكر ~~: # أقبلك؟ # إحسان ~~: # ما لك يا حبيبي! أراك مضطربا، أراك في غير حالك المألوفة! # بكر ~~: # صدقت، ألمي أعظم وأقوى من أن يخفيه التصبر. # إحسان ~~: # ماذا ألم بك، مم تتألم؟ # بكر ~~: # بي ألم بارح هنا موضعه ~~(يشير إلى قلبه) ~~. # إحسان ~~: # عافاك الله من كل ألم يا حبيبي، ليته في قلبي أنا ~~(تجلس إلى ~~جانبه وتجذبه إليها) ~~. # بكر ~~(يدفعها عنه) ~~: # لا تضاعفي الألم، دعيني. ما الذي جاء بك الآن؟ # إحسان ~~: # جاءت بي فزة الشوق ... والحنين لمرآك ... انبعاث الروح إليك. # بكر ~~: # انبعاث الروح إلي؟! ما أكثر انبعاث المرأة لصور الرجال، عني أيتها الخائنة، عني ~~أيها الشيطان. # إحسان ~~: # عنك ... خائنة ... شيطان ... لإحسان توجه هذه العبارات؟! رباه ماذا أصابك؟! ~~(تقترب منه فيدفعها بضعف) ~~. # بكر ~~: # عني أيها الرجس، عني أيتها الأفعى، لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين. # إحسان ~~: # أنا الرجس؟ أنا الأفعى يا حافظ؟ رباه ماذا أسمع؟! أنا يقذفني حبيبي بهذه السهام؟ أنا ~~لا أصدق أن حافظا يتعمدني بهذه المؤلمات، لا يمكن أن يلفظ هذه الألفاظ وهو في رشده ~~وصوابه، ماذا أصابه؟ حافظ حبيبي، ماذا بك؟! # بكر ~~: # رشاش من سفالة ... أثر من خيانة ... عبث من ماكرة ... إليك عني يا خائنة ~~(يدفعها حتى يخرجها من الباب) # رباه تقتحم غرفتي ... تتمثل ~~أمامي ... يا لجرأة المرأة! يا لتلك الوقاحة! # إحسان ~~(ترتمي عليه) ~~: # حافظ حبيبي ... روحي ... أملي في الحياة ... ماذا أصابك؟! هل جننت؟! لا يمكن إلا أن ~~تكون جننت، أنا إحسان حبيبتك يا حافظ، انظر إلي ... ألا تعرفني؟! ألا ~~تتذكرني؟! # بكر ~~: # إحسان ... إحسان ... تلك التي كانت في وداعة الملائكة وطهر الأبرار ... إحسان الحبيبة ms143 ~~الوفية ... إحسان التي سلبت عقلي بحسنها ... وقلبي بلطفها ... واحتلت سويداء فؤادي بآدابها ... ~~أنت إحسان؟ معاذ الله! أنت الشيطان. # إحسان ~~: # حبيبي حافظ، ألا ترى أنك لا زلت تذكر إحسان؟ أنا هي يا حبيبي، انظر إلي ... دع بصرك ~~يقع على وجهي ... دع يدك تلمس قلبي ... انظر إلي ... أنا هي إحسان ... رباه هل جن ~~حبيبي؟! # بكر ~~: # لا ... لا ... إنما ارتفع الحجاب عن ريائك ... ظهر الدليل على عدم وفائك ... قام البرهان على ~~خيانتك ... فطردا أطردك من هذا البيت. # إحسان ~~: # قام البرهان على خيانتي؟! أنا يا حافظ؟! في ذمة الله حبي ... وما قاسيت من أجلك ... في ~~ذمة الله إخلاصي ... وما عانيت بسببك ~~(ترتمي ~~وتبكي) ~~. # بكر ~~: # دموع كاذبة ... إيمان سفيهة ... مظاهر خداعة ... ليست لها قوة حيال الحق الواضح ~~(يأخذ الخطاب من الأرض) # خذي اقرئي ما كتبت يدك الأثيمة إلى ~~عاشقك الجديد، أينا الخطيب؟ أينا الحبيب؟ ذاك الذي دعي لموعد في بيتك؟! أم أنا الذي ~~تجيئين إلى بيتي؟ هذه اليد كتبت هذا الخطاب ... ضربت ذلك الموعد ... صافحت ذلك المعشوق، ~~هذه اليد نزعت من قلبي الهوى ... ومن صدري الرحمة ببني الإنسان، من هذه اليد أنتزع خاتمي - ~~خاتم الخطوبة - لن يبقى في يدك أيتها الخائنة. # إحسان ~~: # حافظ ... تمهل ... تمهل ... بربك لا تفعل ... لا تأخذ الخاتم ... لا تقتلني يا حبيبي. # بكر ~~(يأخذ الخاتم بالقوة) ~~: # زالت الصلة ... انقطع الأمل ... إلى غيري يا خائنة ~~(تصرخ من ~~الألم ويغمى عليها) ~~. ~~(ستار) # الفصل الثاني # خليل ~~: # وهل تظن أن ادعاءك المرض يؤثر في الحسناء؟! مغرور أنت؟ إن جمالها شرك تصطاد به ~~العشرات أمثالك؟ # بكر ~~: # لم أتمارض للتأثير بمرضي في نفسها، وإنما لغرض آخر ستكشفه لك الحوادث. # خليل ~~: # ولماذا تخفيه حتى الآن ما دامت الحوادث ستكشفه لي. # بكر ~~: # لتكون له في نظرك لطف الفكاهة وطلاوة الجديد. # خليل ~~: # وهل أنت واثق من الطبيب وكتم الأمر؟ # بكر ~~: # أثق به ثقتي بك وأعظم. # خليل ~~: # في كل حادث جديد ... يظهر لك أصدقاء لم أكن أعرفهم من قبل، فإنك تخفي عني أسرار ~~كثيرة. # بكر ~~: # أنت لا تعرف من أسراري إلا النزر ms144 اليسير الذي يحتمله عقلك، وكذلك كل واحد من ~~أصدقائي. # خليل ~~: # إذن هي عدم الثقة بنا! # بكر ~~: # بل هو الحرص يا أخي، فلو أنك عرفت كل شيء؛ استلمت قيادي وعشت تحت رحمتك، أما التكتم ~~وإدارتي شئوني بحكمة وحرص فإنها السبيل الوحيد الذي يضمن لي السلامة، ويجعل الجميع تحت ~~رحمتي. # خليل ~~: # وهل يعرف الطبيب أمر حبك لإحسان. # بكر ~~: # نعم؛ لأن لعمله مماسا بالفتاة. # خليل ~~: # وهل تقلع عن حب تلك الحسناء رحمة بنفسك؟ # بكر ~~: # الحب يا خليل بغير إرادة الإنسان واختياره، وكذلك الكراهة. # خليل ~~: # ولكنها تبحث عن زوج غيرك، فماذا تؤمل من حبك؟ # بكر ~~: # لا أؤمل غير النسيان والترك وشفاء القلب من علته؛ فأمام كتابها إلى رمزي بك ... أمام ~~الدليل المحس يتحتم علي إغفالها، أما عواطفي ... وفؤادي ... وضميري ... فلها غير هذا ~~الشأن. # خليل ~~: # ألا زلت في شك من أمرها. # بكر ~~: # كثيرا ما ينخدع العقل بالظواهر الكاذبة، أما الأدلة العقلية فإنها أقوى الحجج وأدمغ ~~البراهين. ~~(الخادم يدخل خادم أخرس ويشير إشارات يفهم منها حضور مبرقعة.) # خليل ~~: # شذوذ حتى في اختيار الخدم! يا ألله! ما هي الفائدة من اختيارك الخادم الأخرس؟! لو كان ~~ناطقا لوفر عليك عناء الانتقال لفهم ما يشير إليه. # بكر ~~: # خرس الخادم نأمن معه فلتات لسانه في الطريق، وصممه يبعد عنه سماع ما يحكى هنا وما ~~يقال، اذهب أيها الأحمق وانظر من الزائرة ~~(يخرج خليل ويقول وهو ~~خارج) ~~. # خليل ~~: # لعنك الله لعنة أبدية، ولعن كل زائريك وخدمك، والشياطين التي تمر ببيتك. # بكر ~~: # من يدعي المرض عليه التمارض، وعليه أن يحسن آهات الألم وأنات العليل، وإلا نمت عليه ~~العافية، وفضح سره الجهل ~~(يرقد على السرير) ~~. # خليل ~~(من الخارج) ~~: # هذه خطيبتك الآنسة إحسان هانم، شق عليها أن تكون مريضا ولا تزورك ~~(يدخل ومعه إحسان) ~~. # إحسان ~~: # حافظ ... أمريض أنت؟! إن مقاطعتك لا تمنعني من زيارتك وأنت مريض، فإن عهد حبنا أبدي لا ~~تلاشيه إرادتك. # خليل ~~: # المريض في شدة العلة وبارح الألم، والانفعالات النفسية تؤذيه، فاتركي العتاب يا سيدتي ~~لوقت آخر. # إحسان ~~: # صدقت يا أخي، إنما ms145 لم أتمالك عواطفي أمام هذا المشهد المؤلم ~~(تقترب من السرير) # حافظ حبيبي ألا تسمعني؟ ألا تراني؟ # خليل ~~: # إنه لا يسمع ... ولا يفهم ... ولا يدرك ... ولا يرى ... فهو فاقد الصواب في هذيان الحمى، ~~ودنوك منه خطر عليك، تعالي ... تعالي بعيدا عن خطر العدوى. # إحسان ~~: # رباه؟! هل هو مريض إلى هذا الحد المزعج؟ # خليل ~~: # طحنه المرض، وإنه لتكاد تودي به الحمى. # إحسان ~~: # وماذا أصابه يا سيدي ؟ # خليل ~~: # لا أدري يا سيدتي سوى كونه مريضا وكون الطبيب يعالجه. هذا مبلغ علمي. # إحسان ~~(تقترب من السرير) ~~: # ومتى يجيء الطبيب؟ # خليل ~~: # قلت لك لا تقتربي من فراشه؛ فإن الطبيب يمنع ذلك. # إحسان ~~: # إذن هو لا يشعر بوجودي الآن. # خليل ~~: # ولا بوجودي أنا الآخر ~~(يدير حافظ أنظاره في نواحي المكان بدون ~~أن يرى أو يعرف إحسان) ~~. # إحسان ~~: # رفقا به يا رب ... يا إله السماء ... بل رفقا بي أنا ... رفقا بقلبي المعذب ... هذا كل أملي ~~في الحياة ... ونشدتي من العالم ... فلا تفجعني به ... وارث لآلامي وللذي تعرفه من أمري ~~(تبكي ... يدخل الطبيب) ~~. # الطبيب ~~: # كيف حال الشيخ بكر اليوم يا خليل ~~(يفحص ~~المريض) ~~. # خليل ~~: # حاله كما ترى يا سيدي الدكتور، يئن بغير إدراك. # الطبيب ~~: # والدواء. # خليل ~~: # أعطيه له في المواقيت المعينة بكل دقة. # الطبيب ~~(يكشف على القلب بالسماعة) ~~: # ومن هذه السيدة؟ ولم دخلت هذه الغرفة؟ ألم أقل لك إن الحمى معدية. # خليل ~~: # هذه خطيبته إحسان هانم، ولم أجد مناصا من السماح لها بالدخول حذرا من أن ترتاب في ~~قصدي إذا منعتها. # الطبيب ~~: # إحسان هانم التي يهزي بها المريض في بحران الحمى؟! يلوح لي يا سيدتي أن لشأنه معك ~~سببا في المرض الذي يكاد يقتله. # إحسان ~~: # صدقت يا سيدي، فإنه طردني وأهانني لخاطر غير صحيح. # الطبيب ~~: # إن وجودك في غرفته الآن خطر عليه، فإذا تنبه وعرفك بعد ما كان بينكما من ~~الشقاق يؤثر مرآك في نفسه تأثيرا سيئا يقتله في الحال، فالضرورة تحتم يا سيدتي أن ~~تغيبي عن عينيه. # إحسان ~~: # سأفعل يا سيدي الطبيب مكرهة، فإني أفديه بحياتي، إنما ms146 بربك طمئني عليه. # الطبيب ~~: # لا أكتمك الحقيقة، الرجل أصيب فجأة بمرض في القلب، ولم يكن هنالك أمل محقق بشفائه، ~~أما وقد حدثت بعض المضاعفات وجاءت الحمى أيضا فإنه تحت رحمة الله، ولا شأن للطب ~~معه. # إحسان ~~: # إذن أنت ترجح وفاته. # الطبيب ~~: # بل أؤكد يا سيدتي الوفاة إذا لم يتداركه الله بعنايته. # إحسان ~~: # يا ألله ... ماذا أسمع ... يموت ... أبدا ... أبدا ... أنا لا أريد أن يموت ~~(ترتمي على حافظ في السرير والطبيب يمنعها بالقوة) ~~. # الطبيب ~~: # لا ... لا تقتربي من المحموم، إنك ترتمين في أحضان الموت. # إحسان ~~(تتملص منه) ~~: # دعني يا سيدي أموت بين ذراعيه، دع الموت ينتزع روحين معا تآلفا في الحياة ~~(ترتمي على المريض) # حبيبي ... روحي ... حياتي ... لا يطيب لي العيش ~~بعدك. # الطبيب ~~(يدفعها) ~~: # لست مجردا من العواطف يا سيدتي، ولكن الرجل الحازم من يدوس عواطفه في سبيل الواجب؛ ~~لهذا أحتم عليك الخروج من هذه الغرفة؛ رحمة بك وحرصا على حياتك. # إحسان ~~: # دعني يا سيدي أموت إلى جانبه. # الطبيب ~~: # عافاك الله من الموت، فإنك في زهرة الصبا وريعان الشباب، والأسف لا يدوم، والحزن لا ~~يقتل. ~~(لخليل) # لا تدعها تدخل ثانيا. # إحسان ~~: # دعوني إلى جانبه، دعوني أؤدي واجبي. # الطبيب ~~: # لا يا عزيزتي ... لا ... لا ... قلت لك لا. # إحسان ~~(تدفع الطبيب) ~~: # دعوني أودعه. # الطبيب ~~: # خطر عليك الاقتراب منه، اخرجي يا سيدتي ~~(يخرجها ويخرج معها ~~خليل) ~~. # الطبيب ~~: # لا تأذن لها بالدخول هنا أبدا، ~~(لحافظ) # أظن أن ~~الفتاة تحبك جد الحب يا حافظ. # بكر ~~: # إذا كانت هذه الظواهر هي التي تحملك على الاعتقاد بأنها تحبني؛ فإن الخطاب الذي اطلعت ~~عليه تدعو فيه رجلا آخر لمفاوضته في أمر الزواج دليل على أنها تحب أكثر من رجل. # الطبيب ~~: # ألا يكون الخطاب مزورا عليها. # بكر ~~: # ثبت أن الخطاب بخطها، وأنها قابلت الرجل في بيتها. # الطبيب ~~: # أما إذا كانت تمثل الحب الكاذب بمثل هذه المهارة فإنها أقدر ممثلة! # بكر ~~: # كل امرأة تمثل العواطف الكاذبة متى شاءت بأعظم من هذه المهارة، فإن الرياء من خصائص ~~المرأة إذا خبثت. # الطبيب ~~: # وهل ms147 أنت على رأيك الأول في تمثيل الوفاة والدفن؟ # بكر ~~: # نعم. هل جئت بالمخدر؟ # الطبيب ~~: # ها هو يا أخي، فأنا لا أضني عليك بنفيس أو عزيز، إنما أتوسل إليك أن لا تكل نفسك إلا ~~لصديق حميم، فالأمر حياة أو موت. # بكر ~~: # شكرا لك يا عزيزي، وسأحتاط لنفسي بقدر ما تسمح به الظروف، فادع لي خليل إذا كانت إحسان ~~خرجت ~~(يخرج الطبيب) # رباه؟! كيف أوفق بين هذه المظاهر ~~التي تتظاهر بها أمامي وبين خيانتها بدلالة الخطاب؟ إنني لفي حيرة وارتياب لأعرف كيف ~~أميز بين وجوه الحق والباطل. ~~(يدخل خليل) # هل خرجت إحسان ~~يا خليل؟ # خليل ~~: # نعم يا أخي خرجت في حال يرثى لها، حتى يرجح عندي أنها تحبك! # بكر ~~: # هل غيرت رأيك في تلك الخائنة. # خليل ~~: # أمام هذا الحزن ومظاهر الألم، لا أريد إلا أن أصدق أنها تحبك! # بكر ~~: # والخطاب؟ ورؤيتك الخطيب في بيتها؟ # خليل ~~: # هذا الذي لا أفهمه، ولا أعرف كيف يؤول؟! # بكر ~~: # دعنا من الفتاة واجلس لنتفاوض معا في أمر هام ~~(للطبيب) # اجلس يا عزيزي. # خليل ~~: # والله يا أخي ما دعوتني مرة للمفاوضة في أمر هام إلا وكان وراء هذه المفاوضة بلاوي ~~ودواهي ما لها آخر، احكي يا عم احكي ... قول اللي يخلصك من ربنا. # بكر ~~: # سأموت الليلة يا خليل. # خليل ~~: # يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم، طيب قولنا إن المرض نقدر عليه ... ونعمل عيانين! ~~ولكن الموت ... نعمل ميتين إزاي؟! # بكر ~~: # الأمر بسيط جدا، وما دمت أنا الذي سأعمل الميت فالمقدرة وعدمها منوطة بي وحدي، إنما ~~المهم أن نتساءل عن مقدرتك أنت في الذي يطلب منك عمله. # خليل ~~: # وعاوز مني إيه؟! هو أنا عزرائيل حقوم أقبض روحك ... عاوز تموت ... اتفضل موت ... وأنا أتفرج ~~عليك ... وإن قلت لي صوت ... أصوت عليك ... وأملأ الدنيا صوات! # بكر ~~: # دعك من الهزل يا خليل، فإن الأمر هام جدا. هل يمكنك أن تنفذ ما أدلك على عمله ... حتى ~~تتم عملية الدفن. # خليل ~~: # قول لي وأنا أشوف رأيي بعد ذلك. # بكر ~~: # سأشرب هذه الزجاجة فتظهر ms148 علي أعراض الموت الكاذب، إنما أفقد وعيي وكل صوابي، فتتصرف ~~أنت مكاني، فأول الواجبات أن تبلغ الأمر لأهلي لكي يملئوا البيت بالندب والصراخ! # خليل ~~: # شيء سهل ... والثاني. # بكر ~~: # أن تبلغ البوليس بالتليفون أن المدعو حافظ نجيب المطلوب القبض عليه توفي في المنزل ~~نمرة كذا بشارع كذا متنكرا باسم الشيخ بكر! # خليل ~~: # وده كمان شيء سهل ... والثالث. # بكر ~~: # عند عملية الغسل لا تترك أحدا من أهلي يدخل معك، وتظهر لهم هذا الخطاب، وفيه الكفاية ~~لمنعهم من حضور الغسل. # خليل ~~: # وصية الميت لا بد أن تنفذ ... وده سهل كمان ... وبعدين. # بكر ~~: # مسألة الكفن تتولاه أنت مع رجل سيحضره حضرة الطبيب خصيصا لهذه العملية ... فيغسل ويكفن، ~~إنما عليك أن تلاحظ تنفيذ تعليمات حضرة الطبيب. # خليل ~~: # عال ... لغاية هنا عال ... ولا أرى صعوبة ... وبعد كده. # بكر ~~: # لي حوش بقرافة المجاورين، وفيه تربتان؛ واحدة تمت وهي مهيأة للدفن. والأخرى لم تتم، ~~فبلغ التربي لكي يحضر المدفن، ثم تباشر الجنازة لغاية المدفن. # خليل ~~: # سهل جدا. # بكر ~~: # وعند الدفن تبكي بحرارة، وتنزل القبر معي، وتضع داخل الكفن، في يدي اليمنى هذا الفانوس، ~~وتضع في يدي اليسرى هذه الزجاجة، واحذر أن تضيع منك أو تكسر، فإن فيها حياتي. # خليل ~~: # وده كمان سهل ... وبعدين. # بكر ~~: # بعد ذلك تخرج من التربة من غير شر وتروح لشغلك ... وأنا علي البقية. # خليل ~~: # يا خبر أسود! يجي لك قلب تتخدر وتنزل التربة وتندفن؟! يا ليلة زي الزفت ... على ناكر ~~ونكير ... يا مسلمين على دي حيلة ... والله يا أخي إبليس ما يعمل دي العملة ~~(للطبيب) # شفت يا حضرة الدكتور عمايل صاحبك. # الطبيب ~~: # معذور، رجل محكوم عليه بعشرات من السنين يريد أن يتمتع بالحرية، فهو يطلبها من طريق ~~القبر. # خليل ~~: # حرية؟! حرية إيه يا خوي! وهو إللي عاوز الحرية يموت علشان الحرية؟! # الطبيب ~~: # نعم يموت، ويثبت رسميا أنه مات ودفن، فيصدر الأمر من الحكومة بكف البحث عنه بسبب ~~الوفاة؛ لأن الموت يلاشي كل القضايا. # خليل ~~: # ولما يخرج ويمشي في الطريق ... يعرفوه ويمسكوه ... كأن يا بدر ms149 لا رحنا ولا جينا! # بكر ~~: # بالعكس يا أبله. أمرح في البلاد كيف أشاء، فلا يتوهمن أحد أبدا أنني حافظ نجيب، وإنما ~~يؤكدون أنني شبيه به. # خليل ~~: # يا حفيظ ... بريه ... بريه ... بريه ... دا أنت مصيبة ... إياك يا رب تموت بحق وحقيق ... ~~عشان نستريح منك ... يا باي. # بكر ~~: # هل يمكنك تنفيذ ما ذكرته لك بدون خوف أو اضطراب. # خليل ~~: # شيء أسهل بكثير من غيره. # بكر ~~: # إذا أهملت أموت يا خليل. # خليل ~~: # تبقى صحت، ويدعيلي ألف ألف واحد. # بكر ~~: # هل تتذكر أنك وضعت اليوم صندوقا في بنك الكريدليونيه أمانة ومعها خطاب مني؟ # خليل ~~: # نعم أتذكر، إيه يعني؟! حضرتك خايف على الفلوس تتركها في البيت أودعتها في البنك! # بكر ~~: # هل تتذكر أن لك جرائم حكم فيها عليك بعقوبات فظيعة جدا؟ # خليل ~~: # أما شيء بارد، وده لزومه إيه دلوقت؟! بتعرف الدكتور أني زيك هربان! # بكر ~~: # أعلم أن الصندوق يحتوي على ما يثبت تلك الجرائم، وما يدل على طرق القبض عليك إذا ~~خطر لك ألا تنفذ الوصايا التي سمعتها مني وتركتني أموت في القبر، فإذا لم أخرج من القبر بعد ~~غد صباحا واسترد الصندوق من البنك يسلمه للنيابة فتقبض عليك! # خليل ~~: # اهرب يا سيدي بعد دفنك! # بكر ~~: # لا تستطيع؛ لأنك مكلف من الآن بأن لا تمشي إلا على قدميك ... لا تركب بسكليت ... ولا ~~أوتومبيل ... ولا ترام ... ولا عربة ... ولا حمار ... ولا أي داهية. فإذا خطر لك أن تخالف هذا الأمر ~~فأصدقائي الذين يقتفون أثرك يدعون البوليس للقبض عليك في الحال! # خليل ~~: # عال ... عال ... بقى روحك بتسلمها لي بضمانة حياتي! # بكر ~~: # نعم هو كذلك. ليس أعز على الإنسان من حياته، ولهذا فرضت عليك هذه الضمانة. # خليل ~~: # ترازي حتى وأنت في التربة ... الله لا يطلعك منها يا بعيد. # الطبيب ~~: # إذا لم يخرج تموت أنت الآخر. # خليل ~~: # والله يا سيدي الموت ولا عشرة اللئيم ده، ما تياله تموت يا سيدي ... مستني ~~إيه. # بكر ~~(يمسك الزجاجة) ~~: # أعطني كأسا يا خليل. # خليل ~~: # كاس الموت إن شاء الله ~~(يعطيه الكأس ... يملأه ~~حافظ) ms150 ~~. # بكر ~~: # هل أنت مستعد بتنفيذ الوصايا يا خليل. # خليل ~~: # كل الاستعداد ... الفانوس في إيدك اليمين ... والزجاجة في إيدك الشمال ... إتوكل على الله ... ~~روحة بغير راجعة إن شاء الله. # بكر ~~(يشرب الكأس) ~~: # أستودعكما الله يا صديقي. # الطبيب ~~: # استلق على ظهرك ولا تتحرك حتى يسري الدواء ويظهر مفعوله، إلى الملتقى يا عزيزي ~~(لخليل) # هذه جرأة لا يقدم عليها رجل غير هذا الرجل ~~الجريء، وهذه الجرأة النادرة هي التي تجعلني أحترمه وأقدره. # خليل ~~: # وهل أنت واثق من نجاته من القبر. # الطبيب ~~: # كل الثقة إذا نفذت ما سمعت بأمانة. # خليل ~~: # حافظ صديقي، بل هو أعز علي من أخي، وأنا أفديه بحياتي، كن مطمئنا من هذه الوجهة، ~~ولكن كيف يتصرف البوليس عند وصول الخبر إليه. # الطبيب ~~: # سيجيء ويجدني هنا، فيكتفي بمعلوماتي وشهادتي وينتهي الأمر! # خليل ~~: # وهل أنت خارج الآن؟ # الطبيب ~~: # نعم لكي يموت بعد خروجي، وأحضر في الصباح مبكرا جدا قبل أن تبلغ الأمر إلى ~~البوليس. # خليل ~~: # وفقنا الله لإنقاذ هذا الصديق، فإنه رجل. # الطبيب ~~: # إلى الملتقى. كن جريئا حازما يا خليل. # خليل ~~: # إلى الملتقى يا سيدي. ~~(تظهر على حافظ أعراض الألم ... فيخرج خليل ويدعو الخادم والخادمة ... ~~وعندما يدخل الخادم يصرخ بإشارات الخرس ... أما الخادمة فتصاب بالوجم.) # الخادمة ~~: # سلامتك يا سيدي، سلامتك ~~(يقوم خليل بنضح الماء البارد على ~~حافظ ويبكي، وحافظ يتألم حتى يموت) ~~. # الخادمة ~~: # يا دهوتي عليك يا سيدي. # الخادم ~~: # أو ... أو ... ~~(الصراخ يعلو) ~~. ~~(ستار) # الفصل الثالث ~~(إحسان في ثياب سوداء جالسة تبكي) # إحسان ~~: # رباه! كيف أتحمل هذه الصدمة؟ كيف أقوى على هذه النكبة؟ مات حافظ فمات معه الأمل في طيب ~~العيش. دفنوه اليوم فدفنوا معه قلبي وفؤادي ... في جوف القبر جسد ذلك الفتى ... وروح إحسان ترف ~~حواليه ... تؤنسه في الوحشة ... وتناجيه في السكون الأبدي، لم يعشق حافظ جمال الجسم البديع، ~~وإنما آداب النفس وكمالها، لم يرفه من حسن الوجه الصبوح، وإنما سمو المبدأ وجمال الروح، لم ~~تفزه نضارة الصبا المغري، وإنما استفزه إللي عرفه من أمري سوى سري وجهري. أين ذلك النبيل؟ ~~من ms151 الذي يطلبون من الزوجة؟! الحسن والدلال والجمال والمال! آه ما أعظم نكبتي فيك يا حافظ! ~~(تبكي ... وتدخل أسما) ~~. # أسما ~~: # تبكين أيتها العزيزة، تقضين كل أوقاتك في البكاء والنوب، إن هذه العيون النجلاء لم ~~تخلق للبكاء والشقاء، خففي عنك أيتها الحبيبة ~~(تحتضنها ~~وتقبلها) ~~. # إحسان ~~: # أشكر لك هذا العطف يا أمي، فإنك القلب المفرد الذي أحس منه الحنو والإشفاق. # أسما ~~: # لوالدتك المرحومة فضل علي لا ينسى ، فأنا أعطف عليك كابنتي وأشفق عليك كل الإشفاق؛ ~~لهذا يجب أن تعتمدي علي كوالدتك، وأن تذعني لرأيي فيما جئت إليك من أجله الآن. # إحسان ~~: # أنا مصغية إليك كل الإصغاء. # أسما ~~: # أنت عاقلة متعلمة، ولك مبدأ طبعا، ونبل عائلتك وسمو تربيتك يقضيان عليك بتضحية ~~بعض مصالحك للحفاظ على شرف البيت، وعلى شرف والدك خالد بك. # إحسان ~~: # ونوع التضحية هو أن أبيع نفسي بالمال لرجل قاس فاسد التربية ليسدد والدي ما عليه من ~~الديون ويحفظ كرامته شهورا محدودة؛ بينما أكون أنا قد بعت شرفي وضحيت آمالي ~~ومستقبلي! # أسما ~~: # أنت لا تبيعين شرفك يا ابنتي؛ لأنك تتزوجين زواجا شرعيا رجلا لا أنكر أنك لا ~~تحبيه، ولكن يجيء عادة بالمعاشرة ثم الموافقة! # إحسان ~~: # قبولي التزوج من رجل لا أحبه - بل أحتقره - طمعا بماله، لصوصية يا سيدتي، فضلا عن أن ~~الزواج على هذه الصورة غير صحيح شرعا؛ لأن القبول الصحيح غير متوفر فيه، والفتاة التي تقبل ~~مثل هذا الزواج تبيع نفسها وعرضها. # أسما ~~: # ولكن أباك سيشهر إفلاسه ... سيباع آخر شيء يمتلكه ... سيخرج من هذا البيت. # إحسان ~~: # هذا جزاء السفه والابتذال، فليتألم كما يتألم غيره، فلو اعتبر بمن سبقوه على هذا ~~المنحدر ما وصل إلى أعماق الهاوية. # أسما ~~: # هذه قسوة منك على أبيك. # إحسان ~~: # هو لم يعرف كيف يشفق، فلماذا تسألين الغير الشفقة عليه؟ أين هي أموالك يا والدتي؟ ~~بددها ... أين ميراثي؟ أتى عليه ... أين ما خلفه له الآباء؟ ذهب إلى جحور الباغيات ... وموائد ~~الميسر. # أسما ~~: # ولكنك ابنته، وفي وسعك الأخذ بيده وحفظ مكانته ~~(يدخل خالد ~~بك) ~~. # خالد ~~: # ابنتي إحسان، اذكري أنني ms152 أبوك، وأن لي عليك حق الطاعة، فلا ترفضي ما أشير به ~~عليك. # إحسان ~~: # إن للشرف حقا أقوى من حقك؛ فلهذا أرفض فقد قال الله تعالى في القرآن: # وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم ~~فلا تطعهما ~~. # خالد ~~: # أنا أدعوك إلى الزواج الشرعي. # إحسان ~~: # بل أنت تكرهني على هذا الزواج فهو غير شرعي. # خالد ~~: # أنا لا أكرهك، بل أطلب منك القبول . # إحسان ~~: # قال سيد المرسلين: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى.» وأنت لا تطلب من ~~الزواج ائتلاف الزوجين ولا هناء المتعاقدين، إنما تطلب المال لفائدتك الشخصية. # خالد ~~: # أيتها الحمقاء، نحن على أبواب الإفلاس ... سيباع هذا البيت ... سنطرد منه ... سنلقى في ~~الطريق. # إحسان ~~: # هذا جزاء المبدد، وخير لك أن تفقد هذا البيت وكل ما تملك، بل خير لنا أن نلقى في ~~الطريق معا نتسول أو نعمل بأيدينا كسائر العمال، من أن نضحي العرض للاحتفاظ بالبيت. # أسما ~~: # أنت تفهمين خطأ غرض والدك، هو يريد أن يضحي شيئا من حب الذات، وأن تقبلي الاقتران ~~برمزي بك، فتصلحي من حالة والدك وتحفظي مركزه. # إحسان ~~: # أنتم ترغمونني بهذه المغالطات على ذكر الحقيقة المؤلمة، أي الرجلين؟ الرجل الكريم ~~الذي يعمل بيديه ليأكل إذا فقد ثروته، أم الذي يعيش من المتاجرة بجمال ابنته؟ # خالد ~~: # اخرسي، لعن الله بطنا حملك وأرضا أنبتتك وسماء أظلتك، يا مثال العقوق ستدفعي ثمن هذه ~~الوقاحة، سأذلك إذلالا وأرهقك إرهاقا ~~(يهجم عليها فتمنعه ~~أسما) ~~. # أسما ~~: # كن حليما يا سيدي، فإن القوة والإكراه لا يفيدان من كان في مثل مركزك الحرج ~~(يدخل الخادم) ~~. # الخادم ~~: # سيدي ... سيدي ... جاء المحضر ومعه شيخ الحارة وبعض الخواجات لبيع البيت في المزاد ~~العلني. # خالد ~~: # يا للفظاعة! يا للداهية! هل رأيت يا ابنة الأبالسة إلى أين وصلنا بعنادك؟! # إحسان ~~: # هل كنت معك على موائد القمار ... أبدد المال ... وأرهن العقار ~~(يدخل رمزي بك) ~~. # رمزي ~~: # لم تكوني معه أيتها العزيزة، ولكن الواجب يقضي عليك بمعاونة أبيك! # إحسان ~~: # ومن أذن لك يا هذا أن تدخل البيت بغير إذن؟! ms153 # خالد ~~: # أنا الذي أذنت له، هذا بيته ... يمرح فيه كيف يشاء، هذه إرادتي. هل فهمت؟ # رمزي ~~: # هون عليك يا صديقي، فإن إحسان هانم رقيقة المزاج. # إحسان ~~(لوالدها) ~~: # أنت تأذن للرجل الأجنبي أن يمرح في بيتك كيف يشاء؟! يا لنخوة الرجال! يا لشهامة ~~الأبطال! هذا المنزل الذي تعرضه للامتهان أتركه لك ولضيوفك ~~(تخرج مندفعة فيمسكها رمزي بك) ~~. # رمزي ~~: # إلى أين يا سيدتي؟ # إحسان ~~(بشهامة) ~~: # لا تدع يدك تلمس هذا الجسم؛ فإن والدي أذن لك أن تمرح في البيت، لا مع أهل ~~البيت. # رمزي ~~: # ولكنني لم أسئ إليك فلم أقابل منك بهذه القسوة. # إحسان ~~: # لأنك رجل بغير مبدأ ... لأنك مغتصب ... تتخذ من ضعف والدي ومركزه الحرج سبيلا ~~لاقتناصي. # رمزي ~~: # كل حسناء في القاهرة تتشرف بأن أقبلها عروسا لي؛ فإنني من الوجهاء ذوي الشهرة ~~والثروة. # إحسان ~~: # تتشرف بك ... من يقربها بريق الذهب ... ويعميها عن السلوك والأدب! # أسما ~~: # دعها الآن يا رمزي بك. ألا ترى أن المجادلة تزيدها نفورا وشرورا. ~~(لرمزي وخالد بك) # اذهبا إلى المحضر وتمما ما تريدان من ~~الأعمال، ودعوا أمر إحسان إلى غير هذا الوقت. # رمزي ~~(لخالد بك) ~~: # أنا لا أدفع مليما واحدا يا سيدي بعد الآن ما دامت ابنتك ترفض الاقتران بي. # إحسان ~~: # هل رأيت يا والدي؟! هو لا يسدد الدين إلا إذا اشترى العرض، وأنت تمالئه على ذلك أيها ~~الوالد الحنون! آه. أين أنت يا أماه؟! تبصرين كيف يبيع زوجك ابنته الفتاة! # رمزي ~~: # أنا أحبك يا عزيزتي ... أقدس الحب وأعظمه، فأنا لا أشتريك، وإنما أقدم قلبي وثروتي مهرا ~~لديك. # إحسان ~~: # عني يا ذئاب البشر، عني يا غواة القمار والموبقات، فما كل أنثى تغريها زخارف الكذب، ولا ~~كل متأدبة تغويها بالذهب، اتركوني أخرج من هذه البؤرة، دعوني أطلب الصون والعيش بعيدا عن ~~بيت تباع فيه البنات ~~(تحاول الخروج فيهجم خالد بك ~~ويمسكها) ~~. # خالد ~~: # إلى متى العقوق؟! إلى متى الوقاحة؟! إلى متى قلة الأدب والحياء؟! هكذا تخضعين ... هكذا ~~ترغمين ... هكذا تختارين إرادة والدك ~~(تجري أمامه وهو يضربها ويجري ~~وراءها وأسما تحاول ms154 منعه ورمزي بك يحاول ذلك أيضا) ~~. # إحسان ~~(تقترب من مائدة وتأخذ سكينا وتطعن بها نفسها) ~~: # بل هكذا أتخلص من وحشية المقامر السفيه ~~(الطعنة ~~الثانية) # هكذا أتخلص من والد يبيع عرض ابنته إرضاء لشهوته ~~(تسقط على الأرض فيقترب منها رمزي) # ابعد أيها المقامر السكير ~~... ابعد، لا تجعل يدك تلمسني وإلا أغمدت في صدرك هذه السكينة ~~(تصرخ وتتألم) ~~. # رمزي ~~: # ها هي انتحرت ... يا خالد بك. # خالد ~~: # إلى جهنم وبئس المصير ... ابنة عاقة. # رمزي ~~: # ونقودي ... كيف أستردها؟! كيف تردها إلي وأنت لا تملك شيئا ... إيه ... ضاعت ~~أموالي؟! # خالد ~~: # انتحار هذه السفيهة قضى على كل آمالي ... فقدت ثروتي وابنتي وآمالي! # رمزي ~~: # أموالي ... كيف ترد إلي أموالي ~~(يجري نحو إحسان) # إحسان ... حبيبتي إحسان ~~(إحسان في حالة ألم ونزع) ~~. # أسما ~~: # ما هذه الوحشية أمام منظر الدم المسفوك؟! كلكم يبكي ثروته وماله ولا يستدعي ~~الطبيب. # خالد ~~: # بل أستدعي الموت فينقذني من الفقر ... من الألم والشقاء ~~(يجذب ~~السكينة من يد إحسان ويطعن نفسه في صدره) ~~. # أسما ~~: # رباه! إنهم ينتحرون جميعا واحدا بعد الآخر ~~(إلى ~~رمزي) # أنت سبب كل هذه المصائب، وقد انتحرت الفتاة فرارا منك فاخرج، فلا كنت ولا ~~كانت الشهوة التي تجرد الرجال من مبادئهم وإنسانيتهم وتجعلهم وحوشا، اخرج يا سيدي ... أخرج ~~... ألا ترى أني آمرك بالخروج؟! # رمزي ~~: # ولكن أموالي! # أسما ~~: # اخرج وإلا دعوت الخدم. # رمزي ~~: # اخرجوا أنتم، فإن البيت مرهون لي. # أسما ~~: # إلي ... إلي ... يا خدم البيت ... إلي ... إلي ... أغيثوني ... أدركوني ~~(يأتي خدم البيت فزعين) # اطردوا هذا اللئيم ... فقد كان سببا في ~~موت إحسان ووالدها ~~(يضرب الخدم رمزي ويطردوه) ~~. ~~(ستار) # الفصل الرابع ~~(إحسان في سرير النوم مريضة وأسما إلى جانبها) # أسما ~~: # مسكينة هذه الفتاة، فقد قاست آلاما حادة وعرفت المنغصات وهي في أول فجر العمر وربيع ~~الحياة، فلو أن هذه النكبات حلت على غيرها لسحقتها سحقا ~~(يدخل حافظ) ~~. # حافظ ~~: # كيف حالها اليوم يا سيدتي؟ # أسما ~~: # بخير أيها العزيز، فقد زالت كل أسباب الخوف وأظهر الطبيب الرضا والاطمئنان. # حافظ ~~: # وهل تتألم كثيرا إذا مشت؟ # أسما ~~: # لا تتألم، ms155 وإنما لا زالت ضعيفة، فإن ما سال من دمها لا تعوضه إلا بعد زمن ~~طويل. # حافظ ~~: # وهل شربت الدواء الذي أعطيتك إياه؟ # أسما ~~: # نعم يا عزيزي، وفي الوقت الذي حددته. # حافظ ~~: # إذن لا خوف من تنبهها الآن. # أسما ~~: # لا خوف أبدا. # حافظ ~~: # ما كنت أظن أنها تكره رمزي بك وتحتقره إلى هذا الحد. # أسما ~~: # أوضح دلالة على احتقارها إياه أنها انتحرت فرارا من الاقتران به! # حافظ ~~: # لعن الله الظن فقد يودي بصاحبه، آه يا صديقتي لو تعلمين كم تألمت عندما رأيت خطابها ~~الذي أرسلته إلى رمزي بك. # أسما ~~: # توهمت المسكينة أن الرجل على شيء من كرم الأخلاق والمروءة، فاعترفت له بأنها تحب ~~رجلا اختارته للتزوج به، وتوسلت إليه أن يحترم عواطفها وأن يكف عن طلبها من ~~أبيها. # حافظ ~~: # يا ألله! كم كان موقفها حرجا وآلامها بارحة، لقد ظلمتها بإساءة الظن بها، ويلي أنا ~~الشقي. # أسما ~~: # أنت معذور؛ لأنك لم تر غير الخطاب وهو يبعث على الريبة. # حافظ ~~: # لي بعض العذر، ولكنني تسرعت فنجم عن التسرع كل ما حدث لها من الارتباكات والآلام، ~~ولولا لطف الله لماتت بالطعنات التي طعنت بها صدرها، آه يا إحسان الحبيبة، كلما ~~تمثلت يأسك من الحياة وألمك منها ذلك الألم الذي حملك على الانتحار تمزقت أحشائي ~~إشفاقا عليك وعطفا، كفاك تألما ونكدا، ولنبدأ حياة سعيدة هادئة، يجب أن تتنبه الآن ... ~~(ينشقها شيئا فتنتبه) ~~. # انظري يا إحسان. إن القلوب التي تآلفت في الحياة لا يفرق بينها الموت، ها هي روحي ... ~~ترفرف حول فراشك ... تؤنسك في الخلوة ... وتحرسك عند النوم ... اسمعي دقات قلبي ... إنه ليختلج حتى ~~ليكاد يطير من صدري ... تلك قوة الحب ... أقوى من كل شيء ... حتى من الموت، لقد تعاهدنا على الحب ~~فلم تخوني العهد، وكنت بارة وفية؛ لهذا أضع أصبعك في خاتم الخطبة ~~(يلبسها الخاتم) # هذا خاتمي، أنت تعرفينه حق المعرفة، وتعرفيني ~~أيضا، انظري إلي، أنا هو الرجل الذي يحبك بكل قوى نفسه، الذي تحبينه، أنا هو ~~حافظ. # إحسان ~~(كأنها تحلم ... فتصرخ) ~~: # ما هذه الرؤية ms156 المزعجة؟ # حافظ ~~: # ليست هذه رؤيا، هذه حقيقة، أنا هو حافظ ... القلب الخفاق المحب المنكود ... الرجل المجهول ~~حتى من أخصائه ... المظلوم حتى من ذويه ... أنا هو الروح الحائر ~~(تظهر الانزعاج وتخفي نفسها) # لا تنزعجي، ولا تضطربي، سأعود إلى مقري مع ~~الأرواح، فإن الملاك الحارس يدعوني إليه ~~(ينحني عليها يقبلها ~~ويخرج إلى الوراء ... تظهر شيئا فشيئا علامات التنبه ببطء ثم تجلس ~~وتصرخ) ~~. # إحسان ~~: # رباه! ماذا رأيت ؟ # أسما ~~: # حبيبتي! ماذا أصابك؟! ماذا تريدين؟! # إحسان ~~: # أين هو؟ من أين جاء؟! وكيف خرج وتركني؟! # أسما ~~: # من هو يا عزيزتي؟! # إحسان ~~: # حبيبي ... أين حافظ؟! فقد رأيته الآن ... رأيته إلى جانبي ... سمعت صوته ... رأيت وجهه ... لثمني ~~فمه ... أين حبيبي؟ أين حافظ؟ أين أنت أيها العزيز؟! # أسما ~~: # رأيته في الرؤيا يا عزيزتي، فخففي عنك هذا التأثير، فإنه لا يناسب ما أنت فيه من ~~الضعف. # إحسان ~~: # أبدا لا رؤيا، لقد رأيته الآن وأنا بين اليقظة والنوم، لمست جسمه ... سمعت كلماته ... فهمت ~~كل ما قال ... وحفظته كلمة كلمة. # أسما ~~: # إن الحمى لا زالت تؤثر فيك يا بنيتي ... وأنت تعلمين أن حافظ مات ودفن، ومضى عليه أكثر ~~من شهر في القبر، فهل يمكن أن يكون ما رأيت إلا في رؤيا؟! # إحسان ~~(متألمة) ~~: # صدقت يا أمي؛ إن السعادة والهناء لا تعرفها النفس إلا في الرؤيا، فإنها من غير ~~الحقائق الواقعة، صدقت؛ فإن حافظ في القبر، ولكن ما رأيته كان له في نفسي تأثير الحال ~~الواقعة المحسوسة، وكم يظهر العطف علي والإشفاق مما نالني من نكد العيش! وكم اهتزت نفسي ~~وجسمي عندما انحنى علي وألبسني خاتم الخطبة في أصبعي! ~~(تنظر ~~ليدها) # رباه! هذا هو الخاتم ... هذا خاتم حافظ ... فكيف يمكن أن تكون المشاهدات في ~~رؤيا ~~(يدخل الخادم) ~~. # الخادم ~~: # سيدتي جاء المحضر والتجار ورمزي بك، يريدون بيع مفروشات البيت في المزاد ~~العلني. # إحسان ~~: # قل لهم إنني مريضة ألازم الفراش، فيمكنهم أن يؤجلوا البيع إلى وقت آخر. ~~(يخرج الخادم) # ألم يكن الموت خير منقذ في هذه الظروف ~~الحرجة، لقد انتزعوا ملكية البيت وجاءوا اليوم يأخذون ms157 الفراش، فكيف أعمل؟! وإلى أين ~~أذهب؟! # أسما ~~: # تعالي إلى منزلي أيتها الحبيبة تنزلين عندي على الرحب، فإنني لا أنسى أبدا أفضال ~~والدتك علي ~~(يدخل الخادم) ~~. # الخادم ~~: # المحضر يشدد بوقاحة، وهو يطلب الدخول مع التجار إلى هذه الغرفة لإجراء عملية ~~البيع. # إحسان ~~: # وأنا مريضة لا أستطيع الانتقال من الفراش! ادع إلي المحضر لعله ظنني أكذب للمحاولة ~~والمراوغة ~~(يخرج الخادم) # ما هذه العدالة الكاذبة؟! لا ~~يرحمون المريض ينتزعون فراشه ... يلقونه في الطريق لسداد دين القمار ... الآباء يأكلون الحصرم ~~والأبناء يضرسون ~~(يدخل المحضر) # أنا مريضة يا سيدي مرضا ~~لا أستطيع معه القيام من الفراش، فهل لك أن تؤجل البيع حتى يتسنى لي الانتقال من ~~الفراش؟! # المحضر ~~: # أنا يا سيدتي آلة في يد القانون، والقانون يحتم أن يتم البيع اليوم، وليس بوسعي أن ~~أخالف القانون، وإن لم أنفذ مشيئة القانون جاء غيري فنفذها في أثاث البيت وفي ~~حضرتي أنا. # إحسان ~~: # وماذا تفعلون بي وأنا ملقاة هكذا على الفراش الذي تبيعونه. # المحضر ~~(يقف متحيرا) ~~: # رباه؟! ماذا يستطيع الرجل الضعيف مثلي أن يفعل في مثل هذه الظروف؟! هل أوقف البيع ... لا ~~أستطيع ... هل أتجرد من الإنسانية وعواطف المروءة والشهامة ... وألقي بهذه المريضة على الأرض ~~لأبيع فراشها كما يحتم القانون ... وحشية لا يحسها القانون، ولكنها تتمثل في أشنع الصور ~~وأفظعها أمام منفذ القانون، ما ذنب هذه المسكينة حتى تتألم كل هذا الألم؟! إنها مريضة ~~ضعيفة! تطرد من فراش المرض وتلقى في الطريق، رباه ... ما أقسى الإنسان ... ما أظلم الناس ~~حتى بالعدالة المشروعة ~~(يدخل رمزي) ~~. # رمزي ~~(للمحضر) ~~: # أنت تضيع الوقت يا سيدي، والتجار يتفرقون سآمة من الانتظار، وهذا ينافي مصلحة البيع ~~في المزاد العلني. # المحضر ~~: # ألا ترى يا سيدي أن هذه السيدة مريضة لا تستطيع الانتقال من سريرها؟! # رمزي ~~: # وهل هذا يمنع من تنفيذ القانون لإعطاء المدين حقه من الدين؟! # المحضر ~~: # ولكن الرحمة فوق العدل، وأنت صاحب الدين؛ فيمكنك الرفق بهذه المريضة والتنازل لها عن ~~السرير ريثما تشفى. # إحسان ~~: # لا تسأله شيئا يا سيدي، فإنني أرفض أن تكون ms158 الرحمة منه. # رمزي ~~: # أنا لا أضن عليها بالرحمة، ولا أرفض أبدا أن أقبلها في منزلي بين أهلي، ولو أنها قبلت ~~الاقتران بي ما وصلت إلى هذه الحالة السيئة. # إحسان ~~(للمحضر) ~~: # نفذ يا سيدي ما جئت من أجله، فخير لي أن ألقى في الطريق من أن أقبل رحمة من ~~مقامر مراب فاسق؛ فالفقر والمرض ... وكل أنواع الشقاء ... وغضض العيش ... أقبلها بصدر رحب إذا لم ~~يكن تفريج الكرب إلا بواسطة هذا المرذول، هو غني يا سيدي بالمال قوي بالثروة، وأنا غنية ~~بالقناعة قوية بالمبادئ الشريفة ~~(تحاول القيام فتقع على الأرض ~~فيغمى عليها ... يدخل حافظ متنكرا) ~~. # حافظ ~~(للمحضر) ~~: # لماذا أنتم هنا يا سيدي في غرفة المريضة؟! # المحضر ~~: # بأمر القانون نبيع أثاث الغرفة بالمزاد العلني. # حافظ ~~(يرى إحسان ملقاة على الأرض) ~~: # ومن ألقى هذه السيدة على الأرض؟! # المحضر ~~: # هي التي أرادت النهوض فسقطت! # حافظ ~~: # هل فقدت الرحمة من القلوب إلى حد تبيعون فيه فراش المريضة؟! ~~(إلى رمزي بك) # لقد دخلت هذا المنزل باسم القانون، وانتقمت ~~ممن رفضت الاقتران بك بسلاح القانون، وهذا السلاح هو الذي أستخدمه الآن لطردك من هذا البيت ~~وحفظ كرامته ~~(إلى المحضر) # كم تطلب وفاء للدين ~~والمصاريف يا سيدي؟ # المحضر ~~: # مائتي جنيه. # حافظ ~~: # ها هي يا سيدي نقدا في يدك. # رمزي ~~: # ولماذا تدفع أنت المال؟! # حافظ ~~: # أدفعه حتى لا يقال ضاعت في هذا العصر مروءة الرجال، أنت تستخدم المال للغواية، وغيرك ~~يجعله للحماية والوقاية، اخرج يا سيدي فلم يعد يسمح لك القانون بالبقاء. # إحسان ~~: # ولتحي المروءة ممثلة في شخصك المحترم. # حافظ ~~: # أشكرك. ألا تسمعون أنني آمركم بالخروج. # المحضر ~~: # اخرجوا جميعا باسم القانون ~~(يخرجون) ~~. # حافظ ~~(لرمزي بك وهو خارج) ~~: # ظننت يا سيدي أن الفقر والفاقة وضعف المرض ترغم الفتاة على بيع نفسها. كل مهذبة ~~متربية ... كل ذات مبدأ تؤثر الموت على الإذعان مكرهة، فابحث عن نشدتك بين نسوة الطرقات ~~والحانات، لا بين ذوات الصون وثبات العائلات. اخرج يا سيدي. # إحسان ~~: # بأي لسان أشكرك يا سيدي؟! وكيف أوفي لك هذه المروءة؟! # حافظ ~~: # بالمسامحة ms159 على هفوة بعث عليها التسرع فأسأت غير متعمد. # إحسان ~~: # أسأت إلي أنا يا سيدي؟! # حافظ ~~: # نعم، أسأت أيها الملاك الطاهر ... أسأت بك الظن، فسببت لك كل هذه المنغصات. ~~(ينزع النقاب عن وجهه ويرتمي عند قدميها) # سامحي المسيء الأرعن ~~واغفري زلته. # إحسان ~~(ترتمي عليه) ~~: # حافظ حبيبي ... حافظ ... أنت حي ترزق ~~(ترجع عنه بذعر) # لا ... لا ... حافظ في القبر ... فمن أنت أيها الرجل؟! # حافظ ~~: # أنا ذلك الذي تظنينه في القبر ... أنا حافظ ... أسير جمالك ... عبد كمالك ... قتيل هواك ... ~~فلماذا تنفرين؟! # إحسان ~~: # حافظ دفنته بيدي ... رأيته بعيني في جوف القبر جثة هامدة ... فكيف أصدق أنك هو ... هذه صورته ~~... هذه ملامحه ... هذا صوته هذا هو حافظ ... ولكن لا ... حافظ في القبر! # حافظ ~~: # نعم دخل حافظ في القبر؛ خدع الناس جميعا بموته الكاذب ليعود إليك حرا من مطاردة ~~القانون، لا تطلبه الحكومة ولا يطارده الناس، لم أمت يا عزيزتي وإنما جئت لأموت عند ~~قدميك! # إحسان ~~: # وهل تحتال حتى على الموت! # حافظ ~~: # نعم، طمعا بالحصول على الحياة والحرية. إنهم يا إحسان يتخذون من القانون سلاحا كسلاح ~~القناص، والضعيف المظلوم يتخذ الحيلة وسيلة للهرب والخلاص، لقد رأيت بعينيك قسوة العدل ~~ووحشية بني الإنسان معك أنت البريئة المظلومة، لم يحترموا فراش مرضك ولا حجاب خدرك، ~~مثلوا الوحشية بأوضح مظاهرها، فكم غيرك يتألم من أمثال هذه المظالم ... الأفراد ... ~~والجماعات ... والأمم ... والشعوب ... كلها يا إحسان تشكو الظلم. ~~(ستار النهاية) ms160