######OpenITI# #META# URI: 1450SayyidCaliIsmacil.IsmacilCasim.Hindawi91974839 #META# Tags: literary.criticism #META# ID: 91974839 #META# Title: إسماعيل عاصم في موكب الحياة والأدب #META# AuthorID: 91509525 #META# Author: سيد علي إسماعيل #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # في موكب الحياة‏ # في موكب الحياة‏ # في موكب الأدب‏ # في الشعر‏ # في الخطابة‏ # في المقامة‏ # في المقالة‏ # في المسرح‏ # بعض النصوص الأدبية‏ # نصوص لبعض القصائد‏ # نص مقامة «هدهد سبأ»‏ # نصوص لبعض المقالات‏ # النصوص المسرحية الكاملة‏ # نص مخطوطة مسرحية «هناء المحبين»‏ # نص مسرحية «حسن العواقب»‏ # نص مسرحية «صدق الإخاء»‏ # مقدمة‏ # في موكب الحياة‏ # في موكب الحياة‏ # في موكب الأدب‏ # في الشعر‏ # في الخطابة‏ # في المقامة‏ # في المقالة‏ # في المسرح‏ # بعض النصوص الأدبية‏ # نصوص لبعض القصائد‏ # نص مقامة «هدهد سبأ»‏ # نصوص لبعض المقالات‏ # النصوص المسرحية الكاملة‏ # نص مخطوطة مسرحية «هناء المحبين»‏ # نص مسرحية «حسن العواقب»‏ # نص مسرحية «صدق الإخاء»‏ # | إسماعيل عاصم في موكب الحياة والأدب # | إسماعيل عاصم في موكب الحياة والأدب # تأليف # سيد علي إسماعيل # | مقدمة # في يوم 18 / 6 / 1996 صدر كتابي الأول بعنوان «مسرحيات إسماعيل عاصم: الأعمال الكاملة»، ~~وفي مقدمته قلت: «يعتبر إسماعيل عاصم أشهر مجهول في تاريخ المسرح المصري. فكل ما نعرفه عنه ~~أنه أحد رواد التأليف المسرحي المصري، وصاحب مسرحية «صدق الإخاء». التي اعتبرت أثره الأدبي ~~الوحيد، أو على أقل تقدير أشهر مسرحياته. وبقدر ندرة من كتب من النقاد عن هذه المسرحية ~~ارتبط اسم إسماعيل عاصم بها. فعندما يذكر اسمه يتبادر للذهن - وللوهلة الأولى - اسم «صدق ~~الإخاء»، والعكس صحيح ... فهذا هو إسماعيل عاصم، وهذه هي «صدق الإخاء»، لا أكثر ولا ~~أقل. # وبسبب هذا التعتيم المخيم على هذا الرجل، ابتعد عنه كل دارسي الأدب المسرحي على الإطلاق. ~~فلم يجرؤ أي ناقد أو كاتب على التعرض له أو لأعماله المسرحية في مجملها، لا عن تقصير منهم، ~~بل لصعوبة الحصول على معلومات تكشف لنا حقيقة هذا الرائد، أو تكشف لنا عن آثاره الأدبية ~~المسرحية. # ومن هنا بدأت رحلة البحث عن المجهول، وهذا المجهول، تمثل في البحث عن معلومات وثائقية، ~~تكشف لنا من هو إسماعيل عاصم ... وبدأت المرحلة الأولى في رحلة البحث من إشارة، مفادها أن ~~إسماعيل عاصم ألف مسرحيته «صدق الإخاء» في أواخر القرن الماضي، ومن هنا بدأت، فذهبت ~~أنبش ms001 سنوات القرن الماضي وسط ركام الأوراق الصفراء المتهالكة، فخرج منها إسماعيل عاصم ~~كالعنقاء، ليحيا معنا ونحيا معه. فوجدناه مأمورا لأحد الأقسام، ومفتشا لأقسام العاصمة، ~~ومحاميا في المحاكم الأهلية، وثائرا من ثوار الثورة العرابية، وشاعرا ندا لمطران، ~~وزجالا، وأديبا، وصحفيا، وخطيبا بليغا، ورئيسا لجمعية أدبية، ومساندا للمشروعات ~~الخيرية، ومؤلفا مسرحيا، وممثلا هاويا. # أما المرحلة الثانية في رحلتنا الشاقة، فكانت أصعب بكثير من الأولى، وتمثلت في الحصول ~~على آثار إسماعيل عاصم المسرحية. فالمعلومات السابقة أثبتت أنه ألف أربع مسرحيات وترجم ~~الخامسة، والمسرحيات المؤلفة كانت: «هناء المحبين» 1893، و«حسن العواقب» 1894، و«صدق ~~الإخاء» 1895، و«الخل الوفي» 1897، والمسرحية المترجمة كانت «توسكا» عام 1901. ومن هنا ~~كانت الصعوبة. أين توجد هذه المسرحيات؟! مع ملاحظة أنها تنتمي إلى القرن الماضي. # فذهبت إلى كل مكان، وطرقت كل باب، وسلكت كل سبيل من أجل الحصول على نصوص هذه المسرحيات ... ~~فدار الكتب المصرية، والمكتبات العامة، ومكتبات جميع الجامعات المصرية لا يوجد بها غير ~~مسرحيتين فقط، هما: «الخل الوفي» و«توسكا»، ولسوء الحظ لم يخط قلم إسماعيل عاصم أي سطر ~~منهما، فالأولى لمحمد المغربي، والأخرى لمترجمين آخرين، لم يكن رائدنا من بينهم. # وبذلك تحدد إنتاج إسماعيل عاصم المسرحي في الثلاث مسرحيات الأولى ... وبعد فترة ليست ~~بالقصيرة، مع العناء الشديد، تجمع بين يدي الكنز الثمين. ليخرج منه جواهر إسماعيل عاصم، ~~متمثلة في أعماله المسرحية الكاملة، وهي نصوص مسرحيات: «هناء المحبين»، و«حسن العواقب»، ~~و«صدق الإخاء». # وبذلك خرجت أول مسرحيات مصرية مؤلفة إلى الوجود، كما خرج صاحبها من قبره قائلا: ... أنا ~~أول مؤلف مسرحي مصري للميلودراما الاجتماعية ... أنا أول محام يعتلي خشبة المسرح كممثل هاو ~~... أنا أشهر مجهول في المسرح المصري ... أنا إسماعيل عاصم الرائد المسرحي المنسي.» # 1 # وعلى الرغم من مرور أقل من خمسة أشهر فقط على صدور هذا الكتاب، إلا أن حماسي واهتمامي ~~بإسماعيل عاصم لم يتوقف، لعدة أسباب أدت بي إلى إخراج كتاب ثان عن هذا الرائد يضم العديد ~~من إسهاماته في الحياة، وفي المجالات الأدبية الأخرى غير المسرح، مثل الشعر والخطابة ~~والمقامة والمقالة؛ لذلك ms002 أطلقت عليه «إسماعيل عاصم في موكب الحياة والأدب»، وتتمثل هذه ~~الأسباب في: # أولا: # الاستمرار في البحث والتنقيب في الدوريات القديمة، التي أخرجت منها مادة ~~وفيرة من آثار إسماعيل عاصم الأدبية، سواء في مجال الشعر أو المقامة أو ~~المقالة، وهذه المادة خلا منها الكتاب الأول الذي اهتم بآثاره المسرحية ~~فقط. # ثانيا: # أصدر المركز القومي للمسرح والموسيقى كتابا بعنوان: «إسماعيل عاصم»، بعد ~~صدور كتابي الأول بأقل من شهر واحد، # 2 # وكأن إسماعيل عاصم المهمل من قبل التاريخ والكتاب والنقاد، ~~أصبح فجأة محل اهتمام الجميع، وتوهمت في بادئ الأمر أن عملي ومجهودي ~~العلمي قد ضاع هباء، أمام عمل ومجهود مركز متخصص في مجال التراث المسرحي. ~~فأين أنا كفرد من هذا المركز العريق المتخصص الكامل بكل إمكانياته ~~واتصالاته وأجهزته الحديثة، ولأهمية الكتاب، من وجهة نظر المركز، كان يحرص ~~كل الحرص في تحجيم خروج كل نسخة من نسخ الكتاب، # 3 # وبمرور الوقت استطعت الحصول على صورة من نسخة أحد الصحفيين. ~~فوجدت الكتاب يتكون من دراسة محدودة كما وكيفا تقع في خمس عشرة صفحة، ~~وباقي الكتاب البالغ 184 صفحة عبارة عن نشر نصوص إسماعيل عاصم المسرحية، ~~وكانت المفاجأة - التي من أجلها كان المركز يحرص كل الحرص على عدم خروج نسخ ~~الكتاب خارج جدرانه الأربعة في - أن الكتاب عبارة عن تشويه للرائد المسرحي ~~إسماعيل عاصم ولتراثه المسرحي، وكان خوف المركز من انتشار كتابه نابع من ~~تخوفه من رد الفعل عند المهتمين بالمسرح أمام هذا التشويه. # 4 # ثالثا: # دار المحفوظات العمومية بالقلعة، ذلك المكان الأثري الذي يحتفظ بالوثائق ~~التراثية الأصلية لأعلام مصر من الشخصيات التاريخية والسياسية، ولحسن الحظ ~~أنه يحتفظ بثلاثة ملفات لإسماعيل عاصم تكشف لنا تاريخه الوظيفي منذ بداية ~~عمله ككاتب بطنطا في عام 1862 حتى وفاته في 12 / 7 / 1919. # ولهذه الأسباب جميعها كتبت هذا الكتاب؛ حتى أعيد إلى هذا الرائد مكانته الأدبية بصفة ~~عامة، كما كان كتابي الأول الذي أعاد له مكانته المسرحية بصفة خاصة. # وبالله التوفيق ... # د. سيد علي إسماعيل # القاهرة في 1 / 11 / 1996 ms003 # | في موكب الحياة # | في موكب الحياة # ولد إسماعيل بك عاصم # 1 # المحامي في عام 1840 # 2 # بدسوق، وقد تلقى علومه الأولى بالقاهرة، فتخرج في مدرسة سعيد باشا ~~بالقلعة، ثم في الأزهر الشريف الذي أتم فيه حفظ القرآن. ثم تنوعت ثقافته بعد ذلك من ~~خلال مجالسته للعلماء والأدباء والأعيان ممن كانوا كثيري التردد على منزل أبيه، محمد بك ~~صادق - نجل خليل بك مفتي مدينة عينتاب بولاية حلب الشهباء - الذي كان وكيلا لمديرية ~~روضة البحرين (محافظتي الغربية والمنوفية حاليا). # وبسبب هذه النشأة الدينية الأدبية العلمية، تنوعت ثقافته وملك زمام اللسان، فتحدث ~~وكتب وخطب بكل أسلوب من الأساليب الأدبية المنتشرة في ذلك الوقت. فقد أجاد السجع والقول ~~المرسل، والشعر العمودي، وفصاحة الخطابة، وكان إسماعيل عاصم شديد الذكاء والفطنة، متجه ~~الميول للأدب والفن والحكمة. # 3 # وقد بدأ رائدنا حياته العملية موظفا حكوميا ككاتب بمجلس عموم بحري بطنطا في عام ~~1862، ثم انتقل كمعاون لمديرية الغربية في 1865، ثم كاتب تركي لها، ثم كاتب بنظارة ~~(وزارة) الداخلية في 1867، ثم كاتب تركي لمديرية المنوفية في 1869، ثم معاون أول مديرية ~~الفيوم في 1870، ثم مأمور ضبطية بندر الجيزة في 1871، ثم وكيل مركز كفر الشيخ بالغربية ~~في 1872، ثم ناظر قسم المنيا، ثم معاون تفتيش قبلي في 1875، # 4 # ثم مأمور ضبطية كفر الزيات بالغربية، ثم مأمور مركز دسوق مسقط رأسه في ~~1876، ثم مأمور قسم المنيا فقلوصنا فبني مزار في 1877، ثم مفتشا بالدايرة البلدية بمصر ~~في 1879، ثم مأمور تحصيلات تمن باب الشعرية، ثم تقدم باستقالته بسبب مرض ألم به في ~~عام 1880، وقبلت الاستقالة، وتم صرف معاش له بواقع ربع الماهية وقدرها 350 قرشا. ثم ~~أعيد تعيينه في دائرة البلدية حتى تم رفته بالاستصواب في 3 / 10 / 1882. # 5 # وفي عام 1885 تقدم في مسابقة بنظارة الأوقاف، عندما أعلنت عن رغبتها لقبول بعض ~~المحامين للعمل لديها، ونال إسماعيل عاصم هذه الوظيفة # 6 # منذ 15 / 11 / 1885، واستمر بها حتى مارس 1889. # 7 # وبعد ترك الوظائف الحكومية بأقل من شهرين، افتتح مكتبا للمحاماة # 8 # بهذا الإعلان الذي نشرته ms004 مجلة الآداب قائلة: أديب الفاضل عزتلو إسماعيل بك ~~عاصم مندوب قلم قضايا الأوقاف سابقا من كمال الاطلاع وحسن السمعة وطهارة الذمة والصدق ~~في المعاملات، ولا نزيد القراء بيانا لفضله وشرحا لحقيقته، وقد تصدر الآن للمدافعة ~~والمرافعة عن أرباب القضايا، معاهدا مروءته أن يخدم الفقراء والمساكين مجانا، وجعل ~~مقر أعماله مكتبه بشارع محمد علي بالقرب من منزل شريعي باشا، فعلى من يهمهم النجاح في ~~القضايا أن يلجئوا بحضرة البك المومأ إليه. # 9 # وفي 1 / 1 / 1892 أقام إسماعيل عاصم مأدبة فاخرة في أوتيل دوربان احتفالا بتعيين ~~بليغ باشا رئيسا لمحكمة الاستئناف الأهلية، وتعيين الشاعر إسماعيل بك صبري وكيلا لها، ~~وممن حضر من المشاهير سعد زغلول ونقولا توما وإبراهيم اللقاني وإبراهيم الهلباوي وأمين شميل. # 10 # وبدأ اسم إسماعيل عاصم كمحام يتردد على الألسنة، ووصلت شهرته إلى الذروة في سنوات ~~قليلة، وقد عرف في عمله بالمحاماة بين زملائه بالسمعة الطيبة، والذمة والمقدرة، وقد ~~ساعده حضور البديهة والاستعداد الكبير في الخطابة الارتجالية، وحسن الأسلوب والبلاغة ~~على النجاح العظيم في مهنته كمحام، ومما يذكر أن «أول حكم صدر بوقف التنفيذ كان في ~~قضية ترافع فيها.» # 11 # وتعتبر قضية الرقيق المشهورة في عام 1894، أول قضية مهمة بالنسبة إلى تاريخه في ~~المحاماة. ففي هذه القضية تم اتهام علي باشا شريف وحسين باشا واصف والشواربي باشا ~~والدكتور عبد الحميد بك الشافعي بشرائهم لبعض الجاريات، وتم سجنهم وإحالتهم لمجلس ~~عسكري، ولكن علي باشا تحصن بالقنصل الإيطالي لحصوله على نيشان من أولي الأمر في ~~إيطاليا يمنح حامله المعاملة كإيطالي، وبذلك خرج من السجن لحين المثول أمام المجلس. أما ~~حسين باشا والدكتور عبدالحميد فقد ضمنهما عثمان باشا ماهر. أما الشواربي فقد هرب ولم ~~يتمكن البوليس من القبض عليه، وقد ترافع إسماعيل عاصم عن حسين باشا واصف، وقد أدهش ~~هيئة المحكمة بمنطقه السليم ومرافعته البليغة. # 12 ~~«وقد تولى الدفاع في كثير من القضايا المشهورة في تاريخ القضاء المصري كقضية ~~الأزهر، وكان من بين المتهمين فيها أستاذنا الشيخ إبراهيم الدباغ، وقد استطاع في ms005 تلك ~~القضية أن يخرج ببراءة ساحة الطلبة بعد أن استبكى المحكمة من مستمعين وقضاة ببلاغته ~~وقوة تأثيره وضربه على الوتر الديني الحساس، واشترك مع هيئة الدفاع متطوعا في قضية ~~دنشواي ، وقضية سبقتها على نسقها وكانت تماثلها في موضوعها، وله مواقف أخرى في قضايا ~~أدبية واجتماعية أثارت ضجيج الرأي العام. كما كان يتطوع في مواقف المروءة والشرف؛ ~~تمجيدا للدفاع عن الكرامة والعرض.» # 13 # واستمر هذا الرائد يعمل في المحاماة حتى عام 1917، # 14 # وأطلق عليه لقب «شيخ المحامين»، وكانت وفاته في 12 / 7 / 1919 عن ثمانين ~~سنة من العمر، تاركا في الحياة زوجته فاطمة شركس وأنجاله الستة، # 15 # وقد نعته - بعض الصحف والمجلات، # 16 # مثل - جريدة «المقطم» قائلة: خسرت مصر هذين اليومين رجلا فاضلا وعالما ~~نشيطا ومحاميا معروفا وخطيبا مشهورا؛ فقد استأثرت رحمة الله بالمرحوم إسماعيل بك ~~عاصم، فبكاه أهله وأصدقاؤه ومحبوه الكثيرون في طول البلاد وعرضها؛ لأنه كان - رحمه الله ~~- متصفا بحب الناس والعطف على المسكين ونصرة الضعيف وتأييد الأعمال الصالحة والمبادئ ~~الطيبة، وشد أزر القائمين بها. طيب السريرة محمود الخصال، فلا غرو إذا شق نعيه على ~~الجميع وأقبلت الجماهير الغفيرة من جميع الطبقات تشاطر عائلته الحزن والأسى على فقده، ~~وهو والد حضرة صاحب العزة علي بك عاصم القاضي بمحكمة طنطا الأهلية، وشقيق حضرة خليل بك صادق # 17 # وصهر حضرات محمد أفندي بدر شركس ومحمد بك رفعت بوزارة الحقانية، وقد احتفل ~~بجنازته ودفنه أول أمس في مشهد يليق بقدره، فخرج هذا المشهد من شارع الجنزوري بالعباسية ~~إلى حيث صلي عليه، ثم دفن بالتكريم والاحترام مذكورا بطيب شمائله وحسن فعاله، ~~تغمده الله بالرحمة والرضوان، وألهم حضرات نجله وسائر ذويه الكرام الصبر الجميل والعزاء. # 18 # وبعد مرور عام من الوفاة وفي 14 / 7 / 1920 أبنه أحمد شوقي بقصيدة قال فيها: # يا أبا عاصم وداع أخ كا # ن وراء البحار يوم احتجابك # جسمه يوم سرت بالغرب ثاو # بيد أن الفؤاد خلف ركابك # عبرات على التنائي أعانت # أدع الحاضرين من أحبابك # كانت الخمس # 19 # لاغترابي ms006 حدا # أي حد ترى لطول اغترابك # ما ملكت الإياب حتى دهمتني # صحف آذنت بطي كتابك # ناعيات نفح الربى من سجايا # ك وزهر الرياض من آدابك # وودادا على الزمان كريما # سبكت بتره الليالي السوابك # أي أعواد منبر لم تطأها # واسع الخطو في عنان خطابك # كل يوم من البلاغة وشي # فارسي وأنت للوشي حابك # وسيول من الفصاحة تترى # بين واديك جريها وشعابك # كنت كالدهر همة في الثمان # ين فما أنت في زمان شبابك # وإذا جرت المحاماة ذيلا # ونميناه كان فضل ثيابك # كنت في صرحك المشيد أساسا # أنت والمحسنون من أترابك # وإذا لم يكن ثوابك للغر # س فلا خير للجنى في ثوابك # فاجعل السابقين في كل فضل # أول الآخذين من إعجابك # يا قريب الجواب في الفضل والهز # ل عزيز علي بطء جوابك # لست أنساك والضيوف على الرح # ب بناديك والعفاة ببابك # طيبات تقدمتك إلى الأخ # رى وخير أقام في أعقابك # اطرح واسترح فكل خليل # سوف يدنو ترابه من ترابك # كلما مر من مصابك عام # وجدت مصر جدة لمصابك # 20 # | في موكب الأدب # من يقرأ سيرة إسماعيل عاصم في موكب الحياة، يظن أن هذا الرجل قد أفنى حياته في العمل ~~الوظيفي الروتيني منذ عام 1862 حتى وفاته عام 1919، ولم يتوقع أي إنسان أن هذا الرجل له ~~أية اهتمامات أدبية أو فنية على الإطلاق، ولكن التاريخ كشف لنا العجب العجاب عن هذا ~~الرجل المجهول؛ فالتاريخ أثبت لنا أن إسماعيل عاصم شاعر من أكبر شعراء عصره، وقصائده ~~كانت تتصدر صفحات الصحف الأدبية منذ النصف الثاني من القرن الماضي. كما أنه من أصحاب ~~المقامات، ومقامته «هدهد سبأ» خير دليل على ذلك، وهو من أشهر الخطباء في عصره، وبالأخص ~~في الأندية والجمعيات الأدبية والمحافل الماسونية، وهو من كتاب المقالات الأدبية، ~~ومناظرته مع محمد أبو شادي صاحب جريدة «الظاهر» خير دليل في هذا المجال، وأخيرا هو أول ~~مؤلف للميلودراما في المسرح المصري، وأول محام مصري يعتلي خشبة المسرح كممثل ~~هاو. # | في الشعر # الشعر هو أول فن أدبي مارسه وبرع ms007 فيه إسماعيل عاصم منذ أن شب في الحياة. فعندما كان ~~تلميذا بمدرسة القلعة، زارها سعيد باشا، # 1 # فمدحه التلميذ إسماعيل عاصم بقصيدة - تدل على فطرته الشعرية ومقدرته على ~~نظم الشعر منذ عهد الصبا - مطلعها: # مدارس العلم بالأنوار قد سطعت # أرجاؤها لسعيد العصر مذ قدما # 2 # ولم يشغل العمل الوظيفي شاعرنا عن قرض الشعر، فنجده في أوقات الفراغ يتسلى إما بوضع ~~الألغاز بصورة شعرية أو حل الألغاز # 3 # النثرية بالشعر أيضا، وإن دل هذا فإنما يدل على امتلاكه لناصية هذا الفن ~~العربي الأصيل. # ففي 27 / 8 / 1870 نشر شاعرنا لغزا بمجلة «روضة المدارس المصرية» - عندما كان ~~المعاون الأول بمديرية الفيوم - بدأه بهذه الأبيات: # ما اسم شيء للناس بالنفع قد عم # نصفه مهمل وباقيه معجم # ورباعي الحروف في العد لكن # حاز كل العلوم والله أعلم # نصفه الأولي رشف لذيذ # تارة والهلاك يحصل من ثم # 4 # وفي 12 / 10 / 1870 نشر بنفس المجلة حسن عاكف لغزا نثريا على هيئة مسألة حسابية. # 5 # فقام بحلها عاصم في 25 / 10 / 1870 - عندما كان المعاون الأول بمديرية ~~الجيزة - لا بالنثر كما هو المعتاد في حل الألغاز النثرية، ولكن بأبيات شعرية دلالة على ~~قدرته في هذا الفن، ومطلعها: # رأينا سؤالا للنجيب المدقق # يبين لنا عن فهمه المتأنق # 6 # وفي مجال مدح الملوك والسلاطين كانت له بعض القصائد، كأترابه من شعراء هذه الفترة. ~~فقد مدح السلطان الغازي عبد الحميد خان # 7 # في أحد أعياد جلوسه السعيد على عرش السلطنة العثمانية بقصيدة طويلة ~~مطلعها: # صفا الوقت فاغنم حظه فالصفا صدف # وعوض على النفس الأبية ما سلف # وله أيضا منظومة شعرية في الخديو توفيق قالها عند عودته من الإسكندرية عقيب الثورة ~~العرابية عام 1882، مطلعها: # لله في الخلق لطف رق معناه # فليس يدري امرؤ ما كنه عقباه # وله منظومة أخرى قدمها للجناب العالي بمناسبة عيد الأضحى مطلعها: # ليس ارتياحي براح من يدي بكر # بل راحتي بكر معنى من سنا الفكر # 8 # وكما مدح وأثنى عاصم على الملوك والسلاطين كباقي الشعراء المشهورين، ms008 قرظ بعض الكتب ~~أيضا كعادة الشعراء في ذلك الوقت. بل ووضع اسمه ضمن أشهر شعراء العصر في دليل مصر ~~لعام 1889، أمثال: عبد الله باشا فكري والشيخ علي الليثي ومحمد عثمان جلال وعلي فهمي ~~ابن رفاعة الطهطاوي وحفني ناصف وإسماعيل صبري. # ففي عام 1889 قرظ كتاب «دليل مصر لعامي 89-1890» # 9 # ليوسف آصاف وقيصر نصر بقصيدة منها هذه الأبيات: # سفر به شمس الفصاحة أسفرت # عن نور تاريخ الأواخر كالأوائل # جمع الحقائق والرسوم كأنما # في طيه سر الوجود له رسائل # نعم الكتاب كأنه في عصره # مرآة حال الكائنات بغير حائل # 10 # وفي 15 / 7 / 1893 نشرت مجلة «المنظوم» قصيدة لإسماعيل عاصم قالها في وداع ابنه علي ~~عاصم، عندما سافر إلى أوروبا لدراسة القانون، وهي قصيدة مكتظة بالنصائح والإرشادات ~~الواجبة من أب لابنه. فنجده يشد أزره حتى يعود ظافرا بعلمه، كما يوصيه بالتقوى ~~والإيمان والتمسك بالدين، والبعد عن الرذائل. كما يرشده إلى مصاحبة الكرام ونبذ اللئام، ~~وعدم العزلة عن الناس، بل دراسة طبائعهم، وينصحه بالتمسك بالعدل والابتعاد عن الظلم ... ~~إلخ هذه النصائح. ومن أبيات هذه القصيدة: # فأوصيك بالتقوى فربك عالم # بسرك والنجوى عليك رقيب # حافظ على الإيمان ما استطعت وليكن # به من رضا المولى إليك نصيب # وأحبب لكل الناس ما أنت تبتغي # لنفسك تصبح والعدو حبيب # وإياك إياك النقايص وليكن # من النفس يا ذخري عليك حسيب # وعاشر جميع الخلق وادرس طباعهم # وخذ ما تراه للعقول يطيب # وصاحب كرام القوم واهجر لئامهم # فإن الفتى للمصاحبين نسيب # 11 # وإذا كنا - فيما سبق - قد أوردنا بعض الأبيات عن مدائح إسماعيل عاصم للملوك ~~والسلاطين، فإن القصيدة الوحيدة الكاملة في هذا الموضوع، هي القصيدة المنشورة في مجلة ~~«المنظوم» في 1 / 9 / 1893، وكانت في مدح الخديوي عباس باشا حلمي الثاني، بمناسبة عودته ~~من الآستانة، وقد وردت هذه القصيدة ضمن عدة قصائد لشعراء آخرين في مدح الخديوي أيضا، ~~أمثال: الشيخ علي الليثي ومحمد أبو شادي وعائشة التيمورية. ومن أبيات هذه ~~القصيدة: # مولاي أهلا وسهلا هاك أنفسنا # بها لقدومكم أجسامنا جادت ms009 # هذي الوفود من الأقطار تجذبها # محبة لك يا بحر الوفا ازدادت # لو استطاعوا لجاء القطر أجمعه # لكنه بالدعا أرواحهم نادت # فأسلم ودم وأقبل البشرى مؤرخة # عاد العزيز وأوقات المنا عادت # 12 # ولم يقتصر شاعرنا على تقريظ الكتب فقط، كتقريظه لكتاب «دليل مصر»، بل قرظ أيضا ~~المجلات الأدبية والشعرية تشجيعا لها، ومن هذه المجلات مجلة «أنيس الجليس»، # 13 # التي قرظها شاعرنا في عددها الثاني في 28 / 2 / 1898 بقصيدة، منها هذه ~~الأبيات: # أسكرتنا ألفاظها فحسبنا # إنها للنهى حباب الكئوس # ورأينا كل المجلات مرءوسا # وأنس الجليس مثل الرئيس # بلغت مشرق المعارف إس # كندرة # 14 # في سنائها المأنوس # 15 # ولم تتوقف موهبة إسماعيل عاصم عند حد قول الشعر في مدح الملوك أو الألغاز أو النصح ~~والإرشاد أو تقاريظ الكتب والمجلات. بل زادت على هذه الأغراض غرضا آخر، هو المناظرة ~~الشعرية، ومنها مناظرته مع الشاعر خليل مطران على صفحات مجلة «أنيس الجليس» في عام ~~1898، حول القضية الطريفة التي تتحدث عن أيهما أسبق في الحب، القلب أم العين. ففي ~~31 / 7 / 1898 نظم مطران قصيدته، وأبان فيها القضية بين القلب والعين، ومنها: # بين قلبي ومقلتي # صدمة توهن القوى # ونزاع بفصله # حكما قاضي الهوى # فرد عليه إسماعيل عاصم - في نفس المجلة - بقصيدة، منها: # ليس للعين والحشا # ما اقتضى حاكم الهوى # فهي من شأنها ترى # كل شيء لها استوى # فإذا استحسنت فلل # قلب في الحب ما نوى # واستمرت المناظرة بينهما بصورة شعرية طريفة في أعداد أخرى من المجلة، وكان النصر حليف ~~عاصم؛ لأنه استند على مؤهلاته القانونية والشعرية كمحام في الدفاع والنظر في القضية. # 16 # وكان شاعرنا يتمسك بتعاليم الإسلام السمحة، فكان يؤمن بالإخاء والمساواة بين ~~المصريين، بغض النظر عن أديانهم. فنجده يشارك أخوانه المسيحيين في احتفالاتهم الدينية، ~~ففي 11 / 9 / 1900 ألقى قصيدة في مركز جمعية التوفيق القبطية بمناسبة عيد النيروز، أبان ~~فيها الوحدة بين الأديان، وحذر من مغبة الفتنة الطائفية، وحذر من من يريد التفريق ~~بين الأقباط والمسلمين، ومن أبيات هذه القصيدة: # يا أمة القبط ms010 يا أهل الوداد ومن # عهد الوفاء عهدهم في ما عهدناه # إنا وأنتم كلانا واحد وإذا # أراد تفريقنا وغد رفضناه # يضمنا وطن تدنو بنا لغة # يظلنا علم بالحق نرعاه # 17 # ولإسماعيل عاصم تجربة فريدة في مجال كتابة الأزجال والمواويل. فقد وضع موالا مشهورا ~~تقول كلماته: # يا دي الدلال والجمال والحب ونهاره # والشعر سال عا الجبين كالليل ونهاره # والدمع سال من الجفون كالبحر وأنهاره # ليه يا غزال الحمى كتر الدلع والتيه # يا قلبي أسير في هواك ويحل أنهاره # وهذا الموال غناه لأول مرة المطرب محمد صادق عام 1904 في دار إسماعيل عاصم، ثم ذاع ~~وانتشر بعد ذلك بين المطربين. # 18 # وآخر قصيدة قالها شاعرنا - حسب ما توفر بين أيدينا من قصائد - كانت في ~~30 / 11 / 1917، يوم تأبين الشيخ سلامة حجازي بدار الأوبرا، وكان إسماعيل عاصم رئيس ~~لجنة التأبين، ومن أبيات هذه القصيدة: # هكذا مات واستراح حجازي # بعد ما أنشبت به الاسقام # بات في اللحد مستريحا لدى الله # وبتنا يروعنا الإيلام # كان فينا يكاد يحيي بمغنا # ه رفاتا تقيمها الأنغام # 19 # | في الخطابة # رغم تعدد الوظائف الحكومية التي شغلها إسماعيل عاصم، إلا أنها لم تشغله عن نظم الشعر، ~~كما رأينا، وكان يكفيه هذا الفن ليشبع فيه رغبته الأدبية، وأشعاره السابقة تؤكد أنه من ~~الشعراء الكبار المغمورين بين أوراق الدوريات، التي تطالب المثقفين بجمعها وطبعها ~~ليخرج هذا الشاعر من بين صفحاتها ليحتل مكانته في مقدمة رواد الشعر الحديث في مصر، ~~وبالرغم من ذلك وجدنا هذا الأديب المشهور المغمور يقتحم باقتدار مجالا ثانيا غير مجال ~~الشعر، ألا وهو مجال الخطابة. ~~«كان إسماعيل عاصم من أوائل خطباء عصره المرتجلين، يدعى إلى موقف الخطابة فيتدفق ~~كالسيل، والويل لمن يقاطعه من نكتته اللاذعة وبديهته الحاضرة ... [وكان له] مواقف معروفة ~~في الثورة العرابية يخطب ويكتب، ثم ألقي القبض عليه ولبث في السجن وقتا غير قصير، ثم ~~أطلق سراحه، وكان زميله في السجن المرحوم أبو ستيت الكبير.» # 1 # وبسبب هذه الخطب تم رفته من وظيفة مفتش ثان محطات وجه بحري ms011 في ~~3 / 10 / 1882 بالاستصواب. # 2 # ولم يبعده السجن أو الرفت من الوظائف الحكومية عن الإسهام بخطبه البليغة في إنعاش ~~الروح الوطنية في نفوس المصريين، فنجده في احتفال أوتيل دوربان - السابق - في ~~3 / 1 / 1892 يلقي خطبة حماسية وسط الحاضرين، أمثال إسماعيل صبري وسعد زغلول. # 3 # كما أنه من أوائل من أسسوا الجمعيات الأدبية، وكان يعضدها بماله ومواهبه ~~الخطابية والأدبية، ويتخذ لها المسارح مكانا لاحتفالاتها. # ومن أهم الجمعيات التي أسسها هذا الرائد، جمعية العلم الشرقي # 4 # الأدبية العلمية في عام 1892، وقد نقلت الصحف والمجلات المصرية أخبار هذه ~~الجمعية قائلة: «احتفلت جمعية العلم الشرقي العلمية احتفالها الأول السنوي في الثامن ~~من الشهر الغابر في محل التياترو العربي، وكان الاحتفال غاصا بالزائرين من الوجهاء ~~والأعيان على اختلاف النزعات والطبقات. تلي فيها ملخص أعمالها للسنة الماضية وتكلم ~~كثيرون ممن حضروا يمتدحون نشاط تلك الجمعية ويثنون على حضرات أعضائها، وقد أثنت الجمعية ~~بنوع خاص على حضرة الفاضل عزتلو إسماعيل بك عاصم؛ لما أجراه أثناء اجتماعاتها من الغيرة ~~واستنهاض همم الأعضاء للمواظبة على العمل، ونحن نشارك الجمعية في هذا الثناء؛ لما نراه ~~من غيرة هذا الشهم على الجمعيات عموما والأخذ بناصرها وبث روح الغيرة والحمية الوطنية فيها.» # 5 # ولم يقتصر إسماعيل عاصم على إلقاء خطبه في محافل الجمعيات الأدبية، بل كان يشارك بها ~~في الحفلات المسرحية. ففي 4 / 4 / 1893 ألقى خطبة في تياترو شارع عبد العزيز # 6 # بمناسبة تمثيل مسرحية «محاسن الصدف» لمؤلفها محمود واصف، وكانت الخطبة تدور ~~حول فضل التشخيص والفن المسرحي وما لهما من منفعة على المجتمع. كما شهد الخطيب بتقدم ~~وبراعة فرقة إسكندر فرح # 7 # وحض الناس على مساندتها لتتقدم ويرتفع شأنها. # 8 # ولم يكتف إسماعيل عاصم بتكوين وتعضيد جمعياته الأدبية فقط كنشاط اجتماعي، بل كان ~~يساند باقي الجمعيات الأدبية الأخرى - حتى في الأقاليم - بخطبه البليغة، وبث المواعظ ~~والحكم، وإرساء القواعد الاجتماعية في النفوس المصرية، ومن هذه الجمعيات، جمعية الاتحاد ~~الأخوي، التي قالت عنها جريدة «المقطم» في 17 / 7 / 1896: أعلنت جمعية ms012 الاتحاد الأخوي ~~في بندر المنيا أنها عزمت على تمثيل رواية أدبية في مرسح القرداحي ليلة 21 الجاري تحت ~~رعاية حضرة صاحب العزة السيد بك فهمي وكيل المديرية، ويخطب فيها حضرة الأصولي الفاضل ~~إسماعيل بك عاصم، فنحث الأدباء على تنزيه الطرف بمحاسن التمثيل وتشنيف الآذان بدرر ~~الخطيب المصقع. # 9 # وفي 1 / 10 / 1896 قالت جريدة «الأهالي»: شخصت مساء السبت الماضي جمعية الترقي الأدبي ~~رواية «كليوباترا» الشهيرة، وقد خطب في القوم بين بعض الفصول حضرة الخطيب الجليل ~~إسماعيل بك عاصم المحامي الشهير خطبة لا يلزم منها بأكثر من نسبتها لمن خطبها. # 10 # كما ألقى رائدنا بعض خطبه البليغة، مثنيا على جمعية الترقي الأدبي، وشركة التمثيل ~~الأدبي، وانضمامهما # 11 # تحت اسم جمعية الابتهاج، في الاحتفال بهذا الانضمام بالمسرح العباسي ~~بالإسكندرية في 26 / 10 / 1896، # 12 # وكان أكثر خطب إسماعيل عاصم داخل المحافل الماسونية؛ حيث كان من أبرز أعضائها. # 13 # واستمر هذا النشاط الأدبي لإسماعيل عاصم، لسنوات طويلة. فنجده يساند الجمعية الخيرية ~~المارونية في احتفالها بحديقة الأزبكية في 17 / 5 / 1901، بخطبة اجتماعية رائعة، فذم ~~التعصب وكل نازع إليه، ومدح التآلف وكل حاض إليه. # 14 # ثم عاد وساندها بخطبة أخرى في العالم التالي، # 15 # وكان يشارك في معظم الاحتفالات التي يستدعي مقامها إلقاء الخطب فيها، ولم ~~يتباه هذا الرائد بالظهور، أو التفرد أو التفاخر بنفسه كخطيب بليغ، بل كان يخطب ~~متواضعا بجانب بعض الخطباء الآخرين. # ففي 28 / 8 / 1908 قالت جريدة «الأخبار»: عزمت جمعية مرغريتا على إحياء حفلة كبيرة مساء يوم الثلاثاء في قاعة أعياد ~~الإسكندرية تحت رعاية لجنة من العثمانيين، وسيمثل أعضاؤها رواية «الدستور»، وهي ~~ذات فصلين، أنشأها حضرة الفاضل جورج أفندي منسي وضمنها مشاهد يتجلى فيها جهاد ~~العثمانيين وطلب الحرية والمساواة، ثم يتلو التمثيل بعض الخطب في الحرية ~~والدستور، يلقيها جماعة من كبار الفضلاء، منهم: إسماعيل بك عاصم المحامي ولطفي ~~بك عيروط وأحمد بك زكي سكرتير مجلس النظار. # 16 # وظل هذا الرائد يخطب في الاحتفالات الأدبية والعلمية والمسرحية حتى عام 1912، عندما ~~ألقى خطبة، مدح ms013 فيها عطوفة الشريف عبد الله بك، في الاحتفال بتشريفه حضور تمثيل مسرحية ~~«صلاح الدين الأيوبي» بالتياترو المصري. # 17 # ويعتبر إسماعيل عاصم أول من أقام احتفالات التكريم بداره لرجال الصحافة والأدب، ~~وكان يخطب فيها خطبا بليغة تدل على مقدرة فائقة لامتلاك هذا الفن، ومن هذه الاحتفالات: ~~حفلة تكريم الشيخ علي يوسف، وأعياد المجلات الأدبية، مثل مجلة المقتطف، ومجلة المنار، ~~ومجلة المفتاح، ورائدنا أيضا، هو أول من فكر في المجتمع اللغوي ودعا إليه في داره ~~العظماء والكبراء. حتى لم يسع حسين رشدي باشا إلا أن يقول له: أصبحت دارك يا عاصم ~~بك سوق عكاظ، # 18 # وكما كانت آخر قصيدة ألقاها شاعرنا في حفل تأبين الشيخ سلامة حجازي، كانت ~~أيضا آخر خطبة ألقاها في نفس المناسبة، وكأنه كان ينعى نفسه أثناء نعيه لسلامة ~~حجازي. # | في المقامة # أما المقامة فهي ثالث لون أدبي يمارسه ويبدع فيه إسماعيل عاصم، وأصبحنا لا نتعجب من ~~تعدد ألوان الأدب عند هذا الرائد المجهول، وبكل أسف لم نتمكن من الحصول، إلا على مقامة ~~واحدة له # 1 # بعنوان «هدهد سبأ» نشرتها جريدة «مكارم الأخلاق» في أواخر عام 1887، وأوائل ~~عام 1888. # 2 # وقد بدأ إسماعيل عاصم مقامته بمدح الجريدة بأبيات، قال في مطلعها: # سمع النداء على البعاد الهدهد # لمكارم الأخلاق وافى يقصد # وبعد التحية والتمجيد لله عز وجل والصلاة على رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال إسماعيل عاصم: ~~«وبعد، فهذه أزهار قطفتها يد الأفكار من روض المحادثات التي جرت بين هدهد سبأ وزير ~~الطير وآصف بن برخيا وزير الجان لدى نبي الله سليمان بن داود - على نبينا وعليه أفضل ~~الصلاة والسلام - قد أوردتها هنا لتتروح بعرفها الأرواح؛ لما اشتملت عليه من أساليب ~~الحكمة وحسن الأدب وفصل الخطاب، وذلك إجابة لطلب كثير من حضرات العلماء الأكارم، وفي ~~مقدمتهم حضرة صاحب المكارم.» # وبدأ الهدهد يتحدث في المقامة عن زوال الممالك بعد موت النبي سليمان، وقد عدد ~~الهدهد بعض النصائح والعظات، منها هذه الأبيات: # الخلد في الدنيا محال # والحال ولو طال استحال # والمرء مهما ms014 اختال خيال # وكثرة الآمال وبال # فكل شيء للزوال # والله يبقى لا سواه # ثم يتحدث بعد ذلك عن فكرة الموت، وكيف أن الموت يأتي لا محالة، وعندما يأتي لا بد أن ~~تخضع له الرءوس؛ لذلك ينبه الناس إلى عدم التمسك بالدنيا وغرورها، فسرورها ما هو إلا ~~شرور، ومهما تمسكنا بالدنيا فمصيرنا إلى الزوال، ويتخذ الهدهد بعد ذلك النبي سليمان ~~مثالا حيا على ذلك قائلا: «وكلما تذكرت سيدنا سليمان وما كان له من عظيم السلطان ~~وما كنت فيه من الإمارة وكبرياء الوزارة، ثم ما أعقب ذلك من الزول وسرعة الانحلال، ~~أغطي رأسي بجناحي راضيا من الغنيمة برواحي، وأقول يا أرض ابلعيني، ويا أيتها الدنيا ~~دعيني، فمتاعك غرور والاغترار بك زور.» # وبعد ذلك ينشد الهدهد أبياتا مطولة يتحدث فيها عن غدر الدهر، وعدم جدوى كنز ~~المال، وعدم التكالب على المناصب ضاربا المثل بالنبي سليمان، وعدم الانهماك في الملذات ~~... إلخ هذه النصائح. ثم تقابل مع عصفور الأدوار الذي سرد للهدهد تاريخ البشرية منذ آدم ~~عليه السلام، وكيف خرج من الجنة مع حواء، والصراع بين قابيل وهابيل، وكيف استاء العصفور ~~من هذا الصراع فعاد إلى مركزه في السماء، ولكنه عاد إلى الأرض مع نوح عليه السلام؛ لعله ~~يجد في الأرض السلام، ولكنه وجد عقوق الابن لوالده نوح، فقال: «بالأمس قتل الأخ أخاه، ~~واليوم عصى الولد أباه، فأي خير من الدنيا أتمناه، وصعدت إلى مركزي مستعيذا ~~بالله.» # وحانت لحظة رحيل العصفور، فقال للهدهد: «اعلم أن العاقل من اعتبر بأمسه، وعمل لغده ~~ولم يضيع دقيقة من عمره بغير فائدة تعود عليه وعلى بني نوعه. فإن العزلة داعية الكسل ~~والبطالة، وهذا تأباه النفوس الشريفة، وبقدر الكد تكون الفائدة التي قدرها الله ~~سبحانه وتعالى. فإن الحذر لا يمنع القضا، والعزلة لا تدفع سهام البلايا المنقذفة عن قسي ~~السموات.» # وتتوالى الأحداث بعد فراق العصفور، فيحضر آصف ليكمل الحديث مع الهدهد ويعدد له أسباب ~~الخراب والدمار في الأرض، عارضا منها الحسد والحقد. # وهكذا استطاع إسماعيل عاصم عن طريق أحاديث هدهد سبأ ms015 وعصفور الأدوار وآصف بن برخيا، أن ~~يبث المواعظ والحكم في نفوس القراء من المصريين، معتمدا على النماذج النبوية وتاريخ ~~الأديان، مقتبسا لها ما يعضدها من الآيات القرآنية، وقد أجاد في تنوع أسلوبه بين النثر ~~والشعر، مبتعدا - بقدر الإمكان - عن الكلمات الشاذة والغريبة. فهذه المقامة تعد من ~~مقامات المواعظ؛ حيث عالجت بعض القضايا الأزلية، مثل: الموت والحياة وصراع الإنسان بين ~~الأرض والسماء، أو بين الدنيا الفانية والدار الباقية، وقد اتخذت عدة نماذج نبوية ~~كأمثلة حية في نفوس المصريين، واستطاع المؤلف أن يدمج كل ذلك في أسلوب قصصي، الهدف منه ~~تعليمي. # | في المقالة # رابع فن أدبي مارسه إسماعيل عاصم، كان فن كتابة المقالات الأدبية، عن طريق المناظرة، ~~وقد وجدنا إحدى هذه المناظرات منشورة بجريدة «الظاهر» عام 1904 # 1 # وهي بين إسماعيل عاصم ومحمد أبو شادي # 2 # مدير ورئيس سياسة جريدة «الظاهر»، ويدور موضوعها حول: فقدان الخطابة من ~~مصر. # ففي 18 / 6 / 1904 كتب أبو شادي مقالا تصدر الصفحة الأولى من جريدة «الظاهر»، تحت ~~عنوان: فقدان الخطابة من مصر، وتحدث فيه عن أيام الاحتلال الإنجليزي لمصر بعد القضاء ~~على أحمد عرابي، ووصف الشعور الوطني عند المصريين إزاء هذا الاحتلال الأجنبي في ذلك ~~الوقت، وتمنى عودة هذا الماضي الجميل قائلا: ~~«فيا أيتها الأوقات التي تصرمت، هل لك أن تعودي وتعيدي لنا نهضتنا الأولى ~~التي كانت تمثلنا في مصاف الأمم الشريفة المشرئبة إلى الحرية ~~والاستقلال.» # ويؤكد هذا المعنى بتذكره لمواقف الرجال والطلبة في الماضي متحسرا عليها، آملا في ~~دوامها قائلا: ~~«فلو دامت تلك النهضة إلى الآن، ولو بقي رجالها على ما كانوا فيه من ~~الحمية والتلهب غيرة وحماسا، لكنا الآن في غير هذا المركز الحرج الذي تتمالأ علينا فيه ~~دول الغرب ونحن صامتون.» # ثم يتطرق بعد هذه المقدمات إلى الموضوع الأساسي قائلا: ~~«كنا نعهد في تلك الآونة أن مصر ملأى بالخطباء المصقعين الذين تتدفق أشداقهم ~~بسيل من البلاغة وترتطم شفاههم في زبد من الحماس. فأين ذهبوا وماذا فعل الدهر ~~بمواهبهم؟ وهل فجعت مصر بهم أجمعين ms016 أم ضرب بينهم الخمول يجرانه فساكنوه وعاشوا ~~تحت ظلاله هامدين؟ لم لا نسمع اليوم من جلبتهم اللذيذة ورنات أصواتهم العذبة ~~الرخيمة إلا نغمة واحدة تتردد ما بين كل آونة وأخرى على فم خطيبنا الفرد سعادة ~~مصطفى كامل باشا؟ أليس من العار على مصر - وقد امتلأت أصقاعها بأكثر من عشرة ~~ملايين من الأنفس - ألا يكون لها من نابغي أبنائها سوى خطيب واحد؟!» # وحول هذا المعنى من فقدان الخطابة في مصر، وعدم وجود خطباء غير مصطفى كامل، استرسل ~~الكاتب بإسهاب كبير. كما تطرق إلى معنى الخطابة وفائدتها، وضرب أمثلة من خطباء التاريخ ~~الروماني واليوناني، وأيضا من التاريخ العربي مثل هانئ بن مسعود ... إلخ، ويتخذ من هذه ~~الأمثلة نبراسا لخطباء مصر قائلا في ختام المقال: ~~«فهكذا ينبغي أن يفعل المصري الذي يرى نفسه كفؤا لأن يؤدي خدمة جليلة لوطنه ~~ويجد أن مقاله أهون شيء ينفع به وطنه. فإذا اجتمع لدينا عدد عديد من الخطباء ~~المسمعين الذين يمكنهم أن يخطبوا في البلاد الأوروبية مبينين حالة مصر وفعال ~~المحتلين بها، ويتهيأ لهم أن يسوقوا هذا الشعب الجامد بعصا التأثير البالغ إلى ~~مواقف النشاط والإقدام والعمل، انتظرنا أن يكون لنا مستقبل سعيد.» # وطالما الموضوع تطرق إلى الخطابة والخطباء، واتهام صاحب الجريدة خطباء مصر بالتقاعس، ~~بل وبالانقراض، حتى لم يبق منهم غير واحد فقط هو مصطفى كامل، فكان من الضروري الرد ~~عليه من قبل أحد الخطباء، واستطاع إسماعيل عاصم أن يرسل الرد على ما سبق كخطيب له ~~باع طويل في مجال الخطابة، سواء عن طريق مقدرته الفنية في هذا المجال - التي رأيناها ~~سابقا - أو عن طريق عمله في المحاماة، التي تعتمد أولا وأخيرا على الأسلوب الخطابي، ~~وعاصم يمتلك الميزتين، وتم نشر الرد بالجريدة - وفي نفس المكان وبنفس العنوان - في ~~22 / 6 / 1904. # وبعد أن عرض عاصم ملخصا لفحوى المقال السابق، أبدى عدة ملاحظات عليه، من أهمها قوله: ~~«إنه عند دخول المحتلين مصر لم يكن فيها شيء اسمه النهضة الوطنية، ولم تر فيها غير ~~شرذمة من قواد العساكر ثاروا ms017 ضد أمير البلاد والهيئة الحاكمة ينادون بالجنسية المصرية ~~ويمقتون من لم يكن على شاكلتهم، وأخذوا يجبرون الأهالي على مقاومة السلطة الخديوية ~~ومناوأة الحكومة فتارة ينادون بعزل الخديوي، وطورا يرمونه بالمروق من الدين مع ما كان ~~عليه - رحمه الله - من الصلاح والتقوى وحب الخير لبلاده، ولم يكن فيه عيب غير عدم ~~الاستبداد والطمع اللذين كانا في عهد غيره، حتى تجرأت الأسافل والأوغاد على تلك الأفعال ~~المشئومة التي كانت السبب الوحيد في احتلال البلاد بطلب أميرها وأعاظم رجاله. فأين كانت ~~النهضة الوطنية وقتها ... أم حسبنا أن ما قام به أولئك العصاة يعد في عرف الشرع ~~والقانون نهضة وطنية ... حاشا لله.» # 3 # ثم تطرق عاصم إلى تفنيد بعض أقوال أبي شادي، عندما تحسر على ماضي الجمعيات ~~الأدبية والعلمية والأحزاب السياسية، قائلا: «إن الجمعيات العلمية التي ذكرتم عنها ~~أنها كانت تنعقد منذ عشرة أعوام، فإنها كانت مركبة من بعض تلامذة المدارس وبعض ~~الأساتذة، ولم يكن فيها غير إلقاء خطب أدبية ومحاورات علمية، وكانت قوانينها تحرم ~~عليهم الخوض في الديانة والسياسة ... وأما الأحزاب السياسية والكتاب والخطباء السياسيين ~~الذين قلتم بوجودهم فإنهم لم يكن لهم حقيقة في مصر لا منذ عشرة سنين ولا أكثر من ذلك؛ ~~لأننا ما سمعنا أبدا لغاية الآن بوجود أحزاب سياسية أو خطباء سياسيين في ديارنا، حتى ~~ولا وجود كتاب سياسيين اللهم إلا في هذه السنين الأخيرة، وهم أصحاب الجرائد.» وأخيرا ~~تحدث عن الخطيب الأوحد - ويقصد به الزعيم مصطفى كامل # 4 ~~- وتعجب من حماس أبي شادي له، فأبان أن الخطيب لم يهاجم الاحتلال في ~~مصر، بل هاجمهم في فرنسا، التي قامت بالاتفاق مع الإنجليز، وأصبحت خطب الخطيب لا تتعدى ~~الكلمات الجوفاء المتناثرة في الهواء. # وبعد نهاية رد إسماعيل عاصم، كتب أبو شادي تعقيبا عليه - في نفس الصفحة والعدد - ~~بدأه بالهجوم الشرس على اعتبار أن عاصم لم يمعن النظر فيما كتب، كما اتسم رده ~~بالاندفاع والتسرع وعدم الفهم. ثم استفاض في توضيح هذه الأمور والإتيان بالأدلة - ~~البعيدة والغير مقنعة - مثل الحديث عن الجمعيات ms018 السياسية الموجودة في الماضي - وهي في ~~الأصل جمعيات علمية أدبية - أمثال الجمعية الخيرية الإسلامية، والقبطية، ومصر الفتاة، ~~والمقاصد الخيرية. ثم شحذ قلمه للدفاع عن مصطفى كامل بصورة مسهبة للغاية. # وأخيرا وجه إلى إسماعيل عاصم كلمات قاسية، متهما إياه بالانحياز إلى الإنجليز قائلا: ~~«لمن العار على مثل حضرته - وقد كان يملأ شدقيه باسم الوطنية فيما سلف - أن ~~يدعونا ويدعو أبناء وطنه كلهم إلى الخضوع لسلطة المحتلين، والرضوخ لأحكامهم ~~والاستظلال بظلالهم. فإن مثل هذه الأقوال لا يصح أن تبدر إلا من شاب لم يعرك ~~الحوادث ويصابر الأيام، ويبل الدهر حلوه ومره، ولكن ما عسانا نقول لمن سعى من ~~مصر إلى لندرة [لندن]؛ ليرى الإنكليز مقدار محبته لهم فعاد محشوا بالميل ~~والإخلاص إليهم # 5 ~~... وليكن هذا الذي كتبناه كافيا للتعقيب على رسالة الزميل الفاضل ~~ونعود إليها فنوفيها قسطها بما هو أوضح وأشرح، سواء وفى بوعده من البيان أو ~~لم يوف والسلام.» # ولعل أبا شادي شعر بأنه لم يستطع الرد بصورة مقنعة في تعقيبه السابق، فأفرد مقالا ~~آخر للرد على عاصم نشره في 25 / 6 / 1904 تحت عنوان: رد على انتقاد. وبدأه بالهجوم ~~على عاصم أيضا، ناعتا إياه بالسد والصخرة التي تعترض الفلاح عند حرث أرضه؛ لذلك لزم ~~اقتلاعها من مكانها. ثم أسهب كعادته في الحديث عن مصطفى كامل بصورة متكررة، ومعادة لما ~~قاله سابقا. ثم تطرق مرة أخرى إلى مقال عاصم، وقام بتفنيده بصورة جاءت أقل بكثير من ~~تعقيبه السابق؛ حيث خرج عن موضوع المناظرة في أكثر الأحيان، وأخيرا يختتم رده بالحديث ~~عن مصطفى كامل قائلا: ~~«يجب علينا وعلى أمثالنا أن نكون في مقدمة الذين يخدمون مصر بخطبهم، ولسنا ~~فيما كتبنا عن مصطفى كامل باشا إلا مؤيدين إنسانا قام بأمر خطير، وكذلك نفعل ~~مع كل مصري يخدم وطنه بنصح وإخلاص، والله يهدينا جميعا إلى سواء ~~السبيل.» # وفي 29 / 6 / 1904 قام إسماعيل عاصم بالرد على تعقيب ورد أبي شادي، بمقال تحت نفس ~~العنوان الأول: فقدان الخطابة من مصر. بدأه بإلفات نظر أبي شادي ms019 إلى توخي آداب ~~المناظرة، وعدم التعصب لما ينشره. كما أبان له أن رده يفتقد إلى الدليل، ونسب إلى ~~شخصه أقوالا لم يقلها، واختتم هذا الجزء بقوله: ~~«فأردت أن أبين لكم في هذه العجالة الأدلة على أقوالكم من نفس مقالتكم، ~~راجيا منكم إقامة دليل واحد على ما نسبتموني إليه ... فأما مقالة حضرتكم فإنها ~~تشتمل على ثلاثة أمور: الأول منها أن مصر عقب الاحتلال كانت زاهرة بالنهضة ~~الوطنية، والثاني أن مصر منذ عشرة أعوام كانت تعقد فيها الجمعيات العلمية ~~والأحزاب السياسية والخطب المنبهة للهمم ثم خفتت تلك الأصوات، والثالث أنه لا ~~يوجد من نابغي مصر الآن غير واحد يخطب.» # ثم بدأ عاصم بتفنيد هذه الأمور متبعا الأسلوب العلمي في المناظرة؛ حيث يأتي بالأدلة ~~على ما يقول من نفس أقوال أبي شادي نفسه، وفي كل دليل يأتي برقم العدد والعمود والسطر، ~~ومثال على ذلك قوله: ~~«قلتم إن جمعية مصر الفتاة وضعت لائحة بحثت فيها عن ترقية شئون مصر وقدمتها ~~للخديوي الأسبق فقبلها وقرر العمل بها (راجع ع4 س42)، والجواب على ذلك أن ~~الخديوي الأسبق لو علم بوجود جمعية من هذا القبيل لخسف بها الأرض وبكل كاتب أو ~~خطيب يفوه بكلمة مما تكتبونه اليوم.» # كما نوه مرة أخرى على آداب المناظرة، قائلا: ~~«إن ألفاظ خلط وشطط لا تليق بآداب المناظرة والمحاماة.» # وكان تعقيب الجريدة على ما سبق بالآتي: ~~«الظاهر: ننشر هذه الرسالة الآن، ونرجئ الرد عليها إلى غد؛ نظرا لضيق ~~المقام.» # وفي 30 / 6 / 1904 جاءت آخر مقالات المناظرة، تحت عنوان: انتقاد على رد، وبدأها أبو ~~شادي كعادته بالهجوم اللاذع على إسماعيل عاصم، فوصف مناظرته بأنها غير محكمة، وعباراته ~~غير فصيحة، وأدلته غير واضحة، بل إن مقاله السابق لا يستحق الاعتناء والحفاوة. ثم بدأ ~~بالحديث عن زعم عاصم بأن في مصر خطباء غير الخطيب الأوحد مصطفى كامل، ورد على ذلك ~~بصورة سريعة مشتتة، ابتعد فيها عن الموضوع الأصلي، وهكذا فعل في باقي الأمور الأخرى ~~التي تعرض لها. # ومهما يكن من أمر هذه المناظرة ورأي ms020 المناظرين فيما تحدثا به من أمور، إلا أنها تعكس ~~لنا لونا أدبيا آخر برع فيه إسماعيل عاصم كبراعته في الألوان الأدبية الأخرى، كالشعر ~~والخطابة والمقامة. كما تبين لنا هذه المناظرة قدرة عاصم في المحاورة بالأدلة ~~والبراهين وسهولة ألفاظه وحكمة منطقه، مما يفصح لنا عن المخزون الثقافي والتاريخي لهذا ~~الرائد، الذي ناظر أحد أعلام الصحافة في ذلك الوقت. # | في المسرح # الكتابة والممارسة المسرحية آخر # 1 # الفنون الأدبية التي اقتحم مجالها إسماعيل عاصم، وبالرغم من أن ميلاده كان ~~في عام 1840، إلا أنه لم يقدم على الفن المسرحي إلا في عام 1893، بعد أن بلغ من العمر ~~ثلاثة وخمسين عاما. فقد رأى أن المسرحيات المكتوبة والمطبوعة والمعروضة في مصر، كلها ~~عبارة عن ترجمة أو تعريب أو اقتباس أو إعداد من المسرحيات والروايات والموضوعات ~~الأجنبية، والقليل منها مأخوذ من الموضوعات التاريخية والدينية العربية، وهذا هو حال ~~الفن المسرحي في ذلك الوقت. مع وجود بعض التآليف المسرحية اليسيرة، من قبل بعض الكتاب ~~الشوام، أمثال القباني ونجيب حداد وغيرهما. وكانت فرقة إسكندر فرح تقوم بتمثيل هذه ~~المسرحيات، مثل: «حمدان»، و«أنيس الجليس»، و«محاسن الصدف»، و«شهداء الغرام»، و«الظلوم»، ~~و«تليماك»، و«عائدة»، و«ولادة بنت المستكفي»، و«هارون الرشيد»، و«الصياد». # 2 # وأمام هذا الواقع المسرحي، تبنى رائدنا فكرة إنشاء المسرح المحلي، القائم على ~~التأليف الصرف من واقع الحياة الاجتماعية المصرية، من خلال مؤلف مصري؛ كي يعالج به ~~مشاكل المجتمع، ويعبر من خلاله عن آلامه وآماله؛ ليصبح هذا المسرح درسا للشباب ~~وعبرة للأسر المصرية، ومن أقواله المشهورة في هذا الشأن: «إن الرواية المسرحية إن لم ~~تكن لنصر فضيلة أو محاربة رذيلة فلا خير فيها.» # 3 # وبناء على هذا القول، أو هذا المبدأ، ألف عاصم ثلاث مسرحيات، هي كل ~~إنتاجه في مجال التأليف المسرحي، وهي: «هناء المحبين» عام 1893، و«حسن العواقب» عام ~~1894، و«صدق الإخاء» عام 1895. ~~«وكان إسماعيل عاصم أول أولاد الذوات والأعيان الذين اشتغلوا بالتمثيل، فمثل في ~~رواياته هو وولده علي عاصم بك المحامي، وكان سمو الخديوي يدعوه بملابسه المسرحية في دار ~~الأوبرا إلى الشرفة الخديوية ms021 ويهنئه ويشمله بعطفه ... وكانت دار الأوبرا تغص بجميع ~~الشخصيات العظيمة عند تمثيل رواياته من أمراء إلى وزراء وعظماء ... وكان يتولى بنفسه ~~إخراج الروايات وتدريب الممثلين في داره، وينفق من جيبه على المناظر والملابس ثم يتركها ~~للممثلين ... وكانت له امتيازات خاصة في دار الأوبرا وفي جميع المسارح المصرية؛ فقد كان ~~يحجز له لوج خاص باسمه لا يمكن أن يجلس فيه أحد إلا بإذنه، وإذا لم يحضر التمثيل يظل خاليا.» # 4 # وقبل أن نتعرض لمسرحيات هذا الرائد بشيء من التفصيل، يجب أن نتوقف قليلا عند سؤال ~~مهم، وهو: هل إسماعيل عاصم أول مؤلف مسرحي مصري ...؟! والإجابة على هذا السؤال تتطلب ~~الفحص والتنقيب عن التآليف المسرحية من قبل المصريين قبل عام 1893، ورغم صعوبة ووعورة ~~مسالك هذا الأمر، إلا أننا قمنا به. مع الأخذ في الاعتبار إبعاد كل التآليف المسرحية من ~~قبل المؤلفين الشوام. # فمن المعروف أن يعقوب صنوع هو أول مصري خاض مجال الكتابة المسرحية عام 1870، وكما قيل ~~إنه ترك لنا ما يقرب من اثنين وثلاثين مسرحية # 5 # خلال عامين فقط، هما عمر نشاطه المسرحي في مصر، لم يصلنا منها إلا ست مسرحيات، # 6 # وما وصلنا من مسرحيات، أو موضوعات المسرحيات الأخرى التي لم تصلنا، تشير ~~إلى أن موضوعاتها إما كوميدية اجتماعية، أو كوميدية سياسية، وهذه المسرحيات جميعها ~~تشترك في عامل مهم، ألا وهو أنها مكتوبة باللغة الدارجة أو العامية المصرية، والمسرحية ~~الفصيحة الوحيدة، التي مثلها صنوع، وكانت بعنوان «ليلى» كتبها الشيخ محمد عبد الفتاح، ~~لا صنوع كما توهم البعض. # 7 # وهذا يعني أن يعقوب صنوع، أول مصري يكتب للمسرح، ولكن في موضوعات تختلف عن موضوعات ~~الميلودراما الاجتماعية لمسرحيات إسماعيل عاصم. كما أن صنوع كتب بالعامية المصرية، ~~بخلاف عاصم الذي كتب بالفصحى، ومن هنا نستطيع القول بأن إسماعيل عاصم أول مؤلف مسرحي ~~مصري، ألف الميلودراما الاجتماعية باللغة العربية الفصحى. # وعلى الرغم من هذا الاعتراف، إلا أن السؤال يظل قائما، ولكن بصورة أخرى: هل هناك ~~كتابات مسرحية مؤلفة من قبل مصريين في الميلودراما الاجتماعية، ms022 وبلغة عربية فصحى بعد ~~يعقوب صنوع وقبل إسماعيل عاصم؛ أي ما بين عامي 1872-1893 ...؟! # الحقيقة أن هناك ثماني مسرحيات - على الأقل - يمكن القول بأنها مسرحيات مصرية ~~مؤلفة. الأولى «الوطن وطالع التوفيق»، والثانية «العرب»، وقد ألفهما عبد الله ~~النديم في عام 1881، ومثلهما مع تلاميذ مدرسته بتياترو زيزينيا بالإسكندرية، # 8 # وعلى الرغم من أن المسرحيتين لم تصلا إلينا، إلا أن موضوعهما يتشابه إلى ~~حد كبير مع موضوعات مسرحيات إسماعيل عاصم. بل وأن هدف النديم من تأليفهما هو عين هدف ~~عاصم. إلا أن مسرحيتي النديم كانتا باللغة العامية، هذا فضلا عن فقدهما، فلم يصلنا ~~منهما إلا بضع صفحات من المسرحية الأولى جاءت في كتاب سلافة النديم. # أما المسرحية الثالثة فهي «محاسن الصدف» لمحمود واصف، وقد ألفها بلغة فصحى عام 1886 # 9 # وموضوعها تاريخي، يدور حول شجرة الدر، والرابعة «يوسف الصديق»، والخامسة ~~«بطرس الأكبر»؛ فقد ألفهما وهبي بك ناظر مدرسة الأقباط بحارة السقايين عام 1887، # 10 # ورغم فقدهما واحتمال كتابتهما باللغة الفصحى، إلا أن موضوعهما ديني تاريخي، # 11 # والسادسة «واقعة البرامكة» لعبد الله الطوير، الذي ألفها عام 1889، نجد ~~أن موضوعها تاريخي عن تاريخ البرامكة المشهور، رغم لغتها الفصيحة، والسابعة «الأمير ~~حسن» لمحمود واصف عام 1890، نجد لغتها عامية ومأخوذة من حكايات ألف ليلة وليلة، # 12 # والمسرحية الأخيرة «المعتمد بن عباد» لإبراهيم رمزي الفيومي # 13 # في عام 1892، # 14 # ورغم فصاحتها إلا أن موضوعها تاريخي. # ومما سبق نجد أن معظم التآليف المسرحية المصرية، إما موضوعاتها مختلفة عن موضوعات ~~مسرحيات إسماعيل عاصم، أو أن لغتها عامية، وتختلف عن لغة مسرحيات رائدنا، هذا بالإضافة ~~إلى فقدنا لمعظمها، وأمام هذه الحقائق، يمكننا الزعم بأن إسماعيل عاصم هو أول مؤلف ~~مسرحي مصري لمسرحيات الميلودراما الاجتماعية الفصيحة، ولنتطرق الآن إلى الحديث عن هذه ~~المسرحيات المؤلفة. # مسرحية «هناء المحبين» # تدور هذه المسرحية حول حب «لطيف» أحد أعوان الوزير نعيم، ل «لطيفة» ابنة الوزير، ~~ورفض الوزير إتمام هذه العاطفة بالنهاية السعيدة، عندما طلب لطيف الاقتران بلطيفة، ~~رغم توسلات «صالح» أخي نعيم، و«عاقل» الطبيب الفيلسوف الحكيم، ms023 ونجد الوزير في نفس ~~الوقت يوافق على خطبة الوجيه «حسيب» ابن وزير التجارة من ابنته، رغم عدم موافقتها ~~عليه، ومن شدة حزن لطيفة تموت كمدا، ويجن جنون لطيف، ويذهب إلى قبرها يوم دفنها، ~~ويتفق مع اللحاد على أخذ جثتها إلى منزله في المساء ثم إعادتها في الصباح، مقابل ~~خمسين دينارا. وفي منزل لطيف نجد الأنوار والأزهار وجثة لطيفة مزينة وجالسة على ~~كرسي العرس. فقد أقام لطيف حفلة زواج وهمية، ولكن الحكيم عاقل يحضر، أثناء غياب ~~لطيف ويكتشف الجثة، فيتوهم أن الفتاة ماتت عندما رأته، فيحاول علاجها طبيا، فتفيق ~~من إغمائها الشديد # 15 # وعندما يعرف الحقيقة يذهب إلى السلطان ويخبره بالأمر، وتنتهي المسرحية ~~بزواج لطيف من لطيفة، بعد أن أنعم عليه السلطان بلقب وزير. # وهذه المسرحية هي باكورة تآليف إسماعيل عاصم المسرحية، وكان خبر تأليفها حدثا ~~فريدا، تحدثت به الصحف المصرية في حينها، لما لمؤلفها من المنزلة الرفيعة في ~~المجتمع الأدبي المصري. فقد قالت جريدة «المقطم» في 1 / 4 / 1893: ~~«رفع حضرة الفاضل إسماعيل بك عاصم إلى سمو الخديوي المعظم رواية «هناء ~~المحبين» التي ألفها حضرته، وهي رواية تمثيلية أدبية حكيمة، وستمثل في ~~الأوبره الخديوية مساء السبت القادم في 8 أبريل، ويحضر تمثيلها سمو الخديوي ~~المعظم ودولتلو رياض باشا، ويخصص جانب من دخلها للجمعية العلمية الخيرية، ~~فنحث محبي الخير والإحسان على حضور تلك الليلة الشائقة، # 16 # ومن الجدير بالذكر، أن نظارة الحربية سمحت للموسيقى الأميرية ~~بالعزف يوم تمثيل الرواية؛ # 17 # تشجيعا وتقديرا للمؤلف، ولغرضها الخيري.» # فإذا كان إسماعيل عاصم ساند الجمعيات الأدبية بمجهوده الخطابي سابقا - كما ~~بينا - فإنه الآن يساندها بفن جديد، يختلف عن الخطابة في الشكل، ويتفق معه في ~~المضمون، ألا وهو فن الكتابة المسرحية. # ولم يقتصر مجهود هذا الرائد في تشجيع ومساندة الجمعية العلمية، بتأليفه هذه ~~المسرحية، وتخصيص دخلها لأنشطتها الخيرية، بل وشارك في تمثيلها بنفسه، بعد أن مثل ~~دور الحكيم الفيلسوف «عاقل»، وكان رائدنا بذلك أول محام يعتلي خشبة المسرح هاويا، ~~ولم تترك الصحف ذلك الحدث الفريد دون الإشارة ms024 إليه. ففي يوم 11 / 4 / 1893، قالت ~~جريدة «المقطم»: ~~«مثل جوق حضرة إسكندر أفندي فرح في الأوبره الخديوية مساء السبت الماضي ~~رواية «هناء المحبين»، تأليف حضرة الفاضل الأديب إسماعيل بك عاصم، فغصت ~~الأوبره بالحضور من كبار رجال الحكومة ونخبة الوجوه والأعيان. أما سمو ~~الخديوي المعظم فأناب عنه دولتلو رياض باشا # 18 # في حضور التمثيل. وقد أجاد الممثلون جميعا بما أظهروه من ~~البراعة والإتقان وخصوصا حضرة مؤلف الرواية الذي كان يمثل دور الفيلسوف، ~~فإنه أجاد كل الإجادة بما ألقاه من ضروب المواعظ والحكم، وكذا ممثل أبي ~~الأمير لطيف عندما ودع ولده وهو على سرير النزع، وأطرب لطيف ولطيفة ~~الأسماع بنغماتهما الشجية. ثم انصرف الحاضرون بعد نصف الليل وهم يثنون على ~~حضرة مؤلف الرواية وحضرة صاحب الجوق جميل الثناء، ويمتدحون ما رأوه من كمال ~~الانتظام والإتقان.» # 19 # وبسبب نجاح هذه المسرحية لما تحمله من المواعظ والحكم التي تكشف عيوب المجتمع ~~المصري، وتقدم العلاج الملائم لها. كان الجمهور وعلية المجتمع المصري، يطالبون ~~بإعادة تمثيلها مرارا وتكرارا. فبعد أيام قليلة من نجاح حفلتها الأولى، مثلها ~~جوق إسكندر فرح في 27 / 4 / 1893 في الأوبرا أيضا، وحضر تمثيلها الخديوي ومختار ~~باشا الغازي ورياض باشا رئيس النظار. # 20 # واستمرت هذه المسرحية في نجاح بهر عقول وعيون المصريين طوال ربع قرن من الزمان، ~~هو عمر اعتلائها خشبة المسارح المصرية، # 21 # سواء في العواصم أو الأقاليم؛ لما تحمله من المقومات الفنية اللازمة ~~لنجاح أية مسرحية في ذلك الوقت. # وتمثلت هذه المقومات في قيام أكبر الفرق المسرحية بتمثيلها، مثل فرقة إسكندر ~~فرح، وفرقة سلامة حجازي، وجوق أبيض وحجازي. هذا بالإضافة إلى صوت ومقدرة الشيخ ~~سلامة حجازي في الغناء والتمثيل، وإقبال الجمهور على سماع صوته، وكان بجانبه أيضا ~~تقف العناصر النسائية المشهود لها بالقدرة الفائقة على التمثيل، مثل لبيبة مانللي ~~وميليا ديان، كل ذلك بجانب موسيقى وعزف الموسيقار الكبير سامي الشوا. # فموضوع مسرحية «هناء المحبين»، من الموضوعات المحببة لمزاج وميول الشعب المصري؛ ~~حيث إنها تدور حول قصة حب، وعذاب المحبين حتى ms025 يتم الزواج بينهما أخيرا، بعد أن ~~عادت الحياة مرة أخرى للمحبوبة، التي ماتت. والمؤلف تلاعب بعواطف المشاهد - أو ~~القارئ - بصورة كبيرة، أمام هذا الموضوع الشيق. هذا فضلا عن وجود كم كبير من ~~النصائح والمواعظ المحبب سماعها من قبل الأسر المصرية، وقد تنوعت هذا النصائح ~~والعبر بين التضمين أو الاقتباس من آيات القرآن، أو الأحاديث النبوية الشريفة، مع ~~وجود الكثير من الأقوال المأثورة والحكم والأمثال الشعبية، ولا ننسى أن هذه الأدوات ~~هي أدوات إسماعيل عاصم الخبير بها من قبل، وقد مارسها بكثرة - كما سبق - سواء في ~~مجال المحاماة أو الخطابة أو الشعر أو المقامة. # ومما شجع الجمهور للتهافت على رؤية هذه المسرحية، أنها تدور داخل قصور الأمراء ~~والوزراء المصريين، ومن هنا أراد الشعب المصري البسيط أن يرى هذه القصور، وأن يعيش ~~مع هؤلاء الأعيان ولو عن طريق مشاهدتهم من خلال التمثيل، ولا يفوتنا أن نذكر أن ~~المؤلف ضمن لها عند تأليفها، النجاح الكبير، عندما أعطى للسلطان المصري دورا ~~بارزا وإيجابيا في الوصول إلى حل عقدة المسرحية، وكأنه أراد أن يقول إن السلطان ~~بيده حل جميع الأمور، وتقديم السعادة والهناء للشعب المصري. # ومن العروض البارزة لهذه المسرحية ، عرض يوم 17 / 1 / 1899، عندما عرضتها فرقة ~~إسكندر فرح، الذي طلب منه إسماعيل عاصم تخصيص دخلها في هذا اليوم لمساعدة أسرة ~~فقيرة، في مقابل قيامه بالخطابة قبل بداية التمثيل، # 22 # والعرض البارز الثاني، كان في يوم 4 / 2 / 1902 عندما مثلتها فرقة ~~إسكندر فرح أيضا، واختتمت المسرحية بصور متحركة (سينماتوغراف)، # 23 # والعرض الثالث كان في 8 / 2 / 1904 بالدقهلية، عندما مثلتها فرقة ~~إسكندر؛ إحياء ومساعدة منها في الاحتفال الخيري للمدرسة الوطنية بالمنصورة، # 24 # والعرض الرابع كان في 21 / 12 / 1907 عندما مثلها جوق سلامة حجازي في ~~دار التمثيل العربي، وتخلل فصولها الأنغام الموسيقية الوترية برئاسة الموسيقار ~~عبد الحميد أفندي علي. # أما العرض الخامس، والأخير أيضا في عمر هذه المسرحية نقلته لنا جريدة «مصر» في ~~يوم 14 / 2 / 1917، قائلة: ~~«يمثل جوق الشيخ سلامة حجازي في كازينو ms026 الكورسال الساعة الرابعة بعد ~~الظهر يوم الجمعة المقبل رواية «هناء المحبين»، وسيقوم بأهم الأدوار الشيخ ~~سلامة حجازي والسيدة ميليا ديان، ويقدم كش كش بك فصولا جديدة مضحكة وخلاعة ~~ورقصا بديعا بواسطة بنات الكورسال، وتختم بفصل مضحك.» # 25 # وكان هذا اليوم يوم الجمعة الموافق 16 / 2 / 1917، آخر عرض على المسارح المصرية ~~لباكورة إنتاج الرائد إسماعيل عاصم. # مسرحية «حسن العواقب» # بعد نجاح مسرحية «هناء المحبين» عادت السيطرة إلى الفرق الأجنبية، وبالأخص الجوق ~~الفرنسي، الذي تحدثت عنه وعن عروضه معظم الصحف المصرية منذ بداية عام 1894. # 26 # أما الأجواق العربية فلم يكن لها أي نشاط فني إلا بضعة عروض قليلة لجوق ~~السرور، وقد تحدثت عن هذا الوضع الغريب إحدى الصحف المصرية، مبينة تفوق الأجواق ~~الأجنبية، وانقراض الأجواق العربية، # 27 # ومن هنا فكر رائدنا في الإقدام على التجربة الثانية في التأليف ~~المسرحي، فألف مسرحية «حسن العواقب» عام 1894. # والمسرحية تدور كسابقتها، حول موضوع الحب والغرام بين حبيبين هما سعيد وسعاد، ~~ولكن والد سعيد وهو أحد الوزراء، لا يرغب لابنه إحدى بنات عامة الشعب، مثل سعاد. بل ~~يريد له إحدى بنات الأسر العريقة؛ لذلك حاول الأب إبعاد سعاد عن ابنه، بأن دبر ~~حيلة لإبعاد سعيد بإلحاقه للخدمة العسكرية، وفي نفس الوقت دبر محاولة قتل لسعاد، ~~ولكن سعيد ينقذها في آخر لحظة، ويقتل المجرم ، ويتهم بقتله، وعندما يعلم أن ~~المدبر الحقيقي والده، يصمت عن دفع التهمة عنه، أثناء المحاكمة؛ حفاظا على ~~والده، ولكن في النهاية تظهر الحقيقة من خلال تبني السلطان لهذه القضية، ويتم ~~الزواج بين الحبيبين، مع إنعام السلطان على سعيد بمضاعفة رتبته العسكرية. # ومن الملاحظ أن تيمة الموضوع لم تختلف عن موضوع المسرحية السابقة، إلا في بعض ~~الأحداث والشخصيات، ولكن المعالجة واحدة، ولعل نجاح مسرحية «هناء المحبين»، أغرى ~~المؤلف بتكرار نفس الهيكل العام ولكن بصورة مختلفة. فإذا كانت «هناء المحبين» ~~عالجت مشكلة رفض والد الفتاة صاحبة المكانة الرفيعة، من الفتى المتواضع. فإن ~~المؤلف عكس الوضع في «حسن العواقب»، عندما عالج فكرة رفض والد الفتى صاحب المكانة ms027 ~~الوزارية المرموقة، بالفتاة ابنة أحد الأشخاص المغمورين. # وقد استغلت الصحف المصرية، هذا التشابه في الدعاية لمسرحية «حسن العواقب» قبل ~~تمثيلها لأول مرة، فقالت جريدة «المقطم» في 3 / 4 / 1894: ~~«يمثل الجوق الوطني لحضرة إسكندر أفندي فرح رواية «حسن العواقب» في ~~الأوبره الخديوية يوم الخميس القادم 12 أبريل، وهذه الرواية تأليف حضرة ~~الفاضل الأديب إسماعيل بك عاصم المحامي، فنرجو أن تلقى من إقبال الجمهور ~~عليها فوق ما لقيته رواية «هناء المحبين» تأليف حضرته أيضا. أما أوراق ~~الدخول فتباع بشارع عبد العزيز، وذلك في كل يوم من الساعة الثالثة بعد ~~الظهر إلى الساعة السادسة.» # 28 # وكما قام إسماعيل عاصم بتمثيل أحد أدوار مسرحية «هناء المحبين» يوم افتتاحها، قام ~~بنفس الشيء في افتتاح مسرحية «حسن العواقب». بل وجعل من مكتبه للمحاماة، شباكا ~~للتذاكر يبتاع فيه بعض التذاكر للوجهاء والأعيان، وقد نقلت «المقطم» ذلك الخبر في ~~7 / 4 / 1894، عندما قالت تحت عنوان: رواية «حسن العواقب»: ~~«تمثل هذه الرواية في الأوبره الخديوية مساء الخميس في 12 أبريل ويقوم ~~بتمثيل أدوارها الحكيمة حضرة مؤلفها الفاضل إسماعيل بك عاصم، وقد أقبل ~~الأعيان والوجهاء على ابتياع التذاكر من مكتب حضرة المؤلف ومن تياترو شارع ~~عبد العزيز حتى لم يكد يبقى شيء منها، فنشكر حضرة مؤلفها على هذه المساعي، ~~ونحض الجمهور على حضور هذه الرواية.» # 29 # وكما كانت «هناء المحبين» تمثل من أجل تعضيد ومساعدة الجمعيات الأدبية، كانت ~~أيضا «حسن العواقب». فقد قدمها المؤلف إسماعيل عاصم، دون مقابل مادي؛ كي ~~تمثلها جمعية التعاون الخيري الإسلامي بالأوبرا في يوم 9 / 5 / 1894، كمساعدة منه ~~لهذه الجمعية، # 30 # بل وشارك بنفسه في تمثيل أحد أدوارها، # 31 # وظلت معظم الجمعيات الأدبية تمثل هذه المسرحية لفترة طويلة من الزمن. # 32 # و«حسن العواقب» كسابقتها «هناء المحبين»، مليئة بالمواعظ والحكم وتضمين الآيات ~~القرآنية والأحاديث النبوية، هذا فضلا عن معالجتها لمشاكل المجتمع المصري، في تلك ~~الفترة، مثل المشاكل المتعلقة بعلاقة الأبناء بالآباء، وصراع التقاليد الاجتماعية، ~~والمساواة في الحب بين الغني والفقير ... إلخ، وهذه الموضوعات تلقى دائما إقبالا ~~جماهيريا ms028 كبيرا؛ لذلك كان إسماعيل عاصم يقدمها في الحفلات الخيرية بصورة ~~ملحوظة، من أجل ضمان تدفق الأموال التي تعود بالنفع على المشروعات الخيرية، أو ~~مساعدة الفقراء والمحتاجين. # ففي 29 / 5 / 1894، أخبرتنا الصحف المصرية بهذا الخبر: ~~«عرض حضرة الأديب البارع إسماعيل بك عاصم على سعادة محافظ الإسكندرية ~~رغبته في تمثيل روايته «حسن العواقب» في المعرض الإسكندري، وأن يكون دخلها ~~للمحتاجين من أصحاب الصنايع في المعرض، فقبل سعادة المحافظ ذلك، وقبلت به ~~لجنة المعرض أيضا، وعرضت على حضرته المرسح والأنوار مجانا، وسيتوجه إلى ~~الإسكندرية مساء الأحد القادم ويقوم بتمثيل الرواية في تلك الليلة جوق حضرة ~~إسكندر أفندي فرح الذي تبرع أيضا بثلث الأجرة إعانة للمعرض، وقد أرسل ~~حضرة إسماعيل بك عاصم التذاكر إلى دولتلو رئيس النظار والمعية السنية ~~وسعادة المحافظ وأعضاء اللجنة وغيرهم من أفاضل الإسكندرية، وعلمنا أن سمو ~~الخديوي المعظم أمر بأن توضع تلك الليلة تحت حمايته، والأمل أن تلقى هذه ~~الرواية من الإقبال عليها ما يدل على أريحية الإسكندريين واهتزازهم إلى فعل ~~الخير جريا على عادتهم، وإنا نثني على حضرة مؤلف الرواية لما أبداه من ~~الغيرة والعناية بشأن الفقراء، ونسأل له جزاء الخير. خير جزاء.» # 33 # ولنفس مقومات نجاح مسرحية «هناء المحبين»، نجحت «حسن العواقب» أيضا، وظلت تعرض ~~على خشبة المسارح المصرية، من قبل أكبر وأشهر الفرق المسرحية، مثل فرقة إسكندر ~~فرح، وجوق سلامة حجازي، وجوق أبيض وحجازي، طوال ما يقرب من اثنتين وعشرين سنة. # 34 # وكان آخر عرض لهذه المسرحية في يوم 24 / 3 / 1916، وذكرته الصحف قائلة: ~~«يحيي جوق أبيض وحجازي ماتنيهات شهر مارس عصر كل يوم جمعة في تياترو ~~برنتانيا، فيمثل في يوم الجمعة 3 مارس معرض المضحكين والمضحكات، ويقدم ~~الجوق يوم 10 مارس رواية «أوديب الملك»، ويوم 17 منه رواية «ثارات العرب»، ~~ويوم 24 منه رواية «حسن العواقب»، وهي لم يسبق تمثيلها # 35 # وقد جعل الجوق هذه الحفلات في اشتراك واحد بأسعار مخفضة.» # 36 # مسرحية «صدق الإخاء» # ومع بداية عام 1895 عادت الأجواق والجمعيات العربية - مثل جوق سليمان ms029 قرداحي ~~وجمعية الابتهاج الأدبي - إلى تمثيل المسرحيات المترجمة والمعربة، أمثال: ~~«أندروماك» و«عطيل» و«شارلمان». # 37 # فألف إسماعيل عاصم آخر مسرحياته في هذا العام وهي: «صدق ~~الإخاء». # وتدور هذه المسرحية حول وفاة الأب الوزير رشيد وتبديد ثروته بعد وفاته، من قبل ~~ابنه العاق نديم. الذي بددها في الحانات وعلى الغانيات، وتسبب في القطيعة بين ~~أخته عزيزة وخطيبها عزيز بن صديق، الصديق الأوحد لوالده رشيد، وبمرور الوقت يعيش ~~نديم مع أخته ووالدته ليلى في فقر شديد، وعندما يطلب مساعدة «صديق» يقابله الأخير ~~بكل نفور. وفي يوم من الأيام تأتي إليهم السيدة مباركة المغربية وتعطيهم ثروة كبيرة ~~على سبيل الأمانة؛ لأنها ستسافر لقضاء فريضة الحج، وهذا كان دأبها مع رب الأسرة ~~المرحوم رشيد. فيأخذ نديم الأموال ويتاجر بها، ويكسب الأموال الطائلة، فتعود إليه ~~ثروة أبيه، وأكثر منها عن طريق التجارة، وفي إحدى رحلاته التجارية ينقذ الملكة ~~وابنتها نعمى من قطاع الطرق، ويتم الإعجاب بين نديم ونعمى ليصل إلى درجة الحب ~~الجارف، وعندما يشكو همه لأسرته ينصحونه بالذهاب إلى «صديق» لمساعدته. فيتذكر ~~معاملته السيئة، فيصمم على الذهاب لتأنيبه، وفي منزل صديق تظهر الحقيقة، بأن ~~مباركة المغربية ما هي إلا والدة صديق، وأن الأموال أمواله، وقام بهذا الفعل كي ~~يساعد نديما، وتنتهي المسرحية بتدخل السلطان كالعادة، وموافقته على زواج ابنته ~~نعمى من نديم مكافأة له على شهامته، بعد أن خلع عليه رتبة الوزارة، كما بارك ~~السلطان أيضا زواج عزيز بعزيزة، بعد أن خلع عليه وظيفة كاتب سر الصدارة. # ورغم أن هذه المسرحية آخر ما ألف إسماعيل عاصم، إلا أنها أشهر مسرحياته على ~~الإطلاق. لدرجة أن الكتاب والنقاد المحدثين - على قلتهم - اعتبروها المسرحية ~~الوحيدة له، بل وخصوها ببعض النقد والتقريظ، والحق يقال بأن رائدنا أبدع فيها، ~~من أسلوبه وحكمه ومواعظه وعبره، ما جعلها تتفوق على غيرها. هذا بالإضافة إلى أنه ~~عالج من خلال موضوعها أمورا اجتماعية معاصرة في كل زمان ومكان. فقد تعرض لمشكلة ~~موت عائل الأسرة، وضياعها بدون رقيب أو حسيب. كما تعرض أيضا إلى موضوع ms030 انفلات ~~زمام الأبناء بعد موت والدهم، وانخراطهم في الملذات والشهوات، وما يتفرع عن ذلك من ~~إحكام شباك أصدقاء السوء حول الشاب الساذج الذي ينفق بسخاء، وما يدور في الحانات ~~من سكر وعربدة وعدم إحكام للعقل. # وإذا كان ما سبق يمثل العقدة أو لب موضوع المسرحية، إلا أن إسماعيل عاصم ~~استطاع بمقدرته الفنية، أن يتعرض لبعض المشاكل الاجتماعية التربوية العلمية، بعد أن ~~ضمن نجاح المسرحية في معالجتها للمشاكل الاجتماعية الأسرية. فنجده يتحدث عن انتشار ~~تقليد المجتمع المصري للمجتمعات الغربية، في سلوكياتهم ولغاتهم، ويوجه الأنظار في ~~ذلك إلى أن الحل في أيدي القائمين على شئون التعليم في مصر، ويحذرهم من خطورة ~~انتشار المدارس الأجنبية في مصر. كما لفت الانتباه إلى خطورة تعليم العلوم في ~~مدارسنا العربية بلغات أجنبية، وطالب بتمصير وتعريب العلوم الغربية. كما شجع على ~~إقامة مدارس مصرية للبنات، بدلا من مدارس البنات الأجنبية، وأخيرا نجده يلمح من ~~بعيد إلى فساد حاشية السلطان، ممن يلتفون حوله ويبعدونه عن شعبه. # وأول عرض لهذه المسرحية كان في 11 / 7 / 1895، وأخبرتنا به جريدة «الإخلاص» ~~قائلة: ~~«عاد جوق مصر العربي لمديره الفاضل إسكندر أفندي فرح بعد أن تغيب مدة ~~شهرين، وسيشخص مساء اليوم رواية «صدق الإخاء» الفريدة في موضوعها، ورقة ~~إنشاها لناسج بردها عزتلو إسماعيل بك عاصم، فنحث الأدباء على انتهاز ~~فرص الصفو والتفكه بعذب صوت ذاك المطرب الشهير الشيخ سلامة حجازي، ونهنئهم ~~بسلامة الوصول.» # 38 # وقد قام المؤلف بإلقاء خطبة حماسية قبل التمثيل. # 39 # وكعهدنا برائدنا نجده يلبي نداء الواجب أمام النكبات التي تحل بالأفراد. فما ~~بالنا والنكبة قد أصابت العاصمة الثانية لمصر، ألا وهي الإسكندرية عندما نكبت ~~بوباء الكوليرا! فوجدناه يسارع لمعاونة أهل الإسكندرية بفنه، ومجهوده البلاغي ~~ليجمع أكبر قدر من الأموال للمنكوبين، ويبين لنا هذا الدور، مكاتب [مراسل] جريدة ~~«مصر» يوم 6 / 7 / 1896 قائلا: ~~«يرتاح عامل الخير إلى مساعدة أخوانه وأبناء بلدته الفقراء، وخصوصا ~~الذين قد أصيبوا بنكبة من نكبات الزمن فتدفعه الشهامة والنخوة إلى طرق باب ~~المساعدة، ولا شك أن ms031 جمعية المنهل العذب التي ستحيي ليلة السبت 11 الجاري ~~لمساعدة المصابين بالكوليرا والخواجات الذين أقفلت كتاتيبهم الأهلية، ستلقى ~~من سكان الثغر إقبالا عظيما؛ لما هو معروف عنها من عمل الخير ولا سيما ~~وقد انتقت رواية من أحسن الروايات التمثيلية، وهي رواية «صدق الإخاء» تأليف ~~عزتلو إسماعيل بك عاصم، يقوم بتشخيصها جوق الأديب إسكندر أفندي فرح الشهير، ~~وقد جعلت هذه الليلة تحت رعاية الجناب العالي.» # 40 # وقد ساهم إسماعيل عاصم مساهمة أدبية ومادية؛ «حيث خطب في الجمع خطبة مؤثرة أثنى ~~فيها على همم أعضاء الجمعية، وحمد عواطف الذين بادروا بالسعي للاشتراك في هذا العمل ~~المبرور، وعتب على الذين تقاعدوا عن الاشتراك فيه من سراة الثغر وأغنيائه.» # 41 # ولأهمية هذه المسرحية في مجال التعليم، لما تدعو إليه من أمور تربوية وتعليمية، ~~مثلتها بعض المدارس في احتفالاتها السنوية، مثل مدرسة الأقباط بشبلنجة في يوم 6 / 1 / 1899، # 42 # وعندما أراد محفل الاتحاد بالمنصورة أن يبني مدرسة مصرية خيرية، في عام ~~1900، لم يجد أفضل من «صدق الإخاء» لتقديمها في احتفال تأسيس المدرسة، لما فيها من ~~مماثلة الدعوة، وقد شارك إسماعيل عاصم بخطبة في هذا الاحتفال حث فيها أولي العزم ~~على المساهمة في هذا المشروع الخيري، # 43 # وكما ساهم تمثيل هذه المسرحية في مساعدة أهل الإسكندرية في نكبتهم ~~بالكوليرا، وأيضا في بناء المدارس، ساهم تمثيلها أخيرا في مساعدة أسرة فقيرة في 11 / 4 / 1905. # 44 # وكانت آخر حفلة عرض لهذه المسرحية، بل وآخر عروض مسرحيات إسماعيل عاصم على ~~الإطلاق، في يوم 7 / 5 / 1918 من قبل فرقة منيرة المهدية بدار التمثيل العربي. # 45 # وبالرغم من تاريخ نجاح مسرحيتي «هناء المحبين» و«حسن العواقب»، إلا أن نجاح «صدق ~~الإخاء» فاقهما بكثير، وتمثل هذا التفوق في كثرة حفلات عروضها، التي بدأت من عام ~~1895 حتى عام 1918، سواء في العواصم أو في الأقاليم، ومن قبل أشهر وأعظم الفرق ~~المسرحية - في ذلك الوقت - مثل فرقة إسكندر فرح، وجوق سلامة حجازي، وجوق إبراهيم ~~حجازي، وفرقة عكاشة، وجوق أبيض وحجازي، وأخيرا فرقة منيرة المهدية. ms032 # 46 # خصائص مسرحية مشتركة # تشترك مسرحيات إسماعيل عاصم في كتابتها باللغة العربية الفصحى، وبأسلوب السجع ~~البسيط المقبول، البعيد عن التعقيد والصعوبة في الألفاظ. كما أن أشعاره سلسة، تدل ~~على مقدرة كبيرة في تملك موهبة النظم، وهذه المقدرة، سواء في الكتابة بالسجع، أو ~~نظم الشعر اكتسبها هذا الرائد من تعاليمه الأولى في المدارس العامة والخاصة. ~~والمقصود بالمدرسة الخاصة، بيت والده الزاخر بمريديه من العلماء والأدباء، كما ~~بينا سابقا. هذا بالإضافة إلى نشاطه الخطابي، وعمله بالمحاماة، مما جعله يتنوع ~~في الأساليب. # وأسماء الشخصيات في كل مسرحياته، لها دلالات واضحة، تعكس شخصية أصحابها. ففي ~~«هناء المحبين» نجد لطيف ولطيفة، ومادة «لطف» المشتقة منها اسمهما، تتوفر في ~~شخصيتهما وتصرفاتهما طوال المسرحية، وكذلك باقي أسماء الشخصيات، مثل: أنيسة من أنس، ~~حسيب: حسب، حليم: حلم، سالم: سلم، عاقل: عقل، نعيم: نعم، صالح: صلح، رفيق: رفق، ~~أليفة: ألف، حازم: حزم، خاشع: خشع ... إلخ. وهكذا يسير في مسرحية «حسن العواقب» ~~حينما نجد، سعاد وسعيد وغانم ونسيب وطاهر وفاخرة ومرسال وظافر وغضوب ورءوف ~~والمنتقد، وأخيرا في «صدق الإخاء»، نجد عزيز وعزيزة ونديم وراغب وعمار وصديق ~~ومباركة وحبيب وجبالي وشجاع ونعمى، وهذه الأسماء خدمت أسلوب المؤلف، سواء في سجعه ~~أو أشعاره، مما سهلت عليه تكوين العبارات، لكثرة مرادفات واشتقاقات هذه ~~الأسماء. # وأهم الخصائص المشتركة في تراكيب حوار مسرحيات إسماعيل عاصم، الاقتباس والتضمين ~~من القرآن الكريم، بالإضافة إلى الأحاديث النبوية والأمثال الشعبية، وهذا يرجع ~~لأمرين: أولهما تربيته ودراسته الدينية، التي أدت إلى حفظه للقرآن من خلال دراسته ~~في الأزهر الشريف، والآخر موضوعات مسرحياته، التي تتطلب الحكم والمواعظ والنصائح ~~الإرشادية، وهذا كله يتطلب الاستشهاد بآيات القرآن، وأقوال الرسول # صلى الله عليه وسلم # فهما ~~خير ناصح وراشد للأمة الإسلامية بصفة عامة، وللشعب المصري، بصفة خاصة. # ومثال على ذلك أنه ضمن أكثر من ثلاث عشرة آية قرآنية في مسرحية «هناء المحبين»، # 47 # واثنتي عشرة آية في مسرحية «حسن العواقب»، # 48 # وثلاث آيات في «صدق الإخاء». # 49 # وعنصر المفاجأة من أهم العناصر المتوفرة في جميع ms033 مسرحيات إسماعيل عاصم. ففي «هناء ~~المحبين» كانت المفاجأة بعودة الحياة مرة أخرى للطيفة، بعد أن ماتت وقبرت، وفي ~~«حسن العواقب» تمثلت المفاجأة في أن مدبر قتل سعاد، هو الوزير طاهر والد سعيد، ~~وفي «صدق الإخاء» وجدنا أن مباركة وحبيب صاحبي الثروة الأولى التي هطلت على نديم، ~~هما والدة وخال الوزير صديق، الذي منع حتى الإحسان عن نديم، وعنصر المفاجأة رغم ~~صعوبة تحقيقه في الواقع، إلا أن المؤلف تفوق على نفسه في إقناعنا به، مما جعل ~~القارئ - والمشاهد - في تشوق وتوتر دائم. مما ضمن لمسرحياته البقاء والاستمرار في ~~العروض قرابة ربع قرن من الزمان. # وتيمة الحب وصعوبة الزواج، بسبب الفارق الاجتماعي بين الحبيبين، هي التيمة ~~الثابتة في جميع المسرحيات. فلطيفة ابنة الوزير نعيم في «هناء المحبين»، ترتبط بحب ~~جارف بلطيف أحد عمال أبيها، وبسبب هذا الفارق الاجتماعي يرفض الوزير زواجهما، وفي ~~«حسن العواقب» نجد سعيد ابن الوزير طاهر، يحب سعاد ابنة أحد رجال الشعب البسطاء؛ ~~ولهذا الفارق أيضا يدبر الوزير خطة لقتلها لإبعادها عن سعيد، وأخيرا نجد في ~~«صدق الإخاء» نديما الذي أصبح فقيرا، يحب نعمى ابنة السلطان، وبسبب هذا الفارق ~~يخشى أن يطلب يدها. # ونهاية المسرحيات، ودور السلطان أو الملك فيها، من النهايات الثابتة في جميع ~~أعمال إسماعيل عاصم المسرحية. فبالرغم من استحالة الزواج بين الحبيبين في كل ~~مسرحية، إلا أن الحل دائما يأتي من قبل السلطان، بإصداره الأمر بالزواج بعد أن ~~يزيل بإنعامه على الأبطال أسباب هذا الفارق الاجتماعي، بل ويأمر بأن تكون حفلة ~~العرس في قصره الملكي. ففي «هناء المحبين» نجد السلطان ينعم على لطيف برتبة وزير؛ ~~كي ترتفع مكانته الاجتماعية للزواج من لطيفة ابنة الوزير نعيم، وفي «حسن العواقب» ~~يقوم السلطان أيضا بمضاعفة رتبة سعيد، وتجهيز لوازم عرس سعاد الفقيرة من ماله ~~الخاص كإحدى بناته؛ كي يزيل الفارق الاجتماعي بينهما، وفي «صدق الإخاء» ينعم ~~السلطان أخيرا برتبة وزير على نديم؛ كي يناسب مقامه الزواج من ابنة السلطان ~~نعمى. # أخطاء قديمة وحديثة # رغم قلة من كتب عن هذا ms034 الرائد، من الكتاب والنقاد المحدثين، أو القدامى، إلا أن ~~الكتابات القديمة أخطأت في أمر واحد، تمثل في نسبة كتابة مسرحية «الخل الوفي» ~~لإسماعيل عاصم. أما الكتاب المحدثين، فقد وقعوا في أخطاء شتى. # فبالنسبة لمسرحية «الخل الوفي» وتأليف إسماعيل عاصم لها، فقد جاءت من خلال ~~إشارتين: الأولى في 28 / 10 / 1897، عندما قالت جريدة «الأخبار»: ~~«... ويمثل جوق حضرة الفاضل إسكندر أفندي فرح في تياترو عبد العزيز رواية ~~«الخل الوفي»، تأليف حضرة الأصولي البارع إسماعيل بك عاصم.» # 50 # وجاءت الإشارة الأخرى في 3 / 10 / 1900 عندما قالت جريدة «المقطم»: ~~«في ليلة أمس حضر جوق حضرة الأديب إسكندر أفندي فرح، ومثل رواية «الخل ~~الوفي»، تأليف حضرة الفاضل إسماعيل بك عاصم المحامي الشهير بناء على دعوة ~~محفل الاتحاد في المنصورة، فإنه أحياها ليساعد بدخلها على بناء المدرسة ~~الأهلية التي شرع رئيس المحفل في بنائها، وكان الحضور كثارا حتى غص المكان ~~بالمتفرجين، وفي الساعة التاسعة والنصف ابتدأ التمثيل.» # 51 # وقبل البحث عن هذه المسرحية، والوقوف على صحة نسبتها إلى إسماعيل عاصم من عدمه، ~~وجب علينا أن نشك في صحة هاتين الإشارتين. فمن غير المعقول أن يؤلف إسماعيل عاصم ~~مسرحية ما، وبعد مسرحياته الثلاث السابقة، ولم تذكر إلا مرتين فقط. # وإذا افترضنا صحة الخبر، سنجد أن هذه المسرحية مثلت عدة مرات بدءا من ~~15 / 1 / 1890 حتى 30 / 11 / 1897، # 52 # وهذا يعني أنها المسرحية الأولى لإسماعيل عاصم؛ لأنه ألف «هناء ~~المحبين» عام 1893 كما مر بنا، ولكن مقدمة مسرحية «صدق الإخاء» - التي ألفها ~~عام 1895 - قطعت الشك باليقين؛ فقد قال فيها: «أما بعد، فهذه رواية «صدق الإخاء»، ~~وهي الرواية الثالثة التي ألفتها خدمة للوطن العزيز.» وهذا يؤكد أن مسرحية «الخل ~~الوفي» لشخص آخر غير إسماعيل عاصم؛ لذلك بحثنا عن مسرحية «الخل الوفي»، فوجدنا نسخة ~~منها بدار الكتب # 53 # المصرية، وهي بعنوان «الخل الوفي والغدر الخفي» أو «لورانزينو»، تعريب ~~محمد المغربي، ولعل مراسل «المقطم» - في الإشارة الثانية - توهم أن إسماعيل عاصم ~~مؤلف «الخل الوفي»؛ لأنه حضر تمثيلها وشارك ms035 في حفلتها الخيرية، ومن هنا اعتقد ~~الصحفي أن إسماعيل عاصم مؤلفها؛ لأن عاصم، كان دائما ما يحضر تمثيل مسرحياته. ~~هذا بالنسبة للإشارة الثانية. # أما الإشارة الأولى ففيها خلط أثبته التاريخ. فالمقصود كان مسرحية «صدق الإخاء» ~~لا «الخل الوفي». فالجريدة التي قالت بأن «الخل الوفي» من تأليف إسماعيل عاصم، كانت ~~جريدة «الأخبار» في يوم 28 / 10 / 1897، ولكن جريدتي «مصر» و«المقطم» قالتا بأن ~~المسرحية التي ستمثل في نفس اليوم من قبل نفس الفرقة - فرقة إسكندر فرح - هي ~~مسرحية «صدق الإخاء». # 54 # بل وعادت جريدة «الأخبار»، التي أخطأت في اسم المسرحية، فأثبتت في ~~اليوم التالي يوم 29 / 10 / 1897 أن المسرحية الممثلة بالأمس هي «صدق الإخاء» لا ~~«الخل الوفي»، قائلة: ~~«مثل ليلة أمس جوق إسكندر أفندي فرح رواية «صدق الإخاء»، وهي رواية ~~عنوانها دليل على فحواها، ولا نفيض بالكلام عليها من حيث التأليف، بل نقتصر ~~على كيفية التمثيل البديع الذي قام به الجوق. فمن نظر إلى الممثلين في ~~تمثيلهم السكارى حسبهم ثملين في حانة، ومن رأى نديم وأخته وأمه في حالتي ~~فقرهم وغناهم لم يكد يصدق بأنهم يمثلون غيرهم، أما العجوز فكل ما نقوله ~~عنها إنها أعربت بما يطابق قول نديم اللطيف «أعجب بصبي يتشيخ»، فالقلم في ~~موقف التنشيط والارتياح يقول لممثلي هذا الجوق مع كل من يحضر تمثيلهم ~~«برافو» لا فض فوكم؛ فقد أحييتم هذا الفن في العربية برافو برافو. وفي بدء ~~الفصل الرابع ألقى حضرة الفاضل عبد الفتاح أفندي بيهم خطابا وجيز العبارة ~~عن الأدب، كله غرر وخطب مؤلف الرواية سعادتلو إسماعيل بك عاصم خطابا ينظم ~~في سلك خطاباته المعتادة، وكلا الخطيبين الكريمين شاركوا الحاضرين بل نطقوا ~~بألسنتهم مثنين على الممثلين.» # 55 # أما بالنسبة للكتاب المحدثين، فكان د. محمد فاضل أول من تحدث منهم عن إسماعيل ~~عاصم، في كتابه عن الشيخ سلامة حجازي عام 1932. فعندما تحدث الكاتب عن أحداث ما ~~بين عامي 1906-1908 بالنسبة لسلامة حجازي، قال: «واتفق أن تعرف ممثلنا بالمرحوم ~~إسماعيل بك عاصم وشكا إليه خلو المسرح العربي من ms036 الرواية المصرية، ونعى على الأدباء ~~عدم إقبالهم على تأليف هذا النوع المصري، الذي يجب أن يقدم على منصة مسارحنا عن ~~غيره من أنواع المسرحيات؛ إذ إن الشيخ في الواقع كان يجول بذهنه هذا الخاطر من يوم ~~أن اعتلى خشبة المسرح، وكان يتمنى دائما أن يبث الدروس الاجتماعية، والمبادئ ~~الأخلاقية، والعظات الوطنية في ثوبها المصري وردائها القومي؛ ولذلك فاتح المرحوم ~~عاصم بك بهذه الرغبة التي عمل على تلبيتها، فأنشأ يؤلف له هذه الروايات المصرية، ~~وقدم له منها ثلاث روايات: هي «صدق الإخاء»، «حسن العواقب»، «هناء المحبين».» # 56 # والملاحظ أن هذا القول - وبالأخص فيما يتعلق بزمن وسبب إقدام إسماعيل عاصم على ~~التأليف المسرحي - لا أساس له من الصحة، ولعدم التكرار، نكتفي بأن نقول: إن كل ما ~~ذكرناه سابقا كفيل بإثبات بطلان هذا القول؛ لأن الناقد يتحدث عن فترة تبدأ من عام ~~1906، وعاصم ألف جميع مسرحياته قبل هذا العام بكثير. # والكاتب الثاني من المحدثين، كان محمود تيمور المولود في عام 1894، عندما كتب عنه ~~في منتصف هذا القرن، قائلا: «لا أستطيع أن أنسى الليلة الأولى التي دخلت فيها ~~المسرح، وشهدت على المنصة أول رواية تمثيلية. كنت يومئذ في السابعة من عمري، [أي ~~عام 1901]، وكان المسرح تياترو إسكندر فرح ... أما الرواية التمثيلية الأولى التي ~~شهدتها على ذلك المسرح القاهري، فهي رواية «توسكا»، قام بتمثيلها نفر من الهواة، ~~بطلهم الأول إسماعيل عاصم بك، وهو الذي ترجمها إلى العربية.» # 57 # وهذه المعلومة رغم أهميتها، وما ترتب عليها من مشقة في توثيقها والتحقيق من ~~صحتها، إلا أنها غير صحيحة. فمسرحية «توسكا» من تأليف فكتوريان ساردو، وقام ~~بترجمتها كل من: فايق رياض، وإبراهيم المصري، وحامد الصعيدي، وأدمون تويما، # 58 # ولم يقم إسماعيل عاصم بترجمتها كما ذكر تيمور، والواضح أن تيمور اختلط ~~عليه الأمر. فمن المؤكد أنه شاهد إحدى مسرحيات إسماعيل عاصم الثلاث. هذا بالإضافة ~~إلى أن مسرحية «توسكا» لم تمثل في مصر باللغة العربية إلا في 27 / 10 / 1910 من ~~قبل فرقة إسكندر فرح، # 59 # وطالما محمود تيمور كان ms037 يتحدث عن ذكرياته في الطفولة، فلا ضرر من وقوعه ~~في هذا الخلط. # أما آخر من تحدث عن إسماعيل عاصم، فكان د. علي الراعي، الذي قال عنه: «أخرج ذلك ~~الأستاذ الجليل [أي إسماعيل عاصم] أولى مسرحياته، وهي المسماة: «صدق الإخاء» في عام ~~1894 - على أقرب الاحتمالات - ثم ثناها بمسرحية «حسن العواقب» 1895 وبالمسرحية ~~الثالثة: «هناء المحبين» بعد هذين التاريخين.» # 60 # والخلط في تواريخ المسرحيات وترتيب تأليفها واضح كل الوضوح، في قول ~~الناقد. كما أنه اعتمد أيضا على قول د. محمد فاضل السابق، والذي أثبتنا خطأه، فأقر ~~خطأ من سبقه وسار عليه. # 61 # وثالث خلط قام به الناقد، قوله: «ويقول الدكتور فؤاد رشيد في كتابه: تاريخ المسرح ~~العربي، إن إسماعيل عاصم قدم هذه المسرحيات الثلاث إلى الشيخ سلامة حجازي، ولم ~~يتقاض عنها أجرا، وذلك تشجيعا منه للفن.» # 62 # وقد قام الناقد بالخلط بين إسكندر فرح، وسلامة حجازي. فهذا القول ذكره ~~فؤاد رشيد عندما تحدث عن إسكندر فرح، لا عن سلامة حجازي، قائلا: «وكان يدفع [أي ~~إسكندر فرح] أجرة تأليف أو تعريب الرواية مبلغا بين عشرين جنيها وستين جنيها، أو ~~إيراد ليلة خصوصية، وكان بعض المؤلفين وأخصهم المرحوم إسماعيل عاصم يقدمون ~~رواياتهم مجانا تشجيعا للفن.» # 63 # | بعض النصوص الأدبية # إذا أفنيت ما بقي لي من العمر وسط الدوريات القديمة المحفوظة بدار الكتب وغيرها، من ~~المكتبات العامة لجمع وحصر الآثار الأدبية لإسماعيل عاصم، لفني العمر دون الوقوف على ~~هذه الآثار في مجملها ...! فقصائد هذا الشاعر العظيم تغطي فترة ما بين عامي 1855-1917 على ~~وجه التقريب. أي ما يقرب من اثنتين وستين سنة ...! فأي شاعر من الشعراء المحدثين نظم ~~الشعر طوال هذه الفترة ...؟! هذا بالإضافة إلى أنه لم يكن شاعرا مغمورا، بل كان رائدا ~~من رواد الشعر الحديث، وكان يوضع اسمه بجانب الرواد المحدثين كما أوضحنا. # كما أن مقامته «هدهد سبأ»، ومقالاته في جريدة «الظاهر»، وإسهاماته في مجال الخطابة، ~~وأخيرا تآليفه المسرحية الرائدة ... كل ذلك يؤكد على أن إسماعيل عاصم من رواد الشعر ~~الحديث، ومن ms038 رواد المقامة الحديثة، ومن رواد الخطابة، ومن رواد المناظرة الأدبية ~~الصحفية، ورائد التأليف المسرحي المصري، ورغم ذلك فهو مجهول لكل النقاد والأدباء ~~والكتاب ... بل هو أشهر أديب مجهول في وقتنا الحاضر ...! وفي الصفحات القادمة سنثبت بعض ~~آثار هذا الرائد الأدبية، في مجال الشعر والمقامة والمقالة، وكل آثاره المسرحية. # ولعلها دعوة لمحبي الأدب العربي، أن يبحثوا وينقبوا عن أشباه إسماعيل عاصم من ~~الرواد المشاهير المجهولين في تاريخ أدبنا العربي. # | نصوص لبعض القصائد # في المديح # بيتان للتلميذ إسماعيل عاصم في مدح سعيد باشا عندما زار مدرسة القلعة: # 1 # مدارس العلم بالأنوار قد سطعت # أرجاؤها لسعيد العصر مذ قدما # به رأيت ثغور الدهر باسمة # فقلت يا ليت قومي يعلمون بما # أبيات من قصيدة طويلة بمناسبة عيد جلوس السلطان عبد الحميد خان على عرش السلطنة العثمانية: # 2 # صفا الوقت فاغنم حظه فالصفا صدف # وعوض على النفس الأبية ما سلف # وباكر لبنت الحان واختص بكرها # على نغمة الألحان إن الهنا تحف # وكن في أمان من عوادي الزمان في # حمى قدرة السلطان وأقبل ولا تخف # جناب أمير المؤمنين الذي به # سما الدين والدنيا بها ظله ورف # هو الملك الأعلى الذي خضعت له # ملوك الورى والكل من فضله اغترف # بيتان بمناسبة عودة الخديوي توفيق من الإسكندرية عقب الثورة العرابية: # 3 # لله في الخلق لطف رق معناه # فليس يدري امرؤ ما كنه عقباه # تجري المقادير والإنسان يجهلها # حتى يكون لغير القصد مسعاه # بيتان من منظومة مقدمة للخديوي بمناسبة عيد الأضحى: # 4 # ليس ارتياحي براح من يدي بكر # بل راحتي بكر معنى من سنا الفكر # ولست بالسمر والبيض الصفاح أرى # شغلي ولكن بحمل البيض والسمر # تهنئة من إسماعيل عاصم للخديوي عباس باشا حلمي الثاني بمناسبة عودته من الآستانة ~~عام 1893: # 5 # بشراك يا مصر أيام الهنا عادت # والسعد أوقاته بالصفو قد جادت # والحمد لله «عباس» العزيز بدت # أنواره عن سنا بدر السما زادت # مولاي شرفت أحييت العباد فهم # أرواحهم لم تكن هذا النوى اعتادت # مذ سار ركبك والأبصار شاخصة # والروح ms039 شوق لمجرى يختك انقادت # لولا اقتراب إياب منك أنعشنا # كانت قلوب الرعايا بالأسى بادت # آنست من دار سلطان الوجود سنا # دار على كل عرش طالما سادت # ونلت فيها من الإجلال منزلة # بمثلها السوى «العباس» ما شادت # أحكمت رابطة الدين القويم لدى # عرش الخليفة كي تنمو وقد كادت # وقام بالأمر في القطر الوزير كما # ترضى وأحكامه من عدلك ارتادت # والناس في كل حال ليس يشغلهم # إلا قدومك والأشواق ما حادت # مولاي أهلا وسهلا هاك أنفسنا # بها لقدومكم أجسامنا جادت # هذي الوفود من الأقطار تجذبها # محبة لك يا بحر الوفا ازدادت # لو استطاعوا لجاء القطر أجمعه # لكنه بالدعا أرواحهم نادت # فأسلم ودم وأقبل البشرى مؤرخة # عاد العزيز وأوقات المنا عادت # في الألغاز # قالت مجلة «روضة المدارس المصرية» في 27 / 8 / 1870: ~~«ورد من الكامل الأديب والفاضل اللبيب حضرة إسماعيل عاصم أفندي المعاون ~~الأول بمديرية الفيوم هذا اللغز المنظوم: # 6 # ما اسم شيء للناس بالنفع قد عم # نصفه ~~مهمل وباقيه معجم # ورباعي الحروف في العد لكن # حاز كل ~~العلوم والله أعلم # نصفه الأولي رشف لذيذ # تارة والهلاك ~~يحصل من ثم # وإذا ما قلبت ذا النصف تلقى # إنه الزهر ~~عرفه فاح للشم # وترى نصفه الأخير به الخس # ران باد أو ~~كان لفظا لمن ذم # ولدى قلبه بدا القطع فيه # تارة أو يرى ~~كساء منمنم # وإذا ما حذفت طرفيه تلقا # ه كسوبا للمال ~~والكسب مغنم # وعلى كل حالة لا غنى للن # اس عنه إن ~~كان عقلهم تم # فتفضل وجد بكشف رموز الل # غز هذا ~~لازلت فينا مكرم» # وقالت مجلة «روضة المدارس المصرية» أيضا في 25 / 10 / 1870: ~~«حل اللغز الحسابي المتقدم نشره «بروضة المدارس»» # 7 # بقلم حضرة إسماعيل عاصم أفندي المعاون الأول بمديرية الجيزة، ~~ونصه: قد اطلعت على المسألة الحسابية والنبذة الإنشائية المحررة بالعدد ~~الثالث عشر من «روضة المدارس» الطيبة الأثر، للتلميذ النجيب حسن أفندي عاكف ~~الذي هو من قطوفها الدانية قاطف، فحللتها من عقال التعمية إلى مطلق ~~الإيضاح وجليتها بحلل التبيين والإفصاح، فقلت: # 8 # رأينا سؤالا ms040 للنجيب المدقق # يبين لنا ~~عن فهمه المتأنق # فلاح لنا أن الذي قد أجازه # هو النصف ثم ~~الثلث للمتحقق # وحاصل ما يبقى من المال سدسه # لمالكه بعد ~~العطا والتصدق # في التقريظ # تقريظ إسماعيل عاصم لكتاب دليل مصر في عام 1889: # 9 # حيي فأحيي بالجمال وبالجمائل # غصن يرنح عطفه عطف الشمائل # وبدا بكأسي راحه ولحاظه # سكران مع سكر الهوى فينا صوائل # يفتر عن در يحاكي لفظه # وعن الدليل كلاهما يروي الفضائل # سفر به شمس الفصاحة أسفرت # عن نور تاريخ الأواخر كالأوائل # جمع الحقائق والرسوم كأنما # في طيه سر الوجود له رسائل # نعم الكتاب كأنه في عصره # مرآة حال الكائنات بغير حائل # جمعته فكرة يوسف الحبر الذي # في كل علم طوله للحق طائل # آصاف من يغنيك حسن بيانه # عن كل قس بان أو سحبان وائل # خدم العموم بخدمة وطنية # عربية يثني عليها كل قائل # ودليل قولي جاء في تاريخيه # هذا دليل نوره نعم الدلائل # تقريظ إسماعيل عاصم لمجلة «أنيس الجليس» في عام 1898: # 10 # أعروس جلاؤها للعريس # تتهادى بكل معنى نفيس # أم بدور العلوم للناس يبدو # نورها فائقا ضياء الشموس # أصبحت تجذب القلوب إليها # بلطيف الإحساس كالمغنطيس # أسكرتنا ألفاظها فحسبنا # إنها للنهى حباب الكئوس # ورأينا كل المجلات مرءوسا # وأنس الجليس مثل الرئيس # بلغت مشرق المعارف إس # كندرة في سنائها المأنوس # صحف أعربت بفضل الغواني # العرب فيما تبدينه في الطروس # رغب العارفون فيها ولا يع # رف غير الخطاب قدر العروس # برزت للعقول راحا # فراحت ثملات كنشوة الخندريس # قابلتها بشائر أرختها # أشرقت للهدى أنيس الجليس # إلى ابنه علي # قصيدة إسماعيل عاصم في وداع ابنه علي، عندما سافر إلى أوروبا للدراسة عام 1893: # 11 # له الحمد في بدء الكلام يطيب # وبالمصطفى الهادي إليه أنيب # وبعد فهذي يا علي نصائح # بها حكم قد زانها التجريب # عروسة أفكار إذا أنت صنتها # وأحسنت مجلاها فلست تخيب # فسافر بحرز الله وارجع مؤيدا # بنيل المنى فالله منك قريب # وأودعك الرحمن في الغربة التي # جنحت لها والفكر منك مصيب # وأسأله حسن الإياب فإنه # لخير دعاء ms041 الوالدين مجيب # فأوصيك بالتقوى فربك عالم # بسرك والنجوى عليك رقيب # حافظ على الإيمان ما استطعت وليكن # به من رضا المولى إليك نصيب # وأحبب لكل الناس ما أنت تبتغي # لنفسك تصبح والعدو حبيب # وإياك إياك النقايص وليكن # من النفس يا ذخري عليك حسيب # وعاشر جميع الخلق وادرس طباعهم # وخذ ما تراه للعقول يطيب # وصاحب كرام القوم واهجر لئامهم # فإن الفتى للمصاحبين نسيب # ولا تحسبن في الاعتزال سلامة # فكل وحيد عاجز وكئيب # تأدب تجد كل الأنام أقاربا # فليس غريبا في الوجود أديب # وبادر وحاذر أن تفوتك فرصة # فحسرتها في النفس ليس تغيب # وعظم مقام الناس كلا بقدره # يواسيك كل منهم ويجيب # وخل عناد القادرين فإنما # يكون عليك اللوم والتثريب # وكن صادقا في القول والفعل دائما # صدوقا فشر العالمين كذوب # وكن محسنا للناس وابغ رضاءهم # فإن معاداة الرجال عصيب # وكن دائما سمح المحيا بشوشه # فليس لذي الوجه العبوس خطيب # وكن في العوادي ثابت الجأش حازما # وصدرك إن ضاق الزمان رحيب # ولا تأس إن فاتت مع الجهد فرصة # وراقب سواها فالمجد يصيب # وداوم على درس العلوم برغبة # فخير معين للفتى الترغيب # ولا تحتقر يوما فقيرا لفقره # ففقر الفتى للمال ليس يعيب # فإن كمال المرء أجمل حلية # وخير الغناء العلم والتهذيب # وإياك والحقد الذميم فإنه # له في قلوب الحاقدين لهيب # خذ العفو والإحسان تستعبد الورى # ولا تنتقم فالانتقام عطيب # وسامح لتلقى إن جنيت مسامحا # فكل امرئ لا بد فيه ذنوب # ولا تحسدن ذا نعمة واجتهد تسد # عليه وإلا فالحسود قشيب # ولا تبق شغل اليوم عمدا إلى غد # فإن غدا في شغله توضيب # وبعد غد أيضا له عمل فإن # تعطل يوما يفسد الترتيب # ولا تبد يوما عيب غيرك واشتغل # بنفسك واحفظها ففيك عيوب # وباعد عن الكبر البغيض على الورى # فليس لأهل الكبريا ترحيب # ولا ترض ذل النفس إلا لأهلها # فماء المحيا صونه مطلوب # ولا تهتك الأعراض أو ترم محصنا # فترمى بما ترمي وأنت سليب # ولا تشرب الخمر ارتياحا لشربها # ففيها ذهاب العقل والتعذيب # وصن يا بني ms042 الفرج واعلم بأننا # سنفنى ويأتي الحشر والتأنيب # وكن حازما في كل أمرك واعتمد # على الله تنجح فالزمان عجيب # فهذي تجاريب الزمان جمعتها # إليك بنظم ما به تعييب # فخذها هنيئا من أب بك راحم # فكل نصوح يا بني أريب # ولو لم يكن هذا الرحيل لمقصد # شريف لطالت لوعة ونحيب # ولكن فراق الأهل في طلب العلا # يهون أوصاب النوى ويثيب # وليس وداعا بل وداد وقوفنا # فأنت لنفسي يا علي قريب # خيالك في عيني وذكراك في فمي # ومأواك في قلبي فأين تغيب # في المناظرة الشعرية # مناظرة شعرية بين إسماعيل عاصم والشاعر خليل مطران، في أيهما أسبق في الحب، القلب ~~أم العين: # 12 # ففي 31 / 7 / 1898 نظم مطران قصيدته بين القلب والعين، ونشرها بمجلة «أنيس ~~الجليس»، وقال فيها: # قضية بين القلب والعين # بين قلبي ومقلتي # صدمة توهن القوى # ونزاع بفصله # حكما قاضي الهوى # دفاع عن العين # ذنبها أنها رأت # فتصبته فانضوى # عرضا أبصرت ولا # ذنب إلا لمن نوى # دفاع عن القلب # وهو لولا طموحها # لم يتيم ولا اكتوى # مستمرا خفوقه # كلما نسم الهوى # ظمئا ما لغله # من ندى الدمع مرتوى # ثم تعرض مطران بعد ذلك - بشيء من الدعابة - في باقي القصيدة إلى الحكم ~~الابتدائي، وحكم الاستئناف، وفي قصيدة أخرى في 31 / 8 / 1898 بنفس المجلة، إلى حكم ~~النقض والإبرام. # وفي نفس عدد المجلة وتاريخها، قال إسماعيل عاصم: ~~«اطلعت على قضية بين القلب والعين وعلى الدفاع عنهما وعلى الحكم ~~الابتدائي وحكم الاستئناف الصادر فيهما، فراقني مبناها. غير أني وجدت ~~القضية لم تعرض على محكمة النقض والإبرام، وهذا ينسب لتقصير المحامي، ~~وكما أني من رجال هذه الحرفة ويؤلمني نسبة التقصير للمحاماة، فلذلك رفعت ~~القضية لمحكمة النقض والإبرام، وصدر الحكم فيها بالآتي: # حكم محكمة النقض والإبرام # ليس للعين والحشا # ما اقتضى حاكم ~~الهوى # فهي من شأنها ترى # كل شيء لها ~~استوى # فإذا استحسنت فلل # قلب في الحب ما ~~نوى # وإذا استحكم الهوى # وهما في الجوا ~~سوا # تلك في السهد والبكا # وهو في ناره ~~اكتوى # ولا يزالان ms043 في عذا # ب على مائت ~~ذوى # إنما الذنب أصله # للجمال الذي ~~غوى # أنه استوقف العيو # ن عليه وما ~~لوى # واستمال الفؤاد قس # را إليه وما ~~ارعوى # ثم لما رآهما # منه في قبضته ~~الجوى # تاه أو مال عنهما # أو تجلى على ~~السوى # فهو أحرى بأن يقا # ضى لدى حاكم ~~الهوى # ولهذا فيكتفي # كل حاكم بما ~~حوى» # وبعد نشر مطران قصيدة محكمة النقض والإبرام في أغسطس 1898، رد عليه إسماعيل برد ~~نشرته المجلة في 30 / 9 / 1898، جاء فيه: ~~«اطلعت في العدد الأخير على حكم نقض وإبرام صدر في قضية القلب والعين غير ~~حكم النقض والإبرام الذي بعثت به، ومن بحر وقافية غير بحر القضية ورويها، ~~ويتضمن أن الجاني هو الهوى، ولما كان الحكم المقدم منا أن الجاني هو ~~الجمال فحرصا على واجبات المحاماة قد رفعنا الأمر لمحكمة التمييز؛ لتقضي ~~بتمييز أحد الحكمين، وصدر حكمها بالآتي: # كل نفس بها هوى # من جمال لها ~~غوى # وترى الحب ناره # ما الحبيب الذي ~~كوى # إنما الحسن علة ال # ميل والعل كم ~~روى # وإذا لم يك الجما # ل فلا يوجد ~~الجوى # ولهذا فعاصم # صائب في الذي ~~روى» # في المناسبات الدينية المسيحية # تهنئة من إسماعيل عاصم للأخوة المسيحيين بمناسبة عيد رأس السنة في عام 1900: # 13 # عام بخير مضى والدائم الله # لا خير فيه فقد بانت رزاياه # فاترك حوادثه للدهر يجمعها # واليوم عام بدا بالبشر نلقاه # يا أمة القبط يا أهل الوداد ومن # أنفقتم العمر فيما قد عرفناه # هلا سمعتم نكوث العهد من فئة # عهد الوفا عهدهم فيما عهدناه # إنا وأنتم كلانا واحد وإذا # دخيلكم قال قول السوء نأباه # وكم لنا مجمع بالود نعقده # أراد تفريقنا وغد رفضناه # يضمنا وطن تدنو بنا لغة # في كل مجتمع كل تتمناه # يسوسنا ملك في عدل ساحته # يظلنا علم بالحق نرعاه # جوامع كلها للخير جامعة # ألا بأيهما منكم نبذناه # وكم تبودلت الأعياد أجمعها # يزيدها الحب والإخلاص مرماه # والدين لله والديان موجده # بين الخلائق لا معبود إلا هو # قضت لنا ولكم بالود حكمته # والناس بالناس ms044 أمر جل معناه # وفاقنا لم يغيره الزمان ولم # ينقص لكم بيننا في رحبنا جاه # أيا ترى من سمعتم منه ثم فلم # نعرف دخيلا به الجهال قد فاهوا # وما الدخيل سوى النفس الخبيثة في ال # أصل الخسيس الذي قد ذم مولاه # فهو السفيه الذي من نطفة الشؤم في ال # جسم الخسيس الذي قد ساء مرباه # فليصلح المرء قبلا نفسه فإذا # جلت عواطفه بانت مزاياه # وليصلح السير حتى يستقيم وإن # تم الصلاح فقد طابت نواياه # قصيدة ألقاها في مركز جمعية التوفيق القبطية في عيد النيروز الموافق 11 / 9 / 1900: # 14 # عام بخير مضى والدائم الله # واليوم عام بدا يا بشر نلقاه # يا أمة القبط يا أهل الوداد ومن # عهد الوفاء عهدهم في ما عهدناه # إنا وأنتم كلانا واحد وإذا # أراد تفريقنا وغد رفضناه # يضمنا وطن تدنو بنا لغة # يظلنا علم بالحق نرعاه # جوامع كلها للخير تجمعنا # يزيدها الحب والإخلاص مرماه # والدين لله والديان موجده # والناس بالناس أمر جل معناه # وفاؤنا لم يغيره الزمان ولم # نعرف دخيلا به الجهال قد فاهوا # وما الدخيل سوى النفس الخبيثة في الج # سم الخبيث الذي قد ساء مرباه # فليصلح المرء قبلا نفسه ومتى # تم الصلاح فقد طابت نواياه # ونسأل الله توفيقا برحمته # وكل عام لكم في السعد مسواه # في التأبين # في يوم 30 / 11 / 1917، كان الاحتفال في دار الأوبرا بتأبين الشيخ سلامة حجازي، ~~وكانت لجنة التأبين برئاسة إسماعيل عاصم، الذي ألقى كلمة الافتتاح قائلا: # 15 ~~«كل نفس ذائقة الموت، وكل حياة يبيدها الفوت، وكل مركب للانحلال، وكل ~~بسيط للزوال، وكل موجود للانعدام، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام. # أيها الناس هكذا الأحكام # كل حي يأتي عليه الحمام # ويموت المليك في الحصن والمل # ك لديه كما يموت الغلام # ويموت الغني في وسط الما # ل كما يذهب الفقير المضام # ويموت العليم في ذروة العل # م كما يزهق الجهول الملام # ويموت الطبيب وهو عليل # يتغنى كما تموت النعام # كلنا مائت وفي الموت تلقى # راحة النفس من عناها الكرام # هكذا مات واستراح ms045 حجازي # بعد ما أنشبت به الأسقام # بات في اللحد مستريحا لدى الله # وبتنا يروعنا الإيلام # كان فينا يكاد يحيي بمغنا # ه رفاتا تقيمها الأنغام # كان غض الآداب سمح المحيا # كم تباهت مصر به والشام # فمضى كالأولى مضوا ثم صاروا # بعد حين كأنهم أحلام # فعلى روحهم صلاة من الله # ومنا ترحم وسلام» # | نص مقامة «هدهد سبأ» # سمع النداء على البعاد الهدهد # لمكارم الأخلاق وافى يقصد # قد كان معتزلا عن الأغيار من # ذ قضى سليمان وباد السودد # قد كان يجنح للبعاد نزاهة # لما تساوى بالضلول المرشد # لكنه سمع الدعا فأجابه # والعود للشرف الموئل أحمد # بسم الله الرحمن الرحيم، سبحان من هدى عباده الموقنين بأنوار حكمة المعرفة واليقين، وكشف عنهم حجب الجهالة ~~فاتبعوا الهداية ونبذوا الضلالة، سبحانه دلت الكائنات على أنه الواحد الأحد، ونطقت ~~الموجودات بلسان حاله، وقالوا إنه الفرد الصمد. # فوا عجبا كيف يعصى الإله # أم كيف يجحده الجاحد # وفي كل شيء له آية # تدل على أنه واحد # سبحانه لا إله سواه، وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه، يسبح البرق بحمده ويتلو ضوءه ~~آيات مجده، أحمد على ما أولانا من العقل وإرشاده؛ لنميز به كل شيء وأضداده، وصلات ~~الصلاة وسلام السلام على من جاء بالحكمة السابغة والحجة الدامغة، والمعجزات الصحيحة ~~والموعظة الحسنة والنصيحة والسياسة العامة والكياسة التامة، وعلى آله وصحبه الذين دنت ~~بحكمتهم الأبعاد ودانت لعدالتهم العباد والبلاد، وبعد فهذه أزهار قطفتها يد الأفكار من ~~روض المحادثات التي جرت بين هدهد سبأ وزير الطير، وآصف بن برخيا وزير الجان لدى نبي ~~الله سليمان بن داود - على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام - قد أوردتها هنا؛ لتتروح ~~بعرفها الأرواح؛ لما اشتملت عليه من أساليب الحكمة وحسن الأدب وفصل الخطاب، وذلك إجابة ~~لطلب كثير من حضرات العلماء الأكارم وفي مقدمتهم حضرة صاحب المكارم. # قال الهدهد: لما أجاب نبي الله سليمان بن داود داعي القرب من حضرة الشهود، وانفضت ~~تلك الجموع وخلت منها المنازل والربوع، وأصبح مبتدأ ذلك السلطان داخلا في خبر كان، ~~وزالت عن القوم ms046 نعمة الاجتماع، وتفرقت الكلمة بضلال الابتداع؛ علمت من بعد هذا الهلك أن ~~لا جامعة لذلك الملك؛ لأنه كان من خصايص نبي الله سليمان ولا ينبغي لأحد من بعده على ~~توالي الأزمان، فوقفت وقفة المندهش الحاير من هول ما رأيت من مفاجأة الشتات وسرعة هذه ~~الاستحالات، وأنشدت هذه المقاطيع أسفا على هذا المنظر المريع: # الخلد في الدنيا محال # والحال ولو طال استحال # والمرء مهما اختال خيال # وكثرة الآمال وبال # فكل شيء للزوال # والله يبقى لا سواه # للموت تنخضع الرءوس # ولحكمه تعنو النفوس # لا كهل يبقى أو عروس # بل ظلهم للانتقال # فكل شيء للزوال # والله يبقى لا سواه # والأنس بالدنيا غرور # وصفاؤها لو صح زور # وسرورها أبدا شرور # والاتصال منها انفصال # فكل شيء للزوال # والله يبقى لا سواه # وهنالك ناجاني مناجي التوحيد، ودعاني داعي التجديد عن هذا العالم الزائل وطول الكد في ~~غير طائل، فحنت إلى عالمها النفس، وكادت تغيب عن مدرك الحس، ودخلت إلى حان التقوى ~~تطربني ألحان النجوى، محتسيا كأس المحبة من يد ساقي الأحبة حتى سكرت والسكر فنون ~~بخمرة، وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون، فجنحت للفرار والعزلة عن الأغيار، ودخلت ~~في عشي مقتنعا بفضلة عيشي مؤتنسا بالحق في وحشتي، مجتمعا بمناجاته في وحدتي، وكلما ~~تذكرت سيدنا سليمان وما كان له من عظيم السلطان، وما كنت فيه من الإمارة وكبرياء ~~الوزارة، ثم ما أعقب ذلك من الزول وسرعة الانحلال، أغطي رأسي بجناحي راضيا من الغنيمة ~~برواحي، وأقول يا أرض ابلعيني، ويا أيتها الدنيا دعيني، فمتاعك غرور، والاغترار بك زور، ~~ثم أبكي على تلك الاستحالات، وأنشد هذه الأبيات: # 1 # يا مكثر العجب إن الدهر غدار # خفض عليك فللإقبال إدبار # ويا أخا الكبر فيم الكبر يا سفها # والبدأ والعود إقذاء وأقذار # ويا حريصا على الدنيا وكانزها # هون فليس يطيل العمر إقتار # تجد في جمعها دهرا وتتركها # للغير قهرا وعقبى وزرها النار # ويا غرورا بعلياه ومنصبه # بالله أين الأولى سادوا وقد ساروا؟ # أين النبي سليمان ودولته؟ # شادوا وزادوا ونادى الموت فانهاروا # ويا ms047 جهولا يصفو الوقت منخدعا # حاذر فإن الصفا تتلوه أكدار # ويا مقيما على اللذات منهمكا # فيها تنبه فللأحوال أدوار # يا مارحا في سبيل الأمن منتبذا # وشك الردى إن سبل المرح أوعار # يا شاربا من كئوس اللهو مترعة # بالزهو مهلا فكأس الموت دوار # يا فارغ القلب عن تذكار غايته # ألم يكن لك في الماضين تذكار؟ # يا جائرا في القضا هلا اعتبرت بمن # جاروا ومذ جاهم أمر الفضا حاروا # يا من يروم بضر الغير منفعة # للذات ويلك فالديان قهار # ويا غريق العمى هلا نجوت على # فلك الصف فانجلت للحق أبصار # ويا أسير الهوى هلا انطلقت إلى # رحب الهدى حيث للعافين أنصار # يا غافل النفيس هلا منك تبصرة # فتنجلي عن غشاء القلب أستار # يا موثقا بالمعاصي كيف تحملها # ثقيلة وأمام الركب أسفار # يا لاهيا بلذيذ العيش حسبك لا # تشره فلابد للإيسار إعسار # ويا رهين القضا كيف الضمان غدا # من الردى وصحاف العمر أوزار # يا سائما في مراعي الغي ويحك لم # تسأم وقد سئمت من أهلها الدار # ويا مكبا على فعل القبايح ما # هذي الفضايح والإنسان آثار # يا نائما عن معاليه ويطلبها # كيف الوصول ودون الحي أسوار؟ # يا مظهر الخير والإفساد ديدنه # خف الرقيب فللإخفاء إظهار # يا مانع الخير عمدا وهو مقتدر # عليه في حينه هذا هو العار # يا ضاحكا من خيالات الزمان كذا # تبكي إذا صلحت للحق أفكار # يا طالب الخير من هذا الزمان ومن # أهليه هل عملت في العقل أسحار # مات الكرام ومات الفضل إثرهم # والخير فات وعاف الدار ديار # قل الوفا واشتفا في الابن والده # حتى جفا جاره من غدره الجار # مني السلام على هذا الزمان ولا # طالت إذا دام هذا الحال أعمار # وبينما أنا على هذه الحال، وقد قطعت عن لذة الدنيا الآمال؛ إذ سمعت ذات ليلة وقت ~~الأسحار صياح عصفور الأدوار، فملت إليه بالكلية - ولا يخفاك حنين الجنسية - وخرجت من ~~عشي أسابق الرياح حتى لحقت به عند الصباح، فرأيته باكي العين وسمعته ينشد هذين ~~البيتين: # حتى الرياض وجدتها # تبكي بها ms048 عين السحايب # والطير تهتف بالنوا # ح لفقد آثار الحبايب # 2 # قال الهدهد: فقلت له مكانك يا عصفور الأدوار، وأنشدنا من مطرباتك أدوار. فقال: إليك ~~عني يا جاهلا بالمصير، ولو كنت هدهد سبأ الوزير، فقلت له الزم موضعك يا عصفور ولا ~~يغرنك بنفسك الغرور، فكم من دور مضى وزمان انقضى، فوقف متعجبا، وقال: عساك هدهد سبأ؟ ~~قلت: نعم أنا الهدهد، وأنت من أين وإلى أين تقصد؟ أنبئنا بأدوارك وبح لنا ~~بأسرارك. # فقال: اعلم يا هدهد أنه لما أتم الله سبحانه وتعالى خلق الدنيا على هذا النظام العجيب ~~الذي تراه، وأراد إيجاد النوع الإنساني؛ ليكون خاتمة الوجود، حسده على ذلك جميع العالم ~~حتى الملائكة قالوا: # أتجعل فيها من يفسد فيها ~~ويسفك الدماء # فأبى الله إلا نفاذ إرادته وخلق آدم وحواء ثم ~~أسكنهما الجنة، وكنت أنا إذ ذاك في مركز الأدوار ومرتقى الأسرار، فلما سمعت قوله تعالى ~~لآدم # اسكن أنت وزوجك الجنة # علمت أنهما ~~سيخرجان منها؛ فإنه لا بد للساكن من مبارحة السكن، وقد صدق ظني وهبطا إلى الأرض لأمور ~~اقتضتها الحكمة الأزلية وتناسلا فيها وانتشرت ذريتهما في بقاعها. # فأخذت الأرض في النضارة والعمران بما جاءوا به من الاتحاد والاجتهاد، فأخذ مني السرور ~~بهم كل مأخذ، وهبطت إليهم لأساعدهم على عملهم الصالح، خائفا عليهم من الشماتة بهم حتى ~~إذا حصل ما حصل بين قابيل وهابيل من الحسد والقتل، وهما أخوان توأمان داخلني من سوء ~~المصير الوسواس، وقلت: لا خير في كثير من الناس وصعدت إلى مركزي. # وما زال الصلاح يخبو والفساد في الأرض يربو إلى أن أرسل الله نوحا بالطوفان، وأغرق ~~الظالمين، وحمل في السفينة المصطفين، فتوقعت حصول الخير في هذه الدار، وهبطت إلى ~~السفينة لأكون مع الأخيار، فسمعت نوحا يدعو ولده إلى الهداية المبينة والركوب معه في ~~السفينة، وهو مجيب بالسلب والرد ويعامل والده بالعقوق والصد. # فقلت: بالأمس قتل الأخ أخاه، واليوم عصى الولد أباه، فأي خير من الدنيا أتمناه، وصعدت ~~إلى مركزي مستعيذا بالله، ثم تقلبت الأيام وتبدلت الأنام، وأرسل الله ms049 سليمان بالنبوة ~~والسلطان، وملك الدنيا غربا وشرقا، وصارت مكانته وقومه من السماء أرقا، فتخيل لي أن ~~لا فساد بعد هذا الإصلاح، ولا تحاسد بعد هذا الفلاح، وهبطت إلى الأرض لأحظى باتباعه ~~وأكون من أتباعه، حتى أتاه الأجل المحدود، وفاجأه الموت الموعود، فريثما حملوه على ~~النعش رأيت ثريا جموعه تبدلت ببنات نعش. # وكنا كالثريا في اجتماع # فصيرنا الزمان بنات نعش # فدعوتهم للاجتماع وعدم الضلال عن سبيل الإجماع، ولكن غلب عليهم الهوى وما رأيت أحدا ~~منهم ارعوى فقلت لا خير في الدنيا، وسارعت إلى مركز الأدوار العليا. # قال الهدهد: فقلت له وما سبب هبوطك الآن ونحن في أي زمن من الأزمان؟ فقال: إني كان لي ~~صاحب حميم وصديق حكيم اسمه نسر الأدهار وقد فقدته عدة أحقاب فبحثت عليه بين الأفلاك ~~وسألت عنه الإنس والأملاك ولم أهتد له على أثر، وكان عهدي به التردد على وادي سبأ ~~وآونة على الوادي المقدس؛ ليمرح في غياه بها ويتروح بزهر رياضها، فهبطت إليها لعلي ~~أجتمع به فيها، ولما وصلتها أنكرتها وأنساني مرآها الحاقل ما أتيت إليها من أجله، فإني ~~حمت حول أكنافها فوجدتها مندرسة المعالم بالية الأطلال، ولم أر فيها غير رويضة صغيرة ~~وغويضة حقيرة قد استبدلت أزهارها بالقتاد وأنهارها بالسراب وهزارها بالبوم، ولسان حالها ~~يقول: # تأمل سطور الكائنات فإنها # من الملأ الأعلى إليك رسائل # وقد خط في لوح الوجود يراعها # ألا كل شيء ما خلا الله الباطل # فتأملتها فإذا هي روضة بلقيس التي كانت تزهى الدنيا بنضارتها، فلم أستطع النظر إليها ~~وخرجت منها خروج السهم من القوس قاصدا مركزي، عازما على العزلة الأبدية حتى جزت على ~~ناديك يا هدهد، وأنا أنشد البيتين اللذين سمعتهما آنفا فعليك مني السلام سلام افتراق ~~لا اجتماع بعده. # قال الهدهد: فاضطرب فؤادي حين سمعت ذكر وادي سبأ وقبضت على ريش العصفور منقاره وقلت ~~له أناشدك الله ألا تجعل هذا الموقف آخر العهد بالاجتماع بك، وأن تزيدني بيانا بما ران ~~على وادي سبأ. # 3 # ولما طلبت من عصفور الأدوار ألا يجعل ms050 هذا الموقف آخر العهد بالاجتماع. قال بعدا لك ~~يا هدهد، فإنك ما زلت ميالا للطرب كأنك ما شاهدت فعل الأدوار بالعالم، ولا قرأت ما هو ~~مسطور على جبين الزمن. # في جبهة الدهر سطر لو نظرت له # أبكاك مفهومه من مقلتيك دما # ما سلم الدهر باليمنى على أحد # إلا ويسراه تسقيه الردى كظما # ثم ودعني وداع الرائع، وطار كالبرق اللامع، ولما دنا من مركزه الأسنى، وكان قاب ~~قوسين أو أدنى. قال: يا هدهد اعلم أن العاقل من اعتبر بأمسه، وعمل لغده ولم يضيع ~~دقيقة من عمره بغير فائدة تعود عليه وعلى بني نوعه. فإن العزلة داعية الكسل والبطالة، ~~وهذا تأباه النفوس الشريفة، وبقدر الكد تكون الفائدة التي قدرها الله سبحانه وتعالى. ~~فإن الحذر لا يمنع القضا والعزلة لا تدفع سهام البلايا المنقذفة عن قسي السموات. ثم ~~أنشد هذه الأبيات: # إذا كان مبنى كل شيء على القدر # فقل لي رعاك الله ما ينفع الحذر # وإن كان حكم الدور يأتي مع القضا # فسيان يا صاح الرضا منك والضجر # فصبرا إذا جاء الزمان بعكس ما # تريد فبالآمال يظفر من صبر # ولا تأس إن فاتت مع الجهد فرصة # ولا تثن عزما وارقب الفرص الأخر # ولا تبتئس إن ساد وغد وإن ذوى # كريم فكم للدهر في دوره عبر # وكن في العوادي ثابت الجأش ظاهرا # على الدهر بالصدر الرحيب إذا غدر # وإياك إدمان القطوب لنازل # فيرتاب من تهوى ويشمت من وغر # ولا تبتغي في الاعتزال سلامة # وسالم بني الدنيا ففي النفرة الضرر # ولا ترض بالذل ابتغاء معزة # فماء المحيا دونه كل مدخر # وباعد عن الزلات والحقد جانحا # إلى الخير تسلم ما استقمت من الكدر # وصاحب كريم النفس والأصل وابتعد # عن الدون فالأوغاد صحبتهم خطر # وصانع دهما الأعداء واحذر صنيعهم # فقد يشفق الذباح بالوحش إن عقر # وفي حالي النعماء والبؤس لا تكن # غرورا ولا كلا وكن حازم الفكر # ورد جماح النفس عن غيها ولا # تطعها ومن شيطانها كن على حذر # وقدم من الأولى لا نراك صالحا # وخذ من ms051 صباك الغض ما ينفع الكبر # وما عشت للترحال كن متأهبا # ومن خالص التقوى خذ الزاد للسفر # فقلت له: زدني يا عصفور، ويا عروس الطيور، من نصحك المشهور، ووعظك المشكور. # فقال: ليس في الإمكان أبدع مما كان، ومن لم يكن له واعظ من عقله، وزاجر من نفسه من ~~بعد ما رأى الآيات، فالبعد عنه من أكبر الغنيمات، ثم غاب عن الشهود في جوف مركزه ~~المعهود، بعد ما أوعد بالاجتماع عندما يدعو الداع. # قال الهدهد: فوقفت وقوف الحيران، وتراكمت علي الهموم من كل مكان، ولا سيما حين ~~أذكرني العصفور عهد أنسي القديم في وادي سبأ أيام كانت الدنيا دنيا، والناس ناس ~~والمشرق مشرق بشموس الكمالات، ومسفر ببدور الآيات البينات. فحنت نفسي للذهاب إلى ~~تلك المواطن المقدسة، ولا يخفاك حنين الغريب للوطن، وشوق الولهان للسكن، وطرت قاصدا ~~وادي سبأ. عساي أرجع منه بنبأ وأروح روحي بتلك المعاهد، وأحيي نفسي بمشاهد هاتيك المشاهد. # 4 # 5 # غير أني كلما دخلت أرضا أراها مرسحا للبوم والغربان # 6 # وكان عهدي بها روضات للبلابل ومرتعا للغزلان. أو أتيت على وادي ألقاه في ~~حضيض الخراب، وكنت أعهد عمارتيه تزاحم السحاب، وإذا وصلت جمعا أشاهد عليه الذلة ~~والصغار، وكنت أعرفه بالهيبة والوقار. هنالك وقفت أبكي الديار العافية، والأطلال ~~البالية، والمعالم المندرسة، والأحوال المنعكسة، وأقول: # قد أقفرت من أهلها الديار # واندرست كما ترى الآثار # وأفلت عن أفقها الأقمار # لما أباد قومها الدمار # وامتنعت من سحبها الأمطار # حتى جفاها الزهر والأثمار # والبوم فيها والحدادي صاروا # يشدون لما فاتها الهزار # وغشيت صفاءها الأكدار # وعافها أنيسها والجار # وصرن لا دار ولا ديار # وما أتممت كلامي، وفرغت من بديع نظامي، حتى ناداني مناد من كبد الوداد، وهو ~~يقول: # يا هائما بين الطلول # يبكي على الحال الحئول # دع عنك نوحك والذهول # فأي حال لا يحول ~~••• # يا هدهد ألف النواح # حزنا على جدب النواح # لا تبك شيئا حيث راح # فأي شيء لا يزول ~~••• # واندب طيورا ضيعوا # أوكارهم وما سعوا # لغلة ولا رعوا # حفظ الخصيب من القحول ~~••• # وابكي ms052 على حال الوحوش # مذ برطعت فيها الجحوش # والشاة ناطحت الكبوش # والتيس صال على الفحول ~~••• # والقط قد حكم الطيور # مذ أهملت منها الأمور # وغدت وليس بها نفور # منه وليس لها عقول # نامت عن الأمر الخطير # وصحت إلى الشيء الحقير # فغدا اليسير بها عسير # شأن المفرط والكسول ~~••• # والجهل قد أعيى الرءوس # والجور كم ذل النفوس # والعلم رسم في الطروس # والحبر أراده الجهول ~~••• # وتصاغرت أهل الفطن # وتكابرت أهل الفتن # فتباغضت أهل الوطن # وعن الوفا حان العدول ~~••• # ماذا يفيدك بالنواح # فاتركه واعمل للفلاح # فعسى يعود لك النجاح # إن كنت تدري ما أقول # قال الهدهد: ثم انقطع الصوت كأنما أدركه الفوت، وبحثت عليه فلم أهتد إليه، فطرت في ~~الهواء وناديت: # يا صاحب الصوت المهول # يا ناظما هذا المقول # جد لي فديتك بالقبول # لأفوز عندك بالوصول ~~••• # من أنت يا رب النظام # قل لي أقاسمك الغرام # هل أنت طير أم غلام # أم أنت جني الأصول # وما أتممت كلامي حتى رأيت دخانا صار الجو منه في حلك، وسمعت صيحة رنت لها قبة ~~الفلك. فارتعت مما رأيت وجنحت للفرار، من هذه الديار. لكني تثبت لأعلم كنه الأمر؛ إذ ~~لا شيء أضر على صاحب الحاجة من الطيش في طلبها، وبعد برهة انجلت هذه الظلمة عن شخص من ~~بني الجن قد غاب ليل شبابه وأسفر صبح مشيبه، وقال: أهدهد سبأ أنت؟ قلت: نعم، ومن أنت ~~يرحمك الله؟ قال: ما أسرع ما نسيت وليس عهد افتراقنا ببعيد؛ فإنه لا يزيد عن ستة آلاف ~~سنة! # فقلت: «سيدي آصف» ورب الكعبة، فقال أنا ما ذكرت. فهبطت إلى الأرض لأقبل قدميه. ~~فقال: مه يا هدهد. فسلمت عليه، فرد بأحسن تحية. وبعد أن تذاكرنا أيام أنسنا وطيب ~~أوقات اجتماعنا في عهد سيدنا سليمان، وما كان عليه المشرق من النضارة والعمران، وسعادة ~~المكين والمكان. # قال لي: ما الذي جاء بك إلى هذه الأودية المجدبة وهي الآن ليست مرتعا للطيور الأوانس ~~كما كنت تعدها من قبل؟ فهلا قصدت المغرب جنة الدهر في هذا العصر؛ فإنه صار محط رحال ms053 ~~العوارف والمعارف، ومركز دائرة الوفود من كل طارف وأطارف. # فقلت: وكيف كان ذلك يا سيدي؟ فقال: يا هدهد لا تسألني عن أحوال الأرض وبني الإنسان؛ ~~فإني منذ فارقتهم بعد سيدنا سليمان لزمت الوحدة، وألفت العزلة، وعملت لما هو آت، وما ~~سألقاه بعد الممات؛ فإن أمامنا يوما تشخص فيه الأبصار، وتنعدم الأنصار، وتجد كل نفس ~~فيه ما أودعت، وتذهل كل مرضعة عما أرضعت. يوم يعض الظالم على يديه ويسكب المفرط دم قلبه ~~من عينيه، يوم يفر الحميم من الحميم، وكلهم خائف من عذاب الحميم، إلا من أتى الله بقلب ~~سليم. # ماذا جوابك يوم الفصل حين ترى # جميع ما كسبته النفس مسطورا # أفاض أنعمه المولى عليك ولم # تشكره بل رحت بالكفران مسرورا # نهاك دينك عن فعل القبيح وما ان # تهيت بل صرت بالعصيان مشهورا # أطعت نفسك لم تكبح غوايتها # وليت فعلك هذا كان مستورا # بم اعتذارك إذ تلقى كتابك بال # أوزار ممتلئا بالخزي منشورا # بأي وجه تلاقي الله وهو يرى # ما كنت تعمل حتى جئت محشورا # ثم قل وا حسرتاه على ما فرطت في جنب الله! وأراد أن يودعني ويذهب من حيث ~~أتى. # فقلت له: بذمة العهد الذي افترقنا عليه إلا ما أخبرتني عن سبب ما ألم بهذه ~~الديار، بعد أن كانت غرة في جبين الأدهار؛ فإننا وإن لم نكن من بني آدم لكن لهم علينا ~~حقوق الصحبة والجوار في هذه الحياة الدنيا، ويجمعنا وإياهم مبعث خاتم الرسالة، وطالما ~~شاركناهم في أوطانهم، فكذلك نشاركهم في فرحهم وأحزانهم، شأن الصاحب الوفي، وأنت تعلم ~~أنهم أفضل منا في النشأة والرجعى. # فقال: إليك يا هدهد، فإن أكرمكم عند الله أتقاكم، وإنه - جل شأنه - لم يفضل جميع ~~الناس على جميع الخلق، بل قال، عزت حكمته: # وفضلناهم على ~~كثير ممن خلقنا ~~، فالفضل لأهله من أي نوع، لا لمن حاد عن سبيله، ~~و # إن الأرض لله يورثها من يشاء من ~~عباده ~~. # واعلم يا هدهد أني سأنبيك بأسباب سعادة كل أمة وكل مملكة وجدت على الأرض من عهد سيدنا ms054 ~~سليمان، وداعية شقائها وانحلالها، مستطردا في ذلك لبيان جميع العلوم والصنائع التي ~~امتازت بها الأمم وارتفعت بها إلى أوج الفلاح، ولا أبخل عليك ببيان حكمة كل علم منها ~~وافتقار السياسة إليها. ثم أقص عليك من أنباء فضل الرجال الذين أقاموا عمد الدنيا ~~والدين، وما جاءوا به من السياسة والكياسة وغير ذلك مما يفتقر إليه كل رئيس ~~ومرءوس. # ثم التفت ذات اليمين وذات الشمال، وقال: يا هدهد، إني أسمع رفرفة أجنحة طائر في ~~الجو الأعلى. فارتقبناه فإذا هو صاحبي عصفور الأدوار قد انقض علينا وقت القيظ، وقلبه ~~يكاد يتميز من الغيظ، وريثما وصل إلينا سلم سلام الأحباب، وقابلناه بالتحية والترحاب. ~~ثم جلس على الذنب، وقد أخذ منه الغضب، وابتدر المقال، فقال: متى يستقيم الظل والعود ~~أعوج؟! ومتى يحسن السباق والسابق أعرج؟! وكيف يتثبت الفكر والطبع أهوج؟! أم كيف يثبت ~~الرأي والحال أزعج؟! وأين تنبث أشعة الحكم المنبعثة من شموس الأفكار، وقد أعمى الجهل ~~البصائر والأبصار؟! وعلام تشرق أنوار النصائح، وغشاوات الحسد على العيون ~~نواضح؟! # لا سودد يا بني الدنيا مع الحسد # والحقد يأتي على الأصلح بالكسد # والناس مادامت البغضاء قائمة # بنفسهم حسدا ضلوا عن الرشد # وللزمان انقلابات تؤثر في # أماكن القوم من ضنك ومن رغد # ألم أنبئك يا هدهد بأن أول ما وجد من المصائب في الدنيا هو مصيبة الحسد؟! ألم تعلم ~~بأنه ما وجد على الأرض من المهالك وخراب الممالك إلا كان أعظم أسبابه الحسد والجهل؟! ~~أتظن نفسك يا هدهد غير محسود على هذه الساعة الواحدة التي جمعت بينك وبين آصف بن برخيا ~~بعد طول افتراقكما؟! فأنصحكما أن تلزما شأنكما، ولا تتعبا الفكر في شأن النوع الإنساني ~~فإنه قليل الوفا، إلا الذين تهذبت طباعهم، واعتدلت بالحق أوضاعهم، وقليل ما ~~هم. # فقلت له: إننا الآن في واد أقفر، ومكان أشعث أغبر، لا إنس ولا جن فيه، ولا طير ولا ~~وحش يأويه، ولم نجتمع به على أحد. فمن أين وعلام يأتي لنا الحسد؟! فهز العصفور ~~رأسه، وقال: لعلك نسيت أنه يوجد تحت ms055 قدميك من هوام الأرض وحشراتها ما لا يأتي تحت حصر ~~وعدد، وهل يغرب عن فكرك أنها ترميكما بسهام الحسد . # فقال له آصف: إنه ليس بيننا وبين الهوام والحشرات ارتباط ولا معاملات تبعثها على ~~التباغض والتحاسد، فإني مع الهدهد ها هنا نتجاذب أطراف التاريخ والحكم، وهذا شيء تجهله ~~الهوام والحشرات؛ لأنها مخلوقة من الأوساخ والعفانة، والقاذورات والنتانة. فهي تجهل ما ~~نحن فيه من الرشد، ولا حاجة لها بهذا الحسد. # فقال العصفور: إن من كان طبعه الشر لا يؤمل منه الخير «وقد سئل من العقرب هل تجدين ~~لذة في اللسع قالت لا ولكن من طبعي الأذى»، واعلما أن هذا الوقت ليس وقت حكم ونصائح، ~~ولكنه وقت تباغض وفضائح، ومثلكما تغنيه الإشارة عن صريح العبارة، فليذهب كل منا إلى ~~مكانه، حتى يلوح سعد زمانه. ثم ودعنا وطار، وأنشد بعدما غاب عن الأبصار: # عار على المرء أن ينسى معايبه # ويقتفي ما خفي من عيب أصحابه # ولو تدبر ما يعنيه مشتغلا # بعيبه عن سواه كان أولى به # قال الهدهد: فسمع كل منا نصيحة صاحبه، وألقى حبله على غاربه، وهذا ما تبتغيه العدا ~~وتتمناه، فلا حول ولا قوة إلا بالله. # 7 # | نصوص لبعض المقالات # فقدان الخطابة من مصر # مر على خاطرنا تاريخ مصر منذ عشرين سنة؛ أي عقب أن وطئ المحتلون أرضها، فكنا ~~نتمثل حوادثها الماضية تمثل الكهل النائم عهد الصبابة وعيش الصبا. تذكرنا تلك ~~الأيام حيث كان الشعور الوطني شديد التمكن من أنفس المصريين، وحيث كانت آمالنا ~~كأغصان وريفة دانية القطوف زاهية الأزاهر متضوعة الشذا. تذكرنا تلك الأعوام التي ~~مرت متتابعة سراعا مرور السحاب تزجيها الأعاصير أو مرور الأنفاس تدفعها الزفرات ~~المتتالية، وما ذكرناها إلا ما كان فيها من النهضة الوطنية التي تهتز لها أجسادنا ~~كلما خطرت سيرتها على البال. # فيا أيتها الأوقات التي تصرمت، هل لك أن تعودي وتعيدي لنا نهضتنا الأولى التي ~~كانت تمثلنا في مصاف الأمم الشريفة المشرئبة إلى الحرية والاستقلال. نعم، لقد كنا ~~إلى عشر سنوات مضت نعقد الجمعيات العلمية ونؤلف ms056 الأحزاب السياسية، ويتصدى كتابنا ~~وشعراؤنا وخطباؤنا لتنبيه الهمم واستفزاز النفوس وإحياء العواطف بأقوال تألفت من ~~فقرات الشمم، وكلمات تركبت من حروف المجد والإباء. ثم أصبحنا وقد خفتت أصواتنا ~~إلا ما لبث يتردد من بعض الذين لم ترهبهم البروق ولم يرغبهم البراق. تلك الجمعيات ~~التي كانت توسع دوائر الآداب والتي كانت تبحث وتنقب في ضروب مختلفة من العلوم ~~والفنون والتي كانت تشحذ قرائح الخطباء وتجري ألسنتهم في ميادين الكلام. # لقد كان الكاتب يتفرغ من عمله في النهار فيذهب إلى مجتمعه في الليل، وقد أعد ~~لنفسه خطابا يلقيه على أخوانه في موضوع علمي أو أدبي أو سياسي أو ديني إلى غير ~~ذلك، كما كان الطالب ينتحي المجتمعات متطلبا فائدة يلتقطها أو بيتا يحفظه أو نكتة ~~يعيها أو حكمة يستهديها أو خطبة ينسج على منوالها، وهو يتسمع ألفاظ المتكلمين وهي ~~تتناثر تناثر الطل من أوراق الشجر. فكانت الأفكار تتغذى كل يوم بمادة جديدة، وكانت ~~الألسنة تجري كل مساء شوطا بعيدا، فلو دامت تلك النهضة إلى الآن ولو بقي رجالها ~~على ما كانوا فيه من الحمية والتلهب غيرة وحماسا، لكنا الآن في غير هذا المركز ~~الحرج الذي تتمالأ علينا فيه دول الغرب ونحن صامتون. # كنا نعهد في تلك الآونة أن مصر ملأى بالخطباء المصقعين الذين تتدفق أشداقهم بسيل ~~من البلاغة، وترتطم شفاههم في زبد من الحماس. فأين ذهبوا وماذا فعل الدهر بمواهبهم؟ ~~وهل فجعت مصر بهم أجمعين، أم ضرب بينهم الخمول يجرانه فساكنوه وعاشوا تحت ظلاله ~~هامدين؟ # لم لا نسمع اليوم من جلبتهم اللذيذة ورنات أصواتهم العذبة الرخيمة إلا نغمة ~~واحدة تتردد ما بين كل آونة وأخرى على فم خطيبنا الفرد سعادة مصطفى كامل ~~باشا؟ # أليس من العار على مصر - وقد امتلأت أصقاعها بأكثر من عشرة ملايين من الأنفس - ~~ألا يكون لها من نابغي أبنائها سوى خطيب واحد؟! # ماذا يقول عنا الأجانب إذا سمعوا صوت هذا الخطيب، وقد بح وأبصروا ريقه وقد جف من ~~كثرة صياحه في أبناء وطنه، مستنهضا داعيا إلى الرشاد والجد ms057 والثبات وطرق أبواب ~~العلم والعمل، دون أن يكون له من أخوانه المقتدرين مساعد ومؤازر؟ # إن اليد الواحدة لا تقوم بعمل كامل، وإن العين الفردة لا تؤدي وظيفة العينين، ~~والبناء لا يقوم على حجر واحد بل على حجارة كثيرة. فإذا لم يقم في مصر سوى خطيب ~~واحد لا يسمع صوته المحبوب في المجتمعات والمحتفلات إلا مرة أو مرتين في العام، هل ~~يرجى لمصر النهوض المنشود في الزمن العاجل؟ حاولنا كثيرا أن نعلم السبب الجوهري ~~لعجز النابغين من المصريين عن الوقوف في مواقف مصطفى كامل باشا، فلم نر لذلك من ~~سبب سوى كسل المصريين وعدم علمهم بما للخطابة من المكانة الجليلة والمجد الأثيل، ~~وإذا كان هذا القصور مما يحط بقدر مصر ويسقط أبناءها من أعين الأجانب وينسئ في ~~أجل تقدمها سنوات عديدة، فقد أحببنا أن نبسط هذه الكلمة الوجيزة عن الخطابة. # الخطابة موهبة طبيعية توجد في النفس من بادئ نشأتها فتنمو معها كلما نمت، غير ~~أنها تلبث مجهولة إن لبث صاحبها خاملا، وقد تظهر في عالم الشهرة إن عمد صاحبها إلى ~~الاشتهار والظهور. # وفائدة الخطابة لا تنحصر في ربها وتقف عند حد إجلاله وإكباره، بل تتخطاه إلى ~~عامة شعبه وأبناء ملته، فتهزهم كما يهز التيار الكهربائي ما يلتقي به من الأجرام ~~الحساسة المتحركة. فإن كانت مقاصد الخطيب متوهجة إلى الأعمال الجليلة والمشروعات ~~النافعة دفعت قلوب سامعيه إليها، وإن كانت أغراضه منصرفة إلى المفاسد والسيئات ~~تغلبت زلاقته على عواطف مستمعيه، فانساقوا معه قسرا. # وإليك مثالين على هذا، فقد أنبتت أمة الرومان على عهد جوليوس قيصر خطيبين بليغين ~~ذربي اللسان، مستكملي البيان، أحدهما تميل فطرته إلى رفعة وطنه وسعادة قومه وهو ~~سيشرون، وثانيهما مندفع بجبلته إلى الشرور وخراب الأوطان وشق عصا الاتحاد وإشعال ~~جذوة العصيان، وهذا هو كاتلينا، فأما الأول فقد أبقى له التاريخ ذكرا مؤرخا ~~ومثالا واضحا متبلجا؛ حيث وقف في المجلس يخطب ضد كاتلينا عدو وطنه ومفرق جامعة ~~أمته بقوله: «حتام نصبر يا كاتلينا ونتحمل الإهانة وأنت لا تنثني عن غيك؟ أتظننا ms058 ~~جاهلين ما فعلته وما تفعله؟! ولكن يا له من عصر تعيس، وجيل خبيث يعيش فيه المنافق ~~الخائن! لا، بل يدخل المجلس بوقاحة ليراقب أعماله ويعلم من من أعضائه المجتمعين ~~يلزم إهلاكه. قد مضى زمن الشجاعة ومحبة الوطن، كيف لا وبوبليوس سيبيو وهو خارج عن ~~دائرة الحكومة قدر أن يقتل من قبل تيبيريوس غراكس؛ لأنه أراد أن يلقي الشغب بين ~~الشعب؟! ونحن القنصلين رئيسي الجمهورية ومدبري ممالك الدنيا نترك الآن كاتلينا على ~~قيد الحياة وهو رجل خائن يريد أن يهلك العالم بالقتل والحريق. # أيها الآباء، إنني طبعت على الشفقة، ولكن ضميري يوبخني على التواني والإهمال في ~~وقت أصبحت فيه بلادنا محاطة بالأخطار الهائلة، فاعلموا أن عدونا الألد الذي هو مقيم ~~داخل أسوار المدينة، قد جهز جيشا جرارا يزداد كل يوم عددا وعددا، وهو ~~محتل الديار الأترورية ومستعد للقتال ... إلخ.» # وأما الثاني فقد حفظ له التاريخ ذكرا ذميما، واستجر عليه أبد الدهر سخطا ~~عظيما؛ لأنه جمع حوله نفرا من الشبان وممن لا عمل لهم ووقف يخطب فيهم، حاضا على ~~القتل والنهب وحرق روما، بقوله: «قد ساءت يا قوم أحوالنا، وأصبح زمام الأحكام بأيدي ~~بعض أنفس ظالمين، يتسلطون على أمم الأرض ويتمتعون بالأموال التي يسلبونها الملوك ~~والأمراء، غير مبالين بالشعب كأن الشعب عبد خاضع طوعا أو كرها لما ينهون عنه ~~ويأمرون به، فهبوا نخلع ثوب الذل ونمت شرفاء في ساحة القتال أو نبلغ المنى، ~~واعلموا أن نجاحنا قريب وأكيد، وأن الحرية والأموال والفخار هي ثمر الانتصار، ~~فبادروا إلى اجتناء ما طالما تمنيتموه.» فهذان الخطيبان المتدفقان كانا يتنازعان ~~قلوب الأمة بفصاحتهما وذلاقة لسانيهما وتأثير صوتيهما، حتى انشعبت الأمة لعهدهما ~~إلى شعبتين، وكان الفوز لسيشرون المخلص لوطنه والمتفاني في محبة ملته. # وإذا شئت أن تعرف كيف تؤثر الخطب البليغة في قلوب الناس فارجع إلى وقعة ذي قار ~~لترى هانئ بن مسعود وقد وقف في قبيلة بكر بن وائل يحثها على مقاتلة جيوش كسرى من ~~عرب وعجم، بقوله: «يا قوم، مهلك معذور خير من منجى مغرور، ms059 وإن الجزع لا يرد ~~القدر، وإن الصبر من أسباب الظفر، والمنية خير من الدنية، واستقبال الموت خير من ~~استدباره. فالجد الجد فما من الموت بد.» فانتصرت هذه القبيلة على جيوش كسرى الجرارة ~~ومن والاها من قبائل العرب بما بعثه هانئ في رجالها من الحماس والنخوة بقوله ~~هذا. # ومن أراد أن يعرف ما للخطابة من التأثير فوق ذلك، قلنا له: إن لويس السادس عشر ~~وزوجته وولده بقوا أحياء مصونين من غارة الشعب الفرنسوي مدة حياة ميرابو؛ لأنه حازب ~~الملكية في آخر حياته وانتصر لها انتصارا كبيرا، فلما مات ميرابو وتلاشى صوته ~~المؤثر انبرى لامارتين لتأييد الشعب في مطالبه، وجاهر بتفصيل الحكومة الجمهورية، ~~فأدت خطبته إلى قتل الملك وأهله وولده، وفوق هذا كله لا ننسى خطب غلادستون ~~وسلسبوري، وهل يجهل المصريون أو يتجاهلون بعد ما ذكرناه هنا منزلة الخطابة؟! وهلا ~~ينهض فريق من نبغاء الناشئين ويبحر إلى بلاد الغرب ليتلقف من أساليب خطبهم مثالا ~~يجري على منواله. # والآن وجب علينا أن نذكر لهم طرفا من سيرة ذيموستين أشهر خطباء اليونان؛ ليروا ~~كيف يجد ذو النفس الكبيرة حتى يصير ذا قدر كبير وخطر عظيم، فقد أحس بضعف في ~~منطقه وقصور في لفظه قبل أن يشتهر أمره، فعمد إلى مكان منفرد لبث به وحيدا بضع ~~سنين مشتغلا بالمطالعة والدرس وإصلاح ما كان يحول دون لفظه من الخلل الطبيعي، وقيل ~~إنه ابتنى غرفة تحت الأرض وكان ينزل إليها مهتما بتحسين حركته وصوته ولفظه، وكان ~~يبقى في تلك الحجرة أحيانا ثلاثة أشهر أو أربعة متوالية يحلق نصف شعره؛ ليتعذر ~~عليه الخروج إذا حملته النفس الأمارة بالسوء عليه، وكان يتسلق أحيانا قمة الجبل ~~حيث ينشد القريض بصوت جهوري، ويذهب أحيانا إلى شاطئ البحر فيعالج إصلاح لفظه بجعل ~~الحصى في فمه، ويخاطب الأمواج حتى هان عليه بعد ذلك كله أن يدخل قاعات الخطب ويرقى ~~المنابر حتى اقتاد زمام الحزب الكريم الذي كان يجتهد لتوصيد استقلال أثينا واليونان ~~معا. # فهكذا ينبغي أن يفعل المصري الذي يرى نفسه كفؤا لأن ms060 يؤدي خدمة جليلة لوطنه، ويجد ~~أن مقاله أهون شيء ينفع به وطنه. فإذا اجتمع لدينا عدد عديد من الخطباء المسمعين ~~الذين يمكنهم أن يخطبوا في البلاد الأوروبوية، مبينين حالة مصر وفعال المحتلين بها، ~~ويتهيأ لهم أن يسوقوا هذا الشعب الجامد بعصا التأثير البالغ إلى مواقف النشاط ~~والإقدام والعمل، انتظرنا أن يكون لنا مستقبل سعيد. # 1 # أبو شادي # فقدان الخطابة من مصر # عزتلو حضرة الأصولي الفاضل صاحب جريدة «الظاهر» الزاهرة # اطلعنا في العدد 176 الصادر بتاريخ 18 يونية الجاري على مقالة لعزتكم تحت ~~عنوان «فقدان الخطابة من مصر»، وقد تذكرتم فيها تاريخ مصر عقب الاحتلال وما كان ~~لها من النهضة الوطنية، ثم ذكرتم ما كان فيها منذ عشرة أعوام من الجمعيات ~~العلمية ومجتمعات الأحزاب السياسية والكتاب والخطباء؛ لتنبيه الهمم وإحياء ~~العواطف، ثم أصبحنا وقد خفتت تلك الأصوات ولم يبق في الأمة من نابغيها غير ~~خطيب واحد يخطب في السنة مرة أو مرتين حتى بح صوته وجف ريقه ... وتمنيتم لو اجتمع ~~عدد من الشبان فيتوجهون إلى البلاد الأوروباوية ويخطبون هناك ويبثون الشكوى من ~~فعال المحتلين في مصر؛ ليكون لنا بذلك مستقبل سعيد ... هذا أهم ما ورد في تلك ~~المقالة. # وإني أشكر لعزتكم هذه الغيرة وهذه العواطف، ولكني أرجوكم أن تسمحوا لي بإبداء ~~الملاحظات الآتية ونشرها في جريدتكم الغراء، وهي: # أولا: # إنه عند دخول المحتلين مصر لم يكن فيها شيء اسمه النهضة ~~الوطنية، ولم تر فيها غير شرذمة من قواد العساكر ثاروا ضد ~~أمير البلاد والهيئة الحاكمة ينادون بالجنسية المصرية، ويمقتون ~~من لم يكن على شاكلتهم، وأخذوا يجبرون الأهالي على مقاومة ~~السلطة الخديوية ومناوأة الحكومة، فتارة ينادون بعزل الخديوي ~~وطورا يرمونه بالمروق من الدين مع ما كان عليه - رحمه الله - ~~من الصلاح والتقوى وحب الخير لبلاده، ولم يكن فيه عيب غير عدم ~~الاستبداد والطمع اللذين كانا في عهد غيره، حتى تجرأت الأسافل ~~والأوغاد على تلك الأفعال المشئومة التي كانت السبب الوحيد في ~~احتلال البلاد بطلب أميرها وأعاظم رجاله. فأين كانت النهضة ~~الوطنية وقتها ms061 ... أم حسبنا أن ما قام به أولئك العصاة يعد في ~~عرف الشرع والقانون نهضة وطنية ... حاشا لله. # ثانيا: # إن الجمعيات العلمية التي ذكرتم عنها أنها كانت تنعقد منذ ~~عشرة أعوام، فإنها كانت مركبة من بعض تلامذة المدارس وبعض ~~الأساتذة، ولم يكن فيها غير إلقاء خطب أدبية ومحاورات علمية، ~~وكانت قوانينها تحرم عليهم الخوض في الديانة والسياسة، فلما ~~كثرت المدارس والمكاتب اشتغلت أرباب تلك الجمعيات بالدروس ~~ومراجعة كتب المدرسة عن تلك الاجتماعات، وأما الأحزاب السياسية ~~والكتاب والخطباء السياسيون الذين قلتم بوجودهم فإنهم لم يكن ~~لهم حقيقة في مصر لا منذ عشر سنين ولا أكثر من ذلك؛ لأننا ما ~~سمعنا أبدا لغاية الآن بوجود أحزاب سياسية أو خطباء سياسيين ~~في ديارنا حتى ولا وجود كتاب سياسيين، اللهم إلا في هذه السنين ~~الأخيرة، وهم أصحاب الجرائد اليومية مثل عزتكم. # ثالثا: # إن القول في صدر المقالة بوجود نهضة وطنية عقب الاحتلال ~~يناقضه القول بعد ذلك بأنه كان في مصر منذ عشر سنين كتاب ~~وخطباء ينبهون الهمم ويحيون العواطف؛ لأن هذه الجملة تدل على ~~وجود سبات في الهمم وموت في العواطف منذ عشر سنين، وهي تنافي ~~القول الأول بوجود النهضة الوطنية عقب الاحتلال؛ أي منذ عشرين ~~سنة كما لا يخفى ... وعلى كل حال فالمثبوت أمامنا أن حياة الهمم ~~والعواطف ابتدأت تنتشر في مصر في هذه السنين بإيجاد المدارس ~~العلمية والصناعية، والجمعيات الخيرية، كالجمعية الإسلامية ~~وجمعية التوفيق القبطية وجمعية العروة الوثقى وجمعية المساعي ~~الخيرية المشكورة وجمعية المحلة الكبرى وجمعية اللقطاء وغيرها، ~~وبظهور الرجال العظام، مثل منشاوي باشا وسيد أحمد بك زعزوع ~~وجورجي بك وغيرهم. فهذه هي النهضة الوطنية الحقة التي تقوم ~~بحاجيات البلاد والتي يؤمل منها إحياء شعور الأمة ونقلها من ~~ظلمات الجهل إلى نور المعرفة. # رابعا: # إن الخطيب الذي يخطب في السنة مرة أو مرتين لا ينبح صوته ولا ~~يجف ريقه حتى ولو كان يخطب في كل أسبوع مرة أو مرتين، على أن ~~مصر ما رأت فائدة من توجه الشبان الذين تمنيتم ذهابهم ~~لأوروبا ليخبوا ms062 فيها بالشكاية من الاحتلال، وقد رأينا من سبق ~~وتوجه إليها، وسمعنا أنه كان يخطب فيها بهذا المعنى جاعلا ~~فرنسا محور دائرة آماله، وما لبث أن رأى هذا المحور يدور بنفسه ~~حول مركز دولة الاحتلال ضد تلك الآمال، كما تشهد بذلك ~~الاتفاقية الأخيرة التي قطعت قول كل خطيب، ومع ذلك فإن عزتكم ~~من شبان مصر ومن كبار محاميها وخطبائها، وقد أصبحتم في عداد ~~رجال الصحافة فيها ولا يقال بوجودكم وأمثالكم بفقدان الخطباء ~~من مصر، فإن رأيتم بعد ما أوضحناه أن في توجيه الشبان إلى ~~أوروبا والخطابة فيها منفعة للوطن، فالوطن يرجوكم أن تقوموا له ~~بهذه الخدمة الجليلة، ولكنه يخشى من أنكم لا تلبثون بعدها أن ~~تروا الثانية أشأم من الأولى، والعاقل من اعتبر بأمسه وعمل ~~لغده. # وقبل الختام أقدم لعزتكم كلمات، ربما كانت مفيدة في بابها، وهي أن تحرير ~~الوطن وإسعاد البلاد لا يكون بذهاب الشبان ليخطبوا في أوروبا وهي في شاغل عنهم، ~~وقد رأينا عقباها كما سبق الذكر، ولا بالشقشقة بين بعض الناس فتخر بنا الحكماء، ~~ولا بإثارة الأحقاد في صدر الهيئة المحكومة ضد القوة الحاكمة فتفشل الأمة، ولا ~~بتهييج نفوس الضعفاء الجاهلين على الأقوياء العاقلين فتذلهم القوة، ولا بنكران ~~الجميل على أصحابه فيحل الحرمان، ولا بالمخاشنة والطيش فيتكدر صفاء العيش، وقد ~~علم الله نبيه كيف يستميل إليه الناس، فقال: # ادع إلى ~~سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم ~~بالتي هي أحسن ~~، # فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ~~ولي حميم ~~، وحينئذ فالخطب التي نسمع بها الآن أو نقرأها في ~~جرائدنا إثمها أكبر من نفعها كما هو رأى العقلاء في مصر، وسنبين ذلك لعزتكم ~~مفصلا في مقالة ثانية ودمتم. # إسماعيل عاصم المحامي ~~«الظاهر»: يتضح من مقالة حضرة المحامي الفاضل أنه لم يمعن النظر في كلمتنا عن ~~الخطابة، وأنه كتب رده باندفاع وتسرع، وأنه تألم من إغفال ذكره من عداد الخطباء ~~الفصحاء. أما أنه لم يمعن النظر فلكونه لم يفهم مرادنا من الكلام عن فقد الخطابة من ~~مصر، وإلا فلو كان علم حقيقة ms063 ما نريد لأدرك أننا نتمنى لبلادنا فوق ما هي سائرة فيه ~~من التقدم البطيء؛ أي إننا نتطلب لها نهضة قوية تستعيد بها سابق مجدها وسؤددها في ~~وقت قريب؛ لأن حالة مصر الآن تقتضي التعجيل في النهوض قبل فوات الفرصة السانحة، ولن ~~تتأتى هذه النهضة إلا إذا كانت مصر مستكملة كل أسباب العلم ووسائل العمل، والخطابة ~~من غير شك إحدى هذه الأسباب والوسائل، وأما أنه كتب رده باندفاع وتسرع فدليله أنه ~~خلط وشط كثيرا فيما كتب، فزعم أننا ذهبنا إلى أنه كانت توجد نهضة قبل دخول ~~الاحتلال في مصر، وأن الحقيقة غير ذلك لم نقل بذلك ولم نفتكر فيه سوى الآن؛ إذ جئنا ~~نؤكد لحضرة الكاتب ما ذكره هو وأنكره على نفسه، فإن مصر كانت قبل الاحتلال بقليل؛ ~~أي لأول عهد الخديوي السابق آخذة في النهوض والارتقاء، وكان فيها جملة من الكتاب ~~والعلماء والشعراء الأفاضل الذين لا يجحد فضلهم ولا تنكر هممهم، وقد كانوا ~~يجتمعون في مجتمعات الجمعيتين الخيريتين الإسلامية والقبطية في الإسكندرية وجمعية ~~مصر الفتاة في الثغر أيضا، وجمعية المقاصد الخيرية الإسلامية التي كانت في العاصمة ~~والذين كانوا يعضدون هذه الجمعيات أو يحضرون جلساتها لم يكونوا من التلامذة، بل ~~كانوا من نخبة رجال العلم والفضل والشهرة والمكانة العليا، ولقد كان التوافق ~~والاتحاد بين الجمعيتين الخيريتين الإسلامية والقبطية بالغا منتهاه، وكانت جمعية ~~مصر الفتاة قد وضعت كتابا كبيرا يبحث في كل ما من شأنه أن يصلح أحوال البلاد ~~ويرقي شئونها ومصالحها، وقدمته للمرحوم الخديوي الأسبق بصفة لائحة إصلاح فتلقى ~~مشروعها بكل سرور وارتياح، وقرر النظر فيه والعمل بمقتضاه. # ولكن حركة الثوار المفسدين هي التي حالت دون تنفيذ ذلك، وأما أنه تألم من إغفال ~~ذكره في جملة الخطباء الفصحاء فيؤخذ من تنديده بسعادة الخطيب الوطني الفريد مصطفى ~~كامل باشا؛ فإنه سخر به في عرض كلامه واستخف بأفعاله وأجهد نفسه في أن يثبت أن ~~الخطابة لم تفد مصر شيئا، والحقيقة أن مصطفى كامل باشا أبان للملأ في أوروبا أن ~~في مصر رجالا من ms064 نخبة شبانها الناشئين يشعرون بما يشعر به الأوروبيون، ويتألمون ~~مما يتألم منه المظلومون المغدورون، وقد أحرز سعادته ذكرا بين الصحف الأوروبوية لم ~~يدركه إلا أعاظم الرجال هنالك، واحتفى به كبار الساسة ورؤساء الحكومات، ونال من ~~الشرف والتبجيل ما يستحقه كل مخلص صادق النزعة، ولا ينكره إلا كل حاسد واضح ~~النزعة. # أما عن التعريض بخطة سعادة الخطيب فيما سلف، فالجواب بشأنه أن سعادته كان يرى ~~مصلحة مصر في الاستنجاد بفرنسا؛ لأنها كانت خصيمة إنكلترا والعاقل من استعان على ~~عدو بخصيم ذلك العدو، ولو لم يتغير شكل السياسة وتتبدل أطوارها لأفادنا عمل الخطيب ~~الوطني إفادة كبرى، أما وقد تحول سكان سفينة السياسة وتبدل القابضون على أزمة ~~الأحكام في فرنسا بسواهم، فقد حبطت أعمال هذا المجاهد النبيل. # ولا ينكر مصري حر أن مصطفى كامل باشا نفخ روحا من الحياة في أنفس الكبار من سراة ~~المصريين، فأقبلوا على إنشاء المدارس وفتح الملاجئ وإيجاد المستشفيات، كما نفخ ~~روحا من النشاط في الشبان الناشئين فبدءوا يجدون ويحترفون واعتزل كثير منهم وظائف ~~الحكومة، مفضلين الاشتغال بأنفسهم في الخارج أحرارا أعزاء على بقائهم في الحكومة ~~تحت سيطرة الإنكليز وغطرستهم. # وأقرب دليل على أن هذا الخطيب الوطني جعل نفسه قدوة لغيره إقدامه على إنشاء مدرسة ~~باسمه يتولى إدارتها أخوه النشيط الصادق، وأما عن خطب مصطفى كامل باشا في القطر ~~المصري، فلا يحتاج الأمر إلى القول إنها أحرزت مكانة رفيعة من نفوس الوطنيين ~~جميعا، بل والأجانب المستوطنين في هذا القطر أيضا. # بقي علينا أن نحول أنظار حضرة إسماعيل بك عاصم المحامي الفاضل إلى مقالتنا التي ~~نشرت في العدد 174 من «الظاهر» تحت عنوان: المصريون والمحتلون، وإلى المقالة ~~الافتتاحية في عدد أمس؛ ليعلم أنه غير مصيب فيما زعم من وجوب اللين للمحتلين، وأنه ~~لمن العار على مثل حضرته - وقد كان يملأ شدقيه باسم الوطنية فيما سلف - أن يدعونا ~~ويدعو أبناء وطنه كلهم إلى الخضوع لسلطة المحتلين والرضوخ لأحكامهم والاستظلال ~~بظلالهم. فإن مثل هذه الأقوال لا يصح أن تبدر إلا من شاب ms065 لم يعرك الحوادث ويصابر ~~الأيام، ويبل الدهر حلوه ومره، ولكن ما عسانا نقول لمن سعى من مصر إلى لندرة ~~[لندن]؛ ليرى الإنكليز مقدار محبته لهم، فعاد محشوا بالميل والإخلاص ~~إليهم. # هذا، ولا يؤاخذنا حضرة المحامي الفاضل والزميل المقتدر إذا لم نعده هذه المرة ~~أيضا في جملة الخطباء؛ لأننا ولا مؤاخذة فيما نكتب لا نريد إلا أن نقرر الحقيقة ~~وهي لا تقرر إلا خطيبا واحدا في مصر هو ذلك الوطني الصادق الغيور رصيفنا مصطفى ~~كامل باشا، الذي مارس الخطابة حق ممارستها وقام بأعبائها خير قيام. # نعم، ربما يوجد في مصر من له مقدرة على الخطابة بأظهر معانيها، ولكن انزواءه عن ~~الظهور في محافلها يجعلنا لا نعتبر إلا مصطفى كامل باشا خطيب مصر الوحيد، وعسى أن ~~يعززه الله في القريب العاجل بثان وثالث ورابع إلى ما تبلغ به مصر من الخطابة ~~النافعة مشتهاها وإن كره المفارقون، ومثل حضرة الزميل وإن تبوأ من تلقاء نفسه منابر ~~الخطابة في بعض المحتفلات الصغيرة، فهو حتى الآن لم يوفق إلى سلوك الخطة التي ~~يرتجيها وطنه من أمثاله، إن كان من القادرين على السير في طريق التقدم بقلمه ولسانه ~~فليهدئ حضرته ثورة نفسه، فإن زمانه الذي كان يندفع فيه كل إنسان صائحا لاغطا ~~بما يشاء قد انقضى، ونحن الآن في أوان لا يظهر فيه إلا كل مقتدر نشيط صبور. # وليكن هذا الذي كتبناه كافيا للتعقيب على رسالة الزميل الفاضل ونعود إليها ~~فنوفيها قسطها بما هو أوضح وأشرح، سواء وفى بوعده من البيان أو لم يوف، والسلام. # 2 # أبو شادي # رد على انتقاد # كل أمة لا تخلو من رجال يقفون سدا في طريق العاملين من أبنائها كما تعترض ~~الصخرة الصلدة فأس الفلاح النشيط، غير أن أولئك العاملين لا بد أن يهدموا بمعاول ~~هممهم ذلك السد، وينقضوا حجارته كما يتمكن الفلاح من اقتلاع الصخرة من مكانها إن ~~عالجها طويلا بفأسه. # وكل مصري يعلم أننا وقفنا بجريدتنا «الظاهر» موقف المخلص الأمين في محبة الوطن ~~وخدمته، ولاقينا على حداثة عهد الجريدة ms066 متاعب ومناوآت جمة تخطيناها بثبات عجيب، ~~ونحن لا نتحول قيد فتر عن جادتنا المستقيمة. # وكنا نرى مواضع القصور والنقص والخطأ في بلادنا وأخواننا فنرشد إليه ، مبينين ~~أوجه الإصلاح الحقيقي الذي ينبغي أن يقوم به المصريون من تلقاء أنفسهم دون أن ~~يلتجئوا إلى الحكومة أو ينتظروا منها يد المعونة؛ لما نعلمه من أمر الحكومة وكونها ~~مختلطة العمال من وطنيين إلى أجانب. # ولقد كان في جملة ما أخذناه على أنفسنا من التقصير فقدان الخطابة من مصر، وقد ~~كتبنا في هذا الموضوع مفيضين، فعبنا أنفسنا على أن يتجاوز عديدنا العشرة ملايين من ~~الناس، ولا يقوم فينا سوى خطيب واحد يهب روحه ودمه وجسمه وماله وفكره وقلمه لمصر ~~وأبنائها، غير حافل بما يرمى به من ضروب السخرية والهزء من قوم ما خلقهم الله إلا ~~ليكونوا بلاء وشقاء على مصر وبنيها، ومثل هذا التقصير شيء يستخف به؛ لأن الخطابة ~~روح لطيفة كالشعر إذا سكنت النفس أكسبتها من المزايا ما لا يستقل، والخطيب إذا برز ~~في صناعته الفطرية أمكنه أن ينهض أمته من عثارها ويدلها إلى طرق الخير والرشاد ~~والسعادة. # وما ذلك إلا لأن في صوت الخطيب الرنان، وفي عينيه المتلألئتين، وفي وجهه ~~المتشكل بحسب سياق الحديث من عبوسة إلى طلاقة فحزن فابتسام، وفي حركات رأسه ويديه ~~واهتزازاته ما لا يوجد في سطور الصحف وصفحات الكتب. فهو يذهب بالسامع حيث شاء، ~~متنقلا من أسف إلى شجن، فبكاء فانفعال فاحتداد فهياج؛ حتى يجعل دمه يغلي في عروقه ~~ويدع الشيخ الفاني يستقف ويجعل شعر الشاب الناشئ يقف، فهو كالمغني في تخته ~~وكالممثل في ملعبه وكالطائر فوق الفنن، وكالزهر بين الأوراق يترنم بذكر وطنه، ويمثل ~~دور التفاني في الإخلاص ويبعث النشاط والأمل بشدوه في قلوب الأحداث، وتأخذ بألباب ~~الناظرين، حركاته وإشارته كالنور نقطته الأنداء وحركته الخطرات، وطلعت عليه الشمس ~~وغشته الظلال. فمثل هذا الإنسان - وقد أدرك هذه المقدرة من التأثير في القلوب وهذا ~~السلطان على النفوس - لا ينبغي أن نكتفي بواحد من قبيله، ونحن في حاجة إلى استنهاض ~~كبير ms067 وحث دائم وإرشاد متواصل. # ولا يعقل أن عشرة ملايين من المصريين لا يوجد بينهم إلا فرد واحد قد رزق هذه ~~الخصيصة، بل لا بد أن يكون بينهم آلاف أو مئات وعلى الأقل عشرات من الرجال، ولكن ~~الخمول والتراخي ألزمهم بيوتهم وأفقدهم مزية أنفسهم، وحرم بلادهم من مواهبهم ~~الطبيعية، فكان من الواجب علينا - بصفتنا صحافيين - أن ندعو أولئك النيام إلى ~~التيقظ والاقتداء بهذا الفرد النبيل، الذي شيد لنفسه بيتا من المجد كبيرا، وجعل ~~لأمته في الغرب صوتا مسموعا، إلا أن حضرة المحامي الفاضل إسماعيل عاصم بك أبى إلا ~~أن يكون حجرة عثرة في طريقنا؛ لأنه لا يروق في نظره أن ينادى بغيره خطيبا لسنا ~~مصقعا. # والعقلاء يعدون مثل هذه الحزازات من صغائر الأعمال التي ينزه الأبي العيوف ~~نفسه عنها، فلو أن حضرته عوضا عن اعتراضه علينا في نصحنا عضدنا وقال ها أنا ذا ~~أجيب نداءكم وأنبري للخطابة في أبناء وطني، منبها داعيا إلى السبيل السوي والعمل ~~النافع لوجد منا ثناء عاطرا وشكرا وافرا، أما وقد وقف هذا الموقف الخشن فليس له ~~منا غير أن ننقض أقواله ونبطل مزاعمه حتى لا يحسب ذو فكر قاصر ونظر قصير في الأمور ~~أننا أغفلنا مقالته عجزا أو تقصيرا. قال حضرته «أولا إنه عند دخول المحتلين مصر ~~لم يكن فيها شيء اسمه النهضة الوطنية ولم نر فيها غير شرذمة من قواد العساكر ثاروا ~~ضد أمير البلاد والهيئة الحاكمة»، وهذه - وايم الله - مغالطة لا مثيل لها؛ لأننا ~~إنما قلنا «مر على خاطرنا تاريخ مصر منذ عشرين سنة؛ أي عقب أن وطئ المحتلون ~~أرضها، فكنا نتمثل حوادثها الماضية تمثل الكهل النائم عهد الصبابة وعيش الصبا. ~~تذكرنا تلك الأيام حيث كان الشعور الوطني شديد التمكن من أنفس المصريين، وحيث كانت ~~آمالنا كأغصان وريفة دانية القطوف زاهية الأزاهر متضوعة الشذا. تذكرنا تلك الأعوام ~~التي مرت متتابعة سراعا مرور السحاب تزجيها الأعاصير أو مرور الأنفاس تدفعها ~~الزفرات المتتالية، وما ذكرناها إلا ما كان فيها من النهضة الوطنية التي تهتز لها ~~أجسادنا ms068 كلما خطرت سيرتها على البال.» # ثم قلنا بعد ذلك بأربعة أسطر: «نعم، لقد كنا إلى عشر سنوات مضت نعقد الجمعيات ~~العلمية ونؤلف الأحزاب السياسية، ويتصدى كتابنا وشعراؤنا وخطباؤنا لتنبيه الهمم ~~واستفزاز النفوس وإحياء العواطف بأقوال تألفت من فقرات الشمم وكلمات تركبت من ~~حروف المجد والإباء.» فأين كلامنا فيما ذكر هنا وهو ما أشار إليه في مفتتح مقاله ~~من التكلم عمن كان لعهد دخول المحتلين في مصر من الثوار؟! ألا يمكننا أن نقول إن ~~الحدة غلبت على رزانة حضرة الزميل فلم يجد الإنعام في التأمل، وما لنا ولجماعة ~~الثوار نتكلم عنهم بثناء أو ذم وقد وفاهم التاريخ العصري حقهم، ووفى القريض ~~رئيسهم قسطه. إن كلامنا انحصر في عشر سنوات؛ أي بعد دخول الإنكليز بثلاثة أعوام ~~وقبل هذا الصيف بعشرة أحوال، وكان محور القول دائرا على ما كان في تلك العشر سنوات ~~من جمعيات علمية وأحزاب سياسية، والجمعيات العمومية بالطبع كانت تجمع العالم ~~المتضلع، كما كانت تجمع المتعلم الذكي، وكانت تجمع المدرس والموظف والمحترف ~~جميعا، وليس في ذلك من عيب ولا عار؛ لأن الجمعيات إنما أوجدت لتضم شمل العقول ~~المتنورة، فتزيدها تنورا، ولقد كان حضرة الزميل في جملة الذين يتطفلون على موائد ~~تلك الجمعيات خاطبا متكلما متدفقا حماسا، فما باله اليوم يهزأ بها، زاعما أن ~~أعضاءها كانوا من الأساتذة والتلامذة، على أن مثل جمعيات البستان والعلم الشرقي ~~وأضرابهما لم تكن صغيرة حقيرة، بل كانت ذات شأن خطير، ومثل أعضائها وإن كانوا من ~~الأساتذة والتلامذة إلا أنهم كانوا كبار النفوس والأفكار، وقد ظهر من بينهم أفاضل ~~النابغين في هذه الأيام. # أما الأحزاب السياسية فإذ كان حضرته بعيدا عنها فهو بالطبع لم يكن يعرف بوجودها، ~~ولكنا نكفيه عبء الإطالة في هذا الصدد بقولنا: إن اللورد كرومر صاح أخيرا هاتفا ~~بأنه ظفر بالحزب الوطني المعارض، وضربه الضربة القاضية، وجناب المعتمد الإنكليزي ~~أدرى من حضرة الزميل بما كان لذلك الحزب من الشأن الخطير، فليهدأ جأشه وليعلم أن ~~الصحافيين الكبار لا يقولون الهذر ولا يلقون أزمة الكلام ms069 على عواهنه، ولعل ~~حضرة الزميل نسي أو تناسى أن مجموعا كبيرا من طلبة المدارس العليا ألف حزبا ~~عظيما وأبدى مظاهرات جمة دلت على حماس شديد ، وإن كان في الحقيقة قد ظهر في غير ~~الوقت المناسب، ولقد أغلق علينا مراد الزميل من قوله «إن القول في صدر المقالة ~~بوجود نهضة وطنية عقب الاحتلال يناقضه القول بعد ذلك بأنه كان في مصر منذ عشر سنين ~~كتاب وخطباء ينبهون الهمم ويحيون العواطف؛ لأن هذه الجملة تدل على وجود سبات في ~~الهمم وموت في العواطف منذ عشر سنين، وهي تنافي القول الأول بوجود النهضة الوطنية ~~عقب الاحتلال؛ أي منذ عشرين سنة كما لا يخفى»؛ لأن هذه الأقوال المتضاربة ~~والاستنتاجات المتعاكسة لا يمكن أن يفهمها إلا إنسان يسبح في الجو بين الأفلاك ~~لينجم هنالك على مقصود الكاتب، ويعود إلينا فيخبرنا بما أراد، إلا أن ذلك لا ~~يمنعنا من أن نقول إنه لا يوجد تناقض في مقالنا؛ لأن النهضة التي بدأت منذ عشرين ~~سنة لبثت حتى عشر سنوات خلت ثم كثر الدخلاء والمنافقون وقوي نفوذ الإنكليز وسلطانهم ~~في أرض النيل، فخمدت جذوة الحمية التي كانت مشتعلة في النفوس والتفت بعض العقلاء ~~إلى إنشاء المدارس على اختلاف درجاتها، وزعم حضرة الزميل أن وجود كتاب وشعراء ~~وخطباء ينبهون الهمم ويحيون العواطف منذ عشر سنين، ينافي وجود نهضة قبل ذلك بعشر ~~سنوات، هو من الغرابة بمكان؛ لأن النهضة كانت من أول الأمر وبقيت مستمرة إلى عشر ~~سنوات خلت، والخطباء كانوا من الأول إلى عشر سنوات مضت، فوجود النهضة والكتاب ~~والشعراء والخطباء في آن واحد أمر لا تناقض فيه، ولكن التناقض حدث في أفكار حضرة ~~المحامي الفاضل، فجرى به قلمه مشتطا. # أما النهضة التي يذكرها حضرة الزميل في مقاله فهي لا تكفي إلا إذا كانت مستكملة ~~كما أسلفنا، وإلا أعقبها التراخي والفتور خصوصا والمصريون مشهورون بعدم الثبات في ~~شيء، فإذا ما قام فينا عدة من الخطباء وإلى جانبهم فريق من الشعراء، أولئك يبعثون ~~حماسهم كلما أخذ في الخمود، وهؤلاء يستجرونهم ms070 بسحر قريضهم إلى الغرض المقصود، لبثت ~~الحمية مشتعلة في أنفس المصريين، وزاد نشاطهم وقيامهم بالأعمال الجليلة. # ولقد أضحكنا تسرع الزميل في قوله «إن الخطيب الذي يخطب في السنة مرة أو مرتين، ~~لا يبح صوته ولا يجف ريقه حتى ولو كان يخطب في كل أسبوع مرة أو مرتين»، ولم ندر ~~ماذا نقول له في هذا الصدد سوى أنه لم يحسن فهم العبارة؛ إذ المقصود من ذلك أن ~~الخطيب كرر الخطابة مرارا عديدة دون أن يقوم بجانبه خطيب آخر يشد أزره ويعضده ~~في قوله، وفي ظننا أن حضرته نسي المجازات والاستعارات والكنايات، فنحن نلتمس له ~~العذر. # وأما عن الخطابة في أوروبا فمرادنا أن ينبري فريق من النبغاء للخطابة في إنكلترا ~~نفسها وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والنمسا، مبينين حقيقة المسألة المصرية، وإخلاف ~~الإنكليز مواعيدهم وغدرهم بالمصريين، وعملهم على امتلاك بلادهم، وتفهيم تلك الدول ~~أن المصريين قوم متمدنون يعرفون الواجب عليهم، فيقومون به، وأنهم لا يكرهون ~~الأوروبويين ولا ينفرون منهم ما دام اتصالهم بهم سليم العواقب؛ أي للمعاملة ~~التجارية لا للاستعمار والاستعباد، وفي أثناء ذلك يكون سراة المصريين مهتمين بإنشاء ~~المدارس العديدة على اختلاف أنواعها ودرجاتها، وساعين في إيجاد المعامل والمصانع ~~الكبرى التي تقوم بحاجات البلاد، فتكون مصر ناهضة بالقول والفعل، ويكون لها شأن ~~مذكور بين الدول العظمى حتى إذا ما حان الوقت المناسب لتحرير البلاد كان الأمر ~~سهلا قريبا. فهل في مثل هذا القول ما يعاب أو ينتقد عليه؟! # أما أنه لا يقال بوجودنا ووجود أمثالنا من المقتدرين على الخطابة بفقدانها من ~~مصر، فالجواب عنه أننا نكتب هذا ونحن نرى أنه يجب علينا وعلى أمثالنا أن نكون في ~~مقدمة الذين يخدمون مصر بخطبهم، ولسنا فيما كتبنا عن مصطفى كامل باشا إلا مؤيدين ~~إنسانا قام بأمر خطير، وكذلك نفعل مع كل مصري يخدم وطنه بنصح وإخلاص، والله يهدينا ~~جميعا إلى سواء السبيل. # 3 # أبو شادي # فقدان الخطابة من مصر # عزتلو حضرة الأصولي الفاضل صاحب جريدة «الظاهر» # إني أشكر عزتكم كصحافي حر ينشر ما يرد إليه، ms071 ثم يعقب عليه ولكن بشرط مراعاة ~~آداب المناظرة، لا كما ذكرتم في التعقيب على مقالتنا المندرجة في العدد 180، ~~وكنت أتعشم في فطانتكم أن تكونوا أول مقتد بخطيبكم الحبيب؛ حيث قال في خطابته ~~بلزوم تجرد الصحافة من الشتايم والطعن، والترفع عما يأتيه أصحاب الوريقات ~~الساقطة منها (راجعوا العامود الخامس في الصحيفة الثانية من جريدتكم الصادرة ~~بتاريخ 8 يونية الجاري)، وكما لا يخفى على نباهتكم أنه ليس من الحكمة أن يتعصب ~~الصحافي لما ينشر، والكاتب لما يكتب، والخطيب لما يقول ويعده تنزيلا من عزيز ~~حميد، فيغضب لأي انتقاد عليه ويرمي المنتقد بالهذر والهزء، ثم يسلك سبيل ~~المغالطة؛ ليوهم الناس صحة ما كتب، فتسقط قيمة الكتابة إن لم أقل قيمة أفكار ~~الأمة في الدعوة إلى الجامعة الوطنية، وإنما الحكمة هي مقاومة الدليل بالدليل؛ ~~ليمتاز السليم من العليل. غير أن سعادتكم - وا أسفاه - لم تنصفوني ولم تسلكوا ~~معي هذا السبيل، ونسبتم إلي أمورا لم ترد في رسالتي، ولم تقيموا عليها ~~دليلا. فأردت أن أبين لكم في هذه العجالة الأدلة على أقوالكم من نفس ~~مقالتكم، راجيا منكم إقامة دليل واحد على ما نسبتموني إليه؛ لأن الغرض بيان ما ~~يفيد مستقبل الديار. # فأما مقالة حضرتكم المندرجة في العدد 176 تحت عنوان فقدان الخطابة من مصر، ~~فإنها تشتمل على ثلاثة أمور: الأول منها أن مصر عقب الاحتلال كانت زاهرة ~~بالنهضة الوطنية (اقرأ صدر العامود الأول من المقالة)، والثاني أن مصر منذ عشرة ~~أعوام كانت تعقد فيها الجمعيات العلمية والأحزاب السياسية والخطب المنبهة ~~للهمم، ثم خفتت تلك الأصوات (اقرأ من السطر التاسع إلى آخر العامود الأول ~~والثالث)، إنه لا يوجد من نابغي مصر الآن غير واحد يخطب مرة أو مرتين في السنة ~~حتى بح صوته ونشف ريقه من كثرة صياحه (اقرأ من السطر 32 لآخر العامود الثاني)، ~~ثم تمنيتم اجتماع عدد عديد من الشبان ليخطبوا في أوروبا متظلمين لديها من أفعال ~~المحتلين؛ ليسوقوا هذا الشعب الجامد إلى النشاط (اقرأ السطر الأخير من العامود ~~الرابع لآخر المقالة)، فهذه هي ms072 أقوال حضرتكم بلفظها ومعناها ومواضعها من ~~جريدتكم الفيحاء. # وقد أبديت ملاحظاتي التي تفضلتم بنشرها، وهي تشتمل أربعة مباحث: الأول أنه ~~عند دخول المحتلين مصر لم يكن فيها شيء اسمه النهضة الوطنية، وما كان فيها غير ~~عصاة ثاروا، وكانوا السبب في هذا الاحتلال. والثاني أن الجمعيات التي كانت ~~موجودة منذ عشرة أعوام كانت مركبة من بعض التلامذة، ولم يكن فيها غير الخطب ~~الأدبية والمحاورات العلمية، وأن الأحزاب السياسية والخطباء السياسيين لم يكن ~~لهم حقيقة في مصر لا منذ عشرة أعوام ولا أكثر من ذلك لغاية الآن. ثالثا أن ~~النهضة الوطنية إنما ابتدأت تنتشر في مصر في هذه السنين بإيجاد المدارس ~~والجمعيات الخيرية، وبوجود أعاظم الرجال الذين أوضحناهم، وقلنا لعزتكم إن ~~الخطيب الذي يخطب في السنة مرة أو مرتين لا يبح صوته ولا يجف ريقه، وإن صياحه ~~في أوروبا ما أفاد مصر شيئا، بل كانت عاقبته تلك الاتفاقية الشعواء، ثم ~~فوضنا لكم الرأي في أنكم لو وجدتم في توجه الشبان ليخطبوا في أوروبا منفعة ~~لمصر فيمكن لكم أن تقوموا بهذه الخدمة الجليلة لبلدكم، ولكننا حذرناكم من أن ~~تكون الثانية أشأم من الأولى، إلى آخر ما كتبناه، وكنا نود أن تعقبوا عليه ~~بما نعهده فيكم من الآداب وقوة الحجة، ولكن قد يكبو الجواد، وجاء تعقيبكم كعقاب ~~على غير جريمة ثابتة بأسباب صحيحة، كما سأبينه هنا واحدة فواحدة: # أولا: # قلتم إننا تألمنا من إغفال ذكر اسمنا من عداد الخطباء (راجع ~~عامود 4 وسطر 9)، والجواب عليه أنكم ما ذكرتم أسماء خطباء مصر، ~~ثم أغفلتم اسمنا حتى كانت تصح النسبة. # ثانيا: # قلتم إننا ما علمنا حقيقة مرادكم، وهو تمنيكم نهضة قوية ~~تستعيد سابق مجد مصر (راجع ع4 س8)، والجواب على ذلك أن مقالتكم ~~كلها بديهية ولا تحتاج لتأويل أو إمعان فكر، ولم تذكروا فيها ~~مرادكم الذي ذكرتموه الآن، وحينئذ فلا عتب علينا إذا لم نعلم ~~ما في صدوركم، ولا يعلم الغيب إلا الله. # ثالثا: # قلتم إننا خلطنا وشططنا كثيرا، ونسبنا لكم القول بوجود نهضة ~~وطنية قبل ms073 الاحتلال (راجع ع4 س22)، والجواب عليه أولا بأن ~~ألفاظ خلط وشطط لا تليق بآداب المناظرة والمحاماة، وثانيا ~~أننا لم ننسب لكم القول بوجود نهضة وطنية قبل الاحتلال، بل ~~أنكرنا عليكم قولكم بوجود نهضة وطنية عقب الاحتلال منذ عشرين ~~سنة، وحينئذ يكون ما نسبتموه إلينا في تعقيبكم في غير ~~محله. # رابعا: # قلتم إن مصر قبل الاحتلال وفي عهد الخديوي السابق كانت في ~~نهوض وارتقاء، وكان الخطباء والعلماء يجتمعون في جمعية المقاصد ~~الخيرية بمصر (راجع ع4 س35)، والجواب على ذلك أن قولكم هذا ~~يناقض ما قبله، وأن الجمعية المذكورة كانت أساس الثورة ~~والمفاسد التي حصلت، وكان خطيبها عبد الله النديم الوطني ولم ~~تستفد منها مصر غير الخسران، ومع ذلك فإن هذا خارج عن موضوع ~~مناظرتنا بالمرة. # خامسا: # قلتم إن جمعية مصر الفتاة وضعت لائحة بحثت فيها عن ترقية ~~شئون مصر، وقدمتها للخديوي الأسبق، فقبلها وقرر العمل بها ~~(راجع ع4 س42)، والجواب على ذلك أن الخديوي الأسبق لو علم ~~بوجود جمعية من هذا القبيل لخسف بها الأرض، وبكل كاتب أو خطيب ~~يفوه بكلمة مما تكتبونه اليوم. # سادسا: # قلتم إننا سخرنا من سعادة الخطيب ونددنا به، على حين أنه ~~ذهب إلى أوروبا وأبان لأهلها أن في مصر رجالا يتألمون ~~ويتظلمون، وأنه أحرز هناك ما لم يدركه غيره (اقرأ من السطر9 ~~عامود5)، والجواب عليه أننا لم نسخر بشخص الخطيب، بل نحترمه ~~كولدنا - وها هي مقالتنا مندرجة عندكم فاقرءوها مرة ثانية - ~~وإنما أوضحنا أن مصر لم تستفد من صياحه في أوروبا، ونقول الآن ~~إن ما أحرزه فيها وغيرها عائد لشخصه المحبوب وليس للوطن، وأقول ~~أيضا إن علماء أوروبا عالمون أكثر من علمنا بأحوالنا وأرضنا ~~ومعادننا، وإنهم مستفيدون منها ونحن غافلون عنها، فهم حينئذ ~~في غنى عن صياحنا ونواحنا في ديارهم، ولكنهم ليسوا في غنى عن ~~ذهابنا إلى بلادهم وبذر أموالنا فيها كما هو الحاصل من الكبير ~~للصغير، وكنت أود أن الظاهر يبحث في هذه الكبائر ولا يشتغل ~~بتلك الصغائر. # سابعا: # قلتم إن سعادة الخطيب جعل نفسه ms074 قدوة لغيره، فأنشأ مدرسة ~~باسمه (اقرأ صدر العامود السادس)، ونحن لم نعب عليه هذا العمل ~~المبرور، بل شكرنا سعادته عليه، كما شكرنا قبله سعادة محمد ~~أمين بك منشئ مدرسة باب الخلق وحضرة الشيخ دسوقي بدر منشئ ~~مدرسة سوق السلاح والست روجينا منشئة مدرسة حسن المسرات، ~~وأمثالهم الكرماء الذين أفادوا مصر واستفادوا منها بمدارسهم، ~~وحينئذ فما كان لكم من حاجة للتعريض به الآن وهو خارج عن ~~موضوع المناظرة. # ثامنا: # قلتم إني غير مصيب في النصح بملاينة المحتلين، وإنه من العار ~~على مثلي أن يدعو الناس إلى الخضوع لسلطة المحتلين، وإني سعيت ~~إلى لندرة حبا في الإنجليز، وعدت محشوا بالإخلاص لهم (اقرأ ~~من ع6 س13)، وأجيبكم على ذلك بأني لم أذكر في مقالتي شيئا ~~يختص بالمحتلين ولا بملاينتهم أو مخاشنتهم بالمرة. فما بالكم - ~~سامحكم الله - تتهمونني بما لم يصدر مني ... ولكن حيث فتحتم هذا ~~الباب فلنتحادث فيه مليا، ولتسمحوا لي أن أسألكم (وقد رأيتم ~~لزوم مخاشنتهم وعدم ملاينتهم) هل عندنا من العدد والعدد مثل ~~ما عندهم فنخاشنهم لنغلبهم بها ... وهل لدينا من العلوم والمعارف ~~والصناعة والزراعة والمال والرجال مثل ما لديهم فنقوى بها ~~عليهم، وهل عندنا من البواخر والبوارج والقلاع والحصون وعظمة ~~الملك وقوة السلطنة وفخامة المملكة مثل ما عندهم فنرهبهم بها ~~ونصرعهم لنجليهم عن ديارنا ... أظن أن الجواب من البسطاء على ذلك ~~هو أن هذا الكلام غير وطني؛ لأن كلمتي وطن ووطنية اتخذهما ~~الأغبياء كرماد يذرونه على عيون الجهلاء ليقضوا بها مآربهم. ~~فهؤلاء أضر على الوطن ممن يسمونهم أعداء الوطن ... لأننا إذا لم ~~يكن لدينا هذا ولا ذاك فبأي شيء نخاشنهم، أبالشقشقة والكلام ~~الفارغ ... هل نسينا واقعة التل الكبير حين كان الأمر أمرنا ~~والملك ملكنا والعساكر عساكرنا والدساكر دساكرنا، وكان خطيب ~~الأمة الوطني الوحيد وقتها يخطب فيهم بما يزيدهم طيشا على طيش ~~وضلالا على ضلال؟! ألم يكن حضرته أول جبان هرب واختفى وترك ~~الديار تنعى أهلها؟! إني - وأبيك - لا أغرر ببلادي لشهوة ~~أقضيها أو حاجة أقتضيها، ولكني أخشى أن تكون الثانية ms075 أشأم من ~~الأولى كما أوضحته في مقالتي؛ لأن الله جل شأنه لم يأمرنا ~~بالاستعداد بالجعجعة الكاذبة. بل قال عز شأنه # وأعدوا لهم ما استطعتم من ~~قوة ومن رباط الخيل # إلى آخر الآية ~~الشريفة ... أم نريد التمثل بقول ذلك الرجل وهو في قهوة الحشيش ~~حيث قال «إذا حاربونا بالمدافع نحاربهم بالنكتة!» إني لم أدع ~~قومي إلى الخضوع الأعمى لسلطة المحتلين، ولم أقل به في مقالتي، ~~ولكني الآن أدعوهم إلى ملاينتهم والسير معهم بالحكمة، ~~وأذكرهم بقوله تعالى # ولا تلقوا ~~بأيديكم إلى التهلكة # وبقوله تعالى ~~لموسى وهارون حين أرسلهما إلى فرعون مصر # فقولا له قولا لينا لعله يتذكر ~~أو يخشى # وبقول ابن الوردي «لا تعاند من إذا ~~قال فعل.» وأوصيهم بالإكثار من المدارس والجمعيات الخيرية، ~~والسعي وراء ترقية مدارك الأمة وتربية أخلاقها حتى إذا أخذنا ~~قسطا من كل ذلك في هذه الفرصة الثمينة ورأينا من أنفسنا ~~الاستعداد والقوة الكافية للمطالبة بالجلاء وغيره، وكان لي عمر ~~للوقت المذكور، فإني أحمل علم المطالبة وأسير به أمام ~~الطالبين، وإلا إذا استمرينا على هذه الأقوال وتلك الخطب ~~بإظهار العداوة والبغضاء للقوة الحاكمة بغير وجه وجيه، فلا ~~يبعد أن يأتي يوم يروننا فيه أننا لسنا أهلا للجميل والمعروف، ~~فيسلبوننا حريتنا، ويأخذون على أفواهنا ويفعلون معنا كما كان ~~يفعل الخديوي الأسبق بنا ونحن صاغرون أمامه، وهذه الدائرة ~~السنية والدومين وأملاكها، وتلك التفاتيش الهائلة والسرايات ~~العالية المنهوبة من الأهالي كلها شاهدة على صدق ما أقول، ~~وحينئذ لا ينفع الندم ونقول ما قاله الأبرش صاحب الزباء «لا ~~يحزنك دم ضيعه أهله.» هذه هي أفكاري ولا أدعي العصمة ~~فيها. # وأما قول عزتكم إني سعيت إلى لندرة حبا في الإنكليز ~~وعدت منها مخلصا لهم، فهذا ليس له علاقة بالمناظرة التي ~~بيننا، ولم يكن لها مناسبة معها، وإنما هو من قبيل التطرف في ~~القول، ولا أقول الخلط فيه تأدبا، أو من نفحات طنبور جريدة ~~«الأفكار» قبل عامين وقد حكم على صاحبها ومحررها بالحبس، وكنتم ~~عزتكم مدافعين عنه، وأما توجهي إلى لندرة فكان كتوجهي إلى ms076 ~~سائر العواصم، مثل: باريس وبرلين وفينا ورومة وغيرها، في سياحة ~~واحدة لم يسبق لي غيرها، فلماذا خصصتم لندرة بالذكر ~~وميزتموها بالحب، على حين أني لم أقصدها وحدي من بين أهل مصر. ~~بل قصدها أمير البلاد ورئيس نظاره وعظماء مصر وعلماؤها، وقد ~~قرأنا في جريدتكم أن مولانا أمير البلاد يقصدها هذه السنة ~~أيضا. فإذا كان ذهابي إليها عارا أو مسبة في نظر عزتكم فإن ~~لي أسوة بغيري، وإن كان كل من قصدها يرجع محشوا بالإخلاص ~~لها، كانت - وحقك - نعم البلد ونعم المدينة، ولا أتذكر أن ~~أحدا مدحها من حيث ذمها مثل حضرتكم ... فهكذا تكون أساليب ~~الكتابة. # تاسعا: # قلتم إنكم تريدون تقرير الحقيقة، وهي عدم وجود غير خطيب واحد ~~في مصر، ثم لحقتموها بأنه ربما يوجد من له مقدرة على الخطابة، ~~ولكنه لا يخطب فلا تعتبرونه (راجع ع6 س24)، والجواب على هذا أن ~~عزتكم أسأتم إلى أبناء وطنكم مرتين أحدهما أنكم وصفتموهم ~~بالشعب الجامد، وهو ينافي أقوالكم الأولى، وثانيهما أنكم لم ~~تجدوا فيهم وهم عشرة ملايين غير خطيب واحد تعتبرونه، ولعلكم ~~أظهرتم معجزة المتنبي في قوله: # ليس على الله بمستنكر # أن يجمع العالم في واحد # ونحن أيضا نريد مجاراة حضرتكم في تقرير حقيقة أخرى، وهي عدم ~~وجود جرائد نعتبرها في مصر غير واحدة، وهي جريدة «الظاهر» ~~الغراء ... وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. # هذا ما عن لي إيراده الآن على المهم في تعقيب عزتكم، شاكرا لكم شريف ~~إحساسكم، راجيا نشره في صحيفتكم الفيحاء، مظهرا قرب إنجاز وعدي لسعادتكم ~~بإبداء ملاحظاتي على خطبة سعادة الخطيب المندرجة في جريدتكم مع المحافظة على ~~كرامته عندي كما سبق الذكر؛ لتعلموا أن إقدام الشبان محتاج لحكمة الشيوخ، ونسأل ~~الله التوفيق والهداية آمين. # 26 يونية سنة 1904 # إسماعيل عاصم ~~«الظاهر»: ننشر هذه الرسالة الآن، ونرجئ الرد عليها إلى غد؛ نظرا لضيق المقام. # 4 # انتقاد على رد # كتبنا جملة عن الخطابة في مصر، فتصدى لنا حضرة إسماعيل عاصم بك المحامي ~~مناقشا، وكانت مناقشته غير محكمة، وعبارته غير فصيحة، وأدلته ms077 غير واضحة، إن صح أنه ~~أتى بدليل واحد. # فرددنا على انتقاده ونحن نظن أن الزميل كتب جملته الأولى بغير روية ولا تدبر، ~~وأنه لا يجب أن يهمل انتقاده لتسرعه فيه، وحسبنا أن ما سيتبع به مقاله الأول لا ~~بد أن يجيء محكما بليغا مقنعا، فنقارعه الحجة بالحجة ، ونرجع إلى التواريخ وأقوال ~~الفلاسفة والكتب السماوية لنؤيد أدلتنا ونثبت آراءنا؛ لأننا لا نكتب إلا ما نرى فيه ~~النفع لوطننا وجامعتنا؛ ولأن الموضوع الذي طرقناه لا يمكن أن يشك في فائدته إنسان ~~عنده قليل من الإدراك والتصور ومحبة الوطن والملة. # غير أننا - وا حر قلباه - لم نر في رسالة صاحبنا التي أدرجت بعدد أمس شيئا ~~يؤبه به ويستحق الحفاوة والاعتناء. # وجدنا حضرة إسماعيل بك يدور في مقاله الطويل العريض حول نقطة واحدة لا يتحول ~~عنها، وهي أنه لا يصح أن يقال إنه لا يوجد في مصر غير خطيب واحد، وهذا القول الذي ~~ذكرناه نحن ورددناه غير مرة مؤملين أن يستفز أصحاب النخوة ممن لهم القدرة على ~~الخطابة في الشئون المهمة، هو الذي أحفظ حضرة الزميل وأقامه وأقعده وجعله ينتقد ~~علينا ويشفع الانتقاد بالرد على غير جدوى. # ولو أن حضرة المحامي الفاضل طرق باب البحث، وهو يعلم من نفسه القدرة على ولوج ~~الباب الذي طرقه، لكنا سررنا وقلنا أنعم بهذا الوطني الغيور والكاتب المجيد والشيخ ~~الخبير والمنتقد البصير. أما وهو يناظرنا بكلام مغلوط وعبارات مضطربة وتهكم مذموم ~~وتعريض مستنكر وتنكيت مستهجن، لا يصلح إلا أن يذكر بين العامة لا في مواضع الجدل ~~والبحث والتحقيق. فقد رأينا أن نجول معه هذه الجولة الأخيرة مزيفين ما جاء به من ~~المحاولة والمغالطة والشرود عن الموضوع الأصلي، وبعد ذلك فإذا أحب أن يجيب على ~~مقالنا بشيء جديد نظرنا فيه، فإن كان مكتوبا بقلم بليغ وفكر سام أحللناه محل ~~العناية والاهتمام، وإلا أعرضنا عنه واشتغلنا من الخدمة العامة بما هو أنفع وأجل. ~~فإن وظيفة الصحف فوق التشاغل بالأخذ والرد فيما لا طائل من ورائه، وشأن الجدال ~~الأدبي أرفع من ms078 سفاسف الأقوال، ونحن أحوج إلى نشر شيء نافع أو التكلم عن موضوع خطير ~~من إثبات شيء ثابت من نفسه؛ لأن البديهيات لا تحتاج إلى براهين، فالخطابة نافعة أمر ~~لا يحتاج إلى تأييد، والقول بأن مصر لم يقم فيها الآن واحد من الخطباء الذين يقودون ~~الأمة إلى القيام والعمل والارتقاء سوى خطيب واحد. أمر مقرر مشهود محسوس. إذن لم ~~يبق فيما دار ويدور بيننا وبين إسماعيل بك من النقط الفرعية ما يدعو إلى كثرة ~~القيل والقال. # استهل مقالته بقوله: «إني أشكر عزتكم كصحافي حر ينشر ما يرد إليه، ثم يعقب عليه ~~ولكن بشرط مراعاة آداب المناظرة لا كما ذكرتم في التعقيب على مقالتنا المندرجة في ~~العدد 180، وكنت أتعشم في فطانتكم أن تكونوا أول مقتد بخطيبكم الحبيب؛ حيث قال في ~~خطابته بلزوم تجرد الصحافة من الشتائم والطعن والترفع عما يأتيه أصحاب الوريقات ~~الساقطة منها.» ولسنا ندري ماذا أراد بهذه الجملة، ونحن لم نخرج عن أدب البحث في كل ~~ما فندنا به أقوال حضرته، ومن دأبنا أن نعرض عن التعريض المستهجن، فكيف بنا نعمد ~~إلى الطعن والسباب، ولكن ما لنا ولما يعزوه إلينا بلا دليل وقد قرأ القراء الأفاضل ~~أقوالنا وأقواله، وعلموا أينا الذي شط عن جادة الأدب، أنحن وقد قمنا ننصر ~~الفضيلة ونعضد الاجتهاد ونشجع الإقدام ونحث على الاقتداء بالنافع، أم هو وقد قام ~~يحارب الفضيلة وينتصر للتراخي ويحسن الجبن والذل ويثبط العزائم والهمم. # ويقول بعد ذلك: «أن ليس من الحكمة أن يتعصب الصحافي لما ينشر، والكاتب لما يكتب ~~والخطيب لما يقول، ويعده تنزيلا من عزيز حميد فيغضب لأي انتقاد عليه.» ونحن نقول ~~إن الصحافي الذي يكتب اليوم بقلمه شيئا ثم يتحول عنه في الغد لغير سبب معقول أو ~~دليل حي جديد لجدير به أن يسمى مذبذبا أو مرائيا أو متحولا، ومن ذا الذي يرضى ~~بهذه السمة الرديئة والسمعة السيئة لنفسه، وإذا كنا لا نتعصب لما نكتب في مصلحة ~~وطننا فلأي شيء نتعصب؟! ألآراء حضرة المحامي، وهي تخالف مصلحة الوطن على خط ms079 ~~مستقيم؟! أما إن الكاتب الحر لا يجب عليه أن يسلك سبيل المغالطة ليوهم الناس صحة ~~رأيه؟! فهذا ما لا نخالفه فيه، بل هو مذهب يجب أن ينتهجه الكتاب جميعا، ونحن في ~~مقدمة الذين ينزعون إليه، ولكن حضرة المحامي الذي يقول ويجاهر به يعمل ضد ما يقول ~~كما يتبين مما نشرناه من مقالة أمس وما سنوضحه اليوم، ويا ليتنا كنا نعثر في مقال ~~حضرته بدليل واحد نقابله بدليل من عندنا ينقضه، ولكنا حتى الساعة لم نتوفق إلى ذلك؛ ~~فإن أقواله كلها خالية من الأدلة، ونحن لم ننسب إليه شيئا لم يجئ في رسالته، ولكنا ~~استخلصنا من لهجة كلامه أنه تحامل علينا وتحمل منا لإغفال ذكره من عداد الخطباء ~~المصريين، وهذا شيء لا يحتاج إلى برهان لدى من قرأ كتابة حضرته واندفاعه فيها ضد ~~الخطيب الوطني الوحيد، وهب أن ذلك يقتضي برهانا ناصعا فليس ثمة من دليل مقنع ~~كتصديه لنا لكوننا أيدنا رصيفنا الغيور فيما أبداه وذكرناه في مجال الخطابة دون ~~سواه، ومن المعلوم لدى من يعرفون إسماعيل بك أن حضرته شغوف بالتهافت على الخطابة ~~في أي مكان كان - ناسب الوقت أو لم يناسب، دعي إليها أو لم يدع - ولكن ذلك كله ~~كان منذ أعوام بعيدة، أما الآن فهو مثل أقرانه الذين يقدرون على الخطابة ولا ~~يخطبون. فذكرنا مصطفى كامل باشا في كلام عام عن الخطابة في مصر، وإغفالنا ~~إسماعيل عاصم بك من سياق الحديث، أمر جاء شديدا على نفسه، فتطوح إلى الاعتراض ~~علينا دون أن يكون له حق في اعتراضه. # وبعد ذلك فإنا نرى حضرته قد أنفق ساعة من وقته هدرا بإيراده عبارات مقتضبة ~~محرفة من أقوالنا، لا تشم منها رائحة أفكارنا، ولا ترمي إلى حقيقة مقاصدنا، ولبث ~~يشير إلى «العامود» الثاني أو الثالث من الصحيفة الأولى أو الثانية من العدد 176 ~~وخلافه، مما لا حاجة لنا إلى إعادته أو الرد عليه؛ لأنه شيء لا يفيد في نفس ~~الموضوع، وإن كان أفاد حضرته في جعل مقالته ضافية الذيل ... # ثم أنتقل إلى ms080 قوله «قلتم إننا تألمنا من إغفال ذكر اسمنا من عداد الخطباء، ~~والجواب عليه أنكم ما ذكرتم أسماء خطباء مصر ثم أغفلتم اسمنا حتى كانت تصح النسبة.» ~~وردنا على هذا القول ينحصر في إيراد قوله «ومع ذلك فإن عزتكم من شبان مصر ومن ~~كبار محاميها وخطبائها، وقد أصبحتم في عداد رجال الصحافة فيها، ولا يقال بوجودكم ~~وأمثالكم بفقدان الخطباء من مصر»؛ فإن هذه الجملة بمفردها كافية للدلالة على أن ~~حضرة الزميل تألم من إغفال ذكره، وكان يحب أن يقرن اسمه بجانب اسم مصطفى كامل ~~باشا، لا أن يقال إنه لا يوجد سوى الأخير من الخطباء المصقعين في مصر. فلما أغفلنا ~~ذكره وأسقطنا اسمه وغاظه ذلك ولم يجد من الصواب أن يقول لماذا لا تذكروني في جملة ~~الخطباء، قال لماذا تقولون بوجود خطيب واحد في حين أنه يوجد غيره، وأنتم منهم ~~وأمثالكم (وحضرته فيهم بالطبع) موجودون في مصر. # ثم قال «قلتم إننا ما علمنا حقيقة مرادكم، وهو تمنيكم نهضة قوية تستعيد سابق مجد ~~مصر، والجواب على ذلك أن مقالتكم كلها بديهية ولا تحتاج لتأويل أو إمعان فكر، ولم ~~تذكروا فيها مرادكم الذي ذكرتموه الآن، وحينئذ فلا عتب علينا إذا لم نعلم ما في ~~صدوركم، ولا يعلم الغيب إلا الله.» والجواب على ذلك أننا لا نطلب منه أن يحيط علما ~~بما في الصدور؛ فإن هذا بالطبع فوق قدرته، ولكننا نريد منه أن يعلم ما جاء في نفس ~~مقالتنا الأولى؛ إذ قلنا «فيا أيتها الأوقات التي تصرمت، هل لك أن تعودي وتعيدي لنا ~~نهضتنا الأولى التي كانت تمثلنا في مصاف الأمم الشريفة المشرئبة إلى الحرية ~~والاستقلال.» وقلنا في آخر تلك المقالة «فهكذا ينبغي أن يفعل المصري الذي يرى نفسه ~~كفؤا لأن يؤدي خدمة جليلة لوطنه، ويجد أن مقاله أهون شيء ينفع به وطنه.» فإذا كان ~~حضرته قد قرأ ذلك كله فيما سلف ولم يفقهه، فليس لنا أن نناقشه؛ لأننا إنما نبسط ~~الحقيقة ليفهمها من لا يجحد الحق ولا يصر على المكابرة، وإن كان قد ms081 قرأه ولم يفهمه ~~فها نحن اليوم نعيده عليه، ونقول له إن ذلك يشتمل أو يدل على ما زعم حضرة الزميل ~~أنه من مخبئات صدرنا. # ثم قال: «قلتم إننا خلطنا وشططنا كثيرا ونسبنا لكم القول بوجود نهضة وطنية قبل ~~الاحتلال، والجواب عليه أولا بأن ألفاظ خلط وشطط لا تليق بآداب المناظرة ~~والمحاماة، وثانيا إننا لم ننسب لكم القول بوجود نهضة وطنية قبل الاحتلال، بل ~~أنكرنا عليكم قولكم بوجود نهضة وطنية عقب الاحتلال منذ عشرين سنة، وحينئذ يكون ما ~~نسبتموه إلينا في تعقيبكم في غير محله.» ونرد على ذلك بأنه خلط في إدخال ما قبل ~~الاحتلال بما بعده كما سنذكره، وشط في تحامله على مصطفى باشا وجحود أياديه على ~~الناشئين؛ فإنه أفادهم بخطبته وجريدته ومدرسته وتآليفه وليس في هذين اللفظين خروج ~~عن آداب المناظرة كما زعم؛ لأنهما حقيقتان واضحتان. وتنحيه مما نسبه إلينا من وجود ~~نهضة وطنية قبل الاحتلال لا يفيده؛ لأنه قال في انتقاده: «أولا إنه عند دخول ~~المحتلين مصر لم يكن فيها شيء اسمه النهضة الوطنية، ولم تر فيها غير شرذمة من ~~قواد العساكر ثاروا ضد أمير البلاد ... إلخ.» فهل هذا القول لا يشتم منه أننا كنا ~~نتكلم عن حالة مصر قبل الاحتلال إلى أن دخل المحتلون مصر؟ أليس التكلم عن الثوار أو ~~عن نهضتهم أو عما في زمنهم يعد تكلما عما كان قبل وصول المحتلين إلى مصر؟ ألا ~~يؤخذ من هذا أن صاحبنا يركن إلى المغالطة؛ لينقذ نفسه من غلطته، ومع ذلك فنحن لا ~~نشتد في مناقشته ولا نبالغ في مؤاخذته؛ لأنه زج بنفسه في ميدان صعب على ~~جائله. # ولقد زعم حضرته بعد ذلك أن جمعية المقاصد الخيرية كانت أساس الثورة والمفاسد، ~~ونحن نقول له لقد وهمت؛ فإن جمعية يكون رئيسها حسين باشا الدرملي وأعضاؤها أمثال ~~أحمد باشا السيوفي وأخيه لا يقال إنها أساس الثورة والمفاسد. # وأما ما ذكره عن جمعية مصر الفتاة فغلط منه نجم عن خطأ مطبعي تبدل فيه لفظ ~~الخديوي السابق بالأسبق، والحقيقة أن اللائحة طبعت ms082 وتقدمت من الجمعية إلى المرحوم ~~توفيق باشا، ولا يزال أغلب أعضاء الجمعية أحياء إلى الآن، وهم يؤيدون قولنا ويردون ~~زميلنا عن نكرانه، ولما كان حضرته من الأذكياء البارعين كما نظن، فلا يليق به أن ~~يجنح إلى تحريف مطبعي يدل على صحته سياق الحديث من قبل؛ إذ ورد ذكر الخديوي السابق ~~قبل هذا التحريف بأسطر قليلة، وهنا قال إن الخديوي الأسبق لو كان علم بوجود جمعية ~~من هذا القبيل لخسف بها الأرض، وهذا التعبير - كما لا يخفى - من قبيل الإغراق؛ لأنه ~~ليس في طاقة فرد من أفراد البشر كيفما كانت درجته أن يخسف الأرض بقوم، ولكننا نقول ~~له هذا من قبيل «بح صوته وجف ريقه»، وإن كان ما بين الاثنين كما بين الأرض ~~والسماء. # ولقد أنكر ما جاء في انتقاده من السخرية بذهاب الخطيب إلى أوروبا وإلقائه الخطب ~~هناك، ونحن نعيد الآن عليه قوله لنذكره به خوفا من أن يكون قد نسيه، قال «على أن ~~مصر ما رأت فائدة من تلك الخطب»، «إن تحرير الوطن وإسعاد البلاد لا يكون بذهاب ~~الشبان ليخطبوا في أوروبا، وهي في شاغل عنهم، وقد رأينا عقباها كما سبق الذكر، ولا ~~بالشقشقة بين بعض الناس فيسخر بنا الحكماء ... إلخ»، «وحينئذ فالخطب التي نسمع بها ~~أو نقرأها في جرائدنا إثمها أكبر من نفعها، كما هو رأي العقلاء في مصر.» فإن كان ~~حضرته قد نسي ذلك كله فها نحن نذكره به، وإن كان لم يزل يتذكره ولا يعتبره من قبيل ~~السخرية فليقل لنا ما هي السخرية، وعلى أي محمل تحمل. # أما أن أوروبا عالمة ببلادنا وما فيها، فهذا أمر بديهي لا يحتاج إلى نقض وإبرام، ~~ولكنا لا نريد بذهاب النابغين من بلادنا للخطابة هنالك مبينين غدر الإنكليز ونكثهم ~~للعهود، واستعدادنا لتولي أمورنا بأنفسنا تحت رقابة الدول وإشراف أنظارهم حتى تخلص ~~مصر من أثقال ديونها، أن يذهب أولئك الناشئون فيقولوا للغربيين إن مصر ملأى ~~بالمعادن والخيرات، وأرضها جيدة المنبت خصبة التربة كما يفتكر صاحبنا الفاضل، بل ~~نريدهم أن يفهموا الملأ ms083 هنالك أعمال الإنكليز واستعداد المصريين وشعورهم، وأين هذا ~~مما ذهب إليه حضرته من التكلم عن المعادن والأطيان والعقارات. حقا إن زميلنا ~~لمناظر ماهر ومنطيق قوي الحجة والعارضة. # وكنا نود أن يكون حضرته واقفا على ما يكتب في الظاهر كل يوم؛ ليعلم أننا لم ~~نهمل شيئا من التحذير والنصح والإرشاد، وأننا نبهنا الذين يقصدون أوروبا غير مرة ~~إلى اجتناب التبذير وإضاعة الأوقات سدى، في حين أن البلاد تنتظر منهم العودة ~~بالمعارف والآداب والمدنية النافعة. # ثم تمشى زميلنا الذي يراعي دائما حرمة الذوق والأدب، والذي يحترم شعور الناس، ~~والذي يقدر العاملين النافعين حق قدرهم، والذي لا ينطق إلا بالحكمة والصواب إلى ~~التكلم عن سعادة الخطيب «الوحيد» «الفريد»، وفتحه مدرسته بما يدل على أن حضرته ~~يقدر همة خطيبنا الغيور حق قدرها؛ حيث قال في موضع الاستخفاف والهزء: «قلتم إن ~~سعادة الخطيب جعل نفسه قدوة لغيره، فأنشأ مدرسة باسمه، ونحن لم نعب عليه هذا العمل ~~المبرور، بل شكرنا سعادته عليه، كما شكرنا قبله سعادة محمد أمين بك منشئ مدرسة باب ~~الخلق وحضرة الشيخ دسوقي بدر منشئ مدرسة سوق السلاح، والست روجينا منشئة مدرسة حسن ~~المسرات وأمثالهم الكرماء الذين أفادوا مصر واستفادوا منها بمدارسهم.» ولا يخفى أن ~~المدارس المذكورة هنا أراد أصحابها بإنشائها مجرد المنفعة الشخصية، ومنشئوها ممن ~~لم يتخرجوا تخرج الأكفاء لإدارة المدارس وتربية الأحداث تربية صحيحة قويمة. ~~فالخلط بين ذكر مصطفى كامل باشا وهؤلاء الناس مما يعتبر في عرف النقادين خروجا ~~عن حد اللائق. # وبعد ذلك تبرأ من دعوته إلى ملاينة المحتلين ومحاسنتهم، وما كاد ينتهي من التبرؤ ~~حتى عاد إلى دعوته الأولى، فنحن نضرب صفحا عنها؛ لأنها خارجة عن سياق الحديث ~~ومحشوة بألفاظ ينبغي أن تقال في أماكنها، وما أوردناها بعدد أمس إلا ليعلم الناس ~~أننا غير ملومين إذا ضربنا صفحا بعد اليوم عن مناقشة رجل يصل به الأمر إلى أن ~~يستشهد بأقوال الحشاشين في قهاويهم ومجتمعاتهم، ولعله يعذرنا إذا نسبناه إلى ~~«النكتة» فيما يقول، وقد أوضحنا له ما يجب عليه وعلى ms084 كل وطني فيه دم ذكي وشعور شريف ~~وإحساس رقيق. # أما أن الجناب العالي والوزراء يسافرون إلى أوروبا فلدواعي مصالحهم، وليس لحضرة ~~المحامي من داع يحمله على السفر إلى لوندرة وليس في وسعنا أن نطيل فوق هذا؛ لأننا ~~سئمنا الكتابة في موضوع تافه مثل هذا، لا سيما ومقال الرجل مملوء بالأغلاط الرسمية ~~واللغوية. # من ذلك أنه كرر كلمة العامود عدة مرار مرسومة هكذا بالألف، وصوابها عمود، وقال ~~الاتفاقية الشعواء ولا مناسبة بين الكلمتين؛ لأن معنى الشعواء الفاشية المتفرقة ~~فيقال غارة شعواء مثلا، ونسب بيت أبي نواس المشهور: # ليس على الله بمستنكر # أن يجمع العالم في واحد # إلى المتنبي وهو غلط كبير والله يوفقنا ويوفق زميلنا إلى خدمة الوطن خدمة صحيحة لا يشوبها غرض خاص. # 5 # أبو شادي # | النصوص المسرحية الكاملة # | نص مخطوطة مسرحية «هناء المحبين» # ⋆ # هذه المسرحية مخطوطة ومحفوظة بإدارة التراث بالمركز القومي للمسرح ~~والموسيقى. ولم يعلم المركز هويتها إلا من خلال مشروع لتحقيق النصوص ~~المسرحية التراثية، تقدمت به إلى رئيس المركز أخذ رقم وارد 442 في ~~11 / 6 / 1995. وفي هذا المشروع قمت بتحقيق وتوثيق ثماني مسرحيات، هي: ~~«هناء المحبين»، «نوتردام دي باري»، «نشيد الهوى»، «معروف الإسكافي»، ~~«مظالم الآباء»، «فيدورا»، «غريزة المرأة»، «غانية الأندلس». ومسرحية ~~«هناء المحبين» على وجه الخصوص لم يدون عليها لا اسم المسرحية ولا ~~مؤلفها. ولكنني وجدت مغزاها وبعض شخصياتها ضمن بعض الكتابات عنها في ~~بعض أعداد الدوريات القديمة، مثل جريدة «المقطم»، عدد 1426، ~~22 / 11 / 1893، ص3، وعدد 1239، 11 / 4 / 1893، ص3، وهذا كان الخيط ~~الأول في سبيل توثيقها، هذا بالإضافة إلى ما تحدثنا به عنها فيما ~~سبق. # صورة الصفحة الأولى من مخطوطة مسرحية «هناء المحبين». # الفصل الأول # المنظر الأول # لطيفة ~~: # من الغرام احترس يا خالي البال # فكم صحيح غدا من عشقه بالي # ما كنت أحسب أن العشق يوقعني # في حالة كان حالي قبلها خالي # ليت شعري ولله التصريف. ما الذي عاق حبيبي لطيف؟ فإنه أبطأ خلافا ~~للعادة، وهو يعلم أني لا أستطيع بعاده. فلعله يا نديمتي أنيسة، نسي ~~الجميل، ms085 واختار عني بديل. آه ... ما أصعب المحبة عند صدود الأحبة! # أنيسة ~~: # أستغفر الله يا سيدتي لطيفة، يا ذات الشمائل اللطيفة، أن يكون لطيف ~~نسي هواك، أو اختار سواك. فإنه قتيل جمالك، وأسير أفضالك، وربما يكون ~~أشغله والدك الوزير المصان، بأمور تتعلق بالديوان، فلم يتمكن من ~~الحضور، والغائب كما يقال معذور. # لطيفة ~~: # كيف تدافعين عنه بهذا المقدار، وهو لم يزرنا طول هذا النهار؟! وأنت ~~تعلمين يا ذات الكياسة، أني أحسنت بينه وبين والدي السياسة، حتى جعله ~~كاتب سر الوزارة؛ لما هو عليه من الجدارة، وقد سلمه زمام تدبير ~~المنزل؛ لكيلا يكون عنا بمعزل. # أنيسة ~~: # ها هو لطيف يا مولاتي العظيمة، مقبل علينا بطلعته الوسيمة. # لطيف ~~: # سلام على ذات المحاسن والخفر # سلام محب قلبه بالجوى استقر # إذا غاب عن عيني فلا ريب أنني # أموت وأحظى بالحياة إذا حضر # رضاه نعيمي والتمنع شقوتي # ومرآه جناتي وإعراضه صقر # لطيفة ~~: # سلام على من بعد غيبته حضر # سلام غرام عز في البدو والحضر # فأهلا وسهلا يا لطيف ومرحبا # بقربك إن البعد قد هيج الفكر # فلو كنت تهوانا لما غبت ساعة # علينا ولكن كل مبدى له خبر # لطيف ~~: # عفوا يا سيدتي الأميرة، ورفقا بمهجتي الأسيرة. فإني وحق من يعلم ~~الصدق والمين، لا أستطيع فراقك طرفة عين، ولكني أترقب فرصة الحضور، ~~بحسب مقتضيات الأمور؛ لكيلا ينتقد حسود، أو يوشي بنا رقيب حقود، لا سيما ~~أن الأمير حسيب لجنابك خطيب، وقد أجابه والدك للاقتران، بجانبك يا ~~رفيعة الشان، وأنت رفضت الخطبة، ورددت طلبه، رغما عن علو نسبه وسمو ~~حسبه، وهو الآن لك معاند، وناصب شراك المكائد، وأخشى أن يطلع على ~~أمرنا، فيوقعنا في مصائب دهرنا. # لطيفة ~~: # إذا كنت مع الله فلا تخشى سواه، وإذا كانت النوايا سليمة فكل الأمور ~~مستقيمة. ~~(تدخل أنيسة) # أنيسة ~~: # إن الأمير حسيبا بالباب، يستأذن في الدخول لجنابك المهاب. # لطيفة ~~(للطيف) ~~: # ادخل الآن هذا المخدع يا لطيف، ويدبرها الخبير اللطيف. ~~(بصوت مسموع) ~~: ليتفضل الأمير. ~~(لنفسها) ~~: ليته ما حضر، فقد أبدل صفو ~~وقتنا بالكدر. # حسيب ~~: # مني عليك ms086 سلام عاطر الأرج # يا فتنة النفس والأحداق والمهج # يا غادة عندها الأرواح خاشعة # تبغي الحياة بمعنى حسنها البهج # عطفا علي بطيب القرب منك كما # أهوى لأظفر بعد الضيق بالفرج # ارحمي يا ذات الشرف الحسيب، عبدك الخاضع حسيب. فإني ما تلذذت بشراب ~~ولا طعام، ولا ذاقت عيوني لذيذ المنام، منذ سمعت يا رفيعة الشان، أنك ~~رفضت الاقتران، ولكني لم أصدق بذلك، وإلا كنت وقعت في ~~المهالك. # لطيفة ~~: # نعم، إن الذي بلغك صحيح، ولا يحتاج لزيادة التصريح، ولم يكن بغضي ~~للزواج، كراهة فيك يا معدن الابتهاج. فإن الاقتران بك عنوان سعادتي، ~~وغاية أنسي وسيادتي، ولكنه شيء قام بالروح والفؤاد، وبغضني في الزواج ~~دون العباد. # حسيب ~~: # ارحمي عبدك يا مولاتي، ولا تتسببي في إتلاف حياتي، وإني أكتفي منك ~~الآن، بإظهار الرضا بالاقتران، ولا بأس من تأجيل الزفاف، على مقتضى ~~إرادتك يا ربة العفاف، حتى تنجلي عن أفكارك الأوانس، هذه النفرة ~~والهواجس. # لطيفة ~~: # إني لم تقم بي هواجس، ولم تنازع أفكاري وساوس، وإني يا رب المعقول. ~~عارفة ما أقول، وهو صادر عن روية، وعن سلامة طوية. فاصرف النظر يا ~~مولاي عني، وخذ لنفسك بديلا مني، ولا تفاتحني في ذلك مرة أخرى؛ فإنه ~~بشرفي وشرفك أحرى. # حسيب ~~: # اعلمي يا مليكة الجمال، وربة العصمة والكمال، أن راحتي وحياتي في ~~اقترانك بذاتي. فارأفي بعبدك، وعامليه بودك، وإلا فإني أمضي شهيد ~~الهموم، وأكون خصيمك يوم تجتمع الخصوم. # لطيفة ~~: # خفض عليك يا ذا الأفضال، ولا تعلق نفسك بالمحال؛ لأني لو كنت ~~أرغب في الاقتران بأي إنسان، فبالطبع يكون بجنابكم الرفيع، ولكن لا ~~سبيل إلى ذلك ولا شفيع. # حسيب ~~: # لطيفة يكفي بعد صدك والجفا # فإن حياتي اليوم صارت على شفا # فؤادي عليل يا لطيفة فاسمحي # بقربك إن فيه له الشفا # لطيفة ~~: # حسيب ارتجع عني وحقك إنني # فؤادي من ذكر الزواج على شفا # ولا ترتجي مني اقترانا وعافني # فدائي عضال ما له أبدا شفا # حسيب ~~: # أتظنين أني جاهل بالأمر، وغير عالم بالسر والجهر؟! فلا بد أن أحرمك ~~من لذاتك كما أحرمتني ms087 من لذاتي، وأن أسعى في هلاك ذاتك، كما سعيت ~~في هلاك ذاتي. # لطيفة ~~: # أهكذا يكون كلام العشاق؟ وهل هذه يا حسيب سلامة الأذواق؟ فانصرف عني ~~بسلام ولا تعد ثانية إلى هذا المقام. ~~(يخرج) # لطيفة ~~(لنفسها) ~~: # إن حسيبا اغتاظ، وللغضب استشاط، حتى باح بالسر، وقال إنه غير جاهل ~~بالأمر. فيا هل ترى علم بمجيئي بلطيف، وأخذ يهددني بهذا التلميح ~~الضعيف؟ آه يا ربى! ما هذه الأهوال، لقد ضاقت بي الأحوال. ~~(ثم يخرج لطيف من المخدع فتقول له) ~~: إن ~~الأمير حسيب جاء في طلب الاقتران عن قريب، ثم انقلب خائبا، وانصرف ~~غاضبا. # لطيف ~~: # أشكرك على توجيه نظرك المنيف نحو عبدك لطيف، والحمد لله القريب؛ ~~حيث لم يرني حسيب. فربما كان يأتي الحدثان بما لم يكن في الحسبان، وأنت ~~تعلمين يا أخت القمر، أن حياة والدي في خطر، وقد تركته على فراش السقم، ~~يقاسي العناء والألم. فاسمحي لي بالذهاب لحضرته؛ لأقوم بواجب خدمته، ~~فإن مرضيات الآباء، واجبة على الأبناء. # لطيفة ~~: # لا بأس على أبيك. فالله يشفيه ويبقيك، ولك الشكر على هذه المروة، وما ~~أبديته في حفظ حقوق والدك من الفتوة. فأوصيك به خيرا، ولا أراكما الله ~~ضيرا. # المنظر الثاني # حليم ~~: # إن مرضي كل وقت في ازدياد، وقد أخذت قوتي في النفاد، وولدي لطيف تأخر ~~في الحضور عن ميعاده المشهور، وهو يعلم ما أقاسيه، من السقم الذي أصبحت ~~فيه، ولكن ألهته حالة الشبوبية، عن القيام بالحقوق الأبوية. # سالم ~~: # حلمك يا مولاي حليم، فإن سيدي لطيفا على صراط مستقيم، وهو يحمل ~~حقوقك على الراس والعين، ولا يجهل واجبات الوالدين، ولم يكن من أولئك ~~الأبناء، الذين يهضمون جانب الآباء؛ لأنك أدبته وأحسنت تأديبه، ~~وهذبته وأتقنت تهذيبه. فأصبح مثلا للشبان، وقدوة في الفضائل لأبناء ~~الزمان، وما أخره عن الحضور يا كنز السعادة، إلا أمر ربما يكون فوق ~~العادة. # حليم ~~: # ما هذه المدافعة، والمحاماة والمرافعة؟ وهل يوجد شيء عند الأبناء، ~~أهم من مرضاة الآباء؟! فإن الوالد إنما يربي ولده؛ ليكون ساعده وسنده، ~~ولا سيما إذا كان أبوه شيخا ms088 كبيرا، ومريضا مثلي مريرا. قال تعالى: # واخفض لهما جناح الذل من ~~الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني ~~صغيرا ~~، وقال جل شأنه للناس بيانا: # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ~~وبالوالدين إحسانا ~~، وإن فؤادي مشغول عليه يا ~~سالم. فانظر لعله يكون هذا القادم. إني مع ما أنا فيه من السقم، ~~والعناء والألم، مضطرب الفكر على ولدي، وقد كاد غيابه يذيب كبدي. فيا ~~ليت قلوب الأبناء تكون في الشفقة مثل قلوب الآباء. # لطيف ~~(يدخل) ~~: # لعلك يا والدي بخير وعافية، وسلامة وافية. # حليم ~~: # آه يا ولدي الهمام! إني أحس بقرب الحمام، وأتمنى أن يكون غير بعيد. ~~فإنه لا خير في حياة ذات تنكيد، واعلم يا ولدي أن متاع الدنيا قليل، ~~وأنها لا تروي لقلب عليها غليل، ومهما طال العمر فيها قصير، وكما نشأنا ~~من التراب فإليه نصير، والعاقل من اعتبر بأمسه وعمل لغده، وكف عن ~~الناس شر لسانه ويده. فأوصيك يا بني بتقوى الله، والإعراض عما سواه، ~~وأن يكون اتكالك عليه، فالأمر منه وإليه. وليكن لك واعظ من نفسك، ورقيب ~~من عقلك، لا من أبناء جنسك. وإياك والمباهاة والمفاخرة، واتبع فيما ~~أتاك الله الدار الآخرة. وعليك بالاستقامة، فإنها عنوان الكرامة، ~~والتزم العفاف، واحكم بالإنصاف، وحذار من الحسد؛ فإنه داعية النكد. ~~واجتنب حقد الصدور، فإنه مفتاح الشرور، وأحبب لغيرك ما تحب لذاتك، ولا ~~تمش خلف شهواتك ولذاتك، واحفظ أحباب أبيك، ولا تجعل أعدائي من محبيك، ~~فيخبوا دمك خب، ويخلصوا من الابن ما فعل الأب. آه ... آه ... واعلم يا ~~ولدي أني راحل عنك، وسأصير بعيدا منك. فلا تجزع لفقدي، ولا تطيل ~~الحسرة من بعدي، وانظر في تحسين أمرك، وما يكون فيه حياة ذكري ~~وذكرك. # لطيف ~~: # عافاك الله وشفاك، وجعلني يا والدي فداك. # حليم ~~: # دع ما لا يفيد، واسمع نصحي المفيد. فإني تركت لك ذخيرة حسنة، وكنزا ~~من بعدي لا يفنى، وهو أخي وصديقي، وحبيبي ورفيقي، أرسطاليس زمانه، ~~وجالينوس أوانه، طبيب حضرة السلطان، وحكيم الدولة المشار إليه بالبنان، ~~الفيلسوف الكامل، الحكيم عاقل. فإني لم أتخذ خليلا ms089 سواه، ولا اعتمدت ~~على غيره بعد الله. فاجعله يا ولدي محل سرك، وإليه يكون مرجع أمرك، ولا ~~يغرك الإكثار من الأصحاب، فإنهم لا يعرفونك إلا ما دام بيتك مفتوح ~~الباب، وإن أخنى عليك الزمن، أو داهمتك المحن، فإنهم لا يعرفون لك ~~قيمة، وأولئك البعد عنهم غنيمة. ~~(يدخل سالم الخادم.) # سالم ~~: # إن الحكيم عاقل إليكم واصل. # حليم ~~: # ليشرف على السعة والرحب؛ لأتمتع به قبل أن أقضي النحب. ~~(للطيف) ~~: انظر يا ولدي هذا الصديق، كيف ~~زارنا في وقت الضيق. فيا نعم الرفيق. ~~(ثم يدخل عاقل.) # عاقل ~~: # عساك بخير يا صديقي حليم، يا نعم الصاحب القديم. # حليم ~~: # أهلا وسهلا بالحبيب الأول # أهلا وسهلا بالحكيم الأفضل # أنعشت روحا كاد يخمدها الضنى # وتميتها الأوجاع لو لم تدخل # عاقل ~~: # لا بأس عليك يا حبيبي، يا من هو في الدنيا نصيبي، ما لي أراك جازعا ~~أيها المفضال، وليس الجزع من شيم الرجال. فاتخذ التجلد والصبر عدة، ~~فإنما تعرف الرجال في الشدة، ولا تضجر من شدة المرض، فإنه عرض ويزول ~~كل عرض، وأنت تعلم يا أعز الأحباب، أن لكل أجل كتاب، وأن كثرة الأسقام، ~~لا تكون دليلا على قرب الحمام. فرب سليم عدم، وسقيم سلم، ورب طفل ~~لاش، وشيخ عاش، والمرء لا يعلم أيان يقوت، وما تدري نفس بأي أرض تموت، ~~والعاقل يختار جوار الله على جوار من عداه. # حليم ~~: # إني لا أرهب الموت، ولا أجزع من الفوت، وليس لي أمل في الحياة بعد ~~هذه الأوقات، وإنما يحزنني أن أترك ولدي وحيدا، منزويا فريدا، وكنت ~~أود تزويجه في حياتي، وبعدها لا أبالي بمماتي. فخان الأمل، وحان ~~الأجل. # عاقل ~~: # أفق لنفسك يا حليم، ولا ينزغنك الشيطان الرجيم. فإن الله أنيس كل ~~وحيد، وجليس كل فريد، ومعين كل ضعيف، وهو اللطيف بلطيف. # حليم ~~: # إني لم أتركه وحيدا وأنت موجود، يا أيها الحكيم الودود. وهذه وديعتي ~~أسلمها إليك، والله خليفتي عليه وعليك. اللهم رب البرايا، وغفار ~~الخطايا، يا ستارا على من عفاك، امنحني عفوك ورضاك، واغفر لي ذنوبي، ~~كما سترت عيوبي، ms090 وأمتني على الحق القويم، واهدني الصراط المستقيم، ولا ~~تعاملني بسوء أعمالي، وبردى أفعالي، فإنك أمرتنا بأن نحسن لمن أساء ~~إلينا، فأنت أولى بالفضل منا علينا، ووفق اللهم ولدي للهدى، واجعل له ~~من أمره رشدا. اللهم وسهل علي سكرات المنون، ولا تخزني يوم ~~يبعثون. ~~(ثم يموت) # لطيف ~~: # أواه! وا أسفاه عليك يا والدي العزيز! لقد مت في وقت وجيز ، ومضيت ~~يا والدي الكريم، وقضيت يا أبي الرحيم، وتركتني حليف الأحزان، أليف الهم ~~والأشجان. # عاقل ~~: # أسفي عليك يا صديقي حليم، يا نعم الصاحب الحميم، كل نفس ذائقة الموت، ~~وكل حياة بيدها الفوت، وكل مركب للانحلال، وكل بسيط للزوال، وكل موجود ~~للانعدام، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام. # الله يبقى وكل الكائنات عدم # والمرء يشقى وعقبه عليه ندم # والموت يخطف الأرواح خاضعة # لا فرق بين ملوك عنده وخدم # والناس في غفلة عما يكون وما # يلقون يوم يكون الله فيه حكم # طوبى لمن جعل التقوى سيمته # وقام بالحق في الأحكام حيث حكم # مثل الأمير حليم إنه رجل # أمضى الليالي بتقوى الله حيث قسم # فاغتاله الموت يا حزني عليه ولم # ينفعه طب ولا أهل له وحشم # صبرا لطيف على ما كان وارض به # الله يبقى وكل الكائنات عدم # الجميع ~~: # الخلد في الدنيا محال # والحال لو طال استحال # والمرء مهما اختال # خيال فكل شيء للزوال ~~••• # للموت تنخدع الرءوس # ولحكمه تعنو النفوس # لا كهل يبقى أو عروس # بل ظلهم للانتقال ~~••• # قد مات يا أسفي حليم # ومضى إلى دار النعيم # مجاورا ربا كريم # وهكذا حسن المآل ~~••• # نرجوك يا رب الأنام # العفو مع حسن الختام # وأسبل لنا ستر الكرام # فالكل فان لا محال # الفصل الثاني # المنظر الأول ~~(في منزل الوزير نعيم.) # نعيم ~~(للطيفة) ~~: # إن موت الأمير حليم سبب عندنا كدر عظيم، ولا سيما من أجل ولده لطيف. ~~فإنه من كثرة الأحزان ضعيف، وقد استأذن منا في السفر إلى بلاد الشام؛ ~~ليزور بيت الله المقدس الحرام؛ ليخفف عنه ما يقاسيه من الحزن على فقد ~~أبيه، ولكن إذا أجزناه تعطلت أشغاله، ms091 وإذا منعناه تكدرت أحواله. فما ~~الذي ترين، وبماذا تشيرين؟ # لطيفة ~~: # نعم، إن غم لطيف على فقد أبيه أوقعه من الذهول في وادي التيه، وإنه ~~بسبب بليته لا يمكنه تعاطي أعمال وظيفته، والأصوب يا رب المعال أن تسمح ~~له بالتفرغ عن الأعمال، بشرط ألا يبرح من المدينة؛ لتتسلى بعشيرته نفسه ~~الحزينة. # نعيم ~~: # هذا هو عين التدبير، ولا ينبئك مثل خبير. بارك الله فيك، ومتع ~~فؤاد أبيك. ~~(لأنيسة) ~~: اذهبي يا أنيسة ~~بغير تسويف، وابعثي من يأتي بلطيف. # أنيسة ~~: # أمرك يا ذا القدر المنيف. # نعيم ~~: # إن لطيفا ذو مروة، وعقل وفتوة، وهو جدير بالجنوح إليه، والتعويل ~~في المهمات عليه. # لطيفة ~~: # نعم يا مولاي، وهو فوق ذلك، وأنت أدرى بما هنالك. # أنيسة ~~: # إن لطيفا بالباب، يا واسع الرحاب. # نعيم ~~: # أحضريه بغاية الرحاب. إذا تحلت الشبان بالفضائل والعرفان، كان ذلك من ~~أعظم المنن، وأكبر المنافع للوطن. ~~(يدخل لطيف) # لطيف ~~: # جئت أسعى لأمركم فوق رأسي # يا وزيرا به تنال المقاصد # إن يكن والدي توفي فإني # بك لاقيت ألف أم ووالد # نعيم ~~: # لا فض فوك، ولا عاش حاسدوك. اعلم يا ولدي أن الحزن لا يرد الفائت، ~~ولا يحيي المائت. فالتزم الصبر، وسلم الله الأمر. وإنك كنت طلبت ~~منا منذ أيام إجازة لتسافر إلى بلاد الشام؛ لتصرف فيها الهموم، وتدفع ~~الغموم، مع أن الغربة كما يقال كربة، ومفارقة الأوطان مجلبة للأحزان، ~~فالأصوب أن تقيم في وطنك بين أهلك وسكنك. هذا يواسيك، وهذا يواليك. فإن ~~قومك يعرفون من طباعك، فيجارونك على مقتضى أوضاعك، وإني أجيزك ~~بالاستراحة عن الأعمال بضعة أيام وليال، إلى أن يسكن جأشك، ويعود إليك ~~انتعاشك. فاذهب إلى بيتك بسلام، ولا تقطع زيارتنا في جميع ~~الأيام. # لطيف ~~: # دامت معاليك، ودانت أياديك، وإني عبدك بلا مرى. فاصنع معي يا مولاي ~~ما ترى. ~~(يخرج) # نعيم ~~(للطيفة) ~~: # وها أنا ذاهب إلى الديوان، فقد آن يا ابنتي الأوان. # لطيفة ~~: # محفوظا بعناية الرحمن. ~~(يخرج نعيم) # لطيفة ~~(لأنيسة) ~~: # إن معاكسة الأيام يا نديمتي أنيسة، قد كدرت أوقاتي الأنيسة، وقد كان ~~والد لطيف مهتما ms092 بأمر الاقتران، ولكنه اليوم دخل في خبر كان، وليس في ~~قوة لطيف تدبير هذا الأمر. فكيف العمل وقد عيل مني الصبر؟ # أنيسة ~~: # إن اقتران الأمير لطيف بجنابك المنيف، لا يخلو من صعوبات مهمة، ~~وعوائق مدلهمة؛ لأنك يا مولاتي من بيت رفيع العماد، عالي الحسب بين ~~العباد، مع ما أنتم عليه من عظمة الوزارة، وشرف الأصل والإمارة، وأما ~~لطيف وإن كان حسبه غير سافل، إلا أنه بعيد عنكم بمراحل، ولا يغرب ~~عنك يا سيدة الأبكار، أن عوائد أهل هذه الديار، مراعاة الكفء في ~~الحسب، وعلو النسب. فيلزمنا مراعاة الحال، والعمل للاستقبال. # لطيفة ~~: # إذا فما العمل في هذا الخطب الجلل؟ وإني أرى والدي ميالا للأمير ~~حسيب، ويقابله دائما بالإجابة والترحيب، مع أني لا أميل إليه، ولا ~~أقبل أبدا عليه، وإذا أصر والدي على هذا المراد، فإني أقتل نفسي ~~وأتخلص من هذه الأنكاد. # أنيسة ~~: # اعلمي يا سيدتي أن هذا يحتاج للتدبير، وطول التفكير، واستعمال ~~السياسة، واتخاذ الحزم والكياسة، بالمشاورة مع حضرة الفيلسوف، والأمير ~~لطيف العطوف، فإن في المشاورة السداد، وقد يحصل الضرر من الاستبداد. هه ~~... وها هو الأمير لطيف مقبل علينا بشكله الظريف. ~~(يدخل لطيف) # لطيف ~~: # هل تقبلين سلامي ظبية البان # وترحمين بوصل قلبي العاني # ناشدتك الله عطفا إنني رجل # قد هيج الوجد أشجاني وأشجاني # لطيفة ~~: # أهلا بمن حبه والوجد أشجاني # وقربه زان أوقاتي وأحياني # الله في كبد ذابت على كمد # لولا أتعلل بالآمال أحياني # لطيف ~~: # اعلمي يا ملكة القلب، ومالكة اللب، أن مرامي طوع مرامك، ولكن مقامي ~~دون مقامك، وإني أرى وصولنا للغرض، دونه كل علة ومرض؛ ولذلك أصبحت لا ~~يختلج بفكري، غير معرفة مستقبل أمري. فإذا المقاصد تمت، فبها ونعمت، ~~وإن ضنت بذلك الأيام، فالحمام الحمام، ومني على الدنيا ~~السلام. # دعيني إلى قدري وإلا القبر # فإن حياة الذل صعب على الحر # سأسعى لآمالي فإن هي أقبلت # فأهلا وإلا لا سبيل إلى الصبر # أموت كريما لا أرى الضيم صاحبي # فقبري بعز النفس أعلى من القصر # لطيفة ~~: # ينال الفتى بالعزم فاتحة النصر # ويظفر ms093 بالآمال ذو الحزم والفكر # ولا يتمنى موته غير عاجز # ضعيف الحجا يختار تربا على التبر # وذو الهمة العليا يجد لقصده # ولا يبتغي قبرا بديلا عن القصر # ومن يطلب الشهد احتسى سم نحله # وكل عسير لو جهدت إلى يسر # فدع عنك النواح؛ فإنه لا يشفي جراح، وخذ في الطلب، واقض فيه ما وجب، ~~واستعمل الحزم، وامزجه بالعزم، واستعن بالله في أمرك، فإنه قادر على ~~تيسير عسري وعسرك. # لطيف ~~: # اسمحي لي يا مولاتي في الذهاب لحضرة الفيلسوف المهاب؛ لأتحدث معه في ~~هذا الشأن، وبالله سبحانه وتعالى المستعان. # لطيفة ~~: # بلغك الله آمالك، ونجح أعمالك. ~~(يخرج الجميع) # المنظر الثاني ~~(في بيت الحكيم عاقل.) # عاقل ~~(لنفسه) ~~: # سبحان موجد الكائنات بقدرته، ومدبر الموجودات بحكمته. كل شيء طوع ~~أمره ومراده، وهو القاهر فوق عباده. جعل نواميس الطبيعة على أتم نظام، ~~وخلق مدار الأفلاك على أحسن انتظام. فهو وحده الفعال، وكلنا قوال. ~~فنحن نشخص الداء والمزاج، ونخصص الدواء والعلاج، وهو المؤثر في ~~الحقيقة، والهادي لأقوم طريقة، ولكن الجهل قد أعمى الأبصار، وأضل ~~الأفكار، واستحكم الكبر والغرور، من النفوس والصدور. # يا مكثر العجب أن الدهر غدار # خفض عليك فللإقبال إدبار # ويا أخا الكبر فيم الكبر يا سفها # والبدو والعود أقذاء وأقذار # ويا حريصا على الدنيا وكانزها # هون فليس يطيل العمر إقتار # تجد في جمعها دهرا وتتركها # للغير قهرا وعقبى وزرها النار # ويا غرورا بعلياه ومنصبه # بالله أين الأولى شادوا وقد ساروا # أين الملوك وأين العاملون لهم # شادوا وزادوا ونادى الموت فانهاروا # يا غافل القلب عن تذكار غايته # ألم يكن لك في الماضي تذكار # ويا مكبا على فعل القبائح ما # هذي الفضائح والإنسان أثار # يا سائما في مراعى الغي ويحك لم # تسأم وقد سئمت من أهلها الدار # ويا غريق العمى هلا نجوت على # فلك الهدى فانجلت للحق أبصار # يا شاربا بكئوس اللهو مترعة # بالزهو مهلا فكأس الموت دوار # يا مدعي الخير والإفساد ديدنه # خف الرقيب فللإخفاء إظهار # قل الوفا واشتفى في الحل صاحبه # حتى جفا جاره من غدره الجار # مني ms094 السلام على هذي الحياة ولا # طالت إذا دام هذا الحال أعمار # الخادم ~~: # إن الأمير لطيفا يستأذن في الحضور. # عاقل ~~: # ليتفضل على الرحب والحبور ~~(يخرج الخادم، ~~فيقول لنفسه) ~~: من كان الغرام أكبر همه، هيهات أن يفيق من ~~غمه، وكم نصحت للطيف أن يقلع عن الطيش، ويرضى بما قسم له الله من ~~العيش. فلم يقبل النصيحة، ولم يميز فاسد الرأي من صحيحه. ولكنه معذور، ~~بحكم المقدور؛ فإن أمر العشق لا يرد، وحكم الغرام لا يصد. فالله يكون ~~في عونه، ويمده بمدد صونه. ~~(يدخل لطيف) # لطيف ~~: # مني السلام عليك يا هذا الحكيم # يا عاقلا في كل ما يبغي حكيم # إن كان مات أبي حليم وابتغى # دار البقاء فأنت لي نعم الحليم # ضاقت بي الأرجاء مما ألتقي # فارأف بنا يا أيها الأب الرحيم # عاقل ~~: # أهلا وسهلا مرحبا يا ابن الحليم # يا كاملا في كل ما يرجو حكيم # يا ابن الحبيب ويا حبيبي ما الذي # أضناك حتى صرت في رق النسيم # إن كان من حق فلا تطع الهوى # تندم وإلا صرت حيا كالعديم # ما لي أراك يخامرك الذهول، وقد اعترى زهرة شبابك الذبول. إن كان ذلك ~~من حب السيدة لطيفة، فحالتك يا ولدي مخيفة، وإن العاقل من عرف نفسه، ~~وملك هواه وحسه، والجاهل من أطاع هواه، حتى أودى به وأرداه. واعلم ~~أن السيدة لطيفة، حسيبة شريفة، لا تلبس غير متاعها. وأما أنت فمن ~~أتباعها. فابتغ في غرضك النظير؛ فإن النجم لا يقترن بالبدر المنير، ~~ولا يجرنك جنون الغرام لشرب كاس الحمام. # لطيف ~~: # ناشدتك الله أيها الفيلسوف، لا تحرمني من فضلك المعروف. فمن المحال ~~أن أسلو هواها، أو يروق لعيني سواها، وإن معالجة المنون أهون من معالجة ~~الجنون. # عاقل ~~: # كل ما قلته يا ولدي صحيح، لا يحتاج للتصريح. وإني لم أقل لك ما قلت ~~إلا بعد أن أعيتني الحيلة، وضاقت في وجهي سبل الوسيلة، ولم يبق علينا ~~غير باب واحد. فإن لم يفتح لنا فقل يا خيبة المقاصد، وذلك أن الوزير ~~نعيم له أخ كريم، وهو ms095 الذي رباه، وأحسن مثواه. فلا يرد الوزير كلامه، ~~ولا يصد مرامه. فهلم بنا لنرجوه في هذا الشان، وإن ساعدنا فقد أسعدك ~~الزمان. ~~(يخرجان) # المنظر الثالث ~~(في بيت الوزير نعيم.) # نعيم ~~: # ما أثقل عبء الوزارة، وأصعب مسئولية النظارة. فالوزير مسئول أمام ~~الله، ومحاسب عند الملك ورعاياه. فعليه تنظيم الأحكام المدنية، ~~والمحافظة على الحقوق الوطنية، ومراعاة السياسة في الخارج والداخل ؛ ~~ليدوم أمان الشعب في الآجل والعاجل. لا يقر له قرار، ولا يخلو ساعة من ~~الأفكار. فهنيئا لمن تخلى عن الدنيا وأتعابها، وتفرغ للعبادة وأخذ ~~في أسبابها. # رفيق الخادم ~~: # إن أخاك الأمير صالح، يا أيها الوزير الصالح، مقبل إليك، وقادم ~~عليك. # نعيم ~~: # ليأت بالإجلال، في العز والإقبال. إن حضور أخي في غير الوقت ~~المعتاد، لا ريب لأمر هيج منه الفؤاد. # صالح ~~: # لا تزل في طيب عيش # راقيا أوج السعود # في هناء وافتخار # راغما أنف الحسود # نعيم ~~: # دمت في عز ومجد # يزدهي منك الوجود # ظافرا من كل سعد # أيها الأخ الودود # صالح ~~: # إني أتيت الوزير في أمر شأنه خطير، وهو كما في علمك أن لطيفا شاب ~~أديب، وعاقل نجيب، أصيل النسب، طيب الحسب، متضلع من العلوم، منطوقها ~~والمفهوم، فضلا عما هو عليه من جمال الذات، وحسن الصفات، وكان والده ~~حليم، عليه رحمة الرحمن الرحيم، أخبرني أنه يريد القرب من حضرتكم ~~المنيفة، ويخطب لولده السيدة لطيفة. فحانت المنية قبل بلوغ الأمنية، ~~وبقي هذا الأمر متمكنا من لطيف، عن تالد لطريف، وقد جاء الفيلسوف ~~الكامل، الحكيم عاقل، متوسلا بي إليك يا عظيم المروة؛ لما لنا من حقوق ~~الأخوة، وهذا ما دار عليه الحديث وجرى. فانظر يا أخي ماذا ترى. # نعيم ~~: # ما كنت أحسب أن تحادثني في هذا الأمر، وأن ترضى لبيتنا الشريف أن ~~يدخل في نسبه مثل لطيف، ويصاهرنا رجل من آحاد الناس، ويتساوى القدم ~~بالراس، وهل يغرب عن فكرك الثاقب، أن مراعاة الكفؤ أمر واجب، وهلا ~~حفظت يا أعز الناس «تخيروا نطفكم فإن العرق دساس»؛ لكيلا تنحط الأحساب، ~~وتختلط الأنساب، ويختل النظام، وهذا رأيي والسلام. ms096 # صالح ~~: # لله رأيك ما أحكمك! ولله درك ما أفهمك! لقد راعيت منهاج الرشد، ~~وراعيت عرف البلد، ولكنك تركت الحقائق ظهريا، ونبذت الحكمة نسيا ~~منسيا، وسمعت أقوال العامة، ونظرت بأعينهم اللاحة، ولم تتذكر يا ~~رفيع الجناب. # فإذا نفخ في الصور فلا ~~أنساب ~~. أما سمعت يا راحة النفوس، ما قاله جالينوس: ~~الفخر بالهمم العالية، لا بالرمم البالية؟! أما قرأت أيها الأخ النفيس، ~~قول أرسطاليس: المرء بأدبه لا بنسبه؟! فالأصوب إجابة طلب لطيف، وأن ~~تتصرف معه أحسن تصريف. فإن الكفاءة ليست بالمال، ولا المنصب العال. ~~فتلك أعراض تزول، وأحوال تحول، وإنما الكفؤ بالعقل، والأدب والفضل، ~~ومثابرة التقوى، في السر والنجوى. قال جل شأنه ورعاكم: # إن أكرمكم عند الله ~~أتقاكم ~~، وقال تعالى وهو أحكم الحكماء: # إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء ~~. فهذه حكم أزفها إليك، وأعرضها عليك، ثم ~~أتبعها بنصيحة مهمة، تجلو هذه الظلمات المدلهمة، فاجعلها نصب عينك، ~~ولا تجعلها فراق بيني وبينك، وهي أن لطيفا يعشق لطيفة، وهي تحبه وتحب ~~تلطفه، وأنت تعلم أن سلطان العشق قادر، وحكمه للملوك قاهر. فحذار ~~حذار من الامتناع، ومعاكسة الأوضاع، فتعض بنان الندم، وتقرع سن ~~السدم. # نعيم ~~: # لقد كان بودي يا روضة الفضل الوريفة، أن يقترن لطيف بلطيفة، لولا ~~الموانع التي ظهرت إليك، ومانع آخر لا يخفى عليك، وهو أن ابن وزير ~~التجارة، قد خطب لطيفة الغدارة، وقد أجبته للطلب، وقلت نعم المخطوب ~~ومن خطب. فكيف يسوغ بعد ذلك يا أخي المنيف، أن يقال بخطبة لطيف. ~~فأرجوك أن تصده عن هذا المرام، وألا يعاودني أحد بهذا الكلام، وإلا ~~فأذيقه البوار، وأنفيه عن الديار. # صالح ~~: # الأمر منك وإليك، والله سبحانه خليفتي عليك. # نعيم ~~: # لا تنسني من دعائك، ولا تحرمني من رضائك ~~(يخرج صالح، فيقول لرفيق) ~~: اذهب يا رفيق، وأت بالسيدة ~~لطيفة بغير تعويق. # رفيق ~~: # طوعا يا صاحب الأصل العريق. ~~(يخرج) # نعيم ~~(لنفسه) ~~: # هل كان أخي يهددني بكلامه؛ ليتوصل إلى مرامه، ومن هو لطيف الذي ~~أقرع سن الندم عليه، وأخشى وصول الأذى منه وإليه. فها أنا أختبر ~~السيدة لطيفة، ms097 وأستعمل معها العبارات اللطيفة، وهنالك يكون لكل كلام ~~مقام، ولكل مبدأ ختام. ~~(تدخل لطيفة) # لطيفة ~~: # طوعا لأمرك سيدي # قد جئت في هذا المقام # فاسلم ودم يا والدي # راق إلى أسنا مقام # نعيم ~~: # أهلا وسهلا بالتي # هي جنتي وهي المرام # أهلا وسهلا فاجلسي # وتدبري معنى الكلام # اعلمي أيتها السيدة العاقلة، واللطيفة الكاملة، أني دعوتك لأعرض عليك ~~أمر زواجك، واختيار عرسك لابتهاجك، فإن الأمير حسيبا أكثر الترداد؛ ~~ليفوز من زواجك بالإسعاد. فماذا ترين، وبماذا تشيرين؟ # لطيفة ~~: # أمرك يا والدي مطاع، وواجب الاتباع. # نعيم ~~: # إذا أبشره الآن، بقبولك الاقتران. # لطيفة ~~: # لا تعجل يا والدي الأبر، بإنجاز هذا الأمر. حتى تجرب الطالب، ~~وتختبر أخلاق الخاطب. فإني رأيت منه غلاما جهولا، لا يعرف من العلم ~~أصولا، زينته الملابس، وحليته الحلي كالعرايس، مأواه الحانات، وحديثه ~~خرافات، ومثله غير جدير بخطبة بنتك، ولا أن يكون في عداد أهل بيتك. ~~فهذا ما أعرضه عليك، والأمر منك وإليك. # نعيم ~~: # لله درك يا بنتي! يا شمس سماء بيتي. ما أكمل عقلك، وأغزر نيلك! فإني ~~أيضا سمعت من الناس أن حسيبا جاهل خناس، ولكن ما حيلتي أيتها ~~الفهيمة، في عوايد شعبنا القديمة، وهي الأخذ بعلو النسب، وكثرة المال، ~~لا بمراعاة الفضل والكمال. غير أني سأسعى بكل جهدي في إبطال هذه ~~العوائد، الخالية من الفوائد، وأجعل فاتحة هذا الباب المنيف زواجك يا ~~ابنتي بلطيف، فإنه شاب كريم، وفاضل مستقيم. فبماذا عقلك يشير، يا ربة ~~التدبير؟ # لطيفة ~~: # إن لطيفا يا رب العوارف، ذو علم ومعارف، وله نخوة وشهامة، وهو جدير ~~بكل كرامة. فإن رأى سيدي أنه أهل للمصاهرة، والنسب والمعاشرة، فعجل ~~بالأمر بما تختار، فإني لك من ضمن الجوار. # نعيم ~~: # وهل ترغبين التعجيل بذلك؟ # لطيفة ~~: # نعم، وقيت شر المهالك. # نعيم ~~: # وهل تفضلين لطيفا الحقير، على حسيب الأمير؟ وهل بلغ من قدرك يا ~~خسيسة، أن تخاطبيني مخاطبة السيدة الرئيسة؟ وهل أنت مستقلة بنفسك حتى ~~تختاري من تشائين لعرسك؟ وهل أضلك الغرض، حتى استبدلت بالجوهر العرض؟ ~~فاذهبي يا نحيسة القران، ولا تريني وجهك من الآن ms098 ~~(تخرج لطيفة، فيقول لرفيق) ~~: اذهب وادع ~~السيدة عريفة، والدة السيدة لطيفة، ولا تخبرها بشيء مما حصل. # رفيق ~~: # أمرك أيها المولى الأجل. ~~(يخرج) # نعيم ~~: # هذا جزاء من فرط للأبكار، في مصاحبة الشبان بالعشي والإبكار، وإني ~~سأعرض الأمر على زوجتي، لعلها تكشف عني بليتي، وإن هي سلكت مسلك بنتها ~~فلا بد من مقتها، وبكتها. # عريفة ~~: # أنعم صباحا أيها المولى الوزير # واسعد بما يرضيك يا نعم المشير # وارقى إلى أوج السيادة ظاهرا # بالحزم والإقبال والعزم الخطير # نعيم ~~: # أهلا وسهلا ربة الفكر المنير # يا من غدت في الفضل ليس لها نظير # قد فاجأتني الحادثات وأذهلت # فكري فكوني زوجتي نعم النصير # إني دعوتك لأمر أزعج بالي، وهيج بلبالي. فساعديني بساعد الهمة، ~~واكشفي عن زوجك هذه الملمة. # عريفة ~~: # حفظك الله ورعاك، من كل سوء وقاك. فما هذه الغمة، والنازلة ~~المهمة؟ # نعيم ~~: # إن أخي الأمير صالح طلب زواج لطيفة بلطيف الطالح، فاستحضرت لطيفة ~~لأختبر أمرها، وأعلم سرها وجهرها. فأخبرتني بغير مبالاة إنها تريد ~~لطيفا وتهواه، وأما خطبة حسيب فرفضتها لمعايب فيه، أظهرتها، فما رأيك ~~يا نعم القرينة، ويا ربة الحكم المبينة؟ # عريفة ~~: # إنك تعلم يا حضرة الوزير، أن الزواج أمر خطير. فإن عليه مدار ~~العمران، إذا اتفق الزوجان، وإن اختلفا فهنالك الدمار، وخراب الديار؛ ~~ولذلك قرر الحكماء، والفلاسفة العلماء، لزوم مشاورة البنت في زواجها، ~~والسير في الأصلح على منهاجها، وأن تختار لنفسها من تريد لعرسها ولا ~~ينبغي الضغط على أفكار الأبكار، ولا الحجر عليهن في انتقاء أزواجهن ~~الأخيار؛ لما يترتب على ذلك من حسن المعاشرة، والمصاحبة والمسامرة، ~~وليس بالعار أن يكون الزوج أقل من الزوجة رتبة، فإن ذلك لا يشين ~~المقارنة والصحبة، وأما إذا كان الزوج عالي النسب، وعديم التربية ~~والأدب، بعيدا عن الفضائل، قريبا من الرذائل، فتكون الغنيمة البعد ~~عنه، والقرب عن الجحيم خير من القرب منه. فلا تقهر لطيفة على مصاحبة ~~من لا تريد، فإن ذلك من الحكمة بعيد، واسمع نصيحة أخيك الأمير صالح، ~~فإنه نعم الأخ الصالح. # نعيم ~~: # كنت أود أن تساعديني على ما ms099 أختار، فأصبحت معك كالمستجير من الرمضاء ~~بالنار، وما آفة البنات غير جهل الأمهات، فبشري يا عريفة، بنتك لطيفة ~~بالفتح والنصر القريب، إذا هي رضيت بحسيب، وحذريها بكل تعنيف من ذكر ~~اسم لطيف، وإلا صببت عليها العذاب، وأبعدت لطيفا عن الأهل والأتراب ~~(لنفسه) ~~: وإني سآمر على لطيف ~~المهان، بالحجر فلا يزورنا مدى الزمان، ولولا خاطر أبيه لعزلته، وعن ~~الأوطان أبعدته. ~~(ثم يخرج) # عريفة ~~(لنفسها) ~~: # مسكينة يا لطيفة! مسكين يا لطيف! لقد تصرف معكما الوزير أسوأ تصريف، ~~وحالت بينكما الأيام، وبين بلوغ المرام. فيا ليت شعري ماذا سيكون؟ ~~إنا لله وإنا إليه راجعون. ~~(تبكي وتدخل عليها لطيفة.) # لطيفة ~~: # ما الذي يبكيك يا أماه؟ وما الذي أمر به والدي وأمضاه؟ هل صنع معك ~~يا أمي الحنينة، كما صنع مع بنتك المسكينة؟ # عريفة ~~: # آه يا لبنتي قد ذبت من الوجل، وخاب منا الأمل، وذلك لأن أباك قد أبى ~~لطيفا وأباك، وصمم على اقترانك بحسيب، وإبعاد لطيف عنا وعن كل ~~قريب. ~~(تدخل أنيسة) # أنيسة ~~: # إن لطيفا يا مولاتي بالباب. # عريفة ~~: # أدخليه بغاية الترحاب. ~~(للطيفة) # لا تجزعي يا لطيفة الصفات، وسلمي الأمر لبديع السموات. ~~(يدخل لطيف) # لطيف ~~: # إن مولانا الوزير يا ربة العفاف، لم يسلك مع الأمير صالح سبيل ~~الإنصاف، وصمم على اقتران لطيفة بحسيب، وأصبح لطلبي غير مجيب. فهلا ~~تكلم الوزير معكما بهذا الكلام؟ وإن كان حصل فهل حرب أم سلام؟ # عريفة ~~: # إن غاية الكلام، قد رفض الوزير طلبكما والسلام. ~~(يدخل رفيق) # رفيق ~~: # فز يا سيدي بنفسك قبل أن يدخلك الوزير في رمسك؛ فإنه أمر بالتحريج ~~عليك، فلا تصل أبدا إلينا ولا نصل إليك، وإنك لو خالفت يقتلك شر قتلة، ~~ويجعلك للعالم مثلة. فالبدار يا مولاي البدار، ولا ترجع ثانية إلى ~~هذه الدار. # لطيف ~~(للطيفة) ~~: # ودعيني أيتها الملك السماوي، واغفري لي ما يكون فرط من ~~المساوي. # يا حياة الروح رقي # قد دنا وقت الوداع # أنت في أيديك رقي # هل ترى يأتي اجتماع # لطيفة ~~: # يا لطيف كيف حالي # بعد هذا الافتراق # مر عيش كان حالي # بلغت ms100 روحي الراق # لطيف ~~: # ودعيني ودعيني # قبل ما الوقت يفوت # وإذا مت ارحميني # إنني اليوم أموت # لطيفة ~~: # ضاقت الدنيا بنفسي # وحكت سم الخياط # ليتني جاورت رمسي # وانقضى هذا العياط # رفيق ~~: # أيها العشاق صبرا # للمكارب قدير # إن بعد العسر يسرا # والهنا بعد العسير # الجميع ~~: # يا كريم انظر إلينا # منك عطفنا بالمرام # وأسبل الستر علينا # في ابتداء وختام ~~(ستار) # الفصل الثالث # المنظر الأول ~~(في بيت لطيف.) # لطيف ~~: # لم يبق إلا نفس خافت # ومقلة إنسانها باهت # ومهجة ذابت بحر الجوى # والوجد إلا أنه ساكت # يرثي له الشامت من رحمة # يا ويح من يرثي له الشامت # أواه! وا حر قلباه! بعاد وحرق، وسهاد وقلق، وفؤاد تتلظى ناره، ودمع ~~تتدفق بحاره. فما أقساك أيها الوزير نعيم! وما أظلم حكمك الذي أقعدني ~~في العذاب المقيم! ولا ذنب لي غير حب السيدة لطيفة، وعشقي لشمائلها ~~اللطيفة. فبدلا عن كونه يمنحنا بالاقتران؛ ليطيب لنا الزمان، فإنه رفض ~~سؤالي، وخيب آمالي، وغره الطمع، والكبر والجشع، إلا اختيار حسيب مع ~~ما هو عليه من الجهل المعيب. مع أن السيدة لطيفة لا تميل إليه، ولا ~~تقبل عليه. وما كفاه ذلك، حتى أراد إيقاعي في المهالك، فأمر بألا ~~أدخل داره، ولا أزور جاره، كأني الوباء الأصفر، أو الموت ~~الأحمر. ~~(يدخل سالم) # سالم ~~: # إن السيدة أليفة، مربية الأميرة لطيفة، تريد الدخول عليك، والمثول ~~بين يديك. # لطيف ~~: # آه أليفة! مربية السيدة لطيفة، وا فرحتاه! وا حر قلباه! أحضرها يا ~~سالم. # سالم ~~: # أمرك يا ابن الأكارم. ~~(يخرج) # لطيف ~~: # ليت شعري ما الذي جاء بها هنا؟! عسى يكون معها الفرج والهنا، ولكن من ~~أين يأتي الفرج، بعد ما ذابت الأكباد وتقطعت المهج! ~~(تدخل أليفة) # أليفة ~~: # حيتك غادية الخيال # في النوم إذ عز الوصال # وسقاك مزن الصبر من # عزب الرضا طيب المنال # ما بال جسمك شاحبا # حتى غدا رق الخلال # ما بال عقلك ذاهلا # يهذي وفكرك في اختلال # فأصغ لقولي واستمع # مني كما تبغي مقال # تهدي إليك لطيفة # أذكى سلام مع كمال # وعليك تعرض وجدها # وسهادها طول الليال ms101 # وإليك تبدي شوقها # حتى غدت مثل الخيال # هذا هواها قل لنا # هل أنت من هذا المثال # لطيف ~~: # عقلي وفكري في اختبال # أبدا وجسمي في اعتلال # أبكي فيبكي المزن لي # وتذوب من ناري الجبال # لا ميت أرجى ولا # حي فأرجى في مجال # هذا محصل حالتي # أفهل رأيتم لي مثال # أليفة ~~: # إن سيدتي بعثتني إليك؛ لأعرض حالتها عليك، وذلك أن أباها أمر بحبسها ~~في الدار، وأنها لا تزور ولا تزار؛ لأنها رفضت خطبة حسيب، وقالت: إن ~~قلبها لغيرك لا يجيب، وأصبحت أسيرة الفراش، تتهافت على النار ~~كالفراش، وطالما أحضروا لها الأطباء والحكماء الألباء، فما أمكنهم ~~تشخيص الداء، ولا معرفة الأدواء، وانقطع من صحتها الأمل، وخاب في ~~شفائها العمل، وهي مع ذلك تترنم بذكراك، ولا ترتاح لغير هواك، وتقول لك ~~إنها على عهدك القديم. فهل أنت يا لطيف على عهدها مقيم. # لطيف ~~: # أبلغي عني لطيفة # أنني فيها عليل # وأخبريها يا أليفة # عن ضنى جسمي النحيل # حالتي فيها مخيفة # وأنا فيها قتيل # واسعفيني يا أليفة # منك بالرد الجميل # مغرم زاد انتحاب # من ضنى الوجد الأليم # عن هواها ما أناب # وعلى العهد مقيم # يبتغي منها جوابا # هل ترى تشفى السقيم # واسعفيني يا أليفة # منك بالرد الجميل ~~••• # قبلي الأرض لديها # بوقار واحتشام # وانشدي قلبي لديها # وأبلغي عني السلام # واعرضي شوقي عليها # واوصفي حال الغرام # واسعفيني يا أليفة # منك بالرد الجميل # أليفة ~~: # حالك من حالها، ووبالك من وبالها، ولكنها أجدر منك بالإشفاق؛ لأنها ~~مقيدة وأنت في عالم الإطلاق، وعلى كل حال فبالصبر الزم، والتسليم للقدر ~~أسلم. فأستأذنك في الذهاب يا رفيع الجاه، فقد تركتها على آخر رمق من ~~الحياة. ~~(تخرج مسرعة) # لطيف ~~: # شتات وأسقام ووجد مبرح # وسقم وآلام وشوق وأوجال # فيا دارها بالخيف إن مزارها # قريب ولكن دون ذلك أهوال ~~(يدخل حازم) # حازم ~~: # تفضل أيها الأمير الكريم، وأجب سيدي الفيلسوف في دار الوزير نعيم؛ ~~لأمر مهم، وخطب مدلهم، وحذار من التواني طرفة عين. فقد ذهب الأثر ~~والعين. # لطيف ~~: # ما الخبر يا حازم، يا ذا الرأي الحازم؟ # حازم ms102 ~~: # غم سادم وهم صادم # وحزن قادم وبلاء هادم # حل بالرغم يا لطيف الحمام # فعلى عمرها اللطيف السلام # فاقتبل نعشها فقد شيعوها # بنفوس يذيبها الاحتدام # ها هو النعش مقبل يتهادى # في جلال يحفه الاحتشام # فالتزم يا لطيف صبرا جميلا # إن لله لا سواه الدوام # لطيف ~~: # آه يا ويلاه! من ذا الذي مات، وأصبح من الرفات؟ ولماذا يدعوني ~~الحكيم، في دار الوزير نعيم، مع ما بيننا من الجفوة، وما هو عليه من ~~القسوة؟ # أوضح الأمر ساءني الإبهام # وضنتني الهموم والأسقام # أوضح الأمر حازم إن صدري # يتلظى بالقلب فيه الضرام # حازم ~~(لنفسه) ~~: # من ذا الذي مات ... أقول له ... أقول ... لا ... نعم أقول. ~~(للطيف) ~~: أسفي يا مولاي لطيف، لقد ~~تقلص ظل الصفو الوريف، وأصبحت القلوب للأحزان حليف، فإن الذي مات هي ~~السيدة لطيفة. # لطيف ~~(بنواح شديد) ~~: # لطيفة ماتت! لطيفة ماتت ... آه ... آه! ~~(يسقط) # حازم ~~(لنفسه) ~~: # ليتني ما أخبرته، ولا كنت بموتها عرفته؛ لأن خبر وفاتها وصل هذه ~~الساعة لسيدي الحكيم، فذهب في الحال إلى دار الوزير نعيم، ولما سمع ~~الندب والنواح، ورأى الوفود من جميع النواح، بعثني لآتيه بالأمير لطيف، ~~بغير مهلة ولا تسويف؛ ليمشي في الجنازة مع الخواص المختارة، فحصل له ما ~~حصل، وكاد يأتيه الأجل فإني أتوجه الآن وأخبر سيدي بما كان. ~~(ثم يفيق لطيف.) # لطيف ~~: # أيها الناس هكذا الأحكام # كل نفس يأتي عليها الحمام # ويموت الطبيب وهو عليل # يتعنى كما تموت النعام # ويموت الحكيم وهو فقيه # مثل ما يزهق الجهول أطلام # كلنا مائت وفي الموت تلغي # راحة النفس من عناها الكرام # يا حياتي اذهبي لطيفة ماتت # وحياتي من بعدها إعدام # أخذتها المنون في عنفوان ال # عمر نهبا وعز منها المقام # قصف الموت غصن روض خلالها # فبكت السماء وناح الحمام # خطف الموت روحها فتفانت # لفناها الأرواح والأجسام # ليتني مت واسترحت من الدن # يا وما أكمنت لي الأيام # عدم كله الوجود ويفنى # كل شيء وللإله الدوام # تعسا لك يا موت ما أظلمك! وتبا لك يا حمام ما أشأمك! قطعت زهرة ~~حياتها من روض ms103 شبابها، وغيبت شمس ذاتها من أفق أترابها. وأنت يا ~~أباها الظلوم، ماذا أفادك عنادك المشئوم؟ أوقعت نفسك في خطية ليس لك ~~منها فكاك، وأوقعتني معها في مهاوي الهلاك، ولكن لا بد لي من الذهاب ~~إلى تربتها، وأعمل كل حيلة لمشاهدة طلعتها ثم أنقلها إلى داري في ~~الظلام، وأهيئ له غرفة كغرفة الزفاف بالتمام، وهناك أندبها وأبكيها، ~~وأقضي حق الأحزان وأرثيها، حتى إذا لاح عن الصباح النور، أعيدها إلى ~~ظلمة القبور، وأضعها في رمسها، وأدفن نفسي مع نفسها؛ لأموت ظافرا ~~بالمرام، وأسأل الله حسن الختام. # المنظر الثاني ~~(مقبرة إسلامية في الخلاء وبها اللحاد خاشع.) # خاشع ~~: # ما أغفلك يا ابن آدم، وما أجهلك في هذا العالم! تبني القصور، وتعمر ~~الدور، والموت لك بالمرصاد، يخطفك من الأهل والأنجاد. فبينما أنت في ~~أعلى القصر، وإذا بك نزلت في أسفل القبر، وهذه الشواهد، على ما أقول ~~شواهد، وكلنا نرى ذلك، ولا ننكر ما هنالك، ولكن عميت البصائر، وخلت ~~الضمائر، وإليها الغرور، عن حقائق الأمور. تموت الأجداد والآباء، وتفنى ~~البنات والأبناء، ونحن في غفلتنا غافلون. إنا لله وإنا إليه ~~راجعون. يا ابن آدم تعمل الأفراح، وتعاقر الراح وتغازل الغزلان، وتساجل ~~الألحان، وتنتقي العرائس، وتقتني النفائس، وتكنز المال، وتطلب المنصب ~~العال، كأنك خالد في دنياك. فأف لك يا أفاك، تتجاهر بالمعاصي، ونسيت ~~يوم الأخذ بالنواصي، يوم ينظر المرء ما قدمت يداه أمامه، يوم يعض ~~الظالم على يديه ندامة، ويتقلب من جمر العقاب على جنبيه، فيا ليت شعري ~~أما في هذه القبور زواجر؟! أما في هذه الرفات موعظة لناظر؟! يتساوى ~~عندي المالك والمملوك، والأمير والصعلوك، كلهم يأتيني في ثوب الكفن ~~رافل، ومن هذا الباب داخل ... وأنت ما لك يا خاشع وهذه الأفكار، وأنت رجل ~~لحاد حفار، في النهار أدفن وأواري، وفي الليل أنعكف في داري، وقد ~~دفنت اليوم في هذا القبر بنت الوزير، واكتسبت من دفنها ثلاثة دنانير، ~~وها نحن الآن بعد العصر، فأنا أتوجه إلى بيتي وأدعو للسلطان بالنصر ~~(يشعر بحركة رجل من بعيد) ~~: أرى ~~رجلا مسرعا ms104 في الحضور، وبيده رياحين وزهور، ولا بد من انتظاره هنا، ~~عسى يكون في حضوره الهنا، ويبشرني بقدوم جنازة أخرى، فأزداد مكاسب ~~كبرى. ~~(يدخل لطيف) # لطيف ~~: # السلام عليك أيها الرجل الطاهر، وما سبب وقوفك بين المقابر؟ # خاشع ~~: # وعليك السلام. أنا عمك خاشع اللحاد. أدفن الملوك والعباد، ومنذ ~~سنتين دفنت رجلا فقيرا في هذا القبر، واليوم دفنت فيه بنت الوزير ~~صاحب الأمر؛ ولذلك فإني واقف يا طاهر الأنفاس، أضحك متعجبا من غفلة ~~الناس. # لطيف ~~: # أهذا قبر لطيفة؟ أهذا قبر الطاهرة العفيفة؟ ما كنت أعهد قبلك يا مطلع ~~النور، أن الأقمار تخفيها القبور. # عليك سلام لله يا ساكن الرمس # فلو أنت تفدى كنت أفديك بالنفس # لطيفة هل تدرين فيك توجعي # وأن حياتي بعد موتك في نحس # سقى لحدك الفردوس سحب مدامعي # فدمعي مطلوق ونفسي في حبس # خاشع ~~: # ارحم دمعك أيها الباكي، وأشفق بنفسك يا أيها الشاكي. لقد فتت ~~الأكباد، وهيجت أحزان عمك اللحاد. فما سبب حضورك الآن، والندب في ~~هذا المكان؟ فأخبرني يا ولدي بسرك ونجواك، وقل من أنت وما هي بلواك، ~~لعلي أساعدك في أحوالك، وأنشلك من أوحالك؟ # إذا كنت في كربة فاستعن # بمن كان همته عالية # ولا تحتقر قبل أن تختبر # فرب صغير هو الداهية # لطيف ~~: # أنا لطيف العديم، ابن الأمير حليم. # خاشع ~~: # إن المرحوم أباك يا ولدي كان سيدي وسندي، وله عندي مآثر كالصبح ~~السافر، وقد سمعتك تقول إن اسمك لطيف العديم. فلماذا يا سيدي هذا ~~التعبير الأليم، ولماذا تندب قبرها وتبكيها؟ لعلك أنت الذي خطبتها من ~~أبيها. # لطيف ~~: # نعم الأمر كذلك، وأنت من أخبرك بذلك؟ # خاشع ~~: # إنهم بعد أن واروها التراب، وانصرف أكثر الأحباب، سمعت أباها يقول ~~لأخيه الأمير صالح، ليتني سمعت منك تلك النصائح، وكنا أحسنا التصريف، ~~وقبلنا خطبة لطيف، ورأيت الوزير يعض بنان الندم، ويقرع سن السدم. فهذا ~~هو سبب معرفتي الخبر أيها الأمير المفتخر. # لطيف ~~: # أشكرك على همتك، وجزيل كرمك، ولكن لي إليك حاجة، أطلبها منك بغاية ~~اللجاجة، وإذا أنت قضيتها لي يا خاشع، أسبغت عليك ms105 إنعامي المتتابع، ~~وذلك أنك يا أعز الأحباب، تكشف عن جسمها التراب، وتسمح لي بأن أراها، ~~وأتمتع بمشاهدة محياها، مدة نصف ساعة من النهار، وخذ أجرة عملك هذه ~~الخمسين دينار، ونبادر إلى ردها، ومواراتها في لحدها. # خاشع ~~(لنفسه) ~~: # خمسين دينار! يا عمار الديار! لقد صرت يا خاشع بين العباد، أغنى من ~~كل لحاد، وما هو طالع من رؤيتها، ونعيدها إلى تربتها. فهو يتنعم، وهي ~~لا تتألم ~~(للطيف) ~~: أنا خادمك خاشع، ~~ومحسوبك المتواضع، لا أعصي أمرك طول حياتي، ولو كان في ذلك مماتي، وها ~~أنا ذاهب لآتي بالفلق والفاس، والله يحميك من عيون الناس. ~~(يخرج) # لطيف ~~(لنفسه) ~~: # إن الرجل أدهشته الدنانير، وإن هذا من عناية المقادير، والألزم أن ~~أعطيه قدر ما أعطيه عساه يسمح لي بحملها إلى البيت. # خاشع ~~(يدخل) ~~: # أنا أحفر بالفاس يا أعز الناس، وأنت يا ابن الأنجاب تنقل بهذا الفلق ~~التراب، وكنت أود أن ينوب عنك أحد الأتباع، ولكن يا ولدي كل سر جاوز ~~الاثنين شاع. فهلم للعمل في الحال قبل أن يأتي ما لم يكن في ~~البال. # لطيف ~~: # قد أعجبتني نباهتك، وأدهشتني عنايتك، وإني أطلب منك أمرا آخر، هو ~~عندي الأول والآخر، فإن قبلته كان أرفع في المروة، وأليق بالشهامة ~~والفتوة، وأعطيك أيضا خمسين دينار، وماية أخرى إذا طلع النهار. # خاشع ~~: # ما هو ذلك الأمر يا قرين السعد والنصر؟ فإني أقضيه في مدة وجيزة، حتى ~~لو طلبت مني روحي العزيزة، حفظ الله نفسك، وأدام عليك أنسك. # لطيف ~~: # إني أريد نقل جثة المرحومة إلى داري التي هي لك معلومة، ومن قبل طلوع ~~النهار أتيك بها في الاستتار، وها هي يا خاشع الدنانير، فاقبضها ولكن ~~في أمان اللطيف الخبير. # خاشع ~~: # أهلا بدينار الذهب # همي به الآن ذهب # فيه الأماني والطرب # يا فرحتي يا فرحتي # أمشي حليفا للسرور # مستأنسا بين القبور # أفوق أصحاب القصور # يا فرحتي يا فرحتي # بأمرك مولاي أحفر جميع القبور، وأجعل سكانها كيوم النشور، وليس علي ~~في ذلك حرج، إذا كان فيه لك الفرج، ولكن اصبر يا سيدي ms106 حتى تغيب الشمس، ~~وتطمئن من الرقباء النفس، ثم خذها لمنزلك السعيد، واصنع بها ما ~~تريد. # لطيف ~~: # بارك الله فيك، وما أحن هذا الدر من فيك، وها أنا ذاهب لأجهز غرفتي ~~على مقتضى إرادتي، وعند إتمام المرغوب أتيك بعد الغروب. ~~(يخرج) # خاشع ~~: # إني أفوز بالذهب # وأجتلي كأس الطرب # حتى إذا نلت الأرب # أقضي لشأني ما وجب # وهو يفوز بالرمم # ويحتظي بذا الصنم # ويحتسي كاس الغمم # لكل امرئ ما كسب # فالدهر أحواله عبر # يا سعد من فيه اعتبر # هذا غني في كدر # وذا فقير ما اكتسب # والكل مثواه التراب # يا فوز من لله تاب # مقدما قبل الذهاب # ندامة مما ارتكب # لطيف ~~(لطيف يدخل ومعه خادمه سالم) ~~: # البدار، البدار، فقد ولى النهار، وحذار من فوات الفرص؛ لكيلا ~~نتجرع الفصص. # خاشع ~~: # إني كنت لا أريد تسليمك الرمة، ولكن شفقتني أحوالك المغمة، فاخترت ~~أخف الضررين، ورضيت أهون الشرين، فأوصيك ألا تفرط في الحزن، والقولة ~~والشجن، ولا يجرك جنون الغرام إلى أن تسين بالذلة والآلام، واعلم أن ~~تذكار ما مضى يجدد الأحزان، وكثرة التحسر داعية الخسران، والعاقل من ~~تنبه من نومه، وعمل لغده ويومه. فاذهب بسلام وارجع بوعد ~~الكرام. # لطيف ~~: # احملوا الصندوق حالا # نحو داري يا كرام # واكشفوا عني النكالا # واسعفوني بالمرام # احملوا لطفا لطيفة # وانظموا دار الزفاف # وارحموا نفسي الضعيفة # يرحم الله الضعاف # خاشع وسالم ~~: # سر بعون الله والزم # في الهوى حسن الشئون # وارضى بالمقدور واعلم # أن ما قدر يكون # الجميع ~~: # يا إلهي استر علينا # واكفنا شر اللئام # وأوصل الخير إلينا # وأعطنا حسن الختام # الفصل الرابع ~~(قصر لطيف وقد زينه بالأنوار والأزهار، وأجلس جثة لطيفة في غرفة العرس.) # لطيف ~~: # خليلي هل هذي لطيفة يا ترى # ولا خيال الطيف في عالم الكرى # وما أنا وسنان وليس الذي أرى # خيالا فما هذي المناظر يا ترى # لطيفة ماتت لا وحقك لم تمت # وها نحن في عرس الزفاف الذي جرى # أراها على عرش الزهور قد استوت # منعمة لكن فؤادي تسعرا # أرى هيكلا من غير روح وهالها # هي الروح قد ms107 وافت لتعلم ما جرى # ما هذا الخيال؟! ما هذه الأحوال؟! ~~(يتخيل وصول ~~والده) ~~: أهلا يا والدي حليم. مرحبا بأبي الرحيم. ها أنا ~~العريس، وها هي العروس. فلنشرب على حب الزفاف الكئوس. ~~(يقترب من لطيفة.) # خذي الكاس مني يا لطيفة واشربي # بسر زفاف أمره حير الورى # لطيفة طال الصمت هذا أبي إني # مجيبه لطفا منك فالحظ أسفرا # قد طال منك السكوت، وأخذت يا لطيفة الصموت، واعتضت عن الحركة بالسكون. ~~فهل هذا منون أم هذا جنون؟ # منون وموت يا لطيفة أرسلا # لروحك جيشا لا يرد وعسكرا # غدا أجشمك الشفاف يرتاح للثرى # وكان إذا مر النسيم تأثرا # لطيفة ماتت كيف يحيى لطيف # نعم هو ميت بعدها لن يعمرا # أيها الناس، ما هذا الوسواس؟! عفوا يا سيدي الوزير نعيم، عاملني بعفوك ~~وأدخلني النعيم. أنت الذي قتلتها بأعمالك العنيفة، وأفكارك الخسيفة. لا، ~~لا. أبعد عني، ولا تأخذها مني. دون أخذ لطيفة ضياع الأرواح. خذها من يد ~~شجاع اللحاد. # أمطري يا سماء رقش الأفاعي # فوق رأسي ولا تريني حياة # أمطري أمطري صواعق موت # مهلكات حتى أساوي الرفات # لم أمت قبلها فلست وفيا # وبذا الذنب أستحق الوفاة # قرب الوقت يا لطيفة قومي # وانظريني عساي ألقى نجاة ~~(يسمع طرقا على الباب فيقول للخادم): # انظر من الطارق في هذا الليل الغاسق. # سالم ~~: # إنه يا صاحب المعروف أستاذنا الفيلسوف، وهو مقبل عليك، يريد الدخول ~~إليك. # لطيف ~~: # افتح له الباب، وأدخله بغير ارتياب، وأجلسه في رحبة الدار. # سالم ~~: # أمرك يا ذا الاعتبار. ~~(يدخل عاقل) # عاقل ~~: # عساك بخير يا لطيف وصحة # يصان بها طيب الحياة من الأذى # فبئس امرؤ بالسخط أمضى زمانه # ومن كان يرضى بالمقادير حيزا # لطيف ~~: # أبي زارني يا سيدي منذ ساعة # تقضت ومن خمر الزفاف تنبذا # فبئس امرؤ يرضى الحياة ذميمة # ومن كان يبغي الموت والحب حبذا # عاقل ~~: # كيف زارك أبوك يا لطيف؟ وأين هو زفافك المنيف؟ هل رأيت ذلك في عالم ~~الخيال؟! # لطيف ~~: # سأذهب وأعود بلا إمهال. # عاقل ~~(لسالم الخادم) ~~: # ما بال سيدك في ذهول، وكلامه غير معقول؟! ms108 # سالم ~~: # إني أعرف الخدمة بكل نشاط وهمة، وقد جهزت العشوة، وسأعمل لكم ~~القهوة. # عاقل ~~: # إذا أنت لا تعرف مساويه. فاذهب إليه وناديه. # سالم ~~: # أمرك يا مولانا الفقيه. # عاقل ~~: # إن أحوال لطيف متغيرة، وقواه العقلية متكدرة، وأصبحت صحته ضعيفة من فرط ~~حزنه على السيدة لطيفة، ولماذا يا ترى تركني وصعد إلى الغرفة. ~~(يعود لطيف) # لطيف ~~: # شرفت داري يا حكيم # ومنحتني فضلا عميم # وأزلت وسواسي كما # خفضت من وجدي الأليم # فاسمح فديتك لي بأن # أرتاح في الليل البهيم # إني سأذهب عاجلا # وأعود فابق هنا مقيم # أو لا فرح أو لا ترح # إني على العهد القديم # عاقل ~~: # أرقيك يا ابن أخي حليم # من كل شيطان رجيم # وأعيذ عقلك دائما # من كل وسواس زميم # ما بال فكرك ذاهلا # والجسم يا ولدي سقيم # فاجلس وقل لي ما دها # ك فإنني نعم الحكيم # لطيف ~~: # اعذرني يا سيدي في هذا الحال، فإني أذهب وأعود في الحال. ~~(يتركه ويصعد) # عاقل ~~(لسالم) ~~: # أظن يا سالم أن سيدك يحسبني لائم، فاصعد إليه بغير توان، وآت به إلى ~~هذا المكان. # سالم ~~: # أمرك يا رفيع الشان. # عاقل ~~: # إن لطيفا بين صعود للقصر وهبوط، ورجاء في الأمل وقنوط، وإن حركاته غير ~~حميدة، وسكناته ليست مفيدة؛ لأن قصره ساطع بالأنوار، تفوح منه أعطار ~~الأزهار، وهذا دليل على الأفراح، والسرور والانشراح، ولكن صاحبه في هموم، ~~وحسرة وغموم، وهذان ضدان، ونقيضان لا يجتمعان، وحينئذ فلا بد لي من إبعاد ~~لطيف عن داره، وأجتهد في كشف حقيقة أسراره، فإنه شاب صغير، وبتصاريف الزمان ~~غير خبير. فيا رب أعني على معرفة حقيقة الأمر، فإني أرى البلاء في هذا ~~القصر. ~~(يهبط لطيف) # لطيف ~~: # يا قلب لا تشكو الصبابة بعدما # أوقعت نفسك في الهوى وهوانه # أشكو وأشكر باكيا متبسما # فاعجب بنا يا فيلسوف زمانه # عاقل ~~: # إني سأكلفك يا ولدي بحاجة سهلة، وأرجوك أن تبادر إليها بغير مهلة، وذلك ~~أني تناولت اليوم أمرا ملوكيا، وكان تنفيذه هذه الليلة أمرا مقضيا، ~~غير أن ما أصابك اليوم أشغل أفكاري، فأتيت إليك ونسيت الأمر ms109 في داري مع أنه ~~لا يمكن تأخير تنفيذه للصباح، فإن دون ذلك ضياع الأرواح، وإن شيخوختي ~~والهرم، وعدم قوتي وضعف الهمم، كل ذلك يمنعني الاستطاعة على النهوض إلى ~~داري هذه الساعة، فخذ مفتاح المكتبة، واركب تلك المركبة، واذهب يا ولدي في ~~الحال، وآتني بالأمر بغير إمهال، فإن لي عليك حقوق، لا ينبغي مقابلتها ~~بالعقوق. # لطيف ~~: # إني لا أستطيع الحركة، ولو كان فيها ألف بركة، ولا يمكني مبارحة الدار ~~قبل طلوع النهار. فأرجوك يا مولاي أن تختار سواي. # عاقل ~~: # كيف تعاملني بهذه المعاملة، ونسيت واجب المجاملة؟ فارجع لعقلك وانتبه، ~~وبادر لتنفيذ ما أمرتك به، وحذار من الخلاف في ذلك، وإلا أوقعتك في ~~المهالك. # لطيف ~~(لنفسه) ~~: # كيف أترك عرسي، وأفارق الآن حياة نفسي، ولكن للضرورة أحكام، وللقوة ~~احتكام، وإني أتوجه وأعود بكل تعجيل، ثم أصرف هذا الثقيل، وأرجع للعويل ~~والنواح حتى يطلع الصباح ~~(لعاقل) ~~: عفوا ~~يا مولاي الفيلسوف. عاملني بحكمك المعروف، وإني مطيع لك بحسب المرام، ~~ولكن. # عاقل ~~: # اذهب ولا تطل الكلام ~~(يخرج لطيف، فيقول عاقل ~~لنفسه) ~~: لقد أدهشتني أحوال لطيف، وخوفني عليه عدم التصريف، ~~وإن حنوي إليه ألجأني للتجسيس عليه، وها أنا صاعد إلى المقصورة؛ لكي أعرف ~~المادة والصورة. # سالم ~~(لنفسه) ~~: # إن الحكيم استعمل الحيل الشيطانية؛ ليطلع على سر القضية، وإن عظم مقامه ~~يمنعني عن صد مرامه، وهذا ما كان سيدي يخشاه. فلا حول ولا قوة إلا ~~بالله. # عاقل ~~(لنفسه بعد أن صعد) ~~: # إني أرى صبية في صدر القصر، على كرسي مكلل بالزهر، وإن جمالها الزاهر، ~~وجلالها الباهر، يدلنا بغير شك، أنها من بيت الملك. فلا بد من معرفتها، ~~والوقوف على حقيقتها. # يا فتاة قد تجلى # في سما العليا سناك # يا مهاة الحسن فينا # أسعد الله مساك ~~••• # يا غزالا في سناه # قد جلى عنا الأسى # يا هلالا في سماه # أسعد الله المسا # إن التيه والدلال من مستلزمات الجمال، وإن الخفر والحياء زينة الفتاة ~~الحسناء ~~(يقترب منها أكثر فتسقط الفتاة على ~~الأرض) ~~: آه ... أغثني يا رباه. إني أخال الصبية ماتت، وفارقتها ~~روحها ms110 وماتت، مما أصابها من الوجل، وشدة الخوف والخجل، حين رأتني دخلت في ~~غرفتها، ووصلت بغير إذن إلى حضرتها، ولا شك أنها من بيت رفيع الشان، أو بنت ~~أحد الأكابر الأعيان، وقد حسبتني جاسوسا إليها؛ لألقي القبض عليها. ~~فارتاعت نفسا، وانزعجت معنى وحسا. فوقفت حركة الدم، وأداها ذلك إلى ~~الموت والعدم. فوا فضيحتك يا عاقل! وما أعظم ذلة العاقل ! فيا ليت شعري أصرف ~~هذه النازلة بأي تصريف؟! ويا خجلتي بأي وجه أقابل لطيف؟! آه! وا فضيحتاه! ~~لقد فضحتك يا لطيف وفضحت نفسي. فيا ليتني مت قبل هذا ودخلت رمسي. هذا جزاء ~~الجساس لكشف عيوب الناس. # عار على المرء أن ينسى معايبه # ويقتفي ما خفي من عيب أصحابه # ولو تدبر ما يعنيه مشتغلا # بعيبه عن سواه كان أولى به # يا أيتها الصبية، هل أنت ميتة أم حية؟ آه ما أظلمك يا موت في العباد! فهل ~~كنت لنا بالمرصاد؟! # جئت ذنبا لم يأته قط قبلي # أحد من أصاغر وأفاضل # أين يا موت أنت هيا تفضل # وتعجل نحوي وخذ روح عاقل # ما هذا الانزعاج، والاضطراب والارتجاج؟ وما هي الفائدة، والصلة العائدة؟ ~~فإما الهرب والفرار، وهو عين العار، وإما التدبير في تلاقي الأمور قبل كشف ~~المستور، وهذا يا عاقل شأن كل عاقل. فها أنا أعيد تشخيص الصبية بكل طريقة ~~طبية، عساها تكون في إغمى شديد، وغيبوبة عن الحس المريد ~~(يقترب منها) # لا حركة ولا نفس، ولا أثر ~~لطائر الروح في هذا القفص، وإنه لم يبق من التشخيص والاختبار غير شيء واحد ~~في الأفكار، وهو هذه المرآة الطبية الصقيلة النقية، فأضعها أمام أنفها بكل ~~انتباه، فإن كانت حية يظهر بخار نفسها على وجه المرآة. يا مجيب المضطر إذا ~~دعاه، يا كاشف الضر والبلوى برحماه، يا كريم يا لطيف، ارحم عبديك عاقل ~~ولطيف ~~(يقوم بالتشخيص بواسطة المرآة) # ما ~~شاء الله، الحمد لله، قد ظهر على المرآة بخار خفيف من تأثير نفسها الضعيف، ~~وثبت لي أنها مصابة بالإغمى المكنون، وليس بها موت ولا منون، والألزم أن ~~أبادر إلى ms111 فصدها؛ لترجع في الحال إلى رشدها ~~(يقوم ~~بالفصد) # إن هذا المقدار الذي نزل من دمها كاف لإزالة غممها. ~~هذه أرواح منعشة، وروائح منعنشة تزيل الإغمى، وتبصر الأعمى. ~~(تتحرك لطيفة) # لطيفة ~~: # أين أنا؟ من جاء بي هنا؟ ما هذا الحال؟ أغثني يا متعال. ما هذه الأنوار ~~الباهرة، والأزهار الزاهرة؟ ولمن يا ترى هذه الدار؟ وكيف وصلت إليها بغير ~~اختيار ؟ أين مقصورتي؟ أين غرفتي؟ أين أبي وأمي؟ أين خدمي وحشمي؟ أليفة ~~عريفة ~~(لعاقل) ~~: من أنت أيها الشيخ ~~المصان؟ وهل تعرفني وتعرف كيفية وصولي لهذا المكان؟ # عاقل ~~: # إني يا غاية المنى لا أعرفك ولا أعرف كيف وصلت هنا، وإنما أعرف أن رب هذه ~~الدار الأمير لطيف ذو الاعتبار، وقد جئت لزيارته، والسؤال عن حالته، ~~فرأيتك أيتها المصانة مثل جفونك نعسانة، وأما لطيف فإنه خرج منذ بضع دقائق، ~~وسيأتي الآن بغير عائق، وعند حضوره يا ظبية القصر يخبرك بواقعة الأمر، وعن ~~إذنك يا مخجلة الأقمار، سأنتظره في رحبة الدار. # سالم ~~(لعاقل) ~~: # لولا خوفي لقلت بالتصريح، إنك يا حكيم من روح المسيح؛ فقد أحييت المائت، ~~ورددت الفائت. فسبحانك يا مدور الأدوار، ومقلب الليل والنهار. إن في ذلك ~~عبرة لأولي الأبصار. # عاقل ~~: # الحمد لله على سلامة الفتاة. لقد أنجاها وأنجانا معها الله ~~(يسمع طرقا على الباب) ~~: انزل يا سالم، ~~وافتح الباب للقادم، وإن كان مولاك لطيف الأمير، فحذار من إخباره بنفير أو ~~قطمير. # سالم ~~: # أمرك. أطال الله عمرك. # عاقل ~~(بعد أن عرف أن الطارق لطيف، يقول لنفسه) ~~: # إن لطيفا أسرع في الحضور، وستخبره الصبية بوقائع الأمور، فيستهجن ذوقي، ~~ويسيء الظن في حقي، ولكنها الأعمال بالنيات، والمياوي بالغايات. # لطيف ~~(يدخل زائغ البصر إلى أعلى حيث ترقد جثة لطيفة وقد حان ~~وقت الصباح) ~~: # أفديك بالروح إن كان الفدا يجدي # لكن حكم القضا ما فيه من رد # آن الفراق وحان الصبح وا أسفي # وترجعين على رغمي إلى اللحد # عاقل ~~: # ما هذه الحالة الروية؟ وكيف ذهلت يا لطيف حتى عن التحية؟ # لطيف ~~: # دعني يا حكيم الزمن؛ لأستريح هنية من المحن. ms112 # عاقل ~~: # كن يا لطيف في أمان من خوفك # واحمد الله على سلامة ضيفك # لطيف ~~(لنفسه) ~~: # لا شك أن الحكيم صعد إلى القصر، وانكشف له الأمر. فيا ربي ما هذه ~~الأحوال؟! لقد حاقت بي الأهوال، اعذرني يا رب الحقائق، ودعني أستريح في ~~غرفتي بضع دقائق. # عاقل ~~: # كيف أعذرك على أعمالك الردية، وقد كدت توقعنا في بلية؟! فإني في حال ~~غيبتك صعدت إلى غرفتك، فانزعجت صاحبتك، ووقعت في إغمى عجيب، وكادت تموت من ~~قريب، لولا أن تداركتها بقوة حكمتي، وبادرتها بحكمة صنعتي، حتى أنقذتها من ~~مماتها، ورجعت إلى حياتها، فاصعد إليها بسلام، وأذن لي بالانصراف ~~والسلام. ~~(لطيف لم ينتبه لكلام عاقل.) # لطيف ~~: # اعذرني يا مولاي حق المعذرة # ولو أنك تعلم حالتي لمنحتني المغفرة # عاقل ~~: # ليس من شأن العقلاء يا مهواس، أن يتجاروا على إفساد بنات الناس، ولم يكن ~~أملي فيك يا ابن حليم أن تأتي بهذا الفعل الذميم، وأنك بعد موت أبيك تخيب ~~آمالي فيك، فإن من أطاع هواه ارتدى، والسلام على من اتبع الهدى. فأوصلها ~~الآن إلى دارها، فقد نجانا الله من أضرارها. # لطيف ~~(في فرحة غامرة) ~~: # هل أنت يا مولاي إله، أم صرت من روح الله، حتى تحيي الرميم، وتوجد ~~العديم؟! # عاقل ~~: # إن في هذا الأمر لسرا # فأخبرني به يا لطيف جهرا # لطيف ~~(لنفسه) ~~: # ليس لي طريقة أحسن من إخباره بالحقيقة ~~(لعاقل) ~~: إن الفتاة التي رأيتها أيها الحكيم، هي السيدة ~~لطيفة بنت الوزير نعيم، وقد سول لي جنون الغرام أن اتفقت مع اللحاد ~~وجئت بها إلى هذا المقام، حتى إذا الصباح عاد أعيدها إلى اللحاد، وأن هذا ~~الوقت نصف الليل بالتمام، فاسمح لي بأن أصعد إليها عسى يلحقني بها ~~الحمام. # عاقل ~~: # خفض عليك يا لطيف بلواك، وثق بالله في سرك ونجواك، وسلم الأمر ~~للأقدار، واعلم بأن الحكم لله الواحد القهار. # إن كان حكم مبنى كل شيء على القدر # فقل لي رعاك الله ما ينفع الحذر # وإن كان حكم الدور يأتي مع القضا # فسيان يا صاح الرضا منك والضجر # فصبرا إذا ms113 جاء الزمان بعكس ما # تريد فبالآمال يظفر من صبر # ولا تأس إذا فاتت مع الجهد فرصة # ولا تثن عزما وارقب الفرص الأخر # وكن في العوادي ثابت الجاش ظاهرا # على الدهر بالصدر الرحيب إذا غدر # ولا تيأس من روح ربك إنه # على كل شيء في إرادته قدر # وسلم لحكم الله أمرك واستلم # زمام الرضا تسلم من الضيم والكدر # فلله تدبير يدق على النهى # وسر خفي دونه تذهل الفكر # ومهما اعتدى سر فلليسر سلطة # عليه وكم ضيق تفرج واندثر # ورب مخيف يا لطيف وتنجلي # عواقبه بالأمن والبشر والظفر # لطيف لك البشرى لطيفة حية # وعادت إليها الروح من جانب القدر # فداوم على شكر الإله فإنه # كريم وبالإحسان يمنح من شكر # واعلم يا ولدي أن العناية الإلهية، والقدرة الربانية، أحيت لطيفة من ~~مماتها، ورجعت إلى بحبوحة حياتها. فاحمد الله الكريم، واشكر يا ولدي عمك ~~الحكيم، وهلم بنا نصعد إليها، وندخل عليها، وكن ثابت البال، ساكن البلبال، ~~وحذار من أن تلقيك دهشة الطرب في مهاوي العطب. فما كل مرة تسلم الجرة، ~~وإياك أن تخبرها بما كان، فتنزعج وتدخل في خبر كان. # لطيفة ~~(تسمع طرقا شديدا على باب الغرفة) ~~: # لقد كثر الطرق كرعد بغير برق. # لطيف ~~(من خارج الغرفة) ~~: # أنا عبدك لطيف مع حضرة الحكيم يستأذنان في الدخول على جنابك ~~العظيم. # لطيفة ~~: # تفضلا بكل تكريم. # لطيف ~~(في دهشة) ~~: # آه! آه! لطيفة! أنت ... لا ... ولكن ... حية ... موجودة ... أبدا ... هل أنا يقظان؟! ~~هل أنا في جنان؟! ارحموني ... أدركوني. # عاقل ~~: # هذا ما كنت أخشاه. فلا حول ولا قوة إلا بالله. تثبت يا لطيف، ويكفيك من ~~هذا التخويف. # لطيفة ~~: # أين أنا يا أهل المعروف؟ وكيف جئتما بي هنا يا حضرة الفيلسوف؟ # عاقل ~~: # أنت يا ربة القدر المنيف في منزل عبدك لطيف، وقد جاء بك اضطرارا، وجئت ~~معه اختيارا. فلا يريبك هذا الكلام فستبلغين بلطيف المرام. # لطيفة ~~: # أأنت لطيف أم مناظر أحلام # وهذا اجتماع أم خيالات أوهام # وهذي جنان أم جنون أصابني # وهذي نفوس أم هياكل أجسام # فيا رب هديا منك ms114 يرشدني إلى # حقائق أفكار وغبطة إكرام # عاقل ~~: # لا تثريب عليك اليوم، فإنك في يقظة لا في نوم، وأنا عاقل الحكيم، وهذا ~~لطيفك الكريم، ولا تسألي عما كان، فسأخبرك به بعد الآن. فانعمي بالا، ~~واسعدي حالا، واعلمي أنه في هذه الليلة سيكون زفافك على لطيف، وإني سأتصرف ~~في ذلك أحكم تصريف. فامكثي مع لطيف في هذه القاعة، فإني سأغيب عنكما نحو ~~ساعة. # لطيفة ~~: # وا فرحتاه! وإلى أين تريد الذهاب يا رفيع الجناب؟ وبأية حيلة يكون زفافنا ~~هذه الليلة؟ # عاقل ~~: # إني سأتوجه الآن لحضرة مولانا السلطان، وأرجع إليكما قريبا بالبشرى، ~~وسترين يا لطيفة من أعمالي الآية الكبرى. # الجميع ~~: # يا ربنا امنحنا الفرج # وامنع عن النفس الحرج # فالدهر قد أبدى المهج # يا رب أنت بنا لطيف # لطيف ~~: # واحفظ لنا هذا الحكيم # شيخ الفلاسفة العليم # وكن له يا ربي رحيم # يا رب أنت بنا لطيف # أحييت يا باري النسيم # روح اللطيفة من عدم # فأتمم لنا منك النعم # يا رب أنت بنا لطيف # وامنح بنا حسن المآل # فدوام حال كالمحال # وأسبل لنا ستر الكمال # يا رب أنت بنا لطيف ~~(ستار) # الفصل الخامس ~~(في قصر الملك.) # الملك ~~(للملكة) ~~: # ما بال صدري في حرج، وأفكاري هذه الليلة في هرج، وكثيرا ما تنقلت في ~~المقاصير، وسمعت نغمات الأوتار والمزامير، وأنت يا عزيزتي معي بمرآي ~~ومسمعي، ولم يفرج كل ذلك ما بي من قلقي واضطرابي، ولا بد أن يكون حدث في ~~الرعية أمر فوق العادة المرعية؛ ولهذا بعثت في طلب كاتب الأسرار؛ ليخبرني ~~بما عساه يكون وصل من الأخبار. # الملكة ~~: # طب نفسا يا سلطان البرية، فإنك إمام العدل في الرعية، وكل ملك جعل العدل ~~عامله، واتخذ الحق مزامله، وسلك سبيل الإنصاف، وتخلق بطهارة الذمة ~~والعفاف، وقام بحقوق الله والملك، فإنه ينجو مع رعيته من الهلك، وأنت لله ~~الحمد يا ملك الزمان متصف بهذه الصفات الحسان، وكل عمالك على صراطك ~~المستقيم سائرون، وحول مركز الاعتدال دائرون، فعلام هذا الأرق، والاضطراب ~~والقلق؟! فالله سبحانه يبقيك، ومن كل أسواء يقيك. # الملك ~~: # اعلمي ms115 أيتها الملكة السعيدة، وجوهرة حياتي الفريدة، أن السلطان في الرعية ~~كالشمس المضية، والعمال كالنجوم حوله دائرون، وعلى مقتضى نظام حركته ~~متحركون. فإذا هو اختل في سيره، ولم يراقب حركات غيره، لا جرم ينفرط سلك ~~النظام، وتنفسد أحوال الأنام؛ ولذلك وجب على السلطان أن يكون متيقظا، وعلى ~~شئون رعيته متحفظا، ولا يعتمد في الأحكام إلا على الأفاضل الأعلام، ولا ~~يكتفي بانتقاء العمال، بل يكون رقيبا عليهم في الأعمال، وأنه لا يقف عند ~~هذا الحد فقط، بل يراقب بنفسه تنفيذ الشريعة على أقوم نمط، وإني وإن كنت ~~واثقا بوزرائي، وعمالي أمنائي، مراقبا أعمالهم بنفسي، قائما فيهم بمعناي ~~وحسي، إلا أن ضيق صدري ما انفرج، وما أدري سبب هذا الحرج. ~~(يدخل حسان التشريفاتي.) # حسان ~~: # إن الأستاذ الحكيم، واقف بباب مولانا الكريم، يستأذن في الدخول إلى ~~عظمتكم، والتشرف بالمثول بين يدي جلالتكم. # الملك ~~: # ائذن له في الحضور؛ لنأتنس بلطفه المشهور. إن حضور هذا الحكيم لا بد أن ~~يكون لنبأ عظيم؛ لأن الوفود على السلطان بغير طلب في مثل هذا الأوان، إنما ~~يكون لأمر ذي بال، وشأن له واقعة حال. ~~(يدخل عاقل) # عاقل ~~: # أنعم مساء أيها الملك الجليل # وأقبل محيا الصفو بالوجه الجميل # واغنم سعود الدهر مرتاح النهى # وأنس بطيب العيش والعمر الطويل # الملك ~~: # أهلا وسهلا أيها الشيخ النبيل # وافيت للإكرام والحظ الجزيل # فاغنم رضا مولاك إنك أهله # بالحكمة الحسناء والوعظ الجميل # إن وفودك علينا، وقدومك إلينا في مثل هذه الساعة، لا جرم يكون لحديث أحب ~~سماعه. فهات ما عندك من الأخبار؛ لتنتعش منا الأفكار. # عاقل ~~: # دام عرش ملكك أيها المولى، محفوظا بعناية رب العرش الأعلى، وإني أتيت ~~لمولاي بحديث عجيب، وحادث في بابه غريب، ما رأيت مثله في الأيام الحالية، ~~ولا سمعت بنظيره في القرون الخالية. فأحببت أن أعرضه على مسامعكم الكريمة؛ ~~ليفوز أهله بفضائلكم العميمة. # الملك ~~: # لقد شوقتنا يا نعم النديم لاستماع حديثك النظيم. فانثر علينا درر لفظك، ~~وأجل لنا دراري وعظك. # عاقل ~~: # إن مولانا أطال الله بقاه، يعلم أن السيدة لطيفة انتقلت ms116 إلى جوار الله، ~~وكان عبدك لطيف ابن حليم يحبها بكل حب عظيم، فخطبها من أبيها فرده، وعن ~~زيارته صده، ولما قضت نحبها اليوم، توجهت لأزوره قبل النوم، فرأيت ~~أحواله مختلفة، ولكني ما عرفت العلة. فأردت يا مولانا السلطان أن أشاهد ~~الحقيقة بالعيان؛ حرصا على مصلحة لطيف؛ لأن والده كان لي نعم الحليف. ~~فأعملت الحيلة في إبعاده عن داره ، وخرج رغم إرادته واختياره، وصعدت إلى ~~القصر، فرأيت فيه صبية على كرسي من الزهر، فسلمت عليها بأكمل صفة، ولم ~~تخاطبني ببنت شفة، فدنوت إلى عندها، ومسكتها من يدها، فسقطت على الأرض، ~~وليس فيها نفس ولا نبض. فلاح لي أنها حسبتني جاسوسا إليها لأقبض عليها. ~~فأماتها الوهم والوسواس كما يحصل لكثير من الناس. فاتخذت التدابير الحكمية، ~~والمباحث الطبية حتى تحققت أنها في إغمى شديد، وفوقتها بعد كل جهد جهيد، ~~وبعد ذلك رجع لطيف إلى سكنه يحن حنين الطائر إلى فننه، فقابلته بالزجر ~~واللوم عليه؛ لكونه استمال بنات الأمراء إليه، وأخبرته بما أصاب صاحبته ~~ودهاها، وأني أنقذتها من إغمائها. فانذهل انذهال المبهوت، وكاد من جموده ~~يموت. # الملك ~~: # وبعد ذلك ماذا جرى، يا معدن الحكمة في الورى؟ # عاقل ~~: # ولما رأيت أحواله يا ملك السعادة خارقة للعادة، لححت عليه في السؤال؛ ~~ليخبرني بحقيقة الحال. فقال لي إن هذه الصبية هي السيدة لطيفة بنت وزير ~~الداخلية، وإنه سولت له وساوس العشق وأفكاره، واتفق مع اللحاد وجاء ~~بجثتها إلى داره، وهيأ لها غرفة بديعة الأوصاف، وتوهمها عنده ليلة ~~الزفاف، حتى إذا أسفر النور، يعيدها إلى ظلمة القبور. فصرت يا مولاي بين ~~مكذب ومصدق، وجاهل ومحقق. ثم صعدت معه إلى قصره المنير، فوجدتها في الحقيقة ~~بنت الوزير. فعجبت يا مولانا السلطان من هذا الاتفاق الذي لم يأت بمثله ~~الزمان. # الملك ~~: # كيف ذلك أيها الحكيم النبيل، وما هذا الكلام الشبيه بالمستحيل. لقد ~~أخبرني أبوها أن الأطباء شخصوها، وحكموا بعد البحث الدقيق أنها ماتت ~~بالتحقيق. فكيف يحيا من مات، ومضت على دفنه عدة ساعات؟! أم كيف عميت أطباء ~~الحي، ولم يفرقوا ms117 بين المائت والحي؟! فلعل لطيفا أبهم عليك الحقيقة، وأخفى ~~من وجله عنك الطريقة. # عاقل ~~: # حاشا لله يا سلطان الزمان أن أعرض لجلالتكم شيئا قبل التثبت والتبيان، ~~لا سيما أني أعرف لطيفة من صغرها، وكثيرا ما عالجتها في كبرها، ولكن ما ~~رأيتها في المرض الأخير؛ بسبب نفرة حدثت بيني وبين أبيها الوزير؛ لأنه أساء ~~معي التصريف، ولم يقبل رجائي في زواجها بلطيف، وأنه كثيرا ما يلتبس الإغمى ~~بالممات، ويستمر مع الإنسان عدة ساعات، وإني بعد أن فوقتها من غمتها، ~~وأخبرني لطيف بحكايتها، تحققت منها في الحال. فوجدته صادقا فيما قال، ولم ~~أتمالك دون أن حضرت إلى عظمتكم؛ لأعرض ذلك على مسامع جلالتكم، وقد ضمنت لها ~~الاقتران، بأمر مولانا السلطان. فأكرم يا مولاي شيبتي، ولا تتركني أذوب ~~عندهم من خجلتي. # الملك ~~: # ما أعجب هذه الحكاية، وأغرب هذه الرواية! ولولا وثوقي بصداقتك، ووقوفي ~~على أمانتك، لقلت إنها رابعة المستحيلات؛ لأنه هيهات أن يرجع ما فات. ~~فسبحانك يا مدبر الأمر بحكمتك، ومذلل الصعاب بقدرتك. # ولله في خلقه حكمة # تدق عن العقل يا عاقل # يدبر أمر العباد وهم # عن الحق فكرهم ذاهل # فيسعد من شاء ويشقى الذي # يريد وكل له سائل # فخل المقادير في سيرها # وسلم له الأمر يا عاقل # وإني يا أيها الحكيم؛ كرامة لخاطرك الفخيم؛ واحتسابا لوجه الله اللطيف؛ ~~ورحمة بلطيفة ولطيف، سآمر باقترانهما في الحال. فلا يطلع الصبح حتى يبلغا ~~الآمال. فاذهب أنت أيها الحكيم، وأبلغهما مني التحية والتسليم، وبشرهما ~~ببلوغ الأرب، وكن معهما حتى يأتيكم أمرنا بالطلب. # عاقل ~~: # أيد الله سلطانك، وأدام للوجود إحسانك. # الملك ~~: # علي يا حسان برئيس الحرس، وقائد العسس وكن أسكت من جندل؛ فإن مجلس ~~السلطان لا ينقل. # حسان ~~: # أمرك أيها الملك الأفضل. ~~(يخرج) # الملك ~~(للملكة) ~~: # إن فؤادي يا قرة العين مال لهذين العاشقين، واقتضى أمرنا السلطاني أن ~~يكون مهرجان اقترانهما في قصرنا الملوكاني. فأطلب منك يا درة المجد الثمينة ~~أن تأمري بتزيينه أبهج زينة، وأن تبذلي جهد الاستطاعة؛ لإنجاز ذلك في مدة ~~ساعة. ~~(يدخل حسان) # حسان ~~: # قد ms118 جاء رئيس الحراس يا سلطان الناس. # الملك ~~: # ليدخل بغير بأس. علي يا مناع بالوزير نعيم، ومعه زوجته بكل تكريم، وبمن ~~يكون عندهما في العزاء، من الأشراف والوزراء، وقل لهم إني أدعوهم لأمر يشرح ~~الصدور، ويبدل الله إن شاء الله حزنهم بالسرور، وإنهم لا يجزعون من ~~الطلب. # مناع ~~: # أمرك يا محط رحال الأرب. ~~(يخرج) # الملك ~~: # إن طلبي لهم في هذا الغسق سيجعلهم في اضطراب وقلق، ولا سيما أبوي ~~المرحومة، مع ما هما فيه من الأحزان المعلومة. فيا ليت شعري ماذا عساهما ~~يفتكران حين أخبرهما بأن بنتهما حية الآن؟! فلا شك أنهم يستغربون هذا ~~الخبر، وتقع أنكادهم في مهاوي الحير. # حسان ~~: # إن الوزير نعيم وزوجته الشريفة، ومن كان عندهما من أمراء دولتكم ~~المنيفة، واقفون بالباب. # الملك ~~: # أدخلهم بغاية الترحاب ~~(يدخلون) # ليأخذ ~~كل منكم مجلسه؛ ليسمع من الحديث أنفسه. اعلموا يا حضرات الوزراء، والأعيان ~~الأمراء، أني دعوتكم لأمر ذي بال، لم يسبق له مثال. فأصغوا لما أقول، ولا ~~تندهش منكم العقول؛ فإن الله قادر على كل شيء، يخرج الحي من الميت ~~ويخرج الميت من الحي ~~(للوزير نعيم) ~~: ~~ألا تدري أيها الأمين، والوزير الحزين، من الجاني على بنتك المرحومة حتى ~~سلمها ليد المنون المشئومة؟ # نعيم ~~: # خيبة الأمل، ودنو الأجل أوقعاها في الهلاك، ولات حين فكاك. # الملك ~~: # نعم، إن الحية تطلب المنون، وإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون، ولكن لا بد من الأسباب، والاستعداد والمهيئات، وقد ورد يا وزير ~~المملكة # ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة # فأوضح لي السبب، ولا تكتمه عني ~~يا كنز الأرب؛ فإنه لا ينبغي الكتمان من الوزراء على السلطان. # نعيم ~~: # إن مولانا السلطان أعلم، ورأيه أحكم، وماذا ينفع الجهد والجد، بعد ما خرج ~~الأمر من اليد؟! # الملك ~~: # أتظن يا حضرة الوزير أني بأحوال الرعية غير خبير؟! ألم يكن موت السيدة ~~لطيفة بسبب أعمالك العنيفة؛ حيث أحرمتها من حبيبها يا قاسي الفؤاد، وكلنا ~~نعلم أن نار العشق تذيب الأكباد؟ # نعيم ~~: # كان ذلك قدرا مقدورا، وقضاء في الكتاب مسطورا، وإني لم أعمل ms119 ذلك يا ~~ملك العباد عن سوء قصد أو قساوة فؤاد، ولكن راعيت حفظ الأنساب، وكفاءة ~~الأحساب، وما كنت أحسب يا عريق المجد أن الأمر يبلغ بهما لهذا الحد. # الملك ~~: # كان يمكنك أن تستعمل غير ما استعملت، بعد ما رأيت من أمرهما وسمعت، وكان ~~في وسعك ترقية لطيف للمنزلة التي يكون فيها شريف، فإن كل كبير كان صغيرا، ~~وكل غني كان فقيرا، وهل إذا كانت المرحومة الآن في قيد الحياة، أما كنت ~~تختار زواجها به على شرب كاس الممات. # نعيم ~~: # نعم كنت أختار ذلك، ولا وقوعها في المهالك. # الملك ~~: # إني أبشرك وزوجتك الحزينة بأن بنتكما متمتعة بالحياة الثمينة، وقد أحياها ~~القادر اللطيف؛ كرامة لعاشقها لطيف، وهي الآن مقيمة معه في داره، متنعما ~~بأنوارها ومتمتعة بأنواره. # عريفة ~~(في ذهول) ~~: # لطيفة في قيد الحياة! لطيفة في قيد الحياة! آه أغثني يا بديع ~~السموات! # نعيم ~~: # حلمك يا مولانا السلطان، وعفوك يا ملك الزمان. كيف تحيا لطيفة بعد ما ~~دفنت وصارت جيفة؟! فهل هذا يوم النشور، أم بعث الله من في ~~القبور؟! # عريفة ~~: # بحق رحمتك بالرعية يا سلطان البرية، أن تكشف لنا وجه الحقيقة، وتبين لنا ~~من فضلك طريقه. آه عليك يا بنتاه! # الملك ~~: # أتعجبين من أمر الله، وتجهلين أن ما أراده أمضاه؟! أما علمت يا ذات ~~الاحتشام، أن كلام السلطان سلطان الكلام؟! فتيقني أنت وزوجك المنيف أن ~~بنتكما في بيت لطيف، وأنها الآن مأنوسة، وستكون له هذه الليلة عروسة، وقد ~~بعثنا إليهما بالخلع السنية، وأفضنا عليهما من هباتنا الملوكانية، ~~واقتضت إرادتنا أن يكون عرس الزواج في قصرنا ذي الابتهاج. فينبغي أن ~~تنكسا أعلام الأتراح، وترفعا رايات الأفراح، ثم تقصدا منزل لطيف، بغير ~~تسويف، وإياكما والاندهاش عند اللقا؛ لكيلا يتبدل النعيم بالشقا، وهناك ~~تنتظرون صدور أمرنا بما يكون، وأما أنتم يا حضرات الأمراء والأعيان ~~فتتوجهون إلى منازلكم الآن، وتلبسون ثياب الأفراح، وترجعون إلينا بعد ساعة ~~ليزداد بوجودكم الانشراح. # عريفة ~~: # لا زلت تحيي نفوسا # بفيض آلاء خصبك # والدهر يبقى عروسا # يلقى الزفاف برحبك # الملكة ~~(للملك) ~~: # قد ms120 أنجزت زينة القصر، يا صاحب الفضل والنصر، وأكملت له الأنوار، ~~والرياحين والأزهار حتى غدا في هيئة ترتاح لها الأرواح، وتبتهج فيه ~~الأرواح. # الملك ~~: # وإني أرى الوقت اقترب. فابعثي للعروسين بالطلب، ثم ادخلي قاعة الاستقبال، ~~وقابلي الوافدين بالترحاب والإجلال. # حسان ~~: # إن الأمراء والأعيان مقبلون على رحاب مولانا المصان. # الملك ~~: # استقبلهم يا حسان، وانعطف بهم إلى قصر المهرجان، وقل لهم إني مقبل عليهم، ~~وقادم إليهم، وها أنا وافد عليهم الآن؛ ليكمل لهم الحظ والتهان. # المنظر الثاني ~~(مهرجان الزفاف في قصر السلطان.) # الملك ~~: # لله في الخلق دق معناه # فليس يدري امرؤ ما كنه عقباه # تجري المقادير والإنسان يجهلها # حتى يكون لغير القصد مسعاه # ما للمليك ولا المملوك مقدرة # ضد القضا أبدا فالحاكم الله # وإني دعوتكم لتقر منكم العين برؤية زفاف العاشقين، وإن أردتم زيادة ~~التفسير، فإنه زفاف لطيف بلطيفة بنت الوزير، التي ماتت البارحة، وناحت ~~عليها النائحة، فقد أحياها باري النسيم كما أوجدها من العدم، وسترونها ~~بعين التعيين، وتعلمون بناءها بعد حين. # حسان ~~: # إن العروسين مقبلان. # الملك ~~: # استقبلهم يا حسان، وآت بهم إلى هذا المكان. ~~(يدخل لطيف ولطيفة.) # الملك ~~: # الناس تسعى وعلم الله محتجب # عنهم فيأتي بما لم تدركه الفكر # نعم أرى الحزم في الأعمال غاية # حسنا ولكن لعون لله مفتقر # فاتق بربك فيما أنت تطلبه # يا خيبة السعي إن لم يسعد القدر # الحمد لله على سلامتكما أيها العاشقان، لقد شرحتما الصدر وأقررتما ~~العين، فاحمدا الله على هذه النعمة، واشكراه على كشف تلك الغمة، وإني ~~بعد أخذ رأي حضرة الوزير اقتضت إرادتي زواجكما في هذا الوقت النضير، ~~وقد أنعمت عليك يا لطيف برتبة الوزارة ذات الاعتبار، وأحسنت إليك ~~بخمسين ألف دينار، وأنت يا ربة العفاف لك الهناء بهذا الزفاف، وقد ~~أنعمت عليك بوسام السيدات الأكبر، وبهذا العقد النفيس من الجوهر، ~~وأمرت بأن يكون زفاف القران في قصرنا هذا المصان، وأشركت معكما في هذه ~~الأفراح البهية، عظماء دولتنا العلية. فليحفظ كل منكما عروسه؛ لتكون ~~أوقاتكما مأنوسة، والله يحسن لنا جميعا الأحوال، ويوفقنا لصالح ~~الأعمال. ms121 # لطيف ~~: # يا أيها الملك المسعود طالعه # في الملك حتى حمى الدنيا من المحن # قلدت أعناقنا فضلا يدوم على # طول الزمان بما أوليت من منن # أبدلت أحزاننا بالفرح منك كما # أحييت أرواحنا رغما عن الزمن # لا زلت حصنا لأهل الملك تحفظهم # من الردى ولحفظ الدين والوطن # إلى بيتك السامي تحج المقاصد # وعن فضلك الهامي تروق المشاهد # وفي بابك الأعلى المراحم للورى # ومن رحب ناديك الندى والمحامدا # فلا زلت غوثا للبرية دائما # إلى بيتك السامي تحج المقاصد ~~(ستار الختام) # | نص مسرحية «حسن العواقب» # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي جعل الماضي تبصرة للحاضر، والصلاة والسلام على أصل الكمالات ~~والمفاخر، وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الطيبين. أما بعد، فيقول راجي فضل ربه ~~الهامي، علي عاصم الخلوتي المحامي، نجل حضرة الفاضل العالم، إسماعيل بك عاصم: إني ~~لما رأيت تشوق جمهور الفضلاء، وأكابر الألباء إلى مطالعة رواية «حسن العواقب». ~~التي هي بين الروايات كالبدر بين الكواكب، تأليف سيدي الوالد، وقد أجمع على ~~استحسانها العلماء الأماجد، بادرت إلى طبعها؛ تعميما لفائدة العموم؛ وخدمة لهذا ~~العصر المزدهي بأنوار العلوم؛ لما اشتملت عليه من الآداب والحكم، التي ترتاح لها ~~العرب والعجم، مستمدا من الله العناية والتوفيق، والهداية لأقوم طريق. # الفصل الأول ~~(تنكشف الستارة عن منزل الشيخ غانم والد سعاد وهي جالسة مع سعيد وقت ~~الفجر.) # سعاد ~~(لسعيد) ~~: # ثنائي على هذي الشمائل والبها # لقد زدت قدري بالسعادة من قدرك # وشرفت داري يا سعيد تفضلا # علينا فمن لي بالوفاء على شكرك # تفردت في الآداب والعلم والبها # فصرت فريدا بالفضائل في عصرك # سعيد ~~(لسعاد) ~~: # جواهر لفظ منك والدر من ثغرك # هما أدهشا الرائي عن العقد في صدرك # وما هو ماس فوق رأسك بل ضيا # جبينك فوق الشعر يسطع عن بشرك # وليس نضارا ذلك القرط إنما # خيال اصفرار قد بدا فيه من شعرك # محياك بدر لاح والعقد أنجم # بدت في عمود الصبح أسفر عن نحرك # ملكت فؤادي يا سعاد فما أنا # سوى عبد حب لا يباع إلى غيرك # هذا يا سعاد وقت ms122 السحر # يسري فيه النسيم بأريج الزهر # والبلابل غنت على عيدانها # تطرب العاشق بشجي ألحانها # صوت الهزار أشجاك # يا قلب في الأسحار # ياما الهوى أضناك # والحب له أسحار # وأنت يا عزيزتي أمامي # ووجهك قبلتي وحبك إمامي # وهذا نور الصباح # صفا ووفا لنا بوجهك الاصطباح # لاح الصباح فقم يا أصبح الخد # وطف بكاس الطلا يا مائس القد # وانظر إلى الصبح يغشى نوره شفق # كأصفر الشعر مسبولا على النهد # والروض أزهاره تحكيك في ترف # والغصن ماس يحاكي القد بالقد # والدهر في غفلة والوقت في دعة # هذا زمان الهنا يا غاية القصد ~~(ثم يدخل والدها الشيخ غانم.) # غانم ~~(لسعيد) ~~: # صباحك يا مولانا سعيد # ويومك بالصفا والأنس عيد # سعيد ~~(لغانم) ~~: # تفضل أيها الشيخ النبيل # وأين كنت كل هذا الوقت الطويل # غانم ~~(لسعيد) ~~: # كنت أصلي الفجر لله تمجيدا # إن قرآن الفجر كان مشهودا # ثم دعوت لك ولحضرة الوالد # أن يعيذكما من شر كل حاسد # سعاد ~~(لسعيد) ~~: # ما بالي يا مولاي أرى الشعراء وهم ملوك الكلام، يرتاح أكثرهم ~~للتشبب بمحاسن المدام، ومع أن الحقائق أثبتت عكس ما يتوهمون، فإنهم في ~~كل واد يهيمون، وقد سمعتك تترنم بها في ألحانك، وتذكرها في نثرك ~~وأوزانك، كأنك مرتاح إليها أو مقبل - معاذ الله - عليها. # سعيد ~~(لسعاد) ~~: # كيف تنكرين محاسن المدام، وقد حسنها أكثر الأنام؟! فلا يكاد يوجد ~~مجلس آداب، إلا وفي صدره مائدة الشراب، أو تقرئين ترجمة أمير ~~وسلطان، إلا وتجدين ما كانوا عليه من مؤانسة الراح والندمان. # غانم ~~(لسعيد) ~~: # هون عليك أيها الأمير، ولا تطنب في هذا التعبير، وقل لي أي ملك ~~من ملوك العرب بعد الإسلام، أو أي سلطان من سلاطين الترك والأعجام، ~~وأي عاقل من الحكماء السابقين، والفلاسفة المتمسكين بالدين، كان ~~يعاقر العقار، ويستحل ما فيها من الإثم والإضرار؟ أغرك ما ~~ينسبه بعض المخرفين، وأصحاب القصص الكاذبين، لأمير المؤمنين هارون ~~الرشيد، وولده مأمون الرشيد، وما ذكروه عن الإمام يحيى بن أكثم الفاضل، ~~وعن الشيخ الأصمعي الكامل، وأمثال هؤلاء الأبرار، من السكر مع ~~الندمان والجوار؟ فما هذا إلا ms123 إفك وبهتان، وتضليل من ذوي الحسد ~~والعدوان، وإلا فإن هؤلاء الكرام كانوا من أجلة الأفاضل الأعلام، ~~المتمسكين بالأحكام الدينية، القائمين بنشر لواء العرفان والمدنية، ~~مجالسهم العلوم والآداب، ومحافلهم الوقار من عهد الشباب، وشرابهم دم ~~الأعاد، وسماعهم صليل السيوف يوم الطراد. # يطربنا صليل أعوادنا # لا بالغنا والخمر والكاس # شرابنا من دم أعدائنا # وكاسنا جمجمة الراس # وبذلك فتحوا الأمصار، ودوخوا الأقطار. فروح الله أرواحهم، وروى ~~بغيث الرحمة تربة ضمت أشباحهم، ولنرجع لما كنا فيه يا سعيد ~~الزمان، فالخمرة محرمة في التوراة والإنجيل والقرآن، وهي في الجملة ~~أم الكبائر، وطالما أفقرت الزارع والتاجر، نستعيذ بالله منها، ~~ونسأله البعد عنها. # سعيد ~~(لغانم) ~~: # إن الشعراء في الغالب مقلدون، ويقولون ما لا يفعلون. فأشكرك على ~~صدق نهجتك، ولله درك ودر ابنتك! # غانم ~~(لسعيد) ~~: # عن إذنك أتوجه الغيط وأنظر الأشغال، فما أبعد الخير على الكسول ~~البطال. ~~(ثم يخرج) # سعيد ~~(لسعاد) ~~: # إن أباك يا عزيزتي طال أجله، وخيركم من طال عمره وحسن عمله. ~~(ثم يطرق الباب.) # سعيد ~~(لسعاد) ~~: # انظري من الطارق # يا منية فؤاد العاشق ~~(ثم تخرج سعاد.) # سعيد ~~(لنفسه) ~~: # إني أحببت هذه الفتاة محبة لا سلوان لها مدى الحياة، وقد مضت على ~~ذلك أعوام، ولم أحادثها بالمرام. فالأصوب أن أصرح لها بالمحبة، ~~وأعاهدها معاهدة الأحبة، ثم أسعى معها للاقتران، في أقرب فرصة من ~~الزمان. ~~(تدخل سعاد وبيدها كتاب.) # سعاد ~~(لسعيد) ~~: # هذا كتاب من حضرة أبيك. بارك الله له فيك. ~~(ثم يتناوله سعيد ويقرؤه وهو): # إلى ولدنا الوحيد، الأمير ~~سعيد، بوصول كتابنا إليك، ووقوعه بين يديك، تبادر بالحضور إلينا، ~~بغير بطء علينا. ~~(ثم يطوي الكتاب ويقول): # سعيد ~~(لنفسه) ~~: # ليت شعري لماذا يطلبني أبي # وهل في الغيب صلاحي أم عطبي # سعاد ~~(لسعيد) ~~: # لا تهتم أيها الأمير الجليل؛ فإن الوالد لا يرى لولده غير الخير ~~الجزيل. فامتثل لأمر والديك يا عالي الهمة، واخفض لهما جناح ~~الذل من الرحمة، وبادر لحضرتهما سميعا ونصيرا، وقل رب ارحمهما كما ~~ربياني صغيرا. # سعيد ~~(لسعاد) ~~: # اصرفي عن فكرك تلك الأوهام، واصغي لما ألقيه إليك من ms124 الكلام، وذلك ~~أن لي سرا مصونا في صدري، وأن فؤادي ليبخل به على غيري، ~~فاحفظيه مثلي يا سعاد، وأحليه في صدرك محل الفؤاد. # يا سعاد اسمعي مقالي وصوني # لي سرى فالحر يرعى الصيانة # واحفظيه حتى إذا الوقت وافى # سلمي لي أمانتي بالأمانة # سعاد ~~(لسعيد) ~~: # هات قل لي أسمع وكن مطمئنا # يا أميري إني محل الصيانة # وتراني للعهد أكثر حفظا # وتراني للسرائر أرعى الأمانة ~~(ثم يطرق الباب.) # سعيد ~~(لسعاد) ~~: # اذهبي يا غاية الأماني # وانظري من هذا الطارق الثاني ~~(ثم تخرج سعاد.) # سعيد ~~(لنفسه) ~~: # اللهم احفظنا من الضير، واكفنا شر كل طارق يطرق إلا ~~بالخير. ~~(ثم تدخل سعاد.) # سعاد ~~(لسعيد) ~~: # إن الطارق أيها الحبيب # هو خالك الأمير نسيب # سعيد ~~(لسعاد) ~~: # أدخليه هذا المكان # وانصرفي إلى حجرتك الآن ~~(ثم تخرج سعاد.) # سعيد ~~(لنفسه) ~~: # إن حضور خالي مبكرا # لا بد أن يكون لحادث جرى ~~(ثم يدخل نسيب.) # نسيب ~~(لسعيد) ~~: # صباحك يا ابن المعالي سعيد # وطالع سعدك بالأنس عيد # فدم كل يوم كما تشتهي # بعيش رغيد وحظ جديد # سعيد ~~(لنسيب) ~~: # عم صباحا يا خال # ودم فائزا بالآمال # نسيب ~~(لسعيد) ~~: # اعلم يا ابن أختي أني حضرت إليك؛ لأقص أعجب الأنباء عليك، وهو ~~أن عمك الأمير ظافر، سول لوالدك إدخالك في دائرة العساكر، ~~وظاهر قصدهم والمراد، إبعادك عن السيدة سعاد، ولكن غرض عمك ~~المكنون، إيقاعك في عذاب الهون، وقد كتب لقائد الجيش، أن يحرمك ~~من لذة العيش؛ لما بين أبيك وهذا القائد، من الضغائن والمكائد، وهو ~~اليوم يترقب لكم فرصة الانتقام، على طول الأيام، ووالدك لحسن ~~نواياه لم يدرك ما أضمره له أخاه، وبلغني أنه بعث في طلبك؛ ~~ليرسلك بيده إلى عطبك، فلم أتمالك دون أن بادرت بالحضور؛ ~~لأخبرك بحقائق الأمور. # سعيد ~~(لنسيب) ~~: # لقد أوريت نار همي، وما سبب عداوة والدي وعمي؟ # نسيب ~~(لسعيد) ~~: # اعلم أن والدة أبيك طاهر، غير والدة عمك ظافر، وقد مات والدهما وهما ~~صغيرين، وترك لهما ثروة تملأ العين. فأما والدة أبيك فكانت عالية النسب، ~~كاملة الأدب، فقامت بحق تأديبه، وحسن تهذيبه، ولما ms125 بلغ والدك مبلغ الرجال، ~~زوجته بأمك ذات الكمال، وصفت لهما بذلك الأوقات، وهذا نتيجة فضيلة ~~الأمهات، وأما والدة عمك فإنها سافلة الحسب، كثيرة الزهو قليلة الأدب، ~~ففرحت بموت بعلها، وألهاها الغرور عن تربية نجلها، فشرب من نبعها، وجرى على ~~طبعها، حتى أثقل كاهلهما الدين، وأصبحا صفر اليدين، وهذا نتيجة جهل ~~الأمهات، والانغماس في الشهوات، ثم داخلهما الحسد الشديد عليك وعلى أبيك يا ~~سعيد، وهما يعملان على حتفه؛ ليغتالا أمواله رغم أنفه، وهذا نتيجة جهل ~~الضرائر، وما ينجم عنهن من الخسائر. فهذه حقائق أقصها عليك، والأمر ~~يا ابن أختي إليك. # سعيد ~~(لنسيب) ~~: # كل شيء بإرادة الله وعلمه، وهو الحاكم لا معقب لحكمه، وماذا عسى يعمله ~~القائد مهما أراد، إذا سلك الإنسان سبيل الاستقامة والرشاد؟! وإني على كل ~~حال أيها الكريم، أكرر لك الشكر مصحوبا بالتكريم. # نسيب ~~(لسعيد) ~~: # إذا أستأذنك في الذهاب. # سعيد ~~(لنسيب) ~~: # سر محفوظا بعناية الكريم الوهاب. ~~(ثم يخرج نسيب وتدخل سعاد.) # سعاد ~~(لسعيد) ~~: # طال حديثك يا ذا الأريب، مع خالك الأديب. فلعله يكون خيرا، ولا أراك ~~الله ضيرا. # سعيد ~~(لسعاد) ~~: # أخبرتك منذ برهة وجيزة، بأني سأعلمك بأسراري العزيزة، وقد آن الأوان، ولم ~~يبق محل للكتمان، وذلك أني أحبك يا سعاد، وبقلبي نار ذات اتقاد، وكنت ~~أتمنى التأهل بك يا ذات الفطن، في أقرب فرصة من الزمن، ولكن حالت الآن ~~عوايق، وأمور لها حقائق. فهل تحفظين عهدي، وتبقين على ودي. سعاد ... سعاد ... ~~لا تسكتي يا غاية المراد. كلمة منك تشفي الفؤاد. زوديني بوعد أطمئن به ~~قبل الفراق، فلست أدري متى يكون التلاق. # دور # آه يا وعدي ووجدي # ساءني البعد # عن الحبيب # وعدمت اليوم رشدي # فاتني القصد # زاد النحيب # هل أرى بالوصل سعدي # زانه الرشد # بلا رقيب # يا ويل الزمن # أولاني المحن # أضناني الشجن # ساءني دهري # سعاد ~~(لسعيد) ~~: # آه يا سعيد! هل قلبك من حديد؟! قل لي ما حالك، وماذا قاله خالك؟ # سعيد ~~(لسعاد) ~~: # اعلمي يا ذات الطلعة البهية، أني سأنتظم في سلك العسكرية، والمستقبل ~~مجهول، ولكن الخير مأمول. # سعاد ~~(لسعيد) ms126 ~~: # إني وعيش أبيك، لك من ضمن جواريك، ولكن كيف أطيق بعدك، أو أعيش بعدك؟! آه ~~قل الجلد، وعدمت الرشد! # يا سعيد ارحم سعادا # زادني الوجد # يا ذا الحبيب # كيف لي ألقى رشادا # والنوى يعدو # يا ذا الأديب # هل ألاقي الدهر جادا # والهنا يبدو # رغم الرقيب # يا ناس اعلموا # حالي وارحموا # والأجر اغنموا # قد مضى عمري # سعيد ~~(لسعاد) ~~: # لا تبكي يا سعاد، وودعيني قبل البعاد. # سعاد ~~(لسعيد) ~~: # لا تروع قلبي بذكر البعاد # يا سعيد وارحم فؤاد سعاد # وتعطف فالصبر بعدك أضحى # غير مجد في ملتي واعتقادي # سعيد ~~(لسعاد) ~~: # كفكفي الدمع يا سعاد ونادي # خادمي يا حبيبتي بالجواد # سوف أمضي إلى أبي فالتواني # غير مجد في ملتي واعتقادي ~~(وإلى هنا تخرج سعاد.) # سعيد ~~(لنفسه) ~~: # ليت شعري إني أسير وهل سي # ري إلى دار شقوة أو رشاد # غير أني أرعى أبي ومن العا # ر هوان الآباء والأجداد # سأنال المنى إذا طال عمري # في طويل الأزمان والآباد ~~(ثم تدخل سعاد.) # سعاد ~~(لسعيد) ~~: # قد جاء الخادم بالحصان # طبق أمرك يا سعيد الزمان # سعيد ~~(لسعاد) ~~: # إني أزمعت على الرحيل # وأستودعك الله الجليل # يا سعاد ودعيني # واحفظي عهدي المصان # وإلى الهم دعيني # هكذا حكم الزمان # سعاد ~~(لسعيد) ~~: # لك قلبي يا سعيد، مسكن طول الزمان. أنت لي قربك عيد، والنوى يصمي ~~الجنان. # سعيد ~~(لسعاد) ~~: # إن روحي طوع حبك # في ابتعاد واقتراب # سلمي الأمر لربك # فعسى يدنو الإياب # سعاد ~~(لسعيد) ~~: # من له يا رب أشكي # حالتي بعد الغياب # أسهر الليل وأبكي # سوء حظي والعذاب ~~(ثم يدخل الخادم.) # الخادم ~~(لسعيد) ~~: # سيدي طال انتظاري # واقفا عند الجواد # فتفضل فاصطباري # عز يا نعم الجواد ~~(يقولون جميعا): # رب هبنا حسن صبر # منك يرضي العاشقين # واجعل العقبى لخير # رغم أنف الحاسدين ~~(ثم يخرجون جميعا وتنكشف ستارة أخرى.) # المنظر الثاني ~~(تنكشف الستارة عن منزل الأمير طاهر وفيه روضة وساقية وهو جالس مع زوجته ~~الأميرة فاخرة.) # طاهر ~~(لفاخرة) ~~: # روض وماء وأزهار مفتحة # ومشتهى النفس من روح وريحان # وزوجة بعفاف النفس طاهرة # كما قضى الحب أرعاها وترعاني ms127 # ونعمة بمزيد الشكر وافية # هذا هو العيش لولا أنه فاني # فاخرة ~~(لطاهر) ~~: # يا طاهر أنت لي روحي وريحاني # وأنت راحي بل روحي وجسماني # وأنت ذخري وأنت الناس أجمعهم # أرعاك فرضا على نفسي وترعاني # لك البقاء بقاء لا فناء له # في العالم الدنيوي للعالم الثاني # فالدار هذي طريق نحو آخرة # وذو المآثر فيها ليس بالفاني # طاهر ~~(لفاخرة) ~~: # كأنك يا فاخرة تقولين بالبقاء، مع أن مصير الأحياء للتلاشي والفناء. ~~فبأي مذهب أنت متمسكة؟ أوضحي لي بيان هذه الفذلكة. # فاخرة ~~(لطاهر) ~~: # كيف تعتقد بالفناء المحض، مع أن هذا لم يقل به إلا البعض؟! وأما ~~الذي عليه معظم الأقوال، هو أن أجسامنا إنما يعتريها الانحلال، ثم ~~تتجمع وتخرج بإذن الله جهرا، # منها ~~خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم ~~تارة أخرى ~~، على أن الفناء حسي يتناول الصورة، ولا ~~علاقة له بالمادة المأثورة، والإنسان حي وإن مات؛ إذا هو خلف من ~~بعده المكرمات، وقد ورد في جوامع الكلم الصوالح. «إذا مات العبد انقطع ~~عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو كتاب نافع، أو ولد صالح.» # طاهر ~~(لفاخرة) ~~: # أحسنت يا فاخرة، ونج لأفكارك السافرة، وإن الثلاثة التي يحيا بها ~~الإنسان، متوفرة عندنا منها اثنتان، وهما الصدقة الجارية، وكتب العلم ~~الوافية؛ لأني ولله الحمد شيدت مدارس علمية، وأوجدت جمعيات أدبية، ~~وأجريت عليها من الصدقات، ما يقوم بها في الحال، ويحفظها إن شاء الله ~~في الاستقبال، ولم أضيع أموالي إسرافا وتبذيرا، ولم أكنزها شحا ~~وتقتيرا، واتخذت حكمة المعتدلين إماما، الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ~~ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما، وألفت كتبا في أكثر العلوم، كما هو ~~معلوم للعموم، لا سيما علم الفقه الذي يحتاجه المتعبدون، «وما خلقت ~~الإنس والجن إلا ليعبدون»، وفي المعاملات الشرعية والأحكام التي يرجع ~~إليها القضاة والحكام؛ لأن شريعتنا القويمة الغرا بحر تستمد منه ~~الشرائع الأخرى. فهذان الركنان تأسسا عندنا والحمد لله، وأما الثالث ~~وهو الولد الصالح، فآه ثم آه؛ لأني في ريب من هذا الحظ السعيد، على ما ~~يظهر لي من أخلاق ولدنا سعيد. # فاخرة ms128 ~~(لطاهر) ~~: # ما لك أحجمت عند ذكر الولد الصالح، ورميت سعيدا بهذا الريب السانح، ~~مع أنه بحسن تربيتك مثال الكمال، ونموذج الصلاح في الأعمال. # طاهر ~~(لفاخرة) ~~: # صدق من قال إن الوالدة بولدها مغربة، والبنت بأبيها معجبة، وأنت ~~تعلمين يا شريفة الأصل، أن من ركب مطية الهوى ضل، وأن ولدك قد أطاع ~~هواه، وترك أمه وأباه، وارتكب أعظم الجرائم، وعلق بسعاد ابنة غانم، ~~وأصبح لا ينفك عن مغانيها، ولا يبرح من ضيعة أبيها، وهو رجل من ~~أتباعنا، وبنته من ضمن متاعنا. فهل بعد هذه الفضائح، يكون لنا الولد ~~الصالح؟! ~~(ثم يدخل مرسال آغا.) # مرسال ~~(لطاهر) ~~: # إن أخاك الأمير ظافر واقف بالباب. # طاهر ~~(لمرسال) ~~: # ليتفضل بالإجلال والترحاب. ~~(ثم يخرج مرسال.) # طاهر ~~(لفاخرة) ~~: # وإني بعثت أخي البارحة إلى سعيد؛ ليأتيني عنه بالخبر المفيد، وأظنه ~~حضر ليخبرني بذلك. فاذهبي يا عزيزتي الآن إلى خدرك المصان. ~~(ثم تخرج فاخرة ويدخل ظافر.) # ظافر ~~(لطاهر) ~~: # حياك الله يا نخبة الأنجاب. # طاهر ~~(لظافر) ~~: # وأنت حييت يا معدن الآداب. # ظافر ~~(لطاهر) ~~: # بعد ما اتفقنا البارحة يا ذا الروية، على إرسال سعيد للعسكرية، وكان ~~خاله الأمير نسيب يعارضنا في هذا الرأي المصيب، قد توجهت لمنزل سعاد، ~~فوجدت سعيدا معها على غير رشاد، وأمامهما أباريق المدام. # طاهر ~~(لظافر) ~~: # يا ويلاه! وأباريق المدام! # ظافر ~~(لطاهر) ~~: # نعم موضوعة على مائدة الطعام، وقد لعب الخمر برأسيهما، وأخذ الطرب من ~~نفسيهما، وسلمت عليه بكل اعتبار، فازدراني وعاملني بالاحتقار. فذكرت ~~له اسمك، فأنكرك وأنكر رسمك، وأرغى وأزبد من شدة السكر عربد. # طاهر ~~(لظافر) ~~: # وا فضيحتاه! وبعد ذلك ماذا أجراه؟ # ظافر ~~(لطاهر) ~~: # وأخيرا طردني من الناد؛ مرضاة لخاطر سعاد. فكتمت ما عندي له من ~~النصيحة، وخرجت خوفا من الفضيحة، وحضرت إليك يا همام؛ لتنظر في مستقبل ~~ولدك والسلام. # طاهر ~~(لظافر) ~~: # كيف يكون العمل، وقد عدمت الحول والحيل؟ # ظافر ~~(لطاهر) ~~: # ليس عندنا طريقة ناجحة، غير إرساله للعسكرية كما اتفقنا البارحة، وأن ~~سمو الوالي يبتهج بأولاد الأشراف، ويمنحهم في العسكرية الانعطاف، وإذا ~~تم لنا انتظام سعيد في هذه الخدمة الجليلة، ms129 فإنه يفوز في المستقبل ~~بالنعم الجزيلة، ويبتعد عن سعاد، ويتم لنا بذلك المراد. # طاهر ~~(لظافر) ~~: # هذا هو عين التدبير، ولا ينبئك مثل خبير، وإني بعثت في الصباح أسرع ~~بريد، في طلب هذا الولد العنيد. # ظافر ~~(لطاهر) ~~: # وبعد أن يتوجه سعيد وتأمن من ضيره، تسعى في زواج سعاد بغيره؛ ~~لتنقطع منهما الآمال، وتنصلح بعد ذلك الأحوال. # طاهر ~~(لظافر) ~~: # هذه واجبات كالفريضة، وها أنا ذاهب لأكتب لمقام الولاية ~~العريضة. ~~(ثم يخرج طاهر.) # ظافر ~~(لنفسه) ~~: # العناية صدف، والغواية تحف، وسيذهب سعيد للعسكرية، وقد كتبت لقائد ~~الجيش أن يذيقه المنية. ثم أعمل على قتل طاهر، وأتنعم بعدهم بهذا ~~النعيم الوافر. # نلت بالمكر والخداع مرامي # وأصابت سهام لؤمي المرامي # يتلقى إبليس مني دروسا # دونها الخمر في فساد الأنام # لا أبالي بصاحب أو قريب # حين ألقيه في ردى الاجترام # نلت قصدي من اللئيم سعيد # وسألقي أباه في الإعدام # بعدهم أستريح منهم وأجني # ثمرات الغنى مدى الأيام ~~(ثم يخرج ظافر ويدخل طاهر وزوجته فاخرة.) # طاهر ~~(لفاخرة) ~~: # إني بعثت في طلب ولدنا سعيد، وسيأتي في وقت غير بعيد، ونعرض لأعتاب ~~دولة الوالي العلية، ليأمر بقبوله في الجنود الشاهانية؛ لكي يخدم ~~أوطانه، ويرفع بجده شانه؛ لأن العمل والاجتهاد أساس ترقي الملك ~~والبلاد، والبطالة والخمود، أصل كل رذيلة في الوجود، وهذا ما كان أصاب ~~الشرق وذهب بنضارته، وأضاع محاسن حضارته، يوم كانت القوة الحاكمة، عن ~~واجباتها نائمة، وكانت القوة المحكومة، بيد الجهالة على نفسها مقسومة، ~~ولكن تلك أمة قد خلت، وأيام في خبر كان انطوت. أما الآن وقد اعتدلت ~~الأحكام، وقامت بالواجب الحكومة والحكام، واتسع نطاق المعارف، وانبعثت ~~روح العوارف، كان أول واجب علينا الاقتداء بهم في الإصلاح، ومعاونتهم ~~على ما فيه للأوطان النجاح؛ ولذلك رأيت من الفروض الدينية، أن ينتظم ~~ولدي في العسكرية. متطوعا في الجهاد؛ ليقوم بحق الله والعباد، فأرجوك ~~يا قرينتي الفاخرة أن تساعديني على نوال هذه النعمة الوافرة. # فاخرة ~~(لطاهر) ~~: # كيف يرتاح لبك، ويطاوعك قلبك على إبعاد سعيد، وهو ولدنا الوحيد، ~~وتجعله عرضة للأخطار، وهدفا لسهام ms130 النوائب والأضرار، ونصبح غير آمنين ~~بحياته، ولا عالمين بيوم محياه ومماته. فبحياتي عليك أيها الماجد، أن ~~لا تفجعني في ولدي الواحد. # طاهر ~~(لفاخرة) ~~: # أتريدين التشبه بأهل بعض البلاد، حين يبكون ويندبون الأولاد إذا ~~طلبتهم الحكومة السنية، إلى الخدمة العسكرية. عار ويا ألف عار! ~~ولماذا لا نتشبه بالشعوب الأخرى الرفيعة، حين تلبي الأمر بذلك مطيعة، ~~بل تأتي أشرافهم للخدمة متطوعين، ولإعزاز الوطن مسارعين. فحتام يا ~~ترى هذه الغفلة؟! ومتى يا رب نبرأ من هذه العلة؟! وهل تبخلين بولدك ~~أيتها القرينة، على حياة وطنك الثمينة؟! # دعيني أقاسي من ملامتك المحن # ولو فارقتني الروح في عزة الوطن # ولم يكن بني فوق نفسي معزة # ولا هو دوني الآن في قوة البدن # فلا توجدي لي في طريقي عوائقا # وإلا فلا نفع لديك على السكن # وها هو قد وافى سعيد ووجهه # يلوح عليه حسن مستقبل الزمن # فإياك أن تبدي إليه إشارة # تثيرين فيها من جهالتك الإحن ~~(ثم يدخل سعيد.) # سعيد ~~(لطاهر) ~~: # صباح كما ترضى عليك سعيد # ويوم بإقبال المسرة عيد # فأنت حياتي والحياة عزيزة # وأنت وجودي والوجود يفيد # طاهر ~~(لسعيد) ~~: # نهارك عندي يا سعيد سعيد # وعمرك بالنفع المزيد مديد # دعوتك فاسمع يا بني نصائحي # مطيعا فنصح الوالدين مفيد # اعلم يا ولدي أن العمر مزرعة، وثمارها العمل والمنفعة، وخير الأعمال ~~الشرعية، ما شمل نفعه البرية. قال سيد الناس: خير الناس من نفع الناس؛ ~~ولذا وجب على الإنسان، أن يعمل بقدر الإمكان، وإلا كان حملا ثقيلا ~~بغير مزية، على كاهل الهيئة الاجتماعية، وأشرف الناس عملا الملوك ~~العظماء، ثم الوزراء الأمناء، ثم العلماء العاملون، ثم القضاة ~~العادلون، ثم أرباب المصالح والحكام، والقائمون بتنفيذ الأحكام، ثم ~~الأمراء والأكياس، ثم بقية الناس، والقوة الحافظة لنظام هذا الاجتماع، ~~الكافلة بإقرار الأمن وإحكام الأوضاع، هي قوة الجند النظامية، وأمانة ~~رجال العسكرية، فضلا عما لها من المزايا الفاخرة، وثواب الدنيا وحسن ~~ثواب الآخرة؛ ولهذا أحببت لك يا ولدي المفضال، أن تكون من ضمن أولئك ~~الرجال؛ لكي تقوم بشبيبتك في خدمة الوطن، وتحفظه من طوارئ ms131 العدوان ~~والمحن، وتكتسب زيادة الشرف، وتكون لوالدك نعم الخلف، وتقتدي بك ~~الأنام، فإن الخواص في الغالب قدوة العوام. # الشهم يعرف بالإقدام والشمم # والمرء يصعد للعلياء بالهمم # والملك بالعدل والإنصاف مرتفع # بسلم العلم يرقى ذروة النعم # وكل شعب سرى والجهل قائده # يهوى به لحضيض الذل والوجم # هذي المواطن يا نجلي تطالبنا # بنهضة الحق فاحموها بكل كمي # صرنا شيوخا وأنتم في شبيبتكم # فريحونا وجدوا يا ذوي الهمم # وأظهروا شرف الشبان واجتهدوا # بالحزم في العمل المبرور والحكم # ولا يشوبن من أعمالكم كسل # فإنه يوقع الأوطان في الندم # وارعوا الأمانة والإخلاص يجمعكم # حسن الصفا والوفا بالعهد والذمم # وراقبوا الله في أعمالكم تجدوا # منه الحماية في بدء ومختتم # سعيد ~~(لطاهر) ~~: # اعلم يا سيدي الوالد، وولي نعمتي الماجد، أني لست من الشبان ذوي ~~الجهالة، الذين يميلون للراحة والبطالة، ويستحبون الضلالة على الهدى، ~~ويضيعون باللهو أوقاتهم سدى، ولست ميالا للسرف، والزهو والترف، ولم ~~تبعثني البواعث للخمرة أم الخبائث، ولا ارتحت للحانات، وفضائح ~~الراقصات، ولا ألفت المقامرة، وأضعت فيها أموالي صفقة خاسرة، ولم يترك ~~لي الحزم حاجة، للاقتراض من بنك الخواجة، ولا أهملت مع الإمكان حقوق ~~الله، ولا كنت كمن اتخذ إلهه هواه. فهذه النقائص حال بيني وبينها ~~الأدب، وعزة النفس وشرف الحسب، والفضل في كل ذلك منك وإليك، وهو عائد ~~بالثناء والشكر عليك، وإني طالما تمنيت أن أباشر أعمالا جليلة، تظهر ~~لي فيها بعنايتكم الفضيلة، وأكرمها خدمة وطنية، الخدمة العسكرية؛ لأكون ~~عن قومي على أهبة الدفاع، والمهاجمة إذا دعا إليها اندفاع، وتأتيكم عني ~~الأخبار، بما يكون به الافتخار. فأرجوك أن تمنحني برضائك، وتزودني ~~بدعائك، وأرجوك يا أماه ألا يروعك الفراق. فعن قريب يكون مع الممنونية ~~التلاق، وسأظهر إن شاء الله بشرف الآباء والأجداد، وما كانوا عليه من ~~الحكمة والسداد؛ حتى لا يقال علينا بعدهم في الندوات، فخلف من بعدهم ~~خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، وأسألك يا والدي الدعا؛ فإن الله ~~مجيب لمن دعا. # طاهر ~~(لسعيد) ~~: # لله درك يا ولدي، ويا حشاشة كبدي! كتب الله لك السلامة، في ms132 الترحال ~~والإقامة، وخذ هذه عريضة العبودية، لأعتاب سمو الوالي العلية، ومتى ~~انتظمت مع رجال الجهاد. كن مطيعا للرؤساء والقواد، واحتفظ يا بني على ~~وصايا أبيك، بارك الله لنا فيك. # لك الله سافر بالسلامة ناجحا # بنيل المنى فالله منك قريب # وأودعك الرحمن في الغربة التي # جنحت لها والفكر منك مصيب # وأوصيك بالتقوى فربك عالم # بسرك والنجوى عليك رقيب # ودافع عن الأوطان بالروح وليكن # إليك من النصر القريب نصيب # وأحبب لكل الناس ما أنت تبتغي # لنفسك تصبح والعدو حبيب # وعظم مقام الناس كلا بقدره # يواسيك كل منهم ويجيب # ولازم جناب العدل فالظلم علة # تبيد القوي والاعتدال طبيب # وكن دائما سمح المحيا بشوشه # فليس لذي الوجه العبوس خطيب # ولا تاس إن فاتت مع الجهد فرصة # وراقب سواها فالمجد يصيب # خذ العفو والإحسان تستعبد الورى # ولا تنتقم فالإنتقام عطيب # وسامح لتلقى إن جنيت مسامحا # فكل امرئ لا بد فيه ذنوب # ولا تبد يوما عيب غيرك واشتغل # بنفسك واحفظها ففيك عيوب # وكن حازما في كل أمرك واعتمد # على الله تنجح فالزمان عجيب # فاخرة ~~(لسعيد) ~~: # ولو لم يكن هذا الرحيل لمقصد # شريف لطالت لوعة ونحيب # ولكن فراق الأهل في طلب العلا # يهون أوصاب النوى ويثيب # وليس وداعا بل وداد وقوفنا # فأنت لنفسي يا بني قريب # خيالك في عيني وذكراك في فمي # ومثواك في قلبي فأين تغيب # سعيد ~~(لطاهر) ~~: # أودعكما يا والدي وأرتجي # بقاءكما إن الإله مجيب # فدوما بخير واذكراني بالدعا # بخير أراه فاللقاء نصيب ~~(ثم تنزل الستارة ويتم الفصل.) # الفصل الثاني # المنظر الأول ~~(تنكشف الستارة عن الأمير طاهر وزوجته فاخرة ونديمتها سلمى.) # طاهر ~~(لفاخرة) ~~: # قد أنبأتنا الأخبار الهنية، بارتقاء ولدنا للمناصب العلية، وهذا ما ~~كنا نتمناه، ولكن آه ثم آه؛ لأنه مع هذا البعاد لم يزل مشغوفا بحب ~~سعاد، ويراسلها وتراسله، وربما كان يواصلها وتواصله. # فاخرة ~~(لطاهر) ~~: # الحمد لله على علو منزلة سعيد، بحسن رضائك أيها المجيد، وإنه ما ~~ارتقى للمناصب، إلا بمعاناة المناصب. فلم يبق عنده حينئذ وقت ولا ~~معاد، للمراسلة والمواصلة مع سعاد، وهو ms133 الآن إنما يجتهد في ازدياد ~~شرفه. # ما جعل الله لرجل من قلبين ~~في جوفه ~~. # طاهر ~~(لفاخرة) ~~: # كيف تنكرين على ما أقول، وتجعلينه بعيدا عن المعقول، وقد وقع في يدي ~~كتاب منه إليها، يعرض فيه قلبه وروحه عليها؟! فخذيه وانظريه، وإذا شئت ~~فاسمعيه ~~(ثم يقرأ الكتاب) ~~: # إلى حبيبة الفؤاد، عزيزتي سعاد، سلام كثغرك في الرقة، وتحيات ~~تتأرج بها الأرقة ، يهديهما إليك، محب فؤاده لديك، ثم أبشرك يا ~~حبيبتي بأن العدا، ذهب كيدهم لي سدى، وبلغت من الارتقاء الأمل، ~~وربما صحت الأجسام بالعلل، ولا يكدرني غير الفراق، والشوق للتلاق ~~فأسألك، أن تجعلي وصيتي نصب عينك، حتى يجمع الله بيني ~~وبينك. # الإمضاء: محبك الطاهر سعيد طاهر # فاخرة ~~(لطاهر) ~~: # وأي شيء في هذا الكتاب، يستحق عليه سعيد العتاب؟ وهل يا ترى الحب ~~اختياري يقبل التغيير، أم هو اضطراري بحكم التأثير؟ وماذا يفيد ~~الاغتراب، إذا تمكنت المحبة من الأحباب؟! # إذا تمكن حب بالفتى وسرى # في الروح والجسم مسرى البرد في العلل # وصار للذات وصفا قبل نشأتها # لما تعارفت الأرواح في الأزل # فكيف يدرك للصب التحول عن # وصف به قام في مأوى وفي رحل # وهل تقوم مقام الأصل عارية # هيهات ما الكحل في العينين كالكحل # ومع ذلك فأي ضرر أو انتقاد، على حب سعيد لسعاد، وقد أثبتت الأفكار ~~الصادقة أن كل نفس في الوجود عاشقة، وبرهنت لنا الحقائق أن المعشوق ~~بحسب مزاج العاشق؟! وكم للعشق من فضائل يتخذها العاشق للمعشوق من أجمل ~~الوسائل؟! أما ترى أن أول شيء ذكره سعيد في الكتاب، هو تبشير سعاد بما ~~ناله من رفعة الجناب، لما رآه فيها من محاسن الخصال، فأخذ يتقرب إليها ~~من طريق الكمال، وحينئذ فلا شيء موجب للتكدير من جهتهما يا حضرة ~~الأمير؟! # طاهر ~~(لفاخرة) ~~: # إني أعلم ما تقولين، ولكني لا أرى ما ترين، وأي رأي يكون للنساء يا ~~عديمة الرواء؟! # فاخرة ~~(لطاهر) ~~: # كيف تقول يا ذا الذكاء، أن لا رأي للنساء، وهذا هو الاستبداد، ~~والمكابرة من الرجال والعناد، ويمكنني أن أقيم على هذا البيان، كل دليل ms134 ~~وبرهان؟! # طاهر ~~(لفاخرة) ~~: # دعينا من هذا المقال؛ لأنه لا يناسب هذه الحال، والواجب على الوالد ~~أن يسعى لما فيه إصلاح ولده، وأن يرده عن غيه إلى رشده، وإني سآتي ~~بسعاد إلى هذا المقام، وأزوجها لمن يكون مثلها في المقام، فينحسم ~~الإشكال، وينقطع الجدال. ~~(ثم يلتفت إلى الآغا ويقول): # طاهر ~~(لمرسال) ~~: # اذهب يا مرسال آغا، أسرع من سهم الوغى ، وأتني بالفتاة سعاد. # مرسال ~~(لطاهر) ~~: # لك الأمر وعلينا الانقياد. ~~(ثم يخرج) # طاهر ~~(لفاخرة) ~~: # إن سعاد ستأتي الآن، وأنت عليك تدبير هذا الشان، وإرضاؤها بالزواج ~~لمن اختاره لها من الأزواج، وهدديها بالوبال والنكال، إذا هي رفضت أمري ~~في الحال. ~~(ثم يخرج طاهر وتبقى فاخرة وسلمى نديمتها.) # فاخرة ~~(لسلمى) ~~: # من كان يبغي سبيلا عز مسلكه # هيهات إن كان بالسراء يسلطه # ومن رمى سهم بغي من كنانته # فسهمه راجع فيه ويهلكه # وليس ينجح في أعماله رجل # ونفسه بقياد الشر تملكه # فقل لمن يتمنى للسوى ضررا # ما كل ما يتمنى المرء يدركه # وإني أرى الأمير يا نديمتي سلمى، سار في هذا الطريق سير الأعمى؛ لأني ~~أعلم أن سعيدا مغرم بسعاد، وهي تحبه ملء الفؤاد، وكيف أنها بعد ~~ارتباطها بابن الأمير، تتنازل لشخص عن هذا المقام حقير؟! هيهات هيهات! ~~ولو أنها تساوي الرفات، فماذا ترين يا سلمى، في حل هذا ~~المعمى؟ # سلمى ~~(لفاخرة) ~~: # إن رأيك أيتها الفاخرة، من الحكمة الباهرة، وإن سعاد غادة أديبة، ~~وعاقلة نجيبة، مع ما لها من نضرة الصباحة، ونظرة السماحة، وطلاوة ~~الدلال، وحلاوة المقال، ورقة الخصر، ودقة الثغر، ودل الهيف، ولطف ~~الترف، وصباح الغرة، وشفق الطرة، والنغمات الشجية. على الألحان ~~الموسيقية، وبالجملة هي نموذج الكمالات، بين جميع الغانيات، فهي ~~والحالة هذه، لا ترضى بالدون، ولو ذاقت في حب سعيد المنون، وإذا هي ~~تزوجت بسواه قهرا، وأغصبها الأمير على غيره قسرا، فماذا تعملون ~~بالأمير سعيد حين يحضر ويشاهد هذا الخطب الشديد، وليس الغرض مجرد ~~العناد، وإرغام أنف الأولاد، فإن لهم حقوقا يطالبون بها شرعا. قال ~~تعالى: # آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون ~~أيهم أقرب لكم نفعا ms135 ~~، وإذا ضاعت حقوق الولد ~~عند والديه، فإن طاعتهما ربما تخرج من يديه. فاتخذي يا مولاتي الحكمة ~~في هذا الغرض، من قبل أن يتعاصى على الطبيب المرض. ~~(ثم يدخل مرسال ويقول): # مرسالة ~~(لفاخرة) ~~: # قد أقبلت يا مولاتي السيدة سعاد. # فاخرة ~~(لمرسال) ~~: # أحضرها إلى هذا الناد. # سلمى ~~(لفاخرة) ~~: # سترين من جلال رونقها، وتسمعين من جمال منطقها، ما يبهر النظر، ويدهش ~~الفكر، وتعلمين عذر سعيد، في هذا الجمال الوحيد. ~~(ثم تدخل سعاد وتقول): # سعاد ~~(لفاخرة) ~~: # صباحك مولاتي سعيد وأيامك # ولا برحت باليمن تخفق أعلامك # ولا زلت في خدر الجلال مصونة # تفوز لديك بالكرامة خدامك # فاخرة ~~(لسعاد) ~~: # صباحك مأنوس به طاب إكرامك # وعمرك تهنى بالصفا فيه أيامك # فأهلا وسهلا يا سعاد تفضلي # علينا بهذا الحسن فالحسن خدامك # اجلسي يا سعاد، على الرحب بالإسعاد، وخبريني بشعرك هو إنشاء أم ~~إنشاد. # سعاد ~~(لفاخرة) ~~: # بل هو ارتجال، يا ربة الكمال. # فاخرة ~~(لسعاد) ~~: # وهل درست شيئا من العلوم؟ # سعاد ~~(لفاخرة) ~~: # نعم يا صاحبة الفضل المعلوم، حضرت علم الأوزان، والنحو والبيان، ~~والصرف والأصول، والفقه يا فاخرة الأصول، وحفظت تاريخ الأمم، من عرب ~~ومن عجم، وعرفت فضائلهم فاتبعتها، وانتقدت الرذيلة فاجتنبتها. # فاخرة ~~(لسعاد) ~~: # وهل عرفت شيئا من علم الموسيقى؟ # سعاد ~~(لفاخرة) ~~: # نعم درست هذا الفن أيضا وعرفت طريقه. # فاخرة ~~(لسعاد) ~~: # هل تسمحين بإسماعنا شيئا من الألحان، لتنتعش منا الأرواح ~~والأبدان. # سعاد ~~(لفاخرة) ~~: # سمعا وطاعة يا رفيعة الشان. ~~(وتنشد هذين البيتين): # أغث أخاك إذا نابته نائبة # ولا تكن عن صروف الدهر باللاهي # واعطف على مستجير جاء ملتجئا # فالناس بالناس حيث الكل بالله # فاخرة ~~(لسعاد) ~~: # ما أحسن تربية البنات! فإنهن سيصرن يوما ما أمهات، ويكون عليهن ~~تربية الأبناء، فإنهن المدرسة الأولى للأحياء، وهل تعلمت يا سعاد ~~الرقص؟ # سعاد ~~(لفاخرة) ~~: # كنت أود ذلك لولا ما فيه من النقص. # فاخرة ~~(لسعاد) ~~: # كيف ذلك يا ذات الفطن، والرقص من أركان المدنية في هذا الزمن، حتى ~~أصبح زينة الولائم والمحاضرة، حين يتعانق الشاب والغادة بالمخاصرة؟! ~~شؤون تدل على الوئام، والتحابب والالتئام، فما بالك بعد هذا النص، ms136 ~~ترميه بالنقص؟! # سعاد ~~(لفاخرة) ~~: # آه يا ربة البيان! يضيق الصدر ولا ينطلق اللسان، وهل يروقك أن تدخل ~~ابنتك العاقلة، في المجتمعات السافلة، وتطرب الحاضرين بأنغامها، ~~وتميس أمامهم بقوامها، والشبان حولها وقوف، هذا هائم وذاك مشغوف؟! ثم ~~تقولين يا ذات الشمائل العربية، إن ذلك من أركان المدنية؟! وأما ما ~~يحصل من بعض العواهر الشرقيات، من الرقص في الحانات، فهذا لم يكن من ~~عوائد الشرق المندوحة، ولا الخصال العربية الممدوحة؛ ولذلك لا يحضرها ~~أحد من الأفاضل، بل هي مجتمع الأوباش والأسافل، وسيأتي يوم تبطل فيه ~~هذه العوائد الردية، بعناية الحكومة السنية. # فاخرة ~~(لسعاد) ~~: # لله درك! وماذا تقولين في الزواج؟ # سعاد ~~(لفاخرة) ~~: # إن الزواج يا معدن الابتهاج لازم للإنسان؛ لأن عليه التناسل وهو علة ~~العمران، وأما أولاد السفاح، فإنهم أبناء الشر والافتضاح؛ لعدم وجود ~~الرابطة الشرعية، وفضيلة الواصلة الدينية، فيصبحون في الوجود هملا، لا ~~يحسنون في المجتمع الإنساني عملا. # فاخرة ~~(لسعاد) ~~: # ولماذا لا تتزوجين يا سعاد، وتحصلين على رغد العيش ونعمة ~~الأولاد؟ # سعاد ~~(لفاخرة) ~~: # إن الزواج أيتها الأميرة، ليس من الأمور الصغيرة؛ ولذلك وجب انتقاء ~~الأزواج، حسبما يلائم الطبع والمزاج، ليدوم بين الزوجين الائتلاف، ولا ~~يحوم حولهما خلاف، والعاقلة بما ينفعها خبيرة، والإنسان على نفسه ~~بصيرة. ~~(ثم يدخل مرسال آغا.) # مرسال ~~(لفاخرة) ~~: # قد أرسلني مولاي لأعرض عليك أمرا، وأن يكون حديثنا فيه سرا. ~~(تقوم فاخرة وتبتعد قليلا.) # إن الأمير استحسن زواج ابنة غانم بالحاج بكير آغا الخادم، وجعل مهرها ~~خمسين دينار، وأن يكون عقد الزواج هذا النهار، وقد بعث في طلب القاضي ~~والشهود؛ لإظهار ذلك في عالم الوجود. فبشريها بصفاء الحال، وعديها بحسن ~~الاستقبال. # فاخرة ~~(لسعاد) ~~: # قد أبرأ العليل الطبيب، وقطعت جهيزة قول كل خطيب، ولك البشرى يا ~~سعاد، بإقبال الإسعاد. فقد زوجك الأمير بجناب الحاج بكير، فاقبلي هذه ~~النعمة بالشكر، ولا تقابلي الجميل بالنكر. # سعاد ~~(لفاخرة) ~~: # كيف ذلك أيتها السيدة الجليلة، وما هذه الأمور المستحيلة؛ لأن الأمير ~~لم يكن ولي أمري، ولا هو عالم بما في صدري، وأنا لم أوكله في زواجي، ms137 ~~ولم أبين له منهاجي، فهل رآني من الأنعام يقودني إلى حيث شاء بذمام؟! ~~أم أي شرع وناموس، أباح له التصرف في الأعراض والنفوس، وإلى متى يكون ~~استبداد الأكابر على من لديهم من الأصاغر؟! فأخبري حضرة الأمير الهمام، ~~بأني أرفض هذا الأمر والسلام. ~~(ثم يدخل الأمير طاهر.) # طاهر ~~(لسعاد) ~~: # ماذا تقولين يا سعاد، وماذا يفيدك هذا العناد؟ أخروج عن الطاعة، وأنت ~~عديمة الاستطاعة؟! أما عرفت يا ذات الهفوة، أن الحق للقوة؟! فامتثلي ~~أمر الزواج ببكير، وإلا أذقتك عذاب السعير. # سعاد ~~(لطاهر) ~~: # اعلم يا ذات الفتوة، أن الحق ليس للقوة، ولكن القوة للحق إذا تجردت ~~عن البهتان والملق، وإلا فلا نعدها قوة أبدا، بل نعتبرها اغتصابا ~~نكدا، نرجع فيه للمخاصمة إلى محكمة الحق العليا أمام جميع عقلاء ~~الدنيا، وإلا فأروني أي قوة بغير الحق دامت، وأي أمة استطالت على حقوق ~~الغير ثم طالت؟! كلا بل إنهم تركوها وتركوا معها أماكنهم، وأصبحوا لا ~~ترى إلا مساكنهم، والحق لا يضيعه يا ذا الفكر العال، غير بلادة صاحبه ~~أو الإهمال، أو الطيش في الطلب، أو عدم الحكمة في الأخذ بالسبب، وإلا ~~فأروني أي صاحب حق طلبه بالشرع والقانون، ثم عاد بصفقة المغبون، وهكذا ~~أنا أعرف حقوقي، وأرى مواضع بري وعقوقي، فلا تغتر يا حضرة الأمير ~~بقوتك، فقدرة الله الحق فوق قدرتك. # طاهر ~~(لسعاد) ~~: # اتركي يا سعاد المراوغة، ولا تسلكي سبيل المزاوغة، ولا يغرنك الوعد ~~والوعيد، من ولدي الأحمق سعيد، فإنه جاهل بواجبه، ووصولك للسماء أقرب ~~من الزواج به، فاتركيه واعشقي سواه، وابعدي عنه سألتك الله. # سعاد ~~(لطاهر) ~~: # إني يا مولاي ليس لي علاقة بالأمير سعيد. # طاهر ~~(لسعاد) ~~: # اسكتي ولا تثيري غضبي الشديد، وتهيئي للمسير إلى أبيك في الحال، ولا ~~تبوحي لأحد بهذا المقال. ~~(تقبل يده وتخرج.) # طاهر ~~(لمرسال) ~~: # اذهب يا مرسال، وأتني بالغضوب والمنتقد في الحال، وانصرفي الآن يا ~~فاخرة، إلى حجرتك الطاهرة. ~~(ثم يخرج مرسال وفاخرة.) # طاهر ~~(لنفسه) ~~: # إن سعاد عرفت مكانها من قلب سعيد، وأصبح السعي في تفريقهما لا يفيد، ~~وهي لا شك ms138 تسعى الآن في حتفي، وتأخذ مني ولدي رغم أنفي. فيذهب مجدنا، ~~ويشقى سعدنا، وقد ورد في حكم مفتي الثقلين، جواز إفساد الثلث في إصلاح ~~الثلثين؛ ولذلك أرى وجوب قتلها؛ جزاء لها على سوء فعلها؛ لينجو ولدي ~~من مكرها، وأنا أتخلص من غدرها. ~~(ثم يدخل مرسال.) # مرسال ~~(لطاهر) ~~: # قد جاء المنتقد والغضوب. # طاهر ~~(لمرسال) ~~: # أحضرهما لنأمرهما بالمطلوب. ~~(ثم يخرج مرسال.) # طاهر ~~(لنفسه) ~~: # قد زهقت نفسي، وكدت أغيب عن حسي، فلا عشت إن بقيت عليها، ولم أهلك ~~نفسها التي بين جنبيها. ~~(يدخل المنتقد والغضوب.) # طاهر ~~(لغضوب) ~~: # إني ربيتكما يا غضوب؛ لتكونا عدتي وقت الخطوب، وقد دعوتكما لأمر أزعج ~~بالي، وهيج بلبالي، فساعداني بساعد الهمة، واكشفا عن مولاكما هذه ~~الغمة. # غضوب ~~(لطاهر) ~~: # مرنا بما تريد، من قطع صخر أو قطم حديد، أو سفك دم هاض، أو هتك ~~أعراض، تجدنا لأمرك طائعين، ولندائك سامعين. # طاهر ~~(لغضوب) ~~: # إن سعاد ابنة غانم، ارتكبت أقبح الجرائم، وأفسدت أخلاق ولدي سعيد، ~~بعد ما كان لي أطوع من العبيد، ولم أر جزاء لها على فعلها، غير ~~التعجيل بقتلها، فماذا تريان، أيها الخادمان الأمينان؟ # غضوب ~~(لطاهر) ~~: # الإعدام جزاء مثل هذه الغدارة # وسأمزق أحشاءها بهذه الغدارة # طاهر ~~(لغضوب) ~~: # وإني أمرتها بالذهاب مع خادمها الآن، إلى منزل أبيها المهان؛ ليكون ~~سيرها تحت الظلام، وتتمكنا من قتلها والإعدام، فامضيا واقطعا عليها ~~طريقها، واقتلاها واقتلا رفيقها، واقتسما بينكما هذه الماية محجوب، ~~ولكل منكما مثلها بعد إتمام المرغوب. ~~(ثم يأخذان الدنانير ويخرجان وتدخل فاخرة.) # فاخرة ~~(لطاهر) ~~: # ما الخبر يا طاهر، وبماذا أوعزت لخدامك الفواجر؟ # طاهر ~~(لفاخرة) ~~: # دعيني يا فاخرة، أقاسي همومي القاهرة، وخبريني هل ذهبت سعاد؟ آه ... ~~وهل يتم لنا بقتلها المراد؟ # فاخرة ~~(لطاهر) ~~: # بقتلها المراد! آه ما هذه الأنكاد؟ وهل كنت تأمرهما بقتل البرية، ~~التقية النقية، بغير ذنب جنته، أو إثم ارتكبته؟! # طاهر ~~(لفاخرة) ~~: # لا تتكلمي فيما لا يعنيك، وإلا سمعت ما لا يرضيك. # فاخرة ~~(لطاهر) ~~: # ماذا يكون جوابك يا ظلوم، يوم تجتمع عند الله الخصوم، يوم يتعلق ~~المظلوم برقبة من ظلم، وينادي انتصر ms139 لي يا رب يا نعم الحكم؟ وبأي وجه ~~تلقى الله، يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله؟ أسفي يا ~~سعاد على شبابك الناضر! وا حسرتاه على جمالك الزاهر! # قتلوا وا حسرتاه ظلما سعاد # حيث ريعان الشباب # لم يخافوا يوم يلقون العواد # ويذوقون العذاب # آه يا ويلاه من غدر الزمان # سيراه الظالمون # نحن لله ومهما شاء كان # وإليه راجعون # طاهر ~~(لفاخرة) ~~: # صه يا فاخرة، مه يا خاسرة، اسكتي يا عديمة السداد، وإلا ألحقتك ~~بسعاد. # فاخرة ~~(لطاهر) ~~: # طاهر ارجع عن طريق الغادرين # كيفما تعمل تدان # ليس يهدي الله كيد الخائنين # فاتق غدر الزمان # طاهر ~~(لفاخرة) ~~: # أفاخرة الجهولة ما دهاك # كفاك اليوم من لومي كفاك # وكفي الدمع لا تبكي سعادا # فقد صادت سعيدا في الشراك # وفازت بالذي حازت وأضحى # سعيد من عداي ومن عداك # ولولا أنني أنفذت أمري # لصرنا مع سعيد في عراك # فلا عاش الهزبر بغير بأس # به يحمي العرين من الهلاك ~~(ثم يخرج وتبقى فاخرة.) # فاخرة ~~(لنفسها) ~~: # بلغ السيل الربا، وتفرق الجمع أيدي سبا، وسيعلم الذين ظلموا أي ~~منقلب ينقلبون، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ~~(ثم تخرج فاخرة وتنكشف ستارة أخرى.) # المنظر الثاني ~~(تنكشف ستارة أخرى عن جبال وأودية ويدخل الغضوب والمنتقد.) # غضوب ~~(للمنتقد) ~~: # قد رأينا سعاد سائرة في سفح الجبل، فسبقناها إلى هذا المحل؛ إذ ليس ~~لها سبيل سواه، وستأتي قريبا ونعدمها الحياة. # المنتقد ~~(لغضوب) ~~: # قل لي بالله يا غضوب، ما الذي جنته سعاد من الذنوب، حتى استحقت ~~الإعدام، وشرب كأس الحمام. # غضوب ~~(للمنتقد) ~~: # جزاؤها أيها المنتقد البصير، أنها خالفت مولانا الأمير، وخدعت ولده ~~بالتضليل والختل، فاستحقت على ذلك القتل. # المنتقد ~~(لغضوب) ~~: # وهل بيد الأمير مقاليد الأحكام، ويسوغ له شرعا أن يأمر بالإعدام؟ ~~وهل بمجرد أن سعاد أغوت ولده، وملكت بالحب قلبه وكبده، يكون الجزاء ~~قتلها، مع أن الله يقول: # وجزاء سيئة ~~سيئة مثلها ~~؟! وإذا نحن قتلناها طاعة لهواه، فهل ~~نكون الملامين أم هو الملام عند الله؟ فيلزمنا أن نعلم قبل كل شيء، أن ~~الله ينهى عن الفحشاء ms140 والمنكر والبغي. # غضوب ~~(للمنتقد) ~~: # اترك يا أخي هذه الأفكار، واجعل أكبر همك كسب الدينار؛ لتعيش في ~~الدنيا سعيدا، وربما تكون عند الله شهيدا، فهو رب كريم، يغفر الذنب ~~العظيم. # قالت لي النفس أما تستحي # وأنت في وادي الخطايا مقيم # هلا تزودت فقلت أقصري # هل يحمل الزاد لدار الكريم # المنتقد ~~(لغضوب) ~~: # أف لهذه النصيحة يا ذا النجوى! وأين هي من قوله تعالى: # وتزودوا فإن خير الزاد ~~التقوى ~~؟! فارجع بنا يا غضوب لله الحق، ولا تقتلوا ~~النفس التي حرم الله إلا بالحق. # غضوب ~~(للمنتقد) ~~: # ها هي قد أقبلت سعاد، فهلم بنا لنختفي في هذه الوهاد. ~~(ثم تدخل سعاد وخلفها خادمها حافظ وهي تنشد هذه ~~الأدوار.) # سعاد ~~(لنفسها) ~~: # سرت يا نعم المسير # في هري المولى سعيد # يا ترى كيف المصير # هل شقاء أم سعيد # حافظ ~~(لسعاد) ~~: # إني أحس يا مولاتي سعاد، بحركة في هذا الواد، وما أظنها إلا كمين، في ~~هذا المكان المكين، فسارعي في المسير؛ لننجو من هذا المكان ~~الخطير. # سعاد ~~(لنفسها) ~~: # ليتني أموت بالمرة، وأستريح من هذه العيشة المرة. ~~(وإلى هنا ينطلق العيار ويهرب حافظ خادمها وتقع ~~سعاد صريعة ويظهر غضوب.) # غضوب ~~(للمنتقد) ~~: # إن الضربة أصابت، وآمالنا ما خابت، فاذهب يا منتقد وبشر الأمير، ~~واحتفظ على نصيبي في الدنانير، وأنا أبقى لأواري رمتها في هذا الطلل، ~~وأسلب ما عليها من الحلي والحلل. # المنتقد ~~(لغضوب) ~~: # ستلقى من الله ما جنته يداك، يا سفاك الدماء يا أفاك. ~~(ثم يخرج المنتقد ويدنو غضوب من سعاد ويحركها ~~ويقول): # غضوب ~~(لنفسه) ~~: # وا أسفاه! أخطأت الضربة الفتاة، وهي الآن مغمى عليها، والحياة ملء ~~عينيها، وإذا كنت أخطأت في الماضي، فسأصيب في قتلها بهذا الخنجر ~~الماضي، ولماذا لا أحظى بوصالها، وأتمتع بجمالها، وبعد أن أقضي منها ما ~~أريد، فقتلها عندي ليس ببعيد. ~~(ثم يدنو من سعاد ويحركها ويقول): # غضوب ~~(لسعاد) ~~: # تنبهي يا سعاد، انتبهي يا غاية المراد. ~~(ثم تنتبه سعاد وتقوم وتقول): # سعاد ~~(لنفسها) ~~: # سبحان الكريم الأول! سبحان من لا يغيب ولا يغفل! ~~(ثم يقع نظرها على غضوب ms141 فتقول): # سعاد ~~(لغضوب) ~~: # من أنت أيها الإنسان؟ وأين نحن الآن؟ # غضوب ~~(لسعاد) ~~: # أنت يا مهجة القلوب، مع حبيبك غضوب، وأرجوك يا ذات الجمال، أن تسمحي ~~لي بالوصال. # سعاد ~~(لغضوب) ~~: # ممن تريد الوصال، يا ذا الفحش والضلال؟ # غضوب ~~(لسعاد) ~~: # خلي عنك العربدة، فلا بد من وصالك ولو كنت في بروج مشيدة. ~~(ثم يهيم بها.) # سعاد ~~(لغضوب) ~~: # يا غضوب استحي من الله؛ فإنه يرانا ولا نراه، وارجع عن هذه الأوهام، ~~واعلم بأن الله سريع الانتقام. # يا غضوب ارتجع لك الله عني # واتق الله وانتبه يا غافل # فمحال نوال قصدك مني # لو أذوق المنون من كف سافل # غضوب ~~(لسعاد) ~~: # يا سعاد اسمحي بوصلك إني # لي قلب إلى وصالك مائل # إن هتك الأعراض من ضمن فني # وفؤادي عن المواعظ غافل # سأنال المرام رغما لأني # عالم بالخنا وبالفسق عامل # هكذا هكذا ربيت وما لي # رادع في الصبا فنصحك عاطل # سعاد ~~(لنفسها) ~~: # يا مفرج الكروب، أغثني من هذا الغضوب. # غضوب ~~(لسعاد) ~~: # لو نزل إسرافيل وميكائيل، وتبعهما جبرائيل وعزرائيل، لينقذوك مني ~~فهذا شيء مستحيل. # سعاد ~~(لنفسها) ~~: # أين عيونك يا سعيد، وتنقذني من هذا الكرب الشديد؟ # غضوب ~~(لسعاد) ~~: # سعيد يا خاسرة، سعيد يا فاجرة، خذيها من يدي القاسية، طعنة هي عليك ~~القاضية. ~~(وإلى هنا ينطلق عيار ناري ويقع الغضوب ويأتي سعيد ~~مسرعا وهو يقول): # سعيد ~~(لسعاد) ~~: # لبيك إني يا سعاد فداك # ناديت باسمي فاستجبت نداك # ناديت باسمي يا سعاد فها أنا # وافيت أكفيك عداء عداك # شلت يمينك يا غضوب أردت أن # ترمي سعادا في شراك هلاك # لم تخش عقبى الغدر يا صنو الخنا # ونسيت قهر مدبر الأفلاك # فوقعت في الشر الذي أعددته # للغير والله مجيب الشاكي # هذا جزاؤك يا خئون فسر إلى # بئس المصير ولات حين فكاك # ثم أخبريني يا سعاد من الذي # بسهام هذي النائبات رماك # كيف استطال عليك هذا الكلب هل # من نفسه أو أوعز أفاك # يا ويلهم هلا ثنتهم رحمة # بك لكن الرحمن قد والاك # وعلى يدي كانت نجاتك فاشكري # لله فهو بفضله نجاك # المنتقد ms142 ~~(لغضوب) ~~: # هذا ما جنيته على نفسك يا خئون # وما ربك بغافل عما يعمل الظالمون # وقد نجى الله هذه المسكينة # وكل نفس بما كسبت رهينة # سعيد ~~(لسعاد) ~~: # لا بأس عليك يا سعاد، لقد فزنا من نجاتك بالمراد، فأخبريني يا عزيزتي ~~بما حصل، وكيف أن الأمر إلى هذا الحد وصل. # سعاد ~~(لسعيد) ~~: # الحمد لله على خلاصي من الهلاك، على يديك يا أيها الملاك، فقل لي ~~أولا كيف وصلت إلينا؟ ومن الذي دلك يا مولاي علينا؟ # سعيد ~~(لسعاد) ~~: # لما أرسلني أهلي للعسكرية، وكان قصدهم إيقاعي في بلية، جاءت المقادير ~~على خلاف ما أضمروه من التدابير، وأحبني دولة الوالي، ورقاني لكل ~~منصب عالي، ومالت إلي الجنود، رغم أنف القائد الحسود، ولم يفز ولله ~~الحمد بالمراد، وكل ذلك من أجلك يا سعاد، ولما طال الفراق وزاد الهيام، ~~استأذنت لأزورك وأهلي بضعة أيام، وبينما أنا سائر بغير رفيق، صادفت ~~المنتقد يهرول في الطريق، وأخبرني بما حصل الآن، وبأن الغضوب قتلك في ~~هذا المكان. فانطلقت إليك كالبرق من بعيد، وسمعت صوتك يستغيث باسم ~~سعيد، فانحدرت انحدار الغيث، واندفعت اندفاع الليث، فوجدته هاجما عليك ~~كالعدو المبين، ويريد أن يطعنك بالسكين، فبادرته بإطلاق الرصاص، ولو ~~أمهلته لاستحال الخلاص. فأخبريني يا سيدة الحرائر، عما حصل لك من الأول ~~للآخر. # سعاد ~~(لسعيد) ~~: # لا شلت يداك، وجعلني الله فداك، فعافني يا ذا المكرمة، من ذكر هذه ~~الحوادث المؤلمة، وسل المنتقد إذا شئت عنها؛ فإنه لا يفوته شيء ~~منها. # سعيد ~~(للمنتقد) ~~: # قل لي يا منتقد عما صار، وكن صادقا في رواية الأخبار. # المنتقد ~~(لسعيد) ~~: # قد سول عمك لأبيك بعد سيرك، أن يزوج سعاد بغيرك، ولما أبت عليه ~~ذلك، نصب لها شباك المهالك، وسيرها لوالدها في جنح الظلام، وأمرني ~~وغضوب بقتلها والإعدام، ولما كان ذنبها لا يستحق أدنى عقاب، نصحت ~~لصاحبي أن يرجع إلى الصواب، ولكنه أصر على هذا القصاص، وأطلق عليها ~~الرصاص. فرجعت والهم لي رفيق، حتى قابلتك يا مولاي في الطريق. # سعيد ~~(لسعاد) ~~: # أحق ما يقول يا سعاد؟ # سعاد ~~(لسعيد) ~~: # أي ورب ms143 العباد، وبعد أن أخطأتني الغدارة، سولت لغضوب نفسه ~~الغدارة، أن يراودني عن نفسي، أو يلحقني بأمسي، فاخترت الفناء، على ~~ارتكاب الخناء، حتى تعطف الرحمن علي، وأرسلك يا مولاي إلي. # سعيد ~~(لسعاد) ~~: # آه! ما للزمان بلا ذنب يعاديني # ظلما وداعي الردى فيه يناديني # والدهر عمدا ببلواه يفاجئني # والأهل أضحت بلا إثم تناويني # حتى استطال الغضوب الوغد مجترئا # يا ويلتاه لهتك العرض والدين # يا موت زرني فما لي في البقاء غرض # بحال بؤس وعيش ليس يرضيني # هكذا قضاء الله، فصبرا على ما قضاه، حتى تلوح الفرصة، وتزول عنا ~~الغصة، غير أني أفتكر الآن في أمر صعب، وهو أن الحكومة ستبحث عن قاتل ~~هذا الكلب، وتقع هنالك الأبرياء، ويقاسون بسببي العناء، والرأي عندي ~~صرف النظر الآن عن زيارة أهلي، وأوصلك إلى منزلك وأرجع إلى محل شغلي، ~~وهناك ننظر من يتناوله الردى، وما تدري نفس ماذا تكسب غدا. فهيا بنا ~~لأوصلك إلى دارك، وحذار أن تبارحيها فإن العداة في انتظارك، والتزمي ~~يا حبيبتي الصبر، وسلمي لله تعالى الأمر. # أدوار الختام # الجميع ~~(لأنفسهم) ~~: # يا نفس صبرا فالحرج # من بعده يأتي الفرج # كم حادث أضنى المهج # وزال والقلب ابتهج # سعيد ~~(لسعاد) ~~: # فارعي عهودي يا سعاد # وحافظي على الوداد # ولازمي نهج السداد # والله يقضي ما أراد # سعاد ~~(لسعيد) ~~: # كم ذا أقاسي يا سعيد # من حادث الكرب الشديد # والعمر أضحى لا يفيد # والموت أقصى ما أريد # الجميع ~~(لأنفسهم) ~~: # لا صفو يبقى للأنام # ولا رأينا الحزن دام # وكل شيء بالختام # والستر أغلى ما يرام # الفصل الثالث ~~(تنكشف الستارة عن ديوان الولاية وفيه الوالي ومعه المفتي وقائد الجيش ورئيس ~~الشرطة.) # الوالي ~~(للرئيس) ~~: # وصلت إلينا الأخبار السرية، بوجود جثة قتيل في البرية. فهل لديك خبر من ~~تلك النقطة، يا حضرة رئيس الشرطة؟ # الرئيس ~~(للوالي) ~~: # لم يصل عن ذلك خبر بعد، يا صاحب الدولة والمجد. # الوالي ~~(للرئيس) ~~: # كيف ذلك أيها الهمام، وأنت المكلف بالضبط العام، والواجب علينا أن نسهر ~~لتنام الرعية، ونتعب أنفسنا في راحة البرية، وليس القصد من وجودنا في ~~الحكومة، ms144 مجرد العظمة الموهومة، فذلك ينافي أغراضي، والمحكمة ليست ملكا ~~للقاضي، والواجب على الرئيس، أن يكون قدوة للمرءوس، فالأجسام تصح ما صحت ~~الرءوس؟! # الرئيس ~~(للوالي) ~~: # إني يا مولاي منذ تقلدت الرئاسة، ناهج سبيل الحزم والكياسة، وما فرطت ~~يوما في عملي، ولا أفرطت في أملي، وربما يكون تأخير الخبر، لخاطر على حاكم ~~الجهة خطر. وغلطة أحد العمال، لا يترتب عليها مؤاخذة الرئيس في ~~الحال. # الوالي ~~(للرئيس) ~~: # التسليم للحق أسلم، والرجوع إلى الصواب ألزم، والإصرار على الخطا، يكشف ~~عن الجهل الغطا. وكيف تتبرأ من كلامي، مع أن القتيل وصل خبره إلى مقامي، ~~وأنت عنه غافل، وبما يحدث في دائرة اختصاصك جاهل؟! فينبغي المبادرة الآن ~~بالتعجيل في الذهاب إلى حيث وجد القتيل، وتتحرى عن كيفية إهلاكه، وتجتهد ~~في معرفة القاتل وإمساكه، وإياك والظلم فعاقبته ندامة، وهو ظلمات يوم ~~القيامة، ولا تأخذ البريء في شبهة القاتل، ثم تفتخر باطلا بأنك أظهرت ~~الفاعل، فيؤديك ذلك إلى التلفيق، والغش في محاضر التحقيق، وربما كان القاتل ~~مع المتفرجين ينظر إليك، ويضحك من جهلك عليك، وخذ بالأحوط في الأمور، إلى ~~أن ينكشف المستور، وسيأتي إلينا قاضي التحقيق ومعه الطبيب، فكن لهما خير ~~رفيق ومجيب. # المفتي ~~(للوالي) ~~: # لو تمسكنا بأحكام الشريعة السمحاء، ما تجشمنا في القضا هذا العناء، ~~ولكنكم مزجتموها بالسياسة، وسلمتم مقاليدها لأصحاب الرئاسة. # الوالي ~~(للمفتي) ~~: # أما لهذه الأفكار غاية، يا حضرة مفتي الولاية؟ وإلا فقل لي أي قضية من ~~هذا القبيل، حكم فيها قبل عرضها على مفتي الشرع الجليل؟ ~~(ثم يدخل التشريفاتي ويقول): # تشريفاتي ~~(للوالي) ~~: # إن القاضي في قاعة التشريفاتية، ينتظر أمر دولتكم العلية. # الوالي ~~(للتشريفاتي) ~~: # ليحضر في الحال. # تشريفاتي ~~(للوالي) ~~: # أمرك يا معدن الإجلال. ~~(ثم يخرج) # الوالي ~~(للقائد) ~~: # إني أرى يا حضرة قائد الجنود، أن عمل القاضي أهم عمل في الوجود، فهو يقضي ~~بين الخصوم، وحكمه نافذ في العموم. فيا سعادة من أرضى الله والناس، وحكم ~~بالشرع والقياس. # القائد ~~(للوالي) ~~: # مهما كان القاضي أروعا، فهو لا يرضى الخصمين معا، والعادل من أرضى ~~الحق، وتنزه عن الزيغ والملق. ms145 ~~(ثم يدخل القاضي.) # القاضي ~~(للوالي) ~~: # يا وزيرا قد تجلى # عن سجاياه الصلاح # وبه العدل تحلى # أسعد الله الصباح # الوالي ~~(للقاضي) ~~: # دمت بالإصلاح قاض # ناهجا نهج الصلاح # وعليك الحق راض # في مساء وصباح # قد وصل إلى مسامعنا خبر قتيل مجهول، بين أكام زحلة والتلول، وقد دعوتك ~~لتتوجه الآن، مع رئيس الشرطة إلى ذاك المكان، وتباشر التحقيق بغاية الحكمة ~~والتدقيق ، واعلم بأنك محور الدائرة، وعلى أعمالك تدور الدائرة. فلا تقطع ~~بالفكرة الصارمة، بجناية المتهم ما دامت الشبهة قائمة، وليكن حسن الخلق ~~عنوان فعلك وقولك، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك، ولا يستميلك ~~الهوى فيضلك عن الصواب، ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، وتذكر قول ~~الحكم العدل، # وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ~~، وجزاء الإحسان ~~الإحسان، وكما يدين الفتى يدان. # القاضي ~~(للوالي) ~~: # إني مطيع لأوامر دولتكم # وخاضع لإرادة عنايتكم # الوالي ~~(للقاضي) ~~: # الطاعة للحق أولى، والخضوع للشرع أعلى، وإني لا أسلبك حرية الاستقلال، ~~ولكني أراقب جميع الأعمال؛ لأتبين الأصالة من الخطل، ويكون لدينا الجزاء من ~~جنس العمل. ~~(ثم يدخل سعيد.) # سعيد ~~(للوالي) ~~: # بك الصبح يا شمس الولاية أسفرا # يؤذن داعي السعد فيه مكبرا # فأنعم صباحا وأتنس بصفائه # كما ائتنست منك المدائن والقرى # رجعت ولم تمض ليالي إجازتي # لخطب جرى بالأمس فيه دم جرى # الوالي ~~(لسعيد) ~~: # لله درك يا سعيد! وكم لك عندنا من عمل مفيد، وما أظن إلا أنك سمعت بحادثة ~~المقتول، فرجعت لتساعد على إظهار المجهول، وفضلت العود لمحل شغلك على ~~المكث بين سكنك وأهلك. فهكذا تكون الشبان، وهكذا فلتكن خدمة الأوطان، وإني ~~عينتك مع القاضي؛ لتكون بالحق سيفه الماضي، وما أعهده فيك من حسن الروية، ~~يغنيني يا سعيد عن الوصية. # سعيد ~~(للوالي) ~~: # دع الهم إني أشهد الله ما جرى # وأعرف سفاك الدماء الذي جرى # دم طاهر من غير إثم أراقه # أثيم وخلاه يسيل معفرا # وقد كان عن عمد ولا خطأ ومن # جنى عامدا يقتل وأن لتجسرا # الوالي ~~(لسعيد) ~~: # رويدك قل لي يا سعيد من الذي # أراق الدما حتى ms146 أراه فيقبرا # فإن كنت قد أمسكته فلك الثنا # وإلا فإن القبض لن يتعذرا # سعيد ~~(للوالي) ~~: # أمولاي هون ما لديك فإنني # أنا القاتل الجاني عليه بلا مرا # قتلت قتيلا طاهرا متعمدا # لشهوة نفس لا لإثم به اجترا # سفكت دما قد حرم الله سفكه # وغادرته ويلاه يخبط في الثرى # وها أنا ذا قد جئت معترفا وما # لمعترف عذر لديك فيعذرا # فمر بالقصاص الآن عدلا معجلا # ومر بنفاذ تطمئن به الورى # القائد ~~(للوالي) ~~: # قد وجب القصاص، وليس لسعيد منه مناص. # سعيد ~~(للقائد) ~~: # ويا قائد الجند ابتهج واحتكم فكم # نصبت لنا فخا ولكن تكسرا # ويا دولة الوالي تعطف بوالدي # وأهلي من بعدي فإني كما ترا # الوالي ~~(لسعيد) ~~: # ما هذه الحال أيها المغبون؟ ومتى أصابك هذا الجنون؟ ومن هو ذلك القتيل؟ ~~وما سبب هذا الفعل الوبيل؟ # سعيد ~~(للوالي) ~~: # إني لست بمغبون، ولم يكن بي جنون. بل أنا القاتل الأثيم. أنا السفاك ~~الزنيم. فاحكم على الجاني بما جناه، ولا تأخذك به رحمة في دين الله، ولا ~~تسألني عن القتول، فإنه للآن عندي مجهول. # القائد ~~(للوالي) ~~: # لا ظمأ لمغترف، ولا عذر لمعترف، والحكم عليه أحكم، وسموكم بالعدل ~~أعلم. # الوالي ~~(للقائد) ~~: # دع عنك الهياج، فليس لسوقه رواج، والتزم جادة الاعتدال، ولا تأخذ ~~القاتل بكل ما قال. فليس كل اعتراف مقبول، ما لم يكن مطابقا للحس ~~والمعقول، ولا يأخذنك الطيش في الطالحات، وادرءوا الحدود بالشبهات. ~~فالمستعجلون بالشر قد يخيب أملهم، ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم ~~بالخير لقضي إليهم أجلهم. فاذهبوا بسعيد للسجن الآن، حتى ننظر فيما ~~كان. # القائد ~~(للحجاب) ~~: # اقبضوا على هذا القتال # وكبلوه بالسلاسل والأغلال # سعيد ~~(للقائد) ~~: # تحكم فهذا اليوم ما كنت تبتغي # علي وللبدر المنير أفول # تهون علينا أن تصاب جسومنا # وتسلم أعراض لنا وعقول # الوالي ~~(للقائد) ~~: # حيث إن سعيدا من رجال الجنود النظامية، فتكون محاكمته أمام محكمة ~~عسكرية، وعندها يقضي القانون، بحسبما كان فيما يكون، وليكن انعقاد المجلس، ~~تحت رئاستك في هذا المجلس. فاجعل الحق ديدنك، والتثبت من الحقائق معدنك، ~~وأطلق للمتهم حرية الدفاع، وأوله ms147 منك حسن الاستماع، فربما يظهر من فلتات ~~لسانه، ما يخفيه عنك في جنانه، والذي يصدر به حكم المحكمة، يعرض لسدتنا ~~المعظمة. # القائد ~~(للوالي) ~~: # أرجو أن يكون سموكم مرتاح البال، فإني ما ألفت غير الحق والاعتدال، ولا ~~تعودت في الأحكام الظلم. # الوالي ~~(للقائد) ~~: # سننظر ما يصدر به الحكم. ~~(ثم يخرج الوالي والمفتي.) # القائد ~~(للحاجب) ~~: # اذهب وادع حضرات أعضاء المحكمة العسكرية، ومعهم المدعي العمومي لننظر في ~~هذه القضية. ثم ائت بسعيد المفتري، من الحبس العسكري. ~~(ثم يخرج الحاجب.) # القائد ~~(للرئيس) ~~: # قد بلغ الأمل منتهاه، وسيلقى سعيدا ما قدمت يداه؛ فإنه كان ثعلبا ~~محتالا، وطاووسا مختالا، وإذا مكنتني الفرصة، أجرع والده أيضا كل ~~غصة، وستكون حضرتك من ضمن أعضاء المجلس، فكن لي خير معين ومؤنس. # الرئيس ~~(للقائد) ~~: # نعم ستراني معينا لك في السر والنجوى؛ اقتداء بقوله تعالى: # وتعاونوا على البر والتقوى ~~. # القائد ~~(للرئيس) ~~: # ما أكثر سلامة قلبك، وقد كان سعيد يعمل على قلبك، ويريد أن يهتضم شأنك، ~~ويعزلك ويحل مكانك. # الرئيس ~~(للقائد) ~~: # أرجو عدم التحامل على هذا المسكين؛ لكيلا نكون تحت قولهم إذا وقعت ~~الماشية كثرت السكاكين، لا سيما أنك يا ذا المكرمة، ستكون رئيس المحكمة، فكن ~~قدوة في العدل للقضاة؛ ليحكموا بالحق كما أنزل الله. ~~(ثم تدخل ثلاثة قضاة والمدعي العمومي ويجلسون ويفتح ~~الرئيس الجلسة ثم يدخل سعيد ومعه المحامي.) # القائد ~~(للمدعي) ~~: # اشرح التهمة والسبب، وأوضح للمحكمة الطلب. # المدعي ~~(للمحكمة) ~~: # قد وجدت جثة قتيل مجهول في هذا الصباح، عند روابي زحلة والبطاح، وكشف ~~عليها الأطباء حسب الأمر، وقالوا إنها جثة رجل في الأربعين من العمر، وإنه ~~مصاب برصاصة من آلة نارية، دخلت رأسه من الجهة الخلفية، فهتكت المخ وكسرت ~~العظام، ومات الرجل بهذا السبب بدون كلام، ولم يحصل الاهتداء على الفاعل، ~~ولم يعلم المقتول ولا القاتل، غير أن هذا المتهم الملام، كان استأذن ~~رسميا في زيارة أهله بضعة أيام، وسافر من هنا البارحة وقت الغروب، ولكنه ~~عاد في هذا الصباح وهو مكروب، واعترف أمام الجمهور جهرا، بأنه القاتل ~~عامدا مصرا؛ ولهذا أطلب ms148 الحكم عليه بالإعدام، وإن أنكر فشهود الاعتراف ~~تحضر إلى هذا المقام. # القائد ~~(لسعيد) ~~: # ما قولك في هذه التهمة # يا عديم النخوة والحشمة # سعيد ~~(للقائد) ~~: # أما التهمة فصحيحة، وأما بذاءة اللسان فقبيحة، والواجب على من للحكم ~~انتصب، أن يكون كثير الحلم قليل الغضب. # القائد ~~(لسعيد) ~~: # هل قتلت هذا الإنسان # وما سبب هذا العدوان؟ # المحامي ~~(للمحكمة) ~~: # لا يصوغ تكرار استجواب المتهوم، بغير طلب المحامي كما هو معلوم. # سعيد ~~(للمحكمة) ~~: # كلا، بل أنا الجاني الغدار، مع العمد والإصرار. فاحكموا بإعدام هذا ~~الجاني، فإني يا سادتي كرهت زماني. # المحامي ~~(للمحكمة) ~~: # إن هذا الاعتراف باطل، ولسعيد في المسألة عذر كافل، وسأبين للمحكمة، ~~أمورا في القضية مبهمة. # المدعي ~~(للمحكمة) ~~: # قد اعترف المتهم بالإقرار، وليس لديه سبيل للاعتذار، فإطالة المحاماة، لا ~~تفيد أمام القضاة. # المحامي ~~(للمحكمة) ~~: # لا ينبغي المقاطعة والاندفاع، حتى أقضي واجب الدفاع، فالمحاماة والادعا ~~خصمان، وكلاهما لدى المحكمة سيان. # الرئيس ~~(للمحامي) ~~: # تفضل يا حضرة المحامي الفاضل، فأنت لدينا أفضل قائل، والقضا مرتبط ~~بالمحاماة، وكلاهما يسعى لما يرضي الله. # المحامي ~~(للمحكمة) ~~: # إن كلام المتهم لا يدل على اعتراف صحيح، بل هو صادر عن فؤاد جريح، مملوء ~~بالأكدار والأحزان، وقد قال أمامكم إنه كره الزمان، وثبت من كلام المدعي ~~العام، أن سعيدا خرج من هنا وقت الغروب بالتمام، والمسافة إلى روابي زحلة ~~ثلاث ساعات، وتقرر طبيا أنه مضى على قتل القتيل عشر ساعات، وعلى هذا ~~الحساب المعقول، يكون القتل حصل وقت وصول سعيد إلى محل وجود المقتول. فأين ~~حينئذ التربص والترصد وقصد القتل والتعمد؟ والواجب التثبت في هذه ~~القضية، كما عهدنا في عدالتكم ورحمتكم القانونية. # سعيد ~~(للمحامي) ~~: # خفض عليك يا ذا الرواء، فأي رحمة لسفاك الدماء؟! وإذا كان الجاني ~~معترفا بما جناه، فماذا عسى يجدي الدفاع والمحاماة، بل على قدر الجناية ~~يكون العقاب، ولكم في الحياة قصاص يا أولي الألباب. # الرئيس ~~(للحجاب) ~~: # اذهبوا بسعيد إلى السجن الآن، ولا يبقى غير القضاة في هذا المكان. ~~(ثم يخرجون جميعا وتتداول القضاة ثم يدعو الرئيس ~~المدعي العمومي.) # الرئيس ~~(للناس) ~~: # قد ms149 صدر الحكم بالإعدام، على سعيد بحد الحسام، ونكلف حضرة المدعي بعرض ~~الحكم على سدة الوالي السنية، ولسموه في ذلك الإرادة العلية. ~~(ثم تنصرف المحكمة والناس وترتفع ستارة أخرى.) # المنظر الثاني ~~(تنكشف الستارة عن السجن وفيه سعيد.) # سعيد ~~(لنفسه) ~~: # يا زمان الهنا عليك السلام # بعدك العمر ليس فيه مرام # ليت شعري يا صاحب السجن ماذا # صدرت في قضيتي الأحكام # هل بقاء وما إليه سبيل # أم فناء وبئست الأيام # لست أخشى الحمام لكن بسوء ال # نفس من خصمها عليها احتكام # هل أرى والدي من قبل موتي # يرياني وكيف كان الختام # طاوعا حاسدي سدى لهما العذ # ر ولو أمهلا لبان المرام # ونوايا الآباء للخير لكن # قدر الله دونه الأفهام # آه من لي بنظرة من سعاد # قبل ما يدهم الحياة الحمام # فأراها وهل لعيني تراها # بعد ما لاقت الهوان الكرام # فالكريم الكريم يخجله الهو # ن ولا تستحي لذاك اللئام # يا عدوي احتكم ويا موت زرني # فعلى هذه الحياة السلام # ما أسرع تقلب الأيام، وفتكها بالكرام! فمن بعد انطلاقي مرتاح النفس، ~~أصبحت كما تروني مكبلا بالحديد في الحبس، هكذا قضى رب الناس، وتلك ~~الأيام نداولها بين الناس. # رءوف ~~(لسعيد) ~~: # ما لي أراك أيها الأمير، في هذا الانزعاج الكبير، وأنت الذي نبذت ~~الهداية، واعترفت على نفسك بالجناية، ولم يكن ثم عليك إكراه، ولا كان ~~يعلم بأمرك إلا الله. حتى أوقعت ذاتك في المحن؟! فعاتب نفسك ولا تعاتب ~~الزمن. # سعيد ~~(لرءوف) ~~: # دعني يا رءوف وحزني، ولا تزدني شجنا على شجني، وإني ما اعترفت بهذا ~~الأمر، إلا لأقول بيدي لا بيد عمرو. # رءوف ~~(لسعيد) ~~: # ادخل مكانك يا سعيد، فإن مأمور السجن مقبل من بعيد. ~~(ثم يدخل المأمور.) # المأمور ~~(لرءوف) ~~: # أين سعيد يا رءوف؟ # رءوف ~~(للمأمور) ~~: # هو يا مولاي في مكانه مأسوف. # المأمور ~~(لرءوف) ~~: # لقد ساءنا والله مصاب سعيد، بل أساء الدنيا هذا الرزء الشديد، فإنه ~~صدر عليه الحكم بالإعدام، ويا أسفاه على هذا البطل المقدام! ووردت لنا ~~الأوامر بزيادة الحفظ عليه، وسيأتي حضرة القائد وينفذ الأمر الذي لديه، ms150 ~~وقد أتيت إليك بهذا التنبيه؛ لتأخذ مع رفاقك بالأحوط فيه. ~~(ثم يخرج) # رءوف ~~(لنفسه) ~~: # أسفي عليك يا سعيد! حزني عليك أيها البطل الصنديد! لقد كنت ليثا في ~~النزال، وغيثا في النوال، وعونا للوافد، وموردا عذبا للوارد. فيا ~~ليت شعري ماذا جرى لك، وقد كنت بالحكمة تجري أعمالك؟! وكيف يحكم على ~~مثلك بالإعدام، وأنت حامي الحمى المقدام؟! # الله يبقى وكل الكائنات عدم # والمرء يشقى وعقباه عليه ندم # والموت يختطف الأرواح صاغرة # لا فرق بين كبير عنده وخدم # سعيد ~~(لرءوف) ~~: # والناس في غفلة عما يكون وما # يلقون يوم يكون الله فيه حكم # إن أعدموني حياتي إنهم عدموا # ركنا حصينا وبحرا في الكمال خضم # لكنهم جهلوا شأني ولو علموا # حقيقة الأمر ما كان العدو رغم # أنى لهم بخفايا الأمر معرفة # وصاحب السر للسر المصون كتم # وكل هذا جرى لي والقضاء جرى # من أجل حب سعاد والغرام حكم # ولست أسلو هواها والحياة مضت # وكل شيء كما شاء الإله قسم # رءوف ~~(لسعيد) ~~: # أناشدك الله العلام، أيها البطل الهمام، أن تخبرني باقترافك، وسبب ~~اعترافك، ومن هي سعاد يا ترى، التي جرى لك من أجلها ما جرى؟ وأين هو ~~أبوك وأنت في حبسك؟ وأين ذووك الذين تفدي شرفهم بنفسك؟ فانتبه يا مولاي ~~لعقلك، ولا تصمم على جهلك. # سعيد ~~(لرءوف) ~~: # قد كان ما كان، وقضي الأمر الذي فيه تستفتيان. فلا تطمع في حياتي يا ~~رءوف، بعد ما اعترى بدر ذاتي الخسوف. # يا والدي هل لا أتاك # خبر على فقدي دهاك # يا ليت شعري هل أراك # وقتا يجود به الزمان # وهل أراك يا سعاد # يوما وذاك الأنس عاد # أم هل أموت بالبعاد # في الحبس يا رب الأمان # رءوف ~~(لسعيد) ~~: # نعم كان ما كان، ولم يبق محل للكتمان، فهل لك من حاجة أقضيها إليك، ~~وأعرضها يا مولاي عليك، فإن لك علي أياد، طوقتني كالسوار ~~للأياد. # سعيد ~~(لرءوف) ~~: # سأخبرك ببعض ما صار، لعلك تبلغني بعض الأوطار، وذلك أني لما استأذنت ~~البارحة في الذهاب إلى أهلي، بضعة أيام وأعود لمحل شغلي، عرجت ms151 على ~~ضيعة حبيبتي سعاد؛ لأطفئ برؤيتها نارا تتأجج في الفؤاد، وبينما أنا ~~سائر في تلك التلال، سمعتها تستغيث باسمي بصوت عال، ورأيت من بعيد ~~رجلا يراودها عن نفسها، أو يدخلها في رمسها، وقد صوب نحو صدرها ~~السكين، وهي تدفعه عن عرضها كما يدافع الليث عن العرين، ولما رأيت ~~استحالة الخلاص، أطلقت عليه الرصاص، فزهقت في الحال نفسه الحزينة ، ~~ونجى الله تلك المسكينة. # رءوف ~~(لسعيد) ~~: # آه ... شلت يمين ذلك الغدار، وليذهب إلى جهنم وبئس القرار. فقل لي ~~ما هو ذلك الوغد ما ألأمه، وما سبب كتمان ذلك على المحكمة؟ فكانت ~~تحكم ببراءتك، وتشكرك الأمة على شهامتك. # سعيد ~~(لرءوف) ~~: # أقضي لأهلي ما وجب # لحفظهم من الوصب # وأرتضي وقع العطب # ولا أبوح بالسبب # يا والدي عشتما # ولا رأيتم مأتما # وهل سعاد بعدما # أموت يوليها الطرب # وإن لي إليك حاجة يا رءوف، فإن قضيتها تكون نعم الخل ~~العطوف. ~~(رءوف يفتح باب السجن بسرعة ويقول): # رءوف ~~(لسعيد) ~~: # ها هي مفتحة لك أبواب السجون # فانج بنفسك ويكون علي ما يكون # ولا تستصغر همتي يا ابن الكرام # فمثلك لا يحكم عليه بالإعدام # سعيد ~~(لرءوف) ~~: # أشكرك على هذه الفتوة، والشهامة والمروة، ولكن هل رأيتني دنيئا ~~بهذا المقدار، حتى أرتكب عار الفرار؟! وإنما أرجوك يا أعز الناس، أن ~~تأتيني بدواة وقرطاس؛ لأكتب كتابا للسيدة سعاد، وتفضل بتوصيله الآن يا ~~صاحب الأياد. # رءوف ~~(لسعيد) ~~: # هذا أقرب ما يكون، يا رفيع الهمة والشئون. ~~(ثم يخرج) # سعيد ~~(لنفسه) ~~: # أمن بعد ما كانت تفر مني الأسود، يوم تخفق في ميدان الوغى البنود، ~~تظنون أني أهرب من ناديكم؟! لا، قل: إن الموت الذي تفرون منه فإنه ~~ملاقيكم. ~~(ثم يدخل رءوف.) # رءوف ~~(لسعيد) ~~: # ها هو القرطاس والدواه، فاكتب ما شئت وتوكل على الله. ~~(ثم يأخذ سعيد ذلك ويدخل السجن.) # رءوف ~~(لمصطفى) ~~: # آه يا أخي مصطفى! منا على الدنيا العفا. لقد أدهشتنا شهامة هذا ~~البطل، ولكن كتمانه للحقيقة من الخطل؛ لأنه تطرف في الشهامة، والتطرف ~~في كل شيء ندامة، وأنت تعلم أن عندي أوامر سرية، من ms152 دولة الوالي ~~العلية، بأن أعرض مباشرة عليه، أحوال السجن إليه، وقد علمنا الآن أن ~~سعيدا قتل ذلك الفاجر؛ صيانة للنفس والعرض الطاهر. وهذا لا يعاقب عليه ~~القانون، بل بمثله يتنافس المتنافسون، وإذا وصل للمسامع العلية خبر ~~ذلك، لا بد ينقذ سعيدا من المهالك. # مصطفى ~~(لرءوف) ~~: # لا تعجل بذلك يا ذا الروية، حتى تقف على أصل سر القضية. ~~(ثم يخرج سعيد.) # سعيد ~~(لرءوف) ~~: # خذ هذا الكتاب يا ابن الأكارم، واذهب لمنزل وكيلنا الشيخ غانم، ~~وبلغ سلامي أهل ذاك الناد، وسلمه إلى يد ابنته السيدة سعاد، وقل ~~لها هذا هو الوداع الأخير، وارجع لي يا رءوف بغير تأخير. فهذا ما بقي ~~لي من الدنيا من المرام، وبعدها مني على الحياة السلام. # رءوف ~~(لسعيد) ~~: # هذا أمر يسير يا سعيد، ومنزل الشيخ غانم غير بعيد، وسأبعث بالكتاب مع ~~أخي أسرع من لمح البصر؛ لأني صاحب الدور في الخفر. ~~(ثم يخرج) # سعيد ~~(لنفسه) ~~: # يا نفس صبرا وماذا ينفع الصبر # وقد علمت بموتي وانقضى العمر # مصائب الدهر أنواع منوعة # ولم يكن كمصابي في الورى خسر # يهون الموت عندي كل نائبة # وتلك أمنية يلهو بها الحر # والموت إن لم يكن حالا فبعدئذ # حتما ولكنما حرص الفتى سكر # مصطفى ~~(لسعيد) ~~: # صبرا سعيد فلله العلي الأمر # والدهر يأتي بما لم يدرك الفكر # والصبر أحلى ولو مرت أوائله # والعسر لا بد يأتي بعده يسر # ورب ضيق بدا واليأس يصحبه # يأتي على إثره التفريج والبشر # وقدرة الله كم أبدت لنا عجبا # وما لألطافه في خلقه حصر ~~(ثم يأتي رءوف.) # رءوف ~~(لسعيد) ~~: # لما وصلت خارج الباب؛ لأسلم أخي الكتاب، أبصرت صبية ذات أنين، تتنفس ~~الصعداء عن قلب حزين، ولما تأكدت من وجودك في الحبس، كادت تزهق منها ~~النفس، وأسفرت عن محيا كالبدر، ولطمت على الخدين والصدر، ومعها رجل من ~~هول المصاب يرتعد، واسمه المنتقد، وطلبت الدخول عليك، والمثول بين ~~يديك، وما أظن إلا أنها السيدة سعاد، وها هي مقبلة على أثري لهذا ~~الناد. # سعيد ~~(لنفسه) ~~: # سعاد ... سعاد. آه ما هذه الأنكاد؟! هل ms153 جاءت لتفرح بسعيد، حين تراه ~~مكبلا في الحديد؟! أم وافت لتشاركني في زفاف الإعدام، وتحظى معي بحسن ~~هذا الختام؟! ~~(ثم تدخل سعاد بسرعة.) # سعاد ~~(لسعيد) ~~: # نعم يا مولاي أتيت إليك في حبسك؛ لأشاركك في نعيمك وبؤسك، وأتجرع ~~قبلك كأس الحمام، وأفوز وحدي بهذا الختام. # سعيد ~~(لسعاد) ~~: # سلمي يا سعاد لله التدبير، وودعيني يا حبيبتي الوداع ~~الأخير. # سعاد ~~(لسعيد ) ~~: # إني أودع نفسي قبل وداعك، وأندفع للموت قبل اندفاعك، ولكن لماذا ~~يقتلونك، وبحكمهم يظلمونك؟! ألأجل رجل غدار، أرحت من وجوده ~~الديار، قتلته لحفظ نفسي، ولولاك لدخلت رمسي؟! أين الإنصاف أين ~~الإسعاف؟! أين الرجال؟! أين الاعتدال؟! # ارحموني أيها الناس الكرام # من عناء وعناد # وأسعفوني قد تمادى الانظلام # وجفا الحكم الرشاد # رءوف ~~(لسعاد) ~~: # هل حضركما أحد وقتذاك وشهد؟ # سعاد ~~(لرءوف) ~~: # نعم حضرنا هذا المنتقد وهو أخو القتيل. # رءوف ~~(للمنتقد) ~~: # أحق يا منتقد ما قيل؟ # المنتقد ~~(لرءوف) ~~: # نعم إن أخي الشقي قاتله الله، لقي من هذا الأمير جزاء ما جنته يداه، ~~والله على ما أقول شهيد، وهو أقرب إلينا من حبل الوريد. # مصطفى ~~(لرءوف) ~~: # إن القائد مقبل علينا، وقادم لدينا. # رءوف ~~(لسعيد) ~~: # ادخل يا سعيد للسجن الآن. وأنتما اختفيا في هذا المكان. ~~(ثم يدخل القائد والعسكر.) # القائد ~~(لرءوف) ~~: # أين سعيد المهان؟ # سعيد ~~(للقائد) ~~: # بل أنت المهان يا خوان. # القائد ~~(لسعيد) ~~: # قد صدر الحكم بإعدامك، وهذا اليوم آخر أيامك، وقد أمهلتك ساعة تكتب ~~فيها الوصية، ثم تستعد للقاء المنية. ~~(ثم يخرج) ~~(ثم تدخل سعاد مسرعة.) # سعاد ~~(لسعيد) ~~: # سعيد سعيد ... تموت ... لا تفوت. لا ... أنا المائتة. أنا الفائتة. روحي ~~فداك، رغم أنف عداك. أنا أموت وأنت تعيش، وأنت تهدأ وأنا أطيش. تبت ~~يد القائد، الخائن الحاسد. ~~(ثم تبكي) # سعيد ~~(لسعاد) ~~: # دعيني فالرجال إلى القتال # وللأحزان ربات الحجال # أموت فداء عرضي ثم أهلي # وبالدنيا الدنيئة لا أبالي # رءوف ~~(لمصطفى) ~~: # إني ذاهب لدولة الوالي العلية، وأخبره بسر هذه القضية. ~~(ويخرج) ~~(ثم يدخل القائد ومعه العسكر والسياف.) # القائد ~~(للجند) ~~: # أخرجوا سعيد الخئون؛ ليذوق كأس المنون. ~~(ثم يخرج سعيد.) # القائد ~~(لسعيد) ms154 ~~: # بناء على حكم المحكمة العسكرية، ستشرب الآن راح المنية، فاستغفر ~~الله من جنايتك، وليعتبر سواك بغايتك، وتهيأ للتلاف، من يد هذا ~~السياف. ~~(السياف يمسك سعيد.) # سعاد ~~(للسياف) ~~: # ماذا تريدون، وماذا تعملون؟! أيقتل سعيد؟! آه ما هذا الكرب الشديد؟! ~~أبدا أبدا. أطلقوه وامسكوني، واتركوه واقتلوني. # القائد ~~(لسعاد) ~~: # من هذه الفاجرة؟ اقبضوا على هذه الخاسرة. # القائد ~~(للسياف) ~~: # اضرب عنقه، واقطع رمقه. # السياف ~~(لسعيد) ~~: # إلى الموت تعنو كل نفس أبية # وإن عظم المطلوب قل المساعد # وكل امرئ يلقى مصابا وإنما # مصائب قوم عند قوم فوائد # ومن لم يمت بالسيف مات بغيره # تنوعت الأسباب والموت واحد # سعاد ~~(للسياف) ~~: # شلت يمينك يا سياف. ألم يأخذك على هذا الأمير انعطاف، وهو بريء من ~~الجناية، وبعيد عن الغواية؟! # القائد ~~(لنفسه) ~~: # ليت أعدائي تموت # مثل ما لاقى سعيد # بعده وقتي يفوت # في هنا عيش رغيد ~~(يدخل الوالي متخفيا.) # سعاد ~~(للقائد) ~~: # يا قائد الجند المهان # أطلقت للشر العنان # أأمنت من كيد الزمان # بل كيفما تعمل تدان # القائد ~~(للجند) ~~: # أبعدوا هذه المجنونة؛ فإنها ذات طيش ورعونة. # المنتقد ~~(للقائد) ~~: # اعلم يا حضرة القائد، والشهم الماجد، أن القتيل هو أخي الوحيد، ولكنه ~~شقي عنيد، للأعراض هتاك، وللدماء سفاك، ولولا همة الأمير سعيد ~~الأبية، لفتك بعرض ونفس هذه الصبية. # القائد ~~(للسياف) ~~: # اقطع رأسه، وأخمد أنفاسه. # السياف ~~(لسعيد) ~~: # ألك حاجة أيها الأمير؟ # سعيد ~~(للسياف) ~~: # دعني أودع سعاد، الوداع الأخير. # القائد ~~(للسياف) ~~: # لا تقل عليه الأمير، فإنه وغد حقير. # القائد ~~(لسعيد) ~~: # وهل نسيت يا ابن اللئام، ما فعله معي أبوك في سالف الأيام؟! فهذا وقت ~~كشف العار، والأخذ منك بالثار. # سعيد ~~(للقائد) ~~: # لا تشمت يا لئيم، فإن البغي مرتعه وخيم، ولو كان قتلي بأمرك، لشربت ~~دمك من نحرك. # سعاد ~~(للقائد) ~~: # أرجوك يا مولاي تأخير تنفيذ الأمر، وأن تعرض لسمو الوالي حقيقة ~~الأمر، فلعل سموه للعفو يثيب، وفرج الله قريب. # القائد ~~(لسعاد) ~~: # بلوغ هذا الأمل، أبعد عليكم من فلك زحل. # القائد ~~(للسياف) ~~: # اضرب عنقه يا سياف، بغير مهلة ولا خلاف. # السياف ~~(لسعيد) ~~: # حان الأجل، وخاب الأمل. ms155 ~~(يظهر الوالي جهرا.) # الوالي ~~(للسياف) ~~: # أخمد حسامك يا سياف، حتى ننظر في وجهة هذا الخلاف، فقد رأينا لزوم ~~تأخير القتل، لما حدث من الشبهة فيما حصل من قبل، وبعد التثبت من حقائق ~~القضية، يكون لنا فيها الإرادة العلية، وأطلقوا سراح سعيد من السجن ~~الآن، ولتأتوا جميعا في غد إلى الديوان. ~~(ثم إن سعيدا وسعاد والمنتقد ورءوف ومصطفى والسياف ~~ينشدون): # دام هذا الحزم والافتقاد # للورى يا ذا الهمام # هكذا المولى يجير العباد # من عناء الانظلام # وبروح العدل يحيي البلاد # ويوافينا المرام # فاسلم واسعد أنت الأمجد # نلنا المقصد بالتمام ~~(ثم تنزل الستارة.) # الفصل الرابع # المنظر الأول ~~(تنكشف الستارة عن الوالي وقائد الجيش ورئيس الشرطة، ورءوف ومصطفى ~~السجانين، وقاضي التحقيق وسعيد وسعاد ومفتي الولاية.) # الوالي ~~(للقائد) ~~: # لقد اتخذت مركزك يا حضرة القائد؛ ذريعة للانتقام وسوء المقاصد، وجعلت ~~صدرك مستودع الأحقاد، وهذا لا يليق بشأن الحكام والقواد؛ لأن الحاكم ~~أيها الماجد، للرعية في منزلة الوالد، وعقابه للجاني منهم عقاب تأديب، ~~لا عقاب انتقام وافتراس غصيب. # القائد ~~(للوالي) ~~: # إني يا مولاي سائر على هذا النمط # وما سلكت في أحكامي سبيل الشطط # الوالي ~~(للقائد) ~~: # ما أضر الإصرار، وعدم الاستغفار! وكيف تزعم أنك نزيه النفس، بعد ما ~~شاهدت أحوالك في الحبس؟! # الوالي ~~(للمنتقد) ~~: # وهل أنت يا منتقد أخو القتيل؟ # المنتقد ~~(للوالي) ~~: # نعم هو شقيقي يا مولاي الجليل. # الوالي ~~(للمنتقد) ~~: # وهل عندك علم بحقيقة هذا الأمر؟ # المنتقد ~~(للوالي) ~~: # نعم أعرفه في السر والجهر. # الوالي ~~(للمنتقد) ~~: # إذا فأخبرنا عنه ولا تكتم عنا شيئا منه. # المنتقد ~~(لنفسه) ~~: # إذا أنا أخبرته بأساس الأمر ومبناه، يعتبرونني شريكا للجاني فيما ~~جناه، ويقع في الشرك الأمير طاهر، وتدور على هذه العائلة الدوائر، ~~فالأصوب أن أحصر التهمة كلها في القتيل، ولا أجعل لغيره فيها أدنى ~~سبيل. # المنتقد ~~(للوالي) ~~: # إن أخي الخائن المغضوب، واسمه غضوب، نشأ على الفجور، والشقاء ~~والشرور، ولم يكن له واعظ من نفسه، ولا زاجر من حسه، فصغرت الكبائر ~~لديه، ومن شب على شيء شاب في الغالب عليه، وإني كنت سائرا تلك ~~الليلة، ms156 في حاجة إلى مدينة زحلة، فرأيت أخي كامنا في الوادي بين ~~تلاله، كأنه يترقب شيئا في باله، فأردت استصحابه فامتنع، وعلى قمة ~~التل ارتفع، ثم أبصرت خيالا مقبلا من كبد الواد، وتأملته وإذا هو ~~سعاد، وليس معها غير رجل خدام. فعجبت من سيرها في ذاك الظلام، ولعلمي ~~بأنها خطيبة سعيد الأمير، أردت الدنو منها لأسألها عن هذا المسير ، وما ~~أشعر إلا بطلقة نارية، أصابتها من يد أخي الدنية، وخادمها ركن للهرب، ~~وأنا على أثره خوفا من العطب؛ عساي ألتقي بأحد، أو أخبر حاكم البلد. ~~وبينما أنا في هذا الكرب الشديد، رأيت سعيدا مقبلا من بعيد، فأخبرته ~~بما صار، وأسرعنا كالجواد الكرار، فرأيناها على قيد الحياة، والغضوب ~~يطالبها بما لا يرضي الله، وهي تدافع عن عرضها المصون، رغم تهديد ذلك ~~الخئون، ولما يئس غضوب من فعلها، ألقاها على الأرض وهم بقتلها، ~~فبادره سعيد بالرصاص، ولولا ذلك لاستحال الخلاص، ثم أمرني بأن أكتم ~~ذلك، أو يلقيني في المهالك، ولما رأيت الأمر وصل به للإعدام، لم أستطع ~~غير عرض الحقيقة والسلام. # الوالي ~~(للمنتقد) ~~: # وأين خادم سعاد الآن؟ # المنتقد ~~(للوالي) ~~: # هو خارج الباب يا رفيع الشان. # الوالي ~~(للحاجب) ~~: # علي به أيها الحاجب. ~~(يخرج الحاجب.) # الوالي ~~(لرءوف) ~~: # أخبرنا يا رءوف بغير ترديد، عما حصل في الحبس من سعيد. # رءوف ~~(للوالي) ~~: # منذ دخل سعيد في حبسه، ما سمعنا منه غير البكاء على نفسه، ولما صدر ~~الحكم عليه بالإعدام، لم يكن له في غير سعاد كلام، فسألته عن سبب فعله ~~الفاضح، واعترافه الواضح، فقال إنه قتل ذاك النحس؛ صيانة للعرض والنفس، ~~فلمت عليه يا ذا المكرمة؛ لكتمانه السبب عن المحكمة، فكانت تحكم ~~ببراءته، وتشكره الأمة على شهامته، ولما أقبل القائد وفعل ما فعل، حضرت ~~وعرضت لأعتابكم ما حصل. # القائد ~~(لرءوف) ~~: # وما الذي رأيته يا رءوف مني؟ وهل بلغ من قدرك أن تنقل عني؟ # رءوف ~~(للقائد) ~~: # نعم أيها القائد العظيم، وهذه البطاقة وقعت في الحبس من جنابكم ~~الكريم، وحيث أبيتم إلا العدوان، فأنا أعرضها على ولي النعم ~~الآن. ms157 ~~(ثم يتناول الوالي الورقة ويقرأها.) # الوالي ~~(لرءوف) ~~: # هذه البطاقة لا علاقة لها بالقضية، ولكنها تدل على نواياه الردية، ~~وسننظر فيها بعد. ونستجلي خفايا القصد. # الوالي ~~(للتشريفاتي) ~~: # ائتوني بالأمير ظافر. # تشريفاتي ~~(للوالي) ~~: # طوعا أيها المولى الظافر. ~~(ثم يخرج) # الوالي ~~(لمصطفى) ~~: # وهل تشهد بما قاله رءوف يا مصطفى؟ # مصطفى ~~(للوالي) ~~: # نعم يا مولاي، وحسب سعيد عدلكم وكفى. # الوالي ~~(لسعاد) ~~: # أخبرينا يا سعاد بما صار، فإنك سماء هذه الأمطار. # سعاد ~~(للوالي) ~~: # إني خرجت من منزل الأمير طاهر وقت الغروب، مع خادمي لمنزل والدي ~~المحجوب، ولما جن علينا في الفلا الظلام، وناجانا الرعد وجاد الغمام، ~~فاجأتنا طلقة نارية مريعة، وقعت منها على الأرض صريعة، ولما أفقت وجدت ~~رجلا أمامي، وخيرني ما بين اغتصابي أو حمامي، فاخترت دخول الرمس ~~على ارتكاب الرجس. فهم بقتلي غدرا، وإذا برصاصة أصابته فورا، وجاء ~~على أثرها الأمير سعيد، ونجاني الله من البلاء الشديد. # الوالي ~~(لسعاد) ~~: # وهل تعلمين لذلك من سبب # وكيف تركك الخادم وهرب # سعاد ~~(للوالي) ~~: # سبب ذلك الخيانة، وعدم العفة والأمانة، ولعل هروب الخادم، كان خوفا ~~من ذلك الآثم. ~~(ثم يدخل التشريفاتي ومعه حافظ.) # تشريفاتي ~~(للوالي) ~~: # ها هو يا مولاي خادم سعاد. # الوالي ~~(لحافظ) ~~: # أخبرنا يا جبان، عما حصل بغاية البيان. # حافظ ~~(للوالي) ~~: # كنت مع سيدتي بمنزل الأمير طاهر، ثم خرجنا لمنزل أبيها العامر، ~~وبينما نحن في التسيار، وقد أرخى الليل الستار، وإذا بطلقة ذات اتقاد، ~~وقعت منها سيدتي سعاد، فظننتها ماتت في الحال، وأسرعت لأخبر والدها ~~بالحال، ثم وصلت وأخبرته بهذا الكرب الشديد، وإذا بها أقبلت مع الأمير ~~سعيد، وأخبرونا بأنها أخطأها الرصاص، وأن سعيدا سبب نجاتها والخلاص. ~~ثم سار سعيد لمحل خدمته، وهذا ما أعلمه قى قصته. # الوالي ~~(للقائد) ~~: # قد علمنا ما في بطاقتك يا حضرة القائد، من حسن نواياك والمقاصد، ~~وسأتلوها على الحضور؛ ليعلموا ما لديك من عزم الأمور: # إلى صديقي ~~الناصر، القائد ناصر، قد أمكنني بعد كل جهد جهيد، أن أوقعت بالوغد سعيد، ~~ابن أخي طاهر، عدوك الخاسر، ليدخل في العسكرية، ويكون تحت قيادتك ms158 ~~القهرية، لعلك بنيران الأسى تصليه انتقاما من الماكر أبيه. # إمضاء: صديقك ظافر. الأمير ظافر ~~(ثم يطوي الكتاب ويقول): # الوالي ~~(للقائد) ~~: # وماذا جوابك أيها القائد، على هذا الجواب المشحون بالفوائد؟ # القائد ~~(للوالي) ~~: # ما هو إلا دليل على سوء نية ظافر، نحو أخيه الأمير طاهر. # الوالي ~~(لسعيد) ~~: # أنبئنا يا سعيد بغير ملق، كما أعهده فيك من الشرف وحب الحق، عن سبب ~~إنكارك، وحكمة أفكارك. # سعيد ~~(لنفسه) ~~: # ماذا أقول يا ربي، وأنت وليي وحسبي؟! # سعاد ~~(لسعيد) ~~: # أناشدك الله ألا تكتم شيئا عن ولي النعم، فلعله ينجينا من هذه ~~النقم، وكفانا يا سعيد، ما حل بنا من البلاء الشديد. # سعيد ~~(لسعاد) ~~: # آه يا سعاد! كم ذا أقاسي من الأفكار! # دعيني فللأوطان والأهل عزة # على النفس مهما كان فيه خصام # بلادي وإن جارت علي عزيزة # وأهلي وإن ضنوا علي كرام # الوالي ~~(لسعيد) ~~: # قد برح الخفا، وربح الوفا، ولم يبق محل للكتمان. فأخبرنا يا سعيد ~~ولك الأمان. # سعيد ~~(للوالي) ~~: # إن الحقيقة يا مولاي كما شهدت الشهود، على ذلك القتيل المنكود، وسبب ~~إنكاري وهمي، خوفي على والدي وعمي؛ لأن القتيل من أتباع والدي طاهر، ~~وعداوتي مع القائد أصلها عمي ظافر، على أنه لم يكن لوالدي علم بهذه ~~القضية، وكذلك أفعال عمي من الضغائن البسيطة الأهلية. فخفت من انقلاب ~~الحقايق وتعميم الشر، وقلت بيدي لا بيد عمرو. ~~(ثم يدخل التشريفاتي.) # تشريفاتي ~~(للوالي) ~~: # إن الأمير ظافرا بالباب. # الوالي ~~(للتشريفاتي) ~~: # ليأت إلى هذا الرحاب. # الوالي ~~(لنفسه) ~~: # إذا كانت الأهل العزاز هم العدا # وذو الحكم في أحكامه للوفا ناسي # ولم يجد المظلوم في الناس منصفا # فلا خير في الحكام والأهل والناس ~~(ثم يدخل الأمير ظافر.) # الوالي ~~(لظافر) ~~: # أخبرنا عن سر هذا الكتاب # وما لديك فيه من الصواب ~~(ثم يتناول ظافر الكتاب ويقرأه ثم يدخل ~~التشريفاتي.) # تشريفاتي ~~(للوالي) ~~: # إن الأمير طاهرا مع صهره نسيب، ووكيلهما الشيخ غانم الأديب، يريدون ~~التشرف بلثم أعتابك. # الوالي ~~(للتشريفاتي) ~~: # ائذن لهم بذلك. ~~(ثم يخرج التشريفاتي.) # سعيد ~~(للوالي) ~~: # مر بي يا مولاي للحبس في الحال # لكيلا يراني والدي ms159 في هذا الحال # الوالي ~~(لسعيد) ~~: # لا تعجل يا سعيد، في كل ما تريد. # خذ التأني وحسن الحزم واسطة # لما تريد إذا ضاقت بك الحيل # فالدهر بين الورى في دوره عجب # وللزمان كما شاء القضا دول # ويدرك المتأني بعض حاجته # وقد يكون مع المستعجل الزلل # ظافر ~~(للوالي) ~~: # إني يا مولاي صاحب الكتاب، والذي حصل كان بإيعاز هذا القائد المهاب ، ~~وهو الذي أوقع بيننا الفتن؛ لما بينه وبين أخي من الضغائن والمحن؛ ~~ليتمكن في تفريقنا من اجتماع رأيه الفاسد، ثم يفترسنا واحدا بعد واحد، ~~وقد قيل إن تفرق الأحباء، موجب لجمع شمل الأعداء، وإني أخطأت في ~~الانقياد له في هذه المعائب، وهذا جزاء من لم يتدبر حسن ~~العواقب. ~~(ثم يدخل طاهر ونسيب وغانم.) # طاهر ~~(للوالي) ~~: # ارحمني يا مولاي فإني مسني الضر، وجرعنا الدهر بكأسه المر، من هذا ~~الرزء الشديد، الذي حل بولدي سعيد. فعامله يا مولاي بعدلك، وزودنا ~~بجزيل فضلك. # الوالي ~~(لطاهر) ~~: # قد تبين لنا الصدق من المين، وظهر الصبح لذي عينين، ودلنا التحقيق ~~على براءة ولدك وكرامته، وحسن قصده وشهامته، وأنه صان عرضا طاهرا من ~~الهتك، وحقن دما زكيا من السفك، وقد كان إنكاره وتعرضه للقتل، ~~دليلا جديدا على ما له من النخوة والفضل، وبناء على ذلك، وعلى علمنا ~~بما هنالك، قد عفونا عنك يا سعيد، لتعيش من العدالة في عيش ~~رغيد. ~~(ثم إن سعيدا وسعاد والمنتقد ورءوفا ومصطفى ~~ونسيبا وحافظا ينشدون هذه الأدوار): # العدل والإنصاف روح الوطن # والعفو والإحسان أصل المنن # وأنت مولانا إمام الهدى # بالعزم تحمينا وحسن الفطن # الوالي ~~(لظافر) ~~: # وإني أعلم يا ظافر أنكم من عائلة شريفة، عريقة الحسب منيعة، فينبغي ~~أن تكونوا على قدم الوفاق، وتتجنبوا كل ما فيه النفرة والشقاق، وتذكروا ~~قول رب العالمين: # قل ما أنفقتم من خير فللوالدين ~~. # ظافر ~~(للوالي) ~~: # هذا يكون بتوجهاتكم بيننا إن شاء الله، إلى أن يبلغ الأجل منتهاه، ~~وإني أعرض على مسامع سموكم العلية، حاجة هي لنظام عائلتنا الضمانة ~~القوية، وذلك أن ابن أخي مغرم بسعاد، وهو عندها غاية القصد ms160 والمراد، ~~وإني أسأل أخي في حضرتكم الكريمة، أن يزوج ولده بهذه الدرة اليتيمة؛ ~~لينال كلاهما المنى، ويعوضا ما قاسياه من العنا. # الوالي ~~(لطاهر) ~~: # وما رأيك في ذلك أيها الأمير؟ # طاهر ~~(للوالي) ~~: # الأمر أمرك يا مولانا الخطير. # غانم ~~(للوالي) ~~: # وابنتي جارية لسعيد الأمير. # الوالي ~~(لطاهر) ~~: # قد رأينا الموافق أيها الأماجد، زواج الأمير سعيد بالسيدة سعاد، وأن ~~يكون زفاف اقترانهما الآن، في قصرنا هذا المصان. # الوالي ~~(لنسيم) ~~: # اذهب الآن يا نسيم، بالسيدة سعاد إلى دار الحريم، فقد أحسنا عليها ~~بكل ما يلزم لجهازها، ولتحصل المبادرة بتجهيز معدات الفرح ~~وإنجازها. ~~(ثم يخرج سعاد ونسيم.) # الوالي ~~(لسعيد) ~~: # وليذهب سعيد وأهله الآن، إلى دار المهرجان. # طاهر ~~(للوالي) ~~: # لا زالت باليمن ترقى # إلى أجل المراتب # والناس عندك تلقى # بالعدل حسن العواقب ~~(ثم يخرج طاهر وسعيد ونسيب وغانم وظافر.) # الوالي ~~(للناس) ~~: # وليمض كل منكم لما هو قاصد، ما عدا حضرة القائد. ~~(ثم يخرجون جميعا.) # الوالي ~~(للقائد) ~~: # ماذا تقول يا حضرة القائد، فيما نزل بسببك على هذه العائلة من ~~الشدائد؟ إذ لولا ما اتخذناه من الحكمة والتدبير، لحاق بدارهم البلاء ~~والتدمير، مع أن الواجب على الحكام، أن يقوموا بالإصلاح بين الأنام، ~~وأن يكون المرءوس على قدم الرئيس، وإلا فيا ضيعة الأمن النفيس؛ لأن ~~الرئيس مهما كان سديد الحزم، شديد القوة والعزم، فإنه محتاج إلى أمانة ~~عماله، ومساعدته على جليل أعماله، فالفرد قليل الاستطاعة، ويد الله مع ~~الجماعة، ولا سيما قواد العسكرية؛ فإنهم محل الأمانة للراعي والرعية، ~~وإلا فيضطر الحاكم للاستبداد، رغم كل مقاومة وعناد؛ حفظا لمراكز ~~سلطته؛ وحرصا على مصلحة رعيته؛ لكيلا تضطرب الأمة، وتدلهم معاذ ~~الله الغمة، ولما كانت هذه منك أول هفوة، ولكل جواد كما يقال كبوة، ~~فقد غفرتها لك هذه المرة، وما كل مرة تسلم الجرة، وأوصيك أن تنتبه لهذه ~~الحقائق، وألا تفوتك ساعة بغير التفكير في الدقائق. # القائد ~~(للوالي) ~~: # إني قبلت يا مولاي هذه النصيحة، وما حوته من جواهر الحكم الصحيحة، ~~وأعرض على المسامع السامية، حاجة فيها الفوائد النامية، وهي مكافأة ~~سعيد على صداقته، ms161 وحسن نواياه وشهامته؛ ليتحقق لسموكم صدق حالي، ~~ويعلموا أنه ما بقي لهم سوء في بالي. # الوالي ~~(للقائد) ~~: # لك منا على ذلك الشكر، وسيصدر إن شاء الله به الأمر، وهيا لنحضر ~~مهرجان الزفاف، ونواليهم بالرعاية والانعطاف. ~~(ثم يخرجان وتنكشف ستارة أخرى.) # المنظر الثاني ~~(تنكشف الستارة عن طاهر وظافر ونسيب وغانم وحافظ وعبد الله وأنوار ~~وأزهار.) # طاهر ~~(لنفسه) ~~: # هون عظائم ما تلقى فرب دجى # إذا اكفهر جلاه الصبح بالبلج # ولا تضيق حرجا إن داهمت محن # فآخر الصبر فيها أول الفرج ~~(ثم تظهر نغمات الجند بالأناشيد أمام دولة الوالي ~~ويدخلون.) # جند ~~(للملك) ~~: # دام مولانا الوزير الأفضل # بالعلا والافتخار # رأيه السامي سديد أكمل # بالوفا والاقتدار ~~(ثم يقف الجميع ويدخل الوالي والقائد ~~ويجلسون.) # الوالي ~~(لطاهر) ~~: # من يصحب الصبر وافى بالهنا أمله # والحازم الشهم من يرضى الورى عمله # وذو الصداقة من طابت سريرته # ولا تخالف ما في صدره مقله # وذو الشجاعة فينا من يفوز على # هواه حتى توارت بالهدى زلله # فالعسر مهما اعتدى فاليسر غالبه # والضيق مهما تمادى ينقضي أجله # لقد كان ولدك يا طاهر في هذا الصباح، تنوح حسرة عليه النواح، وما ~~أمسى عليه المساء، إلا وهو في صفاء وهناء، فسبحانك يا مقلب الليل ~~والنهار! إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار. ~~(ثم يدخل التشريفاتي.) # تشريفاتي ~~(للوالي) ~~: # إن موكب الزفاف في إقبال، على مقتضى إرادتك يا معدن الكمال. # الوالي ~~(للتشريفاتي) ~~: # قابلوه بجميل الاستقبال. # طاهر ~~(للوالي) ~~: # ملكت بالعدل أرواح العباد كما # أحييتها بحياة العفو والفضل # وسست ملكك بالحزم السديد وبال # عزم الشديد فكنت الفرد في الكل ~~(ثم يدخل الموكب بأناشيد الزفاف وفيه سعيد وسعاد ~~ويقبلان يد الوالي.) # الوالي ~~(لسعيد) ~~: # لك الهناء يا سعيد، بهذا الزفاف السعيد، وبناء على استرحام حضرة ~~القائد، وما أنت عليه من المحامد، قد رفعنا رتبتك، وضاعفنا عليك نعمتك، ~~فعش مع أهلك بسلام، مرتاحا بوفاء قائدك الهمام، منعما بصفاء ~~الحال. فالله مقلب القلوب والأحوال، وهو سبحانه الذي حباك بهذه ~~المواهب، وهكذا فليكن حسن العواقب. ~~(ثم يتقدم سعيد ويقبل يد الوالي ويتصافح مع ~~القائد ثم ms162 ينشدون هذه الأبيات): # الجميع ~~(لأنفسهم) ~~: # طاب السرور فقم نعوض ما سلف # واغنم زمان الأنس ما لاحت صدف # واطرب على سجع الهزار وغنني # باسم العزيز فإن أوقاتي تحف # وانظر إلى نور الوجود كأنه # من نور مولانا الخديوي أخي الشرف # عباسنا الثاني العزيز على الورى # عالي الذرى بالعزم والحزم تصف # ملك تشخصه النفوس كأنما # في كل جارحة لها منه شغف # فالله يبقيه ويبقي أهله # حصنا لمصر لكي يعيد لها الترف # ورجال دولته الذين بأمره # حاموا عن المظلوم عدلا فانتصف # وجميع أهل القطر في خير ومن # بوجودهم حسن الختام لنا الشرف ~~(ستار الختام) # | نص مسرحية «صدق الإخاء» # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله الأخيار، وأصحابه الأبرار. أما ~~بعد، فهذه رواية «صدق الإخاء»، وهي الرواية الثالثة التي ألفتها خدمة للوطن العزيز؛ ~~لما اشتملت عليه من الحكمة والموعظة الحسنة؛ لأن التشخيص هو عبارة عن تواريخ مجسمة ~~تنبئنا بأحوال الأعصر الخالية؛ لنتبع منها الفضيلة ونجتنب الرذيلة، كما قلت: # مناظر يبهر الألباب منظرها # كالسحر لكنها تهدي الهدايات # مراسح أحرزت تمثيل من سبقوا # وعظا وجاءت لنا عنهم كمرآة # نشخص اليوم أحوال الأولي سلفوا # من طيبات لهم أو من إساءات # عسى يكون لنا في من مضى عبر # تجدي ونعلم أنا عبرة الآتي # عسى نكون كراما إذ يشخصنا # من بعدنا أوفيا طول الفضيحات # فالحر إن مات أحيته فضائله # والوغد ما عاش مقرون بأموات # هذا هو القصد من تمثيل من غبروا # لا اللهو والزهو والإعجاب بالذات # وقد جعلت جميع أشعار رواياتي ابتكارا إلا ما ندر، تضمينا أو تشطيرا أو تخميسا، ~~واتبعت في تأليفها السهولة وعدم الحشو؛ لتكون موافقة لأذواق السامعين، ونسأل الله أن ~~يلهمنا الصواب، ويلهم المطلع عليها الصفح عما عساه يراه بها من الزلل، فإن العصمة ~~لله وحده وله الحمد في الآخرة والأولى. # إسماعيل عاصم # الفصل الأول ~~(وفيه منظران) # المنظر الأول ~~(تنكشف الستارة عن منزل المرحوم الأمير رشيد، وفيه بنته ~~السيدة عزيزة مع خطيبها الأمير عزيز ابن الأمير صديق.) # عزيز ~~(لعزيزة) ~~: # يا دمية ms163 القصر راعيني برحماك # وراقبي مهجة ما عشت ترعاك # الله في كبد حرا وأنت بها # أدرى وإنسان عين بالدما باكي # يا ليت شعري أهذا البدر ساطعة # أنواره الآن أم هذا محياك # وهذه روضة أنفاسها عبقت # مع الصبا سحرا أم طيب رياك # عزيزة هل لهذا المطل من سبب # أم عن عزيز دلال الحسن ألهاك # طال انتظاري وأيام الحداد مضت # وأنت بالوعد لي ما كان أوفاك # عزيزة الروح جودي بالوفاء على # عزيز نفس كسته الذل عيناك # أو فاتركيني أمت والله يرحمني # فرحمة الله تأتي فوق رحماك # عزيزة ~~(لعزيز) ~~: # خل العتاب فإن القلب يهواكا # وبغيتي أن أرى دوما محياكا # لا أعرف النوم من فرط الهموم وقد # كنت العزيزة بين الناس لولاكا # فاترك ملامي واتركني أمت كمدا # من حر نار الجوى والله يرعاكا # عزيز ~~(لعزيزة) ~~: # أنت تعلمين يا شقيقة البدر، أنه لولا وفاة والدك لتم لنا الأمر، فإن ~~والدي كان خطبك منه إلي، وهو رحمه الله لم يبخل بك علي، وكان ~~موعدنا في بلوغ المراد، بعد فوات زمن الحداد. فجودي للصب بالوفا، ~~ولقلبي العليل بالشفا. # عزيزة ~~(لعزيز) ~~: # لو كان الأمر بيدي يا زين، ما تأخرت طرفة عين، ولكنه بيد أخي نديم، ~~ولا أدري هل هو لنا حميم أم علينا حميم؛ لأنه لم يمض عنا زمن الحداد، ~~حتى أضله الهوى عن الرشاد، وألهته زخارف شجونه، عن النظر في مهام ~~شئونه، وإذا دام على هذا المنوال، لا يلبث أن تنفذ جميع الأموال، ونصبح ~~بعد الغناء فقراء، وبعد العز أذلاء. ~~(ثم إنها تبكي.) # عزيز ~~(لعزيزة) ~~: # اعلمي أن المال يزول، والحال تحول، والذهب يذهب، والفضة تنفض، وكل ~~هذا لا يعنيني، ولكن قربك هو الذي يغنيني، وأنا ما أحببتك إلا لأدبك، ~~وسمو حسبك ونسبك، وبئس الرجل بين الرجال، من يخطب النساء حبا في ~~المال. # عزيزة ~~(لعزيز) ~~: # دعني عزيز أقاسي الهون من حزني # مما ألاقي من التبريح والمحن # ما بي نديم بأوجاعي ينادمني # ظلما وما بي عذاب الحب والشجن # فاختر لنفسك غيري يا عزيز ولا # تتعب لأجلي وسوء البخت يخطبني # عزيز ms164 ~~(لعزيزة) ~~: # أنت الحبيبة الوحيدة، وجوهرة حياتي الفريدة. طمنيني ولو بمجرد الوعد، ~~فإنا لا ندري ماذا يأتي به الغد. # عزيزة ~~(لعزيز) ~~: # ما حيلتي أيها الحبيب النديم، والأمر أمر أخي نديم، وهو مشتغل عنا ~~بلذاته، وغريق في بحار سيئاته، وما ضرني أكثر من مساعدة والدته إليه، ~~وحنوها بغير تبصرة عليه، ولم تتدبر عقبى ما يجلبه ولدها من المحن، ~~كأنما أخذت عليه موثقا من الزمن. # عزيز ~~(لعزيزة) ~~: # وأين والدتك الآن؛ لأحادثها بهذا الشان؟ # عزيزة ~~(لعزيز) ~~: # هي معجبة بولدها في قصرها، لا تدري شيئا من كر الأيام وفرها، ولا ~~بد أن تأتي لهذا المكان؛ لأنها علمت بقدومك الآن. فحادثها محادثة ~~الكرام، ولا تغلظ عليها في الكلام، وخذها بالكياسة والظرف، فقد يؤخذ ~~بالعرف ما لا يؤخذ بالعنف. # عزيز ~~(لعزيزة) ~~: # سأحادثها بما يقتضيه الحال، ولكل مقام مقال. # عزيزة ~~(لعزيز) ~~: # ها هي مقبلة علينا. ~~(ثم تدخل الأميرة ليلى والدة نديم.) # ليلى ~~(لعزيز) ~~: # أسعد الله أوقات الأمير. # عزيز ~~(لليلى) ~~: # دام سعدك يا ربة المجد النضير. # ليلى ~~(لعزيز) ~~: # لعلك اشتقت لرؤيا نديم. # عزيز ~~(لليلى) ~~: # نعم؛ لأنه صاحبي ونعم النديم، وقد مضت أيام عديدة، ولم يزرنا كعادته ~~الحميدة. فأتيت لزيارتكم برهة وجيزة، وأطمئن على خطيبتي السيدة ~~عزيزة. # ليلى ~~(لعزيز) ~~: # لا تؤاخذنا، فإن نديما مشتغل بلبس كسوته، والتبرج لتحسين هيأته. ~~فإنه كما يعلم كل إنسان، أجمل أولاد هذا الزمان، وله ظرف وخلاعة، ~~ودعابة ووداعة، وقد أصبح جميع الشبان أصحابه، لا ينفكون عنه ولا ~~يبارحون رحابه. # عزيز ~~(لليلى) ~~: # دعينا من هذه الشئون، فالمقدر على المرء يكون، وساعديني بإنجاز أمر ~~الاقتران بالأميرة خطيبتي منذ أزمان. # ليلى ~~(لعزيز) ~~: # إن أمر خطيبتك أيها الأمير، بيد أخيها نديم الكبير. ~~(ثم يدخل نديم وبإحدى يديه كأس والأخرى زجاجة ثم ~~يشرب.) # نديم ~~(لعزيز) ~~: # بونجور يا مسيو عزيز. ~~(ثم تخرج عزيزة من المرسح.) # عزيز ~~(لنديم) ~~: # أسعد الله وقتك العزيز، وما هذا الذي أراه في الزجاج؟ لعله شفاك الله ~~نوع من العلاج. # نديم ~~(لعزيز) ~~: # بئس هذا الفال «يا مونشير»، وما أنت في الحقيقة «مونفرير»، وإن هذه ~~أم الأفراح، وأخت الأرواح، ms165 وبنت الدنان، واسمها «فين شمبان». ~~(ثم يشرب مرارا ويقول): # وعندي بيرات ~~نمساوية، وشمبانية فرنساوية، وفرمودات تليانية، ووسيكات إنكليزية، ~~وروميات مسكوفية، وأنبذة يونانية، وعرقيات شامية، وأفيونة هندية، ~~ومعاجين مصرية. كل هذه معدات للسرور، بل كيمياء الأنس والحبور. فهل لك ~~يا عزيزي في كاس، تطيب بها منك الأنفاس. # عزيز ~~(لنديم) ~~: # دام عليك إيناسك وطابت بالمسرة أنفاسك، ولتكن هذه النعمة الكبرى ، منك ~~لنا في أوقات أخرى، وإني أتيت في أمر يجب الاهتمام به في أقرب ~~وقت. # نديم ~~(لعزيز) ~~: # اسكت يا عديم الحظ والبخت. فلولا أن طالعك ردي، لكان مات والدك كما ~~مات والدي، وتتمتع بعده بالأموال وتكون مطلق الحرية في جميع ~~الأعمال. # وعن إذنك أتوجه إلى القهوة # وأحظى مع أصحابي بلذة النشوة # هيا إلى الحان واطرب واغنم النشوة # مع الندامى وصاحب لذة القهوة # وفرق المال في جمع الحظوظ بها # فإنما المال للذات يا صبوة # عزيز ~~(لنديم) ~~: # مهلا أيها الأمير، حتى أحادثك بما في الضمير. # نديم ~~(لعزيز) ~~: # تفضل. # عزيز ~~(لنديم) ~~: # أنت تعلم أن والدي ووالدك كان محبين. # نديم ~~(لعزيز) ~~: # قبح الله الاثنين. # عزيز ~~(لنديم) ~~: # دعنا من هذا الكلام، فإنه لا يناسب هذا المقام. # نديم ~~(لعزيز) ~~: # تفضل. # عزيز ~~(لنديم) ~~: # إن والدي كان خطب لي أختك السيدة عزيزة، وأجابه والدك لإتمام ذلك في ~~مدة وجيزة، فعالجه وا أسفاه المنون، قبل إنجاز هذه الشئون، وقد أتيتك ~~متوسما كل الخير فيك لإنجاز وعد المرحوم أبيك. # نديم ~~(لعزيز) ~~: # أيليق بشرفك يا ابن الأمجاد، أن تحادثني في ذلك قبل مضي زمن ~~الحداد؟! # عزيز ~~(لنديم) ~~: # كيف تتعلل بالحداد والحزن، وأنت منغمس في شهواتك والمجن؟! فهل يا ~~نديم تعاطي هذه المسكرات، وضياع أموالك في اللهو والحانات، والانكباب ~~على الألحان والندمان، كل ذلك من الحداد والأحزان؟! وهلا اقتنيت من ~~دنياك غير أصناف الخمور، التي عددتها لنا وأنت بها فخور. فأين يا ~~نديم شجاعتك، وعزمك وشهامتك، وقد كنت تقهر الفرسان وترهب الأبطال في ~~الميدان، وأنت لم تزل في سن الحداثة؟! فكيف استبدلت ذلك بهذه الخناثة؟! ~~فاتق الله في أختك وأمك، ولا تجرعهما كئوس سمك. ms166 ~~(ثم يدخل خادم نديم.) # الخادم ~~(لنديم) ~~: # سيدي إن الأصحاب في الانتظار، لتشريف جنابكم عند الخمار. # نديم ~~(للخادم) ~~: # أبلغهم بأني قادم في الحال إليهم. # الخادم ~~(لنديم) ~~: # أدام الله فضلك علينا وعليهم. # عزيز ~~(لنديم) ~~: # كيف حالك يا رفيع الجناب؟ ومن هم يا ترى أولئك الأصحاب؟ أليسوا من ~~الأوغاد المتاعيس، الذين أخذوا العهد في الإضلال على إبليس؟ فهؤلاء ~~طالما فضحوا الجهلاء أمثالك، وسلبوا أموالهم كما سيسلبون أموالك. ~~فانتبه لنفسك يا نديم، ولا تضيع مجد بيتكم القديم، فإن والدك كان صدر ~~السلطنة الأعظم. فكن أنت قلب ذلك الصدر الأكرم. ~~(ثم يشرب نديم كأسين ويقول): # نديم ~~(لعزيز) ~~: # لقد خرجت يا عزيز عن الحد، وخلطت الهزل بالجد، وجعلت نفسك من الحفاظ، ~~أو الكهنة الوعاظ. ~~(ثم يشرب نديم كأسين ويقول): # نديم ~~(لعزيز) ~~: # واعلم بأني ما تعللت لك بالحداد، إلا لعدم الرغبة في مصاهرتك يا ذا ~~الرشاد، ويحزنني أن أخبرك بأن أختي لا ترضاك، وأنها مخطوبة لأمير سواك، ~~وهي أجابته للطلب، وعن قريب يتم لها الأرب. # عزيز ~~(لنفسه) ~~: # اختارت سواي وأجابته للطلب! ما هذا العطب؟! آه يا خائنة! لا، عزيزة ~~ليست مائنة، وإنما هي دسيسة من أخيها الختال، وستكشف لنا حقيقة ~~الحال. # نديم ~~(لعزيز) ~~: # وحينئذ فلم يبق لجنابك بنا علاقة، ولم يبق لنا على تحمل أثقالك ~~طاقة. # ليلى ~~(لنديم) ~~: # ما هذه الحال يا نديم؟ وكيف تخاطب عزيزا بهذا الكلام الأليم مع أنه ~~أخلص النصيحة إليك، وقلبه يا ولدي عليك؟! # نديم ~~(لليلى) ~~: # دعيني من هذا الهذيان، وها أنا متوجه لأصحابي في الحان. # هيا إلى حان الخمور # تلقى بها كل السرور # واشرب وأنت بها فخور # فالحظ فيها والحبور ~~(ثم يخرج نديم.) # ليلى ~~(لعزيز) ~~: # لقد أغلظت على نديم في الكلام، وهو لطيف المزاج لا يتحمل كثرة ~~الكلام. # عزيز ~~(لليلى) ~~: # إذا كنت على مزاج ولدك ضنية، فما ذنب عزيزة المسكينة؟! # ليلى ~~(لعزيز) ~~: # نحن أقرب منك إليها، والذي يجري علينا يجري عليها. فاشتغل بنفسك يا ~~عزيز، وإلا تكن عندنا غير عزيز، وإني متوجهة لمنزل أحد الأصدقاء، ~~والبيت بيتك فامكث فيه ما تشاء. ~~(ثم ms167 تخرج ليلى.) # عزيز ~~(لنفسه) ~~: # إذا جهلت واجباتها الأمهات، فالويل ثم الويل للعائلات. فرحمة الله ~~عليك يا رشيد، لقد خلفت من بعدك خلفا غير رشيد، ويا ليت شعري ~~والآمال عزيزة، كيف تصير حالتي والسيدة عزيزة؟! # عزيزة الروح هل يدنو تلاقينا # أم الزمان بنار البعد يصلينا # من بعد ما كانت الآمال تجمعنا # أضحى التنائي بديلا من تدانينا # تحكم اليوم أهلوك عليك وقد # مات الذي كان بالآمال يرضينا ~~(وفي أثناء الإنشاد تدخل عزيزة.) # عزيزة ~~(لعزيز) ~~: # دع البكاء فليس النوح يكفينا # ولا العويل على ما فات يغنينا # وانظر مليا لما يأتي الزمان وهل # تموت بالبعد أم بالقرب يحيينا # ضاعت بفعل أخي ويلاه ثروتنا # والعز راح وخانتنا معالينا # كنا وأعداؤنا نرجو محبتنا # والآن أصحابنا صارت تعادينا # وما كفت كل هذه النائبات أخي # حتى غدا اليوم يسعى في تنائينا # ويحي ووالدتي أمست تساعده # قل لي عزيز فماذا صار يرضينا # يا ليتني قبل هذا كنت مت ولا # أرى زمانا به ضاعت أمانينا # عزيز ~~(لعزيزة) ~~: # لا تجزعي يا ربة الكمال، فدوام الحال من المحال، واعلمي أن فقد ~~الغنى، لا يلزم عليه فقد المنى. فرب غني ذليل، وفقير جليل، والإنسان ~~بكماله، لا بكثرة ماله. # لا تأسفي من زوال الجاه والرتب # أو من زوال لجين راح أو ذهب # فالمال مكتسب والعز مرتجع # إذا النفوس وقاها الله من عطب # واعلمي أنه إذا وقع ما لم يكن في الحسبان، وجفتنا الأهل والخلان فإني ~~آخذك رغم كل بعيد وقريب، وأسير بك في كلاءة الله القريب، ولنا في ذلك ~~شرعة مندوحة، وأبواب الله للقاصدين مفتوحة. # عزيزة ~~(لعزيز) ~~: # من بعد العز والقربة، أبيت في الذل والغربة! وبعد بيت الصدارة ~~والإمارة، أصبح يا ويلاه هاربة فرارة، والموت الحمام! أدركني يا ~~سلام. # ليت المنايا تباع # لبائس يبتغيها # تكون نعم المتاع # يا مهجتي فأشتريها # عزيز ~~(لعزيزة) ~~: # هوني عليك أيتها الحبيبة. فألطاف الله بعباده قريبة، ولا تكرهي ~~بغير سبب الحياة، ولا تيأسي من روح الله، وعن إذنك أذهب الآن لتدبير ما ~~يعنينا. فعندي من الثروة الوافرة ما يكفينا. # كوني ms168 عزيزة في أمان # فهمتي فوق الزمان # حر ولكن للحسان # عبد وأهوى من عبد ~~••• # دومي على عهد الكرام # فإنني نعم الهمام # أحميك من هول الصدام # إن عز في الناس المدد ~~(ثم تخرج عزيزة من جهة وعزيز يخرج من جهة أخرى، ~~وتكشف ستارة عن المنظر الثاني.) # المنظر الثاني ~~(تنكشف الستارة عن حانة خمار وفيها صاحبها الخواجة باولو وخادمه جورجي ~~وروزة وصوفيا بيراريات، وخمس ترابيزات وجالس على إحداها نديم ومعه أصحابه عامر ~~ولطفي والشيخ عبود، وجالس بجانب نديم كل من روزة وصوفيا وكلهم ينشدون هذا ~~الدور.) # مذهب # يا وردتين في الجنينة # يا جمالهم سوا # دور # جاني وعرض # يشكو المرض # ولا ليش غرض # ولا لوش دوا # مذهب # يا وردتين في الجنينة # يا جمالهم سوا # دور # غضب وقام # ورجع قوام # ضم القوم # ولا ليش هوى # مذهب # يا وردتين في الجنينة # يا جمالهم سوا # نديم ~~(لباولو) ~~: # دور كونياك يا باولو. # باولو ~~(لنديم) ~~: # حاضر يا سعادة الأمير عشرة كونياك. # روزة ~~(لنديم) ~~: # هات لي قزازة شمبانية. # نديم ~~(لروزة) ~~: # حاضر يا روحي. هات يا باولو عشرين شمبانية . ~~(ثم يدخل جورجي ومعه الكونياك.) ~~(ثم يخرج باولو لإحضار الشمبانية.) # صوفيا ~~(لنديم) ~~: # هات لي أنا كمان وسكي. # نديم ~~(لصوفيا) ~~: # حاضر يا عيوني هات يا باولو عشرة وسكي. ~~(ثم يدخل باولو بالشمبانية ويشربونه.) ~~(ثم يخرج جورجي لإحضار الوسكي.) ~~(ثم تدنو صوفيا وتأخذ الدبوس الألماس من صدر نديم ~~وتوضعه في صدرها وتقول): # صوفيا ~~(لنديم) ~~: # مش لطيف هنا؟ انظر يا حبيبي. # نديم ~~(لصوفيا) ~~: # آه يا طرب عال بوسة. # صوفيا ~~(لنديم) ~~: # اسكت أحسن رفيقي سيحضر وإن شافنا يموتنا. ~~(ثم يدخل باولو بالوسكي ويشربونه.) ~~(ثم إن روزة تمسك يد نديم وتنزع خاتمه وتلبسه ~~وتقول): # روزة ~~(لنديم) ~~: # شوف يا روحي كويس كده؟ # نديم ~~(لروزة) ~~: # في إيدك أحسن يا نور العيون هاتي بوسة. # روزة ~~(لنديم) ~~: # البوسة بماية جنيه. # نديم ~~(لروزة) ~~: # ها ها غالي والطلب رخيص يا باشا، خدي ورقة بنك بماية جنيه. ~~(ثم ~~يعطيها ورقة وهي تعطيها لباولو ويقرأها سرا.) # باولو ~~(لروزة) ~~: # هذه بألف جنيه يا بختك يا روزة! ms169 # روزة ~~(لباولو) ~~: # أحسن من عينه. # عبود ~~(لباولو) ~~: # هات لنا دور زبيب خلينا ننحظ ربنا يبقي سيدنا نديم. ~~(ثم يخرج جورجي لإحضار الزبيب.) ~~(ثم يدخل حشمت وراغب ويجلسان على ترابيزة وتقابلهما ~~روزة.) # راغب ~~(لروزة) ~~: # هاتي اثنين كونياك. # روزة ~~(لراغب) ~~: # وأنا واحد برمود. # راغب ~~(لروزة) ~~: # طيب يا غزال. ~~(ثم تخرج روزة لإحضار الكونياك.) ~~(ثم يدخل شخص فلاح اسمه عمار.) # عمار ~~(لباولو) ~~: # مسيك بالخير يا خواجة، تعالي يا بنت. ~~(ثم تأتي إليه صوفيا.) # عمار ~~(لصوفيا) ~~: # هاتي واحد ... اسمه ... اسمه ... جاتو داهية اسمه زبيب. ~~(ثم تتوجه صوفيا.) ~~(ثم تأتي روزة بالكونياك لراغب.) # راغب ~~(لروزة) ~~: # يا سلام ما فيش كده جمال! ~~(ثم تدخل صوفيا بالزبيب لعمار.) # حشمت ~~(لصوفيا) ~~: # تعالي هنا يا صوفيا. # عمار ~~(لحشمت) ~~: # عيب عليك يا أفندي اقعدي يا بنت هنا. # حشمت ~~(لعمار) ~~: # طز يا سي الشيخ. # عمار ~~(لحشمت) ~~: # طز في عينيك يا غاير، الواحد منكم جعان في داره وبييجي يتفنجص في ~~الخمارة، جاتكم غارة. ~~(ثم ينشدونه هذه الأدوار): # املا لي أقداحي # من سلاف الراح # واسقني يا صاح # فالحبيب عندي # يا سبب سعدي # يا أخا النداما # اسقني المداما # واترك الملاما # فالحبيب عندي # يا سبب سعدي # راغب ~~(لحشمت) ~~: # خليها ألا فرانكة. كل واحد على حسابه. # حشمت ~~(لراغب) ~~: # خليك ذوق. خليك وطني. ما لنا وألا لفرنكة. # عمار ~~(لحشمت) ~~: # وسكي وعرقي وكونياك ونسوان ووقوف حال وغفلة مطبقة ثم تقول ~~وطني! ~~(ثم يدخل الخواجة إبراهيم الصراف ويجلس على ~~كرسي.) # إبراهيم ~~(لباولو) ~~: # ليلتك سعيدة يا خواجة باولو. # باولو ~~(لإبراهيم) ~~: # ليلتك حظ ها هو صاحبك. ~~(ويشير لنديم) # نديم ~~(لإبراهيم) ~~: # سعيدة يا خواجة إبراهيم. # إبراهيم ~~(لنديم) ~~: # سعيدة يا سعادة الأمير. # نديم ~~(لباولو) ~~: # أعطي الخواجة جميع مشروبه على حسابي. ~~(ثم يخرج جورجي لإحضار المشروب.) # باولو ~~(لنديم) ~~: # لعل سعادتك فاكر الحساب؟ # نديم ~~(لباولو) ~~: # قدر إيه؟ # باولو ~~(لنديم) ~~: # عشرة آلاف فرنك. # نديم ~~(لباولو) ~~: # غور. بس كده، هات دور للجميع في محبة الخواجة إبراهيم. # إبراهيم ~~(لنديم) ~~: # ربنا يطولي عمر سعادتك يا فنجري يا أبو جيبين. ~~(ثم يخرج جورجي.) # نديم ~~(لباولو) ~~: # شوف حساب جميع الموجودين على ms170 حسابي. ~~(ثم إن باولو يخرج ورقة من جيبه ويقول): # باولو ~~(لنديم) ~~: # جميع الحساب ثمانية عشر ألف فرنك برسماله بما فيه لعب القمار الليلة ~~الماضية. # نديم ~~(لإبراهيم) ~~: # أعطيه يا خواجة إبراهيم المبلغ المذكور وألف فرنك بقشيش. # إبراهيم ~~(لنديم) ~~: # أمرك يا مولاي، وفقط يلزم تأمين للبنك على المبلغ والفرط. # نديم ~~(لإبراهيم) ~~: # اكتب رهنية بالأملاك الباقية # إبراهيم ~~(لنديم) ~~: # اختم هذه الورقة على بياض، وبعدين نكتبها على مهلنا والدار ~~أمان. ~~(ثم نديم يطلع الختم من جيبه ويعطيه ~~لإبراهيم.) # نديم ~~(لإبراهيم) ~~: # خذ واختم بأمانة ربنا. ~~(ثم إن إبراهيم يأخذ الختم ويختم جملة أوراق ثم ~~يسلمه لنديم.) # إبراهيم ~~(لنديم) ~~: # عن إذن سعادتك أتوجه البنك لإحضار المبلغ. ~~(ثم يخرج إبراهيم.) ~~(ثم يدخل باولو بالمشروبات.) # باولو ~~(لنديم) ~~: # الخواجة إبراهيم أخبرني أنه لا يعود هذه الليلة. # نديم ~~(لباولو) ~~: # خليه للصبح. # باولو ~~(لنديم) ~~: # لا تخرج من هنا حتى تدفع الحساب. # نديم ~~(لباولو) ~~: # أنام عندك للصباح. ~~(ثم يرتمي نديم على الأرض بغاية السكر ~~ويتهوع.) ~~(ثم إن الجميع ينشدونه هذه الأدوار.) # الجميع ~~: # نديم سكر وصبح بالهم # وصار بتفليسه في غم # روزة ~~: # وكم أقول لك يا ابن الناس # فضك من التبذير والكاس # واوع لنفسك والأنفاس # واصحى من الغفلة يا دم ~~••• # ضيعت مالك في الإسراف # بين الخمورجي والصراف # ما هكذا فعل الأشراف # ابكي على روحك واندم # الجميع ~~: # يا رب عفوا يا غفار # عما اجترمنا من أوزار # واستر علينا يا ستار # فأنت بالجاني أرحم ~~(ثم تنزل الستارة ويتم الفصل الأول.) # الفصل الثاني ~~(وفيه منظران) # المنظر الأول ~~(تنكشف الستارة عن منزل نديم بغاية الحقارة، وفيه نديم وأخته عزيزة ووالدتها ~~الأميرة ليلى لابسين ملابس رثة.) # نديم ~~(لليلى) ~~: # ألا موت يباع فأشتريه # لكي أنجو من العيش الكريه # وفي الآخرة أرى عيشا هنيئا # فهذا العيش ما لا خير فيه # ألا رحم المهيمن نفس حر # يهاديني بموت أجتبيه # ولكن ما رأينا قط خلا # تصدق بالوفاء على أخيه # ما أصعب الفقر بعد الغنا، والذل بعد العز! من بعد ما كنا نتقلب في ~~الخز والديباج، وننعم على الراجين بالذهب الوهاج، أصبحنا نتقلب ms171 على ~~التراب، وجفتنا الأهل والأصحاب. لا نملك قوت يوم، ولا نعرف طعم ~~نوم. # حكم الدهر علينا بالمصاب # آه من حكم الزمان # ليتني مت ولا هذا العذاب # ربنا هبنا الأمان # قاتل الله النساء والندمان، فإنهم حبائل الغواية والشيطان. خرب ~~الله القهاوي والحانات، فإنها صواعق الخراب المهلكات. دمر الله أماكن ~~المقامرة، فإنها صفقة الدمار الخاسرة. ~~(ثم يبكي) # ليلى ~~(لنديم) ~~: # ماذا يغني عنا الآن دمع العين، بعد ما حرقت يا نديم الأخضرين؟! فرحت ~~في موت أبيك، ونبذت نصيحة ناصحيك. فقل لي ما ذنب النساء والندمان، ~~وأنت الذي اخترت من بينهم كل شيطانة وشيطان؟! ولماذا تسب الحانات، ~~وأماكن المقامرات؟! فهل جاءت بك إليها قهرا، أم جذبتك لديها قسرا؟! ~~كلا، بل أنت الذي مشيت لها على قدميك، وسعيت إليها على عينيك كما يسعى ~~للنار الفراش، ويحترق بها وهو منها في انتعاش. فعاتب نفسك ولا تعاتب ~~الأيام، وابك علينا يا نديم بكاء الحمام. # نديم ~~(لليلى) ~~: # اغفروا لي أيها الناس الكرام # ما جنت ظلما يداي # أنت يا أماه أسباب الخصام # حيث طاوعت هواي # ليلى ~~(لنديم) ~~: # ما كفاك ما جنيته علينا # حتى ترسل سهام لومك إلينا # وإذا كنت وفي العهد في زعمك، كيف ساغ لك تبديد أموال أختك وأمك؟! ~~فاخسأ يا عبد الشهوة، ويا عديم المروءة والنخوة. # ويا ليتك كنت من العذارى # خير من أن تكون من السكارى # نديم ~~(لليلى) ~~: # راحت الدنيا ورحنا والسلام # وتجلى السعد غاب # ليلى ~~(لنديم) ~~: # أنت أسباب البلايا والخصام # أنت ينبوع المصاب # نديم ~~(لليلى) ~~: # تتبرئين اليوم من السكارى # وأنت كنت خازنة خموري # وتسبينني الآن يا أمي جهارا، وأنت كنت عوني على أموري؟! ما أضر ~~الأمهات الجاهلات، على البنين والبنات! فرحمة الله عليك يا والدي ~~الحبيب. لقد أصبحنا بعدك في ذل وتنكيب. ~~(ثم يبكي) # عزيزة ~~(لنديم) ~~: # يا شقيقي ماذا يفيد البكاء # بعد ما حاق بالنفوس البلاء # ذهب المال والسعادة ولت # وتوالت بضيمها النكباء # بكت الشامتون حزنا علينا # ويح حر تبكي له الأعداء # ليس غير التسليم لله شيء # فهو يقضي في خلقه ما يشاء # نديم ~~(لعزيزة) ms172 ~~: # آه يا عزيزة! ماذا أفعل؟ إلى أين أذهب؟ # ضاقت بوجهي الكائنات بأسرها # وذهلت حتى لست أدري ما بيا # صبت علي مصائب لو أنها # صبت على الأيام صرن لياليا # عزيزة ~~(لنديم) ~~: # إني سمعتك الآن تندب أيام أبيك ونضرة جمالها، وفي الحقيقة لا يعرف ~~الإنسان قيمة النعمة إلا بعد زوالها، واعلم يا أخي أن الأمير صديقا ~~كان الصديق الوحيد لأبيك ، وقد أوصاه عليك وعلى ذويك، ولا أظنك نسيت ~~وصية والدنا الهمام، وقوله لنا وهو يعالج سكرات الحمام، إذا رماكم ~~الدهر بالضيق، فعليكم بصديق صديق. فأرجوك أن تتوجه إليه وتعرض حالنا ~~يا أخي عليه، عساه يمن علينا، أو يوصل من خيراته إلينا. # نديم ~~(لعزيزة) ~~: # بأي وجه أتوجه إليه؟ وبأية هيئة أقبل عليه؟ أبهذه الثياب البالية ~~بعد ثياب السندس والحرير؟! أم بهذه الأقدام الحافية، التي كانت تطأ ~~التخت والسرير؟! # ليلى ~~(لنديم) ~~: # إن للضرورة أحكام، واللبيب من دار مع الأيام. فاسمع قول أختك ~~يا نديم، وبادر لهذا الصديق الحميم، وأسرع إلينا يا ولدي في الرجوع، فقد ~~أحرقنا الظمأ وأنهكنا الجوع. # نديم ~~(ليلى) ~~: # كيف يا أماه أمضي # هكذا عند الأمير # ليتني يا رب أقضي # قبل ميعاد المسير # عزيزة ~~(لنديم) ~~: # يا نديم اذهب إليه # إنه نعم الصديق # فعسى تلقى لديه # حسن تفريج المضيق # الجميع ~~: # رب هبنا حسن صبر # منك يرضي القاصدين # واجعل العقبى لخير # يا إله العالمين ~~(ثم يخرج نديم من جهة وعزيزة من جهة أخرى، وتنكشف ~~الستارة عن المنظر الثاني.) # المنظر الثاني ~~(تنكشف الستارة عن منزل الأمير صديق جالسا مع ولده عزيز، وصالح البواب ~~واقف على الباب.) # صديق ~~(لعزيز) ~~: # إذا كنت في نعمة فارعها # بحسن اقتصاد يقيك العدم # وداني الحلال ونائي الحرام # فإن المعاصي تزيل النعم # وداوم عليها بشكر الإله # يزدك بحسن الرضا والكرم # وخف نقمة الله أن تعصه # فإن الإله شديد النقم # إني ليحزنني يا والدي ما سمعته عن نديم، وما حل به وأهله من الكرب ~~العظيم. فإنه بعد أن مات والده وا أسفاه! أطاع شيطانه واتخذ إلهه هواه، ~~حتى نفدت ثروته، وما أغنت عنه ms173 سكرته. فيا أسفي عليك يا حبيبي رشيد، وما ~~حل بعد موتك ببيتك المجيد! نسأل الله أن ينجينا من المهالك، وأن يحفظك ~~يا ولدي بعد موتي من مثل ذلك. # عزيز ~~(لصديق) ~~: # هل حالة نديم بلغت سيدي الآن؟ أم علمتم بها منذ أزمان؟ # صديق ~~(لعزيز) ~~: # إني عالم بظاهره وخافيه، من عهد موت المرحوم أبيه. # عزيز ~~(لصديق) ~~: # وكيف تركتهم يا والدي على هذه الحال، حتى أفضت بهم إلى التعاسة ~~والوبال؟! # صديق ~~(لعزيز) ~~: # اعلم يا ولدي أني طالما بعثت لنديم بأنواع النصائح، وهو يقابلها ~~بالجفاء وأنواع الفضائح، حتى عجزت عن نهيه وتقويم نهاه، وقلت إنما ~~الهدى هدى الله؛ وذلك لأن للمعاصي لذة في نفوس المتاعيس، ينجذبون إليها ~~انجذاب الحديد للمغناطيس، ولا تكاد نفوسهم تنفك عن تلك اللذة القتالة، ~~إلا بقوة مؤثرة فعالة، وما رأينا قوة مؤثرة على الإنسان، أشد من قوة ~~حكم الزمان، وناهيك ما ورد في أمثال العوام، من لم يربه أبواه ~~ربته الليالي والأيام. # عزيز ~~(لصديق) ~~: # قلتم يا سيدي إن نديما نفدت ثروته، وما أغنت عنه سكرته. فهو والحال ~~هكذا مستحق لرحمتكم، ومديد المساعدة إليه من حضرتكم. # صديق ~~(لعزيز) ~~: # ها هو صاحبك نديم مقبل من بعيد، في حالة يلين لها الحديد، وما أخاله ~~إلا جاء طامعا في الهبات، ولكن هيهات ثم هيهات. # عزيز ~~(لصديق) ~~: # عامله يا والدي بعنايتك، واشمله فديتك برعايتك. # صديق ~~(للبواب) ~~: # لا تأذن يا بواب لذاك الغلام، وعامله بالغلظة وعدم الاحتشام. ~~(ثم يدخل نديم قليلا.) # صالح ~~(لنديم) ~~: # من أنت أيها الغلام الحقير؟ وكيف تجاسرت على الدخول بمنزل ~~الأمير؟ # نديم ~~(لصالح) ~~: # لا تؤاخذني يا حضرة البواب؛ لأني من محاسيب هذا الرحاب. # صالح ~~(لنديم) ~~: # اسكت يا أرذل الغلمان، فأنت أحقر من الوصول لهذا المكان. # نديم ~~(لصالح) ~~: # تأدب أيها العنيد، فإني ابن الصدر الأكرم رشيد. # صالح ~~(لنديم) ~~: # وهل أنت يا عديم الأدب، تتوصل لذلك الحسب؟ # صديق ~~(لصالح) ~~: # من هذا يا حاج صالح؟ # صالح ~~(لصديق) ~~: # هذا غلام كما أراه طالح. # نديم ~~(لصديق) ~~: # بل أنا ولدك نديم يا مولاي. # صديق ~~(لنديم) ~~: # اذهب واتخذ لك والدا ms174 سواي، فخيبة الله عليك وعلى أمثالك، وعلى كل من ~~يجاريك في أفعالك. # نديم ~~(لصديق) ~~: # اغفر لي يا مولاي فالكريم من غفر، وارحموا عزيز قوم ذل وغني قوم ~~افتقر. # صديق ~~(لنديم) ~~: # أنت الذي أفقرت نفسك بسوء فعلك، وجلبت البلاء على ذاتك وأهلك. # نديم ~~(لصديق) ~~: # هبني أسأت فأين العفو والكرم # والله يقبل من تابوا ومن ندموا # فارحم خضوعي واذكر يا أمير أبي # إن الكرام إذا ما استرحموا رحموا # صديق ~~(لنديم) ~~: # نحن إنما نرحم من يصاب اضطرارا بالقضاء المقدور، لا من يصيب نفسه ~~مثلك بالفسق والفجور. فانصرف يا جبان من هذا المكان، مسخوطا عليك من ~~الله ومن كل إنسان. ~~(ثم إن البواب يدفع نديما بقوة للخارج حتى يقع على ~~الأرض.) # نديم ~~(لنفسه) ~~: # انقطعت آمالنا يا رب إلا منك، وخاب رجاؤنا يا حق إلا فيك. ~~(ثم يخرج نديم بالكلية.) # عزيز ~~(لصديق) ~~: # كنت أتمنى يا والدي أن تقابله بحلمك، وتعامله بعفوفك وكرمك، وإن لم ~~يكن لأجل نفسه الحزينة، فليكن لأجل أمه وأخته المسكينة. # صديق ~~(لعزيز) ~~: # لا تعترض على أبيك يا عزيز، وإلا حرمتك من التعزيز؛ لأنك جاهل بمواضع ~~الحلم. فلا تسألني ما ليس لك به علم، وقل لي من يضمن لنا أن نديما ~~أقلع عن هواه، وأنه تاب وأصلح وأناب إلى الله، وما أدراك أنه إنما تاب ~~من ضيق ذات اليد، حتى إذا عادت إليه ثروته عاد إلى قديم العهد. # يقول أخو الندامى مذ رآني # عفيفا منذ حين ما شربت # على يد أي شيخ تبت قل لي # فقلت على يد التفليس تبت # فاحذر أن تفوه بكلمة من شفتيك؛ فإن أعمال والدك لحكمة تخفى عليك، ~~واعلم يا ولدي أنك بعد ما أبصرت حالة نديم بعينك، سيكون الله شهيدا ~~بيني وبينك، فإن عهدي بالموت أجله قريب، ويضحك عدو ويبكي حبيب. فإن شئت ~~أن تكون مثله، فافعل يا عزيز فعله، وإن شئت أن تكون عظيم الجناب، ~~موقرا عند الأعداء والأحباب، فاجعل تقوى الله نصب عينيك، وهو سبحانه ~~وتعالى خليفتى عليك. ~~(ثم يخرج صديق وعزيز وتنزل الستارة على منزل ms175 صديق ~~وترجع الحال لمنزل نديم، ثم يدخل نديم.) # نديم ~~(لنفسه) ~~: # انقطعت آمالنا يا رب إلا منك، وخاب رجاؤنا يا حق إلا فيك. # يا رب عفوا ضاق بي رحب الفضا # والطف بنا فيما يجيء به القضا # واصفح عن الجاني ووفقني لما # يرضيك في الآتي ويكفي ما مضى # وارحم نفوسا أسلمت لك أو فجد # بوفاتها إن كان فيه لك الرضا ~~(ثم تدخل ليلى وعزيزة.) # ليلى ~~(لنديم) ~~: # ولدي، ماذا أصابك يا نديم؟ آه ما هذا البلاء العظيم؟ أخبرنا بما حصل، ~~وما الذي بك الأمير فعل. # نديم ~~(لليلى) ~~: # اندبيني يا أماه، نوحي علي يا أختاه. خانتنا الأيام والأحباب، ~~وتقطعت دوننا جميع الأسباب. # أماه صارت بالأسى أيامنا # سودا تسيء وكان ليلي أبيضا # أماه عادانا الصديق ولم يكن # يا رب غيرك راحما ومعوضا # عزيزة ~~(لنديم) ~~: # أخبرنا يا نديم بما جرى # ويكفينا من دمع العين ما جرى # نديم ~~(لعزيزة) ~~: # طردني يا أختي الأمير، وشدد علي النكير، وضاعت منه الشفقة ~~والنخوة، وعاملني بكل جفوة وقسوة، وجفا الخليل الخليل، وحسبنا الله ~~ونعم الوكيل. # عزيزة ~~(لنديم) ~~: # وهل كان عزيز هناك؟ # نديم ~~(لعزيزة) ~~: # نعم، وكان في غاية الارتباك. # عزيزة ~~(لنديم) ~~: # آه! ما هذا الهلاك! # ليلى ~~(لعزيزة) ~~: # ألم يكن في الوجود إله؟! # عزيزة ~~(لليلى) ~~: # نعم ... هو الله ... هو الله. # ليلى ~~(لعزيزة) ~~: # ألم يكن عالما بالضمائر؟! # عزيزة ~~(لليلى) ~~: # نعم ويعلم ما تخفي السرائر. # ليلى ~~(لعزيزة) ~~: # أليس هو الفعال بمراده؟! # نديم ~~(لليلى) ~~: # نعم وهو القاهر فوق عباده. # ليلى ~~(لعزيزة) ~~: # فلماذا لا نبتهل إليه، ونخلص في الاتكال عليه؟! ~~(ثم يجثون على الركب وينشدون هذه الأدوار): # رب إن الزمان أضنانا # بوفاة الأمير # فأغثنا فأنت مولانا # ولديك النصير ~~••• # رب إن الصديق عادانا # وتجافى نديم # فأنلنا بالفضل إحسانا # أنت أنت الرحيم ~~••• # رب هبنا للخير إرشادا # وأنلنا الرضاء # وأدم من لدنك إمدادا # يا مجيب الدعاء ~~(ثم يطرق الباب مرارا فيقفون جميعا ~~منذهلين.) # ليلى ~~(لنديم) ~~: # من هذا الطارق؟ # نديم ~~(لليلى) ~~: # لست أدري يا أماه. # عزيزة ~~(لنديم) ~~: # اذهب وانظر يا نديم. ~~(ثم يخرج نديم.) # ليلى ~~(لعزيزة) ~~: # من يا ترى يطرق علينا ms176 الباب # رحمتك اللهم يا مفتح الأبواب # عزيزة ~~(لليلى) ~~: # من أين يأتي لنا الفرج يا أماه؟! # ليلى ~~(لعزيزة) ~~: # لا تقنطي يا ابنتي من روح الله. ~~(ثم يدخل نديم.) # نديم ~~(لليلى) ~~: # إن الطارق امرأة عجوز مغربية، يلوح عليها الوقار والأمرية. ~~(ثم تدخل امرأة عجوز ملثمة الوجه وخلفها خادم يحمل ~~خرجا ثم تجلس.) # العجوز ~~(لليلى) ~~: # أسعد الله أوقاتكم يا أولادي. # ليلى ~~(للعجوز) ~~: # وأنت سعدت يا ذات الأيادي. # العجوز ~~(لليلى) ~~: # أليس هذا منزل الأمير رشيد؟ أم أخطأ ظني لأن عهدي به بعيد؟ # ليلى ~~(للعجوز) ~~: # نعم يا سيدتي هو منزل رشيد رحمه الله، وقد انتقل منذ عام إلى جوار ~~الله. # العجوز ~~(لليلى) ~~: # وا أسفاه عليك أيها الأمير الماجد! وا حسرتاه عليك يا كهف العافي ~~وذخر القاصد! وهل أنت يا سيدتي زوجته، وهذا ولده وهذه ابنته؟ # ليلى ~~(للعجوز) ~~: # نعم يا سيدتي نحن كما تقولين، وأنت ماذا الذي تبتغين؟ # العجوز ~~(لليلى) ~~: # وأين تلك البدور السافرة، والوجوه الناضرة؟ أين بيت الوزارة ومنزل ~~العز والإمارة؟ أين الخيل المسومة والأنعام؟ هل فقدتم كل ذلك في مدة ~~عام؟ # ليلى ~~(للعجوز) ~~: # لا عجب ولا التباس، وتلك الأيام نداولها بين الناس. فأخبرينا ~~يا سيدتي بالغرض ولا تزيدينا مرضا على مرض. # العجوز ~~(لليلى) ~~: # اعلموا أن اسمي مباركة وبلدي طرابلس الغرب، وكان المرحوم لي من أعظم ~~الأصدقاء والصحب، ولي عادة في كل ثلاثة أعوام، أن أحج بيت الله الحرام، ~~ولست أملك من دنياي غير هذي العشرة آلاف دينار ... ~~(وتشير للخرج) # وهذين العقدين وثمنهما ~~خمسة آلاف دينار ~~(وتخرجهما من ~~جيبها) # ولم يكن لي أهل ولا ولد، ولا وثقت غير أبيكم ~~بأحد. # عزيزة ~~(للعجوز) ~~: # رحمة الله عليه وعلى أيامه، ويا ليتنا متنا تحت أقدامه. # العجوز ~~(لليلى) ~~: # وكنت كلما قصدت الحج الأكبر، أجعل زيارة أبيكم حجي الأصغر، وأسلمه ~~أموالي على طريق الأمانة، بغير كتابة عليه ولا ضمانة، وعند عودتي أزوره ~~وأسلم عليه، ويسلمني أمانتي التي كانت لديه، ولكوني عزمت على الحج هذه ~~السنة، قصدت زيارته كعادتي المستحسنة، فوجدته اختار دار النعيم، في ~~جوار الرب الكريم. # ليلى ~~(للعجوز) ~~: # لا ms177 تعجبي يا سيدتي مما جرى، فهذه سنة الله في الورى. # العجوز ~~(لنديم) ~~: # وحيث إني لست ممن تغيرهم الحوادث، أو تزعزعهم الكوارث، فإني أسلمك يا ~~ولدي هذه الأمانة بأمان، وليس لي عليكم غير الصداقة ضمان، غير أن النفس ~~ميالة للازدياد، وأراك الآن مفتقرا للاجتهاد. فإذا وجدت تجارة لن ~~تبور ومكاسب عن الحلال لا تجور، فإني أجيزك يا نديم بالإتجار في الحال، ~~بهذا المال الطاهر الحلال. ~~(ثم إنها تسلمه الخرج والعقدين.) # نديم ~~(لمباركة) ~~: # وا فرحتاه! وهل تجيزين ذلك يا أماه؟ # مباركة ~~(لنديم) ~~: # نعم، واحفظ لي رأس المال مع ثلث الأرباح، وما عدا ذلك فهو لك مباح، ~~ولا تنم عن عملك أيها الهمام، فما أبعد الخير على الرجل النوام، ~~والزم تقوى الله فإنها تساعدك. هكذا كان يفعل المرحوم والدك. # نديم ~~(لمباركة) ~~: # لو كنا اتبعنا طريقه المستقيم، ما وقعنا في هذا البلاء ~~الأليم. # مباركة ~~(لنديم) ~~: # دع ذكرى ما فات، واعمل لما هو آت، وبادر لمبيع العقدين، واستلم من ~~المشتري النقدين، وعجل بمشترى ما تجده من الغلة والحب، وسافر بها ~~للعراق؛ لأنها في دأب وجدب، ثم اصطحب بضاعة هناك إلى هنا؛ ليزداد لك ~~بالمكاسب الهنا، واحفظ نفسك يا ولدي من كل شين، فإنه لا يلدغ المرء من ~~جحر مرتين. # نديم ~~(لمباركة) ~~: # جزاك الله يا سيدتي خيرا، ولا أراك الزمان ضيرا، وها أنا ذاهب ~~لتنفيذ أمرك بالصيانة، مستمدا من الله التوفيق والإعانة. ~~(ثم يخرج نديم بالمال والجواهر.) # مباركة ~~(لليلى) ~~: # لا تبتئسي يا أميرة بما صار # فما أعجب تقلب الليل والنهار # لا تجزعي واستقبلي بالرضا # طوارئ الليل وبؤس النهار # فالصبر أولى بوقار الفتى # من جزع يهتك ستر الوقار # ويوشك أن يزول الحرج # والصبر يا أختي مفتاح الفرج # عزيزة ~~(لمباركة) ~~: # من أين لنا الفرج وقد جفتنا الأخلاء، ورثت رحمة بنا ~~الأعداء؟! # مباركة ~~(لعزيزة) ~~: # هوني عليك يا عزيزة، فأنت ما زلت على محبك عزيزة، ومن كان مثلك بهذا ~~الجمال، والتحلي بصفات الكمال، لا يشينه الفقر، ولا يوحشه ~~القفر. ~~(ثم إن مباركة تخرج من جيبها حقا فيه قرط من ~~الجوهر.) ms178 # واعلمي يا عزيزة أني ورثت هذا القرط عن أجدادي، ولا يوجد مثله في ~~بلادكم وبلادي. يكاد سناه يأخذ بالأبصار، وثمنه علينا ألف دينار، وأني ~~ليس لي بنت ولا ولد، فأنت أولى به من كل أحد، وقد وهبتك يا عزيزة إياه، ~~فاقبليه مني على بركة الله. # ليلى ~~(لمباركة) ~~: # لك الشكر يا سيدتي على هذا الإحسان، ويا ليت لنا قدرة على مكافأتك ~~الآن. # مباركة ~~(لليلى) ~~: # اشكري يا صديقتي الله وحده؛ فهو الذي بالصواب يلهم عبده، وقد آن يا ~~أعزتي أوان الرحيل، وعلى الله سبحانه قصد السبيل، وأرجوكم تبليغ تحياتي ~~والتسليم، إلى ولدي العزيز نديم، وقولا له إني مضيت لشأني، ولا يبحث ~~عني فإنه لا يراني، وذكراه بنصيحتي والوصية. متعكم الله بالعيشة ~~الهنية. ~~(ثم تودعهما وتخرج.) # ليلى ~~(لعزيزة) ~~: # ما أظن هذه السيدة الفاضلة، إلا من أولياء الله الواصلة، أو أنها روح ~~أبيك أرسلها الله إلينا، وأفاضت هذه النعم علينا. ~~(ثم يدخل نديم.) # نديم ~~(لليلى) ~~: # أين السيدة مباركة المغربية؟ # ليلى ~~(لنديم) ~~: # قد سافرت إلى طريقها الحجازية، وأمرتنا بوصية مقتضاها ألا تبحث عليها ~~فإنك لن تراها. # نديم ~~(لليلى) ~~: # وماذا تقولين في قدوم هذه السيدة علينا، ومن أي طريق أرسلها الله ~~إلينا؟ # ليلى ~~(لنديم) ~~: # إذا أخلص العبد لله، خلصه بفضله ونجاه، ولا تسل عما كان فلله سر ~~مكنون، وإذا أراد أمرا إنما يقول له كن فيكون، وقل لي ماذا صنعت ~~بالمال، وبعقدي الجواهر الغال؟ # نديم ~~(لليلى) ~~: # لما خرجت من هنا ومعي صندوق الجواهر، اعترضني شاب ملثم الوجه الأزهر، ~~وساومني العقدين بعشرين ألف دينار، وراودني في استلام الجوهر وتسليم ~~النضار، فأجبته في الحال لما طلب، وتم لي ثلاثون ألف من الذهب. فسألني ~~ماذا أصنع بالدنانير، ونصح لي أن أشتري بها غلة بغير تأخير وأن أسافر ~~للأقطار العراقية. فتذكرت حينئذ وصية المغربية، وارتاحت نفسي لهذا ~~الإتجار، واشترى لي بضاعة بخمسة وعشرين ألف دينار، وأخذ في تسفيرها ~~بالسفن والمراكب، وصار ينصحني كأعز الحبائب، وعلمني كيف أبيع وأشتري، ~~وقال لي إن سعدي في طالع المشترى، وأوعز لي أن أسافر في ms179 هذا اليوم؛ حيث ~~تستعد السفن للسير والعوم. فأصلحت شأني وجهزت لوازمي المعينة، ووضعتها ~~متوكلا على الله في السفينة. # ليلى ~~(لنديم) ~~: # كيف تسافر في الأودية والبحار، وتتركنا يا ولدي في تيار ~~الأفكار؟ # نديم ~~(لليلى) ~~: # يكفينا يا أماه يكفينا، ما صنعت الأيام فينا، فقد ولى زمان الجهل ~~وراح، وانجلى ليل الغفلة بنور الصباح، وخذي هذه الثلاثة آلاف دينار، ~~ويبقى معي ألفان لحاجة الأسفار، وأصلحوا من شئونكم بقدر ما تحتاجون، ~~واسلكوا سبيل الاقتصاد فيما تصرفون، ولا يجتمع يا أمي أحد عليكم، حتى ~~أرجع إن شاء الله إليكم. # عزيزة ~~(لنديم) ~~: # أناشدك الله يا أخي أن تنتبه لنفسك وأن تعتبر في يومك بما لاقيت في ~~أمسك، ولا تنسنا يا نديم من المكاتيب، والله يسهل لنا كل أمر ~~عصيب. # نديم ~~(لعزيزة) ~~: # إذا لم أعد في العز كل قديم # فما أنا يا أخت العلا بنديم # وإن لم أعوض كل ما راح فاعلمي # بأني أنا وغد وشر زنيم # وإن لم أزد ما فاته لك والدي # فلست بحر طاهر وكريم # وإن لم أنل ما أبتغيه من السنا # فلست بشهم في الرجال عظيم # عليكم سلام الله ما هبت الصبا # وما فاز بالوجدان كل عديم # عزيزة ~~(لنديم) ~~: # سر وسافر بالسلامة # ناهجا نهج السداد # واجتهد تلقى الكرامة # في اقتراب وابتعاد # نديم ~~(لليلى) ~~: # بالدعا يا أم جودي # نحو علام الغيوب # فعسى ينجو وجودي # من عنا هذي الخطوب ~~(ثم يدخل شاب ملثم الوجه.) # الشاب ~~(لنديم) ~~: # سر ولا تكثر وداعك # قد كفاكم يا نديم # واجعل التقوى متاعك # ذا صراط مستقيم # نديم ~~(للشاب) ~~: # أنت مبتاع الجواهر # أنت لي شاري الغلال # أنت أستاذ المتاجر # أنت لي رب النوال # الجميع ~~: # ربنا هبنا نجاحا # منك وامنن بالمرام # واجعل العقبى صلاحا # وأعطنا حسن الختام ~~(ثم تنزل الستارة ويتم الفصل الثاني.) # الفصل الثالث ~~(تنكشف الستارة عن وادي صغير وفيه رجل بدوي اسمه صميدة.) # صميدة ~~(لنفسه) ~~: # حظنا في الوجود قطع الطريق # حين نرمي من نلتقي في المضيق # نقتل النفس نسلب المال غصبا # وشراب الدما كشرب الرحيق ~~(ثم يدخل جبالي.) # جبالي ~~(لصميدة) ~~: # سلام ms180 عليك. # صميدة ~~(لجبالي) ~~: # سلام عليك. # جبالي ~~(لصميدة) ~~: # ماذا تصنع هنا يا صميدة؟ # صميدة ~~(لجبالي) ~~: # أبحث على غنيمة أو صيدة، وأنت لماذا جئت يا جبالي في هذا المكان ~~الخالي؟ # جبالي ~~(لصميدة) ~~: # إني أتيت إلى هذا الحدب، بأمر كيلاني شيخ العرب، أجوس خلال الدروب؛ لأظفر ~~من الغنائم بالمطلوب، وقد صادفت هنا أعظم غنيمة، بل هي الدرة ~~اليتيمة. # صميدة ~~(لجبالي) ~~: # لعلها القافلة الحصينة التي خرجت من المدينة. # جبالي ~~(لصميدة) ~~: # نعم، وأنت كيف عرفتها؟ وأين يا صميدة رمقتها؟ # صميدة ~~(لجبالي) ~~: # آه يا جبالي! إن هذه القافلة هيجت بلبالي؛ لأنها محصنة بالسلاح، ~~وبالجنود ليوث الكفاح. # جبالي ~~(لصميدة) ~~: # لا يغرنك رجالها، ولا تهيبك أبطالها؛ فإن علة الهواء الأصفر، أخذت منها ~~حظها الأوفر، وباتوا وليس فيهم للدفاع استعداد، وأصبح الشيخ كيلاني لها ~~بالمرصاد، وحيث إنها أناخت الإظعان، بالقرب من هذا المكان، فها أنا ذاهب ~~إليه لأعرض الأمر عليه، واحفظ أنت يا صميدة هذا الممر، حتى نأتيك كلمح ~~بالبصر. ~~(ثم يخرج جبالي.) # صميدة ~~(لنفسه) ~~: # كيف أحفظ لهم هذه الغنيمة، وهم إذا غنموها طردوني كالبهيمة؟! لا، أبدا ~~بل أعاكسهم حتى يخرجوا منها صفر اليدين، ونرجع كلنا بخفي حنين. ~~(ثم يخرج صميدة وترتفع ستارة عن المنظر الثاني.) # المنظر الثاني ~~(تنكشف الستارة عن أودية وفيها هودج الملكة وبعض الحرس وعددهم عشرة، وبهجت بك ~~حاكم الحملة وشجاع قائد الحملة، وتخرج الملكة وبنتها من الهودج.) # الملكة ~~(للحاكم) ~~: # يا بهجت بك. # الحاكم ~~(للملكة) ~~: # لبيك وسعديك. # الملكة ~~(للحاكم) ~~: # ما لكم وقفتم بنا في هذا المكان؟ # الحاكم ~~(للملكة) ~~: # لنستريح هنيهة من الزمان، ونملأ القرب من تلك الآبار؛ حيث أصبحنا ~~على قرب من الديار. # الملكة ~~(للحاكم) ~~: # ما لي لا أرى أدلاء الركبان؟ # الحاكم ~~(للملكة) ~~: # لعلهم ذهبوا في حاجة ويرجعون الآن. # الملكة ~~(للحاكم) ~~: # إني أرى أشباحا من بعيد، يظهر خيالهم في ذلك الصعيد، وهم في مشيتهم ~~بنا يتآمرون، وكأني بهذا الدرب غير مأمون. # الحاكم ~~(للملكة) ~~: # أرجو ألا تكون أفكار جلالتك في اشتغال. فعندنا من الجنود ما يقهر ~~الأبطال. ~~(ثم يظهر قتال خفيف وراء المرسح.) # الملكة ~~(للحاكم) ~~: # آه! إني ms181 أراهم هجموا على المعسكر، ونازلوا جندنا والعسكر. ~~(ثم تسمع حركة حرب وعراك بالسيوف.) # الحاكم ~~(للملكة) ~~: # لا تخافي يا ربة المقام المحمود؛ فإن لدينا من الأبطال ما يرهب ~~الأسود. ~~(ثم يسمع ضجيج حرب عنيف وراء المرسح.) # الملكة ~~(للحاكم) ~~: # أواه! إن الأشقياء تغلبوا على رجالنا، وأخشى من وصولهم إلى ~~رحالنا. ~~(ثم يدخل شجاع.) # شجاع ~~(للحاكم) ~~: # إن الأعداء فتكوا في عساكرنا ، وملكوا يا مولاي جميع دساكرنا. # الحاكم ~~(لشجاع) ~~: # اركب يا شجاع ذاك الجواد، وامض كالبرق إلى حدود البلاد، وأخبر ~~العامل هناك بما صار، وارجع إلينا بجيش جرار، وإياك يا شجاع والتأخير، ~~فأنت بصير بالحال وخبير. # شجاع ~~(للحاكم) ~~: # لا تكن يا همام في تبريح، وسأرجع إليكم كهبوب الريح. ~~(ثم يخرج شجاع وتظهر حركة رجال.) # الحاكم ~~(للجنود) ~~: # احملوا يا حراس سلاحكم، وابذلوا في الدفاع أرواحكم، ولا يهولنكم ~~الحتوف، فالجنة تحت ظلال السيوف. ~~(ثم يدخل كيلاني ومعه خمسة أشقياء.) # الحاكم ~~(لكيلاني) ~~: # إليك يا ابن اللئام، فهذا ركب ملكة الأنام، وقد أدينا فريضة الحج ~~ولله المنن، ونحن الآن راجعون إلى الوطن. # كيلاني ~~(للحاكم) ~~: # اسكت يا كلب الرجال؛ فقد أسرنا جيشكم وقتلنا الأبطال. فاترك الكبر ~~والتيه، وسلم لنا الهودج ومن فيه. ~~(ثم يبرز القائد ويقول): # الحاكم ~~(لكيلاني) ~~: # اخسأ لقيت الذل يا كلب العرب # من فارس يلقيك في هول العطب # وارجع لعقلك أو أذقناك الوصب # كيلاني ~~(للحاكم) ~~: # خذها حلالا من حسام كم غلب ~~(ثم يقع الحاكم جريحا من طعنة كيلاني.) # الحاكم ~~(للجنود) ~~: # إني وقعت في النكال، فاحفظوا الهودج يا أبطال. ~~(ثم تظهر ضجة ويدخل نديم وأتباعه عشرة، فينكمش ~~كيلاني ويقف ساكنا.) # نديم ~~(لكيلاني) ~~: # كفوا القتال واغمدوا السيوف، وإلا لقيتم منا الحتوف. # ما للمطايا بالنساء قعود # هل خانهن الدهر وهو حقود # ما هذه القتلى وما هذا البلا # والقوم قد أخنت عليها البيد # ما هذه العربان ما هذا الشقا # والركب فيه مجندل وفقيد # أغنيمة صادفتمو في غفلة # من أهلها أم ربها مفقود # كيلاني ~~(لنديم) ~~: # من أين جئت فأنت غير مكرم # إن لم تفز حالا بنفسك تندم # هذي سبايانا وهذا غنمنا # وافى ms182 به حظ النصيب الأكرم # وأولئك القتلى قتلناهم على # عمد لكي نحظى بهذا المغنم # لا حاكم أو رادع أو وازع # أو مكسب غير الشقا للمعدم # فارجع لعقلك يا غلام أو اقتبل # منا الحمام يخوض في بحر الدم # نديم ~~(لكيلاني) ~~: # خل النساء أو اقتبل من ضيغم # سيفا يشبح الرأس منك إلى الفم # فأنا نديم ابن الرشيد أخو الوفا # وكما علمت شمائلي وتكرمي # ومتى التقى الصفان يوما تلقني # أغشى الوغى وأعف عند المغنم # فاحذر لنفسك إن سيفي ماؤه # مر مذاقته كطعم العلقم # كيلاني ~~(لصمصام) ~~: # تقدم يا صمصام، واقتل هذا الغلام. # صمصام ~~(لنديم) ~~: # يا غرورا بنفسه في الضراب # أنت ما زلت في غضون الشباب # اترك الانتساب إنك غر # ليس تجديك رفعة الانتساب # وارتحل غانما بنفسك إنا # فخرنا بالحراب لا الأحساب # أو فخذها من ساعد لشجاع # سعده قائم مدى الأحقاب ~~(ثم يطعن نديم وتخيب الطعنة.) # نديم ~~(لصمصام) ~~: # يا رحى الغاب يا سباع الغاب # هيبة من غضنفر هياب # كم جيوش جندلتها والمنايا # كشرت في الوغى عن الأنياب # يا أخس العربان خذ طعنة من # حد سيف تلقيك تحت التراب ~~(ثم يتضاربان ونديم يقتل صمصام ويقع ~~قتيلا.) # القائد ~~(لنديم) ~~: # لا شلت يداك يا نديم، واحفظ فديتك هودج الحريم. # كيلاني ~~(لنديم) ~~: # سأخرج بنفسي لهذا الكلب، وأريه كيف يكون الطعن والضرب. # نديم ~~(لكيلاني) ~~: # ستعلم من الكلب ومن الضرغام، حين أجندلك بهذا الحسام. ~~(ثم يخرج كيلاني لقتل نديم.) # كيلاني ~~(لنديم) ~~: # سلم سلاحك بالسلامة تظفر # مني ومن حد الحسام الأبتر # لا تحسبن من راح قبلي أنه # مثلي فإني ضيغم القوم الجري # خذ يا جبان بحد سيفي ضربة # تلقيك في جوف الثرى للمحشر ~~(ثم يهجم على نديم ويضربه وتخيب الضربة.) # نديم ~~(لكيلاني) ~~: # إن كنت تبتاع النفائس فاشتري # يا وغد نفسك من حسام غضنفر # واعلم بأني الفارس العاتي الذي # أحمي الحريم ولا أجور على البري # لا أضربنك غير واحدة على # هون فخذها من يدي يا مفتري ~~(ثم يطعنه نديم فيموت وتحصل معركة خفية جدا بين ~~جماعة كيلاني وجماعة نديم.) ~~(ثم يظهر نشيد من بعيد ms183 وتسكن له المعركة المذكورة ~~وهم نحو عشرين نفر حاملي السيوف، ثم يدخل شجاع بعساكر الملك.) # شجاع ~~(للملكة) ~~: # جئنا لكم جئنا لكم # أرواحنا تهدى لكم # العسكر ~~: # جئنا لكم جئنا لكم # أرواحنا تهدى لكم # شجاع ~~(للملكة) ~~: # روحي فداء الهودج # حصن الجلال الأبهج # وافاكم الجيش النحي # جئنا لكم جئنا لكم # يا أيها العرب اللئام # جرتم على القوم الكرام # ولم يكن فيكم زمام # جئنا لكم جئنا لكم ~~(ثم تقبض العسكر على جميع الموجودين بما فيهم نديم ~~ويوثقونهم وتخرج الملكة وبنتها من الهودج.) # شجاع ~~(للملكة) ~~: # الحمد لله على سلامة جلالتك العلية، وسيدتنا نعمى السنية. # الملكة ~~(لشجاع) ~~: # أشكر الله وأشكرك يا شجاع، وأثني على جيوشنا ليوث الدفاع، ولكن أين ~~أسد الرجال، وفارس الأبطال، الشهم الكريم، الأمير نديم؟ # نديم ~~(للملكة) ~~: # لبيك يا صاحبة الفضل الجزيل، وهكذا تكون مقابلة الجميل. # الملكة ~~(لشجاع) ~~: # أأسرتموه؟! أأوثقتموه؟! وا خجلتاه! فكوه وأحضروا به إلي، كلا بل ~~أنا أفكه بيدي. ~~(ثم تتقدم الملكة وتفكه بيدها.) # الملكة ~~(لنديم) ~~: # أخبرنا يا قاهر الرجال # من أنت من الأبطال # نديم ~~(للملكة) ~~: # إني يا غانية رجل فقير # ساقتني إليكم المقادير # شجاع ~~(لنديم) ~~: # تأدب يا ذا الفطن، وانظر أنت في حضرة من، فإنك في حضرة سلطانة الملك ~~الأسمى، وكريمتها الملكة نعمى. # نعمى ~~(لنديم) ~~: # قل لنا يا نديم، أنت من أي بيت عظيم؟ فقد أجادتنا شهامتك، وأسرتنا ~~كرامتك. # نديم ~~(لنعمى) ~~: # إني نديم صاحب العزم الجسور # وأبي رشيد عبدكم صدر الصدور # دارت بنا الأيام والدنيا تدور # يوم شرور بعده يوم سرور ~~••• # وافى بي الحظ العظيم إلى هنا # بعد التجارة والمكاسب والهنا # فوجدتكم ويلاه في أسر العنا # في يد ناس بالشقاء لهم فجور ~~••• # فدفعت عنكم خصمكم حق الدفاع # من حيث لم أعرفكم بين البقاع # وفتكت في أعدائكم فتك السباع # حتى ظفرت بهم ويا نعم الظفور # نعمى ~~(لنديم) ~~: # أحسنت في هذي الصنيعة يا نديم # وأجرتنا أنت الكريم ابن الكريم # ولك المحبة عندنا ذخر عظيم # والله يعلم كل ما تخفي الصدور # نديم ~~(لنعمى) ~~: # أنا ضيغم الوادي إذا حم القتال # حر بل الحر الشديد على ms184 الرجال # لكنني يا نعمى عبد للجمال # والله يعلم كل ما تخفي الصدور # القائد ~~(للملكة) ~~: # إني رأيت أدلاء الركب مع المقتولين ووجدت أحدهم حيا مع ~~المأسورين. # الملكة ~~(للقائد) ~~: # خذوه مع الأسارى للديار، وهناك يلقون جزاء ما صار. # صميدة ~~(للملكة) ~~: # إن أدلاءكم هم الذين دلوا الأشقياء إليكم، واتفقوا مع أعدائكم ~~يا سيدتي عليكم. # الملكة ~~(لنديم) ~~: # وا أسفاه لولا انقسامنا على بعضنا، ما وصل الدخيل إلى أرضنا، وهذا ~~جزاء من لم ينتق الخدم، ويتخير الصالح من الحشم، فيقع منهم في مخالب ~~النفاق، ويا ويح من كانت غلته من الرفاق، فكن معنا يا نديم في ~~الأسفار، حتى نصل إلى الديار، ونكافئك على جميلك إلينا، ولو أن مكافأتك ~~تكبر علينا. # نعمى ~~(للملكة) ~~: # إن مكافأة هذا الإنسان، لا تكبر على والدي السلطان. ~~(ثم يقول نديم سرا.) # نديم ~~(لنفسه) ~~: # أواه! وا حر قلباه! أنقذتكم من أسر المنون، وأسرتني نعمى بسحر ~~العيون. # سبتنا عيون الغيد قسرا وطالما # فتكنا بآساد الدحال الرواعب # نقاتل أبطال الوغى فنبيدهم # ويقتلنا في السلم لحظ الكواعب # نعمى ~~(لنفسها) ~~: # ماذا أرى؟! ماذا أشعر؟! خلصتنا يا نديم من أسر اللئام، وأسرتني بالحب ~~والغرام. # الملكة ~~(لنعمى) ~~: # ما هذه الحال يا نعمى، وكيف ذهلت عن مقامك الأسمى؟! # نعمى ~~(للملكة) ~~: # وا عذباه! ارحميني يا أماه، أو اتركيني في هذه البقاع، تأكلني الهوام ~~والسباع، خير لي من، من. # الملكة ~~(لنعمى) ~~: # من أي شيء؟ # نعمى ~~(للملكة) ~~: # من هذا المرض. # الملكة ~~(لنعمى) ~~: # قد عرفت يا نعمى الغرض، وسنتلافى هذا الداء، بما ينفعه من الدواء، ~~وإياك والهم والطيش، فينغصان عليك لذة العيش، وكلي الأمر للمقدور، ~~إن ذلك من عزم الأمور. # القائد ~~(للملكة) ~~: # قد استعد الركب للرحيل، على مقتضى أمرك الجليل. # الملكة ~~(للقائد) ~~: # سيروا على بركة الله، وله الحمد والشكر على ما أولاه. # نديم ~~(للجيش) ~~: # أيها الركاب سيروا للوطن، إننا فزنا ولله المنن. # جاءنا النصر من الله العظيم # وله الحمد على الفضل العميم # ولك الشكر علينا يا كريم # أيها الركبان سيروا للوطن ~~••• # ربنا هبنا رشادا في الزمان # واكفنا شر العدا في كل آن # وأسبل ms185 الستر علينا بالأمان # إننا فزنا ولله المنن # الفصل الرابع ~~(تنكشف الستارة عن سراي السلطان وجالس معه فيها إمام الدولة ووزير الداخلية ووزير ~~العلوم وأربعة حجاب.) # الملك ~~(للوزراء) ~~: # العدل للملك تشييد وعمران # والظلم كم تتداعى منه أركان # والمرء إعجابه بالرأي منقصة # منه عليه والاستبداد خسران # والناس شوراهم بالنفع عائدة # لأنها لصواب الرأي معوان # وقامت الخلفاء الراشدون بها # بالحزم والعزم فاعتزوا وما هانوا # حتى أتت أمم والجهل قائدهم # قد استبدوا فباد العز والشان # آها من الظلم كم أفنى الشعوب وكم # أباد ملكا له مجد وسلطان # رحمانك الله وفقنا لصالحنا # وما يكون به للحقد تبيان # اعلموا أن كل أمة تمتعت بالعدالة، وتبرأت من الظلم والضلالة، كانت هي ~~الراقية لأوج السعادة، الفايزة بالحسنى وزيادة، وهذا يتوقف على تعلم ~~العلوم، من منطوق ومفهوم وبث روح الشريعة المرضية، وتحكيم الألفة بين ~~الراعي والرعية؛ ليتعاونا حينئذ على الإصلاح، وما يكون فيه للأوطان ~~النجاح. أليس الأمر كذلك يا حضرة الإمام؟ # الإمام ~~(للملك) ~~: # نعم يا سلطان الأنام. إن أعظم باعث على العمران، وتقدم الأمم والأوطان، ~~هو التمسك بالأحكام الدينية، والمحافظة على اللغة الوطنية، ولكني أرى هذين ~~الأمرين، قد اندثر أثرهما والعين، لا سيما أن لغتنا العربية، قد استبدلت ~~باللغات الأعجمية، وهذا أمر استلفت إليه نظر حضرة وزير العلوم ليرضى عنه ~~الله والسلطان والعموم. # الوزير ~~(للإمام) ~~: # إن تدريس العلم باللغات الأجنبية، لا ضرر فيه على لغتنا الوطنية؛ لأن لها ~~أوقات مخصوصة في التعليم، يقوم بها كل جهبذ عليم، وقد ورد عن الصادق ~~الأمين، اطلبوا العلم ولو بالصين، وفي هذا إباحة لكل طالب، أن يتعلم بلغة ~~الأجانب، وعلى هذا فلا اعتراض علينا الآن، والرأي الأعلى لمولانا ~~السلطان. # الإمام ~~(للوزير) ~~: # نحن لم نقل إن التعليم باللغات الأجنبية، حرام عندنا في الأصول الدينية، ~~ولكنا نجزم بلزوم التعلم بلغة البلاد؛ لما في ذلك من المنفعة والسداد، وأن ~~القوم طالما أخذوا منا كما أخذنا منهم، ونقلوا عنا كما نقلنا عنهم، ولكنهم ~~ترجموه إلى لسانهم، ودرسوه بمنطقهم وبيانهم. # الوزير ~~(للإمام) ~~: # نحن بهذا عالمون # وبالأصلح عاملون # الإمام ms186 ~~(للوزير) ~~: # كلا بل أنتم تدرسون علم كل أمة بلغاتها، وتقلدون أخلاقها على علاتها، ~~تقليد الأبكم الأعمى. فتعرفون الاسم وتجهلون المسمى، حتى نسينا عوائدنا ولم ~~نحسن تقليد سوانا، وأصبحنا بين أولئك البلابل بوما وغربانا. # الوزير ~~(للإمام) ~~: # وما هو الضرر من التقليد # والاقتباس من الشيء المفيد # الإمام ~~(للوزير) ~~: # ولماذا نقتصر في التقاليد على ما يضر جمعنا، ونترك من محاسنهم ما هو لازم ~~لنفعنا، وهذه مدارسهم مزدانة بالمعابد، وفيها للتلامذة درجات لكل عابد. فهل ~~في مدارسنا شيء من هذه الرسوم، يا حضرة وزير العلوم؟ # الوزير ~~(للإمام) ~~: # إن المعابد والعبادات # من خصائص ديوان الديانات # الإمام ~~(للوزير) ~~: # لا تقطع حديثي حتى أتمم بيانه، وقل لي هل عندنا ديوان مختص بالديانة؟ ~~وأناشدك الله هل عندنا مدارس كافية للبنات يتلقين فيها علوم الآداب ~~والصناعات؟ ألم تأخذك الغيرة على بناتنا الأقارب، حين نبعث بهن اضطرارا ~~إلى مدارس الأجانب؟ وهل ينكر علينا يا حضرة الوزير أحد، أنه بقدر تربية ~~المرأة يكون حفظ المنزل والولد، وهل يوجد محل لهذه المغارس، غير المكاتب ~~والمدارس؟ فهذه فروع أصلها مولانا السلطان، وبقدر اعتداله يعتدل ~~الزمان. # الملك ~~(للوزراء) ~~: # وإني أرى وزارة العدلية القاضية بين الخصوم، مفتقرة أيضا لوزارة العلوم؛ ~~لأن القاضي إن لم يكن عالما بالحق في الدعوى فإنه يخبط في أحكامه خبط ~~عشواء، ويظلم معتقدا أنه حكم بالعدل وهذا كله نتيجة الجهل. # الإمام ~~(للملك) ~~: # فالعلم كما قلنا أساس الملك # وهو المنجى من الضلالة والهلك # الملك ~~(للوزراء) ~~: # واعلموا أن السلطان للرعية بمنزلة الرأس للجسد، والوزارة أعضاؤه الرئيسة ~~فهم نعم السند، ونواب الأمة أوردة دمائها، وأوعية الحياة ومجاري مائها. ~~فإذا أصلحت الرأس قامت بوظائفها الأعضاء، وإذا اختل عضو منها وقع الرأس في ~~العناء، والنفس الناطقة هي عناية الله. نسأله التوفيق لما يحبه ~~ويرضاه. ~~(ثم يدخل حاجب.) # الحاجب ~~(للملك) ~~: # على الباب رسول من قبل عامل الحدود. # الملك ~~(للحاجب) ~~: # ليأتي. ~~(ثم يخرج الحاجب.) # الملك ~~(للإمام) ~~: # لم يصل إلينا يا حضرة الإمام، أنكم زرتم مدرسة طول هذا العام، مع أن ~~زيارتكم لها يبعثها على الاجتهاد، وتهتدي بهديكم إلى ms187 سبيل الرشاد. # الشيخ ~~(للملك) ~~: # إني لا أستطيع أن أرى المكاتب مقفلة الأبواب، في وجوه أكثر الطلاب، أو ~~أسمع لفظة «بونجور» في جميع النواح بدل قولنا أسعد الله الصباح، أو أصغي ~~لكلمة «جود نيت» بدل جملة بالخير أمسيت، أو أشاهد كتبا بلغة الأعجام، ~~هازئة بأئمتنا وأسلافنا الكرام، إلى غير ذلك مما يحملني على السدم، مهما ~~أنا عليه من الشيخوخة والهرم. ~~(ثم يدخل الرسول.) # الملك ~~(للرسول) ~~: # ما وراؤك يا نجاب؟ # الرسول ~~(للملك) ~~: # هو يا مولاي في هذا الكتاب. ~~(ثم يأخذ الملك ويقرؤه منزعجا.) # الملك ~~(للوزراء) ~~: # ما هذا الرزء العظيم؟! ما هذا الخطب الجسيم؟! كيف تجاسرت الأشقياء على ~~قتل رجالنا وسبي النساء؟! ألم يخافوا سطوتي؟! ألم يخشوا نقمتي؟! فلا بد من ~~دمارهم وتخريب ديارهم. علي يا وضاح بقواد جيشنا المنتصر، بأقرب من لمح ~~البصر. ~~(ثم يخرج التشريفاتي.) # بارحي القوس بغتة يا سهامي # واترك الغمد عنوة يا حسامي # ودعي اللين قسوة يا رماحي # وخذي السحب مركبا يا خيامي # واسبقي الريح يا جيادي عرايا # لا بسرج يعوقنا ولجام # وذري الآن جسمنا يا دروعي # قد وهبنا أجسامنا للصدام # واتركيني يا رحمتي لانتقامي # وترحل عن مهجتي يا سلامي # وهبوا اليوم عمركم يا رجالي # مع عمري إلى فناء الحمام # وهلموا بنا لنكشف عارا # من أناس ذوي فساد لئام # أخذوا أهلنا سبايا وخانوا # كل عهد ولم يراعوا ذمامي # أسروا زوجتي وبنتي نعمى # بعد قتل الرجال في الآكام # وكأني بها تنادي أغثنا # ساءنا الأسر يا مليك الأنام # هاك لبيك للخلاص أتينا # قد خلصتم فابشروا بالمرام # ستلاقي أعداؤكم نقمة الله # انتصارا لكم بكل محامي # ونروي سيوفنا من دماهم # ثم نأتي بكم مع الاحترام # آه وا حسرتا على خيبة الملك # إذا لم نعد بفوز الكرام ~~(ثم تدخل القواد ينشدون): # القواد ~~(للملك) ~~: # أمرك السامي مطاع # يا وحيدا في العباد # كلنا قرم شجاع # غالب القوم الشداد # الملك ~~(للقواد) ~~: # وصل إلينا خبر منكود، من عاملنا في الحدود، وهو أنه بينما كانت الملكة ~~وبنتها نعمى، عائدين من حج البيت الأسمى، إذ داهمتهم العرب الأشقياء، ~~وقتلوا الرجال ms188 وسبوا النساء، وقد ذهب إليهم ذلك العامل لينجدهم بجيشنا ~~الباسل، ولكنه رغب إلينا في طلب الإمداد؛ ولذلك استحضرتكم يا حضرات القواد، ~~وأعلنتكم وا أسفاه بهذا الخبر؛ ليكون جيشنا الخاص على أهبة السفر؛ لكي نفرج ~~أولا عن الأسارى الأمجاد، ثم نطهر تلك الأماكن من أهل الفساد. # القواد ~~(للملك) ~~: # نحن ضمان الخلاص # غالبوا القوم اللئام # ذاك أمر لا مناص # عنه يا راعي الذمام ~~(ثم تخرج القواد.) # الملك ~~(للوزراء) ~~: # إذا لم يثق بالله في أمره العبد # فلا ملك يجدي ولا ينفع الجهد # وإن لم ير السلطان في وزرائه # أمانا فلا فوز يلوح ولا مجد # وإن لم يكن للشعب رأي تذود عن # مصالحه نوابه ذهب الرشد # وإن لم يكن بالعدل تقضي قضاته # فويل الرعايا من دمار بهم يعدو # وإن لم يكن سعي الحكومة عائدا # على قومها بالخير أودى بها الحقد # وإن كانت العمال والغش دأبهم # فما تصنع النصاح أو ينفع الجد # وإن لم يكن للقوم حزم يصدهم # عن الطيش في أعمالهم سخر الضد # ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى # عدوا له ما من صداقته بد # فهذي شئون لم يكن في ربوعها # لها أثر باد إلهي لك الحمد # ولكنني لم أدر كيف تجاسرت # على أهلي العربان واحتكم الوغد # فأين شجاع يا ترى أين بهجة # أما فيهما للركب نصر ولا رد # وهل صغرت في أعين القوم سطوتي # وإلا بهم جهل وغرهم البعد # سألحقهم والخيل تنهب أرضهم # وحادي المنايا في خيامهم يحدو # فقوموا مقامي يا رجال وزارتي # إلى أن يحم الموت أو يحسن العود # يصونك يا نعمى الإله وزوجتي # ويحميكما من كل سوء بكم يبدو ~~(ثم يدخل التشريفاتي.) # تشريفاتي ~~(للملك) ~~: # على الباب رسول من قبل الملكة. # الملك ~~(للتشريفاتي) ~~: # ويك أحضره عاجلا. ~~(يخرج التشريفاتي) # الملك ~~(لنفسه) ~~: # ليت شعري بماذا جاء الخبير؟ وهل هو بشير أم نذير؟ ~~(ثم يدخل الرسول واسمه فاضل.) # رسول ~~(للملك) ~~: # لك البشرى يا ملك الزمان، لقد نجونا من كيد أهل العدوان، وانتصرنا على ~~الأشقياء اللئام، وإن جلالة الملكة مقبلة على أثري بسلام. # الملك ~~(للرسول) ms189 ~~: # الله أكبر طاب الوقت وابتهجا # والنفس من بعد يأس لاقت الفرجا # وكيف كان ذلك يا بشير؟ # رسول ~~(للملك) ~~: # لما وصلنا إلى الدرب الأخير، أبصرنا رجالا من بعيد، يلوح عليهم الغدر ~~الشديد، ثم انقضوا علينا كالجراد، وقابلناهم بكل بسالة وجهاد، ولكنهم ~~تغلبوا علينا وما رحمونا، وكادوا أن يغنموا الهودج ويأسرونا، وإذا بصليل ~~سلاح ومعمعة رجال، وأمامهم فارس تهتز من هيبته الجبال، وهجم على الأشقياء ~~بغير تواني، وقتل أبطالهم وشيخهم كيلاني، حتى عجزوا عن تلاقيه، وصدهم عن ~~الهودج ومن فيه، وبينما هو على هذه النعمة المأثورة، إذ أقبل عامل الحدود ~~بجيوشكم المنصورة، وأسروا جميع الأشقياء، وكشف الله عنا العناء. فاندهشنا ~~يا مولاي من شهامة هذا الصنديد، وسألناه عن نفسه وإذا به نديم ابن الصدر ~~الأعظم رشيد. # الملك ~~(للرسول) ~~: # رشيد عليه رحمة الله إنه # له منن كم أنبأت عن محامده # رسول ~~(للملك) ~~: # فلا تعجبوا مما أتى نجله به # ولا غرو أن يحذو الفتى حذو والده # وبعد أن تم لنا النصر المبين، بعناية هذا الشهم الأمين، أمرني القائد ~~بالمسير إلى الأعتاب العلية، وعرض هذه البشرى على مسامعكم السنية، فصرت ~~أضرب أكباد العيس، وأصرف في سرعة السير النفس والنفيس، حتى وصلت ولله الحمد ~~للديار، وهذا يا مولاي محصل ما صار. # الملك ~~(لفاضل) ~~: # وكيف وصل إليهم هذا البطل الأمير؟ وأين هو الآن يا بشير؟ # رسول ~~(للملك) ~~: # إن سبب وصوله إلينا لا أدريه، وهو الذي لجلالتكم يحكيه، وأما هو فقد أقسم ~~بأعظم الأيمان، ألا يبارح ركب جلالة الملكة حتى يرجع للأوطان. # الملك ~~(للرسول) ~~: # لا شلت يمين هذا الهمام، وسنواليه بالمكافأة والإكرام، وأما أنت يا طيب ~~الأخبار، فقد أحسنا إليك بألف دينار، فاصرفها له يا غلام؛ لينقلب إلى ~~أهله بسلام. # رسول ~~(للملك) ~~: # أيد الله سلطانكم # وأفاض على الوجود إحسانكم # الملك ~~(للوزراء) ~~: # تفضلوا يا حضرات الوزراء والقواد، وكونوا لمقابلة الملكة على أكمل ~~استعداد، وأعدوا لقدومها معدات الزينة في جميع أنحاء المدينة. ~~(ثم إن الجميع ينشدون): # أقبل الأنس علينا # وبدا النصر المبين # وافت البشرى إلينا # بقدوم القادمين # دمت سلطان البرايا ms190 # في هناء وسعود # حافظا أمن الرعايا # راغما أنف الحسود # أنت أحييت الوجودا # بصفاء وسلام # زادك الله سعودا # في ابتداء وختام ~~(ثم تنزل الستارة ويتم الفصل الرابع.) # الفصل الخامس ~~(وفيه ثلاثة مناظر) ~~(تنكشف الستارة عن منزل الأمير نديم جالسا مع والدته ليلى وأخته عزيزة.) # نديم ~~(لليلى) ~~: # سعد الحظ والهناء تودد # ومضى الهم والصفاء تجدد # رجعت ثروتي بأكثر مما # فاته والدي ويا سعد من جد # سافروا تغنموا وجدوا تسودوا # هكذا قاله الحكيم وأكد # ثم لاقيت في الطريق شئونا # ذات بال فيها لنا كل سؤدد # وحباني السلطان أعظم قربى # وطريقي إلى المعالي تمهد # فافرحي يا عزيزتي ثم يا أماه # قري عينا فعودي أحمد # ليلى ~~(لنديم) ~~: # أشكر الله يا نديم وأحمد # عدت لي بالهناء والعود أحمد # هكذا كل من سعى بصلاح # زاده الله من لدنه وأسعد # عزيزة ~~(لنديم) ~~: # الحمد لله يا أخي على سلامتك، وزادك الله كرامة فوق كرامتك. فأنت رب ~~الشهامة، وعنوان الفضيلة والكرامة، ويجب عليك أن تسترد العقار والضياع، ~~التي لعبت بها منك يد الضياع. # نديم ~~(لعزيزة) ~~: # اعلمي يا أختي أن كل ما أضعناه، قد أعدناه كما أخبرتكم وزدناه، وأصبحنا ~~من أغنياء هذا الزمان، ومن المقربين لدى جلالة السلطان، ولكن أبى الدهر أن ~~يدوم حظه لأحد، أو يكون صفاؤه غير مشوب بنكد. # كن من زمانك إن صافى على حذر # ولا يغرك إن وافاك مبتسما # ما سلم الدهر باليمنى على أحد # إلا ويسراه تسقيه الردى كظما # ليلى ~~(لنديم) ~~: # ما هذا الارتباك الحالك؟ هل صادفك ضيم بعد ذلك؟ # نديم ~~(لليلى) ~~: # خلصتهم وأسرت نفسي، وذهلت عن معناي وحسي. # أسر الظبي في السلام السباعا # فتحاشوا عنه وهابوا الدفاعا # دمية أدمت الفؤاد بلحظ # للحشا أرسل السهام سراعا # هي كالروض نضرة وأزهارا # وهي كالشمس بهجة وارتفاعا # ليلى ~~(لنديم) ~~: # من هي تلك الملكة السماوية، التي سحرتك بألحاظها العربية؟ # نديم ~~(لليلى) ~~: # هي ملكة العباد، ومالكة الروح والفؤاد. # مليكة تسجد الأرواح خاشعة # لأمرها فهي ذات الدولة العظمى # سلطانة بنت سلطان الأنام وإن # رمت الزيادة مني إنها نعمى # من لي بها وهي ms191 في خدر الجلال وهل # أقضي شهيد الهوى أو أغنم الغنمى # عزيزة ~~(لنفسها) ~~: # الآن حصلت على الإسعاد، وكل صدفة خير من معاد. فإن أخي لا يمكنه سلوك هذا ~~الطريق، إلا بواسطة الأمير صديق، وبذلك ترجع المواصلة مع حبيبي عزيز، ويتم ~~الأمل في عهد وجيز. ~~(ثم تلتفت لنديم وتقول): # عزيزة ~~(لنديم) ~~: # اعلم يا أخي أن هذا الغرض صعب المنال، ويحتاج للتروي والحكمة في الأفعال، ~~ولا أرى لك نجاة من هذا الضيق، إلا بعناية صاحبنا الأمير صديق. # نديم ~~(لعزيزة) ~~: # هل نسيت يا أختي ما صدر لنا عنه، ثم تتوقعين اليوم الخير منه؟! فلا بد لي ~~من الذهاب إليه، وتوجيه اللوم والتنديد عليه. # ليلى ~~(لنديم) ~~: # ارجع يا ولدي عن هذه النية، ولا تكن للناس سيء الطوية، وأحسن لمن أساء ~~إليك؛ لترضى الناس يا ولدي عليك، وأنت الآن محتاج لهذا الإنسان؛ لأنه من ~~ذوي الوجاهة عند السلطان، والناس تعلم أنه كان «الخل الوفي» لأبيك، وإذا ~~جاهرت بعدائه تكثر الظنون فيك. فكن معه حتى تنقضي الأوطار، والحكيم من دار ~~مع الأدوار. # نديم ~~(لليلى) ~~: # لا بد لي من الرواح إلى داره، ومحاكمته أمام الإنسانية على ~~أوزاره. # أقابل بالإحسان من كان محسنا # ومن رامني بالسوء أرميه بالردى # فوضع الندى في موضع السيف بالعلا # مضر كوضع السيف في موضع الندى ~~(ثم يخرج نديم.) # عزيزة ~~(لليلى) ~~: # إني أخاف على أخي من التغرير، فيتهور مغرورا بنفسه على الأمير، مع أن ~~الأمير ذو حظوة عند السلطان، ويمكنه أن يرمي نديما في الخسران، وأنت ~~تعلمين أن المقربين من الملوك العظام، يمكنهم التأثير على أفكارهم ~~والأوهام. # ليلى ~~(لعزيزة) ~~: # نعم يا عزيزة صدقت، وبالحكمة البالغة نطقت؛ ولذا وجب على كل سلطان عظيم، ~~ألا يغتر بفلسفة كل حكيم، ولا يصغي لكل واشي، من أتباعه والحواشي، وألا ~~يلقي لكل سعاية سمعه، حتى يتحرى بنفسه ما سمعه؛ لأن كل إنسان له غرض، وفي ~~قلبه من حاجاته مرض. فيزينون للسلطان سوء مأربهم ويبعدون عنه من لم يكن على ~~مشاربهم. فتتحول عن الملك القلوب، ويصبح عند أمته غير محبوب. مع ms192 أن السلطان ~~قطب دائرة الآمال، وعلى قدر ثباته تدور الأعمال. نسأل الله أن يمنح ملكنا ~~رجالا صادقين، يؤازرونه على رعاية الأصلح للدنيا والدين، وهيا بنا ننتظر ~~نديما في قاعة السلام، ونسأل الله يا عزيزة حسن الختام. ~~(ثم تخرجان وتنكشف ستارة أخرى عن المنظر ~~الثاني.) # المنظر الثاني ~~(تنكشف الستارة عن منزل الأمير صديق جالسا مع ولده عزيز، وأمامهما خادمان ~~والحاج صالح واقف على الباب.) # صديق ~~(لعزيز) ~~: # إن أخلص العبد إلى ربه # وتاب للديان من ذنبه # وجد بالتقوى إلى كسبه # ينجو بعون الله من كربه # لقد سرني يا ولدي ما وصلت إليه حالة نديم؛ حيث ترك ما كان عليه من ~~الجهل القديم، واجتهد وجد، وكد ووجد، وعادت إليه ثروته وزيادة، ~~وبات يتقلب على فراش السعادة، وصار بعمله الآن، من المقبولين لدى جلالة ~~السلطان، ويوشك أن يكون من المقربين حبا، أو يكون لعظمته من ذوي ~~القربى. # عزيز ~~(لصديق) ~~: # لله در نديم! لقد نجى ذاته من الكرب العظيم، فهكذا تكون الشهامة، ~~وحسن الحزم والكرامة. # صديق ~~(لعزيز) ~~: # إن من يغفل عن نفسه حتى يسقط في الورطة، ثم يعاني العذاب حتى يتخلص ~~من تلك السقطة، فإنه غير حازم عند العقلاء، ولم يكن في عداد المعتدلين ~~الحكماء، وإنما الحازم من أبصر أمامه، ووضع في المكان الثابت أقدامه، ~~منحذرا من السقوط، متحفا من علة الهبوط. فأوصيك أن تكون من أولئك ~~الحازمين؛ لتنجو من ندامة الساقطين. # عزيز ~~(لصديق) ~~: # نفعني الله بنصيحتكم، ولا أحرمني من الاسترشاد بحكمتكم، ويا ليتكم ~~أحسنتم إلى نديم في فقره، وساعدتموه على نكبات الزمان ونكره؛ ليكون لكم ~~عليه الجميل والمنن، وصدق الإخاء في هذا الزمن؛ لأن الغرض من الصديق، ~~أن ينفع صاحبه وقت الضيق، وإلا فالأصحاب كثيرة والخلان في إبان السعد ~~وإقبال الزمان. # صديق ~~(لعزيز) ~~: # ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا، ولا تسألني عن شيء حتى أحدث لك ~~منه ذكرا، ولعلك تذكرت طردي لنديم، ورجوعه يومها منكسر الخاطر ~~الكريم. # عزيز ~~(لصديق) ~~: # عفوا يا والدي العظيم. # صديق ~~(لعزيز) ~~: # ولماذا لم تذكر ما قلته حينذاك إليك، ms193 إن أعمال والدك لحكمة تخفى ~~عليك؟! وكيف ساغ لك التعريض بما صدر مني كأنك خبير بتصريف الزمان عني؟! ~~وهل أنتم معشر الشبان النجباء، مهما بلغتم من العلم والذكاء، تضارعون ~~الشيوخ في التدريب، بعد ما حنكتهم الأيام بالتجاريب، وطبقوا العلم على ~~العمل، ومارسوا كل حول وحيل؟! لعمري إن هذا هو البهتان، منكم يا أيها ~~الشبان. # عزيز ~~(لنفسه) ~~: # ليت شعري ما هذه الحكمة الخافية، بعد ما عامل نديما بتلك المعاملة ~~الجافية؟! ~~(ثم يلتفت صديق للباب ويقول): # صديق ~~(لعزيز) ~~: # ها هو صاحبك نديم مقبل علينا، وسيرسل سهام العتاب واللوم إلينا، ~~فقابلوه أيها الخدام والبواب، بغاية التعظيم لعظيم الجناب. ~~(ثم يدخل نديم والبواب يلثم ذيله.) # نديم ~~(للبواب) ~~: # عجايب! ~~(ثم يقوم صديق ويقابل نديم.) # صديق ~~(لنديم) ~~: # أهلا وسهلا بولدي الرشيد، الحبيب ابن الحبيب رشيد. # نديم ~~(لصديق) ~~: # عجايب! # صديق ~~(لنديم) ~~: # تفضل يا أمير بارك الله فيك، وجعلك الخلف الصالح لأبيك. لقد طالت ~~علينا غيبتك، وأوحشتنا يا ولدي طلعتك. # نديم ~~(لصديق) ~~: # عجايب! # صديق ~~(لنديم) ~~: # ما هذا التعجيب والإعجاب؟! إن هذا يا ولدي لشيء عجاب! # نديم ~~(لصديق) ~~: # ليس العجب من تعجبي يا حضرة الأمير، ولكن أتعجب من تجاهلك بأمر أنت ~~به خبير. # صديق ~~(لنديم) ~~: # ما هذا الإبهام يا ولدي العزيز، وأنت وحياتك عندي في منزلة ابني ~~عزيز؟! # نديم ~~(لصديق) ~~: # عجايب! وهل صرت ولدك اليوم يا مولاي؟! وهل أنا الذي قلت بالأمس اتخذ ~~لك والدا سواي؟! فما هذا التلون والانقلاب؟ وإن كنت نسيت فاسأل حضرة ~~البواب، يوم أتيت أستغيث بك من ضيم الزمان، وقابلتني بكل جفاء وامتهان، ~~ونقضت الزمام أي نقض، حتى ضربني بوابك وألقاني على الأرض. # صديق ~~(لنديم) ~~: # ثم ماذا؟ # نديم ~~(لصديق) ~~: # يوم طردتني عن رحمتك طرد الأشرار، وصيرتني معك كالمستجير من الرمضاء ~~بالنار، فما بالك الآن تبجلني وتودني، ومن أعز أولادك تعدني، على حين ~~أني مستغن عنك، ولا أريد أي وداد منك، فبأي وجه تقابل الإنسانية ~~والكرامة، وبأي لسان تعتذر لوالدي يوم القيامة؟! # صديق ~~(لنديم) ~~: # خفف عليك من حدتك، وصن لسانك في لهجتك، وقل لي هل هذه ms194 الإهانة ~~أصابتك وحدك؟! أم أصابت أيضا أمك وأختك؟! # نديم ~~(لصديق) ~~: # كلا، بل أصابتنا يا أمير جميعا، ووقع كل منا في هولها صريعا، ~~وستلاقي يا ابن الكرام، كل تأنيب منا وملام. # صديق ~~(لنديم) ~~: # إذا فليكن عتبك والتأنيب، بحضرة أمك وأختك يا ابن الحبيب، وعن إذنك ~~ابعث من يأتي بهما لهذا المجلس السعيد. # نديم ~~(لصديق) ~~: # شأنك وما تريد. # صديق ~~(لعزيز ) ~~: # امض يا عزيز لبيت أخيك نديم، وأت بهما على التجلة والتعظيم. # عزيز ~~(لصديق) ~~: # اللهم روق لنا الحال؛ لأبلغ من عزيزة الآمال. ~~(ثم يخرج عزيز.) # صديق ~~(لنديم) ~~: # ما نغص عليك العيش، غير جهلك والطيش، وقل لي بالله أين أضعت تلك ~~الأموال، حتى افتقرت للتكفف والسؤال؟ وهلا علمت يا ابن رشيد، أن ~~السؤال أثقل من الصخر والحديد؟ # كن باقتصادك حازما شهما فلا # تحتاج يوما للورى بسؤال # وإذا السؤال مع النوال وزنته # رجح السؤال وخف كل نوال # وماذا أفادتك أصحابك والخلان، بعد ما أخنى عليك يا نديم ~~الزمان؟ # نديم ~~(لصديق) ~~: # وماذا تفيدنا الآن هذه النصيحة، ويا ليتها صادرة عن نية ~~مليحة؟ ~~(ثم تدخل ليلى وعزيزة ويقبلون يده.) # صديق ~~(لليلى) ~~: # أهلا وسهلا يا أختي، ويا مرحبا بك يا بنتي. # نديم ~~(لصديق) ~~: # عجايب! هل صارت أمي الآن أختك، وأصبحت عزيزة اليوم بنتك؟! ولماذا لم ~~تكن عندك كذلك، يوم كنا يا أمير في أشد المهالك، يوم أتيتك وتركتهما ~~يتضوران من الجوع، وقد عدمنا لذة العيش والهجوع، يوم كانت ثياب أمي ~~بالية، وأقدام أختي حافية؟! # صديق ~~(لنديم) ~~: # كفى يا ولدي كفى. # نديم ~~(لصديق) ~~: # اسمع يا عديم الوفا، يوم كنا نتقلب على جمر الفضا، وضاق في وجهنا رحب ~~الفضا، يوم استرحمتك وما رحمت، واستقدمتك للخير وما قدمت، هلا كان في ~~قلبك ذرة من الشفقة؟! أما كان في بيتك لقمة للصدقة؟! يا خيبة النفس ~~وضيق الأنفاس، بعد ما ذهب الفضل والوفاء من الناس. # صديق ~~(لنديم) ~~: # هون عليك يا نديم. # نديم ~~(لصديق) ~~: # اسكت أيها الأمير الحميم، واعلم بأني ما أتيت إليك لأستفيد، وإن ~~إكرامك لنا الآن لا يفيد، وإنما أتيت لأريك ما ms195 نحن فيه من العز ~~والرخاء، رغم أنف الحساد وشماتة الأعداء. # يا ناكثي عهدنا تعالوا # إلى الوفا فقد وفا الأمان # يا أيها المعرضون عنا # عودوا فقد عاد لي الزمان # صديق ~~(لنديم) ~~: # كيف عاد إليك الزمان يا نديم؟ ومن أين وافاك هذا الحظ العظيم؟ # نديم ~~(لصديق) ~~: # من عند من يقول للشيء كن فيكون، وفي السماء رزقكم وما ~~توعدون. # صديق ~~(لنديم ) ~~: # نعم، ولكن هل أمطرت عليك السماء نضارا؟ أم أنبتت لك الأرض من اللجين ~~أثمارا؟ أنبئنا وأبيك بما صار، ومثلك لا يليق به الكذب في ~~الأخبار. # نديم ~~(لصديق) ~~: # المال مال أبي وفقدناه، وهو الذي بسره عوضنا إياه. # صديق ~~(لنديم) ~~: # هل خرج أبوك من اللحد، وأنقدك يا نديم هذا النقد؟ # نديم ~~(لصديق) ~~: # كلا، بل هبت علينا نفحاته الأبوية، وجاءت لنا صاحبته مباركة ~~المغربية وغمرتنا بخيراتها، وأفاضت علينا من بركاتها. # صديق ~~(لنديم) ~~: # هل رأيتها عند أبيك من قبل، يا معدن البساطة والجهل؟ أم كيف سلمتك ~~أموالها بغير ضمان، مع ما رأتك عليه من الفقر والامتهان؟ # نديم ~~(لصديق) ~~: # قد خرجت يا أمير عن حد الإنسانية. # صديق ~~(لنديم) ~~: # تأدب يا فاقد الشعور والروية، وهلمي إلينا أيتها المباركة ~~المغربية. ~~(ثم يصفق جهة الباب وتخرج المغربية بحالتها ~~الأولى.) # مباركة ~~(لنديم) ~~: # أسعد الله أوقاتكم يا أولادي. ~~(فيندهشون) # صديق ~~(لنديم) ~~: # ألم تكن هذه مغربيتكم التي عادت على يدها إليكم نعمتكم؟ ~~(ثم يصفق جهة الباب ويقول): # صديق ~~(لحبيب) ~~: # اخرج يا حبيب يا ملثم الوجه الأزهر، يا من اشتريت من نديم عقدي ~~الجواهر. ~~(ثم يدخل حبيب ملثما، ومعه صندوق الجواهر.) # حبيب ~~(لنديم) ~~: # الحمد لله بالسلامة يا نديم. ~~(فيندهشون زيادة) ~~(ثم يكشف صديق عن وجه المغربية ويقول): # صديق ~~(لنديم) ~~: # ألم تكن هذه والدتي الأميرة سلمى، التي أفاضت عليكم البركة والنعمى؟ ~~أليست هي التي وافتكم مني بالخير الجزيل، حين يئستم وجفا الخليل ~~الخليل، يوم جثوتم على الركب، وتقطع دونكم كل سبب؟ ~~(ثم يكشف اللثام عن وجه حبيب ويقول): # صديق ~~(لنديم) ~~: # أليس هذا خالي حبيب الذي اعترضك عند خروجك من الدار، واشترى منك ~~جواهرنا هذه بعشرين ms196 ألف دينار، وعلمك كيف تبيع وتشتري، وقال لك إن ~~سعدك في طالع المشترى؟ ~~(ثم يقع نديم وليلى وعزيزة على أقدام صديق ~~وينشدون): # أنت رب الفضل يا غيث النوال # أنت غوث الناس صديق المعال # ولك الحكمة في كل الفعال # يا كريما ما له فينا مثال ~~(ثم يقفون بغاية الخشوع.) # صديق ~~(لنديم) ~~: # ألم يكن هذا قرط والدتي يا نديم، الذي أهديناه لأختك هدية محب كريم، ~~ولم نستنكف منكم وأنتم في تلك الكربة، وجعلناه تأكيدا لروابط ~~الخطبة؟ ~~(ثم يلتفت لعزيزة.) # صديق ~~(لعزيزة) ~~: # أرأيت يا عزيزة لو دام أخوك على هواه، هل كنا نتركك عندهم سدى؟ حاشا ~~لله، بل أنت خطيبة ولدي الوحيد، ولا أنسى عهدي مع والدك المرحوم رشيد. ~~فنحن قوم لا يغيرنا الحدثان، مهما تغير وجه الزمان. ~~(ثم يقعون على أقدامه وينشدون): # أنت للعافي نصير يا أمير # ومن الضيم مجير المستجير # ولك الإجلال والشكر الوفير # هكذا الإفضال يا نعم النصير ~~(ثم يقفون جميعا.) # عزيزة ~~(لصديق) ~~: # هكذا هكذا تكون الكرام # رضي الله عنكم والأنام # يا أميرا به الأماني تجلت # وتحلت بفضله الأيام # أنت روح الوجود تحيا بك النف # س وتنمو بجودك الأجسام # قمت بالفضل والوفاء علينا # بعد ما سام نفسنا الإعدام # فأعدت الحياة منك إلينا # هكذا هكذا تكون الكرام # صديق ~~(لنديم) ~~: # أرأيت حين أتيتني وأنت في تلك الكرب، وأعطيتك وقتها قنطارا من ~~الذهب، أما كنت تذهب بها للحان، ويكون ربحك منها زيادة الخسران؟ وهكذا ~~يحصل منك التكرار، حتى أصير فقيرا معك في آخر النهار؛ ولهذا قابلتك ~~بتلك المقابلة، وعاملتك في الظاهر بسوء المعاملة؛ لكي تتهذب نفسك، ~~ويرجع إليك معناك وحسك، وها أنت والحمد لله وفقت للعمل، ورجعت يا أمير ~~ظافرا بالأمل؛ ولهذا فكل ما وصل منا إليك، هو هدية مباركة عليك؛ لأنه ~~بعض ما لوالدك من الكرامة، والحمد لله يا ولدي على السلامة. # ليلى ~~(لصديق) ~~: # أبدلت إيحاشنا بإيناس # من بعد ما قد عافنا الأسى # أحييت منا يا إمام الهدى # نفوسنا عن طيب أنفاس # وقمت فينا بالوفا والولا # ولم تكن للعهد بالناس # وذدت عنا ms197 كل ضيم بدا # ذود كريم الأصل قسطاس # وبعد ما أن أظلمت دارنا # كنت علينا نور نبراس # وبعد ما أخنى الزمان بنا # أنجيتنا فضلا من الباس # قل لبني الدنيا ألا هكذا # فلتصنع الناس مع الناس # صديق ~~(لعزيز) ~~: # هل ظهرت لك يا عزيز حكمة أبيك، لعلها أعجبتك وترضيك؟ وعلى كل حال ~~خلصنا من اللوم، ولا تثريب عليكم اليوم. # عزيز ~~(لصديق ) ~~: # عفوا أميري فأنت الوالد الأكرم # وأنت فيما تشأ الحاكم الأحكم # أتمم فديتك هذا الفضل منك لنا # أيضا فأنت بما في نفسنا أعلم # نديم ~~(لعزيز) ~~: # ماذا تقصد بهذا التعريض يا عزيز، وأنت ستنال غرضك في عهد وجيز؟ وأما ~~أنا فأموت بحسرتي، وما كل حاجة يا أخي مثل حاجتي. # صديق ~~(لنديم) ~~: # وأنت يا نديم ماذا تقصد بهذا التعريض، وتحسرك الطويل العريض؟ # نديم ~~(لصديق) ~~: # أدركني يا والدي الأمير، وساعدني على هذا الأمر الخطير، وأرني طريق ~~السلامة، من قبل أن أموت حسرة وندامة. # صديق ~~(لنديم) ~~: # كن مستريح الخاطر يا نديم، فإني عالم بكل حديث وقديم، وأبشرك يا ولدي ~~بنعمة الله العظمى، وهي أنك ستكون قريبا للملكة نعمى. # نديم ~~(لصديق) ~~: # للملكة نعمى! ما هذا الحظ الأسمى! # صديق ~~(لنديم) ~~: # هكذا صدرت لنا الإرادة السنية، مع كبير الوزراء بصفة رسمية، ومتى ~~تم لك هذا الحظ العزيز، مع اقتران عزيزة بعزيز، نكون جميعا من بيت ~~السلطان، ويزداد لنا إن شاء الله صفو الزمان. # نديم ~~(لصديق) ~~: # الحمد لله وافى بالهنا الأرب # وزاد باليمن فينا والمنى الطرب # صديق ~~(لنديم) ~~: # عناية الله تأتي من يشاء بلا # كد ولكن ما سعى الفتى سبب # عزيزة ~~(لصديق) ~~: # فاسلم ودم أيها الصديق مرتقيا # أوج العلا في الملا ما دامت الحقب ~~(ثم يدخل صالح وبيده كتاب.) # صالح ~~(لصديق) ~~: # جاء حاجب من ديوان التشريفات العلية، ومعه هذا الكتاب لحضرتكم ~~البهية. ~~(ثم يتناول صديق الكتاب ويتلوه وهو): # إلى حضرة الفاضل الأمير، الشيخ صديق الوزير. بناء على ما صدر به ~~نطق الحضرة الملوكية، أدعوكم للحضور حالا للسراي السلطانية، ومعكم ~~نجلكم الفخيم، وحضرة الأمير الجليل نديم، مع أمه وأخته الفاخرتين، ~~ومن يليق ms198 وجوده من العائلتين، وليكن حضوركم بصفة رسمية؛ لتغنموا ~~بتعطفات الحضرة السنية. # الإمضاء # رئيس ديوان التشريفات العالي ~~(ثم يطوي الكتاب ويقول): # صديق ~~(لنديم) ~~: # قد تأرج روض الهنا، وتبلج صبح المنى، وهيا بنا أيها الأحباب، نستعد ~~للتشرف بذاك الرحاب. ~~(ثم إنهم ينشدون هذه الأدوار): # صديق يا نعم الحكيم # يا من به لاح الفلاح # هيا إلى المولى العظيم # نلقى بناديه النجاح ~~••• # هيا لذياك الرحاب # رحاب سلطان الأنام # سلطاننا عالي الجناب # منه لنا حسن الختام ~~(ثم يخرجون جميعا وتنكشف الستارة عن المنظر ~~الثالث.) # المنظر الثالث ~~(تنكشف الستارة عن سراي السلطان جالسا مع الملكة، وأمامهما بعض ~~الجواري.) # الملك ~~(للملكة) ~~: # قد أعجبني أيتها الملكة الفاخرة، ما أعددتيه في القصر من الزينة ~~الباهرة، وإني بعثت في طلب الوزير صديق والأمير نديم؛ إنجاز ما أخبرتك ~~به عن وعدنا الكريم، وهو اقتران نديم بكريمتنا نعمى؛ لتكون مكافأتنا له ~~أكبر نعمى، ونتمم ما كان شرع فيه المرحوم رشيد، وهو زواج عزيزة بعزيز ~~الرشيد، وسيأتون الآن إلى دارنا المنيفة، ويصبحون من أعضاء عائلتنا ~~الشريفة. # الملكة ~~(للملك) ~~: # نعم ما فعلت أيها السلطان العظيم، وهكذا تكون المكافأة من المولى ~~الكريم. # الملك ~~(لجوهر) ~~: # علي بالملكة نعمى. ~~(ثم يخرج جوهر.) # الملك ~~(للملكة) ~~: # إني أرى من الفروض الصحيحة، تفهم كريمتنا بواجب النصيحة؛ لكيلا تغتر ~~بسمو أصلها، وتتعاظم بغير تبصرة على بعلها. # الملكة ~~(للملك) ~~: # كن مستريح البال من هذه الخطرات؛ لأن بنتنا لم تكن من البنات ~~الجاهلات. # الملك ~~(للملكة) ~~: # إن حب العلو له في النفس أعظم تأثير، ولا سيما من ذوي الوجاهة والجاه ~~الكبير. ~~(ثم تدخل نعمى.) # نعمى ~~(للملك) ~~: # دمت يا والدي مليك البرايا # ولك الفضل في جميع الرعايا # الملك ~~(لنعمى) ~~: # مرحبا يا كريمتي بك فاصغي # واحفظي ما حييت هذي الوصايا # إنك يا ذات المجد العظيم، ستكونين قرينة للأمير نديم فيجب عليك أن ~~توافقيه على هواه، وتطيعيه في كل ما يرضي الله، ولا يغرك أنك بنت سلطان ~~الأنام، وتتوهمين أنك أسمى منه في المقام، بل تيقني أن زوجك سلطانك، ~~وليس لي عليك معه سلطان، وفي يده زمامك ms199 وعنانك. فإياك والجموح والجنوح ~~للخسران، وكوني له أمة يكن لك عبدا، وكوني له حساما يكن لك غمدا، ~~وتبسمي عند رؤيته، ولا تعارضيه في حدته. # الملكة ~~(لنعمى) ~~: # واحفظي عليه ناموسه ومنزله، تكوني لديه رفيعة المنزلة، وساعديه على ~~تدبير مصالحه، وكوني له يدا معينة لصالحه، وشاركيه في سروره، وغمه، ~~وكوني عليه أشفق من أبيه وأمه، تطب لكما بذلك المعاشرة، وتفوزا بالراحة ~~في الدنيا والآخرة. # جوهر ~~(للملك) ~~: # إن الأمير صديقا والأمير نديما وعائلتهما يستأذنون. # الملك ~~(لجوهر) ~~: # ليحضروا. # الملك ~~(للملكة) ~~: # أظن أنه ما رأت العين # أبهج من ملتقى العروسين ~~(ثم يدخل صديق وليلى ونديم وعزيز وعزيزة ومباركة ~~وحبيب، ويلثمون ذيل الملك ويقفون ثم يقف الملك والملكة.) # الملك ~~(لنديم) ~~: # أشكرك يا نديم على فضلك السابق، وسنمنحك بكل فضل لاحق، وننجز لك ~~وعدنا الأشرف، فإن وعد الملوك لا يخلف. # نديم ~~(للملك) ~~: # أنت يا مولاي بحر الفضائل الذاخر، ولكم جزيل الفضل في الأول ~~والآخر. # الملك ~~(لجوهر) ~~: # علي يا جوهر بالملكة نعمى. ~~(ثم يخرج جوهر.) # الملك ~~(لنديم) ~~: # قد أحسنت عليك يا نديم برتبة الوزارة رفيعة العماد، وجعلتك وزيرا ~~على ديوان الجهاد. فقم بحفظ الوطن في الخارج والداخل، وكن دائم ~~الاستعداد في العاجل والآجل. ~~(ثم تدخل الملكة نعمى وتقف خلف والدها.) # الملك ~~(لنديم) ~~: # وإني أنعمت عليك بأعظم نعمة، وزوجتك ابنتي الوحيدة الملكة ~~نعمى. ~~(ثم يضع يد نعمى في يد نديم ويقول): # الملك ~~(لنديم) ~~: # وهذه يدها فاحفظها يا نديم، فإنها هدية من أب بك رحيم ويوشك أن نجعلك ~~ولي عهد السلطنة، وهذا يا ولدي من الأمور الممكنة، وفقكما الله للأعمال ~~الناجحة، وجعل منكما الذرية الصالحة. # نديم ~~(للملك) ~~: # منحت البرايا منك فضلا بإحسان # فدانت لك الدنيا بأجمل إذعان # وأوليتني فضلا تبلج نوره # على البدر إذ صيرتني فوق كيوان # الملك ~~(لصديق) ~~: # وأما أنت أيها الصديق، والوزير الرفيق، فأشكرك على رعايتك لنديم، ~~وهداه إلى الصراط المستقيم؛ لأنك حفظت بالصداقة صحبة أبيه، حتى وصل ~~بحكمتك إلى ما أصبح فيه. # صديق ~~(للملك) ~~: # بقيت بقاء الدهر يزهو بك الدهر # ودام لك الإجلال والفوز والنصر # ملكت نفوس ms200 الناس بالعدل والندى # ودون محيا فضلك الشمس والبدر # الملك ~~(لعزيز) ~~: # وأما أنت أيها العزيز الفخيم، فقد تحسن لدينا زواجك بأخت الوزير ~~نديم، وأحسنا إليك بالرتبة الأولى السامية، وبالوسام المرصع من ~~الدرجة العالية، وجعلناك كاتب سر الصدارة؛ لما أنت عليه من الصداقة ~~والجدارة. فسر على قدم أبيك، بارك الله لنا فيك. # عزيز ~~(للملك) ~~: # إلى بيتك المعمور نسعى ونقصد # لنيل المنى والمنهل العذب يورد # تدوم مدى الأيام يا كعبة الوفا # بكل الصفا ما لاح في الكون فرقد # الجميع ~~: # وليحفظ كل منكم نعمته # ليفيض الله عليكم بركته # وحافظوا على الصداقة والوفاء # ليدوم بينكم صدق الإخاء ~~(ستارة الختام) # تقاريظ الرواية # قال سعادة العالم الفاضل والأديب الكامل إسماعيل باشا صبري وكيل نظارة الحقانية: ~~الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد، فإني طالعت رواية «صدق الإخاء» ~~تأليف حضرة صديقنا الأديب الفاضل إسماعيل بك عاصم، فلم أتمالك دون أن قلت ~~مرتجلا: # يا طالب الآداب دونك فاقتطف # من روضها ما تشتهيه نضيرا # إن رمت شعرا هذه أفنانه # يحملن من طيب الكلام زهورا # أو رمت نثرا هذه فقراته # قد مثلت بجمالها المنثورا # حكم تقر لها النهى ومناظر # إن جال فيها الطرف عاد قريرا # لو كانت الآداب تصبح أمة # لتخيرت «صدق الإخاء» # 1 # أميرا # وقال حضرة الفيلسوف الشهير والعالم الكبير المرحوم حسن باشا حسني الطويراني صاحب ~~جريدة «النيل» ومجلة «الشمس»: باسم الله الودود، والصلاة والسلام على صاحب المقام ~~المحمود وبعد، فهذا تقريظ بقدر ما جاء، لا بقدر ما وجب لرواية «صدق الإخاء»، تأليف ~~حضرة الكامل العالم، والأديب الناثر الناظم، الكريم ابن الأكارم إسماعيل بك ~~عاصم: # صدر الحوادث فصل تشخيص القدم # فانظر بعين الفكر أشباه الأمم # واعلم بأن الدهر مرسح نائب # عن غائب يحكي ويحكم ما حكم # وهي العوالم في معالم سيرها # عبر تجليها تصاريف القسم # وحقيقة الدنيا مناظر ناظر # في لوحها هذا خيال مرتسم # ورواية الآثار عين حاضر # عن غابر لم يفتتح إلا اختتم # فانظر تصاريف العصور بأهلها # واعجب لأسباب الشقاوة والنعم # وأمعن تجد «صدق الإخاء» خلالها # قد قام ms201 بين جميعها مثل العلم # وتروها واعجب لحسن سياقها # كيف استطاع تصور الدهر القلم # جادت بها فكر تلألأ بدرها # فمحا بأنوار النهى جون الظلم # وافى بها «إسماعيل عاصم» مجدها # حامي معانيها العلية بالهمم # وأقامها مثلا لكل فضيلة # تهدي العقول إلى المعالي والشيم # سنة 1312ه/1894م ms202